موسوعة الإمام الخوئی جلد 50

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سرشناسه : خوئی، ابوالقاسم، 1371 - 1278

عنوان و نام پديدآور : البیان في تفسیر القرآن/ ابوالقاسم الموسوی خویی

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاآ آثار الامام الخوئی قدس سره‌موسسه الامام الحسین(ع)، 1419ق. = 1377.

مشخصات ظاهری : ص 576

فروست : (موسوعه الامام الخوئی‌35)

شابک : 8000ریال ؛ 8000ریال

وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی

يادداشت : عربی

يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر شده است

یادداشت : کتابنامه به‌صورت زیرنویس

موضوع : قرآن -- علوم قرآنی

قرآن -- تحقیق

شناسه افزوده : موسسه احیاآ آثار الامام الخوئی(قدس سره)

رده بندی کنگره : BP69/5/خ‌9ب‌9 1377

رده بندی دیویی : 297/15

شماره کتابشناسی ملی : م‌80-15272

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الخمسون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)

(مؤسّسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 982512932264 + - 9121530367 98 +

تاريخ الطبع: 1430 ه-، 2009 م

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 964 – 7336 – 50 - 0

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com

www. alkhoei.net

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين

والصّلاة والسّلام علی سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين

و لعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين

من الآن إلی قیام يوم الدّين

اشارة

البَيَان

في تفسير القرآن

للمفسَّر الكَبِيرِ

سماحة آية اللّه العظمی السيّد ابوالقاسم الموسويّ الخوئي (قدّس سِرُّه)

«1317-1413ه-»

المدخل

فاتحة الكتاب

مؤسسة الخُوئي الأسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الخمسون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)

(مؤسّسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 982512932264 + - 9121530367 98 +

تاريخ الطبع: 1430 ه-، 2009 م

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 964 – 7336 – 50 - 0

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com

www. alkhoei.net

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هذا بَيَانُ لِلنَّاسِ وَهُدى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ

ألهم العلامة الجليل الشيخ كاتب الطريحي (رَحمهُ اللّه) في عالم الرؤيا هذين البيتين تاريخاً لتسمية هذا الكتاب وصدوره.

رب السماء انزل قرائنه*** على النبي المصطفى الخاتم

تفسير البيان ارخ وقل*** خير البيان من أبي القاسم

1375ه-

مقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة على خير خلقه وأشرف بريته محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

لا يخفى أن العمق الكمّي والنوعي الذي امتازت به حركة التصنيف والتأليف لدى علماء وأجلاء مدرسة أهل بيت العصمة والطهارة (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان ولا زال بحد ذاته السور المتين والحصن المنيع الذي صان لهذه المدرسة أسسها ومبادئها من الانحراف والضياع، بل شيدت هذه الآثار النفيسة بمضمونها المتكامل ومحتواها الفني القاعدة الصلبة والمنبع الفياض لكل الاطروحات والمحاولات التي تنصب في سبيل مكادحة الأفكار الفاسدة والتيارات المضلة، فحفظت للأمة قيمها وأصالتها ومنحتها المناعة الدائمة والمقاومة الفاعلة في أحلك الظروف وأشدها.

ولقد كانت مؤلفات ومصنفات زعيم الحوزة العلمية استاذ الفقهاء والمجتهدين، الإمام الخوئي قدس اللّه نفسه الزكية النموذج الرائع والمصداق الرفيع والمثل الرائد الذي ساهم مساهمة عملاقة في رفد ميادين الفكر والثقافة

والفضيلة بأبهى المصادر وأرقى المراجع، وذلك في مختلف صنوف العلوم وأنواعها.

ومؤسسة الامام الخوئي الاسلامية قدس سره التي بدأت مرحلة المشوار الطويل في تحقيق وطبع ونشر ما جاءت به أنامله الشريفة وافكاره المقدسة، تسعى جاهدة في طرح موسوعته الكاملة في الفقه والأصول والرجال والتفسير عرفاناً منها بجميل ما قدمه هذا العلم الفذ والطود الشامخ على طريق احياء ونشر علوم آل محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ).

إذ تقدم بين يدي القراء الكرام تفسير البيان - أحد أجزاء الموسوعة الآنفة الذكر - تعمل بكل ما بوسعها لمواصلة الدرب في إخراج سائر أجزاء هذه الموسوعة. وهذا لا يتم إلا بلطفه وعنايته سبحانه وتعالى.

وصلى اللّه على محمد وآله الأطيبين الأطهرين.

المدخل

خطبة الكتاب

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أَلْحَمْدُ للّه الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً 18: 1. فَمَا لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً : 2. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً : 3. كِتَابٌ أَحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 11: 1. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. 42:41. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ 2:2 نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ 102:16. مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ نَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. 111:12. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ 44:43.

وَأَفْضَلُ صَلَوَاتِ اللّه وَأَكْمَلُ تَسْلِيمَاتِهِ عَلَى رَسُولِهِ الَّذِي : أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ النَّبِي الْأُمِّيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً

عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَ عَلَى آلِهِ : الْمُصْطَفِينَ الأَخْيَارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّور الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ. رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللّه أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

واللَّعْنَةُ الدامَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ : الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.

مقدمة الطبعة الأولى

لماذا وضعت هذا التفسير؟

كنت ولعاً منذ أيام الصبا بتلاوة كتاب اللّه الأعظم، واستكشاف غوامضه واستجلاء معانيه. وجدير بالمسلم الصحيح، بل بكلّ مفكر من البشر أن يصرف عنايته إلى فهم القرآن، واستيضاح أسراره واقتباس أنواره، لأنه الكتاب الذي يضمن إصلاح البشر، ويتكفل بسعادتهم وإسعادهم. والقرآن مرجع اللغوي، ودليل النحوي، وحجة الفقيه، ومثل الأديب، وضالة الحكيم، ومرشد الواعظ، وهدف الخلقي، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع والسياسة المدنية، وعليه تؤسس علوم الدين، و من ارشاداته تكتشف أسرار الكون، ونواميس التكوين والقرآن هو المعجزة الخالدة للدين الخالد والنظام السامي الرفيع للشريعة السامية الرفيعة. پ

أولعت منذ صباي بتلاوته واستيضاح معانيه، واستظهار مراميه، فكان هذا الولع يشتد بي كلما استوضحت ناحية من نواحيه واكتشفت سراً من أسراره، وكان هذا الولع الشديد باعثاً قوياً يضطرني إلى مراجعة كتب التفسير، وإلى سبر أغوارها. وهنا رأيت ما أدهشني وحيّرني:

رأيت صغارة الإنسان فى تفسيره وتفكيره أمام عظمة اللّه في قرآنه.

رأيت نقص المخلوق في تناهيه وخضوعه أمام كمال الخالق في وجوبه وكبريائه.

رأيت القرآن يترفع ويرتفع ورأيت هذه الكتب تصغر وتتصاغر.

رأيت الانسان يجهد نفسه ليكتشف ناحية خاصة أو ناحيتين، فيحرر ما اكتشفه في كتاب ثم يسمي ذلك الكتاب تفسيراً يجلو غوامض القرآن، ويكشف أسراره، وكيف يصح في العقول أن يحيط الناقص بالكامل.

على أن هؤلاء العلماء مشكورون فى سعيهم مبرورون في جهادهم. فإن كتاب اللّه ألق على نفوسهم شعاعاً من نوره ووضحاً من هداه، وليس من الإنصاف أن نكلف أحداً - وإن بلغ ما بلغ من العلم والتبحر أن يحيط بمعاني كتاب اللّه الأعظم و لكن الشي الذي يؤخذ على المفسرين أن يقتصروا على بعض النواحي الممكنة، ويتركوا نواحي عظمة القرآن الاخرى، فيفسره بعضهم من ناحية الأدب أو الإعراب، ويفسره الآخر من ناحية الفلسفة وثالث من ناحية العلوم الحديثة أو نحو ذلك، كأن القرآن لم ينزل إلا لهذه الناحية التي يختارها ذلك المفسر، وتلك الوجهة التي يتوجه اليها.

وهناك قوم كتبوا في التفسير غير أنه لا يوجد فى كتبهم من التفسير إلا الشي اليسير، وقوم آخرون فسروه بآرائهم، أو اتَّبعوا فيه قول من لم يجعله اللّه حجة بينه وبين عباده.

على المفسر : أن يجري مع الآية حيث تجري، ويكشف معناها حيث تشير ويوضح دلالتها حيث تدل عليه أن يكون حكيماً حين تشتمل الآية على الحكمة، وخلقياً حين ترشد الآية إلى الأخلاق، وفقيهاً حين تتعرض للفقه، واجتماعياً حين

تبحث في الاجتماع، وشيئاً آخر حين تنظر في أشياء أُخر.

على المفسر أن يوضح الفن الذى يظهر في الآية، والأدب الذي يتجلى بلفظها، عليه أن يحرر دائرة المعارف القرآن إذا أراد أن يكون مفسراً. والحق أني لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسرين.

من أجل ذلك صممت على وضع هذا الكتاب في التفسير، آملاً من الحق تعالى أن يسعفني بما أملت، ويعفو عني فيما قصرت. وقد التزمت في كتابي هذا أن أجمع فيه ما يسعني فهمه من علوم القرآن التي تعود الى المعنى. أما علوم أدب القرآن فلست أتعرض لها غالباً لكثرة من كتب فيها من علماء التفسير، كالشيخ الطوسي في «التبيان» والطبرسي فى «مجمع «البيان» والزمخشري في «الكشاف». نعم قد أتعرض لهذه الجهات اذا أوجب البحث على أن أتعرض لها أو رأيت جهة مهمة أغفلها علماء التفسير وقد أتعرض لبعض الجهات المهمة وان لم يغفلها العلماء.

وسيجد القارىء أني لا أحيد في تفسيري هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته وماثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة من ذرية الرسول وما استقل به العقل الفطري الصحيح الذي جعله اللّه حجة باطنة كما جعل نبيه وأهل بيته المعصومين لا حجة ظاهرة (1).

وسيجد القارىء أيضاً أني كثيراً ما أستعين بالآية على فهم اختها، واستر شد

القرآن الى ادراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروي مرشداً الى هذه الاستفادة.

وهنا مباحث مهمة لها صلة وثقى بالمقصود تلقي أضواء على نواح شتى قدَّمتها لتكون:


1) اصول الكافي: 1 / 16 كتاب العقل والجهل، الحدیث: 12.

مدخل التفسير

وهو يشتمل على موضوعات علمية تتصل بالقرآن من حيث عظمته واعجازه

ومن حيث صيانته عن التحريف، وسلامته من التناقض والنسخ في تشريعاته، وما إلى ذلك من مسائل علمية ينبغي تصفيتها كمدخل لفهم القرآن ومعرفته، والبدء بتفسيره على أساس علمي سليم.

واليه جل شأنه ابتهل أن يمدني بالتوفيق، ويلحظ عملي بعين القبول. انه حميد مجيد.

المؤلف

فضل القرآن

إشارة:

•

عجز الانسان عن وصف القرآن.

•

من هم أعرف الناس بمنزلته؟

•

حديث الرسول في فضل القرآن.

•

صيانة القرآن من التلاعب.

•

عاصميته للامة من الاختلاف.

•

خلوده و شموله فضل قراءة القرآن.

•

الاحاديث الموضوعة في قراءته.

•

التدبر في القرآن.

•

معرفة تفسيره.

•

حث الكتاب والسنة، وحكم العقل على التدبر في القرآن.

عجز الانسان عن وصف القرآن

من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يتصاغر أمام هذه العظمة، وقد يكون الإعتراف بالعجز خيراً من المضي في البيان. ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن، و علو كعبه ؟ وماذا يقول في بيان فضله، وسموّ مقامه؟ وكيف يستطيع الممكن آن یدرك مدى كلام الواجب؟ وماذا يكتب الكاتب في هذا الباب؟ وماذا يتفوه به الخطيب؟ وهل يصف المحدود إلا محدوداً؟.

و حسب القرآن عظمة، وكفاه منزلة وفخراً أنه كلام اللّه العظيم، ومعجزة نبيه الكريم، وأن آياته هي المتكفلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل

والآجل:

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) «17 : 9». (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجُ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) «14 : 1». (هَذا بَيَانُ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) «3 : 138».

وقد ورد في الأثر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فضل كلام اللّه على سائر الكلام كفضل اللّه على خلقه» (1).

من هم اعرف الناس بمنزلته

نعم من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يكل بيان فضل القرآن إلى نظراء القرآن فإنهم أعرف الناس بمنزلته، وأدلهم على سمو قدره، وهم قرناؤه في الفضل، و شركاؤه في الهداية، أما جدهم الأعظم فهو الصادع بالقرآن والهادي إلى أحكامه والناشر لتعاليمه.

و قد قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض» (2).

فالعترة هم الأدلاء على القرآن والعالمون بفضله. فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم، ونستضيء بإرشاداتهم. ولهم في فضل القرآن أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسي في (البحار) الجزء التاسع عشر منه (3). ونحن نكتفي بذكر بعض ما ورد:

روى الحارث الهمداني (4)(5)قال:

«دخلت المسجد فإذا أُناس يخوضون في أحاديث فدخلت على عليّ فقلت: ألا ترى أن أناساً يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها ؟ قلت نعم قال: أما إني قد سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: ستكون فتن قلت وما المخرج منها ؟ قال: كتاب


1) بحار الأنوار: 12 / 100، الحديث 59 و سنن الترمذي: كتاب فضائل القرآن، الحديث 2850. و سنن الدارمي: كتاب فضائل القرآن الحديث 3223.

2) مسند احمد کتاب مسند المكثرين، الحديث: 10681. و سنن الترمذي: كتاب المناقب، الحديث: 3720. راجع بقية المصادر في قسم التعليقات رقم (1). (المؤلف)

3) من الطبعة القديمة المعروفة بطبعة الكمپاني راجع الجزء 92 من الطبعة الحديثة الباب: 1.

4) انظر ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه في قسم التعليقات رقم

5) . (المؤلف).

اللّه، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل هو الذي من تركه من جبار قصمه اللّه، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضلّه اللّه فهو حبل اللّه المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا) هو الذي من قال به صدق، ومن حك-م ب-ه عدل، ومن عمل به اجر ومن دعا اليه هدي إلى صراط مستقيم خذها اليك يا أعور» (1).

حديث الرسول في فضل القرآن

وفي الحديث مغاز جليلة يحسن أن نتعرض لبيان أهمها. يقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فيه نبأ ما كان قبلكم. وخبر ما بعدكم» والذي يحتمل في هذه الجملة وجوه :

الأول: أن تكون إشارة إلى اخبار النشأة الاخرى من عالمي البرزخ والحساب والجزاء على الأعمال. ولعل هذا الإحتمال هو الأقرب، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى خطبته: «فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم». (2)

الثاني: أن تكون إشارة الى المغيبات التي أنبأ عنها القرآن، مما يقع في الأجيال المقبلة.

الثالث: أن يكون معناها أن حوادث الامم السابقة تجري بعينها في هذه الامة،


1) سنن الدارمي: 2 / 435 كتاب فضائل القرآن الحدیث: 3197 و سنن الترمذي: كتاب فضائل القرآن، الحديث 2831 و رواه المجلسي (رَحمهُ اللّه) في بحار الانوار: 92 / 24 الباب.1 فضل القرآن و اعجازه، الحدیث: 25.

2) نفس المصدر: الحديث 26.

فهي بمعنى قوله تعالى: لَتركبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ «84: 19»، وبمعنى الحديث المأثور عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «لتركبن سنن من قبلكم» (1).)أما قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من تركه من جبار قصمه اللّه» فلعل فيه ضماناً بحفظ القرآن عن تلاعب الجبارين، بحيث يؤدي ذلك الى ترك تلاوته وترك العمل به، والى جمعه من أيدي الناس كما صنع بالكتب الإلهية السابقة (2)فتكون إشارة الى حفظ القرآن من التحريف. وسنبحث عنه مفصلاً. وهذا أيضاً هو معنى قوله في الحديث: «لا تزيغ به الأهواء» بمعنى لا تغيره عما هو عليه، لأن معاني القرآن قد زاغت بها الأهواء فغيرتها. وسنبين ذلك مفصلاً عند تفسير الآيات إن شاء اللّه تعالى.)و أشار الحديث إلى أن الامة لو رجعوا الى القرآن في خصوماتهم، وما يلتبس عليهم في عقائدهم وأعمالهم لأوضح لهم السبيل. ولوجدوه الحكم العدل، والفاصل بين الحق والباطل.نعم، لو أقامت الأمة حدود القرآن واتبعت مواقع إشاراته وإرشاداته، لع--رفت الحق أهله، وعرفت حق العترة الطاهرة الذين جعلهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قرناء الكتاب، وأنهم الخليفة الثانية على الامة من بعده (3)ولو استضاءت الامة بأن--وار معارف القرآن لأمنت العذاب الواصب، ولما تردّت في العمى، ولا غشيتهم حنادس الضلال، ولا عال سهم من فرائض اللّه ولا زلت قدم عن الصراط السوي، ولكنها أبت إلا الإنقلاب على الأعقاب، واتباع الأهواء، والإنضواء الى راية الباطل حتى آل)


1) ورد هذا اللفظ في كنز العمال : 6 / 40، من حديث سهل بن سعد و في صحيح البخاري: كتاب احاديث الانبياء، الحدیث: 3197، «لتتبعن سنن...». انظر بقية المصادر في قسم التعليقات رقم (3).

2) راجع «الهدى الى دين المصطف»: 1 / 34، لآية اللّه الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي.

3) تقدم مصادر حديث الثقلين في ص 18، وفي بعض نصوصه تصريح بأن القرآن والعترة خليفتا الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(المؤلف).

الأمر الى أن يكفّر بعض المسلمين بعضاً، ويتقرب الى اللّه بقتله، وهتك حرمته، وأباحة ماله، وأي دليل على إهمال الأمة للقرآن أكبر من هذا التشتت العظيم ؟!!و قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في صفة القرآن:)«ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوءه، وفرقاناً لا يخمد برهانه، وتبياناً لا تهدم أركانه، وشفاءً لا تخشى أسقامه، وعزاً لا تهزم أنصاره، وحقاً لا تخذل أعوانه، فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، رياض العدل وغدرانه، وأثافي الإسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه وبحر لا ينزفه المنتزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجوز عنها القاصدون، جعله اللّه رياً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته، وعزاً لمن تولاه، وسلماً لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلم به، وشاهداً لم--ن خاصم به، و فلجاً لمن حاج به، وحاملاً لمن حمله، ومطيةً لم--ن أعمله، وآية لمن توسّم، وجنّةً لمن استلام، وعلماً لم--ن وع--ى، وحديثاً لمن روى و حكماً لمن قضى»(1)


1) نهج البلاغة الخطبة : 198. راجع بحار الانوار: 92 / 21، الباب 1، الحدیث: 21.

و قد استعرضت هذه الخطبة الشريفة كثيراً من الامور المهمة التي يجب الوقوف عليها، والتدبر في معانيها. فقوله:«لا يخبو توقده» (1يريد بقوله هذا وبكثير من جمل هذه الخطبة أن القرآن لا تنتهي معانيه، وأنه غض جديد إلى يوم القيامة. فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص او في قوم، ولكنها لا تختص بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم، فهي عامة المعنى.)و قد روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في قوله تعالى: ﴿و لكل ق--وْمِ هادٍ) «8:12». أنه قال:)«علي الهادي، ومنا الهادي، فقلت: فأنت جعلت فداك الهادي. قال: صدقت إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين». (2)و عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ:)«إن القرآن حيّ لم يمت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا» (3.)و في الكافي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال لعمر بن يزيد لما سأله عن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَنْ يُوصَلَ) «13 : 21»:)


1) خبت النار خمد لهبها.

2) بحار الانوار: 35 / 403، الحديث 21 باختلاف يسير.

3) نفس المصدر: ذيل الحديث المتقدم.

هذه نزلت في رحم آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد تكون في قرابتك، فلا تكونن ممّن يقول للشيء: إنه في شيء واحد (1).

و في تفسير الفرات:

ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السماوات والأرض، ولكل قوم آية يتلوها هم منها من خير أو شر».

إلى غير هذه من الروايات الواردة في المقام. (2)

«و منهاجاً لا يضلُّ نهجه» يريد به: أن القرآن طريق لا يضلُّ سالكه، فقد أنزله اللّه تعالى هداية لخلقه، فهو حافظ لمن اتبعه عن الضلال.

«و تبياناً لا تهدم أركانه» المحتمل في المراد من هذه الجملة أحد وجهين:

الأول: إن أركان القرآن في معارفه وتعاليمه، وجميع ما فيه من الحقائق محكمة لا تقبل التضعضع والإنهدام.

الثاني: إن القرآن بألفاظه لا يتسرب اليه الخلل والنقصان، فيكون فيها إيماء إلى حفظ القرآن عن التحريف.

«و رياض العدل وغدرانه» (3)معنى هذه الجملة: أن العدل بجميع نواحيه من


1) الكافى: 22 / 156، الحديث: 28.

2) مرآة الأنوار: ص 3، 4.

3) الرياض: جمع روضة، وهي الأرض الخضرة بحسن النبات والغدران جمع غدير، وهو الماء الذي تغدره السيول والعدل الاستقامة.

الاستقامة فى العقيدة والعمل والأخلاق قد اجتمع في الكتاب العزيز، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرقاتها.

«وأنا في الإسلام» (1)ومعنى ذلك: أن استقامة الإسلام وثباته بالقرآن كما أن استقامة القدر على وضعه الخاص تكون بسبب الأثافي.

«و أودية الحق وغيطانه» يريد بذلك أن القرآن منابت الحق، وفي الجملة تشبيه القرآن بالأرض الواسعة المطمئنة، وتشبيه الحق بالنبات النابت فيها. وفي ذلك دلالة على أن المتمسك بغير القرآن لا يمكن أن يصيب الحق، لأن القرآن هو منبت الحق، ولا حق في غيره.

«و بحر لا ينزفه المنتزفون» (2)ومعنى هذه الجملة والجمل التي بعدها أن المتصدّين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه، لأنه غير متناهي المعاني، ب-ل وفيها دلالة على أن معاني القرآن لا تنقص أصلاً، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقايه منها.

«و آكام لا يجوز عنها القاصدون» (3)والمراد أن القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها. وفي هذا القول إشارة إلى أن للقرآن بواطن لا تصل اليها أفهام اولي الأفهام. وسنبين هذا في ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. وقد يكون المراد أن القاصدين إذا وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها، لأنهم يجدون مقاصدهم عندها على الوجه الأتم.


1) الأثافي: كأماني جمع اثفية - بالضم والكسر - وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر.

2) نزف ماء البئر نزح كله.

3) والآكام جمع اكم كقصب، وهو جمع أكمة، كقصبة، وهي التل.

فضل قراءة القرآن :

التدبر في القرآن و معرفة تفسيره

القرآن هو الناموس الإلهي الذي تكفل للناس بإصلاح الدين والدنيا، وضمن لهم سعادة الآخرة،والأولى، فكل آية من آياته منبع فياض بالهداية ومعدن م-ن معادن الإرشاد والرحمة فالذي تروقه السعادة الخالدة والنجاح في مسالك الدين والدنيا، عليه أن يتعاهد كتاب اللّه العزيز آناء الليل وأطراف النهار، ويجعل آياته الكريمة قيد ذاكرته، ومزاج تفكيره ليسير على ضوء الذكر الحكيم إلى نجاح غير منصرم وتجارة لن تبور.

و ما أكثر الأحاديث الواردة عن أئمة الهدى وعن جدهم الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل تلاوة القرآن.

منها ما عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال :

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر...» (1).

منها: ما عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال:

«القرآن عهد اللّه إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية» (2).


1) الكافى: 22 / 612، الحديث: 5.

2) الكافي: 609/2، الحديث: 1.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن فيكتب له مكان كل آية يقرأها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات؟» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«عليكم بتلاوة القرآن فإن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارىء القرآن: إقرأ وارق، فكلما قرأ آية رقى درجة». (2)

وقد جمعت كتب الأصحاب من جوامع الحديث كثيراً من هذه الآثار الشريفة من أرادها فليطلبها. وفي التاسع عشر من كتاب بحار الأنوار (3)الشيء الكثير من ذلك.

و قد دلّت جملة من هذه الآثار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. ومن هذه الأحاديث قول اسحق بن عمار للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«جعلت فداك إني أحفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف قال: فقال لي: لا بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل. أما علمت أن النظر في المصحف عبادة»؟ (4).


1) الكافى 2 / 611، الحديث 2.

2) الكافي: 22 / 606، الحديث.10 راجع بحار الانوار: 186/8، الحديث 152.

3) من الطبعة القديمة والجزء 89 و 92 من الطبعة الحديثة.

4) الكافى : 22 / 613، الحديث: 5.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«من قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه وإن كانا كافرين».(1)

و في البحث على القراءة في نفس المصحف نكتة جليلة ينبغى الإلتفات اليها وهو الإلماع إلى كلاءة القرآن عن الاندراس بتكثر نسخه، فإنه لو اكتفى بالقراءة، عن ظهر القلب لهجرت نسخ الكتاب، وأدّى ذلك الى قلتها، ولعله يؤدي أخيراً الى انحاء آثارها.

على أن هناك آثاراً جزيلة نصت عليها الأحاديث لا تحصل إلا بالقراءة في المصحف، منها قوله: «متع ببصره» وهذه الكلمة من جوامع الكلم فيراد منها أن القراءة في المصحف سبب لحفظ البصر من العمى والرمد لحفظ البصر من العمى والرمد، أو يراد منها أن القراءة في المصحف سبب لتمتع القارىء بمغازي القرآن الجليلة ونكاته الدقيقة، لأن الإنسان عند النظر إلى ما يروقه من المرئيات تبتهج نفسه، ويجد انتعاشاً في بصره وبصيرته. وكذلك قارىء القرآن إذا سرح بصره في ألفاظه، وأطلق فكره في معانيه وتعمق في معارفه الراقية وتعاليمه الثمينة يجد في نفسه لذة الوقوف عليها، ومتعة الطموح اليها، ويشاهد هشة من روحه وتطلعاً من قلبه.

و قد أرشدتنا الأحاديث الشريفة الى فضل القراءة في البيوت. ومن أسرار ذلك إذاعة أمر الإسلام وانتشار قراءة القرآن، فإن الرجل إذا قرأه في بيته قرأته المرأة، وقرأه الطفل وذاع أمره وانتشر. أما إذا جعل لقراءة القرآن أماكن مخصوصة فإن القراءة لا تتهيأ لكل أحد، وفي كل وقت وهذا من أعظم الأسباب في نشر الإسلام.


1) اصول الكافى: 2 / 613، كتاب فضل القرآن الحديث: 1.

ولعل من أسراره أيضاً إقامة الشعار الإلهي إذا ارتفعت الأصوات بالقراءة في البيوت بكرة وعشياً، فيعظم أمر الإسلام في نفوس السامعين لما يعروهم من الدهشة عند ارتفاع أصوات القراء في مختلف نواحي البلد.

و من آثار القراءة في البيوت ما ورد في الأحاديث:

«إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر اللّه تعالى فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّي لأهل الأرض، وان البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، ولا يذكر اللّه تعالى فيه تقل بركته، وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين» (1)

نعم قد ورد في الأحاديث في فضل القرآن وفي الكرامات التي يختص اللّه بها قارءه ما يذهل العقول ويحير الألباب. وقد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«من قرأ حرفاً من كتاب اللّه تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».

و قد ورد هذا الحديث من طرق العامة، فقد نقله القرطبي (2)عن عن الترمذي عن ابن مسعود وروى الكليني قريباً منه عن الصادق. وإن الناظر في جوامع كتب الحديث ومفرداتها يرى من أمثال هذا الحديث الشيء الكثير في فضل القرآن،وقراءته، وخواص سوره وآياته.


1) اصول الكافي: 2/ 498، الحديث: 1. والحديث 3، کتاب فضل القرآن.

2) راجع تفسير القرطبي : 12 / 7. والكافي : 2 / 612، كتاب فضل القرآن، الحديث: 6.

و هناك حثالة من كذبة الرواة توهموا نقصان ما ورد في ذلك، فوضعوا من أنفسهم أحاديث - في فضل القرآن وسوره - لم ينزل بها وحي ولم ترد بها سنة وهؤلاء كأبي عصمة فرج بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبداللّه الجويباري.

و قد اعترف أبو عصمة المروزي بذلك، فقد قيل له: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة ؟ فقال :

«إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازى محمد بن إسحق فوضعت هذا الحديث حسبة».

و قال أبو عمر و عثمان بن الصلاح في شأن الحديث الذي يروى عن أبي بن كعب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل القرآن سورة سورة:

«إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحق فوضعت هذا الحديث حسبة».

و قال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في شأن الحديث الذي يروى عن أبي بن كعب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل القرآن سورة سورة

«قد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه. وقد أخطأ الواحدي وجماعة من المفسرين حيث أودعوه في تفاسيرهم» (1).

انظر إلى هؤلاء المجترئين على اللّه كيف يكذبون على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في


1) نفس المصدرج 1 ص 78، 79.

الحديث؟ ثم يجعلون هذا الافتراء حسبة يتقربون به إلى اللّه:

(كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «10 : 12».

التدبر في القرآن ومعرفة تفسيره:

ورد الحثّ الشديد في الكتاب العزيز، وفي السنة الصحيحة على التدبر في معاني القرآن والتفكر فى مقاصده وأهدافه. قال اللّه تعالى:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا) «47 : 24».

و في هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على ترك التدبر في القرآن. وفي الحديث عن ابن عباس عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه».(1)

و عن ابي عبدالرحمن السلمي قال:

«حدثنا من كان يقرئنا من الصحابة انهم كانوا يأخذون من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عشر آيات فلا يأخذون في العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل» (2).

و عن عثمان وابن مسعود وأبي:

«ان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر اخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً».


1) بحار الأنوار: 92 / 106، الباب: 9، الحديث: 1.

2) تفسير القرطبي: 1 / 6.

و عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ذكر جابر بن عبداللّه ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «28 : 85» (1)

والأحاديث في فضل التدبر في القرآن كثيرة. ففي الجزء التاسع عشر من بحار الأنوار (2)طائفة كبيرة من هذه الأحاديث، على أن ذلك لا يحتاج الى تنبع أخبار وآثار، فإن القرآن هو الكتاب الذي أنزله اللّه نظاماً يقتدي الناس به في دنياهم، ويستضيئون بنوره في سلوكهم الى اخراهم وهذه النتائج لا تحصل إلا بالتدبر فيه والتفكر في معانيه. وهذا أمر يحكم به العقل وكل ما ورد من الأحاديث أو من الآيات في فضل التدبر فهي ترشد اليه.

ففي الكافي باسناده عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يقول:

«آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيها» (3).


1) تفسير القرطبي: 1 / 26.

2) راجع بحار الانوار / 92، من الطبعة الحديثة.

3) اصول الكافي: 2 / 609، الحديث: 2،

إعجاز القرآن

إشارة:

•

معنى الإعجاز.

•

لا بد للنبي من إقامة المعجز

•

خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر.

•

القرآن معجزة إلهية.

•

القرآن معجزة خالدة.

•

القرآن والمعارف.

•

القرآن والإستقامة في البيان.

•

القرآن في نظامه وتشريعه.

•

القرآن والإتقان في المعاني

•

القرآن والأخبار بالغيب.

•

القرآن وأسراره الخليقة.

معنى الاعجاز

قد ذكر للاعجاز فى اللغة عدة معان: الفوت. وجدان العجز. إحداثه كالتعجيز. فيقال: أعجزه الأمر الفلاني أي فاته، ويقال: أعجزت زيداً أي وجدته عاجزاً، أو جعلته عاجزاً.

و هو في الإصطلاح أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه.

و إنما يكون المعجز شاهداً على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقاً في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبي، أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهداً على الصدق، ولا يسمى معجزاً في الإصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله:

مثال الأول: ما إذا ادعى أحد أنه إله، فإن هذه الدعوى يستحيل أن تكون صادقة بحكم العقل للبراهين الصحيحة الدالة على استحالة ذلك.

و مثال الثاني: ما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الإسلام، فإن هذه الدعوى كاذبة قطعاً بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الإسلام، وعن خلفائه المعصومين

بأن نبوته خاتمة النبوات، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعاً، فماذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي؟ ولا يجب على اللّه جل شأنه أن يبطل ذلك بعد حكم العقل باستحالة دعواه أو شهادة النقل ببطلانها.

و قد يدعي أحد منصباً إلهياً أحد منصباً إلهياً ثم يأتي بشيء يعجز عنه غيره من البشر ويكون ذلك الشي شاهداً على كذب ذلك المدعي، كما يروى أن «مسيلمة» تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء، وأنه أمر يده على رؤوس صبيان بني حنيفة وحنّكهم فأصاب القرع كل صبي مسح رأسه، ولثغ كل صبي حنكه (1)فإذا أتى المدعي بمثل هذا الشاهد لا يجب على اللّه أن يبطله، فإن في هذا كفاية لإبطال دعواه، ولا يسمى ذلك معجزاً في الاصطلاح

و ليس من الإعجاز المصطلح عليه ما يظهره الساحر والمشعوذ، أو العالم ببعض العلوم النظرية الدقيقة، وإن أتى بشيء يعجز عنه غيره، ولا يجب على اللّه إبطاله إذا علم استناده في عمله إلى أمر طبيعي من سحر، أو شعبذة، أو نحو ذلك وإن ادعى ذلك الشخص منصباً إلهياً، وقد أتى بذلك الفعل شاهداً على صدقه، فإن العلوم النظرية الدقيقة لها قواعد معلومة عند أهلها، وتلك القواعد لابد من أن توصل إلى نتائجها، وإن احتاجت إلى دقة في التطبيق، وعلى هذا القياس تخرج غرائب علم الطب المنوطة بطبائع الأشياء، وإن كانت خفية على عامة الناس، بل وإن كانت خفية على الأطباء أنفسهم.

و ليس من القبيح أن يختص اللّه أحدا من خلقه بمعرفة شيء من تلك الأشياء، وإن كانت دقيقة وبعيدة عن متناول أيدي عامة الناس، ولكن القبيح أن يغري الجاهل بجهله، وأن يجري المعجز على يد الكاذب فيضل الناس عن طريق الهدى.


1) الكامل لابن الأثير : 2 / 138.

لابد للنبي من إقامة المعجز:

تكليف عامة البشر واجب على اللّه سبحانه، وهذا الحكم قطعي قد ثبت بالبراهين الصحيحة، والأدلة العقلية الواضحة، فإنهم محتاجون إلى التكليف في طريق تكاملهم، وحصولهم على السعادة الكبرى والتجارة الرابحة. فإذا لم يكلفهم اللّه سبحانه، فإما أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف، وهذا جهل يتنزه عنه الحق تعالى وإما لأن اللّه أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق، وإما لأنه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك، وهو عجز يمتنع على القادر المطلق، وإذن فلابد من تكليف البشر، ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم على خفي التكليف وجليه:

(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيِي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» «8: 42».

و من الضروري أيضاً أن السفارة الإلهية من المناصب العظيمة التي يكثر لها المدعون، و يرغب في الحصول عليها الراغبون ونتيجة هذا أن يشتبه الصادق بالكاذب، ويختلط المضلّ بالهادي. وإذن فلابد لمدعي السفارة أن يقيم شاهداً واضحاً يدل على صدقه في الدعوى، وأمانته في التبليغ، ولا يكون هذا الشاهد من الأفعال العادية التي يمكن غيره أن يأتي بنظيرها، فينحصر الطريق بم--ا يخ-رق النواميس الطبيعية.

و إنما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدعي، لأن المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من اللّه تعالى، وإقدار منه، فلو كان مدعي النبوه كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل اللّه تعالى إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت

دالة على صدقه، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته.

و ما ذكرناه قاعدة مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما يشبه هذه الامور، ولا يشكون فيها أبدا، فإذا ادعى أحد من الناس سفارة عن ملك من الملوك في امور تختص برعيته، كان من الواجب عليه أولاً أن يقيم على دعواه دليلاً يعضدها، حين تشك الرعية في صدقه، ولابد من أن يكون ذلك الدليل في غاية الوضوح، فإذا قال لهم ذلك السفير : الشاهد على صدقي أن الملك غداً سيحييني بتحيته الخاصة التي يحيّي بها سفراءه الآخرين. فإذا علم الملك ما جرى بين السفير وبين الرعية، ثم حيّاه في الوقت المعين بتلك التحية كان فعل الملك هذا تصديقاً للمدعي في السفارة ولا تاب العقلاء في ذلك لأن الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه أن يصدق هذا المدعي إذا كان كاذباً، لأنه يريد إفساد الرعية.

و إذا كان هذا الفعل قبيحاً من سائر العقلاء كان محالاً على الحكيم المطلق، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله في كتابه الكريم

(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) «69: 44 – 46».

والمراد من الآية الكريمة أن محمداً الذي أثبتنا نبوته، وأظهرنا المعجزة لتصديقه، لا يمكن أن يتقول علينا بعض الأقاويل، ولو صنع ذلك لأخذنا منه باليمين، ولقطعنا منه الوتين، فإن سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء منا لها، وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث.

ولكن دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة متوقفة على القول بأن العقل يحكم بالحسن والقبح. أما الأشاعرة الذين ينكرون هذا القول، ويمنعون حكم العقل بذلك فلا بد لهم من سدّ باب التصديق بالنبوة. وهذا أحد مفاسد هذا القول، وإنما لزم من قولهم هذا سدّ باب التصديق بالنبوة، لأن المعجز إنما يكون دليلاً على صدق النبوة إذا قبح في العقل أن يظهر المعجز على يد الكاذب وإذا لم يحكم العقل بذلك لم يستطع أحد أن يميز بين الصادق والكاذب.

و قد أجاب «الفضل بن روزبهان» عن هذا الإشكال بأن فعل القبيح وإن كان ممكناً على اللّه تعالى، ولكن عادة اللّه قد جرت على تخصيص المعجزة بالصادق، فلا تظهر معجزة على يد الكاذب، ولا يلزم سدّ باب التصديق بالنبوة على قول الأشعريين. وهذا الجواب بيّن الضعف، متفكك العرى.

أولاً: إن عادة اللّه التي يخبر عنها ابن روزبهان» ليست من الامور التي تدرك بالحس، ويقع عليها السمع والبصر، فينحصر طريق العلم بها بالعقل، وإذا امتنع على العقل أن يحكم بالحسن والقبح - كما يراه الأشعري - لم يكن لأحد أن يعلم باستقرار هذه العادة للّه تعالى.

ثانياً : إن إثبات هذه العادة يتوقف على تصديق الأنبياء السابقين، الذين جاءوا بالمعجزات حتى نعلم أن عادة اللّه قد استقرت على تخصيص المعجزة بالصادق. أما المنكرون لتلك النبوات، أو المشككون فيها فلا طريق لهم إلى إثبات هذه العادة التي يدعيها «ابن روزبهان» فلا تقوم عليهم الحجة بالمعجزة.

ثالثاً: إذا تساوى الفعل والترك في نظر العقل، ولم يحكم في ذلك بقبح ولا حسن، فأي مانع يمنع اللّه أن يغير عادته؟ وهو القادر المطلق الذي لا يسأل عما يفعل،

فيظهر المعجزه على يد الكاذب.

رابعاً: إن العادة من الامور الحادثة التي تحصل من تكرر العمل، وهو يحتاج الى مضي زمان. وعلى هذا فما هي الحجة على ثبوت النبوة الاولى الثابتة قبل أن تستقر هذه العادة؟و سنتعرض لأقوال الأشعريين فيما يأتي، ونوضح وجوه فسادها.

خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر:

المعجز_كما عرفت - هو ما يخرق نواميس الطبيعة، ويعجز عنه سائر أفراد البشر إذا أتى به المدعي شاهداً على سفارة إلهية. ومما لا يرتاب فيه أن معرفة ذلك تختص بعلماء الصنعة التي يشابهها ذلك المعجز، فإن علماء أي صنعة أعرف بخصوصياتها، وأكثر إحاطة بمزاياها، فهم يميزون بين ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله وبين ما يمكنهم. ولذلك فالعلماء أسرع تصديقاً بالمعجز. أما الجاهل فباب الشك عنده مفتوح على مصراعيه مادام جاهلاً بمباديء الصنعة، وما دام يحتمل أن المدعي قد اعتمد على مبادىء معلومة عند الخاصة من أهل تلك الصنعة، فيكون متباطئاً عن الاذعان ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يخص كل نبي بمعجزة تشابه الصنعة المعروفة في زمانه، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنه أسرع للتصديق وأقوم للحجة، فكان من الحكمة أن يخص موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعصا واليد البيضاء لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون. ولذلك كانت السحرة أسرع الناس الى تصديق ذلك البرهان والاذعان به حين رأوا العصا تنقلب ثعباناً، وتلقف ما يأفكون ثم ترجع الى حالتها الاولى. رأى علماء السحر ذلك فعلموا أنه خارج ع-ن ح--دود السحر وآمنوا بأنه معجزة إلهية. وأعلنوا إيمانهم في مجلس فرعون ولم يعبأوا بسخط فرعون ولا بوعيده.

و شاع الطب اليوناني في عصر المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب، كان للطب رواج باهر في سوريا وفلسطين، لأنهما كانتا مستعمرتين لليونان. وحين بعث اللّه نبيه المسيح في هذين القطرين شاءت الحكمة أن تجعل برهانه شيئاً يشبه الطب، فكان من معجزاته أن يحيي الموتى، وأن يبرىء الأكمه والأبرص. ليعلم أهل زمانه أن ذلك شيء خارج عن قدرة البشر وغير مرتبط بمبادىء الطب، وأنه ناشيء عما وراء الطبيعة.

و أما العرب فقد برعت في البلاغة وامتازت بالفصاحة، وبلغت الذروة في فنون الأدب، حتى عقدت النوادي وأقامت الأسواق للمباراة في الشعر والخطابة. فكان المرء يقدر على ما يحسنه من الكلام، وبلغ من تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم، وكتبوها بماء الذهب في القباطي، وعلقت على الكعبة، فكان يقال هذه مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره (1).

و اهتمت بشأن الأدب رجال العرب ونساؤهم، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في شعر الشعراء. يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبة حمراء من الادم، فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها ليحكم فيها (2)ولذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الإسلام بمعجزة البيان وبلاغة القرآن فعلم كل عربي أن هذا من كلام اللّه، وأنه خارج ببلاغته عن طوق البشر، واعترف بذلك كل عربي غير معاند.

و يدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لأبي الحسن الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«لماذا بعث اللّه موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى


1) العمدة: لابن رشيق : 1 / 78.

2) شعراء النصرانية : 2 / 640، ط. بيروت.

جميع الأنبياء - بالكلام والخطب ؟ فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن اللّه لما بعث موسى الا كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عندالله بما لم يكن في وسعهم مثله، و ما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وإن اللّه بعث عيسى الا في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس الى الطب، فأتاهم من عند اللّه بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والابرص بإذن اللّه، وأثبت به الحجة عليهم و إن اللّه بعث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فأتاهم من عند اللّه من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم» (1)

وقد كانت للنبي معجزات اخرى غير القرآن، كشق القمر، وتكلم الثعبان، وتسبيح الحصى، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأناً، وأقومها بالحجة، لأن العربي الجاهل بعلوم الطبيعة وأسرار التكوين قد يشك في هذه المعجزات، وينسبها إلى أسباب علمية يجهلها. وأقرب هذه الأسباب إلى ذهنه هو السحر فهو ينسبها اليه، ولكنه لا يشك في بلاغة القرآن وإعجازه، لأنه يحيط بفنون البلاغة، ويدرك اسرارها. على أن تلك المعجزات الاخرى موقتة لا يمكن لها البقاء، فسرعان ما تعود خبراً من الأخبار ينقله السابق للاحق، وينفتح فيه باب التشكيك. أما القرآن فهو باقٍ إلى الأبد، وإعجازه مستمر مع الأجيال وسنضع بحثاً خاصاً عن معجزات النبي غير القرآن، ونتفرغ فيه لمحاسبة من أنكر هذه المعجزات من الكتاب المعاصرين وغيرهم.


1) اصول الكافي: 1 / 24، الحديث: 20.

القرآن معجزة إلهية :

قد علم كل عاقل بلغته الدعوة الإسلامية، أن محمداً بشر جميع الامم بدعوتهم إلى الإسلام، وأقام الحجة عليهم بالقرآن، وتحداهم بإعجازه، وطلب منهم أن يأتوا بمثله وإن كان بعضهم لبعض ظهيراً، ثم تنزل عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ثم تحدّاهم إلى الإتيان بسورة واحدة.

و كان من الجدير بالعرب - وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة - أن يجيبوه إلى مايريد، ويسقطوا حجته بالمعارضة، لو كان ذلك ممكناً غير مستحيل. نعم كان من الجدير بهم أن يعارضوا سورة واحدة من سور القرآن، ويأتوا بنظيرها في البلاغة، فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحداهم في أبرع كمالاتهم، وأظهر ميزاتهم ويسجلوا لأنفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر، وسموّ الشرف والمكانة ويستريحوا بهذه المعارضة البسيطة من حروب طاحنة، وبذل أموال، ومفارقة أوطان، وتحمّل شدائد ومكاره.

ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لإعجازه، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة، فصدق منها قوم داعي الحق، وخضعوا لدعوة القرآن، وفازوا بشرف الإسلام، وركب آخرون جادة العناد فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر.

و قد يدّعي جاهل من غير المسلمين: أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان.

وجواب ذلك: أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشهرتها في مواسمها وأسواقها ولأخذ منه أعداء الإسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس وذكراً يرددونه في كل مناسبة وللقنه السلف للخلف، وتحفظوا عليه تحفظ المدعي على حجته، وكان ذلك أقر لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف، وأشعار الجاهلية التي ملأت كتب التاريخ، وجوامع الأدب، مع أنا لا نرى أثراً لهذه المعارضة ولا نسمع لها بذكر على أن القرآن الكريم قد تحدّى جميع البشر بذلك، بل جميع الإنس والجن، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة. فقال عزّ من قائل:

(قُل لَّئنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيراً﴾ «17 : 88».

و نحن نرى النصارى وأعداء الإسلام يبذلون الأموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين، والنيل من نبيه الأعظم، وكتابه المقدس، ويتكرر هذا العمل منهم في كل عام بل في كل شهر. فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن، ولو بمقدار سورة منه لكان هذا أعظم لهم في الحجة، وأقرب لحصول الامنية، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الأموال، وإتعاب النفوس.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّه بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) «8:61».

على أن من مارس كلاماً بليغاً، وبالغ في ممارسته زماناً، أمكنه أن يأتي بمثله أو بما يقاربه في الاسلوب، وهذا مشاهد في العادة، ولا يجري مثل هذا في القرآن فإن كثرة ممارسته ودراسته لاتمكن الإنسان من مشابهته في قليل ولا كثير، وهذا يكشف لنا أن للقرآن اسلوباً خارجاً عن حدود التعليم والتعلم، ولو كان القرآن من كلام الرسول وإنشائه، لوجدنا في بعض خطبه وكلماته م-ا يشبه القرآن في اسلوبه،

ويضارعه في بلاغته وكلمات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخطبه محفوظة مدونه تختص باسلوب آخر. ولو كان في كلماته ما يشبه القرآن لشاع نقله وتدوينه، وخصوصاً من أعدائه الذين يريدون كيد الإسلام بكل وسيلة و ذريعة مع أن للبلاغة المألوفة حدوداً لا تتعدّاها في الأغلب، فإنا نرى البليغ العربي الشاعر أو الناثر تختص بلاغته في جهة واحدة، أو جهتين أو ثلاث جهات، فيجيد في الحماسة مثلاً دون المديح، أو في الرثا دون النسيب والقرآن قد استطرد مواضيع عديدة و تعرّض لفنون من الكلام كثيرة، وأتى في جميع ذلك بما يعجز عنه غيره، وهذا ممتنع على البشر في العادة.

القرآن معجزة خالدة:

قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والإيمان بها ينحصر بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهداً لدعواه، ولما كانت نبوءات الأنبياء السابقين ة بأزمانهم وأجيالهم، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد، ومحدودة، لأنها شواهد على نبوءات محدودة، فكان البعض من أهل تلك الأزمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة، والبعض الآخر تنقل اليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر فتقوم عليه الحجة أيضاً.

أما الشريعة الخالدة، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضاً، لأن المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد، وقد تنقطع أخبارها المتواترة، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة، فإذا كلفه اللّه بالإيمان بها كان من التكليف بالممتنع والتكليف بالممتنع مستحيل على اللّه تعالى، فلابد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة دائمة. وهكذا أنزل اللّه القرآن معجزة خالدة ليكون برهاناً على صدق الرسالة الخالدة، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة

على السلف. وقد نتج لنا عما قدمناه أمران:

الأول: تفوّق القرآن على جميع المعجزات التي ثبتت للأنبياء السابقين، وعلى المعجزات الاخرى التي ثبتت لنبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و لكون القرآن باقياً خالداً، وك-ون إعجازه مستمراً يسمع الأجيال ويحتج على القرون.

الثاني: إن الشرائع السابقة منتهية منقطعة، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها، لانقطاع زمان المعجزة التي شهدت بصدقها. (1)

ثم ان القرآن يختص بخاصة اخرى، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر (2)، وسوقهم إلى غاية كمالهم. فإن القرآن هو المرشد الذي أرشد العرب الجفاة الطغاة، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الأصنام، والمشتغلين - عن تحصيل المعارف وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية فتكونت منهم - في مدة يسيرة - ام--ة ذات خطر في معارفها، وذات عظمة في تاريخها وذات سموّ في عاداتها. ومن نظر في تاريخ الإسلام وسبر تراجم أصحاب النبي المستشهدين بين يديه، ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته كبير أثره، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء الشريعة، ولا يعبأون بما تركوا من مال وولد وأزواج.

و إن كلمة المقداد لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر شاهد عدل على ما قلنا:


1) انظر في قسم التعليقات محادثة علمية جرت بين المؤلف وبين حبر يهودي يتصل بهذا الموضوع برقم (4).

2) انظر قسم التعليقات لمعرفة الحاجة الى ترجمة القرآن وشروطها برقم (5).

«يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (إذْهَبْ أنتَ وَرَبُّكَ فقاتِلا إنّا ههنا قاعدون) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خيراً، ودعاله بخير» (1).

هذا واحد من المسلمين يعرب عن عقيدته وعزمه، وتفانيه في إحياء الحق وإماتة الشرك. وكان الكثير منهم على هذه العقيدة، متذرعين بالإخلاص.

إن القرآن هو الذي نوّر قلوب اولئك العاكفين على الأصنام، المشتغلين بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية، فجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. يؤثر أحدهم حياة صاحبه على نفسه، فحصل للمسلمين بفضل الإسلام من فتوح البلدان في ثمانين سنة مالم يحصل لغيرهم في ثمانمائة سنة. ومن قارن بين سيرة أصحاب النبي وسيرة أصحاب الأنبياء السابقين علم أن في ذلك سراً إلهياً، وأن مبدأ هذا السر هو كتاب اللّه الذي أشرق على النفوس، وطهر القلوب والأرواح بسموّ العقيدة، وثبات المبدأ.

انظر الى تاريخ الحواريين، والى تاريخ غيرهم من أصحاب الأنبياء تعلم كيف كانوا. كانوا يخذلون أنبياءهم عند الشدائد، ويسلمونهم عند خشية الهلاك!! ولذلك لم يكن لاولئك الأنبياء تقدم على طواغيت زمانهم بل كانوا يتسترون عنهم بالكهوف والأودية.هذه هي الخاصة الثانية التي تفضل القرآن على سائر المعجزات.


1) تاريخ الطبري : 2 / 140، غزوة بدر.

و إذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية في بلاغته وأسلوبه فاعلم أن اعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربانية، وبرهان صدق على نبوة من انزل اليه من جهات شتى، فيحسن بنا أن نتعرض الى جملة منها على نحو الإختصار:

1- القرآن والمعارف:

صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أميّ، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم، وتربّى في أوساطهم، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه. ومع أميته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الإسلام إلى هذا اليوم، وسيبقى موضعاً لدهشة المفكرين، وحيرتهم إلى اليوم الأخير، وهذا من أعظم نواحي الإعجاز.

و لنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمدا لم يكن أمياً، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم، أفليس لازم هذا أن-ه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمد ما بينهم، منهم وثنيون يعتقدون بالأوهام، ويؤمنون بالخرافات، وذلك ظاهر. ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم، وأحكامهم من كتب العهدين التي ينسبونها إلى الوحي، ويعزونها إلى الأنبياء. وإذا فرضنا أن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخذ تعاليمه من أهل عصره، أفليس لازم هذا أن ينعكس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التي اكتسبها من معلميه ومرشديه ومن هذه الكتب التي كانت مصدر ثقافته وعلومه؟ ونحن نرى مخالفة القرآن لكتب العهدين في جميع النواحي، وتنزيهه

لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافية التي ملأت كتب العهدين وغيرها من مصادر التعلم في ذلك العصر.

و قد تعرض القرآن الكريم لصفات اللّه جل شأنه في آيات كثيرة، فوصفه بما يليق بشأنه من صفات الكمال، ونزّهه عن لوازم النقص والحدوث. وهذه نماذج منها:

(وَ قَالُوا اتَّخَذَ اللّه وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلُّ لَهُ قَانِتُونَ 2 : 116. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: 117. وإلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. 163. اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ : 255 إِنَّ اللّه لاَ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّماء 3: 5. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَام كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: 6. ذَلِكُمُ اللّه رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 6: 102. لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفَ الْخَبِيرُ : 103. قُلِ اللّه يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَانّى تُؤْفَكُونَ 10 : 34. اللّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ 13 : 2. وَهُوَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 28 : 70. هُوَ اللّه الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ59 : 22. هُوَ اللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ

المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يُشْرِكُونَ. 23. هُوَ اللّه الْخَالِقُ الْبَارِى: المَصَوِّرُ لَهُ الأَشاءِ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : 24).

هكذا يصف القرآن إله العالمين، ويأتي بالمعارف التي تتمشّى مع البرهان الصريح ويسير مع العقل الصحيح، وهل يمكن لبشر أمي نشأ في محيط جاهل أن يأتي بمثل هذه المعارف العالية؟.

و يتعرض القرآن لذكر الأنبياء فيصفهم بكل جميل ينبغي أن يوصفوا به، وينسب اليهم كل مأثرة كريمة تلازم قداسة النبوة، ونزاهة السفارة الإلهية، وإليك نماذج منها:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ : الخبائت 7: 157. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ 62: 2. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ 68: 3. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ : 4. إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعالَمينَ 3 : 23. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ 26:43 إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ : 27. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ 6 : 75. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهُرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْحَسِنِينَ: 84، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى

وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ: 85. وَإِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعالَمينَ: 86 وَ مِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مستقیم: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ للّه الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ 27 : 15 وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْل كُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ 38: 48 أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَممَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا 19 : 58).

هذه جملة من الآيات التي جاء بها الكتاب العزيز في تنزيه الأنبياء وتقديسهم، وإظهارهم على حقيقتهم من القداسة والنزاهة وجميل الذكر.

أما كتب العهدين فقد تعرضت أيضاً لذكر الأنبياء ووصفتهم، ولكن بماذا وصفتهم ؟ بأي منزلة وضيعة انزلت هؤلاء السفرة الأبرار، ولنذكر لذلك أمثلة:

1- ذكرت التوراة في الإصحاحين الثاني والثالث من سفر التكوين. قصة آدم وحواء خروجها من الجنة. وذكرت أن اللّه أجاز لآدم أن يأكل من جميع الأثمار إلا ثمرة شجرة معرفه الخير والشر. وقال له: «لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ثم خلق اللّه من آدم زوجته حواء وكانا عاريين في الجنة لأنهما لا يدركان الخير والشر، وجاءت الحية ودلتهما على الشجرة، وحرضتهما على الأكل من ثمرها وقالت: إنكما لا تموتان بل إن اللّه عالم أنكما يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتعرفان الخير والشر فلما أكلا منها انفتحت أعينهما، وعرفا أنهما عاريان. فصنعا لأنفسهما مئزراً فرآهما الرب وهو يتمشى في الجنة، فاختبأ آدم وحواء منه فنادي اللّه آدم أين أنت؟ فقال آدم:

سمعت صوتك فاختبأت لأني عريان. فقال الله: من أعلمك بأنك عريان، هل أكلت من الشجرة؟ ثم إن اللّه بعدما ظهر له أكل آدم من الشجرة. قال: هو ذا آدم صار كواحد منا عارف بالخير والشر، والآن يمديده فيأكل من شجرة الحياة، ويعيش إلى الأبد، فأخرجه اللّه من الجنة، و جعل على شرقيها ما يحرس طريق الشجرة. وذكر في العدد التاسع من الإصحاح الثاني عشر أن الحية القديمة ه-و المدعو إبليس، والشيطان الذي يضل العالم كله.

انظر كيف تنسب كتب الوحي الى قداسة اللّه أنه كذب على آدم، وخادعه في أمر الشجرة، ثم خاف من حياته، وخشي من معارضته إياه في استقلال مملكته فأخرجه من الجنة، وأن اللّه جسم يتمشى في الجنة، وأنه جاهل بمكان آدم حين اختفى عنه، وأن الشيطان المضل نصح لآدم واخرجه من ظلمة الجهل الى نور المعرفة، وأدراك الحسن والقبح.

2- وفي الإصحاح الثاني عشر من التكوين أن «ابراهيم» إدعى أمام «فرعون» أن «سارة» اخته وكتم أنها زوجته فأخذها فرعون لجمالها «و صنع الى اب-راه-ي-م خيراً بسببها، و صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال». وحين علم فرعون أن سارة كانت زوجة إبراهيم وليست اخته قال له: «لماذا لم تخبرني أنه-ا امرأتك؟ لماذا قلت: هي اختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي». ثم ردّ فرعون سارة إلى إبراهيم.

و مغزى هذه القصة أن إبراهيم صار سبباً لأخذ فرعون سارة زوجة إبراهيم، زوجةً له. وحاشا إبراهيم - وهو من أكرم أنبياء اللّه - أن يرتكب مالا يرتكبه فرد عادي من الناس.

3 - وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين قصة «لوط» مع ابنتيه في الجبل، وأن الكبيرة قالت لاختها: «أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا. هلمي نسقي أبانا خمراً، ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلاً فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة» واضطجعت معه الكبيرة. وفي الليله الثانية سقتاه الخمر أيضاً، و دخلت معه الصغيرة فحملتا منه وولدت الكبيرة إبناً وسمته «موآب» وهو أب الموابيين، وولدت الصغيرة إبناً فسمته «بن عمي» وهو أبو بني عمون إلى اليوم.

هذا ما نسبته التوراة الرائجة إلى لوط نبي اللّه وإلى ابنتيه، وليحكّم الناظر فيها عقله، ثم ليقل ما يشاء.

4- وفي الإصحاح السابع والعشرين من التكوين أن «إسحق» أراد أن يعطى إبنه «عيسو» بركة النبوة فخادعه «يعقوب» وأوهمه أنه عيسو، وقدم له طعاماً وخمراً فأكل شرب، وبهذه الحيلة والكذب المتكرر توسل إلى أن باركه الله. وقال له اسحق: كن سيداً لاخوتك، ويسجد لك بنو أمك ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين ولماجاء عيسو علم أن أخاه يعقوب قد انتهب بركة النبوة. فقال لأبيه: «باركني أنا أيضاً يا أبي. فقال: جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك». ثم قال عيسو: : «أما أبقيت لي بركة»؟ فقال إسحق: «إني قد جعلته سيداً لك، ودفعت اليه جميع إخوته عبيداً، وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع اليك يا ابني؟ ورفع عيسو صوته وبكى».

أفهل يعقل انتهاب النبوة؟ وهل يعطي اللّه نبوته لمخادع كاذب، ويحرم منها أهلها؟ هل أن يعقوب بعمله هذا خادع اللّه أيضاً كما خادع إسحق ولم يقدر اللّه بعد ذلك على إرجاعها إلى أهلها ؟!! تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً. ولعل سكرة الخمر دعت الى وضع هذه السخافة والى نسبة شرب الخمر الى إسحق.

5 - و في الإصحاح الثامن والثلاثين من التكوين: أن يهوذا بن يعقوب زنى بزوجة ابنه «عير» المسماة «بثامار» وانها حبلت منه وولدت له ولدين «فارص» و«زارح»، وقد ذكر انجيل متى في الإصحاح الأول نسب يسوع المسيح تفصيلاً، وجعل المسيح وسليمان و أباه داود من نسل فارص «هذا الذي ولد من زنا يهوذا بكنّته (1)نامار».

حاشا أنبياء اللّه أن يولدوا من الزنى، كيف وأن تنسب اليهم الولادة من الزنى بذات محرم!! ولكن واضع التوراة الرائجة لا يبالي بما يكتب وبما يقول!!.

6- وفي الإصحاحين الحادي والثاني عشر من صموئيل الثاني: أن داود زنى بامرأة «اوريا» المجاهد المؤمن. وحملت من ذلك الزنى، فخشي داود الفضيحة، وأراد تمويه الأمر على اوريا، فطلبه وأمره أن يدخل بيته فأبى «اوريا» وقال: «سيدي - يوآب - وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي الى بيتي لأكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي و حياتك وحياه نفسك لا أفعل هذا الأمر» فلما يئس داود من التمويه أقامه عنده اليوم، ودعاه فأكل عنده وشرب وأسكره وفي الصباح كتب داود الى يوآب: اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت وقد فعل يوآب ذلك فقتل اوريا، وأرسل الى داود يخبره بذلك، فضم داود امرأة اوريا الى بيته وصارت امرأة له بعد انتهاء مناحتها على بعلها. وفي الإصحاح الأول من انجيل متى أن سليمان بن داود ولد من تلك المرأة.

تأمل كيف تجرّأ هذا الوضاع على اللّه ؟ وكيف تصح نسبة هذا الفعل إلى من له أدنى غيرة وحمية فضلاً عن نبي من أنبياء اللّه ؟ وكيف يجتمع هذا مع ما في انجيل لوقا


1) كنّة زوجة الإبن.

من أن المسيح يجلس على كرسي داود أبيه؟!!

7- وفي الإصحاح الحادي عشر من الملوك الأول: أي سليمان كانت له سبعمائة زوجه من السيدات، وثلاثمائة من السراري، فأمالت النساء قلبه وراء آلهة اخرى «فذهب سليمان وراء عشتورث آلهة الصيدونيين، وملكوم، رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب... فقال الرب: إني امزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك». وفي الثالث والعشرين من الملوك الثاني: أن المرتفعات التي بناها سليمان لعشتورث رجاسة الصيدونيين ول-«كموش» رجاسة الموابيين ولمكوم كراهة بني عمون نجسها الملك «يوشيا» وكسر التماثيل وقطع السواري، وكذلك فعل بجميع اثار الوثنيين.

هب أن النبي لا يلزم أن يكون معصوماً - والأدلة العقلية قائمة على عصمته - فهل يجوز له في حكم العقل أن يعبد الأصنام، وأن يبني له-ا المرتفعات ثم يدعو الناس الى التوحيد والى عبادة اللّه ؟ كلا!!!

و في الإصحاح الأول من كتاب «هوشع»» أن «أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى، لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب، فذهب وأخذ «جومر» بنت دبلايم فحبلت وولد له ابنان وبنت» وفي الإصحاح الثالث: أن الرب قال له: «إذهب أيضاً أحبب امرأة - حبيبة صاحب وزانية - كمحبة الرب لبني إسرائيل».

أهكذا يكون أمر اللّه يأمر نبيه بالزنى وبمحبة امرأة زانية؟ تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ولا عجب في أن الكاتب لا يدرك قبح ذلك. وإنما العجب من الامم المثقفة ورجال العصر و مهرة العلوم الناظرين في التوراة الرائجة، والمطلعين ع-لى م--ا

اشتملت عليه من الخرافات، كيف تعتقد بأنها وحي إلهي وكتاب سماوي. نعم ان تقليد الآباء كالغريزة الثانوية، يصعب التنازل عنه إلى اتباع الحق والحقيقة. والله الهادي والموفق.

9 - وفي الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى، والثالث من مرقس والثامن من لوقا أن المسيح فيما هو يكلم الجموع «إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجاً طالبين أن يكلموه. فقال له واحد هو ذا أمك وإخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له من هم أمي ومن هم إخوتي، ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي».

انظر إلى هذا الكلام وتأمّل ما فيه من سخافة. ينتهر المسيح امه القديسة البرة ويحرمها رؤيته، ويعرّض بقداستها، ويفضّل تلاميذه عليها وهم الذين قال فيهم :المسيح: «إنهم لا إيمان لهم» كما في الرابع من مرقس، وإنه ليس لهم من الإيمان مثل حبة خردل كما في السابع عشر من متى وهم الذين طلب منهم المسيح أن يسهروا معه ليلة هجوم اليهود عليه فلم يفعلوا ولما أمسكه اليهود في الظاهر تركه التلاميذ كلهم وهربوا، كما في الإصحاح السادس والعشرين من إنجيل متى، إلى ما سوى ذلك من الشنائع التي نسبتها اليهم الأناجيل.

10- وفي الإصحاح الثاني من يوحنا أن المسيح حضر مجلس عرس فنفد خمرهم، فعمل لهم ستة أجران من الخمر بطريق المعجزة. وفي الحادي عشر من متى والسابع من لوقا أن المسيح كان يشرب الخمر، بل كان شريب خمر «كثير الشرب لها».

حاشا قدس المسيح من هذا البهتان العظيم. فقد جاء في العاشر اللاويين أن الرب قال لهارون: «خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا فرضاً دهرياً في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل، وبين النجس والطاهر». وفي الأول من لوقا في مدح يوحنا المعمدان: «لأنه يكون عظيماً أمام الرب خمراً ومسكراً لا يشرب». إلى غير ذلك مما دلّ على حرمة شرب الخمر في العهدين.

هذه أمثلة يسيرة في كتب العهدين الرائجة من سخافات وخرافات، وأضاليل وأباطيل لا تلتئم مع البرهان ولا تتمشى مع المنطق الصحيح، وضعناها أمام القارىء ليمعن النظر فيها، وليحكم عقله ووجدانه. وهل يمكن أن يحكم أن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد اقتبس معارفه، وأخذ محتويات قرآنه العظيم من هذه السخافات وهو على ما هو عليه من سموّ المعارف، ورصانة التعليم؟ وهل يمكن أن تنسب هذه الكتب السخيفة إلى وحي السماء وهي التي لوثت قداسة الأنبياء بما ذكرناه وبما لم تذکره (1)؟

3 - القرآن والاستقامة في البيان:

قد علم كل عاقل جرّب الامور، وعرف مجاريها أن الذي يبني أمره على الكذب والافتراء في تشريعه وأخباره، لابد من أن يقع منه التناقض والإختلاف، ولا سيما إذا تعرّض لكثير من الامور المهمة في التشريع والاجتماع والعقائد، والنظم الأخلاقية المبتنية على أدق القواعد، وأحكم الاسس ولا سيما إذا طالت على ذلك المفتري


1) راجع الهدى إلى دين المصطفى والرحلة المدرسية لشيخنا البلاغي. وكتابنا الاعجاز، تجد في هذه الكتب، الشيء الكثير من نقل هذه الخرافات. (المؤلف)

أيام، ومرّت عليه أعوام. نعم لابد من أن يقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد، لأن ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد. وقد قيل في المثل المعروف: «لا حافظة لكذوب».

وقد تعرض القرآن الكريم لمختلف الشؤون، وتوسّع فيها أحسن التوسع فبحث في الإلهيات ومباحث النبوات، ووضع الاصول في تعاليم الأحكام والسياسات المدنية، والنظم الاجتماعية وقواعد الأخلاق وتعرّض لأمور أخرى تتعلق بالفلكيات والتاريخ وقوانين السلم والحرب، الأمثال، ووصف الموجودات السماوية والأرضية من ملك وكواكب ورياح وبحار ونبات وحيوان وإنسان، وتعرض لأنواع و وصف أهوال القيامة ومشاهدها فلم توجد فيه أية مناقضة ولا أدنى اختلاف، ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء. وربما يستعرض الحادثة الواحدة مرتين أو أكثر، فلا تجد فيه أقل تهافت وتدافع. وإليك قصة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد تكررت في القرآن مراراً عديدة، وفي كل مرة تجد لها مزية تمتاز بها من غير اختلاف في جوهر المعنى.

و إذا عرفت أن الآيات نزلت نجوماً متفرقة على الحوادث، علمت أن القرآن روح من أمر اللّه، لأن هذا التفرق يقتضي بطبعه عدم الملاءمة والتناسب ح-ين يجتمع. ونحن نرى القرآن معجزاً في كلتا الحالتين نزل متفرقاً فكان معجزاً ح--ال تفرقه، فلما اجتمع حصل له إعجاز آخر. وقد أشار إلى هذا النحو من الإعجاز قوله تعالى :

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيراً) «4: 82».

و هذه الآية تدلّ الناس على أمر يحسّونه بفطرتهم، ويدركونه بغريزتهم، وهو أن من يعتمد في دعواه على الكذب والإفتراء لا بد له من التهافت في القول والتناقض في البيان، وهذا شيء لم يقع في الكتاب العزيز.

والقرآن يتبع هذه الخطة في كثير من استدلالاته واحتجاجاته، فيرشد الناس إلى حكم الفطرة، ويرجعهم إلى الغريزة، وهي أنجح طريقة في الإرشاد، وأقربها إلى الهداية. وقد أحسّت العرب بهذه الإستقامة في أساليب القرآن، واستيقنت بذلك بلغاؤهم. وإن كلمة الوليد بن المغيرة في صفة القرآن تفسر لنا ذلك، حيث قال - حين سأله أبو جهل أن يقول في القرآن قولاً

«فما أقول فيه؟ فواللّه ما منكم رجل أعلم في الأشعار مني ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن. والله م-ا ي-ش-ب-ه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنّ لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى.

قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه قال الوليد فدعني حتى افكر فيه فلما فكر. قال: هذا سحر يأثره عن غيره» (1).

و في بعض الروايات قال الوليد :

«والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر...» (2)


1) تفسير الطبري : 29 / 98.

2) تفسير القرطبي : 19 / 72.

و إذا أردت أن تحس ذلك من نفسك فانظر الى الكتب المنسوبة إلى الوحي، فانك تجدها متناقضة المعاني، مضطربة الأسلوب، لا تنهض ولا تتماسك. وإذا نظرت إلى كتب العهدين، وما فيها من تضارب وتناقض تجلّت لك حقيقة الأمر، وبان لك الحق من الباطل. وهنا نذكر أمثلة مما وقع في الأناجيل من هذا الإختلاف.

1 - في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى والحادي عشر من لوقا إن المسيح قال: «من ليس معي فهو علي، ومن فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق». وقال في التاسع من مرقس، والتاسع من لوقا «من ليس علينا فهو معنا».

2- وفي التاسع عشر من متى والعاشر من مرقس والثامن عشر من لوقا: إن بعض الناس قال للمسيح: «أيها المعلم الصالح. فقال: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله». وفي العاشر من يوحنا أنه قال: «أنا هو الراعي الصالح... أما أنا فإني الراعي الصالح».

3- وفي السابع والعشرين من متى قال: «كان اللصان اللذان صلبا معه المسيح - يعيرانه»، وفي الثالث والعشرين من لوقا: «و كان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلا: إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا فأجاب الآخر وانتهره قائلاً: أولا أنت تخاف اللّه ؟ إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه».

4- وفي الإصحاح الخامس من انجيل يوحنا: «إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا». وفي الثامن من هذا الإنجيل نفسه أنه قال: «و إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق».

هذه نبذة مما في الأناجيل - على ما هي عليه من صغر الحجم - من التضارب

والتناقض. وفيها كفاية لمن طلب الحق، وجانب التعصب والعناد. (1)

القرآن في نظامه و تشريعه:

يبدو لكل متتبع للتاريخ ما كانت عليه الأمم قبل الإسلام من الجهل، وما وصلت اليه من الإنحطاط في معارفهم وأخلاقهم فكانت الهمجية سائدة عليهم، والغارات متواصلة فيما بينهم، والقلوب متجهة الى النهب والغنيمة، والخطى مسرعة الى إصلاء نيران الحروب والمعارك. وكان للعرب القسم الوافر من خرافات العقيدة ووحشية السلوك، فلا دين يجمعهم، ولا نظام يربطهم وعادات الآباء تذهب بهم يميناً وشمالاً وكان الوثنيون في بلاد العرب هم السواد الأعظم فكانت لهم - باختلاف قبائلهم وأسرهم - آلهة يعبدونها ويتخذونها شفعاء الى اللّه، وشاع بينهم الإستقسام بالأنصاب والأزلام واللعب بالميسر حتى كان الميسر من مفاخرهم(2)وكان من عاداتهم التزويج بنساء الآباء(3)ولهم عادة اخرى هي أفظع منها - وه-ي وأد البنات - دفنهن في حال الحياة. (4)

هذه بعض عادات العرب في جاهليتهم. وحين بزغ نور محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأشرقت شمس الإسلام في مكة تتوّروا بالمعارف وتخلقوا بمكارم الأخلاق، فاستبدلوا الوثنية بالتوحيد والجهل بالعلم والرذائل بالفضائل، والشقاق والتخالف بالإخاء والتآلف، فأصبحوا أمة وثيقة العرى مدت جناح ملكها على العالم، ورفعت أعلام


1) وللزياده راجع كتابي «الهدى والرحلة المدرسية» لشيخنا البلاغي (قدّس سِرُّه) وكتابنا «نفحات الاعجاز». (المؤلف)

2) بلوغ الارب : 3 / 50 طبع 50، طبع مصر.

3) نفس المصدر: 2 : 52.

4) نفس المصدر : 3 / 43.

الحضارة في أقطار الأرض وأرجائها. قال الدوري(1).

«وبعد ظهور الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة، تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أمة كبيرة، مدّت جناح ملكها من نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند ورفعت على منار الإشادة أعلام التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة. ثم قال: إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الأمم وانقشعت بسببهم سحائب البربرية التي امتدت على اوروبا حين اختل نظامها بفتوحات لمتوحشين»(2).

نعم إن جميع ذلك كان بفضل تعاليم كتاب اللّه الكريم الذي فاق جميع الصحف السماوية. فإن للقرآن في أنظمته وتعاليمه مسلكاً يتمشى مع البراهين الواضحة، وحكم العقل السليم، فقد سلك سبيل العدل وتجنّب عن طرفي الإفراط والتفريط. فتراه في فاتحة الكتاب يطلب عن لسان البشر من اللّه الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله:

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) «6:1».

و هذه الجمله على وجازتها واختصار ألفاظها واسعة المعنى بعيدة المدى. وسنتعرض لما يتيسر من بيان ذلك عند تفسيرنا للآية المباركة إن شاء اللّه تعالى.

و قد أمر القرآن بالعدل وسلوك الجادة الوسطى في كثير من آياته. فقال:


1) هو أحد وزراء فرنسا السابقين.

2) صفوة العرفان لمحمد فريد وجدي ص 119.

إنَّ اللّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بالْعَدْلِ 4 : 58. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى 5: 8 وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْنِي 6 : 152. إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ «16 : 90».

نعم قد أمر القرآن بالعدل، وسلك في تعاليمه مسلك الاستقامة، فنهى عن الشح في عدة مواضع وعرّف الناس مفاسده وعواقبه:

(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ بِمَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» «3 : 18».

بينما قد نهى عن الإسراف والتبذير ودلّ الناس على مفاسدهما:

(وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 6 : 141. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ 17 : 27. وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً: 29).

و أمر بالصبر على المصائب وبتحمّل الأذى، ومدح الصابر على صبره، ووعده الثواب العظيم:

(إنما يُوَفَّ الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ 39 : 10. وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 3 : 146).

و إلى جانب هذا لم يجعل المظلوم مغلول اليد أمام ظالمه، بل أباح له أن ينتقم من الظالم بمثل ما اعتدى عليه حسماً لمادة الفساد، وتحقيقاً لشريعة العدل:

(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ «2 : 194».

و جوّز لولي المقتول أن يقتص من القاتل العامد:

(وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) «17 : 33».

والقرآن بسلوكه طريق الإعتدال وأمره بالعدل والإستقامة قد جمع نظام الدنيا الى نظام الآخرة، وتكفل بما يصلح الأولى، وبما يضمن السعادة في الأخرى، فهو الناموس الأكبر جاء به النبي الأعظم ليفوز ب-ه الب-ش-ر بكلتا السعادتين، وليس تشريعه دنيوياً محضاً لا نظر فيه الى الآخرة، كما تجده في التوراة الرائجة فإنها مع كبر حجمها لا تجد فيها مورداً تعرضت فيه لوجود القيامة، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الأعمال الحسنة والقبيحة. نعم صرحت التوراة بأن أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا، والتسلط على الناس باستعبادهم، وأن أثر المعصية والسقوط ع--ن ع--ي-ن الرب هو الموت وسلب الأموال والسلطة. كما أن تشريع القرآن ليس أخروياً محضاً لا تعرض له بتنظيم أمور الدنيا كما في شريعة الإنجيل. فشريعة القرآن شريعة كاملة تنظر الى صلاح الدنيا مرة والى صلاح الآخرة مرة اخرى فيقول في تعليماته.

(وَ مَنْ يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 4 : 13 وَ مَنْ يَعْصِ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ.14 فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ 99 : 7. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ : 8. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّه الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. 28 : 77)

و يحث الناس - في كثير من آياته - على تحصيل العلم، وملازمة التقوى بينما يبيح لهم لذائذ الحياة و جميع الطيبات:

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) «7 : 32».

و يدعو كثيراً الى عبادة اللّه و الى التفكر في آياته التشريعية والتكوينية و الى التأمل والتدبر في الآفاق و في الأنفس، و مع ذلك لم يقتصر على هذه الناحية التي توصل الإنسان بربه، بل تعرّض للناحية الأخرى التي تجمعه مع أبناء نوعه.

و أحل له البيع:

(وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) «2 : 275».

و أمره بالوفاء بالعقود:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) «5 : 1».

و أمر بالتزويج الذي يكون به بقاء النوع الإنساني:

(وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَ إِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 24 : 32. فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً 4 : 3).

و أمر الإنسان بالإحسان الى زوجته، والقيام بشؤونها، و الى الوالدين والأقربين و الى عامة المسلمين، بل و الى البشر كافة. فقال:

(وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ 4 : 19 وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ 2 : 228 واعْبُدُوا اللّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

وَالمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجُنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً 4 : 36. وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّه إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ 28 : 77. إِنَّ رَحْمَةَ اللّه قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ 56:7. وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّه يُحِبُّ المُحْسِنِينَ 2: 195).

هذه أمثلة من تعاليم القرآن التي نهج فيها منهج الإعتدال، وقد أوجب الأم--ر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع أفراد الامة ولم يخصه بطائفة خاصة، ولا بأفراد مخصوصين، وهو بهذا التشريع قد فتح لتعاليمه أبواب الإنتشار ونفخ فيها روح الحياة والاستمرار. فقد جعل كل واحد من أفراد العائلة والبيئة مرشداً لهم ورقيباً عليهم، بل جعل كل مسلم دليلاً وعيناً على سائر المسلمين يهديهم الى الرشاد، ويزجرهم عن البغي والفساد، فالمسلمون بأجمعهم مكلفون بتبليغ الأحكام وبتنفيذها، أفهل تعلم جنوداً هي أقوى وأعظم تأثيراً من هذه الجنود ونحن ن--رى السلاطين ينفذون إرادتهم على الرعية بقوة جنودهم. ومن الواضح أنهم لا يلازمون الرعية في جميع الأمكنة والأزمان، فكم فرق بين جند الإسلام، وجند السلاطين.

ومن أعظم تعاليم القرآن التي تجمع كلمة المسلمين، وتوحد بين صفوفهم: المؤاخاة بين طبقات المسلمين، ونبذ الميزات إلا من حيث العلم والتقوى حيث يقول: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه أَتْقَاكُمْ 49 13. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 39: 9).

قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :

«إن اللّه عز وجل أعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً، و

أذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها، وباسق أنسابها، فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم، وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم وان آدم خلقه اللّه من طين، وان أحب الناس الى اللّه عز و جل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم (1)...»

وقال: «فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناكم» (2).

فالإسلام قدّم سلمان الفارسي لكمال إيمانه حتى جعله من أهل البيت (3)وأخر أبا لهب عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكفره.

انك ترى أن نبي الإسلام لم يفتخر على قومه بنسب ولا حسب، ولا بغيرهما مما كان الإفتخار به شائعاً في عصره، بل دعاهم إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر، وإلى كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، وبذلك قد تمكن أن يسيطر على أمة كانت تتفاخر بالأنساب بقلوب ملؤها الشقاق والنفاق، فأثر في طباعها حتى أزال الكبر والنخوة منها، فأصبح الغني الشريف يزوّج ابنته من المسلم الفقير وإن كان أدنى منه في النسب (4).

هذه شريعة القرآن في إرشاداته وتعاليمه تتفقد مصالح الفرد، ومصالح المجتمع وتضع القوانين التي تكفل جميع ذلك، ما يعود منها الى الدنيا وما يرجع الى الآخرة. فهل يشك عاقل بعد هذا في نبوة من جاء بهذا الشرع العظيم، ولا سيما إذا لاحظ أن


1) الفروع من الكافى : 5 / 340، الباب 21، الحديث: 1.

2) الجامع الصغير بشرح المناوي : 4 / 432.

3) البحار : 10 / 123، باب : 8، فضائل سلمان.

4) ومن ذلك تزويج زياد بن لبيد وهو من أشرف بنى بياضة ابنته من جويبر لاسلامه. وقد كان رجلاً قصيراً ذميماً محتاجاً عارياً، وكان من قباح السودان. (الفروع من الكافي: 5 / 340، الباب 21، الحدیث: 1 باب ان المؤمن كفؤ المؤمنة).

نبي الإسلام قد نشأبين أُمة وحشية، لا معرفة لها بشيء من هذه التعليمات ؟!!

4- القرآن والاتقان في المعاني

تعرَّض القرآن الكريم لمواضيع كثيرة العدد، متباعدة الأغراض من الالهيات والمعارف وبدء الخلق والمعاد، وما وراء الطبيعة من الروح والملك وإبليس والجن، والفلكيات والأرض، والتاريخ، وشؤون فريق من الأنبياء الماضين، وما جرى بينهم وبين أممهم وللأمثال والاحتجاجات والأخلاقيات والحقوق العائلية والسياسات المدنية، والنظم الاجتماعية والحربية والقضاء والقدر والكسب والاختيار، والعبادات والمعاملات والنكاح والطلاق والفرائض والحدود والقصاص وغير ذلك. وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة التى لا يتطرق اليها الفساد والنقد في أية جهة من جهاتها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيما ممّن نشأ بين أُمة أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف، ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية لا تمضى على مؤلّفه مدة حتى ينضح بطلان كثير من آرائه. فان العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر ازدادت الحقائق فيها،وضوحاً، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث، وكم ترك الأول للآخر. ولهذا نرى كتب الفلاسفة الأقدمين، ومن تأخر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممّن تأخّر، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهاناً يقينياً، أصبح بعد نقده وهماً من الأوهام، وخيالاً من الأخيلة.

والقرآن مع تطاول الزمان عليه، وكثرة أغراضه، وسموّ معانية، لم يوجد فيه م-ا

يكون معرضاً للنقد والاعتراض. اللهم إلا أوهام من بعض المكابرين، حسبوها من النقد. وسنتعرض لها، ونوضح بطلانها إن شاء اللّه تعالى.

5 - القرآن والاخبار بالغيب

أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن أمور مهمة، تتعلق بما يأتي من الأنباء والحوادث، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقاً، لم يخالف الواقع في شيء منها. ولا شك فى ان هذا من الإخبار بالغيب ولا سبيل اليه غير طريق الوحي والنبوة.

فمن الآيات التي أنبأت عن الغيب قوله تعالى:

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّه إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّه أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) «8 : 7».

وهذه الآية نزلت في وقعة بدر، وقد وعد اللّه فيها المؤمنين بالنصر على عدوهم وبقطع دابر الكافرين، والمؤمنون على ما هم عليه من قلة العدد والعدة، حتى أن الفارس فيهم كان هو المقداد، أو هو والزبير بن العوام والكافرون هم الكثيرون الشديدون في القوة، وقد وصفتهم الآية بأنهم ذووا شوكة، وأن المؤمنين أشفقوا من قتالهم، ولكن اللّه يريد أن يحق الحق بكلماته. وقد وفى للمؤمنين بوعده، ونصرهم على أعدائهم، وقطع دابر الكافرين.

ومنها قوله تعالى:

(فَأَصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ 15: 94. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ: 95. الَّذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّه إِلهَا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: 96).

فإن هذه الآية الكريمة نزلت بمكة في بدء الدعوة الإسلامية، وقد أخرج البزار والطبراني في سبب نزولها عن أنس بن مالك: أنها نزلت عند مرور النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على أُناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: «هذا الذي يزعم أنه نبي و م-ع-ه جبرئيل» (1)فأخبرت الآية عن ظهور دعوة النبي ونصرة اللّه له، وخذلانه للمشركين الذين ناوؤوه واستهزؤوا بنبوته واستخفوا بأمره. وكان هذا الإخبار في زمان لم يخطر فيه على بال أحد من الناس انحطاط شوكة قريش، وانكسار سلطانهم، وظهور النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهم.

ونظير هذه الآية قوله تعالى:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ 61: 9).

ومن هذه الأنباء قوله تعالى:

(غُلِبَتِ الرُّومُ 2:30 فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ : 3).

وقد وقع ما أخبرت به الآية بأقل من عشر سنين، فغلب ملك الروم، ودخل جيشه مملكة الفرس.

ومنها قوله تعالى:

(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَميعٌ مُنْتَصِرٌ 44:54. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبَرَ : 45﴾.

فأخبر عن انهزام جمع الكفار وتفرُّقهم وقمع شوكتهم، وقد وقع هذا في يوم بدر أيضاً حين ضرب أبو جهل فرسه، وتقدم نحو الصف الأول قائلاً: «نحن ننتصر اليوم


1) لباب النقول ص 133 جلال الدين السيوطي.

من محمد وأصحابه فأباده اللّه،وجمعه وأنار الحق ورفع مناره، وأعلى كلمته، فانهزم الكافرون، وظفر المسلمون عليهم حينما لم يكن يتوهم أحد بأن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً - ليس لهم عدة، ولا يصحبون غير فرس أو فرسين وسبعين بعيراً يتعاقبون عليها - يظفرون بجمع كبير تام العدّة وافر العدد، وكيف يستفحل أمر اولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير، حتى تذهب شوكته کرماد اشتدت به الريح، لولا أمر اللّه وإحكام النبوة وصدق النيات ؟!

ومنها قوله تعالى:

(تَبَّتْ يَدا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ... سَيَصْلى ناراً ذَاتَ لَهَبٍ. وَأَمْرَأَتُهُ حَالَةَ الْخَطَبِ) «2 :111».

وقد تضمنت هذه السورة نبأ دخول أبي لهب، ودخول زوجته النار. ومعنى ذلك هو الإخبار عن عدم تشرفهما بقبول الإسلام إلى آخر حياتها، وقد وقع ذلك.

6 - القرآن وأسرار الخليقة:

أخبر القرآن الكريم في غير واحدة من آياته عما يتعلق بسنن الكون، ونواميس الطبيعة، والأفلاك، وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الإسلام إلا من ناحية الوحي الإلهي. وبعض هذه القوانين وإن علم بها اليونانيون في تلك العصور أو غيرهم ممّن لهم سابق معرفة بالعلوم، إلا أن الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك. وإن فريقاً مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم، وكثرة الاكتشافات وهذه الأنباء في القرآن كثيرة، نتعرض لها عند تفسيرنا الآيات التي تشير اليها إن شاء اللّه تعالى.

وقد أخذ القرآن بالحزم في إخباره عن هذه الامور، فصرح ببعضها حيث يحسن التصريح. وأشار إلى بعضها حيث تحمد الإشارة، لأن بعض هذه الأشياء مما يستعصي على عقول أهل ذلك العصر، فكان من الرشد أن يشير اليها إشارة تتضح لأهل العصور المقبلة حين يتقدم العلم، وتكثر الاكتشافات

ومن هذه الأسرار التي كشف عنها الوحي السماوي، وتنبه اليها المتأخرون ما في قوله تعالى

(وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) «15: 19».

فقد دلّت هذه الآية الكريمة على أن كل ما ينبت في الأرض له وزن خاص، وقد ثبت أخيراً أن كل نوع من أنواع النبات مركب من أجزاء خاصة على وزن مخصوص، بحيث لو زيد في بعض أجزائه أو نقص لكان ذلك مركباً آخر. وان نسبة بعض الأجزاء إلى بعض من الدقة بحيث لا يمكن ضبطها تحقيقاً بأدق الموازين المعروفة للبشر.

ومن الأسرار الغريبة - التي أشار اليها الوحي الإلهي - حاجة إنتاج قسم م--ن الأشجار والنبات إلى لقاح الرياح. فقال سبحانه:

(وَأَرْسَلْنَا الرَّيَاحَ لَوَاقِحَ) «15: 22».

فإن المفسرين الأقدمين وإن حملوا اللقاح في الآية الكريمة على معنى الحمل باعتبار أنه أحد معانيه، وفسّروا الآية المباركة بحمل الرياح للسحاب، أو المطر الذي يحمله السحاب، ولكن التنبيه على هذا المعنى ليس فيه كبير اهتمام ولا سيما بعد ملاحظة أن الرياح لا تحمل السحاب، وإنما تدفعه من مكان إلى مكان آخر.

والنظرة الصحيحة في معنى الآية - بعد ملاحظة ما اكتشفه علماء النبات - تفيدنا سراً دقيقاً لم تدركه أفكار السابقين، وهو الإشارة إلى حاجة إنتاج الشجر والنبات إلى اللقاح. وأن اللقاح قد يكون بسبب الرياح، وهذا كما في المشمش والصنوبر والرمان والبرتقال والقطن ونباتات الحبوب وغيرها، فإذا نضجت حبوب الطلع انفتحت الأكياس، وانتثرت خارجها محمولة على أجنحة الرياح فتسقط على مياسم الأزهار الاخرى عفواً.

وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أنّ سنّة الزواج لا تختص بالحيوان، بل تعم النبات بجميع أقسامه بقوله:

(وَمِنْ كُلِّ المَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ «13 : 3».

(سَبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواج كُلّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمما لا يَعْلَمُونَ 36 : 36).

ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن هي حركة الأرض. فقد قال عز من قائل: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً) «53:20».

تأمَّل كيف تشير الآية إلى حركة الأرض إشارة جميلة لم تتضح إلا بعد قرون، وكيف تستعير للأرض لفظ المهد الذي يعمل للرضيع، يهتز بنعومة لينام فيه مستريحاً هادئاً ؟ وكذلك الأرض مهد للبشر وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية، وكما أن تحرك المهد لغاية تربية الطفل واستراحته، فكذلك الأرض، فإن حركتها اليومية والسنوية لغاية تربية الإنسان بل وجميع ما عليها من الحيوان والجماد والنبات.

تشير الآية المباركة إلى حركة الأرض إشارة جميلة، ولم تصرح بها لأنها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها، حتى أنه كان يعد من الضروريات التي لا تقبل التشكيك (1).

ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرناً وجود قارة أخرى. فقد قال سبحانه وتعالى :

(رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ «17:55».

وهذه الآية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قروناً عديدة، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى. فقال بعضهم: المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرباهما، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ولكن الظاهر أن المراد بها الإشارة الى وجود قارة اخرى تكون على السطح الآخر للأرض يلازم شروق الشمس عليها غروبها عنا. وذلك بدليل قوله تعالى:

(يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمُشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ «43: 38».

فإن الظاهر من هذه الآية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء، لأن المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلا بد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب. ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقاً لجزء آخر من الكرة الأرضية ليصح هذا التعبير فالآية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن.


1) واجترأ الحكيم «غاليله» بعد الألف الهجري فأثبت الحركتين «الوضعية والانتقالية» للأرض فأهانوه، واضطهدوه حتى قارب الهلكة، ثم سجن طويلاً مع جلالته، وحقوقه العلمية فصار حكماء الافرنج يكتمون كشفياتهم الأنيقة المخالفة للخرافات العتيقة خوفاً من الكنيسة الرومية «الهيئة والاسلام» ص 63 طبعة بغداد.

فالآيات التي ذكرت المشرق والمغرب بلفظ المفرد يراد منها النوع كقوله تعالى: (وَلِلهِ المُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْهَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) «2 : 115».

والآيات التي ذكرت ذلك بلفظ التثنية يراد منها الإشارة الى القارة الموجودة على السطح الآخر من الأرض.

والآيات التي ذكرت ذلك بلفظ الجمع يراد منها المشارق والمغارب باعتبار أجزاء الكرة الأرضية كما نشير اليه.

ومن الأسرار التي أشار اليها القرآن الكريم كروية الأرض فقال تعالى:

(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَها 7: 137. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمُشارِقِ 37: 5. فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ 70 : 40).

ففي هذه الآيات الكريمة دلالة على تعدد مطالع الشمس ومغاربها، وفيها إشارة إلى كروية الأرض، فإن طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الكرة الأرضية يلازم غروبها عن جزء آخر، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحاً لا تكلف فيه ولا تعسف. وقد حمل القرطبي وغيره المشارق والمغارب على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة، لكنه تكلف لا ينبغي أن يُصار اليه، لأن الشمس لم تكن لها مطالع معينة ليقع الحلف بها، بل تختلف تلك باختلاف الأراضي فلا بد من أن يُراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئاً فشيئاً باعتبار كروية الأرض وحركتها.

وفي أخبار أئمة الهدى من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأدعيتهم وخطبهم ما يدلُّ على كروية الأرض.

ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر، وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس، وأصلي الفجر إذا استبان لي الفجر. فقال لي الرجل ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع ؟ فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا، وهي طالعة على قوم آخرین بعد فقلت: إنما علينا أن نصلى إذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا، وعلى اولئك أن يصلوا إذا غربت الشمس عنهم» (1).

يستدل الرجل على مراده باختلاف المشرق والمغرب الناشيء عن استدارة الأرض، ويقره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ذلك ولكن ينبهه على وظيفته الدينية.

ومثله قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خبر آخر: «إنما عليك مشرقك ومغربك» (2).

ومن ذلك ما ورد عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه عند الصباح والمساء:

«وجعل لكل واحد منهما حداً محدوداً، وأمداً محدوداً، يولج كل واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد» (3).

أراد صلوات اللّه عليه بهذا البيان البديع التعريف بما لم تدركه العقول في تلك


1) الوسائل : 4 / 179، الحديث: 4848.

2) نفس المصدر : 4 / 198، الحديث: 4912.

3) الصحيفة السجادية الكاملة دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الصباح والمساء.

العصور وهو كروية الأرض، وحيث أن هذا المعنى كان بعيداً عن أفهام الناس لانصراف العقول عن إدراك ذلك، تلطَّف - وهو الإمام العالم بأساليب البيان - بالإشارة إلى ذلك على وجه بليغ، فإنه اللّه لو كان بصدد بيان ما يشاهده عامة الناس من أن الليل ينقص تارة فتضاف من ساعاته إلى النهار، وينقص النهار تارة اخرى فتضاف من ساعاته إلى الليل لاقتصر على الجملة الاولى: «يولج كل واحد منهما في صاحبه» ولما احتاج إلى ذكر الجملة الثانية: «ويولج صاحبه فيه» إذن فذكر الجملة الثانية إنما هو للدلالة على أن إيلاج كل من الليل والنهار في صاحبه يكون في حال إيلاج صاحبه فيه، لأن ظاهر الكلام أن الجملة الثانية حالية، ففي هذا دلالة على كروية الأرض، وان إيلاج الليل في النهار - مثلاً - عندنا يلازم إيلاج النهار في الليل عند قوم آخرين. ولو لم تكن مهمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإشارة إلى هذه النكتة العظيمة لم تكن لهذه الجملة الأخيرة فائدة، ولكانت تكراراً معنوياً للجملة الاولى.

ولقد اقتصرنا في بيان إعجاز القرآن على هذه النواحي، وفي ذلك كفاية ودلالة على أن القرآن وحي إلهي، وخارج عن طوق البشر.

وكفى بالقرآن دليلاً على كونه وحياً إلهياً أنه المدرسة الوحيدة التي تخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اللّه الذي يفتخر بفهم كلماته كل عالم تحرير وينهل من بحار علمه كل محقق متبحر. وهذه خطبه في نهج البلاغة، فإنه حينما يوجه كلامه فيها الى موضوع لا يدع فيه مقالاً لقائل، حتى ليخال من لا معرفة له بسيرته أنه قد قضى عمره في تحقيق ذلك الموضوع والبحث عنه، فمما لا شك فيه أن هذه المعارف و العلوم متصلة بالوحي ومقتبسة من أنواره لأن من يعرف تاريخ جزيرة العرب - ولا سيما الحجاز - لا يخطر بباله أن تكون هذه العلوم قد أخذت عن غير منبع

الوحي. ولنعم ما قيل في وصف نهج البلاغة: «أنه دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين». (1)

بل أعود فأقول: إن تصديق على (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وهو على ما عليه من البراعة في البلاغة والمعارف وسائر العلوم - لإعجاز القرآن هو بنفسه دليل على أن القرآن وحي إلهي، فإن تصديقه بذلك لا يجوز أن يكون ناشئاً عن الجهل والإغترار، كيف وهو رب الفصاحة والبلاغة، واليه تنتهي جميع العلوم الإسلامية وهو المثل الأعلى في المعارف، وقد اعترف بنبوغه وفضله المؤالف والمخالف. وكذلك لا يجوز أن يكون تصديقه هذا تصديقاً صورياً ناشئاً عن طلب منفعة دنيوية من جاه أو مال، كيف وهو منار الزهد والتقوى، وقد أعرض عن الدنيا وزخارفها، ورفض زعامة المسلمين حين اشترط عليه أن يسير بسيرة الشيخين وهو الذي لم يصانع معاوية بإبقائه على ولايته أياماً قليلة، مع علمه بعاقبة الأمر إذا عزله عن الولاية. وإذن فلا بد من أن يكون تصديقه بإعجاز القرآن تصديقاً حقيقياً، مطابقاً للواقع، ناشئاً عن الإيمان الصادق. وهذا هو الصحيح، والواقع المطلوب.


1) مقدمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

أوهام حول اعجاز القرآن

إشارة:

•

القرآن والقواعد.

•

كيف يثبت الإعجاز لجميع البشر.

•

قول النظام بالصرفة.

•

مخالفة قصص القرآن لكتب العهدين.

•

وجود التناقض في الإنجيل.

•

إبطال الجبر والتفويض.

•

إثبات الأمر بين الأمرين في القرآن.

•

القرآن كان مجموعاً على عهد النبي.

•

أُسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة.

•

سخافات وخرافات فى معارضة سورتين من القرآن.

لقد تحدى القرآن جميع البشر، وطالبهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطع أحد أن يقوم بمعارضته، ولما كبر على المعاندين أن يستظهر القرآن على خصومه، راموا أن يحطوا من كرامته بأوهام نسجتها الأخيلة حول عظمة القرآن، تأييداً لمذاهبهم الفاسدة. ومن الحسن أن نتعرض لهذه الأوهام التي أتعبوا بها أنفسهم ليتبين مبلغهم من العلم، وأن الأهواء كيف تذهب بهم يميناً وشمالاً فترديهم في مهوى سحيق.

قالوا :

1 - إن في القرآن اموراً تنافي البلاغة لأنها تخالف القواعد العربية، و مثل هذا لا يكون معجزاً.

وهذا القول باطل من وجهين:

الأول: إن القرآن نزل بين بلغاء العرب وفصحائها، وقد تحداهم إلى معارضته، ولو بالإتيان بسورة واحدة، وذكر أن الخلق لا يقدرون على ذلك، ولو كان بعضهم

لبعض ظهيراً، فلو كان في القرآن ما يخالف كلام العرب فإن هؤلاء البلغاء العارفين بأساليب اللغة ومزاياها لأخذوه حجة عليه، ولعابوه بذلك، واستراح-وا ب-ه ع-ن معارضته باللسان أو السنان ولو وقع شيء من ذلك لاحتفظ به التاريخ، ولتواتر بين أعداء الإسلام، كيف ولم ينقل ذلك ولا بخبر واحد ؟.

الثاني: إن القرآن نزل في زمان لم يكن فيه للقواعد العربية عين ولا أثر، وإنما اخذت هذه القواعد - بعد ذلك - من استقراء كلمات العرب البلغاء، وتتبع تراكيبها. والقرآن لو لم يكن وحياً إلهياً - كما يزعم الخصم - فلا ريب في أنه كلام عربي بليغ، فيكون أحد المصادر للقواعد العربية، ولا يكون القرآن أقل مرتبة من كلام البلغاء الآخرين المعاصرين لنبي الإسلام. ومعنى هذا أن القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضاً على تلك القاعدة، لا نقداً على ما استعمله القرآن. على أن هذا لو تم فإنما يتم فيما إذا اتفقت عليه القراءات، فإنا سنثبت -- فيما يأتي - أن هذه القراءات المعروفة إنما هي اجتهادات من القرّاء أنفسهم، وليست متواترة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلو ورد اعتراض على إحدى القراءات كان ذلك دليلاً على بطلان تلك القراءة نفسها، دون أن يمس بعظمة القرآن وكرامته.

كيف يثبت الاعجاز لجميع البشر

وقالوا :

2 - إن الكلام البليغ - وإن عجز البشر عن الإتيان بمثله - لا يكون معجزاً، فإن معرفة بلاغته تختص ببعض البشر دون بعض، والمعجز لا بد وان يعرف إعجازه جميع أفراد البشر، لأن كل فرد منهم مكلف بتصديق نبوة صاحب ذلك المعجز.

الجواب:

وهذه شبهة تشبه ما تقدمها في ضعف الحجة، وتفكك القياس فإن المعجز لا يشترط فيه أن يدرك إعجازه كل البشر، ولو اشترطنا ذلك لم يسلم لنا معجز أصلاً، فإن إدراكه يختص بجماعة خاصة، ويثبت لغيرهم بالنقل المتواتر. وقد ذكرنا امتياز القرآن عن غيره من المعجزات بأن التواتر قد ينقطع في مرور الزمان. وأما القرآن فهو معجزة باقية أبدية ببقاء الامة العربية، بل ببقاء من يعرف خصائص اللغة العربية، وإن لم يكن عربياً.

وقالوا :

3 - إن العارف باللغة العربية قادر على أن يأتي بمثل كلمة من كلمات القرآن.

وإذا أمكنه ذلك أمكنه أن يأتي بمثل القرآن لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

الجواب:

إن هذه الشبهة لا تليق بالذكر، فان القدرة على الإتيان بمثل كلمة من كلمات القرآن، بل على الإتيان بمثل جملة من جملاته لا تقتضي القدرة على الإتيان بمثل القرآن، أو بمثل سورة من سوره، فإن القدرة على المادة لا تستلزم القدرة على التركيب. ولهذا لا يصح لنا أن نقول: إن كل فرد من أفراد البشر قادر على بناء القصور الفخمة والصروح الضخمة، لأنه قادر على وضع آجرة في البناء، أو نقول: إن كل عربي قادر على إنشاء الخطب والقصائد لأنه قادر على أن يتكلم بكل كلمة

من كلماتها ومفرداتها.

و كأنّ هذه الشبهة هي التي دعت «النظام وأصحابه إلى القول بأن إعجاز القرآن بالصرفة.

وهذا القول في غاية الضعف:

أولاً: لأن الصرفة التي يقولون بها إن كان معناها أن اللّه قادر على أن يُقدّر بشراً على أن يأتي بمثل القرآن، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر، ولم يؤتها لأحد منهم فهو معنى صحيح، ولكنه لا يختص بالقرآن، بل هو جار في جميع المعجزات وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ولكن اللّه صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان لأن كثيراً من الناس تصدُّوا لمعارضة القرآن، فلم يستطيعوا ذلك، واعترفوا بالعجز.

ثانياً لأنه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر، ويطالبهم بالإتيان بمثل القرآن، ولو وج--د ذلك لنقل وتواتر، لتكثر الدواعي إلى نقله، وإذ لم يوجد ولم ينقل كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازاً إلهياً خارجاً عن طاقة البشر.

مخالفة قصص القرآن للعهدين

وقالوا :

4 - إن القرآن وإن سلّم إعجازه، إلا أنه لا يكشف عن صدق نبوة من جاء به، لأن قصص القرآن تخالف قصص كتب العهدين التي ثبت كونها وحياً إلهياً بالتواتر.

الجواب:

إن القرآن بمخالفته لكتب الهدين في قصصها الخرافية قد أزال ريب ريب المرتاب في كونه وحياً إلهياً، لخلوه عن الخرافات والأوهام، وعما لا يجوز في حكم العقل نسبته إلى اللّه تعالى وإلى أنبيائه، فمخالفة القرآن لكتب العهدين بنفسها دليل على أنه وحى إلهي. وقد أشرنا فيما تقدم إلى ذلك، وإلى جملة من الخرافات الموجودة في كتب العهدين.

وقالوا:

5 - إن القرآن مشتمل على المناقضة فلا يكون وحياً إلهياً، وقد زعموا أن المناقضة وقعت في موردين :

الأول: في قوله تعالى:

(قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّا رَمْزاً) «41 : 3»

فإنه يناقض قوله تعالى:

«قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً» «19: 10».

الجواب:

إن لفظ اليوم قد يطلق ويراد منه بياض النهار فقط كما في قوله تعالى:

«سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسوماً) «69 : 7».

وقد يطلق ويراد منه بياض النهار مع ليله كما في قوله تعالى:

(تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ «11 : 65».

كما أن لفظ الليل قد يطلق ويراد به مدة مغيب الشمس واستنارها تحت الأفق، وعليه جاء قوله تعالى:

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) «92: 1». (سَبْعَ ليالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسوماً﴾ «69 : 7».

وقد يطلق ويراد منه سواد الليل مع نهاره، وعليه جاء قوله تعالى:

(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ «2 : 51»

واستعمال لفظي الليل والنهار في هذين المعنيين كثير جداً، وقد استعملا في الآيتين الكريمتين على المعنى الثاني «مجموع بياض النهار وسواد الليل» فلا مناقضة. وتوهم المناقضة يبتني على أن لفظي الليل والنهار قد استعملا على المعنى الأول. وما ذكرناه بيَّن لا خفاء فيه، ولكن المتوهم كابر الحقيقة ليحطّ من كرامة القرآن بزعمه هذا. وقد غفل أو تغافل عما في إنجيله من التناقض الصريح عند إطلاقه لهاتين الكلمتين !!!.

فقد ذكر في الباب الثاني عشر من أنجيل متى أخبار المسيح أنه يبقى مدفوناً في بطن الأرض ثلاثة أيام أو ثلاث ليال. مع أن إنجيل متى بنفسه والأناجيل الثلاثة الأُخر قد اتفقت على أن المسيح لم يبق في بطن الأرض إلا يسيراً من اخر يوم الجمعة، وليلة السبت ونهاره وليلة الأحد إلى ما قبل الفجر. فانظر أخريات الأناجيل، ثم قل لكاتب إنجيل متى، ولكل من يعتقد أنه وحي إلهي أين تكون ثلاثة أيام وثلاث ليال. ومن الغريب جداً أن يؤمن علماء الغرب ومفكروه بكتب العهدين،

وهي مليئه بالخرافات والمناقضات، وألا يؤمنوا بالقرآن، وهو الكتاب المتكفل بهداية البشر، وبسوقهم إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة، ولكن التعصب داء عضال، وطلاب الحق قليلون كما أشرنا اليه فيما تقدم.

الثاني: إن القرآن قد يسند الفعل إلى العبد واختياره. فيقول:

(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ «18 : 29».

والآيات بهذا المعنى كثيرة، فيدلّ على أن العبد مختار في عمله وقد يسند الإختيار في الأفعال إلى اللّه تعالى. فيقول:

(وَمَا تَشّاؤُنَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللّه﴾ «76 : 30».

وجود التناقض في الانجيل

فزعموا أنه يدل على أن العبد مجبور في فعله وقالوا: هذا تناقض واضح والتأويل في الآيات خلاف الظاهر، وقول بغير دليل.

الجواب:

إن كل إنسان يدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الأفعال، فيمكنه أن يفعلها وأن يتركها وهذا الحكم فطري لا يشك فيه أحد إلا أن تعتريه شبهة من خارج. وقد أطبق العقلاء كافة على ذم فاعل القبيح، ومدح فاعل الحسن، وهذا برهان على أن الإنسان مختار في فعله غير مجبور عليه عند إصداره. وكل عاقل يرى أن حركته على الأرض عند مشيه عليها تغاير حركته عند سقوطه من شاهق إلى الأرض، فيرى أنه مختار في الحركة الاولى وأنه مجبور على الحركة الثانية.

وكل إنسان عاقل يدرك بفطرته أنه وإن كان مختاراً في بعض الأفعال حين

يصدرها وحين يتركها إلا أن أكثر مبادىء ذلك الفعل خارجة عن دائرة اختياره فإن من جملة مبادىء صدور الفعل نفس وجود الإنسان وحياته، وإدراكه للفعل وشوقه اليه، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه وقدرته على إيجاده. ومن البيّن أن هذا النوع من المبادىء خارج عن دائرة اختيار الإنسان، وأن موجد هذه الأشياء في الإنسان هو موجد الإنسان نفسه.

ابطال الجبر والتفويض

وقد ثبت في محله أن خالق هذه الأشياء في الانسان لم ينعزل عن خلقه ب-ع-د الإيجاد، وأن بقاء الأشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل آن، وليس مثل خالق الأشياء معها كالبناء يقيم الجدار بصنعه، ثم يستغني الجدار عن بانيه، ويستمر وجوده وإن فنى صانعه أو كمثل الكاتب يحتاج اليه الكتاب في حدوثه، ثم يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره. بل مثل خالق الأشياء معها «ولله المثل الأعلى» كتأثير القوة الكهربائية في الضوء. فإن الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها، ولا يزال يفتقر في بقاء وجوده إلى مدد هذه القوّة في كل حين، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في حين انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن. وهكذا تستمد الأشياء وجميع الكائنات وجودها من مبدعها الأول في كل وقت من أوقات حدوثها وبقائها، وهي مفتقرة الى مدده في كل حين، ومتصلة برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء. وعلى ذلك ففعل العبد وسط بين الجبر والتفويض، وله حظ من كل منهما. فإن إعمال قدرته في الفعل أو الترك وإن كان باختياره إلا أن هذه القدرة وسائر المبادىء حين الفعل تفاض من اللّه فالفعل مستند الى العبد من جهة والى اللّه من جهة اخرى والآيات القرآنية المباركة ناظرة الى هذا المعنى، وأن اختيار العبد في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة اللّه وسلطانه.

اثبات الامر بين الأمرين في القرآن

ولنذكر مثلاً تقريبياً يتضح به للقارىء حقيقة الأمر بين الأمرين الذي قالت به الشيعة الإمامية، وصرحت به أئمتها، وأشار اليه الكتاب العزيز.

لنفرض إنساناً كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إراديّة وقتية بواسطة قوة الكهرباء، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه تحريكها أصلاً، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلاً، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده، ومباشرة الأعمال بها - والطبيب يمده بالقوة في كل آن - فلا شبهة في أن تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الأمر بين الأمرين، فلا يستند الى الرجل مستقلاً، لأنه موقوف على إيصال القوة الى يده، وقد فرضنا أنها بفعل الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلاً، لأن التحريك قد أصدره الرجل بإرادته، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنه مريد، ولم يفوض الي-ه الفعل بجميع مبادئه، لأن المدد من غيره، والأفعال الصادرة من الفاعلين المختارين هذا كلها من النوع. فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئاً إلا بمشيئة اللّه. والآيات القرآنية كلها تشير الى هذا الغرض، فهي تبطل الجبر - الذي يقول به أكثر العامة - لأنها تثبت الإختيار وتبطل التفويض المحض - الذي يقول به بعضهم - لأنها تسند الفعل الى اللّه وسنتعرض إن شاء اللّه تعالى للبحث تفصيلاً، ولإبطال هذين القولين حين تتعرض الآيات لذلك.

وهذا الذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعلومهم وهم الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. واليك بعض ما ورد منهم:

سأل رجل الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال :

«قلت: أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ قال: لا، قلت: ففوض اليهم الأمر ؟ قال: قال: لا. قال: قلت: فماذا ؟ قال : لطف من ربك بين ذلك» (1).

وفي رواية اخرى عنه:

«لا جبر ولا قدر، ولكن منزلة بينهما» (2).

وفي كتب الحديث للامامية جملة من هذه الروايات.

وقالوا

6 - لو كان الإتيان بكتاب ما معجزاً «لعجز البشر عن الإتيان بمثله» لكان کتاب اقلیدس وكتاب المجسطي معجزاً، وهذا باطل فيكون المقدم باطلاً ايضاً.

الجواب:

أولاً ان الكتابين المذكورين لا يعجز البشر عن الإتيان بمثلهما، ولا يصح فيهما هذا التوهم، كيف وكتب المتأخرين التي وضعت في هذين العلمين أرقى بياناً منهما، وأيسر تحصيلاً، وهذه الكتب المتأخرة تفضل عليهما في نواح اخرى منه-ا وج-ود اضافات كثيرة لا أثر لها فيهما.

ثانياً: إنا قد ذكرنا للمعجز شروطاً، ومن هذه الشروط أن يكون الإتيان به في مقام التحدي. والإستشهاد به على صدق دعوى منصب إلهي. ومنها أن يكون


1) الكافى : 18 / 159، الحدیث: 8.

2) الكافى: 18 / 159، الحديث: 10.

خارجاً عن نواميس الطبيعة، وكلا هذين الشرطين مفقود في الكتابين المذكورين. وقد أوضحنا ذلك أتم إيضاح في أول بحثنا عن الإعجاز.

القرآن كان مجموعاً على عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

وقالوا :

7 - إن العرب لم تعارض القرآن، لا لكونه معجزاً يعجز البشر عن الإتيان بمثله. ولكنهم لم يعارضوه الجهات اخرى لا تعود إلى الإعجاز. أما العرب الذين عاصروا الدعوة، أو تأخروا عنها قليلاً، فقد كانت سيطرة المسلمين تمنعهم عن التصدي لذلك، فلم يعارضوا القرآن خوفاً على أنفسهم وأموالهم من هؤلاء المسيطرين، ولما انقرضت سلطة الخلفاء الأربعة وآل الأمر الى الأمويين الذين لم تقم خلافتهم على محور الدعوة الإسلامية، صار القرآن مأنوساً لجميع الأذهان بسبب رشاقة ألفاظه، ومتانة معانيه، وأصبح من المرتكزات الموروثة خلفاً عن سلف، فانصرفوا عن معارضته لذلك.

الجواب:

ولاً : إن التحدي بالقرآن وطلب المعارضة بسورة من مثله قد كان من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكة قبل أن تظهر شوكة الإسلام، وتقوى سلطة المسلمين، ومع ذلك لم يستطع أحد من بلغاء العرب أن يقوم بهذه المعارضة.

ثانياً: إن الخوف في زمان الخلفاء، وسيطرة المسلمين، لم يمنع الكافر من أن يظهر كفره، وإنكاره لدين الإسلام. وقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها بأهنأ عيش وأكرم نعمة وكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ولا سيما في عصر خلافة أمير المؤمنين الذي اعترف بعدله ووفور علمه المسلمون

وغيرهم. فلو كان أحد هؤلاء الكتابيين، أو غيرهم قادراً على الإتيان بمثل القرآن لأظهره في مقام الاحتجاج.

ثالثاً: إن الخوف لو سلم وجوده فهو إنما يمنع عن إظهار المعارضة والمجاهرة بها، فما الذي منع الكتابيين، أو غيرهم من معارضته سراً في بيوتهم ومجامعهم ؟ ولو ثبتت هذه المعارضة لتحفّظ بها الكتابيون ليظهروها بعد زوال الخوف عنهم، كما تحفظوا على قصص العهدين الخرافية، وسائر ما يرتبط بدينهم.

اسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة

رابعاً: إن الكلام - وإن ارتفع مقامه من حيث البلاغة - إلا أن المعهود من الطباع البشرية أنه إذا كرر على الأسماع هبط عن مقامه الأول، ولذلك نرى أن القصيدة البليغة إذا أُعيدت على الإنسان مراراً ملها، واشمأزت نفسه منها، فإذا سمع قصيدة أخرى فقد يتراءى له في اوّل نظرة انّها أبلغ من القصيدة الاولى، فإذا كررت الثانية أيضاً ظهر الفرق الحقيقي بين القصيدتين. وهذا جارٍ في جميع مايلتذ به الإنسان، ويدرك حسنه من مأكول، وملبوس ومسموع وغيرها. والقرآن لو لم يكن معجزاً لكان اللازم أن يجري على هذا المقياس، وينحطّ في نفوس السامعين عن مقامه الأول، مهما طال به الزمان وطرأ عليه التكرار وبذلك تسهل معارضته، ولكنا نرى القرآن على كثرة تكراره وترديده، لا يزداد إلا حسناً وبهجة ولا يثمر إلا عرفاناً ويقيناً، ولا ينتج إلا إيماناً وتصديقاً، فهو في هذه المزية على عكس الكلام المألوف. وإذن فهذا الوجه يؤكد إعجازه لا أنه ينافيه كما يتوهمه هذا الخصم.

خامساً: ان التكرار لو فرض أنه يوجب انس النفوس ب-ه، وانصراف-ه-ا ع-ن معارضته، فهو إنما يتم عند المسلمين الذين يصدقون به، ويستمعون الي-ه ب-رغبة

واشتياق كلما تكررت تلاوته، فلماذا لا يعارضه غير المسلمين من العرب الفصحاء ؟ لتقع هذه المعارضة موقع القبول ولو من غير المسلمين.

وقالوا :

8 - ذكر التاريخ أن أبابكر لما أراد جمع القرآن أمر عمر وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد، وأن يكتبا ما شهد شاهدان على أنه من كتاب اللّه، وفى هذا شهادة على أن القرآن ليس خارقاً للعادة، لأنه لو كان خارقاً للعادة بنفسه لم يحتج الى الشهادة عليه، ولكان بنفسه شاهداً على نفسه.

الجواب:

أولاً: إن القرآن معجزة في بلاغته واسلوبه، لا في كل كلمة من كلماته، وإذن فقد يقع الشك في تحريف بعض الكلمات المفردة، أو في زيادتها ونقصانها. وشهادة الشاهدين - إذا صحت أخبارها - إنما هي لرفع هذه الاحتمالات التي تعرض من سهو القارىء أو من من عمده، على أن عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الإتيان بآية، أو ما يشبه الآية، فإن ذلك أمر ممكن، ولم يدع المسلمون استحالة ذلك، ولم يذكره القرآن عند التحدي بالمعارضة.

ثانياً: إن هذه الأخبار التي دلّت على جمع القرآن في عهد أبي بكر بشهادة شاهدين من الصحابة كلها أخبار آحاد لا تصلح أن تكون دليلاً في أمثال ذلك.

ثالثاً: إنها معارضة بأخبار كثيرة دلّت على أن القرآن قد جمع في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)وكان كثير من الصحابة يحفظ جميع القرآن. وأما الحافظون منهم لبعض س-وره

وأجزائه فلا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى. على أن النظرة العقلية البسيطة تشهد بكذب تلك الأخبار التي استدل بها الخصم. فإن القرآن هو السبب الأعظم في ه-داي-ة المسلمين، وفي خروجهم من ظلمات الشقاء والجهل إلى نور السعادة والعلم، وقد بلغ المسلمون في العناية بالقرآن الدرجة القصوى، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار، وكانوا يتفاخرون في حفظه واتقانه ويتبركون بسوره وآياته، والنبي يحثهم على ذلك فهل يحتمل عاقل بعد هذا كله أن يقع الشك فيه عندهم حتى يحتاج إثباته إلى شاهدين ؟. وسنثبت - إن شاء اللّه تعالى - فيما يأتي ان القرآن كان مجموعاً في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وقالوا :

9 - إن للقرآن اسلوباً يباين أساليب البلغاء المعروفة، فقد خلط بين بين المواضيع المتعددة، فبينا هو يتكلم في التاريخ إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد إلى الحكم والأمثال إلى جهات اخرى. ولو كان القرآن مبوباً يجمع في كل موضوع ما يتصل به من الآيات، لكانت فائدته أعظم، وكانت الاستفادة منه أسهل.

الجواب:

إن القرآن أنزل لهداية البشر، وسوقهم إلى سعادتهم في الأولى والأخرى، وليس هو بكتاب تاريخ، أو فقه، أو أخلاق أو ما يشبه ذلك ليعقد لكل من هذه الجهات باباً مستقلاً ولا ريب في أن اسلوبه هذا أقرب الأساليب إلى حصول النتيجة المقصودة، فإن القارىء لبعض سور القرآن يمكنه أن يحيط بكثير من أغراضه وأهدافه في أقرب وقت و أقل كلفة، فيتوجه نظره إلى المبدأ والمعاد، ويطلع على

أحوال الماضين فيعتبر بهم. ويستفيد من الأخلاق الفاضلة، والمعارف العالية، ويتعلم جانباً من أحكامه في عباداته ومعاملاته. كل ذلك مع حفظ نظام الكلام، وتوفية حقوق البيان، ورعاية مقتضى الحال. وهذه الفوائد لا يمكن حصولها من القرآن إذا كان مبوباً، لأن القارىء لا يحيط بأغراض القرآن إلا حين يتم تلاوة القرآن جميعه، وقد يعوقه عائق عن الإتمام فلا يستفيد إلا من باب أو بابين.

ولعمري أن هذه إحدى الجهات المحسنة لأسلوب القرآن، الذي حاز به الجمال والبهاء، فإنه مع انتقاله من موضوع إلى موضوع يتحفظ على كمال الربط بينهما، كأنّ كل جملة منه درة في عقد منتظم، ولكن بغض الإسلام أعمى بصر هذا المستشكل وأصم سمعه حتى توهم الجمال قبحاً، والمحاسن مساوىء. على أن القرآن قد ك--رر بعض القصص مراراً بعبارات مختلفة، حسب المناسبات المقتضية للتكرار، فلو جمعت تلك العبارات كلها في باب واحد لانتفت تلك الفائدة الملحوظة، وكان التكرار لغير فائدة ملموسة للقارئ.

سخافات و خرافات في معارضة سورتين من القرآن

ذكر كاتب رسالة «حسن الايجاز» (1)في رسالته هذه أنه يمكن معارضة القرآن بمثله، وذكر جملاً اقتبسها من نفس القرآن وحوّر بعض ألفاظها وزعم أنه يعارض بها القرآن فأظهر مبلغه من العلم، ومقدار معرفته بفنون البلاغة وهنا نذكر للقارىء تلك العبارات، ونوضح له وجوه الفساد في المعارضة الوهمية وقد تعرضنا لها في


1) كتيب صدر من المطبعة الانكليزية الأمريكية ببولاق مصر سنة 1912.

كتابنا «نفحات الإعجاز» (1).

ذكر هذا المتوهم فى معارضة سورة الفاتحة قوله: «الحمد للرحمن رب الأكوان الملك الديان، لك العبادة، وبك المستعان، إهدنا صراط الإيمان» وتخيل أن قوله هذا واف بجميع معاني سورة الفاتحة، مع أنه أخصر منها.

ولست أدري ماذا أقول لكاتب هذه الجمل، وهو بهذا المقدار من التمييز بين غث الكلام وسمينه ؟! وليته عرض قوله هذا على علماء النصارى العارفين منهم بأساليب الكلام، وفنون البلاغة قبل أن يفضح نفسه بهذه الدعوى أولم يشعر بأن المألوف في معارضة كلام بمثله، أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلام يتحد مع الكلام المعارض في جهة من الجهات أو غرض من الاغراض، ولكنّه يأتي بكلام مستقل في ألفاظه وتركيبه واسلوبه ؟ وليس معنى المعارضة أن يقلد الكلام المعارض في تركيبه واسلوبه، ويتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض، وإلا لأمكنت معارضة كل كلام بهذا النحو من المعارضة. وقد كان أيسر شيء لمعاصري النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) م--ن الع--رب، ولكنهم لمعرفتهم بمعنى المعارضة الصحيحة ومعرفتهم بوجوه البلاغة في القرآن لم تمكنهم المعارضة، واعترفوا بالعجز فآمن به من آمن منهم وجحد به من جحد:

فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤثَرُ «74 : 24». على أنه كيف تصح المقايسة بين جمله هذه التي أتعب بها نفسه، وبين فاتحة الكتاب حتى يتوهم أنها وافية بمعناها ؟ أو لم يكف هذا الكاتب جهله بفنون البلاغة حتى دل الناس على عيوبه بالجهر بها ؟!! وكيف تصح المقايسة بين قوله «الحمد


1) كتبناه رداً على «حسن الايجاز» طبع في المطبعة العلوية في النجف الأشرف سنة 1342. (المؤلف)

للرحمن» مع قول اللّه تعالى:

(أَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ «1 : 2».

وقد فوّت بجملته هذه المعنى المقصود من قول اللّه تعالى. فإن كلمة «الله» ع--لم للذات المقدسة الجامعة لجميع صفات الكمال، ومن صفات الكمال الرحمة التي أشار

اليها فى البسملة، فذكر كلمة «الرَّحمن» يوجب فوت الدلالة على بقية جهات الكمال المجتمعة في الذات المقدسة والتي يستوجب بها الحمد من غير ناحية الرحمة. وكذلك استبدال قوله ربّ الأكوان» بقوله تعالى:

(رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «1 : 3».

فإن فيه تفويتاً لمعنى هاتين الآيتين، فإن فيهما دلالة على تعدد العوالم الطولية والعرضية، وأنه تعالى مالك لجميعها ومربيها، وأن رحمته تشمل جميع هذه العوالم على نحو مستمر غير منقطع، كما يدل عليه ذكر لفظ «الرَّحيم» بعد لفظ «الرَّحمن». وسنوضح ذلك في تفسير البسملة.

وأين من هذه المعاني قول هذا القائل: «رب الأكوان ؟» فإن الكون معناه الحدوث والوقوع والصيرورة والكفالة (1)وهو بجميع هذه المعاني معنى مصدري لا يصح إضافة كلمة الرب اليه وهي بمعنى المالك المربي. نعم يصح إضافة كلمة الخالق اليه فيقال: خالق الأكوان على أن لفظ الأكوان لا يدل على تعدد عوالم الموجودات الذى يدل عليه لفظ العالمين، ولا على سائر الجهات التي تدل عليها الآية الكريمة.

وكذلك استبداله جملة «الملك الديّان» بقول اللّه تعالى:


1) راجع لسان العرب مادة «كون».

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «1 : 4».

مع أن جملته تلك لا تدل على وجود عالم آخر الجزاء الأعمال، وأن اللّه تعالى هو مالك ذلك اليوم، وليس فيه لأحد تصرف ولا اختيار، وأن الناس كلهم في ذلك اليوم تحت حكم اللّه تعالى ينفذ فيهم أمره، فبعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار. وغاية ما تدل عليه جملته تلك أن اللّه ملك يجازي بالأعمال وأين هذا من معنى الآية الكريمة ؟!

أما قوله تعالى:

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «1 : 5».

فقد فهم هذا الكاتب من معناه أن العبادة لا بد من أن تكون اللّه، وأن الاستعانة لا تكون إلا به تعالى فأبدلها بقوله: «لك العبادة، وبك المستعان» وقد فاته أن المقصود بالآية تلقين المؤمن أن يظهر توحيده في العبادة، وحاجته وافتقاره إلى إعانة اللّه عزوجل في عباداته وسائر أعماله، وأن يعترف بأنه وجميع المؤمنين لا يعبدون غير اللّه، ولا يستعينون بأحد سوى اللّه، بل يعبدونه وحده ويستعينون به و أين هذا من عبارة هذا الكاتب على أنها ليست أخصر من الآية المباركة ؟!! وقوله تعالى:

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) «1 : 6».

أراد به طلب الهداية إلى أقرب طريق يوصل سالكه إلى مقاصده من أعماله وملكاته وعقائده، ولم يحصره بطريق الإيمان فقط، وهذا لا يفي به قول الكاتب: «إهدنا صراط الإيمان». على أن معنى هذه الجملة طلب الهداية إلى طريق الإيمان، ولا دلالة فيها على أن ذلك الطريق مستقيم لا يضلُّ سالكه.

وقد استغنى الكاتب بجملته هذه عن بقية السورة المباركة، وزعم أن هذه البقية

غير محتاج اليها، وهذا يدل على قصوره عن فهم معناها. فإن قوله تعالى:

(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) «1 : 7».

فيه دلالة على وجود طريق مستقيم سلكه الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ووجود طرق اخرى غير مستقيمة سلكها المغضوب عليهم من المعاندين للحق والمنكرين له بعد وضوحه، والضالون الذين ضلوا طريق الهدى بجهلهم، وتقصيرهم في الفحص عنه، وفي اقتناعهم بما ورثوه من آثار آبائهم، فاتبعوهم تقليداً على غير هدى من اللّه ولا برهان. والقارىء المتدبر لهذه الآية الكريمة يتذكر ذلك فيحضر في ذهنه لزوم التأسي بأولياء اللّه المقربين في أعمالهم، وأخلاقهم وعقائدهم، والتجنب عن مسالك هؤلاء المتمردين الذين غضب اللّه عليهم بما فعلوا، والذين ضلوا طريق الحق بعد اتضاحه، وهل يعد هذا المعنى من الأمور التي لا يهتم بها كما يتوهمه هذا الكاتب ؟!!.

وذكر في معارضة سورة الكوثر: قوله: «إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر، ولا تعتمد قول ساحر» انظر كيف يقلد القرآن في نظمه وتركيبه ويغير بعض ألفاظه، ويوهم الناس أنه يعارض القرآن ثم انظر كيف يسرق قوله هذا من مسيلمة الكذاب الذي يقول: «إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك و هاجر، وإن مبغضك رجل كافر». ومن الغريب أنه توهم أن المشابهة في السجع بين الكلامين تقتضي مشاركتهما في البلاغة ولم يلتفت إلى أن إعطاء الجواهر لا تترتب عليه إقامة الصلاة والمجاهرة بها. وأن اللّه على عبده نعماً عظيمة هي أشرف وأعظم من نعمة المال كنعمة الحياة والعقل والإيمان، فكيف يكون السبب الموجب للصلاة اللّه هو إعطاء المال دون تلك النعم العظيمة ؟! ولكن الذي يستأجر بالمال للتبشير يكون

المال قبلته التي يصلي اليها وهدفه الذي يسعى إلى تحصيله، وغايته التي يقدمها على كل غاية «وكل إناء بالذي فيه ينضح».

ولسائل أن يسأل هذا الكاتب عن معنى كلمة «الجواهر» التي جاء بها معرفة بالألف واللام، فإن أراد بها جواهر معينة فليست في اللفظ قرينة تعين هذه الجواهر المقصودة، وإن أراد بها جميع الجواهر الموجودة في العالم من حيث أن الجمع المعرف بالألف واللام يدل على الاستغراق فهو كذب صريح وما هو وجه المناسبة بين الجملتين السابقتين وبين قوله: «ولا تعتمد قول ساحر». وما هو المراد من لفظ ساحر، ومن قوله الذي لا يعتمد عليه ؟ فإن أراد به ساحراً معيناً، وقولاً مخصوصاً من أقواله، كان عليه أن ينصب قرينة على هذا التعيين. وليس في جملته ه-ذه م-ا يصلح للدلالة عليه، وإن أراد به كل قول لكل ساحر لأنهما نكرتان في سياق النهي لزم اللغو في هذا الكلام، لأنه لا يوجد سبب معقول لعدم الإعتماد على قول كل ساحر، ولو كان هذا القول في الأمور الإعتيادية مع الإطمئنان بقوله. وإن أراد أن لا يعتمد قول الساحر بما هو ساحر فهو غلط، لأن الساحر من حيث هو ساحر لا قول له، وإنما يسحر الناس ويفسد عليهم حالهم بحيله وأعماله.

وأما سورة الكوثر فقد نزلت في من شناً رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: إنه أبتر وسيموت وينقطع دينه واسمه، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى:

(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنون) «52: 30».

فأنزل اللّه تبارك وتعالى:

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) «108 : 1».

وهو الخير الكثير من جميع الجهات. أما في الدنيا فشرف الرسالة، وهداية الخلق

وزعامة المسلمين وكثرة الأنصار، والنصر على الأعداء وكثرة الذرية - من بضعته الصديقة الطاهرة - التي توجب بقاء اسمه ما دامت الدنيا باقية. وأما في الآخرة فالشفاعة الكبرى والجنان العالية، والحوض الذي لا يشرب منه إلا هو وأولياؤه الى ما سوى ذلك من نعم اللّه عليه.

(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) «2:108».

شكراً له على هذه النعم، والمراد بالنحر النحر بمنى، أو نحر الأضحية في الأضحى، أو رفع اليدين إلى النحر في تكبير الصلاة، أو استقبال القبلة بالنحر، والإعتدال في القيام وجيمع ذلك يناسب المقام لأنه نحو من الشكر لتلك النعم. وقد أنزل اللّه سبحانه:

(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْاَبْتَرُ) «3:108».

فلا يبقى له اسم ولا رسم فكانت العاقبة لهؤلاء الشانئين ما أخبر اللّه عنهم، فلم يبق لهم اسم ولا ذكر خير في الدنيا زيادة على جزائهم في الآخرة من العذاب الأليم، والخزي الدائم. وهل تقاس هذه السورة المباركة في معانيها السامية، وبلاغتها الكاملة بتلك الجمل الساقطة التي أجهد هذا الكاتب بها نفسه فقلّد القرآن في نحو تركيبه، وأخذ من مسيلمة الكذاب ألفاظها وأسلوبها، وأتى بها كما شاء له العناد، بل كما شاءله الجهل الفاحش ليعارض بها عظمة القرآن في بلاغته وإعجازه ؟!

حول سائر المعجزات

إشارة:

•

إثبات المعجزات بالبراهين المنطقية.

•

محاسبة المدارك التي استند اليها منكرو تلك المعجزات.

•

بشارة التوراة والإنجيل بنبوة محمد.

•

إسلام كثير من اليهود والنصارى.

•

الدليل القطعي على إثبات هذه البشارة.

•

معجزات النبي أولى بالتصديق من معجزات الأنبياء السابقين.

لا يشك باحث مطلع في أن القرآن أعظم معجزة جاء بها نبي الإسلام، ومعنى هذا أنه أعظم المعجزات التي جاء بها الأنبياء والمرسلون جميعاً. وقد ذكرنا في المباحث المتقدمة بعضاً من نواحي إعجازه، وأوضحنا تفوق كتاب اللّه على جميع المعجزات، ولكنا نقول ههنا: إن معجزة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم تكن منحصرة بالقرآن الكريم، ولقد شارك جميع الأنبياء في معجزاتهم واختصَّ من بينهم بمعجزة الكتاب العزيز. والدليل على قولنا هذا أمران:

الأول: أخبار المسلمين المتواترة الدالة على صدور المعجزات منه، وقد ألف المسلمون - على اختلاف مللهم ونحلهم في هذه المعجزات - مؤلفات كثيرة فليراجعها من يرغب في الإطلاع عليها. ولهذه الأخبار جهتان من الإمتياز ع-ل-ى أخبار أهل الكتاب بمعجزات أنبيائهم:

الجهة الاولى: قرب الزمان، فإن الشيء إذا قرب زمانه كان تحصيل الجزم بوقوعه أيسر منه إذا بعد زمانه.

الجهة الثانية: كثرة الرواة، فإن أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذين شاهدوا معجزات-ه أكثر - بالوف المرّات - من بني إسرائيل، ومن المؤمنين بعيسى الناقلين لمعجزاتها.

فإن المؤمنين بعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصره كانوا لقلتهم يعدُّون بالأصابع، و إن نقل معجزاته لابد و أن ينتهي إلى هؤلاء المؤمنين القليلين في العدد، فإذا صحت دعوى التواتر في معجزات موسی و عیسی صحت دعوى التواتر في معجزات نبي الإسلام بطريق أولى. وقد أوضحنا فيما تقدم أن التواتر في معجزات الأنبياء السابقين غير ثابت في الأزمنة اللاحقة، ودعواه دعوى باطلة.

اثبات المعجزات بالبراهين المنطقية الثاني: ان نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أثبت للأنبياء السابقين معجزات كثيرة، ثم ادَّعى أنه هو أفضل هؤلاء الأنبياء جميعاً وأنه خاتمهم. وهذا يقتضي صدور تلك المعجزات منه على نحو أتم، فإنه لا يعقل أن يدعي أحد أنه أفضل من غيره، وهو يعترف بنقصانه عن ذلك الغير في بعض صفات الكمال. وهل يعقل أن يدعي أحد أنه أعلم الأطباء جميعاً، وهو يعترف بأن بعض الأطباء الآخرين قادر على معالجة مرض هو غير قادر عليها ؟! إن ضرورة العقل تمنع ذلك. ولهذه الجهة نرى أن جملة من المتنبين الكاذبين قد أنكروا الإعجاز، وجحدوا كل معجزة للأنبياء السابقين، وصرفوا اهتمامهم إلى تأويل كل آية دلت على وقوع الإعجاز، حذراً من أن يطالبهم الناس بأمثالها فيستبين عجزهم.

وقد كتب بعض الجهلاء، والمموهين على البسطاء أن في آيات القرآن ما يدل على نفي كل معجزة للنبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و غير القرآن وأن القرآن هو معجزته الوحيدة ليس غير، وهو حجته على نبوته. ونحن نذكر هذه الآيات التي احتجوا بها، ونذكر وجه احتجاجهم، ثم نوضح فساد ذلك.

فمن هذه الآيات قوله تعالى:

(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَة مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تخويفاً) «17 : 59».

ووجه دلالتها - على ما يزعمون - أنها ظاهرة في أن النبي ظ44 لم يأتِ بآية غير القرآن. وأن السبب في عدم الإرسال بالآيات هو أن الأولين من الأمم السابقة قد كذبوا بالآيات التي أرسلت اليهم.

والجواب:

إن المراد بالآيات التي نفتها الآية الكريمة، والتي كذَّب بها الأولون من الأمم هي الآيات التي اقترحتها الأمم على أنبيائها، فالآية الكريمة تدل على أن النبي لم يجب المشركين إلى ما اقترحوه عليه من الآيات ولا تنفى عنه صدور المعجزة مطلقاً. ويدل على أن المراد هي الآيات الاقتراحية أمور:

الأول: ان الآيات جمع آية بمعنى العلامة، وه-و جم-ع م-عرف بالألف واللام. والوجوه المحتملة المحتملة في معناه ثلاثة:

فإما أن يراد منه جنس الآية الذي يصلح للانطباق على كل فرد من الآيات، ومعنى هذا أن الآية الكريمة تنفى وقوع كل آية تدل على صدق مدعي النبوة، ولازم هذا أن يكون بعث الرسول لغواً، إذ لا فائدة في أرساله إذا لم تكن معه بينة تقوم على صدقه، وأن يكون تكليف الناس بتصديقه ولزوم اتباعه تكليفاً بما لا يطاق.

وإما أن يراد به جميع الآيات، وهذا التوهم أيضاً فاسد، لأن إثبات صدق النبي يتوقف على آيةٍ ما من الآيات، ولا يتوقف على إرساله بجميع الآيات ولم يقترح المقترحون عليه أن يأتي بجميعها، فلا معنى لحمل الآية عليه.

فلا بد وأن يراد بهذه الآية الممنوعة خصوص آيات معهودة من الآيات الإلهية.

الثاني: أن تكذيب المكذبين لو صلح أن يكون مانعاً عن الإرسال بالآيات، لكان مانعاً عن الإرسال بالقرآن أيضاً إذ لا وجه لتخصيص المنع بالآيات الأخرى.

وقد أوضحنا أن القرآن أعظم المعجزات التي جاء بها الأنبياء، وقد تحدّى ب-ه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميع الأمم لإثبات نبوته ما دامت الليالي والأيام. وهذا يدلنا أيضاً على أن الآيات الممنوعة قسم خاص وليست مطلق الآيات.

الثالث: أن الآية الكريمة صرّحت بأن السبب المانع عن الإرسال بالآيات هو تكذيب الأولين بها، وهذا من قبيل تعليل عدم الشيء بوجود مانعه. ومن البين أن التعليل بوجود د المانع لا يحسن في نظر العقل إلا إذا كان السبب المقتضي لوجود ذلك الشيء موجوداً، ولذلك يقبح عند العقلاء أن يعلل عدم احتراق الخشبة - مثلاً - بوجود الرطوبة عليها إذا كانت النار غير موجودة، وذلك واضح لا يقبل الشك. وإذن فلا بد وأن يكون المقتضي للإرسال بالآيات موجوداً، ليصح ت-علي-ل ع-دمه بوجود التكذيب. والمقتضي للإرسال لا يخلو من أن يكون هي الحكمة الإلهية لإرشاد العباد وهدايتهم إلى سعادتهم. وأن يكون اقتراح الامة على النبي شيئاً من الآيات زائداً على المقدار اللازم من الآيات لإتمام الحجة. أما إذا كان المقتضي للإرسال بالآيات هى الحكمة الإلهية، فلا بد من إرسال هذه الآيات، ويستحيل أن يمنع من تأثير الحكمة الإلهية، شيء لأنه يستحيل على الحكيم أن يختار في عمله ما تنافيه حكمته، سواء في ذلك وجود التكذيب وعدمه.

على أن تكذيب الأمم السابقة لو صلح أن يكون مانعاً عن تأثير الحكمة الإلهية في الإرسال بالآيات، لصلح أن يكون مانعاً عن إرسال الرسول. وهذا باطل بالضرورة. وخلاف للمفروض أيضاً. فتعين أن يكون المقتضي للإرسال بالآيات هو اقتراح المقترحين. ومن الضروري أن المقترحين إنما يقترحون اموراً زائدة على الآيات التي تتم بها الحجة، فإن هذا المقدار من الآيات مما يلزم على اللّه أن يرسل به لإثبات نبوّة نبيّه وما زاد على هذا المقدار من الآيات لا يجب على اللّه أن يرسل به

ابتداءً، ولا يجب عليه أن يجيب اليه إذا اقترحه المقترحون. نعم لا يستحيل عليه ذلك إذا اقتضت المصلحة أن يقيم الحجة مرة ثانية وثالثة، أو أن يجيب المقترحين إلى ما طلبوا.

وعلى هذا فاقتراح المقترحين إنما يكون بعد إتمام الحجة عليهم بما يلزم من الآيات، وتكذيبهم إياها. وإنما كان تكذيب الأمم السابقة مانعاً عن الإرسال بالآيات المقترحة في هذه الامة، لأن تكذيب الآيات المقترحة يوجب نزول العذاب على المكذّبين.

وقد ضمن اللّه تعالى رفع العذاب الدنيوي عن هذه الأمة إكراماً لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتعظيماً لشأنه. فقد قال اللّه تعالى:

(وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ «8 : 33».

أما أن تكذيب الآيات المقترحة يوجب نزول العذاب على المكذبين فلأن الآية الإلهية إذا كانت مبتدأة كانت متمحضة في إثبات نبوة النبي، ولم يترتب على تكذيبها أكثر مما يترتب على تكذيب النبي من العقاب الأخروي.

وأما إذا كانت مقترحة كانت كاشفة عن لجاجة المقترح، وشدة عناده، إذ لو كان طالباً للحق لصدّق بالآية الأولى لأنها كافية في إثباته، ولأن معنى اقتراحه هذا أنه قد التزم على نفسه بتصديق النبي إذا أجابه إلى هذا الإقتراح، فإذا كذب الآية المقترحة بعد صدورها كان مستهزئاً بالنبي وبالحق الذي دع-ا الي-ه، وب-الآية التي طلبها منه، ولذلك سمى اللّه تعالى هذا النوع من الآيات آيات التخويف» كما في آخر هذه الآية الكريمة، وإلا فلا معنى لحصر مطلق الآيات بالتخويف، فإن منها ما يكون للرحمة بالعباد وهدايتهم وإنارة سبيلهم.

ومما يدلنا على أن المراد من الآيات الممنوعة هي آيات التعذيب والتخويف: ملاحظة مورد هذه الآية الكريمة وسياقها فإن الآية التي قبلها هي قوله تعالى:

(وإِنْ مِّنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوَها قَبْلَ يَوْم الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوَها عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ «17 : 58».

وقد ذكرت فيها آية ثمود التي أعقبها نزول العذاب عليهم. وقصتهم مذكورة في سورة الشعراء وختمت هذه الآية بقوله تعالى:

(وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخويفاً) «17 : 59».

وكل هذه القرائن دالة على أن المراد بالآيات الممنوعة هي الآيات المقترحة التي تستلزم نزول العذاب.

ونحن إذا سبرنا الآيات القرآنية يظهر لنا ظهوراً تاماً لا يقبل التشكيك أن المشركين كانوا يقترحون إنزال العذاب عليهم، أو يقترحون آيات اخرى نزل العذاب على الامم السابقة بسبب تكذيبها.

فمن القسم الأول قوله تعالى:

(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ انْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 8: 32. وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: 33. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْه الْمُجْرِمُونَ 50:10. وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ 11: 8. 11: 8. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 29: 53﴾.

ومن القسم الثاني قوله تعالى:

(وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّه اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه سَيُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللّه وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يمكُرُونَ 6: 124 فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ 21: 5. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تظاهَرا وَقَالُوا إِنَّا بِكَلِّ كَافِرُونَ 28 : 48).

ويدلنا على أن نظير هذه الآيات المتقرحة قد كذبها الأولون فاستحقوا به نزول العذاب قوله تعالى:

(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّه بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ 16: 26. كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (39 (25).

وما أكثر الشواهد على ذلك من الكتاب العزيز. وقد ورد في تفسير الآية عن طريق الشيعة وأهل السنة ما يؤكد هذا الذي استفدناه من ظاهرها.

فعن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«ان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و سأله قومه أن يأتي بآية فنزل جبريل وقال: إن اللّه يقول: وَما مَنَعنا أن نُرسلَ بِالآيَاتِ إِلا أَن كذَّبَ بها الأولون. وكنا إذا أرسلنا إلى قريش آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم، فلذلك أخرنا عن قومك الآيات» (1).)


1) تفسير البرهان : 1 / 607.

وعن ابن عباس قال:«سأل أهل مكة النبي أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتبي، وإن شئتأن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا اهلكوا كما اهلك من قبلهم. قال: بل تستأني بهم فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنا أن نُرْسِلَ بالآيات.. (1))وهناك روايات اخرى من أراد الإطلاع عليها فليراجع كتب الروايات وتفسير الطبري.ومن الآيات التي استدل بها الخصم على نفي المعجزات للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ غير الق--رآن قوله تعالى:)(وَقَالُوا لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً 17 90. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالها تَفْجِيراً: 91. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قبيلاً: 92. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَ فِي السَّماءِ وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُقِيَّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً : 93.)ووجه استدلال الخصم بهذه الآيات الكريمة ان المشركين قد دعوا النبي إلى إقامة المعجزة شاهدة على صدقه بالنبوة، فامتنع عن ذلك واعترف لهم بالعجز، ولم يثبت لنفسه إلا أنه بشر أرسل اليهم. فالآيات دالة على نفي صدور المعجزة منه.


1) تفسير الطبرى : 15 / 74.

الجواب:أولاً: أنا قد أوضحنا للقارىء حال الآيات المقترحة في جواب الإستدلال المتقدم. ولا شك في أن هذه المعجزات التي طلبها المشركون من النبي آيات مقترحة وأن هؤلاء المشركين في مقام العناد للحق. ويدلنا على ذلك أمران:1 - أنهم قد جعلوا تصديقهم بالنبي موقوفاً على أحد هذه الامور التي اقترحوها، ولو كانوا غير معاندين للحق لاكتفوا بكل آية تدل على صدقه، ولم تكن لهذه الامور التي اقترحوها خصوصية على ما سواها من الآيات.2 - قولهم: «أو تَرْق في السّماءِ وَلَن نؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حتى تُنزِّلَ عَلَيْنَا كِتاباً نقْرَوْه» وأي معنى لهذا التقييد بإنزال الكتاب أفليس الرقي الى السماء وحده آية كافية في الدلالة على صدقه ؟ أو ليست في هذه التشهيات الباردة دلالة واضحة على عنادهم للحق. وتمردهم عليه ؟!!.ثانياً: إن هذه الامور التي اقترحها المشركون في الآيات المتقدمة منه-ا م-ا يستحيل،وجوده ومنها ما لا يدل على صدق دعوى النبوة. فلو وجب على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يجيب المقترحين الى ما يطلبونه، فليس هذا النوع من الامور المقترحة مما تجب إجابته.)وإيضاح هذا: أن الامور المقترحة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ المذكورة في هذه الآيات سنة: ثلاثة منها مستحيلة الوقوع وثلاثة منها غير مستحيلة، ولكنها لا تدل على صدق المدعي للنبوة (1). فالثلاثة المستحيلة:)


1) انظر الحديث الكامل - الذي يقص محاورة قريش مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فرض هذه الامور المستحيلة عليه، محاولة تعجيزه وتبكيته - في قسم التعليقات برقم (6).

أولها سقوط السماء عليهم كسفاً. فان هذا يلازم خراب الأرض، وهلاك أهلها، وهو إنما يكون في آخر الدنيا. وقد أخبرهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بذلك، ويدل عليه قولهم: «كما زعمت» وقد ذكر هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم منها قوله تعالى:)(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ 84: 1. إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ 82: 1. إِنْ نَّشَأْ نَخْسِفَ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّماءِ 34: 9.)وإنما كان ذلك مستحيلاً لأن وقوعه قبل وقته خلاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية من بقاء الخلق، وإرشادهم إلى كمالهم. ويستحيل على الحكيم أن يجري في أعماله على خلاف ما تقتضيه حكمته.ثانيها: أن يأتي بالله بأن يقابلوه، وينظروا اليه وذلك ممتنع لأن اللّه لا تدركه الأبصار، وإلا لكان محدوداً في جهة، وكان له لون وله صورة. وجميع ذلك مستحيل عليه تعالى.ثالثها: تنزيل كتاب من الله. ووجه استحالة ذلك أنهم أرادوا تنزيل كتاب كتبه اللّه بيده، لا مجرد تنزيل كتاب ما، وإن كان تنزيله بطريق الخلق والإيجاد، لأنهم لو أرادوا تنزيل كتاب من اللّه بأي طريق اتفق لم يكن وجه معقول لطلبهم إنزاله من السماء، وكان في الكتاب الأرضي ما في الكتاب السماوي من الفائدة والغرض، ولا شك ان هذا الذي طلبوه مستحيل لأنه يستلزم أن يكون اللّه جسماً ذا ج--ارح--ة. تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.وأما الامور الثلاثة الاخرى فهي وإن كانت غير مستحيلة، لكنها لا تدل على صدق دعوى النبوة. فإن فجر الينبوع من الأرض، أو كون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مالكاً لجنة من نخيل وعنب مفجرة الأنهار أو كونه يملك بيتاً من زخرف، امور لا ترتبط)

بدعوى النبوة، وكثيراً ما يتحقق أحدها لبعض الناس ثم لا يكون نبياً. بل فيهم من يتحقق له جميع هذه الامور الثلاثة، ثم لا يحتمل فيه أن يكون مؤمناً، فضلاً عن أن يكون نبياً، وإذا لم ترتبط هذه الامور بدعوى النبوة، ولم تدل على صدقها ك-ان الإتيان بها في مقام الاحتجاج عبثاً، لا يصدر من نبي حكيم.وقد يتوهم متوهم أن هذه الامور الثلاثة لا تدل على صدق النبوة، إذا وجدت من أسباب عادية مألوفة. أما إذا وجدت بأسباب غير عادية فلا ريب أنها تكون آيات إلهية، وتدل على صدق النبوة.الجواب:إن هذا في نفسه صحيح، ولكن مطلوب المشركين أن تصدر هذه الأشياء ولو من أسبابها العادية، لأنهم استبعدوا أن يكون الرسول الإلهي فقيراً لا يملك شيئاً.(وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «43 : 31». فطلبوا من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يكون ذا مال كثير. ويدلنا على ذلك أنهم قيدوا طلبهم بأن تكون الجنة والبيت من الزخرف للنبي دون غيره، ولو أرادوا صدور هذه الامور على وجه الإعجاز لم يكن لهذا التقييد وجه صحيح، بل ولا وجه لطلب الجنة أو البيت، فإنه يكفي إيجاد حبة من عنب أو مثقال من ذهب.

وأما قولهم: «حتى تَفجُرَ لنا مِن الأَرضِ يَنبوعاً» فلا يدل على أنهم يطلبون الينبوع لهم لا للنبي وإنما يدل على أنهم يطلبون منه فجر الينبوع لأجلهم، وب-ين المعنيين فرق واضح ولم يظهر النبي لهم عجزه عن الإتيان بالمعجزة كما توهمه هؤلاء القائلون. وإنما أظهر بقوله: «سُبحانَ رَبِّي» أن اللّه تعالى منزّه عن العجز، وأنه قادر على كل أمر ممكن، وأنه منزه عن الرؤية والمقابلة. وعن أن يحكم عليه بشيء من

اقتراح المقترحين وأن النبي بشر محكوم بأمر اللّه تعالى، والأمر كله اللّه وحده يفعل مايشاء ويحكم ما يريد.

ومن الآيات التي استدل بها القائلون بنفي المعجزات للنبي عدا القرآن قوله تعالى: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للّه فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرينَ) «10 : 20».

ووجه الاستدلال: أن المشركين طالبوا النبي بآية من ربه، فلم يذكر لنفسه معجزة. وأجابهم بأن الغيب اللّه، وهذا يدل على أنه لم يكن له معجزة غير ما أتى به من القرآن.

وبسياق هذه الآية آيات اخرى تقاربها فى المعنى كقوله تعالى:

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلٍّ قَوْمٍ هَادٍ 13: 7. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّه قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) «6 : 37».

الجواب:

أولاً: هو ما تقدم. فإن هؤلاء المشركين وغيرهم لم يطلبوا من النبي إقامة آية ما من الآيات التي تدل على صدقه، وإنما اقترحوا عليه إقامة آيات خاصة.وقد صرح القرآن بها في مواضع كثيره، منها ما تقدم.

ومنها قوله تعالى:

(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ 6 8 وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ

لمَجنُونٌ 15: 6. أَو مَا تَأْتِينَا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: 7. وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً 25: 7 أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَيْرٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً: 8﴾.

وقد علمنا أن الآيات المقترحة لا تجب الاجابة اليها، ويدلنا على أن المشركين إنما يريدون الإتيان بما اقترحوه من الآيات أنهم لو أرادوا من النبي أن يأتي بآية ما، تدل على صدقه لأجابهم على الأقل بالإتيان بالقرآن الذي تحدى به في كثير من مواضعه. نعم يظهر من الآيات المتقدمة التي استدل بها الخصم، ومما يشبهها من الآيات أمران:

1 - إن تحدي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العامة البشر إنما كان بالقرآن خاصة من بين سائر معجزاته. وقد أوضحنا فيما سبق أن الأمر لابد وأن يكون كذلك، لأن النبوة الأبدية العامة تستدعي معجزة خالدة عامة، معجزة خالدة عامة وهي منحصرة بالقرآن، وليس في سائر معجزاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما يتصور له البقاء والاستمرار.

2- إن الإتيان بالمعجزة ليس اختيارياً للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنما هو رسول يتبع في ذلك اذن اللّه تعالى ولا دخل لاقتراح المقترحين في شيء من ذلك. وهذا المعنى ثابت الجميع الأنبياء. ويدل عليه قوله تعالى:

(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ 13: 38. وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللّه قُضِيَ بِالحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ 78:40).

ثانياً: ان في القرآن أيضاً آيات دالة على صدور الآيات من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

منها قوله تعالى:

(إِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ 54 : 1. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمر: 2. وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ تُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّه 6 : 124).

ويدلنا على أن المراد من الآية هنا هي المعجزة: أنه عبر برؤية الآية، ولو ك--ان المراد هو آيات القرآن لكان الصحيح أن يعبر بالسماع دون الرؤية وأنه ضم إلى ذلك انشقاق القمر. وأنه نسب إلى الآية المجيء دون الإنزال وما يشبهه. بل وفي قولهم: «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» دلالة على تكرر صدور المعجزة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإذاً: فلو سلمنا دلالة الآيات السابقة على نفى صدور المعجزة عنه فلا بد و أن يراد من ذلك نفيه في زمان نزول هذه الآيات الكريمة، وما بمعناها، ولا يمكن أن يراد منه نفي الآية حتى بعد ذلك.

وحاصل جميع ما ذكرناه في هذا المبحث امور

1 - إنه لا دلالة لشيء من آيات القرآن على نفي المعجزات الاخرى سوى القرآن، بل وفي جملة من الآيات دلالة على وجود هذه المعجزات التي يدعي الخصم نفيها.

2 - إن إقامة المعجزة ليست أمراً اختيارياً للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإن ذلك بید اللّه سبحانه.

3 - إن اللازم في دعوى النبوة هو إقامة المعجزة التي تتم بها الحجة ويتوقف عليها التصديق. وأما الزائدة على ذلك، فلا يجب على اللّه إظهارها ولا تجب على النبي الإجابة اليها.

4 - إن كل معجزة يكون فيها هلاك الامة وتعذيبها، فهي ممنوعة في هذه الامة. ولا تسوغ إقامتها باقتراح الامة، سواء أكان الاقتراح من الجميع أم كان من البعض.

5 - إن المعجزة الخالدة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي تحدى بها جميع الامم إلى يوم القيامة، إنما هي كتاب اللّه المنزل اليه. وأما غيره من المعجزات فهي وإن كثرت إلا أنها ليست معجزة باقية، وهي في هذه الناحية تشارك معجزات الأنبياء السابقين.

بشارة التوراة والانجيل بنبوة محمد :

صرَّح القرآن المجيد في جملة من آياته الكريمة أن موسى وعيسى (عليهما السلام) قد بشرا برسالة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولو أن هذه البشارة مذكورة في التوراة والإنجيل.

فقد قال تعالى:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيُّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ 7: 157. وَإِذْ قَالَ عِيَسى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ 61: 6).

وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوته في زمن حياته وبعد مماته. وهذا يدلنا دلالة قطعية على وجود هذه البشارة في الكتابين المذكورين في زمان دعوته. ولو لم تكن هذه البشارة مذكورة فيها، لكان ذلك دليلاً كافياً لليهود والنصارى على تكذيب القرآن في دعواه، وتكذيب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في دعوته، ولأنكروا عليه أشد الإنكار. فيكون إسلام الكثير منهم في عصر النبي وبعد مماته، وتصديقهم دعوته دليلاً قطعياً على وجود هذه البشارة في ذلك العصر. وعلى هذا فإن الإيمان بموسى وعيسى

(عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يستلزم الإيمان بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من غير حاجة إلى وجود معجزة تدلّ على صدقه.

نعم يحتاج إلى ذلك بالنسبة إلى الامم الاخرى التي لم تؤمن بموسى وعيسى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وبكتابيهما. وقد عرفت بالأدلة المتقدمة أن القرآن المجيد هو المعجزة الباقية والحجة الإلهية على صدق النبي الأكرم وصحة دعواه، وأن غير القرآن - م-ن معجزات-ه الكثيرة المنقولة بالتواتر الإجمالي - أولى بالتصديق م-ن معجزات سائر الأنبياء المتقدمين.

أضواء على القراء

إشارة:

•

حال القراء السبعة وهم: عبد اللّه بن عامر ابن كثير المكي. عاصم بن بهدلة الكوفي. أبو عمرو البصري حمزة الكوفي. نافع المدني. الكسائي الكوفي.

•

ثلاثة قراء آخرون هم خلف بن هشام البزار. يعقوب بن اسحاق. يزيد بن القعقاع.

تمهید :

لقد اختلفت الآراء حول القراءات السبع المشهورة بين الناس، فذهب جمع من علماء أهل السنة إلى تواترها عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وربما ينسب هذا القول الى المشهور بينهم. ونقل عن السبكي القول بتواتر القراءات العشر (1)وأفرط بعضهم فزعم أن من قال إن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر. ونسب هذا الرأي إلى مفتي البلاد الاندلسية أبي سعيد فرج ابن لب(2).

والمعروف عند الشيعة أنها غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارىء وبين ما هو منقول بخبر الواحد واختار هذا القول جماعة من المحققين من علماء أهل السنة. وغير بعيد أن يكون هذا هو المشهور بينهم - كما ستعرف ذلك - وهذا القول هو الصحيح. ولتحقيق هذه النتيجة لابد لنا من ذكر أمرين:

الأول: قد أطبق المسلمون بجميع نحلهم ومذاهبهم على أن ثبوت القرآن ينحصر طريقه بالتواتر. واستدل كثير من علماء السنة والشيعة على ذلك بأن القرآن تتوافر الدواعي لنقله، لأنه الأساس للدين الإسلامي، والمعجز الإلهي لدعوة نبي المسلمين. وكل شيء تتوفر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواتراً. وعلى ذلك فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعاً.

نعم ذكر السيوطي: «أن القاضي أبابكر قال في الإنتصار: ذهب قوم من الفقهاء


1) مناهل العرفان للزرقاني : ص 433.

2) نفس المصدر : ص 428.

والمتكلمين الى إثبات قرآن حكماً لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة وكره ذلك أهل الحق، وامتنعوا منه» (1).

وهذا القول الذي نقله القاضي واضح الفساد - لنفس الدليل المتقدم - وهو أن توفر الدواعي للنقل دليل قطعي على كذب الخبر إذا اختص نقله بواحد أو اثنين. فإذا أخبرنا شخص أو شخصان بدخول ملك عظيم الى بلد، وكان دخول ذلك الملك الى ذلك البلد مما يمتنع في العادة أن يخفى على الناس فإنا لا نشك في كذب هذا الخبر إذا لم ينقله غير ذلك الشخص أو الشخصين، ومع العلم بكذبه كيف يكون موجباً لاثبات الآثار التي تترتب على دخول الملك ذلك البلد. وعلى ذلك، فإذا نقل القرآن بخبر الواحد، كان ذلك دليلاً قطعياً على عدم كون هذا المنقول كلاماً إلهياً، وإذا علم بكذبه، فكيف يمكن التعبد بالحكم الذي يشتمل عليه.

وعلى كل حال فلم يختلف المسلمون في أن القرآن ينحصر طريق ثبوته والحكم بأنه كلام إلهي بالخبر المتواتر.

وبهذا يتضح أنه ليست بين تواتر القرآن وبين عدم تواتر القراءات أية ملازمة، لأن أدلة تواتر القرآن وضرورته لا تثبت - بحال من الأحوال - تواتر قراءاته، كما ان أدلة نفي تواتر القراءات لا تتسرب إلى تواتر القرآن بأي وجه وسيأتي بيان ذلك - في بحث «نظرة في القراءات» - على وجه التفصيل.

الثاني: ان الطريق الأفضل إلى إثبات عدم تواتر القراءات هو معرفة الق--راء أنفسهم، وطرق رواتهم، وهم سبعة قراء. وهناك ثلاثة آخرون تتم بهم العشرة، نذكرهم عقيب هؤلاء. وإليك تراجمهم، واستقراء أحوالهم واحداً بعد واحد:


1) الاتقان : 1 / 243، في النوع 22 - 27 الطبعة الثالثة.

عبداللّه بن عامر الدمشقي

هو أبو عمران اليحصبي. قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب. قال الهيثم ب--ن :عمران: «كان عبداللّه بن عامر رئيس أهل المسجد زمان الوليد بن عبدالملك، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه».

وقال العجلي والنسائي: «ثقة». وقال أبو عمرو الداني: «ولي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء... اتخذه أهل الشام إماماً في قراءته واختياره» (1)وقال ابن الجزري: «وقد ورد في اسناده تسعة أقوال أصحها أنه قرأ على المغيرة». ونقل عن بعض أنه قال: «لا يدري على من قرأ» وُلد سنة ثمان من الهجرة وتوفي سنة 118(2).

ولعبداللّه راویان رويا قراءته - بوسائط - وهما: هشام وابن ذكوان.

أما هشام فهو ابن عمار بن نصير بن ميسرة، أخذ القراءة عرضاً عن أيوب بن تميم. قال يحيى بن معين: «ثقة». وقال النسائي: «لابأس به». وقال الدار قطني: «صدوق كبير المحل». وُلد سنة 153 وتوفي سنة 245 (3).


1) تهذيب التهذيب : 5 / 274.

2) طبقات القراء : 404.

3) طبقات القراء : 2 / 354 – 356.

وقال الآجري عن أبي داود: «إن أبا أيوب - يعني سليمان بن عبدالرحمن - خير منه حدث هشام بأربعمائة حديث مسند ليس لها أصل».

وقال ابن وارة: «عزمت زماناً أن امسك عن حديث هشام لأنه كان يبيع الحديث».

وقال صالح بن محمد: كان يأخذ على الحديث، ولا يحدث مالم يأخذ... ق-ال المروزي: ذكر أحمد هشاماً فقال: «طياش خفيف» وذكر له قصة في اللفظ بالقرآن أنكر عليه أحمد حتى أنه قال: «إن صلوا خلفه، فليعيدوا الصلاة» (1).

أقول فيمن روى القراءة عنه خلاف، فليراجع كتاب الطبقات وغيره.

وأما ابن ذكوان : فهو عبداللّه بن أحمد بن بشير، ويقال: بشير بن ذكوان. أخذ القراءة عرضاً عن أيوب بن تميم. قال أبو عمرو الحافظ: «وقرأ على الكسائي حين قدم الشام». وُلد يوم عاشوراء سنة 173، وتوفي سنة 242(2).

أقول: والحال في من روى القراءة عنه كما تقدم.


1) تهذيب التهذيب ج 11 ص 52 - 54.

2) طبقات القراء : 1 / 403.

ابن كثير المسكي

هو عبداللّه بن كثير بن عمرو بن عبداللّه بن زاذان بن فيروزان بن هرمز المكي الداري، فارسي الأصل. أخذ القراءة عرضاً - على ما في كتاب التيسير - عن عبداللّه بن السائب فيما قطع به الحافظ أبو عمرو الداني وغيره، وضعف الحافظ - أبو العلاء الهمداني - هذا القول وقال: «إنه ليس بمشهور عندنا» وعرض أيضاً على مجاهد بن جبر، ودرباس مولی عبداللّه بن عباس. وُلد بمكة سنة 45 وتوفى سنة 120(1). قال علي بن المديني: «كان ثقة». وقال ابن سعد: «ثقة». وذكر أبو عمرو الداني أن--ه: «أخذ القراءة عن عبد اللّه بن السائب المخزومي». والمعروف انه إنما أخ-ذه-ا ع-ن مجاهد (2)

ولعبد اللّه بن كثير راويان - بوسائط - هما البزي، وقنبل.

أما البزي: فهو أحمد بن محمد بن عبداللّه بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، اسمه بشار، فارسي من أهل همدان أسلم على يد السائب بن أبي السائب المخزومي.


1) نفس المصدر : 1 / 443 – 445.

2) تهذيب التهذيب : 5 / 37.

قال ابن الجزري: «استاذ محقق ضابط متقن». ولد سنة 170 وتوفي 250(1). قرأ البزي على أبي الحسن أحمد بن محمد بن علقمة المعروف بالقواس، وعلى أبي الأخريط وهب بن واضح المكي، وعلى عبداللّه بن زي-اد ب-ن عبداللّه ب-ن ي-س--ار المكي(2). قال العقيلي : «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث لا احدث عنه» (3).

أقول: الكلام في من أخذ القراءة عنه كما تقدم.

وأما قنبل: فهو محمد بن عبدالرحمن بن خالد بن محمد أب-و ع-م-رو المخزومي مولاهم المكي. أخذ القراءة عرضاً عن أحمد بن محمد بن عون النبال، وهو الذي خلّفه بالقيام بها بمكة وروى القراءة عن البزي. انتهت إلى قنبل رئاسة الاقراء بالحجاز... وكان على الشرطة بمكة. ولد سنة 195 وتوفي 291(4). ولي الشرطة فخربت سيرته، وكبر سنه،وهرم، وتغير تغيراً شديداً، فقطع الاقراء قبل موته بسبع سنين (5).

أقول: الكلام في رواة قراءته كما تقدم.


1) طبقات القراء : 1 / 119.

2) النشر فى القراءات العشر : 1 / 120.

3) لسان الميزان : 1 / 283.

4) طبقات القراء: 2 / 205.

5) لسان المیزان : 5 / 249.

عاصم بن بهدلة الكوفي

هو ابن أبي النجود أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي. أخذ القراءة عرضاً عن زر ابن حبيش، وأبي عبدالرحمن السلمي وأبي عمرو الشيباني. قال أبوبكر بن عياش: «قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفاً إلا أبو عبدالرحمن السلمي وكنت أرجع عنده من فأعرض على زر». وقال حفص: «قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها في القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وما كان من القراءة التي أقرأتها أبابكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود»(1).

قال ابن سعد: «كان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه». و قال عبداللّه بن احمد، عن ابيه: «كان خيراً ثقة والأعمش أحفظ منه». وقال العجلي: «كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقة رأساً في القراءة... وكان عثمانياً». وقال يعقوب بن سفيان: «في حديثه اضطراب وهو ثقة». وقد تكلم فيه ابن علية، فقال: «كان كل من اسمه عاصم سيء الحفظ». وقال النسائي: «ليس به بأس». وقال ابن خراش


1) طبقات القراء : /3481.

«في حديثه نكرة». وقال العقيلي: «لم يكن فيه إلا سوء الحفظ». وقال الدار قطني: «في حفظه شيء». وقال حماد بن سلمة: «خلط عاصم في آخر عمره». مات سنة 127 أو سنة 128(1).

ولعاصم بن بهدلة راويان بغير واسطة هما: حفص، وأبوبكر:

أما حفص: فهو ابن سليمان الأسدي، كان ربيب عاصم قال الذهبي: «أما القراءة فثقة ثبت ضابط لها. بخلاف حاله في الحديث». وذكر حفص: «أنه لم يخالف عاصماً في شيء من قراءته إلا في حرف.. «الروم سورة 3 آية 54» (اللّه الذي خلقكم من ضُعف...) قرأه بالضم وقرأ عاصم «بالفتح ولد سند 90 وتوفي سنة 180(2). وقال ابن أبي حاتم عن عبداللّه عن أبيه: «متروك الحديث». وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: «ليس بثقة». وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد». وقال البخاري: «تركوه». وقال مسلم: «متروك». وقال النسائي: «ليس بثقة، ولا يكتب حديثه». وقال صالح بن محمد: «لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير». وقال ابن خراش «كذاب متروك يضع الحديث». وقال ابن حيان: «كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل». وحكى ابن الجوزي في الموضوعات عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «والله ما تحل الرواية عنه». وقال الدار قطني ضعيف» وقال الساجي: «حفص ممّن ذهب حديثه عنده مناكير» (3).

أقول: الحال فيمن روى القراءة عنه كما تقدم.

وأما أبوبكر فهو شعبة بن عياش بن سالم الحناط الأسدي الكوفي قال ابن


1) تهذيب التهذيب : 5 / 39.

2) طبقات القراء : 1 / 254.

3) تهذيب التهذيب : 2 / 401.

الجزري: «عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، وعلى عطاء بن السائب، وأسلم المنقري وعمّر دهراً إلا أنه قطع الاقراء قبل موته بسبع سنين، وقيل بأكثر، وك-ان إماماً كبيراً عالماً عاملاً، وكان يقول: «أنا نصف الإسلام». وكان من أئمة السنة. ولما حضرته الوفاة بكت اخته فقال لها: ما «يبكيك، انظري الى تلك الزاوية فقد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة». ولد سنة 95 وتوفي سنة 193، وقيل1194 (1). قال عبداللّه بن أحمد عن أبيه : «ثقة وربما غلط». وقال عثمان الدارمي: وليس بذاك في الحديث». وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن أبي بكر بن عياش، وأبي الأحوص فقال: ما أقربها». وقال ابن سعد: «كان ثقة صدوقاً عارفاً بالحديث والعلم، إلا أنه كثير الغلط». وقال يعقوب بن شيبة: «في حديثه اضطراب». وقال أبو نعيم: «لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطاً منه». وقال البزار: «لم يكن بالحافظ» (2).


1) طبقات القراء : 1 / 325 – 327.

2) تهذيب التهذيب : 12 / 35 - 37.

أبو عمرو البصيري

هو زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري. قيل إنه من فارس. توجه مع أبيه لما هرب من الحجاج فقرأ بمكة والمدينة وقرأ أيضاً بالكوفة والبصرة على جماعة كثيرة، فليس في القراء السبعة أكثر شيوخاً منه ولقد كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمسمائة فتركوا ذلك، لأن شخصاً قدم من أهل العراق، وكان يلقن الناس بالجامع الاموي على قراءة أبي عمرو، فاجتمع عليه خلق، واشتهرت هذه القراءة عنه.

قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو يقول: «ما رأيت أحداً قبلي أعلم مني». وُلد سنة 68. قال غير واحد مات سنة 154 (1).

قال الدوري عن ابن معين: «ثقة». وقال أبو خيثمة: «كان أبو عمرو بن العلاء

رجلاً لا بأس به ولكنه لم يحفظ». وقال نصر بن علي الجهضمي عن أبيه: قال لي شعبة: «انظر ما يقرأ به أبو عمرو، فما يختاره لنفسه فاكتبه، فإنه سيصير للناس استاذاً». وقال أبو معاوية الأزهرى في التهذيب: «كان من أع-لم الن-اس ب-وج-وه


1) طبقات القراء : 2 21 / 288 - 20.

القراءات وألفاظ العرب ونوادر كلامهم وفصيح أشعارهم (1).

ولقراءة أبي عمرو راويان بواسطة يحيى بن المبارك اليزيدي، هما: الدوري والسوسى.

أما يحيى بن المبارك: فقال ابن الجزري: «نحوي مقرىء، ثقة عمة كبير». نزل بغداد وعُرف باليزيدي لصحبته يزيد بن منصور الحميري خال المهدي فكان يؤدب ولده. أخذ القراءة عرضاً عن أبي عمرو، وهو الذي خلفه بالقيام بها، وأخذ أيضاً عن حمزة.

روى القراءة عنه أبو عمرو الدوري، وأبو شعيب السوسي، وله اختيار خالف فيه أبا عمرو في حروف يسيرة. قال ابن مجاهد: «وإنما عولنا على اليزيدي - وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجلّ منه - لأجل أنه انتصب للرواية عنه، وتجرد لها، ولم يشتغل بغيرها، و هو أضبطهم». توفي سنة 202 بمرو. وله أربع وسبعون سنة. وقيل: بل جاوز التسعين، وقارب المائة (2).

وأما الدوري: فهو حفص بن عمرو بن عبدالعزيز الدوري الازدي البغدادي. قال ابن الجزري: «ثقة ثبت كبير ضابط أول من جمع القراءات». توفي في شوال سنة 246 (3).

قال الدار قطني: «ضعيف». وقال العقيلي: «ثقة» (4).

أقول: الكلام فيمن أخذ القراءة عنه كما تقدم.


1) تهذيب التهذيب : 12 / 178 – 180.

2) طبقات القراء : 2 / 375 – 377.

3) نفس المصدر : 1 / 255.

4) تهذيب التهذيب: 2 / 408.

وأما السوسي فهو أبو شعيب صالح بن زي-اد ب-ن عبداللّه. قال اب-ن الجزري: «ضابط محرر ثقة». أخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن أبي محمد اليزيدي، وهو من أجلّ أصحابه. مات أول سنة 261، وقد قارب السبعين (1). قال أبو حاتم «صدوق». وقال النسائي: «ثقة». وذكره ابن حيان في الثقات. وذكر أبو عمرو الداني: «أن النسائي روى عنه القراءات، وضعفه مسلم بن قاسم الأندلسي ب-لا مستند» (2).

أقول: الكلام فيمن أخذ القراءة عنه كما تقدم.


1) طبقات القراء : 1 / 332.

2) تهذيب التهذيب : 4 / 392.

حمزة الكوفي

هو ابن حبيب بن عمارة بن اسماعيل أبو عمارة الكوفي التميمي، أدرك الصحابة بالسن. أخذ القراءة عرضاً عن سليمان الأعمش، وحمران بن أعين. وفي كتاب «الكفاية الكبرى والتيسير» عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وطلحة بن مصرف، وفي كتاب «التيسير» عن مغيرة بن مقسم ومنصور وليث ابن أبي سليم، وفي كتاب «التيسير والمستنير» عن جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالوا: «استفتح حمزة القرآن من حمران، وعرض على الأعمش وأبي إسحاق وابن أبي ليلى، وإلي--ه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم والأعمش وكان إماماً حجة ثقة ثبتاً عديم النظير».

قال عبداللّه العجلي: قال أبو حنيفة لحمزة: «شيئان غلبتنا عليها لسنا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض».

وقال سفيان الثوري: «غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض».

وقال عبداللّه بن موسى: «وكان شيخه الأعمش إذا رآه قد أقبل يقول: هذا حبر

القرآن». ولد سنة 80 وتوفي سنة 156(1).

قال ابن معين: «ثقة». وقال النسائي: «ليس به بأس». وقال العجلي: «ثقة رجل صالح». وقال ابن سعد: «كان رجلاً صالحاً عنده أحاديث وكان صدوقاً صاحب سنَّة». وقال الساجي: «صدوق سيىء الحفظ ليس بمتقن في الحديث». وقد ذم-ه جماعة من أهل الحديث في القراءة. وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة. وقال الساجى أيضاً والازدي: «يتكلمون في قراءته وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه». وقال الساجي أيضاً: «سمعت سلمة بن شبيب يقول: كان أحمد يكره أن يصلي خلف من يصلي بقراءة حمزة». وقال الآجري عن أحمد بن سنان: «كان يزيد - يعني ابن هرون - يكره قراءة حمزة كراهية شديدة». قال أحمد بن سنان: سمعت ابن مهدي يقول: «لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره و بطنه». و قال أبوبكر بن عياش: «قراءة حمزة عندنا بدعة». وقال ابن دريد: «إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة» (2).

ولقراءة حمزة راويان بواسطة هما خلف بن هشام وخلاد بن خالد :

أما خلف فهو أبو محمد الأسدي بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي.

قال ابن الجزري: «أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، وابتدأ في الطلب وهو ابن ثلاث عشر، وكان ثقة كبيراً زاهداً عابداً عالماً». قال ابن اشته: «كان خلف يأخذ بمذهب حمزة إلا أنه خالفه في

مائة وعشرين حرفاً». ولد سنة 150، ومات سنة 229. (3)


1) طبقات القراء : 1 / 261.

2) تهذيب التهذيب : 3/ 27.

3) طبقات القراء : 1 / 272.

قال اللالكائي: «سُئل عباس الدوري عن حكاية عن أحمد بن حنبل في خلف بن هشام. فقال: لم أسمعها ولكن حدثني أصحابنا أنهم ذكروه عند أحمد، ف-قي-ل ان-ه يشرب. فقال: انتهى الينا علم هذا، ولكنه - والله - عندنا الثقة الأمين». وقال النسائي: «بغدادي ثقة». وقال الدار قطني: «كان عابداً فاضلاً». قال: «أعدت صلاة أربعين سنة كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين». وحكى الخطيب في تاريخه عن محمد بن حاتم الكندي قال: -سألت يحيى بن معين عن خلف البزار :فقال لم يكن يدري ايش الحديث» (1).

أقول: وسيجيء الكلام فيمن روى قراءته.

وأما خلاد بن خالد فهو أبو عيسى الشيباني الكوفي. قال ابن الجزري: «إمام في القراءة ثقة عارف محقق استاذ». أخذ القراءة عرضاً عن سليم، وهو م--ن أضبط أصحابه وأجلّهم. توفي سنة 220 (2).

أقول: والكلام في رواة قراءته كما تقدم.


1) تهذيب التهذيب : 3 / 156.

2) طبقات القراء : 1 / 274.

نافع المدني

هو نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم قال ابن الجزري: «أحد القراء السبعة والأعلام ثقة صالح، أصله من اصبهان». أخذ القراءة عرضاً عن جماعة من تابعي أهل المدينة. قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: «قراءة أهل المدينة سنّة، قيل له قراءة نافع ؟ قال: نعم». وقال عبداللّه بن أحمد بن حنبل: سألت أبي أيّ القراءة أحب اليك ؟ قال : قراءة أهل المدينة قلت فإن لم يكن قال: عاصم». مات سنة 169.(1)

قال أبو طالب عن أحمد : «كان يؤخذ عنه القرآن وليس في الحديث بشيء». وقال الدوري عن ابن معين: «ثقة». وقال النسائي: «ليس به بأس». وذكر ابن حيان في الثقات، وقال الساجي: صدوق... اختلف فيه أحمد ويحيى. فقال أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى ثقة» (2).

ولقراءة نافع راويان بلا واسطة هما قالون، وورش:


1) طبقات القراء : 2 / 330.

2) تهذيب التهذيب : 407/10.

أما قالون: فهو عيسى بن ميناء بن وردان أبو موسى. مولى بني زهرة يقال إنه ربیب نافع، وهو الذي سماه قالون الجودة قراءته فإن قالون باللغة الرومية جيد. قال عبداللّه بن علي: «إنما يكلمه بذلك لأن قالون أصله من الروم كان جد جده عبداللّه من سبي الروم»، أخذ القراءة عرضاً عن نافع. قال ابن أبي حاتم: «كان أصم، يقريء القرآن ويفهم خطأهم والحنهم بالشفة». ولد سنة 120، وتوفي سنة 220(1).

قال ابن حجر: «أما في القراءة فثبت، وأما في الحديث فيكتب حديثه في الجملة». سئل أحمد بن صالح المصري عن حديثه فضحك وقال: «تكتبون عن كل أحد» (2)

أقول: والكلام فيمن روى القراءة عنه كما تقدم.

وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد. قال ابن الجزري: «انتهت اليه رئاسة الاقراء في الديار المصرية في زمانه، وله اختيار خالف فيه نافعاً، وكان ثقة حجة في القراءة». ولد سنة 110 بمصر، وتوفي فيها سنة 197 (3).

أقول : الكلام في رواة قراءته كما تقدم.


1) طبقات القراء : 1 / 615.

2) لسان الميزان : 4 / 408.

3) طبقات القراء : 502/1.

الكسائي الكوفي

هو على بن حمزة بن عبداللّه بن بهمن بن فيروز الأسدي، مولاهم من أولاد الفرس.

قال ابن الجزري: «الإمام الذي انتهت اليه رئاسة الاقراء بالكوفة بعد حم-زة الزيات. أخذ القراءة عرضاً عن حمزة أربع مرات وعليه اعتماده». وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: «كان الكسائي: يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضاً» واختلف في تاريخ موته فالصحيح الذي أرخ-ه غ-ير واح-د م-ن العلماء والحفاظ سنة 189 (1). أخذ القراءة عن حمزة الزيات مذاكرة، وعن محمد بن عبدالرحمن ابن أبي ليلى وعيسى بن عمرو الأعمش، وأبي بكر بن عياش، وسمع منهم الحديث، ومن سليمان بن أرقم، وجعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والعزرمي، وابن عيينة... وعلم الرشيد، ثم علم ولده الأمين (2).

وحدث المرزباني فيما رفعه الى ابن الاعرابي قال: «كان الكسائي أعلم الناس على رهق فيه، كان يديم شرب النبيذ، ويجاهر به إلا أنه كان ضابطاً قارئاً عالماً


1) طبقات القراء : 1 / 535.

2) تهذيب التهذيب : 7 / 313.

بالعربية صدوقاً» (1).

وللكسائي راويان بغير واسطة هما الليث بن خالد، وحفص بن عمر.

أما الليث فهو أبو الحارث بن خالد البغداي قال ابن الجزري: «ثقة معروف حاذق ضابط». عرض على الكسائي وهو من أجلة أصحابه مات سنة 240 (2).

أقول: الكلام في رواة قراءته كما تقدم.

وأما حفص بن عمر الدوري : فقد تقدمت ترجمته عند ترجمة عاصم.

هذا ما أردنا نقله من ترجمة القراء السبعة ورواة قراءاتهم، وقد نظم أسماءهم، وأسماء رواتهم «القاسم بن فيره» في قصيدته اللامية المعروفة بالشاطبية. وأما الثلاثة المتممة للعشرة فهم: خلف، ويعقوب، ويزيد بن القعقاع


1) معجم الأدباء : 5 / 185.

2) طبقات القراء : 2 / 34.

خلف بن هشام البزّار

تقدمت ترجمته عند ترجمة حمزة، ولقراءته راويان هما: إسحاق، وإدريس.

أما إسحاق: فقال فيه ابن الجزري: «إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبداللّه أبو يعقوب المروزي ثم البغدادي، ورّاق خلف وراوي اختياره عنه، ثقة». توفي سنة 286 (1).

أقول: الكلام فيمن قرأ عليه كما تقدم.

وأما إدريس: فقال فيه ابن الجزري: «إدريس بن عبدالكريم الحداد أبوالحسن البغداي، إمام ضابط متقن ثقة. قرأ على خلف بن هشام. سُئل عنه الدار قطني فقال: «ثقة وفوق الثقة بدرجة». توفي سنة 292 (2).

أقول الكلام فيمن روى القراءة عنه كما تقدم.


1) طبقات القراء : 1 / 155.

2) نفس المصدر : ص 154.

يعقوب بن إسحاق

هو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبداللّه أبو محمد الحضرمي، مولاهم البصري. قال ابن الجزري: «أحد القراء العشرة». قال يعقوب: «قرأت على سلام في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شريفة المجاشعي في خمسة أيام، وقرأ شهاب على مسلمة بن محارب المحاربي في تسعة أيام، وقرأ مسلمة على أبي الأسود الدؤلي على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). مات في ذي الحجة سنة 205، وله ثمان وثمانون سنة (1).

قال احمد و أبو حاتم صدوق و ذكره ابن حيان في الثقات.

و قال ابن سعد: «ليس هو عندهم بذاك الثبت» (2).

ولیعقوب راویان، هما رویس وروح.

أما رويس فهو محمد بن المتوكل أبو عبد اللّه اللؤلؤي البصري. قال ابن الجزري: «مقرىء حاذق ضابط مشهور أخذ القراءة عرضاً عن يعقوب الحضرمي». قال الداني: «وهو من أحذق أصحابه». روى القراءة عنه عرضاً محمد بن هارون التمار،


1) طبقات القراء: 2 / 38.

2) تهذيب التهذيب: 11 / 382.

والإمام أبو عبداللّه الزبير بن أحمد الزبيري الشافعي. توفي سنة 338.(1)

وأما روح فهو أبو الحسن بن عبدالمؤمن الهذلي مولاهم البصري النحوي. قال ابن الجزري: «مقرىء جليل ثقة ظابط مشهور». عرض على يعقوب الحضرمي، وهو من أجلة أصحابه، توفي سنة 235 أو 234.(2)

أقول: الكلام فيمن عرض القراءة عليه كما تقدم.


1) طبقات القراء : 2 / 234.

2) نفس المصدر : 1 / 285.

يزيد بن القعقاع

قال ابن الجزري: «يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارىء. أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر». عرض القرآن على مولاه عبداللّه بن عياش بن أبي ربيعة وعبداللّه بن عباس وأبي هريرة. قال يحيى بن معين: «ك--ان إمام أهل المدينة في القراءة فسُمِّي القارىء بذلك، وكان ثقة قليل الحديث». وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث». مات بالمدينة سنة 130(1).

ولأبي جعفر راویان هما عیسی و ابن جماز :

أما عيسى: فهو أبو الحارث عيسى بن وردان المدني الحذاء. قال ابن الجزري: إمام مقرىء حاذق، وراو محقق ضابط». عرض على أبي جعفر وشيبة ثم عرض على نافع. قال الداني: «هو من أجلة أصحاب نافع وقدمائهم، وقد شاركه في الاسناد». مات - فيما أحسب - في حدود سنة 160(2).

أقول: الكلام فيمن عرض عليه كما تقدم.


1) طبقات القراء : 2 / 382.

2) نفس المصدر : 1 / 616.

وأما ابن جماز: فهو سليمان بن مسلم بن جماز أبو الربيع الزهري مولاهم المدني. قال ابن الجزري: «مقرىء جليل ضابط». عرض على أبي جعفر، وشيبة على ما في كتابي «الكامل والمستنير»، ثم عرض على نافع على ما في «الكامل». مات بعد سنة 170 فيما أحسب(1)

إن من ذكرناهم من رواة القراء العشرة هم المعروفون بين أهل التراجم وأم--ا القراءة المروية بغير ما ذكرناه من الطرق فغير مضبوطة. وقد وقع الخلاف بين المترجمين في رواة اخرى لهم. وقد أشرنا إلى هذا - فيما تقدم - ولذلك لم نتعرض - هنا - لذكرهم.


1) طبقات القراء : 1 / 315.

نظرة في القراءات

إشارة:

•

تواتر القرآن من الضروريات.

•

ليست القراءات متواترة.

•

تصريحات أرباب الفن بعدم تواتر القراءات.

•

نقد ما استدل به على تواتر القراءات.

•

ليست الأحرف السبع هي القراءات السبع.

•

حجية القراءات.

•

جواز القراءة بها في الصلاة.

تواتر القرآن من الضروريات

قد أسلفنا في التمهيد من بحث «أضواء على القرّاء» بعض الآراء حول تواتر القراءات وعدمه وأشرنا إلى ما ذهب اليه المحققون من نفي تواتر القراءات، مع أن المسلمين قد أطبقوا على تواتر القرآن نفسه. والآن نبدأ بالإستدلال على ما اخترناه من عدم تواترها بأمور:

الأول: إن استقراء حال الرواة يورث القطع بأن القراءات نقلت الينا بأخبار الآحاد. وقد اتضح ذلك فيما أسلفناه في تراجمهم فكيف تصح دعوى القطع بتواترها عن القرّاء على أن بعض هؤلاء الرواة لم تثبت وثاقته.

الثاني: إن التأمل في الطرق التي أخذ عنها القرّاء، يدلنا دلالة قطعية على أنّ هذه القراءات إنما نقلت اليهم بطريق الآحاد.

الثالث: اتصال أسانيد القراءات بالقراء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد حتى لو كانت رواتها في جميع الطبقات ممّن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإن كل قارىء إنما ينقل قراءته بنفسه.

الرابع: احتجاج كل قارىء من هؤلاء على صحة قراءته، واحتجاج تابعيه على

ذلك أيضاً، وإعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على أن القراءات تستند إلى اجتهاد القراء وآرائهم، لأنها لو كانت متواترة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يحتج في إثبات صحتها إلى الاستدلال والاحتجاج.

الخامس: ان في إنكار جملة من أعلام المحققين على جملة من القراءات دلالة واضحة على عدم تواترها، إذ لو كانت متواترة لما صح هذا الانكار فهذا ابن جرير الطبري أنكر قراءة ابن عامر، وطعن في كثير م-ن الم-واض-ع في بعض القراءات المذكورة في السبع، وطعن بعضهم على قراءة حمزة، وبعضهم على قراءة أبي عمرو، وبعضهم على قراءة ابن كثير. وان كثيراً من العلماء أنكروا تواتر ما لا يظهر وجهه في اللغة العربية، وحكموا بوقوع الخطأ فيه من بعض القراء(1).

وقد تقدم في ترجمة حمزة إنكار قراءته من إمام الحنابلة أحمد، ومن يزيد بن هارون، ومن ابن مهدي (2)و من أبي بكر بن عياش، ومن ابن دريد.

قال الزركشي: - بعد ما اختار أن القراءات توقيفية - خلافاً لجماعة منهم الزمخشري، حيث ظنوا أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء، واجتهاد البلغاء، وردّ على حمزة قراءة «والأرحام» بالخفض، ومثل ماحكي عن أبي زيد، والأصمعي، ويعقوب الحضرمي أنهم خطأوا حمزة في قراءته «وما أنتم بمصرخي» بكسر الياء المشددة، وكذلك أنكروا على أبي عمرو إدغامه الراء في اللام في «يغفر لكم». وقال الزجاج: «إنه غلط فاحش» (3).


1) التبيان: ص 106 للمعتصم باللّه طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري طبع في مطبعة المنار سنة 1334.

2) هو عبدالرحمن بن مهدي قال في تهذيب التهذيب : 6 / 280، قال أحمد بن سنان: سمعت علي بن المديني يقول: «كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس» قالها مراراً. وقال الخليلي: «هو إمام ب-لا م-داف-عة». وق--ال الشافعي: «لا أعرف له نظيراً في الدنيا».

3) التبيان : ص 87.

تصریحات نفاة تواتر القراءات :

وقد رأينا ومن المناسب أن نذكر من كلمات خبراء الفن ممّن صرح بعدم تواتر القراءات ليظهر الحق في المسألة بأجلى صوره:

(1)

قال ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمال وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم».

هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف. صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبدالرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.

(2)

وقال أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز «فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وانها هكذا أنزلت إلا

إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا يتفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عن غيرهم من القرّاء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب اليه، فإن القراءات المنسوبة إلى ك--ل قارىء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» (1).

(3)

وقال ابن الجزري أيضاً: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وان ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجب قبوله، وقطع بكونه قرآناً سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة و غيرهم. ولقد كنت - قبل - اجنح الى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف».

(4)

وقال الإمام الكبير أبو شامة في مرشده: «وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين، وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة أي كل


1) النشر فى القراءات العشر : 9/1.

فرد فرد ما روي عن هؤلاء السبعة. قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند اللّه واجب. ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها» (1).

(5)

وقال السيوطي: «وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير ابن الجزري قال في أول كتابه - النشر (ك-ل ق-راءة وافقت العربية... فنقل كلام ابن الجزري بطوله الذي نقلنا جملة منه آنفاً. - ثم قال - قلت: أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جداً» (2).

(6)

وقال أبوشامة في كتاب البسملة: «إنا لسنا ممّن يلتزم بالتواتر في الكلمات المختلف فيها بين القرّاء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بيّن لمن أنصف،وعرف، وتصفح القراءات وطرقها» (3).

وذكر بعضهم: «إنه لم يقع لأحد من الأئمة الاصوليين تصريح بتواتر القراءات،


1) النشر في القراءات العشر : 1 / 13.

2) الاتقان : 1/ 129، النوع 22 - 27.

3) التبيان : 1 / 102.

وقد صرح بعضهم بأن التحقيق ان القراءات السبع متواترة عن الأئمة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد» (1).

وقال بعض المتأخرين من علماء الأثر : «ادّعى بعض أهل الأصول تواتر كل واحد من القراءات السبع، وادَّعى بعضهم تواتر القراءات العشر وليس على ذلك إثارة من علم... وقد نقل جماعة من القراء الإجماع على أن في هذه القراءات ما هو متواتر، وفيها ما هو آحاد ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحد من السبع فضلاً عن العشر، وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول. وأهل الفن أخبر بفنهم» (2).

(9)

وقال مكي في جملة ما قال: «وربما جعلوا الإعتبار بما اتفق عليه عاصم ونافع فإن قراءة هذين الإمامين أولى القراءات، وأصحها سنداً، وأفصحها في العربية» (3).

وممن اعترف بعدم التواتر حتى في القراءات السبع الشيخ محمد سعيد العريان في تعليقاته حيث قال: «لا تخلو إحدى القراءات من شواذ فيها حتى السبع المشهورة فإن فيها من ذلك أشياء». وقال أيضاً: «وعندهم أن أصح القراءات من جهة توثيق


1) نفس المصدر : ص 105.

2) التبيان : 1 / 106.

3) نفس المصدر : ص 90.

سندها نافع وعاصم، وأكثرها توخياً للوجوه التي هي أفصح أب-و ع-مرو، والكسائي»(1).

ولقد اقتصرنا في نقل الكلمات على المقدار اللازم، وستقف على بعضها الآ أيضاً بعيد ذلك.

تأمل بربك. هل تبقى قيمة لدعوى التواتر في القراءات بعد شهادة هؤلاء الأعلام كلهم بعدمه ؟ وهل يمكن إثبات التواتر بالتقليد وباتباع بعض من ذهب إلى تحققه من غير أن يطالب بدليل، ولا سيما إذا كانت دعوى التواتر مما يكذبها الوجدان ؟ وأعجب من جميع ذلك أن يحكم مفتي الديار الأندلسية أبوسعيد بكفر من أنكر تواترها !!!

لنفرض أن القراءات متواترة، عند الجميع، فهل يكفر من أنكر تواترها إذا لم تكن من ضروريات الدين : لنفرض أنها بهذا التواتر الموهوم أصبحت م-ن ضروريات الدين، فهل يكفر كل أحد بإنكارها حتى من لم يثبت عنده ذلك ؟! أللهم إنّ هذه الدعوى جرأة عليك، وتعدّ الحدودك، وتفريق لكلمة أهل دينك !!!

أدلة تواتر القراءات :

وأما القائلون بتواتر القراءات السبع فقد استدلوا على رأيهم بوجوه:

الأول: دعوى قيام الإجماع عليه من السلف إلى الخلف،

وقد وضح للقارىء فساد هذه الدعوى، على أن الإجماع لا يتحقق باتفاق أهل


1) اعجاز القرآن للرافعي : ص 52، 53، الطبعة الرابعة.

مذهب واحد عند مخالفة الآخرين. وسنوضح ذلك في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى.

الثاني: ان اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءته، وإن ذلك واضح لمن أنصف نفسه وعدل.

الجواب:

إن هذا الدليل إنما يثبت تواتر نفس القرآن لا تواتر كيفية قراءته، وخصوصاً مع كون القراءة عند جمع منهم مبتنية على الاجتهاد، أو على السماع ولو من الواحد. وقد عرفت ذلك مما تقدم، ولولا ذلك لكان مقتضى هذا الدليل أن تكون جميع القراءات متواترة، ولا وجه لتخصيص الحكم بالسبع أو العشر. وسنوضح للقارىء أن حصر القراءات في السبع إنما حدث في القرن الثالث الهجري، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر، ولازم ذلك أن نلتزم إما بتواتر الجميع من غير تفرقة بين القراءات، وإما بعدم تواتر شيء منها في مورد الاختلاف، والأول باطل قطعاً فيكون الثاني هو المتعين.

الثالث: ان القراءات السبع لو لم تكن متواترة لم يكن القرآن متواتراً والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله ووجه التلازم أن القرآن إنما وصل الينا بتوسط حفاظه، والقرّاء المعروفين، فإن كانت قراءاتهم متواترة فالقرآن متواتر، وإلا فلا. وإذن ف--لا محيص من القول بتواتر القراءات.

الجواب:

1 - ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، لأن الإختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الإتفاق على أصلها، ولهذا نجد أن اختلاف الرواة في بعض ألفاظ قصائد

المتنبي - مثلاً - لا يصادم تواتر القصيدة عنه وثبوتها له وان اختلاف الرواة في خصوصيات هجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا ينافي تواتر الهجرة نفسها.

2 - ان الواصل الينا بتوسط القرّاء إنما هو خصوصيات قراءاتهم. وأما أصل القرآن فهو واصل الينا بالتواتر بين المسلمين وبنقل الخلف عن السلف. وتحفظهم على ذلك في صدورهم وفي كتاباتهم ولا دخل للقراء في ذلك أصلاً، ولذلك فإن القرآن ثابت التواتر حتى لو فرضنا أن هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا موجودین أصلاً. وعظمة القرآن أرقى من أن تتوقف على نقل اولئك النفر المحصورين.

الرابع: ان القراءات لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر مثل «ملك» و«مالك» ونحوهما... فإن تخصيص أحدهما تحكّم باطل وهذا الدليل ذكره ابن الحاجب وتبعه جماعة من بعده.

الجواب:

1 - ان مقتضى هذا الدليل الحكم بتواتر جميع القراءات، وتخصيصه بالسبع أيضاً تحكّم باطل ولا سيما أن في غير القرّاء السبعة من هو أعظم منهم وأوثق، كما اعترف به بعضهم، وستعرف ذلك. ولو سلمنا أن القراء السبعة أوثق من غيرهم، وأعرف بوجوه القراءات، فلا يكون هذا سبباً لتخصيص التواتر بقراءاتهم دون غيرهم. نعم ذلك يوجب ترجيح قراءاتهم على غيرها في مقام العمل، وبين الأمرين بعد المشرقين، والحكم بتواتر جميع القراءات باطل بالضرورة.

2 - ان الاختلاف في القراءة إنما يكون سبباً لالتباس ما هو القرآن بغيره، وعدم تميزه من حيث الهيئة أو من حيث الإعراب، وهذا لا ينافي تواتر أصل القرآن،

فالمادة متواترة وإن اختلف في هيئتها أو في إعرابها، وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعاً وإن لم تعلم بخصوصها.

تعقیب :

ومن الحق إن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات. وقد اعترف بذلك الزرقاني حيث قال: يبالغ بعضهم في الإشادة بالقراءات السبع، ويقول من زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر، لأنه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة، ويعزى هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسية الاستاذ أبي سعيد فرج ابن لب، وقد تحمّس لرأيه كثيراً وألف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه والرد على من رد عليه ولكن دليله الذي استند اليه لا يسلم. فإن القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن كيف وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع، بحيث يصح أن يكون القرآن متواتراً في غير القراءات السبع، أو في القدر الذي اتفق عليه القراء جميعاً. أو في القدر الذي اتفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قراء كانوا أو غير قُرّاء (1).

وذكر بعضهم ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات، وانه لم يقع لأحد من أئمة الاصوليين تصريح بتواتر القراءات وتوقف تواتر القرآن على تواترها، كما وقع لابن الحاجب (2).

قال الزركشي في «البرهان»: للقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للبيان والاعجاز، والقراءات اختلاف ألفاط الوحي


1) مناهل العرفان : ص 248.

2) التبيان : ص 105.

المذكور في الحروف، وكيفيتها من تخفيف وتشديد غيرهما، والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة (وقال أيضاً:) والتحقيق انها متواترة ع--ن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه نظر، فإن اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد (1).

القراءات والأحرف السبعة :

قد يتخيل أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع، فيتمسك لإثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلت على أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا بد لنا أن ننبه على هذا الغلط، وان ذلك شيء لم يتوهمه أحد من العلماء المحققين. هذا إذا سلمنا ورود هذه الروايات، ولم نتعرض لها بقليل ولا كثير. وسيأتي الكلام على هذه الناحية.

والأولى أن نذكر كلام الجزائري في هذا الموضع قال:

«لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها حتى قام الإمام أبوبكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد - وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد - ف-جمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام وهم نافع، وعبداللّه بن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وعبداللّه بن عامر وعاصم وحمزة، و علي الكسائي. وقد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هى الأحرف السبعة، وليس الأمر كذلك.... وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة، لما فيه من الايهام..... قال أحمد بن عمار المهدوي: لقد فعل مسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر


1) الاتقان : 1 / 138، النوع 22 - 27.

على العامة بايهامه كل من قلّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة او زاد ليزيل الشبهة...».

وقال الاستاذ اسماعيل بن إبراهيم بن محمد القراب في الشافي :

«التمسك بقراءة سبعة من القرّاء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، لم يكن قرأ بأكثر من السبع، فصنف كتاباً، وسماه كتاب السبعة، فانتشر ذلك في العامة...».

وقال الإمام أبو محمد مكي :

«قد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممّن هو أعلى رتبةً، وأجل قدراً من هؤلاء السبعة... فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين، قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها - هذا تخلف عظيم - أكان ذلك بنص من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أم كيف ذلك !!! و كيف يكون ذلك ؟ والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره - وكان السابع يعقوب الحضرمي - فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة ونحوها الكسائي موضع يعقوب»(1).

وقال الشرف المرسي:

«وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها - الأحرف السبعة - القراءات السبع، وهو جهل قبيح» (2).

وقال القرطبي:

«قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن أبي سفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع،


1) التبيان: 1 / 82.

2) نفس المصدر : 61.

التي تنسب لهؤلاء القرّاء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراءة (1).

وتعرض ابن الجزري لإبطال توهم من زعم أن الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن مستمرة إلى اليوم فقال:

«وأنت ترى ما في هذا القول، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الاعصار الاول، قُلّ من كثر، ونزر من بحر، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أُولئك الأئمة المتقدمين من السبعة، وغيرهم كانوا أُمماً لاتحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر وهلم جرا. فلما كانت المائة الثالثة، واتسع الخرق وقلّ الضبط، و كان علم الكتاب والسنّة أوفر ما كان في ذلك العصر، تصدّى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم - فيا أحسب - خمسة وعشرين قارئاً مع هؤلاء السبعة وتوفي سنة 224 وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية، جمع كتاباً في قراءات الخمسة من كل مصر واحد. وتوفي سنة 258 وكان بعده القاضي اسماعيل بن اسحاق المالكي صاحب قالون ألف كتاباً في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماماً، منهم هؤلاء السبعة. توفي سنة 282 وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جمع كتاباً سماه «الجامع» فيه نيف وعشرون قراءة.


1) تفسير القرطبي : 1 / 46.

توفي سنة 310 وكان بعيده أبوبكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني، جمع كتاباً في القراءات، وأدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة. وتوفي سنة 324، وكان في أثره أبوبكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وروى فيه عن هذا الداجوني، وعن ابن جرير أيضاً. وتوفي سنة 324».

ثم ذكر ابن الجزري جماعة ممّن كتب في القراءة. فقال:

«وإنما أطلنا هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أن الأحرف السبعة التي أشار اليها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التيفي «الشاطبية والتيسير»، وأنها هي المشار اليها بقوله الا أنزل القرآن على سبعة أحرف، حتى أن بعضهم يطلق على مالم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ، وكثير منهم يطلق على مالم يكن عن هؤلاء السبعة شاذاً، وربما كان كثير مما لم يكن في «الشاطبية والتيسير»، وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما، وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا أنزل القرآن على سبعة أحرف» وسمعوا قراءات السبعة فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار اليها ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطأوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بين مراده ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة. ثم نقل ابن الجزري - بعد ذلك - عن ابن عمار المهدوي، وأبي محمد مكي ما تقدم نقله عنهما آنفاً» (1).


1) النشر فى القراءات العشر : 1 / 33 – 37.

قال أبو شامة:

«ظنَّ قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أُريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل» (1).

وبهذا الاستعراض قد استبان للقارىء، وظهر له ظهوراً تاماً أن القراءات ليست متواترة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا عن القراء أنفسهم، من غير فرق بين السبع وغيرها، ولو سلّمنا تواترها عن القراء فهي ليست متواترة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قطعاً. فالقراءات إما أن تكون منقولة بالآحاد، وإما أن تكون اجتهادات من القراء أنفسهم، فلا بد لنا من البحث في موردين :

1 - حجية القراءات :

ذهب جماعة إلى حجية هذه القراءات فجوّزوا أن يستدل بها على الحكم الشرعي، كما استدل على حرمة وطىء الحائض بعد نقائها من الحيض وقبل تغتسل، بقراءة الكوفيين - غير حفص - قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطَّهَّرْنَ بالتشديد.

الجواب:

ولكن الحق عدم حجية هذه القراءات، فلا يستدل بها على الحكم الشرعي. والدليل على ذلك أن كل واحد من هؤلاء القراء يحتمل فيه الغلط والاشتباه، ولم يرد دليل من العقل، ولا من الشرع على وجوب اتباع قارىء منهم بالخصوص، وقد استقل العقل، وحكم الشرع بالمنع عن اتباع غير العلم. وسيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه تعالى.


1) الاتقان : 10 / 138، النوع 22 - 27.

ولعل أحداً يحاول أن يقول: إن القراءات - وإن لم تكن متواترة - إلا أنها منقولة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتشملها الأدلة القطعية التي أثبتت حجية الخبر الواحد، وإذا شملتها هذه الأدلة القطعية خرج الاستناد اليها عن العمل بالظن بالورود، أو الحكومة، أو التخصيص (1).

الجواب:

أولاً: ان القراءات لم يتضح كونها رواية، لتشملها هذه الأدلة، فلعلها اجتهادات من القراء، ويؤيد هذا الإحتمال ما تقدم من تصريح بعض الأعلام بذلك، بل إذا لا حظنا السبب الذي من أجله اختلف القراء في قراءاتهم - وهو خلق المصاحف المرسلة إلى الجهات من النقط والشكل - يقوى هذا الإحتمال جداً.

قال ابن أبي هاشم:

«إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها. ان الجهات التي وجهت اليه-ا المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل. قال : فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط... فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار» (2).

وقال الزرقاني:

«كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله مبالغة منهم في


1) وقد أوضحنا الفرق بين هذه المعاني في مبحث التعادل والترجيح في محاضراتنا الاصولية المنتشرة. (المؤلف)

2) التبيان : ص 86.

المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف وخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى التغيير فيه... ولكن الزمان تغيَّر - كما علمت - فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب، أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف، وخوفاً من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه» (1).

ثانياً: ان رواة كل قراءة من هذه القراءات لم يثبت وثاقتهم أجمع، فلا تشمل أدلة حجية خبر الثقة روايتهم. ويظهر ذلك مما قدمناه في ترجمة أحوال القراء ورواتهم.

ثالثاً: إنا لو سلمنا أن القراءات كلها تستند إلى الرواية، وأن جميع رواتها ثقات، إلا أنا نعلم علماً إجمالياً أن بعض هذه القراءات لم تصدر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قطعاً، ومن الواضح أن مثل هذا العلم يوجب التعارض بين تلك الروايات وتكون كل واحدة منها مكذبة للأخرى، فتسقط جميعها عن الحجية، فإن تخصيص بعضها بالاعتبار ترجیح بلا مرجح فلا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة، وبدونه لا يجوز الاحتجاج على الحكم الشرعي بواحدة من تلك القراءات.

وهذه النتيجة حاصلة أيضاً إذا قلنا بتواتر القراءات. فإن تواتر القراءتين المختلفتين عن النبي لم يورث القطع بأن كلا من القراءتين قرآن منزل من اللّه، فلا يكون بينهما تعارض بحسب السند، بل يكون التعارض بينهما بحسب الدلالة فاذا علمنا إجمالاً أن أحد الظاهرين غير مراد في الواقع فلا بد من الق--ول ب-تساقطها، والرجوع إلى الأصل اللفظي أو العملي، لأن أدلة الترجيح، أو التخيير تختص بالأدلة التي يكون سندها ظنياً، فلا تعمّ ما يكون صدوره قطعياً. وتفصيل ذلك كله في بحث «التعادل والترجيح» من علم الاصول.


1) مناهل العرفان ص 402، الطبعة الثانية.

2 - جواز القراءة بها في الصلاة :

ذهب الجمهور من علماء الفريقين إلى جواز القراءة بكل واحدة من القراءات السبع في الصلاة بل ادعي على ذلك الإجماع في كلمات غير واحد منهم، وجوز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر، وقال بعضهم بجواز القراءة بكل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح سندها، ولم يحصرها في عدد معين.

والحق: ان الذي تقتضيه القاعدة الأولية، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو أو من أحد أوصيائه المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) عالم لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآناً، وقد استقل العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة، و على ذلك فلابد من تكرار الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة، لإحراز الامتثال القطعي، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة «مالك»، وقراءة «ملك». أما السورة التامة التي تجب قراءتها بعد الحمد - بناءً على الأظهر - فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة وإما التكرار على النحو المتقدم.

وأما بالنظر إلى ما ثبت قطعياً من تقرير المعصومين - عليهم السلام - شيعتهم على القراءة، بأيّة واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية ك--ل واحدة منها. فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها، ولو ثبت الردع لوصل الينا بالتواتر ولا أقل من نقله بالآحاد، بل ورد

عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) إمضاء هذه القراءات بقولهم: «إقرأ كما يقرأ الناس»(1). «إقرؤوا كما عُلمتم»(2). وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة ولا موضوعة، أما الشاذة فمثالها قراءة (مَلَكَ يوم الدين) بصيغة الماضي ونصب يوم وأما الموضوعة ضوعة فمثالها قراءة (إنما يخشى اللّه من عباده العلماء) برفع كلمة اللّه ونصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة.

وصفوة القول : أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).


1) الكافى : 2 / 633، باب النوادر، الحدیث: 23.

2) الكافى: 631/22 کتاب فضل القرآن، باب النوادر الحديث 15.

هل نزل القرآن على سبعة أحرف ؟!!

إشارة:

•

عرض الروايات حول نزول القرآن على سبعة أحرف.

•

تفنيد تلك الروايات.

•

عدم رجوع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول.

•

الوجوه العشرة التي ذكروها تفسيراً للأحرف السبعة.

•

بيان فساد تلك الوجوه

عرض الروايات حول نزول القرآن على سبعة احرف لقد ورد في روايات أهل السنة: أن القرآن انزل على سبعة أحرف، فيحسن بنا أن نتعرض إلى التحقيق في ذلك بعد ذكر هذه الروايات:

1 - أخرج الطبري، عن يونس وأبي كريب بإسنادهما، عن ابن شهاب، بإسناده عن ابن عباس حدثه أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:

«أقرأني جبرئيل على ح-رف ف--راج-عته، فلم أزل استزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».

ورواها مسلم عن حرملة، عن ابن وهب عن يونس ملة، عن ابن وهب عن يونس(1)ورواها البخاري بسند آخر (2)وروى مضمونها عن ابن البرقي، بإسناده عن ابن عباس.

2 - وأخرج عن أبي كريب بإسناده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن جده، عن أبي بن كعب قال:


1) صحیح مسلم : 2 / 202، کتاب صلاة المسافرين و قصرها رقم الحديث: 355. طبعة محمد علي صبيح بمصر.

2) صحيح البخاري : 6 / 100، كتاب بدء الخلق، باب انزل القرآن على سبعة أحرف، رقم الحديث: 2980 طبعة دار الخلافة. المطبعة العامرة.

«كنت في المسجد فدخل رجل يصلى فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فدخلنا جميعاً على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : فقلت یا رسول اللّه إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فأمرهما رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقرءا، فحسَّن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شأنهما، فوقع في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً كأنما أنظر إلى اللّه فرقا. فقال لي: يا أُبي أُرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف فرددت عليه أن هوّن على امتي فرد علي في الثانية أن اقرأ القرآن على حرف (1)فرددت عليه أن هوّن على امتي، فردّ عليّ في الثالثة ان اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لامتي. اللهم اغفر لامتي وأخرت الثالثة لي--وم يرغب فيه إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (2).

وهذه الرواية رواها مسلم أيضاً بأدنى اختلاف (3). وأخرجها الطبري عن أبي كريب بطرق أُخرى باختلاف يسير أيضاً. وروى ما يقرب من مضمونها عن طريق يونس بن عبد الأعلى وعن طريق محمد بن عبد الأعلى الصنعاني عن أبي.

3 - و أخرج عن أبي كريب بإسناده، عن سليمان بن صرد، عن ابي بن كعبقال:


1) هكذا في النسخة، وفي صحيح مسلم على حرفين.

2) مسند احمد: مسند الأنصار، رقم الحديث: 20234 و 20242.

3) صحيح مسلم : 2 / 203، رقم الحديث: 1356. كتاب صلاة المسافرين و قصرها.

«رخت إلى المسجد فسمعت رجلاً يقرأ فقلت من أقرأك ؟ فقال: رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فانطلقت به إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلت: استقرىء هذا، فقرأ. فقال: أحسنت. قال: فقلت إنك أقرأتني ك--ذا وكذا فقال: وأنت قد أحسنت. قال: فقلت قد أحسنت قد أحسنت :قال فضرب بيده على صدري، ثم قال: اللهم أذهب عن ابي الشك. قال: ففضت عرقاً وامتلأ جو في فرقاً، ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الملكين أتياني. فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده قال: فقلت زدني. قال: اقرأه على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف. فقال: اقرأ على سبعة أحرف».

4 - وأخرج عن أبي كريب بإسناده عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال:

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): قال جبرئیل اقرأ القرآن على حرف. فقال :میکائیل استزده فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف - والشك من أبي كريب - فقال: كلها شافٍ كافٍ. مالم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب كقولك: هلم وتعال».

5 - وأخرج عن أحمد بن منصور، بإسناده، عن عبداللّه بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده قال:

«قرأ رجل عند عمر بن الخطاب فغيّر عليه فقال: لقد قرأت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يغير علي قال : فاختصما عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: یا رسول اللّه ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال: بلى. فوقع في صدر عمر شيء فعرف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك في وجهه. قال: فضرب

صدره. وقال: أبعد شيطاناً، قالها ثلاثاً ثم قال: يا عمر إن القرآن كله سواء، ما لم تجعل رحمةً عذاباً و عذاباً رحمة».

وأخرج عن يونس بن عبد الأعلى، بإسناده عن عمر بن الخطاب قضية مع هشام بن حكيم تشبه هذه القصة. وروى البخاري ومسلم و الترمذي قصة عمر مع هشام بإسناد غير ذلك، واختلاف فى ألفاظ الحديث (1).

6 - وأخرج عن محمد بن المثنى، بإسناده، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان عند أضاءة بني غفار قال:

«فأتاه جبرئيل. فقال: إن اللّه يأمرك أن تقرى أُمتك الق-رآن على حرف. فقال: اسأل اللّه معافاته ومغفرته، وإن أُمتي لا تطيق ذلك. قال: ثم أتاه الثانية. فقال: إن اللّه يأمرك أن تقرى أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل اللّه معافاته ومغفرته، وإن امتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة. فقال: إن اللّه يأمرك أن تقرىء أمتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل اللّه معافاته ومغفرته، وإن امتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن اللّه يأمرك أن تقرىء أُمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا».

ورواها مسلم أيضاً في صحيحه (2). وأخرج الطبري أيضاً نحوها، عن أبي


1) صحيح البخاري: كتاب الخصومات، رقم الحديث: 2241 و كتاب فضائل القرآن، رقم الحديث: 4653. و صحیح مسلم: 202/22، کتاب صلاة المسافرين و قصرها، رقم الحديث: 1354، و رقم الحديث: 1357. و سنن النسائي: كتاب الافتتاح رقم الحديث: 930 و سنن الترمذي : كتاب القراءات رقم الحديث: 2867.

2) صحیح مسلم : 2 / 203، رقم الحديث: 1357.

كريب، بإسناده، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب. وأخرج أيضاً بعضها، عن أحمد بن محمد الطوسي، بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب باختلاف يسير. وأخرجها أيضاً عن محمد بن المثنى، بإسناده عن أبي بن كعب.

7 - وأخرج عن أبي كريب باسناده عن زر عن أبى قال:

«لقي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جبرئيل عند أحجار الم--راء. فقال: إني بعثت إلى أمّة أمّيين منهم الغلام والخادم، وفيهم الشيخ الفاني والعجوز. فقال جبرئيل فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف» (1).

8 - وأخرج عن عمرو بن عثمان العثماني، بإسناده، عن المقبري، عن أبي هريرة أنه قال:

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذك--ر عذاب برحمة».

9 - وأخرج عن عبيد بن اسباط، باسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «انزل القرآن على سبعة أحرف عليم. حكيم غفور رحيم».

وأخرج عن أبي كريب باسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله.

10 - وأخرج، عن سعيد بن يحيى، باسناده عن عاصم، عن زر، عن عبداللّه بن مسعود قال:


1) ورواها الترمذي أيضاً بأدنى اختلاف : 11 / 62.

«تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون، أو ست وثلاثون آية. قال: فانطلقنا إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوجدنا علياً يناجيه. قال: فقلنا إنما اختلفنا في القراءة. قال: فاحمر وجه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم قال ثم أسرَّ الى عليّ شيئاً. فقال لنا عليّ: إن رسول اللّه يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم» (1).

11 - وأخرج القرطبي، عن أبي داود عن أبي قال: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«يا أبي إلى قرأت القرآن. فقيل لي: على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي قل على حرفين. فقيل لي على حرفين أو ثلاثة. فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت سميعاً، عليماً، عزيزاً، حكيماً، مالم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» (2).

هذه أهم الروايات التي رويت في هذا المعنى، وكلها من طرق أهل السنة، وهي مخالفة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

«إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الإختلاف يجيء من قبل الرواة» (3).

وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:


1) هذه الروايات كلها مذكورة في تفسير الطبري : 1 / 9 - 15.

2) تفسير القرطي : 1 / 43.

3) اصول الكافي : 1 / 630، کتاب فضل القرآن - باب النوادر، رقم الحدیث: 12.

«إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال. أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

كذبوا - أعداء اللّه - ولكنه نزل على حرف واح-د م-ن ع-ن-د الواحد»(1).

وقد تقدم إجمالاً أن المرجع بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في امور الدين، إنما هو كتاب اللّه وأهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً «وسيأتي توضيحه مفصلاً بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى» ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم. ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات. وهذا أول شيء تسقط ب-ه الرواية عن الاعتبار والحجية. ويضاف إلى ذلك ما بين هذه الروايات من التخالف والتناقض، وما في بعضها من عدم التناسب بين السؤال والجواب.

تهافت الروايات :

فمن التناقض أن بعض الروايات دلّ على أن جبرئيل أقرأ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حرف فاستزاده النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فزاده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف، وهذا يدل على أن الزيادة كانت على التدريج، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة، وفي بعضها أن اللّه أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، وكان الأمر بقراءة سبع في المرة الرابعة.

ومن التناقض أن بعض الروايات يدل على أن الزيادة كلها كانت في مجلس واحد، وأن طلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الزيادة كان بإرشاد ميكائيل، فزاده جبرئيل حتى بلغ


1) اصول الكافي: 1 / 630 كتاب فضل القرآن - باب النوادر - رقم الحديث : 13.

سبعاً، وبعضها يدل على أن جبرئيل كان ينطلق ويعود مرة بعد مرة.

ومن التناقض أن بعض الروايات يقول: إن أبي دخل المسجد، فرأى رجلاً يقرأ على خلاف قراءته. وفي بعضها أنه كان في المسجد، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته. وقد وقع فيها الاختلاف أيضاً فيما قاله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لابي.. إلى غير ذلك من الاختلاف.

ومن عدم التناسب بين السؤال والجواب ما في رواية ابن مسعود من قول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم. فإن هذا الجواب لا يرتبط بما وقع فيه النزاع من الاختلاف في عدد الآيات. أضف إلى جميع ذلك أنه لا يرجع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول، ولا يتحصل للناظر ف-ي-ه-ا م-ع-ن-ى صحيح.

وجوه الأحرف السبعة:

وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوهاً كثيرة نتعرض للمهم منها مع مناقشتها وبيان فسادها:

1 - المعاني المتقاربة :

إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو «عجل، وأسرع، واسْعَ وكانت هذه الأحرف باقية إلى زمان عثمان فحصرها عثمان بحرف واحد، وأمر بإحراق بقية المصاحف التي كانت على غيره من الحروف الستة. واختار هذا الوجه الطبري (1). وجماعة. وذكر القرطبي أنه مختار أكثر أهل العلم(2). وكذلك قال


1) تفسير الطبري : 1 / 15.

2) تفسير القرطبي : 1 / 42.

ابو عمرو بن عبدالبر (1).

واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة، وأبي داود، وغيرهما مما تقدم. وبرواية يونس بإسناده عن ابن شهاب قال:

أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر اللّه تعالى ذكره:

(إنما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ «16: 103».

إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي، فكان يملي عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سميع عليم، أو عزيز حكيم، وغير ذلك من خواتم الآي، ثم يشتغل عنه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو على الوحي، فيستفهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيقول: «أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز علیم» ؟ فيقول له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أي ذلك كتبت فهو كذلك، ففتنه ذلك. فقال: إن محمداً أوكل ذلك إلى فاكتب ماشئت».

واستدلوا أيضاً بقراءة أنس «إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلاً» فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي «وأقوم» فقال: «أقوم، وأصوب، وأهدى واحد». وبقراءة ابن مسعود «إن كانت إلاّ زقية واحدة» (2).

وبما رواه الطبري عن محمد بن بشار، وأبي السائب بإسنادهما عن همام أن أبا الدرداء كان يقرىء رجلاً:

(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ «44: 44».

قال: فجعل الرجل يقول «إن شجرة الزقوم طعام اليتيم» قال: فلما أكثر عليه أبو


1) التبيان : ص 39.

2) تفسير الطبري : 1 / 18.

الدرداء فرآه لا يفهم. قال: «إن شجرة الزقوم طعام الفاجر» (1).

واستدلوا أيضاً على ذلك بما تقدم من الروايات الدالة على التوسعة: «مالم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة».

فإن هذا التحديد لا معنى له إلا أن يراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض. فاستثنى من ذلك ختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب. وبمقتضى هذه الروايات لابد من حمل روايات السبعة أحرف على ذلك بعد رد مجملها إلى مبينها.

إن جميع ما ذكر لها من المعاني أجنبي عن مورد الروايات - وستعرف ذلك - وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن.

والدليل على ذلك:

أولاً: ان هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن التي يمكن أن يُعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة. ومن الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن ؟

ثانياً: إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات اخرى تقاربها في المعنى - ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة - فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن المعجزة الأبدية، والحجة على جميع البشر، ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل، وعدم الاعتناء بشأنه. وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يقرأ القارىء «يس، والذكر العظيم، إنك لم-ن الأنبياء، على طريق سويّ، إنزال الحميد الكريم لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم


1) تفسير الطبري : 25/ 78، عند تفسير الآية المباركة.

فهم ساهون» فلتقرعيون المجوزين لذلك. سبحانك اللهم إن هذا إلا بهتان عظيم. وقد قال اللّه تعالى :

(قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) «15 : 10».

وإذا لم يكن للنبي أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه، فكيف يجوز ذلك لغيره؟ وإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علم براء بن عازب دعاءً كان فيه: «ونبيك الذي أرسلت» فقرأ براء «ورسولك الذي أرسلت» فأمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أن لا يضع الرسول موضع النبي (1). فإذا كان هذا في الدعاء، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرأ على الحروف السبعة - ويشهد لهذا كثير من الروايات المتقدمة - فلا بد للقائل بهذا أن يدل على هذه الحروف السبعة التي قرأ بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأن اللّه سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذَّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) «9 : 15».

ثالثاً: أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف هي التوسعة على الامة، لأنهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد، وأن هذا هو الذي دعا النبي إلى الاستزادة إلى سبعة أحرف. وقد رأينا أن اختلاف القراءات أو جب أن يكفّر بعض المسلمين بعضاً. حتى حصر عثمان القراءة بحرف،واحد وأمر بإحراق بقية المصاحف.

ويستنتج من ذلك امور :

1 - إن الإختلاف في القراءة كان نقمة على الأمة. وقد ظهر ذلك في عصر عثمان،


1) التبيان : ص 58.

فكيف يصح أن يطلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من اللّه ما فيه فساد الأمة. وكيف يصح على اللّه أن يجيبه إلى ذلك ؟ وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الإختلاف. وأن فيه هلاك الأمة. وفي بعضها أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة. وقد تقدم جملة منها، وسيجيء بعد هذا جملة اخرى.

2 - قد تضمنت الروايات المتقدمة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: إن أُمتي لا تستطيع ذلك «القراءة على حرف واحد» وهذا كذب صريح، لا يعقل نسبته إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأن-ا نجد الامة بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولغاتها قد استطاعت أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فكيف يكون من العسر عليها أن تجتمع على حرف واحد في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد كانت الأمة من العرب الفصحى.

3 - إن الاختلاف الذي أوجب لعثمان أن يحصر القراءة في حرف واحد قد اتفق في عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد أقر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كل قارىء على قراءته، وأم--ر المسلمين بالتسليم لجميعها، وأعلمهم بأن ذلك رحمة من اللّه لهم، فكيف صح لعثمان، ولتابعيه سد باب الرحمة، مع نهي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن المنع عن قراءة القرآن، وك-ي-ف ج-از للمسلمين رفض قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأخذ قول عثمان وإمضاء عمله، أف-هل وجدوه أرأف بالأمة من نبيها أو أنه تنبه لشيء قد جهله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قبل وحاشاه، أو أن الوحي قد نزل على عثمان بنسخ تلك الحروف؟!.

وخلاصة الكلام: أن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن ردّه، وه-ذه ه-ي العمدة في رفض المتأخرين من علماء أهل السنة لهذا القول. ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل والمتشابه، وليس يدرى ما هو مفادها (1). مع


1) التبيان : ص 61.

أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر، ولا يشك فيه الناظر اليها، كما ذهب اليه واختاره أكثر العلماء.

2 - الأبواب السبعة:

ان المراد بالأحرف السبعة هي الأبواب السبعة التي نزل منها القرآن وهي زجر، وأمر، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.

واستدل عليه بما رواه یونس، بإسناده عن ابن مسعود، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال:

«كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف زجر، وأمر، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله، وحرّموا حرامه وافعلوا ما امرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه و آمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا»(1).

ويرد على هذا الوجه:

أن ظاهر الرواية كون الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن غير الأبواب السبعة التي نزل منها، فلا يصح ان يجعل تفسيراً لها، كما يريده أصحاب هذا القول.

2 - أن هذه الرواية معارضة برواية أبي كريب بإسناده عن ابن مسعود. قال: إن اللّه أنزل القرآن على خمسة أحرف حلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال(2).


1) تفسير الطبري : 1 / 23.

2) تفسير الطبري : 1 / 24.

3 - ان الرواية مضطربة في مفادها، فإن الزجر والحرام بمعنى واحد فلا تكون الأبواب سبعة، على أن في القرآن أشياء اخرى لا تدخل في هذه الأبواب السبعة، كذكر المبدأ والمعاد، والقصص والاحتجاجات والمعارف، وغير ذلك. وإذا أراد هذا القائل أن يدرج جميع هذه الأشياء في المحكم والمتشابه كان عليه أن يدرج الأبواب المذكورة في الرواية فيهما أيضاً، ويحصر القرآن في حرفين «المحكم والمتشابه» فإن جميع ما في القرآن لا يخلو من أحدهما.

4 - ان اختلاف معاني القرآن على سبعة أحرف لا يناسب ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة من التوسعة على الأمة، لأنها لا تتمكن من القراءة على حرف واحد.

5 - ان في الروايات المتقدمة ما هو صريح في أن الحروف السبعة هي الحروف التي كانت تختلف فيها القرّاء، وهذه الرواية إذا تمت دلالتها لا تصلح قرينة على خلافها.

3 - الأبواب السبعة بمعنى آخر :

إن الحروف السبعة هي الأمر والزجر، والترغيب والترهيب، والجدل، والقصص، والمثل. واستدل على ذلك برواية محمد بن بشار، بإسناده، عن أبي قلامة قال:

«بلغني أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: انزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل» (1).

وجوابه يظهر مما قدمناه في جواب الوجه الثاني.


1) تفسير الطبري : 1 / 24.

4 - اللغات الفصيحة :

إن الأحرف السبعة هي اللغات الفصيحة من لغات العرب وأنها متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وبعضه بلغة كنانة وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة ثقيف. ونسب هذا القول الى جماعة، منهم: البيهقي، والأبهري، وصاحب القاموس.

ویرده :

1 - ان الروايات المتقدمة قد عينت المراد من الأحرف السبعة، فلا يمكن حملها على أمثال هذه المعاني التي لا تنطبق على موردها.

2 - ان حمل الأحرف على اللغات ينافي ما روي عن عمر من قوله: نزل القرآن بلغة مضر (1)وانه أنكر على ابن مسعود قراءته عتى حين» أي حتى حين، وكتب اليه أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل فأقرىء الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل (2).

وما روي عن عثمان أنه قال «للرهط القرشيين الثلاثة، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم» (3).

وما روي : «من أن عمر وهشام بن حكيم اختلفا في قراءة سورة الفرقان، فقرأ هشام قراءة. فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و هكذا أنزلت وقرأ عمر قراءة غير تلك القراءة. فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هكذا أنزلت ثم قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن هذا القرآن أنزل


1) التبيان : ص 64.

2) نفس المصدر: ص 65.

3) صحيح البخاري : 1 / 156، كتاب المناقب، باب نزل القرآن بلسان قريش، رقم الحديث: 3244.

على سبعة أحرف»(1).

فإن عمر وهشام كان كلاهما من قريش، فلم يكن حينئذ ما يوجب اختلافهما في القراءة، ويضاف إلى جميع ذلك أن حمل الأحرف على اللغات قول بغير علم، وتحكّم من غير دليل.

3 - ان القائلين بهذا القول إن أرادوا أن القرآن اشتمل على لغات اخرى، كانت لغة قريش خالية منها، فهذا المعنى خلاف التسهيل على الأمة، الذي هو الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف، على ما نطقت الروايات بذلك، بل هو خلاف الواقع، فإن لغة قريش هي المهيمنة على سائر لغات العرب، وقد جمعت من هذه اللغات ما هو أفصحها، ولذلك استحقت أن توزن بها العربية، وأن يرجع اليها في قواعدها.

وإن أرادوا أن القرآن مشتمل على لغات اخرى ولكنها تتحد مع لغة قريش، فلا وجه للحصر بلغات سبع، فإن في القرآن ما يقرب من خمسين لغة. فعن أبي بكر الواسطي في القرآن من اللغات خمسون لغة وهي لغات قریش وهذيل وكنانة وختعم والخزرج، وأشعر، ونمير... (2).

5 - لغات مضر :

لغات إن الأحرف السبعة هي سبع من لغات مضر خاصة، وانها متفرقة في القرآن وهي لغات قريش وأسد، وكنانة، وهذيل، وتميم، وضبة، وقيس.

ويرد عليه جميع ما أوردناه على الوجه الرابع.


1) صحيح البخاري كتاب الخصومات، رقم الحديث: 2241.

2) راجع الاتقان : 1 / 204 - 230، النوع 37.

6 - الاختلاف في القراءات :

إن الأحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءات. قال بعضهم: إني تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعاً.

فمنها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل: (هنَّ أَطْهَرُ لَكُم) بضم أطهر وفتحه.

ومنها ما تتغيير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل: رَبَّنا باعِدْ بينَ أسفارنا بصيغة الأمر والماضي.)ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف مثل: كالعهن المنفوش و «كالصوف المنفوش».ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل وطلح منضود» و «طلع منضود».ومنها: بالتقديم والتأخير مثل: «وجاءت سكرة الموت بالحق»، و «جاءت سكرة الحق بالموت».ومنها: بالزيادة والنقصان: «تسع وتسعون نعجة انثى». و «أما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين». «فإن اللّه من بعد اكراههن لهن غفور رحيم».### الاختلاف في القراءاتویرده :1 - ان ذلك قول لا دليل عليه، ولا سيما ان المخاطبين في تلك الروايات لم يكونوا يعرفون من ذلك شيئاً.2 - ان من وجوه الاختلاف المذكورة ما يتغير فيه المعنى وما لا يتغير ومن الواضح أن تغير المعنى وعدمه لا يوجب الانقسام إلى وجهين، لأن حال اللفظ

والقراءة لا تختلف بذلك، ونسبة الإختلاف إلى اللفظ في ذلك من قبيل وصف الشيء بحال متعلقه. ولذلك يكون الاختلاف في «طلح منضود. وكالعهن المنفوش» قسماً واحداً.3 - ان من وجوه الاختلاف المذكور بقاء الصورة للفظ وعدم بقائها، ومن الواضح أيضاً أن ذلك لا يكون سبباً للانقسام، لأن بقاء الصورة إنما هو في المكتوب لا في المقروء، والقرآن اسم للمقروء لا للمكتوب والمنزل من السماء إنما كان لفظاً لا كتابة. وعلى هذا يكون الاختلاف في وطلح. وننشزها» وجهاً واحداً لا وجهين.4 - ان صريح الروايات المتقدمة أن القرآن نزل في ابتداء الأمر على حرف واحد. ومن البين أن المراد بهذا الحرف الواحد ليس هو أحد الإختلافات المذكورة، فكيف يمكن أن يراد بالسبعة مجموعها!.5 - ان كثيراً من القرآن موضع اتفاق بين القراء، وليس مورداً للاختلاف، فإذا أضفنا موضع الإتفاق إلى موارد الإختلاف بلغ ثمانية. ومعنى هذا أن القرآن نزل على ثمانية أحرف.6 - أن مورد الروايات المتقدمة هو اختلاف القراء في الكلمات، وقد ذكر ذلك في قصة عمر وغيرها. وعلى ما تقدم فهذا الإختلاف حرف واحد من السبعة، ولا يحتاج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في رفع خصومتهم إلى الاعتذار بأن الق--رآن نزل ع-لى الأحرف السبعة وهل يمكن أن يحمل نزول جبريل بحرف، ثم بحرفين، ثم بثلاثة. ثم بسبعة على هذه الاختلافات ؟! وقد أنصف الجزائري في قوله: «والأقوال في هذه المسألة كثيرة، وغالبها بعيد عن الصواب». وكأن القائلين بذلك ذهلوا ع--ن م-ورد)

حدیث انزل القرآن على سبعة أحرف، فقالوا ما قالوا (1.)### 7 - اختلاف القراءات بمعنى آخر :ان الأحرف السبعة هي وجوه الإختلاف في القراءة، ولكن بنحو آخ-ر غ-ي-ر ما تقدم. وهذا القول اختاره الزرقاني، وحكاه عن أبي الفضل الرازي في اللوائح. فقال: الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الإختلاف الأول: اختلاف الاسماء م--ن إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير وتأنيث الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع وأمر الثالث اختلاف الوجوه في الإعراب. الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة. الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير السادس: الاختلاف بالإبدال. السابع: اختلاف اللغات «اللهجات» كالفتح والامالة، والترقيق، والتفخيم والاظهار، والادغام، ونحو ذلك.ویرد عليه :ما أوردناه على الوجه السادس في الإشكال الأول والرابع والخامس منه، ويردّه أيضاً أن الاختلاف في الأسماء يشترك مع الاختلاف في الأفعال في كونها اختلافاً في الهيئة، فلا معنى لجعله قسماً آخر مقابلاً له. ولو راعينا الخصوصيات في هذا التقسيم لوجب علينا أن نعد كل واحد من الإختلاف في التثنية، والجمع، والتذكير والتأنيث، والماضي، والمضارع، والأمر قسماً مستقلاً. ويضاف إلى ذلك أن الإختلاف في الادغام والاظهار والروم والاشمام والتخفيف والتسهيل في اللفظ الواحد لا يخرجه عن كونه لفظاً واحداً. وقد صرح بذلك ابن قتيبة على ما حكاه الزرقاني


1) التبيان : ص 59.

عنه (1.)والصحيح أن وجوه الإختلاف في القراءة ترجع إلى ستة أقسام:الأول: الإختلاف في هيئة الكلمة دون مادتها، كالإختلاف في لفظة «باعد» بين صيغة الماضي والأمر، وفي كلمة «أمانتهم» بين الجمع والافراد.الثاني: الاختلاف في مادة الكلمة دون هيئتها كالإختلاف في لفظة «ننشرها» بين الراء والزاي.الثالث: الاختلاف فى المادة والهيئة كالاختلاف في «العهن والصوف».الرابع: الاختلاف في هيئة الجملة بالإعراب كالاختلاف «وأرجلكم» ب-ي-ن النصب والجر.الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، وقد تقدم مثال ذلك.السادس: الاختلاف بالزيادة والنقيصة، وقد تقدم مثاله أيضاً.### 8 - الكثرة في الأحاد:ان لفظ السبعة يراد منه الكثرة في الآحاد كما يراد من لفظ السبعين والسبعمائة الكثرة في العشرات أو المئات ونسب هذا القول إلى القاضي عياض ومن تبعه.ویرده :ان هذا خلاف ظاهر الروايات، بل خلاف صريح بعضها. على أن هذا لا يعدّ قولاً مستقلاً عن الوجوه الاخرى، لأنه لم يعين معنى الحروف فيه، فلابد وان يراد من الحروف أحد المعاني المذكورة في الوجوه المتقدمة، ويرد عليه ما يرد من


1) مناهل العرفان ص 154.

الاشكال على تلك الوجوه.### 9 - سبع قراءات:ومن تلك الوجوه ان الأحرف السبعة «موضوعة البحث» هي هي سبع قراءات.ويرده:ان هذه القراءات السبع إن اريد بها السبع المشهورة، فقد أوضحنا للقارىء بطلان هذا الاحتمال في البحث عن تواتر القراءات - وقد تقدم ذلك - في باب «نظرة في القراءات».وان اريد بها قراءات سبع على إطلاقها، فمن الواضح أن عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير، ولا يمكن أن يوجه ذلك بأن غاية ما ينتهي اليه اختلاف القراءات أكثر من ذلك بكثير، الواحدة هي السبع، لأنه إن اريد أن الغالب في كلمات القرآن أن تقرأ على سبعة وجوه فهذا باطل، لأن الكمات التي تقرأ على سبعة وجوه قليلة جداً وإن اريد أن ذلك موجود في بعض الكمات وعلى سبيل الإيجاب الجزئي فمن الواضح أن في كلمات القرآن ما يقرأ بأكثر من ذلك فقد قرأت كلمة «وعبد الطاغوت» بإثنين وعشرين وجهاً، وفي كلمة «أفّ» أكثر من ثلاثين وجهاً. ويضاف إلى ما تقدم ان هذا القول لا ينطبق على مورد الروايات، ومثله أكثر الأقوال في المسألة.### 10 - اللهجات المختلفة :إن الأحرف السبع يراد بها اللهجات المختلفة في لفظ واحد، اختاره الرافعي في كتابه (1.)


1) إعجاز القرآن : ص 70.

و توضيح القول: أن لكل قوم من العرب لهجة خاصة في تأدية بعض الكمات، ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدية الكمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم فالقاف في كلمة «يقول» مثلاً يبدلها العراقي بالكاف الفارسية، ويبدلها الشامي بالهمزة، وقد أنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسعة على الأمة، لأن الالتزام بلهجة خاصة من هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الأخرى التي لم تألف هذه اللهجة، والتعبير بالسبع إنما هو رمز إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذه اللفظة، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية، وزيادتها على السبع.الرد:وهذا الوجه - على أنه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام - غير تام أيضاً:1 - لأنه ينافي ما ورد عن عمر وعثمان من أن القرآن نزل بلغة قريش وأن عمر منع ابن مسعود من قراءة «عتى حين».2 - ولأنه ينافي مخاصمة عمر مع هشام بن حكيم في القراءة، مع أن كليهما من قريش.3 - ولأنه ينافي مورد الروايات، بل وصراحة بعضها في أن الاختلاف كان في جوهر اللفظ لا في كيفية أدائه، وان هذا من الأحرف التي نزل بها القرآن.4 - ولأن حمل لفظ السبع - على ما ذكره خلاف - ظاهر الروايات، بل وخلاف صريح بعضها.5 - ولأن لازم هذا القول جواز القراءة فعلاً باللهجات المتعددة، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين، ولا يمكن أن يدَّعي نسخ جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة، لأنه قول بغير دليل، ولا يمكن لقائله أن يستدل على

النسخ بالإجماع القطعي على ذلك، لأن مدرك الإجماع إنما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفة، فإذا فرضنا ثبوت ذلك كما يقوله أصحاب هذا القول فكيف يمكن تحصيل الإجماع على ذلك ؟ مع أن إصرار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كان للتوسعة على الأمة، فكيف يمكن أن يختص ذلك بزمان قليل بعد نزول القرآن، وكيف يصح أن يقوم على ذلك إجماع أو غيره من الأدلة ؟! ومن الواضح أن الامة - بعد ذلك - أكثر احتياجاً إلى التوسعة، لأن المعتنقين للإسلام في ذلك الزمان قليلون. فيمكنهم أن يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة واحدة، وهذا بخلاف المسلمين في الأزمنة المتأخرة، ولنقتصر على ما ذكرناه من الأقوال فإن فيه كفاية عن ذكر البقية والتعرض لجوابها وردّها.)وحاصل ما قدمناه أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح، فلابد من طرح الروايات الدالة عليه، ولا سيما بعد أن دلّت أحاديث الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ على تكذيبها، وأن القرآن. إنما نزل على حرف واحد، وان الاختلاف قد جاء من قبل الرواة.)

## صيانة القرآن من التحريف### إشارة:

* وقوع التحريف المعنوى فى القرآن باتفاق المسلمين.* التحريف الذي لم يقع في القرآن بلا خلاف.* التحريف الذي وقع فيه الخلاف.* تصريحات أعلام الإمامية بعدم التحريف كجزء من معتقداتهم.* نسخ التلاوة مذهب مشهور بين علماء أهل السنة.* كلمات مشاهير الصحابة في وقوع التحريف.* القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف.* الأدلة الخمسة على نفى التحريف.* شبهات القائلين بالتحريف

يحسن بنا - قبل الخوض في صميم الموضوع - أن نقدم أمام البحث اموراً، له-ا صلة بالمقصود، لا يستغنى عنها في تحقيق الحال وتوضيحها.### 1 - معنى التحريف :يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضاً، وبعض منها وقع الخلاف بينهم. واليك تفصيل ذلك (1:)الأول : «نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره» ومنه قوله تعالى :(مِنَ الَّذينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ «46:4». ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب اللّه فإن كل من فسّر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرّفه. وترى كثيراً من أهل


1) انظر التعليقة رقم (6) تقديم دار التقريب لهذا البحث في قسم التعليقات. (المؤلف)

البدع، والمذاهب الفاسدة قد حرّفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.

وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى، وذم فاعله في عدة من الروايات منها:

رواية الكافي بإسناده عن الباقر أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير :

«وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية...» (1).

الثاني : «النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه، وإن لم يكن متميزاً في الخارج عن غيره».

والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر القراءات، ومعنى هذا أن القرآن المنزل إنما هو مطابق لإحدى القراءات، وأما غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه.

الثالث: «النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل».

والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام وفي زمان الصحابة قطعاً، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه وهذا يدل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه وإلا لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها، وقد صبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف منهم عبد اللّه بن أبي داود السجستاني، وقد سمى كتابه هذا بكتاب المصاحف. وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة إما من عثمان أو من كتاب


1) الكافى : 53/8، رقم الحديث: 16.

تلك المصاحف، ولكنا سنهين بعد هذا إن شاء اللّه تعالى أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين، الذي تداولوه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يداً بيد. فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان، وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.

وجملة القول : إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف - كما هو الصحيح - فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول إلا أنه قد انقطع في زمان عثمان، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأما القائل بتواتر المصاحف بأجمعها فلا بد له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل، وبضياع شيء منه. وقد مرَّ عليك تصريح الطبري، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستة التي نزل بها القرآن واقتصاره على حرف واحد(1).

الرابع : «التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل، والتسالم على قراءة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إياها».

والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً. فالبسملة - مثلاً - مما تسالم المسلمون على أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرأها قبل كل سورة غير سورة التوبة وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة، فاختار جمع منهم أنها ليست من القرآن بل ذهبت المالكية إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلا إذا نوى به المصلي الخروج من الخلاف، وذهب جماعة اخرى إلى أن البسملة من القرآن.

وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسلمة من كل سورة غير سورة التوبة، و اختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضاً - وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا


1) راجع ص 180 من هذا الكتاب.

سورة الفاتحة - وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقيناً، بالزيادة أو بالنقيصة.

الخامس : «التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل».

والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة.

السادس : «التحريف بالنقيصة، بمعنى أن المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه على الناس».

والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون.

2 - رأي المسلمين في التحريف :

المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام. منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه، وقد عدَّ القول بعدم التحريف من معتقدات الإمامية. ومنهم شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وصرح بذلك في أول تفسيره «التبيان» ونقل القول بذلك أيضاً عن شيخه علم اله--دى الس--ي-د المرتضى، واستدلاله على ذلك بأتم دليل. ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره «مجمع البيان»، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه «كشف الغطاء» وادَّعى الإجماع على ذلك. ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه «العروة الوثقی» ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين. ومنهم المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه (1). ومنهم بطل


1) الوافى : 5 / 274، وعلم اليقين: ص 130.

العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره «آلاء الرحمن».

وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الأعاظم منهم شيخ المشايخ المفيد، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي والمحقق القاضي نور اللّه، وأضرابهم. وممن يظهر منه القول بعدم التحريف : كل من كتب في الإمامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب ولم يتعرض للتحريف، فلو كان هؤلاء قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره.

وجملة القول : أن المشهور بين علماء الشيعة،ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف. نعم ذهب جماعة من المحدثين من الشيعة، وجمع من الشيعة، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع التحريف. قال الرافعي : فذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلا الظن والتأويل، واستخراج الأساليب الجدلية من كل حكم وكل قول إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء، حملا على ما وصفوا من كيفية بعه (1)وقد نسب الطبرسي في «مجمع البيان» هذا القول إلى الحشوية من العامة.

اقول: سيظهر لك - بعيد هذا - ان القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، و عليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة - عند علماء اهل السنة - يستلزم اشتهار القول بالتحريف.

3 - نسخ التلاوة :

ذكر أكثر علماء أهل السنة : أن بعض القرآن قد نسخت تلاوته، وحملوا على ذلك ما ورد في الروايات أنه كان قرآناً على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيحسن بنا أن نذكر جملة من هذه الروايات، ليتبين أن الالتزام بصحة هذه الروايات التزام بوقوع التحريف في القرآن :


1) إعجاز القرآن ص 41.

1 - روى ابن عباس أن عمر قال فيما قال، وهو على المنبر :

«إن اللّه بعث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل اللّه آي--ة الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها فلذا رجم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب اللّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه، والرجم في كتاب اللّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجال... ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه : أنْ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو : «إنَّ كُفْراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم...» (1).

وذكر السيوطي : أخرج ابن اشته في المصاحف عن الليث بن سعد. قال : «أول من جمع القرآن أبوبكر، وكتبه زيد... وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها، لأنه كان وحده (2)».

أقول : وآية الرجم التي ادعى عمر أنها من القرآن، ولم تقبل منه رويت بوجوه : منها : «إذا زَنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، نكالاً من اللّه، والله عزيز حكيم» ومنها : «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة» ومنها : «إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجمؤهما البتة» وكيف كان فليس في القرآن الموجود ما يستفاد منه حكم الرجم فلو صحت الرواية فقد سقطت آية من القرآن لا محالة.

2 - و أخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعاً :


1) صحيح البخاري : كتاب الحدود، رقم الحديث: 6327. و 6328 و صحیح مسلم کتاب الحدود، رقم الحديث: 3201، و سنن الترمذی: كتاب الحدود، رقم الحديث: 1352 و سنن ابی داود کتاب الحدود رقم :الحديث 3835 و سنن ابن ماجة: كتاب الحدود، رقم الحديث : 2543 و مسند احمد: مسند العشرة المبشرة بالجنة، رقم الحدیث: 192.

2) الإتقان : 1 / 101.

«القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف» (1). بينما القرآن الذي بين أيدنا لا يبلغ ثلث هذا المقدار، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه.

3 - وروى ابن عباس عن عمر أنه قال :

«إن اللّه عزوجل بعث محمداً بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل اليه آية الرجم فرجم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورجمنا بعده، ثم قال : كنا نقرأ : «ولا ترغبوا عن ابائكم فإنه كفر بكم»، أو : «إن كُفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (2).

4 - وروى نافع أن ابن عمر قال :

«ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر» (3).

5 - وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت :

«كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مئتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن» (4).

6 - وروت حميدة بنت أبي يونس قالت :

«قرأ عليَّ أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة : إن اللّه وملائكته يُصلُّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، وعلى الذي--ن يصلون الصفوف الاول. قالت : قبل أن يغير عثمان المصاحف» (5).


1) الإتقان : 1 / 121.

2) سنن الترمذي: كتاب الحدود، رقم الحدیث: 1352 و مسند احمد مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحدیث: 313.

3) الإتقان : 2 / 40 – 41.

4) نفس المصدر : 2 / 40 - 41.

5) الإتقان : 2 / 40 - 41.

7 - وروى أبو حرب ابن الأسود عن أبيه قال :

«بعث أبو موسى موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل. قد قرأوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة،وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فانسيتها، غير أني قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديانِ مِن مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فانسيتها، غير أني حفظت منها : يا أيُّها الذين آمنوا لم تقولونَ ما لا تفعلون فتُكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة» (1).

8 - وروی زرّ. قال : قال أُبي بن كعب يا زرّ:

«كأيّن تقرأ سورة الأحزاب قلت : ثلاث وسبعين آية. قال : إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة...» (2).

9 - وروى ابن أبي داود وابن الانباري عن ابن شهاب. قال :

«بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب...» (3).

10 - وروى عمرة عن عائشة أنها قالت :

«كان فيما أنزل من القرآن : عشرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحرِّ منَ ثم نسخن ب- : خَمْسٍ


1) صحیح مسلم : 3 / 100، كتاب الزكاة، رقم الحديث: 1740.

2) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد : 2 / 43.

3) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد : 2 / 50.

معلومات، فتوفي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهن فيما يقرأ من القرآن (1).

11 - وروى المسور بن مخرمة قال:

«قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما انزل علينا أنْ جاهدوا كما جاهدتم أوَّلَ مرَّة. فإنا لا نجدها قال : اسقطت فيها اسقط من القرآن» (2).

12 - وروى أبوسفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم:

أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة : (إِنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذينَ آوَوْهم ونَصَروهم وجادَلوا عنهم القومَ الذينَ غَضِبَ اللّه عليهم أولئك لا تَعْلَم نَفْسُ ما أُخْفَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنَ جزاء بما كانوا يعملون) (3).

وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخلع والحفد في مصحف ابن عباس وأُبي بن كعب : (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك وتثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك مَنْ يَفْجُرك، اللهمَّ إِيَّاكَ نَعْبُد ولكَ نصَلّى ونسْجُد وإليكَ نَسْعى ونَحقد، نرجو رحمتك ونخشى عذابَكَ إنَّ عذابك بالكافرين مُلْحق).

وغير ذلك مما لا يهمنا استقصاؤه.(4).

وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف والاسقاط.


1) صحیح مسلم : 4 / 167، كتاب الرضاع، رقم الحديث: 2634.

2) الاتقان : 2 / 42.

3) نفس المصدر السابق.

4) الاتقان : 10 / 122 – 213.

وبيان ذلك : أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإما أن يكون ممّن تصدَّى للزعامة من بعده، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهو أمر يحتاج إلى الإثبات. وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، وقد صرّح بذلك جماعة في كتب الأصول وغيرها (1)بل قطع الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، بل إن جماعة ممّن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه (2). وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأخبار هؤلاء الرواة؟ مع أن نسبة النسخ إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده. و إن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهو عين القول بالتحريف وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة، لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ، بل تردَّد الاصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته، وفي جواز أن يمسه المحدث. واختار بعضهم عدم الجواز. نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة (3).

ومن العجيب أن جماعة من علماء أهل السنة أنكروا نسبة القول بالتحريف إلى أحد من علمائهم، حتى أن الآلوسي كذَّب الطبرسي في نسبة القول بالتحريف إلى الحشوية، وقال: «إن أحداً من علماء أهل السنة لم يذهب إلى ذلك».

واعجب من ذلك أنه ذكر أن قول الطبرسي بعدم التحريف نشأ من ظهور فساد


1) الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي : 106/3 طبعة المطبعة الرحمانية بمصر.

2) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي : 3 / 217.

3) نفس المصدر : 201/3 – 203.

قول أصحابه بالتحريف، فالتجأ هو الى إنكاره (1).

مع انك قد عرفت أن القول بعدم التحريف هو المشهور بل المتسالم عليه ب-ين علماء الشيعة ومحققيهم، حتى أن الطبرسي قد نقل كلام السيد المرتضى بطوله، واستدلاله على بطلان القول بالتحريف بأتم بيان وأقوى حجة (2).

التحريف والكتاب :

والحق. بعد هذا كله ان التحريف «بالمعنى الذي وقع النزاع فيه» غير واقع في القرآن أصلاً بالأدلة التالية:

الدليل الأول - قوله تعالى:

«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ «15 : 9».

فإن فى هذه الآية دلالة على حفظ القرآن من التحريف، وأن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه.

والقائلون بالتحريف قد أوّلوا هذه الآية الشريفة، وذكروا في تأويلها وجوهاً :

الأول : «أن الذكر هو الرسول» فقد ورد استعمال الذكر فيه في قوله تعالى :

«قَدْ أَنْزَلَ اللّه إِلَيْكُمْ ذِكْراً 65 : 10 رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللّه : 11».

وهذا الوجه بيّن الفساد : لأن المراد بالذكر هو القرآن في كلتا الآيتين بقرينة التعبير «بالتنزيل والإنزال» ولو كان المراد هو الرسول لكان المناسب أن يأتي بلفظ «الإرسال» أو بما يقاربه في المعنى، على ان هذا الإحتمال إذا تم في الآية الثانية فلا يتم


1) راجع روح المعاني : 1 / 24.

2) مجمع البيان : 1 / 15، المقدمة.

آية الحفظ، فإنها مسبوقة بقوله تعالى :

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ تَجنُونَ) «15 : 6».

ولا شبهة في أن المراد بالذكر في هذه الآية هو القرآن، فتكون قرينة على أن المراد من الذكر في آية الحفظ هو القرآن أيضاً.

الثاني : «أن يراد من حفظ القرآن صيانته عن القدح فيه، وعن إبطال ما يتضمنه من المعاني العالية، والتعاليم الجليلة».

وهذا الاحتمال أبين فساداً من الأول : لأن صيانته عن القدح إن أريد بها حفظه من قدح الكفار والمعاندين فلا ريب في بطلان ذلك، لأن قدح هؤلاء في القرآن فوق حد الاحصاء. وان أريد أن القرآن رصين المعاني قوي الاستدلال مستقيم الطريقة، وأنه لهذه الجهات ونحوها أرفع مقاماً من أن يصل الي-ه ق-دح القادحين، وريب المرتابين فهو صحيح ولكن هذا ليس من الحفظ بعد التنزيل كما تقوله الآية، لأن القرآن بما له من الميزات حافظ لنفسه، وليس محتاجاً إلى حافظ اخر، وهو غير مفاد الآية الكريمة، لأنها تضمنت حفظه بعد التنزيل.

الثالث : «أن الآية دلت على حفظ القرآن في الجملة، ولم تدل على حفظ كل فرد من أفراد القرآن فإن هذا غير مراد من الآية بالضرورة وإذا كان المراد حفظه في الجملة، كفى في ذلك حفظه عند الإمام الغائب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وهذا الاحتمال أوهن الاحتمالات : لأن حفظ القرآن يجب أن يكون عند من انزل عامة البشر، أما حفظه عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو نظير حفظه في اللوح المحفوظ اليهم وهم أو عند ملك من الملائكة، وهو معنى تافه يشبه قول القائل : إني أرسلت اليك بهدية وأنا حافظ لها عندي، أو عند بعض خاصتي.

ومن الغريب قول هذا القائل إن المراد في الآية حفظ القرآن فى الجملة، لا حفظ كل فرد من أفراده، فكأنه توهم أن المراد بالذكر هو القرآن المكتوب، أو الملفوظ لتكون له أفراد كثيرة، ومن الواضح أن المراد ليس ذلك، لأن القرآن المكتوب أو الملفوظ لا دوام له خارجاً، فلا يمكن أن يراد من آية الحفظ وإنما المراد بالذكر هو المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب، وهو المنزل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والم--راد بحفظه صيانته عن التلاعب، وعن الضياع، فيمكن للبشر عامة أن يصلوا اليه، وهو نظير قولنا القصيدة الفلانية محفوظة، فإنا نريد من حفظها صيانتها، وعدم ضياعها بحيث يمكن الحصول عليها.

نعم هنا شبهة اخرى ترد على الاستدلال بالآية الكريمة على عدم التحريف. وحاصل هذه الشبهة أن مدَّعي التحريف في القرآن يحتمل وجود التحريف في هذه الآية نفسها، لأنها بعض آيات القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً حتى يثبت عدم التحريف، فلو أردنا أن نثبت عدم التحريف بها كان ذلك من الدور الباطل.

وهذه شبهة تدل على عزل العترة الطاهرة عن الخلافة الإلهية، ولم يعتمد على أقوالهم و أفعالهم، فإنه لا يسعه دفع هذه الشبهة، وأما من يرى أنهم حجج اللّه على خلقه، وأنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك فلا ترد عليه هذه الشبهة، لأن استدلال العترة بالكتاب، وتقرير أصحابهم عليه يكشف عن حجية الكتاب الموجود، وإن قيل بتحريفه، غاية الأمر أن حجية الكتاب على القول بالتحريف تكون متوقفة على إمضائهم.

الدليل الثاني قوله تعالى :

(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ 41: 41. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ : 42).

فقد دلت هذه الآية الكريمة على نفى الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب فإن النفي إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم، ولا شبهة في أن التحريف من أفراد الباطل، فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز.

وقد أجيب عن هذا الدليل :

بأن المراد من الآية صيانة الكتاب من التناقض في أحكامه، ونفي الكذب ع---ن أخباره، واستشهد لذلك برواية علي بن إبراهيم القمي، في تفسيره عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ولا من قبل الإنجيل والزبور، ولا من خلفه أي لا يأتيه من بعده كتاب يبطله» ورواية على سلام کتاب يبطله، ورواية مجمع البيان عن الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنه: «ليس في اخباره عما مضى باطل ولا في اخباره عما يكون في المستقبل باطل».

ويرد هذا الجواب :

أن الرواية لا تدل على حصر الباطل في ذلك، لتكون منافية لدلالة الآية على العموم، وخصوصاً إذا لاحظنا الروايات التي دلت على أن معاني القرآن لا تختص بموارد خاصة، وقد تقدم بعض هذه الروايات في مبحث «فضل القرآن» فالآية دالة على تنزيه القرآن في جميع الأعصار عن الباطل بجميع أقسامه، والتحريف من أظهر أفراد الباطل فيجب أن يكون مصوناً عنه، ويشهد لدخول التحريف في الباطل، الذي نفته الآية عن الكتاب أن الآية وصفت الكتاب بالعزة، و عزّة الشيء تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع، أما إرادة خصوص التناقض والكذب من لفظ الباطل في الآية الكريمة، فلا يناسبها توصيف الكتاب بالعزة.

التحريف والسنة :

الدليل الثالث : أخبار الثقلين اللذين خلفها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أمنه وأخبر أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض وأمر الأمة بالتمسك بهما، وهما الكتاب والعترة. وهذه

الأخبار متظافرة من طرق الفريقين (1)والإستدلال بها على عدم التحريف في الكتاب يكون من ناحيتين :

الناحية الأولى : إن القول بالتحريف يستلزم عدم وجوب التمسك بالكتاب المنزل الضياعه على الأمة بسبب وقوع التحريف، ولكن وجوب التمسك بالكتاب باقٍ إلى يوم القيامة، لصريح أخبار الثقلين فيكون القول بالتحريف باطلاً جزماً.

وتوضيح ذلك :

أن هذه الروايات دلت على اقتران العترة بالكتاب وعلى أنهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة، فلا بد من وجود شخص يكون قريناً للكتاب ولا بد من وج--ود الكتاب ليكون قريناً للعترة، حتى يردا على النبي الحوض، وليكون التمسك بها حافظاً للأمة عن الضلال، كما يقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا الحديث. ومن الضروري أن التمسك بالعترة إنما يكون بموالاتهم، واتباع أوامرهم ونواهيهم والسير على هداهم وهذا شيء لا يتوقف على الاتصال بالإمام، والمخاطبة معه شفاهاً، فإن الوصول إلى الإمام والمخاطبة معه لا يتيسر لجميع المكلفين في زمان الحضور، فضلاً عن أزمنة الغيبة، واشتراط إمكان الوصول إلى الإمام الهلال البعض الناس دعوی بلا برهان ولا سبب يوجب ذلك، فالشيعة في أيام الغيبة متمسكون بإمامهم يوالونه ويتبعون أوامره، ومن هذه الأوامر الرجوع إلى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، أم--ا التمسك بالقرآن فهو أمر لا يمكن إلا بالوصول اليه فلا بد من كونه موجوداً بين الأمة، ليمكنها أن تتمسك به، لئلا تقع في الضلال، وهذا البيان يرشدنا إلى فساد المناقشة بأن القرآن محفوظ وموجود عند الإمام الغائب، فإن وجوده الواقعي لا يكفي لتمسك الأمة به.


1) تقدمت الاشارة إلى مصادر هذه الأخبار في ص 26 من هذا الكتاب.

وقد أشكل على هذا الدليل :

بأن أخبار الثقلين إنما تدل على نفي التحريف في آيات الأحكام من القرآن، لأنها هي التي أمر الناس بالتمسك بها، فلا تنفي وقوع التحريف في الآيات الأخرى منه.

وجوابه :

إن القرآن بجميع آياته مما أنزله اللّه لهداية البشر، وإرشادهم إلى كمالهم الممكن من جميع الجهات، ولا فرق في ذلك بين آيات الأحكام وغيرها، وقد قدمنا في بيان فضل القرآن أن ظاهر القرآن قصة وباطنه عظة، على أن عمدة القائلين بالتحريف يدعون وقوع التحريف في الآيات التي ترجع إلى الولاية وما يشبهها ومن البين أنها لو ثبت كونها من القرآن، لوجب التمسك بها على الأمة.

الناحية الثانية : أن القول بالتحريف يقتضي سقوط الكتاب عن الحجية، ف-لا يتمسك بظواهره، فلا بد للقائلين بالتحريف من الرجوع إلى إمضاء الأئمة الطاهرين لهذا الكتاب الموجود بأيدينا، وإقرار الناس على الرجوع اليه بعد ثبوت تحريفه ومعنى هذا أن حجية الكتاب الموجود متوقفة على إمضاء الأئمة للاستدلال به وأولى الحجتين المستقلتين اللتين يجب التمسك بهما، بل هو الثقل الأكبر، فلا تكون حجيته فرعاً على حجية الثقل الأصغر، والوجه فى سقوط الكتاب عن الحجية - على القول بالتحريف - هو احتمال اقتران ظواهره بما يكون قرينة على خلافها، أما الاعتماد في ذلك على أصالة عدم القرينة فهو ساقط، فإن الدليل على هذا الأصل هو بناء العقلاء على اتباع الظهور وعدم اعتنائهم باحتمال القرينة على خلافه، وق-د أوضحنا في مباحث الأصول أن القدر الثابت من البناء العقلائي، هو عدم اعتناء العقلاء باحتمال وجود القرينة المنفصلة، ولا باحتمال القرينة المتصلة إذا كان سببه احتمال غفلة المتكلم عن البيان أو غفلة السامع عن الإستفادة، أما احتمال وج-ود

القرينة المتصلة من غير هذين السببين، فإن العقلاء يتوقفون عن اتباع الظهور معه، ومثال ذلك : ما إذا ورد على إنسان كتاب ممّن يجب عليه طاعته يأمره فيه بشراء دار، ووجد بعض الكتاب تالفاً واحتمل أن يكون في هذا البعض التالف بيان لخصوصيات في الدار التي أمر بشرائها من حيث السعة والضيق، أو من حيث القيمة أو المحل، فان العقلاء لا يتمسكون بإطلاق الكلام الموجود، اعتماداً على أصالة عدم القرينة المتصلة ولا يشترون أية دار امتثالاً لأمر هذا الأمر، ولا يعدون من يعمل مثل ذلك ممتثلاً لأمر سيده.

ولعل القارىء يذهب به وهمه بعيداً، فيقول : إن هذا التقريب يهدم أساس الفقه، واستنباط الأحكام الشرعية، لأن العمدة في أدلتها هي الأخبار المروية عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومن المحتمل أن تكون كلماتهم مقرونة بقرائن متصلة، ولم تنقل الينا. ولو تأمل قليلاً لم يستقر في ذهنه هذا التوهم، فإن المتبع في مقام الإخبار، ه-و ظهور كلام الراوي في عدم وجود القرينة المتصلة، فإن اللازم عليه البيان لو كان كلام المعصوم متصلاً بقرينة، واحتمال غفلته عنها مدفوع بالأصل.

نعم إن القول بالتحريف يلزمه عدم جواز التمسك بظواهر القرآن، ولا يحتاج في إثبات هذه النتيجة إلى دعوى العلم الإجمالي باختلال الظواهر في بعض الآيات حتى يُجاب عنه بأن وقوع التحريف في القرآن لا يلزمه العلم الإجمالي المذكور، وبأن هذا العلم الإجمالي لا ينجز، لأن بعض أطرافه ليس من آيات الأحكام، فلا يكون له أثر في العمل، والعلم الإجمالي إنما ينجز إذا كان له أثر عملي في كل طرف م--ن أطرافه.

وقد يدَّعي القائل بالتحريف : أن إرشاد الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى الاستدلال بظواهر الكتاب، وتقرير أصحابهم عليه قد أثبت الحجية للظواهر، وإن سقطت قبل

ذلك بسبب التحريف.

ولكن هذه الدعوى فاسدة فإن هذا الإرشاد من الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهذا التقرير منهم لأصحابهم على التمسك بظواهر القرآن إنما هو من جهة كون القرآن في نفسه حجة مستقلة، لا أنهم يريدون إثبات الحجية له بذلك ابتداءً.

ترخيص قراءة السور في الصلاة :

الدليل الرابع : انه قد أمر الأئمة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بقراءة سورة تامة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة، وحكموا بجواز تقسيم سورة تامة أو أكثر في صلاة الآيات، على تفصيل مذكور في موضعه.

ومن البيّن أن هذه الأحكام إنما ثبتت في أصل الشريعة بتشريع الصلاة وليس للتقية فيها اثر، وعلى ذلك فاللازم على القائلين بالتحريف أن لا ياتوا بما يحتمل فيه التحريف من السور، لأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. وقد يدعي القائل بالتحريف أنه غير متمكن من إحراز السورة التامة فلا تجب عليه، لأن الأحكام إنما تتوجه إلى المتمكنين، وهذه الدعوى إنما تكون مسلمة إذا احتمل وقوع التحريف في جميع السور.

أما إذا كان هناك سورة لا يحتمل فيها ذلك كسورة التوحيد، فاللازم عليه أن لا يقرأ غيرها، ولا يمكن للخصم أن يجعل ترخيص الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) للمصلي بقراءة أية سورة شاء دليلاً على الاكتفاء بمايختاره من السور، وإن لم يجز الاكتفاء بها قبل هذا الترخيص بسبب التحريف، فإن هذا الترخيص من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بنفسه دليل على عدم وقوع التحريف في القرآن وإلا لكان مستلزماً لتفويت الصلاة الواجبة على المكلف بدون سبب موجب، فإن من البيّن أن الالزام بقراءة السور التي يقع فيها تحريف

ليس فيه مخالفة للتقية، ونرى أنهم عليهم السلام أمرونا بقراءة سورة «القدر والتوحيد» في كل صلاة استحباباً، فأي مانع من الإلزام بهما، أو بغيرهما مما لا يحتمل وقوع التحريف فيه.

اللهم إلا أن يدعي نسخ وجوب قراءة السورة التامة إلى وجوب قراءة سورة تامة من القرآن الموجود، ولا أظن القائل بالتحريف يلتزم بذلك، لأن النسخ لم يقع بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قطعاً، وان كان في إمكانه وامتناعه كلام بين العلماء، وهذا خارج عما نحن بصدده.

وجملة القول انه لاريب في أمر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بقراءة سورة من القرآن الذي بين أيدينا في الصلاة، وهذا الحكم الثابت من دون ريب ولا شائبة تقية إما أن يكون هو نفس الحكم الثابت في زمان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإما أن يكون غيره، وهذا الأخير باطل لأنه من النسخ الذي لا ريب في عدم وقوعه بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإن كان أمراً ممكناً في نفسه، فلا بد وأن يكون ذلك هو الحكم الثابت على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعنى ذلك عدم التحريف. وهذا الاستدلال يجري في كل حكم شرعي، رتبه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على قراءة سورة كاملة، أو آية تامة.

دعوى وقوع التحريف من الخلفاء :

الدليل الخامس : أن القائل بالتحريف إما أن يدعي وقوعه من الشيخين، بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإما من عثمان بعد انتهاء الأمر اليه، وإما من شخص آخر بعد انتهاء الدور الأول من الخلافة، وجميع هذه الدعاوى باطلة. أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر فيبطلها انهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين، وإنما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن اليهما بتمامه لأنه لم يكن مجموعاً قبل ذلك، وإما

أن يكونا متعمدين في هذا التحريف، وإذا كانا عامدين فإما أن يكون التحريف الذي وقع منهما في آيات تمس بزعامتهما وإما أن يكون في آيات ليس لها تعلق بذلك، فالاحتمالات المتصورة ثلاثة :

أما احتمال عدم وصول القرآن اليهما بتمامه فهو ساقط قطعاً، فإن اهتمام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأمر القرآن بحفظه، وقراءته وترتيل آياته واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظاً عندهم، جمعاً أو متفرقاً، حفظاً في الصدور أو تدويناً في القراطيس، وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية وخطبها، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته، وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم و أطفالهم، ووقفوا المواقف التي بيضوا بها وجه التاريخ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن ؟ حتى يضيع بين الناس، وحتى يحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين ؟ وهل هذا إلا كاحتمال الزيادة في القرآن، بل كاحتمال عدم بقاء شيء من القرآن المنزل.؟ على أن روايات الثقلين المتظافرة «المتقدمة» دالة على بطلان هذا الاحتمال، فإن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي» لا يصح إذا كان بعض القرآن ضائعاً في عصره، فإن المتروك حينئذ يكون بعض الكتاب لا جميعه، بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن وجمعه في زمان النبي وجمعه في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأن الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرقات، ولا على المحفوظ في الصدور. - وسنتعرض للكلام فيمن جمع القرآن على

عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وإذا سلم عدم اهتمام المسلمين بجمع القرآن على عهده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلماذا لم يهتم بذلك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه مع اهتمامه الشديد بأمر القرآن ؟ فهل كان غافلاً عن نتائج هذا الإغفال أو كان غير متمكن من الجمع، لعدم تهيؤ الوسائل عنده ؟! ومن الواضح بطلان جميع ذلك.

وأما احتمال تحريف الشيخين للقرآن - عمداً - في الآيات التي لا تمس بزعامتها، وزعامة أصحابهما فهو بعيد في نفسه، إذ لا غرض لهما في ذلك، على أن ذلك مقطوع بعدمه، وكيف يمكن وقوع التحريف منهما مع أن الخلافة كانت مبتنية على السياسة، وإظهار الاهتمام بأمر الدين ؟ وهلاً احتج بذلك أحد الممتنعين عن بيعتها، والمعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة كسعد بن عبادة وأصحابه ؟ وهلاً ذكر ذلك أمير المؤمنين في خطبته الشقشقية المعروفة، أو في غيرها من كلماته التي اعترض بها على من تقدَّمه ؟ ولا يمكن دعوى اعتراض المسلمين عليهما بذلك، واختفاء ذلك عنا، فإن هذه الدعوى واضحة البطلان.

وأما احتمال وقوع التحريف من الشيخين عمداً، في آيات تمس بزعامته--ا ف-ه-و أيضاً مقطوع بعدمه، فإن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزوجته الصديقة الطاهرة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة، واحتجوا عليها بما سمعوا من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والأنصار، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره، وقد ذكر في كتاب الاحتجاج : احتجاج اثنى عشر رجلاً على أبي بكر في الخلافة، وذكروا له النص فيها (1)، وقد عقد العلامة المجلسي باباً لاحتجاج أمير المؤمنين في أمر الخلافة (2)، ولو كان في القرآن شيء يمس زعامتهم لكان أحق بالذكر في مقام الاحتجاج، وأحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين ولا سيما أن أمر الخلافة كان قبل جمع القرآن على زعمهم بكثير، ففي ترك الصحابة ذكر ذلك في أول أمر الخلافة وبعد انتهائها إلى على (عَلَيهِ السَّلَامُ) دلالة قطعية ع--لى ع-دم التحريف المذكور.


1) بحار الأنوار: 28 / 189، الباب الرابع، رقم الحديث: 2.

2) نفس المصدر : الباب الرابع.

وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الأولى:

1 - لأن الإسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحو ليس في إمك--ان عثمان أن ينقص من القرآن شيئاً، ولا في إمكان من هو أكبر شأناً من عثمان.

2 - ولأن تحريفه إن كان للآيات التي لا ترجع إلى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشيء، فهو بغير سبب موجب، وإن كان للآيات التي ترجع إلى شيء من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لأن القرآن لو اشتمل على شيء من ذلك وانتشر بين الناس لماوصلت الخلافة إلى عثمان.

3 - ولأنه لو كان محرّفاً للقرآن، لكان في ذلك أوضح حجة، وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علناً، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين وإلى ما سوى ذلك من الحجج.

4 - ولكان من الواجب على علي الا بعد عثمان أن يرد القرآن إلى أصله، الذي كان يُقرأ به في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وزمان الشيخين ولم يكن عليه في ذلك شيء ينتقد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثراً في مقصوده وأظهر لحجته على الثائرين بدم عثمان، ولا سيما أنه قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان. وقال في خطبة له :

«والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق» (1).

هذا أمر عليّ في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرّفاً، فيكون إمضاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن الموجود في عصره، دليلاً على عدم وقوع التحريف فيه.


1) نهج البلاغة : الخطبة،15، فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان.

وأما دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء فلم يدعها أحد فيها نعلم، غير أنها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادَّعى أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم وزاد فيه مالم يكن منه، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر والشام،والحرمين، والبصرة، والكوفة، وإن القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف. وأما المصاحف الأخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئاً ولا نسخة واحدة (1).

وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين، وخرافات المجانين والأطفال، فإن الحجاج واحد من ولاة بني أمية، وهو أقصر باعاً، وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيء، بل وهو أعجز من أن يغير شيئاً من الفروع الإسلامية، فيكف يغير ما هو أساس الدين، وقوام الشريعة ؟ و من أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الاسلام وغيرها مع انتشار الاسلام فيها وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله، وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته، وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج، وانتهاء سلطته ؟.

وهب أنه تمكن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذ عن قدرته نسخة واحدة من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن ؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا اللّه، على أن القرآن لو كان في بعض آياته شيء يمس بني أمية، لاهتّم معاوية بإسقاطه قبل زمان الحجاج وهو أشد منه قدرة، وأعظم نفوذاً، ولاستدل به أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية، كما احتجوا عليه بما حفظه التاريخ، وكتب الحديث والكلام


1) مناهل العرفان : ص 257.

و بما قدمناه للقارىء، يتضح له أن من يدَّعي التحريف يخالف بداهة العقل، وقد قيل في المثل : (حدّث الرجل بما لا يليق فإن صدق فهو ليس بعاقل).

شبهات القائلين بالتحريف :

وهنا شبهات يتشبث بها القائلون بالتحريف لابد لنا من التعرض لها ودفعها واحدة واحدة:

الشبهة الاولى:

إن التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل وقد ورد في الروايات المتواترة من طريقي الشيعة والسنة : أن كل ما وقع في الأمم السابقة لابد و أن يقع مثله في هذه الامة، فمنها ما رواه الصدوق في «الإكمال» عن غياث بن ابراهيم، عن الصادق عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال:

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : كل ماكان في الأمم السالفة، فإنه يكون فى هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة» (1).

ونتيجة ذلك : أن التحريف لابد من وقوعه في القرآن، وإلا لم يصح معنى هذه الأحاديث.

والجواب عن ذلك:

أولاً : أن الروايات المشار اليها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها ولم يذكر من هذه الروايات شيء في الكتب الأربعة، ولذلك فلا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة ووقوعه في القرآن.


1) كمال الدين: ص 576 الباب 54. وقد تقدم بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة في ما تقدم من هذا الكتاب.

ثانياً : أن هذا الدليل لو تم لكان دالاً على وقوع الزيادة في القرآن أيضاً، كما وقعت في التوراة والإنجيل ومن الواضح بطلان ذلك.

ثالثاً : إن كثيراً من الوقائع التي حدثت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الأمة، كعبادة العجل، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة، وغرق فرعون وأصحابه، وملك سليمان للإنس والجن ورفع عيسى إلى السماء وموت هارون وهو وصي موسی قبل موت موسی نفسه وإتيان موسى بتسع آيات بينات، وولادة عيسى من غير أب، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير وغير ذلك مما لا يسعنا إحصاؤه، وهذا أدل دليل على عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات فلابد من إرادة المشابهة في بعض الوجوه.

وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الامة عدم اتباعهم لحدود القرآن، وإن أقاموا حروفه كما في الرواية التي تقدمت في صدر البحث، ويؤكد ذلك ما رواه أبو واقد الليثي : «أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما خرج إلى خيبر مرَّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم. فقالوا : يا رسول اللّه إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبحان اللّه هذا كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنّة من كان قبلكم» (1)فإن هذه الرواية صريحة في أن الذي يقع في هذه الأمة شبيه بما وقع في تلك الأمم من بعض الوجوه.

رابعاً : لو سلّم تواتر هذه الروايات في السند، وصحتها في الدلالة، لما ثبت بها أن التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة والذي يظهر من رواية البخاري تحديده بقيام الساعة، فكيف يستدل بذلك على وقوع التحريف في صدر الإسلام، وفي زمان الخلفاء.


1) سنن الترمذي : 9 / 26، كتاب الفتن باب ما جاء لتركبن سنن من قبلكم رقم الحديث: 2106، و مسند :احمد مسند الأنصار، رقم الحدیث: 20892.

الشبهة الثانية :

أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان له مصحف غير المصحف الموجود، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه، وأن مصحفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مشتملاً على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويترتب على ذلك نقص القرآن الموجود عن مصحف أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا هو التحريف الذي وقع الكلام فيه والروايات الدالة على ذلك كثيرة:

منها ما في رواية احتجاج علي اللّه على جماعة من المهاجرين والأنصار أنه قال:

«یا طلحة إن كل آية أنزلها اللّه تعالى على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عندي با ملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها اللّه تعالى على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكل حلال، أو حرام، أو حدّ أو حكم، أو شيء تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، فهو عندي مكتوب باملاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخط يدي، حتى أرش الخدش...» (1).

ومنها ما في احتجاجه على الزنديق من أنه :

«أتى بالكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك» (2).

ومنها ما رواه في الكافي، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله، ظاهره وباطنه غير الأوصياء» (3).


1) مقدمة تفسير البرهان: 1/ 27. وفي هذه الرواية تصريح بأن ما في القرآن الموجود كله قرآن.

2) تفسير الصافى : المقدمة السادسة ص 11.

3) الكافي : 1 / 228، الحديث : 2.

وبإسناده عن جابر قال :

«سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزّله اللّه تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده عليهم السلام» (1).

والجواب عن ذلك :

إن وجود مصحف لأمير المؤمنين يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه، وتسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لإثباته، كما أن اشتمال قرآنه على زيادات ليست في القرآن الموجود، وإن كان صحيحاً إلا أنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد أسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل، ومايؤول اليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من اللّه شرحاً للمراد.

وإن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآناً، وإطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ، حملاً له على خلاف ظاهره، إلا أن هذين الإطلاقين من الاصطلاحات المحدثة، وليس لهما فى اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان «التنزيل والتأويل» متى وردا في الروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وإنما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه، وأصله «الأول» بمعنى الرجوع. ومنه قولهم: «أوّل الحكم إلى أهله أي ردَّه اليهم». وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة، وما يؤول اليه الأمر. وعلى ذلك جرت الآيات الكريمة :


1) نفس المصدر.

(وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ.12 : 6 نَبْلُنَا بِتَأْوِيلِه : 36. هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ : 100. ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً 18 : 82).

وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم، وعلى ذلك فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع اليه الكلام، وما هو عاقبته، سواء كان ذلك ظاهراً يفهمه العارف باللغة العربية أم كان خفيّاً لا يعرفه إلا الراسخون في العلم.

وأما التنزيل فهو أيضاً مصدر مزيد فيه، وأصله النزول، وقد يستعمل ويراد به ما نزل، ومن هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة، منها قوله تعالى :

(إِنَّهُ لَقُرْآنُ كَرِيمٌ 56 : 77 فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ : 78. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ : 79. تَنْزِيلٌ مِّنْ رَبِّ الْعَالَمينَ : 80).

وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من اللّه وحياً يلزم أن يكون من القرآن، فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مشتملاً ع--ل-ى زيادات تنزيلاً أو تأويلاً. ولا دلالة في شيء من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن. وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإن ذكر أسمائهم لابد وأن يكون بعنوان التفسير.

ويدل على ذلك ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم سقوط شيء من القرآن، أضف إلى ذلك أن سيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع المنافقين تأبى ذلك فإن دأبه تأليف قلوبهم، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم، وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحسن أخلاقه، فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن، ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين ذلك ويحثهم عليه ليلاً ونهاراً، وهل يحتمل ذلك حتى ينظر في

صحته وفساده أو يتمسك في إثباته بما في بعض الروايات من وجود أسماء جملة من المنافقين في مصحف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهل يقاس ذلك بذكر أبي لهب المعلن بشركه، ومعاداته النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع العلم النبي بأنه يموت على شركه. نعم لا بعد في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أسماء المنافقين لبعض خواصه كأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيره في مجالسه الخاصة.

وحاصل ما تقدم : أن وجود الزيادات في مصحف علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن كان صحيحاً، إلا أن هذه الزيادات ليست من القرآن، ومما أمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تبليغه إلى الامة، فإن الإلتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة قول بلا دليل مضافاً إلى أنه باطل قطعاً. ويدل على بطلانه جميع ما تقدم من الأدلة القاطعة على عدم التحريف في القرآن.

الشبهة الثالثة :

إن الروايات المتواترة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد دلت على تحريف القرآن فلابد من القول به.

والجواب:

إن هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن بالمعنى المتنازع فيه، وتوضيح ذلك : إن كثيراً من الروايات، وإن كانت ضعيفة السند، فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد السياري، الذي اتفق علماء الرجال على فساد مذهبه، وأنه يقول بالتناسخ، ومن علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر علماء الرجال أنه كذاب، وأنه فاسد المذهب إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها.

عرض روايات التحريف :

علينا أن نبحث عن مداليل هذه الروايات، وإيضاح أنها ليست متحدة المفاد في وأنها على طوائف. فلابد لنا من شرح ذلك والكلام على كل طائفة بخصوصها.

الطائفة الأولى : هي الروايات التي دلت على التحريف بعنوانه، وانها تبلغ عشرين رواية نذكر جملة منها ونترك ما هو بمضمونها. وهي:

1 - ما عن علي بن إبراهيم القمي، بإسناده عن أبي ذر قال :

«لما نزلت هذه الآية : (يومَ تبيَضُ وجوه وتسود وجوه) قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ترد أمتي على يوم القيامة على خمس رايات. ثم ذكر أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يسأل الرايات عما فعلوا بالثقلين. فتقول الراية الاولى : أما الأكبر فحرّفناه، ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر فعاديناه، وأبغضناه، وظلمناه. وتقول الراية الثانية: أما الأكبر فحرّفناه، ومزّقناه، وخالفناه، وأما الأصغر فعاديناه وقاتلناه...». (1)

2 - ما عن ابن طاووس، والسيد المحدث الجزائري، باسنادهما عن الحسن بن الحسن السامري في حديث طويل أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال الحذيفة فيما قاله في من يهتك الحرم :

«إنه يضل الناس عن سبيل اللّه، ويحرّف كتابه، ويغير سنتي» (2).


1) بحار الانوار: 37 / 346، باب 55 الحديث 3.

2) بحار الانوار: 98 / 352، باب 13، الحدیث: 1.

3 - ما عن سعد بن عبداللّه القمي، باسناده عن جبار الجعفي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

«دعا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمنى فقال : أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين - أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب اللّه وعترتي - والكعبة البيت الحرام، ثم قال أبو جعفر : أما كتاب اللّه فحرّفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا وكل ودائع اللّه قد نبذوا ومنها قد تبرأوا» (1).

4 - ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن جابر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:

«يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون : المصحف، والمسجد والعترة يقول المصحف يا رب حرّفوني ومزقوني، ويقول المسجد يا رب عطلوني وضيّعوني وتقول العترة ي--ا رب قتلونا، وطردونا، وشردونا...». (2)

5 - ما عن الكافي والصدوق، باسنادهما عن علي بن سويد. قال :

كتبت إلى أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في الحبس كتاباً إلى أن ذكر جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتمامه، وفيه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) اؤتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه وبدّلوه».(3)الكافى : 2 / 125، الحديث: 95.

6 - ما عن ابن شهر آشوب باسناده عن عبد اللّه في خطبة أبي عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم عاشوراء، وفيها:


1) بحار الأنوار: 23 / 140، باب، الحدیث: 91.

2) كتاب الخصال: 1 / 174، باب الثلاثة، الحدیث: 232.

3)

«إنما أنتم من طواغيت الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفئة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحر في الكتاب». (1)

7 - ما عن كامل الزيارات باسناده عن الحسن بن عطية، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

«إذا دخلت الحائر فقل : اللهم العن الذين كذبوا رسلك وهدموا كعبتك، وحرّفوا كتابك...» (2).

8 - ما عن الحجال، عن قطبة بن ميمون، عن عبد الأعلى. قال:

«قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحاب العربية يحرفون كلام اللّه عز وجل عن مواضعه».

المفهوم الحقيقي للروايات :

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : ان الظاهر من الرواية الأخيرة تفسير التحريف باختلاف القراء، وإعمال اجتهاداتهم في القراءات. ومرجع ذلك إلى الإختلاف في كيفية القراءة مع التحفظ على جوهر القرآن وأصله وقد أوضحنا للقارىء في صدر المبحث أن التحريف بهذا المعنى مما لا ريب في وقوعه، بناءً على ما هو الحق من عدم تواتر القراءات السبع، بل ولا ريب في وقوع هذه التحريف، بناء على تواتر القراءات السبع أيضاً، فإن القراءات كثيرة، وهي مبتنية على اجتهادات ظنية توجب تغيير كيفية القراءة. فهذه الرواية لا مساس لها بمراد المستدل.

وأما بقية الروايات فهي ظاهرة في الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات


1) بحار الأنوار: 8/45، باب 37 راجع تحف العقول، ماجاء عن الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) كامل الزيارات : ص 362، بأب 79 الحديث: 1.

على غير معانيها، الذي يلازم إنكار فضل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ونصب العداوة لهم وقتالهم. ويشهد لذلك - صريحاً - نسبة التحريف إلى مقاتلي أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المتقدمة.

ورواية الكافي التي تقدمت في صدر البحث فإن الإمام الباقر لا يقول فيها :

«وكان من نبذهم الكتاب أنهم أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده». (1)

وقد ذكرنا أن التحريف بهذا المعنى واقع قطعاً، وهو خارج عن محل النزاع، ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم.

الطائفة الثانية: هى الروايات التي دلّت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهي كثيرة:

منها: ما ورد من ذكر أسماء الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في القرآن، كرواية الكافي بإسناده ع---ن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

«ولاية علي بن أبي طالب مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث اللّه رسولاً إلا بنبوة محمد و «ولاية» وصيه، صلى اللّه عليهما و آلهما». (2)

ومنها : رواية العياشي بإسناده عن الصادق :

«لو قرىء القرآن - كما أُنزل - لألفينا مسمّين».


1) الكافى: 18 / 52، رقم الحديث: 16.

2) الكافي : 1 / 437، رقم الحديث: 6. و في المصدر «و وصية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

ومنها رواية الكافي، وتفسير العياشي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكنز الفوائد بأسانيد عديدة عن ابن عباس، وتفسير فرات بن إبراهيم الكوفي بأسانيد متعددة أيضاً، عن الأصبغ بن نباته. قالوا: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«القرآن نزل على أربعة أرباع : ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائم القرآن».(1)

ومنها : رواية الكافي أيضاً بإسناده عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:

نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و هكذا : (وإِنْ كنتمْ فِي رَيْبٍ مما نزلنا على عَبْدِنا في علي - فأتوا بِسُورَةٍ من مِثْله) (2).

والجواب عن الإستدلال بهذه الطائفة:

إنا قد أوضحنا فيما تقدم أن بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن نفسه، فلا بد من حمل هذه الروايات على أن ذكر أسماء الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في التنزيل من هذا القبيل، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب، والسنة، والأدلة المتقدمة على نفي التحريف. وقد دلّت الأخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه، وضربه على الجدار.

ونما يدل على أن اسم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يذكر صريحاً في القرآن حديث الغدير، فإنه صريح في أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إنما نصب علياً بأمر اللّه، وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك، وبعد أن وعده اللّه بالعصمة من الناس ولو كان اسم «علي» مذكوراً في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب، ولا إلى نهيئة ذلك الاجتماع الحافل بالمسلمين، ولما خشي


1) الكافى : 12 / 628، رقم الحديث: 4.

2) الكافي : 12 / 417، رقم الحديث: 26.

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من إظهار ذلك، ليحتاج إلى التأكيد في أمر التبليغ.

وعلى الجملة : فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب هذه الروايات التي تقول: إن أسماء الأئمة مذكورة في القرآن ولا سيما أن حديث الغدير كان في حجة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونزول عامة القرآن، وشيوعه بين المسلمين، على أن الرواية الأخيرة المروية في الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه، فإن ذكر اسم علي اللّه في مقام إثبات النبوة والتحدي على الإتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال.

ويعارض جميع هذه الروايات صحيحة أبي بصير المروية في الكافي قال : سألت أبا عبداللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن قول اللّه تعالى: وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «4 : 59».)«قال : فقال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ فقلت له : إن الناس يقولون فما له لم يسم علياً وأهل بيته في كتاب اللّه. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فقولوا لهم إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نزلت عليه الصلاة ولم يسم اللّه لهم ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو الذي فسّر لهم ذلك...» (1).)فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات وموضحة للمراد منها، وأن ذكر اسم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير، أو بعنوان التنزيل، مع عدم الأمر بالتبليغ. ويضاف إلى ذلك أن المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا بذكر اسم علي في القرآن، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في)


1) الكافى: 12 / 286، باب ما نص اللّه و رسوله عليهم الحديث: 1.

الحجة، ولا سيما أن جمع القرآن - بزعم المستدل - كان بعد تمامية أمر الخلافة بزمان غير يسير، فهذا من الأدلة الواضحة على عدم ذكره في الآيات.الطائفة الثانية : هي الروايات التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان، وان الأمة بعد النب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَي غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى.)فمنها : ما رواه علي بن ابراهيم القمي، بإسناده عن حريز عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين».)ومنها : ما عن العياشي، عن هشام بن سالم قال : سألت أبا عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ) «3 : 33». والجواب :

«قال : هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين، فوضعوا اسماً مكان اسم». (1)أي انهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.

عن الاستدلال بهذه الطائفة - بعد الاغضاء عما في سندها من الضعف - أنه-ا مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفاً واحداً حتى من القائلين بالتحريف. وقد ادّعى الإجماع جماعة كثيرون على عدم الزيادة في القرآن، وأن مجموع ما بين الدفتين كله من القرآن. وممن ادعى الاجماع الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والشيخ البهائي، وغيرهم من الأعاظم قدس اللّه أسرارهم. وقد تقدمت رواية الاحتجاج الدالة على عدم الزيادة في القرآن.

الطائفة الرابعة: هي الروايات التي دلّت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.


1) تفسير العياشي : 1 / 168، رقم الحديث: 30.

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة:

إنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين لا وإن لم يمكن ذلك الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها لأنها مخالفة للكتاب والسنة، وقد ذكرنا لها في مجلس بحثنا توجيهاً آخر أعرضنا عن ذكره هنا حذراً من اً من الإطالة، ولعله أقرب المحامل، ونشير اليه فى محل آخر إن شاء اللّه تعالى.

على أن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند وبعضها لا يحتمل صدقه في نفسه. وقد صرح جماعة من الأعلام بلزوم تأويل هذه الروايات أو لزوم طرحها.

و ممّن صرح بذلك المحقق الكلباسي حيث قال على ما حُكي عنه : «إن الروايات الدالة على التحريف مخالفة لإجماع الأمة إلا من لا اعتداد به... (وقال) إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر، نظراً إلى العادة في الحوادث العظيمة. وهذا منها بل أعظمها».

وعن المحقق البغدادي شارح الوافية التصريح بذلك، ونقله عن المحقق الكركي الذي صنف في ذلك رسالة مستقلة، وذكر فيها : «إن مادل من الروايات على النقيصة لا بد من تأويلها أو طرحها، فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه، وجب طرحه».

أقول : أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما أشرنا إلي-ه - سابقاً - م-ن أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا خالفت القرآن لابد من طرحها. فمن تلك الروايات :

ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه..». (1)

وما رواه الشيخ الجليل سعيد بن هبة اللّه القطب الراوندي» بسنده الصحيح إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردُّوه..». (2)

وأما الشبهة الرابعة :

فيتلخص في كيفية جمع القرآن واستلزامها وقوع التحريف فيه. وقد انعقد البحث الآتي «فكرة عن جمع القرآن» لتصفية هذه الشبهة وتفنيدها.


1) الوسائل : 27 / 119، باب 9 رقم الحديث: 33368.

2) الوسائل : 27 / 118، باب. 9، رقم الحديث: 33362.

فكرة من جمع القرآن

إشارة:

•

كيفية جمع القرآن.

•

عرض الروايات في جمع القرآن.

•

تناقضها وتضاربها.

•

معارضتها لما دلَّ على أن القرآن جمع على عهد الرسول.

•

معارضتها للكتاب وحكم العقل.

•

مخالفتها لإجماع المسلمين على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر.

•

الاستدلال بهذه الروايات يستلزم التحريف بالزيادة المتسالم على بطلانه.

ان موضوع جمع القرآن من الموضوعات التي يتذرع بها القائلون بالتحريف، إلى إثبات ان في القرآن تحريفاً وتغييراً. وان كيفية جمعه مستلزمة - في العادة لوقوع هذا التحريف والتغيير فيه.

فكان من الضروري أن يعقد هذا البحث إكمالاً لصيانة القرآن من التحريف وتنزيهه عن أي نقص أو أي تغيير.

إن مصدر هذه الشبهة هو زعمهم بأن جمع القرآن كان بأمر من أبي بكر بعد أن قتل سبعون رجلاً من القراء في بئر معونة وأربعمائة نفر في حرب اليمامة ف-خ-يف ضياع القرآن وذهابه من الناس، فتصدى عمر وزيد بن ثابت لج-م-ع الق-رآن م-ن العسب، والرقاع،واللخاف، ومن صدور الناس بشرط أن يشهد شاهدان على أنه من القرآن، وقد صرّح بجميع ذلك في عدة من الروايات، والعادة تقضي بفوات شيء منه على المتصدي لذلك، اذا كان غير معصوم كما هو مشاهد فيمن يتصدى لجمع شعر شاعر واحد أو أكثر، إذا كان هذا الشعر متفرقاً، وهذا الحكم قطعي بمقتضى العادة، ولا أقل من احتمال وقوع التحريف، فإن من المحتمل عدم إمكان إقامة

شاهدين على بعض ما سمع من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا يبقى وثوق بعدم النقيصة.

والجواب

إن هذه الشبهة مبتنية على صحة الروايات الواردة في كيفية جمع القرآن والأولى أن نذكر هذه الروايات ثم تعقبها بما يرد عليها.

أحاديث جمع القرآن :

1 - روی زید بن ثابت قال

«أرسل إليَّ أبوبكر، مقتل أهل يمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر : إن عمر أتاني. فقال : إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر : كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول اللّه ؟ قال عمر : هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد : قال أبوبكر : إنك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان اثقل علي مما أمرني من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟ قال : هو والله خير، فلم يزل أبوبكر يراجعني حتى شرح صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره :

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ

رَؤُوفٌ رَحِيمٌ 9 : 128. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ : 129).

حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه، ثم ع-ن-د ع-مر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر» (1).

2 - وروى ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه :

«ان حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي الينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها اليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبداللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف الى حفصة فأرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق».

قال ابن شهاب : «وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري :

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّه عَلَيْهِ﴾ «33 : 23».


1) صحيح البخاري : 6 / 98، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث: 4311.

«فألحقناها في سورتها في المصحف» (1).

3 - وروى ابن أبي شيبة باسناده عن علي. قال :

«أعظم الناس في المصاحف أجراً أبوبكر، إن أبابكر أول من جمع ما بين مابین اللوحين».

4 - وروى ابن شهاب عن سالم بن عبداللّه وخارجة:

«أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل، فكانت الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم كانت عند حفصة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأرسل اليها عثمان فأبت أن تدفعها حتى عاهدها ليردّنها اليها فبعثت بها اليه، فنسخ عثمان هذه المصاحف ثم ردها اليها فلم تزل عندها...».

5 - وروی هشام بن عروة، عن أبيه، قال :

«لما قتل أهل اليمامة أمر أبوبكر عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت. فقال : اجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلّا اثبتماه وذلك لأنه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد جمعوا القرآن».

6 - وروى محمد بن سيرين. قال : «قتل عمر ولم يجمع القرآن».

7 - وروى الحسن :


1) صحيح البخاري : 6 / 99 كتاب الجهاد و السير، رقم الحديث: 2596. وهاتان الروايتان وما بعدهما الى الرواية الحادية والعشرين مذكورة في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد : 2 / 43 - 52.

«أن عمر بن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل : كانت مع فلان فقتل مع يوم اليمامة. فقال : إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف».

8 - وروى يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب قال :

«أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن فقام في الناس، فقال : من كان تلقى من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان، فقال : من كان عنده من كتاب اللّه شيء فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئاً حتى يشهد عليه شهيدان فجاءه خزيمة بن ثابت، فقال : إني قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قالوا: ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...)

إلى آخر السورة فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند اللّه، فأين ترى أن نجعلهما قال اختم بهما آخر ما نزل من القرآن، فختمت بهما براءة».

9 - وروى عبید بن عمیر، قال :

«كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاءه رج-ل م-ن الأنصار بهاتين الآيتين : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم...) إلى آخرها فقال عمر: لا أسألك عليها بينة أبداً، كذلك كان رسول اللّه» (1).

10 - وروى سليمان بن أرقم عن الحسن وابن سيرين، وابن شهاب الزهري. قالوا :


1) الروايات التى نقلناها عن المنتخب مذكورة فى كنز العمّال: 2 / 361، الطبعة الثانية، عدا هذه الرواية. ولكن بمضمونها رواية عن يحيى بن جعدة. (المؤلف)

«لما أسرع القتل في قراء القرآن يوم اليمامة قتل منهم يومئذ أربعمائة رجل، لقي زيد ابن ثابت عمر بن الخطاب، فقال له : إن هذا القرآن هو الجامع لديننا فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب، فقال له : انتظر حتى أسأل أبابكر، فمضيا إلى أبي بكر فأخبراه بذلك، فقال : لا تعجل حتى اشاور المسلمين ثم قام خطيباً في الناس فأخبرهم بذلك، فقالوا : أصبت، فجمعوا القرآن، فأمر أبوبكر منادياً فنادى في الناس : من كان عنده شيء من القرآن فليجيء به...».

11 - وروى خزيمة بن ثابت قال:

«جئت بهذه الآية: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى عمر بن الخطاب وإلى زید بن ثابت فقال زيد : من يشهد معك ؟ قلت : لا والله ما أدري فقال عمر : أنا أشهد معه ذلك».

12 - وروى أبو إسحق، عن بعض أصحابه. قال :

«لما جمع عمر بن الخطاب المصحف سأل : من أعرب الناس ؟ قيل : سعيد بن العاص. فقال : من أكتب الناس ؟ فقيل : زيد بن ثابت قال : فليُمْل سعيد وليَكْتُبُ زيد فكتبوا مصاحف أربعة، فأنفذ مصحفاً منها إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى الحجاز».

13 - وروى عبداللّه بن فضالة قال :

«لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفراً من أصحابه، وقال : إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل على رجل من مضر».

14 - وروى ابو قلابة قال :

«لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلّم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون ويختلفون، حتى ارتفع ذلك الى المعلمين حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيباً. فقال : أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشدّ اختلافاً، وأشد لحناً، فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماماً، قال أبو قلابة : فحدثني مالك ابن أنس، قال أبو بكر بن أبي داود: هذا مالك بن انس جد مالك بن أنس. قال : كنت فيمن أُم--لي عليهم فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و لعله أن يكون غائباً أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل اليه، فلما فرغ من المصحف كتب إلى أهل الأمصار أني ق-د صنعت كذا وصنعت كذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم».

15 - وروی مصعب بن سعد قال:

«قام عثمان يخطب الناس. فقال : أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن تقولون قراءة أبي، وقراءة عبد اللّه، يقول الرجل والله ما قراءتك، فاعزم على كل رجل منكم كان معه من كتاب اللّه شيء لما جاء به، فكان الرجل يجي بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان ودعاهم رجلاً رجلاً، فناشدهم لسمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو أمله عليك فيقول : نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان. قال : من أكتب الناس ؟ قالوا : كاتب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زيد بن ثابت قال : فأيُّ الناس أعرب ؟ قالوا سعيد بن العاص قال عثمان : فليمل سعيد وليكتب زيد فكتب زيد وكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : قد أحسن».

16 - وروى أبو المليح. قال :

«قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف، تملي هذيل وتكتب ثقيف.».

17 - وروی عبدالأعلى بن عبداللّه بن عبداللّه بن عامر القرشي. قال :

«لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه. فقال : قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها».

18 - وروى عكرمة قال :

«لما أتى عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن. فقال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا».

19 - وروی عطاء:

«أن عثمان بن عفان لما نسخ القرآن في المصاحف أرسل إلى أبي بن كعب فكان يملي على زيد بن ثابت وزيد يكتب، ومعه سعيد بن العاص يعربه، فهذا المصحف على قراءة أُبيّ وزيد».

20 - وروى مجاهد :

«ان عثمان أمر أبي بن كعب يملي، ويكتب زيد بن ثابت، ويعربه سعيدبن العاص، و عبدالرحمن بن الحرث».

21 - وروی زید بن ثابت :

«لما كتبنا المصاحب فقدت آية كنت أسمعها من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوجدتها عند خزيمة بن ثابت (مِنَ المؤمنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا اللّه عليه...) إلى (تبديلاً). وكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين أجاز رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادته بشهادة

رجلين».

22 - وقد أخرج ابن اشته، عن الليث بن سعد. قال :

«أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشهادة عدلين وإن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت فقال : اكتبوها فإن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب، وإن عمر أتى بآية الرجم فلم نكتبها لأنه كان وحده» (1).

هذه أهم الروايات التي وردت في كيفية جمع القرآن، وهي - مع انها أخبار آحاد لا تفيدنا علماً - مخدوشة من جهات شتى :

1 - تناقض أحاديث جمع القرآن !

إنها متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شئ منها، ومن الجدير بنا أن نشير إلى جملة من مناقضاتها، في ضمن أسئلة وأجوبة :

• متى جمع القرآن في المصحف ؟

ظاهر الرواية الثانية أن الجمع كان في زمن عثمان، وصريح الروايات الأولى، والثالثة، والرابعة، وظاهر البعض الآخر أنه كان في زمان أبي بكر، وصريح الروايتين السابعة، والثانية عشرة انه كان في زمان عمر.

• من تصدّى لجمع القرآن زمن أبي بكر ؟

تقول الروايتان الاولى والثانية والعشرون أن المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت، وتقول الرواية الرابعة أنه أبو بكر نفسه، وإنما طلب من زيد أن ينظر فيها جمعه من


1) الاتقان : 1 / 101، النوع 18.

الكتب، وتقول الرواية الخامسة - ويظهر من غيرها أيضاً - أن المتصدي هو زيد وعمر.

• هل فوّض لزيد جمع القرآن ؟

يظهر من الرواية الأولى أن أبا بكر قد فوّض إليه ذلك، بل هو صريحها، فإن قوله لزيد : «إنك رجل شاب عاقل لانتهمك وقد كنت تكتب الوحي الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتتبَّع القرآن واجمعه» صريح في ذلك، وتقول الرواية الخامسة وغيرها : إن الكتابة إنما كانت بشهادة شاهدين، حتى ان عمر جاء بآية الرجم فلم تقبل منه.

• هل بقى من الآيات ما لم يدون إلى زمان عثمان ؟

ظاهر كثير من الروايات، بل صريحها أنه لم يبق شيء من ذلك، وصريح الرواية الثانية بقاء شيء من الآيات لم يدون إلى زمان عثمان.

• هل نقص عثمان شيئاً مما كان مدوناً قبله ؟

ظاهر كثير من الروايات بل صريحها أيضاً أن عثمان لم ينقص مما كان مدوّناً قبله، وصريح الرواية الرابعة عشرة أنه محا شيئاً مما دوّن قبله، وأمر المسلمين بمحو م-ا محاه.

• من أي مصدر جمع عثمان المصحف ؟

صريح الروايتين الثانية والرابعة : أن الذي اعتمد عليه في جمعه هي الصحف التي جمعها أبوبكر، وصريح الروايات الثامنة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة، أن عثمان جمعه بشهادة شاهدين، وباخبار من سمع الآية من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

• من الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن ؟

تقول الرواية الاولى أن الذي طلب ذلك منه هو عمر، وأن أبابكر إنما أجابه بعد الإمتناع فأرسل إلى زيد وطلب منه ذلك، فأجابه بعد الإمتناع، وتقول الرواي--ة العاشرة أن زيداً وعمر طلبا ذلك من أبي بكر، فأجابها بعد مشاورة المسلمين.

• من جمع المصحف الإمام وأرسل منه نُسَخاً إلى البلاد ؟

صريح الرواية الثانية أنه كان عثمان، وصريح الرواية الثانية عشرة أنه كان عمر.

• متى ألحقت الآيتان بآخر سورة براءة ؟

صريح الروايات الأولى، والحادية عشرة، والثانية والعشرين أن إلحاقهما كان في زمان أبي بكر، وصريح الرواية الثامنة، وظاهر غيرها أنه كان في عهد عمر.

• من اتى بهاتين الآيتين ؟

صريح الروايتين الأولى والثانية والعشرين أنه كان أبا خزيمة، وصريح الروايتين الثامنة، والحادية عشرة أنه كان خزيمة بن ثابت وهما رجلان ليس بينهما نسبة أصلاً، على ما ذكره ابن عبدالبر (1).

• بماذا ثبت أنهما من القرآن ؟

بشهادة الواحد، على ما هر ظاهر الرواية الأولى، وصريح الروايتين التاسعة. والثانية والعشرين. وبشهادة عثمان معه على ما هو صريح الرواية الثامنة، وبشهادة عمر معه على ما هو صريح الرواية الحادية عشر.

• من عيّنه عثمان لكتابة القرآن وإملائه ؟

صريح الرواية الثانية أن عثمان عيّن للكتابة زيداً، وابن الزبير، وسعيد،


1) تفسير القرطبي : 1 / 56.

وعبدالرحمن، وصريح الرواية الخامسة عشرة أنه عيّن زيداً للكتابة وسعيداً للإملاء، وصريح الرواية السادسة عشرة أنه عين ثقيفا للكتابة، وه-ذيلاً للإملاء، وصريح الرواية الثامنة عشرة أن الكاتب لم يكن من ثقيف وأن المملي لم يكن من هذيل وصريح الرواية التاسعة عشرة أن المملي كان أبي بن كعب، وأن سعيداً كان يعرب ما كتبه زيد، وهذا أيضاً صريح الرواية العشرين بزيادة عبدالرحم-ن ب-ن الح-رث للإعراب.

2 - تعارض روايات الجمع :

إن هذه الروايات معارضة بما دل على أن القرآن كان قد جمع، وكتب على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد روى جماعة منهم ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي، والضياء المقدسي، عن ابن عباس. قال: قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : «بسم اللّه الرحمن الرحيم»؟ ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان، إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات الع-دد، وك-ان إذا نزل ع-ليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يبين لنا أنه-ا منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر : «بسم اللّه الرحمن الرحيم

ووضعتهما في السبع الطوال (1).

وروى الطبراني، وابن عساكر عن الشعبي، قال :

«جمع القرآن على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ستة من الأنصار : أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبوزيد وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاث» (2).

وروى قتادة قال :

«سألت أنس بن مالك : من جمع القرآن على عهد النبي ؟ قال : أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبوزيد» (3).

وروی مسروق : ذكر عبداللّه بن عمر وعبداللّه بن مسعود فقال :

«لا أزال أحبه، سمعت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : خذوا القرآن من أربعة : من عبداللّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب» (4).

وأخرج النسائي بسند صحيح، عن عبداللّه بن عمر، قال :

«جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : اقرأه في شهر...» (5). وستجيء رواية ابن سعد في جمع أم ورقة القرآن.

ولعل قائلاً يقول و إن المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين، وهذا القول دعوى لا شاهد عليها، أضف إلى ذلك أنك ستعرف أن حفاظ


1) منتخب کنز العمال: 2 / 48.

2) نفس المصدر : 2 / 52.

3) صحيح البخاري : 202/6، كتاب المناقب، باب القراء من أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رقم الحديث : 3526.

4) المصدر السابق.

5) الاتقان : 1 / 124، النوع 20.

القرآن على عهد رسول اللّه لو كانوا أكثر من أن تحصى أسماؤهم، فكيف يمكن حصرهم في أربعة أوستة ؟!! وإن المتصفح لأحوال الصحابة، وأحوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعاً على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأن عدد الجامعين له لا يستهان به. وأما مارواه البخاري بإسناده عن أنس، قال : مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد فهو مردود مطروح، لانه معارض للروايات المتقدمة، حتى لما رواه البخاري بنفسه. ويضاف إلى ذلك أنه غير قابل للتصديق به وكيف يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على كثرتهم، وتفرقهم في البلاد ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة، وهذه الدعوى تخرص بالغيب، وقول بغير علم.

وصفوة القول : أنه مع هذه الروايات كيف يمكن أن يصدق أن أبابكر كان أول من جمع القرآن بعد خلافته ؟ وإذا سلمنا ذلك فلماذا أمر زيداً وعمر بجمعه من اللخاف، والعسب، وصدور الرجال، ولم يأخذه من عبداللّه ومعاذ وأبي، وقد كانوا عند الجمع أحياء، وقد أمروا بأخذ القرآن منهم، ومن سالم ؟ نعم إن سالماً قد قتل في حرب اليمامة، فلم يمكن الأخذ منه على أن زيداً نفسه كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية، فلا حاجة إلى التفحص والسؤال من غيره، بعد أن كان شاباً عاقلاً غير متهم كما يقول أبوبكر، أضف إلى جميع ذلك أن أخبار الثقلين المتظافرة تدلنا على أن القرآن كان مجموعاً على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ما سنشير إليه.

3 - تعارض أحاديث الجمع مع الكتاب :

إن هذه الروايات معارضة بالكتاب، فإن كثيراً من آيات الكتاب الكريمة دالة

على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض، وان السور كانت منتشرة بين الناس، حتى المشركين وأهل الكتاب، فإن النبي قد تحدى الكفار والمشركين على الإتيان بمثل القرآن، وبعشر سور مثله مفتريات وبسورة من مثله ومعنى هذا : أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم.

وقد أُطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة، وفي ق-ول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي» وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور، بل ولا على ما كتب في اللخاف،والعسب والاكتاف إلا على نحو المجاز والعناية والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي،ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزّءاً غير مجتمع، فضلاً عما إذا لم يكتب، وكان محفوظ في الصدور فقط.

4 - مخالفة أحاديث الجمع مع حكم العقل !

إن هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فإن عظمة القرآن في نفسه، واهتمام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما يستوجبه ذلك من الثواب، كل ذلك ينا في جمع القرآن على النحو المذكور في تلك الروايات، فإن في القرآن جهات عديدة كل واحدة منها تكفي لان يكون القرآن موضعاً لعناية المسلمين، وسبباً لاشتهاره حتى بين الأطفال والنساء منهم، فضلاً عن الرجال. وهذه الجهات هي:

1 - بلاغة القرآن : فقد كانت العرب تهتم بحفظ الكلام البليغ، ولذلك فهم يحفظون أشعار الجاهلية وخطبها فكيف بالقرآن الذي تحدّى ببلاغته كل بليغ

وأخرس بفصاحته كل خطيب لسن، وقد كانت العرب بأجمعهم متوجهين إليه، سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن يحفظه لإيمانه، والكافر يتحفظ به لأنه يتمنى معارضته، وإبطال حجته.

2 - إظهار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لرغبته بحفظ القرآن والاحتفاظ ب-ه : وكانت السيطرة والسلطة له خاصة، والعادة تقضي بأن الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته فإن ذلك الكتاب يكون رائجاً بين جميع الرعية الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا.

3 - إن حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس، وتعظيمه عندهم : فقد علم كل مطّلع على التاريخ ما للقراء والحفاظ من المنزلة الكبيرة، والمقام الرفيع بين الناس، وهذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة، أو بحفظ القدر الميسور منه.

4 - الأجر والثواب الذي يستحقه القارىء والحافظ بقراءة القرآن وحفظه : هذه أهم العوامل التي تبعث على حفظ القرآن والإحتفاظ به، وقد كان المسلمون يهتمون بشأن القرآن، ويحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، وبما يهمهم من مال وأولاد. وقد ورد أن بعض النساء جمعت جميع القرآن.

أخرج ابن سعد في الطبقات : «أنبأنا الفضل بن دكين، حدثنا الوليد بن عبداللّه بن جميع قال : حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبداللّه بن الحارث، وكان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يزورها، ويسميها الشهيدة وكانت قد جمعت القرآن، ان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين غزا بدراً، قالت له : أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاك--م وامرض مرضاكم لعل اللّه يهدي لي شهادة ؟ قال : إن اللّه مهد لك شهادة...» (1).


1) الاتقان : 1 / 125، النوع 20.

وإذا كان هذا حال النساء في جمع القرآن فكيف يكون حال الرجال ؟ وقد عدَّ من حفاظ القرآن على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جم غفير. قال القرطبي: «قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ببئر معونة مثل هذا العدد» (1).

وقد تقدم في الرواية «العاشرة» أنه قتل من القراء يوم اليمامة أربعمائة رجل على أن شدة اهتمام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالقرآن، وقد كان له كتاب عديدون، ولا سيما أن القرآن نزل نجوماً في مدة ثلاث وعشرين سنة، كل هذا يورث لنا القطع بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان قد أمر بكتابة القرآن على عهده.

روی زید بن ثابت قال : «كنا عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نلف القرآن من الرقاع». قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» وفيه الدليل الواضح : أن القرآن إنما جمع على عهد رسول اللّه (2).

وأما حفظ بعض سور القرآن أو بعض السورة فقد كان منتشراً جداً، وشذ أن يخلو من ذلك رجل أو امرأة من المسلمين. روى عبادة بن الصامت قال :

«كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن» (3).

وروی کلیب، قال :

«كنت مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسمع ضجتهم في المسجد يقرؤون القرآن فقال : طوبي لهؤلاء...» (4).


1) الاتقان : 1 / 122، النوع 20، وقال القرطبي في تفسيره : 1/ 59 : وقتل منهم «القراء» في ذلك اليوم «يوم اليمامة» فيما قيل سبعمائة.

2) سنن الترمذي : كتاب المناقب، رقم الحديث : 3889 و مسند احمد : مسند الانصار، رقم الحديث: 20622.

3) مسند أحمد : 5 / 325 کتاب باقی مسند الانصار، رقم الحدیث: 21703.

4) كنز العمال: 2 / 185، الطبعة الثانية. فضائل القرآن.

وعن عبادة بن الصامت أيضاً :

«كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه أن يخفضو أصواتهم لئلا يتغالطوا» (1).

نعم إن حفظ القرآن ولو ببعضه كان رائجاً بين الرجال والنساء من المسلمين، حتى أن المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر (2)ومع هذا الإهتمام كله كيف يمكن أن يقال : إن جمع القرآن قد تأخر إلى زمان خلافة أبي بكر، وإن أبابكر احتاج في جمع القرآن إلى شاهدين يشهدان أنهما سمعا ذلك من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

5 - مخالفة أحاديث الجمع للاجماع :

إن هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أن القرآن لاطريق لإثباته إلا التواتر، فإنها تقول : إن إثبات آيات القرآن حين الجمع كان منحصراً بشهادة شاهدين، أو بشهادة رجل واحد إذا كانت تعدل شهادتين، وعلى هذا فاللازم أن يثبت القرآن بالخبر الواحد أيضاً، وهل يمكن لمسلم أن يلتزم بذلك ؟ ولست أدري كيف يجتمع القول بصحة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن بالبينة مع القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، أفلا يكون القطع بلزوم كون القرآن متواتراً سبباً للقطع بكذب هذه الروايات أجمع؟

ومن الغريب أن بعضهم كابن حجر فسر الشاهدين في الروايات بالكتابة


1) مناهل العرفان : ص 324.

2) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي التاج : 2 / 332.

والحفظ (1). وفي ظني أن الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم التواتر في القرآن وعلى كل حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات :

أما أولاً : فلمخالفته صريح تلك الروايات في جمع القرآن، وقد سمعتها.

وأما ثانياً : فلأنّ هذا التفسير يلزمه أنهم لم يكتبوا ما ثبت أنه من القرآن بالتواتر، إذا لم يكن مكتوباً عند أحد، ومعنى ذلك أنهم أسقطوا من القرآن ما ثبت بالتواتر أنه من القرآن.

وأما ثالثاً : فلأنّ الكتابة والحفظ لا يحتاج اليهما إذا كان ما يراد كتابته متواتراً، وهما لا يثبتان كونه من القرآن، إذا لم يكن متواتراً. وعلى كل حال فلا فائدة في جعلهما شرطاً في جمع القرآن

وعلى الجملة لابد من طرح هذه الروايات، لأنها تدل على ثبوت القرآن بغير التواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين.

6 - أحاديث الجمع والتحريف بالزيادة!

أن هذه الروايات لوصحت وأمكن الإستدلال بها على التحريف من جهة النقص، لكان اللّازم على المستدل أن يقول بالتحريف من جهة الزيادة في القرآن أيضاً، لأن كيفية الجمع المذكورة تستلزم ذلك، ولا يمكن له أن يعتذر عن ذلك بأن حد الإعجاز في بلاغة القرآن يمنع من الزيادة عليه، فلا تقاس الزيادة على النقيصة، وذلك لأن الإعجاز في بلاغة القرآن وإن كان يمنع عن الإتيان بمثل سورة من سوره، ولكنه لا يمنع من الزيادة عليه بكلمة أو بكلمتين، بل ولا بآية كاملة، ولا سيما إذا كانت قصيرة، ولولا هذا الإحتمال لم تكن حاجة إلى شهادة شاهدين، كما في روايات


1) الاتقان : ص 100، النوع 18.

الجمع المتقدمة، فإن الآية التي يأتي بها الرجل تثبت نفسها أنها من القرآن أو م-ن غيره. وإذن فلا مناص للقائل بالتحريف من القول بالزيادة أيضاً وهو خلاف إجماع المسلمين.

وخلاصة ما تقدم، أن إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أمر موهوم مخالف للكتاب والسنة والإجماع، والعقل، فلا يمكن القائل بالتحريف أن يستدل به على دعواه، ولو سلمنا أن جامع القرآن هو أبوبكر في أيام خلافته، فلا ينبغي الشك في أن كيفية الجمع المذكورة في الروايات المتقدمة مكذوبة، وإن جمع القرآن كان مستنداً إلى التواتر بين المسلمين، غاية الأمر أن الجامع قد دوّن في المصحف ما كان محفوظاً في الصدور على نحو التواتر.

نعم لا شك أن عثمان قد جمع القرآن في زمانه لا بمعنى أنه جمع الآيات والسور في مصحف، بل بمعنى أنه جمع المسلمين على قراءة إمام واحد، وأحرق المصاحف الأخرى التي تخالف ذلك المصحف، وكتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الإختلاف في القراءة، وقد صرح بهذا كثير من أعلام أهل السنة.

قال الحارث المحاسبي : «المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن....» (1).


1) الاتقان : 1 / 103، النوع 18.

أقول: أما أن عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، وهي القراءة التي كانت متعارفة بين المسلمين، والتي تلقوها بالتواتر عن النبي وأنه منع عن القراءات الأخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف التي تقدم توضيح بطلانها. أما هذا العمل من عثمان فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين، وذلك لأن الإختلاف في القراءة كان يؤدي إلى الإختلاف بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وتفريق وحدتهم، بل كان يؤدي إلى تكفير بعضهم بعضاً. وقد مرَّ فيا تقدم بعض الروايات الدالّة على أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منع عن الإختلاف في القرآن، ولكن الأمر الذي انتقد عليه هو إحراقه لبقية المصاحف، وأمره أهالى الأمصار بإحراق ما عندهم من المصاحف، وقد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين، حتى سموه بحرّاق المصاحف.

النتيجة :

ومما ذكرناه : قد تبين للقارىء أن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله، أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه يجب القول به والحب يعمي،ويصم، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته.

حجية ظواهر القرآن

إشارة:

•

إثبات حجية ظواهر القرآن.

•

أدلة المنكرين لها مع تزييفها.

•

اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به.

•

الأخذ بالظاهر من التفسير بالرأي.

•

غموض معاني القرآن يمنع من فهمها.

•

إرادة خلاف الظاهر في بعض الآيات - إجمالاً - تسقط الظواهر عن الحجية.

•

المنع من اتباع المتشابه يسقط حجية ظواهر القرآن.

اثبات حجية ظواهر القرآن

لا شك أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يخترع لنفسه طريقة خاصة لإفهام مقاصده، وأنه كلّم قومه بما ألفوه من طرائق التفهيم والتكلم وأنه أتى بالقرآن ليفهموا معانيه، وليتدبروا آياته فيأتمروا بأوامره، ويزدجروا بزواجره وقد تكرّر في الآيات الكريمة ما يدل على ذلك، كقوله تعالى :

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُنَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالها «24:47».

وقوله تعالى :

(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ في هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «39 : 27».

وقوله تعالى :

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 26 : 192. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ : 193. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ : 194. بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُّبِينٍ : 195)

وقوله تعالى :

(هَذا بَيَانُ لِلنَّاسِ وَهُدى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) «3: 138»

وقوله تعالى :

(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ «44 : 58».

وقوله تعالى :

(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ «54 : 17».

وقوله تعالى :

(أَفَلا يَتَدَبَّرُنُ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) «4: 82».

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب العمل بما في القرآن ولزوم الأخذ بما يفهم من ظواهره.

ومما يدلّ على حجية ظواهر الكتاب وفهم العرب لمعانيه :

1 - أن القرآن نزل حجة على الرسالة، وأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد تحدى البشر على أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ومعنى هذا : أن العرب كانت تفهم معاني القرآن م--ن ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم تصح مطالبتهم بمعارضته، ولم يثبت لهم إعجازه، لأنهم ليسوا ممّن يستطيعون فهمه وهذا ينافي الغرض من إنزال القرآن و دعوة البشر إلى الإيمان به.

2 - الروايات المتظافرة الآمرة بالتمسك بالثقلين الذين تركها النبي في المسلمين، فإن من البيّن أن التمسك بالكتاب هو الأخذ به والعمل بما يشتمل عليه، ولا معنى له سو سوى ذلك.

3 - الروايات المتواترة التي أمرت بعرض الأخبار على الكتاب، وأن ما خالف

الكتاب منها يضرب على الجدار، أو أنه باطل، أو أنه زخرف(1)، أو أنه منهى عن قبوله (2)، أو أن الأئمة لم تقله (3)، وهذه الروايات صريحة في حجية ظواهر الكتاب وأنه مما تفهمه عامة أهل اللسان العارفين بالفصيح من لغة العرب. ومن هذا القبيل الروايات التي أمرت بعرض الشروط على كتاب اللّه وردّ ما خالفه منها.(4)

4 - استدلالات الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) على جملة من الأحكام الشرعية وغيرها بالآيات القرآنية :

منها : قول الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - حينما سأله زرارة من أين علمت أن المسح ببعض الرأس - لمكان الباء». (5)

و منها: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهي الدوانيقي عن قبول خبر النحام: «انه فاسق» و قد قال اللّه تعالى:

(إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) «49 : 6» (6).

ومنها : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء اعتذاراً بأنه لم يكن شيئاً أتاه برجله - أما سمعت قول اللّه عزوجل :

(إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) «17 : 36» (7).

ومنها : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابنه إسماعيل : «فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم : مستدلاً


1) الوسائل 27 / 110 باب 9 :الحديث: 33345 و 33347.

2) الوسائل : 27 / 119، باب 9، الحديث: 33368.

3) الوسائل : 27 / 111، باب،9 الحديث: 33348.

4) الوسائل : 18 / 16، باب 6، الحديث: 23041.

5) الوسائل: 1 / 413، باب،23، الحدیث: 1073 و 3 / 364 باب 13 الحديث 3878.

6) بحار الأنوار: 75 / 263، باب 67، الحديث: 3.

7) الكافى : 26 / 432، الحديث: 10.

بقول اللّه عز وجل : يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «9 : 61». (1))ومنها قوله في تحليل نكاح العبد للمطلقة ثلاثاً : إنه زوج، قال اللّه عزوجل:(حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ «2 : 230» (2).)ومنها : قوله في أن المطلقة ثلاثاً لا تحلّ بالعقد المنقطع : إن اللّه تعالى قال :(فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا «4 : 127».)«ولا طلاق فى المتعة» (3.)ومنها : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ فيمن عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة : إن هذا وشبهه يعرف من كتاب اللّه تعالى :)(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجِ «22 : 78».)ثم قال: «امسح عليه». (4)ومنها : استدلاله لالها على حلية بعض النساء بقوله تعالى :(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ «4 : 23». (5))ومنها : استدلاله (عَلَيهِ السَّلَامُ على عدم جواز نكاح العبد بقوله تعالى :)(عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ «16 : 75». (6))


1) الكافى : 5 / 299، الحديث: 1.

2) الكافي : 5 / 425، الحديث: 3.

3) التهذيب : 8 / 34 باب،36، الحدیث: 22.

4) الاستبصار : 1/ 77، باب 46، الحديث : 3.

5) الوسائل : 20 / 245، باب،140، الحديث: 25548.

6) الاستبصار : 3 / 215، باب 134، الحدیث: 3.

ومنها استدلاله لالها على حلية بعض الحيوانات بقوله تعالى :(قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طَاعِم يَطْعَمُهُ «6 : 145».(1))وغير ذلك من استدلالاتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ بالقرآن في موارد كثيرة، وهي متفرقة في أبواب الفقه وغيرها.)### أدلة اسقاط حجية ظواهر الكتاب :وقد خالف جماعة من المحدثين، فأنكروا حجية ظواهر الكتاب ومنعوا عن العمل به. واستدلوا على ذلك بأمور :### 1 - اختصاص فهم القرآن :إن فهم القرآن مختص بمن خوطب به وقد استندوا في هذه الدعوى إلى عدة روايات واردة في هذا الموضوع كمرسلة شعيب بن أنس، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال لأبي حنيفة :)»أنت فقيه أهل العراق ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: نعم. قال : فبأي شيء تفتيهم؟ قال : بكتاب اللّه وسنّة نبيه قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حق معرفته، وتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : نعم. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا حنيفة لقد ادعيت علماً - ويلك ما جعل اللّه ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما ورتك اللّه تعالى من كتابه حرفاً»(2).)


1) التهذيب : 9 / 5، باب 4 الحديث: 15.

2) الوسائل: 27 / 47، باب 6، الحدیث: 33177.

وفي رواية زيد الشحام، قال :«دخل قتادة على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ فقال له : أنت فقيه أهل البصرة ؟ فقال : هكذا يزعمون. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلغني أنك تفسر القرآن. قال : نعم إلى أن قال يا قتادة إن كنت قد فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت يا قتادة - ويحك - إنما يعرف القرآن من خوطب به». (1))والجواب:إن المراد من هذه الروايات وأمثالها أن فهم القرآن حق فهمه، ومعرفة ظاهره وباطنه، وناسخه ومنسوخه مختص بمن خوطب به والرواية الأولى صريحة فى ذلك، فقد كان السؤال فيها عن معرفة كتاب اللّه حق معرفته، وتمييز الناسخ من المنسوخ، وكان توبيخ الإمام الهلال الأبي حنيفة على دعوى معرفة ذلك.وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير، وهو بمعنى كشف القناع، فلا يشمل الأخذ بظاهر اللفظ، لأنه غير مستور ليكشف عنه القناع، ويدل على ذلك أيضاً ما تقدم من الروايات الصريحة في أن فهم الكتاب لا يختص بالمعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ.)ويدل على ذلك أيضاً قوله الا فى المرسلة : «وما ورّثك اللّه من كتابه حرفاً» (2فإن معنى ذلك أن اللّه قد خص أوصياء نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بارث الكتاب، وهو معنى قوله تعالى :)(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا «35 : 32».)


1) الوسائل : 27/ 185، باب 13 الحديث: 33556.

2) الوسائل: 27 / 48، باب 6، الحدیث: 33177.

فهم المخصوصون بعلم القرآن على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب. هذا هو معنى المرسلة وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئاً من كتاب اللّه حتى مثل قوله تعالى :﴿قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ «111 : 1». وأمثال هذه الآية مما يكون صريحاً في معناه، والأخبار الدالة على الإختصاص المتقدم كثيرة جداً، وقد تقدم بعضها.

2 - النهي عن التفسير بالرأي :

إن الأخذ بظاهر اللفظ من التفسير بالرأي، وقد نهى عنه في روايات متواترة بين الفريقين.

والجواب :

إن التفسير هو كشف القناع كما قلنا، فلا يكون منه حمل اللفظ على ظاهره، لأنه ليس بمستور حتى يكشف، ولو فرضنا أنه تفسير فليس تفسيراً بالرأي، لتشمله الروايات الناهية المتواترة، وإنما هو تفسير بما يفهمه العرف من اللفظ، فإن الذي يترجم خطبة من خطب نهج البلاغة - مثلاً - بحسب ما يفهمه العرف من ألفاظها، وبحسب ما تدل القرائن المتصلة والمنفصلة، لا يعدّ عمله هذا من التفسير بالرأي.

وقد أشار إلى ذلك الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «إنما هلك الناس في المتشابه لأنهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرفونهم». (1)


1) الوسائل : 27 / 201، باب 13 الحديث 33593.

ويحتمل أن معنى التفسير بالرأي الإستقلال في الفتوى من غير مراجعة الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، مع أنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك ولزوم الإنتهاء اليهم، فإذا عمل الإنسان بالعموم أو الاطلاق الوارد في الكتاب ولم يأخذ التخصيص أو التقييد الوارد عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان هذا من التفسير بالرأي.

وعلى الجملة حمل اللفظ على ظاهره بعد الفحص عن القرائن المتصلة والمنفصلة من الكتاب والسنّة، أو الدليل العقلي لا يعد من التفسير بالرأي بل ولا من التفسير نفسه، وقد تقدم بيانه، على أن الروايات المتقدمة دلت على الرجوع إلى الكتاب، والعمل بما فيه. ومن البين أن المراد من ذلك الرجوع إلى ظواهره، وحينئذ فلابد وأن يراد من التفسير بالرأي غير العمل بالظواهر جمعاً بين الأدلة.

3 - غموص معاني القرآن :

إن في القرآن معاني شامخة، ومطالب غامضة، واشتماله على ذلك يكون مانعاً عن فهم معانيه، والإحاطة بما أريد منه فإنا نجد بعض كتب السلف لا يصل إلى معانيها إلا العلماء المطلعون، فكيف بالكتاب المبين الذي جمع علم الأولين والآخرين.

والجواب :

إن القرآن وإن اشتمل على علم ما كان وما يكون وكانت معرفة هذا من القرآن مختصة بأهل بيت النبوة من دون ريب، ولكن ذلك لا ينا في أن للقرآن ظواهر يفهمها العارف باللغة وأساليبها، ويتعبد بما يظهر له بعد الفحص عن القرائن.

4 - العلم بارادة خلاف الظاهر:

إنا نعلم - إجمالاً - بورود مخصصات لعمومات القرآن، ومقيدات لإطلاقاته، ونعلم بأن بعض ظواهر الكتاب غير مراد قطعاً، وهذه العمومات المخصصة، والمطلقات

المقيّدة، والظواهر غير المرادة ليست معلومة بعينها، ليتوقف فيها بخصوصها. ونتيجة هذا أن جميع ظواهر الكتاب وعموماته ومطلقاته تكون مجملة بالعرض، وإن لم تكن مجملة بالأصالة، فلا يجوز أن يعمل بها حذراً من الوقوع فيما يخالف الواقع.

والجواب :

إن هذا العلم الإجمالي إنما يكون سبباً للمنع عن الأخذ بالظواهر، إذا أُريد العمل بها قبل الفحص عن المراد، وأما بعد الفحص والحصول على المقدار الذي علم المكلف بوجوده إجمالاً بين الظواهر، فلا محالة ينحل العلم الإجمالي، ويسقط عن التأثير، ويبقى العلم بالظواهر بلا مانع ونظير هذا يجري في السنة أيضاً، فإنا نعلم بورود مخصصات لعموماتها ومقيدات لمطلقاتها، فلو كان العلم الإجمالي مانعاً عن التمسك بالظواهر حتى بعد انحلاله لكان مانعاً عن العمل بظواهر السنة أيضاً، بل ولكان مانعاً عن أجراء اصالة البراءة في الشبهات الحكمية الوجوبية منها والتحريمية، فإن كل مكلف يعلم بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة، ولازم هذا العلم الإجمالي وجوب الإحتياط عليه في كل شبهة تحريمية، أو وجوبية يقع فيها مع أن الإحتياط ليس بواجب فيها يقيناً.

نعم ذهب جمع كثير من المحدثين إلى وجوب الإحتياط في موارد الشبهات التحريمية، إلا أن ذلك نشأ من توهمهم أن الروايات الآمرة بالتوقف أو الإحتياط تدلّ على وجوب الاحتياط والتوقف في موارد تلك الشبهات. وليس قولهم هذا ناشئاً من العلم الإجمالي بوجود التكاليف الإلزامية في الشريعة المقدسة، وإلا لكان اللازم عليهم القول بوجوب الإحتياط حتى في الشبهات الوجوبية، مع أنه لم يذهب إلى وجوبه فيها أحد فيما نعلم والسر في عدم وجوب الإحتياط في هذه الموارد وفي

أمثالها واحد وهو أن العلم الإجمالي قد انحل بسبب الظفر بالمقدار المعلوم، وب-ع-د انحلاله يسقط عن التأثير. ولتوضيح ذلك يراجع كتابنا «أجود التقريرات».

5 - المنع عن اتباع المتشابه :

إن الآيات الكريمة قد منعت عن العمل بالمتشابه، فقد قال اللّه تعالى

(مِنْهُ آيَاتٌ تُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ «3 : 7».

والمتشابه يشمل الظاهر أيضاً، ولا أقل من احتمال شموله للظاهر فيسقط عن الحجية.

الجواب :

إن لفظ المتشابه واضح المعنى ولا إجمال فيه ولا تشابه ومعناه أن يكون للفظ وجهان من المعاني أو أكثر، وجميع هذه المعاني في درجة واحدة بالنسبة الى ذلك اللفظ، فإذا أطلق ذلك اللفظ احتمل في كل واحد من هذه المعاني أن يكون هو المراد، ولذلك فيجب التوقف في الحكم إلى أن تدل قرينة على التعيين، وعلى ذلك فلا يكون اللفظ الظاهر من المتشابه.

ولو سلمنا أن لفظ المتشابه متشابه، يحتمل شموله للظاهر، فهذا لا يمنع عن العمل بالظاهر بعد استقرار السيرة بين العقلاء على اتباع الظهور من الكلام، فإن الإحتمال بمجرده لا يكون رادعاً عن العمل بالسيرة، ولا بد في الردع عنها من دليل قطعي، وإلا فهي متبعة من دون ريب، ولذلك فإن المولى يحتج على عبده إذا خالف ظاهر كلامه، ويصح له أن يعاقبه على المخالفة، كما أن العبد نفسه يحتج على مولاه إذا وافق ظاهر كلام مولاه وكان هذا الظاهر مخالفاً لمراده. وعلى الجملة فهذه السيرة متبعة في

التمسك بالظهور حتى يقوم دليل قطعي على الردع.

6 - وقوع التحريف في القرآن :

إن وقوع التحريف في القرآن مانع من العمل بالظواهر، لاحتمال كون هذه الظواهر مقرونة بقرائن تدل على المراد، وقد سقطت بالتحريف.

والجواب :

منع وقوع التحريف في القرآن، وقد قدمنا البحث عن ذلك، وذكرنا أن الروايات الآمرة بالرجوع إلى القرآن بأنفسها شاهدة على عدم التحريف، وإذا تنزلنا عن ذلك فإن مقتضى تلك الروايات هو وجوب العمل بالقرآن، و إن فرض وقوع التحريف فيه. و نتيجة ما تقدم أنه لابدّ من العمل بظواهر القرآن، وأنه الأساس للشريعة، وأن السنة المحكية لا يعمل بها إذا كانت مخالفة له.

النسخ في القرآن

إشارة:

•

المعنى اللغوي والإصطلاحي للنسخ.

•

إمكان النسخ. وقوعه في التوراة.

•

وقوعه فى الشريعة الإسلامية. أقسام النسخ الثلاثة.

•

الآيات المدعى نسخها وإثبات انها محكمة.

•

آية المتعة ودلالتها على جواز نكاح المتعة.

•

الرجم على المتعة.

•

فتوى أبى حنيفة بسقوط حد الزنا بالمحارم إذا عقد عليها.

•

فتواه بسقوط الحد إذا استأجر امرأة فزنى بها.

•

نسبة هذه الفتوى إلى عمر.

•

مزاعم حول المتعة.

•

تعصب مكشوف حول ترك الصحابة العمل بآية النجوى.

•

كلام الرازي والرد عليه.

في كتب التفسير وغيرها آيات كثيرة ادعى نسخها. وقد جمعها أبوبكر النحاس في كتابه «الناسخ والمنسوخ» فبلغت «138» آية.

وقد عقدنا هذا البحث لنستعرض جملة من تلك الآيات المدعى نسخها ولنتبين فيها أنه ليست - في واقع الأمر - واحدة منها منسوخة، فضلاً عن جميعها.

وقد اقتصرنا على «36» آية منها، وهي التي استدعت المناقشة والتوضيح لجلاء الحق فيها، وأما سائر الآيات فالمسألة فيها أوضح من أن يستدل على عدم وجود نسخ فيها.

النسخ في اللغة :

هو الاستكتاب كالاستنساخ والانتساخ، وبمعنى النقل والتحويل ومنه تناسخ المواريث والدهور، وبمعنى الإزالة، ومنه نسخت الشمس الظل، وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين فكانوا يطلقون على المخصص والمقيد لفظ الناسخ (1).


1) وقد اطلق النسخ كثيراً على التخصيص في التفسير المنسوب الى ابن عباس.

النسخ في الاصطلاح :

هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى اللّه تعالى بما أنه شارع، وهذا الأخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط، وإنما قيدنا الرفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجاً، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان و ارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها و ارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته، فإن هذا النوع من ارتفاع الأحكام لا يسمى نسخاً، ولا إشكال في إمكانه ووقوعه، ولا خلاف فيه من أحد.

ولتوضيح ذلك نقول : إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت:

أحدهما : ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والإنشاء، والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولاً على نحو القضية الحقيقية، ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه، وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع. فإذا قال الشارع : شرب الخمر حرام - مثلاً - فليس معناه أن هنا خمراً في الخارج. وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة، بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن، ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون إلا بالنسخ.

وثانيهما: ثبوت ذلك الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم يعود فعلياً فعلياً بسبب فعلية موضوعه خارجاً، كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج، فإن الحرمة المجعولة في

الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل، وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها، فإذا انقلب خلاً فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شيء، ولا كلام لأحد في جواز ذلك ولا في وقوعه، وإنما الكلام في القسم الأول، وهو رفع الحكم ع-ن م-وض-وعه في عالم التشريع والإنشاء.

امكان النسخ :

المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه «رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء» وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ، واستندوا في ذلك إلى شبهة هي أوهن من بيت العنكبوت.

وملخص هذه الشبهة :

إن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ، أو جهله بوجه الحكمة، وك-لا ه-ذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى، وذلك لأن تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه، لأن الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلق وإما أن يكون من جهة البداء، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الأحكام والقوانين العرفية، وهو يستلزم الجهل منه تعالى. وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً لأنه يستلزم المحال.

والجواب :

إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث، أو الزجر الحقيقيين كالأوامر التي يقصد بها الإمتحان، وهذا النوع من الأحكام يمكن إثباته أولاً ثم رفعه، ولا مانع من ذلك، فإن كلاً من الإثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة، وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة، ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى، وقد يكون الحكم المجعول حكماً حقيقياً، ومع ذلك ينسخ بعد زمان لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الأمر، كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيات، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيداً بزمان خاص معلوم عند اللّه مجهول عند الناس، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان، لانتهاء أمده الذي قيدبه، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها.

والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعاً، بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الأحكام مما لا يشك فيه عاقل، فإن يوم السبت - مثلاً - في شريعة موسى قد

ال اللّه اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيداً لأهل تلك الشريعة دون بقية الأيام، ومثله يوم الجمعة في الإسلام، وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة، وقد يكون الأمر بالعكس.

وجملة القول : إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة، أو اليوم المعين أو الاسبوع المعين أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن دخل السنة في ذلك أيضاً، فيكون الفعل مشتملاً على مصلحة في سنين معينة، ثم لا تترتب

عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين، وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل، فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضاً بدليل منفصل، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الإطلاق، مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد، ويكون بيان التخصيص أو التقييد بدليل منفصل. فالنسخ في الحقيقة تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى، وهذا كله بناء على أن جعل الأحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو مفاسد تكون في نفس العمل. وأما على مذهب من يرى تبعية الأحكام لمصالح في الأحكام أنفسها فإن الأمر أوضح، لأن الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الأحكام الامتحانية.

النسخ في التوراة:

وما قدمناه يبطل تمسك اليهود والنصارى باستحالة النسخ في الشريعة لاثبات استمرار الأحكام الثابتة في شريعة موسى ومن الغريب جداً أنهم مصرون على إحالة النسخ في الشريعة الإلهية، مع أن النسخ قد وقع في موارد كثيرة من كتب العهدين :

1 - فقد جاء في الاصحاح الرابع من سفر العدد «عدد 2، 3» :

خذ عدد بنى قهات من بين بني لاوي حسب عشائرهم، وبيوت آبائهم من ابن ثلاثين سنة فصاعداً إلى ابن خمسين سنة، كل داخل في الجند ليعمل عملاً في خيمة الاجتماع».

وقد نسخ هذا الحكم، وجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ خمس وعشرين سنة

بما في الاصحاح الثامن من هذا السفر «عدد 23، 24» : «وكلم الرب موسى قائلاً 23، هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعداً، يأتون ليتجندوا أجناداً خدمة خيمة الاجتماع».

ثم نسخ ثانياً : فجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ عشرين سنة بما جاء في الاصحاح الثالث والعشرين من أخبار الأيام الاول «عدد 24، 32» : «هؤلاء بنو لاوي حسب بيوت آبائهم رؤوس الآباء حسب إحصائهم في عدد الأسماء، حسب رؤوسهم عامل العمل لخدمة بيت الرب من ابن عشرين سنة فما فوق... وليحرسوا حراسة خيمة الإجتماع، وحراسة القدس».

2 - و جاء في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد «عدد 3 - 7» :

«وقل لهم هذا هو الوقود الذي تقربون للرب، خروفان حوليان صحيحان، لكل يوم محرقة دائمة. الخروف الواحد تعمله صباحاً، والخروف الثاني تعمله بين العشاءين. وعشر الايفة من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت الرض تقدمة... وسكيبها ربع الهين للخروف الواحد».

وقد نسخ هذا الحكم : وجعلت محرقة كل يوم حمل واحد حولي في كل صباح وجعلت تقدمته سدس الايفة من الدقيق وثلث الهين من الزيت بما جاء في الاصحاح السادس والأربعين من كتاب جزقيال عدد 13 – 15» : «وتعمل كل يوم محرقة للرب حملاً حولياً صحيحاً صباحاً تعمله. وتعمل عليه تقدمة صباحاً صباحاً سدس الايفة. وزيتاً ثلث الهين لرسّ الدقيق تقدمة للرب فريضة أبدية دائمة، ويعملون الحمل والتقدمة والزيت صباحاً صباحاً محرقة دائمة».

3 - وجاء في الاصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد أيضاً : «عدد 9 ، 10»:

«وفي يوم السبت خروفان حوليان صحيحان وعشران من دقيق ملتوت بزيت تقدمة مع سكيبه. محرقة كل سبت فضلاً عن المحرقة الدائمة وسكيبها».

وقد نسخ هذا الحكم : وجعلت محرقة السبت ستة حملان وكبش، وجعلت التقدمة إيفة للكبش وعطية يد الرئيس للحملان، وهين زيت للايفة بما جاء في الاصحاح السادس والأربعين من كتاب حزقيال أيضاً «عدد 4، 5» : «والمحرقة التي يقرّبها الرئيس للرب في يوم السبت ستة حملان صحيحة، وكبش صحيح. والتقدمة إيفة للكبش، وللحملان تقدمة عطية يده وهين زيت للايفة».

4 - وجاء في الاصحاح الثلاثين من سفر العدد «عدد 2» :

«إذا نذر رجل نذراً للرب، أو أقسم أن يلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه، حسب كل ما خرج من فمه يفعل».

وقد نسخ جواز الحلف الثابت بحكم التوراة بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى «عدد 33 34» : «أيضاً سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث، بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة».

5 - وجاء في الاصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج «عدد 23 - 25» :

«وإن حصلت أذية تعطي نفساً بنفس وعيناً بعين وسناً بسن ويداً بيد ورجلاً رجل، وكياً بكي وجرحاً بجرح ورضاً برض».

وقد نسخ هذا الحكم بالنهي عن القصاص في شريعة عيسى بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى «عدد 38» : «سمعتم أنه قيل عين بعين وس- بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً».

6 - وجاء في الاصحاح السابع عشر من سفر التكوين «عدد 10» في قول اللّه لإبراهيم :

«هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك يختن منكم كل ذكر». وقد جاء في شريعة موسى إمضاء ذلك. ففي الاصحاح الثاني عشر من سفر الخروج «عدد 48 - 49» : «وإذا نزل عندك نزيل، وصنع ف-صح-اً لل--رب فليختن منه كل ذكر، ثم يتقدم ليصنعه فيكون كمولود الأرض، وأما كل أغلف فلا يأكل منه، تكون شريعة واحدة لمولود الأرض، وللنزيل النازل بينكم». وجاء في الاصحاح الثاني عشر من سفر اللاويين «عدد 2، 3» : «إذا حبلت امرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة، وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته».

وقد نسخ هذا الحكم، ووضع ثقل الختان عن الامة بم-ا ج-اء في الاصحاح الخامس عشر من أعمال الرسل «عدد 24 – 30» أعمال الرسل وفي جملة من رسائل بولس الرسول.

7 - وجاء في الاصحاح الرابع والعشرين من التثنية «عدد 1 - 3» :

«إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه، لأن وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر، فإن أبغضها الرجل الآخر وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة».

وقد نسخ الإنجيل ذلك وحرّم الطلاق بما جاء في الاصحاح الخامس من متى

«عدد 31 - 32» : «وقيل من طلّق امرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني. وقد جاء مثل ذلك في الاصحاح العاشر من مرقس : عدد «11، 12» والاصحاح السادس عشر من لوقا «عدد 18».

وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، ومن أراد الاطلاع على أكثر من ذلك فليراجع كتابي إظهار الحق (1)والهدى إلى دين المصطفى (2).

النسخ في الشريعة الاسلامية :

لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ، فإن كثيراً من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الإسلامية، وإن جملة من أحكام هذه الشريعة قد نسخت بأحكام اخرى من هذه الشريعة نفسها، فقد صرح القرآن الكريم بنسخ حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الاولى، وهذا مما لا ريب فيه.

وإنما الكلام في أن يكون شيء من أحكام القرآن منسوخاً بالقرآن، أو بالسنة القطعية، أو بالإجماع، أو بالعقل. وقبل الخوض في البحث عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام:

1 - نسخ التلاوة دون الحكم :

وقد مثلوا لذلك بآية الرجم فقالوا : إن هذه الآية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد قدمنا لك في بحث التحريف أن القول بنسخ التلاوة ه-و


1) للشيخ رحمة اللّه بن خليل الرحمن الهندي، وهو كتاب جليل نافع جداً.

2) للامام البلاغي.

نفس القول بالتحريف وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الآحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام.

فقد أجمع المسلمون على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أن القرآن لا يثبت به، والوجه في ذلك - مضافاً إلى الاجماع - أن الامور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس، وانتشار الخبر عنها على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد فإن اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه، وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أن آية الرجم من القرآن، وانها قد نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، نعم قد تقدم أن عمر أتى بآية الرجم وادعى انها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون، لأن نقل هذه الآية كان منحصراً به، ولم يثبتوها في المصاحف، فالتزم المتأخرون بأنها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.

2 - نسخ التلاوة والحكم :

ومثلوا لنسخ التلاوة والحكم معاً بما تقدم نقله عن عائشة في الرواية العاشرة من نسخ التلاوة في بحث التحريف، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الأول بعينه.

3 - نسخ الحكم دون التلاوة :

وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين، وقد ألف فيه جماعة من العلماء كتباً مستقلة، وذكروا فيها الناسخ والمنسوخ منهم العالم الشهير أبو جعفر النحاس، والحافظ المظفر الفارسي، وخالفهم في ذلك بعض المحققين، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن. وقد اتفق الجميع على إمكان ذلك، وعلى وجود آيات في القرآن ناسخة لأحكام ثابتة في الشرائع السابقة، ولأحكام ثابتة في صدر الإسلام.

ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة :

1 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة، أو بالإجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلاً ونقلاً، فإن ثبت في مورد فهو المتبع، وإلا فلا يلتزم بالنسخ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.

2 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ، ومبينة لرفعه، وهذا القسم أيضاً لا إشكال فيه، وق-د م-ثلوا لذلك بآي-ة الن-ج-وى «وسيأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى».

3 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق، ولا مبينة لرفعه، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة.

والتحقيق: أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن، كيف وقد قال اللّه عز وجل:

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيراً) «4: 82».

ولكن كثيراً من المفسرين وغيرهم لم يتأملوا حق التأمل في معاني الآيات الكريمة، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الآيات والتزموا لأجله بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدمة، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا

كانت إحدى الآيتين قرينة عرفية على بيان المراد من الآية الأخرى كالخاص بالنسبة إلى العام وكالمقيد بالإضافة إلى المطلق والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها، ومنشأ هذا قلة التدبر، أو التسامح في إطلاق لفظ النسخ بمناسبة معناه اللغوي، واستعماله في ذلك وإن كان شائعاً قبل تحقق المعنى المصطلح عليه، ولكن إطلاقه - بعد ذلك - مبني على التسامح لا محالة

مناقشة الآيات المدعى نسخها :

وعلى كل فلا بد لنا من الكلام في الآيات التي ادعي النسخ فيها. ونذكر منها ما كان في معرفة وقوع النسخ فيه وعدم وقوعه غموض في الجملة. أما ما كان عدم النسخ فيه ظاهراً - بعد ما قدمناه - فلا نتعرض له في المقام «وسنتعرض لذلك عند تفسيرنا الآيات إن شاء اللّه تعالى».

وليكن كلامنا في الآيات على حسب ترتيبها في القرآن الكريم :

1 - وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ - عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَأَصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللّه بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «2 : 109».)فعن ابن عباس وقتادة والسدي، أنها منسوخة بآية السيف واختاره أبو جعفر النحاس (1وآية السيف هو قوله تعالى :)(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّه


1) راجع «الناسخ والمنسوخ» ص 26، طبع المكتبة العلامية بمصر.

وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ «9 : 29». والالتزام بالنسخ - هنا - يتوقف على الالتزام بأمرين فاسدين :

الأول : أن يكون ارتفاع الحكم الموقت بانتهاء وقته نسخاً، وهذا واضح الفساد، فإن النسخ إنما يكون في الحكم الذي لم يصرّح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأبيد. فإن الحكم إذا كان موقتاً - وإن كان توقيته على سبيل الإجمال - كان الدليل الموضح لوقته، والمبين لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفاً، وليس هذا من النسخ في شيء. فإن النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الإطلاق في الدوام وعدم الإختصاص بزمان مخصوص.

وقد توهم الرازي أن من النسخ بيان الوقت في الحكم الموقت بدليل منفصل وهو قول بين الفساد، وأما الحكم الذي صرح فيه بالتأييد، فعدم وقوع النسخ فيه ظاهر.

الثاني : أن يكون أهل الكتاب أيضاً ممّن أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقتالهم، وذلك باطل، فإن الآيات القرآنية الآمرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر. وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين، لقوله تعالى :

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ «2: 190».

أو إلقائهم الفتنة بين المسلمين، لقوله تعالى بعد ذلك :

(والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) «2 : 191».

أو امتناعهم عن إعطاء الجزية للآية المتقدمة، وأما مع عدم وجود سبب آخر فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر، كما هو صريح الآية الكريمة.

وحاصل ذلك : أن الأمر في الآية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين، لأنهم يودون أن يردّوا المسلمين كفاراً - وهذا لازم عادي لكفرهم - لا ينافيه الأمر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه، على أن متوهم النسخ في الآية الكريمة قد حمل لفظ الأمر من قوله تعالى :

(حَتَّى يَأْتِيَ اللّه بِأَمْرِهِ﴾ «2 : 109».

على الطلب، فتوهم أن اللّه أمر بالعفو عن الكفار إلى أن يأمر المسلمين بقتالهم فحمله على النسخ.

وقد اتضح للقارىء أن هذا - على فرض صحته - لا يستلزم النسخ ولكن هذا التوهم ساقط، فإن المراد بالأمر هنا الأمر التكويني و قضاء اللّه تعالى في خلقه، ويدل على ذلك تعلق الإتيان به، وقوله تعالى بعد ذلك :

(إنَّ اللّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «2 : 109».

وحاصل معنى الآية الأمر بالعفو والصفح عن الكتابيين بودهم هذا، حتى يفعل اللّه ما يشاء في خلقه من عز الإسلام، وتقوية شوكته، ودخول كثير من الكفار في الإسلام، وإهلاك كثير من غيرهم، وعذابهم في الآخرة، وغير ذلك مما يأتي اللّه به من قضائه وقدره.


2 – (وَلِلهِ الْمُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللّه إِنَّ اللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ) «2: 115».

فقد نسب إلى جماعة منهم ابن عباس، وأبو العالية، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والسدى وزيد بن أسلم أن الآية منسوخة (1)واختلف في ناسخها فذكر ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى :

(وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ «2 : 150».

وذهب قتادة إلى أن الناسخ قوله تعالى :

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ «2 : 150». كذلك ذكر القرطبي (2)، وذكروا في وجه النسخ أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجميع المسلمين كانوا مخيرين في الصلاة إلى أية جهة شاؤوا وإن كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد اختار من الجهات جهة بيت المقدس، فنسخ ذلك بالأمر بالتوجه إلى خصوص بيت اللّه الحرام.

ولا يخفى ما في هذا القول من الوهن والسقوط، فإن قوله تعالى :

(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ممّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ «2 : 143».

صريح في أن توجهه إلى بيت المقدس كان بأمر من اللّه تعالى لمصلحة كانت تقتضي ذلك، ولم يكن الاختيار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك دخل أصلا.

والصحيح أن يقال في الآية الكريمة: إنها دالة على عدم اختصاص جهة خاصة بالله تعالى، فإنه لا يحيط به مكان، فأينما توجه الإنسان في صلاته ودعائه وجميع عباداته فقد توجه إلى اللّه تعالى. ومن هنا استدل بها أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على الرخصة


1) تفسير ابن كثير : 12 / 157، 158.

2) تفسير القرطى : 2 / 74.

للمسافر أن يتوجه فى نافلته إلى أية جهة شاء، وعلى صحة صلاة الفريضة فيما إذا وقعت بين المشرق والمغرب خطأ، وعلى صحة صلاة المتحير إذا لم يعلم أين وجه القبلة. وعلى صحة سجود التلاوة إلى غير القبلة، وقد تلاها سعيد بن جبير «رحمه اللّه» لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض (1)فهذه الآية مطلقة، وقد قيدت في الصلاة الفريضة بلزوم التوجه فيها إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة تارة أخرى، وفي النافلة أيضاً في غير حال المشي على قول. وأما ما في بعض الروايات من أنها نزلت في النافلة فليس المراد أنها مختصة بذلك «وقد تقدّم أن الآيات لا تختص بموارد نزولها».

وجملة القول : ان دعوى النسخ في الآية الكريمة يتوقف ثبوتها على أمرين :

الأول : أن تكون واردة في خصوص صلاة الفريضة، وهذا معلوم بطلانه، وقد وردت روايات من طريق أهل السنة في أنها نزلت في الدعاء وفي النافلة للمسافر وفي صلاة المتحير، وفي من صلى إلى غير القبلة خطأ (2)وقد مر عليك - آنفاً - استشهاد أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالآية المباركة في عدة موارد.

الثاني : أن يكون نزولها قبل نزول الآية الآمرة بالتوجه الى الكعبة وهذا أيضاً غير ثابت، وعلى ذلك فدعوى النسخ في الآية باطلة جزماً. وفي بعض الروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التصريح بأن الآية المباركة ليست منسوخة. نعم ق-د يراد من النسخ معنى عاماً شاملاً للتقييد، فإذا أريد به ذلك في المقام فلا مانع منه، ولا يبعد أن يكون هذا هو مراد ابن عباس من النسخ فيها، وقد أشرنا اليه فيما تقدم.



1) تفسير القرطبي : 2 / 75.

2) تفسير الطبري : 1 / 400 - 402.

3 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلى الحر بالحرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثى بِالْأُنثى) «2 : 178».

فقد ادعي انها منسوخة بقوله تعالى :

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْف بِالْأَنْفِ والأذن بالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّن) «5 : 45».

ومن أجل ذلك ذهب الجمهور من أهل السنة إلى أن الرجل يُقتل بالمرأة من غير أن يردّ إلى ورثته شيء من الدية (1)وخالف في ذلك الحسن وعطاء، فذهبا إلى أن الرجل لا يُقتل بالمرأة. وقال الليث : إذا قتل الرجل امرأته لا يُقتل بها خاصة (2)وذهبت الامامية إلى أن ولي دم المرأة مخير بين المطالبة بديتها، ومطالبة الرجل القاتل بالقصاص، بشرط أداء نصف دية الرجل.

والمشهور بين أهل السنة : أن الحر لا يُقتل بالعبد، وعليه إجماع الإمامية، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى، وداود، فقالوا : إن الحر يُقتل بعبد غيره (3)، وذهب شواذ منهم إلى أن الحر يُقتل بالعبد وإن كان عبد نفسه (4).

والحق : أن الآية الأولى محكمة ولم يرد عليها ناسخ، والوجه في ذلك : أن الآية الثانية مطلقة من حيث العبد، والحر، والذكر والأنثى فلا صراحة لها في حكم العبد، وحكم الأنثى. وعلى كل فإن لم تكن الآية في مقام البيان من حيث خصوصية


1) تفسير القرطبي : 2 / 229.

2) تفسير ابن كثير : 1 / 210.

3) نفس المصدر ص 209. وقال ابن كثير : قال البخاري وعلي بن المديني، وإبراهيم النخعي، والثوري في رواية عنه : ويقتل السيد بعبده.

4) أحكام القرآن للجصاص : 1 / 137.

القاتل والمقتول، بل كانت في مقام بيان المساواة في مقدار الاعتداء فقط، على ما هو مفاد قوله تعالى:

(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ «2 : 194».

كانت مهملة ولا ظهور لها في العموم لتكون ناسخة للآية الأولى، وإن كانت في مقام البيان من هذه الناحية - وكانت ظاهرة في الإطلاق وظاهرة في ثبوت الحكم في هذه الأمة أيضاً، ولم تكن للأخبار عن ثبوت ذلك في التوراة فقط - كانت الآية الأولى مقيدة لإطلاقها، وقرينة على بيان المراد منها، فإن المطلق لا يصلح لأن يكون ناسخاً للمقيد وإن كان متأخراً عنه، بل يكون المقيد قرينة على التصرف في ظهور المطلق على ما هو الحال في المقيد المتأخر، وعلى ذلك فلا موجب للقول بجواز قتل الحر بالعبد.

وأما الرواية التي رووها عن علي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قوله : «المسلمون تتكافاً دماؤهم» (1)فهي - على تقدير تسليمها - مخصصة بالآية، فإن دلالة الرواية على جواز قتل الحر بالعبد إنما هي بالعموم.

ومن البين أن حجية العام موقوفة على عدم ورود المخصص عليه المتقدم منه والمتأخر. وأما ما روي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بطريق الحسن، عن سمرة فهو ضعيف السند، وغير قابل للإعتماد عليه. قال أبوبكر بن العربي : «ولقد بلغت الجهالة بأقوام أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن، عن سمرة قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من قتل عبده قتلناه (2)، وهذا حديث ضعيف» (3).


1) سنن أبي داود كتاب الجهاد، رقم الحدیث: 2371 و سنن ابن ماجه: کتاب الديات، رقم الحديث: 2673. عن ابن عباس.

2) سنن أبي داود: کتاب الديات، رقم الحديث: 3914، و سنن الترمذي : كتاب الديات رقم الحديث: 1334 و سنن النسائى : كتاب القسامة، رقم الحديث: 4655.

3) أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي : 1/ 27.

أقول : هذا، مضافاً إلى أنها معارضة برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونفاه سنة، ومحاسهمه من المسلمين، ولم يقده به (1). وبما رواه ابن عباس عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و بما رواه جابر، عن عامر، عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يقتل حر بعبد» (2)، وبما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أبابكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد (3).

وقد عرفت أن روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مجمعة على أن الحر لا يقتل بالعبد وأهل البيت هم المرجع في الدين بعد جدهم الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعد هذا فلا يبقى مجال لدعوى نسخ الآية الكريمة من جهة قتل الحر بالعبد.

وأما بالإضافة إلى قتل الرجل بالمرأة فليست الآية منسوخة أيضاً، بناء على مذهب الإمامية والحسن وعطاء، نعم تكون الآية منسوخة على مسلك الجمهور، وتوضيح ذلك أن ظاهر قوله تعالى :

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) «2 : 178».

إن القصاص فرض واجب، ومن الواضح أنه إنما يكون فرضاً عند المطالبة بالقصاص من ولي الدم، وذلك أمر معلوم من الخارج، ويدل عليه من الآية قوله تعالى فيها:

(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «2 : 178».


1) سنن البيهقي : 36/8.

2) نفس المصدر : ص 34، 35.

3) نفس المصدر : ص 34.

وعلى ذلك فالمستفاد من الآية الكريمة أن القاتل يجب عليه أن يخضع لحكم القصاص إذا طالبه ولي الدم بذلك، ومن الواضح أن هذا الحكم إنما يكون في قتل الرجل رجلاً، أو قتل المرأة رجلاً أو امرأة، فإن الرجل إذ قتل امرأة لا يجب عليه الإنقياد للقصاص بمجرد المطالبة، وله الإمتناع حتى يأخذ نصف ديته، ولا يأخذه الحاكم بالقصاص قبل ذلك.

وبتعبير آخر : تدل الآية المباركة على أن بدل الأنثى هى الأنثى، فلا يكون الرجل بدلاً عنها، وعليه فلا نسخ في مدلول الآية، نعم ثبت من دليل خارجي أن الرجل القاتل يجب عليه أن ينقاد للقصاص حين يدفع ولي المرأة المقتولة نصف ديته، فيكون الرجل بدلاً عن مجموع الأنثى ونصف الدية، وهو حكم آخر لا يمس بالحكم الأول المستفاد من الآية الكريمة، وأين هذا من النسخ الذي يدعيه القائلون به.

وجملة القول : أن ثبوت النسخ في الآية يتوقف على إثبات وجوب الإنقياد على القاتل بمجرد مطالبة ولي المرأة بالقصاص، كما عليه الجمهور. وأنى لهم إثباته ؟ فإنهم قد يتمسكون لإثباته بإطلاق الآية الثانية على ما صرحوا به في كلماتهم وبعموم قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» وقد عرفت ما فيه.

وقد يتمسكون لإثبات ذلك بما رووه عن قتادة عن سعيد بن المسيب : أن عمر قتل نفراً من أهل صنعاء بامرأة وقادهم بها.

وعن ليث، عن الحكم، عن علي وعبداللّه قالا : «إذا قتل الرجل المرأة متعمداً فهو بها قود».

وعن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن

رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «إن الرجل يقتل بالمرأة» (1).

وهو باطل من وجوه:

1 - إن هذه الروايات - لو فرضت صحتها - مخالفة للكتاب، وما كان كذلك لا يكون حجة. وقد عرفت - فيما تقدم - قيام الإجماع على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.

2 - إنها معارضة بالروايات المروية عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبما رواه عطاء والشعبي، والحسن البصرى، عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال في قتل الرجل امرأة : «إن أولياء المرأة إن شاؤوا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤوا أخذوا نصف دية الرجل» (2).

3- إن الرواية الاولى منها من المراسيل، فإن ابن المسيب وُلد بعد مضي سنتين من خلافة عمر (3)فتبعد روايته عن عمر بلا واسطة، وإذا سلمنا صحتها تشتمل على نقل فعل عمر، ولا حجية لفعله في نفسه، وأن الرواية الثانية ضعيفة مرسلة، وأما الرواية الثالثة فهي على فرض صحتها مطلقة، وقابلة لأن تقيد بأداء نصف الدية.

ونتيجة ما تقدم :

أن الآية الكريمة لم يثبت نسخها بشيء، وأن دعوى النسخ إنما هي بملاحظة فتوى جماعة من الفقهاء، وكيف يمكن أن ترفع اليد عن قول اللّه تعالى بملاحظة قول زيد أو عمرو ؟ ومما يبعث على العجب أن جماعة يفتون بخلاف القرآن مع إجماعهم


1)

2) أحكام القرآن للجصاص : 1 / 139.

3) نفس المصدر : 1 / 120. تهذيب التهذيب : 4 / 86.

على أن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. وقد اتضح مما بيناه أن قوله تعالى :

(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ «17 : 33».

وقوله تعالى:

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) «2 : 179».

لا يصلحان أن يكونا ناسخين للآية المتقدمة التي فرقت بين الرجل والأنثى، وبين الحر والعبد. - وسيأتي استيفاء البحث في هذا الموضوع عند تفسيرنا الآية الكريمة إن شاء اللّه تعالى -.

4 - (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ) «2 : 180».

فقد ادَّعى جمع أنها منسوخة بآية المواريث، وادَّعى آخرون أنها منسوخة بما عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قوله : «لا وصية لوارث» (1).

والحق : أن الآية ليست منسوخة. أما القول بنسخها بآية المواريث، فيردّه أن الآيات قد دلّت على أن الميراث مترتب على عدم الوصية، وعدم الدين. ومع ذلك فكيف يعقل كونها ناسخة لحكم الوصية ؟ وقد قيل في وجه النسخ للآية : إن الميراث في أول الإسلام لم يكن ثابتاً على الكيفية التي جعلت في الشريعة بعد ذلك، وإنما كان الإرث يدفع جميعه للولد، وما يعطى الوالدان من المال فهو بطريق الوصية فنسخ ذلك بآية المواريث.


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 20.

وهذا القول مدفوع :

أولاً : بأن هذا غير ثابت، وإن كان مروياً في صحيح البخاري، لأن النسخ لا يثبت بخبر الواحد إجماعاً.

ثانياً : إنه موقوف على تأخر آية المواريث عن هذه الآية، وأنّى للقائل بالنسخ إثبات ذلك ؟ أما دعوى القطع بذلك من بعض الحنفية فعهدتها على مدعيها.

ثالثاً: إن هذا لا يتم في الأقربين، فإنه لا إرث لهم مع الولد، فكيف يعقل أن تكون آية المواريث ناسخة لحكم الوصية للأقربين ؟ وعلى كل فإن آية المواريث من حيث ترتبها على عدم الوصية تكون مؤكدة لتشريع الوصية ونفوذها، فلا معنى لكونها ناسخة لها.

وأما دعوى نسخ الآية بالرواية المتقدمة فهي أيضاً باطلة من وجوه»

1 - ان الرواية لم تثبت صحتها، والبخاري ومسلم لم يرضياها. وقد تكلم في تفسير المنار على سندهما (1).

2 - إنها معارضة بالروايات المستفيضة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الدالة على جواز الوصية للوارث، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سألته عن الوصية للوارث فقال : تجوز. قال : ثم تلا هذه الآية:

(إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ «2 : 180».

وبمضمونها روايات اخرى(2).

3 - إن الرواية لو صحت، وسلمت عن المعارضة بشيء فهي لا تصلح لنسخ


1) تفسير المنار: 2 / 138.

2) الكافي: 7 / 10، باب الوصية للوارث، رقم الحديث: 5.

الآية، لأنها لا تنافيها في المدلول. غاية الأمر أنها تكون مقيدة لإطلاق الآية فتختص الوصية بالوالدين إذا لم يستحقا الإرث لمانع، وبمن لا يرث من الأقربين وإذا فرض وجود المنافاة بينها وبين الآية فقد تقدم إن خبر الواحد لا يصلح أن يكون ناسخاً للقرآن بإجماع المسلمين، فالآية محكمة وليست منسوخة.

ثم ان الكتابة عبارة عن القضاء بشيء، ومنه قوله تعالى :

(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ «6 : 12».

والعقل يحكم بوجوب امتثال حكم المولى وقضائه مالم تثبت فيه رخصة من قبل المولى. ومعنى هذا إن الوصية للوالدين والأقربين واجبه بمقتضى الآية، ولكن السيرة المقطوع بثبوتها بين المسلمين، والروايات المأثورة عن الأئمة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والإجماع المتحقق من الفقهاء في كل عصر قد أثبت لنا الرخصة فيكون الثابت من الآية بعد هذه الرخصة هو استحباب الوصية المذكورة، بل بل تأكد استحبابها على الإنسان، ويكون المراد من الكتابة فيها هو : القضاء بمعنى التشريع لا بمعنى الإلزام.


5 – (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ «2 : 183».

فقد ادعي أنها منسوخة بقوله تعالى :

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ «2 : 187».

وذكروا في وجه النسخ : أن الصوم الواجب على الأمة في بداية الأمر كان مماثلاً

للصوم الواجب على الأمة السالفة، وأن من أحكامه أن الرجل إذا نام قبل أن يتعشى في شهر رمضان لم يجز له أن يأكل بعد نومه في ليلته تلك، وإذا نام أحدهم بعد المساء حرم عليه الطعام والشراب و النساء، فنسخ ذلك بقوله تعالى:

(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ «2 : 187».

وبقوله تعالى :

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَائِكُم﴾ «2 : 187».

وقد اتفق علماء أهل السنّة على أن آية التحليل ناسخة (1)ثم اختلفوا فقال بعضهم: هي ناسخة للآية السابقة، فإنهم استفادوا منها أن الصوم الواجب في هذه الشريعة مماثل للصوم الواجب على الأمم السالفة، وقال بذلك أبو العالية، وعطاء، ونسبه أبو جعفر النحاس إلى السدي أيضاً (2)وقال بعضهم : إن آية التحليل ناسخة لفعلهم الذي كانوا يفعلونه.

ولا يخفى أن النسخ للآية الأولى موقوف على إثبات تقدمها على الآية الثانية في النزول، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثباته، وعلى أن يكون المراد من التشبيه في الآية تشبيه صيام هذه الأمة، بصيام الأمم السالفة و هو خلاف المفهوم العرفي، بل و خلاف صريح الآية، فإن المراد بها تشبيه الكتابة بالكتابة فلا دلالة فيها على أن الصومين متماثلان لتصح دعوى النسخ، وإذا ثبت ذلك من الخارج كان نسخاً لحكم ثابت بغير القرآن، وهو خارج عن دائرة البحث.


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 24.

2) نفس المصدر : ص 21.

6 - وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ «2: 184».)فادعي أنها منسوخة بقوله تعالى :(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «2 : 185».

ودعوى النسخ في هذه الآية الكريمة واضحة الثبوت لو كان المراد من الطوق (الطاقة) السعة والقدرة، فإن مفاد الآية على هذا : أن من يستطع الصوم فله أن لا يصوم ويعطي الفدية : طعام مسكين بدلا عنه، فتكون منسوخة.

ولكن من البين أن المراد من الطاقة : القدرة مع المشقة العظيمة. وحاصل المراد من الآية : أن اللّه تعالى بعد أن أوجب الصوم وجوباً تعيينياً في الآية السابقة وأسقطه عن المسافر والمريض، و المسافر والمريض، وأوجب عليهما عدة من أيام أخر بدلاً عنه، أراد أن يبين حكماً آخر لصنف آخر من الناس وهم الذين يجدون في الصوم مشقة عظيمة وجهداً بالغاً، كالشيخ الهم، وذي العطاش، والمريض الذي استمر مرضه إلى شهر رمضان الآخر، فأسقط عنهم وجوب الصوم أداء وقضاء، وأوجب عليهم الفدية، فالآية المباركة حيث دلت على تعيين وجوب الصوم على المؤمنين في الأيام المعدودات، وعلى تعين وجوبه قضاء في أيام أُخر على المريض والمسافر، كانت ظاهرة في أن وجوب الفدية تعييناً انما هو على غير هذين الصنفين اللذين تعين عليهما الصوم، ومع هذا فكيف يدعى أن المستفاد أن المستفاد من الآية هو الوجوب التخييري بين الصوم والفدية لمن تمكن من الصوم، وإن أخبار أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) مستفيضة بما ذكرناه في تفسير الآية (1).


1) راجع التهذيب : 4 / 236، باب العاجز عن الصيام.

ولفظ الطاقة وإن استعمل في معنى القدرة والسعة إلا أن معناه اللغوي هو القدرة مع المشقة العظيمة، وإعمال غاية الجهد. ففي لسان العرب : «الطوق الطاقة أي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكنه أن يفعله بمشقة منه». ونقل عن ابن الأثير والراغب أيضاً التصريح بذلك.

ولو سلمنا أن معنى الطاقة هي السعة كان لفظ الإطاقة بمعنى إيجاد السعة في الشيء، فلا بد من أن يكون الشيء في نفسه مضيقاً لتكون سعته ناشئة م-ن ق-بل الفاعل، ولا يكون هذا إلا مع إعمال غاية الجهد.

قال في تفسير المنار نقلاً عن شيخه : «فلا تقول العرب : أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة شديدة» (1).

فالآية الكريمة محكمة لا نسخ لها، ومدلولها حكم مغاير لحكم من وجب عليه الصوم أداءً وقضاءً. وجميع ما قدمناه مبنى على القراءة المعروفة. أما على قراءة ابن عباس، وعائشة، وعكرمة، وابن المسيب حيث قرؤوا يطوقونه بصيغة المبنى للمجهول من باب التفعيل (2)فالأمر أوضح. نعم بناءً على قول ربيعة ومالك، بأن المشايخ والعجائز لا شيء عليهم إذا أفطروا (3)تكون الآية منسوخة، ولكن الشأن في صحة هذا القول، والآية الكريمة حجة على قائله.


7 - وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ «2 : 191».)


1) راجع تفسير المنار: 2 / 156.

2) أحكام القرآن للجصاص : ص 177.

3) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 23.

قال أبو جعفر النحاس : وأكثر أهل النظر على هذا القول أن الآية منسوخة، وأن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره. ونسب القول بالنسخ إلى قتادة أيضاً (1.)والحق : أن الآية محكمة ليست منسوخة. فإن ناسخ الآية إن كان هو قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «9 : 5».)فهذا القول ظاهر البطلان، لأن الآية الأولى خاصة، والخاص يكون قرينة على بيان المراد من العام، وإن علم تقدمه عليه في الورود، فكيف إذا لم يعلم ذلك ؟ وعلى هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم، إلا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه، فيجوز قتالهم فيه حينئذ.وإن استندوا في نسخ الآية الى الرواية القائلة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل ابن خطل - وقد كان متعلقاً بأستار الكعبة - فهو باطل أيضاً.)أولاً : لأنه خبر واحد لا يثبت به النسخ.ثانياً : لأنه لا دلالة له على النسخ، فإنهم رووا في الصحيح عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قوله : إنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أُحلّت لي ساعة من نهارها»(2)، وصريح هذه الرواية أن ذلك من خصائص النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا وجه للقول بنسخ الآية إلا المتابعة لفتاوى جماعة من الفقهاء، والآية حجة عليهم.)8 – (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ «2 : 217».)


1) نفس المصدر : ص 28.

2) فتح القدير للشوكاني : 1 / 168.

قال أبو جعفر النحاس : أجمع العلماء على أن هذه الآية منسوخة، وأن قتال المشركين في الشهر الحرام مباح، غير عطاء فإنه قال : الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم (1.)وأما الشيعة الإمامية فلا خلاف بينهم نصاً وفتوى على أن التحريم باق، صرح بذلك في التبيان (2وجواهر الكلام (3)، وهذا هو الحق، لأن المستند للنسخ إن كان هو قوله تعالى :)(فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «9 : 5». كما ذكره النحاس فهو غريب جداً، فإن الآية علقت الحكم بقتل المشركين على انسلاخ الأشهر الحرم، فقد قال تعالى :

(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُوهِمْ﴾ «9 : 5».

فكيف يمكن أن تكون ناسخة لحرمة القتال في الشهر الحرام ؟

وإن استندوا فيه إلى إطلاق آية السيف وهي قوله تعالى:

(قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) «9 : 36».

فمن الظاهر أن المطلق لا يكون ناسخاً للمقيد، وإن كان متأخراً عنه.

وإن استندوا فيه إلى ما رووه عن ابن عباس وقتادة أن الآية منسوخة بآية السيف.


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 32.

2) التبيان 2 / 207، «سورة البقرة : 217».

3) جواهر الكلام 21 / 32، كتاب الجهاد.

فيرده :

أولاً : ان النسخ لا يثبت بخبر الواحد

وثانياً : انها ليست رواية عن معصوم، ولعلها اجتهاد من ابن عباس وقتادة.

وثالثاً : انها معارضة بما رواه ابراهيم بن شريك، قال : حدثنا أحمد - يعني ابن عبداللّه بن يونس - قال : حدثنا الليث، عن أبي الأزهر، عن جابر، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يُغزى أو يُغزو (1)» فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ (2)، ومعارضة بما رواه أصحابنا الإمامية عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من حرمة القتال في الأشهر الحرم.

وإن استندوا في النسخ إلى ما نقلوه من مقاتلة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هوازن في حنين، وثقيفاً في الطائف شهر شوال، وذي القعدة، وذي الحجة من الأشهر الحرم.

فيرده :

أولاً : إن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.

وثانياً: إن فعل النبي إذا صحت الرواية - مجمل يحتمل وقوعه على وجوه، ولعله كان لضرورة اقتضت وقوعه، فكيف يمكن أن يكون ناسخاً للآية.


9 – (وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) «2 : 221».

فادعي أنها منسوخة بقوله تعالى :


1) مسند أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم الحديث: 14056.

2) الكافي : 1 / 357، رقم الحديث: 16، و التهذيب: 6 / 142، باب 23، رقم الحديث: 3.

(وَالمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «5: 5».

ذهب إليه ابن عباس، ومالك بن أنس، وسفيان بن سعيد، وعبدالرحمن ب-ن عمر، والأوزاعي، وذهب عبداللّه بن عمر إلى أن الآية الثانية منسوخة بالاية الاولى، فحرم نكاح الكتابية (1).

والحق : أنه لا نسخ في شيء من الآيتين فإن المشركة التي حرمت الآية الأولى نكاحها، إن كان المراد منها التي تعبد الأصنام والأوثان كما هو الظاهر - فإن حرمة نكاحها لا تنافي إباحة نكاح الكتابية التي دلت عليها الآية الثانية، لتكون إحداهما ناسخة والثانية منسوخة، وإن كان المراد من المشركة ما هو أعم من الكتابية - كما توهمه القائلون بالنسخ - كانت الآية الثانية مخصصة للآية الأولى ويكون حاصل معنی الآيتين جواز نكاح الكتابية دون المشركة.

نعم المعروف بين علماء الشيعة الإمامية أن نكاح الكتابية لا يجوز إلا بالمتعة، إما لتقييد إطلاق آية الإباحة بالروايات الدالة على تحريم النكاح الدائم، وإما لدعوى ظهور الآية الكريمة في المتعة دون العقد الدائم، ونقل الحسن والصدوقين جواز الدائم أيضاً «وسنتعرض للكلام كلّ في محله إن شاء اللّه تعالى».


10 - لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ «2 : 256».)فقد قال جماعة : إنها منسوخة بقوله تعالى» :


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 58.

(يَا أَيُّهَا الَّنِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ «9 : 73». وذهب بعضهم إلى أنها مخصوصة بأهل الكتاب، فإنهم لا يقاتلون لكفرهم، وقد عرفت ذلك فيما تقدم.

والحق : أن الآية محكمة وليست منسوخة، ولا مخصوصة، وتوضيح ذلك : أن الكره في اللغة يستعمل في معنيين، أحدهما : ما يقابل الرضا، ومنه قوله تعالى :

(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) «2 : 216».

وثانيهما : ما يقابل الإختيار، ومنه قوله تعالى :

(حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) «46 : 15».

فان الحمل والوضع يكونان في الغالب عن رضىً، ولكنه-ا خ-ارج-ان ع-ن الإختيار، والقول بالنسخ أو بالتخصيص يتوقف على أن الإكراه في الآية قد استعمل بالمعنى الأول، وهو باطل لوجوه :

1 - إنه لا دليل على ذلك : ولا بد في حمل اللفظ المشترك على أحد معنييه من وجود قرينة تدل عليه.

2 - إن الدين أعم من الأصول والفروع، وذكر الكفر والإيمان بعد ذلك ليس فيه دلالة على الإختصاص بالأصول فقط، وإنما ذلك من قبيل تطبيق الكبرى على صغراها، ومما لا ريب فيه أن الإكراه بحق كان ثابتاً في الشرع الإسلامي من أول الأمر على طبق السيرة العقلائية، وأمثلته كثيرة، فمنها إكراه المديون على أداء دينه : وإكراه الزوجة على إطاعة زوجها، وإكراه السارق على ترك السرقة، إلى أمثال ذلك، فكيف يصح أن يقال : إن الإكراه في الشريعة الإسلامية لم يكن في زمان.

3 - إن تفسير الإكراه في الآية بالمعنى الأول «ما يقابل الرضا» لا يناسبه قوله تعالى (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ) «2 : 256».

الا بأن يكون المراد بيان علة الحكم، وان عدم الإكراه إنما هو لعدم الحاجة إليه من جهة وضوح الرشد وتبيّنه من الغي، وإذا كان هذا هو المراد فلا يمكن نسخه فإن دين الإسلام كان واضح الحجة، ساطع البرهان من أول الأمر، إلا أن ظهوره كان يشتد شيئاً فشيئاً، ومعنى هذا أن الإكراه في أواخر دعوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحرى بأن لا يقع لأن برهان الإسلام في ذلك العهد كان أسطع، وحجته أوضح، ولما كانت هذه العلة مشتركة بين طوائف الكفار، فلا يمكن تخصيص الحكم ببعض الطوائف دون بعض، ولازم ذلك حرمة مقاتلة الكفار جميعهم، وهذه نتيجة باطلة بالضرورة.

فالحق : أن المراد بالإكراه في الآية ما يقابل الإختيار، وأن الجملة خبرية لا إنشائية، والمراد من الآية الكريمة هو بيان ما تكرر ذكره في الآيات القرآنية كثيراً، من أن الشريعة الإلهية غير مبتنية على الجبر، لا في أصولها ولا في فروعها، وإنما مقتضی الحكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، و إيضاح الأحكام ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، ولئلا يكون للناس على اللّه حجة، كما قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) «76: 3».

وحاصل معنى الآية أن اللّه تعالى لا يجبر أحداً من خلقه على إيمان ولا طاعة ولكنه يوضح الحق يبينه من الغي، وقد فعل ذلك، فمن آمن بالحق فقد آمن به عن اختیار، ومن اتبع الغي فقد اتبعه عن اختيار والله سبحانه وإن كان قادراً على أن يهدي البشر جميعاً - ولو شاء لفعل - لكن الحكمة اقتضت لهم أن يكونوا غير

مجبورين على أعمالهم، بعد إيضاح الحق لهم وتمييزه عن الباطل، فقد قال ع-ز م-ن قائل:

(وَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّة وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَبِّؤُكُمْ بما كُنْتُمْ فِيهِ تَختَلِفُونَ 5: 48 قُلْ فَلله الحجة البالغة. فَلُوْ شَاءَ هَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ 6 : 149. وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّه مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغ المبين 16 : 35).


11 - وَاللآتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِّسَائِكُمْ فَأَسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّه لَهُنَّ سَبِيلاً 4: 15. وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابًا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللّه كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً : 16.

فذهب بعضهم، ومنهم عكرمة وعبادة بن الصامت في رواية الحس-ن ع-ن الرقاشي عنه أن الآية الأولى منسوخة بالثانية والثانية منسوخة في البكر من الرجال والنساء إذا زنى بأن يجلد مائة جلدة، وينفى عاماً، وفي النيب منهما أن يجلد مائة، ويرجم حتى يموت، وذهب بعضهم كقتادة ومحمد بن جابر إلى أن الآية الأولى مخصوصة بالثيب والثانية بالبكر، وقد نسخت كلتاهما بحكم الجلد والرجم، وذهب ابن عباس ومجاهد ومن تبعهما، كأبي جعفر النحاس إلى أن الآية الاولى

مختصة بزناء النساء من ثيب أو بكر، والآية الثانية مختصة بزناء الرجال ثيباً كان أو بكراً، وقد نسخت كلتاهما بحكم الرجم والجلد (1).

وكيف كان فقد ذكر أبوبكر الجصاص أن الامة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين(2).

والحق : أنه لا نسخ في الآيتين جميعاً، وبيان ذلك : أن المراد من لفظ الفاحشة ما تزايد قبحه وتفاحش، وذلك قد يكون بين امرأتين فيكون مساحقة وقد يكون بين ذكرين فيكون لواطاً، وقد يكون بين ذكر وأنثى فيكون زنى، ولا ظهور للفظ الفاحشة في خصوص الزنا لا وضعاً ولا انصرافاً، ثم ان الإلتزام بالنسخ في الآية الأولى يتوقف.

أولاً : على أن الإمساك في البيوت حد لإرتكاب الفاحشة.

ثانياً: على أن يكون المراد من جعل السبيل هو ثبوت الرجم والجلد وكلا هذين الأمرين لا يمكن إثباته، فإن الظاهر من الآية المباركة أن إمساك المرأة في البيت إنما هو لتعجيزها عن ارتكاب الفاحشة مرة ثانية، وهذا من قبيل دفع المنكر، وقد ثبت وجوبه بلا إشكال في الأمور المهمة كالأعراض، والنفوس، والأمور الخطيرة، بل في مطلق المنكرات على قول بعض، كما أن الظاهر من جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلص به من العذاب، فكيف يكون منه الجلد والرجم، وهل ترضى المرأة العاقلة الممسكة في البيت مرفهة الحال أن ترجم أو تجلد، وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلاً لها وإذا كان ذلك سبيلاً لها فما هو السبيل عليها؟!


1) الناسخ والمنسوخ : ص 98.

2) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 107.

وعلى ما تقدم : فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة، كما أن المراد بها في الآية الثانية خصوص اللواط، «وسنبين ذلك إن شاء اللّه تعالى»، وقد يكون المراد منها ما هو أعم من المساحقة والزنا، وعلى كلا هذين الإحتمالين يكون الحكم وجوب إمساك المرأة التي ارتكبت الفاحشة في البيت حتى يفرج اللّه عنها، فيجيز لما الخروج إما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة مرة ثانية، وإما السقوط المرأة عن قابلية ارتكاب الفاحشة لكبر سنها ونحوه، وإما بميلها إلى الزواج وتزوجها برجل يتحفظ عليها، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة. وهذا الحكم باقي مستمر، وأما الجلد أو الرجم فهو حكم آخر شرّع لتأديب مرتكبي الفاحشة الفاحشة، وهو، وهو أجنبي عن الحكم الأول، فلا معنى لكونه ناسخاً له.

وبتعبير آخر : إن الحكم الأول شرّع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة أخرى والحكم الثاني شرّع للتأديب على الجريمة الأولى، وصوناً لباقي النساء عن ارتکاب مثلها فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الأول بالثاني. نعم إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ارتفع وجوب الإمساك في البيت لحصول غايته، وفيما سوى ذلك فالحكم باق ما لم يجعل اللّه لها سبيلاً.

وجملة القول : إن المتأمل في معنى الآية لا يجد فيها ما يوهم النسخ، سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها.

وأما القول بالنسخ في الآية الثانية فهو أيضاً يتوقف :

أولاً : على أن يراد من الضمير في قوله تعالى : «يأتيانها» الزنا.

ثانياً: على أن يراد بالإيذاء الشتم والسب والتعيير ونحو ذلك، وك-لا ه-ذين

الأمرين - مع أنه لا دليل عليه - مناف لظهور الآية.

وبيان ذلك : أن ضمير الجمع المخاطب قد ذكر في الآيتين ثلاث مرات، ولا ريب أن المراد بالثالث منها هو المراد بالأولين. ومن البين أن المراد بهما خصوص الرجال وعلى هذا فيكون المراد من الموصول رجلين من الرجال، ولا يراد منه ما يعمّ رجلاً وامرأة، على أن تثنية الضمير لو لم يرد منه الرجلان فليس لها وجه صحيح، وكان الأولى أن يعبر عنه بصيغة الجمع، كما كان التعبير في الآية السابقة كذلك. وفي هذا دلالة قوية على أن المراد من الفاحشة في الآية الثانية هو خصوص اللواط لا خصوص الزنا، ولا ما الزنا، ولا ما هو أعم منه ومن اللواط وإذا تم ذلك كان موضوع الآية أجنبياً عن موضوع آية الجلد.

وإذا سلمنا دخول الزاني في موضوع الحكم في الآية، فلا دليل على إرادة نوع خاص من الإيذاء الذي أمر به في الآية، عدا ما روي عن ابن عباس أنه التعيير وضرب النعال وهو ليس بحجة ليثبت به النسخ، فالظاهر حمل اللفظ على ظاهره، ثم تقييده بآية الجلد، أو بحكم الرجم الذي ثبت بالسنّة القطعية.

وجملة القول : أنه لا موجب للالتزام بالنسخ في الآيتين، غير التقليد المحض، أو الإعتماد على أخبار الآحاد التي لا تفيد علماً ولا عملاً.


13 - وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ «4 : 24».

فقد قيل إنها منسوخة بما دلَّ من السنة على تحريم غير من ذكر في الآية من النساء، وثبوت هذه الدعوى موقوف على أن يكون الخاص المتأخر ناسخاً للعام المتقدم لا مخصصاً.

والحق : ان الخاص يكون مخصصاً للعام تقدم عليه أو تأخر عنه، ولا يك--ون ناسخاً له، ولأجل ذلك يكتفى بخبر الواحد الجامع لشرائط الحجية في تخصيص العام - على ما سيجيء من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد - ولو كان الخاص المتأخر ناسخاً لم يصح ذلك، لأن النسخ لا يثبت بخبر الواحد، أضف إلى ذلك أن الآية ليس لها عموم لفظي، وإنما هو ثابت بالإطلاق، ومقدمات الحكمة، فإذا ورد من الأدلة ما يصلح لتقييدها حكم بأن الإطلاق فيها غير مراد في الواقع.


13 - فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً «2 : 24».

فقد اشتهر بين علماء أهل السنة أن حليّة المتعة قد نسخت، وثبت تحريمها إلى يوم القيامة، وقد أجمعت الشيعة الإمامية على بقاء حليّة المتعة وأن الآية المباركة لم تنسخ ووافقهم على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.

قال ابن حزم : «ثبت على إباحتها (المتعة) بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابن مسعود، ومعاوية، وأبو سعيد، وابن عباس، وسلمة،ومعبد ابنا آمية بن خلف، وجابر، وعمرو بن حريث، ورواه جابر عن جميع الصحابة - مدة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر (ثم قال) ومن التابعين طاووس، وسعيد بن جبير، وعطاء وسائر فقهاء مكة» (1).

ونسب شيخ الإسلام المرغيناني القول بجواز المتعة إلى مالك، مستدلاً عليه بقوله: «لأنه - نكاح المتعة كان مباحاً فيبق إلى أن يظهر ناسخه»(2).


1) هامش المنتقى للفق : 2 / 520.

2) الهداية في شرح البداية ص 385 طبعة بولاق مع فتح القدير، وهذه النسبة قد أقرها الشيخ محمد البابرتي في شرحه على الهداية، نعم ان ابن الهمام الحنفي أنكر ذلك في فتح القدير والله العالم. وقال عبدالباقي المالكي الزرقاني في شرحه على مختصر أبي الضياء : 3 / 190 : «حقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ مطلقاً أن يقع العقد مع ذكر الأجل من الرجل أو المرأة أو وليها بأن يعلمها بما قصده، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، ولكنه قصده الرجل، وفهمت المرأة ذلك منه فإنه يجوز، قاله مالك، وهي فائدة حسنة تنفع المتغرب». (المؤلف)

ونسب ابن كثير جوازها إلى أحمد بن حنبل عند الضرورة في رواية (1)وقد تزوج ابن جريح أحد الأعلام وفقيه مكة في زمنه سبعين امرأة بنكاح المتعة(2)وسنتعرض إن شاء اللّه تعالى للبحث في هذا الموضوع عند تفسيرنا الآية الكريمة، ولكنا نتعرض هنا تعرضاً إجمالياً لإثبات أن مدلول الآية المباركة لم يرد عليه ناسخ.

وبيان ذلك : أن نسخ الحكم المذكور فيها يتوقف.

أولاً : على أن المراد من الاستمتاع في الآية هو التمتع بالنساء بنكاح المتعة

ثانياً : على ثبوت تحريم نكاح المتعة بعد ذلك.

أما الأمر الأول : «إرادة التمتع بالنساء من الاستمتاع» فلا ريب في ثبوته وقد تظافرت في ذلك الروايات عن الطريقين، قال القرطبي : قال الجمهور المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، وقرأ ابن عباس، وأبي، وابن جبير «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» (3)، ومع ذلك فلا يلتفت إلى قول الحسن بأن المراد منها النكاح الدائم، وأن اللّه لم يحل المتعة في كتابه، ونسب هذا القول إلى مجاهد، وابن عباس أيضاً، والروايات المروية عنهما أن الآية نزلت في المتعة تكذب هذه النسبة.

وعلى كل حال فإن استفاضة الروايات في ثبوت هذا النكاح وتشريعه تغنينا عن تكلف إثباته، وعن إطالة الكلام فيه


1) تفسير ابن كثير عند تفسير الآية المباركة : 1 / 474.

2) راجع شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء : 76/8.

3) تفسير القرطبي : 5 / 130، وقال ابن كثير في تفسيره : وكان ابن عباس وابي بن كعب، وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة».

وأما الأمر الثاني : «تحريم نكاح المتعة بعد جوازه» فهو ممنوع، فإن ما يحتمل أن يعتمد عليه القائل بالنسخ هو أحد امور، وجميعها لا يصلح لأن يكون ناسخاً وهي:

1 - إن ناسخها هو قوله تعالى :

(يا أَيُّهَا النبيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَطَلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) «65 : 1».

ونسب ذلك إلى ابن عباس (1).

ولكن النسبة غير صحيحة، فإنك ستعرف ان ابن عباس بقى مصرّاً على إباحة المتعة طيلة حياته.

والجواب عن ذلك ظاهر، لأن الإلتزام بالنسخ إن كان لأجل أن عدد ع-دة المتمتع بها أقل من عِدَّة المطلقة فلا دلالة في الآية، ولا في غيرها. على أن ع--دة النساء لا بد وأن تكون على نحو واحد، وإن كان لأجل أنه لا طلاق في نكاح المتعة، فليس للآية تعرض لبيان موارد الطلاق، وأنه في أي مورد يكون وفي أي مورد لا يكون. وقد نقل في تفسير المنار عن بعض المفسرين أن الشيعة يقولون بعدم العِدَّة في نكاح المتعة (2).

سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. وهذه كتب فقهاء الشيعة من قدمائهم ومتأخريهم، ليس فيها من نسب إليه هذا القول، وإن كان على سبيل الشذوذ، فضلاً عن كونه مجمعاً عليه بينهم، وللشيعة مع هؤلاء الذين يفترون عليهم الأقاويل، وينسبون إليهم الأباطيل يوم تجتمع فيه الخصوم، وهنالك يخسر المبطلون (3).


1) راجع الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 105.

2) المنار: 5 / 13 و 14.

3) سنتعرض لبعض هذه الافتراءات عند تفسيرنا قوله تعالى: «إياك نعبد وإياك نستعين» من هذا المجلد. (المؤلف)

2 - إن ناسخها قوله تعالى:

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَك أَزْوَاجُكُمْ «4 : 12». من حيث أن المتمتع بها لا ترث ولا تورث فلا تكون زوجة. ونسب ذلك إلى سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد اللّه، والقاسم بن أبي بكر (1).

الجواب:

إن ما دلّ على نفي التوارث في نكاح المتعة يكون مخصصاً لآية الإرث ولا دليل على أن الزوجية بمطلقها تستلزم التوارث. وقد ثبت أن الكافر لا يرث المسلم، وأن القاتل لا يرث المقتول، وغاية ما ينتجه ذلك أن التوارث مختص بالنكاح الدائم، وأين هذا من النسخ ؟!!

3 - إن ناسخها هو السنَّة، فقد رووا عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال لابن عباس :

«إنك رجل تائه. إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهي عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر». (2)

و روى الربيع بن سبرة، عن أبيه قال:

«رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائماً بين الركن والباب وهو يقول : يا أيها الناس إنى قد كُنتُ أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً».(3)


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 105 - 106.

2) صحیح مسلم كتاب النكاح، رقم الحديث: 2510. و سنن النسائي : كتاب النكاح، رقم الحدیث: 3312.

3) صحيح مسلم كتاب النكاح، رقم الحديث: 2502.

وروى سلمة، عن أبيه قال:

«رخص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثم نهى عنها». (1)

والجواب :

أولاً : إن النسخ لا يثبت بخبر الواحد، وقد تقدم مراراً.

ثانياً : إن هذه الروايات معارضة بروايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) المتواترة التي دلت على إباحة المتعة، وأن النبي لم ينه عنها أبداً.

ثالثاً : إن ثبوت الحرمة في زمان ما على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يكفي في الحكم بنسخ الآية، لجواز أن يكون هذا الزمان قبل نزول الإباحة، وقد استفاضت الروايات من طرق أهل السنة على حليّة المتعة في الأزمنة الأخيرة من حياة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى زمان من خلافة عمر، فإن كان هناك ما يخالفها فهو مكذوب ولا بد من طرحه.

ولأجل التبصرة نذكر فيمايلي جملة من هذه الروايات:

1 - روى أبو الزبير قال :

«سمعت جابر بن عبداللّه يقول كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر حتى نهى عنه نكاح المتعة - عمر في شأن عمرو بن حريث»(2).


1) صحيح مسلم كتاب النكاح، رقم الحديث 2499.

2) نفس المصدر: رقم الحديث : 2497.

2- و روى أبو نضرة قال :

«كنت عند جابر بن عبداللّه فأتاه آت، فقال : [ إن ] ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين - متعة الحج ومتعة النساء - فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم نهانا عنها عمر فلم نعد لهما» (1).

3 - و روى أبو نضرة عنه أيضاً قال :

«متعتان كانتا على عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فنهانا عنهما عمر فانتهينا» (2).

4 - و روى أبو نضرة عنه أيضاً :

«تمتعنا متعتين على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الحج والنساء فنهانا عنهما عمر فانتهينا» (3).

5 - و روى أبو نضرة عنه أيضاً قال :

«قلت إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإن ابن عباس يأمر بها، قال : - جابر - على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس، فقال : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذا الرسول، وإن القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنا أنهى عنها واعاقب عليها،


1) صحيح مسلم: كتاب الحج، رقم الحدیث: 2192. و كتاب النكاح، رقم الحديث: 2498.

2) مسند أحمد : 3 / 325، كتاب باقی مسند المكثرين رقم الحديث : 13955.

3) مسند أحمد : 3 / 356، باقي مسند المكثرين، رقم الحديث: 14305 و 14387.

إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة..» (1).

6 - و روى عطاء قال :

«قدم جابر بن عبداللّه معتمراً، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال : نعم استمتعنا ع-ل-ى ع-هد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر وعمر» (2). و أخرج ذلك أحمد في مسنده و زاد فيه: «حتى اذا كان فى آخر خلافة عمر» (3).

7 - وروى عمران بن حصين قال :

«نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تبارك وتعالى، وعملنا بها مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم تنزل آية تنسخها، ولم ينه عنها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى مات» (4). وذكرها الرازي عند تفسيره الآية المباركة بزيادة: «ثم قال رجل برأيه ما شاء» (5).

8 - و روی عبداللّه بن مسعود قال :

«كنا نغزو مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليس معنا نساء، قلنا ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد اللّه


1) سنن البيهقي : 7 / 206، باب نكاح المتعة، وقال : أخرجه مسلم من وجه آخر عن همام.

2) صحیح مسلم : 4 / 131، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة.

3) مسند احمد : 380/3.

4) نفس المصدر : كتاب الحج، رقم الحديث : 2158.

5) راجع صحيح مسلم: 480/4، کتاب الحج باب جواز التمتع رقم الحديث 2158. تجد هذه الزيادة فيه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللّه لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ «5 : 87» (1).

أقول : إن قراءة عبداللّه الآية صريحة في أن تحريم المتعة لم يكن من اللّه ولا من رسوله، وإنما هو أمر حدث بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

9 - وروى شعبة عن الحكم بن عيينة قال :

«سألته عن هذه الآية - آية المتعة - أمنسوخة هي ؟ قال لا. قال الحكم : قال علي لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي» (2)وروى القرطبي ذلك عن عطاء، عن ابن عباس (3).

أقول : لعل المراد بالشقي - في هذه الرواية - هو ما فسر به هذا اللفظ في رواية أبي هريرة، قال :

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا يدخل النار إلا شقي، قيل : ومن الشقي ؟ قال : الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك اللّه (معصية» (4).

10 - و روی عطاء قال :

«سمعت ابن عباس يقول : رحم اللّه عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من اللّه تعالى رحم اللّه بها أُمة محمد ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا» (5).


1) صحيح البخاري : كتاب النكاح، رقم الحديث: 4686. و صحیح مسلم: كتاب النكاح رقم الحديث :2493.

2) تفسير الطبرى عند تفسير الآية المباركة : 5 / 9.

3) تفسير القرطي : 5 / 130.

4) مسند احمد: 349/2، باقی مسند المكثرين، رقم الحدیث: 8239.

5) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 147. الشفا : القليل.

ثم إن الروايات التي استند اليها القائل بالنسخ على طوائف.

منها : ما ينتهي سنده إلى الربيع بن سبرة، عن أبيه، وهي كثيرة، وقد صرح في بعضها بأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مقام بين الركن والمقام، أو بين الباب والمقام، وأع--ل-ن تحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة. (1)

ومنها : ما روي عن علي الا أنه روى تحريمها عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

ومنها : ما روي عن سلمة بن الأكوع.

أما ما ينتهي سنده إلى سبرة، فهو وإن كثرت طرقه إلا أنه خبر رجل واحد «سبرة» وخبر الواحد لا يثبت به النسخ. على أن مضمون بعض هذه الرواي--ات يشهد بكذبها، إذ كيف يعقل أن يقوم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خطيباً بين الركن والمقام، أو بين الباب والمقام، ويعلن تحريم شيء إلى يوم القيامة بجمع حاشد من المسلمين، ثم لا يسمعه غير سبرة، أو أنه لا ينقله أحد من ألوف المسلمين سواه، فأين كان المهاجرون والأنصار الذين كانوا يلتقطون كل شاردة وواردة من أقوال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأفعاله ؟ وأين كانت الرواة الذين كانوا يهتمون بحفظ اشارات يد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولحظات عينيه، ليشاركوا سبرة في رواية تحريم المتعة إلى يوم القيامة ؟ ثم أين كان عمر نفسه عن هذا الحديث ليستغني به عن إسناد التحريم إلى نفسه ؟!. أضف إلى ذلك أن روايات سبرة متعارضة، يكذب بعضها بعضاً، ففي بعضها أن التحريم كان في عام الفتح (2)وفي بعضها أنه كان في حجة الوداع (3)وعلى الجملة إن رواية سبرة هذه في تحريم المتعة لا يمكن الأخذ بها من جهات شتى.


1) صحیح مسلم : 4 / 133، كتاب النكاح، رقم الحديث: 2502، 2503 و 2509.

2) صحیح مسلم : 4 / 133، كتاب النكاح، رقم الحديث: 2502، 2503 و 2509.

3) سنن ابن ماجة كتاب النكاح، رقم الحديث: 1952.

وأما ما روي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تحريم المتعة فهو موضوع قطعاً، وذلك لاتفاق المسلمين على حليّتها عام الفتح، فكيف يمكن أن يستدل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ابن عباس بتحريمها في خيبر، ولأجل ذلك احتمل بعضهم أن تكون جملة (زمن خيبر) في الرواية المتقدمة راجعة إلى تحريم لحوم الحمر الأهلية، لا إلى تحريم المتعة، ونقل هذا الإحتمال عن ابن عيينة كما في المنتقى، وسنن البيهقي في باب المتعة. (1)

وهذا الإحتمال باطل من وجهين :

1 - مخالفته للقواعد العربية : لأن لفظ النهي في الرواية لم يذكر إلا مرة واحدة في صدر الكلام، فلا بد و أن يتعلق الظرف به، فالذي يقول: أكرمت زيداً وعمرواً يوم الجمعة، لا بد وأن يكون مراده أنه أكرمهما يوم الجمعة، أما إذا كان المراد أن إكرامه لعمرو بخصوصه كان يوم الجمعة فلا بد له من أن يقول : أكرمت زيداً، وأكرمت عمرواً يوم الجمعة.

2 - إن هذا الإحتمال مخالف لصريح رواية البخاري ومسلم، وأحمد عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «نهى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الانسية» (2)وروى البيهقي - في باب المتعة - عن عبداللّه بن عمر أيضاً رواية تحريم المتعة يوم خیبر (3).

وأما ما روي عن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال :

«رخص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها».


1) سنن البيهقي : 7 / 202.

2) المنتق: 2 /519. راجع صحيح البخاري : كتاب المخازي رقم الحديث: 3894 كتاب النكاح رقم الحديث: 4723. و صحیح مسلم کتاب النکاح، رقم الحديث: 2510. و مسند أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 558 و سنن ابن ماجة كتاب النكاح، رقم الحديث: 1951.

3) سنن البيهقي : 7 / 202.

فهو خبر واحد، لا يثبت به النسخ، على أن ذلك لو كان صحيحاً لم يكن خفياً عن ابن عباس وابن مسعود، وجابر، وعمرو بن حريث، ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين وكيف يصح ذلك ولم يحرّم أبوبكر المتعة أيام خلافته، ولم يحرمها عمر في شطر كبير من أيامه، وإنما حرمها في أواخر أمره.

وقد مرّ عليك كلام ابن حزم في ثبوت جماعة من الصحابة والتابعين على إباحة المتعة، ومما يدل على ما ذكره ابن حزم من فتوى جماعة من الصحابة بإباحة المتعة : مارواه ابن جرير في تهذيب الآثار، عن سليمان بن يسار، عن أم عبداللّه ابنة أبي خيثمة :

«إن رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال : إن العزبة قد اشتدت علي فابغيني امرأة أتمتع معها قالت : فدللته على امرأة فشارطها و أشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء اللّه أن يمكث، ثم إنه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب، فأرسل إلى فسألني أحق ما حدثت ؟ قلت : نعم : قال : فإذا قدم فآذنيني به، فلما قدم أخبرته فأرسل إليه، فقال : ما حملك على الذي فعلته ؟ قال فعلته مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه اللّه ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه اللّه، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً فقال عمر : أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح».

وما رواه ابن جرير أيضاً، وأبو يعلى في مسنده، وأبو داود في ناسخ-ه ع-ن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة، ثم ما زنى إلا شقي» (1).

وفي هاتين الروايتين وجوه من الدلالة على أن التحريم إنما كان من عمر:

الأول : شهادة الصحابي، وشهادة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أن تحريم المتعة لم يكن في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا بعده إلى أن حرمها عمر برأيه.

الثاني : شهادة العدول عن المتعة في الرواية الأولى، مع عدم نهيهم عنها تدل على أنهم كانوا يجوزونها.

الثالث : تقرير عمر دعوى الشامي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينه عنها.

الرابع : قول عمر للشامي : «لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك» فإنه صريح في أن عمر لم يتقدم بالنهي قبل هذه القصة، ومعنى ذلك : أن عمر قد اعترف بأن المتعة لم ينه عنها قبل ذلك.

الخامس : قول عمر : «بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح» فإنه يدل على أن المتعة كانت شايعة بين المسلمين، فأراد أن يبلغ نهيه عن المتعة إليهم لينتهوا عنها بعد ذلك، ولعل لهذه القصة دخلاً مباشراً أو غير مباشر في تحريم عمر للمتعة، فإن إنكاره على الشامي عمله هذا مع شهادة الحديث بأن التمتع كان أمراً شايعاً بين المسلمين ووصول الخبر اليه مع أن هذه الأشياء لا يصل خبرها إلى السلطان عادة، كل هذا يدلنا على أن فى الأمر سراً جهلته الرواة، أو أنهم أغفلوه فلم يصل إلينا خبره. ويضاف إلى ذلك أن رواية سلمة بن الأكوع ليس فيها ظهور في أن النهي كان من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فمن المحتمل ان لفظ «نهى» في الرواية بصيغة المبني للمفعول


1) کنز العمال : 8 / 294.

واريد منه نهي عمر بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وعلى الجملة : انه لم يثبت بدلیل مقبول نهي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن المتعة ومما يدل على أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينه عن المتعة : أن عمر نسب التحريم إلى نفسه حيث قال: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنا أنهى عنهما واعاقب عليهما (1)ولو كان التحريم من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكان عليه أن يقول : نهى النبي عنهما.

4 - ان ناسخ جواز المتعة الثابت بالكتاب والسنَّة هو الإجماع على تحريمها.

والجواب عن ذلك :

إن الإجماع لا حجية له إذا لم يكن كاشفاً عن قول المعصوم وقد عرفت أن تحريم المتعة لم يكن في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا بعده إلى مضي مدة من خلافة عمر، أفهل يجوز في حكم العقل أن يرفض كتاب اللّه وسنة نبيه بفتوى جماعة لم يعصموا من الخطأ؟ ولو صح ذلك لأمكن نسخ جميع الأحكام التي نطق بها الكتاب، أو أثبتتها السنَّة القطعية، ومعنى ذلك أن يلتزم بجواز نسخ وجوب الصلاة، أو الصيام، أو الحج بآراء المجتهدين، وهذا ممالا يرضى به مسلم.

أضف إلى ذلك : أن الإجماع لم يتم في مسألة تحريم المتعة، وكيف يدعي الإجماع على ذلك، مع مخالفة جمع من المسلمين من أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن بعده ولا سيما أن قول هؤلاء بجواز المتعة موافق لقول أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وإذن فلم يبق إلا تحريم عمر.


1) تقدم ذلك في الرواية الخامسة من روايات جابر، ورواه أبو صالح كاتب الليث في نسخته والطحاوي، ورواه ابن جرير في تهذيب الآثار، وابن عساكر إلا أن عمر قال في ما روياه واضرب فيهما»، راجع كنز العمال : 8 / 293، 294.

ومن البين أن كتاب اللّه وسنة نبيه أحق بالإتباع من غيرهما، ومن أجل ذلك أفتى عبداللّه بن عمر بالرخصة بالتمتع في الحج، فقال له ناس :

«كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك، فقال لهم : ويلكم ألا تتقون... أفرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحق أن تتبعوا سنتة أم سنة عمر؟» (1).

وخلاصة ما تقدم : أن جميع ما تمسك به القائلون بالنسخ لا يصلح أن يكون ناسخاً لحكم الآية المباركة، الذي ثبت - قطعاً - تشريعه في الإسلام.

الرجم على المتعة:

قد صح في عدة روايات - تقدم بعضها - أن عمر حكم بالرجم على المتعة.

فمنها ما رواه جابر، قال :

«تمتعنا مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلما قام عمر قال إن اللّه كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحجة والعمرة اللّه كما أمركم، وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برج--ل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة» (2).

ومنها : مارواه الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت:

«إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه فخرج


1) مسند أحمد : 2 / 95، مسند المكثرين من الصحابة، رقم الحديث: 5441.

2) صحيح مسلم : 4 / 36، كتاب الحج باب المتعة بالحج والعمرة، رقم الحديث 2135. و روی الطیالسی قريباً منها عن جابر في مسنده : 8 / 247.

عمر يجرُّ رداءه فزعاً، فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيه لرجمته» (1).

ومنها : ما رواه نافع عن عبداللّه بن عمر :

«إنه سئل عن متعة النساء، فقال : حرام، أما إن عمر بن الخطاب لو أخذ فيها أحداً لرجمه» (2).

ونهج ابن الزبير هذا المنهج، فإنه حينما أنكر نكاح المتعة، قال له ابن عباس :

«إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين - رسول اللّه - فقال له ابن الزبير : فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك» (3).

وهذا من الغريب، وكيف يستحق الرجم رجل من المسلمين خالف عمر في الفتيا واستند في قوله هذا إلى حكم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونص الكتاب، ولنفرض أن هذا الرجل كان مخطئاً فى اجتهاده، أفليست الحدود تدراً بالشبهات ؟! على أن ذلك فرض محض، وقد علمت أنه لا دليل يثبت دعوى النسخ.

وما أبعد هذا القول من مذهب أبي حنيفة، حيث يرى سقوط الحد إذا تزوج الرجل بامرأة نكاحاً فاسداً وبإحدى محارمه في النكاح، ودخل به-ا م-ع الع-لم بالحرمة وفساد العقد (4)وأنه إذا استأجر امرأة فزنى بها، سقط الحد لأن اللّه تعالى


1) سنن البيهقي : 7 / 206، باب نكاح المتعة. وموطأ مالك: كتاب النكاح، رقم الحديث : 995. و منه «ولو كنت تقدمت فيها لرجمت».

2) نفس المصدر.

3) صحیح مسلم : 4 / 133 كتاب النكاح، باب نكاح المتعة رقم الحديث: 2508.

4) الهداية، وفتح القدير : 147/4.

سمى المهر أجراً. وقد روي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب أيضاً (1).

مزاعم حول المتعة:

زعم صاحب المنار أن التمتع ينا في الإحصان، بل يكون قصده الأول المسافحة، لأنه ليس من الإحصان في شيء أن تؤجر المرأة نفسها كل طائفة من الزمن لرجل، فتكون كما قيل :

كرة حذفت بصوالج-ة ***فتلقفها رجل رجل

وزعم أنه ينافي قوله تعالى :

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 23 : 5. إِلَّا عَلى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ : 6. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِك فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ : 7).

ثم ذكر أن تحريم عمر لم يكن من قبل نفسه، فإن ثبت أنه نسبه إلى نفسه فمعناه أنه بين تحريمها، أو أنه أنفذه. ثم إنه استغفر بعد ذلك عما كتبه في المنار من أن عمر منع المتعة اجتهاداً منه ووافقه عليه الصحابة (2).

ودفعاً لهذه المزاعم نقول :

أما حكاية منافاة التمتع للإحصان فهو مبني على ما يزعمه هو من أن المتمتع بها ليست زوجة، وقد أوضحنا - فيما تقدم - فساد هذا القول ومنه يظهر أيضاً فساد توهمه أن جواز التمتع ينا في وجوب حفظ الفروج على غير الأزواج.

وأما تعبيره عن عقد المتعة بإجارة المرأة نفسها، وتشبيه المرأة بالكرة التي


1) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 146.

2) تفسير المنار : 5 / 13 – 16.

تتلقفها الأيدي، فهو - لو كان صحيحاً - لكان ذلك اعتراضاً على تشريع هذا النوع من النكاح على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأن هذا التشبيه والتقبيح لا يختص ب-زمان دون زمان، ولا يشك مسلم في أن التمتع كان حلالاً على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد عرفت - فيما تقدم - أن إباحته استمرت حتى إلى مدة من عهد عمر.

ومن الغريب : أن يصرح - هنا - انه لم يقصد غير بيان الحق، وانه لا يتعصب لمذهب، ثم يجرّه التعصب إلى أن يشنّع على ما ثبت في الشرع الإسلامي بنص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وإن وقع الإختلاف بينهم في نسخه واستمراره. أضف إلى ذلك أن انتقال المرأة من رجل إلى رجل لو كان قبيحاً لكان ذلك مانعاً عن طلاق المرأة في العقد الدائم، لتنتقل إلى عصمة رجل آخر، وعن انتقال المرأة بملك اليمين، ولم يستشكل في ذلك أحد من المسلمين، إلا أن صاحب المنار في مندوحة عن هذا الإشكال، لأنه يرى المنع من الاسترقاق، وأن في تجويزه مفاسد كثيرة، وزعم أن العلماء الأعلام أهملوا ذكر ذلك، وذهب إلى بطلان العقد الدائم، إذا قصد الزوج من أول الأمر الطلاق بعد ذلك، وخالف في ذلك فتاوى فقهاء المسلمين.

ومن الغريب أيضاً : ما وجه به نسبة عمر تحريم المتعة إلى نفسه، فإنه لا ينهض ذلك بمازعمه، فإن بيان عمر للتحريم إمّا أن يكون اجتهاداً منه على خلاف قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإما أن يكون اجتهاداً منه بتحريم النبي إياها، وإما أن يكون رواية منه للتحريم عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

أما احتمال أن يكون قوله رواية عن النبي فلا يساعد عليه نسبة التحريم، والنهي إلى نفسه في كثير من الروايات. على أنه إذا كان رواية، كانت معارضة بما تقدم من الروايات الدالة على بقاء إباحة المتعة إلى مدة غير يسيرة من خلافة عمر، وأين كان عمر أيام خلافة أبي بكر ؟ وهلاً أظهر روايته لأبي بكر ولسائر المسلمين ؟ على

أن رواية عمر خبر واحد لا يثبت به النسخ.

وأما احتمال أن يكون قول عمر هذا اجتهاداً منه بتحريم النبي نكاح المتعة فهو أيضاً لا معنى له بعد شهادة جماعة من الصحابة بإباحته في زمان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى وفاته. على أن اجتهاده هذا لا يجدي غيره ممّن لم يؤمر باتباع اجتهاده ورأيه، بل وهذان الإحتمالان مخالفان لتصريح عمر في خطبته : «متعتان كانتا على عهد رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما».

وإذن فقد انحصر الأمر في أن التحريم كان اجتهاداً منه على خلاف قول رسول اللّه بالإباحة، ولأجل ذلك لم تتبعه الأمة في تحريمه متعة الحج وفي ثبوت الحد في نكاح المتعة، فإن اللازم على المسلم أن يتبع قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأن يرفض كل اجتهاد يكون على خلافه :

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّه وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ «33: 36».

وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما أحللت إلا ما أحل اللّه، ولا حرَّمت إلا ما حرَّم اللّه» (1).

وقال : «فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه - فمه - إلا حق»(2).

ومع هذا كله : فقد قال القوشجي في الاعتذار عن تحريم عمر المتعة، خلافاً لرسول اللّه وأجيب: «بأن ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه، فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع» (3).


1) طبقات ابن سعد : 4 / 72 طبعة مصر، وبمضمونها رواية ما بعدها.

2) سنن أبي داود كتاب العلم، رقم الحديث: 3161. راجع التاج: 66/1.

3) شرح التجريد في مبحث الإمامة.

وقال الآمدي : اختلفوا في أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هل كان متعبداً بالإجتهاد فيما لا نص فيه؟ فقال أحمد بن حنبل، والقاضي أبو يوسف : «إنه كان متعبداً ب-ه» وج--وز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبدالجبار، وأبوالحسين البصري، ثم قال : «والمختار جواز ذلك عقلاً ووقوعه سمعاً» (1).

وقال فيه أيضاً : القائلون بجواز الاجتهاد للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده، فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك، وذهب أكثر أصحابنا، والحنابلة، وأصحاب الحديث، والجبائي، وجماعة من المعتزلة الى جوازه، لكن بشرط أن لا يقرّ عليه و هو المختار (2).

وحاصل ما تقدم : أن آية التمتع لا ناسخ لها، وأن تحريم عمر، وموافقة جمع من الصحابة له على رأيه طوعاً أو كرهاً إنما كان اجتهاداً في مقابل النص، وقد اعترف بذلك جماعة، وأنه لا دليل على تحريم المتعة غير نهي عمر، إلا أنهم رأوا أن اتباع سنة الخلفاء كاتباع سنة النبي (3).

وعلى أيّ فما أجود ما قاله عبداللّه بن عمر : «أرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحق أن تتبع سنته أم سنة عمر»، وما أحق ما قاله الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى : (الطلاقُ مَرَّتان﴾ (4).



1) الاحكام في اصول الأحكام : 4 / 222.

2) نفس المصدر : ص 290.

3) هامش المنتقى للفق : 2 / 519.

4) انظر التعليقة رقم (8) في قسم التعليقات رأي ابن عبده في الطلاق الثلاث.

14 - وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّه كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً «4 : 33».)قد اختلفت الآراء فى مدلول الآية المباركة :فمنهم من حمل ذيل الآية المباركة «والذين عقدت أيمانكم» على بيان حكم مستقل عن سابقه، فجعله جملة مستأنفة، وفسّر كلمة «نصيبهم» بالنصر، والنصح والرفادة، والعون، والعقل، والمشورة، وعلى ذلك : فالآية محكمة غير منسوخة وهذا القول منسوب إلى ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير (1، ومنهم من جعله معطوفاً على ما قبله، وفسر كلمة «نصيبهم» بما يستحقه الوارث من التركة.)ثم إن هؤلاء قد اختلفوا : فذهب بعضهم إلى أن المراد بعقد اليمين في الآية المباركة عقد المؤاخاة، وما يشبهه من العقود التي كانت يتوارث بسببها في الجاهلية، وقد أقر الإسلام ذلك إلى أن نزلت آية المواريث :(وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ «8: 75».)وعلى ذلك فالآية منسوخة (2.)وذهب بعضهم إلى أن المراد بعقد اليمين خصوص عقد ضمان الجريرة وعلى ذلك فإن قلنا بما ذهب اليه أكثر علماء أهل السنة من أنه لا إرث بعقد ضمان الجريرة كانت الآية منسوخة أيضاً بآية المواريث (3، وإن قلنا بما ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه من)ثبوت الإرث بهذا العقد كانت الآية محكمة غير منسوخة.


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 107.

2) نفس المصدر : ص 109.

3) تفسير ابن كثير : 1 / 490.

وقد استدلوا على ذلك بأن آية المواريث لم تنف إرث غير اولي الأرحام، وإنما قدمهم على غيرهم، فلا تنافي بين الآيتين، لتكون آية المواريث ناسخة لهذه الآية (1.)والحق : إن المراد بالآية ما هو ظاهرها الذي يفهم منها، وهو ثبوت الإرث بالمعاقدة، ومع ذلك فلا نسخ لمدلول الآية.وبيان ذلك : إن سياق الآية يقتضي أن يكون المراد بالنصيب المذكور فيها ه-و الإرث، وحمله على النصرة وما يشبهها خلاف ظاهرها، بل كاد يكون صريحهاثم إن ذكر الطوائف الثلاث في الآية لا يدل على اشتراكهم وتساويهم في الطبقة، فإن الولد يرث أبويه ولا يرث معه معه أحد أحد من أقرباء الميث من أُولى أرحامه فالذي يستفاد من الآية الكريمة أن الموروث هو هذه الطوائف الثلاث، وأما ترتيب الإرث و تقدم بعض الوارث على بعض فلا يستفاد من الآية، وقد استفيد ذلك من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة.وعلى هذا الذي ذكرناه تكون الآية الكريمة جامعة لجميع الورّاث على الإجمال، فالولد يرث ما تركه الوالدان، والأقربون من اولي الأرحام يرث بعضهم بعضاً ومن عقد معه يرث في الجملة تشريكاً أو ترتيباً.وتفصيل ذلك:إن الإرث من غير جهة الرحم لا بدله من تحقق عقد والتزام من العاقد بيمينه وقدرته، وهو تارة يكون من جهة الزواج، فكل من الزوجين يرث صاحبه بسبب عقد الزواج الذي تحقق بينهما، وتارة يكون من جهة عقد البيعة والتبعية ويسمى


1) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 185.

ذلك بولاء الإمامة، ولا خلاف في ثبوت ذلك لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقد ورد في عدة روايات من طرق أهل السنة أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «أنا وراث من لا وارث له» (1).)ولا إشكال أيضاً في ثبوته لأوصياء النبي الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ فقد ثبت بالأدلة القطعية أنهم بمنزلة نفس الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعلى ذلك اتفقت كلمات الإمامية وروايات أهل البيت وتارة يكون من جهة عقد العتق، فيرث المعتق عبده الذي أعتقه بولاء العتق، ولا خلاف في ذلك بين الإمامية، وقال به جمع من غيرهم، وتارة يكون من جهة عقد الضمان ويسمى ذلك «بولاء ضمان الجريرة» وقد اتفقت الإمامية على ثبوت الإرث بسبب هذا الولاء، وذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه.)وجملة القول : فدعوى نسخ الآية يتوقف على ثبوتها على أمرين :1 - أن يكون قوله تعالى :(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ «4 : 33». في الآية معطوفاً على ما قبله، ولا يكون جملة مستأنفة ليكون المراد من «نصيبهم» النصح والمشورة وما يشبهها.

2 - أن يراد بعقد اليمين فيها : خصوص ضمان الجريرة، مع الإلتزام بعدم ثبوت الإرث به، أو عقد المؤاخاة وما يشبهه من العقود التي اتفق المسلمون على عدم ثبوت الإرث بها.

أما «الأمر الأول» : فلاريب فيه، وهو الذي يقتضيه سياق الآية.

وأما «الأمر الثاني» : فهو ممنوع، لأن ضمان الجريرة أحد مصاديق عقد اليمين،


1) سنن أبي داود كتاب الفرائض، رقم الحديث: 2514، و سنن ابن ماجه: كتاب الديات، رقم الحديث: 2624، و مسند أحمد: مسند الشاميين، رقم الحديث: 16547، راجع المنتقى : 2 / 462.

ومع ذلك فلم ينسخ حكمه، ودعوى أن المراد بعقد اليمين العقود التي لا توجب التوريث، كالمؤاخاة ونحوها لا دليل على ثبوتها.

15 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ «4 : 43».)فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنها منسوخة (1ولكن وقع الكلام في ناسخها فعن قتادة ومجاهد أنها منسوخة بتحريم الخمر. وحكي هذا القول عن الحسن أيضاً (2)، وعن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى :)(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ «5 : 6».

وكلا هذين القولين ظاهر الفساد :

أما القول الأول : فلأن الآية الكريمة لا دلالة فيها على جواز شرب الخمر بوجه وإن فرض أن تحريم الخمر لم يكن في زمان نزول الآية، فالآية لا تعرّض لها لحكم الخمر رخصة أو تحريماً. على أن هذا مجرد فرض لا وقوع له، ففي رواية ابن عمر : نزلت في الخمر ثلاث آيات فأول شيء نزل :

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِها» «2 : 219».

فقيل : حرمت الخمر، فقيل يا رسول اللّه دعنا ننتفع بها كما قال اللّه عز وجل،


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 109.

2) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 201.

فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية (1).

(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى﴾ «43:4».

وروى نحو ذلك أبو هريرة (2). وروى أبو ميسرة، عن عمر بن الخطاب قال : «لما نزل تحريم الخمر، قال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة :

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْم كَبِيرٌ) «2 : 19».

قال : فدعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى﴾ «4 : 43».

فكان منادي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا أقام الصلاة نادى : لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ :

(فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ «5 : 91».

قال : فقال عمر : «انتهينا انتهينا»(3). وأخرج النسائي أيضاً هذا الحديث باختلاف يسير في ألفاظه (4).


1) مسند الطيالسي : 264/8.

2) مسند أحمد : 351/2، باقی مسند المكثرين رقم الحديث: 8266.

3) نفس المصدر : 1 / 53، مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث : 355، و سنن الترمذي : كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث : 2975.

4) سنن النسائي : 2 / 323، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، رقم الحديث: 5445.

وأما القول الثاني : فلأن وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة لا مساس له بمضمون الآية الكريمة ليكون ناسخاً لها.

ولعل القائل بالنسخ يتوهم فيقول : إن النهي عن القرب إلى الصلاة حالة السكر يقتضي أن يراد بالسكر ما لا يبلغ بالشخص إلى حد الغفلة عن التكاليف وامتثالها، وعدم الإلتفات إليها. فإن الذي يصل به السكر إلى هذا الحد يكون تكليفه قبيحاً، وعلى ذلك فإذا فرضنا أن شخصاً شرب الخمر، وحصل له هذا المقدار من السكر فهو مكلف بالصلاة بالإجماع، وذلك يستلزم نسخ مفاد الآية.

ولكن هذا القول توهم فاسد، فإن المراد بالسكر بقرينة قوله تعالى :

_حَتى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ «4 : 43».

هي المرتبة التي يفقد السكران معها الشعور، وهذا النهي قد يحمل على الحرمة التكليفية، ولا ينافيها فقد الشعور، لأن إقامة الصلاة في ذلك الحال، وإن كانت غير مقدورة إلا أن فقده لشعوره هذا كان باختياره، والممتنع بالإختيار لا ينافي صحة العقاب عليه عقلاً، فيصح تعلق النهي بها قبل أن يتناول المسكر باختياره، ومثل هذا كثير في الشريعة الإسلامية.

وقد يراد من النهي : الإرشاد إلى فساد الصلاة في هذا الحال كما هو الظاهر من مثل هذا التركيب، والأمر على هذا الإحتمال واضح جداً، وعلى كل فلا سبب يوجب الإلتزام بالنسخ في الآية.


16 – (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيْثَاق أَوْ جَاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّه لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ

فَإِن أَعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) «4: 90».

فقد ذكروا أن الآية منسوخة بالأمر بنبذ ميثاق المشركين، وبالأمر بقتالهم سواء أكانوا اعتزلوا المسلمين أم لم يعتزلوهم، فيكون في الآية موردان للنسخ

والجواب :

إن الآية الكريمة نزلت في شأن المنافقين الذين تولوا وكفروا بعد إسلامهم في الظاهر، والدليل على ذلك سياق الآية الكريمة، فقد قال اللّه تعالى :

(فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّه وَمَنْ يُضْلِلِ اللّه فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً 4 : 88. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءٌ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيراً : 89. إِلَّا الَّذينَ يَصِلُونَ : 90).

وعلى ذلك فالحكم في الآية وارد في المرتدين الذين كانوا كفاراً ثم أسلموا ثم كفروا بعد إسلامهم، والحكم فيهم بمقتضى الآية هو القتل إلا في موردين :

1 - وصولهم إلى قوم بينهم وبين المسلمين معاهدة واستجارتهم بهم فيجري عليهم حكم القوم الذين استجاروا بهم بمقتضى المعاهدة، ولكن هذا الحكم مشروط ببقاء المعاهدة، فإذا أُلغيت بينهم وبين المسلمين لم يبق للحكم موضوع وقد أوضحنا في أول هذا البحث أن ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه ليس من النسخ في شيء، وقد ألغيت المعاهدة بين المسلمين والمشركين في سورة التوبة وأمهلوا أربعة

أشهر ليتخيروا إما الاسلام، وإما الخروج عن بلاد المسلمين، وعلى ذلك فلم يبق موضوع للإستجارة التي ذكرتها الآية.

2 - مجيئهم إلى المسلمين، وقد حضرت صدورهم عن القتال مع اعتزالهم والقائهم السلم إلى المسلمين بعد الردّة، والمراد بإلقاء السلم إلقاء السلم إظهار الإسلام، والإقرار بالشهادتين، ويشهد لهذا قوله تعالى :

(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُم السّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا) «4 : 94».

فالآية دالة على قبول المرتد الملي إذا أظهر التوبة والإسلام، وانه لا يقتل بعد التوبة، وقد استقر على هذا مذهب الإمامية : ولم ترد في القرآن آية تدل على وجوب قتل المرتد على الإطلاق، لتكون ناسخة لذلك.

أما إذا أراد القائل بالنسخ : أن يتمسك في نسخ الآية بما دل على قتال المشرك والكافر، فمن الواضح أن ذلك مشروط ببقاء موضوعه، على ما هي القاعدة المتبعة في كل قضية حقيقية في الأحكام الشرعية وغيرها. نعم ورد الأمر بقتل المرتدّ على الإطلاق في بعض روايات أهل السنة، فقد روى البخاري، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود السجستاني وابن ماجة عن ابن عباس عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : «من بدل دينه فاقتلوه» (1). إلا أنه لا خلاف بين المسلمين في أن هذا الحكم مقيد بعدم التوبة، وإن وقع الخلاف بينهم في المدة التي يستتاب فيها، وفي


1) صحيح البخاري : كتاب الجهاد و السير، رقم الحديث : 2794 و 6411. و سنن الترمذي : كتاب الحدود، رقم الحديث : 1378، و سنن النسائى : كتاب تحريم الدم، رقم الحديث: 3991 و 3992، 3993 و 3994 و 3995 و 3996 و 3997 و سنن أبی داود کتاب الحدود، رقم الحدیث: 3787. و سنن ابن ماجه: كتاب الحدود، رقم الحديث 2526 و مسند أحمد: مسند بني هاشم، رقم الحديث: 1775 و 2420 و 2421 و 2813 و 21007 راجع المنتق : 745/2.

وجوب الاستتابة واستحبابها. فالمشهور بين الإمامية أنه واجب، وأنه لا يحدُّ بمدة مخصوصة، بل يستتاب مدة يمكن منه الرجوع فيها إلى الإسلام، وقيل يستتاب ثلاثة أيام، ونسب ذلك إلى بعض الإمامية، واختاره كثير من علماء أهل السنة، وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى استحاب الإمهال ثلاثة أيام. نعم ذهب علي بن أبي بكر المرغيناني إلى وجوب القتل من غير إمهال، ونسب ابن الهمام إلى الشافعي، وابن المنذر أنهما قالا في المرتد : «إن تاب في الحال والاقتل» (1).

وعلى كلِّ فلا إشكال في سقوط حكم القتل بالتوبة، كما صرح به في الروايات المأثورة عن الطريقين، وبعد ذلك فلا تكون الآية منسوخة.


17 - فَإِنْ جَاءُوكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوك شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّه يُحِبُّ المَقْسِطِينَ «42:5».)وقد اختلفت الأقوال في هذه الآية الكريمة، فقيل : إنها محكمة لم تنسخ وقد أجمعت الشيعة الاثني عشرية على ذلك، فالحاكم مخير -- حين يتحاكم اليه الكتابيون - بين أن يحكم بينهم بمقتضى شريعة الإسلام، وبين أن يعرض عنهم ويتركهم وما التزموا به في دينهم.وقد روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال :)«إن الحاكم إذا أتاه أهل التوراة، وأهل الإنجيل يتحاكمون اليه كان ذلك إليه، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء ترك» (2.)


1) فتح القدير : 4 / 386.

2) الوسائل : 27 / 296، باب 27، رقم الحديث : 33786.

وإلى هذا القول ذهب من علماء أهل السنة الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء ومالك (1وذهب جمع منهم إلى أن الآية المباركة منسوخة بقوله تعالى بعد ذلك :)(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ «5: 48». وروي عن مجاهد أنه ذهب إلى أن آية التخيير ناسخة للآية الثانية. والتحقيق : عدم النسخ في الآية، فإن الأمر بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل اللّه في قوله تعالى : (فاحكم بينهم بما أنزل اللّه ولا تتبع أهواءهم) مقيد بما إذا أراد الحاكم أن يحكم بينهم، والقرينة على التقييد هي الآية الاولى. ويدلُّ على ذلك أيضاً - مضافاً إلى شهادة سياق الآيات بذلك - قوله تعالى في ذيل الآية الاولى : «وإنْ حكمْتَ فاحكم بينهم بالقسط» فإنه يدل على أن وجوب الحكم بينهم بالقسط معلق على إرادة الحكم بينهم، وللحاكم أن يعرض عنهم فينتفي وجوب الحكم بانتفاء موضوعه. ومما يدل على عدم النسخ في الآية المزبورة الروايات التي دلّت على أن سورة المائدة نزلت على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جملة واحدة، وهو في أثناء مسيره.

فقد روى عيسى بن عبداللّه، عن أبيه، عن جده، عن على (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إن سورة المائدة كانت من آخر ما نزل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنها نزلت وهو على بغلته الشهباء، وثقل عليه الوحي حتى وقعت» (2).

وروت أسماء بنت يزيد قالت :

«إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللّه إذ أنزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق من عضد الناقة» (3).


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 130، وفي أحكام القرآن للجصاص : 2 / 434 نسبة هذا القول الى الحسن أيضاً.

2) تفسير البرهان : 1 / 263.

3) تفسير ابن كثير : 2 / 2.

وروت أيضاً بإسناد آخر، قالت :

«نزلت سورة المائدة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميعاً ان كادت لتكسر الناقة» (1).

وروى جبير بن نفير قال :

«حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟ فقلت : نعم، فقالت : أما انها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه» (2).

وروى أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس، قالا :

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلوا حلالها، وحرّموا حرامها» (3).

وغير ذلك من الروايات الدالة على أن سورة المائدة نزلت جملة واحدة، وهي آخر ما نزل من القرآن، ومع هذه الروايات المستفيضة كيف يمكن دعوى أن تكون احدى آياتها ناسخة لآية أخرى منها ! وهل ذلك إلا من النسخ قبل حضور وقت العمل ؟ ونتيجة ذلك أن يكون التشريع في الآية المنسوخة لغواً لا فائدة فيه، على أن بعض الروايات المتقدمة دلت على أن هذه السورة هى آخر ما نزل من القرآن، وإن


1) مسند أحمد : 2 / 458، مسند القبائل، رقم الحديث: 2631. وفي تفسير الشوكاني : 2 / 2 : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الايمان عن أسماء بنت يزيد نحوه.

2) مسند أحمد : باقي مسند الأنصار، رقم الحديث: 24371. وفي تفسير الشوكاني : 2 / 2 أخرجه أحمد والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه.

3) نفس المصدر.

بعض الروايات المتقدمة دلت على أن هذه السورة هي آخر ما نزل من القرآن، وإن شيئاً من آياتها لم ينسخ.


18.
• (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ «5 : 106».

وقد ذهبت الشيعة الإمامية إلى أن الآية محكمة، فتجوز شهادة أهل الكتاب على المسلمين في السفر إذا كانت الشهادة على الوصية، وإليه ذهب جمع من الصحابة والتابعين، منهم : عبداللّه بن قيس، وابن عباس، وشريح، وسعيد ب-ن، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وعبيدة، ومحمد بن سيرين، والشعبي، ويحيى بن يعمر، والسدي وقال به من الفقهاء : سفيان الثوري ومال إليه أبو عبيد لكثرة من قال به، وذهب زيد بن أسلم، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو حنيفة : إلى أن الآية منسوخة، وأنه لا تجوز شهادة كافر بحال (1).

والتحقيق بطلان القول بالنسخ في الآية المباركة، والدليل على ذلك وجوه :

1 - الروايات المستفيضة من الطريقين الدالة على نفوذ شهادة أهل الكتاب في الوصية، إذا تعذرت شهادة المسلم، فمن هذه الروايات

ما رواه الكليني، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«في قول اللّه تعالى : (أو آخران من غيركم) قال : إذا ك--ان الرجل في أرض غربة، لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية» (2).


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 133، 134.

2) الكافي : 7 / 4، باب الإشهاد على الوصية، رقم الحديث: 3 و 7 / 398، رقم الحديث: 6.

وما رواه الشعبي : «أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة ب- «دقوقا» هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري - يعني أبا موسى - فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأحلفهما بعد العصر ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيّرا، وانها لوصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما» (1).

2 - الروايات المتقدمة في أن سورة المائدة نزلت جملة واحدة، وانها كانت آخر ما نزل، وليس فيها منسوخ.

3 - إن النسخ لا يتم من غير أن يدل عليه دليل، والوجوه التي تمسك بها القائلون بالنسخ لا تصلح لذلك.

فمن هذه الوجوه : أن اللّه سبحانه اعتبر في الشاهد أن يكون عدلاً مرضياً، فقال تعالى :

(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ 2 : 282. وَأَشْهِدُوا ذَوِي عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ «65 : 2».

والكافر لا يكون عدلاً ولا مرضياً، فلا بد وأن يكون الحكم بجواز شهادته منسوخاً.

والجواب :

أولاً: إن الآية الأولى وردت في الشهادة على الدين، والآية الثانية وردت في الشهادة على الطَّلاق، فلا يكون لهما دلالة على اعتبار العدالة في شهود الوصية.


1) سنن أبي داود كتاب الأقضية، رقم الحديث: 3128، و في المنتق: 2 / 942، روى الدارقطني بمعناه.

ثانياً: إن هاتين الآيتين لو سلم أنهما مطلقتان كانت الآية المتقدمة مقيدة لهما، والمطلق لا يكون ناسخاً لدليل المقيد، ولا سيما إذا تأخر المقيد عنه في الزمان، كما في المقام.

ومن هذه الوجوه : أن الإجماع قد انعقد على عدم قبول شهادة الفاسق، والكافر فاسق فلا تقبل شهادته.

والجواب :

إنه لا معنى لدعوى الإجماع هنا بعد ذهاب أكثر العلماء إلى الجواز، وقد عرفت ذلك آنفاً ولا ملازمة عقلاً بين رد شهادة المسلم الفاسق، ورد شهادة الكافر إذا كان عادلاً في دينه.

ومن هذه الوجوه : أن شهادة الكافر لا تجوز على المسلمين في غير الوصية وقد اختلف في قبولها في الوصية، فيرد ما اختلف فيه إلى ما اجمع عليه.

والجواب :

إن هذا الوجه في منتهى الغرابة بعد أن عرفت قيام الدليل على قبول الشهادة في باب الوصية بلا معارض، وليت هذا المستدل عكس الأمر. وقال : إن شهادة الكافر على الوصية كانت مقبولة في زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالإجماع، وقد اختلف فيه بعد زمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيرد ما اختلف فيه إلى ما اجمع عليه

وجملة القول : لا سند لدعوى النسخ في الآية غير تقليد جماعة من الفقهاء المتأخرين. وكيف يصح أن ترفع اليد عن حكم ورد في القرآن لفتوى أح--د م-ن الناس على خلافه ؟ ومن الغريب قول الحسن والزهري : إن المراد بقوله تعالى :

(أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) «5 : 106».

آخران من غير عشيرتكم، فلا دلالة في الآية على قبول شهادة الكفار (1).

ويردُّه - مضافاً إلى الروايات التي وردت في تفسير الآية - : أنه مخالف لظاهر القرآن أيضاً، لأن الخطاب في الآية للمؤمنين، فلا بد وأن يراد من قوله تعالى : «غَيْرِكُمْ» غير المؤمنين، وهم الكفار.

نعم : إطلاق الآية الكريمة يدل على قبول شهادة الكافر في الوصية وإن لم يكن الكافر من الكتابيين، سواء أأمكنت إقامة الشهود من المؤمنين أم لم تمكن، ولكن الروايات المستفيضة قيدت ذلك بشهادة الكتابي، وبما إذا لم يمكن تحصيل الشهود من المؤمنين، وهذا من جملة موارد تقييد إطلاق الكتاب والسنة.


19 - وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مختلفاً أُكلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِها وَغَيْرَ مُتَشَابِهِ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ «6 : 141».)فقد ذهب أكثر علماء أهل السنة إلى أن الآية منسوخة، ولهم في بيان نسخها وجوه :1 - إنها واردة في الزكاة، وأن وجوبها قد نسخ في غير الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيت على ما هو الأشهر، بل ولا قائل من الصحابة والتابعين بوجوبها في كل ما أنبتت الأرض، نعم ذهب أبو حنيفة وزفر إلى وجوبها في غير الحطب والحشيش، والقصب (2.)


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 134.

2) أحكام القرآن للجصاص : 9/3.

2 - إن حكم الآية قد نسخ بالسنة : العشر ونصف العشر، وذهب إلى ذلك السدي، وأنس بن مالك، ونسب ذلك إلى ابن عباس، ومحمد بن الحنفية(1.)3 - إن مورد الآية غير الزكاة، وقد نسخ وجوب إعطاء شيء من المال بوجوب الزكاة، ذهب إلى ذلك عكرمة، والضحاك، ونسب ذلك إلى سعيد بن جبير أيضاً (2.)والحق : بطلان القول بالنسخ في مدلول الآية الكريمة، والدليل على ذلك وجوه :الأول : الروايات المستفيضة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ الدالة عن أن الحق المذكور في الآية هو غير الزكاة، وهو باق ولم ينسخ.)منها : ما رواه الشيخ الكليني بإسناده عن معاوية بن الحجاج، قال :«سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول في الزرع حقان : حق تؤخذ به، وحق تعطيه، قلت : وما الذي أؤخذ به وما الذي أعطيه ؟ قال أما الذي تؤخذ به فالعُشر ونصف العُشر، وأما الذي تعطيه فقول اللّه عز وجل : ﴿وآتوا حقه يومَ حَصادِه) (3).)وقد روى ابن مردويه باسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في قول اللّه تعالى»)(وآتوا حقه يوم حصاده، قال : ما سقط من السنبل» (4).)الثاني : إن سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة، وقد صرحت بذلك روايات كثيرة،


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 140.

2) نفس المصدر.

3) الكافي: 32 / 564 رقم الحديث: 1 راجع تفسير البرهان : 1 / 338.

4) تفسير ابن كثير : 2 / 182.

منها : ما رواه الشيخ الكليني، بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، قال :«قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ إن سورة الأنعام نزلت جملة، شيعها سبعون ألف ملك حتى نزلت على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعظموها وبجلوها، فإن اسم اللّه عز وجل فيها في سبعين موضعاً، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها»(1).)ومنها : ماروي عن ابن عباس قال :«نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح» (2.)ومما لا ريب فيه أن وجوب الزكاة إنما نزل في المدينة، فكيف يمكن أن يقال : إن الآية المذكورة نزلت في الزكاة.. وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها : إنها نزلت بالمدينة (3، وهذا القول مخالف للروايات المستفيضة المتقدمة، وهو مع ذلك قول بغير علم.)الثالث : إن الإيتاء الذي أمرت به الآية الكريمة قد قيد بیوم الحصاد فلا بد أن يكون هذا الحق غير الزكاة، لأنها تؤدي بعد التنقية والكيل، ومما يشهد على أن هذا الحق غير الزكاة أنه قد ورد في عدة من الروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ النهي عن حصاد الليل، معللاً في بعضها أنه يحرم منه القانع والمعتر (4).)


1) تفسير البرهان : 1 / 313.

2) رواه عبيد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، راجع تفسير الشوكاني : 2 / 91.

3) تفسير القرطبي : 7/ 99.

4) الكافى: 3/ 565، رقم الحديث: 3 و 4 / 499، رقم الحديث: 2 و 4 / 500، رقم الحديث 6، التهذيب: 106/4، باب،1، رقم الحديث: 38 راجع تفسير البرهان: 1/ 338.

وروى جعفر بن محمد بن إبراهيم بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده :«ان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نهى عن الجداد بالليل، والحصاد بالليل قال جعفر : أراه من أجل المساكين» (1).)وأما ما قيل في توجيه ذلك : إن يوم الحصاد يمكن أن يكون ظرفاً لتعلق الحق بالمال لا للايتاء فيبطله :1 - انه خلاف الظاهر الذي يفهمه العرف من الآية، بل ك-اد ي-ك-ون خ-لاف صريحها، فإن الظرف إنما يتعلق بما تدل عليه مادة الفعل، ولا يتعلق بما تدل عليه هيئته، فإذا قيل أكرم زيداً يوم الجمعة كان معناه أن يوم الجمعة ظرف لتحقق الإكرام، لا أنه ظرف لوجوبه.2 - ان الزكاة لا تجب يوم الحصاد، بل يتعلق الحق بالمال إذا انعقد الحب، وصدق عليه اسم الحنطة والشعير، وعلى ذلك فذكر يوم الحصاد في الآية قرينة قطعية على أن هذا الحق هو غير الزكاة، ومما يؤيد أن هذا الحق هو غير الزكاة : أنه تعالى نهى في هذه الآية عن الإسراف وذلك لا يناسب الزكاة المقدرة بالعشر ونصف العُشر، وإذا اتضح أن الحق الذي امرت الآية الكريمة بإيتائه هو غير الزكاة الواجبة لم تكن الزكاة ناسخة له.وجملة القول : أن دعوى النسخ في الآية المباركة تتوقف على إثبات وجوب حق آخر في الزروع حتى ينسخ بوجوب الزكاة، ولا يتسطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك، لأن ظهور الأمر في الوجوب، وظهوره في الدوام والاستمرار لا يمكن الاحتفاظ بهما


1) سنن البيهقي : 4 / 133.

جميعاً في الآية، وذلك للعلم بأنه لا يجب حق آخر بعد الزكاة فلا بد - إذن - من التصرف في أحد الظهورين، إما برفع اليد عن الظهور في الوجوب، وإبقائه على الدوام والاستمرار، فيلتزم - حينئذ - بثبوت حق آخر استحبابي باق إلى الأبد وإما برفع اليد عن الدوام والاستمرار، وإبقائه على الظهور في الوجوب فيلتزم بالنسخ، ولا مرجح للثاني على الأول، بل الترجيح للأول والدليل على ذلك أمران:1 - الروايات المستفيضة عن الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ ببقاء هذا الحق واستحبابه «وقد أشرنا إلى هذه الروايات آنفاً».)2 - ان هذا الحق لو كان واجبا لشاع بين الصحابة والتابعين، ولم ينحصر القول به بعكرمة، والضحاك، أو بواحد واثنين غيرهما.وحاصل ما تقدم: أن الحري بالقبول هو القول بثبوت حق آخر ندبي في الثمار والزروع، وهذا هو مذهب الشيعة الإمامية، وعليه فلا نسخ لمدلول الآية الكريمة.*****20 - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّه بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «6 : 145».قال جماعة : إن الآية منسوخة بتحريم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك لبعض الأشياء غير المذكورة في الآية.)والحق : عدم النسخ لأن مفاد الآية هو الإخبار عن عدم وجدان محرم غير ما ذكر فيها، وهو دليل على عدم الوجود حين نزولها وعليه فلا معنى لدعوى النسخ

فيها، فإن النسخ لا يقع في الجملة الخبرية، وإذن فلا بد من الإلتزام بأن الحصر في الآية إضافي، فإن المشركين حرَّموا على أنفسهم أشياء، وهي ليست محرمة في الشريعة الإلهية، وهذا يظهر من سياق الآيات التي قبل هذه الآية، أو الإلتزام بأن الحصر حقيق، وأن المحرمات حين نزول هذه الآية كانت محصورة بما ذكر فيها، فإن هذه الآية مكية وقد حرمت بعد نزولها أشياء أخرى، وكانت الأحكام تنزل على التدريج.ومن الظاهر أن تحريم شيء بعد شيء لا يكون من النسخ في شيء، وك--ون الحصر حقيقياً أظهر الإحتمالين وأقربهما إلى الفهم العرفي، ومع ذلك فلا نسخ في مدلول الآية - ولو كان الحصر إضافياً - كما عرفت.*****21 – (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفَاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ : 15. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ : 16.)فقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى :(أَلْآنَ خَفَّفَ اللّه عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلْفَ يَغْلِبُوا أَلفَيْنِ بِإِذْنِ اللّه وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «8: 66».)فإن المسلمين إذا قل عددهم عن نصف عدد الكفار جاز لهم ترك القتال، والفرار من الزحف. ومن القائلين بهذا القول : عطاء بن أبي رياح(1.)


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 154، وتفسير الطبري : 9 / 135.

والجواب عن ذلك :ان تقييد إطلاق هذه الآية بآية التخفيف المذكورة مؤكد لبقاء حكمها ومعنى ذلك:ان الفرار من الزحف محرم في الشريعة الإسلامية إذا لم يكن عدد المسلمين أقل من نصف عدد الكفار، وأما إذا كان المسلمون أقل عدداً من ذلك فلا يحرم عليهم الفرار، وهذا ليس من النسخ في شيء.و روي عن عمرو بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وزيد بن أبي والضحاك : أن الحكم مخصوص بأهل بدر، ولا يحرم الفرار من الزحف على غيرهم. وبه قال أبو حنيفة (1.)وهذا القول أيضاً باطل :فإن مورد الآية وإن كان يوم بدر إلا أن ذلك لا يوجب اختصاص الحكم به بعد أن كان اللفظ عاماً، وكان الخطاب شاملاً لجميع المسلمين ولا سيما إذا كان نزول الآية المباركة بعد انقضاء الحرب من يوم بدر (2.)وذهب ابن عباس(3وجميع الشيعة الإمامية، وكثير من علماء أهل السنة إلى أن الآية محكمة، وحكمها مستمر إلى يوم القيامة، وهذا هو القول الصحيح وقد عرفت الدليل عليه، والروايات في ذلك متظافرة من الطريقين.)روى الكليني بإسناده عن محمد، عن أبي عبداللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال :)


1) تفسير الشوكاني : 2 / 280.

2) نفس المصدر.

3) الناسخ والمنسوخ للنحاس : 154، وتفسير الطبري : 9 / 135.

«سمعته يقول الكبائر سبع : قتل المؤمن متعمداً، وقذف المحصنة والفرار من الزحف، والتعرُّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيئة، وكل ما أوجب اللّه عليه النار» (1.)وروى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ :)«واجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول اللّه وما هن ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (2).)*****22 - (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا «8 : 61». فذهب ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء، وعكرمة، والحسن وقتادة إلى أنها منسوخة بآية السيف (3).

والحق : أنها محكمة غير منسوخة، والدليل على ذلك.

أولاً : إن آية السيف خاصة بالمشركين دون غيرهم، «وقد تقدم بيان ذلك» ومن هنا صالح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والنصارى نجران في السنة العاشرة من الهجرة (4). مع أن


1) الكافي : 2 / 277، رقم الحديث: 2. الوافي ج 3 باب تفسير الكبائر ص 174.

2) صحيح البخاري : كتاب الوصايا، رقم الحديث: 2560. وكتاب الحدود، رقم الحديث: 6351، و صحيح مسلم كتاب الإيمان، رقم الحدیث: 129، و سنن النسائي : كتاب الوصايا، رقم الحديث: 3611، و سنن أبي داود: کتاب الوصايا، رقم الحديث: 2490.

3) تفسير ابن كثير : 2 / 322.

4) أمتاع الأسماع للمقريزي : ص 502.

سورة براءة نزلت في السنة التاسعة، وعليه فتكون آية السيف مخصصة لعموم الحكم في الآية الكريمة، وليست ناسخة لها.

وثانياً : أن وجوب قتال المشركين، وعدم مسالمتهم مقيد بما إذا كان للمسلمين قوة واستعداد للمقاتلة وأما إذا لم تكن لهم قوة تمكنهم من الاستظهار على عدوهم فلا مانع من المسالمة كما فعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك مع قريش يوم مع قريش يوم الحديبية، وقد دل على التقييد قوله تعالى :

(فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهِ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) «47 : 35».


23 - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ : 65. أَلْآنَ خَفَّفَ اللّه عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلف يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّه وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ : 66.)فقد ذكروا أن حكم الآية الاولى قد نسخ بالآية الثانية، وإن الواجب في أول الأمر على المسلمين أن يقاتلوا الكفار، ولو كانوا عشرة أضعافهم ثم خفف اللّه عن المسلمين فجعل وجوب القتال مشروطاً بأن لا يزيد الكفار على ضعف عدد المسلمين.

والحق : أنه لا نسخ في حكم الآية، فإن القول بالنسخ يتوقف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولاً، وإثبات أن الآية الثانية نزلت بعد مجيء زمان العمل بالآية الاولى، وذلك لئلا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة ومعنى ذلك : أن يكون التشريع الأول لغواً، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك إلا أن يتمسك بخبر الواحد، «وقد أوضحنا أن النسخ لا يثبت به إجماعاً» (1، أضف إلى ذلك أن سياق الآيتين أصدق شاهد على أنهما نزلتا مرة واحدة.)ونتيجة ذلك : أن حكم مقاتلة العشرين للمائتين استحبابي، ومع ذلك كيف يمكن دعوى النسخ، على أن لازم كلام القائل بالنسخ : ان المجاهدين في بدء أمر الإسلام كانوا أربط جأشاً، وأشد شكيمة من المجاهدين بعد ظهور الإسلام، وقوته وكثرة أنصاره، وكيف يمكن القول بأن الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوتهم !!والظاهر أن مدلول الآيتين هو تحريض المؤمنين على القتال، وان اللّه يعدهم بالنصر على أعدائهم، ولو كانت الأعداء عشرة أضعاف المسلمين، إلا أنه تعالى لعلمه بضعف قلوب غالب المؤمنين، وعدم تحملهم هذه المقاومة الشديدة لم يوجب ذلك عليهم، ورخص لهم بترك المقاومة إذا زاد العدو على ضعفهم، تخفيفاً عنهم، ورأفة بهم بهم، مع وعده تعالى إياهم بالنصر إذا ثبتت أقدامهم في إعلاء كلمة الإسلام.وقد جعل وجوب المقاومة مشروطاً بأن لا يبلغ العدو أكثر من ضعف عدد المسلمن، فإن الكفار لجهلهم بالدين، وعدم ركونهم إلى اللّه تعالى في قتالهم لا يتحملون الشدائد، وإن عقيدة الايمان في الرجل المؤمن تحدوه إلى الثبات أم--ام الأخطار، وتدعوه إلى النهضة لإعزاز الإسلام، لأنه يعتقد بنجاحه على كل حال، وربحه في تجارته على كل تقدير، سواء أكان غالباً أم كان مغلوباً، قال اللّه تعالى :


1) تقدم ذلك في ص 279 من هذا الكتاب.

(وَلا تَهنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلُونَ كَما تَألمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّه مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللّه عَلِيماً حَكِيمًا «4 : 104». 24 - (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَليما) «9 : 19».

فعن ابن عباس، والحسن، وعكرمة : أنها منسوخة (1)بقوله تعالى :

(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ «9 : 122».

وهذا القول مبني على أن النفر كان واجباً ابتداءً على جميع المسلمين مع أن الآية المباركة ظاهرة في أن الوجوب إنما هو على الذين يستنفرون إلى الجهاد، فقد قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه أَثاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتَاعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ 9:38.

إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ : 39).

وحاصل الآية أن من أُمر بالنفير الى الجهاد ولم يخرج استحق العذاب بتركه الواجب، ولا صلة لهذا بوجوب الجهاد على جميع المسلمين


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 169، ونسبه القرطبي في تفسيره الى الضحاك أيضاً ج 8 ص 142.

وبهذا البيان يتضح بطلان دعوى النسخ (1)في قوله تعالى :

(انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسَكُمْ فِي سَبِيلِ اللّه) «9 : 41».

على أنا قد أوضحنا للقارىء - مراراً - أن تخصيص العام ببعض أفراده ليس من النسخ، بل إن قوله تعالى :

(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة﴾ «9 : 122».

بنفسه دليل على عدم النسخ، فإنه دل على أن النفر لم يكن واجباً على جميعالمسلمين من بداية الأمر، فكيف يكون ناسخاً للآية المذكورة.


25 - عَفَا اللّه عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ 9: 43. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ : 44. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللهِ : 45.)فعن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة : أن هذه الآيات منسوخة (2بقوله تعالى :)(فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «24 : 62».)والحق : ان الآيات الثلاث لا نسخ فيها، لأن صريحها ان المنع من الاستيذان وعتاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على اذنه إنما هو في مورد عدم تميز الصادق من الكاذب وقد بين سبحانه وتعالى ان غير المؤمنين كانوا يستأذنون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في البقاء فراراً م-ن)


1) نسبها القرطبي في تفسيره الى قائل ولم يسمه : 8 / 150، ونسبها الطبرسي في مجمع البيان الى السدي : 3 / 33.

2) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 170.

الجهاد بين يديه، فأمره بأن لا يأذن لأحد إذا لم تبيّن الحال، أما إذا تبين الحال فقد أجاز اللّه المؤمنين أن يستأذنوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في بعض شأنهم، وأجاز للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يأذن لمن شاء منهم، وإذن فلا منافاة بين الآيتين لتكون إحداهما ناسخة للاخرى.)26 - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْهُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ «9: 120».)فعن ابن زيد : انها منسوخة (1بقوله تعالى :)(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «9 : 122» والحق : أنه لا نسخ فيها، فإن الآية الثانية قرينة متصلة بالآية الأولى، وحاصل المراد منهما أن وجوب النفر إنما هو على البعض من المسلمين على نحو الكفاية، فلا تكون ناسخة، نعم قد يجب النفير إلى الجهاد على جميع المسلمين إذا اقتضته ضرورة وقتية، أو طلبه الولي العام الشرعي، أو لما سوى ذلك من الطوارىء، وهذا الوجوب هو غير وجوب الجهاد كفائياً الذي ثبت بأصل الشرع على المسلمين بذاته، وكلا الوجوبين باق، ولم ينسخ.


27 - (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) «109 : 10».


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : 181 ونسب القرطبي القول بالنسخ فيها الى مجاهد أيضاً : 392/8.

فعن ابن زيد : أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالجهاد والغلظة على الكفار (1)وبطلان هذا القول يظهر مما قدمناه في إبطال دعوى النسخ في الآية الاولى من الآيات التي نبحث عن نسخها، فلا حاجة إلى الاعادة أضف إلى ذلك أنه لا دلالة على أن المراد من الصبر في هذه الآية هو الصبر على الكفار، نعم الصبر عليهم يشمله إطلاق الآية، وعليه فلا وجه لدعوى النسخ فيها.


28 - (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَأَصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيل) «15 : 85».

فعن ابن عباس، وسعيد، وقتادة : أنها منسوخة بآية السيف (2).

وغير خفي أن الصفح المأمور به في الآية المباركة هو الصفح عن الأذى الذي كان يصل من المشركين إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على تبليغه شريعة ربه، ولا علاقة له بالقتال ويشهد لهذا قوله تعالى بعيد ذلك.

(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمِرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ 94:15. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ : 95).

وحاصل الآية : ان اللّه سبحانه يحرض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على المصابرة في تبليغ أوامره، ونشر أحكامه، وأن لا يلتفت إلى أذى المشركين واستهزائهم، ولا علاقة لذلك بحكم القتال الذي وجب بعد ما قويت شوكة الإسلام، وظهرت حجته، نعم إن النبي الأكرم لم يؤمر بالجهاد في بادىء الأمر، لأنه لم يكن قادراً على ذلك حسب ما تقتضيه الظروف من غير طريق الإعجاز، وخرق نواميس الطبيعة، ولما أصبح قادراً على ذلك، وكثر المسلمون، وقويت شوكتهم، وتمت عدتهم وعُدتهم


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ص 178.

2) نفس المصدر: ص 180.

بالجهاد، وقد أسلفنا أن تشريع الأحكام الإسلامية كان على التدريج وهذا ليس من نسخ الحكم الثابت بالكتاب في شيء.


29 - (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) «16 : 67».

فعن قتادة، وسعيد بن جبير، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، وأبي رزين : أن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر (1).

والحق : ان الآية محكمة، فإن القول بالنسخ فيها يتوقف على إثبات أمرين :

1 - أن يراد بلفظ «سكراً» الخمر والشراب المسكر، والقائل بالنسخ لا يستطيع إثبات ذلك، فإن أحد معانيه في اللغة الخل، وبذلك ف-س-ره علي بن ابراهيم (2)، وعلى هذا المعنى يكون المراد بالرزق الحسن الطعام اللذيذ من الدبس وغيره.

2 - أن تدل الآية على إباحة المسكر، وهذا أيضاً يستطيع القائل بالنسخ إثباته، فإن الآية الكريمة في مقام الاخبار عن أمر خارجي ولا دلالة لها على إمضاء ما كان يفعله الناس، وقد ذكرت الآية في سياق إثبات الصانع الحكيم بآياته الآفاقية، فقال عز من قائل :

(وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ 16 : 65. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 181.

2) تفسير البرهان : 577/1.

وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ : 66. وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ : 67. وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ : 68. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلْنَاسِ إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ : 69).

فذكر سبحانه وتعالى أن من آياته أن ينزل الماء من السماء، وأنه يحيي به الأرض بعد موتها. ثم ذكر تدبيره في صنع الحيوان، وأنه يخرج اللبن الخالص من بين فرنٍ

. ودم. ثم ذكر ما أودعه في ثمرات النخيل والأعناب من الاستعداد لاتخاذ السكر منها والرزق الحسن، وقد امتازت هي من بين الثمار بذلك. ثم ذكر ما يصنعه النحل من الأعمال التي يحار فيها العقلاء العارفون بمزايا صنع العسل ومبادئه، وأن ذلك بوحي اللّه تعالى وإلهامه. وإذن فليس في الآية دلالة على إباحة شرب المسكر أصلاً. على أن في الآية إشعاراً - لو سلم إراده المسكر من لفظ سك--راً - ب-عدم جواز شرب المسكر، فإنها جعلت المسكر مقابلاً للرزق الحسن. ومعنى هذا : أن المسكر ليس من الرزق الحسن، فلا يكون مباحاً. وتدل على ما ذكرناه الروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فإنها دلّت على أن الخمر لم تزل محرّمة.

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم، قال :

«سُئل أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الخمر، فقال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن أول ما نهاني عنه ربي عزوجل عبادة الأوثان وشرب الخمر...» (1).


1) الوسائل : 25 / 304، باب،9، رقم الحديث: 31965.

وروى عن الريان عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال :

«ما بعث اللّه نبياً إلا بتحريم الخمر» (1).

وقد تقدم في بحث الإعجاز تحريم الخمر في التوراة (2)، ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أن الشريعة الإسلامية لم تجهر بحرمة الخمر برهة من الزمن، ثم جهرت بها بعد ذلك، وهذا هو حال الشريعة المقدسة في جميع الأحكام. ومن البيّن أنه ليس معنی ذلك أن الخمر كان مباحاً في الشريعة ثم نسخت حرمته.


30 – (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ «3:24».

فعن سعيد بن المسيب، وأكثر العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :

(وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ...) «24 : 32».

فدخلت الزانية في أيامى المسلمين(3).

والحق : أن الآية غير منسوخة، فإن النسخ فيها يتوقف على أن يكون المراد من لفظ النكاح هو التزويج، ولا دليل يثبت ذلك. على أن ذلك يستلزم القول بإباحة نكاح المسلم الزاني المشركة، وبإباحة نكاح المشرك المسلمة الزانية، وهذا منافٍ لظاهر الكتاب العزيز، ولما ثبت من سيرة المسلمين، وإذن فالظاهر أن المراد من النكاح في الآية هو الوطئ، والجملة خبرية قصد بها الاهتمام بأمر الزنا. ومعنى


1) الوسائل: 5 / 320 باب،11، رقم الحديث: 6670.

2) تقدم ذلك في ص 58 من هذا الكتاب.

3) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 193.

الآية: أن الزاني لا يزني إلا بزانية، أو بمن هي أخس منه-ا وه-ي المشركة، وأن الزانية لا تزني إلا بزان، أو بمن هو أخس منه وهو المشرك. وأما المؤمن فهو ممتنع عن ذلك، لأن الزنا محرَّم، وهو لا يرتكب ما حُرَّم عليه.


31 - قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللّه «45 : 14».)فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية الكريمة منسوخة بآية السيف، وقالواإن هذه الآية مكية، وقد نزلت في عمر بن الخطاب حين شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد عمر أن يبطش به : فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى(فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ... «9 : 5».)واستندوا في ذلك الى ما رواه عليل بن أحمد، عن محمد بن هشام، عن عاصم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس (1.)ولكن هذه الرواية ضعيفة جداً، ولا أقل من أن في سندها عاصم بن سليمان وهو كذاب وضاع (2مع أن الرواية ضعيفة المتن، فإن المسلمين - قبل الهجرة - كانوا ضعفاء ولم يكن عمر مقداماً في الحروب، ولم يعد من الشجعان المرهوبين، فكيف يسعه أن يبطش بالمشرك ؟!)


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 218.

2) قال ابن عدي : «عاصم بن سليمان : يعد ممّن يضع الحديث»، وقال أيضاً : «عامة أحاديثه مناكير متناً واسناداً، والضعف على رواياته بين»، وقال الفلاس: «كان يضع الحديث، ما رأيت مثله قط» وقال أبو حاتم والنسائي : «متروك». وقال الدارقطني : «كذاب»، وقال أيضاً في العلل : «كان ضعيفاً آية من الآيات في ذلك» وقال ابن حبان : «لا يجوز كتب حديثة إلا تعجباً» وقال أبو داود الطيالسي كذاب». وقال الساجي : «متروك يضع الحديث»، وقال الأزدي : ضعيف مجهول»، لسان المیزان : 3/ 218، 219.

على أن لفظ الغفران المذكور في الآية يدل على التمكن من الانتقام. ومن المقطوع به أن ذلك لم يكن ميسوراً لعمر قبل الهجرة، فلو أراد البطش بالمشرك لبطش به المشرك لا محالة.والحق : أن الآية المباركة محكمة غير منسوخة، وأن معنى الآية : ان اللّه أمر المؤمنين بالعفو والاغضاء عما ينالهم من الإيذاء والإهانة في شؤونهم الخاصة ممّن لا يرجون أيام اللّه، ويدل عليه قوله تعالى بعد ذلك :(لِيَجْزِيَ قَوْماً ما كَانُوا يَكْسِبُونَ 14:45. مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ : 15.)فإن الظاهر منه أن جزاء المسيء الذي لا يرجو أيام اللّه ولا يخاف المعاد، سواء أكان من المشركين، أم من الكتابيين، أم من المسلمين الذين لا يبالون بدينهم إما هو موكول إلى اللّه الذي لا يقوته ظلم الظالمين وتفريط المفرطين، فلا ينبغي للمسلم المؤمن بالله أن يبادر إلى الانتقام منه، فإن اللّه أعظم منه نقمة وأشد أخذاً، وهذا الحكم تهذيبي أخلاقي، وهو لا ينافي الأمر بالقتال للدعوة إلى الإسلام أو لأمر آخر، سواء أكان نزول هذه الآية قبل نزول آية السيف أم كان بعده.*****32 - (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَنْخَتْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «47 : 4».)فذهبت جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وذهب آخرون الى أنها

ناسخة لها (1.)والحق : أنها ليست ناسخة ولا منسوخة، وتحقيق ذلك يحتاج الى مزيد من البسط في الكلام.### أحكام الكافر المقاتل :المعروف بين الشيعة الإمامية أن الكافر المقاتل يجب قتله ما لم يسلم، ولا يسقط قتله بالأسر قبل أن يتخن المسلمون الكافرين، ويعجز الكافرون عن القتال لكثرة القتل فيهم، وإذا أسلم ارتفع موضوع القتل، وهو الكافر، وأما الأسر بعد الانخان فيسقط فيه القتل، فإن الآية قد جعلت الاتخان غاية لوجوب ضرب الرقاب.ومن الواضح : أن الحكم يسقط عند حصول غايته، ويتخير ولي الأمر في تلك الحال بين استرقاق الأسير، وبين مفاداته، والمنّ عليه من غير فداء، من غير فرق في ذلك بين المشرك وغيره من فرق الكفار، وقد ادعي الاجماع على ما ذكرناه من الأحكام، والمخالف فيها شاذ لا يعبأ بخلافه، «وسيظهر ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى..».وهذا الذي ذكروه يوافق ظاهر الآية الكريمة من جميع الجهات إذا كان شد الوثاق هو الاسترقاق، باعتبار أن معنى شدّ الوثاق هو عزله عن الاستقلال ما لم يمن عليه أو يفاد 7 وأما إذا لم يكن شدّ الوثاق بمعنى الاسترقاق، فلا بد من إضافة الاسترقاق الى المفاداة والمنّ للعلم بجوازه من أدلة أُخ--رى، فيكون ذلك تقييداًلإطلاق الآية بالدليل.


1) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 220.

وقد وردت الأحكام المذكورة فيما رواه الكليني، والشيخ الطوسي بإسنادهما عن طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال :)«سمعته يقول كان أبي يقول ان للحرب حكمين : إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها، ولم يثخن أهلها، فكل أسير أخذ في تلك الحال فإن الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم، وتركه يتشحط في دمه حتى يموت وهو قول اللّه تعالى :(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يَخَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ «5 : 33».)ألا ترى أنه التخيير الذي خير اللّه الإمام على شيء واحد وهو الكفر وليس هو على أشياء مختلفة فقلت لجعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ قول اللّه تعالى : (أو ينفوا من الأرض)، قال ذلك الطلب أن يطلبه الخيل حتى يهرب، فإن أخذته الخيل حكم ببعض الأحكام التي وصفت ذلك، والحكم الآخر إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكل أسير أُخذ على تلك الحال وكان في أيديهم فالإمام ف--ي-ه بالخيار إن شاء من عليهم فأرسلهم، وإن شاء فاداهم أنفسهم، وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيداً» (1).)


1) الكافي : 5 / 32، الحديث،1، والتهذيب : 143/6 باب 22، الحديث : 5.

ووافقنا على سقوط القتل عن الأسير بعد الاتخان : الضحاك وعطاء، وصرح الحسن بذلك وان الامام بالخيار إما أن يمنّ أو يفادي أو يسترق (1.)وعلى ما ذكرناه فلا نسخ في الآية الكريمة، غاية الأمر ان القتل يختص بمورد، ويختص عدم القتل بمورد آخر من غير فرق بين أن تكون آية السيف متقدمة في النزول على هذه الآية، وبين أن تكون متأخرة عنها.ومن الغريب : أن الشيخ الطوسي - في هذا المقام - نسب إلى أصحابنا أنهم رووا تخيير الإمام في الأسير بعد الإثخان بين القتل وبين ما ذكر من الامور.قال : «والذي رواه أصحابنا أن الأسير إن أُخذ قبل انقضاء الحرب والقتال - بأن تكون الحرب قائمة، والقتال باق - فالإمام مخير بين أن يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، وليس له المنّ ولا الفداء، وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان - الإمام - مخيراً بين المن والمفاداة إما بالمال أو النفس، وبين الاسترقاق - وضرب الرقاب -»(2.)وتبعه على ذلك الطبرسي في تفسيره (3مع أنه لم ترد في ذلك رواية أصلاً.)وقد نص الشيخ الطوسي بنفسه في كتاب المبسوط (4: «كل أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها، فإنه يكون الإمام مخيراً فيه بين أن يمن عليه فيطلقه، وبين أن يسترقه وبين أن يفاديه، وليس له قتله على ما رواه أصحابنا».)وقد ادعى الاجماع والاخبار على ذلك : في المسألة السابعة عشرة من كتاب


1) القرطبي : 16 / 227، 228، ونقله النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عطاء ص 221.

2) تفسير التبيان : 9 / 291، طبع النجف الاشرف.

3) تفسير مجمع البيان : 9 / 126.

4) المبسوط : 2 / 13، كتاب الجهاد، فصل : أصناف الكفار وكيفية قتالهم.

الفيء، وقسمة الغنائم من كتاب الخلاف.ومن الذين ادعوا الاجماع على ذلك صريحاً العلّامة في كتابي «المنتهى والتذكرة» في أحكام الاسارى من كتاب الجهاد.وفي ظني : أن كلمة «ضرب الرقاب» في عبارة «التبيان» إنما كانت من سهو القلم، وقد جرى عليه الطبرسي من غير مراجعة.هذا هو مذهب علماء الشيعة الإمامية، والضحاك، وعطاء، والحسن.### آراء اخرى حول الآية :وأما بقية علماء أهل السنة فقد ذهبوا إلى أقوال :1 - منهم من قال : «إن الآية نزلت في المشركين، ثم نسخت بآيات السيف»، نسب ذلك إلى قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريح، وابن عباس، وإلى كثير من الكوفيين، فقالوا : «إن الأسير المشرك يجب قتله، ولا تجوز مفاداته، ولا المنّ عليه بإطلاقه» (1.)ویردّه:أنه لا وجه للنسخ على هذا القول، فإن نسبة هذه الآية إلى آيات السيف نسبة المقيد إلى المطلق، سواء أكانت متقدمة عليها في النزول أم كانت متأخرة عنها. وقد أوضحنا - فيما سبق - أن العام المتأخر لا يكون ناسخاً للخاص المتقدم، فكيف بالمطلق إذا سبقه المقيد (2؟.)


1) تفسير القرطبي : 16 / 227.

2) قد فصلنا الكلام في ذلك في بحث العموم والخصوص من كتابنا «أجود التقريرات». (المؤلف).

2 - ومنهم من قال : «إن الآية نزلت في الكفار جميعاً، فنسخت في خصوص المشرك» نسب ذلك إلى قتادة، ومجاهد، والحكم، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة (1.)ویردُّه :أن هذا القول واضح البطلان كالقول السابق، فإن ذلك موقوف على أن تكون آيات السيف متأخرة في النزول عن هذه الآية، ولا يمكن القائل بالنسخ إثبات ذلك، ولا سندله غير التمسك بخبر الواحد، وقد أوضحنا أن خبر الواحد لا يثبت به النسخ إجماعاً، ولو فرضنا ثبوت ذلك، فلا دليل على كون آيات السيف ناسخة لها، ليصح القول المذكور، بل تكون هذه الآية مقيدة لآيات السيف، وذلك : لاجماع الامة على أن هذه الآية قد شملت المشركين أو أنها مختصة بهم، و على ذلك كانت الآية المباركة قرينة على تقييد آيات السيف لما أشرنا اليه انفاً من أن المطلق لا يصلح أن يكون ناسخاً للمقيد، وإذا أغمضنا عن ذلك كانت هذه الآية الكريمة معارضة لآيات السيف بالعموم من وجه، ومورد الاجتماع هو المشرك الأسير بعد الإثخان، ولا مجال للالتزام بالنسخ فيه.3 - ومنهم من قال : «إن الآية ناسخة لآية السيف»، نسب ذلك إلى الضحاك وغيره» (2.)ویردّه :أن هذا القول، يتوقف على إثبات تأخر هذه الآية في النزول عن آيات السيف ولا يمكن هذا القائل إثبات ذلك، على أنا قد أوضحنا - فيا تقدم - أنه لا موجب


1) تفسير القرطبي : 16 / 227.

2) نفس المصدر.

للالتزام بالنسخ، تأخرت الآية في النزول عن آيات السيف، أم تقدمت عليها.4 - ومنهم من قال : «إن الإمام مخير في كل حال بين القتل والاسترقاق والمفاداة والمنّ»، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، واختاره كثير، منهم : ابن عمر، والحسن، وعطاء، وهو مذهب مالك، والشافعي، والثوري والأوزاعي وأبي عبيد، وغيرهم. وعلى هذا القول فلا نسخ في الآية (1قال النحاس بعدما ذكر هذا القول : «وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن لأن النسخ إنما يكون بشيء، قاطع فأما إذا أمكن العمل بالآيتين، فلا معنى في القول بالنسخ... وهذا القول يروى عن أهل المدينة، والشافعي، وأبي عبيد»(2))ویردّه :ان هذا القول وإن لم يستلزم نسخاً في الآية، إلا أنه باطل أيضاً، لأن الآية الكريمة صريحة فى أن المنّ والفداء إنما هما بعد الاتخان فالقول بثبوتهما - قبل ذلك - قول بخلاف القرآن، والأمر بالقتل في الآية مغيّاً بالإثخان فالقول بثبوت القتل بعده قول بخلاف القرآن أيضاً، وقد سمعت أن آيات السيف مقيدة بهذه الآية.وأما ما استدل به على هذا القول من أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قتل بعض الاساری وفادى بعضاً، ومنّ على آخرين، فهذه الرواية - على فرض صحتها - لا دلالة لها على التخيير بين القتل وغيره، لجواز أن يكون قتله للأسير قبل الاثخان وفداؤه ومنه في الاسراء بعده، وأما ما روى من فعل أبي بكر وعمر فهو - على تقدير ثبوته - لا حجية فيه، لترفع اليد به عن ظاهر الكتاب العزيز.)*****


1) تفسير القرطبي : 16 / 228.

2) الناسخ والمنسوخ : ص 221.

33 – (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَاتَّخَرُومِ «51 : 19».)34 - ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ 70: 24. لِلسَّائِلِ واتَّخَرُوم : 25. فقد وقع الاختلاف في نسخ الآيتين وإحكامها. ووجه الاختلاف في ذلك : أن الحق المعلوم الذي أمرت الآيتان به قد يكون هو الزكاة المفروضة، وقد يكون فرضاً مالياً آخر غيرها، وقد يكون حقاً غير الزكاة ولكنه مندوب وليس بمفروض. فإن كان الحق واجباً مالياً غير الزكاة فالآيتان الكريمتان منسوختان لا محالة، من حيث إن الزكاة نسخت كل صدقة واجبة في القرآن وقد اختار هذا الوجه جماعة من العلماء. وإن كان الحق المعلوم هو الزكاة نفسها، أو كان حقاً مستحباً غير مفروض، فالآيتان محکمتان بلا ريب.

والتحقيق : يقتضي اختيار الوجه الأخير، وأن الحق المعلوم شيء غير الزكاة. وهو أمر قد ندب اليه الشرع. فقد استفاضت النصوص من الطريقين بأن الصدقة الواجبة منحصرة بالزكاة، وقد ورد عن أهل البيت بيان المراد من هذا الحق المعلوم.

روى الشيخ الكليني باسناده عن أبي بصير قال :

«كنا عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعنا بعض أصحاب الأموال فذكروا الزكاة فقال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، وإنما هو شيء ظاهر إنما حقن بها دمه وسمي بها مسلماً، ولو لم يؤدّها لم تقبل صلاته، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت : أصلحك اللّه وما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال : سبحان اللّه ! أما تسمع اللّه يقول في كتابه : والذين في أموالهم...؟ قال : قلت : فماذا الحق

المعلوم الذي علينا ؟ قال : هو والله الشيء يعلمه الرجل في ماله يعطيه في اليوم، أو في الجمعة، أو الشهر قل أو كثر غير أنه يدوم علیه»(1).

وروى أيضاً بإسناده عن اسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

في قول اللّه تعالى: والذين في أموالهم... أهو سوى الزكاة ؟ فقال : هو الرجل يؤتيه اللّه الثروة من المال فيخرج منه الألف والألفين، والثلاثة آلاف، والأقل والأكثر فيصل به رحمه، ويحتمل به الكل عن قومه» (2).)وغير ذلك من الروايات عن الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ (3).)وروى البيهقي في شعب الإيمان، بإسناده، عن غزوان بن أبي حاتم قال :«بينا أبوذر عند باب عثمان لم يؤذن له إذ مر به رجل من قريش قال : يا أباذر ما يجلسك ههنا ؟ فقال : يأبى هؤلاء أن يأذنوا لي فدخل الرجل فقال : يا أمير المؤمنين ما بال أبي ذر على الباب لا يؤذن له ؟ فأمر فاذن له فجاء حتى جلس ناحية القوم.. فقال عثمان لكعب : يا أبا إسحق أرأيت المال إذا أُدّي زكاته هل يخشى على صاحبه فيه تبعة ؟ قال : لا، فقام أبو ذر ومعه عصا فضرب بها بين اذني كعب، ثم قال : يا ابن اليهودية، أنت تزعم أنه ليس حق في ماله إذا أدّى الزكاة. والله تعالى يقول : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِ أَنْفُسِهِمْ


1) الكافى : 32 / 499، الحديث : 9.

2) نفس المصدر : الحديث : 10.

3) الكافي : 3 / 498 - 500، الحديث : 8، 9، 10، 11.

وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ «59 : 9». والله تعالى يقول : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلى جُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) «76: 8». والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِين فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ 7 : 74. لِلسّائِلِ وَالْحَرُومِ : 75).)فجعل يذكر نحو هذا من القرآن...». (1)وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس :«أن الحق المعلوم سوى الصدقة يصل بها رحماً، أو يقري بها ضيفاً أو يحمل بها كلاً، أو يعين بها محروماً» (2.)وتبع ابن عباس على ذلك جملة من المفسرين، وعلى هذا فلا نسخ في الآية المباركة.*****35 – (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَانَا جَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ «58 : 12». فقد ذهب أكثر العلماء إلى نسخها بقوله تعالى :

(ءأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللّه عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَآتُوا الزَّكُوةَ وَأَطِيعُوا اللّه وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) «58: 13».


1) كنز العمال : 3 / 310.

2) تفسير القرطبي : 29 / 50.

فقد استفاضت الروايات من الطريقين : أن الآية المباركة لما نزلت لم يعمل بها غير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان له دينار فباعه بعشرة دراهم، فكان كلما ناجي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قدم درهماً حتى ناجاه عشر مرات.

أحاديث العمل بآية النجوى :

روى ابن بابويه بإسناده عن مكحول قال :

«قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب الا لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا قد شركته فيها وفضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني أحد منهم، قلت : يا أمير المؤمنين فأخبرني بهن، فقال : وإن أول منقبة - وذكر السبعين - وقال في ذلك : وأما الرابعة والعشرين فإن اللّه عز وجل أنزل على رسوله: اذا ناجيتم فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت اذا ناجيت رسول اللّه أتصدق قبل ذلك بدرهم، والله ما فعل هذا أحد غيري من أصحابه قبلي ولا بعدي فأنزل اللّه عز وجل : (ءأشفقتم...) (1).

وروى ابن جرير بإسناده عن مجاهد قال :

«قال علي رضي اللّه عنه آية من كتاب اللّه لم يعمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة


1) بحار الأنوار : 17 / 29، باب،14، رقم الحديث : 6. راجع تفسير البرهان : 2 / 1099.

دراهم، فكنت إذا جئت إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تصدقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها أحد قبلي : إذا ناجيتم» (1).

قال الشوكاني : وأخرج عبدالرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه - علي بن أبي طالب - قال :

«ما عمل بها أحد غيرى حتى نسخت، وما كانت إلا ساعة يعني آية النجوى..».

وأخرج سعيد بن منصور، وابن راهويه، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً قال :

«إن في كتاب اللّه لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى: (إذا ناجَيْتُمْ...) كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجیت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت (ءأَشْفَقْتُم...) (2).

وتحقيق القول في ذلك :

أن الآية المباركة دلّت على أن تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خير وتطهير للنفوس، والأمر به أمر بما فيه مصلحة العباد ودلّت على أن هذا الحكم إنما يتوجه على من يجد ما يتصدق به، أما من لا يجد شيئاً فإن اللّه غفور رحيم.


1) تفسير الطبري : 28 / 15.

2) فتح القدير : 5 / 186 والروايات في هذا المقام كثيرة فليراجع تفسير البرهان وتفسير الطبري وكتب الروايات. وقد تعرض لنقل جملة منها شيخنا المجلسى فى بحار الانوار : 17/ 29، باب 14، الحديث 6 و 35 / 378، باب 18 رقم الحديث،3 و 410 / 26 باب 102، الحديث 1.

ولا ريب في أن ذلك مما يستقل العقل بحسنه ويحكم الوجدان بصحته فإن في الحكم المذكور نفعاً للفقراء، لأنهم المستحقون للصدقات، وفيه تخفيف ع-ن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإنه يوجب قلة مناجاته من الناس، وأنه لا يقدم على مناجاته - بعد هذا الحكم - إلا من كان حبه لمناجاة الرسول أكثر من حبه للمال.

ولا ريب أيضاً في أن حسن ذلك لا يختص بوقت دون وقت. ودلّت الآية الثانية على أن عامة المسلمين - غير علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أعرضوا عن مناجاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إشفاقاً من الصدقة، وحرصاً على المال.

سبب نسخ صدقة النجوى :

ولا ريب في أن إعراضهم عن المناجاة يفوّت عليهم كثيراً من المنافع والمصالح العامة. ومن أجل حفظ تلك المنافع رفع اللّه عنهم وجوب الصدقة عنهم وجوب الصدقة بين يدي المناجاة تقديماً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وعلى النفع الخاص بالفقراء، وأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة اللّه ورسوله.

وعلى ذلك فلا مناص من الالتزام بالنسخ، وأن الحكم المجعول بالآية الاولى قد نسخ وارتفع بالآية الثانية. ويكون هذا من القسم الأول من نسخ الكتاب - أعني ما كانت الآية الناسخة ناظرة إلى انتهاء أمد الحكم المذكور في الآية المنسوخة - ومع ذلك فنسخ الحكم المذكور في الآية الاولى ليس من جهة اختصاص المصلحة التي اقتضت جعله بزمان دون زمان إذ قد عرفت انها عامة لجميع أزمنة حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا أن حرص الامة على المال، و إشفاقها من تقديم الصدقة بين يدي المناجاة كان مانعاً من استمرار الحكم المذكور ودوامه، فنسخ الوج--وب واب-دل الحكم بالترخيص.

وقد يعترض :

أنه كيف جعل اللّه الحكم المذكور» وجوب التصدق بين يدي النجوي» مع علمه منذ الأزل بوقوع المانع !.

والجواب :

ان في جعل هذا الحكم ثم نسخه - كما فعله اللّه سبحانه - تنبيهاً للامة، وإتماماً للحجة عليهم. فقد ظهر لهم ولغيرهم بذلك أن الصحابة كلهم آثروا المال على مناجاة الرسول الأكرم، ولم يعمل بالحكم غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وترك المناجاة وإن لم يكن معصية اللّه سبحانه، لأن المناجاة بنفسها لم تكن واجبة، ووجوب الصدقة كان مشروطاً بالنجوى، فإذا لم تحصل النجوى فلا وجوب للصدقة ولا معصية في ترك المناجاة، إلا أنه يدل على أن من ترك المناجاة يهتم بالمال أكثر من اهتمامه بها.

حكمة تشريع صدقة النجوي :

وفي نسخ هذا الحكم بعد وضعه ظهرت حكمة التشريع، وانكشفت منّة اللّه على

عباده وبان عدم اهتمام المسلمين بمناجاة النبي الأكرم، وعرف مقام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بينهم. وهذا الذي ذكرناه يقتضيه ظاهر الكتاب، وتدل عليه أكثر الروايات وأما إذا كان الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى أمراً صورياً امتحانياً - كأمر إبراهيم بذبح ولده - فالآية الثانية لا تكون ناسخة للآية الاولى نسخاً اصطلاحياً، بل يصدق على رفع ذلك الحكم الامتحاني: النسخ بالمعنى اللغوي :

ونقل الرازي عن أبي مسلم : أنه جزم بكون الأمر امتحانياً، لتمييز من امن إيماناً

حقيقياً عمن بقي على نفاقه فلانسخ. وقال الرازي : «وهذا الكلام حسن ما به بأس» (1).

وقال الشيخ شرف الدين : إن محمد بن العباس ذكر في تفسيره سبعين حديثاً من طريق الخاصة والعامة تتضمن أن المناجي للرسول هو أمير المؤمنين دون الناس أجمعين... ونقلت من مؤلف شيخنا أبي جعفر الطوسي هذا الحديث ذكره أنه في جامع الترمذي، وتفسير الثعلبي بإسناده عن علقمة الأنماوي يرفعه إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال :

«بي خفف اللّه عن هذه الامة لأن اللّه امتحن الصحابة، فتقاعسوا عن مناجاة الرسول، وكان قد احتجب في منزله من مناجاة كل أحد إلا من تصدق بصدقة، وكان معي دينار، فتصدقت به، فكنت أنا سبب التوبة من اللّه على المسلمين حين عملت بالآية، ولو لم يعمل بها أحد لنزل العذاب، لامتناع الكل من العمل بها» (2).

أقول : إن هذه الرواية لا وجود لها في النسخة المطبوعة من جامع الترمذي ولم أظفر بشيء من نسخه القديمة المخطوطة، ولم أظفر أيضاً بتفسير الثعلبي الذي نقل عنه في جملة من المؤلفات، ولا أعلم بوجوده في مكان. وكيف كان فلا ريب في أن الحكم المذكور لم يبق إلا زمناً يسيراً ثم ارتفع، ولم يعمل به أحد غير أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبذلك ظهر فضله، سواء أكان الامر حقيقياً أم كان امتحانياً.


1) تفسير الرازي : 8 / 167 طبع المطبعة العامرة.

2) بحار الانوار: 381/35 باب 18، رقم الحديث : 8 و 41 / 26، باب 102، الحديث : 1. وتفسير البرهان 2 / 1100.

تعصب مكشوف :

اعتذر الرازي عن ترك شيوخ الصحابة العمل بالآية المباركة، إذا كانوا قد وجدوا الوقت لذلك ولم يفعلوا، فقال ما نصه :

«وذلك الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه، ويوحش قلب الغني، فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سبباً للطعن في من لم يفعل، فهذا الفعل لما كان سبباً لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء لم يكن في تركه كبير مضرة، لأن الذي يكون سبباً للالفة أولى مما يكون سبباً للوحشة، وأيضاً فهذه المناجاة ليست من الواجبات، ولا من الطاعات المندوبة، بل قد بينا أنهم إنما كانوا كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة، لوما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سبباً للطعن» (1).

تعقيب :

أقول : هذا عذره، وأنت تجد أنه تشكيك لا ينبغي صدوره ممّن له أدنى معرفة بمعاني الكلم، هب ان في هذا المقام لم ترد فيه رواية أصلاً، أفلا يظهر من قوله تعالى: «ءأشفقتُم...» أنه عتاب على ترك المناجاة خوفاً من الفقر أو حرصاً على المال ؟ وأن اللّه تعالى قد تاب عليهم عن هذا التقصير، إلا أن التعصب داء عضال، ومن الغريب أنه ذكر هذا، وقد اعترف قبيل ذلك بأن من فوائد هذا التكليف أن يتميز به محب الآخرة من محب الدنيا، فإن المال محك الدواعي !!.

وأما ان الفعل المذكور يكون سبباً لحزن الفقراء، ووحشة الأغنياء فيكون تركه الموجب للالفة أولى، أما هذا الذي ذكره فلو صح لكان ترك جميع الواجبات المالية


1) تفسير الرازي : 8 / 167.

أولى من فعلها، ولكان أمره تعالى بالفعل أمراً بما يحكم العقل بأولوية تركه، وليس ببعيد أن يلتزم الرازي بهذا، وبما هو أدهى منه لينكر فضيلة من فضائل على (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن المناسب - هنا - أن أنقل كلاماً لنظام الدين النيسابوري، قال ما نصه : قال القاضي :

«هذا - تصدق علي بين يدي النجوى - لا يدل على فضله على أكابر الصحابة، لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض، وقد قال فخر الدين الرازي : سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أنَّ الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً، وينفر الرجل الغني، ولم يكن في تركه مضرة، لأن الذي يكون سبباً للإلفة أولى مما يكون سبباً للوحشة، وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة، أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة، بل الأولى ترك المناجاة، لما بينا من أنها كانت سبباً لسامة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

قلت : هذا الكلام لا يخلو عن تعصب ما، ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي رضي اللّه عنه في كل خصلة ؟ ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة؟!.

فقد روي عن ابن عمر :

كان لعلي رضي اللّه عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم : تزويجه فاطمة رضي اللّه عنها، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى، وهل يقول منصف : إن مناجاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، نقيصة، على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة، وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل له الفضيلة من جهتين : سد خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ففيها القرب

منه، وحل المسائل العويصة، وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال» (1).

36 - (مَا أَفَاءَ اللّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ) «59 : 8».

فقد نقل عن قتادة أنها منسوخة، وأنه قال : الفيء والغنيمة واحد وكان في بدو الإسلام تقسيم الغنيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء إلا أن يكون من هذه الأصناف. ثم نسخ اللّه ذلك في سورة الأنفال فجعل لهؤلاء الخمس، وجعل الأربعة الأخماس لمن حارب قال اللّه تعالى(2).

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للّه خُمُسَهُ) «8 : 41».

وقد رفض المحققون هذا القول، وقالوا: إن ما يغنمه المسلمون في الحرب يغاير موضوعاً ما أفاء اللّه على رسوله بغير قتال، فلا تنافي بين الآيتين لتنسخ إحداهما الأخرى.

أقول : إن ما ذكره المحققون بين لا ينبغي الجدال فيه، ويؤكده أنه لم ينقل سيرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يخص بالغنائم نفسه وقرابته دون المجاهدين. ومما يبطل النسخ ما قيل من أن سورة الأنفال نزلت قبل نزول سورة الحشر (3)ولا أدنى من الشك في ذلك، ومما لا ريب فيه أن الناسخ لا بد من تأخره عن المنسوخ.


1) تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري : 28 / 24.

2) الناسخ والمنسوخ للنحاس : ص 231.

3) تفسير القرطي : 18 / 14.

البداء في التكوين

إشارة:

•

العلم الإلهي الأزلي لا ينافي قدرته.

•

موقف اليهود من قدرة الله.

•

موقع البداء عند الشيعة.

•

أقسام القضاء الإلهي.

•

ثمرة الاعتقاد بالبداء.

•

حقيقة البداء عند الشيعة.

•

أحاديث أهل السنة الدالة على البداء.

•

إنباء المعصومين بالحوادث المستقبلة.

بمناسبة الحديث عن النسخ في الأحكام وهو في أفق التشريع، وبمناسبة أن النسخ كالبداء وهو في أفق التكوين، وبمناسبة خفاء معنى البداء على كثير من علماء المسلمين، وأنهم نسبوا إلى الشيعة ما هم برآء منه، وأنهم لم يحسنوا في الفهم ولم يحسنوا في النقد، وليتهم إذ لم يعرفوا تثبتوا أو تَوَقَّفُوا (1)كما تفرضه الأمانة في النقل، وكما تقتضيه الحيطة في الحكم، والورع في الدين، بمناسبة كل ذلك وجب أن نذكر شيئاً في توضيح معنى البداء وإن لم تكن له صلة - غير هذا - بمدخل التفسير.

تمهید:

لا ريب في أن العالم بأجمعه تحت سلطان اللّه وقدرته، وأن وجود أي شيء من الممكنات منوط بمشيئة اللّه تعالى، فإن شاء أوجده، وإن لم يشأ لم يوجده.

ولا ريب أيضاً في أن علم اللّه سبحانه قد تعلق بالأشياء كلها منذ الأزل، وأن الأشياء بأجمعها كان لها تعيّن علمي في علم اللّه الأزلي و هذا التعين يعبر عنه ب- «


1) انظر التعليقة رقم (9) للوقوف على اختلاق الفخر الرازي نسبة الجهل الى اللّه على لسان الشيعة - في قسم التعليقات.

تقدير اللّه» تارة وب- «قضائه» تارةً أُخرى، ولكن تقدير اللّه وعلمه سبحانه بالأشياء منذ الأزل لا يزاحم ولا ينافي قدرته تعالى عليها حين إيجادها، فإن الممكن لا يزال منوطاً بتعلق مشيئة اللّه بوجوده التي قد يعبر عنها بالإختيار، وقد يعبر عنها بالإرادة، فإن تعلقت المشيئة به وجد وإلا لم يوجد. والعلم الإلهي يتعلق بالأشياء على واقعها من الإناطة بالمشيئة الإلهية، لأن انكشاف الشيء لا يزيد على واقع ذلك الشيء، فإذا كان الواقع منوطاً بمشيئة اللّه تعالى كان العلم متعلقاً به على هذه الحالة، وإلا لم يكن العلم علماً به على وجهه، وانكشافاً له على واقعه. فمعنى تقدير اللّه تعالى للأشياء وقضائه بها : أن الأشياء جميعها كانت متعينة في العلم الإلهي منذ الأزل على ما هي عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة بها، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الإلهي.

موقف اليهود من قدرة اللّه :

وذهبت اليهود إلى أن قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل

استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه. ومن أجل ذلك قالوا يد اللّه مغلولة عن القبض والبسط والأخذ والإعطاء، فقد جرى فيها قلم التقدير ولا يمكن فيها التغيير (1)ومن الغريب أنهم قاتلهم اللّه - إلتزموا بسلب القدرة عن اللّه، ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد، مع أن الملاك في كليهما واحد، فقد تعلق العلم الأزلي بأفعال اللّه تعالى، وبأفعال العبيد على حد سواء.


1) انظر التعليقة رقم (10) لمعرفة بعض الأخبار الدالة على مشيئة اللّه تعالى - في قسم التعليقات.

موقع البداء عند الشيعة :

ثم إن البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلف، ولا بد من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء، وتوضيح ذلك أن القضاء على ثلاثة أقسام :

أقسام القضاء الالهي :

الأول : قضاء اللّه الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه، والعلم المخزون الذي استأثر به لنفسه، ولا ريب في أن البداء لا يقع في هذا القسم، بل ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن البداء إنما ينشأ من هذا العلم.

روى الشيخ الصدوق في «العيون» بإسناده، عن الحسن بن محمد النوفلي أن الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال السليمان المروزي :

«رويت عن أبي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : إن اللّه عزوجل علمين علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، وعلماً علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه...» (1).

وروى الشيخ محمد بن الحسن الصفار في «بصائر الدرجات» بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«إن اللّه علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، من ذلك


1) عيون أخبار الرضا : 2 / 159، باب 13 في ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي، راجع البحار : 4 95، باب 3 الحديث : 2.

يكون البداء وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، ونحن نعلمه» (1).

الثاني : قضاء اللّه الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتماً، ولا ريب في أن هذا القسم أيضاً لا يقع فيه البداء، وإن افترق عن القسم الأول، بأن البداء لا ينشأ منه.

قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسليمان المروزي - في الرواية المتقدمة عن الصدوق - :

«إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول : العلم علمان، فعلم علمه اللّه ملائكته ورسله، فما علّمه ملائكته ورسله فإنه يكون، ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدم منه ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء» (2).

وروى العياشي عن الفضيل، قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :

«من الامور أُمور محتومة جائية لا محالة، ومن الامور أُمور موقوفة عند اللّه يقدم منها ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحداً - يعني الموقوفة - فأما ما جاءت به الرسل فهى كائنة لا يكذب نفسه، ولا نبيه، ولا ملائكته» (3).


1) بصائر الدرجات : 2 / 109، باب 21 الحديث : 2، ورواه الشيخ الكليني عن أبي بصير أيضاً، راجع الكافى : 1 / 147، الحديث : 8. و بحار الانوار : 4 / 109، باب، رقم الحديث : 27.

2) عيون أخبار الرضا باب 13 ورواه الشيخ الكليني عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الكافي : 1 / 147، رقم الحديث : 6.

3) راجع الكافي : 1 / 147، الحديث : 7.

الثالث : قضاء اللّه الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج إلا أنه موقوف على أن لا تتعلق مشئية اللّه بخلافه. وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء:

(يَمْحُو اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ 13 : 39. للّه الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) «29 : 4».

وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة منها هذه :

1 - ما في «تفسير علي بن إبراهيم» عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة، فإذا أراد اللّه أن يقدم شيئاً أو يؤخره، أو ينقص شيئاً أمر الملك أن يمحو ما يشاء، ثم أثبت الذي أراده. قلت : وكل شيء هو عند اللّه مثبت في كتاب ؟ قال : نعم. قلت : فأي شيء يكون بعده ؟ قال : سبحان اللّه، ثم يحدث اللّه أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى» (1).

2 - ما في تفسيره أيضاً، عن عبد اللّه بن مسكان، عن أبي جعفر وأبي عبداللّه - وأبي الحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى :

(فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيم) «44 : 4».

«أي يقدر اللّه كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة. يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من


1) نقلاً عن البحار. راجع البحار : 4 / 99، باب 3، رقم الحديث : 9 و 97 / 12، باب 53، الحديث : 18.

الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء...» (1).

3 - ما في كتاب «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين أن قال :

«لولا آية في كتاب اللّه، لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية : يمحو اللّه...» (2).

وروى الصدوق في الأمالي والتوحيد بإسناده عن الأصبغ عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله.

4 - ما في «تفسير العياشي» عن زرارة عن أبي جعفر قال :

«كان علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لولا آية في كتاب اللّه لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة. فقلت : أية آية ؟ قال : قول اللّه : يَمْحُو اللّه...» (3).

5 - ما في «قرب الاسناد» عن البزنطي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

قال أبو عبداللّه، وأبو جعفر، وعلي بن الحسين، والحسين بن علي، والحسن بن علي، و علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لولا آية في كتاب اللّه لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة : يَمْحُو اللّه...» (4).

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وقوع البداء في القضاء الموقوف.


1) نفس المصدر ص 134.

2) الاحتجاج للطبرسي : ص 137 المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف.

3) تفسير العياشي : 2 / 215 الحديث : 59. راجع بحار الانوار : 4 / 118، باب 3، رقم الحديث 52.

4) قرب الاسناد : ص 353، رقم الحديث : 1266. نفس المصدر ص 97، باب 3، الحديث : 5.

وخلاصة القول : ان القضاء الحتمي المعبر عنه باللوح المحفوظ، وبام الكتاب والعلم المخزون عند اللّه يستحيل أن يقع فيه البداء. وكيف يتصور فيه البداء ؟ وأن اللّه سبحانه عالم بجميع الأشياء منذ الأزل، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

روى الصدوق في «إكمال الدين» بإسناده، عن أبي بصير وسماعة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«من زعم أن اللّه عزوجل يبدو له في شيء اليوم لم يعلمه أمس فابرؤوا منه» (1).

وروى العياشي، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :

«إن اللّه يقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب، وقال : فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه، وليس شيء يبدو له إلا وقد كان في علمه، إن اللّه لا يبدو له من جهل» (2).

وروى أيضاً عن عمار بن موسى، عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

«سئل عن قول اللّه : (يَمْحُو اللّه...) قال : إن ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء ويثبت، فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء، وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يرد به القضاء، حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً» (3).


1) إكمال الدين : ص 70.

2) تفسير العياشي : 2 / 218، الحدیث : 71.

3) نفس المصدر : 22 / 220، الحديث 74.

وروى الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة» بإسناده عن البزنطي، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال علي بن الحسين، وعلي بن أبي طالب قبله، ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) :

«كيف لنا بالحديث مع هذه الآية (يمحو اللّه...) فأما من قال بأن اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد» (1).

والروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن اللّه لم يزل عالماً قبل أن يخلق الخلق (2)، فهي فوق حد الإحصاء، وقد اتفقت على ذلك كلمة الشيعة الإمامية طبقاً لكتاب اللّه وسنة رسوله، جرياً على ما يقتضيه حكم العقل الفطري الصحيح.

ثمرة الاعتقاد بالبداء :

والبداء : إنما يكون في القضاء الموقوف المعبر عنه بلوح المحو والإثبات، والإلتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى اللّه سبحانه وليس في هذا الالتزام ما ينا في عظمته وجلاله.

فالقول بالبداء : هو الإعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان اللّه وقدرته في حدوثه وبقائه، وإن إرادة اللّه نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً، بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين - وإن كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فإن بعضاً منهم إن كان عالماً - بتعليم


1) كتاب الغيبة : ص 430 الحديث: 420. وروى الشيخ الكليني بإسناده، عن عبداللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «ما بدا للّه في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له» الكافي : 1 / 148، الحديث : 9.

2) الكافى : 1/ 108، الحديث : 6 و 1 / 148، الحديث : 11. و..

الله إياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون الذي استأثر به لنفسه، فإنه لا يعلم بمشيئة اللّه تعالى - لوجود شيء - أو عدم مشيئته إلا حيث يخبره اللّه تعالى به على نحو الحتم.

والقول بالبداء : يوجب انقطاع العبد إلى اللّه وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وإبعاده عن المعصية، فإن إنكار البداء والالتزام بأن م--ا جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإن ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.

وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الاهتمام بشأن البداء.

فقد روى الصدوق في كتاب «التوحيد» بإسناده عن زرارة، عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال:

«ما عُبد اللّه عز وجل بشيء مثل [افضل من ] البداء»(1).

وروى بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«ما عظم اللّه عزوجل بمثل البداء» (2).


1) التوحيد: ص 331 - 333 باب 54، البداء، الحديث 1 و 2 راجع الكافي: 1 / 146، الحديث : 1.

2) التوحيد: ص 331 - 333 باب 54، البداء، الحديث 1 و 2 راجع الكافي: 1 / 146، الحديث : 1.

وروى بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«ما بعث اللّه عزوجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية وخلع الأنداد، وأن اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء» (1).

والسر في هذا الاهتمام : أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن اللّه غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير. تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً. فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه.

حقيقة البداء عند الشيعة :

و على الجملة : فإن البداء بالمعنى الذي تقول به الشيعة الإمامية هو من الإبداء الاظهار حقيقة، وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل والإطلاق بعلاقة المشاكلة. وقد اطلق بهذا المعنى في بعض الروايات من طرق أهل السنة.

روى البخاري بإسناده عن أبي عمرة، أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول :

إن ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص وأعمى وأقرع، بدا اللّه عز وجل أن يبتليهم فبعث اليهم ملكاً فأتى الأبرص..» (2).


1) التوحيد : ! 333، الحديث : 3. راجع الكافي : 1 / 147، الحديث : 3.

2) صحيح البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3205 و صحيح مسلم : كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث : 5265.

وقد وقع نظير ذلك في كثير من الاستعمالات القرآنية، كقوله تعالى :

(الآنَ عَلِمَ اللّه أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) «8 : 66».

وقوله تعالى :

(لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) «8: 12».

وقوله تعالى :

(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) «8: 7».

وما أكثر الروايات من طرق أهل السنة في أن الصدقة والدعاء يغيّران القضاء (1).

أما ما وقع في كلمات المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الإنباء بالحوادث المستقبلة فتحقيق الحال فيها : أن المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمر مستقبل على سبيل الحتم والجزم ودون تعليق، فذلك يدلُّ أن ما أخبر به مما جرى به القضاء المحتوم وهذا هو القسم الثاني «الحتمي» من أقسام القضاء المتقدمة. وقد علمت أن مثله ليس موضعاً للبداء، فإن اللّه لا يكذب نفسه ولا نبيَّه. ومتى ما أخبر المعصوم بشيء معلّقاً على أن لا تتعلق المشيئة الإلهية بخلافه، ونصب قرينة متصلة أو منفصلة على ذلك فهذا الخبر إنما يدلّ على جريان القضاء الموقوف الذي هو موضع البداء. والخبر الذي أخبر به المعصوم صادق وإن جرى فيه البداء، وتعلقت المشيئة الإلهية بخلافه. فإن الخبر - كما عرفت - منوط بأن لا تخالفه المشيئة.


1) انظر التعليقة رقم (11) للوقوف على روايات تفيد أن الدعاء يغير القضاء - في قسم التعليقات.

وروى العياشي، عن عمرو بن الحمق قال :

«دخلت على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين ضرب على قرنه، فقال لي : يا عمرو إني مفارقكم، ثم قال : سنة السبعين فيها بلاء... فقلت: بأبي أنت وأمي قلت : إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال : نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاء...» وذكر آية (يَمْحُو اللّه...) (1)


1) تفسير العياشي : 2 / 217، رقم الحديث : 68.

أصول التفسير

إشارة:

•

بطلان الاعتماد على الظن وعلى آراء المفسرين في فهم القرآن.

•

مدارك التفسير.

•

تخصيص القرآن بخبر الواحد.

•

شبهات المنكرين له، والأقوال في المسألة.

التفسير هو إيضاح مراد اللّه تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل، أو م-ن طريق الشرع للنهي عن اتباع الظن، وحرمة إسناد شيء إلى اللّه بغير إذنه قال اللّه تعالى»

(قُلْ ءَ اللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّه تَفْتَرُونَ) «10 : 59».

وقال اللّه تعالى :

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) «17 : 36».

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم، والروايات الناهية عن التفسير بالرأي مستفيضة من الطريقين.

ومن هذا أنه لا يتضح يجوز اتباع أحد المفسرين في تفسيره، سواء أكان ممّن حسن مذهبه أم لم يكن، لأنه من إتباع الظن، وهو لا يغني من الحق شيئاً.

مدارك التفسير :

ولا بد للمفسر من أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي - فقد بينا لك

حجية الظواهر - أو يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح فإنه حجة من الداخل كما أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حجة من الخارج، أو يتبع ما ثبت عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فإنهم المراجع في الدين، والذين أوصى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بوجوب التمسك فقال : بهم

«إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً (1).

ولا شبهة في ثبوت قولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) إذا دل عليه طريق قطعي لا شك فيه كما أنه لا شبهة في عدم ثبوته إذا دل عليه خبر ضعيف غير جامع لشرائط الحجية، وهل يثبت بطريق ظني دل على اعتباره دليل قطعي ؟ فيه كلام بين الأعلام.

وقد يشكل :

في حجية خبر الواحد الثقة إذا ورد عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تفسير الكتاب ووجه الإشكال في ذلك أن معنى الحجية التي ثبتت لخبر الواحد، أو لغيره من الأدلة الظنية هو وجوب ترتيب الآثار عليه عملاً في حال الجهل بالواقع، كما تترتب على الواقع لو قطع به وهذا المعنى لا يتحقق إلا إذا كان مؤدى الخبر حكماً شرعياً، أو موضوعاً قد رتب الشارع عليه حكماً شرعياً، وهذا الشرط قد لا يوجد في خبر الواحد الذي يروى عن المعصومين في التفسير.

وهذا الإشكال : خلاف التحقيق، فإنا قد أوضحنا في مباحث «علم الاصول» أن معنى الحجية في الامارة الناظرة إلى الواقع هو جعلها علماً تعبدياً في حكم الشارع، فيكون الطريق المعتبر فرداً من أفراد العلم، ولكنه فرد تعبدي لا وجداني


1) يأتي بعض مصادر الحديث في التعليقة رقم (1) من قسم التعليقات من هذا الكتاب، وفي كنز العمال : 1 / 153 و 332 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة طبعة دائرة المعارف العثمانية - الشيء الكثير من طرق هذه الرواية.

فيترتب عليه كلما يترتب على القطع من الآثار، فيصح الاخبار على طبقة كما يصح أن يخبر على طبق العلم الواجداني، ولا يكون من القول بغير علم.

ويدلنا على ذلك سيرة العقلاء، فإنهم يعاملون الطريق المعتبر معاملة العلم الوجداني من غير فرق بين الآثار، فإن اليد مثلاً امارة عند العقلاء على مالكية صاحب اليد لما في يده، فهم يرتبون له آثار المالكية، وهم يخبرون عن كونه مالكاً للشيء بلا نكير، ولم يثبت من الشارع ردع لهذه السيرة العقلائية المستمرة.

نعم يعتبر في الخبر الموثوق به، وفي غيره من الطرق المعتبرة أن يكون جامعاً لشرائط الحجية، ومنها أن لا يكون الخبر مقطوع الكذب، فإن مقطوع الكذب لا يعقل أن يشمله دليل الحجية والتعبد، وعلى ذلك فالاخبار التي تكون مخالفة للاجماع، أو للسنة القطعية، أو الكتاب، أو الحكم العقلي الصحيح لا تكون حجة قطعاً، وإن استجمعت بقية الشرائط المعتبرة في الحجية. ولا فرق في ذلك ب--ين الأخبار المتكفلة لبيان الحكم الشرعي وغيرها.

والسر في ذلك : أن الراوي مهما بلغت به الوثاقة، فإن خبره غير مأمون من مخالفة الواقع، إذ لا أقل من احتمال اشتباه الأمر عليه، وخصوصاً إذا كثرت الوسائط، فلابد من التشبث بدليل الحجية في رفع هذا الاحتمال، وفرضه كالمعدوم. وأما القطع بالخلاف، وبعدم مطابقة الخبر للواقع فلا يعقل التعبد بعدمه، لأن كاشفية القطع ذاتية، وحجيته ثابتة بحكم العقل الضروري.

وإذن فلا بد من اختصاص دليل الحجية بغير الخبر الذي يقطع بكذبه وبمخالفته للواقع. وهكذا الشأن في غير الخبر من الطرق المعتبرة الاخرى التي تكشف عن الواقع، وهذا باب تنفتح منه أبواب كثيرة، وبه يُجاب عن كثير من والاعتراضات فلتكن على ذكر منه.

الاشكالات

تخصيص القرآن بخبر الواحد :

إذا ثبتت حجية الخبر الواحد بدليل قطعي فهل يخصص به عموم ما ورد في الكتاب العزيز ؟ ذهب المشهور إلى جواز ذلك، وخالف فيه فريق من علماء أهل السنة، فمنعه بعضهم على الاطلاق. وقال عيسى بن أبان : إن كان العام الكتابي قد خص - من قبل - بدلیل مقطوع به جاز تخصیصه بخبر الواحد وإلا لم يجز. وقال الكرخي : إذا خص إذا خص العام بدليل منفصل جاز تخصيصه بعد ذلك بخبر الواحد وإلا فلا. وذهب القاضي أبوبكر إلى الوقف(1).

والذي نختاره :

هو القول المشهور. والدليل على ذلك ان الخبر - كما فرضنا - قطعي الحجية ومقتضى ذلك أنه يجب العمل بموجبه مالم يمنع منه مانع.

شبهات وأقوال :

وما توهم منعه عن ذلك امور لا تصلح للمنع :

1 - قالوا : إن الكتاب العزيز كلام اللّه العظيم المنزل على نبيه الكريم، وذلك قطعي لا شبهة فيه. وأما خبر الواحد فلا يقين بمطابقته للواقع، ولا بصدور مضمونه عن المعصوم إذ لا أقل من احتمال اشتباه الراوي. والعقل لا يجوز أن ترفع اليد عن أمر مقطوع به لدليل يحتمل فيه الخطأ.

والجواب عن ذلك :

ان الكتاب - وإن كان قطعي الصدور - إلا أنه لا يقين بأن الحكم الواقعي على


1) اصول الأحكام للآمدي : 2 / 472.

طبق عموماته، فإن العمومات إنما وجب العمل على طبقها من أجل أنها ظاهر الكلام، وقد استقرت سيرة العقلاء على حجية الظواهر، ولم يردع الشارع عن اتباع هذه السيرة و من البيّن أن سيرة العقلاء على حجية الظاهر مختصة بما إذا لم تقم قرينة على خلاف الظهور، سواء أكانت القرينة متصلة أم كانت منفصلة، فإذا نهضت القرينة على الخلاف وجب رفع اليد عن الظاهر، والعمل على وفق القرينة. وإذن فلا مناص من تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد بعد قيام الدليل القطعي على حجيته. فإن معنى ذلك أن مضمون الخبر صادر عن المعصومين تعبداً.

وإن شئت فقل : إن سند الكتاب العزيز - وإن كان قطعياً - إلا أن دلالته ظنية، ولا محذور بحكم العقل في أن ترفع اليد عن الدلالة الظنية لدليل ظني آخر ثبتت حجيته بدليل قطعي.

2 - وقالوا : قد صحَّ عن المعصومين أن تعرض الروايات على الكتاب وما يكون منها مخالفاً لكتاب اللّه يلزم طرحه، وضربه على الجدار، وهو مما لم يقولوه. والخبر الخاص المخالف لعموم الكتاب مما تشمله تلك الأدلة، فيجب طرحه وعدم تصديقه.

والجواب عن ذلك :

إن القرائن العرفية على بيان المراد من الكتاب لا تعد في نظر العرف من المخالفة له في شيء، والدليل الخاص قرينة لإيضاح المعنى المقصود من الدليل العام، والمخالفة بين الدليلين إنما تتحقق إذا عارض أحدهما صاحبه بحيث يتوقف أهل العرف في المراد منها إذا صدر كلاهما من متكلم واحد، أو ممّن بحكمه فخبر الواحد الخاص ليس مخالفاً للعام الكتابي، بل هو مبين للمراد منه.

ويدل على ذلك أيضاً : أنا نعلم أنه قد صدر عن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) كثير من الأخبار المخصصة لعمومات الكتاب، والمقيدة لمطلقاته، فلو كان التخصيص أو التقييد من المخالف للكتاب لما صح قولهم : «ما خالف قول ربنا لم نقله، أو هو زخرف (1)، أو باطل» فيكون صدور ذلك عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) دليلاً على أن التخصيص أو التقييد ليس من المخالفة في شيء.

أضف الى ذلك : أن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد جعلوا موافقة أحد الخبرين المتعارضين للكتاب مرجحاً له على الخبر الآخر، ومعنى ذلك أن معارضه - وهو الذي لم يوافق الكتاب - حجة في نفسه لولا المعارضة، ومن الواضح أن ذلك الخبر لو كانت مخالفته للكتاب على نحو لا يمكن الجمع بينهما لم يكن حجة في نفسه ولم يبق م-ع-ه مج-ال للمعارضة والترجيح، وإذن فلا مناص من أن يكون المراد من عدم موافقته للكتاب أنه يمكن الجمع بينهما عرفاً بالإلتزام بالتخصيص أو التقييد.

ونتيجة ذلك : أن الخبر المخصص للكتاب، أو المقيد له حجة في نفسه، ويلزم العمل به إلا حين يبتلى بالمعارضة.

3 - وقالوا : لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لجاز نسخه به، والنسخ به غير جائز يقيناً فالتخصيص به غير جائز أيضاً، والسند في هذه الملازمة : أن النسخ - كما أوضحناه في مبحث النسخ - تخصيص في الأزمان، والدليل الناسخ كاشف عن أن الحكم الأول كان مختصاً بزمان ينتهي بورود ذلك الدليل الناسخ، فنسخ الحكم ليس رفعا له حقيقة، بل هو رفع له صورة وظاهراً، والتخصيص في الأفراد كالتخصيص في الأزمان، فكلاهما تخصيص، فلو جاز الأول لجاز الثاني.


1) الوسائل : 27 / 105، باب، رقم الحديث 333450 و 33347.

والجواب عن ذلك :

أن الفارق بين النوعين من التخصيص هو الإجماع القطعي على المنع في النسخ ولولا ذلك الإجماع لجاز النسخ بخبر الواحد الحجة، كما جاز التخصيص به، وقد بينا أن الكتاب وإن كان قطعي السند إلا أن دلالته غير قطعية، ولا مانع من رفع اليد عنها بخبر الواحد الذي ثبتت حجيته بدليل قطعي.

نعم : الاجماع المذكور ليس إجماعاً تعبدياً، بل لأن بعض الامور من شأنه أن ينقل بالتواتر لو تحقق في الخارج، فإذا اختص بنقله بعض دون بعض كان ذلك دليلاً على كذب راويه أو خطئه، فلا تشمله أدلة الحجية لخبر الواحد، ومن أجل هذا قلنا إن القرآن لا يثبت بخبر الواحد.

ومما لا ريب فيه أن النسخ لا يختص بقوم من المسلمين دون قوم، والدواعي لنقله متظافرة، فلو ثبت لكانت الأخبار به متواترة، فإذا اختص الواحد بنقله كان ذلك دليلاً على كذبه أو خطئه، وبذلك يظهر الفارق بين التخصيص والنسخ وتبطل الملازمة بين جواز الأول وجواز الثاني.

حدوث القرآن وقدمه

إشارة:

•

التكلم من صفات اللّه الثبوتية.

•

مسألة حدوث القرآن وقدمه أمر حادث لا صلة له بعقائد الإسلام.

•

صفات اللّه الذاتية وصفاته الفعلية.

•

الكلام النفسي.

•

أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي.

•

تصور الكلام قبل وجوده أجنبي عن الكلام النفسي.

•

الكلام النفسي أمر خيالي بحت.

لا يشك أحد من المسلمين أن كلام اللّه الذي أنزله على نبيه الأعظم برهاناً على نبوته ودليلاً لأمته. ولا يشك أحد منهم أن التكلم إحدى صفات اللّه الثبوتية المعبر عنها بالصفات الجمالية. وقد وصف اللّه سبحانه نفسه بهذه الصفة في كتابه فقال تعالى:

(وَكَلَّمَ اللّه مُوسَى تَكْلِيماً) «4 : 103».

أثر الفلسفة اليونانية في حياة المسلمين :

وقد كان المسلمون بأسرهم على ذلك، ولم يكن لهم أي اختلاف فيه، حتى دخلت الفلسفة اليونانية أوساط المسلمين، وحتى شعبتهم بدخولها فرقاً تكفّر كل طائفة اختها، وحتى استحال النزاع والجدال إلى المشاجرة والقتال، فكم هتكت في الإسلام من أعراض محترمة، وكم اختلست من نفوس بريئة، م-ع أن القاتل والمقتول يعترفان بالتوحيد، ويقرّان بالرسالة والمعاد.

أليس من الغريب أن يتعرض المسلم إلى هتك عرض أخيه المسلم وإلى قتله ؟ وكلاهما يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وأن اللّه يبعث من في القبور. أولم تكن سيرة نبي الإسلام وسيرة

مَن وُلّي الأمر من بعده أن يرتبوا اثار الإسلام على من يشهد بذلك ؟ فهل روى أحد أن الرسول أو غيره ممّن قام مقامه سأل أحداً عن حدوث القرآن وقدمه، أو عما سواه من المسائل الخلافية، ولم يحكم بإسلامه إلا بعد أن يقرّ بأحد طرفي الخلاف؟!!

ولست أدري - وليتني كنت أدري - بماذا يعتذر من ألقى الخلاف بين المسلمين وبم يجيب ربه يوم يلاقيه، فيسأله عما ارتكب ؟ فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون.

وقد حدثت هذه المسألة - حدوث القرآن وقدمه - بعد انشعاب المسلمين شعبتين: أشعري وغير أشعري. فقالت الأشاعرة بقدم القرآن، وبأن الكلام على قسمين : لفظي ونفسي، وأن كلام اللّه النفسي قائم بذاته وقديم بقدمه وهو إحدى صفاته الذاتية. وذهبت المعتزلة والعدلية إلى حدوث القرآن، وإلى انحصار الكلام في اللفظي، وإلى أن التكلم من الصفات الفعلية.

صفات اللّه الذاتية والفعلية :

والفارق بين صفات اللّه الذاتية وصفاته الفعلية أن صفات اللّه الذاتية هي التي يستحيل أن يتصف سبحانه بنقيضها أبداً. إذا فهي التي لا يصح سلبها عنه في حال. ومثال ذلك : العلم والقدرة والحياة، فالله تبارك وتقدَّس لم يزل ولا يزال عالماً قادراً حيّاً، ويستحيل أن لا يكون كذلك في حال من الأحوال.

وأن صفاته الفعلية هي التي يمكن أن يتصف بها في حال وبنقيضها في حال آخر. ومثال ذلك : الخلق والرزق، فيقال : إن اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا، ورزق فلاناً ولداً ولم يرزقه مالاً. وبهذا يظهر جلياً أن التكلم إنما هو من الصفات الفعلية، فإنه يقال : كلَّم اللّه اللّه موسى ولم يكم فرعون، ويقال : كلَّم اللّه موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل.

الكلام النفسي :

اتفقت الأشاعرة على وجود نوع آخر من الكلام غير النوع اللفظي المعروف وقد سموه بالكلام النفسي، ثم اختلفوا فذهب فريق منهم إلى أنه مدلول الكلام اللفظي ومعناه، وذهب آخرون إلى أنه مغاير لمدلول اللفظ، وأن دلالة اللفظ عليه دلالة غير وضعية، فهي من قبيل دلالة الأفعال الاختيارية على إرادة الفاعل وعلمه وحياته.

والمعروف بينهم اختصاص القدم بالكلام، إلا أن الفاضل القوشجي نسب إلى بعضهم القول بقدم جلد القرآن وغلافه أيضاً (1). وقد عرفت أن غير الأشاعرة متفقون على حدوث القرآن، وعلى أن كلام اللّه اللفظي ككلماته التكوينية مخلوق له، وآية من آياته. ولا يترتب على الكلام في هذه المسألة وتحقيق القول فيها غرض مهم، لأنها خارجة عن أصول الدين وفروعه، وليست لها أية صلة بالمسائل الدينية والمعارف الإلهية، غير أنني أحببت التكلم فيها ليتضح لإخواننا الأشاعرة - وهم أكثر المسلمين عدداً - أن ما ذهبوا إليه واعتقدوا به وحسبوه مما يجب الاعتقاد به أمر خيالي لا أساس له من العقل والشرع.

وتوضيح ذلك :

أنه لا خلاف في أن الكلام المؤلف من الحروف الهجائية المندرجة في الوجود أمر حادث يستحيل اتصاف اللّه تعالى به في الأزل وغير الأزل. والخلاف إنما هو في وجود سنخ آخر من الكلام مجتمعة أجزاؤه وجوداً، فأثبتته الأشاعرة وقالت بأنه من صفات اللّه الذاتية كما يتصف غيره به أيضاً. ونفاه غيرهم وحصروا الكلام في


1) شرح التجريد : ص 354 المقصد الثالث.

اللفظي، وقالوا : إن قيامه بالمتكلم قيام الفعل بالفاعل والصحيح هو القول الثاني. ودليلنا على ذلك :

أن الجُمَل : إما خبرية وإما إنشائية - أما الجمل الخبرية، فإنا إذا فحصنا مواردها لن نجد فيها إلا تسعة أمور، وهي التي لا بد منها في الإخبار عن ثبوت شيء لشيء أو عدم ثبوته له :

أولاً. - مفردات الجملة بموادها، وهيئاتها.

ثانياً - معاني المفردات، ومداليلها.

ثالثاً - الهيئة التركيبية للجملة.

رابعاً - ما تدل عليه الهيئة التركيبية.

خامساً - تصور المخبر مادة الجملة، وهيئتها.

سادساً - تصور مدلول الجملة بمادتها، وهيئتها.

سابعاً - مطابقة النسبة لما في الخارج، أو عدم مطابقتها له.

ثامناً - علم المخبر بالمطابقة، أو بعدمها، أو شكه فيها.

تاسعاً - إرادة المتكلم لإيجاد الجملة في الخارج مسبوقة بمقدماتها. وقد اعترفت الأشاعرة بأن الكلام النفسي ليس شيئاً من الامور المذكورة وعلى هذا فلا يبقى للكلام النفسي عين ولا أثر، أما مفاد الجملة فلا يمكن أن يكون هو الكلام النفسي، لأن مفاد الجملة الخبرية - على ما هو المعروف - ثبوت شيء لشيء أو سلبه عنه، وعلى ما هو التحقيق - عندنا - هو قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب، فقد أثبتنا أن الهيئة التركيبية للجملة الخبرية بمقتضى وضعها أمارة على

قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، وشأنها في ذلك شأن ما سوى الألفاظ من الامارات الجعلية.

وقد حققنا أن الوضع هو التعهد بجعل لفظ خاص أو هيئة خاصة مبرزاً لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه، وقد أوضحنا ذلك كله في محله (1)هذا هو مفاد الجملة الخبرية، والكلام النفسي - عند القائل به - موجود نفساني من سنخ الكلام مغاير للنسبة الخارجية ولقصد الحكاية.

وأما الجمل الانشائية فهي كالجمل الخبرية، والفارق بينهما أن الجمل الانشائية ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه وعليه فالامور التي لا بد منها في الجمل الانشائية سبعة، وهي بذاتها الامور التسعة التي ذكرناها في الجمل الخبرية ما عدا السابع والثامن منها، وقد علمت أن الكلام النفسي عند القائلين به ليس واحداً منها.

ولعل سائلاً يقول : ما هو مفاد هيئة الجملة الإنشائية ؟.

المعروف بين العلماء أنها موضوعة لإيجاد معنى من المعاني نحو إيجاد مناسب لعالم الإنشاء، وقد تكرر في كلمات كثير منهم أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ، وقد ذكرنا في مباحثنا الاصولية أنه لا أصل للوجود الإنشائي، واللفظ والمعنى وإن كانت لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشئ من الوضع، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز، ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه الى اللفظ، وبهذا المعنى يصح أن يقال : وجد المعنى باللفظ وجوداً لفظياً، إلا أن هذا لا يختص بالجمل الإنشائية، بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضاً.


1) في كتابنا «أجود التقريرات» في الاصول، المطبوع مع تعليقاتنا. (المؤلف)

أما وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبداً:

أحدهما : وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والأعراض، ولا بد في تحقيق هذا الوجود من تحقق أسبابه وعلله، والألفاظ أجنبية عنها بالضرورة.

ثانيهما: وجوده الاعتباري، وهو نحو من الوجود للشيء إلا أنه في عالم الاعتبار لا في الخارج، وتحقق هذا النحو من الوجود إنما هو باعتبار من ب-ي-ده الاعتبار واعتبار كل معتبر قائم بنفسه، ويصدر منه بالمباشرة، ولا يتوقف على وجود لفظ في الخارج أبداً، أما إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس، فهو وإن توقف على صدور لفظ من المنشئ أو ما بحكم اللفظ، ولا أثر لاعتباره إذا تجرد عن المبرز من قول أو فعل، إلا أن الامضاء المذكور متوقف على صدور لفظ قصد به الانشاء، وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جيء به في المرحلة السابقة على الإمضاء.

وعلى الجملة : إن الوجود الحقيقي والاعتباري للشيء لا يتوقفان على اللفظ وإما إمضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشىء، إلا أنه يتوقف عليه بما هو لفظ مستعمل في معناه، وأما الوجود اللفظي فهو عام لكل معنى دل عليه باللفظ، فلا أساس للقول المعروف : «الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ».

والصحيح : إن الهيئات الإنشائية وضعت لإبراز أمر ما من الامور النفسانية وهذا الأمر النفساني قد يكون اعتباراً من الاعتبارات كما في الأمر والنهي والعقود والايقاعات، وقد يكون صفة من الصفات، كما في التمني والترجي، فهيئات الجمل

أمارات على أمر ما من الامور النفسانية وهو في الجمل الخبرية قصد الحكاية، وفي الجمل الإنشائية أمر آخر.

ثم إن الاتيان بالجملة المبرزة - بوضعها - لأمر نفساني قد يكون بداعي إبراز ذلك الأمر، وقد يكون بداع آخر سواه، وفي كون الاستعمال في هذا القسم الأخير مجازاً أو حقيقة كلام ليس هنا محل ذكره، وللاطلاع على تفصيل الكلام في ذلك يراجع تعليقاتنا الاصولية.

والذي يظهر من موارد استعمال لفظ الطلب : أنه موضوع للتصدي لتحصيل شيء ما، فلا يقال : طلب الضالة، ولا طلب الآخرة، إلا عند التصدي لتحصيلها، وفي لسان العرب : «الطلب محاولة وجدان الشيء وأخذه»، وبهذا الاعتبار يصدق على الأمر أنه طالب، لأنه يحاول وجدان الفعل المأمور به، فإن الآمر هو الذي يدعو المأمور الى الاتيان بمتعلقه، وهو بنفسه مصداق للطلب، لا أن الأمر لفظ والطلب معناه فلا أساس للقول بأن الأمر موضوع للطلب، ولا للقول بأن الطلب كلام نفسي يدل عليه الكلام اللفظي.

وقد أصابت الأشاعرة في قولهم : (إن الطلب غير الارادة» ولكنهم أخطؤوا في جعله صفة نفسية، وفي جعله مدلولاً عليه بالكلام اللفظي.

نفي الكلام النفسي :

ومن جميع ما ذكرناه يستبين القارئ : أنه ليس في موارد الجمل الخبرية ولا الانشائية ما يكون من سنخ الكلام قائماً بالنفس، ليسمى بالكلام النفسي، نعم لا بد للمتكلم من أن يتصور كلامه قبل إيجاده، والتصور وجود في النفس يسمونه بالوجود الذهني، فإن أراد القائلون بالكلام النفسي هذا النحو من الوجود للكلام

في النفس فهو صحيح، ولكنك تعلم أنه غير مختص بالكلام، بل يعم كل فعل اختياري، والكلام إنما لزم تصوره لأنه فعل اختياري للمتكلم.

أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي

استدل القائلون بالكلام النفسي على مدعاهم بوجوه :

الاول : ان كل متكلم يرتب الكلام في نفسه قبل أن يتكلم به، والموجود في الخارج من الكلام يكشف عن وجود مثله في النفس، وهذا وجداني يجده كل متكلم في نفسه، واليه أشار الأخطل بقوله :

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ***جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وجوابه قد تقدم :

فإن تركيب الكلام في النفس هو تصوره وإحضاره فيها، وهو الوجود الذهني الذي يعم الأفعال الاختياريه كافة، فالكاتب والنقاش لا بد لهما من أن يتصورا عملهما أولاً قبل أن يوجداه، فلاصلة لهذا بالكلام النفسي.

الثاني : أنه يطلق الكلام على الموجود منه في النفس، وإطلاقه عليه صحيح بلا عناية، فيقول القائل : إن في نفسي كلاماً لا اريد أن أبديه، وقد قال اللّه عزَّ اسمه :

(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ «67: 13».

وجوابه يظهر مما تقدم :

فإن الكلام كلام في وجوده الذهني، كما هو كلام في وجوده الخارجي ولكل شيء نحوان من الوجود : خارجي وذهني والشيء هو ذلك الشيء في كلا وجوديه وإطلاق الاسم عليه بلاعناية. ولا يختص هذا بالكلام، فيقول المهندس : إن في

نفسي صورة بناء سأنقشها في خارطة، ويقول المتعبد : إن في نفسي أن أصوم غداً.

الثالث : أنه يصح إطلاق المتكلم على اللّه، وهذه الهيئة اسم الفاعل وضعت لإفادة قيام المبدأ بالذات قياماً وصفياً. ولذا لا يطلق المتحرك والساكن والنائم إلا على من تلبس بالحركة والسكون والنوم، دون من أوجدها. وواضح أن الكلام اللفظي لا يمكن أن يتصف به اللّه تعالى، لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة، فلا مناص من الالتزام بالكلام القديم، ليصح إطلاق المتكلم على اللّه سبحانه باعتبار اتصافه به.

وجوابه :

ان المبدأ في صيغة المتكلم ليس هو الكلام، فإنه غير قائم بالمتكلم قيام الصفة بموصوفها حتى في غير اللّه، فإن الكلام كيفية عارضة للصوت الحاصل من تموج الهواء،، وهو أمر قائم بالهواء لا بالمتكلم، والمبدأ في الصيغة المذكورة هو التكلم، ولا نعقل له معنى غير إيجاد الكلام، فإطلاقه على اللّه وعلى غيره بمعنى واحد.

وأما قول المستدل : «إن هيئة اسم الفاعل وضعت لإفادة قيام المبدأ بالذات قيام الوصف بالموصوف» فهو غلط بيّن، فان الهيئة إنما تفيد قيام المبدأ بالذات نحواً من القيام. أما خصوصيات القيام من كونها إيجادية أو حلولية أو غيرهما فهي غير مأخوذة في مفاد الهيئة وهي تختلف باختلاف الموارد، ولا تدخل تحت ضابط كلي فالعالم والنائم مثلاً لا يطلقان على موجد العلم والنوم، لكن القابض والباسط والنافع والضار تطلق على موجد هذه المبادىء، وعليه فعدم صحة إطلاق المتحرك على موجد الحركة لا يستلزم عدم صحة إطلاق المتكلم على موجد الكلام.

وحاصل ما تقدم :

أن الكلام النفسي أمر خيالي بحت لا دليل على وجوده من وجدان أو برهان.

ومن المناسب أن نختم الكلام بما ذكره الإمام أبو عبداللّه جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الموضوع، فقد روى الشيخ الكليني بإسناده، عن أبي بصير قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لم يزل اللّه عزّوجل ربنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور. فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر والقدرة على المقدور. قال : قلت : فلم يزل اللّه متحركاً ؟ قال : فقال : تعالى اللّه عن ذلك، إن الحركة صفة محدثة بالفعل. قال : فقلت : فلم يزل اللّه متكلماً ؟ قال : فقال : إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان اللّه عز وجل ولا متكلم» (1).


1) الكافي : 1 / 107، باب صفات الذات، الحديث : 1.

تفسير فاتحة الكتاب

إشارة:

•

محل نزولها.

•

فضلها.

•

آياتها.

•

غاياتها.

•

القراءة.

•

الإعراب.

•

اللغة.

•

التفسير.

•

تحليل آية : الحمد للّه رب العالمين.

•

تحليل آية : إياك نعبد وإياك نستعين.

•

تحليل آية : اهدنا الصراط المستقيم.

•

البحث الأول : حول آية البسملة.

•

البحث الثاني : حول آية الحمد.

•

البحث الثالث حول اية : إهدنا.

(1)

سُورَةُ الفَاتِحَةِ

بسم اللّه الرَّحْض الرحيم (1)

الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمين (2) الرَّحْمر الرجيم (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ 4 إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ 5 اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 7

مكية وآياتِها سَبْع

محل نزولها :

المعروف : أن هذه السورة مكية، وعن بعض أنها مدنية، والصحيح هو القول الأول، ويدل على ذلك أمران :

الأول : ان فاتحة الكتاب هي السبع المثاني (1)وقد ذكر في سورة الحجر أن السبع المثاني نزلت قبل ذلك، فقال تعالى :

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) «15 : 87».

وسورة الحجر مكية بلا خلاف، فلا بد وأن تكون فاتحة الكتاب مكية أيضاً.

الثاني : ان الصلاة شرعت في مكة، وهذا ضروري لدى جميع المسلمين ولم تعهد في الإسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب، وقد صرح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك بقوله : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وهذا الحديث منقول عن طريق الإمامية وغيرهم (2).


1) صرح بذلك في عدة من الروايات : منها رواية الصدوق والبخاري وسنذكرهما بعد هذا. (المؤلف) راجع التهذيب : 289/2، باب،13، الحدیث: 13 و صحيح البخاري : كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث: 4114 و 4334.

2) التهذيب: 146/2، باب 23، الحديث : 31 و صحيح البخاري : كتاب الأذان، رقم الحديث : 714.

وذهب بعض : إلى أنها نزلت مرتين، مرة في مكة، واخرى في المدينة تعظيماً لشأنها، وهذا القول محتمل في نفسه وإن لم يثبت بدليل، ولا يبعد أن يكون ه-و الوجه في تسميتها بالسبع المثاني، ويحتمل أن يكون الوجه هو وجوب الإتيان بها مرتين في كل صلاة : مرة في الركعة الأولى ومرة في الركعة الثانية.

فضلها :

كفى في فضلها : أن اللّه تعالى قد جعلها عدلاً للقرآن العظيم في آية الحجر المتقدمة، وأنه لا بد من قراءتها في الصلاة بحيث لا تغنى عنها سائر السور، وأن الصلاة هي عماد الدين، وبها يمتاز المسلم عن الكافر. «وسنبين - إن شاء اللّه تعالى - ما اشتملت عليه هذه السورة من المعارف الإلهية على اختصارها».

روى الصدوق باسناده عن الحسن بن علي - العسكري - عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ).

أنه قال :

بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها : بسم اللّه الرَّحمن الرّحيم سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : إن اللّه تعالى قال لي يا محمد : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمُثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ «15 : 87». فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش...» (1).)


1) تفسير البرهان : 1 / 26.

وروى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى، قال :«كنت أصلي فدعاني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فلم أجبه. قلت : يا رسول اللّه إني كنت اصلي. قال : ألم يقل اللّه : (اسْتَجِيبُوا للّه وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) «24 : 8». ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن تخرج من المسجد ؟ فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج، قلت : يا رسول اللّه إنك قلت ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن ؟ قال : الحمدُ للّه ربِّ العالمينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيته» (1).

آیاتها :

المعروف بين المسلمين : أن عدد آياتها سبع بل لا خلاف في ذلك وروي عن حسين الجعني : أنها ست، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان، وكلا القولين شاذ مخالف لما اتفقت عليه روايات الطريقين من أنها سبع آيات. وقد مر أنها المراد من السبع المثاني في الآية المتقدمة، فمن عدَّ البسملة آية ذهب إلى أن قوله تعالى : صِراطَ الذينَ أَنْعَمْتَ عليهم إلى آخر السورة آية واحدة. ومن لم يعدها آية ذهب إلى أن قوله تعالى : (غير المغضوب عَليْهمْ وَلَا الضَّالينَ) آية مستقلة.)### غاياتها :الغاية من السورة المباركة بيان حصر العبادة في اللّه سبحانه، والإيمان بالمعاد والحشر. وهذه هي الغاية القصوى من إرسال الرسول الأكرم وإنزال القرآن، فإن


1) صحيح البخاري : 103/6، كتاب فضائل القرآن، رقم الحديث : 4622، و مسند أحمد: مسند الشاميين، رقم الحدیث: 17177.

دين الإسلام قد دعا جميع البشر إلى الإيمان بالله وإلى توحيده :(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلَّا اللّه وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّنْ دُونِ اللّه «3 : 64». وإنه لا يستحق غيره لأن يُعبّد، فالبشر - وكل موجود مدرك - يجب أن يكون خضوعه وتوجهه اللّه وحده. وبرهان ذلك - في هذه السورة الكريمة - هو ان العاقل إنما يخضع لمن سواه ويعبده، ويتوجه اليه بحوائجه، إما لكمال في ذلك المعبود المستعان - والناقص مجبول على الخضوع للكامل - وإما لإحسانه وإنعامه عليه وإما لإحتياج الناقص في جلب منفعة أو دفع مضرة، وإما لقهر الكامل وسلطانه فيخضع

له خوفاً من مخالفته وعصيانه.

هذه هي الأسباب الموجبة للعبادة والخضوع وأيه-ا ينظر فيه العاقل يراه منحصراً في اللّه سبحانه. فالله هو المستحق للحمد، فانه المستجمع لجميع صفات الكمال، بحيث لا يتطرّق إلى ساحة قدسه شائبة نقص. والله هو المنعم على جميع العوالم الظاهرية والباطنية المجتمعة والمتدرجة، وهو مربّيها تكويناً وتشريعاً. واللّه هو المتصف بالرحمة الواسعة غير القابلة للزوال. والله هو المالك المطلق، والسلطان على الخلق بلا شريك ولا منازع. فهو المعبود بالحق لكماله وإنعامه ورحمته وسلطانه، فلا يتوجه الإنسان العاقل إلا إليه، ولا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، لأن ما سوى اللّه ممكن، والممكن محتاج في ذاته. والاستعانة والعبادة لا تكونان إلا للغني:

(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّه وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) «35 : 15».

وبعد أن أثبت تبارك وتعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء بقوله : «الحمدُ للّه رَبِّ العالمينَ. الرحمن الرحيم. مالكِ يومِ الدِّينِ» لقن عباده أن يقولوا بألسنتهم

وقلوبهم : «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».

ثم أشار تعالى إلى أحوال البشر بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإتمام الحجة عليهم، وأنهم قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام :

الأول : من شملته العناية الإلهية والنعم القدسية، فاهتدى إلى الصراط المستقيم. فسلكه إلى مقصده المطلوب وغايته القصوى، ولم ينحرف عنه يميناً ولا شمالاً.

الثاني : من ضل الطريق فانحرف يمنة ويسرة إلا أنه لم يعاند الحق، وإن ضلَّ عنه لتقصيره، وزعم أن ما اتبعه هو الدين، وما سلكه هو الصراط السوي.

الثالث : من دعاه حب المال والجاه إلى العناد فعاند الحق ونابذه، سواء أعرف الحق ثم جحده أم لم يعرفه. ومثل هذا - في الحقيقة - قد عبد هواه، كما أشار سبحانه اليه بقوله :

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ «45 : 22».

وهذا الفريق أشد كفراً من سابقه، فهو يستحق الغضب الإلهي بعناده زائداً على ما يستحقه بضلاله.

وبما أن البشر لا يخلو من حب الجاه والمال، ولا يؤمن عليه من الوقوع في الضلال، وغلبة الهوى ما لم تشمله الهداية الربانية، كما أشير إلى هذا في قوله تعالى:

(وَلَوْلا فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللّه يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) «24 : 21».

لقّن اللّه عبيده أن يطلبوا منه الهداية، وأن يقولوا : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فالعبد يطلب من ربه الهداية المختصة بالمؤمنين، وقد قال تعالى :

(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) «2 : 213».

ويسأله أن يدخله في زمرة من أنعم عليهم و في السالكين طريقتهم، كما أُشير اليه بقوله تعالى :

( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَكَّمِنْ هَدَيْنَا وَأَجْتَبَيْنا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) «19 : 85».

وأن لا يسلك طريق الطائفتين الزائغتين عن الهدى : «الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ».

خلاصة السورة :

إنه تعالى مجد نفسه بما يرجع إلى كمال ذاته، ومجدها بما يرجع إلى أفعاله من تربيته العوالم كلها، ورحمته العامة غير المنفكة عنه، وسلطانه يوم الحشر وهو يوم الجزاء، وهذا هو هدف السورة الاولى.

ثم حصر به العبادة والإستعانة، فلا يستحق غيره أن يعبد أو يستعان، وهذا هو هدفها الثاني.

ثم لقن عبيده أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الحياة الدائمة، والنعيم الذي لا زوال له، والنور الذي لا ظلمة بعده، وهذا هو هدفها الثالث.

ثم بيّن أن هذا الصراط خاص بمن أنعم اللّه عليهم برحمته وفضله، وهو يغاير صراط من غضب عليهم وصراط الآخرين الذين ضلوا الهدى، وهذا هو هدفها الرابع.

تحليل آية بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحيم

اللغة

الاسم :

في اللغة بمعنى العلامة، وهمزته همزة وصل، وليست من الحروف الأصلية. وفيه لغات كثيرة والمعروف منها أربع : اسم. سم. سم وكلاهما بكسر الاول وضمه، وهو مأخوذ من السمو «الارتفاع» باعتبار أن المعنى يرتفع به فيخرج من الخفاء الى الظهور، فان المعنى يحضر في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ بعد أن لم يكن فيه، أو باعبتار أن. اللفظ يرتفع بالوضع فيخرج من الاهمال الى الاستعمال. وقيل باشتقاقه من السمة «العلامة» وهو خطأ لأن جمع اسم أسماء، وتصغيره سمي، وعند النسبة اليه يقال : سموي واسمي وعند التعدية يقال : سميت وأسميت. ولوكان مأخوذاً من السمة لقيل في جمعه أوسام، وفي تصغيره وسيم، وفي النسبة اليه وسمي، وعند التعدية وسمت وأوسمت.

اللّه :

علم للذات المقدسة، وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية، قال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل ***وکل نعيم لا محالة زائل

وقال سبحانه :

(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه) «31 : 25».

ومن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ، ودليلنا على ذلك أمور:

الأول : التبادر، فإن لفظ الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة، ولا يشك في ذلك أحد، وبأصالة عدم النقل يثبت أنه كذلك في اللغة، وقد حققت حجيتها في علم الاصول.

الثاني : ان لفظ الجلالة - بما له من المعنى - لا يستعمل وصفاً، فلا يقال : العالم اللّه الخالق اللّه، على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه اللّه وهذه آية كون لفظ الجلالة جامداً، وإذا كان جامداً كان علماً لا محالة، فإن الذاهب إلى

أنه اسم جنس فسره بالمعنى الاشتقاقي.

الثالث : أن لفظ الجلالة لو لم يكن علماً لما كانت كلمة «لا إله إلا اللّه» كلمة توحيد، فإنها لا تدل على التوحيد بنفسها حينئذ، كما لا يدل عليه قول : لا إله إلا الرازق، أو الخالق، أو غيرهما من الألفاظ التي تطلق على اللّه سبحانه، ولذلك لا يقبل إسلام من قال إحدى هذه الكلمات.

الرابع : أن حكمة الوضع تقتضي وضع لفظ للذات المقدسة، كما تقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم، وليس في لغة العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها.

إن قلت :

إن وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصور كل منهما، وذات اللّه سبحانه يستحيل تصورها، لاستحالة إحاطة الممكن بالواجب، فيمتنع وضع لفظ لها، ولو قلنا بأن الواضع هو اللّه - وأنه لا يستحيل عليه أن يضع إسماً لذاته لأنه محيط بها - لما كانت لهذا الوضع فائدة لاستحالة أن يستعمله المخلوق في معناه فإن الاستعمال أيضاً يتوقف على تصور المعنى كالوضع، على أن هذا القول باطل في نفسه

قلت :

وضع اللفظ بإزاء المعنى يتوقف على تصوره في الجملة، ولو بالإشارة اليه، وهذا أمر ممكن في الواجب وغيره، والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته، وهذا لا يعتبر في الوضع ولا في الاستعمال، ولو اعتبر ذلك لا متنع الوضع والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا تمكن الاحاطة بكنهها : كالروح والملك والجن، ومما لا يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم الاشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة،

فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع لها، وبما أن الذات المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال، ولم يلحظ فيها - في مرحلة الوضع - جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال : لفظ الجلالة موضوع للذات المستجمعة لجميع صفات الكمال.

إن قلت :

إن كلمة «اللّه» لو كانت علماً شخصياً لم يستقيم معنى قوله عز اسمه : وَهُوَ اللّه فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ «6: 3».)وذلك لأنها لو كانت علماً لكانت الآية قد أثبتت له المكان وهو محال، فلا مناص من أن يكون معناه المعبود، فيكون معنى الآية : وهو المعبود في السماوات والأرضين.قلت :المراد بالآية المباركة أنه تعالى لا يخلو منه مكان، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض، ولا تخفى عليه منها خافية، ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر الآية الكريمة(يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ «6: 3».

وقد روى أبو جعفر وهو محمد بن نعمان في ظن الصدوق قال : «سألت أب--ا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه عز وجل : (وَهُوَ اللّه فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) «6: 3».

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

كذلك هو في كل مكان، قلت : بذاته ؟ قال : ويحك إن الأماكن أقدار، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك.

ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق : علماً وقدرة وإحاطة وسلطاناً...» (1).

والألف واللام : من كلمة الجلالة وإن كانت جزء منها على العلمية، إلا أن الهمزة فيها همزة وصل تسقط في الدرج، إلا إذا وقعت بعد حرف النداء، فتقول يا اللّه بإثبات الهمزة وهذا مما اختص به لفظ الجلالة، ولم يوجد نظيره في كلام العرب قط، ولا مضايقة في كون كلمة الجلالة من المنقول، وعليه فالأظهر أنه مأخوذ من كلمة «لاه» بمعنى الإحتجاب والإرتفاع، فهو مصدر مبني للفاعل، لأنه سبحانه هو المرتفع حقيقة الارتفاع التي لا يشوبها انخفاض، وهو في غاية ظهوره - بآثاره و آياته - محتجب عن خلقه بذاته، فلا تدركه الأبصار ولا تصل إلى كنهه الأفكار

فيك يا أعجوبة الكو ***ن غدا الفكر كليلا

أنت حيرت ذوي ***اللب وبلْبَلْتَ العُقولا

كلما أقدم فكري ***فيك شبراً فرَّ ميلا

ناكصاً يخبط في عشواء ***لا يهدي السبيلا

ولا موجب للقول باشتقاقه من «أله» بمعنى عبد، أو «أله» بمعنى تحير ليكون الإله مصدراً بمعنى المفعول - ككتاب - فانه التزام بما لا يلزم.

الرحمن :

مأخوذ من الرحمة، ومعناها معروف، وهي ضد القسوة والشدة. قال اللّه تعالى :

(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ 48: 29. إِعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ


1) تفسير البرهان : 1 / 315.

اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ «5 : 98».

وهي من الصفات الفعلية، وليست رقة القلب مأخوذة في مفهومها، بل هي من لوازمها في البشر. فالرحمة - دون تجرُّد عن معناها الحقيقي - من صفات اللّه الفعلية كالخلق والرزق، يوجدها حيث يشاء. قال عزوجل

(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمَكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ 17 : 54. يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ 29 : 21).

حسب ما تقتضيه حكمته البالغة. وقد ورد في الآيات طلب الرحمة من اللّه سبحانه»

(وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) «23 : 118».

وقال غير واحد من المفسرين وبعض اللغويين : إن صيغة الرحمن مبالغة في الرحمة، وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة، سواء أكانت هيئة فعلان مستعملة في المبالغة أم لم تكن، فان كلمة «الرحمن» في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلق فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شيء. ومما يدلنا على ذلك أنه لا يقال : إن اللّه بالناس أو بالمؤمنين لرحمن، كما يقال : إن اللّه بالناس أو بالمؤمنين لرحيم.

وكلمة «الرحمن» بمنزلة اللقب من اللّه سبحانه، فلا تطلق على غيره تعالى ومن أجل ذلك استعملت في كثير من الآيات الكريمة من دون لحاظ مادتها قال سبحانه :

(قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ 36: 15. إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ : 23. هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ : 52. مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ 67: 3).

ومما يقرب اختصاص هذا اللفظ به قوله تعالى :

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) «19 : 65».

فان الملحوظ أن اللّه تعالى قد اعتنى بكلمة «الرحمن» في هذه السورة «مريم» حتى كررها فيها ست عشرة مرة. وهذا يقرّب أن المراد بالآية الكريمة أنه ليس اللّه سمى بتلك الكلمة.

الرحيم :

صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة. ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل غالباً في الغرائز واللوازم غير المنفكة عن الذات : كالعليم والقدير والشريف، والوضيع والسخي والبخيل والعلي والدني. فالفارق بين الصفتين : أن الرحيم يدل على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها، والرحمن يدل على ثبوت الرحمة فقط. ومما يدل على أن الرحمة في كلمة «رحيم» غريزة وسجية : أن هذه الكلمة لم ترد في القرآن عند ذكر متعلقها إلا متعدية بالباء، فقد قال تعالى :

(إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ 2 : 143. وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) «33: 43».

فكأنها عند ذكر متعلقها انسلخت عن التعدية إلى اللزوم. وذهب الآلوسي إلى أن الكلمتين ليستا من الصفات المشبهة، بقرينة إضافتها إلى المفعول في جملة : «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما». والصفة المشبهة لابد من أن تؤخذ من اللازم (1).

وهذا الاستدلال غريب، لأن الإضافة في الجملة المذكورة ليست من الإضافة


1) تفسير الآلوسي : 1 / 59.

إلى المفعول بل هي من الإضافة إلى المكان أو الزمان. ولا يفرق فيها بين اللازم والمتعدي.

ثم إنه قد ورد في بعض الروايات : أن «الرحمن» اسم خاص ومعناه عام وأما لفظ «الرحيم» فهو اسم عام، ومعناه خاص ومختص بالآخرة أو بالمؤمنين(1)إلا أنه لا مناص من تأويل هذه الروايات أو طرحها، لمخالفتها الكتاب العزيز، فانه قد استعمل فيه لفظ «الرحيم» من غير اختصاص بالمؤمنين أو بالآخرة ففي الكتاب العزيز :

(فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 14 : 36. نَبيُّء عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 15 : 49. إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ 22 : 65. رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً 17 : 66. وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّه كَانَ غَفُوراً رَحِيماً 33 : 24).

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، وفي بعض الأدعية والروايات : رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها (2).

ويمكن أن يوجه هذا الإختصاص بأن الرحمة الإلهية إذا لم تنته إلى الرحمة في الآخرة، فكأنها لم تكن رحمة (3). وم-ا ج-دوى رحمة تكون عاقبتها العذاب والخسران ؟ فإن الرحمة الزائلة تندك أمام العذاب الدائم لا محالة، وبلحاظ ذلك صح أن يقال : الرحمة مختصة بالمؤمنين أو بالآخرة.


1) تفسير الطبري : 1 / 43، وتفسير البرهان : 1 / 28.

2) الصحيفة السجادية في دعائه اللّه في استكشاف الهموم، و بحار الأنوار : 89 / 383، باب 4، الحديث: 68، في الدعاء بعد صلاة الأعرابي، ومستدرك الحاكم : 1 / 155.

3) اشير إلى ذلك في بعض الأدعية المأثورة.

الإعراب

ذهب بعضهم إلى أن متعلق الجار والمجرور هو أقرأ، أو إقرأ، أو أقول، أو قل، وقال بعض : متعلقة أستعين، أو استعن، وذهب آخرون إلى تعلّقه بأبتدىء، والوجهان الأولان باطلان :

أما الوجه الأول : فلأن مفعول القراءة أو القول - ه-ن-ا - يجب أن يكون هي الجملة بما لها من المعنى، فلا مناص من تقدير كلمة أخرى، لتكون الجملة بما لها من المتعلق مقولاً للقول.

وأما الوجه الثاني : فلأن الاستعانة تستحيل أن تكون من اللّه تعالى، لغناه عن الاستعانة حتى بأسمائه الكريمة، والاستعانة من الخلق إنما تكون بالله لا باسمائه وقد نص تعالى على ذلك بقوله : «إِيَّاكَ نستعينُ» فتعين أن يكون متعلق الجار والمجرور هو أبتدىء، وإضافة الاسم إلى اللّه ليست بيانية، ليكون المراد من قوله : «اللّه الرحمن الرحيم» ألفاظها فإنه بعيد جداً، ويضاف إلى ذلك : أنه لو كان المراد نفس هذه الألفاظ فإن أريد مجموعها، فهو ليس من الأسماء الإلهية، وإن أريد كل على انفراده، احتيج إلى العاطف، فتكون الجملة هكذا : «بسم اللّه والرَّحمن والرَّحيم» إذاً فالإضافة معنوية لا محالة، وكلمة «اللّه» مستعملة في معناها.

التفسير

لما كانت سور القرآن قد أُنزلت لسوق البشر إلى كماله الممكن، وإخراجه من ظلمات الشرك والجهالة إلى نور المعرفة والتوحيد، ناسب أن يبدأ في كل سورة باسمه الكريم، فإنه الكاشف عن ذاته المقدسة، والقرآن إنما انزل ليعرف ب-ه اللّه

سبحانه، واستثنيت من ذلك سورة براءة، فإنها بدأت بالبراءة من المشركين ولهذا الغرض انزلت، فلا يناسبها ذكر اسم اللّه ولا سيما مع توصيفه بالرحمن الرحيم (1).

وعلى الجملة : ابتدأ اللّه كتابه التدويني بذكر اسمه، كما ابتدأ في كتابه التكويني باسمه الأتم، فخلق الحقيقة المحمدية ونور النبي الأكرم قبل سائر الخلوقين، وإيضاح هذا المعنى : أن الإسم هو ما دل على الذات، وبهذا الاعتبار تنقسم الأسماء الإلهية إلى قسمين : تكوينية، وجعلية. فالأسماء الجعلية هي الألفاظ التي وضعت للدلالة على الذات المقدسة، أو على صفة من صفاتها الجمالية والجلالية، والأسماء التكوينية هي الممكنات الدالة بوجودها على وجود خالقها وعلى توحيده :

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ 52 : 35. لَوْ كَانَ فِيها آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدتا 21 : 22).

ففي كل شيء دلالة على وجود خالقه وتوحيده، وكما تختلف الأسماء الإلهية اللفظية من حيث دلالتها، فيدل بعضها على نفس الذات بما لها من صفات الكمال، ويدل بعضها على جهة خاصة من كمالاتها على اختلاف في العظمة والرفعة فكذلك تختلف الأسماء التكوينية من هذه الجهة، وإن اشترك جميعها في الكشف عن الوجود والتوحيد، وعن العلم والقدرة وعن سائر الصفات الكمالية.

ومنشأ اختلافها: أن الموجود إذا كان أتم كانت دلالته أقوى، ومن، ومن هنا صح إطلاق الأسماء الحسنى على الأئمة الهداة، كما في بعض الروايات (2). فالواجب جل وعلا قد ابتدأ في أكمل كتاب من كتبه التدوينية بأشرف الألفاظ وأقربها إلى اسمه


1) روی ابن عباس قال سألت علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم لم تكتب في براءة بسم اللّه الرحمن الرحيم ؟ قال : لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان، المستدرك : 2 / 33.

2) الكافى : 1 / 130، الحديث : 2. و تفسير البرهان. 1 : 377.

الأعظم من ناظر العين إلى بياضها (1)كما بدأ في كتابه التكويني باسمه الأعظم في عالم الوجود العيني (2)، وفي ذلك تعليم البشر بأن يبتدؤوا في أقوالهم وأفعالهم باسمه تعالى.

روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال :

«كل كلام أو أمر ذي بال لم يفتح بذكر اللّه عز وجل فهو أبتر، أو قاطع أقطع» (3).

و عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن اللّه عز وجل :

«كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم اللّه فهو أبتر»(4).


1) التهذيب: 12 / 289، باب،13، رقم الحديث : 15، و المستدرك للحاكم : 1 / 552، و كنزل العمال : 2/ 190. انظر التعليقة رقم (12) المعرفة أهمية البسملة - في قسم التعليقات.

2) انظر التعليقة رقم (12) لمعرفة كتابه التكوينى بماذا بدأه به - في قسم التعليقات.

3) مسند أحمد : 2/ 359، باقي مسند المكثرين، رقم الحديث: 8355.

4) بحار الأنوار : 305/76، باب 58، الحدیث: 1، 1921 / 242، الحديث باب 29، 48.

البحث الاوّل: حول آية البسملة

•

ذكر الرحمة بدء القرآن.

•

ذكر الرحيم بعد الرحمن.

•

هل البسملة من القرآن ؟

ذكر الرحمة بدء القرآن :

قد وصف اللّه تعالى نفسه بالرحمة في ابتداء كلامه دون سائر صفاته الكمالية، لأن القرآن إنما نزل رحمة من اللّه لعباده. ومن المناسب أن يبتدأ بهذه الصفة التي اقتضت إرسال الرسول و إنزال الكتاب. وقد وصف اللّه كتابه ونبيه بالرحمة في آيات عديدة، فقد قال تعالى :

(هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 7: 203. وَشِفَاءٌ لما فِي الصُّدُورِ وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 10 : 57. وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْنَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ 16 : 89. وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 17 : 82. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ 21 : 107. وَإِنَّهُ لَهُدى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 27 : 77).

ذكر الرحيم بعد الرحمن :

قد عرفت أن هيئة فعيل تدلّ على أن المبدأ فيها من الغرائز والسجايا غير

المنفكة عن الذات (1). وبذلك تظهر نكتة تأخير كلمة «الرحيم» عن كلمة «الرحمن» فإن هيئة «الرحمن» تدل على عموم الرحمة وسعتها ولا دلالة لها على أنها لازمة للذات، فأتت كلمة «الرحيم» بعدها للدلالة على هذا المعنى.

وقد اقتضت بلاغة القرآن أن تشير إلى كلا الهدفين في هذه الآية المباركة، فالله رحمن قد وسعت رحمته كل شيء وهو رحيم لا تنفك عنه الرحمة.

وقد خفي الأمر على جملة من المفسرين، فتخيلوا أن كلمة «الرحمن» أوسع معنى من كلمة «الرحيم» بتوهم أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني. وهذا التعليل ينبغي أن يعد من المضحكات، فإن دلالة الألفاظ تتبع كيفية وضعها، ولا صلة لها بكثرة الحروف وقلتها. ورب لفظ قليل الحروف كثير المعنى، وبخلافه لفظ آخر، فكلمه حذر تدل على المبالغة دون كلمة حاذر، وإن كثيراً ما يكون الفعل المجرد والمزيد فيه بمعنى واحد، كضر وأضرَّ.

هذا إذا فرضنا أن يكون استعمال كلمة «الرحمن» استعمالاً اشتقاقياً وأما بناءً على كونها من أسماء اللّه تعالى وبمنزلة اللقب له نقلاً عن معناها اللغوي - وقد تقدم إثبات ذلك - فإن في تعقيبها بكلمة «الرحيم» زيادة على ما ذكر إشارة إلى سبب النقل، وهو اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة.

هل البسملة من القرآن ؟

اتفقت الشيعة الإمامية على أن البسملة آية من كل سورة بدأت بها، وذهب اليه ابن عباس، وابن المبارك، وأهل مكة كابن كثير، وأهل الكوفة كعاصم،


1) مر ذلك فى الصفحة 430 من هذا الكتاب.

والكسائي، وغيرهما ما سوى حمزة وذهب اليه أيضاً غالب أصحاب الشافعى (1)وجزم به قرّاء مكة والكوفة (2)، وحكي هذا القول عن ابن عمر، وابن الزبير وأبي هريرة، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، واسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام(3)وعن البيهقي نقل هذا القول عن الثوري ومحمد بن كعب (4)، واختاره الرازي في تفسيره ونسبه إلى قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز، وإلى ابن المبارك والثوري، واختاره أيضاً جلال الدين السيوطي مدعياً تواتر الروايات الدالة عليه معنى (5).

وقال بعض الشافعية وحمزة : «إنها آية من فاتحة الكتاب خاصة دون غيرها ونسب ذلك إلى أحمد بن حنبل، كما نسب اليه القول الأول (6).

وذهب جماعة : منهم مالك، وأبو عمرو، ويعقوب إلى أنها آية فذة وليست جزء من فاتحة الكتاب ولا من غيرها، وقد انزلت لبيان رؤوس السور تيمناً، وللفصل بين السورتين، وهو مشهور بين الحنفية (7).

غير أن أكثر الحنفية ذهبوا إلى وجوب قراءتها في الصلاة قبل الفاتحة وذكر الزاهدي عن المجتبى أن وجوب القراءة في كل ركعة هي الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة (8).


1) تفسير الآلوسى : 1/ 39.

2) تفسير الشوكاني : 1 / 7.

3) تفسير ابن كثير : 1 / 16.

4) تفسير الخازن : 1 / 13.

5) الاتقان : 1 / 135، 136 النوع 22 - 27.

6) تفسير الآلوسي : 1 / 39.

7) نفس المصدر.

8) نفس المصدر.

وأما مالك فقد ذهب إلى كراهة قراءتها في نفسها، واستحبابها لأجل الخروج من الخلاف (1).

أدلة جزئية البسملة للقرآن :

وفي هذه المسألة أقوال أخر شاذة لا فائدة في التعرض لها، ولكن المهم بيان الدليل على المذهب الحق ويقع ذلك في عدة أمور :

1 - أحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ):

وهي الروايات الصحيحة المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الصريحة في ذلك وبها الكفاية عن تجشم أي دليل آخر بعد أن جعلهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عدلاً للقرآن في وجوب التمسك بهموالرجوع اليهم (2):

1 - عن معاوية بن عمار قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا قمت للصلاة أقرأ بسم اللّه الرحمن الرَّحيم في فاتحة القرآن ؟ قال : نعم. قلت : فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم اللّه الرَّحمن الرحيم مع السورة، قال : نعم» (3).

2 - عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال :

«كتبت إلى أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ : يبسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أُم الكتاب فلما صار إلى غير أمّ الكتاب من السورة تركها ؟ فقال العباسي


1) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 257.

2) تقدم بعض مصادر هذا الحديث فى الصفحة «18، 397» من هذا الكتاب.

3) الكافي : 23 / 312، الحديث: 1، والاستبصار : 1 / 311، باب 170، الحدیث : 2.

ليس بذلك بأس، فكتب بخطه : يعيدها - مرتين - على رغم أنفه» يعني العباسي (1).

3 - وفي صحيحة ابن أبى أذينة:

«.. فلما فرغ من التكبير والإفتتاح أوحى اللّه اليه سمّ باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أول السورة ثم أوحى اللّه اليه أن احمدني فلما قال : الحمد للّه رب العالمين، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نفسه شكراً فأوحى اللّه عزوجل إليه قطعت حمدي فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل في الحمد : الرحمن الرحيم مرتين، فلما بلغ ولا الضالين قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحمد للّه ربِّ العالمين شكراً فأوحى اللّه اليه قطعت ذكري فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أول السورة ثم أوحى اللّه عزوجل اليه إقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى (قل هو اللّه أحد اللّه الصَّمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) (2).

2 - أحاديث أهل السنة :

وقد دلت على ذلك أيضاً روايات كثيرة من طرق أهل السنة نذكر جملة منها:

1 - ما رواه أنس قال :

بينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة


1) الكافى : 3/ 313، الحديث : 2، والتهذيب: 2 / 69، باب 23، الحديث : 20.

2) الكافي : 3 / 485، الحديث : 1.

ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا : ما أضحكك يا رسول اللّه ؟ قال : أُنزلت عليّ آنفاً سورة فقراً : بسم اللّه الرحمن الرحيم إن--ا أعطيناك الكوثر....» (1).

2 - ما أخرجه الدار قطني بسند صحيح عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«أنه سئل عن السبع المثاني، فقال : الحمد للّه رب العالمين فقيل له : إنما هي ست آيات، فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم آية»(2).

3 - ما أخرجه الدار قطني أيضاً بسند صحيح عن أبي هريرة قال :

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الرحمن الرحيم فانها أُمّ القرآن، وأُم الكتاب، والسبع المثاني. وبسم اللّه الرحمن الرحيم إحدى آياتها» (3).

4 - ما أخرجه ابن خزيمة والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال :

«السبع المثاني فاتحة الكتاب. قيل : فأين السابعة ؟ قال : بسم اللّه الرحمن الرحيم» (4).

5 - ما أخرجه ابن خزيمة والبيهقي في المعرفة بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :


1) صحیح مسلم : کتاب الصلاة، رقم الحديث : 607. و سنن النسائي : 1 / 143، كتاب الافتتاح رقم الحديث: 894. و سنن أبي داود : 1 / 125، كتاب السنة، رقم الحديث : 4122.

2) الاتقان : 1 / 136، النوع 22 - 27، ورواهما البيهقي في سننه : 2 / 45، باب الدليل على أن البسملة آية تامة.

3) نفس المصدر السابق.

4) نفس المصدر، ورواه الحاكم في المستدرك : 1 / 551.

«استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن : بسم اللّه الرحمن الرحيم»(1).

6 - ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :

«كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم اللّه الرحمن الرحيم، فإذا نزلت بسم اللّه الرحمن الرحيم علموا أن السورة قد انقضت» (2).

7 - ما رواه سعيد عن ابن عباس :

«أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم علم أن ذلك سورة» (3).

8 - ما رواه ابن جريح قال :

«أخبرني أبي أن سعيد بن جبير أخبره، قال : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني قال : هي أُمّ القرآن، قال أبي : وقرأ علي سعید بن جبير بسم اللّه الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال سعيد بن جبير : وقرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك، ثم قال : بسم اللّه الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال ابن عباس : فأخرجها اللّه لكم وما أخرجها لأحد قبلكم.» (4).

إلى غير ذلك من الروايات. ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع مظانها.


1) نفس المصدر ص 135، ورواه البيهقي في سننه 2 / 50، باب افتتاح القراءة في الصلاة.

2) مستدرك الحاكم : 10 / 232، قال الحاكم : هذا صحيح على شرط الشيخين.

3) مستدرك الحاكم : 1 / 231.

4) نفس المصدر السابق : ص 550 کتاب فضائل القرآن.

الروايات المعارضة :

وليس بإزاء هذه الروايات إلا روايتان دلتا على عدم جزئية البسملة للسورة:

1 - إحداهما : رواية قتادة عن أنس بن مالك، قال :

صليت مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم (1).

2 - ثانيتهما : مارواه ابن عبداللّه بن مغفل يزيد بن عبداللّه، قال :

«سمعني أبي وأنا أقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال : أي بني ! إياك قال : ولم أرَ أحداً من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان أبغض اليه حدثاً في الإسلام منه، فإني قد صليت مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومع أبي بكر وعمر، ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت قرأت فقل : الحمد للّه رب العالمين» (2).

والجواب عن الرواية الاولى : مضافاً الى مخالفتها للروايات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : أنها لا يمكن الاعتماد عليها من وجوه :

الوجه الأول : معارضتها بالروايات المتواترة معنى، المنقولة عن طرق أهل السنة، ولا سيما أن جملة منها صحاح الأسانيد، فكيف يمكن تصديق هذه الرواية ؟


1) صحیح مسلم کتاب الصلاة، رقم الحديث : 605، و مسند أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم الحديث 12345 و 13386.

2) سنن ابن ماجة : كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم الحديث : 807 مسند أحمد : مسند المدنيين، رقم الحديث : 16184. ورواه الترمذي : 43/20 باختلاف يسير، باب ماجاء في ترك الجهر بالبسملة رقم الحديث 227.

مع شهادة ابن عباس، وأبي هريرة، وأم سلمة على أن رسول اللّه كان يقرأ البسملة وبعدها آية من الفاتحة، وإن ابن عمر كان يقول : لم كتبت إن لم تقرأ !» وإن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)كان يقول : «من ترك قراءتها فقد نقص» وكان يقول : «هي تمام السبع المثاني» (1).

الوجه الثاني : مخالفتها لما اشتهر بين المسلمين من قراءتها في الصلاة، حتى أن معاوية تركها في صلاته في يوم من أيام خلافته، فقال له المسلمون : «أسرقت أم نسیت؟» (2).

ومع هذا كيف يمكن التصديق بأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن بعده لم يقرؤوها!

الوجه الثالث : مخالفتها لما استفاض نقله عن أنس نفسه (3)فالرواية موضوعة ما في ذلك من شك.

والجواب عن الرواية الثانية و هي رواية ابن عبداللّه بن مغفل - يظهر مما تقدم في الجواب عن الرواية الاولى، على أنها تضمنت ما يخالف ضرورة الإسلام، فإنه لا يشك أحد من المسلمين في استحباب التسمية قبل الحمد والسورة، ولو بقصد التيمن والتبرك، لا لأن البسملة جزء فكيف ينهى ابن مغفل عنها بدعوى أنها حدث في الإسلام ؟!

3 - سيرة المسلمين :

لقد استقرت سيرة المسلمين على قراءة البسملة فى أوائل السور غير سورة براءة، وثبت بالتواتر أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقرؤها، ولو لم تكن من القرآن للزم


1) انظر التعليقة رقم (14) لمعرفة أن البسملة جزء من القرآن بشهادة جملة من الأحاديث في قسم التعليقات.

2) انظر التعليقة رقم (15) قصة نسيان معاوية لقراءة البسملة واعتراض المسلمين عليه في قسم التعليقات.

3) انظر التعليقة رقم (16) للوقوف على أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقرأ البسملة في كل صلاة، ثم توجيه رواية أنس - في قسم التعليقات.

على الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يصرح بذلك، فإن قراءته - وهو في مقام البيان - ظاهرة في أن جميع ما يقرأ قرآن، ولو لم يكن بعض ما يقرأ قرآناً ثم لم يصرح بذلك لكان ذلك منه إغراء منه بالجهل وهو قبيح، وفي ما يرجع إلى الوحي الإلهي أشد قبحاً، ولو صرّح الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك لنقل الينا بالتواتر مع أنه لم ينقل حتى بالآحاد.

4 - مصاحف التابعين والصحابة :

مما لا ريب فيه أن مصاحف التابعين والصحابة - قبل جمع عثمان وبعده - كانت مشتملة على البسملة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبتوها في مصاحفهم، فان الصحابة منعت أن يدرج في المصحف ما ليس من القرآن، حتى أن بعض المتقدمين منعوا عن تنقيط المصحف وتشكيله. فإثبات البسملة في مصاحفهم شهادة منهم بأنها من القرآن كسائر الآيات المتكررة فيه.

وما ذكرناه يبطل احتمال أن إثباتهم إياها كان للفصل بين السور. ويبطل هذه الدعوى أيضاً إثبات البسملة في سورة الفاتحة، وعدم إثباتها في أول سورة براءة ولو كانت للفصل بين السور، لأثبتت في الثانية، ولم تثبت في الاولى. وذلك يدلنا قطعاً على أن البسملة آية منزلة في الفاتحة دون سورة براءة.

أدلة نفاة جزئية البسملة

واستدلَّ القائلون بأن البسملة ليست جزء من السورة بوجوه :

الوجه الأول :

أن طريق ثبوت القرآن ينحصر بالتواتر، فكل ما وقع النزاع في ثبوته فهو ليس

من القرآن، والبسملة مما وقع النزاع فيه

والجواب أولاً :

أن كون البسملة من القرآن ما تواتر عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا فرق في التواتر بين أن يكون عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين أن يكون عن أهل بيته الطاهرين بعد أن ثبت وجوب اتباعهم.

وثانياً : إن ذهاب شرذمة إلى عدم كون البسملة من القرآن لشبهة لا يضر بالتواتر، مع شهادة جمع كثير من الصحابة بكونها من القرآن، ودلالة الروايات المتواترة عليه معنى.

وثالثاً : أنه قد تواتر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اقرأ البسملة حينما يقرأ سورة من القرآن وهو في مقام البيان، ولم يبين أنها ليست منه وهذا يدل دلالة قطعية على أن البسملة من القرآن نعم لا يثبت بهذا أنها جزء من السورة. ويكفي لإثباته ما تقدم من الروايات، فضلاً عما سواها من الأخبار الكثيرة المروية من الطريقين. والجزئية تثبت بخبر الواحد الصحيح، ولا دليل على لزوم التواتر فيها أيضاً.

الوجه الثاني : ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة قال:

«سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : قال اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل : فإذا قال العبد: (الحمد للّه رب العالمين) قال اللّه تعالى : حمدني عبدي، وإذا قال : (الرحمن الرحيم)، قال : أثنى عليَّ عبدي وإذا قال: (مالكِ يوم الدين)، قال اللّه تعالى : مجدني عبدي، وإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال اللّه تعالى : هذا بيني)

وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال : (اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قال : هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» (1). وتقريب الاستدلال في هذه الرواية أنها تدل - بظاهرها - على أن ما بعد آية إياك نعبد وإياك نستعين يساوي ما قبلها في العدد، ولو كانت البسملة جزء من الفاتحة لم يستقم معنى الرواية، وذلك : لأن سورة الفاتحة - كما عرفت - سبع آيات، فإن كانت البسملة جزءً كان ما بعد آية : (إياك نعبد وإياك نستعين) آيتين، ومعنى ذلك أن ما قبل هذه الآية ضعف ما بعدها، فالفاتحة لا تنقسم إلى نصفين في العدد.

والجواب عنه أولاً :

أن الرواية مروية عن العلاء، وقد اختلف فيه بالتوثيق والتضعيف.

وثانياً : أنه لو تمت دلالتها، فهي معارضة بالروايات الصحيحة المتقدمة الدالة على أن الفاتحة سبع آياتمع البسملة لا بدونها.

وثالثاً : إنه لا دلالة في الرواية على أن التقسيم بحسب الألفاظ، بل الظاهر انه بحسب المعنى، فالمراد أن أجزاء الصلاة بين ما يرجع إلى الرب وما يرجع إلى العبد بحسب المدلول.

ورابعاً : أنه لو سلمنا أن التقسيم هو بحسب الألفاظ فأي دليل على انه بحسب الآيات، فلعله باعتبار الكلمات، فان الكلمات المتقدمة على آية (إياك نعبد وإياك نستعين) والمتأخرة عنها، مع احتساب البسملة وحذف المكررات عشر كلمات.


1) صحیح مسلم : كتاب الصلاة، رقم الحديث : 598 وسنن أبي داود : كتاب الصلاة، رقم الحديث : 699 وسنن النسائي : كتاب الافتتاح، رقم الحديث : 900.

الوجه الثالث : ما رواه أبو هريرة من أن سورة الكوثر ثلاث آيات (1)، وأن سورة الملك ثلاثون آية (2)فلو كانت البسملة جزءً منها، لزاد عددهما على ذلك.

والجواب :

إن رواية أبي هريرة في سورة الكوثر على فرض صحة سندها معارضة برواية أنس، وقد تقدمت (3)وهي رواية مقبولة روتها جميع الصحاح غير موطأ مالك(4)فرواية أبي هريرة مطروحة أو مؤلة بإرادة الآيات المختصة، فإن البسملة مشتركة بين جميع السور، وهذا هو جواب روايته في سورة الملك.


1) لم أعثر على هذه الرواية في كتب الروايات. (المؤلف) لكن في صحيح البخاري، عن ابن شبرمه : «نظرت كم يكف الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات...» كتاب فضائل القرآن، رقم الحديث: 4663.

2) مستدرك الحاكم : 1 / 565، وصحيح الترمذي : 11 / 30، كتاب فضائل القرآن، رقم الحديث: 2816. وكنز العمال : 12 / 516، 525 فضائل السور والآيات.

3) فى الصفحة 454 من هذا الكتاب.

4) تيسير الوصول : 1 / 199.

تحليل آية الحمد للّه: القرائة

(2)

تحليل آية

(الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4))

القراءة

المشهور على ضم الدال من كلمة «الحمد»، وكسر اللام من كلمة «اللّه» وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعاً له لما بعده، وقرأ بعضهم بضم اللام إتباعاً له لما قبله وكلتا القراءتين شاذة لا يعتنى بها.

واختلفت القراءات في كلمة مالك، والمعروف منها اثنتان : إحداهما على زنة «فاعل» وثانيتهما على زنة «كيف». وقرأ بعضهم على زنة «فَلْس» وقرأ بعضهم على زنة «فعيل». وقرأ أبو حنيفة بصيغة الماضي، وغير الاوليين من القراءات شاذ لا اعتبار به.

وجوه ترجيح القراءتين :

وقد ذكروا لترجيح كل واحدة من القراءتين الاوليين «زنة فاعِل وفعل» على الأخرى وجوهاً، منها:

1 - ان مفهوم مالك أوسع وأشمل، فإذا قيل : مالك القوم استفيد منه كونه ملكاً لهم. وإذا قيل : مَلِكُ القوم لم يستفد منه كونه مالكهم، فقراءة مالك أرجح من قراءة ملك.

2 - ان الزمان لا تضاف اليه كلمة مالك غالباً، وإنما تضاف اليه كلمة ملك فيقال: ملك العصر، وملوك الأعصار المتقدمة، فقراءة ملك أرجح من قراءة مالك

عدم جدوى الترجيح :

والصحيح أن الترجيج في القراءات المعروفة لا محصل له، فإن القراءات إن ثبت تواترها عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلا معنى للترجيح ما بينها، وإن لم يثبت كما هو الحق (1)فإن أوجب الترجيح الجزم ببطلان القراءة المرجوحة فهو، ودون إثباته خرط القتاد. وإن لم يوجب ذلك - كما هو الغالب - فلا فائدة في الترجيح بعد ان ثبت جواز القراءة بكل واحدة منها (2).

والترجيح في المقام باطل على الخصوص، فإن اختلاف معنى مالك ومعنى ملك إنما يكون إذا كان الملك - السلطنة والجدة - أمراً اعتبارياً فإنه يختلف حينئذ باختلاف موارده، وهذا الاختلاف يكون في غير اللّه تعالى، وأما ملك اللّه سبحانه فإنه حقيقي ناشئ عن إحاطته القيُّوميّة بجميع الموجودات، فهذه الإحاطة بذاتها منشأ صدق مالك وملك عليه تعالى مالك وملك عليه تعالى، ومن ذلك يتضح أن نسبة مالك إلى الزمان إذا لم تصح في غير اللّه فلا يلزمها عدم صحتها فيه سبحانه فهو مالك للزمان كما هو مالك لغيره.


1) تقدمت أدلة ذلك فى الصفحة 144 من هذا الكتاب.

2) تقدم بيان ذلك في الصفحة 159 من هذا الكتاب.

وقد يقال :

إضافة مالك إلى يوم الدين إضافة لفظية لا تفيد التعريف فلا يصح أن تقع الجملة وصفاً للمعرفة، فالمتعين قراءة ملك، فإن المراد به السلطان وهو في حكم الجامد، و إضافته معنوية.

وأُجيب عنه في الكشاف و غيره: بأن إضافة اسم الفاعل ونحوه تكون لفظية إذا كان بمعنى الحال والاستقبال، ومعنوية إذا كان بمعنى الماضي أو أُريد به الدوام.

ومن الأول قوله تعالى :

(الْحَمْدُ للّه فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) «35 : 1».

ومن الثاني قوله تعالى :

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّه الْعَزِيزِ الْعَلِيم غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) «40: 3».

والمقام من قبيل الثاني، فإن مالكيته تعالى ليوم الدين صفة ثابتة له لا تختص بزمان دون زمان، فیصح كون الجملة صفة للمعرفة.

والتحقيق: إن الإضافة مطلقاً لا تفيد تعريفاً، وإنما تفيد التخصيص والتضييق والتعريف إنما يستفاد من عهد خارجي.

ودليل ذلك :

انه لا فرق بالضرورة بين قولنا غلام لزيد و قولنا غلام زيد فكما أن القول الأول لا يفيد إلا التخيص كذلك القول الثاني، والتخصيص يتحقق في موارد الإضافة اللفظية كما يتحقق في موارد الإضافة المعنوية.

والفارق : أن التخصيص في الاولى لم ينشأ من الإضافة، بل هو حاصل بدونها، وأن الاضافة لم تفد إلا التخفيف إلا أن هذا لا يوجب أن لا يقع المضاف فيها صفة للمعرفة، فإن المصحح لذلك إن كان هو التخصيص فهو موجود في مواردها، وإن كان هو التعريف الحاصل من العهد الخارجي فهو مشترك بين الإضافتين معاً، فلا فرق في مقام الثبوت، وبلحاظ ذات المعنى بين موارد الإضافتين.

وجميع ما ذكروه لا يرجع إلى محصل : نعم يبقى الكلام في مقام الإثبات، وقد ادعي الاتفاق على أن المضاف بالإضافة اللفظية لا يقع صفة لمعرفة إذا كان المضاف من الصفات المشبهة، وأما غيرها فقد نقل سيبوية، عن يونس والخليل وقوعه صفة للمعرفة في كلام العرب كثيراً (1)وعليه يحمل ما ورد في القرآن من ذلك، كما في المقام.

وأما قول الكشاف : إن اسم الفاعل هنا بمعنى الاستمرار فهو واضح البطلان فإن إحاطة اللّه تعالى بالموجودات، ومالكيته لها وإن كانت استمرارية إلا أن كلمة مالك في الآية المباركة قد أضيفت إلى يوم الدين، وهو متأخر في الوجود، فلا بد من أن يكون اسم الفاعل المضاف اليه بمعنى الاستقبال.

و أما التفرقة التي ذكرها بعضهم في اسم الفاعل المضاف - بين ما إذا كان بمعنى الماضي فيصح وقوعه صفة للمعرفة، وبين غيره فلا يصح، لأن حدوث الشيء يوجب تعيّنه - فهي بيّنة الفساد، فإن حدوث الشيء لا يستلزم - في الغالب - العلم به، وإذا كانت العبرة بالعلم الشخصي فلا فرق بين تعلقة بالماضي وتعلقة بغيره.

والحاصل إن المتبع في الكلام العربي هو القواعد المتخذة من إستعمالات العرب


1) تفسير أبي حيان : 1 / 21.

الفصحى، ولا اعتماد على الوجوه الاستحسانية الواهية التي يذكرها النحويون.

اللغة: الحمد الرب العالم

الحمد:

ضد اللوم، وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري الحسن، سواء أكان إحساناً للحامد أم لم يكن، والشكر مقابل الكفران، وهو لا يكون إلا للانعام والإحسان، والمدح يقابل الذم، ولا يعتبر أن يكون على الفعل الاختياري فضلاً عن كونه إحساناً، والألف واللام في كلمة الحمد للجنس إذ لا عهد، و تقدم معنى كلمات : «الله الرحمن. الرَّحيم».

الرب :

مأخوذ من ربب، وهو المالك المصلح والمربي، ومنه الريبة، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلا مضافاً إلى شيء، فيقال : ربّ السفينة، رب الدار.

العالم:

جمع لا مفرد له كرهط وقوم، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة، كما يقال : عالم الجماد، عالم النبات، عالم الحيوان. وقد يطلق على مجموعة يؤلف بين أجزائها اجتماعها في زمان أو مكان، فيقال : عالم الصبا، عالم الذر، عالم الدنيا، عالم الآخرة. وقد يطلق ويراد به الخلق كله على اختلاف حقائق وحداته، ويجمع بالواو والنون، فيقال : عالمون ويجمع على فواعل، فيقال : عوالم، ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل، ويجمع بالواو والنون غير هذه الكلمة.

الملك، التفسير

الملك :

الإحاطة والسلطة، وهذه قد تكون خارجية حقيقية كما في إحاطته تعالى بالموجودات، فإن كل موجود إنما يتقوم في ذاته بخالقه وموجده، وليس له واقع مستقل سوى التدلي والارتباط بعلته الموجدة، والممكن فقير محتاج إلى المؤثر في حدوثه وفي بقائه، فهو لا ينفك عن الحاجة أبداً:

(وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) 47 : 38».

وقد تكون اعتبارية، كما في ملكية الناس للاشياء، فإن ملكية زيد لما بیده مثلاً ليست إلا اعتبار كونه مالكاً لذلك الشيء، وأن زمام أمره بيده، وذلك عند حدوث سبب يقتضيه من عقد أو إيقاع أو حيازة أو إرث أو غير ذلك، حسب حسب ما توجبه المصلحة في نظر الشارع أو العقلاء. والملكية عند الفلاسفة هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء، وهي أحد الأعراض التسعة، ويعبر عنها بمقولة الجدة، كالهيئة الحاصلة من إحاطة العمامة بالرأس أو الخاتم بالاصبع.

الدين :

معنى الجزاء والحساب، وكلاهما مناسب للمقام، فإن الحساب مقدمة للجزاء ويوم الحساب هو يوم الجزاء بعينه.

التفسير

بين سبحانه أن طبيعة الحمد وجنسه تختص به تعالى، وذلك لامور :

الأمر الأول :

إن حسن الفعل وكماله ينشأ من حسن الفاعل وكماله، والله سبحانه هو الكامل

المطلق الذي لا نقص فيه من جهة أبداً، ففعله هو الفعل الكامل الذي لا نقص فيه أبداً:

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ «17 : 84». وأما غيره فلايخلو عن نقيصة ذاتية بل نقائص، فأفعاله لا محالة تكون كذلك والفعل الحسن المحض يختص به سبحانه، ويمتنع صدوره من سواه، فهو المختص بالحمد ويمتنع أن يستحقه أحد سواه. وقد أشير إلى هذا بقوله : «الحمد اللّه» فقد عرفت أن كلمة «اللّه» علم للذات المقدسة المستجمعة لجميع صفات الكمال. وقد ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال :

«فقدَ لأبي بغلة فقال : لئن ردَّها اللّه عليَّ لأ حمدته بمحامد يرضاها فما لبث أن جيء بها بسرجها ولجامها، ولما استوى وضم اليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال : الحمد للّه، ولم يزد، ثم قال : ما تركت ولا أبقيت شيئاً، جعلت جميع أنواع المحامد للّه عزوجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت: (1).

وعنه - سلام اللّه عليه - :

«ما أنعم اللّه على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال : الحمد لله، إلا أدى شكرها» (2).

الأمر الثاني :

إن الكمال الأول لكل ممكن من العقول والنفوس والأرواح والأشباح إنما هو


1) تفسير البرهان : 1/ 29 وقريب منه في اصول الكافي : 2 / 97، الحديث: 18.

2) اصول الكافى : 2 / 96، الحديث: 14.

وجوده. ولا ريب في أنه فعل اللّه سبحانه وهو مبدعه وموجده. وأما الكمال الثاني وهي الامور التي توجب الفضل والميز، فما كان منه خارجاً عن اختيار المخلوق فهو أيضاً من أفعال اللّه تعالى بلا ريب. وذلك كما فى نمو النبات وإدارك الحيوان منافعه ومضاره، وقدرة الإنسان على بيان مقاصده. وما كان منه صادراً عن المخلوقين باختيارهم، فهي وإن كانت اختيارية إلا أنها منتهية إلى اللّه سبحانه، فانه الموفق للصواب، والهادي إلى الرشاد. وقد ورد : «إن اللّه أولى بحسنات العبد منه» (1)وقد أشير إلى ذلك بجملة «رب العالمين».

الأمر الثالث :

إن الفعل الحسن الصادر من اللّه تعالى لا يرجع نفعه اليه، لأنه الكامل المطلق الذي يستحيل عليه الاستكمال. وفعله إنما هو إحسان محض يرجع نفعه إلى المخلوقين. وأما الفعل الحسن الصادر من غيره فهو وإن كان إحساناً إلى أحد في بعض الأحيان، إلا أنه إحسان إلى نفسه أولاً وبالذات، وبه يدرك كماله :

(إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) «7:17».

فالإحسان المحض إنما هو فعل اللّه تعالى لا غير فهو المستحق للحمد دون غيره وإلى ذلك أشير بجملة : «الرحمن الرحيم».

ثم إن الثناء على الفعل الجميل قد يكون ناشئاً عن إدراك الحامد حسن ذات الفاعل وصفاته من دون نظر إلى إنعامه، أو الرغبة فيه، أو الرهبة منه. وقد يكون ناشئاً عن النظر إلى أحد هذه الامور الثلاثة، فقد أشير إلى المنشأ الأول بجملة :«الحمد للّه» فالحامد يحمده تعالى بما أنه مستحق للحمد في ذاته، وبما أنه ذاته، وبما انه مستجمع


1) الوافي : باب الخير والقدرج 1 ص 119.

الجميع صفات الكمال منزه عن جميع جهات النقص. وأشير إلى المنشأ الثاني بجملة : «رَبِّ العالمينَ» فانه المنعم على عباده بالخلق والإيجاد، ثم بالتربية والتكميل وأُشير إلى المنشأ الثالث بجملة : «الرَّحمنِ الرَّحِيمِ».

فان صفة الرحمة تستدعي الرغبة في نعمائه تعالى وطلب الخير منه. وأشير إلى المنشأ الرابع بقوله : «مالكِ يومِ الدِّينِ»، فان من تنتهي اليه الامور ويكون اليه المنقلب جدير بأن تُرهَب سطوته، وتُحذر مخالفته. وقد يكون الوجه هو بيان أن يوم الدين هر يوم ظهور العدل والفضل الإلهيين، وكلاهما جميل لابد من حمده تعالى لأجله، فكما أن أفعاله فى الدنيا من الخلق والتربية والإحسان كلها أفعال جميلة يستحق عليها الحمد فكذلك أفعاله في الآخرة من العفو والغفران وإثابة المطيعين وعقاب العاصين كلها أفعال جميلة يستوجب الحمد بها.

ومما بيناه يتضح أن جملة : «الرَّحمنِ الرَّحيم» ليس تكراراً أُتي بها للتأكيد - كما زعمه بعض المفسرين - بل هي لبيان منشأ اختصاص الحمد به تعالى فلا تغني عنه ذكرها أولاً في مقام التيمن والتبرُّك، وهو ظاهر.

تحليل آية اياك نعبد و اياك نستعين

(3)

تحليل آية

(إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5))

اللغة : العبادة

في اللغة تأتي لأحد معانٍ ثلاثة:

الأول : الطاعة، ومنه قوله تعالى :

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) «60:36».

فإن عبادة الشيطان المنهي عنها في الآية المباركة إطاعته.

الثاني : الخضوع والتذلل، ومنه قوله تعالى :

(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) «23 : 47».

أي خاضعون متذللون،

ومنه أيضاً إطلاق «المعبَّد» على الطريق الذي يكثر المرور عليه.

الثالث : التآله، ومنه قوله تعالى :

(قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّه وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ «13 : 36».

وإلى المعنى الأخير ينصرف هذا اللفظ في العرف العام إذا أطلق دون قرينة.

والعبد: الانسان وإن كان حراً، لأنه مربوب لبارئه، خاضع له في وجوده وجميع شؤونه، وإن تمرد عن أوامره ونواهيه

والعبد : الرقيق لأنه مملوك وسلطانه بيد مالكه، وقد يتوسع في لفظ العبد فيطلق على من يكثر اهتمامه بشيء حتى لا ينظر إلا اليه، ومنه قول أبي عبداللّه الحسين :

«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه م-ا درّت معايشهم وإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون» (1)

وقد يطلق العبد على المطيع الخاضع، كما في قوله تعالى :

(أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) «26 : 22».

أي جعلتهم خاضعين لا يتجاوزون عن أمرك ونهيك.

الاستعانة :

طلب المعونة، تتعدى بنفسها وبالباء، يقال استعنته واستعنت به أي طلبت منه أن يكون عوناً وظهيراً لي في أمري.


1) بحار الأنوار : 44 / 195، باب 26، الحديث : 9.

الاعراب

«إياك» : في كلا الموردين مفعول قدّم على الفعل لافادة الحصر، وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب. والسر في ذلك أحد أمرين :

الأول : إن سابق هذه الآية الكريمة قد دل على أن اللّه سبحانه هو المالك لجميع الموجودات، والمربي لها والقائم بشؤونها، وهذا يقتضي أن تكون الأشياء كلها حاضرة لديه تعالى، وأن يكون - سبحانه - ميحطاً بالعباد وبأعمالهم ليجازيهم يوم الدين بالطاعة أو بالمعصية، واقتضى ذلك أن يظهر العبد حضوره بين يدي ربه ويخاطبه.

الثاني : ان حقيقة العبادة خضوع العبد لربه بما أنه ربه والقائم بأمره والربوبية تقتضي حضور الرب لتربية مربوبه، وتدبير شؤونه. وكذلك الحال في الاستعانة فإن حاجة الانسان إلى إعانة ربه وعدم استقلاله عنه في عبادته تقتضى حضور المعبود لتتحقق منه الاعانة، فلهذين الأمرين عدل السياق من الغيبة إلى الخطاب فالعبد حاضر بين يدي ربه غير غائب عنه.

التفسير

بعد أن مجَّد اللّه نفسه بالآيات المتقدمة لقّن عباده أن يتلوا هذه الآية الكريمة وأن يعترفوا بمدلولها وبمغزاها، فهم لا يعبدون إلا اللّه، ولا يستعينون إلا به، فإن ما سوى اللّه من الموجودات فقير في ذاته، عاجز في نفسه، بل هو لا شيء بحت، إلا أن تشمله العناية الالهية، ومن هذا شأنه لا يستحق تحق أن أن يعبد أو يستعان، والممكنات كلها - وان اختلفت مراتبها بالكمال والنقص - تشترك في صفة العجز اللازمة

للامكان، وفي ان جميعها تحت حكم اللّه وإرادته :

(أَلا لَهُ الخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللّه رَبُّ الْعالَمينَ 47 : 54. وَلِلهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللّه المَصِيرُ) «24 : 42».

من ذا الذي يعارضه في سلطانه وينازعه في أمره وحكمه ؟ وهو القابض والباسط، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالمؤمن لا يعبد غير اللّه، ولا يستعين إلا به، فان غير اللّه - أياً كان - محتاج إلى اللّه في جميع شؤونه وأطواره والمعبود لا بد وأن يكون غنياً، وكيف يعبد الفقير فقيراً مثله ؟!.

وعلى الجملة الإيمان بالله يقتضي أن لا يعبد الإنسان أحداً سواه، ولا يسأل حاجته إلا منه، ولا يتكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، وإلا فقد أشرك بالله وحكم في سلطانه غيره :

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) «17 : 23».

البحث الثاني: حول آية الحمد

•

العبادة والتأله.

•

العبادة والطاعة.

•

العبادة والخضوع.

•

السجود لغير اللّه.

•

دواعي العبادة.

•

حصر الاستعانة باللّه.

•

الشفاعة.

العبادة والتأله :

مما لا يرتاب فيه مسلم : ان العبادة بمعنى التأله تختص بالله سبحانه وحده، وقد قلنا : إن هذا المعنى هو الذي ينصرف اليه لفظ العبادة عند الإطلاق، وهذا هو التوحيد الذي ارسلت به الرسل و انزلت لأجله الكتب :

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّه وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَاباً مِّنْ دُونِ اللّه﴾ «3 : 64».

فالإيمان بالله تعالى لا يجتمع مع عبادة غيره، سواء أنشأت هذه العبادة عن اعتقاد التعدد في الخالق، وإنكار التوحيد في الذات؟ أم نشأت عن الاعتقاد بان الخلق معزولون عن اللّه فلا يصل اليه دعاؤهم، وهم محتاجون إلى إله أو آلهة اخرى تكون وسائط بينهم وبين اللّه يقربونهم اليه، وشأنه في ذلك شأن الملوك وحفدتهم، فإن الملك لما كان بعيداً عن الرعية احتاجت إلى وسائط يقضون حوائجهم، ويجيبون دعواتهم.

وقد أبطل اللّه سبحانه كلا الاعتقادين في كتابه العزيز، فقال تعالى في إبطال الاعتقاد بتعدد الآلهة:

(لَوْ كَانَ فِيهما آلِهَةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَ تا 21: 22. وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ 23 : 91).

وأما الاعتقاد الثاني - وهو إنما ينشأ عن مقايسته بالملوك والزعماء من البشر فقد أبطله اللّه بوجوه من البيان :

فتارة يطلب البرهان على هذه الدعوى، وأنها مما لم يدل عليه دليل، فقال :

(ءآلَهُ مَّعَ اللّه قُلْ هَاتُوا بُرهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 27 : 64. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَمَا عَاكِفِينَ 26 : 71. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ : 72. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ : 73. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذلِك يَفْعَلُونَ : 74).

وأخرى بإرشادهم إلى ما يدركونه بحواسهم من أن ما يعبدونه لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، والذي لا يملك شيئاً من النفع والضر، والقبض والبسط، والإماتة والإحياء، لا يكون إلا مخلوقاً ضعيفاً، ولا ينبغي أن يتخذ إلهاً معبوداً :

(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ 21 : 66. أُفٍّ لَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه أَفَلا تَعْقِلُونَ : 67. قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعاً 5 : 76. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً أتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ 7 : 148﴾.

و هذا الحكم عقلي فطري شاءت الحكمة أن تنبه العباد عليه في هذه الآيات المباركة، و هو سارٍ في كل موجود ممكن محتاج، و إن كان نبياً:

(وَ إِذْ قَالَ اللّه يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دون اللّه قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ فِي بِحَقِّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلّامُ الْغُيُوبِ 5 : 116 ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَ رَبَّكُمْ 117).

و أبطل هذا الاعتقاد مرة ثالثة، بأن اللّه قريب من عباده ثالثة، بأن اللّه قريب من عباده يسمع نجواهم و يجيب دعواهم، و أنه القائم بتدبيرهم و بتربيتهم، فقال تعالى:

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 50 : 16. أَلَيْسَ اللّه بِكَافٍ عَبْدَهُ 39: 36. أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ 60:40. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ 6 : 18. قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّه وَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 3 : 29. وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّه بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ 107:10، وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 6 : 17. اللّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ 13: 26. إِنَّ اللّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ 51: 58. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 42 : 11. أَلَا إِنَّهُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحِيطٌ 41: 54).

فالله سبحانه غير معزول عن خلقه، و أمورهم كلها بيده، ولا يفتقر العباد الى وسائط تبلغه حوائجهم ليكونوا شركاء له في العبادة، بل الناس كلهم شرع سواء في أن اللّه ربهم و هو القائم بشؤونهم:

(ما يَكُونُ مِنْ تَجْوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنى

مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنا كَانُوا 58 : 7. كَذَلِكَ اللّه يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ 3: 40 إنَّ اللّه يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ 5 : 1).

و على الجملة لا شك لمسلم في ذلك. و هذا ما يمتاز به الموحد عن غيره، فمن عبد غيرالله واتخذه رباً كان كافراً مشركاً.

العبادة والطاعة :

لا شك أيضاً في وجوب طاعة اللّه سبحانه، و في استحقاق العقاب عقلاً على مخالفته، و قد تكرر في القرآن وعد اللّه تعالى لمن أطاعه بالثواب و وعيده لمن عصاه بالعقاب.

و أما إطاعة غير اللّه تعالى فهي على أقسام:

الأول: أن تكون إطاعته بأمر من اللّه سبحانه و باذنه كما في إطاعة الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أوصيائه الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) و هذا في الحقيقة إطاعة اللّه سبحانه، فهو واجب أيضاً بحكم العقل:

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه 4 : 80. وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّه 4: 64).

و من أجل ذلك قرن اللّه طاعة رسوله بطاعته في كل مورد أمر فيه بطاعته:

(وَ مَنْ يُطِعِ اللّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِياً 33 : 71. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ ُأولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ 4 : 59).

الثاني: أن تكون إطاعة غير اللّه منهيا عنها كإطاعة الشيطان و إطاعه كل من

يأمر بمعصية اللّه، ولا شك في حرمة هذا القسم شرعا، و قبحه عقلا، بل قد تكون كفرا أو شركا، كما إذا امر بالشرك أو الكفر :

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللّه وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ 33 : 1. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 76 : 24 وَ إِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا 31 : 15﴾.

الثالث: أن تكون إطاعة غير اللّه مجردة لا أمر بها من اللّه ولا نهى و هي حينئذ تكون جائزة لا واجبة ولا محرمة.

العبادة والخضوع :

لا ينبغي الريب في أنه لا بد للمخلوق من أن يخضع و يتذلل لخالقه، فإن ذلك مما حكم به العقل و ندب اليه الشرع.

و أما الخضوع والتذلل للمخلوق فهو على أقسام:

أحدها: الخضوع لمخلوق من دون إضافة ذلك المخلوق إلى اللّه بإضافة خاصة ذلك: كخضوع الولد لوالده والخادم لسيده والمتعلم لمعلمه، و غير ذلك من الخضوع المتداول بين الناس ولا ينبغي الشك في جواز هذا القسم ما لم يرد فيه نهي كالسجود لغير اللّه، بل جواز هذا القسم مقتضى الضرورة، و ليس فيه أدنى شائبة للشرك، وقد قال عز من قائل:

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) «17: 24».

أفترى أنه سبحانه أمر بعبادة الوالدين، حيث أمر بالتذلل لهما؟ مع أنه قد نهى عن عبادة من سواه قبل ذلك:

(وَ قَضَى رَبُّكَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) «17 : 23».

أم ترى أن خفض الجناح من الذل - كما تفعله صغار الطير - هو من الإحسان الذي أمرت به الآية الكريمة، وجعلته مقابلا للعبادة، و إذاً فلا يكون كل خضوع و تذلل لغير اللّه شركاً بالله تعالى.

ثانيها: الخضوع للمخلوق باعتقاد أن له أضافة خاصة الى اللّه يستحق من أجلها أن يخضع له، مع أن العقيدة باطلة و أن هذا الخضوع بغير اذن من اللّه كما في خضوع أهل الأديان والمذاهب الفاسدة لرؤسائهم ولا ريب في أنه إدخال في الدين لما لم يكن منه، فهو تشريع محرّم بالأدلة الأربعة، وافتراء على اللّه تعالى.

(فَمَنْ أَظْلَمُ ممّن افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِباً﴾ «18 : 15».

ثالثها الخضوع للمخلوق والتذلل له بأمر من اللّه و إرشاده، كما في الخضوع للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولأوصيائه الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بل الخضوع لكل مؤمن، أو كل ما له إضافة إلى اللّه توجب له المنزلة والحرمة كالمسجد والقرآن والحجر الأسود و ما سواها من الشعائر الإلهية. و هذا القسم من الخضوع محبوب للّه فقد قال تعالى:

(فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ «5 : 45».

بل هو لدى الحقيقة خضوع للّه و إظهار للعبودية له فمن اعتقد بالوحدانية الخالصة للّه واعتقد أن الإحياء والإماتة والخلق والرزق والقبض والبسط والمغفرة والعقوبه كلها بيده، ثم اعتقد بأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أوصياءه الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ):

(عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) «21 : 27».

و توسل بهم إلى اللّه، و جعلهم شفعاء اليه بإذنه تجليلاً لشأنهم وتعظيماً لمقامهم لم يخرج بذلك عن حد الإيمان، ولم يعبد غير اللّه.

لقد علم كل مسلم أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يقبل الحجر الأسود، و يستلمه بيده إجلالا لشأنه وتعظيما لأمره. و كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يزور قبور المؤمنين والشهداء والصالحين، ويسلم عليهم و يدعو لهم.

و على هذا جرت الصحابة والتابعون خلفاً عن سلف، فكانوا يزورون قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و يتبركون به و يقبلونه، و يستشفعون برسول اللّه، كما كانوا يستشفعون به في حياته. و هكذا كانوا يفعلون مع قبور ائمة الدين و أولياء اللّه الصالحين، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، ولا أحد من التابعين أو الأعلام، إلى أن ظهر أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبداللّه بن تيمية الحرّاني فحرّم شد الرحال إلى زيارة القبور، و تقبيلها و متها، والاستشفاع بمن دفن فيها، حتى أنه شدد النكير على زار قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو تبرك به بتقبيل أو لمس و جعل ذلك من الشرك الأصغر تارة و من الشرك الأكبر أخرى.

و لما رأى علماء عصره عامة أنه قد خالف فى رأيه هذا ما ثبت من الدين و ضرورة المسلمين، لأنهم قد رووا عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحثه على زيارة المؤمنين عامه و على زيارته خاصة بقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من زارني بعد مماتي كان كمن زارني في حياتي» (1)وما يؤدي هذا المعنى بألفاظ أخر (2)تبرؤوا منه، و حكموا بضلاله، و


1) بحار الأنوار : 100 / 143، باب 1، الحدیث: 27.

2) انظر التعليقة رقم (17) للوقوف على الروايات التي استفاضت في جواز زيارة القبور - وقد ذكر جملة منها عبد السلام بن تيمية - في قسم التعليقات.

أوجبوا عليه التوبة، فأمروا بحبسه إما مطلقاً أو على تقدير أن لا يتوب.

والذي أوقع ابن تيمية في الغلط - إن لم يكن عامداً لتفريق كلمة المسلمين - هو تخيّله أن الأمور المذكورة شرك بالله و عبادة لغيره. ولم يدرك أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الأعمال يعتقدون توحيد اللّه و أنه لا خالق ولا رازق سواه، و أن له الخلق والأمر، و إنما يقصدون بأفعالهم هذه تعظيم شعائر اللّه، و قد علمت أنه-ا راجعة إلى تعظيم اللّه والخضوع له والتقرب اليه سبحانه، والخلوص لوجهه الكريم، و أنه ليس في ذلك أدنى شائبة للشرك، لأن الشرك - كما عرفت - أن يعبد الإنسان غير الله. والعباده إنما تتحقق بالخضوع لشيء على أنه رب يعبد، و أين هذا من تعظيم النبي الأكرم و أوصيائه الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بما هو نبي و هم أوصياء، و بما أنهم عباد مكرمون ولا ريب في أن المسلم لا يعبد النبي أو الوصي فضلاً عن أن يعبد قبورهم.

و صفوة القول : أن التقبيل والزيارة و ما يضاهيهما من وجوه التعظيم لا تكون شركا بأي وج- وجه من الوجوه، و بأي داع من الدواعي، ولو كان كذلك لكان تعظيم الحي من الشرك أيضا، إذ لا فرق بينه و بين الميت من هذه الجهة - ولا يلتزم ابن تيمية و أتباعه بهذا - و للزم نسبة الشرك إلى الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و حاشاه فقد كان يزور القبور، و يسلم على أهلها و يقبل الحجر الأسود كما سبق و على هذا فيدور الأمر بين الحكم بأن بعض الشرك جائز لا محذور فيه، و بين أن يكون التقبيل والتعظيم - لا بعنوان العبودية - خارجاً عن الشرك و حدوده، و حيث أنه لا مجال للأول لظهور بطلانه فلابد و أن يكون الحق هو الثاني، فإذا تكون الأمور المذكورة داخلة فى عبادة اللّه و تعظيمه:

(وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) «22 : 32».

و قد مرت الروايات الدالة على استحباب زيارة قبر النبي و أولياء اللّه الصالحين.

السجود لغير اللّه :

لقد اتضح مما قدمنا أن الخضوع لأى مخلوق إذا نهي عنه في الشريعة لم يجز فعله، و إن لم يكن على نحو التأله و من هذا القبيل السجود لغير اللّه، فقد أجمع المسلمون على حرمة السجود لغير اللّه قال عزّ من قائل:

(لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للّه الَّذِي خَلْقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) «41 : 37».

فإن المستفاد منه أن السجود مما يختص بالخالق، ولا يجوز للمخلوق و قال تعالى :

(وَ أَنَّ المَسَاجِدَ للّه فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللّه أَحَداً﴾ «72: 18».

دلالة هذه الآية الكريمة على المقصود مبنية على أن المراد بالمساجد المساجد السبعة و هي الأعضاء التي يضعها الإنسان على الأرض في سجوده و هذا هو الظاهر، و يدل عليه المأثور (1)و كيف كان فلا ريب في هذا الحكم و هذا الحكم و أنه لا يجوز السجود لنبي أو وصي فضلاً عن غيرهما.

و أما ما ينسب إلى الشيعة الإمامية من أنهم يسجدون لقبور أئمتهم، فهو بهتان محض، ولسوف يجمع اللّه بينهم و بين من افترى عليهم و هو أحكم الحاكمين و لقد أفرط بعضهم في الفرية، فنسب إليهم ما هو أدهى و أمض، وادّعى أنهم يأخذون


1) راجع الوسائل : 6 / 345، باب،4، الحدیث: 8141 و 15 / 169، باب،2، الحدیث: 20224، 20218.

التراب من قبور أئمتهم، فيسجدون له سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم (1)و هذه كتب الشيعة. قديمها وحديثها مطبوعها و مخطوطها، و هي منتشرة في أرجاء العالم متفقة على تحريم السجود لغير اللّه، فمن نسب إليهم جواز السجود للتربة فهو إما مفتر يتعمد البهت عليهم و إما غافل لا يفرق بين السجود لشيء والسجود عليه.

والشيعه يعتبرون في سجود الصلاة أن يكون على أجزاء الأرض الأصلية: من حجر أو مدر أو رمل أو تراب أو على نبات الأرض غير المأكول والملبوس و يرون أن السجود على التراب أفضل من السجود على غيره، كما أن السجود على التربة الحسينية أفضل من السجود على غيرها. و في كل ذلك اتبعوا أئمة مذهبهم الأوصياء المعصومين (2)و مع ذلك كيف تصح نسبة الشرك اليهم و أنهم يسجدون لغير اللّه. (3)

والتربة الحسينيه ليست إلا جزء من أرض اللّه الواسعة التي جعلها لنبيه مسجداً و طهوراً (4)و لكنها تربة ما أشرفها و أعظمها قدراً، حيث تضمنت ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و سيد شباب أهل الجنة من فدى بنفسه و نفیسه و نفوس عشيرته و أصحابه في سبيل الدين و إحياء كلمة سيد المرسلين. و قد وردت من الطريقين في فضل هذه التربة عدة روايات عن رسول اللّه (5)وهب أنه لم يرد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا عن أوصيائه ما يدل على فضل هذه التربة، أفليس من الحق أن يلازم المسلم هذه التربة و يسجد عليها في مواقع السجود؟ فإن في السجود عليها - بعد


1) انظر التعليقة رقم (18) للوقوف على التهمه التي ألصقها الآلوسي بالشيعة في صيامهم - في قس- التعليقات.

2) راجع الوسائل : 5 / 365 و 366، باب 15 و 16، الحديث: 6806، 6807، 6808، 6809.

3) انظر التعليقة رقم (19) بشأن حوار جرى بين المؤلف وأحد علماء الحجاز حول التربة الحسينية - في قسم التعليقات.

4) راجع سنن البيهقي : 1 / 212، 213 باب التيمم بالصعيد الطيب.

5) راجع الوسائل : 5 / 365، أحاديث باب استحباب السجود على تربة الحسين ال، انظر التعليقة رقم (20) بشأن فضيلة تربة الحسين ع الهلال في قسم التعليقات.

كونها مما يصح السجود عليه في نفسه - رمزاً و إشارة إلى أن ملازمها على منهاج صاحبها الذي قتل في سبيل الدين و إصلاح المسلمين.

آراء حول السجود لآدم:

بقي الكلام في سجود الملائكة لآدم، وكيف جاز ذلك؟ مع أن السجود لا يجوز لغير اللّه، و قد أجاب العلماء عن ذلك بوجوه :

الرأي الأول:

إن سجود الملائكة هنا بمعنى الخضوع و ليس بمعنى السجود المعهود.

و یرده ان ذلك خلاف الظاهر من اللفظ، فلا يصار اليه من غير قرينة، و ان الروايات قد دلت على أن ابن آدم إذا سجد لربه ضجر إبليس و بكى، و هي دالة على أن سجود الملائكه الذي أمرهم اللّه به، واستكبر عنه إبليس كان بهذا المعنى المعهود و لذلك يضجر إبليس و يبكي من إطاعة ابن آدم للأمر و عصيانه هو من قبل.

الرأي الثاني:

إن سجود الملائكة كان للّه و إنما كان آدم قبلة لهم، كما يقال: صلى للقبلة أي اليها. وقد أمر هم اللّه بالتوجه إلى آدم في سجودهم تكريماً له وتعظيماً لشأنه.

و يردّه: أنه تأويل ينافيه ظاهر الآيات والروايات، بل ينافيه صريح الآية المباركة فإن إبليس إنما أبى عن السجود بادعاء أنه أشرف من آدم، فلو كان السجود لله، وكان آدم قبلة له لما كان لقوله:

(ءأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينا) «17 : 61».

معنى الجواز أن يكون الساجد أشرف مما يستقبله.

الرأي الثالث:

إن السجود لآدم حيث كان بأمر من اللّه تعالى فهو في الحقيقة خضوع للّه و سجود له.

و بيان ذلك: ان السجود هو الغاية القصوى للتذلل والخضوع، و لذلك قد خصه اللّه بنفسه، ولم يرخص عباده أن يسجدوا لغيره، و إن لم يكن السجود بعنوان العبودية من الساجد والربوبية للمسجود له. غير أن السجود لغير اللّه إذا كان بأمر من اللّه كان في الحقيقة عبادة له و تقرباً اليه، لأنه امتثال لأمره، و انقياد لحكمه، و إن كان في الصورة تذللاً للمخلوق. و من أجل ذلك يصح عقاب المتمرد عن هذا الأمر، ولا يسمع اعتذاره بأنه لا يتذلل للمخلوق، ولا يخضع لغير الآمر (1).

وهذا هو الوجه الصحيح: فإن العبد يجب أن لا يرى لنفسه استقلالاً في اموره، بل يطيع مولاه من حيث يهوى و يشتهي فإذا أمره بالخضوع لأحد وجب عليه أن يمتثله، وكان خضوعه حينئذ خضوعاً لمولاه الذي أمره به (2).

و نتيجة ما قدمناه :

أنه لابد في كل عمل يتقرب به العبد إلى ربه من أن يكون مأموراً به من قبله بدليل خاص أو عام. و إذا شك في أن ذلك العمل مأمور به كان التقرب به تشريعاً محرماً بالأدلة الأربعة. نعم إن زياره القبور و تقبيلها و تعظيمها مما ثبت بالعمومات و بالروايات الخاصة من طرق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين جعلهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرناء للكتاب


1) انظر التعليقة رقم (21) بشأن تأويل آيه السجود من قبل بعض أصحاب الكشف، في قسم التعليقات.

2) انظر التعليقة رقم (22) لمعرفة ما قاله تعالى لإبليس في ترك السجود، في قسم التعليقات.

في قوله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي». (1)و تؤكد جوازها أيضاً سيرة المسلمين و جريهم عليها من السلف والخلف، و ما قدمناه من الروايات عن طرق أهل السنة.

كيف يتحقق الشرك باللّه ؟

تنبيه : إذا نهي عن خضوع خاص لغير اللّه كالسجود، أو عن عبادة خاصة كصوم العيدين، وصلاة الحائض والحج في غير الأشهر الحرم كان الآتي به مرتكباً للحرام و مستحقاً للعقاب، إلا أنه لا يكون بذلك الفعل مشركاً ولا كافراً، فليس كل فعل محرم يقتضي شرك مرتكبه أو كفره.

و قد عرفت أن الشرك إنما هو الخضوع لغير اللّه بما أن الخاضع عبد والمخضوع له رب، فمن تعمّد السجود لغير اللّه بغير قصد العبودية لم يخرج بعمله هذا المحرم عن زمرة المسلمين فإن الإسلام يدور مدار الإقرار بالشهادتين، و بذلك يحرم ماله و دمه.

والروايات الدالة على هذا متواترة من الطريقين (2)، و مع ذلك كيف يجوز الحكم بشرك من زار قبر النبي و أوصيائه المتقرباً إلى اللّه و هو يشهد الشهادتين:

(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) «4 : 94».

و لسوف يحكم اللّه بين عباده بالحق و هو أحكم الحاكمين.


1) تقدم بعض مصادر الحديث في الصفحة،18، 378 من هذا الكتاب.

2) انظر التعليقه رقم (23) لمعرفة ان الاسلام يدور مدار الشهادتين، في قسم التعليقات.

دواعي العبادة:

العبادة فعل اختياري، فلابد لها من باعث نفساني يبعث نحوها، و هو أحد امور:

1- أن يكون الداعي لعبادة اللّه هو طمع الإنسان في إنعامه، و بما يجزيه عليها من الأجر والثواب، حسبما وعده في كتابه الكريم:

(وَ مَنْ يُطع اللّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ 4 : 13 وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 5: 9).

2- أن يكون الداعي للعبادة هو الخوف من العقاب على المخالفة:

(إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 10: 15. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً 76 : 10).

وقد أشير إلى كلا الأمرين في عدة من الآيات الكريمة:

(تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً 32: 16، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللّه قَرِيبٌ مِّنَ الْمحسِنِينَ 7 : 56. يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ 17 : 57﴾.

3- أن يعبد اللّه بما أنه أهل لأن يعبد، فإنه الكامل بالذات والجامع الصفات الجمال والجلال و هذا القسم من العبادة لا يتحقق إلا ممّن اندكت نفسيته فلم ي-ر لذاته إنية إزاء خالقه، ليقصد بها خيراً، أو يحذر لها من عقوبة، و إنما ينظر إلى صانعه و موجده ولا يتوجه إلا اليه و هذه مرتبة لا يسعنا التصديق ببلوغها لغير المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين أخلصوا للّه أنفسهم فهم المخلصون الذين لا يستطيع

الشيطان أن يقترب من أحدهم:

(وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 15 : 39. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 40﴾.

قال أمير المؤمنين و سيد الموحدين صلوات اللّه عليه: «ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك»(1).

و أما سائر العباد فتنحصر عبادتهم في أحد القسمين الأولين، ولا يسعهم تحصيل هذه الغاية. و بذلك يظهر بطلان قول من أبطل العبادة إذا كانت ناشئة عن الطمع أو الخوف، واعتبر في صحة العبادة أن تكون للّه بما هو أهل للعبادة و وجه بطلان هذا القول: أن عامة البشر غير المعصومين لا يتمكنون من ذلك فكيف يمكن تكليفهم به !و هل هو إلا تكليف بما لا يطاق؟!

أضف إلى ذلك أن الآيتين الكريمتين المتقدمتين قد دلّنا على صحة العبادة إذا صدرت عن خوف أو طمع. فقد مدح اللّه سبحانه من يدعوه خوفاً أو طمعاً وذلك يقتضي محبوبية هذا العمل و أنه مما أمر به اللّه تعالى و أنه يكفي في مقام الامتثال و قد ورد عن المعصومين ما يدل على صحة العبادة إذا كانت ناشئة من خوف أو طمع (2).

و قد أوضحنا - فيما تقدم - أن الآيات السابقة من هذه السورة قد حصرت الحمد في اللّه تعالى من جهة كماله الذاتي و من جهة ربوبيته و رحمته، و من جهة سلطانه و قدرته، فتكون فيها أشارة إلى مناشئ العبادة ودواعيها أيضاً، فالعبادة إما ناشئة من إدراك العابد كمال المعبود و استحقاقه العبادة بذاته و هي عبادة الأحرار، و إما من


1) مرآة العقول : 2 / 101، باب النية.

2) انظر التعليقة رقم (24) للوقوف على أقسام الدوافع للعبادة - في قسم التعليقات.

إدراكه إنعام المعبود و إحسانه و طمعه في ذلك و هي عبادة الاجراء، و إما من إدراكه سطوته و قهره و عقابه و هي عبادة العبيد.

حصر الاستعانة بالله:

لا مانع من استعانة الإنسان في مقاصده بغير اللّه من المخلوقات أو الأفعال قال الله تعالى :

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ 2 : 45 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى 5 : 2. قَالَ مَا مَكَنِّى فِيهِ رَبِّيٌّ خَيْرٌ فَأَعْيِنُونِي بِقُوَّةِ 18 : 95).

و إذن فليست الاستعانة بمطلقها تنحصر بالله سبحانه بل المراد منها استمداد القدرة على العبادة منه تعالى، والاستزادة من توفيقه لها حتى تتم و تخلص والغرض من ذلك اثبات أن العبد فى أفعاله الاختيارية وسط بين الجبر والتفويض فان الفعل يصدر عن العبد باختياره، و لذلك أسند الفعل اليه في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُد إلا أن هذا الفعل الاختياري من العبد إنما يكون بعون اللّه له و بإمداده إياه بالقدرة آناً فآناً (عَطاءً غيرَ مَجْذُوذ) بحيث لو انقطع المدد عنه في آن لم يستطع إتمام الفعل ولم تصدر منه عبادة ولا حسنة.)و هذا هو القول الذي يقتضيه محض الإيمان فان الجبر يلزمه أن يكون العقاب على المعاصي عقاباً للعبد من غير استحقاق، و هذا ظلم بين:(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً «17 : 43».

و إن التفويض يلزمه القول بخالق غير اللّه فان معناه أن العبد مستقل في أفعاله، أنه خالق لها و مرجع هذا إلى تعدد الخالق و هو شرك بالله العظيم والإيمان الحق

بالله هو الحد الوسط بين الإفراط والتفريط، فالفعل فعل العبد و هو فاعله باختياره، و لذلك استحق عليه الثواب أو العقاب والله سبحانه هو الذي يفيض على العبد الحياة والقدرة و غيرهما من مبادىء الفعل إفاضة مستمرة غير منقطعة، فلا استقلال للعبد، ولا تصرف له في سلطان المولى، وقد أوضحنا هذا في بحثنا عن إعجاز القرآن (1).

هذه هي الاستعانة المنحصرة بالله تعالى، فلولا الإفاضة الإلهية لما وجد فعل من الأفعال ولو تظاهرت الجن والإنس على إيجاده، فإن الممكن غير مستقل في وجوده، فيستحيل أن يكون مستقلاً في إيجاده و بما ذكرناه يظهر الوجه في تأخير جملة: (إياك نستعين) عن قوله: (إياك نعبد) فإنه تعالى حصر العبادة بذاته أولاً، فالمؤمنون لا يعبدون إلا اللّه ثم أبان لهم أن عباداتهم إنما تصدر عنهم بعون اللّه و إقداره، فالعبد رهين إفاضة اللّه ومشيئته، والله أولى بحسنات العبد من نفسه، كما أنالعبد أولى بسيئاته من اللّه (2).

الشفاعة:

تدل الآيات المباركة على أن اللّه سبحانه هو الكافل بامور عبيده، و أنه الذي بيده الأمر يدبر شؤون عبده و يوجهه إلى كماله برحمته، و هو قريب منه، يسمع نداءه و يجيب دعاءه:

(أَلَيْسَ اللّه بِكَافٍ عَبْدَهُ 39: 36. وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون﴾ «2 : 186».


1) فى الصفحة 35 من هذا الكتاب.

2) انظر التعليقة رقم (25) للوقوف على الأمر بين الأمرين في كسب الحسنات و ارتكاب السيئات - في قسم التعليقات.

و على هذا فليس لمخلوق أن يستشفع بمخلوق مثله، و يجعله واسطة بينه و بين ربه، ففي ذلك تبعيد للمسافة بل وفيه إظهار للحاجة إلى غير اللّه ماذا يصنع محتاج بمحتاج مثله ؟ و ماذا ينتفع العاصي بشفاعة من لا ولاية له ولا سلطان؟ بل:

(لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ 30 : 4. قُلْ للّه الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ 44:39﴾.

هذا كله إذا لم تكن الشفاعة بإذن من اللّه سبحانه، و أما إذا أذن اللّه بالشفاعة لأحد فإن الاستشفاع به يكون نحواً من الخضوع للّه والتعبد له، و يستفاد من القرآن الكريم أن اللّه تعالى قد أذن لبعض عباده بالشفاعة، إلا أنه لم ينوّه بذكرهم ع--دا الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد قال اللّه تعالى:

(وَلا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً 19 : 87. يَوْمَئِذٍ لَّا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ 20 : 109. وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ 34: 23. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّاباً رَحِيماً 4: 64).

والروايات الواردة عن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعن أوصيائه الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ) في هذا الموضوع متواترة.

أحاديث الشفاعة عند الامامية:

أما الروايات من طريق الشيعة الامامية فهي أكثر من أن تحصى، وأمر الشفاعة عندهم أوضح من أن يخفى، ونكتفي بذكر رواية واحدة منها:

روى البرقي في المحاسن بإسناده عن معاوية بن وهب، قال :

«سألت أبا عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول اللّه تبارك وتعالى: (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) «38 :78».

قال : نحن والله المأذون لهم في ذلك، والقائلون صواباً، قلت: جعلت فداك وما تقولون إذا تكلمتم ؟ قال: نجد ربنا ونصلي على نبينا، ونشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا». (1)

وروى محمد بن يعقوب في الكافي بإسناده عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله» (2).

أحاديث الشفاعة عند العامة :

وأما الروايات من طرق أهل السنة فهي أيضاً كثيرة متواترة (3)تتعرض لذكر بعضها :

1 - روى يزيد الفقير، قال : أخبرنا جابر بن عبد اللّه أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «أُعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة..» (4).


1) المحاسن : 1 / 292، طبع المجمع العالمي لأهل البيت عالم الامام الحديث : 580، و في المصدر «في ذلك اليوم».

2) الكافى : 1 / 435، الحديث: 91.

3) راجع كنز العمال : 27 / 215، 270، فغيه ما يزيد على ثمانين رواية من هذه الروايات.

4) صحيح البخارى : كتاب التيمم رقم الحديث: 323 و كتاب الصلاة : رقم الحديث: 419.

2 - روى أنس بن مالك، قال : «قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنا أول شفيع في الجنة (1).

1 - روى أبو هريرة قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكل نبي دعوة وأردت إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة» (2).

4 - وروى أيضاً قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنا سيد ولد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» (3).

5 - وروى أيضاً، قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشفعاء خمسة : القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيكم، وأهل بيته» (4).

6 - روى عبداللّه بن أبي الجدعاء قال : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم ورواه الترمذي والحاكم (5).

ومن هذه الروايات يستكشف أن الاستشفاع بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبأهل بيته الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ) أمر ندب اليه الشرع، فكيف يعدُّ ذلك من الشرك ؟ عصمنا اللّه من متابعة الهوى وزلل الأقدام والأقلام.


1) صحيح مسلم : كتاب الإيمان، رقم الحديث: 291.

2) انظر التعليقة رقم (26) لاستقصاء مصادر هذه الرواية، في قسم التعليقات.

3) صحیح مسلم کتاب الفضائل، رقم الحديث : 4223.

4) كنز العمال : 7 / 217.

5) سنن الترمذي : كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم الحديث : 2362.

تحليل آية اهدنا الصراط المستقيم

(4)

تحليل آية

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7))

القراءة

المعروف قراءة «غير» بالجر، ونقل الزمخشري أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعمر قرءا بالنصب، والصحيح هو الأول، فإن قراءة النصب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم تثبت وكذلك لم تثبت عن عمر، على أنها لو ثبتت عنه فهي ليست بحجة، فقد أوضحنا أن قراءة غير المعصوم إنما يعبأ بها إذا كانت من القراءات المشهورة، وإلا فهي شاذة لا تجزي للامتثال

والمعروف أيضاً قراءة (الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين) ونسب إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلى عمر قراءة «مَنْ أنعمت عليهم وغير الضالين» أما قراءة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك فلم تثبت بل الثابت عدمها، فلو كانت قراءته هي ذلك، لشاع خبرها بين شيعته، ولأقرّها الأئمة من بعده، مع أنها لم تنقل حتى بخبر رجل

واحد يعتمد عليه، ومثل هذا يقال في نسبة قراءة «غير» بالنصب إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأما قراءة عمر فقد عرفت الحال فيها.

اللغة الهداية الصراط الاستقامة

اللغة

الهداية :

الارشاد والدلالة، والهدى ضد الضلال، وستقف على بيان هداية اللّه للناس وإرشادهم.

الصراط

الطريق وهو ما يتوصل بالسير فيه إلى المقصود، وقد يكون غير حسّي فيقال : الاحتياط طريق النجاة، وإطاعة اللّه طريق الجنة، وإطلاقه على الطريق غير الحسي إما لعموم المعنى اللغوي وإما من باب التشبيه والاستعارة.

الاستقامة :

الاعتدال، وهو ضد الانحراف إلى اليمين أو الشمال، و«الصراط المستقيم» هو الصراط الذي يصل بسالكه إلى النعيم الأبدي، وإلى رضوان اللّه، وهو أن يطيع المخلوق خالقه، ولا يعصيه في شيء من أوامره ونواهيه، وأن لا يعبد غيره، وهو الصراط الذي لا عوج فيه، قال اللّه تعالى :

(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 52:42. صِرَاطِ اللّه الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ : 53. وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً 6 : 126. إِنَّ اللّه

رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمُ 3 : 51. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمَ 36: 61. وَبِعَهْدِ اللّه أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 6: 152. وَأَنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه : 153).

وبما أن عبادة اللّه لا تنحصر في نوع معين، بل تعم أفعال الجانحة وأفعال الجارحة على كثرتها فقد يلاحظ المعنى العام الشامل لهذه الأفعال كلها، فيعبر عنه باللفظ المفرد كالصراط المستقيم، والصراط السوي، وقد تلاحظ الأنواع على كثرتها من الإيمان بالله وبرسوله وبالمعاد، ومن الصلاة والصيام والحج وما سوى ذلك، فيعبر عنها بالجمع.

(قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ اللّه نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ 5 : 15. يَهْدِي بِهِ اللّه مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام : 16. وَمَا لَنَا أَنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّه وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنا 12:14 وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا 29 : 69﴾.

الإنعام:

الافضال بالنعمة وزيادتها، ومن أنعم اللّه عليهم هم الذين سلكوا «الصراط المستقيم» ولم يعمل بهم الهوى إلى طاعة الشيطان، ولذلك قد فازوا بالحياة الدائمة والسعادة الأبدية، وفوق ذلك كله فازوا برضوان من اللّه :

_وَعَدَ اللّه المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّه أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) «9: 73».

الغضب الضلال الاعراب

الغضب :

السخط، وتقابله الرحمة، والمغضوب عليهم هم الذين توغلوا في الكفر وعندوا عن الحق، ونبذوا آيات اللّه، وراء ظهورهم، ولا يراد به مطلق الكافر :

(وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّه وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ «16 : 106».

الضلال :

التيه ويقابله الهدى والضالون هم الذين سلكوا غير طريق الهدى فأفضى بهم إلى الهلاك الأبدي والعذاب الدائم، ولكنهم دون المغضوب عليهم في شدة الكفر لأنهم وإن ضلوا الطريق المستقيم عن تقصير في البحث والفحص، إلا أنهم لم يعاندوا الحق بعد وضوحه، وقد ورد في المأثور أن المغضوب عليه هم اليهود، والضالين هم النصارى. وقد تقدم (1)أن الآيات القرآنية لا تختص بمورد، وأن كل ما يذكر لها من المعاني فهو من باب تطبيق الكبرى.

الاعراب

(غير المغضوب عليهم) بدل من جملة (الذين أنعمت عليهم) أو صفة للذين وذلك : أن نعمة اللّه كرحمته قد وسعت جميع البشر، فمنهم من شكر، ومنهم من كفر :

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأُضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) «31 : 30».


1) الصفحة 25 من هذا الكتاب.

وإذاً ففي توصيف من أنعم اللّه عليهم بأنهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين تقييد لإطلاقه، وتضييق لسعته، فلا يشمل هؤلاء الذين لم يؤدوا شكر النعمة، ويكون مدلول الآية أن العبد يطلب من اللّه الهداية إلى طريق سلكه فريق خاص من الذين أنعم اللّه عليهم وهم الذين لم يبدلوا نعمة اللّه كفراً، فحازوا بإطاعتهم واستقامتهم نعمة الآخرة كما كانوا حائزين نعمة الدنيا، فاتصلت لهم السعادة في الدنيا والعقبى، ونظير الآية المباركة أن يقال : يجوز اقتناء کل کتاب غیر کتب الضلال، وعلى ذلك فلا موقع لقول بعضهم : إن كلمة غير متوغلة في الابهام ولا تعرف بما تضاف اليه فلا يصح جعلها صفة للمعرفة ولا لما ذكروه جواباً عن ذلك.

وخلاصة القول : إن الحكم المذكور في القضية - خبرية كانت أو إنشائية - إذا كان عاماً لجميع الأفراد، فإنه يصح تخصيصه متى أُريد ذلك - بكلمة غير، كما يصح تخصيصه بغيرها، فتقول : جاءني جميع أهل البلد، أو أكرم جميعهم غير الفاسقين.

«الضالين» : عطف على المغضوب عليهم : وأُتي بكلمة «لا» تأكيداً للنفي لئلايتوهم السامع أن المنفي هو المجموع، وكلمة «غير» تدل على النفي التزاماً فاجري عليها حكم غيرها من دوال النفي. تقول : جالس رجلاً غير فاسق ولا سيء الخلق، أعبد اللّه بغير كسل ولا ملل، وتوهم بعض مقاربي عصرنا عدم جواز ذلك فأتعب نفسه في توجيه الآية المباركة ولم يأت بشيء، واعترف بعجزه عن الجواب.

التفسير

وبعد أن لقن اللّه عبيده أن يعترفوا بين يديه بالتوحيد في العبادة والاستعانة لقنهم أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم. وقد اشتملت هذه السورة الكريمة في

بداءتها على تمجيد اللّه سبحانه، والثناء عليه بما هو أهله واشتملت في نهايتها على سؤال الهداية منه. وبين تلك البداءة وهذه الخاتمة أنزل اللّه تعالى قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعينُ فهو نتيجة للتمجيد السابق وتوطئة للسؤال اللاحق، فإن في التمجيد السابق ملاك حصر العبادة والاستعانة به تعالى فالمستحق للعبادة إنما هو اللّه بذاته برحمته وسلطانه، وغيره لا يستحق أن يُعبَد أو يُستعان به)وإذا كانت العبادة والاستعانة منحصرتين بالله سبحانه فلا مناص للعبد من أن يدعو ربه الذي حصر عبادته واستعانته به. ومن هنا ورد عن الطريقين «أن اللّه تبارك وتعالى قد جعل هذه السورة نصفين : نصف له ونصف لعبده، فإذا قال العبد : الحمد للّه رب العالمين، يقول اللّه تعالى : مجدني عبدي، وإذا قال : إهدنا الصراط المستقيم، قال اللّه تعالى : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (1.)ثم إنك عرفت أن الطريق التي يسلكها البشر في أعمالهم وإيمانهم ثلاثة :أحدها: الطريق الذي مهده اللّه لعباده، يسلكه من هداه اللّه إليه بفضله وإحسانه.ثانيها: الطريق الذي يسلكه الضالون.ثالثها: الطريق الذي يسلكه المغضوب عليهم. وقد بين اللّه سبحانه مغايرة الطريق المستقيم للطريقين الآخرين ببيان أن سالكي هذا الطريق غير سالكي دينك الطريقين. وبذلك بيّن أن من اجتنب الطريق المستقيم فلا مناص له من الخذلان، إما بضلاله فحسب وإما بضلاله مع استحقاقه الغضب الإلهى. أعاذنا اللّه من الخذلانوهدانا إلى صراطه المستقيم.


1) عيون أخبار الرضا - باب ما جاء عن الرضا من الأخبار المتفرقة ص 166، طبعة إيران سنة 1317 ه- وتقدم نظير هذا عن أبي هريرة في الصفحة 442 من هذا الكتاب.

البحث الثالث: حول آية أفدنا

* الهداية بمعنى الاستمرار.* الهداية بمعنى الثواب.* الهداية بمعنى الاستزادة منها.

ذكر المفسرون: أن من يطلب الهداية من اللّه لابد وأن يكون فاقداً لها، فكيف يطلبها المسلم الموحد في صلاته، وأجابوا عنه بوجوه :1 - أن يراد بالهداية : الاستمرار عليها، فبعد ما من اللّه تعالى على المصلي بهدايته إلى الإيمان يطلب منه الاستمرار والثبات على هذه النعمة لئلا نزل له قدم بعد ثبوتها.2 - أن يراد بالهداية : الثواب فمعناه إهدنا طريق الجنة ثواباً لنا.3 - أن يراد بالهداية : زيادتها فإن الهداية قابلة للزيادة والنقصان، فمن كان واجداً المرتبة منها جاز أن يطلب مرتبة أكمل منها.وكل هذه الوجوه استحسانية تخالف ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة والصحيح أن يقال : إن الهداية التي يطلبها المسلم في صلاته هيهداية غير حاصلة له، وإنما يطلب حصولها من ربه فضلاً منه ورحمة.و توضيح ذلك : إن الهداية من اللّه تعالى على قسمين : هداية عامة وهداية خاصة، والهداية العامة قد تكون تكوينية، وقد تكون تشريعية، أما الهداية العامة

التكوينية فهي التي أعدها اللّه تعالى في طبيعة كل موجود سواء أكان جماداً أم كان نباتاً أو حيواناً، فهي تسري بطبعها أو باختيارها نحو كمالها، واللّه هو الذي أودع فيها قوة الاستكمال، ألا ترى كيف يهتدي النبات إلى نموه، فيسير إلى جهة لا صادّ له عن سيره فيها، وكيف يهتدي الحيوان فيميز بين من يؤذيه ومن لا يؤذيه ؟ فالفأرة تفرُّ من الهرة، ولا تفرُّ من الشاة، وكيف يهتدي النمل والنحل إلى تشكيل جمعية وحكومة وبناء مساكن ! وكيف يهتدي الطفل إلى ثدي أُمه، ويرتضع منه في بدء ولادته :(قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى «20 : 50».)وأما الهداية العامة التشريعية فهي الهداية التي بها هدى اللّه جميع البشر بإرسال الرسل اليهم وإنزال الكتب عليهم، فقد أتم الحجة على الإنسان بافاضته عليه العقل وتمييز الحق من الباطل، ثم بإرساله رسلاً يتلون عليهم آياته، ويبينون لهم شرائع أحكامه، وقرن رسالتهم بما يدل على صدقها من معجز باهر، وبرهان قاهر، فمن الناس من اهتدى، ومنهم من حق عليه الضلالة :(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً «76 : 3». وأما الهداية الخاصة، فهي هداية تكوينية، وعناية ربانية خصّ اللّه بها بعض عباده حسب ما تقتضيه حكمته، فيهييء له ما به يهتدي إلى كماله ويصل إلى مقصوده، ولولا تسديده لوقع في الغي والضلالة، هذا وقد أشير إلى هذا القسم من الهداية في غير واحد من الآيات المباركة، قال عزّ من قائل

(فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقٌّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 7: 30. قُلْ فَلِلّهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ 6: 149. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلكِنَّ اللّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ 2: 272.

إِنَّ اللّه لا يَهْدِي القَومَ الظَّالِمِينَ 6 : 144. واللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 2 : 213. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلْكِنَّ اللّه يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ 28 : 56. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِينَّهُمْ سُبُلَنَا 29 : 69. فَيُضِلُّ اللّه مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 14 : 4﴾.

إلى غير ذلك من الآيات التي يستفاد منها اختصاص هداية اللّه تعالى وعنايته الخاصة بطائفة خاصة دون بقية الناس، فالمسلم بعد ما اعترف بأن اللّه قد منّ عليه بهدايته هدايةً عامة تكوينية وتشريعية طلب من اللّه تعالى أن يهديه بهدايته الخاصة التكوينية التي يختص اللّه بها من يشاء من عباده.

وصفوة القول : أن البشر بطبعه في معرض الهلاك والطغيان فلا بد للمسلم الموحد أن لا يتكل على نفسه بل يستعين بربه، ويدعوه لهدايته، ليسلك به الجادة الوسطى فلا يكون من المغضوب عليهم، ولا من الضالين.

قسم التعليقات

إشارة:

•

مصادر حديث الثقلين

•

ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه.

•

مصادر حديث لتركبنَّ سنن من قبلكم.

•

محادثة بين المؤلف وحبر يهودي.

•

ترجمة القرآن وشروطها.

•

قصة قريش في محاولتهم تعجيز النبي.

•

تحريف رواية في صحيح البخاري.

•

رأي محمد عبده في الطلاق الثلاث.

•

اختلاق الرازي نسبة الجهل إلى اللّه على لسان الشيعة.

•

أحاديث مشيئة اللّه.

•

أحاديث إن الدعاء يغير القضاء.

•

أهمية آية البسملة.

•

معرفة بدء الخليقة في كتاب التكوين.

•

أحاديث إن البسملة جزء من القرآن.

•

قصة نسيان معاوية لقراءة البسملة.

•

قراءة النبى البسملة وتوجيه رواية أنس.

•

ابن تيمية ونقله أحاديث جواز زيارة القبور.

•

تهمة الآلوسى للشيعة.

•

حوار بين المؤلف وعالم حجازي.

•

فضيلة تربة الحسين 7.

•

تأويل آية السجود بالكشف.

•

حديث إبليس مع اللّه.

•

الإسلام يدور مدار الشهادتين.

•

العبادة وأقسام دوافعها.

•

الأمر بين الأمرين والحسنات والسيئات.

•

مصادر: رواية الشفاعة.

ص 18

مصادرحديث الثقلين

التعليقة (1) ص 18

روى - حديث الثقلين - أحمد في الجزء 3 من مسنده ص 14، 17، 26، 59 عن أبي سعيد الخدري. ورواه الدارمي في كتاب فضائل القرآن الجزء 2 ص 431، وأحمد في الجزء 4 من مسنده : ص 366، 371 عن زيد بن أرقم. ورواه أحمد في الجزء 5 ص 182، 189 عن زيد بن ثابت.

ورواه جلال الدين السيوطي في «جامعه الصغير» عن الطبراني عن زيد بن ثابت وصححه. وقال العلّامة المناوي في شرحه الجزء 3 ص 15 : قال الهيثمي : رجاله موثقون».

ورواه أيضاً أبو يعلى بسند لا بأس به، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر وزاد أنه قال في حجة الوداع «ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي» قال السمهودي «وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة».

ورواه الحاكم في «المستدرك الجزء 3 ص 109» عن زيد بن أرقم وصححه ولم يعقبه الذهبي. وفي ألفاظ الروايات اختلاف في التعبير لكنها متفقة في المقصود.

ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه

التعليقة (2) ص 18

هو الحارث بن عبداللّه الأعور الهمداني، وقد اتفقت كلمات علماء الإمامية على أنه من أعاظم أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلى نزاهته و مكانته السامية، ووصفوه بالورع والتقوى، والقيام بخدمة سيده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ونص على توثيقه الأعلام في كتبهم الرجالية وغيرها، وذكر غير واحد من أكابر علماء السنة الحارث فأثنى عليه. قال ابن حجر العسقلاني في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحارث : قال الدوري عن ابن معين : «الحارث قد سمع من ابن مسعود وليس به بأس». وقال عثمان الدارمي عن ابن معين : «ثقة». وقال أشعث بن سوار، عن ابن سيرين : «أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة، من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث». وقال ابن أبي داود : «كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي».

وقال أبو جعفر الطبري في المتخب من كتاب «ذيل المذيل» تحت عنوان من هلك سنة 161 : «وكان الحارث من مقدمي أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبداللّه في الفقه والعلم بالفرائض والحساب».

قال الذهبي في ترجمة الحارث، وحديث الحارث في السنن الأربعة، والنسائي مع تعنته في الرجال فقد احتج به وقوى أمره وكان من أوعية العلم. قال مرة بن خالد

أنبأنا محمد بن سيرين قال : «كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يؤخذ عنهم، أدركت منهم أربعة وفاتني الحارث فلم أرَه، وكان يفضل عليهم وكان أحسنهم».

أقول : قد شاء التعصب والهوى أن يقول الشعبي : «حدثني الحارث الأع--ور وكان كذاباً»، وان يتابعه جماعة على رأيه.

قال أبو عبداللّه القرطبي في الجزء الأول من تفسيره ص 5: «الحارث رماه الشعبي بالكذب وليس بشيء ولم يبين من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتفضيله له على غيره، ومن ههنا - والله أعلم - كذبه الشعبي لأن الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى أنه أول من أسلم».

قال ابن حجر في ترجمة الحارث : وقد فسر ابن عبدالبر في كتاب «العلم» السر في طعن الشعبي على الحارث فقال : «إنما نقم عليه لإفراطه في حب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأظن أن الشعبي عوقب على تكذيبه الحارث لأنه لم تبن منه كذبة أبداً».

وقال ابن شاهين في الثقات : قال أحمد بن صالح المصري : «الحارث الأعور ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه، قيل له فقد قال الشعبي : كان يكذب، قال : لم يكن يكذب في الحديث إنما كان كذبه في رأيه».

بربك أخبرني أيها الناقد البصير هل يجوز في شريعة العلم ؟ أو هل يسوّغ الدين نسبة الفاحشة إلى المسلم، وقذفه بالكذب بمجرد ولائه لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتفضيله إياه على غيره ؟ أليس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو الذي جاهر بتفضيل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على غيره، حتى جعله منه بمنزلة هارون من موسى وأثبت له خصالاً لم يحظ بمثلها رجل من الصحابة، وقد شهد بذلك - على ما رواه الحاكم في المستدرك [الجزء 3 ص 108] سعد بن أبي وقاص أمام معاوية حين حمله على سبه فقال : «كيف أسب رج--لاً

كانت له خصال من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لو أن لي واحدة منها لكان أحب إلي من حمر النعم» ثم ذكر قصة الكساء، وحديث المنزلة و إعطاء الراية له في يوم خيبر، ولم يكتف نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك حتى أعلم الامة بمنزلته الرفيعة - كما في نفس المصدر ص 108 - فقال لعلي : «من أطاعني فقد أطاع اللّه، ومن عصاني فقد عصى اللّه،ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني»، وغير ذلك من فضائله التي لا تعد ولا تحصى

نعم ليس من الغريب أن يفتري الشعبي على الحارث، ويصفه بالكذب فقد كان من صنايع الامويين يرتع في دنياهم، ويسير على رغباتهم، فقد بعثه عبدالملك بن مروان - كما في كتاب النجوم الزاهرة الجزء 1 ص 208 - إلى مصر بسبب البيعة للوليد بن عبدالملك، ثم تولى المظالم بالكوفة - كما في كتاب الأغاني الجزء 2 ص 120 - من قبل بشر بن مروان أيام ولايته عليها من قبل عبدالملك، ثم تولى القضاء كما في تاريخ الطبري الجزء 5 ص 310 الطبعة الثانية - من قبل عمر بن عبدالعزيز في الكوفة، فهو مرواني النزعة، يقول ويفعل بما يشاء له الهوى، لا يتحرج من كذبه، ولا يتبرم من خطل.

ذكر أبو الفرج في الأغاني الجزء 1 ص 121 عن الحسن بن عمر الفقيمي قال : «دخلت على الشعبي فبينا أنا عنده في غرفته إذ سمعت صوت غناء فقلت أهذا في جوارك ؟ فأشرف بي على منزله فإذا بغلام كأنه قمر وهو يتغنى.. قال فقال لي الشعبي: أتعرف هذا ؟ قلت : لا : فقال : هذا الذي أوتي الحكم صبياً، هذا ابن سريج».

وذكر أيضاً في الجزء 2 ص 71 عن عمر بن أبي خليفة قال : «كان الشعبي مع أبي في أعلى الدار فسمعنا تحتنا غناء حسناً فقال له أبي : هل ترى شيئاً ؟ قال : لا.

فنظرنا فإذا غلام حسن الوجه حديث السن يتغنى.. فإذا هو ابن عائشة فجعل الشعبي يتعجب من غنائه، ويقول : يؤتي الحكمة من يشاء».

وذكر أيضاً في الجزء 2 ص 133 «أن مصعب بن الزبير أيام ولايته على الكوفة أخذ بيد الشعبي وأدخله في حجلة زوجته عائشة بنت طلحة، وهي بارزة حاسرة، فسأله عن حالها فأبدى رأيه فيها، ووصفها له بما يريد، ثم أمر مصعب له بعشرة آلاف درهم وثلاثين ثوباً».

نعم ليس غريباً من الشعبي أن يصف الحارث بهذه الصفة، وقد افترى على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في القرطبي (1)الجزء 1 ص 158 حيث كان يحلف بالله : «لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن».

قال الصاحبي في فقه اللغة ص 170 : «وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول : سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فما من آية إلا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل».

وروى السدي، عن عبد خير، عن علي : «أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأقسم أن لا يضع على ظهره رداء حتى يجمع القرآن، قال : فجلس في بيته حتى جمع القرآن فهو أول مصحف جمع فيه القرآن جمعه من قلبه وكان عند آل جعفر».

ألا تنظر أيها المسلم الغيور إلى هذا الرجل كيف تجرأ على اللّه وعلى رسوله، وتكلم بهذا الكلام الشنيع ؟ أفيقال مثل هذا الكلام فيمن ه-و ب-اب م-دينة علم الرسول والمبين لامته لما أرسله اللّه به ؟ وفي ذلك روايات كثيرة كما في «كنز العمال


1) اي تفسير القرطبي : 1 / 158.

الجزء 6 ص 156» وفيمن هو باب مدينة الحكمة كما في «صحيح الترمذي الجزء 13 ص 171» وفيمن هو مع القرآن والقرآن معه لن يفترقا حتى يردا على الحوض كما في «مستدرك الحاكم الجزء 3 ص 124 والجامع الصغير للسيوطي الجزء 4 ص 356» (إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون).


مصادر حدیث «لتركبن سنن من قبلكم...»

التعليقة (3) ص 20

هذا الحديث في مسند أحمد الجزء 5 ص 218 من حديث أبي واقد الليثي. وعند البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي : «لتتبعن سنن من قبلكم» الجزء 8 ص 151 وعند مسلم في كتاب «العلم» باب اتباع سنن اليهود والنصارى الجزء 8 ص 57. وفي مسند أحمد الجزء 3 ص 74 عن أبي سعيد الخدري وفي مجمع الزوائد للهيثمي الجزء 7 ص 261 عن ابن عباس.


محادثة بين المؤلف وحبر يهودي

التعليقة (4) ص 45

وقد جرت محادثة بيني وبين حبر من أحبار اليهود تتصل بموضع انتهاء شريعتهم بانتهاء أمد حجتها وبرهانها قلت له : هل التدين بشريعة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يختص باليهود أو يعم من سواهم من الأمم ؟ فإن اختصت شريعته باليهود لزم أن نثبت لسائر الأمم نبياً آخر، فمن هو ذلك النبي ؟ وإن كانت شريعة موسى عامة لجميع البشر، فمن الواجب أن تقيموا شاهداً على صدق نبوته وعمومها، وليس لكم سبيل إلى ذلك فإن معجزاته ليست مشاهدة للأجيال الآخرين ليحصل لهم العلم بها، وتواتر الخبر بهذه المعجزات يتوقف على أن يصل عدد المخبرين في كل جيل إلى حد يمنع العقل من تواطئهم على الكذب، وهذا شيء لا يسعكم إثباته، وأي فرق بين إخباركم أنتم عن معاجز موسى وإخبار النصارى عن معاجز عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإخبار كل امة اخرى بمعاجز أنبيائها الآخرين فإذا لزم على الناس تصديقكم بما تخبرون به، فلم لا يجب على الناس تصديق المخبرين الآخرين في نقلهم عن أنبيائهم ؟!. وإذا كان الأمر على هذه الصورة فلم لا تصدقون الأنبياء الآخرين،

فقال : إن معاجز موسى ثابتة عند كل من اليهود والنصارى والمسلمين، وكلهم يعترفون بصدقها. وأما معاجز غيره فلم يعترف بها الجميع، فهي لذلك تحتاج إلى الإثبات.

فقلت له : إن معجزات لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم تثبت عند المسلمين ولا عند النصارى إلا باخبار نبيهم بذلك لا بالتواتر فإذا لزم تصديق المخبر عن تلك المعاجز وهو يدعي النبوة لزم الإيمان به والاعتقاد بنبوته، وإلا لم تثبت تلك المعاجز أيضاً، هذا شأن الشرائع السابقة.

أما شريعة الإسلام فإن حجتها باقية تتحدى الأمم إلى يوم القيامة، وإذا ثبتت هذه الشريعة المقدسة وجب علينا تصديق جميع الأنبياء السابقين لشهادة القرآن الكريم ونبي الإسلام العظيم

وإذن فالقرآن هو المعجزة الخالدة الوحيدة الباقية التي تشهد لجميع الكتب المنزلة بالصدق، ولجميع الأنبياء بالتنزيه


ترجمة القرآن وشروطها

التعليقة (5) ص 46

لقد بعث اللّه نبيه لهداية الناس فعززه بالقرآن، وفيه كل ما يسعدهم ويرقى بهم إلى مراتب الكمال، وهذا لطف من اللّه لا يختص بقوم دون آخر بل يعم البشر عامة، وقد شاءت حكمته البالغة أن ينزل قرآنه العظيم على نبيه بلسان قومه، مع أن تعاليمه عامة، وهدايته شاملة، ولذلك فمن الواجب أن يفهم القرآن كل أحد ليهتدي به.

ولا شك أن ترجمته مما يعين على ذلك، ولكنه لا بد وأن تتوفر في الترجمة براعة وإحاطة كاملة باللغة التي ينقل منها القرآن إلى غيرها، لأن الترجمة مهما كانت متقنة لا تفي بمزايا البلاغة التي امتاز بها القرآن، بل ويجري ذلك في كل كلام إذ لا يؤمن أن تنتهي الترجمة إلى عكس ما يريد الأصل.

ولا بد - إذن - في ترجمة القرآن من فهمه، وينحصر فهمه في أمور ثلاثة:

1 - الظهور اللفظي الذي تفهمه العرب الفصحى.

2 - حكم العقل الفطري السليم.

3 - ما جاء من المعصوم في تفسيره

وعلى هذا تتطلب إحاطة المترجم بكل ذلك لينقل منها معنى القرآن إلى لغ--ة اخرى.

وأما الآراء الشخصية التي يطلقها بعض المفسرين في تفاسيرهم، لم تكن على ضوء تلك الموازين فهي من التفسير بالرأي، وساقطة عن الاعتبار، وليس للمترجم أن يتكل عليها في ترجمته.

وإذا روعي في الترجمة كل ذلك فمن الراجح أن تنقل حقائق القرآن ومفاهيمه إلى كل قوم بلغتهم، لأنها نزلت للناس كافة، ولا ينبغي أن تحجب ذلك عنهم لغة القرآن ما دامت تعاليمه وحقائقه لهم جميعاً.


قصة قريش في محاولتهم التعجيز النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

التعليقة (6) ص 114

ويرشد إلى ما أوضحناه في معنى الآيات الكريمة المتقدمة : الروايات التي وردت في شأن نزولها. ففي «تفسير البرهان» عند تفسير هذه الآيات :(1)

«أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان قاعداً ذات يوم بمكة بفناء الكعبة، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش، منهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبو البختري بن هشام، وأبوجهل بن هشام، والعاص بن وائل السهمي، وعبداللّه بن أبي أمية المخزومي وجمع ممّن يليهم كثير، ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه. يذكرهم عن اللّه أمره ونهيه. فقال المشركون بعض البعض : قد استفحل أمر محمد وأعظم خطبه. تعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه، والاحتجاج عليه، وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه، ويصغر قدره عندهم، فلعله أن ينزع عما هو فيه، ومن غيّه وباطله، وتمرُّده وطغيانه، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر. فقال أبو جهل : فمن ذا الذي يلي كلامه ومحاورته ؟ قال عبداللّه بن أبي أمية المخزومي: أنا إلى ذلك، أما ترضاني له قرناً حسيباً ومحاوراً كفياً ؟ قال أبوجهل : بلى. فأتوه جميعاً فابتدأ عبداللّه بن أبي أمية المخزومي فقال : يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة، وقلت مقالاً هائلاً. زعمت أنك رسول اللّه رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين،


1) تفسير البرهان، ج 1 ص 46 - 52.

وخالق الخلق أن يكون مثلك رسولاً له بشراً مثلنا، تأكل كما نأكل، وتشرب كما نشرب، وتمشي في الأسواق كما نمشي. فهذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلا كثير مال، عظيم حال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدم. ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم وهم عبيده.. لو أراد اللّه أن يبعث الينا رسولاً لبعث أجلّ من فيما بينا مالاً، وأحسن حالاً. فهلا انزل هذا القرآن - الذي تزعم أن اللّه أنزله اليك وبعثك رسولاً - على رجل من القريتين عظيم، إما الوليد بن مغيرة بمكة، وإما عُروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : فهل بقي من كلامك شيء يا عبداللّه ؟ قال : بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً بمكة هذه، فإنها ذات أحجار وعرة وجبال تكسح أرضها وتحفرها، وتجري فيها العيون فإنا إلى ذلك محتاجون، أو يكون لك جنة من نخيل و عنب فتأكل منها،وتطعمها، وتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، فإنك قلت لنا : (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم)، فلعلنا نقول ذلك.

ثم قال : ولن نؤمن لك أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً تأتي بهم وهم لنا مقابلون أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا فلعلنا نطغى فإنك قلت لنا : (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)

ثم قال : أو ترقى في السماء ولن نؤمن لصعودك حتى تنزل علينا كتاباً من اللّه العزيز الحكيم، إلى عبداللّه بن أبي أمية المخزومي ومن معه معه بأن آمنوا بمحمد بن عبداللّه بن عبدالمطلب، فإنه رسولي، وصدقوه في مقاله فإنه من عندي.

ثم لا ادري يا محمد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا اؤمن بك، لو رفعتنا إلى السماء، وفتحت أبوابها، ودخلناها لقلنا إنما سكرت أبصارنا وسحرتنا...

فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللهم أنت السامع لكل صوت، والعالم بكل شيء، تعلم ما قاله عبادك..

وأما قولك : إن هذا ملك الروم، وملك الفرس لا يبعثان رسولاً إلا كثير المال. فإن اللّه له التدبير والحكم، لا يفعل على ظنك وحسابك واقتراحك، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.. فلو كان النبي صاحب قصور يحتجب فيها، أو عبيد وخدام يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والامور تتباطأ؟

وأما قولك لى : ولو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده فالملك لا تشاهده حواسكم، لأنه من جنس هذا الهواء لاعيان منه، ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم : ليس هذا ملك بل هذا بشر لأنه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقاله..

وأما قولك : ما أنت إلا رجلاً مسحوراً فكيف أكون كذلك وأنتم تعلمون أني في التمييز والعقل فوقكم، فهل جربتم علي مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة أو كذبة أو خنى، أو خطأ من القول أو سفهاً من الرأي ؟ أتظنون أن رجلاً يعتصم طول هذه بحول نفسه وقوتها أو بحول اللّه وقوته...؟

وأما قولك : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم... فإن اللّه ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، ولا خطر له عنده كما له عندك.. وليس هو عز وجل مما يخاف أحداً كما تخافه لما له وحاله.

وأما قولك : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، إلى آخر ماقلته، فإنك اقترحت على محمد رسول اللّه أشياء : منها مالو جاءك به لم يكن برهاناً لنبوته، ورسول اللّه يرتفع أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه

ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد اللّه الإيمان، لئلا يهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك، ورب العالمين أرحم بعباده، وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه... ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة، ولا تصغي لبرهان..!

فأما قولك : يا عبد اللّه لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل اللّه، أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبياً ؟... فما هو إلا كقولك لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض.. أو ليس لك ولأصحابك جنان من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها، وتفجرون خلالها تفجيراً، أقصر تم أنبياء بهذه؟..

وأما قولك : أو تسقط السماء كما زعمت كسفاً.. فإن في سقوط السماء عليكم موتكم وهلاككم، فإنما تريد بهذا من رسول اللّه أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم بك من ذلك ولا يهلكك، لكنه يقيم يقيم عليك عليك حجج اللّه، وليس حجج اللّه لنبيه وحده على حسب الاقتراح من عباده، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز من الفساد.. وهل رأيت يا عبداللّه طبيباً كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم ؟.. فمتى رأيت يا عبداللّه مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه...!

وأما قولك : أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً يقابلوننا ونعاينهم، فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به إن ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب يقابل ويتحرك، ويقابل شيئاً حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال

وأما قولك : يا عبد اللّه أو يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - أما بلغك

أن لعظيم مصر بيوتاً من زخرف ؟ قال : بلى. قال أفصار بذلك نبياً؟ قال : لا قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد لو كان له نبوة، ومحمد لا يغتنم جهلك لحجج اللّه..!

وأما قولك : يا عبداللّه : أو ترقى في السماء، ثم قلت : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزيل علينا كتاباً نقرؤه، يا عبد اللّه الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها، فإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم نزولي، ثم قلت : حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه، من بعد ذلك لا أدري أؤمن بك ؟. فأنت يا عبداللّه مقر بأنك تعاند حجة اللّه عليك.. وقد أنزل اللّه تعالى علي كلمة جامعة لبطلان ما اقترحته فقال : «قل يا محمد سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً.. وليس لي أن آمر ربي ولا أنهى ولا أشير..».

والحديث يشتمل على فوائد كثيرة فليراجعه المتتبع، وفي شأن نزول هذه الآيات روایات عديدة ذكرها «الطبري» عند تفسير الآيات المباركة.

تحريف حديث المتعة في صحيح البخاري

التعليقة (7) ص 319

روى هذا الحديث :

«كنا نغزو مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وليس معنا نساء، فقلنا : ألا نستخصي فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبداللّه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

رواها عن البخاري جماعة من المحدثين، والمفسرين، والفقهاء بهذا النص، ولكن الموجود في صحيح البخاري المتداول : الجزء 6 ص 53 يخالف ما ذكره هؤلاء من وجهين :

1 - حذف كلمة : «ابن مسعود» من سند الحديث - وقد ذكره معظمهم - لأنه كان يقول بجواز المتعة، حتى لا تكون قرينة على أن المراد بهذه الرواية هو جواز نكاح المتعة وترخيصه.

2 - حذف كلمة «إلى أجل» من آخر الرواية، لأنها صريحة في ترخيص نكاح المتعة كما فهمها الشرّاح وفسّروها، لأن الترخيص في النكاح - في هذا المورد - لا بد وأن يكون ترخيصاً لنكاح المتعة، دون النكاح الدائم، خاصة وإن كان المقصود من: «ليس معنا نساء» أي نساؤنا وزوجاتنا، لا مطلق النساء، وإلا لم يكن معنى للترخيص في النكاح في تلك الحالة، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض المصادر : «ليس لنا نساء».

ولدلالة هذه الرواية على نكاح المتعة ادعى غير واحد من الفقهاء نسخ هذا الحكم الثابت في هذه الرواية بتحريم نكاح المتعة بعد ذلك بروايات اخرى تفيد تحريمها.

ومع أن ذلك لا يتم لهم لأسباب مرَّت عليك - عند مناقشة تلك الروايات في آية المتعة - فإن يد التحريف تناولت هذه الرواية فغيّرتها عما كانت عليه من الصحة. ألا قاتل اللّه التحريف، وأهواء المحرفين !.

ومن المحدثين، والمفسرين، والفقهاء الذين رووا الحديث المذكور عن البخاري على وجه الصحة، هم :

(أ) البيهقي : في سننه الجزء 7 الصفحة 200 طبعة حیدر آباد

(ب) السيوطي : في تفسيره الجزء 2 الصفحة 207 طبعة الميمنية بمصر

(ج) الزيلعي : في نصب الراية الجزء 3 الصفحة 180 طبعة دار التأليف بمصر

(د) ابن تيمية : في المنتقى الجزء 2 الصفحة 517 طبعة الحجازي بمصر

(ه-) ابن القيم : في زاد المعاد الجزء 4 الصفحة 8 طبعة محمد على صبيح مصر

(و) القنوجي : في الروضة الندية الجزء 2 الصفحة 16 طبعة المنيرية مصر

(ز) محمد بن سليمان في جمع الفوائد الجزء 1 الصفحة 589 طبعة دار التأليف بمصر

ولهذه الرواية مصادر اخرى وهي :

(ح) مسند أحمد : الجزء 1 الصفحة 420 طبعه مصر 1313

(ط) تفسير القرطبي: الجزء 5 الصفحة 130 طبعة بمصر 1356

(ي) تفسير ابن كثير : الجزء 2 الصحفة 87 طبعة مصر على البابي

(ك) أحكام القرآن : الجزء 2 الصحفة 184 طبعة مصر 1347

(ل) الاعتبار للحازمي : الجزء 3 الصحفة 176 طبعة حيدر آباد

وهناك مصادر اخرى كصحيح أبي حاتم البستي وغير ذلك من امهات المصادر.

رأي محمد محمد عبده في الطلاق الثلاث

التعليقة (8) ص 330

فإنه بعدما اثبت أن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، قال :

«وليس المراد مجادلة المقلدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم فيها، فإن أكثرهم يطلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها، ولا يبالي بها، لأن العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله». تفسير المنار. الجزء 1 ص 386.

وليته ذكر مثل هذا الكلام في بحث المتعة، وذلك لما عرفت أن نكاح المتعة قد ثبت في الشريعة الإسلامية دون أن يثبت له ناسخ، فلم يبق للقائلين بتحريمه غير اتباع أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)!.

اختلاق الرازي نسبة الجهل الى اللّه

التعليقة (9) ص 383

ومن الذين لم يتثبتوا ولم يتوقفوا الفخر الرازي عند تفسيره قوله تعالى

(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ..) قال : قالت الرافضة : البداء جائز على اللّه تعالى وهو أن يعتقد شيئاً، ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده. انتهى.

سبحانك اللهم إن هذا إلا اختلاق. وقد حكى الرازي في خاتمة كتاب المحصل عن سليمان بن جرير كلاماً كلاماً يقبح منه ذكره ولا يحسن مني سطره.

وإن هذه الكلمة قد صدرت على أثر كلمة اخرى تشابهها تفوه بها بعض النصارى في حق الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حينما جاء بأحكام ناسخة لما جاء به قبلها (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).


أحاديث مشيئة اللّه في خلقه

التعليقة (10) ص 384

روى الصدوق في كتابي التوحيد ومعاني الأخبار بإسناده، عن أبي عبد اللّه لأنه قال في قول اللّه عزوجل : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) : لم يعنوا أنه هكذا، ولكنهم قالوا : قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص، فقال اللّه جل جلاله تكذيباً لقولهم : (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) ألم تسمع اللّه عزوجل يقول : (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

وروى العياشي، عن يعقوب بن شعيب، وعن حماد، عن أبي عبد اللّه نح--و ذلك، هذه الروايات وغيرها مما نذكره في هذا الفصل موجودة في كتاب البحار لشيخنا المجلسي الجزء 2 ص 131 - 142. تفسير العياشي : ج 1 ص 330.


أحاديث : ان الدعاء يغيّر القضاء

التعليقة (11) ص 392

روی سلیمان، قال : «قال رسول اللّه لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (1)رواه الترمذي، باب ما جاء : لا يرد القدر إلا الدعاء الجزء 8 ص 350 [رقم الحديث : 2065].

وروی ثوبان، قال : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وان الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها.

رواه ابن ماجة : باب في القدر الجزء 1 ص 24. [رقم الحديث : 87] ورواه الحاكم في المستدرك وصححه ولم يتعقبه الذهبي الجزء 1 ص 493، ورواه أحمد في مسنده الجزء 5 ص 277، 280، 282. [رقم الحدیث: 21352، 21379، 21402] والروايات بهذا المعنى كثيرة تطلب من مظانها.



1) بحار الأنوار: 6 / 318 باب 60، الحديث : 6، باختلاف يسير، و 168/77، باب 7 الحديث : 3.

أهمية آية البسملة

التعليقة (12) ص 435

قد أوضحنا في بحث الاعراب - ص 459 - ان إضافة اسم إلى اللّه إضافة معنوية، وأن كلمة «اللّه» مستعملة في معناها، وعليه فقد استعملت كلمة «اسم» في معناها الجامع القابل للصدق على جميع أسمائه تعالى، فهو من باب ذكر المفهوم والإشارة به إلى المصداق. وبما أن الاسم الأعظم أشرف المصاديق فلا محالة أن يكون أولى وأحق بانطباق المفهوم عليه. وبهذا يتضح معنى كون «بسم اللّه» أقرب إلى الاسم الأعظم من سواد العين إلى بياضها : (1)فإن القرب بينهما قرب ذاتي، إذ المفهوم متحد مع مصداقه خارجاً، وقرب سواد العين إلى بياضها قرب مكاني، والاتحاد بينهما وضعي.



1) بحار الأنوار: 10 / 395، باب 25، الحدیث: 1.

معرفة بدء الخليقة في الكتاب التكويني

التعليقة (13) ص 435

قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أول ما خلق اللّه نوري.» البحار : باب حقيقة العقل وكيفيته وبدء خلقه :[البحار 1 / 95، الحدیث: 7]

وروی محمد بن سنان قال : «كنت عند أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال يا محمد «إن اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة فمكثوا ألف دهر...» اصول الكافي [1 / 441، الحديث: 1] باب تاريخ مولد النبي، والوافي : باب بدء خلق المعصومين الجزء 2 ص 155.


أحاديث ان البسملة جزء من القرآن

التعليقة (14) ص 447

روى البيهقي بإسناده عن ام سلمة:

«ان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قرأ في الصلاة بسم اللّه الرحمن الرحيم فعدها آية..» ورواه الحاكم في المستدرك الجزء 1 ص 232 وقال : صحيح على شرط الشيخين.

وعن عبد خير، قال : «سُئل علي عن السبع المثاني، فقال : الحمد لله، فقيل له: انما هيست آیات، فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم آية. ورواها عن أبي هريرة أيضاً.

وعن أبي هريرة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه كان يقول : «الحمد للّه رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم اللّه الرحمن الرحيم...».

وعن ابن عباس أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يستفتح القراءة ببسم اللّه الرحمن الرحيم «ورواها الترمذي أيضاً الجزء 2 ص 44».

وعن ابن عمر : : أنه كان إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قرأ بسم اللّه الرحم-ن الرح- الحمد لله، فإذا فرغ قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم. قال : وكان يقول لم كتبت في المصحف إن لم تقرأ ؟! إلى غير ذلك من الروايات. راجع الجزء الثاني من سنن البيهقي ص 43 – 47.

وفي كنز العمال في فضل فضائل السور والآيات الجزء 2 ص 190 وفي باب : البسملة آية :375 : روى الثعلبي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، وكان يقول : من ترك قراءتها فقد نقص وكان يقول: هي تمام السبع المثاني.


قصة نسیان معاوية قراءة البسملة

التعليقة (15) ص 447

روى البيهقي الجزء 2 ص 49 بإسناده عن أنس بن مالك أنه قال :

«صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم، ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجداً» ورواها بطريق آخر، غير أنه قال : فلم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، وزاد «الأنصار».

ورواها الحاكم في المستدرك الجزء 1 ص 233 وقال : حديث صحيح على شرط مسلم.


قراءة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) البسملة وتوجيه رواية أنس

التعليقة (16) ص 447

تقدمت إحدى هذه الروايات في ص 444، وروى قتادة عن عن أنس : أن قراءة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت مداً، ثم قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، يمد بسم اللّه، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم «سنن البيهقي - باب افتتحاح القراءة في الصلاة ببسم اللّه - الجزء 2 ص 46»، «والمستدرك، حديث الجهر ببسم اللّه الجزء 1 ص 1 233».

وروى شريك عن أنس قال : سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يجهر ببسم اللّه الرحم-ن الرحيم. قال الحاكم : رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات.

وروى العسقلاني قال : صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أح--ص-ي ص-لاة الصبح والمغرب فكان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها وسمعت المعتمر يقول : ما آلو أن أقتدي بصلاة ابي وقال ابي : ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس بن مالك : ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

قال الحاكم : رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات «المستدرك الجزء 1 ص 233 – 234».

وروى أبو نعامة عن أنس، قال : كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبو بكر وعمر لا يقرؤون يعني لا يجهرون ببسم اللّه الرحمن الرحيم «سنن البيهقي - باب من قال لا يجهر بها - الجزء 2 ص 52».

أقول : يمكن أن يكون المراد من رواية أنس المتقدمة - التي استدلوا بها على أن البسملة ليست من القرآن - أن رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن بعده لم يجهروا بالبسملة، والقرينة على ذلك هذه الرواية الأخيرة، ويؤيد هذا أن أنس قد عبر في الرواية المتقدمة بعدم سماعه القراءة، بل وفي بعض روايات أنس قال : فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وفي بعضها قال : صلى بنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يسمعنا قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم.. «سنن النسائي - باب ترك الجهر ببسم اللّه - الجزء 1 ص 144» وعليه فلا معارضة بين رواية أنس المتقدمة وما ذكرناه من الروايات الدالة على أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن بعده كانوا يقرؤونها.

نعم ذكر في رواية واحدة : أنهم لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها «صحيح مسلم - باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة - الجزء 2 ص 12»، إلا أن في سند هذه الرواية الوليد بن مسلم القرشي، وفي وثاقته كلام، بل صرح غير واحد بكثرة خطئه، أو تدليسه «راجع تهذيب التهذيب».

وأما رواية قتادة عن أنس : كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد للّه رب العالمين «الترمذي باب ما جاء في افتتاح القراءة بالحمد - الجزء 2 ص 45، وسنن أبي داود باب الجهر ببسم اللّه - الجزء 1 ص 125 وقريب منه ما رواه النسائي باب البداءة بفاتحة الكتاب الجزء 1 ص 143».

فهذه الرواية محمولة على أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن بعده كانوا يبدأون بقراءة فاتحة الكتاب، وقد أطلق جملة : الحمد للّه رب العالمين على سورة فاتحة الكتاب ووقع مثل ذلك في بعض الروايات المتقدمة، وعلى ذلك حملها الشافعي أيضاً.


ابن تيمية ونقله أحاديث جواز زيارة القبور

التعليقة (17) ص 373

إن كثرة الروايات في المقام، واستفاضتها أغنتنا عن ذكرها، إلا أننا نذكر بعض ما رواه عبدالسلام بن عبداللّه بن تيمية جد أحمد بنفسه في كتابه «المنتقى من أخبار المصطفى» وبعض ما رواه غيره :

1 - روى عن بريدة، قال :

«قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لقد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أُمه، فزوروها، فإنها تذكرة الآخرة (قال : رواه الترمذي(1)وصححه.

2 - وعن أبي هريرة، قال :

«زار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبر امه فبكى وأبكى من حوله فقال : استأذنت ربي أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكّر الموت». قال : رواه الجماعة. (2)

3 - وعن عبداللّه بن أبي مليكة:


1) سنن الترمذى : كتاب الجنائز، رقم الحديث: 974.

2) صحيح مسلم: كتاب الجنائز، رقم الحديث: 1622، وسنن النسائى كتاب الجنائز، رقم الحدیث: 2007، و سنن أبي داود كتاب الجنائز، رقم الحدیث: 2815 و سنن ابن ماجة: كتاب ماجاء في الجنائز، رقم الحديث: 1561، و مسند أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم الحديث: 9311.

«إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها : يا أم المؤمنين م--ن أي--ن أقبلت ؟ قالت : من قبر أخي عبدالرحمن، فقلت لها : أليس كان نهى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم. كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها» قال : رواه الأثرم في سننه.

أقول : قال الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على الكتاب، ورواه ابن ماجة، والحاكم، والبغوي في شرح السنة.

4 - عن أبي هريرة:

«ان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أتى المقبرة، فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» قال : رواه أحمد (1)ومسلم (2)، والنسائي (3). ولأحمد من حديث عائشة مثله، وزاد : «اللهم لا تحرمنا أجرهم، و لا تفتنا بعدهم». (4)

5 - وعن بريدة، قال :

كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللّه بكم للاحقون، نسأل اللّه لنا ولكم العافية، قال : رواه أحمد (5)، ومسلم (6)، وابن ماجة (7)[ المنتقي ] الجزء 2 ص 116.


1) مسند أحمد باقی مسند المكثرين رقم الحديث: 7652، و 8523 و 8924.

2) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، رقم الحديث: 367.

3) سنن النسائى كتاب الجنائز، رقم الحدیث: 2012.

4) مسند أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم الحديث: 23335.

5) مسند أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم الحدیث: 21907، و 21961.

6) صحیح مسلم کتاب الجنائز، رقم الحديث: 1620.

7) سنن ابن ماجة كتاب ما جاء فى الجنائز، رقم الحديث 1536.

6 - روى ابن عمر عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي». رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في السنن

7 - وروى أيضاً عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«من زار قبري وجبت له شفاعتي». رواه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في شعب الإيمان.

8 - روى أنس عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)»

«من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة». رواه البيهقي في شعب الإيمان - كنز العمال فضل زيارة القبور الجزء 8 ص 99.

9 - روى ابو هريرة عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلم عليه ويقعد عنده إلا ردَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنسَ به، به، حتى يقوم من عنده». رواه أبو الشيخ، والديلمي.

10 - وروى أيضاً عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

«ما من رجل يمر بقبر كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد (عَلَيهِ السَّلَامُ)». رواه تمام، وخطيب، وابن عساكر، وابن النجار. قال في كنز العمال : وسنده جيد. والروايات التي جمعها في كنز العمال الجزء 8 ص 99 وما بعدها وص 125 وما بعدها يقرب من ثمانين رواية، من أراد الاطلاع عليها فليراجعها.

11 - روى أبو هريرة أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال :

«ما من أحد يسلم علي إلا رد اللّه إلي روحي حتى أرد (عَلَيهِ السَّلَامُ)». سنن

البيهقي باب زيارة قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الجزء 5 ص 245.

12 - روى ابن عمر في استلام الحجر، قال :

«كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يستلمه ويقبله، فقال - السائل - : أرأيت إن زحمت ؟ أرأيت إن غلبت ؟ قال : اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يستلمه ويقبله». رواه البخاري في الصحيح عن مسدد(1).

13 - روی ابن عباس، قال :

«رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه. قال : رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فعل كذا» قلت رواه الطيالسي وغيره.

14 - وروى أبو جعفر :

«أن ابن عباس قبل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبله، ثم سجد عليه ثلاث مرات».

15 - روى عكرمة عن ابن عباس، قال :

«رأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يسجد على الحجر» سنن البيقهي باب السجود عليه - على الحجر - الجزء 5 ص 74، 75.

16 - روى داود بن أبي صالح، قال :

«أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال : أتدري ما تصنع ؟ قال : نعم. فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري - رضي اللّه


1) صحيح البخاري: كتاب الحج، رقم الحديث: 1507، و سنن الترمذي: كتاب الحج، رقم الحدیث: 789، و سنن النسائي: كتاب مناسك الحج، رقم الحديث : 2897. و مسند أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم الحديث 6108.

عنه - فقال : جئت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم آتِ الحجر، سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله». رواه الحاكم في المستدرك الجزء 4 ص 515، وصححه ولم يعقبه الذهبي. وروى ابن تيمية روایات تقبيل الحجر واستلامه، ووضع الخد عليه في المنتقى الجزء 2 ص 261، 262، 263.

17 - وأخرج الحافظ ابن عساكر.

أن فاطمة جاءت، فوقفت على قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعت على عينيها وبكت.

18 - وأخرج أيضاً :

«إن أعرابياً جاء إلى قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وحثا من ترابه على رأسه، وخاطبه وقال: وكان فيها انزل عليك : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ..) وقد ظلمت وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر : قد غفر لك. وكان هذا بمحضر من علي أمير المؤمنين».

19 - وأخرج أيضاً :

«أن بلالاً أتى قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما» الغدير الجزء 5 ص 127 - 128. 05

تهمة الآلوسي للشيعة

التعليقة (18) ص 476

ونظير الاتهام المذكور في (ص 472) ما ذكره الآلوسي عند تفسير قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) من أن الشيعة يجوزون الأكل والشرب إلى طلوع الشمس.

ولست أدري إلى أي سند استند في هذه النسبة سند استند في هذه النسبة، وهو في بغداد عاصمة العراق، والعراق مقر الشيعة قديماً وحديثاً، ولا سيما أن المشاهد المشرفة قريبة من بغداد وقل من يوجد من غير الشيعة فيها. أضف إلى ذلك أن الآلوسي لم يكن بعيداً من كتب الشيعة ومؤلفاتها.

ولعمري : إن هذه النسبة وأمثالها هي التي فرقت بين المسلمين، وحكمت عليهم أعداءهم. ولعلها كانت دسائس أجنبية.


حوار بين المؤلف وعالم حجازي

التعليقة (19) ص 476

لقيت شيخاً فاضلاً يدعى بالشيخ زين العابدين في المسجد النبوي الشريف سنة تشر في بحج بيت اللّه الحرام 1353 يترصد لمن يسجد على التربة فيأخذها منه فقلت له يا شيخ أما حرَّم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التصرف في مال المسلم بغير إذنه ورضاه؟ قال : نعم. قلت : فلماذا تسلب هؤلاء المسلمين أموالهم، وهم يشهدون أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله ؟ قال : هم مشركون اتخذوا التربة صنماً يسجدون لها. قلت : أتسمح لي بالمذاكرة حول هذا الموضوع ؟ قال : لا بأس. فشرعنا في المذاكرة والمناظرة حتى انتهى الأمر إلى أن اعتذر عما ارتكبه، واستغفر اللّه ربه وقال : إنى كنت رجلاً التبس عليه الأمر. ثم التمسني المذاكرة معه في مواضيع شتى فكان ينعقد مجلس المحاضرتي في المسجد النبوي كل ليلة، وبقينا زهاء عشر ليال نجتمع فيه ونحن جماعة مختلطة من مختلف المذاهب، وتجري المناظرة بيني وبين الشيخ حول تلك المواضيع، وكانت عاقبة الأمر أن تبرأ الشيخ مما كان يعتقد في حق الشيعة، ووعدني أن ينشر محاضراتي في جريدة «ام القرى» ليتبين الأمر لغير المعاندين للحق، ممّن التبس عليهم الأمر، وأن يبعث إلى نسخة من تلك الجريدة، إلا أنه لم يف بوعده ولعل الظروف لم تساعده، وحالت الأوضاع بينه وبين ما يريد.


فضيلة تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

التعليقة (20) ص 476

روى أبو يعلى في مسنده، وابن أبي شيبة وسعيد عن منصور في سننه عن مسند علي، قال :

«دخلت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ذات يوم، وعيناه تفيضان قلت : يا نبي اللّه أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بلى قام من عندي جبرئيل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، فقال : هل لك إلى أن أُشمك من تربته من تربته قلت : نعم، فمد يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا» (1).

وروى الطبراني في «الكبير» عن ام سلمة، قال : اضطجع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يوم فاستيقظ وهو خائر النفس، وفي يده تربة حمراء يقلبها، فقلت : ما هذه التربة يا رسول اللّه ؟ قال : أخبرني جبرئيل أن هذا يقتل بأرض العراق «لحسين» فقلت لجبرئيل : أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها، ورواها ابن أبي شيبة عن ام سلمة مع اختلاف في ألفاظها اختلاف في ألفاظها، وروى ابن ماجة والطيالسي وأبو نعيم ما يقرب منها عن ام سلمة. وروى أبو نعيم عن أنس ما يقرب من مضمونها أيضاً، «كنز العمال الجزء 7 الصفحة 105، 106». (2)


1) بحار الأنوار: 247/44، باب 30، الحديث: 46.

2) راجع مسند أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم الحديث: 25315.

تأويل آية السجود بالكشف

التعليقة (21) ص 477

قال الحسن بن منصور :

«لما قيل لإبليس : اسجد لآدم، خاطب الحق فقال : ارفع شرف السجود عن سري إلا لك في السجود حتى أسجد له، إن كنت أمرتني فقد نهيتني، فقال له : فإني اعذبك عذاب الأبد، فقال : أو لست تراني في عذابك لي ؟ فقال : بلى، فقال : فرؤيتك لي تحملني على رؤية العذاب افعل بي ما شئت». تفسیر ابن روزبهان الصفحة 21 طبعة الهند.

أقول : فلتقرعيون أصحاب الكشف - ابن روزبهان وأمثاله - بهذه المكاشفة ونظائرها المخالفة لحكم العقل، وصريح القرآن، وضرورة الدين.


حدیث ابليس مع اللّه

التعليقة (22) ص 478

عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«قال إبليس : رب اعفني من السجود لآدم، وأنا أعبدك عبادة لا يعبدكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فقال جل جلاله : لا حاجة لي في عبادتك، إنما عبادتي من حيث اريد، لا من حيث تريد» تفسير الصافي، عند تفسير قوله تعالى : (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) ص 26.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)- أيضاً - في جواب سؤال الزنديق :

«كيف أمر اللّه الملائكة لآدم : إن من سجد بأمر اللّه فقد سجد لله، فكان سجوده للّه إذا كان عن أمر اللّه» البحار - باب سجود الملائكة ومعناه، الجزء 5 ص 37. [البحار: 11 / 138، باب 2، الحدیث: 2]

الاسلام يدور مدار الشهادتين

التعليقة (23) ص 480

روى سماعة عن الصادق :

«الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه، والتصديق برسول اللّه، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث» الوافي باب ان الإيمان أخص من الإسلام الجزء 3 ص 18. [الكافي: 2/25، الحديث: 1]

وروى ابو هريرة عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال :

«اقاتل حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و يؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه» ورواها جابر وعبداللّه بن عمر باختلاف يسير - صحيح مسلم باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه الجزء 1 ص 39 [صحیح مسلم کتاب الإيمان رقم الحديث: 33].

قال في «تيسير الوصول» بعد رواية عبد اللّه بن عمر : أخرجه الشيخان الجزء 1 ص 20 وهذه الرواية رواها الترمذي عن أبي هريرة، باب ما جاء أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه الجزء 10 ص 68، ورواها النسائي عن أنس أيضاً - كتاب «تحريم الدم» الجزء 2 ص 161 وباب على ما يقاتل الناس ص 269 ورواها أحمد في مسنده الجزء 2 ص 345، 528 عن أبي هريرة والجزء 3

ص 129، 224 عن أنس والجزء 5 ص 246 معاذ بن جبل. وص 433 ما يؤدي معناها عن عبيدالله بن عدي، قال في «تيسير الوصول» تيسير الوصول» الجزء 1 ص 20 بعد رواية عبيد اللّه أخرجه مالك.

وروى أبو هريرة أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال :

«امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه، فمن قال لا إله الا اللّه عصم منيماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللّه» صحيح البخاري باب قتل من أبى قبول الفرائض الجزء 8 ص 50 [رقم الحدیث: 1312] ورواها مسلم و أبو داود(1)وابن ماجة(2)والترمذي (3)والنسائي (4)وأحمد (5)والطيالسي.

وروى أوس بن أوس الثقفي، قال :

«دخل علينا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونحن في قبة في مسجد المدينة، فأتاه رجل فساره بشيء لا ندري ما يقول، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اذهب قل لهم يقتلوه، ثم دعاه فقال : لعله يشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه، قال : نعم، فقال : اذهب فقل لهم يرسلوه، أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وكان حسابهم على اللّه.» (6)

رواها أبو داود الطيالسي وأحمد (7)والدارمي (8)والطحاوي «كنز العمال في حكم الإسلام طبعة دائرة المعارف العثمانية الجزء 1 ص 375».


1) سنن أبي داود كتاب الجهاد، رقم الحدیث: 2270 و 2271.

2) سنن ابن ماجة كتاب الفتن، رقم الحدیث: 3917، و 3918.

3) سنن الترمذي: كتاب الايمان رقم الحديث: 2531، 2532، 3264.

4) سنن النسائى كتاب الجهاد، رقم الحديث: 3039.

5) مسند أحمد مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم الحديث: 112.

6) سنن النسائي: كتاب تحريم الدم، رقم الحدیث: 3917.

7) مسند أحمد: مسند المدنيين.

8) سنن الدارمي كتاب السير، رقم الحديث: 2338.

العبادة وأقسام دوافعها

التعليقة (24) ص 481

روى محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«إن العباد ثلاثة : قوم عبدوا اللّه عزوجل خوفاً، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلباً للثواب، فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا اللّه عزوجل حباً له، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة» (1).

وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يقرب من ذلك. وقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في «نهج البلاغة» (2):

«إن قوماً عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا اللّه شكراً فتلك عبادة الأحرار» الوسائل مقدمة العبادات، باب ما يجوز قصده من غايات النية الجزء 1 ص 10 (3).


1) الكافي: 84/2، الحديث: 5.

2) نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح) ص 510. حكم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) بحار الأنوار: 14/41، باب 101، الحديث: 4 و 196/75، باب 53، الحدیث: 2.

الأمر بين الأمرين وحسنات الناس وسيئاتهم

التعليقة (25) ص 485

روى الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :

«سألته فقلت : اللّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : اللّه أعز من ذلك. قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : اللّه أعدل وأحكم من ذلك. قال ثم قال : قال اللّه يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني. عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك» الوافي باب الخير والقدر الجزء 1 ص 119.


مصادر رواية الشفاعة

التعليقة (26) ص 486

هذه الرواية : «لكل نبي دعوة وأردت إن شاء اللّه أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» مذكور في صحيح البخاري، كتاب الدعوات باب 1 الجزء 7 ص 145 [الحديث: 58129] وصحيح مسلم باب اختباء النبي دعوة الشفاعة لأمته الجزء 1 ص 130، 131 [الحديث: 293، 295]. وأخرجها عن أنس وعن جابر أيضاً وأخرجها مالك في الموطأ عن أبي هريرة باب ما جاء في الدعاء الجزء 1 ص 166 طبعة مصطفى محمد المشروحة [الحديث : 443]. وأخرجها ابن ماجة في سننه باب ذكر الشفاعة الجزء 2 ص 301 طبعة المطبعة العلمية بمصر. وأخرجها أحمد في مسنده عن أبي هريرة الجزء 2 ص 275، 313، 381، 396، 409، 326، 430 486، وعن أبي سعيد الخدري الجزء 3 ص 2، وعن أنس الجزء 3 ص 134، 208، 218، 209، 208، 276، 292، وعن جابر الجزء 3 ص 384، 396، وعن أبي ذر : الجزء 5 ص 148.


الحمد للّه على ما أنعم علينا بنشر هذا القسم من الكتاب، راجين منه سبحانه أن ينفع به المسلمين وغيرهم، ويجعله وسيلة إلى معرفة القرآن، وفهم أسراره ومغازيه. نسأله التوفيق لإكمال هذا التفسير، فإنه غاية السؤل و منتهى المأمول والله ولي التوفيق.

المؤلف

الفهارس

إشارة:

1- فهرس الآيات

2- فهرس الاحاديث

3- فهرس الاسر

4- فهرس الامكنة والبقاع

5- فهرس الشعر

6- فهرس الاعلام

7 - فهرس مصادر البحث

8 - فهرس الموضوعات

1- فهرس الآيات

اسجد لمن خلقت طينا 477

ءاله مع اللّه قل هاتوا برهانكم 468

اشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم 372

احل لكم ليلة الصيام 299

الاخلاص (سورة كاملة) 443

ادعوني استجب لكم 469

اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا 334

اذا السماء انشقت 114

اذا السماء انفطرت 114

استجيبوا للّه وللرسول 422

اشداء على الكفار رحماء بينهم 429

اعملوا ان اللّه شديد العقاب 429

اعدلوا هو اقرب للتقوى 63

اف لكم و لما تعبدون 468

افرأيت من اتخذ الهه هواه 424

افلا يتدبرون القرآن 58، 261، 262، 285

اقتربت الساعة و انشق القمر 118

الا الذين يصلون 237

الا الذين يصلون الى قوم 336

الا الذي فطرني فانه 50

الا انه بكل شيء محيط 469

الا تنفروا يعذبكم عذابا اليما 355

الا على أزواجهم أو ما ملكت 327

الان خفف اللّه عنكم 350، 353

الان علم اللّه ان فيكم ضعفا 393

الا له الخلق والامر 464

الا عبادك منهم المخلصين 481

الذي جعل لكم الارض مهدا 737

الذين يتبعون الرسول النبي الامي 50، 119

الذين يجعلون مع اللّه إلهاً 69

الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر 469

الله الذي رفع السماوات 49

الله لا اله الا هو الحي القيوم 49

الم تروا ان اللّه سخر لكم 490

الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا 461

الم يروا انه لا يكلمهم ولا يهديهم 468

اليس اللّه بكاف عبده 469ف 483

ام خلقوا من غير شيء 434

ام يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 100

ام يقولون نحن جميع منتصر 70

إنا اعطيناك الكوثر 100

إنا كفيناك المستهزئين 358

إنا نحن نزلنا الذكر 181، 206

انا نخاف من ربنا يوما 480

انا هديناه السبيل 307، 496

ان الذي فرض عليك 31

ان أكرمكم عند اللّه اتقاكم 66

ان ترك خيرا الوصية 297

ان احسنتم احسنتم لانفسكم 459

ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا 263

ان رحمة اللّه قريب من المحسنين 66

ان السمع والبصر والفؤاد 262

ان شجرة الزقوم طعام الاثيم 179

ان شانئك هو الابتر 101

ان عبدت بني اسرائيل 462

انفروا خفافا وثقالا و جاهدوا 356

انك لا تهدي من احببت 497

ان اللّه اصطفی آدم و نوحا 50، 232

ان اللّه بالناس لرؤوف رحيم 430، 432

ان اللّه ربي وربكم فاعبدوه 488

ان اللّه على كل شيء قدير 288

ان اللّه لا يخفى عليه 49

ان اللّه لا يهدي القوم الظالمين 497

ان اللّه هو الرزاق ذو القوة المتين 469

ان اللّه يحكم ما يريد 470

ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان 63

ان اللّه يأمركم أن تؤدوا 63

ان المبذرين كانوا 63

انما يعلمه بشر 179

انما يوفى الصابرون 63

انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله 356

انما جزاء الذين يحاربون اللّه 365

ان نشأ نخسف بهم الارض 114

ان هذا القرآن يهدي 17

انه لقرآن كريم 224

اني اخاف ان عصيت ربي 480

ان يردن الرحمن بضر 430

او آخر ان من غيركم 344

او ترقى في السماء 112

او تسقط السماء كما زعمت 112

او تكون لك جنة 112

اولئك الذين انعم اللّه 51، 425

او يكون لك بيت من زخرف 112

او يلقى اليه كنز او 117

او ينفعونكم أو يضرون 468

اهدنا الصراط المستقيم 62، 98، 487

اياك نعبد و اياك نستعين 98، 461

بديع السماوات والارض 49

بسم اللّه الرحمن الرحيم (1)419

بلسان عربي مبين 261

تبت يدا أبي لهب وتب 71

تتجافى جنوبهم عن المضاجع 480

تمتعوا في داركم ثلاثة ايام 86

تنزيل الكتاب من اللّه العزيز 454

تنزيل من رب العالمين 224

ثم اورثنا الكتاب الذين 266

ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي 260

حتى تعلموا ما تقولون 336

حتى تنكح زوجا غيره 264

حتى يأتي اللّه بأمره 288

الحمد للّه الذي انزل على عبده الكتاب 9

الحمد للّه 97

الحمد للّه رب العالمين 452

سورة الحمد كاملة (الفاتحة) 419

الحمد للّه فاطر السماوات والارض 545

حملته امه کرها و وضعته کرها 306

خاشعة ابصارهم ترهقهم ذلة 10

ذلك تأويل مالم تسطع عليه صبرا 223

ذلكم اللّه ربكم لا اله الا هو 49

رب السماوات والارض 75، 421

رب العالمين الرحمن الرحيم 97

رب المشرقين و رب المغربين 74

ربكم أعلم بكم ان يشأ يرحمكم 420

ربكم الذي يزجي لكم 432

الرحمن الرحيم 449

رسولا يتلو عليكم آيات اللّه 206

الزاني لا ينكح إلا زانية او مشركة 361

سبع ليال و ثمانية ايام حسوما 86

سبحان الذي خلق الازواج 73

سبحانه و تعالى عما يقولون 482

سخرها عليهم سبع ليال 86

سيصلي ناراً ذات لهب 71

سيهزم الجمع ويولون الدبر 70

صراط الذين أنعمت عليهم غير 99، 424، 487

صراط اللّه الذي له ما في السماوات و ما في الارض 488


1) وردت فى امكنة متعددة اما هذه الصفحة فهي مكان تفسيرها.

عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول 473

عبدا مملوكا لا يقدر على شيء 264

عفا اللّه عنك لم اذنت 356

على قلبك لتكون من المنذرين 261

غلبت الروم 70

غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا 522

فاحكم بينهم بما انزل اللّه 340

فاذا استأذنوك لبعض شأنهم 356

فاذا انسلخ الاشهر الحرم 303

فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب 363

فاصبر لحكم ربك ولا تطع 471

فاصدع بما تؤمر واعرض 69، 358

فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 302، 303، 362

فان تولوا فقل حسبي اللّه 239

فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض 339

فإن طلقها فلا جناح عليهما ان يتراجعا 264

فانكحوا ما طاب لكم من النساء 65

فانما يسرناه بلسانك 262

فريقا هدى و فريقا حق 496

فسوف يأتي اللّه بقوم يحبهم 472

فصل لربك وانحر 101

فقالوا انؤمن لبشرين مثلنا 461

فقال ان هذا الا سحر يؤثر96

فلا اقسم برب المشارق 75

فلا تهنوا وتدعوا الى السلم 353

فلما جائهم الحق من عندنا 111

فليأتنا بآية كما ارسل الاولون 111

فما استمعتم به منهن فاتوهن 312

فما لكم في المنافقين فئتين والله 337

فمن ابتغى وراء ذلك 327

فمن اظلم ممّن افترى 472

فمن اعتدى عليكم فاعتدوا 64، 292

فمن ابتغى وراء ذلك 327

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر 87

فمن شهد منكم الشهر فليصمه 300

فمن عفي له من اخيه شيء 293

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره 64

فول وجهك شطر المسجد الحرام 289

فهل انتم منتهون 335

في ادنى الارض و هم من بعد غلبهم سيغلبون 70

فيضل اللّه من يشاء و يهدي 497

في كتاب مكنون 224

فيها يفرق كل امر حكيم 387

قال آيتك الا تكلم الناس ثلاث ليال 86

قال آيتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام 86

قال ربنا الذي اعطى 496

قال ما مكنني فيه ربي خير 482

قال هل يسمعونكم اذ تدعون 468

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله 286

قاتلوا المشركين كافة كما 303

قال افتعبدون من دون 468

قالوا بل وجدنا آباءنا 468

قالوا ما انتم الا بشر 430

قالوا نعبد اصناما 468

قد انزل اللّه اليكم ذكرا 206

قد تبين الرشد من الغي 307

قد جاءكم من اللّه نور و کتاب مبین 489

قد مكر الذين من قبلهم 111

قل اللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون 397

قل اتعبدون من دون اللّه 468

قل ارأيتم ان اتاكم عذابه 110

قل ان تخفوا ما في صدوركم 469

قل انما امرت ان اعبد 462

قل اللّه يبدو الخلق ثم 49

قل فلله الحجة البالغة فلو شاء 308، 496

قل كل يعمل على شاكلته 458

قل لا اجد فيما اوحي الي 265، 349

قل لئن اجتمعت الانس 44

قل للذين آمنوا يغفروا 362

قل للّه الشفاعة جميعا 484

قل هل يستوي الذين يعلمون 66

قل هو اللّه احد 267

قل ما يكون لي ان ابدله 181

قل من حرم زينة اللّه 65

قل يا اهل الكتاب تعالوا الى 423، 467

كبرت كلمة تخرج من افواههم 521

کتاب احكمت آياته ثم فصلت 9

كتاب انزلناه اليك 17

كتب على نفسه الرحمة 298

كتب عليكم القصاص 293

كتب عليكم اذا حضر أحدكم الموت 296

كذب الذين من قبلهم 111

كذلك زين للمسرفين 30

كذلك اللّه يفعل ما يشاء 470

كلوا واشربوا حتى يتبين لكم 536

لا اكراه في الدين 305

لا تدركه الابصار 49

لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا 475

لا تقربوا الصلاة و انتم سكارى 334

لا ياتيه الباطل من بين يديه 209

لا يتكلمون الا من اذن 485

لا يستأذنك الذين يؤمنون 356

لا يمسه الا المطهرون 224

لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ 484

لقد جاءكم رسول من انفسكم 238، 241

للسائل والمحروم 370

لله الامر من قبل و من بعد 387، 484

لنبلوهم ايهم احسن عملا 393

لتعلم أي الحزبين أحصى كما 393

لو كان فيهما آلهة الا اللّه434، 468

لولا انزل عليه آية من ربه 116

لو ما تأتينا بالملائكة 117

ليجزي قوما بما كانوا يكسبون 263

ليس عليك هداهم ولكن 489

ليس كمثله شيء و هو السميع البصير 469

ليهلك من هلك عن بينة 37

ما أفاء اللّه على رسوله 380

ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت 430

ماقلت لهم الا ما أمرتني 469

ما كان حديثا يفترى ولكن 9

ما كان لاهل المدينة و من حولهم 357

مالك يوم الدين 98، 452

ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو 469

ممن ترضون من الشهداء 343

من الذين هادوا يحرفون 196

من عمل صالحا فلنفسه و من 363

من المؤمنين رجال صدقوا 239، 244

من يطع الرسول فقد اطاع اللّه 470

منه آيات محكمات هن ام 270

النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا 9

نبئ عبادي اني انا الغفور 432

نبئنا بتأويله 223

نزل به الروح الامین 261

وابتغ فيما آتاك اللّه 64

واتبع ما يوحى اليك واصبر 357

واحسن كما احسن اليك 66

واحسنوا ان اللّه يحب المحسنين 66

واحل اللّه البيع وحرم الربا 65

واحل لكم ما وراء ذلكم 65، 264، 311

واخفض لهما جناح الذل من الرحمة 471

وادعوه خوفا وطمعا 480

و اذا جاءتهم آية 111

و اذا سألك عبادي عني فأني 483

و اذا قلتم فاعدلوا و اذا جاءتهم آية قالوا 111

واذ قال ابراهيم لابيه 50

واذ قال اللّه یا عیسی بن مریم 469

واذ قال عيسى بن مريم 119

واذ قالوا اللهم ان كان 110

واذ يعدكم اللّه احدى 69

واذكر اسماعيل واليسع 51

واذ واعدنا موسى اربعين ليلة 86

وارسلنا الرياح لواقح 72

واستعينوا بالصبر والصلاة 482

واسروا قولكم او اجهروا 414

و اسماعيل واليسع و يونس 51

واشهدواذوي عدل 343

واطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول 231

واعبدوا اللّه ولا تشركوا به 65

واعلموا انما غنمتم من شيء 380

واللذان يأتيانها منكم 308

والذين جاهدوا فينا 489، 497

والذين عقدت ايمانكم 333

والذين في اموالهم حق معلوم 370، 372

والذين هم لفروجهم حافظون 327

والذين يصلون ما أمر اللّه 22

والله انزل من السماء ماء فاحيا 259

والله الغني و انتم الفقراء 457

والله يهدي من يشاء الى 425، 497

والهكم إله واحد 49

و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم 489

و انبتنا فيها من كل شيء موزون 72

و ان جاهداك على أن تشرك 471

و ان جنحوا للسلم فاجنح لها 352

وان الساعة الآتية 358

وانكحوا الايامى منكم 65، 361

وان كنتم في ريب مما نزلنا 230

وانك لتهدي الى صراط مستقيم 488

و انك لعلى خلق عظيم 50

و ان لك لاجراً غير ممنون 50

وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم 359

وان من قرية الا نحن 110

وان المساجد للّه فلا تدعوا 475

وان هذا صراطي مستقيما 489

وانه لتنزيل رب العالمين 261

وانه لذكر لك ولقومك 9

وانه لكتاب عزيز 309

وانه لهدى ورحمة للمؤمنين 439

وان يروا آية يعرضوا 118

وان يمسسك اللّه بخير فهو على 469

وان يمسسك اللّه بضر فلا 469

وأوحى ربك الى النحل ان 360

واورثنا القوم الذين كانوا 75

واولوا الارحام بعضهم أولى 331

و بعهد اللّه اوفوا ذلكم 489

وحيث ما كنتم فولوا 288

ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون 337

و زكريا و يحيى و عیسی 50

وشفاء لما في الصدور وهدى 439

وعاشروهن بالمعروف 65

وعد اللّه الذين آمنوا و عملوا 480

وعد اللّه المؤمنين والمؤمنات جنات 489

وعسى أن تكرهوا شيئا 306

و على الذين يطيقونه فدية 300

والفتنة اشد من القتل 287

و في اموالهم حق للسائل والمحروم 370

وقاتلوا في سبيل اللّه الذين 287

وقال الذين اشركوا لوشاء 208

وقالت اليهود يد اللّه مغلولة 522

وقالوا اتخذ اللّه ولدا 49

وقالوا لن نؤمن لك 112

وقالوا لولا نزل عليه آية 115

وقالوا لولا انزل عليه ملك 116

وقالوا لولا نزل هذا القرآن 115

وقالوا ما لهذا الرسول ياكل الطعام 117

و قالوا يا ايها الذي نزل عليه الذكر 116، 207

وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه 464، 472

وقل رب اغفر وارحم 430

وكان بالمؤمنين رحيما 431

وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس 291

وكذلك نري ابراهيم 50

وكلم اللّه موسى تكليما 407

وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم 298

ولئن أخرنا عنهم العذاب 110

ولئن سألتهم من خلق السماوات 426

ولا تجعل يدك مغلولة 63

ولا يملكون الشفاعة 484

ولا يحسبن الذين يبخلون 63

ولا تسرفوا انه لا يحب 63

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام 301

ولا تقف ما ليس لك به علم 397

ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام 238، 479

واللاتي يأتين الفاحشة 308

ولا تنفع الشفاعة عنده الا 484

ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنٌ 304

ولا تهنوا في ابتغاء القوم 355

ولا غوينهم اجمعين 481

ولقد آتينا داود 51

ولقد آتيناك سبعا من المثاني 420

ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن 261

ولقد يسرنا القرآن 262

ولكل جعلنا موالي مما ترك 331

ولكم في القصاص حياة 296

ولكم نصف ما ترك ازواجكم 315

ولكن من شرح بالكفر صدرا 490

ولله المشرق والمغرب فاينما 75، 288

ولله ملك السماوات والارض والى اللّه 464

ولو انهم ان ظلموا انفسهم 484، 535

واو تقول علينا بعض الاقاويل 38

ولو شاء اللّه لجعلكم امة 308

ولولا فضل اللّه عليكم و.... 424

ولهن مثل الذي عليهن 65

والليل إذا يغشى 86

وما ارسلناك الا رحمة للعالمين 439

وما ارسلنا من رسول الا ليطاع 470

و ما تشاؤن الا ان يشاء اللّه 87

و ما جعل عليكم في الدين من حرج 264

و ما جعلنا القبلة التي كنت 389

وما كان اللّه ليعذبهم 101، 110

وما كان لرسول أن يأتي 1117

و ما كان معه من اله 468

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة 329

وما كان المؤمنون لينفروا 355، 356، 357

وما لنا ان لا نتوكل على اللّه 489

وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً 110

وما نرسل بالآيات الا تخويفا 110

والمحصنات من الذين أوتوا 305

و من آبائهم وذرياتهم 51

و من ثمرات النخيل والاعناب 359، 360

و من قتل مظلوما فقد جعلنا 64، 296

و من كل الثمرات جعل فيها 73

و من يطع اللّه و رسوله فقد فاز 64، 470

و من يطع اللّه و رسوله يدخله 480

و من يعص اللّه و رسوله 64

و من يعظم شعائر اللّه فإنها من 474

و من يعمل مثقال ذرة شرا 64

و من يولهم يومئذ دبره 350

و نحن اقرب اليه من حبل الوريد 469

و نزلنا عليك الكتاب تبيانا 439

و ننزل من القرآن ما هو شفاء 439

و وهبنا له اسحق ويعقوب 50

و هذا صراط ربك مستقيما 488

و هو الذي انشأ جنات معروشات 345

و هو اللّه في السماوات وفي الارض 428

و هو اللّه لا اله الا هو 49

و هو القاهر فوق عباده 469

و يستعجلونك بالعذاب ولولا 110

و يطعمون الطعام على حبه 372

. و يعذب المنافقين ان شاء 432

و يعلمك من تأويل الاحاديث 223

و يقول الذين كفروا لولا 116

و يؤثرون على انفسهم ولو كان 371

هذا بصائر من ربكم و هدى 429

هذا بيان للناس و هدى 117، 261

هذا تأويل رؤياي 223

هذا ما وعد الرحمن و صدق 430

هو الذي ارسل رسوله بالهدى 69

هو الذي بعث في الاميين رسولا 50

هو الذي يصوركم في الارحام 49

هو اللّه الذي لا اله الا هو عالم 49

هو اللّه الذي لا اله الا هو الملك 49

هو اللّه الخالق البارئ 50

يا ايها الذين آمنوا اذا لقيتم 350

يا ايها الذين آمنوا اذا ناجيتم 372

يا ايها الذين آمنوا أطيعوا 470

یا ايها الذين آمنوا اوفوا 65

يا ايها الذين آمنوا شهادة 342

يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام 398

يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص 291

يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا 319، 517

يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا 334، 335

یا ايها الذين آمنوا ما لكم 355

يا ايها الناس انتم الفقراء الى اللّه423

يا ايها النبي اتق اللّه ولا تطع 471

يا أيها النبي اذا طلقتم النساء 308

یا ايها النبي جاهد الكفار 305

يا ايها النبي حرض المؤمنين 353

يبتغون الى ربهم الوسيلة 480

يريدون ليطفئوا نور اللّه 44

يسألونك عن الخمر والميسر 334، 335

يسألونك عن الشهر الحرام 302

يعذب من يشاء و يرحم 430

يعلم سركم وجهركم ويعلم 428

يا ليت بيني و بينك بعد 74

يمحو اللّه ما يشاء ويثبت 387، 521، 522

يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين 264

يوم تبيض وجوه و تسود وجوه 226

يومئذ لا تنفع الشفاعة الا 484

يوم يخرجون من الأجداث سراعا 10

يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم 10

يهدي به اللّه من اتبع رضوانه 489

2 - فهرس الاحاديث الشريفة

أ

اسأل اللّه معافاته ومغفرته 174

استأذنت ربي ان 531

اقاتل حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه 541

اقرأ القرآن على حرف 173

اقرأني جبرئيل على حرف 171

امرت ان اقاتل الناس حتى 542

ان اللّه عزوجل اعز بالاسلام 66

ان البيت الذي يقرأ فيه القرآن 28

انزل القرآن على سبعة احرف 175

ان هذا القرآن انزل على سبعة احرف 175، 185

اني تارك فيكم الثقلين

• ت -

ترد امتي علي يوم القيامة 226

• ق -

قد بحث باحث عن مخرجه 29

قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور 531

• ك -

كان الكتاب الاول نزل من باب واحد 183

كل ما كان في الامم السالفة 220

• م -

ما من احد يسلم علي الا رد اللّه 533

ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلم 533

ما من رجل يمر بقبر كان يعرفه 533

من حج فزار قبري بعد وفاتي 533

من زار قبري وجبت له شفاعتي 533

من زارني بالمدينة محتسبا 533

من قرأ حرفا من كتاب اللّه 28

• و -

و اجتنبوا السبع الموبقات 352

-ي-

يا أبي اني قرأت 176

يجيء يوم القيامة ثلاثة 227

3 - فهرس الأُسر

آل ابراهیم 232، 233

آل جعفر 505

آل عمران 232، 233

آل محمد 233

اسد 187

اشعر 186

بنو امية 219

بنو تميم 219

بنو حنيفة 34

بنو زهرة 139

بنو غفار 174

بنو قهات 281، 282

بنو لاوي 281، 282

تميم 187،185

ثقيف 185، 250، 307

خثعم 186

خزرج 186

ضبة 187

قريش 110،69، 185، 192،187،186، 374

قيس 187

كنانة 185، 186، 187

مضر 187، 244

نمیر 186

هذيل 185، 186، 187، 249

هوازن 185، 249، 306

4 - فهرس الامكنة والبقاع

احجار المراء 175

آذربیجان 242

ارمينية 242

اصبهان 139

اوربة 59

بئر معونة 255

بدر 70، 255

برك الغماد 44

البصرة 133، 214، 219، 245، 268

بغداد 134، 160

بيت اللّه الحرام 292، 525

الجامع الاموي 133

الجزيرة العربية 90،77،70

الجنة 50، 114

الحجاز،77، 129، 245، 440، 473، 524

الحديبية 355

الحرمين 160، 220

حنين 307

خیبر 323، 381

دقوقا 344

دمشق 126

سوريا 28

سوق عكاظ 39

الشام 133،127،126، 242،219،160، 245

صنعاء 297

الطائف 307، 508، 510

العراق 133، 160، 241، 267، 525

فارس 133

فلسطين 38

القدس (بيت المقدس) 282، 292

الكعبة 39، 227، 228، 293، 304

الكوفه 133، 137، 1 14، 245، 439، 440

المدينة 133، 139، 146، 349، 371، 419

مرو 134

مصر 510،503،220

مكة،19، 68، 90، 129، 133، 348، 349، 364، 419، 439، 440

نجران 354

نهر تاج (في اسبانيا) 59

نهر الجانج (في الهند 59

همدان 128

اليمامة 241، 253، 255

اليمن 521

اليونان 38

5- فهرس الشعر

حرف أ

إن الكلام لفي الفؤاد وانما ****جعل اللسان على الفؤاد دليلا 414

انت حيّرت ذوي اللب ***وبلبلت العقولا 429

حرف - ب

فيك يا اعجوبة الكون ***غدا الفكر كليلا 428

حرف - ك

كلما اقدم فكري فيك ***شبراً فرء ميلا 428

حرف - ن

ناكصاً يخبط في ***عشواء لا يهدي السبيلا 428

6 - فهرس الاعلام

الأجرى 137،127

آدم «ع» 65،50، 482،474

آل البيت المعصومون، آل محمد العترة الائمة 10، 13، 18، 22، 25، 66، 75، 88، 167، 213، 214، 215، 223، 224، 226، 229، 230، 265، 269، 291، 292، 294، 295، 296، 299، 302، 305، 317، 334، 347، 349، 371، 387، 391، 392، 394، 397، 398، 401، 440، 444، 446، 467، 477، 478، 483.

الآلوسي 206، 430، 438، 439، 472، 522 ا

لآمدي 206، 230، 400

ابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) 51، 172، 377

ابراهيم بن شريك 305

ابراهيم النخعي 293، 340

ابلیس 473،50، 474، 475، 525

ابن أبي اذينة 441

ابن ابی حاتم 131، 132، 140، 146، 375

ابن ابی داود 204،

ابن ابی سفرة 162

ابن ابي شيبة 242، 250، 375، 523

ابن ابی لیلی،136، 171، 174، 175، 293

ابن ابی هاشم 165

ابن الاثير 34، 302

ابن اشتة 246،202،137

ابن الاعرابي 141

ابن الانباري 204

ابن البرقي 171

ابن تيمية 470، 511، 518

ابن جريج 443

ابن جرير 232، 325، 342، 373، 374

ابن الجزري،126، 129، 13، 137، 138، 139، 140، 141، 143، 144، 145، 146، 147، 153، 154، 155، 162، 163

ابن جماز: سلیمان 146، 147

ابن الجوزي 131، 499

ابن الحاجب 158، 160

ابن حجر العسقلاني 501،500،140

ابن حزم (ابوبکر) 313، 323

ابن حیان ابن خراش 130، 131

ابن خزيمة 442

ابن خطل 303

ابن درید 137، 152

ابن راهويه 375

ابن رشيق 39

ابن روزبهان 524

ابن الزبير (عبداللّه) 241، 249، 319، 327، 438

ابن زيد 358، 359

ابن سعد،128، 130، 132، 137، 251، 254، 330

ابن السكيت 39

ابن سنان ابن سيرين 500،243

ابن شاهين 501

ابن شهاب الزهري 171، 204، 241، 242، 243، 326

ابن شهراشوب 228

ابن طاووس 227

ابن عائشة 502

ابن عباس 28، 29، 110، 146، 171، 202، 203، 205، 230، 250، 277، 288، 290، 292، 294، 302، 305، 306، 310، 312، 315، 317، 319، 320، 322، 327، 343، 346، 347، 352، 335، 357، 359، 364، 370، 373، 432، 442، 443، 444، 503، 515، 521

ابن عبدالبر 501،249

ابن عبداللّه بن مغفل (يزيد) 443، 444

ابن عدی 364، 520

ابن العربي 18، 174، 294

ابن عساكر 250، 325، 521،520

ابن علية 130

ابن عمر (عبدالرحمن) 306

ابن عمر (عبداللّه) 203، 251، 206، 222، 325، 227، 321، 335، 370، 380، 438، 444، 516، 520،

ابن عياش (ابوبكر) 137، 141، 152

ابن عيينة 141، 322

ابن قتيبة 190

ابن القيم 511

ابن كثير المكي،122، 128، 152، 160، 293، 341، 439، 511،332،314

ابن ماجه 221، 322، 333، 339، 514، 439

ابن المبارك 439

ابن مجاهد (ابوبكر) 134، 161، 163

ابن مردویه 342، 347، 348، 375

ابن مسعود،28، 29، 130، 176، 183، 184، 185، 510،500،322،319،314،201،192

ابن مسلمة 205

ابن المسيب 302

ابن معين 131، 133، 136، 139، 500

ابن المنذر 342،340، 348، 375

ابن مهدي (عبدالرحمن) ابن النحاس 162

ابن وارة 127

ابن وهب 171

ابن همام الحنفي 314، 340

ابوالاحوص 132

ابو الاخريط (وهب) 129

ابو الازهر 305

ابو الاسود الدئلي 144

ابو اسحق 136، 372

ابو اسحق الشاطبي 206

ابو اسحق (كعب) 244

ابو ايوب الانصاري 521

ابو بصير 413،390،387،371

ابو البختري بن هشام 506

ابو بكر الخليفة،202 216 217، 239، 240، 242، 243، 244، 246، 247، 248، 251، 252، 255، 257، 294، 314، 318، 319، 323، 371، 443، 501

ابو بكر القاضي 124، 400

ابو بكر بن ابي داود 244

ابو بكر الجصاص 293، 296، 202، 310، 321، 327، 332، 335، 346

ابو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم 296

ابو جعفر 146، 147، 227، 230

ابو جعفر الثاني محمد الجواد 411، 515

ابو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) 23، 25، 110، 177، 198، 389،388،240،299،267،229،223،210 ، 440،391،390،

ابو جعفر محمد بن سعدان النحوي 182

ابو جعفر محمد بن نعمان 427

ابو جهل 507،57

ابو جهل بن هشام 506

ابو حاتم 364

ابو حرب بن ابي الاسود 203

ابو الحسن (احمد القواس) 129

ابو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 39، 362، 387، 389، 396، 527

ابو الحسن موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) 228، 389

ابو الحسين البصري 330

ابو حمزة 179

ابو حنيفة 28، 136، 267، 268، 293، 334، 340، 343، 346، 252، 269، 439، 449

ابو خزيمة 249

ابو خزيمة الانصاري 246، 249

ابو خيثمة 133

ابو داود،176، 255، 321، 323، 330، 333، 339، 343، 441، 447

ابو داود السجستاني 339

ابو داود الطيالسي 264

ابو الدرداء 180، 250، 251

ابو ذر 226، 372

ابو رزین 360

ابو زيد 152، 250، 251

ابو سعيد الخدري 314، 347، 503،499،351

ابو سعید فرج بن لب 123، 159

ابو سعيد بن المعلى 419

ابو سفيان الكلاعي 205

ابو سلمة 175، 176

ابو شامة عبد الرحمن بن اسماعيل 153، 155، 164

ابو الشيخ 520، 325

ابو صالح كاتب الليث 325

ابو طالب 139

ابو طلحة 370

ابو العالية 300،290

ابو العباس المهدوي 153، 161

ابو عبدالرحمن السلمي 130،29

ابو عبداللّه الزبير بن احمد 145

ابو عبيد 141، 342، 348، 370

ابو عبيد القاسم بن سلام 162، 439

ابو عصمة فرج بي ابي مريم 28

ابو العلاء الهمداني 128

ابو عمر و بن عبدالبر 179

ابو عمرو الحافظ 127

ابو عمرو الداني 128، 135، 103

ابو عمرو الشيباني 130

ابو عمرو عثمان بن الصلاح 28

ابو عمرو بن العلاء 133، 160

ابو عمرة 393

ابو الفرج الأصبهاني 502

ابو الفضل الرازي 189

ابو قلابة 244

ابو قلامة 244

ابو كريب 171، 172، 173، 175، 176، 184

ابو الكنود (سعد بن مالك) 205

ابو لهب 66، 70

ابو محمد (مكي بن ابي طالب) 153، 161، 163

ابو مسلم 377

ابو معاوية الازهري 133

ابو المليح 245

ابو موسى الاشعري 343،204

ابو ميسرة 335

ابو نظرة 318، 351

ابو نعامة 517

ابو نعيم 132، 342

ابو واقد الليثي 503

ابو هريرة 146، 175، 176، 335، 351، 352، 393، 439، 442، 444، 446، 447، 448، 482، 515، 519

ابو يعلى 323، 499، 523

ابو يوسف القاضي 330، 340

الابهري 185

الاثرم 519

ابي بن كعب،28، 29، 171، 172، 174، 175، 176، 178، 204، 205، 245، 246، 249، 250، 251، 252، 315

احمد بن جبر بن محمد الكوفي 162

احمد بن حنبل،137، 152، 203، 204، 206، 241، 250، 255، 314، 318، 319، 320، 322، 326، 330، 333، 335، 339، 342، 349، 443، 499، 503، 510، 514

احمد بن سنان 137، 152

احمد بن صاع المصري 501،140

احمد بن عبداللّه الجويباري 28

احمد بن عبداللّه بن يونس 305

ابو عمرو البصري 122، 133، 134، 152، 156

احمد بن محمد البزي 128

احمد بن محمد السياري 226

احمد بن محمد الطوسي

احمد بن محمد بن عون النبال 129

احمد بن منصور 173

احمد بن موسى بن العباس بن مجاهد 160، 163

ادريس بن عبدالكريم الحداد البغدادي 143

الازدي 137، 364

اسحق بن ابراهيم الدوري 143

اسحق (عَلَيهِ السَّلَامُ) 52،51

اسحق بن راهويه 439

اسحق بن عمار 26

اسلم المنقري 131

اسماء بنت يزيد 342،341

اسماعيل بن ابراهيم بن محمد القراب 161

اسماعيل بن اسحق المالكي 162

اسماعيل بن جابر 372

اسماعيل بن جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) 265

اشعث بن سوار 500

الاصبغ بن نباتة 230، 389

الاصمعي 152

الاعمش 130، 136

الامام الغائب المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) 208، 212

ام سلمة 444، 515

ام عبداللّه ابنة أبي خيثمة 323

الامين ابن الرشيد 141

ام ورقة بنت عبداللّه بن الحارث 251، 254

انس بن مالك، 68، 241، 250، 251، 441، 443، 444، 448، 482، 516، 517

اوريا المجاهد المؤمن 52 53

الاوزاعي 306، 370

اوس بن اوس الثقفي 526

أيوب بن تميم 127،126

ب

البخاري،131، 171، 174، 202، 240، 241، 250، 251، 293، 298، 322، 393، 418، 419، 420ف 482، 503، 510، 339

البراء بن عازب 181

البرقي 481

بريدة 519

البزار 132،68

البزنطي 389، 391

بلال بن أبي الدرداء 126

بشر بن مروان 502

البصري حسن،242 290، 292، 296، 351، 353، 356، 357، 368، 371

البصري النحوي 145

البغوي 519

بن عمى اب بني عمون 51

بولس الرسول 284

البهائی 201، 233

البيهقي 1805، 250، 294، 319، 322، 226، 342، 348ف 372، 439ف 441، 442، 473، 511، 515

ت

الترمذي، 18، 19، 28، 174، 221، 255، 339، 377، 378، 443، 448، 483، 503، 514، 515

تمام 520

ث

ثامار (زوجة عير بن يهودا) 52

الثعلبي 377، 378

ثوبان 514

الثوري 293، 370، 439

ج

جابر الجعفي 227

جابر بن عبداللّه،30، 223، 227، 294، 305، 314، 528،482،322،319،318

الجبائي 331

جبرائیل 173، 174، 175، 178

جبير بن نفير 342

الجزائري 160، 188

الجزائري (المحدث) 227

جعفر بن محمد بن ابراهيم 348

جومر بنت دبلايم (زوجة هو شع) 53

جويبر 66، 364

ح

الحارث المحاسبي 258

الحارث الهمداني (بن عبد اللّه الاعور) 500،18، 502،501

الحازمي 512

الحاكم،250، 342، 375، 431، 434، 442، 448، 483، 499، 501، 503، 517

الحجاج 219، 220

الحجلل 228

حذيفة بن اليمان 227، 241

حرملة 171

حريز 232

حزقيال 282

الحسن بن الحسن السامري 227

الحسن بن عطية 228

الحسن بن علي الوشاء 527

الحسن بن علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) 231، 290

الحسن بن علي العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) 419

الحسن بن على الوشاء 527

الحسن بن عمر الفقيمي 502

الحسن بن منصور 524

الحسين الجعفي 420

الحسين بن علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) 228 ، 231، 390، 458

حفص 130، 164

حفص بن سليمان الاسدي 131

حفص بن عمر 142

حفصة بنت عمر 240، 241، 242

الحكم 296

الحكم بن عيينة 320

حماد بن سلمة 131

حمران بن اعين 136

حمزة الزيات 141

حمزة الكوفي (ابو عمارة بن حبيب) 122، 136، 137، 143، 152، 160، 438، 439

حواء 50

حميدة بنت أبي يونس 203

الحية التي أغرت آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) 50

خ

خارجة بن زيد بن ثابت 241، 242

خزيمة بن ثابت،241، 243، 244، 249

الخطيب 520

الخطيب البغدادي 138

خلاد بن خالد الشيباني 137، 138

خلف بن هشام البزار الاسدي 122، 137، 138، 142، 143

الخليل 452

الخليلي 152

خوله بنت حكيم 326

د

الدار قطني،127، 131، 134، 137، 143، 342، 364، 442،441

الدارمي 19، 499

الداني 126، 146،144

داود 293،53،52

داود بن ابي صالح 521

الداوودي 162

درباس مولی عبداللّه بن عباس 128

الدوري (احدوزراء فرنسا) 59

الدوري حفص بن عمرو 134، 139، 500

الديلمي 520

ذ

الذهبي 131، 499،

ر

الرازي 319، 377، 439، 51

الراغب 302

الرافعي 156، 191، 201

الربيع بن سبرة 321

ربيعة 303

ربيعة بن امية 326

رحمة بن خليل الرحمن الهندي 284

الرسول الاعظم محمد بن عبداللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) 10، 13، 18، 20، 28، 29، 39، 40، 43، 44، 46، 55، 65، 66، 68، 69، 70، 82، 92، 98، 104، 105، 110، 112، 114، 116، 118، 119، 123، 151، 154، 160، 161، 163، 164، 165، 166، 167، 171، 172، 173، 174، 175، 176، 177، 177، 178، 179، 180، 181، 182، 186، 188، 193، 199، 200، 201، 202، 203، 204، 206، 209، 215، 216، 218، 221، 222، 225، 227، 231، 232، 239، 240، 241، 242، 243، 245، 246، 247، 248، 250، 251، 252، 254، 255، 258، 291، 294، 296، 305، 314، 317، 318، 319، 320، 321، 322، 323، 324، 325

326، 327، 328، 330، 333، 335، 336، 339، 341، 342، 343، 348، 358، 362، 370، 374، 375، 376، 377، 378، 380، 381، 393، 397، 418، 419، 434، 440، 441، 442، 443، 444، 445، 446، 469، 470، 471، 473، 480، 481، 482، 483، 484، 485، 501، 503، 506، 507، 508، 510، 514، 515، 517، 519، 520، 521

الرشيد هارون 141

الرقاشي 310

روح ابو الحسن بن عبد المؤمن الهذلي 142، 145

رويس (محمد بن المتوكل ابو عبداللّه اللؤلؤي البصري) 144

الريان 362

ز

زارح بن يهودا 52

الزاهدي 439

الزبير بن العوام 68

زرارة 177، 389، 392

زر بن حبيش 130، 175، 176، 204

الزرقاني الزركشي 152، 160

زفر 346

الزمخشري 13، 152، 484

الزهري 30، 296، 345، 439

زياد بن لبيد 66

زيد بن أبي حبيب 351

زید بن ارقم 202، 499

زید بن اسلم 343، 353

زيد بن ثابت،239، 240، 241، 242، 244، 245، 246، 247، 248، 249، 250، 251، 252، 254، 499

زید بن الشمام 267

الزيلعي 511

زين العابدين (الشيخ) 522

س

السائب بن ابي السائب المخزومي 128

الساجي 131، 137، 139، 364

سارة (زوجة ابراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)) 51

سالم سالم بن عبداللّه 242، 316

سبرة 321

السبكي 123

السدي 288، 290، 300، 310، 343، 503،356

سعد بن ابي وقاص 501

سعد بن عبادة 217

سعد بن عبداللّه القمي 227

سعد بن عبيد 250

سعد الخير 198

سعيد 249، 359ف 523

سعيد بن جبير 291، 314، 315، 232، 346، 360، 439، 442، 443

سعيد بن العاص 241، 244، 245، 246

سعيد بن المسيب 296، 342،316

سعيد بن منصور 375،139

سعيد بن يحيى 176

سفيان الثوري 136، 343

سفيان بن سعيد 306

سلام 144

سلمان الفارسي 66

سلمة بن الأكوع 321، 322، 324

سلمة بن امية بن خلف 314

سلمة بن شبيب 137

سلیم 138

سلیمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) 221

سليمان بن ارقم 141، 243

سليمان الاعمش 136

سليمان بن جرير 513

سلیمان بن صرد 172

سليمان بن داود 52، 53، 221

سليمان بن عبدالرحمن (ابو ایوب) 127

سليمان بن يسار 323

سليمان المروزي 387

سماعة 525،390

سمرة 294

السمهوري 499

السوس ابو شعيب 134

سهل بن سعد 20

سيبويه 452

السيوطي جلال الدين،69، 124، 154، 183، 202، 439، 499، 503

ش

الشافعي،206، 326، 330، 343، 370، 438، 152

الشرف المرسي 161

شریح 343

شريك 517

شعبة بن عياش الاسدي 131، 320

الشعبي،18، 250، 296، 250، 343، 360، 501، 502

شعیب بن انس 267

الشوكاني 342،304، 375، 438

شهاب بن شرنقة المجاشعي 144

الشهشهانی 200

شبية 146، 147

الشيخ شرف الدین 377

الشيخان أبو بكر وعمر 255،217

الشيطان 50، 457، 467

ص

صاحب القاموس 185

الصاحبي 503

الصادق جعفر بن محمد ابو عبداللّه (عَلَيهِم السَّلَامُ) 22، 23، 25، 26، 28، 75، 88، 126، 141، 177، 220، 228، 230ف 232، 234، 265، 267، 269، 343، 347، 352، 362، 366، 367، 371، 372، 387، 388، 389، 390، 391، 392، 413، 427، 440، 455، 481، 513

الصادقان الباقر والصادق (عَلَيهِم السَّلَامُ) 193، 210، 372

صالح بن محمد 127، 131

الصدوق ابن بابويه القمي،200، 220، 227، 228، 34، 362، 374، 387، 389، 390، 392، 302، 418، 427، 513، 527

الصدوقان (محمد ووالده علي بن بابويه القمي) 307

صموئيل 52

الصيدونيون 53

ض

الضحاك 346، 351، 365، 367، 368، 369

ضمرة بن حبيب 342

الضياء المقدسي 250

ط

طاوس 439،314

طاهر بن صالح الجزائري 152

الطبراني،68، 202، 250، 342، 248، 499

الطبرسي 13، 200، 201، 206، 207، 356، 368، 389

الطبري ابن جرير 44، 57، 110، 152، 163، 171، 185،184،183،180،179،176،170،172 ،510،500،420،380،370،320،292،199

الطحاوي 325

طلحة 222

طلحة بن زيد 366

طلحة بن مصرف 136

الطوسي شيخ الطائفة 13، 200، 233، 340، 366، 391،377،3367

الطيالسي ابو داود 521،335،326

ع

عائشة 203، 204، 285، 302، 342

عائشة بنت طلحة 502

العاص بن وائل السهمي 506

عاصم بن بهدلة الكوفي 122، 130، 131، 156،

عاصم بن سليمان 294

عامر 364

عبادة بن الصامت 255، 310

عباس الدوري 137

العباس 440

عبدالاعلی 228

عبد الاعلى بن عبداللّه بن عبداللّه بن عامر القرشي 245

عبدالباقي المالكي الرزقاني 314

عبد بن حمید 342، 375

عبدالجبار القاضي 330

عبد خير 503، 515

عبدالرحمن بن ابي بكر 519

عبد الرحمن بن ابى بكرة 172

عبدالرحمن بن الحارث 241، 246، 249

عبد الرحمن بن عوف 205، 249

عبدالرحمن بن مهدي 131، 152

عبد الرزاق 375

عبد العزيز بن الاخضر (الحافظ) 499

عبد اللّه 252

عبد اللّه بن ابي اميه المخزومي 56، 509،507

عبداللّه بن أبي الجدعاء 483

عبداللّه بن أبي داود السجستاني 198

عبداللّه بن ابي طلحة 173

عبداللّه بن أبي مليكة 519

عبداللّه بن احمد بن بشير 127، 130، 132

عبداللّه بن احمد بن حنبل 139

عبداللّه بن زياد بن عبداللّه بن يسار 129

المكي عبداللّه بن السائب 128

عبداللّه بن عامر الدمشقي ابو عمران اليحصبي 122، 126، 160

عبداللّه بن علي 140

عبداللّه بن عياش بن أبي ربيعة 146

عبداللّه بن فضالة 244

عبداللّه بن قيس 343

عبداللّه بن مسكان 338، 389

عبداللّه بن مغفل 443

عبداللّه بن موسى 136

عبدالملك بن مروان 502

عبيد بن اسباط 175

عبيد بن عمير 243

عبيدة 343، 500

عثمان الخليفة،178، 182، 189، 192، 198، 199، 203، 216، 218، 241، 242، 243، 244، 245، 246، 247، 248، 249، 250، 258، 372، 434، 443، 445

عثمان الدارمي 131، 132،

العجلي 126، 130، 137

عروة 326

عروه بن الزبير 203

عروة بن مسعود الثقفى 507

العزرمي 141

عشتورت 53

عطاء 290، 292، 296، 300، 304، 314، 319، 320، 340، 353، 367، 368، 370، 439

عطاء بن ابي رياح 351

عطاء بن السائب 131

عطيه بن قيس 342

العقيلی 129، 130، 134

عكرمة 245 290، 302، 310، 346، 351، 252، 357،356

علقمة الانماوي 377

علي بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) اميرالمؤمنین 19، 21، 30، 77، 90، 144، 217، 218، 220، 222، 223، 225، 230، 231، 232، 233، 242، 255، 294، 296، 320، 321، 322، 323، 324، 341، 374، 375ف 376، 377، 378، 379، 380، 387، 389، 390، 394، 419، 432، 434، 441، 444، 477، 484، 500، 501، 503، 515، 521

علي بن ابراهيم 388

علي بن ابراهيم القمي 210، 226، 232

علي بن ابي بكر المرغيناني 340

علي بن احمد الكوفي 226

علي بن الحسين زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) 76،30

علي بن حمزة الكوفي 389، 390، 391

علي بن سويد علي بن المديني 228

عليل بن احمد 128، 131، 152، 293

عمار بن موسى 364

عمران بن حصين 319

عمر بن أبي خليفة502

عمر بن الخطاب،173، 174، 186، 188، 192، 205،203،202، 216، 239، 240، 242، 243، 244 ، 247، 248، 249، 252، 285، 294، 314، 318، 319، 320، 323، 324، 325، 326، 327، 328، 329، 331، 335، 336، 362، 371، 443، 484، 485،

عمر بن عبد العزيز 502

عمرو بن حريث 314، 318، 322

عمرو بن شعیب 294

عمر بن یزید 22

عمرو بن عثمان العثماني 175

عمرو بن عبيد 420

عمرو بن عمر 351

عمرو بن الحمق 394

عمرة 204

العياشي 19، 230، 388، 389، 390، 394، 513

عياض القاضي 190

عير بن يهوذا 52

عيسى اليسوع المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) 38، 39، 12، 13، 54، 58، 85، 103، 118، 119، 221، 283، 504

عیسی بن ابان 399

عيسى بن عبداللّه 341

عيسى بن عمرو الاعمشق 141

عيسو (بن اسحق) 52،51

عيسى بن وردان الحذاء 146

غ

غاليلة الفكي 73

غزوان بن ابي حاتم 372

غياث بن ابراهيم 220

ف

فارص بن يهذوا 52

فاطمة 521،510،380

الفخر الرازي 379، 386، 512

فرات بن ابراهيم الكوفي 230

فرعون 406،221،51

الفضل بن دكين 254

الفضل بن روزبهان 37

الفضيل بن يسار 388

الفلاس 364

ق

القاسم بن ابي بكر 316

القاسم بن فيرة 142

قالون عيسى بن ميناء 139، 163

قتادة250، 267، 268، 288، 290، 296، 305، 310، 335، 351، 353، 357، 359، 360، 443، 517

القرطبي،28 29 30، 07، 162، 176، 179، 249، 254، 291، 292، 315، 320، 348، 356، 358، 367، 368، 373، 372، 381، 501، 511

القطب الراوندي 234

قطبة بن ميمون 228

القنوجي 511

القوشجي

ك

كاشف الغطاء الشيخ جعفر الكرخي 399

الكركي المحقق 234

الكلباسي المحقق 224

الكسائي الكوفي،122، 127، 141، 142، 156، 161، 438

كليب 255

الكليني محمد بن يعقوب 28، 343 347، 352، ،392،391،388،387،371،366 ، 413، 481

کموش 53

ل

اللالكائي 137

لبيد الشاعر 425

ليث بن ابي سليم 136

الليث (ابو الحارث بن خالد) 142

الليث بن سعد 246،202

لوط (ع) 50

م

مالك بن انس جد مالك

مالك 314، 326، 340، 343، 370، 439، 448

المأمون بن الرشيد 161

مجاهد 128، 246، 310، 332، 335، 341، 358، 360، 374

مجاهد بن جبر 128

المجتبى 439

المجلسي 217، 513،375

محسن القاساني 200 2

المحقق البغدادي 234

محمد بن احمد بن عمر الداجوني 163

محمد بن اسحق 28

محمد البابرتي 314

محمد بن بشار 185

محمد بن جابر 210

محمد بن حاتم الكندي 138

محمد حامد الفقى 519

محمد بن الحسن الصفار 387

محمد بن الحنفية 346

محمد سعيد العريان 156

محمد بن سليمان 511

محمد بن سنان 515

محمد بن سيرين 242، 343

محمد بن العباس 377

محمد بن عبد الاعلى 172

محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى 136، 141

محمد بن عبدالرحمن (ابو عمرو 129 المخزومي)

محمد بن عكاشة الكرماني 28

محمد فريد وجدي 60

محمد بن الفضيل 230، 481

محمد بن كعب 439

محمد بن المثنى 174، 175

محمد بن مسلم 299، 392،362

محمد بن نصر 342

محمد بن هارون التمار 145

محمد بن هشام 364

محمد بن يعقوب 527

محمد جواد البلاغي 20، 55، 58 200، 284

محمد عبده 331، 512

المرتضى السيد 207،200

المرزباني 141

مروان 521

مرة بن خالد 500

المرغيناني شيخ الاسلام 314، 340

المروزي (اسحق بن ابراهيم) 127

مسدل 520

مسروق 251

مسلم 131، 171، 172، 174، 175، 202، 204، 298، 318، 319، 320، 322، 327، 446، 447، 482، 503

مسلم بن قاسم الاندلسی 135

مسلمة بن محارب المحاربي 144

مسلمة بن مخلد الانصاري 305

مسيلمة 34، 99

المسور بن مخرمة 204

مصعب بن الزبير 502

مصعب بن سعد 245

المظفر الفارسي (الحافظ) 286

معاذ بن جبل 250، 251، 252

معبد بن اميه بن خلف 314

المعتمر بن سليمان 517

معاوية بن ابي سفيان 219، 220، 314، 501، 516

معاوية بن الحجاج 347

معاوية بن عماد 440

معاوية بن وهب 481

المعتمر بن سليمان 517

المغيرة بن ابي شهاب 126

المغيرة بن مقسم 136

المفيد (الشيخ) المقبري 175

المقداد 68

مكحول 374، 439

مكي بن ابي طالب 156

ملك الروم 69

ملك الفرس 69

ملكوم 53

المناوي (العلامة) 66 499

منصور بن أبي سليم 136

موآب (اب) الموآبين) 51

موسى (ع)،38،39، 56، 80 103، 118، 119، 221، 281، 283، 406، 501، 504

میکائیل 173، 178

ن

النابغة الذبياني 39

نافع بن عبدالرحمن بن ابي نعيم المدني 122، 139، 140، 146، 147، 156، 160

نافع مولى ابن عمر 203، 327، 351

النحاس ابوبكر،277، 298، 306، 315، 332

النحاس أبو جعفر 310،30،300،286

النسائي 126، 130، 131، 135، 136، 137، 139، 250، 251، 255، 336، 339، 342، 364، 441، 443، 447، 500

نصر بن علي الجهضمي 133

النظام 83

نظام الدين النيسابوري 379

نورالله القاضي 201

النيسابوري 280

ه-

هارون اخو موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) 221، 501

هشام بن الحكم 343

هشام بن حكيم 174، 186

هشام بن سالم 392

هشام بن عروة 242

هشام بن عمار 126، 127

همام 180

هوشع 53

الهيثم بن عمران 126

الهيثمي 503،499

و

ورش ع(ثمان بن سعيد) 139، 140

الوليد بن مسلم القرشي 518

الوليد بن المغيرة المخزومي 507،506

الوليد بن عبداللّه بن جميع 254

الوليد بن عبدالملك 502،126

ي

يحيى بن أبي عمران الهمداني 440

يحيى بن جعدة 243

يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب 242

يحيي بن المبارك اليزيدي 134

يحيى بن معين 126، 146،138

يحيى بن يعمر 343

يزيد بن منصور الحميري 134

يزيد بن القعقاع 122، 142، 146

يزيد بن هارون 137، 152

يزيد الفقير 482

يعقوب النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) 52،51

يعقوب بن اسحق الحضرمي 145، 152، 161

يعقوب بن سفيان 130

يعقوب بن شعيب 513

يعقوب بن شيبة 132

يو آب 52

يوحنا المعمدان 55

يوشيا الملك 53

يونس 452

يونس بن عبدالاعلى 172، 174، 183

يهوذا بن يعقوب 52

7- فهرس مصادر البحث

ا

اجود التقريرات (للسيد الخوئي) 369، 408

احكام القرآن للجصاص) 293، 296، 302، 310، 321، 327، 332، 335، 340، 346

احكام القرآن (لابس بكر ابن العربي) 294

اعجاز القرآن (للرافعى) 156، 191، 201

الاتقان في احكام القرآن 155، 160، 164، 186، 202، 203، 204، 205، 246، 254، 256، 439، 441

الاحتجاج (للطبرسی) 389

الاحكام في أصول الاحكام (للامدي) 206

الاستبصار (للطوسي) 440

الاكمال (للصدوق) 220

الامالي (للصدوق) 389

امتاع الاسماع للمقريزي 353

انجيل متى،52 53، 54، 5، 86،85، 283، 284

انجيل مرقس 54، 558، 284

انجيل لوقا 53، 54، 55، 58، 284

انجيل يوحنا 54، 58

اظهار الحق للدهلوي 284

ب

بحار الانوار،18،19، 21، 66، 217، 220، 362، 375، 378، 387، 389، 390، 391، 434، 458، 481،

بصائر الدرجات 387

بلوغ الارب 59

ت

تفسير ابن كثير،290، 293، 314، 332، 341، 347، 353، 439

تفسير ابي حيان 452

تفسير علي ابن ابراهيم 388

تفسير البرهان 110، 222، 341، 347، 348، 360، 374، 375، 378، 419، 427، 430، 433، 455

تفسير الخازن 439

تفسير الرازي 377، 379

تفسير الشوكاني 342، 348، 352، 438

تفسير الصافي 223

تفسير الطبري 57، 110، 176، 179، 180، 183، 184، 185، 282، 320، 251، 352، 375، 380، 430

تفسير العياشي 230، 386

تفسير الفرات 230،22

تفسير القرطبي،28 29 30، 57، 162، 176، 179، 249، 254، 290، 291، 292، 315، 320، 348، 356، 367، 368، 369، 370، 373، 381

تفسير المنار 328

تفسير النيسابوري 380

تهذيب التهذيب 126،،127، 128، 131، 132، 134، 135، 137، 138، 139، 141، 144، 152، 296،

التبيان للجزائري،152 155، 156، 160، 161، 189،185،183،181،179،165

تيسير الوصول 448

التاج 255، 330

تفسير التبيان للطوسي 367،200

التوحيد للصدوق 392، 389

تفسير روح المعاني للالوسي 206، 430، 438

تاريخ الطبري 44

تهذيب الاثار لابن جرير 325

التهذيب للطوسي 433، 440

ج

الجامع الصغير للسيوطي 66

ح

حسن الايجاز 94

خ

الخصال للصدوق

د

الدلائل لابي نعيم 342

ر

الرحلة المدرسية للبلاغى 55، 58

س

سنن ابن ماجه 221، 322

سنن ابي داود 353، 441،321

سنن البيهقي 294، 319، 322، 326، 348، 441، 442، 447، 473

442، 447، 473

سنن الدارمي 19

سنن النسائي 336، 353، 441، 443، 447

ش

شرح التجريد في مبحث الامامة 407،330

شرح الزرقاني 314

شعب الايمان (للبيهقي) 342

شعراء النصرانية 39

ص

صحيح البخاري 171، 174، 186، 202، 240، 241، 250، 251، 353، 393، 420، 482

صحيح الترمذي،18، 19، 174، 175، 221، 443

صفوه العرفان (محمد فريد وجدي) 60

صحیح مسلم 202،170،174،172،171 ، 353،327،326،321،320،319،318،204 ، 441، 443، 447، 482

الصحيفة السجادية للامام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) 431،76

الصلاة لمحمد بن نصر 342 ط

ط

طبقات القرآن من صفحة 126 الى 147

طبقات لابن سعد 330

ع

علم اليقين 200

عيون اخبار الرضا 384، 388، 489

العروة الوثقى للشهشهاني 200

العهد القديم 55،50

العمده لابن رشيق 39

غ

الغيبه للطوس 391

ف

فضائل القرآن 19، 472

فتح القدير (للشوكاني) 340،327،304

الفقه على المذاهب الاربعة 439

ق

قرب الاسناد 389

ك

كامل الزيارات لابن قولويه 228

كشف الغطاء للشيخ جعفر 200

كنزل العمال 255، 324، 325، 373، 398، 448،

الكافي للكليني 13، 26، 27، 28، 30، 40، 66، 89، 167، 177، 413، 433، 440، 441، 455

الكامل لابن الاثير 34

الكاشف للزمخشري 13

ل

لباب النقول (جلال الدين السيوطي) 69

لسان العرب 95

لسان الميزان 129، 140، 364

م

مجمع البيان للطبرسي 13، 200، 207، 356

مختصر ابي الضياء 314

مرآة الانوار 22

مرآة العقول 477

مسند احمد،203، 200،318، 319، 320، 326، 335، 342،336، 434، 443

مسند الطيالسي 335

معجم الادباء 142

مناهل العرفان (للزرقاني) 123، 159، 166، 190

منتخب كنز العمال 204، 241، 343، 250

المبسوط للطوسي 368

المنتقى للفقي الموافقات للشاطبي 206

المستدرك للحاكم ث 254، 431، 432، 434، 442، 443، 448

ن

نفحات الاعجاز (للسيد الخوئي)

نهج البلاغة 23، 218

الناسخ والمنسوخ للنحاس 288، 298، 300، 303، 304، 306، 310، 315، 316، 322، 335، 340، 343، 345، 346، 351، 352، 356، 357، 358، 359، 360، 363، 364، 365، 367، 370، 381

النشر في القراءات العشر 129، 153، 154، 163

ه-

هامش المنتقى (للفقي) 331

الهدايه في شرح البداية 327،314

الهدى الى دين المصطفى 20، 55، 58، 284

هوشع 53

و

وسائل الشيعة للحر العاملي 5 234، 235،

340، 440، 472، 473

الوافي للكاشاني،198، 200، 223، 232، 299، 302، 343، 352، 367، 372، 387، 392، 433، 455

8 - فهرس الموضوعات

المدخل

خطبة الكتاب...9

مقدمة الطبعة الاولى... 11

لماذا وضعت هذا التفسير.. 11

مدخل التفسير... 14

فضل القرآن

عجز الانسان عن وصف القرآن ...17

من هم اعرف الناس بمنزلته ...18

حديث الرسول في فضل القرآن ...19

فضل قرائة القرآن ...25

التدبر في القرآن و معرفة تفسيره...30

اعجاز القرآن

معنى الاعجاز ...

لابد للنبي من اقامة المعجز ...35

خير المعجزات ما شابه ارقى فنون العصر ...40

القرآن معجزة الهية ...43

القرآن معجزة خالدة... 45

القرآن والمعارف... 48

القرآن والاستقامة في البيان... 57

القرآن في نظامه و تشریعه ...61

القرآن والاتقان في المعاني... 68

القرآن والاخبار بالغيب... 69

القرآن و اسرار الخليقة... 71

اوهام حول اعجاز القرآن

القرآن والقواعد العربية ...83

كيف يثبت الاعجاز لجميع البشر ...83

مخالفة قصص القرآن للعهدين... 85

وجود التناقض في الانجيل ... 87

ابطال الجبر والتفويض ...88

اثبات الامر بين الأمرين في القرآن ...89

القرآن كان مجموعاً على عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 91

اسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة... 92

سخافات و خرافات في معارضة سورتين من القرآن ...95

حول سائر المعجزات

اثبات المعجزات بالبراهين المنطقية ...123

بشارة التوراة والانجيل بنبوة محمد ...119

اضواء على القراء

تمهيد ...123

عبداللّه بن عامر الدمشقي ...125

ابن كثير المكي ...138

عاصم بن بهدلة الكوفي... 129

ابو عمرو البصري ...132

حمزة الكوفى... 135

نافع المدني ...138

الكسائي الكوفي ...140

خلف بن هشام البزار ...142

يعقوب بن اسحق الحضرمي ...143

يزيد بن القعقاع المخزومي...145

نظرة في القراءات

تواتر القرآن من الضروريات... 149

تصريحات نفاة تواتر القراءات... 151

ادلة تواتر القراءات... 155

تعقیب ...158

القراءات والاحرف السبعة... 159

حجية القراءات... 163

جواز القراءة بها في الصلاة ...166

هل نزل القرآن على سبعة احرف

عرض الروايات حول نزول القرآن على سبعة احرف... 171

تهافت الروايات... 177

وجوه الاحرف السبعة... 178

المعاني المتقاربة ...178

الابواب السبعة ...184

الابواب السبعة بمعنى آخر ...184

اللغات الفصيحة ...185

لغات مضر... 186

الاختلاف في القراءات... 187

اختلاف القراءات بمعنى آخر ... 189

الكثرة في الاحاد... 190

سبع قراءات... 191

اللهجات المختلفة ...191

صيانة القرآن من التحريف

معنى التحريف ...196

رأي المسلمين في التحريف ...199

نسخ التلاوة... 200

التحريف والكتاب... 206

التحريف والسنة... 210

ترخيص قراءة السور في الصلوة... 213

دعوى وقوع التحريف من الخلفاء ...215

شبهات القائلين بالتحريف ...219

الشبهة الاولى ...220

الشبهة الثانية ...221

الشبهة الثالثة ... ...225

عرض روايات التحريف ...225

المفهوم الحقيقي للروايات ...228

الشبهة الرابعة... 234

فكرة عن جمع القرآن

احاديث جمع القرآن... 238

تناقض احاديث جمع القرآن... 245

تعارض احاديث الجمع مع الكتاب... 250

مخالفة احاديث الجمع مع حكم العقل... 251

مخالفة احاديث الجمع للاجماع...254

احاديث الجمع والتحريف بالزيادة... 255

النتيجة ...257

حجية ظواهر القرآن

اثبات حجية ظواهر القرآن ...261

ادله اسقاط حجية ظواهر القرآن ...265

اختصاص فهم القرآن ...265

النهي عن التفسير بالرأي ...267

غموض معاني القرآن ...268

العلم بارادة خلاف الظاهر... 268

المنع عن اتباع المتشابه... 270

وقوع التحريف في القرآن ...271

النسخ في القرآن

النسخ في اللغة ...275

النسخ في الاصطلاح ...276

امكان النسخ ...277

النسخ في التوراة... 279

النسخ في الشريعة الاسلامية ...283

نسخ التلاوة دون الحكم... 283

نسخ التلاوة والحكم... 284

نسخ الحكم دون التلاوة ...284

مناقشات الآيات المدعى نسخها ...286

الرجم على المتعة ...325

مزاعم حول المتعة ...327

احكام الكافر المقاتل... 364

اراء اخرى حول الاية ...367

احاديث العمل باية النجوى... 373

سبب نسخ صدقة النجوى... 375

حكمة تشريع صدقة النجوى ...376

تعصب مكشوف... 378

تعقیب ...378

البداء في التكوين

تمهيد ...383

موقف اليهود من قدرة اللّه ...384

موقع البداء عند الشيعة ...385

اقسام القضاء الالهي ...385

ثمرة الاعتقاد بالبداء... 390

حقيقة البداء عند الشيعة ...392

اصول التفسير

مدارك التفسير ...397

تخصيص القرآن بخبر الواحد... 400

شبهات و اقوال... 400

حدوث القرآن و قدمه

اثر الفلسفة اليونانية في حياة المسلمين...407

صفات اللّه الذاتية والفعلية ...408

الكلام النفسي ...409

نفي الكلام النفسي... 413

ادلة الاشاعرة على الكلام النفسي ...414

تفسير فاتحة الكتاب

محل نزولها... 420

فضلها... 421

آياتها، غاياتها ...422

خلاصة السورة ...425

تحليل آية بسم اللّه الرحمن الرحيم... 426

الله ...426

الرحمن ...429

الرحيم... 431

الاعراب... 433

التفسير...433

ذكر الرحمة بدء القرآن ...439

ذكر الرحيم بعد الرحمن... 439

هل البسملة من القرآن ...440

ادلة جزئية البسملة للقرآن... 442

احاديث اهل البيت ...442

احاديث اهل السنة... 443

الروايات المعارضة... 446

سيرة المسلمين ...447

مصاحف التابعين والصحابة...448

ادلة نفاة جزئية البسملة ...448

تحليل آية الحمد للّه: القرائة ...452

وجوه ترجيح القرائتين ...452

عدم جدوى الترجيح... 453

اللغة: الحمد الرب العالم ...456

الملك، التفسير ...457

تحليل آية اياك نعبد و اياك نستعين ...461

اللغة : العبادة ...461

الاستعانة ...462

العبادة والتأله ...467

العبادة والطاعة... 479

العبادة والخضوع... 471

السجود لغير اللّه... 475

آراء حول السجود لآدم ...477

كيف يتحقق الشرك بالله... 479

دواعي العبادة ...480

حصر الاستعانة بالله ...482

الشفاعة ...483

احاديث الشفاعة عند الامامية... 484

احاديث الشفاعة عند العامة ...485

تحليل آية اهدنا الصراط المستقيم

القراءة... 487

اللغة الهداية الصراط الاستقامة... 488

الإنعام... 489

الغضب الضلال الاعراب ...490

التفسير ...491

قسم التعليقات... 501

مصادر حديث الثقلين ...502

ترجمة الحارث و افتراء الشعبي عليه...502

مصادر حديث لتركبن سنن من قبلكم...507

محادثة بين المؤلف وحبر يهودي...508

ترجمة القرآن و شروطها...510

قصة قريش في محاولتهم لتعجيز النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...512

تحريف حديث المتعة في صحيح البخاري... 517

رأي محمد محمد عبده في الطلاق الثلاث ...520

اختلاف الرازي نسبة الجهل الى اللّه...521

احادیث مشيئة اللّه في خلقه... 522

احاديث ان الدعاء يغير القضاء... 523

اهمية آية البسملة...524

معرفة بدء الخليقة في الكتاب التكويني...525

احاديث ان البسملة جزء من القرآن ...529

نسیان معاوية قراءة البسملة... 528

قراءة النبي البسملة و توجيه رواية انس....529

ابن تيمية و نقله احادیث جواز زيارة القبور 531

تهمة الالوسي للشيعة... 536

حوار بين المؤلف و عالم حجازي... 527

فضيلة تربة الحسين...538

تأويل آية السجود بالكشف...539

حديث ابليس مع اللّه...540

الاسلام يدور مدار الشهادتين... 541

العبادة و اقسام دوافعها ...543

الأمر بين الأمرين و حسنات الناس و سيئاتهم...544

مصادر رواية الشفاعة...545

جدول الخطأ والصواب، ج 50

الصفحة / السطر / الخطأ / الصواب

13 / 10 / على / عليّ

20 / 13 / الحق أهله / الحق و أهله

27 / 4 / البحث / الحث

29 / 11 - 11 - 14 / إني رأيت - إلى قوله - سورة / زائد يُحذف

34 / الأخير / وأسراره / و أسرار

39 / 13 / یکن / يمكن

41 / 2 / كان / وكان

45 / 10 / نبوءات / نبوات

45 / 12 / نبوءات / نبوات

46 / 14 / كبير أثره /و كبير أثره

51 / 4 / كل من الأخيار / و كل من الأخيار

51 / 14 / معرفه / معرفة

53 / 11 / فأكل شرب / فأكل و شرب

53 / 14 / فقال: جاء / فقال قد جاء

53 / 18 / هل / وهل

55 / 2 / أي سليمان / أن سليمان

55 / 7 / ولمكوم / ولملكوم

55 / 13 / و في الاصحاح / 8 - و في الاصحاح

57 / 1 / اللاويين / من اللاويين

63 / 8 / بما / ما

63 / 9 / 3: 18 / 3 : 180

80 / 1 / القرآن و القواعد / القرآن و القواعد العربية

82 / 3 / ولتواتربين / ولتواتر نقله بين

85 / 2 / الهدين / العهدين

95 / 17 / في المعارضة / في هذه المعارضة

96 / 12 / كان أيسر / كان هذا أيسر

101 / 8 / وجيمع / و جميع

111 / 3 / ظلموا / أجرموا

111 / 7 / المتقرحة / المقترحة

112 / 3 / نجتبي / نجتبي منهم

124 / 13 / و بین عدم تواتر / و بین تواتر

128 / 3 / واضح المكي و على / واضح المكي، و على أبي القاسم عكرمة بن سليمان بن كثير بن عامر المكي، و على

129 / 17/ في / فهي

132 / 1 / البصيري / البصري

133 / 4 / عمة / علامة

137 / 3 / فقال: / فقال: قد

138 / 7 / قال: عاصم / قال: قراءة عاصم

138 / 10 / و ذکر / و ذکره

151 / 6 / احتمال / احتمالا

154 / 1 / السبعة بهذه / السبعة، أما تواترها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ففيه نظر، فان

أسناد الأئمة السبعة بهذه

158 / 9 / يسلم له / يسلم

159 / 1 / غيرهما / و غيرهما

161 / 19 / كتابا / كتابا حافلا

181 / 16 / أو جب / أوجب

187 / 8 / مثل: / مثل: ننشزها و ننشرها بالزاي و الراء ومنها ما تتغير صورته و يبقى معناه مثل:

190 / 8 / كالاختلاف / كالاختلاف في

191 / 12 / الكمات / الكلمات

192 / 1 / الكمات / الكلمات

192 / 2 / الكمة / الكلمة

192 / 16 / خلاف - / - خلاف

203 / 1 / بينما القرآن / بينما أن القرآن

203 / 1 / أيدنا / أيدينا

204 / 1 / ابن الأسود / ابن أبي الأسود

209 / 13 / تدل / ترد

209 / 13 / على عزل / على من عزل

212 / 14 / و أولى / وظاهر تلك الأخبار المتواترة أن القرآن أحد المرجعين للأمة و أولى

214 / الأخير / التي يقع / التي لم يقع

219 / 11 / الاسلام / القرآن

224 / الأخير / ذلك / بذلك

227 / 1 / جبار / جابر

230 / الأخير / نهيئة / تهيئة

232 / 3 / الطائفة الثانية / الطائفة الثالثة

237 / 7 / سبعون / سبعين

244 / 17 / المصاحب / المصاحف

249 / 15 / و إن / إن

251 / 11 / محفوظ / محفوظاً

257 / 14 / يجب / حب

262 / 16 / الذين / اللذين

263 / 9/ النحام / النمام

268 / 17 / باللغة / باللغة العربية

277 / 2 / انقلب خلاً / انقلب الخمر خلاً

280 / 17 / صباحاً تعمله / صباحاً صباحاً تعمله

293 / 2 / و محاسهمه / و محا سهمه

299 / 9 / و قال / قال

305 / 14 / و نقل الحسن / و نقل عن الحسن

307 / 18 / يبينه / و يبينه

323 / 13 / فأراد أن / فأراد عمر أن

326 / 15 / و باحدی / أو باحدى

333 / 9/ على ثبوتها / ثبوتها

338 / 4 / إلقاء السلم / زائد يحذف

339 / 4 / استحاب / استحباب

340 / 13 / علي صلى اللّه عليه و آله / علي (عَلَيهِم السَّلَامُ)

342 / 1 / بعض - إلى قوله - و إن / زائد يُحذف

345 / 8 / و السنّة / بالسنة

345 / 15 / و الزبيت / و الزبيب

359 / 18 / يتسطيع / يستطيع

359 / 12 / يستطيع / لا يستطيع

363 / 10 / إما / إنما

364 / 16 / 7 / زائد يُحذف

372 / 2 / جبه / حبه

377 / 10 / و العشرين / والعشرون

387 / 9 / لوما / ولمّا

386 / 14 / و يثبت ما / و يثبت منها ما

388 / 3 / أن قال / أنه قال

388 / 14 / لولا / و اللّه لولا

390 / 17 / إن كان / و إن كان

399 / 1 / طبقة / طبقه

413 / 10 / الأمر / الأمر

424 / 6 / و يسرة / أو يسرة

428 / 5 / يستقيم / يستقم

429 / 3 / جزء / جزءا

431 / 16 / إضافتها / إضافتهما

433 / 3 / متعلقة / متعلقه

434 / 4 / الخلوقين / المخلوقين

435 / 5 / قاطع / قال

439 / 7 / تبنانا / تبيانا

441 / 10 / جزء / جزءا

447 / 2 / و بعدها / و يعدها

448 / 17 / جزء / جزءا

450 5 / جزء / جزءا

450 / 7 / جزء / جزءا

450 / 16 / هو / إنما هو

451 /2 / جزءً / جزءا

454 / 4 / معنوية / إضافة معنوية

454 / 18 / التخيص / التخصيص

455 / 8 / سيبوية / سیبویه

457 / 14 / معنی / بمعنى

460 / 12 / تغني / يغني

462 / 5 / خاضع / وخاضع

477 / 18 / قبلة له / قبلة محضة

492 / 5 / بذاته برحمته / بذاته و برحمته

497 / 1 / الظالمن / الظالمين

500 / 19 / 7 / زائد يحذف

502 / 15 / المتخب / المنتخب

504 / 14 / كذبة / كذبه

515 / 19 / يقابل / و يقابل

516 / 5 / تنزيل / تنزل

517 / 17 / كان / زائد يُحذف

529 / 7 / افتتحاح / افتتاح

538 / 11 / قال / قالت

545 / 13 /326 / 426