موسوعة الإمام الخوئی جلد 48

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : واعظ الحسینی، محمد سرور

عنوان و نام پديدآور : مصباح‌الاصول: تقریرا لابحاث سماحه آیه‌الله العظمی السید‌ابوالقاسم الموسوی الخوئی الاصول‌العملیه/ تالیف محمد سرور الواعظ‌الحسینی البهسودی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیا آثار‌الامام‌الخویی، 14ق.= 2م.= -13

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخویی.

شابک : ج.47، چاپ سوم‌964-7336-16-0 : ؛ ج.48، چاپ سوم‌964-7336-20-9 :

يادداشت : فهرستنويسی براساس جلد دوم، 1422ق.=2001م.=1380.

يادداشت : عربی

يادداشت : ج.3(چاپ اول:1422ق.=2001م.=1380)

يادداشت : ج.47 و 48 (چاپ سوم: 1428ق.= 2007م.= 1386).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : اصول فقه شیعه

شناسه افزوده : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

شناسه افزوده : قیومی اصفهانی، جواد، 1342 -

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP159/8/و15م‌63 1300ی

رده بندی دیویی : 297

شماره کتابشناسی ملی : 1‌1‌4‌1‌5‌5‌0

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

المؤلف: السيّد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1422 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-7336-20-9

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

مِصْبَاحُ الْأُصُولِ

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الأصول العملية

تأليف: آية اللّه الشهيد السيد محمّد سرور الواعظ الحسيني البهسودي (قدس سره)

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثامن والأربعون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

0 - 16 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

الصورة

-5-48

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رب زدني علما وألحقني بالصالحين ، واجعلني مقرر صدق أكن من الشاكرين ، فإنك في الدارين رجائي وجل قدسك عن حمدي وثنائي ، وصل اللّهم على أشرف أنبيائك المرسلين وأفضل سفرائك المرضيين محمد وآله الأطهار المعصومين.

أما بعد فهذه ثمرات اقتطفتها من شجرة طيبة ، ودرز كلمات تلقيتها من أبحاث قيمة لحضرة سيدنا الأستاذ العلامة صراف نقود العلم بأفكاره الباكرة ، غواص بحار الفضل بأنظاره العالية ، المحدث الخبير ، والفقيه البصير ، والأصولي الشهير ، حجة الاسلام والمسلمين آية اللّه العظمى في العالمين سيدنا ومولانا حضرة (الحاج السيد أبو القاسم الخوئي) أدام اللّه ظله العالي ومتع المسلمين بوجوده الشريف.

مباحث الإستصحاب

مقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

رب زدني علماً وألحقني بالصالحين واجعلني مقرر صدق أكن من الشاكرين، فانك في الدارين رجائي وجلَّ قدسك عن حمدي وثنائي، وصلّ اللّهم على أشرف أنبيائك المرسلين وأفضل سفرائك المرضيين محمد وآله الأطهار المعصومين.

أما بعد، فهذه ثمرات اقتطفتها من شجرة طيّبة، ودرر كلمات تلقيتها من أبحاث قيمة لحضرة سيّدنا الأستاذ العلّامة صرّاف نقود العلم بأفكاره الباكرة، غوّاص بحار الفضل بأنظاره العالية ، المحدث الخبير، والفقيه البصير، والأصولي الشهير، حجة الاسلام والمسلمين آية اللّه العظمى في العالمين سيدنا ومولانا حضرة الحاج السيد أبو القاسم الخوئي ( أدام اللّه ظله العالي ومتع المسلمين بوجوده الشريف).

الكلام في الاستصحاب

اشارة

وتحقيق القول فيه يقتضي التكلم في جهات :

الجهة الاولى : في تعريفه ، وقد ذكر شيخنا الأنصاري قدس‌سره عدّة من التعاريف التي عرّفوه بها ، وقال : إن أسدّها وأخصرها إبقاء ما كان ، وليس المراد من الابقاء هو الابقاء التكويني الخارجي ، بل المراد هو حكم الشارع بالبقاء ، فالمراد من الابقاء هو الابقاء بحكم الشارع (1).

وقال صاحب الكفاية قدس‌سره : إن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى ، إلاّ أنّها تشير إلى مفهومٍ واحد ، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوعٍ ذي حكم شك في بقائه (2).

أقول : أمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من التعريف ، فهو شرح لما ذكره الشيخ قدس‌سره لا غيره. وأمّا ما ذكره من كون التعاريف مشيرة إلى معنى واحد ، فغير صحيح ، لاختلاف المباني في الاستصحاب ، وكيف يصح


1) فرائد الاصول 2 : 541.

2) كفاية الاصول : 384.

تعريف الاستصحاب بأ نّه حكم الشارع بالبقاء في ظرف الشك بناءً على كون الاستصحاب من الأمارات ، فانّ الأمارات ما ينكشف الحكم بها فلا يصح تعريفها بالحكم.

والذي ينبغي أن يقال : إنّ البحث في الاستصحاب راجع إلى أمرين لا إلى أمرٍ واحد :

الأوّل : البحث عنه بناءً على كونه من الأمارات.

والثاني : البحث عنه بناءً على كونه من الاصول.

أمّا على القول بكونه من الأمارات المفيدة للظن النوعي ، فالصحيح في تعريفه ما نقله الشيخ قدس‌سره عن بعضهم من أنّ الاستصحاب كون الحكم متيقناً في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق. فان كون الحكم متيقناً في الآن السابق أمارة على بقائه ومفيدةٌ للظن النوعي ، فيكون الاستصحاب كسائر الأمارات المفيدة للظن النوعي ، ويكون المثبت منه حجة أيضاً على ما هو المعروف بينهم ، وإن كان لنا كلام في حجية الاستصحاب المثبت حتى على القول بكونه من الأمارات ، وسيجيء الكلام فيه (1)إن شاء اللّه تعالى.

كما أنّه على القول باعتباره من باب إفادته الظن الشخصي ، فالصحيح في تعريفه أن يقال :

إنّ الاستصحاب هو الظن ببقاء حكم يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق ، فيكون الاستصحاب كبعض الظنون الشخصية المعتبرة شرعاً في بعض المقامات ، كالظن في تشخيص القبلة وكالظن بالركعات في الصلوات الرباعية.


1) في ص 185 و 186.

وهذا المعنى هو المأخوذ من الكبرى في كلام شارح المختصر على ما نقله الشيخ (1)قدس‌سره من قوله : الحكم الفلاني قد كان متيقناً سابقاً وشك في بقائه ، وكلّما كان كذلك فهو مظنون البقاء.

وأمّا على القول بكونه من الاصول ، فلا بدّ من تعريفه بالحكم كما وقع في كلام الشيخ وصاحب الكفاية ، لكن لا بما ذكراه من أنّه الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم ، فانّ الاستصحاب على هذا التقدير مأخوذ من الأخبار وعمدتها صحاح زرارة ، وليس فيها ما يدلّ على الحكم ببقاء حكم أو موضوعٍ ذي حكم ، بل المستفاد منها حرمة نقض اليقين بالشك من حيث العمل ، والحكم ببقاء اليقين من حيث العمل في ظرف الشك.

فالصحيح في تعريفه على هذا المسلك أن يقال : إنّ الاستصحاب هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي.

الجهة الثانية : في أنّ البحث عن الاستصحاب هل يكون بحثاً عن مسألة اصولية أو فقهية؟

فنقول : أمّا على القول باختصاص حجية الاستصحاب بالشبهات الموضوعية وعدم حجيته في الأحكام الكلّية الإلهية كما هو المختار ، فالبحث عنه يرجع إلى البحث عن قاعدة فقهية مستفادة من الأخبار ، فيكون الاستصحاب من القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة وقاعدة التجاوز ، ويعتبر فيه حينئذ اليقين السابق والشك اللاحق من المقلد ، ولا يكفي تحققهما من المجتهد بالنسبة إلى تكليف المقلد ، فلو كان المقلد متيقناً بالطهارة من الحدث وشك في الحدث فرجع إلى المجتهد ، فلا بدّ له من الافتاء بابقاء الطهارة عملاً وإن كان


1) فرائد الاصول 2 : 542.

المجتهد متيقناً بكونه محدثاً. نعم ، اليقين والشك من المجتهد إنّما يعتبران في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى تكليف نفسه لا بالنسبة إلى المقلّد ، وكذا جميع القواعد الفقهية كقاعدة الفراغ من الصلاة فيما إذا شك في نقصان ركن من أركان صلاته ، فيفتي له المجتهد بالصحة لأجل الفراغ وإن كان هو عالماً بنقصان ركن من أركان صلاته ، ولا يقبل قوله بنقصان الركن إلاّمن باب الشهادة إذا اعتبرنا شهادة العدل الواحد في أمثال هذه المقامات.

وأمّا على القول بحجيته في الأحكام الكلّية أيضاً بأن يقال : الشك المأخوذ في الاستصحاب شامل لما كان منشؤه عدم وصول البيان من قبل الشارع ، أو الامور الخارجية ، ويشمل الصورتين دليل واحد ، كما مرّ (1)نظيره في شمول حديث الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية ، لكون المراد منه كل حكم مجهول ، سواء كان منشأ الجهل عدم تمامية البيان من قبل الشارع كاجمال النص ، أو الامور الخارجية ، ولا يلزم استعمال اللفظ في المعنيين.

فيكون الاستصحاب حينئذ ذا جهتين ، فمن جهة كونه حجةً في الأحكام الكلّية يكون البحث عنه بحثاً عن مسألة اصولية ، لما ذكرناه في أوّل هذه الدورة (2)من أنّ الميزان في المسألة الاصولية إمكان وقوع النتيجة في طريق استنباط الأحكام الشرعية بلا احتياج إلى مسألة اخرى ، أي أنّ المسألة الاصولية ما يمكن أن تقع نتيجتها في كبرى القياس الذي ينتج نفس الحكم الشرعي بلا احتياج إلى شيء آخر ، وحينئذ يعتبر فيه اليقين السابق والشك اللاحق من المجتهد كما في سائر القواعد الاصولية ، فبعد تحقق اليقين السابق


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 301 ، 304.

2) دراسات في علم الاصول 1 : 24 و 25 ، محاضرات في اصول الفقه 1 : 4.

والشك اللاحق من المجتهد بالنسبة إلى حكم شرعي كلّي كنجاسة الماء المتمم كراً وحرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال ، يستصحب هذا الحكم الكلّي ويفتي بنجاسة الماء وحرمة وطء الحائض ، ويجب على المقلد اتباعه من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

ومن جهة كونه حجةً في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية يكون البحث عنه بحثاً عن مسألة فقهية كما ذكرناه سابقاً ، ولا مانع من اجتماع الجهتين فيه ، فانّه يثبت كونه قاعدةً اصوليةً وقاعدةً فقهيةً بدليل واحد وهو قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» (1)فانّ إطلاقه شامل لليقين والشك المتعلقين بالأحكام الكلّية ، واليقين والشك المتعلقين بالأحكام الجزئية أو الموضوعات الخارجية كما مرّ نظيره في بحث حجية خبر الواحد (2)، بناءً على حجية الخبر في الموضوعات أيضاً ، فانّ إطلاق دليل الحجية يشمل ما لو تعلق الخبر بالأحكام وما لو تعلق بالموضوعات ، فبدليل واحد يثبت كونها قاعدة اصولية وقاعدة فقهية ، ولا مانع منه أصلاً.

الجهة الثالثة : في الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع ، فنقول :

اليقين والشك متضادان ، بل باعتبار خصوصية فيهما متناقضان ، لأنّ اليقين يعتبر فيه عدم احتمال الخلاف ، والشك يعتبر فيه احتمال الخلاف ، وبين هاتين الخصوصيتين تناقض ، وإن كان بين اليقين والشك المتخصصين بهما هو التضاد. وكيف كان لا يمكن اجتماع اليقين والشك لشخص واحد بالنسبة إلى شيء


1) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

2) [أشار إلى ذلك في المجلّد الثاني من هذا الكتاب ص 200].

واحد ، فإذا اجتمع اليقين والشك لشخص.

فامّا أن يكون متعلق اليقين والشك متباينين بلا ارتباط لأحدهما بالآخر ، كما إذا تعلق اليقين بعدالة زيد والشك باجتهاده أو باجتهاد شخص آخر ، وهذا لا يتعلق بالبحث عنه غرض في المقام.

وإمّا أن يكون بينهما نوع ارتباط بأن يكون متعلق اليقين جزء علّة لمتعلق الشك فيكون متعلق اليقين هو المقتضي - بالكسر - ومتعلق الشك هو المقتضى - بالفتح - فبعد اليقين بتحقق المقتضي - بالكسر - يشك في تحقق المقتضى - بالفتح - لاحتمال وجود المانع. وهذا هو مورد قاعدة المقتضي والمانع ، وسيأتي الكلام فيها (1)بعد الفراغ عن الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

وإمّا أن يكون متعلق اليقين والشك متحداً ذاتاً ومتغايراً زماناً ، فتارة يكون متعلق اليقين مقدّماً ومتعلق الشك مؤخراً ، بأن يكون الشيء متيقناً في زمان سابق مشكوكاً في زمان لاحق. وبعبارة اخرى يكون متيقن الحدوث ومشكوك البقاء ، ويسمّى الشك حينئذ بالشك الطارئ ، وهذا هو مورد للاستصحاب ، ولا فرق فيه بين أن يكون اليقين في حدوثه مقدماً على الشك من حيث الزمان أو مؤخراً عنه أو يكونا متقارنين في الزمان. واخرى يكون متعلق الشك مقدّماً على متعلق اليقين بأن يكون الشيء مشكوكاً في زمان سابق متيقناً في زمان لاحق ، وهذا مورد الاستصحاب القهقري ، ولايشمله دليل حجية الاستصحاب ، لأن قوله عليه‌السلام : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» (2)صريح في تقدم متعلق اليقين على متعلق الشك ، فلايدل على حجية الاستصحاب


1) في ص 286.

2) الوسائل 3 : 477 / أبواب النجاسات ب 41 ح 1.

فيما إذا تقدم المشكوك على المتيقن ، فهذا الاستصحاب لا يكون حجةً إلاّفي موضع واحد ، وهو ما إذا كان معنى اللفظ متيقناً في العرف فعلاً وشك في أنّه هل كان في اللغة أو عرف الأئمة عليهم‌السلام كذلك أم لا ، فيحكم بكون اللفظ حقيقةً في اللغة وعرف الأئمة عليهم‌السلام أيضاً بأصالة عدم النقل. وحجية هذا الاستصحاب في خصوص هذا المورد ثابتة ببناء العقلاء ، ولولا حجيته لانسدّ علينا باب الاستنباط ، لاحتمال كون ألفاظ الأخبار في عرفهم عليهم‌السلام ظاهرةً في غير ما هي ظاهرة فيه في عرفنا الحاضر ، وكذا ألفاظ التسجيلات المذكورة في كتب القدماء.

وإمّا أن يكون متعلق اليقين والشك متحداً ذاتاً ومقارناً زماناً ، وهذا لا يتصور إلاّمع اختلاف اليقين والشك من حيث الزمان ، فتارةً يكون الشك مقدّماً على اليقين كما إذا شككنا يوم الخميس في عدالة زيد يوم الأربعاء ثمّ علمنا يوم الجمعة عدالته يوم الأربعاء ، وهذا مما لا إشكال فيه ، فانّه يجب عليه العمل بوظيفة الشاك ما دام شاكاً ، والعمل بوظيفة المتيقن بعد تبدّل شكه باليقين ، واخرى يكون اليقين مقدّماً على الشك ، ويسمّى بالشك الساري ، لسريانه إلى نفس متعلق اليقين كما إذا علمنا يوم الخميس بعدالة زيد يوم الأربعاء وشككنا يوم الجمعة في عدالته يوم الأربعاء لاحتمال أن يكون علمنا السابق جهلاً مركباً ، وهذا مورد قاعدة اليقين ، وسيجيء الكلام فيها (1)من حيث شمول أدلة الاستصحاب لها وعدمه ، ومن حيث دلالة دليل آخر عليها وعدمها ، بعد الفراغ من بحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

الجهة الرابعة : في تقسيم الاستصحاب على أنحاء :


1) في ص 287

فتارةً يقسّم باعتبار المستصحب ، فانّه قد يكون حكماً شرعياً ، وقد يكون غيره ، والحكم الشرعي قد يكون تكليفياً وقد يكون وضعياً ، وكذا قد يكون كلّياً وقد يكون جزئياً.

واخرى باعتبار منشأ اليقين ، فانّه قد يكون العقل وقد يكون غيره من الكتاب والسنّة أو السماع والرؤية كما إذا كان المستصحب من الامور الخارجية.

وثالثةً باعتبار منشأ الشك فانّه قد يكون الشك ناشئاً من احتمال انقضاء استعداده ذاتاً ، ويسمّى بالشك في المقتضي ، وقد يكون ناشئاً من احتمال طروء المانع مع اليقين بوجود المقتضي ، ويسمّى بالشك في الرافع ، وغير ذلك من التقسيمات التي تعرَّض لها الشيخ قدس‌سره (1).

وقد وقع الخلاف بينهم في حجية الاستصحاب مطلقاً ، وعدمها مطلقاً ، والتفصيل بين الحكم الشرعي وغيره تارةً ، وبين ما كان سبب اليقين بالحكم الشرعي الدليل العقلي وغيره اخرى ، وبين الشك في المقتضي والشك في الرافع ثالثة.

واختار الشيخ قدس‌سره (2)التفصيل باعتبارين : الأوّل التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع. والثاني : التفصيل بين ما كان سبب اليقين بالحكم الشرعي الدليل العقلي وغيره ، فأنكر حجية الاستصحاب في الأوّل في التفصيلين ، وإن كان إرجاع التفصيل الثاني إلى الأوّل ممكناً ، وحيث إنّ استقصاء هذه التفاصيل تطويل بلا طائل ، فالعمدة هو النظر إلى الأدلة التي أقاموها على


1) فرائد الاصول 2 : 549.

2) فرائد الاصول 2 : 554 و 561.

حجية الاستصحاب ، فإن تمّت فننظر إلى مقدار دلالتها من حيث الشمول لجميع التقادير المتقدمة أو بعضها.

فنقول : قد استدلّ على حجية الاستصحاب بامور :

الأوّل : دعوى السيرة القطعية من العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة ، بل عمل الانسان على طبق الحالة السابقة ليس من حيث كونه إنساناً بل من حيث كونه حيواناً ، لاستقرار سيرة سائر الحيوانات على ذلك ، فانّ الحيوان يمشي إلى المرتع السابق ويرجع إلى دار صاحبه عملاً بالحالة السابقة.

والكلام في هذا الدليل يقع في مقامين : الأوّل : في ثبوت هذه السيرة. والثاني : في حجيتها.

أمّا الأوّل : فالتحقيق عدم ثبوت هذه السيرة من العقلاء ، فانّ عملهم على طبق الحالة السابقة على أنحاء مختلفة :

فتارةً يكون عملهم لاطمئنانهم بالبقاء كما يرسل تاجر أموالاً إلى تاجر آخر في بلدة اخرى لاطمئنانه بحياته ، لا للاعتماد على مجرد الحالة السابقة ، ولذا لو زال اطمئنانه بحياته كما لو سمع أنّه مات جماعةٌ من التجار في تلك البلدة لم يرسل إليه الأموال قطعاً.

واخرى يكون عملهم رجاءً واحتياطاً ، كمن يرسل الدرهم والدينار إلى ابنه الذي في بلد آخر ليصرفهما في حوائجه ، ثمّ لو شك في حياته فيرسل إليه أيضاً للرجاء والاحتياط حذراً من وقوعه في المضيقة على تقدير حياته.

وثالثة يكون عملهم لغفلتهم عن البقاء وعدمه ، فليس لهم التفات حتى يحصل لهم الشك فيعملون اعتماداً على الحالة السابقة ، كمن يجيء إلى داره بلا التفات إلى بقاء الدار وعدمه ، ومن هذا الباب جري الحيوانات على الحالة

السابقة ، فانّه بلا شعور والتفات إلى البقاء وعدمه ، فلم يثبت استقرار سيرة العقلاء على العمل اعتماداً على الحالة السابقة.

ويدل على ما ذكرنا : أنّ ارتكاز العقلاء ليس مبنياً على التعبد ، بأن كان رئيسهم قد أمرهم بالعمل على طبق الحالة السابقة ، بل هو مبني على منشأ عقلائي ، كما أنّ جميع ارتكازيات العقلاء ناشئة من المبادئ العقلائية ، ولو كانت هنا جهة عقلائية تقتضي العمل على طبق الحالة السابقة لفهمناها ، فانّا من جملتهم.

وذكر المحقق النائيني قدس‌سره أنّ عملهم على طبق الحالة السابقة إنّما هو بإلهام إلهي حفظاً للنظام (1).

وفيه : أنّ المنكرين لحجية الاستصحاب لم يختل النظام عليهم بعدُ ، ولو كان حفظ النظام يقتضي ذلك لاختل على المنكرين.

وأمّا الكلام في المقام الثاني : وهو حجية السيرة على تقدير ثبوتها ، فالحق هو حجيتها ، لأنّ الشارع مع القدرة على الردع لم يردعهم عن ذلك. وعدم الردع مع القدرة عليه يدل على الرضا.

وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّه تكفي في الردع الآيات الناهية عن العمل بغير علم (2)، فهو ينافي ما تقدّم منه في بحث حجية الخبر الواحد من أنّ الآيات واردة في اصول الدين أوّلاً ، وأنّ الردع بها لا يكون إلاّ على وجه دائر ثانياً (3)فما ذكره من الجوابين عن الآيات الناهية عن العمل بغير


1) أجود التقريرات 4 : 30 ، فوائد الاصول 4 : 332.

2) كفاية الاصول : 387.

3) كفاية الاصول : 303.

علم في بحث حجية الخبر هو الجواب في المقام أيضاً. مضافاً إلى جواب ثالث ذكرناه في بحث حجية الخبر (1)وهو أنّ الآيات الناهية إرشادية إلى عدم العمل بالظن ، لاحتمال مخالفة الواقع والابتلاء بالعقاب ، كما في حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فلا تشمل الظن الذي يكون حجةً ببناء العقلاء ، للقطع بالأمن من العقاب حينئذ ، والعقل لا يحكم بأزيد مما يحصل معه الأمن من العقاب. وهذا الجواب أيضاً جارٍ في المقام ، نعم ما ذكره في هامش الكفاية من التمسك باستصحاب حجية الخبر لو قيل بسقوط كل من السيرة والآيات عن الاعتبار (2)لا يجري في المقام ، لأنّ الكلام في حجية الاستصحاب ولا يمكن إثباتها بالاستصحاب ، كما هو ظاهر.

الثاني : أنّ ثبوت شيء في السابق مع الشك في بقائه موجبٌ للظن ببقائه ، وكلّ ما كان كذلك يجب العمل به.

وفيه : منع الصغرى والكبرى ، أمّا الصغرى فلأ نّه لو كان المراد هو الظن الشخصي ، فهو واضح البطلان في جميع الموارد ، ولو كان المراد هو الظن النوعي الناشئ من غلبة الأفراد ، فهو أيضاً كذلك ، إذ لا تتصور جهة جامعة بين جميع الأشياء من حيث البقاء النوعي ، فانّ البقاء النوعي لأفراد الانسان إلى مدّة كالستين سنة مثلاً ، ولا يكون البقاء النوعي لغيره من الحيوانات إلى هذه المدّة ، بل في بعضها الأقل من ذلك وفي بعضها الأكثر منه ، فليس لنا سبيل إلى إحراز غلبة البقاء في جميع الأشياء الثابتة حتى يحصل لنا الظن النوعي بالبقاء في الفرد المشكوك بقاؤه. وأمّا الكبرى فلحرمة العمل بالظن بالأدلة الأربعة على


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 232.

2) كفاية الاصول : 304.

ما تقدّم بيانه في بحث الظن (1)، إلاّما دلّ الدليل على اعتباره بالخصوص ، وليس لنا دليل على حجية الظن في خصوص المقام.

الثالث : دعوى الاجماع على حجية الاستصحاب.

وفيه : أنّ حجية الاستصحاب عند القائلين بها مستندة إلى مبانٍ مختلفة مذكورة في كلامهم ، فليس هناك إجماع تعبدي كاشف عن رضا المعصوم عليه‌السلام ، فلا بدّ من ملاحظة المدرك. مضافاً إلى أنّه لا اتفاق في المسألة فانّها محل للخلاف. ومما ذكرنا ظهر عدم حجية الاجماع المنقول في المقام ، وإن قلنا بحجيته في غير هذا المقام.

الرابع وهو العمدة : هي الأخبار فمنها : صحيحة زرارة قال «قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء ، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال عليه‌السلام : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن وإذا نامت العين والاذن فقد وجب الوضوء. قلت : فان حرّك في جنبه شيءٌ وهو لا يعلم؟ قال عليه‌السلام : لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين بالشك أبداً ، ولكنّه ينقضه بيقين آخر» (2).

ويقع الكلام في سند الرواية أوّلاً ، وفي دلالتها ثانياً.

أمّا الأوّل : فربّما يستشكل فيه من جهة كونها مضمرةً ، فيحتمل كون المسؤول غير المعصوم.


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 128.

2) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 (باختلاف يسير).

وهو مدفوع أوّلاً : بما ذكره جملةً من الأعلام من عدم كونها مضمرةً ، وأنّ المسؤول هو الباقر عليه‌السلام فالرواية قلت للباقر عليه‌السلام كما ذكره السيد الطباطبائي قدس‌سره في الفوائد (1)، والفاضل النراقي قدس‌سره على ما ذكره الشيخ قدس‌سره في تنبيهات الاستصحاب (2)، وغيرهما من الأفاضل. ومن البعيد أنّ مثل السيد قدس‌سره نقلها مسندةً ولم يعثر على أصل من الاصول ، بل من المحتمل أنّه عثر على أصل نفس زرارة ، كما أنّه قد يوجد بعض الاصول في زماننا هذا أيضاً.

وثانياً : بأنّ الاضمار من مثل زرارة لا يوجب القدح في اعتبارها ، فانّه أجل شأناً من أن يسأل غير المعصوم ثمّ ينقل لغيره بلا نصب قرينة على تعيين المسؤول ، فانّ هذا خيانة يجل مثل زرارة عنها ، فاضماره يدل على كون المسؤول هو المعصوم يقيناً ، غاية الأمر أنّه لايعلم كونه الباقر أم الصادق عليهما‌السلام وهذا شيءٌ لا يضرّ باعتبارها ، ولا إشكال في سندها إلاّمن جهة الاضمار فانّ جميع الرواة إماميّون ثقات.

وأمّا الثاني : فنقول قد ذكر فيها فقرتان :

الفقرة الاولى : هي قول الراوي : الرجل ينام إلخ ... وهذا سؤال عن شبهة حكمية ، وهي أنّ الخفقه والخفقتان توجب الوضوء أم لا ، ووجه الشبهة أمران : الأوّل : هو الاشتباه المفهومي في النوم ، بأن يكون الراوي لا يعلم أنّ النوم هل يشمل الخفقة والخفقتين أم لا ، فيكون من قبيل الدوران بين الأقل والأكثر.

الثاني : احتمال كون الخفقة والخفقتين ناقضاً للوضوء مستقلاً كسائر النواقض من


1) الفوائد الاصولية : 110 / الفائدة 33.

2) [لم نعثر عليه].

دون أن يكون داخلاً في مفهوم النوم ، وعلى كل حال أجابه الإمام عليه‌السلام بعدم انتقاض الوضوء بالخفقة والخفقتين بقوله عليه‌السلام : يا زرارة إلخ ... وإنّما جمع بين نوم العين والاذن وترك نوم القلب ، للتلازم بين نوم القلب ونوم الاذن على ما ذكره بعضهم ، فذكر نوم الاذن يكفي عن ذكر نوم القلب ، وهذه الفقرة لا دخل لها بالمقام.

الفقرة الثانية : هي قول الراوي : فان حرّك في جنبه شيء إلخ ... وهذا سؤال عن شبهة موضوعية مع العلم بأصل الحكم ، باعتبار أنّه قد تحصل للانسان حالة لا يرى فيها ولا يسمع لاشتغال قلبه بشيء ، ولا سيما قبل عروض النوم ، فيشك في تحقق النوم ، فأجاب الإمام عليه‌السلام بعدم وجوب الوضوء مع الشك في تحقق النوم بقوله عليه‌السلام : «لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام» أي لا يجب عليه الوضوء في صورة الشك إلى أن يتيقن.

ولا إشكال في دلالة الرواية على حجية الاستصحاب في موردها ، فانّ البناء على الوضوء مع الشك في الحدث مما لا إشكال فيه ولا خلاف ، إنّما الكلام في التعدي عن المورد والحكم بالتعميم ، وهو مبنيٌ على أحد أمرين : الأوّل ما ذكره الشيخ قدس‌سره (1)ووافقه صاحب الكفاية قدس‌سره (2)، وهو أنّ الجواب - للشرطية المذكورة بقوله عليه‌السلام وإلاّ - محذوف ، أي لا يجب عليه الوضوء ، وقام التعليل وهو قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه» مقام الجواب ، وهو كثيرٌ في الآيات وغيرها ، كقوله تعالى : ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (3). ومن المعلوم أنّه ليس الجواب هو قوله تعالى : ( فَإِنَّ اللّهَ*


1) فرائد الاصول 2 : 563.

2) كفاية الاصول : 389.

3) آل عمران 3 : 97.

غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) ، لعدم ترتبه على الشرط المذكور ، فانّ اللّه غني عن العالمين كفروا أم لم يكفروا ، فالجواب محذوف وهو : لن يضر اللّه ، وقوله تعالى : ( فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ ) تعليل قام مقام الجواب ، ونقل الفاء من الجواب وادخل على التعليل لقيامه مقام الجواب ، وكذا في المقام حيث إنّ الجواب يعلم مما ذكر قبل الشرط ، وهو قوله عليه‌السلام «لا ، حتى يستيقن» فحذف واقيم التعليل مقامه.

ولهذا التعليل - وهو قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك» في بدو النظر - احتمالات ثلاثة :

الأوّل : أن يكون المراد من اليقين والشك في قوله عليه‌السلام «ولا ينقض اليقين بالشك» هو اليقين والشك المذكورين ، أي اليقين المتعلق بالوضوء والشك المتعلق بالنوم المفروضين في كلام زرارة ، فيكون المراد لا ينقض يقينه بالوضوء بالشك في النوم.

وهذا الاحتمال بعيد جداً ، لأنّ مفاد التعليل حينئذ يكون عين الحكم المعلل به ، فيلزم التكرار المستهجن ، إذ يصير مفاد مجموع الكلام من الحكم المعلل والتعليل أنّه لا يجب الوضوء على من تيقن بالوضوء وشك في النوم ، لأنّه على يقين من وضوئه ولا ينقض يقينه بالوضوء بالشك في النوم ، ومعنى عدم نقض هذا اليقين بذاك الشك هو عدم وجوب الوضوء ، وهذا هو التكرار.

الثاني : أن يكون المراد من اليقين هو اليقين السابق ، أي اليقين المتعلق بالوضوء ، ولكنّ المراد من الشك مطلق الشك في الناقض لا خصوص الشك في النوم بالغاء الخصوصية عن الشك ، للقطع بعدم دخل خصوصية النوم في الحكم بعدم وجوب الوضوء ، فيكون المراد أنّ المتيقن بالوضوء لاينقض يقينه بالوضوء بالشك في الحدث ، سواء كان الشك في النوم أم في غيره من النواقض ، فيكون قوله عليه‌السلام «لا ينقض اليقين بالشك» قاعدةً كلّيةً في باب الوضوء فقط.

الثالث : أن يكون المراد من اليقين هو مطلق اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء بالغاء الخصوصية عن اليقين أيضاً ، كالغاء الخصوصية عن الشك ، فيكون المعنى أنّ المتيقن بشيء - سواء كان الوضوء أم غيره - لا ينقض يقينه بالشك فيه ، فيكون قاعدةً كلّيةً في الوضوء وغيره ، وهو المطلوب.

والظاهر أنّ الاحتمال الثالث هو المتعين ، لظهور التعليل في العموم ، لأنّ قوله عليه‌السلام «فانّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك» جواب مقنع لزرارة ، ومن المعلوم أنّ سؤاله لم يكن مبنياً على خصوصية الوضوء ، بل بناء سؤاله على أنّ المتطهر إذا شك في الحدث هل يجب عليه تحصيل الطهارة أم لا ، سواء كان متطهراً بالوضوء أم بالغسل ، فكما تعدّينا عن الشك في النوم إلى غيره من النواقض لعدم دخلٍ لخصوصية النوم في الحكم ، كذلك نتعدى عن خصوصية الوضوء أيضاً إلى غيره ، فيكون حاصل جواب الإمام عليه‌السلام أنّ هذا المتيقن بالوضوء الشاك في النوم لا يجب عليه الوضوء ، لأنّه كان متيقناً بالوضوء ، وكل من تيقن بشيء لا ينقض يقينه بالشك فيه ، فيكون التعليل راجعاً إلى قاعدة ارتكازية وهي عدم نقض الأمر المبرم وهو اليقين بالأمر غير المبرم وهو الشك ، ويتم المطلوب من عدم جواز نقض اليقين بالشك بلا اختصاص بمورد الرواية.

الأمر الثاني : أن لايكون الجواب محذوفاً ، بل الجواب هو قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين بالشك» ويكون قوله عليه‌السلام «فانّه على يقين من وضوئه» توطئة للجواب ، أو الجواب هو قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه».

ويقع الكلام في موضعين : الأوّل في صحة هذا التركيب. والثاني : في استفادة حجية الاستصحاب على تقدير صحته.

أمّا الكلام في الموضع الأوّل : فالظاهر عدم صحة كون الجواب أحد المذكورين ، أمّا قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين بالشك» فلكون الواو مانعاً عن كونه جواباً. وأمّا قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه» فلأ نّه إن بني على ظاهره من كونه جملةً خبريةً ، فلا يصح كونه جواباً ، لعدم ترتبه على الشرط المستفاد من قوله عليه‌السلام : «وإلاّ» لأنّ المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه» هو يقينه بالوضوء السابق ، وهذا اليقين حاصل له على الفرض سواء استيقن بالنوم بعده أم لا ، فلا يكون مترتباً على الشرط المستفاد من قوله عليه‌السلام «وإلاّ» أي وإن لم يستيقن أنّه قد نام ، فلا يصح كونه جواباً عنه. وإن بني على كونه جواباً وكونه إنشاءً في المعنى ، أي يجب عليه المضي على يقينه من حيث العمل كما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره (1)، فالظاهر عدم صحته أيضاً ، لأنّا لم نعثر على استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب ، بأن يقال زيد قائمٌ مثلاً ويراد به يجب عليه القيام. نعم ، الجمل الخبرية الفعلية استعملت في مقام الطلب كثيراً : أعاد أو يعيد ، أو «من زاد في صلاته استقبل استقبالاً» (2)وأمّا الجملة الاسمية فلم يعهد استعمالها في مقام إنشاء الطلب. نعم ، الجملة الاسمية تستعمل لانشاء المحمول ، كما يقال : أنتِ طالق ، أو أنت حرّ في مقام إنشاء الطلاق وإنشاء الحرية ، وكذا غيرهما من الانشاءات غير الطلبية ، مضافاً إلى أنّا لو سلّمنا كونها في مقام الطلب ، لا يستفاد منها وجوب المضي والجري العملي على طبق اليقين ، بل تكون طلباً للمادة أي اليقين بالوضوء ، كما أنّ الجملة الفعلية في مقام الطلب تكون طلباً للمادة ، فان قوله : أعاد أو يعيد طلب للاعادة ، فيكون قوله عليه‌السلام «فانّه


1) فوائد الاصول 4 : 336

2) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل ب 19 ح 1 (باختلاف يسير)

على يقين من وضوئه» طلباً لليقين بالوضوء ، ولا معنى له ، لكونه متيقناً بالوضوء على الفرض.

وأمّا الكلام في الموضع الثاني : فالظاهر استفادة حجية الاستصحاب من الصحيحة على تقدير كون الجواب هو قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه» أو قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين بالشك» وإن كانت دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب على تقدير كون الجواب محذوفاً أظهر ، إلاّ أنّها دالةٌ عليها على تقدير كون الجواب أحد الأمرين المذكورين أيضاً ، للقرينة الخارجية والداخلية : أمّا القرينة الخارجية : فهي ذكر هذه الفقرة الدالة على عدم جواز نقض اليقين بالشك في روايات متعددة واردة في أبواب اخر ، غير مسألة الشك في الحدث كما يأتي ذكرها (1)إن شاء اللّه تعالى ، فتدلّ على أنّ عدم جواز نقض اليقين بالشك قاعدة كلّية لا اختصاص لها بباب الوضوء.

وأمّا القرينة الداخلية فامور :

أحدها : أنّ اليقين والشك من الصفات ذات الاضافة ، كالحب والبغض وغيرهما من ذوات الاضافة ، وهي مشتركة مع باقي الأعراض الخارجية في الاحتياج إلى الموضوع ، وممتازة عنها بالاحتياج إلى المتعلق مضافاً إلى الموضوع ، فانّ اليقين كما يحتاج في وجوده إلى الموضوع وهو المتيقن - بالكسر - كذا يحتاج إلى المتعلق وهو المتيقن - بالفتح - فلا وجود لليقين إلاّمتعلقاً بشيء ، فكلّما ذكر اليقين في كلامٍ ، لا بدّ من ذكر متعلقه ، وإلاّ لم يتم الكلام في الافادة. فذكر الوضوء - في قوله عليه‌السلام : «فانّه على يقين من وضوئه» - لا يدل


1) في ص 57 ، 69 وغيرهما

على اعتبار خصوصية الوضوء في عدم جواز نقض اليقين بالشك ، بل ذكر المتعلق إنّما هو لعدم تمامية الكلام بدونه ، وذكر خصوص الوضوء إنّما هو لكون مورد السؤال والجواب هو الوضوء ، فبعد كون ذكر الوضوء لما ذكرنا لا لاعتبار الخصوصية ، يكون إطلاق قوله عليه‌السلام «ولا ينقض اليقين بالشك» هو المتبع ، فلا اختصاص للاستصحاب بباب الوضوء.

ثانيها : نفس لفظ النقض في قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين بالشك» فانّه يدل على أنّ العبرة باليقين إنّما هو باعتبار أنّ اليقين أمر مبرم مستحكم ، والشك تحير وغير مبرم ، ولا يجوز نقض المبرم بأمر غير مبرم بلا اعتبار خصوصية الوضوء.

ثالثها : قوله عليه‌السلام : «أبداً» فانّه إشارة إلى أنّ عدم جواز نقض اليقين بالشك قاعدة كلّية ارتكازية لا اختصاص لها بموردٍ دون مورد ، وتكون هذه الكلمة في الصحيحة بمنزلة لا ينبغي في روايةٍ اخرى (1)، كما يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى.

وربّما يتوهّم أنّ كون هذه القاعدة ارتكازية ينافي ما ذكرنا سابقاً من عدم تحقق السيرة العقلائية على العمل بالاستصحاب ، وأنّ عملهم مبني على الاطمئنان أو الاحتياط أو الغفلة.

وهو مدفوع : بأنّ قاعدة عدم جواز نقض اليقين بالشك قاعدة ارتكازية مسلّمة ، فانّ اليقين والشك بمنزلة طريقين يكون أحدهما مأموناً من الضرر والآخر محتمل الضرر ، فاذا دار الأمر بينهما ، لا إشكال في أنّ المرتكز هو اختيار الطريق المأمون. وما أنكرناه سابقاً إنّما هو تطبيق هذه الكبرى الكلية


1) وهي صحيحة زرارة الثانية ويأتي ذكرها في ص 57.

على الاستصحاب ، لعدم صدق نقض اليقين بالشك عرفاً ، لأنّ اليقين متعلق بالحدوث فقط ، والشك متعلق بالبقاء ، فلم يتعلق اليقين بما تعلق به الشك حتى لا يجوز نقض اليقين بالشك فلا يصدق نقض اليقين بالشك عرفاً.

فتطبيق هذه الكبرى الارتكازية على الاستصحاب إنّما هو بالتعبد الشرعي لأجل هذه الصحيحة وغيرها من الروايات الآتية. ولا مانع من كون الكبرى مسلّمةً ارتكازية مع كون بعض الصغريات غير واضحة ، فان اجتماع الضدّين مما لا إشكال ولا خلاف في كونه محالاً ، مع أنّه وقع الخلاف بينهم في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد من جهة أنّه هل يكون اجتماعهما من قبيل اجتماع الضدّين أم لا.

فتحصّل مما ذكرنا : أنّ الصحيحة تدل باطلاقها على حجية الاستصحاب مطلقاً ، بلا فرق بين الأحكام الكلّية والجزئية ، والموضوعات الخارجية ، فانّها باطلاقها تدل على عدم جواز نقض اليقين بالشك سواء كان متعلق اليقين هو الحكم الكلّي أو الجزئي ، أو الموضوع الخارجي ، ولا يلزم استعمال اللفظ في معنيين أصلاً. وقد ذكرنا (1)نظير ذلك في حديث الرفع من أنّه باطلاقه شامل للشبهة الحكمية والموضوعية ، ولا يلزم استعمال اللفظ في معنيين على ما نقله الشيخ قدس‌سره (2)عن بعضهم ، فانّه يدل على أنّ الحكم المجهول مرفوع ، سواء كان سبب الجهل عدم تمامية البيان من قبل الشارع كما في الشبهات الحكمية ، أو كان سبب الجهل هي الامور الخارجية. وما نختاره من عدم حجية الاستصحاب في الأحكام الكلية إنّما هو للمانع الخارجي كما سنتعرّض له (3)إن


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 304.

2) نقله الشيخ في ذيل الاستدلال برواية الحِل ، فرائد الاصول 1 : 372.

3) في ص 42.

شاء اللّه ، لا من جهة عدم شمول الصحيحة له.

ثمّ إنّ الكلام في ذيل هذه الصحيحة يتم ببيان امور :

الأوّل (1)قد أشرنا (2)إلى الاختلاف في حجية الاستصحاب بين الاثبات مطلقاً ، والنفي مطلقاً ، والتفصيلات الكثيرة التي أطال الكلام في بيانها الشيخ قدس‌سره واختار التفصيل في مقامين الأوّل : التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع. والثاني : التفصيل بين الدليل العقلي والشرعي فيما إذا كان المستصحب حكماً شرعياً ، فأنكر حجية الاستصحاب في الأوّل في المقامين ووافقه المحقق النائيني قدس‌سره (3)في التفصيل الأوّل دون الثاني.

ونحن نقتصر على التكلم في التفصيلين المذكورين ، والتفصيل بين الحكم الكلّي الإلهي وغيره - كما هو المختار - وبعض التفصيلات المهمّة ، ونعرض عن كثير من التفصيلات ، لوضوح فسادها ، فنقول : أمّا التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع ، فيقع الكلام فيه [في] مقامين الأوّل : في تعيين مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي. والثاني : في صحة التفصيل المذكور وفساده من حيث الدليل.

أمّا الكلام في تعيين مراد الشيخ قدس‌سره ، ففيه احتمالات :

الأوّل : أن يكون المراد من المقتضي هو المقتضي التكويني الذي يعبّر عنه بالسبب ويكون جزءاً للعلة التامة ، فانّ العلة مركبة في اصطلاحهم من امور ثلاثة : السبب والشرط وعدم المانع. والسبب هو المؤثر ، والشرط عبارة عما


1) [لم يتعرض للُامور الاخرى تحت عنوان الثاني والثالث وهكذا].

2) في ص 10.

3) أجود التقريرات 4 : 29 و 67 ، فوائد الاصول 4 : 320 و 372.

يكون له دخل في فعلية التأثير وإن لم يكن هو منشأً للأثر ، والمانع عبارة عما يزاحم المؤثر في التأثير ويمنعه عنه ، فالنار سبب للاحراق ، ومماستها شرط لكونها دخيلةً في فعلية الاحراق ، والرطوبة مانعة عنه.

وهذا المعنى ليس مراد الشيخ قدس‌سره قطعاً ، لأنّه قائل بجريان الاستصحاب في العدميات (1)والعدم لا مقتضي له. وأيضاً هو قائل به في الأحكام الشرعية (2)، ولا يكون لها مقتضٍ تكويني ، فانّ الأحكام عبارة عن اعتبارات وضعها ورفعها بيد الشارع.

الثاني : أن يكون مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي هو الموضوع ، فانّه ثبت اصطلاح من الفقهاء بالتعبير عن الموضوع بالمقتضي ، وعن كل قيد اعتبر وجوده في الموضوع بالشرط في باب التكليف ، وبالسبب في باب الوضع ، وعن كل قيد اعتبر عدمه في الموضوع بالمانع ، فيقولون إنّ المقتضي لوجوب الحج هو المكلف والاستطاعة شرط لوجوبه ، هذا في باب التكليف. وفي باب الوضع يقولون إنّ البيع وموت المورّث سببٌ للملكية ، وكذا يقولون إنّ الحيض مانع عن وجوب الصلاة ، وتعبيرهم عن القيد الوجودي بالشرط في باب التكليف وبالسبب في باب الوضع مجرد اصطلاح لا نعرف له وجهاً ومأخذاً ، لعدم الفرق بينهما أصلاً كما ترى ، ولا نعرف مبدأ هذا الاصطلاح. وبالجملة : يحتمل أن يكون مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي هو الموضوع ، ففي موارد الشك في وجود الموضوع لا يجري الاستصحاب ، وفي موارد الشك في رافع الحكم مع العلم بوجود الموضوع لا مانع من جريانه.


1) فرائد الاصول 2 : 588.

2) فرائد الاصول 2 : 595 وما بعدها.

ولا يمكن أن يكون هذا المعنى أيضاً مراد الشيخ قدس‌سره لأنّه وإن كان صحيحاً في نفسه ، إذ لا بدّ في جريان الاستصحاب من إحراز الموضوع كما سنذكره (1)إن شاء اللّه تعالى ، إلاّأ نّه لا يكون تفصيلاً في حجية الاستصحاب ، فان إثبات الحكم لموضوع مع العلم بكونه غير الموضوع الذي كان الحكم ثابتاً له قياس لا تقول به الإمامية ، ومع احتمال كونه غيره احتمال للقياس ، فلا مجال للأخذ بالاستصحاب إلاّمع إحراز الموضوع حتى يصدق في تركه نقض اليقين بالشك ، فانّه إنّما يصدق فيما كانت القضية المتيقنة والمشكوكة متحدة. والشيخ أيضاً يصرّح في مواضع من كلامه بأنّ الاستصحاب لا يجري إلاّمع إحراز الموضوع (2)ومع ذلك يقول بالتفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع ، فلا يمكن أن يكون مراده من المقتضي هو الموضوع.

الثالث : أن يكون مراده من المقتضي هو ملاكات الأحكام من المصالح والمفاسد ، ففي موارد الشك في بقاء الملاك لا يجري الاستصحاب ، وفي موارد الشك في وجود ما يزاحم الملاك في التأثير المسمى بالرافع لا مانع من جريان الاستصحاب.

ولا يكون هذا المعنى أيضاً مراد الشيخ قدس‌سره لأنّه قائل بالاستصحاب في الموضوعات الخارجية (3)، ولا يتصور لها ملاك حتى يقال بالاستصحاب مع العلم ببقائه ، بل هذا المعنى من التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع سدٌّ لباب الاستصحاب ، لعدم العلم ببقاء الملاك لغير علاّم الغيوب إلاّفي بعض


1) في التنبيه الخامس عشر من تنبيهات الاستصحاب ص 271 وما بعدها.

2) فرائد الاصول 2 : 691.

3) فرائد الاصول 2 : 592 - 594.

موارد نادرة لأدلة خاصّة. والشيخ يقول باستصحاب الملكية في المعاطاة بعد رجوع أحد المتعاملين ، ويصرّح بكون الشك فيه شكاً في الرافع (1)، وينكر الاستصحاب في بقاء الخيار في خيار الغبن لكون الشك فيه شكاً في المقتضي (2)، فمن أين علم الشيخ قدس‌سره ببقاء الملاك في الأوّل دون الثاني ، فهذا المعنى ليس مراده قطعاً.

ولعلّ السيد الطباطبائي قدس‌سره حمل المقتضي على هذا المعنى ، حيث ردّ استصحاب الملكية في المعاطاة بأ نّه من موارد الشك في المقتضي لعدم العلم ببقاء الملاك (3)، مضافاً إلى أنّ التفصيل بين الشك في المقتضي بمعنى الملاك في الأحكام التكليفية إنّما يتصور على ما هو المشهور من مذهب الامامية من كونها تابعةً للمصالح والمفاسد التي تكون في متعلقاتها ، وأمّا على القول بكونها تابعةً للمصالح التي تكون في نفس الأحكام التكليفية ، كالأحكام الوضعية التي تكون تابعةً للمصلحة في نفس الجعل والاعتبار ، كالملكية والزوجية دون المتعلق ، فلا معنى للتفصيل المذكور ، لأنّ الشك في الحكم يلازم الشك في الملاك بلا فرق بين الأحكام التكليفية والوضعية ، فيكون الشك في الحكم الشرعي شكاً في المقتضي دائماً ولم يبق مورد للشك في الرافع ، فيكون حاصل التفصيل المذكور إنكاراً للاستصحاب في الأحكام الشرعية بقول مطلق.

فتحصّل مما ذكرنا : أنّه ليس مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي هو السبب أو الموضوع أو الملاك على ما توهموه ونسبوه إليه ، ومنشأ الوقوع في


1) المكاسب 3 : 51.

2) المكاسب 5 : 210.

3) لاحظ حاشية المكاسب : 73.

هذه الامور توهم أنّ مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي هو المقتضي للمتيقن ، فذكر بعضهم أنّ المراد منه السبب ، وبعضهم أنّ المراد منه الموضوع ، وبعضهم أنّ المراد منه الملاك.

والظاهر أنّ مراد الشيخ قدس‌سره ليس المقتضي للمتيقن ، بل مراده من المقتضي هو المقتضي للجري العملي على طبق المتيقن ، فالمراد من المقتضي نفس المتيقن الذي يقتضي الجري العملي على طبقه ، فحق التعبير أن يقال : الشك من جهة المقتضي لا الشك في المقتضي.

وملخّص الكلام في بيان الميزان الفارق بين موارد الشك في المقتضي والشك في الرافع : أنّ الأشياء تارةً تكون لها قابلية البقاء في عمود الزمان إلى الأبد لو لم يطرأ رافع لها كالملكية والزوجية الدائمة والطهارة والنجاسة ، فانّها باقية ببقاء الدهر ما لم يطرأ رافع لها كالبيع والهبة وموت المالك في الملكية والطلاق في الزوجية ، وكذا الطهارة والنجاسة. فلو كان المتيقن من هذا القبيل ، فهو مقتضٍ للجري العملي على طبقه ما لم يطرأ طارئ ، فاذا شك في بقاء هذا المتيقن ، فلا محالة يكون الشك مستنداً إلى احتمال وجود الرافع له ، وإلاّ كان باقياً دائماً فهذا من موارد الشك في الرافع ، فيكون الاستصحاب فيه حجة.

واخرى لا تكون لها قابلية البقاء بنفسها ، كالزوجية المنقطعة مثلاً ، فانّها منقضية بنفسها بلا استناد إلى الرافع ، فلو كان المتيقن من هذا القبيل وشك في بقائه ، فلا يستند الشك فيه إلى احتمال وجود الرافع ، بل الشك في استعداده للبقاء بنفسه ، فيكون الشك في أنّ هذا المتيقن هل له استعداد البقاء بحيث يقتضي الجري العملي على طبقه أم لا؟ فهذا من موارد الشك في المقتضي فلا يكون الاستصحاب حجةً فيه. وهذا المعنى هو مراد الشيخ قدس‌سره من الشك في المقتضي والشك في الرافع ، ولذا جعل الشك في بقاء الملكية بعد رجوع

أحد المتبائعين في المعاطاة من قبيل الشك في الرافع ، فتمسك بالاستصحاب وجعل الشك في بقاء الخيار في الآن الثاني من ظهور الغبن من قبيل الشك في المقتضي لاحتمال كون الخيار مجعولاً في الآن الأوّل فقط ، فلا يكون له استعداد البقاء بنفسه ، فلم يتمسك فيه بالاستصحاب.

وظهر بما ذكرنا من مراد الشيخ من الشك في المقتضي أنّ إشكال السيد الطباطبائي على الشيخ قدس‌سره في التمسك بالاستصحاب في المعاطاة بأنّ الشك فيها من قبيل الشك في المقتضي ، فلا يكون الاستصحاب حجةً فيه على مسلك الشيخ قدس‌سره في غير محلّه ، لأنّ الشك في بقاء الملكية في المعاطاة ليس من قبيل الشك في المقتضي بالمعنى الذي ذكرناه ، وكذا غير المعاطاة من الموارد التي تمسك فيها الشيخ قدس‌سره بالاستصحاب واستشكل عليه السيد قدس‌سره.

ولنذكر لتوضيح المقام أمثلة فنقول : إنّ الأحكام على ثلاثة أقسام :

الأوّل : أن يكون الحكم معلوم الدوام في نفسه لو لم يطرأ رافع له ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب مع الشك في بقاء هذا النوع من الحكم كالشك في بقاء الملكية لاحتمال زوالها بناقل.

الثاني : أن يكون الحكم مغيىً بغاية.

الثالث : أن يكون الحكم مشكوكاً من هذه الجهة ، كما إذا تحققت زوجية بين رجل وامرأة ولم يعلم كونها دائمة أو منقطعة.

أمّا القسم الثالث فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه على مسلك الشيخ قدس‌سره لكون الشك فيه شكاً في المقتضي ، وأمّا القسم الثاني فمع الشك في البقاء قبل تحقق الغاية لاحتمال وجود الرافع يجري الاستصحاب بلا إشكال ،

وبعد تحقق الغاية ينقضي بنفسه.

وأمّا إذا شك في تحقق الغاية فتارةً يكون الشك من جهة الشبهة الحكمية ، كما إذا شك في أنّ الغاية لوجوب صلاة المغرب والعشاء مع الغفلة هي نصف الليل أو طلوع الفجر وإن كان عدم جواز التأخير عن نصف الليل مع العمد والالتفات مسلّماً. واخرى يكون الشك من جهة الشبهة المفهومية ، كما إذا شك في أنّ الغروب الذي جعل غايةً لصلاة الظهرين هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية.

وثالثةً يكون الشك من جهة الشبهة الموضوعية ، كما إذا شك في طلوع الشمس الذي جعل غاية لوجوب صلاة الصبح.

ففي الأوّلين يكون الشك من موارد الشك في المقتضي فلايجري الاستصحاب فيهما ، والثالث وإن لم يكن من الشك في الرافع حقيقةً لأنّ الرافع لا يكون نفس الزمان بل لا بدّ من أن يكون زمانياً وليس في المقام إلاّالزمان ، لكنّه في حكم الشك في الرافع عرفاً ، فيجري فيه الاستصحاب.

فتحصّل مما ذكرنا : أنّ مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي كون الشيء ذا استعداد للبقاء ما لم يطرأ رافع له من الانقلابات الكونية من الوجود إلى العدم أو العكس ، فكلّما شك في بقاء شيء لاحتمال طروء هذه الانقلابات ، فهو شك في الرافع ، وكلّما شك فيه مع العلم بعدم طروء شيء من الأشياء ، فهو شك في المقتضي ، فمسألة انتقاض التيمم بوجدان الماء في أثناء الصلاة من موارد الشك في الرافع ، فانّ الطهارة من الحدث التي تحققت بالتيمم باقية ما لم يطرأ وجدان الماء. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل ، وهو تعيين مراد الشيخ قدس‌سره من المقتضي.

الكلام في المقام الثاني ، وهو ذكر الدليل للتفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع في حجية الاستصحاب ، فنقول : الوجه في هذا التفصيل - على ما يستفاد من ظاهر كلام الشيخ (1)قدس‌سره كما فهمه صاحب الكفاية (2)وغيره - أنّ المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» هو المتيقن ، ففي موردٍ يكون المتيقن مما له دوام في نفسه يكون أمراً مبرماً مستحكماً ويصح إسناد النقض إليه ، وفي موردٍ لا يكون المتيقن كذلك لا يصح إسناد النقض إليه ، لأنّ النقض حلّ شيء مبرم مستحكم ، كما في قوله تعالى : ( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) (3)فلا يكون مشمولاً لقوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك».

ويرد عليه : ما في الكفاية من أنّه لا وجه لارتكاب المجاز بارادة المتيقن من لفظ اليقين مع صحة إرادة نفس اليقين وصحة إسناد النقض إليه بما له من الابرام والاستحكام ، ولكن يمكن أن يكون مراد الشيخ قدس‌سره ما نذكره - وإن كان ظاهر عبارته قاصراً عنه - وهو أنّ المراد من لفظ اليقين هو نفس اليقين لا المتيقن ، لما فيه من الابرام والاستحكام كما في الكفاية ، فانّ اليقين بمعنى الثابت من اليقن بمعنى الثبوت ، فيصح إسناد النقض إليه دون العلم والقطع ، وإن كان الجميع حاكياً عن شيء واحد وهو الصورة الحاصلة من الشيء في النفس ، إلاّأنّ العلم يطلق باعتبار انكشاف هذا الشيء في قبال الجهل ، والقطع يطلق باعتبار الجزم القاطع للتردد والحيرة ، واليقين يطلق باعتبار كون هذا


1) فرائد الاصول 2 : 574 و 575.

2) كفاية الاصول : 390.

3) النحل 16 : 92.

الانكشاف له الثبات والدوام بعد ما لم يكن بهذه المرتبة. ولعلّه لما ذكرنا لايطلق القاطع والمتيقن عليه تعالى لاستحالة الحيرة وعدم ثبات الانكشاف في حقّه تعالى. ويطلق عليه العالم لكون الأشياء مكنشفةً لديه ، فالمراد من اليقين هو نفسه لا المتيقن ، إلاّأنّ إسناد النقض إلى اليقين ليس باعتبار صفة اليقين ولا باعتبار الآثار المترتبة على نفس اليقين.

أمّا الأوّل : فلأنّ اليقين من الصفات الخارجية وقد انتقض بنفس الشك إن اخذ متعلقه مجرداً عن الزمان ، ولا يمكن نقضه إن اخذ مقيداً بالزمان ، فإنّا إذا علمنا بعدالة زيد يوم الجمعة مثلاً ثمّ شككنا في بقائها يوم السبت ، فإن اخذ اليقين بعدالة زيد مجرّداً عن التقييد بيوم الجمعة ، فقد انتقض هذا اليقين بالشك ، فلا معنى للنهي عنه ، وإن اخذ مقيداً بيوم الجمعة فهو باقٍ ، فطلب عدم نقضه طلب للحاصل.

وأمّا الثاني : فلعدم ترتب حكم شرعي على وصف اليقين من حيث هو ، ولو فرض فهو يقين موضوعي خارج من مورد أخبار الاستصحاب ، إذ من المعلوم أنّ موردها القطع الطريقي ، لعدم ترتب الحكم المأخوذ في موضوعه صفة اليقين على الشك قطعاً ، فلا بدّ من أن يكون المراد من عدم نقض اليقين هو ترتيب آثار المتيقن والجري العملي بمقتضاه ، على ما تقدّم (1)في أوّل بحث القطع من أنّه بنفسه طريق إلى المتيقن وموجب للجري العملي وترتيب آثار المتيقن ، فيكون رفع اليد عن ترتيب الآثار على المتيقن نقضاً لليقين وقد نهى الشارع عنه.

هذا فيما إذا كان المتيقن مما له الدوام والثبات في نفسه لولا الرافع ، وأمّا إذالم


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 13 - 16.

يكن المتيقن بنفسه مقتضياً للجري العملي لاحتمال كونه محدوداً بزمان معيّن ، فلايكون عدم ترتيب الآثار عليه نقضاً لليقين ، فلا يشمله قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» هذا هو الوجه في التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع.

وقد يقال في المقام رداً على الشيخ قدس‌سره في التفصيل المذكور : إنّ دليل الاستصحاب غير منحصر في الأخبار المشتملة على لفظ النقض حتى يختص بالشك في الرافع ، بل هناك خبران آخران لا يشتملان على لفظ النقض ، فيعمّان موارد الشك في المقتضي أيضاً ، الأوّل : رواية عبداللّه بن سنان الواردة في من يعير ثوبه للذمي وهو يعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، قال : فهل عليَّ أن أغسله؟ فقال عليه‌السلام : لا ، لأنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنّه نجّسه (1). الثاني : خبر محمّد بن مسلم عن الصادق عليه‌السلام «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فانّ اليقين لا يدفع بالشك» (2).

والجواب عنهما واضح ، أمّا الأوّل : فمورده هو الشك في الرافع ، لأنّ الطهارة مما له دوام في نفسه لولا الرافع ، فلا وجه للتعدي عنه إلى الشك في المقتضي. وأمّا التعدي عن خصوصية الثوب إلى غيره وعن خصوصية الذمي إلى نجاسة اخرى وعن خصوصية الطهارة المتيقنة إلى غيرها ، فإنّما هو للقطع بعدم دخل هذه الخصوصيات في الحكم ، ولكنّ التعدي عن الشك في الرافع إلى الشك في المقتضي يكون بلا دليل.


1) الوسائل 3 : 521 / أبواب النجاسات ب 74 ح 1.

2) الوسائل 1 : 246 و 247 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 6 وفيه : «فانّ الشك لا ينقض اليقين» ومستدرك الوسائل 1 : 228 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 4.

وأمّا الثاني : ففيه الأمر بالامضاء وهو مساوق للنهي عن النقض ، لأنّ الامضاء هو الجري فيما له ثبات ودوام ، ويشهد له ما في ذيل الخبر من أنّ اليقين لا يدفع بالشك ، لأنّ الدفع إنّما يكون في شيء يكون له الاقتضاء. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب مراد الشيخ قدس‌سره.

وللنظر فيه مجال واسع ، تارةً بالنقض واخرى بالحل.

أمّا النقض فبامور :

الأوّل : استصحاب عدم النسخ في الحكم الشرعي فانّ الشيخ قائل به (1)، بل ادعي عليه الاجماع حتى من المنكرين لحجية الاستصحاب ، بل هو من ضرورة الدين على ما ذكره المحدث الاسترابادي (2)، مع أنّ الشك فيه من قبيل الشك في المقتضي ، لأنّه لم يحرز فيه من الأوّل جعل الحكم مستمراً أو محدوداً إلى غاية ، فانّ النسخ في الحقيقة انتهاء أمد الحكم ، وإلاّ لزم البداء المستحيل في حقّه تعالى.

الثاني : الاستصحاب في الموضوعات ، فانّه قائل به مفصّلاً بين الشك في المقتضي والشك في الرافع كما ذكره في أوّل تنبيهات الاستصحاب (3)ومثَّل للشك في الرافع بالشك في كون الحدث أكبر أو أصغر ، فتوضأ فيكون الشك شكاً في الرافع ، فيجري استصحاب الحدث. ومثَّل للشك في المقتضي بالشك في كون حيوان من جنس الحيوان الفلاني الذي يعيش خمسين سنة أو من جنس الحيوان الفلاني الذي يموت بعد ثلاثة أيّام مثلاً ، مع أنّه يلزم من تفصيله عدم


1) فرائد الاصول 2 : 655.

2) الفوائد المدنية : 143.

3) لاحظ فرائد الاصول 2 : 638.

حجية الاستصحاب في الموضوعات كحياة زيد وعدالة عمرو مثلاً ، فان إحراز استعداد أفراد الموضوعات الخارجية مما لا سبيل لنا إليه ، وإن اخذ مقدار استعداد الموضوع المشكوك بقاؤه من استعداد الجنس البعيد أو القريب ، فتكون أنواعه مختلفة الاستعداد ، وكيف يمكن إحراز مقدار استعداد الانسان من استعداد الجسم المطلق أو الحيوان مثلاً ، وإن اخذ من الصنف فأفراده مختلفة باعتبار الأمزجة والأمكنة وسائر جهات الاختلاف ، فيلزم الهرج والمرج. وهذا هو الاشكال الذي أورده (1)على المحقق القمي بعينه ، وحاصله عدم جريان الاستصحاب في الموضوعات لكون الشك فيها شكاً في المقتضي ، لعدم إحراز الاستعداد فيها.

الثالث : استصحاب عدم الغاية ولو من جهة الشبهة الموضوعية ، كما إذا شك في ظهور هلال شوال أو في طلوع الشمس ، فانّ الشك فيه من قبيل الشك في المقتضي ، لأنّ الشك - في ظهور هلال شوال - في الحقيقة شكٌ في أنّ شهر رمضان كان تسعة وعشرين يوماً أو لا ، فلم يحرز المقتضي من أوّل الأمر ، وكذا الشك في طلوع الشمس شك في أنّ ما بين الطلوعين ساعة ونصف حتى تنقضي بنفسها أو أكثر فلم يحرز المقتضي ، مع أنّ الشيخ قائل بجريان الاستصحاب فيه (2)، بل الاستصحاب مع الشك في هلال شوال منصوص بناءً على دلالة قوله عليه‌السلام : «صُم للرؤية وأفطر للرؤية» (3)على الاستصحاب.

وأمّا الحل : فبيانه أنّه إن لوحظ متعلق اليقين والشك بالنظر الدقي ، فلا


1) فرائد الاصول 2 : 640.

2) فرائد الاصول 2 : 645.

3) الوسائل 10 : 255 و 256 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13.

يصدق نقض اليقين بالشك حتى في موارد الشك في الرافع ، لأن متعلق اليقين إنّما هو حدوث الشيء والمشكوك هو بقاؤه ، لأنّه مع وحدة زمان المتيقن والمشكوك لا يمكن أن يكون متعلق الشك هو متعلق اليقين ، إلاّبنحو الشك الساري الذي هو خارج عن محل الكلام ، فبعد كون متعلق الشك غير متعلق اليقين لا يكون عدم ترتيب الأثر على المشكوك نقضاً لليقين بالشك ، ففي مثل الملكية وغيرها من أمثلة الشك في الرافع متعلق اليقين هو حدوث الملكية ، ولا يقين ببقائها بعد رجوع أحد المتبائعين في المعاطاة ، فعدم ترتيب آثار الملكية بعد رجوع أحدهما لا يكون نقضاً لليقين بالشك ، وهكذا سائر أمثلة الشك في الرافع.

وإن لوحظ متعلق اليقين والشك بالنظر المسامحي العرفي وإلغاء خصوصية الزمان بالتعبد الشرعي على ما أشرنا إليه سابقاً (1)من أنّ تطبيق نقض اليقين بالشك على مورد الاستصحاب إنّما هو بالتعبد الشرعي ، وإن كان أصل القاعدة من ارتكازيات العقلاء ، فيصدق نقض اليقين بالشك حتى في موارد الشك في المقتضي ، فانّ خيار الغبن كان متيقناً حين ظهور الغبن وهو متعلق الشك بعد إلغاء الخصوصية ، فعدم ترتيب الأثر عليه في ظرف الشك نقض لليقين بالشك ، وحيث إنّ الصحيح هو الثاني لأن متعلق اليقين والشك ملحوظ بنظر العرف ، والخصوصية من حيث الزمان ملغاة بالتعبد الشرعي ، فتستفاد من قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» حجية الاستصحاب مطلقاً ، بلا فرق بين موارد الشك في المقتضي وموارد الشك في الرافع. هذا ملخّص الكلام في التفصيل الأوّل الذي اختاره الشيخ قدس‌سره تبعاً للمحقق الخوانساري


1) في ص 22.

(قدس‌سره) (1).

وأمّا التفصيل الثاني : الذي تفرَّد به الشيخ (2)قدس‌سره فهو التفصيل بين الحكم الثابت بالدليل الشرعي كالكتاب والسنّة والاجماع ، والحكم الثابت بالدليل العقلي ، فأنكر حجية الاستصحاب في الثاني. والوجه في هذا التفصيل - على ما ذكره الشيخ قدس‌سره بتوضيح منّا - أنّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من اتحاد الموضوع في القضيتين ، فانّه لولا اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة ، لا يصدق نقض اليقين بالشك ، وحيث إنّه مع بقاء الموضوع بجميع خصوصياته وعدم عروض التغير فيه أصلاً لا يمكن عروض الشك في الحكم ، فلا بدّ من حدوث تغير ما بحيث يوجب الشك في الحكم ، فانّه مع بقاء التغير في الماء المتنجس بالتغير وعدم حدوث شيء يحتمل كونه مطهراً له كتتميمه كراً لا يمكن الشك في طهارته ، وهذا التغير الذي أوجب الشك في الحكم تارةً يوجب تعدد الموضوع في القضية المتيقنة والمشكوكة ، فلا يجري الاستصحاب فيه ، واخرى لا يوجبه ، فلا مانع من جريانه.

فإن كان الحكم ثابتاً بالدليل الشرعي ، فالمرجع في اتحاد الموضوع في القضيتين وصدق نقض اليقين بالشك هو العرف. ففي موردٍ حكم العرف بتعدد الموضوع لا يصدق نقض اليقين بالشك ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه ، وفي موردٍ حكم العرف بوحدة الموضوع في القضيتين وصدق النقض يجري فيه الاستصحاب ، ونظر العرف في ذلك مختلف ، فربّما يحكم بكون وصفٍ تمام


1) مشارق الشموس : 75 - 77.

2) فرائد الاصول 2 : 554 ، راجع أيضاً التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب ص 650.

الموضوع للحكم وإن لم يوجد في الخارج إلاّفي الموصوف ، فبعد زواله لا يمكن جريان الاستصحاب ، كما في العدالة التي هي الموضوع لقبول الشهادة ، والاجتهاد الذي هو الموضوع لجواز التقليد ، فلو كان زيد عادلاً ثمّ صار فاسقاً لا يمكن جريان الاستصحاب في قبول شهادته ، لأنّ العرف يرى العدالة تمام الموضوع لقبول الشهادة ، والفسق موضوع آخر في نظرهم ، فعدم ترتيب هذا الأثر - أي قبول الشهادة - لا يكون نقضاً لليقين بالشك ، وكذا الاجتهاد بالنسبة إلى جواز التقليد ، فالوصف تمام الموضوع للحكم في نظر العرف وإن لم يوجد في الخارج إلاّمتعلقاً بموصوف.

وإن شئت قلت : إنّ الوصف بالنسبة إلى ثبوت الحكم للموصوف من قبيل الواسطة في العروض ، ففي الحقيقة نفس الوصف موضوع للحكم ، ولأجله يعرض الحكم للموصوف بالعرض. وقد يحكم العرف بأنّ الوصف دخيل في ثبوت الحكم للموصوف ويكون الموصوف هو الموضوع فالوصف من قبيل الواسطة في الثبوت كالتغير للماء ، فانّه واسطة لثبوت النجاسة للماء والموضوع هو الماء لا التغير ، فانّه يقال في العرف إنّ الماء تنجس لتغيره ، ولا يقال إنّ المتغير تنجس. ففي مثل ذلك لا إشكال في جريان الاستصحاب فيحكم بنجاسة الماء بعد زوال التغير.

وقد يشك في كون الوصف من القسم الأوّل لئلاّ يجري الاستصحاب أو من القسم الثاني ليجري الاستصحاب ، كما في المسافر الذي كان مسافراً في أوّل الوقت وبلغ إلى وطنه آخره ، فمع قطع النظر عن النصوص الواردة في المقام نشك في أنّ الواجب عليه التمام أو القصر ، فيحتمل كون وصف السفر تمام الموضوع لوجوب القصر ، فلا يجري الاستصحاب ، وكونه من قبيل الواسطة في الثبوت لوجوب القصر فيستصحب وجوبه. ففي مثل ذلك لا يمكن جريان

الاستصحاب أيضاً ، لعدم إحراز صدق النقض فيه ، فيكون التمسك بقوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية. هذا كلّه فيما إذا ثبت الحكم بالدليل الشرعي.

وأمّا إذا ثبت الحكم بالدليل العقلي والعقل لا يحكم بحكم للموضوع المهمل ، لأنّ الاهمال في مقام الثبوت لا يتصور من الحاكم ، فلا بدّ في حكم العقل من إدراك الموضوع بجميع قيوده ، فلا يحكم العقل بحكم إلاّللموضوع المقيد بقيود لها دخل في الحكم ، فمع عدم انتفاء شيء من هذه القيود لايمكن الشك في الحكم ، ومع انتفاء أحدها ينتفي الحكم العقلي يقيناً. والمفروض أنّ الحكم الشرعي في المقام مستفاد من الحكم العقلي بقاعدة الملازمة ، فبانتفاء الحكم العقلي ينتفي الحكم الشرعي لا محالة ، فلا يبقى لنا شك في بقاء الحكم الشرعي حتى نرجع إلى الاستصحاب ، بل هو مقطوع العدم. نعم ، يحتمل ثبوت الحكم الشرعي للموضوع المذكور بعد انتفاء أحد القيود بجعل جديد من الشارع ، لكنّه شك في حدوث الحكم لا في بقائه ، ومجرى الاستصحاب إنّما هو الشك في البقاء لا الشك في الحدوث ، وجريان الاستصحاب - في الحكم الشرعي الأعم من الحادث والباقي - متوقف على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي الذي لا نقول به. هذا توضيح مرام الشيخ في هذا التفصيل.

فتحصّل : أن إنكاره جريان الاستصحاب في الحكم الثابت بالدليل العقلي مبتنٍ على مقدّمتين : الاولى : أنّ الاهمال في حكم العقل لا يتصور. والثانية : أنّ حكم الشارع تابع له وينتفي بانتفائه. وقد أورد المحقق النائيني (1)قدس‌سره عليه في المقدمة الاولى مرّةً ، وفي المقدمة الثانية اخرى ، واكتفى صاحب


1) أجود التقريرات 4 : 20 و 114 ، فوائد الاصول 4 : 320 و 449.

الكفاية (1)قدس‌سره بالايراد على الثانية.

أمّا إشكاله على المقدمة الاولى : فهو أن حكم العقل على قسمين : الأوّل : أن يحكم على نحو القضية الشرطية ذات المفهوم ، بأن يحكم بثبوت الحكم للموضوع مع وجود القيد ، وبعدمه مع انتفاء القيد. والثاني : أن يحكم بحكم لموضوع من باب القدر المتيقن فليس له مفهوم حينئذ ، فيحكم بثبوت حكم لموضوع مع اجتماع قيوده ، ولا يحكم بعدم الحكم مع انتفاء أحدها ، لاحتمال بقاء الملاك ، فلا إهمال في حكم العقل بحسب مقام الاثبات لادراكه وجود الملاك ، إنّما الاهمال بحسب مقام الثبوت لعدم إحاطته بجميع ما له دخل في الحكم ، فحيث لا يحكم العقل بعدم الحكم مع انتفاء أحد القيود ، يحتمل بقاء الحكم الشرعي ، فيكون مورداً لجريان الاستصحاب. هذا ملخص الاشكال على المقدمة الاولى.

أقول : إن كان مراد الشيخ قدس‌سره من الحكم العقلي المستفاد منه الحكم الشرعي حكم العقل بوجود الملاك ، بأن كان مراده أنّ العقل إذا حكم بوجود الملاك في موضوع - أي المصلحة الملزمة غير المزاحمة بشيء من الموانع ، أو المفسدة كذلك - فلا محالة يترتب عليه الحكم الشرعي على ما هو المشهور من مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ، فبعد إدراك العقل وجود الملاك يترتب الحكم الشرعي ، لكون الصغرى وجدانية والكبرى برهانية ، فيقال هذا الشيء مما له المصلحة الملزمة ، وكلّما كان كذلك فهو واجب.


1) كفاية الاصول : 386.

فما أورده المحقق النائيني قدس‌سره عليه حق لا مجال لانكاره ، لامكان أن يحكم العقل بوجود الملاك من باب القدر المتيقن ، فبعد انتفاء أحد القيود لا يحكم العقل بانتفاء الحكم ، لاحتمال بقاء الملاك ، فيكون مورداً للاستصحاب ، إلاّ أنّ هذا مجرد فرض ، لأنّا لم نجد إلى الآن مورداً حكم فيه العقل بوجود الملاك ، وأنى للعقل هذا الادراك ، وقد ذكرنا في بحث القطع (1)أنّ الأخبار الدالة على أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول وأ نّه ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال ، ناظرة إلى هذا المعنى ، وهو استكشاف الحكم الشرعي من حكم العقل بوجود الملاك ، وإن كان الحكم الشرعي مترتباً لا محالة لو فرض القطع بوجود الملاك بادراك العقل ، لكنّه مجرد فرض كما ذكرنا.

وإن كان مراد الشيخ قدس‌سره من الحكم العقلي المستكشف به الحكم الشرعي حكمه بالحسن أو القبح على ما هو محل الخلاف ، فذهب الأشاعرة إلى أنّ الحسن والقبح بيد الشارع ، فما حسّنه فهو حسن ، وما قبّحه فهو قبيح ، ولا سبيل للعقل إلى إدراك الحسن والقبح أبداً ، وذهب أهل الحق والمعتزلة إلى أنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، فيرى الظلم قبيحاً ولو لم يكن شرع ، والعدل حسناً كذلك حتى بالنسبة إلى أفعال اللّه سبحانه ، فيرى العقل أنّ الظلم قبيح لا يصدر منه تعالى وأنّ العدل حسن لا يتركه ، فكما أنّ العقل يدرك الواقعيات ويسمى عند أهل المعقول بالعقل النظري ، فكذلك يدرك ما يتعلق بالنظام من قبح الظلم وحسن العدل ويسمى بالعقل العملي ، فلا يرد عليه إشكال المحقق النائيني ، لأن حكم العقل بالحسن أو القبح لا يمكن أن يكون مهملاً ، فانّ العقل لا يحكم بحسن شيء إلاّمع تشخيصه بجميع قيوده ، وكذلك القبح. والظاهر أنّ مراد


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 59.

الشيخ قدس‌سره هو الثاني على ما ذكره في تنبيهات الاستصحاب ، فلا يرد عليه ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره.

وأمّا الاشكال على المقدمة الثانية : فبيانه - على ما ذكره صاحب الكفاية والمحقق النائيني - أنّه لو سلّم إدراك العقل ملاك الحكم الشرعي بحيث يكون حكمه بوجود الملاك دائراً مدار جميع القيود وينتفي بانتفاء أحدها ، لا يلزم من انتفاء الحكم العقلي انتفاء الحكم الشرعي ، لامكان بقاء ملاك الحكم الشرعي في الواقع ، فانّ انتفاء ما يراه العقل ملاكاً للحكم الشرعي لا يوجب انتفاء الملاك الواقعي له.

وبعبارة اخرى : الملازمة بين الحكم الشرعي والحكم العقلي إنّما هي بحسب مقام الاثبات دون مقام الثبوت ، لأنّ العقل كاشف عن وجود الملاك للحكم الشرعي ، وبعد انتفاء حكم العقل بانتفاء بعض القيود ترتفع كاشفية العقل ، ويحتمل بقاء الملاك الواقعي للحكم الشرعي ، لأنّ الشرع قد حكم بامور كثيرة لا يدرك العقل ملاكها أصلاً ، كتقبيل الحجر الأسود ، وحرمة الارتماس في شهر رمضان ، وغيرهما من التعبديات. مضافاً إلى ما في الكفاية من أنّه لو سلّمنا انتفاء الملاك الواقعي الذي أدركه العقل ، يحتمل بقاء الحكم الشرعي لاحتمال وجود ملاك آخر لنفس هذا الحكم ، فنجري الاستصحاب في الحكم الشرعي الشخصي لا في الملاك حتى يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي.

وهذا الاشكال لا دافع له. وعليه فالصحيح عدم الفرق في جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي بين كونه مستفاداً من الدليل الشرعي أو الدليل العقلي.

ثمّ إنّه ذكر الشيخ (1)قدس‌سره أنّه إذا اشتبه موضوع حكم العقل وشك


1) فرائد الاصول 2 : 651.

في بقائه كما إذا شك في بقاء الاضرار في السم الذي حكم العقل بقبح شربه ، يجري استصحاب الضرر ، ويحصل منه الظن بالضرر ، فيحكم بالحرمة الشرعية.

وفيه أوّلاً : عدم إفادة الاستصحاب الظن بالضرر لا شخصياً - كما اعترف هو به (1)- ولا نوعياً.

وثانياً : أنّ الحرمة الشرعية ليست منوطة بالظن بالضرر ، بل بخوف الضرر ، وهو ينطبق على مجرد الشك والاحتمال العقلائي ، هذا في الضرر. وأمّا غيره فاذا شك في بقاء موضوع حكم العقل كما إذا حكم العقل بحسن إكرام العالم العادل مثلاً ، وحكم الشرع بوجوب إكرامه بقاعدة الملازمة ، وكان زيد عالماً عادلاً ، ثمّ شككنا في بقاء عدالته ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب والحكم بعدالته بالتعبد الشرعي فيحكم بوجوب إكرامه.

التفصيل الثالث في حجية الاستصحاب : هو التفصيل بين الأحكام الكلية الإلهية وغيرها من الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية ، وهو الذي اختاره الفاضل النراقي في المستند (2)، فيكون الاستصحاب قاعدة فقهية مجعولة في الشبهات الموضوعية ، نظير قاعدتي الفراغ والتجاوز وغيرهما من القواعد الفقهية ، وهذا هو الصحيح. وليس الوجه فيه قصور دلالة الصحيحة وغيرها من الروايات ، لأن عموم التعليل في الصحيحة والاطلاق في غيرها شامل للشبهات الحكمية والموضوعية ، واختصاص المورد بالشبهات الموضوعية لايوجب رفع اليد عن عموم التعليل ، بل الوجه في هذا التفصيل أنّ الاستصحاب في الأحكام الكلية معارض بمثله دائماً ، بيانه :


1) فرائد الاصول 2 : 578.

2) مستند الشيعة 2 : 495 ، ولمزيد الاطلاع راجع مناهج الأحكام : 242.

أنّ الشك في الحكم الشرعي تارةً يكون راجعاً إلى مقام الجعل ولو لم يكن المجعول فعلياً ، لعدم تحقق موضوعه في الخارج ، كما إذا علمنا بجعل الشارع القصاص في الشريعة المقدّسة ولو لم يكن الحكم به فعلياً لعدم تحقق القتل ، ثمّ شككنا في بقاء هذا الجعل ، فيجري استصحاب بقاء الجعل ويُسمّى باستصحاب عدم النسخ. وهذا الاستصحاب خارج عن محل الكلام. وإطلاق قوله عليه‌السلام : «حلال محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» (1)يغنينا عن هذا الاستصحاب. واخرى يكون الشك راجعاً إلى المجعول بعد فعليته بتحقق موضوعه في الخارج ، كالشك في حرمة وطء المرأة بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال.

والشك في المجعول مرجعه إلى أحد أمرين لا ثالث لهما ، لأنّ الشك في بقاء المجعول إمّا أن يكون لأجل الشك في دائرة المجعول سعةً وضيقاً من قبل الشارع ، كما إذا شككنا في أنّ المجعول من قبل الشارع هل هو حرمة وطء الحائض حين وجود الدم فقط ، أو إلى حين الاغتسال ، والشك في سعة المجعول وضيقه يستلزم الشك في الموضوع لا محالة ، فانّا لا ندري أنّ الموضوع للحرمة هل هو وطء واجد الدم أو المحدث بحدث الحيض ، ويعبّر عن هذا الشك بالشبهة الحكمية.

وإمّا أن يكون الشك لأجل الامور الخارجية بعد العلم بحدود المجعول سعةً وضيقاً من قبل الشارع ، فيكون الشك في الانطباق ، كما إذا شككنا في انقطاع الدم بعد العلم بعدم حرمة الوطء بعد الانقطاع ولو قبل الاغتسال ، ويعبّر عن هذا الشك بالشبهة الموضوعية. وجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية مما لا إشكال فيه ولا كلام ، كما هو مورد الصحيحة وغيرها من النصوص.


1) الكافي 1 : 58 / باب البدع والرأي والمقاييس ح 19.

وأمّا الشبهات الحكمية ، فإن كان الزمان مفرّداً للموضوع وكان الحكم انحلالياً كحرمة وطء الحائض مثلاً ، فانّ للوطء أفراداً كثيرة بحسب امتداد الزمان من أوّل الحيض إلى آخره ، وينحل التكليف وهو حرمة وطء الحائض إلى حرمة امور متعددة ، وهي أفراد الوطء الطولية بحسب امتداد الزمان ، فلا يمكن جريان الاستصحاب فيها حتى على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية ، لأنّ هذا الفرد من الوطء وهو الفرد المفروض وقوعه بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أوّل الأمر حتى نستصحب بقاءها. نعم ، الأفراد الاخر كانت متيقنة الحرمة ، وهي الأفراد المفروضة من أوّل الحيض إلى انقطاع الدم ، وهذه الأفراد قد مضى زمانها إمّا مع الامتثال أو مع العصيان ، فعدم جريان الاستصحاب في هذا القسم ظاهر.

وإن لم يكن الزمان مفرّداً ولم يكن الحكم انحلالياً ، كنجاسة الماء القليل المتمم كراً ، فانّ الماء شيء واحد غير متعدد بحسب امتداد الزمان في نظر العرف ، ونجاسته حكم واحد مستمر من أوّل الحدوث إلى آخر الزوال ، ومن هذا القبيل الملكية والزوجية ، فلايجري الاستصحاب في هذا القسم أيضاً ، لابتلائه بالمعارض ، لأ نّه إذا شككنا في بقاء نجاسة الماء المتمم كراً فلنا يقين متعلق بالمجعول ويقين متعلق بالجعل ، فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة ، لكونها متيقنة الحدوث مشكوكة البقاء ، وبالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدم النجاسة ، لكونه أيضاً متيقناً ، وذلك لليقين بعدم جعل النجاسة للماء القليل في صدر الاسلام لا مطلقاً ولا مقيداً بعدم التتميم ، والقدر المتيقن إنّما هو جعلها للقليل غير المتمم ، أمّا جعلها مطلقاً حتى للقليل المتمم فهو مشكوك فيه ، فنستصحب عدمه ، ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فنأخذ بالأقل لكونه متيقناً ، ونجري الأصل في الأكثر لكونه مشكوكاً فيه ، فتقع المعارضة بين

استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل ، وكذا الملكية والزوجية ونحوهما ، فاذا شككنا في بقاء الملكية بعد رجوع أحد المتبائعين في المعاطاة ، فباعتبار المجعول وهي الملكية يجري استصحاب بقاء الملكية ، وباعتبار الجعل يجري استصحاب عدم الملكية ، لتمامية الأركان فيهما على النحو الذي ذكرناه.

وظهر بما ذكرنا من تقريب المعارضة أنّه لا يرد على الفاضل النراقي ما ذكر في الكفاية (1)من أنّه نظر تارةً إلى المسامحة العرفية فأجرى استصحاب الوجود ، واخرى إلى الدقة العقلية فأجرى استصحاب العدم ، لكون الماء غير المتمم غير الماء المتمم بالدقة العقلية ، فاعترض عليه بأنّ المرجع في وحدة الموضوع وتعدده هو العرف ، والعرف يرى الموضوع واحداً ، والكثرة والقلة من الحالات ، فلا مجال لانكار استصحاب النجاسة.

هذا وأنت ترى أنّ المعارضة المذكورة لا تتوقف على لحاظ الموضوع بالنظر الدقي ، بل بعد البناء على المسامحة والقول بوحدة الموضوع يجري استصحاب بقاء النجاسة واستصحاب عدم جعل النجاسة بالنسبة إلى حال الكثرة ، لكون المتيقن هو جعل النجاسة لما لم يتمم ، فتقع المعارضة بين الاستصحابين مع أخذ الموضوع أمراً عرفياً.

وظهر بما ذكرنا أيضاً عدم ورود اعتراض الشيخ قدس‌سره على الفاضل النراقي بما حاصله : أنّ الزمان إن كان مفرّداً فلا يجري استصحاب الوجود لعدم اتحاد الموضوع ويجري استصحاب العدم ، وإن لم يكن الزمان مفرّداً فيجري استصحاب الوجود لاتحاد الموضوع ولا يجري استصحاب العدم ، فلا معارضة


1) كفاية الاصول : 409 و 410.

بين الاستصحابين أصلاً (1)وذلك لما قد أوضحناه من وقوع المعارضة مع عدم كون الزمان مفرّداً ووحدة الموضوع فيقال : إنّ هذا الموضوع الواحد كان حكمه كذا وشك في بقائه فيجري استصحاب بقائه ، ويقال أيضاً : إنّ هذا الموضوع لم يجعل له حكم في الأوّل لا مطلقاً ولا مقيداً بحال ، والمتيقن جعل الحكم له حال كونه مقيداً فيبقى جعل الحكم له بالنسبة إلى غيرها تحت الأصل ، فتقع المعارضة بين الاستصحابين مع حفظ وحدة الموضوع.

وما ذكرناه عين ما ذكره الشيخ (2)قدس‌سره من الوجه لعدم جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية إذا كان الشك من ناحية المفهوم ، كما إذا قال المولى : أكرم العلماء وكان زيد عالماً فزالت عنه ملكة العلم ، وشككنا في وجوب إكرامه من جهة الشك في شمول مفهوم العالم للمنقضي عنه المبدأ واختصاصه بالمتلبس ، فليس في المقام شك في شيء من الامور الخارجية ، بل الشك إنّما هو في جعل الشارع سعةً وضيقاً ، فيجري التعارض بين الاستصحابين على النحو الذي ذكرناه حرفاً بحرف.

فتلخص مما ذكرنا : أنّه لا مجال لجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، بخلاف الشبهات الموضوعية ، لعدم الشك فيها في الجعل ، وإنّما الشك في بقاء الموضوع الخارجي ، فيجري الاستصحاب فيها بلا معارض. مثلاً إذا شككنا في تحقق النوم بعد اليقين بالوضوء ، فلا شك لنا في الجعل ولا في مقدار سعة المجعول ، لأ نّا نعلم أنّ المجعول هو حصول الطهارة بالوضوء إلى زمان طروء الحدث ، وإنّما الشك في حدوث النوم في الخارج ، فيجري استصحاب عدمه بلا معارض.


1) فرائد الاصول 2 : 648 ، في ذيل التنبيه الثاني.

2) لاحظ فرائد الاصول 2 : 692.

بقي الكلام في الاشكالات التي ذكروها في المقام :

الأوّل : ما أورده الفاضل النراقي (1)على نفسه ، وهو أنّه يعتبر في الاستصحاب اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، لقوله عليه‌السلام : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» فانّ الفاء يدل على التعقيب واتصال الشك باليقين ، ولازم ذلك عدم جريان استصحاب عدم الجعل ، لأنّ الشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم متصل باليقين بحرمة الوطء لا باليقين بعدم حرمته ، لأنّ اليقين بعدم الحرمة قد انتقض باليقين بالحرمة ، فلا مجال لجريان استصحاب عدم جعل الحرمة بالنسبة إلى ما بعد الانقطاع.

وأجاب عنه بأنّ اليقين بعدم الحرمة بالنسبة إلى ما بعد الانقطاع لم ينتقض باليقين بالحرمة ، نعم اليقين بعدم الحرمة بالنسبة إلى زمان وجود الدم قد انتقض باليقين بالحرمة ، وأمّا اليقين بعدم الحرمة بالنسبة إلى ما بعد الانقطاع فهو باقٍ بحاله حتى بعد اليقين بالحرمة حال رؤية الدم ، فالشك في الحرمة متصل باليقين بعدم الحرمة ، فلا مانع من جريان استصحاب عدم جعل الحرمة بالنسبة إلى ما بعد الانقطاع.

واعترض عليه المحقق النائيني (2)قدس‌سره بأ نّه لا يعتبر اتصال زمان الشك باليقين وإنّما المعتبر اتصال زمان المشكوك فيه بالمتيقن ، وفي استصحاب عدم الجعل ليس المشكوك فيه متصلاً بالمتيقن ، لفصل المتيقن الآخر بينهما ، فانّ المتيقن الأوّل هو عدم الحرمة ، والمتيقن الثاني هو الحرمة ، والمشكوك فيه متصل


1) مناهج الأحكام : 242.

2) أجود التقريرات 4 : 111.

بالمتيقن الثاني دون الأوّل ، فيجري الاستصحاب في الحرمة دون عدمها ، نظير ما إذا علمنا بعدم نجاسة شيء ثمّ علمنا بنجاسته ثمّ شككنا في نجاسته ، فلا مجال لجريان استصحاب عدم النجاسة ، لانفصال زمان المشكوك فيه عن المتيقن ويجري استصحاب النجاسة بلا معارض.

أقول : أمّا ما ذكره من جهة الكبرى وهو عدم اعتبار اتصال زمان نفس الشك بزمان اليقين نفسه ، فهو حق كما ذكره ، فانّا لو علمنا بعدالة زيد مثلاً ثمّ غفلنا عنها يوماً أو أزيد ، ثمّ شككنا في بقائها ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب مع عدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، بل يمكن جريان الاستصحاب مع وحدة زمان الشك واليقين على ما ذكرنا سابقاً (1)في بيان الفرق بين موارد الاستصحاب وقاعدة اليقين ، فالمعتبر هو اتصال زمان المشكوك فيه بالمتيقن لا اتصال زمان الشك باليقين.

وأمّا ما ذكره من حيث الصغرى فيرد عليه : أنّ زمان المشكوك فيه متصل بزمان المتيقن في المقام ، لأنّ لنا شكاً ويقينين ، والمشكوك فيه متصل بكلا المتيقنين لا بأحدهما فقط ، لأنّ اليقين بعدم جعل الحرمة واليقين بالحرمة مجتمعان معاً في زمان واحد ، فلنا يقين بعدم جعل الحرمة لما بعد الانقطاع في زمان ، ويقين بالحرمة حال رؤية الدم ، وشك في الحرمة بعد الانقطاع ، ومن المعلوم أنّ اليقين بالحرمة حال رؤية الدم لا يوجب نقض اليقين بعدم جعل الحرمة لما بعد الانقطاع ، وهذا هو مراد الفاضل النراقي بقوله : إنّ اليقين بعدم الحرمة لم ينتقض باليقين بالحرمة.

الثاني : أنّ استصحاب عدم الجعل معارض بمثله في رتبته ، فان استصحاب


1) في ص 8 - 9.

عدم جعل الحرمة في المثال المتقدم معارض باستصحاب عدم جعل الحلية ، لوجود العلم الاجمالي بجعل أحدهما في الشريعة المقدسة فيبقى استصحاب بقاء المجعول وهي الحرمة بلا معارض.

ويمكن الجواب عنه بوجوه :

الوجه الأوّل : أنّه لا مجال لاستصحاب عدم جعل الحلية ، لأنّ الحلية والرخصة كانت متيقنة متحققة في صدر الاسلام ، والأحكام الالزامية قد شرّعت على التدريج ، فجميع الأشياء كان على الاباحة بمعنى الترخيص والامضاء كما يدل عليه قوله عليه‌السلام : «اسكتوا عما سكت اللّه» (1)وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (2)نعم ، بعض الأحكام الذي شرّع لحفظ النظام كحرمة قتل النفس ، وحرمة أكل أموال الناس ، وحرمة الزنا ، وغيرها من الأحكام النظامية غير مختص بشريعة دون شريعة ، وقد ورد في بعض النصوص (3)أنّ الخمر ممّا حرّمت في جميع الشرائع. والحاصل أنّ وطء الحائض مثلاً كان قبل نزول الآية الشريفة «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» (4)مرخّصاً فيه ، فلا مجال لاستصحاب عدم جعل الحلية.

الوجه الثاني : أنّه لا معارضة بين استصحاب عدم جعل الحلية واستصحاب عدم جعل الحرمة ، لامكان التعبد بكليهما بالتزام عدم الجعل أصلاً لا جعل


1) بحار الأنوار 2 : 260 / كتاب العلم ب 31 ح 14 (باختلاف يسير).

2) الوسائل 27 : 163 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 33.

3) الوسائل 25 : 296 / أبواب الأشربة المحرمة ب 9 ح 1.

4) البقرة 2 : 222.

الحرمة ولا جعل الحلية ، وذلك لما مرّ غير مرّة ويأتي في أواخر الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى من أنّ قوام التعارض بين الأصلين بأحد أمرين على سبيل منع الخلو ، وربّما يجتمعان :

أحدهما : أن يكون التنافي بين مفاد الأصلين في نفسه مع قطع النظر عن لزوم المخالفة القطعية العملية ، كما إذا كان مدلول أحد الأصلين الاباحة ومدلول الآخر الحرمة ، أو كان مدلول أحدهما الاباحة ومدلول الآخر عدمها ، فلا يصح التعبد بالمتنافيين فيقع التعارض بينهما ويتساقطان ، لعدم إمكان شمول دليل الحجية لكليهما ، وشموله لأحدهما ترجيح بلا مرجح.

وثانيهما : أن تلزم من العمل بهما المخالفة العملية القطعية ولو لم يكن التنافي بين المدلولين ، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين ، فجريان أصالة الطهارة في كل واحد منهما وإن لم يكن بنفسه منافياً لجريانها في الآخر ، إلاّأ نّه تلزم من جريانه في كليهما المخالفة العملية القطعية ، وكذا في سائر مقامات العلم الاجمالي بالتكليف الالزامي.

وكلا الأمرين مفقود في المقام ، لعدم المنافاة بين أصالة عدم جعل الحلية وأصالة عدم جعل الحرمة ، لأنّ الحلية والحرمة متضادان ، فلا يلزم من التعبد بكلا الأصلين إلاّارتفاع الضدّين ، ولا محذور فيه. فنتعبد بكليهما ونلتزم بعدم الجعل أصلاً ، ولا تلزم مخالفة عملية قطعية أيضاً ، غاية الأمر لزوم المخالفة الالتزامية للعلم الاجمالي بجعل أحد الحكمين في الشريعة المقدّسة ، ولا محذور فيه ، فنلتزم بعدم الجعل في مقام العمل ، وفي مقام الافتاء نرجع إلى غيرهما


1) لاحظ ص 305 ، والجزء الثاني من هذا الكتاب ص 404 وما بعدها.

من الاصول كأصالة البراءة مثلاً في المقام ، فنفتي بعدم حرمة الوطء لأصالة البراءة.

ونظير ذلك ما تقدّم (1)في دوران الأمر بين المحذورين ، فان في الحكم بالتخيير هناك مخالفة التزامية لما هو معلوم بالوجدان من الحرمة أو الوجوب ، ولا محذور فيه بعد كون الحكم بالتخيير بالتعبد الشرعي ، ولا تلزم المخالفة العملية القطعية ، لأ نّه لا يخلو إمّا من الفعل المطابق لاحتمال الوجوب أو الترك المطابق لاحتمال الحرمة ، ولولا ذلك لما جاز الافتاء من المجتهد بما في رسالته العملية المشتملة على المسائل الكثيرة ، للعلم الاجمالي بمخالفة بعض ما في الرسالة للحكم الواقعي ، فلا بدّ له من التوقف عن الافتاء. نعم ، من ليس له هذا العلم الاجمالي - ويحتمل مطابقة الواقع لجميع ما في رسالته على كثرة ما فيها من المسائل - جاز له الافتاء ، ولكنّه مجرد فرض ، ولعلّه لم يوجد مجتهد كان شأنه ذلك.

فالسر في جواز الافتاء هو ما ذكرنا من أنّه لا مانع من الافتاء بعد كونه على الموازين الشرعية وبرخصة من الشارع ، ولا محذور في المخالفة الالتزامية ، والمخالفة العملية القطعية غير ثابتة ، لاحتمال كون ما صدر منه مخالفاً للواقع هو الافتاء بحرمة المباح الواقعي ، ولا تلزم منه مخالفة عملية ، فانّ المخالفة العملية إنّما تتحقق فيما علم الافتاء باباحة الحرام الواقعي ، وليس له هذا العلم ، غاية ما في الباب علمه بكون بعض ما في الرسالة مخالفاً للواقع إمّا الافتاء بحرمة المباح الواقعي أو باباحة الحرام الواقعي.

الوجه الثالث : أنّه لو تنزلنا عن جميع ذلك فنقول : إنّه يقع التعارض بين


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 385.

هذه الاستصحابات الثلاثة في مرتبة واحدة ، لا أنّه يقع التعارض بين استصحاب عدم جعل الحرمة واستصحاب عدم جعل الحلية في مرتبة متقدمة على استصحاب بقاء المجعول ، وبعد تساقط الاستصحابين في مقام الجعل تصل النوبة إلى استصحاب بقاء المجعول ويتم المطلوب ، وذلك لأنّ جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية لايكون متوقفاً على تحقق الموضوع في الخارج ، بحيث يكون استصحاب بقاء الحرمة متوقفاً على وجود زوجة انقطع دمها ولم تغتسل ، بل يجري الاستصحاب على فرض وجود الموضوع ، فانّ جميع فتاوى المجتهد مبنية على فرض وجود الموضوع ، فلا يتوقف الاستصحاب المذكور إلاّعلى فعلية اليقين والشك على فرض وجود الموضوع ، وكل مجتهد التفت إلى الحكم المذكور - أي حرمة وطء الحائض بعد انقطاع دمها - يحصل له اليقين بحرمة الوطء حين رؤية الدم ، واليقين بعدم جعل الحرمة قبل نزول الآية الشريفة «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ» (1)واليقين بعدم جعل الاباحة في الصدر الأوّل من الاسلام ، ويحصل له الشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال ، وكل واحد من هذه الامور فعليٌ عند الافتاء على فرض وجود الموضوع ، فيقع التعارض بين الاستصحابات الثلاثة في مرتبة واحدة وتسقط جميعها.

وربّما يقال في المقام : إنّ أصالة عدم جعل الحرمة حاكمة على استصحاب بقاء المجعول ، لكون الأوّل أصلاً سببياً بالنسبة إلى الثاني ، فانّ الشك في بقاء الحرمة مسبب عن الشك في سعة جعل الحرمة وضيقها ، فأصالة عدم جعل الحرمة موجبة لرفع الشك في بقاء المجعول ، فلايبقى للاستصحاب الثاني موضوع.

وهذا الكلام وإن كان موافقاً للمختار في النتيجة ، إلاّأ نّه غير صحيح في


1) البقرة 2 : 222.

نفسه ، لما مرّ غير مرّة ويأتي (1)إن شاء اللّه تعالى من أنّ الملاك في الحكومة ليس مجرد كون أحد الأصلين سببياً والآخر مسببياً ، بل الملاك كون المشكوك فيه في أحد الأصلين أثراً مجعولاً شرعياً للأصل الآخر ، كما في المثال المعروف وهو ما إذا غُسل ثوب نجس بماء مشكوك النجاسة ، فالشك في نجاسة الثوب مسبب عن الشك في طهارة الماء ، وجريان أصالة الطهارة في الماء موجب لرفع الشك في طهارة الثوب ، لأن من الآثار المجعولة لطهارة الماء هو طهارة الثوب المغسول به ، فاصالة الطهارة في الماء تكون حاكمة على استصحاب النجاسة في الثوب ، بخلاف المقام ، فانّه ليس عدم حرمة الوطء من الآثار الشرعية لأصالة عدم جعل الحرمة ، بل من الآثار التكوينية له ، لأن عدم الحرمة خارجاً ملازم تكويناً مع عدم جعل الحرمة ، بل هو عينه حقيقة ، ولا مغايرة بينهما إلاّنظير المغايرة بين الماهية والوجود ، فلا معنى لحكومة أصالة عدم جعل الحرمة على استصحاب بقاء المجعول.

الثالث : ما ذكره المحقق النائيني (2)قدس‌سره : وهو أنّ استصحاب عدم الجعل غير جارٍ في نفسه ، لعدم ترتب الأثر العملي عليه ، لأنّ الجعل عبارة عن إنشاء الحكم في مقام التشريع ، والأحكام الانشائية لا تترتب عليها الآثار الشرعية ، بل ولا الآثار العقلية من وجوب الاطاعة وحرمة المعصية مع العلم بها فضلاً عن التعبد بها بالاستصحاب ، فانّه إذا علمنا بأنّ الشارع جعل وجوب الزكاة على مالك النصاب ، لا يترتب على هذا الجعل أثر ما لم تتحقق ملكية في الخارج. وعليه فلا يترتب الأثر العملي على استصحاب عدم الجعل ،


1) يأتي في ص 129 ، 169 ، 303.

2) أجود التقريرات 4 : 113 ، فوائد الاصول 4 : 447.

فلا مجال لجريانه.

والجواب عنه : يظهر بما ذكرناه في الواجب المشروط (1)والتزم هو (2)قدس‌سره به أيضاً من أنّ الأحكام الشرعية اعتبارية لا وجود لها إلاّفي عالم الاعتبار القائم بالمعتبر وهو المولى ، وليست من سنخ الجواهر والأعراض الخارجية ، بل وجودها بعين اعتبارها من المعتبر ، والاعتبار إنّما هو بمنزلة التصور ، فكما أنّ التصور تارةً يتعلق بمتصور حالي واخرى بمتصور استقبالي ، فكذا الاعتبار تارةً يتعلق بأمر حالي واخرى يتعلق بأمر استقبالي بحيث يكون الاعتبار والابراز في الحال والمعتبر في الاستقبال كالواجبات المشروطة قبل تحقق الشرط ، فانّ الاعتبار فيها حالي والمعتبر وهو الوجوب استقبالي ، لعدم تحققه إلاّبعد تحقق الشرط ، ونظيره في الوضع الوصية فان اعتبار الملكية في موردها حالي ، إلاّأنّ المعتبر أمر استقبالي وهي الملكية بعد الوفاة.

فتحصّل مما ذكرنا : أنّ الواجب المشروط ما لا يكون فيه قبل تحقق الشرط إلاّ مجرد الاعتبار ، وجميع الأحكام الشرعية بالنسبة إلى موضوعاتها من قبيل الواجب المشروط ، فقبل تحققها لا يكون بعث ولا زجر ولا طاعة ولا معصية ، فتحقق الأحكام الشرعية الذي نعبّر عنه بالفعلية يتوقف على أمرين : الجعل وتحقق الموضوع ، فاذا انتفى أحدهما انتفى الحكم ، مثلاً وجوب الصلوة بعد زوال الشمس يتوقف على جعل الوجوب من المولى وتحقق الزوال في الخارج ، فاذا زالت الشمس ولم يحكم المولى بشيء يكون الحكم منتفياً بانتفاء الجعل ، فما لم يتحقق الموضوع وإن كان لا يترتب أثر على استصحاب عدم الجعل إلاّأ نّه


1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 146.

2) أجود التقريرات 1 : 210.

إذا تحقق الزوال يترتب الأثر على استصحاب عدمه لا محالة. وعليه فاذا وجد الموضوع في الخارج وشككنا في بقاء حكمه من جهة الشك في سعة المجعول وضيقه ، أمكن جريان استصحاب عدم الجعل في غير المقدار المتيقن لولا معارضته باستصحاب بقاء المجعول. وإن شئت قلت : كما أنّ استصحاب بقاء الجعل يجري لاثبات فعلية التكليف عند وجود موضوعه ، كذلك استصحاب عدم الجعل يكفي في إثبات عدم فعليته. هذا تمام الكلام في دفع الاشكالات الواردة في المقام.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ما ذكرناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية مختص بالأحكام الالزامية من الوجوب والحرمة ، وأمّا غير الالزامي فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه ، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الإباحة ، لما ذكرنا سابقاً (1)من أنّ الإباحة لا تحتاج إلى الجعل ، فانّ الأشياء كلّها على الاباحة ما لم يجعل الوجوب والحرمة ، لقوله عليه‌السلام : «اسْكُتُوا عَمّا سَكَتَ اللّهُ عَنْهُ» (2)وقوله عليه‌السلام : «كلّ ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (3)وقوله عليه‌السلام : «إنّما هلك الناس لكثرة سؤالهم» (4)فالمستفاد من هذه الروايات أنّ الأشياء على الاباحة ما لم يرد أمر أو نهي من قبل الشارع ، فانّ الشريعة شرعت للبعث إلى شيء والنهي عن الآخر لا لبيان المباحات ، فلا مجال لاستصحاب عدم جعل الاباحة ، لكون الاباحة متيقنة فالشك في بقائها ، فيجري استصحاب بقاء الاباحة بلا معارض ، بل يكون


1) في ص 49.

2) ذكرنا مصدر الروايتين في ص 49.

3) ذكرنا مصدر الروايتين في ص 49.

4) بحار الأنوار 22 : 31.

استصحاب عدم جعل الحرمة موافقاً له.

وظهر بما ذكرنا أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث ، كما إذا شككنا في انفعال الماء العالي بملاقاة النجاسة السافلة ، فنجري استصحاب الطهارة ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة ، لأنّ الطهارة نظير الاباحة لا تحتاج إلى الجعل ، بل الأشياء كلّها على الطهارة ما لم تعتبر النجاسة فيها من قبل الشارع ، بل الطهارة بحقيقتها العرفية كون الشيء باقياً بطبيعته الأوّلية ، والنجاسة والقذارة شيء زائد ، بل استصحاب عدم جعل النجاسة معاضد لاستصحاب بقاء الطهارة. وكذا لا مانع من جريان استصحاب الطهارة من الحدث ، كما إذا شككنا في بقائها بعد خروج المذي ، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة ، لأنّ النقض هو المحتاج إلى الجعل. وأمّا الطهارة المجعولة فهي الوضوء - أي الغسلتان والمسحتان - وقد أتينا بها ، فهي باقية بحالها ما لم يصدر منّا ما جعله الشارع ناقضاً لها ، بل استصحاب عدم جعل المذي ناقضاً موافق لاستصحاب بقاء الطهارة.

وبعبارة اخرى : إنّما الشك في أنّ الصلاة مشروطة بخصوص الطهارة الثانية - أي الحاصلة بعد خروج المذي - أو مشروطة بالأعم منها ومن الطهارة الاولى - أي الحاصلة قبل خروج المذي - والأصل عدم اشتراطها بخصوص الطهارة الثانية. نعم ، إذا شككنا في بقاء النجاسة المتيقنة كمسألة تتميم الماء القليل النجس كراً ، لا مجال لجريان استصحاب بقاء النجاسة للمعارضة باستصحاب عدم جعل النجاسة بعد التتميم.

فتحصّل : أنّ المختار في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية هو التفصيل على ما ذكرنا ، لا الانكار المطلق كما عليه الأخباريون والفاضل النراقي ، ولا الاثبات المطلق كما عليه جماعة من العلماء.

ثمّ إنّه بقي هنا شيء طفيف نتعرض له تبعاً للمحقق النائيني (1)وهو أنّه ذكر بعضهم إشكالاً على الاستدلال بالصحيحة المذكورة وغيرها من الصحاح ، وهو أنّ المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» هو الجنس المراد منه العموم ، وبعد دخول «لا» عليه يكون المراد سلب العموم لا عموم السلب ، فيكون المعنى لا تنقض جميع أفراد اليقين بالشك ، فتكون دالّة على حجية الاستصحاب على نحو الايجاب الجزئي لا مطلقاً.

وهذا الاشكال بمكان من السقوط ، فانّه يرد عليه أوّلاً : أنّ ما ذكر إنّما يصح فيما إذا كان المدخول بنفسه مفيداً للعموم ، فبعد دخول النفي عليه يكون سلباً للعموم ، بخلاف المقام ، فانّ اليقين بنفسه لا يدل على العموم ، لأنّ المراد منه الجنس ، والعموم يستفاد من النفي ، فيكون بمنزلة قولنا : لا رجل في الدار في إفادته عموم السلب لا سلب العموم.

وثانياً : أنّه لا نسلّم سلب العموم حتى فيما إذا كان المدخول بنفسه مفيداً للعموم ، لما ذكرنا في بحث العام والخاص (2)من أنّ الظاهر من العمومات هو العموم الاستغراقي لا المجموعي ، إلاّإذا قامت قرينة على إرادته ، فمثل قولنا : لا تهن العلماء ظاهر في عموم السلب لا سلب العموم وإن كان المدخول بنفسه مفيداً للعموم.

وثالثاً : أنّا لو سلّمنا ظهوره في سلب العموم فانّما هو فيما لم تكن قرينة على الخلاف ، والقرينة في المقام موجودة ، وهي أنّ الإمام عليه‌السلام بعد ما حكم بعدم وجوب الوضوء على من شك في النوم ، علله بقوله عليه‌السلام : «فانّه


1) أجود التقريرات 4 : 35 ، فوائد الاصول 4 : 338.

2) الهداية في الاصول 2 : 300 ، لكن ذُكر ما ينافيه في الدراسات 2 : 234 و 235.

على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك أبداً» فلو كان المراد سلب العموم لم ينطبق على المورد وكان لزرارة أن يقول إنّه لا ينقض جميع أفراد يقينه بالشك بل بعضها ، وليكن هذا اليقين من هذا البعض.

ومن جملة ما استدلّ به للاستصحاب صحيحة ثانية لزرارة «قال قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني ، فعلّمت أثره إلى أن اصيب له الماء ، فحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصليت ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال عليه‌السلام : تعيد الصلاة وتغسله ، قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته؟ قال عليه‌السلام : تغسله وتعيد ، قلت : فان ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً فصلّيت فرأيت فيه؟ قال عليه‌السلام : تغسله ولا تعيد الصلاة ، قلت : لِمَ ذلك؟ قال عليه‌السلام : لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً ، قلت : فانّي قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدرِ أين هو فأغسله؟ قال عليه‌السلام : تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ، قلت : فهل عليَّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال عليه‌السلام : لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك ، قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال عليه‌السلام : تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته ، وإن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة ، لأ نّك لا تدري لعلّه شيء اوقع عليك ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» (1).


1) التهذيب 1 : 421 / ح 1335 ، الوسائل 3 : 466 و 477 و 482 / أبواب النجاسات ب 37 و 41 و 44 ح 1.

ويقع الكلام أوّلاً في فقه الحديث ثمّ في وجه الاستدلال به للاستصحاب فنقول : أمّا فقه الحديث ، فهو أنّ زرارة سأل الإمام عليه‌السلام أسئلة عديدة عن أحكام متعددة.

السؤال الأوّل : عن حكم الاتيان بالصلاة مع النجاسة نسياناً مع العلم بالنجاسة أوّلاً ، فأجاب عليه‌السلام بوجوب إعادة الصلاة ووجوب الغسل. وهذا الحكم قد ورد في روايات اخر (1)أيضاً ، وعلل في بعضها بأنّ الناسي تهاون في التطهير دون الجاهل. وكيف كان لا إشكال في الحكم المذكور.

السؤال الثاني : عن العلم الاجمالي بنجاسة الثوب والصلاة معها ، فأجاب عليه‌السلام بوجوب الاعادة وعدم الفرق بين العلم الاجمالي بالنجاسة والعلم التفصيلي بها.

السؤال الثالث : عن الظن بالنجاسة والصلاة معها ، فأجاب عليه‌السلام بوجوب الغسل وعدم وجوب الاعادة ، لكونه على يقين من الطهارة فشك وليس ينبغي نقض اليقين بالشك ، وهذا مبني على أن يكون المراد من الشك عدم اليقين الشامل للظن المفروض في السؤال ، كما سنذكره في أواخر الاستصحاب (2)إن شاء اللّه تعالى ، وإلاّ لم ينطبق على المورد.

السؤال الرابع : عن كيفية التطهير مع العلم الاجمالي بالنجاسة ، فأجاب عليه‌السلام بوجوب تطهير الناحية التي علم إجمالاً بنجاستها حتى يحصل له اليقين بالطهارة.

السؤال الخامس : عن وجوب الفحص وعدمه مع الشك في الاصابة ،


1) كما في الوسائل 3 : 480 / أبواب النجاسات ب 42 ح 5.

2) في التنبيه الرابع عشر ، ص 268.

فأجاب عليه‌السلام بعدم وجوبه بل بعدم وجوب النظر كما هو المذكور في السؤال فضلاً عن الفحص ، فانّه يحتاج إلى مؤونة زائدة عن مجرد النظر ، وملخّص الجواب أنّه ليس عليك تكليف بالفحص والنظر إلاّأن تريد إذهاب الشك ولو من جهة عدم الوقوع في الحرج والمشقة إذا ظهر كونه نجساً وملاقاته أشياء اخر ، فلك النظر ولكنّه لا يجب عليك.

السؤال السادس : عن رؤية النجاسة وهو في الصلاة ، فأجاب عليه‌السلام بأنّ هذه الرؤية إن كانت بعد العلم الاجمالي بالنجاسة والشك في موضعها قبل الصلاة ، وجبت الاعادة ، وإن كانت الرؤية غير مسبوقة بالعلم فرأى النجاسة وهو في الصلاة ولم يدرِ أكانت النجاسة قبل الصلاة أم حدثت في الأثناء ، فلا تجب عليه الاعادة ، بل يغسلها ويبني على الصلاة إذالم يلزم ما يوجب البطلان ، كالاستدبار مثلاً. وعلل الحكم بعدم وجوب الاعادة باحتمال حدوث النجاسة في الأثناء ، فلا ينبغي نقض اليقين بالشك ، وهذا الحكم - أي حكم رؤية النجاسة في أثناء الصلاة - له صورتان :

الصورة الاولى : رؤية النجاسة في الأثناء مع العلم بكونها قبل الصلاة.

والصورة الثانية : هي الصورة الاولى مع الشك في كونها قبل الصلاة واحتمال عروضها في الأثناء.

أمّا الصورة الثانية فهي التي ذكرت في الرواية وحكم الإمام عليه‌السلام بعدم وجوب الاعادة فيها.

وأمّا الصورة الاولى ، فهي غير مذكورة في صريح الرواية ، لأنّ المذكور فيها حكم العلم بالنجاسة قبل الصلاة مع الشك في موضعها ، وحكم رؤية النجاسة في الأثناء مع الشك في كونها قبل الصلاة. وأمّا رؤية النجاسة في الأثناء مع العلم بكونها قبل الصلاة ، فغير مذكورة فيها من حيث المنطوق ، ولذا اختلفت

كلماتهم في حكمها ، وذكر الشيخ (1)قدس‌سره أنّ الحكم بعدم وجوب الاعادة - فيما لو علم بالنجاسة بعد إتمام الصلاة - يدل على عدم وجوب الاعادة فيما لو رآها في الأثناء بطريق أولى ، لأنّه لو لم تجب الاعادة مع وقوع جميع أجزاء الصلاة مع النجاسة ، فعدم وجوب الاعادة مع وقوع بعضها مع النجاسة أولى.

والتحقيق عدم صحة الاعتماد على الأولوية المذكورة ، لأنّ وجوب الاعادة حكم تعبدي لا يعلم ملاكه حتى يتمسك بالأولوية ، فلعلّه كانت خصوصية تقتضي عدم وجوب الاعادة فيما لو وقع جميع أجزاء الصلاة مع النجاسة وعلم بها بعد الصلاة ، وكانت تلك الخصوصية مفقودة فيما لو رآها في الأثناء ، بل التحقيق أنّ الصورة المذكورة وإن كانت غير مذكورة في صريح الرواية ، إلاّأ نّها تدل على حكمها وهو وجوب الاعادة دلالةً قويّةً ، لأنّ الإمام عليه‌السلام علل عدم وجوب الاعادة في الصورة الثانية وهي صورة رؤية النجاسة في الأثناء مع الشك في كونها قبل الصلاة ، باحتمال عروض النجاسة في الأثناء ، وقال عليه‌السلام : «لعلّه شيء اوقع عليك» فيدل على وجوب الاعادة مع العلم بكونها قبل الصلاة ، وكذا قوله عليه‌السلام بعد التعليل المذكور : «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» فانّ ظاهره أنّ عدم وجوب الاعادة إنّما هو للشك في كونها قبل الصلاة ، فيدل على وجوب الاعادة مع العلم بكونها قبل الصلاة.

أمّا وجه الاستدلال ، فهو أنّ قوله عليه‌السلام : «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» يدل على حجية الاستصحاب ، بل أوضح دلالةً من


1) لاحظ فرائد الاصول 2 : 566.

الصحيحة الاولى لاشتماله على كلمة لا ينبغي ، والتصريح بالتعليل في قوله عليه‌السلام : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك» وهو صريح فيما ذكرناه (1)من أنّ التعليل بأمر إرتكازي ، وهذا بخلاف الصحيحة الاولى ، فانّه لم يصرح فيها بالتعليل ، غايته أنّ التعليل كان أظهر المحتملات.

ثمّ إنّ قوله عليه‌السلام : «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» مذكور في موردين من الصحيحة : الأوّل بعد الجواب عن السؤال الثالث ، والثاني بعد الجواب عن السؤال الأخير.

أمّا المورد الثاني فلا إشكال في دلالته على حجية الاستصحاب.

وأمّا المورد الأوّل فقد استشكل في دلالته على حجية الاستصحاب بأنّ الإمام عليه‌السلام علل عدم وجوب الاعادة بعدم نقض اليقين بالشك ، مع أنّ الاعادة لو كانت واجبة لما كانت نقضاً لليقين بالشك بل نقضاً لليقين باليقين ، للعلم بوقوع الصلاة مع النجاسة ، فهذا التعليل لا ينطبق على المورد ، ولذا حمل الرواية بعضهم على قاعدة اليقين ، وذكر أنّ التمسك بها للاستصحاب غير ظاهر كما في الكفاية (2).

وهذا الكلام بمكان من العجب من قائله ، لأنّ قاعدة اليقين قوامها بأمرين : الأوّل اليقين السابق والثاني الشك الساري بمعنى سريان الشك إلى ظرف المتيقن ، كما إذا علمنا يوم الجمعة بعدالة زيد يوم الخميس ، ثمّ شككنا في عدالته يوم الخميس لاحتمال كون علمنا السابق جهلاً مركباً ، وكلا الأمرين مفقود في المقام.


1) في ص 21.

2) كفاية الاصول : 393.

أمّا الشك ففقدانه واضح ، لأنّ المفروض هو العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة ، فليس هنا شك.

وأمّا اليقين فإن كان المراد منه اليقين بطهارة الثوب قبل عروض الظن بالنجاسة ، فهو باقٍ بحاله ولم يتبدل بالشك ، فانّ المكلف في فرض السؤال يعلم بطهارة ثوبه قبل عروض هذا الظن. وإن كان المراد هو اليقين بعد الظن المذكور ، بأن كان قد ظنّ بالنجاسة فنظر ولم يجدها فتيقن بالطهارة ، فهذا اليقين غير مذكور في الحديث الشريف ، ومجرد النظر وعدم الوجدان لا يدل على أنّه تيقن بالطهارة ، فالصحيحة أجنبية عن قاعدة اليقين وظاهرة في الاستصحاب ، غاية الأمر أنّه إن أمكننا التطبيق على المورد فهو ، وإلاّ فلا نفهم كيفية التطبيق على المورد ، وهو غير قادح في الاستدلال بها.

وقيل في وجه التطبيق كما في الكفاية : أنّ شرط الصلاة هو إحراز الطهارة لا الطهارة الواقعية ، ومقتضى إحراز الطهارة بالاستصحاب عدم وجوب الاعادة ولو انكشف بعد الصلاة وقوعها مع النجاسة (1).

وتحقيق المقام يقتضي التكلم في ترتب الثمرة على النزاع المعروف بينهم من أنّ الطهارة شرط في الصلاة ، أو أنّ النجاسة مانعة عنها ، فقال بعضهم بالأوّل وبعضهم بالثاني ، وبعضهم جمع بينهما فقال بشرطية الطهارة ومانعية النجاسة. أمّا القول الأخير فلا يمكن الالتزام به ، لما تقدّم في بحث اجتماع الأمر والنهي (2)من أنّه يستحيل جعل الشيء شرطاً وضدّه مانعاً ولا سيما في ضدّين لا ثالث لهما ، فلا يمكن جعل الطمأنينة شرطاً والحركة مانعاً ، والقيام شرطاً والقعود


1) كفاية الاصول : 393 و 394.

2) محاضرات في اصول الفقه 4 : 9 - 13.

مانعاً وهكذا ، فيدور الأمر بين القولين الآخرين.

فنقول : لا إشكال في أنّ الغافل خارج عن محل الكلام على كلا التقديرين ، لعدم الاشكال في صحة صلاة الغافل عن نجاسة الثوب مثلاً على كلا القولين ، ولم نجد من استشكل في صحة صلاة الغافل من القائلين بشرطية الطهارة ، ولا من القائلين بمانعية النجاسة. ولا إشكال أيضاً في أنّ النجاسة الواقعية مع عدم إحرازها ليست مانعة عن الصلاة ، فمن صلّى مع القطع الوجداني بطهارة ثوبه أو مع الطهارة الظاهرية لأجل التعبد الشرعي بالأمارة كاخبار ذي اليد والبينة أو الاصول العملية كأصالة الطهارة والاستصحاب فانكشف بعد الصلاة وقوعها مع النجاسة ، لا إشكال في عدم وجوب الاعادة ، للنصوص الواردة في المقام ، ومن جملتها هذه الصحيحة ، ولم أجد من التزم بالاعادة في هذه الصور لا من القائلين بالشرطية ولا من القائلين بالمانعية.

فتلخص مما ذكرنا : أنّ المانع على القول بالمانعية هو النجاسة المحرزة لا النجاسة الواقعية ، وإلاّ تلزم الاعادة في الصور المذكورة ، ولم يلتزم بها القائلون بالمانعية. وعلى القول بالشرطية ليس الشرط هي الطهارة الواقعية - وإلاّ تلزم الاعادة في الصور المذكورة - ولا إحراز الطهارة ، فانّه من تيقن بنجاسة ثوبه وصلّى معه للاضطرار لبرد ونحوه ثمّ انكشفت بعد الصلاة طهارة ثوبه فلا إشكال في عدم وجوب الاعادة عليه ولو انكشف عدم تضرره بالبرد لو لم يلبس الثوب المذكور ، مع أنّه لم يحرز الطهارة حين الاتيان بالصلاة ، وكذالو لم يكن عنده إلاّثوب واحد متنجس فانّه محل الخلاف بينهم ، فالمشهور أنّه يجب عليه الاتيان بالصلاة عرياناً. وقالت جماعة منهم صاحب العروة (1)بوجوب


1) العروة الوثقى 1 : 81 / فصل في الصلاة في النجس ، المسألة 4 [280].

الصلاة مع الثوب المتنجس ، فعلى قول الجماعة لو صلّى مع الثوب ثمّ انكشفت طهارته ، لا إشكال في صحة صلاته حتى مع انكشاف عدم انحصار الثوب فيه ، مع أنّه لم يحرز الطهارة حين الاتيان بالصلاة ، بل الشرط هو الجامع الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية المحرزة بالقطع الوجداني أو بالأمارات والاصول ، فعلى القول بالشرطية الشرط هي الطهارة بالمعنى الأعم ، لا خصوص الطهارة الواقعية ولا خصوص الطهارة المحرزة على ما ذكره صاحب الكفاية وأطال الكلام في الاستشكال عليه والجواب عنه ، وعلى القول بالمانعية المانع هو خصوص النجاسة المحرزة ، فاذن لا ثمرة بين القولين ، لأنّ الغافل تصح صلاته مع النجاسة على القولين ، والملتفت إذا أحرز الطهارة بأحد الوجوه المتقدمة ثمّ انكشف وقوع الصلاة مع النجاسة ، تصح صلاته أيضاً على القولين ، والملتفت غير المحرز للطهارة ولو بالأصل تبطل صلاته مع انكشاف وقوعها مع النجاسة على القولين.

وربّما يتخيل ظهور الثمرة فيما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين فصلّى صلاتين في كل من الثوبين ثمّ انكشفت نجاسة كلا الثوبين ، فانّه على القول بشرطية الطهارة يلزم بطلان كلتا الصلاتين ، لوقوعهما مع النجاسة الواقعية مع عدم إحراز الطهارة ولو بالأصل ، لتساقط الأصل في الطرفين للمعارضة ، للعلم الاجمالي بنجاسة أحدهما. وكذا على القول بأنّ المانع هو النجاسة الواقعية. وأمّا على القول بأنّ المانع هو إحراز النجاسة ، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين ، لعدم إحراز نجاسة كلا الثوبين قبل الصلاة.

والتحقيق عدم تمامية الثمرة المذكورة ، لما ذكرنا في بحث العلم الاجمالي (1)من


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 413.

أنّ العلم الاجمالي مانع عن جريان الأصل في كل طرف بخصوصه لأجل المعارضة ، ولا مانع من جريان الأصل في أحد الطرفين أو الأطراف لا بقيد الخصوصية إذا كان له أثر عملي كما في المقام.

فنقول : بعد العلم بنجاسة أحد الثوبين مع احتمال نجاسة الآخر إنّ أحد الثوبين نجس قطعاً ، وأمّا الآخر فالأصل طهارته ، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين في المثال.

وكذا لو علمنا ببطلان إحدى الظهرين بعد الفراغ منهما مع احتمال بطلان الاخرى ، فالعلم الاجمالي ببطلان إحداهما مانع من جريان قاعدة الفراغ في خصوص كل من الظهر والعصر ، ولا مانع من جريانها في إحداهما لا بعينها ، فنقول : إحداهما باطلة قطعاً وأمّا الاخرى فقاعدة الفراغ قاضية بصحتها ، فيحكم بصحة إحدى الصلاتين ، فيأتي بصلاةٍ واحدةٍ بلا تعيين أنّها الظهر أو العصر ، وكذا في غيرهما ممّا توافقت الصلاتان من حيث الركعة ، كما إذا أتى بقضاء صلاتين من الصبح مثلاً ثمّ علم إجمالاً ببطلان إحداهما مع احتمال بطلان الاخرى ، فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في إحداهما لا بعينها.

فاذن لا ثمرة بين القول بشرطية الطهارة والقول بمانعية النجاسة ، وإن كان الصحيح هو الأوّل ، نظراً إلى الاعتبار الشرعي المستفاد من قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : «لا صلاة إلاّبطهور ويجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله وأمّا البول فانّه لا بدّ من غسله» (1)فانّ المراد بالطهور ما يطهر به ، كما أنّ الوقود ما يوقد به ، فالمراد به


1) الوسائل 1 : 315 / أبواب أحكام الخلوة ب 9 ح 1.

الماء والتراب ، كما ورد أنّ الماء أحد الطهورين (1)، فتدل الصحيحة على اشتراط الصلاة بالطهارة من الخبث أيضاً ، لما في ذيلها من التفصيل بين موضع البول وموضع الغائط.

إذا عرفت ذلك فنقول : ذكر الشيخ (2)قدس‌سره في وجه تطبيق التعليل في الصحيحة على المورد ، أنّه مبني على دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء ، فعدم وجوب الاعادة للإجزاء المستفاد من الأمر الظاهري وهو حرمة نقض اليقين بالشك المعبّر عنها بالاستصحاب.

وأورد عليه في الكفاية (3)بأنّ التعليل في الصحيحة إنّما هو بوجود الأمر الظاهري لا بدلالته على الإجزاء ، اللّهمّ إلاّأن يقال إنّ دلالته على الإجزاء كان مفروغاً عنه بين الإمام عليه‌السلام والراوي ، فعلل عليه‌السلام عدم وجوب الاعادة بوجود الأمر الظاهري ، بل التعليل مبني على أنّ الشرط هو إحراز الطهارة ولو بالأصل ، لا خصوص الطهارة الواقعية.

وقال المحقق النائيني (4)قدس‌سره : يصح تطبيق التعليل على المورد بكل من الوجهين ، أي الاجزاء ، وكون الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية.

أقول : كل ذلك لا يخلو من الاشكال ، لأنّ معنى دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء ، هو كون الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية والاختلاف


1) الوسائل 3 : 388 / أبواب التيمم ب 25 ح 3 (باختلاف يسير).

2) [ذكر قدس‌سره ذلك بعنوان التخيُّل وردّه ، فرائد الاصول 2 : 566].

3) كفاية الاصول : 395.

4) أجود التقريرات 4 : 40 - 45 ، فوائد الاصول 4 : 341 - 351.

بينهما في مجرد التعبير ، وذلك لأنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري مقتضٍ للإجزاء عن الأمر ما دام الشك موجوداً بلا إشكال ، وأمّا بعد زوال الشك وكشف الخلاف فلا معنى للإجزاء عن الأمر الظاهري ، لأنّ الأمر الظاهري حينئذ منتفٍ بانتفاء موضوعه وهو الشك ، فليس هنا أمر ظاهري حتى نقول بالإجزاء عنه أو بعدمه ، فان قلنا بالإجزاء عن الأمر الواقعي فمعناه كون الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، لأنّه لو كان الشرط هو الواقعي فقط ، لا يعقل الإجزاء عنه بشيء آخر ، فمن صلّى إلى جهة لقيام البيّنة على أنّها هي القبلة ، ثمّ انكشف بعد الصلاة كون القبلة في جهة اخرى ، فمعنى إجزاء هذه الصلاة - التي أتى بها إلى غير جهة القبلة عن الصلاة إلى جهة القبلة - كون الشرط هو الأعم من القبلة الواقعية والظاهرية الثابتة بالبيّنة ، لأنّه لا معنى للقول بأنّ الشرط هو القبلة الواقعية وتجزي عنها جهة اخرى.

فظهر أنّ إشكال صاحب الكفاية على الشيخ قدس‌سره والعدول عن الجواب بالإجزاء إلى الجواب بكون الشرط هو الأعم ، ليس على ما ينبغي ، وكذا ظهر عدم صحة ما ذكره المحقق النائيني من أنّ التعليل يصح على كلا الوجهين ، فانّه ليس هنا إلاّوجه واحد ذو تعبيرين.

وملخص الجواب عن الاشكال المذكور : أنّ التعليل المذكور ناظر إلى وجود الأمر الظاهري حال الصلاة لا ما بعد الصلاة ، بعد كون الإجزاء مفروغاً عنه عند الراوي ، فالتعليل ناظر إلى الصغرى بعد كون الكبرى مسلّمة من الخارج.

فحاصل التعليل - بعد سؤال الراوي عن علّة عدم وجوب الاعادة في هذه الصورة مع وجوب الاعادة في الصورتين السابقتين - أنّ المصلي في هذه الصورة محرز للطهارة الظاهرية حال الصلاة ، لكونه متيقناً بها فشك ، ولا يجوز

نقض اليقين بالشك ، بخلاف الصورتين السابقتين للعلم التفصيلي بالنجاسة في إحداهما والاجمالي في الاخرى ، فتنجّز عليه التكليف ، ولم يستند إلى أمر ظاهري ، فتجب عليه الاعادة ، ودلالة الأمر الظاهري على الإجزاء في باب الطهارة مما لا إشكال فيه ولا خلاف ، فمراد الشيخ قدس‌سره من دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء هي الدلالة في باب الطهارة لا مطلقاً ولا يرد عليه شيء.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا في المقام : صحة الاستدلال بهذه الصحيحة أيضاً على حجية الاستصحاب ، ويجري فيها جميع ما ذكرنا في الصحيحة الاولى من عدم الفرق بين الشك في المقتضي والشك في الرافع ، وبيان الفرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية وغيره مما تقدّم الكلام فيه.

ومن جملة ما استدلّ به على حجية الاستصحاب : صحيحة ثالثة لزرارة «وإذالم يدر في ثلاث هو أو أربع ، وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ، ولا شيء عليه ولا ينقض اليقين بالشك ، ولا يدخل الشك في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ، ولكنّه ينقض الشك باليقين ، ويتم على اليقين ، فيبني عليه ، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات» (1).

والاستدلال بها مبني على كون المراد باليقين في قوله عليه‌السلام : «ولا ينقض اليقين بالشك» هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة ، فيكون المراد أنّه كان متيقناً بعدم الاتيان بها فشك ، ولا ينقض اليقين بالشك ، بل يبني على عدم الاتيان فيقوم ويضيف إليها ركعة اخرى.


1) الوسائل 8 : 216 و 217 / أبواب الخلل في الصلاة ب 10 ح 3.

وقد استشكل في الاستدلال بهذه الصحيحة باشكالين :

أحدهما : أنّها مختصة بالشك في عدد الركعات ، بل بخصوص الشك بين الثلاث والأربع ، لأنّ الضمائر في قوله عليه‌السلام : «قام فأضاف» وقوله عليه‌السلام : «لا ينقض اليقين بالشك» وغيرها مما هو مذكور إلى آخر الصحيحة ، راجعة إلى المصلي الذي لا يدري في ثلاث هو أو أربع ، ولا وجه للتعدي عن المورد إلى غيره ، إذ ليس فيها إطلاق أو عموم نتمسك به كعموم التعليل في الصحيحتين السابقتين.

وربّما يجاب عنه : بأن ذكر هذا اللفظ - أي لا ينقض اليقين بالشك - في روايات اخر واردة في غير الشك بين الثلاث والأربع يشهد بعدم اختصاص هذه الصحيحة بالشك بين الثلاث والأربع.

وفيه : أنّه إن تمّت دلالة الروايات الاخر على حجية الاستصحاب ، فهي المعتمد عليها دون هذه الصحيحة ، وإلاّ فكيف تكون قرينة على عدم اختصاص هذه الصحيحة بالشك بين الثلاث والأربع مع ظهورها في الاختصاص.

ويمكن القول بعدم اختصاص الصحيحة بالمورد ، لما في ذيلها من قوله عليه‌السلام : «ولا يعتد بالشك في حال من الحالات» فانّه قرينة على أنّ المراد أنّ الشك مما لا يجوز نقض اليقين به في حال من الحالات ، بلا اختصاص بشيء دون شيء.

ثانيهما : ما ذكره الشيخ (1)قدس‌سره وهو أنّه إن كان المراد من قوله عليه‌السلام : «قام فأضاف إليها اخرى» هي الركعة المنفصلة كما عليه مذهب


1) فرائد الاصول 2 : 567 و 568.

الإمامية ، فليس المراد من اليقين هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة ، بل المراد منه اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر ، ثمّ الاتيان بركعة اخرى منفصلة ، فانّه حينئذ يتيقن ببراءة ذمته ، إذ على تقدير الاتيان بالثلاث تكون هذه الركعة متممة لها ، ولا تقدح زيادة التكبير والتشهد والتسليم ، وعلى تقدير الاتيان بالأربع تكون هذه الركعة نافلة ، بخلاف ما إذا بنى على الأقل وأضاف ركعة متصلة ، فانّه يحتمل حينئذ الاتيان بخمس ركعات ، أو بنى على الأكثر ولم يأت بركعة منفصلة ، لاحتمال النقصان فلا يقين له بالبراءة ، فقد علّمه الإمام عليه‌السلام طريق الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة كا صرّح بهذا المعنى في رواية اخرى بقوله عليه‌السلام : «ألا اعلّمك شيئاً إذا صنعته ثمّ ذكرت أنّك نقصت أو أتممت لم يكن عليك شيء (1)...» وقد اطلق اليقين على هذا المعنى - أي الاحتياط واليقين بالبراءة - في روايات اخر كما في قوله عليه‌السلام : «إذا شككت فابن على اليقين» (2)وتكون الصحيحة على هذا المعنى دالةً على وجوب الاحتياط وأجنبية عن الاستصحاب.

وإن كان المراد هي الركعة المتصلة فلا بدّ من حمل الجملة على التقية ، لكون مفادها مخالفاً للمذهب وموافقاً للعامة ، وعليه فالمراد باليقين وإن كان هو اليقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة ، إلاّأ نّه لا يمكن الاستدلال بها على حجية الاستصحاب لورودها مورد التقية.

والالتزام بأنّ أصل القاعدة - وهي عدم جواز نقض اليقين بالشك - قاعدة واقعية ، وإنّما التقية في تطبيقها على المورد - أي الشك بين الثلاث والأربع في


1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

2) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 2.

عدد الركعات - مخالف للأصل من جهة اخرى ، فانّ الأصل في التطبيق هو التطبيق الحقيقي ، لا التطبيق تقيةً ، فتلزم مخالفة الأصل من وجهين. هذا ملخص ما ذكره الشيخ قدس‌سره من الاشكال على الاستدلال بالصحيحة.

وأجاب عنه صاحب الكفاية (1): بأنّ الصحيحة ساكتة عن كون الركعة الاخرى متصلة أو منفصلة ، بل تدل على عدم جواز نقض اليقين بالشك ، والبناء على الأقل ، والاتيان بركعة اخرى بلا قيد الاتصال أو الانفصال ، وأخذنا قيد الانفصال من روايات اخر دالّة على وجوب البناء على الأكثر والاتيان بالمشكوك فيها منفصلة ، فمقتضى الجمع بين الصحيحة وهذه الروايات هو تقييد الصحيحة بها والحكم بوجوب الاتيان بركعة اخرى منفصلة.

وذكر بعض الأعاظم (2)أنّ الاستصحاب في الشك في عدد الركعات غير جارٍ في نفسه ، مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة الدالة على وجوب الاحتياط ، وذلك لوجوب التشهد والتسليم في الركعة الرابعة ، وفي الشك بين الثلاث والأربع غاية ما يثبت بالاستصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة ، وبعد الاتيان بركعة اخرى لا يمكن اثبات كونها هي الركعة الرابعة ليقع التشهد والتسليم فيها ، إلاّ على القول بالأصل المثبت ولا نقول به. ولعل هذا هو السر في إلغاء الفقهاء الاستصحاب في الشكوك الواقعة في عدد الركعات على ما هو المعروف بينهم ، انتهى.

هذه هي كلمات الأساطين في المقام ، وكلّها قابل للمناقشة.

أمّا الأخير وهو أنّ الاستصحاب في الشك في عدد الركعات قاصر في نفسه


1) كفاية الاصول : 396.

2) نهاية الأفكار 4 : 60.

مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة ، ففيه :

أوّلاً : أنّه ليس لنا دليل على وجوب وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة حتى نحتاج إلى إثبات كون هذه هي الركعة الرابعة ، غاية ما دلّ الدليل عليه هو الترتيب بين أفعال الصلاة بأن يقع الحمد بعد التكبير ، والسورة بعد الحمد ، والركوع بعد السورة ، والسجدة بعد الركوع ، والتشهد بعد السجدة الثانية من الركعة الرابعة مثلاً ، والتسليم بعد التشهد ، ومحصل هذا الترتيب وجوب الاتيان بالتشهد والتسليم بعد الركعة الرابعة مثلاً ، فاذا شك المكلف بين الثلاث والأربع وبنى على الثلاث للاستصحاب وأتى بركعة اخرى ، فهو متيقن بالاتيان بالركعة الرابعة فيجوز له الاتيان بالتشهد والتسليم ، غاية الأمر أنّه لا يدري أنّه أتى بالأربع فقط أو مع الزيادة ، وهو غير قادح في وقوع التشهد والتسليم بعد الركعة الرابعة وحصول الترتيب.

وثانياً : - على فرض تسليم أنّه يجب وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة - أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب لولا الأخبار الخاصة ، فانّه بعد الاتيان بركعة اخرى - بمقتضى استصحاب عدم الاتيان بالرابعة - يتيقن بكونه في الركعة الرابعة ، غاية الأمر أنّه لا يدري أنّ الكون في الركعة الرابعة هو الآن أو قبل ثلاث دقائق مثلاً وخرج عنه فعلاً ، فيجري استصحاب عدم الخروج عن الكون في الركعة الرابعة ، ويترتب عليه وجوب التشهد والتسليم ، ولا يضر بالاستصحاب المذكور عدم العلم بخصوصية الكون كما في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.

فتحصّل : أنّ المانع عن جريان الاستصحاب في الشك في عدد الركعات هي النصوص الخاصة الواردة في الشكوك الصحيحة ، ولولاها لجرى الاستصحاب كما عليه العامة. وأمّا في غير الشكوك الصحيحة كالشك بين الأربع والست

مثلاً فالوجه في عدم جواز الرجوع إلى الاستصحاب هو صحيحة صفوان الدالة على وجوب الاعادة لمطلق الشك في عدد الركعات ، وهي قوله عليه‌السلام : «إن كنت لاتدري كم صلّيت ، ولم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة» (1)ونقيدها بغير الشكوك الصحيحة لأجل النصوص الخاصة ، وفي غيرها نحكم بالبطلان لأجل هذه الصحيحة ، ولولا الصحيحة والنصوص الخاصة لم يكن مانع عن الرجوع إلى الاستصحاب كما عليه العامة.

وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنّ الصحيحة ساكتة عن قيد الاتصال والانفصال فيقيّد إطلاقها بروايات اخر دالة على وجوب الاتيان بركعة منفصلة ، ففيه : أنّ مقتضى أدلة الاستصحاب هو البناء على اليقين السابق وعدم الاعتناء بالشك الطارئ ، وفرض وجوده بمنزلة العدم ، ولازم ذلك وجوب الاتيان بركعة اخرى متصلة ، فليس التنافي - بين الصحيحة على تقدير دلالتها على الاستصحاب وبين الروايات الاخر - بالاطلاق والتقييد حتى يجمع بينهما بتقييد الصحيحة بها ، بل بالتباين ، لدلالة الصحيحة على وجوب الاتيان بركعة اخرى متصلة ، والروايات الاخر على وجوب الاتيان بها منفصلة ، فالأخذ بالصحيحة يستلزم رفع اليد عن الروايات الاخر التي عليها اعتماد المذهب.

وأمّا ما ذكره الشيخ من الاشكال على الاستدلال بالصحيحة ، ففيه : أنّه لا تلزم من الاستدلال بها مخالفة المذهب ، وذلك لما مرّ آنفاً من أنّ معنى دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء هو توسعة الواقع ، لعدم معقولية التحفظ على الواقع مع إجزاء شيء آخر عنه ، فمعنى إجزاء الصلاة الواقعة فيها زيادة التشهد


1) الوسائل 8 : 225 و 226 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

والتسليم عن الواقع هو توسعة الواقع ، بمعنى أنّ الواجب على المتيقن هو الصلاة بلا زيادة التشهد والتسليم ، وعلى الشاك بين الثلاث والأربع مثلاً ، هو الصلاة الواقعة فيها زيادة التشهد والتسليم ، لكن مع التقييد بعدم الاتيان بالركعة الرابعة في الواقع ، لأنّ المستفاد من الروايات أنّ وجوب الاتيان بالركعة المنفصلة على الشاك بين الثلاث والأربع مختص بما إذالم يأت بالرابعة في الواقع ، فمن شك بين الثلاث والأربع وبنى على الأربع وتشهّد وسلّم ، ثمّ لم يأت بالركعة المنفصلة نسياناً أو عمداً ، ثمّ انكشف أنّه أتى بالركعة الرابعة ، ليس عليه شيء ، فيكون الموضوع لوجوب الركعة المنفصلة المكلف المقيّد بأمرين : الأوّل : كونه شاكاً. الثاني : كونه غير آتٍ بالرابعة ، فاذا شك المكلف بين الثلاث والأربع ، فقد حصل أحد القيدين بالوجدان وهو الشك ، والقيد الآخر - وهو عدم الاتيان بالرابعة - يحرز بالاستصحاب ، لكونه متيقناً بعدم الاتيان وشك فيه ، فيحكم بوجوب الاتيان بالركعة المنفصلة.

فتلخّص مما ذكرنا : أنّ مقتضى الاستصحاب بملاحظة الأخبار الخاصة هو الاتيان بالركعة المنفصلة لا الاتيان بالركعة المتصلة حتى يكون العمل به مخالفاً للمذهب ، بل في نفس الصحيحة قرينة على أنّ المراد من قوله عليه‌السلام : «قام وأضاف إليها ركعة اخرى» هي الركعة المنفصلة ، وهي قوله عليه‌السلام في صدر الصحيحة لبيان حكم الشك بين الاثنين والأربع : «يركع ركعتين بفاتحة الكتاب» (1)، فان تعيين الفاتحة يدل على كون المراد ركعتين منفصلتين ، وإلاّ كان مخيراً بين الفاتحة والتسبيحات ، بل لعل الأفضل الاتيان بالتسبيحات ، فيكون المراد من قوله عليه‌السلام : «قام وأضاف إليها ركعة اخرى» أيضاً


1) الوسائل 8 : 220 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 3.

هي الركعة المنفصلة ، لكون هذه الركعة في الشك بين الثلاث والأربع من سنخ الركعتين السابقتين في الشك بين الاثنين والأربع.

وفي الصحيحة قرينة اخرى على كون المراد هي الركعة المنفصلة ، وهي قوله عليه‌السلام : «ولا يدخل الشك في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر» فان ظاهر عدم خلط الشك باليقين وبالعكس هو الاتيان بالركعة المشكوكة منفصلةً عن الركعات المتيقنة.

فتلخّص مما ذكرنا : صحة الاستدلال بالصحيحة ، غاية الأمر أنّ مقتضى الاستصحاب بملاحظة الأخبار الخاصة هو الاتيان بالركعة المشكوك فيها منفصلة.

وظهر بما ذكرنا صحة الاستدلال بموثقة [إسحاق بن] عمار عن أبي الحسن عليه‌السلام «قال عليه‌السلام : إذا شككت فابن على اليقين ، قلت : هذا أصل؟ قال عليه‌السلام : نعم» (1)فانّ المراد منها البناء على المتيقن والاتيان بالمشكوك فيها منفصلة لأجل الأخبار الخاصة بالبيان المتقدم ، ولا اختصاص لها بالشك في عدد الركعات ، بل قاعدة كلّية في باب الصلاة وغيرها مما شك فيه ، فليس المراد من اليقين هو اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر ، والاتيان بالمشكوك فيها منفصلة على ما ذكره الشيخ (2)قدس‌سره فانّ الداعي إلى الحمل على هذا المعنى في الصحيحة كون الحمل على الأقل مخالفاً للمذهب. وبعد ما ذكرنا من عدم اختصاص الموثقة بالشك في عدد ركعات الصلاة لا وجه للحمل على هذا المعنى ، وفي نفس الموثقة ظهور في أنّ المراد من اليقين


1) الوسائل 8 : 212 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 2.

2) فرائد الاصول 2 : 568.

هو اليقين الموجود ، لا تحصيل اليقين فيما بعد ، فانّ قوله عليه‌السلام : «فابن على اليقين» أمر بالبناء على اليقين الموجود ، لا أمر بتحصيل اليقين ، غاية الأمر أنّه في الشك في عدد الركعات بعد البناء على اليقين يجب الاتيان بالمشكوك فيها منفصلة للأخبار الخاصة ، ولا تنافي بينها وبين الاستصحاب على ما ذكرنا من التوجيه.

ومن جملة ما استدل به على حجية الاستصحاب : رواية الخصال عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال عليه‌السلام : «من كان على يقين فشك فليمض على يقينه ، فانّ الشك لا ينقض اليقين» (1)وفي نسخة اخرى «من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه ، فانّ اليقين لا يدفع بالشك» (2).

واستشكل في دلالتها على حجية الاستصحاب : بأنّ صريحها سبق زمان اليقين على زمان الشك ، فهي دليل على قاعدة اليقين لاعتبار تقدم اليقين على الشك فيها ، بخلاف الاستصحاب فانّ المعتبر فيه كون المتيقن سابقاً على المشكوك فيه ، أمّا اليقين والشك فقد يكونان متقارنين في الحدوث ، بل قد يكون الشك سابقاً على اليقين على ما تقدّم (3)في ضابطة الفرق بين القاعدة والاستصحاب.

وأجاب عنه صاحب الكفاية (4)بما حاصله : أنّ اليقين طريق إلى المتيقن ، والمتداول في التعبير عن سبق المتيقن على المشكوك فيه هو التعبير بسبق اليقين


1) الخصال : 619 ، الوسائل 1 : 246 - 247 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 6.

2) هذا النص مروي في الإرشاد 1 : 302 ، المستدرك 1 : 228 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 4.

3) في ص 8 - 9.

4) كفاية الاصول : 397.

على الشك ، لما بين اليقين والمتيقن من نحو من الاتحاد ، فالمراد هو سبق المتيقن على المشكوك فيه.

وذُكر في هامش الرسائل جواب آخر وربّما ينسب إلى المرحوم الميرزا الشيرازي الكبير (1)قدس‌سره وهو أنّ الزمان قيد في قاعدة اليقين وظرف في الاستصحاب ، وحيث إنّ الأصل في الزمان هو الظرفية فكونه قيداً يحتاج إلى الاثبات ، ولم يدل دليل على كون الزمان قيداً في المقام ، فالمتعيّن كونه ظرفاً ، فتكون الرواية دالة على حجية الاستصحاب دون قاعدة اليقين.

وفيه : ما تقدّم (2)في ضابطة الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين ، وملخّصه : أنّ الزمان ليس قيداً في شيء منهما ، بل ظرف في كليهما ، والفرق بينهما أنّ متعلق الشك في الاستصحاب هو البقاء وفي قاعدة اليقين هو الحدوث ، وتقدّم تفصيل الكلام في الفرق بينهما في أوائل بحث الاستصحاب.

ويمكن أن يجاب عن الاشكال المذكور : بأن ظاهر قوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه» هو الاستصحاب لا قاعدة اليقين ، لكونه أمراً بالبناء على اليقين الموجود نظير ما مرّ في قوله عليه‌السلام : «فابن على اليقين» وليس في مورد القاعدة يقين فعلي حتى يؤمر بالبناء عليه ، بل كان يقين وقد زال بالشك الساري ، بل لم يعلم أنّه كان يقيناً لاحتمال كونه جهلاً مركباً ، ويعتبر في اليقين مطابقته للواقع بخلاف القطع ، غاية الأمر أنّه كان تخيل اليقين ولا يصحّ التعبير


1) [هذا الجواب ذكر في بعض طبعات الرسائل في الحاشية واحتمل المحقق النائيني قدس‌سره على ما في أجود التقريرات انّها من العلاّمة الشيرازي قدس‌سره ، وفي الطبعات الاخرى ادرج في المتن كما في الطبعة المعتمدة ، فرائد الاصول 2 : 570].

2) في ص 8 - 9.

عن التردد النفساني الموجود فعلاً باليقين ، لعدم صحة إطلاق الجوامد إلاّمع وجود المبدأ ، وإطلاق المشتق على المنقضي عنه المبدأ حقيقةً وإن كان محلاً للكلام ، إلاّأ نّه ليس في الرواية لفظ المتيقن حتى يقال إنّه شامل لمن كان متيقناً باعتبار المنقضي عنه المبدأ على أحد القولين في المشتق ، هذا.

ولكنّ الذي يسهّل الأمر أنّ الرواية ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها ، لكون قاسم بن يحيى في سندها ، وعدم توثيق أهل الرجال إياه ، بل ضعّفه العلاّمة قدس‌سره ورواية الثقات عنه لا تدل على التوثيق على ما هو مذكور في محلّه (1).

ومن جملة ما استدل به للمقام : مكاتبة علي بن محمّد القاساني قال : «كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان ، هل يصام أم لا؟ فكتب عليه‌السلام اليقين لا يدخله الشك ، صم للرؤية وأفطر للرؤية» (2). وتقريب الاستدلال بها أنّ الإمام عليه‌السلام حكم بأنّ اليقين بشيء لا ينقض بالشك ولا يزاحم به ، ثمّ فرّع على هذه الكبرى قوله عليه‌السلام : «صم للرؤية وأفطر للرؤية».

وذكر الشيخ (3)قدس‌سره أنّ هذه الرواية أظهر ما في الباب من أخبار الاستصحاب.

واستشكل عليه في الكفاية (4)بأنّ المراد من اليقين في هذه الرواية ليس هو


1) معجم رجال الحديث 15 : 67 / 9589 ، وقد استنتج هناك وثاقته.

2) الوسائل 10 : 255 و 256 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 3 ح 13.

3) فرائد الاصول 2 : 570.

4) كفاية الاصول : 397.

اليقين السابق ، بل المراد هو اليقين بدخول شهر رمضان وأ نّه لا يجب الصوم إلاّ مع اليقين ، ولا يدخل المشكوك فيه في المتيقن ، كما ورد في عدّة من الروايات أنّه لا يصام يوم الشك بعنوان أنّه من رمضان ، وأنّ الصوم فريضة لا بدّ فيها من اليقين ، ولا يدخلها الشك.

وذكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره تأييداً لصاحب الكفاية أنّ قوله عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشك» ظاهر في عدم دخول اليوم المشكوك كونه من رمضان فيه ، وحمله على الاستصحاب ، بدعوى أنّ المراد منه أنّ اليقين لا ينقض بالشك ، بعيد لغرابة هذا الاستعمال.

والتحقيق هو ما ذكره الشيخ قدس‌سره من ظهور الرواية في الاستصحاب ، لأ نّه لو كان المراد عدم إدخال اليوم المشكوك فيه في رمضان ، لما كان التفريع بالنسبة إلى قوله عليه‌السلام : «وأفطر للرؤية» صحيحاً ، فانّ صوم يوم الشك في آخر شهر رمضان واجب ، لقوله عليه‌السلام : «وأفطر للرؤية» مع أنّه يوم مشكوك في كونه من رمضان ، فكيف يصح تفريع قوله عليه‌السلام : «وأفطر للرؤية» الدال على وجوب صوم يوم الشك في آخر شهر رمضان على قوله عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشك» بناءً على أنّ المراد منه عدم دخول اليوم المشكوك فيه في رمضان.

فالصحيح أنّ المراد من قوله عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشك» أنّ اليقين لا ينقض بالشك فلا يجب الصوم في يوم الشك في آخر شعبان ، ويجب الصوم في يوم الشك في آخر شهر رمضان ، لليقين بعدم وجوب الصوم في الأوّل


1) أجود التقريرات 4 : 57 ، فوائد الاصول 4 : 366.

واليقين بوجوبه في الثاني ، واليقين لا ينقض بالشك ، فيصح التفريع بالنسبة إلى قوله عليه‌السلام : «صم للرؤية» وبالنسبة إلى قوله عليه‌السلام : «وأفطر للرؤية».

وأمّا ما استشهد به صاحب الكفاية من الروايات الدالة على عدم صحة الصوم في يوم الشك بعنوان أنّه من رمضان ، فمدفوع بأنّ هذه الروايات وإن كانت صحيحة معمولاً بها في موردها (1)، إلاّأ نّها لا تكون قرينةً على كون هذه الرواية أيضاً واردة لبيان هذا المعنى مع ظهورها في الاستصحاب.

وأمّا ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره من غرابة هذا الاستعمال ، فيدفعه وقوع هذا الاستعمال بعينه في الصحيحة الثالثة المتقدمة (2)في قوله عليه‌السلام : «ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر» ووقع هذا الاستعمال في كلمات العلماء أيضاً في قولهم : دليله مدخول أي منقوض ، واللغة أيضاً تساعده ، فان دخول شيء في شيء يوجب التفكيك بين أجزائه المتصلة ، فيكون موجباً لنقضه وقطع هيئته الاتصالية.

ومن جملة ما استدل به على حجية الاستصحاب : روايات تدل على الحلية ما لم تعلم الحرمة وعلى الطهارة ما لم تعلم النجاسة ، وهي طوائف ثلاث :

منها : ما يدل على حلية كل شيء ما لم تعلم الحرمة ، كقوله عليه‌السلام : «كل شيء حلال حتى تعرف أنّه حرام» (3).


1) ولمزيد الاطلاع راجع شرح العروة 21 كتاب الصوم : 65 / المسألة 16.

2) في ص 69.

3) الوسائل 17 : 87 و 89 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1 و 4 (باختلاف يسير).

ومنها : ما يدل على طهارة كل شيء ما لم تعلم النجاسة ، كقوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر» (1).

ومنها : ما يدل على طهارة خصوص الماء ما لم تعلم نجاسته ، كقوله عليه‌السلام : «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه نجس» (2)، والاحتمالات المتصورة في مثل هذه الأخبار سبعة :

الأوّل : أن يكون المراد منها الحكم بالطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها الأوّلية ، بأن يكون العلم المأخوذ غاية طريقياً محضاً ، والغاية في الحقيقة هو عروض النجاسة ، فيكون المراد أنّ كل شيء بعنوانه الأوّلي طاهر حتى تعرضه النجاسة ، وأخذ العلم غاية لكونه طريقاً إلى الواقع ليس بعزيز ، كما في قوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (3)فانّ المراد منه بيان الحكم الواقعي وجواز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر ، وذكر التبين بناءً على كونه بمعنى الانكشاف إنّما هو لمجرد الطريقية ، وإن أمكن حمل التبين على معنى آخر مذكور في محلّه.

الثاني : أن يكون المراد منها هو الحكم بالطهارة الظاهرية للشيء المشكوك كما عليه المشهور ، بأن يكون العلم قيداً للموضوع دون المحمول ، فيكون المعنى أن كل شيء لم تعلم نجاسته طاهر.


1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

2) الوسائل 1 : 134 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 5 وفيه «حتى يعلم أنّه قذر».

3) البقرة 2 : 187.

الثالث : أن يكون المراد بها قاعدة الاستصحاب ، بأن يكون المعنى أنّ كل شيء طهارته مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة ، أي كل شيء ثبتت طهارته الواقعية أو الظاهرية فطهارته مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة.

الرابع : أن يكون المراد بها الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، بأن يكون المعنى أنّ كل شيء معلوم العنوان أو مشكوكه طاهر بالطهارة الواقعية في الأوّل ، وبالطهارة الظاهرية في الثاني إلى زمان العلم بالنجاسة.

الخامس : أن يكون المراد منها الطهارة الظاهرية والاستصحاب ، كما عليه صاحب الفصول (1)، بأن يكون المعنى أن كل شيء مشكوك العنوان طاهر ظاهراً وطهارته مستمرة إلى زمان العلم بالنجاسة ، فيكون المغيّى وهو قوله عليه‌السلام : «طاهر» إشارة إلى الطهارة الظاهرية ، والغاية إشارة إلى استصحاب تلك الطهارة إلى زمان العلم بالنجاسة.

السادس : أن يكون المراد بها الطهارة الواقعية والاستصحاب كما في الكفاية (2)، بأن يكون المغيّى إشارة إلى الطهارة الواقعية ، وأنّ كل شيء بعنوانه الأوّلي طاهر وقوله عليه‌السلام : «حتى تعلم» إشارة إلى استمرار الحكم إلى زمان العلم بالنجاسة.

السابع : أن يكون المراد منها الطهارة الواقعية والظاهرية والاستصحاب ، كما اختاره صاحب الكفاية في هامش الرسائل (3)، ويجري جميع ما ذكرنا من


1) الفصول الغروية : 373.

2) كفاية الاصول : 398.

3) دُرر الفوائد في الحاشية على الفرائد : 312.

الصور والاحتمالات في قوله عليه‌السلام : «كل شيء حلال حتى تعرف أنّه حرام» ويقع الكلام أوّلاً في صحة هذا الوجه الأخير وعدمها.

وملخّص ما ذكر في وجهه : أنّ كلمة «كل شيء» شاملة لما هو معلوم العنوان كالحجر والماء مثلاً ولما هو مشكوك العنوان كالمائع المردد بين الماء والبول مثلاً ، فحكم الإمام عليه‌السلام بالطهارة في الجميع ، فلا محالة تكون الطهارة بالنسبة إلى الأوّل واقعية ، وبالنسبة إلى الثاني ظاهرية ، ويكون قوله عليه‌السلام : «حتى تعلم» إشارة إلى استمرار الطهارة إلى زمان العلم بالنجاسة.

وأورد عليه المحقق النائيني (1)باشكالات :

الأوّل : أنّ الحكم الواقعي والظاهري لا يمكن اجتماعهما في جعل واحد ، لأنّ الحكم الظاهري متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبتين ، لأن موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي ، والشك في الحكم الواقعي متأخر عن الحكم الواقعي ، كما أنّ موضوع الحكم الظاهري متأخر عن موضوع الحكم الواقعي بمرتبتين ، فانّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك في الحكم الواقعي ، والشك في الحكم الواقعي متأخر عن الحكم الواقعي ، وهو متأخر عن موضوعه الواقعي ، وبعد كون الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي لا يمكن تحققهما بجعل واحد ، وإلاّ يلزم كون المتأخر عن الشيء بمرتبتين معه في رتبته ، وهو خلف.

وهذا الاشكال لا دافع له على مسلك صاحب الكفاية والمحقق النائيني قدس‌سرهما ومن وافقهما في أنّ الانشاء إيجاد المعنى باللفظ ، فانّه لا يمكن


1) أجود التقريرات 4 : 59 - 61 ، فوائد الاصول 4 : 367.

إيجاد شيئين يكون أحدهما في طول الآخر بجعل واحد وإنشاء فارد. وأمّا على ما سلكناه من أنّ الانشاء ليس بمعنى إيجاد المعنى باللفظ ، إذ ليس اللفظ إلاّ وجوداً لنفسه والمعنى اعتبار نفساني لا يكون اللفظ موجداً له بل هو مبرز له ولا فرق بين الخبر والانشاء من هذه الجهة ، فكما أنّ الخبر مبرز لأمر نفساني فكذا الانشاء ، إنّما الفرق بينهما في المبرز - بالفتح - فانّ المبرز في الانشاء مجرد اعتبار نفساني ، وليس وراءه شيء ليتصف بالصدق والكذب ، وهذا بخلاف الجملة الخبرية ، فانّ المبرز بها هو قصد الحكاية عن شيء في الخارج ، فهنا شيء وراء القصد وهو المحكي عنه ، وباعتباره يكون الخبر محتملاً للصدق والكذب. وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مقام الفرق بين الخبر والانشاء (1)، فلا مانع من أن يبرز حكمين يكون أحدهما في طول الآخر بلفظ واحد ، بأن يعتبر أوّلاً الحكم الواقعي لموضوعه ، ثمّ يفرض الشك فيه فيعتبر الحكم الظاهري ، وبعد هذين الاعتبارين يبرز كليهما بلفظ واحد ، ولا يلزم منه محذور.

الاشكال الثاني : أنّه لا يمكن إرادة الحكم الواقعي والظاهري معاً ، نظراً إلى الغاية وهي قوله عليه‌السلام : «حتى تعلم أنّه قذر» لأنّه إن كان المراد هو الحكم الواقعي ، يكون العلم المأخوذ في الغاية طريقياً كما ذكرناه في أوّل الاحتمالات ، فانّ الحكم الواقعي لا يرفع بالعلم ، ولا فرق فيه بين العالم والجاهل كما عليه أهل الحق خلافاً لأهل التصويب ، ولا يرتفع الحكم الواقعي في غير موارد النسخ إلاّبتبدل موضوعه بأن يلاقي الجسم الطاهر نجساً ، أو يرتدّ مسلم نعوذ باللّه ، أو يصير ماء العنب خمراً مثلاً ، وإن كان المراد هو الحكم الظاهري يكون العلم المأخوذ في الغاية قيداً للموضوع وغاية له ، لأنّ موضوع الحكم


1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 92.

الظاهري هو الشك وغايته العلم ، إذ الشك يرتفع بالعلم ، فيكون العلم ملحوظاً بنحو الاستقلال والموضوعية ، ولا يمكن اجتماع الطريقية والموضوعية في العلم ، لأن معنى الموضوعية ارتفاع الحكم بالعلم ، ومعنى الطريقية عدم ارتفاعه به ، فيكون الجمع بينهما كالجمع بين المتناقضين.

وهذا الاشكال مندفع بما ذكرناه في تقريب هذا الوجه من أنّ العلم ليس غايةً للحكم الواقعي ولا للحكم الظاهري ، بل غاية للحكم بالبقاء والاستمرار ، فيكون دالاً على استصحاب الحكم السابق سواء كان واقعياً أو ظاهرياً ، فبقوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف» تمّت إفادة الحكم الواقعي والظاهري لشمول الشيء للشيء المعلوم والشيء المجهول على ما ذكرنا ، ويكون قوله عليه‌السلام : «حتى تعلم» إشارة إلى الحكم ببقاء الحكم الثابت سابقاً واستمراره إلى زمان العلم بالنجاسة ، فيكون العلم موضوعياً وقيداً للاستصحاب ، لأنّه بالعلم يرتفع الشك ، وبارتفاعه لم يبق موضوع للاستصحاب كما هو ظاهر.

الاشكال الثالث : أنّه لا يمكن اجتماع الحكم الواقعي والظاهري في نفسه مع قطع النظر عن الغاية ، وذلك لأنّه إذا استند الحكم إلى العام الشامل للخصوصيات الصنفية والخصوصيات الفردية ، فلا محالة يكون الحكم مستنداً إلى الجامع بين الخصوصيات لا إلى الأفراد بخصوصياتها ، فانّه إذا قيل أكرم كل إنسان ، فهذا الحكم وإن كان شاملاً لجميع أصناف الانسان وأفراده ، إلاّأ نّه مستند إلى الجامع لا إلى الخصوصيات الصنفية أو الفردية ، فانّه يقال : هذا يجب إكرامه لأنّه إنسان لا لأنّه عربي أو لأنّه زيد مثلاً ، فلا دخل للخصوصيات في الحكم ، فقوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف» وإن كان شاملاً للشيء المشكوك ، إلاّأ نّه بعنوان أنّه شيء لا بعنوان أنّه مشكوك ، إذ كونه مشكوكاً

من الخصوصيات الصنفية ، وقد ذكرنا عدم دخلها في الحكم المستند إلى العام ، فلا يكون هناك حكم ظاهري ، لأن موضوعه الشيء بما هو مشكوك فيه ، فلا يكون في المقام إلاّالحكم الواقعي الوارد على جميع الأشياء المعلومة أو المشكوك فيها.

بل يمكن أن يقال : إنّ الحكم المذكور في قوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف» لايكون شاملاً للشيء المشكوك فيه أصلاً ، لأن عموم قوله عليه‌السلام : «كل شيء» قد خصص بمخصصات كثيرة دالة على نجاسة بعض الأشياء كالكلب والكافر والبول وسائر النجاسات ، والمائع المردد بين الماء والبول مثلاً لا يمكن التمسك لطهارته بعموم قوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف» لكونه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، فالشيء المشكوك فيه لا يكون داخلاً في عموم قوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف» لا من حيث الحكم الظاهري ، لأنّ الموضوع هو الشيء لا المشكوك فيه ، ولا من حيث الحكم الواقعي ، لكونه مشكوكاً بالشبهة المصداقية.

وهذا الاشكال متين جداً ولا دافع له ، وظهر منه عدم صحة الاحتمال الرابع ، وهو أن يكون المراد الطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها الأوّلية ، والطهارة الظاهرية للأشياء المشكوك فيها ، لعدم إمكان الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري على ما تقدّم.

وأمّا الاحتمال السادس الذي اختاره في الكفاية ، وهو أن يكون المراد الطهارة الواقعية والاستصحاب على ما تقدّم بيانه وأيّده بقوله عليه‌السلام في موثقة عمار : «فاذا علمت فقد قذر» بدعوى ظهوره في أنّه متفرّع على الغاية وحدها ، فيكون بياناً لمفهومها وأنّ الحكم باستمرار الطهارة ينتفي بعد العلم

بالنجاسة (1)، ففيه : أنّه لا يمكن الجمع بين الطهارة الواقعية والاستصحاب في الاستفادة من الأخبار المذكورة ، لأن قوله عليه‌السلام : «حتى تعلم» إمّا أن يكون قيداً للموضوع أو للمحمول ، ولا تستفاد الطهارة الواقعية والاستصحاب على كلا الوجهين.

أمّا إن كان قيداً للموضوع كما في قوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... ) (2)فانّ الغاية قيد للموضوع وهو اليد وتحديد للمغسول ، لأنّ اليد قد تطلق على جميع العضو إلى المنكب ، وقد تطلق عليه إلى المرفق ، وقد تطلق على الزند كما في آية التيمم (3)، وقد تطلق على الأصابع كما في آية السرقة (4)، فقيدها في هذه الآية الشريفة لتعيين المراد من اليد ، فالغاية تحديد للموضوع لا غاية للغسل. فيكون المراد من قوله عليه‌السلام : «كل شيء نظيف حتى تعلم أنّه نجس» أنّ كل شيء لم تعلم نجاسته فهو طاهر ، فيكون المراد قاعدة الطهارة الظاهرية للأشياء المشكوك فيها ، فانّ الشيء الذي لم تعلم نجاسته عبارة اخرى عن الشيء المشكوك فيه.

وكذلك إن كان قيداً للمحمول ، لأنّ المراد حينئذ أنّ الأشياء طاهرة ما لم تعلم نجاستها - أي ما دام مشكوكاً فيها - فيكون مفاد الرواية هو الحكم بالطهارة الظاهرية للأشياء المشكوك فيها على التقديرين ، ولا ربط لها بالطهارة الواقعية ولا الاستصحاب. نعم ، لو كان في الكلام تقدير وكان قوله عليه‌السلام :


1) كفاية الاصول : 399.

2) المائدة 5 : 6.

3) النساء 4 : 43 ، المائدة 5 : 6.

4) المائدة 5 : 38.

«حتى تعلم» متعلقاً به وقيداً له ، وكان التقدير هكذا : كل شيء طاهر وطهارته مستمرة حتى تعلم أنّه نجس ، كان الكلام دالاً على الطهارة الواقعية والاستصحاب ، ولكنّ التقدير خلاف الأصل ولا موجب للالتزام به.

وظهر بما ذكرناه من بطلان الجمع بين الطهارة الواقعية والاستصحاب بطلان الاحتمال الأوّل ، وهو أن يكون المراد الطهارة الواقعية فقط فلا حاجة إلى التعرض له.

وأمّا الاحتمال الخامس الذي ذكره صاحب الفصول من الجمع بين الطهارة الظاهرية والاستصحاب بالبيان المتقدم ، ففيه : أنّ الحكم بالطهارة الظاهرية للشيء المشكوك فيه باقٍ ببقاء موضوعه وهو الشك ، بلا احتياج إلى الاستصحاب ، فانّ المستفاد من الأخبار هو جعل الحكم المستمر - أي الطهارة الظاهرية للشيء المشكوك فيه ما دام مشكوكاً فيه - لا استمرار الحكم المجعول ، إذ ليس الحكم بالطهارة في الخبر بملاحظة الطهارة السابقة وبعناية الطهارة الثابتة حتى يكون استصحاباً ، فليس مفاد الخبر إلاّالطهارة الظاهرية المجعولة بلحاظ الشك.

وظهر بطلان الاحتمال الثالث أيضاً ، وهو أن يكون المراد الاستصحاب فقط. فتحصل أنّ الأخبار المذكورة متمحضة لقاعدة الطهارة الظاهرية للأشياء المشكوك فيها.

بقي الكلام فيما ذكره الشيخ قدس‌سره (1)من أن خصوص الخبر الوارد في طهارة الماء يدل على الاستصحاب ، وهو قوله عليه‌السلام : «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه نجس ...» (2)لأن طهارة الماء معلومة ، ويكون المراد الحكم ببقائها


1) فرائد الاصول 2 : 573 و 574.

2) تقدّم مصدره في ص 82.

إلى زمان العلم بالنجاسة.

وفيه : أنّ طهارة الماء وإن كانت معلومةً ، إلاّأنّ الحكم بطهارته في الرواية ليس مستنداً إلى طهارته السابقة حتى يكون استصحاباً ، بل الحكم بطهارته إنّما هو بملاحظة الشك ، فلا يستفاد منه أيضاً إلاّالطهارة الظاهرية في خصوص الماء. نعم ، لا مانع من استفادة الاستصحاب من رواية اخرى ذكرها الشيخ (1)قدس‌سره وهي ما ورد في إعارة الثوب للذمي ، لأنّ الحكم بالطهارة في الثوب مستند إلى طهارته السابقة ، لقوله عليه‌السلام : «لأ نّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه ...» (2)لكنّه مختص بباب الطهارة ، ولا وجه للتعدي عن المورد إلاّعدم القول بالفصل ، وأنى لنا باثباته ، فلم يبق لنا دليل صالح للاستصحاب إلاّالأخبار التي ذكرناها ، وعمدتها الصحاح الثلاث.

والمتحصّل مما ذكرناه : حجية الاستصحاب بلا اختصاص لها بباب دون باب على ما تقدّم.

إلاّأ نّه ينبغي لنا التعرض لتفصيلين آخرين ذكرا في المقام :

الأوّل : التفصيل في الشك في الرافع بين الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود ، بالالتزام بحجية الاستصحاب في الأوّل دون الثاني.

الثاني : التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية.

أمّا التفصيل الأوّل فقد التزم به المحقق السبزواري (3)قدس‌سره بتقريب


1) فرائد الاصول 2 : 571.

2) الوسائل 3 : 521 / أبواب النجاسات ب 74 ح 1.

3) ذخيرة المعاد : 115.

أنّ الشك إذا كان في وجود الرافع كان رفع اليد عن اليقين نقضاً لليقين بالشك ، فمن كان متيقناً بالطهارة من الحدث وشك في تحقق النوم مثلاً ، فرفع اليد عن الطهارة وعدم ترتيب آثارها إنّما هو للشك في النوم ومستند إليه ، فيصدق عليه نقض اليقين بالشك ، فيكون مشمولاً لقوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك ...» وأمّا إذا كان الشك في رافعية الموجود فليس رفع اليد عن الطهارة مستنداً إلى الشك بل إلى اليقين بوجود ما يحتمل كونه رافعاً ، لأنّ المعلول يستند إلى الجزء الأخير من العلة ، فلا يكون من نقض اليقين بالشك ، بل من نقض اليقين باليقين ، سواء كان الشك في رافعية الموجود من جهة الشبهة الموضوعية كما إذا شك بعد الطهارة في أنّ الرطوبة الخارجة بعدها بول أو مذي ، أو من جهة الشبهة الحكمية كما إذا شك في أنّ الرعاف ناقض للطهارة أم لا ، فرفع اليد عن الطهارة في المثالين مستند إلى اليقين بوجود ما يحتمل كونه رافعاً لا إلى الشك في رافعيته ، لأنّا لو فرضنا عدم تحقق اليقين المذكور ، لا يكون مجرد الشك في رافعية الرطوبة المرددة أو في رافعية الرعاف مثلاً ناقضاً لليقين بالطهارة ورفع اليد عنها ، فالموجب لرفع اليد عن الطهارة إنّما هو اليقين بوجود ما يحتمل كونه رافعاً.

والجواب عنه : أنّ كل يقين لا يوجب رفع اليد عن اليقين بالطهارة لولا احتمال كون المتيقن رافعاً لها ، فانّ اليقين بشيء أجنبي لا يوجب نقض اليقين بالطهارة ، حتى يكون من نقض اليقين باليقين ، بل نقض اليقين باليقين إنّما يصدق فيما إذا كان اليقين الثاني متعلقاً بارتفاع متعلق اليقين الأوّل ، كما إذا تيقن بالطهارة ثمّ تيقن بارتفاعها بالنوم مثلاً ، كما أنّ الشك الموجب لرفع اليد عن اليقين الذي يصدق عليه نقض اليقين بالشك إنّما هو فيما إذا تعلق الشك بعين

ما تعلق به اليقين ، كي تتحد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة ، فرفع اليد عن الطهارة المتيقنة في المثالين مستند إلى الشك في رافعية الشيء الموجود ، لا إلى اليقين بوجوده ، إذ اليقين بوجود شيء بمجرده لا يوجب رفع اليد عن الطهارة.

وأمّا ما ذكره من أنّه لو فرض الشك في نقض الرعاف مثلاً للطهارة مع عدم اليقين بوجوده في الخارج ، لم يكن مجرد الشك موجباً لرفع اليد عن الطهارة ، لعدم التنافي بين اليقين بالطهارة الفعلية والشك في كون الرعاف ناقضاً لها ، فالناقض إنّما هو العلم بوجود الرعاف في الخارج ، فرفع اليد عن اليقين السابق به نقض لليقين باليقين لا بالشك ، فهو مغالطة ظاهرة ، لأنّ الشك المفروض في كلامه إنّما هو الشك في كبرى انتقاض الطهارة بالرعاف ، وهو لا يوجب رفع اليد عن الطهارة ألبتّة ، لاجتماعه مع اليقين بالطهارة الفعلية ، وإنّما الموجب لرفع اليد عن الطهارة المتيقنة هو الشك في انتقاض الطهارة بالرعاف الموجود خارجاً بالفعل الذي لا يجتمع مع اليقين بالطهارة الفعلية ، وبعد كون رفع اليد عن الطهارة المتيقنة مستنداً إلى الشك ، كان مشمولاً لدليل حرمة نقض اليقين بالشك ، فلا يبقى فرق في حجية الاستصحاب بين الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود.

وأمّا التفصيل الثاني ، فقبل التعرض له لا بدّ من بيان حقيقة الحكم والفرق بين الحكم التكليفي والوضعي ، فنقول :

الحكم الشرعي من سنخ الفعل الاختياري الصادر من الشارع ، وليس هو عبارة عن الارادة والكراهة أو الرضا والغضب ، فانّها من مبادئ الأحكام تعرض للنفس بغير اختيار ، وليست من سنخ الأفعال الاختيارية ، فالحكم عبارة عن اعتبار نفساني من المولى ، وبالانشاء يبرز هذا الاعتبار النفساني ،

لا أنّه يوجد به كما مرّ (1)، فهذا الاعتبار النفساني تارةً يكون بنحو الثبوت وأنّ المولى يثبت شيئاً في ذمة العبد ويجعله ديناً عليه ، كما ورد في بعض الروايات أنّ دين اللّه أحق أن يقضى (2)، فيعبّر عنه بالوجوب ، لكون الوجوب بمعنى الثبوت (3)، واخرى يكون بنحو الحرمان ، وأنّ المولى يحرم العبد عن شيء ويسد عليه سبيله ، كما يقال في بعض المقامات : إنّ اللّه تعالى لم يجعل لنا سبيلاً إلى الشيء الفلاني ، فيعبّر عنه بالحرمة ، فانّ الحرمة هو الحرمان عن الشيء (4)، كما ورد أنّ الجنة محرّمة على آكل الربا (5)مثلاً ، فانّ المراد منه المحرومية عن الجنّة ، لا الحرمة التكليفية ، وثالثةً يكون بنحو الترخيص وهو الاباحة بالمعنى الأعم ، فانّه تارةً يكون الفعل راجحاً على الترك ، واخرى بالعكس ، وثالثةً لا رجحان لأحدهما على الآخر ، وهذا الثالث هو الاباحة بالمعنى الأخص.

فهذه هي الأحكام التكليفية ، والعبارة الجامعة أنّ الأحكام التكليفية عبارة عن الاعتبار الصادر من المولى من حيث الاقتضاء والتخيير ، كما هو مذكور في بعض الكلمات ، وما سواها كلّه أحكام وضعية ، سواء كان متعلقاً بفعل المكلف ، كالشرطية والمانعية والصحة والفساد أم لا كالملكية والزوجية وغيرهما ، فكل اعتبار من الشارع سوى الخمسة المذكورة حكم وضعي. وبعد ما عرفت المراد من الحكم ، والفرق بين التكليفي منه والوضعي ، فهل الحكم الوضعي مجعول


1) مرّ في ص 85 ، ولمزيد الاطلاع راجع محاضرات في اصول الفقه 1 : 92.

2) سنن النسائي 5 : 118.

3) كما في المنجد : 887 والمصباح المنير : 648.

4) المنجد : 128 ، المصباح المنير : 131.

5) ورد مضمونه في الوسائل 18 : 117 / أبواب الربا ب 1.

بالاستقلال أو منتزع من التكليف أو فيه تفصيل؟

ذكر صاحب الكفاية (1)قدس‌سره تفصيلاً في المقام حاصله : أنّ الأحكام الوضعية على أقسام ثلاثة :

الأوّل : ما لا يكون مجعولاً بالجعل التشريعي أصلاً ، لا استقلالاً ولا تبعاً للتكليف ، وإن كان مجعولاً بالجعل التكويني تبعاً لجعل موضوعه كالسببية والشرطية والمانعية والرافعية للتكليف.

الثاني : ما يكون منتزعاً من التكليف كالشرطية والمانعية للمكلف به ، فانّ المولى تارةً يأمر بشيء بلا تقييده بشيء وجودي أو عدمي ، واخرى يأمر بشيء مع التقييد بشيء وجوداً كالطهارة مثلاً فتنتزع منه الشرطية ، أو عدماً كالنجاسة مثلاً فتنتزع منه المانعية.

الثالث : ما يكون مجعولاً بالجعل التشريعي مستقلاً كالملكية والزوجية. وذكر أنّ الوجه في عدم كون القسم الأوّل مجعولاً بالجعل التشريعي أنّ اتصاف الأسباب والشروط بالسببية والشرطية ليس قابلاً للجعل الشرعي ، ولا منتزعاً من التكليف لكونه متأخراً عنه حدوثاً وبقاءً ، بل الاتصاف إنّما هو لخصوصية مؤثّرة في التكليف ، وإلاّ يلزم أن يكون كل شيء مؤثراً في كل شيء ، وهذه الخصوصية والربط شيء خارجي لا يحصل بمجرد الجعل التشريعي والانشاء ، ولا يكون منتزعاً من التكليف لكونه متأخراً عنه كما ذكرنا ، هذا ملخص كلامه قدس‌سره.

وقبل التعرض لتحقيق الأقسام المذكورة ، لا بدّ من التنبيه على أمر ، وهو


1) كفاية الاصول : 400.

أنّه كما تنتزع الامور الانتزاعية من الأشياء الخارجية ، كذلك تنتزع من الامور الاعتبارية ، فانّه إذا ترتب وجود شيء على شيء آخر في الخارج ، تنتزع منه السببية والمسببية لهما ، فكذلك الحال في الامور الاعتبارية ، فاذا جعل المولى حكمه مترتباً على شيء كما إذا قال : من حاز ملك ، أو من مات فما تركه لوراثه ، فتنتزع منه السببية ويقال : إنّ الحيازة سبب لملكية الحائز ، وموت المورّث سبب لملكية الوارث وهكذا ، فلا فرق من هذه الجهة بين الامور الخارجية والامور الاعتبارية فانّها أيضاً من الامور الواقعية المحققة التي تترتب عليها الآثار ، غاية الأمر أنّ تحققها إنّما هو في عالم الاعتبار وأمرها بيد المولى.

وبما ذكرنا ظهر الفرق بين الامور الاعتبارية والانتزاعية ، فانّ الامور الانتزاعية ليس بازائها شيء سوى منشأ الانتزاع ، بخلاف الامور الاعتبارية فانّ لها تحققاً في عالم الاعتبار ، وتترتب عليها الآثار ، وليست من الامور الخيالية.

فتحصّل مما ذكرنا أنّ هاهنا اموراً أربعة ، الأوّل : الامور المتأصلة الخارجية كالجواهر والأعراض. الثاني : الامور الاعتبارية التي أمرها بيد المولى. الثالث : الامور الانتزاعية ، وهي على قسمين ، لأنّ منشأ الانتزاع لها إمّا أن يكون من الامور الخارجية ، وإمّا أن يكون من الامور الاعتبارية ، وقد ذكرنا مثال القسمين. إذا عرفت ذلك فنقول :

أمّا القسم الأوّل من الأحكام الوضعية الذي ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره فهو من قيود التكليف ، فانّ المولى تارةً يجعل التكليف بلا قيد فيكون مطلقاً ، واخرى يجعله مقيداً بوجود شيء في الموضوع فيكون شرطاً ، وثالثةً بعدمه فيكون مانعاً ، فالسببية والشرطية والمانعية بالنسبة إلى التكليف

منتزعة من جعل التكليف مقيداً بوجود شيء في الموضوع أو عدمه.

والفرق بين السبب والشرط مجرد اصطلاح ، فانّهم يعبّرون عما اعتبر وجوده في الحكم التكليفي بالشرط ، ويقولون : إنّ البلوغ شرط لوجوب الصلاة مثلاً ، والاستطاعة شرط لوجوب الحج وهكذا ، ويعبّرون عما اعتبر وجوده في الحكم الوضعي بالسبب ، ويقولون : إنّ الملاقاة سبب للنجاسة ، والحيازة سبب للملكية ، فكلّ ما اعتبر وجوده في الحكم فهو شرط في باب التكليف وسبب في باب الوضع ، سواء عبّر عن اعتباره بلفظ القضية الشرطية أو الحملية ، فانّه لا فرق بين قول المولى : مَن كان مستطيعاً وجب عليه الحج ، وقوله : المستطيع يجب عليه الحج فيما يفهم منهما ، فانّ القضية الشرطية ترجع إلى الحملية ، كما أنّ القضية الحملية ترجع إلى الشرطية التي مقدّمها تحقق الموضوع ، وتاليها ثبوت المحمول له.

وبالجملة : كلّ ما اعتبر وجوده في الموضوع فهو شرط للتكليف ، كالاستطاعة لوجوب الحج ، وكلّ ما اعتبر عدمه في الموضوع فهو مانع عن التكليف كالحيض ، فالشرطية والمانعية بالنسبة إلى التكليف منتزعة من جعل المولى التكليف مقيداً بوجود شيء في الموضوع أو عدمه ، فتكون الشرطية والسببية والمانعية مجعولةً بتبع التكليف.

فظهر أنّ ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سرة) - من عدم كون الشرطية والمانعية والسببية بالنسبة إلى التكليف قابلة للجعل أصلاً ، لا بالاستقلال ولا بالتبع - خلط بين الجعل والمجعول ، فانّ ما ذكره صحيح بالنسبة إلى أسباب الجعل وشروطها من المصالح والمفاسد والارادة والكراهة والميل والشوق ، فانّها امور واقعية باعثة لجعل المولى التكليف ومبادئ له ، وليست قابلةً للجعل التشريعي ، لكونها من الامور الخارجية التي لا يعقل تعلق الجعل التشريعي

بها ، بل ربما تكون غير اختيارية كالميل والشوق والمصلحة والمفسدة مثلاً ، وهي خارجة عن محل الكلام ، فانّ الكلام في الشرطية والسببية والمانعية بالنسبة إلى المجعول وهو التكليف ، وقد ذكرنا أنّها مجعولة بتبع التكليف ، فكلّ ما اعتبر وجوده في الموضوع ، فتنتزع منه السببية والشرطية ، وكلّ ما اعتبر عدمه فيه فتنتزع منه المانعية. وظهر بما ذكرناه حال :

القسم الثاني من الأحكام الوضعية ، فانّه أيضاً منتزع من التكليف ، والفرق بينه وبين القسم الأوّل ، أنّ الشرطية والمانعية بالنسبة إلى التكليف إنّما تنتزعان من اعتبار شيء وجوداً أو عدماً في الموضوع وهو المكلف ، بخلاف الشرطية والمانعية بالنسبة إلى المكلف به ، فانّهما منتزعتان من اعتبار شيء في متعلق الأمر وهو المكلف به ، فان اعتبر فيه شيء وجوداً ، فتنتزع منه الشرطية ويقال : إنّ الاستقبال مثلاً شرط للصلاة ، أو التستر شرط لها ، وإن اعتبر فيه شيء عدماً ، فتنتزع منه المانعية ، ويقال : إنّ أجزاء غير مأكول اللحم مانعة عن الصلاة.

فتلخص مما ذكرناه : أنّه إذا أمر المولى بشيء ولم يقيده بشيء وجوداً ولا عدماً ، فليس هنا شرط ولا مانع ، لا للتكليف ولا للمكلف به ، وإذا أمر بشيء مقيداً بوجود شيء في الموضوع كالاستطاعة ، فهو شرط للتكليف ، أو بعدمه فيه فهو مانع عنه كالحيض ، وإذا أمر بشيء مقيداً بوجود شيء في المكلف به فهو شرط للمكلف به كالاستقبال ، أو بعدمه فيه فهو مانع عنه كأجزاء غير المأكول ، وإذالم يقيد المولى المكلف به بشيء فهو مطلق.

وظهر بما ذكرنا أنّ الجزئية أيضاً أمر منتزع من أمر المولى بالمركب ، فاذا أمر بعدة امور من التكبير والقراءة والسورة والركوع والسجود وغيرها ، تنتزع منه الجزئية ويقال : إنّ السورة مثلاً جزءٌ للصلاة.

وأمّا القسم الثالث فالأمر فيه كما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّ الملكية والزوجية وأمثالهما مجعولة بالاستقلال ، لا أنّها منتزعة من التكليف كما اختاره الشيخ (1)قدس‌سره فانّ انتزاعها من التكليف وإن كان ممكناً في مقام الثبوت ، إلاّأنّ مقام الاثبات لا يساعد عليه لكونه خلاف ظاهر الأدلة ، إذ المستفاد من قوله عليه‌السلام : «الناس مسلّطون على أموالهم» (2)أنّ جواز التصرف مسبوق بالملكية ومن أحكامها ، لا أنّ الملكية منتزعة من جواز التصرف ، فانّ الحكم بجواز التصرف يستفاد من قوله عليه‌السلام : «مسلطون» والملكية من الاضافة في قوله عليه‌السلام : «أموالهم».

فظاهر الحديث أنّ الملكية متقدمة على جواز التصرف تقدم الموضوع على الحكم ، وكذا عدم جواز التصرف في ملك الغير الذي يستفاد من قوله عليه‌السلام : «لا يحل مال امرئ إلاّبطيب نفسه» (3)فظاهره أنّ عدم جواز التصرف من آثار الملكية ومتأخر عنها رتبةً تأخر الحكم عن موضوعه ، لا أنّها منتزعة من عدم جواز تصرف الغير.

وكذا الزوجية والرقية وغيرهما من الأحكام الوضعية ، فانّ الرجوع إلى الأدلة يشهد بأنّ جواز الاستمتاع من آثار الزوجية ومتفرع عليها ، لا أنّ الزوجية منتزعة من جواز الاستمتاع له ، أو عدم جواز الاستمتاع للغير.

مضافاً إلى أنّه لا تلازم بين الملكية وجواز التصرف ، ولا بينها وعدم جواز تصرف الغير ، فانّ النسبة بين الملكية وجواز التصرف هو العموم من وجه ، إذ


1) فرائد الاصول 2 : 603.

2) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272.

3) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلي ب 3 ح 1 (باختلاف يسير).

قد يكون الشخص مالكاً ولا يجوز له التصرف كالسفيه والعبد على القول بملكه ، وكذا في العين المرهونة ، وقد يجوز التصرف له مع عدم كونه مالكاً كما في المباحات الأصلية. وكذا النسبة بين الملكية وعدم جواز تصرف الغير أيضاً هو العموم من وجه ، فقد يكون الشخص مالكاً لشيء ويجوز لغيره التصرف فيه ، كما في حق المارة والأكل عند المخمصة ، وقد لا يجوز للغير التصرف مع عدم كون هذا الشخص مالكاً كما في العين المرهونة ، فانّه لا يجوز التصرف فيها للراهن مع عدم كونها ملكاً للمرتهن ، فكيف يمكن القول بأنّ الملكية منتزعة من جواز التصرف أو من عدم جواز تصرف الغير.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّه يلزم على ما ذكره الشيخ قدس‌سره عدم جريان الاستصحاب فيما إذا زوّج أحد صغيرةً ثمّ بلغت وشك في أنّه طلّقها أم لا ، فانّه لا يجري الاستصحاب في الحكم الوضعي وهو الزوجية ، لكونه منتزعاً من التكليف ، فيكون تابعاً لمنشأ الانتزاع حدوثاً وبقاءً ، ولا في الحكم التكليفي وهو جواز الوطء لكونه مسبوقاً بالعدم ، لعدم جواز وطء الزوجة الصغيرة ، إلاّ أن يقال : إنّه يجري الاستصحاب في الحكم التكليفي بنحو التعليق بناءً على حجية الاستصحاب التعليقي فيقال : إنّ هذه المرأة لو بلغت سابقاً كان وطؤها جائزاً والآن كما كان ، وعلى ما ذكرنا من كون الزوجية مجعولةً بالاستقلال ، يجري الاستصحاب فيها بلا إشكال ويترتب عليه جواز الوطء.

فالمتحصل مما ذكرناه في المقام : أنّ الأحكام الوضعية على قسمين : قسم منها مجعول بالاستقلال كالملكية والزوجية ، وقسم منها منتزع من التكليف إمّا باعتبار شيء في الموضوع أو في المتعلق.

بقي الكلام في امور قد اختلف في أنّها من الأحكام الوضعية أم لا :

منها : الطهارة والنجاسة ، فذهب الشيخ (1)قدس‌سره إلى أنّهما من الامور الواقعية ، فالطهارة عبارة عن النظافة الواقعية ، والنجاسة عبارة عن القذارة الواقعية ، وكشف عنهما الشارع ، كخواص بعض الأدوية التي لا يعرفها إلاّأهل الخبرة والتجربة ، فالطهارة والنجاسة من هذا القبيل ، وليستا من الامور المجعولة كالأحكام التكليفية.

وفيه أوّلاً : أنّه خلاف ظواهر الأدلة ، إذ ظاهرها أنّ الشارع حكم بالنجاسة في شيء وبالطهارة في شيء آخر بما هو شارع ، لا أنّه أخبر عن حقيقة الأشياء بما هو من أهل الخبرة.

وثانياً : أنّه خلاف الوجدان بالنسبة إلى بعض الموارد ، فانّه وإن كان يمكن القول به في مثل البول والغائط والكلب وغيرها بأن يقال : إنّ الحكم بنجاسة هذه الأشياء إخبار عن قذارتها الواقعية ، إلاّأ نّه لا يمكن القول به في مثل ولد الكافر المحكوم بالنجاسة للتبعية ، فانّ القول بأنّ الحكم بنجاسة الولد قبل إقرار الوالد بالشهادتين إخبار عن قذارته الواقعية ، والحكم بطهارته بعده إخبار عن نظافته الواقعية خلاف الوجدان ، وكيف تتبدل قذراته الواقعية الخارجية بمجرد تلفظ والده بالشهادتين سيّما إذا كان بعيداً عنه ، وإن كان تبدل القذارة الواقعية بالنظافة الواقعية بالتلفظ بالشهادتين بالنسبة إلى نفس الوالد ممكناً. وأمّا التبدل الخارجي بالنسبة إلى الولد فلعله خلاف المقطوع به.

نعم ، لاننكر كون الحكم بالطهارة والنجاسة من قبل الشارع لأجل خصوصية وملاك في الموضوع ، كما في الأحكام التكليفية عند العدلية. ولا يبعد أن يكون الملاك والمصلحة في الحكم بنجاسة الكفار تنفّر المسلمين عنهم لئلا يتخذوا


1) كتاب الطهارة : 335 النظر السادس فيما يتبع الطهارة.

أخلاقهم وعاداتهم ، فانّ الحكم بنجاستهم يوجب تنفر المسلمين عنهم لئلا يبتلى برطوباتهم في البدن واللباس حتى يحتاجون إلى التطهير للصلاة وغيرها ، فيأمنون من أخلاقهم الردية وعاداتهم الرذيلة ، ولم يراع المسلمون في يومنا هذا الحكم ، حتى صاروا متخلّقين بأخلاقهم ، وصاروا بمنزلتهم في المآكل والمشارب.

ويمكن أن يكون الحكم بنجاسة الخمر أيضاً بهذا الملاك وهو التنفر ، فبعد حكم الشارع بحرمته حكم بنجاسته أيضاً ليوجب التنفر عنه ، وهذا المعنى مراد الشهيد قدس‌سره من عبارته التي نقلها الشيخ قدس‌سره في المكاسب (1)من أنّ النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة والأغذية للاستقذار أو للتوصل بها إلى الفرار ، فالظاهر أنّ مراده من التوصل بها إلى الفرار هو ما ذكرناه.

وثالثاً : أنّه لا يمكن القول بأنّ الحكم بالطهارة إخبار عن النظافة الواقعية في الطهارة الظاهرية ، إذ الحكم بطهارة الشيء المشكوك فيه الذي يمكن أن يكون نجساً في الواقع لا يمكن أن يكون إخباراً عن النظافة الواقعية ، ولا بدّ من القول بمجعولية الطهارة في مثله.

فتحصّل : أنّ الصحيح كون الطهارة مجعولةً من قبل الشارع ، غاية الأمر أنّ الطهارة الواقعية مجعولة للشيء بعنوانه الأوّلي ، والطهارة الظاهرية مجعولة له بعنوان أنّه مشكوك فيه.

ومنها : الصحة والفساد ، فهل هما مجعولتان مطلقاً أو ليستا بمجعولتين كذلك ، أو يفصّل بين العبادات والمعاملات بالالتزام بعدم الجعل في الاولى ، والجعل في الثانية؟ فيه خلاف.


1) المكاسب 1 : 100.

اختار صاحب الكفاية قدس‌سره (1)التفصيل ، بدعوى أنّ الصحة والفساد في العبادات عبارة عن مطابقة المأتي به للمأمور به وعدمها ، والمطابقة وعدمها أمران تكوينيان لا ربط لهما بالجعل الشرعي ، بخلاف المعاملات فانّ الصحة والفساد فيها عبارة عن ترتب الأثر وعدمه ، والحكم بترتب الأثر - كما في البيع وبعدمه كما في الربا - مجعول شرعي ، هذا.

والصحيح : أنّ الصحة والفساد ليستا من المجعولات الشرعية مطلقاً ، فانّ الطبيعة الكلية المجعولة لا تتصف بالصحة والفساد ، وإنّما المتصف بهما هو الفرد الخارجي المحقق أو المقدر ، فيقال : إنّ البيع الفلاني صحيح لكونه واجداً للشرائط ، أو فاسد لعدم كونه واجداً لها ، فالصحة والفساد من أوصاف الفرد الخارجي المحقق وجوده أو المقدر ، فكل فردٍ يكون مطابقاً للطبيعة المجعولة صحيح ، وكل فرد لم يكن من مصاديقها فاسد ، بلا فرق بين العبادات والمعاملات. فالصحة والفساد في العبادات والمعاملات منتزعتان من انطباق الطبيعة المجعولة على الفرد الخارجي وعدمه ، وليستا مجعولتين.

هذا في الصحة والفساد الواقعيتين ، وأمّا الصحة والفساد الظاهريتين ، فحيث إنّ موضوعهما الفرد المشكوك فيه ، فللشارع أن يحكم بترتيب الأثر عليه ، وأن يحكم بعدمه ، فلا محالة تكونان مجعولتين من قبل الشارع ، فقد حكم بالصحة الظاهرية في بعض الموارد كما في الشك بعد تجاوز المحل وبعد الفراغ ، وحكم بالفساد في موارد اخرى كما في بعض الشكوك في ركعات الصلاة.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ الصحيح هو التفصيل بين الصحة والفساد الواقعيتين والظاهريتين ، والالتزام بكون الأوّل غير مجعول والثاني مجعولاً ، بلا فرق بين


1) كفاية الاصول : 183 و 184.

العبادات والمعاملات.

ومنها : العزيمة والرخصة على ما ذكره بعضهم ، ولا بدّ من شرح المراد منهما حتى يظهر كونهما من الأحكام الوضعية أو عدمه ، فنقول : العزيمة عبارة عن سقوط الأمر بجميع مراتبه ، والرخصة عبارة عن سقوطه ببعض مراتبه ، فاذا أمر المولى بشيء ثمّ أسقط الأمر رأساً كما في الركعتين الأخيرتين للمسافر ، فيكون الاتيان به استناداً إلى المولى تشريعاً محرّماً ، وهذا هو العزيمة ، وإذا أمر بشيء وجوباً ثمّ سقط وجوبه وبقي رجحانه فهذا هو الرخصة. وكذا إن كان مستحباً مؤكداً ثمّ سقط تأكده كما في بعض موارد سقوط الأذان والاقامة.

وظهر بما ذكرناه من معنى العزيمة والرخصة عدم كونهما من الأحكام الوضعية المجعولة ، بل هما أمران راجعان إلى التكليف ، فسقوط التكليف رأساً عزيمة ، وسقوطه ببعض مراتبه رخصة ، فلا وجه لذكرهما في جملة الأحكام الوضعية.

ثمّ إنّه ذكر جماعة أنّ المجعولات الشرعية ثلاثة : الأحكام التكليفية ، والأحكام الوضعية ، والماهيات المخترعة كالصوم والصلاة ، قال الشهيد قدس‌سره : الماهيات الجعلية كالصوم والصلاة لا يطلق على الفاسد إلاّالحج لوجوب المضي فيه (1). وهو أوّل من قال بالماهيات الجعلية ، ووافقه جماعة منهم المحقق النائيني (2)قدس‌سره.

والانصاف أنّه لا يتعقل معنىً لجعل الماهيات تشريعاً ، فانّها غير قابلة للجعل التشريعي ، وذلك لأن معنى جعل الماهية على ما ذكروه هو تصور امور متعددة مجتمعة ومنضماً بعضها مع بعض ، ثمّ الأمر بها بعنوان أنّها شيء واحد ،


1) القواعد والفوائد 1 : 158 / الفائدة 2.

2) أجود التقريرات 4 : 74 ، فوائد الاصول 4 : 386.

ومرجع هذا المعنى إلى شيئين : الأوّل : تصور الامور المتعددة كالتكبير والقيام والقراءة مثلاً بتصور واحد. الثاني : الأمر بهذه الامور المتعددة ، ولا يصلح شيء منهما لأن يكون جعلاً للماهية.

أمّا الأوّل : فهو عبارة عن إيجاد الماهيات المتعددة في الذهن ، فانّ الوجود الذهني للأشياء هو عين تصوّرها لا جعل الماهيات تشريعاً ، فيكون تصوّرها جعلاً تكوينياً لها في الذهن بتبع إيجادها فيه ، كما أنّ الجعل التكويني الخارجي لماهية إنّما يكون بتبع إيجادها في الخارج. والفرق بين الوجود الذهني والخارجي أنّ وجود الأشياء في الخارج متمايز ومنحاز بعضها عن بعض ، بخلاف وجودها الذهني ، فانّه يمكن تصورها في الذهن بتصور واحد بلا امتياز لبعضها عن بعض.

وأمّا الثاني : فهو عبارة عن التكليف فهو المجعول تشريعاً دون الماهية.

فتحصّل : أنّ المجعول الشرعي منحصر في الأحكام التكليفية والوضعية.

ثمّ إنّ الحكم التكليفي قد يكون مجعولاً بنحو القضية الحقيقية والكبرى الكلية كقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... ) (1)وقد يكون مجعولاً بنحو القضية الشخصية كما في أمر الرسول صلى‌اللّه‌عليه‌وآله الشيخين بالخروج مع جيش اسامة.

وكذا الحكم الوضعي تارةً يكون مجعولاً بنحو القضية الحقيقية كما في قوله تعالى : ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ... ) (2)بناءً على كون المراد بحليته الحلية الوضعية. وكما


1) آل عمران 3 : 97.

2) البقرة 2 : 275.

في القضاوة العامة المجعولة بنحو القضية الحقيقية المستفادة من قوله عليه‌السلام : «انظروا إلى رجل قد نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا - إلى قوله عليه‌السلام - فانّي قد جعلته حاكماً» (1).

واخرى يكون مجعولاً بنحو القضية الشخصية كما في نصب الإمام عليه‌السلام شخصاً معيّناً قاضياً في بلدة معيّنة. وبالجملة : في كل مورد حكم فيه الرسول بما هو رسول أو الإمام بما هو إمام فهو حكم شرعي يجب امتثاله ، وإن كان الحق عندنا وجوب إطاعة الرسول أو الإمام حتى فيما إذا حكم بما هو هو لا بما هو رسول أو بما هو إمام.

إذا عرفت ما ذكرناه من الفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية وأقسامهما ، تعلم صحة جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعية أيضاً.

أمّا الحكم الوضعي المجعول بالاستقلال كالملكية والزوجية فأمره واضح ، لكونه كالحكم التكليفي من جميع الجهات ، فان قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية التكليفية ، نقول به في الأحكام الوضعية أيضاً ، سواء كان الشك من جهة احتمال النسخ أو من جهة احتمال الرافع ، وإن قلنا باختصاص الاستصحاب بالشبهات الموضوعية ، نقول به في الأحكام الوضعية.

وأمّا الحكم الوضعي المجعول بالتبع كالشرطية والسببية والمانعية ، فجريان الاستصحاب فيه وإن كان لا مانع منه من حيث المقتضي وشمول الدليل من قوله عليه‌السلام : «لاتنقض ...» إلاّأ نّه لاتصل النوبة إلى جريان الاستصحاب فيه ، بل يجري الاستصحاب في منشأ انتزاعه ، فاذا شككنا في بقاء شرطية


1) الوسائل 27 : 136 و 137 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 (باختلاف يسير).

الاستقبال للصلاة مثلاً ، لا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب في نفس الشرطية بأن يقال : الشرطية كانت متيقنة والآن كما كانت ، لجريان الاستصحاب في منشأ انتزاعها ، وهو كون الأمر بالصلاة مقيداً بالاستقبال ، فنقول : الأمر بالصلاة كان مقيداً بالاستقبال والآن كما كان ، فيحكم بكون الاستقبال شرطاً ظاهرياً للصلاة للاستصحاب ، فانّ الشرطية الواقعية منتزعة من الأمر الواقعي بالمقيد ، والشرطية الظاهرية منتزعة من الأمر الظاهري بالمقيد.

فتحصّل : أنّ التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية في جريان الاستصحاب مما لا وجه له. هذا تمام الكلام في حجية الاستصحاب وبعض التفصيلات المهمّة ، وأعرضنا عن ذكر أكثر التفصيلات لعدم أهميتها ، ثمّ يقع الكلام في التنبيه على امور :

التنبيه الأوّل

أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون المتيقن سابقاً والمشكوك فيه فعلياً ، كما إذا علمنا بعدالة زيد سابقاً وشككنا في بقائها فعلاً ، أو يكون المتيقن فعلياً والمشكوك فيه استقبالياً ، كما إذا علمنا بعدالة زيد الآن وشككنا في بقائها إلى اليوم الآتي مثلاً ، ويسمى بالاستصحاب الاستقبالي.

ومورد بعض أدلة الاستصحاب وإن كان هو القسم الأوّل بالخصوص كما في قوله عليه‌السلام : «... لأنّك كنت على يقين من طهارتك ...» (1)إلاّأنّ عموم التعليل في بعضها يقتضي عدم الفرق بين القسمين ، إذ قوله عليه‌السلام : «إنّ


1) في صحيحة زرارة الثانية وقد تقدّمت في ص 58.

اليقين لا ينقض بالشك» يدل على أنّ ملاك الاستصحاب هو عدم جواز نقض اليقين بالشك ، بلا فرق بين كون المتيقن سابقاً والمشكوك فيه فعلياً ، وكون المتيقن فعلياً والمشكوك فيه استقبالياً.

نعم ، لا بدّ في جريان الاستصحاب الاستقبالي من الثمرة الفعلية ، ففي مثال العلم بعدالة زيد الآن مع الشك في بقائها إلى اليوم الآتي ، لا مجال لجريان الاستصحاب لعدم ترتب ثمرة فعلية على عدالته في اليوم الآتي مع عدالته الآن يقيناً ، فجريان الاستصحاب الاستقبالي مختص بموارد الثمرة الفعلية.

ومن جملة هذه الموارد مسألة جواز البدار لذوي الأعذار ، فمن كان عاجزاً عن بعض الأجزاء أو الشرائط في أوّل الوقت مع العلم ببقاء عجزه إلى آخر الوقت ، يجوز له البدار بلا إشكال ، لأنّه مأمور بالعمل الفاقد ، ومخيّر عقلاً بين الأفراد الطولية والعرضية لهذا العمل الفاقد ، كما كان مخيراً بين الأفراد الطولية والعرضية للعمل الواجد في صورة عدم العجز.

ولو كان عالماً بزوال عذره إلى آخر الوقت ، لا يجوز له البدار بل يجب عليه الانتظار ، إذ ليس مأموراً باتيان العمل في خصوص أوّل الوقت حتى ينتقل إلى البدل فيه ، بل هو مأمور بطبيعي العمل ، فليس له الانتقال إلى البدل إلاّبعد تعذر جميع أفراد المبدل منه ، أمّا مع الشك في بقاء عذره لا يجوز له البدار لعدم العلم بكون البدل مأموراً به في هذا الوقت ، إلاّأنّ استصحاب بقاء العذر يكون بمنزلة العلم ببقائه بالتعبد الشرعي فيجوز له البدار ، فان لم يظهر الخلاف إلى آخر الوقت ، فليس عليه شيء ، وإن انكشف الخلاف وزال عذره قبل خروج الوقت ، فالاجتزاء بالبدل وعدمه مبني على القول بالاجزاء في الأمر الظاهري ، فان قلنا به فلا تجب عليه الاعادة ، وإن قلنا بعدمه كما هو التحقيق فتجب عليه الاعادة.

هذا في غير التيمم من الأبدال الاضطرارية. وأمّا التيمم فقد ورد في بعض الروايات ما يدل باطلاقه على جواز البدار ، كما في صحيحة الحلبي «أنّه سأل أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الرجل إذا أجنب ولم يجد الماء ، قال عليه‌السلام : يتيمم بالصعيد ، فاذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة» (1)ونحوها صحيحة اخرى للحلبي (2).

ولكن بعض الروايات نص في عدم جواز البدار كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال : «سمعته يقول عليه‌السلام : إذالم تجد ماءً وأردت التيمم ، فأخّر التيمم إلى آخر الوقت ، فان فاتك الماء لم تفتك الأرض» (3)وحيث إنّ مورد الثانية هو الشك في زوال العذر ، إذ عدم جواز البدار إنّما هو مع رجاء زوال العذر لا مع العلم ببقائه ، والرواية الدالة على جواز البدار مطلقة شاملة لصورتي اليأس والرجاء ، فيتعين حملها على صورة اليأس والحكم بعدم جواز البدار مع رجاء زوال العذر ، إذ مقتضى الجمع بين المطلق والمقيد حمل المطلق على المقيد ، فتكون النتيجة عدم جواز البدار إلى التيمم مع الشك في زوال العذر إلى آخر الوقت.

وأفتى السيد قدس‌سره في العروة (4)عكس ما ذكرناه من التفصيل بين التيمم وغيره ، فقال بجواز البدار في التيمم دون غيره من الأبدال الاضطرارية ولم يظهر لنا وجهه.


1) الوسائل 3 : 366 و 367 / أبواب التيمم ب 14 ح 1 و 4.

2) الوسائل 3 : 366 و 367 / أبواب التيمم ب 14 ح 1 و 4.

3) الوسائل 3 : 384 / أبواب التيمم ب 22 ح 1.

4) العروة الوثقى 1 : 355 و 379 و 380 / المسألة [1141 ، 1203 ، 1205].

التنبيه الثاني

لا ينبغي الاشكال في أن مقتضى أدلة الاستصحاب هو اعتبار اليقين والشك الفعلي ، فانّ الأدلة المتكفلة لبيان الأحكام الواقعية أو الظاهرية واردة بنحو القضية الحقيقية التي يحكم فيها على تقدير وجود الموضوع ، فلو دل دليل على أنّ الخمر حرام ، مفاده أنّ الحرمة ثابتة للخمر الفعلي ، ولا يدل على حرمة شيء لا يكون خمراً بالفعل وإن كان إذا غلا يكون خمراً.

وكذا لو دل دليل على وجوب تقليد العالم مثلاً ، فمعناه وجوب تقليد العالم بالفعل لا تقليد من يكون له استعداد العلم بحيث لو تعلّم يصير عالماً كما هو واضح ، فلا بدّ في جريان الاستصحاب من اليقين والشك الفعلي ، إذ لو اجري الاستصحاب مع الشك التقديري لكان جارياً مع عدم الشك ، وهو خلف ، لكون موضوعه اليقين والشك.

وفرّع الشيخ (1)قدس‌سره على اعتبار اليقين والشك الفعلي في جريان الاستصحاب فرعين ، وتبعه صاحب الكفاية قدس‌سره (2).

الفرع الأوّل : أنّه لو كان أحد محدثاً فغفل وصلّى ثمّ شك في أنّه تطهّر قبل الصلاة أم لا ، فيجري استصحاب الحدث بالنسبة إلى الأعمال الآتية ، وأمّا بالنسبة إلى الصلاة التي أتى بها فلا يجري استصحاب الحدث ، لأنّه كان غافلاً قبل الصلاة ولم يكن له الشك الفعلي حتى تكون صلاته واقعة مع الحدث


1) فرائد الاصول 2 : 547 و 548.

2) كفاية الاصول : 404.

الاستصحابي ، وبعد الصلاة وإن كان الشك موجوداً ، إلاّأنّ قاعدة الفراغ حاكمة على الاستصحاب أو مخصصة له ، على ما يأتي في أواخر التنبيهات (1)إن شاء اللّه تعالى ، فيحكم بعدم وجوب الاعادة عليه.

الفرع الثاني : أنّه لو التفت قبل الصلاة ثمّ غفل وصلى ، فتكون صلاته باطلة ، لتحقق الشك الفعلي قبل الصلاة ، فقد وقعت مع الحدث الاستصحابي.

وفي كلا الفرعين نظر :

أمّا الفرع الأوّل : فلأنّ قاعدة الفراغ لا تخلو من أمرين : فامّا أن تكون من الاصول التعبدية الشرعية ، وإمّا أن تكون من الأمارات العقلائية كما هو الظاهر ، لأن ترك الجزء أو الشرط عمداً لا يتصور بالنسبة إلى من هو في مقام الامتثال ، فان تُركا لا يستند تركهما إلاّإلى الغفلة والنسيان ، وهو خلاف الأصل ، فان مقتضى طبيعة الانسان هو الذكر في حال العمل ، لا السهو والنسيان كما في الامور العادية ، فالفراغ عن العمل أمارة كاشفة نوعاً عن عدم وقوع الغفلة والسهو.

ويؤيد هذا المعنى : قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2)وكذا قوله عليه‌السلام : في صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في الشك في عدد ركعات الصلاة بعد الفراغ : «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (3).

فعلى القول بكون قاعدة الفراغ أمارة نوعية على عدم وقوع الغفلة والسهو ،


1) في ص 315 - 318.

2) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

3) الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

لا مجال للأخذ بها مع العلم بالغفلة كما هو المفروض في المقام ، فعدم جريان الاستصحاب في حال الغفلة مسلّم ، لعدم الشك الفعلي ، إلاّأ نّه لا مانع من جريانه بعد الصلاة حتى بالنسبة إلى الصلاة التي أتى بها ، لاختصاص قاعدة الفراغ بصورة عدم العلم بالغفلة ، فلا تجري في المقام حتى تكون حاكمةً على الاستصحاب أو مخصصة له.

ولما ذكرنا من اختصاص قاعدة الفراغ بموارد عدم العلم بالغفلة ، لا تجري فيما لو شك في صحة العمل بعد الفراغ عنه مع العلم بكيفية وقوع العمل والشك في انطباقه على الواقع ، كما إذا شك بعد الوضوء في أنّه توضأ بالماء أو بمائع آخر مع علمه بأ نّه توضأ بهذا المائع الموجود ، لكنّه لا يدري أنّه ماء أو مائع آخر ، فلا مجال للحكم بصحة الوضوء لقاعدة الفراغ ، لعدم كون احتمال البطلان مستنداً إلى الغفلة بل إلى عدم المصادفة الاتفاقية للواقع.

وأمّا على القول بكون قاعدة الفراغ من الاصول التعبدية الشرعية وعدم اختصاصها بموارد احتمال الغفلة لاطلاق بعض النصوص الدالة على أنّ «ما مضى فأمضه كما هو» (1)فتكون قاعدة الفراغ حاكمةً على الاستصحاب ولو قلنا بعدم اعتبار الشك الفعلي في الاستصحاب ، إذ لا اختصاص لحكومة القاعدة على الاستصحاب الجاري بعد الصلاة ، بل تكون حاكمةً على الاستصحاب الجاري قبلها أيضاً.

وأمّا الفرع الثاني : ففيه أنّ بطلان الصلاة في الفرض مسلّم ، إلاّأ نّه ليس مستنداً إلى جريان الاستصحاب قبل الصلاة ، بل إلى عدم جريان قاعدة الفراغ في نفسها ، لاختصاصها بما إذا حدث الشك بعد الفراغ ، وهذا الشك


1) الوسائل 8 : 237 و 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

الموجود بعد الفراغ كان قبل الصلاة ، فانّ هذا الشك متحد عرفاً مع الشك الذي كان قبل الصلاة ، وإن كان غيره بالدقة العقلية ، ومع قطع النظر عما ذكرناه فالاستصحاب الجاري قبل الصلاة لايقتضي البطلان ، لأنّه بعد الالتفات وتحقق الشك عرضت له الغفلة ثانياً على الفرض ، وبمجرد عروض الغفلة لا يجري الاستصحاب ، لأنّه كما يعتبر في الاستصحاب اليقين والشك حدوثاً ، كذا يعتبران بقاءً ، فما دام شاكاً يكون محدثاً بالحدث الاستصحابي ، وبمجرد طروء الغفلة يسقط الاستصحاب ، فلا يكون محدثاً بالحدث الاستصحابي ، والمفروض أنّه بعد الشك غفل ودخل في الصلاة.

فظهر بما ذكرناه ما في الكفاية من تعليل البطلان بأ نّه دخل في الصلاة محدثاً بالحدث الاستصحابي ، فانّه لا استصحاب حين الدخول في الصلاة لغفلته ، فينتفي الاستصحاب بانتفاء موضوعه وهو الشك الفعلي.

نعم ، لو عرض له شك آخر بعد الصلاة يمكن القول بصحة صلاته لقاعدة الفراغ ، كما لو شك في المثال المذكور بعد الصلاة في أنّه هل تطهر بعد الشك في الطهارة قبل الصلاة أم لا ، بأن كان محدثاً والتفت فشك في الطهارة قبل الصلاة ، ثمّ غفل وصلّى ، وبعد الفراغ شك في أنّه هل تطهر بعد الشك في الطهارة قبل الصلاة أم لا ، فيحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ ، لكون الشك الحادث بعد الصلاة غير الشك قبلها ، فيكون هذا الشك الحادث بعد الفراغ مورداً لقاعدة الفراغ ، ولا يكون الحدث الاستصحابي قبل الصلاة أولى من الحدث اليقيني قبلها ، فلو كان محدثاً قبل الصلاة يقيناً فغفل وصلى وشك بعد الصلاة في أنّه توضأ بعد الحدث المتيقن أم لا ، يحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ ، والحكم بصحة الصلاة في المقام أولى ، لعدم كونه متيقناً بالحدث ، بل محكوم به للاستصحاب قبل الصلاة.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ اعتبار اليقين والشك الفعلي وإن كان مسلّماً ، إلاّ أنّه لا يتفرّع عليه الفرعان المذكوران ، بل الحكم بالصحة أو البطلان في المثالين تابع لجريان قاعدة الفراغ وعدمه.

ففي الفرع الأوّل لو قلنا بكون القاعدة من الأمارات وعدم جريانها في المقام لاختصاصها بموارد احتمال الغفلة يحكم ببطلان الصلاة ولو لم نقل بجريان استصحاب الحدث قبل الصلاة لعدم الشك الفعلي ، فانّ استصحاب الحدث الجاري بعد الصلاة كافٍ في الحكم ببطلانها. ولو قلنا بجريان قاعدة الفراغ يحكم بصحة الصلاة ولو قلنا بجريان استصحاب الحدث قبل الصلاة ، لعدم اعتبار الشك الفعلي ، لكونه محكوماً بالقاعدة.

وفي الفرع الثاني إن كانت قاعدة الفراغ جاريةً ، كما إذا كان الشك الحادث بعد الفراغ غير الشك الذي كان قبل الصلاة ، كانت الصلاة صحيحةً حتى مع جريان استصحاب الحدث قبل الصلاة. ولو لم تكن القاعدة جاريةً ، كما إذا كان الشك الحادث بعد الصلاة هو الشك الذي كان قبلها ، كانت الصلاة باطلةً ولو لم يكن الاستصحاب قبل الصلاة جارياً لاعتبار الشك حدوثاً وبقاءً ، فالحكم بالصحة دائر مدار جريان قاعدة الفراغ في كلا الفرعين.

التنبيه الثالث

إذا علمنا وجداناً بحدوث شيء ثم شككنا في بقائه ، فهذا هو القدر المتيقن من مورد الاستصحاب.

وأمّا إذا شك في بقاء شيء على تقدير حدوثه ولم يحرز حدوثه بالوجدان ،

كما إذا قامت الأمارة على حدوث شيء ثمّ شك في بقائه على تقدير حدوثه ، ففي جريان الاستصحاب إشكال لعدم اليقين بالحدوث ، وهو واضح ، بل لعدم الشك في البقاء أيضاً ، لأنّ الشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب هو الشك في بقاء المتيقن ، لا مطلق الشك ، وليس في المقام شك في بقاء المتيقن ، بل الشك في البقاء على تقدير الحدوث ، فلا يجري الاستصحاب ، لانتفاء كل من اليقين والشك المأخوذين في موضوعه.

ولا اختصاص لهذا الاشكال بطريقية الأمارات ، بل يجري على بعض صور الموضوعية أيضاً ، توضيحه : أنّه بناءً على الطريقية لا يقين بالحكم ، لاحتمال عدم مصادفة الأمارة للواقع ، بل ولا شك في البقاء على ما ذكرناه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب. وأمّا بناءً على الموضوعية على ما هو المشهور بينهم من أنّ ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، فموضوعية الأمارات وسببيتها تتصور على وجهين :

الوجه الأوّل : أن يكون قيام الأمارة على وجوب شيء مثلاً موجباً لحدوث مصلحة في ذات الفعل ، بأن يكون قيام الأمارة من قبيل الواسطة في الثبوت لعروض المصلحة الملزمة في ذات الفعل. ولا إشكال في جريان الاستصحاب على هذا المبنى ، إذ بعد قيام الأمارة يكون الوجوب متيقناً ، فاذا شك في بقائه لا مانع من جريان الاستصحاب بالنسبة إلى هذا الوجوب الحادث لأجل قيام الأمارة ، وإن كان الوجوب الواقعي مشكوكاً من أوّل الأمر.

الوجه الثاني : أن يكون قيام الأمارة على وجوب شيء مثلاً موجباً لعروض المصلحة للفعل المقيد بكون وجوبه مؤدى الأمارة ، بأن يكون قيام الأمارة من قبيل الواسطة في العروض للمصلحة ، ولا يجري الاستصحاب على هذا المبنى ، إذ الوجوب الواقعي لم يكن متيقناً حتى نجري الاستصحاب فيه ، والوجوب

الحادث لقيام الأمارة معلوم العدم ، لأنّه كان مقيداً بقيام الأمارة ، والمفروض عدم دلالة الأمارة على الحكم في الزمان الثاني ، وإلاّ لم يقع الشك فيه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، بلا فرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية.

والاولى كما إذا أفتى مفتٍ بوجوب شيء في زمان مع تردده في الزمان الثاني ، فلا يجري استصحاب الوجوب في الزمان الثاني ، لكون الوجوب الواقعي مشكوكاً من أوّل الأمر ، والوجوب الحادث لفتوى المفتي كان مقيداً بالفتوى ، والمفروض كونه متردداً في الزمان الثاني فهو معلوم الانتفاء.

والثانية كما إذا قامت البينة على نجاسة ماءٍ في الأمس مثلاً ، ثمّ شككنا في بقاء نجاسته في اليوم ، فلا مجال لجريان الاستصحاب ، إذ النجاسة الواقعية مشكوكة من أوّل الأمر ، والنجاسة الحادثة لقيام الأمارة مقيدة بحال قيام الأمارة ، والمفروض قيام البينة على النجاسة في الأمس دون اليوم ، فالنجاسة الحادثة منتفية يقيناً. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح الاشكال.

وقد أجاب عنه صاحب الكفاية قدس‌سره (1)بأن اعتبار اليقين إنّما هو لأجل التعبد بالبقاء لا بالحدوث ، فمفاد أدلة الاستصحاب هو جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء ، فيكفي في جريان الاستصحاب الشك في البقاء على تقدير الثبوت ، ولا يلزم الشك الفعلي في البقاء ، فانّ صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها.

ثمّ استشكل على نفسه بأنّ اليقين جعل موضوع الاستصحاب في لسان الأدلة ، فكيف يصح جريانه مع عدم اليقين.


1) كفاية الاصول : 404 و 405.

فأجاب بأنّ اليقين المأخوذ في أدلة الاستصحاب ليس موضوعاً للاستصحاب ، بل طريق إلى الثبوت ، فيكون التعبد بالبقاء مبنياً على الثبوت لا على اليقين بالثبوت ، وذكر اليقين في أدلة الاستصحاب لمجرد كونه طريقاً إلى الثبوت ، ففيما إذا قامت الأمارة على الثبوت يتعبد بالثبوت للأمارة ، وبالبقاء لأدلة الاستصحاب الدالة على الملازمة بين الثبوت والبقاء.

وفيه أوّلاً : أنّ ظاهر أدلة الاستصحاب كون اليقين موضوعاً له كالشك ، ولا تنافي بين كونه موضوعاً للاستصحاب وطريقاً إلى متعلقه. ولا إشكال في أنّ اليقين في مورد الاستصحاب طريقي بالنسبة إلى متعلقه ، لكنّه موضوعي بالنسبة إلى الاستصحاب وعدم جواز نقض اليقين بالشك ، لما ذكرنا سابقاً (1)من أن قوله عليه‌السلام : «لا ينبغي نقض اليقين بالشك» راجع إلى القضية الارتكازية ، وهي أنّ الأمر المبرم لا يرفع اليد عنه لأمر غير مبرم ، والمراد من الأمر المبرم في المقام هو اليقين ، ومن غير المبرم هو الشك ، فلا بدّ من وجود اليقين والشك.

وثانياً : أنّ الملازمة المدعاة بين الثبوت والبقاء في كلامه إن كان المراد منها الملازمة الواقعية ، بأن يكون مفاد أدلة الاستصحاب هو الاخبار عن الملازمة الواقعية بين الحدوث والبقاء فهو مع كونه مخالفاً للواقع ، لعدم الملازمة بين الحدوث والبقاء في جميع الأشياء ، لكونها مختلفة في البقاء غاية الاختلاف ، فبعضها آني البقاء وبعضها يبقى إلى ساعة وبعضها إلى يوم وهكذا ، مستلزم لكون أدلة الاستصحاب من الأمارات الدالة على الملازمة الواقعية بين الحدوث


1) في ص 21.

والبقاء ، وبعد إثبات هذه الملازمة ، تكون الأمارة الدالة على الثبوت دالةً على البقاء ، إذ الدليل على الملزوم دليل على اللازم ، والإخبار عن الملزوم إخبار عن اللازم وإن كان المخبر غير ملتفت إلى الملازمة ، كما سيجيء في بحث الأصل المثبت (1)إن شاء اللّه تعالى ، فيكون التعبد بالبقاء تعبداً به للأمارة لا للأصل العملي المجعول في ظرف الشك ، فينقلب الاستصحاب أمارةً بعد كونه من الاصول العملية ، وتكون الملازمة في المقام نظير الملازمة الواقعية الثابتة بين قصر الصلاة وإفطار الصوم بمقتضى الروايات (2)الدالة على أنّه كلما أفطرت قصّرت وكلّما قصّرت أفطرت ، فبعد ثبوت هذه الملازمة يكون الدليل على وجوب القصر دالاً على وجوب الافطار وبالعكس ، فكذا في المقام بعد ثبوت الملازمة الواقعية بين الحدوث والبقاء بمقتضى أدلة الاستصحاب يكون نفس الدليل على الحدوث دليلاً على البقاء ، فيكون التعبد بالبقاء تعبداً به للأمارة لا للأصل العملي.

وإن كان المراد من الملازمة هي الملازمة الظاهرية بين الحدوث والبقاء ، فلازمه الملازمة الظاهرية بين حدوث التنجيز وبقائه ، ولا يمكن الالتزام بها ، إذ في موارد العلم الاجمالي بالحرمة مثلاً يكون التكليف منجّزاً ، ثمّ لو قامت بينة على حرمة بعض الأطراف بالخصوص ينحل العلم الاجمالي ، وبانحلاله يرتفع التنجز ، فانّه تابع للمنجّز ومقدّر بقدره ، فلا ملازمة بين حدوث التنجيز وبقائه ولا يلتزم بها صاحب الكفاية قدس‌سره أيضاً ، فانّه وغيره أجابوا عن استدلال الأخباريين لوجوب الاحتياط بالعلم الاجمالي بواجبات ومحرمات


1) لاحظ ص 184.

2) راجع على سبيل المثال الوسائل 8 : 503 / أبواب صلاة المسافر ب 15 ح 17.

كثيرة بأنّ العلم الاجمالي قد انحل بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال من الواجبات والمحرمات ، وبعد انحلاله تنقلب الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي إلى الشبهة البدوية ، فيرجع إلى البراءة (1)وهذا الجواب ينادي بعدم الملازمة بين حدوث التنجز وبقائه كما ترى.

فالانصاف أنّه على القول بأنّ معنى جعل حجية الأمارات ليس إلاّالتنجيز في صورة الاصابة والتعذير مع المخالفة كما عليه صاحب الكفاية (2)وجماعة من الأصحاب ، لا دافع لهذا الاشكال.

نعم ، يمكن الجواب بمسلك آخر ، وهو أنّ معنى جعل حجية الأمارات هو جعل الأمارات من أفراد العلم في عالم الاعتبار ، فيكون لليقين حينئذ فردان : اليقين الوجداني ، واليقين الجعلي الاعتباري ، فكما أنّ لليقين الوجداني أثرين : الأوّل : الآثار الواقعية للمتيقن. والثاني : آثار نفس اليقين إذا كان له أثر ، كما إذا كان موضوعاً لحكم من الأحكام ، فكذا اليقين الجعلي يكون له هذان الأثران ، فكما لو علمنا بحكم من الأحكام ثمّ شككنا في بقائه نرجع إلى الاستصحاب ، كذلك إذا قامت الأمارة على حكم ثمّ شككنا في بقائه لا مانع من جريان الاستصحاب.

واليقين المذكور في أدلة الاستصحاب وإن كان موضوعاً للاستصحاب ، إلاّ أنّه مأخوذ في الموضوع بما هو كاشف لا بما هو صفة خاصة ، وقد ذكرنا في مبحث القطع (3)أنّ الأمارة تقوم مقام القطع الطريقى والقطع المأخوذ في


1) كفاية الاصول : 346.

2) كفاية الاصول : 277 و 347.

3) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ، 37.

الموضوع بما هو كاشف ، وذكرنا أنّ كل مورد اخذ فيه القطع موضوعاً ظاهره أنّه موضوع بما هو كاشف ، لا بما هو صفة خاصة ، لمناسبة الحكم والموضوع بحكم العرف ، فانّه إذا قيل : إن تيقّنت بنجاسة ثوبك بعد الصلاة تجب عليك الاعادة ، فظاهره أنّ اليقين بما هو كاشف عن النجاسة قد اخذ في موضوع وجوب الاعادة ، لا بما هو صفة خاصة ، فاذا كان اليقين مأخوذاً في موضوع الاستصحاب بما هو كاشف ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في كل مورد ثبت الحكم فيه بكاشف ثمّ شك في بقائه.

والذي يدلنا على هذا المعنى مع وضوحه : قوله عليه‌السلام في بعض أدلة الاستصحاب : «بل تنقضه بيقين آخر» فانّ المراد من هذا اليقين ليس صفة اليقين يقيناً ، إذ لا إشكال في نقض اليقين بالأمارة ، كما إذا كان متيقناً بطهارة شيء فقامت البينة على نجاسته ، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عنه ، وكذا إذا كان متيقناً بالنجاسة فقامت البينة على الطهارة لا إشكال في عدم وجوب الاجتناب ، فاذا صح الالتزام بقيام الأمارة مقام اليقين الوجداني في قوله عليه‌السلام : «بل تنقضه بيقين آخر» لصح الالتزام بقيامها مقامه في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» والسر في الموضعين هو ما ذكرناه من كون الأمارة يقيناً بالجعل الشرعي ، هذا كلّه في الأمارات.

وأمّا الاصول فتحقيق الحال في جريان الاستصحاب في مواردها ، أنّها على قسمين :

القسم الأوّل : ما يكون الأصل المتكفل لبيان الحكم في الزمان الأوّل متكفلاً له في الآن الثاني والثالث إلى زمان العلم بالخلاف ، ففي مثل ذلك لا معنى لجريان الاستصحاب.

مثاله قاعدة الطهارة ، فاذا شكننا في مائع أنّه بول أو ماء ، وحكمنا بطهارته

لقاعدة الطهارة ، ثمّ شككنا في بقاء طهارته لاحتمال ملاقاته النجاسة ، فانّه لا معنى لجريان الاستصحاب حينئذ ، إذ قاعدة الطهارة كما تدل على طهارته في الزمان الأوّل ، تدل على طهارته في الزمان الثاني والثالث إلى زمان العلم بالنجاسة. وبعبارة اخرى : ان أردنا جريان الاستصحاب في الطهارة الواقعية ، فلم يكن لنا يقين بها ، وإن أردنا جريانه في الطهارة الظاهرية ، فلا يكون لنا شك في ارتفاعها حتى نحتاج إلى الاستصحاب ، بل هي باقية يقيناً.

ومن هذا القبيل قاعدة الحل بل الاستصحاب أيضاً ، فاذا كان ثوب معلوم الطهارة ثمّ شككنا في ملاقاته البول مثلاً فاستصحبنا طهارته ، ثمّ شككنا في ملاقاته الدم مثلاً ، فلا معنى لاستصحاب الطهارة بعد تحقق هذا الشك الثاني ، إذ نفس الاستصحاب الأوّل متكفل لبيان طهارته إلى زمان العلم بالنجاسة.

هذا إذا قلنا في أمثال المقام بجريان الاستصحاب في الحكم وهو الطهارة. وأمّا إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الموضوع دون الحكم ، أي عدم ملاقاة النجاسة ، لكون الشك في الطهارة مسبباً عن الشك في الملاقاة ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب بعد الشك الثاني في المثال ، فبالاستصحاب الأوّل نحكم بعدم ملاقاة البول وتترتب عليه الطهارة من هذه الجهة ، وبعد الشك في ملاقاة الدم نجري استصحاب عدم ملاقاة الدم ونحكم بالطهارة من هذه الحيثية ، وهذا الاستصحاب في الحقيقة خارج عن محل الكلام ، إذ الكلام في جريان الاستصحاب في موارد الاصول العملية ، والاستصحاب المذكور بما أنّه مسبوق بالعلم الوجداني فهو استصحاب في مورد العلم الوجداني لا في مورد الأصل.

القسم الثاني : أن لا يكون الأصل متكفلاً لبيان الحكم في الزمان الثاني والثالث ، كما إذا شككنا في طهارة ماء فحكمنا بطهارته للاستصحاب أو لقاعدة الطهارة ثمّ غسلنا به ثوباً متنجساً ، فلولا جريان الاستصحاب أو القاعدة في

الماء ، لكان مقتضى الاستصحاب في الثوب هو النجاسة ، لكنّ الحكم بطهارة الثوب من آثار طهارة الماء الثابتة بالاستصحاب أو القاعدة ، فيكون الأصل الجاري في الماء حاكماً على استصحاب النجاسة في الثوب لكونه سببياً ، ويكون الأصل الجاري في الماء متكفلاً لحدوث الطهارة في الثوب فقط ولا يكون متكفلاً لطهارته في الزمان الثاني والثالث ، فبعد غسل الثوب بالماء المذكور لو شككنا في ملاقاته مع النجاسة لا مانع من جريان الاستصحاب في طهارة الثوب أو في عدم ملاقاته النجاسة.

التنبيه الرابع

اشارة

المستصحب قد يكون جزئياً وقد يكون كلياً ، وجريان الاستصحاب في الكلي لا يتوقف على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج ، فانّ البحث عن وجود الكلي الطبيعي وعدمه بحث فلسفي ، والأحكام الشرعية مبتنية على المفاهيم العرفية ، ولا إشكال في وجود الكلي في الخارج بنظر العرف.

ثمّ إنّه لا فرق في جريان الاستصحاب في الكلي بين أن يكون الكلي من الكليات المتأصلة أو من الكليات الاعتبارية ، ومنها الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية على ما ذكرناه (1)من أنّها من الامور الاعتبارية ، فلا مانع من استصحاب الكلي الجامع بين الوجوب والندب مثلاً ، أو من الكليات الانتزاعية كالعالم مثلاً بناءً على ما ذكرنا في بحث المشتق (2)من أن مفاهيم


1) في ص 92 وما بعدها.

2) محاضرات في اصول الفقه 1 : 302.

المشتقات من الامور الانتزاعية ، فانّ الموجود في الخارج هو ذات زيد مثلاً وعلمه ، وأمّا عنوان العالم فهو منتزع من اتصاف الذات بالمبدأ وانتسابه إليه ، ولا وجود له غير الوجودين.

ثمّ إنّ الأثر الشرعي قد يكون للكلي بلا دخل للخصوصية فيه كحرمة مس كتابة القرآن ، وعدم جواز الدخول في الصلاة بالنسبة إلى الحدث الأكبر أو الأصغر ، وقد يكون الأثر للخصوصية لا للجامع ، كحرمة المكث في المسجد والعبور عن المسجدين ، فانّهما من آثار خصوص الجنابة لا مطلق الحدث ، ففيما كان الأثر للجامع لا معنى لاستصحاب الخصوصية ، وفيما كان الأثر للخصوصية لا يصح استصحاب الكلي ، بل جريان الاستصحاب تابع للأثر ، فاذا كان الشخص جنباً ثمّ شك في ارتفاعها وهو يريد الدخول في الصلاة أو مسّ كتابة القرآن ، لا يصح له استصحاب الجنابة ، لعدم ترتب الأثر على خصوصيتها ، بل يجري استصحاب الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر. وإن أراد الدخول في المسجد ، فلا معنى لاستصحاب الحدث لعدم ترتب حرمته على الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر ، بل لا بدّ من استصحاب خصوص الجنابة ، فبالنسبة إلى الأثر الأوّل يجري الاستصحاب في الكلي ، وبالنسبة إلى الأثر الثاني يجري الاستصحاب في الجزئي.

فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّا لسنا مخيّرين في إجراء الاستصحاب في الكلي والجزئي على ما يظهر من عبارة الكفاية (1)، بل جريان الاستصحاب تابع للأثر على ما ذكرنا.

ثمّ إن أقسام استصحاب الكلي أربعة :


1) كفاية الاصول : 406.

القسم الأوّل : ما إذا علمنا بتحقق الكلي في ضمن فرد معيّن ، ثمّ شككنا في بقاء هذا الفرد وارتفاعه ، فلا محالة نشك في بقاء الكلي وارتفاعه أيضاً ، فاذا كان الأثر للكلي ، فيجري الاستصحاب فيه ، مثاله المعروف ما إذا علمنا بوجود زيد في الدار فنعلم بوجود الانسان فيها ثمّ شككنا في خروج زيد عنها فنشك في بقاء الانسان فيها ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب في بقائه إذا كان له أثر.

القسم الثاني : ما إذا علمنا بوجود الكلي في ضمن فرد مردد بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء ، كما إذا علمنا بوجود إنسان في الدار مع الشك في كونه زيداً أو عمراً ، مع العلم بأ نّه لو كان زيداً لخرج يقيناً ولو كان عمراً فقد بقي يقيناً ، ومثاله في الحكم الشرعي ما إذا رأينا رطوبة مشتبهة بين البول والمني فتوضأنا ، فنعلم أنّه لو كان الحدث الموجود هو الأصغر فقد ارتفع ، ولو كان هو الأكبر فقد بقي. وكذالو اغتسلنا في المثال فنعلم أنّه لو كان الحدث هو الأكبر فقد ارتفع ، وإن كان هو الأصغر فقد بقي ، لعدم ارتفاعه بالغسل ، فنجري الاستصحاب في الحدث الجامع بين الأكبر والأصغر ونحكم بترتب أثره ، كحرمة مس كتابة القرآن وعدم جواز الدخول في الصلاة. وهذا هو القسم الثاني الذي ذكره الشيخ (1)قدس‌سره وتبعه جماعة ممن تأخر عنه.

والظاهر أنّ تخصيص هذا القسم - بأن يكون الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء - إنّما هو لمجرد التمثيل ، وإلاّ فيكفي في جريان الاستصحاب مجرد احتمال البقاء ، فلو كان الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومحتمل البقاء لكان الاستصحاب جارياً في الكلي ، ويكون أيضاً من القسم الثاني.


1) فرائد الاصول 2 : 638 / التنبيه الأوّل من تنبيهات الاستصحاب.

القسم الثالث : ما إذا علمنا بوجود الكلي في ضمن فرد معيّن وعلمنا بارتفاع هذا الفرد لكن احتملنا وجود فرد آخر مقارن مع وجود الفرد الأوّل أو مقارن مع ارتفاعه ، كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار وعلمنا بخروجه عنها ، لكن احتملنا بقاء الانسان في الدار لاحتمال دخول عمرو فيها ولو مقارناً مع خروجه عنها.

القسم الرابع : ما إذا علمنا بوجود فرد معيّن وعلمنا بارتفاع هذا الفرد ، ولكن علمنا بوجود فرد معنون بعنوان يحتمل انطباقه على الفرد الذي علمنا ارتفاعه ، ويحتمل انطباقه على فرد آخر ، فلو كان العنوان المذكور منطبقاً على الفرد المرتفع ، فقد ارتفع الكلي ، وإن كان منطبقاً على غيره فالكلي باق.

وامتياز هذا القسم عن القسم الأوّل ظاهر. وامتيازه عن القسم الثاني أنّه في القسم الثاني يكون الفرد مردداً بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء أو محتمله على ما ذكرنا ، بخلاف القسم الرابع فانّه ليس فيه الفرد مردداً بين فردين ، بل الفرد معيّن ، غاية الأمر أنّه يحتمل انطباق عنوان آخر عليه. وامتيازه عن القسم الثالث بعد اشتراكهما في احتمال تقارن فرد آخر مع هذا الفرد المعيّن الذي علمنا ارتفاعه أنّه ليس في القسم الثالث علمان ، بل علم واحد متعلق بوجود فرد معيّن ، غاية الأمر نحتمل تقارن فرد آخر مع حدوثه أو مع ارتفاعه ، بخلاف القسم الرابع ، فانّ المفروض فيه علمان : علم بوجود فرد معيّن ، وعلم بوجود ما يحتمل انطباقه على هذا الفرد وعلى غيره.

مثاله ما إذا علمنا بوجود زيد في الدار وعلمنا بوجود متكلم فيها ، ثمّ علمنا بخروج زيد عنها ، ولكن احتملنا بقاء الانسان فيها لاحتمال أن يكون عنوان المتكلم منطبقاً على فرد آخر ، مثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلاً واغتسلنا منها ، ثمّ رأينا المني في ثوبنا يوم الجمعة مثلاً ،

فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني ، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي اغتسلنا منها وأن يكون من غيرها ، هذه هي أقسام استصحاب الكلي.

أمّا القسم الأوّل : فلا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب فيه كما تقدّم.

وأمّا القسم الثاني : فيجري فيه الاستصحاب أيضاً ، ففي مثال الحدث المردد بين الأكبر والأصغر نجري الاستصحاب في الكلي ونحكم بعدم جواز الدخول في الصلاة وحرمة مس كتابة القرآن. وأمّا عدم جواز المكث في المسجد ، فليس أثراً لجامع الحدث ، بل لخصوص الجنابة ، ولا مجال لجريان الاستصحاب فيها لعدم اليقين بها. نعم ، لا يجوز له المكث في المسجد لأجل العلم الاجمالي بحرمته أو بوجوب الوضوء للصلاة ، وهو شيء آخر لا ربط له بمسألة الاستصحاب.

واستشكل بعضهم في جريان الاستصحاب في القسم الثاني بأنّ الاستصحاب فيه وإن كان جارياً في نفسه لتمامية موضوعه من اليقين والشك ، إلاّأ نّه محكوم بأصل سببي ، فانّ الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الطويل والأصل عدمه ، ففي المثال يكون الشك في بقاء الحدث مسبباً عن الشك في حدوث الجنابة ، فتجري أصالة عدم حدوث الجنابة ، وبانضمام هذا الأصل إلى الوجدان يحكم بارتفاع الحدث ، فانّ الحدث الأصغر مرتفع بالوجدان ، والحدث الأكبر منفي بالأصل.

واجيب عنه بوجوه :

الأوّل : ما في الكفاية (1)من أنّ الشك في بقاء الكلي ليس مسبباً عن الشك


1) كفاية الاصول : 406.

في حدوث الفرد الطويل ، بل مسبب عن الشك في كون الحادث طويلاً أو قصيراً. وبعبارة اخرى : الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في خصوصية الفرد الحادث ، وليس له حالة سابقة حتى يكون مورداً للأصل ، فتجري فيه أصالة عدم كونه طويلاً ، فما هو مسبوق بالعدم وهو حدوث الفرد الطويل ليس الشك في بقاء الكلي مسبباً عنه ، وما يكون الشك فيه مسبباً عنه وهو كون الحادث طويلاً ليس مسبوقاً بالعدم حتى يكون مورداً للأصل.

وهذا الجواب مبني على عدم جريان الأصل في العدم الأزلي ، وأمّا إذا قلنا بجريانه كما هو الصحيح على ما ذكرنا في محلّه (1)، فلا مانع من جريان أصالة عدم كون الحادث طويلاً ، ولذا بنينا في الفقه على عدم جريان استصحاب الكلي ، للأصل السببي الحاكم عليه في موارد منها (2): ما إذا شك في كون نجسٍ بولاً أو عرق كافر مثلاً ، فتنجس به شيء فغسل مرة واحدة ، فلا محالة نشك في بقاء النجاسة وارتفاعها على تقدير اعتبار التعدد في الغسل في طهارة المتنجس بالبول ، إلاّأ نّه مع ذلك لا نقول بجريان الاستصحاب في كلي النجاسة ووجوب الغسل مرةً ثانية ، لأنّه تجري أصالة عدم كون الحادث بولاً فنحكم بكفاية المرة ، للعمومات الدالة على كفاية الغسل مرةً واحدةً وخرج عنها البول بأدلة خاصة.

الثاني : ما ذكره أيضاً في الكفاية (3): وهو أنّ بقاء الكلي عين بقاء الفرد الطويل ، فانّ الكلي عين الفرد لا أنّه من لوازمه ، فلاتكون هناك سببية ومسببية.


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 360 وما بعدها.

2) راجع شرح العروة 3 : 203 - 204.

3) كفاية الاصول : 406.

وفيه : أنّ العينية لا تنفع ، بل جريان الاستصحاب في الكلي على العينية أولى بالاشكال منه على السببية.

الثالث : ما ذكره العلاّمة النائيني (1)قدس‌سره وهو أنّ الأصل السببي معارض بمثله ، فانّ أصالة عدم حدوث الفرد الطويل معارض بأصالة عدم حدوث الفرد القصير ، وأصالة عدم كون الحادث طويلاً معارض بأصالة عدم كون الحادث قصيراً ، وبعد سقوط الأصل السببي للمعارضة تصل النوبة إلى الأصل المسببي ، وهو استصحاب بقاء الكلي.

وفيه : أنّ دوران الأمر بين الفرد الطويل والقصير يتصور على وجهين :

الوجه الأوّل : أن يكون للفرد الطويل أثر مختص به وللفرد القصير أيضاً أثر مختص به ، ولهما أثر مشترك بينهما كما في الرطوبة المرددة بين البول والمني ، فانّ الأثر المختص بالبول هو وجوب الوضوء وعدم كفاية الغسل للصلاة ، والأثر المختص بالمني هو وجوب الغسل وعدم كفاية الوضوء ، وعدم جواز المكث في المسجد وعدم جواز العبور عن المسجدين ، والأثر المشترك هو حرمة مس كتابة القرآن ، ففي مثل ذلك وإن كان ما ذكره من تعارض الاصول صحيحاً ، إلاّ أنّه لا فائدة في جريان الاستصحاب في الكلي في مورده ، لوجوب الجمع بين الوضوء والغسل في المثال بمقتضى العلم الاجمالي ، فان نفس العلم الاجمالي كافٍ في وجوب إحراز الواقع ، ولذا قلنا في دوران الأمر بين المتباينين (2)بوجوب الاجتناب عن الجميع للعلم الاجمالي ، فهذا الاستصحاب مما لا يترتب عليه أثر.


1) أجود التقريرات 4 : 92 ، فوائد الاصول 4 : 418.

2) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ، ص 403 وما بعدها.

الوجه الثاني : أن يكون لهما أثر مشترك ويكون للفرد الطويل أثر مختص به ، فيكون من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، كما في المثال الذي ذكرناه من كون نجسٍ مردداً بين البول وعرق الكافر ، فانّ وجوب الغسل في المرة الاولى أثر مشترك فيه ، ووجوب الغسل مرةً ثانيةً أثر لخصوص البول ، ففي مثله لو جرى الاستصحاب في الكلي وجب الغسل مرةً ثانية ، ولو لم يجر كفى الغسل مرةً.

لكنّه لا يجري لحكومة الأصل السببي عليه ، وهو أصالة عدم حدوث البول أو أصالة عدم كون الحادث بولاً ، ولا تعارضها أصالة عدم كون الحادث عرق كافر أو أصالة عدم حدوثه ، لعدم ترتب أثر عليها ، إذ المفروض العلم بوجوب الغسل في المرة الاولى على كل تقدير ، فاذن لا يجري الأصل في القصير حتى يعارض جريان الأصل في الطويل. وأمّا إثبات حدوث الفرد الطويل بأصالة عدم حدوث الفرد القصير ، فهو متوقف على القول بالأصل المثبت ولا نقول به.

وملخص الاشكال على هذا الجواب : أنّه في القسم الأوّل وإن كانت الاصول السببية متعارضة متساقطة ، إلاّأ نّه لا أثر لجريان الاستصحاب في الكلي ، لتنجز التكليف بالعلم الاجمالي. وفي القسم الثاني يكون الأصل السببي حاكماً على استصحاب الكلي ولا يكون له معارض ، لعدم جريان الأصل في الفرد القصير لعدم ترتب الأثر عليه.

الرابع : ما ذكره أيضاً في الكفاية (1)وجعله ثالثاً من الأجوبة ، وهو أنّ الشك في بقاء الكلي وإن سلّم كونه مسبباً عن الشك في حدوث الفرد الطويل ،


1) كفاية الاصول : 406.

إلاّ أنّ مجرد السببية لا تكفي في حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي ، بل الميزان في الحكومة أن يكون ثبوت المشكوك الثاني أو انتفاؤه من الآثار الشرعية للأصل السببي ، ليكون الأصل السببي رافعاً للشك المسببي بالتعبد الشرعي ، فلا يجري الأصل فيه ، لانتفاء موضوعه وهو الشك بالتعبد الشرعي.

والأوّل وهو ما كان ثبوت المشكوك الثاني من اللوازم الشرعية للأصل السببي ، كما في استصحاب الطهارة بالنسبة إلى قاعدة الطهارة ، فانّ استصحاب الطهارة يرفع الشك في الطهارة ويثبتها شرعاً ، فلا مجال لجريان قاعدة الطهارة ، لانتفاء موضوعها وهو الشك بالتعبد الشرعي.

والثاني وهو ما كان انتفاء المشكوك الثاني من الآثار الشرعية للأصل السببي كما في تطهير ثوب متنجس بماء مستصحب الطهارة ، فانّ طهارة الثوب المغسول به من الآثار الشرعية لاستصحاب الطهارة فيه ، فلا يبقى معه شك في نجاسة الثوب ليجري فيها الاستصحاب ، فانّها قد ارتفعت بالتعبد الشرعي ، وهذا بخلاف المقام فانّ عدم بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لعدم حدوث الفرد الطويل ، بل من لوازمه العقلية ، فلا حكومة لأصالة عدم حدوث الفرد الطويل على استصحاب الكلي.

وهذا هو الجواب الصحيح ، فلا ينبغي الاشكال في جريان القسم الثاني من استصحاب الكلي.

ثمّ لا يخفى أن ما ذكرنا من جريان الاستصحاب في الكلي إنّما هو فيما إذالم يكن أصل يعيّن به الفرد ، وإلاّ فلا مجال لجريان الاستصحاب في الكلي ، كما إذا كان أحد محدثاً بالحدث الأصغر ، فخرجت منه رطوبة مرددة بين البول والمني ثمّ توضأ فشك في بقاء الحدث ، فمقتضى استصحاب الكلي وإن كان بقاء الحدث ، إلاّأنّ الحدث الأصغر كان متيقناً ، وبعد خروج الرطوبة المرددة يشك

في تبدله بالأكبر ، فمقتضى الاستصحاب بقاء الأصغر وعدم تبدله بالأكبر ، فلا يجري الاستصحاب في الكلي ، لتعين الفرد بالتعبد الشرعي ، فيكفي الوضوء.

نعم ، من كان متطهراً ثمّ خرجت منه الرطوبة المرددة لا يجوز له الاكتفاء بالوضوء فقط ، بل يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل ، فما ذكره صاحب العروة من عدم كفاية الوضوء فقط محمول على هذه الصورة كما يظهر من مراجعة كلامه (1)قدس‌سره.

ولا يتوقف ما ذكرنا - من تعيّن الأصغر بالأصل وعدم جريان الاستصحاب في الكلي - على كون الحدث الأصغر والأكبر من قبيل المتضادين بحيث لا يمكن اجتماعهما ، بل الفرد يعيّن بالأصل على جميع الأقوال فيهما ، فانّ الأقوال فيهما ثلاثة :

الأوّل : كونهما متضادين.

الثاني : كونهما شيئاً واحداً وإنّما الاختلاف بينهما في القوّة والضعف ، فالأصغر مرتبة ضعيفة من الحدث ، والأكبر مرتبة قوية منه ، كما قيل في الفرق بين الوجوب والاستحباب : إنّ الوجوب مرتبة قوية من الطلب والاستحباب مرتبة ضعيفة منه.

الثالث : كونهما من قبيل المتخالفين بحيث يمكن اجتماعهما كالسواد والحلاوة مثلاً.

فعلى الأوّل نقول حيث إنّ الأصغر كان متيقناً وشك في تبدله بالأكبر فالأصل عدم تبدله به. وعلى الثاني نقول الأصل عدم حدوث المرتبة القوية بعد كون المرتبة الضعيفة متيقنة. وعلى الثالث نقول الأصل عدم اجتماع الأكبر


1) العروة الوثقى : 129 و 130 / فصل في الاستبراء ، المسألة 8 [458].

مع الأصغر ، فعلى جميع الأقوال يعيّن الفرد فلا مجال لجريان الاستصحاب في الكلي.

بقي الكلام في إشكال آخر على استصحاب الكلي منسوب إلى السيد الصدر قدس‌سره وهو المعروف بالشبهة العبائية ، ومبني على القول بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة ، وملخص هذا الاشكال : أنّه لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد طرفي العباء ثم غسلنا أحد الطرفين ، فلا إشكال في أنّه لا يحكم بنجاسة الملاقي لهذا الطرف المغسول ، للعلم بطهارته بعد الغسل ، إمّا بالطهارة السابقة أو بالطهارة الحاصلة بالغسل ، وكذا لا يحكم بنجاسة الملاقي للطرف الآخر ، لأنّ المفروض عدم نجاسة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة ، ثمّ لو لاقى شيء مع الطرفين فلا بدّ من الحكم بعدم نجاسته أيضاً ، لأنّه لاقى طاهراً يقينياً وأحد طرفي الشبهة ، والمفروض أنّ ملاقاة شيء منهما لا توجب النجاسة ، مع أنّ مقتضى استصحاب الكلي هو الحكم بنجاسة الملاقي للطرفين ، فلا بدّ من رفع اليد عن جريان الاستصحاب في الكلي ، أو القول بنجاسة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة ، لعدم إمكان الجمع بينهما في المقام.

وقد أجاب عنه المحقق النائيني (1)قدس‌سره بجوابين في الدورتين :

الجواب الأوّل : أنّ الاستصحاب الجاري في مثل العباء ليس من استصحاب الكلي في شيء ، لأن استصحاب الكلي إنّما هو فيما إذا كان الكلي المتيقن مردداً بين فردٍ من الصنف الطويل وفردٍ من الصنف القصير ، كالحيوان المردد بين البق والفيل على ما هو المعروف ، بخلاف المقام فانّ التردد فيه في خصوصية محل النجس مع العلم بخصوصية الفرد ، والتردد في خصوصية المكان أو الزمان


1) فوائد الاصول 4 : 421 و 422 ، أجود التقريرات 4 : 94 و 95.

لا يوجب كلية المتيقن ، فليس الشك حينئذ في بقاء الكلي وارتفاعه حتى يجري الاستصحاب فيه ، بل الشك في بقاء الفرد الحادث المردد من حيث المكان وذكر لتوضيح مراده مثالين :

الأوّل : ما إذا علمنا بوجود زيد في الدار فانهدم الطرف الشرقي منها ، فلو كان زيد فيه فقد مات بانهدامه ، ولو كان في الطرف الغربي فهو حي ، فحياة زيد وإن كانت مشكوكاً فيها إلاّأ نّه لا مجال معه لاستصحاب الكلي ، والمقام من هذا القبيل بعينه.

الثاني : ما إذا كان لزيد درهم واشتبه بين ثلاثة دراهم مثلاً ، ثمّ تلف أحد الدراهم ، فلا معنى لاستصحاب الكلي بالنسبة إلى درهم زيد ، فانّه جزئي واشتبه بين التالف والباقي.

وهذا الجواب غير تام ، فانّ الاشكال ليس في تسمية الاستصحاب الجاري في مسألة العباء باستصحاب الكلي ، بل الاشكال إنّما هو في أنّ جريان استصحاب النجاسة لا يجتمع مع القول بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة ، سواء كان الاستصحاب من قبيل استصحاب الكلي أو الجزئي ، فكما أنّه لا مانع من استصحاب حياة زيد في المثال الأوّل ، كذلك لا مانع من جريان الاستصحاب في مسألة العباء. وأمّا المثال الثاني فالاستصحاب فيه معارض بمثله ، فانّ أصالة عدم تلف درهم زيد معارض بأصالة عدم تلف درهم غيره ، ولو فرض عدم الابتلاء بالمعارض لا مانع من جريان الاستصحاب فيه ، كما إذا اشتبه خشبة زيد مثلاً بين أخشاب لا مالك لها لكونها من المباحات الأصلية فتلف أحدها ، فتجري أصالة عدم تلف خشبة زيد بلا معارض.

الجواب الثاني : أنّ الاستصحاب المدعى في المقام لا يمكن جريانه في مفاد كان الناقصة ، بأن يشار إلى طرف معيّن من العباء ويقال : إنّ هذا الطرف كان

نجساً وشك في بقائها ، فالاستصحاب يقتضي نجاسته ، وذلك لأن أحد طرفي العباء مقطوع الطهارة والطرف الآخر مشكوك النجاسة من أوّل الأمر ، وليس لنا يقين بنجاسة طرف معيّن يشك في بقائها ليجري الاستصحاب فيها.

نعم ، يمكن إجراؤه في مفاد كان التامة بأن يقال : إنّ النجاسة في العباء كانت موجودة وشك في ارتفاعها فالآن كما كانت ، إلاّأ نّه لا تترتب نجاسة الملاقي على هذا الاستصحاب إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، لأنّ الحكم بنجاسة الملاقي يتوقف على نجاسة ما لاقاه وتحقق الملاقاة خارجاً ، ومن الظاهر أنّ استصحاب وجود النجاسة في العباء لا يثبت ملاقاة النجس إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، ضرورة أنّ الملاقاة ليست من الآثار الشرعية لبقاء النجاسة ، بل من الآثار العقلية ، وعليه فلا تثبت نجاسة الملاقي للعباء.

ونظير ذلك ما ذكره الشيخ (1)قدس‌سره في استصحاب الكرية فيما إذا غسلنا متنجساً بماء يشك في بقائه على الكرية ، من أنّه إن اجري الاستصحاب في مفاد كان الناقصة بأن يقال : إنّ هذا الماء كان كراً فالآن كما كان ، فيحكم بطهارة المتنجس المغسول به ، لأن طهارته تتوقف على أمرين : كرية الماء ، والغسل فيه ، وثبت الأوّل بالاستصحاب والثاني بالوجدان ، فيحكم بطهارته ، بخلاف ما إذا اجري الاستصحاب في مفاد كان التامة بأن يقال : كان الكر موجوداً والآن كما كان ، فانّه لا يترتب على هذا الاستصحاب الحكم بطهارة المتنجس إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، لأنّ المعلوم بالوجدان هو غسله بهذا الماء ، وكريته ليست من اللوازم الشرعية لوجود الكر ، بل من اللوازم العقلية له.

وفي هذا الجواب أيضاً مناقشة ظاهرة ، إذ يمكن جريان الاستصحاب في


1) فرائد الاصول 2 : 660 ، وراجع كتاب الطهارة 1 : 161.

مفاد كان الناقصة مع عدم تعيين موضع النجاسة ، بأن نشير إلى الموضع الواقعي ونقول : خيط من هذا العباء كان نجساً والآن كما كان ، أو نقول : طرف من هذا العباء كان نجساً والآن كما كان ، فهذا الخيط أو الطرف محكوم بالنجاسة للاستصحاب ، والملاقاة ثابتة بالوجدان ، إذ المفروض تحقق الملاقاة مع طرفي العباء ، فيحكم بنجاسة الملاقي لا محالة.

وما ذكره قدس‌سره - من أنّه لا يمكن جريان الاستصحاب بنحو مفاد كان الناقصة ، لأن أحد طرفي العباء مقطوع الطهارة والطرف الآخر مشكوك النجاسة من أوّل الأمر - جارٍ في جميع صور استصحاب الكلي ، لعدم العلم بالخصوصية في جميعها ، ففي مسألة دوران الأمر بين الحدث الأكبر والأصغر يكون الحدث الأصغر مقطوع الارتفاع بعد الوضوء ، والحدث الأكبر مشكوك الحدوث من أوّل الأمر ، وهذا غير مانع عن جريان الاستصحاب في الكلي ، لتمامية أركانه من اليقين والشك.

فالانصاف في مثل مسألة العباء هو الحكم بنجاسة الملاقي لا لرفع اليد عن الحكم بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة على ما ذكره السيد الصدر قدس‌سره من أنّه على القول بجريان استصحاب الكلي لا بدّ من رفع اليد عن الحكم بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة ، بل لعدم جريان القاعدة التي نحكم لأجلها بطهارة الملاقي في المقام ، لأنّ الحكم بطهارة الملاقي إمّا أن يكون لاستصحاب الطهارة في الملاقي ، وإمّا أن يكون لجريان الاستصحاب الموضوعي وهو أصالة عدم ملاقاته النجس. وكيف كان يكون الأصل الجاري في الملاقي في مثل مسألة العباء محكوماً باستصحاب النجاسة في العباء ، فمن آثار هذا الاستصحاب هو الحكم بنجاسة الملاقي.

ولا منافاة بين الحكم بطهارة الملاقي في سائر المقامات والحكم بنجاسته في

مثل المقام ، للأصل الحاكم على الأصل الجاري في الملاقي ، فانّ التفكيك في الاصول كثير جداً ، فبعد ملاقاة الماء مثلاً لجميع أطراف العباء نقول : إنّ الماء قد لاقى شيئاً كان نجساً ، فيحكم ببقائه على النجاسة للاستصحاب فيحكم بنجاسة الماء ، فتسمية هذه المسألة بالشبهة العبائية ليست على ما ينبغي.

ثمّ إنّ هنا فرعين لا بأس بالاشارة إليهما :

الفرع الأوّل : إذا علمنا بنجاسة شيء فعلاً ، وشككنا في أنّ نجاسته ذاتية غير قابلة للتطهير أو عرضية قابلة له ، كما إذا علمنا بأنّ هذا الثوب من الصوف نجس فعلاً ، ولكن لا ندري أنّ نجاسته لكونه من صوف الخنزير أو لملاقاة البول مثلاً ، فعلى القول بجريان الاستصحاب في العدم الأزلي كما هو المختار ، نحكم بعدم كونه من صوف الخنزير وبطهارته بعد الغسل. وأمّا على القول بعدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي فيحكم بنجاسته بعد الغسل لاستصحاب كلي النجاسة ، لدوران النجاسة حينئذ بين فرد مقطوع الارتفاع بعد الغسل وفرد متيقن البقاء.

الفرع الثاني : إذا علمنا بطهارة شيء فعلاً لقاعدة الطهارة ثمّ عرضت له النجاسة فطهّرناه ، فشككنا في ارتفاعها لاحتمال كون النجاسة ذاتية غير قابلة للتطهير ، كما في الصابون الذي يؤتى به من الخارج ويحتمل كونه مصنوعاً من شحم الخنزير والميتة ، فانّه محكوم بالطهارة فعلاً لقاعدة الطهارة ، فاذا عرضت له النجاسة فغسلناه ، فلا محالة نشك في طهارته ، لاحتمال كونه مصنوعاً من نجس العين ، ولكنّه مع ذلك محكوم بالطهارة بعد الغسل ، ولا مجال لجريان استصحاب الكلي حتى على القول بعدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي ، لأ نّه قبل طروء النجاسة العرضية عليه كان محكوماً بالطهارة لقاعدة الطهارة ، وبعد كونه طاهراً بالتعبد الشرعي يجري عليه أحكام الطاهر ، ومن جملتها أنّه

يطهر من النجاسة العرضية بالتطهير الشرعي ، وبالجملة بعد الحكم بكونه طاهراً بالتعبد الشرعي يدخل تحت العمومات الدالة على أنّ المتنجسات تطهر بوصول المطر أو الماء الجاري إليها ، فلا مجال لجريان استصحاب الكلي ، لكونه محكوماً بالأصل الموضوعي. هذا تمام الكلام في القسم الثاني من استصحاب الكلي.

وأمّا القسم الثالث : فقد يتوهم جريان الاستصحاب فيه ، بدعوى تمامية أركانه من اليقين والشك بالنسبة إلى الكلي. واختار الشيخ قدس‌سره (1)التفصيل بين احتمال حدوث فرد آخر مقارن مع حدوث الفرد المعلوم ، واحتمال حدوثه مقارناً مع ارتفاع الفرد الأوّل ، فقال بجريان الاستصحاب في الأوّل دون الثاني ، بدعوى أنّه في الصورة الاولى يكون الكلي المعلوم سابقاً مردداً بين أن يكون وجوده على نحو لا يرتفع بارتفاع الفرد المعلوم ارتفاعه ، وأن يكون على نحو يرتفع بارتفاع ذلك الفرد ، فيحتمل كون الثابت في الآن اللاحق عين الموجود سابقاً ، فيجري الاستصحاب فيه ، بخلاف الصورة الثانية ، فانّ الكلي المعلوم سابقاً قد ارتفع يقيناً ، ووجوده في ضمن فرد آخر مشكوك الحدوث من الأوّل ، فلا يمكن جريان الاستصحاب فيه.

والصحيح عدم جريان الاستصحاب في الصورتين ، لأنّ الكلي لا وجود له إلاّ في ضمن الفرد ، فهو حين وجوده متخصص باحدى الخصوصيات الفردية ، فالعلم بوجود فردٍ معيّن يوجب العلم بحدوث الكلي بنحو الانحصار ، أي يوجب العلم بوجود الكلي المتخصص بخصوصية هذا الفرد ، وأمّا وجود الكلي المتخصص بخصوصية فرد آخر ، فلم يكن معلوماً لنا ، فما هو المعلوم لنا قد ارتفع يقيناً ،


1) فرائد الاصول 2 : 640.

وما هو محتمل البقاء لم يكن معلوماً لنا ، فلا يكون الشك متعلقاً ببقاء ما تعلق به اليقين ، فلا يجري فيه الاستصحاب.

وبما ذكرناه من البيان ظهر الفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث ، فانّ اليقين في القسم الثالث قد تعلق بوجود الكلي المتخصص بخصوصية معينة ، وقد ارتفع هذا الوجود يقيناً. وما هو محتمل للبقاء فهو وجود الكلي المتخصص بخصوصية اخرى الذي لم يكن لنا علم به ، فيختلف متعلق اليقين والشك ، وهذا بخلاف القسم الثاني ، فانّ المعلوم فيه هو وجود الكلي المردد بين الخصوصيتين ، فيحتمل بقاء هذا الوجود بعينه ، فيكون متعلق اليقين والشك واحداً ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه. وبما ذكرناه عرفت ما في كلام الشيخ قدس‌سره من التفصيل ، هذا.

وربّما يقال نقضاً على الشيخ قدس‌سره : إنّه إذا قام أحد من النوم واحتمل جنابته في حال النوم ، لم يجز له الدخول في الصلاة مع الوضوء بناءً على جريان الاستصحاب في الصورة الاولى من القسم الثالث من استصحاب الكلي ، وذلك لجريان استصحاب الحدث حينئذ بعد الوضوء ، لاحتمال اقتران الحدث الأصغر مع الجنابة ، وهي لا ترتفع بالوضوء ، ولا يلتزم بهذا الحكم الشيخ قدس‌سره ولا غيره ، فانّ كفاية الوضوء حينئذ من الواضحات ، وهذا يكشف عن عدم جريان الاستصحاب في القسم الثالث مطلقاً.

ولكن الانصاف عدم ورود هذا النقض على الشيخ قدس‌سره وذلك لأنّ الواجب على المحدث هو الوضوء ، لقوله تعالى : ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ) (1)والجنب خارج من هذا العموم ويجب عليه الغسل لقوله تعالى :


1) المائدة 5 : 6.

( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ... ) (1)فيكون وجوب الوضوء مختصاً بغير الجنب ، فانّ التقسيم قاطع للشركة ، فالمكلف بالوضوء هو كل محدث لا يكون جنباً ، فهذا الذي قام من نومه ويحتمل كونه جنباً حين النوم تجري في حقّه أصالة عدم تحقق الجنابة ، فكونه محدثاً محرزٌ بالوجدان ، وكونه غير جنب محرز بالتعبد الشرعي ، فيدخل تحت قوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) فيكون الوضوء في حقه رافعاً للحدث ، ولا مجال لجريان الاستصحاب في الكلي ، لكونه محكوماً بالأصل الموضوعي.

ثمّ إنّه قد استثنى الشيخ قدس‌سره (2)صورة اخرى من القسم الثالث والتزم بجريان الاستصحاب فيها ، وهي ما يتسامح فيه العرف ، فيعدّون الفرد اللاحق مع الفرد السابق كالمستمر الواحد ، كما إذا علم السواد الشديد في محل وشك في تبدله بسواد ضعيف أو بالبياض ، فيستصحب مطلق السواد ، وكذالو كان الشخص في مرتبة عالية من العدالة ، وشك في تبدلها بالفسق أو بمرتبة نازلة من العدالة ، فيجري الاستصحاب في مطلق العدالة.

وفيه : أنّ جريان الاستصحاب في مثل الأمثلة المذكورة وإن كان مما لا إشكال فيه ، إلاّأ نّه لا يصح عدّه من القسم الثالث من استصحاب الكلي ، فانّه بعد كون الفرد اللاحق هو الفرد السابق بنظر العرف وكون الشدة والضعف من الحالات ، يكون الاستصحاب من الاستصحاب الجاري في الفرد ، أو القسم الأوّل من استصحاب الكلي إذا كان الأثر له لا لخصوصية الفرد.


1) المائدة 5 : 6.

2) فرائد الاصول 2 : 640 و 641.

ثمّ إنّ الفاضل التوني قدس‌سره (1)رد تمسك المشهور في الحكم بنجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية بما حاصله : أنّ عدم التذكية لازم لأمرين : الحياة ، والموت بحتف الأنف ، والموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو ، بل ملزومه الثاني أعني به الموت حتف الأنف ، فعدم التذكية لازم أعم لموجب النجاسة ، فهو قد يتحقق في فرض الحياة ، وقد يتحقق في فرض الموت بحتف الأنف ، ومن المعلوم أنّ ما علم ثبوته في الزمان السابق هو الأوّل ، والمفروض أنّه غير باقٍ في الزمان الثاني. نعم ، يحتمل عدم تذكية الحيوان الذي هو لازم لموته حتف أنفه ، ومن الظاهر أنّه غير متيقن الثبوت ، فلا يجري الاستصحاب فيه. والمتمسك بهذا الاستصحاب ليس إلاّكمن تمسك باستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار لاثبات وجود عمرو فيها ، مع القطع بخروج زيد عنها ، وفساده غني عن البيان ، انتهى.

وأجاب عنه الشيخ قدس‌سره (2)بأنّ نظر المشهور إلى أنّ الحرمة والنجاسة قد رتّبتا في الشرع على مجرد عدم التذكية ، كما يرشد إليه قوله تعالى : ( إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ ) (3)الظاهر في أنّ المحرّم هو لحم الحيوان الذي لم تقع عليه التذكية ، وكذا قوله تعالى : ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ... ) (4)وفي ذيل موثقة ابن بكير : «إذا كان ذكياً ذكّاه الذبح» (5)وغيرها من الآيات والروايات الدالة على


1) الوافية : 210.

2) فرائد الاصول 2 : 641 و 642.

3) المائدة 5 : 3.

4) الأنعام 6 : 121.

5) الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1.

ترتب الحرمة والنجاسة على عدم التذكية. ولا ينافي ذلك ما دل على كون حكم النجاسة مرتباً على موضوع الميتة بمقتضى أدلة نجاسة الميتة ، لأنّ الميتة عبارة عن كل ما لم يذكَّ ، فانّ التذكية أمر شرعي توقيفي ، فما عدا المذكى ميتة ، هذا ملخص جواب الشيخ قدس‌سره.

وفيه : أنّ كلام الفاضل التوني ناظر إلى خصوص النجاسة ، والمترتب على عدم تذكية الحيوان في الآيات والروايات هو حرمة الأكل وعدم جواز الصلاة فيه ، ولا ملازمة بينهما وبين النجاسة ، فانّ جملةً من أجزاء الحيوان المذكى يحرم أكلها مع أنّها طاهرة ، ولا تجوز الصلاة في شعر غير المأكول من الحيوان مع طهارته في الأكثر. وأمّا النجاسة فهي ثابتة لعنوان الميتة ، والموت في عرف المتشرعة على ما صرح به في المصباح المنير (1)زهاق النفس المستند إلى سبب غير شرعي ، كخروج الروح بحتف الأنف أو بالضرب أو بشق البطن ونحوها ، وعليه يكون الموت أمراً وجودياً ، فعند الشك فيه يجري استصحاب عدمه ، ولا يمكن إثباته باستصحاب عدم التذكية. نعم ، لو كانت الميتة عبارة عما مات ولم يستند موته إلى السبب الشرعي ، لصح جريان استصحاب عدم التذكية لاثبات النجاسة ، لكنّه غير ثابت ، بل الصحيح عدمه.

فما ذكره الفاضل التوني قدس‌سره من عدم صحة إثبات نجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية متين جداً ، وقد تقدّم تفصيل ذلك في بحث البراءة فراجع (2)، هذا تمام الكلام في القسم الثالث.


1) المصباح المنير : 584.

2) الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 361 - 362.

وأمّا القسم الرابع : وهو ما إذا علمنا بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فرد واحد على ما مثلنا به ، فالظاهر أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه ، لتمامية أركانه من اليقين والشك ، فانّ أحد العنوانين وإن ارتفع يقيناً ، إلاّأنّ لنا يقيناً بوجود الكلي في ضمن عنوان آخر ونشك في ارتفاعه ، لاحتمال انطباقه على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً ، فبعد اليقين بوجود الكلي المشار إليه والشك في ارتفاعه ، لا مانع من جريان الاستصحاب فيه.

نعم ، قد يبتلى هذا الاستصحاب بالمعارض كما فيما ذكرنا من المثال ، وهو أنّه إذا علمنا بالجنابة ليلة الخميس مثلاً وقد اغتسلنا منها ، ثمّ رأينا منياً في ثوبنا يوم الجمعة ، فنعلم بكوننا جنباً حين خروج هذا المني ، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي قد اغتسلنا منها ، وأن يكون من غيرها ، فاستصحاب كلي الجنابة مع إلغاء الخصوصية وإن كان جارياً في نفسه ، إلاّأ نّه معارض باستصحاب الطهارة الشخصية ، فانّا على يقين بالطهارة حين ما اغتسلنا من الجنابة ولا يقين بارتفاعها ، لاحتمال كون المني المرئي من تلك الجنابة ، فيقع التعارض بينه وبين استصحاب الجنابة فيتساقطان ، ولا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر. وأمّا فيما لا معارض له كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار وبوجود متكلم فيها يحتمل انطباقه على زيد وعلى غيره ، فلا مانع من جريان استصحاب وجود الانسان الكلي فيها ، مع القطع بخروج زيد عنها إذا كان له أثر شرعي.

وبالجملة : كلامنا إنّما هو في جريان الاستصحاب في نفسه مع قطع النظر عن المعارض ، وقد عرفت أنّ جريانه هو الصحيح. وأمّا عدم الجريان من

جهة الابتلاء بالمعارض فهو مشترك فيه بين هذا القسم والأقسام الاخر ، فانّ الاستصحاب فيها أيضاً قد يتبلى بالمعارض فلا يكون جارياً.

وقد يفصّل في جريان الاستصحاب في هذا القسم بين ما إذا علم بوجود فردين وشك في تعاقبهما وعدمه ، وبين ما إذالم يعلم به ، بل علم بوجود عنوانين يحتمل انطباقهما على فردين وعلى فرد واحد ، فالتزم في الأوّل بجريان الاستصحاب دون الثاني.

مثال الأوّل : ما إذا علم أحد بوضوءين وبحدث ، ولكن لا يدري أنّ الوضوء الثاني كان تجديدياً ليكون الحدث بعدهما وباقياً فعلاً ، أو كان رافعاً للحدث ليكون متطهراً فعلاً ، فالوضوء الأوّل في هذا الفرض قد انتقض بالحدث يقيناً ، وإنّما الشك في بقاء الطهارة حين الوضوء الثاني لاحتمال كونه بعد الحدث ، وحيث إنّ هذا الشخص متيقن بالطهارة حينه إمّا بسببية الوضوء الأوّل لو كان تجديدياً ، وإمّا بسببيته لو كان رافعاً للحدث ، وشاك في ارتفاعها ، فلا مانع من استصحابها.

وكذا الحال فيما إذا علم بالجماع مثلاً مرتين وبغسل واحد ، لكن لا يدري أنّ الجماع الثاني وقع بعد الاغتسال حتى يكون جنباً بالفعل ، أو قبله ليكون متطهراً بالفعل ، فهو يعلم بارتفاع الجنابة الحاصلة بالجماع الأوّل بالغسل ، ويشك في بقاء الجنابة حال الجماع الثاني ، لاحتمال حدوثه بعد الغسل ، وحيث إنّه يعلم بجنابته حين الجماع الثاني ويشك في ارتفاعها ، فلا مانع من استصحابها.

وهذا بخلاف الصورة الثانية ، وهي ما إذالم يعلم بوجود فردين ، ولكنّه يعلم بعنوانين يحتمل انطباقهما على فرد واحد ، كمن رأى في ثوبه منياً واحتمل أنّه من جنابة اخرى غير التي اغتسل منها ، فانّه لا يجري فيه الاستصحاب ، لأنّ

الجنابة المتيقنة قد ارتفعت يقيناً ، والجنابة الاخرى مشكوكة الحدوث من الأوّل ، هذا.

ولكنّ الانصاف جريان الاستصحاب في الصورتين ، والفرق المذكور ليس بفارق فيما هو ملاك الاستصحاب من تعلق اليقين والشك بأمر واحد ، وذلك لأنّ الكلي متيقن حين اليقين بوجود العنوان الثاني ، وارتفاعه مشكوك فيه لاحتمال انطباق العنوان الثاني على فردٍ آخر غير الفرد المرتفع يقيناً ، وما ذكره من أنّ أحد الفردين مرتفع يقيناً والفرد الآخر مشكوك الحدوث إنّما يقدح في جريان الاستصحاب في الفرد دون الكلي ، لتمامية أركانه من اليقين في الحدوث والشك في البقاء بالنسبة إلى الكلي.

ولعل وجه الفرق بين الصورتين ما يظهر من عبارته بل هو مصرّح به من أنّه في فرض العلم بوجود فردين يكون وجود الكلي متيقناً حين وجود الفرد الثاني إمّا بوجود الفرد الأوّل أو بوجود الفرد الثاني ، وارتفاعه مشكوك فيه لاحتمال كون وجوده بوجود الفرد الثاني ، فيجري الاستصحاب في الكلي ، وهذا بخلاف الصورة الثانية فانّه لا علم فيها إلاّبوجود فردٍ واحدٍ وهو متيقن الارتفاع ، والفرد الآخر مشكوك الحدوث والأصل عدمه ، فالشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الآخر وهو مدفوع بالأصل ، فلا مجال لاستصحاب الكلي لكونه مرتفعاً بالتعبد الشرعي.

والجواب عن ذلك يظهر مما ذكرناه (1)في دفع الاشكال عن القسم الثاني من استصحاب الكلي ، وملخص ما ذكرنا هناك : أنّ منشأ الشك في بقاء الكلي ليس هو الشك في حدوث الفرد الطويل ، بل منشؤه الشك في أنّ الحادث هل هو


1) في ص 125 - 129.

الفرد الطويل أو القصير ، ولا يجري فيه أصل يرفع به الشك في بقاء الكلي (1). مضافاً إلى أنّ بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لحدوث الفرد الطويل حتى ينفى بالأصل.

ففي المقام نقول : إنّ منشأ الشك في بقاء الكلي ليس هو الشك في حدوث الفرد الآخر ، بل منشؤه هو الشك في أنّ الحادث بهذا العنوان هل هو الفرد المرتفع يقيناً أو غيره ، فالشك في بقاء الجنابة في المثال نشأ من الشك في أنّ الجنابة الموجودة حال خروج المني المرئي في الثوب هل هي الجنابة التي قد ارتفعت ، أو أنّها غيرها ، ولا يجري أصل يرتفع به الشك في بقاء الكلي. مضافاً إلى أنّ بقاء الكلي ليس من الآثار الشرعية لحدوث فردٍ آخر ليحكم بعدم بقائه بأصالة عدم حدوث فردٍ آخر ، وعليه فلا مانع من جريان استصحاب بقاء الكلي.

وربّما يقال بعدم جريان الاستصحاب في هذا القسم من أقسام استصحاب الكلي ، نظراً إلى أنّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من إحراز صدق عنوان نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن اليقين السابق ، وفي المقام لم يحرز هذا ، لأنّه بعد اليقين بارتفاع الفرد المتيقن واحتمال انطباق العنوان الآخر عليه ، يحتمل أن يكون رفع اليد عن اليقين به من نقض اليقين باليقين ، فلا يمكن التمسك بحرمة نقض اليقين بالشك ، فانّه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

وجوابه : أنّ احتمال الانطباق إنّما هو في نفس العنوان لا بوصف أنّه متيقن ، فانّه بهذا الوصف يستحيل انطباقه على الفرد الأوّل بالضرورة ، ففي المثال


1) [ذكر قدس‌سره هناك أنّ هذا الجواب لا يتم على المختار من جريان استصحاب العدم الأزلي فلاحظ].

المتقدم إنّما نحتمل انطباق نفس عنوان المتكلم على زيد ، إلاّأ نّه بوصف أنّه متيقن لا يحتمل أن ينطبق عليه ، فبعد اليقين بوجود المتكلم في الدار لا يرتفع هذا اليقين باليقين بخروج زيد عنها ، بل الشك في بقائه فيها موجود بالوجدان ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه.

وبالجملة : الشبهة المصداقية غير متصورة في الاصول العملية ، لأنّ موضوعها اليقين والشك ، وهما من الامور الوجدانية ، فامّا أن يكونا موجودين أو لا ، فلا معنى لاحتمال اليقين واحتمال أن يكون رفع اليد من اليقين السابق من نقض اليقين باليقين.

ونظير المقام ما إذا علمنا بموت شخص معيّن واحتمل أنّه هو المجتهد الذي نقلّده ، فهل يصح أن يقال : إنّه لا يمكن جريان استصحاب حياة المجتهد لاحتمال أن يكون هذا الشخص الذي تيقّنا بموته منطبقاً عليه ، فنحتمل أن يكون رفع اليد عن اليقين بحياته من نقض اليقين باليقين ، مع أنّ اليقين بحياة المجتهد والشك في بقائها موجودان بالوجدان ، فكما لا مانع من جريان الاستصحاب فيها لتمامية أركانه ، فكذا في المقام بلا فرق بينهما.

التنبيه الخامس

في جريان الاستصحاب في التدريجيات. ويقع الكلام فيه في مقامين ، المقام الأوّل : في الزمان. والمقام الثاني : في غيره من التدريجيات كالحركة.

أمّا المقام الأوّل : فتفصيل الكلام فيه أنّا إذا قلنا بأنّ الزمان موجود واحد مستمر متقوّم بالانصرام ، ولذا يعبّر عنه بغير القار ، فلا مانع من جريان

الاستصحاب فيه ، لوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بالدقة العقلية فضلاً عن نظر العرف ، فاذا شككنا في بقاء النهار مثلاً يجري استصحاب وجوده بلا إشكال.

وإن قلنا بأنّ الزمان مركب من الآنات الصغيرة المنصرمة ، نظير ما ذكره بعضهم من تركب الأجسام من الأجرام الصغيرة غير القابلة للتجزئة ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه أيضاً ، لوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بنظر العرف. والمدار في جريان الاستصحاب على وحدة الموضوع بنظر العرف لا بالدقة العقلية.

وهذا المسلك وإن كان باطلاً في نفسه ، لأن بعض الأدلة الدالة على إبطال الجزء الذي لا يتجزأ يبطله أيضاً ، إلاّأنّ الالتزام به لا يمنع من جريان الاستصحاب في الزمان.

هذا كلّه بالنسبة إلى الآثار المترتبة على نفس الزمان ، وأمّا الآثار المترتبة على عدم ضدّه كجواز الأكل والشرب في ليالي شهر رمضان المترتب على عدم طلوع الفجر ، لقوله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... ) (1)فلا اشكال في ترتبها باستصحاب عدم الضد ، فاذا شك في طلوع الفجر فلا إشكال في جريان استصحاب عدمه حتى على القول بعدم جريانه في الزمان.

ومن هذا القبيل ما ورد من الروايات الدالة على امتداد وقت صلاة الظهرين إلى غروب الشمس ، وامتداد وقت صلاة العشاءين إلى انتصاف الليل ، فاذا


1) البقرة 2 : 187.

شك في الغروب أو انتصاف الليل يجري استصحاب العدم بلا إشكال. وهذا الاستصحاب في الحقيقة خارج عن محل الكلام ، لأنّ الكلام إنّما هو في استصحاب نفس الزمان بالنسبة إلى الآثار المترتبة عليه ، وأمّا جريان استصحاب العدم عند الشك في الحدوث فلا يفرق الحال فيه بين الزمان وغيره.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من عدم المانع في جريان الاستصحاب في الزمان إنّما هو فيما إذا كان الزمان متمحضاً في الشرطية ، بأن كان شرطاً للحكم الشرعي من التكليف أو الوضع. وأمّا إذا كان قيداً لمتعلق التكليف كما إذا كان ظرفاً للواجب مثلاً ، كما إذا أمر المولى بالامساك الواقع في النهار ، فاذا شك في بقاء النهار ، ففي جريان الاستصحاب فيه إشكال ، لأنّه باستصحاب النهار لا يثبت وقوع الامساك في النهار إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، فانّ وقوع الامساك في النهار لازم عقلي لبقاء النهار.

ولذا عدل الشيخ (1)وتبعه المحقق النائيني (2)قدس‌سره عن جريان الاستصحاب في الزمان في مثله إلى جريانه في الحكم ، بأن نقول بعد الشك في بقاء النهار : إنّ وجوب الامساك الواقع في النهار كان ثابتاً قبل هذا ، فالآن كما كان.

وهذا العدول مما لا يسمن ولا يفيد في دفع الاشكال ، لأن استصحاب الحكم إن كان يمكن به إثبات أنّ الامساك واقع في النهار ، فيمكن إثباته باستصحاب الزمان ، لأنّه باستصحابه يترتب الحكم وهو الوجوب ، وباثباته


1) فرائد الاصول 2 : 645.

2) أجود التقريرات 4 : 103 وما بعدها.

يثبت أنّ الامساك واقع في النهار على الفرض ، فلا نحتاج إلى العدول إلى جريان الاستصحاب في الحكم ، بل لا يصح جريانه فيه ، لأنّ الشك فيه مسبب عن الشك في الزمان ، وجريان الاستصحاب فيه يرفع الشك في الحكم ، وإن كان استصحاب الحكم لا يمكن إثبات وقوع الامساك في النهار به ، لكونه من الأصل المثبت ، لأنّ بقاء النهار لازم عقلي لبقاء وجوب الامساك الواقع في النهار ، بمعنى أنّ العقل يحكم بعد أمر المولى بوجوب الامساك الواقع في النهار بأنّ النهار باقٍ لا محالة ، فالعدول غير مفيد في دفع الاشكال.

ومن هنا عدل صاحب الكفاية قدس‌سره عن جريان الاستصحاب في الزمان وعن جريانه في الحكم إلى جريانه في فعل المكلف المقيد بالزمان ، بأن يقال بعد الشك في بقاء النهار : إنّ الامساك قبل هذا كان واقعاً في النهار والآن كما كان (1).

وهذا الاستصحاب وإن كان جارياً في مثل الامساك ، إلاّأ نّه غير جارٍ في جميع موارد الشك في الزمان ، فانّه من أخّر صلاة الظهرين حتى شك في بقاء النهار ، لا يمكنه إجراء الاستصحاب في الفعل بأن يقال : الصلاة قبل هذا كانت واقعة في النهار والآن كما كانت ، إذ المفروض أنّ الصلاة لم تكن موجودةً إلى الآن ، اللّهمّ إلاّأن يتشبث بذيل الاستصحاب التعليقي ، فيقال : لو اتي بالصلاة قبل هذالكانت واقعة في النهار ، فالآن كما كانت. ولكنّ الاستصحاب التعليقي مع عدم صحته في نفسه مختص عند قائله بالأحكام ، فلا يجري في الموضوعات كما يأتي التعرض له قريباً (2)إن شاء اللّه تعالى.


1) كفاية الاصول : 409.

2) في ص 161 وما بعدها.

فهذه الوجوه التي ذكرها هؤلاء الأعلام لا تفيد في دفع الاشكال ، فلا بدّ من بيان وجه آخر وهو يحتاج إلى ذكر مقدمة : وهي أنّ الموضوع المركب على قسمين :

فتارة يكون الموضوع مركباً من المعروض وعرضه كالماء الكر ، فانّه موضوع للاعتصام وعدم الانفعال ، فلا بدّ في ترتب الحكم على هذا الموضوع من إثبات العارض والمعروض بنحو مفاد كان الناقصة ، إمّا بالوجدان أو بالتعبد ، فاذا شككنا في بقاء كرية الماء لا يجدي جريان الاستصحاب في مفاد كان التامة ، بأن يقال : الكرية كانت موجودة والآن كما كانت ، فان موضوع عدم الانفعال ليس هو الماء ووجود الكرية ولو في غير الماء ، بل الموضوع له كرية الماء وهي لا تثبت باستصحاب الكرية في مفاد كان التامة ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، فلا بدّ حينئذ من إجراء الاستصحاب في مفاد كان الناقصة بأن يقال : هذا الماء كان كراً فالآن كما كان.

واخرى يكون الموضوع مركباً بنحو الاجتماع في الوجود من دون أن يكون أحدهما وصفاً للآخر ، كما إذا اخذ الموضوع مركباً من جوهرين مثل زيد وعمرو ، أو من عرضين - سواء كان أحدهما قائماً بموضوع والآخر قائماً بموضوع آخر كما في صلاة الجماعة فانّ الموضوع لصحة الجماعة اجتماع ركوعين في زمان واحد أحدهما قائم بالإمام والآخر قائم بالمأموم ، أو كانا قائمين بموضوع واحد كالاجتهاد والعدالة المأخوذين في موضوع جواز التقليد - أو مركباً من جوهر وعرض قائم بموضوع آخر ، ففي جميع هذه الصور يكون الموضوع هو مجرد اجتماع الأمرين في الوجود ولا يعقل اتصاف أحدهما بالآخر ، فلا بدّ في ترتب الحكم على مثل هذا الموضوع المركب من إحراز كلا الأمرين ، إمّا بالوجدان أو بالتعبد ، فاذا شك في أحدهما يكفي جريان الاستصحاب فيه بنحو مفاد كان

التامة بلا احتياج إلى جريانه في مفاد كان الناقصة ، بل لا يصح جريانه فيه ، لما ذكرناه من عدم معقولية اتصاف أحدهما بالآخر.

ومن هذا القبيل الصلاة والطهارة ، فانّ كلاً منهما فعل للمكلف وعرض من أعراضه ، ولا معنى لاتصاف أحدهما بالآخر ، والموضوع هو مجرد اجتماعهما في الوجود الخارجي ، فاذا شك في بقاء الطهارة يكفي جريان الاستصحاب فيها بنحو مفاد كان التامة فيحرز الموضوع المركب من الصلاة والطهارة ، أحدهما بالوجدان وهو الصلاة والآخر بالتعبد الشرعي وهو الطهارة.

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ اعتبار الزمان قيداً لشيء من هذا القبيل ، فان معنى الامساك النهاري هو اجتماع الامساك مع النهار في الوجود ، إذ النهار موجود من الموجودات الخارجية ، والامساك عرض قائم بالمكلف ، فلا معنى لاتصاف أحدهما بالآخر ، فاذا شك في بقاء النهار يكفي جريان الاستصحاب فيه بنحو مفاد كان التامة ، ولا يكون من الأصل المثبت في شيء. نعم ، لو أردنا إثبات اتصاف الامساك بكونه نهارياً باستصحاب النهار بنحو مفاد كان التامة ، كان من الأصل المثبت ، لكنّه لا نحتاج إليه ، بل لا معنى له على ما ذكرناه.

نعم ، قد يؤخذ في لسان الدليل الشرعي عنوان انتزاعي موضوعاً لحكم من الأحكام كالتقدم والتأخر والتقارن ، فاذا شك في بقاء الزمان فباستصحابه لا يمكن إثبات هذا العنوان إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، ولا اختصاص له باستصحاب الزمان ، بل يجري في غيره أيضاً ، فاذا كان الموضوع لارث الولد تأخر موته عن موت أبيه وعلمنا بموت والده في شهر رمضان مثلاً ، وشككنا في أنّ موت الولد كان متأخراً عنه أم لا ، فباستصحاب حياة الولد لا يمكن إثبات عنوان التأخر إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

فالمتحصل مما ذكرناه في المقام : صحة جريان الاستصحاب في الزمان مطلقاً.

المقام الثاني : في جريان الاستصحاب في غير الزمان من التدريجيات ، وهو على قسمين : لأنّ الأمر التدريجي إمّا أن يكون مثل الزمان بحيث يكون تقدّمه بالانصرام والانقضاء ، ولا يمكن اجتماع جزأين منه في زمان واحد ، بل يوجد جزء منه وينعدم فيوجد جزء آخر ، ويعبّر عنه بغير القار كالحركة والجريان والتكلم ونحوها. وإمّا أن يكون بنفسه غير منصرم وله ثبات في نفسه ، ولكنّه من حيث تقيده بالزمان يكون غير قارّ ، فكونه غير قارّ إنّما هو باعتبار قيده وهو الزمان ، كما إذا أمر المولى بالقيام إلى الظهر أو بالجلوس إلى المغرب مثلاً.

أمّا القسم الأوّل : فقد ظهر الكلام فيه مما ذكرنا في الزمان ، لأنّه إن قلنا بكون الحركة المتصلة موجوداً واحداً ، وأنّ الاتصال مساوق للوحدة ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيها ، حتى بناءً على اعتبار وحدة الموضوع بالدقة العقلية فضلاً عن اعتبار الوحدة العرفية. وإن قلنا بكون الحركة مركبة من الحركات اليسيرة الكثيرة بحيث يكون كل جزء من الحركة موجوداً منحازاً عن الجزء الآخر ، فلا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب فيها أيضاً ، لكون الموضوع واحداً بنظر العرف وإن كان متعدداً بالدقة العقلية.

ثمّ إنّه بناءً على ما ذكرناه (1)من عدم اختصاص حجية الاستصحاب بموارد الشك في الرافع يجري الاستصحاب في الحركة ، سواء كان الشك في بقائها مستنداً إلى الشك في المقتضي كما إذا علمنا بحركة زيد من النجف إلى الكوفة وشككنا في أنّه قاصد للحركة إليها فقط أو إلى الحلة أيضاً ، فبعد الوصول إلى الكوفة


1) فى ص 30. 35.

نشك في بقاء الحركة من جهة الشك في المقتضي ، أو كان الشك في بقاء الحركة مستنداً إلى الشك في الرافع كما إذا علمنا بكونه قاصداً للحلة ولكن لا ندري أنّه هل عرض له مانع أم لا.

أو كان الشك في بقاء الحركة مستنداً إلى احتمال حدوث المقتضي الجديد مع العلم بارتفاع المقتضي الأوّل كما إذا علمنا بأ نّه كان قاصداً للكوفة فقط لكن نحتمل حدوث البداء له في الحركة إلى الحلة ، فاحتمال بقاء الحركة مستند إلى احتمال حدوث المقتضي الجديد.

وتجري هذه الصور الثلاث عند الشك في بقاء الجريان والسيلان أيضاً ، فانّ الشك في بقاء جريان الماء مثلاً أو سيلان الدم في باب الحيض تارةً يكون مستنداً إلى الشك في المقتضي كما إذا شككنا في بقاء الجريان من جهة الشك في بقاء المادة للماء ، واخرى يكون مستنداً إلى الشك في الرافع كما إذا علمنا بقاء الماء وشككنا في بقاء الجريان لاحتمال حدوث مانع منه ، وثالثةً يكون مستنداً إلى احتمال حدوث مادة اخرى مع العلم بانتفاء المادة الاولى ، فيجري الاستصحاب في جميع هذه الصور.

ومنع العلاّمة النائيني (1)قدس‌سره عن جريان الاستصحاب في القسم الثالث ، بدعوى أنّ الحافظ للوحدة في الامور التدريجية غير القارّة كالحركة هو الداعي ، فمع وحدة الداعي تكون الحركة واحدةً ، ومع تعدده تكون الحركة متعددةً ، وحيث إنّ الداعي الأوّل قد انتفى في القسم الثالث يقيناً ، فتكون الحركة الحادثة بداعٍ آخر على تقدير وجودها غير الحركة الاولى ، فلا يصح جريان الاستصحاب لاختلاف القضية المتيقنة والمشكوكة.


1) أجود التقريرات 4 : 108 و 109 ، فوائد الاصول 4 : 440 و 441.

وقد ظهر جوابه مما ذكرنا ، فانّ الحافظ للوحدة ليس هو الداعي بل هو الاتصال ، فما لم يتخلل العدم فالحركة واحدة وإن كان حدوثها بداعٍ وبقاؤها بداعٍ آخر ، وإذا تخلل العدم كانت الحركة متعددةً وإن كان الداعي واحداً. وقد نقضنا عليه قدس‌سره في الدورة السابقة بالسجدة ، فمن سجد في الصلاة بداعي الامتثال ثمّ بعد إتمام الذكر بقي في السجدة آناً ما للاستراحة مثلاً ، فهل يمكن القول ببطلان الصلاة لأجل زيادة السجدة.

وربّما يتوهّم في المقام أنّ الاستصحاب في هذا القسم وإن كان جارياً في نفسه إلاّأ نّه محكوم بأصل آخر ، فانّ الشك في بقاء الحركة مسبب عن الشك في حدوث داعٍ آخر والأصل عدمه.

وفساد هذا التوهم أوضح من أن يخفى ، فانّ ارتفاع الحركة ليس من الآثار الشرعية لعدم حدوث الداعي الآخر ، فلا يمكن إثبات ارتفاعها بأصالة عدم حدوثه إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

فتحصّل : أنّ الصحيح جريان الاستصحاب في جميع الصور الثلاث ما لم يتخلل العدم ، ومع تخلله لا يبقى موضوع لجريانه.

ثمّ إنّه ذكر صاحب الكفاية (1)قدس‌سره أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في مثل الحركة ولو بعد تخلل العدم إذا كان يسيراً ، لأنّ المناط في الاستصحاب هو الوحدة العرفية ولا يضر السكون القليل بوحدة الحركة عرفاً.

وفيه : أنّ بقاء الموضوع في الاستصحاب وإن لم يكن مبنياً على الدقة العقلية بل على المسامحة العرفية ، ونظر العرف أوسع من لحاظ العقل في أكثر


1) كفاية الاصول : 408.

الموارد ، إلاّأ نّه لا فرق بين العقل والعرف في المقام ، فالمتحرك إذا سكن ولو قليلاً لا يصدق عليه أنّه متحرك عرفاً ، لصدق الساكن عليه حينئذ ، ولا يمكن اجتماع عنواني الساكن والمتحرك في نظر العرف أيضاً ، وعليه فلو تحرك بعد السكون لا يقال عرفاً إنّه متحرك بحركة واحدة ، بل يقال إنّه متحرك بحركة اخرى غير الاولى ، فلو شككنا في الحركة بعد السكون لا يمكن جريان الاستصحاب ، لأنّ الحركة الاولى قد ارتفعت يقيناً ، والحركة الثانية مشكوكة الحدوث.

نعم ، قد يؤخذ في موضوع الحكم عنوان لايضر في صدقه السكون في الجملة كعنوان المسافر ، فانّ القعود لرفع التعب مثلاً بل النزول في المنازل غير قادح في صدق عنوان المسافر فضلاً عن السكون ساعة أو ساعتين ، فاذا شك في بقاء السفر لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه ولو بعد السكون ، بخلاف ما إذا اخذ عنوان الحركة في موضوع الحكم فانّه لا يجري الاستصحاب بعد السكون ، بل يجري فيه استصحاب السكون ، ويجري جميع ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في الحركة ما لم يتخلل العدم وعدمه بعد السكون في مثل الجريان والسيلان ، فلا نحتاج إلى الاعادة.

بقي الكلام في جريان الاستصحاب في التكلم ، ولا يخفى أنّه يمتاز عمّا قبله بعد الاشتراك معه في كونه موجوداً غير قارّ بأ نّه ليست له وحدة حقيقية من جهة تخلل السكوت ولو بقدر التنفس في أثنائه لا محالة بحسب العادة ، نعم له الوحدة الاعتبارية ، فتعدّ عدّة من الجملات موجوداً واحداً باعتبار أنّها قصيدة واحدة أو سورة واحدة مثلاً ، وتكفي في جريان الاستصحاب الوحدة الاعتبارية ، فاذا شرع أحد بقراءة قصيدة مثلاً ، ثمّ شككنا في فراغه عنها لم يكن مانع من جريان استصحابها ، سواء كان الشك مستنداً إلى الشك في المقتضي كما إذا

كانت القصيدة مرددةً بين القصيرة والطويلة فلم يعلم أنّها كانت قصيرة فهي لم تبق أم هي طويلة فباقية ، أو كان الشك مستنداً إلى الشك في الرافع كما إذا علمنا بعدم تمامية القصيدة ولكن شككنا في حدوث مانع خارجي عن إتمامها ، وذلك لما ذكرناه (1)من عدم اختصاص حجية الاستصحاب بموارد الشك في الرافع.

وكذا الكلام في الصلاة فانّها وإن كانت مركبةً من أشياء مختلفة ، فبعضها من مقولة الكيف المسموع كالقراءة ، وبعضها من مقولة الوضع كالركوع وهكذا ، إلاّ أنّ لها وحدةً اعتباريةً ، فانّ الشارع قد اعتبر عدّة أشياء شيئاً واحداً وسمّاه بالصلاة ، فاذا شرع أحد في الصلاة وشككنا في الفراغ عنها ، لم يكن مانع من جريان استصحابها والحكم ببقائها ، سواء كان الشك في المقتضي كما إذا كان الشك في بقاء الصلاة لكون الصلاة مرددةً بين الثنائية والرباعية مثلاً ، أو كان الشك في الرافع كما إذا شككنا في بقائها لاحتمال حدوث قاطع كالرعاف مثلاً.

وأمّا القسم الثاني من الزماني : وهو ما يكون له الثبات في نفسه ولكنّه قيّد بالزمان في لسان الدليل كالامساك المقيد بالنهار ، فقد يكون الشك فيه من جهة الشبهة الموضوعية ، وقد يكون من جهة الشبهة الحكمية.

أمّا القسم الأوّل : فتارة يكون الفعل فيه مقيداً بعدم مجيء زمان كما إذا كان الامساك مقيداً بعدم غروب الشمس ، أو كان جواز الأكل والشرب في شهر رمضان مقيداً بعدم طلوع الفجر ، وعليه فلا إشكال في جريان الاستصحاب العدمي ، فباستصحاب عدم غروب الشمس يحكم بوجوب الامساك ، كما أنّه باستصحاب عدم طلوع الفجر يحكم بجواز الأكل والشرب. واخرى يكون


1) في ص 30 - 35.

الفعل مقيداً في لسان الدليل بوجود الزمان لا بعدم ضدّه كما إذا كان الامساك مقيداً بالنهار وجواز الأكل والشرب مقيداً بالليل ، فيجري الاستصحاب في نفس الزمان على ما تقدّم (1).

وأمّا القسم الثاني : وهو ما كان الشك فيه في بقاء الحكم لشبهة حكمية ، فقد يكون الشك فيه لشبهة مفهومية كما إذا شككنا في أنّ الغروب الذي جعل غايةً لوجوب الامساك هل هو عبارة عن استتار القرص ، أو عن ذهاب الحمرة المشرقية ، وقد يكون الشك فيه لتعارض الأدلة كما في آخر وقت العشاءين لتردده بين انتصاف الليل كما هو المشهور أو طلوع الفجر كما ذهب إليه بعض ، مع الالتزام بحرمة التأخير عمداً عن نصف الليل.

وكيف كان ، فذهب الشيخ (2)وتبعه جماعة ممن تأخر عنه منهم صاحب الكفاية (3)قدس‌سره إلى أنّ الزمان إذا اخذ قيداً للفعل فلايجري الاستصحاب فيه ، وإذا اخذ ظرفاً فلا مانع من جريانه. ولكنّ المحقق النائيني (4)قدس‌سره أنكر جريان الاستصحاب في كلا التقديرين ، لما اختاره سابقاً من عدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضي مع تفسيره بالشك في استعداد الشيء للبقاء في نفسه بلا حدوث شيء موجب لانعدامه. والشك في بقاء الليل والنهار من قبيل الشك في المقتضي بالمعنى المذكور ، فانّ الزمان المحدود كالليل والنهار مما يرتفع بنفسه بلا احتياج إلى وجود رافع.


1) في ص 145 وما بعدها.

2) فرائد الاصول 2 : 648 و 649.

3) كفاية الاصول : 409.

4) أجود التقريرات 4 : 109 و 110.

وهذا الكلام صحيح لو تمّ المبنى المذكور ، لكنّه غير تام لما تقدّم (1)من أنّ أخبار الاستصحاب لاتختص بالشك في الرافع ، فلا مانع من جريان الاستصحاب من هذه الجهة.

نعم ، هنا جهة اخرى تقتضي عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام وهي أنّ الاهمال في مقام الثبوت غير معقول كما مرّ غير مرّة ، فالأمر بشيء إمّا أن يكون مطلقاً وإمّا أن يكون مقيداً بزمان خاص ولا تتصور الواسطة بينهما ، ومعنى كونه مقيداً بذلك الزمان الخاص عدم وجوبه بعده ، فأخذ الزمان ظرفاً للمأمور به - بحيث لا ينتفي المأمور به بانتفائه قبالاً لأخذه قيداً للمأمور به - مما لا يرجع إلى معنىً معقول ، فانّ الزمان بنفسه ظرف لا يحتاج إلى الجعل التشريعي ، فاذا اخذ زمان خاص في المأمور به فلا محالة يكون قيداً له ، فلا معنى للفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً ، فانّ أخذه ظرفاً ليس إلاّعبارة اخرى عن كونه قيداً ، فاذا شككنا في بقاء هذا الزمان وارتفاعه من جهة الشبهة المفهومية أو لتعارض الأدلة ، لايمكن جريان الاستصحاب لا الاستصحاب الحكمي ولا الموضوعي.

أمّا الاستصحاب الحكمي ، فلكونه مشروطاً باحراز بقاء الموضوع وهو مشكوك فيه على الفرض ، فانّ الوجوب تعلق بالامساك الواقع في النهار ، فمع الشك في بقاء النهار كيف يمكن استصحاب الوجوب ، فانّ موضوع القضية المتيقنة هو الامساك في النهار ، وموضوع القضية المشكوكة هو الامساك في جزء من الزمان يشك في كونه من النهار ، فيكون التمسك بقوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» لاثبات وجوب الامساك فيه تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.


1) في ص 30 - 35.

وأمّا الاستصحاب الموضوعي بمعنى الحكم ببقاء النهار ، فلأ نّه ليس لنا يقين وشك تعلقا بشيء واحد حتى نجري الاستصحاب فيه ، بل لنا يقينان : يقين باستتار القرص ويقين بعدم ذهاب الحمرة المشرقية ، فأيّ موضوع يشك في بقائه بعد العلم بحدوثه حتى يكون مجرىً للاستصحاب. فاذن لا شك لنا إلاّفي مفهوم اللفظ ، ومن الظاهر أنّه لا معنى لجريان الاستصحاب فيه.

ونظير المقام ما إذا شككنا في معنى العدالة وأ نّها عبارة عن ترك الكبائر فقط أو هو مع ترك الصغائر ، فاذا كان زيد عادلاً يقيناً فارتكب صغيرةً ، نشك في بقاء عدالته للشبهة المفهومية ، فلا معنى لجريان الاستصحاب الموضوعي ، لعدم الشك في شيء من الموضوع حتى يجري فيه الاستصحاب ، فانّ ارتكابه الصغيرة معلوم ، وارتكابه الكبيرة معلوم الانتفاء ، فليس هنا شيء يشك في بقائه ليجري فيه الاستصحاب. وقد صرّح الشيخ (1)قدس‌سره في بعض تحقيقاته بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد الشبهة المفهومية.

وربّما يتوهّم في المقام جريان الاستصحاب في الغاية بوصف كونها غاية ، فانّ الغاية المجعولة الشرعية مشكوكة الحدوث والأصل عدم تحققها.

وفيه : أنّ استصحاب عدم تحقق الغاية بوصف كونها غايةً ليس إلاّعبارة اخرى عن استصحاب الحكم ، فان عدم الغاية بوصف كونها غايةً عبارة عن بقاء الحكم ، فاستصحابه هو استصحاب الحكم ، فيجري فيه الاشكال المتقدم ، هذا كلّه في الشبهة الحكمية مع كون الشك في الحكم ناشئاً من الشك في المفهوم أو من تعارض الأدلة.


1) فرائد الاصول 2 : 605 ولاحظ 692.

وأمّا إذا كان الشك في الحكم ناشئاً من احتمال حدوث تكليف آخر مع اليقين بتحقق الغاية ، كما إذا علمنا بوجوب الجلوس إلى الزوال وعلمنا بتحقق الزوال ، وشككنا في وجوب الجلوس بعد الزوال لاحتمال حدوث تكليف جديد ، فقد يستفاد من طي كلام الشيخ (1)قدس‌سره عدم جريان استصحاب وجود التكليف فيه ، بل يجري فيه استصحاب عدم التكليف ، لأنّ الشك في حدوث تكليف جديد ، والأصل عدمه.

وأنكر المحقق النائيني (2)قدس‌سره كلا الاستصحابين وقال : لا يجري استصحاب الوجود ولا استصحاب العدم ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر من البراءة أو الاشتغال. أمّا عدم جريان استصحاب الوجود ، فلارتفاع التكليف السابق يقيناً ، فلو ثبت وجوبٌ بعد الغاية فهو تكليف آخر. وأمّا عدم جريان استصحاب العدم ، فلأ نّه إن اريد به استصحاب عدم المجعول - أي الحكم - فهو وإن كان معدوماً سابقاً إلاّأ نّه بعدم موضوعه ، ولا يجري الاستصحاب في العدم الأزلي الثابت عند عدم موضوعه المعبّر عنه بالعدم المحمولي ، وإنّما يجري في العدم المنتسب إلى المحمول بعد العلم بوجود موضوعه المعبّر عنه بالعدم النعتي. وإن اريد به استصحاب عدم الجعل ، حيث إنّ جعل وجوب الجلوس بعد الزوال مشكوك فيه والأصل عدمه ، فلا أثر لهذا الاستصحاب إلاّالحكم بعدم المجعول ، وإثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل يتوقف على القول بالأصل المثبت ، فانّ عدم المجعول من لوازم عدم الجعل.

وفيه : أنّه يمكن اختيار كل من الشقين : أمّا الشق الأوّل ، فلما عرفت في


1) فرائد الاصول 2 : 648 و 649.

2) أجود التقريرات 4 : 112 و 113 ، فوائد الاصول 4 : 445 - 448.

بحث العام والخاص (1)من أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. وأمّا الشق الثاني ، فلأ نّه لا فرق بين الجعل والمجعول إلاّبالاعتبار ، نظير الفرق بين الماهية والوجود أو الايجاد والوجود ، فلا يكون استصحاب عدم الجعل لاثبات عدم المجعول من الأصل المثبت في شيء.

فالتحقيق ما ذكره الشيخ قدس‌سره من جريان استصحاب عدم التكليف في المقام ، فلا تصل النوبة إلى البراءة أو الاشتغال.

بقي هنا شيء وهو أنّه لو كان الحكم مقيداً بالزمان ، وشككنا في بقاء الحكم بعد الغاية لاحتمال كون التقيد بالزمان من باب تعدد المطلوب ليبقى طلب الطبيعة بعد حصول الغاية ، فهل يجري فيه الاستصحاب أم لا؟

الظاهر جريانه مع الغض عما ذكرنا سابقاً (2)من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية ، والوجه في ذلك : أنّ تعلق طبيعي الوجوب بالجامع بين المطلق والمقيد معلوم على الفرض ، والتردد إنّما هو في أنّ الطلب متعلق بالمطلق وإيقاعه في الزمان الخاص مطلوب آخر ليكون الطلب باقياً بعد مضيه ، أو أنّه متعلق بالمقيد بالزمان الخاص ليكون مرتفعاً بمضيه ، وعليه فيجري فيه الاستصحاب ، ويكون من القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي.

ومن ثمرات جريان هذا الاستصحاب تبعية القضاء للأداء وعدم الاحتياج إلى أمر جديد ، وليكن هذا نقضاً على المشهور حيث إنّهم قائلون بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية ، وبجريان الاستصحاب في القسم الثاني من


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 360 وما بعدها.

2) في ص 42 وما بعدها.

الكلي ومع ذلك يقولون إنّ القضاء ليس تابعاً للأداء بل هو بأمر جديد. نعم ، على المسلك المختار من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية لا يجري الاستصحاب هنا أيضاً ، فيحتاج القضاء إلى أمر جديد. هذا تمام الكلام في جريان الاستصحاب في التدريجيات من الزمان والزمانيات.

التنبيه السادس

اشارة

في الاستصحاب التعليقي ، اعلم أنّ الحكم تارةً يكون فعلياً من جميع الجهات ، واخرى يكون فعلياً من بعض الجهات دون بعض ، ويعبّر عن الثاني بالحكم التعليقي مرةً وبالحكم التقديري اخرى ، كما يعبّر عن الأوّل بالحكم التنجيزي.

والكلام في جريان الاستصحاب في الحكم التعليقي إنّما هو بعد الفراغ عن جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية التنجيزية ، لأنّه مع الالتزام بعدم جريان الاستصحاب فيها - كما هو المختار - كان البحث عن جريان الاستصحاب في الأحكام التعليقية ساقطاً.

وقبل التكلم في جريان الاستصحاب التعليقي وعدمه لا بدّ من بيان مقدمة ، وهي أنّ العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام على أقسام :

فتارةً يكون أخذ العنوان لمجرد الاشارة إلى حقيقة المعنون بلا دخل للعنوان في ثبوت الحكم ، بحيث يفهم العرف من نفس الدليل الدال على الحكم أنّ الحكم ثابت لهذا الموضوع مع تبدل العنوان المأخوذ بعنوان آخر ، كعنوان الحنطة والشعير مثلاً فانّه إذا دلّ دليل على أنّ الحنطة حلال ، يستفاد منه عرفاً

أنّ الحلية ثابتة لحقيقة الحنطة ولو مع تبدل هذا العنوان كما إذا صار دقيقاً ثمّ عجيناً ثمّ خبزاً ، فيستفاد من حليتها الحلية في جميع هذه التبدلات ، ففي مثل ذلك لا نشك في بقاء الحكم في حال من الحالات حتى نحتاج إلى الاستصحاب.

واخرى يكون الأمر بعكس ذلك - أي يفهم العرف من نفس الدليل أنّ الحكم دائر مدار العنوان فيرتفع بارتفاعه - كما في موارد الاستحالة كاستحالة الكلب ملحاً ونحوها من موارد الاستحالات. وقد يستفاد ذلك في غير موارد الاستحالة كما في حرمة الخمر فانّها تابعة لصدق عنوانه ، فاذا تبدل عنوانه لم يحتمل بقاء حكمه ، ففي أمثال ذلك نقطع بارتفاع الحكم بمجرد تبدل العنوان ، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.

وثالثةً لا يستفاد أحد الأمرين من نفس الدليل ، فنشك في بقاء الحكم بعد تبدل العنوان لاحتمال مدخلية العنوان في ترتب الحكم ، وهذا كالتغير المأخوذ في نجاسة الماء ، فانّه لا يعلم أنّ النجاسة دائرة مدار التغير حدوثاً وبقاءً ، أو أنّها باقية بعد زوال التغير أيضاً لكونه علةً لحدوثها فقط. وهذا القسم هو محل الكلام في جريان الاستصحاب.

وظهر بما ذكرنا من تحقيق موارد الاستصحاب التعليقي أنّ تمثيلهم له بماء الزبيب غير صحيح ، فانّ الاستصحاب إنّما هو فيما إذا تبدلت حالة من حالات الموضوع فشك في بقاء حكمه ، والمقام ليس كذلك ، إذ ليس المأخوذ في دليل الحرمة هو عنوان العنب ليجري استصحاب الحرمة بعد كونه زبيباً ، بل المأخوذ فيه هو عصير العنب وهو الماء المخلوق في كامن ذاته بقدرة اللّه تعالى ، فانّ العصير ما يعصر من الشيء من الماء ، وبعد الجفاف وصيرورته زبيباً لا يبقى ماؤه الذي كان موضوعاً للحرمة بعد الغليان. وأمّا عصير الزبيب فليس هو إلاّماء آخر خارج عن حقيقته وصار حلواً بمجاورته ، فموضوع

الحرمة غير باقٍ ليكون الشك شكاً في بقاء حكمه فيجري فيه الاستصحاب.

وبعد الغض عن المناقشة في المثال نقول : إنّ الشك في بقاء الحكم الشرعي يتصور على وجوه ثلاثة لا رابع لها :

الأوّل : ما إذا كان الشك في بقاء الحكم الكلي في مرحلة الجعل لاحتمال النسخ.

الثاني : ما إذا كان الشك في بقاء الحكم الجزئي لاحتمال عروض تغير في موضوعه الخارجي ويعبّر عنه بالشبهة الموضوعية ، كما إذا علمنا بطهارة ثوب واحتملنا نجاسته لاحتمال ملاقاته البول مثلاً.

الثالث : ما إذا كان الشك في بقاء الحكم الكلي المجعول لأجل الشك في سعة موضوعه وضيقه في مقام الجعل ، ويعبّر عنه بالشبهة الحكمية ، كما إذا شككنا في حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال لاحتمال أن يكون الموضوع لحرمة الوطء خصوص المرأة حال رؤيتها الدم ، أو المحدث بحدث الحيض ، ليعمّ من لم تغتسل بعد وإن انقطع الدم عنها.

أمّا القسم الأوّل ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب التعليقي فيه إذا قلنا بجريان الاستصحاب التنجيزي فيه ، فكما إذا شككنا في بقاء حرمة الخمر لاحتمال النسخ يجري استصحاب عدم النسخ ، كذلك إذا شككنا في بقاء حكمه التعليقي كوجوب الحد على من شربه يجري استصحاب عدم النسخ أيضاً ، ولكنّا سنذكر (1)عدم صحة جريان الاستصحاب في موارد الشك في النسخ مطلقاً.


1) في التنبيه السابع ص 175.

وكذا القسم الثاني ، فانّه مع الشك في بقاء الموضوع الخارجي على ما كان عليه ، يحكم ببقائه على ما كان بمقتضى الاستصحاب ، ويترتب عليه جميع أحكامه المنجّزة والمعلّقة.

إنّما الكلام في القسم الثالث ، والظاهر ابتناء هذا البحث على أنّ القيود المأخوذة في الحكم هل هي راجعة إلى نفس الحكم ولا دخل لها بالموضوع ، أو راجعة إلى الموضوع ، فعلى تقدير القول برجوعها إلى نفس الحكم ، يكون الحكم الثابت للموضوع حصة خاصة من الحكم ، فيثبت الحكم عند تحقق موضوعه ، فاذا وجد العنب في الخارج في مفروض المثال ، كان الحكم بحرمته الخاصة فعلياً لا محالة ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه عند الشك في بقائه.

وأمّا على تقدير القول برجوعها إلى الموضوع ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه لكون الموضوع حينئذ مركباً من العصير وغليانه. وفعلية الحكم المترتب على الموضوع المركب متوقفة على وجود موضوعه بتمام أجزائه ، لأن نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علته ، ولا يمكن تحقق المعلول إلاّبعد تحقق العلة بما لها من الأجزاء ، فوجود أحد جزأي الموضوع بمنزلة العدم ، لعدم ترتب الحكم عليه ، فلم يتحقق حكم حتى نشك في بقائه ليكون مورداً للاستصحاب.

وحيث إنّ الصحيح في القيود هو كونها راجعةً إلى الموضوع على ما ذكرنا في مبحث الواجب المشروط (1)، فلا مجال لجريان الاستصحاب في المقام.

ولا فرق فيما ذكرناه من كون القيود راجعةً إلى الموضوع بحسب اللب بين أن


1) محاضرات في اصول الفقه 2 : 167.

يكون القيد مذكوراً في الكلام بعنوان الوصف ، كما إذا قال المولى يجب الحج على المستطيع ، أو بعنوان الشرط كما إذا قال يجب الحج على المكلف إن استطاع.

نعم ، بينهما فرق من جهة ثبوت المفهوم في الثاني دون الأوّل ، لكنّه لا دخل له فيما نحن فيه من كون القيد راجعاً إلى الموضوع دون الحكم.

فتحصّل مما ذكرناه : عدم تمامية الاستصحاب التعليقي.

نعم ، هنا شيء وهو أنّه إذا كان الحكم مترتباً على الموضوع المركب ووجد أحد أجزائه ، فيحكم العقل بأ نّه إن وجد جزؤه الآخر ، لترتب عليه الأثر ، وهذا - مع كونه حكماً عقلياً - معلوم البقاء في كل مركب وجد أحد أجزائه ، فلا معنى لاستصحابه.

وبالجملة : جريان الاستصحاب التعليقي متوقف على القول بكون القيود راجعةً إلى الحكم ، وهو في غاية السقوط على ما تقدّم في مبحث الواجب المشروط ، فلا يبقى مجال للاستصحاب التعليقي.

ولعلّه لذلك عدل الشيخ (1)قدس‌سره عن الاستصحاب التعليقي في مسألة العصير الزبيبي إلى جريان الاستصحاب التنجيزي في السببية ، بدعوى أنّ الغليان حال العنبية كان سبباً للحرمة ، فالاستصحاب يقتضي بقاء السببية حال الزبيبية أيضاً. وهذه السببية لم تكن معلّقةً على تحقق الغليان في الخارج حتى يقال : إنّ استصحاب السببية أيضاً من الاستصحاب التعليقي ، وذلك لأنّ السببية مستفادة من حكم الشارع بأنّ العصير يحرم إذا غلا ، ومن المعلوم أنّ صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق الطرفين.


1) فرائد الاصول 2 : 654.

وفيه : أنّ السببية من الأحكام الوضعية ، وقد التزم الشيخ (1)قدس‌سره بأنّ الأحكام الوضعية بأجمعها منتزعة من الأحكام التكليفية ، فلا معنى للالتزام بعدم جريان الاستصحاب في منشأ الانتزاع وهو التكليف ، وجريان الاستصحاب في الأمر الانتزاعي وهو السببية مع أنّ الأمر الانتزاعي تابع لمنشأ الانتزاع. وكذا الحال على مسلكنا ، فانّا وإن قلنا بأنّ بعض الأحكام الوضعية مجعول بالاستقلال على ما تقدّم تفصيله (2)، إلاّأ نّه قد ذكرنا أنّ السببية والشرطية والملازمة من الامور الانتزاعية قطعاً ، وتنتزع السببية والشرطية عن تقييد الحكم بشيء في مقام الجعل ، وقد ذكرنا أنّ الفرق بين السبب والشرط مجرد اصطلاح ، فانّهم يعبّرون عن القيد المأخوذ في التكليف بالشرط ، فيقولون : إنّ الاستطاعة شرط لوجوب الحج ، وعن القيد المأخوذ في الوضع بالسبب ، فيقولون : العقد سبب للزوجية أو الملكية.

وبالجملة : بعد الالتزام بكون الأحكام الوضعية منتزعةً من الأحكام التكليفية ، لا معنى لاستصحاب السببية ، والمفروض في المقام عدم تحقق التكليف الفعلي حتى تنتزع منه السببية ، هذا مضافاً إلى أنّه لا يمكن جريان الاستصحاب في السببية ولو قيل بأ نّها من المجعولات المستقلة ، وذلك لأنّ الشك في بقاء السببية إن كان في بقائها في مرحلة الجعل لاحتمال النسخ ، فلا إشكال في جريان استصحاب عدم النسخ فيه ، ولكنّه خارج عن محل الكلام ، وإن كان في بقائها بالنسبة إلى مرتبة الفعلية ، فلم تتحقق السببية الفعلية بعد حتى نشك في بقائها ، لأنّ السببية الفعلية إنّما هي بعد تمامية الموضوع بأجزائه ،


1) فرائد الاصول 2 : 601 - 603.

2) في ص 93 وما بعدها.

والمفروض في المقام عدم تحقق بعض أجزائه وهو الغليان ، فالتحقيق أنّ الاستصحاب التعليقي مما لا أساس له.

بقي في المقام امور :

الأوّل : ذكر الشيخ (1)قدس‌سره أنّ العقود التي لها آثار فعلية إذا شك في لزومها وجوازها ، يتمسك لاثبات اللزوم باستصحاب بقاء تلك الآثار الفعلية ، ولذا تمسك باستصحاب بقاء الملكية في المعاطاة وفي غير موضع من أبواب الخيارات (2). وأمّا العقود التي ليس لها آثار فعلية ، بل لها آثار تعليقية كالوصية والتدبير والسبق والرماية ، فانّه لا يترتب على هذه العقود والايقاعات أثر فعلاً ، بل الأثر متوقف على شيء آخر من الموت كما في الوصية والتدبير ، أو حصول السبق أو إصابة الهدف في الخارج كما في عقد السبق والرماية ، فاذا شك في لزوم هذه العقود وجوازها ، لا يجري الاستصحاب لاثبات اللزوم ، لعدم ترتب أثر فعلي على هذه العقود حتى نقول الأصل بقاء هذا الأثر ، فيكون الاستصحاب تعليقياً ولا مجال لجريانه.

هذا ملخص ما ذكره الشيخ قدس‌سره في المقام ، فالمتحصل من كلامه قدس‌سره هو التفصيل في جريان الاستصحاب التعليقي بين مسألة الزبيب وموارد العقود التعليقية ، بالقول بجريانه في الاولى بنحو استصحاب السببية على ما تقدّم (3)، دون الثانية.


1) المكاسب 5 : 14 و 23.

2) راجع على سبيل المثال المكاسب 3 : 51.

3) في ص 165.

والتحقيق يقتضي الالتزام بعكس ما ذكره الشيخ قدس‌سره ، فانّ ما ذكرناه (1)من المانع عن جريان الاستصحاب التعليقي في مسألة الزبيب لا يجري في موارد العقود التعليقية ، لأنّ ملخص ما ذكرناه من المانع في مسألة الزبيب ، هو أنّ موضوع الحرمة مركب ، والمفروض أنّه لم يتحقق بتمام أجزائه ، فلم يتحقق حكمه لنستصحبه ونحكم ببقائه ، وهذا بخلاف موارد العقود التعليقية فانّ الالتزام بمفاد العقد من المتعاقدين قد وقع في الخارج وأمضاه الشارع ، فقد تحقق هو في عالم الاعتبار ، فاذا شك في بقائه وارتفاعه بفسخ أحد المتعاقدين ، فالأصل يقتضي بقاءه وعدم ارتفاعه بالفسخ.

وبالجملة : الفسخ في العقود نظير النسخ في التكاليف ، وقد ذكرنا (2)أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب التعليقي في النسخ ، فكذا لا مانع من جريانه في الفسخ. نعم ، إذا بنينا على عدم جريان الاستصحاب في موارد الشك في النسخ ، كان موارد الشك في بقاء الحكم بعد الفسخ أيضاً مثلها.

الثاني : لو بنينا على جريان الاستصحاب التعليقي في نفسه ، فهل يعارضه الاستصحاب التنجيزي فيسقطان بالمعارضة أم لا؟ ربما يقال بالمعارضة ، فلا ثمرة للقول بجريان الاستصحاب التعليقي ، بيان المعارضة : أنّ مقتضى الاستصحاب التعليقي في مسألة الزبيب مثلاً هو حرمته بعد الغليان ، ولكن مقتضى الاستصحاب التنجيزي حليته ، فانّه كان حلالاً قبل الغليان ونشك في بقاء حليته بعده ، فمقتضى الاستصحاب بقاؤها ، فيقع التعارض بين الاستصحابين فيسقطان.

وقد اجيب عن المعارضة بجوابين :


1) في ص 164.

2) في ص 164.

الجواب الأوّل : ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره (1)وهو أنّ الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي ، لأنّ الشك في الحلية والحرمة بعد الغليان مسبب عن الشك في أنّ الحرمة المجعولة للعنب بعد الغليان هل هي مختصة بحال كونه عنباً فلا تشمل حال صيرورته زبيباً ، أو هي مطلقة ، فاذا حكم بكونها مطلقة للاستصحاب التعليقي لم يبق شك في حرمته الفعلية ليجري فيه الاستصحاب التنجيزي.

وفيه أوّلاً : أنّ الشكين في رتبة واحدة ، وليس أحدهما مسبباً عن الآخر ، بل كلاهما مسبب عن العلم الاجمالي بأنّ المجعول في حق المكلف في هذه الحالة إمّا الحلية أو الحرمة ، وحيث إنّ الشك في حرمة الزبيب بعد الغليان مسبوق بأمرين مقطوعين : أحدهما حلية هذا الزبيب قبل الغليان. وثانيهما حرمة العنب على تقدير الغليان ، فباعتبار حليته قبل الغليان يجري الاستصحاب التنجيزي ويحكم بحليته ، وباعتبار حرمته على تقدير الغليان يجري الاستصحاب التعليقي ويحكم بالحرمة ، وحيث لا يمكن اجتماعهما فيتساقطان بالمعارضة.

وثانياً : أنّه لو سلّمنا السببية والمسببية ، فليس كل أصل سببي حاكماً على كل أصل مسببي ، وإنّما ذلك في مورد يكون الحكم في الشك المسببي من الآثار الشرعية للأصل السبي ، كما إذا غسلنا ثوباً متنجساً بماء مشكوك الطهارة ، فانّ أصالة طهارة الماء أو استصحابها يكون حاكماً على استصحاب نجاسة الثوب ، لكون طهارة الثوب من الآثار الشرعية لطهارة الماء ، بخلاف المقام فانّ حرمة الزبيب بعد الغليان ليست من الآثار الشرعية لجعل الحرمة للعنب على تقدير الغليان مطلقاً وبلا اختصاص لها بحال كونه عنباً ، بل هي من اللوازم العقلية


1) أجود التقريرات 4 : 126 ، فوائد الاصول 4 : 473.

فلا مجال للحكومة فيبقى التعارض بحاله.

الجواب الثاني : ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره (1)وبيانه بتوضيح منا : أنّ الحلية الثابتة للزبيب قبل الغليان غير قابلة للبقاء ، ولا يجري فيها الاستصحاب ، لوجود أصل حاكم عليه ، وذلك لأنّ الحلّية في العنب كانت مغيّاة بالغليان ، إذ الحرمة فيه كانت معلّقةً على الغليان ، ويستحيل اجتماع الحلية المطلقة مع الحرمة على تقدير الغليان كما هو واضح. وأمّا الحلية في الزّبيب فهي وإن كانت متيقنة إلاّأ نّها مردّدة بين أنّها هل هي الحلية التي كانت ثابتة للعنب بعينها - حتى تكون مغياة بالغليان - أو أنّها حادثة للزبيب بعنوانه ، فتكون باقيةً ولو بالاستصحاب ، والأصل عدم حدوث حلية جديدة وبقاء الحلية السابقة المغيّاة بالغليان ، وهي ترتفع به ، فلاتكون قابلةً للاستصحاب ، فالمعارضة المتوهمة غير تامة.

ونظير ذلك ما ذكرناه (2)في بحث استصحاب الكلي من أنّه إذا كان المكلف محدثاً بالحدث الأصغر ، ورأى بللاً مردداً بين البول والمني فتوضأ ، لم يمكن جريان استصحاب كلي الحدث ، لوجود أصل حاكم عليه ، وهو أصالة عدم حدوث الجنابة وأصالة عدم تبدّل الحدث الأصغر بالحدث الأكبر ، والمقام من هذا القبيل بعينه.

وهذا الجواب متينٌ جدّاً.

الثالث : لو بنينا على جريان الاستصحاب التعليقي في الأحكام ، فهل يجري في موضوعات الأحكام ومتعلقاتها؟ فاذا وقع ثوب متنجسٌ في حوض كان


1) كفاية الاصول : 411 و 412.

2) في ص 129 - 130.

فيه الماء سابقاً ، وشككنا في وجوده فيه بالفعل ، فهل لنا أن نقول بأ نّه لو وقع الثوب في هذا الحوض سابقاً لغسل ، ومقتضى الاستصحاب التعليقي تحقق الغسل في زمان الشك أيضاً؟ وكذلك إذا صلينا في اللباس المشكوك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فهل لنا أن نقول بأنّ الصلاة قبل لبس هذا اللباس لو وقعت في الخارج لم تقع في أجزاء ما لا يؤكل لحمه والآن كما كانت؟ وهذا المثال مبني على أن يكون مركز الاشتراط هو نفس الصلاة كما هو ظاهر أدلة الاشتراط ، وأمّا بناءً على كون مركزه هو اللباس أو الشخص المصلي ، فلا مجال للتمسك بالاستصحاب التعليقي ، بيان ذلك :

أنّا إذا شككنا في كون اللباس من أجزاء غير المأكول ، فبناءً على كون محل الاشتراط هو اللباس ، لا يجري الاستصحاب أصلاً ، لعدم الحالة السابقة له ، فانّه مشكوك فيه حين وجد. نعم ، إذا كان اللباس من غير أجزاء ما لا يؤكل يقيناً فطرأ عليه طارئ يحتمل كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، لم يكن مانع من جريان الاستصحاب فيه ، بتقريب أنّ اللباس لم يكن فيه من أجزاء ما لا يؤكل قبل طروء المشكوك فيه ، والآن كما كان بمقتضى الاستصحاب.

وبناءً على كون محل الاشتراط هو المكلف ، يجري الاستصحاب فيه ، لكونه غير لابس لما يكون من أجزاء غير المأكول يقيناً ، فبعد لبس المشكوك فيه نشك في أنّه لبس لباساً من غير المأكول أم لا ، فنستصحب عدمه. ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان الشك في أصل اللباس أو فيما طرأ عليه طارئ ، فالتمسك بالاستصحاب التعليقي إنّما يتصور فيما إذا كان الاشتراط راجعاً إلى نفس الصلاة. نعم ، إذالبس اللباس المشكوك فيه في أثناء الصلاة ، لم يكن مانع من جريان الاستصحاب التنجيزي ، فانّ الصلاة لم تكن مع أجزاء غير المأكول قبل لبس هذا اللباس يقيناً ، ونشك في بقائها على ما كانت بعد اللبس ، فالأصل

بقاؤها عليه.

وكيف كان ، فقد أنكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره جريان الاستصحاب التعليقي في المقام ، لأنّه يعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة ببقاء الجزء المقوّم للموضوع مع التغير في الحالات والأوصاف غير المقوّمة عرفاً ، والمقام ليس كذلك ، لأنّ الموضوع في مفروض المثال إنّما هو الصلاة ، وليس لنا يقين بتحققها مع عدم أجزاء غير المأكول وشك في بقائها على هذه الصفة حتى تكون مورداً للاستصحاب ، لعدم تحقق الصلاة على الفرض ، ومحل كلامه قدس‌سره وإن كان اللباس المشكوك فيه ولكن يمكن تسريته إلى مسألة الثوب المتنجس الواقع في الحوض أيضاً ، فانّ الموضوع فيها هو الغسل ، وهو لم يكن متيقناً سابقاً حتى يكون مجرىً للاستصحاب.

وللمناقشة فيما أفاده مجال واسع ، وذلك لما ذكرناه غير مرة (2)وفاقاً لما ذهب قدس‌سره (3)إليه من أنّ متعلقات الأحكام ليست هي الأفراد الخارجية ، بل هي الطبائع الكلية مجردةً عن الخصوصيات الفردية ، والفرد الخارجي مسقط للوجوب لكونه مصداقاً للواجب لا لكونه بخصوصيته هو الواجب ، فليس الموضوع للاستصحاب في المقام هو الصلاة الواقعة في الخارج حتى يقال إنّها لم تكن موجودةً حتى يشك في بقائها على صفة من صفاتها كي تكون مجرىً للاستصحاب ، بل الموضوع للاستصحاب هو الطبيعة فنقول : إنّ هذه الطبيعة لو وقعت في الخارج قبل لبس هذا اللباس لكانت غير مصاحبة مع


1) أجود التقريرات 4 : 125 و 126.

2) راجع محاضرات في اصول الفقه 3 : 192 وما بعدها.

3) أجود التقريرات 1 : 307.

أجزاء غير المأكول والآن كما كانت بمقتضى الاستصحاب.

وليس المراد من وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة هو بقاء الموضوع في الخارج ، وإلاّ لم يجر الاستصحاب فيما إذا كان الشك في بقاء نفس الوجود كحياة زيد مثلاً ، أو كان الشك في بقاء العدم ، مع أن جريان الاستصحاب فيهما مما لا إشكال فيه ، بل المراد من وحدة القضيتين كون الموضوع فيهما واحداً ، بحيث لو ثبت الحكم في الآن الثاني لعدّه العرف بقاءً للحكم الأوّل لا حكماً جديداً ، وفي المقام كذلك على ما ذكرناه. وكذا الكلام في مسألة غسل الثوب ، فانّه لو تحقق وقوع هذا الثوب في الحوض سابقاً ، لكان مغسولاً والآن كما كان بمقتضى الاستصحاب ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات من هذه الجهة.

نعم يمكن المنع عن جريانه فيها لوجهين آخرين :

الوجه الأوّل : معارضته بالاستصحاب التنجيزي دائماً ، ولا يجري هنا الجواب الذي ذكرناه (1)عن المعارضة بين الاستصحابين في الأحكام من أنّ الحكم المنجّز كان مغيىً بحسب جعل المولى ، فلا يجري فيه الاستصحاب التنجيزي في ظرف تحقق الغاية ، وذلك لأنّ الموضوع ليس قابلاً للجعل التشريعي ، ولا معنى لكونه مغيىً بغاية ، بل هو تابع لتكونه الواقعي ، فيجري فيه الاستصحاب التنجيزي ويكون معارضاً للاستصحاب التعليقي ، فانّه في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك فيه وإن اقتضى تحقق صلاة متصفة بعدم كونها مصاحبةً لأجزاء غير المأكول ، إلاّأنّ مقتضى الاستصحاب التنجيزي عدم تحقق صلاة متصفة بهذه الصفة ، للعلم بعدم تحققها قبل الاتيان بالصلاة في اللباس المشكوك فيه


1) في ص 170.

والآن كما كان ، فتقع المعارضة بينهما لا محالة.

الوجه الثاني : أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب بنفسه حكماً شرعياً ليقع التعبد ببقائه للاستصحاب ، أو يكون ذا أثر شرعي ليقع التعبد بترتيب أثره الشرعي ، والمستصحب في المقام ليس حكماً شرعياً وهو واضح ، ولا ذا أثر شرعي لأنّ الأثر مترتب على الغسل المتحقق في الخارج ، وعلى الصلاة المتحققة في الخارج المتصفة بما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط.

والمستصحب في المقام أمر فرضي لا واقعي ، ولا يمكن إثباتهما بالاستصحاب المذكور إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، فانّ تحققهما في الخارج من لوازم بقاء القضية الفرضية.

ولا يجري هذا الاشكال على جريان الاستصحاب التعليقي في الأحكام ، لأنّ المستصحب فيها هو المجعول الشرعي وهو الحكم المعلّق على وجود شيء ، ويكون الحكم الفعلي بعد تحقق المعلّق عليه نفس هذا الحكم المعلّق ، لا لازمه حتى يكون الاستصحاب المذكور بالنسبة إلى إثبات الحكم الفعلي من الأصل المثبت.

فالذي تحصل مما ذكرنا : عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات - ولو على فرض تسليم جريانه في الأحكام - مع أنّ التحقيق عدم جريانه في الأحكام أيضاً على ما تقدّم بيانه (1)، ولو قيل بجريان الاستصحاب التنجيزي في الأحكام الكلية الإلهية ، وقد عرفت (2)أنّ التحقيق عدم جريانه فيها أيضاً.


1) في ص 164.

2) في ص 163 وما بعدها.

التنبيه السابع

في استصحاب عدم النسخ ، والمعروف صحة جريان الاستصحاب عند الشك فيه ، بل عدّه المحدث الاسترابادي (1)من الضروريات.

ولكنّه قد استشكل فيه باشكالين : الأوّل مشترك بين الاستصحاب في أحكام هذه الشريعة المقدّسة ، وبين الاستصحاب في أحكام الشرائع السابقة ، فلو تم لكان مانعاً عن جريان الاستصحاب في المقامين. والثاني : مختص باستصحاب أحكام الشرائع السابقة.

أمّا الاشكال الأوّل : فهو أنّه يعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة كما مر مراراً ، والمقام ليس كذلك ، لتعدد الموضوع في القضيتين ، فانّ من ثبت في حقه الحكم يقيناً قد انعدم ، والمكلف الموجود الشاك في النسخ لم يعلم ثبوت الحكم في حقّه من الأوّل لاحتمال نسخه ، فالشك بالنسبة إليه شك في ثبوت التكليف لا في بقائه بعد العلم بثبوته ليكون مورداً للاستصحاب ، فيكون إثبات الحكم له إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر. وهذا الاشكال يجري في أحكام هذه الشريعة أيضاً ، فانّ من علم بوجوب صلاة الجمعة عليه هو الذي كان موجوداً في زمان الحضور ، وأمّا المعدوم في زمان الحضور ، فهو شاك في ثبوت وجوب صلاة الجمعة عليه من الأوّل.

وقد أجاب الشيخ (2)قدس‌سره عن هذا الاشكال بجوابين :

الأوّل : أنّا نفرض الكلام في من أدرك الشريعتين أو أدرك الزمانين ، فيثبت


1) الفوائد المدنية : 143.

2) فرائد الاصول 2 : 655 و 656 / التنبيه الخامس من تنبيهات الاستصحاب.

الحكم في حقه بأصالة عدم النسخ ، وفي حق غيره بقاعدة الاشتراك في التكليف.

وفيه : أنّ إثبات الحكم بقاعدة الاشتراك إنّما هو مع عدم الاختلاف في الصفة المعبّر عنه بالوحدة الصنفية ، فلا يجوز إثبات تكليف المسافر للحاضر وبالعكس بقاعدة الاشتراك. والحكم في المقام بما أنّه ليس من الحكم الواقعي المستفاد من الأمارة بلا لحاظ اليقين والشك ، بل من الأحكام الظاهرية المستفادة من الاستصحاب على الفرض ، فلا يمكن تسرية الحكم الثابت على من تيقن وشك إلى غيره ، فانّ قاعدة الاشتراك وإن كانت جاريةً في الأحكام الظاهرية أيضاً ، إلاّأ نّها إنّما تجري مع حفظ الموضوع للحكم الظاهري ، مثلاً إذا ثبت الحكم بالبراءة لأحد عند الشك في التكليف ، يحكم لغيره أيضاً بالبراءة إذا شك في التكليف ، لقاعدة الاشتراك ، ولا يعقل إثبات الحكم بالبراءة لغير الشاك بقاعدة الاشتراك.

ففي المقام مقتضى قاعدة الاشتراك ثبوت الحكم لكل من تيقن بالحكم ثمّ شك في بقائه ، لا ثبوته لجميع المكلفين حتى من لم يكن متيقناً بالحكم وشاكاً في بقائه. فالحكم الثابت في حق من أدرك الشريعتين أو الزمانين لأجل الاستصحاب لا يثبت في حق غيره لقاعدة الاشتراك ، لعدم كونه من مصاديق الموضوع ، فانّ مفاد القاعدة عدم اختصاص الحكم بشخص دون شخص ، فيعم كل من تيقن بالحكم فشك في بقائه ، لا أنّ الحكم ثابت للجميع ولو لم يكن كذلك ، بل كان شاكاً في حدوثه كما في المقام.

الثاني : ما ذكره الشيخ قدس‌سره (1)وارتضاه غير واحد من المتأخرين


1) فرائد الاصول 2 : 655 و 656 التنبيه الخامس من تنبيهات الاستصحاب.

أيضاً ، وهو أنّ توهم دخل خصوصية هؤلاء الأشخاص مبني على أن تكون الأحكام مجعولةً على نحو القضايا الخارجية ، وليس الأمر كذلك ، فانّ التحقيق أنّها مجعولة على نحو القضايا الحقيقية ، فلا دخل لخصوصية الأفراد في ثبوت الحكم لها ، بل الحكم ثابت للطبيعة أينما سرت من الأفراد الموجودة بالفعل وما يوجد بعد ذلك ، فلو كان هذا الشخص موجوداً في زمان الشريعة السابقة ، لكان الحكم ثابتاً في حقه بلا إشكال ، فليس القصور في ثبوت الحكم من ناحية المقتضي ، إنّما الكلام في احتمال الرافع وهو النسخ ، فيرجع إلى أصالة عدم النسخ ، ولا مانع منه من جهة اعتبار وحدة الموضوع في القضيتين ، إذ الوحدة حاصلة بعد كون الموضوع هي الطبيعة لا الأفراد ، هذا.

وفيه : أنّ النسخ في الأحكام الشرعية إنّما هو بمعنى الدفع وبيان أمد الحكم ، لأنّ النسخ بمعنى رفع الحكم الثابت مستلزم للبداء المستحيل في حقه (سبحانه وتعالى) وقد ذكرنا غير مرة (1)أنّ الاهمال بحسب الواقع ومقام الثبوت غير معقول ، فامّا أن يجعل المولى حكمه بلا تقييد بزمان ويعتبره إلى الأبد ، وإمّا أن يجعله ممتداً إلى وقت معيّن ، وعليه فالشك في النسخ شك في سعة المجعول وضيقه من جهة احتمال اختصاصه بالموجودين في زمان الحضور. وكذا الكلام في أحكام الشرائع السابقة ، فانّ الشك في نسخها شك في ثبوت التكليف بالنسبة إلى المعدومين لا شك في بقائه بعد العلم بثبوته ، فان احتمال البداء مستحيل في حقه تعالى ، فلا مجال حينئذ لجريان الاستصحاب.

وتوهم أنّ جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية ينافي اختصاصها بالموجودين ، مدفوع بأن جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية معناه عدم


1) راجع على سبيل المثال محاضرات في اصول الفقه 1 : 534.

دخل خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم ، لا عدم اختصاص الحكم بحصة دون حصة ، فاذا شككنا في أنّ المحرّم هو الخمر مطلقاً ، أو خصوص الخمر المأخوذ من العنب ، كان الشك في حرمة الخمر المأخوذ من غير العنب شكاً في ثبوت التكليف ، ولا مجال لجريان الاستصحاب معه.

والمقام من هذا القبيل ، فانّا نشك في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلفين أو هو مختص بمدركي زمان الحضور ، فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكاً في ثبوت التكليف لا في بقائه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب حينئذ إلاّعلى نحو الاستصحاب التعليقي ، بأن يقال : لو كان هذا المكلف موجوداً في ذلك الزمان لكان هذا الحكم ثابتاً في حقه ، والآن كما كان. لكنك قد عرفت (1)عدم حجية الاستصحاب التعليقي.

فالتحقيق : أنّ هذا الاشكال لا دافع له ، وأنّ استصحاب عدم النسخ مما لا أساس له ، فان كان لدليل الحكم عموم أو إطلاق يستفاد منه استمرار الحكم ، فهو المتبع ، وإلاّ فان دلّ دليلٌ من الخارج على استمرار الحكم كقوله عليه‌السلام : «حلال محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» (2)فيؤخذ به ، وإلاّ فلا يمكن إثبات الاستمرار باستصحاب عدم النسخ. فما ذكره المحدث الاسترابادي (3)من أنّ استصحاب عدم النسخ من الضروريات ، إن كان مراده الاستصحاب المصطلح ، فهو غير تام ، وإن كان مراده نتيجة الاستصحاب ولو من جهة الأدلة الدالة على


1) في التنبيه السادس.

2) الكافي 1 : 58 / باب البدع والرأي والمقاييس ح 19.

3) الفوائد المدنية : 143.

الاستمرار ، فهو خارج عن محل الكلام.

وأمّا الاشكال الثاني على استصحاب عدم النسخ المختص باستصحاب أحكام الشرائع السابقة : فهو ما ذكره المحقق النائيني (1)قدس‌سره وحاصله : أنّ تبدل الشريعة السابقة بالشريعة اللاحقة إن كان بمعنى نسخ جميع أحكام الشريعة السابقة - بحيث لو كان حكم في الشريعة اللاحقة موافقاً لما في الشريعة السابقة لكان الحكم المجعول في الشريعة اللاحقة مماثلاً للحكم المجعول في الشريعة السابقة لا بقاءً له - فيكون مثل إباحة شرب الماء الذي هو ثابت في جميع الشرائع مجعولاً في كل شريعة مستقلاً ، غاية الأمر أنّها أحكام متماثلة ، فعدم جريان الاستصحاب عند الشك في النسخ واضح ، للقطع بارتفاع جميع أحكام الشريعة السابقة ، فلا يبقى مجال للاستصحاب. نعم ، يحتمل أن يكون المجعول في الشريعة اللاحقة مماثلاً للمجعول في الشريعة السابقة ، كما يحتمل أن يكون مخالفاً له ، وكيف كان لا يحتمل بقاء الحكم الأوّل.

وإن كان تبدل الشريعة بمعنى نسخ بعض أحكامها لا جميعها ، فبقاء الحكم الذي كان في الشريعة السابقة وإن كان محتملاً ، إلاّأ نّه يحتاج إلى الامضاء في الشريعة اللاحقة ، ولا يمكن إثبات الامضاء باستصحاب عدم النسخ إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وفيه : أنّ نسخ جميع أحكام الشريعة السابقة وإن كان مانعاً عن جريان استصحاب عدم النسخ إلاّأنّ الالتزام به بلا موجب ، فانّه لا داعي إلى جعل إباحة شرب الماء مثلاً في الشريعة اللاحقة مماثلةً للاباحة التي كانت في الشريعة السابقة. والنبوة ليست ملازمة للجعل ، فانّ النبي هو المبلّغ للأحكام


1) أجود التقريرات 4 : 128 ، فوائد الاصول 4 : 480.

الإلهية.

وأمّا ما ذكره من أنّ بقاء حكم الشريعة السابقة يحتاج إلى الامضاء في الشريعة اللاحقة ، فهو صحيح ، إلاّأنّ نفس أدلة الاستصحاب كافية في إثبات الامضاء ، وليس التمسك به من التمسك بالأصل المثبت ، فانّ الأصل المثبت إنّما هو فيما إذا وقع التعبد بما هو خارج عن مفاد الاستصحاب.

وفي المقام نفس دليل الاستصحاب دليل على الامضاء ، فكما لو ورد دليل خاص على وجوب البناء على بقاء أحكام الشريعة السابقة إلاّفيما علم النسخ فيه ، يجب التعبد به فيحكم بالبقاء في غير ما علم نسخه ، ويكون هذا الدليل الخاص دليلاً على الامضاء ، فكذا في المقام فان أدلة الاستصحاب تدل على وجوب البناء على البقاء في كل متيقن شك في بقائه ، سواء كان من أحكام الشريعة السابقة أو من أحكام هذه الشريعة المقدسة ، أو من الموضوعات الخارجية ، فلا إشكال في استصحاب عدم النسخ من هذه الجهة ، والعمدة في منعه هو ما ذكرناه.

وأمّا ما قيل في وجه المنع من أنّ العلم الاجمالي بنسخ كثير من الأحكام مانع عن التمسك باستصحاب عدم النسخ فهو مدفوع بأن محل الكلام إنّما هو بعد انحلال العلم الاجمالي بالظفر بعدّة من موارد النسخ. والاشكال من ناحية العلم الاجمالي غير مختص بالمقام ، فقد استشكل به في موارد منها : العمل بالعام مع العلم الاجمالي بالتخصيص ، ومنها : العمل بأصالة البراءة مع العلم الاجمالي بتكاليف كثيرة ، ومنها : المقام. والجواب في الجميع هو ما ذكرناه من أنّ محل الكلام بعد الانحلال.

التنبيه الثامن

اشارة

في البحث عن الأصل المثبت ، وأ نّه هل تترتب بالاستصحاب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية للمتيقن؟ ولا يخفى أنّ مورد البحث ما إذا كانت الملازمة بين المستصحب ولوازمه في البقاء فقط ، لأنّه لو كانت الملازمة بينهما حدوثاً وبقاءً ، كان اللازم بنفسه متعلق اليقين والشك ، فيجري الاستصحاب في نفسه بلا احتياج إلى الالتزام بالأصل المثبت.

وأمّا إذا كانت الملازمة في البقاء فقط ، فاللازم بنفسه لا يكون مجرىً للاستصحاب ، لعدم كونه متيقناً سابقاً ، فهذا هو محل الكلام في اعتبار الأصل المثبت وعدمه ، وذلك كما إذا شككنا في وجود الحاجب وعدمه عند الغسل ، فبناءً على الأصل المثبت يجري استصحاب عدم وجود الحاجب ، ويترتب عليه وصول الماء إلى البشرة ، فيحكم بصحة الغسل مع أنّ وصول الماء إلى البشرة لم يكن متيقناً سابقاً ، وبناءً على عدم القول به ، لا بدّ من إثبات وصول الماء إلى البشرة من طريق آخر غير الاستصحاب ، وإلاّ لم يحكم بصحة الغسل. وحيث إنّ المشهور حجية مثبتات الأمارات دون مثبتات الاصول ، فلا بدّ من بيان الفرق بين الأصل والامارة ، ثمّ بيان وجه حجية مثبتات الأمارة دون الأصل ، فنقول :

المشهور بينهم أنّ الفرق بين الاصول والأمارات أنّ الجهل بالواقع والشك فيه مأخوذ في موضوع الاصول دون الأمارات ، بل الموضوع المأخوذ في لسان أدلة حجيتها هو نفس الذات بلا تقييد بالجهل والشك ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّ

جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ) (1)فانّ الموضوع للحجية بمفاد المفهوم هو إتيان غير الفاسق بالنبأ من دون اعتبار الجهل فيه ، وكذا قوله عليه‌السلام : «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» (2)فان موضوع الحجية فيه هو رواية الثقة بلا تقييد بأمر آخر ، هذا هو المشهور بينهم.

وللمناقشة فيه مجال واسع ، لأنّ الأدلة الدالة على حجية الأمارات وإن كانت مطلقةً بحسب اللفظ ، إلاّأ نّها مقيدة بالجهل بالواقع بحسب اللب ، وذلك لما ذكرناه غير مرة (3)من أنّ الاهمال بحسب مقام الثبوت غير معقول ، فلا محالة تكون حجية الأمارات إمّا مطلقة بالنسبة إلى العالم والجاهل ، أو مقيدة بالعالم ، أو مختصة بالجاهل. ولا مجال للالتزام بالأوّل والثاني ، فانّه لا يعقل كون العمل بالأمارة واجباً على العالم بالواقع ، وكيف يعقل أن يجب على العالم بوجوب شيء أن يعمل بالأمارة الدالة على عدم الوجوب مثلاً ، فبقي الوجه الأخير ، وهو كون العمل بالأمارة مختصاً بالجاهل ، وهو المطلوب.

فدليل الحجية في مقام الاثبات وإن لم يكن مقيداً بالجهل ، إلاّأنّ الحجية مقيدة به بحسب اللب ومقام الثبوت ، مضافاً إلى أنّه في مقام الاثبات أيضاً مقيد به في لسان بعض الأدلة كقوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (4)فقد استدل به على حجية الخبر تارةً ، وعلى حجية فتوى المفتي اخرى ، وكلاهما من الأمارات وقيّد بعدم العلم بالواقع. فلا فرق بين الأمارات


1) الحجرات 49 : 6.

2) الوسائل 27 : 149 و 150 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 40 (باختلاف يسير).

3) راجع على سبيل المثال محاضرات في اصول الفقه 1 : 534.

4) النحل 16 : 43 والأنبياء 21 : 7.

والاصول من هذه الجهة. فما ذكروه - من أنّ الجهل بالواقع مورد للعمل بالأمارة وموضوع للعمل بالأصل - مما لا أساس له.

وذكر صاحب الكفاية قدس‌سره (1)وجهاً آخر : وهو أنّ الأدلة الدالة على اعتبار الأمارات تدل على حجيتها بالنسبة إلى مدلولها المطابقي ومدلولها الالتزامي ، فلا قصور من ناحية المقتضي في باب الأمارات ، بخلاف الاستصحاب فانّ مورد التعبد فيه هو المتيقن الذي شك في بقائه ، وليس هذا إلاّالملزوم دون لازمه ، فلا يشمله دليل الاستصحاب ، فاذا قُدّ رجل تحت اللحاف نصفين ولم يعلم أنّه كان حياً ، فباستصحاب الحياة لا يمكن إثبات القتل ، لأن مورد التعبد الاستصحابي هو المتيقن الذي شك في بقائه وهو الحياة دون القتل. وكذا غيره من الأمثلة التي ذكرها الشيخ (2)قدس‌سره.

ولا يمكن الالتزام بترتب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية ، لأجل القاعدة المعروفة ، وهي أنّ أثر الأثر أثر على طريقة قياس المساواة ، لأن هذه الكلية مسلّمة فيما كانت الآثار الطولية من سنخ واحد ، بأن كان كلّها آثاراً عقلية ، أو آثاراً شرعية ، كما في الحكم بنجاسة الملاقي للنجس ونجاسة ملاقي الملاقي وهكذا ، فحيث إنّ لازم نجاسة الشيء نجاسة ملاقيه ولازم نجاسة الملاقي نجاسة ملاقي الملاقي وهكذا ، فكل هذه اللوازم الطولية شرعية ، فتجري قاعدة أنّ أثر الأثر أثر ، بخلاف المقام فانّ الأثر الشرعي لشيء لا يكون أثراً شرعياً لما يستلزمه عقلاً أو عادةً ، فلا يشمله دليل حجية الاستصحاب.


1) كفاية الاصول : 414 - 416 / التنبيه السابع من تنبيهات الاستصحاب.

2) فرائد الاصول 2 : 660 و 664.

وفيه : أنّ عدم دلالة أدلة الاستصحاب على التعبد بالآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية وإن كان مسلّماً ، إلاّأنّ دلالة أدلة حجية الخبر على حجيته حتى بالنسبة إلى اللازم غير مسلّم ، لأنّ الأدلة تدل على حجية الخبر - والخبر والحكاية من العناوين القصدية - فلا يكون الاخبار عن الشيء إخباراً عن لازمه ، إلاّإذا كان اللازم لازماً بالمعنى الأخص ، وهو الذي لا ينفك تصوّره عن تصور الملزوم ، أو كان لازماً بالمعنى الأعم مع كون المخبر ملتفتاً إلى الملازمة ، فحينئذ يكون الاخبار عن الشيء إخباراً عن لازمه.

بخلاف ما إذا كان اللازم لازماً بالمعنى الأعم ولم يكن المخبر ملتفتاً إلى الملازمة ، أو كان منكراً لها ، فلا يكون الاخبار عن الشيء إخباراً عن لازمه ، فلا يكون الخبر حجةً في مثل هذا اللازم ، لعدم كونه خبراً بالنسبة إليه ، فاذا أخبر أحد عن ملاقاة يد زيد للماء القليل مثلاً ، مع كون زيد كافراً في الواقع ، ولكنّ المخبر عن الملاقاة منكر لكفره ، فهو مخبر عن الملزوم وهو الملاقاة ، ولا يكون مخبراً عن اللازم وهو نجاسة الماء ، لما ذكرناه من أنّ الاخبار من العناوين القصدية ، فلا يصدق إلاّمع الالتفات والقصد ، ولذا ذكرنا في محلّه (1)وفاقاً للفقهاء أنّ الاخبار عن شيء يستلزم تكذيب النبي أو الإمام عليهم‌السلام لا يكون كفراً إلاّمع التفات المخبر بالملازمة.

وبالجملة : إنّ ما أفاده قدس‌سره في وجه عدم حجية المثبت في باب الاستصحاب متين ، إلاّأنّ ما ذكره في وجه حجيته في باب الأمارات من أنّ الاخبار عن الملزوم إخبار عن لازمه فتشمله أدلة حجية الخبر غير سديد ، لما عرفت.


1) شرح العروة 3 : 53.

وذكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره وجهاً ثالثاً : وهو أنّ المجعول في باب الأمارات هي الطريقية واعتبارها علماً بالتعبد ، كما يظهر ذلك من الأخبار المعبّرة عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف كقوله عليه‌السلام : «من نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ...» (2)فيكون مَن قامت عنده الأمارة عارفاً تعبدياً بالأحكام ، فكما أنّ العلم الوجداني بالشيء يقتضي ترتب آثاره وآثار لوازمه ، فكذلك العلم التعبدي الجعلي ، بخلاف الاستصحاب ، فانّ المجعول فيه هو الجري العملي على طبق اليقين السابق ، وحيث إنّ اللازم لم يكن متيقناً ، فلا وجه للتعبد به ، فالفرق بين الأمارة والأصل من ناحية المجعول.

وفيه أوّلاً : عدم صحة المبنى ، فانّ المجعول في باب الاستصحاب أيضاً هو الطريقية واعتبار غير العالم عالماً بالتعبد ، فانّه الظاهر من الأمر بابقاء اليقين وعدم نقضه بالشك ، فلا فرق بين الأمارة والاستصحاب من هذه الجهة ، بل التحقيق أنّ الاستصحاب أيضاً من الأمارات ، ولا ينافي ذلك تقديم الأمارات عليه ، لأن كونه من الأمارات لا يقتضي كونه في عرض سائر الأمارات ، فانّ الأمارات الاخر أيضاً بعضها مقدّم على بعض ، فانّ البينة مقدّمة على اليد ، وحكم الحاكم مقدّم على البينة ، والاقرار مقدّم على حكم الحاكم. وسيأتي (3)وجه تقديم الأمارات على الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

وثانياً : أنّا ننقل الكلام إلى الأمارات ، فانّه لا دليل على حجية مثبتاتها. وما ذكره من أنّ العلم الوجداني بشيء يقتضي ترتب جميع الآثار حتى ما كان


1) أجود التقريرات 4 : 130 ، فوائد الاصول 4 : 487 - 489.

2) الوسائل 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1.

3) في ص 293.

منها بتوسط اللوازم العقلية أو العادية ، فكذا العلم التعبدي ، غير تام لأنّ العلم الوجداني إنّما يقتضي ذلك ، لأنّه من العلم بالملزوم يتولد العلم باللازم بعد الالتفات إلى الملازمة ، فترتب آثار اللازم ليس من جهة العلم بالملزوم ، بل من جهة العلم بنفس اللازم المتولد من العلم بالملزوم ، ولذا يقولون : إنّ العلم بالنتيجة يتولد من العلم بالصغرى والعلم بالكبرى ، فانّ العلم بالصغرى هو العلم بالملزوم ، والعلم بالكبرى هو العلم بالملازمة ، فيتولد من هذين العلمين العلم الوجداني باللازم وهو العلم بالنتيجة ، بخلاف العلم التعبدي المجعول ، فانّه لا يتولد منه العلم الوجداني باللازم وهو واضح ، ولا العلم التعبدي به لأنّ العلم التعبدي تابع لدليل التعبد ، وهو مختص بالملزوم دون لازمه لما عرفت من أنّ المخبر إنّما أخبر عنه لا عن لازمه.

فالذي تحصّل مما ذكرناه في المقام : أنّ الصحيح عدم الفرق بين الأمارات والاستصحاب ، وعدم حجية المثبتات في المقامين ، فانّ الظن في تشخيص القبلة وإن كان من الأمارات المعتبرة بمقتضى روايات خاصة (1)واردة في الباب ، لكنّه إذا ظنّ المكلف بكون القبلة في جهة ، وكان دخول الوقت لازماً لكون القبلة في هذه الجهة لتجاوز الشمس عن سمت الرأس على تقدير كون القبلة في هذه الجهة ، فلا ينبغي الشك في عدم صحة ترتيب هذا اللازم وهو دخول الوقت ، وعدم جواز الدخول في الصلاة. نعم ، تكون مثبتات الأمارة حجةً في باب الاخبار فقط ، لأجل قيام السيرة القطعية من العقلاء على ترتيب اللوازم على الاخبار بالملزوم ولو مع الوسائط الكثيرة ، ففي مثل الاقرار والبينة وخبر العادل يترتب جميع الآثار ولو كانت بوساطة اللوازم العقلية أو العادية ، وهذا


1) الوسائل 4 : 307 / أبواب القبلة ب 6 ح 1 وغيره.

مختص بباب الاخبار وما يصدق عليه عنوان الحكاية ، دون غيره من الأمارات.

بقي أمران لا بدّ من التنبيه عليهما :

الأمر الأوّل : أنّه لو قلنا بحجية الأصل المثبت في نفسه بمعنى ترتب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية أو العادية ، فهل يكون معارضاً باستصحاب عدم تلك اللوازم لكونها مسبوقةً بالعدم فتكون الاصول المثبتة ساقطة عن الحجية لابتلائها بالمعارض دائماً أم لا؟

ذكر الشيخ (1)قدس‌سره أنّه على تقدير القول بحجية الأصل المثبت لا معنى لمعارضته باستصحاب عدم اللازم ، لكون استصحاب بقاء الملزوم حاكماً على استصحاب عدم اللازم ، فانّ استصحاب بقاء الملزوم على تقدير حجية الأصل المثبت يرفع الشك في اللازم ، فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب فيه ، فانّ الآثار الشرعية الثابتة بتوسط اللوازم العقلية أو العادية ، تكون حينئذ كالآثار الشرعية التي ليست لها واسطة في عدم معقولية المعارضة بين استصحاب بقاء الملزوم واستصحاب عدم اللازم ، فلو تمّ التعارض هنا ، لتم هناك أيضاً ، لكونها أيضاً مسبوقةً بالعدم ، فكما أنّ استصحاب الطهارة في الماء يرفع الشك في نجاسة الثوب المغسول به ، ولا مجال لجريان استصحاب النجاسة كي يقع التعارض بينه وبين استصحاب طهارة الماء ، فكذا الحال في الآثار الشرعية مع الوسائط العقلية أو العادية على القول بحجية الأصل المثبت ، هذا.

والصحيح في المقام : هو التفصيل فان اعتبار الأصل المثبت يتصور على أنحاء :


1) فرائد الاصول 2 : 661.

الأوّل : أن نقول باعتباره من جهة القول بأن حجية الاستصحاب لأجل إفادته الظن بالبقاء ، وأنّ الظن بالملزوم يستلزم الظن باللازم لا محالة ، وعليه فلا معنى للمعارضة بين الاستصحابين ، لأنّه بعد حصول الظن باللازم بجريان الاستصحاب في الملزوم لايبقى مجال لاستصحاب عدم اللازم ، ولايمكن حصول الظن بعدمه من الاستصحاب المذكور ، لعدم إمكان اجتماع الظن بوجود شيء مع الظن بعدمه ، فما ذكره الشيخ قدس‌سره صحيح على هذا المبنى.

الثاني : أن نقول بحجية الأصل المثبت لأجل أنّ التعبد بالملزوم بترتيب آثاره الشرعية يقتضي التعبد باللازم بترتيب آثاره الشرعية أيضاً ، فتكون اللوازم كالملزومات مورداً للتعبد الشرعي ، ولا معنى للتعارض على هذا المبنى أيضاً ، فانّه بعد البناء على تحقق اللازم تعبداً لا يبقى شك فيه حتى يجري الاستصحاب في عدمه. فما ذكره الشيخ قدس‌سره من الحكومة وإن كان صحيحاً على هذا المبنى أيضاً ، إلاّأنّ إثبات هذا المعنى على القول بحجية الأصل المثبت دونه خرط القتاد.

الثالث : أن نقول به من جهة أنّ التعبد بالملزوم المدلول عليه بأدلة الاستصحاب عبارة عن ترتب جميع آثاره الشرعية حتى الآثار مع الواسطة ، فان هذه الآثار أيضاً آثار للملزوم ، لأن أثر الأثر أثر. وعلى هذا المبنى يقع التعارض بين الاستصحابين ، لأنّ اللازم على هذا المبنى ليس بنفسه مورداً للتعبد بالاستصحاب الجاري في الملزوم ، وحيث كان مسبوقاً بالعدم فيجري استصحاب العدم فيه ، ومقتضاه عدم ترتب آثاره الشرعية ، فيقع التعارض بينه وبين الاستصحاب الجاري في الملزوم في خصوص هذه الآثار.

وبعبارة اخرى : على هذا المبنى لنا يقينان : يقين بوجود الملزوم سابقاً ، ويقين بعدم اللازم سابقاً ، فبمقتضى اليقين بوجود الملزوم يجري الاستصحاب

فيه ، ومقتضاه ترتيب جميع آثاره الشرعية حتى آثاره التي تكون مع الواسطة ، وبمقتضى اليقين بعدم اللازم يجري استصحاب العدم فيه ، ومقتضاه عدم ترتيب آثاره الشرعية التي كانت آثاراً للملزوم مع الواسطة ، فيقع التعارض بين الاستصحابين في خصوص هذه الآثار.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّه لا يمكن القول باعتبار الأصل المثبت ، من جهة عدم المقتضي لعدم دلالة أدلة الاستصحاب على لزوم ترتيب الآثار مع الواسطة العقلية أو العادية ، ومن جهة وجود المانع والابتلاء بالمعارض على تقدير تسليم وجود المقتضي له.

الأمر الثاني : أنّه استثنى الشيخ قدس‌سره (1)من عدم حجية الأصل المثبت ما إذا كانت الواسطة خفيةً بحيث يعدّ الأثر أثراً لذي الواسطة في نظر العرف - وإن كان في الواقع أثراً للواسطة - كما في استصحاب عدم الحاجب ، فان صحة الغسل ورفع الحدث وإن كان في الحقيقة أثراً لوصول الماء إلى البشرة ، إلاّأ نّه بعد صب الماء على البدن يعدّ أثراً لعدم الحاجب عرفاً.

وزاد صاحب الكفاية (2)مورداً آخر لاعتبار الأصل المثبت ، وهو ما إذا كانت الواسطة بنحو لا يمكن التفكيك بينها وبين ذي الواسطة في التعبد عرفاً ، فتكون بينهما الملازمة في التعبد عرفاً ، كما أنّ بينهما الملازمة بحسب الوجود واقعاً ، أو كانت الواسطة بنحو يصح انتساب أثرها إلى ذي الواسطة ، كما يصح انتسابه إلى نفس الواسطة ، لوضوح الملازمة بينهما.

ومثّل له في هامش الرسائل (3)بالعلة والمعلول تارةً وبالمتضايفين اخرى ،


1) فرائد الاصول 2 : 664 و 665.

2) كفاية الاصول : 415 و 416.

3) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد : 355 و 360.

بدعوى أنّ التفكيك بين العلة والمعلول في التعبد مما لا يمكن عرفاً ، وكذا التفكيك بين المتضايفين ، فاذا دلّ دليل على التعبد بابوّة زيد لعمرو مثلاً ، فيدل على التعبد ببنوّة عمرو لزيد ، فكما يترتب أثر ابوّة زيد لعمرو كوجوب الانفاق لعمرو مثلاً ، كذا يترتب أثر بنوّة عمرو لزيد كوجوب إطاعة زيد مثلاً ، لأنّه كما يجب على الأب الانفاق للابن ، كذلك يجب على الابن إطاعة الأب ، والأوّل أثر للُابوّة ، والثاني أثر للبنوّة مثلاً ، أو نقول : إنّ أثر البنوّة أثر للُابوّة أيضاً ، لوضوح الملازمة بينهما ، فكما يصح انتساب وجوب الاطاعة إلى البنوّة ، كذا يصح انتسابه إلى الابوّة أيضاً. وكذا الكلام في الاخوّة ، فاذا دلّ دليل على التعبد بكون زيد أخاً لهند مثلاً ، فيدل على التعبد بكون هند اختاً لزيد ، لعدم إمكان التفكيك بينهما في التعبد عرفاً ، أو نقول يصح انتساب الأثر إلى كل منهما لشدة الملازمة بينهما ، فكما يصح انتساب حرمة التزويج إلى كون زيد أخاً لهند ، كذا يصح انتسابها إلى كون هند اختاً لزيد ، وهكذا سائر المتضايفات.

أقول : أمّا ما ذكره الشيخ قدس‌سره من كون الأصل المثبت حجةً مع خفاء الواسطة لكون الأثر مستنداً إلى ذي الواسطة بالمسامحة العرفية ، ففيه : أنّه لا مساغ للأخذ بهذه المسامحة ، فانّ الرجوع إلى العرف إنّما هو لتعيين مفهوم اللفظ عند الشك فيه أو في ضيقه وسعته مع العلم بأصله في الجملة ، لأن موضوع الحجية هو الظهور العرفي ، فالمرجع الوحيد في تعيين الظاهر هو العرف ، سواء كان الظهور من جهة الوضع أو من جهة القرينة المقالية والحالية ، ولا يجوز الرجوع إلى العرف والأخذ بمسامحاتهم بعد تعيين المفهوم وتشخيص الظهور اللفظي ، كما هو المسلّم في مسألة الكر فانّه بعد ما دلّ الدليل على عدم انفعال الماء إذا كان بقدر الكر الذي هو ألف ومائتا رطل ، ولكنّ العرف يطلقونه

على أقل من ذلك بقليل من باب المسامحة ، فانّه لا يجوز الأخذ بها والحكم بعدم انفعال الأقل ، بل يحكم بنجاسته.

وكذا في مسألة الزكاة بعد تعيين النصاب شرعاً بمقتضى الفهم العرفي من الدليل لا يمكن الأخذ بالمسامحة العرفية ، ففي مثل استصحاب عدم الحاجب إن كان العرف يستظهر من الأدلة أنّ صحة الغسل من آثار عدم الحاجب مع صب الماء على البدن ، فلا يكون هذا استثناءً من عدم حجية الأصل المثبت ، لكون الأثر حينئذ أثراً لنفس المستصحب لا للازمه ، وإن كان العرف معترفاً بأنّ المستظهر منها أنّ الأثر أثر للواسطة - كما هو الصحيح - فان رفع الحدث وصحة الغسل من آثار تحقق الغسل لا من آثار عدم الحاجب عند صب الماء ، فلا فائدة في خفاء الواسطة بعد عدم كون الأثر أثراً للمستصحب ، فهذا الاستثناء مما لا يرجع إلى محصّل.

وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من حجية الأصل المثبت فيما إذا لم يمكن التفكيك في التعبد بين المستصحب ولازمه عرفاً ، أو كانت الواسطة بنحو يعدّ أثرها أثراً للمستصحب لشدة الملازمة بينهما ، فصحيح من حيث الكبرى ، فانّه لو ثبتت الملازمة في التعبد في موردٍ ، فلا إشكال في الأخذ بها ، إلاّ أنّ الاشكال في الصغرى ، لعدم ثبوت هذه الملازمة في موردٍ من الموارد ، وما ذكره في المتضايفات من الملازمة في التعبد مسلّم إلاّأ نّه خارج عن محل الكلام ، إذ الكلام فيما إذا كان الملزوم فقط مورداً للتعبد ومتعلقاً لليقين والشك ، كما ذكرنا في أوّل هذا التنبيه (1)، والمتضايفان كلاهما مورد للتعبد الاستصحابي ، فانّه لا يمكن اليقين بابوّة زيد لعمرو بلا يقين ببنوّة عمرو لزيد ، وكذا سائر المتضايفات ، فيجري الاستصحاب في نفس اللازم بلا احتياج إلى القول بالأصل المثبت. هذا إن كان مراده عنوان المتضايفين كما هو الظاهر.


1) في ص 181.

وإن كان مراده ذات المتضايفين ، بأن كان ذات زيد وهو الأب مورداً للتعبد الاستصحابي ، كما إذا كان وجوده متيقناً فشك في بقائه وأردنا أن نرتّب على بقائه وجود الابن مثلاً ، بدعوى الملازمة بين بقائه إلى الآن وتولد الابن منه ، فهذا من أوضح مصاديق الأصل المثبت ، ولا تصح دعوى الملازمة العرفية بين التعبد ببقاء زيد والتعبد بوجود ولده ، فانّ التعبد ببقاء زيد وترتيب آثاره الشرعية كحرمة تزويج زوجته مثلاً وعدم التعبد بوجود الولد له بمكان من الامكان عرفاً ، فانّه لا ملازمة بين بقائه الواقعي ووجود الولد ، فضلاً عن البقاء التعبدي.

وأمّا ما ذكره من عدم إمكان التفكيك في التعبد بين العلة والمعلول ، فإن كان مراده من العلة هي العلة التامة ففيه : ما ذكرنا في المتضايفين من الخروج عن محل الكلام ، لعدم إمكان اليقين بالعلة التامة بلا يقين بمعلولها ، فتكون العلة والمعلول كلاهما متعلقاً لليقين والشك ومورداً للتعبد بلا احتياج إلى القول بالأصل المثبت.

وإن كان مراده العلة الناقصة - أي جزء العلة - بأن يراد بالاستصحاب إثبات جزء العلة مع ثبوت الجزء الآخر بالوجدان ، فبضم الوجدان إلى الأصل يثبت وجود المعلول ويحكم بترتب الأثر ، كما في استصحاب عدم الحاجب فانّه بضم صب الماء بالوجدان إلى الأصل المذكور ، يثبت وجود الغسل في الخارج ويحكم برفع الحدث ، ففيه : أنّه لا ملازمة بين التعبد بالعلة الناقصة والتعبد بالمعلول عرفاً ، كيف ولو استثني من الأصل المثبت هذالما بقي في المستثنى منه شيء ، ويلزم الحكم بحجية جميع الاصول المثبتة ، فانّ الملزوم ولازمه إمّا أن يكونا من العلة الناقصة ومعلولها ، وإمّا أن يكونا معلولين لعلة ثالثة ، وعلى كلا التقديرين يكون استصحاب الملزوم موجباً لاثبات اللازم بناءً على الالتزام

بهذه الملازمة ، فلا يبقى مورد لعدم حجية الأصل المثبت.

فالذي تحصّل مما ذكرناه : عدم حجية الأصل المثبت مطلقاً ، لعدم دلالة أخبار الباب على أزيد من التعبد بما كان متيقناً وشك في بقائه ، فلا دليل على التعبد بآثار ما هو من لوازم المتيقن.

ثمّ إنّه قد تمسك جماعة من القدماء في عدّة من الفروع بالأصل المثبت ، إمّا لأجل الالتزام بحجيته ، وإمّا لأجل عدم الالتفات إلى عدم شمول الأدلة له ، فانّ مسألة عدم حجية الأصل المثبت من المسائل المستحدثة ، ولم تكن معنونة في كلمات القدماء.

وكيف كان ينبغي لنا التكلم في جملة من هذه الفروع التي نسب إليهم التمسك فيها بالأصل المثبت.

الفرع الأوّل : ما إذا لاقى شيء نجساً أو متنجساً ، وكان الملاقي أو الملاقى رطباً قبل الملاقاة ، فشككنا في أنّ الرطوبة كانت باقية حين الملاقاة أم لا ، فتمسكوا باستصحاب الرطوبة وحكموا بنجاسة الملاقي ، فان قلنا بكون موضوع التنجس بالملاقاة مركباً من الملاقاة والرطوبة في أحد الطرفين ، فلا إشكال في جريان استصحاب الرطوبة ولا يكون من الأصل المثبت ، لأنّ أحد جزأي الموضوع محرز بالوجدان وهو الملاقاة ، والجزء الآخر محرز بالأصل وهو الرطوبة ، فيترتب الأثر حينئذ وهو الحكم بنجاسة الملاقي ، وإن قلنا بأن موضوعه هي السراية وأ نّه لا يحكم بنجاسة الملاقي ولو مع العلم بالرطوبة إذا كانت ضعيفة غير موجبة للسراية ، فلا مجال لاستصحاب الرطوبة ، لكونه من الأصل المثبت ، فانّ الأثر الشرعي على هذا المبنى مترتب على السراية ، وهو شيء بسيط ولم يكن متيقناً حتى يكون مورداً للتعبد الاستصحابي ، بل هو من

اللوازم العادية لبقاء الرطوبة ، فالحكم بالنجاسة لاستصحاب الرطوبة متوقف على القول بالأصل المثبت.

والصحيح من الوجهين هو الثاني ، لأنّه لم يرد بيان من الشارع يستفاد منه موضوع التنجس ، فلا محالة يكون بيانه موكولاً إلى العرف ، ومن الظاهر أنّ العرف لا يحكم بالقذارة العرفية إلاّفي مورد السراية ، هذا كلّه في غير الحيوان.

وأمّا في الحيوان كما إذا وقع ذباب على النجاسة الرطبة فطار ووقع في الثوب أو في إناء ماء مثلاً ، وشككنا في بقاء رطوبتها حين الملاقاة ففيه تفصيل ، فانّه إن قلنا بأنّ الحيوان لا ينجس أصلاً كما هو أحد القولين ، فان كانت الرطوبة باقيةً حين الملاقاة ، صار الثوب أو إناء الماء نجساً لملاقاته هذه الرطوبة لا لأجل ملاقاته للذباب ، فاذا شك في وجودها فلا مجال للتمسك باستصحابها ، لكونه من أوضح مصاديق الأصل المثبت ، حتى على القول بكون الموضوع مركباً من الملاقاة والرطوبة ، لعدم إحراز ملاقاة النجاسة حينئذ ، لاحتمال جفاف الرطوبة ، فلا تكون هناك نجاسة حتى تتحقق ملاقاتها. واستصحاب الرطوبة لا يثبت ملاقاة النجاسة إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وبعبارة اخرى : بناءً على القول بعدم تنجس الحيوان ، لايمكن الحكم بنجاسة الملاقي في مفروض المثال حتى على القول بكون موضوع التنجس هي الملاقاة ورطوبة أحد المتلاقيين ، فانّ ملاقاة النجس غير محرزة بالوجدان لينضم إليها إحراز الرطوبة بالأصل ، فلا بدّ من إثبات الملاقاة بجريان الاستصحاب في الرطوبة ، ولا ينبغي الشك في أنّه من أوضح مصاديق الأصل المثبت.

وأمّا إذا قلنا بأنّ الحيوان ينجس بملاقاة النجاسة ولكنّه يطهر بزوال العين وجفاف الرطوبة بلا احتياج إلى الغسل ، للسيرة القطعية بعدم غسل الحيوانات

مع العلم بنجاستها بملاقاة دم النفاس حين الولادة ، ولجملة من الروايات (1)

ونقله عن الشيخ قدس‌سره باسناده عن محمّد بن يعقوب وزاد «وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال عليه‌السلام : إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب ، وإن لم يعلم أنّ في منقارها قذراً ، توضأ منه واشرب».

وعن محمّد بن الحسن باسناده عن محمّد بن أحمد بالاسناد ، وذكر الزيادة وزاد : «وكل ما يؤكل لحمه فليتوضأ منه وليشربه». «وسئل عمّا يشرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال عليه‌السلام : كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّأن ترى في منقاره دماً ، فلا تتوضأ منه ولا تشرب» [الوسائل 1 : 230 - 231 / أبواب الأسئار ب 4 ح 2 و 3 و 4].

الدالة على طهارة الطير بعد زوال عين النجاسة عن منقاره ، فان كان الملاقي له في مفروض المثال يابساً كالثوب والبدن ، فالكلام فيه هو الكلام في غيره من أنّ جريان الاستصحاب وعدمه منوط بالقول بكون الموضوع مركباً أم بسيطاً ، فلا حاجة إلى الاعادة. وإن كان الملاقي له رطباً ، كما إذا وقع الذباب المذكور في ظرف الماء أو على الثوب الرطب مثلاً ، فلاينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب حتى على القول بكون موضوع التنجس هو السراية ، لأنّ الملاقاة مع رطوبة

1) نقل في الوسائل عن الكليني قدس‌سره عن أحمد بن إدريس ومحمّد بن يحيى جميعاً عن محمّد بن أحمد عن أحمد بن الحسن بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال «سئل عمّا تشرب منه الحمامة؟ فقال عليه‌السلام : كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب ، وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال عليه‌السلام : كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه ، إلاّأن ترى في منقاره دماً ، فان رأيت في منقاره دماً ، فلا توضأ منه ولا تشرب».

الملاقي محرزة بالوجدان ، والسراية أيضاً كذلك على الفرض ، وتحرز نجاسة الملاقى بالأصل ، فانّ المفروض أنّ الحيوان كان نجساً وشك في بقاء نجاسته ، لاحتمال طهارته بالجفاف ، فيحكم ببقاء نجاسته للاستصحاب ، ويترتب عليه الحكم بنجاسة الملاقي.

وظهر بما ذكرناه أنّ ما ذكره المحقق النائيني (1)قدس‌سره - من عدم الفرق بين القول بعدم نجاسة الحيوان والقول بطهارته بزوال العين في جريان الاستصحاب وعدمه - ليس على ما ينبغي ، بل التحقيق ما ذكرناه من عدم جريانه على القول الأوّل ، وجريانه على القول الثاني إذا كان الملاقي رطباً. وأمّا إذا كان يابساً فجريانه مبني على القول بكون الموضوع مركباً على ما تقدّم تفصيله في غير الحيوان.

الفرع الثاني : ما إذا شك في يوم أنّه آخر شهر رمضان ، أو أنّه أوّل شهر شوال ، فلا ريب في أنّه يجب صومه بمقتضى استصحاب عدم خروج شهر رمضان ، أو عدم دخول شهر شوال ، وهل يمكن إثبات كون اليوم الذي بعده أوّل شهر شوال ، ليترتب عليه أثره كحرمة الصوم مثلاً بهذا الاستصحاب أم لا؟ فيه تفصيل.

فانّا إذا بنينا على أنّ عنوان الأوّلية مركب من جزأين : أحدهما وجودي ، وهو كون هذا اليوم من شوال. وثانيهما عدمي ، وهو عدم مضي يوم آخر منه قبله ، ثبت بالاستصحاب المذكور كون اليوم المشكوك فيه أوّل شوال ، لأنّ الجزء الأوّل محرز بالوجدان ، والجزء الثاني يحرز بالأصل ، فبضميمة الوجدان إلى الأصل يتم المطلوب.


1) أجود التقريرات 4 : 138.

وأمّا إذا بنينا على أنّ عنوان الأوّلية أمر بسيط منتزع من وجود يوم من الشهر غير مسبوق بيوم آخر منه ، كعنوان الحدوث المنتزع من الوجود المسبوق بالعدم ، وغير مركب من الوجود والعدم السابق ، لم يمكن إثبات هذا العنوان البسيط بالاستصحاب المذكور ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، فانّ الأوّلية بهذا المعنى لازم عقلي للمستصحب ، وغير مسبوق باليقين ، وحيث إنّ التحقيق بساطة معنى الأوّلية بشهادة العرف ، لا يمكن إثباتها بالاستصحاب المزبور.

وقد ذكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره أنّ إثبات كون المشكوك فيه أوّل شوال ، وإن لم يمكن الاستصحاب لكونه مثبتاً ، إلاّأ نّه يثبت لأجل النص (2)الدال على ثبوت العيد برؤية الهلال ، أو بمضي ثلاثين يوماً من شهر رمضان ، فكلما مضى ثلاثون يوماً من شهر رمضان ، فيحكم بكون اليوم الذي بعده يوم العيد.

وهذا الجواب وإن كان صحيحاً ، إلاّأ نّه مختص بيوم عيد الفطر ، لاختصاص النص به ، فلا يثبت به أوّل شهر ذي الحجة مثلاً ، بل لا يثبت غير اليوم الأوّل من سائر أيام شوال ، فاذا كان أثر شرعي لليوم الخامس من شهر شوال مثلاً ، لم يمكن ترتيبه عليه ، لعدم النص فيه ، إلاّأن يتمسك فيه بعدم القول بالفصل.

ولكنّا في غنى عن هذا الجواب ، لامكان إثبات عنوان الأوّلية بالاستصحاب بنحو لا يكون من الأصل المثبت ، بتقريب أنّه بعد مضي دقيقة من اليوم الذي


1) أجود التقريرات 4 : 139 ، فوائد الاصول 4 : 499 و 500.

2) كما في الوسائل 10 : 264 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 5 ح 11.

نشك في أوّليته ، نقطع بدخول أوّل الشهر ، لكنّا لا ندري أنّه هو هذا اليوم ليكون باقياً ، أو اليوم الذي قبله ليكون ماضياً ، فنحكم ببقائه بالاستصحاب ، وتترتب عليه الآثار الشرعية كحرمة الصوم مثلاً.

ولا اختصاص لهذا الاستصحاب باليوم الأوّل ، بل يجري في الليلة الاولى وفي سائر الأيام من شهر شوال ومن سائر الشهور لو كان لما في البين أثر شرعي ، فاذا شككنا في يومٍ أنّه الثامن من شهر ذي الحجة أو التاسع منه ، حكمنا بكونه اليوم الثامن ، بالتقريب المزبور. وكذلك نحكم بكون اليوم الذي بعده هو التاسع منه ، لأنّه بمجرد مضي قليل من هذا اليوم نعلم بدخول اليوم التاسع ونشك في بقائه ، فنستصحب بقاءه ، وتترتب عليه آثاره.

وتوهّم أنّ الاستصحاب المزبور لا يترتب عليه الحكم بكون اليوم المشكوك فيه يوم عرفة أو يوم العيد في المثال الأوّل ، فانّه لازم عقلي للمستصحب وهو كون يوم عرفة أو يوم العيد باقياً ، وليس هو مما تعلق به اليقين والشك كما هو ظاهر مدفوع بما بيّناه في جريان الاستصحاب في نفس الزمان ، وحاصله : أنّا لا نحتاج في ترتب الأثر الشرعي إلى إثبات كون هذا اليوم هو يوم عرفة أو يوم العيد ، بل يكفي فيه إحراز بقائه بنحو مفاد كان التامة ، فراجع (1).

الفرع الثالث : ما إذا شك في وجود الحاجب حين صبّ الماء لتحصيل الطهارة من الحدث أو الخبث ، كما إذا احتمل وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة حين الاغتسال ، أو احتمل خروج المذي بعد البول ومنعه عن وصول الماء إلى المخرج ، فربما يقال فيه بعدم الاعتناء بهذا الشك ، نظراً إلى جريان أصالة عدم الحاجب ، ولكنّه غير سديد ، إذ من الواضح أنّ الأثر الشرعي وهو


1) راجع ص 148 - 150.

رفع الحدث أو الخبث مترتب على وصول الماء إلى البشرة وتحقق الغسل خارجاً ، وهو لا يثبت بالأصل المزبور إلاّعلى القول بحجية الأصل المثبت.

وقد ذكر بعضهم : أنّ عدم وجوب الفحص عن الحاجب غير مستند إلى الاستصحاب ليرد عليه ما ذكر ، بل هو مستند إلى السيرة القطعية الجارية من المتدينين على عدم الفحص.

ويرد عليه أوّلاً : أنّه لم تتحقق هذه السيرة ، فان عدم الفحص من المتدينين لعلّه لعدم التفاتهم إلى وجود الحاجب ، أو للاطمئنان بعدمه ، فلم يعلم تحقق السيرة على عدم الفحص مع احتمال وجود الحاجب.

وثانياً : أنّه مع فرض تسليم تحقق السيرة لم يعلم اتصالها بزمان المعصوم عليه‌السلام لتكون كاشفة عن رضاه ، فلعلها حدثت في الأدوار المتأخرة لأجل فتوى جمع من الأعلام به تمسكاً بأصالة عدم الحاجب كما صرح به في بعض الرسائل العملية.

فالتحقيق وجوب الفحص في موارد الشك في وجود الحاجب حتى يحصل العلم أو الاطمئنان بعدمه.

الفرع الرابع : ما إذا وقع الاختلاف بين الجاني وولي الميت ، فادعى الولي موته بالسراية ، وادعى الجاني موته بسبب آخر كشرب السم مثلاً ، وكذا الحال في الملفوف باللحاف الذي قدّ نصفين ، فادعى الولي أنّه كان حياً قبل القد ، وادعى الجاني موته ، فنسب إلى الشيخ (1)قدس‌سره التردد ، نظراً إلى معارضة أصالة عدم سبب آخر في المثال الأوّل ، وأصالة بقاء الحياة في المثال الثاني


1) فرائد الاصول 2 : 663.

بأصالة عدم الضمان في كليهما. وعن العلامة قدس‌سره (1)القول بالضمان. وعن المحقق (2)اختيار عدم الضمان.

والتحقيق أن يقال : إنّه إن قلنا بأنّ موضوع الضمان هو تحقق القتل - كما هو الظاهر - لترتب القصاص والدية في الآيات والروايات (3)عليه ، فلا بدّ من الالتزام بعدم الضمان في المقام ، لأصالة عدمه ، ولا يمكن إثباته بأصالة عدم سبب آخر ولا باستصحاب الحياة ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، فانّ القتل لازم عادي لعدم تحقق سبب آخر ولبقاء حياته.

وإن قلنا بأنّ الموضوع له أمر مركب من الجناية وعدم سبب آخر في المثال الأوّل ، ومن الجناية والحياة في المثال الثاني ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب وإثبات الضمان ، فانّ أحد جزأي الموضوع محرز بالوجدان والآخر بالأصل ، لكن هذا خلاف الواقع ، لعدم كون الموضوع مركباً من الجناية وعدم سبب آخر ولا من الجناية والحياة ، بل الموضوع شيء بسيط وهو القتل. فما ذكره المحقق قدس‌سره من عدم الضمان هو الصحيح ، وأمّا العلامة قدس‌سره فلعله قائل بحجية الأصل المثبت.

وأمّا التردد المنسوب إلى الشيخ قدس‌سره فلا وجه له أصلاً ، فانّه على تقدير القول بالأصل المثبت لا إشكال في الحكم بالضمان كما عليه العلامة قدس‌سره ، وعلى تقدير القول بعدم حجيته لا إشكال في الحكم بعدمه كما عليه


1) تحرير الأحكام 2 : 261.

2) شرائع الاسلام 4 : 101.

3) البقرة 2 : 178 والإسراء 17 : 33 والوسائل 29 : 52 / أبواب القصاص ب 19 وغيره.

المحقق قدس‌سره فالتردد في غير محلّه على كل تقدير ، إلاّأن يكون تردده لأجل تردده في حجية الأصل المثبت ، لكنّه خلاف التعليل المذكور في كلامه قدس‌سره فانّه علل التردد بتساوي الاحتمالين - أي احتمال كون القتل بالسراية ، واحتمال كونه بسبب آخر - فلا يكون منشأ تردده في الحكم بالضمان هو التردد في حجية الأصل المثبت.

الفرع الخامس : ما إذا تلف مال أحد تحت يد شخص آخر ، فادعى المالك الضمان وادعى من تلف المال عنده عدم الضمان.

ثمّ إنّ الضمان المختلف فيه تارةً يكون ضمان اليد ، واخرى ضمان المعاوضة ، وبعبارة اخرى : تارةً يدعي المالك الضمان بالبدل الواقعي من المثل أو القيمة ، واخرى يدعي الضمان بالبدل الجعلي المجعول في ضمن معاوضة.

والأوّل كما إذا قال المالك : إنّ مالي كان في يدك بلا إذن مني ، فتلفه يوجب الضمان ببدله الواقعي ، وادعى الآخر كونه أمانة في يده فلا ضمان عليه.

والثاني كما إذا قال المالك : بعتك مالي بكذا ، وادعى الآخر أنّه وهبه إياه ، ولا ضمان له باتلافه أو تلفه عنده ، فالمعروف بين الفقهاء هو الحكم بالضمان في المقام ، ولكنّه اختلف في وجهه.

فقيل : إنّه مبني على القول بحجية الأصل المثبت ، فانّ أصالة عدم إذن المالك لا يثبت كون اليد عادية كي يترتب عليه الضمان ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وقيل : إنّه مبني على قاعدة المقتضي والمانع ، حيث إنّ اليد مقتضية للضمان ، وإذن المالك مانع عنه ، والأصل عدمه فيحكم بالضمان.

وقيل : إنّه مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، فانّ عموم قوله

(صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (1)يقتضي ضمان كل يد ، والخارج منه بالأدلة هو المأخوذ باذن المالك ، وحيث إنّ إذن المالك في المقام مشكوك فيه ، كان الحكم بالضمان استناداً إلى عموم قوله صلى‌اللّه‌عليه‌وآله‌وسلم : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.

قال المحقق النائيني قدس‌سره (2): ليس الحكم بالضمان مستنداً إلى شيء من هذه الوجوه ، بل هو لأجل أنّ موضوع الضمان يحرز بضم الوجدان إلى الأصل ، بيان ذلك : أنّ موضوع الضمان مركب من تحقق اليد والاستيلاء على مال الغير ، ومن عدم الرضا من المالك. وأحد الجزأين محرز بالوجدان وهو اليد ، والآخر محرز بالأصل وهو عدم الرضا به من المالك ، فيحكم بالضمان لاحراز موضوعه تعبداً.

وهذا الذي ذكره قدس‌سره متين في المثال الأوّل ، فان موضوع الضمان ليس هو اليد العادية ، بل اليد مع عدم الرضا من المالك ، واليد محرزة بالوجدان ، وعدم الرضا محرزٌ بالأصل ، فيحكم بالضمان.

لكنّه لا يتم في المثال الثاني ، فانّ الرضا فيه محقق إجمالاً : إمّا في ضمن البيع أو الهبة ، فلا يمكن الرجوع إلى أصالة عدمه ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر ، ولا يمكن التمسك بأصالة عدم الهبة لاثبات الضمان ، ضرورة ا نّه غير مترتب على عدم الهبة ، بل مترتب على وجود البيع وهي لا تثبته ولو قلنا بحجية الأصل المثبت ، لمعارضتها بأصالة عدم البيع ، فانّ كلاً من الهبة والبيع مسبوق بالعدم.


1) المستدرك 14 : 7 - 8 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12.

2) أجود التقريرات 4 : 142 ، فوائد الاصول 4 : 502 و 503.

وأمّا قاعدة المقتضي والمانع فهي مما لا أساس له ، كما أنّ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مما لا وجه له على ما حقق في محلّه (1)وعليه فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل الجاري في كل موردٍ بلحاظ نفسه ، وهو في المقام أصالة عدم الضمان.

هذا فيما إذالم يكن نص بالخصوص ، وإلاّ فالمتعين الأخذ به كما في مسألة اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن ، كما إذا قال البائع : بعتك بعشرة دنانير ، وقال المشتري : اشتريت بخمسة دنانير ، ففي المقدار المتنازع فيه يرجع إلى النص (2)الصحيح الدال على تقديم قول البائع إن كانت العين موجودةً ، وتقديم قول المشتري إن كانت العين تالفة.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية قدس‌سره (3)ذكر موارد وبنى على أنّ التمسك بالأصل فيها لا يكون تمسكاً بالأصل المثبت :

الأوّل : جريان الاستصحاب في الفرد ، لترتب الأحكام المترتبة على الكلي ، فانّ الأثر الشرعي وإن كان مترتباً على الطبيعة الكلية ، إلاّأنّ الكلي لا يعدّ لازماً عقلياً للفرد كي يكون الاستصحاب الجاري فيه لأجل ترتب هذا الأثر


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 334 وما بعدها.

2) وهو ما نقله في الوسائل عن الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام «في الرجل يبيع الشيء فيقول المشتري هو بكذا وكذا بأقل مما قال البائع؟ فقال عليه‌السلام : القول قول البائع مع يمينه إذا كان الشيء قائماً بعينه» [الوسائل 18 : 59 / أبواب أحكام العقود ب 11 ح 1].

3) كفاية الاصول : 416 و 417 / التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب.

من الأصل المثبت ، بل الكلي عين الفرد وجوداً ومتحد معه خارجاً ، فاذا كان في الخارج خمر وشككنا في صيرورته خلاً ، فباستصحاب الخمرية نحكم بحرمته ونجاسته مع كون الحرمة والنجاسة من أحكام طبيعة الخمر ، لأنّ الكلي عين الفرد لا لازمه.

الثاني : جريان الاستصحاب في منشأ الانتزاع ، فتترتب عليه الأحكام المترتبة على الامور الانتزاعية ، وهي الامور التي ليس بحذائها شيء في الخارج ، ويعبّر عنها بخارج المحمول ، كالملكية والزوجية ، فانّ الأثر الشرعي وإن كان أثراً للأمر الانتزاعي ، إلاّأ نّه حيث لا يكون بحذائه شيء في الخارج ، كان الأثر في الحقيقة أثراً لمنشأ الانتزاع. وهذا بخلاف الأعراض التي تكون بأنفسها موجودة في الخارج ، ويعبّر عنها بالمحمول بالضميمة ، فاذا كان الأثر أثراً لسواد شيء ، لم يمكن ترتيبه على استصحاب معروضه على تقدير كون السواد لازماً لبقائه دون حدوثه ، فانّه من أوضح مصاديق الأصل المثبت.

الثالث : جريان الاستصحاب في الجزء والشرط ، فتترتب عليه الجزئية والشرطية ، فانّ الجزئية والشرطية وإن لم تكونا مجعولتين بالاستقلال ، لكنّهما مجعولتان بالتبع ، ولا فرق في ترتب الأثر المجعول على المستصحب بين أن يكون مجعولاً بالاستقلال أو بالتبع ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المستصحب وجودياً أو عدمياً. انتهى كلامه قدس‌سره.

أقول : أمّا ما ذكره أوّلاً من جريان الاستصحاب في الفرد فهو مما لا إشكال فيه ، كيف ولو منع منه لانسدّ باب الاستصحاب ، إلاّأنّ جريانه في الفرد ليس مبنياً على ما ذكره من اتحاد الكلي والفرد خارجاً ، بل الوجه فيه أنّ الأثر أثر لنفس الفرد لا للكلي ، لأنّ الأحكام وإن كانت مجعولةً على نحو القضايا الحقيقية ، إلاّأنّ الحكم فيها ثابت للأفراد لا محالة ، غاية الأمر أنّ

الخصوصيات الفردية لا دخل لها في ثبوت الحكم ، وإلاّ فالكلي بما هو لا حكم له ، وإنّما يؤخذ في موضوع الحكم ليشار به إلى أفراده ، مثلاً إذا حكم بحرمة الخمر فالحرام هو الخمر الخارجي لا الطبيعة الكلية بما هي.

وأمّا ما ذكره في المورد الثاني ، فان كان مراده منه أنّ الاستصحاب يصح جريانه في الفرد من الأمر الانتزاعي لترتيب أثر الكلي عليه ، فيصح استصحاب ملكية زيد لمالٍ لترتيب آثار الملكية الكلية من جواز التصرف له وعدم جواز تصرف الغير فيه بدون إذنه ، فالكلام فيه هو الكلام في الأمر الأوّل ، مع أنّ هذا لا يكون فارقاً بين الخارج المحمول والمحمول بالضميمة ، فاذا شك في بقاء فردٍ من أفراد المحمول بالضميمة كعدالة زيد مثلاً ، فباستصحاب هذا الفرد تترتب آثار مطلق العدالة كجواز الاقتداء به ونحوه ، فلا وجه للفرق بين الخارج المحمول والمحمول بالضميمة.

وإن كان مراده أنّ الاستصحاب يجري في منشأ الانتزاع ويترتب عليه أثر الأمر الانتزاعي الذي يكون لازماً له على فرض بقائه ، فهذا من أوضح مصاديق الأصل المثبت ، فاذا علمنا بوجود جسم في مكان ، ثمّ علمنا بوجود جسم آخر في أسفل من المكان الأوّل ، مع الشك في بقاء الجسم الأوّل في مكانه ، لم يمكن ترتيب آثار فوقيته على الجسم الثاني باستصحاب وجوده في مكانه الأوّل ، فانّه من أوضح أنحاء الأصل المثبت. وكذلك لا يمكن إثبات زوجية امرأة خاصة لزيد مع الشك في حياتها وإن علم أنّها على تقدير حياتها تزوجت به يقيناً.

نعم ، لو كان الأمر الانتزاعي أثراً شرعياً لبقاء شيء ، لترتب على استصحابه بلا إشكال ، وهذا كما إذا علم بأنّ الفرس المعيّن كان ملكاً لزيد وشك في حياته حين موت زيد ، أو في بقائه على ملكه حين موته ، فباستصحاب الحياة أو

الملكية نحكم بانتقاله إلى الوارث ولا مجال حينئذ لتوهم كونه مثبتاً ، لأنّ انتقاله إلى الوارث من الآثار الشرعية لبقائه ، غاية الأمر أنّه أثر وضعي لا تكليفي ، وهو لا يوجب الفرق في جريان الاستصحاب وعدمه.

وأمّا ما ذكره في المورد الثالث - من ترتب الامور المجعولة بالتبع على الاستصحاب كالامور المجعولة بالاستقلال ، فباستصحاب الشرط تترتب الشرطية وباستصحاب المانع تترتب المانعية - فالظاهر أنّه أراد بذلك دفع الاشكال المعروف في جريان الاستصحاب في الشرط والمانع.

بيان الاشكال : أنّ الشرط بنفسه ليس مجعولاً بالجعل التشريعي ، بل لايكون قابلاً للجعل التشريعي ، لكونه من الامور الخارجية التكوينية كالاستقبال والتستر للصلاة مثلاً ، ولا يكون له أثر شرعي أيضاً ، فانّ جواز الدخول في الصلاة مثلاً ليس من الآثار الشرعية للاستقبال ، بل [من] الأحكام العقلية ، فانّ المجعول الشرعي هو الأمر المتعلق بالصلاة مقيّدة بالاستقبال ، بحيث يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً. وبعد تحقق هذا الجعل من الشارع ، يحكم العقل بجواز الدخول في الصلاة مع الاستقبال ، وعدم جواز الدخول فيها بدونه ، لحصول الامتثال معه وعدمه بدونه. وحصول الامتثال وعدمه من الأحكام العقلية ، فليس الشرط بنفسه مجعولاً شرعياً ، ولا مما له أثر شرعي ، فلا بدّ من الحكم بعدم جريان الاستصحاب فيه. وكذا الكلام بعينه في المانع ، فأراد صاحب الكفاية قدس‌سره دفع هذا الاشكال بأنّ الشرطية من المجعولات بالتبع ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في الشرط لترتب الشرطية عليه ، لأنّ المجعولات بالتبع كالمجعولات بالاستقلال في صحة ترتبها على الاستصحاب.

أقول : أمّا ما ذكره من حيث الكبرى ، من صحة جريان الاستصحاب باعتبار الأثر المجعول بالتبع فهو صحيح ، لعدم الدليل على اعتبار كون الأثر

مجعولاً بالاستقلال.

وأمّا من حيث الصغرى وتطبيق هذه الكلية على محل الكلام فغير تام ، لأنّ الشرطية ليست من آثار وجود الشرط في الخارج كي تترتب على استصحاب الشرط ، بل هي منتزعة في مرحلة الجعل من أمر المولى بشيء مقيداً بشيء آخر ، بحيث يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً ، فشرطية الاستقبال للصلاة تابعة لكون الأمر بالصلاة مقيداً بالاستقبال ، سواء وجد الاستقبال في الخارج أم لا ، فكما أنّ أصل وجوب الصلاة ليس من آثار الصلاة الموجودة في الخارج ، فانّ الصلاة واجبة أتى بها المكلف في الخارج أم لم يأت بها ، فكذا اشتراط الصلاة بالاستقبال ليس من آثار وجود الاستقبال في الخارج ، فانّ الاستقبال شرط للصلاة وجد في الخارج أم لا ، وعليه فلا تترتب الشرطية على جريان الاستصحاب في ذات الشرط. وهذا بخلاف الحرمة والملكية ونحوهما من الأحكام التكليفية أو الوضعية المترتبة على الوجودات الخارجية ، فاذا كان في الخارج خمر وشككنا في انقلابه خلاً ، نجري الاستصحاب في خمريته فنحكم بحرمته ونجاسته بلا إشكال.

وظهر بما ذكرناه أنّه لا يجري الاستصحاب في نفس الشرطية أيضاً إذا شك في بقائها لاحتمال النسخ ، أو لتبدل حالة من حالات المكلف ، فانّ الشرطية كما عرفت منتزعة من الأمر بالمقيد ، فيجري الاستصحاب في منشأ الانتزاع ، وتنتزع منه الشرطية ، فلا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب في نفس الشرطية. هذا إذا قلنا بجريان الاستصحاب عند الشك في النسخ وفي الأحكام الكلية ، وإلاّ فلا مجال للاستصحاب عند الشك في بقاء الشرطية أصلاً.

فالمتحصل مما ذكرناه : أنّه لايندفع الاشكال المعروف في جريان الاستصحاب في الشرط بما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره.

والذي ينبغي أن يقال في دفعه : إنّ الاشكال المذكور إنّما نشأ مما هو المعروف بينهم من أنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب بنفسه مجعولاً شرعياً أو موضوعاً لمجعول شرعي ، فيتوجه حينئذ الاشكال في جريان الاستصحاب في الشرط ، لعدم كونه مجعولاً بالجعل التشريعي ، وليس له أثر جعلي.

والتحقيق في الجواب : أنّه لا ملزم لاعتبار ذلك ، فانّه لم يدل عليه دليل من آية أو رواية ، وإنّما المعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب قابلاً للتعبد ، ومن الظاهر أنّ الحكم بوجود الشرط قابل للتعبد ، ومعنى التعبد به هو الاكتفاء بوجوده التعبدي وحصول الامتثال ، فانّ لزوم إحراز الامتثال وإن كان من الأحكام العقلية إلاّأ نّه معلّق على عدم تصرف الشارع بالحكم بحصوله ، كما في قاعدتي الفراغ والتجاوز ، فانّه لولا حكم الشارع بجواز الاكتفاء بما أتى به المكلف فيما إذا كان الشك بعد الفراغ ، أو بعد التجاوز ، لحكم العقل بوجوب الاعادة ، لاحراز الامتثال من باب وجوب دفع الضرر المحتمل ، لكنّه بعد تصرف الشارع وحكمه بجواز الاكتفاء بما أتى به ارتفع موضوع حكم العقل ، لكونه مبنياً على دفع الضرر المحتمل ، ولا يكون هناك احتمال ضرر.

فكذا الحال في المقام ، فان معنى جريان الاستصحاب في الشرط هو الاكتفاء بوجوده الاحتمالي في مقام الامتثال بالتعبد الشرعي ، فلا محذور فيه أصلاً ، وتكون حال الاستصحاب حال قاعدة الفراغ والتجاوز في كون كل منهما تصرّفاً من الشارع ، غاية الأمر أنّ الاستصحاب لا يختص بمقام الامتثال ، فيجري في ثبوت التكليف تارةً وفي نفيه اخرى وفي مقام الامتثال ثالثةً ، بخلاف قاعدة الفراغ والتجاوز فانّها مختصة بمقام الامتثال.

ثمّ ذكر صاحب الكفاية قدس‌سره (1): أنّه لا فرق في المستصحب أو


1) كفاية الاصول : 417.

الأثر المترتب عليه بين أن يكون ثبوت التكليف ووجوده أو نفيه وعدمه ، فجريان الاستصحاب ليس منوطاً بكون المستصحب أو أثره وجودياً ، بل منوط بكون المستصحب أو أثره قابلاً للتعبد وأن يكون ثبوته ونفيه بيد الشارع ، ومن المعلوم أنّ نفي التكليف قابل للتعبد كثبوته ، إذ نفي التكليف وثبوته بيد الشارع ، لاستواء القدرة بالنسبة إلى طرفي الوجود والعدم. ثمّ فرّع على ذلك الاشكال على شيخنا الأنصاري قدس‌سره فيما ذكره في أواخر البراءة (1)من منع الاستدلال على البراءة باستصحابها وباستصحاب عدم المنع.

أقول : أمّا ما ذكره من عدم الفرق بين كون الأثر وجودياً أو عدمياً فصحيح ، وقد ذكرنا أنّ ما هو المعروف من اعتبار كون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا أثر شرعي مما لا أساس له ، بل المعتبر في الاستصحاب كون المستصحب قابلاً للتعبد الشرعي ، بلا فرق بين كونه وجودياً أو عدمياً ، فانّ نفي التكليف بيد الشارع وقابل للتعبد به كثبوته.

وأمّا ما ذكره من الاشكال على الشيخ قدس‌سره فغير وارد ، لأن منع الشيخ قدس‌سره عن الاستدلال بالاستصحاب للبراءة ليس مبنياً على عدم جريان الاستصحاب في العدمي ، كيف وقد ذكر في أوائل الاستصحاب في جملة الأقوال القول بالتفصيل بين الوجودي والعدمي ، وردّه بعدم الفرق بينهما من حيث شمول أدلة الاستصحاب لهما (2).

بل منعه قدس‌سره عن استصحاب البراءة مبني على ما ذكره هناك من أنّه بعد جريان الاستصحاب إمّا أن يحتمل العقاب ، وإمّا أن لا يحتمل لكون الاستصحاب موجباً للقطع بعدم استحقاقه ، وعلى الأوّل فلابدّ في الحكم بالبراءة


1) فرائد الاصول 1 : 378.

2) فرائد الاصول 2 : 560 و 588.

من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلتكن هي المرجع من أوّل الأمر بلا حاجة إلى جريان الاستصحاب ، فانّ الرجوع إليه حينئذ لغو محض. والثاني غير صحيح ، لأنّ عدم استحقاق العقاب ليس من الأحكام المجعولة الشرعية حتى يصح ترتبه على الاستصحاب ، بل هو من الأحكام العقلية ، فلا يترتب على الاستصحاب المزبور. ثمّ أورد على نفسه بأن استصحاب عدم المنع تترتب عليه الرخصة والاذن ، فأجاب بأنّ المنع عن الفعل والاذن فيه متضادان ، فلا يمكن إثبات أحدهما بنفي الآخر إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، انتهى ملخصاً.

وحق الجواب عنه هو ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره في التنبيه التاسع (1)من أن عدم ترتب الأثر غير الشرعي بالاستصحاب إنّما هو بالنسبة إلى الآثار الواقعية للمستصحب ، وأمّا إذا كانت الآثار آثاراً للأعم من الوجود الواقعي والظاهري ، فلا مانع من ترتبها على الاستصحاب. واستحقاق العقاب وعدمه من هذا القبيل ، فانّه وإن كان من الأحكام العقلية ، إلاّأ نّه أثر لمطلق عدم المنع أعم من الواقعي والظاهري ، فانّ العقل كما يحكم بعدم استحقاق العقاب بفعل ما ليس بحرام واقعاً ، كذلك يحكم بعدم استحقاق العقاب بفعل ما ليس بحرام ظاهراً ، فلا مانع من ترتب عدم استحقاق العقاب على استصحاب البراءة وعدم المنع ، فانّه بعد ثبوت البراءة من التكليف وعدم المنع من قبل الشارع عن الفعل ، يحرز موضوع حكم العقل بعدم استحقاق العقاب بالوجدان.

وملخص الكلام في المقام : أنّ ما ذكره الشيخ قدس‌سره - من أنّه بعد جريان الاستصحاب إمّا أن يحتمل العقاب وإمّا أن يجزم بعدمه - مندفع باختيار الشق الثاني ، فانّه بعد إحراز عدم التكليف ظاهراً بالاستصحاب ،


1) كفاية الاصول : 417 و 418.

يكون عدم استحقاق العقاب محرزاً بالوجدان لتحقق موضوعه ، فلا إشكال في التمسك بالاستصحاب لاثبات البراءة.

التنبيه التاسع

ذكر صاحب الكفاية قدس‌سره (1)أنّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من كون المستصحب حكماً شرعياً أو ذا حكم شرعي بقاءً ، ولا يقدح فيه عدم كونه حكماً شرعياً أو ذا حكم شرعي حدوثاً ، لصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عنه حينئذ ، فالتعبد ببقاء الحالة السابقة لا يتوقف على ثبوت أثر لحدوثها ، بل يكفي فيه ثبوت أثر لبقائها ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم التكليف ، فانّه وإن كان غير مجعول في الأزل وغير قابل للتعبد به ، لكنّه قابل للتعبد به بقاءً ، لأن ثبوت التكليف في الحال قابل للجعل ، فنفيه أيضاً كذلك ، لاستواء نسبة القدرة إلى الطرفين ، وكذا لا مانع من جريان الاستصحاب في موضوع لم يكن له أثر في مرحلة الحدوث مع كونه ذا أثر في مرحلة البقاء ، كما إذا علمنا بموت الوالد وشككنا في حياة الولد ، فلا مانع من استصحاب حياته وإن لم يكن لحياته أثر حال حياة الوالد ، لكنّ الأثر مترتب على تقدير حياته بعد موت الوالد وهو انتقال أموال الوالد إليه بالارث. انتهى ملخصاً.

وهذا الذي ذكره قدس‌سره متين لا شبهة فيه ، فانّ أدلة الاستصحاب وحرمة نقض اليقين بالشك ناظرة إلى البقاء ، فلو لم يكن المستصحب قابلاً للتعبد بقاءً لا يجري فيه الاستصحاب ولو كان قابلاً له حدوثاً ، ولو كان قابلاً للتعبد بقاءً يجري الاستصحاب فيه ولو لم يكن قابلاً له حدوثاً.


1) كفاية الاصول : 418 / التنبيه العاشر.

التنبيه العاشر

اشارة

لا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان الشك في أصل تحقق حكم أو موضوع ، وكذا فيما إذا كان الشك في ارتفاع حكم أو موضوع بعد العلم بتحققه.

أمّا إذا شك في تقدمه وتأخره - بعد العلم بتحققه - أو شك في تقدم الارتفاع وتأخره بعد العلم بأصله ، فالكلام فيه يقع تارةً فيما إذالوحظ التأخر والتقدم بالنسبة إلى أجزاء الزمان. واخرى فيما إذالوحظ بالنسبة إلى حادث آخر ، فهنا مقامان :

أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال فيه في جريان استصحاب العدم إلى زمان العلم بالتحقق ، فتترتب آثار العدم حينئذ ، كما إذا علمنا بوجود زيد يوم الجمعة وشككنا في حدوثه يوم الخميس أو يوم الجمعة ، فيجري الاستصحاب وتترتب آثار العدم إلى يوم الجمعة ، لكن لا يثبت بهذا الاستصحاب تأخر وجوده عن يوم الخميس إن كان لعنوان التأخر أثر ، فانّ التأخر عن يوم الخميس لازم عقلي لعدم الحدوث يوم الخميس ، فاثباته باستصحاب عدم الحدوث يوم الخميس متوقف على القول بالأصل المثبت ، وكذا لا يثبت به الحدوث يوم الجمعة ، فانّ الحدوث عبارة عن الوجود الخاص ، وهو أوّل الوجود.

وبعبارة اخرى : الحدوث عبارة عن الوجود المسبوق بالعدم ، فاثبات الحدوث يوم الجمعة باستصحاب عدم الحدوث يوم الخميس متوقف على القول بالأصل المثبت. نعم ، لو كان الحدوث مركباً من أمرين - أي الوجود يوم الجمعة مثلاً ، وعدم الوجود يوم الخميس - لترتبت آثار الحدوث بالاستصحاب المذكور ، لكون أحد الجزأين محرزاً بالوجدان وهو الوجود يوم الجمعة ، والجزء الآخر بالأصل وهو عدم الوجود يوم الخميس ، لكنّه خلاف الواقع ، فانّ

الحدوث أمر بسيط وهو الوجود المسبوق بالعدم. ويجري ما ذكرناه فيما إذا شك في تقدم الارتفاع وتأخره مع العلم بأصل تحققه ، فلا مانع من جريان أصالة عدم الارتفاع إلى زمان العلم به ، ولا يمكن إثبات تأخر الارتفاع ولا حدوثه بهذا الاستصحاب إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا كان الشك في تقدم حادث وتأخره بالنسبة إلى حادث آخر ، كما إذا علمنا بموت الوالد وإسلام الولد وشككنا في أنّ الاسلام متقدم على الموت ليرث الولد من والده أو أنّه متأخر عنه لئلا يرث منه ، فتحقيق الكلام فيه يقتضي ذكر مقدمة وهي : ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الموضوع إذا كان بسيطاً لا يمكن ترتيب أثره باستصحاب يجري في ملزومه ، وإن كان الموضوع مركباً من أمرين ، فلا مانع من جريان الاستصحاب وترتيب أثر هذا الموضوع المركب إذا كان أحد الجزأين محرزاً بالوجدان والآخر بالأصل ، كما إذا شككنا في حياة الولد حين موت والده ، فانّ الموضوع للارث مركب من أمرين : موت الوالد ، وحياة الولد حين موت الوالد ، وأحد الجزأين محرز بالوجدان وهو موت الوالد ، والجزء الآخر وهو حياة الولد يحرز بالاستصحاب ، فيترتب عليه الحكم لا محالة.

وكذا الحال في موضوع جواز التقليد ، فاذا كان زيد عادلاً ولم يكن عالماً فصار عالماً ، وشككنا في بقاء عدالته ، فنحرز عدالته بالاستصحاب وعلمه بالوجدان ، فيحكم بجواز تقليده.

وكذا الكلام في متعلق الحكم ، فانّه إذا كان مركباً لا مانع من جريان الاستصحاب في أحد جزأيه مع إحراز الجزء الآخر بالوجدان ، كما هو الحال في الصلاة فانّ الواجب علينا الاتيان بها مع الستر والطهارة من الحدث والخبث مثلاً ، فباحراز الطهارة مثلاً بالأصل والباقي بالوجدان يترتب الأثر وهو جواز

الاكتفاء بما أتى به في مقام الامتثال.

وربّما يقال : بأنّ هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم تحقق المجموع المركب ، فاذا صلينا مع الشك في الطهارة مثلاً نستصحب عدم تحقق الصلاة مع الطهارة في الخارج.

وأجاب عنه المحقق النائيني قدس‌سره (1)بأنّ الشك في تحقق المجموع مسبب عن الشك في تحقق الجزء المشكوك فيه ، فاذا جرى الاستصحاب فيه كان حاكماً على استصحاب عدم تحقق المجموع.

وفيه : أنّ الاستصحاب السببي إنّما يكون حاكماً على الاستصحاب المسببي فيما إذا كانت السببية شرعية ، كما إذا غسلنا ثوباً متنجساً بماء شك في بقاء طهارته ، فانّ طهارة الماء سبب شرعي لطهارة الثوب المغسول به ، فباستصحاب الطهارة في الماء يرتفع الشك في طهارة الثوب ، وهذا بخلاف ما إذا كانت السببية عقلية - كما في المقام - فلا حكومة لأحد الأصلين على الآخر.

والتحقيق في الجواب أن يقال : إنّه إذا كان عنوان المجموع المركب موضوعاً لحكم ، فهو لا محالة عنوان بسيط لا يمكن إثباته باستصحاب أحد الجزأين ، مع قطع النظر عن المعارضة كما تقدم ، وهو خارج عن محل الكلام. وأمّا إذا كانت ذوات الأجزاء دخيلة في الحكم ولم يكن لعنوان المجموع دخل فيه ، فليس لنا شك في موضوع الحكم ، إذ المفروض أنّ أحد الجزأين محرز بالوجدان ، والآخر محرز بالأصل.

إذا تمهّدت هذه المقدمة فنقول : إذا شك في تقدم حادث وتأخره بالنسبة إلى حادث آخر ، فالصور المتصورة فيه ثمان : فانّ الحادثين إمّا أن يكونا مجهولي


1) أجود التقريرات 4 : 147.

التاريخ ، أو يكون تاريخ أحدهما معلوماً ، وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون الأثر مترتباً على الوجود الخاص من السبق واللحوق ، أو على العدم ، وعلى التقادير الأربعة : إمّا أن يكون الأثر مترتباً على الوجود والعدم بمفاد كان وليس التامتين ، أو على الوجود والعدم بمفاد كان وليس الناقصتين.

ويقع الكلام أوّلاً في مجهولي التاريخ فنقول : إذا كان الأثر للوجود بمفاد كان التامة ، كما إذا فرض أنّ الارث مترتب على تقدم موت المورّث على موت الوارث ، فلا مانع من التمسك بأصالة عدم السبق ، فيحكم بعدم الارث. وهذا واضح فيما كان الأثر لسبق أحد الحادثين على الآخر ولم يكن لسبق الحادث الآخر على هذا الحادث أثر. وأمّا إذا كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر فيتمسك أيضاً بأصالة عدم السبق في كل منهما ، ولا معارضة بين الأصلين لاحتمال التقارن. نعم ، لو كان الأثر لسبق كل منهما على الآخر وكان لنا علم إجمالي بسبق أحدهما على الآخر ، لا تجري أصالة عدم السبق في أحدهما ، للمعارضة بأصالة عدم السبق في الآخر ، فجريان الأصل فيهما موجب للمخالفة القطعية ، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح.

وأمّا لو كان الأثر لسبق أحدهما على الآخر وكان لتأخره عن الآخر أيضاً أثر ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم السبق والتأخر ، ولا معارضة بينهما لاحتمال التقارن. نعم ، في مورد العلم الاجمالي بسبق أحدهما على الآخر لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم السبق ، للمعارضة بأصالة عدم التأخر.

وأمّا إن كان الأثر للوجود بمفاد كان الناقصة ، كما إذا فرض أنّ الارث مترتب على كون موت المورّث متصفاً بالتقدم على موت الوارث ، فاختار صاحب الكفاية قدس‌سره (1)عدم جريان الاستصحاب فيه ، لعدم كون


1) كفاية الاصول : 419.

الوجود بمفاد كان الناقصة متعلقاً لليقين والشك ، فانّه لم يكن لنا علم باتصاف أحدهما بالسبق على الآخر ولا بعدم اتصافه به حتى يكون مورداً للاستصحاب. وهذا الكلام مخالف لما ذكره في بحث العام والخاص (1)من أنّه إذا ورد عموم بأنّ النساء تحيض إلى خمسين عاماً إلاّالقرشية ، وشككنا في كون امرأة قرشية ، فلا يصح التمسك بالعموم المذكور ، لكون الشبهة مصداقية ، إلاّأ نّه لا مانع من إدخالها في العموم للاستصحاب ، فنقول : الأصل عدم اتصافها بالقرشية ، لأنّها لم تتصف بهذه الصفة حين لم تكن موجودة ، ونشك في اتصافها بها الآن والأصل عدم اتصافها بها. هذا ملخص كلامه في مبحث العام والخاص ، وهو الصحيح على ما شيدناه في ذلك المبحث (2)، خلافاً للمحقق النائيني (3)قدس‌سره فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام.

فنقول : الأصل عدم اتصاف هذا الحادث بالتقدم على الحادث الآخر ، لأنّه لم يتصف بالتقدم حين لم يكن موجوداً فالآن كما كان ، ولا يعتبر في استصحاب عدم الاتصاف بالسبق وجوده في زمان مع عدم الاتصاف به ، بل يكفي عدم اتصافه به حين لم يكن موجوداً ، فانّ اتصافه به يحتاج إلى وجوده ، وأمّا عدم اتصافه به فلا يحتاج إلى وجوده ، بل يكفيه عدم وجوده ، فانّ ثبوت شيء لشيء وإن كان فرع ثبوت المثبت له ، إلاّأنّ نفي شيء عن شيء لا يحتاج إلى وجود المنفي عنه ، وهذا معنى قولهم : إنّ القضية السالبة لا تحتاج إلى وجود الموضوع.


1) كفاية الاصول : 223.

2) محاضرات في اصول الفقه 4 : 360 وما بعدها.

3) أجود التقريرات 2 : 328 وما بعدها ، فوائد الاصول 2 : 530 وما بعدها.

فتحصّل مما ذكرناه : جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضاً ، ويجري فيه ما ذكرناه في القسم الأوّل من عدم المعارضة إلاّمع العلم الاجمالي ، فلا حاجة إلى الاعادة.

وإن كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر ، فتارةً يكون الأثر للعدم بمفاد ليس التامة الذي يعبّر عنه بالعدم المحمولي. واخرى للعدم بمفاد ليس الناقصة المعبّر عنه بالعدم النعتي ، فان كان الأثر للعدم النعتي ، لا يجري الاستصحاب فيه على مسلك صاحب الكفاية (1)قدس‌سره لعدم اليقين بوجود هذا الحادث متصفاً بالعدم في زمان حدوث الآخر ، ومن الظاهر أنّ القضية إذا كانت معدولة ، فلا بدّ فيها من فرض وجود الموضوع ، بخلاف القضية السالبة كقولنا : زيد ليس بقائم ، فانّ صدقها غير متوقف على وجود الموضوع ، لأنّ مفاد القضية السالبة سلب الربط ، فلا يحتاج إلى وجود الموضوع. وأمّا معدولة المحمول فبما أنّ مفادها ربط السلب ، لزم فيه وجود الموضوع لا محالة ، هذا توضيح مراده قدس‌سره.

والانصاف أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضاً ، فانّه وإن لم يمكن ترتيب آثار الاتصاف بعدم وصف باستصحاب عدم ذلك الوصف ، لأ نّه لا يثبت به العدم المأخوذ نعتاً ، إلاّأ نّه يمكن ترتيب عدم الاتصاف بذلك الوصف باجراء الاستصحاب في عدم الاتصاف ، فانّ الاتصاف مسبوق بالعدم كما مرّ ، فحال القسم الثالث حال القسم الثاني في جريان الاستصحاب.

وأمّا إن كان الأثر لعدم أحدهما في زمان الآخر بنحو مفاد ليس التامة المعبّر عنه بالعدم المحمولي ، فيجري فيه الاستصحاب في نفسه على مسلك شيخنا


1) كفاية الاصول : 420.

الأنصاري (1)رحمه‌اللّه وجماعة من المحققين ، ولكنّه يسقط بالمعارضة فيما إذا كان عدم كل واحد منهما في زمان الآخر ذا أثر شرعي. وذهب صاحب الكفاية (2)قدس‌سره إلى عدم جريان الاستصحاب في نفسه مع قطع النظر عن المعارضة ، فاذن لا ثمرة عملية فيما إذا كان عدم كل من الحادثين في زمان الآخر ذا أثر شرعي كموت المتوارثين ، لعدم جريان الاستصحاب على كل حال إمّا لأجل المعارضة - كما عليه الشيخ قدس‌سره وأتباعه - وإمّا لعدم شمول الأدلة له - كما عليه صاحب الكفاية قدس‌سره - فهو بحث علمي بحت.

نعم ، فيما إذا كان الأثر لأحدهما دون الآخر ، كان البحث ذا أثر عملي ، فانّه يجري الاستصحاب في طرف ما له أثر على مسلك الشيخ قدس‌سره لعدم المعارض ، ولا يجري على مسلك صاحب الكفاية قدس‌سره وأمثلته كثيرة :

منها : ما لو علمنا بموت أخوين لأحدهما ولد دون الآخر ، وشككنا في تقدم كل منهما على الآخر ، فاستصحاب عدم موت مَن له ولد إلى زمان موت الآخر يترتب عليه إرثه منه ، بخلاف استصحاب عدم موت مَن لا ولد له إلى زمان موت الآخر ، فانّه لا يترتب عليه أثر ، لكون الوارث له ولد ولو كان موته قبل موت من لا ولد له.

ومنها : ما إذا شككنا في تقدم موت الوالد على إسلام الولد ، فانّ استصحاب عدم إسلام الولد إلى زمان موت الوالد يترتب عليه عدم إرثه منه ، بخلاف استصحاب عدم موت الوالد إلى زمان إسلام الولد ، فانّه لا يترتب عليه أثر ، إذ قد يكون الوالد حياً بالوجدان وله وارث مسلم ، ولا يترتب عليه أثر ، لأنّ


1) فرائد الاصول 2 : 667.

2) كفاية الاصول : 420 و 421.

الأثر مترتب على الموت عن وارث مسلم ، فكيف بالحياة الاستصحابي مع وارث مسلم ، ففي مثل هذه الأمثلة يجري الاستصحاب على مسلك الشيخ قدس‌سره في أحد الطرفين لعدم المعارض لعدم الأثر للاستصحاب في الطرف الآخر ، ولا يجري الاستصحاب على مذهب صاحب الكفاية قدس‌سره.

وملخص ما ذكره في الكفاية في توجيه عدم جريان الاستصحاب : أنّه لا بدّ في جريان الاستصحاب من اتصال زمان الشك بزمان اليقين فانّه هو المستفاد من كلمة «فاء» في قوله عليه‌السلام : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» (1)فلا تشمل أدلة الاستصحاب موارد انفصال زمان الشك عن زمان اليقين ، بل ولا موارد احتمال الانفصال. أمّا موارد الانفصال اليقيني ، فعدم جريان الاستصحاب فيها واضح ، فانّه إذا تيقنا بالطهارة ثمّ بالحدث ثمّ شككنا في الطهارة ، لا مجال لجريان استصحاب الطهارة مع وجود اليقين والشك بالنسبة إليها ، لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين بل يجري فيه استصحاب الحدث.

وأمّا موارد احتمال الانفصال ، فلأنّ الشبهة حينئذ مصداقية ، فلا يمكن الرجوع معه إلى العموم حتى على القول بجواز التمسك به فيها ، فانّ القائل به إنّما يدّعي ذلك فيما إذا نعقد للعام ظهور وكان المخصص منفصلاً ، كما إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء ثمّ ورد دليل آخر على عدم وجوب إكرام الفسّاق منهم ، وشككنا في أنّ زيداً عادل أو فاسق ، وأمّا إذا كان المخصص متصلاً ومانعاً عن انعقاد الظهور في العموم من أوّل الأمر ، كما إذا قال المولى : أكرم العالم العادل وشككنا في عدالة زيد ، فلم يقل أحد بجواز التمسك بالعموم فيه.

والمقام من هذا القبيل ، لما ذكرناه من أنّ أدلة حجية الاستصحاب قاصرة


1) الوسائل 3 : 466 / أبواب النجاسات ب 37 ح 1.

عن الشمول لموارد الانفصال ، فاذالم يحرز الاتصال لم يمكن التمسك بها ، وحيث إنّ الحادثين في محل الكلام مسبوقان بالعدم ويشك في المتقدم منهما مع العلم بحدوث كل منهما ، فلم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، فلا مجال لجريان الاستصحاب.

وتوضيح ذلك يحتاج إلى فرض أزمنة ثلاثة : زمان اليقين بعدم حدوث كل من الحادثين ، وزمان حدوث أحدهما بلا تعيين ، وزمان حدوث الآخر كذلك. فنفرض أنّ زيداً كان حياً في يوم الخميس ، وابنه كان كافراً فيه ، فعدم موت المورّث وعدم إسلام الوارث كلاهما متيقن يوم الخميس ، وعلمنا بحدوث أحدهما لا بعينه يوم الجمعة وبحدوث الآخر يوم السبت ، ولا ندري أنّ الحادث يوم الجمعة هو إسلام الولد حتى يرث أباه ، أو موت الوالد حتى لا يرثه لكونه كافراً حين موت أبيه ، فان لوحظ الشك في حدوث كل من الحادثين بالنسبة إلى عمود الزمان ، يكون زمان الشك متصلاً بزمان اليقين ، فانّ زمان اليقين بالعدم يوم الخميس وزمان الشك في حدوث كل واحد من الحادثين يوم الجمعة وهما متصلان ، فلا مانع من جريان استصحاب عدم حدوث الاسلام يوم الجمعة.

إلاّ أنّه لا أثر لهذا الاستصحاب ، فان عدم إرث الولد من والده ليس مترتباً على عدم إسلامه يوم الجمعة ، بل على عدم إسلامه حين موت أبيه ، فلا بدّ من جريان الاستصحاب في عدم الاسلام في زمان حدوث موت الوالد. وزمان حدوث موت الوالد مردد بين الجمعة والسبت ، فان كان حدوثه يوم الجمعة ، فزمان الشك متصل بزمان اليقين ، وإن كان يوم السبت ، فزمان الشك غير متصل بزمان اليقين ، لأن زمان اليقين يوم الخميس على الفرض وزمان الشك يوم السبت ، فيوم الجمعة فاصل بين زمان اليقين وزمان الشك ، ومع احتمال

انفصال زمان الشك عن زمان اليقين لا مجال للتمسك بدليل حجية الاستصحاب ، لما عرفت من أنّ الشبهة مصداقية ، هذا ملخص ما ذكره في الكفاية متناً وهامشاً.

والانصاف أنّه لا يرجع إلى محصّل ، لما عرفت سابقاً (1)من أنّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشك ، لصحة جريان الاستصحاب مع حدوثهما معاً ، وإنّما المعتبر تقدم زمان المتيقن على زمان المشكوك فيه ، بأن يكون المتيقن هو الحدوث والمشكوك فيه هو البقاء. وما يستفاد من ظاهر قوله عليه‌السلام : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت» من حدوث الشك بعد اليقين ، فهو ناظر إلى غلبة الوقوع في الخارج ، لا أنّه معتبر في الاستصحاب. نعم ، فيما إذا كان الشك حادثاً بعد اليقين يعتبر في جريان الاستصحاب فيه اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، بمعنى عدم تخلل يقين آخر بينهما كما في المثال المتقدم ، وإلاّ لم يصدق نقض اليقين بالشك ، بل يصدق نقض اليقين باليقين ، وعليه فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام ، فانّه بعد اليقين بعدم إسلام الولد يوم الخميس نشك في بقائه إلى زمان موت والده ، ولم يتخلل بين اليقين والشك يقين آخر حتى يكون فاصلاً بين اليقين الأوّل والشك.

ولاتتصور الشبهة المصداقية في الامور الوجدانية من اليقين والشك وغيرهما من الادراكات ، فانّه لا معنى للشك في أنّ له يقين أم لا ، أو في أنّ له شك أم لا. نعم ، الشبهة المصداقية متصورة في الامور الخارجية ، كعدالة زيد وفسق عمرو مثلاً ، فلا معنى للشك في أنّ زمان الشك هل هو يوم الجمعة حتى يكون متصلاً بزمان اليقين ، أو يوم السبت فيكون منفصلاً عنه ، بل الشك في حدوث الاسلام


1) في ص 8.

في زمان حدوث الموت موجود يوم السبت - مع اليقين بعدم الاسلام يوم الخميس - فليس لنا تردد في زمان الشك أصلاً. نعم ، لنا شك في زمان الموت واقعاً لاحتمال كونه يوم الجمعة أو يوم السبت ، فان كان الموت يوم الجمعة ، فلا محالة يكون الاسلام يوم السبت ، وإن كان الموت يوم السبت ، فيكون الاسلام يوم الجمعة ، للعلم الاجمالي بكون أحدهما يوم الجمعة والآخر يوم السبت ، وهذا التردد لا يضر باستصحاب عدم الاسلام حين الموت ، لتمامية أركانه من اليقين والشك بلا تخلل يقين آخر بينهما ، كيف ولو كان مثل هذا التردد مانعاً عن جريان الاستصحاب ، لكان مانعاً عنه في سائر المقامات أيضاً ، كما إذا علمنا بأنّ زيداً إن شرب السم الفلاني فقد مات قطعاً ، وإن لم يشرب فهو حي ، فاحتمال شرب السم وعدمه صار منشأ للشك في بقاء حياته ، ولا يضر باستصحاب حياته ، فكذا التردد في كون الموت يوم الجمعة أو يوم السبت في المقام صار موجباً للشك في حدوث الاسلام حين الموت ، ولايضر بالاستصحاب ، لتمامية أركانه من اليقين والشك.

وربّما يقال في توجيه كلام صاحب الكفاية قدس‌سره : إنّ الشك في المقام لا يعرض إلاّبعد اليقين بالانتقاض ، لأنّ الشك في حدوث الاسلام حين الموت لا يعرض إلاّبعد العلم بالموت ، ولا علم بالموت إلاّفي يوم السبت ، ومعه نعلم بوجود الاسلام أيضاً ، فيكون زمان الشك هو يوم السبت ، وزمان اليقين بعدم الاسلام يوم الخميس ، ويوم الجمعة فاصل بينهما ، فيكون المقام مما انفصل زمان الشك عن زمان اليقين يقيناً ، لا مما يحتمل الانفصال حتى يقال إنّ الشبهة المصداقية غير متصور في الامور الوجدانية.

وهذا التوجيه - مع أنّه ليس بمراد لصاحب الكفاية قدس‌سره وإلاّ علل عدم جريان الاستصحاب باحراز الانفصال لا بعدم إحراز الاتصال - غير تام

في نفسه ، لما ذكرناه مراراً من أنّه لا يعتبر في الاستصحاب كون اليقين سابقاً على الشك ، بل يكفي حدوثهما في زمان واحد ، بأن يكون اليقين متعلقاً بالحدوث والشك متعلقاً بالبقاء ، والمقام كذلك ، فانّه في يوم السبت بعد العلم بوجود الموت والاسلام فعلاً لنا يقين بعدم الاسلام وبعدم الموت يوم الخميس ، وشك في حدوث الاسلام حين الموت ، فعدم الاسلام حين الموت متعلق لليقين حدوثاً ، ومتعلق للشك بقاءً ، ومعنى اتصال الشك باليقين عدم تخلل يقين آخر بينهما. وليس في المقام يقين آخر فاصل بين اليقين الأوّل والشك حتى يكون من نقض اليقين باليقين ، لأنّ اليقين الآخر متعلق بوجود الاسلام فعلاً ، وهو ليس بناقض لليقين الأوّل ، لعدم كونه متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين الأوّل ، لأن متعلق اليقين الأوّل حدوثاً ومتعلق الشك بقاءً هو عدم الاسلام حين الموت ، ومتعلق هذا اليقين هو وجود الاسلام فعلاً ، فلا يرتبط أحدهما بالآخر.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب فيما إذا كان الأثر لأحدهما ، ويسقط للمعارضة فيما إذا كان الأثر لكل واحد منهما كما عليه الشيخ قدس‌سره وجماعة من المحققين.

ثمّ إنّه ربّما يمنع من جريان الاستصحاب في موردين بتوهم أنّهما من الشبهة المصداقية من حيث اعتبار عدم تخلل يقين آخر بين اليقين السابق والشك اللاحق ، ونتعرض لهما بالمناسبة وإن لم يكن لهما دخل بمسألة مجهولي التاريخ :

أحدهما : ما ذكره بعض الأكابر ، وهو ما إذا علمنا بعدالة زيد مثلاً في زمان ، وشككنا في بقائها الآن ، ولكن نحتمل كوننا متيقنين بفسقه بعد اليقين بعدالته ، فلا يجري استصحاب العدالة ، لاحتمال تخلل اليقين بالفسق بين اليقين بالعدالة والشك في بقائها ، فتكون الشبهة مصداقية.

وفيه : ما مرّ مراراً من أنّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشك ،

بل يكفي حدوثهما معاً ، فمع فرض اليقين الفعلي بحدوث العدالة والشك في بقائها لا يمنع من جريان الاستصحاب احتمال وجود اليقين بفسقه سابقاً ، بل لا يقدح في الاستصحاب اليقين بوجود اليقين بفسقه ، مع احتمال كون اليقين بالفسق مخالفاً للواقع ، فضلاً عن احتمال اليقين بفسقه. فاذا علمنا يوم الجمعة بعدالة زيد ، ثمّ علمنا بفسقه يوم السبت ، ثمّ تبدل اليقين بفسقه بالشك الساري فيه يوم الأحد ، فيوم الأحد نعلم بحدوث عدالته يوم الجمعة ونشك في بقائها الآن ، لاحتمال كون اليقين بفسقه يوم السبت مخالفاً للواقع ، فباعتبار هذا اليقين الفعلي يوم الأحد بحدوث العدالة يوم الجمعة والشك في بقائها يجري الاستصحاب. ولا يقدح فيه اليقين بالفسق بعد تبدله بالشك الساري ، فكيف باحتمال اليقين بالفسق.

مضافاً إلى أنّه لو كان احتمال اليقين مانعاً عن جريان الاستصحاب ، لمنع منه في كثير من الموارد التي لا يلتزم بعدم جريان الاستصحاب فيها أحد ، وهي الموارد التي يكون ارتفاع المتيقن السابق فيها مستلزماً للعلم بالارتفاع ، فيكون احتمال الارتفاع ملازماً لاحتمال العلم بالارتفاع ، كما إذا كان زيد محدثاً وشك في الطهارة من الوضوء أو الغسل ، فانّ احتمال ارتفاع الحدث بالوضوء أو الغسل ملازم لاحتمال العلم ، لأنّ الوضوء والغسل من الامور العبادية التي لا يمكن تحققها إلاّمع العلم والالتفات ، فلا بدّ من القول بعدم جريان الاستصحاب على المبنى المذكور ، لاحتمال العلم بالانتقاض ، ولا يلتزم به أحد.

ثانيهما : ما ذكره المحقق النائيني رداً على السيد قدس‌سره في العروة وبيانه : أنّ السيد قدس‌سره ذكر في العروة (1)أنّه إذا علمنا بنجاسة إناءين


1) العروة الوثقى 1 : 115 / فصل في طرق ثبوت التطهير ، المسألة 2 [394].

مثلاً ، ثمّ علمنا بطهارة أحدهما ، فيتصور ذلك بصور ثلاث : الاولى : أن نعلم بطهارة أحدهما علماً تفصيلياً ، فاشتبه الطاهر المعلوم بالتفصيل بغيره. الثانية : أن نعلم بطهارة أحدهما لا بعينه بحيث لا يكون للطاهر تعيّن وامتياز بوجه من الوجوه ، بل يمكن أن لايكون له في الواقع أيضاً تعيّن ، كما إذا كان كلاهما طاهراً في الواقع. الثالثة : أن نعلم بطهارة أحدهما بعنوان معيّن ونشك في انطباقه ، كما إذا علمنا بطهارة إناء زيد وشككنا في انطباق هذا العنوان على هذا الاناء أو ذاك.

وحكم السيد قدس‌سره بنجاسة الاناءين في جميع هذه الصور الثلاث عملاً بالاستصحاب.

وردّ عليه المحقق النائيني (1)قدس‌سره واختار عدم جريان الاستصحاب في جميعها ، لكن لا بمناط واحد ، بل حكم بعدم جريانه في الصورة الاولى والثالثة ، لكون الشبهة مصداقية ، فانّا نعلم بانتقاض اليقين بالنجاسة باليقين بالطهارة بالنسبة إلى أحد الاناءين ، إمّا باليقين التفصيلي - كما في الصورة الاولى - وإمّا باليقين المتعلق بعنوان معيّن شككنا في انطباقه - كما في الصورة الثالثة - فلا مجال لجريان الاستصحاب في شيء من الاناءين ، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون هو الاناء الذي انتقض العلم بنجاسته بالعلم بطهارته.

وأمّا الصورة الثانية : فحكمه بعدم جريان الاستصحاب فيها ليس مبنياً على احتمال انفصال زمان الشك عن زمان اليقين بيقين آخر - كما في الصورة الاولى والثالثة - فانّ الشك في بقاء النجاسة في كل منهما متصل باليقين بالنجاسة ، ولم يتخلل بين زمان اليقين وزمان الشك يقين آخر ، والعلم الاجمالي بطهارة أحدهما


1) أجود التقريرات 4 : 152 - 155 ، فوائد الاصول 4 : 513 - 515.

لا بعينه يكون منشأ للشك في بقاء النجاسة في كل منهما ، بخلاف الصورة الاولى والثالثة ، فان منشأ الشك في بقاء النجاسة فيهما هو اجتماع الاناءين واشتباه الطاهر بالنجس لا العلم بطهارة أحدهما ، فان متعلق العلم كان معلوماً بالتفصيل أو بالعنوان.

فحكمه بعدم جريان الاستصحاب في الصورة الثانية مبني على أنّ العلم الاجمالي بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب ولو لم تلزم منه مخالفة عملية قطعية ، كما اختاره الشيخ خلافاً لصاحب الكفاية قدس‌سره. هذا ملخص مرام المحقق النائيني قدس‌سره في المقام.

أقول : أمّا ما ذكره في الصورة الثانية من أنّ العلم الاجمالي بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب - ولو لم تلزم منه مخالفة عملية - فهو وإن كان خارجاً عن محل الكلام فعلاً ، لأنّ الكلام في بيان الشبهة المصداقية المانعة عن جريان الاستصحاب ، إلاّأنّ الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية من أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي ما لم تلزم منه مخالفة عملية ، فان مؤدى الاستصحاب هو الحكم بنجاسة كل من الطرفين بخصوصه ، وليس لنا علم بطهارة كل منهما بخصوصه. والمثبت منه لا يكون حجة حتى على القول بكونه من الأمارات - كما هو المختار - فلا يكون مفاد استصحاب النجاسة في أحدهما بخصوصه هو الطهارة في الطرف الآخر حتى يكون معارضاً لاستصحاب النجاسة في الطرف الآخر ، وسنتعرض لتفصيل ذلك في أواخر بحث الاستصحاب (1)إن شاء اللّه تعالى.


1) فى ص 305 309.

وأمّا ما ذكره في الصورة الاولى والثالثة من عدم جريان الاستصحاب لكون الشبهة مصداقية ، ففيه : أنّ الشبهة المصداقية غير متصورة في الامور الوجدانية من اليقين والشك ، فانّه إن احتملت الطهارة في كل واحد من الاناءين في المثال المذكور ، فهو شك بالوجدان ، وإن لم تحتمل الطهارة فهو يقين كذلك ، وقد مرّ غير مرة (1)أنّه لايعتبر في الاستصحاب كون اليقين سابقاً على الشك ، بل المعتبر كون المتيقن سابقاً على المشكوك فيه ، فالميزان في جريان الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالحدوث والشك الفعلي في البقاء ، وهما موجودان بالنسبة إلى كل واحد من الاناءين بخصوصه.

ولا يقدح في الاستصحاب احتمال كون هذا الاناء متعلقاً لليقين بالطهارة سابقاً ، فانّ الاستصحاب جارٍ باعتبار اليقين الفعلي بحدوث النجاسة مع الشك في بقائها لا باعتبار اليقين السابق ، وقد ذكرنا (2)أنّ اليقين بكون هذا الاناء متعلقاً لليقين بالطهارة سابقاً لا يقدح في الاستصحاب مع وجود اليقين الفعلي بالنجاسة والشك في بقائها ، فضلاً عن احتمال كون هذا الاناء متعلقاً لليقين السابق بالطهارة. نعم ، اليقين السابق بالطهارة كان مانعاً عن استصحاب النجاسة حين وجوده.

وبالجملة : بعد كون الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالحدوث والشك الفعلي في البقاء ، لا يضره اليقين السابق علماً أو احتمالاً. نعم ، احتمال وجود اليقين الفعلي بالطهارة قادح في استصحاب النجاسة ، ولكنّه غير متصور ، لكون اليقين من الامور الوجدانية ، فلا يتصور فيه الاحتمال كما تقدم.


1) كما في ص 8.

2) في ص 224.

هذا كله فيما إذا كان أحد الاناءين متعلقاً لليقين التفصيلي بالطهارة ثمّ اشتبه مع المتنجس.

ومنه يظهر الكلام فيما إذا كان اليقين متعلقاً بعنوان شك في انطباقه ، فانّ عدم قدح احتمال انطباق عنوان تعلق به اليقين في جريان استصحاب النجاسة أوضح من عدم قدح احتمال اليقين التفصيلي بطهارة أحدهما بعد كون الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي لا اليقين السابق ، وقد ذكرنا سابقاً (1)نقضاً في المقام وهو أنّه إذا رأينا جنازة عالم نحتمل انطباق هذا العنوان - أي العالم - على المقلَّد ، فهل يكون هذا الاحتمال مانعاً عن استصحاب حياة المقلَّد ، ولا أظن أن يلتزم به أحد.

ومن متفرعات هذا الكلام : مسألة دوران الأمر بين كون الدم من المسفوح أو من المتخلف ، بناءً على كون الدم مطلقاً نجساً ولو في الباطن كما هو المعروف ، ولذا يعدّون خروج الدم المتعارف من المطهّرات لكونه مطهّراً للدم المتخلف ، فاذا رأينا دماً في ثوبنا مثلاً ، وشككنا في كونه من المسفوح أو من المتخلف ، فربما يقال بجريان استصحاب النجاسة ، لأنّ الدم كله نجس ولنا يقين بطهارة الدم المتخلف ، ونشك في انطباقه على هذا الدم ، فيجري استصحاب النجاسة. ولا يقدح فيه احتمال انطباق العنوان الذي كان متعلقاً لليقين بالطهارة.

وقد يقال بجريان الاستصحاب الموضوعي ، وهو أصالة عدم خروج هذا الدم من الذبيحة ، فيحكم بطهارته.

وقد منع المحقق النائيني (2)قدس‌سره جريان كلا الاستصحابين ، لاحتمال


1) في ص 145.

2) أجود التقريرات 4 : 155 و 156 ، فوائد الاصول 4 : 516 و 517.

انطباق عنوان المسفوح فيكون مانعاً عن جريان الاستصحاب الموضوعي ، ولاحتمال انطباق عنوان المتخلف فيكون مانعاً عن جريان الاستصحاب الحكمي ، أي استصحاب النجاسة.

وقد ظهر مما ذكرناه أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب من هذه الجهة ، إلاّ أنّه مع جريان الاستصحاب الموضوعي لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي ، فيكون الدم المذكور محكوماً بالطهارة ، هذا ملخص الكلام في مجهولي التاريخ.

وأمّا إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهول التاريخ ، فقد ذكرنا أنّه يتصور بصور أربعة ، لأنّ الأثر تارةً مترتب على الوجود الخاص من السبق أو اللحوق ، واخرى على العدم. وعلى الأوّل فامّا أن يكون الأثر مترتباً على الوجود المحمولي المعبّر عنه بمفاد كان التامة ، وإمّا أن يكون مترتباً على الوجود النعتي بمعنى الاتصاف بالسبق أو اللحوق المعبّر عنه بمفاد كان الناقصة. وعلى الثاني إمّا أن يكون الأثر مترتباً على العدم المحمولي المعبّر عنه بمفاد ليس التامة وإمّا أن يكون مترتباً على العدم النعتي المعبّر عنه بمفاد ليس الناقصة. وتفسير العدم النعتي بمفاد ليس الناقصة مجرد تعبير ، فان معنى العدم النعتي هو الاتصاف بالعدم ، فيكون مفاده القضية الموجبة معدولة المحمول لا القضية السالبة على نحو مفاد ليس الناقصة.

أمّا إذا كان الأثر مترتباً على الوجود بمفاد كان التامة ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب في نفسه ، إلاّأ نّه يسقط بالمعارضة فيما إذا كان الأثر للطرفين مع العلم الاجمالي بسبق أحدهما على الآخر وعدم احتمال التقارن على ما تقدم بيانه في مجهولي التاريخ (1)، فلا حاجة إلى الاعادة.


1) راجع ص 215.

وأمّا إذا كان الأثر مترتباً على الوجود النعتي بمعنى الاتصاف بالسبق أو اللحوق ، أو كان مترتباً على العدم النعتي بمعنى الاتصاف بالعدم ، فقد استشكل صاحب الكفاية (1)قدس‌سره في جريان الاستصحاب فيهما ، لما تقدم منه في مجهولي التاريخ ، من أنّ الاتصاف بالوجود أو العدم ليست له حالة سابقة ، حتى يجري الاستصحاب فيه. وقد تقدم (2)جوابه من أنّ عدم الاتصاف له حالة سابقة ، فنستصحب عدم الاتصاف ، ونحكم بعدم ترتب أثر الاتصاف على ما تقدم بيانه في مجهولي التاريخ.

وأمّا إن كان الأثر مترتباً على العدم المحمولي المعبّر عنه بمفاد ليس التامة ، بأن كان مترتباً على عدم أحدهما في زمان وجود الآخر ، كمسألة موت المورّث وإسلام الوارث ، فان موضوع الارث مركب من وجود الاسلام وعدم الحياة ، ففصّل الشيخ (3)وصاحب الكفاية (4)والمحقق النائيني (5)قدس‌سرهم بين معلوم التاريخ ومجهوله ، فاختاروا جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ، وعدمه في معلومه.

أمّا جريانه في مجهول التاريخ فواضح ، لأن عدمه متيقن ، ونشك في انقلابه إلى الوجود في زمان وجود الآخر والأصل بقاؤه.

وأمّا عدم جريانه في معلوم التاريخ ، فقد ذكر صاحب الكفاية (قدس‌سره)


1) كفاية الاصول : 421.

2) في ص 216.

3) فرائد الاصول 3 : 250.

4) كفاية الاصول : 421.

5) فوائد الاصول 4 : 508 ، راجع أيضاً أجود التقريرات 4 : 146 - 148.

له وجهاً ، والمحقق النائيني قدس‌سره وجهاً آخر تبعاً للشيخ قدس‌سره.

أمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره فهو ما تقدم منه في مجهولي التاريخ من عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، فتكون الشبهة مصداقية ، فانّا إذا علمنا بعدم الموت وعدم الاسلام يوم الجمعة ، وعلمنا بالموت يوم السبت ، وشككنا يوم الأحد في أنّ الاسلام وقع ليلة السبت حتى يرث أو يوم الأحد حتى لا يرث ، وحيث إنّ الأثر لعدم الموت في زمان وجود الاسلام لا للعدم مطلقاً في عمود الزمان ويكون زمان وجود الاسلام مردداً بين ليلة السبت ويوم الأحد ، لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، لأنّه إن كان حدوث الاسلام ليلة السبت ، فزمان الشك متصل بزمان اليقين ، وإن كان حدوث الاسلام يوم الأحد ، فزمان الشك منفصل عن زمان اليقين ، هذا.

وقد تقدم الجواب عنه في مجهولي التاريخ (1)من أنّ الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي مع الشك في البقاء ، لا اليقين السابق ، والمراد من اتصال زمان الشك بزمان اليقين عدم تخلل يقين آخر بين المتيقن السابق والمشكوك اللاحق ، وفي المقام كذلك ، فانّ يوم الأحد لنا يقيناً بعدم الموت يوم الجمعة ، ولنا شك في بقائه إلى زمان حدوث الاسلام ، فهذا المتيقن مشكوك البقاء بلا تخلل يقين آخر بينهما ، فلا مانع من جريان الاستصحاب ، فان حدوث الموت يوم السبت وإن كان متيقناً لنا ، إلاّأنّ وجوده حين وجود الاسلام مشكوك فيه ، فالأصل عدم وجوده حين الاسلام ، ومقتضاه عدم الارث.

وأمّا ما ذكره العلامة النائيني قدس‌سره فهو أنّ مفاد الاستصحاب هو الحكم ببقاء ما كان متيقناً في عمود الزمان وجرّه إلى زمان اليقين بالارتفاع ،


1) راجع ص 221.

وليس لنا شك في معلوم التاريخ باعتبار عمود الزمان حتى نجرّه بالتعبد الاستصحابي ، فان عدم الموت متيقن يوم الجمعة وحدوثه معلوم يوم السبت ، وبقاؤه معلوم إلى يوم الأحد ، فليس لنا شك متعلق بالموت حتى نجري الاستصحاب.

وفيه : أنّ الموت وإن كان معلوم الحدوث يوم السبت ، إلاّأنّ الأثر لا يترتب عليه ، فانّ الأثر لعدم حدوث الموت في زمان الاسلام ، وحدوثه حين الاسلام مشكوك فيه ، ولا منافاة بين كونه معلوماً باعتبار ذاته ومشكوكاً فيه باعتبار وجوده حين الاسلام ، فانّه لا تنافي بين كون شيء معلوماً بعنوانٍ ومشكوكاً فيه بعنوانٍ آخر ، كما ذكرنا مثاله سابقاً (1)من أنّا نعلم بموت عالم ونشك في انطباقه على المقلَّد ، فموت العالم بعنوان أنّه عالم معلوم ، وبعنوان أنّه مقلد مشكوك فيه ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام ، بلا فرقٍ بين معلوم التاريخ ومجهوله ، غاية الأمر سقوطه بالمعارضة في بعض الصور على ما تقدم تفصيله في مجهولي التاريخ.

بقي الكلام في فرع ذكروه في المقام : وهو أنّه إذا كان الماء قليلاً طاهراً فعلمنا بتتميمه كراً وبملاقاته مع النجاسة ، وشككنا في تقدم الكرية على الملاقاة حتى يكون طاهراً ، أو تقدم الملاقاة على الكرية فيكون نجساً ، بناءً على أنّ تتميم الماء النجس كراً لا يوجب طهارته كما هو الظاهر ، فتارةً : تكون الملاقاة والكرية مجهولتي التاريخ. واخرى : تكون الكرية معلومة التاريخ ، والملاقاة مجهولة التاريخ. وثالثة : تكون الملاقاة معلومة التاريخ والكرية مجهولة ، والأقوال في المسألة ثلاثة :


1) في ص 228.

القول الأوّل : هو الحكم بطهارة الماء في جميع الصور الثلاث.

أمّا في صورة الجهل بتاريخ الكرية والملاقاة ، فلعدم جريان الاستصحاب في نفسه - كما عليه صاحب الكفاية قدس‌سره - أو لسقوطه بالمعارضة ، لكون الأثر مترتباً على الطرفين - كما عليه الشيخ قدس‌سره - فلا مجال للرجوع إلى الاستصحاب على كل تقدير ، فيرجع إلى قاعدة الطهارة المستفادة من قوله عليه‌السلام : «كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (1).

وأمّا في صورة العلم بتاريخ إحداهما ، فلما ذكرنا من عدم الفرق بين معلوم التاريخ ومجهوله في جريان الاستصحاب ، فيسقط الاستصحاب للمعارضة ويرجع إلى قاعدة الطهارة.

القول الثاني : هو الحكم بنجاسة الماء في جميع الصور ، وهو الذي اختاره المحقق النائيني قدس‌سره ببيان سنذكره (2)إن شاء اللّه تعالى.

القول الثالث : هو الحكم بطهارة الماء في صورتين ، وهما صورة الجهل بتاريخ كل منهما ، وصورة العلم بتاريخ الكرية ، وأمّا في صورة العلم بتاريخ الملاقاة فحكم بالنجاسة.

أمّا في صورة الجهل بتاريخ كل منهما فلتساقط الاستصحابين للمعارضة ، فيكون المرجع قاعدة الطهارة على ما تقدم. وأمّا في صورة العلم بتاريخ الكرية ، فلما بنى عليه سابقاً من عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، فلا يجري استصحاب عدم الكرية حين الملاقاة لمعلومية تاريخ الكرية ، ويجري استصحاب عدم الملاقاة حين الكرية فيحكم بالطهارة.


1) المستدرك 2 : 583 / أبواب النجاسات ب 30 ح 4.

2) في الصفحة الآتية.

وأمّا في صورة العلم بتاريخ الملاقاة ، فلا يجري استصحاب عدم الملاقاة حين الكرية ، لمعلومية تاريخ الملاقاة ، ويجري استصحاب عدم الكرية حين الملاقاة ، فيحكم بالنجاسة ، وحيث إنّ مبنى هذا التفصيل هو الفرق بين معلوم التاريخ ومجهوله في جريان الاستصحاب ، فقد تقدم ما فيه من عدم الفرق بينهما في جريان الاستصحاب على ما تقدم بيانه (1)مفصلاً.

أمّا القول الثاني وهو الحكم بنجاسة الماء في جميع الصور ، فاختاره المحقق النائيني (2)قدس‌سره وذكر لكل واحدة من الصور وجهاً بيانه : أنّه في صورة الجهل بتاريخ كل منهما لا يجري استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية ، لعدم ترتب الأثر الشرعي - وهو الحكم بالطهارة عليه - لأنّ الحكم بالطهارة مترتب على كون الكرية سابقة على الملاقاة ، لقوله عليه‌السلام : «إذا كان الماء قدر كر لا ينجّسه شيء» (3)فانّ المستفاد منه أنّه يعتبر في عدم انفعال الماء بالملاقاة كونه كراً قبلها ، ولا يمكن إثبات كون الكرية سابقةً على الملاقاة باستصحاب عدمها إلى حين الكرية ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، ويجري استصحاب عدم الكرية حين الملاقاة ، فيحكم بالنجاسة لاحراز الملاقاة بالوجدان ، وعدم الكرية بالأصل.

وأمّا في صورة العلم بتاريخ الملاقاة والجهل بتاريخ الكرية فلا يجري استصحاب عدم الملاقاة ، لمعلومية تاريخها ، ويجري استصحاب عدم الكرية حين الملاقاة فيحكم بالنجاسة ، بل الحكم في هذه الصورة أولى منه في الصورة


1) في ص 229 - 232.

2) أجود التقريرات 4 : 161 - 164 ، فوائد الاصول 4 : 528 - 530.

3) الوسائل 1 : 158 و 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 و 2 و 6.

السابقة ، لأنّ المانع من جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية في هذه الصورة أمران : الأوّل : كونه مثبتاً على ما تقدم. والثاني : معلومية تاريخ الملاقاة.

وأمّا في صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة ، فلا يجري استصحاب عدم الكرية ، لمعلومية تاريخها ، ولا استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية لكونه مثبتاً على ما تقدم بيانه من اعتبار الكرية قبل الملاقاة ، ولذا اختار هو وغيره عدم كفاية التتميم في طهارة الماء القليل الملاقي للنجس ، وبعد عدم جريان كلا الاستصحابين لا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، وذلك لما أسسه من الأصل ، وهو أنّه إذا استثني من حكم إلزامي عنوانٌ وجودي ، يفهم منه العرف أنّ إحراز هذا العنوان جزء للموضوع ، فلو لم يحرز العنوان المذكور يرجع إلى حكم العام ، فاذا قال المولى لعبده : لا تأذن في الدخول عليَّ إلاّللعالم مثلاً ، يفهم منه العرف أنّ الموضوع لجواز الاذن هو إحراز عنوان العالم.

والمقام من هذا القبيل ، لأنّه حكم في الشريعة المقدسة بوجوب الاجتناب عن الماء الملاقي للنجاسة ، واستثني منه ماء الكر ، فيفهم العرف منه أنّ الموضوع لعدم وجوب الاجتناب هو إحراز الكرية ، وفي صورة عدم إحراز الكرية يرجع إلى حكم العام ، وهو وجوب الاجتناب ، وفرّع على هذا الأصل فروعاً كثيرة :

منها : ما لو علمنا بقلة ماء وكريته ، وشككنا في أنّ المتقدم هو الكرية حتى يحكم بنجاسته فعلاً للملاقاة ، أو القلة حتى يحكم بعدم نجاسته ، فيتعارض استصحاب عدم الكرية حين الملاقاة باستصحاب عدم القلة ، وبعد التساقط لا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، لما تقدم من الأصل ، فيحكم بالنجاسة. وكذا الكلام في الماء الذي ليس له حالة سابقة كالمخلوق دفعةً فرضاً ، أو الماء الذي لا نعلم حالته السابقة.

ومنها : ما لو شككنا في كون دمٍ أقل من الدرهم ، فيحكم بوجوب الاجتناب عنه ، لأنّ المستثنى من وجوب الاجتناب عن الدم هو الأقل من الدرهم ، ويفهم منه العرف أنّ المستثنى هو إحراز كونه أقل من الدرهم ، فمع عدم الاحراز يرجع إلى حكم العام ، لا للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، بل لأنّ المستثنى هو إحراز كونه أقل من الدرهم بحسب فهم العرف.

ومنها : ما لو شككنا في كون امرأة من المحارم ، فيحكم بحرمة النظر إليها ، لأنّ المستثنى من حرمة النظر هو إحراز كونها من المحارم بحسب فهم العرف ، فمع عدم الاحراز يرجع إلى حكم العام ، انتهى ملخص كلامه قدس‌سره. وفيه مواقع للنظر :

الموقع الأوّل : فيما أسسه من الأصل ، فانّه إن كان مراده أنّ الموضوع للحكم الواقعي هو الاحراز ، فيلزم منه انتفاء الطهارة واقعاً في صورة الشك في الكرية ، لكون موضوع الطهارة الواقعية هو إحراز الكرية على الفرض ، فلو توضأ بماء مشكوك الطهارة مع الغفلة ، يلزم الحكم ببطلان وضوئه ، ولو انكشف بعد الوضوء كونه كراً في الواقع ، وهذا شيء لم يلتزم به أحد.

وإن كان مراده أنّ الموضوع للحكم الظاهري هو إحراز الكرية ، وأنّ الحكم الظاهري مجعول طريقاً إلى الحكم الواقعي نظير وجوب الاحتياط ، وأنّ قوله عليه‌السلام : «إذا بلغ الماء قدر كر ...» إلخ منحل إلى بيان حكمين : أحدهما الحكم الواقعي وموضوعه الكر الواقعي. ثانيهما : الحكم الظاهري الطريقي ، وموضوعه إحراز الكرية ، فكل ما لم تحرز كريته محكوم بالانفعال ظاهراً.

ففيه : أنّ استفادة الحكمين من مثل قوله عليه‌السلام : «إذا بلغ الماء قدر كر ...» دونه خرط القتاد ، فانّا لا نفهم منه بعد مراجعة العرف إلاّحكماً واحداً

واقعياً ، وهو أنّ الكر لا ينجس بملاقاة شيء من النجاسات ، وبعد عدم تمامية ما ذكره من الأصل وعدم جريان أصالة عدم الملاقاة لكونها من الاصول المثبتة على ما ذكره قدس‌سره وعدم جريان أصالة عدم الكرية لكونها معلومة التاريخ ، لا مانع من الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، ولذا ذهب المشهور إلى الحكم بطهارة الماء في هذه الصورة ، أي صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة.

وأمّا ما فرّعه على الأصل المذكور من الموارد ، فالحكم فيها وإن كان كما ذكره ، إلاّأ نّه ليس مبنياً على ما ذكره من الأصل ، بل مبني على جريان الأصل الموضوعي ، ففي مثل المرأة المرددة بين الأجنبية والمحرم ، يحكم بحرمة النظر إليها لأصالة عدم كونها من المحارم ، فانّ النسب من الامور الحادثة ، وكذا الكلام في الفروع الاخر ، غاية الأمر أنّ الأصل الموضوعي يختلف باختلاف الموارد ، ففي بعض الموارد يكون من قبيل أصالة العدم الأزلي - كما في المرأة المرددة - وفي بعض الموارد يكون من قبيل أصالة العدم النعتي كما في المثال المذكور في كلامه من الشك في كون أحدٍ عالماً مع قول المولى لا تأذن في الدخول عليَّ إلاّ للعالم ، فالأصل عدم كونه عالماً ، فانّه حين تولده لم يكن عالماً يقيناً ، والأصل بقاؤه على ما كان.

الموقع الثاني : ما ذكره من عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، ففيه ما تقدم (1)من عدم الفرق في جريانه بين معلوم التاريخ ومجهوله ، لأنّ الأثر ليس مترتباً على عدم الحادث في عمود الزمان كي يمنع من جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، لعدم الشك فيه بلحاظ عمود الزمان ، بل الأثر مترتب على


1) في ص 232.

عدم أحد الحادثين حين وجود الحادث الآخر ، ووجود معلوم التاريخ في زمان وجود الحادث الآخر مشكوك فيه ، لأنّ العلم بتاريخه في عمود الزمان لا ينافي الشك في وجوده حين وجود الحادث الآخر ، فلا مانع من جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ أيضاً ، وقد تقدم تفصيل ذلك.

الموقع الثالث : ما ذكره في مجهولي التاريخ من جريان أصالة عدم الكرية حين الملاقاة ، فيحكم بالنجاسة وعدم جريان أصالة عدم الملاقاة إلى حين الكرية ، لكون الأثر مترتباً على كون الكرية سابقة على الملاقاة ، ولا يمكن إثباته باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وفيه أوّلاً : منع اعتبار كون الكرية سابقة على الملاقاة ، ولا يستفاد ذلك من قوله عليه‌السلام : «إذا بلغ الماء قدر كر ...» بل المستفاد منه اعتبار الكرية حين الملاقاة ، فلا أثر لكريته السابقة على الملاقاة. والحكم بعدم كفاية التتميم كراً في طهارة الماء القليل المتنجس ليس لاعتبار كون الكرية سابقة على الملاقاة ، بل لعدم كونه كراً حين الملاقاة ، فلا فائدة في تتميمه كراً بعد الملاقاة ، بل المستفاد من قوله عليه‌السلام : «إذا بلغ الماء قدر كر ...» هو الحكم بنجاسة هذا الماء المتمم - بالكسر - فان مفهوم قوله عليه‌السلام : «إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجّسه شيء» أنّه إذالم يبلغ الماء قدر كر ينجسه شيء من النجاسات وهذا الماء المتمم - بالكسر - لم يكن كراً وقد لاقاه الماء المتنجس ، فلا بدّ من الحكم بنجاسته بمقتضى المفهوم ، فيصير المجموع نجساً. ومقتضى ما ذكرنا - من عدم اعتبار كون الكرية سابقة على الملاقاة وكفاية الكرية حين الملاقاة - هو الحكم بالطهارة فيما إذا اتحد زمان التتميم والملاقاة بحيث كانت الملاقاة والتتميم في آن واحد ، لكونه كراً حين الملاقاة.

وثانياً : على فرض تسليم ذلك أنّه لا يكون الأصل المذكور مثبتاً ، لأن عدم

الانفعال وإن كان متوقفاً على كون الكرية سابقة على الملاقاة ، إلاّأنّ الطهارة أعم منه ، فان موضوع عدم الانفعال أمران : الكرية والملاقاة ، لأنّه في صورة عدم الملاقاة لا يكون هناك مقتضٍ للانفعال حتى تكون الكرية مانعة عنه ، فلا يصدق عدم الانفعال إلاّمع الملاقاة والكرية ، بخلاف الطهارة فانّها غير متوقفة على الكرية ولا على الملاقاة ، لامكان أن يكون ماءً قليلاً وطاهراً مع عدم الملاقاة. فاذن لا مانع من جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية فيحكم بالطهارة ، فلا حاجة إلى إثبات عنوان عدم الانفعال حتى يقال إنّه متوقف على كون الكرية سابقة على الملاقاة ، وإثباته باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية متوقف على القول بالأصل المثبت.

فالذي تحصّل مما ذكرنا : أنّ الأوفق بالقواعد هو الحكم بطهارة الماء في جميع الصور الثلاث ، لتساقط الاستصحاب للمعارضة ، فيكون المرجع أصالة الطهارة. وعلى فرض تسليم عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ ، يكون الصحيح هو القول بالتفصيل (1)على ما تقدم بيانه.

تنبيه

إنّ ما ذكرناه هو الذي ذكره سيدنا الاستاذ (دام ظله) في محاضرته الاصولية ، وعدل عنه (دام ظله) في حاشيته على العروة (2)وحكم بنجاسة الماء في جميع الصور الثلاث ، والوجه فيه ما ذكره في دراساته الفقهية في خيار العيب على ما في تقريرات بعض أفاضل مقرري بحثه (3)وحيث إنّه مشتمل على


1) وهو القول الثالث في هذه المسألة وقد تقدم بيانه في ص 233 - 234.

2) العروة الوثقى 1 : 41 / فصل في الماء الراكد ، المسألة 8 [106].

3) لاحظ مصباح الفقاهة 7 : 227 - 236.

تحقيق أنيق منطبق على موارد كثيرة ، أحببنا أن نذكره بنص عباراته وإليك نصه :

ذكر المحقق الأنصاري - في مبحث خيار العيب عند البحث في اختلاف المتبائعين في المسقط - أنّه لو اختلفا في تأخر الفسخ عن أوّل الوقت بناءً على فورية الخيار ففي تقديم مدعي التأخير لأصالة بقاء العقد وعدم حدوث الفسخ في أوّل الزمان ، أو مدعي عدمه لأصالة الصحة وجهان ، ثمّ ذكر أنّ هذه المسألة نظير ما لو ادعى الزوج الرجوع في عدة المطلقة الرجعية ، وادعت هي تأخره عنها.

أقول : هذه المسألة سيّالة في كل مورد كان موضوع الحكم أو متعلقه مركباً من جزأين وقد علمنا بتحقق أحدهما ثمّ بتحقق الجزء الآخر وارتفاع الجزء الأوّل ، ولكن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر ، كما إذا شك في أنّ الفسخ هل وقع قبل التفرق عن مجلس العقد أو بعده ، أو شك في أنّ فسخ المشتري العقد في بيع الحيوان هل وقع قبل انتهاء ثلاثة أيام أو بعده ، أو شك في أنّ القبض في بيع الصرف والسلم هل وقع قبل التفرق عن مجلس العقد أو بعده ، أو شك في أنّ بيع الراهن العين المرهونة هل وقع قبل رجوع المرتهن عن إذنه أو بعده ، أو شك في أنّ ملاقاة النجاسة للماء المسبوق بالقلة هل وقع قبل عروض الكرية أو بعده ، أو شك المتطهر إذا صلى وعلم بصدور حدث منه في تقدم الصلاة على الحدث وتأخرها عنه ، ولم يمكن إجراء قاعدة الفراغ ولو من جهة العلم بغفلة المصلي حين إتيانه بها ، إلى غير ذلك من الموارد ، فنظير ما ذكره المحقق الأنصاري قدس‌سره في خيار العيب من أصالة عدم حدوث الفسخ في أوّل الزمان جارٍ في جميع تلك الموارد.

وذهب بعض المحققين إلى خلاف ما ذهب إليه العلامة الأنصاري ومحصل

كلامه : أنّ الموضوع في الموارد المزبورة بما أنّه مركب من جزأين لا يفرق الحال في ترتب الحكم بين إحراز كلا الجزأين بالوجدان ، وإحراز أحدهما بالوجدان ، والآخر بالأصل ، فاذا تحقق الفسخ في الخارج وشك في حدوثه في أوّل زمان الخيار - بناءً على فوريته ليكون مؤثراً - أو بعده لكي لايكون مؤثراً ، فيستصحب الخيار إلى زمان وقوع الفسخ فيلتئم الموضوع المركب منهما ، ويترتب عليه انفساخ العقد ، وكذلك يستصحب بقاء الجزء المتيقن في جميع تلك الموارد إلى زمان تحقق الجزء الآخر ، ويترتب عليه حكمه ، فيحكم بنجاسة الماء في الفرض المزبور وبصحة الصلاة لاستصحاب بقاء قلة الماء إلى زمان ملاقاة النجاسة ، واستصحاب بقاء الطهارة إلى زمان تحقق الصلاة ، وهكذا.

لا يقال : إنّ الأصل المذكور معارض بأصل آخر ، وهو عدم حدوث الجزء الثاني إلى انقضاء زمان الجزء الأوّل ، وأنّ الأصل عدم تحقق الفسخ في الخارج إلى انقضاء زمان الخيار ، والأصل عدم وجود الصلاة إلى زمان حدوث الحدث ، والأصل عدم ملاقاة النجاسة إلى زمان الكرية ، وهكذا بقية الموارد.

فانّه يقال : إنّ عدم تأثير الفسخ وبطلان الصلاة وعدم تنجس الماء بالملاقاة مترتبة على وقوع الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار ، ووقوع الصلاة بعد زوال الطهارة ، ووقوع الملاقاة بعد حصول الكرية ، ومن الظاهر أنّ أصالة عدم حصول الفسخ في زمان الخيار ، وأصالة عدم وقوع الصلاة في زمان الطهارة ، وأصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية لا يترتب عليها شيء مما ذكر ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ، وبما أنّا لا نقول به ، فلا معارض لاستصحاب بقاء الجزء المتيقن إلى زمان حدوث الجزء الثاني ، هذا.

والتحقيق في المقام أن يقال : إنّ الحادثين اللذين يتركب منهما موضوع الحكم أو متعلقه قد يكون كلاهما زمانياً من دون دخل شيء آخر في موضوع

الحكم أو متعلقه سوى وجود أحدهما في زمان وجود الآخر ، وقد يكون أحدهما زماناً والآخر زمانياً لم يعتبر فيه إلاّوجوده في ذلك الزمان من دون اعتبار عنوان آخر فيه ، وقد يكونان على نحو اخذ أحدهما مقيّداً بعنوان خاص زائداً على وجود أحدهما مع فرض وجود الآخر.

أمّا الصورة الاولى : فلا شبهة في لزوم ترتيب الأثر فيما إذا أحرزنا أحد الحادثين بالوجدان والآخر بالأصل ، كما إذا تحقق الفسخ في الخارج وشك في وقوعه في أوّل زمان خيار العيب أو بعده ، فانّا إذا أحرزنا بقاء الخيار إلى زمان الفسخ ، ترتب عليه نفوذ الفسخ من غير احتياج إلى شيء آخر ، بداهة أنّ المستفاد من الأدلة هو نفوذ الفسخ بوقوعه في الخارج مع بقاء الخيار ، والمفروض إحراز ذلك بضم الوجدان إلى الأصل ، فانّ الفسخ وجداني ، وبقاء الخيار محرز بالاستصحاب ، ولم يعتبر في الموضوع غير ذلك.

وتوهم معارضته باستصحاب عدم تحقق الفسخ في زمان الخيار باطل ، لا لما ذكر من أنّه مثبت ، فانّه مبني على كون عدم نفوذ الفسخ مترتباً على وقوعه في غير زمان الخيار ، مع أنّه ليس كذلك ، لأنّه مترتب على عدم وقوعه في زمان الخيار من غير حاجة إلى إثبات وقوعه في غيره ، بداهة أنّ أثر العقد باقٍ على حاله ما لم يصدر الفسخ في زمان الخيار.

بل لأنّ الفسخ قد تحقق خارجاً في زمان حكم الشارع بكونه زمان الخيار ، فلا شك لنا في تحققه في ذلك الزمان ليحكم بعدمه.

وبعبارة اخرى : بعد فرض أنّه لم يؤخذ في موضوع الحكم غير تحقق الفسخ في الخارج وبقاء زمان الخيار ، فاذا حكم الشارع ببقاء زمان الخيار ، وعلم بتحقق الفسخ ، لم يبق شك في تحقق موضوع الحكم ، فلا مجال لاجراء أصالة عدم الفسخ في زمان الخيار.

ومما يدل على ذلك : أنّه لو كان الأصل المزبور جارياً لجرى حتى مع عدم العلم بانقضاء زمان الخيار ، فتعارض به أصالة بقاء الخيار إلى زمان الفسخ ، مع أنّه لا يمكن الالتزام به ، مثلاً إذا شككنا في بقاء الخيار وسقوطه ، جرى استصحاب بقائه وعدم انقضائه ، فلو فسخ المشتري - والحال هذه - لحكمنا بنفوذ الفسخ ، مع أنّه على التوهم المزبور أمكن الالتزام بمعارضته باستصحاب عدم تحقق الفسخ في زمان الخيار.

وهكذا الحال في بقية الموارد المتقدمة ، فانّ استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الصلاة أو استصحاب بقاء القلة إلى زمان الملاقاة ، لا يمكن معارضته باستصحاب عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة أو باستصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة ، وإلاّ كان الاستصحابان متعارضين ولو مع الشك في حدوث الكرية والحدث ، ومن الظاهر أنّ القائل بالمعارضة في المقام لا يلتزم به.

وأمّا الصورة الثانية : أعني بها ما كان الموضوع مركباً من ذات الزمان والزماني ، فلا شبهة فيها أيضاً في إثبات أحد الجزأين الذي هو الزمان بالأصل ، والجزء الآخر الذي هو الزماني بالوجدان ، فيلتئم الموضوع المركب منهما ، ويترتب عليه الحكم ، وذلك كما إذا شك في أنّ الفسخ في خيار الحيوان هل وقع قبل الثلاثة أو بعدها ، فانّه يحكم حينئذ ببقاء الثلاثة وعدم انقضائها فيترتب عليه انفساخ العقد ، فانّ الظاهر من قوله عليه‌السلام : «صاحب الحيوان - المشتري - بالخيار ثلاثة أيام» (1)هو أنّ موضوع انحلال العقد مركب من فسخ المشتري وعدم انقضاء ثلاثة أيام ، بمعنى وقوع الفسخ في زمان لم تنقض فيه ثلاثة أيام من زمان العقد ، فاذا أحرز هذا بالتعبد الشرعي ، حكم بنفوذ


1) الوسائل 18 : 10 / أبواب الخيار ب 3 ح 2.

الفسخ ، ولا يعارض استصحاب بقاء الثلاثة باستصحاب عدم وقوع الفسخ في ضمن الثلاثة ، وإلاّ تحققت المعارضة فيما إذالم يعلم انقضاء الثلاثة أيضاً ، ولا يلتزم به. وبالجملة حال الاستصحاب في هذا القسم حاله في القسم الأوّل بعينه ، وبذلك يظهر الحال في بقية الموارد.

وأمّا الصورة الثالثة : أعني بها ما إذا كان موضوع الحكم مركباً من حادثين مع تقيد أحدهما بعنوان خاص ، فلا يمكن فيها إحراز أحد الجزأين بالأصل والآخر بالوجدان ، كي يلتئم الموضوع المركب منهما ، فيترتب عليه الأثر ، والوجه في ذلك : أنّ استصحاب الزمان مثلاً لا يثبت ذلك العنوان ليترتب عليه الأثر الشرعي ، إلاّعلى القول بحجية الاصول المثبتة. وعليه فلا وجه هنا لمنع جريان الأصل بمعارضته بأصالة عدم وقوع الزماني فيه ، لما عرفت من عدم جريان استصحاب الزمان فيه في نفسه ، فلا تصل النوبة إلى المعارضة.

وبالجملة : استصحاب الزمان أو الزماني لاحراز الموضوع المركب منه ومن جزء آخر ، إمّا أن لايكون جارياً في نفسه ، وإمّا أن لايكون معارضاً باستصحاب عدم الجزء الآخر في زمانه.

ثمّ إنّه لا يفرق الحال في هذه الصور الثلاث بين ما إذا كان تاريخ أحدهما معلوماً ، وما إذا كان تاريخ كليهما مجهولاً كما هو واضح. انتهى نص كلامه (حفظه اللّه تعالى).

أقول : لم يبيّن وجه عدم الفرق إيكالاً إلى وضوحه ، وقد تقدم الوجه فيه في كلامنا (1)من أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين معلوم التاريخ ومجهوله.


1) في ص 229 - 232.

هذا تمام الكلام في أصالة تأخر الحادث فيما كان الموضوع مركباً من عدم أحد الحادثين ووجود الآخر.

وأمّا إذا كان الموضوع بسيطاً ، كما إذا علمنا بوجود الحدث والطهارة منه وشككنا في المتقدم منهما ، فاختار صاحب الكفاية (1)قدس‌سره عدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ.

أمّا إذا كان أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله ، فاختار أيضاً عدم جريان الاستصحاب في خصوص مجهول التاريخ ، لما ذكره سابقاً من عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، غاية الأمر أن عدم إحراز الاتصال في المسألة السابقة إنّما هو لعدم إحراز زمان الشك ، وفي المقام لعدم إحراز زمان اليقين.

وذلك لأنّ الاستصحاب الجاري في المسألة السابقة كان عدمياً ، وزمان اليقين بعدم الحادثين كان معلوماً ، إنّما الشك في بقاء هذا العدم في زمان وجود الحادث الآخر ، وحيث إنّ زمان وجود الحادث الآخر غير معلوم لنا ، فلا محالة زمان الشك غير معلوم لنا ، فلم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين ، بخلاف المقام فانّ الاستصحاب الجاري فيه وجودي ، وزمان الشك في البقاء معلوم ، لكن زمان اليقين بالحدوث غير معلوم لكونه مجهول التاريخ على الفرض ، فلم يحرز اتصال زمان اليقين بزمان الشك.

وفيه : ما تقدم (2)من أنّه لا يعتبر في جريان الاستصحاب اتصال زمان الشك واليقين بالمعنى المذكور ، بل الميزان في الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالحدوث مع الشك في البقاء على ما تقدم بيانه ، ولا يعتبر في جريان


1) كفاية الاصول : 421 - 422.

2) في ص 221.

الاستصحاب كون زمان الحدوث معلوماً بالتفصيل ، فانّا لو علمنا بحدوث الطهارة ولم نعلم بكونها حادثةً في الساعة الاولى من النهار أو الساعة الثانية أو الثالثة ، وشككنا في بقائها أوّل الظهر مثلاً ، فهل يمكن المنع عن جريان الاستصحاب لعدم إحراز زمان الحدوث ، ولا يلتزم هو قدس‌سره أيضاً بعدم جريانه في المثال المذكور ، فيعلم أنّ مناط الاستصحاب إنّما هو اليقين الفعلي بالحدوث مع الشك في البقاء لا اليقين السابق ، فلا دخل لمعلومية زمان اليقين السابق أو مجهوليته في الاستصحاب.

فتحصل مما ذكرناه في المقام : أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في نفسه في مجهولي التاريخ ، ولا في معلومه ، ولكنّه يسقط بالمعارضة ، لعدم إمكان التعبد بالمتضادين معاً ، والالتزام بالطهارة والحدث في آن واحد ، وبعد سقوط الاستصحاب للمعارضة لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر من الاشتغال أو البراءة ، وذلك يختلف باختلاف الموارد ، ففي مثل الصلاة لا بدّ من الوضوء تحصيلاً للفراغ اليقيني ، لكون الاشتغال يقينياً. وفي مثل مس المصحف تجري البراءة عن الحرمة. وكذا إذا علمنا بوجود الجنابة والغسل وشككنا في المتقدم منهما ، فبالنسبة إلى الصلاة يكون مورد قاعدة الاشتغال ، وبالنسبة إلى المكث في المسجد يكون مورد البراءة. وبالجملة : كل مورد علم توجه التكليف فيه وشك في مقام الامتثال ، فهو من موارد قاعدة الاشتغال ، وكل مورد شك في التكليف يكون من موارد البراءة ، هذا كله في الطهارة من الحدث وما قابلها.

وأمّا الطهارة من الخبث وما قابلها ، فلا ينبغي الاشكال في أنّه بعد تساقط الاستصحاب للمعارضة ، يكون المرجع هو قاعدة الطهارة المستفادة من قوله

(عليه‌السلام) : «كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (1)فاذا علمنا بطهارة ماء ونجاسته ، وشككنا في المتقدم منهما ، يكون المرجع بعد تساقط الاستصحابين هو أصالة الطهارة ، فيترتب جميع آثار الطهارة بالتعبد الشرعي.

ثمّ لايخفى أنّ الاستصحاب الجاري في معلوم التاريخ يكون من الاستصحاب الشخصي ، وهو واضح. وأمّا الاستصحاب الجاري في مجهول التاريخ فتارةً يكون من القسم الثاني من استصحاب الكلي واخرى من القسم الرابع منه ، بيان ذلك : أنّه إن كان معلوم التاريخ موافقاً للحالة السابقة على الحالتين ، كما إذا قام أحد من النوم في الساعة الاولى من النهار ، ثمّ صدر منه وضوء وبول مثلاً وشك في المتقدم منهما مع العلم بأنّ البول صدر منه في الساعة الثالثة من النهار ، ولكنّه لا يدري أنّ الوضوء هل صدر في الساعة الثانية أو الرابعة ، فيكون استصحاب الحدث من الاستصحاب الشخصي ، واستصحاب الطهارة من القسم الثاني من استصحاب الكلي ، لأنّ الطهارة إن كانت صادرةً في الساعة الثانية فقد ارتفعت يقيناً ، وإن كانت في الساعة الرابعة فهي باقية يقيناً ، فتكون الطهارة مرددة بين متيقن الارتفاع ومشكوك الحدوث ، وهو المورد للقسم الثاني من استصحاب الكلي.

وأمّا إن كان معلوم التاريخ مخالفاً للحالة السابقة ، كما إذا علم بتحقق الوضوء في الساعة الثالثة في المثال السابق ، ولم يعلم بأنّ البول صدر في الساعة الثانية أو الرابعة ، فيكون الاستصحاب الجاري في الطهارة من الاستصحاب الشخصي ، واستصحاب الحدث من القسم الرابع من استصحاب الكلي ، لأنّ الحدث المتيقن أوّلاً - وهو حدث النوم - قد ارتفع بالوضوء يقيناً ، وهو يعلم بتحقق حدث


1) المستدرك 2 : 583 / أبواب النجاسات ب 30 ح 4.

عند البول ، ولكنّه لا يدري أنّه حدث النوم أو حدث آخر حادث بالبول ، لأنّه لو كان صدور البول في الساعة الثانية فالحدث المتحقق عند البول هو حدث النوم المرتفع بالوضوء ، لأنّ البول بعد النوم مما لا أثر له ، ولا يوجب حدثاً آخر ، ولو كان صدور البول في الساعة الرابعة ، فالحدث المتحقق عند البول حدث جديد ، فلنا يقين بفردٍ من الحدث - وقد ارتفع يقيناً - ويقينٌ بحدثٍ بعنوان آخر - وهو المتحقق عند البول - ويحتمل انطباق هذا العنوان على الفرد المرتفع وعلى غيره ، فيكون باقياً ، وهذا هو المورد للقسم الرابع من استصحاب الكلي على ما ذكرناه عند التعرض لأقسام استصحاب الكلي فراجع (1).

ثمّ إنّه إذا اشتبه إناء من الماء الطاهر باناء من الماء النجس ، فقد ورد في النص (2)الأمر باهراقهما والتيمم ، فذكر صاحب الكفاية (3)قدس‌سره في مبحث اجتماع الأمر والنهي : أنّ هذا الحكم المنصوص ليس حكماً تعبدياً على خلاف القاعدة ، بل لا يصح الوضوء بهما مع قطع النظر عن النص ، فانّه لو توضأ بأحدهما ثمّ غسل بالآخر مواضع الوضوء فتوضأ به ، لا يجوز له الدخول في الصلاة ، لأنّه يعلم تفصيلاً بنجاسة بدنه حين وصول الماء الثاني إمّا لنجاسة الماء الأوّل ، وإمّا لنجاسة الماء الثاني ، ويشك في حصول الطهارة بعد انفصال الغسالة ، ومقتضى الاستصحاب هو الحكم ببقاء النجاسة ، فلا يجوز له الدخول في الصلاة ، انتهى ملخّصاً.

أقول : هذا الذي ذكره صحيح على مسلكه من عدم جريان الاستصحاب


1) ص 124 ، 141.

2) الوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2.

3) كفاية الاصول : 179.

في مجهول التاريخ ، وأمّا على المختار - من عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين معلوم التاريخ ومجهوله - فيكون الحكم المذكور على خلاف القاعدة ، فان استصحاب النجاسة معارض باستصحاب الطهارة ، لأنّه كما يعلم بنجاسة بدنه بمجرد وصول الماء الثاني ، كذلك يعلم بطهارة بدنه أيضاً حين التوضي بالماء الطاهر ، وإن كان لا يدري أنّ الماء الطاهر هو الثاني أو الأوّل ، إذ لو كان الماء الأوّل طاهراً فبدنه طاهر حين التوضي به - كما هو واضح - ولو كان الماء الثاني طاهراً فكذلك بدنه طاهر حين التوضي به ، لأنّه طهَّر بدنه به قبل التوضي به على الفرض ، غاية الأمر أنّ تاريخ الطهارة مجهول ، وبعد تساقط الاستصحابين - للمعارضة - يكون المرجع أصالة الطهارة ، فمقتضى القاعدة صحة الوضوء على الكيفية المذكورة وجواز الدخول في الصلاة.

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ العلم الاجمالي مانع عن الدخول في الصلاة بالوضوء على الكيفية المذكورة ، فانّ وصول الماء إلى الأعضاء تدريجي ، فبمجرد وصول الماء إلى وجهه مثلاً يعلم إجمالاً بنجاسة وجهه أو رجله ، إذ لو كان الماء الأوّل نجساً كانت رجله نجسة في هذا الحال ، ولو كان الماء الثاني نجساً كان وجهه نجساً ، ولا دافع لهذا العلم الاجمالي بعد كون الاستصحاب مبتلىً بالمعارض ، فيكون الحكم المنصوص على وفق القاعدة من هذه الجهة ، لا من جهة الاستصحاب على ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره.

ويمكن الجواب عنه : بأنّ العلم الاجمالي المذكور غير مانع عن الوضوء بهما مع تكرار الصلاة ، بأن توضأ بأحدهما وصلى ، ثمّ غسل المواضع بالآخر وتوضأ به وصلى ، فانّه حينئذ يعلم تفصيلاً باتيان صلاة صحيحة ، ولا أثر للعلم الاجمالي المذكور بعد العلم بصحة الصلاة.

إلاّأن يقال : إنّ التوضي بهما على الكيفية المذكورة حرج على المكلف ، إذ

يجب عليه تطهير بدنه وثوبه وغيرهما مما وصل إليه ماء الوضوء للصلوات الآتية ، إذ كل ما وصل إليه ماء الوضوء من البدن والثوب يكون طرفاً للعلم الاجمالي ، ولكنّه قد ذكرنا غير مرّة (1)أنّ الحرج شخصي ، فيكون الحكم المنصوص مطابقاً للقاعدة بالنسبة إلى من يوجب التوضي بهما - على الكيفية المذكورة - حرجاً عليه دون غيره ، كمن يعلم بأ نّه يتمكن من تطهير بدنه وثوبه بماء جارٍ بلا لزوم حرج عليه.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ الحكم المنصوص تعبدي إلاّفي بعض الموارد من جهة الحرج.

التنبيه الحادي عشر

في استصحاب الصحة عند الشك في المانع.

إعلم أنّه ذكر الشيخ (2)قدس‌سره ما ملخصه : أنّه إذا شك في مانعية شيء للصلاة مثلاً ، لا يجري استصحاب الصحة لرفع الشك في مانعية هذا الشيء ، لأنّ الصحة - بمعنى تمامية مجموع الأجزاء والشرائط - مشكوكة الحدوث ، لاحتمال اعتبار هذا الجزء العدمي فيها ، فلا علم لنا بحدوث الصحة حتى نحكم ببقائها للاستصحاب.

وأمّا صحة الأجزاء السابقة التي هي عبارة عن الصحة التأهلية ، بمعنى كونها قابلةً لانضمام باقي الأجزاء إليها ، فهي لا تكون محتملة الارتفاع ، بل هي


1) راجع على سبيل المثال شرح العروة 6 : 123.

2) فرائد الاصول 2 : 670 - 671 / التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب.

باقية يقيناً ، فانّ الشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب إلاّ على نحو التعليق ، بأن يقال : إنّ الأجزاء السابقة لو كان قد انضم إليها سائر الأجزاء قبل حدوث هذا الشيء لحصل الامتثال ، فالآن كما كان. هذا كله في الشك في المانع الذي هو عبارة عما اعتبر عدمه في الصلاة.

وأمّا إذا شك في القاطع الذي هو عبارة عما يوجب قطع الاتصال ونقض الهيئة الاتصالية المعتبرة في الصلاة ، فانّ تعبير الشارع عن بعض ما اعتبر عدمه في الصلاة بالقواطع كالحدث والقهقهة يدل على أنّ للصلاة هيئةً اتصالية ينافيها حدوث بعض الأشياء خلال أجزائها ، فكما أنّ للمركبات الخارجية هيئة اتصالية بحيث لو انقطع الاتصال لم يصدق اسم المركب عليها كالسرير ، فانّه على تقدير انفصال أجزائه لا يسمى سريراً ، بل يسمى خشباً ، كذلك للمركبات الاعتبارية كالصلاة مثلاً هيئة اتصالية باعتبار من الشارع ، فاذا شك في قاطعية شيء لها ، فلا مانع من جريان الاستصحاب والحكم ببقائها ، ويتفرع عليه عدم وجوب استئناف الأجزاء السابقة ، انتهى ملخّصاً.

أقول : أمّا ما ذكره من عدم جريان الاستصحاب عند الشك في المانعية ، فمتين جداً ، ولا يمكن جريان استصحاب الصحة إلاّعلى نحو التعليق ، وقد تقدم (1)عدم حجية الاستصحاب التعليقي ولا سيما في الموضوعات كما في المقام.

وأمّا ما ذكره من جريان الاستصحاب عند الشك في القاطع ، فغير تام لوجوه :

الأوّل : أنّ القاطع ليس إلاّهو المانع بعينه ، فانّ الامور المعتبرة في الصلاة إمّا وجودية كالقيام والركوع والسجود وغيرها ، وإمّا عدمية كعدم القهقهة ، وما


1) في التنبيه السادس ص 161 وما بعدها.

اعتبر عدمه يعبّر عنه بالمانع ، ولم يعتبر سوى هذه الامور - الوجودية والعدمية - شيء في الصلاة يسمى بالقاطع ، ولا نضايق عن الفرق بين المانع والقاطع اصطلاحاً ، فانّ الامور العدمية المعتبرة في الصلاة على قسمين : قسم منها ما اعتبر عدمه في حال الاشتغال بالأجزاء الوجودية فقط كالحركة فانّ عدمها - المعبّر عنه بالطمأنينة - معتبر في حال الاشتغال بالقراءة والذكر مثلاً ، ولا بأس بها في الأكوان المتخللة بين الأجزاء الوجودية ، وقسم منها ما اعتبر عدمه مطلقاً كالحدث والقهقهة ، فيعبّرون عن الأوّل بالمانع ، وعن الثاني بالقاطع ، وهذا مجرد اصطلاح لا يوجب الفرق في جريان الاستصحاب.

الثاني : أنّه على فرض تسليم كون القاطع غير المانع ، وأ نّه ناقض للهيئة الاتصالية المعتبرة في الواجب ، نقول : إنّ ما سمي بالقاطع هل اعتبر عدمه في الصلاة أو لا؟ لا يمكن الالتزام بالثاني بالضرورة ، فانّه بعد اعتبار الهيئة الاتصالية في الصلاة وكون هذا الشيء قاطعاً لها ، لا يمكن الالتزام بأن عدمه غير معتبر في الصلاة ، فانّه مساوق للالتزام بعدم اعتبار الهيئة الاتصالية في الصلاة وهو خلف ، فتعيّن الأوّل ، فيكون القاطع ذا حيثيتين : فمن حيث إنّه اعتبر عدمه في الصلاة يكون مانعاً ، ومن حيث إنّ وجوده ناقض للهيئة الاتصالية يكون قاطعاً ، فلو سلّمنا جريان الاستصحاب فيه من الحيثية الثانية ، لا يجري الاستصحاب فيه من الحيثية الاولى ، فلا يصح القول بجريان الاستصحاب فيه بقول مطلق.

الثالث : أنّه على فرض تسليم كون القاطع غير المانع ، وأ نّه ليس فيه إلاّ حيثية واحدة ، يرد على جريان الاستصحاب في الهيئة الاتصالية عين الاشكال الذي ذكره الشيخ قدس‌سره في جريان الاستصحاب عند الشك في المانع ، فنقول : إن كان المراد جريان الاستصحاب في الهيئة الاتصالية لمجموع الأجزاء ،

فهي مشكوكة الحدوث ، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيها ، وإن كان المراد جريان الاستصحاب في الهيئة الاتصالية للأجزاء السابقة ، فهي غير محتملة الارتفاع ، لأنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه ، هذا كله في الشبهات الحكمية.

وأمّا الشبهات الموضوعية ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيها ، سواء كان الشك في وجود المانع بعد الفراغ عن كونه مانعاً ، كما إذا شككنا في وجود البكاء مثلاً ، أو كان الشك في مانعية الموجود ، كما إذا شككنا في أنّ الذي صدر من المصلي كان بكاءً أم لا ، ففي كلتا الصورتين تكون الأجزاء الوجودية محرزة بالوجدان ، والجزء العدمي محرز بالأصل ، فيحكم بصحة الصلاة ، كما ذكرنا (1)نظير ذلك في استصحاب وجود الشرط ، كالطهارة من الحدث فانّ المشروط - وهو الصلاة - محرز بالوجدان ، والشرط محرز بالأصل ، فبضميمة الوجدان إلى الأصل يحكم بصحة الصلاة.

التنبيه الثاني عشر

في جريان الاستصحاب في الامور الاعتقادية وعدمه ، وقد ذكرنا أنّ جريان الاستصحاب منوط باليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وكون الأثر قابلاً للتعبد ، فبعد تمامية هذه الامور يجري الاستصحاب ، سواء كان المستصحب من الامور الخارجية ، أم من الامور النفسانية.

وتوهم اختصاصه بالامور الخارجية لكونه من الاصول العملية ، فلا يجري إلاّ في أفعال الجوارح المعبّر عنها بالأعمال ، مدفوع بأنّ معنى كونه من الاصول


1) في ص 213.

العملية أنّه ليس من الأدلة الاجتهادية التي هي كاشفة عن الواقع ، فانّ الاصول العملية وظائف عملية للجاهل بالواقع ، وليست كاشفةً عنه ، لا أنّها مختصة بالامور الجوارحية ، فلو كان التباني القلبي على شيء واجباً ، وشككنا في بقائه من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية ، لا مانع من جريان الاستصحاب.

نعم ، لا مجال لجريان الاستصحاب في الامور التي يجب فيها الاعتقاد والمعرفة كالنبوة مثلاً ، لعدم كون الأثر حينئذ قابلاً للتعبد ، فلا يترتب على الاستصحاب.

ومما ذكرنا ظهر الجواب عن استدلال الكتابي لاثبات دينه بالاستصحاب ، وتفصيل الكلام في المقام : أنّ استدلال الكتابي لا يخلو من وجهين : فامّا أن يكون استدلاله لمعذوريته في البقاء على اليهودية ، وإمّا أن يكون لالزام المسلمين ودعوتهم إلى اليهودية.

فإن كان مراده الأوّل ، فنقول له : أنت شاك في بقاء نبوّة نبيك أم لا؟

فان اختار الثاني ، فلا معنى للاستصحاب وهو ظاهر ، وإن اختار الأوّل ، فنقول له : لا بدّ لك من الفحص ، فانّ النبوّة ليست بأقل من الفروع التي يتوقف جريان الاستصحاب فيها على الفحص ، وبعد الفحص يصل إلى الحق ويزول الشك عنه ، فان ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) (1)، وقال سبحانه : ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) (2)ومع فرض بقاء شكه لا فائدة في الاستصحاب ، لكون النبوة من الامور التي تجب المعرفة بها ، فليست قابلة للتعبد الاستصحابي ، ومع


1) الأنعام 6 : 149.

2) العنكبوت 29 : 69.

فرض كفاية الظن فيها ، نقول : الاستصحاب لا يفيد الظن أوّلاً ، ولا دليل على حجية الظن الحاصل منه ثانياً ، هذا كله في استصحاب النبوة.

وأمّا استصحاب بقاء أحكام الشريعة السابقة ، فغير جارٍ أيضاً إذ نقول له : إن كنت متيقناً على بقاء أحكام الشريعة السابقة ، فلا معنى للاستصحاب وهو واضح ، وإن كنت شاكاً فيه ، فلا بدّ من الفحص كما تقدم ، وعلى فرض الفحص وبقاء الشك ، لا يجري الاستصحاب إلاّفيما إذا ثبت حجية الاستصحاب في الشريعتين ، لأنّه إن كان الاستصحاب حجةً في الشريعة السابقة فقط ، لا يمكن التمسك بالاستصحاب لبقاء أحكام الشريعة السابقة ، إذ حجية الاستصحاب من جملة تلك الأحكام ، فيلزم التمسك به لاثبات بقاء نفسه ، وهو دور ظاهر. وإن كان الاستصحاب حجةً في الشريعة اللاحقة فقط ، فصحة التمسك بالاستصحاب لاثبات بقاء أحكام الشريعة السابقة فرع حقية الشريعة اللاحقة ، وبعد الالتزام بحقيته لم يبق مجال للاستصحاب ، لليقين بارتفاع أحكام الشريعة السابقة حينئذ.

وإن كان مراده الثاني - أي كان استدلاله لالزام المسلمين ودعوتهم إلى اليهودية - فنقول له : جريان الاستصحاب متوقف على اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وليس لنا يقين بنبوّة موسى إلاّمن طريق شريعتنا ، فانّ التواتر لم يتحقق في جميع الطبقات من زمان موسى إلى زماننا هذا. والتوراة الموجودة عند اليهود ليس هو الكتاب المنزل من اللّه سبحانه على موسى ، ومن راجعه يجد فيه ما يوجب العلم له بعدم كونه من عند اللّه من نسبة الزنا والفواحش إلى الأنبياء وغيرها مما يجده من راجعها.

نعم ، لنا علم بنبوة موسى لاخبار نبينا بنبوته ، فتصديقه يوجب التصديق

بنبوته ، وهذا الاعتراف من المسلمين لايضرّهم ، ولايوجب جريان الاستصحاب في حقهم كما هو ظاهر ، وهذا المعنى هو المحتمل من الحديث (1)المتضمن لجواب الرضا عليه‌السلام عن احتجاج الجاثليق بالاستصحاب ، من أنا معترفون بنبوة كل موسى وعيسى أقر بنبوة نبينا صلى‌اللّه‌عليه‌وآله وننكر نبوة كل من لم يقر بنبوة نبينا ، فلا يرد على الجواب المذكور ما ذكره الشيخ (2)قدس‌سره من أنّ موسى بن عمران أو عيسى بن مريم ليس كلياً حتى يصح الجواب المذكور ، بل جزئي حقيقي اعترف المسلمون بنبوته ، فعليهم إثبات نسخها.

والحاصل : أنّه ليس لنا علم بنبوة موسى إلاّباخبار نبينا صلى‌اللّه‌عليه‌وآله وهو كما يخبر بها يخبر بارتفاعها ، فلا مجال للاستصحاب. ومع فرض حصول اليقين من غير هذا الطريق ليس لنا شك في بقائها ، بل نعلم بارتفاعها ، فانّ المسلم لايكون مسلماً مع الشك في بقاء نبوة موسى أو عيسى ، فلايمكن الكتابي إلزام المسلم باستصحاب النبوة ، لعدم تمامية أركانه من اليقين والشك ، هذا في استصحاب النبوة. وأمّا أحكام الشريعة السابقة ، فللمسلم مجال لاجراء الاستصحاب فيها على المسلك المعروف ، بخلاف ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية ، ولا سيما في أحكام الشريعة السابقة ، وقد تقدم وجهه في التنبيه السابع (3)، فراجع.


1) الاحتجاج 2 : 404 ، بحار الأنوار 10 : 301 - 302.

2) فرائد الاصول 2 : 673.

3) في ص 175 وما بعدها.

التنبيه الثالث عشر

في جريان استصحاب حكم المخصص مع العموم الأزماني وعدمه ، فنقول : إذا ورد حكم عام ثمّ خرج عنه بعض الأفراد في بعض الأزمنة ، فشك في حكم هذا الفرد بالنسبة إلى ما بعد ذلك الزمان ، فهل يرجع إلى العموم أو إلى استصحاب حكم المخصص؟ ذهب إلى كلٍ جماعة.

ولا يخفى أنّ انعقاد هذا البحث ليس من جهة ملاحظة التعارض بين العموم والاستصحاب ، فانّ الاستصحاب أصل عملي لا مجال للرجوع إليه مع وجود الدليل من عموم أو إطلاق ، ولا مانع من الرجوع إليه إن لم يكن هناك دليل ، بل انعقاد البحث إنّما هو لتعيين موارد الرجوع إلى العموم وتمييزها عن موارد التمسك بالاستصحاب ، فالاشكال والخلاف إنّما هو في الصغرى بعد الاتفاق في الكبرى.

إذا عرفت تحرير محل النزاع ، فاعلم أنّه ذكر الشيخ (1)قدس‌سره أنّ العموم الازماني تارةً يكون على نحو العموم الاستغراقي ، ويكون الحكم متعدداً بتعدد الأفراد الطولية ، وكل حكم غير مرتبط بالآخر امتثالاً ومخالفةً ، كوجوب الصوم ثلاثين يوماً ، كما أنّ الأمر في الأفراد العرضية كذلك ، فانّه إذا قال المولى : أكرم العلماء مثلاً ، يكون الحكم متعدداً بتعدد أفراد العلماء الموجودين في زمان واحد ، ولكل حكم إطاعة ومعصية وامتثال ومخالفة.

واخرى يكون على نحو العموم المجموعي ، ويكون هناك حكم واحد مستمر ،


1) فرائد الاصول 2 : 680 - 681 / التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب.

كوجوب الامساك من طلوع الفجر إلى المغرب ، فانّه لا يكون وجوب الامساك تكليفاً متعدداً بتعدد آنات هذا اليوم. فإن كان العموم من القسم الأوّل ، فالمرجع بعد الشك هو العموم ، لأنّه بعد خروج أحد الأفراد عن العموم ، لا مانع من الرجوع إليه لاثبات الحكم لباقي الأفراد ، وإن كان من القسم الثاني ، فالمرجع هو الاستصحاب ، لأنّ الحكم واحد على الفرض ، وقد انقطع يقيناً ، وإثباته بعد الانقطاع يحتاج إلى دليل ، ومقتضى الاستصحاب بقاء حكم المخصص. هذا ملخص كلامه قدس‌سره.

وذكر صاحب الكفاية (1)قدس‌سره أنّ مجرد كون العموم الأزماني من قبيل العموم المجموعي لا يكفي في الرجوع إلى الاستصحاب ، بل لا بدّ من ملاحظة الدليل المخصص أيضاً ، فان اخذ الزمان فيه بعنوان الظرفية ، كما أنّه بطبعه ظرف لما يقع فيه كالمكان ، فلا مانع من التمسك بالاستصحاب ، وإن كان الزمان مأخوذاً على نحو القيدية ، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب ، لأنّه مع فرض كون الزمان قيداً للموضوع يكون إثبات الحكم في زمان آخر من إسراء حكم ثابت لموضوع إلى موضوع آخر ، وهو قياس محرّم ، فلا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر من البراءة أو الاشتغال حسب ما يقتضيه المقام ، هذا كله على تقدير كون العموم على نحو العموم المجموعي.

وأمّا إن كان العموم على نحو العموم الاستغراقي ، فالمتعين الرجوع إلى العام إن لم يكن له معارض ، وإلاّ فيتمسك بالاستصحاب إن كان الزمان في الدليل المخصص مأخوذاً بنحو الظرفية ، وإن كان مأخوذاً بنحو القيدية ، لايمكن التمسك بالاستصحاب أيضاً ، فلا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر ، فتكون الصور على


1) كفاية الاصول : 424 - 425 / التنبيه الثالث عشر من تنبيهات الاستصحاب.

ما ذكره أربع :

الاولى : أن يكون العام من قبيل العموم الاستغراقي مع كون الزمان مأخوذاً في دليل التخصيص بنحو الظرفية.

الثانية : هي الاولى مع كون الزمان مأخوذاً على نحو القيدية.

وحكمهما الرجوع إلى العام مع عدم المعارض ، وإلاّ فيرجع إلى الاستصحاب في الصورة الاولى ، وإلى أصل آخر في الصورة الثانية.

الثالثة : أن يكون العموم من قبيل العام المجموعي مع كون الزمان ظرفاً.

الرابعة : هي الثالثة مع كون الزمان قيداً.

وحكمهما الرجوع إلى الاستصحاب في الثالثة وإلى أصل آخر في الرابعة. وتشتركان في عدم إمكان الرجوع إلى العام فيهما إلاّفيما إذا كان التخصيص من الأوّل ، كخيار المجلس مع قطع النظر عن النص الدال على لزوم البيع بعد الافتراق ، وهو قوله عليه‌السلام : «فاذا افترقا وجب البيع» (1)فيصح في مثله الرجوع إلى العام ، لعدم كون التخصيص في هذه الصورة قاطعاً لاستمرار الحكم حتى يكون إثبات الحكم بعده محتاجاً إلى الدليل ، فيرجع إلى استصحاب حكم الخاص ، بل التخصيص يوجب كون استمرار الحكم بعد هذا الزمان ، فيتعين الرجوع إلى العام بعد زمان التخصيص ، بخلاف ما إذا كان التخصيص في الوسط ، كخيار الغبن على ما هو المعروف من كون مبدئه زمان الالتفات إلى الغبن ، فانّ التخصيص قاطع للاستمرار ، وإثبات الحكم بعده يحتاج إلى دليل ، هذا ملخص ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره.


1) الوسائل 18 : 9 / أبواب الخيار ب 2 ح 4.

أقول : أمّا ما ذكره من أنّ مجرد كون العموم مجموعياً لا يكفي في جريان الاستصحاب ، بل يحتاج إلى كون الزمان ظرفاً لا قيداً ، فمتين.

وأمّا ما ذكره من إمكان الرجوع إلى العموم المجموعي مع كون التخصيص في الأوّل ، فهو صحيح فيما إذا كان العموم والاستمرار مستفاداً من الدليل الخارجي ، بأن يدل دليل على إثبات الحكم في الجملة ، ودليل آخر على استمراره ، فحينئذ يمكن الفرق بين كون التخصيص في الأوّل وكونه في الوسط ، بامكان الرجوع إلى العام في الأوّل ، لكون التخصيص دالاً على أنّ الاستمرار ثابت للحكم المذكور بعد هذا الزمان ، بخلاف ما إذا كان التخصيص في الوسط ، فانّ الاستمرار قد انقطع ، وإثبات الحكم بعده يحتاج إلى دليل.

أمّا إذا كان الاستمرار مستفاداً من نفس الدليل الدال على ثبوت أصل الحكم كما في المقام ، فانّ اللزوم والاستمرار كليهما مستفاد من قوله تعالى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)فلا فرق بين كون التخصيص في الأوّل أو في الوسط ، لأنّ الدليل يدل على حكم مستمر ، فاذا انقطع يحتاج إثباته بعد التخصيص إلى دليل على مذاقه.

ثمّ إنّه لا يمكن المساعدة على ما تسالم عليه الشيخ وصاحب الكفاية قدس‌سرهما من أنّه إذا كان العموم من قبيل العموم المجموعي لا يمكن الرجوع إليه ، ويتعين الرجوع إلى الاستصحاب - إمّا مطلقاً كما عليه الشيخ ، أو فيما إذا كان الزمان في الدليل المخصص ظرفاً كما عليه صاحب الكفاية قدس‌سره - وذلك لما نقحناه في بحث العام والخاص (2)من عدم الفرق في جواز الرجوع إلى العام


1) المائدة 5 : 1.

2) [لم نعثر عليه في مظانه].

بين كونه استغراقياً أو مجموعياً ، فكما لا فرق بينهما في الأفراد العرضية ويرجع إلى العموم في غير ما علم خروجه بمخصص متصل أو منفصل ، سواء كان بنحو العموم الاستغراقي ، كما إذا قال المولى : أكرم العلماء ، وكان مراده إكرام كل واحد من العلماء على نحو الاستقلال ، ثمّ خرج منه زيد يقيناً ، وشك في خروج فرد آخر فنرجع إلى العموم ، ونحكم بعدم خروجه ، لأنّ التخصيص بالنسبة إلى فردٍ لا يمنع شمول العام للأفراد الاخر ، أو كان بنحو العموم المجموعي كما إذا قال المولى : أكرم هذه العشرة ، وكان مراده إكرام مجموع العشرة من حيث المجموع ، ثمّ علمنا بخروج زيد من هذه العشرة ، وشككنا في خروج جزء آخر ، فنرجع إلى العموم ونحكم بعدم الخروج ، إذ التخصيص باعتبار جزءٍ لا يمنع شمول العام للأجزاء الاخر.

فكذا لا فرق بين العموم الاستغراقي والعموم المجموعي بالنسبة إلى الأفراد الطولية في جواز الرجوع إلى العام مع الشك في التخصيص ، غاية الأمر أنّه يثبت بالرجوع إلى العموم الاستغراقي حكم استقلالي ، وبالعموم المجموعي حكم ضمني للجزء المشكوك فيه ، فلا فرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي من هذه الجهة.

لا يقال : إنّه في العموم المجموعي يكون الحكم واحداً وقد انقطع ، وإثباته ثانياً يحتاج إلى دليل.

فانّه يقال : إنّ الحكم الواحد قد انقطع بالنسبة إلى جزء واحد ، وخروج باقي الأجزاء يحتاج إلى دليل ، كما يقال في العموم الاستغراقي : إنّ خروج فرد واحد إنّما هو للمخصص ، وخروج باقي الأفراد يحتاج إلى دليل.

وحيث إنّ ظاهر كلام الشيخ قدس‌سره في المقام مخالف للقاعدة الثابتة في

بحث العام والخاص من صحة التمسك بالعموم ، بلا فرق بين العموم الاستغراقي والعموم المجموعي ، فتصدى المحقق النائيني (1)قدس‌سره لتوجيه كلامه ، وقال : إنّ ظاهر كلامه في الرسائل وإن كان موهماً للفرق بين العام الاستغراقي والعام المجموعي ، إلاّأنّ هذا الظاهر ليس مراده ، بل مراده على ما يظهر من كلامه في بحث خيار الغبن من المكاسب (2)الفرق بين ما إذا كان الاستمرار قيداً لمتعلق الحكم ، وما إذا كان قيداً لنفس الحكم.

بيان ذلك : أنّ الحكم كالوجوب يحتاج إلى متعلق كالصوم ، وإلى موضوع كالمكلف أو الماء والحجر مثلاً ، وحيث إنّ الموضوع غالباً من الجواهر غير المتقدرة بالزمان ، لا يعقل كون الزمان مفرّداً له ، فانّ الماء يوم الجمعة ويوم السبت شيء واحد لا فردين من الماء ، وكذا غيره من الموضوعات الخارجية. نعم ، كون الزمان مفرّداً يتصور في نفس الحكم وفي متعلقه ، فانّ الحكم من الامور الاعتبارية ، وأمر وحدته وتعدده بيد الجاعل - وهو الشارع - فيمكن أن يعتبر الوجوب مقيداً بزمان خاص ، فيكون الوجوب في غير هذا الزمان فرداً آخر من الوجوب ، ويمكن أن يعتبر الوجوب غير مقيد بزمان خاص ، فيكون وجوباً واحداً في جميع الأزمنة. وكذا في المتعلق له أن يعتبر الصوم مقيداً بزمان خاص متعلقاً للوجوب ، فيكون الصوم في غير هذا الزمان فرداً آخر ، ويمكن أن يعتبره غير مقيد بزمان خاص ، فيكون الصوم المستمر متعلقاً للوجوب.

إذا عرفت ذلك ، ففي العموم الازماني تارةً : يكون الاستمرار مأخوذاً في


1) أجود التقريرات 4 : 168 - 171 ، فوائد الاصول 4 : 532 - 545.

2) المكاسب 5 : 208.

متعلق الحكم ، ويكون الحكم وارداً على الاستمرار ، كما إذا قال المولى : الصوم الأبدي واجب. واخرى : يكون الاستمرار وارداً على الحكم وحكماً من أحكامه ، كما إذا قال المولى : يجب عليكم الصوم ، ثمّ قال : إنّ هذا الحكم أبدي ، فيكون الحكم موضوعاً للاستمرار.

والفرق بين كون الاستمرار وارداً على الحكم وكونه مأخوذاً في متعلقه من وجهين :

الأوّل : أنّ الاستمرار المأخوذ في متعلق الحكم يمكن إثباته بنفس الدليل المتكفل لاثبات الحكم ، والاستمرار المأخوذ في الحكم لا يمكن إثباته بنفس الدليل المتكفل لبيان الحكم على ما تقدّم.

الثاني : أنّه إذا ورد التخصيص فيما إذا كان الاستمرار مأخوذاً في متعلق الحكم ، لا مانع من الرجوع إلى الدليل الدال على الاستمرار عند الشك في خروج بعض الأفراد ، فانّ أصالة عدم التخصيص من الاصول المحكّمة في مقام الشك ، سواء كان العموم استغراقياً أو مجموعياً.

وأمّا إذا ورد التخصيص فيما إذا كان الاستمرار مأخوذاً في نفس الحكم ، لا يمكن الرجوع إلى دليل الاستمرار عند الشك في التخصيص ، لما ذكرناه من أنّ الاستمرار قيد للحكم فلا مجال للرجوع إلى دليل الاستمرار بعد الشك في أصل الحكم ، فانّه إذا ورد حكم من الأحكام كالاباحة مثلاً ، ثمّ دل دليل على أنّ الاباحة المذكورة دائمية ، فعند الشك في ثبوت الاباحة لبعض الأفراد لا مجال للرجوع إلى دليل الاستمرار ، فانّه متكفل لبيان الاستمرار للاباحة الثابتة ، فلا يصح الرجوع إليه لاثبات الاباحة ، كما أنّه إذا شككنا في إباحة شرب التتن مثلاً ، فهل يمكن إثبات إباحته بمثل قوله عليه‌السلام : «حلال

محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله حلال إلى يوم القيامة ...» (1)والمقام من هذا القبيل بعينه.

هذا ملخص ما ذكره توجيهاً لكلام الشيخ قدس‌سره ثمّ ذكر كلاماً طويلاً لبيان الضابطة لتمييز موارد كون الاستمرار قيداً للحكم عن موارد كونه قيداً للمتعلق ، ليرجع إليها عند الشك في كون الاستمرار قيداً للحكم أو للمتعلق.

أقول : لا حاجة لنا إلى ذكر الضابطة والتعرض لها ، لما سنبيّنه من عدم الفرق في جواز الرجوع إلى العام بين كون الاستمرار قيداً للحكم أو للمتعلق ، فلا أثر للشك في كونه قيداً للحكم أو للمتعلق حتى نحتاج إلى بيان الضابطة ، فنقول : أمّا ما ذكره من الفرق الأوّل ، فغير تام وخلط بين مرحلتي الجعل والمجعول ، فانّ ما ذكره من عدم إمكان إثبات الاستمرار من نفس الدليل المتكفل لبيان الحكم إنّما يصح بالنسبة إلى الجعل ، فان استمراره عبارة اخرى عن عدم النسخ. ولا يمكن إثباته بنفس الدليل الدال على الحكم ، بل لا بدّ من التماس دليل آخر من استصحاب - على القول بجريانه عند الشك في النسخ - أو من نحو قوله عليه‌السلام : «حلال محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله حلال إلى يوم القيامة ...» وهذا لا دخل له بالمقام ، فانّ الكلام في تخصيص المجعول لا في تخصيص الجعل الراجع إلى النسخ ، ولا مانع من إثبات استمرار المجعول من نفس دليله ، إذ الاستمرار من قيوده ، ولا مانع من أخذه في الدليل الدال عليه كبقية القيود.

والجعل والمجعول يختلفان من حيث الاستمرار وعدمه ، فتارةً يكون الجعل


1) الكافي 1 : 58 / باب البدع والرأي والمقاييس ح 19.

مستمراً دون المجعول كالزوجية الانقطاعية ، فانّ المجعول وهو الزوجية غير مستمرٍ ، وأمّا الجعل - أي جواز العقد الانقطاعي - فهو مستمر إلى يوم القيامة ، واخرى يكون بعكس ذلك كالزوجية الدائمية مع فرض نسخ جواز العقد الدائمي ، فيكون المجعول - وهو الزوجية - مستمراً ، والجعل - وهو جواز العقد الدائمي - غير مستمر.

وملخّص الكلام في المقام : أنّه لا يمكن إثبات استمرار الجعل بمعنى عدم النسخ بنفس الدليل الدال على الحكم ، بل لو صرح في الدليل بكون الحكم دائمياً لا يمكن إثبات عدم النسخ بهذا الدليل ، فان للمولى نسخ هذا الحكم الدائمي ، ولكنّه خارج عن محل الكلام كما تقدّم. وأمّا استمرار المجعول فلا مانع من إثباته بنفس الدليل.

وأمّا ما ذكره - من الفرق الثاني بين كون الاستمرار راجعاً إلى نفس الحكم وكونه راجعاً إلى المتعلق - من أنّه لا مانع من الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص في الثاني دون الأوّل ، ففيه : أنّه لا مانع من الرجوع إلى العام في المقامين ، أمّا في الثاني ، فباعتراف منه قدس‌سره وأمّا في الأوّل ، فلأنّ العام ظاهر في الشمول لجميع الأفراد العرضية والطولية قبل ورود التخصيص ، وهذا الظهور حجة في غير ما خرج بالدليل.

توضيح ذلك : أنّ الأحكام تارةً تتعلق بأفعال المكلفين كما في الأحكام التكليفية ، فان حرمة الخمر مثلاً متعلقة بالشرب ، ففي مثل ذلك يكون الاستمرار راجعاً إلى متعلق الحكم ، كما أنّ التقييد بزمان خاص أيضاً راجع إلى المتعلق ، إذ قد يكون الشرب المقيد بزمان خاص متعلقاً للتكليف ، وقد يكون الشرب غير المقيد متعلقاً للتكليف. وعلى تقدير كون الشرب المستمر متعلقاً للحرمة

يسري الاستمرار إلى الحرمة أيضاً لا محالة ، فيكون شرب الخمر حراماً مستمراً ، فاذا خرج من هذا الاستمرار والعموم الأزماني فرد كما إذا قال المولى : لا بأس بشرب الخمر حال المرض مثلاً ، وشككنا في الحرمة بعد البرء ، فلا مانع من التمسك بالعموم والحكم بحرمة شرب الخمر في غير ما خرج يقيناً.

واخرى تتعلق بغير الأفعال الخارجية ، كبعض الأحكام الوضعية كاللزوم ، فانّه متعلق بالملكية وهي من الامور الاعتبارية ، ويكون الاستمرار في مثل ذلك راجعاً إلى نفس الحكم ، فاذا دل دليل على استمرار هذا الحكم ثمّ خرج منه فرد ، لا مانع من الرجوع إلى العام في غير هذا الفرد الخارج ، سواء كان العموم مستفاداً من نفس الدليل الدال على الحكم أو من الدليل الخارج ، بلا فرق بين العموم المجموعي والاستغراقي. وما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره - من أنّ الدليل الدال على الاستمرار ناظر إلى بقاء الحكم فلا يصح الرجوع إليه عند الشك في ثبوت الحكم كما في موارد الشك في التخصيص - مندفع بأنّ العام يدل بظاهره على ثبوت الحكم لجميع الأفراد الطولية والعرضية قبل ورود التخصيص عليه ، وهذا الظاهر هو المتبع ما لم يدل دليل على خلافه ، فلا مانع من الرجوع إليه في غيرما خرج بالتخصيص القطعي.

فتحصّل مما ذكرناه : جواز الرجوع إلى العام بلا فرق بين كون الاستمرار راجعاً إلى الحكم أو راجعاً إلى المتعلق ، وأنّ ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره من الفرق بينهما غير تام في نفسه. ومن الغريب جعله توجيهاً لكلام الشيخ قدس‌سره فانّه ليس مراد الشيخ قدس‌سره قطعاً ، ولا يوافقه كلامه في الرسائل ولا في المكاسب ، فان صريح كلامه هو الفرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي ، وقد عرفت ما فيه أيضاً ، هذا كلّه من حيث الكبرى.

وأمّا من حيث الصغرى وأنّ قوله تعالى : «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)هل هو من قبيل العموم الاستغراقي أو العموم المجموعي ، فيقع الكلام فيها من جهتين :

الجهة الاولى : أنّه لا ينبغي الشك في أنّ المستفاد من قوله تعالى : «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» هو حكم واحد متعلق بالوفاء لا أحكام متعددة متعلقة بالوفاء في كل آنٍ من الآنات ، إذ الوفاء لا يصدق على عدم الفسخ في كل آنٍ من الآنات ، فانّ الوفاء بشيء عبارة عن إتمامه وإنهائه ، فمعنى الوفاء بالنذر هو إتمام ما التزم على نفسه لله (سبحانه وتعالى) ، وكذا الوفاء بالعقد عبارة عن إنهاء ما التزم على نفسه بالعقد ، فلا يصدق الوفاء إلاّمع إتمام مضمون العقد إلى الآخر ، فلا تكون هناك تكاليف متعددة ، حتى يكون من قبيل العموم الاستغراقي ، بل تكليف واحد على ما عرفت.

الجهة الثانية : أنّه لا ينبغي الشك في أنّ وجوب الوفاء المستفاد من الآية المباركة ليس حكماً تكليفياً بحيث يكون الفسخ حراماً تكليفياً ، بل هو إرشاد إلى اللزوم ، وأنّ الفسخ لا يؤثر شيئاً ، فيكون بمنزلة قوله عليه‌السلام : «دعي الصلاة أيام أقرائك» (2)فانّه أيضاً إرشاد إلى مانعية الحيض وعدم صحة الصلاة منها في أيام الحيض ، وبعد كونه دليلاً على اللزوم ، في كل مورد ورد التخصيص يؤخذ به ، وفي غيره لا مانع من الرجوع إلى عموم أوفوا بالعقود ، والحكم باللزوم كما عليه المحقق الثاني (3)قدس‌سره.


1) المائدة 5 : 1.

2) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2.

3) جامع المقاصد 4 : 38.

التنبيه الرابع عشر

هل المراد من الشك المأخوذ في الاستصحاب خصوص تساوي الطرفين ، أو عدم اليقين الشامل للظن غير المعتبر؟ وحيث إنّ الاستصحاب متقوّم باليقين والشك ، فلا بدّ من التكلم فيهما.

أمّا اليقين فقد تقدّم الكلام فيه في التنبيه الثاني (1)، وذكرنا أنّ اليقين التعبدي كاليقين الوجداني في صحة جريان الاستصحاب معه. ومنه يظهر أنّه لا مجال لجريان الاستصحاب مع قيام الأمارة المعتبرة على ارتفاع الحالة السابقة ، فانّه بمنزلة اليقين بالارتفاع بجعل الشارع ، ويكون رفع اليد عن اليقين السابق بها من نقض اليقين باليقين ، لا من نقض اليقين بالشك.

وأمّا الشك فالظاهر أنّ المراد منه خلاف اليقين الشامل للظن ، فانّه هو المتعارف في لغة العرب ، وجعل الظن مقابلاً للشك واليقين اصطلاح مستحدث ، فالشك بمفهومه العرفي شامل للظن. مضافاً إلى وجود القرينة على جريان الاستصحاب مع الظن بارتفاع الحالة السابقة في أدلة الاستصحاب ، وهي أمران :

الأوّل : ترك الاستفصال في صحيحة زرارة (2)في قوله عليه‌السلام : «لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام» بعد سؤاله بقوله : «فان حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم» فان قوله عليه‌السلام : «لا» أي لا يجب عليه الوضوء ، بلا استفصال بين الشك والظن يدل على عدم وجوب الوضوء مطلقاً ، مع أنّ الغالب - فيما إذا


1) في ص 109.

2) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.

حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم - هو حصول الظن بالنوم ، ولا أقل من الكثرة بمكان لايصدق معها الندرة ، فلا يقال إنّ ترك الاستفصال إنّما هو لندرة حصول الظن ، فهو ناظر إلى الغالب.

الثاني : قوله عليه‌السلام : «حتى يستيقن» إذ جعل اليقين بالنوم غايةً لعدم وجوب الوضوء ، فيدخل الظن في المغيّى ، فلا يجب الوضوء ما لم يحصل اليقين - وإن حصل الظن - وهو المطلوب ، هذا.

وذكر الشيخ قدس‌سره (1)وجهين آخرين لجريان الاستصحاب في صورة الظن بارتفاع الحالة السابقة :

الوجه الأوّل : دعوى الاجماع على ذلك من القائلين بحجية الاستصحاب تعبداً للأخبار.

وفيه أوّلاً : عدم تحقق هذا الاجماع ، فانّ من جملة الأقوال هو القول بالتفصيل بين الشك بارتفاع الحالة السابقة والظن به على ما نقله هو قدس‌سره (2). ومن المحتمل كون هذا المفصّل من القائلين بحجية الاستصحاب من باب التعبد للأخبار.

وثانياً : عدم حجية مثل هذا الاجماع المعلوم مدركه ، بل الاجماع المحتمل مدركه لا يكون إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن قول المعصوم عليه‌السلام.

الوجه الثاني : أنّ الظن بارتفاع الحالة السابقة إن كان مما دل دليل على عدم اعتباره كالظن القياسي ، فوجوده كالعدم بالتعبد الشرعي ، فيترتب على وجوده


1) فرائد الاصول 2 : 687 - 688.

2) فرائد الاصول 2 : 558 ، والمفصِّل هو العضدي في شرح المختصر وقد ذكر الشيخ قدس‌سره أنّ كلامه صريح في اعتبار الاستصحاب من باب إفادته الظن فلاحظ.

كل ما كان مترتباً على عدمه من الآثار ، ومنها الحكم ببقاء الحالة السابقة بمقتضى الاستصحاب. وإن كان الظن مما لم يدل دليل على اعتباره ، كالظن الحاصل من الشهرة مثلاً ، فحيث إنّ اعتباره مشكوك فيه ، يكون رفع اليد عن اليقين السابق به من نقض اليقين بالشك.

وفيه : أنّ الكلام في وجود المقتضي ، ومقدار دلالة الأدلة الدالة على حجية الاستصحاب ، وأ نّها هل تشمل صورة الظن بارتفاع الحالة السابقة أم لا ، وما ذكره قدس‌سره ليس إلاّبيان عدم المانع ، ولا فائدة في إحراز عدم المانع مع الشك في وجود المقتضي. ومع إحراز المقتضي وشمول الأدلة له - على ما ذكرناه - لا مجال لتوهم كون غير الحجة - وهو الظن غير المعتبر - مانعاً عن الحجة وهي الاستصحاب.

وبعبارة اخرى : معنى عدم اعتبار الظن - من جهة الدليل على عدم الاعتبار أو عدم الدليل على الاعتبار الراجع إليه بضميمة أصالة عدم الحجية - هو عدم إثبات المظنون ، وهو يوجب الرجوع إلى الاصول العملية ، وحينئذ لا بدّ من ملاحظة أدلة الاستصحاب ، فان كانت شاملة لموارد الظن بارتفاع الحالة السابقة فهو وإلاّ فيرجع إلى أصل آخر ، فمجرد كون الظن غير معتبر لا يوجب شمول أدلة الاستصحاب لموارد الظن.

وأمّا ما ذكره أخيراً من أنّ رفع اليد عن اليقين للظن المشكوك في اعتباره يكون من نقض اليقين بالشك.

فيرد عليه : أنّه لا بدّ في صدق نقض اليقين بالشك كون متعلق الشك واليقين واحداً ، وفي المقام ليس كذلك فانّ اليقين متعلق بحدوث شيء والظن متعلق بارتفاعه ، أمّا الشك فهو متعلق بحجية هذا الظن ، فليس الشك متعلقاً بما تعلق به اليقين ، وهذا ظاهر.

التنبيه الخامس عشر

يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة فيها موضوعاً ومحمولاً ، إذ المستفاد من أدلته هو وجوب المضي على اليقين السابق وعدم جواز نقضه بالشك ، ولا يصدق المضي والنقض إلاّمع اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً ، فاذا تيقنا بعدالة زيد مثلاً ، ثمّ شككنا في عدالة عمرو ، لا يكون الجري العملي - على طبق عدالة عمرو - مضياً على اليقين السابق ، وهو اليقين بعدالة زيد ، ولا عدم الجري عليه نقضاً له. وكذا في صورة اختلاف القضيتين في المحمول كما إذا تيقنا بعدالة زيد ثمّ شككنا في علمه مثلاً ، فترتيب آثار العلم لا يكون جرياً على اليقين السابق ولا عدمه نقضاً له ، وهذا ظاهر لا مجال لانكاره ، فليس تعبير العلماء عن هذا الشرط ببقاء الموضوع مبنياً على كفاية اتحاد القضيتين في الموضوع ، ولو كان المحمول فيهما مختلفاً ، فانّ هذاليس مرادهم قطعاً.

ولعل تعبيرهم ببقاء الموضوع مبني على أهمية الموضوع ، أو على أنّ المراد بقاء الموضوع بوصف الموضوعية ، وبقاؤه بوصف الموضوعية عبارة اخرى عن بقاء الموضوع والمحمول ، إذ لا يتصور بقاء الموضوع مع الوصف بدون المحمول.

أو على أنّ المراد من الموضوع هو الموضوع المأخوذ في أدلة الاستصحاب من المضي والنقض ، وبقاء هذا الموضوع أيضاً عبارة اخرى عن اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً ، وإلاّ لا يصدق المضي والنقض كما ذكرناه في الأمثلة المتقدمة.

وكيف كان ، اعتبار اتحاد القضيتين في الموضوع والمحمول يستفاد من نفس

أدلة الاستصحاب على ما ذكرناه.

ومن الغريب ما صدر عن الشيخ (1)قدس‌سره من الاستدلال عليه بالدليل العقلي : من أنّ قيام العرض في الخارج بلا موضوع محال ، وهو يستلزم استحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع آخر ، إذ بعد الانفصال عن الموضوع الأوّل وقبل الاتصال بالموضوع الثاني يلزم وجوده بلا موضوع ، فيعتبر في الاستصحاب بقاء الموضوع ، وإلاّ يلزم انتقال عرض من موضوع إلى موضوع آخر ، وهو محال.

ويرد عليه أوّلاً : أنّ المستصحب لايكون من الأعراض القائمة بالموضوعات الخارجية دائماً ، بل قد يكون من الجواهر ، وقد يكون من الامور الاعتبارية كالملكية والزوجية ، وقد يكون من الامور العدمية ، فالدليل المذكور أخص من المدعى.

وثانياً : أنّ استحالة وجود العرض بلا موضوع إنّما هو في الوجود التكويني لا الوجود التشريعي التعبدي ، فانّ الوجود التعبدي ليس إلاّالتعبد بالوجود بترتيب آثاره بأمر الشارع ، فلا استحالة في التعبد بانتقال عرض من موضوع إلى موضوع آخر ، فاذا أمر المولى بأ نّه إن كنت على يقين من عدالة زيد فتعبّد بعدالة أبيه بترتيب آثارها ، فلا استحالة فيه أصلاً.

وثالثاً : أنّ هذا الاستدلال على تقدير تماميته تبعيد للمسافة ، إذ نفس أدلة الاستصحاب وافية باعتبار اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً على ما تقدّم.

ثمّ إنّ المستصحب قد يكون من الموضوعات ، وقد يكون من الأحكام.


1) فرائد الاصول 2 : 691.

وعلى الأوّل ، فقد يكون المحمول في القضية المتيقنة والمشكوك فيها ما هو من قبيل مفاد كان أو ليس التامة المعبّر عنهما بالمحمولات الأوّلية ، باعتبار أنّ كل متصور لا بدّ وأن يحمل عليه الوجود أو العدم ، لاستحالة ارتفاع النقيضين كاجتماعهما. فتارةً يكون المحمول هو الوجود ، كما إذا تيقّنا بوجود زيد ثمّ شككنا في بقائه ، واخرى يكون هو العدم كما إذا تيقّنا بعدمه ثمّ شككنا في بقائه وانقلابه إلى الوجود ، ففي مثل ذلك يكون الموضوع هو الماهية المجردة عن قيد الوجود والعدم ومحموله الوجود أو العدم ، فيقال : إنّ هذه الماهية كانت موجودة ، فشك في بقائها والآن كما كانت ، أو يقال : إنّ هذه الماهية كانت معدومة فشك في بقائها ، ومقتضى الاستصحاب بقاؤها. ولا يعقل في مثله اعتبار بقاء الموضوع في الخارج ، إذ مع العلم ببقاء زيد في الخارج لا يبقى مجال لجريان الاستصحاب ، لعدم الشك حينئذ في البقاء.

وقد يكون المحمول في القضيتين ما هو من قبيل مفاد كان أو ليس الناقصة المعبّر عنهما بالمحمولات الثانوية قبالاً للمحمولات الأوّلية ، فتشمل المحمولات الثالثية أو الرابعية وهكذا ، فمنها قيام زيد مثلاً ، فانّه لا يحمل عليه إلاّبعد حمل الوجود عليه ، ومنها سرعة حركة زيد ، فانّها متوقفة على حمل الحركة على زيد المتوقف على حمل الوجود عليه ، وهكذا سائر المحمولات المترتب بعضها على بعض في سلسلة الوجود ، فان جميعها من المحمولات الثانوية بهذا المعنى المقابل للمحمولات الأوّلية ، فاذا كان المحمول في القضيتين من هذا القبيل ، فهو على ثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : ما يكون الشك في بقائه ناشئاً من الشك في بقاء الموضوع مع العلم ببقائه على تقدير بقاء الموضوع ، كما إذا شككنا في بقاء عدالة زيد للشك في حياته مع العلم بعدالته على تقدير حياته. القسم الثاني : ما لا يكون الشك في

بقائه ناشئاً من الشك في بقاء الموضوع ، بل يشك في بقائه ولو على تقدير وجود الموضوع. وهذا تارةً يكون مع إحراز بقاء الموضوع ، كما إذا شككنا في بقاء عدالة زيد مع العلم بحياته ، واخرى يكون مع الشك في بقاء الموضوع أيضاً ، كما إذا شككنا في بقاء عدالة زيد مع الشك في حياته.

أمّا القسم الثاني : وهو ما إذا كان الشك في بقاء المحمول مع إحراز الموضوع ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيه لتمامية أركانه.

وأمّا القسم الأوّل : فقد يشكل جريان الاستصحاب فيه ، لأنّه لا يجري الاستصحاب في المحمول كالعدالة - في مفروض المثال - لعدم إحراز الموضوع ، ولا معنى للتعبد بالعدالة بلا موضوع ، ولا يجري الاستصحاب في الموضوع كحياة زيد في المثال ، لعدم كون العدالة من الآثار الشرعية لحياة زيد ، بل من اللوازم العقلية من باب الاتفاق للعلم بعدالته على تقدير حياته.

ومما ذكرناه ظهر الاشكال في جريان الاستصحاب في القسم الثالث أيضاً ، فانّه لا يجري الاستصحاب في العدالة ، لعدم إحراز الموضوع ، ولا في الموضوع لترتيب العدالة ، لعدم كونها من الآثار الشرعية ، بل ولا من اللوازم العقلية في هذا القسم ، لعدم العلم فيه بعدالته على تقدير حياته ، فمن المحتمل عدم عدالته على تقدير حياته. ولايجري الاستصحاب في الموضوع مقدمةً لجريانه في العدالة بأن يحرز الموضوع أوّلاً بالاستصحاب ، ثمّ يجري الاستصحاب في العدالة ، لعدم ترتب أثر شرعي على جريانه في الموضوع ، ومن هنا قد يتوهم أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع في الخارج زائداً على اعتبار اتحاد القضيتين ، هذا.

والتحقيق جريان الاستصحاب في القسم الأوّل والثالث أيضاً.

أمّا القسم الأوّل : فيجري الاستصحاب فيه في الاتصاف وثبوت الوصف للموضوع ، بأن يقال : ثبوت العدالة لزيد كان متيقناً فالآن كما كان. وبعبارة اخرى : زيد المتصف بالعدالة كان موجوداً يقيناً ، والآن كما كان. ونظيره ما إذا شككنا في بقاء الزوجية بين امرأة وزوجها الغائب لاحتمال موته ، فيجري استصحاب بقاء الزوجية وتترتب عليه آثارها. نعم ، لا يترتب على هذا الاستصحاب الأثر الشرعي المتوقف على تحقق الموضوع في الخارج ، كجواز الاقتداء بزيد في مفروض المثال فانّه متوقف على وجود زيد العادل في الخارج ليركع بركوعه. وليس هذا من ناحية القصور في الاستصحاب ، بل من ناحية القصور في الأثر ، ولذا لا تكفي في ترتبه الأمارة كالبينة أيضاً ، لتوقفه على العلم الوجداني بوجود زيد العادل في الخارج.

وأمّا القسم الثالث : فيجري فيه الاستصحاب أيضاً ، لأنّ الأثر الشرعي مترتب على الموضوع المركب من وجود زيد وعدالته ، وقد ذكرنا في المباحث السابقة (1): أنّه إذا كان الموضوع مركباً فتارةً يحرز أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل ، كما إذا شككنا في بقاء كرية ماء موجود في الخارج ، فان وجود الماء محرز بالوجدان ، وكريته محرزة بالاستصحاب ، فيترتب عليه الحكم وهو عدم الانفعال ، وكذا إذا شككنا في بقاء إطلاقه مع العلم بكونه كراً ، فيحرز إطلاقه بالأصل ، وكريته بالوجدان.

واخرى يحرز كلاهما بالأصل ، كما إذا شككنا في بقاء كريته مع الشك في بقاء اطلاقه ، والمقام من هذا القبيل ، فبعد الشك في بقاء العدالة مع الشك في بقاء الحياة ، يجري الاستصحاب في كليهما. ومجرد كون أحدهما في طول الآخر


1) مرّ أحد شقيه في ص 213.

بحسب الوجود الخارجي - لا يمنع من جريان الاستصحاب فيهما معاً.

ولايخفى أنّه يجري في القسم الأوّل كل ما ذكرناه في القسم الثالث وبالعكس ، فيمكن جريان الاستصحاب فيهما بكيفيتين : ذكرنا إحداهما في القسم الأوّل ، والاخرى في القسم الثالث من باب التفنن. هذا كله في جريان الاستصحاب في الموضوعات.

أمّا جريانه في الأحكام ، فبيانه : أنّ الحكم المشكوك فيه تارةً يكون من الأحكام الجزئية كما في الشبهات الموضوعية. واخرى يكون من الأحكام الكلية ، وهذا على قسمين : لأنّ الشك في بقاء الحكم الكلي إمّا أن يكون في ناحية الجعل لاحتمال النسخ ، وإمّا أن يكون في ناحية المجعول فهذه هي أقسام ثلاثة :

أمّا إذا كان الشك في الحكم الجزئي ، فلا يجري فيه الاستصحاب ، لكونه محكوماً بالأصل السببي ، إذ الشك في الحكم في الشبهات الموضوعية مسبب عن الشك في بقاء الموضوع ، فبجريان الأصل الموضوعي يترتب الحكم ولا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب في الحكم ، بل لا يجري الاستصحاب في الحكم ولو لم يجر الاستصحاب في الموضوع لمانع كابتلائه بالمعارض ، وذلك لعدم إحراز بقاء الموضوع ، فلم يحرز اتحاد القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها.

وأمّا إذا كان الشك في الحكم الكلي لاحتمال النسخ ، فلا يجري الاستصحاب فيه ، لأنّ النسخ بمعنى الرفع مستحيل في حقه تعالى ، والنسخ بمعنى الدفع يرجع إلى الشك في حدوث التكليف لا في بقائه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه ، فان كان لدليل الحكم إطلاق يتمسك به ويحكم ببقاء الحكم المجعول فهو ،

فيرجع إلى الأدلة الخارجية من قوله عليه‌السلام : «حلال محمّد صلى‌اللّه‌عليه‌وآله حلال إلى يوم القيامة ...» (1)وقد تقدّم تفصيل ذلك في التنبيه السابع ، فراجع (2).

وأمّا إذا كان الشك في الحكم الكلي من غير ناحية النسخ ، ففيه تفصيل ، إذ الشك في بقاء الحكم من غير ناحية النسخ لا يعقل إلاّمع حدوث تغير في الموضوع ، وهذا التغير الذي أوجب الشك في الحكم على ثلاثة أقسام :

الأوّل : أن يكون القيد الذي تغير بانقلاب الوجود إلى العدم أو العكس مقوّماً للموضوع بنظر العرف ، بحيث لو ثبت الحكم مع عروض التغير كان حكماً جديداً لموضوع آخر لابقاء الحكم للموضوع الأوّل ، كما في جواز التقليد فان موضوعه العالم ، فلو زال عنه العلم وصار جاهلاً يكون موضوعاً آخر ، إذ العلم مقوّم لموضوع جواز التقليد في نظر العرف ، والعالم والجاهل موضوعان لا موضوع واحد تغيرت حالة من حالاته ، ففي مثل ذلك لا مجال لجريان الاستصحاب لعدم صدق النقض على عدم ترتيب أثر اليقين السابق حين الشك ، فلا يكون مشمولاً لأدلة الاستصحاب.

وظهر بما ذكرناه فساد الاستدلال على نجاسة أولاد الكفار بالاستصحاب ، لكونهم نجسين حال كونهم منياً أو دماً ، ولم يدل دليل على طهارتهم بعد ذلك كما دل على طهارة ولد المسلم ، وذلك لتعدد الموضوع وعدم اتحاد القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها فولد الكافر - على تقدير نجاسته - موضوع آخر للنجس غير المني والدم ، كما هو ظاهر.


1) الكافي 1 : 58 / باب البدع والرأي والمقاييس ح 19.

2) ص 175 وما بعدها.

الثاني : أن يكون القيد من الحالات وغير دخيل في قوام الموضوع في نظر العرف ، كما إذا قال المولى : أكرم هذا القائم ، فشك في وجوب إكرامه بعد الجلوس ، فانّ العرف يرى القيام والقعود من الحالات ، بحيث لو ثبت وجوب الاكرام حال جلوسه كان بقاءً للحكم الأوّل لا حدوث حكم جديد. ولا إشكال في جريان الاستصحاب في هذا القسم ، كما هو ظاهر. هذا كله مع قطع النظر عما ذكرناه من معارضته باستصحاب عدم الجعل على ما تقدم بيانه (1).

الثالث : أن يشك في أنّ القيد مقوّم للموضوع أو من الحالات كالماء المتنجس بالتغير ، فبعد زوال التغير يشك في بقاء النجاسة ، لعدم العلم بأنّ التغير مقوّم لموضوع الحكم بالنجاسة ، أو من قبيل الحالات. وبعبارة اخرى الشك في أنّ التغير هل هو علة لثبوت النجاسة للماء ، فلا يكون بقاؤها منوطاً ببقائه ، أو قيد للموضوع لتكون النجاسة دائرة مداره وجوداً وعدماً.

وربما يكون الشك في بقاء الحكم في هذا القسم من جهة الشبهة المفهومية ، فانّها أيضاً من الشبهات الحكمية ، كما إذا شككنا في أنّ الغروب الذي هو الغاية لوقت صلاة الظهرين هل هو عبارة عن استتار القرص ، أو عن ذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس.

ولا يجري الاستصحاب في هذا القسم كما في القسم الأوّل ، إذ مع الشك في كون القيد الزائل مقوّماً للموضوع لم يحرز اتحاد القضيتين ، فلم يحرز صدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحكم السابق ، فيكون التمسك بأدلة الاستصحاب من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، بلا فرق بين الشبهة المفهومية وغيرها من الشبهات الحكمية. وكما لا يجري الاستصحاب الحكمي في


1) في ص 42 وما بعدها.

الشبهة المفهومية - لما ذكرناه من عدم إحراز اتحاد القضيتين - لا يجري الاستصحاب الموضوعي أيضاً ، لعدم الشك في شيء راجع إلى الموضوع حتى يكون مورداً للاستصحاب ، فان استتار القرص متحقق يقيناً ، وذهاب الحمرة لم يتحقق كذلك. وأمّا استصحاب الموضوع بوصف الموضوعية ، فهو عبارة اخرى عن استصحاب الحكم ، إذ بقاء الموضوع بوصف الموضوعية ليس إلاّ عبارة اخرى عن بقاء الحكم.

ولا يخفى أنّ الشك في بقاء نجاسة المتنجسات بعد استحالتها داخل في هذا القسم ، فلو تنجست خشبة مثلاً ، ثمّ احترقت فصارت رماداً فشك في بقاء نجاستها لم يمكن التمسك باستصحابها ، إذ المتصيد من أبواب الفقه أن كل جسم لاقى نجساً فهو نجس ، ولا ندري أنّ الموضوع لهذا الحكم هل هو الجسم بما هو جسم - لتكون النجاسة باقيةً ببقاء الجسمية - أو الموضوع له هي الصورة النوعية الخشبية ، وأنّ أخذ الجسم في قولهم : كل جسم لاقى ... إنّما هو للاشارة إلى عموم الحكم وعدم اختصاصه بنوع دون نوع آخر.

وأمّا النجاسات العينية فهي من القسم الأوّل ، فانّ النجاسات العينية امور مخصوصة كالكلب مثلاً ، فاذا وقع في مملحة وصار ملحاً ، لايصدق عليه الكلب ، بل هو نوع من الملح ، ولذا حكم المحقق الثاني قدس‌سره - على ما حكاه الشيخ (1)قدس‌سره عنه - بارتفاع النجاسة بالاستحالة في باب النجاسات دون المتنجسات.

وتحصّل مما ذكرناه : أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب العلم بكون القيد غير مقوّم للموضوع كما في القسم الثاني ، ليحرز اتحاد القضية المتيقنة والقضية


1) فرائد الاصول 2 : 694.

المشكوك فيها.

ومن هنا وقع الكلام بينهم في أنّ الموضوع المعتبر بقاؤه في جريان الاستصحاب هل هو مأخوذ من العقل ، أو من الدليل الشرعي ، أو من العرف. وليعلم أنّ الترديد بين الامور الثلاثة إنّما هو في الشبهات الحكمية فقط ، إذ الموضوع في الشبهات الموضوعية هي الامور الجزئية الخارجية ، وليس الدليل الشرعي متكفلاً ببيانها ، فانّه من المعلوم أنّ الدليل الدال على حرمة الخمر مثلاً لايدل على أنّ هذا المائع خمر أو ليس بخمر ، فلا يمكن أخذ الموضوع في الشبهات الموضوعية من الدليل الشرعي ، فالترديد فيها بين العقل والعرف.

وذكر الشيخ (1)قدس‌سره : أنّه لو اقتصر بالدقة العقلية ، لكان جريان الاستصحاب مختصاً بموارد الشك في الرافع.

وذكر صاحب الكفاية (2)قدس‌سره : أنّه لو اقتصر بالدقة العقلية لما بقي لجريان الاستصحاب مورد أصلاً ، إذ لو لم يقع التغير في الموضوع بوجه من الوجوه ، لم يقع الشك في الحكم ، ومع التغير بانقلاب وجودٍ إلى العدم أو العكس ، لا يكون الموضوع باقياً بالدقة العقلية ، فلا يجري الاستصحاب.

ويرد على ظاهر كلام الشيخ - مضافاً إلى ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره - أنّ الشيخ قدس‌سره قائل باختصاص جريان الاستصحاب بموارد الشك في الرافع ، مع قطع النظر عن اعتبار وحدة الموضوع بالدقة العقلية ، فلا يلزم محذور من الالتزام بوحدة الموضوع بالدقة العقلية ، مع أنّه ذكر هذا الكلام - أي لو اقتصر بالدقة العقلية لكان الاستصحاب مختصاً بموارد الشك في الرافع -


1) فرائد الاصول 2 : 693.

2) كفاية الاصول : 427.

استبعاداً (1)للقول بلزوم بقاء الموضوع بالدقة العقلية.

ولذا تصدى المحقق النائيني (2)قدس‌سره لتوجيه كلام الشيخ قدس‌سره في المقام ، وحاصل ما ذكره : أنّ الرافع تارةً يطلق ويراد به ما يقابل المقتضي ، فيراد به ما يمنع عن تأثير المقتضي لبقاء المقتضى بعد تاثيره في الحدوث ، سواء كان وجودياً أو عدمياً ، وهذا المعنى مراد الشيخ قدس‌سره في مقام التفصيل بين موارد الشك في المقتضي وموارد الشك في الرافع في حجية الاستصحاب ، فاذا كان شيء باقياً بنفسه إلى الأبد - ما لم يقع شيء موجب لارتفاعه كالنجاسة والطهارة - وشككنا في بقائه ، فلا محالة يكون الشك شكاً في وجود الرافع ، فيجري الاستصحاب. وإذا شككنا في بقاء شيء لاحتمال انتهاء أمده - لا لاحتمال وجود رافع له - كخيار الغبن بعد الاطلاع والتأخير في الفسخ ، فلا يجري الاستصحاب ، لكونه من موارد الشك في المقتضي. واخرى يطلق الرافع ويراد به ما يقابل المانع ، فيراد به الأمر الوجودي الذي يوجب رفع شيء عن صفحة الوجود وإعدامه بعد حدوثه ، والمانع عبارة عما يمنع عن حدوث الشيء.

وبعبارة اخرى : المانع عبارة عمّا اخذ عدمه في حدوث شيء ، والرافع عبارة عما اخذ عدمه في بقاء شيء بعد حدوثه ، كالطلاق بالنسبة إلى علاقة الزوجية. وهذا المعنى من الرافع مراد الشيخ قدس‌سره ها هنا ، والنسبة بين الرافع بهذا المعنى المقابل للمانع والرافع المقابل للمقتضي هو العموم المطلق ، لكون الرافع المقابل للمقتضي أعم من الوجودي والعدمي كما تقدّم ، بخلاف الرافع المقابل


1) [لا يظهر من عبارة الشيخ قدس‌سره انّه في صدد الاستبعاد فلاحظ].

2) أجود التقريرات 4 : 184 - 185 ، فوائد الاصول 4 : 577 - 579.

للمانع ، فانّه مختص بالوجودي كالمانع. هذا ملخص ما ذكره في توجيه كلام الشيخ قدس‌سره.

ولكنّ الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّه لو التزمنا بالدقة العقلية لما بقي مورد لجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية ، إذ الرافع التكويني في الأحكام الشرعية غير معقول ، فانّها من الاعتبارات التي وضعها ورفعها بيد الشارع ، فاذا شك في بقاء حكم شرعي بعد العلم بحدوثه لطروء تغير في موضوعه ، كان الشك راجعاً إلى اعتبار قيد في بقاء الحكم بجعل الشارع ، وبعد البناء على أخذ الموضوع بالدقة العقلية ، لا يجري الاستصحاب لا محالة.

وربّما يقال في المقام : إنّه لا بدّ من أخذ الموضوع من الدليل الشرعي ، لأنّ العقل مما لا مسرح له في الأحكام الشرعية ، وليس له التصرف في موضوعها ، وإنّما يرجع إليه في الأحكام العقلية : من الاستحالة ، والامكان وغيرهما.

وأمّا العرف فإن كان المراد من أخذ الموضوع منه أنّ موضوع الحكم الشرعي ما يفهمه العرف من الدليل الشرعي ولو بمعونة القرائن الداخلية أو الخارجية ، فلا ينبغي ذكره مقابلاً لأخذ الموضوع من لسان الدليل ، إذ المراد من الموضوع المأخوذ من الدليل ليس إلاّما يكون الدليل ظاهراً فيه بحسب فهم العرف ولو بمعونة القرائن. وإن كان المراد منه اتباع المسامحة العرفية في تطبيق الكلي على الفرد الخارجي ، فانّ العرف - بعد تشخيص الموضوع الكلي من لسان الدليل - ربما يتسامح في تطبيقه على الخارج ، فلا ينبغي الارتياب في عدم جواز الاعتماد على هذه المسامحة العرفية ، إذ العرف ليس مشرّعاً ولا يتبع نظره في قبال الدليل الشرعي ، وإنّما يتبع في تعيين مراد الشارع ، لأن خطابه وارد

على طبق متفاهم العرف ، فالمتعين أخذ الموضوع من لسان الدليل الشرعي.

وهذا الذي ذكره وإن كان صحيحاً ، إلاّأ نّه خارج عن محل الكلام ولا ربط له بالمقام ، إذ الكلام في بقاء الحكم في ظرف الشك المستفاد من أدلة الاستصحاب الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك ، من حيث إنّ جريان الاستصحاب والحكم بالبقاء متوقف على صدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحكم السابق ، وصدقه متوقف على بقاء الموضوع واتحاده في القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها ، فهل المرجع في بقاء الموضوع هو الدليل الأوّل الدال على ثبوت الحكم - بأن كان جريان الاستصحاب تابعاً لبقاء الموضوع المأخوذ في لسانه - أو الدليل الثاني الدال على الابقاء في ظرف الشك ، فانّ الموضوع فيه النقض والمضي ، فيكون جريان الاستصحاب تابعاً لصدق النقض والمضي في نظر العرف بلا لحاظ الموضوع المأخوذ في لسان الدليل الأوّل.

فالمراد من أخذ الموضوع من العرف أنّ جريان الاستصحاب تابع لصدق النقض عرفاً بلا نظر إلى الدليل الأوّل ، والمراد من أخذه من الدليل الشرعي هو الرجوع إلى الدليل الأوّل.

توضيح المقام : أنّ لسان الدليل الدال على ثبوت الحكم مختلف ، فتارةً يقول المولى مثلاً : إنّ المسافر يقصّر. واخرى يقول : إنّ المكلف إن سافر قصر ، فمفاد هذين الكلامين وإن كان واحداً بحسب اللب ، وهو وجوب القصر على المسافر ، وقد ذكرنا غير مرة (1)أنّ الوصف المأخوذ في الموضوع يرجع إلى القضية الشرطية ، وكذا القضية الشرطية ترجع إلى اعتبار قيد في الموضوع ، إلاّ أنّ لسانهما مختلف بحسب مقام الاثبات ، فانّ الموضوع في الأوّل هو عنوان


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 220 - 221.

المسافر ، وفي الثاني عنوان المكلف مع كون السفر شرطاً لوجوب القصر عليه ، فلو سافر أحد في أوّل الوقت ووصل إلى وطنه آخره ، وشك في أنّ الواجب عليه هل هو القصر لكونه مسافراً في أوّل الوقت ، أو التمام لكونه حاضراً في آخره.

فإن كان بيان وجوب القصر على المسافر بمثل الكلام الأوّل ، لا يمكن جريان الاستصحاب فيه ، إذ الموضوع لوجوب القصر هو المسافر ، وهو حاضر حين الشك ، فلا يكون موضوع القضية المتيقنة والمشكوك فيها واحداً. وكذا لا يمكن الحكم بعدم وجوب القصر عليه تمسكاً بمفهوم الوصف ، إذ الوصف الذي ربما قيل بحجيته هو الوصف المعتمد على الموصوف ، كقولنا : المكلف المسافر يقصّر ، بخلاف الوصف غير المعتمد كما في المقام ، فانّه ليس له مفهوم اتفاقاً.

وإن كان بيان وجوب القصر بمثل الكلام الثاني ، فلا مانع من جريان الاستصحاب ، لكون الموضوع المأخوذ فيه هو المكلف ، وهو باقٍ في ظرف الشك ، ولا يمكن التمسك بمفهوم الشرط وإن كان حجةً ، إذ مفاده عدم وجوب القصر على من لم يسافر ، ولا يستفاد منه عدم وجوب القصر في مفروض المثال ، لاحتمال أن يكون السفر دخيلاً في حدوث وجوب القصر عليه فقط ، فيكون القصر واجباً عليه بعد تحقق السفر ولو بعد انعدامه كما في المثال ، وأن يكون دخيلاً في وجوب القصر حدوثاً وبقاءً ، فيكون وجوب القصر دائراً مدار وجود السفر ، فلا يجب عليه القصر في مفروض المثال ، فتصل النوبة إلى استصحاب وجوب القصر ، ولا مانع منه كما ذكرناه. هذا كله بناءً على أخذ الموضوع من الدليل الأوّل الدال على ثبوت الحكم ، فلا يمكن جريان الاستصحاب إن كان من قبيل الكلام الأوّل ، ولا مانع منه إن كان من قبيل الكلام الثاني.

وأمّا إن قلنا بأنّ المرجع في بقاء الموضوع هو الدليل الثاني الدال على الابقاء في ظرف الشك ، فجريان الاستصحاب تابع لصدق نقض اليقين بالشك ، ففي موردٍ يصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحكم السابق عرفاً يجري الاستصحاب ويحكم بالبقاء وإن كان الدليل الدال على ثبوت الحكم من قبيل الكلام الأوّل ، وفي موردٍ لا يصدق النقض المذكور عرفاً ، لا يجري الاستصحاب وإن كان الدليل الدال على ثبوت الحكم من قبيل الكلام الثاني ، وهذا هو الفارق بين كون الموضوع مأخوذاً من الدليل وبين كونه مأخوذاً من العرف.

وظهر بما ذكرناه - من تحقيق الفرق - أنّ الحق في المقام كون الموضوع مأخوذاً من العرف ، بمعنى أنّ جريان الاستصحاب تابع لصدق النقض عرفاً بمقتضى دليله الدال على حرمة نقض اليقين بالشك ، وقد ذكرنا أنّ الأوصاف مختلفة في نظر العرف ، فمنها ما هو مقوّم للموضوع ، فبعد انتفائه لا يصدق النقض ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه. ومنها ما هو غير مقوّم ، فبانتفائه يصدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن الحكم السابق ، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه. ولذا ذكرنا في مباحث الفقه (1): أنّه لو قال البائع : بعتك هذا الفرس فبان كونه شاةً ، يكون البيع باطلاً ، لكون الصورة النوعية مقوّمة للمبيع. ولو قال : بعتك هذا العبد الكاتب أو بشرط أن يكون كاتباً ، فانكشف الخلاف فالبيع صحيح ، لعدم كون الوصف مقوّماً للمبيع بنظر العرف ، بل من أوصاف الكمال ، فللمشتري الخيار. هذا تمام الكلام في اعتبار الوحدة في القضية المتيقنة والمشكوك فيها.

ولنختم الكلام في الاستصحاب بذكر امور :


1) مصباح الفقاهة 7 : 66.

الأمر الأوّل : قد ذكرنا مراراً أنّ المستفاد من أدلة الاستصحاب حرمة نقض اليقين بالشك ، ولا يصدق النقض المذكور إلاّفيما إذا كان الشك متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين ، غاية الأمر أنّ اليقين قد تعلق به حدوثاً ، والشك قد تعلق به بقاءً.

وبهذا يظهر أنّ أخبار الاستصحاب لا تشمل موارد قاعدة المقتضي والمانع ، إذ اليقين فيها متعلق بوجود المقتضي ، والشك فيها متعلق بوجود المانع ، فاذا صببنا الماء لتحصيل الطهارة من الخبث مثلاً ، وشككنا في تحقق الغسل لاحتمال وجود مانع من وصول الماء ، فلنا يقين بوجود المقتضي - وهو انصباب الماء - وشك في وجود المانع ، فعدم ترتيب آثار الطهارة لا يصدق عليه نقض اليقين بالشك ، لعدم تعلق اليقين بالطهارة ، بل بوجود المقتضي. وليست الطهارة من آثار وجوده فقط ، بل تتوقف على عدم المانع أيضاً ، والمفروض أنّه لا يقين بوجود المقتضي وعدم المانع لتكون الطهارة متيقنة. وبالجملة بعد كون اليقين متعلقاً بشيء والشك متعلقاً بشيء آخر ، لا يكون عدم ترتيب الأثر على الشك من نقض اليقين بالشك ، فلا يكون مشمولاً لأدلة الاستصحاب ، وهو ظاهر.

وقد يتمسك في موارد قاعدة المقتضي والمانع بأصالة عدم المانع ، فبعد إحراز صب الماء بالوجدان وعدم المانع بالأصل ، يحكم بوجود الطهارة.

وفيه : أنّ الأثر الشرعي ليس مترتباً على عدم الحاجب ، بل على الغسل ، ولا يمكن إثبات الغسل بأصالة عدم الحاجب إلاّعلى القول بالأصل المثبت.

وقد يتمسك لاثبات هذه القاعدة بسيرة العقلاء ، بدعوى استقرارها على الحكم بوجود المعلول بعد العلم بوجود المقتضي مع الشك في وجود المانع.

وفيه : أنّه لم يثبت لنا استقرار هذه السيرة ، بل ثبت خلافها ، فانّه لو رمى

حجراً إلى أحد وشك في وجود المانع عن وصوله إليه مع العلم بأ نّه لو وصل إليه لقتله ، فهل يحكم العقلاء بتحقق القتل وجواز القصاص؟

فتحصل مما ذكرناه : أن قاعدة المقتضي والمانع ليست مشمولة لأدلة الاستصحاب ، ولم يتضح لنا دليل آخر على حجيتها.

والعمدة في المقام هو الكلام في أنّ أدلة الاستصحاب شاملة لقاعدة اليقين وموارد الشك الساري أم لا؟ وليعلم أنّ احتمال اختصاص الأخبار بقاعدة اليقين ساقط ، لكون مورد جملة منها هو الاستصحاب والشك الطارئ كصحيحتي زرارة الاولى والثانية (1)وعدّة من الروايات الاخر. ولا يمكن الالتزام بخروج المورد ، فيدور الأمر بين اختصاص الأخبار بالاستصحاب وشمولها له ولقاعدة اليقين أيضاً.

وذكر المحقق النائيني (2)قدس‌سره - لاختصاصها بالاستصحاب وعدم شمولها للقاعدة - وجوهاً :

الوجه الأوّل : أنّ التعبد الاستصحابي ناظر إلى البقاء في ظرف الشك فيه بعد كون الحدوث محرزاً ، بخلاف القاعدة فانّ التعبد فيها إنّما هو بالحدوث بعد كونه غير محرز ، وفرض الاحراز وفرض عدمه لا يمكن جمعهما في دليل واحد.

الوجه الثاني : أنّ اليقين في القاعدة ليس مغايراً لليقين في الاستصحاب ، إذ تغاير أفراد اليقين إنّما هو بتغاير متعلقاته كعدالة زيد وقيام عمرو ، ومتعلق اليقين في القاعدة والاستصحاب شيء واحد كعدالة زيد يوم الجمعة مثلاً ، فاذا


1) تقدّمتا في ص 14 ، 58.

2) أجود التقريرات 4 : 189 - 191 ، فوائد الاصول 4 : 588 - 590.

تيقنا بعدالة زيد يوم الجمعة وتعقبه الشك في البقاء المعبّر عنه بالشك الطارئ ، يكون مورداً للاستصحاب ، وإذا تعقّبه الشك في مطابقته للواقع المعبّر عنه بالشك الساري يكون مورداً للقاعدة ، فهذا اليقين الواحد محكوم بحرمة النقض حال وجوده في باب الاستصحاب ، ومحكوم بحرمة النقض حال عدمه في القاعدة. ولايمكن إنشاء حكم واحد على وجود الشيء وعدمه في دليل واحد ، وحيث إنّ قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» ناظر إلى جهة طريقية اليقين كما أنّها ذاتية له ، فلا يشمل موارد القاعدة ، لأنّ طريقية اليقين فيها قد زالت بتبدله بالشك الساري.

ودعوى أنّ المشتق موضوع للأعم من المتلبس والمنقضي عنه المبدأ فيشمل موارد الاستصحاب باعتبار وجود اليقين الفعلي ، وموارد القاعدة باعتبار وجود اليقين السابق.

مدفوعة بأنّ الوضع للأعم على تقدير التسليم إنّما هو في المشتقات الاصطلاحية كاسم الفاعل والمفعول وأمثالهما ، لا في الجوامد وما هو شبيه بها. والمذكور في الأخبار لفظ اليقين وهو من الجوامد ، أو شبيه بها في عدم كونه موضوعاً للقدر المشترك بين وجود صفة اليقين وعدم وجودها. نعم ، لو كان المذكور في الأخبار لفظ المتيقن ، لأمكن دعوى شموله للمتيقن باليقين السابق باعتبار كون المشتق موضوعاً للأعم من المتلبس والمنقضي عنه المبدأ.

إن قلت : لا مانع من شمول الأخبار لموارد القاعدة باعتبار وجود اليقين سابقاً ، فيكون المعنى لا تنقض اليقين الذي كان موجوداً بالشك.

قلت : هذا المعنى خلاف الظاهر ، فان ظاهر قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» هو حرمة نقض اليقين الفعلي بالشك.

الوجه الثالث : أنّ المتيقن غير مقيد بالزمان في باب الاستصحاب ومقيد به في القاعدة ، فلا يمكن الجمع بينهما في دليل واحد.

توضيح ذلك : أنّ اجتماع اليقين والشك في شيء واحد - على نحو يكون زمانهما واحداً مع وحدة زمان متعلقهما - مستحيل بالضرورة ، فلا بدّ في اجتماعهما في شيء واحد من الاختلاف في الزمان ، إمّا من حيث المتعلق كما في موارد الاستصحاب ، فان متعلق اليقين هو عدالة زيد يوم الجمعة مثلاً ، ومتعلق الشك هو عدالته يوم السبت ، سواء كان حدوث اليقين والشك في زمان واحد أو في زمانين. وإمّا من حيث نفس اليقين والشك كما في موارد القاعدة ، فان متعلق اليقين والشك فيها هو عدالة زيد يوم الجمعة مثلاً ، مع كون الشك متأخراً عن اليقين زماناً ، فيكون الزمان في موارد القاعدة قيداً للمتيقن ، وفي موارد الاستصحاب ظرفاً لا قيداً ، فكيف يمكن اعتبار كون الزمان قيداً وغير قيد في دليل واحد.

هذه هي الوجوه التي ذكرها العلاّمة النائيني قدس‌سره لاختصاص الأخبار بالاستصحاب وعدم شمولها للقاعدة.

وللنظر في كل واحد منها مجال واسع ، أمّا الوجه الأوّل ، ففيه : أنّ الموضوع هو اليقين المتعقب بالشك ، وحكمه حرمة نقضه به ، وكون الحدوث محرزاً أو غير محرز مما لا دخل له في الحكم المذكور ، بل هما من خصوصيات الموارد ، إذ الشك المسبوق باليقين قد يكون متعلقاً ببقاء ما تعلق به اليقين ، فيكون حدوثه محرزاً باليقين في ظرف الشك ، وقد يكون متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين ، فيكون حدوثه غير محرز ، لكون الشك متعلقاً بحدوثه. والاختلاف الناشئ من خصوصيات الموارد لا يمنع عن التمسك باطلاق القضية الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك ، كما أنّ اختلاف خصوصيات موارد الاستصحاب لا يمنع عن

شمول إطلاق أدلته لها ، فيكون مفاد قوله عليه‌السلام : «لا تنقض ...» هو إلغاء الشك تعبداً ، فإن كان متعلقاً بالبقاء فمفاده التعبد بالبقاء ، وإن كان متعلقاً بالحدوث فمفاده التعبد بالحدوث.

وأمّا الوجه الثاني ، ففيه : أنّ اليقين في موارد القاعدة أيضاً كان موجوداً ، فلا مانع من شمول الأخبار لها حال وجود اليقين ، فالمتيقن بوجود شيء مكلف بعدم نقض يقينه بالشك ، سواء كان الشك متعلقاً بالبقاء أو بالحدوث. وما ذكره من أن طريقية اليقين قد زالت في موارد القاعدة بتبدله بالشك ، مدفوع بأنّ الطريقية الوجدانية مفقودة في مورد الاستصحاب أيضاً ، لكون الشك متعلقاً بالبقاء ، ومجرد اليقين بالحدوث لا يكون طريقاً وجدانياً إلى البقاء كما هو ظاهر. وأمّا الطريقية التعبدية فيمكن جعلها من قبل الشارع في المقامين ، فلا فرق بين القاعدة والاستصحاب من هذه الجهة أيضاً.

وأمّا الوجه الثالث : فيرد عليه ما ذكرناه في الوجه الأوّل ، فان كون الزمان قيداً أو ظرفاً إنّما هو من خصوصيات المورد ، فتارةً يكون الشك متعلقاً بالحدوث لاحتمال كون اليقين السابق مخالفاً للواقع ، فيكون متعلق الشك واليقين واحداً حتى من حيث الزمان ، وهو معنى كون الزمان قيداً. واخرى يكون متعلقاً ببقاء ما تعلق به اليقين ، وهو معنى كون الزمان ظرفاً ، ولم يؤخذ في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض ...» كون الزمان قيداً أو ظرفاً كي يقال : لايمكن اعتبار الزمان قيداً وغير قيد في دليل واحد ، بل الموضوع فيه هو اليقين المتعقب بالشك والحكم حرمة نقضه به ، وإطلاقه يشمل ما كان الزمان فيه قيداً أو ظرفاً ، أي ما كان الشك متعلقاً بالحدوث أو بالبقاء.

فتلخص مما ذكرناه في المقام : أنّه لا مانع من شمول جعل واحد لقاعدة اليقين والاستصحاب في مقام الثبوت. نعم ، لا يمكن شمول أخبار الباب للقاعدة

في مقام الاثبات ، لأمرين : أحدهما : راجع إلى عدم المقتضي. ثانيهما : راجع إلى وجود المانع.

أمّا الأوّل : فلأن ظاهر قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» عدم جواز نقض اليقين الفعلي بالشك الفعلي ، إذ ظاهر القضايا إثبات الأحكام للموضوعات الفعلية ، بلا فرق بين كونها متكفلةً لبيان الأحكام الواقعية أو الظاهرية ، فانّ ظاهر قولنا : الخمر حرام ، إثبات الحرمة للخمر الفعلي لا لما كان خمراً في وقت وإن لم يكن خمراً بالفعل ، وكذا ظاهر قوله عليه‌السلام : «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» (1)رفع ما هو مجهول بالفعل لا رفع ما كان مجهولاً في وقت ، فظاهر قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» حرمة نقض اليقين الفعلي بالشك. ولفظ النقض المستفاد من قوله عليه‌السلام : «لا تنقض» ظاهر في وحدة متعلق اليقين والشك من جميع الجهات حتى من حيث الزمان ، وإلاّ لا يصدق النقض.

والتحفظ على هذين الظهورين مستحيل ، لعدم إمكان اجتماع اليقين والشك الفعليين في شيء واحد من جميع الجهات حتى من حيث الزمان ، فلا بدّ من رفع اليد عن أحدهما ، ومن المعلوم أنّ رفع اليد عن الظهور الأوّل يوجب اختصاص الأخبار بموارد القاعدة ، لعدم اليقين فيها ، كما أنّ رفع اليد عن الظهور الثاني يوجب اختصاصها بالاستصحاب ، لاختلاف متعلق اليقين والشك من حيث الزمان في موارد الاستصحاب ، وحيث إنّ الإمام عليه‌السلام طبّقها على موارد اختلاف متعلق اليقين والشك من حيث الزمان ، فانّه عليه‌السلام حكم بعدم جواز نقض اليقين بالشك في جواب سؤال الراوي بقوله : «فان حرّك في


1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

جنبه شيء وهو لا يعلم» (1)ومن المعلوم أنّ متعلق اليقين هو الطهارة قبل حركة شيء في جنبه ، ومتعلق الشك هو الطهارة بعدها ، فعلم أنّ الظهور الثاني ليس بمراد قطعاً ، فبقي الظهور الأوّل بحاله ، فلا يشمل موارد قاعدة اليقين ، لعدم وجود اليقين الفعلي فيها.

وأمّا الثاني : أي عدم شمول الأخبار للقاعدة لوجود المانع ، فلأنّ القاعدة معارضة بالاستصحاب دائماً ، إذ الشك في موارد القاعدة مسبوق بيقينين يكون باعتبار أحدهما مورداً للاستصحاب ، وباعتبار الآخر مورداً للقاعدة ، فيقع التعارض بينهما ، فاذا تيقنا بعدالة زيد يوم الجمعة مثلاً ، وشككنا يوم السبت في عدالته يوم الجمعة لاحتمال كون اليقين السابق جهلاً مركباً ، فباعتبار هذا اليقين تجري القاعدة ، ومقتضاها الحكم بعدالة زيد يوم الجمعة ، وحيث إنّه لنا يقين بعدم عدالته سابقاً وشك فيها يوم الجمعة ، يجري الاستصحاب ، ومقتضاه الحكم بعدم عدالته يوم الجمعة ، فلا محالة يقع التعارض بينهما ، فلا يمكن اجتماعهما في دليل واحد ، إذ جعل الحجية للمتعارضين بجعل واحد غير معقول. نعم ، لو دل دليل آخر - غير أدلة الاستصحاب - على حجية القاعدة ، لم يكن مانع من الأخذ به.

وتوهم أنّ التعبد بالمتعارضين مما لا يمكن ولو بدليلين ، مدفوع بأ نّه مع تعدد الدليل نخصص دليل الاستصحاب بدليل القاعدة ، بخلاف ما إذا كان الدليل واحداً ، فانّ شموله للمتعارضين مما لا معنى له. نعم ، يمكن فرض جريان القاعدة في موردٍ لا يكون فيه معارضاً بالاستصحاب ، ولكنّه نادر لا يمكن حمل الأخبار عليه.


1) تقدّمت الرواية في ص 14.

وظهر بما ذكرناه عدم إمكان شمول دليل واحد للاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع أيضاً ، مع قطع النظر عما ذكرناه سابقاً (1)، فان قاعدة المقتضي والمانع أيضاً معارضة بالاستصحاب دائماً ، فلا يمكن شمول دليل واحد لكليهما.

الأمر الثاني : أنّه لا إشكال ولا خلاف في عدم جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة على ارتفاع المتيقن ، بل يجب العمل بها ، وإنّما الكلام في وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب ، وأ نّه من باب التخصيص أو الورود أو الحكومة ، فذهب بعضهم إلى أنّه من باب التخصيص ، بدعوى أنّ النسبة بين أدلة الاستصحاب وأدلة الامارات وإن كانت هي العموم من وجه ، إلاّأ نّه لا بدّ من تخصيص أدلة الاستصحاب بأدلة الأمارات وتقديمها عليها ، لأنّ النسبة المتحققة بين الأمارات والاستصحاب هي النسبة بينها وبين جميع الاصول العملية ، فلو عمل بالاصول لم يبق مورد للعمل بالأمارات ، فيلزم إلغاؤها ، إذ من الواضح أنّه لا يوجد مورد من الموارد إلاّوهو مجرى لأصل من الاصول العملية مع قطع النظر عن الأمارة القائمة فيه.

وفيه أوّلاً : أنّ أدلة الاستصحاب في نفسها بعيدة عن التخصيص ، فان ظاهر قوله عليه‌السلام : «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» (2)إرجاع الحكم إلى قضية ارتكازية ، وهي عدم جواز رفع اليد عن الأمر المبرم بأمر غير مبرم ، وهذا المعنى آبٍ عن التخصيص ، إذ مرجعه إلى أنّه في مورد خاص يرفع اليد عن الأمر المبرم بأمر غير مبرم ، وهو خلاف الارتكاز. ونظير المقام أدلة حرمة العمل بالظن ، فانّ مثل قوله تعالى : ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ*


1) في ص 286.

2) تقدّمت الرواية في ص 58.

شَيْئاً ) (1)غير قابل للتخصيص ، إذ مرجعه إلى أنّ الظن الفلاني يغني عن الحق ، ولا يمكن الالتزام به كما هو ظاهر.

وثانياً : مع الغض عن إبائها عن التخصيص ، أنّ التخصيص في رتبة متأخرة عن الورود والحكومة ، لأنّ التخصيص رفع الحكم عن الموضوع ، ومع انتفاء الموضوع بالوجدان كما في الورود أو بالتعبد كما في الحكومة لا تصل النوبة إلى التخصيص ، وسنبين أنّه لا موضوع للاستصحاب مع الأمارة على وفاقه أو على خلافه.

وذهب صاحب الكفاية (2)قدس‌سره وبعض من المحققين إلى أنّ تقديم الأمارات على الاصول من باب الورود لوجوه :

الوجه الأوّل : أنّ ذكر اليقين في قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» (3)ليس من باب كونه صفةً خاصةً ، بل من باب كونه من مصاديق الحجة ، فهو بمنزلة أن يقال : انقضه بالحجة ، وإنّما ذكر خصوص اليقين لكونه أعلى أفراد الحجة ، لكون الحجية ذاتية له وغير مجعولة ، فخصوصية اليقين مما لا دخل له في رفع اليد عن الحالة السابقة بل ترفع اليد عنها مع قيام الحجة على الارتفاع ، بلا فرق بين اليقين وغيره من الأمارات المعتبرة ، فموضوع الاستصحاب هو الشك في البقاء مع عدم قيام الحجة على الارتفاع أو البقاء ، فمع قيام الأمارة ينتفي موضوع الاستصحاب ، والورود ليس إلاّانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه.

وفيه : أنّ تصور هذا المعنى وإن كان صحيحاً في مقام الثبوت ، إلاّأنّ مقام


1) يونس 10 : 36 ، النجم 53 : 28.

2) كفاية الاصول : 429.

3) ورد مضمونه في صحيحة زرارة الاولى وقد تقدّمت في ص 14.

الاثبات لا يساعد عليه ، إذ ظاهر الدليل كون خصوص اليقين موجباً لرفع اليد عن الحالة السابقة ، وكون اليقين مأخوذاً من باب الطريقية مسلّم ، إلاّأنّ ظاهر الدليل كون هذا الطريق الخاص ناقضاً للحالة السابقة.

الوجه الثاني : أنّ المحرّم هو نقض اليقين استناداً إلى الشك على ما هو ظاهر قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» ومع قيام الأمارة لا يكون النقض مستنداً إلى الشك ، بل إلى الأمارة ، فيخرج عن حرمة النقض خروجاً موضوعياً ، وهو معنى الورود.

وفيه أوّلاً : أنّ دليل الاستصحاب لا يساعد على هذا المعنى ، إذ ليس المراد من قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» حرمة نقض اليقين من جهة الشك واستناداً إليه ، بحيث لو كان رفع اليد عن الحالة السابقة بداعٍ آخر ، كاجابة دعوة مؤمن مثلاً لم يحرم النقض ، بل المراد حرمة نقض اليقين عند الشك بأيّ داعٍ كان.

وثانياً : أنّ المراد من الشك خلاف اليقين ، كما ذكرناه سابقاً (1)واختاره صاحب الكفاية (2)قدس‌سره أيضاً ، فيكون مفاد الرواية عدم جواز النقض بغير اليقين ووجوب النقض باليقين ، والنتيجة حصر الناقض في اليقين ، فيكون مورد قيام الأمارة مشمولاً لحرمة النقض لعدم كونها مفيدةً لليقين على الفرض.

الوجه الثالث : أنّ رفع اليد عن المتيقن السابق لقيام الأمارة على ارتفاعه ليس إلاّلأجل اليقين بحجية الأمارة ، إذ الامور الظنية لا بدّ وأن تنتهي إلى


1) في التنبيه الرابع عشر في ص 268.

2) كفاية الاصول : 425 / التنبيه الرابع عشر.

العلم ، وإلاّ يلزم التسلسل ، وقد ذكرنا (1)عند التعرض لحرمة العمل بالظن أنّ المراد حرمة العمل بما لا يرجع بالأخرة إلى العلم ، إمّا لكونه بنفسه مفيداً للعلم وإمّا للعلم بحجيته ، فبعد العلم بحجية الأمارات يكون رفع اليد عن المتيقن السابق لأجل قيام الأمارة من نقض اليقين باليقين ، فلا يبقى موضوع للاستصحاب.

وفيه : أنّ ظاهر قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» كون اليقين الثاني متعلقاً بارتفاع ما تعلق بحدوثه اليقين الأوّل ، ليكون اليقين الثاني ناقضاً لليقين الأوّل ، بل بعض الأخبار صريح في هذا المعنى ، وهو قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : «لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام» (2)فجعل فيه الناقض لليقين بالطهارة اليقين برافعها وهو النوم. وليس اليقين الثاني في مورد قيام الأمارة متعلقاً بارتفاع ما تعلق به اليقين الأوّل ، بل بشيء آخر وهو حجية الأمارات ، فلا يكون مصداقاً لنقض اليقين باليقين ، بل من نقض اليقين بغير اليقين.

فتحصّل مما ذكرناه في المقام : أنّ تقديم الأمارات على الاستصحاب لا بدّ من أن يكون من باب الحكومة ، لما ظهر من بطلان التخصيص والورود ، وتقريب كونه من باب الحكومة يحتاج إلى بيان الفرق بين التخصيص والورود والحكومة.

فنقول : التخصيص هو رفع الحكم عن الموضوع بلا تصرف في الموضوع كقوله عليه‌السلام : «نهى النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله عن بيع الغرر» (3)فانّه


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 133.

2) تقدّمت الصحيحة في ص 14.

3) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3.

تخصيص لقوله تعالى : ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1)لكونه رافعاً للحلية بلا تصرف في الموضوع بأن يقال : البيع الغرري ليس بيعاً مثلاً ، وكذا سائر أمثلة التخصيص.

ويقابله التخصص مقابلة تامة ، إذ هو عبارة عن الخروج الموضوعي التكويني الوجداني بلا إعمال دليل شرعي ، كما إذا أمر المولى بوجوب إكرام العلماء ، فالجاهل خارج عنه خروجاً موضوعياً تكوينياً بالوجدان بلا احتياج إلى دليل شرعي. وما بين التخصيص والتخصص أمران متوسطان : وهما الورود والحكومة.

أمّا الورود فهو عبارة عن انتفاء الموضوع بالوجدان لنفس التعبد لا لثبوت المتعبد به ، وإن كان ثبوته لا ينفك عن التعبد إلاّأن ثبوته إنّما هو بالتعبد ، وأمّا نفس التعبد فهو ثابت بالوجدان لا بالتعبد ، وإلاّ يلزم التسلسل ، وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الاصول العقلية : كالبراءة العقلية والاحتياط العقلي والتخيير العقلي ، فانّ موضوع البراءة العقلية عدم البيان ، وبالتعبد يثبت البيان وينتفي موضوع حكم العقل بالبراءة بالوجدان. وموضوع الاحتياط العقلي احتمال العقاب ، وبالتعبد الشرعي وقيام الحجة الشرعية يرتفع احتمال العقاب ، فلا يبقى موضوع للاحتياط العقلي. وموضوع التخيير العقلي عدم الرجحان مع كون المورد مما لا بدّ فيه من أحد الأمرين ، كما إذا علم بتحقق الحلف مع الشك في كونه متعلقاً بفعل الوطء أو تركه ، فانّه لا بدّ من الفعل أو الترك ، لاستحالة ارتفاع النقيضين كاجتماعهما ، ومع قيام الأمارة على أحدهما يحصل الرجحان وينتفي موضوع حكم العقل بالتخيير وجداناً.

وأمّا الحكومة فهي عبارة عن انتفاء الموضوع لثبوت المتعبد به بالتعبد


1) البقرة 2 : 275.

الشرعي ، وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الاصول الشرعية التي منها الاستصحاب ، فانّه بعد ثبوت ارتفاع المتيقن السابق بالتعبد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب ، إذ موضوعه الشك وقد ارتفع تعبداً ، وإن كان باقياً وجداناً لعدم كون الأمارة مفيدةً للعلم على الفرض. وكذا سائر الاصول الشرعية فانّه بعد كون الأمارة علماً تعبدياً لما في تعبير الأئمة عليهم‌السلام عمّن قامت عنده الأمارة بالعارف والفقيه والعالم (1)لا يبقى موضوع لأصل من الاصول الشرعية تعبداً.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب الورود ، إذ بمجرد ثبوت التعبد بالأمارة لا يرتفع موضوع التعبد بالاستصحاب ، لكونه الشك وهو باقٍ بعد قيام الأمارة على الفرض ، بل تقديمها عليه إنّما هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقةً بين الدليل الحاكم والمحكوم عليه.

توضيح ذلك : أنّ القضايا الحقيقية متكفلة لاثبات الحكم على تقدير وجود الموضوع ، وليست متعرضة لبيان وجود الموضوع نفياً وإثباتاً - بلا فرق بين كونها من القضايا الشرعية أو العرفية : إخبارية كانت أو إنشائية - فانّ مفاد قولنا : الخمر حرام ، إثبات الحرمة على تقدير وجود الخمر ، وأمّا كون هذا المائع خمراً أو ليس بخمر ، فهو أمر خارج عن مدلول الكلام ، وحيث إنّ دليل الحاكم شأنه التصرف في الموضوع ، فلا منافاة بينه وبين الدليل المحكوم الدال على ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع ، فلا منافاة بين الدليل الدال على حرمة الخمر والدليل الدال على أنّ هذا المائع ليس بخمر. وكذا لا منافاة بين


1) الوسائل 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 و 6 وغيرهما.

قوله تعالى : ( وَحَرَّمَ الرِّبا ) (1)وبين قوله عليه‌السلام : «لا ربا بين الوالد والولد» (2)إذ مفاد الأوّل ثبوت الحرمة على تقدير وجود الربا ، ومفاد الثاني عدم وجوده ، وبعد انتفاء الربا بينهما بالتعبد الشرعي تنتفي الحرمة لا محالة.

وكذا لا منافاة بين أدلة الاستصحاب والأمارة القائمة على ارتفاع الحالة السابقة ، فان مفاد أدلة الاستصحاب هو الحكم بالبقاء على تقدير وجود الشك فيه ، ومفاد الأمارة هو الارتفاع وعدم البقاء ، وبعد ثبوت الارتفاع بالتعبد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب. ولا فرق في عدم جريان الاستصحاب مع قيام الأمارة بين كونها قائمة على ارتفاع الحالة السابقة أو على بقائها ، إذ بعد ارتفاع الشك بالتعبد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب في الصورتين ، فكما لا مجال لجريان استصحاب النجاسة بعد قيام البينة على الطهارة ، فكذا لا مجال لجريانه بعد قيام البينة على بقاء النجاسة.

وظهر بما ذكرناه فساد ما في الكفاية (3)من أنّ لازم القول بكون تقديم الأمارات على الاستصحاب من باب الحكومة جريان الاستصحاب فيما إذا قامت الأمارة على بقاء الحالة السابقة.

وقد يتوهم أنّ كون الأمارة حاكمةً على الاستصحاب إنّما يصح على المسلك المعروف في الفرق بين الأمارات والاصول ، من أنّه قد اخذ في موضوعها الشك ، بخلاف الأمارة فانّ أدلتها مطلقة ، فانّ الأمارة مزيلة للشك بالتعبد الشرعي ،


1) البقرة 2 : 275.

2) ورد مضمونه في الوسائل 18 : 135 / أبواب الربا ب 7 ح 1 وغيره.

3) كفاية الاصول : 429.

فينتفي موضوع الاستصحاب. والاستصحاب لايوجب ارتفاع موضوع الأمارة ، إذ لم يؤخذ في موضوعها الشك ، بخلاف ما سلكناه من المسلك من أنّ الجهل بالواقع مأخوذ في موضوع الأمارات أيضاً على ما بيناه سابقاً (1).

وهو مدفوع بما ذكرناه في المقام لتقريب حكومة الأمارة على الاستصحاب من أنّ مفاد الحكومة عدم المنافاة حقيقة بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم ، لأن مفاد الحاكم انتفاء موضوع المحكوم بالتعبد الشرعي ، ومفاد المحكوم ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع ، فلا منافاة بينهما ، وعليه تكون الأمارة حاكمةً على الاستصحاب على المسلك المختار أيضاً ، فانّ الأمارة القائمة على ارتفاع الحالة السابقة تثبت انتفاء المتيقن السابق تعبداً ، فلا يبقى موضوع للاستصحاب.

الأمر الثالث : في تعارض الاستصحاب مع غيره ، ويقع الكلام في مراحل :

المرحلة الاولى : في تعارض الاستصحاب مع الأمارات ، وقد تقدم الكلام فيه وأنّ الأمارة حاكمة على الاستصحاب ، ولا يكون تقديمها عليه من باب التخصيص ولا من باب الورود لما تقدم ، ولا من باب التوفيق العرفي لعدم ثبوت التوفيق سوى الأوجه الثلاثة : من التخصيص والورود والحكومة.

المرحلة الثانية : في تعارض الاستصحاب مع سائر الاصول العملية ، ولا إشكال في تقدم الاستصحاب على جميع الاصول الشرعية والعقلية ، إنّما الكلام في وجه تقدمه عليها ، والظاهر أنّ تقدم الاستصحاب على الاصول العقلية من باب الورود ، لارتفاع موضوعها بالتعبد الاستصحابي ، فانّ موضوع البراءة


1) في التنبيه الثامن ص 181.

العقلية عدم البيان ، ومع حكم الشارع بالبناء على الحالة السابقة يثبت البيان ، وينتفي موضوع حكم العقل بالبراءة. وكذا الكلام في سائر الاصول العقلية من الاحتياط والتخيير.

وأمّا الاصول الشرعية ، فحال الاستصحاب معها حال الأمارات مع الاستصحاب في أنّ تقدمه عليها من باب الحكومة ، ووجهه يظهر مما تقدم ، ولا سيما مع كونه من الأمارات في الحقيقة.

المرحلة الثالثة : في تعارض الاستصحابين ، وقبل التعرض لحكم تعارض الاستصحابين لا بدّ من التنبيه على أمر قد تقدم ذكره في بحث الترتب (1)وهو : أنّ تنافي الحكمين تارةً يكون في مقام الجعل ، وهو على قسمين : أحدهما أن يكون التنافي بينهما ذاتياً بحيث يلزم من جعلهما اجتماع النقيضين أو الضدين ، كما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وعدم وجوبه ، أو بين وجوب شيء وحرمته.

ثانيهما : أن يكون التنافي بينهما عرضياً ، كما في دوران الأمر بين وجوب الظهر والجمعة ، إذ لا منافاة بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة ذاتاً بحيث يلزم من اجتماعهما محذور اجتماع النقيضين أو الضدين ، إلاّأ نّه بعد العلم الاجمالي بعدم جعل أحدهما ، يكون جعل أحدهما منافياً لجعل الآخر ، ولذا يسمى بالتنافي العرضي. والحكم في كليهما الرجوع إلى المرجحات السندية ، وسيأتي الكلام فيها في مبحث التعادل والترجيح (2)إن شاء اللّه تعالى.

واخرى يكون التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال لعدم قدرة المكلف على امتثالهما ، والحكم فيه وجوب الأخذ بالأهم ، أو بما لا بدل له ، أو ما اخذت فيه


1) محاضرات في اصول الفقه 3 : 1 وما بعدها.

2) في ص 495 وما بعدها.

القدرة العقلية ، وترك ما اخذت فيه القدرة الشرعية على ما يأتي أيضاً في مبحث التعادل والترجيح (1)إن شاء اللّه تعالى.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ التنافي بين الاستصحابين أيضاً قد يكون بحسب مقام الجعل وقد يكون بحسب مقام الامتثال ، فإن كان التنافي بينهما في مقام الامتثال لعجز المكلف عن العمل بكليهما ، كما إذا شك في بقاء نجاسة المسجد وارتفاعها بالمطر مثلاً مع الشك في إتيان الصلاة وهو في الوقت ، فالحكم فيه ما تقدم من الأخذ بالأهم وبغيره من الامور المذكورة.

وقد يتوهّم عدم جواز الأخذ بالأهم وبغيره من الامور المذكورة في المقام ، إذ الاستصحاب شيء واحد ، ونسبة قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» إلى جميع أفراده على حد سواء ، بلا فرق بين كون المورد أهم أو غيره ، وبين كونه مما لا بدل له أو مما له بدل ، وبين كون المأخوذ فيه القدرة العقلية أو الشرعية.

لكنّه مدفوع بأنّ الاستصحاب وإن كان شيئاً واحداً ، إلاّأنّ العبرة في الرجوع إلى الامور المذكورة بما تعلق به اليقين والشك ، لا بنفس الاستصحاب ، فكما أنّه إذا احرز وجوب الصلاة ووجوب الازالة بالوجدان يجب الأخذ بالأهم منهما ، فكذا إذا احرزا بالاستصحاب.

ولا يخفى أنّ هذا النوع من التنافي بين الاستصحابين خارج عن محل الكلام ، وإنّما ذكر لتمامية الأقسام ، إذ الكلام في تعارض الاستصحابين ، وهذا التنافي خارج عن باب التعارض وداخل في باب التزاحم ، وملخص الفرق بينهما : أنّ التعارض عبارة عن تنافي الحكمين في مقام الجعل بحسب مقام الثبوت ، فيكون


1) في ص 430 وما بعدها.

بين دليليهما التكاذب في مقام الاثبات ، كما إذا دل دليل على وجوب شيء والآخر على عدم وجوبه أو على حرمته ، أمّا التزاحم فهو عبارة عن تنافي الحكمين بحسب مقام الفعلية دون مقام الجعل ، فلا يكون بين دليليهما التكاذب ، ولكن فعلية أحدهما مانعة عن فعلية الآخر ، لانتفاء موضوعه ، فان وجوب الازالة عن المسجد يوجب عجز المكلف عن الاتيان بالصلاة ، فينتفي وجوب الصلاة فعلاً بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - إذ القدرة مأخوذة في موضوع جميع التكاليف ، وفعلية كل حكم بفعلية موضوعه.

وإن كان التنافي بين الاستصحابين بحسب مقام الجعل لا بحسب مقام الامتثال ، فقد يكون الشك في أحدهما مسبباً عن الشك في الآخر ، وقد لا يكون كذلك ، فإن كان الشك في أحدهما مسبباً عن الشك في الآخر يجري الاستصحاب في السبب فقط دون المسبب. وليس المراد من السبب في المقام هو السبب التكويني ، إذ مجرد كون الشيء مسبباً عن الآخر لا يوجب عدم اجتماعه مع السبب في الحكم ، فانّه لا منافاة بين كونه مسبباً عنه تكويناً وبين كونه معه من حيث الحكم في عرض واحد ، بل المراد هو السبب الشرعي المعبّر عنه بالموضوع ، فإن كان المستصحب في أحد الاستصحابين موضوعاً للمستصحب في الاستصحاب الآخر ، فجريان الاستصحاب في الموضوع يغني عن جريانه في الحكم ، إذ بعد ثبوت الموضوع بالتعبد الشرعي يكون ثبوت الحكم من آثاره ، فلا حاجة إلى جريان الاستصحاب فيه.

والسر في ذلك : أنّ الأحكام مجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، فاذا ثبت الموضوع بالوجدان أو بالأمارة أو بالأصل يترتب عليه الحكم لا محالة. فاذا ثبت كون شيء خمراً وهو الصغرى ، فتنضم إليه الكبرى المجعولة بنحو القضايا الحقيقية ، وهي قولنا : الخمر حرام ، فتترتب النتيجة لا محالة ، غاية الأمر أنّ

ثبوت الصغرى تارةً يكون بالوجدان واخرى بالتعبد ، فاذا غسلنا ثوباً متنجساً بماء مستصحب الطهارة مثلاً ، يحكم بطهارة الثوب لأنّ الموضوع للحكم بطهارته غسله بماء طاهر ، وقد ثبتت طهارة الماء بالتعبد ، والغسل به بالوجدان ، فيترتب عليه الحكم بطهارة الثوب في مرحلة الظاهر ، وإن احتملت نجاسته في الواقع ، وهذا الذي ذكرناه - من الحكم بالطهارة في الظاهر - هو مراد صاحب الكفاية من قوله : إنّ من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به (1)إذ ليس مراده حصول الطهارة الواقعية للثوب المتنجس المغسول بماء مستصحب الطهارة كما هو ظاهر.

وربّما يتوهّم أنّه من هذا القبيل ما إذا شك في جواز الصلاة في جلد حيوان للشك في كونه مأكول اللحم ، فانّ الشك في جواز الصلاة في جلده مسبب عن الشك في حلية لحمه ، وجوازها فيه أثر من آثار حلية لحمه ، فاذا احرزت حليته بأصالة الحل يترتب عليها الحكم بجواز الصلاة في جلده أو غير الجلد من أجزائه.

لكنّه فاسد ، لأنّ أصالة الحل إنّما تفيد الترخيص الفعلي بمعنى عدم العقاب عليه على تقدير حرمته واقعاً ، وجواز الصلاة ليس مترتباً على الحلية الفعلية ، بل على حلية لحم الحيوان بطبعه ، فانّه إذا اضطر إنسان إلى أكل لحم الأسد مثلاً يحل له أكله ، ومع ذلك لا تجوز الصلاة في جلده يقيناً. وإذا كان لحم الغنم حراماً على أحد فعلاً لكونه مضراً له ، لا تكون هذه الحرمة موجبةً لعدم جواز الصلاة في جلده. نعم ، لو كان حيوان مما حلّ لحمه بطبعه ، وشك في بقاء حليته للشك في عروض ما يوجب حرمته كالجلل ووطء الانسان ، فيجري فيه


1) كفاية الاصول : 431.

استصحاب عدم عروض ما يوجب حرمته ويحكم ببقاء حليته الأصلية ، ويترتب عليه جواز الصلاة في جلده أيضاً.

وأمّا إن لم يكن الشك في مورد أحد الاستصحابين مسبباً عن الشك في مورد الآخر ، بل كان التنافي بينهما للعلم الاجمالي بعدم مطابقة أحدهما للواقع ، فكون أحدهما مطابقاً للواقع يوجب مخالفة الآخر للواقع ، فهو على قسمين :

أحدهما : ما تلزم من إجراء الاستصحاب في الطرفين المخالفة العملية القطعية ، كما إذا علمنا بطهارة إناءين ثمّ علمنا بطروء النجاسة على أحدهما إجمالاً ، فان إجراء استصحاب الطهارة في كلا الاناءين موجب للمخالفة العملية القطعية ، ففي مثل ذلك يسقط كلا الاستصحابين عن الحجية ولايمكن التمسك بواحد منهما ، لعين ما ذكرناه من الوجه في عدم جريان البراءة في أطراف العلم الاجمالي (1)، فان إجراء الاستصحاب في كلا الطرفين موجب للمخالفة القطعية والترخيص في المعصية وهو قبيح. وجريانه في أحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وفي أحدهما المخيّر يحتاج إلى دليل ، وإن كان المحذور العقلي منتفياً.

ثانيهما : ما لا تلزم فيه من إجراء الاستصحاب في الطرفين مخالفة عملية وتلزم المخالفة الالتزامية فقط ، وهو العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع ، كما إذا علمنا بنجاسة إناءين تفصيلاً ثمّ علمنا بطهارة أحدهما إجمالاً ، فانّه لا تلزم من إجراء استصحاب النجاسة في كليهما والاجتناب عنهما مخالفة عملية ، ففي مثل ذلك ذهب الشيخ (2)قدس‌سره إلى عدم جريان الاستصحاب فيهما ،


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 403 وما بعدها.

2) فرائد الاصول 2 : 744 - 745.

وتبعه المحقق النائيني (1)قدس‌سره واختار صاحب الكفاية (2)قدس‌سره جريان الاستصحاب فيهما ، لوجود المقتضي وهو شمول أدلة الاستصحاب ، وعدم المانع وهو لزوم المخالفة العملية.

ولا تظهر ثمرة بين القولين في نفس الاناءين ، لوجوب الاجتناب عنهما على كلا القولين. أمّا على مختار الشيخ قدس‌سره فللعلم الاجمالي بالنجاسة. وأمّا على مختار صاحب الكفاية قدس‌سره فلاستصحابها. وإنّما تظهر الثمرة بينهما في الملاقي لأحد الاناءين ، إذ يحكم بنجاسته على مسلك صاحب الكفاية ، فانّه بعد الحكم بنجاسته بالتعبد يحكم بنجاسة الملاقي أيضاً ، بخلاف مسلك الشيخ قدس‌سره فانّ الملاقي لبعض أطراف العلم الاجمالي لايكون محكوماً بالنجاسة على ما تقدم ذكره (3). ولأجل هذه الثمرة لا بدّ من تحقيق المقام والتكلم في جريان الاستصحاب وعدمه ، فنقول :

استدل الشيخ قدس‌سره لعدم جريان الاستصحاب باجمال دليل الاستصحاب بالنسبة إلى المقام ، بتقريب أنّ مقتضى إطلاق الشك في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» هو شموله للشك المقرون بالعلم الاجمالي وجريان الاستصحاب في الطرفين ، ومقتضى إطلاق اليقين في قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» هو شموله للعلم الاجمالي وعدم جريان الاستصحاب في أحدهما ، ولايمكن الأخذ بكلا الاطلاقين ، لأن مقتضى الاطلاق الأوّل هو الايجاب الكلي وجريان الاستصحاب في الطرفين ، ومقتضى


1) أجود التقريرات 4 : 269 - 270 ، فوائد الاصول 4 : 693.

2) كفاية الاصول : 432.

3) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 471 وما بعدها.

الاطلاق الثاني هو السلب الجزئي وعدم جريانه في أحدهما ، ولا خفاء في مناقضة السلب الجزئي مع الايجاب الكلي ، ولا قرينة على تعيين الأخذ بأحدهما ، فالدليل يكون مجملاً من هذه الجهة ، فلا يمكن التمسك به لجريان الاستصحاب في المقام.

وفيه أوّلاً : أنّ الظاهر كون المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» هو خصوص اليقين التفصيلي لا الأعم منه ومن الاجمالي ، إذ المراد نقضه بيقين آخر متعلق بما تعلق به اليقين الأوّل ، وإلاّ لا يكون ناقضاً له ، فحاصل المراد هكذا : كنت على يقين من طهارة ثوبك ، فلا تنقضه بالشك في نجاسة الثوب ، بل انقضه باليقين بنجاسته ، فلا يشمل اليقين الاجمالي لعدم تعلقه بما تعلق به اليقين الأوّل ، بل تعلق بعنوان أحدهما ، فلا مانع من التمسك باطلاق الشك في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» وجريان الاسصتحاب في الطرفين.

وثانياً : أنّه ليس هذا الذيل وهو قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» موجوداً في جميع أدلة الاستصحاب ، واجمال الدليل الموجود فيه هذا الذيل لا يمنع من التمسك بدليل آخر ليس فيه هذا الذيل الموجب للاجمال ، فانّ إجمال الدليل عبارة عن عدم الدلالة لا الدلالة على العدم.

وهذا الذي ذكره الشيخ قدس‌سره راجع إلى المانع الاثباتي من جريان الاستصحاب في المقام ، وقد عرفت جوابه.

وذكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره مانعاً ثبوتياً عن جريانه بمعنى عدم


1) لمزيد الاطلاع راجع أجود التقريرات 3 : 89 و 414.

إمكان التعبد بالاستصحاب في الطرفين مع العلم الوجداني بمخالفة أحدهما للواقع ، بيانه : أنّ الأصل لو كان من الاصول غير المحرزة - أي الاصول التي ليست ناظرةً إلى الواقع ، بل مفادها تعيين الوظيفة الفعلية في ظرف الشك كأصالة الاحتياط - فلا مانع من جريانه في أطراف العلم الاجمالي ، فانّ العلم الاجمالي بحلية النظر إلى إحدى الامرأتين لكونها من المحارم لا يمنع من جريان أصالة الاحتياط في الطرفين ، إذ معنى الاحتياط هو ترك الحلال مقدمة لترك الحرام ، فلا تنافي بين العلم الاجمالي وأصالة الاحتياط ، بخلاف ما إذا كان الأصل من الاصول المحرزة الناظرة إلى الواقع كالاستصحاب ، فان جريانه في الطرفين مع العلم بمخالفة أحدهما للواقع غير معقول ، فانّ التعبد بالبناء العملي على نجاسة كلا الاناءين لا يجتمع مع العلم بطهارة أحدهما ، فاطلاق دليل الاستصحاب وإن كان ظاهراً في الشمول للشك المقرون بالعلم الاجمالي ، فلا قصور في مقام الاثبات ، إلاّأ نّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور لأجل المحذور الثبوتي.

ويمكن الجواب عنه نقضاً وحلاً. أمّا النقض فهو أنّه إذا كان أحد جنباً وأتى بالصلاة ، فشك بعد الفراغ عنها في أنّه اغتسل قبل الصلاة أم لا ، فيحكم بصحة الصلاة المأتي بها بمقتضى قاعدة الفراغ ، وبوجوب الغسل عليه للصلوات الآتية وسائر الواجبات المشروطة بالطهارة من الحدث الأكبر بمقتضى استصحاب بقاء الحدث مع العلم الاجمالي بمخالفة أحد الأصلين للواقع ، مع أنّ قاعدة الفراغ أيضاً من الاصول المحرزة لو لم تكن من الأمارات.

وأمّا الحل ، فهو أنّه إن اريد جريان الاستصحاب في الطرفين بنحو الكلي المجموعي بأن يتعبد بنجاسة مجموع الاناءين من حيث المجموع ، فلا إشكال في

عدم جريان الاستصحاب في الطرفين بهذا المعنى ، إذ موضوع الاستصحاب هو الشك وليس لنا شك في نجاسة المجموع من حيث المجموع ، بل لنا علم بعدم نجاسة المجموع من حيث المجموع ، إذ المفروض العلم الاجمالي بطهارة أحدهما ، فبعد العلم بعدم نجاسة المجموع من حيث المجموع كيف يمكن جريان استصحاب النجاسة في المجموع من حيث المجموع ، بل لا مجال لجريان الاصول غير المحرزة أيضاً في أطراف العلم الاجمالي بهذا المعنى المجموعي ، لما ذكرناه من انتفاء الشك باعتبار لحاظ المجموع من حيث المجموع ، ليكون مورداً لأصل من الاصول المحرزة أو غير المحرزة.

وإن اريد جريان الاستصحاب في الطرفين بنحو الكلي الاستغراقي ، بأن يتعبد بالاستصحاب في كل واحد من الطرفين مع قطع النظر عن الآخر ، فلا محذور فيه أصلاً ، لوجود الشك في كل واحد من الطرفين مع قطع النظر عن الآخر. والعلم الاجمالي بطهارة أحدهما لا يمنع عن جريان استصحاب النجاسة في خصوص كل منهما ، غاية الأمر أنّ العلم المذكور هو السبب لعروض الشك في كل واحد من الطرفين ، ولولا العلم الاجمالي لكانت نجاسة كل منهما محرزة بالعلم التفصيلي.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في المقام لا إثباتاً - على ما ذكره الشيخ قدس‌سره - ولا ثبوتاً - على ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره - ومن العجب أنّهما قدس‌سرهما قد التزما (1)بجريان الاستصحاب في المتلازمين مع العلم الاجمالي بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع ، كما إذا توضأ أحد غفلةً بمائع مردد بين الماء والبول ، فالتزما بكونه محدثاً وبطهارة بدنه ، للاستصحاب فيهما مع العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع ، للملازمة


1) فرائد الاصول 2 : 746 ، أجود التقريرات 4 : 271.

الواقعية بين بقاء الحدث ونجاسة البدن ، وبين طهارة البدن ورفع الحدث. ولم يظهر وجه للفرق بين المقام وبين المثال المذكور فيما ذكراه قدس‌سرهما من المانع الثبوتي أو الاثباتي.

وإن شئت قلت : في المقام أيضاً تلازم بين نجاسة أحد الاناءين وطهارة الآخر ، غاية الأمر أنّ التلازم في المقام عرضي للعلم الاجمالي بطهارة أحدهما ، والتلازم في المثال ذاتي بين بقاء الحدث ونجاسة البدن ، وهذا لا يوجب التفكيك بينهما فيما هو ملاك جريان الاستصحاب.

نعم ، لا يمكن جريان الاستصحاب في المتلازمين فيما إذا دل دليل من الخارج على عدم جواز التفكيك بينهما في الحكم مطلقاً لا في الحكم الواقعي ولا في الحكم الظاهري ، كما في الماء المتمم كراً ، فاذالم نستفد من الأدلة طهارته ولا نجاسته ووصلت النوبة إلى الأصل ، يكون مقتضى الاستصحاب في المتمم - بالفتح - هو النجاسة ، وفي المتمم - بالكسر - هو الطهارة ، مع العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع ، ولايمكن الأخذ بكلا الاستصحابين لا للعلم الاجمالي المذكور ، بل للاجماع على عدم جواز التفكيك بين أجزاء ماء واحد في الحكم بنجاسة بعض وطهارة بعض ، فيسقط الاستصحابان عن مقام الحجية ، إذ الأخذ بهما مخالف للاجماع ، وبأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وبأحدهما المخيّر يحتاج إلى دليل ، فلا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر كأصالة الطهارة.

فالذي تحصّل مما ذكرناه : أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي إلاّالمخالفة العملية القطعية ، أو الدليل الخارجي الدال على عدم جواز التفكيك كما مثلناه.

وأمّا الأمارات فلا يمكن الأخذ بها في أطراف العلم الاجمالي ولو لم تلزم منه

المخالفة العملية ، كما إذا قامت بينة على نجاسة هذا الاناء بخصوصه ، وقامت بينة اخرى على نجاسة ذاك الاناء مع العلم الاجمالي بطهارة أحدهما ، وذلك لحجية الأمارات بالنسبة إلى اللوازم ، فتدل الأمارة الدالة على نجاسة هذا الاناء على طهارة الاناء الآخر بالملازمة ، وكذا الأمارة الاخرى ، فيقع التعارض بينهما باعتبار الدلالة المطابقية في أحدهما ، والالتزامية في الآخر ، فيعامل معهما معاملة المتعارضين.

المرحلة الرابعة : في تعارض الاستصحاب مع بعض قواعد اخر مجعولة في الشبهات الموضوعية كأصالة الصحة وقاعدتي الفراغ والتجاوز والقرعة وقاعدة اليد.

قاعدة الفراغ والتجاوز

اشارة

[الكلام في قاعدة الفراغ والتجاوز]

اشارة

إعلم أنّ التباني على صحة العمل الصادر من الغير هو المسمّى بأصالة الصحة ، والتباني على صحة العمل الصادر من نفس المكلف هو المسمّى بقاعدة الفراغ أو التجاوز ، فاذا وقع التعارض بين الاستصحاب وقاعدة الفراغ والتجاوز ، لا إشكال في تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز عليه ، وإنّما الكلام في وجه التقدم فنقول :

الظاهر من الأدلة كون القاعدة من الأمارات ، فانّ الشك في صحة العمل بعد الفراغ أو بعد التجاوز ناشئ من احتمال الغفلة والسهو ، إذ ترك الجزء أو الشرط عمداً لا يجتمع مع كون المكلف في مقام الامتثال ، وأصالة عدم الغفلة من الاصول العقلائية الناظرة إلى الواقع ، فانّ سيرة العقلاء جارية على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة ، والأخبار الواردة في قاعدة الفراغ والتجاوز أيضاً دالة على كونها من الأمارات لا من الاصول المقررة للشاك في مقام العمل ، فان قوله عليه‌السلام : «بلى قد ركعت» في خبر (1)الفضيل بن يسار الوارد في الشك في


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن فضالة عن أبان عن الفضيل بن يسار قال : «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : أستتم قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال عليه‌السلام : بلى قد ركعت فامض في صلاتك» وأيضاً في الوسائل عنه عن صفوان عن حماد بن عثمان قال : «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال عليه‌السلام : قد ركعت امضه» وأيضاً في الوسائل عنه عن أبي جعفر عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال : «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال عليه‌السلام : قد ركع» [الوسائل 6 :1. 318 / أبواب الركوع ب 13 ح 3 و 2 و 6].

الركوع ، إخبار عن الواقع ، وكذا قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك ...» (1)وكذا قوله عليه‌السلام : «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك ...» (2).

وبالجملة : لا ينبغي الاشكال في كون القاعدة من الأمارات ، وحينئذ إن قلنا بكون الاستصحاب من الاصول ، فقد ظهر وجه تقدمها عليه مما ذكرناه في تقدم سائر الأمارات على الاصول من أنّ الاصول وظائف مقررة للشاك في مقام العمل ، فلا مجال للأخذ بها بعد إثبات الواقع - ولو بالتعبد الشرعي - لقيام


1) نقل في الوسائل عن المفيد باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان بن عثمان عن بكير بن أعين قال : «قلت له : الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال عليه‌السلام : هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» [الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7 ، الحديث ينقله الشيخ الطوسي قدس‌سره باسناده عن الحسين بن سعيد].

2) نقل في الوسائل عن محمّد بن علي بن الحسين باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال : «إذا شك الرجل بعدما صلى فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» [الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3].

الأمارة ، وإن قلنا بكون الاستصحاب أيضاً من الأمارات - كما التزم به المحقق النائيني (1)قدس‌سره وتبعناه (2)- فقد ذكر المحقق المزبور أنّ القاعدة حاكمة على الاستصحاب ، لأن أدلة القاعدة واردة في موارد جريان الاستصحاب (3)، كما في الشك في الركوع بعد الدخول في السجود ، فأدلة القاعدة ناظرة إلى أدلة الاستصحاب وشارحة لها.

وفيه : أنّ الحكومة بالمعنى المصطلح هو كون الحاكم بمدلوله اللفظي ناظراً إلى المحكوم وشارحاً له ، بحيث لو لم يكن الدليل المحكوم موجوداً لكان الدليل الحاكم لغواً ، كقوله عليه‌السلام : «لا شك لكثير الشك ...» (4)فانّه حاكم على قوله عليه‌السلام : «إذا شككت فابن على الأكثر ...» (5)لكونه شارحاً له بمدلوله اللفظي ، إذ لو لم يكن للشك حكم من الأحكام ، لكان قوله عليه‌السلام : «لا شك لكثير الشك» لغواً.

والمقام ليس كذلك ، إذ قوله عليه‌السلام : «بلى قد ركع» ليس شارحاً لقوله عليه‌السلام : «إن كنت على يقين من طهارتك فلا تنقض اليقين بالشك» بحيث لو لم يكن قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» لزم كون قوله


1) ذكر قدس‌سره في أوّل بحث الاستصحاب أنّ الصحيح كونه من الاصول العملية فلاحظ أجود التقريرات 4 : 6.

2) راجع ص 185.

3) لاحظ أجود التقريرات 4 : 209 ، فوائد الاصول 4 : 619.

4) لم نعثر عليه بلفظه وإنّما ورد ما يدل على الحكم في الوسائل 8 : 227 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16.

5) الوسائل 8 : 212 و 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 و 3 (باختلاف يسير).

(عليه‌السلام) : «بلى قد ركع» لغواً ، فانّه لا مانع من جعل قاعدة كلية ، وهي البناء على صحة العمل مع الشك في صحته بعد الفراغ عنه ، ولو لم يكن الاستصحاب مجعولاً أصلاً. وما ذكره قدس‌سره - من أنّ أدلة القاعدة واردة في موارد جريان الاستصحاب - صحيح ، إلاّأ نّه لا يقتضي الحكومة بالمعنى المصطلح ، كما هو ظاهر.

والتحقيق أن تقديم القاعدة على الاستصحاب إنّما هو من باب التخصيص ، وذلك لأن أغلب موارد العمل بالقاعدة يكون مورداً لجريان الاستصحاب ، كما في الشك في الركوع بعد الدخول في السجود ، فانّه مع الغض عن قاعدة التجاوز كان مقتضى الاستصحاب الحكم بعدم الاتيان بالركوع ، فلا بدّ من تخصيص أدلة الاستصحاب بأدلة القاعدة ، وإلاّ يلزم حمل القاعدة على النادر ، ولا يمكن الالتزام به. ولا يمنع من التخصيص كونهما عامين من وجه ، إذ وجه التخصيص في العموم المطلق أنّه لو لم يخصص لزمت لغوية الخاص رأساً ، وفي المقام لو لم يخصص أحد العامين من وجه - وهو أدلة الاستصحاب - يلزم حمل العام الآخر - وهو أدلة القاعدة - على الفرد النادر ، وهو بحكم اللغو ، فليس الملاك في التخصيص كون النسبة هي العموم المطلق ، بل الملاك لزوم لغوية أحد الدليلين على تقدير عدم الالتزام بتخصيص الدليل الآخر على ما ذكرناه.

ولم يوجد مورد من موارد العمل بالقاعدة لم يكن الاستصحاب فيه مخالفاً لها ، إلاّموردين :

أحدهما : ما إذا كان لشيء حالتان متضادتان ، وشك في المتقدم والمتأخر منهما بعد الفراغ من العمل ، كمن كان محدثاً ومتوضئاً قبل الصلاة ، وبعد الفراغ منها شك في تقدم الحدث على الوضوء وتأخره عنه ، ففي مثله يحكم بصحة الصلاة لقاعدة الفراغ ، ولا مجال لجريان الاستصحاب ، للتعارض على مسلكنا ،

ولعدم المقتضي لعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين على مسلك صاحب الكفاية قدس‌سره على ما تقدّم (1).

ثانيهما : ما إذا كان الاستصحاب مطابقاً للقاعدة ، كما إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في طروء مانع من موانع الصلاة حين الاشتغال بها ، فانّ استصحاب عدم طروء المانع موافق لقاعدة الفراغ كما هو ظاهر.

هذا تمام الكلام في تعارض الاستصحاب مع قاعدة الفراغ ، وحيث إنّ قاعدة الفراغ من القواعد المهمة ، وتكون نظرية من جهات شتى ، ينبغي صرف عنان الكلام إليها والتعرض لها من تلك الجهات استطراداً ، وإن كان خارجاً عن محل الكلام ، فيقع الكلام فيها في جهات :

الجهة الاولى : هل هي من المسائل الاصولية أو من القواعد الفقهية؟ وقد ذكرنا في محلّه (2)أنّ الميزان في كون المسألة اصوليةً أمران كل واحد منهما يرجع إلى الآخر :

الأوّل : أن تكون كبرى المسألة بعد ضم الصغرى إليها منتجةً للحكم الفرعي الكلي ، كالبحث عن حجية الخبر مثلاً ، فانّه بعد ضم الصغرى - وهي قيام الخبر على وجوب شيءٍ مثلاً - إلى الكبرى وهي حجية الخبر ، تكون النتيجة وجوب هذا الشيء ، فيقال : هذا ما دلّ الخبر على وجوبه ، وكل ما دلّ الخبر على وجوبه واجب لكون الخبر حجة ، فينتج أنّ هذا واجب ، وهذا بخلاف المسائل الفقهية ، فانّ ضم الصغرى إليها لا ينتج إلاّالحكم الجزئي كالحكم بطهارة الماء مثلاً ، فيقال : هذا ماء ، وكل ماء طاهر ، فينتج أنّ هذا طاهر ،


1) في التنبيه العاشر ، راجع ص 245.

2) محاضرات في اصول الفقه 1 : 4.

وليس هو إلاّحكم جزئي.

الثاني : أنّ تطبيق القواعد الاصولية على المصاديق إنّما هو بيد المجتهد وليس للمقلد حظ فيه ، فان تطبيق حلية ما لا نص فيه على شرب التتن مثلاً بيد المجتهد ، فانّه بعد الفحص وعدم وجدان نص فيه ، يحكم بأ نّه مما لا نص فيه ، فهو حلال. وهذا بخلاف المسائل الفقهية ، فان تطبيقها بيد المقلد ، كحرمة الخمر مثلاً فانّ المجتهد يفتي بها ، وأمّا تطبيق الخمر على مائع في الخارج فهو بيد المقلد ، وربما يقع الاختلاف بين المجتهد والمقلد في التطبيق ، فيرى أحدهما أنّه خمر والآخر أنّه خلٌ مثلاً ، ولكلٍ منهما العمل بعلمه ، وليس للمقلد الرجوع إلى المجتهد في التطبيق إلاّمن باب الرجوع إلى العادل ، بناءً على حجية خبر العادل في أمثال هذه الموضوعات.

إذا عرفت ما ذكرناه من الضابطة للمسائل الاصولية ، تعرف أنّ قاعدة الفراغ ليست من المسائل الاصولية ، بل من المسائل الفقهية ، فان ضم الصغرى إليها لا ينتج إلاّالحكم الجزئي ، فيقال : هذا الشك شك بعد الفراغ ، والشك بعد الفراغ مما لا أثر له ولا يعتنى به. وأيضاً تطبيق قاعدة الفراغ على الجزئيات إنّما هو بيد المقلد ، فانّه يرى أنّ هذا الشك المتعلق بعدد الركعات مثلاً إنّما حدث بعد الفراغ من الصلاة.

فتحصّل : أنّ قاعدة الفراغ من القواعد الفقهية ، وإن كانت هي بنفسها من نتائج المسائل الاصولية ، لكونها مستفادة من الأخبار بمقتضى حجية الظواهر وحجية الأخبار من حيث السند ، والبحث عن حجية الظواهر وحجية السند من المسائل الاصولية.

الجهة الثانية : في أنّ قاعدة الفراغ من الاصول العملية المقررة للشاك في مقام العمل ، أو من الأمارات الناظرة إلى الواقع الكاشفة عنه كشفاً ناقصاً

وتممه الشارع؟ وقد ظهر - مما ذكرناه (1)في وجه تقديمها على الاستصحاب - كونها من الأمارات.

ولكنّه لا تترتب ثمرة على هذا النزاع ، إذ لا إشكال في تقدمها على الاستصحاب وإن قلنا بكونها من الاصول ، ولا في تأخرها عن الأمارات وإن قلنا بكونها منها ، فاذا شككنا - بعد الفراغ من صلاة المغرب مثلاً - بين الثلاث والأربع ، وقامت بينة على كونها أربع ، فلا إشكال في تقديم البينة على قاعدة الفراغ والحكم بفسادها. فاذن لا ثمرة بين القول بكونها من الاصول ، والقول بكونها من الأمارات.

وتوهّم ظهور الثمرة بينهما بالنسبة إلى اللوازم ، لحجية مثبتات الأمارات دون الاصول ، فاذا شككنا بعد الفراغ من الصلاة في إتيان الوضوء قبلها ، يحكم بصحة الصلاة المأتي بها لقاعدة الفراغ ، وبوجوب الوضوء للصلاة الباقية على القول بكونها من الاصول ، بخلاف القول بكونها من الأمارات ، فانّه لا يجب الوضوء حينئذ للصلاة الآتية أيضاً ، إذ لازم صحة الصلاة المأتي بها كونه متطهراً.

مدفوع بما ذكرناه في بحث الأصل المثبت (2)من أنّه لا فرق بين الأمارات والاصول من هذه الجهة أصلاً ، ولا حجية لمثبتات الأمارات أيضاً إلاّفي باب الألفاظ ، لاستقرار سيرة العقلاء على الأخذ باللوازم في الاقرار ونحوه من الألفاظ ، لا لما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره من أنّ الإخبار عن الملزوم إخبار عن اللازم ، لما ذكرناه سابقاً من أنّ الإخبار من العناوين القصدية ،


1) في ص 315 - 316.

2) في ص 182 وما بعدها.

فلا يكون الإخبار عن الملزوم إخباراً عن اللازم إلاّمع العلم بالملازمة والالتفات إليها.

فالمتحصل مما ذكرناه في المقام : أنّه لا ثمرة بين القول بكون القاعدة من الاصول ، والقول بكونها من الأمارات.

الجهة الثالثة : في أنّ مورد بعض النصوص الواردة في قاعدة الفراغ وإن كان هو الطهارات والصلاة ، إلاّأ نّه نتعدى عنها لأمرين : الأوّل : العموم الوارد في موثقة ابن بكير من قوله عليه‌السلام : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» (1). الثاني : عموم التعليل في بعض الأخبار كقوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2)وكقوله عليه‌السلام : «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (3)فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في الطواف وغيره ، بل لا مانع من جريانها في العقود والايقاعات ، بل في المعاملات بالمعنى الأعم الشامل للعقود والايقاعات وغيرهما كالتطهير من الخبث ، فتجري قاعدة الفراغ في الجميع بمقتضى عموم الدليل على ما ذكرناه ، هذا كله في قاعدة الفراغ.

وأمّا قاعدة التجاوز ، فقد وقع الكلام بين الأعلام في أنّها مختصة بباب الصلاة ، أو أنّها من القواعد العامة ، ولا اختصاص لها بالصلاة؟ فذكر شيخنا الأنصاري (4)وجماعة من الفقهاء أنّها من القواعد العامة ، إلاّأ نّه قد خرج عنها الوضوء للنصوص الخاصة الدالة على وجوب غسل العضو المشكوك فيه وما


1) الوسائل 8 : 237 - 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

2) تقدّمت مصادرهما في ص 316.

3) تقدّمت مصادرهما في ص 316.

4) فرائد الاصول 2 : 709 و 712.

بعده ، وقد الحق بالوضوء الغسل والتيمم لتنقيح المناط أو للاجماع على ما يأتي التعرض له قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى. واختار المحقق النائيني (2)قدس‌سره اختصاصها بالصلاة ، وأنّ عدم جريانها في الطهارات الثلاث إنّما هو بالتخصص لا بالتخصيص.

ونحن نذكر مقدمةً لهذا البحث أمراً آخر ، وهو أنّ قاعدتي الفراغ والتجاوز هل هما قاعدة واحدة يعبّر عنها بقاعدة الفراغ تارةً وبقاعدة التجاوز اخرى ، أو قاعدتان مجعولتان بالاستقلال؟ إذ على تقدير كونهما قاعدة واحدة لا نحتاج إلى البحث عن كون قاعدة التجاوز قاعدة عامة أو مختصة بالصلاة بعد الفراغ من كون قاعدة الفراغ من القواعد العامة على ما تقدم.

فنقول : استدلوا على كونهما قاعدتين مجعولتين بالاستقلال بوجوه :

الوجه الأوّل : أنّ المجعول في قاعدة الفراغ مخالف للمجعول في قاعدة التجاوز بحيث لا يمكن الجمع بينهما في جعل واحد ، وذلك لأنّ المجعول في قاعدة الفراغ هو البناء على الصحة والتعبد بها بعد فرض الوجود ، والمجعول في قاعدة التجاوز هو البناء على الوجود والتعبد به مع فرض الشك فيه. وبعبارة اخرى : مورد التعبد في قاعدة الفراغ مفاد كان الناقصة ، ومورد التعبد في قاعدة التجاوز مفاد كان التامة ، فلا يمكن الجمع بينهما في دليل واحد ، إذ لا يمكن اجتماع فرض الوجود مع فرض الشك في الوجود في دليل واحد.

وأجاب عنه الشيخ (3)قدس‌سره بأنّ المجعول في قاعدة الفراغ أيضاً هو


1) في ص 345.

2) أجود التقريرات 4 : 217 ، فوائد الاصول 4 : 626.

3) فرائد الاصول 2 : 715.

البناء على وجود الصحيح ، فان مفادها التعبد بوجود الصحيح ، فيكون مورد التعبد فيها أيضاً مفاد كان التامة ، فلا فرق بين القاعدتين من هذه الجهة.

وأورد عليه المحقق النائيني (1)قدس‌سره بوجهين : الأوّل : أنّ إرجاع قاعدة الفراغ إلى التعبد بوجود الصحيح خلاف ظاهر أدلتها ، فان ظاهر قوله عليه‌السلام : «كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فأمضه ولا إعادة عليك» (2)هو الحكم بصحة ما مضى من الصلاة والطهور ، فيكون مفادها التعبد بصحة الموجود لا التعبد بوجود الصحيح. ووجود الصحيح وإن كان لازماً لصحة الموجود ، إلاّأنّ مفاد الأدلة هو التعبد بالثاني.

الثاني : أنّ الارجاع المذكور على تقدير التسليم إنّما يصح في باب التكليف ، فانّ همّ العقل فيه هو إفراغ الذمة منه. ووجود العبادة الصحيحة - ولو بالتعبد - كافٍ في الحكم بالفراغ ، بخلاف المعاملات فانّ الآثار المجعولة على نحو القضايا الحقيقية إنّما تترتب على صحة شخص المعاملة المشكوك فيها ، فلا يكفي في ترتب الأثر التعبد بوجود معاملة صحيحة ، بل لا بدّ من إحراز صحة المعاملة الشخصية ولو بالتعبد. فلا يتم إرجاع قاعدة الفراغ إلى التعبد بوجود الصحيح في باب المعاملات على فرض تسليم تماميته في العبادات.

أقول : أمّا اعتراضه الأوّل فمتين ، لأن ظاهر قوله عليه‌السلام : «كلّ ما مضى من صلاتك - إلى قوله عليه‌السلام - فأمضه» هو الحكم بصحة ما مضى ، فارجاعه إلى الحكم بوجود الصحيح خلاف الظاهر.

وأمّا اعتراضه الثاني فلا يرجع إلى محصّل ، لأنّ مفاد قاعدة الفراغ - على


1) أجود التقريرات 4 : 212 وراجع أيضاً فوائد الاصول 4 : 620 - 621.

2) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 6.

تقدير الارجاع المذكور - هو الحكم بوجود الصحيح مما تعلق به الشك ، وهو كافٍ في ترتب الأثر ، فاذا باع زيد داره من عمرو بثمن معيّن ، وشك في صحة هذه المعاملة وفسادها ، كان مقتضى قاعدة الفراغ - بعد الارجاع المذكور - هو الحكم بوجود بيع صحيح يكون المبيع فيه الدار بالثمن المعيّن. والتعبد بوجود هذا البيع كافٍ في ترتب الأثر وإن لم تثبت صحة هذه المعاملة الشخصية الخارجية ، كما هو الحال في العبادات ، فانّه على تقدير الشك في صحة صلاة الظهر بعد الفراغ منها يحكم بوجود صلاة الظهر صحيحةً بمقتضى قاعدة الفراغ بعد الارجاع المذكور ، وهو كافٍ في حكم العقل بالفراغ وإن لم تثبت صحة الصلاة الشخصية. ولولا أنّ مفاد قاعدة الفراغ هذا المعنى ، لما كان للحكم بالفراغ مجال ، إذ لو كان مفادها هو الحكم بوجود صلاة صحيحة مطلقة ولو غير صلاة الظهر ، لم يكن مجال للحكم بالفراغ من صلاة الظهر في مفروض المثال ، فلا فرق بين العبادات والمعاملات من هذه الجهة ، فالعمدة هو الاعتراض الأوّل.

والتحقيق : أنّ الاستدلال المذكور ساقط من أصله ، لما ذكرناه مراراً (1)من أنّ معنى الاطلاق هو إلغاء جميع الخصوصيات لا الأخذ بجميعها ، فاذا جعل حكم لموضوعٍ مطلق معناه ثبوت الحكم له بالغاء جميع الخصوصيات ، كما إذا جعلت الحرمة للخمر المطلق مثلاً فانّه عبارة عن الحكم بحرمة الخمر بالغاء جميع الخصوصيات من كونه أحمر أو أصفر أو مأخوذاً من العنب أو من التمر وغيرها من الخصوصيات ، لا الحكم بحرمة الخمر مع لحاظ الخصوصيات والاحتفاظ بها ، بمعنى أنّ الخمر بما هو أحمر حرام ، وبما هو أصفر حرام ، وهكذا.


1) راجع على سبيل المثال محاضرات في اصول الفقه 4 : 512.

وحينئذ لا مانع من جعل قاعدة كلية شاملة لموارد قاعدة الفراغ وموارد قاعدة التجاوز بلا لحاظ خصوصيات الموارد ، بأن يكون موضوع القاعدة مطلق الشك في شيء بعد التجاوز عنه بلا لحاظ خصوصية كون الشك متعلقاً بالصحة أو بالوجود ، فيكون المجعول عدم الاعتناء بالشك في الشيء بعد التجاوز عنه بلا لحاظ كون الشك متعلقاً بالوجود أو بالصحة وغيرهما من خصوصيات المورد.

بل يمكن أن يقال : إنّ وصف الصحة من الأوصاف الانتزاعية التي ليس في الخارج بازائها شيء ، إذ هو منتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به ، فالشك في الصحة دائماً يرجع إلى الشك في وجود جزء أو شرط ، فلا مانع من جعل قاعدة شاملة لموارد الشك في الوجود وموارد الشك في الصحة ، لكون الشك في الصحة راجعاً إلى الشك في الوجود ، فتكون قاعدة الفراغ راجعة إلى قاعدة التجاوز.

وقد يستشكل في ذلك : بأن إرجاع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز إنّما يصح فيما إذا كان الشك في الصحة ناشئاً من الشك في وجود الجزء ، بخلاف ما إذا كان ناشئاً من الشك في وجود الشرط ، كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة ، إذ لو شككنا في صحة صلاة الظهر مثلاً بعد الفراغ منها للشك في تحقق الطهارة من الحدث ، كان مقتضى قاعدة الفراغ - بعد إرجاعها إلى قاعدة التجاوز - هو التعبد بوجود الطهارة من الحدث ، ولازمه جواز الدخول في صلاة العصر من غير حاجة إلى تحصيل الطهارة ، ولا يمكن الالتزام به ولم يقل به أحد ، ولا يلزم ذلك على تقدير كون قاعدة الفراغ غير قاعدة التجاوز ، إذ مقتضاها حينئذٍ الحكم بصحة صلاة الظهر لا الحكم بوجود الطهارة من الحدث.

والجواب عن هذا الاشكال يحتاج إلى توضيح معنى الجزئية والشرطية ،

وهو أنّ الجزء عبارة عما تعلق به الأمر منضماً إلى سائر الأجزاء ، فانّ الأمر بالكل ينبسط إلى أوامر متعددة متعلقة بكل واحد من الأجزاء ، بخلاف الشرط فانّه لا يكون متعلقاً للأمر ، كيف وقد يكون غير مقدور للمكلف كالوقت ، فمعنى اشتراط المأمور به بشرط ، هو تعلق الأمر بالطبيعة المقيدة بوجوده على نحو يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً ، فمعنى اشتراط الصلاة بالطهارة هو تعلق الأمر بايجادها مقترنةً مع الطهارة.

إذا عرفت ذلك يظهر لك الجواب عن الاشكال المذكور ، فان مورد التعبد هو اقتران صلاة الظهر بالطهارة لا وجود الطهارة ، وهو وإن كان لازماً لاقتران الصلاة بها ، إلاّأ نّه لا يثبت اللوازم بهذه القاعدة كالاستصحاب ، فلا يلزم من إرجاع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز التعبد بوجود الطهارة وعدم الاحتياج إليها بالنسبة إلى الصلاة الآتية.

الوجه الثاني : ما ذكره المحقق النائيني (1)قدس‌سره ، وهو أنّ مورد قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الكل ، كالشك في صحة الصلاة بعد الفراغ منها ، ومورد قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الجزء ، فجعل قاعدة الفراغ يحتاج إلى لحاظ الكل بالاستقلال ، ولحاظ الجزء بالتبع وبالتصور التبعي الاندكاكي ، وجعل قاعدة التجاوز يحتاج إلى لحاظ الجزء باللحاظ الاستقلالي ، فالجمع بين القاعدتين يستلزم تعلق اللحاظ الاستقلالي والتبعي بشيء واحد ، وهو مما لا يمكن.

ويمكن الجواب عنه بوجوه :

الأوّل : أنّه لا اختصاص لقاعدة الفراغ بالشك في صحة الكل ، بل تجري


1) أجود التقريرات 4 : 212 - 213 ، فوائد الاصول 4 : 621 - 622.

عند الشك في صحة الجزء أيضاً ، ولعله المشهور ، فعلى تقدير تعدد القاعدتين أيضاً يلزم تعلق اللحاظ الاستقلالي والتبعي بالجزء في جعل نفس قاعدة الفراغ ، فما به الجواب على تقدير التعدد يجاب به على تقدير الاتحاد أيضاً.

الثاني : أنّ الجمع بين القاعدتين ممكن بالغاء الخصوصيات على ما ذكرناه ، فانّ لحاظ الكل والجزء بما هما كل وجزء يستلزم اجتماع اللحاظ الاستقلالي والتبعي في الجزء ، بخلاف لحاظهما مع إلغاء خصوصية الجزئية والكلية ، بأن يلاحظ لفظ عام شامل لهما كلفظ الشيء ، ويحكم بعدم الاعتناء بالشك فيه بعد الخروج عن محلّه ، فانّه لا محذور فيه أصلاً.

الثالث : ما ذكرناه أخيراً من أنّ الشك في صحة الصلاة مثلاً بعد الفراغ منها يكون ناشئاً من الشك في وجود الجزء أو الشرط ، فيكون مورداً لقاعدة التجاوز ، ويحكم بوجود المشكوك فيه ، فلا حاجة إلى جعل قاعدة الفراغ مستقلاً.

الوجه الثالث : أنّ الجمع بين القاعدتين يستلزم استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمعنى العنائي وهو لا يجوز ، وذلك لأنّ التجاوز عن الشيء في مورد قاعدة الفراغ هو التجاوز الحقيقي ، إذ الشك متعلق بصحته مع العلم بوجوده ، فيصدق التجاوز عنه حقيقة. بخلاف التجاوز في مورد قاعدة التجاوز ، فانّه لا يصدق التجاوز الحقيقي عن الشيء مع الشك في وجوده ، فلا بدّ من إعمال عناية بأن يكون المراد من التجاوز عن الشيء هو التجاوز عن محله على طريقة المجاز في الكلمة أو في الاسناد أو في الحذف ، بأن يراد من الشيء محله ، أو يسند التجاوز إليه بالاسناد المجازي ، أو يقدّر المضاف وهو لفظ المحل ، فالجمع بين القاعدتين في جعل واحد يستلزم الجمع بين المعنى الحقيقي والعنائي ، وهو لا يجوز.

ويظهر الجواب عن هذا الاستدلال مما ذكرناه من أنّ الشك في الصحة دائماً

ناشئ من الشك في وجود الجزء أو الشرط ، فالتجاوز في مورد قاعدة الفراغ أيضاً هو التجاوز عن محل الشيء المشكوك فيه ، سواء كان جزءاً أو شرطاً ، فلا فرق بين قاعدة الفراغ والتجاوز من هذه الجهة ، ولا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقي والعنائي.

الوجه الرابع : ما ذكره المحقق النائيني (1)قدس‌سره أيضاً ، وهو أنّ الجمع بين القاعدتين في جعل واحد يستلزم التدافع بينهما فيما إذا شك في جزء بعد الدخول في جزء آخر ، ولا يلزم ذلك لو كانتا مجعولتين بالاستقلال ، بيان ذلك : أنّه إذا شك في الركوع مثلاً بعد الدخول في السجود ، كان مقتضى مفهوم قاعدة الفراغ الاعتناء بالشك والاتيان بالمشكوك فيه ، لكونه قبل الفراغ من الصلاة. وقد صرّح بهذا المفهوم في قوله عليه‌السلام : «إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» (2)ومقتضى منطوق قاعدة التجاوز عدم الاعتناء بهذا الشك ، لكونه شكاً بعد الدخول في الغير ، وبعد التجاوز عن محل المشكوك فيه على الفرض ، وهذا هو التدافع. وأمّا على تقدير كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال فلا محذور ، إذ يقدّم منطوق قاعدة التجاوز على مفهوم قاعدة الفراغ بالحكومة أو بالتخصيص ، لأن أدلة قاعدة التجاوز واردة في موارد مفهوم قاعدة الفراغ ، فلو لم تقدّم قاعدة التجاوز على مفهوم قاعدة الفراغ ، لم يبق لقاعدة التجاوز مورد ، وبعد تقديم قاعدة التجاوز والحكم بتحقق الركوع في مفروض المثال لا يلزم محذور أصلاً.

والجواب عنه : أنّ الشك في صحة الصلاة في مفروض المثال مسبب عن


1) أجود التقريرات 4 : 213 ، فوائد الاصول 4 : 622.

2) الوسائل 1 : 469 - 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

الشك في وجود الركوع ، لما ذكرناه من أنّ الشك في الصحة دائماً ناشئ من الشك في وجود الجزء أو الشرط ، فبعد الحكم بوجود الركوع لقاعدة التجاوز ، لا يبقى شك في صحة الصلاة حتى يكون مورداً لمفهوم قاعدة الفراغ ، ويقع التدافع بينه وبين منطوق قاعدة التجاوز. وكذا الحال في الشك في صحة كل جزء لأجل الشك في وجود جزء آخر ، فانّ الشك في تحقق الركوع في المثال يوجب الشك في صحة السجود ، إذ يشترط في السجود وقوعه بعد الركوع ، فالشك في صحة السجود وإن كان مورداً لمفهوم قاعدة الفراغ ويجب الاعتناء به لكونه قبل الفراغ ، إلاّأ نّه حيث يكون مسبباً عن الشك في تحقق الركوع ، ومقتضى قاعدة التجاوز التعبد بوجوده ، وبه يرتفع الشك في صحة السجود ، فان صحة السجود من الآثار الشرعية للتعبد بوجود الركوع.

والذي تحصّل مما ذكرناه في المقام إمكان كون القاعدتين قاعدةً واحدةً بارجاع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز ، لرجوع الشك في الصحة إلى الشك في الوجود على ما ذكرناه.

والتزم المحقق النائيني (1)قدس‌سره بوحدة القاعدتين على عكس ما ذكرناه ، وأرجع قاعدة التجاوز إلى قاعدة الفراغ ، بيانه : أنّ قاعدة الفراغ قاعدة كلية ، ومفادها عدم الاعتناء بالشك في صحة المركب بعد الفراغ منه ، ولا اختصاص لها بباب دون باب. وقاعدة التجاوز قاعدة مجعولة في خصوص باب الصلاة ، ومفادها عدم الاعتناء بالشك في جزء بعد التجاوز عنه والدخول في جزء آخر ، فأدلة قاعدة التجاوز قد ألحقت الجزء بالكل في عدم الاعتناء بالشك فيه بعد الدخول في الجزء الآخر في خصوص باب الصلاة ، فهي حاكمة


1) أجود التقريرات 4 : 216 - 217 ، فوائد الاصول 4 : 623 - 625.

على أدلة قاعدة الفراغ على نحو توسعة الموضوع وإلحاق الجزء بالكل ، فيكون مورد قاعدة التجاوز من صغريات قاعدة الفراغ بالتنزيل والتعبد الشرعي.

مثلاً قد استفدنا من موثقة ابن أبي يعفور (1)أنّ الشك في الشيء إذالم يكن بعد الفراغ منه يجب الاعتناء به ، لكن صحيحة زرارة (2)وموثقة إسماعيل بن جابر (3)الدالتان على عدم الاعتناء بالشك في الجزء بعد الدخول في الجزء الآخر


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن سعد ابن عبداللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو عن عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال (عليه‌السلام): «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» [الوسائل 1 : 469 - 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2].

2) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن زرارة قال : «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : رجل شك في الأذان وقد دخل في الاقامة؟ قال عليه‌السلام : يمضي. قلت : رجل شك في الأذان والاقامة وقد كبّر؟ قال عليه‌السلام : يمضي. قلت : رجل شك في التكبير وقد قرأ؟ قال عليه‌السلام : يمضي. قلت : شك في القراءة وقد ركع؟ قال عليه‌السلام : يمضي. قلت : شك في الركوع وقد سجد؟ قال عليه‌السلام : يمضي على صلاته ، ثمّ قال عليه‌السلام : يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشككت فليس بشيء» [الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1].

3) وفي الوسائل أيضاً عن محمّد بن الحسن باسناده عن سعد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن عبداللّه بن المغيرة عن إسماعيل بن جابر قال «قال أبو جعفر عليه‌السلام : إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض. كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» [الوسائل 6 :317 - 318 / أبواب الركوع ب 13 ح 4].

في خصوص الصلاة قد دلتا على أنّ حال أجزاء الصلاة حال المركبات المستقلة في عدم الاعتناء بالشك فيها فيما إذا كان الشك بعد الدخول في الجزء الآخر ، وعليه يكون التجاوز عن محل الجزء المشكوك فيه بمنزلة التجاوز عن المركب ، هذا ملخص كلامه قدس‌سره.

وفيه : أنّه لا وجه لتخصيص قاعدة الفراغ بالشك في صحة الكل ، لشمول أدلتها للشك في صحة الجزء أيضاً بعد الفراغ منه ، كما إذا شك في صحة التكبير بعد الدخول في القراءة ، فانّ مثل قوله عليه‌السلام في موثقة ابن بكير : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» (1)يشمل الشك في صحة الجزء أيضاً ، لأن لفظ الشيء يعم الجزء والكل. ولو قلنا بكون قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز قاعدتين مستقلتين ، لم يكن الميز بينهما باختصاص قاعدة الفراغ بالشك في الكل واختصاص قاعدة التجاوز بالشك في الجزء ، بل الفرق بينهما إنّما هو باختصاص قاعدة الفراغ بالشك في الصحة مع فرض الوجود ، واختصاص قاعدة التجاوز بالشك في الوجود دون الصحة. وإن كان التحقيق رجوع الشك في الصحة أيضاً إلى الشك في الوجود ، ولذا التزمنا بامكان كونهما قاعدة واحدة.

وأمّا موثقة ابن أبي يعفور ، فلا يصح الاستدلال بها لقاعدة الفراغ ، لأنّ الضمير في قوله عليه‌السلام : «وقد دخلت في غيره» إن كان راجعاً إلى الشيء ،


1) الوسائل 8 : 237 - 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

كان مفادها قاعدة التجاوز في باب الوضوء ، وهو خلاف الاجماع والنصوص (1)الدالة على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء. وإن كان راجعاً إلى الوضوء كان مفادها قاعدة الفراغ كما ذكره.

والظاهر رجوعه إلى الشيء كسائر الروايات المذكورة فيها التجاوز عن الشيء المشكوك فيه ، ولا أقل من تساوي احتماله مع احتمال الرجوع إلى الوضوء ، فلا يكون ظاهراً في الرجوع إلى الوضوء ، فهي مجملة ساقطة عن مقام الاستدلال بها.

ولو سلّمنا كونه ظاهراً أو صريحاً في الرجوع إلى الوضوء ، فكان مفادها قاعدة الفراغ أصلاً وعكساً ، بمعنى عدم وجوب الاعتناء بالشك بعد الفراغ من الوضوء ووجوب الاعتناء به قبل الفراغ منه ، فيقع التعارض بينها عكساً وبين الروايات الدالة على قاعدة التجاوز ، فانّها بعمومها تدل على عدم الاعتناء بالشك في جزء بعد الدخول في جزء آخر ، فلا وجه لجعل أدلة قاعدة التجاوز حاكمةً على أدلة قاعدة الفراغ.

فتحصّل مما ذكرناه في المقام : إمكان أن يكون المجعول أمراً واحداً يسمى بقاعدة الفراغ تارةً وبقاعدة التجاوز اخرى ، بارجاع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز ، لا العكس على ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره. هذا كله في مقام الثبوت والامكان.

وأمّا مقام الاثبات والوقوع ، فهل المستفاد من الأدلة كون المجعول أمراً واحداً أو أمرين؟ فلا بدّ من النظر إلى الأدلة والبحث عن مفادها.


1) راجع الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 1.

فنقول : أمّا الروايات الواردة في قاعدة الفراغ فهي كثيرة يختص بعضها بالطهارات وبعضها بالصلاة. وهناك روايتان : إحداهما (1)خاصة بالطهارة والصلاة. ثانيتهما (2): لا تختص بمورد ، بل هي شاملة للطهور والصلاة وغيرهما. والظاهر من لفظ المضي في هذين الخبرين هو مضي الشيء المشكوك فيه حقيقة ، وحمله على مضي محل المشكوك فيه بتقدير لفظ المحل أو من باب الاسناد المجازي يحتاج إلى القرينة ، فيكون مفادهما عدم الاعتناء بالشك في شيء بعد مضي هذا الشيء المشكوك فيه ، ولا يصدق المضي إلاّبعد الوجود ، فانّه من الواضحات المعروفة أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ، فيكون مفادهما قاعدة الفراغ فقط دون قاعدة التجاوز. نعم ، لا نضايق عن دلالتهما على قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الجزء أيضاً ، كما إذا شك في صحة التكبير مع العلم بوجوده لشمول لفظ الشيء للكل والجزء كما تقدم.

وبالجملة : لو كنا وهذين الخبرين لم نستفد منهما قاعدة التجاوز أصلاً ، إلاّ أنّه هناك روايتان تدلان على قاعدة التجاوز : الاولى صحيحة زرارة. الثانية :


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن سعد بن عبداللّه عن موسى بن جعفر عن أبي جعفر عن الحسن ابن الحسين اللؤلؤي عن الحسن بن علي بن فضال عن عبداللّه بن بكير عن محمّد بن مسلم قال : «سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول : كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فأمضه ، ولا اعادة عليك فيه» [الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 6].

2) وفي الوسائل أيضاً عن محمّد بن الحسن عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن بكير عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال (عليه‌السلام): «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» [الوسائل 8 : 237 - 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3] وهي موثقة.

موثقة إسماعيل بن جابر ، وقد تقدمت الاشارة إليهما (1)عند نقل كلام المحقق النائيني قدس‌سره. ومن المعلوم أنّ المراد من الخروج من الشيء المشكوك فيه المذكور في الصحيحة هو الخروج عن محله ، إذ لا يصدق الخروج عن الركوع مثلاً مع فرض الشك في وجوده ، فالمراد هو الشك في وجوده مع الخروج عن محله. وكذا المراد من التجاوز عن الشيء المشكوك فيه المذكور في الموثقة هو التجاوز عن محله ، فيكون مفادهما قاعدة التجاوز بمعنى عدم الاعتناء بالشك في شيء بعد التجاوز عن محله.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ المستفاد من ظواهر الأدلة كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال ، وأنّ ملاك إحداهما غير ملاك الاخرى ، فانّ ملاك قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الشيء مع إحراز وجوده ، وملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشيء بعد التجاوز عن محله ، وإذن لا بدّ من البحث عن كل واحدة منهما منفردة من حيث كونهما من القواعد العامة ، أو مختصة بباب دون باب ، ومن حيث الشرائط ، إذ يمكن أن تكون إحداهما من القواعد العامة ، والاخرى مختصة بباب دون باب. وكذا يمكن أن يعتبر في إحداهما ما لا يعتبر في الاخرى.

فنقول : أمّا قاعدة الفراغ فقد تقدم (2)كونها من القواعد العامة فلا نعيد. وأمّا قاعدة التجاوز فاستظهر المحقق النائيني قدس‌سره من الأدلة اختصاصها بالصلاة كما تقدم (3).

وربّما يقال في وجه الاختصاص : إنّ دليل قاعدة التجاوز هي صحيحة


1) في ذيل الصفحة 331 - 332 فراجع.

2) في ص 322.

3) في ص 323 ، 330.

زرارة وموثقة إسماعيل بن جابر (1)، ولا يستفاد العموم منهما.

أمّا الصحيحة ، فلأنّ المذكور فيها لفظ الشيء مع التنكير في قوله عليه‌السلام : «إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره ...» وهو مطلق لا يستفاد منه العموم إلاّبجريان مقدمات الحكمة.

وأمّا الموثقة ، فلأنّ المذكور فيها وإن كان من ألفاظ العموم وهو لفظ «كل» في قوله عليه‌السلام : «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ...» إلاّأن عمومه تابع لما يراد من مدخوله على ما ذكره صاحب الكفاية (2)قدس‌سره فان اريد منه خصوص شيء من أجزاء الصلاة ، فالمراد من لفظ «كل» عموم الحكم لجميع أجزاء الصلاة. وإن اريد منه الطبيعة المطلقة - أي مطلق ما يطلق عليه الشيء - فالمراد من لفظ «كل» عموم الحكم لجميع أفراده ، فاستفادة عموم الأفراد منه يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة في مدخوله ، وهي غير جارية في المقام ، إذ من جملة المقدمات عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب ، وهو موجود في الصحيحة والموثقة ، وهو الشك في الأذان بعد الدخول في الإقامة ، إلى آخر ما ذكره في الصحيحة من الفروض. وكذلك الحال في الموثقة ، فانّ المذكور فيها الشك في الركوع بعد الدخول في السجدة ، والشك في السجود بعد القيام ، ومع هذا لا يمكن التمسك بالاطلاق.

وفيه أوّلاً : أنّ وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب غير مانع من التمسك بالاطلاق ، فانّ المانع هو القرينة على التعيين ، ومجرد وجود القدر المتيقن لا يوجب التعيين مع إطلاق الحكم عند التخاطب ، ولذا تسالم الفقهاء على


1) تقدّمتا في ص 331 - 332.

2) كفاية الاصول : 217.

التمسك بالاطلاق مع وجود القدر المتيقن في موارد كثيرة منها : الرواية (1)الدالة على عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، مع كون مورد السؤال هو الثعالب والفنك والسنجاب ، فهل يظن فقيه أو متفقه عدم جواز التمسك باطلاق قوله عليه‌السلام : «وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد» لوجود القدر المتيقن ، وهو الحيوانات المذكورة في السؤال.

وبالجملة : وجود القدر المتيقن لا يمنع من التمسك بالاطلاق مع كون الكلام ظاهراً في أنّ الإمام عليه‌السلام في صدد بيان ضابطة كلية.

وثانياً : أنّه على فرض تسليم عدم جريان مقدمات الحكمة لا مانع من التمسك بموثقة إسماعيل بن جابر ، إذ العموم فيه وضعي لا يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة. وما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره - من أنّ استفادة


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن بكير قال : «سأل زرارة أبا عبداللّه عليه‌السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج عليه‌السلام كتاباً زعم أنّه إملاء رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله إنّ الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله ، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد ، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل اللّه أكله ، ثمّ قال عليه‌السلام : يا زرارة هذا عن رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله فاحفظ ذلك يا زرارة. فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائر. إذا علمت أنّه ذكي وقد ذكاه الذبح ، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكّه» [الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلي ب 2 ح 1].

العموم من لفظ «كل» يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة في مدخوله - قد أبطلناه في مبحث العام والخاص (1)بما ملخصه : أنّ لفظ «كل» موضوع للعموم ، فيكون قرينة على أنّ المراد من مدخوله مطلق الشيء لا خصوص الصلاة ، فاستفادة العموم من قوله عليه‌السلام : «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ...» لا يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة.

فتحصّل : أنّ قاعدة التجاوز ليست مختصة بباب الصلاة ، بل تجري في كل مركب شك في أحد أجزائه بعد الدخول في الجزء الآخر إلاّالوضوء للنص الخاص (2)، وفي إلحاق الغسل والتيمم به - في عدم جريان قاعدة التجاوز - كلام نتعرض له قريباً (3)إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّه يعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير ، لكونه مأخوذاً فيها في صحيحة زرارة وموثقة إسماعيل بن جابر المتقدمتين (4)، مضافاً إلى أنّه لو لم يذكر الدخول في الغير فيهما لأمكن استفادة اعتباره منهما ، وذلك لأنّ المذكور فيهما هو الخروج عن الشيء والتجاوز عنه ، ولا يتصور الخروج عن الشيء حقيقة والتجاوز عنه كذلك مع فرض الشك في وجوده ، فلا محالة يكون المراد الخروج عن محله والتجاوز عنه من باب الاسناد المجازي ، أو باعتبار تقدير المحل. ولا يتحقق الخروج أو التجاوز عن محل الشيء المشكوك فيه إلاّبعد الدخول في غيره ، فيكون ذكر الدخول في الغير - بعد الخروج في الصحيحة


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 305 وما بعدها.

2) يأتي ذكره في ص 344.

3) في ص 345.

4) في ص 331 - 332.

وبعد التجاوز في الموثقة - قيداً توضيحياً من العطف التفسيري ، فاعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز مما لا ينبغي الارتياب فيه.

إنّما الكلام في اعتباره في قاعدة الفراغ ، والكلام فيه يقع في مقامين : الأوّل : في المقتضي ، والبحث عن شمول إطلاق الدليل لموارد عدم الدخول في الغير. الثاني : في المانع ، والبحث عمّا يصلح لتقييد الدليل وتخصيصه بموارد الدخول في الغير بعد الالتزام باطلاقه.

أمّا المقام الأوّل : فقد قيل بعدم إطلاق الأدلة ، واستدل له بوجوه :

الوجه الأوّل : أنّ المطلق منصرف إلى الأفراد الغالبة ، فلا يشمل الفرد النادر ، والغالب في الشك في الصحة بعد الفراغ هو الشك بعد الدخول في الغير.

وفيه : أنّ الممنوع هو اختصاص الحكم بالفرد النادر لا شموله له ، إذ كون الفرد نادراً لا يوجب خروجه عن الطبيعة المطلقة ، ولذا لا مجال لتوهم اختصاص الحكم بعدم جواز الصلاة في أجزاء غير المأكول بأجزاء الحيوانات التي يبتلي المكلف بها غالباً ، فانّ إطلاق قوله عليه‌السلام : «وإن كان مما قد نهيت عن أكله ، فالصلاة في كل شيء منه فاسد» (1)يشمل الحيوانات النادرة أيضاً كالكركدن مثلاً.

الوجه الثاني : أنّ شمول الاطلاق في مثل قوله عليه‌السلام في موثقة ابن بكير : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (2)للشك قبل الدخول في الغير يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة على ما تقدم نقله عن صاحب


1) تقدّمت الرواية في ص 337.

2) تقدّمت الرواية في ص 334.

الكفاية قدس‌سره.

وقد تقدّم الجواب عن هذا الوجه عند التكلم في كون قاعدة التجاوز من القواعد العامة (1)، فلا حاجة إلى الاعادة.

الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني (2)قدس‌سره واعتمد عليه ، وهو أنّ شمول الحكم لجميع أفراد الطبيعة إنّما هو فيما إذا كانت الطبيعة غير مشككة في الصدق كالماء ، فانّ صدقه على ماء البحر والمطر والبئر وغيرها من أفراد الماء على حد سواء ، فالحكم بأنّ الماء طاهر يشمل جميع الأفراد ، بخلاف ما إذا كانت الطبيعة مشككة في الصدق كالحيوان ، فان صدقه على الانسان لا يخلو من خفاء في نظر العرف ، مع كونه عبارة عن جسم ذي حياة ، والانسان كذلك ، لكن صدقه عليه لا يخلو من خفاء عرفاً ، ولذالو خوطب إنسان ب : يا أيّها الحيوان لتضجر ، ولا تشمله الأدلة الدالة على عدم جواز الصلاة في شعر ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات ، فالانسان تجوز الصلاة في شعره قطعاً مع كونه حيواناً لا يؤكل لحمه.

والمقام من هذا القبيل ، فان صدق المضي على المضي مع عدم الدخول في الغير لا يكون في رتبة صدقه مع الدخول في الغير ، فلا يكون المضي مع عدم الدخول في الغير مشمولاً لأدلة قاعدة الفراغ.

وفيه : أنّ مجرد التشكيك ليس مانعاً من شمول الاطلاق لجميع الأفراد.

نعم ، التشكيك بالظهور والخفاء يوجب اختصاص الحكم بالظاهر دون الخفي


1) راجع ص 335 - 338.

2) أجود التقريرات 4 : 221 - 222.

كالحيوان بالنسبة إلى الانسان - بخلاف ما إذا كان التشكيك بالأظهرية والظاهرية كما في المقام فانّه لا يوجب اختصاص الحكم بالأظهر ، وإلاّ لزم حمل الأدلة الدالة على قاعدة الفراغ على قاعدة الحيلولة التي مفادها عدم الاعتناء بالشك بعد خروج الوقت ، فانّ صدق المضي على المضي مع خروج الوقت أظهر من صدقه قبله ولو مع الدخول في الغير ، ومن المعلوم أنّ صدق المضي مع عدم الدخول في الغير ظاهر وإن كان صدقه مع الدخول أظهر.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ إطلاق الأدلة يشمل موارد عدم الدخول في الغير أيضاً. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل والبحث عن المقتضي.

أمّا المقام الثاني : والبحث عما يمكن أن يكون مانعاً عن العمل بالاطلاق ومخصصاً له بموارد الدخول في الغير ، فربّما يقال : إنّ المقيد لاطلاقات أدلة قاعدة الفراغ هو صحيحة زرارة وموثقة إسماعيل بن جابر ، فانّه قيّد عدم الاعتناء بالشك فيهما بما إذا كان الشك بعد الدخول في الغير.

وفيه أوّلاً : أنّ مورد الروايتين إنّما هو قاعدة التجاوز على ما تقدم الكلام فيهما (1)، وحيث إنّا استظهرنا من الأدلة في مقام الاثبات أنّ قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز قاعدتان مستقلتان ، وأنّ ملاك إحداهما الشك في الصحة مع إحراز الوجود ، وملاك الاخرى الشك في الوجود ، فلا مجال لتوهم كون أدلة قاعدة التجاوز مقيّدةً للاطلاقات الواردة في قاعدة الفراغ. ومجرد إمكان كونهما مجعولتين بجعل واحد في مقام الثبوت لا يوجب ذلك.

وثانياً : أنّ الدخول في الغير مما لا بدّ في اعتباره في قاعدة التجاوز مع قطع


1) في ص 334.

النظر عن الصحيحة والموثقة ، إذ المراد من التجاوز في قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محل الشيء المشكوك فيه ، وهو لا يتحقق إلاّبالدخول في الغير ، ولذا ذكرنا (1)أنّ ذكر الدخول في الغير قيد توضيحي ، وأ نّه يفهم اعتبار الدخول في الغير من اعتبار نفس التجاوز عن محل الشيء المشكوك فيه ، بخلاف المضي المذكور في قاعدة الفراغ ، فانّ المراد منه مضي نفس المشكوك فيه ، وهو يتحقق بالفراغ منه ولو مع عدم الدخول في الغير ، فاعتبار الدخول في الغير في موارد قاعدة التجاوز إنّما هو لكونه مقوّماً لموضوع التجاوز لا لأمر آخر اعتبر في جريان القاعدة بعد صدق التجاوز خارجاً ، فلو فرض تحقق عنوان التجاوز - بدون الدخول في الغير كما في موارد قاعدة الفراغ - لم يكن موجب لتقييده بالدخول في الغير.

ومما يتوهّم كونه مقيداً للاطلاق موثقة ابن أبي يعفور ، وهي قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره ، فليس شكك بشيء ، إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» (2)فانّ موردها قاعدة الفراغ ، لعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء للنص الخاص (3)وبما أنّه قد ذكر فيها الدخول في الغير ، فلا بدّ من اعتباره في جريانها.

وفيه أوّلاً : ما ذكرناه سابقاً (4)من إجمال هذه الموثقة وعدم صلاحيتها للاستدلال ، لاحتمال رجوع الضمير في قوله عليه‌السلام : «وقد دخلت في


1) في ص 338 - 339.

2) الوسائل 1 : 469 - 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

3) وهو صحيح زرارة الآتي في ص 344.

4) في ص 332.

غيره ...» إلى الشيء لا إلى الوضوء ، ولو لم نقل بظهور رجوعه إلى الشيء فلا أقل من الاحتمال. وكون الموثقة غير معمول بها - على تقدير رجوع الضمير إلى الشيء لعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء للنص الخاص - لا يوجب ظهورها في رجوع الضمير إلى الوضوء ، فهي باقية على إجمالها غير صالحة للاستدلال بها.

وثانياً : لو سلّمنا عود الضمير إلى الوضوء ، وأنّ الرواية واردة لبيان قاعدة الفراغ ، فالنظر إلى مجموع الرواية يوجب ظهورها في أنّ موضوع عدم الاعتناء بالشك هو التجاوز ، لقوله عليه‌السلام في ذيلها : «إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» فيكون ذكر الدخول في الغير من باب كونه أحد مصاديق التجاوز لا لكونه دخيلاً في موضوع الحكم ، وإلاّ لزم التدافع بين الصدر والذيل فيما إذا شك في شيء من الوضوء بعد الفراغ عنه وقبل الدخول في الغير ، إذ مقتضى الصدر واعتبار الدخول في الغير الاعتناء بهذا الشك ، ومقتضى الحصر المذكور في الذيل بقوله عليه‌السلام : «إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» هو عدم الاعتناء به.

وثالثاً : أنّ من اعتبر في جريان قاعدة الفراغ الدخول في الغير ، إن أراد به اعتبار الدخول في خصوص الفعل المترتب كالدخول في الصلاة عند الشك في صحة الوضوء فالموثقة لا تدل عليه ، وإن أراد به اعتبار الدخول في مطلق الغير ، فاعتباره لغو ، إذ لا ينفك الدخول فيه عن الفراغ ، فانّه بمجرد الفراغ يتحقق الدخول في الغير لا محالة ولو كان الغير هو السكون أو الحركة ، فانّ الانسان لا يخلو من الأكوان الأربعة : الحركة والسكون والافتراق والاجتماع.

ورابعاً : أنّه على تقدير دلالة الموثقة على اعتبار الدخول في الغير ، نعمل بها في خصوص موردها وهو الوضوء ، فلا مانع في غير الوضوء من العمل

بالاطلاقات ، ولعل الوجه في اعتبار الدخول في الغير في خصوص الوضوء أنّ الظاهر من قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء من الوضوء ...» إلخ كون الشك في وجود شيء من أجزاء الوضوء أو شرائطه ، والشك في الوجود مورد لقاعدة التجاوز ، وحيث إنّ قاعدة التجاوز غير جارية في الوضوء للنصوص الخاصة ، فما لم يتحقق الدخول في غير الوضوء يجب الاعتناء بالشك ، فعدم الاعتناء بالشك في باب الوضوء متوقف على الدخول في الغير.

ومما يتوهّم كونه مقيداً للاطلاقات صحيحة زرارة (1)الواردة في الوضوء ، بدعوى أنّ مفاد قوله عليه‌السلام : «وقد صرت إلى حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت ...» إلى قوله عليه‌السلام : «لا شيء عليك» هو اعتبار الدخول في الغير.

والجواب عنها أوّلاً : عدم تمامية دلالتها في نفسها على اعتبار الدخول في الغير ، لأنّ ظاهر قوله عليه‌السلام : «مادمت في حال الوضوء» أنّ الميزان في عدم الاعتناء بالشك إنّما هو الفراغ من الوضوء ، فيكون ذكر الدخول في الغير - المستفاد من قوله عليه‌السلام : «وقد صرت إلى حالٍ اخرى ...» - من باب


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن أحمد بن إدريس وسعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال عليه‌السلام : إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا ، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو لم تمسحه مما سمى اللّه مادمت في حال الوضوء ، فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت إلى حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شيء عليك فيه ...» إلخ [الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 1].

كونه من أوضح أفراد الفراغ أو الفرد الغالب منه ، لا من باب كونه موضوعاً للحكم ، وإلاّ لزم التدافع بين الصدر والذيل فيما إذا شك في صحة الوضوء بعد الفراغ منه وقبل الدخول في الغير ، إذ مقتضى مفهوم قوله عليه‌السلام : «مادمت في حال الوضوء ...» عدم الاعتناء بهذا الشك ، ومقتضى قوله عليه‌السلام : «وقد صرت إلى حالٍ اخرى ...» هو الاعتناء به ، لعدم الدخول في الغير ، فيستكشف من ذلك أنّ قوله عليه‌السلام : «فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه» بيان لمفهوم قوله عليه‌السلام : «ما دمت في حال الوضوء» وذكر قوله عليه‌السلام : «وقد صرت إلى حال اخرى» إنّما هو لتوضيح المفهوم بذكر أوضح الأفراد أو الفرد الغالب.

وثانياً : على تقدير تسليم دلالتها على اعتبار الدخول في الغير ، فهو مختص بالوضوء ، والوجه في اعتبار الدخول في الغير في خصوص الوضوء هو ما ذكرناه في الجواب عن موثقة ابن أبي يعفور ، فانّ المذكور في هذه الصحيحة أيضاً هو الشك في وجود الغسل أو المسح ، ويجب الاعتناء بمثل هذا الشك ما لم يدخل في الغير بمقتضى الأدلة الدالة على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء.

فالمتحصّل مما ذكرناه : عدم اعتبار الدخول في الغير في قاعدة الفراغ ، لعدم وجود ما يصلح لتقييد الاطلاقات الواردة فيها ، فيكون المتبع هو الاطلاق.

بقي الكلام في ذكر امور :

الأمر الأوّل : لا إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء بالنص (1)والاجماع ، وهل يلحق به الغسل والتيمم في عدم جريان قاعدة


1) وهو صحيح زرارة المتقدم في ص 344.

التجاوز فيهما؟ التزم بالالحاق جماعة من متأخري المتأخرين على ما نقله الشيخ (1)قدس‌سره في كتاب الطهارة وليس له تعرض في كلمات القدماء على ما ذكره صاحب الجواهر (2)قدس‌سره.

وكيف كان ، فقد ذكر للالحاق وجهان :

الأوّل : ما ذكره المحقق النائيني (3)قدس‌سره من اختصاص أدلة قاعدة التجاوز بباب الصلاة ، فعدم جريانها في الطهارات الثلاث إنّما هو من باب التخصص لا التخصيص.

ويظهر الجواب عنه مما ذكرناه (4)في إثبات كون قاعدة التجاوز من القواعد العامة ، فلا حاجة إلى الاعادة.

الثاني : ما ذكره شيخنا الأنصاري (5)قدس‌سره وهو أنّ التكليف إنّما تعلق بالطهارة ، وإنّما الغسل والمسح مقدمة لحصولها ، فالشك في تحقق شيء من الغسل أو المسح يرجع إلى الشك في حصول الطهارة ، وهي أمر بسيط ، فلا تجري فيه قاعدة التجاوز ، فلا بدّ من الاحتياط ، لكون الشك شكاً في المحصّل ، وهذا الكلام جارٍ في التيمم والغسل أيضاً ، فانّ المكلف به في الجميع هو الطهارة.

وفيه أوّلاً : أنّ ظاهر الآيات والروايات كون نفس الوضوء متعلقاً للتكليف


1) كتاب الطهارة 2 : 490.

2) الجواهر 2 : 355.

3) أجود التقريرات 4 : 217 ، فوائد الاصول 4 : 626.

4) في ص 335 - 338.

5) فرائد الاصول 2 : 713.

كقوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... ) (1)إلخ وكقوله عليه‌السلام : «افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (2)والوضوء مركب ، فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه.

وثانياً : على تقدير تسليم كون الطهارة هي المأمور به وأنّ الوضوء مقدمة لها ، أنّ عدم جريان قاعدة التجاوز في المقدمة مع كون ذيها بسيطاً إنّما هو في المقدمات العقلية الخارجية ، كما إذا أمر المولى بقتل أحد ، وتوقف القتل على عدة من المقدمات ، فالشك في بعض هذه المقدمات لا يكون مورداً لقاعدة التجاوز ، لأنّ المأمور به - وهو القتل - بسيط لا تجري فيه قاعدة التجاوز. والشك في المقدمات شك في المحصّل ، فلا بدّ من الاحتياط ، هذا بخلاف المقام فانّ الوضوء من المقدمات الشرعية لحصول الطهارة ، إذ الشارع جعله مقدمةً لها وأمر به ، وبعد تعلق الأمر الشرعي به وكونه مركباً لا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيه ، نعم لو شك في الجزء الأخير منه ، لا مجال لجريان قاعدة التجاوز فيه إلاّمع الدخول في الغير ، أو فوات الموالاة بجفاف الأعضاء ، لعدم صدق التجاوز عند الشك في وجود الجزء الأخير إلاّمع أحد الأمرين.

فتحصّل مما ذكرناه : عدم لحوق التيمم والغسل بالوضوء ، فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز فيهما بمقتضى عموم أدلتها.

نعم ، لا تجري قاعدة التجاوز في الغسل فيما إذا شك في غسل الجانب الأيمن حين الاشتغال بغسل الجانب الأيسر بناءً على القول بعدم الترتيب بين الجانبين ، كما أنّه ليس ببعيد ، لعدم صدق التجاوز عن المحل على هذا القول ،


1) المائدة 5 : 6.

2) الوسائل 1 : 366 / أبواب الوضوء ب 1 ح 4 و 7.

فيجب غسل الجانب الأيمن بعد الجانب الأيسر أو قبله ، ويكون هذا الشك بمنزلة الشك في غسل اليد حين الاشتغال بغسل الرجل من جانب واحد ، فانّه لا إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز ، لعدم الترتيب بين الأعضاء من جانب واحد ، فيجب غسل اليد بعد الفراغ من غسل الرجل أو قبله.

الأمر الثاني : بعد ما عرفت من عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزاء الوضوء بالنص والاجماع ، فهل تلحق بها قاعدة الفراغ في عدم جريانها في أجزاء الوضوء أم لا.

التحقيق هو الثاني ، لعموم الأدلة وعدم المانع عن العمل بها. أمّا عموم الأدلة ، فقد تقدّم (1). وأمّا عدم المانع ، فلأن عمدة الأدلة المانعة عن جريان قاعدة التجاوز في الوضوء هي قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة المتقدمة (2): «فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه ...» إلخ ، ومفادها وجوب الاعتناء بالشك والاتيان بالمشكوك فيه فيما إذا كان الشك في أصل الغسل أو المسح ، لا ما إذا كان الشك في صحة الغسل أو المسح. فالصحيحة تدل على عدم جريان قاعدة التجاوز فقط في الوضوء ، لا على عدم جريان قاعدة الفراغ أيضاً ، فاذا شك في غسل الوجه - مع الاشتغال بغسل اليد اليسرى مثلاً - يجب غسل الوجه مع ما بعده لعدم جريان قاعدة التجاوز. وأمّا إذا شك في صحة غسل الوجه كما إذا شك في وقوعه من الأعلى مثلاً ، فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة الفراغ والحكم بالصحة.

ولا فرق في جريان قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء بين الجزء الأخير


1) في ص 322 ، 332.

2) في ص 344.

وغيره ، لعموم الأدلة على ما ذكرناه.

نعم ، لا تجري قاعدة الفراغ فيما إذا شك في صحة غسل الوجه مثلاً ، لاحتمال كون الماء المغسول به مضافاً ، لكون المأمور به وما سمّاه اللّه هو الغسل بالماء ، لقوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) إلخ (1)بضميمة قوله تعالى : ( فَلَمْ تَجِدُوا* ماءً فَتَيَمَّمُوا ... ) إلخ ، فيكون الشك المذكور شكاً في وجود ما سمّاه اللّه وأمر به لا في صحته ، فلا تجري قاعدة الفراغ فيه.

وكذا لا تجري قاعدة الفراغ فيما إذا شك في صحة غسل اليد اليمنى بعد الاشتغال بغسل اليد اليسرى ، لاحتمال وقوع الغسل من الأعلى بناءً على كون الغاية في قوله تعالى : ( ... وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ... ) غاية للغسل ، إذ المأمور به وما سمّاه اللّه حينئذ هو الغسل من الأسفل ، فيكون الشك المذكور شكاً في وجوده ، فلا يكون مورداً لقاعدة الفراغ ، ولكنّه مجرد فرض ، إذ لا قرينة على كون الغاية غايةً للغسل ، بل القرينة على كونها غاية للمغسول موجودة وهي قوله تعالى : ( «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فانّه لا خلاف ظاهراً في كون الغاية فيه غايةً للممسوح لا للمسح ، ولذا التزموا بجواز المسح من الكعبين إلى الأصابع. ووحدة السياق تشهد بأنّ الغاية في قوله تعالى : ( «وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) غاية للمغسول لا للغسل ، وإنّما أوجبنا الغسل من الأعلى للروايات الواردة في المقام.

وقد يستدل لعدم جريان قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء بموثقة ابن أبي يعفور من قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت


1) المائدة 5 : 6.

في غيره ، فليس شكك بشيء ...» إلخ (1)بتقريب أنّ الضمير في قوله عليه‌السلام : «في غيره» راجع إلى الوضوء ، وأنّ الشيء في قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء» باطلاقه شامل للوجود والصحة ، فيكون مفادها أنّ الشك في جزء من أجزاء الوضوء - سواء كان متعلقاً بوجوده أو بصحته - إنّما لا يعتنى به إذا كان الشك بعد الفراغ ، ومفهومه الاعتناء به إذا كان قبل الفراغ من الوضوء.

والجواب عنه أوّلاً : ما تقدّم (2)من عدم صحة الاستدلال بهذه الموثقة ، لاجمالها لاحتمال رجوع الضمير إلى الشيء.

وثانياً : أنّه لا إطلاق لها من هذه الجهة ، إذ الظاهر أنّها في مقام بيان أنّ الشك إذا كان حين العمل يعتنى به ، وإذا كان بعد الفراغ منه لا يعتنى به ، وليس إلاّ في مقام بيان هذا المقدار من المعنى. وأمّا كون المشكوك فيه هو الوجود أو الصحة ، فليست الموثقة في مقام بيانه ، فليس لها إطلاق من هذه الجهة حتى يؤخذ به ، ويحكم بأنّ الشك مطلقاً - سواء كان متعلقاً بالوجود أو بالصحة - يعتنى به إذا كان حين العمل ، ولا يعتنى به إذا كان بعد الفراغ منه.

وثالثاً : أنّه على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاعتناء بالشك في الصحة أيضاً إذا كان حين العمل يقع التعارض بينها وبين الروايات الدالة بعمومها على جريان قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء أيضاً ، والنسبة بينها وبين الموثقة هي العموم من وجه ، فانّ مفاد الموثقة وجوب الاعتناء بالشك في أجزاء الوضوء حين الاشتغال به ، سواء كان الشك متعلقاً بالوجود أو بالصحة ، ومفاد بقية


1) الوسائل 1 : 469 - 470 / أبواب الوضوء ب 42 ح 2.

2) في ص 332.

الروايات عدم الاعتناء بالشك في الصحة إذا كان الشك بعد الفراغ من المشكوك فيه ، سواء كان من أجزاء الوضوء أو من غيرها ، فمورد الاجتماع هو الشك في صحة جزء من الوضوء بعد الفراغ منه ، وقبل الفراغ من الوضوء. ولا ينبغي الشك في تقدم تلك الروايات على الموثقة ، إذ دلالتها بالعموم ، ودلالة الموثقة بالاطلاق.

الأمر الثالث : بعد ما ذكرناه من أنّ الدخول في الغير معتبر في قاعدة التجاوز لا بدّ من تحقيق معنى الغير ، وأ نّه بماذا يتحقق ، ويقع الكلام في مقامين : المقام الأوّل : في الشك في الجزء الأخير. المقام الثاني : في الشك في غيره من الأجزاء.

أمّا المقام الأوّل فتفصيل الكلام فيه : أنّ الشك في الجزء الأخير يتصور على وجوه :

الأوّل : أن يشك فيه مع عدم الاشتغال بشيء وعدم تحقق السكوت الطويل الموجب لفوات محل التدارك. ولا مجال فيه لجريان قاعدة التجاوز ، لعدم الدخول في الغير على الفرض ، فلا يصدق التجاوز عن المحل. وكذا لا تجري قاعدة الفراغ أيضاً ، لاحتمال كونه في أثناء العمل ، فلم يحرز الفراغ ، وهذا واضح.

الثاني : أن يشك في الجزء الأخير مع الاشتغال بأمر غير مرتب على الجزء الأخير وغير مانع من تداركه. والحكم فيه هو الحكم في الوجه السابق ، فلا تجري فيه قاعدة التجاوز ، لعدم تجاوز المحل وإمكان التدارك. ولا قاعدة الفراغ للشك في تحقق الفراغ واحتمال كونه في أثناء العمل على ما تقدّم. ومن هذا القبيل ما إذا أتى بشيء من المنافيات التي لا يكون الاتيان بها سهواً موجباً

للبطلان كالتكلم. والتزم المحقق النائيني (1)قدس‌سره في هذه الصورة بجريان قاعدة الفراغ ، بدعوى أنّ المعتبر في قاعدة الفراغ أمران : الدخول في الغير ، وصدق المضي ، وهما متحققان في المقام. أمّا الدخول في الغير فتحققه ظاهر ، وأمّا تحقق المضي فلصدقه عند مضي معظم الأجزاء.

وفيه : أنّ المعتبر في قاعدة الفراغ هو صدق المضي حقيقة ، ومعه كيف يصدق المضي مع الشك في تحقق الجزء الأخير ، وأمّا الدخول في الغير فقد تقدم (2)أنّه لا يعتبر في جريان قاعدة الفراغ.

وقد يتوهّم جريان قاعدة الفراغ ، بدعوى أنّ المراد بالمضي هو المضي بحسب الاعتقاد لا المضي بحسب الواقع ، وإلاّ لم يبق مورد لجريان قاعدة الفراغ ، إذ مع الشك في الصحة لا يحرز المضي الواقعي ، والمضي الاعتقادي موجود في المقام ، فانّه حين اشتغاله بأمر غير مرتب كان معتقداً بالمضي ، وإلاّ لم يشتغل به ، فتجري قاعدة الفراغ.

وهو مندفع بأن ظاهر قوله عليه‌السلام : «كل ما مضى ...» هو المضي الحقيقي الواقعي لا المضي الخيالي ، غاية الأمر كون الماضي أعم من الصحيح والفاسد بقرينة الشك المذكور في الرواية ، إذ لا يتصور مضي الصحيح مع فرض الشك في الصحة والفساد.

الثالث : أن يشك في الجزء الأخير مع الاشتغال بأمر مرتب على الجزء الأخير غير مانع من تداركه على تقدير عدم الاتيان به ، كما إذا شك في التسليم مع الاشتغال بالتعقيب ، أو شك في مسح الرجل للوضوء مع الاشتغال بالدعاء


1) أجود التقريرات 4 : 224 ، راجع أيضاً فوائد الاصول 4 : 630.

2) في ص 339 وما بعدها.

المأثور بعد الوضوء.

واختار المحقق النائيني (1)قدس‌سره أنّه لو شك في الجزء الأخير من الصلاة - وهو التسليم - مع الاشتغال بالتعقيب لا يعتني به ، لصدق الدخول في الغير ، فيكون مورداً لجريان قاعدة التجاوز. واستشهد على ذلك بصحيحة زرارة المتقدمة (2)الدالة على عدم الاعتناء بالشك في الأذان مع الدخول في الاقامة ، بدعوى أنّ الحكم بعدم الاعتناء بالشك في الأذان مع الدخول في الاقامة يشرف الفقيه على القطع بعدم الاعتناء بالشك في التسليم مع الاشتغال في التعقيب ، لعدم الفرق بين الاقامة والتعقيب ، لخروج كليهما عن حقيقة الصلاة.

وللمناقشة فيه مجال ، لعدم الملازمة بين المقامين في جريان قاعدة التجاوز ، إذ هو منوط بمضي المحل ، وهو لا يصدق إلاّفيما إذا كان محل المشكوك فيه بحسب الجعل الشرعي سابقاً على الغير الذي وقع الشك بعد الدخول فيه ، وكان محل ذلك الغير مؤخراً عن المشكوك فيه ولو باعتبار كونه أفضل الأفراد. وهذا المعنى موجود في الشك في الأذان بعد الدخول في الاقامة ، فانّ الأذان مقدّم بحسب الجعل الشرعي على الاقامة ، بحيث لو لم يأت بالاقامة بعد الأذان لم يأت بوظيفته الاستحبابية المتعلقة بالأذان. وكذا محل الاقامة مؤخر عن الأذان بمعنى أنّ أفضل أفراد الاقامة هي الاقامة الواقعة بعد الأذان ، وإن كانت مستحبة في نفسها ولو بدون الأذان ، فيكون الشك في الأذان بعد الدخول في الاقامة شكاً فيه بعد مضي المحل والتجاوز عنه.

وهذا بخلاف الشك في التسليم مع الاشتغال في التعقيب ، فانّ التعقيب وإن


1) أجود التقريرات 4 : 223 ، فوائد الاصول 4 : 628

2) في ص 331

اعتبر بحسب الجعل الشرعي مؤخراً عن التسليم ، إلاّأ نّه لم يعتبر مقدّماً على التعقيب ، إذ من المعلوم أنّه لا يعتبر في التسليم وقوعه قبل تسبيح الزهراء (سلام اللّه عليها) مثلاً. ومَثَل التسليم والتعقيب مَثَل صلاة الظهر والعصر ، فان صلاة العصر قد اعتبرت في الشريعة المقدّسة مؤخرة عن صلاة الظهر ، إلاّأنّ صلاة الظهر لم يعتبر فيها التقدم على صلاة العصر كما هو مذكور في محلّه ، فلا يكون الشك في التسليم مع الاشتغال بالتعقيب شكاً بعد مضي المحل ، لبقاء محل التدارك ، ولذا من تذكر حال التعقيب أنّه لم يأت بالتسليم يجب عليه التدارك ولم يلزم منه إخلال أصلاً ، ولا شيء عليه حتى سجدة السهو.

ويؤيد ما ذكرناه - من عدم جريان قاعدة التجاوز في المقام - أنّه لو شك في الاتيان بأصل الصلاة مع الاشتغال بالتعقيب ، لا تجري قاعدة التجاوز قطعاً ولا أظن أحداً من الفقهاء يلتزم بجريانها ، فيجب عليه الاعتناء بالشك والاتيان بالصلاة ، لكون الشك في الوقت. ولا فرق بين الشك في أصل الصلاة والشك في التسليم مع الاشتغال في التعقيب في جريان قاعدة التجاوز وعدمه.

فتلخّص مما ذكرناه : عدم جريان قاعدة التجاوز في هذه الصورة أيضاً كالصورتين السابقتين.

وكذا لا تجري قاعدة الفراغ أيضاً ، إذ مع الشك في الجزء الأخير لم يحرز الفراغ من العمل حتى يكون مورداً لقاعدة الفراغ ، إلاّفي باب الوضوء فانّه تجري قاعدة الفراغ عند الشك في الجزء الأخير منه مع الاشتغال بشيء آخر ولو لم يتجاوز محل التدارك ، كما إذا شك في مسح الرجل مع الاشتغال بالصلاة ، أو بالدعاء المأثور بعد الوضوء ، وذلك لقوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : «فاذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت إلى حالٍ اخرى في الصلاة أو في غيرها ، فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك وضوءه لا شيء

عليك فيه ...» إلخ (1)فان مفاده عدم الاعتناء بالشك في أجزاء الوضوء بعد الاشتغال بشيء آخر ، بلا فرق بين الجزء الأخير وغيره ، وحيث إنّ هذا الحكم على خلاف القاعدة ، يجب الاقتصار على مورد النص وهو الوضوء ، فلو شك في الجزء الأخير من الغسل مع الاشتغال بشيء آخر كالصلاة ، لا مجال لجريان قاعدة الفراغ ، بل لا بدّ من الاعتناء بالشك.

الرابع : أن يشك في الجزء الأخير بعد الاتيان بالمنافي العمدي والسهوي ، كما إذا شك في التسليم بعد الحدث أو الاستدبار أو السكوت الطويل. ولا تجري فيه قاعدة التجاوز ، لما ذكرناه في الصورة السابقة من أنّ المعتبر في قاعدة التجاوز أن يكون محل المشكوك فيه سابقاً على الغير بحسب الجعل الشرعي. والمقام ليس كذلك ، إذ لم يعتبر في التسليم كونه قبل المنافي العمدي والسهوي بحيث لو لم يقع المنافي بعده لم يصح ، وإن اعتبر فيه عدم وقوع المنافي قبله ، فلا مجال لجريان قاعدة التجاوز.

نعم ، تجري قاعدة الفراغ ، فانّ الصلاة قد مضت حقيقةً ، وشك في صحتها وفسادها ، فيحكم بصحتها لقاعدة الفراغ. هذا على القول بفساد الصلاة بوقوع مثل الحدث والاستدبار بعد التشهد قبل التسليم - كما اختاره المحقق النائيني قدس‌سره (2)- وأمّا على القول بصحة الصلاة - كما اختاره السيد قدس‌سره في العروة (3)وليس ببعيد - فلا ثمرة لجريان قاعدة الفراغ ، لصحة الصلاة مع قطع النظر عنها على الفرض ، فيكون الشك في التسليم مع وقوع الحدث أو


1) الوسائل 1 : 469 / أبواب الوضوء ب 42 ح 1.

2) العروة الوثقى (المحشّاة) 2 : 593 ، 596 ، 597 فصل في التسليم.

3) العروة الوثقى 1 : 514 / فصل في التسليم ، المسألة 1 [1661].

الاستدبار خارجاً عن محل الكلام على هذا القول. فليفرض الكلام فيما إذا شك في السجدتين الأخيرتين وما بعدهما من التشهد والتسليم بعد وقوع الحدث أو الاستدبار.

ثمّ إنّ ما ذكرناه - من جريان قاعدة الفراغ عند الشك في الجزء الأخير بعد السكوت الطويل - إنّما يتم في المركبات التي اعتبرت الموالاة بين أجزائها كالصلاة والوضوء ، دون المركب الذي لا تعتبر الموالاة بين أجزائه كالغسل ، فلو شك في الجزء الأخير منه كغسل الطرف الأيسر ، لا بدّ من الاعتناء بالشك والاتيان بالمشكوك فيه ، ولو كان الشك بعد زمان طويل ، إذ بعد عدم اعتبار الموالاة يحتمل كونه الآن في أثناء العمل ، فلم يحرز الفراغ لتجري قاعدته.

المقام الثاني : في تحقيق معنى الغير عند الشك في الأجزاء الاخر غير الجزء الأخير ، فهل المراد بالغير - الذي يعتبر الدخول فيه في قاعدة التجاوز - هو خصوص الأجزاء المستقلة التي اعتبرت أجزاءً بحسب الأدلة الشرعية ، أو يشمل جزء الجزء أيضاً؟ وعلى تقدير الشمول هل يختص بمثل الحمد والسورة ، أو يشمل كل آية بالنسبة إلى آية اخرى؟

وعلى تقدير الشمول هل يشمل كل كلمة بالنسبة إلى كلمة اخرى بل كل حرف بالنسبة إلى حرف آخر من كلمة واحدة؟ وعلى كل تقدير هل هو مختص بالأجزاء أو يشمل المقدمات أيضاً كما إذا شك في القراءة بعد الهوي إلى الركوع ، أو شك في الركوع بعد الهوي إلى السجود ، أو شك في السجود بعد النهوض إلى القيام ، بل يشمل الزيادات المأتي بها سهواً كما اختاره السيد قدس‌سره في العروة (1)، وحكم بأ نّه لو شك في السجدة مع عدم الاتيان


1) العروة الوثقى 1 : 664 / فروع العلم الاجمالي ، المسألة 59 [2192].

بالتشهد سهواً فقام لا يعتني به ، لكونه بعد الدخول في الغير - وهو القيام - مع كونه مجرد زيادة سهوية؟

وعلى تقدير الاختصاص بالأجزاء ، فهل هي مختصة بالأجزاء الواجبة أو تشمل المستحبات أيضاً كما إذا شك في السورة بعد الدخول في القنوت؟

فنقول : القدر المتيقن هي الأجزاء المستقلة ، كالأمثلة المذكورة في صحيحة زرارة المتقدمة (1)من الشك في الأذان بعد الدخول في الاقامة ، والشك في الاقامة بعد الدخول في التكبير إلى آخر ما ذكر فيها من الفروض. ولا يجب الاقتصار على الأجزاء المذكورة فيها ، بل تجري قاعدة التجاوز عند الشك في غيرها من الأجزاء المستقلة ، كما إذا شك في السجود بعد الدخول في التشهد ، وذلك لأنّ الأمثلة المذكورة في الصحيحة مذكورة في السؤال ، والمتبع إنّما هو إطلاق قوله عليه‌السلام في الجواب : «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».

ولا يتوهم اختصاص جريان القاعدة عند الشك في السجود بما إذا شك فيه بعد الدخول في القيام ، لأنّه هو المذكور في كلام الإمام عليه‌السلام في موثقة إسماعيل بن جابر (2)، فلا تجري عند الشك في السجود بعد الدخول في التشهد ، وذلك لعموم قوله عليه‌السلام في ذيل الموثقة : «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره ، فليمض عليه» ولعل الشك في السجود المفروض في الموثقة هو الشك فيه في الركعة الاولى ، فيكون صدق الدخول في الغير منحصراً بالدخول في القيام ، لعدم التشهد في الركعة الاولى.


1) في ص 332.

2) الوسائل 6 : 317 - 318 / أبواب الركوع ب 13 ح 4.

وبالجملة : لا مجال لتوهم اختصاص القاعدة بالأمثلة المذكورة في الصحيحة والموثقة بعد عموم الجواب في كلام الإمام عليه‌السلام ، بل تجري في جميع الأجزاء المستقلة ومنها الحمد والسورة ، فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز عند الشك في الحمد بعد الدخول في السورة ، فانّ جزئية الحمد ثابتة بقوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلاّبفاتحة الكتاب» (1)وجزئية السورة ثابتة بأدلة اخرى دالة على وجوب قراءة سورة تامة بعد الحمد ، فاعتبر الحمد بحسب الدليل الشرعي جزءاً ، والسورة جزءاً آخر وإن كانت القراءة بأجمعها قد تعد جزءاً واحداً وهي شاملة لهما ، فتجري القاعدة عند الشك في الحمد بعد الدخول في السورة. ولا ينافي ذلك أنّ المذكور في الصحيحة جريان القاعدة عند الشك في القراءة بعد الدخول في الركوع ، لأنّ المفروض فيها هو الشك في جميع القراءة من الحمد والسورة ، فلا محالة جريان القاعدة فيه متوقف على الدخول في الركوع ، فلا منافاة بينه وبين جريانها فيما إذا شك في الحمد وحده بعد الدخول في السورة باعتبار عموم الجواب كما ذكرناه.

وهل تجري قاعدة التجاوز فيما إذا شك في آية بعد الدخول في آية اخرى أم لا. الظاهر جريانها فيه ، إذ يصدق عليه الشك في الشيء بعد التجاوز عنه والدخول في غيره.

واختار المحقق النائيني (2)قدس‌سره عدم الجريان - بعد ما بنى عليه من رجوع قاعدة التجاوز إلى قاعدة الفراغ - بدعوى أنّ قاعدة الفراغ مختصة بالشك في الكل ، وإنّما تجري في الأجزاء المستقلة في باب الصلاة لدليل خاص


1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 و 8.

2) أجود التقريرات 4 : 228 - 229 ، فوائد الاصول 4 : 634 - 635.

حاكم بتنزيل الجزء منزلة الكل في جريان القاعدة ، فلا بدّ من الاقتصار على مقدار يدل عليه دليل التنزيل ، وهو الأمثلة المذكورة في الرواية ، فلا تجري في غيرها.

وفيه أوّلاً : ما تقدم من عدم تمامية المبنى ، وأنّ قاعدة التجاوز غير قاعدة الفراغ بحسب مقام الاثبات (1).

وثانياً : على تقدير تسليم المبنى ، أنّ الدليل على التنزيل هي صحيحة زرارة وموثقة إسماعيل بن جابر المتقدمتان (2)والمتبع هو إطلاق قوله عليه‌السلام في الصحيحة : «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» وعموم قوله عليه‌السلام في الموثقة : «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه» فلا وجه للاقتصار على الأمثلة المذكورة فيهما.

نعم ، لا نضايق عن الاعتناء بالشك وعدم جريان قاعدة التجاوز فيما إذا شك في كلمةٍ بعد الدخول في كلمةٍ اخرى من كلام واحد ، فضلاً عما إذا شك في حرف من كلمة بعد الدخول في حرف آخر منها ، وذلك لعدم صدق التجاوز والمضي عرفاً ، وإن كان التجاوز متحققاً بحسب الدقة العقلية ، إلاّأنّ الميزان هو الصدق العرفي لا الدقة العقلية.

وأمّا إذا شك في شيء من أجزاء المركب بعد الدخول في جزء مستحب منه ، كما إذا شك في القراءة بعد الدخول في القنوت ، فقد اختار السيد قدس‌سره في


1) راجع ص 333.

2) تقدّمتا في ص 331 - 332 فراجع.

العروة (1)جريان قاعدة التجاوز ، وقرره المحشّون ، ولم نجد التصريح بخلافه. ولكن للمناقشة فيه مجال واسع ، لما ذكرناه سابقاً (2)من أنّ جريان القاعدة متوقف على صدق المضي والخروج عن محل المشكوك فيه والتجاوز عنه ، ولا يصدق إلاّفيما إذا اعتبر المشكوك فيه سابقاً على الغير ، كالقراءة بالنسبة إلى الركوع. وهذا المعنى مفقود في المقام ، إذ لم يعتبر في القراءة وقوعها سابقاً على القنوت ، وإن كان المعتبر في القنوت تأخره عنها. فمثل القنوت بالنسبة إلى القراءة مثل التعقيب بالنسبة إلى التسليم.

توضيح ذلك : أنّ الجزئية والاستحباب مما لا يجتمعان ، ولا يعقل كون شيء جزءاً للواجب ومستحباً ، إذ الاهمال في مقام الثبوت غير متصور ، فامّا أن تكون الطبيعة المأمور بها مطلقة بالنسبة إلى الخصوصيات ، أو تكون مقيدة بوجود خصوصية على نحو يكون التقيد والقيد كلاهما داخلين في المأمور به ، أو على نحو يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً ، فيكون جزءاً على الأوّل وشرطاً على الثاني ، أو تكون مقيدة بعدم شيء فيكون مانعاً ، ففيما إذالم تكن الطبيعة المأمور بها مقيدة بوجود خصوصية ولا بعدمها ، يكون المكلف مخيراً في تطبيقها في ضمن أيّ خصوصية من الخصوصيات ، غاية الأمر كون الخصوصية تارةً راجحة واخرى مرجوحة وثالثةً بلا رجحان ولا مرجوحية ، كايقاع الصلاة في المسجد أو في الحمام أو في الدار ، وكالصلاة مع القنوت أو بدونه ، فجميع هذه الخصوصيات غير داخلة في المأمور به. ومعنى كون القنوت مثلاً جزءاً مستحباً للصلاة أنّه قد امر به استقلالاً ، غاية الأمر كون الصلاة ظرفاً


1) العروة الوثقى 1 : 613 / فصل في الشك ، المسألة 10 [2030].

2) في ص 353.

لوقوعها ، وأنّ وقوعها في الصلاة موجب لكثرة ثوابها. وبهذا يفترق عن الدعاء المأثور في شهر رمضان ، فانّ الصوم وإن كان ظرفاً لوقوعه أيضاً ، إلاّأنّ الدعاء المذكور عبادة بنفسه ، ويترتب الثواب عليه ، كما يترتب على الصوم ، لا أنّه يوجب كثرة ثواب الصوم.

فتلخص بما ذكرناه : أنّ إطلاق الجزء على الامور المستحبة مسامحة في التعبير ، وليست بأجزاء حقيقة. ولا مجال لجريان قاعدة التجاوز عند الشك في جزء من المركب بعد الدخول في أمر مستحب ، كالشك في القراءة مع الدخول في القنوت ، وكذا الشك في التكبير بعد الدخول في الاستعاذة. ويعرف مما ذكرناه حكم جملة من الفروع التي ذكرها السيد قدس‌سره في العروة في الختام المتعلق بالعلم الاجمالي ، فراجع (1).

أمّا المقدمات - كما إذا شك في الركوع حال الهوي إلى السجود ، أو شك في السجود حال النهوض إلى القيام - فاختار بعضهم جريان قاعدة التجاوز في المقامين ، لشمول الغير للمقدمات أيضاً. وذهب جماعة منهم المحقق النائيني (2)قدس‌سره إلى عدم جريانها في المقامين ، وهذا هو الصحيح.

أمّا مع قطع النظر عن النصوص الواردة في المقامين ، فلأن جريان القاعدة منوط بصدق التجاوز والخروج عن محل الشيء المشكوك فيه ، كما تقدم. ولا يصدق هذا المعنى عند الدخول في المقدمات ، لعدم كونها من الأجزاء ، إذ لم يدل دليل على كون الهوي أو النهوض معتبراً في الصلاة ، بل لا يعقل كونهما من الأجزاء وتعلق الأمر الضمني بهما ، إذ بعد الأمر بالسجود يكون الهوي حاصلاً


1) العروة الوثقى 1 : 649 و 661 / المسألة 16 و 49.

2) أجود التقريرات 4 : 226 ، فوائد الاصول 4 : 633 - 634.

لا محالة ، لامتناع الطفرة. وعلى تقدير إمكانها في نفسها لا تكون مقدورةً للمكلف ، فيكون الأمر به لغواً. وكذا النهوض مما لا بدّ منه بعد الأمر بالقيام ، لامتناع الطفرة أو عدم كونها مقدورةً للمكلف ، فلا حاجة إلى الأمر به بعد الأمر بالقيام.

وأمّا مع ملاحظة النصوص ، فلما سيجيء قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وفصّل صاحب المدارك (1)بين المقامين : فقال بجريان القاعدة في المقام الأوّل ، وعدمه في الثاني. واعترض عليه صاحب الحدائق (2)بما حاصله : أنّ التفصيل بين المقامين كالجمع بين المتناقضين ، لأن لفظ الغير المذكور في الروايات الدالة على قاعدة التجاوز إن كان شاملاً للمقدمات ، فتجري القاعدة في المقامين ، وإلاّ فلا تجري فيهما.

والانصاف أنّ هذا الاعتراض مما لاينبغي صدوره من مثله ، إذ ليست قاعدة التجاوز من القواعد العقلية التي لا تكون قابلة للتخصيص كاستحالة اجتماع الضدين مثلاً ، بل من القواعد الشرعية التي تعميمها وتخصيصها بيد الشارع ، فله أن يخصصها بموردٍ دون مورد ، كما حكم بجريانها في الصلاة وبعدمه في الوضوء ، فلا بدّ من ملاحظة الدليل الذي أقامه صاحب المدارك للتفصيل المذكور ، وأ نّه وافٍ بالتفصيل أم لا.

فنقول : نظره في هذا التفصيل إلى روايتين : الاولى : رواية (3)

ابن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عبداللّه «قال : قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً ، فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال عليه‌السلام : يسجد ، قلت : فرجل أنهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال عليه‌السلام : يسجد» [الوسائل 6 : 369 / أبواب السجود ب 15 ح 6].

عبدالرحمن بن

1) مدارك الأحكام 4 : 249 - 250.

2) الحدائق الناضرة 9 : 177.

3) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن عن سعد عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد.

أبي عبداللّه الدالة على عدم جريان القاعدة ووجوب الاعتناء بالشك في المقام الثاني. الثانية : صحيحة عبدالرحمن (1)، فادّعى دلالتها على جريانها في المقام الأوّل.

أمّا الرواية الاولى : فدلالتها على عدم الجريان في المقام الثاني واضحة. مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ عدم الجريان هو الصحيح ، مع قطع النظر عن النص الخاص.

وأمّا الثانية : فأجاب عنها المحقق النائيني قدس‌سره (2)بأ نّها مطلقة من حيث الوصول إلى السجود وعدمه ، وتكون موثقة إسماعيل بن جابر المتقدمة (3)مقيدة لاطلاقها ، فانّ المذكور في الموثقة هكذا : «إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض ...» إلخ.


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن عن أبي جعفر عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي عبداللّه «قال : قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال عليه‌السلام : قد ركع» [الوسائل 6 : 318 / أبواب الركوع ب 13 ح 6].

2) أجود التقريرات 4 : 227 ، فوائد الاصول 4 : 636.

3) في ص 332.

وفيه : أنّ الموثقة غير صالحة لتقييد الصحيحة ، أمّا من حيث المنطوق فواضح ، إذ لا منافاة بين الحكم بعدم الاعتناء بالشك في الركوع بعد الدخول في السجود ، وبين الحكم بعدم الاعتناء بالشك في الركوع بعد الهوي إلى السجود مطلقاً سواء وصل إلى السجود أم لا.

وأمّا من حيث المفهوم ، فلأن مفهوم الشرط في قوله عليه‌السلام : «إن شك في الركوع بعد ما سجد» إن لم يشك في الركوع بعد ما سجد ، فيكون الحكم في المفهوم منتفياً بانتفاء الموضوع وهو الشك. نعم ، لو كانت عبارة الموثقة هكذا : إن كان الشك في الركوع بعد ما سجد فليمض ... ، كان مفهومها : إن لم يكن الشك في الركوع بعد ما سجد ، بل كان الشك في الركوع قبل ما سجد فلا يمض ، إذ الشك مفروض الوجود في المنطوق والمفهوم ، فيكون مفهوم الموثقة مقيداً لاطلاق الصحيحة ، وقد تقدّم (1)نظير هذا الكلام في البحث عن الاستدلال بمفهوم آية النبأ لحجية خبر العادل من أنّ مفهوم قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ... ) (2)إن لم يجئ فاسق بنبأ ، فيكون خبر العادل خارجاً عن المفهوم. نعم ، لو كان النبأ مفروض الوجود في المنطوق والمفهوم ، كما إذا كان المنطوق هكذا : إنّ النبأ إن كان الجائي به فاسقاً فتبيّنوا ، كان مفهومه أنّ النبأ إن لم يكن الجائي به فاسقاً لا يجب التبين ، فيدل المفهوم على حجية خبر العادل ، والمقام من هذا القبيل بعينه.

والصحيح في الجواب عن الصحيحة أن يقال : إنّ دلالتها غير تامة على المدعى في نفسها ، وهو جريان قاعدة التجاوز في الشك في الركوع بعد الدخول


1) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 187 - 190.

2) الحجرات 49 : 6.

في الهوي مع عدم الوصول إلى السجود ، وذلك لأنّ التعبير في الصحيحة إنّما هو «أهوى إلى السجود» بلفظ الماضي ، ومفاده تحقق الهوي إلى السجود ، فيكون موردها الشك في الركوع بعد الوصول إلى السجود ، فلا تدل على جريان القاعدة وعدم الاعتناء بالشك في الركوع حال الهوي ولو لم يصل إلى السجود. نعم ، لو كان التعبير يهوي إلى السجود بلفظ المضارع ، كان مفاده المعنى المذكور.

ومراجعة الاستعمالات العرفية تشهد بما ذكرناه من الفرق بين الماضي والمضارع ، فان معنى قولنا : زيد يصلي ، أنّه مشغول بالصلاة ولم يفرغ منها بعد ، بخلاف قولنا : زيد صلى ، فان مفاده تحقق الصلاة والفراغ منها. وعلى تقدير عدم ظهور الصحيحة فيما ذكرناه من المعنى ، لا أقل من احتماله الموجب لاجمالها ، فلا تكون قابلة للاستدلال بها للمقام.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّ الصحيح عدم جريان قاعدة التجاوز في المقامين ، ولو مع ملاحظة النصوص.

فرع

لو قام عن الانحناء وشك في أنّه وصل إلى حدّ الركوع الشرعي فقام أم لا؟ ذهب صاحب الحدائق (1)إلى عدم جريان قاعدة التجاوز للنصوص (2)

قال عليه‌السلام : فليركع».

ونقل أيضاً عنه وعن فضالة عن حسين ومحمّد بن سنان جميعاً عن ابن مسكان عن أبي بصير قال : «سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن رجل شك وهو قائم ، فلا يدري أركع أم لم يركع؟ قال عليه‌السلام : يركع ويسجد» [الوسائل 6 : 315 - 316 / أبواب الركوع ب 12 ح 1 و 2].


1) الحدائق الناضرة 9 : 191 - 192.

2) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن حماد عن عمران الحلبي قال «قلت : الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع أم لا؟

الدالة على وجوب الاتيان بالركوع عند الشك فيه حال القيام.

ولكنّ التحقيق جريانها ، إذ القيام الذي بعد الركوع جزء للصلاة بلا إشكال ، ويكون محل الركوع قبله بحسب الجعل الشرعي ، ومحله بعد الركوع كذلك ، فيكون الشك المذكور شكاً في الركوع بعد التجاوز عن محله والدخول في الغير ، فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز. مضافاً إلى ورود نص خاص في المقام ، وهو صحيحة فضيل بن يسار (1).

وأمّا رواية عمران الحلبي ونحوها مما تدل على وجوب الاتيان بالركوع عند الشك فيه حال القيام ، فهي أجنبية عن المقام ، إذ موردها الشك في الركوع حال القيام مع عدم العلم بأنّ القيام هو القيام بعد الركوع أو القيام قبله ، فلم يحرز التجاوز عن المحل حتى تجري قاعدة التجاوز ، وهذا بخلاف المقام فانّه يدري أنّ القيام إنّما هو بعد الانحناء ، ولكن لا يدري أنّه وصل إلى حد الركوع فقام أم لا ، فيكون شكه بعد تجاوز المحل على ما ذكرناه ، فلا مانع من جريان القاعدة.


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن عن فضالة عن أبان عن الفضيل بن يسار ، قال «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : أستتم قائماً ولم أدر أركعت أم لا؟ قال عليه‌السلام : بلى قد ركعت ...» إلخ [الوسائل 6 : 317 / أبواب الركوع ب 13 ح 3].

الأمر الرابع : هل يشترط جريان قاعدة الفراغ والتجاوز بعدم العلم بالغفلة حين العمل ليكون احتمال الفساد من جهة احتمال الغفلة ، واحتمال الصحة لاحتمال عدم الغفلة ، أم تجري حتى مع العلم بالغفلة حين العمل ، فيكون احتمال الصحة من جهة احتمال مصادفة الواقع من باب الاتفاق؟

ذهب جماعة منهم المحقق النائيني قدس‌سره (1)إلى الثاني ، لاطلاق النصوص ، كقوله عليه‌السلام في موثقة ابن بكير : «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» (2).

والتحقيق هو الأوّل ، لعدم إطلاق في النصوص من هذه الجهة ، لما ذكرناه سابقاً (3)من أنّ قاعدة الفراغ والتجاوز ليستا من القواعد التعبدية ، بل من الامور الارتكازية العقلائية ، فان سيرة العقلاء جارية على عدم الاعتناء بالشك في العمل بعد وقوعه ، باعتبار أنّ الغالب عدم وقوع الغفلة حين الاشتغال بالعمل ، فيكون مرجع قاعدة الفراغ إلى أصالة عدم الغفلة الكاشفة نوعاً عن صحة العمل ، فلا مجال لجريانها مع العلم بالغفلة. وقد ذكرنا سابقاً أنّ الأدلة الشرعية وافية بهذا المعنى ، ولذا استظهرنا منها كون القاعدة من الأمارات لا من الاصول التعبدية.

وعلى تقدير تسليم الاطلاق للنصوص يكون التعليل الوارد في بعض الأدلة مقيداً له ، وهو قوله عليه‌السلام : «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (4)


1) أجود التقريرات 4 : 238 - 239 ، فوائد الاصول 4 : 650.

2) الوسائل 8 : 237 - 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

3) في أوّل البحث ص 315.

4) الوسائل 1 : 471 / أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

وقوله عليه‌السلام : «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1)فان مقتضى هذا التعليل هو الاقتصار على موارد يكون المكلف فيها أذكر وأقرب إلى الواقع حين العمل منه حين الشك ، فلا مجال لجريانها مع العلم بالغفلة حين العمل ، لعدم كونه أذكر حين العمل مع الغفلة ، كما هو ظاهر.

وأجاب المحقق النائيني قدس‌سره عن هذا التعليل بأ نّه من قبيل الحكمة لا من قبيل العلة ، فلا يكون الحكم دائراً مدار وجوده.

وفيه : أنّ الميزان في الحكمة والعلة هو فهم العرف ، ففي كل مورد فهم العرف من الكلام دوران الحكم مدار التعليل فهو علة ، وإلاّ فهو حكمة ، ولا ينبغي الاشكال في أنّ المستفاد من التعليل المذكور عرفاً كون عدم الاعتناء بالشك دائراً مدار كونه أذكر ، لما ذكرناه من كونه ناظراً إلى أصالة عدم الغفلة الكاشفة نوعاً عن الواقع.

ومما يتوهّم دلالته على جريان قاعدة الفراغ حتى مع العلم بالغفلة والنسيان حال العمل : الخبر المذكور في الوسائل (2)، ومضمونه لزوم تحويل الخاتم في الغسل وإدارته في الوضوء ، وفي ذيله : «فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة» فيدعى أنّ مفاده جريان قاعدة الفراغ ، مع علم المكلف


1) الوسائل 8 : 246 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

2) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء ، قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الخاتم إذا اغتسلت ، قال عليه‌السلام : حوّله من مكانه. وقال عليه‌السلام : في الوضوء تديره ، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة ، فلا آمرك أن تعيد الصلاة» [الوسائل 1 : 468 / أبواب الوضوء ب 41 ح 2].

بكونه ناسياً حين العمل.

ولكنّ الظاهر عدم دلالة الخبر على المدعى ، إذ ليس فيه ما يدل على أنّ السؤال إنّما كان من جهة الشك في وصول الماء ، وأنّ الحكم بالتحويل والادارة إنّما كان من هذه الجهة ، بل ظاهره كون التحويل في الغسل والادارة في الوضوء مطلوباً في نفسه ، لا لرفع الشك في وصول الماء ، وإلاّ لم يكن لذكر خصوص التحويل في الغسل والادارة في الوضوء وجه ، لكفاية العكس أيضاً في إيصال الماء ، بل يكفي كل واحد من التحويل والادارة فيهما ، فاعتبار هذه الخصوصية يشهد بكونهما مطلوبين في نفسهما ، غاية الأمر أنّه علم من الخارج عدم وجوبهما في الغسل والوضوء ، بل نفس هذا الخبر يدل على عدم وجوبهما ، فان مفاد قوله عليه‌السلام : «فان نسيت فلا آمرك أن تعيد الصلاة» أنّهما ليسا شرطاً لصحة الغسل والوضوء ، بل من الامور الراجحة المستحبة ، فليس الخبر المذكور راجعاً إلى الشك في وصول الماء ، فاذا شك في وصول الماء يجب تحصيل العلم بوصوله بنزع الخاتم أو تحريكه ، على ما هو مذكور في خبر علي بن جعفر (1).


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عليه‌السلام عن أخيه موسى بن جعفر عليهما‌السلام قال «سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال عليه‌السلام : تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. وعن الخاتم الضيّق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف يصنع؟ قال عليه‌السلام : إن علم أنّ الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ» [الوسائل 1 : 467 - 468 / أبواب الوضوء ب 41 ح 1]

فتلخّص مما ذكرناه : اختصاص جريان قاعدة الفراغ بموارد احتمال الغفلة ، إذ لم يدل دليل على جريانها مع العلم بالغفلة والنسيان حال العمل.

الأمر الخامس : أنّ الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ منه يتصور على وجوه ثلاثة :

الوجه الأوّل : أن يكون منشأ الشك احتمال عدم صدور الأمر من المولى ، فانّ صحة العبادة متوقفة على أمرين : صدور الأمر من المولى ، وتطبيق المأمور به على المأتي به. ولا إشكال في عدم جريان قاعدة الفراغ في هذا القسم ، فان قاعدة الفراغ على ما ذكرناه (1)أمارة على وقوع الفعل من المكلف تاماً من حيث الأجزاء والشرائط ، فلا كاشفية لها بالنسبة إلى فعل المولى وصدور الأمر منه.

ويدل على ما ذكرناه مع وضوحه : التعليل الوارد في بعض الروايات المتقدمة من كونه أذكر حين العمل أو أقرب إلى الحق ، إذ من المعلوم أنّ كونه أذكر حين العمل إنّما هو بالنسبة إلى عمله الصادر منه لا بالنسبة إلى فعل المولى وصدور الأمر منه ، كما هو ظاهر. ويتفرع على هذا أنّه لو اغتسل أحد للجنابة ، ثمّ شك في أنّه كان جنباً ليصح غسله أم لا ، لا مجال للحكم بصحته استناداً إلى قاعدة الفراغ ، فلا يجوز له الدخول في الصلاة إلاّبالوضوء. وكذالو شك في صحة الصلاة بعد الفراغ منها للشك في دخول الوقت وعدمه.

الوجه الثاني (2): أن يكون منشأ الشك في صحة العمل هو الشك في تطبيق


1) في أوّل هذا البحث ص 315.

2) [ويتضمن الوجه الثالث أيضاً].

المأمور به على المأتي به بعد العلم بصدور الأمر من المولى ، وهذا على قسمين : إذ الشك في التطبيق تارةً يكون راجعاً إلى أمر اختياري للمكلف من ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع. واخرى يكون راجعاً إلى أمر غير اختياري له ، ويعبّر عنه بالشك في الصحة مع كون صورة العمل محفوظة.

أمّا القسم الأوّل : فهو القدر المتيقن من مجرى قاعدة الفراغ.

وأمّا القسم الثاني : فالظاهر عدم كونه مورداً لجريان قاعدة الفراغ ، إذ كونه أذكر حين العمل إنّما هو بالنسبة إلى ما يصدر منه لا بالنسبة إلى شيء لم يصدر منه ، فان نسبته إليه حين العمل وحين الشك على حد سواء ، فلو صلى إلى جهة باعتقاد أنّها القبلة ، ثمّ بعد الفراغ شك في كونها القبلة ، لا مجال لجريان قاعدة الفراغ ، لأنّ صورة العمل الصادر منه محفوظة ، وهو غير شاك فيه ، إنّما الشك في الصحة من جهة أمر غير اختياري له ، وهو كون الكعبة المعظمة في هذه الجهة التي صلى إليها ، وليس هو حين العمل أذكر منه حين ما يشك بالنسبة إلى كون الكعبة في هذه الجهة ، فلا بدّ من إعادة الصلاة عملاً بقاعدة الاشتغال بعد عدم حجية قاعدة اليقين على ما ذكرناه (1). وكذالو شك في صحة الوضوء بعد الفراغ منه ، لاحتمال كون المائع الذي توضأ به مضافاً.

نعم ، لو علم بكون جهة خاصة هي القبلة وشك في أنّه صلى إليها أو إلى جهة اخرى ، تجري قاعدة الفراغ بلا إشكال ، لكون الشك راجعاً إلى كيفية صدور العمل منه لا إلى أمر غير اختياري. وكذالو علم بأنّ هذا الماء مطلق وذاك مضاف ، وشك بعد الوضوء في أنّه توضأ بأيهما ، لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ.


1) في ص 287 وما بعدها

ومن القسم الأوّل - الذي تجري فيه قاعدة الفراغ - ما لو صلى أحد بلا سورة مثلاً مدةً من عمره ، وشك في صحتها من جهة الشك في أنّه هل صلى بلا سورة تقليداً لمن أفتى بعدم وجوبها ، أم صلى بلا تقليد ، فانّ صورة العمل وإن كانت محفوظةً ظاهراً ، إلاّأنّ الشك راجع إلى أمر اختياري له ، وهو الاستناد إلى التقليد ، ففي الحقيقة صورة العمل غير محفوظة. وكذالو صلى المسافر تماماً ثمّ شك في أنّه أتم الصلاة مع نية الاقامة أم بدونها ، فانّ الشك فيه أيضاً راجع إلى أمر اختياري له ، وهو صدور نية الاقامة ، فلا تكون صورة العمل محفوظة حقيقة وإن كانت محفوظة ظاهراً. وبالجملة كل مورد يرجع الشك فيه إلى ما يصدر منه اختياراً ، فهو مورد لجريان قاعدة الفراغ.

الأمر السادس : أنّه لا فرق في جريان قاعدة الفراغ - فيما إذا شك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ منه - بين الشك في الجزء والشك في الشرط ، لعموم قوله عليه‌السلام : «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (1).

أمّا الشك في الجزء فقد مضى الكلام فيه في الجزء الأخير وغيره من الأجزاء وملخصه : أنّ الشك المتعلق بالجزء إن كان في صحته بعد العلم بتحققه ، تجري قاعدة الفراغ ، وإن كان في وجوده ، فإن كان الشك بعد تجاوز المحل لا يعتنى به لقاعدة التجاوز ، وإن كان الشك في المحل ، لا بدّ من الاعتناء به والاتيان بالمشكوك فيه ، وقد اتضح كل ذلك مما تقدّم.

وأمّا الشك في الشرط ، فملخص الكلام فيه أنّ الشرط على أقسام ثلاثة : لأ نّه إمّا أن يكون مما قد اعتبر تحققه قبل العمل ، فيكون محله حسب الجعل الشرعي مقدّماً على المشروط ، كالاقامة بناءً على كونها شرطاً للصلاة على


1) الوسائل 8 : 237 - 238 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

ما التزم به بعض. وإمّا أن يكون مما اعتبر تقارنه مع العمل ، فيكون من قبيل الشرط المقارن. والثاني إمّا أن يكون شرطاً للأجزاء ، بمعنى أنّه اعتبر تحققه حال وجود الأجزاء فقط ولم يعتبر وجوده في الأكوان المتخللة. وإمّا أن يكون شرطاً للمجموع ، بمعنى أنّه اعتبر تحققه من أوّل العمل إلى آخره حتى في الأكوان المتخللة.

مثال الأوّل : الاستقرار في الصلاة ، إذ المعتبر هو الاتيان بالأجزاء مع الاستقرار ، ولم يدل دليل على اعتباره في الأكوان المتخللة. وكذا النية سواء كان المراد منها قصد التقرب أو قصد عنوان العمل من الصلاة والصوم مثلاً ، فانّها وإن كانت معتبرة في العبادات بكلا المعنيين ، إلاّأنّ المعتبر اقتران الأجزاء بها ، فلا يضر فقدانها في الأكوان المتخللة ، لعدم الدليل على اعتبارها إلاّفي حال وجود الأجزاء ، فمن اشتغل بالوضوء ثمّ بداله في أثنائه وعزم على عدم إتمامه ، ثمّ رجع إلى العزم على إتمامه قبل فوات الموالاة ، صح وضوءه بلا إشكال. وكذا الكلام في الصلاة على الظاهر. نعم ، لا يتصور هذا المعنى في الصوم ، إذ ليس له كون متخلل ، فمن أمسك مقداراً من النهار بنية الصوم ثمّ عزم على الافطار ، ثمّ رجع إلى نية الصوم قبل الاتيان بالمفطر ، لا يصح صومه ، لما ذكرناه من أنّه ليس للصوم كون متخلل ، فقد وقع جزء منه بدون نية ، وهو الامساك الذي وقع في زمان العزم على الافطار.

مثال الثاني : الاستقبال في الصلاة ، فانّه معتبر في مجموع الصلاة حتى في الأكوان المتخللة ، لأنّ الاستدبار - ولو في الأكوان المتخللة - مانع عن اتصال الأجزاء اللاحقة بالأجزاء السابقة ، فتكون الصلاة معه باطلة.

وكذا الطهارة من الحدث ، فان طروء الحدث - ولو في الأكوان المتخللة - موجب لبطلان الصلاة ، بلا فرق بين القول بكون الطهارة عبارة عن الحالة

النفسانية المسببة عن الغسل والمسح على ما هو المعروف ، أو القول بكونها عبارة عن نفس الغسل والمسح على ما هو المختار ، فانّ الطهارة على هذا المعنى وإن كانت متصرمة الوجود ، إلاّأ نّه لها بقاء في نظر الشارع ، كما تدل عليه جملة من الأخبار ، منها : الأخبار الدالة على أنّ الشيء الفلاني ناقض للوضوء (1)فانّ النقض لايصدق على شيء ينعدم بنفسه ، بل لابدّ في صدقه من أن يكون له بقاء في نفسه. ومنها : ما يدل على استحباب النوم مع الوضوء (2)، فانّ النوم مع الوضوء لا يتصور إلاّأن يكون للوضوء بقاء في نظر الشارع. هذه هي أقسام الشرط.

ثمّ إنّ الشك في الشرط إن كان بعد الفراغ من العمل ، لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ وعدم الاعتناء بالشك ، بلا فرق بين الأقسام الثلاثة للشرط. وأمّا إن كان الشك في الشرط في أثناء العمل ، فإن كان الشرط المشكوك فيه من القسم الأوّل - أي مما اعتبر تحققه قبل العمل وكان محله بحسب الجعل الشرعي مقدّماً على العمل - لا إشكال في جريان قاعدة التجاوز ، إذ مع كون الشك بعد تجاوز المحل يكون مشمولاً لقوله عليه‌السلام : «إذا خرجت من شيء ودخلت في غيره فشكك ليس بشيء» (3)فلا فرق بين الشرط والجزء في هذه الجهة ، بل الجزء أيضاً شرط ، بمعنى أن كل جزء شرط لصحة الأجزاء الاخر كما هو معنى الواجب الارتباطي. وأمّا إن كان الشرط مما اعتبر تقارنه للعمل ، فالشك فيه يتصور على وجهين :

الأوّل : أن يكون شاكاً في وجود الشرط حين الاشتغال بالأجزاء السابقة


1) الوسائل 1 : 248 / أبواب نواقض الوضوء ب 2 وغيره.

2) الوسائل 1 : 378 / أبواب الوضوء ب 9.

3) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

مع إحرازه فعلاً ، ويحكم فيه بصحة الصلاة ، إذ شكه في تحقق الشرط بالنسبة إلى الأجزاء السابقة مورد لقاعدة الفراغ بلا إشكال ، ووجود الشرط حين الاشتغال بالأجزاء اللاحقة محرز بالوجدان على الفرض. ولا فرق في هذه الصورة بين كون الشرط المشكوك فيه من قبيل شرائط الأجزاء ، أو من قبيل شرائط المجموع ، فاذا شك في وقوع الركعة الاولى مع الاستقبال مع إحرازه حين الاشتغال بالركعة الثانية مثلاً ، تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الركعة الاولى ، والاستقبال في الركعة الثانية محرز بالوجدان ، فيحكم بصحة الصلاة ، هذا في الشك في شرط المجموع. وكذا الحكم في الشك في شرط الأجزاء ، كما إذا شك في تحقق النية في الركعة الاولى مع إحرازها حين الاشتغال بالركعة الثانية ، فتجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الركعة الاولى ، وأمّا الركعة الثانية فاقترانها بالنية محرز بالوجدان ، فيحكم بصحة الصلاة.

الثاني : أن يكون شاكاً في تحقق الشرط فعلاً أيضاً. ولا مجال لجريان قاعدة الفراغ فيه ، إذ هو شاكٌ في صحة الجزء الذي هو مشغول به ولم يفرغ منه ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك واستئناف العمل ، لقاعدة الاشتغال. ولا فرق أيضاً بين كون الشرط المشكوك فيه من شرائط الأجزاء فقط أو من شرائط المجموع.

نعم ، لو كان شاكاً في تحقق الشرط حين الأجزاء السابقة ولم يدخل بعدُ في الجزء اللاحق ، بل كان في الأكوان المتخللة ، تجري قاعدة الفراغ وإن لم يكن محرزاً للشرط فعلاً فيما إذا كان الشرط شرطاً للأجزاء فقط كالنية ، فيحكم بصحة الصلاة ، فان شكه في تحقق النية مثلاً - بالنسبة إلى الأجزاء السابقة - مورد لقاعدة الفراغ ، وفي الأجزاء اللاحقة تجدّد النية ، وفي الأكوان المتخللة وإن كانت النية غير محرزة إلاّأ نّها غير معتبرة فيها ، بخلاف ما إذا كان الشرط المشكوك فيه شرطاً للمجموع كالاستقبال ، فلا تجري فيه قاعدة الفراغ ، إذ هو

شاك في تحقق الاستقبال فعلاً مع اعتباره حتى في الأكوان المتخللة. وهذا هو مورد الفرق بين شرط الأجزاء وشرط المجموع من حيث الحكم.

والذي تحصل مما ذكرناه : أنّ الشرط إن كان من شرائط المجموع ، تجري قاعدة الفراغ مع إحرازه فعلاً ، ولا تجري مع عدم إحرازه كذلك ، بلا فرق بين كونه حين الشك في الأكوان المتخللة أو مشغولاً بالجزء اللاحق ، وإن كان الشرط من شرائط الأجزاء فقط ، فإن كان حين الشك مشغولاً بالجزء اللاحق فالأمر كما تقدم - أي تجري قاعدة الفراغ مع إحراز الشرط فعلاً ، ولا تجري مع عدمه كذلك - وإن كان حين الشك في الأكوان المتخللة ، فتجري قاعدة الفراغ حتى مع عدم إحراز الشرط فعلاً ، وقد ظهر وجه كل ذلك مما ذكرناه.

وتبين بما ذكرناه حكم الشك في الطهارة من الحدث في أثناء الصلاة ، فانّه لا يتصور الشك في تحققها حين الاتيان بالأجزاء السابقة مع إحرازها فعلاً ، فهو شاك في تحقق الطهارة فعلاً أيضاً ، فلا مجال لجريان قاعدة الفراغ ، لكونه شاكاً في صحة الجزء الذي هو فيه ، ولم يفرغ منه ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك واستئناف العمل.

وتوهّم جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الأجزاء السابقة ، ووجوب الوضوء للأجزاء اللاحقة مع التمكن منه وعدم فوات الموالاة.

مدفوع بما ذكرناه من كون الطهارة من الشرائط المعتبرة في الأكوان المتخللة أيضاً ، فهو شاك في تحقق الطهارة في الآن الذي هو مشغول بتحصيل الطهارة الجديدة ، ولا تجري فيه قاعدة الفراغ ، لعدم تحقق الفراغ بالنسبة إليه ، فلا بدّ من استنئاف العمل لقاعدة الاشتغال.

وقد يتوهّم أنّ الشك في اقتران الأجزاء بالطهارة مسبب عن الشك في تحقق

الغسل والمسح قبل الصلاة ، وحيث إنّ محل الغسل والمسح مقدّم على الصلاة بحسب الجعل الشرعي ، يكون الشك في تحقق الغسل والمسح قبل الصلاة مورداً لقاعدة التجاوز ، لكون الشك فيهما شكاً بعد تجاوز المحل ، وبعد الحكم بوجود الغسل والمسح لقاعدة التجاوز ، يرفع الشك في اقتران الأجزاء بالطهارة ، فانّ اقترانها بالطهارة من الآثار الشرعية لتحقق الغسل والمسح ، فيحكم بصحة الصلاة.

وهو مدفوع بعدم جريان قاعدة التجاوز في الغسل والمسح ، إذ ليس محلهما بحسب الجعل الشرعي قبل الصلاة ، فانّ المعتبر شرعاً هو تقارنها مع الطهارة. وأمّا وجوب تحصيلها قبل الشروع في الصلاة ، فهو عقلي بمعنى عدم تحقق اقتران جميع أجزاء الصلاة بالطهارة ، إلاّمع تحصيلها قبل الشروع في الصلاة.

إن قلت : ما المانع عن جريان قاعدة التجاوز فيما إذا كان محل المشكوك فيه مقدّماً عقلاً ، فان عموم التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحق شامل له أيضاً.

قلت : ليس الميزان في جريان قاعدة التجاوز مطلق كونه أذكر ولو كان الشيء المشكوك فيه خارجاً عن المأمور به ، بل الميزان فيه كون المشكوك فيه جزءاً أو شرطاً قد تجاوز محله ، والمفروض في المقام أنّ الشرط هو اقتران الصلاة بالطهارة ولم يتجاوز محله. وأمّا الغسل والمسح ، فهما خارجان عن المأمور به ولم يعتبرا فيه جزءاً ولا شرطاً ، فلا مجال لجريان قاعدة التجاوز عند الشك فيهما ، ولذا التزم الفقهاء قدس‌سرهم بعدم جريان قاعدة التجاوز فيما إذا كان الشك بعد التجاوز عن المحل العادي مع كونه مشمولاً لعموم التعليل ، فمن كانت عادته أن يستنجي في بيت الخلاء مثلاً ، وشك فيه بعد تجاوز محله العادي لا تجري قاعدة التجاوز في حقه ، وكذا من كان من عادته الاتيان بالصلاة في أوّل الوقت وشك فيه بعد تجاوزه لم يكن مجال لجريان قاعدة

التجاوز في حقه.

وبالجملة : جريان قاعدة التجاوز مشروط بأمرين :

1 - كون المشكوك فيه جزءاً أو شرطاً للمأمور به.

2 - كون المكلف في مقام الامتثال. والأمر الأوّل مفقود في المقام ، فلا مجال لجريانها.

الأمر السابع : لو كان بين الواجبين ترتيب بحسب الجعل الشرعي - كما في الظهر والعصر - وشك في الاتيان بالواجب الأوّل بعد الدخول في الثاني ، فقد يتوهم جريان قاعدة التجاوز فيه ، بدعوى أنّ الظهر من قبيل الشرط المتقدم للعصر ، فيكون الشك فيه بعد الدخول في العصر شكاً بعد تجاوز المحل.

وهذا التوهّم فاسد أمّا أوّلاً : فلما ذكره شيخنا الأنصاري (1)وغيره قدس‌سرهم من أنّ الترتيب بين الظهر والعصر مختص بحال الذكر ، والمفروض في المقام هو الشك في تقديم العصر على الظهر غفلة ، فلا يكون العصر مشروطاً بتقدم الظهر عليه في هذا الحال ، فلا يكون الشك في الظهر حينئذ من الشك في الشرط المتقدم ليكون بعد تجاوز المحل ، فلابدّ من الاعتناء بالشك والاتيان بالظهر ، لقاعدة الاشتغال ، أو لاستصحاب عدم الاتيان به على ما ذكرناه سابقاً.

وأمّا ثانياً : على فرض تسليم كون الترتيب بينهما هو الترتيب الواقعي كما اختاره السيد قدس‌سره في العروة (2)فلأنّ لصلاة الظهر حيثيتين :


1) كتاب الصلاة 1 : 40.

2) لاحظ العروة الوثقى 1 : 374 - 375 / فصل في أوقات اليومية ونوافلها ، المسألة 3 [1182] ، وراجع أيضاً المسألة 8 [1216] من أحكام الأوقات.

الاولى : حيثية وجوبها النفسي. ولا يعتبر تقدّمها على العصر من هذه الحيثية ، إذ لا يشترط في الظهر تقدمه على العصر ، بل العصر مشروط بتقدم الظهر عليه ، فلو أتى بالظهر وترك العصر عمداً أو نسياناً ، لم يفت منه من وظيفة الظهر شيء ، وحصل الامتثال بالنسبة إليه مع أنّه لم يتقدم على العصر.

الثانية : حيثية وجوبها الغيري لكونه مقدمةً للعصر ، فلو شك في الظهر بعد الدخول في العصر لا تجري قاعدة التجاوز من الحيثية الاولى ، لعدم تجاوز محله من هذه الحيثية ، فيجب الاتيان به ، لقاعدة الاشتغال ، أو للاستصحاب على ما ذكرناه. وبعد الحكم بوجوب الاتيان به من الحيثية الاولى لا مجال لجريان قاعدة التجاوز من الحيثية الثانية ، إذ مفاد قاعدة التجاوز من الحيثية الثانية هو الحكم بصحة العصر ، ولا يمكن الحكم بها مع التعبد بعدم الاتيان بالظهر للاشتغال أو الاستصحاب ، للروايات (1)الدالة على أنّ هذه قبل هذه ، والمراد كون العصر بعد الظهر كما لا يخفى.

نعم ، بعد الالتزام بعدم جريان قاعدة التجاوز تصل النوبة إلى قاعدة العدول ، فيعدل إلى الظهر ويأتي بالعصر بعده لصحيحة زرارة (2)الدالة على ذلك.


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن الحسن باسناده عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد البرقي والعباس بن معروف جميعاً عن القاسم ابن عروة عن عبيد بن زرارة قال : «سألت أبا عبداللّه عليه‌السلام عن وقت الظهر والعصر؟ فقال عليه‌السلام : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً ، إلاّأنّ هذه قبل هذه ، ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس» ونقل مثله عن الكليني أيضاً [الوسائل 4 : 126 و 130 / أبواب المواقيت ب 4 ح 5 و 20 و 21 و 22].

2) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال عليه‌السلام : إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات ، فابدأ بأوّلهنّ ، فأذّن لها وأقم ، ثمّ صلّها ثمّ صلّ ما بعدها باقامة لكل صلاة. وقال قال أبو جعفر عليه‌السلام : وإن كنت قد صليت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها ، فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها ولو بعد العصر. ومتى ما ذكرت صلاةً فاتتك صليتها. وقال عليه‌السلام : إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك ، فانوها الاولى ثمّ صلّ العصر فانّما هي أربع مكان أربع ...» [الوسائل 4 : 290 - 291 / أبواب المواقيت ب 63 ح 1].

الأمر الثامن : في جريان قاعدة الفراغ عند الشك في الموالاة وعدمه.

وتفصيل الكلام فيه : أنّ الموالاة المعتبرة في الصلاة على ثلاثة أقسام : لأنّها إمّا أن تكون معتبرة بين الأجزاء المستقلة ، كالموالاة بين القراءة والركوع ، وبينه والسجود ، وإمّا أن تكون معتبرة بين الكلمات من كلام واحد ، وإمّا أن تكون معتبرة بين الحروف من كلمة واحدة.

أمّا الموالاة بين الأجزاء المستقلة ، فهي معتبرة شرعاً ، إذ لو لم يدل الدليل الشرعي على اعتبار الاتصال بين الأجزاء المستقلة ، لأمكن الامتثال باتيان كل جزء مع الفصل الطويل عن الجزء الآخر كما هو الواقع في الغسل ، ولكنّ الدليل الشرعي دل على اعتبارها في الصلاة ، وحينئذ فان شك فيها بعد الفراغ من الصلاة ، فلا إشكال في جريان قاعدة الفراغ وعدم الاعتناء بالشك ، وإن شك فيها في أثناء الصلاة ، فإن كان شكه بعد الدخول في الجزء اللاحق ، تجري قاعدة التجاوز ، إذ محلها بحسب الجعل الشرعي قبل الدخول في الجزء اللاحق ، فيكون من قبيل الشرط المتقدم بالنسبة إليه ، فيكون الشك فيها شكاً بعد تجاوز المحل ، وإن كان شكه فيها قبل الدخول في الجزء اللاحق ، فلا مجال

لجريان قاعدة التجاوز ، لكون الشك فيها شكاً في المحل ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك واستئناف العمل لولا استصحاب عدم تحقق الفصل الطويل. ويكون الشك المذكور في الحقيقة شكاً في وجود المانع ، وهو الفصل الطويل والأصل عدمه ، فيحكم بصحة الصلاة لأجل الاستصحاب لا لقاعدة التجاوز.

وأمّا الموالاة بين الكلمات من كلام واحد أو بين الحروف من كلمة واحدة ، فهي من الامور المعتبرة عقلاً لا من الشرائط الشرعية ، لأنّها مما لا بدّ منه في صدق الكلام والكلمة عرفاً ، فانّه لو تكلم بكلمة من كلام ثمّ تكلم بكلمة اخرى منه بعد مدة طويلة مانعة عن صدق الكلام عرفاً ، لا يكون كلاماً مفهماً للمعنى. وكذا الأمر في الموالاة بين الحروف من كلمة واحدة ، فلو شك في تحققها بعد الفراغ من الصلاة ، لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ. وأمّا لو شك في الأثناء ، فلا مجال لجريان قاعدة الفراغ ولا قاعدة التجاوز ، بلا فرق بين كون الشك بعد الدخول في كلمة لاحقة أو حرف لاحق أو قبله ، لأنّ الشك في الموالاة هاهنا يكون في الحقيقة شكاً في وجود الكلام أو الكلمة مع عدم تجاوز المحل ، فلا تجري قاعدة الفراغ لعدم كون الشك شكاً في الصحة ، بل في الوجود ، ولا قاعدة التجاوز لعدم تجاوز المحل ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك.

وظهر بما ذكرناه حكم الشك في النية ، فانّ النية بمعنى قصد القربة من الامور المعتبرة في العبادات شرعاً لا من الشرائط العقلية على ما ذكرناه في محلّه (1)، فلو شك في تحققها بعد الفراغ من العمل تجري قاعدة الفراغ بلا إشكال. وكذا لو شك في أثناء العمل في تحققها حين الاتيان بالأجزاء السابقة ، تجري قاعدة الفراغ أيضاً ويحكم بصحة الأجزاء السابقة.


1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 519 وما بعدها.

وأمّا النية بمعنى قصد العنوان ، فهي من الامور المعتبرة عقلاً ، لتوقف صدق عنوان المأمور به على قصده ، فلو شك بعد الفراغ من ذات العمل في أنّه أتى به بقصد عنوان المأمور به أم لا ، كما إذا أتى بركعتين من الصلاة ثمّ شك بعد الفراغ في أنّه أتى بهما بعنوان صلاة الصبح مثلاً أو أتى بهما للتمرين مثلاً ، فلا مجال لجريان قاعدة الفراغ ، إذ الشك في قصد العنوان شك في وجود المأمور به ، لعدم تحقق عنوان الصلاة إلاّبالقصد ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك والاتيان بالمأمور به لقاعدة الاشتغال ، وله فروع كثيرة في الفقه :

منها : ما لو شك بعد الارتماس في الماء في أنّه قصد به الغسل أو أتى به للتبريد مثلاً ، فلا تجري قاعدة الفراغ على ما ذكرناه. وكذالو شك في أثناء الصلاة في قصد العنوان بالنسبة إلى الأجزاء السابقة ، كما إذا شك بعد الدخول في الركوع في أنّه أتى بالقراءة بقصد عنوان الصلاة أم بعنوان آخر ، لا تجري قاعدة الفراغ ، لكون الشك شكاً في الوجود على ما ذكرناه.

نعم ، لو كان محرزاً لقصد العنوان في الجزء الذي هو مشغول به فعلاً ، وشك في قصد العنوان بالنسبة إلى الأجزاء السابقة ، كما إذا علم بأ نّه قصد عنوان الصلاة في الركوع مع الشك في قصد العنوان بالنسبة إلى القراءة ، لا مانع من جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الأجزاء السابقة ، لكون الشك بالنسبة إليها شكاً في الوجود بعد الدخول في الغير ، فيكون مورداً لقاعدة التجاوز.

فرع

ذكر في أوّل ختام العروة (1)ما حاصله : أنّه إذا شك في أثناء الصلاة في أنّه


1) العروة الوثقى 1 : 645 / المسألة الاولى.

أتى بها بعنوان الظهر أو العصر ، فإن كان عالماً بعدم الاتيان بصلاة الظهر أو شاكاً فيه ، فيجعلها ظهراً بلا إشكال فيه ، إذ على تقدير قصد عنوان الظهر في الواقع فهو ، وعلى تقدير قصد عنوان العصر يعدل إلى الظهر ، لعدم الاتيان به علماً أو تعبداً. وأمّا إن كان عالماً باتيان صلاة الظهر ، فيحكم ببطلان صلاته ، إذ على تقدير قصد عنوان الظهر في الواقع لا يصح العدول إلى العصر ، فيكون شكه في قصد عنوان العصر شكاً في الوجود مع عدم تجاوز المحل ، فلا تجري قاعدة التجاوز ، فلا بدّ من الاعتناء بالشك واستئناف العمل ، انتهى ملخص ما في العروة.

وظهر بما ذكرناه الحكم بصحة صلاته في بعض الصور ، وهو ما إذا كان محرزاً لقصد عنوان العصر في الجزء الذي هو مشغول به فعلاً ، مع الشك في قصد العنوان بالنسبة إلى الأجزاء السابقة ، لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الأجزاء السابقة على ما ذكرناه.

الأمر التاسع : أنّ جريان قاعدة التجاوز والفراغ مختص بما إذا كان الشك ناشئاً من احتمال الغفلة والسهو ، فلا مجال لجريانهما فيما إذا احتمل ترك الجزء أو الشرط عمداً ، لما ذكرناه (1)من أنّهما ليستا من القواعد التعبدية ، بل إمضاء لقاعدة ارتكازية عقلائية وهي أصالة عدم الغفلة ، لظهور حالهم حين الامتثال في عدم الغفلة ، ولا يستفاد من الأدلة أزيد من هذا المعنى. مضافاً إلى دلالة التعليل المذكور في بعض الروايات على الاختصاص ، فانّ كونه أذكر إنّما ينافي الترك السهوي لا الترك العمدي كما هو واضح ، ففي موارد احتمال الترك العمدي لا تجري قاعدة الفراغ ولا قاعدة التجاوز ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر.


1) في أوّل هذا البحث ص 315.

والحكم بمفاده من الصحة أو الفساد ، ويختلف باختلاف المقامات.

وملخص الكلام فيها : أنّه إن كان الشك في الصحة لاحتمال ترك شيء اعتبر وجوده في المأمور به جزءاً أو شرطاً ، يحكم بالبطلان لأصالة عدم تحقق هذا الشيء المشكوك فيه. وإن كان الشك في الصحة لاحتمال الاتيان بشيء اعتبر عدمه في المأمور به الذي يعبّر عنه بالمانع يحكم بالصحة ، لأصالة عدم تحقق المانع ، هذا تمام الكلام في قاعدة الفراغ والتجاوز.

أصالة الصحّة

اشارة

الكلام في أصالة الصحّة

اشارة

ويقع البحث فيها في جهات :

الجهة الاولى : في بيان امتيازها عن قاعدة الفراغ. والميز بينهما من وجهين :

الأوّل : أنّ قاعدة الفراغ جارية بالنسبة إلى العمل الصادر من نفس الشاك على ما هو المستفاد من أدلتها ، ومورد أصالة الصحة هو عمل الغير.

الثاني : أنّ قاعدة الفراغ مختصة بما إذا كان الشك بعد الفراغ من العمل ، غاية الأمر أنّا عممناها للجزء أيضاً ، فتجري عند الشك في صحة الجزء أيضاً بعد الفراغ منه على ما ذكرناه (1). وأمّا أصالة الصحة ، فلا اختصاص لها بالشك بعد الفراغ ، بل هي جارية عند الشك في صحة العمل في أثنائه أيضاً ، كما إذا كان أحد مشغولاً بالصلاة على الميت ، وشككنا في صحة هذه الصلاة ، لاحتمال كون الميت مقلوباً مثلاً ، فتجري أصالة الصحة بلا إشكال.

الجهة الثانية : في مدرك أصالة الصحة فنقول :

قد يطلق الصحيح في مقابل القبيح ، فمعنى أصالة الصحة هو الحمل على الحسن المباح في مقابل الحمل على القبيح المحرّم. وأصالة الصحة بهذا المعنى


1) في ص 332.

مستفادة من الآيات والروايات.

أمّا الآيات ، فكقوله تعالى : ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (1)وقوله تعالى : ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) (2)بضميمة ما ورد في تفسيره في الكافي من قوله عليه‌السلام : «لا تقولوا إلاّخيراً» (3).

وأمّا الروايات فكثيرة : منها : قوله عليه‌السلام : «ضع أمر أخيك على أحسنه ...» إلخ (4)ومنها : قوله عليه‌السلام : «إنّ المؤمن لايتهم أخاه المؤمن ...» إلخ (5)ومنها : قوله عليه‌السلام : «كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذبهم» (6)والمراد من تصديقه هو الحمل على الصدق لا ترتيب آثار الواقع ، إذ لا بدّ من حمل خبر الجماعة على الصحيح من الاشتباه والسهو ، لكونهم أيضاً من الإخوة المؤمنين. والحمل على الصحيح - بمعنى ترتيب آثار الواقع - مما لا يمكن في الطرفين ، وفي طرف واحد مستلزم لترجيح الواحد على الخمسين.

وأصالة الصحة بهذا المعنى مختصة بعمل المؤمن ، فلاتجري في حق غير المؤمن من سائر فرق المسلمين فضلاً عن الكافرين ، إذ الحمل على الصحة بهذا المعنى إنّما هو من حقوق الاخوّة ، ولا اخوّة بين المؤمن وغيره من المسلمين فضلاً عن


1) الحجرات 49 : 12.

2) البقرة 2 : 83.

3) الكافي 2 : 164 / كتاب الإيمان والكفر ، باب الاهتمام بامور المسلمين ... ح 9.

4) الوسائل 12 : 302 / أبواب أحكام العشرة ب 161 ح 3.

5) بحار الأنوار 10 : 100 (نقل بالمضمون).

6) الوسائل 12 : 295 / أبواب أحكام العشرة ب 157 ح 4.

الكافرين.

وأصالة الصحة بهذا المعنى ليست محلاً للكلام ، لعدم ترتب أثر عملي عليها ، فانّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن سلاماً أو شتماً لا يترتب على الحمل على الصحيح وجوب رد السلام.

وقد يطلق الصحيح في مقابل الفاسد ، فمعنى أصالة الصحة هو ترتيب الأثر على العمل الصادر من الغير ، وهذا هو محل الكلام ، ولا اختصاص لأصالة الصحة بهذا المعنى بعمل المؤمن ، بل جارية في حق جميع المسلمين بل الكافرين أيضاً في بعض الموارد كما في بعض المعاملات الصادرة منهم. والكلام فعلاً في مدرك أصالة الصحة بهذا المعنى ، واستدل لها بوجوه :

الأوّل : دعوى الاجماع المحصّل من تتبع فتاوى العلماء.

وفيه أوّلاً : أنّ تحقق الاجماع على أصالة الصحة وإن كان مسلّماً في الجملة ، إلاّأن تحصيل الاجماع - من تتبع الفتاوى في جميع موارد جريان أصالة الصحة حتى العقود والايقاعات بل المعاملات بالمعنى الأعم الشامل للطهارة والنجاسة - دونه خرط القتاد.

وثانياً : أنّه على تقدير تسليم تحقق الاجماع في جميع الموارد لم يتضح كونه إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رضا المعصوم عليه‌السلام لاحتمال كون المدرك عند المجمعين هي الأدلة الآتية.

الثاني : قوله تعالى : ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)وقوله تعالى : ( إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً*


1) المائدة 5 : 1.

عَنْ تَراضٍ ... ) (1)بناءً على أنّ الخطاب ليس مختصاً بالمتعاقدين ، بل جميع المكلفين مخاطبون به ، ومأمورون بالوفاء بالعقد الصادر من المتعاقدين ، بمعنى ترتيب آثار الصحة عليه.

وفيه أوّلاً : أنّ الخطاب مختص بالمتعاقدين على ما ذكرناه في بحث المكاسب (2).

وثانياً : على تقدير تسليم كون الخطاب عاماً ، أنّ الدليل المذكور مختص بالعقود ، فلا يشمل الايقاعات. وعلى تقدير تسليم شموله لها - بناءً على أنّ المراد هو العقود بالمعنى اللغوي لا العقود الاصطلاحي المقابل للايقاعات - لا يشمل المعاملات بالمعنى الأعم ، كالطهارة والنجاسة ، والمقصود إثبات أصالة الصحة في جميع هذه الموارد ، فالدليل المذكور - على تقدير تمامية دلالته - أخص من المدعى.

وثالثاً : أنّ الشبهة في موارد جريان أصالة الصحة مصداقية ، فان أصالة الصحة من الاصول المجعولة في الشبهات الموضوعية فقط دون الشبهات الحكمية كما هو واضح ، وقد ذكرنا في محلّه (3)عدم صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

الثالث : عموم التعليل الوارد في قاعدة اليد من أنّه لو لم يعمل بها لم يستقم للمسلمين سوق ، فانّه شامل لأصالة الصحة أيضاً ، إذ لو لم يعمل بها يلزم عدم استقامة سوق المسلمين أيضاً.


1) النساء 4 : 29.

2) مصباح الفقاهة 4 : 160.

3) محاضرات في اصول الفقه 4 : 334 وما بعدها.

وهذا الدليل أيضاً أخص من المدعى ، لأن استقامة سوق المسلمين متوقفة على العمل بأصالة الصحة في العقود والايقاعات فقط ، إذ لو لم يعمل بها في العبادات بل في المعاملات بالمعنى الأعم كالطهارة والنجاسة ، لم يلزم اختلال في السوق أصلاً.

الرابع : دعوى السيرة القطعية من جميع المسلمين المتدينين على ترتيب آثار الصحة على أعمال الناس من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات ، ولذا لايقدم أحد على تزويج امرأة لاحتمال كون العقد الواقع بينها وبين زوجها باطلاً.

وهذه السيرة متصلة بزمان المعصوم عليه‌السلام ولم يردع عنها.

وهذا الدليل هو الدليل التام الوافي في إثبات المقام.

الجهة الثالثة : أنّ المراد من الصحة في المقام هي الصحة الواقعية لا الصحة عند العامل على ما نسب إلى المحقق القمي قدس‌سره (1)وذلك لقيام السيرة على ترتيب آثار الواقع على العمل الصادر من الغير ، والصحة عند العامل لا توجب ترتب الآثار عند الحامل على الصحة ، فان أصالة الصحة لا تكون أزيد من العلم بالصحة. والعلم بصحة العمل عند العامل لا يوجب ترتب الأثر عند غيره ، فلو علم المأموم ببطلان صلاة إمامه باجتهاد أو تقليد ، أو من جهة إخلال الإمام بها من جهة الشبهة الموضوعية ، لم يجز الائتمام به وإن كانت الصلاة صحيحة عند الإمام.

الجهة الرابعة : أنّ الحمل على الصحة - باعتبار العلم بحال العامل وعدمه من حيث علمه وجهله بالصحة - يتصور على صور :


1) القوانين 1 : 51.

الصورة الاولى : أن يعلم أنّ العامل جاهل بصحة عمله وفساده ، إمّا من جهة الجهل بالحكم ، أو من جهة الجهل بالموضوع ، فيكون احتمال الصحة لمجرد احتمال المصادفة الاتفاقية للواقع.

الصورة الثانية : أن لا يعلم علمه بالصحة والفساد وجهله بهما.

الصورة الثالثة : أن يعلم كون العامل عالماً بالصحة والفساد. وهذه الصورة أيضاً تتصور على أقسام ، إذ مع العلم بكونه عالماً إمّا أن يعلم موافقته مع الحامل ، وإمّا أن يعلم مخالفة العامل والحامل ، وإمّا أن لا يعلم الموافقة ولا المخالفة.

أمّا الصورة الاولى : فالظاهر عدم جريان أصالة الصحة فيها ، إذ ليس لنا دليل لفظي نتمسك بعمومه أو إطلاقه ، بل الدليل على أصالة الصحة إنّما هو السيرة على ما عرفت ، وهي دليل لبي لا بدّ فيه من الاقتصار على القدر المتيقن. ولم يحرز قيام السيرة على ترتيب الآثار على عمل كان عامله جاهلاً بصحته وفساده ، فانّ الحمل على الصحة إنّما هو من باب ظهور الحال ، أي ظاهر حال المسلم أنّه لا يقدم على العمل الفاسد. وليس لحاله ظهور مع الجهل بالصحة والفساد ، فلا مجال لجريان أصالة الصحة ، بلا فرق بين كونه جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بالموضوع ، وكونه معذوراً أو غير معذور كما في موارد العلم الاجمالي.

وأمّا الصورة الثانية : فالظاهر جريان أصالة الصحة فيها ، فانّ السيرة قائمة على ترتيب الآثار على أعمال الناس بلا تفحص عن حال العامل من حيث كونه عالماً أو جاهلاً.

وأمّا الصورة الثالثة : فمع العلم بالموافقة تجري أصالة الصحة بلا إشكال ، وهو القدر المتيقن. وكذا مع الجهل بالموافقة والمخالفة ، لقيام السيرة على ترتيب

الآثار بلا تفحص عن الموافقة والمخالفة. وأمّا مع العلم بالمخالفة فتارةً تكون المخالفة بينهما بالتباين ، بأن يكون الصحيح عند أحدهما فاسداً عند الآخر ، ولا مجال للحمل على الصحة في مثله ، إذ مفاد أصالة الصحة هو الحمل على الصحة عند الحامل ، لعدم ترتب الأثر على الصحة عند العامل على ما ذكرناه (1). والحمل على الصحة عند الحامل يكون حملاً على الفساد عند العامل ، فيكون مخالفاً لظاهر حاله. واخرى لاتكون المخالفة بينهما بالتباين ، كما إذا رأى أحدهما اشتراط العمل بشيء ، والآخر عدم اشتراطه به ، لا كونه مانعاً كما في تثليث التسبيحات الأربعة ، فيرى أحدهما اعتباره في الصلاة ، والآخر عدمه ، لا أنّه مبطل لها ، فيكون الصحيح عند أحدهما باطلاً عند الآخر دون العكس.

وفي مثله يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (2)قدس‌سره جريان أصالة الصحة.

وللمناقشة فيه مجال ، لعدم إحراز قيام السيرة فيه ، وبمجرد الشك في قيام السيرة تسقط أصالة الصحة ، لعدم الدليل عليها ، فلو رأى أحد اعتبار تثليث التسبيحات في الصلاة ، لا يجوز له الاقتداء بمن يرى عدم اعتباره فيها عملاً بأصالة الصحة. نعم ، لو رأى اعتباره في خصوص حال العلم ، يجوز له الاقتداء بمن لا يرى اعتباره أصلاً ، لا لأصالة الصحة ، بل لكون صلاته صحيحة حينئذ عند المأموم أيضاً ، بلا احتياج إلى إعمال أصالة الصحة.

الجهة الخامسة : أنّ الشك في الصحة إمّا أن يكون من جهة الشك في قابلية الفاعل ، وإمّا أن يكون من جهة الشك في قابلية المورد ، وإمّا أن يكون من جهة


1) في الجهة الثالثة ص 391.

2) فرائد الاصول 2 : 721.

احتمال عدم الشرط أو وجود المانع مع إحراز قابلية الفاعل والمورد.

والقدر المتيقن من موارد جريان أصالة الصحة هي الصورة الأخيرة. وأمّا الصورتان الاوليان ، فقد وقع الخلاف بينهم في جريان أصالة الصحة فيهما.

فذهب العلامة (1)والمحقق الثاني (2)إلى عدم جريانها فيهما ، بدعوى أنّ الحمل على الصحة إنّما هو فيما إذا كان الشك في الصحة الفعلية بعد إحراز الصحة التأهلية ، لا فيما إذا كان الشك في الصحة التأهلية ، وتبعهما في ذلك جماعة.

واختار شيخنا الأنصاري (3)وتبعه جماعة اخرى قدس‌سرهم جريان أصالة الصحة فيهما بدعوى قيام السيرة على ترتيب الآثار على المعاملات الصادرة من الناس ، مع الشك في كون البائع مالكاً أو غاصباً مثلاً ، فالسيرة قائمة على الحمل على الصحة مع عدم إحراز قابلية الفاعل.

ثمّ إنّ قابلية الفاعل إمّا عرفية بمعنى اعتبارها في نظر العرف وأمضاه الشرع ككون البائع مميزاً ، لعدم صحة بيع الصبي غير المميز عند العرف أيضاً. وإمّا شرعية بمعنى اعتبارها بتأسيس من الشارع فقط ، ككون البائع بالغاً ، فانّ اعتبار البلوغ إنّما هو من جهة الشرع ، لعدم الفرق في نظر العرف بين العقد الواقع من البالغ والعقد الصادر من غيره ، ولا سيما إذا كان التفاوت بينهما بمقدار لا يعتد به.

وكذا القابلية المعتبرة في المورد تارةً عرفية ككون المبيع مالاً بناءً على


1) قواعد الأحكام 2 : 156 ، التذكرة 2 : 87 السطر 7.

2) جامع المقاصد 7 : 307.

3) فرائد الاصول 2 : 724.

اعتبار المالية في البيع العرفي كما يظهر من تعريف المصباح البيع بمبادلة مال بمال (1). واخرى شرعية كعدم كون المبيع خمراً مثلاً فانّ الشارع ألغى مالية الخمر دون العرف.

ولا يصح حمل كلام العلامة والمحقق الثاني قدس‌سرهما على اعتبار إحراز القابلية العرفية فقط في الفاعل والمورد في جريان أصالة الصحة ، وذلك لأنّهما مثّلا للشك في قابلية الفاعل بالشك في البلوغ ، والتزما بعدم جريان أصالة الصحة فيما إذا شك في صحة عمل من جهة الشك في بلوغ العامل ، ومن المعلوم أنّ اعتبار البلوغ شرعي على ما ذكرناه ، فلابدّ في جريان أصالة الصحة عندهما من إحراز القابلية العرفية والشرعية في الفاعل والمورد.

والصحيح ما ذهبا إليه ، لما ذكرناه سابقاً من أنّه ليس لأصالة الصحة دليل لفظي يتمسك بعمومه أو إطلاقه ، ولم يحرز قيام السيرة على ترتيب الآثار مع الشك في القابلية ، بل المحرز قيام السيرة على عدم ترتيب الآثار معه ، فاذا باع زيد دار عمرو مع الاعتراف بكونها دار عمرو ، وشك في أنّه وكيل عن عمرو أم لا ، فهل يقدم العقلاء على الشراء وإعطاء الثمن له والتصرف في الدار ، كلاّ. وكذا إذا طلّق زيد زوجة عمرو مثلاً ، فالسيرة جارية في أمثال هذه الموارد - مما شك فيه في القابلية - على عدم ترتيب الآثار ، ولا أقل من الشك ، وهو كافٍ في الحكم بعدم جريان أصالة الصحة ، لعدم الدليل عليها.

وأمّا ما ذكره الشيخ قدس‌سره من قيام السيرة على ترتيب الآثار على المعاملات الصادرة من الناس في الأسواق مع عدم إحراز قابلية الفاعل ، فهو وإن كان مسلّماً ، إلاّأ نّه من جهة قاعدة اليد ، فانّه لولاها لما استقام للمسلمين


1) المصباح المنير : 69.

سوق ، فلا ربط له بأصالة الصحة.

وإن شئت قلت : قابلية الفاعل في الموارد المذكورة محرزة بقاعدة اليد ، لا أنّ أصالة الصحة جارية مع عدم إحراز القابلية ، فالأمثلة المذكورة خارجة عن محل الكلام ، والمثال المطابق لمحل الكلام هو الذي ذكرناه مما ليس مورداً لقاعدة اليد ، وقد ذكرنا أنّ السيرة قائمة في مثله على عدم ترتيب الآثار ، ولا أقل من الشك وهو كافٍ في المدعى ، ولذالو أنكر عمرو توكيل زيد في الطلاق في المثال الذي ذكرناه ، فانجرّ الأمر إلى الترافع يحكم بفساد الطلاق ، إلاّأن تثبت الوكالة. ولو كانت أصالة الصحة جارية في أمثال المقام ، لكان إثبات الفساد على عهدة الزوج ، فيحكم بصحة الطلاق ، إلاّأن يثبت الزوج عدم التوكيل وهو كما ترى.

ثمّ إنّ الشيخ قدس‌سره (1)بعد ما التزم بجريان أصالة الصحة ولو مع الشك في القابلية ذكر أنّه لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بعدم جريانها مع الشك في القابلية ، لا مانع من جريان أصالة الصحة فيما إذا شك في صحة عقد من جهة الشك في قابلية أحد من الموجب والقابل مع إحراز قابلية الآخر ، إذ بعد إحراز قابلية الموجب مثلاً لو شك في صحة العقد من جهة الشك في قابلية القابل لاحتمال كونه غير بالغ مثلاً تجري أصالة الصحة في الايجاب ، لكون قابلية الموجب محرزة على الفرض ، فيحكم بكون الايجاب إيجاباً مؤثراً ، وهو معنى صحة العقد.

وبالجملة : على فرض تسليم اعتبار إحراز القابلية يكفي إحراز قابلية أحد الطرفين ، هذا ملخص كلامه قدس‌سره.


1) فرائد الاصول 2 : 725.

ولا يمكن المساعدة عليه بعد اعتبار إحراز القابلية كما هو المختار ، فان صحة كل شيء بحسبه ، وصحة الجزء عبارة عن كونه قابلاً للجزئية ، ولا يثبت بها وجود الجزء الآخر ولا صحته ، فصحة الايجاب عبارة عن كونه بحيث لو انضم إليه القبول لكان العقد المركب منهما مؤثراً قبالاً لفساده ، فجريان أصالة الصحة في الايجاب لا يثبت وجود القبول ولا صحته.

وبالجملة : الحمل على الصحة ليس أولى من إحرازها بالوجدان. ولو أحرزنا صحة الايجاب بالوجدان وشككنا في وجود القبول أو في صحته ، لا يمكن إثبات القبول ولا صحته بصحة الايجاب المحرزة بالوجدان ، فكيف بالصحة المحرزة بالأصل ، وهذا الذي ذكرناه مع وضوحه قد اعترف به الشيخ قدس‌سره بعد كلامه السابق بسطور ، ونتعرض لتفصيله قريباً (1)إن شاء اللّه تعالى.

ومما يتفرع على اعتبار إحراز القابلية في جريان أصالة الصحة أنّه لو شك في صحة بيع عين موقوفة للشك في كون المورد من الموارد التي قد استثنيت من عدم جواز بيع الوقف ، لا تجري أصالة الصحة ، إذ قابلية المحل غير محرزة بعد كون الوقف غير قابل للبيع ، إلاّفي موارد مخصوصة.

تنبيه

ليس المراد من الفاعل الذي اعتبرنا قابليته هو العاقد ، أي الذي يصدر منه انشاء العقد ، بل المراد منه في البيع مثلاً هو مالك المبيع ، فانّه هو الذي ينتقل منه المبيع وينتقل إليه الثمن ، فلا مانع من جريان أصالة الصحة فيما إذا شك في


1) في الجهة السادسة ص 398.

صحة البيع من جهة الشك في قابلية العاقد ، لاحتمال كونه غير بالغ مثلاً مع إحراز قابلية المالك ، ولا تجري أصالة الصحة في عكس هذه الصورة ، وهو ما إذا شك في كون المالك قابلاً مع إحراز قابلية العاقد.

الجهة السادسة : صحة كل شيء بحسبه وباعتبار آثار نفسه ، فلا تترتب على جريان أصالة الصحة في جزءٍ الآثار المترتبة على المركب ، إلاّبعد إحراز بقية الأجزاء بالوجدان أو بالأصل ، ولذا ذكرنا آنفاً أنّه لا تترتب آثار العقد بجريان أصالة الصحة في الايجاب ، إلاّبعد إحراز صحة القبول أيضاً ، وعليه فاذا علمنا بوقوع إنشاء البيع من غير المالك ، وشككنا في كونه مأذوناً من قبل المالك ، لا يثبت الإذن بجريان أصالة الصحة في الانشاء ، لأن صحة الانشاء عبارة عن كونه جامعاً للشرائط المعتبرة في نفسه من العربية والماضوية مثلاً ، والاذن من المالك شرط لصحة البيع لا لانشاء العقد ، فعدم ترتب الأثر على البيع لعدم الاذن من المالك قبله ولا الاجازة بعده لا يضر بصحة الانشاء. وكذا لو شك في صحة الهبة أو بيع الصرف والسلم من جهة الشك في تحقق القبض ، فان جريان أصالة الصحة في إنشاء الهبة أو البيع لا يثبت تحقق القبض ، فلا يمكن ترتيب آثار الهبة والبيع ، إذ لا تترتب على صحة الجزء آثار الكل.

وظهر بما ذكرناه عدم تمامية ما ذكروه - في النزاع المعروف عند الشك في صحة بيع الرهن من جهة الشك في تقدم البيع على رجوع المرتهن عن إذنه وتأخره عنه - من التمسك لصحة البيع بجريان أصالة الصحة في الاذن تارةً كما عن جماعة ، ولفساده بجريان أصالة الصحة في الرجوع اخرى كما عن جماعة اخرى ، وذلك لأن صحة الاذن لا تثبت وقوع البيع قبل الرجوع ، كما أن صحة الرجوع لا تثبت وقوع البيع بعده ، فان صحة الاذن عبارة عن كونه بحيث لو وقع البيع بعده جامعاً لسائر الشرائط لترتب عليه الأثر ، كما أنّ صحة الرجوع

عبارة عن كونه بحيث لو وقع البيع بعده لكان فاسداً ، هذا على القول ببقاء حق الرهانة مع الاذن في البيع. وأمّا على القول بعدمه لكون الاذن في البيع إسقاطاً لحق الرهانة ، فلا مجال لجريان أصالة الصحة في الرجوع أصلاً ، لعدم كونه قابلاً للصحة بعد سقوط حق الرهانة.

وظهر بما ذكرناه عدم جريان أصالة الصحة في أصل البيع أيضاً ، لعدم إحراز قابلية البائع حين البيع ، لاحتمال كون الرجوع قبل البيع ، فلا يكون مأذوناً من قبل المالك. ولا يكفي إحراز القابلية آناً ما ، بل لا بدّ من إحرازها حين البيع ، كما هو الحال في جميع الشرائط ، فانّ الطهارة لا بدّ من تحققها حين الصلاة ، ولا يكفي تحققها في آنٍ من الآنات كما هو واضح.

فتحصّل : أنّ التمسك بأصالة الصحة في هذه المسألة إمّا غير صحيح ، أو غير مفيد ، كما أنّه لا يصح التمسك باستصحاب بقاء الاذن إلى زمان وقوع البيع ، لأنّه معارض باستصحاب عدم وقوع البيع إلى زمان الرجوع (1)، فلا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر ، وهو أصالة بقاء ملكية الراهن وعدم الانتقال إلى المشتري ، فيحكم بفساد البيع لأجل هذا الأصل.

الجهة السابعة : لابدّ في جريان أصالة الصحة من إحراز أصل العمل الجامع بين الصحيح والفاسد ، إذ السيرة قائمة على الحمل على الصحة فيما إذا احرز أصل العمل وشك في صحته وفساده ، لا فيما إذا شك في تحقق العمل. ومن هنا ظهر أنّه لو كان العمل من العناوين القصدية - كالصوم والصلاة والغسل - لا مجال لجريان أصالة الصحة فيما إذالم يحرز القصد ، لكون الشك حينئذ في تحقق العمل لا في صحته وفساده بعد إحراز وجوده ، كما تقدمت الاشارة إليه في قاعدة


1) بناءً على ما تقدم منه لا معارضة بين الاستصحابين ، فراجع ص 239.

الفراغ (1)، بل لا تجري أصالة الصحة مع عدم إحراز قصد العنوان ولو لم يكن العمل من العناوين القصدية كالطهارة من الخبث ، فانّها لا تحتاج إلى قصد العنوان أصلاً ، ومع ذلك لو رأينا أحداً يصب الماء على ثوب متنجس ولم نعلم بأ نّه قصد تطهيره أو إزالة الوسخ مثلاً ، لا مجال لجريان أصالة الصحة. نعم ، بعد إحراز كونه قاصداً التطهير لو شككنا في حصول الطهارة الشرعية لاحتمال الاخلال بشرط من شروطها كالعصر والتعدد ، يحكم بحصولها حملاً لفعله على الصحة.

وظهر بما ذكرناه أنّه لو استأجر الوصي أو الولي أحداً لاتيان الصوم أو الصلاة عن الميت فأتى الأجير بعمل لا يدري الوصي أنّه قصد به النيابة عن الميت أم لا ، لا مجال لجريان أصالة الصحة والحكم بفراغ ذمة الميت ، لأنّ النيابة من العناوين القصدية لابدّ من إحرازها في جريان أصالة الصحة على ما ذكرناه ، فبعد إحراز قصد النيابة لو شك في صحة العمل المأتي به عن الميت لاحتمال اختلال فيه جزءاً أو شرطاً ، يكون مورداً لجريان أصالة الصحة والحكم بفراغ ذمة الميت.

ثمّ إنّه ذكر شيخنا الأنصاري (2)قدس‌سره في المقام كلاماً حاصله : أنّ العمل الصادر عن النائب ذو حيثيتين : الاولى : حيثية المباشرة وصدور العمل منه. الثانية : حيثية النيابة وكون العمل عن الغير ، ولكل من الحيثيتين أحكام.

فمن أحكام الحيثية الاولى وجوب مراعاة تكليف نفسه من حيث الجهر والاخفات ولو كان نائباً عن امرأة. وكذا بالنسبة إلى الستر ، فيجوز له الاكتفاء


1) راجع ص 381.

2) فرائد الاصول 2 : 727.

بستر العورتين ، ولا يجوز لبس الحرير مع كون المنوب عنه امرأة ، لأن هذه أحكام جعلت للمباشر للصلاة ، سواء كانت لنفسه أو لغيره.

ومن أحكام الحيثية الثانية وجوب مراعاة تكليف المنوب عنه من حيث القصر والاتمام ، فاذا شك في صحة العمل الصادر عن النائب مع عدم إحراز قصد النيابة ، فالرجوع إلى أصالة الصحة لا يفيد بالنسبة إلى الحكم بفراغ ذمة الميت ، إذ مفادها صحة هذا العمل ولا يثبت بها قصد النيابة عن الميت. نعم ، يحكم باستحقاق النائب للُاجرة بمقتضى أصالة الصحة ، لأن مورد الاجارة هو العمل الصحيح ، وأصل العمل محرز بالوجدان وصحته بأصالة الصحة ، انتهى ملخّصاً.

أقول : التفكيك بين الحكم بفراغ ذمة الميت واستحقاق الاجرة غريب جداً ، فانّ مورد الاجارة ليس هو الاتيان بالعمل الصحيح مطلقاً ، بل الاتيان به نيابةً عن الميت ، ولا يثبت بأصالة الصحة قصد النيابة باعتراف منه قدس‌سره فكيف يحكم باستحقاق الاجرة لجريان أصالة الصحة. فالصحيح عدم الفرق بينهما في عدم ترتبهما على أصالة الصحة إلاّمع إحراز قصد النيابة.

ثمّ إنّ طريق إحراز هذا القصد إخبار العامل ليس إلاّ ، فانّ العلم الوجداني به وقيام البينة عليه متعذر ، لكونه أمراً قلبياً لا يعلمه إلاّالعامل ، فهل يكفي إخباره مطلقاً لانحصار الطريق فيه ، أو بشرط العدالة ، أو بشرط الوثاقة؟ وجوه.

أمّا اعتباره مطلقاً ولو كان فاسقاً غير متحرز عن الكذب ، فلم يدل عليه دليل. واعتبار الاخبار مطلقاً في موارد مخصوصة لانحصار الطريق فيه مختص بموارد النص ، كما في إخبار المرأة عن كونها طاهراً أو حائضاً أو حاملاً أو غير ذلك ، فلا وجه للتعدي عن مورد النص إلى غيره.

وأمّا اعتبار العدالة ، فلم يدل عليه دليل أيضاً ، فالمتعين هو الاكتفاء باخبار العامل إذا كان ثقة ، لما ذكرناه في بحث حجية الخبر (1)من استقرار السيرة العقلائية على العمل بخبر الثقة ولم يردع عنه الشارع.

الجهة الثامنة : قد ذكرنا في بعض تنبيهات الاستصحاب (2)أنّه لا أصل لما هو المشهور بينهم من حجية مثبتات الأمارات دون الاصول ، إذ لم يدل دليل على حجية المثبت من الأمارات أيضاً إلاّفي باب الاخبار ، لاستقرار سيرة العقلاء على الأخذ باللوازم في باب الاخبار على ما تقدم ، فالبحث عن كون أصالة الصحة من الأمارات أو من الاصول مما لا تترتب عليه ثمرة ، لعدم قيام السيرة على الحمل على الصحة بالنسبة إلى اللوازم ، سواء كانت من الأمارات أو من الاصول.

مضافاً إلى وضوح عدم كونها من الأمارات ، إذ ليس لها جهة كاشفية عن الواقع أصلاً ، غاية الأمر أنّ ظاهر حال المسلم في مقام الامتثال كاشف عن أنّه لايقدم إلاّعلى الاتيان بما هو صحيح عنده ، لا أنّه كاشف عن الصحة الواقعية ، وقد ذكرنا (3)أنّ مفاد أصالة الصحة هو ترتيب آثار الواقع ، لا الحمل على الصحة عند العامل.

وبالجملة : عدم جواز الأخذ باللوازم في أصالة الصحة مما لا إشكال فيه ، ولا يحتاج إلى ذكر أمثلة ، إلاّأنّ الشيخ قدس‌سره (4)ذكر في المقام أمثلة


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 228.

2) وهو التنبيه الثامن ، راجع ص 186.

3) في الجهة الثالثة ص 391.

4) فرائد الاصول 2 : 728.

ثلاثة ونحن نتبعه بذكرها.

المثال الأوّل : ما إذا شك في أنّ الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك كالخمر والخنزير ، أو بعين معيّنة من أعيان ماله ، فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته ، لجريان أصالة الصحة في البيع ، لكونه لازماً لصحة البيع.

أقول : ما ذكره من عدم الحكم بخروج العين عن ملكه مما لا إشكال فيه ، إلاّ أن ابتناء ذلك على عدم حجية أصالة الصحة بالنسبة إلى اللوازم ليس على ما ينبغي ، إذ المثال المذكور ليس مورداً لجريان أصالة الصحة أصلاً ، لما ذكرناه سابقاً (1)من أن جريانها متوقف على إحراز قابلية الفاعل والمورد ، فمع احتمال وقوع البيع على الخمر والخنزير لا مجال لجريان أصالة الصحة.

المثال الثاني : ما نقله عن العلامة (2)قدس‌سره وهو ما إذا اختلف المؤجر والمستأجر ، فقال المؤجر : آجرتك الدار مثلاً كل شهر بكذا ، وقال المستأجر : آجرتني سنة بكذا ، فالمؤجر يدعي فساد الاجارة ، لعدم تعيين المدة ، والمستأجر يدعي صحتها ، ففي تقديم قول المستأجر نظر.

ومحل استشهاد الشيخ قدس‌سره هو قول العلامة : ففي تقديم قول المستأجر نظر ، إذ الوجه في تقديمه أصالة الصحة ، وكون منافع الدار في هذه السنة للمستأجر لازم عقلي لصحة الاجارة المذكورة ، للعلم بأنّ الاجارة المرددة بين ما يقوله المؤجر وما يقوله المستأجر لو كانت صحيحة ، لوقعت على ما يقوله المستأجر.


1) في الجهة الخامسة ص 398.

2) راجع قواعد الأحكام 2 : 310.

وتحقيق هذا البحث يقتضي التكلم في مقامين : المقام الأوّل : في صحة الاجارة وفسادها فيما إذا قال المؤجر آجرتك كل شهر بدرهم. المقام الثاني : في حكم الاختلاف المذكور على القول بالصحة وعلى القول بالفساد.

أمّا المقام الأوّل : فالمشهور فيه فساد الاجارة ، لعدم تعيين المدة وهو شرط في صحة الاجارة. وذهب بعضهم إلى صحتها بالنسبة إلى الشهر الأوّل ، وفسادها بالنسبة إلى غيره ، وهو التحقيق. أمّا الفساد بالنسبة إلى غير الشهر الأوّل ، فلعدم معلومية المدة ، بل ربما تكون غررية ، كما إذا اختلفت الاجرة في الشهور كما في المشاهد المشرفة ، فان إجارة الدار في أيام الزيارة ليست متساوية مع غيرها. وأمّا الصحة بالنسبة إلى الشهر الأوّل ، فلأن عقد البيع والاجارة وأمثالهما وإن كان بحسب اللفظ واحداً ، إلاّأ نّه بحسب اللب ينحل إلى عقود متعددة بتعدد المتعلق ، فقوله : آجرتك الدار كل شهر بدرهم ، ينحل إلى إجارات متعددة بتعدد الشهور ، فلا مانع من صحة الاجارة بالنسبة إلى الشهر الأوّل ، لكون المدة معلومة ، ولا يضرّ بها بطلان الاجارة بالنسبة إلى غيره.

ولذا ذكرنا (1)أن بيع ما يَملك وما لا يَملك وبيع ما يُملك وما لا يُملك صحيح بالنسبة إلى ما يَملك وما يُملك. والأوّل كما إذا باع مناً من الحنطة من ماله ، ومناً من الحنطة من مال زيد بدرهمين ، وقال : بعتك منّين من الحنطة كل منّ بدرهم ، فلم يمضه زيد. والثاني كما إذا باع شاة وخنزيراً ، وقال : بعتك الشاة والخنزير كل واحدة منهما بدرهم ، فالبيع من هذه الجهة نظير العام الاستغراقي ينحل إلى بيوع متعددة بحسب تعدد أفراد المبيع ، بل ينحل بحسب أجزاء مبيع واحد على تقدير تساوي الأجزاء من حيث القيمة.


1) مصباح الفقاهة 4 : 390 ، 5 : 5.

وأمّا المقام الثاني : فعلى القول بالفساد يكون المؤجر مدعياً للفساد والمستأجر مدعياً للصحة ، ولا وجه لتقديم قول المستأجر ، لعدم إحراز وقوع الاجارة على السنة ليحكم بصحتها بمقتضى أصالة الصحة. وجريانها في الاجارة على إجمالها لا يثبت وقوعها على السنة وكون منفعة الدار للمستأجر فيها ، إلاّعلى القول بالأصل المثبت ولا نقول به - كما تقدّم (1)- فيحكم بتقديم قول المؤجر وفساد الاجارة إلاّأن يثبت المستأجر صحتها.

وأمّا على القول بصحة الاجارة بالنسبة إلى الشهر الأوّل ، فيكون المؤجر أيضاً مدعياً للصحة ، فيدخل في باب التداعي ، إذ المؤجر يدعي فرداً من الاجارة الصحيحة ، والمستأجر يدعي فرداً آخر منها ، فلو لم تقم البينة من طرف أصلاً ، تصل النوبة إلى التحالف ، فيتحالفان وتنفسخ الاجارة بالتحالف ، نظير ما إذا اختلف البائع والمشتري في المثمن مع الاتفاق على صحة البيع ، أو اختلفا في الثمن ، فبعد التحالف ينفسخ البيع ، ويردّ كل من الثمن والمثمن إلى مالكه. وأمّا التقييد بقوله هنا - بعد قوله : فالأقوى صحة العقد في الشهر الأوّل - على ما في جامع المقاصد (2)وإن لم يكن في عبارة الشيخ قدس‌سره ، فلم يتضح لنا إلى الآن وجهه.

المثال الثالث : ما نقله الشيخ أيضاً عن العلامة قدس‌سره وهو ما إذا اختلف المؤجر والمستأجر في تعيين المدة أو الاجرة ، فادعى المستأجر التعيين وأنكره المؤجر ، واستشكل في تقديم قول المستأجر لأصالة الصحة ، ثمّ قال :


1) في التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب ص 181.

2) جامع المقاصد 7 : 308.

والأقوى التقديم فيما لم يتضمن دعوى. وقال في جامع المقاصد (1)في شرح هذه العبارة : إنّ المستأجر إن ادعى تعيين المدة أو الاجرة باجرة المثل أو أزيد منها : لم يتضمن قوله دعوى شيء سوى صحة الاجارة ، فيقدّم قوله بمقتضى أصالة الصحة ، وإن ادعى التعيين بأقل من اجرة المثل يكون مدعياً لشيء زائد على صحة الاجارة يكون ضرراً على المؤجر ، فلا وجه لتقديم قوله ، إذ الزائد المذكور من لوازم صحة الاجارة ، وليست أصالة الصحة حجةً بالنسبة إلى اللوازم كما ذكرنا.

وردّه المحقق النائيني (2)قدس‌سره أنّه لو ادعى المستأجر التعيين باجرة المثل أو أزيد ، لا مجال لجريان أصالة الصحة ، لعدم ترتب أثر عليها ، فانّ اجرة المثل ثابتة في ذمة المستأجر ، سواء كانت الاجارة صحيحة أم فاسدة. أمّا في صورة الصحة فواضح. وأمّا مع الفساد ، فلقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

أقول : ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره يتم فيما إذا كان اختلاف المؤجر والمستأجر بعد انقضاء المدة. وأمّا لو كان اختلافهما في أثناء المدة فلا يكون جريان أصالة الصحة لغواً ، فانّه لو استأجر داراً في شهر مثلاً ، واختلفا في الاجرة في أثناء الشهر ، فادعى المستأجر تعيين الاجرة وأنكره المؤجر ، فأصالة الصحة وإن كانت بالنسبة إلى ثبوت اجرة المثل غير مثمرة ، إلاّأ نّها تثمر بالنسبة إلى تسليم العين ، فعلى تقدير جريانها ليس للمؤجر مطالبة العين المستأجرة إلى انقضاء المدة ، وللمستأجر الانتفاع بها في بقية المدة ، بخلاف ما إذا


1) جامع المقاصد 7 : 310.

2) أجود التقريرات 4 : 253 ، فوائد الاصول 4 : 669.

حكمنا بعدم جريانها ، إذ عليه للمؤجر مطالبة العين وعلى المستأجر تسليمها ، والظاهر أنّ مورد كلام العلامة هو ما إذا كان الاختلاف قبل انقضاء المدة ، فالوجه في شرح مراده هو ما ذكره في جامع المقاصد.

الجهة التاسعة : في حكم معارضة أصالة الصحة مع الاستصحاب ، وهي المقصود بالبحث هنا ، فنقول : الاستصحاب المعارض بأصالة الصحة إمّا حكمي ، وإمّا موضوعي. أمّا الاستصحاب الحكمي ، فلا ينبغي الاشكال في تقديم أصالة الصحة عليه ، كما إذا شك في صحة بيع لاحتمال الاختلال في شرط من شروطه مع إحراز قابلية الفاعل والمورد ، فلا مجال للتمسك بالاستصحاب الحكمي - أي استصحاب عدم الانتقال المعبّر عنه بأصالة الفساد - بل المتعين هو الحكم بالصحة لأصالة الصحة.

ولا تترتب على البحث عن أنّ تقديمها على الاستصحاب الحكمي هل هو من باب الحكومة أو التخصيص ثمرة عملية ، فلا نتعرض للتكلم في هذه الجهة ، إذ بعد استقرار السيرة على الحمل على الصحة في مثل المثال المذكور تكون أصالة الصحة مقدّمةً على الاستصحاب ، سواء كان من باب الحكومة أم التخصيص ، فلا فائدة في البحث عن هذه الجهة.

وأمّا الاستصحاب الموضوعي - كما إذا شك في صحة بيع لكون المبيع خمراً سابقاً ، وشك في انقلابه خلاً حين البيع - فلا إشكال في جريان الاستصحاب الموضوعي ، فيحكم ببقائه على الخمرية بالتعبد ، فلا يبقى شك في فساد البيع ، لكونه واقعاً على ما هو خمر بحكم الشارع. وكذالو شك في صحة بيعٍ لاحتمال كون أحد المتبائعين غير بالغ ، فبأصالة عدم بلوغه يحرز كون البيع صادراً من غير البالغ ، فيحكم بفساده ، ولا مجال لجريان أصالة الصحة في مثله ، لا لتقديم

الاستصحاب الموضوعي عليها ، بل لعدم جريانها في نفسها مع قطع النظر عن الاستصحاب المذكور ، لما ذكرناه (1)من أنّها متوقفة على إحراز قابلية الفاعل والمورد ، فمع الشك في قابلية المورد - كما في المثال الأوّل - أو في قابلية الفاعل - كما في المثال الثاني - لا تجري أصالة الصحة ، لعدم تحقق السيرة على الحمل على الصحة إلاّبعد إحراز القابلية ، فهي غير جارية ولو لم يجر الاستصحاب أيضاً ، فعدم جريان أصالة الصحة في هذه الأمثلة إنّما هو لعدم المقتضي ، لا لوجود المانع.

واعلم أنّ المحقق النائيني (2)قدس‌سره ذكر في المقام أنّه على القول بكون أصالة الصحة من الأمارات ، والاستصحاب من الاصول لا إشكال في تقديمها عليه. وعلى القول بالعكس لا إشكال في العكس ، وأطال الكلام في تقديم أحدهما على الآخر على القول بكون كليهما من الأمارات أو من الاصول.

وظهر بما ذكرناه أنّ هذه التفصيلات لا ترجع إلى محصل ، لأنّا ذكرنا أنّ الدليل على أصالة الصحة هي السيرة ، ففي كل مورد جرت السيرة فيه على الحمل على الصحة ، فلا محالة تكون أصالة الصحة جاريةً ومقدمةً على الاستصحاب ولو على القول بكونها من الاصول والاستصحاب من الأمارات ، إذ تحقق السيرة على الحمل على الصحة كالنص المخصص لدليل الاستصحاب ، وفي موردٍ لم يحرز قيام السيرة على الحمل على الصحة فيه - كما في موارد الشك في القابلية - يقدّم الاستصحاب عليها حتى على القول بكونها من الأمارات والاستصحاب من الاصول ، لعدم جريانها في نفسها ، لا لمعارضة الاستصحاب


1) في الجهة الخامسة ص 393.

2) أجود التقريرات 4 : 254 وما بعدها ، راجع أيضاً فوائد الاصول 4 : 669 وما بعدها.

كما ذكرناه آنفاً ، فعلى القول بكونها من الأمارات تكون حينئذ من الأمارات غير المعتبرة ، ولا إشكال في تقديم الأصل عليها ، هذا تمام الكلام في أصالة الصحة ومعارضتها مع الاستصحاب.

الكلام في تعارض الاستصحاب مع قاعدة اليد

وملخص الكلام فيه : أنّه إن قلنا بكون قاعدة اليد في عرض سائر الأمارات وفي رتبتها ، فلا إشكال في تقديمها على الاستصحاب ، لكونه متأخراً عن سائر الأمارات ، بناءً على كونه منها ، فضلاً عن القول بكونه من الاصول. وإن قلنا بتأخر قاعدة اليد عن سائر الأمارات ، وأ نّها في رتبة الاستصحاب ، فلابدّ من تقديمها على الاستصحاب أيضاً ، لورود أدلتها في موارد الاستصحاب ، فانّ الغالب العلم بكون ما في أيدي الناس مسبوقاً بكونه ملكاً للغير ، إلاّفي المباحات الأصلية ، بل يمكن جريان استصحاب عدم الملكية فيها أيضاً على وجه ، فلا بدّ من تخصيص الاستصحاب بها ، وإلاّ يلزم حمل أدلة قاعدة اليد على الموارد النادرة ، بل يلزم المحذور المنصوص ، وهو اختلال السوق.

نعم ، لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب في موردين ، لا لتقدمه على قاعدة اليد ، بل لعدم جريان القاعدة بنفسها لقصور المقتضي.

المورد الأوّل : ما إذا تقارنت اليد بالاقرار ، كما إذا اعترف ذو اليد بكون المال ملكاً للمدعي ، وادعى انتقاله إليه بالشراء أو الهبة ، فينقلب ذو اليد مدعياً والمدعي منكراً ، فيحكم بكون المال للمدعي بمقتضى الاستصحاب ، إلاّأن يثبت ذو اليد انتقاله إليه. ولا مجال للأخذ بقاعدة اليد ، لعدم الدليل عليها مع

اقتران اليد بالاعتراف ، فانّ الدليل عليها هي السيرة ، ورواية حفص بن غياث (1)الدالة على الحكم بالملكية على ما في أيدي المسلمين ، المعلل بأ نّه لولا ذلك لما قام للمسلمين سوق. أمّا السيرة فلم يحرز قيامها في المقام ، أي فيما إذا اقترنت اليد بالاعتراف. وأمّا الرواية فلا إطلاق لها يشمل المقام ، إذ لا يلزم تعطيل السوق لو لم يؤخذ بها في مثل المقام.

المورد الثاني : ما إذا كانت اليد مسبوقة بكونها غير يد ملك ، كما إذا كانت أمانية أو عدوانية ، بأن كان المال في يده بالاجارة أو العارية أو غصباً فادعى الملكية ، فلا يمكن الأخذ بقاعدة اليد ، بل يحكم ببقاء ملكية المالك بمقتضى الاستصحاب ، لا لتقدمه على قاعدة اليد ، بل لما ذكرناه من عدم المقتضي للقاعدة مع قطع النظر عن الاستصحاب ، إذ لم يحرز قيام السيرة في المقام ، ولا يكون مشمولاً للرواية المتقدمة على ما ذكرناه في المورد الأوّل ، فلا حاجة إلى الاعادة.


1) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه ، وعلي بن محمّد القاساني جميعاً عن القاسم بن يحيى عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال : «قال له رجل : إذا رأيت شيئاً في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال عليه‌السلام : نعم ، قال الرجل : أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعله لغيره؟ فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام : أفيحل الشراء منه؟ قال : نعم ، فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام : فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك : هو لي وتحلف عليه ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ، ثمّ قال أبو عبداللّه عليه‌السلام : لو لم يجز هذالم يقم للمسلمين سوق» [الوسائل 27 : 292 - 293 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 25 ح 2].

هذا ، وذكر المحقق النائيني (1)قدس‌سره أنّ الوجه في تقديم الاستصحاب على قاعدة اليد في هذا المورد أنّ أدلة قاعدة اليد مختصة بموارد الجهل بحال اليد ، بأن لايعلم كونها مالكية أو غير مالكية ، واليد في المقام غير مالكية سابقاً ، وبعد الشك في صيرورتها مالكية يحكم ببقائها على ما كانت بمقتضى الاستصحاب ، فيحرز كونها غير مالكية بالتعبد ، فلا يبقى موضوع لقاعدة اليد ، لكون موضوعها اليد المجهولة حالها على ما ذكرناه ، فتقديم هذا الاستصحاب - أي أصالة عدم صيرورة اليد مالكية - على قاعدة اليد إنّما هو لكونه أصلاً موضوعياً جارياً في موضوع قاعدة اليد. والاستصحاب الذي تكون قاعدة اليد مقدّمة عليه هو الاستصحاب الجاري في مدلول قاعدة اليد - أي الملكية - لا في نفسها.

وفيه : أنّ لسان أدلة قاعدة اليد مطلق لم يؤخذ فيه قيد كون اليد مجهولة الحال. نعم ، لا مجال للأخذ بقاعدة اليد مع العلم بكون اليد غير مالكية ، كما أنّ الأمر في جميع الأمارات كذلك ، فانّه لا يمكن الأخذ بها مع العلم بمخالفتها للواقع.

فالصحيح في تقديم الاستصحاب على قاعدة اليد في هذا المورد هو ما ذكرناه من عدم تمامية المقتضي لها مع قطع النظر عن الاستصحاب ، بحيث لا يمكن الأخذ بها ولو فرض عدم جريان الاستصحاب ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر.


1) أجود التقريرات 4 : 197 - 198 ، فوائد الاصول 4 : 604 - 606.

الكلام في تعارض الاستصحاب مع القرعة

والذي يستفاد من مجموع الروايات الواردة في القرعة ومواردها أنّها جعلت في كل مورد لا يعلم حكمه الواقعي ولا الظاهري ، وهذا المعنى هو المراد من لفظ المشكل في قولهم : «إنّ القرعة لكل أمر مشكل» وإن لم نعثر على رواية بهذا اللفظ ، وهو المراد أيضاً من لفظ المشكل المذكور في متون الكتب الفقهية ، فانّ المراد من قولهم : هو مشكل أو فيه إشكال ، عدم العلم بالحكم الواقعي ، وعدم الاطمئنان بالحكم الظاهري لجهة من الجهات ، لا عدم العلم والاطمئنان بالحكم الواقعي فقط ، إذ الاشكال بهذا المعنى موجود في جميع الأحكام الفقهية سوى القطعيات.

وبالجملة : مورد القرعة نظراً إلى مورد الروايات الواردة فيها هو اشتباه الحكم الواقعي والظاهري ، فالمراد من المجهول في قوله عليه‌السلام في رواية : «كل مجهول ففيه القرعة» (1)هو المجهول المطلق ، أي المجهول من حيث الحكم الواقعي والظاهري.

وظهر بما ذكرناه أنّه يقدم الاستصحاب على القرعة تقدم الوارد على المورود ، إذ بالاستصحاب يحرز الحكم الظاهري ، فلا يبقى للقرعة موضوع بعد كون موضوعه الجهل بالحكم الواقعي والظاهري على ما ذكرناه ، بل يقدّم على القرعة أدنى أصل من الاصول كأصالة الطهارة وأصالة الحل وغيرهما مما ليس له نظر إلى الواقع ، بل يعيّن الوظيفة الفعلية في ظرف الشك في الواقع ، إذ بعد تعيين الوظيفة الظاهرية تنتفي القرعة بانتفاء موضوعه.


1) الوسائل 27 : 259 - 260 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 11.

وظهر بما ذكرناه أيضاً أنّه لا أساس لما هو المعروف في ألسنتهم : من أنّ أدلة القرعة قد تخصصت في موارد كثيرة ، وكثرة التخصيص صارت موجبة لوهنها ، فلا يمكن الأخذ بها إلاّفي موارد انجبر ضعفها بعمل الأصحاب فيها.

وذلك لأنّ الموارد التي لم يعمل فيها بالقرعة إنّما هو لعدم اشتباه الحكم الظاهري فيها ، لجريان قاعدة من القواعد الظاهرية ، لا لأجل تخصيص أدلة القرعة ، فلم تثبت كثرة التخصيص فيها الموجبة لوهنها.

نعم ، قد يعمل بالقرعة في بعض الموارد مع جريان القاعدة الظاهرية ، للنص الخاص الوارد فيه ، كما إذا اشتبه غنم موطوء في قطيع ، فانّه ورد نص (1)دال على أنّه ينصّف القطيع ويقرع ثمّ يجعل نصفين ويقرع وهكذا إلى أن يعيّن الموطوء ، فيجتنب عنه دون الباقي ، ولولا النص الخاص لكان مقتضى القاعدة هو الاحتياط والاجتناب عن الجميع.

وتحصل مما ذكرناه : عدم جواز الرجوع إلى القرعة في الشبهات الحكمية أصلاً ، إذ المرجع في جميع الشبهات الحكمية هي الاصول العملية التي مفادها أحكام ظاهرية ، فانّ الشبهة الحكمية إن كانت لها حالة سابقة ، فالمرجع فيها هو الاستصحاب ، وإلاّ فإن كان الشك في التكليف فيرجع إلى قاعدة البراءة ، وإن كان الشك في المكلف به ، فلا بدّ من الاحتياط. وأمّا التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين فهو داخل في البراءة ، إذ معنى التخيير البراءة عن الوجوب والحرمة على ما ذكرناه في محلّه (2).

فالمورد الوحيد للقرعة هي الشبهات الموضوعية التي لايعلم حكمها الواقعي ،


1) الوسائل 24 : 169 و 170 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 30 ح 1 و 4.

2) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 381 وما بعدها.

ولا تجري فيها قاعدة من القواعد الظاهرية ، كما إذا تداعى رجلان في مال عند ثالث معترف بأ نّه ليس له ولم يكن له حالة سابقة ، فانّه ليس مورداً لقاعدة اليد ولا الاستصحاب ولا غيرهما من القواعد ، فلا بدّ من الرجوع إلى القرعة.

بقي شيء : وهو أنّ المستفاد من أدلة القرعة اختصاصها بموارد اشتباه الواقع ، بأن يكون له تعيّن واشتبه على المكلف ، كما في المثال الذي ذكرناه ، ويدل عليه قوله عليه‌السلام : «ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه ، ثمّ اقترعوا إلاّخرج سهم المحق» (1)وقوله عليه‌السلام في ذيل رواية بعد قول الراوي : إنّ القرعة تخطئ وتصيب : «كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ» (2).

فلا يرجع إلى القرعة في مورد لا تعيّن له في الواقع أيضاً ، كما إذا طلّق أحد إحدى زوجاته بلا قصد التعيين ، بأن يقول إحدى زوجاتي طالق ، فعلى القول بصحة هذا الطلاق لا يمكن الرجوع إلى القرعة لتعيين المطلقة. هذا إذالم يرد نص خاص ، وإلاّ فلا مانع من الرجوع إلى القرعة وإن كان المورد مما ليس له تعيّن واقعي كما ورد النص - في رجل قال : أوّل مملوك أملكه فهو حر ، فورث ثلاثة - أنّه يقرع بينهم ، فمن أصابه القرعة اعتق (3).

هذا تمام الكلام في بحث الاستصحاب وما يلحق به ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الأطهار المعصومين.


1) الوسائل 27 : 257 - 258 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 4.

2) الوسائل 27 : 259 - 260 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 11.

3) الوسائل 27 : 257 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 2.

التعادل والترجيح

اشارة

الكلام في التعادل والترجيح

ولا يخفى أنّ هذا البحث من أهم المسائل الاصولية لثبوت التعارض بين جملة من الأدلة ، فلا وجه لجعله خاتمةً لعلم الاصول - كما عن بعض - المشعر بكونه خارجاً عنه كمبحث الاجتهاد والتقليد. ولا بدّ من التكلم في موضوع التعارض وتعريفه أوّلاً ، وفي حكمه من التساقط أو الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً ثانياً.

فنقول : التعارض تنافي مدلول دليلين بالتناقض ، كما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء ، والآخر على عدم وجوبه ، أو بالتضاد كما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء والآخر على حرمته. ويرجع التضاد أيضاً إلى التناقض باعتبار الدلالة الالتزامية ، فانّ الدليل على الوجوب ينفي الحرمة بالالتزام وبالعكس ، فيكون أحدهما دالاً على الوجوب بالمطابقة والآخر على عدمه بالالتزام ، وكذا بالنسبة إلى الحرمة.

فاذن صحّ أن يقال : إنّ التعارض تنافي مدلولي دليلين بالتناقض ، غاية الأمر أنّ التناقض بينهما قد يكون باعتبار المدلول المطابقي فيهما ، وقد يكون باعتبار المدلول المطابقي في أحدهما والالتزامي في الآخر على ما ذكرناه.

ثمّ إنّ التنافي بين مدلولي دليلين إمّا ذاتي وإمّا عرضي. والمراد بالتنافي الذاتي

ما كان التنافي بينهما باعتبار مفهومهما العرفي بالمطابقة أو بالالتزام على ما ذكرناه.

والمراد بالتنافي العرضي ما كان التنافي بينهما من جهة أمر خارج عن مدلولهما العرفي ، كالعلم الاجمالي بعدم مطابقة أحدهما للواقع ، كما إذا دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة يوم الجمعة تعييناً ، والآخر على وجوب صلاة الظهر فيه كذلك ، فانّه لا منافاة بينهما بحسب المفهوم العرفي ، لامكان وجوب كلتيهما ، إلاّ أنّا نعلم بالضرورة من الدين عدم وجوب صلوات ست في يوم واحد ، فلأجل هذا العلم يكون الدليل الدال على وجوب صلاة الجمعة نافياً لوجوب صلاة الظهر بالالتزام ، والدليل على وجوب صلاة الظهر نافياً لوجوب صلاة الجمعة كذلك.

وظهر بما ذكرناه من معنى التعارض : أنّ موارد التخصص والورود والحكومة والتخصيص خارجة عن التعارض ، لعدم التنافي بين مدلول دليلين في هذه الموارد.

أمّا مورد التخصص ، فخروجه عن التعارض واضح ، فانّ التخصص هو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الآخر بالوجدان ، فلا مجال لتوهم التنافي بين الدليلين أصلاً ، فاذا دل دليل على حرمة الخمر مثلاً ، لا مجال لتوهم التنافي بينه وبين ما يدل على حلية الماء ، إذ الماء خارج عن موضوع الخمر بالوجدان.

وكذا الورود ، فانّه أيضاً عبارة عن الخروج الموضوعي بالوجدان ، غاية الأمر أنّ الخروج المذكور من جهة التعبد الشرعي ، توضيح ذلك : أنّه بالتعبد الشرعي يتحقق أمران : أحدهما تعبدي والآخر وجداني. أمّا الأمر التعبدي فهو ثبوت المتعبد به ، فانّه ليس بالوجدان بل بالتعبد. وأمّا الأمر الوجداني فهو نفس التعبد ، فانّه ثابت بالوجدان لا بالتعبد وإلاّ يلزم التسلسل ، ولذا ذكرنا في

محلّه (1)أنّ حجية كل أمارة ظنية لا بدّ من أن تنتهي إلى العلم الوجداني ، وإلاّ يلزم التسلسل.

مثلاً إذا تعبدنا الشارع بحجية خبر العادل فحجية الخبر تعبدي ، وأمّا نفس التعبد فهو ثابت بالوجدان ، فالورود هو الخروج الموضوعي بنفس التعبد الثابت بالوجدان ، كما في موارد قيام الدليل الشرعي بالنسبة إلى الاصول العقلية ، كالبراءة والاشتغال والتخيير ، فانّ موضوع حكم العقل بالبراءة عدم البيان ، إذ ملاك حكمه بها هو قبح العقاب بلا بيان ، وقيام الدليل الشرعي يكون بياناً ، فينتفي موضوع حكم العقل بالوجدان ، ببركة التعبد بحجية هذا الدليل.

وكذا الكلام بالنسبة إلى الاشتغال والتخيير ، فان موضوع حكم العقل بالاشتغال احتمال الضرر ، وموضوع حكمه بالتخيير التحير في مقام العمل ، كما في دوران الأمر بين المحذورين ، وبعد قيام الحجة الشرعية لا يبقى احتمال الضرر ولا التحير ليكون مورداً لحكم العقل بدفع الضرر المحتمل ، أو حكمه بالتخيير من جهة اللا حرجية. وهذا مبني على كون التخيير أصلاً في مقابل البراءة والاحتياط ، وأمّا بناءً على كونه راجعاً إلى البراءة ، وأنّ العقل يحكم بقبح العقاب على مخالفة خصوصية كل من التكليفين مع عدم بيانها ، فهو ليس أصلاً برأسه ، وقد مضى الكلام فيه (2). وأمّا إن كان الخروج الموضوعي بثبوت المتعبد به لا بنفس التعبد ، فهو قسم من الحكومة على ما نتكلم فيه قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الحكومة فهي على قسمين :


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 11.

2) في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 381 - 386.

القسم الأوّل : ما يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي شارحاً للمراد من الدليل الآخر ، سواء كان مصدّراً بكلمة مفسّرة من نحو أي وأعني ، أم لم يكن مصدّراً بها ولكن كان لسانه شارحاً بحيث لو لم يكن الدليل المحكوم موجوداً لكان الدليل الحاكم لغواً ، كقوله عليه‌السلام : «لا ربا بين الوالد والولد» (1)فانّه شارح للدليل الدال على حرمة الربا ، إذ لو لم يرد دليل على حرمة الربا ، لكان الحكم بعدم الربا بين الوالد والولد لغواً.

ثمّ إنّ الدليل الحاكم الشارح للمراد من الدليل المحكوم قد يكون ناظراً إلى عقد الوضع كما في المثال الذي ذكرناه ، فانّ قوله عليه‌السلام : «لا رِبا بين الوالد والولد» ناظر إلى موضوع الحكم في الأدلة الدالة على حرمة الربا ، وأنّ المراد منه غير الربا بين الوالد والولد ، فيكون نافياً للحكم بلسان نفي الموضوع ، للعلم بتحقق الموضوع فيما إذا تعاملا مع الزيادة ، فالمقصود نفي حرمة الربا بينهما بلسان نفي الموضوع. وكذا قوله عليه‌السلام : «لا سهو للإمام إذا حفظ عليه من خلفه» (2)بالنسبة إلى قوله عليه‌السلام : «إذا شككت فابن على الأكثر» (3)وكذا بالنسبة إلى الأدلة الدالة على بطلان الصلاة بالشك. والمراد بالسهو في هذه الرواية وأمثالها هو الشك.

وقد يكون ناظراً إلى عقد الحمل ، كما في قوله عليه‌السلام : «لا ضرر ولا


1) الوسائل 18 : 135 / أبواب الربا ب 7 ح 1 و 3 (فيهما : ليس بين الرجل وولده ربا).

2) الوسائل 8 : 241 - 242 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8 (باختلاف يسير).

3) ورد مضمونه في الوسائل 8 : 212 - 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1 و 3.

ضرار ...» (1)وقوله تعالى : ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (2)، وغيرهما من أدلة نفي الأحكام الضررية والحرجية ، فانّها حاكمة على الأدلة المثبتة للتكاليف بعمومها حتى في موارد الضرر والحرج ، وشارحة لها بأنّ المراد ثبوت هذه التكاليف في غير موارد الضرر والحرج.

القسم الثاني من الحكومة : أن يكون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الحكم في الدليل الآخر وإن لم يكن بمدلوله اللفظي شارحاً له كما في القسم الأوّل ، وهذا كحكومة الأمارات على الاصول الشرعية من البراءة والاستصحاب وقاعدة الفراغ وغيرها من الاصول الجارية في الشبهات الحكمية أو الموضوعية ، فانّ أدلة الأمارات لا تكون ناظرةً إلى أدلة الاصول وشارحةً لها ، بحيث لو لم تكن الاصول مجعولة لكان جعل الأمارات لغواً ، فانّ الخبر مثلاً حجة ، سواء كان الاستصحاب حجة أم لا. ولايلزم كون حجية الخبر لغواً على تقدير عدم حجية الاستصحاب ، إلاّأنّ الأمارات موجبة لارتفاع موضوع الاصول بالتعبد الشرعي ، ولا تنافي بينهما ليدخل في التعارض.

والوجه في ذلك : أنّ كل دليل متكفلٍ لبيان حكم لا يكون متكفلاً لتحقق موضوعه ، بل مفاده ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع ، وأمّا كون الموضوع محققاً أو غير محقق ، فهو خارج عن مدلول هذا الدليل ، ولذا ذكرنا في محلّه (3)أنّ مرجع القضايا الحقيقية إلى القضايا الشرطية مقدّمها تحقق الموضوع وتاليها ثبوت الحكم ، ومن المعلوم أنّ الموضوع المأخوذ في أدلة


1) الوسائل 18 : 32 / أبواب الخيار ب 17 ح 3 و 4 و 5.

2) الحج 22 : 78.

3) محاضرات في اصول الفقه 2 : 134 - 135.

الاصول هو الشك ، وأمّا كون المكلف شاكاً أو غير شاك ، فهو خارج عن مفادها. والأمارات ترفع الشك بالتعبد الشرعي ، وتجعل المكلف عالماً تعبدياً وإن كان شاكاً وجدانياً ، فلا يبقى موضوع للُاصول.

ولا منافاة بين الأمارة والأصل ، فانّ مفاد الأصل هو البناء العملي على تقدير الشك في شيء ، ومفاد الأمارة ثبوت هذا الشيء وارتفاع الشك فيه ، ولا منافاة بين تعليق شيء على شيء وبين الحكم بعدم تحقق المعلّق عليه ، كما هو ظاهر. مثلاً مفاد البراءة الشرعية هو البناء العملي على عدم التكليف على تقدير الشك فيه ، فاذا دل خبر معتبر على ثبوت التكليف ، لم يبق شك فيه بالتعبد الشرعي باعتبار حجية الخبر ، فهو عالم بالتكليف بحكم الشارع ، فيتعين الأخذ بالخبر ، بلا منافاة بينه وبين أدلة البراءة ، وكذا الكلام في الاصول الجارية في الشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ مثلاً ، فانّ موضوعها الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ منه ، ومع قيام البينة على الفساد يكون المكلف عالماً بالفساد بحكم الشارع ، فلا يمكن الرجوع إلى قاعدة الفراغ ، لارتفاع موضوعه بالتعبد الشرعي. ولا منافاة بينها وبين البينة أصلاً ، إذ مفاد القاعدة هو البناء العملي على الصحة على تقدير الشك في الصحة والفساد ، ومفاد البينة ثبوت الفساد ، فلا منافاة بينهما.

وظهر بما ذكرناه أنّ الدليل الحاكم يتقدم على المحكوم ولو كان بينهما عموم من وجه ، لارتفاع موضوع المحكوم في مادة الاجتماع ، بلا فرق بين أن يكون الحاكم أقوى دلالة من المحكوم أو أضعف منه ، بل لو كان المحكوم نصاً والحاكم ظاهراً ، يقدّم الحاكم على المحكوم ، لما ذكرناه من عدم التنافي بينهما ، لارتفاع موضوع المحكوم.

وأمّا التخصيص ، فالوجه في خروجه عن التعارض : أنّ حجية العام بل كل

دليل متوقفة على امور ثلاثة :

الأوّل : صدوره من المعصوم عليه‌السلام.

الثاني : إثبات أنّ ظاهره مراد للمتكلم ، لاحتمال أن يكون مراده خلاف الظاهر.

الثالث : إثبات الارادة الجدية ، وأ نّه في مقام بيان الحكم جدّاً ، لاحتمال أن يكون ظاهره مراداً بالارادة الاستعمالية فقط دون الارادة الجدية ، لكونه في مقام الامتحان أو التقية مثلاً.

والمتكفل للأمر الأوّل هو البحث عن حجية الخبر ، وقد ثبتت حجية خبر العادل أو الثقة على اختلاف المباني بالتعبد الشرعي على ما هو مذكور في ذلك البحث. والأمران الآخران ثابتان ببناء العقلاء ، فمن تكلم بكلام ثمّ اعتذر بأن ظاهره لم يكن مرادي - مع عدم نصب قرينة على الخلاف - أو اعتذر بأني لم أرد ظاهره بالارادة الجدية ، وإنّما قلته امتحاناً مثلاً ، لا يقبل منه هذا الاعتذار.

وبالجملة : لاينبغي الاشكال في حجية الظهور من حيث الارادة الاستعمالية ، ومن حيث الارادة الجدية ببناء العقلاء ، ويعبّر عن الأوّل بأصالة الحقيقة ، وعن الثاني بأصالة الجهة أو أصالة الجد ، ومن المعلوم أنّ بناء العقلاء على العمل بالظواهر إنّما هو في مقام الشك في المراد الاستعمالي أو المراد الجدي ، إذ لم يتحقق بناء منهم على العمل بالظواهر مع العلم بأنّ مراد المتكلم خلاف الظاهر ، أو مع العلم بأ نّه في مقام الامتحان أو التقية ، وليست له إرادة جدية ، فلا يمكن الأخذ بالظهور مع قيام القرينة القطعية على الخلاف من الجهة الاولى أو الجهة الثانية ، بلا فرق بين كون القرينة متصلة في الكلام أو منفصلة عنه ، غاية الأمر أنّ القرينة المتصلة مانعة عن انعقاد الظهور من أوّل الأمر ، والقرينة المنفصلة كاشفة

عن عدم كون الظاهر مراداً. هذا كله في القرينة القطعية.

وكذا الكلام في القرينة الظنية المعتبرة كالخبر ، فانّه أيضاً قرينة قطعية غاية الأمر أنّه ليس قرينة قطعية وجدانية ، بل قرينة قطعية تعبدية ، وغاية الفرق بين القرينة القطعية والقرينة الظنية : أنّ القرينة القطعية مقدّمة على العام مثلاً بالورود ، لارتفاع موضوع حجية العام وهو الشك بالوجدان ، إذ لا يبقى شك مع القرينة القطعية. والقرينة الظنية مقدّمة على العام بالحكومة ، لارتفاع موضوع حجيته وهو الشك بالتعبد الشرعي ، فالدليل الخاص وإن كان مخصصاً بالنسبة إلى الدليل العام ، لكنّه حاكم بالنسبة إلى دليل حجية العام ، إذ الموضوع المأخوذ في دليل الحجية هو الشك ، والدليل الخاص يرفع الشك تعبداً ، فمرجع التخصيص إلى الحكومة بالنسبة إلى دليل الحجية ، فلا منافاة بينهما على ما تقدم.

كما أنّ مرجع الحكومة إلى التخصيص ، فان مفاد قوله عليه‌السلام : «لا ربا بين الوالد والولد» (1)هو نفي حرمة الربا بينهما ، وإن كان لسانه نفي الموضوع ، فهو تخصيص بالنسبة إلى الأدلة الدالة على حرمة الربا عموماً ، لكنّه تخصيص بلسان الحكومة. وكذا الأمر في كل قرينة مع ذيها ، فانّه إن كانت القرينة قطعية ، فهي واردة على ذي القرينة ، لكونها موجبة لارتفاع موضوع حجيته بالوجدان ، وإن كانت القرينة ظنية ، فهي حاكمة على ذيها ، لكونها موجبة لارتفاع موضوع حجيته بالتعبد الشرعي. وظهر بما ذكرناه أنّه لا تنافي بين الأظهر والظاهر فضلاً عن النص والظاهر فانّ الأظهر قرينة على إرادة الخلاف من الظاهر.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّه لا تنافي بين العام والخاص ، وأنّ الخاص يقدّم على العام من باب الحكومة بالنسبة إلى دليل حجية العام وإن كان تخصيصاً بالنسبة


1) تقدّم مصدره في ص 420.

إلى نفس العام. وهذا هو الفارق بين التخصيص والحكومة المصطلحة ، فانّ الدليل الحاكم حاكم على نفس الدليل المحكوم في الحكومة الاصطلاحية ، بخلاف التخصيص ، إذ الخاص ليس حاكماً على نفس العام ، بل حاكم على دليل حجية العام ، على ما عرفت.

ولا يتوقف تقديم الخاص على العام على كون الخاص أظهر والعام ظاهراً ، على ما يظهر من كلام الشيخ قدس‌سره (1)فانّه علل تقديم الخاص على العام بكون الخاص نصاً أو أظهر ، فيقدّم على الظاهر وهو العام ، وذلك لما ذكرناه من أنّ موضوع حجية العام هو الشك ، وبورود الخاص يرتفع الشك ، فيسقط العام عن الحجية ولو كان في أعلى مرتبة من الظهور ، فيقدّم الخاص عليه وإن كان في أدنى مراتبه. وكذا الأمر في كل قرينة مع ذيها ، فانّ القرينة مع إحراز قرينيتها مقدّمة على ذي القرينة ولو كان ظهوره أقوى من ظهور القرينة.

وظهر بما ذكرناه أنّ ما ذكره صاحب الحدائق واحتمله صاحب الكفاية قدس‌سره (2)أخيراً من أنّه يعامل مع العام والخاص معاملة المتعارضين من الرجوع إلى المرجحات وإلى التخيير مع فقدها ليس في محله ، إذ مع وجود الخاص يرتفع موضوع حجية العام ، وبعد عدم كون العام حجة لا معنى للتعارض بينه وبين الخاص ، لأنّ التعارض هو تنافي الحجتين من حيث المدلول.


1) فرائد الاصول 2 : 751 ، 784.

2) [لعلّه يشير إلى ما في الكفاية : 449].

الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم

اشارة

اعلم أنّ التزاحم قد يطلق على تزاحم الملاكات ، كما إذا كان في فعل جهة مصلحة تقتضي إيجابه ، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه ، أو كان فيه جهة مصلحة تقتضي إيجابه ، وجهة مصلحة تقتضي إباحته ، فانّ الاباحة لا تلزم أن تكون ناشئة من عدم المصلحة وعدم المفسدة دائماً ، بل قد تكون ناشئة من مصلحة في الترخيص ، كما في قوله عليه‌السلام : «لولا أن أشق على امّتي لأمرتهم بالسواك» (1)يعني الترخيص في ترك السواك ، وهو الاباحة بالمعنى الأعم ، إنّما هو لمصلحة التسهيل على الامّة.

والأمر في هذا التزاحم بيد المولى ، فهو الذي يلاحظ الجهات ، ويجعل الحكم طبقاً لما هو الأقوى من الملاكات. وليس للعبد إلاّالامتثال بلا ملاحظة المصلحة أو المفسدة ، بل لو فرض أنّ المولى قد اشتبه وجعل الوجوب بزعم كون المصلحة أقوى من المفسدة ، وعلم العبد بتساويهما أو بكون المفسدة أقوى من المصلحة ، يجب عليه الامتثال بحكم العقل ، فانّه لو تركه معتذراً بكون المأمور به خالياً عن المصلحة ، لا يسمع منه الاعتذار ويكون معاقباً عند العقلاء. كما أنّ الأمر في القوانين المجعولة من قبل الحكومات كذلك ، فانّه لو خالفها أحد من الرعايا - اعتذاراً بوجود المفسدة أو بعدم المصلحة - لا يسمع منه ويكون معاقباً عند الحكّام ، وحيث إنّه ليس للمكلف دخل في هذا التزاحم ، فلا تترتب على البحث عنه ثمرة ، فهو خارج عن محل البحث. والتزاحم بهذا


1) الوسائل 2 : 17 و 19 / أبواب السواك ب 3 ح 4 وب 5 ح 3.

المعنى مختص بمذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها - كما عليه المشهور منهم - أو في نفس الأحكام كما عليه جماعة منهم. وأمّا على مذهب الأشاعرة القائلين بعدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أصلاً ، فلا يتصور التزاحم بهذا المعنى.

وقد يطلق التزاحم على تزاحم الأحكام في مقام الامتثال ، بأن توجه إلى المكلف تكليفان يكون امتثال أحدهما متوقفاً على مخالفة الآخر لعجزه عن امتثال كليهما ، كما إذا توقف إنقاذ الغريق على التصرف في الأرض المغصوبة ، أو كان هناك غريقان لا يقدر المكلف إلاّعلى إنقاذ أحدهما. وتحقق هذا التزاحم لا يتوقف على وجود الملاك في متعلقات الأحكام أو في نفسها ، بل يمكن تحققه حتى على مذهب الأشاعرة القائلين بعدم تبعية الأحكام للملاكات أصلاً كما هو واضح ، وهذا التزاحم هو المقصود بالبحث هنا.

وملخص الفرق بينه وبين التعارض : أنّه ليس في باب التزاحم تنافٍ بين الدليلين من حيث المدلول أصلاً ، إذ من الواضح عدم التنافي بين الدليل الدال على وجوب الانقاذ ، والدليل الدال على حرمة التصرف في الغصب. نعم ، القدرة مأخوذة في موضوع كلا الحكمين ، إمّا من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز ، وإمّا من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك ، على خلاف بيننا وبين المحقق النائيني (1)قدس‌سره وحيث إنّ المكلف لا يقدر على امتثال كلا التكليفين - على الفرض - يكون اختيار أحدهما تعييناً أو تخييراً موجباً لعجزه عن امتثال الآخر ، فيكون الحكم الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه. ولا يلزم منه التصرف في دليله ، إذ مفاد الأدلة الشرعية مفاد القضايا الحقيقية الدالة على


1) أجود التقريرات 2 : 24

ثبوت الحكم عند تحقق الموضوع ، والدليل الدال على حكم لا يكون متكفلاً لبيان موضوعه من حيث التحقق والعدم ، فكون المكلف قادراً أو غير قادر خارج عن مفاد الدليل ، بل مفاده ثبوت التكليف عند تحقق القدرة ، فنفي الحكم بانتفاء موضوعه لا يكون رفع اليد عن الدليل الدال عليه.

وهذا بخلاف باب التعارض ، إذ التنافي بين الدليلين من حيث المدلول ثابت فيه ، سواء كان التنافي بينهما في تمام المدلول كما في المتباينين ، أو في بعض المدلول كالعامين من وجه ، فانّ التنافي بينهما في مادة الاجتماع فقط ، فالأخذ بأحدهما - للترجيح أو التخيير - موجب لرفع اليد عن الآخر والحكم بعدم ثبوت مدلوله ، فيكون الحكم الآخر منتفياً مع بقاء موضوعه لا بانتفائه ، فانّ الأخذ بالدليل الدال على طهارة شيء موجب لرفع اليد عن الدليل الدال على نجاسته ، فيكون الحكم بالنجاسة منفياً عن موضوعه لا منتفياً بانتفاء موضوعه ، لبقاء الموضوع بحاله.

وبعبارة اخرى : ثبوت مدلول أحد الدليلين في باب التعارض يوجب انتفاء مدلول الآخر في مقام الجعل ، بخلاف باب التزاحم ، فان ثبوت أحدهما يوجب انتفاء موضوع الآخر ، فيوجب انتفاءه في مرتبة الفعلية لانتفاء موضوعه ، لا انتفاءه في مقام الجعل ، ولذا يمكن التفكيك باعتبار الأشخاص في باب التزاحم ، كما إذا كان أحدٌ قادراً على إنقاذ كلا الغريقين ، والآخر قادراً على إنقاذ أحدهما فقط ، فيتحقق التزاحم بالنسبة إلى الثاني دون الأوّل ، بخلاف باب التعارض ، إذ لا يمكن الحكم بالنجاسة في المثال الذي ذكرناه بالنسبة إلى شخص ، وبالطهارة بالنسبة إلى آخر ، بل تقديم أحد الدليلين على الآخر للترجيح أو التخيير يوجب الحكم بمدلوله من الطهارة أو النجاسة للجميع.

وظهر بما ذكرناه - من أنّ التنافي بين الدليلين من حيث المدلول مأخوذ في

التعارض ، وأ نّه لا تنافي بينهما في التزاحم أصلاً - كمال الفرق بينهما ، فلا نحتاج إلى تأسيس أصل يكون مرجعاً عند الشك في التعارض والتزاحم. وكيف يمكن تأسيس الأصل للشك بينهما ، مع عدم الجامع بينهما أصلاً ، بأن يكونا داخلين في جامع فعلم بوجوده وشك في الخصوصية. وكان المحقق النائيني قدس‌سره يقول : إنّ القول بأنّ الأصل التعارض أو التزاحم أشبه شيء بأن يقال : إنّ الأصل في الأشياء الطهارة أو صحة بيع الفضولي (1).

ثمّ إنّ المحقق النائيني (2)قدس‌سره ذكر قسماً آخر من التزاحم وسمّاه التزاحم من غير ناحية القدرة كما في القسم السابق ، ومثّل له بما لو كان المكلف مالكاً لخمس وعشرين من الإبل في ستة أشهر ، ثمّ ملك بعيراً آخر ، فمقتضى أدلة الزكاة هو وجوب خمس شياه عند انقضاء حول الخمس والعشرين ، ووجوب بنت مخاض عند انقضاء حول الست والعشرين ، ولكن قام الدليل على أنّ المال لا يزكى في عام واحد مرتين ، فيقع التزاحم بين الحكمين من جهة هذا الدليل الخارجي ، لا من جهة عدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً ، فلا بدّ من سقوط ستة أشهر ، إمّا من حول الخمس والعشرين ، وإمّا من حول الست والعشرين ، إذ لولا السقوط يلزم تزكية المال في ظرف ستة أشهر مرتين ، وهي الستة الوسطى من ثمانية عشر شهراً ، لكونها منتهىً لنصاب الخمس والعشرين ، ومبدءاً لنصاب الست والعشرين ، فيلزم احتسابها مرتين ووجوب الزكاة فيها مرتين. وهذا هو التزاحم من جهة الدليل الخارجي لا من جهة عدم قدرة المكلف. ولا يكون من باب التعارض ، لعدم التنافي من حيث المدلول بين


1) أجود التقريرات 2 : 32.

2) أجود التقريرات 4 : 278 ، فوائد الاصول 4 : 707.

ما يدل على وجوب خمس شياه في الخمس والعشرين ، وما يدل على وجوب بنت مخاض في الست والعشرين ، هذا محصّل كلامه زيد في علو مقامه.

ولم يتضح لنا وجهٌ لكون هذا المثال من باب التزاحم ، فانّه من قبيل تعارض الدليلين في مسألة الظهر والجمعة بعينه ، إذ لا تنافي بين ما يدل على وجوب الظهر وما يدل على وجوب الجمعة ، لامكان الجمع بينهما ، ولكنّ التنافي بينهما إنّما هو من جهة الدليل الخارجي ، وهو الاجماع والضرورة القاضية بعدم وجوب ست صلوات في يوم واحد كما تقدم. فالصحيح إدخال المثال المذكور في التعارض دون التزاحم ، وانحصار التزاحم بما إذا كان المكلف عاجزاً عن امتثال الحكمين معاً.

ثمّ إنّه ينبغي التعرض لبعض مرجحات باب التزاحم ، فنقول : إنّهم ذكروا لترجيح أحد المتزاحمين على الآخر اموراً :

الأوّل : كون أحدهما مما لا بدل له ، فيرجّح على ما يكون له البدل ، سواء كان البدل طولياً أو عرضياً.

والأوّل كالواجب الموسع ، فاذا وقعت المزاحمة بينه وبين الواجب المضيق ، وجب ترجيح المضيق بلا لحاظ الأهمية بينه وبين الموسع ، بل ولو كان الموسع بمراتب من الأهمية بالنسبة إلى المضيّق ، كالصلاة بالنسبة إلى جواب السلام مثلاً ، فانّه لا شبهة في كونها من أهم الفرائض وعمود الدين كما في الخبر (1)، ومع ذلك يجب تقديم جواب السلام عليها ، لما لها من البدل الطولي باعتبار الزمان.


1) الوسائل 4 : 27 / أبواب أعداد الفرائض ب 6 ح 12.

الثاني : أي ما كان له البدل العرضي ، كالواجب التخييري ، فاذا وقع التزاحم بينه وبين الواجب التعييني ، وجب تقديم التعييني عليه ، والاكتفاء بالبدل العرضي للواجب التخييري ، كما إذا وجب على المكلف إحدى الكفارات الثلاث تخييراً وكان عليه دين ، ووقع التزاحم بين أدائه وبين الاطعام مثلاً ، فيجب تقديم الدين على الاطعام ، لما له من البدل العرضي وهو الصيام.

وهذا الذي ذكروه من تقديم الواجب المضيق على الموسع ، وتقديم الواجب التعييني على التخييري وإن كان مما لا إشكال فيه ، إلاّأنّ إدراج المثالين في التزاحم والحكم بأنّ التقديم المذكور إنّما هو لترجيح أحد المتزاحمين على الآخر ، ليس بصحيح ، لما ذكرناه من أنّ ملاك التزاحم أن لا يكون المكلف متمكناً من امتثال الحكمين معاً ، بحيث يكون امتثال أحدهما متوقفاً على مخالفة الآخر كمسألة إنقاذ الغريقين. والمثالان ليسا كذلك ، بداهة أنّه لا مزاحمة بين الواجب الموسع والواجب المضيق ، لقدرة المكلف على امتثال كليهما ، إذ التكليف في الواجب الموسع متعلق بالطبيعة ملغىً عنها الخصوصيات الفردية ، والمكلف قادر على امتثال التكليف بالطبيعة في ضمن الفرد غير المزاحم للواجب المضيق. نعم ، الفرد الخاص من الطبيعة مزاحم للواجب المضيق ، وليس هو الواجب ، بل الواجب هو الطبيعة ، وهو فرد منه.

وكذا الكلام في الواجب التخييري والتعييني ، فانّه لا مزاحمة بينهما ، لقدرة المكلف على امتثال كليهما ، لأنّ التكليف في الواجب التخييري أيضاً متعلق بالجامع ، وإن كان أمراً انتزاعياً ، كعنوان أحد الأمرين. ولا مزاحمة بين التكليف بالكلي والواجب التعييني ، وإنّما المزاحمة بين فرد خاص منه والواجب التعييني ، وليس هو الواجب إلاّعلى قول سخيف في الواجب التخييري ، وهو أنّ الواجب ما يختاره المكلف ، وقد تبرّأ من هذا القول كل من الأشاعرة والمعتزلة ، ونسبه

إلى الآخر ، فلا مزاحمة بين الواجبين في المثالين. ووجوب التقديم فيهما إنّما هو بحكم العقل ، لكون المكلف قادراً على امتثال التكليفين ، فيجب عليه امتثالهما عقلاً بتقديم المضيق والاتيان بالموسع بعده ، وباتيان الواجب التعييني والعدل غير المزاحم له من أفراد الواجب التخييري. ولا يجوز تقديم الموسع والواجب التخييري ، فانّه يوجب فوات الواجب المضيق والواجب التعييني من قبل نفسه.

المرجح الثاني : كون أحد الواجبين غير مشروط بالقدرة شرعاً ، فيقدّم على واجب مشروط بها شرعاً.

والمراد بالثاني ما يكون ملاكه متوقفاً على القدرة ، ففي صورة العجز ليس له ملاك أصلاً ، بخلاف الأوّل فانّ المراد به ما يكون ملاكه غير متوقف على القدرة ، فهو تام الملاك ولو مع العجز ، وإن كان المكلف معذوراً في فواته عقلاً ، كما إذا دار الأمر بين حفظ النفس المحترمة من الهلاك ، وبين الوضوء فانّ ملاك حفظ النفس ومصلحته غير متوقف على القدرة ، وإن كان العاجز معذوراً عقلاً ، بخلاف الوضوء فانّه مشروط بالقدرة شرعاً بقرينة مقابلة الأمر به للأمر بالتيمم المقيد بفقدان الماء. والمراد به عدم القدرة على الوضوء ، إذ من المعلوم أنّ مجرد وجدان الماء لا يرفع التكليف بالتيمم ، ولو مع عدم القدرة على الاستعمال. وبعد كون التكليف بالتيمم مشروطاً بعدم القدرة على الوضوء يكون التكليف بالوضوء مشروطاً بالقدرة لا محالة ، لأنّ التقسيم قاطع للشركة كما ذكرناه سابقاً ، فيجب تقديم حفظ النفس وينتقل من الوضوء إلى التيمم ، لأ نّه مع تقديمه لا تفوت عن المكلف مصلحة أصلاً ، فان مصلحة حفظ النفس محفوظة بالامتثال ، ومع صرف القدرة فيه ينتفي التكليف بالوضوء بانتفاء

موضوعه وهو القدرة ، فليس له ملاك ليفوت ، بخلاف تقديم الوضوء ، فانّه يوجب تفويت مصلحة حفظ النفس ، لعدم كونها مشروطة بالقدرة على الفرض.

أقول : لو اعتبر في موضوع أحد التكليفين القدرة الشرعية ، بمعنى أن لا يكون المكلف بالفعل مشغول الذمة بواجب آخر لا يجتمع معه في الوجود ، فلا إشكال في تقديم ما هو غير مشروط بها على المشروط ، فانّ المفروض أنّ نفس توجه التكليف بما هو غير مشروط يمنع عن تحقق موضوع المشروط ، ولكن هذا الفرض خارج عن التزاحم ، لما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ الملاك في التزاحم أن يكون امتثال أحد التكليفين موجباً لارتفاع موضوع الآخر ، وليس المقام كذلك فان نفس التكليف بغير المشروط رافع لموضوع المشروط وتعجيز للمكلف عنه ، ولذا ذكرنا في بحث الترتب أنّه لو لم يصرف قدرته في غير المشروط ، لا يصح المشروط ولو على القول بامكان الترتب.

وأمّا لو كانت القدرة المعتبرة في موضوع أحد التكليفين عبارة عن تمكن المكلف من الاتيان بمتعلقه خارجاً ، فلا إشكال حينئذ في فعلية المشروط ووجود المصلحة فيه لتحقق موضوعه ، كما أنّه لا إشكال في فعلية غير المشروط بها ، وبما أنّ المكلف غير متمكن من الجمع بينهما ، فلا محالة يتحقق التزاحم بينهما ، إلاّ أنّه لا دليل حينئذ على تقديم غير المشروط على المشروط ، إذ المفروض تمامية الملاك في الطرفين وعدم تمكن المكلف من استيفائهما معاً ، فلا بدّ من ملاحظة الأهمية في مقام الترجيح.


1) في ص 427 - 428.

ثمّ إنّهم رتّبوا على ما ذكر - من تقديم غير المشروط بالقدرة شرعاً على المشروط بها - أنّه لو كان عند المكلف مقدار من الماء ، ودار الأمر بين صرفه في الوضوء وصرفه في تطهير ثوبه أو بدنه ، تعيّن صرفه في تطهير الثوب ، وينتقل من الوضوء إلى التيمم ، لكونه مشروطاً بالقدرة شرعاً ، بخلاف تطهير الثوب.

ولكنّ الصحيح أنّ الكبرى المذكورة لا تنطبق على المثال المذكور لوجهين :

الوجه الأوّل : أنّ الوضوء ليس متعلقاً للتكليف النفسي وكذا تطهير الثوب كي يتوهم التزاحم بينهما ويقدّم أحدهما على الآخر للمرجّح المذكور ، بل الأمر المتعلق بهما إرشاد إلى شرطية كل منهما للصلاة ، ولذا لا يعاقب المكلف على تركهما ، بل العقاب إنّما هو على ترك الصلاة المقيدة بهما ، فالمأمور به هي الصلاة مع الطهارة المائية مشروطة بالقدرة ، ومع العجز يكون البدل هي الصلاة مع الطهارة الترابية ، فقولنا : التيمم بدل عن الوضوء مسامحة في التعبير. وكذا الأمر بالنسبة إلى التطهير ، فانّ المأمور به هي الصلاة في ثوب طاهر مع القدرة ، وفي صورة العجز يكون البدل هي الصلاة في ثوب نجس - كما هو الصحيح - أو الصلاة عرياناً - كما عليه المشهور - فلا فرق بينهما من هذه الجهة ، لاشتراط كل منهما بالقدرة ، وثبوت البدل لكل منهما مع العجز.

الوجه الثاني : أنّ المثال المذكور خارج عن باب التزاحم رأساً ، فانّ التزاحم إنّما هو فيما إذا كان هناك واجبان لا يتمكن المكلف من امتثالهما معاً ، وليس المقام كذلك ، فانّ الواجب في المقام واحد ، وهو الصلاة المقيدة بقيود : منها الطهارة من الحدث والخبث ، ومع العجز عن الاتيان بها جامعة للشرائط كما في المثال يسقط الأمر رأساً ، فانّ الأمر بالمجموع تكليف بما لا يطاق ، ووجوب الباقي يحتاج إلى دليل ، خرجنا عن ذلك في باب الصلاة بما دل على عدم سقوط

الأمر بها بحال ، وعليه فيقع التعارض بين إطلاق دليل شرطية الوضوء وإطلاق دليل شرطية طهارة الثوب ، إذ لنا علم إجمالاً بوجوب الصلاة في هذا الحال ، إمّا مع الطهارة المائية في ثوب نجس ، وإمّا مع الطهارة الترابية في ثوب طاهر ، ولا ندري أنّ المجعول في الشريعة أيّهما ، وحيث إنّ مقتضى إطلاق دليل الوضوء هو الأوّل ، ومقتضى إطلاق دليل طهارة الثوب هو الثاني ، يقع التكاذب بينهما لا محالة ، فلا بدّ من الرجوع إلى مرجحات باب التعارض ، ومع فقدها يرجع إلى الأصل العملي ، وحيث إنّا نعلم بتقييد الصلاة بأحد الأمرين ، واعتبار خصوصية كل منهما مجهول يرفع بأصالة البراءة ، فالمكلف مخيّر بين صرف الماء في التطهير من الخبث ، والاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية ، وصرفه في الوضوء والاتيان بالصلاة في الثوب النجس أو عرياناً ، وإن كان الأوّل أحوط ، لوجود القول بالتعيين.

المرجح الثالث : كون أحد المتزاحمين أهم من الآخر ، فيجب تقديم الأهم على المهم بحكم العقل. وهذا المرجح من القضايا التي قياساتها معها ، فانّ تقديم المهم يوجب تفويت المقدار الزائد من المصلحة ، بخلاف تقديم الأهم. ومن الأمثلة الواضحة دوران الأمر بين إنقاذ ابن المولى وماله ، فانّ العقل مستقل بتقديم الأوّل. وأوضح منه دوران الأمر بين إنقاذ نفس المولى وماله. وبالجملة : لا يحتاج الترجيح بهذا المرجح إلى مؤونة الاستدلال والبيان.

المرجح الرابع : كون أحد الواجبين سابقاً على الآخر من حيث الزمان ، بأن يكون ظرف امتثال أحدهما مقدّماً على الآخر زماناً ، مع كون الوجوب فعلياً في كل منهما بنحو التعليق ، كما إذا نذر أحد صوم يوم الخميس ويوم الجمعة ، ثمّ علم بعدم قدرته على الصوم فيهما ، فيختار صوم يوم الخميس ، لكونه مقدّماً زماناً على صوم يوم الجمعة. وكذا إذا دار الأمر بين ترك القيام في صلاة الظهر

وتركه في صلاة العصر لعجزه عن القيام فيهما ، فيقدّم ما هو المقدّم زماناً - وهو صلاة الظهر - ويأتي بصلاة العصر جالساً.

والوجه في هذا الترجيح ظاهر أيضاً ، فانّ الاتيان بالمقدّم زماناً يوجب عجزه عن المتأخر ، فيكون التكليف به منتفياً بانتفاء موضوعه وهو القدرة ، إذ المعتبر من القدرة في صحة التكليف عقلاً هي القدرة في ظرف الواجب ، وهي مفقودة بالنسبة إلى المتأخر بعد الاتيان بالمتقدم ، بخلاف الاتيان بالمتأخر زماناً ، فانّه لا يوجب عجزه عن المتقدم في ظرفه ، فليس معذوراً في تركه. فمن صام يوم الخميس - في مفروض المثال - يكون معذوراً في ترك الصيام يوم الجمعة لعجزه عنه فيه ، وأمّا من صام يوم الجمعة لا يكون معذوراً في تركه يوم الخميس ، لعدم عجزه عنه فيه ، كما هو واضح. ومن هنا لم يلتزم أحد بجواز ترك الصوم في أوّل شهر رمضان والاتيان به في آخره لمن لا يقدر على الصيام إلاّ في بعض أيامه.

نعم ، إذا كان الواجب المتأخر زماناً أهم من الواجب المتقدم ، يجب عليه التحفظ بقدرته على الأهم ، فلا يجوز له الاتيان بالمهم ، لأنّه يوجب عجزه عن الاتيان بالأهم في ظرفه ، كما إذا دار الأمر بين حفظ مال المولى الآن ، وحفظ نفسه غداً ، فانّ العقل في مثله مستقل بوجوب احتفاظ القدرة على حفظ نفس المولى بترك حفظ المال.

فرع

ذكر السيد قدس‌سره في العروة في مبحث مكان المصلي (1)أنّه إذا دار


1) العروة الوثقى 1 : 423 السادس من شروط مكان المصلي.

الأمر بين الاتيان بالصلاة في مكان يتمكّن فيه من القيام دون الركوع والسجود لضيقه ، والاتيان بها في مكان يتمكن فيه منهما دون القيام لكون سقفه نازلاً ، فالمكلف مخير بين المكانين إذالم يتمكن من الاحتياط باتيان الصلاة فيهما. وكرّر هذا الفرع في مبحث القيام (1). واختار فيه أيضاً ما ذكره في مبحث مكان المصلي من التخيير.

وذكر المحقق النائيني قدس‌سره في حاشيته (2)، على أحد الموضعين : أنّه يجب تقديم القيام ، وعلى الموضع الآخر أنّه يجب تقديم الركوع والسجود. ونظره في الأوّل إلى كون القيام مقدّماً زماناً على الركوع والسجود ، وفي الثاني إلى كون الركوع والسجود أهم من القيام ، وعلى كل حال بين كلاميه تدافع ظاهر.

والتحقيق أنّ أمثال هذه المقامات - مما يكون الواجب فيها من الواجبات الضمنية ، لكونه جزءاً من مركب أو شرطاً - خارجة عن التزاحم موضوعاً ، فلو دار الأمر بين جزأين من واجب واحد ، أو بين شرطيه ، أو بين جزء وشرط منه ، لا يصح الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم ، والوجه في ذلك : أنّ الواجب هو المركب من جميع الأجزاء والشرائط ، وبعد تعذر جزء أو شرط يسقط الوجوب رأساً ، ولا تصل النوبة إلى التزاحم ، إذ الوجوب الأوّل كان متعلقاً بالمجموع وقد سقط بالتعذر ، ووجوب الباقي يحتاج إلى دليل ، ولذالو اضطر الصائم إلى الافطار في بعض آنات اليوم ، لم يلتزم أحد من الفقهاء


1) العروة الوثقى 1 : 466 المسألة 17 [1477]

2) العروة الوثقى (المحشّاة) 2 : 485 ، 384

بوجوب الامساك في الباقي من آنات هذا اليوم.

نعم ، في خصوص باب الصلاة يجب الاتيان بالباقي لما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، بل الضرورة قاضية بعدم جواز ترك الصلاة في حالٍ إلاّلفاقد الطهورين ، فانّه محل الخلاف بينهم.

فاذا تعذر بعض أجزاء الصلاة أو بعض شروطها وكان المتعذر متعيناً ، كما إذالم يتمكن المصلي من القيام مثلاً يجب عليه الاتيان بالباقي بلا إشكال. وأمّا إذا كان المتعذر مردداً بين جزأين ، كما في الفرع الذي نقلناه من العروة ، أو بين شرطين أو بين جزء وشرط منها ، فيكون داخلاً في باب التعارض ، إذ وجوب كلا الجزأين معلوم الانتفاء ، لعدم القدرة إلاّعلى أحدهما ، ولا ندري أنّ الواجب المجعول في هذا الحال أيّهما ، فاذن لا بدّ من الرجوع إلى الأدلة الدالة على الأجزاء والشرائط.

فإن كان دليل أحد طرفي الترديد لفظياً ودليل الطرف الآخر لبياً ، يجب الأخذ بالدليل اللفظي ، إذ الدليل اللبي يقتصر فيه بالقدر المتيقن ، وهو غير مورد المعارضة مع الدليل اللفظي ، كما إذا دار الأمر بين الاتيان بالصلاة قائماً بدون الاستقرار ، والاتيان بها جالساً معه ، فانّ الدليل على وجوب القيام لفظي ، كقوله عليه‌السلام : «من لم يقم صلبه فلا صلاة له» (1)وعلى وجوب الاستقرار لبي وهو الاجماع ، فيؤخذ بالدليل اللفظي ، ويحكم بوجوب الاتيان بالصلاة قائماً ولو بدون الاستقرار. وكذا الكلام فيما إذا كان كلا الدليلين لفظياً ، ولكن كان أحدهما عاماً والآخر مطلقاً ، فيجب الأخذ بالعام ، لكونه صالحاً لأن يكون بياناً للمطلق ، فلا تجري مقدمات الحكمة ليؤخذ بالمطلق.

وأمّا إذا كان الدليل في كليهما لبياً أو في كليهما لفظياً وكان كلاهما مطلقاً ،


1) الوسائل 5 : 488 / أبواب القيام ب 2 ح 1

فيتساقطان ولا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي ، وحيث إنّا نعلم بوجوب أحدهما في الجملة من الخارج ، فيكون المرجع أصالة عدم اعتبار خصوصية هذا وذاك ، فتكون النتيجة التخيير كما في العروة.

وأمّا إن كان الدليل في كليهما لفظياً وكان كلاهما عاماً ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات السندية ، كما يأتي (1)إن شاء اللّه تعالى. هذا كله فيما إذا دار الأمر بين المختلفين في النوع كالقيام والركوع.

وأمّا إذا كان الأمر دائراً بين فردين من نوع واحد ، كما إذا دار الأمر بين القيام في الركعة الاولى والركعة الثانية ، أو دار الأمر بين الركوع في الركعة الاولى والركعة الثانية ، فلا يتصور فيه تعدد الدليل لتجري أحكام التعارض ، إذ الدليل على وجوب القيام في كل ركعة واحد ، وكذا الدليل على وجوب الركوع في كل ركعة واحد.

أمّا القيام ، فالذي يظهر من دليله اختياره في الركعة الاولى ، فانّ الظاهر من قوله عليه‌السلام : «المريض يصلي قائماً فإن لم يقدر على ذلك صلى جالساً ... إلخ» (2)وجوب القيام مع القدرة الفعلية عليه ، وأنّ المسقط له ليس إلاّالعجز الفعلي ، فيجب عليه القيام في الركعة الاولى لقدرته عليه بالفعل ، وبعد تحقق القيام في الركعة الاولى يصير عاجزاً عنه في الركعة الثانية ، فيكون معذوراً لعجزه عنه فعلاً.

وأمّا غير القيام من الركوع والسجود وغيرهما ، فحيث إنّ الدليل لا يشمل كليهما لعدم القدرة عليهما على الفرض ، ووجوب أحدهما في الجملة معلوم من


1) في ص 514 وما بعدها.

2) الوسائل 5 : 484 و 485 / أبواب القيام ب 1 ح 13 و 15.

الخارج ، فالمرجع أصالة عدم اعتبار الخصوصية ، وتكون النتيجة التخيير.

وبما ذكرناه في المقام من الضابطة يعرف حكم كثير من الفروع المذكورة في العروة. هذا تمام الكلام في بيان موضوع التعارض وامتيازه عن التزاحم.

فلا بدّ من التكلم في حكمه ، ويقع الكلام أوّلاً في تأسيس الأصل مع قطع النظر عن الأخبار العلاجية. ولا يخفى أنّه لا ثمرة لتأسيس الأصل بالنسبة إلى الأخبار ، إذ الأخبار العلاجية متكفلة لبيان حكم تعارض الأخبار ، ولا ثمرة للأصل مع وجود الدليل. نعم ، الأصل يثمر في تعارض غير الأخبار ، كما إذا وقع التعارض بين آيتين من حيث الدلالة ، أو بين الخبرين المتواترين كذلك ، بل يثمر في تعارض الأمارات في الشبهات الموضوعية ، كما إذا وقع التعارض بين بينتين أو بين فردين من قاعدة اليد ، كما في مالٍ كان تحت استيلاء كلا المدعيين.

إذا عرفت ذلك فنقول : الأصل في المتعارضين التساقط وعدم الحجية. أمّا إذا كان التعارض بين دليلين ثبتت حجيتهما ببناء العقلاء ، كما في تعارض ظاهر الآيتين أو ظاهر الخبرين المتواترين فواضح ، إذ لم يتحقق بناء من العقلاء على العمل بظاهر كلام يعارضه ظاهر كلام آخر ، فتكون الآية التي يعارض ظاهرها بظاهر آية اخرى من المجمل بالعرض ، وإن كان مبيّناً بالذات. وكذا الخبران المتواتران.

وأمّا إن كان دليل حجية المتعارضين دليلاً لفظياً كما في البينة ، فالوجه في التساقط هو ما ذكرناه في بحث العلم الاجمالي (1): من أنّ الاحتمالات المتصورة بالتصور الأوّلي ثلاثة : فامّا أن يشمل دليل الحجية لكلا المتعارضين ، أو


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 405 - 406.

لا يشمل شيئاً منهما ، أو يشمل أحدهما بعينه دون الآخر. لا يمكن المصير إلى الاحتمال الأوّل ، لعدم إمكان التعبد بالمتعارضين ، فانّ التعبد بهما يرجع إلى التعبد بالمتناقضين ، وهو غير معقول. وكذا الاحتمال الأخير ، لبطلان الترجيح بلا مرجّح ، فالمتعيّن هو الاحتمال الثاني. ونظير ذلك ما ذكرناه في بحث العلم الاجمالي (1)من عدم جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالي ، فانّ شمول الدليل للطرفين موجب للمخالفة القطعية والترخيص في المعصية ، وشموله لأحدهما ترجيح بلا مرجّح ، فلم يبق إلاّعدم الشمول لكليهما.

وتوهم أنّ مقتضى الأصل عند التعارض هو التخيير ، لأن كلاً من المتعارضين محتمل الاصابة للواقع ، وليس المانع من شمول دليل الاعتبار لكل منهما إلاّلزوم التعبد بالمتناقضين ، وهذا المحذور يندفع برفع اليد عن إطلاق دليل الاعتبار بالنسبة إلى كلٍ منهما بتقييده بترك الأخذ بالآخر.

مدفوع بأنّ لازمه اتصاف كل منهما بصفة الحجية عند ترك الأخذ بهما ، فيعود محذور التعبد بالمتناقضين. مضافاً إلى أنّه على تقدير تماميته يختص بما إذا كان دليل الاعتبار لفظياً ليمكن التمسك باطلاقه ، بخلاف ما إذا كان لبياً كالاجماع ، إذ المتيقن منه غير صورة التعارض.

لا يقال : يمكن تقييد الحجية في كل منهما بالأخذ به ، ونتيجة ذلك هو التخيير وجواز الأخذ بأيّ منهما شاء المكلف.

فانّه يقال : كلا ، فانّ لازمه أن لا يكون شيء من المتعارضين حجة في فرض عدم الأخذ بهما أصلاً ، فيكون المكلف مطلق العنان بالنسبة إلى الواقع ، فيتمسك بالبراءة لو لم يكن في البين دليل آخر من عموم أو إطلاق أو أصل


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 411.

مثبت للتكليف ، ولا يلتزم القائل بالتخيير بذلك.

ولا يقاس المقام على التخيير الثابت بالدليل ، فانّه لو تمت الأخبار الدالة على التخيير في تعارض الخبرين ، فهي بنفسها تدل على لزوم الأخذ بأحدهما ، وعند تركه يؤاخذ بمخالفة الواقع ، نظير الشبهات قبل الفحص التي لا تجري البراءة فيها. وهذا بخلاف ما إذا استفيد التخيير من تقييد دليل الاعتبار ، فان مفاده بناءً على التقييد ليس إلاّحجية كل من المتعارضين في صورة الأخذ بواحد منهما ، ولا تعرض له لوجوب الأخذ وعدمه.

بقي الكلام في نفي الثالث بالمتعارضين بعد سقوطهما عن الحجية بالنسبة إلى المؤدى المطابقي للمعارضة ، فاذا دل دليل على وجوب شيء والآخر على حرمته ، فهل يصح الالتزام بحكم ثالث بعد تساقط الدليلين ولو للأصل ، فيحكم بالاباحة لأصالة عدم الوجوب والحرمة أو لا ، وليعلم أنّ محل الكلام إنّما هو فيما إذالم يعلم بكون أحد المتعارضين مطابقاً للواقع ، وإلاّ فنفس هذا العلم كافٍ في نفي الثالث ، ففي فرض احتمال مخالفة كليهما للواقع ذهب صاحب الكفاية والمحقق النائيني قدس‌سرهما إلى عدم إمكان الالتزام بالثالث لوجهين :

الوجه الأوّل : ما ذكره صاحب الكفاية (1)قدس‌سره وهو أنّ التعارض موجب للعلم بكذب أحدهما لا بعينه ، فيكون أحدهما لا بعينه معلوم الكذب ، والآخر كذلك محتمل الصدق والكذب ، فيكون حجة ، إذ موضوع الحجية الخبر المحتمل للصدق والكذب ، والعلم بكذب أحدهما لايكون مانعاً عن حجية الآخر ، فأحدهما لا بعينه حجة ، وهو كافٍ في نفي الثالث ، غاية الأمر أنّه لا يمكن الأخذ بمدلوله المطابقي لعدم تعيينه.


1) كفاية الاصول : 439.

وفيه : ما ذكرناه في بحث العلم الاجمالي (1)من أنّ أحدهما لا بعينه عنوان انتزاعي ليس له مصداق في الخارج ، فلا معنى لكونه حجة ، فانّه بعد عدم حجية خصوص الخبر الدال على الوجوب وعدم حجية خصوص الخبر الدال على الحرمة ، لم يبق شيء يكون موضوعاً لدليل الحجية ونافياً للثالث ، وقد مر تفصيل ذلك في بحث العلم الاجمالي.

الوجه الثاني : ما ذكره المحقق النائيني (2)قدس‌سره ومحصّله : أنّ اللازم وإن كان تابعاً للملزوم بحسب مقام الثبوت والاثبات ، فانّ وجود الملزوم يستتبع وجود اللازم ، وكل دليل يدل على ثبوت الملزوم يدل على ثبوت اللازم أيضاً ، إلاّأ نّه ليس تابعاً للملزوم في الحجية ، بحيث يكون سقوط شيء عن الحجية في الملزوم موجباً لسقوطه عن الحجية في اللازم أيضاً.

والوجه في ذلك : أنّ الإخبار عن الملزوم بحسب التحليل إخباران : أحدهما إخبار عن الملزوم. وثانيهما إخبار عن اللازم ، ودليل الحجية شامل لكليهما ، وبعد سقوط الإخبار عن الملزوم عن الحجية للمعارضة ، لا وجه لرفع اليد عن الاخبار عن اللازم ، لعدم المعارض له ، لموافقة المتعارضين بالنسبة إلى اللازم ، فنفي الثالث مستند إلى الخبرين.

وهذا هو الفارق بين هذا الوجه والوجه الأوّل الذي ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره فانّ نفي الثالث على مسلكه مستند إلى أحدهما لا بعينه ، هذا ملخص كلامه قدس‌سره.

وفيه : ما ذكرناه غير مرة من أنّ اللازم تابع للملزوم في الحجية أيضاً ، كما


1) [لم نجده في مظانه].

2) فوائد الاصول 4 : 755 - 757.

أنّه تابع له بحسب مقام الثبوت والاثبات.

وأمّا ما ذكره من الوجه لعدم سقوط حجية اللازم فنجيب عنه أوّلاً بالنقض. وثانياً بالحل.

أمّا النقض فبموارد :

منها : ما لو قامت بينة على وقوع قطرة من البول على ثوب مثلاً ، وعلمنا بكذب البينة وعدم وقوع البول على الثوب ، ولكن احتملنا نجاسة الثوب بشيء آخر ، كوقوع الدم عليه مثلاً ، فهل يمكن الحكم بنجاسة الثوب لأجل البينة المذكورة باعتبار أنّ الإخبار عن وقوع البول على الثوب إخبار عن نجاسته ، لكونها لازمةً لوقوع البول عليه ، وبعد سقوط البينة عن الحجية في الملزوم للعلم بالخلاف ، لا مانع من الرجوع إليها بالنسبة إلى اللازم ، ولا نظن أن يلتزم به فقيه.

ومنها : ما لو كانت دار تحت يد زيد وادعاها عمرو وبكر ، فقامت بينة على كونها لعمرو ، وبينة اخرى على كونها لبكر ، فبعد تساقطهما في مدلولهما المطابقي للمعارضة ، هل يمكن الأخذ بهما في مدلولهما الالتزامي ، والحكم بعدم كون الدار لزيد ، وأ نّها مجهول المالك؟

ومنها : ما لو أخبر شاهد واحد بكون الدار في المثال المذكور لعمرو ، وأخبر شاهد آخر بكونها لبكر ، فلا حجية لأحد منهما في مدلوله المطابقي مع قطع النظر عن المعارضة ، لتوقف حجية الشاهد الواحد على انضمام اليمين ، فهل يمكن الأخذ بمدلولهما الالتزامي ، والحكم بعدم كون الدار لزيد ، لكونهما موافقين فيه ، فلا حاجة إلى انضمام اليمين؟

ومنها : ما لو أخبرت بيّنة على كون الدار لعمرو ، واعترف عمرو بعدم

كونها له ، فتسقط البينة عن الحجية ، لكون الاقرار مقدّماً عليها ، كما أنّها مقدّمة على اليد ، فبعد سقوط البينة عن الحجية في المدلول المطابقي للاعتراف ، هل يمكن الأخذ بمدلولها الالتزامي ، وهو عدم كون الدار لزيد مع كونها تحت يده؟ إلى غير ذلك من الموارد التي لا يلتزم بأخذ اللازم فيها فقيه أو متفقه.

وأمّا الحل : فهو أنّ الإخبار عن الملزوم وإن كان إخباراً عن اللازم ، إلاّأ نّه ليس إخباراً عن اللازم بوجوده السعي ، بل إخبار عن حصة خاصة هي لازم له ، فانّ الاخبار عن وقوع البول على الثوب ليس إخباراً عن نجاسة الثوب بأيّ سبب كان ، بل إخبار عن نجاسته المسببة عن وقوع البول عليه ، فبعد العلم بكذب البينة في إخبارها عن وقوع البول على الثوب ، يعلم كذبها في الاخبار عن نجاسة الثوب لا محالة. وأمّا النجاسة بسبب آخر ، فهي وإن كانت محتملة ، إلاّأ نّها خارجة عن مفاد البينة رأساً. وكذا في المقام الخبر الدال على الوجوب يدل على حصة من عدم الاباحة التي هي لازمة للوجوب لا على عدم الاباحة بقول مطلق ، والخبر الدال على الحرمة يدل على عدم الاباحة اللازم للحرمة لا مطلق عدم الاباحة ، فمع سقوطهما عن الحجية في مدلولهما المطابقي للمعارضة ، يسقطان عن الحجية في المدلول الالتزامي أيضاً ، وكذا الحال في سائر الأمثلة التي ذكرناها ، فانّ إخبار البينة عن كون الدار لعمرو إخبار عن حصة من عدم كونها لزيد اللازمة لكونها لعمرو. وكذا الاخبار بكونها لبكر ، فبعد تساقطهما في المدلول المطابقي تسقطان في المدلول الالتزامي أيضاً.

فتحصّل مما حققناه في المقام : أنّه بعد تساقط المتعارضين لا مانع من الالتزام بحكم ثالث ، سواء كان مدركه الأصل أو عموم الدليل. هذا كله على القول بالطريقية في حجية الأمارات كما هو الصحيح والمشهور.

وأمّا على القول بالسببية والموضوعية فذكر شيخنا الأنصاري (1)قدس‌سره وتبعه بعض المتأخرين أنّه عليه يدخل التعارض في باب التزاحم ، فلا بدّ من الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً.

أقول : قد يقال بحجية الأمارات من باب السببية بمعنى المصلحة السلوكية على ما التزم به بعض الإمامية في مقام العجز عن جواب استدلال ابن قبة لحرمة العمل بالظن بلزوم تحليل الحرام وتحريم الحلال ، وملخّصه على ما ذكره الشيخ قدس‌سره في بحث حجية الظن (2): أنّ تطبيق العمل على الأمارة ذو مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير مخالفتها للواقع ، وحيث إنّ المصلحة السلوكية تابعة للسلوك على طبق الأمارة ، فهي تتفاوت بتفاوت مقدار السلوك قلةً وكثرة ، فاذا فرض قيامها على وجوب صلاة الجمعة وعمل بها المكلف ، فانكشف خلافها قبل خروج الوقت ، وأنّ الواجب في يوم الجمعة هي صلاة الظهر ، فلا بدّ حينئذ من إتيان صلاة الظهر ، ولا يتدارك بالأمارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة إلاّالمصلحة الفائتة بالعمل بها ، وهي مصلحة الصلاة في أوّل وقتها. وأمّا مصلحة أصل صلاة الظهر أو مصلحة إتيانها في الوقت ، فلا يتدارك بها ، لعدم فوتهما بسبب السلوك على طبق الأمارة ، لتمكن المكلف من إتيانها في وقتها بعد انكشاف خلاف الأمارة. ولو فرض انكشاف الخلاف بعد خروج الوقت ، فيتدارك بها مصلحة الصلاة في الوقت دون مصلحة أصل الصلاة ، لتمكن المكلف من تداركها بعد خروج الوقت بقضائها. نعم ، لو لم ينكشف الخلاف أصلاً لا في الوقت ولا في خارجه ، يتدارك بها مصلحة أصل


1) فرائد الاصول 2 : 761 - 762.

2) فرائد الاصول 1 : 91.

الصلاة أيضاً الفائتة بسبب العمل بالأمارة ، وهكذا.

والقول بالسببية بهذا المعنى لا يوجب دخول التعارض في التزاحم ، بل لا فرق بينه وبين القول بالطريقية من هذه الجهة ، لأنّ المصلحة السلوكية تابعة لتطبيق العمل بمقتضى الحجة ، فلا بدّ من إثبات الحجية أوّلاً ، ليكون السلوك بطبقها ذا مصلحة ، وقد ذكرنا أنّ دليل الحجية لا يشمل المتعارضين على ما تقدّم (1).

وقد يقال بالسببية بمعنى التصويب المنسوب إلى الأشاعرة تارةً وإلى المعتزلة اخرى على اختلافٍ بينهم في المعنى ، فانّ المنسوب إلى الأشاعرة إنكار الحكم الواقعي رأساً ، وأنّ ما تؤدي إليه الأمارة هو الواقع ، وهو الذي اعترض عليه العلامة قدس‌سره (2)بأ نّه مستلزم للدور ، إذ الواقع متوقف على قيام الأمارة على الفرض ، وهو متوقف على الواقع بالضرورة ، فانّه لو لم يكن في الواقع شيء فعمّا تكشف الأمارة وتحكي. وأمّا القول المنسوب إلى المعتزلة فهو أنّ الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل وإن كان موجوداً ، إلاّأ نّه يتبدل بقيام الأمارة على الخلاف ، فرب واجب يتبدل إلى الحرمة ، لقيام الأمارة على حرمته ، ورب حرام يتبدل إلى الوجوب ، لقيام الأمارة على وجوبه ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأحكام.

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ القائل بالسببية بمعنى التصويب - بمعنى كون الحكم تابعاً لقيام الأمارة حدوثاً على ما يقوله الأشاعرة ، أو بقاءً على ما يقوله


1) في ص 440 - 441.

2) نهاية الوصول : 622 مبحث الاجتهاد.

المعتزلة - إمّا أن يقول بأن قيام الأمارة على شيء يوجب حدوث المصلحة في متعلق التكليف وهو عمل المكلف ، وإمّا أن يقول بحدوث المصلحة في الالتزام بمؤدى الأمارة وهو عمل القلب ، وإمّا أن يقول بحدوثه في فعل المولى ، أي قيام الأمارة على وجوب شيء مثلاً يوجب حدوث المصلحة في إيجاب المولى ذلك الشيء.

وعلى الأوّل إمّا أن يكون التعارض بين الدليلين بالتناقض ، كما إذا دل أحدهما على وجوب شيء والآخر على عدم وجوبه أو بالتضاد. والتعارض بالتضاد إمّا أن يكون بدلالة أحدهما على وجوب شيء والآخر على حرمته أو يكون بدلالة أحدهما على وجوب شيء ، والآخر على وجوب شيء آخر ، ولا يكون لهما ثالث ، كما إذا دل أحدهما على وجوب الحركة ، والآخر على وجوب السكون ، أو يكون بدلالة أحدهما على وجوب شيء ، والآخر على وجوب شيء آخر ويكون لهما ثالث ، كما إذا دل أحدهما على وجوب القيام والآخر على وجوب الجلوس ، فانّ لهما ثالثاً كالاضطجاع مثلاً.

أمّا إن كان التعارض بالتناقض ، فدخوله في التزاحم مستحيل ، إذ التزاحم عبارة عن كون المكلف عاجزاً في مقام الامتثال مع صحة كل واحد من التكليفين في مقام الجعل ، واجتماع التكليفين في المقام محال في نفسه مع قطع النظر عن عجز المكلف ، وذلك لأنّ المفروض كون قيام الأمارة على الوجوب موجباً لحدوث المصلحة الملزمة في الفعل ، وقيام الأمارة على عدم الوجوب موجباً لعدم المصلحة الملزمة في الفعل ، أو موجباً لزوال المصلحة الملزمة عن فعل المكلف ، واجتماع المصلحة وعدمها في شيء واحد اجتماع نقيضين ومحال في نفسه ، مع قطع النظر عن عجز المكلف عن الامتثال.

وظهر بما ذكرناه عدم صحة ما في الكفاية (1)من أنّ الدليل الدال على عدم الوجوب لايزاحم الدليل الدال على الوجوب ، لأن اللا اقتضاء لايزاحم الاقتضاء ، وذلك لأن اجتماع الاقتضاء واللا اقتضاء في نفسه محال ، فلا تصل النوبة إلى المزاحمة ليقال : إنّ اللا إقتضاء لايزاحم الاقتضاء ، فما ذكره من أنّه لو وقع التزاحم بين الاقتضاء واللا إقتضاء يقدّم الاقتضاء ، لعدم صلاحية اللا إقتضاء لمزاحمة الاقتضاء وإن كان صحيحاً بحسب الكبرى ، إلاّأنّ الصغرى غير محققة ، لعدم إمكان اجتماع الاقتضاء واللا إقتضاء ليقدّم أحدهما على الآخر.

وأمّا إن كان التعارض بدلالة أحد الدليلين على وجوب شيء ، والآخر على حرمته ، فان قلنا بأنّ النهي عبارة عن الزجر عن الشيء المعبّر عنه في اللغة الفارسية ب (جلوگيري كردن) كما هو الصحيح على ما حققناه في محله (2)من أنّ النهي عن الشيء هو الزجر عنه ، كما أنّ الأمر بالشيء هو البعث والتحريك نحوه ، فلا يمكن دخوله في التزاحم كالصورة السابقة ، لأن قيام الأمارة على وجوب شيء يوجب حدوث المصلحة الملزمة فيه ، وقيام الأمارة على حرمته يوجب حدوث المفسدة الملزمة فيه ، ولا يمكن اجتماع المصلحة والمفسدة في شيء واحد بلا كسر وانكسار ، فانّه من اجتماع الضدّين ، ولا شبهة في استحالته ، فلا يكون التعارض المذكور من باب التزاحم ، لعدم صحة اجتماع التكليفين في نفسه قبل أن تصل النوبة إلى عجز المكلف عن الامتثال.

وإن قلنا بأنّ النهي عبارة عن طلب الترك - على ما هو المعروف بينهم - فيكون قيام الأمارة على وجوبه موجباً لحدوث المصلحة في فعله ، وقيام


1) كفاية الاصول : 440.

2) لاحظ محاضرات في اصول الفقه 3 : 272 وما بعدها.

الأمارة على حرمته موجباً لحدوث المصلحة في تركه ، واجتماع المصلحة في الفعل مع المصلحة في الترك وإن كان ممكناً ، إلاّأنّ التكليف بالفعل والترك معاً مما لا يجتمعان ، إذ التكليف بهما تعييناً تكليف بغير مقدور ، وتخييراً طلب للحاصل ، لعدم خلوّ المكلف عنهما ، فتكليفه بأحدهما تخييراً لغو ، فلا يكون من التزاحم في شيء.

وكذا الحال إن كان التعارض بدلالة أحدهما على وجوب شيء والآخر على وجوب شيء آخر ، مع عدم ثالث لهما ، كما إذا دل أحدهما على وجوب الحركة ، والآخر على وجوب السكون ، فانّ التكليف بكل واحد من الحركة والسكون تعييناً تكليف بغير مقدور ، وتخييراً طلب للحاصل ، فلا يصح اجتماعهما في مقام الجعل ، فلا يكون من باب التزاحم.

وأمّا إن كان التعارض بدلالة أحدهما على وجوب شيء والآخر على وجوب شيء آخر وكان لهما ثالث ، كما إذا دل أحدهما على وجوب القيام والآخر على وجوب الجلوس ، فقد يتوهم كونه من التزاحم ، بدعوى أنّ قيام الأمارة على وجوب القيام موجب لحدوث المصلحة في القيام ، وقيام الأمارة على وجوب الجلوس موجب لحدوث المصلحة في الجلوس ، والمكلف عاجز عن امتثال كليهما ، وحيث إنّه قادر على ترك كليهما ، فلا محذور في أن يكلفه الشارع بهما تخييراً حذراً من فوت كلتا المصلحتين.

ولكنّ التحقيق أنّه لا يمكن الالتزام بالتزاحم في هذه الصورة أيضاً ، لأنّ الأمارة الدالة على وجوب القيام تدل على عدم وجوب الجلوس بالالتزام ، وكذا الأمارة الدالة على وجوب الجلوس تدل على عدم وجوب القيام بالالتزام ، لعدم صحة التكليف بالمتضادين في آن واحد ، فثبوت أحدهما ينفي الآخر بالالتزام ، لما بينهما من المضادة ، فيكون المقام بعينه من قبيل تعارض دليلين

يدل أحدهما على وجوب صلاة الظهر ، والآخر على وجوب صلاة الجمعة ، مع العلم الاجمالي بعدم أحد التكليفين ، فيرجع إلى التعارض بالتناقض ، وقد تقدم استحالة دخول التعارض بالتناقض في التزاحم ، فانّه بعد دلالة أحد الدليلين على وجوب القيام بالمطابقة ودلالة الآخر على عدم وجوبه بالالتزام ، يلزم من قيام الأمارة الاولى حدوث المصلحة الملزمة في القيام ، ومن قيام الأمارة الثانية زوالها عنه ، فيلزم اجتماع وجود المصلحة وعدمها في القيام ، وهو اجتماع نقيضين ، وهو محال في نفسه مع قطع النظر عن عجز المكلف عن الامتثال. وكذا الحال في طرف الجلوس ، ولا حاجة إلى التكرار. هذا كله على القول بأن قيام الأمارة يوجب حدوث المصلحة في فعل المكلف.

وأمّا على القول بأن قيامها يوجب حدوث المصلحة في الالتزام بمؤدى الأمارة وهو عمل القلب ، فيمكن أن يتوهم دخول التعارض في التزاحم في جميع الصور المتقدمة ، بدعوى أنّ قيام الأمارة على وجوب القيام مثلاً يوجب حدوث المصلحة في نفس الالتزام بوجوب القيام ، وكذا قيام الأمارة على وجوب الجلوس يوجب حدوث المصلحة في الالتزام بوجوبه ، وبعد الالتزام بوجوب القيام وبوجوب الجلوس بمقتضى الأمارتين ، يقع التزاحم في مقام الامتثال ، لعدم قدرة المكلف عليهما في آن واحد.

وحيث إنّ هذا التوهم مبني على وجوب الموافقة الالتزامية ، فهو التزام بباطل في باطل ، فانّ القول بالسببية باطل في نفسه ، ومع الالتزام به لم يدل دليل على وجوب الالتزام لتكون له مصلحة. مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً من التكاذب بين الدليلين بحسب الدلالة الالتزامية ، وأنّ الأمارة الدالة على وجوب القيام تدل على عدم وجوب الجلوس بالالتزام ، والأمارة الدالة على وجوب الجلوس تدل على عدم وجوب القيام ، وكيف يمكن الالتزام بوجوب القيام

وعدم وجوبه ، وكذا في طرف الجلوس.

وأمّا على القول بأن قيام الأمارة يوجب حدوث المصلحة في فعل المولى من الايجاب والتحريم ، فيمكن تصوير التزاحم ، فانّه إذا قامت أمارة على وجوب شيء وأمارة اخرى على حرمته ، فالأمارة الاولى توجب حدوث المصلحة في الايجاب ، والأمارة الثانية توجب حدوث المصلحة في التحريم ، فتقع المزاحمة بين المصلحة في جعل الوجوب والمصلحة في جعل الحرمة ، إلاّأنّ هذا التزاحم من التزاحم في الملاك الذي ذكرنا (1)أنّه خارج عن محل الكلام ، وليس للمكلف دخل فيه بل أمره بيد المولى. وحيث إنّه لا أهمية لإحدى المصلحتين على الاخرى على الفرض ، إذ الموجب لحدوث المصلحة قيام الأمارة ، وهي قائمة في الطرفين بلا تفاوت في البين ، فللمولى أن يجعل الوجوب وأن يجعل الحرمة. وأمّا بالنسبة إلى المكلف ، فنتيجة هذا التزاحم هي نتيجة التعارض من رفع اليد عن المتعارضين والرجوع إلى الاصول العملية ، إذ بعد تنافي الأمارتين لا علم لنا بأنّ المولى جعل الوجوب أو التحريم ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي ، ففيما إذا قامت أمارة على الوجوب واخرى على الحرمة ، يدور الأمر بين محذورين ويحكم العقل في مثله بالتخيير. وأمّا إذا قامت أمارة على الوجوب واخرى على عدمه ، فيكون مورداً لأصالة البراءة.

ولب المقال في المقام : أنّ رجوع التعارض إلى التزاحم - على القول بالسببية - مما لا أساس له على جميع التقادير المتقدمة ، إذ منشؤه توهم أنّ القائل بالسببية قائل بأن قيام الأمارة موجب لحدوث المصلحة ولو كانت الأمارة غير معتبرة ، وليس الأمر كذلك ، إذ من المعلوم أنّ القائل بالسببية قائل بأن قيام الحجة


1) عند بيان الفرق بين التعارض والتزاحم ص 426.

موجب لحدوث المصلحة ، وحينئذ يكون حدوث المصلحة في الفعل أو الالتزام أو فعل المولى في رتبة متأخرة عن حجية الأمارة ، وقد ذكرنا أنّ دليل الحجية غير شامل للمتنافيين على ما تقدّم (1)، فلم يبق مجال لتوهم رجوع التعارض إلى التزاحم على القول بالسببية.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ الأصل في التعارض هو التساقط ، بلا فرق بين القول بالطريقية والقول بالسببية.

ثمّ إنّه قد ظهر مما ذكرناه أنّ التعارض هو تنافي مدلولي دليلين بحيث لايكون أحدهما قرينة عرفية على الآخر بنحو الحكومة أو الورود أو التخصيص أو غيرها من أنحاء القرينية العرفية ، ففي كل مورد يكون أحدهما قرينة على الآخر بحسب متفاهم العرف فهو خارج عن التعارض. ولا ضابطة لذلك بل يختلف باختلاف المقامات والخصوصيات المحتفة بالكلام : من القرائن الحالية والمقالية ، إلاّأ نّهم ذكروا من ذلك اموراً نتعرض لها تحقيقاً للحال وتوضيحاً للمقام.

منها : ما ذكره الشيخ (2)قدس‌سره من أنّه إذا كان أحد الدليلين عاماً والآخر مطلقاً ، يقدّم العام على المطلق ، لكون ظهور العام تنجيزياً ، لأن شموله لمورد الاجتماع بالوضع وظهور المطلق تعليقياً ، فانّ ظهوره في الاطلاق معلّق على مقدمات الحكمة ومنها عدم البيان ، والعام صالح لأن يكون بياناً ، فيسقط المطلق عن الحجية بالنسبة إلى مورد يكون مشمولاً للعام.


1) في ص 440 - 441.

2) فرائد الاصول 2 : 792.

وأورد عليه صاحب الكفاية (1)قدس‌سره بأن ظهور المطلق معلّق على عدم البيان في مقام التخاطب لا على عدم البيان إلى الأبد ، فمع انقطاع الكلام وعدم تحقق البيان متصلاً به ينعقد الظهور للمطلق ، فيقع التعارض بينه وبين ظهور العام ، فلا وجه لتقديم العام على المطلق بقول مطلق ، هذا.

والصحيح ما ذكره الشيخ قدس‌سره إذ بعد كون العام صالحاً للقرينية على التقييد ، كما اعترف به صاحب الكفاية في بحث الواجب المشروط (2)لا فرق بين كونه متصلاً بالكلام أو منفصلاً عنه ، غاية الأمر أنّه مع ورود العام منفصلاً يكون الاطلاق حجة ما لم يرد العام لتحقق المعلّق عليه ، وهو عدم البيان إلى زمان ورود العام ، وبعده ينقلب الحكم من حين ورود العام لا من أوّل الأمر ، لا نقول : إنّ حين وصول العام يحكم بأنّ الاطلاق غير مراد من هذا الحين ، بل يحكم بأنّ الظهور لم يكن مراداً من الأوّل ، لكنّه كان حجة إلى حين وصول العام ، نظير الاصول العملية بالنسبة إلى الأمارات ، فانّ الأصل متّبع ما لم تقم أمارة على خلافه ، وبعد قيامها يرفع اليد عن الأصل من حين قيام الأمارة - وإن كان مفادها ثبوت الحكم من الأوّل - والمقام كذلك ، غاية الأمر أنّ العام المتصل مانع عن انعقاد الظهور في المطلق ، والعام المنفصل كاشف عن عدم تعلق الارادة الجدية بالاطلاق من لفظ المطلق ، وهذا المقدار لا يوجب الفرق في الحكم من وجوب تقديم العام على المطلق.

ومنها : كون أحد الاطلاقين شمولياً والآخر بدلياً ، فذكروا أنّه يقدّم الاطلاق


1) كفاية الاصول : 450.

2) كفاية الاصول : 106.

الشمولي ويقيد به الاطلاق البدلي ، واختاره المحقق النائيني (1)رحمه‌اللّه وذكر له وجوهاً :

الأوّل : أنّ الحكم في الاطلاق الشمولي يتعدد بتعدد الأفراد ، لثبوت الحكم لجميع الأفراد على الفرض المعبّر عنه بتعلق الحكم بالطبيعة السارية ، فينحل الحكم إلى الأحكام المتعددة على حسب تعدد الأفراد ، بخلاف الاطلاق البدلي ، فانّ الحكم فيه واحد متعلق بالطبيعة المعبّر عنه بتعلق الحكم بصرف الوجود ، غاية الأمر أنّه يصح للمكلف في مقام الامتثال تطبيق الطبيعة في ضمن أيّ فرد شاء وهو معنى الاطلاق البدلي ، فتقديم الاطلاق البدلي يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى بعض الأفراد ، بخلاف تقديم الاطلاق الشمولي ، فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق البدلي ، إذ لا تعدد فيه ، بل يوجب تضييق دائرته.

مثلاً إذا قال المولى : أكرم عالماً ولا تكرم الفاسق ، يكون الحكم في الاطلاق البدلي واحداً ، وهو وجوب إكرام فرد من العالم ، وفي الاطلاق الشمولي متعدداً وهو حرمة إكرام كل فرد من أفراد الفاسق على فرض تمامية مقدمات الحكمة ، فلو قدّمنا الاطلاق البدلي في مادة الاجتماع - وهو العالم الفاسق - لرفعنا اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى هذا الفرد وهو العالم الفاسق ، بخلاف ما إذا قدّمنا الاطلاق الشمولي ، فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم المذكور في الاطلاق البدلي بالنسبة إلى بعض الأفراد ، لأنّه ليس فيه إلاّحكم واحد ، غاية الأمر أنّه يوجب تضييق دائرته ، فيجب على المكلف في مقام الامتثال تطبيق الطبيعة بالعالم غير الفاسق ، هذا.


1) أجود التقريرات 1 : 236.

وفيه أوّلاً : أنّه مجرد استحسان ، وقد ذكرنا أنّ الميزان في التقديم كون أحد الدليلين قرينةً على التصرف في الآخر بحسب فهم العرف ، كالدليل الحاكم بالنسبة إلى الدليل المحكوم ، والمقام ليس كذلك ، إذ الاطلاقان في مرتبة واحدة من الظهور ، لتوقف كليهما على جريان مقدمات الحكمة ، فمجرد كون تقديم أحدهما موجباً لرفع اليد عن الحكم دون الآخر لا يوجب كون الآخر قرينةً على التصرف فيه.

وثانياً : أنّ الاطلاق البدلي لا ينفك عن الاطلاق الشمولي أبداً ، فان قوله : أكرم عالماً ، حكم بوجوب إكرام فرد من العالم على البدل ، وهو يستلزم ترخيص العبد بتطبيق هذه الطبيعة في ضمن أيّ فرد شاء ، ولا خفاء في أنّ الحكم الترخيصي أيضاً من وظائف المولى ، فانّ له أن يمنع عن التطبيق في ضمن فرد خاص تحريماً أو تنزيهاً ، أو يجعل التطبيق في ضمن فرد مستحباً ، أو يرخّص المكلف في التطبيق في ضمن أيّ فرد شاء ، كما هو ظاهر الاطلاق ، فالحكم بوجوب إكرام فرد من العالم على البدل يدل على الترخيص بتطبيق طبيعة العالم في ضمن أيّ فرد شاء ، وهذا الحكم الترخيصي متعلق بالمطلق على نحو الشمول كما هو ظاهر ، فكما أنّ تقديم الاطلاق البدلي يوجب رفع اليد عن الحكم في الاطلاق الشمولي بالنسبة إلى بعض الأفراد ، كذلك تقديم الاطلاق الشمولي أيضاً يوجب رفع اليد عن الحكم بالنسبة إلى بعض الأفراد ، غاية الأمر أنّه يوجب رفع اليد عن الحكم الترخيصي لا الحكم الالزامي.

الثاني : أنّ الاطلاق البدلي يحتاج إلى مقدمة زائدة عما تجري في الاطلاق الشمولي من مقدمات الحكمة ، وهي إحراز كون الأفراد متساوية الأقدام في تحصيل غرض المولى ، والوجه في ذلك : أنّ الأفراد في الاطلاق الشمولي لا يلزم أن تكون متساوية الأقدام في الغرض ، بل قد تكون مختلفة كما إذا قال : لا تقتل

أحداً ، فانّ ترك قتل النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ليس مساوياً لترك قتل غيره في غرض المولى. وكذا إذا قال : لا تزن ، فانّ الزنا مع المحارم ليس مساوياً للزنا بغيرها ، والزنا مع ذات البعل ليس مساوياً للزنا بغير ذات البعل ، وهكذا في سائر الاطلاقات الشمولية ، بخلاف الاطلاق البدلي فانّ الأفراد فيه لا بدّ من أن تكون متساوية الأقدام في غرض المولى ، وإلاّ يقبح توجيه الحكم نحو الطبيعة على البدل ، بل لا بدّ من الحكم بالفرد الأقوى في الوفاء بالغرض ، فالاطلاق البدلي يحتاج إلى إحراز التسوية بين الأفراد ، وهي مقدمة زائدة على مقدمات الحكمة الجارية في الاطلاق الشمولي. والاطلاق الشمولي يوجب انتفاء هذه المقدمة ، فانّه يثبت عدم التسوية بين العالم الفاسق والعالم غير الفاسق ، فيسقط الاطلاق البدلي عن الحجية في مورد التعارض مع الاطلاق الشمولي.

وفيه : أنّ الاطلاق البدلي لا يحتاج في إحراز المساواة إلى مقدمة خارجية ، إذ نفس الاطلاق كافٍ لاثبات المساواة وأنّ جميع الأفراد وافٍ بغرض المولى ، لأ نّه لو كان بعض الأفراد وافياً بغرضه دون بعض آخر كان عليه البيان ، فانّ الاطلاق نقض لغرضه ، فكما أن نفس الاطلاق في المطلق الشمولي يدل على شمول الحكم لجميع الأفراد مع تمامية مقدمات الحكمة ، فكذا نفس الاطلاق في المطلق البدلي مع تمامية المقدمات المذكورة يدل على كون كل واحد من الأفراد وافياً بغرض المولى.

الوجه الثالث : ما يرجع إلى الوجه الثاني باختلاف بينهما في مجرد العبارة ، وهو أن تمامية الاطلاق في المطلق البدلي متوقفة على عدم المانع ، إذ مع ثبوت المانع عن تطبيق الطبيعة في ضمن فرد من الأفراد ، لا يصح التمسك بالاطلاق في الاكتفاء بتطبيق الطبيعة في ضمن هذا الفرد ، والاطلاق الشمولي صالح للمانعية عن الاطلاق البدلي ، والتمسك في دفع مانعيته بالاطلاق البدلي مستلزم للدور ،

فان تمامية الاطلاق متوقفة على عدم المانع ، فلو توقف عدم مانعية الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي ، لزم الدور.

ويظهر الجواب عنه مما ذكرنا في الجواب عن سابقه ، فان تمامية الاطلاق وانعقاد الظهور للمطلق البدلي مع تمامية مقدمات الحكمة غير متوقفة على عدم المانع ، غاية الأمر أنّ الاطلاق الشمولي مانع عن العمل بالاطلاق البدلي ، كما أنّ الاطلاق البدلي مانع عن العمل بالاطلاق الشمولي ، لعدم إمكان العمل بكليهما ، فيكون بينهما التمانع ، وهذا شأن كل دليلين متعارضين.

وبالجملة : توقف جواز العمل بالاطلاق البدلي على عدم المانع صحيح ، إلاّ أنّه غير مختص به ، فانّ العمل بالاطلاق الشمولي أيضاً متوقف على عدم المانع ، إذ العمل بكل دليل موقوف على عدم المانع ، وكما أنّ الاطلاق الشمولي مانع عن العمل بالاطلاق البدلي ، كذلك الاطلاق البدلي مانع عن العمل بالاطلاق الشمولي ، وهو معنى التعارض.

ومنها : دوران الأمر بين النسخ والتخصيص ، فقالوا بتقديم التخصيص على النسخ. ثمّ إن دوران الأمر بين النسخ والتخصيص تارةً يكون بالنسبة إلى دليل واحد ، فيدور الأمر بين كونه ناسخاً أو مخصصاً ، كما إذا ورد الخاص بعد العام فيدور الأمر بين كون الخاص ناسخاً للعام بأن يكون حكم العام شاملاً لجميع الأفراد من أوّل الأمر ، لكنّه نسخ بالنسبة إلى بعض الأفراد بعد ورود الخاص ، وبين كونه مخصصاً له بأن يكون حكم العام مختصاً بغير أفراد الخاص من أوّل الأمر. واخرى يكون بالنسبة إلى دليلين ، أي يدور الأمر بين كون دليلٍ مخصصاً لدليل آخر وبين كون الدليل الآخر ناسخاً له ، كما إذا ورد العام بعد الخاص فيدور الأمر بين كون الخاص مخصصاً للعام وكون العام ناسخاً للخاص.

أمّا الصورة الاولى : فليس البحث عنها مثمراً بالنسبة إلينا ، فانّ العمل بالخاص متعيّن ، سواء كان مخصصاً أو ناسخاً ، فاذا ورد عن الباقر عليه‌السلام أنّ اللّه سبحانه خلق الماء طاهراً لم ينجسه شيء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة (1)، ثمّ ورد عن الصادق عليه‌السلام أنّ الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء (2)، المستفاد منه انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة ، لا يجوز لنا الوضوء بالماء القليل الملاقي للنجاسة ، وإن لم نعلم كونه ناسخاً أو مخصصاً لما صدر عن الباقر عليه‌السلام نعم من عمل بالعام وتوضأ بالماء القليل الملاقي للنجاسة ، وبقي إلى زمان ورود الخاص ، يثمر هذا البحث بالنسبة إليه ، فانّه على القول بكون الخاص ناسخاً تصح أعماله السابقة ، وعلى القول بكونه مخصصاً ينكشف بطلانها ، لوقوع وضوئه بالماء النجس.

وبالجملة : لا تترتب ثمرة عملية على هذا البحث بالنسبة إلينا فينبغي الاضراب عنه.

وأمّا الصورة الثانية : فتترتب عليها الثمرة بالنسبة إلينا ، إذ لو ورد العام المذكور في المثال بعد الخاص ، لا يجوز لنا التوضي بالماء القليل الملاقي للنجاسة على القول بكون الخاص مخصصاً للعام ، ويجوز التوضي به على القول بكون العام ناسخاً للخاص ، وكذا ترتيب سائر آثار الطهارة. وتوهم عدم إمكان النسخ بعد النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله لانقطاع الوحي ، مدفوع بما ذكرناه في محله : من أنّ النسخ في الحكم الشرعي هو بيان أمد الحكم (3)، وهو ممكن بعد


1) الوسائل 1 : 135 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9.

2) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 وغيره.

3) راجع ص 177 من هذا الكتاب وراجع محاضرات في اصول الفقه 4 : 491.

انقطاع الوحي ، بأن كان النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله أخبر الإمام عليه‌السلام بأنّ أمد الحكم الفلاني إلى زمان كذا ، فيبيّنه الإمام عليه‌السلام ولا نعني بالنسخ في الأحكام الشرعية إلاّهذا المعنى ، ففي مثل ذلك يدور الأمر بين الأخذ بظاهر الخاص وهو استمرار الحكم الثابت به ، فتكون النتيجة التخصيص ، وبين الأخذ بظاهر العام وهو شمول الحكم لجميع الأفراد ، فتكون النتيجة النسخ. فذكروا في ذلك أنّ التخصيص مقدّم على النسخ لكثرته حتى قيل : ما من عام إلاّوقد خص.

واورد عليه بأن كثرة التخصيص لا توجب إلاّالظن به ، ومجرد الظن لا يكفي ما لم تكن قرينة على التخصيص بحسب متفاهم العرف.

ولذا غيّر صاحب الكفاية (1)اسلوب الكلام ، وقال : إنّ كثرة التخصيص توجب أقوائية ظهور الخاص من ظهور العام ، فتقديم التخصيص على النسخ إنّما هو لأجل الأخذ بأقوى الظهورين ، لا لمجرد الكثرة.

وأورد عليه المحقق النائيني (2)قدس‌سره بأنّ الخاص في نفسه لا يدل على الاستمرار ، إذ الدليل على ثبوت الحكم لا يكون متكفلاً لبيان استمراره ، لأنّ الدليل على ثبوت حكم لا يدل على عدم نسخه واستمراره ، ضرورة أن جعل الحكم - بأيّ كيفية كان - قابل للنسخ فيما بعد ، فلا يمكن إثبات استمراره بالدليل الأوّل عند الشك في نسخه ، بل لا بدّ من التمسك باستصحاب عدم النسخ ، فيدور الأمر بين العمل بالاستصحاب والعمل بعموم العام ، والمتعين


1) كفاية الاصول : 451.

2) أجود التقريرات 4 : 295 - 296 ، راجع أيضاً فوائد الاصول 4 : 739 - 740.

حينئذ هو العمل بالعام ، لكونه دليلاً اجتهادياً ، والاستصحاب أصلاً عملياً ، فتكون النتيجة تقديم النسخ على التخصيص.

والانصاف عدم ورود هذا الاشكال على صاحب الكفاية قدس‌سره لما ذكرناه في البحث عن استصحاب بقاء أحكام الشرائع السابقة (1)من أنّ النسخ الحقيقي في الأحكام الشرعية غير متصور ، لاستلزامه البداء المستحيل في حقه تعالى ، فالشك في النسخ راجع إلى الشك في تخصيص الحكم المجعول من جهة الزمان ، فلا مانع من التمسك باطلاق دليله ، بلا احتياج إلى الاستصحاب ، إذ الدليل يثبت الحكم للطبيعة ، فيشمل أفرادها العرضية والطولية ، وليس استمرار الحكم إلاّعبارة عن ثبوته للأفراد الطولية للطبيعة.

نعم ، يرد عليه إشكال آخر ، وهو أن شمول الحكم للأفراد الطولية إنّما هو بالاطلاق المتوقف على جريان مقدمات الحكمة ، وشمول العام لجميع الأفراد إنّما هو بالوضع ، وقد تقدّم (2)أنّه إذا دار الأمر بين العموم والاطلاق يقدّم العموم على الاطلاق ، ولازمه في المقام تقديم النسخ على التخصيص.

وذكر المحقق النائيني (3)قدس‌سره وجهاً آخر لتقديم التخصيص على النسخ ، وهو أن دلالة ألفاظ العموم على شمول الحكم لجميع الأفراد متوقفة على جريان مقدمات الحكمة في مدخولها ، والخاص مانع عنها لكونه بياناً.

وهذا الكلام مأخوذ مما ذكره صاحب الكفاية في بحث العام والخاص (4)من أن


1) راجع ص 175.

2) في ص 453.

3) أجود التقريرات 4 : 294 ، راجع أيضاً فوائد الاصول 4 : 738 و 740.

4) كفاية الاصول : 217.

لفظ كل في قولنا : أكرم كل عالم مثلاً ، لا يدل على شمول الحكم لجميع أفراد العالم إلاّبجريان مقدمات الحكمة في مدخوله ، فانّ كلمة «كل» إنّما تفيد شمول الحكم لجميع أفراد ما اريد من المدخول ، فإن كان المراد منه في المثال خصوص العالم العادل ، فلا يدل لفظ الكل إلاّعلى شمول الحكم لجميع أفراد العالم العادل ، وإن كان المراد منه هو العالم باطلاقه ، فيدل لفظ «كل» على ثبوت الحكم لجميع أفراد العالم مطلقاً.

ويرد عليه ما ذكرناه في ذلك البحث (1)من أن ألفاظ العموم بنفسها متكفلة لبيان شمول الحكم لجميع الأفراد بلا احتياج إلى جريان مقدمات الحكمة ، فان كلمة «كل» بوضعها تدل على سريان الحكم لجميع أفراد مدخولها ، فمفاد قولنا : أكرم كل عالم ، هو وجوب إكرام جميع أفراد العالم من العادل وغيره ، بلا احتياج إلى مقدمات الحكمة.

والمتحصّل مما ذكرناه : أنّ جميع الوجوه التي ذكروها لتقديم التخصيص على النسخ غير تام.

والصحيح في وجهه أمران :

الأوّل : أنّ الخاص المقدّم على العام على ما هو محل الكلام مانع عن انعقاد الظهور للعام من أوّل الأمر ، فيكون الخاص بياناً للمراد من العام بحسب فهم العرف ، فانّه إذا قال المولى : لا تكرم زيداً ثمّ قال : أكرم العلماء ، يكون قوله : لا تكرم زيداً قرينةً على المراد من قوله : أكرم العلماء ، ومانعاً من انعقاد ظهوره بالنسبة إلى زيد من أوّل الأمر ، وليس فيه إلاّتقديم البيان على وقت الحاجة


1) محاضرات في اصول الفقه 4 : 305 وما بعدها.

ولا قبح فيه أصلاً ، بخلاف تأخيره عنه ، فانّه محل خلاف بينهم ، ولذا اختلفوا فيما إذا ورد الخاص بعد العام فذهب بعضهم إلى كونه مخصصاً مطلقاً ، واختار آخرون كونه مخصصاً إن كان وروده قبل وقت العمل ، وناسخاً إن كان بعده لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الثاني : وهو الأوضح من سابقه ، أنّ كون العام ناسخاً متوقف على دلالته على ثبوت حكمه من حين وروده ، إذ لو دل على ثبوته في أوّل الاسلام لا يكون ناسخاً البتة ، فلا يحتمل النسخ في الأخبار التي بأيدينا الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم‌السلام لأن ظاهرها بيان الأحكام التي كانت مجعولة في زمان النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ، إذ الأئمة عليهم‌السلام مبيّنون لتلك الأحكام لا مشرّعون ، إلاّأن تنصب قرينة على أنّ هذا الحكم مجعول من الآن ، فاذا ورد عن الباقر عليه‌السلام : أنّ الطحال مثلاً حرام ، وورد عن الصادق عليه‌السلام : أنّ جميع أجزاء الذبيحة حلال ، لا يحتمل كونه ناسخاً للخاص المتقدم ، لأن ظاهره أن أجزاء الذبيحة حلال في دين الاسلام من زمن النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله لا أنّها حلال من الآن ليكون ناسخاً لما ورد عن الباقر عليه‌السلام. ولا فرق في ذلك بين الخاص والعام ، فلا يحتمل النسخ في الخاص الوارد بعد العام ، لعين ما ذكرناه في العام الوارد بعد الخاص.

وبالجملة : الحكم المذكور في الأخبار المروية عن الأئمة عليهم‌السلام مقدّم بحسب مقام الثبوت وإن كان مؤخراً بحسب مقام الاثبات ، فتكون الأحكام الصادرة عن الأئمة سابقهم ولاحقهم عليهم‌السلام بمنزلة الأحكام الصادرة عن شخص واحد ، فلا يكون الحكم الصادر عن اللاحق ناسخاً لما صدر عن السابق ، لكون الجميع حاكياً عن ثبوت الحكم في زمان النبي (صلّى

اللّه عليه وآله). نعم ، لو ورد خاص عن النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ثمّ ورد عام منه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله يحتمل كونه ناسخاً للخاص ، لكنّه لم يتحقق. ولعله لما ذكرناه من عدم احتمال النسخ في الأخبار المروية عن الأئمة عليهم‌السلام لم يلتزم أحد من الفقهاء فيما نعلم بكون العام فيها ناسخاً للخاص أو الخاص فيها ناسخاً للعام ، هذا تمام الكلام في التعارض بين الدليلين.

[انقلاب النسبة]

اشارة

أمّا إذا وقع التعارض بين أكثر من دليلين ، فهل تلاحظ الظهورات الأوّلية ، أو لا بدّ من ملاحظة الاثنين منها ، وعلاج التعارض بينهما ، ثمّ تلاحظ النسبة بين أحدهما والثالث المعارض له ، فقد تنقلب النسبة من العموم من وجه إلى العموم المطلق ، أو بالعكس على ما سيذكر إن شاء اللّه تعالى؟ اختار الشيخ (1)وصاحب الكفاية (2)قدس‌سره عدم انقلاب النسبة ، وأ نّه يلاحظ التعارض باعتبار الظهورات الأوّلية ، بدعوى أنّه لا وجه لسبق ملاحظة أحد الدليلين مع الآخر على الثالث.

ولكنّ الصحيح هو انقلاب النسبة ، وتحقيق هذا البحث يقتضي ذكر مقدمتين :

المقدمة الاولى : أنّ لكل لفظ دلالات ثلاث :

الدلالة الاولى : كون اللفظ موجباً لانتقال الذهن إلى المعنى ، وهذه الدلالة لا تتوقف على إرادة اللافظ ، بل اللفظ بنفسه يوجب انتقال الذهن إلى المعنى


1) لاحظ فرائد الاصول 2.

2) كفايه الاصول 452.

ولو مع العلم بعدم إرادة المتكلم ، كما إذا كان نائماً أو سكراناً ، أو نصب قرينةً على إرادة غير هذا المعنى ، كما في قولنا : رأيت أسداً يرمي ، فانّ ذهن المخاطب ينتقل إلى الحيوان المفترس بمجرد سماع كلمة الأسد ، وإن كان يعلم أنّ مراد المتكلم هو الرجل الشجاع ، بل هذه الدلالة لا تحتاج إلى متكلم ذي إدراك وشعور ، فانّ اللفظ الصادر من غير لافظ شاعر أيضاً يوجب انتقال الذهن إلى المعنى.

وبالجملة : هذه الدلالة بعد العلم بالوضع غير منفكة عن اللفظ أبداً ، ولا تحتاج إلى شيء من الأشياء ، وهي التي تسمى عند القوم بالدلالة الوضعية ، باعتبار أنّ الوضع عبارة عن جعل العلقة بين اللفظ والمعنى ، بأن ينتقل الذهن إلى المعنى عند سماع اللفظ ، وإن كان المختار كون الدلالة الوضعية غيرها ، فانّ هذه الدلالة لا تكون غرضاً من الوضع لتكون وضعية.

والأنسب تسميتها بالدلالة الانسية ، فانّ منشأها انس الذهن بالمعنى لكثرة استعمال اللفظ فيه لا الوضع ، لما ذكرناه في محلّه (1): من أنّ الوضع عبارة عن تعهد الواضع والتزامه بأ نّه متى تكلم باللفظ الخاص فهو يريد المعنى الفلاني ، وعليه فلا يكون خطوره إلى الذهن عند سماعه من غير شاعر مستنداً إلى تعهده بل إلى انس الذهن به ، وقد تقدم الكلام في تحقيقها في بحث الوضع.

الدلالة الثانية : دلالة اللفظ على كون المعنى مراداً للمتكلم بالارادة الاستعمالية ، أي دلالة اللفظ على أنّ المتكلم أراد تفهيم هذا المعنى واستعمله فيه ، وهذه الدلالة تسمّى عند القوم بالدلالة التصديقية ، وعندنا بالدلالة الوضعية كما عرفت.


1) محاضرات في اصول الفقه 1 : 48 وما بعدها.

وكيف كان ، فهذه الدلالة تحتاج إلى إحراز كون المتكلم بصدد التفهيم ومريداً له ، فمع الشك فيه ليست للفظ هذه الدلالة ، فضلاً عما إذا علم بعدم الارادة له ، كما إذا علم كونه نائماً ، بل هذه الدلالة متوقفة على عدم نصب قرينة على الخلاف متصلة بالكلام ، إذ مع ذكر كلمة «يرمي» في قوله : رأيت أسداً يرمي مثلاً ، لا تكون كلمة أسد دالةً على أنّ المتكلم أراد تفهيم الحيوان المفترس كما هو ظاهر.

الدلالة الثالثة : دلالة اللفظ على كون المعنى مراداً للمتكلم بالارادة الجدية ، وهي التي تسمى عندنا بالدلالة التصديقية ، وقسم آخر من الدلالة التصديقية عند القوم. وهي موضوع الحجية ببناء العقلاء المعبّر عنها بأصالة الجد تارةً وأصالة الجهة اخرى. وهذه الدلالة متوقفة - مضافاً إلى عدم نصب قرينة متصلة - على عدم قيام قرينة منفصلة على الخلاف أيضاً ، فانّ القرينة المنفصلة وإن لم تكن مانعة عن تعلق الارادة الاستعمالية كالقرينة المتصلة ، إلاّأ نّها كاشفة عن عدم تعلق الارادة الجدية ، فكما أنّ الاستثناء في قوله : أكرم العلماء إلاّالفساق قرينة على عدم كون المولى بصدد تفهيم جميع الأفراد في هذا الاستعمال ، فكذا قوله : لا تكرم العالم الفاسق كاشف عن عدم تعلق الارادة الجدية من المولى باكرام جميع أفراد العلماء في قوله : أكرم العلماء. وبالجملة : هذه الدلالة متوقفة على عدم نصب القرينة المتصلة والمنفصلة.

المقدمة الثانية : أنّ التعارض بين دليلين لا يتحقق إلاّباعتبار كون كل منهما حجة ودليلاً في نفسه لولا المعارضة ، إذ لا معنى لوقوع التعارض بين ما هو حجة وما ليس بحجة.

وبضم هذه المقدمة إلى المقدمة الاولى يستنتج صحة القول بانقلاب النسبة ، فانّه إذا قام دليل عام ثمّ ورد دليل مخصص لذلك العام ، وقام دليل آخر

معارض للعام ، فلا بدّ من ملاحظة النسبة بين العام ومعارضه بعد إخراج ما يشمله المخصص ، لأنّ العام لا يكون حجةً بالنسبة إلى ما خرج منه بالمخصص ، فالتصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج إلى أزيد من تصوره ، وحيث إنّ بحث انقلاب النسبة كثير الابتلاء في الفقه ، لأنّ التعارض في كثير من أبواب الفقه بين أكثر من دليلين ، فلا بدّ لنا من التعرض لصور انقلاب النسبة ، وتمييزها عن الصور التي لا تنقلب النسبة فيها ، فنقول :

التعارض بين أكثر من دليلين على أنواع :

النوع الأوّل : ما إذا قام دليل عام ومخصصان منفصلان. وهذا النوع يتصور بصور ثلاث : لأنّ النسبة بين المخصصين إمّا أن تكون هي التباين ، أو العموم من وجه ، أو العموم المطلق. مثال الصورة الاولى : قوله تعالى : ( ... وَحَرَّمَ الرِّبا ... ) (1)بملاحظة ما يدل على أنّه لا ربا بين الوالد والولد ، وما يدل على أنّه لا ربا بين الزوج وزوجته ، وكذا بين السيد ومملوكه (2). ومثال الصورة الثانية : ما إذا قال المولى : أكرم العلماء ثمّ قال : لا تكرم العالم الفاسق ، وقال أيضاً : لا تكرم العالم الشاعر. ومثال الصورة الثالثة : ما إذا قال المولى : أكرم العلماء ثمّ قال : لا تكرم العالم العاصي لله سبحانه ، وقال أيضاً : لا تكرم العالم المرتكب للكبائر.

أمّا الصورة الاولى : فلا إشكال في وجوب تخصيص العام بكلا المخصصين فيها ، بلا فرق بين القول بانقلاب النسبة والقول بعدمه ، إذ لا يفترق الحال بين لحاظ العام مع كلا المخصصين في عرض واحد ، وبين لحاظه مع أحدهما بعد


1) البقرة 2 : 275.

2) الوسائل 18 : 135 - 136 / أبواب الربا ب 7.

لحاظه مع الآخر ، لأن نسبة العام إلى كل من المخصصين هي العموم المطلق على كل تقدير ، فيجب تخصيص العام بكلا المخصصين ، والحكم بعدم حرمة الربا بين الوالد وولده ، وبين الزوج وزوجته ، وبين السيد ومملوكه.

هذا فيما إذالم يستلزم تخصيص العام بكليهما التخصيص المستهجن ، أو بقاء العام بلا مورد. وأمّا إذا استلزم ذلك كما إذا قام دليل على استحباب إكرام العلماء ، وقام دليل على وجوب إكرام العالم العادل ، وقام دليل آخر على حرمة إكرام العالم الفاسق ، فانّه إن خصصنا دليل الاستحباب بكلٍ من دليلي الوجوب والحرمة ، يبقى دليل الاستحباب بلا مورد على القول بعدم الواسطة بين العدالة والفسق ، بأن تكون العدالة عبارة عن ترك الكبائر ، ويلزم حمله على الفرد النادر على القول بثبوت الواسطة بينهما ، بأن تكون العدالة عبارة عن الملكة ، فمن لم يرتكب الكبائر ولم تحصل له الملكة - كما قد يتفق للانسان في أوّل بلوغه - فهو لا يكون عادلاً ولا فاسقاً.

فلا يمكن الالتزام بتخصيص العام بكل من المخصصين في مثل ذلك ، بل يقع التعارض بين العام والمخصصين ، للعلم بكذب أحد هذه الأدلة الثلاثة ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات السندية ، ولا يخلو الأمر من صور ست :

1 - أن يكون العام راجحاً على كلا الخاصين.

2 - أن يكون مرجوحاً بالنسبة إلى كليهما.

3 - أن يكون مساوياً لكليهما.

4 - أن يكون راجحاً على أحدهما ومساوياً للآخر.

5 - أن يكون مرجوحاً بالنسبة إلى أحدهما ومساوياً للآخر.

6 - أن يكون راجحاً على أحدهما ومرجوحاً بالنسبة إلى الآخر.

أمّا إن كان العام مرجوحاً بالنسبة إلى كلا الخاصين ، فلا إشكال في طرحه والعمل بهما.

وأمّا إن كان راجحاً على كليهما فالمعروف بينهم طرحهما لوقوع التعارض بين العام ومجموع الخاصين ، وحيث إنّ العام أرجح من كليهما فيجب طرحهما والأخذ بالعام ، ولكنّه غير صحيح ، لعدم وقوع التعارض بين العام ومجموع الخاصين فقط ، بل التعارض إنّما هو بين أحد هذه الثلاثة وبين الآخرين ، لأنّ المعلوم إنّما هو كذب أحدها لا غير ، فبعد الأخذ بالعام لرجحانه على كلا الخاصين ، لا وجه لطرحهما معاً ، لانحصار العلم بكذب أحدهما ، فيقع التعارض العرضي بينهما.

فان كان أحد الخاصين راجحاً على الآخر ، يجب الأخذ بالراجح وطرح المرجوح.

وإن كانا متساويين ، يجب الأخذ بأحدهما تخييراً وطرح الآخر ، فتكون النتيجة هو الأخذ بالعام وبأحد الخاصين تعييناً أو تخييراً ، وطرح الخاص الآخر لا طرح كلا الخاصين.

ولا يخفى أنّ ما ذكرناه - من التخيير في هذا الفرض وما سنذكره في الفروض الآتية - مبني على تمامية الأخبار الدالة على التخيير ، وأمّا بناءً على عدم تماميتها كما سنذكره (1)إن شاء اللّه تعالى ، فالمتعيّن طرح كلا المتعارضين والرجوع إلى الاصول العملية.

وأمّا إن كان العام راجحاً على أحد الخاصين ومساوياً للآخر ، وجب الأخذ


1) في ص 508 - 512.

بالعام والخاص المساوي ، وطرح الخاص المرجوح ، وظهر وجهه ما ذكرناه. وظهر الحكم أيضاً فيما إذا كان العام مرجوحاً بالنسبة إلى أحدهما ومساوياً للآخر ، فانّه يجب الأخذ بالخاص الراجح ، ويتخير بين الأخذ بالعام والأخذ بالخاص المساوي له.

وأمّا إن كان العام راجحاً على أحدهما ومرجوحاً بالنسبة إلى الآخر ، فالمكلف مخير بين الأخذ بالعام وطرح كلا الخاصين ، وبين الأخذ بكلا الخاصين وطرح العام على ما ذكره صاحب الكفاية (1)قدس‌سره لأنّ التعارض إنّما هو بين العام ومجموع الخاصين ، وبعد كون أحد الخاصين راجحاً على العام والآخر مرجوحاً ، تكون النتيجة بعد الكسر والانكسار تساوي العام مع مجموع الخاصين ، فيكون المكلف مخيراً بين الأخذ بالعام وطرح كلا الخاصين ، وبين الأخذ بكلا الخاصين وطرح العام ، انتهى ملخّصاً.

وظهر فساده مما ذكرناه آنفاً من عدم المعارضة بين العام ومجموع الخاصين ، لعدم العلم الاجمالي بكذب العام أو مجموع الخاصين ، بل العلم إنّما هو بكذب أحد هذه الثلاثة ، فلا بدّ من الأخذ بالعام والخاص الراجح وطرح الخاص المرجوح.

وظهر بما ذكرناه أيضاً حكم ما إذا كان العام مساوياً لكلا الخاصين ، فانّه بعد العلم بكذب أحد الثلاثة وعدم الترجيح بينها ، يتخير بين طرح العام والأخذ بكلا الخاصين ، والأخذ بالعام مع أحد الخاصين وطرح الخاص الآخر.

وظهر مما ذكرناه حكم التعارض بالعرض إذا كان بين أكثر من دليلين ، كما


1) ذكر قدس‌سره ذلك في حاشية الفرائد : 466.

إذا دل دليل على وجوب شيء ، ودل دليل على حرمة شيء آخر ، ودل دليل ثالث على استحباب شيء ثالث ، وعلمنا من الخارج بكذب أحد هذه الأدلة الثلاثة ، فتجري الصور السابقة بعينها ويعلم حكمها مما تقدم ، فلا حاجة إلى الاعادة ، ومجمل القول أنّه يطرح أحد هذه الأدلة الثلاثة على التعيين أو التخيير ، ويؤخذ بالآخرين ، هذا كله حكم الصورة الاولى.

وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا كانت النسبة بين الخاصين العموم من وجه ، كما إذا قال المولى : أكرم العلماء ثمّ قال : لا تكرم العالم الفاسق ، وقال أيضاً : لا تكرم العالم الشاعر ، فالحكم في هذه الصورة هو ما ذكرناه في الصورة السابقة ، من تخصيص العام بكلا المخصصين إذالم يستلزم التخصيص المستهجن وبقاء العام بلا مورد ، كما في المثال المذكور فانّه بعد إخراج العالم الفاسق والعالم الشاعر من عموم دليل وجوب إكرام العلماء ، تبقى تحت العام أفراد كثيرة.

وأمّا إذا استلزم أحد المحذورين المذكورين ، فيقع التعارض لا محالة ، فتتصور بالصور السابقة ، ويعرف حكمها مما تقدم بلا حاجة إلى الاعادة.

وربّما يتوهّم في المقام انقلاب النسبة ، وعدم جواز تخصيص العام بكلا المخصصين - ولو لم يكن فيه محذور - فيما إذا تقدم أحد الخاصين زماناً على الآخر ، كما إذا صدر العام من أمير المؤمنين عليه‌السلام وأحد الخاصين من الباقر عليه‌السلام والخاص الآخر من الصادق عليه‌السلام فانّه يخصص العام بالخاص الصادر من الباقر عليه‌السلام أوّلاً إذ به يكشف عدم تعلق الارادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له ، فلا يكون العام حجةً بالنسبة إليه ، ثمّ تلاحظ النسبة بين العام والخاص الصادر من الصادق عليه‌السلام وهي العموم من وجه حينئذ ، ففي المثال المذكور - بعد خروج العالم الفاسق من قوله : أكرم العلماء - يكون المراد منه العلماء العدول ، والنسبة بينهم وبين العالم

الشاعر هي العموم من وجه ، لاجتماعهما في العالم العادل الشاعر ، وافتراقهما في العالم العادل غير الشاعر ، والعالم الشاعر غير العادل. وهذا هو الفارق بين هذه الصورة والصورة الاولى ، فانّ النسبة بين العام وأحد الخاصين بعد تخصيص العام بالخاص الآخر هي النسبة بينهما قبله في الصورة الاولى ، فلا تنقلب النسبة أصلاً ، بخلاف الصورة الثانية كما عرفت.

وهذا التوهّم مدفوع بما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ الأئمة عليهم‌السلام كلهم بمنزلة متكلم واحد ، فانّهم يخبرون عن الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة في عصر النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ولهذا يخصص العام الصادر من أحدهم بالخاص الصادر من الآخر منهم عليهم‌السلام فانّه لولا أنّ كلهم بمنزلة متكلم واحد لا وجه لتخصيص العام في كلام أحدٍ بالخاص الصادر من شخص آخر ، فاذن يكون الخاص الصادر من الصادق عليه‌السلام مقارناً مع العام الصادر من أمير المؤمنين عليه‌السلام بحسب مقام الثبوت ، وإن كان متأخراً عنه بحسب مقام الاثبات. وكذا الخاص الصادر من الباقر عليه‌السلام فكما أنّ الخاص المقدّم زماناً يكشف عن عدم تعلق الارادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له ، كذلك الخاص المتأخر أيضاً يكشف عن عدم تعلق الارادة الجدية من لفظ العام بالمقدار الذي يكون مشمولاً له ، وكلاهما في مرتبة واحدة.

ويتضح ما ذكرناه بالمراجعة إلى الأوامر العرفية ، فانّه لو صدر من المولى عام وخاصان في زمان واحد مع كون النسبة بين الخاصين عموماً من وجه ، فأرسل الخاصين إلى العبد في زمان واحد بتوسط شخصين ، فوصل أحدهما إلى العبد قبل وصول الآخر ، لا يكون وصول أحدهما قبل الآخر موجباً


1) في ص 463.

لانقلاب النسبة بين العام والخاص المتأخر ، مع صدورهما من المولى في رتبة واحدة ، بل لا بدّ من تخصيص العام بكليهما ، كما هو واضح.

وأمّا الصورة الثالثة : وهي ما إذا كانت النسبة بين الخاصين العموم المطلق ، فهل يجب تخصيص العام بالأخص أوّلاً ثمّ ملاحظة النسبة بين العام والخاص ، فتنقلب النسبة من العموم المطلق إلى العموم من وجه ، أو يخصص العام بكلا الخاصين؟

الظاهر هو الثاني ، إذ بعد فرض كون نسبة الخاصين إلى العام على حد سواء ، لا وجه لتخصيص العام بأحدهما أوّلاً ثمّ ملاحظة النسبة بين العام والخاص الآخر. ولا منافاة بين الخاص والأخص حتى يتقيد الأوّل بالثاني.

فاذا ورد في رواية أنّه يجب إكرام العلماء ، وفي رواية اخرى أنّه لا يجوز إكرام العالم العاصي ، وفي رواية ثالثة أنّه لا يجوز إكرام العالم المرتكب للكبائر ، يخصص العام بكلا المخصصين ، ويحكم بحرمة إكرام خصوص العالم المرتكب للكبائر ، وحرمة إكرام العالم العاصي بقولٍ مطلق. ولا منافاة بين حرمة إكرام خصوص العالم المرتكب للكبائر وحرمة إكرام مطلق العالم العاصي حتى يقيّد العالم العاصي بالمرتكب للكبائر ، فان توهم المنافاة بينهما مبني على المفهوم ، وقد ذكرنا في محلّه (1)عدم حجية مفهوم الوصف واللقب.

وتوهم لغوية تخصيص العام بالأخص في عرض تخصيص العام بالخاص - فانّ تخصيص قوله يجب إكرام العلماء بقوله : لا يجوز إكرام العالم العاصي يغني عن تخصيصه بقوله : لا يجوز إكرام العالم المرتكب للكبائر - مدفوع بأ نّه يمكن أن يكون تخصيص العام بالأخص مع تخصيصه بالخاص لغرض من الأغراض ،


1) لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4 : 278 - 281.

كما إذا كان السؤال عن الأخص ، أو كان محل الحاجة ، أو لأجل الأهمية ، أو لكونه الغالب ، أو غير ذلك من الأغراض الموجبة لذكر الأخص فقط ، وقد ورد في الروايات ما يدل على عدم جواز الصلاة خلف شارب الخمر (1)، وورد أيضاً ما يدل على عدم جواز الصلاة خلف الفاسق (2)، فقوله عليه‌السلام : «لا تصلّ خلف الفاسق» لا يوجب لغوية قوله عليه‌السلام : «لاتصل خلف شارب الخمر» ولا منافاة بينهما ، غاية الأمر أنّه يكون تخصيص شارب الخمر بالذكر في قوله : «لا تصلّ خلف شارب الخمر» لغرض من الأغراض ، فكذا في المقام. هذا كله فيما إذا كان كلا الخاصين منفصلاً عن العام.

وأمّا إذا كان الأخص منهما متصلاً بالعام ، كما إذا ورد في رواية أنّه يجب إكرام العلماء إلاّالعالم المرتكب للكبائر ، وفي رواية اخرى أنّه يحرم إكرام العالم العاصي ، فتكون النسبة بين العام المخصص بالمتصل والخاص المنفصل العموم من وجه ، فان اتصال الأخص بالعام كاشف عن عدم تعلق الارادة الاستعمالية بالنسبة إلى ما يشمله الأخص ، فلا ينعقد للعام ظهور بالنسبة إليه من أوّل الأمر ، فتكون النسبة بين العام والخاص المنفصل العموم من وجه ، لاجتماعهما في العالم العاصي غير المرتكب للكبائر ، وافتراقهما في العالم العادل والعالم المرتكب للكبائر ، فتقع المعارضة بينهما في مادة الاجتماع ، ويعامل معهما معاملة المتعارضين ، وهذا هو الفارق بين المخصص المتصل والمخصص المنفصل.

بقي شيء : وهو أنّه بعد ما عرفت أنّ الحكم فيما إذا كان كلا الخاصين منفصلاً عن العام عدم انقلاب النسبة وتخصيص العام بكليهما ، وفيما إذا كان أخص الخاصين متصلاً بالعام هو انقلاب النسبة ، لو فرض وجود عام لم يتصل به


1) راجع الوسائل 8 : 313 / أبواب صلاة الجماعة ب 11.

2) راجع الوسائل 8 : 313 / أبواب صلاة الجماعة ب 11.

مخصص أصلاً وعام آخر اتصل به أخص الخاصين ، كما إذا ورد في رواية أنّه يجب إكرام العلماء ، وفي رواية اخرى أنّه يجب إكرام العلماء إلاّالعالم المرتكب للكبائر ، وفي ثالثة أنّه يحرم إكرام العالم العاصي ، فهل يعامل معاملة المخصص المنفصل وتخصيص العام بكلا المخصصين باعتبار انفصالهما عن العام الأوّل ، أو يعامل معاملة المخصص المتصل باعتبار اتصال أخص الخاصين بالعام الثاني ، فيخصص العام الأوّل بالمخصص المتصل بالعام الثاني ، ثمّ تلاحظ النسبة بينه وبين المخصص المنفصل ، وهي العموم من وجه ، فتقع المعارضة بينهما في مادة الاجتماع ، فيعامل معهما معاملة المتعارضين؟

اختار المحقق النائيني قدس‌سره (1)الثاني ، لوجهين :

الوجه الأوّل : أنّ العام الأوّل قد تخصص بالمخصص المتصل بالعام الثاني يقيناً ، لعدم المعارضة بين الخاصين بالنسبة إلى المقدار المشمول للأخص منهما ، فيكون مفاد العام الأوّل عين مفاد العام الثاني المتصل به أخص الخاصين ، ومن الظاهر أنّ النسبة بينه وبين الخاص الآخر المنفصل العموم من وجه.

الوجه الثاني : أنّ الخاص المنفصل بنفسه مبتلىً بالمعارض وهو العام الثاني المتصل به أصل الخاصين ، فلا يكون صالحاً لتخصيص العام الأوّل ، انتهى ملخص كلامه قدس‌سره.

أقول : أمّا الوجه الأوّل ، فقد ظهر ما فيه مما تقدم من أنّه لا وجه لتخصيص العام بأحد المخصصين أوّلاً ثمّ ملاحظة النسبة بينه وبين الخاص الآخر على ما تقدم. وأمّا الوجه الثاني فهو وإن كان صحيحاً ، إلاّأ نّه لا ينتج التعارض بين العام الأوّل والخاص المنفصل ، فانّه بعد ابتلاء الخاص المنفصل


1) أجود التقريرات 4 : 303 - 304 ، فوائد الاصول 4 : 744 - 745.

بالمعارض ، لا بدّ من معالجة التعارض بينهما ثمّ ملاحظة العام الأوّل ، فان قلنا بالتساقط ، فلا مانع من الرجوع إلى العام ، وإن قلنا بالرجوع إلى المرجحات وإلى التخيير مع فقدها ، فان أخذنا بالعام المتصل به أخص الخاصين للترجيح أو التخيير ، يطرح الخاص المنفصل ، فيبقى العام الأوّل بلا معارض أيضاً. وإن أخذنا بالخاص المنفصل للترجيح أو التخيير ، يخصص به العام الأوّل ، لكونه أخص مطلقاً بالنسبة إليه ، فلا يكون بين العام الأوّل والمخصص المنفصل تعارض على كل حال.

ثمّ إنّه لا بأس بالاشارة إلى الجمع بين الأدلة الواردة في ضمان العارية ، فنقول : الأخبار الواردة في ذلك الباب على طوائف :

منها : ما يدل على نفي الضمان في العارية بقول مطلق (1).

ومنها : ما يدل على نفي الضمان مع عدم الاشتراط ، وإثباته معه (2).

ومنها : ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الدراهم ، وإثباته فيها (3).

ومنها : ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الدنانير وإثباته فيها (4).

ومنها : ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الذهب والفضة وإثباته في عاريتهما (5).

أمّا ما يدل على ثبوت الضمان مع الاشتراط ، فنسبته مع سائر المخصصات العموم من وجه ، إذ ربّما يكون الاشتراط في غير عارية الدرهم والدينار ، وربّما


1) الوسائل 19 : 92 / كتاب العارية ب 1 ح 3 وغيره.

2) الوسائل 19 : 91 / كتاب العارية ب 1 ح 1.

3) الوسائل 19 : 96 و 97 / كتاب العارية ب 3 [والأحاديث الواردة في الباب مصرِّحة بضمان المذكورات إشترط أو لم يشترط].

4) الوسائل 19 : 96 و 97 / كتاب العارية ب 3 [والأحاديث الواردة في الباب مصرِّحة بضمان المذكورات إشترط أو لم يشترط].

5) الوسائل 19 : 96 و 97 / كتاب العارية ب 3 [والأحاديث الواردة في الباب مصرِّحة بضمان المذكورات إشترط أو لم يشترط].

يكون الاشتراط في عاريتهما ، وربّما تكون عارية الدرهم أو الدينار بلا اشتراط. وكذا الحال بالنسبة إلى ما يدل على الضمان في عارية الذهب والفضة ، فانّ النسبة بينه وبين ما يدل على الضمان مع الاشتراط أيضاً العموم من وجه ، فمقتضى القاعدة هو تخصيص العام بجميع هذه المخصصات ، لما ذكرناه سابقاً (1): من أنّه إذا كانت النسبة بين المخصصات العموم من وجه ، يخصص العام بجميعها.

وأمّا ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الدرهم وإثباته فيها ، وما يدل على نفي الضمان في غير عارية الدينار وإثباته فيها ، فهما بمنزلة رواية واحدة دالة على نفي الضمان في غير عارية الدرهم والدينار وإثباته في عاريتهما ، إذ الأوّل منهما يدل على نفي الضمان في عارية الدنانير بالاطلاق ، وعلى إثباته في عارية الدرهم بالتصريح ، والثاني منهما يدل على نفي الضمان في عارية الدرهم بالاطلاق ، وعلى إثباته في عارية الدينار بالتصريح ، وبين إطلاق السلب في كل منهما والايجاب في الآخر جمع عرفي بتقييد إطلاق السلب في كل منهما بالايجاب في الآخر ، فيجمع بينهما على النحو المزبور. ويصير حاصل مضمونهما نفي الضمان في غير عارية الدرهم والدينار وإثباته في عاريتهما ، وتقع المعارضة بينهما وبين ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الذهب والفضة وإثباته في عاريتهما ، أي العقد السلبي من الروايتين معارض بالايجاب فيما يدل على نفي الضمان في غير عارية الذهب والفضة وإثباته في عاريتهما ، والنسبة بينهما هي العموم من وجه ، لاختصاص العقد السلبي منهما بنفي الضمان في مثل عارية الكتب ، واختصاص الايجاب في هذه الرواية باثبات الضمان في عارية الدرهم والدينار ، ويجتمعان في


1) في ص 471.

عارية الذهب والفضة غير المسكوكين كالحلي ، ومقتضى القاعدة تساقطهما فيه والرجوع إلى العام الفوق الذي يدل على نفي الضمان بقول مطلق ، إلاّأنّ في المقام خصوصية تقتضي تقديم الايجاب في هذه الرواية على السلب فيهما.

بيان ذلك : أنّه سيجيء - عند التكلم عن المرجحات (1)- أنّه إذا كان تقييد أحد المتعارضين بالعموم من وجه في مادة الاجتماع مستلزماً لاستهجانه دون العكس ، تقدم الآخر حذراً من الاستهجان ، والمقام كذلك فانّ حمل ما يدل على ثبوت الضمان في عارية الذهب والفضة على خصوص الدرهم والدينار حمل للمطلق على الفرد النادر ، فانّ استعارة الدرهم والدينار نادر جداً لو لم يكن منتفياً رأساً ، لأن استيفاء المنفعة المقصودة منهما غالباً لا يمكن إلاّ بالتصرف في عينهما ، والمعتبر في العارية إمكان الانتفاع مع بقاء العين كما هو الحال في الوقف ، ومن ثمّ ذهب بعض إلى عدم صحة وقفهما ، وهذا بخلاف مثل الحلي فانّ عاريته أمر متعارف ، فاذن يؤخذ بايجاب ما يدل على ثبوت الضمان في عارية الذهب والفضة ، ويخصص به العام الفوق وهو ما يدل على عدم الضمان بقول مطلق ، ويحكم بالضمان في مطلق الذهب والفضة.

النوع الثاني من التعارض بين أكثر من دليلين : ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه مع ورود مخصص ما. وهذا النوع أيضاً يتصور على صور ثلاث :

الصورة الاولى : ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه وورد مخصص على مورد الاجتماع. ولا محالة يكون المخصص المذكور أخص مطلقاً بالنسبة إلى كلا المتعارضين فيقدّم عليهما ، وبه يرتفع التعارض ، مثلاً إذا دلّ دليل على


1) [لم نعثر عليه].

وجوب إكرام العلماء ، ودل دليل آخر على حرمة إكرام الفساق ، ودل دليل ثالث على كراهة إكرام العالم الفاسق ، فيقع التعارض بين الأوّلين في مادة الاجتماع ، وهو العالم الفاسق ، والثالث أخص منهما فيقدّم عليهما ، وبتقدمه يرتفع التعارض ، وتصير النتيجة وجوب إكرام العالم العادل ، وكراهة إكرام العالم الفاسق ، وحرمة إكرام الفاسق الجاهل.

الصورة الثانية : ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه ، وورد مخصص على أحدهما - أي على مورد الافتراق من أحدهما - فيقدّم الخاص على العام ، فتنقلب النسبة بين العامين من وجه إلى العموم المطلق لا محالة. وهذا أحد موارد انقلاب النسبة ، فيقدّم العام - الذي خرج منه مادة الافتراق - على العام الآخر ، إذ بعد خروج مادة الافتراق من العام الأوّل يكون أخص مطلقاً من العام الثاني ، مثلاً إذا دل دليل على استحباب إكرام العلماء ، ودل دليل آخر على حرمة إكرام الفساق ، ودل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل ، يقع التعارض بين الأوّل والثاني في مورد الاجتماع وهو العالم الفاسق ، وبعد تخصيص دليل الاستحباب بدليل الوجوب وإخراج العالم العادل عنه ، ينحصر مورده بالعالم الفاسق ، فيكون أخص مطلقاً من دليل الحرمة فيقدّم عليه لا محالة ، فتكون النتيجة وجوب إكرام العالم العادل ، واستحباب إكرام العالم الفاسق ، وحرمة إكرام الفاسق الجاهل.

هذا إن كان التخصيص وارداً على مادة الافتراق بتمامها كما مثلناه. وأمّا إن كان التخصيص وارداً على بعضها ، كما إذا دلّ الدليل الثالث في المثال السابق على وجوب إكرام العالم العادل الهاشمي ، فيبقى التعارض بحاله ولا بدّ من علاجه ، لأنّ النسبة التي كانت بين المتعارضين - وهي العموم من وجه - لم تنقلب عما كانت عليه ، بل هي باقية بحالها بعد تخصيص أحدهما أيضاً.

الصورة الثالثة : ما إذا وقع التعارض بين عامين من وجه ، وورد المخصص على مادة الافتراق في كل منهما ، كما إذا دل دليل على استحباب إكرام العلماء ، ودل دليل آخر على كراهة إكرام الفساق ، ودل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل ودل دليل رابع على حرمة إكرام الفاسق الجاهل ، فيقع التعارض بين دليل الاستحباب ودليل الكراهة في مادة الاجتماع - وهي العالم الفاسق - وبعد تخصيص دليل الاستحباب بدليل الوجوب لكونه أخص منه ، يكون مورد دليل الاستحباب منحصراً في العالم الفاسق. وكذا الحال في دليل الكراهة ، إذ بعد تخصيصه بدليل الحرمة ينحصر مورده أيضاً في العالم الفاسق ، فتكون النسبة بينهما بعد تخصيصهما هو التباين ، لدلالة أحدهما على استحباب إكرام خصوص العالم الفاسق ، والآخر على كراهته ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات أو الحكم بالتخيير على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى.

وهل يلاحظ الترجيح أو التخيير بين العامين فقط ، أو بين الأدلة الأربعة؟ ذهب المحقق النائيني (1)قدس‌سره إلى الأوّل ، لأنّه بعد تخصيص كل من العامين بالنسبة إلى مادة الافتراق ينحصر مفادهما في مادة الاجتماع ، فيقع التعارض بينهما فيها بالتباين ، فلا بدّ من ترجيح أحدهما على الآخر ، أو الحكم بالتخيير بينهما.

والتحقيق هو الثاني ، لما ذكرناه سابقاً (2)من أنّ منشأ التعارض في أمثال هذه المقامات إنّما هو العلم الاجمالي بعدم صدور أحد المتعارضين ، وفي المقام ليس لنا علم إجمالي بعدم صدور خصوص أحد العامين من وجه ، بل لنا علم


1) أجود التقريرات 4 : 304.

2) في ص 469.

بعدم صدور أحد هذه الأدلة الأربعة ، إذ لو لم يصدر أحد العامين أو أحد الخاصين لم يكن تنافٍ بين الثلاثة الباقية. أمّا لو لم يصدر أحد العامين فواضح ، وأمّا لو لم يصدر أحد الخاصين فلأ نّه بعد تخصيص أحد العامين يصير أخص من العام الآخر فيخصص به. فاذن لابدّ من ملاحظة الترجيح بين الأدلة الأربعة ، وطرح أحدها والأخذ بالثلاثة الباقية ومع فقد المرجح والحكم بالتخيير ، يتخير بين الأدلة الأربعة بطرح أحدها والأخذ بالباقي.

النوع الثالث من التعارض بين أكثر من دليلين : ما إذا وقع التعارض بين الدليلين بالتباين وورد مخصص مّا ، وهذا أيضاً يتصور على صور ثلاث :

الصورة الاولى : ما إذا ورد المخصص على أحدهما فيخصص به ، وتنقلب النسبة من التباين إلى العموم المطلق ، فيقدّم الخاص على العام ويرتفع التعارض ، مثلاً إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء ، ودل دليل آخر على عدم وجوب إكرام العلماء ، ودل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل ، تكون النسبة بين الأوّلين التباين ، وبعد تخصيص الثاني بالثالث باخراج العالم العادل منه تنقلب النسبة بين الأوّل والثاني من التباين إلى العموم المطلق ، ويكون الثاني أخص مطلقاً بالنسبة إلى الأوّل.

ومن هذا القبيل الأدلة الواردة في إرث الزوجة من العقار ، فمنها ما يدل على أنّها لا ترث من العقار بقول مطلق (1). ومنها ما يدل على أنّها ترثها كذلك (2). ومنها ما يدل على أنّها ترثها إذا كانت ام ولد (3).

الصورة الثانية : ما إذا وقع التعارض بين الدليلين بالتباين ، وورد المخصص


1) الوسائل 26 : 205 / أبواب ميراث الأزواج ب 6.

2) الوسائل 26 : 212 / أبواب ميراث الأزواج ب 7 ح 1 و 2.

3) الوسائل 26 : 212 / أبواب ميراث الأزواج ب 7 ح 1 و 2.

على كل واحد منهما مع عدم التنافي بين المخصصين في أنفسهما أصلاً ، فتنقلب النسبة من التباين إلى العموم من وجه ، ويتعارضان في مادة الاجتماع ، ويرجع إلى الترجيح أو التخيير ، مثلاً إذا دل دليل على كفاية الغسل مرة واحدة في ارتفاع النجاسة وعدم اعتبار التعدد في حصول الطهارة ، ودل دليل آخر على عدم كفايتها واعتبار التعدد ، ودل دليل ثالث على اعتبار التعدد في الغسل بالماء القليل ، وهو المخصص لما يدل على عدم اعتبار التعدد مطلقاً ، ودل دليل رابع على عدم اعتبار التعدد في الغسل بالماء الجاري ، وهو المخصص لما يدل على اعتبار التعدد مطلقاً ، فيقع التعارض بين الأوّلين بالتباين ، وبعد تخصيص كل واحد منهما تنقلب النسبة إلى العموم من وجه ، ويتعارضان في مادة الاجتماع - وهو الغسل بالكر - فان مقتضى ما يدل على اعتبار التعدد إلاّفي الغسل بالماء الجاري هو اعتباره في الغسل بالكر ، ومقتضى ما يدل على عدم اعتبار التعدد إلاّ في الغسل بالقليل هو عدم اعتباره في الغسل بالكر ، فيعامل معهما معاملة المتعارضين من الترجيح أو التخيير.

الصورة الثالثة : ما إذا وقع التعارض بين دليلين بالتباين ، وورد المخصص على كل منهما مع التنافي بين المخصصين أيضاً بالعموم من وجه ، كما إذا دل دليل على وجوب إكرام العلماء ، ودل دليل آخر على عدم وجوب إكرامهم ، ودل دليل ثالث على وجوب إكرام العالم العادل ، ودل دليل رابع على عدم وجوب إكرام العالم النحوي. ولا أثر للقول بانقلاب النسبة والقول بعدمه في هذه الصورة.

إذ على القول بانقلاب النسبة ، كانت النسبة - بين دليل وجوب إكرام العلماء ودليل عدم وجوب إكرامهم بعد خروج العالم النحوي من الأوّل وخروج العالم العادل من الثاني - العموم من وجه ، حيث يجتمعان في العالم العادل النحوي ،

ويفترقان في العالم العادل غير النحوي وفي العالم الفاسق النحوي ، فيحكم بوجوب إكرام العالم العادل غير النحوي ، وبعدم وجوب إكرام العالم الفاسق النحوي ، ويرجع إلى الاصول العملية أو الترجيح أو التخيير في إكرام العالم العادل النحوي.

وأمّا على القول بانكار الانقلاب يسقط العامان عن الاعتبار رأساً ، ويؤخذ بالخاصين ، وحيث إنّ بينهما العموم من وجه ، يعمل بهما في مورد افتراقهما ، ويرجع إلى الاصول العملية أو الترجيح أو التخيير في مورد الاجتماع - وهو العالم العادل النحوي - فتكون النتيجة عين نتيجة القول بانقلاب النسبة.

هذا تمام الكلام في بيان صور التعارض بين أكثر من دليلين. ولو فرض التعارض بين أكثر من دليلين - سوى ما ذكرناه من الصور - يعلم حكمه مما ذكرناه.

الكلام في علاج التعارض : اعلم أنّ الدليلين المتعارضين إمّا أن يكون كلاهما قطعي الصدور ، أو يكون كلاهما ظني الصدور ، أو يكون أحدهما قطعياً والآخر ظنياً.

أمّا إن كان كلاهما قطعي الصدور ، كما إذا وقع التعارض بين ظاهر آيتين ، أو بين ظاهر آية وظاهر خبر متواتر أو محفوف بالقرينة القطعية ، فلا بدّ من رفع اليد عن الظهورين وفرض الدليلين كالعدم في الرجوع إلى دليل آخر أو أصل عملي ، لما ذكرناه من عدم شمول دليل الحجية للمتعارضين على ما تقدّم (1). وما ذكره الشيخ قدس‌سره (2)من أنّه يجب تأويلهما والعمل على


1) في ص 440 - 441.

2) فرائد الاصول 2 : 754 - 755.

المعنى المؤول إليه غريب منه ، فانّه لا دليل على وجوب التأويل والعمل على المعنى المؤول إليه ، مع احتمال أن يكون المراد منهما غير ما أوّلناهما إليه.

وأمّا إن كان أحدهما قطعي الصدور والآخر ظنياً ، كما إذا وقع التعارض بين ظاهر آية والخبر الواحد المظنون صدوره ، أو وقع التعارض بين خبر متواتر والخبر المظنون صدوره ، فلا بدّ من الأخذ بظاهر الآية أو ظاهر الخبر المقطوع صدوره ، وطرح خبر الواحد بمقتضى الأخبار الكثيرة الدالة على طرح الخبر المخالف للكتاب أو السنّة ، وليس ذلك من جهة ترجيح ظاهر الكتاب أو السنّة على الخبر الواحد المخالف لهما ، بل من جهة أنّ الخبر الواحد - المخالف لهما بنحو لا يمكن الجمع بينه وبينهما - لا يكون حجة بمقتضى قوله عليه‌السلام : «إنّه زخرف وباطل ، أو لم نقله ، أو فاضربوه على الجدار» (1)إلى غير ذلك من العبارات الدالة على عدم حجية الخبر المذكور ، سواء جاء به عادل أم فاسق ، ولذا ذكرنا (2)في بحث حجية الأخبار : أنّ من شرائط حجية الخبر الواحد عدم مخالفته للكتاب والسنّة.

وأمّا إن كان كلاهما ظني الصدور ، فهذا هو الذي انعقد له بحث التعادل والترجيح ، ومقتضى القاعدة في مثل ذلك وإن كان هو التساقط على ما ذكرناه (3)، إلاّأ نّه وردت نصوص كثيرة دالة على الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً على ما سنتكلم فيه إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّ المعارضة بين الدليلين قد تكون على نحو التباين ، وقد تكون على نحو


1) الوسائل 27 : 110 - 111 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 12 ، 14 ، 15 ، 48.

2) [لم نعثر عليه].

3) في ص 440 - 441.

العموم من وجه. فيقع الكلام في مقامين :

المقام الأوّل : في المتباينين كما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء ، والآخر على عدم وجوبه.

وذكر صاحب الكفاية (1)أنّ الأخبار الواردة في تعارض الخبرين على طوائف : منها ما يدل على التوقف. ومنها ما يدل على الأخذ بما يوافق الاحتياط. ومنها ما يدل على التخيير على الاطلاق. ومنها ما يدل على الترجيح بالمرجحات المذكورة في الروايات.

أقول : أمّا التوقف ، فليس في المقام ما يدل عليه ، سوى روايتين : إحداهما : مقبولة عمر بن حنظلة (2). والاخرى : خبر سماعة بن مهران (3). أمّا المقبولة ، فقد ورد فيها بعد فرض الراوي تساوي الحديثين من حيث موافقة القوم ومخالفتهم «فارجئه حتى تلقى إمامك ...» وأمّا خبر سماعة فقد ورد فيه بعد ما قال الراوي يرد علينا حديثان : واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه أنّه قال عليه‌السلام : «لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قال الراوي : قلت : لا بدّ أن نعمل بواحد منهما ، قال عليه‌السلام : خذ بما فيه خلاف العامة».

والتحقيق أنّه لا يصح الاستدلال بهما على الحكم بالتوقف. أمّا المقبولة ، فلأ نّها - مع الغض عن سندها - وردت في مورد التخاصم ، ومن الظاهر أنّ فصل التخاصم لا يمكن بالحكم بتخيير المتخاصمين ، إذ كل منهما يختار ما فيه


1) كفاية الاصول : 442 - 443.

2) الوسائل 27 : 106 و 107 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

3) الوسائل 27 : 122 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 42.

نفعه فتبقى المخاصمة بحالها. مضافاً إلى أنّ موردها صورة التمكن من لقاء الإمام عليه‌السلام.

وأمّا خبر سماعة فلأ نّه ضعيف السند ، فلا يصح الاعتماد عليه. مضافاً إلى كونه معارضاً بالمقبولة ، حيث حكم فيها بالتوقف بعد فقد المرجح لإحدى الروايتين. وهذا الخبر يدل على وجوب التوقف من أوّل الأمر والأخذ بما فيه الترجيح عند عدم إمكان التوقف. على أنّ مورده أيضاً صورة التمكن من لقاء الإمام عليه‌السلام كما في المقبولة.

وأمّا الروايات العامة الدالة على التوقف عند الشبهة (1)، فهي وإن كانت كثيرة ، إلاّأ نّه على تقدير تمامية دلالتها مخصصة بما دل على الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين تعييناً أو تخييراً ، بل مع تمامية دلالة الدليل على التخيير أو الترجيح لا يكون الأخذ بأحد المتعارضين ارتكاباً للشبهة ، فيكون خارجاً من تلك الروايات موضوعاً.

وأمّا الاحتياط ، فلم يدل عليه دليل سوى مرفوعة زرارة التي رواها ابن أبي جمهور الاحسائي في كتاب عوالي اللآلي عن العلامة قدس‌سره مرفوعاً إلى زرارة (2)، والمستفاد منها لزوم الأخذ بما يوافق الاحتياط عند تساوي الخبرين المتعارضين ، حيث يقول عليه‌السلام بعد فرض الراوي تساوي الحديثين : «إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك الآخر» ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية ، فانّه - مضافاً إلى أنّها لم توجد في كتب العلامة قدس‌سره ولم تثبت وثاقة راويها ، بل طعن فيه وفي كتابه من ليس دأبه الخدشة في سند


1) الوسائل 27 : 154 / أبواب صفات القاضي ب 12.

2) المستدرك 17 : 303 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 2.

الرواية كالمحدث البحراني قدس‌سره (1)- أنّها مرفوعة ساقطة عن مقام الحجية.

فتبقى في المقام طائفتان من الأخبار : إحداهما : ما يدل على التخيير. والاخرى : ما يدل على الترجيح. وذهب صاحب الكفاية (2)قدس‌سره إلى التخيير ، وأنكر لزوم الترجيح ، حيث حمل الأخبار الدالة على الترجيح على الاستحباب ، وأصرّ عليه ، ونسبه إلى الكليني قدس‌سره في الكافي (3)، وذكر في وجه ما ذهب إليه وجوهاً :

الأوّل : أنّ الأخبار الدالة على الأخذ بما يوافق الكتاب وطرح ما يخالفه ، أو الأخذ بما يخالف القوم وطرح ما يوافقهم ليست واردة في مقام الترجيح ، بل في مقام تمييز الحجة عن اللا حجة بشهادة ما ورد من قوله عليه‌السلام : «أنّه زخرف وباطل أو لم نقله أو اضربوه على الجدار» (4)إلى غير ذلك من التعبيرات الدالة على عدم حجية الخبر المذكور. وكذا الأمر في الأخبار الدالة على الأخذ بما يخالف القوم وطرح ما يوافقهم ، فانّ الوثوق بصدور الخبر المخالف للقوم يوجب اطمئنان النفس بأنّ الخبر الموافق لهم إمّا غير صادر من المعصوم عليه‌السلام أو صدر تقية ، فيكون الخبر المخالف للكتاب أو الموافق للقوم غير مشمول لأدلة الحجية.

ثمّ ذكر أنّه لو سلّم أنّ الأخبار الآمرة بالأخذ بموافق الكتاب أو بمخالف


1) الحدائق 1 : 99.

2) كفاية الاصول : 443 - 445.

3) [سيأتي التعرض له في ص 494].

4) تقدّمت مصادرها في ص 484.

القوم ظاهرة في بيان المرجح لأحد المتعارضين ، فلا مناص من حملها على خلاف ظاهرها ، وأ نّها صدرت في مقام تمييز الحجة عن اللا حجة ، أو على الاستحباب ، لأن حملها على الترجيح يوجب تقييدها ، وهي آبية عنه ، وكيف يمكن تقييد مثل قوله عليه‌السلام : «ما خالف قول ربّنا لم نقله أو زخرف أو باطل».

بيان ذلك : أنّ موافقة الكتاب ومخالفته - على تقدير كونهما من المرجحات - متأخرتان عن الترجيح بالشهرة ، كما هو مفاد المقبولة ، وعليه فيقدّم الخبر المشهور - ولو كان مخالفاً للكتاب - على الشاذ النادر ولو كان موافقاً له ، ويخرج مثل هذه الصورة عن قوله عليه‌السلام : «لم نقله أو زخرف أو باطل» مع كونه آبياً عن التخصيص كما عرفت ، وهذا بخلاف حملها على التمييز ، فانّه بناءً عليه لا بدّ من طرح الخبر المشهور في الفرض المذكور ، لأنّه غير حجة في نفسه كما لا يخفى.

وفيه : أنّ الأخبار الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب والسنّة على طائفتين :

الطائفة الاولى : ما ذكره قدس‌سره من الأخبار الدالة على أنّ مخالف الكتاب زخرف أو باطل أو اضربوه على الجدار ، إلى غير ذلك من التعبيرات الدالة على عدم الحجية ، وأنّ حجية الأخبار مشروطة بعدم كونها مخالفة للكتاب والسنّة ، والمراد من المخالفة هي المخالفة بنحو لا يكون بينها وبين الكتاب والسنّة جمع عرفي ، كما إذا كان خبر مخالفاً للكتاب أو السنّة على نحو التباين أو العموم من وجه. وأمّا الأخبار المخالفة للكتاب أو السنّة بالتخصيص أو التقييد ، فليست مشمولة لهذه الأخبار ، للعلم بصدور المخصص لعمومات الكتاب والسنّة والمقيد لاطلاقاتهما عنهم عليهم‌السلام فانّه لم يذكر في الكتاب

إلاّ أساس الأحكام ، كقوله تعالى : ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) (1)وأمّا تفصيل الأحكام وموضوعاتها وتخصيص عموماتها وتقييد مطلقاتها ، فهو مذكور في الأخبار المروية عنهم عليهم‌السلام.

وإن شئت قلت : ليس المراد من المخالفة في هذه الطائفة هي المخالفة بالتخصيص والتقييد ، وإلاّ لزم تخصيصها بموارد العلم بتخصيص الكتاب فيها ، مع أنّها آبية عن التخصيص كما تقدّم. وبالجملة : الأخبار المخصصة لعمومات الكتاب أو المقيدة لاطلاقاته لا تكون مخالفة له في نظر العرف ، بل قرينة على المراد منه.

الطائفة الثانية : الأخبار الواردة في مقام ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر ، كقوله عليه‌السلام : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان ، فاعرضوهما على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فخذوه ، وما خالف كتاب اللّه فردّوه ...» إلخ (2)وحيث إنّ هذه الطائفة من الأخبار واردة في بيان المرجح لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر ، قدّم الإمام عليه‌السلام في المقبولة الترجيح بالشهرة على الترجيح بموافقة الكتاب ، وإلاّ لم يكن وجه للتقديم ، إذ لو كان المراد بيان المميّز للحجة عن اللا حجة ، لكان الخبر المشهور المخالف لعموم الكتاب غير حجة في نفسه ، فكيف قدّمه عليه‌السلام على الشاذ الموافق لعموم الكتاب ، كما هو مقتضى إطلاق المقبولة.

والمراد من المخالفة في هذه الطائفة هي المخالفة بنحو التخصيص والتقييد ، فمفادها أنّه إذا ورد خبران متعارضان وكان أحدهما موافقاً لعمومات الكتاب


1) البقرة 2 : 43.

2) الوسائل 27 : 118 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 29.

أو إطلاقاته وكان الآخر مخالفاً لها ، يجب ترجيح الخبر الموافق على الخبر المخالف.

وأمّا ما ذكره - من أنّ الخبر الموافق للقوم لا يكون حجة مع وجود الخبر المخالف لهم ، إذ معه يطمئن النفس بأنّ الخبر الموافق لهم إمّا غير صادر أو صدر عن تقية ، فيخرج عن دائرة اعتبار السند أو الظهور - ففيه : أنّ مجرد وجود الخبر المخالف للقوم لا يوجب حصول الاطمئنان المذكور ، لأنّ الأحكام المتفق فيها الفريقان في نفسها كثيرة جداً ، فيحتمل أن يكون مضمون الخبر الموافق لهم هو الحكم الواقعي ، والخبر المخالف لم يصدر أو صدر بغير داعي الجد.

فظهر أنّ ذكر موافقة القوم ومخالفتهم إنّما هو لترجيح أحد المتعارضين على الآخر لا لتمييز الحجة عن اللا حجة. ويشهد لما ذكرناه أنّه ذكر مخالفة العامة في المقبولة متأخرة عن الشهرة ، ولازم ذلك وجوب الأخذ بالمشهور ولو كان موافقاً لهم ، ولو كان المراد تمييز الحجة عن اللا حجة لم يكن وجه لذلك ، إذ الخبر الموافق لهم لا يكون حجة حينئذ ، فكيف أمر عليه‌السلام بالأخذ بالمشهور ولو كان موافقاً للعامة كما هو مقتضى الاطلاق.

الثاني : أنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة والمرفوعة ، ولا يمكن الاستدلال بهما على لزوم الترجيح بين المتعارضين ، لأنّ موردهما هي الحكومة وفصل الخصومة ، ولا وجه للتعدي منه إلى غيره. ومجرد مناسبة الترجيح لمقام الفتوى لايوجب ظهورهما في وجوب الترجيح ولو في غير مورد الحكومة ، هذا. مضافاً إلى اختلافهما في أنفسهما ، حيث قدّم الترجيح بالشهرة على الترجيح بالأوثقية والأعدلية في المرفوعة ، ولم يذكر فيها الترجيح بموافقة الكتاب ، بخلاف المقبولة فانّه قدّم فيها الترجيح بالأوثقية والأعدلية على الترجيح بالشهرة ، وجعل موافقة الكتاب مرجّحة قبل الترجيح بمخالفة العامة.

وإلى ضعف سند المرفوعة جداً ، انتهى ملخّصاً.

وفيه : أنّ الأخبار الدالة على الترجيح ليست منحصرة في المقبولة والمرفوعة ، بل هناك روايات اخر وجملة منها صحاح لا إشكال في سندها ولا في دلالتها ، وقد تقدمت الاشارة إلى بعضها (1)، وسيجيء ذكره قريباً إن شاء اللّه تعالى.

أمّا المرفوعة فقد عرفت حالها من حيث السند عند التكلم في أدلة الاحتياط (2). ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور ممنوعة بما ذكرناه في محلّه (3): من عدم صحة ذلك ، على أنّه لم يثبت عمل المشهور بها ، فانّا لم نجد من عمل بما في آخرها من الأمر بالأخذ بما فيه الحائطة. ومع الغض عن ضعف سندها ليس موردها الحكومة على ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره فراجع.

وأمّا المقبولة فسندها وإن كان محل خدشة ، إذ لم يذكر في كتب الرجال لعمر ابن حنظلة توثيق ، ولايمكن إثبات وثاقته مما رواه (4)في الوسائل في باب الوقت عن الكليني قدس‌سره في الكافي الدال على توثيق الإمام عليه‌السلام له ، لكونه ضعيف السند بنفسه ، فلا يمكن إثبات وثاقة عمر بن حنظلة به ، ولكنّه يقال : إنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول ، وعملوا بها قديماً وحديثاً ، ويعلم استنادهم إليها من الافتاء بمضمون ما ورد فيها من قوله عليه‌السلام : «وما يحكم له


1) تقدّم في ص 489 وسيجيء في ص 498.

2) في ص 486.

3) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 235 ، 279.

4) نقل في الوسائل عن الكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة ، قال : «قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام : إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت ، فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام : إذن لا يكذب علينا» [الوسائل 27 : 85 / أبواب صفات القاضي ب 8 ح 30].

فانّما يأخذه سحتاً وإن كان حقه ثابتاً» حيث إنّ هذه الجملة لم ترد في سائر أخبار باب القضاء ، فراجع.

وأمّا دلالتها ، فلا ينبغي الاشكال في تماميتها ، فان صدرها من الترجيح بالأفقهية والأعدلية والأصدقية وإن كان ناظراً إلى ترجيح أحد الحكمين على الآخر عند الاختلاف ، إلاّأنّ ظاهر ذيلها هو ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى ، إذ الترجيح بكون الرواية مجمعاً عليها بين الأصحاب وبموافقة الكتاب والسنّة وبمخالفة العامة ، قد اعتبر فيها بعد فرض سقوط حكم الحكمين بالمعارضة ، فمفادها أنّه بعد سقوط الحكم يرجع إلى الروايتين ويؤخذ بالراجح منهما.

الثالث : أنّه لو تمت دلالة الأخبار على لزوم الترجيح بين المتعارضين حتى في مقام الافتاء ، لا بدّ من رفع اليد عن ظاهرها وحملها على الاستحباب لوجهين :

أحدهما : أنّ الأخذ بظاهرها يوجب حمل إطلاقات أخبار التخيير على الفرد النادر ، إذ مورد تساوي الخبرين المتعارضين قليل جداً ، وشمول المطلق لفرده النادر وإن كان بلا محذور ، إلاّأنّ في اختصاصه به محذوراً على ما ذكر في محلّه.

ثانيهما : أنّ ترك الاستفصال عن التعادل والتفاضل في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين في أخبار التخيير قرينة على الاستحباب ، إذ على تقدير وجوب الترجيح يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فانّ الحكم باختصاص التخيير بصورة فقد المرجح مستفاد من دليل منفصل ، وهو أخبار الترجيح.

وفيه : أنّ ما ذكره - من أنّ الأخذ بظواهر أخبار الترجيح يوجب حمل إطلاقات أخبار التخيير على الفرد النادر - إنّما يتم على القول بالتعدي عن المرجحات المنصوصة إلى غيرها كما ذهب إليه الشيخ (1)قدس‌سره وتبعه بعضهم ، فان تساوي الخبرين المتعارضين من جميع الجهات لو لم يكن مجرد فرض غير متحقق فلا خفاء في ندرته. وأمّا على القول بالاقتصار على المرجحات المنصوصة كما هو الصحيح فلا يلزم المحذور المذكور ، إذ المرجح المنصوص منحصر في موافقة الكتاب والسنّة ومخالفة العامة على ما سنتكلم فيه (2)إن شاء اللّه تعالى ، وموارد تساوي الخبرين المتعارضين من حيث موافقة الكتاب وعدمها كثيرة جداً ، فانّه لم يذكر في الكتاب الكريم من الأحكام إلاّ عدّة قليلة ، فيمكن أن لا يكون الحكم الذي تعارض فيه الخبران مذكوراً في الكتاب أصلاً ، وكذا موارد تساوي الخبرين المتعارضين من حيث مخالفة العامة أيضاً في غاية الكثرة ، إذ يمكن أن يكون أحدهما موافقاً لطائفة ، والآخر موافقاً لطائفة اخرى منهم ، وكذا يمكن أن يكون الحكم الذي تعارض فيه الخبران غير مذكور في كتبهم ، فانّ فقه العامة ليس على بساطة فقه الخاصة ، وكذا أخبارهم.

وأمّا ما ذكره من لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة ففيه : أنّه لا مانع من تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لجواز أن يكون فيه مصلحة على ما ذكر في محلّه (3)، ولذا يكون تقييد الاطلاقات بالأدلة المنفصلة في أبواب الفقه في غاية


1) فرائد الاصول 2 : 780 - 781.

2) في ص 495 - 499.

3) محاضرات في اصول الفقه 4 : 481 - 482.

الكثرة. هذا وستسمع (1)إن شاء اللّه تعالى أنّ الأخبار الواردة لا تنهض لاثبات التخيير أصلاً فانتظر قليلاً.

ثمّ لايخفى أنّ هذا الوجه لو تم لزم الالتزام باستحباب الترجيح بالمرجحات ، بخلاف الوجهين المتقدمين ، فان نتيجتهما تعيّن التخيير وعدم رعاية الترجيح لا لزوماً ولا استحباباً.

بقي الكلام فيما نسبه إلى الكليني من القول بالتخيير مطلقاً ، وعدم لزوم الترجيح ، ومراجعة الكافي تشهد بعدم صحة هذه النسبة ، فانّه قدس‌سره قال في ديباجة الكافي : إعلم يا أخي أنّه لا يسع لأحد تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم‌السلام برأيه ، إلاّما اطلقه العالم عليه‌السلام بقوله : «فاعرضوهما على كتاب اللّه (عزّ وجلّ) فما وافق الكتاب فخذوه ، وما خالف الكتاب فردّوه» وقوله عليه‌السلام : «دعوا ما وافق القوم فانّ الرشد في خلافهم» وقوله عليه‌السلام : «خذوا بالمجمع عليه ، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه» ونحن لا نعرف من ذلك إلاّأقله ، ولا نجد شيئاً أحوط وأوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم عليه‌السلام وقبول ما وسع الأمر فيه لقوله عليه‌السلام : «وأ يّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (2)وأنت ترى أنّ ظاهر هذا الكلام لزوم رعاية المرجحات والتخيير مع فقدها ، فان ظاهر قوله قدس‌سره : نحن لا نعرف ... أنّه سلّم الترجيح بالاجماع وموافقة الكتاب ومخالفة القوم ، ولكن ذكر قلّة الموارد التي نعرف فيها وجود تلك المرجحات ، فلا بدّ من ردّ علم كلها إلى العالم عليه‌السلام وقبول التخيير.


1) في ص 508 - 511.

2) الكافي 1 : 8 - 9.

فتحصّل مما ذكرناه في المقام : لزوم الترجيح بالمرجحات والتخيير مع فقدها.

بقي الكلام في تعيين المرجحات المنصوصة وترتيبها فنقول :

أمّا الشهرة : فالظاهر عدم كونها من المرجحات ، فانّ المذكور في المقبولة هو الأخذ بالمجمع عليه ، والمراد به الخبر الذي أجمع الأصحاب على صدوره من المعصومين عليهم‌السلام فالمراد به الخبر المعلوم صدوره من المعصوم عليه‌السلام بقرينة قوله عليه‌السلام بعد الأمر بالأخذ بالمجمع عليه : «فانّ المجمع عليه لا ريب فيه» وقوله عليه‌السلام بعد ذلك : «إنّما الامور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتبع ، وأمر بيّن غيه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه ...» إلخ فانّ الإمام عليه‌السلام طبّق الأمر البيّن رشده على الخبر المجمع عليه ، فيكون الخبر المعارض له ساقطاً عن الحجية ، لما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة ، فانّ المراد بالسنّة هو مطلق الخبر المقطوع صدوره عن المعصوم عليه‌السلام لا خصوص النبوي كما هو ظاهر. ولا ينافي ما ذكرناه فرض الراوي الشهرة في كلتا الروايتين بعد أمره عليه‌السلام بالأخذ بالمجمع عليه ، فانّ الشهرة بمعنى الوضوح ، ومنه قولهم : شهر فلان سيفه ، وسيف شاهر ، فمعنى كون الروايتين مشهورتين أنّهما بحيث قد رواهما جميع الأصحاب ، وعلم صدورهما عن المعصوم عليه‌السلام.

وظهر بما ذكرناه عدم صحة الاستدلال بما في المرفوعة من قوله عليه‌السلام : «خذ بما اشتهر بين أصحابك» على الترجيح بالشهرة الاصطلاحية ، إذ فرض الشهرة في إحدى الروايتين بالمعنى الذي ذكرناه يوجب دخولها تحت عنوان السنة القطعية ، فتكون الرواية الاخرى خارجة عن دائرة دليل الحجية

طبعاً ، بمقتضى ما دل على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة على ما تقدّم (1). مضافاً إلى ما عرفت من عدم حجية المرفوعة لضعف سندها. وليس في غير المقبولة والمرفوعة من الأخبار العلاجية ذكر من الترجيح بالشهرة أصلاً ، فلم يثبت كون الشهرة الاصطلاحية من المرجحات.

وظهر بما ذكرناه : أنّه لا يمكن الاستدلال بالمقبولة ولا بالمرفوعة على الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة ، لكون موردهما الخبرين المشهورين أي المقطوع صدورهما ، فلا تدلان على الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة فيما إذا كان الخبران مظنوني الصدور كما هو محل الكلام. وما اشتهر من أنّ المورد لا يكون مخصصاً مسلّم فيما إذا كان في كلام المعصوم إطلاق أو عموم ، فيؤخذ بالاطلاق أو العموم ولو كان المورد خاصاً ، وليس في المقبولة والمرفوعة عموم أو إطلاق بالنسبة إلى الخبر الظني ، فانّ الإمام عليه‌السلام أمر بالأخذ بما وافق الكتاب وخالف العامة من الخبرين اللذين فرض في كلام الراوي كون كليهما مشهورين.

وأمّا الترجيح بصفات الراوي كالأعدلية والأفقهية والأصدقية : فلم يدل عليه دليل أيضاً ، إذ لم يذكر الترجيح بها [إلاّ] في المقبولة والمرفوعة من الأخبار العلاجية ، أمّا المرفوعة فقد عرفت حالها من عدم الحجية. وأمّا المقبولة فالترجيح بالصفات وإن كان قد ذكر فيها ، إلاّأ نّها قد جعلت من مرجحات الحكمين لا من مرجحات الروايتين ، حيث قال عليه‌السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما ..» إلخ ولذالم يذكرها الكليني (قدس‌سره)


1) في ص 483 - 484.

في جملة المرجحات ، فراجع كلامه الذي نقلناه.

وما ذكره الشيخ قدس‌سره (1)من أن عدم ذكره الصفات المذكورة من المرجحات إنّما هو لوضوح كونها منها غريب منه ، فانّ الترجيح بها ليس بأوضح من الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة. مع أنّ الوضوح لا يوجب إلغاء الشيء في مقام العداد.

وما حكي عن بعض الأخباريين من أنّ الوجه في عدم ذكره الأوصاف أنّه يرى جميع روايات كتابه مقطوعة من حيث السند أغرب من سابقه ، فانّه مع وضوح فساده لا يستلزم تساوي رواة جميع روايات الكافي من حيث الصفات ، فانّ تساوي رواة جميع روايات الكافي من حيث الأعدلية والأفقهية والأصدقية غير محتمل ، فضلاً عن أن يقطع به.

وظهر بما ذكرناه - من عدم كون الصفات من المرجحات - أنّ ما وقع في كلام المتأخرين من ترجيح الصحيحة على الموثقة ليس له وجه.

وأمّا موافقة الكتاب ومخالفة العامة : فلا ينبغي الاشكال في أنّ كلاً منهما مرجح مستقل. وتوهم كون مجموعهما مرجحاً واحداً حيث جمع الإمام عليه‌السلام بينهما في المقبولة بقوله عليه‌السلام : «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق العامة» فأمر بالأخذ بالخبر الجامع لكليهما ، مدفوع بأنّ المذكور في ذيل المقبولة الترجيح بمخالفة العامة بنفسها ، حيث قال عليه‌السلام بعد فرض الراوي تساوي الخبرين من حيث موافقة الكتاب والسنّة : «ما خالف العامة


1) فرائد الاصول 2 : 779.

ففيه الرشاد» فاذا كانت مخالفة العامة بنفسها من المرجحات بلا احتياج إلى انضمام موافقة الكتاب إليه ، كانت موافقة الكتاب أيضاً مرجّحة مستقلة ، فانّه لو لم تكن موافقة الكتاب مرجحة مستقلة ، لكان انضمامها إلى مخالفة العامة من باب ضم الحجر إلى جنب الانسان ، غاية الأمر أنّ الإمام عليه‌السلام فرض أحد الخبرين جامعاً لكلا المرجحين ، والآخر فاقداً لهما ، وأمر بالأخذ بالجامع وطرح الفاقد ، وبعد سؤال الراوي عن الواجد لأحد المرجحين أمر بالأخذ به أيضاً.

ثمّ إنّه لم يذكر في المقبولة حكم الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما موافقاً للكتاب والآخر مخالفاً للعامة ، إذ المذكور فيها حكم الواجد والفاقد لكلا المرجحين والواجد والفاقد لأحد المرجحين ، وأمّا إن كان أحدهما واجداً لمرجح والآخر واجداً للمرجح الآخر ، كما إذا كان أحد الخبرين موافقاً للكتاب والعامة ، والآخر مخالفاً للكتاب والعامة ، فلم يذكر حكمه في المقبولة ، إلاّأنّ حكمه يعلم من خبر صحيح رواه الراوندي بسنده عن الصادق عليه‌السلام أنّه عليه‌السلام قال : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان ، فاعرضوهما على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فخذوه ، وما خالف كتاب اللّه فردّوه ، فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة ، فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه» (1)فبمقتضى هذه الصحيحة يحكم بتقديم الخبر الموافق للكتاب وإن كان موافقاً للعامة ، وطرح الخبر المخالف للكتاب وإن كان مخالفاً للعامة.

فالذي تحصّل مما ذكرناه : أنّ المرجّح المنصوص منحصر في موافقة الكتاب


1) الوسائل 27 : 118 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 29.

ومخالفة العامة ، وأ نّه لا بدّ في مقام الترجيح من ملاحظة موافقة الكتاب أوّلاً ، ومع عدمها يعتبر الترجيح بمخالفة العامة ، ولو لم يكن في أحد المتعارضين شيء من المرجحين يؤخذ بأحدهما تخييراً لو تمت دلالة أخبار التخيير على ما سنتكلم فيها (1)إن شاء اللّه تعالى ، وإلاّ فيحكم بتساقطهما ويرجع إلى دليل آخر أو أصل عملي.

وينبغي التنبيه على امور :

الأمر الأوّل : أنّه قد ورد في بعض الروايات ما ربّما يستظهر منه أنّه لو تعارض الخبر المروي عن النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله والخبر المروي عن الإمام عليه‌السلام فالترجيح للثاني ، وهو موثقة محمّد بن مسلم نقله في الكافي عن العدة عن أحمد بن محمّد عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال : «قلت له : فما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله ولا يتهمون بالكذب ، فيجيء منكم خلافه؟ قال عليه‌السلام : إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (2).

وكذلك ورد في بعض روايات اخر ما يستظهر منه أنّه لو وقع التعارض بين الخبر المتقدم زماناً والخبر المتأخر بحسب الزمان فالترجيح للثاني ، كصحيحة أبي عمرو الكناني رواها الكليني قدس‌سره عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي عمرو الكناني قال : «قال لي أبو عبداللّه عليه‌السلام : يا أبا عمرو ، أرأيتك لو


1) في ص 508 - 511.

2) الكافي 1 : 64 / باب اختلاف الحديث ح 2 ، الوسائل 27 : 108 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 4.

حدثتك بحديثٍ العام ثمّ جئتني بعد ذلك فتسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك ، أو أفتيتك بخلاف ذلك ، بأ يّهما كنت تأخذ؟ قلت : بأحدثهما وأدع الآخر ، فقال عليه‌السلام : قد أصبت يا أبا عمرو ، أبى اللّه إلاّأن يعبد سراً ، أما واللّه لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم ، أبى اللّه (عزّ وجلّ) لنا في دينه إلاّ التقية» (1).

أقول : أمّا الرواية الاولى ، فلا يصح التمسك بها للترجيح ، إذ لو كان المراد من النسخ في هذه الرواية هو النسخ الاصطلاحي - بناءً على إمكانه بعد انقطاع الوحي أيضاً ، لكونه بمعنى بيان أمد الحكم لا ارتفاع الحكم المستمر - فلا بدّ من أن يكون المراد من الحديث الناسخ للحديث النبوي مقطوع الصدور ، فان ضرورة المذهب قاضية بعدم نسخ الكتّاب والسنّة بالخبر الظني ، بل هذا مما اتفق عليه الفريقان. فاذن لو كان المراد من النسخ هو النسخ الاصطلاحي ، فلا بدّ من أن يكون المراد من الناسخ المقطوع الصدور ، وهو خارج عن محل الكلام. وإن كان المراد من النسخ معناه اللغوي ليشمل التخصيص والتقييد - كما قد اطلق عليهما في بعض الأخبار - فكان المراد تخصيص العموم المروي عن النبي صلى‌اللّه‌عليه‌وآله بالمخصص المروي عن الإمام عليه‌السلام أو تقييده به ، ولا مانع منه ولكنّه أيضاً خارج عن محل الكلام ، لأنّ الكلام في المتعارضين اللذين لا يكون بينهما جمع عرفي كما تقدّم (2).


1) الكافي 2 : 218 / باب التقية ح 7 ، الوسائل 27 : 112 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 17.

2) في بداية بحث التعادل والترجيح فراجع.

وأمّا الرواية الثانية الدالة على وجوب الأخذ بالمتأخر من المتعارضين ، فموردها المكلف العالم بصدور كلا الحكمين عن الإمام عليه‌السلام المعاصر له ، ولا بدّ له من العمل بالمتأخر ، لأنّ المتقدّم لو صدر عن تقية لكان المتأخر صادراً لبيان الحكم الواقعي ، ولو كان المتأخر صادراً عن تقية يجب الأخذ به أيضاً ، لوجوب رعايتها ، فانّ الإمام عليه‌السلام أعرف بمصالح الوقت ، وهذا غير جار في حقنا ، فانّ المتقدّم والمتأخر بالنسبة إلينا على حد سواء ، إذ لا علم لنا بصدورهما ، ونحتمل أن لا يكون شيء منهما صادراً ، وعلى تقدير صدورهما واقعاً ، لا نعلم أنّ أياً منهما صدر لبيان الحكم الواقعي ليكون عملنا عليه مع عدم المقتضي للتقية في حقنا ، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى مرجح آخر.

مضافاً إلى أنّه لو كان المراد في هذه الرواية كون التأخر مرجحاً لأحد المتعارضين ، لكانت منافية لجميع أخبار الترجيح ، ضرورة تأخر صدور أحد المتعارضين عن الآخر ، فلا بدّ من طرح هذه الرواية ، إذ لو عمل بها لم يبق مورد للعمل بأخبار الترجيح. نعم ، مجهولي التاريخ خارج عن مفاد هذه الرواية ، ولكن لا يعمل بسائر الترجيحات فيهما ، لأنّا نعلم بتأخر أحدهما عن الآخر وقد اشتبه علينا المتأخر ، فيكون من باب اشتباه الحجة بغير الحجة ، فلا يمكن الأخذ بواحد منهما.

اللّهمّ إلاّأن يقال : إنّ بقاء جميع الأخبار العلاجية بلا مورد على تقدير العمل بهذه الرواية قرينة على اختصاص هذه الرواية بصورة العلم بتاريخ المتعارضين ، وأمّا مع الجهل بالتاريخ كان المرجع بقية الروايات ، فلا يلزم حينئذ طرح هذه الرواية لمنافاتها معها.

الأمر الثاني : أنّه لو شك في اعتبار مرجّح وعدمه ، فعلى تقدير تمامية دلالة

أخبار التخيير يجب الأخذ بما فيه احتمال الترجيح ، لدوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير ، وقد ذكرنا في محلّه (1)أنّ مقتضى الأصل - عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير - هو الثاني ، إلاّفي موردين : أحدهما باب التزاحم عند احتمال أهمية أحد المتزاحمين. ثانيهما دوران الحجة بين التعيين والتخيير كما في المقام ، هذا إذالم يكن في أخبار التخيير إطلاق ، وإلاّ فيتمسك به في رفع الشك في اعتبار المرجح.

وأمّا على تقدير عدم تمامية أخبار التخيير وسقوط المتعارضين عن الاعتبار رأساً مع عدم وجود المرجّح لأحدهما - على ما سنذكره (2)إن شاء اللّه تعالى - فلا يمكن الأخذ بواحد منهما. أمّا الفاقد لما يحتمل كونه مرجحاً فللعلم بعدم كونه حجة ، كما هو ظاهر. وأمّا الواجد له ، فللشك في حجيته والأصل عدمها.

الأمر الثالث : أنّه بعد البناء على لزوم الترجيح ، وقع الكلام بين الأعلام في اعتبار الترتيب بين المرجحات وعدمه ، وقسّمها الشيخ (3)قدس‌سره على ثلاثة أقسام :

منها : ما يكون مرجّحاً لصدور أحد المتعارضين ككون الرواية مشهورة.

ومنها : ما يكون مرجّحاً لجهة صدوره ، ككون إحدى الروايتين مخالفة للعامة.

ومنها : ما يكون مرجّحاً لمضمونه بمعنى مطابقة المضمون للواقع ، ككون


1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 519 وما بعدها.

2) في ص 508 - 511.

3) فرائد الاصول 2 : 783.

إحداهما موافقة للكتاب. ونسب إلى الوحيد البهبهاني قدس‌سره (1)أنّه ذهب إلى تقديم الترجيح بجهة الصدور ، وهو مخالفة العامة ، إذ مع كون أحد المتعارضين مخالفاً للعامة نقطع بأنّ الآخر الموافق لهم إمّا غير صادر عن المعصوم أو صدر عن تقية. وذكر صاحب الكفاية قدس‌سره (2)أن إطلاقات أخبار الترجيح غير ناظرة إلى بيان الترتيب بين المرجحات ، بل هي واردة لبيان أصل الترجيح وأنّ هذا مرجّح وذاك مرجّح ، فلا وجه للالتزام برعاية الترتيب.

وذكر جماعة منهم المحقق النائيني (3)قدس‌سره أنّ ما كان مرجّحاً للصدور كالشهرة يقدّم على مرجّح جهة الصدور والمضمون. وما كان مرجّحاً لجهة الصدور يقدّم على مرجّح المضمون ، فمثل مخالفة العامة يقدّم على الترجيح بموافقة الكتاب ، وذكر في وجه ذلك : أنّ اعتبار مرجّح جهة الصدور فرع اعتبار صدور المتعارضين ، إذ مع عدم إحراز الصدور لا تصل النوبة إلى ملاحظة جهة الصدور ، كما أنّ اعتبار مرجّح المضمون فرع اعتبار صدورهما لبيان الحكم الواقعي ، فما ذكرناه هو مقتضى الترتيب الطبيعي بين المرجحات.

هذه هي الأقوال التي ذكرها الأعلام في المقام ، وللنظر في جميعها مجال واسع.

أمّا ما ذكره الوحيد البهبهاني قدس‌سره ففيه : أنّ مجرد كون إحدى الروايتين مخالفة للعامة لا يوجب القطع بأنّ الخبر الموافق لهم لم يصدر أو صدر


1) الفوائد الحائرية : 220 الفائدة 21.

2) كفاية الاصول : 454.

3) فوائد الاصول 4 : 780 - 781.

عن تقية ، لأنّ الأحكام المتفق عليها بين الفريقين كثيرة في نفسها ، فيحتمل كون الخبر الموافق لهم صادراً عن المعصوم لبيان الحكم الواقعي ، وكون الخبر المخالف لهم غير صادر أو صدر عن غير جد.

وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره ففيه : أنّ مقتضى ظاهر صحيحة الراوندي تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة ، فلا عبرة مع موافقة الكتاب بمخالفة العامة وعدمها.

وأمّا ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره ففيه : أنّه مجرد استحسان لا يصلح لرفع اليد عن ظهور الرواية في تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة.

الأمر الرابع : أنّه هل يجب الاقتصار على المرجحات المنصوصة ، أو يتعدى إلى غيرها مما يكون أحد المتعارضين معه أقرب إلى الواقع؟

ذهب الشيخ قدس‌سره (1)إلى التعدي وذكر في وجه ما ذهب إليه وجوهاً :

منها : أن في جعل الإمام عليه‌السلام - مثل الأصدقية والأوثقية مرجحاً لإحدى الروايتين - دلالة على أنّ المناط في الترجيح بهما كونهما موجبة لأقربية إحدى الروايتين للواقع ، فيتعدى إلى كل ما فيه هذا المناط.

ومنها : أنّ الإمام عليه‌السلام علل وجوب الأخذ بالرواية المجمع عليها بكونها مما لا ريب فيه ، ومن الظاهر أن عدم الريب فيها ليس إلاّإضافياً بمعنى أنّ المشهور بالنسبة إلى الشاذ النادر لا ريب فيه ، لا أنّه في نفسه مما لا ريب فيه ، وإلاّ لكان الخبر الشاذ مما لا ريب في كذبه ، فيكون داخلاً في بيّن الغي ،


1) فرائد الاصول 2 : 780 - 781.

وهو خلاف ظاهر الاستشهاد ، فانّ الإمام عليه‌السلام أدرجه في المشتبه ، فعلى هذا تدل المقبولة بعموم التعليل على أنّ كل خبرين ليس في أحدهما ريب بالنسبة إلى الآخر يلزم الأخذ به ، فالمنقول باللفظ مثلاً مما لا ريب فيه بالنسبة إلى المنقول بالمعنى فيجب الأخذ به.

ومنها : أنّ تعليل الإمام عليه‌السلام الأخذ بمخالفة العامة بأنّ الرشد في خلافهم ، يدل على أنّ كل خبرين يكون في أحدهما الرشد غالباً يجب الأخذ به ، فانّه ليس الأخذ بمخالف العامة بحيث يكون فيه الرشد دائماً ، لكثرة الأحكام المتفق عليها الفريقان في نفسها.

وللنظر في جميع ما ذكره وجهاً للتعدي مجال واسع.

أمّا ما ذكره من أنّ في جعل الأوصاف مرجحة للرواية دلالة على التعدي ، ففيه : ما عرفت من عدم دلالة المقبولة على كون الأوصاف من مرجحات الخبرين المتعارضين فضلاً عن دلالتها على أنّ ذكر الأوصاف مثال لما يوجب أقربية أحد المتعارضين إلى الصدق.

وأمّا ما ذكره من أن تعليل الأخذ بالمجمع عليه بكونه مما لا ريب فيه يدل على أنّه كلّما لم يكن في أحد الخبرين ريب بالاضافة إلى الآخر يجب الأخذ به ، ففيه : - مضافاً إلى ما تقدّم (1)من ضعف سند المقبولة - أنّه لا يمكن حمل قوله عليه‌السلام : «مما لا ريب فيه» على نفي الريب بالاضافة ، فانّه يوجب تقديم إحدى الروايتين على الاخرى إذا كانت الوسائط فيها أقل من وسائط الاخرى ولو بواحد ، ولا أظن أن يلتزم به أحد ، فلا بدّ من أن يكون المراد من قوله


1) في ص 491.

(عليه‌السلام) : «مما لا ريب فيه» ما لا يكون فيه ريب حقيقة ، فيكون المراد كونه مقطوع الصدور كما ذكرناه سابقاً (1). ولا ينافيه فرض الريب في الخبر الشاذ المعارض له وعدم إدخاله في بيّن الغي ، لاحتمال أن يكون هو الصادق ، وإنّما كان الخبر المجمع عليه صادراً عن تقية.

وإن شئت قلت : الاجماع في الرواية يوجب دخولها في السنة القطعية ، فلا بدّ من طرح كل خبر يدل على خلافه ، لما عرفت (2)من أنّ مخالف الكتاب والسنّة لا يكون حجة ، وهذا غير ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى في مقام المعارضة لوجود المرجح فيها كما لا يخفى.

وأمّا ما ذكره من أن تعليل الأخذ بمخالف العامة - بأنّ الرشد في خلافهم - يدل على لزوم ترجيح كل ما فيه مزية على الآخر ، ففيه : أنّ التعليل المذكور لم يوجد في رواية ، وإنّما هو في عبارة الكافي التي نقلناها سابقاً (3). نعم ، وقع في المرفوعة ما يرادفه ، وهو قوله عليه‌السلام : «فانّ الحق فيما خالفهم» ولكن قد عرفت (4)ضعف سندها وعدم صحة الاعتماد عليها. وذكر أيضاً في المقبولة لفظ ففيه الرشاد ، ولكنّه ليس بعنوان التعليل ، بل بعنوان الحكم حيث قال عليه‌السلام : «ما خالف العامة ففيه الرشاد» أي يجب الأخذ به ، فلا تعليل فيه حتى يؤخذ بعمومه. ولو سلّم ظهوره في التعليل فلا إشكال في أنّ الرشد في مخالفة العامة غالبي ، حيث إنّهم اعتمدوا كثيراً في استنباط الأحكام الشرعية


1) في ص 495.

2) في ص 484.

3) في ص 494.

4) في ص 486.

على الاستحسانات والأقيسة ، واستغنوا بذلك عن المراجعة إلى الأئمة عليهم‌السلام ووقعوا في مخالفة الأحكام الشرعية كثيراً ، فحينئذ لا مانع من التعدي إلى كل مزية تكون موجبة للرشد غالباً. ولكنّ الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة ، إذ ليس في المرجحات ما يكون موجباً لغلبة مطابقة الواقع.

الأمر الخامس : أنّه لو وقع الاختلاف في تفسير رواية لا ينبغي الريب في أنّه غير داخل في التعارض ، فانّ تعدد التفسير لا يوجب تعدد الحديث حتى يكون مشمولاً لقوله عليه‌السلام : «إذا جاءكم حديثان مختلفان ...» إلخ.

أمّا لو اختلفت النسخ كما إذا روى الكليني قدس‌سره الخبر بنحوٍ ورواه الشيخ قدس‌سره بنحو آخر مع وحدة السند ، أو كان الخبر في بعض نسخ التهذيب مثلاً بلفظ ، وفي بعضها الآخر بلفظ آخر ، فيظهر من المحقق الهمداني في كتاب صلاته : أنّ ذلك لا يكون من باب تعارض الخبرين ، بل من باب اشتباه الحجة بغيرها ، للعلم بعدم صدور كليهما عن الإمام عليه‌السلام.

ولكنّ التحقيق هو التفصيل في المقام والالتزام بأن اختلاف رواية الكافي والتهذيب مثلاً داخل في تعارض الخبرين ، فانّهما خبران والعلم بعدم صدور كليهما لا يضر بتعدد الخبر ، كما في سائر موارد التعارض ، فيكون المقام نظير ما إذا حكم الإمام عليه‌السلام بحكم في مجلسٍ وخرج عنه راويان ثمّ اختلفا فروى أحدهما حكمه بنحو والآخر بنحو آخر ، وأمّا إن كان الاختلاف في نسخ كتاب واحد ، فالأمر كما ذكره ، فانّا لا ندري في هذه الصورة أنّ ما أخبرنا به الشيخ قدس‌سره مثلاً أيّهما. نعم ، لو احرزت الوثاقة في كل من ناسخي الكتاب لا يبعد دخوله في المتعارضين كالقسم الأوّل.

بقي الكلام في الأخبار التي استدل بها على التخيير بين المتعارضين ، ولم نجد منها إلاّثمان روايات :

منها : ما عن فقه الرضا عليه‌السلام : «والنفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضة وهي عشرة أيام ، وتستظهر بثلاثة أيام ثمّ تغتسل. فاذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة ، وقد روي ثمانية عشرة يوماً ، وروي ثلاث وعشرين يوماً وبأيّ هذه الأحاديث اخذ من جهة التسليم جاز» (1).

ودلالة هذه الرواية وإن كانت تامة إلاّأ نّه قد ذكرنا في بحث الفقه (2)أنّه لم تثبت حجية الكتاب المذكور ، فلا يمكن الاعتماد على الروايات المذكورة فيه.

ومنها : ما في ذيل المرفوعة من قوله عليه‌السلام بعد فرض الراوي كلا الخبرين موافقاً للاحتياط أو مخالفاً له : «إذن فتخير أحدهما فتأخذ به ودع الآخر» (3).

وفيه : ما تقدّم من عدم صحة الاعتماد على هذه الرواية لضعفها من جهات. مضافاً إلى أنّ حكم الإمام عليه‌السلام فيها بالتخيير إنّما هو بعد فرض الراوي الشهرة في كل من المتعارضين ، فيكون موردها الخبرين المقطوع صدورهما على ما ذكرناه (4)من أنّ المراد بالشهرة هو معناها اللغوي ، وحكم الإمام عليه‌السلام بالتخيير فيما إذا كان كل من المتعارضين قطعي الصدور


1) المستدرك 2 : 47 / أبواب النفاس ب 1 ح 1.

2) مصباح الفقاهة 1 : 13.

3) تقدّم سندها والخدشة فيه في ص 486.

4) في ص 495.

لا يدل على التخيير فيما إذا كان كل منهما ظنياً من حيث الصدور كما هو محل الكلام. وتوهم أنّ المورد لا يكون مخصصاً قد تقدم دفعه فلا نعيد.

ومنها : ما رواه أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي عن الحسن بن الجهم عن الرضا عليه‌السلام «قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ، ولا نعلم أيّهما الحق؟ قال عليه‌السلام : فاذالم تعلم فموسّع عليك بأ يّهما أخذت» (1).

وهذه الرواية من جهة الدلالة لا بأس بها ، إلاّأ نّها مرسلة لا يعمل بها.

ومنها : ما رواه أيضاً مرسلاً عن الحارث بن مغيرة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال : «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة ، فموسّع عليك حتى ترى القائم ، فتردّ عليه» (2).

وهذه الرواية - مضافاً إلى ضعف سندها بالارسال - لا دلالة لها على حكم المتعارضين كما ترى ، ومفادها حجية أخبار الثقة إلى ظهور الحجة.

ومنها : ما رواه الكليني قدس‌سره عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عثمان ابن عيسى وحسن بن محبوب جميعاً عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه : أحدهما يأمر بالأخذ والآخر ينهاه ، كيف يصنع؟ قال عليه‌السلام : يرجئه حتى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه» (3).


1) الوسائل 27 : 121 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 40.

2) الوسائل 27 : 122 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 41.

3) الكافي 1 : 66 / باب اختلاف الحديث ح 7 ، الوسائل 27 : 108 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 5.

ومورد هذه الرواية دوران الأمر بين المحذورين حيث إنّ أحد الخبرين يأمر والآخر ينهى ، والعقل يحكم فيه بالتخيير بين الفعل والترك ، وقول الإمام عليه‌السلام : «فهو في سعة ... إلخ» لا يدل على أزيد منه.

ومنها : ما رواه الشيخ قدس‌سره باسناده عن أحمد بن محمّد عن العباس ابن معروف عن علي بن مهزيار قال : «قرأت في كتاب لعبداللّه بن محمّد إلى أبي الحسن عليه‌السلام اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في ركعتي الفجر في السفر ، فروى بعضهم صلّهما في المحمل ، وروى بعضهم لا تصلّهما إلاّعلى الأرض ، فوقّع عليه‌السلام : موسّع عليك بأية عملت» (1).

ومورد هذه الرواية هو التخيير في نافلة الفجر بين الاتيان بها في المحمل ، والاتيان بها على الأرض ، وقد حكم الإمام عليه‌السلام في الحقيقة بجواز الاتيان بها في المحمل ، فانّ ظاهر حكمه عليه‌السلام بالتخيير أنّ التخيير واقعي ، إذ لو كان الحكم الواقعي غيره لكان الأنسب بيانه ، لا الحكم بالتخيير بين الحديثين ، ولا إطلاق لكلام الإمام عليه‌السلام ولا عموم حتى يتمسك بهما ويتعدى عن مورد الرواية إلى غيره.

ومنها : مكاتبة محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (أرواحنا فداه) على ما في احتجاج الطبرسي ، وقد سئل في هذه المكاتبة عن استحباب التكبير بعد التشهد الأوّل وعدمه ، إلى أن قال عليه‌السلام «في الجواب عن ذلك حديثان ، أمّا أحدهما فاذا انتقل من حالة إلى اخرى فعليه التكبير ، وأمّا الآخر فانّه روي أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبّر ثمّ


1) التهذيب 3 : 228 / ح 583 ، الوسائل 27 : 122 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 44.

جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير. وكذلك التشهد الأوّل يجري هذا المجرى ، وبأ يّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» (1).

ومورد هذه الرواية خارج عن محل الكلام ، فانّ النسبة بين الخبرين اللذين دلت هذه الرواية على التخيير بينهما هي العموم المطلق ، ومقتضى الجمع العرفي هو التخصيص والحكم بعدم استحباب التكبير في مورد السؤال ، فحكم الإمام عليه‌السلام بالتخيير إنّما هو لكون المورد من الامور المستحبة ، فلا بأس بالأخذ بكل من الخبرين ، إذ مقتضى التخصيص وإن كان عدم استحباب التكبير ، إلاّأنّ الأخذ بالخبر والاتيان بالتكبير أيضاً لا بأس به ، لأنّ التكبير ذكر في نفسه.

وبالجملة : لا بدّ من الاقتصار على مورد الرواية ، إذ ليس في كلام الإمام عليه‌السلام إطلاق أو عموم يوجب التعدي عن موردها إلى غيره.

ومنها : مرسلة الكافي حيث قال : وفي رواية اخرى «بأ يّهما أخذت من باب التسليم وسعك» (2).

وهذه المرسلة إن كانت إحدى الروايات السابقة ، فلا حاجة إلى الجواب المستقل عنها ، وإن كانت غيرها ، فهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه في المقام : أنّ التخيير بين الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّح لأحدهما مما لا دليل عليه ، بل عمل الأصحاب في الفقه على


1) الوسائل 27 : 121 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 39.

2) الكافي 1 : 66 / باب اختلاف الحديث ، ذيل الحديث 7 ، الوسائل 27 : 108 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 6.

خلافه ، فانّا لم نجد مورداً أفتى فيه بالتخيير واحد منهم فراجع.

ولا يخفى أنّ البحث عن كون التخيير بين المتعارضين بدوياً أو استمرارياً ساقط بناءً على ما ذكرناه من سقوط كلا المتعارضين عن الحجية مع فقد المرجح لأحدهما كما هو ظاهر ، وعلى تقدير تسليم تمامية أدلة التخيير ، فهل التخيير ابتدائي أو استمراري.

اختار صاحب الكفاية قدس‌سره (1)الثاني لوجهين :

أحدهما : التمسك باستصحاب بقاء التخيير الثابت قبل الأخذ بأحدهما.

ثانيهما : التمسك باطلاقات أدلة التخيير ، فانّ مقتضاها ثبوته ولو بعد الأخذ بأحدهما.

وفي كلا الوجهين ما لا يخفى ، أمّا الأوّل ففيه أوّلاً : عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية على ما تقدم الكلام فيه في بحث الاستصحاب (2). وثانياً : أنّ استصحاب بقاء التخيير في نفسه لا يجري ، لأنّ التخيير الثابت قبل الأخذ بأحدهما عبارة عن تفويض الشارع أمر الحجية إلى المكلف ، بأن يجعل ما ليس حجة في حقه حجة ، إذ لا يكون أحد من الخبرين المتعارضين حجة قبل الأخذ ، وهذا المعنى من التخيير غير قابل للبقاء بعد الأخذ بأحدهما ، فانّه بعد الأخذ بأحدهما تتعيّن عليه الحجة ، فليس له التخيير في سلب الحجية عن الحجة ، فيجري استصحاب بقاء حجية المأخوذ به بلا معارض.

وأمّا الثاني ففيه : أنّ خطابات التخيير متوجهة إلى المكلف الذي جاءه


1) كفاية الاصول : 446.

2) في ص 42 وما بعدها.

الحديثان المختلفان ولم يأخذ بشيء منهما ، فانّ المخاطب بقوله عليه‌السلام : «بأ يّهما أخذت فموسّع عليك» هو الذي لم يأخذ بواحد من الخبرين ، فلا تشمل من أخذ بأحدهما. وبعبارة اخرى : هذا التخيير تخيير في تعيين الحجة لمن لا تكون عنده حجة معيّنة ، فلا يثبت لمن تعيّنت له الحجة.

المقام الثاني : فيما إذا كان التعارض بين دليلين بالعموم من وجه ، ولم يتعرض له الأصحاب إلاّبعض المتأخرين. فقد يقال بأ نّه يؤخذ بالدليلين في مادتي الافتراق ، ويتساقطان في مادة الاجتماع. وقد يقال بأ نّه يرجع في مادة الاجتماع إلى مرجحات جهة الصدور والمضمون دون مرجحات الصدور ، فانّ الرجوع إليها يوجب طرح أحدهما رأساً حتى في مادة الافتراق ، أو التبعيض في السند والالتزام بصدوره في مادة الافتراق دون مادة الاجتماع ، وكلا الأمرين مما لا يمكن الذهاب إليه ، أمّا الأوّل فلأنّ طرح أحدهما في مادة الافتراق طرح للحجة بلا معارض. وأمّا الثاني فلأ نّه لايعقل التعبد بصدور كلام واحد بالنسبة إلى بعض مدلوله دون البعض الآخر. وأمّا التفكيك في جهة الصدور أو المضمون فلا مانع منه ، بأن يقال : صدور هذا الخبر بالنسبة إلى بعض مدلوله لبيان الحكم الواقعي ، وبالنسبة إلى البعض الآخر للتقية. وكذا التفكيك في المضمون ، بأن يقال : بعض مدلول هذا الخبر متعلق للارادة الجدية دول البعض الآخر للتخصيص أو التقييد.

أقول : إذا كانت النسبة بين المتعارضين هي العموم من وجه ، فامّا أن يكون العموم في كل منهما مستفاداً من الوضع ، أو من الاطلاق ، أو في أحدهما من الوضع ، وفي الآخر من الاطلاق. أمّا القسم الأخير فقد سبق الكلام فيه (1)عند


1) في ص 453 - 454.

البحث عن دوران الأمر بين التخصيص والتقييد.

وأمّا القسمان الأوّلان فتحقيق الحال فيهما يحتاج إلى بيان مقدمة وهي : أنّ الحكم الشرعي المتعلق بالكلام قد يتعدد بتعدد الدال دون المدلول ، بأن تكون وحدة الحكم وتعدده دائراً مدار وحدة الدال وتعدده من دون أن يكون لوحدة المدلول وتعدده دخل فيهما ، كما في حرمة الكذب ، فانّ الكذب لا يتعدد بتعدد المدلول ، فاذا أخبر زيد بأنّ عندي درهماً ، وأخبر عمرو بأنّ عندي عشرة دراهم ، ولم يكن عندهما شيء من الدرهم ، فقد صدر من كل منهما كذب واحد ، وارتكب كل منهما حراماً واحداً ، وإن كان مدلول كلام عمرو متعدداً ، والسر فيه : أنّ الكذب عبارة عن كلام خبري لا يكون مطابقاً للواقع ، ومن الظاهر أنّ وحدة الكلام لا تنثلم بتعدد المدلول.

وقد يتعدد الحكم بتعدد المدلول من دون تعدد الدال كما في الغيبة ، فاذا قال زيد : إنّ عمراً فاسق ، فقد اغتاب غيبة واحدة ، ولو قال : إنّ عمراً وخالداً فاسقان ، فقد اغتاب غيبتين وارتكب حرامين ، فانّ الغيبة عبارة عن كشف ما ستره اللّه من عيوب المؤمن ، وهو كشف عيب مؤمنين ولو بكلام واحد.

والفرق بين القسمين : أنّه لا يمكن التبعيض باعتبار المدلول في الأوّل ، فاذا قال زيد : عندي درهمان ، وكان عنده درهم واحد ، لا يصح القول بأن إخباره صدق وكذب ، بل كذب ليس إلاّ ، بخلاف القسم الثاني ، فانّه لا مانع من التفكيك فيه باعتبار المدلول ، فاذا قال زيد : إنّ عمراً وخالداً فاسقان ، يمكن أن يقال : إن هذا الكلام غيبة ومحرّمة بالنسبة إلى عمرو لا بالنسبة إلى خالد ، لكونه متجاهراً.

إذا عرفت ذلك فهل حجية الكلام من قبيل الأوّل حتى لا يمكن التفكيك

باعتبار المدلول ، أو من قبيل الثاني ليمكن التفكيك؟ الظاهر هو الثاني ، ألا ترى أنّه لو قامت بينة على أنّ ما في يد زيد - وهي عشرة دراهم - لعمرو ، ثمّ قامت بينة اخرى على أنّ خمسة منها لبكر ، لا إشكال في أنّه يؤخذ بالبيّنة الاولى ، ويحكم بأنّ خمسة دراهم مما في يد زيد لعمرو ، وتتعارض مع البينة الثانية في الخمسة الباقية. وكذلك لو قامت بيّنة على أنّ هذين المالين لزيد وأقرّ زيد بأن أحدهما ليس له ، يؤخذ بالبينة في غير ما أقرّ به من المالين.

وبالجملة : لا وجه بعد سقوط بعض المدلول عن الاعتبار لسقوط بعضه الآخر ، وليس هذا تفكيكاً في المدلول من حيث الصدور ، بل تفكيك في المدلول من حيث الحجية. ولا يقاس المقام - أي الدلالة التضمنية - على الدلالة الالتزامية التي ذكرنا سابقاً أنّها تسقط عن الحجية عند سقوط الدلالة المطابقية ، وذلك لأنّ الدلالة الالتزامية فرع للدلالة المطابقية وتابعة لها ثبوتاً وإثباتاً تبعية المعلول لعلته ، بخلاف المقام فانّ دلالة اللفظ على بعض مدلوله ليست تابعة لدلالته على بعضه الآخر لا ثبوتاً ولا إثباتاً ، فلو قامت بيّنة على كون قباء وعباء لزيد ، واعترف زيد بعدم كون القباء له ، لا يلزم منه عدم كون العباء أيضاً له ، لعدم كون ملكية العباء تابعة لملكية القباء لا ثبوتاً ولا إثباتاً. وعلى هذا ففيما إذا كان التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه يؤخذ بكل منهما في مادة الافتراق ، ويرجع إلى المرجّحات المنصوصة في مادة الاجتماع ويؤخذ بما فيه الترجيح على الآخر. والقول بعدم إمكان الرجوع إلى مرجّحات الصدور لأنّ السند لا يتبعض فاسد ، لما عرفت من أنّه ليس تفكيكاً في الصدور ، بل تفكيك في الحجية باعتبار المدلول.

وبعبارة اخرى : نتعبد بصدوره دون عمومه ، لامكان أن يكون الكلام صادراً عن الإمام عليه‌السلام على غير وجه العموم بقرينة لم تصل إلينا ، هذا فيما إذا

كان العموم في كل منهما بالوضع.

وأمّا إذا كان العموم في كل منهما مستفاداً من الاطلاق ، فتسقط الروايتان في مادة الاجتماع من الأوّل ، بلا حاجة إلى الرجوع إلى المرجحات ، وذلك لأنّ الاطلاق بمعنى اللا بشرط القسمي المقابل للتقييد غير داخل في مدلول اللفظ ، إذ اللفظ موضوع للماهية المهملة التي يعبّر عنها باللا بشرط المقسمي ، فلا يروي الراوي عن الإمام عليه‌السلام إلاّبثبوت الحكم للطبيعة المهملة. وأمّا إطلاقه فهو خارج عن مدلول اللفظ ، ويثبت بحكم العقل بعد تمامية مقدمات الحكمة. وعلى هذا فلا تعارض بين الخبرين باعتبار نفس مدلوليهما ، فانّه لا تنافي بين الحكم بوجوب إكرام العالم على نحو الاهمال ، وحرمة إكرام الفاسق كذلك ليقع التعارض بين الخبرين الدالين عليهما. ولا سبيل للعقل إلى الحكم بأنّ المراد منهما وجوب إكرام العالم ولو كان فاسقاً ، وحرمة إكرام الفاسق ولو كان عالماً ، فانّه حكم بالجمع بين الضدين. والحكم بالاطلاق في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح ، فيسقط الدليلان معاً في مادة الاجتماع ، ويرجع إلى دليل آخر من عموم أو إطلاق ، ومع فقده يكون المرجع هو الأصل العملي.

تنبيه :

قد عرفت من مباحثنا السابقة أنّ الخبر الواحد إذا كان مخالفاً لظاهر الكتاب أو السنّة القطعية وكانت النسبة بينهما التباين ، يطرح الخبر ولو لم يعارضه خبر آخر بمقتضى الأخبار الكثيرة الدالة على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنّة وأ نّه زخرف وباطل (1). وأمّا إن كانت النسبة بينهما العموم المطلق ، فلا


1) قد تقدّم ذلك في ص 484.

ينبغي الاشكال في تخصيص الكتاب والسنّة به ما لم يكن خبر آخر معارضاً له ، وإلاّ فيطرح ويؤخذ بالخبر الموافق للكتاب والسنّة بمقتضى أخبار الترجيح.

وأمّا إن كانت النسبة بينهما العموم من وجه فإن كان العموم في كل منهما بالوضع ، يؤخذ بظاهر الكتاب والسنّة ، ويطرح الخبر بالنسبة إلى مورد الاجتماع ، لأ نّه زخرف وباطل بالنسبة إلى مورد الاجتماع بمقتضى ما ذكرناه من التفكيك في الحجية باعتبار مدلول الكلام ، وإن كان العموم في كل منهما بالاطلاق ، يسقط الاطلاقان في مورد الاجتماع ، لما ذكرناه من أنّ الاطلاق غير داخل في مدلول اللفظ ، بل الحاكم عليه هو العقل ببركة مقدمات الحكمة التي لا يمكن جريانها في هذه الصورة ، وذكرنا أنّ المستفاد من الكتاب ذات المطلق لا إطلاقه كي يقال : إنّ مخالف إطلاق الكتاب زخرف وباطل.

ومن هنا يظهر أنّه لو كان العموم في الخبر وضعياً ، وفي الكتاب أو السنّة إطلاقياً ، يقدّم عموم الخبر في مورد الاجتماع ، بعد ما ذكرناه سابقاً من عدم تمامية الاطلاق مع وجود العموم الوضعي في قباله.

والحمد لله أوّلاً وآخراً ، فانّه المبدأ وإليه المعاد.

الإجتهاد والتقليد

اشارة

خاتمة في الإجتهاد والتقليد

ونقتصر على بعض مباحثهما المهمة ، فنقول : قد عرّف الاجتهاد في كلام جماعة من العامة والخاصة باستفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي.

وهذا التعريف غلط ، لعدم جواز العمل بالظن ما لم يقم دليل على اعتباره ، وأمّا ما قام الدليل على اعتباره ، فيجب اتباعه سواء كان مفيداً للظن بالحكم الواقعي أم لا. إذن لا عبرة في الحجية بوجود الظن شخصاً ، بل ولا نوعاً كما في موارد الاصول العملية.

نعم ، يصح التعريف المذكور على اصول العامة من وجوب العمل بالظنون الحاصلة من الاستحسانات والاستقراء والقياس ونحوها ، ولعل التعريف المذكور أوجب استيحاش الأخباري عن جواز الاجتهاد وعدّه من البدع والمحرّمات ، وحينئذ استنكارهم في محله ، لحرمة العمل بالاجتهاد المذكور ، أي الظن بالحكم الشرعي.

والصحيح أن يعرّف الاجتهاد باستفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الأحكام الشرعية أو تعيين الوظيفة عند عدم الوصول إليها. والاجتهاد بهذا المعنى مما لا مناص عن الالتزام به للأخباري والاصولي ، فلا وجه لاستيحاش الأخباري عنه ، غاية الأمر أنّه ينازع في حجية ما يراه الاصولي حجة ، وهو

لا يضرّ في الاتفاق على صحته بالمعنى الذي ذكرناه ، ولعل النزاع بين الأخباري والاصولي في صحة الاجتهاد وعدمها لفظي ، لما ذكرناه من أنّ استنكار الأخباري راجع إلى الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي ، وإثبات الاصولي راجع إلى الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجة القطعية على الأحكام الشرعية.

ثمّ إنّه لا يهمنا تحقيق مفهومه من حيث السعة والضيق بأن يقال : المراد منه تحصيل الحجة فعلاً ، أو ملكة تحصيل الحجة ولو لم تحصل بعد ، فانّه بعنوانه لم يقع موضوعاً لشيء من الأحكام الآتية في لسان الأدلة ، كما ستسمع إن شاء اللّه تعالى ، بل المهم هو البحث عن تلك الأحكام المترتبة على الاجتهاد ، فانّ سعتها وضيقها تابع للموضوع الذي رتّب عليه الحكم في الدليل.

فنقول : الأحكام التي يقع البحث عنها في المقام ثلاثة :

أحدها : جواز العمل بالاجتهاد وعدم جواز رجوع المتصف به إلى غيره.

ثانيها : جواز رجوع الغير إلى المجتهد وتقليده.

ثالثها : نفوذ قضاء المجتهد وحكمه.

أمّا جواز عمل المجتهد باجتهاده فلا إشكال فيه ، فانّ المفروض أنّه عالم بالحكم الواقعي وجداناً ، كما إذا ظفر في مقام الاستنباط بما يفيد العلم به ، أو عالم بقيام حجة شرعية عليه كما في موارد الطرق أو الاصول المثبتة للحكم ، أو عالم بأنّ الشارع جعل له حكماً ترخيصياً في مقام الظاهر ، كما في موارد الاصول الشرعية النافية للتكليف ، أو عالم بمعذوريته في مخالفة الحكم على تقدير وجوده واقعاً ، كما في موارد الطرق أو الاصول العقلية النافية ، ومع علمه بما ذكر كيف يمكن القول بعدم جواز العمل بعلمه ، مع أنّ حجية العلم ذاتية ، وهل يكون رجوعه إلى غيره إلاّمن قبيل رجوع العالم إلى الجاهل ، أو إلى مثله ، وهذا كله

واضح بالنسبة إلى العالم بالفعل.

وأمّا الجاهل بالفعل المتمكن من استنباط الأحكام الشرعية ، فادعى شيخنا الأنصاري قدس‌سره في رسالته الخاصة بمباحث الاجتهاد والتقليد (1)قيام الاجماع على عدم جواز رجوعه إلى الغير ، وأنّ ما دلّ على جواز التقليد من الآية والرواية منصرف إلى الجاهل غير المتمكن من الاستنباط.

أقول : إن تم ما ذكره قدس‌سره من الاجماع ، أو قلنا بانصراف أدلة جواز التقليد والرجوع إلى العالم عن المتمكن من الاستنباط ، فالموضوع لعدم جواز الرجوع إلى الغير وإن كان هو المتمكن من استنباط الأحكام ، فيناسبه تعريف الاجتهاد بأ نّه ملكة يقتدر بها على تحصيل الحجة على الوظيفة الفعلية من الأحكام الواقعية أو الظاهرية ، إلاّأنّ هذا التعريف لا يناسب الحكمين الآخرين ، لما ستعرف من أنّهما مختصان بالعالم بالفعل.

فالصحيح تعريف الاجتهاد بأ نّه العلم بالأحكام الشرعية - الواقعية أو الظاهرية - أو بالوظيفة الفعلية عند عدم إحراز الحكم الشرعي من الأدلة التفصيلية ، وبهذا يتحد تعريف الاجتهاد مع تعريف الفقه ، غاية الأمر أنّه يلتزم بعدم جواز التقليد لبعض أفراد غير المجتهد أيضاً ، وهو المتمكن من الاستنباط إن تمّ الاجماع أو الانصراف المذكوران ، وإلاّ كان موضوع عدم جواز التقليد أيضاً هو العالم بالفعل.

وأمّا جواز رجوع الغير إليه فان تمت دلالة مثل قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)وقوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ


1) الاجتهاد والتقليد : 57.

2) النحل 16 : 43.

طائِفَةٌ ... ) إلخ (1)ومثل قوله عليه‌السلام «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه ...» إلخ (2)على جواز التقليد ، فلا محالة يكون موضوعه هو العالم بعدّة من الأحكام ، بحيث يصدق عليه عنوان أهل الذكر والفقيه عرفاً ، ولا يضر في صدق العنوانين المذكورين عرفاً عدم استنباط الأحكام النادرة ، بل يكفي استنباط الأحكام التي تكون محلاً للابتلاء ، ولا يصدقان على المتمكن بلا استنباط فعلي ، فانّه لا يكون فقيهاً ولا من أهل الذكر عرفاً.

وأمّا لو لم تتم دلالتها وكان المدرك لجواز التقليد هو حكم العقل أو بناء العقلاء ، فسيأتي (3)أنّ الموضوع فيه هو العالم بالحكم ، سواء صدق عليه عنوان الفقيه أم لم يصدق. والعالم لا يشمل المتمكن من العلم ، فانّه جاهل متمكن من تحصيل العلم لا عالم.

وأمّا نفوذ حكمه وقضائه ، فموضوعه العالم بجملة من الأحكام الشرعية المعتد بها عرفاً ، بحيث يصدق عليه عنوان العالم بالأحكام والناظر في الحلال والحرام.

وأمّا ما رواه الصدوق باسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال : «قال أبو عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما‌السلام : إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم ، فانّي قد جعلته قاضياً ، فتحاكموا


1) التوبة 9 : 122.

2) الوسائل 27 : 131 / أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

3) في ص 538.

إليه» (1)فهو دال على ما ذكرناه ، فانّ كلمة شيء مع التنكير وإن كانت ظاهرةً في القلة في غير المقام ، إلاّأ نّها كناية عن الكثرة في المقام ، باعتبار أنّه لوحظت قلته بالنسبة إلى علوم الأئمة عليهم‌السلام فلا بدّ من أن يكون كثيراً في نفسه ، وإلاّ لا يعدّ شيئاً من علومهم عليهم‌السلام فانّ علمهم عليهم‌السلام بمنزلة بحر محيط ، وشيء منه لا يكون إلاّكثيراً في نفسه كما هو المتعارف ، فانّه إذا قيل : عند فلان شيء من الثروة والمال ، يراد منه ما يكون كثيراً في نفسه ، فانّه قليل بالنسبة إلى مجموع الأموال والثروة الموجودة في الدنيا ، ولعل السر في هذا التعبير هو الاشارة إلى كثرة علمهم عليهم‌السلام ، بحيث يكون علم غيرهم بالنسبة إلى علمهم عليهم‌السلام كالقطرة من البحر.

ثمّ إنّه ظهر مما ذكرناه عدم جواز تقليد من عرف الأحكام من غير الأدلة المقررة كالرمل والجفر ونحوهما ، وأ نّه لا اعتبار بقضائه ، ولو فرض كونه معذوراً في تحصيلها منها لقصوره ، والوجه في ذلك : أنّ الأئمة عليهم‌السلام أمروا بالرجوع إلى رواة أحاديثهم ، ونهوا عن الاعتماد على غيرهم ، وقيّدوه بكون الراوي ناظراً في الحلال والحرام ، الظاهر في اعتبار كونه من أهل النظر والاستنباط في صحة الرجوع إليه ، كما في مقبولة عمر بن حنظلة ، مضافاً إلى أنّ راوي الأحاديث باعتبار نقله ألفاظها لا يسمى من أهل الذكر ، بل صدق هذا العنوان كعنوان الفقيه يتوقف على استنباط الأحكام منها.

ومن هنا يظهر عدم جواز تقليد من يرى حجية الظن من جهة انسداد باب العلم والعلمي ، أمّا على الحكومة فظاهر ، لأنّه لايكون عالماً بالأحكام الشرعية ، غاية الأمر كونه معذوراً في عمل نفسه مع عدم التقصير في المقدمات. مضافاً


1) الوسائل 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5.

إلى أنّ حجية الظن مختصة بمن تمت في حقه مقدمات الانسداد ومنها عدم جواز التقليد ، وهذه المقدمة لا تتم في حق العامي المتمكن من الرجوع إلى المجتهد الانفتاحي. وأمّا على الكشف فلأ نّه وإن كان عالماً بجملة من الأحكام الشرعية الظاهرية ، إلاّأنّ حجية الظن مختصة بمن تمت في حقه مقدمات الانسداد ، وقد عرفت عدم تماميتها في حق العامي المتمكن من الرجوع إلى المجتهد الانفتاحي.

إن قلت : إنّ المجتهد الانفتاحي يتمسك عند فقدان الطرق والاصول الشرعية بالاصول العقلية ، ومن الظاهر أنّه في موارد التمسك بها لا علم له بالحكم الواقعي ولا بالحكم الظاهري ، فيلزم مما ذكر أن يكون الرجوع إليه فيها من قبيل رجوع الجاهل إلى مثله. مضافاً إلى أنّ موضوع تلك الاصول لا تتم في حق العامي المتمكن من الرجوع فيها إلى من يرى قيام الطرق أو الاصول الشرعية فيها ، بل لا يجوز رجوعه إليه في الموارد التي يتمسك فيها بالاصول الشرعية مع وجود من يرى قيام الطرق فيها ، فانّ موضوع البراءة الشرعية مثلاً في الشبهات الحكمية إنّما هو عدم التمكن من العلم بالحكم الواقعي ، ومن الظاهر أنّ فتوى من يدعي قيام الطرق في الموارد المذكورة علم به في حق العامي بعد الأخذ به ، فهو متمكن من العلم ، فلا يتم موضوع البراءة في حقه.

قلت : الرجوع إلى المجتهد في موارد الاصول العقلية ليس من جهة التقليد في الحكم الشرعي ، بل من جهة الرجوع إليه في تشخيص موضوع حكم العقل ، حيث إنّه من أهل خبرة ذلك ، فيرجع العامي إليه في تشخيص أنّ المورد الفلاني لم تقم فيه حجة على التكليف المحتمل ، ولم يثبت فيه حكم شرعي واقعي أو ظاهري ، فيستقل عقله بما استقل به عقل المجتهد بعينه. ولو فرض أنّه لم يكن أهلاً لادراك الأحكام العقلية المستقلة ، لم يكن مانع من الرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة أيضاً.

وأمّا الاشكال على جواز الرجوع إليه في هذه الموارد ، بل في موارد الاصول الشرعية أيضاً من جهة تمكن العامي من الرجوع إلى من يرى قيام الدليل على الحكم الشرعي في هذه الموارد ، فهو غير صحيح على إطلاقه ، وإن كان صحيحاً في الجملة.

وتفصيل الكلام فيه : أنّ من يفتي بعدم وجوب شيء لعدم تمامية الحجة على الوجوب عنده ، إمّا أن يكون أعلم من غيره المفتي بالوجوب بزعم قيام الدليل عليه ، وإمّا أن لا يكون أعلم منه.

وعلى الأوّل لا يكون قول غيره حجة في حق العامي ليكون مانعاً من الرجوع إلى الحكم المستفاد من الأصل العملي ، والوجه في ذلك : ما سنبينه (1)إن شاء اللّه تعالى من أنّ دليل حجية الفتوى - أيّاً ما فرض غير السيرة العقلائية - لا يشمل المتعارضين ، فاذا ادعى أحد المجتهدين قيام الطريق على الوجوب ، وادعى الآخر عدم الدليل عليه فأفتى بعدم الوجوب ، كانت الأدلة الدالة على حجية الفتوى غير شاملة لشيء من الفتويين على ما تقدم سابقاً من أنّ مقتضى القاعدة هو سقوط المتعارضين (2)، وأمّا السيرة فهي قائمة على لزوم الرجوع إلى الأعلم على ما نبينه قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وكيف كان ، فلا تكون فتوى غير الأعلم مانعة من الرجوع إلى ما ثبت من الاصول العملية ما لم تثبت حجيتها كما هو المفروض.

وعلى الثاني فامّا أن يكون العامي عالماً بفتوى القائل بالوجوب مثلاً أو


1) في ص 543.

2) راجع ص 440 - 441.

يكون جاهلاً بها. وعلى الثاني فالأمر كما ذكرناه ، ضرورة أنّ الفتوى بالوجوب حينئذ لا تكون حجة في حقه مع عدم وجوب الفحص عنها في حقه على ما سنبينه (1)إن شاء اللّه تعالى ، فلا مانع من الأخذ بفتوى من يقول بعدم الوجوب اعتماداً على الأصل العملي ، فانّ موضوع الأصل وهو عدم قيام الحجة على الحكم موجود في حق العامي أيضاً وجداناً ، ولا يقاس ذلك بموارد تمكن المجتهد من الوصول إلى الحجة في الشبهات الحكمية ، حيث لا يجوز له الرجوع إلى الأصل العملي فيها ، فانّ موضوع الأصل عدم قيام الحجة على التكليف ، وهو غير محرز قبل الفحص ، فانّ الحجة حجة بوجودها الواقعي لا بوصولها إلى المكلف ، وأين هذا من محل الكلام الذي فرض فيه عدم حجية فتوى القائل بالوجوب مثلاً قبل وصولها إلى العامي. وأمّا على الأوّل وهو ما إذا وصل إلى العامي فتوى القائل بالوجوب مثلاً ، فالصحيح في مورده عدم جواز الرجوع إلى من يرى عدم الوجوب ، لمعارضتها بفتوى من يقول بالوجوب ، فلا بدّ من الاحتياط ، لكون الشبهة حكمية. ولا مجرى للأصل في موردها قبل الفحص ، والمفروض أنّ العامي عاجز عنه.

نعم ، لو تم ما ذكره شيخنا الأنصاري (2)قدس‌سره من الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي ، صح الرجوع إلى فتوى من يقول بعدم الوجوب ، ويكون الاجماع حينئذ هو الدليل في المسألة وإن كان على خلاف القاعدة ، وانتظر تمام الكلام في محلّه (3)إن شاء اللّه تعالى.


1) في ص 546.

2) الاجتهاد والتقليد : 50.

3) في ص 546 - 547.

الكلام في التجزّي

ويقع البحث فيه في مقامين : الأوّل : في إمكانه. الثاني : في حكمه.

أمّا المقام الأوّل : فقد ذهب جماعة إلى استحالته ، بدعوى أنّ ملكة الاستنباط أمر بسيط وحداني ، والبسيط لا يتجزى ، فان وجدت فهو الاجتهاد المطلق ، وإلاّ فلا اجتهاد أصلاً. وكذا الأمر لو كان الاجتهاد عبارة عن نفس الاستنباط لا ملكته ، فانّه أيضاً بسيط غير قابل للتبعيض. وذهب الأكثر إلى إمكانه ، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه كصاحب الكفاية قدس‌سره (1)بدعوى أنّ الوصول إلى المرتبة العالية - وهو الاجتهاد المطلق - يتوقف على طي المراتب النازلة على التدريج ، لبطلان الطفرة.

والتحقيق ما عليه الأكثر من إمكانه لا الامتناع ولا الوجوب ، فانّ المراد من التجزي هو التبعيض في أفراد الكلي لا التبعيض في أجزاء الكل ، إذ كما أنّ كل حكم من الأحكام الشرعية في مورد مغاير للأحكام الاخر في موارد اخر ، فكذلك استنباطه مغاير لاستنباطها ، فملكة استنباط هذه المسألة فرد من الملكة ، وملكة استنباط تلك المسألة فرد آخر منها وهكذا. وبساطة الملكة أو الاستنباط لا تنافي التجزي بهذا المعنى كما هو ظاهر ، وحيث إنّ مدارك الأحكام مختلفة جداً ، فربّ حكم يبتني استنباطه على مقدمات كثيرة فيصعب استنباطه ، وربّ حكم لا يبتني استنباطه إلاّعلى مقدمة واحدة فيسهل استنباطه ، ومع ذلك كيف يمكن أن يقال : إنّ القدرة على استنباط حكم واحد لا تكون إلاّمع القدرة على استنباط جميع الأحكام.


1) كفاية الاصول : 467.

وبالجملة : حصول فرد من الملكة دون فرد آخر منها بمكان واضح من الامكان ولا يحتاج تصديقه إلى أكثر من تصوره. ولعل القائل بالاستحالة لم يتصور المراد من التجزي في المقام ، واشتبه تبعيض أفراد الكلي بتبعيض أجزاء الكل ، فانّ الثاني هو الذي تنافيه البساطة ، ولا دخل له بالمقام.

وظهر بما ذكرناه فساد ما في الكفاية من وجوب التجزي ، لعدم إمكان حصول الاجتهاد المطلق دفعة لبطلان الطفرة ، وذلك لأنّ الأفراد كلها في عرض واحد ، ولا يكون بعضها مقدّمة لبعض آخر حتى يتوقف الوصول إلى المرتبة العالية على طي المراتب النازلة ، فلا مانع عقلاً من حصوله دفعة وبلا تدريج - ولو بنحو الاعجاز من نبي أو إمام عليه‌السلام - إلاّأن يكون مراده الاستحالة العادية لا العقلية ، فانّه لا يمكن عادةً حصول الاجتهاد المطلق دفعة ، بل هو متوقف على التدرج شيئاً فشيئاً ، لا أنّ حصول الجميع دفعة من المحالات العقلية كاجتماع الضدين مثلاً ، فإن كان مراده هذا فهو صحيح ، لكنّه خلاف ظاهر كلامه من الاستدلال بلزوم الطفرة ، فانّ ظاهره الاستحالة العقلية.

وأمّا المقام الثاني : وهو البحث عن حكمه ، فيقع الكلام تارةً في جواز عمله بفتواه في الموارد التي استنبط الحكم فيها. واخرى في جواز رجوع الغير إليه في الموارد المذكورة. وثالثةً في نفوذ قضائه وحكمه في المرافعات.

فنقول : أمّا جواز عمله بفتواه ، فهو مما لاينبغي الاشكال فيه ، فانّه بالاضافة إلى ما استنبطه من الحكم عالم فلا تشمله أدلة جواز التقليد ، فان قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ) (1)والسيرة العقلائية وغيرهما إنّما يدلان على لزوم رجوع الجاهل إلى العالم لا رجوع العالم إلى مثله.


1) النحل 16 : 43.

وأمّا رجوع الغير إليه ، فالظاهر عدم جوازه ، والوجه فيه : أنّ السيرة العقلائية وإن كانت تقتضي جواز الرجوع إليه ، فانّ العقلاء لا يفرّقون في الرجوع إلى أهل الخبرة بين من يكون له خبرة في غير الأمر المرجوع فيه ، ومن لا يكون له خبرة فيه ، فالطبيب الحاذق في مرض العين يرجع إليه في معالجة مرض العين وإن لم يكن له خبرة في أمراض القلب والمعدة وأمثالهما ، ولكن مجرد قيام السيرة لا يفيد ما لم تقع مورد إمضاء من الشارع ، وقد ذكرنا أنّ الموضوع في أدلة الامضاء إنّما هو العارف بالأحكام والفقيه وأهل الذكر ، ومن الظاهر عدم صدق هذه العناوين إلاّعلى العالم بجملة من الأحكام الشرعية المعتد بها ، فلا تشمل المتجزي. وتوهم أن قوله عليه‌السلام : مَن عرف شيئاً من قضايانا ... شامل للمتجزي ، مندفع بما ذكرناه سابقاً (1)فلا نعيد.

ومن هنا يظهر الوجه في عدم نفوذ قضائه أيضاً.

الكلام فيما يتوقف عليه الاجتهاد

وهو معرفة العلوم العربية : من النحو والصرف واللغة في الجملة ، أي بمقدار يتوقف عليه فهم المعنى من الكتاب والسنّة. ومعرفة الزائد على ذلك كبعض المباحث الدقيقة الصرفية أو النحوية وكيفية الاعلال مجرد فضل ، ولا يعتبر في تحقق الاجتهاد.

وأمّا علم الرجال ، فان قلنا بأنّ الملاك في جواز العمل بالرواية هو


1) في ص 524.

الاطمئنان بصدورها عن المعصوم عليه‌السلام وأ نّه يحصل بعمل المشهور بها وإن كانت رواتها غير موثوق بهم ، وأنّ إعراضهم عنها يوجب الاطمئنان بعدم صدورها وإن كانت رواتها موثوقاً بهم ، فتقلّ الحاجة إلى علم الرجال ، إذ بناءً عليه يكون الملاك في جواز العمل بالرواية وعدمه هو عمل المشهور بها وعدمه ، فانّ عمل الأصحاب بالرواية وعدمه يظهر من نفس كتب الفقه بلا حاجة إلى علم الرجال. نعم ، في الموارد التي لم يحرز عمل المشهور بالرواية ولا إعراضهم عنها ، كما إذا كانت المسألة غير معنونة في كلامهم ، لا بدّ في العمل بها من معرفة رواة الحديث ليحصل الاطمئنان بوثاقتهم.

وأمّا إن قلنا بأنّ الملاك في جواز العمل بالرواية إنّما هو ثبوت وثاقة رواتها ، وأ نّه لا عبرة بعمل المشهور بها أو إعراضهم عنها ، فحينئذ تكثر الحاجة إلى علم الرجال واستعلام حال الرواة من حيث الوثاقة وعدمها ، وقد بيّنا صحة القول الثاني عند التكلم في حجية أخبار الآحاد.

وأمّا علم الاصول فتوقف الاستنباط عليه أوضح من أن يخفى ، ضرورة أنّه لا بدّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة من معرفة المباحث الاصولية : من بحث الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ، ومباحث الحجج والاصول العقلية والشرعية والتعادل والترجيح ، وقد أوضحنا ذلك كله عند التعرض لتعريف علم الاصول ، ولا بدّ من تنقيح كل ذلك بالنظر والاجتهاد لا بالتقليد ، وإلاّ لا يصدق عليه عنوان العارف والفقيه.

الكلام في التخطئة والتصويب

لا خلاف في وقوع الخطأ في الأحكام العقلية ، وأنّ من حكم بما يدعي استقلال عقله به قد يصيب الواقع وقد لا يصيبه ، سواء كان من المسائل العقلية المحضة التي لا مساس لها بالأحكام الشرعية ، كمسألة إعادة المعدوم التي ذهب جماعة إلى إمكانها واخرى إلى امتناعها ، أو كان من المسائل العقلية التي لها دخل في الأحكام الشرعية ، كمسألة جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه ، فانّ التصويب في الأحكام العقلية مطلقاً مستحيل ، بداهة أنّ القائل بامكان إعادة المعدوم والقائل بامتناعه ، وكذا القائل بجواز اجتماع الأمر والنهي والقائل بامتناعه ، لو كانا مصيبين للواقع ، للزم كون شيء واحد ممكناً وممتنعاً.

وأمّا الأحكام الشرعية فقد نسب القول بالتصويب فيها إلى العامة ، بمعنى أنّ لله سبحانه أحكاماً عديدة في موضوع واحد بحسب اختلاف آراء المجتهدين ، فكل حكم أدى إليه نظر المجتهد ورأيه ، فهو الحكم الواقعي في حقه ، ويكفي في بطلان هذا القول - مضافاً إلى الاجماع والأخبار الكثيرة (1)الدالة على أنّ لله حكماً في كل واقعة يشترك فيه العالم والجاهل - نفس إطلاقات أدلة الأحكام ، فان مقتضى إطلاق ما يدل على وجوب شيء أو حرمته ثبوته في حق من قامت عنده الأمارة على الخلاف أيضاً.

وتوهم أنّه بعد العلم بحجية ما دل على خلاف الحكم الواقعي من الطرق


1) [لعلّه قدس‌سره يشير إلى أخبار الاحتياط وأخبار وجوب التعلم وجوباً طريقياً ونحو ذلك مما يدل على الاشتراك بالالتزام كما في المحاضرات 2 : 87].

والأمارات لا بدّ من رفع اليد عن تلك الاطلاقات ، وإلاّ لزم اجتماع الضدين أو المثلين ، وتفويت المصلحة أو الالقاء في المفسدة ، مدفوع بما ذكرناه في بحث حجية الظن (1)من أنّ المحاذير التي ذكرت لاثبات التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري لا يتم شيء منها ، فراجع.

نعم ، لا يتصور الخطأ في الأحكام الظاهرية ، فلا بدّ من الالتزام بالتصويب فيها ، إذ كل مجتهد عالم بوظيفته الفعلية ، وجهله إنّما هو بالاضافة إلى الحكم الواقعي ، ولذا أخذوا العلم في تعريف الفقه ، فعرّفوه بأ نّه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

إن قلت : ليس الأمر في الأحكام الظاهرية إلاّكما في الأحكام الواقعية ، ولا تكون آراء المجتهدين كلها في الحكم الظاهري مصيبة. ألا ترى أنّه لو بنى أحد المجتهدين في دوران الأمر بين المحذورين على أنّ الحكم الظاهري هو الأخذ بجانب الحرمة ، اعتماداً على ما يظهر من بعض الموارد من تقديم الشارع جانب الحرمة على جانب الوجوب ، وبنى الآخر على جريان البراءة الشرعية في كلا طرفي الوجوب والحرمة ، والتزم فيه بالتخيير ، فانّه لايكون المصيب إلاّأحدهما. وكذالو بنى أحدهما على حجية الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي وتمسك الآخر في تلك الموارد بغير الاستصحاب كالبراءة الشرعية ، فانّ الحكم الظاهري في الموارد المذكورة في حق كليهما إمّا مفاد الاستصحاب وإمّا مفاد البراءة.

نعم ، لو كان موضوع الحكم الظاهري في حق أحد المجتهدين فعلياً دون


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 105 وما بعدها.

الآخر ، فالأمر كما ذكر ، فانّ الوظيفة الفعلية المقررة في الشرع في حق كل منهما غير ما في حق الآخر. وأمّا فيما إذا كان موضوعه فعلياً في حق كل منهما ، ولكن لم ير أحدهما ثبوت الحكم له كما ذكرناه في المثالين ، فلا محالة يكون أحدهما مخطئاً.

قلت : ليس المراد بالتصويب في الأحكام الظاهرية أنّه لا يمكن الخطأ من المجتهد بالاضافة إلى الحكم المجعول في حق الشاك ، فانّه كالحكم المجعول على ذوات الأفعال قد يصل إليه المجتهد وقد لا يصل ، بل المراد به أنّ اختلاف المجتهدين في الأحكام الظاهرية إنّما هو من جهة الاختلاف في موضوعاتها ، فكلٌ يعمل بما هو وظيفته بالفعل ، ولا يتصور فيه الخطأ من هذه الجهة فمن اعتقد أنّ أدلة البراءة الشرعية لا تشمل موارد دوران الأمر بين المحذورين ، لاعتقاده تقديم الشارع جانب الحرمة على جانب الوجوب ، لاتكون أدلة البراءة شاملة له ، لعدم موضوعها وهو الشك في الحكم ، فلو ارتكب الفعل - والحال هذه - يعاقب على مخالفته على تقدير ثبوت الحرمة في الواقع ، ويكون متجرياً على تقدير عدمها. وأمّا من لا يعتقد به ولم يقم عنده دليل على تقديم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب ، فلا محالة يكون شاكاً في الحكم الواقعي ، ومعه يرجع إلى البراءة بلا مانع.

وبذلك يظهر الحال في المثال الثاني وبقية الموارد ، فانّ من بنى على حجية الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي لم تكن أدلة البراءة معذّرةً له في العمل على خلاف يقينه السابق ، لعدم تحقق موضوعها في حقه ، وأمّا من ذهب إلى عدم حجيته في تلك الموارد فلا مانع له من الرجوع إلى البراءة ، لأنّه شاك في الحكم ولم تقم عنده حجة عليه على الفرض.

الكلام في التقليد

ويقع الكلام أوّلاً في معناه. وثانياً في أحكامه. أمّا الكلام في تعريفه فهو أنّه عرّف بتعاريف ، منها : أنّه العمل بقول الغير. ومنها : أنّه الأخذ بفتوى الغير للعمل به. ومنها : أنّه الالتزام بالعمل بفتوى الغير وإن لم يعمل ، بل وإن لم يأخذ. وقد ذكر السيد (1)قدس‌سره في العروة أنّه يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها.

ولكنّ التحقيق أنّ التقليد في العرف باقٍ على معناه اللغوي ، وهو جعل الغير ذا قلادة ، ومنه التقليد في حج القران ، فانّ المحرم يجعل البعير ذا قلادة بنعل قد صلى فيه ، وفي حديثٍ : «الخلافة قلّدها رسول اللّه صلى‌اللّه‌عليه‌وآله علياً عليه‌السلام» (2)أي جعل الخلافة قلادةً له عليه‌السلام فكأنّ العامي يجعل عمله قلادة للمجتهد كناية عن كونه هو المسؤول عنه ، وهو المؤاخذ بعمله لو قصّر في فتواه ، كما يفصح عن ذلك قولهم عليهم‌السلام في عدة روايات : «من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به» (3)وقوله عليه‌السلام في قضية ربيعة بعد افتائه ، وقول السائل : أهو في عنقك؟ هو في عنقه قال أو لم يقل ... إلخ (4).


1) العروة الوثقى 1 : 18 المسألة 8.

2) كما في مجمع البحرين في مادة (قلّد).

3) الوسائل 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 1 (باختلاف يسير).

4) نقل في الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمن بن الحجاج ، قال : كان أبو عبداللّه عليه‌السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي ، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة ، فأجابه ، فلما سكت ، قال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئاً ، فأعاد المسألة عليه ، فأجابه بمثل ذلك ، فقال له الأعرابي : أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة ، فقال أبو عبداللّه (عليه‌السلام): «هو في عنقه ، قال أولم يقل ، وكل مفت ضامن» [الوسائل 27 : 220 / أبواب آداب القاضي ب 7 ح 2].

وبالجملة : لمّا كان وزر عمل العامي على المفتي ، صح إطلاق التقليد على العمل بفتواه باعتبار أنّه قلادة له.

فالصحيح في تعريفه أن يقال : هو العمل استناداً إلى فتوى الغير. وما في الكفاية (1)- من أنّه لو كان عبارة عن نفس العمل بفتوى الغير ، لزم أن يكون العمل الأوّل بلا تقليد ، فانّه غير مسبوق بالعمل - لا وجه له ، فانّه لا دليل على سبق التقليد على العمل ، بل المعتبر أن لا يكون العمل بلا تقليد ، وهذا المعنى موجود في العمل الأوّل أيضاً ، فانّه عمل مستند إلى فتوى المجتهد.

وأمّا مسألة جواز البقاء على تقليد الميت وحرمة العدول عن تقليد الحي إلى الآخر ، فليست متفرعةً على أنّ معنى التقليد هو الالتزام بالعمل ، بأن يقال كما قيل : لو التزم بالعمل ولم يعمل فمات المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده ، وكذالو التزم ولم يعمل يجوز العدول عنه إلى الآخر. وأمّا لو عمل يجوز البقاء في الأوّل ولا يجوز العدول في الثاني ، هذا إذا كان التقليد عبارة عن العمل. وأمّا لو كان عبارة عن الالتزام فيجوز البقاء في الأوّل ولا يجوز العدول في الثاني بعد الالتزام ولو لم يعمل ، وذلك لأنّ الحكم - في كل واحدة من المسألتين من حيث السعة والضيق - تابع للمدرك فيهما ، بلا فرق بين أن يكون التقليد عبارة عن


1) كفاية الاصول : 472.

الالتزام أو العمل ، وسنتعرض للمسألتين عن قريب (1)إن شاء اللّه تعالى.

الكلام في أحكام التقليد

اشارة

ويقع البحث عنها في مسائل :

المسألة الاولى : أنّه لا ينبغي الريب في جواز التقليد للعامي في الأحكام الشرعية العملية ، وتدل عليه السيرة العقلائية ، فانّها قد جرت على رجوع الجاهل إلى العالم في امورهم الراجعة إلى معادهم ومعاشهم ، بل هو أمر فطري يجده كل من راجع نفسه وارتكازه ، وهذا كافٍ في إثبات الحكم بعد ما سنذكره من عدم ثبوت الردع عنه من قبل الشارع ، بل المعلوم امضاؤه ، للقطع بأ نّه لم تكن عادة السلف حتى في عصر المعصومين عليهم‌السلام إلاّعلى رجوع من لم يكن عارفاً بالأحكام الشرعية إلى العالم بها ، وقد قررهم الأئمة عليهم‌السلام على ذلك. وتدل على الامضاء - مضافاً إلى القطع به - الآيات والروايات.

أمّا الآيات فمنها قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)ومنها قوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ... ) (3)وتقييد جواز العمل بقول أهل الذكر المستفاد من آية السؤال بصورة حصول العلم بالواقع ، يدفعه الاطلاق ، وكذا الحال في آية النفر. وما ورد في بعض الروايات (4)- من


1) في ص 464 وما بعدها.

2) النحل 16 : 43.

3) التوبة 9 : 122.

4) الوسائل 27 : 63 / أبواب صفات القاضي ب 7 ح 3 وغيره.

تفسير أهل الذكر بالأئمة عليهم‌السلام أو بعلماء اليهود كما في بعضها الآخر - لا يضر بالاستدلال بالآية الشريفة للمقام ، لما ذكرناه في بحث حجية خبر الواحد (1)وفي مقدمات التفسير (2): من أنّ نزول الآية في مورد خاص لا يوجب اختصاصها به ، بمعنى أنّه لا يوجب انحصار المراد به ، فانّ القرآن يجري مجرى الشمس والقمر (3)، ولا يختص بمورد دون مورد ، كما دلت عليه الروايات الكثيرة ، وفي بعضها «إنّ القرآن لو نزل في قوم فماتوالمات القرآن» (4)وهذه الروايات مذكورة في كتاب مرآة الأنوار المعروف بمقدمة تفسير البرهان ، فراجع.

وأمّا الروايات فكثيرة :

منها : قول الصادق عليه‌السلام لأبان بن تغلب : «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ، فانّي احب أن أرى في شيعتي مثلك» (5)ومن الظاهر أنّ جواز الافتاء يلازم جواز العمل به عرفاً.

ومنها : الروايات الناهية عن الافتاء بغير علم (6)، وهي كثيرة ، فانّ المفهوم منها ولو بقرينة الحكمة جواز الافتاء عن علم ، وقد ذكرنا الآن أنّ جواز الافتاء يلازم جواز العمل به عرفاً ، ولا يقاس ذلك بالأمر باظهار الحق والنهي


1) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 220.

2) البيان في تفسير القرآن : 22.

3) مرآة الأنوار : 5.

4) مرآة الأنوار : 5.

5) رجال النجاشي : 10 / الترجمة رقم 7.

6) الوسائل 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4.

عن كتمانه (1)كما لا يخفى.

ومنها : قول الرضا عليه‌السلام - بعد ما سأله [علي بن] المسيب الهمداني وقال : شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت ، فممن آخذ معالم ديني؟ - من زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا (2).

ومنها : قوله عليه‌السلام أيضاً : «نعم» في جواب عبدالعزيز المهتدي حيث سأله عليه‌السلام وقال : إنّ شقتي بعيدة ، فلست أصل إليك في كل وقت ، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين (3)؟ ونحوها غيرها مما يدل على جواز رجوع الجاهل إلى العالم. نعم ، منع الأئمة عليهم‌السلام عن الرجوع إلى من كان دأبه في استنباط الأحكام الشرعية استعمال الاستحسانات والأقيسة ، وغيرهما من الظنون غير المعتبرة ، كما ذكرناه سابقاً.

وقد استدل على عدم جواز التقليد بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم ، وبما دل على التوبيخ على التقليد كقوله تعالى : ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) (4)ولكن قد ذكرنا في البحث عن حجية خبر الواحد (5)أنّ ما دل على النهي عن اتباع غير العلم من الآيات والروايات لا يشمل العمل بما ثبت كونه حجة وعلماً في نظر الشارع.


1) [اشارة إلى الاستدلال بآية الكتمان على حجية خبر الواحد وردّه ، راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 218 - 221].

2) الوسائل 27 : 146 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 27.

3) الوسائل 27 : 148 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 35.

4) المائدة 5 : 104.

5) راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 177.

وأمّا مثل قوله تعالى : ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ... ) فهو أجنبي عن المقام ، فانّ الكلام في رجوع الجاهل إلى العالم لا إلى مثله كما هو المفروض في الآية بقرينة ذيلها وهو قوله تعالى : ( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) مضافاً إلى أنّ بعض تلك الآيات واردة في الاصول الاعتقادية التي لا بدّ فيها من تحصيل العلم واليقين ، ولايقاس عليها الأحكام الشرعية العملية ، لقلة الاصول الاعتقادية وسهولة الوصول إليها بالعلم واليقين لظهور برهانها ، بخلاف الأحكام الفرعية فانّها مع كثرتها يصعب الوصول إليها من مداركها المقررة في الشرع ، ولذا يصرف قومٌ أعمارهم لتحصيل ملكة الاستنباط ، ولا تتيسر إلاّللأوحدي منهم حسب ما افتضته المصالح الإلهية.

ثمّ إنّ المراد من جواز التقليد هو الجواز بالمعنى الأعم ، ضرورة أنّه إذا انحصر الطريق بالتقليد ، كما إذا عجز العامي عن الاحتياط وجب التقليد في حقه تعييناً ، وأمّا مع تمكنه من الاحتياط تخير بينهما كما لا يخفى.

المسألة الثانية : في وجوب تقليد الأعلم وعدمه ، ويقع الكلام فيها في مقامين :

المقام الأوّل : في بيان تكليف العامي في نفسه من حيث إنّه يتعين عليه تقليد الأعلم ، أو أنّه يتخير بينه وبين تقليد غيره.

المقام الثاني : في بيان تكليف المجتهد من حيث إنّه يجوز له الافتاء بجواز تقليد غير الأعلم أو لا.

أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الاشكال في عدم جواز تقليد غير الأعلم للعامي ، لكونه عالماً بحجية فتوى الأعلم وشاكاً في حجية فتوى غيره ، والشك

في الحجية كافٍ في الحكم بعدمها ، وقد ذكرنا مراراً (1): أنّه في مقام دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية ، يكون مقتضى الأصل هو الحكم بالتعيين.

وكذالو أفتى غير الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم ، لا يجوز تقليد غير الأعلم استناداً إلى فتواه ، لعدم ثبوت حجية نفس هذه الفتوى ، أي الفتوى بجواز تقليد غير الأعلم. نعم ، لو أفتى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم ، جاز للعامي تقليد غير الأعلم استناداً إلى فتوى الأعلم ، إذ المفروض أنّ فتوى الأعلم حجة في حقه ، وقد قامت الحجة على اعتبار فتوى غير الأعلم.

وما عن السيد (2)قدس‌سره في العروة من الاستشكال في ذلك لا نعرف له وجهاً ، ضرورة أنّ فتواه بجواز تقليد غير الأعلم كفتواه بجواز الرجوع إلى البينة في إثبات الطهارة أو النجاسة مثلاً. نعم ، لو حصل للعامي يقين بعدم جواز تقليد غير الأعلم ، كما إذا استقل عقله بأنّ نسبة المفضول إلى الفاضل هي نسبة الجاهل إلى العالم ، لا يجوز له تقليد غير الأعلم ولو مع فتوى الأعلم بجواز تقليد غير الأعلم ، لكونه عالماً بخطأ الأعلم في هذه المسألة ، فلا يجوز اتباعه فيها. ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام ، فانّ الكلام فيما إذا كان العامي شاكاً في جواز تقليد غير الأعلم.

وأمّا المقام الثاني : وهو جواز الافتاء بجواز تقليد غير الأعلم فيقع الكلام فيه في موردين : المورد الأوّل : فيما إذا علم الاختلاف بين الأعلم وغيره في الفتوى تفصيلاً أو إجمالاً ، وكان فتوى الأعلم موافقاً للاحتياط. المورد الثاني : فيما إذالم يعلم اختلافهما أصلاً ، أو علم الاختلاف ولكن كان فتوى غير الأعلم


1) راجع على سبيل المثال الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 529.

2) العروة الوثقى 1 : 24 المسألة 46.

موافقاً للاحتياط ، كما إذا رأى الأعلم استحباب السورة في الصلاة ، وغيره يرى وجوبها فيها.

أمّا المورد الأوّل : فالظاهر فيه عدم جواز تقليد غير الأعلم ، والوجه فيه : أنّ أدلة حجية الفتوى - من الآيات والروايات - لا تشمل الفتويين المتخالفين ، لما تقدّم (1)في بحث التعادل والترجيح من سقوط المتعارضين عن الاعتبار ، وأنّ دليل الاعتبار لا يشمل شيئاً منهما ، فلا بدّ في إثبات اعتبار أحدهما من التماس دليل آخر. ولا دليل في المقام إلاّالسيرة العقلائية ، ولا ينبغي الريب في قيام السيرة على الرجوع إلى الأعلم في مورد الاختلاف بينه وبين غيره ، ومع الغض عن ذلك تصل النوبة إلى الأصل ، ومقتضاه أيضاً وجوب تقليد الأعلم ، لكون المورد من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية ، وقد تقدّم (2)أنّ مقتضى الأصل فيه هو الحكم بالتعيين.

وأمّا المورد الثاني : فالتحقيق فيه أنّه إذا علم الاختلاف بينهما ، وكان فتوى المفضول مطابقاً للاحتياط ، جاز للعامي الرجوع إلى الأعلم ، لما تقدّم من قيام السيرة على اتباع الأعلم عند الاختلاف بينه وبين غيره ، كما جاز له العمل بفتوى المفضول فانّه لا يقصر عن الاحتياط في بقية موارد الطرق والأمارات ، وقد قرّر في محلّه (3)أنّ حجية الطريق لا تنافي حسن الاحتياط وجوازه.

وأمّا إذالم يعلم الاختلاف بينهما أصلاً ، فقد يقال فيه بوجوب تقليد الأعلم ،


1) في ص 440 - 441.

2) في ص 542.

3) راجع المجلّد الثاني من هذا الكتاب ص 376 التنبيه الخامس.

ويستدل عليه بامور :

منها : أنّ فتوى الأعلم متيقن الاعتبار ، وفتوى غيره مشكوك الاعتبار ، وذكرنا مراراً أنّ مقتضى حكم العقل - عند دوران الحجة بين التعيين والتخيير - هو التعيين.

وهذا الوجه إنّما ينفع فيما لم يثبت التخيير بدليل ، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى العمل بالأصل مع وجود الدليل.

ومنها : قوله عليه‌السلام في مقبولة عمر بن حنظلة : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر» (1)حيث جعل عليه‌السلام الاعتبار بقول الأفقه دون غيره.

وفيه أوّلاً : ضعف المقبولة من حيث السند كما تقدّم (2). وثانياً : أنّها واردة في مورد الاختلاف كما يفصح عنه قول السائل : «فاختلفا فيما حكما» فموردها خارج عن محل الكلام ، وهو صورة عدم العلم بالاختلاف. وثالثاً : أنّ موردها الحكومة وفصل الخصومة ، ولا وجه للتعدي منه إلى الافتاء ، بل قوله عليه‌السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ...» إلخ يدل على الاختصاص من وجهين :

الأوّل : أنّ الإمام عليه‌السلام أمر بالأخذ بما يقوله أفقه الحكمين ، وهذا مختص بباب القضاء ، وأمّا في مقام الافتاء فلا بدّ من الرجوع إلى أفقه جميع المجتهدين لا إلى أفقه الشخصين.


1) الوسائل 27 : 106 / أبواب صفات القاضي ب 9 ح 1.

2) في ص 491.

الثاني : أنّ المقبولة دلت على وجوب الأخذ بما يقوله أورع الحكمين وأصدقهما في الحديث ، ومن الظاهر أنّ الترجيح بهما يختص بباب القضاء.

ومما ذكرناه يظهر الحال في الاستدلال بما روي عن مولانا أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) في عهده الطويل إلى مالك الأشتر من قوله عليه‌السلام : «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك» (1)ونهيه عليه‌السلام عن إيكال القضاء إلى أحد مع وجود الأفضل منه في البلد ، فانّ مورده الحكم لا الافتاء كما هو ظاهر ، ولا سيّما مع ملاحظة أنّ الافتاء موكول إلى أفضل الجميع كما تقدّم ، لا إلى أفضل الرعية وأهل البلد. وكذا الحال في الاستدلال بالروايات (2)الدالة على ذم من يحكم مع العلم بوجود من هو أعلم منه ، فانّها أيضاً واردة في الحكومة دون الفتوى.

ومنها : أنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غيره ، فيجب الأخذ به.

وفيه : منع الصغرى والكبرى. أمّا الصغرى : فلمنع كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غيره دائماً ، بل ربّما تكون فتوى غيره أقرب إلى الواقع من فتوى الأعلم ، كما إذا كان فتوى غير الأعلم مطابقاً للمشهور ، أو مطابقاً لفتوى ميت كان أعلم من الأفضل الحي. وأمّا الكبرى : فلأ نّه لم يدل دليل على تعين الأخذ بما هو أقرب ، إذ ليس مناط الحجية هو الأقربية ، ولذالو وقع التعارض بين البينتين وكانت إحداهما أقرب إلى الواقع من الاخرى ، لا يمكن القول بوجوب الأخذ بالأقرب وطرح الاخرى.


1) الوسائل 27 : 159 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 18.

2) منها ما روي في البحار 2 : 110 ، 50 : 100.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه لا دليل على وجوب الأخذ بفتوى الأعلم في مفروض الكلام. نعم ، لو لم يثبت التخيير كان هو المتعيّن بمقتضى الأصل على ما تقدّم ، إلاّأنّ السيرة قائمة على الرجوع إلى كلٍ من الأفضل والمفضول عند عدم العلم باختلافهما فهي الدليل على التخيير ، ألا ترى أنّ الطبيب المفضول لا يبقى عاطلاً في بلد مع وجود الأفضل منه فيه ، فانّ العقلاء يراجعون المفضول كما يراجعون الأفضل. نعم ، لو احرز الاختلاف بينهما لا يراجعون المفضول كما ذكرناه سابقاً (1)، هذا.

ويمكن الاستدلال على جواز الرجوع إلى غير الأعلم باطلاق مثل قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)وتوهّم أنّه لا يمكن التمسك باطلاق آية السؤال ونحوها في المقام ، لأن صورة مخالفة فتوى الأعلم مع فتوى غيره خارجة عن الاطلاقات ، لما تقدّم من أنّ أدلة الحجية من الآيات والروايات لا تشمل شيئاً من المتعارضين ، وحيث إنّا نحتمل في الفرض مخالفة فتوى الأعلم لفتوى غيره ، كان التمسك بالاطلاقات من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، مدفوع بأ نّه يحرز عدم الاختلاف بين الفتويين باستصحاب عدمه الأزلي ، أو النعتي على ما ذكرناه غير مرّة (3).

فروع :

الأوّل : إذا علم اختلاف المجتهدين وأعلمية أحدهما إجمالاً ، وجب الفحص


1) في ص 543.

2) النحل 16 : 43.

3) راجع محاضرات في اصول الفقه 4 : 360 وما بعدها.

عن الأعلم وتقليده ، لما تقدّم من اختصاص الحجية بفتواه عند مخالفته لفتوى غير الأعلم ، فان لم يتمكن من تعيينه ، وجب الاحتياط بين القولين فيما إذا أمكن ، وإلاّ كان مخيراً بينهما ، وإن تمكن من تعيين الأعلم بالظن ، فانّه لا دليل على اعتباره كما لا يخفى.

الثاني : إذا علم الاختلاف بين المجتهدين ولم تعلم أعلمية أحدهما ، ولكنّه احتمل الأعلمية في كل منهما وتساويهما ، فالمشهور على تخيير العامي في تقليدهما ، بل ادعي الاتفاق عليه ، فان تمّ الاجماع فهو ، وإلاّ فالقاعدة تقتضي سقوطهما ، فلا بدّ من الاحتياط إن أمكن ، وإلاّ فالتخيير. وأمّا ما عن السيد (1)قدس‌سره - في العروة من أنّه إذا حصل الظن بأعلمية أحدهما تعيّن تقليده - لا يمكن المساعدة عليه ، لما ذكرناه من عدم الدليل على اعتباره.

الثالث : إذا علم اختلاف المجتهدين ، واحتمل الأعلمية في أحدهما المعيّن دون الآخر ، يتعيّن تقليد من يحتمل كونه أعلم ، فانّ الأمر حينئذ دائر بين التعيين والتخيير ، وقد ذكرنا مراراً أنّ مقتضى حكم العقل - عند دوران الحجة بينهما - هو التعيين. هذا بناءً على التخيير عند اختلاف المجتهدين في الفتوى وتساويهما في العلم. وأمّا بناءً على المسلك الآخر ، لزم الاحتياط إن أمكن ، وإلاّ فالحكم كما ذكر.

تذييل : في بيان المراد من الأعلم في المقام

فنقول : ليس المراد من الأعلم من هو أكثر اطلاعاً على الفروع الفقهية وحفظاً لمداركها من الآيات والروايات وغيرهما ، بل المراد به من يكون


1) العروة الوثقى 1 : 20 المسألة 21.

استنباطه أرقى من الآخر بأن يكون أجود فهماً للأخبار والآيات ، وأدقّ نظراً في تنقيح المباني الفقهية من القواعد الاصولية ، وفي تطبيقها على المصاديق.

المسألة الثالثة : في اشتراط الحياة في المفتي ، واختلفت كلماتهم في ذلك. المنسوب إلى المشهور اشتراطها فيه مطلقاً. وإلى المحدثين والمحقق القمي في أجوبة مسائله (1)عدمه مطلقاً. وفصّل جمع من محققي المتأخرين بين التقليد الابتدائي والاستمراري بأ نّها شرط في الأوّل دون الثاني.

وتحقيق الحال يقتضي التكلم في مقامين : المقام الأوّل : فيما إذالم تعلم مخالفة الحي مع الميت في الفتوى. المقام الثاني : فيما إذا علمت المخالفة بينهما تفصيلاً أو إجمالاً.

أمّا المقام الأوّل : فقد يتمسك فيه لجواز تقليد الميت باستصحاب بقاء حجية فتواه ، وحيث إنّ جريان الاستصحاب يتوقف على أمرين : اليقين بالحدوث ، والشك في البقاء ، فقد اجيب عن الاستصحاب المذكور تارةً بعدم اليقين في الحدوث ، واخرى بعدم الشك في البقاء.

أمّا الأوّل : فهو أنّه في موارد التقليد الابتدائي لم تعلم حجية فتوى المجتهد ، إلاّ في حق الموجودين في زمانه ، وأمّا المعدومين فلا علم لنا بحجية فتواه في حقهم ، لاحتمال اختصاصها بالموجودين.

وفيه : أنّ مقتضى أدلة حجية الفتوى هو حجيته في حق الجاهلين على نحو القضية الحقيقية ، بمعنى أنّ كل من فرض وجوده في الخارج واتصف بكونه مكلفاً ، فهو في ظرف اتصافه به تكون فتوى المجتهد حجة في حقه ، فلا


1) جامع الشتات 2 : 420.

اختصاص لحجية فتواه بجاهل دون جاهل ، فلو فرض كون المعدومين في زمان المفتي موجودين فيه ، لكانت فتواه حجة في حقهم قطعاً ، غاية الأمر أنّه يحتمل ارتفاع الحجية المعلومة بارتفاع حياة المجتهد ، لاحتمال كونها مقيدة بحياة المفتي فلا مانع من جريان الاستصحاب.

وبعبارة اخرى : من كان معدوماً في زمان حياته إذا وجد وعلم بتوجه التكليف إليه ، فهو لا محالة يعلم بأنّ فتوى المجتهد المفروض مماته كانت حجة في زمان حياته على نحو القضية الحقيقية ، ويشك في بقاء حجيتها كذلك بعد مماته ، فيجري الاستصحاب في حقه ، لتمامية كلا ركنيه. مضافاً إلى أنّ الجواب المذكور على تقدير تماميته يختص ببعض الموارد ، ولا يجري بالاضافة إلى من كان موجوداً في زمان حياة المجتهد ولم يقلّده عصياناً أو غفلة ، أو لكونه عاملاً بالاحتياط فأراد تقليده بعد مماته ، فان فتوى المجتهد كانت حجة في حقه على الفرض ، فلا مانع من استصحاب حجيتها بعد مماته.

وأمّا الثاني : فقد ذكر في الكفاية (1)ما حاصله : أنّه لا مجال لاستصحاب بقاء حجية فتواه بعد موته ، إذ بموته يرتفع رأيه الذي هو موضوع الحجية ، فانّه متقوّم بالحياة في نظر العرف ، فالموضوع ليس باقياً في نظر العرف ، وإن كان باقياً في الحقيقة ولذا يرى المعاد من إعادة المعدوم. ثمّ إنّه قدس‌سره أورد على نفسه بأنّ الرأي والاعتقاد وإن كان يزول بالموت لانعدام موضوعه وهو الانسان ، إلاّأنّ حدوث الرأي في حال حياته كافٍ في جواز تقليده بعد موته أيضاً ، كما هو الحال في الرواية. وأجاب عنه بالفرق بين الرواية والفتوى وحاصله : أنّ الرواية إنّما تكون حجة بحدوثها ، فلا يضر موت الراوي بحجيتها ، بخلاف


1) كفاية الاصول : 477 - 478.

الفتوى فانّ حجيتها تدور مدار بقاء الرأي ، للقطع بعدم جواز تقليد من زال رأيه بعروض الجنون أو الهرم أو التبدل برأي آخر انتهى.

والتحقيق عدم تمامية هذا الجواب أيضاً ، لما ذكرناه في بحث الاستصحاب (1)من أنّ المراد ببقاء الموضوع هو اتحاد القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها ، ولا إشكال في اتحادهما في المقام. وأمّا ما ذكره من عدم بقاء الرأي بعد موت الانسان بنظر العرف فهو وإن كان كما ذكره ، إلاّأنّ حدوثه كافٍ في حجيته حدوثاً وبقاءً ، بمعنى أنّ حجية رأي المجتهد لا تدور مدار بقائه ، فانّ الفتوى مثل الرواية والشهادة من هذه الجهة.

توضيح ذلك : أنّ الشيء قد يكون بحدوثه موضوعاً لحكم من الأحكام ، بأن يكون حدوثه في زمانٍ كافياً في ثبوت الحكم وبقائه ، كما في حكم الشارع مثلاً بعدم جواز الصلاة خلف المحدود ، فان وقوع الحد على أحدٍ في زمان كافٍ في عدم جواز الائتمام به إلى الأبد. وقد لا يكون حدوثه كافياً في بقاء الحكم ، بل يحتاج بقاؤه إلى بقاء ذلك الشيء ، فيدور الحكم مداره حدوثاً وبقاءً ، كعدم جواز الصلاة خلف الفاسق ، فانّه يدور مدار فسقه. ولا مانع من أن تكون فتوى المجتهد من قبيل الأوّل كالرواية والشهادة ، وعليه فيمكن التمسك باستصحاب حجية رأيه بعد موته. وما ذكره من القطع بعدم جواز تقليد من زال عنه الرأي بالتبدل أو بعروض الجنون أو الهرم وهو دليل على أنّ الحجية دائرة مدار بقاء الرأي غير تام ، لاختصاص حجية الرأي بما إذالم يظهر بطلانه ، وبعد تبدل الرأي يظهر خطؤه ، فكيف يكون حجة ، والأمر في باب الرواية أيضاً كذلك ، فانّ الراوي لو اعترف بخطئه في الرواية تسقط الرواية عن الحجية بلا إشكال.


1) في ص 271.

وأمّا ارتفاع حجية الفتوى بزوال الرأي لهرم أو جنون فهو لأمرين :

الأوّل : القطع من الخارج بعدم جواز تقليد من طرأت عليه هذه الطوارئ ، فانّ المجنون لا يليق بمنصب الفتوى الذي هو فرع من فروع منصب الإمامة ، وكذا من التحق بالصبيان للهرم أو النسيان ، فانّ الشارع لا يرضى بزعامة المجنون وكونه مرجعاً للمسلمين ولو من جهة فتواه السابقة ، وكما أنّ الجنون مانع عن الرجوع إلى المتصف به في فتاواه السابقة على عروضه ، كذلك الفسق.

وهذا بخلاف الموت فانّه ارتقاء للانسان وارتحال من عالم إلى عالم أرقى وأشرف ، ولذا اتصف به الأنبياء والأوصياء عليهم‌السلام ، فالفتوى تفترق عن الرواية من هذه الجهة ، فانّ عروض الجنون أو الفسق للراوي لا يمنع عن حجية روايته التي رواها قبل عروضهما له ، كما هو المروي بالاضافة إلى كتب بني فضال (1).

الثاني : الاجماع المحقق على عدم جواز تقليد من طرأت عليه هذه الطوارئ من الجنون والفسق ، هذا.

ولكنّ التحقيق أنّه لا يمكن إثبات جواز تقليد الميت بالاستصحاب.

أمّا أوّلاً : فلما ذكرناه في بحث الاستصحاب (2)من عدم جريانه في الشبهات الحكمية.

وأمّا ثانياً : فلأن مقتضى الاستصحاب عدم جواز تقليد الميت لا جوازه ، وذلك لما ذكرناه عند البحث عن جريان الاستصحاب في أحكام الشرائع


1) الوسائل 27 : 142 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 13.

2) في ص 42 وما بعدها.

السابقة (1)من أنّ مرجع الشك في نسخها إلى احتمال ضيق دائرة الجعل وعدم سعتها بالاضافة إلى من يوجد في زمان تشريع الشريعة اللاحقة ، فيكون المراد من النسخ بيان أمد الحكم بحسب الجعل الأوّل لا رفعه ، لكونه مستلزماً للبداء المستحيل في حقه تعالى ، وعليه فلا علم بجعل الحكم في حقه ولو بنحو القضية الحقيقية ليجري الاستصحاب ويثبت به بقاء الحكم له ، بل يجري في حقه استصحاب عدم الجعل بلا معارض. والمقام من هذا القبيل بعينه ، حيث نحتمل أن تكون حجية فتوى المجتهد مختصة (2)بمن عاصره ، وكان من وظيفته الرجوع إليه ، وأمّا المكلف الموجود بعد موته ، فلا علم بحجية فتواه في حقه من الأوّل ، فيجري استصحاب عدم جعل الحجية في حقه بلا معارض.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الاستصحاب إنّما يجري عند عدم الدليل ، وقد دلّ الدليل على اشتراط الحياة في المفتي ، وهو أمران :

الأوّل : الاجماع المدعى في كلمات جماعة من الأكابر كالشهيد (3)(قدس‌سره)


1) في ص 177.

2) أي يكون الشك في حجية فتوى المجتهد في حق من يوجد بعد مماته شكاً في الحدوث لا في البقاء ، فلا مجال لجريان استصحاب بقاء الحجية في حقه. ولا تنافي بين ما أفاده سيدنا الاستاذ (دام ظلّه) هنا ، وما ذكره سابقاً من عدم كون المقام من قبيل الشك في الحدوث ، فانّ ما ذكره (دام ظلّه) سابقاً راجع إلى أنّه ليس من قبيل الشك في الحدوث من جهة احتمال اختصاص حجية فتواه بجاهل دون جاهل ، أي بجاهل موجود في حياته دون جاهل موجود بعد مماته ، وما أفاده هنا راجع إلى أنّ الشك شك في الحدوث من جهة احتمال أن تكون حجية فتواه مختصة بحال حياته فلاحظ.

3) الذكرى 1 : 44 الاشارة الخامسة.

وأمثاله. ولا يخفى أنّه لا تضر بدعوى الاجماع في المقام مخالفة المحقق القمي (1)قدس‌سره والأخباريين ، لأن مخالفته قدس‌سره مبنية على ما ذكره من أنّه لا دليل على حجية فتوى المفتي إلاّدليل الانسداد الجاري في حق العامي ، ومقتضاه جواز تقليد الميت كالحي ، وقد ذكرنا أنّ دليل جواز التقليد غير دليل الانسداد. وأمّا الأخباريون فمخالفتهم إنّما هو لأجل أنّ الرجوع إلى المفتي عندهم من قبيل الرجوع إلى الراوي ، لزعمهم أنّ التقليد بدعة ، ولا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وقد مرّ في تعريف الاجتهاد أنّ ما ذكروه إنّما يتم على ما يراه العامة في معنى الاجتهاد وأمّا على ما عرّفناه فلا محذور فيه أصلاً.

الثاني : أنّ الآيات والروايات الدالة على حجية فتوى المجتهد ظاهرة في اعتبار الحياة في المفتي ، فانّ ظاهر قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2)هو اتصاف المسؤول بكونه أهل الذكر عند السؤال ، ومن الظاهر عدم صدق هذا العنوان على الميت.

ومن هنا يظهر وجه الدلالة في مثل قوله عليه‌السلام : «من كان من الفقهاء ...» (3)إلخ وقوله عليه‌السلام : «انظروا إلى رجل قد روى حديثنا ...» (4)إلخ ، فالظاهر من هذه الأدلة اعتبار الحياة في المفتي ، وهذا بخلاف الرواية فانّه


1) جامع الشتات 2 : 420 ، قوانين الاصول 2 : 265.

2) النحل 16 : 43.

3) الوسائل 27 : 131 / أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

4) الوسائل 27 : 136 - 137 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 (باختلاف يسير).

لم يعتبر في حجيتها حياة الراوي ، والوجه في هذا الظهور : أنّ المرجع في باب التقليد هو المفتي ، فلا بدّ من أن يكون حياً حين الرجوع إليه لا الفتوى ، بخلاف باب الرواية ، فانّ المرجع فيه هي الرواية لا الراوي.

ويظهر هذا الفرق من مراجعة أدلة المقامين ، فانّ المستفاد من الآيات والروايات الدالة على حجية الفتوى أنّ المرجع : الفقهاء ورواة الأحاديث والعارف بالأحكام ، بخلاف أدلة حجية الرواية ، فانّ المستفاد منها وجوب الرجوع إلى الرواية لا الراوي ، ألا ترى أنّ المستفاد من قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ... ) (1)إلخ أنّ الموضوع هو النبأ لا المنبئ وكذا قوله عليه‌السلام : «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا» (2)فان موضوع عدم جواز التشكيك ما يرويه الثقات لا الثقات ، فلاحظ.

وبالجملة : لا وجه للتمسك بالاستصحاب في إثبات حجية فتوى المجتهد بعد موته. وما قيل من أنّ مقتضى السيرة العقلائية هو جواز الرجوع إلى فتوى المجتهد بعد موته لأنّهم لا يفرّقون في الرجوع إلى أهل الخبرة ونظرهم بين حيّهم وميّتهم ، ومن ثمّ ترى أنّهم يراجعون كتب الطب ويعملون بما فيها ولو بعد موت مؤلفيها ، مندفع بما ذكرناه سابقاً ، من أنّ بناء العقلاء لا اعتبار له ما لم يقع مورداً لامضاء الشارع ، وقد عرفت أنّ مقتضى ظاهر أدلة الامضاء من الآيات والروايات هو اعتبار الحياة في حجية فتوى المجتهد.

ويمكن الاستدلال على عدم جواز تقليد الميت بوجه آخر : وهو أنّه لو جاز


1) الحجرات 49 : 6.

2) الوسائل 27 : 149 - 150 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 40.

تقليد الأموات وجب تقليد أعلمهم ، والتالي باطل ، فالمقدّم مثله ، بيان الملازمة : أنّا نعلم ولو إجمالاً بمخالفة الأموات والأحياء في الفتوى ، وقد ذكرنا سابقاً أنّه مع العلم بالاختلاف يجب تقليد الأعلم ، فاذن يجب الفحص عن أعلم جميع العلماء : الأموات والأحياء ، وتقليده ، وينحصر جواز التقليد بشخص واحد من عصر المعصوم عليه‌السلام إلى زماننا هذا. أمّا بطلان التالي ، فبضرورة المذهب القاضية بفساد مسلك العامة الحاصرين لمنصب الفتوى في العلماء الأربعة. هذا كله في التقليد الابتدائي.

وأمّا البقاء على تقليد الميت ، فالظاهر جوازه ، لما تقدم من أنّ السيرة العقلائية جارية على الرجوع إلى نظر أهل الخبرة حياً كان أو ميتاً. وما ذكرناه من الأدلة الدالة على اعتبار الحياة في المفتي لايشمل البقاء. أمّا الاجماع فظاهر ، فانّ مورده التقليد الابتدائي ، وذهب جمع من المحققين إلى جواز البقاء على تقليد الميت ، فلا يمكن دعوى الاجماع على عدم جوازه. وأمّا الآيات والروايات ، فانّها تدل على اشتراط الحياة في المفتي عند التعلم منه والسؤال ، وأمّا اعتبار أن يكون العمل أيضاً في حال حياته فلا.

وأمّا ما ذكرناه أخيراً من الوجه لعدم جواز تقليد الميت ، فهو أيضاً لا يجري في البقاء ، فانّ القول بجواز البقاء على تقليد الميت لا يستلزم الانحصار المزبور كما هو واضح ، فلم يثبت ردع من الشارع عن السيرة القائمة على الرجوع إلى رأي العالم ولو بعد موته ، بل لو أغمضنا النظر عن السيرة تكفي في إثبات بقاء حجية رأي المفتي بعد مماته في حق من تعلم منه الأحكام في زمان حياته ، الاطلاقات الدالة على حجية الفتوى ، فانّ مقتضاها جواز العمل برأي من تعلم منه الأحكام في حياته مطلقاً ولو بعد مماته ، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا علم الاختلاف بين الميت والحي تفصيلاً أو إجمالاً ، ففي مورد التقليد الابتدائي لا يجوز الرجوع إلى فتوى الميت ، سواء كان أعلم من الحي أم كان الحي أعلم منه ، لما تقدم من اعتبار الحياة في المفتي بالنسبة إلى التقليد الابتدائي ، وأمّا في مورد البقاء ، فحيث إنّه لا دليل على اعتبار الحياة في المفتي حال العمل برأيه ، فان كان الحي أعلم من الميت يجب الرجوع إليه ، لعدم اعتبار فتوى غير الأعلم في صورة العلم بمخالفته لفتوى الأعلم كما تقدّم. وبذلك يظهر حكم ما لو كان الميت أعلم من الحي ، فانّه يجب البقاء حينئذ.

ودعوى الاجماع على عدم وجوب البقاء ، وأنّ الأمر دائر بين جواز البقاء ووجوب العدول غير مسموعة ، لعدم ثبوت هذا الاجماع ، لعدم كون هذه المسألة معنونة في كلمات كثير من القدماء. نعم ، لو كانت فتوى غير الأعلم موافقة للاحتياط ، جاز العمل على طبقها من باب الاحتياط لا لجواز تقليده كما تقدم سابقاً.

وأمّا إن كانا متساويين ، فمع إمكان الاحتياط يجب ، ومع عدمه أو مع عدم وجوبه ، للاجماع المدعى في كلام الشيخ قدس‌سره (1)يجب البقاء ، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجة ، ويحكم العقل بالتعيين. وبالجملة يعامل مع الميت والحي في هذه المسألة معاملة المجتهدين الحيين المتساويين ، مع العلم بالمخالفة.

بقي في المقام أمران لا بدّ من التعرض لهما :


1) الاجتهاد والتقليد : 50.

الأوّل : أنّه ذكر بعضهم أنّه يعتبر في جواز البقاء على تقليد الميت العمل بفتواه حال حياته ، فلو لم يعمل به في حياته ، لم يجز البقاء على تقليده بعد موته. ومنشأ هذا الاعتبار هو تعريف التقليد بالعمل ، باعتبار أنّه لا يصدق البقاء على تقليده مع عدم العمل ، لعدم تحقق التقليد بدونه ، فيكون العمل على فتواه بعد موته تقليداً ابتدائياً.

ولا يخفى ما فيه ، إذ لم يرد عنوان البقاء على تقليد الميت في لسان دليل لفظي حتى نتكلم في مفهومه ، وأنّ البقاء هل يصدق مع عدم العمل في حال حياة المفتي أم لا يصدق ، بل حكم جواز البقاء من حيث اعتبار العمل وعدمه تابع للمدرك ، فنقول :

إن كان مدركه الاستصحاب ، فهو على تقدير جريانه يقتضي حجية فتوى الميت مطلقاً : عمل المكلف بها حال حياته أم لم يعمل ، لأن حجية فتواه على العامي حال حياته لا تتوقف على العمل بها ، فتستصحب.

وأمّا إن كان المدرك هي السيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم ، فعدم اشتراط العمل في جواز البقاء أظهر ، فانّ السيرة جرت على رجوع العالم إلى الجاهل ، حياً كان العالم أو ميتاً ، عمل الجاهل بفتواه في حال حياته أم لم يعمل ، ولم يردع عنها الشارع إلاّفي خصوص التقليد الابتدائي عن الميت حيث منع عنه بمقتضى الأدلة السابقة الدالة على اعتبار الحياة في المفتي ، على ما تقدّم.

وكذا الحال فيما إذا اعتمدنا في جواز البقاء على الاطلاقات الدالة على حجية فتوى العالم ، فانّها تدل على اعتبار كونه حياً حال السؤال والرجوع إليه ، لا حال العمل ، وإطلاقها ينفي اعتبار العمل بفتواه قبل موته في جواز العمل بها

بعد موته مع كون التعلم والأخذ في حياته.

فتحصّل : أن جواز البقاء على تقليد الميت غير متوقف على العمل وإن قلنا بكون التقليد عبارة عن العمل.

الثاني : أنّه ذكر بعضهم أيضاً أنّه لا يجوز العدول عن الحي إلى مثله فيما إذا عمل بفتوى المجتهد الأوّل ، بخلاف ما إذالم يعمل بها. ومنشأ هذا التفصيل أيضاً هو كون التقليد عبارة عن العمل ، فمع عدم العمل بفتوى المجتهد الأوّل لا يصدق العدول ليكون حراماً.

وفيه : أنّه لم يرد عدم جواز العدول في لسان دليل حتى نبحث عن صدق العدول مع عدم العمل وعدمه ، فلا بدّ من ملاحظة المدرك لحجية فتوى العالم. والذي ينبغي أن يقال : إنّه إن كان المجتهد الثاني أعلم ممن قلّده أوّلاً ، فمع العلم بالمخالفة ولو إجمالاً يجب العدول ، سواء عمل بفتوى المجتهد الأوّل أم لم يعمل بها ، إلاّإذا كانت فتوى الأوّل موافقة للاحتياط. وإن كان المجتهد الذي قلّده هو الأعلم ، لا يجوز العدول ولو قبل العمل ، إلاّإذا كانت فتوى الثاني موافقة للاحتياط. وإن كانا متساويين ، فمع العلم بالمخالفة لا بدّ من الاحتياط على ما ذكرناه سابقاً (1)، ومع عدم إمكانه أو عدم وجوبه للاجماع ، لا يجوز العدول ، لكون المورد من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، وقد سمعت مراراً أنّ مقتضى حكم العقل هو التعيين في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في باب الحجة. ولا فرق في ذلك أيضاً بين العمل بفتوى المجتهد الأوّل وعدمه.

وأمّا إذالم يعلم الاختلاف بينهما ، فان لم يكن العامي حين العدول ذاكراً


1) في ص 547.

لفتوى المجتهد الأوّل ، جاز له العدول ، سواء عمل بفتوى المعدول عنه أم لا ، لشمول إطلاق مثل قوله تعالى : ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (1)لفتوى كل منهما. وأمّا إذا كان ذاكراً لها ، لا يجوز العدول ، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجة ، ويحكم العقل في مثله بالتعيين على ما مرّ ، سواء عمل بفتوى المجتهد الأوّل أم لا.

فتحصّل مما ذكرناه : أنّه لا فرق في جواز العدول وعدمه بين العمل بفتوى المجتهد الأوّل وعدمه في جميع الفروض المذكورة.

هذا آخر ما أفاده سيدنا الاستاذ (دام ظلّه الوارف) في هذه الدورة ، وقد تم بيد مؤلفه الحقير محمّد سرور بن الحسن رضا الحسيني البهسودي الأفغاني ، ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الثانية في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على نبينا محمّد وآله الأطهار المعصومين.


1) النحل 16 : 43.

شكر وتقدير

لما كان الاعتراف بالجميل من أقدس الواجبات وأوجب الفرائض ، فانّي أرفع آيات الشكر والثناء والتقدير إلى الاستاذ الشيخ عبدالهادي الأسدي (أيّده اللّه تعالى) صاحب مطبعة النجف ومديرها ، لما قام به من شدة الاعتناء بهذا الكتاب وسائر الكتب الاسلامية من خدمة وعناية وبذل دقة في جودة الطبع (1)وصدق المعاملة وجلب أحدث الوسائل.

وهذه الكلمة وإن لم آت فيها بما تستحقه همّته السامية ، إلاّانّها رمز لاعترافي بحسن صنيعه.

المؤلف

عنى بطبعه وتصحيحه - الطبعة الاولى -

سماحة الاستاذ الشيخ كاظم الخوانساري (دام عزّه).


1) الطبعة الاولى.

فهرست الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الاستصحاب

التعرّض لجهات من البحث... 3

1 - تعريف الاستصحاب... 3

2 - الاستصحاب مسألة أُصولية... 5

3 - الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين والمقتضي والمانع... 7

4 - أقسام الاستصحاب... 9

أدلة الاستصحاب... 11

1 - الاستدلال بالسيرة... 11

2 - ثبوت شيء في السابق موجب للظن ببقائه... 13

3 - الاستدلال بالاجماع... 14

4 - الاستدلال بالأخبار... 14

صحيحة زرارة الأُولى... 14

الاشكال على سند الرواية بالاضمار... 14

الكلام في دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب... 15

التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع... 23

المراد بالمقتضي في كلام الشيخ (قدس سره)... 23

ما يمكن أن يستدل للتفصيل المذكور... 30

التفصيل بين الثابت بالدليل الشرعي والثابت بالدليل العقلي... 36

التفصيل بين الحكم الكلي والحكم الجزئي... 42

الاشكالات التي ذكروها في المقام... 47

جريان الاستصحاب في غير الإلزاميات... 55

جريان الاستصحاب في الوضعيات... 56

الاشكال على الصحيحة بدلالتها على حجية الاستصحاب بنحو الموجبة الجزئية... 57

صحيحة زرارة الثانية... 58

فقه الحديث... 59

وجه الاستدلال بالصحيحة... 61

حمل البعض الصحيحة على قاعدة اليقين... 62

وجه تطبيق التعليل في الصحيحة على المورد... 63

ثمرة النزاع في أنّ الطهارة شرط أو النجاسع مانع... 63

صحيحة زرارة الثالثة... 69

الاشكالات على الصحيحة وجوابها... 70

موثقة إسحاق بن عمار... 76

رواية الخصال... 77

مكاتبة علي بن محمّد القاساني... 79

الاستدلال بروايات الحل والطهارة... 81

الاحتمالات في هذه الروايات... 82

الاشكالات في المقام... 84

الاستدلال بالخبر الوارد في طهارة الماء... 89

التفصيل بين الشك في وجود الرافع ورافعية الموجود... 90

التفصيل بين الأحكام الوضعية والتكليفية... 92

أقسام الأحكام الوضعية... 94

الفرق بين الأُمور الاعتبارية والانتزاعية... 95

الاختلاف في أنّ الطهارة والنجاسة من الأحكام الوضعية... 100

الاختلاف في الصحة والفساد من حيث أنّهما مجعولان... 101

الاختلاف في أنّ العزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية... 103

قول الشهيد بالماهيات الجعلية... 103

تنبيهات الاستصحاب... 106

1 - الاستصحاب الاستقبالي... 106

استصحاب بقاء العذر لاثبات جواز البدار... 107

2 - اعتبار اليقين والشك الفعليين في الاستصحاب... 109

تفريع الشيخ الأنصاري على هذا الشرط فرعين في باب الصلاة... 109

3 - اعتبار الشك الفعلي في البقاء... 113

جريان الاستصحاب في مورد قيام الأمارة... 113

جريان الاستصحاب في مورد قيام الأُصول... 119

4 - استصحاب الكلي... 121

استصحاب القسم الأوّل من الكلي... 123

استصحاب القسم الثاني من الكلي... 123

الشبهة العبائية... 131

فرعان في المقام... 135

استصحاب القسم الثالث من الكلي... 136

استثناء صورة من هذا القسم... 138

ردّ تمسك المشهور في الحكم بنجاسة الجلد المطروح باستصحاب عدم التذكية... 139

استصحاب القسم الرابع من الكلي... 141

5 - الاستصحاب في التدريجيات... 145

استصحاب الزمان... 145

استصحاب غير الزمان من التدريجيات... 151

استصحاب الحركة... 151

استصحاب الجريان والسيلان... 152

استصحاب التكلم... 154

التفصيل بين أخذ الزمان قيداً للفعل أو ظرفاً له... 157

استصحاب عدم الغاية... 158

الشك في بقاء الحكم بعد الغاية لاحتمال تعدد المطلوب... 160

6 - الاستصحاب التعليقي... 161

تفصيل الأنصاري بين العقود التعليقية وغيرها... 167

معارضة الاستصحاب التنجيزي للاستصحاب التعليقي... 167

الاستصحاب التعليقي في الموضوعات... 170

7 - استصحاب عدم النسخ... 175

8 - الأصل المثبت... 181

الفرق بين الأصل والأمارة... 181

عدم حجية مثبتات الأمارات... 186

حجية لوازم الخبر... 186

معارضة الأصل المثبت مع استصحاب عدم اللازم... 187

وجوه اعتبار الأصل المثبت... 188

تفصيل الأنصاري بين الواسطة الخفية وغيرها... 189

تفصيل آخر لصاحب الكفاية في المقام... 189

فروع تُمسك فيها بالأصل المثبت... 193

جريان الاستصحاب في موارد بدعوى عدم كونه من الأصل المثبت... 203

جريان الاستصحاب في منشأ الانتزاع... 204

جريان الاستصحاب في الجزء والشرط... 204

عدم الفرق في المستصحب بين كونه وجودياً أو عدمياً... 208

9 - كفاية وجود أثر للمستصحب بقاءً... 211

10 - الشك في تقدّم الحادث وتأخره... 212

الشك في التقدم والتأخر بالإضافة إلى أجزاء الزمان... 212

الشك في تقدّم وتأخر حادث بالإضافة إلى حادث آخر... 213

استصحاب أحد جزأي الموضوع المركب... 213

الكلام في مجهولي التاريخ... 215

المنع عن الاستصحاب في موردين... 223

إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهول التاريخ... 229

حكم الشك في تقدم الكرية على الملاقاة... 232

تعاقب الحالتين... 245

11 - استصحاب الصحة عند الشك في المانع والقاطع... 250

12 - استصحاب الأُمور الاعتقادية... 253

13 - استصحاب حكم المخصص مع العموم الأزماني... 257

14 - جريان الاستصحاب في صورة الظن بالارتفاع... 268

15 - اعتبار اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة موضوعاً ومحمولاً... 271

نقد استدلال الشيخ عليه بالدليل العقلي... 272

كون المحمول في القضيتين إمّا بمفاد كان التامة أو الناقصة... 272

صور الشك في بقاء المحمول بمفاد كان الناقصة... 273

جريان الاستصحاب في الحكم الجزئي والكلي... 276

انقسام القيد إلى المقوّم وإلى كونه حالة... 277

الشك في كون القيد مقوّماً أو حالة... 278

الكلام في أخذ الموضوع من العقل أو الدليل الشرعي أو العرف... 280

عدم شمول أخبار الاستصحاب قاعدة المقتضي والمانع... 286

التمسك بأصالة عدم المانع لموارد قاعدة المقتضي والمانع... 286

الاستدلال على ذلك بسيرة العقلاء... 286

الكلام في شمول أخبار الاستصحاب لقاعدة اليقين والشك الساري... 287

وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب... 293

الفرق بين الورود والحكومة والتخصيص... 296

تعارض الاستصحاب مع غيره... 300

تعارض الاستصحاب مع الأمارة... 300

تعارض الاستصحاب مع الأُصول العملية... 300

تعارض الاستصحابين... 301

جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي... 305

تعارض الاستصحاب مع قاعدة الفراغ والتجاوز... 311

قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة

الفراغ والتجاوز قاعدة فقهية... 319

أمارية قاعدة الفراغ... 320

عمومية قاعدة الفراغ لغير الطهارات والصلاة... 322

الكلام في عمومية قاعدة التجاوز... 322

هل قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدتان أو قاعدة واحدة؟... 323

اعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز... 338

الكلام في اعتبار الدخول في الغير في قاعدة الفراغ... 339

تنبيهات قاعدة الفراغ والتجاوز... 345

1 - لحوق الغسل والتيمم بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز فيه... 345

2 - جريان قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء... 348

3 - معنى " الغير " المعتبر في قاعدة التجاوز الدخول فيه... 351

فرع : لو قام عن الانحناء وشك في أنّه وصل إلى حدّ الركوع الشرعي أم لا... 365

4 - عدم جريان قاعدة الفراغ والتجاوز مع الغفلة... 367

5 - مناشئ الشك في صحة العمل بعد الفراغ منه... 370

الشك في صحة العمل من جهة احتمال عدم صدور الأمر... 370

الشك في صحة العمل لأجل الشك في تطبيق المأمور به على المأتي به... 370

6 - جريان قاعدة الفراغ والتجاوز في الشك في الشرط... 372

7 - توهم جريان قاعدة التجاوز في الواجبين المترتبين... 378

8 - جريان قاعدة الفراغ في الشك في الموالاة والنيّة... 380

فرع : إذا شك في أثناء الصلاة في أنّه أتى بها ظهراً أو عصراً... 382

9 - عدم جريان قاعدة الفراغ والتجاوز لاحتمال ترك الجزء عمداً... 383

أصالة الصحة

الفرق بين أصالة الصحة وبين قاعدة الفراغ... 387

معنى أصالة الصحة... 387

دليل أصالة الصحة... 388

كون المراد بالصحة هي الصحة الواقعية لا عند العامل... 391

صور الحمل على الصحة من جهة العلم بحال العامل وعدمه... 391

جريان أصالة الصحة عند الشك في قابلية الفاعل أو المورد... 393

عدم ترتب آثار المركب باجراء أصالة الصحة في الجزء... 398

اعتبار إحراز أصل العمل في جريان أصالة الصحة... 399

عدم جريان أصالة الصحة في العناوين القصدية إذا لم يحرز القصد... 399

عدم كون أصالة الصحة من الأمارات... 402

عدم حجية لوازم أصالة الصحة... 402

الأمثلة التي ذكرها الشيخ في المقام... 403

معارضة أصالة الصحة مع الاستصحاب... 407

تعارض الاستصحاب مع قاعدة اليد... 409

تعارض الاستصحاب مع القرعة... 412

التعادل والترجيح

تعريف التعارض وموضوعه... 417

خروج موارد الجمع العرفي عن التعارض... 418

أقسام الحكومة... 419

الفرق بين التعارض والتزاحم... 426

أقسام التزاحم... 426

القسم الثالث من التزاحم في كلام المحقق النائيني... 429

مرجحات التزاحم... 430

فرعٌ ذكره السيد في العروة مما يناسب المقام... 436

عدم التزاحم بين الواجبات الضمنية... 437

الأصل في المتعارضين السقوط... 440

توهم أنّ الأصل في المتعارضين التخيير... 441

نفي الثالث بالمتعارضين... 442

توهم دخول المتعارضين في باب التزاحم على القول بالنسبة... 446

تقدّم العام على المطلق... 453

تقدّم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي... 454

تقدّم التخصيص على النسخ... 458

الصحيح في وجه تقدّم التخصيص على النسخ... 462

انقلاب النسبة... 464

لكل لفظ دلالات ثلاث... 464

في أنّ التعارض بين دليلين لا يكون إلاّ بمقدار ما هما حجة فيه... 466

أنواع التعارض بين أكثر من دليلين وتعيين موارد الانقلاب... 467

1 - إذا ورد عام ومخصصان منفصلان... 467

الجمع بين روايات ضمان العارية... 476

2 - إذا ورد عامان متعارضان بالعموم من وجه مع ورود مخصص مّا... 478

3 - إذا وقع التعارض بين دليلين بالتباين مع ورود مخصص مّا... 481

الكلام في كيفية علاج المتعارضين... 483

1 - تعارض القطعيين صدوراً... 483

2 - تعارض القطعي مع الظني... 484

3 - تعارض الظنيين... 484

المعارضة بين الدليلين على نحو التباين... 485

ذهاب صاحب الكفاية إلى التخيير بين المتعارضين وعدم وجوب الترجيح... 485

الكلام في الأخبار العلاجية... 487

نسبة التخيير بين المتعارضين إلى الكليني (قدس سره)... 494

تعيين المرجحات وترتيبها... 495

القول بترجيح الصحيحة على الموثقة... 497

التنبيه على أُمور... 497

1 - ترجيح رواية الإمام (عليه السلام) على حديث النبي (صلّى اللّه عليه وآله)... 499

2 - الشك في اعتبار مرجح وعدمه... 502

3 - اعتبار الترتيب بين المرجحات... 502

4 - التعدي عن المرجحات المنصوصة... 504

5 - دخول اختلاف النُسخ في المتعارضين... 507

الأخبار التي استدل بها على التخيير بين المتعارضين... 508

التخيير بدوي أو استمراري؟... 512

التعارض بين الدليلين بالعموم من وجه... 513

تعارض الخبر مع الكتاب أو السنّة القطعية... 516

الإجتهاد والتقليد

تعريف الاجتهاد... 521

جواز عمل المجتهد باجتهاده... 522

جواز رجوع الغير إلى المجتهد المتمكن من الاستنباط... 523

نفوذ حكم وقضاء المتمكن من الاستنباط... 524

تقليد من عرف الأحكام من الرمل والجفر وغيرهما... 525

تقليد من يرى حجية الظن من جهة الانسداد... 525

إمكان التجزي ووقوعه... 529

ما يتوقف عليه الاجتهاد من العلوم... 531

التخطئة والتصويب... 533

تعريف التقليد... 536

أدلة جواز التقليد... 538

ما استدل به على عدم جواز التقليد... 540

تقليد الأعلم... 541

الافتاء بجواز تقليد غير الأعلم... 542

فروع في تقليد الأعلم... 546

المراد من الأعلم... 547

اشتراط الحياة في المفتي... 548

ما استدل به على جواز تقليد الميت... 548

القول باعتبار العمل بفتوى من يجوز البقاء على تقليده... 557

دعوى عدم جواز العدول إلى حيّ آخر مع العمل بفتوى الأوّل... 558

الفهارس العامة

اشارة

1 - فهرست الآيات

2 - فهرس الأحاديث

3 - فهرس أعلام الرجال

4 - بعض القواعد الفلسيفة والكلامية

5 - أهم مصادر التحقيق

فهرس الآيات القرآنية

سورة الفاتحة /1

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

الحمداللّه ربّ العالمين 2  مح 1 177

مالك اليوم الدين 4  مح 1 177

إياك نعبد وإياك نستعين 5  مح 1 177

مح 4 296

اهدنا الصراط المستقيم 6 مح 1 296

صراط الذين أنعمت عليهم 7 مح 1 177

سورة البقرة /2

الآية / رقمها / الكتاب /  الصفحة

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا 9 مص 2 607

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارً‌ا 17 مح 1 125

أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ 43 مح 2 3

أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ 43 مح 3 263

أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ 43 مص 2 175

أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ 43 مص 3 489

أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ 43 مح 4 533 ، 536

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا 83 مص 3 388

قُلْ هَاتُوا بُرْ‌هَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 111 مص 2 132

لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124 مح 1 294 ، 299 ، 301

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَ‌اتِ 148 مح 2 23 ، 24

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ 159 مص 2 218

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى 178 مص 3 200

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ 179 مص 2 550 ، 626

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ 183 مح 1 147 ، 149 ، 204

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ 185 مح 3 263

فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ 185 مح 2 14 ، 151 ، 175 ، 182 ، 195

وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ 187 مح 1 63 ، 203

وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ 187 مح 4 283

وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ 187 مص 2 36

وَكُلُوا وَاشْرَ‌بُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ 187 مص 3 82 ، 146

وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 195 مص 2 344

فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ 197 مح 3 302

فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ 197 مح 3 302

فَلَا رَ‌فَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ 197 مح 4 307

فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ 197 مص 2 268، 608، 611 ، 619

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ‌بَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ 222 مص 3 49 ، 52

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ‌بَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ 228 مح 4 443 ، 448

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا 275 مح 1 204 ، 210 ، 212 ، 213 ، 216 ، 220، 221 ، 325

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا 275 مح 3 297 ، 354

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا 275 مح 4 79 ، 142 79 ، 142، 144 ، 170 ، 171 ، 178 ، 299 ، 430 ، 535 ، 536 ، 538 ، 542، 548، 144 ،

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا 275 مص 2 245 ، 246 ، 361 ، 104 ، 297 ، 299 ، 467

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا 275 مص 3 104 ، 297 ، 299 ، 467

وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا 282 مص 2 219

وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ 284 مح 1 371

وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ 285 مص 2 222

سورة آل عمران /3

الاية / رقمها / الكتاب / الصفحة

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ 7 مص 2 144

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ 7 مح 1 232

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 97 مح 2 136 ، 138 ، 142 ، 151 ، 175 ، 182 ، 195 ،

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 97 مح 3 61 ، 97 ، 181 ، 185 ، 342

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 97 مح 4 83 ، 409 ، 430

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 97 مص 3 16 ، 104

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 133 مح 2 23 ، 24

وَسَارِ‌عُوا إِلَىٰ مَغْفِرَ‌ةٍ مِّن رَّ‌بِّكُمْ 133 مح 2 23 ، 24

وَمَن يُرِ‌دْ ثَوَابَ الْآخِرَ‌ةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا 145 مح 1 550

مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ 179 مص 2 297

سورة النساء /4

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وَرَ‌بَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِ‌كُم 23 مح 1 252

حُرِّ‌مَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ 23 مح 4 557

تجارة عن تراض 29 مح 1 204 ، 210 ، 212

= = = = مح 3 297 ، 354

= = = = مح 4 142، 170، 299، 548

= = = = مص 3 389

فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً 43 مح 2 46 ، 54، 55، 245 ، 273، 391، 496

= = = = = = = مح 3 61

= = = = = = = مص 3 88

وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم 101 مح 1 536

وكلّم اللّه موسى تكليماً 164 مح 1 363

لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة 165 مص 2 295

سورة المائدة / 5

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

أوفوا بالعقود 1 مح 1 210، 213، 216 ، 510، 513، 514

أوفوا بالعقود 1 مح 3 297، 354، 359

 = = = مح 4 97، 142

= = = مص 2 430

= = = مص 3 260، 267، 389

إلّا ما ذكيتم 3 مص 2 360، 361

= = = = مص 3 139

فكلوا ممّا أمسكن عليكم 4 مح 4 533 ، 536

إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا 6 مح 2 280

= = = = = = = مح 3 34 ، 93 ، 131 ، 133 ، 140

= = = = = = = مح 4 282، 283، 284

إن كنتم جنباً فاطهروا 6 مص 2 506

فاغسلوا وجوهكم وأيديكم 6 مص 2 213 ، 642

= = = = مص 3 88 ، 137 ، 347 ، 349

والسّارق والسّارقة 38 مح 1 292

= = = = مص 3 88

إنّما وليّكم اللّه ورسوله 55 مح 4 288

وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه 104 مص 3 540

سورة الانعام / 6

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وما الحياة الدّنيا إلّأ لعب ولهو 32 مح 4 289

ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم اللّه عليه 121 مص 3 139

فلله الحجة البالغة 149 مص 2 295، 571، 575

= = = = مص 3 254

سورة الانفال / 8

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم 33 مص 2 297

سورة التوبة / 9

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

ويقولون هو اذن قل اذن خيرٍ لكم 61 مص 2 220 ، 221

إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم 111 مص 2 607

وما كان اللّه ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم 115 مص 2 297

فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة 122 مح 4 427

= = = = = = = مص 2 213 ، 574

= = = = = = = مص 3 523 ، 538

سورة يونس / 10

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إنّما مثل الحياة الدّنيا 24 مح 4 289

إنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئاً 36 مص 2 132 ، 177 ، 233

= = = = = = = مص 3 293

قل لا أملك لنفسي ضرّأً ولا نفعاً 49 مح 1 441

سورة هود / 11

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

28 مص 2 318

سورة يوسف / 12

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

17 مص 2 222

سورة الرعد / 13

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

لايملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً 16 مص 2 605

يمحو اللّه ما يشاء ويثبت 39 مح 4 496، 500، 506، 508

سورة ابراهيم / 14

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

فائتونا بسلطان 10 مص 2 132

سورة النحل / 16

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون 43 مح 2 203

= = = = = = = مح 4 427

= = = = = = = مص 2 42 ، 219 ، 571 ، 575

= = = = = = = مص 3 182، 523، 530، 538، 546، 553، 559

كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا 92 مص 3 30

يضل من يشاء ويهدي من يشاء 93 مح 1 441

سورة الاسراء

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً 15 مص 2 296

ولا تقف ما ليس لك به علم 36 مص 2 131، 177 ، 344

أقم الصّلأاة لدلوك الشمس 78 مح 1 513

أقم الصّلأاة لدلوك الشمس 78 مح 2 14 ، 91

= = = = = مح 3 33 ، 140 ، 144 ، 154 ، 381

وقرآن الفجر = مح 4 533

سورة الكهف / 18

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً 23 - 24 مح 1 440

وما كنت متّخذ المضلّين عضداً مص 2 297 سورة مريم / 19

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّا 31 مح 1 147 ، 149

سورة الانبيا / 21

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون 7 مح 1 296

لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا 22 مح 1 33 ، 41

= = = = = = = مح 4 216

سورة الحج/ 22

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وأذّن في الناس بالحجّ 27 مح 1 147

ما جعل عليكم في الدّين من حرج 78 مص 2 269 ، 610

= = = = = = = مص 3 421

سورة المؤمنون / 23

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إن هي إلا حياتنا الدنيا 37 مح 4 290

سورة النور / 24

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

الزانية والزّاني فاجلدوا كل واحد 2 مح 1 292

والذين يرمون المحصنات ثمّ لم يأنوا 4 - 5 مح 4 467

قل للمؤمنين يغضّوا من ابصارهم 30 مص 2 556

= = = = = = = مح 4 340

سورة الفرقان / 25

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً 48 مح 3 297

= = = = = = = مح 4 192

سورة النمل / 27

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم 14 مح 1 407

سورة العنكبوت / 29

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر 45 مح 1 164

= = = = = = = = مص 2 20

وما هذه الحياة الدنيا إلّا لهو ولعب 64 مح 4 289

وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان 64 مح 4 290

والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا 69 مص 3 254

سورة الروم / 30

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

ولله الامر من قبل ومن بعد 4 مح 4 500

سورة لقمان / 31

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إن الشّرك لظلم عظيم 13 مح 1 300

سورة يس / 36

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى 20 مح 4 527 ، 529

إنّما أمره إذا أراد شيئاً 82 مح 1 367 ، 378

سوره الزمر / 39

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض 38 مص 2 275

سوره غافر / 40

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

اليوم نجزي كلّ نفس بما كسبت 17 مح 1 448

سورة فصلت / 41

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

اعملوا ما شئتم 40 مص 2 11

وما ربّك بظلام للعبيد 46 مح 1 451

سورة محمّد / 47

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إنّما الحياة الدّنيا لعب ولهو 36 مح 4 289

سورة الحجرات

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

أن تصيبوا قوماً بجهالة 6 مص 2 169، 181، 190، 192، 194

إن جائكم فاسق بنبإ فتبيّنوا 6 مص 2 178 ، 188

= = = = = = = = مص 3 182 ، 364 ، 554

اجتنبوا كثيراً من الظن إنّ بعض الظن إثم 12 مص 3 388

سورة الطور / 52

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إنّما تجزون ما كنتم تعملون 16 مح 1 464 ، 465

أم خلقوا كم غير شيء أم هم الخالقون 35 مح 1 400

= = = = = = = 35 مص 2 275

سورة الرحمن / 55

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

خلق الانسان علّمه البيان 3 - 4 مح 1 39، 48، 115

سورة الجمعة / 62

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة 9 مح 4 436

سورة التغابن / 64

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

فاتقوا اللّه ما استطعتم 16 مص 2 344

سورة الملك / 67

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وأسرّوا قولكم أو اجهروا به 13 مح 1 371

سورة الانسان / 76

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

وما تشاؤون إلّا أن يشاء اللّه 30 مح 1 440 ، 470

سورة البيّنة / 98

الآية / رقمها / الكتاب / الصفحة

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب 1 مح 1 551

وما أمروا إلّا ليعبدوا اللّه 5 مح 1 551

سورة الاخلاص / 112

قل هو اللّه أحد 1 مح 4 296

فهرس الأحاديث

«أ»

الحديث / الكتاب / الصفحة

ابتليت فلتصبر مص 2 651

أجر اللّه العباد على المعاصي مح 1 429 ، 431

اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس مص 3 539

أخبرني عمّا اختلف فيه من خلّفت مح 1 430

اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك مص 3 545

أخوك دينك فاحتط لدينك مص 2 348

اذا التبست عليكم الفتن مح 1 244

إذا تزوّج الرجل المرأة حرمت عليه مح 1 251

إذا قوي فليقم مح 2 55

= = = مح 3 121 ، 124

اذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة مح 2 182

اذا كنت قد رأيته وهو أكثر مح 3 336

اذا ورد عليكم حديثان مختلفان مح 3 21

= = = = = = = مص 2 294

= = = = = = = مص 3 498

اذا حاضت المرأة وهي جنب مح 4 253

اذا حلف الرجل تقيّة مح 4 35

اذا بلغ الماء قدر كر لا يُنجّسه شيء مح 4 199، 228، 233، 235، 237، 457

= = = = = = = مص 2 44 ، 186

= = = = = = = مص 2 234، 236، 238، 459

اذا زالت الشمس وجبت الصلاة والطهور مح 4 226 ، 227

اذا خفي الاذان فقصّر مح 4 251

اذا خفي الجدران فقصّر مح 4 251

اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر مح 4 253

اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة مح 4 500

اذا التقى المسلمان بسيفهما مص 2 29

اذا اردت حديثنا فعليك بهذا الجالس مص 2 223

اذا استيقن أنّه زاد في صلاته مص 2 543

اذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم مص 2 553

اذا شككت فابن على اليقين مص 3 71 ، 76

اذا لم تجد ماءً وأردت التيمّم مص 3 108

اذا كان ذكيّاً ذكّاه الذبح مص 3 139

اذا شككت فابن على الاكثر مص 3 317 ، 420

اذا شككت في شيء من الوضوء مص 3 331 ، 342 ، 349

اذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر مص 3 334 ، 348

اذا خرجت من شيء ودخلت في غيره مص 3 374

اذا نسيت صلاةً أو صلّيتها بغير وضوء مص 3 380

اذا رأيت شيئاً في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ مص 3 410

اذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّّهم ثقة مص 3 509

إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك مص 3 486

إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودع الآخر مص 3 508

الارادة من الخلق الضمير مح 1 379

اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه مص 2 314

= = = = = = = = مص 3 49 ، 55

استتم قائماً ولم أدر أركعت أم لا مص 3 366

أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء مص 2 591

= = = = = = = = مص 3 58

اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه مح 2 101 ، 280

= = = = = = = = مح 3 347 ، 352

افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير مص 3 347

اقلعها وارم بها وجهه مص 2 618

ألا أُعلّمك شيئاً اذا صنعته ثمّ ذكرت مص 3 71

اللّه فوّض الامر إلى العباد مح 1 431

اللّه أكرم من أن يكلّف اللّه مح 1 431

الأمور ثلاثة مص 2 345

إنّ الحرف ما أوجد معنىً في غيره مح 1 68

إنّ القرآن حيّ لم يمت مح 1 244

إنّ القرآن حيّ لم يموت مح 1 244

إنّ الآية من القرآن إذا فسّرت مح 1 245

إنّ القرآن ذلول وذو وجوه مح 1 245

إنّ القرآن ظاهره قصّة مح 1 245

إنّ رجلاً تزوّج بجارية صغيرة مح 1 255

إنّ اللّه تعالى علم كلّه وقدرة مح 1 336 ، 364

إنّ المريد لا يكون إلّا مح 1 379

إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر مح 1 429

إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً مح 1 430

إنّي أولى بحسناتك مح 1 446

إنّما هي أعمالكم ترد إليكم مح 1 464 ، 465

إنّما الأعمال بالنيّات مح 1 549

إنّ المجاهد إن جاهد لله تعالى مح 1 550

إنّ اللّه تعالى يختار أحبّهما إليه مح 2 39

إنّ التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له مح 2 230

آنية الذهب والفضة متاع مح 2 508

إنّه نهى عن آنية الذهب والفضة مح 2 508

إنّه كره آنية الذهب والفضة مح 2 509

إنّ الناصب لأنجس من الكلب والخنزير مح 3 322

إن اشتراه من نصراني مح 3 337

إنّ الصلاة على ثلاث أثلاث مح 3 34 ، 125

إن كان موسراً وحال بينه وبين الحج مح 3 51

إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده مح 4 182 ، 187

إنّ اللّه تعالى يقول لعبده يوم القيامة مح 4 427

إنّ لله علمين : علم مكنون مخزون مح 4 499

إنّ اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء مح 4 502

إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول مص 2 26

إنّه ليس شيء أبعد عن دين اللّه مص 2 26

إنّ دين اللّه أحقّ أن يُقضى مص 2 125

= = = = = = = = = مص 3 93

إنّما يعرف القرآن من خوطب به مص 2 143

إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت مص 2 166

 أنتم أفقه الناس اذا عرفتم معاني كلامنا مص 2 217

إنّ الحجة (عليه السلام) يأتي بدين جديد مص 2 314

إنّ بني اسرائيل هلكوا من كثرة سؤالهم مص 2 325

أنا خير شريك من عمل لي ولغيري مص 2 461

إنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء مص 2 600

إنّك رجل مضار مص 2 606

إنّما عنيت بذلك الشك بين الثلاث والأربع مص 2 628

إنّ اللّه تعالى لم يحرِّم ذلك على عباده وأحلّ لهم مص 2 637

إنّ اللّه لم يترك شيئاً بلا حكم مص 2 649

إنِّي أُعير الذمي ثوبي وأنا أعلم مص 3 32

إنّما هلك الناس بكثرة سؤالهم مص 3 55

إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك مص 3 74

انظروا إلى رجل قد نظر في حلالنا وحرامنا مص 3 105 ، 185

إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه مص 3 329

إن شكّ في الركوع بعد ما سجد مص 3 332 ، 363

إنّ المؤمن لا يتهم أخاه المؤمن مص 3 388

إنّ اللّه خلق الماء طاهراً مص 3 459

إنّما الاُمور ثلاثة ، أمر بيّن رشده مص 3 495

إنّ القرآن لو نزل في قوم فماتوا لمات القرآن مص 3 539

انظروا إلى رجل قد روى حديثنا مص 3 553

إيّاك أن تقول بالتفويض مح 1 431

إيّاكم أن يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور مص 3 524

«ب»

الحديث / الكتاب / الصفحة

بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك مص 3 511

بل تنقضه بيقين آخر مص 3 119

بلى قد ركعت مص 3 315 ، 317

«ت»

الحديث / الكتاب / الصفحة

التراب أحد الطهورين مح 2 46 ، 54

التكبيرة الواحدة في الصلاة تجزى مح 1 186

«ث»

الحديث / الكتاب / الصفحة

ثمن العذرة سحت مح 4 181

ثمن الكلب سحت مح 4 181

«ج»

الحديث / الكتاب / الصفحة

الجنّة محرّمة على آكل الرّبا مص 3 93

«ح»

الحديث / الكتاب / الصفحة

الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما مح 3 21

= = = = = = = = مص 3 496 ، 544

حجّ البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلا مح 3 50

حلال محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة مح 4 486

= = = = = = = = = = مص 3 43، 178، 263، 264، 277

«خ»

الحديث / الكتاب / الصفحة

الخبر المخالف للكتاب زخرف مح 3 21

خذ بما اشتهر بين أصحابك مص 2 164، 165، 167

= = = = = = = = = مص 3 495

خذ بالمجمع بين أصحابك مص 2 164

خذ بقول أعدلهما مص 2 226

خذ بالحائطة لدينك مص 2 348

خذوا بالمجمع عليه فانّ المجمع عليه لا ريب فيه مص 3 494 ، 495 ، 505

خلق اللّه المشيئة بنفسها مح 1 378

خلق اللّه الأشياء بالمشيئة مح 1 381

الخلافة قلّدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عليّاً مص 3 536

«د»

الحديث / الكتاب / الصفحة

دعي الصلاة أيام أقراءك مص 3 267

دعوا ما وافق القوم فانّ الرشد في خلافهم مص 3 494

الدم يكون في الثوب عليّ مح 4 337

دين اللّه لا يصاب بالعقول مص 3 40

«ر»

الحديث / الكتاب / الصفحة

رب حامل فقه غير فقيه مص 2 215

الرجل يكون في ثوبه نقط الدم مح 4 338

رجل شكّ في الاذان وقد دخل في الاقامة مص 3 331

رجل رفع رأسه من السجود فشكّ مص 3 363

رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع مص 3 363

الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع أم لا مص 3 365

رفع عن أُمّتي تسع مح 2 64

= = = = = مح 4 33 ، 52

= = = = = مص 2 298، 594، 613، 614

رفع ما لا يعلمون مص 2 82 ، 136

رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون مص 3 291

رفع القلم عن الصبي مح 2 206

= = = = = = مح 3 263 ، 264

= = = = = = مص 2 342 ، 343

رويت عن أبي عبداللّه (عليه السّلام) أنّه قال : لله علمين مح 4 499

«س»

الحديث / الكتاب / الصفحة

سئل عن الجبر والقدر؟ فقال مح 1 430

سئل عن قول اللّه (يمحو اللّه) مح 4 502

سئل عمّا تشرب منه الحمامة؟ فقال مص 3 195

سئل عن رجل نظر إلى راعٍ نزا على شاة مص 3 413

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن مص 2 440

سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب مح 3 31

سألته عن المرأة عليها السوار والدملج مص 3 369

سألته عن رجل اختلف عليه رجلان مص 3 509

ستفرق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة مص 2 162

سين بلال عند اللّه شين مص 2 523

«ش»

الحديث / الكتاب / الصفحة

شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت مص 3 540

الشقي من شقي في بطن أُمّه مح 1 461

«ص»

الحديث / الكتاب / الصفحة

صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام مص 3 243

الصحيح يصلي قائماً وقعوداً مص 2 117

الصدقة والدعاء يغيّران القدر مح 4 507

الصلاة ثلاثة أثلاث مح 1 187

= = = = = = = مح 3 252

صلاة الكسوف اذا فرغت مح 2 37

الصلاة لا تسقط بحال مح 3 103، 113، 137، 138، 140، 149

الصلاة لا تسقط بحال مح 4 40

= = = = = مص 2 310

صلّ واجعلها لما فات مح 2 39

الصلاة عمود الدين مص 3 420

الصلح جائز مح 1 210، 213، 220

= = = = = مح 4 142، 170

صم للرؤية وأفطر للرؤية مص 3 34

«ض»

الحديث / الكتاب / الصفحة

ضع أمر أخيك على أحسنه مص 3 388

«ط»

الحديث / الكتاب / الصفحة

الطلاق بيد من أخذ بالساق مص 2 651

الطواف بالبيت صلاة مح 1 44

= = = = = = مص 2 41 ، 629

الطواف المفروض اذا زدت عليه مثل الصلاة مص 2 545

«ع»

الحديث / الكتاب / الصفحة

عليك بالاسدي مص 2 223

عليك بزكريّا بن آدم مص 2 223 ، 226

على اليد ما أخذت حتّى تؤدي مص 3 202

عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح مح 1 186

عن رجل أقام الصلاة مح 1 186

عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة مح 1 186

عن رجل كانت له جارية فاُعتقت مح 1 250

عن الرجل يتزوّج المرأة متعة مح 1 250

عن معنى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) الشقي مح 1 461

عن الرجل يكون معه أهله في سفر مح 2 193

عن آنية الذهب والفضة ، فكرهما مح 2 509

عن جلود السباع ، فقال مح 3 307

عن الجلد الميت أيلبس مح 3 307 ، 335

عن لحوم السباع وجلودها ، فقال مح 3 336

عن الصلاة في الثعالب والفنك مح 3 336

= = = = = = = = مح 4 538

= = = = = = = = مص 3 337

عن قول اللّه ( ولله على الناس حجّ البيت ) مح 3 51

عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً مح 4 35

عن رجل معه إناءان فوقع في أحدهما قذر مح 4 120

عن الجنب يغسل الميت أو من غسّل ميّتاً مح 4 254

عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به مح 4 397

عن الجبن ... سأُخبرك عن الجبن وغيره مص 2 315

عن لباس الفراء والسمور والفنك مص 2 359

عن الرجل يطوف ويقرن بين أُسبوعين مص 2 545

عن الجرح كيف يصنع صاحبه؟ مص 2 643

عن الرجل تكون به القرح والجراحة مص 2 643

عن المفقود كيف تصنع امرأته مص 2 652

عن الرجل إذا أجنب ولم يجد الماء مص 3 108

عن رجل معه إناءان فيها ماء مص 3 248

عن رجل شكّ وهو قائم فلايدري أركع أم لم يركع مص 3 366

عن الخاتم اذا اغتسلت ، قال (عليه السلام) مص 3 368

«غ»

الحديث / الكتاب / الصفحة

غسل الجمعة فريضة مح 2 221

«ف»

الحديث / الكتاب / الصفحة

فانّ التيمم أحد الطهورين مح 2 233

فامّا أن قال بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الشيء مح 4 496

فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس مص 2 362

فأرجئه حتّى تلقى إمامك مص 2 485

فانّه على يقين من وضوئه ولا ينقض مص 3 57

فإذا افترقا وجب البيع مص 3 259

فإن حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم مص 3 291

فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت مص 3 354

فانّ الحق فيما خالفهم مص 3 506

فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه مص 3 524

فاعرضوهما على كتاب اللّه مص 3 494

فاغرسها حيث شئت مص 2 618

الفقّاع خمر استصغره الناس مح 1 44

الفقّاع خمر استصغره الناس مص 2 41، 193، 195

فلكلّ شيء من هذه الأشياء فيه غذاء للانسان مص 3 639

فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك مص 3 61 ، 62 ، 293

فما السبيل؟ قال فقال (عليه السلام) مح 3 52

فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مح 1 380

فانظروا إلى رجل قد روى حديثنا مح 4 356

في رجل صلّى الصبح مح 1 187

في رجل تزوّج بجارية صغيرة مح 1 258

في الرجل يصلي الصلاة وحده مح 2 37

في الميتة ، قال : لا تصلّ مح 3 307 ، 336

في قوله تعالى ( ولله على النّاس ... ) ما يعني بذلك؟ مح 3 50

في الغنم السائمة زكاة مح 4 273

في الدم يكون في الثوب وإن كان مح 4 338

في تفسير قوله تعالي (فيها يفرق) أي يقدّر اللّه مح 4 501

في رجل جهر فيما لا ينبغي إلا جهار فيه مص 2 64

في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه مص 2 66

في الرجل يبيع الشيء فيقول المشتري مص 2 68

في الرجل يبيع الشيء فيقول المشتري مص 3 203

في الجواب عن ذلك حديثان مص 3 510

في رجل قال : أوّل مملوك أملكه فهو حر مص 3 414

«ق»

الحديث / الكتاب / الصفحة

قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا مص 2 576

القرآن يجري مجرى الشمس والقمر مح 4 436

القرآن يجري مجرى الشمس والقمر مص 3 539

قرأت في كتاب لعبداللّه بن محمّد مص 4 510

قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في الشفعة بين الشركاء مص 2 601

قفوا عند الشبهة ... فانّ الوقوف مص 2 124

قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء مص 3 14

قلت له : فما بال أقوام يروون عن فلان مص 2 499

قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة مص 3 509

القليل الذي تدوم عليه مص 2 377

قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا مص 2 232

«ك»

الحديث / الكتاب / الصفحة

كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم مص 3 79

كذّب سمعك وبصرك عن أخيك مص 2 221

= = = = = = = = مص 3 388

كل شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر مح 4 283 ، 409

= = = = = = = = مص 3 82

كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال مح 4 83، 316، 363، 566

كل شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي مص 2 292، 323، 325، 349، 350

كل شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام مح 4 283

= = = = = = = = = = = = مص 2 82، 83، 315، 410

= = = = = = = = = = = = مص 3 81

كل مسكر حرام مص 3 409

كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخرئه مح 4 461

كل ما حجب اللّه علمه عن العباد مص 3 49 ، 55

كل شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر مص 3 233 ، 247

كل ما شككت فيه ممّا مضى فامضه كما هو مص 3 322، 332، 334 ، 339، 367، 372

كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك مص 3 324 ، 334

كل شيء شك فيه ممّا قد جاوزه مص 3 338 ، 357 ، 359

كل مجهول ففيه القرعة مص 3 412

كل ما حكم اللّه به فليس بمخطيء مص 3 414

كمال الإخلاص به نفي الصفات عنه مح 1 364

«ل»

الحديث / الكتاب / الصفحة

لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد مح 1 103

لا صلاة بغير افتتاح مح 1 187

لايصلينّ أحدكم خلف المجذوم مح 1 298

لا جبر ولا تفويض مح 1 430 ، 431

لا ينبغي للرجل أن يدخل معهم مح 2 37

لا ضرر ولا ضرار في الإسلام مح 3 301

= = = = = = = = مح 4 307

= = = = = = = = مص 2 268 ، 269 ، 601

= = = = = = = = مص 3 420

لا سهو للإمام إذا خفظ عليه من خلفه مح 3 203

= = = = = = = = مص 3 420

لا تصلّ فيه حتّى تغسله مح 3 307

لا تحلّ الصلاة في حرير محض مح 3 337 ، 341

لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه مح 3 337

لا يجوز بيع ما ليس يملك مح 3 338

لا تشترها إلّا برضاء أهلها مح 3 338

لا يصلح إلّا أن يشتري معه مح 3 338

لا تصلّ في شيء منه ولا في شسع مح 3 341 ، 345

لا صلاة إلّا بطهور مح 3 103 ، 252 ، 302

= = = = = = = = مح 4 292 ، 294 ، 556

لا تنقض اليقين بالشك مح 3 258

= = = = = = = = مص 2 207

= = = = = = = = مص 3 7 ، 30 ، 35 ، 57 ، 119 ، 157 ، 288 ، 290 ، 291 ، 295 ، 302

لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه مح 4 38، 540، 546

لا تصلّ في الميتة مح 4 38

لا تصلّ في الحرير مح 4 38

لا تصلّ في الذهب مح 4 38

لا تصل في النجس مح 4 38

لا تبع ما ليس عندك مح 4 38

لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه مح 4 49 ، 110

لا ينقض الوضوء إلّا حدث مح 4 253

لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب مح 3 293

= = = = = = = = مص 2 535

لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب مص 3 358

لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره مح 4 338

لا بأس بالصلاة في دم إذا كان أقل من درهم مح 4 533

لا صلاة لمن لم يقم صلبه مح 4 556

= = = = = = = مص 2 535

لا تجتمع أُمّتي على ضلالة مص 2 162

لا ربا بين السيّد ومملوكه مص 3 467

لا ربا بين الوالد والولد مص 2 193، 194، 195، 246، 267، 268، 302، 609، 612، 629

لا ربا بين الوالد والولد مص 3 299، 420، 424، 465

لا ربا بين الزوج والزوجة مص 3 467

لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا مص 2 223 ، 226

= = = = = = = = = = = مص 3 182 ، 554

لا رهبانية في الإسلام مص 2 268 ، 610

لا تعاد الصلاة إلّا من خمس مح 2 463

= = = = = = = = = = = مص 2 308، 534، 543، 584

لا يحلّ مالٍ إلّا من حيث أحلّه اللّه مص 2 474

لا غش بين المسلمين مص 2 608

لا صلاة لجار المسجد إلّا في مسجده مص 2 609

لا مناجشة في الإسلام مص 2 610

لا يحل مال امرئ إلّا بطيب نفسه مص 2 657

= = = = = = = = = = = مص 3 98

لا صلاة إلّا بطهور ويجزئك عن الاستنجاء مص 3 66

لا ، حتّى تستيقن أنّه قد نام مص 3 268 ، 297

لا شكّ لكثير الشك مص 3 317

لا تقولوا إلّا خيراً مص 3 388

لا تصلّ خلف الفاسق مص 3 474

لا تصلّ خلف شارب الخمر مص 3 474

لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك مص 3 485

لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت مص 3 8، 47، 106، 219، 221

لأنّك أعرته إيّاه وهو طاهر مص 3 90

لعن المغيرة لأنّه دسّ مص 2 175

لعن اللّه بني أُميّة قاطبة مح 4 355

لكلّ امرئ ما نوى مح 1 549

لم يزل اللّه مريداً؟ قال مح 1 378

لو أنّ الآية اذا نزلت في قوم مح 1 244

لو أنّ رجلاً تزوّج جارية صغيرة مح 1 258

لولا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم مح 4 501

لولا آية في كتاب اللّه لحدّثتكم مح 4 501

= = = = = = = = = مح 4 501

لو علم الناس كيفيّة خلقهم مص 2 176

لولا أن أشق على أُمتي لأمرتهم بالسواك مص 3 426

ليس على الامام سهو مص 2 609

ليس في دين اللّه قياس مص 2 610

ليس شيء أبعد عن دين اللّه مص 3 40

ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللّه مص 3 414

«م»

الحديث / الكتاب / الصفحة

ما في القرآن آية إلّا ولها ظاهر مح 1 243

ما منكم أحد يصلّي صلاة فريضة مح 2 37

ما من عبد يصلّي في الوقت مح 2 38

ما من شيء حرّمه اللّه تعالى مح 2 64

ما كان من طعام سمّيت فيه كيلاً مح 3 337

ماء البئر واسع لايفسده شيء مح 4 457

ما عُبد اللّه بشيء مثل البداء مح 4 506

ما عظّم اللّه بمثل البداء مح 4 507

ما بعث اللّه نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال مح 4 507

ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة مص 2 64

ما آمن بي من فسّر برأية كلامي مص 2 145

ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم مص 2 313

ما يؤمنك أن أقول نعم مص 2 325

ما لا يدرك كلّه لايترك كلّه مص 2 556

الماء أحد الطهورين مص 3 67

الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر مص 3 82 ، 89

ما مضى فامضه كما هو مص 3 111

ما خالف قول ربّنا لم نقله أو زخرف مص 3 488

ما خالف العامّة ففيه الرشاد مص 3 497

المريض يصلّي قائماً ، فإن لم يقدر على ذلك مص 3 439

مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين مح 3 263 ، 266

المشيئة من صفات الأفعال مح 1 378

المشيئة محدثة مح 1 378

من زعم أنّ اللّه يأمر بالسوء مح 1 430

من تكلّم في صلاته أعاد مح 1 484

من صلّى صلاة الآيات مح 2 19

من صلّى فرادى وأُقيمت الجماعة مح 2 19

من صلّى ركعة في الوقت فليتم مح 3 142

من زعم أنّ اللّه يبدو له في شيء مح 4 496

من الامور اُمور محتومة جائية لا محالة مح 4 500

من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه مص 2 144

من ترك ما اشتبه عليه من الاثم مص 2 366

من زاد في صلاته فعليه الإعادة مص 2 543

من أتلف مال الغير فهو له ضامن مص 2 594 ، 596

من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له مص 2 609

من كانت عنده امرأة فليكسها مص 2 651

من زاد في صلاته استقبل استقبالاً مص 3 19

من كان على يقين شكّ مص 3 32 ، 77

من كان على يقين فأصابه شك مص 3 77

من لم يقم صلبه فلا صلاة له مص 3 438

من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به مص 3 536

من كان من الفقهاء مص 3 553

من أدرك ركعة واحدة في الوقت فقد أدرك تمام الصلاة مح 3 26، 36، 37، 38

الميسور لا يسقط بالمعسور مص 3 560

«ن»

الحديث / الكتاب / الصفحة

الناس في القدر على ثلاثة أوجه مح 1 430

الناس معادن كمعادن الذهب والفضة مح 1 461

الناس في سعة ما لا يعلمون مص 2 82 ، 322

الناس مسلّطون على أموالهم مص 2 654

= = = = = = = = مص 3 98

نعم ، بعد ما قال الراوي : أفيونس بن عبدالرحمن ثقة مص 2 223 ، 226

النكاح سنّتي مح 1 210، 213، 216، 220

= = = = = = = = مح 4 142، 170

نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر مح 4 38، 546

= = = = = = = = مص 2 246

= = = = = = = = مص 3 296

«ه»

الحديث / الكتاب / الصفحة

هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم مح 3 337

هم في سعة حتّى يعلموا مص 2 32

هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك مص 3 110، 316، 322، 367

هو في عنقه قال أو لم يقل مص 3 536

«و»

الحديث / الكتاب / الصفحة

وإذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع مص 3 69

وإن كان ممّا قد نهيت عن أكله مص 3 339

وأيّما أخذتم من باب التسليم وسعيكم مص 3 494

وضع عن هذه الأُمة ستّة خصال مح 4 35

الوضوء على الوضوء نور على نور مح 4 159

وقعت فأرة في خايبة فيها سمن أو زيت مص 2 477

وقم منتصباً فانّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) مح 3 117

الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة مص 2 345

وكان عمله بنيّة صالحة يقصد بها ربّه مح 1 539

وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك مص 3 110، 316، 322، 368

ولكن انقضه بيقين آخر مص 2 83، 411

ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر مص 3 81

ولكن تنقضه بيقين آخر مص 3 294، 296، 306

وما اضطرّوا إليه مص 2 512

وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً مص 3 491

والنفساء تدع الصلاة أكثره مص 3 508

«ي»

الحديث / الكتاب / الصفحة

يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره مص 3 359

يأتي عنكم خبران متعارضان مص 2 223

يسمّي عند الطعام مح 1 187

يصلي معهم ويجعلها الفريضة مح 2 38 ، 39

يغسلها ويعيد صلاته مح 3 336

يقال للعبد يوم القيامة هل علمت مص 2 571 ، 578

ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة مص 3 497

يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له مح 2 200 ، 203

فهرس أعلام الرجال

الحديث / الكتاب / الصفحة

إبراهيم بن هاشم مح 1 187

اسماعيل الجعفي مح 3 36 ، 82

سهل بن زياد مح 2 508

صالح بن أبي حماد مح 1 256 ، 257

عمر بن حنظلة مح 3 3

عمر بن حنظلة مص 2 166

= = = = = = = مص 3 491

عمرو بن خالد مح 3 38

عمرو بن شمر مص 2 478

قاسم بن يحيى مص 3 79

مفضل بن صالح (أبو جميلة) مح 3 38

موسى بن بكر مح 2 508

بعض القواعد الفلسفية والكلامية

الكتاب / الصفحة

الواحد لا يصدر إلّا من واحد مح 1 14 ، 163

= = = = = = = = = مح 3 216

أقسام الوجود مح 1 74

الطلب والإرادة مح 1 352

الكلام النفسي مح 1 356

حول إرادة اللّه مح 1 374

الوجود المنبسط مح 1 381

نظرية الجبر مح 1 385

الشيء ما لم يجب لم يوجد مح 1 399

= = = = = = = = = مح 3 216

نظرية التفويض مح 1 422

نظرية الأمر بين الأمرين مح 1 429

حول العقاب مح 1 447

التحسين والتقبيح العقليين مح 1 451

تجسم الاعمال مح 1 465

الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار مح 2 185

= = = = = = = مح 4 71

قاعدة اللطف مص 2 160

أهم مصادر التحقيق

«أ»

الاعتقادات

للشيخ الصدوق / ضمن مصنّفات المفيد

الأمالي

للشيخ الصّدوق / منشورات الأعلمي ، بيروت

الإشارات والتنبيهات

للشيخ الرئيس / دفتر نشر كتاب

الأحكام في أصول الاحكام

أبوالحسن علي بن أبي علي بن محمّد الآمدي / دار الكتب العلمية ، بيروت

الاجتهاد والتقليد

الشيخ مرتضى الأنصاري / منشورات مكتبة المفيد

أجود التقريرات

المحقق النائيني / مؤسسة صاحب الأمر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) ، قم

«ب»

بحارالأنوار

العلّامة المجلسي / دار إحياء التراث العربي ، بيروت

بدائع الأفكار

ميرزا حبيب اللّه الرشتي / نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

بدائع الأفكار

الآملي / مطبعة العلمية ، نجف

البرهان في أصوال الفقه

إمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبداللّه بن يوسف الجويني / دار الوفاء ، (المنصورة)

البيان في تفسير القرآن

الإمام الخوئي / مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي

البرهان في تفسير القرآن

للبحراني / مؤسسة البعثة ، قم

«ت»

تفسير العيّاشي

أبي نصر محمّد بن مسعود بن عيّاش السّلمي السّمرقندي / المكتبة العلمية الاسلامية

التفسير الكبير

الرّازي / الطبعة الثالثة

تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام

السيد حسن الصّدر / منشورات أعلمي ، طهران

تمهيد القواعد

الشهيد الثاني / مكتب الاعلام الاسلامي ، قم

«ج»

جامع الشتات

الميرزا أبي القاسم بن الحسن الجيلاني القمي / الطبعة الحجرية

جواهر الكلام

الشيخ محمّدحسن النجفي / دار إحياء التراث العربي ، بيروت

«ذ»

الذريعة إلى أصول الشريعة

أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي الشريف المرتضى / جامعة طهران

ذكرى الشيعة

الشهيد الأوّل / نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

«ر»

رسائل فقهيّة

الشيخ مرتضى الانصاري / لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظم

«ز»

زبدة الاصول

الشيخ البهائي / الطبعة الحجرية

«س»

سنن ابن ماجة

أبي عبداللّه محمّد بن يزيد القزويني ابن ماجة / نشر دارالفكر ، بيروت

سنن الدّارقطني

الحافظ علي بن عمر الدّارقطني / دار إحياء التراث العربي ، بيروت

سنن النسائي

أحمد بن شعيب / دارالفكر

«ش»

شرح المطالع

قطب الدين محمّد بن محمّد الرّازي / انتشارات كتبي نجفي ، قم

شرح المواقف

علي بن محمّد الجرجاني / منشورات الشريف الرضي

شرح حكمة الاشراق

قطب الدين الشيرازي / انتشارات بيدار

«ع»

عوائد الأيّام

أحمد بن محمّد مهدي النّراقي / مركز الأبحاث والدراسات الاسلامية

عدّة الاُصول

للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطّوسي / الطبعة الحجرية

العروة الوثقى (المحشّاة)

للسيد محمد كاظم الطّباطبائي اليزدي / مؤسسة النشر الاسلامي

«ف»

فرائد الاصول

الشيخ مرتضى الانصاري / مؤسسة النشر الاسلامي

الفوائد الحائريّة

للوحيد البهبهاني / مجمع الفكر الاسلامي

فوائد الاصول

للشيخ محمّدعلي الكاظمي الخراساني (تقرير أبحاث المحقق النائيني) / مؤسسة النشر الاسلامي

الفوائد المدنيّة

للمولى محمّد أمين الاستر آبادي / الطبعة الحجرية

«ق»

قاعدة لا ضرر

لشيخ الشريعة الاصفهاني / مؤسسة النشر الاسلامي

قواعد الاحكام

لجمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر العلّامة الحلّي / مؤسسة النشر الاسلامي

قوانين الاصول

لميرزا أبي القاسم بن الحسن الجيلاني القمي / مكتبة العلمية الاسلامية

«ك»

الكاف

للشيخ أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرّازي / دار الكتب الاسلامية

كتاب الطّهارة

للشيخ مرتضى الانصاري / لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظم ، وأيضاً الطبعة الحجرية

كشف الفوائد

لجمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (ضمن مجموعة الرسائل للحلّي) / منشورات مكتبة المرعشي

كفاية الاصول

للشيخ محمّد كاظم الخراساني / نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

كشف المراد في تجريد الاعتقاد

لجمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي / مؤسسة النشر الاسلامي

كنز العمّال

لعلاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي / نشر مؤسسة الرسالة

كشف الغطاء

للشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناجي النجفي الحلّي / الطبعة الحجرية

«م»

مرآة الأنوار

لأبي الحسن النباتي العاملي / مطبعة آفتاب ، طهران

المحصول

للفخر الرّازي / طبع بيروت

مسالك الافهام

للشهيد الثاني / مؤسسة المعارف الاسلامية

مُستدرك الوسائل

للشيخ ميرزا حسين المحدث النوري / مؤسسة آل البيت لاحياء التراث ، قم

مسند أحمد

لأحمد بن محمّد بن حنبل أبي عبداللّه الشيباني / نشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت

مصباح الفقيه

للفقيه الهمداني / الطبعة الحجرية

مصباح الفقاهة

للشيخ التوحيدي (تقرير أبحاث السيد الخوئي) / مؤسسة أنصاريان ، قم

مطارح الأنظار

للشيخ أبي القاسم الكلانتري (تقرير أبحاث الشيخ الانصاري) / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

معالم الاصول

لجمال الدين حسن بن زين الدين / مؤسسة النشر الاسلامي

معجم رجال الحديث

للإمام الخوئي / طبعة طهران

المعتمد في اصوال الفقه

للشيخ البصري المعتزلي / بيروت

المنخول من تعليقات الاصول

لأبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي / دمشق

منية الطالب

للشيخ موسى بن محمّد النجفي الخوانساري (تقرير أبحاث المحقق النائيني) / مؤسسة النشر الاسلامي

مفتاح الكرامة

للعاملي / مؤسسة فقه الشيعة

مقالات الاُصول

للشيخ آقا ضياء العراقي / مجمع الفكر الاسلامي

«ن»

الناصريّات

لأبي القاسم علي بن الحسين الموسوي الشريف المرتضى / تحقيق مركز البحوث والدراسات العلمية ، مطبعة الهدى

نهاية الوصول إلى علم الاصول

للعلّامة الحلّي / مخطوط

نهاية الدّراية

للشيخ محمّدحسين الاصفهاني / تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

نهاية الوصول إلى علم الاصول

للعلّامة الحلّي / مخطوط

نهاية الدّراية

للشيخ محمّدحسين الاصفهاني / تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

«ه-»

الهداية في الاصول

للشيخ حسين الصافي الاصفهاني (تقرير أبحاث الامام الخوئي) / تحقيق ونشر مؤسسة صاحب الأمر (عج) ، قم

هداية المسترشدين

للشيخ محمّد تقي الاصفهاني / الطبعة الحجرية

«و»

الوسائل

لمحمّد بن الحسن الحرّ العاملي / تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، قم

الوافية

للفاضل التوني / نشر مجمع الفكر الاسلامي

الصورة

الصورة