ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : محاضرات في اصول الفقه/ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ محمداسحاق الفیاض.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام الخوئی(قدس سره)، 14ق.= -13
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعه الامام الخوئی.
شابک : ج.43 ، چاپ سوم : 964-7336-12-8 ؛ ج. 44، چاپ سوم 964-7336-13-6 : ؛ ج. 45 ، چاپ سوم 964-7336-14-6 : ؛ ج. 46، چاپ سوم 964-7336-15-2 :
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد چهل ششم، 1422ق. = 1380.
يادداشت : عربی.
يادداشت : جلدهای قبلی کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشران متفاوت منتشر شده است.
يادداشت : ج. 43 - 46 (چاپ سوم: 1428 ق. = 2007 م. = 1386 ).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : اصول فقه شیعه
شناسه افزوده : فیاض، محمداسحاق، 1934 - م.، گردآورنده
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP159/8/خ9م3 1300ی
رده بندی دیویی : 297/312
شماره کتابشناسی ملی : م81-4695
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسّسة الخوئي الإسلامية
الجزء الخامس والأربعون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 98251 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع : 1430 ه، 2009 م
المطبعة نينوى
الطبعة الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
ISBN: 6 - 14 - 7336 - 964
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com www. alkhoei.net
محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين
والصّلاة والسّلام علی سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين
و لعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين
من الآن إلی قیام يوم الدّين
محاضرات
في
أصول الفقه
محاضرات
في
أصول الفقه
تقرير الأبجاث
الأسَتاد الأعظم سماحة آية اللّه العظمی
السيّد ابوالقاسم الموسويّ الخوئي (قدّس سِرُّه)
«1317-1413ه-»
تأليف آية اللّه
الشيخ محمّد اسحاق الفيّاض (دام ظلّه)
مؤسّسة الخوئي الإسلاميّة
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسّسة الخوئي الإسلامية
الجزء الخامس والأربعون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 98251 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع : 1430 ه، 2009 م
المطبعة نينوى
الطبعة الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
ISBN: 6 – 14 – 7336 - 964
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com www. alkhoei.net
بيان التزاحم والتعارض ونقطة امتياز أحدهما عن الآخر
ها هنا جهات من البحث :
الأولى : بيان حقيقة التزاحم وواقعه الموضوعي.
الثانية : بيان حقيقة التعارض وأساسه.
الثالثة : بيان النقطة الرئيسية للفرق بين البابين.
الرابعة : بيان مرجحات باب التعارض من جانب، وما تقتضيه القاعدة فيه من جانب آخر.
الخامسة : بيان مرجحات باب التزاحم وما تقتضيه القاعدة عند فقدانها.
أمّا الجهة الأولى : فالتزاحم على نوعين :
الأوّل : التزاحم بين الملاكات الواقعية بأن تكون مثلاً في فعل جهة مصلحة تقتضي إيجابه، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه، أو كانت فيه جهة تقتضي استحبابه وجهة أُخرى تقتضي كراهته،وهكذا، ففي هذه الموارد وما شاكلها لا محالة تقع المزاحمة بين المصلحة والمفسدة، أو كانت مصلحة في فعل ومصلحة أخرى في فعل آخر مضاد له، وهكذا.
ومن الواضح جداً أنّ الأمر في هذا النوع من التزاحم بيد المولى، حيث إنّ عليه أن يلاحظ الجهات الواقعية والملاكات النفس الأمرية الكامنة في الأفعال الاختيارية للعباد، ويقدّم ما هو الأقوى والأهم من تلك الملاكات على غيره التي لم تكن بهذه المرتبة من القوّة والأهمية، ويجعل الحكم على طبق الأهم دون غيره.
ومن الضروري أنّ هذا ليس من وظيفة العبد بشيء، فانّ وظيفته العبودية وامتثال الأحكام التي جعلت من قبل المولى ووصلت إليه، والخروج عن عهدة تلك الأحكام وتحصيل الأمن من ناحيتها من دون ملاحظته جهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها أصلاً، بل إذا فرضنا أنّ العبد علم بأن المولى قد اشتبه عليه الأمر، كما يتفق ذلك في الموالي العرفية، فجعل الوجوب مثلاً بزعم أنّ في الفعل مصلحة، مع أنّه لا مصلحة فيه أو علم أنّ فيه مفسدة، لم يكن له بمقتضى وظيفة العبودية مخالفة ذلك التكليف المجعول وترك امتثاله معتذراً بأنّه لام لا مقتضي للوجوب، أو أنّ فيه مقتضي الحرمة، فانّ كل ذلك لا يُسمع منه ويستحق العقاب على مخالفته، كما أنّ من وظيفة الرعايا الالتزام بالقوانين المجعولة في الحكومات، فلو أن أحداً خالف قانوناً من تلك القوانين اعتذاراً بأنه لا مصلحة في جعله أو أنّ فيه مفسدة، فلا يُسمع هذا الاعتذار منه ويعاقب على مخالفة ذلك.
فالنتيجة : هي أن وظيفة المولى جعل الأحكام على طبق جهات المصالح والمفاسد الواقعيتين، وترجيح بعض تلك الجهات على بعضها الآخر في مقام المزاحمة، غاية الأمر أنّه إذا كان المولى مولاً حقيقياً يجعل الحكم على وفق ما هو الأقوى من تلك الجهات في الواقع ونفس الأمر، وإذا كان عرفياً يجعل الحكم على طبق ما هو الأقوى بنظره، لعدم إحاطته بجهات الواقع تماماً، ووظيفة العبد الانقياد والاطاعة وامتثال الأحكام، سواء أعلم بوجود مصلحة في متعلقاتها
أم لم يعلم، ضرورة أن كل ذلك لا يكون عذراً له في ترك الامتثال، بل يعدّ هذا منه تدخلاً في وظيفة المولى وهو قبيح.
على أنه ليس للعبد طريق إلى إحراز جهات المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام الشرعية مع قطع النظر عن ثبوتها ليراعي ما هو الأقوى منها. نعم، قد يستكشف من أهمية الحكم أهمية ملاكه فيرجّح على غيره، ولكن هذا أجنبي عما نحن فيه، وهو وقوع المزاحمة بين الملاكات والجهات الواقعية. فإذن ليست لتلك الكبرى صغرى في الأحكام الشرعية أصلاً.
وقد تحصّل من ذلك أمران :
الأوّل: أنّ هذا النوع من التزاحم ليس في مقابل التعارض، فانّ ما هو في مقابله التزاحم في الأحكام الفعلية بعضها ببعض، دون التزاحم في الملاكات، ولذا لا تترتب على البحث عنه أيّة ثمرة.
الثاني : أنّ وقوع التزاحم بين الملاكات يرتكز على وجهة نظر مذهب العدلية من تبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها أو في نفسها، وأما على وجهة مذهب الأشعري المنكر للقول بالتبعية مطلقاً فلا موضوع له. النوع الثاني : تزاحم الأحكام بعضها مع بعض في مقام الامتثال والفعلية، ومنشؤه عدم قدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين معاً، ويكون امتثال كل واحدٍ منهما متوقفاً على مخالفة الآخر، فانّه إذا صرف قدرته على امتثاله يعجز عن امتثال الآخر، فيكون الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه وهو القدرة، مثلاً إذا فرضنا أنّ إنقاذ الغريق أو نحوه متوقف على التصرف في مال الغير، أو كان هناك غريقان ولكن المكلف لا يقدر على إنقاذ كليهما معاً، فعندئذ لو اختار امتثال أحدهما يعجز عن امتثال الثاني فينتفي بانتفاء موضوعه.
وبعبارة واضحة قد تعرّضنا في غير موضع : أن لكل حكم مرتبتين ولا ثالث
لهما :
الأولى : مرتبة الجعل والانشاء، وهي جعله لموضوعه على نحو القضية الحقيقية من دون تعرّضه لحال موضوعه وجوداً وعدماً، ومن هنا قلنا إن كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له، ومن الواضح جداً أنّ التالي لا يكون ناظراً إلى حال الشرط وجوداً ولا عدماً، بل هو ثابت على تقدير تحققه في الخارج، وكذا الحكم لا يكون ناظراً إلى حال موضوعه أصلاً، بل هو ثابت على فرض تحققه، وهذا معنى ك--ون الموضوع مأخوذاً في القضية الحقيقية على نحو فرض وجوده.
الثانية : مرتبة فعلية الحكم، وهي تتحقق بفعلية موضوعه في الخارج ووجوده، ضرورة أنّ فعلية الحكم تدور مدار فعلية موضوعه وتحققه، ومن هنا قلنا إنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته، فكما أن فعلية المعلول تدور مدار فعلية علّته، فكذلك فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه.
فالنتيجة على ضوء هذا البيان أنّ في موارد التزاحم لا تنافي بين الحكمين بحسب مرتبة الجعل أصلاً بداهة أنّه لا تنافي بين جعل وجوب إنقاذ الغريق للقادر على نحو القضية الحقيقية وحرمة التصرف في مال الغير كذلك، كيف فانّ عدم التنافي بين الدليل الدال على وجوب الانقاذ والدليل الدال على حرمة التصرف في مال الغير من الواضحات الأولية، وكذا لا تنافي بين جعل وجوب الصلاة للقادر ووجوب الازالة له، وهكذا.
فالتنافي في مورد التزاحم إنّما هو في مرتبة فعلية الأحكام وزمن امتثالها، ضرورة أن فعلية كل من حكمين متزاحمين تأبى عن فعلية الآخر، لاستحالة فعلية كليهما معاً، وسرّه أنّ القدرة الواحدة لا تفي إلّا باعمالها في أحدهما، فلا تكفي للجمع بينهما في مقام الاتيان والامتثال وعليه فلا محالة كان اختيار كل
واحد منهما في هذا المقام يوجب عجزه عن الآخر، فيكون الحكم الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - من دون تصرف في دليله أصلاً.
والوجه في ذلك : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الخطابات الشرعية تستحيل أن تتعرض لحال موضوعاتها نفياً وإثباتاً، وإنما هي متعرضة لبيان الأحكام على تقدير ثبوت موضوعاتها في الخارج، ومن هنا قلنا إنّ الخطابات الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية، ومفادها مفاد تلك القضايا.
مثلاً : الأدلة الدالة على ثبوت الأحكام للحائض أو النفساء أو المستطيع أو
ما شاكل ذلك لا يتكفل شيء منها لبيان حالها وجوداً أو عدماً، وإنما هي متكفلة لبيان الأحكام لها على تقدير تحققها في الخارج، ولذا ذكرنا أن كل دليل إذا كان ناظراً إلى موضوع دليل آخر نفياً أو إثباتاً حقيقةً أو حكماً، لا يكون أي تنافٍ بينه وبين ذلك الدليل، وذلك كما في موارد الورود والحكومة، ضرورة أنّ مفاده ثبوت الحكم على تقدير تحقق موضوعه خارجاً.
ومن الواضح أنّ نفي الحكم بانتفاء موضوعه لا يكون من رفع اليد عن دلیله الدال عليه، فأنّه إنما يكون في مورد التعارض حيث إنّ فيه نفي الحك-م ع-ن الموضوع الثابت، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى (1)ومقامنا من قبيل الأول، فانّ التكليف حيث إنّه مشروط بالقدرة يستحيل أن يكون ناظراً إلى حالها وجوداً أو عدماً، بل هو ناظر إلى حال متعلقه ومقتض لوجوده إن كان التكليف وجوبياً والبعد عنه إن كان تحريمياً.
وعليه فكون المكلف قادراً في الخارج أو غير قادر أجنبي عن مفاد الدليل الدال عليه، فلا يكون انتفاؤه بانتفاء القدرة من رفع اليد عن دليله ومنافياً له،
1) في ص 16.
ضرورة أنّ ما لا اقتضاء له بالاضافة إلى وجود القدرة وعدمها لا يكون منافياً لما هو مقتض لعدمها، كما هو واضح.
نعم، لو كان هناك دليل دلّ على انتفائه مع ثبوت موضوعه لكان منافياً له وموجباً لرفع اليد عما دلّ عليه، إذ هذا مقتض لثبوته وذاك مقتض لعدمه، فلا يمكن أن يجتمعا في موضوع واحد، ولكنهما عندئذ صارا من المتعارضين ف--لا يكونان من المتزاحمين، ومحل كلامنا فعلاً في الثاني لا في الأوّل.
وصفوة القول في ذلك هي : أنا قد ذكرنا غير مرّة أنّه لا مضادة ولا منافاة بين الأحكام بأنفسها، لأنها أمور اعتبارية فلا شأن لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار ولا واقع موضوعي لها غير ذلك، ومن المعلوم أنه لا تعقل المضادة والمنافاة بين الأمور الاعتبارية بعضها ببعض ذاتاً وحقيقة، ومن هنا قلنا إنّ التنافي والتضاد بين الأحكام إما أن يكون من ناحية مبدئها، وإما أن يكون من ناحية منتهاها، ولا ثالث لهما.
أما التنافي من ناحية المبدأ، فيبتني على وجهة نظر مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها أو في نفسها، وحيث إنّ المصلحة والمفسدة متضادتان فلا يمكن اجتماعها في شيء واحد.
وأما التنافي من ناحية المنتهى، فلعدم تمكن المكلف من امتثال الوجوب والحرمة معاً مثلاً في شيء واحد، وكذا عدم تمكنه من امتثال وجوبين أو تحريمين متعلقين بالضدين اللذين لا ثالث لهما وهكذا، ولا يفرق في هذه الناحية بين مذهب العدلية وغيره.
وعلى هذا الأساس فإذا كان بين حكمين تنافٍ من ناحية المبدأ أو المنتهى بالذات كالوجوب والحرمة لشيء واحد، أو بالعرض كما إذا علم إجمالاً بكذب
أحدهما، فلا محالة يقع التعارض بين دليليها.
وأما إذا لم يكن بينهما تنافٍ لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى، كوجوب صلاة الفريضة ووجوب إزالة النجاسة عن المسجد مثلاً، فلا مانع من جعل كليهما معاً أصلاً، بداهة أنّه لا تنافي بين جعل وج-وب الص-لاة للقادر وجعل وجوب إزالة النجاسة عن المسجد غاية الأمر أنه قد يتفق لبعض أفراد المكلفين أنّه لا يتمكن من الجمع بينهما في مقام الامتثال، وعليه فلا محالة لا يكون أحدهما فعلياً، لما عرفت من أنّ فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه وهو القدرة في مفروض المقام، وحيث إنّ فعلية القدرة بالاضافة إلى كلا الحكمين ممتنعة على الفرض امتنعت فعلية كليهما معاً.
ومن البديهي أنّ هذا المقدار من التنافي لا يمنع من جعلهما على نحو القضية الحقيقية، لوضوح أنه لو كان مانعاً فانّما يكون من جهة أنه يوجب كون جعلهما لغواً، ومن الواضح أنه لا يوجب ذلك باعتبار أنه تنافٍ اتفاقي في مادة شخص ما، والموجب له إنما هو التنافي الدائمي وبالاضافة إلى جميع المكلفين، كما هو الحال في الضدين اللذين ليس لهما ثالث، حيث لا يمكن للشارع إيجابها معاً، فانّه لغو محض وصدوره من الحكيم محال، بل الحال كذلك في مطلق الضدين ولو كان بينهما،ثالث كالقيام والقعود والسواد والبياض وما شاكلها، فانّه لا يمكن للشارع إيجاب كليهما معاً في زمان واحد، وذلك لعدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال أبداً من جهة أنّ التنافي بينهما أبدي لا اتفاقي، وعليه فايجابهما لغو محض فلا يصدر من الحكيم.
ومن هنا قد ذكرنا سابقاً (1)أنّ التضاد بين الفعلين إذا كان دائمياً كان دليل وجوب أحدهما معارضاً لدليل وجوب الآخر لا محالة، فالملاك الرئيسي
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 468.
للدخول في باب التزاحم هو أن يكون التضاد بينهما اتفاقياً بمعنى أنه كان في مورد دون آخر، وبالاضافة إلى مكلف دون مكلف آخر، وقد مرّ أنّ مثل هذا التنافي والتضاد لا يكون مانعاً عن الجعل أبداً، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنّ المنشأ الأساسي لهذا التنافي والتضاد إنما هو ع---دم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال والاطاعة اتفاقاً بعد ما كان قادراً على إتيان كل واحد من الفعلين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، ولكنّه لم يقدر على الجمع بينهما في الخارج صدفة، لا من ناحية المضادة بينهما دائماً، بل من ناحية أنّ القدرة الواحدة لا تفي لامتثال كليهما معاً. وعليه فلا محالة كان إعمالها في امتثال هذا موجباً لانتفاء فعلية ذاك بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - لا أنه يوجب انتفاءه مع بقاء موضوعه كما هو الحال في موارد المعارضة بين الدليلين، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه، فلا هذا يقتضي وجود القدرة ولا ذاك لتقع المصادمة بين اقتضائها إيجاد القدرة، بل كل واحد منهما بالاضافة إلى إيجادها وتحققها في الخارج بلا اقتضاء وعليه فيما أنّ المكلف قادر على امتثال كل واحد منهما في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، فلا محالة يقتضي كل منهما إعمال القدرة في امتثاله، وحيث إنّ المكلف لا يقدر على امتثال كليهما معاً، فتقع المزاحمة بين اقتضاء هذا لامتثاله واقتضاء ذاك.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ المنشأ الأساسي لوقوع التزاحم بين تكليفين نقطتان:
الأولى : جعل الشارع كلا التكليفين معاً وفي عرض واحد، ولازم ذلك هو اقتضاء كل منهما لامتثاله في عرض اقتضاء الآخر له.
الثانية : عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، فاذا تحققت
هاتان النقطتان تحققت المزاحمة بينهما لا محالة، وأمّا إذا انتفت إحداهما، كما إذا لم يجعل الشارع إلا أحدهما دون الآخر، أو كان المكلف قادراً على امتثال كليهما معاً فلا مزاحمة أصلاً.
وعلى أساس هذا البيان قد ظهر أمور:
الأوّل: أنّ المزاحمة بين التكليفين إنّما تكون بالاضافة إلى من لم يقدر على الجمع بينهما في مقام الامتثال، وأمّا مع القدرة عليه فلا مزاحمة بينهما أبداً، بل كلا التكليفين يكون فعلياً من دون أية منافاة بينهما.
الثاني : أن التزاحم بين الحكمين إنّما هو في مرتبة متأخرة عن مرتبة جعلهما وهي مرتبة الامتثال وحكم العقل بلزومه، ومن هنا قلنا إنّ في باب التزاحم لا تنافي في مقام الجعل أصلاً.
الثالث : أنّ ارتفاع أحد الحكمين في باب التزاحم وعدم فعليته مستند إلى ارتفاع موضوعه وعدم فعليته، لا إلى شيء آخر مع بقاء موضوعه ليقع التنافي بينه وبين ذاك الشيء، ولأجل ذلك يجري التزاحم بين الحكمين المستفادين من آيتين أو سنتين قطعيتين، وكذلك الحكم المستفاد من رواية والحكم المستفاد من آية من الكتاب أو سنة قطعية، بل لا مناص من تقديم الرواية على الكتاب أو السنّة القطعية في مقام المزاحمة إذا كانت واجدةً لإحدى مرجحات بابها. لحد الآن قد تبيّن أنّ النقطة الرئيسية التي ينبثق منها التزاحم بين الحكمين بعد الفراغ من جعلهما إنما هي عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال والفعلية، وأمّا مع التمكن فلا مزاحمة أصلاً.
ولكن لشيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)في المقام كلام، وهو أنّ التزاحم قد
1) أجود التقريرات 2 :52.
ينشأ من عدم قدرة المكلف على الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال كما هو الغالب، وقد ينشأ من جهة أخرى غير ذلك.
أما الأوّل فقد قسمه (قدس سره) على خمسة أقسام:
الأوّل : ما إذا كان عدم القدرة اتفاقياً كما هو الحال في التزاحم بين وجوب إنقاذ غريق وإنقاذ غريق آخر فيما إذا لم يقدر المكلف على انقاذ كليهما معاً.
الثاني : ما إذا كان التزاحم من جهة وقوع التضاد بين الواجبين اتفاقاً، لما عرفت من أنّ التضاد بينهما إذا كان دائمياً فيقع التعارض بين دليليها، فتكون المصادمة عندئذ في مقام الجعل لا في مقام الامتثال والفعلية.
الثالث : موارد اجتماع الأمر والنهي فيما إذا كانت هناك ماهيتان اتحدتا في الخارج بنحو من الاتحاد كالصلاة والغصب مثلاً بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الطبيعة إلى مشخصاتها فوقتئذ تقع المزاحمة بينها، وهذا بخلاف ما إذا كانت هناك ماهية واحدة كاكرام العالم الفاسق المنطبق عليه إكرام العالم المحكوم بالوجوب، وإكرام الفاسق المحكوم بالحرمة، فان مورد الاجتماع على هذا يدخل في باب التعارض دون التزاحم. وكذا إذا كانت هناك ماهیتان متعددتان بناءً على سراية الحكم من إحداهما إلى الأخرى، وسيأتي بيان ذلك تماماً في بحث اجتماع الأمر والنهي إن شاء اللّه تعالى.
الرابع : ما إذا كان الحرام مقدمة لواجب، كما إذا توقف إنقاذ الغريق مثلاً أو نحوه على التصرف في مال الغير هذا فيما إذا لم يكن التوقف دائمياً، وإلا فيدخل في باب التعارض، كما هو واضح.
الخامس : موارد التلازم الاتفاقي فيما إذا كان أحد المتلازمين محكوماً بالوجوب والآخر محكوماً بالحرمة ومثال ذلك استقبال القبلة واستدبار الجدي لمن سكن في العراق وما شاكله من البلاد فانّه لا تلازم بينهما بالذات،
فالتلازم إنّما يتفق بينهما لخصوص أهل العراق أو ما سامته من النقاط. وأما إذا كان التلازم دائمياً فيدخل في باب التعارض.
وأما الثاني، وهو ما إذا كان التزاحم ناشئاً من شيء آخر لا من عدم قدرة المكلف، فقد مثل له بما إذا كان المكلف مالكاً من الإبل بمقدار النصاب الخامس - وهو خمس وعشرون إبلاً - الذي يجب فيه خمس شياه، ثم بعد مضي ستّة أشهر ملك ناقة أخرى فتحقق النصاب السادس الذي يجب فيه بنت مخاض، وعلى هذا فمقتضى أدلة وجوب الزكاة هو وجوب خمس شياه بعد انقضاء سنة النصاب الخامس، ووجوب بنت مخاض بعد تمامية حول النصاب السادس والمكلف قادر على دفع كليهما معاً، ولم تنشأ المزاحمة من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، بل هي ناشئة من ناحية قيام الدليل من الخارج على أنّ المال الواحد لا يزكّى في السنة الواحدة مرّتين.
وللمناقشة فيما أفاده (قدس سره) هنا مجال.
أما ما ذكره من أنّ التزاحم الناشئ من ناحية عدم قدرة المكلف فينقسم إلى خمسة أقسام فيرد عليه :
أوّلاً : أنّه لا أثر لهذا التقسيم أصلاً، ولا تترتب عليه أية ثمرة، فيكون نظير تقسيم أنّ التزاحم قد يكون بين وجوبين، وقد يكون بين تحريمين، وقد يكون بين وجوب وتحريم،وهكذا، فلو كان مثل هذه الاعتبارات موجباً للقسمة لازدادت الأقسام بكثير كما لا يخفى.
وثانياً : أن أصل تقسيمه إلى تلك الأقسام لا يخلو عن إشكال، والوجه في ذلك : هو أنّ القسم الثاني - وهو ما إذا كان التزاحم ناشئاً عن التضاد بين الواجبين اتفاقاً - داخل في القسم الأوّل، وهو ما إذا كان التزاحم فيه ناشئاً عن عدم القدرة اتفاقاً، ضرورة أنّ المضادة بين فعلين من باب الاتفاق لا يمكن
تحققها إلا من ناحية عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الاتيان والامتثال، وعليه فلا معنى لجعله قسماً ثانياً من التزاحم في قبال القسم الأوّل، بل هو هو بعينه.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ المضادة بين الفعلين إذا كانت دائمية فتقع المعارضة بين دليلي حكميهما، ففي غاية الصحة والمتانة في الضدين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون وما شاكلها ضرورة أنه لا يعقل تعلق الأمر بهما حتى على نحو الترتب، كما تقدّم (1).
وأمّا في الضدّين اللذين لهما ثالث كالقيام والقعود والسواد والبياض ونحوهما فالأمر ليس كما أفاده، وذلك لأنّ المعارضة في الحقيقة ليست بين نفس دليليهما، كما هو الحال في الضدين اللذين لا ثالث لهما، وإنما هي بين إطلاق كل منهما وثبوت الآخر، وعليه فلا موجب إلا لرفع اليد عن إطلاق كل منهما بتقييده بعدم الاتيان بمتعلق الآخر، لوضوح أنّه لا معارضة بين أصل ثبوت الخطاب بهذا في الجملة وثبوت الخطاب بذاك كذلك، وإنما تكون المعارضة بين إطلاق هذا ووجود الآخر وبالعكس، وهي لا توجب إلا رفع اليد عن إطلاق كل منهما لا عن أصله، فيكون إطلاق كل واحد منهما مترتباً على عدم الاتيان بالآخر.
ونتيجة ذلك: هو الالتزام بالترتب من الجانبين أو الالتزام بالوجوب التخييري، إلّا فيما إذا علم بكذب أحدهما وعدم صدوره في الواقع، فعندئذ تقع المعارضة بينهما، فيرجع إلى قواعد باب التعارض.
وأما موارد اجتماع الأمر والنهي، فان قلنا بالامتناع - إما لدعوى سراي--ة النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر، وإما لدعوى أنّ التركيب بينها اتحادي - فهي
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 468.
من صغريات مسألة التعارض دون التزاحم وعليه فلا معنى للقول بالترتب فيها أصلاً، وإن قلنا بالجواز وتعدد المجمع، فإن كانت هناك مندوحة وتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا تزاحم بينها أصلاً كما تقدّم، وإن لم تكن هناك مندوحة فتقع المزاحمة بينهما لا محالة، ولكن عندئذ يدخل هذا القسم في القسم الخامس، ولا يكون قسماً آخر في قباله، بل هو من أحد مصاديقه، وسيأتي بيان كل واحد من هذه الأقسام بصورة مفصلة إن شاء اللّه تعالى(1).
والغرض من التعرّض هنا الاشارة إلى عدم صحة هذا التقسيم، وأنّ منشأ التزاحم في جميع تلك الأقسام نقطة واحدة وهي عدم قدرة المكلف على الجمع بين متعلقي الحكمين في ظرف الامتثال والاطاعة، كما اعترف (قدس سره) بذلك، ومن الواضح أنه لا يفرق في هذا بين أن يكون التزاحم بين واجبين متضادين من باب الاتفاق أو بين واجب وحرام، سواء أكانا متلازمين أو كان أحدهما متوقفاً على الآخر، فانّ الجميع بالاضافة إلى تلك النقطة على نسبة واحدة.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ التزاحم قد لا ينشأ من جهة عدم قدرة المكلف بل من جهة أخرى كالمثال المتقدم فهو غريب منه (قدس سره) وذلك لأنّ المثال المذكور وما شاكله داخل في باب التعارض وليس من باب التزاحم في شيء، والوجه فيه : هو أنّ ما دلّ على أنّ المال الواحد لا يزكّى في السنة الواحدة مرتين يوجب العلم الاجمالي بكذب أحد الدليلين، أعني بها ما دلّ على وجوب خمس شياه على من ملك النصاب الخامس ومضى عليه الحول، وما دلّ على وجوب بنت مخاض على من ملك النصاب السادس ومضى عليه الحول، وإن كان لا تنافي بينهما بالذات ومع قطع النظر عما دلّ على أن المال الواحد لا يزكي مرتين في عام واحد فيكون نظير ما دلّ على وجوب صلاة الجمعة في
1) في ص 159 تذييل.
يوم الجمعة، وما دلّ على وجوب الظهر فيه، فانّه لا تنافي بين دليليهما بالذات أصلاً، لتمكن المكلف من الجمع بينهما ولكن العلم الخارجي بعدم وجوب ستة صلوات في يوم واحد أوجب التنافي بينهما، إذن فلابد من الرجوع إلى قواعد باب المعارضة، ولا مساس لأمثال هذا المثال بباب المزاحمة أبداً، ولذا لو لم يكن ذلك الدليل الخارجي لقلنا بوجوب كليهما معاً من دون أية منافاة ومزاحمة في البين. ولكن العجب من شيخنا الأستاذ (قدس سره) كيف غ-ف-ل عن ذلك وأدخل المقام في باب المزاحمة.
ونتيجة ما ذكرناه لحد الآن : هي أنّ التزاحم بين تكليفين في مقام الامتثال لا يعقل إلّا من ناحية عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في ذلك المقام، وعليه فالتزاحم منحصر في قسم واحد ولا ثاني له.
إلى هنا قد تم بصورة واضحة بيان كل من التزاحم في الملاكات بعضها ببعض، والتزاحم في الأحكام، وعلى ضوء ذلك البيان قد ظهر أنه لا اشتراك بينهما أصلاً لنحتاج إلى بيان نقطة امتياز أحدهما عن الآخر.
وأمّا الجهة الثانية : وهي بيان حقيقة التعارض وأساسه الموضوعي، فقد ذكرنا (1)أن التعارض هو تنافي مدلولي الدليلين في مقام الاثبات على وج-ه التناقض أو التضاد بالذات أو بالعرض.
والأوّل : كما إذا دلّ دليل على وجوب شيء ودلّ دليل آخر ع-ل-ى ع-دم وجوبه أو على حرمته، أو دلّ دليل على طهارة شيء ودلّ دليل آخر على نجاسته وهكذا، وأمثلة ذلك في الروايات والنصوص الواردة في أبواب الفقه
بشتى أنواعها كثيرة جداً، بل هي خارجة عن حدود الاحصاء عادة.
1) في مصباح الأصول 3: 417.
والثاني : كما إذا دلّ دليل على وجوب شيء ودلّ دليل آخر على وجوب شيء آخر أو على حرمته من دون تناف ومضادة بينهما أبداً في مقام الجعل والتشريع لامكان ثبوت كليهما معاً في ذلك المقام، ولكن علمنا م-ن الخ--ارج بكذب أحدهما وعدم مطابقته للواقع من جهة قيام الاجماع أو الضرورة أو نحوها على ذلك، وهذا العلم الخارجي أوجب التنافي والتعارض بينهما في مقام الاثبات، وعدم إمكان الجمع بين ثبوت مدلوليهما في مقام الثبوت والواقع.
ومثال هذا ما لو دلّ دليل على وجوب الجمعة في يوم الجمعة تعييناً ودلّ دليل آخر على وجوب الظهر فيها كذلك، فأنّه لا تنافي ولا تضاد بين مدلولي هذين الدليلين أصلاً بالذات والحقيقة، لامكان وجوب كلتا الصلاتين معاً في يوم الجمعة، ولا يلزم منه أيّ محذور من التضاد أو التناقض، ولكن بم-ا أن-ا
علمنا بعدم وجوب ست صلوات في يوم واحد يقع التعارض بين الدليلين في مقام الاثبات، فيدل كل واحد منهما بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الآخر.
ومن هذا القبيل التنافي بين ما دلّ على أنّ الواجب على من سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه هو الصلاة تماماً، وما دلّ على أن الواجب عليه الصلاة قصراً، حيث لا تنافي بين مدلوليها بالذات والحقيقة، ولا مانع من الجمع بينهما في نفسه والتنافي بينهما إنما نشأ من العلم الخارجي بكذب أحدهما في الواقع وعدم ثبوته فيه من جهة عدم وجوب ست صلوات في يوم واحد، ولأجل ذلك يدل كل من الدليلين بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الدليل الآخر.
وقد تحصل من ذلك : أنّ النقطة الرئيسية التي هي مبدأ انبثاق التعارض بين الدليلين بشتى أشكاله - أي سواء أكان بالذات والحقيقة أو كان بالعرض والمجاز، وسواء أكان على وجه التباين أو العموم من وجه - أن ثبوت
مدلول كل منهما في مقام الجعل يقتضي رفع اليد عن مدلول الآخر وموجب لانتفائه في ذلك المقام مع بقاء موضوعه بحاله لا بانتفائه، ومن هنا يرجع جميع أقسام التعارض إلى التناقض حقيقة وواقعاً، بمعنى أن ثبوت مدلول كل واحد منهما يستلزم عدم ثبوت مدلول الآخر إما بالمطابقة، وإما بالالتزام.
وعلى الجملة : فملاك التعارض والتنافي بين الدليلين هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّ كل دليل متكفل لثبوت الحكم على فرض وجود موضوعه في الخارج بنحو القضية الحقيقية، هذا من جانب. ومن جانب آخر أنك قد عرفت في غير موضع أنّ نسبة الحكم إلى الموضوع في عالم التشريع كنسبة المعلول إلى العلة التامة في عالم التكوين، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته التامة، فكذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه.
فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هى أنّه إذا كان هناك دليل آخر يدل على نفي هذا الحكم عن موضوعه الثابت بحاله لا بانتفائه، فلا محالة يقع التعارض والتكاذب بينه وبين دليله في مقام الاثبات والدلالة، فانّ دليله يقتضي ثبوته لموضوعه على تقدير وجوده في الخارج، وذاك يقتضي ن-ف-ي-ه ع-ن ذلك الموضوع على هذا التقدير، ومن الواضح جداً أن الجمع بينهما غير ممكن لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم في شيء واحد، والنفي والاثبات في موضوع فارد.
وصفوة القول : أنّ التنافي بين الحكمين في مقام الجعل والواقع بالذات أو بالعرض يوجب التنافي والتعارض بين دليليهما في مقام الاثبات والدلالة ولأجل ذلك كان كل منهما في هذا المقام يكذِّب الآخر فلا يمكن تصديق كليهما معاً والأخذ بهما، فلا محالة يوجب الأخذ بأحدهما رفع اليد عن الآخ-ر وبالعكس.
مثلاً الأخذ بالدليل الدال على وجوب القصر في المسألة المزبورة، أو على وجوب الجمعة في يوم الجمعة، لا محالة موجب لرفع اليد عن الدليل الدال على وجوب التمام أو على وجوب الظهر، والأخذ بالدليل الدال على جواز الجمع بين فاطميتين كما هو المشهور يوجب لا محالة رفع اليد عن الدليل الدال على عدم جواز الجمع بينهما، وهكذا.
ومن ذلك يظهر أنّ التعارض بين الدليلين لا يتوقف على تحقق موضوعهما في الخارج، بل ثبوت كل منهما بنحو القضيّة الحقيقية يستلزم عدم ثبوت الآخر كذلك وكذبه في الواقع ومقام الجعل، سواء أتحقق موضوعهما في الخارج أم لم يتحقق، فانّ ملاك التعارض وأساسه الموضوعي كما عرفت هو عدم إمكان جعل كلا الحكمين معاً وثبوته في مرحلة الجعل والتشريع إما ذاتاً أو من ناحية العلم الخارجي، بل قد يحتمل عدم ثبوت كليهما معاً كما لا يخفى، وكيف كان فعلى هذا الأساس ثبوت كل منهما على نحو القضيّة الحقيقية يستلزم لا محالة عدم ثبوت الآخر كذلك.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ منشأ التعارض أحد أمرين ولا ثالث لهما :
الأوّل: المناقضة أو المضادة بين نفس مدلولي الدليلين، وهذا هو الكثير في الأدلة والروايات الواردة في أبواب الفقه.
الثاني : العلم الخارجي بوحدة الحكم في الواقع ومقام الجعل وعدم مطابقة أحدهما للواقع.
وأما الجهة الثالثة : وهي نقطة امتياز كبرى باب التزاحم عن كبرى باب التعارض، فقد اتضح حالها من بيان حقيقة التزاحم والتعارض، وملخصه : أنّ النقطة الأساسية في كل من البابين تخالف ما هو النقطة الأساسية في الآخر.
ما في باب التزاحم فهي عدم قدرة المكلف على الجمع بين الحكمين المتزاحمين في مقام الامتثال بلا أيّة منافاة ومضادة بينهما في مقام الجعل أصلاً، فالتنافي بينهما إنما هو في مرحلة الفعلية والامتثال، فانّ المكلف إن صرف قدرته في امتثال هذا عجز عن امتثال ذاك، وإن عكس فبالعكس.
ويتفرع على تلك النقطة أمران :
الأول : اختصاص التزاحم بينهما بالاضافة إلى من كان عاجزاً عن امتثالها معاً، وأما من كان قادراً على امتثالهما فلا مزاحمة بينهما بالاضافة إليه أبداً، فالمزاحمة في مادة العاجز دون مادة القادر، وهذا واضح.
الثاني : أنّ انتفاء الحكم في باب المزاحمة إنما هو بانتفاء موضوعه وهو القدرة، لا انتفائه مع بقاء موضوعه بحاله.
وأما في باب التعارض فهي التنافي والتعاند بين الحكمين في مقام الجعل والثبوت، وعدم إمكان جعل كليهما معاً، إمّا بالذات والحقيقة، وإما من ناحية العلم الاجمالي بعدم جعل أحدهما في الواقع.
ونتيجة تلك النقطة أمران :
الأول : عدم اختصاص التعارض بمكلف دون آخر و بزمان دون زمان بداهة أنّ استحالة اجتماع النقيضين أو الضدّين لا تختص بشخص دون آخر، وبزمان دون زمان آخر، وبحالة دون حالة أخرى، والمفروض أن جعل كلا الحكمين معاً مستلزم للتناقض أو التضاد وهو محال.
الثاني : أنّ انتفاء الحكم في باب التعارض ليس بانتفاء موضوعه، وإنما هو بانتفاء نفسه مع ثبوت موضوعه بحاله.
فتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ المناط في كل من البابين أجنبي عما هو المناط في الباب الآخر، فلا جامع بين البابين أبداً.
وعلى هذا الأساس فالقول بأنّ الأصل عند الشك هل هو عند الشك هل هو التعارض أو التزاحم لا مجال له أصلاً، ومن هنا ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أن هذا القول يشبه القول بأنّ الأصل في الأشياء هل هي الطهارة أو البطلان في البيع الفضولي (1).
ثم إنه لا يخفى أنّ ما ذكرناه من افتراق التزاحم والتعارض لا يبتني على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تعم جميع المذاهب والآراء، سواء فيها القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها أو في أنفسها، والقول بعدم التبعية مطلقاً، كما هو مذهب الأشعري، والوجه في ذلك ما عرفت من أن مسألة التزاحم ترتكز على ركيزة واحدة وهي عدم تمكن المكلف من الجمع بين التكليفين المتوجهين إليه في ظرف الامتثال، ومن الواضح أنّه لا يفرق فيه بين أن يكون لها ملاك في مورد المزاحمة أم لا، ضرورة أنه لا دخل لمسألة تبعية الأحكام للملاكات بمسألتنا هذه ولا صلة لاحداهما بالأخرى أبداً.
ومسألة التعارض أيضاً ترتكز على ركيزة وهي تنافي الحكمين في مقام الجعل والواقع، ومن الواضح أنها أجنبية عن كون أحدهما ذا ملاك في مورد المعارضة أو لم يكن، بداهة أنه لا دخل لوجود الملاك في أحدهما لوقوع التعارض بينهما، وهذا واضح جداً.
1) أجود التقريرات 2: 32.
فما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من ابتناء مسألة التزاحم على أن يكون المقتضي لكلا الحكمين موجوداً في مورد المزاحمة، ومسألة التعارض على أن يكون المقتضي لأحدهما موجوداً في مورد المعارضة لا يرجع إلى أصل صحيح، وسيأتي تفصيله بشكل واضح في مسألة اجتماع الأمر والنهي إن شاء اللّه تعالى (2).
وأمّا الجهة الرابعة : فيقع الكلام فيها في موردين :
الأوّل: فيما تقتضيه القاعدة في المتعارضين.
الثاني : في مرجحاتها.
أمّا المورد الأوّل: فقد ذكرنا في بحث التعادل والترجيح (3)أن مقتضى القاعدة سقوط المتعارضين عن الحجية وفرضهما كأن لم يكونا، والوجه في ذلك هو أن دليل الاعتبار لا يشمل كليهما معاً لاستحالة التعبد بالمتناقضين أو الضدين، فشموله لأحدهما المعيّن وإن لم يكن له مانع في نفسه، إلّا أنّه معارض بشموله للآخر، حيث إنّ نسبته إلى كليهما على حد سواء، وعليه فالحكم بشموله لهذا دون ذاك ترجیح بلا مرجح، وأحدهما لا بعينه ليس فرداً ثالثاً، فإذن يسقطان معاً فيرجع إلى العموم أو الاطلاق إن كان، وإلا فإلى أصل عملي، وتمام الكلام في ذلك بصورة مشروحة في بحث التعادل والترجيح إن شاء اللّه تعالى.
وأما المورد الثاني : فقد ذكرنا في بحث التعادل والترجيح (1)أن مرجحات باب التعارض تنحصر بموافقة الكتاب أو السنّة، وبمخالفة العامة، وليس غيرهما بمرجح، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الترجيح بهما يختص بالخبرين المتعارضين فلا يعم غيرهما من آيتين متعارضتين أو ظاهرين متعارضين أو إجماعين متعارضين، بل لا يعم ما إذا كان أحد المتعارضين خبراً والآخر إجماعاً مثلاً.
فالنتيجة أنّ ها هنا دعاوى ثلاث :
الأولى: انحصار المرجّح بخصوص موافقة الكتاب أو السنّة ومخالفة العامة.
الثانية : أنّ غيرهما من صفات الراوي ونحوها ليس بمرجح.
الثالثة : أنّ الترجيح بهما يختص بالخبرين المتعارضين فلا يعمّ غيرهما.
أما الدعوى الأولى : فلأنها قد وردتا في صحيحة قطب الراوندي ع-ن الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهم-ا ع-لى كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه» (2)وقد ذكرنا هناك أنّ موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة من المرجحات وليستا في مقام تمييز الحجة عن اللا حجة، كما تخيل المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (3)بدعوى أن ما ورد من الروايات من أنّ الخبر المخالف للكتاب زخرف وباطل أو لم نقله أو اضربوه على الجدار
ونحو ذلك من التعبيرات، دال على أنه ليس بحجة، وكذا الحال في الخبر الموافق للقوم، فانّ الوثوق والاطمئنان بصدور الخبر المخالف للقوم يوجب الاطمئنان بأنّ الخبر الموافق لهم إمّا غير صادر أو صدر تقيّة.
ولكن قد ذكرنا هناك أنّ المراد بالمخالفة فى تلك الروايات ما كان على نحو التباين أو العموم من وجه، فمثل هذا المخالف لم يمكن صدوره عن الأئمة (عليهم السلام) وأمّا المخالف على نحو العموم المطلق فلا إشكال في صدوره عنهم (عليهم السلام)، كيف وقد خصص به في كثير من الموارد عمومات الكتاب والسنّة، ومن الواضح جداً أنّ المراد من المخالفة في روايات الترجيح ليس المخالفة على النحو الأوّل، بل المراد منها المخالفة على النحو الثاني، وإلا لم يكن بيانها مناسباً لمقام الترجيح، إذ المفروض أنّه (عليه السلام) كان في مقام بيان المرجح لأحد الخبرين المتعارضين على الآخر لا في مقام تمييز الحجّة عن اللّا حجة.
ومما يؤيّد ذلك : أنّه لو كان المراد من المخالفة في تلك الطائفة هو المخالفة على النحو الأول لم يكن الخبر المشهور المخالف للكتاب أو السنة حجة في نفسه، ومعه كيف يحكم عليه السلام) بتقديمه على الخبر الشاذ الموافق للكتاب أو السنّة كما هو مقتضى إطلاق المقبولة. ومن ذلك يعلم أن هذه الطائفة ليست في مقام تمييز الحجة عن اللاحجة، وإلا لم يكن معنى لتقديم الخبر المشهور المخالف على الشاذ الموافق، بل هي في مقام بيان المرجّح لأحد المتعارضين على الآخر.
وأما ما ذكره من أنّ الخبر الموافق للقوم لا يكون حجة مع وجود الخبر المخالف لهم فهو من الغرائب، ضرورة أن مجرد وجود الخبر المخالف لهم لا يوجب كون الموافق غير حجة، لأنّ الأحكام الموافقة لهم في نفسها كثيرة
جداً، وعليه فيحتمل أن يكون الخبر الموافق لهم هو الحكم الواقعي دون المخالف، وهذا واضح.
وأما الدعوى الثانية : فلأن الترجيح بغيرهما لم يرد في دليل معتبر، وعلى تقدير وروده في دليل معتبر ليس من جملة المرجحات هنا بيان ذلك :
أما الشهرة فلم تذكر فيما عدا المرفوعة (1)والمقبولة (2). أما المرفوعة فهى ضعيفة سنداً، بل غير موجودة في الكتب المعتبرة، ولذا ناقش في سندها صاحب الحدائق (قدس سره) (3)الذي ادّعى القطع بصدور الروايات الموجودة في الكتب الأربعة، وغيرها من الكتب المعتبرة.
وأما المقبولة فهي وإن كان الأصحاب يتلقونها بالقبول، إلا أنها أيضاً ضعيفة سنداً بعمر بن بعمر بن حنظلة حيث لم تثبت وثاقته، ومع الغض عن سندها فالمذكور فيها هو الأخذ بالمجمع عليه، ومن المعلوم أن المراد منه هو الخبر الذي أجمع الأصحاب على روايته عن المعصومين (عليهم السلام) وصدوره منهم. وعلى هذا فالمراد منه هو الخبر القطعي الصدور، فإذن تقديمه على الشاذ ليس من باب الترجيح كما هو ظاهر.
ومن هنا يظهر حال صفات الراوي كالأعدلية والأفقهية والأوثقية ونحوها أيضاً، فانّ الترجيح بها لم يذكر في غير المقبولة والمرفوعة من الأخبار العلاجية. أمّا المرفوعة فقد عرفت حالها. وأما المقبولة فمع الغض عن سندها لم تجعل الترجيح بالصفات من مرجحات الروايتين، وإنما جعلت الترجيح بها من
مرجحات الحكمين حيث قال (عليه السلام): «الحكم ما حكم ب-ه أعدلها وأفقههما وأصدقهما».إلخ.
وأمّا الدعوى الثالثة : فلأنّ موضوع الترجيح في الأخبار العلاجية خصوص الخبرين المتعارضين، فالتعدي منهما إلى غيرهما يحتاج إلى دليل، وحيث لا دليل عليه فلابد من الاقتصار عليهما، فانّ الدليل الخارجي مفقود على الفرض، وروايات الترجيح لا إطلاق فيها ولا عموم، فإذن لا يمكن رفع اليد عن مقتضى الأصل الأوّلي في غيرهما. ويأتي الكلام في جميع ذلك في بحث التعادل والترجيح إن شاء اللّه تعالى بصورة مفصلة. والغرض من التعرّض هنا بهذا المقدار الاشارة إلى أن مسألة التعارض كما تمتاز عن مسألة التزاحم بذاتها كذلك تمتاز عنها بمرجحاتها.
وأمّا الجهة الخامسة : فيقع الكلام فيها في نقطتين :
الأولى : ما هو مقتضى القاعدة في مسألة التزاحم.
الثانية : ما هو مرجحاتها.
أمّا النقطة الأولى : فمقتضى القاعدة فيها التخيير مع قطع النظر عن مرجحات تلك المسألة، والوجه فيه ،واضح، وهو ان المانع عن الاتيان بالمتزاحمين إنما هو عدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً، وأمّا من ناحية أخرى فلا مانع أصلاً، وعليه فبما أنّ المكلف قادر على إتيان أحدهما عند ترك الآخر يتعين عليه بحكم العقل، ضرورة أنّه لم يعتبر في الامتثال ما عدا قدرة المكلف عليه في ظرفه، وحيث إنّه قادر على امتثال أحدهما فلا يكون معذوراً في تركه.
أو فقل : إنّ فعلية كلا التكليفين فى باب المزاحمة مستحيلة، وفعلية أحدهما
بفعلية موضوعه وهو قدرة المكلف على امتثاله ضرورية، فإذن يجب بحكم العقل امتثال هذا التكليف الفعلي، فاذا فرض عدم الترجيح لأحدهما على الآخر يحكم العقل بالتخيير بينهما، وأنّه مخيّر في إعمال قدرته في امتثال هذا وامتثال ذاك.
أمّا النقطة الثانية فقد ذكروا لها مرجّحات
ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)وهو كون أحد الواجبين ممّا لا بدل له والآخر ممّا له بدل، فيقدم الأوّل على الثاني في مقام المزاحمة، وهذا يتحقق في أحد موضعين :
أحدهما ما إذا كان لأحد الواجبين بدل في عرضه دون الآخر، كما إذا كان أحدهما واجباً تخييرياً، والآخر واجباً تعيينياً، ففي مثل ذلك إذا وقعت المزاحمة بين الواجب التعييني وبعض أفراد الواجب التخييري، قدم الواجب التعييني على التخييري، والوجه في ذلك،واضح، وهو أن وجوب الواجب التخييري لا يقتضي لزوم الاتيان بخصوص الفرد المزاحم، وإنم-ا يقتضي لزوم الاتيان بالجامع بينه وبين غيره، والمفروض أن وجوب الواجب التعييني يقتضي الاتيان بخصوص ذلك الفرد المزاحم، ومن المعلوم أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يمكن أن يزاحم ما فيه الاقتضاء، فالنتيجة أنّ في مقام المزاحمة بين التكليفين يقدّم ما ليس له البدل على ما له البدل.
1) أجود التقريرات 2 : 34.
ثانيهما : ما إذا كان لأحد الواجبين بدل في طوله دون الواجب الآخر، وقد مثل لذلك بما إذا وقع التزاحم بين الأمر بالوضوء أو الغسل والأمر بتطهير البدن للصلاة، وحيث إنّ للوضوء أو الغسل بدلاً وهو التيمم فلا يمكن مزاحمة أمره مع أمر تطهير البدن، فيقدّم الأمر بالطهارة الخبثية على الأمر بالطهارة الحدثية، وإن كان الثاني أهم من الأوّل، وذلك لما عرفت من أن ما لا اقتضاء فيه لا يمكن أن يزاحم ما فيه الاقتضاء.
وذكر (قدس سره) فرعاً آخر أيضاً لهذه الكبرى وهو : ما إذا دار الأمر بين إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية وإدراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية، كما إذا صار الوقت ضيقاً بحيث لو توضأ أو اغتسل لم يدرك من الركعات إلّا ركعة واحدةً، وأما إذا تيمم بدلاً عن الوضوء أو الغسل فيدرك تمام الركعات في الوقت، ففي مثل ذلك يقدّم إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية على إدراك ركعة مع الطهارة المائية، لأن للصلاة مع الطهارة المائية بدلاً وهو الصلاة مع الطهارة الترابية، وأمّا الصلاة في الوقت فحيث إنّه لا بدل لها فتقدّم على الصلاة مع الطهارة المائية في مقام المزاحمة، لأنّ ما له البدل لا يصلح أن يزاحم ما لا بدل له.
وقد يشكل في المقام بأنّ لادراك تمام الركعات في الوقت أيضاً بدلاً وه-و إدراك ركعة واحدة فيه بمقتضى الروايات الدالة على أن من أدرك ركعةً واحدةً في الوقت فقد أدرك تمام الصلاة(1)، فاذن يدور الأمر بين واجبين لكل منهما بدل، فلا وجه لتقديم الأمر بالصلاة في الوقت على الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية.
1) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30.
وأجاب (قدس سره) عن هذا الاشكال : بأنّ بدلية إدراك الركعة الواحدة عن تمام الصلاة في الوقت إنما هي في فرض عجز المكلف عن إدراك تمام الصلاة فيه لا مطلقاً، والمفروض أنّ المكلف قادر على إدراك تمامها فيه، وعليه ف--لا موجب لسقوط الأمر باتيان تمام الصلاة في وقتها، فاذا لم يسقط فلا محالة يسقط الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية لعجز المكلف عنها تشريعاً وإن لم يكن عاجزاً تكويناً، وهذا كافٍ في الانتقال إلى بدلها وهو الصلاة مع الطهارة الترابية، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الأمر بالطهارة المائية مشروط بالتمكن من استعمال الماء عقلاً وشر عاً، ولا يكفي التمكن العقلي فحسب.
وملخص ما ذكرناه هو أنه (قدس سره) طبق الكبرى الكلية - وهي أنّ ما لا بدل له يقدّم على ما له بدل في مقام المزاحمة - على فروع ثلاثة :
الأول : أن الواجب التخييري إذا زاحم ببعض أفراده الواجب التعييني فيقدم التعييني عليه وإن كان الواجب التخييري أهم منه، كما إذا كان لشخص عشرة دنانير ودار أمرها بين أن يصرفها في مؤونة من تجب عليه مؤونته وبين أن يصرفها في كفارة شهر رمضان، وحيث إنّ لكفارة شهر رمضان بدلاً وهو صوم شهرين متتابعين أو عتق رقبة مؤمنة، فلا يمكن مزاحمة وجوبها لوجوب المؤونة، فيقدّم صرفها في المؤونة على صرفها في الكفارة، لأنّ وجوب الكفارة لا يقتضي لزوم الاتيان بخصوص فردها المزاحم، وهذا بخلاف وجوب المؤونة، فانّه يقتضي لزوم الاتيان بخصوص ذلك الفرد.
الثاني : ما إذا كان عند المكلف مقدار من الماء لا يكفي للوضوء وتطهير البدن معاً، فعندئذ يدور أمره بين أن يصرفه في الوضوء ويصلي م-ع الب-دن المتنجس، وأن يصرفه في تطهير البدن ويصلي مع التيمم، وبما أنّ للوضوء بدلاً
وهو التيمم فيتعين صرفه في إزالة الخبث عن البدن، لأنّ ما له بدل لا يصلح لأن يزاحم ما لا بدل له.
الثالث : ما إذا دار الأمر بين إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية، وإدراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية، وبما أن للطهارة المائية بدلاً وهو الطهارة الترابية ولا بدل للوقت فيتعيّن تقديم الوقت على الطهارة المائية، فيصلي في الوقت مع الطهارة الترابية.
أقول : الكلام فيما ذكره (قدس سره) يقع في مقامين: الأول: في أصل الكبرى التي ذكرها (قدس سره). الثاني : في الفروع التي ذكرها وأنه-ا ه-ل تكون من صغريات تلك الكبرى أم لا
أما المقام الأوّل : فلا إشكال في أصل ثبوت الكبرى وأنّ ما ليس له بدل يقدّم على ما له بدل فيما إذا دار الأمر بينهما والوجه فيه ما عرفت من أنّ ما لا اقتضاء له لا يمكن أن يزاحم ما فيه الاقتضاء، وكيف كان فالكبرى مسلمة.
وأمّا المقام الثاني : فيقع الكلام فيه في موارد : الأول: في الفرع الأول. الثاني : في الفرع الثاني الثالث : في الفرع الثالث.
أمّا المورد الأوّل : فقد تبيّن ممّا قدمناه أنّ هذا الفرع وما شاكله ليس داخلاً تحت كبرى مسألة التزاحم لتجري عليه، أحكامه، وذلك لما عرفت من أنّ التزاحم بين التكليفين الفعليين لا يعقل إلا من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، فلو كان المكلف قادراً عليه فلا مزاحمة بينهما أبداً، والمفروض فيما نحن فيه قدرة المكلف على امتثال الواجب التعييني والتخييري معاً من دون أية مزاحمة، نعم خصوص الفرد المزاحم للواجب التعييني وإن كان غير مقدور للمكلف إلا أنه ليس بواجب على الفرض، وما
هو واجب - وهو الجامع بينه وبين غيره من الأفراد - مقدور له ولو من جهة القدرة على بعض أفراده.
أو فقل: إنّ ما هو مزاحم للواجب التعييني ليس بواجب، وما هو واجب ليس بمزاحم،له ومن هنا قلنا إنّه لا تزاحم بين الواجب الموسع والمضيق كالصلاة والازالة مثلاً. والأصل في جميع ذلك هو ما ذكرناه من أنّ التزاحم لا ينشأ إلّا من ناحية عدم تمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين معاً، وأما إذا كان متمكناً منه فلا تزاحم ولا تنافي بينهما أبداً.
وعلى هذا الأساس فالفرع المزبور أو ما شاكله ليس من صغريات ب-اب المزاحمة لتنطبق عليه الكبرى المتقدمة، فما أفاده (قدس سره) من تطبيق تلك الكبرى عليه في غير محله، لعدم كونه صغرى لها.
وأما المورد الثاني : فيمكن المناقشة فيه من وجهين:
الأوّل: أنّ التزاحم لا يعقل أن يكون بين وجوب صرف الماء في الوضوء أو الغسل بما هو، ووجوب صرفه في تطهير البدن أو الثوب كذلك، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط جميعاً أوامر إرشادية فترشد إلى جزئيتها وشرطيتها، وليست بأوامر نفسية، ومن الواضح جداً أنّ المزاحمة لا تعقل بين الأوامر الارشادية بما هي، لأنّ مخالفتها لا توجب العقاب، وموافقتها لا توجب الثواب، بل لا تجب موافقتها بما هي لتقع المزاحمة بين موافقة هذا وموافقة ذاك فى مقام الامتثال، وإنما تعقل بين واجبين أو واجب وحرام نفسيين بحيث كان المكلف متمكناً من امتثال كل منهما في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، إلا أنه لم يتمكن من الجمع بينهما في الامتثال.
وعلى هذا فالمزاحمة هنا لو سلّمت فانّما هي في الحقيقة بين الصلاة معالطهارة الحدثية والصلاة مع الطهارة،الخبثية، فالتعبير عن ذلك بوقوع المزاحمة
بين الطهارة الحدثية والطهارة الخبئية لا يخلو عن مسامحة واضحة، ضرورة أنه لا شأن لهما ما عدا كونهما من قيود الصلاة، فلا معنى لوقوع المزاحمة بينهما في نفسهما مع قطع النظر عن وجوب الصلاة.
وعلى الجملة : فالمزاحمة بين أجزاء وشرائط الصلاة مثلاً بعضها ببعض مع قطع النظر عن وجوبها ممّا لا تعقل، ضرورة أنه لا وجوب لها مع قطع النظر عن وجوب الصلاة. وعلى هذا فلا معنى لوقوع المزاحمة بين وجوب صرف الماء في الوضوء أو الغسل مثلاً، ووجوب صرفه في تطهير البدن أو الثوب مع الغض عن وجوب الصلاة، لعدم كونهما في هذا الحال واجبين لتقع المزاحمة بينهما وأمّا مع ملاحظة وجوبها فالتزاحم بين وجوب الصلاة مع الطهارة المائية ووجوب الصلاة مع طهارة البدن أو الثوب، فاذا كان الأمر كذلك فلا وجه لتقديم الثانية على الأولى بدعوى أنّ ما ليس له بدل يقدم على ما له بدل، وذلك لفرض أنّ لكل واحدة منهما بدلاً، فكما أن للصلاة مع الطهارة المائية بدلاً وهو الصلاة مع الظهارة الترابية، فكذلك للصلاة مع طهارة البدن أو الثوب بدل وهو الصلاة مع البدن أو الثوب النجس على المختار وعارياً على المشهور، فاذن لا يكون هذا الفرع أو ما شاكله من صغريات الكبرى المتقدمة، ولا تنطبق تلك الكبرى عليه.
نعم، لو كان التزاحم بين وجوب صرف الماء في الوضوء أو الغسل ووجوب صرفه في تطهير البدن أو الثوب مع قطع النظر عن وجوب الصلاة، لكان من صغريات تلك الكبرى، ولكنك عرفت أن التزاحم بينهما غير معقول. الثاني : أن التزاحم كما ذكرناه في غير موضع إنما يجري بين واجبين نفسيين كالصلاة والازالة مثلاً أو بين واجب وحرام وأمّا بين أجزاء وشرائط واجب واحد فلا يعقل جريان التزاحم فيه.
والوجه في ذلك : هو أنّ جميع تلك الأجزاء والشرائط واجب بوجوب واحد على سبيل الارتباط ثبوتاً وسقوطاً، غاية الأمر أن الأجزاء بنفسها متعلقة لذلك الوجوب، والشرائط باعتبار تقيدها بمعنى أنّ الوجوب تعلق بالأجزاء متقيدة بتلك الشرائط، ومن الواضح جداً أنّ ذلك الوجوب الواحد يسقط بتعذر واحد من تلك الأجزاء أو الشرائط بقانون أنّ الأمر بالمركب يسقط لا محالة بتعذر واحد من أجزائه أو شرائطه، لاستحالة تعلق الوجوب به في ظرف تعذر أحد أجزائه أو قيوده، لأنّه تكليف بالمحال فلا يصدر من الحكيم.
وعلى هذا فمقتضى القاعدة سقوط الوجوب عن المركب كالصلاة وم-ا شاكلها عند تعذر جزء أو شرط منه كما هو مقتضى كون أجزائه ارتباطية. فاذن ثبوت الوجوب للباقي يحتاج إلى دليل، وقد دلّ الدليل في خصوص باب الصلاة على عدم السقوط ووجوب الاتيان بالباقي، فعندئذ بما أنّ فيما نحن فيه قد تعذر أحد قيدي الصلاة - هما الطهارة الحدثية والطهارة الخبثية - فمقتضى القاعدة الأوّلية سقوط وجوبها، فيحتاج وجوب الباقي إلى دليل، والدليل موجود هنا، و وهو ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (1)، بل يكفينا لاثبات عدم سقوطها في المقام الروايات الخاصة الدالة على وجوب الاتيان بها في الثوب أو البدن المتنجس أو عارياً، وما دلّ على لزوم الاتيان بالطهارة الترابية مع تعذر الطهارة المائية. وعليه فيعلم إجمالاً بجعل أحد هذين الشرطين في الواقع دون الآخر.
إذن لا محالة يقع التعارض بين دليليهما، إذ لم يعلم أنّ أيهما مجعول في هذا الحال في مقام الثبوت والواقع، فما دلّ على شرطية الطهارة الحدثية في هذا الحال لا محالة معارض بما دلّ على شرطية الطهارة الخبثية، وعليه فلابد من
1) الوسائل 2 : 373/ أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
الرجوع إلى مرجحات باب التعارض إن لم يكن التعارض بينها بالاطلاق، وإلّا فيسقطان معاً، فلا تصل النوبة إلى الترجيح، فاذن ما معنى وقوع المزاحمة بينهما، بداهة أنّ المزاحمة بين تكليف وتكليف آخر فرع ثبوتها في الواقع ومقام الجعل من دون أيّ تنافٍ في البين لتقع المزاحمة بين امتثال هذا وامتثال ذاك.
وعلى الجملة : فالأمر المتعلق بالصلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط قد سقط لا محالة بتعذر واحد من شرطيها - هما الطهارة الحدثية والطهارة الخبثية - بمقتضى القاعدة الأوّلية، غاية ما في الباب قد دلّ دليل من الخارج على وجوب الباقي من الأجزاء والشرائط، ومن الواضح جداً أنّ هذا الوجوب غير الوجوب الأولي المتعلق بالواجد والتمام، فانّه قد سقط من ناحية تعذر المركب، وم-ن المعلوم أنّ جزئية الأجزاء وشرطية الشرائط قد سقطتا بتبع سقوطه لا محالة، ضرورة استحالة بقاء الأمر الانتزاعي في ظرف سقوط منشئه.
وعليه فالجزئية والشرطية للأجزاء والشرائط الباقيتين لا محالة مجعولتان بجعل ثانوي وبدليل خارجي دال على وجوب الباقي وعدم سقوطه، ويعلم من ذلك طبعاً أنّ المجعول في المقام شرطية أحد الأمرين في الواقع، إم-ا ش-رط-ي-ة الطهارة،الحدثية، وإمّا شرطية الطهارة،الخبثية، فشرطية كلتيهما غير معقولة لفرض عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما فلا يمكن أن يتعلق الأمر بالمركب منهما، فلا محالة يكون المجعول شرطية إحداهما لا محالة، ونتيجة ذلك أن المورد غير داخل في كبرى التزاحم.
وخلاصة ما ذكرناه: هي أنّ الكبرى المتقدمة وإن كانت مسلمة، إلا أنها لا تنطبق على هذا الفرع وما يشبهه، بل قد عرفت أنه غير داخل في كبرى مسألة التزاحم فضلاً عن تلك الكبرى.
وأما المورد الثالث : وهو ما إذا دار الأمر بين إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية وإدراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية، فيرد عليه بعينه ما أوردناه على المورد الثاني من الوجهين.
أما أولاً : فلما عرفت من أنّه كما أنّ للصلاة مع الطهارة المائية بدلاً وهو الصلاةمع الطهارة الترابية، فكذلك لادراك تمام الصلاة في الوقت بدل وهو إدراك ركعة واحدة منها في الوقت فاذن لا تنطبق الكبرى المزبورة عليه.
وأما ثانياً : فلما عرفت من أنّ التزاحم لا يجري بين أجزاء واجب واحد أو شرائطه، فاذا تعذر على المكلف الجمع بين الطهارة المائية والوقت، فمقتضى القاعدة الأوّلية سقوط الأمر بالصلاة، فلو كنّا نحن والحال هذه لم نقل بوجوب الباقي من الأجزاء والشرائط، ولكن الدليل الخارجي قد دلن-ا ع-ل-ى وج-وب الباقي وعدم سقوط الصلاة بحال. ومن ذلك يعلم إجمالاً بجعل جزئية أحدهما في الواقع، وحيث إنّه مردد بين الطهارة المائية والوقت فتقع المعارضة بين دليليها. فالنتيجة أنّ هذا الفرع أيضاً ليس من صغريات الكبرى المتقدمة.
وقد تحصل ممّا ذكرناه : أنّ ما ذكره (قدس سره) من الفروع الثلاثة ليس شيء منها صغرى للكبرى التي ذكرها، وهي تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل ولا تنطبق تلك الكبرى على شيء منها.
نعم، النتيجة في الفرع الأخير بعينها هي النتيجة التي ذكرها (قدس سره) وهي تقديم ما لا بدل له على ما له،بدل ولكن بملاك آخر، لا بالملاك الذي أفاده، بيان ذلك : هو أنّ اللّه تعالى جعل في كتابه العزيز للصلوات الخمس أوقاتاً خاصة بحسب المبدأ والمنتهى بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ
غَسَقِ اللَّيْلِ) (1)وقد ورد في الروايات أنّ وقت صلاتي الظهرين من دلوك الشمس إلى غروبها، ووقت العشاءين من الغروب إلى غسق الليل، ووقت صلاة الصبح من أوّل الفجر إلى طلوع الشمس (2)، فهذه هي أوقات الصلوات الخمس، ولا يرضى الشارع بتاخيرها عنها آناً ما بل هي غير مشروعة فيما عدا تلك الأوقات، إلّا فيما إذا قام دليل خاص على المشروعية كما في القضاء أو نحوه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : أنّه تعالى قد جعل الطهارة من الحدث شرطاً مقوّماً لها بقوله : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (3)فجعل في هذه الآية المباركة الطهارة من الحدث شرطاً للصلاة، وقد ذكرنا أنها من أركان الصلاة وبانتفائها تنتفي، ولذا ورد «أنّ الصلاة على ثلاثة أثلاث ثلث منها الركوع وثلث منها السجود وثلث منها الطهور» (4).
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هى أنّ الطهارة شرط لتلك الصلوات التي عينت لها أوقات معيّنة، وأنّه يجب على المكلف الاتيان بها في تلك الأوقات مع الطهارة المائية إن كان واجداً للماء، ومع الطهارة الترابية إن كان فاقداً لها، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ المراد من وجدان الماء وجوده الخاص، وهو ما إذا تمكن
المكلف من استعماله عقلاً وشرعاً، وذلك بقرينة داخلية وخارجية. أما القرينة الداخلية فهى ذكر المريض في الآية المباركة، فانّ الماء غالباً موجود عنده، ولكنه لا يتمكن من استعماله عقلاً أو شرعاً. وأما القرينة الخارجية فهي عدّة من الروايات الدالة على ذلك. وعلى هذا فان تمكّن المكلف من استعمال الماء عقلاً وشرعاً فهو واجد له ووظيفة الواجد الوضوء أو الغسل، وإن لم يتمكن من استعماله عقلاً أو شرعاً فهو فاقد له، ووظيفة الفاقد التيمم، فالآية المباركة في مقام بيان أنّ المكلف على نوعين : الواجد والفاقد ولا ثالث لهما، وم-ن الواضح أنّ التقسيم قاطع للشركة.
وعليه فاذا ضممنا ما يستفاد من هذه الآية المباركة بضميمة القرائن الداخلية والخارجية إلى ما يستفاد من الآية الأولى بضميمة الروايات الواردة فيها من أنّ لكل صلاة وقتاً خاصاً تجب في ذلك الوقت الخاص لا فيما عداه، فالنتيجة هي أنّ المكلف إذا تمكن في ذلك الوقت من استعمال الماء عقلاً وشرعاً فهو واجد له ووظيفته عندئذ الوضوء أو الغسل، وإن لم يتمكن فيه من استعماله عقلاً أو شرعاً فهو فاقد له، ووظيفته حينئذ التيمم.
ومن هنا قلنا إنّ المراد من عدم الوجدان في الآية المباركة عدم الوجدان بالاضافة إلى الصلاة التي قام المكلف إلى إتيانها لا مطلقاً، فلو لم يتمكن المكلف من إيقاع الصلاة في وقتها مع الطهارة المائية فهو غير واجد بالاضافة إلى الصلاة، وإن كان واجداً بالاضافة إلى غيرها، وعلى هذا بما أنّ فيما نحن فيه لا يتمكن المكلف من إيقاع الصلاة في وقتها مع الطهارة المائية من جهة ضيق الوقت يتعين عليه إيقاعها فيه مع الطهارة الترابية.
وهذه النتيجة نتيجة ضم هذه الآية - أعني بها آية الوضوء - إلى الآية الأولى، مع ملاحظة القرائن والنصوص الواردة في أطرافهما.
وعلى هذا الأساس تبيّن أنه إذا دار الأمر بين إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية وإدراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية، فيقدّم الأوّل على الثاني، والوجه فيه ما عرفت من أنّ المستفاد من الآيتين المباركتين بعد ضم إحداهما إلى الأخرى مع ملاحظة القرائن والروايات الواردة في المقام، هو أنّ الواجب على المكلف إيقاع تمام الصلاة في الوقت مع الطهارة المائية في فرض وجدان الماء، ومع الطهارة الترابية في فرض فقدانه، ولا يجوز تأخيرها ع--ن وقتها أصلاً، فلو أخّرها عنه ولو بمقدار ركعة واحدة لبطلت لا محالة، بل اتيانها عندئذ بقصد الأمر تشريع ومحرّم، ضرورة سقوط الأمر المتعلق بها في الوقت، فيحتاج وجوبها في هذا الحال إلى أمر آخر.
وعلى هذا فاذا فرضنا أنّ الوضوء أو الغسل موجب لتفويت الوقت أو تفويت مقدار منه بحيث لا يقدر على إدراك تمام الصلاة في مقدار آخر منه، فلا يجوز ولا يكون مشروعاً، وعليه فلا محالة تنتقل وظيفته إلى التيمم، لعدم تمكنه وقتئذ من الوضوء أو الغسل شرعاً، وإن تمكن عقلاً. هذا بحسب ما تقتضيه القاعدة الأولية.
وأما بحسب النصوص، فانّ جملةً منها وإن دلّت على أن إدراك ركعة واحدة من الصلاة في الوقت بمنزلة إدراك تمام الركعات (1)إلّا أنّ الظاهر منها بمقتضى الفهم العرفي اختصاص ذلك بمن لم يتمكن من إتيان تمامها في الوقت، واضطر إلى التأخير إلى زمان لا يبق من الوقت إلا بمقدار إدراك ركعة واحدة، فالشارع جعل لمثله إدراك ركعة واحدة بمنزلة إدراك تمام الركعات إرفاقاً وتوسعةً له،
1) الوسائل 4 : 217 / أبواب المواقيت ب 30.
وأما من تمكن من إدراك تمام الركعات في الوقت، ولكنه أخر باختياره وإرادته إلى أن ضاق الوقت بحيث لم يبق منه إلا بمقدار إتيان ركعة واحدة فيه، فلا يكون مشمولاً لتلك الروايات ضرورة أنها لم تكن في مقام بيان الترخيص والتوسعة للمكلفين في تأخير صلواتهم إلى أن لا يسع الوقت إلا بمقدار ركعة واحدة منها.
وعلى الجملة : فلا شبهة في ظهور الروايات في اختصاص هذا الحكم بغير المتمكن من أداء تمام الصلاة في الوقت وأنّ الشارع جعل هذا توسعةً له، وأنّ إدراكه ركعة واحدة في الوقت بمنزلة إدراكه تمام الركعات فيه. بل يمك-ن استظهار ذلك - أعني الاختصاص بالمضطر وبغير المتمكن - من نفس التعبير بكلمة «أدرك» حيث إنّه يظهر من موارد استعمالات هذه الكلمة أنها تستعمل فيما إذا لم يتمكن الانسان منه ابتداءً، ثم بعد الفحص والطلب تمكن منه، كما إذا طلب أحد غريمه ثم وجده فيقال إنّه أدرك غريمه، وأما إذا لم يطلبه ولك-ن-ه صادفه من باب الاتفاق، فلا يقال إنّه أدركه، بل يقال إنه صادف غريمه، أو إذا نظر في مسألة علمية مثلاً وبعد النظر والدقة وصل إلى ما هو المقصود منها فيقال إنّه أدرك المقصود، وأما إذا خطر بباله صدفةً ومن دون تفكر ونظر فلا يقال إنّه أدركه، وهكذا.
وفي المقام قوله (عليه السلام): «من أدرك ركعةً واحدةً من الغداة في الوقت فقد أدرك تمام الركعات» (1)ظاهر في اختصاص الحكم بغير المتمكن، وأما من تمكن من إدراك تمام الركعات في الوقت ولكنّه أخرها باختياره وإرادته إلى زمان لا يسع الوقت إلّا بمقدار ركعة واحدة فلا يصدق عليه أنه أدرك ركعةً
1) الوسائل : 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 2.
واحدةً في الوقت ليكون مشمولاً للرواية، لما عرفت من أن كلمة «أدرك» بحسب موارد استعمالها إنما تستعمل في وجدان شيء بالاجتهاد والطلب، فلا تصدق على وجدانه صدفة ومن باب الاتفاق وكيف ما كان، فلا إشكال في ظهور الروايات فيما ذكرناه، وهي وإن كانت اثنتان منها ضعيفتين (1)
ورواية عمار الساباطي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث: «قال : فإن صلّى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة وقد جازت صلاته، وإن طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة ولا يصلي حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ضعيفة بعلي بن خالد. وسائل الشيعة 4 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 2، 3.
أقول : إن الموثقة وإن وردت في صلاة الغداة خاصة، إلا أنه من الواضح جداً أنه لا خصوصية لها في ذلك أصلاً، وأن الحكم بالادراك يعم جميع الصلوات اليومية والفرائض الخمس بلا خصوصية في البين، وذكر الغداة فحسب في الموثقة إنما كان من باب المثال ولا موضوعية له أبداً، ولعلّه لنكتة الاشارة إلى كثرة الابتلاء بتلك المسألة في الغداة خاصة دون البقية كما هو كذلك، وعليه فلا وجه لتوهم اختصاص الحكم بالغداة وعدم شموله للبقية.
إلا أن واحدة منها موثقة (2)وهي كافية لاثبات المسألة.1) [وهما ] رواية الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أدرك من الغداة ركعةً قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة» ضعيفة بأبي جميلة المفضّل ابن صالح.
2) [وهي] رواية عمار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال : فإن صلى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته». الوسائل 4: 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 1.
وعلى أساس هذا البيان قد ظهر أنّ هذه الروايات أجنبية عن مقامنا تماماً، ولا يدل شيء منها على تقديم إدراك ركعة مع الطهارة المائية على إدراك تمام الركعات مع الطهارة الترابية والوجه فى ذلك ما عرفت الآن من اختصاص موضوع تلك الروايات بخصوص المضطر وغير المتمكن من إدراك تمام الركعات في الوقت، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: قد تقدّم أنّ المستفاد من الآيتين المتقدمتين بضميمة الروايات والنصوص الواردة في المسألة هو أنّ المكلف إن تمكن في الوقت من الطهارة المائية فوظيفته الطهارة المائية، وإن لم يتمكن منها فوظيفته الطهارة الترابية.
فالنتيجة على هدى هذين الجانبين : هي أنّ المكلف إن لم يتمكن من إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة المائية لضيقه وتمكن من إدراك تمامها مع الطهارة الترابية كان المتعين هو الثاني، والروايات المزبورة كما عرفت مختصة بالمضطر وغير المتمكن من إدراك التمام والمفروض في المقام أنّه متمكن من إدراكه غاية الأمر مع الطهارة الترابية دون المائية.
ومن الواضح جداً أنّه لا يفرق في التمكن من الصلاة في الوقت بين أن يكون مع الطهارة المائية وأن يكون مع الطهارة الترابية، وعلى كلا التقديرين فلا يكون مشمولاً لتلك الروايات، لاختصاصها كما مرّ بغير المتمكن مطلقاً ولو م-ع الطهارة الترابية كما هو مقتضى إطلاقها، فإذن لا دوران في المقام لنرجع إلى المرجح، ونقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل.
فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من دوران الأمر بين إدراك ركعة واحدة في الوقت مع الطهارة المائية، وإدراك تمام الركعات فيه مع الطهارة الترابية لا موضوع له أصلاً.
ونتيجة ما ذكرناه لحد الآن : هي أنّ ما ذكره (قدس سره) من الفروع الثلاثة
ليس شيء منها صغرى للكبرى المتقدمة، وهي تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.
ثمّ إنّ من الغريب ما عن بعض المحدثين (1)في المقام من الحكم بسقوط الصلاة في هذا الفرض، بدعوى أنه فاقد للطهورين، أما الطهارة المائية من الوضوء أو الغسل فلا يتمكن منها، لأنها توجب تفويت الصلاة عن الوقت وهو غير جائز، وأما الطهارة الترابية فغير مشروعة، لأنّ مشروعيتها منوطة بفقدان الماء وعدم وجدانه، والمفروض هنا أنّ المكلف واجد للماء، إذن تسقط الصلاة عنه باعتبار أنه فاقد الطهورين.
ووجه غرابته ما ذكرناه في غير مورد من أنّ المراد من الوجدان ليس وجوده الخارجي، بل المراد منه من جهة القرائن الداخلية والخارجية وجوده الخاص، وهو ما تمكن المكلف من استعماله في الوضوء أو الغسل عقلاً وشرعاً، وفي المقام بما أنّه لا يتمكن من استعماله شرعاً، لأجل أنّ-ه ي-وجب تفويت الوقت وهو غير جائز، فلا محالة تنتقل وظيفته إلى التيمم.
وعلى الجملة : فقد تقدّم أنّ المكلف مأمور بالصلاة في أوقاتها بمقتضى الآيات والروايات، وأنّ تلك الصلاة مشروطة بالطهارة المائية في فرض التمكن منها عقلاً وشرعاً، وبالطهارة الترابية في فرض فقدان الماء وعدم التمكن من استعماله عقلاً أو شرعاً، وفيما نحن فيه بما أنّ المكلف لا يتمكن - من جهة المحافظة على الصلاة في وقتها - من الطهارة المائية، فتجب عليه الطهارة الترابية، ضرورة أنّ مشروعية الطهارة الترابية إنّما هي من جهة المحافظة على الوقت، وإلا لتمكن المكلف من استعمال الماء في زمان لا محالة.
1) وهو الشيخ حسين آل عصفور، راجع شرح العروة 10: 154.
وعليه فلا معنى لما ذكر من كونه واجداً للماء فلا يكون مأموراً بالتيمم. هذا تمام الكلام في دوران الأمر بين جزأين أو شرطين أو شرط وجزء لواجب واحد. وأما إذا دار الأمر بين جزء أو شرط وواجب،آخر، كما إذا كان عند المكلف ماء لا يكفي للوضوء ولرفع عطش نفسه أو من هو مشرف على الهلاك معاً، ففي مثل ذلك وإن وقعت المزاحمة بين وجوب صرف هذا الماء في الوضوء أو الغسل ووجوب صرفه في واجب آخر، إلّا أنّ تقديم صرفه في واجب آخ--ر ك-رفع العطش أو نحوه على صرفه في الوضوء أو الغسل ليس من جهة ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل، وبما أنّ الوضوء أو الغسل له بدل وهو التيمم فيقدم عليه الواجب الآخر، بل من ناحية م-ا ذكرناه غير مرّة من أنّ المراد من الوجدان في الآية المباركة المأخوذ في موضوع وجوب الوضوء أو الغسل ليس مطلق وجوده في الخارج، بل المراد منه بمعونة القرائن الخارجية والداخلية وجوده الخاص وهو ما تمكن المكلف من استعماله عقلاً وشرعاً، ولا يكفي التمكن العقلي فحسب.
وعلى هذا فبما أنّ المكلف مأمور بصرف هذا الماء في واجب آخر لم يعتبر فيه شيء ما عدا القدرة عليه تكويناً، فلا محالة يكون عاجزاً عن صرفه في الوضوء أو الغسل، فاذن تنتقل وظيفته إلى التيمم.
فالنتيجة : أنّ وجه تقديم وجوب صرف الماء في واجب آخر على وجوب صرفه في الوضوء أو الغسل ما ذكرناه من أنّ المكلف في هذا الحال غير واجد للماء ووظيفته حينئذ بمقتضى الآية المباركة هي التيمم لا غيره، لا م-ا أف-اده شيخنا الأستاذ (قدس سره).
وقد تلخص ممّا ذكرناه أنّ هذا الفرع أيضاً ليس من صغريات الكبرى المتقدمة.
ما إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين مشروطاً بالقدرة شرعاً والآخر عقلاً، فيقدّم ما كان مشروطاً بالقدرة عقلاً على ما كان مشروطاً بالقدرة شرعاً، وبيان ذلك : أنّ الحكمين المتزاحمين لا يخلوان من أن يكون أحدهما مشروطاً بالقدرة شرعاً دون الآخر، وأن يكون كلاهما مشروطاً بالقدرة شرعاً أو عقلاً، فهذه أقسام ثلاثة :
أما القسم الأول : وهو ما كانت القدرة مأخوذة في أحدهما شرعاً دون الآخر، فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أن الواجب المشروط بالقدرة عقلاً يقدّم على الواجب المشروط بها شرعاً.
وأفاد في وجه ذلك : أنّ ملاك الواجب المشروط بالقدرة عقلاً حيث إنه تام لا قصور فيه أصلاً فلا مانع من إيجابه بالفعل، فاذا كان وجوبه فعلياً فلا محالة يكون موجباً لعجز المكلف عن الاتيان بالواجب الآخر ومانعاً ع-ن ثبوت الملاك له، لتوقفه على القدرة عليه عقلاً وشرعاً على الفرض، وهذا بخلاف الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، فانّ ثبوت الملاك له لا يتوقف على شيء ما عدا القدرة عليه عقلاً، والمفروض أنها موجودة، فاذن ليس لوجوبه بالفعل أية حالة منتظرة أصلاً.
وعلى الجملة : فالواجب المشروط بالقدرة شرعاً يتوقف وجوبه فعلاً على تمامية ملاكه والمفروض أنها تتوقف على عدم فعلية الواجب الآخر، ومع فعلية ذاك الواجب لا ملاك،له لعدم القدرة عليه عندئذ شرعاً، والمفروض أنّ
1) أجود التقريرات 2: 36، 4: 276.
القدرة الشرعية دخيلة في ملاكه، إذن لا وجوب له فعلاً، ليكون مزاحماً مع الواجب المشروط بالقدرة عقلاً.
ومن ذلك يتقدّم الواجب المشروط بالقدرة عقلاً في مقام المزاحمة على الواجب المشروط بالقدرة شرعاً ولو كان أهم منه، لما عرفت من عدم تمامية ملاكه وعدم تحقق موضوعه وهو القدرة شرعاً مع فعلية وجوب ذلك الواجب. ومن الواضح أنه لا يفرق فيه بين أنّه لا يفرق فيه بين أن يكون الواجب المشروط بالقدرة شرعاً أهم منه أو لا، كما أنّه لا فرق بين أن يكون متأخراً عنه زماناً أو مقارناً معه أو متقدماً عليه، فانّ ملاك التقدّم في جميع هذه الصور واحد، وهو أن وجوب الواجب المشروط بالقدرة عقلاً بصرف تحققه ووجوده رافع لموضوع وجوب الواجب الآخر، ومعه لا ملاك له أصلاً، ومن هنا أنكر (قدس سره) جريان الترتب في أمثال هذه الموارد.
أقول : قد حققنا سابقاً (1)أنّه لا مانع من جريان الترتب في أمثال هذه الموارد، وما أفاده (قدس سره) من عدم الجريان فيها لا أصل له أبداً، ولذا قلنا هناك إنه لا فرق في جريانه بين أن تكون القدرة الماخوذة في الواجب
عقلية أو شرعية، كما تقدّم ذلك بشكل واضح، فلا حاجة إلى الاعادة.
وأما ما ذكره (قدس سره) هنا من أنّ الواجب المأخوذ فيه القدرة عقلاً يتقدّم على الواجب المأخوذ فيه القدرة شرعاً في مقام المزاحمة، وإن كان صحيحاً ولا مناص من الالتزام به، إلّا أنّ ما افاده (قدس سره) في وجه ذلك غير تام، وهو أنّ ملاك الواجب المشروط بالقدرة عقلاً تام ولا قصور فيه، فاذن لا مانع من إيجابه فعلاً، وملاك الواجب المشروط بالقدرة شرعاً غير تام، فلا يمكن إيجابه فعلاً.
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 390 وما بعدها.
ووجه عدم تماميته هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام أصلاً مع قطع النظر عن،ثبوتها، وعليه فلا طريق لن-ا إلى استكشاف أنّ الواجب المأخوذ فيه القدرة عقلاً واجد للملاك في مقام المزاحمة، والواجب المأخوذ فيه القدرة شرعاً فاقد له، لينتج من ذلك أنّ وجوب الأوّل فعلي دون الثاني.
أضف إلى هذا أن تقديم أحد المتزاحمين على الآخر بمرجح لا يرتكز بوجهة نظر مذهب دون آخر، بل يعم جميع المذاهب والآراء، ضرورة عدم اختصاص البحث في مسألة التزاحم بوجهة نظر مذهب العدلية من تبعية الأحك-ام للملاكات الواقعية، بل يعمّ البحث عنها وجهة نظر جميع المذاهب حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيتين. وعلى ه-ذا فلا وجه لما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من جعل التقديم مبنياً على وجهة نظر مذهبنا.
أمّا أنّ أصل الحكم بالتقديم في هذه الموارد صحيح فلأجل أنه لا مانع من فعلية وجوب ما هو المشروط بالقدرة عقلاً في مقام المزاحمة مع الواجب المشروط بالقدرة شرعاً، لفرض أنّه غير مشروط بشيء ما عدا القدرة التكوينية عليه وهي موجودة، وهذا بخلاف وجوب ما هو المشروط بالقدرة شرعاً، فانّ المانع من فعلية وجوبه موجود، وهو فعلية وجوب ذاك الواجب، لفرض أنها توجب عجز المكلف الاتيان به في الخارج، وعليه فلا يكون قادراً عليه، ومع عن انتفاء القدرة ينتفي الوجوب لا محالة، لاستحالة بقاء الحكم مع انتفاء موضوعه. هذا هو وجه التقديم في تلك الموارد وترى أنه لا يبتني على وجهة نظر مذهب دون آخر. ولا يفرق فيه بين أن يكون الواجب المشروط بالقدرة شرعاً أهم منه أو لا يكون أهم، كما أنّه لا يفرق بين أن يكون متأخراً ع--نه
زماناً أو مقارناً معه أو متقدماً عليه، فانّ ملاك التقديم في الجميع واحد، وهو أن وجوب الاتيان بالواجب الآخر فعلاً أو وجوب التحفظ عليه في ظرفه كذلك لئلا يفوت مانع عنه وموجب لعجز المكلف عن امتثاله تشريعاً.
وأما القسم الثاني : وهو ما إذا كان كل من الواجبين مشروطاً بالقدرة شرعاً، فلا يخلو من أن يكون أحدهما أسبق من الآخر زماناً أم لا.
المكلف
أمّا الأوّل : فيقدّم فيه ما كان الأسبق من الآخر زماناً في الفعلية وتحقق موضوعه في الخارج، وذلك لأنّ ما كان متقدماً بالزمان على غيره صار فعلياً بفعلية موضوعه خارجاً، وهو القدرة عليه تكويناً وتشريعاً. أما تكويناً فظاهر، وأمّا تشريعاً فلأجل أنّ الرافع للقدرة الشرعية في المقام ليس إلا وجود خطاب إلزامي فعلي في عرضه يقتضي الاتيان بمتعلقه، فانه يوجب عجز عن امتثاله تشريعاً فينتفي بانتفاء،موضوعه، والمفروض عدم وج-ود خطاب كذلك، فاذن لا مانع من فعليته أصلاً، ومثاله ما إذا وقع التزاحم بين القيام في صلاة الصبح مثلاً والقيام في صلاة الظهر، بأن لا يقدر المكلف على الجمع بينهما في الخارج، فلو صلّى صلاة الصبح قائماً فلا يقدر على القيام في صلاة الظهر، وإن ترك القيام في صلاة الصبح فيقدر عليه في صلاة الظهر، ففي مثل ذلك لا إشكال في وجوب تقديم القيام في صلاة الصبح على القيام في صلاة الظهر، ولا يجوز تركه فيها تحفظاً على القدرة عليه في صلاة الظهر.
والوجه فيه واضح، وهو أنّ وجوب صلاة الصبح مع القيام ف-ع-لي ع-ليه بفعلية موضوعه، وهو قدرته على إتيانها قائماً عقلاً وشرعاً، وعدم مانع في البين، لأنّ وجوب صلاة الظهر قائماً في ظرفه ليس بفعلي في هذا الحين ليكون مانعاً منه، فانّه إنما فانّه إنما يصير فعلياً بعد دخول الوقت، ومن الواضح جداً أنّ-ه لا يجوز ترك الواجب الفعلي مقدمةً لحفظ القدرة على إتيان الواجب في ظرفه.
فالنتيجة : أنّه كلّما وقع التزاحم بين واجبين طوليين بأن يكون أحدهما متقدماً على الآخر زماناً، فلا إشكال في تقديم السابق على اللاحق، ولا يفرق فيه بين أن يكون الواجب اللاحق أهم من السابق أم لا، فانّ الملاك في الجميع واحد وهو أنّ الواجب اللاحق حيث إنّه لا يكون فعلياً في هذا الحال فلا يكون مانعاً عن فعلية وجوب السابق، وعليه فلا يجوز ترك صلاة الصبح في وقتها قائماً مقدمة لحفظ القدرة على صلاة الظهر كذلك، وهذا واضح.
ولكن ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أنّ هذا المرجح إنما يكون مرجحاً إذا لم يكن هناك جهة أخرى توجب تقديم أحد الواجبين على الآخر ولو كان متأخراً عنه زماناً، ومثل لذلك بما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر أو ما شابهه، فانّ النذر وإن كان سابقاً بحسب الزمان على أشهر الحج، كمن نذر في شهر رمضان مثلاً المبيت ليلة عرفة عند مشهد الحسين (عليه السلام) وبعد ذلك عرضت له الاستطاعة، فانّه مع ذلك يقدّم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر.
وأفاد في وجه ذلك : أنّ وجوب الوفاء في أمثال هذه الموارد مع اشتراطه بالقدرة شرعاً مشروط بعدم استلزامه تحليل الحرام أيضاً، والوفاء بالنذر هنا حيث إنه يستلزم ترك الواجب في نفسه مع قطع النظر عن تعلق النذر به، فلا تشمله أدلة وجوب الوفاء به، فاذن ينحل النذر بذلك، ويصير وجوب الحج فعلياً رافعاً لموضوع وجوب الوفاء بالنذر وملاكه.
ثم أورد على نفسه بأنّ وجوب الوفاء بالنذر غير مشروط بالقدرة شرعاً، وعليه فلا وجه لتقديم وجوب الحج المشروط بالقدرة شرعاً في لسان الدليل
1) أجود التقريرات 2: 37.
عليه. ولو سلّمنا أنّ وجوب الوفاء أيضاً مشروط بها، إلا أنه لا وجه لتقديم وجوب الحج على وجوبه، لفرض أنّ كل واحد منهما صالح لأن يكون رافعاً لموضوع الآخر في حد نفسه، ولكن النذر من جهة تقدّمه زماناً يكون رافعاً للاستطاعة.
وأجاب عن الاشكال الأوّل، بأنّ وجوب الوفاء تابع لما تعلق به النذر سعةً وضيقاً، ومن المعلوم أنّ النذر تعلق بالفعل المقدور، ضرورة أنّ حقيقته عبارة عن الالتزام بشيء اللّه تعالى، ومن الطبيعي أنّ العاقل الملتفت لا يلتزم بشيء خارج عن اختياره وقدرته، فنفس تعلق الالتزام بفعل يقتضي اعتبار القدرة فيه نظير ما ذكرناه من اقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه، ومن هنا قلنا إن متعلقه خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، وعليه فلا محالة يكون متعلق النذر فيما نحن فيه حصة خاصة، وهي الحصة المقدورة دون الأعم منها ومن غيرها، وهذا عين اعتبار القدرة في متعلق التكليف شرعاً الكاشف عن اختصاص الملاك بخصوص الحصة المقدورة، لا الجامع بينها وبين غير المقدورة.
وأجاب عن الاشكال الثاني، وهو دعوى كون النذر رافعاً للاستطاعة بوجهين :
الأوّل : أنّ صحة النذر وما شاكله مشروطة بكون متعلقه راجحاً في نفسه في ظرف العمل، وإلا فلا ينعقد، وبما أنّ في المقام متعلقه ليس براجح في ظرف العمل فلا ينعقد ليزاحم وجوب الحج.
الثاني: أنا لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا عدم اعتبار رجحان متعلق النذر في ظرف العمل في صحته وانعقاده وشمول أدلة صحته وانعقاده وشمول أدلة وجوب الوفاء له، وقلنا بكفاية رجحان متعلقه حين النذر وإن لم يكن راجحاً حين العمل، فمع ذلك لا يمكن الحكم بصحته في المقام، لاشتراط صحته بعدم كون متعلقه مخالفاً للكتاب أو
السنّة، وموجباً لترك الواجب أو فعل الحرام، وبما أنّ متعلقه في مفروض الكلام يوجب في نفسه ترك الواجب باعتبار استلزامه ترك الحج، فلا يمكن الحكم بصحته ووجوب الوفاء به، وعليه فيقدّم وجوب الحج على وجوب الوف-اء بالنذر أو ما شاكله.
وعلى الجملة : فلا مانع من فعلية وجوب الحج على الفرض غير وجوب الوفاء بالنذر، وحيث إنّه مشروط بعدم كون متعلقه في نفسه محللاً للحرام، فلا يكون فعلياً في مفروض المقام ليكون مانعاً عن فعلية وجوب الحج ومزاحماً له. وعلى هذا فلا محالة يكون وجوب الحج فعلياً ورافعاً لموضوع وج-وب الوفاء بالنذر وملاكه، وأما وجوب الوفاء به فلا يعقل أن يكون رافعاً لملاك الحج، ضرورة أنّ فعليته تتوقف على عدم التكليف بالحج، لئلا يلزم منه تحليل الحرام، فلو كان عدم التكليف بالحج من ناحية فعلية وجوب النذر لزم الدور. وهذا الذي ذكرناه يجري في كل ما كان وجوبه مشروطاً بعدم كونه محللاً للحرام، كموارد الشرط والحلف واليمين وما شابهها، فعند مزاحمته مع ما هو غير مشروط به يقدّم غير المشروط به ولو فرض أنّه أيضاً مشروط بالقدرة شرعاً.
ثم قال (قدس سره) وأما ما عن السيّد (قدس سره) في العروة(1)من أنّ المعتبر هو أن يكون متعلق النذر راجحاً في ظرف العمل ولو بلحاظ تعلق النذر به، وبذلك صحح جواز نذر الصوم في السفر والاحرام قبل الميقات فيظهر فساده ممّا قدمناه من أنّ المعتبر في صحة النذر وانعقاده هو كون متعلقه راجحاً وغير موجب لتحليل الحرام في نفسه مع قطع النظر عن تعلق النذر به، وإلا لأمكن تحليل جميع المحرّمات بالنذر وهذا ضروري البطلان.
1) العروة الوثق 1 : 381 المسألة [1207]، 2: 348 [3219].
نلخص نتيجة ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط :
الأولى : تسليم أنّ التزاحم بين وجوب الوفاء بالنذر ووجوب فريضة الحج إنما هو من صغريات التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، وليس من صغريات الكبرى المتقدمة، وهى المزاحمة بين واجبين يكون أحدهما مشروطاً بالقدرة عقلاً والآخر مشروطاً بها شرعاً.
الثانية : تسليم أنّه داخل في كبرى تزاحم واجبين يكون أحدهما أسبق زماناً من الآخر.
الثالثة : أنّ الأسبق زماناً إنما يكون مرجّحاً ومقدماً على الآخر فيما إذا لم تكن هناك جهة أخرى تقتضي تقديم الآخر عليه، كما هو الحال فيما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر، فانّ النذر وإن كان متقدّماً على الحج زماناً، كما إذا كان قبل أشهر الحج، إلا أنّ الوفاء به بما أنه يستلزم ترك الواجب فلا ينعقد ليزاحم وجوب الحج.
الرابعة : أنّ وجوب الوفاء بالنذر أو ما يشبهه مشروط بكون متعلقه راجحاً في ظرف العمل، وبما أنّ متعلق النذر في مفروض المقام ليس براجح في ظرف العمل، لاستلزامه تحليل الحرام وهو ترك الحج، فلايكون مشمولاً لأدلة وجوب الوفاء. ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا كفاية الرجحان حين النذر وإن لم يك-ن راجحاً حين العمل، فمع ذلك لا يمكن الحكم بصحته، لفرض اشتراط انعقاده بأن لا يكون متعلقه في نفسه محللاً للحرام، وبما أنّه في المقام موجب له فلا ينعقد.
الخامسة : أن اشتراط وجوب الوفاء بالنذر بالقدرة شرعاً إنما هو باقتضاء نفس الالتزام النذري، فانّه يقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة، نظير ما ذكرناه من اقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه، وهذا عين
اعتبار القدرة في متعلق التكليف شرعاً.
السادسة : أنّ لازم ما ذكره السيّد (قدس سره) في العروة هو جواز تحليل المحرمات بالنذر، وهذا باطل قطعاً.
ولنأخذ بالمناقشة في عدة من هذه النقاط :
أمّا النقطة الأولى : فيرد عليها أنّ المقام غير داخل في كبرى تزاحم واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، والوجه فيه هو أنّ ذلك يبتني على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من تفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً، كما هو المناسب لمعناها لغةً، فعندئذ لا محالة يكون المقام داخلاً في تلك الكبرى، وأما بناءً على ما هو الصحيح من تفسيرها بأن يكون عنده الزاد والراحلة مع أمن الطريق كما في الروايات (1) فلا يكون داخلاً
(1) منها رواية هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله عزّ وجل: (وللّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه ومخلي سربه له زاد وراحلة»(1)صحيحة.
ومنها : رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في ضمن كتابه إلى المأمون «قال: وحج البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلاً. والسبيل: الزاد والراحلة مع صحة البدن»(2)صحيحة.
ومنها : رواية محمّد بن مسلم قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قوله تعالى: (ولله على النّاس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) قال : يكون له ما يحج به»(3)صحيحة.
ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن قوله اللّه (عز وجل): (وللّه على النّاس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) ما السبيل ؟ قال : أن يكون له ما يحج به» (1)صحيحة. وغيرها من الروايات الواردة في الباب.
أقول : لا يخفى أن صحة البدن المذكورة في الصحيحة الأولى والثانية ليست شرطاً لأصل وجوب فريضة الحج، ضرورة أنّ تلك الفريضة واجبة على من كان عنده زاد وراحلة مع أمن الطريق مطلقاً، أي سواء أكان صحيحاً في بدنه أم لم يكن، ولذا تجب عليه الاستنابة عنها إذا منعه عن أدائها مرض أو نحوه، وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة :
منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث «قال: وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه فانّ عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له» (2)وغيرها من الروايات والنصوص.
نعم، لو كنا نحن وهاتين الصحيحتين ولم تكن هناك روايات أخر تدل على عدم سقوط وجوب الحج عن المكلف بتعذره عليه بمرض أو نحوه لقلنا بكونها شرطاً له على الاطلاق لتكون نتيجته سقوطه بتعذره، ولكن عرفت أنّ الأمر ليس كذلك، وأنه لا يسقط بسقوطه وتعذره.
وبتعبير آخر: أن صحة البدن شرط لوجوب أداء فريضة الحج على المكلف مباشرةً، لا مطلقاً. بمعنى أنه لو كان صحيحاً في بدنه وجب عليه إتيانها بالمباشرة، فلا تشرع في حقه الاستنابة والصحيحتان المذكورتان ناظرتان إلى شرطيتها من هذه الجهة،
وأما إذا لم يكن صحيحاً في بدنه فتجب عليه الاستنابة، لدلالة جملة من الروايات على ذلك كما عرفت.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أن صحة البدن ليست شرطاً لوجوب الحج على الاطلاق لتكون نتيجته سقوط وجوبه بفقدانها، وإنما هي شرط له على نحو المباشرة. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنّ الاستطاعة في الصحيحتين الأخيرتين وإن فسرت بقوله (عليه السلام): «يكون له ما يحج به إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا التفسير ليس تفسيراً مغايراً لتفسيرها في الصحيحتين الأوليين، بل هو عبارة أخرى عن تفسيرها بوجدان الزاد والراحلة مع أمن الطريق، والوجه فيه واضح وهو أن قوله (عليه السلام): يكون له ما يحج به» ظاهر في أن يكون للمكلف ما يتمكن بسببه من أداء فريضة الحج فعلاً، ومن الواضح جداً أنه لا يتحقق إلا بملكه الزاد والراحلة مع أمن الطريق، إذ مع تحقق هذه الأمور ووجدانها يتمكن من أداء تلك الفريضة فعلاً وإلا فلا.
ثم إنه لا يخفى أنه يعتبر في وجوب فريضة الحج أمر آخر أيضاً زائداً على الأمور المزبورة، وهو وجود مؤونة العيال وكفايتهم حتى يرجع إليهم بمقتضى قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن محبوب «فما السبيل ؟ قال فقال (عليه السلام): السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضاً لقوت عياله، أليس قد فرض اللّه الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم (1)وهو يدل على اعتبار وجود مؤونة العيال إلى زمان الرجوع إليهم في وجوب الحج، وأنّه لا يكفي في وجوبه وجود ما يفي بحجه فحسب. وعليه فلا محالة تكون هذه الصحيحة مقيدة لاطلاقات الروايات المتقدمة بصورة ما إذا كان المال
1) الوسائل 11: 37 و 38/ أبواب وجوب الحج ب 9 ح 1، 2.
فيها، ضرورة أنّ وجوب الحج على هذا ليس مشروطاً بالقدرة شرعاً، بل هو مشروط بوجدان الزاد والراحلة وأمن الطريق، فعند وج-ود ه-ذه الأمور واجتماعها يجب الحج، كان هناك واجب آخر في عرضه أم لم يكن.
وعلى هذا الأساس فلا يكون وجوب الوفاء بالنذر أو ما يشبهه مانعاً عن وجوب الحج ورافعاً لموضوعه، فانّ موضوعه - وهو وجدان الزاد والراحلة مع أمن الطريق - موجود بالوجدان، بل الأمر بالعكس، فان وجوب الحج على هذا مانع عن وجوب الوفاء بالنذر ورافع لموضوعه، حيث إنّ وجوب
واسعاً بحيث يفي لحجه ولقوت عياله إلى زمان الرجوع م-ع-اً، ولا يكفي مج-رد وفائه للأول دون الثاني.
نعم، لو كنا نحن وإطلاقات تلك الروايات مع الغض عن هذه الصحيحة لكان وجوب الحج على من كان عنده مال يفى بحجه فحسب وإن لم تكن عنده كفاية عياله إلى يوم الرجوع، إلّا أنّ تلك الصحيحة تدل على اعتبار وجود الكفاية مقتضاها فيه.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أمران :
الأوّل : أنّ وجود مقدار قوت العيال إلى وقت الرجوع شرط لوجوب فريضة الحج.
الثاني : أنه لا وجه لتفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً كما هو المشهور، لما عرفت من أنّ الروايات مطبقة على خلاف هذا التفسير، وأنه تفسير خاطئ بالنظر إلى الروايات والنصوص الواردة في هذا الباب.
ونتيجة ما قدمناه لحد الآن : هى أنّ الشرط لوجوب الحج على ما يستفاد من جميع روايات الباب هو وجدان الزاد الكافي لحجه ولقوت عياله إلى زمان الرجوع والراحلة مع أمن الطريق.
الوفاء به منوط بكون متعلقه مقدوراً للمكلف عقلاً وشرعاً، ومن الواضح أنّ وجوب الحج عليه معجز مولوي عن الوفاء به فلايكون معه قادراً عليه، فإذن ينتفي وجوب الوفاء به بانتفاء موضوعه.
ونتيجة ذلك هي : أن التزاحم بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر ليس داخلاً في الكبرى المزبورة - التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً - بل هو داخل في الكبرى الأولى وهي التزاحم بين واجبين يكون أحدهما مشروطاً بالقدرة شرعاً والآخر مشروطاً بالقدرة عقلاً، وذلك لما عرفت الآن من أنّ وجوب الحج مشروط بالقدرة عقلاً فحسب، ولا يعتبر في وجوبه ما عدا تحقق الأمور المزبورة، ووجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة عقلاً وشرعاً.
وقد تقدّم أنه في مقام وقوع المزاحمة بينهما يتقدّم ما كانت القدرة المأخوذة فيه عقلية على ما كانت القدرة المأخوذة فيه شرعية، فانّ الأوّل يوجب عجز المكلف عن امتثال الثاني، فيكون منتفياً بانتفاء موضوعه، ولا يوجب الثاني عجزه عن امتثال الأوّل، لأنّ المانع من فعليته إنما هو عجزه التكويني، والمفروض أنه لا يوجب ذلك.
فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ التزاحم بينهما من صغرى التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، لا يمكن المساعدة عليه.
وأمّا النقطة الثانية : فيرد عليها أن مسألة مزاحمة وجوب الحج مع وجوب الوفاء بالنذر أو ما شابهه خارجة عن كبرى مسألة التزاحم بين واجبين يكون أحدهما متقدّماً زماناً على الآخر، وليس خروجها عن تلك الكبرى خروجاً حكمياً كما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) بل خروجها عنها خروج موضوعي بمعنى أنها حقيقة ليست من صغريات تلك الكبرى، وهي لا تنطبق عليها أبداً.
والوجه في ذلك هو أنّ النذر وإن فرض تقدّمه على حصول الاستطاعة زماناً، إلّا أنّ العبرة إنّما هى بتقدّم زمان أحد الواجبين على زمان الآخر كتقدّم زمان صلاة الفجر على زمان صلاتي الظهرين مثلاً وهكذا، ولا عبرة بتقدّم زمان أحد الوجوبين على زمان الآخر.
وعلى الجملة : أنا لو تنزّلنا عما ذكرناه وسلّمنا أن وجوب الحج مشروط بالقدرة شرعاً بناءً على تفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً كما هو المشهور، فمع ذلك ليست المزاحمة بينه وبين وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه داخلة في الكبرى المتقدمة، لما عرفت من عدم تقدّم زمان الوفاء بالنذر على زمان الحج وإن فرض تقدّم سبب وجوبه على سبب وج-وب الآخر، فانّه لا عبرة به والعبرة إنّما هى بتقدّم أحد الواجبين على الآخر زماناً، والمفروض أنهما في عرض واحد فلا تقدّم لأحدهما على الآخر أصلاً.
وعليه فلا يبقى مجال لتوهّم تقدّم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج بملاك تقدّم الواجب السابق على الواجب اللاحق فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ المقام داخل في الكبرى المزبورة فيها إذا فرض تقدّم النذر بحسب الزمان على أشهر الحج لا يرجع إلى أصل صحيح، لما عرفت من أنه غير داخل في تلك الكبرى حتى على هذا الفرض والتقدير، من جهة أنّ العبرة إنما هي بتقدّم زمان أحد الواجبين على زمان الآخر، ولا عبرة بتقدّم أحدهما على سبب الآخر أصلاً، كما مرّ.
ولا يفرق في ذلك بين القول باستحالة الواجب المعلق كما هو مختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)والقول بامكانه وصحته، كما هو المختار عندنا (2)، فانّه
على كلا القولين لا تقدّم لأحد الواجبين على الآخر بحسب الزمان، غاية ما في الباب على القول بالاستحالة فكما لا وجوب فعلاً للوفاء بالنذر قبل تحقق ليلة عرفة، فكذلك لا وجوب فعلاً للحج قبل تحقق وقته ومجيئه، فإذن عدم تقدّم أحدهما على الآخر زماناً واضح، وعلى القول بالامكان فكما أن وجوب الوفاء بالنذر فعلي قبل مجيء وقت الواجب، فكذلك وجوب الحج فعلي قبل وقته، فالوجوبان عرضيان وكل منهما قابل لرفع موضوع الآخر. ودعوى أن وجوب الوفاء بالنذر على هذا سابق على وجوب الحج باعتبار أن سببه مقدّم على سببه، مدفوعة بأنّه لا أثر لمجرد حدوث وجوبه قبل حصول الاستطاعة بعد أنه مزاحم بوجوب الحج بقاءً، بل قد عرفت فرض أنه لا مزاحمة بين الواجبين إلا في زمانهما وهو زمان الامتثال والعمل لا في زمان وجوبها كما هو ظاهر.
وبعد ذلك نقول : إنّه لا بدّ من تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه في مقام المزاحمة، وذلك لوجهين:
الأول : أن وجوب النذر أو ما شابهه لو كان مانعاً عن وج-وب الح--ج ورافعاً لموضوعه لأمكن لكل مكلف رفع وجوبه عن نفسه بايجاب شيء ما عليه بنذر أو نحوه في ليلة عرفة المنافي للاتيان بالحج، كمن نذر أن يصلي ركعتين من النافلة مثلاً في ليلة عرفة في المسجد الفلاني، كمسجد الكوفة أو نحوه، أو نذر أن يقرأ سورة مثلاً في ليلة عرفة فيه أو في مكان آخ--ر م-ثلاً وهكذا، ومن الواضح جداً أن بطلان هذا من الضروريات فلا يحتاج إلى بيان وإقامة برهان، كيف فانّ لازم ذلك هو أن لا يجب الحج على أحد من المسلمين، إذ لكل منهم أن يمنع وجوبه ويرفع موضوعه بنذر أو شبهه يكون منافياً ومضاداً له، وهذا ممّا قامت ضرورة الدين على خلافه، كما هو ظاهر.
الثاني: أنه قد ثبت في محلّه أنّ صحة النذر وما شاكله مشروطة بك--ون متعلقه،راجحاً، فلو نذر ترك واجب أو فعل حرام لم يصح، بل لو نذر ترك مستحب أو فعل مكروه كان كذلك، فضلاً عن أن ينذر ترك واجب أو فعل محرّم. ومن هنا لو نذرت هنا لو نذرت المرأة أن تصوم غداً ثم رأت الدم فلا ينعقد نذرها ولا يجب عليها الصوم في الغد بمقتضى وجوب الوفاء بالنذر، لعدم رجحانه في هذه الحالة.
وعلى الجملة : فلاشبهة في اعتبار رجحان متعلقه في نفسه في انعقاده، كزيارة الحسين (عليه السلام والصلاة في المسجد مثلاً وما شاكلها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: يعتبر في صحته وانعقاده أيضاً أن لا يكون محللاً للحرام بمعنى أن الوفاء به لا يستلزم ترك واجب أو فعل محرم. والحاصل أنه لا إشكال في فساد النذر أو الشرط المخالف للكتاب أو السنّة وما يكون محللاً للحرام، وقد دلت على ذلك عدة من الروايات (1)ويترتب على هذا أن النذر في مفروض المقام بما أنّ متعلقه في نفسه محلل للحرام، لاستلزامه ترك الواجب وهو الحج فلا ينعقد، لما قد عرفت من اشتراط صحته بعدم كون متعلقه كذلك، وعليه فلا مناص من تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر.
أو فقل : إنّه لا مانع من فعلية وجوب الحج هنا على الفرض ما عدا وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه، وحيث إنّه مشروط بعدم كون متعلقه في نفسه مستلزماً لترك واجب أو فعل حرام، فلا محالة لا يكون فعلياً في هذا الفرض - أي فرض مزاحمته مع وجوب الحج - ليكون مانعاً عن فعلية وجوبه، لاستلزام الوفاء به ترك الواجب وهو الحج، وعليه فلا محالة يكون وجوب الحج فعلياً ورافع-اً لموضوع وجوب الوفاء بالنذر، كما هو واضح.
1) الوسائل 23: 317 / كتاب النذر ب 17.
وعلى هذا الأساس نستنتج من ذلك كبرى كلّية وهي أن كل واجب لم يكن وجوبه مشروطاً بعدم كون متعلقه في نفسه محللاً للحرام يتقدّم في مقام المزاحمة على واجب كان وجوبه مشروطاً بذلك، كالواجبات الإلهية التي ليست بمجعولة في الشريعة المقدّسة ابتداءً، بل هي مجعولة بعناوين ثانوية كالنذر والعهد والحلف والشرط في ضمن عقد وما شاكل ذلك، فانّ وجوب الوفاء بتلك الواجبات جميعاً مشروط بعدم كونها مخالفة للكتاب أو السنّة ومحللة للحرام، فتؤخذ هذه القيود العدمية في موضوع وجوب الوفاء بها.
وعلى ذلك يترتب أنّ تلك الواجبات لا تصلح أن تزاحم الواجبات التي هي مجعولة في الشريعة المقدّسة ابتداءً كالصلاة والصوم والحج وما شابه ذلك، لعدم أخذ تلك القيود العدمية في موضوع وجوبها، وعليه ففي مقام المزاحمة لا موضوع لتلك الواجبات فينتفي وجوب الوفاء بها بانتفاء موضوعه.
فالنتيجة : أنّ عدم مزاحمة تلك الواجبات معها لقصور أدلتها عن شمولها في هذه الموارد - أعني بها موارد مخالفة الكتاب أو السنة وتحليل الحرام في نفسها - لانتفاء موضوعها، لا لوجود مانع في البين، ومن هنا قلنا إنّ أدلة وجوب الوفاء بها ناظرة إلى الأحكام الأوّلية، ودالة على نفوذ تلك الواجبات ووجوب الوفاء بها فيما إذا لم تكن مخالفة لشيء من تلك الأحكام. وأما في صورة المخالفة فتسقط بسقوط موضوعها كما عرفت، وتمام الكلام في ذلك في محله.
وأما النقطة الثالثة : وهي أنّ الأسبق زماناً إنما يكون مرجحاً فيما إذا لم تكن هناك جهة أخرى تقتضي تقديم الآخر عليه، فهي في غاية الوضوح، لأنّ كل مرجح وإن كان يستدعي تقديم صاحبه على غيره، إلا أن استدعاءه ليس على نحو العلة التامة، بل هو على نحو الاقتضاء، فلو كان هناك مانع من تقديمه
أو كانت هناك جهة أخرى تقتضي تقديم غيره عليه فلا أثر له.
وعلى الجملة فلاشبهة في أنّ أسبقية أحد الواجبين زماناً على الواجب الآخر من المرجحات في مقام المزاحمة ولكن من المعلوم أنها إنما تقتضي التقديم فيما إذا لم يكن هناك مانع عن اقتضائها ذلك، أو لم تكن هناك جهة أخرى أقوى منها تقتضي تقديم الواجب اللاحق على السابق، وهذا ظاهر.
وأما النقطة الرابعة : وهي أنّ صحة النذر مشروطة بكون متعلقه راجحاً في ظرف العمل ولا يكون محللاً للحرام، فهي تامة بالاضافة إلى ناحية، وغير تامة بالاضافة إلى ناحية أخرى.
أما بالاضافة إلى ناحية أنّ الوفاء بالنذر في ظرفه مستلزم لترك الواجب وهو الحج فهي تامة، لما عرفت من أنّ صحة النذر وأشباهه مشروطة بعدم كون الوفاء به محللاً للحرام، وحيث إنّه في مفروض الكلام موجب لذلك فلا يكون منعقداً.
وأما بالاضافة إلى ناحية أنّ متعلقه ليس براجح في نفسه في ظرف العمل لاستلزامه ترك الواجب فهي غير تامة ضرورة أنّ المعتبر في صحته ه-و رجحان متعلقه في نفسه والمفروض أنه كذلك في المقام، ومجرد كونه مضاداً لواجب فعلي لا يوجب مرجوحيته، إلا بناءً على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، وقد تقدّم فساد هذا القول بشكل واضح (1)، وقلنا هناك إنّ الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه بوجه. على أنه نهي غيري لا ينافي الرجحان الذاتي كما هو واضح.
وأمّا النقطة الخامسة : وهي أنّ نفس الالتزام النذري يقتضي كون متعلقه
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 335.
حصة خاصة وهي الحصة المقدورة نظير اقتضاء نفس التكاليف ذلك، فقد ظهر فسادها ممّا تقدّم وملخصه : أنّ ذلك لا يتم حتى على مسلك المشهور من أنّ حقيقة التكليف عبارة عن البعث أو الزجر إلى الفعل أو عنه، فضلاً عما حققناه من أنّ حقيقته عبارة عن اعتبار فعل على ذمة المكلف، أو اعتبار تحريمه وبعد المكلف عنه، وإبرازه في الخارج بمبرز، ولا نعقل لغير ذلك معنى محصلاً للتكليف.
ومن الطبيعي أنّ اعتبار شيء على الذمة لا يقتضي اشتراطه بالقدرة لا عقلاً ولا شرعاً، ومن هنا قلنا إنّ القدرة لم تؤخذ في متعلق التكليف لا من ناحية العقل ولا من ناحية الشرع، فالقدرة إنما هي معتبرة في مقام الامتثال فحسب، ولا يحكم العقل باعتبارها بأزيد من ذلك، وقد سبق الكلام في ذلك بصورة مفصلة فلا حاجة إلى الاعادة.
ومن ذلك يظهر الكلام فيما نحن فيه، وذلك لأنّ حقيقة النذر أو ما شابهه بالتحليل ليست إلا عبارة عن اعتبار الناذر الفعل على ذمته اللّه تعالى، وقد عرفت أن اعتبار شيء على الذمة لا يقتضي اعتبار القدرة في متعلقه لا عقلاً ولا شرعاً، ضرورة أنّه لا مانع من اعتبار الجامع بين المقدور وغيره ع-ل-ى الذمة أصلاً، فاذن لا يقتضي تعلق النذر بشيء اعتبار القدرة فيه عقلاً وشرعاً، فما أفاده (قدس سره) من اشتراط وجوب الوفاء بالنذر بالقدرة شرعاً من هذه الناحية غير تام.
على أنّ ما أفاده (قدس سره) هنا من اختصاص الملاك بخصوص الفعل المقدور مناقض لما أفاده سابقاً (1).
وملخص ما أفاده هناك : هو أنّ القدرة مرّة مأخوذة في متعلق الطلب لفظاً
1) أجود التقريرات 2: 26.
كما في آيتي الحج والوضوء وما شاكلها، فالتقييد في مثل ذلك لا محالة يكشف عن دخل القدرة في الملاك،واقعاً ضرورة أنها لو لم تكن دخيلة فيه في مقام الثبوت والواقع لم يكن معنى لأخذها في متعلقه في مقام الاثبات والدلالة، وعلى ذلك يترتب أنه بانتفاء القدرة ينتفي الملاك، لاختصاصه بخصوص الحصة المقدورة دون الأعم، وعليه فلا يمكن تصحيح الوضوء بالملاك في موارد الأمر بالتيمم. ومرّة أخرى لم تؤخذ في متعلقه في مرتبة سابقة على الطلب، بل كان اعتبارها فيه من ناحية تعلق الطلب،به سواء أكان باقتضاء نفس الطلب ذلك أو من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فالتقييد في مثل ذلك بما أنّه كان في مرتبة لاحقة وهي مرتبة عروض الطلب، فيستحيل أن يكون تقييداً في مرتبة سابقة على تلك المرتبة وهي مرتبة معروضه.
أو فقل : إنّ الطبيعة التي يتعلق بها الطلب وإن كانت مقيدة بالقدرة عليها حال تعلقه بها، إلّا أنّها مطلقة في مرتبة سابقة عليه، ومن الواضح أن إطلاقها في تلك المرتبة يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك، وأنها باطلاقها واجدة للملاك التام، وإلا لكان على المولى تقييدها في تلك المرتبة. إذن فمن الاطلاق في مقام الاثبات يستكشف الاطلاق في مقام الثبوت.
أقول : هذا البيان بعينه يجري فيما نحن فيه، فانّ متعلق النذر في مرتبة سابقة على عروض النذر عليه، ووجوب الوفاء به،مطلق، والتقييد إنما هو في مرتبة لاحقة، وهي مرتبة عروض النذر عليه ووجوب الوفاء به، وقد عرفت أنّ مثل هذا التقييد لا يكشف عن دخل القدرة في المتعلق ضرورة أنّه لا لا يصلح أن يكون بياناً ومقيداً للاطلاق في مرتبة سابقة عليه، إذن ذات الفعل الذي هو معروض الالتزام النذري واجد للملاك على إطلاقه، والمفروض عدم الدليل على تقييده في تلك المرتبة بخصوص الحصة الخاصة وهي الحصة المقدورة.
وعلى الجملة : فما أفاده (قدس سره) هنا من أنّ اعتبار القدرة في متعلق النذر باقتضاء نفس الالتزام به يلازم اعتبار القدرة في متعلق الوجوب شرعاً الكاشف عن اختصاص الملاك بالفعل المقدور، لا يلائم ما ذكره هناك من التفرقة بين اعتبار القدرة في متعلق التكليف شرعاً واعتبارها ف-ي-ه ب-اقتضاء نفس التكليف أو من جهة حكم العقل به من باب قبح تكليف العاجز كما عرفت.
فالصحيح في المقام أن يقال : إنّ الدليل على اشتراط وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه بالقدرة شرعاً هو ما دلّ على تقييده بعدم كونه مخالفاً للكتاب أو السنّة مرّة، وبعدم كونه محللاً للحرام مرّة أخرى.
ونتيجة ذلك أنها لا تنعقد إذا كان الوفاء بها مستلزماً لترك واجب أو فعل محرّم، لانطباق عنوان محلل الحرام عليه، ومن الواضح أنّ هذا عين اعتبار القدرة في متعلقه شرعاً، وقد تبيّن لحد الآن أنّ الصحيح في وجه اشتراط وجوب الوفاء بالقدرة شرعاً هو ما ذكرناه لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) كما مرّ.
وأما النقطة السادسة : وهي أنّ الاكتفاء في صحة النذر برجحان متعلقه في مقام العمل ولو باعتبار تعلق النذر به يستلزم جواز تحليل المحرمات بالنذر، فيردّها أنّ ما ذكره السيّد (قدس سره) في العروة لا يستلزم ما أفاده، والوجه فيه هو أنه لا إشكال في اعتبار رجحان متعلق النذر في صحته، وأنه لا بد أن يكون راجحاً ولو من جهة تعلق النذر به، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنه لا يمكن أن يقتضي وجوب الوف-اء ب-النذر رجحان متعلقه، ضرورة استحالة اقتضاء الحكم لوجود شرطه وتحقق موضوعه الخارج.
فالنتيجة على ذلك : هي أنّ رجحان متعلق النذر مرة يكون باقتضاء ذاته مع قطع النظر عن عروض أيّ عنوان عليه ومرّة أخرى يكون بعروض عنوان خارجي طارئ عليه، ولا يكون ذلك إلا باقتضاء دليل خارجي ولا ثالث لهما، بمعنى أنّ الشيء إذا لم يكن في نفسه راجحاً، فصحة تعلق النذر به تحتاج إلى دليل من الخارج يدل على صحة النذر الكاشفة عن طروء الرجحان عليه، فان دل دليل على صحته كما هو الحال في الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر، حيث قد قام الدليل من الخارج على صحة نذرهما، مع أنهما ليسا براجحين في نفسهما، فنلتزم بها، وإلا فلا ومراد السيّد (قدس سره) من الرجحان الجائي من قبل النذر هو ما ذكرناه من قيام الدليل الخارجي على صحة النذر الكاشف عن رجحان متعلقه بعنوان ثانوي وهو عنوان تعلق النذر به، وليس مراده منه الرجحان بملاحظة وجوب الوفاء بالنذر ليلزم منه جواز تحليل المحرمات، لما عرفت من استحالة اقتضاء وجوب الوفاء بالنذر ذلك، أعني رجحان متعلقه.
فما أورده شيخنا الأستاذ (قدس سره) على السيد (قدس سره) إنما يتم لو كان مراده من الرجحان الناشئ من قبل النذر، الرجحان بملاحظة وجوب الوفاء به.
وعلى هذا البيان قد ظهر أنّ ما ذكره السيّد (قدس سره) في العروة لا يستلزم جواز تحليل المحرّمات بالنذر، ضرورة أن ما أفاده (قدس سره) أجنبي عن ذلك تماماً، وخاص بما إذا قام دليل على صحة النذر.
وإن شئت فقل : إنّ إطلاق أدلة المحرّمات كافية لاثبات عدم الرجحان، والمفروض أن دليل وجوب الوفاء بالنذر لا يقتضي رجحان متعلقه كما عرفت. ومن الواضح جداً أنّه لا مزاحمة بين ما فيه الاقتضاء وما لا اقتضاء فيه أبداً.
نعم، إذا قام دليل على صحة تعلق النذر بفردٍ ما من أفراد المحرمات، فلا
مناص من الالتزام بصحته وانعقاده وتقييد إطلاق دليل التحريم بغير هذا الفرد، ولا يفرق فيه بين القول باعتبار رجحان متعلقه في نفسه، والقول بكفاية الرجحان الناشئ من تعلق النذر به ضرورة أنّه على كلا القولين لا مناص من الالتزام بالصحة غاية الأمر على القول الأوّل يلزم أن يكون الدليل المزبور مخصصاً لأدلة اشتراط صحة النذر بكون متعلقه راجحاً في نفسه دون الق--ول الثاني، ولكن لا تترتب على ذلك أية ثمرة عملية.
وقد تحصل ممّا ذكرناه عدّة أمور :
الأول : أنّ وجوب الحج ليس مشروطاً بالقدرة شرعاً، فانّه يبتني على تفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً، ولكنّك عرفت أنه تفسير خاطئ بالنظر إلى الروايات الواردة في تفسيرها وبيان المراد منها، حيث إنها قد فسرت في تلك الروايات بالتمكن من الزاد والراحلة وأمن الطريق، وفي بعضها وإن زاد صحة البدن أيضاً ولكن من المعلوم أنها ليست شرط الوجوب مطلقاً، بل هي شرط له على نحو المباشرة، ونتيجة ذلك هي أنه عند وجود الزاد والراحلة وأمن الطريق يجب الحج، سواء أكان هناك واجب آخر أم لم يكن.
وعلى هذا الأساس فلا مجال لتوهم أن وجوب الحج مشروط بالقدرة شرعاً، فانّ منشأ هذا التوهم ليس إلا التفسير المزبور، وقد عرفت أنه تفسير غير مطابق للواقع. فإذن يتقدّم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر في مقام المزاحمة وإن فرض أنّ وجوب الوفاء بالنذر سابق عليه زماناً، لما مضى م-ن أنّ الواجب المشروط بالقدرة عقلاً يتقدّم في مقام المزاحمة على الواجب المشروط بالقدرة شرعاً مطلقاً، أي سواء أكان في عرضه أو سابقاً عليه بحسب الزمان أو متأخراً عنه.
أما وجه تقديمه في الصورتين الأوليين،فواضح، لفرض أنّ التكليف به بما أنه فعلي يكون معجزاً مولوياً بالاضافة إلى الآخر وموجباً لانتفائه بانتفاء موضوعه، دون العكس.
وأما في الصورة الأخيرة، فلأنّ المفروض أنّ ملاكه حيث إنّه تام في ظرفه فلا يجوز تفويته، إذ لا فرق في نظر العقل بين تفويت الواجب الفعلي وتفويت الملاك الملزم في ظرفه، فكما أنّ الأوّل قبيح عنده فكذلك الثاني، وعليه فيجب التحفظ على ملاكه وعدم تفويته، وبما أنّ الاتيان بالواجب الآخ--ر م-وجب لتفويته فلا يجوز، وهذا معنى عدم قدرة المكلف على إتيانه شرعاً.
الثاني : أنه لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أن وجوب الحج مشروط بالقدرة شرعاً بناءً على صحة التفسير المزبور، فأيضاً لا وجه لتقديم وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه عليه، وذلك لما عرفت من عدم دخول ذلك في كبرى تزاحم واجبين كان أحدهما أسبق زماناً من الآخر، فانّ العبرة في ذلك إنما هي بتقدم أحد الواجبين على الآخر زماناً كما مرّ، ولا عبرة بتقدم سبب وجوب، أحدهما على سبب وجوب ب الآخر، أو بتقدم حدوث وجوب أحدهما على حدوث وجوب الآخر بعد كونه مزاحماً به بقاءً.
الثالث : أنّه لو تنزلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا أنّ وجوب الوفاء بالنذر وما شاكله مقدّم على وجوب الحج زماناً، فمع ذلك لا وجه لتقديمه عليه، وذلك لما عرفت من الوجهين المتقدمين، ونتيجتها هي أنّ حصول الاستطاعة في زمن متأخر كاشف عن بطلان النذر من الأوّل وعدم انعقاده.
ومن ذلك البيان قد ظهر فساد ما ذهب إليه جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره)(1)من تقديم وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه على وجوب الحج،
1) الجواهر 17: 258.
بملاك أنّ النذر مقدّم عليه،زماناً، فيكون رافعاً للاستطاعة، ولا عكس. أو فقل: إنّ وجوب الوفاء به مطلق ووجوب الحج مشروط فلا يمكن أن يزاحم الواجب المشروط الواجب المطلق.
ووجه فساده ما عرفت من منع ذلك صغرى وكبرى، فلا حاجة إلى الاعادة. ثم إنه من الغريب ما صدر عن السيّد الطباطبائي (قدس سره) في العروة في المسألة 32 من مسائل الحج وإليك نص كلامه : إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل عرفة، ثم حصلت لم يجب عليه الحج، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافره أن يعطي الفقير كذا مقداراً، فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد حصول المعلق عليه، بل وكذا لو نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلاً فى الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فان هذا كلّه مانع عن تعلق وجوب الحج،به وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة ولم يمكن الجمع بينه وبين الحج، ثم حصلت الاستطاعة، وإن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحج، لأنّ العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب.
وأمّا لو حصلت الاستطاعة أوّلاً، ثم حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الحج يكون من باب المزاحمة، فيقدّم الأهم منهما، فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدّم على الحج، وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج فيه وإلا فلا، إلا أن يكون الحج قد استقر عليه سابقاً فانه يجب عليه ولو متسكعاً (1).
ثمّ قال في مسألة أخرى ما لفظه : النذر المعلق على أمر قسمان، تارةً يكون
1) العروة الوثقى 2: 242 [3029].
التعليق على وجه الشرطية، كما إذا قال إن جاء مسافري فلله علي أن أزور الحسين (عليه السلام في عرفة، وتارةً يكون على نحو الواجب المعلق كأن يقول : اللّه على أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجيء مسافري، فعلى الأوّل يجب الحج إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء مسافره، وعلى الثاني لا يجب، فيكون حكمه حكم النذر المنجز في أنّه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحج، سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها، وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحج من دون فرق بين الصورتين، والسر في ذلك أن وجوب الحج مشروط والنذر مطلق، فوجوبه يمنع عن تحقق الاستطاعة(1).
أقول : نتيجة ما ذكره (قدس سره) أمور :
الأول : أن وجوب الوفاء بالنذر يتقدّم على وجوب الحج مطلقاً، إذا كان النذر قبل حصول الاستطاعة، وكان منجزاً ثم حصلت الاستطاعة، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر رافع لموضوع وجوب الحج وهو الاستطاعة، فلا يكون المكلف معه قادراً على أداء فريضة الحج شرعاً.
الثاني : أنّه إذا كان هناك واجب مطلق فوري قبل تحقق الاستطاعة، ثمّ تحققت ولم يتمكن المكلف من الجمع بينه وبين الحج، قدم ذلك الواجب على الحج وإن لم يكن أهم منه.
الثالث : أن يكون وجوب الحج مزاحماً ب-واج-ب ف-وري ب-ع-د ح-صول الاستطاعة، ففي مثل ذلك يقدّم الأهم، فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدّم على الحج. الرابع : أنّ النذر المعلق إذا كان على نحو الواجب المشروط فلا يكون مانعاً عن وجوب الحج إذا حصلت الاستطاعة قبل تحقق الشرط، وإن كان على نحو
1) العروة الوثقى 2 : 243 المسألة 33 [ 3030].
الواجب المعلق، بأن يكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، فيكون مانعاً عن وجوب الحج ولو كان تحقق الاستطاعة قبل حصول المعلق عليه في الخارج.
ولكن للمناقشة في هذه الأمور مجالاً:
أمّا الأمر الأوّل : فقد ظهر فساده ممّا قدمناه بصورة مفصلة فلا حاجة إلى الاعادة.
وأمّا الأمر الثاني : فانّ الواجب المطلق الفوري الثابت على ذمة المكلف لا يخلو من أن يكون مشروطاً بالقدرة عقلاً، أو يكون مشروطاً بها شرعاً.
فعلى الفرض الأول، فإن كان أهم من الواجب الآخر وه-و الح--ج في مفروض المثال، فلا إشكال في تقديمه عليه مطلقاً، أي سواء أكان سابقاً عليه زماناً أم مقارناً معه أم متأخراً عنه، والوجه فيه ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه (1)من أنّ الواجب الأهم يتقدّم في مقام المزاحمة على المهم مطلقاً، ولو كان متأخراً عنه، وعلى هذا فلا أثر لفرض كون ذلك الواجب قبل حصول الاستطاعة أو بعده كما عن السيد (قدس سره) بل لا أثر لفرض كونه قبل زم--ان الواجب الآخر وهو الحج - هنا - أو بعده، فأنّه يتقدّم عليه في مقام المزاحمة على جميع هذه التقادير والفروض.
وإن كان بالعكس بأن يكون وجوب الحج أهم من ذلك الواجب الآخر فلا إشكال في تقديمه عليه، بلا فرق بين كونه متقدماً عليه زماناً أو مقارناً معه أو متأخراً عنه عنه، والوجه في ذلك : ما ذكرناه من أنّ وجوب الحج مشروط بالقدرة عقلاً لا شرعاً، من جهة ما عرفت من أنّ الاستطاعة عبارة عن حصول الزاد والراحلة مع أمن الطريق، وليست عبارة عما هو المشهور من التمكن من أداء
1) في ص 76.
فريضة الحج عقلاً وشرعاً لتكون نتيجته اشتراط وجوبه بالقدرة الشرعية. وعلى هذا لا يفرق بين فرض كون وجوب ذلك الواجب قبل حصول الاستطاعة ثم حصلت أو بعده، وسيجيء بيان ذلك من هذه الجهة بصورة مفصلة.
وأما إذا كان الواجبان متساويين، بأن لا يكون أحدهما أهم من الآخر ولا محتمل الأهمية، فيتخيّر المكلف بين صرف قدرته في امتثال هذا وصرفها في امتثال ذاك على ما سنبيِّن إن شاء اللّه تعالى.
وعلى الفرض الثاني، وهو ما إذا كان الواجب المطلق مشروطاً بالقدرة شرعاً، لا إشكال في تقديم فريضة الحج عليه ولو كانت الاستطاعة متأخرة عنه زماناً، وذلك لما عرفت من أنّ الواجب المشروط بالقدرة شرعاً لا يصلح أن يزاحم الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، وبما أنا قد ذكرنا أنّ وجوب الحج مشروط بالقدرة عقلاً فيتقدّم عليه مطلقاً ولو كان متأخراً عنه.
ومن ذلك يظهر حال الأمر الثالث أيضاً فلا حاجة إلى البيان.
فما أفاده السيّد (قدس سره) من التفرقة بين كون الواجب المطلق الفوري ثابتاً في الذمة قبل حصول الاستطاعة ثم حصلت، وكونه ثابتاً فيها بعد حصولها، وأنّه على الأوّل يتقدّم على الحج مطلقاً، وعلى الثاني لا بد من ملاحظة الأهمية في البين، لا يرجع إلى معنى صحيح، لما عرفت من أنّه لا عبرة بالتقدّم أو التأخر الزماني أصلاً.
وأما الأمر الرابع: فيظهر فساده ممّا تقدّم من أنّ النذر مطلقاً - أي سواء أكان على نحو الواجب المشروط أم على نحو الواجب المعلق، بأن يكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً - لا يكون مانعاً عن وجوب الحج، بل قد عرفت أن وجوب الحج مانع عن وجوب الوفاء بالنذر ورافع لموضوعه.
وقد تبيّن لحد الآن أنّ ما هو المشهور بين الأصحاب - من تقديم وجوب الوفاء بالنذر وأشباهه على وجوب الحج إذا كان النذر قبل حصول الاستطاعة، باعتبار أنّ وجوبه مطلق ووجوب الحج مشروط، فهو رافع لموضوعه ومانع عن حصول شرطه - لا أصل له، ولا يرجع إلى معنى محصّل أصلاً.
وأما الثاني : وهو ما إذا كان الواجبان المشروطان بالقدرة شرعاً عرضيين، فهل يلاحظ فيه الترجيح فيقدّم الأهم على غيره أم لا؟ ثم على فرض ع-دم ملاحظة الترجيح بينهما، وعدم تقديم الأهم على غيره، فهل التخيير الثابت بينهما عقلي أو شرعي، فهنا مقامان:
الأوّل : أنّ كبرى مسألة تقديم الأهم على غيره هل تنطبق على المقام - وهو ما إذا كان التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً - أم لا؟
الثاني : أنّ الحاكم بالتخيير بينهما في صورة تساويهما أو من جهة أنه لا وجه لتقديم الأهم على غيره هل هو الشرع أو العقل ؟.
أمّا المقام الأوّل : فقد ذهب شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)إلى أنه لا وجه لتقديم الأهم على غيره، وقد أفاد في وجه ذلك أنّ الأهمية إنما تكون سبباً للتقديم فيما إذا كان كل من الواجبين واجداً للملاك التام فعلاً، وأما في مثل مقامنا هذا حيث يكون كل من الواجبين مشروطاً بالقدرة شرعاً فيستحيل أن يكون كل منهما واجداً للملاك بالفعل لفرض أنّ القدرة دخيلة فيه، والمفروض هنا أنّه لا قدرة للمكلف على امتثال كليهما معاً، والقدرة إنما هي على امتثال أحدهما دون الآخر، وعليه فيكون الملاك في أحدهما لا في غيره، ومن الظاهر أنّ أهمّية طرف لا تكشف عن وجود الملاك فيه دون الطرف الآخر، ضرورة أنا
1) أجود التقريرات 1: 41.
كما نحتمل أن يكون الملاك فيه كذلك نحتمل أن يكون في الطرف الآخر، ومجرّد كونه أهم على فرض وجود الملاك فيه لا يكون دليلاً على تحققه ووجوده فيه واقعاً وحقيقة، دون ذلك الطرف.
وبتعبير ثان : حيث إنّ المفروض اشتراط كل من الواجبين بالقدرة شرعاً وأنّ لها دخلاً في الملاك ولا ملاك بدونها، فلا محالة يكون كل منهما صالحاً لأن يكون رافعاً لملاك الآخر من جهة عدم القدرة عليه بحكم الشارع، من دون فرق فيه بين أن يكون الملاكان متساويين أو يكون أحدهما أهم من الآخر على فرض وجوده وتحققه، وعلى هذا فأهمية طرفٍ لا تكشف عن وجود الملاك فيه دون الطرف الآخر في مقام المزاحمة، وذلك لصلاحية كل منهما لأن يكون رافعاً لملاك الآخر ولو كان أحدهما أهم من الآخر، ومجرد كون الملاك في طرفٍ أهم على تقدير وجوده لا يوجب كونه واجداً له دون الآخر، فاذن لا وج--ه لتقديمه عليه في مقام التزاحم.
وأمّا المقام الثاني : فقد اختار (قدس سره) أن التخيير الثابت فيه تخيير شرعي لا عقلي، غاية الأمر أنّه قد كشف عنه العقل، والوجه في ذلك واضح، وهو أن كلاً أن كلاً من الواجبين واجد للملاك في ظرف القدرة عليه عقلاً وشرعاً، وأما إذا وقع التزاحم بينهما فيكون أحدهما لا بعينه واجداً للملاك دون الآخر.
أو فقل: إنّ في فرض التزاحم بما أنّ أحدهما لا بعينه مقدور للمكلف عقلاً وشرعاً، لعدم المانع منه لا من قبل العقل ولا من قبل الشرع، فلا محالة يكون واجداً للملاك الالزامي، فاذا كان واجداً له فلا مناص من الالتزام بايجابه، بداهة أنّه لا يجوز للمولى الحكيم أن يرفع اليد عن التكليف المكلف به مع فرض كونه واجداً للملاك بمجرد عجز عن امتثال كليهما معاً، وعليه فلا مناص من الالتزام بوجوب واحد منهما لا معيناً، لاستقلال العقل بقبح ترخيص المولى في
تفويت الملاك الملزم، ونتيجة إيجابه هي التخيير شرعاً، أعني به وجوب هذا أو ذاك.
وخلاصة ما أفاده (قدس سره) نقطتان:
الأولى : أنّ أهمّية أحد واجبين متزاحمين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً ليست من المرجحات، فالوظيفة هي التخيير بينهما مطلقاً.
الثانية : أنّ التخيير الثابت بينهما شرعي لا عقلي.
ولكن كلتا النقطتين خاطئة :
أمّا النقطة الأولى : فيردّها أن مناط تقديم الأهم على المهم في محل الكلام وترجيحه عليه في مقام المزاحمة لا يكون بملاك أنّه واجد للملاك دون غيره، ليقال بعدم إحرازه فيه في هذا المقام، بل هو بمناط آخر.
بيانه : أن المانع عن تقديم الأهم على المهم في المقام لا يخلو من أن يكون عقلياً أو شرعياً فلا ثالث لهما. أمّا المانع عقلي - وهو عدم القدرة عليه تكويناً - فغير موجود بالضرورة، إذ المفروض أنه مقدور تكويناً ووجداناً، وهذا واضح. وأمّا المانع الشرعي - وهو أمر الشارع بصرف القدرة في غيره الموجب للعجز عن صرفها فيه - فأيضاً كذلك، ضرورة أنّه لا نعني به إلّا أمر الشارع باتيان شيء لا يقدر المكلف معه على الاتيان بالأهم في الخارج ومقام الامتثال، فمثل هذا الأمر لا محالة يكون مانعاً عن فعلية الأمر بالأهم، ولكن المفروض هنا عدم أمر من قبل الشارع بصرف القدرة في غير الأهم ليكون مانعاً عن فعلية أمره. فاذن لا مانع من الأخذ بالأهم وتقديمه على المهم أصلاً.
وعلى الجملة: فالمهم وإن كان مقدوراً عقلاً إلّا أنّه من ناحية مزاحمته مع الأهم غير مقدور شرعاً، وقد عرفت أنّ القدرة الشرعية دخيلة في متعلقه،
فلا يكون الأمر به فعلياً بدون تلك القدرة، فاذا لم يكن الأمر المتعلق به فعلياً فلا مانع من فعلية الأمر بالأهم.
ومما ذكرناه ظهر أنه يمكن إحراز الملاك في الأهم وكونه واجداً له دون المهم، والوجه في ذلك أنّ الأهم مقدور للمكلف عقلاً وشرعاً. أما عقلاً ف-واضح. وأمّا شرعاً فأيضاً كذلك ضرورة أنه لا مانع. منه ما عدا تخيل أنّ الأمر بالمهم مانع،، وقد عرفت أنّ هذا خيال لم يطابق الواقع، وذلك لاستحالة كون الأمر بالمهم في حال مزاحمته مع الأمر بالأهم فعلياً، ضرورة عدم قدرة المكلف في تلك الحال على امتثاله بحكم الشرع، حيث إنه يوجب تفويت واجب أهم منه، ومن المعلوم أنّه لا يجوز امتثال ما يوجب تفويت ما هو أهم منه بنظر الشرع، ونتيجة ذلك هي أنّه لا مانع من كون الواجب الأهم واجداً للملاك الملزم في هذا الحال لا عقلاً ولا شرعاً.
وعليه فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن وجود الملاك في ك--ل منهما مشكوك فيه، لصلاحية كل واحد منهما لأن يكون رافعاً لملاك الآخر من دون فرق بين تساوي الملاكين وكون أحدهما أهم من الآخر، لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وذلك لما عرفت من الضابط لتقديم الأهم على المهم في المقام من ناحية، وكونه واجداً للملاك من ناحية أخرى، وإن كانت الناحية الأولى مترتبة على الناحية الثانية كما هو واضح هذا تمام الكلام فيما إذا كان أحدهما معلوم الأهمية.
وأما إذا كان محتمل الأهمية، فهل يتقدّم في مقام المزاحمة على الطرف الآخر الذي لا تحتمل أهميته أصلاً كما هو الحال فيما إذا كان كل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً أم لا ؟ وجهان.
الظاهر أنه لا مانع من التقديم، والوجه في ذلك: هو أن المكلف بعد ما
لا يتمكن من امتثال كلا الواجبين معاً، ويتمكن من امتثال أحدهما دون الآخر، فلا محالة يدور أمره بين امتثال أحدهما تخييراً، وامتثال خصوص ما تحتمل أهميته، وعليه فيدخل المقام في كبرى دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال، وقد ذكرنا في غير مورد أنّ في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في غير مقام الامتثال والحجية وإن كان الصحيح هو جريان البراءة عن التعيين، إلّا أنّ في هذين المقامين لا مناص من الاشتغال والالتزام بالتعيين، وذلك لأنّ حصول البراءة بامتثال ما تحتمل أهمّيته،معلوم إمّا من جهة التعيين أو التخيير، وأما حصولها بامتثال ما لا تحتمل أهميته فغير معلوم، ومن الواضح جداً أنّ العقل لا يكتفي في مقام الامتثال بالشك فيه بعد اليقين بالتكليف، بل يلزم بتحصيل اليقين بالبراءة عنه، بقاعدة أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، وكذا الحال في مقام الحجية، فانّ حجية ما يحتمل تعيينه معلومة ولا مناص م-ن الالتزام به، وحجية ما لا يحتمل تعيينه مشكوكة، وقد حققنا أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها فعلاً، وهذا هو السر في افتراق هذين المقامين ع--ن غيرهما.
ونتيجة ما ذكرناه لحد الآن هي أنّ الأهم وكذا محتمل الأهم-ي-ة م-ن المرجحات في المقام، كما أنها من المرجحات في واجبين متزاحمين يكون ك--ل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً فحسب.
وأمّا النقطة الثانية : فيردّها أنّ المفروض قدرة المكلف على امتثال كل من الواجبين المتزاحمين في نفسه، وفي ظرف ترك الآخر عقلاً وشرعاً، هذا م-ن ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ الشارع لم يأمر بخصوص أحدهما المعيّن، لأنه ترجیح من دون مرجح.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّه لا مانع من أمر الشارع بكليهما
طولاً وعلى نحو الترتب، بأن يكون تعلق الأمر بكل م-نه-ا م-ش-روطاً ب-ع-دم الاتيان بالآخر ومترتباً عليه، بل لا مناص من الالتزام بذلك، والوجه فيه هو أنّ الأمر في المقام يدور بين أن يرفع اليد عن إطلاق كل من دليليها بتقييد الأمر في كل منهما بعدم الاتيان بمتعلق الآخر، وأن يرفع اليد عن أصل وجوب كل منهما رأساً، ومن المعلوم أنّ المتعين هو الأوّل دون الثاني، ضرورة أن رفع اليد عن أصل الأمر بهما بلا سبب، إذ أنّه لا يقتضي أزيد من رفع اليد أزيد من رفع اليد عن إطلاق كل منهما مع التحفظ على أصله.
ونتيجة ذلك هي الالتزام بالترتب من الجانبين، بمعنى أن تعلق الأمر بكل من الفعلين مشروط بعدم الاتيان بمتعلق الآخر، ولا مانع من ذلك أصلاً لا عقلاً كما هو واضح، إذ المفروض أن كلاً منهما مقدور عقلاً في ظرف ت-رك امتثال الآخر والاتيان بمتعلقه ولا شرعاً لفرض أنه ليس هناك أي مانع شرعي عن تعلق الأمر بكل واحد منهما في نفسه، وفي ظرف ترك الآخر، إذ المفروض أنّ كلاً من الفعلين في ذاته ومع قطع النظر عن الآخر سائغ، ومعه لا مانع من تعلق الأمر بهما كذلك، وبه نستكشف وجود الملاك في كل منهما في نفسه، وعند ترك الآخر.
وعلى الجملة : فقد ذكرنا سابقاً أنّه لا فرق في جريان الترتب بين ما يكون كل من الواجبين مشروطاً بالقدرة عقلاً، وما يكون مشروطاً بها شرعاً، فكما أنّه يجري في الأوّل، فكذلك يجري في الثاني من دون فرق بينهما من هذه الجهة.
ودعوى أن جريان الترتب في مورد يتوقف على إحراز الملاك فيه، وهو في المقام لا يمكن لفرض دخل القدرة الشرعية فيه، مدفوعة بما ذكرناه هناك من أنّ جريان الترتب لا يتوقف عليه، ضرورة أنّ إحرازه لا يمكن إلا بعد إثبات الأمر، فلو توقف إثبات الأمر على إحرازه لدار، كما قدمناه بشكل واضح.
فتحصّل : أنّه لا مانع من الالتزام بالترتب هنا، وقد تقدّم أنّه لا فرق في إمكان الترتب واستحالته بين أن يكون من جانب واحد أو من جانبين. وأمّا عدم التزام شيخنا الأستاذ (قدس سره) به في المقام مع أنه من القائلين به مطلقاً من دون فرق بين أن يكون من طرف أو من طرفين، فمن جهة ما بنی (قدس سره) على أصل فاسد، وهو أنّ الترتب لا يجري فيما إذا كانت القدرة المأخوذ فيه شرعية كما عرفت.
وعلى هذا الأساس يترتب أنّ التخيير بينهما تخيير عقلي، كالتخيير بين واجبين متزاحمين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً، فانّ المكلف بعد ما لا يتمكن من امتثال كلا التكليفين معاً فلا محالة يكون مخيراً بين امتثال هذا وامتثال ذاك بحكم العقل، فلا موضوع عندئذ للتخيير الشرعي أصلاً. وتظهر الثمرة في المقام بين كون التخيير شرعياً وكونه عقلياً، فيما إذا كان المكلف تاركاً لامتثال كلا الواجبين معاً، فانّه على الأوّل يستحق عقاباً واحداً، لوح-دة التكليف على الفرض. وعلى الثاني يستحق عقابين، لما عرفت من أن لازم القول بالترتب هو تعدد العقاب من جهة تعدد التكليف، وقد ذكرنا أنه لا مانع من الالتزام بتعدد العقاب، بل لا مناص عنه، وأنّه لا يكون عقاباً على ترك ما ليس بالاختيار، فانّ تعدد العقاب من جهة الجمع بين التركين، لا من جهة ترك الجمع بينهما، وقد مرّ بيان ذلك بصورة واضحة فلا حاجة إلى الاعادة.
وأما القسم الثالث : وهو ما إذا كان كل من الواجبين مشروطاً بالقدرة عقلاً، فيقع الكلام فيه في مقامين:
الأوّل : فيما إذا كان أحد التكليفين أهم من الآخر، أو محتمل الأهمية.
الثاني : فيما إذا كانا متساويين.
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في تقديم الأهم على المهم، سواء أكان الأهم
مقارناً مع المهم زماناً أو سابقاً عليه أو متأخراً عنه. أما في الأوليين فواضح، وذلك لأنّ التكليف بالأهم يصلح أن يكون معجزاً مولوياً للمكلف بالاضافة إلى الطرف الآخر وهو المهم، وأمّا التكليف بالمهم فلا يصلح أن يكون كذلك، فتكون نسبته إلى الأهم كنسبة المستحب إلى الواجب، فكما أن المستحب لا يصلح أن يزاحم الواجب في مقام الامتثال، فكذلك المهم لا يصلح أن يزاحم الأهم.
أو فقل : إنّ التزاحم سواء أكان بين التكليفين أم بين الاطلاقين فلا محالة يوجب سقوط أحدهما دون الآخر، إذ سقوط كليهما غير محتمل، ضرورة أنه بلا موجب، وعليه فيدور الأمر بين سقوط المهم دون الأهم وبالعكس، ومن الواضح جداً أنّ الثاني غير معقول، لأنه ترجيح المرجوح على الراجح، فإذن يتعيّن الأول، وهذا معنى تقديم الأهم على المهم، وأمثلة ذلك في الشرع والعرف
كثيرة :
منها : ما إذا دار الأمر بين حفظ بيضة الاسلام مثلاً وواجب آخر، فلا إشكال في تقديم الأوّل على الثاني في مقام الامتثال.
ومنها: ما إذا دار الأمر بين حفظ نفس مؤمن مثلاً وحفظ ماله أو نحوه، فلا ينبغي الشك في تقديم الأوّل على الثاني، لكونه أهم منه وهكذا.
وأمّا في الصورة الأخيرة فالأمر أيضاً كذلك، والوجه فيه هو أن الأهم وإن كان متأخراً عن المهم،زماناً، إلّا أنّ ملاكه بما أنّه تام في ظرفه وأهم من غيره، فلا محالة وجب حفظ القدرة عليه فى وقته لئلا يفوت، ضرورة أنّ العقل كما يستقل بقبح تفويت الواجب الفعلي، كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه، وعلى هذا حيث إنّ الاتيان بالمهم فعلاً يوجب تفويت ملاك الأهم في ظرفه فلا يجوز فيكون حكم العقل بوجوب حفظ القدرة عليه في زمانه
معجزاً للمكلف بالاضافة إلى امتثال المهم بالفعل.
وبتعبير ثانٍ أنّ الحاكم بالترجيح في باب المزاحمة حيث إنّه كان هو العقل لا غيره، فمن الواضح جداً أنه مستقل بتقديم الأهم على المهم في مقام الامتثال مطلقاً، ولو كان الأهم متأخراً عنه زماناً كما في مفروض المقام، فانّه يحكم بلزوم حفظ القدرة على امتثاله في ظرفه لئلا يلزم منه تفويت الملاك الملزم فيه، ولا يحكم بلزوم الاتيان بالمهم فعلاً، بل يحكم بعدم جواز الات-ي-ان ب-ه، لاستلزامه تفويت ما هو الأهم منه.
ومثاله ما إذا دار الأمر بين حفظ مال الانسان مثلاً فعلاً، وحفظ نفسه في زمان متأخر، بأن لا يقدر على حفظ كليهما معاً، فلو صرف قدرته في حفظ ماله فعلاً فلا يقدر على حفظ نفسه، ولو عكس فبالعكس، كما إذا فرض أنّ الحاكم حكم بمصادرة أمواله فعلاً، وهو وإن كان قادراً على حفظ ماله بالشفاعة عنده، إلّا أنّه يعلم بأنّه يحكم بعد بضع ساعات بقتل نفسه، فلو توسط عنده فعلاً لحفظ ماله فلا يقبل توسطه فيما بعد لحفظ نفسه، لفرض أنه لا يقبل توسطه في اليوم إلّا مرّة واحدة، فاذن يدور أمره بين أن يحفظ نفسه في زمان متأخر ويرفع يده عن حفظ ماله فعلاً، وأن يحفظ ماله فعلاً ويرفع يده عن حفظ نفسه فيما بعد، ففي مثل ذلك لا إشكال في حكم العقل بترجيح الأوّل على الثاني، وتقديمه عليه، وكذا إذا دار الأمر بين امتثال واجب فعلي آخ--ر وحفظ نفس محترمة في زمان متأخر بأن لا يقدر المكلف على امتثال الأوّل وحفظ الثانية معاً، فأنّه لا إشكال في وجوب حفظ القدرة على الواجب المتأخر، وهو حفظ النفس المحترمة ورفع اليد عن وجوب الواجب الفعلي، وهكذا.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ما ذكرناه من تقديم الواجب الأهم على المهم فيما إذا كان متأخراً عنه زماناً بناءً على وجهة نظرنا من إمكان الواجب المعلق واضح،
حيث إنّ الوجوب فعلي على الفرض والواجب أمر متأخر، ومن المعلوم أنّ فعلية الوجوب تكشف عن كون الواجب في ظرفه واجداً للملاك الملزم، وقد عرفت أنّه لا فرق في نظر العقل بين تفويت الواجب الفعلي وتفويت الملاك الإلزامي، فكما أنّه يحكم بقبح الأوّل، فكذلك يحكم بقبح الثاني.
وعلى ذلك فان لم يكن ملاك الواجب المتأخر في ظرفه أه-م م-ن م-لاك الواجب الفعلي وكانا متساويين، فيحكم العقل بالتخيير بينهما، وعدم ترجيح الواجب الفعلي على المتأخر، لعدم العبرة بالسبق الزماني في المقام أصلاً.
وما ذكرناه سابقاً (1)من أنّ ما هو أسبق زماناً يتقدم على غيره، إنما هو فيما إذا كان التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، لا فيما إذا كان مشروطاً بها عقلاً، ونقطة الفرق بينهما هي أنّه على الأوّل بما أنّ كلاً منهما مشروط بالقدرة شرعاً، ففي فرض المزاحمة لا مناص من الأخذ بما هو سابق زماناً على الآخر، حيث إنّ ملاكه تام بالفعل من ناحية أنه مقدور للمكلف
عقلاً وشرعاً، ومعه لا عذر له في تركه أصلاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّه لا يجب احتفاظ القدرة على الواجب المتأخر، لفرض أنّ القدرة دخيلة في ملاكه، فيستحيل أن يقتضي احتفاظها.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّه لابد من الاتيان بالمتقدم زماناً دون المتأخر، ومن الواضح أنّ الاتيان به يوجب عجزه عنه، فيكون التكليف به منتفياً بانتفاء موضوعه وهو القدرة، وعلى الثاني بما أنّ كلاً منهما مشروط بالقدرة عقلاً، فلا يكون سبق أحدهما زماناً على الآخر في فرض المزاحمة من المرجحات، لما عرفت من أنّ ملاك الواجب المتأخر حيث إنّه تام في ظرفه
1) في ص ص 45.
وأمّا بناءً على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)من استحالة الواجب التعليقي وعدم إمكانه، فتقديم الأهم على المهم إذا كان متأخراً عنه زماناً يرتكز على إحراز الملاك فيه في ظرفه من دليل خارجي، فإن علم من الخارج اشتماله على الملاك، كما إذا دار الأمر بين امتثال واجب فعلي كحفظ مال المولى مثلاً، وواجب متأخر كحفظ نفسه أو حفظ بيضة الاسلام أو ما شاكل ذلك من الواجبات التي قد اهتم الشارع بها غاية الاهتمام على نحو الاطلاق من دون اختصاص بوقت دون آخر، فلا إشكال في تقديم الأهم على المهم وإن كان متأخراً عنه زماناً، لتمامية ملاكه الالزامي في وقته، وقد عرفت استقلال العقل باحتفاظ القدرة عليه في ظرفه، وعدم جواز صرفها في الواجب الفعلي، ففي أمثال هذه الموارد لا فرق بين نظريتنا ونظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) ضرورة أنّه لا أثر لفعلية الوجوب ما عدا كشفه عن اشتماله - أي الواجب المتأخر - على الملاك في ظرفه، وإذا علمنا بتحقق الملاك فيه واشتماله عليه، فلا أثر لفعلية الوجوب وعدمها.
وأما إذا لم يعلم من الخارج بوجود الملاك فيه، كما إذا لم تكن قرينة خارجية تدل عليه، والمفروض أنه ليس هنا قرينة داخلية أيضاً وهي ثبوت الوجوب، فلا يمكن عندئذ استكشاف الملاك في شيء، لما ذكرناه غير مرة م-ن أن-ه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في فعل مع قطع النظر عن ثبوت الحكم له، فلا وجه لتقديمه على الواجب الفعلي ضرورة أنّه مع عدم إحراز الملاك فيه في ظرفه
1) راجع أجود التقريرات 1: 201.
لا يحكم العقل باحتفاظ القدرة عليه وبدون حكمه فلا مانع من امتثال الواجب الفعلي أصلاً، ففي مثل تلك الموارد تفترق نظريتنا عن نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) فعلى نظريتنا بما أنّ الوجوب فعلي والواجب أمر متأخر، فهو لا محالة يكشف عن وجود الملاك فيه وكونه تاماً، وإلا لم يعقل كون وجوبه فعلياً. وعلى نظريته (قدس سره) حيث إنّه لا وجوب فعلاً، فلا كاشف عن كونه واجداً للملاك في وقته، وعليه فلا وجه لتقديمه على المهم وهو الواجب الفعلي.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنّ تقديم الأهم على المهم إذا كان متأخراً عنه زماناً منوط على نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) باحراز الملاك ف-ي-ه م-ن الخارج، وإلا فلا يمكن الحكم بالتقديم أصلاً، بل يتعين العكس كما لا يخفى. وكيف كان فعلى فرض كونه مشتملاً على الملاك في ظرفه يتقدم على المهم لا محالة ولو كان متأخراً عنه زماناً، وكلامنا في المقام على نحو الفرض والتقدير والكبرى الكلية من دون نظر إلى مصاديقها وأفرادها.
هذا، ولكن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)هنا قد مثل لذلك - أي لتزاحم واجبين طوليين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً - بما إذا لم يكن المكلف متمكناً من القيام فى جزأين طوليين من الصلاة.
ولا يخفى ما في هذا المثال، أمّا أوّلاً فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ التزاحم لا يجري في أجزاء واجب واحد أو شرائطه.
وأما ثانياً : فلأنه منافٍ لما ذكره (قدس سره) (2)من اشتراط أجزاء الصلاة
بالقدرة شرعاً، وعليه فلا مناص من تقديم ما هو أسبق زماناً على غيره ولو كان ذلك الغير أهم منه، كما عرفت.
فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن : أنّ الواجب الأهم يتقدّم في مقام المزاحمة على المهم مطلقاً ولو كان متأخراً عنه زماناً، فيا إذا كان مشروطاً بالقدرة عقلاً، سواء أكان المهم أيضاً كذلك أم لا. نعم، إذا كان الأهم مشروطاً بالقدرة شرعاً فلا يتقدّم على المهم في فرض تأخره عنه زماناً، بل يتقدّم المهم عليه ولو كان مشروطاً بها شرعاً.
وأمّا إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين محتمل الأهمية دون الآخر، فهل يكون مرجحاً لتقديمه عليه أم لا ؟ فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أنه بناءً على القول بالتخيير الشرعي في المتساويين يكون المقام داخلاً في كبرى مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعيين التي ذكرناها في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، فإن قلنا في تلك المسألة بالاشتغال والتعيين فلابد أن نقول به في هذه المسألة أيضاً، وإن قلنا هناك بالبراءة والتخيير فلابد أن نقول به في المقام أيضاً، وعلى الجملة فمسألتنا هذه من صغريات كبرى تلك المسألة، فيبتني الحكم فيها على الحكم في تلك من البراءة أو الاشتغال.
وأما بناءً على القول بالتخيير العقلي في المتساويين فقد ذكر (قدس سره) أنه لا إشكال في تقديم ما تحتمل أهميته على غيره، والوجه في ذلك : هو أنّ التكليفين المتزاحمين إذا كانا متساويين فلا إشكال في سقوط إطلاقيهما وحكم العقل بالتخيير بينهما بمعنى حكمه بثبوت كل واحد منهما مترتباً على ترك الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب وجوازه،
1) أجود التقريرات 2: 46.
من دون فرق بين أن يكون من جانب واحد أو من جانبين كما في مثل المقام، ضرورة أنّ العقل لا يجوز رفع اليد عن أصل التكليفين معاً، فانّه بلا موجبِ رفع ومقتض، ومن الواضح أنّه لا يجوز رفع اليد عن التكليف بلا سبب يقتضي رفعه، فالمقتضي - وهو المزاحمة - في المقام لا يقتضي إلا رفع اليد عن ثبوت كل منهما على تقدير الاتيان بالآخر لا مطلقاً، وهذا عبارة أخرى عن ثبوت كل منهما على تقدير ترك الآخر، ويترتب على ذلك أنّ المكلف مخيّر بين امتثال هذا وامتثال ذاك.
وأمّا إذا كان أحدهما محتمل الأهمية دون الآخر، ففي مثل ذلك لا شبهة في أنّ الاتيان بالطرف المحتمل أهميته يوجب القطع بسقوط التكليف عن الطرف الآخر، وذلك لأنّ ما أتى به على تقدير كونه أهم في الواقع ونفس الأمر فهو الواجب دون غيره، وعلى تقدير كونه مساوياً له فهو مصداق للواجب لا محالة.
وإن شئت قلت : إنه بناءً على التخيير العقلي عند تزاحم الواجبين المتساويين والالتزام بالترتب من الجانبين إذا علم أهمية أحدهما دون الآخر، فقد علمنا بسقوط الاطلاق عن الآخر، وباشتراطه بعدم الاتيان بمتعلق الأوّل، وأما ما يحتمل أهميته فلم يحرز سقوط إطلاقه فلابد من الأخذ به. وهذا هو أساس تقديم محتمل الأهمية على غيره في مقام المزاحمة إلى هنا قد تم بيان ما أفاده (قدس سره) مع توضيح منّا.
ونناقش ما أفاده (قدس سره) من ناحيتين:
الأولى : أنّه لا تظهر الثمرة فها نحن فيه بين القول بالتخيير الشرعي في المتساويين، والقول بالتخيير العقلي فيهما على وجهة نظره (قدس سره)(1).
1) أجود التقريرات 3: 507.
مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعيين، حيث إنّه (قدس سره) قد التزم في تلك المسألة بالاحتياط، وعدم جواز الرجوع إلى البراءة على ما نطق به كلامه في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وبما أن مسألتنا هذه على الفرض الأوّل داخلة في كبرى تلك المسألة، فلا مناص له من الالتزام بالاحتياط فيها، ولزوم الأخذ بالطرف المحتمل أهميته، وعليه فالنتيجة ع-ل-ى هذا القول بعينها هي النتيجة على القول بالتخيير العقلي، وهي تعين الأخذ بالطرف المحتمل أهميته دون الطرف الآخر، فاذن لا فرق بين القولين من هذه الناحية أصلاً.
الثانية : أنّ المقام على القول المزبور - أعني القول بالتخيير الشرعي في المتساويين - وإن كان داخلاً في كبرى دوران الأم-ر ب-ي-ن الت-عيين والتخيير الشرعيين، إلّا أنّ التعيين والتخيير في خصوص المقام حيث إنهما كانا في مقام التزاحم والامتثال فلا مناص من الالتزام بعدم جريان البراءة عن التعيين ووجوب الأخذ به، وإن قلنا بجريان البراءة في تلك الكبرى، كما فصلنا الكلام من هذه الناحية في بحث الأقل والأكثر الارتباطيين (1).
وتوضيح ذلك : هو أن مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام جعل الحجية وإنشائها في مرحلة التشريع والاعتبار، كما لو شككنا في أن حجية فتوى الأعلم هل هي تعيينية، أو أنّ المكلف مخير بين الأخذ بها والأخذ بفتوى غير الأعلم.
الثاني : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال والفعلية من
1) مصباح الأصول 2: 519.
جهة التزاحم.
الثالث : ما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل والتشريع فلا يعلم أنّ التكليف مجعول للجامع بلا أخذ خصوصية فيه أو مجعول لحصة خاصة منه، كما لو شككنا في أنّ وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة هل هو تعييني أو تخييري.
وبعد ذلك نقول : إنا قد ذكرنا في غير مورد أنّ البراءة لا تجري في القسمين الأولين، ولا بد فيهما من الالتزام بوجوب الاحتياط، وأما في القسم الأخير فالصحيح هو جريان البراءة فيه، فها هنا دعويان :
الأولى : عدم جريان أصالة البراءة في القسمين الأولين.
الثانية : جريان البراءة في القسم الأخير.
أمّا الدعوى الأولى : فقد ذكرنا غير مرّة أنّ الشك في حجية شيء في مقام الجعل والتشريع مساوق للقطع بعدم حجيته فعلاً، ضرورة أنه مع هذا الشك لا يمكن ترتيب آثار الحجة عليه، وهي إسناد مؤداه إلى الشارع، والاستناد إليه في مقام الجعل، للقطع بعدم جواز ذلك، لأنه تشريع محرّم، ومن المعلوم أن-ا لا نعني بالحجية الفعلية إلّا ترتيب تلك الآثار عليها، وعليه فاذا دار الأمر بين حجية شيء كفتوى الأعلم مثلاً تعييناً، وحجيته تخييراً، فلا مناص من الأخذ به، وطرح الطرف الآخر، للقطع بحجيته واعتباره فعلاً، إمّا تعييناً أو تخييراً، والشك في حجية الآخر كفتوى غير الأعلم واعتباره، وقد عرفت أنّ الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها، وهذا واضح.
وكذا الحال في مقام الامتثال، فانّه إذا دار الأمر بين امتثال شيء تعييناً أو تخييراً، فلا مناص من التعيين والأخذ بالطرف المحتمل تعيينه، ضرورة أنّ الاتيان
به يوجب القطع بالأمن من العقاب واليقين بالبراءة، وذلك لأنه ع-ل-ى ت-قدير كونه أهم من الآخر فهو الواجب، وعلى تقدير كونه مساوياً له فهو مصداق للواجب وأحد فرديه، ومن المعلوم أن الاتيان به كافٍ في مقام الامتثال، وهذا بخلاف الطرف الذي لا تحتمل أهميته أصلاً، فانّ الاتيان به لا يوجب القطع بالبراءة والأمن من العقاب لاحتمال أن لا يكون واجباً في الواقع أصلاً، وانحصار الوجوب بالطرف الأوّل، ومن الواضح جداً أنّ العقل يستقل في مرحلة الامتثال بلزوم تحصيل اليقين بالبراءة والأمن من العقوبة بقانون أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وبما أنّ المفروض في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال اشتغال ذمة المكلف بالواجب، فيجب عليه بحكم العقل تحصيل البراءة عنه والأمن من العقوبة، وحيث إنّه لا يمكن إلا باتيان الطرف المحتمل أهميته، فلا محالة ألزمه العقل بالأخذ به وإتيانه، وهذا معنى حكم العقل بالتعيين وعدم جواز الرجوع إلى البراءة في مسألة التعيين والتخيير في مرحلة الامتثال والفعلية.
وبتعبير واضح : أنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال والفعلية منحصر بباب التزاحم بين التكليفين لا غير، ومن الواضح أن المزاحمة بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب لا تقتضي إلّا سقوط إطلاق أحدهما إذا كان في البين ترجيح، وسقوط إطلاق كليهما إذا لم يكن ترجيح في البين.
وعلى هذا الأساس أنه إذا كان أحد التكليفين المتزاحمين معلوم الأهمية فلا إشكال في تقديمه على الآخر كما سبق، وأمّا إذا كان أحدهما محتمل الأهمية دون الآخر فيدور أمر المكلف بين الاتيان به والاتيان بالطرف الآخر، ولكنه إذا أتى به مأمون من العقاب، ومعذور في ترك الآخر، وذلك لأن جواز الاتيان بهذا الطرف معلوم على كل تقدير، أي سواء أكان أهم في الواقع أم كان مساوياً
له، وبالطرف الآخر غير معلوم، ومن الواضح جداً أنّ العقل يلزم بامتثال هذا الطرف وإتيانه، لأنه يوجب الأمن من العقاب على كل تقدير، وحصول القطع بالبراءة، دون الاتيان بذاك الطرف، لاحتمال أنه غير واجب في الواقع، وانحصار الوجوب بالطرف المزبور، ومعه لا يكون الاتيان به موجباً لحصول القطع بالبراءة، وقد عرفت أنّ همّ العقل في مقام الامتثال تحصيل الأمن من العقوبة والقطع بالفراغ.
ونظير المقام ما إذا شكّ في البراءة من جهة الشك في القدرة على الامتثال كما إذا شكّ في وجوب النفقة من جهة الشك في وجود المال عنده، وأنه قادر على دفعها أم لا، فلا يمكن له أن يرجع إلى أصالة البراءة عن وجوبها، وذلك لأن المفروض أن ذمته قد اشتغلت بوجوب النفقة، ومن الواضح أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، فاذن لا يمكن حصول البراءة إلا بالفحص والاستعلام عن وجود المال عنده، والوجه فيه هو أن مجرد احتمال كونه عاجزاً عن امتثال التكليف الثابت على ذمته لا يكون عذراً له في تركه وعدم امتثاله عند العقل ما لم يحرز عجزه عنه وعدم قدرته عليه، ضرورة أن ترك امتثال التكليف لا بد أن يستند إلى مؤمن ومن المعلوم أن مجرد احتمال العجز لا يكون مؤمناً، فاذن لا مناص من الأخذ بالاحتياط.
فقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنه بناءً على وجهة نظرنا أيضاً لا تظهر الثمرة بين القول بالتخيير الشرعي في المتساويين، والقول بالتخيير العقلي فيهما، فعلى كلا القولين لا مناص من الاحتياط والأخذ بالطرف المحتمل أهميته، غاية الأمر بناءً على التخيير العقلي سقوط أحد الاطلاقين معلوم وسقوط الآخر مشكوك فيه، ومع الشك لا بد من الأخذ به، وبناءً على التخيير الشرعي سقوط أحد التكليفين معلوم وسقوط الآخر مشكوك فيه، وما لم يثبت سقوطه لا يعذر من
مخالفته، ولكن النتيجة واحدة.
وأما الدعوى الثانية : وهي جريان البراءة في القسم الأخير من الأقسام المتقدمة، فلأنّ الشك فيه يرجع إلى الشك في كيفية جعل التكليف، وأنه تعلق بالجامع أو بخصوص فرد خاص، كما لو شككنا في أنّ وجوب كفارة الإفطار العمدي في شهر رمضان متعلق بالجامع بين صوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً، أو متعلق بخصوص صوم شهرين، وحيث إنّ مرجع ذلك إلى الشك في إطلاق التكليف وعدم أخذ خصوصية في متعلقه، وتقييده بأخذ خصوصية فيه، والإطلاق والتقييد على ما ذكرناه وإن كانا متقابلين بتقابل التضاد، إلّا أنّ التقييد بما أنّ فيه كلفة زائدة فهي مدفوعة بأصالة البراءة عقلاً ونقلاً، وهذا بخلاف الاطلاق حيث إنّه ليس فيه أيّة كلفة لتدفع بأصالة البراءة، فإذن ينحل العلم الاجمالي بجريان الأصل في أحد طرفيه دون الآخر، وتفصيل الكلام في ذلك في بحث البراءة والاشتغال (1)والغرض من التعرّض هنا الاشارة إلى عدم صحة ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من الأخذ بالاحتياط في دوران الأمر بين التعيين والتخيير مطلقاً.
وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا كان الواجبان المتزاحمان متساويين ولم تحتمل أهمية أحدهما على الآخر أصلاً، أو احتملت أهمية كل منهما بالاضافة إلى الآخر، فلا مناص من الالتزام بالتخيير فيه ضرورة أنه لا يجوز رفع اليد عن كليهما معاً فهذا لا كلام فيه، وإنّما الكلام في أنّ هذا التخيير عقلي أو شرعي.
وقد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)في المقام أنّ التخيير عقلي على
عكس ما اختاره في المسألة المتقدمة وهي ما إذا ك-ان ك-ل م-ن الواجبين المتزاحمين مشروطاً بالقدرة شرعاً.
وغير خفي أنّ كون التخيير في المقام عقلياً أو شرعياً يرتكز ع-ل-ى الق--ول بامكان الترتب واستحالته.
فعلى الفرض الأول لابد من القول بكون التخيير عقلياً، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ لازم هذا الفرض ثبوت كل من التكليفين المتزاحمين على نحو الترتب والاشتراط بمعنى أنّ فعلية كل منهما مشروطة بترك امتثال الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً، فانّ معنى الترتب من الجانبين يرجع إلى تقييد إطلاق كل من التكليفين بعدم امتثال الآخر، ومن المعلوم أنّ هذا التقييد ليس أمراً حادثاً بحكم العقل فعلاً، بل هو نتيجة اشتراط التكاليف بالقدرة عقلاً من الأوّل، فانّ ذلك الاشتراط يقتضي هذا التقييد من الجانبين إذا كانا متساويين، ومن جانب واحد إذا كان أحدهما واجداً للترجيح، وليس معنى التخيير هنا تبديل الوجوب التعييني بالتخييري ليقال إنّه غير معقول، ضرورة أنه باقٍ على حاله، غاية الأمر أنّ المزاحمة تقتضي رفع اليد عن إطلاقه لا عن أصله، فانّ الضرورة تتقدر بقدرها، بل معناه هو تخيير المكلف في إعمال قدرته في امتثال هذا أو ذاك، وهذا نتيجة عدم قدرته على امتثال كليهما معاً من جانب، وعدم الترجيحلأحدهما على الآخر من جانب ثانٍ، وعدم جواز رفع اليد عنهما معاً من جانب ثالث.
وعلى الفرض الثاني لا مناص من الحكم بكون التخيير شرعياً، والوجه فيه هو أن لازم هذا الفرض سقوط كلا التكليفين المتزاحمين معاً، فلا هذا ثابت ولا ذاك، ولكن حيث إنا نعلم من الخارج أنّ الشارع لم يرفع اليد عن كليهما
معاً، لأنّ الموجب لذلك ليس إلا عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، ومن الواضح جداً أنّ هذا لا يوجب ذلك، فانّ الضرورة تتقدر بقدرها، وهي لا تقتضي إلا رفع اليد عن أحدهما دون الآخر، لكونه مقدوراً له عقلاً وشرعاً، وبذلك نستكشف أنّ الشارع قد أوجب أحدهما لا محالة، وإلّا لزم أن يفوت غرضه، وهو قبيح من الحكيم، وهذا معنى كون التخيير شرعياً.
إلى هنا قد تبيّن أنّ التكليفين المتزاحمين اللذين يكون كل منها مشروطاً بالقدرة عقلاً، فإن كانا عرضيين وكان أحدهما أه-م م-ن الآخر أو محتمل الأهمية فلا إشكال في تقديمه عليه، وأمّا إذا كانا متساويين من جميع الجهات فلا إشكال في التخيير كما مر. وأما إن كانا طوليين، فإن كان أحدهما أهم من الآخر أو محتمل الأهمية فأيضاً يتقدّم عليه على تفصيل قد تقدّم فلاحظ. هذا كله فيا إذا كانت القدرة المعتبرة في الواجب المتأخر قدرة مطلقة كما هو المفروض لا قدرة خاصة.
وأما إذا كانت القدرة المعتبرة فيه قدرة خاصة وهي القدرة في ظرف العمل لا مطلقاً، كما لو نذر أحد صوم يومي الخميس والجمعة، ثم علم بأنه لا يقدر على صوم كلا اليومين معاً، ففي مثل ذلك لا إشكال في لزوم تقديم ما هو أسبق زماناً على الآخر، فيقدّم في المثال صوم يوم الخميس على صوم يوم الجمعة، لكونه مقدّماً عليه زماناً، وكذا الحال فيما إذا دار الأمر بين ترك القيام في صلاة الظهر وتركه في صلاة العصر، أو بين ترك القيام في صلاة المغرب وتركه في صلاة العشاء، بأن لا يقدر المكلف على الاتيان بكلتا الصلاتين مع القيام، فيقدّم ما هو أسبق زماناً على الآخر.
والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ المكلف حيث إنّه كان قادراً على الصوم
يوم الخميس، والقيام في صلاة الظهر أو المغرب، فلا عذر له في تركه أصلاً، لفرض أنّ وجوبها فعلي، ولا مانع من فعليته أصلاً، ضرورة أنّ المانع هنا ليس إلا التكليف بالصوم أو القيام في ظرف متأخر، ومن المعلوم أنه لا يصلح أن يكون مانعاً، لفرض عدم وجوب احتفاظ القدرة على امتثاله في ظرفه، لما عرفت من أنّ القدرة المعتبرة فيه إنّما هى القدرة في ظرف العمل لا مطلقاً، فإذن كما لا يجب حفظ القدرة قبل مجيء وقته، كذلك لا يجب تحصيلها.
فعلى هذا لا مناص من الالتزام بلزوم تقديم المتقدم زماناً على الآخر، ولا عذر له في ترك امتثاله باحتفاظ القدرة على امتثال الواجب المتأخر أبداً، لعدم المقتضي لذلك أصلاً، ففي الأمثلة المزبورة لابد من الاتيان بالصوم يوم الخميس، وبالقيام في صلاة الظهر أو المغرب، ولا يجوز الاحتفاظ بالقدرة بتركها على الصوم يوم الجمعة، والقيام في صلاة العصر أو العشاء، ومن المعلوم أنه بعد الاتيان بالواجب المتقدم يعجز المكلف عن امتثال الواجب المتأخر، فينتفي عندئذ بانتفاء موضوعه وهو القدرة في ظرفه
ومن هذا القبيل ما إذا دار الأمر بين ترك الصوم في العشرة الأولى من شهر رمضان وتركه في العشرة الثانية، كما إذا فرضنا أنّ شخصاً لا يتمكن من الصوم في كلتا العشرتين معاً، ولكنّه قادر عليه في إحداهما دون الأخرى، فانّه لا بدّ من تقديم الصوم في العشرة الأولى على الصوم في العشرة الثانية، فانّ وجوب الصوم في العشرة الأولى فعلي بفعلية موضوعه، ولا حالة منتظرة له أبداً، وهذا بخلاف وجوبه في العشرة الثانية، فانّه غير فعلي من جهة عدم فعلية موضوعه، وعليه فلا عذر له في تركه في الأولى باحتفاظ القدرة عليه في الثانية، ضرورة أن القدرة المعتبرة على الصوم في كل يوم القدرة في ظرفه، فإن كان المكلف قادراً على الصوم في اليوم الأوّل أو الثاني فهو مكلف به، وإلا فلا تكليف به أصلاً،
ولا يجوز له الاحتفاظ بالقدرة بترك الصوم في اليوم الأوّل على الصوم في اليوم الثاني، بل لا بد له من الاتيان به في اليوم الأوّل، فان تمكن منه بعده في اليوم الثاني أيضاً فهو، وإلّا فينتفي بانتفاء موضوعه وهو القدرة، وكذا الحال في المثال المزبور، فانّه لا بد من الاتيان بالصوم في العشرة الأولى، فإن تمكن بعده من الاتيان به في العشرة الثانية أيضاً فهو، وإلّا فينتفي التكليف به بانتفاء موضوعه - وهو القدرة في ظرفه - ولا يجوز له حفظ القدرة على الصوم في الثانية بتركه في الأولى، ولو فعل ذلك كان معاقباً عليه، لأنه ترك التكليف الفعلي من دون عذر، وحينئذ - أي حين تركه في الأولى - وجب عليه في الثانية لا محالة، لقدرته عليه فعلاً، ولا عذر له في تركه أصلاً، فلو تركه كان معاقباً عليه أيضاً.
فالنتيجة : أنّه لو ترك الصوم في العشرة الأولى والثانية معاً يستحق عقابين، وهذا ليس عقاباً على ما هو خارج عن الاختيار والقدرة ليكون قبيحاً من الحكيم، فانّ استحقاقهما إنما هو على الجمع بين تركه في الأولى وتركه في الثانية، وهو مقدور له بالوجدان، ولا يكون العقاب عليه من العقاب على ما ليس بالاختيار.
نظير ما ذكرناه في بحث الترتب من أنّ المكلف عند ترك الأهم والمهم معاً يستحق عقابين، وقلنا هناك إنّ هذا لا يكون عقاباً على ما ليس بالاختيار، لأنه على الجمع بين التركين، وهو مقدور له بالبداهة، لا على ترك الجمع بينهما ليكون غير مقدور كما تقدّم. وفيما نحن فيه تعدد العقاب عند ترك كلا الواجبين من جهة الجمع بين التركين لا من جهة ترك الجمع بينهما ليكون عقاباً على غير مقدور، وهذا واضح.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّه لا مسوّغ للمكلف في أن يترك الصوم في العشرة الأولى، ويحفظ قدرته عليه في العشرة الثانية أو الأخيرة، بل لا بد له م-ن
الاتيان به في الأولى، ومعه يعجز عن الاتيان به في الثانية.
ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا دار الأمر بين ترك الطهارة المائية في الظهرين، وتركها في العشاءين، كما إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي لكلتيهما معاً،، فلو صرفه في الوضوء أو الغسل للظهرين فلا يبقى للعشاءين، وإن احتفظ به للعشاءين، فلا يتمكن من الاتيان بالظهرين مع الوضوء أو الغسل.
والوجه فيه واضح، وهو أنّ المكلف واجد للماء فعلاً بالاضافة إلى صلاتي الظهرين، وقد ذكرنا أنّ المراد من وجدان الماء فى الآية المباركة هو الوجدان بالاضافة إلى الصلاة المكلف بها فعلاً لا مطلقاً، كما أن المراد من عدم الوجدان فيها ذلك، والمفروض هنا أنّ المكلف واجد للماء بالاضافة إلى صلاتي الظهرين المكلف بها فعلاً، فيكون مشمولاً لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (1)إلى آخر الآية، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ الوجدان المعتبر في توجه التكليف بالصلاة ه-و الوجدان في وقتها، فلا أثر للوجدان قبله، ولا يكون الوجدان قبل الوقت موجباً لتوجه التكليف بالصلاة إليه فعلاً ضرورة أنه لا وجوب لها قبل دخول وقتها.
فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي أنّه مكلف بصلاتي الظهرين مع الطهارة المائية لكونه واجداً للماء، ووظيفة الواجد هي الطهارة المائية لا غيرها، ولا يكون مكلفاً بالعشاءين فعلاً، لعدم دخول وقتها، فانّه لا أثر لوجدانه الماء بالاضافة إليهما، والمفروض أنه بعد الاتيان بالظهرين يصير فاقداً للماء، ووظيفة الفاقد هي الطهارة الترابية دون غيرها. وعلى هذا فلا مسوغ لترك صلاتي
1) المائدة 6:5.
الظهرين مع الطهارة المائية والاتيان بهما مع الطهارة الترابية، ليحتفظ بالماء لصلاتي العشاءين، لما عرفت من عدم المقتضي للحفظ أصلاً، بل المقتضي لصرفه في الوضوء أو الغسل للظهرين موجود، وهو فعلية التكليف بهما مع الطهارة المائية.
وكذا الحال في بقية الأجزاء والشرائط، فلو دار الأمر بين ترك جزء أو شرط كالقيام أو نحوه في صلاة الظهر مثلاً، وتركه في صلاة المغرب فالأمر كما تقدّم، بمعنى أنّ وظيفته الفعلية تقتضي الاتيان بصلاة الظهر قائماً، ولا يجوز له ت-رك القيام فيها بحفظ القدرة عليه لصلاة المغرب، بل في الحقيقة لا مزاحمة في البين، ضرورة أن المزاحمة إنما تعقل بين التكليفين الفعليين، ليكون لكل منها اقتضاء للاتيان بمتعلقه في الخارج، وأمّا إذا كان أحدهما فعلياً دون الآخر فلا اقتضاء لما لا يكون فعلياً، ومن المعلوم أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يعقل أن يزاحم ما فيه الاقتضاء، هذا كله فيما إذا كان أحد الواجبين المزبورين فعلياً دون الواجب الآخر.
وأمّا إذا كان وجوب كليهما فعلياً كصلاتي الظهرين مثلاً أو العشاءين بعد دخول وقتها، فهل الأمر أيضاً كذلك أم لا ؟ وجهان.
الصحيح هو الوجه الأوّل، بيان ذلك هو أنا إذا فرضنا أنّ الأمر يدور بين الطهارة المائية مثلاً في صلاة الظهر، والطهارة المائية في صلاة العصر، أو بين الطهارة المائية في صلاة المغرب، والطهارة المائية في صلاة العشاء، بأن لا يتمكن المكلف من الجمع بين هاتين الصلاتين مع الطهارة المائية، ففي مثل ذلك لا مناص من الالتزام بتقديم صلاة الظهر مع الطهارة المائية على صلاة العصر، أو المغرب على العشاء، ولا تجوز المحافظة عليها لصلاة العصر أو العشاء بتركها في صلاة الظهر أو المغرب.
والوجه فيه هو أن وظيفة المكلف فعلاً الاتيان بصلاة الظهر فحسب، لفرض أنّه ليس مأموراً باتيان صلاة العصر قبل الاتيان بالظهر لاعتبار الترتيب بينهما، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى المفروض أنه في هذا الحال واجد للماء ومتمكن من استعماله عقلاً وشرعاً، ومن الواضح أن وظيفته عندئذ بمقتضى هي الآية المباركة هي الوضوء أو الغسل، ولا يشرع في حقه التيمم.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّه لا أثر لكون المكلف واجداً : للماء فعلاً بالإضافة إلى صلاة العصر لما ذكرناه من أنّ المستفاد من الآية المباركة بضميمة الروايات أنّ المراد بوجدان الماء هو وجدانه بالاضافة إلى الصلاة المأمور بها فعلاً، والمفروض أنّ فيها نحن فيه المأمور به فعلاً هو صلاة الظهر دون العصر، ضرورة أنّه لا يجب الاتيان به قبل الظهر، فإذن هو واجد للماء بالإضافة إلى الظهر، ومن المعلوم أنّ وظيفة الواجد هي الوضوء أو الغسل دون التيمم، وقد ذكرنا أنّ تقسيم المكلف إلى الواجد والفاقد في الآية المباركة قاطع للشركة، فلا يكون الواجد شريكاً مع الفاقد في شيء، وبالعكس. وعليه فيجب صرف الماء في الوضوء أو الغسل لصلاة الظهر، ومعه لا محالة يكون فاقداً له بالاضافة إلى العصر، ومن الواضح أن وظيفة الفاقد هي التيمم لا غيره.
بل لا مزاحمة في الحقيقة بين الأمر بصلاة الظهر مع الطهارة المائية والأمر بصلاة العصر معها، ضرورة أنه لا مقتضي من قبل الأمر بصلاة العصر حتى يستدعي احتفاظ الماء لها في ظرفها، ليزاحم استدعاء الأمر بصلاة الظهر صرف هذا الماء فعلاً في الوضوء أو الغسل، ومن الواضح جداً أنه لا مزاحمة بين ما فيه الاقتضاء وما لا اقتضاء فيه.
وعلى الجملة : فلا يخلو الأمر من أنّ المكلف إما أن يصلي الظهر مع الطهارة المائية، أو يصلي مع الطهارة الترابية، أو لا يصلي أصلاً، ولا رابع له-ا. فعلى
الأوّل لا محالة يكون المكلف فاقداً للماء بالاضافة إلى صلاة العصر، فوظيفته التيمم. وعلى الثاني بما أنّ صلاته باطلة، لأن وظيفته كانت الطهارة المائية، لكونه واجداً للماء على الفرض، فلا تكون الطهارة الترابية مشروعة له، فلا يجوز له الاتيان بالعصر مع الطهارة المائية، لعدم جواز الاتيان به قبل الاتيان بالظهر، والمفروض أنّ الأمر بالظهر باقٍ على حاله، وعليه بما أنّ-ه لا يك-ون مكلفاً فعلاً بالعصر، فلا يكون مانع من قبله من صرف الماء في الوضوء أو الغسل لصلاة الظهر، ومن هنا يظهر حال الصورة الأخيرة كما هو واضح، وكذا حال بقية الأجزاء والشرائط.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّه لا مزاحمة حقيقة فى أمثال هذه الموارد أصلاً، هذا كله فيما إذا كانت القدرة المأخوذة في الواجب المتأخر القدرة الخاصة، وهي القدرة في ظرف العمل.
وأمّا إذا كانت القدرة المأخوذة فيه القدرة المطلقة، بأن استكشفنا من القرائن الداخلية أو الخارجية أنّه واجد للملاك الملزم في ظرفه بمجرد القدرة عليه ولو أنا ما، ففى مثل ذلك قد عرفت أنه لا وجه لتقديم ما هو أسبق زماناً على الآخر، بل لا بد من ملاحظة الأهمّية فى البين.
والوجه في ذلك هو أنّ العقل كما يحكم بصرف القدرة في امتثال الواجب المتقدم، كذلك يحكم باحتفاظها للواجب المتأخر، ضرورة أنه لا فرق في نظر العقل بين تفويت الواجب الفعلي وتفويت الملاك الملزم في ظرفه، فكما أنه يحكم بقبح الأوّل فكذلك يحكم بقبح الثاني، وعليه فلا أثر للسبق الزماني هنا أصلاً. فاذن إن كان أحدهما أهم من الآخر أو محتمل الأهمية فيقدم عليه، بلا فرق بين كونه متقدماً عليه زماناً أو متأخراً عنه، وبلا فرق بين القول بامكان الترتب والقول باستحالته، وإلّا فيحكم العقل بالتخيير بينهما، كما تقدم بشكل واضح.
ولكن لشيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)في المقام كلام، وهو أنّ التزاحم إذا كان بين واجبين طوليين متساويين في الملاك، كما إذا دار الأمر بين القيام في الركعة الأولى من الصلاة والقيام في الركعة الثانية، أو بين ترك واجب متوقف على ارتكاب محرّم مساوٍ معه في الملاك، فلا مناص من الالتزام بتقديم ما هو أسبق زماناً على الآخر.
وقد أفاد في وجه ذلك ما توضيحه : هو أنّ الواجبين المتزاحمين إذا ك-انا عرضيين، ففي صورة التساوي وعدم كون أحدهما أهم من الآخر لا مناص من الالتزام بالتخيير، ضرورة أنّه لا وجه في هذا الفرض لتقديم أحدهما على الآخر أصلاً. وأمّا إذا كانا طوليين، فإن كانا متساويين فلابد من تقديم الواجب المتقدم على المتأخر زماناً، وذلك لأنّ التكليف بالمتقدم فعلي ولا موجب لسقوطه أصلاً، لأن سقوط كل من التكليفين المتزاحمين إنما هو بصرف القدرة في امتثال الآخر، كما أنّ ثبوت كل منهما إنّما هو عند ترك امتثال الآخر وعدم صرف القدرة فيه، بناءً على ما هو الصحيح من إمكان الترتب وجوازه، وعدم الفرق فيه بين أن يكون من طرف أو من طرفين، وبما أنّ التكليف بالواجب المتأخر متأخر خارجاً، لفرض أنّ متعلقه متأخر عن متعلق التكليف بالمتقدم، فلا يكون له مسقط في عرضه، ضرورة أنّ امتثاله في ظرفه لا يكون مسقطاً له، كما أنّ ترك امتثاله فيه لا يعقل أن يكون شرطاً لثبوته له، إلّا بناءً على إمكان الشرط المتأخر والمفروض أنه (قدس سره) يرى استحالته وعدم إمكانه.
وعلى الجملة : ففي زمان الواجب المتقدم لا مانع من صرف القدرة في امتثاله أصلاً، لفرض عدم إمكان صرف القدرة في امتثال الواجب المتأخر
1) أجود التقريرات 2 : 47.
فعلاً، والمفروض أن المسقط لوجوبه ليس إلّا امتثاله خارجاً كما عرفت، وحيث إنّه لا يمكن بالفعل فلا مسقط له أصلاً إلا أن يكون امتثاله في ظرفه شرطاً لسقوطه على نحو الشرط المتأخر، ولكنّك عرفت أنه يرى استحالة ذلك، فاذن يتعين امتثال المتقدم بحكم العقل.
ومن هنا يظهر أنه لا يمكن الالتزام بالترتب من الطرفين في مثل الفرض، وذلك لأنّ معنى الترتب من الطرفين هو أنّ ثبوت التكليف بكل منهما مشروط بترك امتثال الآخر خارجاً وعدم الاتيان بمتعلقه، وهذا لا يعقل في مثل المقام، ضرورة أنّ ثبوت التكليف بالمتقدم لا يعقل أن يكون مشروطاً بترك امتثال التكليف بالمتأخر في ظرفه إلّا على نحو الشرط المتأخر، وهو محال على وجهة نظره (قدس سره).
نعم، إذا كان المتأخر أقوى ملاكاً من المتقدم فلابد من تقديمه عليه، والوجه في ذلك هو أن التزاحم في الحقيقة عندئذ إنما هو بين التكليف بالمتقدم ووجوب حفظ القدرة فعلاً على امتثال التكليف بالمتأخر، وبما أن ملاك المتأخر أهم من ملاك الواجب الفعلي، فلا محالة يكون وجوب حفظ القدرة عليه أه-م م-ن وجوب الواجب الفعلي فيتقدّم عليه في مقام المزاحمة.
فالنتيجة المستفادة من مجموع ما أفاده (قدس سره) هنا هي أنّ التزاحم لا يعقل بين تكليفين،طوليين، إلّا إذا كان المتأخر أهم من المتقدم لتقع المزاحمة بين وجوب حفظ القدرة عليه فعلاً، ووجوب الواجب المتقدم، وأما إذا ك--انا متساويين، أو كان المتقدم أهم من المتأخر، فلا تزاحم بينهما أبداً، بل يتعين امتثال الواجب المتقدم بحكم العقل، دون الواجب المتأخر، ولأجل ذلك لا يجري الترتب بينهما كما عرفت.
ولنأخذ بالمناقشة فيما أفاده (قدس سره) وهي أنا قد حققنا سابقاً أن كون أحد الخطابين مشروطاً بترك امتثال الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه لم يرد في لسان دليل من الأدلة، لنقتصر على مقدار مدلوله ونأخذ بظاهره، بل هو من ناحية حكم العقل بعدم إمكان تعلق الخطاب الفعلي بأمرين متضادين إلا على هذا الفرض والتقدير، ضرورة استحالة تعلقه بكل منها فعلاً وفي عرض الآخر.
والوجه في ذلك : هو أنّ العقل مستقل بلزوم حفظ خطاب المولى بالمقدار الممكن، وعدم جواز رفع اليد لا عن أصله ولا عن اطلاقه ما لم تقتضه الضرورة، وهذا ظاهر.
وعلى أساس ذلك بما أنّ في مقام المزاحمة بين التكليفين لا يتمكن المكلف من التحفظ على كليهما معاً، فلا مناص من الالتزام برفع اليد ع-ن أحدهما والأخذ بالآخر إذا كان ذلك الآخر واجداً للترجيح، فانّ هذا غاية ما يمكنه. وأمّا إذا لم يكن واجداً له فلا مناص من الالتزام بالتخيير بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب وجوازه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى قد تقدّم منا غير مرّة أنه لا فرق في نظر الع-ق-ل ب-ي-ن تفويت الواجب الفعلي وتفويت الملاك الملزم في ظرفه، فكما أنه يحك-م ب-قبح الأوّل، فكذلك يحكم بقبح الثاني.
ومن ناحية ثالثة : قد حققنا في بحث الواجب المطلق والمشروط (1)أنه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر، بل لا مناص عنه في المركبات التدريجية كالصلاة وما شاكلها، كما تقدم هناك. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي الثلاث هي أنّ في صورة كون التكليفين
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 135 مبحث الشرط المتأخر.
المتزاحمين متساويين لا مناص من القول بالتخيير - مطلقاً - من دون فرق بين أن يكونا عرضيين أو طوليين.
والسر في ذلك ما عرفت من أنّ القول بالتخيير هنا عقلاً يرتكز على القول بالترتب، وقد ذكرنا أنّه لا فرق فيه بين أن يكون من طرف واحد، كما إذا كان أحدهما أهم من الآخر، وأن يكون من طرفين، كما إذا كانا متساويين، وق--د سبق أن معنى الترتب عند التحليل عبارة عن تقييد إطلاق التكليف بأحدهما بترك امتثال التكليف بالآخر، وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً في فرض ك--ون أحدهما أهم من الآخر، وتقييد اطلاق التكليف بكل منها بترك امتثال الآخر و عدم الاتيان بمتعلقه في فرض كونهما متساويين.
ومن المعلوم أنّ هذا التقييد والاشتراط ليس ناشئاً فعلاً بحكم الشرع أو العقل، بل هو نتيجة اشتراط التكاليف من الأوّل بالقدرة، ومن هنا قلنا إنّ هذا التخيير ليس معناه تبديل الوجوب التعييني بالتخييري، بل كل منهما باق على وجوبه التعييني، غاية الأمر نرفع اليد عن إطلاق وجوب كل منهما بتقييده بعدم الاتيان بمتعلق الآخر، بل معناه اختيار المكلف في إعمال قدرته في امتثال هذا أو ذاك، باعتبار أن القدرة الواحدة لا تفي بامتثال كليهما معاً، ولا يفرق في ذلك بين كونهما عرضيين أو طوليين غاية الأمر على الثاني لابد من الالتزام بجواز الشرط المتأخر، حيث إنّ شرطية عدم الاتيان بالواجب المتأخر في ظرفه لفعلية وجوب المتقدم لا تعقل إلّا على هذا القول، ولكن قد تقدم أن الصحيح هو جوازه، وأنه لا مانع منه أصلاً، بل لا مناص من الالتزام به في بعض الموارد، كما مر بشكل واضح، وعليه فلا فرق بين كونهما عرضيين أو طوليين، فعلى كلا التقديرين لا بدّ من الالتزام بالترتب، وبثبوت كلا التكليفين على شكل اشتراط ثبوت كل منهما بعدم الاتيان بمتعلق الآخر في ظرفه.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه : أنّه لا مانع من الالتزام بالترتب في المتزاحمين الطوليين، لا من ناحية الالتزام بالترتب من الطرفين، ولا من ناحية ابتنائه على جواز الشرط المتأخر، ولا من ناحية حكم العقل.
أما الأوّل، فقد ذكرنا أنه لا فرق في إمكان الترتب بين أن يكون من طرف واحد كما في الأهم والمهم، أو من طرفين كما في المتساويين.
وأما الثاني، فقد حققنا جواز الشرط المتأخر وامكانه.
وأمّا الثالث، فقد عرفت أنّه لا فرق عند العقل بين تفويت الملاك الملزم في ظرفه، وتفويت الواجب الفعلي.
فما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) من عدم جريان الترتب بينها، لا يرجع إلى معنى صحيح أصلاً.
كما أنّ ما أفاده (قدس سره) من المانع، وهو أن سقوط كل من التكليفين المتزاحمين حيث إنّه كان بامتثال الآخر فلا يعقل أن يكون امتثال التكليف بالمتأخر - من جهة تأخره خارجاً - مسقطاً للتكليف بالمتقدم، فأيضاً لا يرجع إلى معنى محصل، والوجه فيه :
أما أوّلاً: فلأنّه لا مانع من أن يكون امتثال التكليف بالمتأخر في ظرفه شرطاً لسقوطه على نحو الشرط المتأخر، بناءً على ما حققناه من إمكانه وجوازه. وأما ثانياً : فلأنّ المسقط له ليس هو امتثال الآخر بما هو، لما قدمناه سابقاً من أنّ المسقط للتكليف أحد أمرين لا ثالث لهما :
الأوّل : امتثاله في الخارج الموجب لحصول غرضه، فأنه بعد حصول الغرض الداعي له خارجاً لا يعقل بقاؤه، ولذا قلنا إن المسقط في الحقيقة إنما هو حصول الغرض وتحققه في الخارج لا الامتثال نفسه كما تقدّم.
الثاني: انتفاء القدرة وعجز المكلف عن امتثاله، ومعه لا محالة يسقط التكليف، بداهة استحالة توجيهه نحو العاجز، ومن المعلوم أنّ المسقط فيما نحن فيه ليس هو الأوّل على الفرض، بل المسقط له إنّما هو الثاني كما هو المفروض، باعتبار أنّ المكلف إن أعمل قدرته في امتثال الواجب الفعلي عجز عن امتثال الواجب المتأخر في ظرفه فينتفي بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - وإن حفظ قدرته على امتثال المتأخر عجز عن امتثال المتقدم لا محالة، ضرورة أنّ القدرة الواحدة لا تفي لامتثال كليهما معاً، ومثال ذلك: ما إذا توقف امتثال واجب على ارتكاب محرّم كالتصرف في مال الغير مثلاً، فانّه إن صرف قدرته في ترك الحرام عجز عن امتثال الواجب في ظرفه كانقاذ الغريق مثلاً أو نحوه، وإن حفظ قدرته لامتثاله في ظرفه بارتكاب الحرام عجز عن تركه، ومن الواضح أنّ مع العجز عنه تسقط حرمته لا محالة، ولا يفرق في سقوط حرمته بين أن يمتثل المكلف الواجب المتأخر خارجاً أم لا، ضرورة أنّ المسقط للتكليف بالمتقدم ليس هو امتثال المتأخر في الخارج، بل المسقط له في الحقيقة - كما عرفت - عدم تمكن المكلف من امتثاله.
وعليه فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) - من أن سقوط ك--ل م-ن التكليفين المتزاحمين لا يكون إلا بامتثال الآخر، وحيث إن امتثال التكليف بالمتأخر متأخر خارجاً فلا يعقل أن يكون مسقطاً للتكليف بالمتقدم - لا يرجع إلى معنى صحيح، لما عرفت من أنّ المسقط له ليس هو امتثال التكليف بالمتأخر ليقال إنه حيث لا يكون في عرضه فلا يكون مسقطاً له، بل المسقط له ما مر وهو عدم تمكن المكلف من امتثاله.
فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّه لا فرق في نظر العقل بين أن يكون المتزاحمان المتساويان عرضيين أو طوليين، إذ أنّه على كلا التقديرين يستقل
العقل بالتخيير بينهما على بيان تقدّم بصورة واضحة.
ثمّ إنّ ما مثل لذلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) بما إذا دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الأولى من الصلاة وتركه في الركعة الثانية، فقد ظهرت المناقشة فيه ممّا تقدّم من أنّه لا تعقل المزاحمة بين جزأين أو شرطين أو جزء أو شرط لواجب واحد وسيجيء الكلام في ذلك بصورة مفصلة (1).
ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) قد طبق كبرى مسألة التزاحم على جملة من الفروع وقد تقدّم الكلام في بعضها (2):
الأوّل: ما إذا دار الأمر بين سقوط الطهور في الصلاة وسقوط قي-د م-ن قيودها الأخر، فيسقط ذلك القيد وإن كان وقتاً، لكون الطهور ركناً لها، وأهم من بقية القيود، ولذا ورد أنّه «لا صلاة إلّا بطهور» (3).
الثاني : ما إذا دار الأمر بين خصوص الطهارة المائية وغيرها من القيود فيقدم غيرها عليها، وقد ذكر في وجه ذلك أنّ أجزاء الصلاة وشرائطها وإن كانت مشروطة بالقدرة شرعاً بمقتضى ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (4)، إلّا أنّ الطهارة المائية خاصة ممتازة عن بقية القيود من الأجزاء والشرائط، من جهة جعل الشارع البدل لها وهو الطهارة الترابية، فبذلك تتأخر رتبتها عن الجميع، فيقدم عليها كل قيد من قيود الصلاة في مقام المزاحمة.
الثالث : ما إذا دار الأمر بين وقوع ركعة من الصلاة في خارج الوقت وسقوط أي قيد من قيودها الأخر غير الطهور، يسقط ذلك القيد، لكون إدراك الوقت أهم.
الرابع : ما إذا دار الأمر بين إدراك تمام الركعات في الوقت وإدراك قيد آخر ولا يتمكن من الجمع بينهما، فيقدّم إدراك ذلك القيد على إدراك تمام الركعات فيه، واستثنى من ذلك خصوص السورة وقال: إنّها تسقط عند الدوران المزبور، لقيام الدليل على سقوطها بالاستعجال.
الخامس : ما إذا دار الأمر بين سقوط الأجزاء وسقوط الشرائط، فتسقط الشرائط، وعلّل ذلك بأنها متأخرة رتبة عن الأجزاء، لأنّها إنّما أخذت قيوداً فيها، ومن الواضح أنّ القيد متأخر رتبة عن المقيد.
السادس : ما إذا دار الأمر بين سقوط أصل الشرط وسقوط قيده، كما لو دار الأمر بين سقوط أصل الساتر عن الصلاة وسقوط قيده وهو كونه طاهراً، يسقط قيده لتأخره عنه رتبة.
السابع : ما إذا دار الأمر بين سقوط قيد مأخوذ في الركن وسقوط قيد مأخوذ في غيره من الأجزاء أو الشرائط، كما لو دار الأمر بين ترك الطمأنينة مثلاً في الركن وتركها في غيره من الذكر أو القراءة أو نحو ذلك، يتعيّن سقوط الثاني.
الثامن : ما إذا دار الأمر بين سقوط القيام المتصل بالركوع وسقوط القيام حال القراءة، يتعين سقوط القيام فيها باعتبار أنّ القيام قبل الركوع بنفسه ركن ومقوم له، فلا محالة يتقدّم على القيام في حال القراءة، ومن هنا يتقدّم القيام قبل الركوع على القيام حال التكبيرة أيضاً، فانّ القيام حالها شر ط، وفي الركوع مقوّم.
التاسع : ما إذا دار الأمر بين سقوط أحد الواجبين الطوليين، سقط المتأخر وإن لم يكن الملاك فيه أهم، ومن ثم يتقدّم القيام في التكبيرة على القيام في القراءة، هذا مضافاً إلى كونه شرطاً في الركن دون القيام في القراءة، وقد عرفت أنّه في مقام دوران الأمر بين سقوط شرط الركن وسقوط شرط غيره، يتعين سقوط شرط غيره.
العاشر : ما إذا دار الأمر بين ترك القيام في الصلاة وترك الركوع والسجود فيها، وتعرّض لهذا الفرع السيّد (قدس سره) في العروة في موضعين : الأوّل: في مبحث المكان (1)، والثاني : في مبحث القيام (2)، وحكم (قدس سره) في ك-لا الموضعين بالتخيير بينهما.
ولكن شيخنا الأستاذ (قدس سره) قد حكم في حاشيته على العروة (3)في أحد الموضعين بتقديم القيام على الركوع والسجود، وفي الآخر بتقديم الركوع والسجود على القيام على عكس الأوّل. ونظره (قدس سره) في الأوّل إلى تقديم ما هو أسبق زماناً على غيره، وفي الثاني إلى تقديم الأهم على غيره، وعلى كل حال فبين كلاميه في الموضعين تناقض واضح.
وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) من الترجيح في هذه الفروعات جميعاً يرتكز على أساس إجراء قواعد التزاحم فيها من الترجيح بالأسبقية في بعضها، وبالأهمية في بعضها الآخر، وبالتقدم الرتبي في ثالث.
ولنا أن نأخذ بالمناقشة فيما ذكره (قدس سره) من ناحيتين:
الأولى : أنّ هذه الفروعات وما شاكلها أجنبية عن مسألة التزاحم تماماً،ولا يجري فيها شيء من أحكامها وقواعدها.
الثانية : أنه على تقدير تسليم جريان قواعد التزاحم في تلك الفروعات فانّ ما أفاده (قدس سره) فيها من الترجيح لا يتم على إطلاقه.
أما الناحية الأولى : فقد أشرنا إليها إجمالاً فيما سبق، ونقدم لكم هنا بصورة مفصلة، بيان ذلك : أنّه قد تقدّم أنّ التزاحم هو تنافي الحكمين في مقام الامتثال والفعلية بعد الفراغ عن جعل كليهما معاً على نحو القضية الحقيقية، ومن هنا قلنا إنّه لا تنافي بينهما أبداً في مقام الجعل والتشريع، ضرورة أنه لا تنافي بين جعل وجوب إنقاذ الغريق مثلاً للقادر وجعل حرمة التصرف في مال الغير له وهكذا...بل بينهما كمال الملاءمة في هذا المقام، هذا من جانب.
ومن جانب آخر : أنّ التعارض هو تنافي الحكمين في مقام الجعل والتشريع بحيث لا يمكن جعل كليهما معاً على نحو القضية الحقيقية، فثبوت كل منهما على هذا النحو يكذب الآخر بالمطابقة أو بالالتزام على بيان قد سبق بشكل واضح.
ومن جانب ثالث أنّ الأمر المتعلق بالمركب كالصلاة وما شاكلها - بصفة أنه أمر واحد شخصي - لا محالة ينبسط على أجزاء ذلك المركب وت-قي-دات-ه بقيودات خارجية، فيأخذ كل جزء منه حصة من ذلك الأمر الواحد الشخصي، فيكون مأموراً به بالأمر الضمني النفسي ومن المعلوم أنّ الأمر الضمني المتعلق بجزء مربوط بالذات بالأمر الضمني المتعلق بجزء آخر وهكذا، ضرورة أنّ الأوامر الضمنية المتعلقة بالأجزاء هى عين ذلك الأمر النفسي الاستقلالي المتعلق بالمجموع المركب من تلك الأجزاء بالتحليل العقلي.
وعلى هذا فلا يعقل سقوط بعض تلك الأوامر عن بعض تلك الأجزاء وبقاء
بعضها الآخر، لفرض أنّ هذه الأوامر عين الأمر النفسي، غاية الأمر العقل يحلله إلى أوامر متعددة ضمنية، ويجعله حصة حصة، فتتعلق بكل جزء من أجزاء متعلقه حصة منه، ومن الواضح جداً أنه لا يعقل بقاء تلك الحصة بدون بقاء الأمر النفسي ولا سقوطها بدون سقوطه، وهذا معنى ارتباطية تلك الأجزاء بعضها ببعضها الآخر ثبوتاً وسقوطاً في الواقع ونفس الأمر.
فالنتيجة على ضوء هذه الجوانب الثلاثة : هي أنّ في الفروع المزبورة أو ما شاكلها لا يعقل أن يكون التزاحم بين أمرين نفسيين، ضرورة أنه ليس فيها إلا أمر نفسي واحد متعلق بالمجموع المركب. وكذا لا يعقل أن يكون التزاحم بين أمرين إرشاديين، لما عرفت من أنّه لا شأن للأمر الارشادي ما عدا الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية، ولذا لا تجب موافقته ولا تحرم مخالفته بحكم العقل. ومن المعلوم أن المزاحمة إنما تعقل بين أمرين يقتضي كل منها امتثاله والاتيان بمتعلقه خارجاً لتقع المزاحمة بينهما في مقام الامتثال والاطاعة، والمفروض أنه لا اقتضاء للأمر الارشادي بالاضافة إلى ذلك أصلاً لتعقل المزاحمة بينهما.
والذي يمكن أن يتوهم في أمثال هذه المقامات هو وقوع المزاحمة بين أمرين ضمنيين، ببيان أنّ كلاً منهما يقتضي الاتيان بمتعلقه، فعندئذ لو كان المكلف قادراً على امتثال كليهما والاتيان بمتعلقيها خارجاً فلا مزاحمة في البين أصلاً.
وأمّا إذا فرضنا أنّه لا يقدر إلا على امتثال أحدهما دون الآخر، فلا محالة تقع المزاحمة بينهما، كما إذا دار الأمر بين ترك القيام في الصلاة مثلاً وترك الركوع فيها، أو بين ترك القيام في حال التكبيرة وتركه في حال القراءة، أو بين ترك الطهارة الحدثية وترك الطهارة الخبثية وما شابه ذلك، ففي أمثال هذه الموارد التي لا يكون المكلف قادراً على الجمع بينهما في الخارج لا محالة تقع المزاحمة بين الأمر الضمني المتعلق بالقيام والأمر الضمني المتعلق بالركوع، أو الأم--ر
الضمني المتعلق بتقيد الصلاة بالطهارة الحدثية، والأمر الضمني المتعلق بتقيدها بالطهارة الخبئية، وهكذا.
والوجه في ذلك : هو أن ملاك التزاحم بين أمرين نفسيين كالأمر بالصلاة مثلاً في ضيق الوقت والأمر بالازالة - وهو عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما معاً، فلو صرف قدرته في امتثال أحدهما عجز عن امتثال الثاني، فينتفي بانتفاء موضوعه وهو القدرة ولو انعكس فبالعكس - بعينه موجود بين أمرين ضمنيين، كالأمر بالقيام مثلاً والأمر بالركوع أو ما شاكلها، فانّ المفروض هنا هو أنّ المكلف لا يقدر على امتثال كليهما معاً، فلا يتمكن من الجمع بين القيام والركوع في الصلاة، فلو صرف قدرته في امتثال الأوّل عجز عن امتثال الآخر، فينتفي عندئذ بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - وإن صرف فيه عجز عن الأوّل وهكذا.
وعليه فيرجع إلى قواعد باب التزاحم، فإن كان أحدهما أهم من الآخر قدم عليه، وكذا إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة عقلاً والآخر مشروطاً بها شرعاً، فانّ ما كان مشروطاً بالقدرة عقلاً يتقدّم على غيره، أو إذا كان كلاهما مشروطاً بالقدرة شرعاً ولكن كان أحدهما أسبق من الآخر زماناً تقدم الأسبق على غيره، وأما إذا كانا متساويين من تمام الجهات ولم يكن ترجيح في البين ولا احتماله، فالعقل يحكم بالتخيير بينهما بمعنى تقييد إطلاق الأمر بكل منهما بعدم الاتيان بالآخر كما عرفت في التزاحم بين الواجبين النفسيين إذا ك-انا متساويين من جميع الجهات.
وعلى الجملة : فجميع ما ذكرناه في التزاحم بين الأمرين النفسيين يجري في المقام من دون تفاوت أصلاً إلا في نقطة واحدة، وهي أن التزاحم هناك بين أمرين نفسيين، وهنا بين أمرين ضمنيين، ومن المعلوم أن الاختلاف في هذه
النقطة لا يوجب التفاوت بينهما في جريان أحكام التزاحم ومرجحاته وقواعد بابه أصلاً. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه القول بجريان التزاحم في أجزاء وشرائط واجب واحد كما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) وغيره.
وغير خفي أنّ هذا البيان وإن كان في غاية الصحة والاستقامة بالاضافة إلى حكمين نفسيين: وجوبيين كانا أو تحريميين أو كان أحدهما وجوبياً والآخر تحريمياً كما تقدّم الكلام في التزاحم بينهما بصورة مفصلة فلا نعيد، إلّا أنّه لا يتم بالاضافة إلى حكمين ضمنيين، وذلك لأنّ تماميته بالاضافة إليهما تبتنى على نقطة واحدة، وهي أنّ الأمر المتعلق بالمركب لا يسقط بتعذر بعض أجزائه أو شرائطه، فحينئذ لو دار الأمر بين ترك جزء كالقيام في الصلاة مثلاً وترك جزء آخر كالركوع فيها أو نحوهما، فلا محالة تقع المزاحمة بينهما، لفرض أنّ الأمر بالصلاة باق ولم يسقط بتعذر أحد هذين الجزأين، والمفروض أن كلا منهما مقدور في نفسه وفي ظرف عدم الاتيان بالآخر.
فإذن لا مانع - بناءً على ما حققناه من صحة الترتب - [من ] الالتزام بثبوت الأمر الضمني النفسي لكل منهما في نفسه وعند عدم الاتيان بالآخر وهذا التقييد نتيجة أمرين :
الأوّل : وقوع المزاحمة بين هذا الأمر الضمني وذاك في مقام الامتثال
الثاني : الالتزام بالترتب بينهما من الجانبين.
ولكن عرفت أنّ هذه النقطة خاطئة جداً وغير مطابقة لل-واق-ع ق-طعاً، ضرورة أنه لا يعقل بقاء الأمر المتعلق بالمركب مع تعذر بعض أجزائه أو شرائطه كما سبق بشكل واضح (1). وعلى هذا الأساس فاذا تعذر أحد أجزائه
1) في ص 106.
أو شرائطه معيّناً كان أو غير معين - أعني به ما إذا دار الأمر بين ترك هذا وذاك - فلا محالة يسقط الأمر المتعلق به بداهة استحالة بقائه لاستلزامه التكليف بالمحال، وهو غير معقول.
وبتعبير آخر: أن فرض بقاء الأمر الأوّل بحاله يستلزم التكليف بالمحال، وفرض بقاء الأوامر الضمنية المتعلقة بالأجزاء والشرائط الباقيتين، وأن الساقط إنما هو الأمر الضمني المتعلق بخصوص المتعذر منها خلف، وذلك لفرض، أن تلك الأوامر أوامر ضمنية كل منها مرتبط مع الآخر ارتباطاً ذاتياً، فلا يعقل بقاء بعض منها وسقوط بعضها الآخر، وإلا لكانت أوامر استقلالية لا ضمنية، وهذا خلف كما عرفت.
فاذن مقتضى القاعدة سقوط الأمر عن المركب بتعذر أحد أجزائه أو قيوده، وعليه فلا أمر لا بالمركب ولا بأجزائه، فلا موضوع للتزاحم ولا التعارض، فانتفاؤهما بانتفاء موضوعهما، ولذا لو كنا نحن والقاعدة الأولية لم نقل بوجوب الباقي، فانّ الأمر المتعلق بالمجموع المركب منه قد سقط يقيناً، وإثبات أمر آخر متعلق بالفاقد يحتاج إلى دليل ففي كل مورد ثبت دليل على وجوبه فنأخذ به،
وإلا فمقتضى القاعدة عدم وجوبه. ولكن قد يتوهم في المقام أنّه وإن لم يمكن الالتزام بالتزاحم بين واجبين ضمنيين كجزأين أو شرطين أو جزء وشرط، فيما إذا تعلق الأمر بالمركب من الأجزاء بعناوينها الأوّلية كما عرفت إلّا أنّه لا مانع من الالتزام به فيما إذا تعلق الأمر بالمركب من الأجزاء بعنوان المقدور ببيان أنّه إذا تعذر أحد أجزائه لا يسقط الأمر عن الأجزاء الباقية لفرض أنّ جزئيته تختص بحال القدرة، وفي حال التعذر لا يكون جزءاً واقعاً، وإذا لم يكن جزءاً كذلك في هذا الحال، فلا محالة لا يكون تعذره موجباً لسقوط الأمر عن الباقي.
وعلى هذا فإن كان المتعذر أحد أجزاء ذلك المركب معيّناً سقط الأمر عنه خاصة دون الباقي لفرض اختصاص جزئيته بحال القدرة، وفي هذا الحال لا يكون جزءاً واقعاً، وإن كان المتعذر مردداً بين اثنين منها، ففي مثله لا محالة تقع المزاحمة بين الأمر الضمني المتعلق بهذا والأمر الضمني المتعلق بذاك، بتقريب أن ملاك التزاحم - وهو تنافي الحكمين في مقام الامتثال والفعلية بعد الفراغ عن ثبوتها بحسب مقام الجعل بلا منافاة - موجود بعينه هنا، لفرض أنه لا تنافي بين الأمر الضمني المتعلق بهذا الجزء والأمر الضمني المتعلق بالآخر بحسب مقام الجعل، فهذا مجعول له بعنوان كونه مقدوراً وذاك مجعول له بهذا العنوان، م--ن دون أية منافاة في البين، غاية الأمر من جهة عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما معاً وقع التنافي والتزاحم بينهما، فلو صرف قدرته في امتثال هذا عجز عن الآخر، فينتفي بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - وإن عكس فبالعكس.
وعلى الجملة : فيجري فيه جميع ما يجري في التزاحم بين الواجبين النفسيين على القول بامكان الترتب واستحالته حرفاً بحرف، من دون فرق بينها م-ن هذه الناحية أصلاً.
ولكنّه توهم خاطئ ولم يطابق الواقع، والوجه في ذلك هو أنه لا شبهة في أنّ الأمر المتعلق بالمجموع المركب من الجزء المتعذر يسقط بتعذره لا محالة، ضرورة أنه لا يعقل بقاؤه، كما إذا فرضنا أنّ للمركب عشرة أجزاء مثلاً، وتعلق الأمر بها بعنوان كونها مقدورة، فعندئذ إذا فرض سقوط أحد أجزائه وتعذره، فلا إشكال في سقوط الأمر المتعلق بمجموع العشرة، بداهة استحالة بقائه، لاستلزامه التكليف بالمحال وبغير المقدور، وأما الأمر المتعلق بالتسع الباقية فهو أمر آخر لا الأمر الأوّل، لفرض أنّه متعلق بالمركب من عشرة أجزاء، لا بالمركب من التسعة، وهذا واضح. وأما إذا تعذر أحد جزأين منها لا بعينه، عينه، بأن تردد
الأمر بين كون المتعذر هذا أو ذاك فأيضاً لا شبهة في سقوط الأمر المتعلق بالمجموع لفرض عدم قدرة المكلف عليه، ومعه يستحيل بقاء أمره، لاستلزامه التكليف بغير المقدور
وعليه فلا محالة نشك في أنّ المجعول الأوّلي في هذا الحال أي شيء، هل هو جزئية هذا أو جزئية ذاك، أو أنه جزئية الجامع بينهما بلا خصوصية لهذا ولا لذاك، فإذن لا محالة يدخل المقام في باب التعارض، فيرجع إلى أحكامه وقواعده.
وبتعبير واضح : أنّه لا شبهة في سقوط الأمر المتعلق بالمجموع المركب من عشرة أجزاء مثلاً بتعذر جزئه وسقوطه واستحالة بقائه كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المتعذر معيّناً أو غير معيّن كما هو واضح، ومن المعلوم أنّ بسقوطه - الأمر - يسقط جميع الأوامر الضمنية المتعلقة بأجزائه، لفرض أنّ تلك الأوامر عين ذلك الأمر المتعلق بالمجموع، فلا يعقل بقاؤها مع سقوطه.
وتخيّل أنّ الساقط في هذا الفرض إنّما هو خصوص الأمر الضمني المتعلق بالجزء المتعذر دون البقية خيال فاسد جداً، ضرورة أنّ الأمر المتعلق بالمجموع لا يخلو من أن يكون باقياً في هذا الحال أو ساقطاً. فعلى الفرض الأول لا يعقل سقوطه، لفرض أنه حصة منه، فمع بقائه لا محالة هو باق. وعلى الفرض الثاني سقط الأمر الضمني عن الجميع، لا عن خصوص المتعذر، لما عرفت من حديث العينية، وهذا معنى ارتباطية الأوامر الضمنية بعضها مع بعض الآخر ارتباطاً ذاتياً.
ولكن حيث قد عرفت استحالة الفرض الأوّل فى هذا الحال، فلا محالة يتعين الالتزام بالفرض الثاني. نعم، ثبت الأمر للباقي بعد سقوطه عن المجموع بمقتضى اختصاص جزئية المتعذر بحال،القدرة، فانّ قضية ذلك سقوط جزئيته في حال التعذر واقعاً، ولازمه ثبوت الأمر للباقي، وبما أنّ الباقي في هذا الفرض
مردد بين المركب من هذا أو ذاك، فلا محالة لا نعلم أن المجعول جزئية هذا له أو ذاك أو جزئية الجامع بينهما بعد عدم إمكان كون المجعول جزئية كليهما معاً، فإذن لا محالة تقع المعارضة بين دليليهما فيرجع إلى قواعد بابها، فإن كان أحدهما عاماً والآخر مطلقاً، فيقدّم العام على المطلق، وإن كان كلاهما عاماً فيرجع إلى مرجحات باب التعارض، وإن كان كلاهما مطلقاً فيسقطان معاً، فيرجع إلى الأصل العملي ومقتضاه عدم اعتبار خصوصية هذا وذاك، فتكون النتيجة جزئية الجامع.
وبهذا البيان قد ظهر أنّه لا فرق بين المقام وبين ما إذا تعلق الأمر بالمركب من الأجزاء بعناوينها الأوّلية إلا في نقطة واحدة، وهي أنّ في مثل المقام لا يحتاج ثبوت الأمر للباقي إلى دليل خارجي يدل عليه ك- «لا تسقط الصلاة بحال»(1)أو نحوه، بل الأمر به ثابت من الابتداء، بمعنى أن الشارع قد أوجب كل مرتبة من مراتب هذا المركب عند تعذر مرتبة أخرى منه.
ويدل على هذا في المقام تقييد جزئية كل من أجزائه بحال القدرة، ولازم ذلك هو عدم جزئيته في حال العجز واقعاً، وثبوت الأمر للباقي، وأما في غير المقام ومحل الفرض يحتاج ثبوت الأمر للباقي إلى دلي-ل م-ن الخارج، وإلا فمقتضى القاعدة عدم وجوبه بعد سقوط الأمر عن المجموع بتعذر جزئه.
ولكن بعد ما دلّ الدليل من الخارج على وجوبه، فلا فرق بينه وبين ما نحن فيه، فكما أنّ فيه إذا دار الأمر بين سقوط جزء وجزء آخر فيدخل في ب-اب التعارض لفرض أنّ المجعول في هذا الحال ليس إلا وجوب أحدهما، ولا يعقل أن يكون وجوب كليهما معاً، لاستلزامه التكليف بالمحال، ومن المعلوم أنه لا
1) ورد بهذا المضمون في الوسائل 2: 373 أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
موضوع للتزاحم في مثله كما هو واضح، فكذلك فيما نحن فيه إذا دار الأمر بين سقوط جزء وجزء آخر فيدخل في هذا الباب، وذلك لأنا نعلم إجمالاً في هذا الحال بوجوب أحدهما، لفرض تعلق الأمر الآخر بالباقي وسقوط الأمر الأوّل عن المجموع كما عرفت، ومعه لا محالة نشك في أنّ المجعول وجوب خصوص هذا أو ذاك، أو وجوب الجامع بينهما، بعد عدم إمكان وجوب كليهما معاً، فعندئذ لا محالة تقع المعارضة بين دليليهما، ومعه لا موضوع للتزاحم أصلاً.
ولعل منشأ تخيّل أنّ هذا من باب التزاحم الغفلة عن تحليل نقطة واحدة وهي تعلق الأمر بالباقي من الابتداء، من دون حاجة إلى التماس دليل خارجي عليه، فان عدم تحليلها أوجب تخيل أنّ الأوامر الضمنية المتعلقة بأجزاء مثل هذا المركب لم تسقط بسقوط جزء منه، غاية الأمر أن تعذره أوجب سقوط خصوص الأمر الضمني المتعلق به لا بغيره، وعليه فإن كان الجزء المتعذر معيّناً سقط الأمر عنه خاصة، وإن كان مردداً بين هذا وذاك سقط أمر أحدهما بسقوط موضوعه - وهو القدرة - دون الآخر، بعد ثبوت كليهما معاً في مقام الجعل، من دون أي تنافٍ بينهما فيه، ومن المعلوم أنا لا نعني بالتزاحم إلا هذا، غاية الأمر على القول بالترتب الساقط هو إطلاق الخطاب، وعلى القول بعدمه الساقط أصله.
ووجه الغفلة عن ذلك هو ما عرفت من أنّ الأمر وإن تعلق بالباقي من الأوّل إلا أنه أمر آخر بالتحليل، ضرورة أنّ الأمر الأوّل المتعلق بالمجموع المركب قد سقط يقيناً من جهة تعذر جزء منه، ولا يعقل بقاؤه في هذا الحال كما مرّ - ومع سقوطه لا محالة تسقط الأوامر الضمنية المتعلقة بأجزائه، وعليه فلا محالة نشك في هذا الفرض وما شاكله في أنّ الأمر المجعول ثانياً للباقي هل هو مجعول للمركب من هذا أو ذاك، يعني أنّ الشارع في هذا الحال جعل هذا جزءاً أو ذاك، فيكون الشك في أصل المجعول في هذا الحال، ومن المعلوم أنه
لا يعقل فيه التزاحم، ولا موضوع،له ضرورة أنّه إنما يعقل فيما إذا كان أصل المجعول لكل منهما معلوماً، وكان التنافي بينهما في مقام الامتثال لا في مثل المقام، كما لا يخفى.
فقد أصبحت النتيجة بوضوح أنّه لا فرق في عدم جريان التزاحم ب--ين جزأين أو شرطين أو جزء وشرط من واجب واحد، بين أن يكون الأمر متعلقاً به بعنوان كون أجزائه مقدورة، وأن يكون متعلقاً به على نحو الاطلاق بلا تقييد بحالة خاصة دون أخرى.
نعم، فرق بينهما في نقطة أجنبية عما هو ملاك التزاحم والتعارض بالكلية، وهي أنّ ثبوت الأمر بالباقي هنا مقتضى نفس تخصيص جزئية أجزائه بح--ال القدرة - كما عرفت - وهناك يحتاج إلى دليل خارجي يدل عليه، وإلا ف-لا وجوب له.
نعم، قد ثبت في خصوص باب الصلاة وجوب الباقي بدليل، وهو ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (1)بل الضرورة قاضية بعدم جواز ترك الصلاة في حال إلا لفاقد الطهورين على ما قوّيناه (2)، ومع قطع النظر عن ذلك تكفينا الروايات الخاصة الدالة على وجوب الاتيان بالصلاة جالساً إذا لم يتمكن من القيام، وعلى وجوب الاتيان بها بغير الاستقبال إلى القبلة إذا لم يتمكن منه وعلى وجوب الاتيان في الثوب النجس أو عارياً على الخلاف في المسألة، وغير ذلك، فهذه الروايات قد دلّت على وجوب الاتيان بالباقي وأنّه لا يسقط، والساقط إنما هو الأمر المتعلق بالمجموع المركب من الجزء أو القيد المتعذر، فلو
لم يتمكن المصلي من القيام مثلاً وجبت عليه الصلاة جالساً بمقتضى النص الخاص، وكذا لو لم يتمكن من الجلوس وجبت عليه الصلاة مضطجعاً، وهكذا.
وعلى الجملة : فمع قطع النظر عما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، تكفينا في المقام هذه الروايات الخاصة الدالة على وجوب الباقي وعدم سقوطه بتعذر جزء أو شرط، ولكن عرفت أنّ هذه القاعدة - أي قاعدة عدم سقوط الباقي بالتعذر - تختص بخصوص باب الصلاة، فلا تعم غيرها، ولذا لو لم يتمكن المكلف من الصوم في تمام آنات اليوم لم يجب عليه الامساك في الآنات الباقية من هذا اليوم، كما لو اضطر الصائم إلى الإفطار في بعض اليوم فلا يجب عليه الامساك في الباقي.
وعلى ضوء هذا الأصل فاذا تعدّر أحد أجزاء الصلاة أو شرائطه وكان المتعذر،متعيناً، كما إذا لم يتمكن المصلي من القيام مثلاً أو القراءة أو ما شاكل ذلك، فلا إشكال في وجوب الاتيان بالباقي. وأما إذا كان المتعذر مردداً بين جزأين أو شرطين أو جزء وشرط، فلا محالة يقع التعارض بين دليليها، للعلم الاجمالي بجعل أحدهما في الواقع دون الآخر، لفرض انتفاء القدرة إلا على أحدهما، فإذن لا بد من النظر إلى أدلتهما وإعمال قواعد التعارض بينهما.
فنقول : إنّ الدليلين الدالين عليهما لا يخلوان من أن يكون أحدهما لبياً والآخر لفظياً، وأن يكون كلاهما لبياً، أو كلاهما لفظياً، وعلى الثالث فأيضاً لا يخلوان من أن تكون دلالة أحدهما بالاطلاق والآخر بالعموم، وأن تكون دلالة كليهما بالعموم أو بالاطلاق.
أمّا القسم الأوّل، وهو ما إذا كان الدليل على أحدهما لبياً وعلى الآخر لفظياً، فلا إشكال في مقام المعارضة بينهما في تقديم الدليل اللفظي على اللبي،
والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ الدليل اللبي كالاجماع أو نحوه حيث إنه لا عموم ولا إطلاق،له فلابد فيه من الاقتصار على القدر المتيقن، وه-و غ-ير مورد المعارضة مع الدليل اللفظي، فلا نعلم بتحققه في هذا المورد، وذلك كما إذا دار الأمر بين القيام مثلاً في الصلاة والاستقرار فيها، فانّ الدليل على اعتبار الاستقرار لبي وهو الاجماع، فيجب الاقتصار فيه على المقدار المتيقن.
ونتيجته هي أنّه لا إجماع على اعتبار الاستقرار في الصلاة في هذا الحال، والدليل على اعتبار القيام بما أنّه لفظي، وهو قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي حمزة: «الصحيح يصلي قائماً وقعوداً، والمريض يصلي جالساً...» إلخ (1)وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة في حديث «وقم منتصباً فانّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) قال : من لم يقم صلبه فلا صلاة له»(2)ونحوهما من الروايات الدالة على ذلك، فيجب الأخذ باطلاقه. ونتيجته هي وجوب الاتيان بالصلاة قائماً فى هذا الحال بدون الاستقرار والطمأنينة، لما عرفت م-ن ع-دم الدليل على اعتباره في هذه الحالة.
وعلى الجملة : فإذا دار الأمر بين أن يصلي قائماً بدون الطمأنينة والاستقرار وأن يصلي جالساً معها، فبما أنّ الدليل الدال على اعتبار الطمأنينة لبي، فلا إشكال في تقديم القيام عليها، فيحكم بوجوب الصلاة قائماً بدون الطمأنينة، ومن هنا حكم السيد (قدس سره) في العروة (3)بتقديم القيام عليها إذا دار الأمر بينهما، ولعل نظره (قدس سره) إلى ما ذكرناه.
وأمّا القسم الثاني، وهو ما إذا كان كلا الدليلين لبياً، فلا يشمل م-ورد المعارضة، وذلك لما مرّ من أنّ الدليل إذا كان لبياً فلابد من الاقتصار في مورده على المقدار المتيقن منه، ومن المعلوم أنّ المقدار المتيقن منه غير هذا المورد، ضرورة أنا لم نحرز تحققه فيه لو لم نحرز عدمه. وعليه فمورد المعارضة لا يكون مشمولاً هذا ولا لذاك، فوقتئذ لو كنا نحن وهذا الحال ولم يكن دليل من الخارج على عدم سقوط كليهما معاً فنرجع إلى البراءة عن وجوب كل منهما، فلا يكون هذا واجباً ولا ذاك.
وأما إذا كان دليل من الخارج على ذلك، كما هو كذلك، حيث إنّ-ا ن-علم بوجوب أحدهما في الواقع، فعندئذ مرّة يدور الأمر بين الأقل والأكثر، بمعنى أن الجزء هو الجامع بينهما أو مع خصوصية هذا أو ذاك، ومرة أخرى يدور الأمر بين المتباينين، بمعنى أنا نعلم أنّ الجزء أحدهما بالخصوص في الواقع ونفس الأمر لا الجامع، ولكن دار الأمر بين كون الجزء هذا وذاك.
فعلى الأوّل، ندفع اعتبار خصوصية هذا وخصوصية ذاك بالبراءة، فنحكم بأن الجزء هو الجامع بينهما، فتكون النتيجة هي التخيير شرعاً، يعني أنّ الشارع في هذا الحال جعل أحدهما جزءاً مع إلغاء خصوصية كل منهما.
وعلى الثاني، فمقتضى القاعدة هو الاحتياط، للعلم الاجمالي بجزئية أحدهما بخصوصه في الواقع، وأصالة عدم جزئية هذا معارضة بأصالة عدم جزئية ذاك، فيتساقطان، فإذن يكون العلم الاجمالي موجباً للاحتياط على تقدير إمكانه، وإلا فالوظيفة هي التخيير بين إتيان هذا أو ذاك.
وأما القسم الثالث، وهو ما إذا كانت دلالة أحدهما على ذلك بالاطلاق والآخر بالعموم، فيقدّم ما كانت دلالته بالعموم على ما كانت دلالته بالاطلاق.
وذلك لأنّ دلالة العام تنجيزية، فلا تتوقف على أية مقدّمة خارجية، ودلالة المطلق تعليقية، فتتوقف على تمامية مقدّمات الحكمة، منها عدم البيان له. ومن الواضح جداً أنّ العام يصلح أن يكون بياناً للمطلق، ومعه لاتتم مقدّمات الحكمة ليؤخذ باطلاقه.
وعلى الجملة : فقد ذكرنا (1)أن مسألة دوران الأمر بين العام والمطلق خارجة عن كبرى مسألة التعارض، لعدم التنافي بين مدلوليهما في مقام الاثبات على الفرض، ضرورة أنّ العرف لا يرى التنافي بينهما أصلاً، ويرى العام صالحاً للقرينية على تقييد المطلق، ولا يفرق في ذلك بين كون العام متصلاً بالكلام أو منفصلاً عنه، غاية الأمر أنّه على الأوّل مانع عن ظهور المطلق في الاطلاق، وعلى الثاني مانع عن حجية ظهوره.
وأما القسم الرابع، وهو ما إذا كانت دلالة كل منهما بالعموم، فلابد فيه من الرجوع إلى المرجحات السندية من موافقة الكتاب ومخالفة العامة على ما ذكرنا من انحصار الترجيح بهما، لوقوع المعارضة بينهما، فلا يمكن الجمع الدلالي بتقديم أحدهما على الآخر، وهذا واضح.
وأما القسم الخامس، وهو ما إذا كانت دلالة كل منهما بالاطلاق، كما هو الغالب في أدلة الأجزاء والشرائط، فيسقط كلا الاطلاقين معاً، إلا إذا ك--ان أحدهما من الكتاب والآخر من غيره، فيقدّم إطلاق الكتاب عليه فيما إذا كانت النسبة بينهما عموم من وجه كما لا يخفى. وأما إذا لم يكن أحدهما من الكتاب أو كان كلاهما منه فيسقطان، وذلك لما ذكرناه من أن التعارض بين الدليلين إذا كان بالاطلاق، فمقتضى القاعدة سقوط إطلاق كليهما والرجوع إلى الأصل العملي
1) مصباح الأصول 3: 453.
إذا لم يكن هناك أصل لفظي من عموم أو إطلاق، وليس المرجع في مثله المرجحات السندية، وذلك لعدم تمامية جريان مقدّمات الحكمة في كل منهما في هذا الحال، فلا موجب لترجيح أحدهما على الآخر إذا كان واجداً للترجيح، ومقتضى الأصل العملي في المقام هو التخيير، حيث إنا نعلم إجمالاً بوجوب أحدهما من الخارج، فيكون المرجع أصالة عدم اعتبار خصوصية هذا وخصوصية ذاك. ونتيجة ذلك هي جزئية الجامع بينهما من دون اعتبار أيّ-ة خصوصية.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ الرجوع إلى مرجحات باب التعارض منحصر في خصوص القسم الرابع فحسب، أما في الأقسام الباقية فلا يرجع في شيء منها إلى تلك المرجحات أبداً. هذا كلّه إذا كان الأمر دائراً بين ج-زأين أو شرطين مختلفين في النوع.
وأمّا إذا كان الأمر دائراً بين فردين من نوع واحد، كما إذا دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الأولى وتركه في الركعة الثانية، أو دار الأمر بين ترك القراءة في الركعة الأولى وتركها في الثانية،وهكذا، ففي أمثال هذه الموارد الدليل على وجوب ذلك وإن كان واحداً في مقام الاثبات والابراز، إلا أنه في الواقع ينحل بانحلال أفراد هذا النوع، فيثبت لكل منها وجوب، وعليه فلا محالة تقع المعارضة بين وجوب هذا الفرد ووجوب ذاك الفرد - بمعنى استحالة جعل وجوب كليهما معاً في هذا الحال - ففي هذين المثالين تقع المعارضة بين وجوب القيام في الركعة الأولى ووجوبه في الثانية، وبين وجوب القراءة في الأولى ووجوبها في الثانية،وهكذا، للعلم الاجمالي بجعل أحدهما في الواقع، واستحالة جعل كليهما معاً، ومن الواضح أنا لا نعني بالتعارض إلا التنافي بين الحكمين بحسب مقام الجعل، وهو موجود في أمثال تلك الموارد.
وعلى هذا، فمقتضى القاعدة هنا التخيير، بمعنى جعل الشارع أحدهما جزءاً، إذ احتمال اعتبار خصوصية كل منهما مدفوع بأصالة البراءة، فان اعتبارها يحتاج إلى مؤونة زائدة ومقتضى الأصل،عدمها، فإذن النتيجة هي جزئية الجامع بينهما، لا خصوص هذا ولا ذاك، هذا كلّه حسب ما تقتضيه القاعدة في دوران الأمر بين فردين طوليين من نوع واحد.
وأمّا بحسب الأدلة الخاصة، فقد ظهر من بعض أدلة وجوب القيام تعينه في الركعة الأولى وهو قوله (عليه السلام) في صحيحة جميل بن دراج «إذا قوي فلیقم» (1)فانّه ظاهر في وجوب القيام مع القدرة عليه فعلاً، وأن المسقط له ليس إلا العجز الفعلي، والمفروض أنّ المكلف قادر عليه فعلاً في الركعة الأولى، فإذا كان قادراً عليه كذلك يتعين بمقتضى قوله (عليه السلام): «إذا قوي فليقم» ومن المعلوم أنه إذا قام في الأولى عجز عنه في الثانية فيسقط بسقوط موضوعه، وهو القدرة
وأما غير القيام كالقراءة والركوع والسجود ونحوها فلا يظهر من أدلتها وجوب الاتيان بها في الركعة الأولى في مثل هذه الموارد - أعني موارد دوران الأمر بين ترك هذه الأجزاء في الأولى وتركها في الثانية - لعدم ظهورها في وجوب تلك الأمور مع القدرة عليها فعلاً، بل هي ظاهرة في وجوبها مع القدرة عليها في تمام الصلاة. وعليه فلا فرق بين القدرة عليها في الركعة الأولى والقدرة عليها في الركعة الثانية أصلاً، ولا تجب صرف القدرة فيها في الأولى ب-ل له التحفظ بها عليها في الثانية، فإذن المرجع فيها هو ما ذكرناه من التخيير باعتبار أنّ الدليل كما عرفت لا يمكن أن يشمل كليهما معاً، لفرض عدم القدرة عليهما،
1) الوسائل 5: 495 / أبواب القيام ب 6 ح 3.
كذلك، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: أنا نعلم إجمالاً بوجوب أحدهما، ونرفع اعتبار خصوصية كل منهما بالبراءة.
فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هي التخيير لا محالة ووجوب الجامع بينهما، لا خصوص هذا ولا ذاك.
وعلى ما ذكرناه من الضابط في باب الأجزاء والشرائط، يظهر حال جميع الفروع المتقدمة (1)التي ذكرها شيخنا الأستاذ (قدس سره) وكذا حال عدة من الفروع التي تعرّضها السيّد (قدس سره) في العروة (2).
وعلى أساس ذلك تمتاز نظريتنا عن نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) في هذه الفروعات.
والنقطة الرئيسية للامتياز بين النظريتين، هي أنا لو قلنا بانطباق كبرى باب التزاحم على تلك الفروعات، فلابد عندئذ من الالتزام بمرجحاتها ومراعاة قوانينها، كتقديم الأهم أو محتمل الأهمّية على غيره، وتقديم ماهو أسبق زماناً على المتأخر، وما هو مشروط بالقدرة عقلاً على ما كان مشروطاً بها شرعاً، وهكذا. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بانطباق كبرى باب التعارض عليها، فانّه على هذا لا أثر لشيء من تلك المرجحات أصلاً، ضرورة أنّ الأهمية أو الأسبقية لا تكون من المرجحات في باب التعارض، ووجهه واضح، وهو أنّ الأهمية أو الأسبقية إنما تكون مرجحة على تقدير ثبوتها، وفي فرض تحقق موضوعها، ومن المعلوم أنّ في باب التعارض أصل الثبوت غير محرز، فانّ أهمية أحد
المتعارضين على فرض ثبوته في الواقع، وكونه مجعولاً فيه، ومن الواضح جداً أنها لا تقتضي ثبوته.
ومن هنا قد ذكرنا أن كبرى مسألة التعارض كما تمتاز عن كبرى مسألة التزاحم بذاتها، كذلك تمتاز عنها بمرجحاتها، فلا تشتركان في شيء أصلاً. وعليه فالمرجع في باب الأجزاء والشرائط هو ما ذكرناه، ولا أثر للسبق الزم--اني والأهمية فيها أبداً.
وعلى هدى تلك النقطة تظهر الثمرة بين القول بالتزاحم والقول بالتعارض في عدة موارد وفروع:
منها : ما إذا دار الأمر بين ترك الركوع في الركعة الأولى وتركه في الثانية، فعلى القول الأوّل يتعين تقديم الركوع في الركعة الأولى على الركوع في الثانية، من جهة انطباق كبرى تقديم ما هو أسبق زماناً على غيره هنا، فلو ترك الركوع في الأولى وأتى به في الثانية بطلت صلاته، وعلى القول الثاني فالأمر فيه التخيير كما عرفت. وعليه فيجوز للمكلف أن يأتي بالركوع في الأولى ويترك في الثانية وبالعكس، فتكون صلاته على كلا التقديرين صحيحة. وكذا الحال فيما إذا دار الأمر بين ترك القراءة في الركعة الأولى وتركها في الثانية، وهكذا.
ومنها : ما إذا دار الأمر في الصلاة بين ترك القيام وترك الركوع، فعلى الأوّل يمكن الحكم بتقديم القيام نظراً إلى سبقه زماناً، ويمكن الحكم بالعكس نظراً إلى كون الركوع أهم منه، وقد فعل شيخنا الأستاذ (قدس سره) ذلك في هذا الفرع كما تقدم، وعلى الثاني فالأمر فيه التخيير باعتبار أن التعارض بين دلي--ليها بالاطلاق، فيسقط كلا الاطلاقين، فيرجع إلى أصالة عدم اعتبار خصوص هذا وذاك، فتكون نتيجة ذلك التخيير، أعني وجوب أحدهما لا بعينه.
ومنها : ما إذا دار الأمر بين ترك الطمأنينة في الركن كالركوع والسجود وما شاكلهما، وتركها في غيره كالأذكار والقراءة ونحوهما، فعلى الأوّل يتعين سقوط قيد غير الركن، لكون قيده أهم منه، فيتقدّم الأهم في باب المزاحمة. وعلى الثاني فلا وجه للتقديم أصلاً، لما عرفت من أنّ الدليل على اعتبار الطمأنينة هو الاجماع، ومن المعلوم أنّه لا إجماع في هذا الحال، وعليه فنرجع إلى أصالة البراءة عن اعتبار خصوصية هذا وخصوصية ذاك، فتكون النتيجة هي التخيير.
ومنها : ما إذا دار الأمر بين القيام المتصل بالركوع والقيام في حال القراءة، فبناءً على الأوّل لابد من تقديم القيام المتصل بالركوع على القيام في حال القراءة، لكونه أهم منه، إما من جهة أنّه بنفسه ركن أو هو مقوّم للركن كالركوع، ولذا حكم شيخنا الأستاذ (قدس سره) بتقديمه عليه في الفروعات المتقدمة. وبناءً على الثاني فلا وجه للتقديم أصلاً، بل الأمر في مثله العكس، وذلك لما أشرنا إليه من أنّ المستفاد من صحيحة جميل بن دراج المتقدمة (1)وجوب القيام عند تمكن المكلف منه فعلاً، والمفروض أنّ المكلف في مثل المقام قادر فعلاً على القيام في حال القراءة، فإذا كان الأمر كذلك يتعين عليه ولا يجوز له تركه باختياره وإرادته.
فما ذكره (قدس سره) من الكبريات التي بنى فيها على إعمال قواع-----د باب التزاحم ومرجحاته لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، وقد عرفت أنّ تلك الكبريات جميعاً داخلة في باب التعارض، فالمرجع فيها هو قواعد ذلك الباب، ولأجل ذلك تختلف نظريتنا فيها عن نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) تماماً، وإن كانت النتيجة في بعضها واحدة على كلتا النظريتين، وذلك كما إذا دار الأمر
1) في ص 121.
بين ترك الطهور في الصلاة وترك جزء أو قيد آخر، فلا إشكال في تقديم الطهور على غيره على كلا المسلكين.
أما على مسلك من بنى ذلك على باب التزاحم فواضح، لكون الطهور أهم من غيره، ومن هنا قلنا بسقوط الصلاة،لفاقده وهذا واضح.
وأما على مسلك من بنى ذلك على باب التعارض فأيضاً كذلك، والوجه فيه ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الطهور مقوّم للصلاة فلا تصدق الصلاة بدونه، ولذا ورد في الرواية أنّ «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث منها الركوع، وثلث منها السجود، وثلث منها الطهور» (1)، وقد ذكرنا في محلّه (2)أن الركوع والسجود بعرضها العريض ركنا الصلاة وثلثاها، لا بخصوص مرتبتها العالية، كما أنا ذكرنا أن المراد من الطهور الذي هو ركن للصلاة الجامع بين الطهارة المائية والترابية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فلو سقطت مرتبة منها لم تسقط مرتبة أخرى منها وهكذا للنصوص الدالة على ذلك كما عرفت.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّه لا بد في مقام دوران الأمر بين الطهور وغيره من تقديم الطهور، ضرورة أنه في فرض العكس - أي تقديم غيره عليه - لا صلاة لتجب مع ذلك القيد، بل إذن لا تعارض ولا دوران في البين أصلاً، ضرورة أنّ التعارض بين دليلي الجزأين أو الشرطين أو الشرط والجزء إنما يتصور مع فرض وجود الموضوع وهو حقيقة الصلاة، ليكون وجوبها ثانياً بدليل خاص موجباً للتعارض بينهما، وأما إذا فرض دوران الأمر بين ما هو مقوّم لحقيقة الصلاة وغيره، فيتعين تقديم الأوّل وصرف
القدرة فيه ولا يمكن العكس، بداهة أنّه يلزم من وجوب هذا القيد عدمه، إذ معنى تقديمه هو أنه واجب في ضمن الصلاة، والمفروض أن تقديمه عليه مستلزم لانتفاء الصلاة، ومن المعلوم أنّ كل ما يلزم من وجوده ع-دمه فهو محال، وهذا لا من ناحية أهمية الطهور، ليقال إنّه لا عبرة بها في باب التعارض أصلاً، بل هو من ناحية أنّ تقديم غيره عليه يوجب انتفاء حقيقة الصلاة، فلا صلاة عندئذ لتجب.
وبتعبير آخر : أن دوران الأمر بين جزأين أو شرطين أو جزء وشرط على كلا القولين - أي القول بالتعارض والقول بالتزاحم - إنما هو في فرض تحقق حقيقة الصلاة وصدقها، بأن لا يكون انتفاء شيء منها موجباً لانتفاء الصلاة، فعندئذ يقع الكلام في تقديم أحدهما على الآخر، فبناءً على القول بالتزاحم يرجع إلى قواعده وأحكامه، وبناءً على القول بالتعارض يرجع إلى مرجحاته وقواعده. وأما إذا فرضنا دوران الأمر بين ما هو مقوّم لحقيقة الصلاة وغيره، فلا إشكال في تقديم الأوّل على الثاني وعدم الاعتناء به ضرورة أنّ مرجع هذا إلى دوران الأمر بين سقوط أصل الصلاة وسقوط جزئها أو قيدها، ومن المعلوم أنه لا معنی لهذا الدوران، أصلاً، حيث إنّه لا يعقل سقوط أصل الصلاة وبقاء القيد على وجوبه لفرض أنّ وجوبه ضمني لا استقلالي.
وقد تحصل من ذلك كبرى كلّية، وهي معنى لوقوع التزاحم أو لا التعارض بين ما هو مقوّم لحقيقة الصلاة وبين غيره من الأجزاء أو الشرائط، هذا بناءً على ما قوّيناه (1)من سقوط الصلاة عن فاقد الطهورين وغيرهما من الأركان. وأمّا بناءً على عدم سقوطها عنه فوقتئذ تفترق نظرية التزاحم في
1) في شرح العروة 10: 215.
أمثال هذه الموارد عن نظرية التعارض، إذ على الأوّل لا بد من تقديم الطهور على غيره في مقام وقوع المزاحمة بينهما لأهميته. وأما على الثاني - وهو نظرية التعارض - فلا وجه لتقديمه على غيره من هذه الناحية أصلاً، لما عرفت من أنه لا عبرة بالأهمية في باب التعارض أبداً، فإذن لا بد من الرجوع إلى أدلتهما، فإن كان الدليل الدال على أحدهما عاماً والآخر مطلقاً، فيقدم العام على المطلق كما عرفت، وإن كان كلاهما عاماً، فيقع التعارض بينهما فيرجع إلى مرجحاته، وإن كان كلاهما مطلقاً فيسقط كلا الاطلاقين، ويرجع إلى الأصل العملي وهو أصالة عدم اعتبار خصوصية هذا وخصوصية ذاك ونتيجته التخيير كما سبق.
وكذا الحال فيما إذا دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الأولى وتركه في الثانية، فانّ النتيجة في هذا الفرع أيضاً واحدة على كلا القولين، وهي تقديم القيام في الركعة الأولى على القيام في الثانية، ولكن على القول بالتزاحم بملاك أنّه أسبق زماناً من الآخر، وقد عرفت أنّ ما هو أسبق زماناً يتقدم على غيره فيما إذا كان كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً كما هو كذلك في المقام، وعلى القول بالتعارض فمن ناحية النص المتقدم، هذا تمام كلامنا في الناحية الأولى.
وأما الناحية الثانية - وهي ما ذكره (قدس سره) من الترجيح للتقديم في هذه الفروعات - فأيضاً لا تتم على إطلاقها على فرض تسليم أنّ تلك الفروعات من صغريات باب التزاحم.
وبيان ذلك يحتاج إلى درس كل واحد من هذه الفروعات على حدة.
أمّا الفرع الأوّل : وهو ما إذا دار الأمر بين ترك الطهور في الصلاة وترك قيد آخر من قيودها، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط قيد آخر ولو كان وقتاً.
وغير خفي أنه لابد من فرض هذا الفرع في غير الأركان من الأجزاء أو
الشرائط، ضرورة أنه في فرض دوران الأمر بين سقوط الطهور وسقوط ركن آخر بعرضه العريض، كالركوع أو السجود أو التكبيرة، لا صلاة لتصل النوبة إلى أنها واجبة مع هذا أو ذاك، لفرض أنها تنتفي بانتفاء ركن منها، فإذن لا موضوع للتزاحم ولا التعارض.
نعم، يمكن دوران الأمر بين سقوطه وسقوط مرتبة منها، فانّ حاله حال دوران الأمر بينه وبين سقوط بقية الأجزاء والشرائط كما هو واضح.
ومنهنا يظهر أنه لا يعقل التزاحم بين الطهور والوقت أيضاً، ضرورة انتفاء الصلاة بانتفاء كل منهما، فلا موضوع عندئذ للتزاحم ليرجح أحدهما على الآخر. فما أفاده (قدس سره) من أنّه يسقط ذلك القيد وإن كان وقتاً لا يرجع إلى معنى محصل، لفرض أنّ الصلاة تسقط بسقوط الوقت فلا صلاة عندئذ لتجب مع الطهور.
وبعد ذلك نقول: إنّه لا إشكال في تقديم الطهور على غيره من الأجزاء والشرائط، وليس وجهه مجرد كونه أهم بل وجهه ما ذكرناه من أن الطهور بما أنّه مقوّم لحقيقة الصلاة فلا تعقل المزاحمة بينه وبين غيره، ضرورة أن مرجع ذلك إلى دوران الأمر بين ترك نفس الصلاة وترك قيدها، ومن الواضح جداً أنه لا معنی لهذا الدوران،أصلاً، ومن هنا قلنا إنّ التزاحم بين ج-زأين أو شرطين أو جزء وشرط إنّما يعقل فيما إذا لم يكن أحدهما مقوّماً لحقيقة الصلاة، وإلا فلا موضوع له لتصل النوبة إلى ملاحظة المرجح لتقديم أحدهما على الآخر، ولا يشمله ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال من رواية أو إجماع قطعي، ضرورة أن هذا العمل ليس بصلاة.
وأمّا الفرع الثاني : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط الطهارة المائية وسقوط
قيد آخر، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط الطهارة المائية، وأفاد في وجه ذلك أن أجزاء الصلاة وشرائطها وإن كانت مشروطة بالقدرة شرعاً، لما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، إلّا أنّ الطهارة المائية خاصة تمتاز عن بقية الأجزاء والشرائط من ناحية جعل الشارع لها بدلاً دون غيرها، فبذلك تتأخر رتبتها عن الجميع.
ولنأخذ بالمناقشة عليه وملخّصها : هو أنّ ثبوت البدل شرعاً لا يختص بخصوص الطهارة المائية، فكما أنّ لها بدلاً وهو الطهارة الترابية، فكذلك لبقية الأجزاء والشرائط.
والوجه ه في ذلك : هو أن الصلاة إنما هي مأمور بها بعرضها العريض، لا بمرتبتها الخاصة وهي المرتبة العليا المعبّر عنها بصلاة المختار، وعلى هذا فكما أنّ المكلف لو لم يتمكن من الصلاة مع الطهارة المائية تنتقل وظيفته إلى الصلاة مع الطهارة الترابية، فكذلك لو لم يتمكن من الصلاة في الثوب أو البدن الطاهر، أو مع الركوع والسجود، أو في تمام الوقت، أو مع قراءة فاتحة الكتاب، أو غير ذلك، فتنتقل وظيفته إلى الصلاة في بدل هذه الأمور، وهو في المثال الأوّل الصلاة عارياً على المشهور، وفي الثوب النجس على المختار. وفي الثاني الصلاة مع الايماء والاشارة. وفي الثالث إدراك ركعة واحدة من الصلاة في الوقت، فانّه بدل لادراك تمام الركعات فيه. وفي الرابع الصلاة مع التكبيرة والتسبيح، وهكذا.
وعلى الجملة : فيها أنّ الصلاة واجبة بتمام مراتبها بمقتضى الروايات العامة والخاصة، فلا محالة لو سقطت مرتبة منها تجب مرتبة أخرى، وهكذا.
ونتيجة هذا لا محالة عدم الفرق بين الطهارة المائية وغيرها من الأجزاء والشرائط، لفرض أنّه قد ثبت لكل منها بدل بدليل خاص، كما دلّ على
وجوب الصلاة مع الايماء عند تعذر الركوع والسجود، أو مع الركوع قاعداً عند تعذر الركوع قائماً، وما دلّ على وجوبها قاعداً عند تعذر القيام، وما دلّ على وجوبها مع التكبيرة والتسبيح عند تعذر القراءة، وما دلّ على وجوبها مع إدراك ركعة منها في الوقت عند تعذر إدراك تمام ركعاتها فيه وهكذا، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : المفروض أنّ أجزاء الصلاة وشرائطها مشروطة بالقدرة شرعاً، لما دلّ على أن الصلاة لا تسقط بحال.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّه لا وجه لتقديم غير الطهارة المائية من الأجزاء والشرائط عليها في مقام المزاحمة، لا من ناحية أنّ لها بدلاً، ولا من ناحية اشتراطها بالقدرة شرعاً، لما عرفت من أن البقية جميعاً تشترك معها في هاتين الناحيتين على نسبة واحدة.
وقد تحصل ممّا ذكرناه : أنّ ما أفاده (قدس سره) من الكبرى الكلية وهي تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل، وإن كان تاماً إلا أنه لا ينطبق على المقام.
ويجب علينا أن ندرس هذا الفرع من جهات:
الأولى : فيما إذا دار الأمر بين سقوط الطهارة المائية وسقوط خصوص السورة في الصلاة.
الثانية : فيما إذا دار الأمر بين سقوطها وسقوط الأركان.
الثالثة : فيما إذا دار الأمر بين سقوطها وسقوط بقية الأجزاء أو الشرائط.
أمّا الجهة الأولى : فالظاهر أنّه لا شبهة في تقديم الطهارة المائية على السورة، وذلك لما دلّ على أنها تسقط بالاستعجال والخوف، وهو صحيحة
محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته، قال : لا صلاة إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات. قلت : أما أحبّ إليك إذا كان خائفاً أو مستعجلاً، يقرأ سورةً أو فاتحة الكتاب؟ قال : فاتحة الكتاب» (1)فانّها تدل على سقوطها بالاستعجال والخوف من ناحية فوت جزء أو شرط آخر، فانّ موردها وإن كان خصوص دوران الأمر بينها وبين فاتحة الكتاب، إلّا أنّه من الواضح جداً عدم خصوصية لها، فإذن لا يفرق بينها وبين غيرها من الأجزاء والشرائط منها الطهارة المائية، ضرورة أنّ العبرة إنّما هى بتحقق الخوف والاستعجال.
وقد تحصل من ذلك أنّ هذا التقديم لا يستند إلى إعمال قواعد باب التزاحم أو التعارض، بل هو مستند إلى النص المتقدم.
وأمّا الجهة الثانية : فلا شبهة في تقديم الأركان على الطهارة المائية، بلا فرق بين وجهة نظرنا ووجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) في أمثال المقام، وذلك لأن ملاك التقديم هنا أمر آخر، لا إعمال قواعد باب التزاحم أو التعارض ليختلف باختلاف النظرين.
بيان ذلك على وجه الاجمال هو أنّ الصلاة - كما حققناه في محلّه (2)- اسم للأركان خاصة، وأما بقية الأجزاء والشرائط فهي خارجة عن حقيقتها، فلذا لا تنتفي بانتفائها، كما تنتفي بانتفاء الأركان وعليه فاذا ضممنا هذا إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...) (3)بضميمة أن الصلاة
لا تسقط بحال، فالنتيجة هي أنّ الصلاة المفروغ عنها في الخارج التي هي عبارة عن الأركان قد أمر الشارع في هذه الآية الكريمة باتيانها مع الطهارة المائية في فرض وجدان الماء، ومع الطهارة الترابية في فرض فقدانه.
وعلى الجملة : فالصلاة حيث إنّها كانت اسماً للأركان، والبقية قيود خارجية قد اعتبرت فيها في ظرف متأخر، وإن قلنا إنها عند وجودها داخلة في المسمى، إلا أنّ دخولها فيه ليس بمعنى دخلها فيه بحيث ينتفي بانتفائها، بل بمعنی أنّ المسمى قد أخذ لا بشرط بالاضافة إلى الزيادة، فلا محالة لا تنتفي بانتفائها.
وعلى ذلك فاذا ضممنا هذا إلى ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، وإلى أدلة الأجزاء والشرائط منها هذه الآية المباركة، فالنتيجة هي أن الاتيان بالأركان واجب على كل تقدير، وأنها لا تسقط مطلقاً - أي سواء أكان المكلف متمكناً من البقية أم لم يكن متمكناً - ضرورة أنّ في صورة العكس أي تقديم الأجزاء أو الشرائط على الأركان فلا يصدق على العمل المأتي به صلاة ليتمسك بما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فاذن لا موضوع للتعارض ولا التزاحم هنا، كما هو واضح.
هذا كله فما إذا دار الأمر بين ترك ركن بعرضه العريض وترك الطهارة المائية أو غيرها من القيود.
وأمّا إذا دار الأمر بين سقوط مرتبة من الركن وسقوط الطهارة المائية، فهل الأمر كما تقدم أم لا؟ وجهان:
الظاهر هو الوجه الثاني، وذلك لأنّ ما ذكرناه في وجه تقديم الركن عليها
لا يجري في هذا الفرض، والوجه فيه ما حققناه في بحث الصحيح والأعم من (1)أنّ لفظة الصلاة موضوعة للأركان بعرضها العريض، لا لخصوص المرتبة العليا منها، وعلى هذا يترتب أنّ الصلاة لا تنتفي بانتفاء تلك المرتبة، وإنم-ا تنتفي بانتفاء جميع مراتبها، فإذن يكون المراد من الصلاة في الآية وهي قوله المباركة تعالى: (إِذَا قُتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...) (2)هو الأركان بعرضها العريض، لا خصوص مرتبة منها غاية الأمر يجب الاتيان بالمرتبة العليا في فرض التمكن منها عقلاً وشرعاً، والمرتبة الأخرى دونها في فرض عدم التمكن من الأولى وهكذا وكذا الحال في الطهور حيث إنّه يجب على المكلف الطهارة المائية في فرض وجدان الماء، والطهارة الترابية في فرض فقدانه.
وعلى ضوء هذا، فالآية الكريمة تدل على أن الصلاة المفروغ عنها في الخارج - وهي الجامع بين مراتبها - واجبة على المكلف مع الوضوء أو الغسل في فرض كونه واجداً للماء، ومع التيمم في فرض كونه فاقداً له، ولا تدل على وجوب كل مرتبة من مراتبها كذلك، فإذا دار الأمر بين الاتيان بالمرتبة العالية منها مع الطهارة الترابية، والمرتبة الدانية منها مع الطهارة المائية، فالآية لا تدل على وجوب الاتيان بالأولى دون الثانية أصلاً، بل ولا إشعار في الآية بذلك، لفرض أنّ الصلاة لا تنتفي بانتفاء تلك المرتبة. وقد عرفت أنّ الآية تدل على وجوب الصلاة وهي الجامع بين هذه المراتب بالكيفية المزبورة، فعندئذ الحكم بوجوب تلك المرتبة ومشروعيتها في هذا الحال وسقوط الطهارة المائية يحتاج
إلى دليل آخر، ولا يمكن إثبات مشروعيتها بالآية المباركة، لاستلزامه الدور، فانّ مشروعيتها فى هذا الحال تتوقف على دلالة الآية، وهي تتوقف على مشروعيتها في هذا الحال.
وعلى الجملة : فلو دار الأمر بين سقوط ركن وسقوط مرتبة من ركن آخر، فلا إشكال في سقوط المرتبة، بل لا دوران في الحقيقة بمقتضى الآية الكريمة، لفرض أنّ اعتبار الأركان بعرضها العريض مفروغ عنه دون اعتبار كل مرتبة من مراتبها، ولذا قلنا إنّ الأركان مشروطة بالقدرة عقلاً دون كل مرتبة منها، فانّها مشروطة بالقدرة شرعاً، وهذا واضح.
وأما إذا دار الأمر بين سقوط مرتبة من ركن وسقوط مرتبة من ركن آخر - كما في مفروض الكلام - فلا دلالة للآية على تقديم بعضها على بعضها الآخر أبداً، ضرورة أنّ دلالتها في محل الكلام تبتني على نقطة واحدة، وهي أن يكون الداخل في مسمى الصلاة المرتبة العليا من الأركان مع الطهور الجامع بين المائية والترابية فحسب، وعلى هذا فإذا دار الأمر بين سقوط تلك المرتبة وسقوط الطهارة المائية تسقط الطهارة المائية، لفرض أنّ اعتبارها عندئذ متفرع على ثبوتها، لا في عرضها لدلالة الآية الكريمة وقتئذ على وجوب الاتيان بها مع الطهارة المائية في فرض وجدان الماء، ومع الطهارة الترابية في فرض فقدانه، إلا أنك عرفت أن تلك النقطة خاطئة وغير مطابقة للواقع، وأن الصلاة موضوعة للجامع بين مراتبها لا غير.
وعليه ففي مسألتنا هذه وما شاكلها على وجهة نظر من يرى أنها داخلة في كبرى باب التعارض فلابد من الرجوع إلى قواعد ذلك الباب على ما تقدّم بصورة مفصلة، وعلى وجهة نظر من يرى أنها داخلة في كبرى باب التزاحم،
فلابد من الرجوع إلى مرجحات وقواعد ذلك الباب، كالسبق الزماني والأهمية ونحوهما.
أما الأوّل، وهو السبق الزماني فإن كان موجوداً، بأن يكون أحدهما سابقاً على الآخر زماناً فلا مانع من الترجيح به، وذلك لما ذكرناه (1)من أن السبق الزماني مرجح في الواجبين المتزاحمين اللذين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، والمفروض أنّ كل مرتبة من مراتب الأركان مشروطة بالقدرة شرعاً، وإن كانت الأركان بتمام مراتبها مشروطة بها عقلاً، فإذن يقدّم ما هو الأسبق زماناً على الأخرى.
وأمّا الثاني، وهو الأهمية، فالظاهر أنّه مفقود في المقام، وذلك لأنا لم نحرز أنّ المرتبة العالية من الركوع مثلاً أهم من المرتبة العالية من الطهور وبالعكس، كما هو واضح، نعم احتمال كون المرتبة العالية منه أهم منها موجود، ولا مناص، ولا سيما بالاضافة إلى المرتبة العالية من الركوع والسجود، وذلك لأن--ا نستكشف من جعل الشارع التراب أحد الطهورين أن المصلحة القائمة بالطهارة الترابية ليست أدون بكثير من المصلحة القائمة بالطهارة المائية، وهذا بخلاف المرتبة الدانية من الركوع والسجود، وهي الايماء، فانّ المصلحة الموجودة فيه أدون بكثير من المصلحة الموجودة فيها، كما لا يخفى. وعليه فلابد من تقديمها على الطهارة المائية، لما تقدّم مفصلاً (2)من أنّ محتمل الأهمية من المرجحات، فلا مناص من تقديمه على الآخر في مقام المزاحمة.
وأمّا الثالث، وهو أنّ المشروط بالقدرة عقلاً يتقدم على المشروط بها شرعاً،
فهو مفقود في المقام، لما عرفت من أنّ كلتيهما مشروطة بالقدرة شرعاً.
ونتيجة ما ذكرناه عدة نقاط :
الأولى : أنّه لا يعقل دوران الأمر بين سقوط ركن وسقوط رکن آخر، لانتفاء الصلاة عندئذ على كل تقدير.
الثانية : أنه إذا دار الأمر بين ترك ركن وترك مرتبة من ركن آخ-ر ف-لا إشكال في تعيّن ترك المرتبة، بل قد عرفت أنه لا دوران في مثله ولا موضوع للتعارض ولا التزاحم فيقدّم الركن على مرتبة من الركن الآخر بمقتضى لا تسقط الصلاة بحال، وبمقتضى الآية الكريمة كما سبق.
الثالثة : أنّ في فرض دوران الأمر بين سقوط مرتبة من ركن كالركوع أو السجود، وسقوط مرتبة من آخر كالطهور، لا تدل الآية ولا تسقط الصلاة بحال على سقوط الثانية دون الأولى، بل لا بد فيه من الرجوع إلى قواعد باب التعارض أو التزاحم على ما عرفت.
وأمّا الجهة الثالثة : ما وهي إذا دار الأمر بين الطهارة المائية وبقية الأجزاء أو الشرائط، فالصحيح أنه لا وجه لتقديم سائر الأجزاء أو الشرائط على الطهارة المائية، وذلك لأنّ ما ذكرناه في وجه تقديم الأركان عليها لا يجري هنا، والوجه فيه ما تقدّم من أنّ الصلاة اسم للأركان خاصة ووجوب تلك الأركان مفروغ عنه في الخارج مطلقاً، أي سواء أكان المكلف متمكناً من بقية الأجزاء أو الشرائط أم لم يتمكن من ذلك، لفرض أنّ اعتبار البقية متفرع على ثبوتها وفي ظرف متأخر عنها لا مطلقاً، كما هو الحال فيها.
ومن هنا قلنا إنّ المراد من الصلاة في الآية الكريمة هو الأركان، فانها حقيقة
الصلاة،ومسمّاها، كانت معها بقية الأجزاء أو الشرائط أم لم تكن، وكذا المراد الصلاة في قوله (عليه السلام) «لا تسقط الصلاة بحال» (1)، ولذلك ذكرنا أن الآية تدل على وجوب الاتيان بها مطلقاً، سواء أكانت معها البقية أم لم من تكن.
وعلى هذا الأصل فلا تدل الآية على تقديم سائر الأجزاء أو الشرائط على الطهارة المائية أصلاً، لفرض أنها غير دخيلة في المسمى من ناحية، وعدم تفرع اعتبار الطهارة المائية على اعتبارها من ناحية أخرى، بل هو في عرض اعتبار تلك.
ودعوى أنّ المراد من الصلاة في الآية المباركة بضميمة ما استفدنا من أدلة اعتبار الأجزاء والشرائط هو الواجدة للجميع لا خصوص الأركان، هذا من جانب، ومن جانب آخر : أنا قد ذكرنا في بحث الصحيح والأعم (2)أن البقية عند وجودها داخلة في المسمى، وعدمها لايضر به على تفصيل هناك، فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هى أنّ الآية تدل على وجوب الاتيان بالصلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط مع الطهارة المائية في فرض وجدان الماء، ومع الطهارة الترابية في فرض فقدانه، وهذا معنى دلالتها على تقديم البقية عليها.
مدفوعة بأنّ اعتبارها في هذا الحال ودخولها في المسمى أوّل الكلام، ضرورة أنّ اعتبارها يتوقف على دخولها فيه، والمفروض أن دخولها فيه يتوقف على اعتبارها في هذا الحال.
فإذن لا دلالة للآية بضميمة قوله (عليه السلام): «لا تسقط الصلاة بحال» على تقديم بقية الأجزاء أو الشرائط على الطهارة المائية، وعليه ف-لاب-د م-ن الرجوع إلى قواعد باب التعارض في المقام بناءً على دخوله في هذا الباب، وإلى قواعد باب التزاحم بناءً على دخوله فيه، والثاني هو مختاره (قدس سره) هنا
أمّا الأوّل، فقد تقدّم ضابطه فلا نعيد.
وأمّا الثاني، وهو بناءً على دخوله في باب التزاحم فتقديم سائر الأجزاء أو الشرائط عليها يبتنى على أحد أمور :
الأول : دعوى أنّ للطهارة المائية بدلاً دون غيرها، فيقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل. ولكن قد عرفت فساد تلك الدعوى بشكل واضح.
الثاني : دعوى أنّ الطهارة المائية مشروطة بالقدرة شرعاً بمقتضى الآي-ة الكريمة دون البقية، وقد تقدّم أنّ ما هو مشروط بالقدرة عقلاً يتقدم على ما هو مشروط بها شرعاً. ويردّها : ما ذكرناه من أن أجزاء الصلاة وشرائطها جميعاً مشروطة بالقدرة شرعاً، لما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فلا فرق من هذه الناحية بين الطهارة المائية وغيرها أصلاً.
الثالث : دعوى أنّ بقية الأجزاء والشرائط أهم من الطهارة المائية. وفيه: أنه لا طريق لنا إلى إحراز كونها أهم منها أصلاً.
وقد تحصّل من ذلك : أنه لا وجه لتقديم بقية الأجزاء أو الشرائط على الطهارة المائية أبداً في موارد عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، بل يمكن القول بتقديم الطهارة المائية على غيرها من الأجزاء، باعتبار أنها سابقة عليها زماناً، كما إذا فرض دوران الأمر بين ترك الوضوء أو الغسل فعلاً وسقوط جزء في ظرفه، بأن لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما، فلامانع من الحكم بتقديم الوضوء
أو الغسل عليه، لفرض أنّ التكليف بالاضافة إليه فعلي ولا مانع منه أصلاً. وقد تقدّم (1)أنّ الأسبق زماناً يتقدّم على غيره فيما إذا كان كل منها مشروطاً بالقدرة شرعاً، وما نحن فيه كذلك. فما أفاده (قدس سره) من أنّه يقدّم على الطهارة المائية كل قيد من قيود الصلاة، لا يمكن المساعدة عليه.
وأما الفرع الثالث : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط إدراك ركعة من الوقت وسقوط قيد آخر غير الطهور، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط ذلك القيد.
أقول : أمّا استثناء الطهور من ذلك وإن كان صحيحاً ولا مناص عنه، نه، إلا أنه لا معنی للاقتصار عليه، بل لابد من استثناء جميع الأركان من ذلك، لما تقدّم من أنّه في فرض دوران الأمر بين سقوط ركن رأساً وسقوط ركن آخر كذلك تسقط الصلاة يقيناً، لفرض أنها تنتفي بانتفاء كل منهما. فإذن لا موضوع للتمسك ب- «لا تسقط الصلاة بحال» والاجماع القطعي على ذلك، ضرورة أنه لا صلاة في هذا الحال ليقال إنها لا تسقط، وعليه فإذا دار الأمر بين سقوط إدراك ركعة من الوقت وسقوط الطهور رأساً، تسقط الصلاة عندئذ لا محالة، لفرض أنها كما تسقط بسقوط الطهور، كذلك تسقط بعدم إدراك ركعة في الوقت هذا إذا كان غرضه من الاستثناء ذلك.
وأما إذا كان غرضه منه هو أنّ الطهور يقدّم على الوقت في هذا الحال أعني ما إذا دار الأمر بين سقوط إدراك ركعة في الوقت وسقوط الطهور رأساً - فقد عرفت فساده الآن، وهو ما مرّ من أنّه لا صلاة في هذا الحال ليقال بتقديمه عليه، لفرض أنها تنتفي بانتفاء كل منهما، وأما وجوبها في خارج الوقت فهو بدليل آخر أجنبي عن الأمر في الوقت.
1) في ص 45.
وأما تقديم إدراك ركعة من الوقت على غيره من الأجزاء أو الشرائط فواضح، لما عرفت من أنه إذا دار الأمر بين سقوط ركن وسقوط قيد آخر يسقط ذلك القيد، وحيث إنّ الوقت من الأركان فإذا دار الأمر بين سقوطه وسقوط غيره يسقط غيره لا محالة.
وبتعبير أوضح: هو أنا إذا ضممنا ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (1)بضميمة الروايات الواردة في تفسيرها (2)وما يستفاد من الروايات الدالة على أنّ الصلاة لا تسقط بحال (3)، إلى قوله تعالى: إِذَا قُتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا...) إلخ (4)فالنتيجة هي وجوب الاتيان بالأركان - التي هي حقيقة الصلاة - في الوقت مطلقاً، أي سواء أكان المكلف متمكناً من الاتيان بالبقية فيه أم لم يتمكن من ذلك، فلا يمكن أن تزاحم بقية الأجزاء والشرائط الأركان في الوقت لا في تمامه ولا في جزئه، ضرورة أنّ في صورة العكس أعني تقديم البقية على الوقت لا صلاة لنتمسك بدليل لا تسقط الصلاة بحال أو نحوه. ومن هنا قلنا إنّه لا موضوع للتعارض أو التزاحم في مثل هذا الفرض، وأنّ التقديم فيه لا يكون مبتنياً على كون هذه الموارد م--ن موارد التزاحم أو التعارض، بل هو بملاك آخر لا بملاك إعمال قواع-د ب-اب التزاحم أو التعارض، ولذا لا بد من الالتزام بهذا التقديم على كل من القولين. و
بذلك يظهر أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) في المقام من جعل
التقديم فيه مبتنياً على إعمال قواعد التزاحم غير صح صحيح.
وأما الفرع الرابع : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط إدراك تمام الركعات في الوقت وسقوط قيد آخر، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط إدراك تمام الركعات في الوقت إلّا السورة فانّها تسقط بالاستعجال والخوف.
أقول : الأمر بالاضافة إلى السورة كذلك، لما عرفت من أن دليلها من الأوّل مقيّد بغير صورة الاستعجال والخوف، فلا تكون واجبة في هذه الصورة. هذا لو قلنا بوجوبها، وإلا فهي خارجة عن محل الكلام رأساً. وأما بالاضافة إلى غيرها من الأجزاء أو الشرائط فلا يمكن المساعدة عليه، والوجه في ذلك ما أشرنا إليه من أنّ الركن هو الوقت الذي يسع لفعل الأركان خاصة، وأنه مقوّم لحقيقة الصلاة فتنتفي الصلاة بانتفائه، وأما الزائد عليه الذي يسع لبقية الأجزاء والشرائط فليس بركن، وقد استفدنا ذلك من ضم هذه الآية أعني قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ...) إلخ، إلى قوله تعالى ﴿إِذَا قُتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ...) إلخ بضميمة ما دلّ على أن الصلاة لا تسقط بحال.
وعلى ذلك فإذا دار الأمر بين سقوط تمام الوقت الذي يسع للأركان، وسقوط جزء أو شرط آخر، فالحال فيه كما تقدم، يعني أنه يسقط ذلك الجزء أو الشرط لا محالة، سواء أقلنا بالتعارض في أمثال المورد أم بالتزاحم.
وأمّا إذا دار الأمر بين سقوط بعض ذلك الوقت وسقوط قيد آخر، فأيضاً يسقط ذلك القيد، والوجه في ذلك : هو أنا إذا ضممنا ما يستفاد من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا...) إلخ، وإلى أدلة بقية الأجزاء والشرائط مع أدلة بدليتها،
بضميمة ما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فالنتيجة هي وجوب الاتيان بالصلاة في الوقت المحدد لها وأنها لا تسقط سواء أكان المكلف متمكناً من الاتيان ببقية الأجزاء والشرائط فيه أم لم يتمكن من ذلك، غاية الأمر مع التمكن منها يجب الاتيان بها فيه أيضاً، وإلّا فتسقط. مثلاً مع التمكن من الطهارة المائية يجب الاتيان بالصلاة في الوقت المزبور معها ومع عدم التمكن منها ولو من جهة ضيق الوقت يجب الاتيان بها فيه مع الطهارة الترابية، وكذا مع التمكن من طهارة الثوب أو البدن يجب الاتيان بالصلاة في وقتها معها، ومع عدم التمكن منها ولو من ناحية ضيق الوقت يجب الاتيان به-ا ف-ي-ه ع-ارياً أو في الثوب المتنجس على الخلاف في المسألة.
وعلى الجملة : فقد استفدنا من ضم بعض تلك الأدلة إلى بعضها الآخر على الشكل المتقدّم أنّ وجوب الاتيان بالصلاة التي هي عبارة عن الأركان في الوقت المعين لها أمر مفروغ عنه وأنّه لا يسقط، كان المكلف متمكناً من الاتيان بالبقية فيه أم لم يتمكن، فلا يمكن أن تزاحم البقية وقت الأركان، لاتمامه كما عرفت ولا بعضه.
وأما ما ورد في موثقة عمار من أنّ من صلّى ركعة في الوقت فليتم وق-د جازت صلاته (1)فلا يدل إلّا على بدلية إدراك ركعة في الوقت عن إدراك تمام الركعات فيه، فيما إذا لم يتمكن المكلف من إدراك التمام فيه أصلاً، بمعنى أنّ-ه لا يتمكن منه، لا مع الطهارة المائية ولا مع الطهارة الترابية ولا مع طهارة البدن أو الثوب ولا مع نجاسته أو عارياً. وأما من تمكن من إدراك التمام فيه في الثوب
1) الوسائل 4: 217 / أبواب المواقيت ب 30 ح 1 (مع اختلاف).
النجس أو عارياً، أو مع الطهارة الترابية، فلا يكون مشمولاً للحديث.
ومن هنا قلنا إنّ الحديث يختص بالمضطر وبمن لم يتمكن من إدراك تمامها في الوقت أصلاً، فالشارع جعل له إدراك ركعة واحدة في الوقت بمنزلة إدراك تمام الركعات فيه إرفاقاً وتوسعةً له، فلا يشمل المختار والمتمكن من إدراك تمام الركعات فيه كما فيما نحن فيه. نعم، لو أخّر الصلاة باختياره إلى أن ضاق الوقت بحيث لم يبق منه إلا بمقدار إتيان ركعة واحدة فيه فيشمله الحديث باطلاقه، وإن كان عاصياً من جهة تأخير مقدار من الصلاة عن الوقت، ضرورة أنه لم يكن في مقام بيان التوسعة والترخيص للمكلفين في تأخير صلواتهم اختياراً إلى أن لا يبقى من الوقت إلّا بمقدار إدراك ركعة واحدة فيه، وجعل إدراك تلك الركعة الواحدة بمنزلة إدراك تمام الركعات، وقد ذكرنا أن الحديث ظاهر في هذا المعنى بمقتضى الفهم العرفي.
فالنتيجة من ذلك : هي أنّ الموثقة لا تدل على بدلية إدراك ركعة واحدة في الوقت عن إدراك تمام الركعات فيه على الاطلاق بل تدل على بدلية ذلك عنه لخصوص المضطر وغير المتمكن مطلقاً، وبما أنّ في المقام يتمكن المكلف من إدراك التمام فيه، فلا يكون مشمولاً لها، فإذن يتعين ما ذكرناه وهو تقديم إدراك تمام الركعات في الوقت على بقية الأجزاء أو الشرائط في موارد عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، ولا يفرق في ذلك بين القول بالتعارض في هذه الموارد والقول بالتزاحم فيها لفرض أنّ هذا التقديم غير مستند إلى إعمال قواعد هذا الباب أو ذاك، بل هو بملاك آخر كما عرفت، ولا يفرق فيه بين القولين أصلاً. فما أفاده (قدس سره) من أنّه يسقط إدراك تمام الركعات في الوقت دون القيد الآخر، لا يمكن المساعدة عليه.
ثم إنه لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ الأدلة المتقدمة لا تدل على ما ذكرناه،
وأنه لا يستفاد من مجموعها ذلك، فإذن على القول بالتعارض في تلك الموارد تقع المعارضة بين الدليل الدال على وجوب إدراك تمام الركعات في الوقت، والدليل الدال على وجوب ذلك القيد المزاحم له، فيرجع إلى قواعد بابها.
ولكن قد ذكرنا في محله (1)أنّ التعارض إذا كان بين إطلاق الكتاب وإطلاق غيره، فيقدّم إطلاق الكتاب عليه، وذلك لما استظهرناه من شمول الرواي-ات الدالة على طرح الأخبار المخالفة للكتاب أو السنّة ما إذا كانت المخالفة ب-ي-ن إطلاقه وإطلاق غيره على نحو العموم والخصوص من وجه، فلا تختص الروايات بالمخالفة بينهما على وجه التباين، أو المخالفة بين العامين منهما على نحو العموم والخصوص من وجه، بل تعمّ المخالفة بينهما على نحو الاطلاق، بأن يكون إطلاق أحدهما مخالفاً لاطلاق الآخر، وبما أنّ فيما نحن فيه تقع المعارضة بين إطلاق الكتاب وهو قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) (2)وإطلاق غيره، وهو أدلة سائر الأجزاء أو الشرائط، فيقدّم إطلاق الكتاب عليه.
فالنتيجة : هي تقديم إدراك تمام الركعات في الوقت على إدراك جزء أو شرط آخر.
وعلى القول بالتزاحم فيها تقع المزاحمة بينهما، أي بين وجوب هذا ووجوب ذاك، فيرجع إلى مرجحاته من الأهمية والأسبقية ونحوهما.
أمّا الأهمية، فالظاهر أنه لا طريق لنا إلى إحراز أن وجوب إدراك تمام الركعات في الوقت أهم من إدراك هذا القيد لما عرفت من أنه إذا دار الأمر بين
سقوط جزء أو شرط وسقوط المرتبة الاختيارية من الركن، فلا يمكن الحكم بتقديم تلك المرتبة عليه، بدعوى كونها أهم منه، ضرورة أنه لا طريق لنا إلى إحراز ذلك، ولا دليل على كونها أهم منه، والأهم إنما هو طبيعي الركن الجامع بين جميع المراتب، لا كل مرتبة منه، وفي المقام الركن هو طبيعي الوقت الجامع بين البعض والتمام، وأمّا تمامه فهو مرتبته الاختيارية، فلا دليل على كون تلك المرتبة أهم من الجزء أو الشرط الآخر، والأهم إنما هو الجامع بينها وبين غيرها من المراتب.
وأما الأسبقية، فلا مانع من الترجيح بها في أمثال المقام، وذلك لما تقدّم (1)من أنّ الأسبق زماناً يتقدّم على غيره، فيا إذا كان التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، والمفروض أنّ ما نحن فيه كذلك، فإذن لو دار الأمر بين إدراك جزء سابق كفاتحة الكتاب مثلاً، وإدراك الركعة الأخيرة في الوقت، بأن لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما، فلو أتى بفاتحة الكتاب ف-لا يتمكن من إدراك تلك الركعة في الوقت ففي مثله لا مانع من تقديم فاتحة الكتاب عليه من جهة سبقها،زماناً، وقد عرفت أنّ الأسبق زماناً يتقدم على غيره في مقام المزاحمة في أمثال المقام أيضاً، وكذا إذا دار الأمر بين تطهير البدن أو الثوب مثلاً وإدراك الركعة الأخيرة في الوقت، أو بين الطهارة المائية وإدراك تلك الركعة فيه، بحيث لو غسل ثوبه أو بدنه، أو لو توضأ أو اغتسل فلا يتمكن من إدراكها في الوقت فيقدّم الصلاة في البدن أو الثوب الطاهر عليه، لما عرفت من أنّ الأسبق زماناً يتقدّم على غيره، وكذا الصلاة مع الطهارة المائية.
نعم، إذا لم يكن القيد المزاحم له سابقاً عليه زماناً، كما لو دار الأم--ر ب--ين
1) في ص 45.
التسبيحات الأربع والأذكار الواجبة في الركعة الأخيرة، وبين إدراك تلك الركعة في الوقت، بحيث لو أتى بالأولى فقد فات عنه وقتها، ولا يتمكن من إدراكها فيه، ففي مثله لا وجه لتقديمها عليه، كما هو واضح. فإذن م-ا أف-اده (قدس سره) من سقوط إدراك تمام الركعات في الوقت دون القيد المزاحم له لا يتم على إطلاقه كما عرفت.
وأمّا الفرع الخامس : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط الأجزاء وسقوط الشرائط، فقد ذكر (قدس سره) أنه تسقط الشرائط لتأخر رتبتها عن الأجزاء.
أقول : إنّ الشرط بمعنى ما تقيد الواجب به وإن كان متأخراً عنه رتبةً، ضرورة أن تقيد شيء بشيء فرع،ثبوته، إلّا أنا قد ذكرنا غير مرة أنّه لا أثر للتقدّم أو التأخر الرتبي في باب الأحكام الشرعية أصلاً، فانها تتعلق بالموجودات الزمانية لا بالرتب العقلية، بل لو تعلقت بها فأيضاً لا يكون الأسبق رتبة كالأسبق زماناً مقدماً على غيره في مقام المزاحمة، لأنّ ملاك تقديم الأسبق على غيره - وهو كون التكليف المتعلق به فعلياً دون التكليف المتعلق بغيره - غير موجود هنا، لفرض أنّ التكليف المتعلق بالمتقدم والمتأخر الرتبيين كليهما فعلي في زمان واحد، فلا موجب عندئذ لتقديم أحدهما على الآخر، كما هو واضح. وأمّا اعتبار شيء شرطاً فلا يكون متأخراً عن اعتبار شيء جزءاً ومتفرعاً على ثبوته.
نعم، اعتبار الجميع متأخر عن اعتبار الأركان ومتفرع على ثبوته كما سبق. وأمّا اعتبار الشرطية بالاضافة إلى اعتبار الجزئية فلا تقدم ولا تأخر بينهما، بل هما في عرض واحد، والسر فيه ما تقدّم من أنّ الصلاة اسم للأركان، والبقية من الأجزاء والشرائط قد اعتبرت فيها بأدلتها الخاصة في ظرف متأخر عنها،
ولذا لا تسقط الأركان بسقوطها، وليست حال الشرائط بالاضافة إلى الأجزاء كحالها بالاضافة إلى الأركان، ومن هنا تسقط الشرائط بسقوط الأركان، ولا تسقط بسقوط سائر الأجزاء.
فما ذكره (قدس سره) من كون الشرائط متأخرة عن الأجزاء يبتني على نقطة واحدة، وهي كون الصلاة اسماً لجميع الأجزاء فقط، والشرائط جميعاً خارجة عنها وقد اعتبرت فيها، فعندئذ لا محالة يكون اعتبارها في ظرف متأخر عن اعتبار تلك ومتفرّعاً عليه، إلّا أنّك عرفت أن تلك النقطة خاطئة وغير مطابقة للواقع، وأن الصلاة موضوعة للأركان فقط، والبقية جميعاً خارجة عن حقيقتها ومعتبرة فيها بدليل خارجي من دون فرق في ذلك بين الأجزاء والشرائط أصلاً، فلا يكون اعتبارها متفرّعاً على اعتبار الأجزاء، بل هو في عرض اعتبارها غاية الأمر اعتبار الأجزاء في الأركان بنحو الجزئية واعتبارها فيها بنحو القيدية.
فإذن لا وجه لما أفاده (قدس سره) من تقديم الأجزاء على الشرائط أصلاً، بل لا بد على هذا القول - أي القول بالتزاحم - من الرجوع إلى مرجحاته من الأهمية،والأسبقية، فما كان أهم يتقدّم على غيره، فلا فرق بين كونه جزءاً أو شرطاً، وكذا ما كان سابقاً زماناً يتقدّم على غيره ولو كان شرطاً، مثلاً الطهارة المائية من جهة السبق الزماني تتقدّم على فاتحة الكتاب مثلاً أو على الركوع الاختياري أو نحو ذلك في موارد عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، وكذا طهارة البدن أو الثوب تتقدّم عليها بعين ذلك المرجّح والملاك.
وأما على القول بالتعارض فيها، فإن كان التعارض بين دليلي الجزء والشرط بالعموم فيرجع إلى مرجّحات الباب من موافقة الكتاب أو السنّة ومخالفة العامة، إلّا إذا كان أحدهما من الكتاب أو السنّة فيقدم على الآخر،
وأما إذا كان التعارض بينهما بالاطلاق كما هو الغالب، فإن كان أحدهما من الكتاب أو السنّة والآخر من غيره، فيقدّم الأوّل على الثاني على بيان تقدّم، وإلا فيسقط كلا الاطلاقين معاً فيرجع إلى الأصل العملي ومقتضاه عدم اعتبار خصوصية هذا وخصوصية ذاك، فالنتيجة هي اعتبار أحدهما، وقد سبق الكلام من هذه الناحية بشكل واضح فلاحظ (1).
وأما الفرع السادس : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط أصل الشرط وسقوط قيده، كما إذا دار الأمر بين سقوط أصل الساتر في الصلاة وسقوط قيده وهو الطهارة، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط قيده، لتأخر رتبته.
أقول : ينبغي لنا أن نستعرض هذا المورد وما شاكله على نحو ضابط كلّي، بيان ذلك : هو أن القيد - سواء أكان قيداً للشرط أو للجزء أو للمرتبة الاختيارية من الركن أو له بتمام مراتبه - لا يخلو من أن يكون مقوماً للمقيد بحيث ينتفي بانتفائه، وأن يكون غير مقوّم له، مثال الأوّل القيام المتصل بالركوع، فانه مقوّم للمرتبة الاختيارية منه مثال الثاني اعتبار الطهارة في الستر، والطمأنينة في الركوع والسجود والأذكار والقراءة وما شاكل ذلك، فانّ شيئاً منها لا ينتفي بانتفاء هذا القيد فلا ينتفي الستر بانتفاء الطهارة، ولا الركوع والسجود بانتفاء الطمأنينة وهكذا، وبعد ذلك نقول: أمّا القسم الأوّل، فلا شبهة في أنّ انتفاءه يوجب انتفاء المقيد، فلا وج-ه
الدعوى كون الساقط هو خصوص هو خصوص القيد، ضرورة أنه مقوّم له، فكيف يعقل بقاؤه مع انتفائه، كما هو واضح. وعليه فإذا كان المتعذر هو خصوص هذا القيد، كالقيام المتصل بالركوع مثلاً، فلا محالة يسقط المقيد به. وأما إذا كان
1) ص 106 وما بعدها.
الأمر دائراً بين سقوطه وسقوط جزء أو شرط آخر أو قيد مقوّم له، فتجري فيه الأقسام المتقدمة بعينها لفرض أنّ الأمر في هذه الصور في الحقيقة دائر بين سقوط جزء وجزء آخر أو شرط كذلك،وهكذا، فلا حاجة إلى الاعادة.
وأمّا القسم الثاني، وهو ما إذا كان القيد غير مقوّم، فلا وجه لسقوط المقيد أصلاً، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ معنى «لا تسقط الصلاة بحال» هو أنّ الأجزاء والشرائط المقدورة للمكلف لاتسقط عنه بسقوط ما هو المتعذر، فيجب عليه الاتيان بهما، والمفروض أنّ المقيد في محل الكلام مقدور له، فلا يسقط بمقتضى ما ذكرناه، والساقط إنما هو قيده، لتعذره.
وعلى الجملة : فمقتضى القاعدة وإن كان السقوط، إلا أنه بعد ما دلّ الدليل على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فلا وجه لسقوطه أصلاً، ضرورة أنّ المستفاد منه هو أنّ الأجزاء والشرائط الباقية المقدورة لا تسقط بتعدّر قيد من قيودهما. وعليه ففي الفرع المزبور لا وجه لسقوط أصل الساتر أصلاً، والساقط إنما هو قيده، وهو كونه طاهراً. وهذا هو وجه عدم سقوط أصل الساتر، لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من التعليل بكون قيده متأخراً عنه رتبة، وذلك لما عرفت من أنّه لا أثر للتأخر الرتبي ولا لتقدمه أصلاً، ولا سيما في المقام كما سبق بشكل واضح فلا نعيد، وكيف كان، فلا إشكال في عدم السقوط، ومن هنا قوينا في هذا الفرع (2)وجوب الصلاة في الثوب المتنجس لا عارياً، على خلاف المشهور. هذا مضافاً إلى أنّه مقتضى النصوص الواردة في المقام، وتمام الكلام في محلّه.
وأما الفرع السابع : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط قيد اعتبر في الركن، وسقوط قيد اعتبر في غيره، كما إذا دار الأمر بين سقوط الطمأنينة في المرتبة الاختيارية من الركن وسقوطها في الأذكار أو القراءة، أو دار الأمر بين سقوط القيام حال التكبيرة وسقوطه حال القراءة وهكذا، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط قيد غير الركن.
أقول : قد ظهر فساده ممّا تقدّم، وبيان وجه الظهور : هو أنه على القول بالتعارض في أمثال هذه الموارد يرجع إلى قواعده، وبما أنه لا ترجيح في البين فالمتعيّن هو التخيير في المقام وقيدية الجامع، لدفع اعتبار خصوصية كل منهما بأصالة البراءة.
وعلى القول بالتزاحم فيها المرجع هو مرجحاته من الأهمية والأسبقية. والأهمية مفقودة في المقام، ضرورة أنّ وجوب الطمأنينة في المرتبة الاختيارية من الركن ليس أهم من وجوبها في الأذكار أو القراءة وما شاكل ذلك، لم-ا عرفت من أنّ نفس تلك المرتبة ليست أهم من تلك الأجزاء، فضلاً عن قيدها غير المقوم لها، فانّ الأهم إنما هو الركن بعرضه العريض لا بكل مرتبته. مع أنه لو سلّمنا أنّ تلك المرتبة أهم منها إلّا أنّ ذلك لا يلازم أن يكون قيدها المزبور أهم من قيد تلك الأجزاء، كما هو واضح.
وأمّا الأسبقية، فإن كانت موجودة فلا بأس بالترجيح بها في هذه الموارد وعليه فتتقدّم الطمأنينة في حال القراءة على الطمأنينة في حال الركوع من جهة سبقها عليها زماناً، وكذا يتقدّم القيام حال التكبيرة على القيام حال القراءة، بل قد ذكرنا أن تقديم القيام في الجزء السابق على القيام في الجزء اللاحق مقتضى النص الخاص كما سبق (1)، فلا يحتاج إلى إعمال قواعد باب التزاحم ومرجحاته.
1) في ص 121.
وأما الفرع الثامن : وهو ما إذا دار الأمر بين سقوط القيام المتصل بالركوع وسقوط القيام حال القراءة، فقد ذكر (قدس سره) أنه يسقط القيام حال القراءة، وعلل ذلك بكون القيام قبل الركوع بنفسه ركناً ومقوماً للركوع، فيتقدم على القيام فيها لا محالة، ولذا ذكر أنّه يقدّم القيام قبل الركوع على القيام في حال التكبيرة، فانّه فيها شرط وفي الركوع مقوّم.
أقول : ما أفاده (قدس سره) بناءً على وجهة نظره من أنّ القيام المتصل بالركوع ركن بنفسه متين جداً،، بمعنى أنه لا بد من تقديمه على غيره، لفرض أنّه ليس له مرتبة أخرى لينتقل الأمر من مرتبته الاختيارية إلى تلك المرتبة، بل هو بعنوانه ركن، وقد ذكرنا (1)أنه إذا دار الأمر بين سقوط ركن رأساً وسقوط قيد آخر مهما كان لونه يسقط ذلك القيد لا محالة، ضرورة أنّ في صورة العكس لا صلاة ليدل على عدم سقوطها رواية أو اجماع.
ولكن هذا المبنى فاسد جداً، وقد حققنا في محله (2)أن القيام المتصل بالركوع ليس بركن، وأن الأركان منحصرة بالركوع والسجود والطهور والتكبيرة والوقت، وعليه فمجرد كونه مقوّماً للمرتبة الاختيارية من الركن لا يكون موجباً لتقديمه على غيره أصلاً. أما على القول بالتعارض بين دليله ودلي-ل غيره فواضح ضرورة أنّه على هذا لا بدّ من الرجوع إلى قواعد باب التعارض وأحكامه على الشكل الذي تقدّم. وأما على القول بالتزاحم فلا نحرز أنّ القيام المتصل بالركوع أهم من القيام حال القراءة أو القيام حال التكبيرة ليحكم بتقديمه عليه، بل الأمر على هذا القول بالعكس لما ذكرناه من أن الأسبق
زماناً في أمثال هذه الموارد مرجح، وبما أنّ القيام حال التكبيرة أو القيام حال القراءة أسبق زماناً من القيام المتصل بالركوع، فيتقدم عليه لا محالة، ب-ل ق-د عرفت أنّ ذلك مقتضى النص الخاص، فلا يحتاج إلى إعمال مرجح أصلاً.
نلخص نتائج بحث التزاحم والتعارض في عدة نقاط :
الأولى : أنّ الفرق بين التزاحم في الملاكات والتزاحم في الأحك-ام م-ن وجهين :
الأوّل : أنّ الترجيح في التزاحم بين الملاكات بيد المولى، وليس من وظيفة العبد في شيء، ولو علم بأهمية الملاك في أحد فعلين دون الآخر، فان وظيفته امتثال الحكم المجعول من قبل المولى. هذا مضافاً إلى أنه لا طريق له إلى الملاك. وأما الترجيح في التزاحم بين الأحكام فهو من ظيفة العبد لا غير.
الثاني : أنّ مقتضى القاعدة في التزاحم بين الأحكام التخيير، وأما في التزاحم بين الملاكات فلا يعقل فيه التخيير ضرورة أنّه لا معنى لتخيير المولى بين جعل الحكم على طبق هذا وجعل الحكم على طبق ذاك، لفرض أنّ الملاكين متزاحمان فلا يصلح شيء منهما لأن يكون منشأ لجعل حكم شرعي، فانّ الملاك المزاحم لا يصلح لذلك.
الثانية : أنّ التنافي بين الحكمين المتزاحمين إنما هو في مقام الامتثال الناشئ من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في الخارج اتفاقاً، ولا تنافي بينهما بالذات أبداً، لا من ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى، وهذا بخلاف ب-اب التعارض، فانّ التنافي بين الحكمين في هذا الباب بالذات، وقد ذكرنا أن ملاك أحد البابين أجنبي عن ملاك الباب الآخر بالكلية.
الثالثة : أنّ ملاك التعارض والتزاحم لا يختص بوجهة نظر مذهب العدلية،
بل يعم جميع المذاهب والآراء كما تقدّم.
الرابعة : أنّ منشأ التزاحم بين الحكمين بجميع أشكاله إنّما هو عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، وأما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ التزاحم بين الحكمين قد ينشأ من جهة أخرى، لا من ناحية عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما، فقد تقدّم أنه غير داخل في باب التزاحم أصلاً، بل هو داخل في باب التعارض.
الخامسة : أنّ مقتضى القاعدة في مسألة التعارض ه-و تساقط الدلي-لين المتعارضين عن الحجية والاعتبار.
السادسة : أن مرجحات هذه المسألة تنحصر بموافقة الكتاب أو السنة وبمخالفة العامة، وليس غيرهما بمرجح هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ الترجيح بهما يختص بالخبرين المتعارضين فلا يعم غيرهما. ومن ناحية ثالثة : أنّ المراد بالمخالفة للكتاب أو السنّة في روايات الترجيح ليس المخالفة على وجه التباين أو العموم من وجه ضرورة أنّ المخالفة على هذا الشكل لم تصدر عنهم (عليهم السلام) أبداً، بل المراد منها المخالفة على نحو العموم والخصوص المطلق.
السابعة : أنّ مقتضى القاعدة في التزاحم بين الحكمين هو التخيير، غ-اية الأمر على القول بجواز الترتب التخيير عقلي، فانّه نتيجة اشتراط التكليف من الأوّل بالقدرة وليس أمراً حادثاً، وعلى القول بعدم جوازه التخيير شرعي، بمعنى أنّ الشارع قد حكم بوجوب أحدهما في هذا الحال كما سبق.
الثامنة : قد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنّ ما لا بدل له يتقدّم على ما له بدل في مقام المزاحمة، وطبّق هذه الكبرى على فروع ثلاثة : 1 - أن الواجب التخييري إذا زاحم ببعض أفراده الواجب التعييني فيقدم التعييني عليه وإن كان
الواجب التخييري أهم منه. 2- ما إذا دار الأمر بين صرف الماء في تطهير البدن أو في الوضوء أو الغسل، وبما أنّ للثاني بدلاً فيقدم الأوّل عليه. 3- ما إذا دار الأمر بين إدراك ركعة في الوقت مع الطهارة المائية وإدراك تمام الركعات فيه مع الطهارة الترابية فيقدّم الثاني على الأوّل باعتبار أنّ له بدلاً.
ولكن ناقشنا في جميع هذه الفروع، وأنه ليس شيء منها داخلاً في تلك الكبرى. أمّا الأوّل: فهو ليس من باب التزاحم في شيء، لقدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين معاً، ومعه لا مزاحمة بينهما أصلاً. وأما الثاني : فلفرض أنّ لكل منها بدلاً، فكما أنّ للصلاة مع الطهارة المائية بدلاً، فكذلك للصلاة مع طهارة البدن أو الثوب. هذا مضافاً إلى ما ذكرناه (1)من أنه لا يعقل التزاحم بين جزأين أو شرطين أو جزء وشرط لواجب واحد كما تقدم. وأما الثالث: فيرد عليه عين ما أوردناه من الايرادين على الفرع الثاني.
ولكن مع ذلك يمكن الحكم بتقديم إدراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية على إدراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية بملاك آخر، وهو أنا إذا ضممنا ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) (2)بضميمة الروايات (3)الواردة في تفسيره إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...) إلخ (4)، فالنتيجة هي أن المكلف إذا تمكن في الوقت من استعمال الماء فوظيفته الوضوء أو الغسل، وإن لم يتمكن من استعماله
فوظيفته التيمم وإتيان الصلاة به كما سبق وقد تحصل من ذلك أنّ ما أفاده (قدس سره) من الكبرى، وهي تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل متين جداً، إلا أنها لا تنطبق على شيء من تلك الفروع.
التاسعة : أنّ الواجبين المتزاحمين إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة شرعاً والآخر مشروطاً بها عقلاً، فيتقدّم ما هو المشروط بالقدرة عقلاً على ما هو المشروط بها شرعاً، من دون فرق بين أن يكون متقدماً عليه زماناً أو متقارناً معه أو متأخراً عنه.
العاشرة : أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) قد أنكر جريان الترتب فيما إذا كان أحد المتزاحمين مشروطاً بالقدرة عقلاً والآخر مشروطاً بها شرعاً، بعد ما سلّم تقديم الأوّل على الثاني، وقد ذكرنا أنّ ما أفاده (قدس سره) يرتكز على أصل خاطئ، وهو توهم أنّ الترتب إنما يجري فيما إذا أحرز أنّ في كل من المتزاحمين ملاكاً في هذا الحال، وفي مثل المقام بما أنّه لا يمكن إحراز أنّ ما هو مشروط بالقدرة شرعاً واجد للملاك، فلا يمكن إثبات الأمر له بالترتب.
ولكنّه توهم فاسد والوجه فيه هو أنّ جريان الترتب في مورد لا يتوقف على إحراز الملاك فيه، لعدم الطريق إليه أصلاً مع قطع النظر عن تعلق الأمر به، بل ملاك جريانه هو أنّه لا يلزم من اجتماع الأمرين على نحو الترتب في زمان واحد طلب الضدّين، وعليه فالمتعيّن هو رفع اليد عن إطلاق كليهما في فرض التساوي، وعن إطلاق أحدهما في فرض كون الآخر أهم.
الحادية عشرة: أنّ الواجبين المتزاحمين اللذين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً يتقدّم ما هو أسبق زماناً على غيره، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ السبق الزماني إنما يكون من المرجحات فيهما خاصة، لا فيما كان مشروطاً بالقدرة عقلاً، فأنّه لا أثر للسبق الزماني فيه أصلاً.
الثانية عشرة : أنّ التزاحم بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر لا يكون من صغريات التزاحم بين الواجبين اللذين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، فانّ كونه من صغريات تلك الكبرى يبتنى على تفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً كما هو المشهور، ولكن قد ذكرنا أنّ هذا التفسير خاطئ بحسب الروايات، فانّ الاستطاعة قد فسرت فيها بالزاد الكافي لحجه ولقوت عياله إلى زمان الرجوع والراحلة مع أمن الطريق.
الثالثة عشرة: أنّ وجوب النذر لا يكون مقدّماً على وجوب الحج زماناً، سواء أقلنا بامكان الوجوب التعليق أو استحالته، والمقدم إنما هو سببه ولا عبرة به، فإذن لا وجه لتقديم وجوب النذر على وجوب الحج، وإن قلنا بكونه مشروطاً بالقدرة شرعاً.
الرابعة عشرة : أنّ اشتراط وجوب النذر وما شاكله بالقدرة شرعاً مستفاد من نفس الروايات الدالة على عدم نفوذ ذلك فيما إذا كان مخالفاً للكتاب أو السنّة.
الخامسة عشرة : أنّ الواجبات المجعولة في الشريعة المقدسة بالعناوين الثانوية كالنذر والشرط في ضمن عقد والعهد واليمين وما شابه ذلك، لا تصلح أن تزاحم الواجبات المجعولة فيها بالعناوين الأولية كالصلاة والصوم والحج وما شاكل ذلك.
السادسة عشرة : أنّ الواجبين المتزاحمين اللذين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً إذا كانا عرضيين، فيجري فيهما ما يجري في المتزاحمين العرضيين اللذين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً من جريان الترتب فيهما والترجيح بالأهمية أو احتمالها، وكون التخيير بينهما عقلياً لا شرعياً..
السابعة عشرة : أنّ الواجبين المتزاحمين اللذين يكون كل منهما مشروطاً
بالقدرة عقلاً، فإن كان أحدهما أهم من الآخر فلا إشكال في تقديمه على غيره وإن كان متأخراً عنه،زماناً، وكذا إذا كان محتمل الأهمية من جهة أن إطلاق الطرف الآخر ساقط يقيناً، وأمّا إطلاق هذا الطرف فسقوطه مشكوك فيه، فنأخذ به وإن كانا متساويين فالحكم فيهما التخيير، بمعنى تقييد وجوب ك--ل منهما بعدم الاتيان بمتعلق الآخر. وأما بناءً على عدم إمكان الترتب فيدخل المقام في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في مقام الامتثال، وقد ذكرنا أنّ المرجع فيه التعيين. نعم، إذا كان الشك فيهما في مقام الجعل بأن كان المجعول غير معلوم، فتجري أصالة البراءة عن احتمال التعيين.
الثامنة عشرة: أنّ إحراز كون الواجب المتأخر ذو ملاك ملزم في ظرفه بناءً على وجهة نظرنا من إمكان الواجب التعليقي واضح، فانّ ثبوت الوجوب فعلاً كاشف عنه لا محالة، وأما بناءً على عدم إمكانه، فإن علم من الخارج أنّ-ه واجد للملاك الملزم في ظرفه فهو، وإلا فلا نحكم بتقديمه على الواجب الفعلي، لعدم إحراز أنه ذو ملاك ملزم في زمانه.
التاسعة عشرة : أنّ القدرة المعتبرة في الواجب المتأخر إن كانت خاصة، وهي قدرة القدرة في ظرف العمل، فلا وجه لتقديمه على الواجب الفعلي وإن كان أهم منه، بل الأمر بالعكس، لفرض عدم وجوب حفظ الق-درة له في ظرفه، وقد رتبنا على تلك الكبرى عدّة من الفروع التي تقدّمت.
العشرون : أنّه لا فرق في جريان الترتب بين الواجبين العرضيين، والواجبين الطوليين، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث قد أنكر جريانه في الواجبين الطوليين.
الحادية والعشرون : أنّ موارد عدم قدرة المكلف على الجمع بين جزأين أو شرطين أو جزء وشرط داخلة في كبرى باب التعارض، فيرجع إلى قواعد
ذلك الباب.
الثانية والعشرون : أنّ إطلاق الكتاب يتقدّم على إطلاق غيره في مقام المعارضة إذا لم يكن إطلاق غيره قطعياً، كما إذا كان الدليل الدال على أحد الجزأين أو الشرطين إطلاقاً من الكتاب والدليل الدال على الآخر إطلاقاً من غيره، فيتقدّم الأوّل على الثاني في هذه الموارد أعني موارد عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، بناءً على القول بالتعارض فيها دون القول بالتزاحم.
الثالثة والعشرون : أنّ موارد عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما تتصور على صور :
1 - عدم عدم تمكنه من الجمع بين ركنين فيدور الأمر بين سقوط هذا الركن وسقوط الركن الآخر، وقد عرفت أنّ المتعيّن فى هذه الصورة سقوط الصلاة، ولا موضوع لما دلّ على أن الصلاة لا تسقط بحال.
2 - عدم تمكنه من الجمع بين ركن بتمام مراتبه وبين مرتبة اختيارية لآخر، وقد سبق أنّ المتعيّن فى هذه الصورة سقوط تلك المرتبة.
3 - عدم تمكنه من الجمع بين مرتبة اختيارية لركن ومرتبة اختيارية لآخر. وقد تقدّم أنه تقع المعارضة بين دليليهما، فالمرجع هو قواعد بابها.
4 - عدم تمكنه من الجمع بين المرتبة الاختيارية من الرك-ن وب-ي-ن س-ائر الأجزاء أو الشرائط. وقد عرفت أنّ في هذه الصورة أيضاً تقع المعارضة بين دليليهما، فلابد من الرجوع إلى مرجحاتها على تفصيل قد تقدّم.
ه - عدم تمكنه من الجمع بين ركن بعرضه العريض وبين بقية الأجزاء أو الشرائط. وقد سبق أنّ في هذه الصورة لابد من تقديم الركن عليها من جهة ما دلّ على أن الصلاة لا تسقط بحال.
6 - عدم تمكنه من الجمع بين الجزء والشرط. وقد عرفت أنّ الصحيح في هذه الصورة أيضاً وقوع المعارضة بين دليليهما، لا تقدّم الجزء على الشرط.
الرابعة والعشرون : أنّه إذا تعدّر قيد شرط أو جزء، فإن كان مقوّماً له، فسقوطه لا محالة يوجب سقوط ذلك الشرط أو الجزء، وإن لم يكن مقوّماً له، فسقوطه لا يوجب سقوط ذلك أصلاً، فإذن الساقط هو خصوص القيد دون المقيد.
الخامسة والعشرون : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من تطبيق کبرى باب التزاحم على تلك الفروع غير تام وعلى تقدير التنزل وتسليمه، فما أفاده (قدس سره) من المرجحات لتقديم بعض الأجزاء أو الشرائط على بعضها الآخر لا يتم على إطلاقه، كما سبق بصورة مفصلة.
تذييل
وهو أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)قد قسم التزاحم إلى سبعة أقسام : الأول : التزاحم بين الحكمين من غير ناحية عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال. وقد تقدّم الكلام فيه مفصلاً، وقلنا هناك إنّه ليس من التزاحم في شيء، بل هو من التعارض فلاحظ.
الثاني : التزاحم في الملاكات بعضها مع بعضها الآخر، كأن يكون في الفعل جهة مصلحة تقتضي إيجابه وجهة مفسدة تقتضي حرمته وهكذا. وقد سبق الكلام فيه أيضاً (2)، وذكرنا هناك أنّ هذا النوع من التزاحم خارج عن محل
الكلام بالكلية، وأنّ الأمر فيه بيد المولى وعليه أن يلاحظ الجهات الواقعية والملاكات النفس الأمرية الكامنة في الأفعال الاختيارية للعباد، فيجعل الحكم على طبق ما هو الأقوى والأهم منها دون غيره، وأما إذا لم يكن أحدهما أقوى من الآخر بل كانا متساويين، فليس الحكم في هذه الصورة التخيير، كما ه-و الحال في التزاحم بين الأحكام بعضها مع بعضها الآخر، ضرورة أن التخيير فيها غير معقول، فلا معنى لتخيير المولى بين جعل الحكم على طبق هذا وجعله على طبق ذاك، فانّ جعله على طبق كليهما غير معقول، وعلى وفق أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، مع أنه بلا مقتض، فإذن يسقطان معاً، لأن الملاك المزاحم بالملاك الآخر لا أثر له أصلاً، فعندئذ يمكن للمولى أن يجعل له الاباحة، وكيف كان فهذا التزاحم خارج عما نحن فيه، ولذا لا يمكن البحث عن جريان الترتب فيه وعدم جريانه، كما أنّ في فرض التساوي بينهما ليس الحكم فيه التخيير. مع أنّه مقتضى القاعدة في التزاحم ب-ي-ن ح-كمين مجعولين، وفي فرض عدم التساوي الترجيح يكون بيد المولى دون العبد، وهذا بخلاف التزاحم المبحوث عنه هنا.
الثالث : التزاحم الناشئ من عدم قدرة المكلف اتفاقاً، كما هو الحال في التزاحم بين وجوب إنقاذ غريق وإنقاذ غريق آخر، فيما إذا لم يكن المكلف قادراً على امتثال كليهما معاً.
الرابع: التزاحم الناشئ من جهة وقوع المضادة بين الواجبين اتفاقاً، فانّ المضادة بينهما إذا كانت دائمية فتقع المعارضة بين دليليها، لوقوع المصادمة عندئذ في مرحلة الجعل لا في مرحلة الامتثال والفعلية.
الخامس : التزاحم في موارد اجتماع الأمر والنهي فيما إذا كانت هناك ماهيتان متعددتان، ولم نقل بسراية الحكم من إحداهما إلى الأخرى، بناءً على ما هو
الصحيح من عدم سراية الحكم من الطبيعة إلى مشخصاتها الخارجية، فتقع المزاحمة بينهما، وهذا بخلاف ما إذا كانت هناك ماهية واحدة، أو كانت ماهيتان متعددتان، ولكن قلنا بالسراية، فعندئذ تقع المعارضة بين دليليها.
السادس : التزاحم في موارد التلازم الاتفاقي بين الفعلين، كما إذا كان أحدهما محكوماً بالوجوب والآخر محكوماً بالحرمة، كاستقبال القبلة واستدبار الجدي لمن سكن العراق وما والاه من البلاد لا مطلقاً، فإذا كان أحدهما محكوماً بالوجوب والآخر محكوماً بالحرمة تقع المزاحمة بينهما، وهذا بخلاف ما إذا كان التلازم بينهما دائمياً، فانّه عندئذ يدخل في باب التعارض.
السابع : التزاحم بين الحرام والواجب فيما إذا كان الحرام مقدمة له كما إذا توقف إنقاذ الغريق مثلاً على التصرف في مال الغير، هذا فيما إذا لم يكن التوقف دائمياً وإلّا فيدخل في باب التعارض.
ولكن قد أشرنا فيما تقدّم (1)أنّ تقسيمه (قدس سره) التزاحم في موارد عدم قدرة المكلف على الجمع بين المتزاحمين إلى هذه الأقسام غير صحيح.
أمّا أوّلاً: فلأنه لا أثر لهذا التقسيم أصلاً، ولا تترتب عليه أية ثمرة، وإلّا لأمكن تقسيمه إلى أزيد من ذلك كما سبق.
وأما ثانياً : فلأنّ أصل هذا التقسيم غير صحيح، وذلك لأنّ القسم الثاني وهو ما إذا كان التزاحم ناشئاً عن المضادة بين الواجبين اتفاقاً داخل في القسم الأوّل، وهو، وهو ما إذا كان التزاحم فيه ناشئاً عن عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما اتفاقاً، بداهة أنّ التضاد بين فعلين من باب الاتفاق غير معقول إلّا من ناحية عدم قدرة المكلف عليهما معاً، ولذا لا مضادة بينهما بالاضافة إلى من
1) في ص 11.
كان قادراً عليهما كذلك، فإذن لا معنى لجعله قسماً آخر في مقابل القسم الأول.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ المضادة بين الفعلين إذا كانت دائمية فتقع المعارضة بين دليل حكميهما، فهو إنّما يتم في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، وأمّا الضدّين اللذين لهما ثالث فلا يتم، وقد تقدّم ذلك بشكل واضح فلا نعيد.
وأما القسم الثالث : وهو التزاحم في موارد اجتماع الأمر والنهي على القول بالجواز مع فرض عدم المندوحة في البين فهو داخل في القسم الرابع، وهو ما إذا كان التزاحم من جهة التلازم الاتفاقي بين الفعلين في الخارج، ضرورة أنّ التزاحم في موارد الاجتماع على هذا القول أيضاً من ناحية التلازم بين متعلق الأمر ومتعلق النهي في الوجود الخارجي، فإذن لا معنى لجعله قسماً على حدة.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّ الصحيح تقسيم التزاحم إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما إذا كان التزاحم ناشئاً من عدم قدرة المكلف اتفاقاً. الثاني : ما إذا كان الحرام مقدّمة لواجب.
الثالث : ما إذا كان ناشئاً من التلازم الاتفاقي بين فعلين في الخارج.
أمّا القسم الأوّل: فقد تقدّم الكلام فيه بصورة مفصلة (1).
بقي شيء قد تعرّض له شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)وهو أن التزاحم إذا كان بين واجبين طوليين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة عقلاً، فإن لم يكن الواجب المتأخر أهم من الواجب المتقدم فقد ذكر (قدس سره) أنه يتقدّم الواجب المتقدم على المتأخر، فلا وجه للتخيير أصلاً.
ولكن قد ذكرنا سابقاً أنّه لا وجه لما افاده (قدس سره) هنا، بل المتعيّن فيه
التخيير، فانّ التقدم زماناً إنما يكون مرجحاً إذا كان كل منها مشروطاً بالقدرة شرعاً، لا فيا إذا كان مشروطاً بها عقلاً، فانّه لا فرق فيه بين أن يكون التزاحم بين واجبين عرضيين أو طوليين أصلاً، وأما إذا كان الواجب المتأخر أهم من الواجب المتقدم فقد ذكر (قدس سره) (1)أنّ في هذه الصورة تقع المزاحمة بين وجوب الواجب المتقدم ووجوب حفظ القدرة للواجب المتأخر في ظرفه، وبما أنّ الثاني أهم من الأوّل فيتقدّم عليه، وهذا ظاهر.
وإنما الكلام والاشكال في أنّه هل يمكن الالتزام بالترتب في هذا الفرض، أعني جواز تعلق الأمر بالواجب المتقدم مترتباً على عصيان الأمر المتعلق بالواجب المتأخر أم لا ؟ وجهان بل قولان:
فقد اختار (قدس سره) (2)القول الثاني، وأفاد في وجه ذلك [ أموراً ]:
[الأوّل ] هو أن القول بامكان الترتب هنا يبتني على جواز الشرط المتأخر، بأن يكون العصيان المتأخر شرطاً لتعلق الأمر بالمتقدم، وقد ذكرنا استحالته وأنه غير معقول. ودعوى أنه لا مانع من الالتزام بكون الشرط هو عنوان التعقب، كما التزمنا بذلك في اشتراط التكليف بالقدرة في الواجبات التدريجية كالصلاة وما شاكلها، وعليه فلا يلزم الالتزام بالشرط المتأخر يدفعها بأنّ جعل عنوان التعقب شرطاً يحتاج إلى قيام دليل عليه، ولا دليل في المقام. وأمّا في الواجبات التدريجية فقد دلّ الدليل على ذلك.
الثاني : أنّ العمدة في جواز تعلق الأمر بالضدين على نحو الترتب هي أن الواجب المهم مقدور للمكلف في ظرف عصيان الأمر بالواجب الأهم، وقابل
لتعلق التكليف به عندئذ، من دون أن يستلزم ذلك محذور طلب الجمع كما عرفت، نعم المهم إنما لا يكون مقدوراً في ظرف امتثال الأمر بالأهم، وه-ذا لا يضر بعد ما كان مقدوراً في ظرف عصيانه. وهذا الوجه غير جارٍ فيما نحن فيه، ضرورة أن عصيان الواجب المتأخر في ظرفه لا يوجب قدرة المكلف على الواجب المتقدم وجواز صرفها في امتثاله، والمفروض أنّ الخطاب بحفظ القدرة على الواجب المتأخر فعلي من ناحية، وأهم من ناحية أخرى، ومن المعلوم أنّه مع هذا الحال مانع من صرف القدرة في الواجب المتقدم، ولا يكون المكلف في هذا الحال قادراً عليه، لأنّه معجز عنه، فلا يعقل تعلق الأمر ب-ه عندئذ، لاستلزامه طلب المحال، لفرض أنّه مأمور فعلاً بحفظ القدرة في هذا الحال، فلو كان مع ذلك مأموراً باتيان الواجب المتقدم، للزم المحذور المزبور.
وعلى الجملة : فملاك إمكان الترتب - وهو كون المهم مقدوراً في ظرف عصيان الأهم - غير موجود هنا، وذلك لأنه في ظرف تحقق عصيان الواجب المتأخر ووجوده ينتفي الواجب المتقدم بانتفاء موضوعه، فلا يعقل ك--ونه مقدوراً عندئذ، ضرورة أنّ القدرة لا تتعلق بأمر متقدم منصرم زمانه، وأما في ظرف الواجب المتقدم وقبل مجيء زمان عصيان الواجب المتأخر فهو مأمور بحفظ القدرة له فعلاً، ومعه - أي مع حفظ القدرة - لا يكون الواجب المتقدم مقدوراً ليكون قابلاً لتعلق الأمر به.
وتخيّل أنّ الشرط إنّما هو العزم والبناء على عصيان المتأخر في ظرفه، لا نفس العصيان، وعليه فلا يلزم المحذور المزبور فاسد، وذلك لأنّ الشرط لو كان هو العزم والبناء على العصيان لا نفسه للزم طلب الجمع بين الضدين، لفرض أنّ كلا الأمرين في هذا الآن فعلي، أما الأمر بالأهم فلفرض عدم تحقق عصيانه بعد، فلا موجب لسقوطه، وأما الأمر بالمهم فلفرض تحقق شرطه وهو العزم والبناء على العصيان.
فقد تحصل ممّا ذكرناه أنه كما لا يمكن أن يكون عصيان الواجب المتأخر في ظرفه شرطاً، كذلك لا يمكن أن يكون العزم عليه شرطاً.
الثالث : أنّ توهّم كون الشرط لتعلق الأمر بالمتقدم إنما هو عصيان الأمر بحفظ القدرة للمتأخر، أو العزم على عصيانه، وعلى هذا فلا محذور في البين، وأنّ المحذور إنما هو على أساس كون الشرط له عصيان الأمر بالمتأخر، لا أصل له أبداً، والوجه فيه، أمّا العزم على عصيانه، فقد عرفت أن شرطيته تستلزم طلب الجمع بين الضدّين، ولا يعقل أن يكون شرطاً، لأنه خلاف مفروض القول بالترتب. وأمّا عصيانه المتحقق باعمال القدرة في غير الأهم فشرطيته غير معقولة، وذلك لأنّ المكلف في ظرف ترك التحفظ بقدرته للواجب المتأخر، لا يخلو أمره من أن يصرفها في المهم أو أن يصرفها في فعل آخر، ضرورة أنّ عصيان الأمر به لا يتحقق إلا بصرفها في أحدهما، وعليه فيستحيل اشتراط الأمر بالمهم به على كلا التقديرين.
أما على الأوّل: وهو اشتراطه بالعصيان المتحقق بفعل المهم، فلأنه يستلزم اشتراط الأمر بالشيء بوجوده وتحققه في الخارج، وه-و مح-ال لأن-ه ط-لب الحاصل.
وأمّا على الثاني : وهو اشتراطه بالعصيان المتحقق بفعل آخر، فلأنه يستلزم تعلق الأمر بالمحال، لأنّ في فرض صرف المكلف قدرته في فعل آخر يستحيل له الاتيان بالمهم، لفرض أنّه ليس له إلا قدرة واحدة، فلو صرف تلك القدرة في غيره، فلا محالة لا يقدر عليه، مع أنّه لا معنى لاشتراط الأمر بالمهم بصرف القدرة فيما هو أجنبي عن الأهم والمهم معاً.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّه لا يمكن الترتب في أمثال هذا المورد، بل يتعيّن حفظ القدرة للواجب المتأخر.
وللمناقشة فيما أفاده (قدس سره) مجال واسع.
أما ما أفاده أوّلاً من أن القول بالترتب هنا يرتكز على القول بجواز الشرط المتأخر وهو محال، فيردّه ما حققناه في بحث الواجب المطلق والمشروط من أنه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر، وأنّه بمكان من الامكان، غاية الأمر أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، والمفروض أنّ الدليل عليه في المقام موجود، وهو أنّ العقل مستقل بلزوم التحفظ بخطاب المولى بالمقدار الممكن، ولا يجوز رفع اليد عنه بوجه من الوجوه أي لا عن أصله ولا عن إطلاقه ما لم تقتضه الضرورة. وعليه فإذا وقعت المزاحمة بين تكليفين لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال لا مناص له من الالتزام بالأخذ بأحدهما معيناً إذا كان واجداً للترجيح كما إذا كان أهم ورفع اليد عن الآخر، ولكن حينئذ يدور الأمر بين أن يرفع اليد عن أصله أو عن إطلاقه، وبما أنا قد حققنا إمكان الترتب، وقد ذكرنا أن معناه عند التحليل عبارة عن تقييد إطلاق الأمر بالمهم بترك امتثال الأمر بالأهم، وعدم الاتيان بمتعلقه في الخارج، وقد قلنا إنّ هذا التقييد ليس تقييداً حادثاً بحكم العقل، بل هو نتيجة اشتراط التكليف بالقدرة، فلا محالة يكون المرفوع هو إطلاقه لا أصله ضرورة أن رفع اليد عنه عندئذ بلا موجب ومقتض، وهو غير جائز، وهذا معنى الدليل على وقوع هذا الشرط.
أو فقل : إنّ اشتراط التكليف بالمتقدم بعصيان الواجب المتأخر، وعدم الاتيان بمتعلقه على نحو الشرط المتأخر أمر ممكن في نفسه، ولكن وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، والدليل على وقوعه في المقام هو نفس البناء على إمكان الترتب وجوازه، لما عرفت من أنّ حقيقة الترتب ذلك الاشتراط والتقييد، ولا نعني به غير ذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: قد ذكرنا أنّ إمكان الترتب يكفي لوقوعه، فلا يحتاج
وقوعه في الخارج إلى دليل خاص وعليه فيلتزم بوقوع ذلك الاشتراط لا محالة، وهذا واضح.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا استحالة الشرط المتأخر، فلا مانع من الالتزام بكون الشرط هو عنوان التعقب، وذلك لأنّه إذا بنينا على إمكان الترتب وأنّ الساقط إنّما هو إطلاق الخطاب دون أصله، فلابد من التحفظ عليه بحكم العقل بشكل من الأشكال، فإذا فرض أنّه لم يمكن تقييد إطلاقه بعصيان التكليف بالمتأخر، فلا مناص من الالتزام بتقييده بعنوان التعقب، أو بالعزم على عصيانه، فما ذكره (قدس سره) من أنّ اشتراط التكليف به يحتاج إلى دلي-ل خ--اص لا يرجع إلى معنى محصل، ضرورة أنه بعد البناء على أنّ الساقط هو إطلاق الخطاب لا أصله من ناحية، ناحية، وعدم امكان اشتراطه وتقييده بعصيان التكليف بالمتأخر من ناحية أخرى، لم يكن مناص من الالتزام بتقييده بعنوان التعقب أو العزم على عصيانه، لأنّه المقدار الممكن، ومن المعلوم أنّ هذا لا يحتاج إلى دليل خاص في المقام.
وبكلمة أخرى : أنا قد ذكرنا سابقاً أن كون أحد الخطابين مشروطاً بترك امتثال الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه في الخارج لم يرد في لسان دليل من الأدلة، لنقتصر على مقدار مدلوله ونأخذ بظاهره، بل هو من ناحية حكم العقل بعدم إمكان تعلق الخطاب الفعلي بأمرين متضادين، إلا على هذا الفرض والتقدير، ضرورة استحالة تعلقه بكل منهما مطلقاً وفي عرض الآخر. وعليه فإذا لم يمكن تقييد إطلاق الخطاب بالمهم بترك امتثال خطاب الأهم وعصيانه من جهة استلزامه جواز الشرط المتأخر - وهو ممتنع على الفرض - يستقل العقل بتقييده بالعزم عليه أو بعنوان التعقب بعين هذا الملاك، وهو أن الساقط إطلاقه دون أصله، ضرورة أنّ هذا يقتضي تقييده بشيء ما، ولا فرق بين أن يكون التقييد
بهذا أو بذاك بنظر العقل أبداً، فإذن لا موجب لرفع اليد عن أصل الأمر بالمهم، ضرورة أنه بلا مقتض، بل لابد من تقييده بشيء كالعزم على المعصية، أو عنوان التعقب بها أو نحو ذلك.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ شرطية العزم تستلزم طلب الجمع بين الضدّين فلا يمكن المساعدة عليه، والوجه فيه هو أن ذلك يبتني على نقطة واحدة، وهي أن يكون العزم بحدوثه شرطاً لفعلية الأمر بالمهم، فوقتئذ لا محالة يلزم طلب الجمع بينهما، ضرورة أنّ بعد حدوثه يصير الأمر بالمهم فعلياً ومطلقاً كالأمر بالأهم، فيقتضي كل منهما إيجاد متعلقه في الخارج في عرض الآخ--ر وعلى نحو الاطلاق، وهو معنى طلب الجمع، إلّا أنّ تلك النقطة خاطئة جداً وغير مطابقة للواقع، وذلك لأنّ الشرط ليس هو حدوث العزم آناً م-ا، ب-ل الشرط هو العزم على المعصية على نحو الدوام والاستمرار، بمعنى أن حدوثه شرط لحدوث الأمر بالمهم وبقاؤه شرط لبقائه.
وبكلمة أخرى أنّه لا فرق بين كون الأمر بالمهم مشروطاً بالعزم على العصيان أو بنفس العصيان من هذه الناحية أصلاً، لما ذكرناه سابقاً من أنّ الشرط لفعلية الأمر بالمهم ليس حدوث العصيان آناً ما، وإلا لزم المحذور المزبور وهو طلب الجمع بين الضدّين في الآن الثاني والثالث وهكذا، لفرض أنّ الأمر بالمهم في هذا الآن ولو مع ارتفاع العصيان فيه باقٍ على حاله، والمفروض أنّ الأمر بالأهم أيضاً موجود في هذا الآن، فإذن يجتمع الأمر بالمهم والأم--ر بالأهم في زمان واحد على نحو الاطلاق، وهو غير معقول، فإذن لا فرق بين كون الشرط هو العزم على عصيان الأمر بالأهم أو نفس عصيانه في النقطة المزبورة، فانّ الالتزام بتلك النقطة في شرطية كلا الأمرين يستلزم محذور طلب الجمع، من دون فرق بينهما من هذه الناحية أبداً.
ولكن العجب من شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنه كيف التزم بتلك النقطة في شرطية العزم، ولأجلها قال بعدم إمكان كونه شرطاً لاستلزامه المحذور المذكور غافلاً أنّ الالتزام بهذه النقطة في شرطية نفس العصيان أيضاً يستلزم عن ذلك، فلا فرق بينهما من هذه الجهة أصلاً.
ولكن بما أنّ تلك النقطة خاطئة كما عرفت فلا مانع من الالتزام بكون العزم شرطاً على الشكل المتقدم، ولا يلزم معه طلب الجمع، وذلك لما تقدّم بصورة مفصلة من أنّ الأمر بالمهم بما أنّه مشروط بعصيان الأمر بالأهم أو بالعزم على عصيانه، فلا يلزم من اجتماعهما في زمان واحد طلب الجمع، بل هو منافٍ ومضاد له كما سبق.
وأما ما أفاده (قدس سره) ثانياً من أنّ الترتب إنما يجري فيا إذا كان المهم مقدوراً في ظرف عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه، وفي المقام بما أنّ الأمر ليس كذلك، فلا يمكن الالتزام بالترتب فيه، فقد ظهر فساده ممّا ذكرناه من أنه لا مانع من الالتزام بكون عصيان الواجب المتأخر في ظرفه شر شرطاً لوجوب الواجب المتقدم على نحو الشرط المتأخر، بناءً على ما حققناه م-ن إمكانه، غاية الأمر وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، وفي المقام الدليل على وقوعه موجود، وهو عدم جواز رفع اليد عن أصل التكليف ما دام يمكن التحفظ عليه بنحو من الأنحاء، وهنا يمكن التحفظ عليه على نحو الالتزام بالشرط المتأخر.
ودعوى أنّ المعتبر في جريان الترتب أن يكون المهم مقدوراً في ظرف عصيان الواجب الأهم، وفي المقام بما أنّه لا يكون مقدوراً في ظرف عصيانه، فلا يجري فيه الترتب.
مدفوعة بأنّ المهم وإن لم يكن مقدوراً في ظرف عصيان الأهم، ضرورة
استحالة تعلق القدرة بأمر متقدم منصرم زمانه، إلا أنه مقدور في ظرفه عقلاً وشرعاً. أما عقلاً،فواضح، وأمّا شرعاً فلفرض أنّه في نفسه أمر سائغ ومشروع، وعليه فلا مانع من تعلق الأمر به على تقدير عصيان الأمر بالأهم في ظرفه.
وتخيّل أنّ وجوب حفظ القدرة له معجز عن الاتيان بالمهم، فلا يكون معه قادراً عليه شرعاً فاسد جداً، وذلك لأنّ وجوب حفظ القدرة له لو كان مانعاً عن تعلق الأمر بالمهم وموجباً لخروجه عن القدرة، لكان وجوب الأهم فيما إذا كان في عرض المهم أيضاً كذلك، ضرورة أنّ الأمر بالأهم لا يسقط بمجرد عصيانه، ولذا قلنا إنّ لازم القول بالترتب هو اجتماع الأمر بالأهم والأمر بالمهم في زمان واحد، وعليه فاذا فرض أنّ وجوب حفظ القدرة للواجب الأهم فيما إذا كان متأخراً عن المهم زماناً مانع عن تعلق الأمر بالمهم ومعجز عنه شرعاً، لكان وجوب الأهم فيا إذا كان مقارناً معه زماناً أولى بالمنع والتعجيز عنه، مع أنه (قدس سره) (1)قد التزم بالترتب في هذا الفرض، أعني ما إذا كان الواجب الأهم مقارناً مع المهم زماناً، وبذلك نعلم أنّ الأمر بالأهم في ظرف عصيانه لا يكون مانعاً عن تعلق الأمر بالمهم ولا يوجب عجز المكلف عنه شرعاً.
والسر في ذلك واضح، وهو أنّ الأمر بالأهم إنما يمنع عن تعلق الأمر بالمهم إذا كان في عرضه وعلى الاطلاق، لا فيما إذا كان في طوله وعلى نحو الترتب، لما عرفت من عدم التنافي بين مقتضى الأمرين كذلك. وعليه فلا يكون الأمر بالأهم معجزاً مولوياً عن الاتيان بالمهم على الشكل المزبور، ليكون مانعاً عن تعلق الأمر به.
فما أفاده (قدس سره) من أنّ العمدة في القول بجواز الترتب هو كون المهم
1) أجود التقريرات 2 : 55.
مقدوراً في ظرف عصيان الأمر بالأهم، إن أراد بذلك أنّ الأمر بالأهم قد سقط في هذا الظرف وعليه فلا مانع من تعلق الأمر بالمهم، فهو خلاف فرض القول بالترتب، فان لازم هذا القول كما عرفت هو اجتماع كلا الأمرين في زمان واحد، وعدم سقوط الأمر بالأهم بالعصيان لما تقدّم من أنّ الأمر به مطلق بالاضافة إلى حالتي امتثاله وعصيانه وحالتي الاتيان بالمهم وعدم إشيانه، فالالتزام بسقوط الأمر بالأهم في ظرف عصيانه والاتيان بالمهم منافٍ للالتزام بالقول بالترتب، ضرورة أن تعلق الأمر بالمهم في ظرف سقوط الأمر عن الأهم خارج عن محل الكلام في جواز الترتب وعدم جوازه، كما تقدم ذلك بصورة مفصلة، فلاحظ.
وإن أراد أنّ الأمر بالأهم باقٍ في هذا الحال كما هو المفروض ومع ذلك لا مانع من تعلق الأمر بالمهم على نحو الترتب، وأنّ الأمر بالأهم لا يكون مانعاً منه، ولا يوجب عجز المكلف عنه، فنقول : إنّ وجوب حفظ القدرة أيضاً كذلك، بمعنى أنه لا يكون مانعاً منه لفرض أنّه لا تنافي بين الأمر بالمهم ووجوب حفظ القدرة للواجب المتأخر الأهم في ظرفه على هذا التقدير، أي على تقدير عصيانه وعدم الاتيان بمتعلقه في زمانه. نعم، لو كان الأمر به في عرضه وعلى نحو الاطلاق لكان مانعاً منه وغير جائز قطعاً.
فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه قد أصبحت أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى محصل أصلاً.
وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ الشرط المتأخر غير جائز، إلا أنه لا مانع من الالتزام بكون الشرط لتعلق الأمر بالمهم هو عنوان تعقبه بعصيان الأهم في ظرفه، أو بالعزم على عصيانه، ضرورة أنه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق دليله - دليل وجوب المهم - بالاضافة إلى هذا الحال، أعني حال تعقبه
بعصيان الأهم أو بالعزم عليه، فاللّازم إنما هو رفع اليد عن إطلاقه بمقدار تقتضيه الضرورة، ومن المعلوم أنّها لا تقتضي أزيد من رفع اليد عن إطلاقه بالاضافة إلى حال امتثال الواجب الأهم في ظرفه لا مطلقاً.
فالنتيجة هي لزوم التحفظ على أصل الدليل والخطاب ورفع اليد عن إطلاقه، فانّ إطلاقه منشأ التزاحم دون أصله، فرفع اليد عنه بلا موجب، وهو غير جائز.
وأما ما ذكره ثالثاً من أنّ الأمر بالمهم لا يمكن أن يكون مشروطاً بعصيان الأمر بحفظ القدرة للواجب المتأخر الأهم، لأنّ ترك التحفظ على القدرة له إمّا بصرفها في الواجب المهم، أو بصرفها في شيء آخر، فعلى الأوّل يلزم اشتراط وجوب الشيء بوجوده في الخارج وهو محال، وعلى الثاني يلزم التكليف بالمحال، ضرورة أنّ مع صرف القدرة في غير المهم يستحيل المهم.
فيرد عليه : أنّ ما أفاده (قدس سره) إنما يتم بناءً على الالتزام بنقطة واحدة، وهي أن يكون ترك التحفظ على القدرة للواجب المتأخر عين صرفها في الواجب المتقدم المهم، أو صرفها في شيء آخر، فعندئذ يلزم المحذور الذي أفاده (قدس سره) إلّا أنّ تلك النقطة خاطئة جداً وبعيدة عن الواقع بمراحل، وذلك ضرورة أنّ ترك التحفظ على القدرة ليس عين فعل المهم أو فعل آخر، فان معنى التحفظ هو إبقاء القدرة على حالها وعدم إعمالها في شيء، وهو ملازم هنا لترك المهم وعدم الاتيان به في الخارج، ومعنى ترك التحفظ بها عدم إبقائها على حالها وهو ملازم في المقام لفعل المهم أو لفعل آخر، لا أنه عينه كما ه-و واضح.
وعليه فلا يلزم من اشتراط وجوب المهم بترك التحفظ اشتراط وج-وب الشيء بوجوده وتحققه ليقال إنّه محال، بل الحال هنا عندئذ كالحال في بقية
موارد التزاحم. مثلاً إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الصلاة في آخر الوقت ووجوب الازالة، فكما أنّ ترك الصلاة في الخارج ملازم إما لفعل الازالة فيه أو لفعل غيرها، فكذلك ترك التحفظ على القدرة ملازم في الخارج إما لفعل المهم أو لفعل غيره، فكما أنّه لا مانع من اشتراط وجوب الازالة بترك الصلاة، فكذلك لا مانع من اشتراط وجوب المهم بترك التحفظ.
فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ عصيان وجوب حفظ القدرة إما أن يتحقق بصرف القدرة في المهم أو بصرفها في فعل آخر، وع--لى ك--لا التقديرين لا يعقل اشتراط الأمر بالمهم،به لا يرجع إلى معنى صحيح، وذلك لأن عصيانه يتحقق بتركه، أي بترك التحفظ، غاية الأمر أنه في الخارج ملازم إما لفعل المهم أو لفعل غيره، كما هو الحال في بقية موارد التزاحم من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، لا أنّ عصيانه عين فعل المهم في الخارج أو عين فعل آخر لئلا يمكن اشتراط وجوبه به، وهذا لعله من الواضحات الأولية، فإذن لا مانع من الاشتراط المزبور من ناحية ما أفاده (قدس سره).
ولكن يمكن منعه من ناحية أخرى وهي أنّ وجوب حفظ القدرة ليس وجوباً شرعياً مولوياً، بل وجوبه وجوب عقلي. وعليه فلا معنى لوقوع المزاحمة بينه وبين وجوب المهم ضرورة أنّه لا شأن للوجوب العقلى، إلّا إدراكه حفظ القدرة للواجب المتأخر الأهم، فإذن لا محالة تكون المزاحمة بين وجوب المهم ووجوب الأهم في ظرفه ومعه يكون وجوب المهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه في الخارج، ولا معنى لاشتراط وجوبه بعصيان وجوب حفظ القدرة، لما عرفت من أنّ وجوبه عقلي ولا واقع موضوعي له ما عدا إدراك العقل، ولا يكون فى مخالفته عصيان.
نعم، لو قلنا باستحالة الشرط المتأخر فلا مانع من الالتزام بكون وجوبه
مشروطاً بترك حفظ القدرة خارجاً، كما أنّه لا مانع من الالتزام بكونه مشروطاً بعنوان التعقب أو العزم على العصيان.
وأما القسم الثاني : وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين حرمة المقدمة ووجوب ذيها، فقد تقدّم الكلام فيه في بحث مقدّمة الواجب بصورة مفصلة (1)فلا حاجة إلى الاعادة فلاحظ.
وأما القسم الثالث : وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين فعلين متلازمين في الخارج اتفاقاً، كما إذا كان أحدهما محكوماً بالوجوب والآخر محكوماً بالحرمة، كاستقبال القبلة واستدبار الجدي لمن سكن العراق وما والاه من البلاد لا مطلقاً، فلابد فيه أيضاً من الرجوع إلى قواعد ومرجحات بابها، فإن كان أحدهما أهم من الآخر فيقدّم عليه، وإن كانا متساويين فيحكم بالتخيير بينهما، ولا إشكال فيه من هذه الناحية أصلاً، وإنما الكلام فيه من ناحية أخرى، وهي أنه هل يمكن الالتزام بالترتب فيه أم لا ؟
فنقول : إنّه لا يمكن الالتزام به أصلاً، والوجه في ذلك واضح، وه-و أنه لا يعقل أن تكون حرمة استدبار الجدي مشروطة بعصيان الأمر باستقبال القبلة وعدم الاتيان بمتعلقه، ضرورة أنّ ترك استدبار الجدي في هذا الحال قهري ومعه لا معنى للنهي عنه، فانّه لغو محض وطلب للحاصل، فلا يصدر من الحكيم، وكذا لا يعقل أن يكون وجوب استقبال القبلة مشروطاً بعصيان النهي ع-ن استدبار الجدي والاتيان بمتعلقه بداهة أنّه ضروري الوجود عند عصيان النهي عن الاستدبار، ومعه لا يمكن تعلق الأمر به، لأنه لغو وطلب للحاصل.
فالنتيجة هي أنّه لا يمكن الالتزام بالترتب في خصوص هذا الصنف م-ن
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 247.
المتلازمين، لا من جانب واحد ولا من جانبين، وهذا واضح.
بقي هنا شيء، وهو أن شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)قد أنك--ر ج--ريان الترتب في موارد اجتماع الأمر والنهي بناءً على القول بالجواز ووقوع المزاحمة بينهما، وبيان ذلك : هو أنه لو قلنا بأنّ التركيب بينهما اتحادي كما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (2)بدعوى أن تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون، فتدخل المسألة في كبرى باب التعارض، فلابد من الرجوع إلى قواعد ذلك الباب.
وأما إن قلنا بأنّ التركيب بينهما انضمامي بأن تكون هناك ماهيتان متعددتان ذاتاً وحقيقة، ولكن بنينا على سراية الحكم من إحداهما إلى الأخرى، فأيضاً تدخل في ذلك الباب، وتقع المعارضة بين دليليها، فلابد من الرجوع إلى قواعدها. وأما إذا بنينا على عدم السراية كما هو الصحيح، فعندئذ إن كانت هناك مندوحة فلا تزاحم أيضاً، لفرض قدرة المكلف على امتثال كلا الحكمين معاً، وأمّا إذا لم تكن مندوحة في البين فتقع المزاحمة بينهما، فإذن لابد من الرجوع إلى مرجحات وقواعد بابها، وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام في ناحية أخرى، وهي أنّه هل يمكن الالتزام بالترتب فيه أم لا ؟
فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنّه لا يمكن الالتزام بالترتب فيه، ببيان أن عصيان النهي في مورد الاجتماع إمّا أن يكون باتي--ان ف-ع-ل م-ض-اد للمأمور به في الخارج وهو الصلاة مثلاً، كأن يشتغل بالأكل أو الشرب أو ما شاكل ذلك، وإما أن يكون بنفس الاتيان بالصلاة، وعلى كلا التقديرين
لا يمكن أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً به. أما على التقدير الأوّل، فلأنه يلزم أن يكون الأمر بأحد الضدين مشروطاً بوجود الضد الآخر، وهذا غير معقول، لأنّ مردّه إلى طلب الجمع بين الضدّين في الخارج، لفرض أنّ-ه أم-ر بايجاد ضد على تقدير وجود ضد آخر، وأما على التقدير الثاني، فلأنه يلزم أن يكون الأمر بالشيء مشروطاً بوجوده في الخارج، وهو غير معقول، لأن-ه طلب الحاصل، كما لا يخفى.
ولكن للمناقشة فيا أفاده (قدس سره) مجال واسع، وهي أنّ المنهي عنه في المقام إنما هو الكون في الأرض المغصوبة، لأنّه تصرف في مال الغير حقيقةً ومصداق للغصب، ومن الواضح جداً أنه لا مانع من اشتراط الأمر بالصلاة على عصيان النهي عنه، كأن يقول المولى لا تكن في أرض الغير وإن كنت فيها فتجب عليك الصلاة، فيكون الأمر بالصلاة معلقاً على عصيان النه-ي ع-ن الكون فيها، ولا يلزم من اشتراط أمرها بعصيانه أحد المحذورين المذكورين، أعني بهما لزوم طلب الجمع بين الضدّين، واشتراط الأم-ر ب-الشيء بوجوده وتحققه في الخارج.
والوجه في ذلك : هو أنّ لزوم المحذور الأوّل يبتني على ركيزة واحدة، وهي أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بتحقق أحد الأفعال الخاصة فيها كالأكل والنوم والشرب وما شاكل ذلك، فانّ اشتراط أمرها به لا محالة يستلزم المحذور المزبور وهو طلب الجمع بين الضدّين ضرورة أنّ مردّ هذا الاشتراط إلى تعلق الأمر بالصلاة على تقدير تحقق أحد تلك الأفعال الخاصة المضادة لها، إلّا أنّ تلك الركيزة خاطئة جداً وليس لها واقع موضوعي، وذلك لما عرفت من أنّ الأمر بالصلاة مشروط بالكون في الأرض المغصوبة، لا بأحد تلك الأفعال الخاصة الوجودية، ولذا لو فرض خلوّ المكلف عن جميع تلك الأفعال الخاصة،
فمع ذلك كونه فيها تصرّف في مال الغير ومصداق للغصب.
وعلى ضوء هذا الأصل فلا مانع من تعلق الأمر بالصلاة على تقدير تحقق عصيان النهي عن الكون فيها، فاذا تحقق، تحقق الأمر بها لا محالة.
وبعبارة أخرى : المفروض أنّ المكلف قادر على الصلاة عند كونه في الأرض المغصوبة وإن فرض كونه في ضمن أحد الأفعال المزبورة، لفرض أنّه قادر على تركه والاشتغال بالصلاة، ومع القدرة عليها لا مانع من الأمر بها.
ومن ذلك يظهر الفرق بين اشتراط الأمر بالص-لاة ب-الك-ون في الأرض المغصوبة واشتراطه بأحد الأفعال الخاصة الوجودية فيها كالأكل والشرب وما شاكلها، وهو أنّ الأمر بالصلاة لو كان مشروطاً بأحد تلك الأفعال الخاصة المضادة لها فلا محالة يلزم محذور طلب الجمع بين الضدين، وذلك لفرض أنّ الأمر بالصلاة عندئذ تابع لتحقق ذلك الفعل المضاد لها في الخارج حدوثاً وبقاء، بمعنى أن حدوثه موجب لحدوث الأمر بها وبقاؤه موجب لبقاء الأم--ر به-ا، وعليه فلا محالة يلزم طلب الجمع بين الضدّين، وهذا بخلاف ما إذا كان مشروطاً بالكون فيها، لفرض أنّه ليس مضاداً لها، فانّه كما يتحقق في ضمنها كذلك يتحقق في ضمن غيرها من الأفعال الوجودية، فإذن لا يلزم من اشتراط الأمر بالصلاة به المحذور المتقدم.
وسره ما أشرنا إليه من أنّه إذا تحقق الكون في الأرض المغصوبة تحقق الأمر بها، ومع تحقق الأمر بها لا محالة يجب إتيانها وترك غيرها من الأفعال الخاصة وذلك لفرض أنّ فعلية أمرها تدور مدار تحقق الكون فيها حدوثاً وبقاءً.
ولكن العجب من شيخنا الأستاذ (قدس سره) فانّه كيف غفل عن هذه النقطة وقال : إنّ اشتراط الأمر بالصلاة بعصيان النهي عن الكون في الأرض
المغصوبة المتحقق في ضمن أحد الأفعال الخاصة يرجع إلى طلب الجمع بين الضدين، مع أنه فرق واضح بين اشتراط الأمر بها بعصيان النهي عن الكون فيها، واشتراط الأمر بها بعصيان النهى عن أحد تلك الأفعال الوجودية، فانّ الأوّل لا يستلزم طلب الجمع دون الثاني، كما هو واضح.
وأما لزوم المحذور الثاني، فهو يبتني على أن يكون الكون في الأرض المغصوبة عين الصلاة خارجاً ومتحداً معها، وهذا خلاف مفروض الكلام، فانّه فيما إذا كان لكل منهما وجود مستقل، غاية الأمر أن وجود أحدهما وهو الصلاة في الخارج ملازم لوجود الآخر فيه وهو الغصب، ولأجل ذلك تقع المزاحمة بينهما، وقد تقدّم أنّ مورد الاجتماع على القول بالاتحاد داخل في كبرى باب التعارض دون التزاحم وأمّا على القول بالجواز وتعدد المجمع فحيث إنّ الكون والصلاة في مورد الاجتماع من المتلازمين اللذين لهما ثالث، فلا مانع من أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بعصيان النهي عن الكون فيها، ضرورة أنّ المكلف عند الكون فيها قادر على إتيان الصلاة هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى المفروض أنّ الصلاة سائغة في نفسها وليست مبغوضة ومصداقاً للمحرّم.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّه لا مانع من تعلق الأمر بالصلاة مترتباً على عصيان النهي عن الكون فيها بناءً على ما حققناه من إمك-ان الترتب وأنّه لا مناص من الالتزام به. وأما محذور اشتراط الأمر بالشيء بتحققه ووجوده في الخارج، إنما يلزم في المقام بناءً على أن يكون الأمر بالصلاة فيها مشروطاً بالصلاة فيها، وهو من الفساد بمكان من الوضوح. نعم، لو فرض أنّ الكون في الأرض المغصوبة ملازم للصلاة خارجاً، بحيث لا يمكن تحققه فيها بدونها أصلاً، لكان مرد اشتراط الأمر بالصلاة بعصيان النهي عنه إلى ذلك لا
محالة، إلا أنه فرض خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً.
ثم إنه لو تنزّلنا عن ذلك وفرضنا عدم إمكان الترتب من هذا الطرف - أعني ترتب الأمر بالصلاة على عصيان النهي عن الكون في الأرض المغصوبة - إلا أنّه لا مانع من الالتزام به من الطرف الآخر، وهو ترتب حرمة الكون فيها على عصيان الأمر بالصلاة وعدم الاتيان بمتعلقه في الخارج، فيما إذا كان أهم منها أو مساوياً لها، ضرورة أنّه لا يلزم من الالتزام بالترتب في هذا الطرف أيّ محذور توهم لزومه من الالتزام به في ذاك الطرف، وهذا واضح.
فالنتيجة قد أصبحت ممّا ذكرناه : أنّه لا مانع من الالتزام بالترتب في موارد الاجتماع على القول بالجواز، بناءً على وقوع التزاحم بين الحكمين، ولكن قد ذكرنا (1)أن هذا ليس قسماً آخر للتزاحم، بل هو داخل في التزاح--م ب--ين الفعلين المتلازمين اتفاقاً.
نلخص نتيجة ما ذكرناه في عدة نقاط :
الأولى : أنّ تقسيم التزاحم إلى سبعة أقسام كما عن شيخنا الأستاذ غير صحيح.
الثانية : أنّ الصحيح تقسيمه إلى ثلاثة أقسام كما تقدّم منا.
الثالثة : لا فرق في جريان الترتب في الواجبين اللذين يكون كل منها مشروطاً بالقدرة عقلاً، بين أن يكونا عرضيين أو طوليين، وعلى التقدير الثاني لا يفرق بين أن يكون الواجب المتأخر أهم من المتقدم أو يكون مساوياً له، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث قد منع عن جريان الترتب فيها
1) في ص 11 وما بعدها.
مطلقاً، وقد استدلّ على ذلك استدل على ذلك بوجوه وقد تقدّمت المناقشة في جميع تلك الوجوه، فلاحظ
الرابعة : أنّ الترتب لا يجري في المتلازمين اللذين يكون أحدهما محكوماً بالحرمة والآخر محكوماً بالوجوب، وكانا ممّا لا ثالث لهما كاستقبال القبلة واستدبار الجدي لمن سكن العراق وما سامته من البلاد.
الخامسة : أنّ الترتب يجري في المتلازمين اللذين يكون بينها ثالث، كما في موارد اجتماع الأمر والنهي على القول بالجواز مع فرض عدم وجود مندوحة في البين، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث قد أنكر جريان الترتب فيها كما سبق، هذا آخر ما أوردناه في بحث الضد.
إلى هنا قد تم بعون اللّه تعالى وتوفيقه الجزء الثالث (1)من كتاب محاضرات في أصول الفقه وستتلوه الأجزاء التالية إن شاء اللّه تعالى.
1) [حسب التجزئة القديمة ].
لا يخفى أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)قد ذكر أنّ هذه المسألة باطلة من رأسها، وليس فيها معنى معقول ليبحث عنه، لا في القضايا الحقيقية التي كان الحكم فيها مجعولاً للموضوع المفروض الوجود خارجاً ولا في القضايا الخارجية.
أمّا في الأولى : فلما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من أنّ الحكم في القضية الحقيقية مجعول للموضوع المقدر وجوده بجميع قيوده وشرائطه، مثلاً وجوب الحج في الآية المباركة : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2)مجعول لعنوان المستطيع على نحو مفروض الوجود في الخارج.
ومن الطبيعي أنّ فعلية مثل هذا الحكم مشروطة بفعلية موضوعه ووجوده خارجاً ويستحيل تخلّفها عنه، وعليه فعلم الآمر بوجود الموضوع أو بعدم وجوده أجنبي عن فعلية الحكم بفعلية موضوعه وعدم فعليته بعدم فعلية موضوعه بالكلية، وليس له أي دخل في ذلك، ضرورة أنّ الحكم في مثل هذه
القضايا لم يجعل من الأوّل لفاقد الشرط والموضوع، مثلاً وجوب الحج في المثال المزبور لم يجعل من الابتداء لفاقد الاستطاعة، فإذن لا معنى للنزاع في أنه هل تعقل فعلية الحكم مع علم الحاكم بانتفاء فعلية موضوعه في الخارج أم لا، ضرورة أنّ علم الحاكم به أجنبي عن ذلك رأساً، فانّ الملاك في فعلية الحكم إنما هو فعلية موضوعه خارجاً ووجوده، ضرورة استحالة تخلّفها عنه، وعليه فلا تعقل صحة توجيه هذا التكليف فعلاً إلى فاقد الشرط والموضوع، بداهة أنّ انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عقلي، فعندئذ لو وجه إليه تكليف فهو لا محالة يكون تكليفاً آخر غير الأوّل، وهو خلاف مفروض الكلام.
وأما في الثانية : وهي القضايا الخارجية، فلأن جعل الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم بوجود شرائط الحكم، وأمّا وجود هذه الشرائط في الخارج أو عدم وجودها فيه أجنبي عنه رأساً وليس له أيّ دخل فيه، فإذن لا معنى للبحث عن جوازه مع علمه بانتفاء تلك الشرائط خارجاً وعدم جوازه، ضرورة أنّ البحث على هذا الشكل أجنبي عما هو دخيل في هذا الحكم بالكلية، وعليه فلا معنى له أصلاً كما لا يخفى.
ومن هنا قال (1): إنّ ما ذكروه من الثمرة لتلك المسألة - وهي وجوب الكفارة على من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط الوجوب له إلى الليل - ليست ثمرة لها، بل هي ثمرة مترتبة على مسألة فقهية وهي أن التكليف بالصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد آنات اليوم، أو هو تكليف واحد مشروط بشرط متأخر وهو بقاؤه على شرائط الوجوب إلى الليل.
1) المحقق النائيني في المصدر السابق.
وذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)أنه لا يجوز أمر الأمر مع علمه بانتفاء شرطه، وإن نسب ذلك إلى الأشاعرة حيث إنهم يجوزون التكليف بالمحال، ولا يرون فيه قبحاً أصلاً، وقد أفاد في وجه ذلك ما ملخصه : وهو أن الشرط بما أنّه كان من أجزاء العلة التامة فيستحيل أن يوجد الشيء بدونه، ضرورة استحالة وجود المعلول بدون وجود علته والمشروط بدون وجود شرطه، فانّ المركب ينحل بانحلال بعض أجزائه، وبما أنّ العلة التامة مركبة من المقتضي والشرط والمانع فلا محالة تنتفي بانتفاء كل منها، وعليه فلا يعقل أمر الأمر مع علمه بانتفاء شرطه إلّا أن يكون المراد من لفظ الأمر الأمر ببعض مراتبه وهو مرتبة الانشاء ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأخر وهو مرتبة الفعلية، بأن يكون النزاع في أنّ أمر الأمر يجوز إنشاؤه مع علمه بانتفاء شرط فعليته وعدم بلوغه تلك المرتبة، فإذن لا إشكال في جوازه بل في وقوع ذلك فى الشرعيات والعرفيات ضرورة أنّ الأمر الصوري إذا كان الداعي له الامتحان أو نحوه لا البعث والتحريك حقيقةً واقع في العرف والشرع، ولا مانع من وقوعه أصلاً.
الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة : هو أنّ الكلام فيها مرّةً يقع في شرائط الجعل، ومرّةً أخرى في شرائط المجعول، لما ذكرناه من أن لكل حكم مرتبتين: مرتبة الجعل، ومرتبة المجعول.
أمّا الكلام في الأولى : فلا شبهة في انتفاء الجعل بانتفاء شرطه، وذلك لأنّ الجعل فعل اختياري للمولى كبقية أفعاله الاختيارية، هذا من ناحية. وم-ن ناحية أخرى أنّ كل فعل اختياري مسبوق بالمبادئ النفسانية وهي الارادة بمقدماتها من التصور والتصديق ونحوهما.
1) كفاية الأصول: 137.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنه لا يمكن جعل الحكم من المولى مع انتفاء شيء من تلك المبادئ والمقدمات، ضرورة أنه معلول لها ومشروط بها، ومن الطبيعي استحالة وجود المعلول بدون وجود علّته، ووجود المشروط بدون تحقق شرطه، وهذا من الواضحات الأولية وغير قابل لأن يكون ذلك محل البحث والأنظار.
ومن هنا يظهر ما في كلام صاحب الكفاية (قدس سره) حيث جعل هذا محل الكلام والنزاع هنا، ولأجل ذلك حكم بعدم الجواز، هذا من جانب.
ومن جانب آخر : أنّ ما ذكره (قدس سره) من الجواز فيما إذا لم يكن الأمر بداعي البعث والتحريك واقعاً بل كان بداعي الامتحان أو نحوه أيضاً خارج عن محل البحث، ضرورة أنّ محل البحث في الجواز وعدمه إنما هو في الأوامر الحقيقية التي يكون الداعي فيها البعث والتحريك نحو إيجاد متعلقاتها في الخارج حقيقة، أما في الأوامر الصورية التي ليس الداعي فيها البعث نحو إيجاد متعلقاتها في شيء، بل الداعي لها الامتحان أو غيره، فلا إشكال في جوازها مع علم الأمر بانتفاء شروط فعليتها، بل لا إشكال في وقوعها في العرف والشرع كما هو ظاهر.
فالنتيجة : أنه لا مجال للنزاع في الأوامر التي لم يكن الداعي ف-ي-ه-ا وق--وع متعلقاتها في الخارج، بل الداعي لها مجرد الامتحان أو الاستهزاء أو شيء آخر، كما أنه لا مجال للنزاع في شرائط الجعل، ولكن في الأوّل من ناحية أنه لا إشكال في جواز تلك الأوامر بل في وقوعها خارجاً، وفي الثاني من ناحية أنه لا إشكال في عدم جوازه، بل في امتناعه مع انتفاء شرطه، كما عرفت.
وأمّا الكلام في الثانية: وهي شرائط المجعول، فقد ذكرنا في بحث الواجب المطلق والمشروط أنّ كل شرط أخذ مفروض الوجود في مقام الجعل تستحيل
فعلية الحكم بدون فعليته ووجوده في الخارج، لما ذكرناه هناك من أن فعلية الحكم في القضية الحقيقية تدور مدار فعلية موضوعه ووجوده ويستحيل تخلّفها عنه، مثلاً وجوب الحج مشروط بوجود الاستطاعة بمقتضى الآية الكريمة: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1)فتستحيل فعليته بدون فعلية الاستطاعة في الخارج، وكذا وجوب الزكاة مشروط ببلوغ الم-ال ح-دّ النصاب، فإذا بلغ المال ذلك الحد تجب الزكاة عليه فعلاً، وإلا فلا ووجوب لها أصلاً. ووجوب الغسل مشروط بوجود الجنابة، ووجوب الصوم مشروط بدخول شهر رمضان، ووجوب الصلاة مشروط بدخول الوقت...وهكذا فهذه الأحكام جميعاً تدور فعليتها خارجاً مدار فعلية موضوعها وتحققه فيه. ومن هنا قلنا إنّ كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له.
وعلى هذا الأصل، فإذا علم الآمر بانتفاء شرط فعلية الحكم وأنه لو جعل فلا يصير فعلياً أبداً من ناحية عدم تحقق موضوعه في الخارج، فهل يجوز له جعله أم لا ؟
قد يقال بعدم إمكانه، لأنّه لغو محض فلا يصدر من الحكيم، وكذا الحال في القضية الخارجية فلا يجوز للمولى أن يأمر بزيارة الحسين (عليه السلام) مثلاً على تقدير السفر إلى كربلاء مع علمه بأنه لا يسافر...وهكذا.
ولكنّ الصحيح في المقام هو التفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط مستنداً إلى نفس جعل الحكم وكان هو الموجب له، وما إذا كان مستنداً إلى عدم قدرة المكلف أو إلى جهة أخرى.
1) آل عمران 3: 97.
فعلى الأوّل: لا مانع من جعله أصلاً إذا كان الغرض منه عدم تحقق الشرط والموضوع في الخارج من دون فرق بين أن يكون الجعل على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، كما إذا قال المولى لعبده أو الأب لابنه : إن كذبت مثلاً فعليك دينار، مع علمه بأن جعل وجوب الدينار عليه على تقدير كذبه موجب لعدم صدور الكذب منه، فيكون غرضه من جعله ذلك.
وكما إذا فرض أنّ جعل الكفارات في الشريعة المقدسة على ارتكاب عدة من المحرمات يوجب عدم تحققها في الخارج، كوجوب القصاص المترتب على القتل الاختياري إذا فرض أنّه موجب لعدم تحقق القتل خارجاً، ووجو الحد للزاني وقطع اليد للسارق وما شاكل ذلك، إذا فرض أن جعل هذه الأمور أوجب عدم تحقق ما هو الموضوع والشرط لها وهو الزنا في المثال الأول والسرقة في المثال الثاني ونحوهما، ومن المعلوم أنّه لا مانع من مثل هذا الجعل أصلاً، بل هو ممّا تقتضيه المصلحة العامة كما في القضايا الحقيقية، والمصلحة الخاصة كما في القضايا الخارجية، ضرورة أن الغرض من جعل هذه الأمور هو عدم تحقق موضوعها في الخارج، فإذا فرض أنّ المولى علم بأن جعلها يوجب عدم تحقق موضوعها فيه مطلقاً فهو أولى بالجعل ممّا لم يعلم المولى أنه يوجبه. فالنتيجة : أنّه لا شبهة في إمكان ذلك، بل في وقوعه خارجاً في العرف والشرع.
وعلى الثاني : وهو ما إذا كان انتفاء الشرط من غير ناحية اقتضاء الجعل له، فهو لغو محض فلا يصدر من المولى الحكيم، مثل أن يأمر ب-ركعتين من الصلاة مثلاً على تقدير الصعود إلى السماء أو على تقدير اجتماع الضدين أو نحو ذلك، أو أن يأمر بوجوب الحج على تقدير الاستطاعة في الخارج مع علمه فرضاً بعدم تحققها فيه أصلاً...وهكذا، فأنّه لا شبهة في أن جعل مثل هذا الحكم لغو صرف فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، ومعه يستحيل صدوره منه.
ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أن هذه المسألة باطلة من رأسها وليس فيها معنىً معقول ليبحث عنه، لا يتم وذلك لأنّ النزاع في هذه المسألة لو كان في دخل علم الآمر بوجود الموضوع أو بعدم وجوده في فعلية الحكم وعدم فعليته لكان ما أفاده (قدس سره) في غاية الصحة والمتانة وذلك لما عرفت من أنّ فعلية الحكم في القضايا الحقيقية تدور مدار فعلية موضوعه وتحققه في الخارج، ولا دخل لعلم الآم-ر بوجوده أو بعدمه في ذلك أصلاً، فإذن لا معنى للنزاع فيه كما هو واضح، إلا أنك عرفت أنّ النزاع في المسألة ليس في هذا بل هو فيما ذكرناه من أن جعل الحكم في القضية الحقيقية للموضوع المقدّر وجوده مع علم الجاعل بعدم تحقق الموضوع في الخارج أصلاً هل يجوز أم لا؟
ومن الظاهر أن النزاع في هذا نزاع في معنى معقول، غاية الأمر أن جعل الحكم عندئذ لغو محض فلا يترتب عليه أثر، ولكن من المعلوم أن هذا لا يوجب عدم كون النزاع في معنى معقول.
وبكلمة أخرى: أنّ النزاع في المقام ليس في معقولية فعلية الحكم مع علم الحاكم بانتفاء موضوعه في الخارج وعدم معقوليتها، ليقال إن علم الآم-ر بوجود الموضوع خارجاً وعدمه أجنبي عن ذلك بالكلية، ضرورة أنّ الملاك في فعلية الحكم واقعاً فعلية موضوعه كذلك، بل النزاع في جواز أصل جعل الحكم مع العلم بانتفاء شرط فعليته وعدم جوازه، ومن الواضح أنّ هذا النزاع نزاع في أمر معقول.
ومن هنا يتبيّن أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ الحكم في القضية الخارجية
1) تقدّم ذكر المصدر في ص 181.
يدور مدار علم الحاكم بوجود شروط الحكم، وأما نفس وجودها في الخارج أو عدمها فيه فهو أجنبي عن الحكم بالكلية، لا يتم أيضاً وذلك لأنّ علم الحاكم الذي له دخل في جعل هذا الحكم ليس علمه بما هو صفة نفسانية قائمة بها مع قطع النظر عما تعلق به من الموجودات الخارجية، ضرورة أن علمه بوجود شرطه في الخارج يدعو إلى جعل هذا الحكم، كما أنّ علمه بعدم وجوده فيه داعٍ لعدم جعله، فيما إذا لم يكن الغرض منه عدم تحقق شرطه وموضوعه كالأمثلة المتقدمة. فإذن يقع الكلام في أنّه هل يجوز للمولى أن يأمر عبده بفعل مشروطاً بشيء مع علمه بانتفاء ذلك الشيء في الخارج وعدم تحققه فيه أصلاً أم لا، ومن المعلوم أنّ النزاع فيه نزاع في أمر معقول.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أمور :
الأوّل : أنّه لا فرق فيه بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.
الثاني : أنّ الصحيح في المسألة هو التفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط مستنداً إلى نفس الجعل، وما إذا كان مستنداً إلى عجز المكلف أو نحوه، كما سبق بشكل واضح.
الثالث : أنّه لا ثمرة لهذه المسألة أصلاً، ولا تترتب على البحث عنها أيّة فائدة عملية ما عدا فائدة علمية. وأما ما ذكر من الثمرة لها من وجوب الكفارة على من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط الوج--وب له إلى الليل، كما إذا أفطر أوّلاً ثم سافر أو وجد مانع آخر من الصوم كالمرض أو نحوه، فليس ثمرة لتلك المسألة اصلاً، وذلك لأنّ عروض المانع من الصوم في أثناء اليوم وإن كان يكشف عن عدم وجوبه عليه من الأوّل، ضرورة أن-ه واجب واحد ارتباطي، ولذا لو طرأ على الصائم مانع من الصوم واضطر إلى
الإفطار في بعض آنات اليوم لم يلتزم أحد من الفقهاء بوجوب الامساك في باقي آنات هذا اليوم وهذا معنى ارتباطية وجوبه.
وأما وجوب الكفارة على من أفطر في نهار شهر رمضان متعمداً فلا يدور مدار وجوب الصوم عليه ولو مع انتفاء شرائطه ليكون ذلك ثمرةً لهذه المسألة، بل هو على ما يستفاد من روايات الباب مترتب على الإفطار في نهار شهر رمضان عالماً وعامداً بلا عذر مسوّغ له، وذلك لأن جواز الإفطار في الروايات معلّق على خروج المكلف عن حدّ الترخص، فما دام لم يخرج عنه حرم عليه الافطار وإن علم بأنه يسافر بعد ساعة، كما أن وجوب القصر في الروايات معلّق على ذلك ولذا يجب عليه التمام ما دام هو دون حد الترخص.
وبتعبير أوضح : أنّ المستفاد من الروايات الواردة في المقام ه-و ث-بوت الملازمة بين وجوب القصر وجواز الإفطار، وبين وجوب التمام وعدم جوازه، ففي كل مورد وجب القصر جاز الإفطار وفي كل مورد وجب التم-ام ح-رم الإفطار.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنّ وجوب الكفارة مترتب على الإفطار العمدي في نهار شهر رمضان بلا عذر مسوّغ له، سواء أطرأ عليه مانع من الصوم بعد ذلك م لم يطرأ، وذلك لاطلاق الروايات الدالة عليه.
ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)- م-ن اب-تناء وجوب الكفارة في هذا الفرض على أنّ التكليف بالصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد آنات اليوم، أو هو تكليف واحد متعلق بمجموع الآنات، فعلى الأوّل تجب الكفارة عليه دون الثاني، إلّا إذا فرض قيام دليل على وج-وب
1) أجود التقريرات 304:1.
الامساك في بعض اليوم أيضاً - لا يمكن تصديقه بوجه، وذلك لما عرفت من أنّ موضوع وجوب الكفارة هو الإفطار العمدي في شهر رمضان من دون عذر شرعي له على ما يستفاد من الروايات وعليه فكون التكليف بالصوم تكليفاً واحداً أو متعدداً أجنبي عن ذلك بالكلية ولا دخل له في وجوب الكفارة أو عدم وجوبها أصلاً، ضرورة أنّ المناط في وجوبها صدق العنوان المزبور، ومن الواضح أنه لا يفرق فيه بين كون التكليف واحداً أو متعدداً بتعدد الآنات.
ونتيجة البحث عن هذه المسألة عدة نقاط :
الأولى : أنّ محل النزاع فيها الأوامر الحقيقية التي يكون الغرض منها إيجاد الداعي للمكلف للاتيان بمتعلقاتها في الخارج، وأما الأوامر الصورية التي ليس الغرض منها ذلك بل الغرض منها مجرد الامتحان أو نحوه، فهي خارجة عن محل النزاع ولا إشكال في جوازها مع علم الآمر بانتفاء شرط فعليتها.
الثانية : أنّ محل الكلام في المسألة ليس في شرائط الجعل، كما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ضرورة استحالة الجعل بدون تلك الشرائط، هذا من جهة ومن جهة أخرى أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ فعلية الحكم في القضية الحقيقية بفعلية موضوعه وعلم الآمر بوجود الموضوع في الخارج أو عدم علمه به أجنبي عن ذلك، ولذا قال : إنه ليس في المسألة معنى معقول ليبحث عنه، أيضاً ليس من محل الكلام في شيء كما عرفت.
الثالثة : أنّ محل النزاع فيها إنّما هو في تحقق أصل الأمر بداعي إيجاد متعلقه في الخارج مع علم الآمر بانتفاء شرط فعليته، ومن الواضح أنّ النزاع فيه نزاع أمر معقول، ولا يفرق فيه بين أن تكون القضية حقيقية أو خارجية كما سبق.
الرابعة : أنّ ما ذكروه من الثمرة لهذه المسألة - وهي أنّ من أفطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط وجوب الصوم له إلى الليل، كما إذا أفطر في حين أنه علم بأنه يسافر بعد ساعة أو يوجد مانع آخر منه، فعلى الق--ول بالجواز تجب الكفارة عليه، وعلى القول بعدمه فلا - ليس ثمرةً لها أصلاً، وذلك لما ذكرناه من أنّها تدور مدار أنّ المستفاد من الروايات هو ترتب الكفارة على مطلق الإفطار العمدي ولو علم بطروء مانع عن الصوم بعده ولا يتمكن من إتمامه، أو أنها مترتبة على الإفطار العمدي الخاص وهو ما لم يطرأ عليه مانع عنه أصلاً، فعلى الأوّل تجب الكفارة على من أفطر في نهار رمضان ثم سافر، وعلى الثاني فلا.
غير خفي أنّ هذا النزاع بظاهره ممّا لا معنى له، وذلك لأنه لا شبهة في أنّ مراد القائلين بتعلق الأوامر بالأفراد ليس تعلقها بالموجودات الخارجية، ضرورة أنّ الموجود الخارجي مسقط للأمر فلا يعقل تعلق الأمر به، كما أنّ مراد القائلين بتعلقها بالطبائع ليس تعلقها بالطبائع الصرفة ومن حيث هي مع قطع النظر عن حيثية انطباقها على ما في الخارج، ضرورة أنّ مثل هذه الطبيعة غير قابل لأن يتعلق بها الأمر.
ولكنّ الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة هو أنه يمكن تقرير النزاع فيها من ناحيتين :
الأولى من جهة ابتناء ذلك على القول بوجود الكلّي الطبيعي في الخارج والقول بعدم وجوده، فعلى الأوّل يتعلق الأمر بالطبيعة، وعلى الثاني بالفرد، بيان ذلك : هو أنه لا شبهة في أنّ كل وجود في الخارج بذاته وشخصه يمتاز عن وجود آخر ويباينه، ويستحيل اتحاد وجود فيه مع وجود آخر، ضرورة أنّ كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى وكل وجود يباين وجوداً آخر ويأبى ع--ن الاتحاد معه.
وبعد ذلك نقول : إنّه لا إشكال في أنّ الوجود بواقعه وحقيقته - لا بمفهومه
الانتزاعي - وجود للفرد حقيقةً وذاتاً، بداهة أنّ إسناد الوجود إليه إسناد واقعي حقيقي، مثلاً زيد موجود حقيقةً وعمرو موجود كذلك...وهكذا، وهذا ممّا لا إشكال فيه، سواء فيه القول بوجود الطبيعي في الخارج أو القول بعدم وجوده.
وبكلمة أوضح : أنّ كل حصة في الخارج تباين حصة أخرى منها وتمتاز عنها بهويتها الشخصية ووجودها الخاص، مثلاً الحصة المتقررة من الانسانية في ذات زيد تباين الحصة المتقررة في ذات عمرو...وهكذا، وتمتاز ع-ن-ه-ا بنفس هويتها ووجودها، ولكن من الطبيعي أنّ امتياز أية حصة عن حصة أخرى ليس بالذات والحقيقة، وإنّما هو بالوجود، ضرورة أن امتياز كل شيء به بقانون أنّ الشيء ما لم يوجد لم يتشخص، وقد عرفت أن الوجود هو نفس التشخص، فلذا قلنا إن امتياز وجود عن وجود آخر إنم-ا ه-و بنفس ذات-ه وتشخصه، وعليه فلا محالة يكون امتياز حصة عن أخرى أو فرد عن آخ--ر باضافة الوجود الحقيقي إليها فانّ الحصة بالتحليل العقلي تنحل إلى ماهية وإضافة، أعني إضافتها إلى الوجود، وتلك الاضافة توجب صيرورتها حصةً وفرداً بحيث لو لم تكن تلك الاضافة فلاحصة في الخارج ولا فرد، فملاك فردية زيد مثلاً وكونه حصة من الانسان إنما هو إضافة الوجود الواقعي إليه إضافةً حقيقية.
ومن هنا قلنا إن امتياز الحصة عن الأخرى بالوجود، ولكن امتياز وجودها عن وجود الأخرى بالذات والحقيقة بقانون أنّ كل ما بالغير لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات أو فقل: إنّ تشخص الحصة وتفردها بالوجود لا غيره، وأمّا تشخص الوجود وتفرده فهو بنفس ذاته لا بشيء آخر، وإلّا لدار أو تسلسل كما لا يخفى.
وقد تحصّل من ذلك : أنّ الحصص والأفراد موجودة في الخارج حقيقةً
بوجوداتها الواقعية، وهذا ممّا لا كلام فيه على كلا القولين، أي سواء فيه القول بوجود الطبيعي خارجاً أو القول بعدم وجوده، وإنما الكلام في أنّ هذا الوجود المضاف إلى الفرد ويكون وجوداً له هل هو وجود للطبيعي أيضاً، بأن يكون له إضافتان : إضافة إلى الحصة، وبتلك الاضافة يكون وجوداً للفرد، وإضافة إلى الطبيعي، وبها يكون وجوداً له، أو هو ليس وجوداً للطبيعي إلّا بالعرض والمجاز، ولا يصح إسناده إليه على نحو الحقيقة، فالقائل بوجود الطبيعي في الخارج يدعي الأوّل وأنّ كل وجود مضاف إلى الفرد فهو وجود للطبيعي على نحو الحقيقة، مثلاً وجود زيد كما أنّه وجود له حقيقةً وجود للانسان كذلك...وهكذا، غاية الأمر أنّ هذا الوجود الواحد باعتبار إضافته إلى الفرد متشخص وممتاز عن غيره في الخارج، وباعتبار إضافته إلى الطبيعي لا امتياز ولا تشخص له بالنسبة إلى غيره أصلاً كما هو واضح، والقائل بعدم وجوده يدعي الثاني وأنّه لا تصح إضافة هذا الوجود - أعني الوجود المضاف إلى الفرد - إلى الطبيعي حقيقةً، وأنه ليس وجوداً له بل هو وجود للفرد فحسب.
وعلى الجملة، فبالتحليل العقلي النزاع المعقول في وجود الطبيعي في الخارج وعدم وجوده فيه ليس إلا النزاع في هذه النقطة وهي ما ذكرناه، ضرورة أنه لم يدع أحد أنه موجود في الخارج بوجود مباين لوجود فرده، كما أن القول بأنه موجود بوجود واحد لا بعينه باطل من رأسه، ضرورة أن الواحد لا بعينه لا مصداق له في الخارج ولا تعيّن،له والوجود له تعيّن ومصداق فيه، ففرض وجوده خارجاً يناقض فرض عدم تعينه فيه فلا يجتمعان.
وعليه فالنزاع المعقول ينحصر بتلك النقطة، فالمنكر لوجوده يدعى أنّ-ه لا يصح إسناد الوجود إليه حقيقةً، والقائل به يدّعي أنه يصح ذلك بمعنى أنّ
الوجود في الخارج وإن كان واحداً، إلّا أنّ له نسبتين نسبة إلى الفرد ونسبة إلى الطبيعي، وكلتا النسبتين حقيقية، ومن المعلوم أنّ تعدد النسبة لا يوجب تعدد الوجود، وهذا واضح.
والصحيح في المسألة : أنّ الطبيعي موجود في الخارج حقيقةً، وذلك لصحة حمل الوجود عليه، فلا فرق بين قولنا زید،موجود وقولنا : الانسان موجود فكما أنّ الأوّل على نحو الحقيقة فكذلك الثاني، ولذا لا يصح سلبه عنه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّه لا شبهة في صحة حمله على الفرد، فيقال: زيد انسان، ومن المعلوم أنه يعتبر في صحة الحمل الاتحاد في الوجود الخارجي وإلّا فالحمل غير صحيح، وهذا لعله من الواضحات.
وبعد ذلك نقول : إنّه على القول بوجود الطبيعي في الخارج يتعلق الأمر به، وعلى القول بعدم وجوده فيه يتعلق بالحصة والفرد، ولكن بإحدى الحصص الخارجية لا بالمعيّن منها. فالنتيجة على كلا القولين هي التخيير بين تلك الحصص والأفراد عقلاً. أمّا على القول الأوّل فواضح. وأمّا على القول الثاني فلفرض أنّ الأمر لم يتعلق بالحصة الخاصة، بل تعلق بواحدة منها لا بعينها، ومن المعلوم أن تطبيقها على هذه وتلك بيد المكلف، ولا نعني بالتخيير العقلي إلا هذا.
ومن هنا يظهر أنه لا ثمرة للبحث عن هذه المسألة أصلاً، ولا تترتب عليها أيّة ثمرة عملية ضرورة أنه على كلا القولين لا بدّ من الاتيان بالفرد والحصة في الخارج، سواء أكان الأمر متعلقاً بالطبيعي أم بالفرد، وذلك لاستحالة إيجاد الطبيعي في الخارج معراً عن جميع الخصوصيات والتشخّصات لتظهر الثمرة بين القولين. نعم، لو أمكن ذلك فرضاً فعلى القول الأول يسقط لا محالة الأمر دون القول الثاني، إلا أنه مجرد فرض لا واقع له أبداً، فإذن لا ثمرة لتلك المسألة
أصلاً.
وإن كان الصحيح هو تعلق الأوامر بالطبائع دون الأفراد، وتشهد على ذلك مراجعة الوجدان، فانّ الانسان إذا راجع وجدانه يرى أنه إذا أراد شيئاً تعلقت إرادته بطبيعي ذلك الشيء لا بحصة متشخصة منه، فلو طلب الماء مثلاً يرى أنّ متعلق طلبه هو الطبيعي من دون ملاحظة خصوصية خارجية فيه ككونه في إناء خاص أو من ماء مخصوص أو ما شابه ذلك ممّا لا دخل له في مطلوبه.
وقد تحصل من ذلك أمور :
الأوّل: أنّ الكلّي الطبيعي موجود في الخارج بوجود فرده.
الثاني : أنّ الأوامر متعلقة بالطبائع دون الأفراد.
الثالث : أنّه لا ثمرة لهذا البحث أصلاً بل هو بحث علمي فلسفي.
الناحية الثانية : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أنّ مردّ النزاع في هذه المسألة إلى أنّ الأوامر هل تتعلق بالطبائع م-ع ق-ط-ع الن-ظ-ر ع-ن مشخصاتها ولوازم وجوداتها في الخارج، بحيث تكون تلك اللوازم والمشخصات خارجةً عن دائرة متعلقاتها، وإنّما هي موجودة معها قهراً، لاستحالة كون الشيء موجوداً بلا تشخص أو تتعلق بالأفراد م-ع ت-لك المشخصات، بحيث تكون المشخصات مقوّمةً للمطلوب والمراد، وداخلة في دائرة المتعلقات.
فالقائل بتعلق الأمر بالطبيعة أراد تعلقه بذات الشيء مع قطع النظر ع---ن مشخصاته، بحيث لو تمكن المكلف من إيجاده في الخارج بدون أي مشخص وأوجده لسقط الأمر وحصل،الغرض لفرض أنّه أتى بالمأمور به وما هو
1) أجود التقريرات 1: 306.
متعلق الأمر. والقائل بتعلقه بالفرد أراد تعلقه بالشيء مع مشخصاته فتكون مشخصاته أيضاً مأموراً بها.
وعلى هذا فتظهر الثمرة بين القولين في باب اجتماع الأمر والنهي، وذلك لأنه على القول بتعلق الأوامر والنواهي بالطبائع دون الأفراد، ففي مورد الاجتماع كالصلاة في الدار المغصوبة مثلاً لا يسري الأمر من متعلقه وهو طبيعة الصلاة إلى متعلق النهي وهو الغصب ولا العكس لفرض أنهما طبيعتان مستقلتان غاية الأمر أنّ كل واحدة منهما مشخصة للأخرى في مورد الاجتماع، وقد عرفت أنّ الأمر والنهي لا يسريان على هذا القول إلى مشخصات متعلقها. فإذن لا مناص من القول بالجواز في تلك المسألة.
وأما على القول بتعلق الأوامر والنواهي بالأفراد دون الطبائع فلا مناص من الالتزام بالقول بالامتناع في تلك المسألة، وذلك لفرض أنّ الأمر على هذا القول متعلق بالصلاة مع مشخصاتها، والمفروض أنّ الغصب في مورد الاجتماع مشخص لها، فإذن يكون متعلقاً للأمر، والحال أنّه متعلق للنهى أيضاً، فيلزم عندئذ اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وهو محال، ضرورة استحالة كون شيء واحد مأموراً به ومنهياً عنه معاً.
وعلى الجملة : فعلى القول الأوّل بما أنّ متعلق كلّ من الأمر والنه--ي ه-و الطبيعة دون مشخصاتها، فلا محالة لا يلزم في مورد الاجتماع كون شيء واحد مأموراً به ومنهياً. عنه، لفرض أنّ متعلق أحدهما غير متعلق الآخر فلا يتحدان في الخارج، غاية الأمر أنهما متلازمان في الوجود الخارجي وأن كلا منهما مشخص للآخر. وعلى القول الثاني بما أنّ المشخصات أيضاً متعلقة للأمر والنهي، فلا مناص من الالتزام بالامتناع في مورد الاجتماع لفرض أنّ متعلق كل منهما عندئذ مشخص للآخر، وعليه فلا محالة يسري كل منهما من متعلقه إلى متعلق
الآخر، فيلزم اجتماعهما في شيء واحد وهو محال.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ هذه الفرضية التي فرضها شيخنا الأستاذ (قدس سره لو تمت لأصبحت المسألة ذات ثمرة مهمة ولكنها فرضية خاطئة وغير مطابقة للواقع، وذلك لما أشرنا إليه سابقاً على نحو الاجمال وإليك تفصيله:
وهو أن كل وجود سواء أكان جوهراً أم عرضاً متشخص في الخارج بذاته، فلا يعقل أن يكون متشخصاً بوجود آخر، وذلك لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخص وأنّ تشخص كل شيء به، فلا يعقل أن يكون تشخصه بشيء آخر أو بوجود ثانٍ، وإلّا لدار أو تسلسل، وعليه فتش-خ-ص-ه بمقتضى قانون أنّ كل ما بالغير وجب أن ينتهي إلى ما بالذات بنفس ذاته، ولذا قلنا إنّ كل وجود في ذاته مباين لوجود آخر، وكل فعلية بنفسها تأبى ع-ن الاتحاد مع فعلية أخرى وتمتاز عنها بنفس ذاتها، وهذا بخلاف الماهية فان تشخصها إنّما يكون بالوجود وامتيازها عن ماهية أخرى به لا بذاتها، وهذا معنى قولنا : الشيء ما لم يوجد لم يتشخص. فالنتيجة هي أن تشخص الوجود بنفسه والماهية بتبع عروض الوجود لها.
وعلى ضوء هذه النتيجة أنّ الأمور الملازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفك عنه كأعراضه من الكم والكيف والأين والاضافة والوضع وغيرها، موجودات أخرى في قبال ذلك الموجود ومباينة له ذاتاً وحقيقةً، ومتشخصات بنفس ذواتها وأفراد لطبائع شتى مختلفة لكل منها وجود وماهية، فلا يعقل أن تكون مشخصات لذلك الوجود، لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخص فلا يعقل أن يكون تشخصه بكمه وكيفه وأينه ووضعه وما شابه ذلك، ضرورة أنّ لهذه الأعراض وجودات مباينة بأنفسها لذلك الوجود وإن كانت قائمة به، كما هو شأن وجود العرض، وقد عرفت أنّ تشخص الوجود بنفس ذات-ه
فيستحيل أن يكون بوجود آخر.
وتوهم أنّ وجود العرض بما أنه متقوّم بوجود الجوهر خارجاً فلأجل ذلك يكون متشخصاً به توهم خاطئ جداً، ضرورة أنّ قيامه به في مرتبة متأخرة عن وجوده، وعليه فلا يعقل أن يكون مشخصاً له. مثلاً تشخص زيد بنفس وجوده الخارجي لا ببياضه ولا بسواده ولا بكمه ولا بأينه ولا بوضعه، وإن كان كل وجود في الخارج لا ينفك عن هذه الأمور، ضرورة أن لكل منها وجوداً في قبال وجوده وكل وجود متشخص بنفس ذاته وفرد من أفراد إحدى المقولات التسع العرضية.
وعلى الجملة : فالوجود لا يعقل أن يكون متشخصاً بوجود آخر، من دون فرق فيه بين أن يكون الوجودان من طبيعة واحدة أو من طبيعتين كما هو ظاهر. ومن هنا لم يتوهم أحد ولا يتوهم أنّ وجود جوهر مشخص لوجود جوهر آخر، أو أن وجود عرض مشخص لوجود عرض آخر، والسر فيه ما ذكرناه من أن كل وجود متشخص بذاته وممتاز بنفسه عن غيره، ومن الواضح جداً أنّ هذا الملاك بعينه موجود بين وجود الجوهر ووجود العرض المتقوّم به، فلا يعقل أن يكون وجود العرض القائم به مشخصاً له، كما هو واضح. ومن ذلك يتبيّن أنّ إطلاق المشخصات على تلك الأعراض الملازمة له خارجاً مسامحة جداً، لما عرفت من أنها لا تعقل أن تكون مشخصات لوجود الجوهر أصلاً، بل هي وجودات ملازمة له في الخارج فلا تنفك عنه.
وبعد بيان ذلك نقول : إنّ تلك اللوازم والأعراض كما أنها خارجة عن متعلق الأمر على القول بتعلقه بالطبيعة، كذلك هي خارجة عن متعلقه على القول بتعلقه بالفرد، ضرورة أنّ محل الكلام في المسألة إنما هو في تعلق الأمر
بالطبيعة أو بفردٍ ما من أفراد تلك الطبيعة، وأما الطبائع الأخرى وأفرادها فجميعاً خارجة عن متعلق الأمر على كلا القولين بداهة أنه لم يرد من القول بتعلقه بالفرد تعلقه بفردٍ ما من هذه الطبيعة وفردٍ م-ا م-ن الطبائع الأخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي.
ولنأخذ مثالاً لذلك كالصلاة مثلاً فانّ القائل بتعلق الأوامر بالطبائع يدعي أنّ الأمر تعلق بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أيّة خصوصية من الخصوصيات، والقائل بتعلقها بالأفراد يدعي أنه تعلق بفردٍ ما من أفرادها، ولا يدعي أن-ه تعلق بفردٍ ما من أفرادها وأفراد الطبائع الأخرى كالغصب أو نحوه، ضرورة أنه لا معنی لهذه الدعوى أبداً، كيف فانّ الأمر على الفرض متعلق بالصلاة على كلا التقديرين، وليس هو متعلقاً بها وبغيرها ممّا هو ملازم له-ا وج-وداً وخارجاً، وقد عرفت أنّ تلك الأعراض واللوازم وجودات أخرى وأفراد لطبائع غيرها ومقولات مختلفة لكل منها وجود وماهية مباين لوجود المأمور به وماهيته.
نعم، لو بني النزاع في المقام على أنّ المتلازمين هل يجوز اختلافهما في الحكم أم لا، تظهر الثمرة هنا، فانّه لو بنينا على عدم جواز اختلافهما في الحكم، وأنّ الحكم المتعلق بأحدهما يسري إلى الآخر، فلابد من الالتزام بالقول بالامتناع في مورد الاجتماع. وأما إذا بنينا على جواز اختلافهما في الحكم وعدم سرايته من أحدهما إلى الآخر، فلا مناص من القول بالجواز فيه، وهذه نعمت الثمرة، إلّا أنّ البناء على كون المتلازمين في الوجود لا بد أن يكونا متوافقين في الحكم وأنّه يسري من أحدهما إلى الآخر، خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، ضرورة أنّ الثابت إنّما هو عدم جواز اختلافهما في الحكم، بأن يكون أحدهما
محكوماً بالوجوب والآخر محكوماً بالحرمة، وأما كونها لابد أن يكونا متوافقين فيه فهو لم يثبت قطعاً لعدم الدليل عليه أصلاً، فإذن لا يمكن ابتناء النزاع في المسألة على هذا، كما أنّه لا يمكن ابتناؤه على ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره).
وكيف كان فالعجب منه (قدس سره) كيف غفل عن هذه النقطة الواضحة، وهي أنّ هذه الأعراض واللوازم ليست متعلقة للأمر على كلا القولين كما عرفت بشكل واضح. ولعل منشأ غفلته عنها تخيل كون تلك اللوازم والأعراض من مشخصات المأمور به في الخارج، ولكنّك عرفت أن هذا مجرد خيال لا واقع له، وأنّ مثل هذا الخيال عن مثله (قدس سره) غريب، وذلك لما سبق من أنّ تلك الأعراض لا تعقل أن تكون من مشخصات الوجود خارجاً، فانّ تشخص الوجود كما مرّ بنفسه لا بشيء آخر، بل إنها وجودات أخرى في قبال ذلك الوجود وملازمة له في الخارج.
فالنتيجة ممّا ذكرناه قد أصبحت أنّ النزاع المعقول في هذه المسألة ه-و ما ذكرناه، لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) وعلى هذا فلا ثمرة للمسألة أصلاً كما عرفت.
نلخص نتيجة البحث عن هذه المسألة في عدّة خطوط :
الأوّل : أنّ النزاع المعقول في هذه المسألة إنما هو ابتناء ذلك على وج--ود الطبيعي في الخارج وعدم وجوده فيه، وإلا فقد عرفت أنّ النزاع فيها بظاهره لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً.
الثاني : أنّ الصحيح هو وجود الطبيعي في الخارج، وذلك لأجل أن إسناد الوجود إلى الفرد كما أنه حقيقي، كذلك إسناده إلى الطبيعي، ضرورة أنه لا فرق بين قولنا زيد موجود وقولنا الانسان موجود ولا نعني بوجود الطبيعي في
الخارج إلا ذلك، بل لا نعقل لوجوده فيه معنى محصلاً ما ع-دا ك--ون إضافة الوجود الخارجي إليه،حقيقية، كما أنّ إضافته إلى الفرد كذلك.
الثالث: أنّ الأوامر متعلقة بالطبائع دون الأفراد، وتكفي شاهداً على ذلك مراجعة الوجدان في هذا الباب.
الرابع : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) في هذه المسألة من أنّ مردّ القول بتعلق الأمر بالطبيعة هو أنّ المأمور به نفس الطبيعي ومشخصاته تماماً خارجة عنه، ومردّ القول بتعلقه بالفرد هو أن المأمور به الفرد مع مشخصاته فتكون مشخصاته داخلة فيه، وعلى هذا رتب ثمرة مهمة في مسألة اجتماع الأمر والنهي، لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لما عرفت من أن تشخص كل وجود بنفسه لا بوجود آخر، ومجرد كون وجود ملازماً لوج-ود آخ--ر في الخارج لا يوجب أن يكون تشخصه به وعليه فلوازم وجود المأمور به خارجاً غير داخلة فيه وخارجة عن متعلق الأمر على كلا القولين كما سبق.
الخامس : أنّه لا ثمرة لهذه المسألة أصلاً ولا يترتب على البحث عنها ما عدا ثمرة علمية.
غير خفي أنّ الوجوب إذا نسخ فلا دلالة فيه على بقاء الجواز، لا بالمعنى الأعم ولا بالمعنى الأخص، والوجه في ذلك واضح، وهو أن ما توهم دلالته عليه لا يخلو من أن يكون دليل الناسخ أو دليل المنسوخ، وشيء منها لا يدل على هذا. أما الأوّل فلأنّ مفاده إنّما هو رفع الوجوب الثابت بدليل المنسوخ، فلا يدل على أزيد من ذلك أصلاً. وأما الثاني فلأنّ مفاده ثبوت الوجوب وقد ارتفع على الفرض ولا دلالة له على غيره.
ودعوى أن الوجوب ينحل إلى جواز الفعل مع المنع من الترك، فالمرفوع بدليل الناسخ إنما هو المنع من الترك، وأما الجواز الذي هو بمنزلة الجنس فلا دليل على ارتفاعه أصلاً، فإذن لا محالة يكون باقياً، خاطئة جداً غير مطابقة للواقع في شيء، وذلك لأن دعوى بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل لو تمت فانّما تتم في المركبات الحقيقية كالانسان والحيوان وما شاكلها، وأمّا في البسائط الخارجية فلا تتم أصلاً، ولا سيما في الأحكام الشرعية التي هي أمور اعتبارية محضة وتكون من أبسط البسائط، ضرورة أنّ حقيقتها ليست إلا اعتبار الشارع ثبوت الفعل على ذمّة المكلف أو محروميته عنه.
ومن هنا قلنا إنّ الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة جميعاً منتزعة من اعتبار الشارع بحكم العقل وليس شيء منها مجعولاً شرعياً، فالمجعول إنّما هو نفس ذلك الاعتبار، غاية الأمر إن نصب الشارع قرينة على الترخيص في
الترك فينتزع العقل منه الاستحباب، وإن لم ينصب قرينة عليه فينتزع م-نه الوجوب.
وعلى ضوء هذا، فلا يعقل القول بأنّ المرفوع بدليل الناسخ إنما هو فصل الوجوب دون جنسه، ضرورة أنّ الوجوب ليس مجعولاً شرعياً ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله، بل المجعول إنما ه-و ن-فس ذلك الاعتبار، وم-ن الواضح جداً أنّه لا جنس ولا فصل له، بل هو بسيط في غاية البساطة، ولأجل ذلك فلا يتصف إلّا بالوجود مرّة وبالعدم مرّة أخرى، ولا ثالث لهما، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : أنّ حقيقة النسخ بحسب مقام الثبوت والواقع انتهاء الحكم بانتهاء أمده، بمعنى أن سعة الجعل من الأول ليست بأزيد من ذلك، ومن هنا كان النسخ في الحقيقة تخصيصاً بحسب الأزمان في مقابل التخصيص بحسب الأفراد، فلا يكون في الواقع رفع بل فيه دفع وانتهاء الحكم بانتهاء مقتضيه. نعم، بحسب مقام الاثبات وظاهر الدليل يكون رفعاً.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أن معنى النسخ انتهاء اعتبار المجعول بانتهاء أمده، والكاشف عن ذلك في مقام الاثبات إنّما هو دليل الناسخ، وعليه فلا موضوع للبحث عن أنّه بعد نسخ الوجوب هل يبقى الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص أم لا ضرورة أنّ الوجوب والجواز بكلا معنييه ليسا م-ن المجعولات الشرعية ليقع البحث عن أنّه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز أم لا، بل هما أمران منتزعان بحكم العقل كما عرفت.
وقد تحصل من هذا البيان أمور :
الأوّل : أنّه لا موضوع لما اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً من أنه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص أم لا، لما عرفت من
أنّ الوجوب ليس مجعولاً شرعياً ليقع الكلام في ذلك.
الثاني : أنّه لا موضوع الدعوى ابتناء النزاع في المسألة على إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل، لما مرّ من أنّ الاعتبار بسيط في غاية البساطة فلا جنس ولا فصل له.
الثالث : أنّه لا مجال لدعوى استصحاب بقاء الجواز بعد ارتفاع الوجوب، ضرورة أنّ هذه الدعوى ترتكز على أن يكون كل من الوجوب والجواز مجعولاً شرعياً، وقد عرفت خلافه وأنهما أمران انتزاعيان، والمجعول الشرعي إنما هو اعتبار المولى لا غيره، والمفروض أنّه قد ارتفع بدليل الناسخ، فإذن لا موضوع للاستصحاب.
ولو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ الوجوب مجعول شرعاً، فمع ذلك لا دليل لنا على بقاء الجواز، والوجه في ذلك أمّا أوّلاً فلأنّ الوجوب أمر بسيط وليس مركباً من جواز الفعل مع المنع من الترك، وتفسيره بذلك تفسير بما هو لازم له لا تفسير لنفسه، وهذا واضح. وأما ثانياً : فلو سلّمنا أن الوجوب مركب إلّا أنّ النزاع هنا في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب وعدم بقائه ليس مبتنياً على النزاع في تلك المسألة، أعني مسألة إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الف-ص-ل وع--دم امكانه، وذلك لأنّ النزاع في تلك المسألة إنّما هو في الامكان والاستحالة العقليين، وأما النزاع في مسألتنا هذه إنما هو في الوقوع الخارجي وعدم وقوعه بعد الفراغ عن أصل إمكانه وكيف كان فإحدى المسألتين أجنبية عن المسألة الأخرى بالكلية.
وأمّا دعوى جريان الاستصحاب في هذا الفرض، بتقريب أنّ الجواز قبل نسخ الوجوب متيقن، وبعد نسخه نشك في بقائه فنستصحب فمدفوعة، فانّه مضافاً إلى أنه من الاستصحاب في الأحكام الكلية، وقد ذكرنا غير مرّة أنه
لا يجري فيها على وجهة نظرنا غير جارٍ في نفسه في المقام، وذلك لأنه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، لأنّ المتيقن لنا وهو الجواز في ضمن الوجوب قد ارتفع يقيناً بارتفاع الوجوب، والفرد الآخر منه مشكوك الحدوث، فإذن قد اختلت أركان الاستصحاب فلا يجري.
وقد تحصل ممّا ذكرناه : أنه بعد نسخ الوجوب لا دليل على ثبوت شيء من الأحكام غيره، فإذن لابد من الرجوع إلى العموم أو الاطلاق لو كان، وإلا فإلى الأصل العملي وهو يختلف باختلاف الموارد كما لا يخفى.
ونتيجة البحث عن هذه المسألة عدة أمور :
الأول : أن الوجوب إذا نسخ فلا دليل على بقاء الجواز بالمعنى الأعم أو الأخص، بل قد عر رفت أنّ الوجوب ليس مجعولاً شرعياً، والمجعول الشرعي إنما هو نفس الاعتبار القائم بالمعتبر، ومعنى نسخه هو انتهاء ذلك الاعتبار بانتهاء أمده، فإذن لا معنى للبحث عن هذا ولا موضوع له.
الثاني : أنّ ابتناء النزاع في المسألة على النزاع في إمكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل وعدم إمكانه،باطل، فانّ الحكم حيث إنّه أمر اعتباري بسيط في غاية البساطة فلا جنس له ولا فصل.
الثالث : أنه بناءً على ما ذكرناه فلا مجال للتمسك بالاستصحاب في المقام، مضافاً إلى أنه من الاستصحاب في الحكم الكلّي من ناحية، ومن القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي من ناحية أخرى.
قد اختلف العلماء فيه إلى عدة آراء ومذاهب :
المذهب الأول : أنّ الواجب هو ما يختاره المكلف في مقام الامتثال، مثلاً في موارد التخيير بين القصر والاتمام لو اختار المكلف القصر مثلاً فهو الواجب عليه ولو عكس فبالعكس. وهذا المذهب لسخافته تبرأ منه كل من نسب إليه، ولذا ذكر صاحب المعالم (قدس سره) (1)أنّ كلاً من الأشاعرة والمعتزلة نسب هذا المذهب إلى الآخر وتبرأ منه وكيف كان فلازم هذه النظرية هو أنّ الواجب يختلف باختلاف المكلفين، بل باختلاف حالاتهم، فلو اختار أحدهم في المثال المزبور القصر في مقام الامتثال والآخر التمام، فالواجب على الأوّل هو القصر واقعاً وعلى الثاني هو التمام كذلك، أو لو اختار أحدهم القصر في يوم والتمام في يوم آخر فالواجب عليه في اليوم الأوّل هو القصر وفي اليوم الثاني التمام، وكذا الحال في كفارة شهر رمضان وما شاكلها.
فالنتيجة : هي أنّ وجوب الواجب في هذا الفرض واقعاً تابع لاختيار المكلف في مقام الامتثال، بحيث لا وجوب له قبل اختياره في الواقع ونفس الأمر.
ويردّه أولاً : أنه مخالف لظواهر الأدلة الدالة على وجوب فعلين أو أفعال على نحو التخيير، ولا تعيّن لما هو الواجب على المكلف في الواقع ونفس الأمر،
1) معالم الدين: 72.
فما يختاره مصداق للواجب لا أنه الواجب بعينه.
وثانياً : أنّه منافٍ لقاعدة الاشتراك في التكليف، ضرورة أن لازم هذا القول كما عرفت هو اختلاف التكليف باختلاف المكلفين، بل باختلاف حالاتهم، ففي المثال المتقدم لو اختار أحدهم القصر مثلاً والآخر التمام، فيكون تكليف الأوّل واقعاً هو القصر والثاني هو التمام، أو لو اختار أحدهم صوم شهرين متتابعين مثلاً والآخر عتق الرقبة والثالث إطعام ستين مسكيناً، فيكون الواجب على الأوّل واقعاً هو الصوم وعلى الثاني العتق وعلى الثالث الاطعام، ومن الواضح جداً أنّ هذا منافٍ صريح لقاعدة الاشتراك في التكليف التي هي من القواعد الضرورية، فإذن لا يمكن الالتزام بهذه النظرية أبداً.
وثالثاً : أن لازم هذا القول أن لا يكون وجوب في الواقع عند عدم اختيار المكلف أحدهما وترك امتثاله وعصيانه ضرورة أن الوجوب إنما يتحقق باختيار المكلف إيّاه في مقام الامتثال كما هو المفروض، وأما قبل اختياره فلا وجوب واقعاً ليصدق عليه أنه تركه وعصاه فيستحق العقوبة.
وإن شئت فقل : إنّ لازم هذه النظرية هو أنّ وجوب كل منهما في الواقع مشروط باختيار المكلف إيّاه في ظرف الامتثال، ولازمه هو أنه لا وجوب له قبل اختياره ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، كما هو واضح، فإذن لا موضوع للعصيان واستحقاق العقوبة عند ترك المكلف الاتيان بالجميع ضرورة أن إيجاد الشرط غير واجب عليه، وهذا بديهي البطلان.
ورابعاً : أنه إذا لم يكن شيء منهما واجباً في حال العصيان فلا يكون واجباً في حال الامتثال أيضاً، والوجه في ذلك هو أنّ كلاً من العصيان والامتثال وارد على موضوع واحد، فيتحقق العصيان فيه مرّةً والامتثال مرّة أخرى، فإذا فرض أنه لم يكن واجباً في حال العصيان فلا يعقل أن يكون واجباً في حال
الامتثال، مثلاً الصلاة قصراً إذا لم تكن واجبة في حال عصيانها، فلا محالة لا تكون واجبةً في حال امتثالها،أيضاً ضرورة أنها إما أن تكون في الواقع واجبة أو ليست بواجبة فيه فلا ثالث لهما. وعلى الأوّل فهي واجبة في كلتا الحالتين، وعلى الثاني فهي غير واجبة كذلك لوضوح أنه لا يعقل أن يكون وجوبها مشروطاً بامتثالها والاتيان بها في الخارج، فان مرده إلى طلب الحاصل واشتراط الأمر بالشيء بوجوده وهو غير معقول، فالنتيجة أنّ هذه النظرية لا ترجع إلى معنى محصل أصلاً.
المذهب الثاني: هو أن يكون كل من الطرفين أو الأطراف واج--ب-اً تعييناً ومتعلقاً للارادة، ولكن يسقط وجوب كل منهما بفعل الآخر، فيكون مردّ هذا القول إلى اشتراط وجوب كل من الطرفين أو الأطراف بعدم الاتيان بالآخر.
وقد صحح هذه النظرية بعض مشايخنا المحققين (قدس سرهم)(1)بأحد نحوين:
الأوّل : أن يفرض أنّ لكل واحد منها مصلحة ملزمة قائمة به، مثلاً للصوم مصلحة إلزامية قائمة بنفسه وتقتضي إيجابه، وكذا للعتق والاطعام، فالقائم بها مصالح متباينة لا متقابلة بحيث لا يمكن الجمع بينها، وبما أنّ تلك المصالح لزومية فلذا أوجب الشارع الجميع، ولكن مصلحة التسهيل والارفاق تقتضي تجويز الشارع ترك كل منها إلى بدل فلذا أجاز ترك كل منها عند الات-ي-ان بالآخر وامتثال أمره، ونتيجة ذلك هي أنه إذا ترك الكل فلا يعاقب إلّا على ترك ما لا يجوز تركه، وهو ليس إلا الواحد منها، وإذا فعل الكل دفعة واحدة كان ممتثلاً بالاضافة إلى الجميع، واستشهد على ذلك بأنه ربما لا يكون إرفاق
1) نهاية الدراية 2: 270.
في البين فلذا أوجب الجمع بين الخصال كما في كفارة الإفطار بالحرام.
الثاني : أن يفرض أنّ الغرض المترتب على الخصال - أعني الصوم والعتق والاطعام - وإن كان واحداً نوعياً وواحداً بالسنخ، إلّا أنّ الالزامي من ذلك الغرض وجود واحد منه، وبما أنّ نسبة كل منها إلى ذلك الوجود الواحد على السوية، فلذا يجب الجميع، لأنّ وجوب أحدها المردد في الواقع غير معقول، ووجوب أحدها المعين ترجيح بلا مرجّح هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: حيث إنّ وجوداً واحداً من ذلك الغرض لازم، فلأجل ذلك يجوز ترك كل منها عند الاتيان بالآخر.
ولنأخذ بالمناقشة على هذه النظرية بكلا تفسيريها.
أمّا تفسيرها الأول : فيرد عليه :
أوّلاً : أنّه مخالف لظاهر الدليل، حيث إنّ ظاهر العطف فيه بكلمة (أو) هو وجوب أحدهما أو أحدها لا وجوب الجميع، كما هو واضح.
وثانياً : أنا قد ذكرنا غير مرّة أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في شيء ما عدا تعلق الأمر به، وحيث إنّ الأمر فيا نحن تعلق بأحد الطرفين أو الأطراف، فلا محالة لا نستكشف إلّا قيام الغرض به، فإذن لا طريق لنا إلى كشف تعدد الملاك أصلاً،، فيحتاج الحكم بتعدده وقيامه بكل منها إلى دعوى علم الغيب.
وثالثاً : أنّه لا طريق لنا إلى أن مصلحة التسهيل والارفاق على حد توجب جواز ترك الواجب، وعلى فرض تسليم أنها تكون بهذا الحد فهي عندئذ تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع، ضرورة أن مصلحة ما عدا واحداً منها مزاحمة بتلك المصلحة، أعني مصلحة التسهيل والارفاق، ومن الواضح جداً أنّ المصلحة المزاحمة بمصلحة أخرى لا تدعو إلى جعل حكم شرعي أصلاً،
وغير قابلة لأن تكون منشأ له، فإذن إيجاب الجميع بلا مقتض.
وعلى الجملة : فمصلحة التسهيل والارفاق لو كانت الزامية فتمنع عن أصل جعل الوجوب لجميع الأطراف أو الطرفين، لا أنها توجب جواز ترك الواجب، ضرورة أنه لا أثر للمصلحة المزاحمة بمصلحة أخرى، ويكون وجودها وعدمها سيان، فإذن يكون إيجاب الجميع بلا داعٍ وهو يستحيل أن يصدر من الحكيم. فالنتيجة هي أنّ الواجب أحدها لا الجميع.
ثمّ إنّه على فرض إيجاب الجميع وعدم كون مصلحة التسهيل والارفاق مانعة منه، فلا موجب لسقوط وجوب بعضها بفعل الآخر، ضرورة أنه بلا مقتض وسبب، فان سقوط وجوب الواجب بأحد أمور لا رابع لها، الأوّل: امتثاله والاتيان بمتعلقه خارجاً، الموجب لحصول غرضه فانّه مسقط له لا محالة. الثاني: العجز عن امتثاله وعدم القدرة على الاتيان بمتعلقه في الخارج، سواء أكان من ناحية العصيان أو غيره. الثالث: النسخ، والمفروض أن الاتيان بالواجب الآخر ليس شيئاً من هذه الأمور.
ودعوى أنه إذا فرض أن وجوب كل منها مشروط بعدم الاتيان بالآخر فلا محالة يكون إتيانه مسقطاً له، مدفوعة بأنّ الأمر وإن كان كذلك على فرض ثبوت تلك الدعوى، إلّا أنها غير ثابتة، فأنّه مضافاً إلى عدم الدليل عليها، إنّها مخالفة لظواهر الأدلة في المقام، حيث إنّ الظاهر منها وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع بنحو الاشتراط، أي اشتراط وجوب كل بعدم الاتيان بالآخر.
ورابعاً : لو تنزّلنا عن ذلك وسلّمنا أن مصلحة التسهيل والارفاق إلزامية، وسلّمنا أيضاً أنها لا تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع وإنما توجب جواز ترك الواجب إلى بدل الذي يكون مردّه إلى تقييد وجوب كل منها بعدم
الاتيان بالآخر، ولكن لازم ذلك هو الالتزام في صورة المخالفة وعدم الاتيان بشيء منها باستحقاق العقاب على ترك كل منها ضرورة أنه لا يجوز ترك الواجب بدون الاتيان ببدله، وإنّما يجوز الترك إلى بدل لا مطلقاً، فإذا فرض أنّ المكلف ترك الصوم بلا بدل وترك العتق والاطعام كذلك، فلا محالة يستحق العقاب على ترك كل منها.
فما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره) من أنّه في هذا الفرض يستحق عقاباً واحداً، وهو العقاب على ما لا يجوز تركه وهو الواحد منها، لا يرجع إلى معنىً محصل، وذلك لأنّ عدم استحقاقه العقاب على ترك البقية عند الاتيان بواحد منها من جهة أنّ تركها إلى بدل، وقد عرفت أنه جائز وإنّما لا يجوز تركها بلا بدل، والمفروض أنّ عند ترك الجميع يكون ترك كل منها بلا بدل فيستحق العقاب عليه.
وبكلمة أخرى : أنّ ترك كل واحد منها مقتض لاستحقاق العقاب، لفرض أنه ترك الواجب، والمانع منه إنما هو الاتيان بالآخر، فإذا فرض أنه لم يأت به أيضاً وتركه فلا مانع من استحقاقه العقاب أصلاً، فيكون العقاب عندئذ على الجمع بين التركين أو التروك، وقد مرّ نظير ذلك في بحث الترتب(1)وقلنا هناك إنّ المكلف إذا ترك الأهم والمهم معاً فيستحق عقابين، ويكون العقابان على الجمع بين ترك هذا وترك ذاك، مع أنّ من الواضح جداً أنه لا يمكن الالتزام بتعدد العقاب في المقام أبداً ولم يلتزم به أحد فيما نعلم.
وأما تفسيرها الثاني، فيرده:
أولاً : أنه خلاف ظاهر الدليل، فانّ الظاهر كما عرفت وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع.
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 444.
وثانياً : أنه لا طريق لنا إلى إحراز أنّ الغرض المترتب على الخصال واحد بالسنخ والنوع وأنّ الالزامي منه وجود واحد، فانه يحتاج إلى علم الغيب.
وثالثاً : على تقدير تسليم ذلك إلّا أنّ لازمه وجوب أحد تلك الخصال لا وجوب الجميع.
ودعوى أن وجوب أحدها المردد في الواقع غير معقول، ووجوب أحدها المعيّن ترجيح بلا مرجح،، فلا محالة وجب الجميع فاسدة، وذلك لأنا لا نقول بوجوب أحدهما المردد في الواقع ليقال إنه غير معقول، ولا بوجوب أحدهما المعيّن ليكون ترجيحاً من غير مرجح، بل نقول بوجوب أحدهما لا بعينه وهو غير أحدهما المردد في الواقع المعبّر عنه بأحدهما المصداقي، ضرورة أنّ الأوّل قابل لتعلق التكليف به دون هذا.
فها هنا دعويان: الأولى : أنّ أحدهما لا بعينه المعبّر عنه بالجامع الانتزاعي قابل لتعلق التكليف به الثانية : أنّ أحدهما المردد في الواقع غير قابل له.
أما الدعوى الأولى : فلأنه لا يعتبر في متعلق التكليف الذي هو أمر اعتباري أن يكون جامعاً ذاتياً، بل يجوز أن يكون جامعاً انتزاعياً، وهو عنوان أحد الفعلين أو الأفعال، كما سيأتي بيانه بشكل واضح (1).
وأما الدعوى الثانية : فلأنّ المردد في الواقع والخارج محال في ذاته، ضرورة أنه لا ثبوت ولا وجود له فيه، فإذن كيف يتعلق الأمر به، وهذا واضح. فما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره) من أنّ الأمر في المقام لا يخلو من أن يتعلق بأحدهما المردد في الواقع وأن يتعلق بأحدهما المعيّن فيه أو بالجميع، وحيث إنّ
1) في ص 222.
الأول والثاني غير معقول فيتعين الثالث، غير صحيح، لما عرفت من أنّ هنا شقاً رابعاً وهو تعلق الأمر بأحدهما لا بعينه المعبّر عنه بالجامع الانتزاع-ي، وهو قابل لتعلق التكليف به كما سنتعرّض له عن قريب إن شاء اللّه، غاية الأمر أنّ المكلف مخيّر في تطبيقه على هذا الفرد أو ذاك.
ورابعاً على تقدير تسليم أنّ الواجب هو الجميع، إلا أنّ لازم ذلك هو تعدد العقاب عند ترك الجميع وعدم الاتيان بشيء منها، ضرورة أنّ الجائز هو ترك كل منها إلى بدل لا مطلقاً، كما مر آنفاً.
فالنتيجة أنّ هذا القول بكلا تفسيريه لا يرجع إلى معنى صحيح.
المذهب الثالث : هو ما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نص كلامه والتحقيق أن يقال إنّه إن كان الأمر بأحد الشيئين بملاك أنه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تم--ام الغرض، ولذا يسقط به الأمر كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما، وكان التخيير بينهما بحسب الواقع عقلياً لا شرعياً، وذلك لوضوح أن الواحد لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان ما لم يكن بينهما جامع في البين، لاعتبار نحو من السنخية بين العلة والمعلول، وعليه فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي لبيان أنّ الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين.
وإن كان بملاك أنّه يكون في كل واحد منهما غرض لا يكاد يح-ص-ل م-ع حصول الغرض في الآخر باتيانه، كان كل واحد واجباً بنحو من الوج-وب يستكشف عنه تبعاته من عدم جواز تركه إلا إلى الآخر، وترتب الثواب على فعل الواحد منهما والعقاب على تركها، فلا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقاً ولا مفهوماً كما هو واضح، إلا أن يرجع إلى ما
ذكرناه فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأوّل من أن الواجب هو الواحد الجامع بينهما، ولا أحدهما معيناً، مع كون كل واحد منهما مثل الآخر في أنّه واف بالغرض (1).
أقول : ما أفاده (قدس سره) يرجع إلى عدة نقاط :
الأولى : أنّ الغرض في المقام إذا كان واحداً بالذات والحقيقة ف-لا محالة يكشف عن وجود جامع وحداني ذاتي بين الفعلين أو الأفعال، بقاعدة أنّ الأمور المتباينة لا يمكن أن تؤثر أثراً واحداً بالسنخ، فوحدة الغرض هنا تكشف عن جهة جامعة حقيقية بينها، فيكون ذلك الجامع هو متعلق الوجوب بحسب الواقع،والحقيقة وإن كان متعلقه بحسب الظاهر هو كل واحد منها، وعليه فيكون التخيير بينها عقلياً لا شرعياً، فالنتيجة أن مردّ هذه الفرضية إلى انكار التخييري الشرعي كما لا يخفى.
الثانية : ما إذا كان الغرض متعدداً في الواقع، وكان كل واحد م-ن-ه ق-ائماً بفعل، إلّا أنّ حصول واحد من الغرض مضاد لحصول الآخر، فلا يمكن الجمع بينهما في الخارج، فعندئذ لا مناص من الالتزام بوجوب كل منهما بنحو يجوز تركه إلى بدل لا مطلقاً، ضرورة أنه بلا موجب ومقتض ب-ع-د ف-رض أن الغرضين المترتبين عليها متضادان فلا يمكن تحصيل كليهما معاً، وعليه فيكون التخيير بينهما شرعياً، ضرورة أنّ مردّ هذه الفرضية إلى وجوب هذا أو ذاك، ولا نعني بالتخيير الشرعي إلا هذا.
الثالثة : أنّ الواجب ليس هو أحدهما لا بعينه، لا مصداقاً أعني به الفرد
1) كفاية الأصول : 140 - 141.
المردد بحسب الواقع والخارج، ولا مفهوماً أعني به الجامع الانتزاعي المنتزع منهما.
ولنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط، فنقول : إنّ هذه النقاط جميعاً خاطئة وغير مطابقة للواقع.
أمّا النقطة الأولى : فقد ذكرنا في أوّل الكتاب (1)عند البحث عن موضوع العلم أنّ هذه القاعدة، أعنى قاعدة عدم صدور الواحد عن الكثير إنّما تتم في الواحد الشخصي من تمام الجهات دون الواحد النوعي، ضرورة أنه قد برهن في محلّه أنّ هذه القاعدة وقاعدة عدم صدور الكثير عن الواحد إنما تتمان في الواحد بالشخص دون الواحد بالنوع.
والوجه في ذلك ملخّصاً : هو أنّ كل معلول طبيعي يتعيّن في مرتبة ذات علته، بقانون أنّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، والمراد من التشخص هو تشخصه في مرتبة ذات علته، ففي تلك المرتبة ما لم يتشخص لم يوجد في الخارج، والمراد من التشخص في تلك المرتبة هو أنّ المعلول الطبيعي بما أنّه مرتبة نازلة م--ن وجود علّته فلا محالة يتشخص في مرتبة وجود علته بملاك أنه كامن في ذاتها ومرتبة من مراتب وجودها، وفي مرتبة نفسه يتشخص بوجوده الخاص، وهذا هو المراد من تشخصه السابق واللاحق كما أنّ المراد من وجوبه السابق في قولهم الشيء ما لم يجب لم يوجد هو التشخص السابق وهو التشخص في مرتبة ذات العلّة،ووجودها، كما أن المراد من وجوبه اللاحق هو تشخصه بوجوده الخاص.
وعلى ضوء هذا الأساس لا يعقل تشخص معلول واحد شخصي في مرتبة
1) في المجلد الأوّل ص 14.
ذات علّتين مستقلتين، فان مردّ ذلك إلى تعدد الواحد الشخصي، لفرض أنّ وجوده في مرتبة ذات هذه العلة يباين وجوده في مرتبة ذات العلة الأخرى، وهو محال.
وبهذا البيان قد ظهر حال القاعدة الثانية أيضاً، وذلك لأنّ لازم صدور معلولين من علّة واحدة شخصية هو أن تكون في مرتبة ذاتها جهتان متباينتان لتؤثر بإحداهما في معلول وبالأخرى في آخر لما عرفت من أنّ كل معلول يتعين في مرتبة ذات علّته وأنّه من مراتب وجودها، فإذا فرض أنّ العلة واحدة شخصية من جميع الجهات، امتنع تعيّن معلولين متباينين في مرتبة ذاتها ووجودها، ضرورة أنه لا يعقل أن يكون كلاهما من مراتب وجودها ومتعيناً في ذاتها، مثلاً إذا كانت الحرارة من مراتب وجود النار فلا يعقل أن تكون البرودة من مراتب وجودها...وهكذا.
وبكلمة أخرى : أنّ لازم فرض تعيّن معلولين متباينين في مرتبة ذات العلة، أنّه لا بد من فرض جهتين متباينتين فيها لا اشتراك بينهما أصلاً، ليكون المؤثر في أحدهما جهة وفي الآخر جهة أخرى، بملاك قاعدة السنخية التي هي معتبرة بين العلل والمعاليل الطبيعية، بداهة أنّه يستحيل أن يكون المؤثر فيها جهة واحدة شخصية، وهذا خلف.
وبعد ذلك نقول : إنّ ما ذكرناه من البرهان على استحالة صدور الواحد عن الكثير واستحالة صدور الكثير عن الواحد لا يجري في الواحد النوعي، ضرورة أنه لا مانع من صدور الكثير عن الواحد بالنوع، فان مرده بحسب التحليل والواقع إلى صدور كل معلول شخصي عن فرد منه، وإسناد صدوره إلى الجامع باعتبار ذلك، كما هو واضح. ومن المعلوم أن البرهان المزبور لا يمنع عن ذلك أصلاً، كما أنّه لا يمنع عن صدور الواحد النوعي عن الكثير، فانّه
خارج عن موضوع تلك القاعدة، حيث إنّ مردّه إلى استناد كل فرد إلى علّة أو كل مرتبة منه إليها، كالحرارة المستندة إلى إشراق الشمس مرّة، وإلى النار مرّة أخرى وإلى الغضب مرّة ثالثة وإلى الحركة مرّة رابعة، وإلى القوة الكهربائية مرّة خامسة...وهكذا، كما أنّه عند اجتماع تلك الأسباب والعلل على شيء يكون المؤثر في إيجاد الحرارة فيه هو المجموع لا كل واحد منها، ولذا لو كان واحد منها لم يوجد فيه إلّا مرتبة ضعيفة منها والمفروض أنّ المجموع قد أوجد فيه مرتبة شديدة تنحل إلى مراتب متعددة يستند كل مرتبة منها إلى واحد منها لا الجميع، ومن الواضح أنّ هذا خارج عن موضوع القاعدة المذكورة، لاختصاصها كما عرفت بالواحد الشخصي من تمام الجهات، وهذه الحرارة المستندة إلى الجميع ليست واحدة من تمام الجهات، بل هي ذات مراتب متعددة وكل مرتبة منها يستند إلى علة.
أو فقل : إنها واحدة بالنوع من هذه الناحية لا واحدة بالشخص. فإذن لا يمكن دعوى أنّ المؤثر فيها هو الجامع بين تلك الأسباب لا كل واحد واحد منها، فانّ هذه الدعوى مضافاً إلى أنها خلاف الوجدان غير ممكنة في نفسها، بداهة أنّه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين هذه الأسباب، لأنها مقولات متعددة، فان النار من مقولة الجوهر، والقوة الكهربائية مثلاً من مقولة الأعراض...وهكذا، وقد حقق في محلّه أنّه لا يمكن اندراج المقولات تحت مقولة أخرى، فانّها أجناس عاليات ومتباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، فلا يعقل وجود جامع ماهوي بينها وإلا لم يمكن حصر المقولات في شيء.
فالنتيجة : أنّ الواحد النوعي لا يكشف عن وجود جامع وحداني أصلاً، وبما أنّ الغرض المترتب على الواجب التخييري ليس واحداً شخصياً، بل هو واحد بالنوع، فلا يكشف عن وجود جامع ماهوي بين الفعلين أو الأفعال،
هذا مضافاً إلى أنّ سنخ هذا الغرض غير معلوم لنا وأنه واحد بالذات والحقيقة أو واحد بالعنوان، ومن الواضح جداً أنّ الكاشف عن الواحد بالذات ليس إلا الواحد بالذات، وأما الواحد بالعنوان فلا يكشف إلا عن واحد كذلك، وحيث إنا لا نعلم بسنخ الغرض في المقام على فرض كونه واحداً، ف-لا ن-ع-ل-م س-ن-خ الجامع المستكشف منه أنه واحد بالذات أو بالعنوان، فإذن لا يثبت ما ادعاه من وجود جامع ذاتي بينهما [هذا أوّلاً].
وثانياً : أنّ ما أفاده (قدس سره) لو تم فانما يتم فيما يمكن وج-ود ج-امع حقيقي بينها، كأن يكونا فردين أو نوعين من طبيعة واحدة، وأما فيما إذا لم يمكن وجود جامع كذلك كما إذا كان كل منهما من مقولة على حدة فلا يتم أصلاً، ومن الواضح أنّ التخيير بين فعلين أو أفعال لا يختص بما إذا كانا م-ن مقولة واحدة، بل كما يمكن أن يكونا كذلك يمكن أن يكون أحدهما من مقولة والآخر من مقولة أخرى، أو أن يكون أحدهما أمراً وجودياً والآخر أمراً عدمياً، ومن المعلوم أنه لا يمكن تصوير جامع حقيقي بينهما في أمثال ذلك كما هو واضح.
وثالثاً : لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ ما أفاده (قدس سره) صحيح، إلا أنّ الجامع المزبور ممّا لا يصلح أن يكون متعلقاً للأمر، ضرورة أن متعلق الأمر لا بد أن يكون أمراً عرفياً قابلاً للالقاء إليهم، وأما هذا الجامع المستكشف بالبرهان العقلي فهو خارج عن أذهانهم وغير قابل لأن يتعلق به الخطاب، لوضوح أنّ الخطابات الشرعية المتوجهة إلى المكلفين على طبق المتفاهم العرفي، ولا يعقل تعلق الخطاب بما هو خارج عن متفاهمهم، وحيث إنّ هذا خارج عنه فلا يعقل تعلق الخطاب به.
وأمّا النقطة الثانية : فيرد عليها :
أوّلاً : أنها مخالفة لظواهر الأدلة، فانّ الظاهر من العطف بكلمة (أو) هو أن الواجب أحدهما لا كلاهما.
وثانياً : أنّ فرض كون الغرضين متضادين فلا يمكن الجمع بينهما في الخارج مع فرض كون المكلف قادراً على إيجاد كلا الفعلين فيه بعيد جداً، بل هو ملحق بأنياب الأغوال، ضرورة أنا لا نعقل التضاد بين الغرضين مع عدم المضادّة بين الفعلين، فإذا فرض أنّ المكلف متمكن من الجمع بينهما خارجاً فلا مانع م--ن إيجابهما معاً عندئذ.
وثالثاً : أنا لو سلّمنا ذلك فرضاً وقلنا بالمضادة بين الغرضين وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج، إلّا أنّ من الواضح جداً أنه لا مضادة بين تركيهما معاً، فيتمكن المكلف من ترك كليهما بترك الاتيان بكلا الفعلين خارجاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ العقل مستقل باستحقاق العقاب على تفويت الغرض الملزم، ولا يفرق بينه وبين تفويت الواجب الفعلى. ومن ناحية ثالثة : أنّ فيما نحن فيه وإن لم يستحق العقاب على ترك تحصيل أحد الغرضين عند تحصيل الآخر من جهة عدم إمكان الجمع بينهما في الخارج، إلّا أنّه لا مانع من استحقاق العقاب عليه عند تركه تحصيل الآخر.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي أنه يستحق العقابين عند جمعه بين التركين، لفرض أنّه مقدور له فلا يكون العقاب عليه عقاباً ع-لى م-ا ليس بالاختيار. هذا نظير ما ذكرناه في بحث الترتب (1)وقلنا هناك إنّ المكلف يستحق عقابين عند جمعه بين ترك الأهم والمهم معاً، وأنه ليس عقاباً على ما لا يكون بالاختيار، لفرض أنّ الجمع بينهما مقدور له، وفيما نحن فيه كذلك، إذ
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 444.
لا مانع من الالتزام بتعدد العقاب فيه أصلاً، فانّ المانع من العقاب على ترك أحدهما عند الاتيان بالآخر هو عدم إمكان تحصيله بعد الاتيان به، لفرض المضادة بينهما. وأمّا العقاب على ترك كل منهما في نفسه مع قطع النظر عن الآخر فلا مانع منه أصلاً، لما عرفت من استقلال العقل باستحقاق العقاب على ترك الملاك الملزم والمفروض في المقام أنّ كلاً من الملاكين ملزم في نفسه، وعليه فلا محالة إذا ترك المكلف كليهما معاً يستحق عقابين: عقاباً على ترك هذا، وعقاباً على ترك ذاك.
وبكلمة أخرى : أن مقتضى كون كل من الغرضين ملزماً في نفسه هو وجوب كلَّ من الفعلين غاية الأمر من جهة المضادة بين الغرضين وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج لا محالة يكون وجوب كل منها مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنه لا يمكن أن يكون الواجب في هذا الفرض هو أحدهما المعيّن لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، فانّه بعد فرض كون كل منها مشتملاً على الملاك الملزم في نفسه، وأنهما من هذه الناحية على نسبة واحدة فتخصيص الوجوب بأحدهما خاصة دون الآخر لا يمكن. وكذا لا يمكن أن يكون الواجب هو أحدهما لا بعينه، وذلك لأنه بعد فرض ك--ون الغرض في المقام متعدداً لا موجب لأن يكون الواجب واحداً، مع أنه خلاف مفروض کلامه (قدس سره).
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين قد أصبحت أنّه لا مناص من الالتزام بما ذكرناه، وهو وجوب كل من الفعلين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، غاية الأمر أن إطلاق وجوب كل منهما يقيّد بعدم الاتيان بالآخر، ولازم هذا هو أنّ المكلف إذا ترك كليهما معاً يستحق عقابين : عقاباً على ترك هذا وعقاباً على ترك ذاك، لفرض أنّ وجوب كل منهما عندئذ فعلي من جهة تحقق شرطه
وهو عدم الاتيان بالآخر، وهذا ممّا لم يلتزم به أحد.
ورابعاً : أن الغرضين المزبورين لا يخلوان من أن يمكن اجتماعهما في زمان واحد، بأن تكون المضادة بين وجود أحدهما مترتباً على وجود الآخر لا مطلقاً، وأن لا يمكن اجتماعهما فيه أصلاً. فعلى الأوّل لا بدّ من الالتزام بايجاب الشارع الجمع بين الفعلين أو الأفعال في زمان واحد فيما إذا تمكن المكلف منه، وإلّا لفوّت عليه الملاك الملزم، وهو قبيح منه. ومن الواضح أنّ هذا خلاف مفروض الكلام في المسألة، ومخالف لظواهر الأدلة، فلا يمكن الالتزام به أصلاً.
وعلى الثاني فلازمه هو أنّ المكلف إذا أتى بهما معاً في الخارج وفي زمان واحد، أن لا يقع شيء منهما على صفة المطلوبية، إذ وقوع أحدهما على هذه الصفة دون الآخر ترجيح من دون مرجّح، ووقوع كليهما على تلك الصفة لا يمكن لوجود المضادة بينهما مع أنّه من الواضح البديهي أنّ المكلف إذا أتى بهما في زمان واحد يقع أحدهما على صفة المطلوبية، ضرورة أنه إذا جمع بين طرفي الواجب التخييري أو أطرافه وأتى بها دفعةً واحدة امتثل الواجب وحصل الغرض منه لا محالة، وهذا ظاهر فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن أن ما ذكروه من الوجوه لتصوير الواجب التخييري لا يرجع شيء منها إلى معنى صحيح.
الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلة: هو أن الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، وتطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر أن متعلق الوجوب في
الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة والجامع الحقيقي، وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني، فهذا هو نقطة انطلاق الفرق بينهما.
وتخيل أنه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما في المقام ضرورة أنه ليس له واقع موضوعي غير تحققه في عالم الانتزاع والنفس، فلا يمكن أن يتعدى عن أفق النفس إلى ما في الخارج، ومن الواضح أنّ مثله لا يصلح أن يتعلق به الأمر.
خيال خاطئ جداً، بداهة أنّه لا مانع من تعلق الأمر به أصلاً بل تتعلق به الصفات الحقيقية كالعلم والارادة وما شاكلها، فما ظنّك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض، وقد تقدّم منّا غير مرّة من أن الأحكام الشرعية سواء أكانت وضعية أو تكليفية أمور اعتبارية، وليس له-ا واق-ع م-ا ع-دا اعتبار الشارع، ومن المعلوم أنّ الأمر الاعتباري كما يصح تعلقه بالجامع الذاتي كذلك يصح تعلقه بالجامع الانتزاعي، فلا مانع من اعتبار الشارع ملكية أحد المالين للمشتري عند قول البائع بعت أحدهما، بل وقع ذلك في الشريعة المقدسة كما في باب الوصية، فانّه إذا أوصى الميت بملكية أحد المالين لشخص بعد موته فلا محالة يكون ملكاً له بعد موته، وتكون وصيته بذلك نافذة، وكذا لا مانع من اعتبار الشارع أحد الفعلين أو الأفعال في ذمّة المكلف. وعلى الجملة : فلا شبهة في صحة تعلق الأمر بالعنوان الانتزاع-ي وه-و عنوان أحدهما، ومجرد أنه لا واقع موضوعي له لا يمنع عن تعلقه به، ضرورة أنّ الأمر لا يتعلق بواقع الشيء، بل بالطبيعي الجامع، ومن الواضح جداً أن--ه لا يفرق فيه بين أن يكون متأصلاً أو غير متأصل أصلاً.
وتخيّل أنّ الجامع الانتزاعي لا يصلح أن يكون متعلقاً للتكليف، ضرورة أنّ التكليف تابع لما فيه المصلحة أو المفسدة، ومن الواضح جداً أنّه لا مصلحة
في ذلك المفهوم الانتزاعي، والمصلحة إنما هي في فعل المكلف الصادر منه في الخارج، فإذن لا محالة يكون التكليف متعلقاً به لا بالعنوان المزبور، وعليه فلابد من الالتزام بأحد الوجوه المزبورة خاطئ جداً وغير مطابق لل--واق-ع، وذلك لعدم الطريق لنا إلى معرفة سنخ الغرض الداعي إلى إيجاب شيء أو تحريمه، ولا نعلم ما هو سنخه.
نعم، نعلم من أمر الشارع بشيء أو نهيه عن آخر أنّ في الأوّل مصلحة تقتضي إيجابه، وفي الثاني مفسدة تقتضي تحريمه، ولكن لا نعلم سنخ تلك المصلحة وسنخ تلك المفسدة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنه يجب علينا التحفظ على ظواهر الأدلة، وتعيين الحكم ومتعلقه بها. ومن ناحية ثالثة : أنا نعلم أنّ الاتيان بمتعلق الوجوب في الخارج محصل للمصلحة الداعية إلى إيجابه، ولا يبقى مجال لها بعده.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي أنّه لا بد من الالتزام بأنّ متعلق الوجوب في موارد الواجبات التخييرية هو العنوان الانتزاعي من جهة ظهور الأدلة في ذلك، ضرورة أنّ الظاهر من العطف بكلمة «أو» هو وجوب أحد الفعلين أو الأفعال، وعلى هدى ذلك نعلم أنّ الغرض الداعي إلى إيجابه قائم به، لفرض أنّه لا طريق لنا إلى إحرازه ما عداه، كما أنا نعلم بحصول هذا الغرض وتحققه في الخارج باتيانه في ضمن أيّ من هذين الفعلين أو الأفعال ش--اء المكلف إتيانه فيه.
وبكلمة أخرى أنّ المستفاد من الأدلة بحسب المتفاهم العرفي هو أنّ متعلق الوجوب الجامع الانتزاعي، ومن الواضح أنّ مردّ ذلك بحسب التحليل العلمي إلى عدم دخل شيء من خصوصية الطرفين أو الأطراف فيه، ولتوضيح ذلك نأخذ مثالاً : وهو ما إذا أوجب المولى إطعام ستين مسكيناً أو صوم شهرين
متتابعين أو عتق رقبة مؤمنة كما في كفارة صوم شهر رمضان، فلا محالة يكون مردّ هذا إلى عدم دخل شيء من خصوصياتها في غرض المولى الداعي إلى الأمر بأحدها لفرض أنّه يحصل باتيان كل منها في الخارج، هذا من جانب. ومن جانب آخر : المفروض أنّ الغرض لم يقم بكل واحد منها، وإلا لكان كل منها واجباً تعيينياً. ومن جانب ثالث أنّ وجوب أحدها المعيّن في الواقع لا يمكن بعد ما كان الجميع في الوفاء بغرض المولى على نسبة واحدة.
ونتيجة ذلك لا محالة هي وجوب الجامع بين هذه الأمور، وأن الغرض الداعي له يحصل باتيانه في ضمن إيجاد أي فرد منها ش-اء المكلف إيجاده، لوضوح أنّ مردّ وجوب الجامع بالتحليل إلى عدم دخل شيء من خصوصيات هذه الأمور، وأن الغرض المزبور يترتب على فعل كل منها في الخارج من دون خصوصية لهذا وذاك أصلاً، وهذا أمر معقول في نفسه، بل واق-ع في الع-رف والشرع، فانّ غرض المولى إذا تعلق بأحد الفعلين أو الأفعال فلا محالة يأمر بالجامع بينهما وهو أحدهما لا بعينه، مع عدم ملاحظة خصوصية شيء منها.
ومن هنا يظهر أنّ مرادنا من تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي ليس تعلقه به بما هو موجود في النفس ولا يتعدى عن أفقها إلى أفق الخارج، ضرورة أنه غير قابل لأن يتعلق به الأمر أصلاً وأن يقوم به،الغرض، بل مرادنا من تعلق الأمر به بما هو منطبق على كل واحد من الفعلين أو الأفعال في الخارج، ويكون تطبيقه على ما في الخارج بيد المكلف فله أن يطبّق على هذا، وله أن يطبّق على ذاك. ولعل منشأ تخيل أنّه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي هو تعلقه به على النحو الأوّل دون الثاني.
وقد تحصل من ذلك أنه لا مانع من أن يكون المأمور به هو العنوان الانتزاعي على النحو المزبور، لا من ناحية الأمر ولا من ناحية الغرض كما عرفت.
أضف إلى ما ذكرناه أنه يمكن تعلق الصفة الحقيقية بأحد أمرين أو أمور، فما ظنك بالأمر الاعتباري، وذلك كما إذا علمنا إجمالاً بعدالة أحد شخصين مع احتمال أن يكون الآخر أيضاً عادلاً ولكن كان في الواقع كلاهما عادلاً، ففي مثل ذلك لا تعيّن للمعلوم بالاجمال حتى في علم اللّه، ضرورة أنّه لا واق--ع له غير هذا المفهوم المنتزع، فلا يمكن أن يقال إنّ المعلوم بالاجمال عدالة هذا دون عدالة ذاك أو بالعكس لفرض أنّ نسبة المعلوم بالاجمال إلى كل واحد منهما على حد سواء.
وبكلمة واضحة : أنا قد ذكرنا في محلّه أنّه لا واقع ولا تعيّن للمعلوم بالاجمال مطلقاً، أمّا في مثل المثال المزبور فواضح. وأما فيما إذا فرض أنّ أحدهما عادل في الواقع وعلم اللّه دون الآخر، ففي مثل ذلك أيضاً لا تعيّن له، ضرورة أنّ العلم الاجمالي لم يتعلق بعدالة خصوص هذا العادل في الواقع، وإلّا لكان علماً تفصيلياً وهذا خلف، بل تعلق بعدالة أحدهما، ومن الواضح جداً أنّه ليس لعنوان أحدهما واقع موضوعي وتعيّن في عالم الخارج، بل هو مفهوم انتزاعي في عالم النفس، ولا يتعدى عن أفق النفس إلى ما في الخارج، وله تعيّن في ذلك العالم لا في عالم الواقع والخارج، ومن المعلوم أنّ متعلق العلم هو ذلك المفهوم الانتزاعي لا ما ينطبق عليه هذا المفهوم، لفرض أنه متعيّن في الواقع وعلم اللّه، والعلم لم يتعلق به وإلا لكان علماً تفصيلياً لا إجمالياً.
فالنتيجة قد أصبحت من ذلك : أنه لا مانع من تعلق الصفات الحقيقية كالعلم والارادة وما شاكلها بالجامع الانتزاعي الذي ليس له واقع ما عدا نفسه،فضلاً عن الأمر الاعتباري.
ومن هنا يتبين أنه لا فرق بين الواجب التعييني والواجب التخييري إلّا في
نقطة واحدة، وهي أنّ متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة كالصلاة والصوم والحج وما شاكلها، وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة كعنوان أحدهما، وأما من نقاط أخرى فلا فرق بينهما أصلاً، فكما أنّ التطبيق في الواجبات التعيينية بيد المكلف، فكذلك التطبيق في الواجبات التخييرية، وكما أنّ متعلق الأمر في الواجبات التعيينية ليس هو الأفراد كذلك متعلق الأمر في الواجبات التخييرية.
بق هنا شيء : وهو أنه هل يمكن التخيير بين الأقل والأكثر أم لا؟ وجهان، فذهب بعضهم إلى عدم إمكانه، بدعوى أنه مع تحقق الأقل في الخارج وحصوله يحصل الغرض، فإذن يكون الأمر بالأكثر لغواً فلا يصدر من الحكيم.
وقد أجاب عنه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نص كلامه : لكنّه ليس كذلك، فانّه إذا فرض أنّ المحصل للغرض فيا إذا وجد الأكثر ه-و الأكثر لا الأقل الذي في ضمنه، بمعنى أن يكون لجميع أجزائه حينئذ دخل في حصوله، وإن كان الأقل لو لم يكن في ضمنه كان وافياً به أيضاً، فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقل بالوجوب حينئذ كان بلا مخصص، فانّ الأكثر بحده يكون مثله على الفرض مثل أن يكون الغرض الحاصل من رسم الخط مترتباً على الطويل إذا رسم بما له من الحد لا على القصير في ضمنه، ومعه كيف يجوز تخصيصه بما لا يعمه، ومن الواضح كون هذا الفرض بمكان من الامكان.
إن قلت : هبه في مثل ما إذا كان للأكثر وجود واحد لم يكن للأقل في ضمنه وجود على حدة، كالخط الطويل الذي رسم دفعة بلا تخلل سكون في البين، لكنّهممنوع فيما إذا كان له في ضمنه وجود كتسبيحة في ضمن تسبيحات ثلاث أو خط طويل رسم مع تخلل العدم في رسمه، فانّ الأقل قد وجد بح-ده وب-ه يحصل الغرض على الفرض، ومعه لا محالة يكون الزائد عليه ممّا لا دخل له في حصوله، فيكون زائداً على الواجب لا من أجزائه.
قلت : لا يكاد يختلف الحال بذاك، فانّه مع الفرض الفرض لا يكاد يترتب الغرض على الأقل في ضمن الأكثر، وإنّما يترتب عليه بشرط عدم الانضمام، ومعه كان مترتباً على الأكثر بالتمام. وبالجملة إذا كان كل واحد من الأقل والأكثر بحده ممّا يترتب عليه الغرض، فلا محالة يكون الواجب ه-و الجامع بينه-ا وك-ان التخيير بينهما عقلياً إن كان هناك غرض واحد، وتخييراً شرعياً فيما كان هناك غرضان على ما عرفت. نعم، لو كان الغرض مترتباً على الأقل من دون دخل للزائد، لما كان الأكثر مثل الأقل وعدلاً له، بل كان فيه اجتماع الواجب وغيره، مستحباً كان أو غيره حسب اختلاف الموارد فتدبر جيداً (1).
نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط :
الأولى : أنه لا مانع من الالتزام بالتخيير بين الأقل والأكثر فيما إذا كان كل منهما بحده محصلاً للغرض، وعليه فلا يكون الأقل في ضمن الأكثر محصّلاً له، ومعه لا مانع من الالتزام بالتخيير بينهما. وبكلمة أخرى: أن الغرض إذا كان مترتباً على حصة خاصة من الأقل، وهي الحصة التي لا تكون في ضمن الأكثر بشرط (لا لا على الأقل مطلقاً، فلا مناص عندئذ من الالتزام بالتخيير بينهما
1) كفاية الأصول : 142.
أصلاً، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون للأقل وجود مستقل في ضمن الأكثر كتسبيحة واحدة في ضمن تسبيحات ثلاث وأن لا يكون له وجود كذلك كالخط القصير في ضمن الخط الطويل، والوجه فيه ما عرفت من أن الغرض إنّما يترتب على حصة خاصة من الأقل، وعليه فكما أنّه لا أثر لوجود الخط القصير في ضمن الخط الطويل ولا يكون محصلاً للغرض، فكذلك لا أثر لوجود تسبيحة واحدة في ضمن تسبيحات ثلاث لفرض أن الغرض إنّما يترتب عليها فيما إذا لم تكن في ضمنها لا مطلقاً، وعلى هذا فلا مناص م-ن الالتزام بالتخيير بينهما.
الثانية : أنّ الغرض إذا كان واحداً فيكون الواجب هو الجامع بينهما، لفرض أن المؤثر في الواحد لا يكون إلا الواحد بالسنخ، وحيث إنّ الغرض واحد على الفرض، فالمؤثر فيه لا بد أن يكون واحداً، لاستحالة تأثير الكثير في الواحد، وذلك الواحد هو الجامع بينهما، فإذن لا محالة يكون الواجب هو ذلك الجامع لا غيره، وعليه فيكون التخيير بينهما عقلياً لا شرعياً، وأما إذا كان متعدداً فالتخيير بينهما شرعي كما تقدّم.
الثالثة : أن الغرض إذا كان مترتباً على خصوص الأقل من دون دخل للزائد فيه أصلاً، فلا يكون الأكثر عدلاً له، بل كان فيه اجتماع الوجوب وغيره، سواء أكان ذلك الغير استحباباً أو غيره.
ولنأخذ بدرس هذه النقاط :
أمّا النقطة الأولى : فهي وإن كانت في غاية الصحة والمتانة في نفسها، إلا أنها خاطئة بالاضافة إلى مفروض الكلام وهو التخيير بين الأقل والأكثر وذلك لأنّ ما فرضه صاحب الكفاية (قدس سره) وإن كان تخييراً بينهما صورةً، إلا أنّ من الواضح جداً أنه بحسب الواقع والحقيقة تخيير بين المتباينين،
وذلك لفرض أنّ الماهية بشرط لا تباين الماهية بشرط شيء، فإذا فرض أنّ الأقل مأخوذ بشرط لا كما هو مفروض كلامه، لا محالة يكون مبايناً للأكثر المأخوذ بشرط شيء، ضرورة أنّ الماهية بشرط لا تباين الماهية بشرط شيء، فلا يكون التخيير بينهما من التخيير بين الأقل والأكثر بحسب الواقع والدقة العقلية، بل هو من التخيير بين المتباينين وعليه فما فرضه (قدس سره) من التخيير بينهما خارج عن محل الكلام ولا إشكال في إمكانه بل وقوعه خارجاً في العرف والشرع، ومحل الكلام إنّما هو فيما إذا كان الغرض مترتباً على وجود الأقل مطلقاً، أي ولو كان في ضمن الأكثر بأن يكون مأخوذاً لا بشرط، ومن الواضح جداً أنّ التخيير بينهما في هذا الفرض غير معقول، ضرورة أنه كلّما تحقق الأقل يحصل به الغرض، ومعه يكون الأمر بالزائد لغواً محضاً.
فالنتيجة قد أصبحت ممّا ذكرناه أنّ الأقل إن كان مأخوذاً بشرط لا، فالتخيير بينه وبين الأكثر وإن كان أمراً معقولاً إلّا أنه بحسب الواقع داخل في كبرى التخيير بين المتباينين لا الأقل والأكثر كما عرفت، وإن كان مأخوذاً لا بشرط فلا يعقل التخيير بينه وبين الأكثر، ضرورة أنه بمجرد تحقق الأقل ولو في ضمن الأكثر يحصل،الغرض، ومعه لا يبقى مجال للاتيان بالأكثر أصلاً، فإذن جعله في أحد طرفي التخيير يصبح لغواً محضاً فلا يصدر من الحكيم. وعلى ضوء هذا البيان إن أراد القائل باستحالة التخيير بينهما التخيير على النحو الأوّل الذي هو تخيير شكلي بينهما لا واقعي موضوعي، فيرده ما ذكرناه من أنه لا شبهة في إمكانه بل وقوعه خارجاً، لما عرفت من أنه ليس تخييراً بين الأقل والأكثر، بل هو تخيير في الحقيقة بين المتباينين. وإن أراد باستحالة التخيير بينهما التخيير على النحو الثاني فالأمر كما ذكره.
ومن هنا يظهر أنّ التخيير بين القصر والتمام في الأمكنة الأربعة ليس تخييراً
بين الأقل والأكثر واقعاً وحقيقةً، وإن كان كذلك بحسب الشكل، وذلك لأنّ صلاة القصر مشروطة شرعاً بالتسليمة في الركعة الثانية وعدم زيادة ركعة أخرى عليها، وصلاة التمام مشروطة شرعاً بالتسليمة في الركعة الرابعة وعدم الاقتصار بها، فهما من هذه الناحية - أي من ناحية اعتبار الشارع - ماهيتان متباينتان، فالتخيير بينهما لا محالة يكون من التخيير بين أمرين متباينين لا الأقل والأكثر، ضرورة أنّ الأثر لا يترتب على الركعتين مطلقاً ولو كانتا في ضمن أربع ركعات، وإنما يترتب عليها بشرط لا وهذا واضح. وأما التسبيحات الأربع فالمستفاد من الروايات هو وجوب إحداها لا جميعها، فإذن لا يعقل التخيير بين الواحدة والثلاث، ضرورة أنّ الغرض مترتب على واحدة منها، فإذا تحققت تحقق الغرض، ومعه لا يبقى مجال للاتيان بالبقية أصلاً. نعم، الاتيان بها مستحب، فإذا أتى المكلف بثلاث فقد أتى بواجب ومستحب. وعلى الجملة فحال التسبيحتين الأخيرتين حال القنوت وبقية الأذكار المستحبة في الصلاة.
وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه : أنّ التخيير بين الأقل والأكثر غير معقول، وما نراه من التخيير بينهما في العرف والشرع تخيير شكلي لا واقعي موضوعي، فانّ بحسب الواقع ليس التخيير بينهما، بل بين أمرين متباينين كما مر.
وأما النقطة الثانية : فقد تقدّم الكلام فيها وفي النقد عليها بشكل واضح (1)فلا نعيد.
وأمّا النقطة الثالثة : فالأمر وإن كان كما أفاده (قدس سره) إلا أن مردّها
1) في ص 216.
إلى عدم تعقل التخيير بين الأقل والأكثر على ما ذكرناه، كما هو واضح.
ونتيجة هذا البحث في عدة خطوط :
الأوّل : أنّ القول في المسألة بأنّ الواجب هو ما يختاره المكلف في مقام الامتثال دون غيره، باطل جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، وقد دلّت على بطلانه وجوه أربعة : 1- أنّه مخالف لظاهر الدليل. 2- أنّه منافٍ لقاعدة الاشتراك في التكليف. 3- أنّه يستلزم عدم الوجوب في الواقع عند عدم اختيار المكلف أحدهما في مقام الامتثال 4- أنّه إذا لم يكن شيء واجباً حال عدم الامتثال لم يكن واجباً حال الامتثال أيضاً.
الثاني : أنّ شيخنا المحقق (قدس سره) (1)قد وجه القول بأنّ كلاً منهما واجب تعييناً، غاية الأمر أنّ وجوب كل منهما يسقط باتيان الآخر بتوجيهين : 1 - أن يفرض قيام مصلحة لزومية بكل منهما، ولأجل ذلك أوجب الشارع الجميع، ولكن مصلحة التسهيل تقتضي جواز ترك كل منهما إلى بدل. 2- أن يفرض أنّ المصلحة المترتبة على كل منهما وإن كانت واحدة بالنوع، إلّا أنّ الالزامي من تلك المصلحة وجود واحد، وبما أنّ نسبته إلى الجميع على ح--د سواء، فلذا أوجب الجميع، وقد ناقشنا في كلا هذين التوجيهين بشكل واضح وقدّمنا ما يدل على عدم صحتهما كما سبق.
الثالث : أنّ ما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أن الغرض إن كان واحداً فالواجب هو الجامع بين الفعلين أو الأفعال، ويكون التخيير بينهما عقلياً، وإن كان متعدداً فالواجب هو كل منهما مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر، لا يمكن المساعدة عليه، فانّ الفرض الأوّل يرتكز على أن يكون المقام
1) تقدّم ذكر المصدر في ص 209.
من صغرى قاعدة عدم صدور الواحد عن الكثير، وقد مرّت المناقشة فيه من وجوه :
1 - اختصاص تلك القاعدة بالواحد الشخصي وعدم جريانها في الواحد النوعي، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ الغرض في المقام واحد نوعي لا شخصي، فالنتيجة على ضوئهما هي عدم جريان القاعدة في المقام. 2- الدليل أخص من المدّعى لعدم تعقل الجامع الذاتي في جميع موارد الواجبات التخييرية كما سبق. 3- أنّ مثل هذا الجامع لا يصلح أن يتعلق به التكليف، لأنّ متعلقه لا بد أن يكون جامعاً عرفياً.
وأما الفرض الثاني فهو يرتكز على أن يكون الغرضان المفروضان متضادين. وقد عرفت المناقشة فيه أيضاً من وجوه: 1 - أنه خلاف ظاهر الدليل. 2- أنّ كون الغرضين متضادين مع عدم التضاد بين الفعلين ملحق بأنياب الأغوال. 3- أنه يستلزم استحقاق المكلف عقابين عند ترك الفعلين معاً، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، كما سبق.
الرابع : أن الواجب في موارد الواجبات التخييرية ه-و أح-د الفعلين أو الأفعال، والوجه فيه هو أنّ الأدلة بمقتضى العطف بكلمة «أو» ظاهرة في ذلك ولا بد من التحفظ على هذا الظهور.
الخامس : أنه لا مانع من تعلق الأمر بعنوان أحدهما، بل قد تقدم أنه لا مانع من تعلق الصفات الحقيقية به كالعلم والارادة وما شاكلها فضلاً عن الأمر الاعتباري.
السادس: أنّ الغرض قائم بهذا العنوان الانتزاعي، ولا مانع منه أصلاً، وذلك لفرض أنه لا طريق لنا إلى إحرازه في شيء ما عدا تعلق الأمر به، كما أنه لا طريق لنا إلى معرفة سنخه.
السابع : أنه لا فرق بين الواجب التخييري والواجب التعييني إلا في نقطة واحدة، وهي أنّ متعلق الوجوب في الأوّل الجامع الانتزاعي، وفي الثاني الجامع الذاتي، وأما من نقاط أخر فلا فرق بينهما أصلاً.
الثامن : أنّ التخيير بين الأقل والأكثر غير معقول، وما نراه من التخيير بين القصر والتمام وما شاكلها تخيير شكلي وصوري لا واقعي وحقيقي، فانه بحسب الواقع تخيير بين المتباينين لفرض أنّ القصر في اعتبار الشارع مباين للتمام، فلا يكون التخيير بينهما من التخيير بين الأقل والأكثر، بل هو من التخيير ب--ين المتباينين...وهكذا.
التاسع : أنه لا فرق في جواز التخيير بين الأقل والأكثر وامتناعه، بين أن يكون للأقل وجود مستقل في ضمن الأكثر أم لا.
لا يخفى أنّ الأمر الوارد من قبل الشرع كما أنه بحاجة إلى المتعلق، كذلك هو بحاجة إلى الموضوع، فكما أنّه لا يمكن تحققه ووجوده بدون الأول، فكذلك لا يمكن بدون الثاني، ولا فرق في ذلك بين وجهة نظر ووجهة نظر آخر، فانّ حقيقة الأمر سواء أكانت عبارة عن الارادة التشريعية، أم كانت عبارة عن الطلب الانشائي كما هو المشهور، أم كانت عبارة عن البعث والتحريك كما عن جماعة، أم كانت عبارة عن الأمر الاعتباري النفساني المبرز في الخارج بمبرز ما من صيغة الأمر أو نحوها كما هو المختار عندنا على جميع هذه التقادير بحاجة إلى الموضوع كحاجته إلى المتعلق.
أما على الأوّل فواضح، وذلك لأنّ الارادة لا توجد في أفق النفس ب-دون المتعلق، لأنّها من الصفات الحقيقية ذات الاضافة، فلا يعقل أن توجد بدونه، فالمتعلق إذا كان فعل نفسه فهي توجب تحريك عضلاته نحوه، وإن كان فعل غيره فلا محالة يكون المراد منه ذلك الغير، بمعنى أنّ المولى أراد صدور هذا الفعل منه في الخارج.
وأما على الثاني فأيضاً كذلك، ضرورة أنّ الطلب كما لا يمكن وجوده بدون المطلوب، كذلك لا يمكن وجوده بدون المطلوب منه، لأنه في الحقيقة نسبة بينهما، وهذا واضح.
وأما على الثالث، فلأنّ البعث نحو شيء لا يمكن أن يوجد بدون بعث أحد
نحوه، والتحريك نحو فعل لا يمكن أن يتحقق بدون متحرك، ضرورة أن التحريك لا بد فيه من محرّك ومتحرك وما إليه الحركة من دون فرق في ذلك بين أن تكون الحركة حركة خارجية وأن تكون اعتبارية، كما هو واضح.
وأما على الرابع فأيضاً الأمر كذلك، لما عرفت من أن معنى الأمر هو اعتبار الفعل على ذمّة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز. ومن المعلوم أنه كما لا يمكن أن يتحقق في الخارج بدون متعلق، كذلك لا يمكن أن يتحقق بدون فرض وجود المكلف فيه كما هو واضح، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الواجباتالكفائية تمتاز عن الواجبات العينية في نقطة، وهي أن المطلوب في الواجبات العينية يتعدد بتعدد أفراد المكلف وينحل بانحلاله، فيكون لكل مكلف تكليف مستقل فلا يسقط عنه بامتثال الآخر...وهكذا، من دون فرق بين أن يكون الفعل في الواقع ومقام الثبوت ملحوظاً على نحو الاطلاق والسريان أو ملحوظاً على نحو الاطلاق والعموم البدلي الذي يعبّر عنه بصرف الوجود، أو ملحوظاً على نحو الاطلاق والعموم المجموعي ضرورة أنّ التكليف في جميع هذه الصور ينحل بانحلال أفراد المكلف ويتعدد بتعددها، فلا فرق بينها من هذه الناحية أبداً، فالجميع من هذه الجهة على صعيد واحد. نعم، فرق بينه-ا م-ن ن-احية أخرى، وهي أنّ التكليف ينحل بانحلال متعلقه أيضاً مع الأوّل دون الثاني والثالث. وسيجيء تفصيل ذلك بشكل واضح في مبحث النواهي إن شاء اللّه تعالى (1)فلاحظ. وهذا بخلاف الواجبات الكفائية فانّ المطلوب فيها واحد ولا يتعدد بتعدد أفراد المكلف في الخارج، ولأجل ذلك وقع الكلام في تصوير ذلك وأنّه كيف يعقل أن يكون الفعل الواحد مطلوباً بطلب واحد من الجميع.
وما قيل أو يمكن أن يقال في تصويره وجوه:
1) في ص 293.
الأوّل : أن يقال إنّ التكليف متوجه إلى واحد معين عند اللّه، ولكنه يسقط عنه بفعل غيره لفرض أنّ الغرض واحد فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.
ويردّه أولاً : أنّ هذا خلاف ظواهر الأدلة، فانّ الظاهر منها هو أن التكليف متوجه إلى طبيعي المكلف لا إلى فرد واحد منه المعيّن في علم اللّه، كما هو واضح.
وثانياً : لو كان الأمر كذلك فلا معنى لسقوط الواجب عنه بفعل غيره، فانّه على خلاف القاعدة فيحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن دليل فمقتضى القاعدة عدم السقوط. ودعوى أنّ الدليل في المقام موجود لفرض أنّ التكليف يسقط باتيان بعض أفراد المكلف وإن كانت صحيحة من هذه الناحية، إلّا أنّه من المعلوم أنّ ذلك من ناحية أنّ التكليف متوجه إليه ويعمّه، ولذا يستحق الثواب عليه، لا من ناحية أنه يوجب سقوط التكليف عن غيره كما هو ظاهر.
وثالثاً : أنّ مثل هذا التكليف غير معقول، وذلك لأنّ المفروض أن توجه هذا التكليف إلى كل واحد من أفراد المكلف غير معلوم، فيكون كل منهم شاكاً في ذلك، ومعه لا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه عقلاً وشرعاً، لفرض أنّ الشك فى أصل ثبوت التكليف، وهذا هو القدر المتيقن من موارد جريان البراءة. وعلى هذا فلا يمكن أن يصل هذا التكليف إلى المكلف أصلاً، لما ذكرناه من أنّ وصول التكليف يتوقف على وصول الكبرى والصغرى له معاً، والمفروض في المقام أنّ الصغرى غير واصلة ضرورة أنّ من كان مكلفاً بهذا التكليف في الواقع غير معلوم وأنه من هو.
ومن الطبيعي أن جعل تكليف غير قابل للوصول إلى المكلف أصلاً لغو محض فلا يترتب عليه أيّ أثر، ومن المعلوم أنّ صدور اللغو من الحكيم مستحيل، فإذن يستحيل أن يكون موضوعه هو الواحد المعين عند اللّه، كما أنه لا يمكن
أن يكون موضوعه هو الواحد المعيّن مطلقاً حتى عند المكلفين، وذلك لأن-ه مضافاً إلى كونه مفروض العدم هنا، يلزم التخصيص بلا مخصص والترجيح من غير مرجح، فانّ نسبة ذلك الغرض الواحد إلى جميع المكلفين على صعيد واحد، وعليه فتخصيص الواحد المعيّن منهم بتحصيله لا محالة يكون بلا مخصص.
الثاني : أن يقال التكليف في الواجبات الكفائية متوجه إلى مجموع آح--اد المكلفين من حيث المجموع، بدعوى أنه كما يمكن تعلق تكليف واحد شخصي بالمركب من الأمور الوجودية والعدمية على نحو العموم المجموعي إذا ك--ان الغرض المترتب عليه واحداً شخصياً، كذلك يمكن تعلقه بمجموع الأشخاص على نحو العموم المجموعي.
ويرد على ذلك أوّلاً: أن لازم هذا هو عدم حصول الغرض وعدم سقوط التكليف بفعل البعض، لفرض أنّ الفعل مطلوب من مجموع المكلف على نحو العموم المجموعي والغرض مترتب على صدوره من مجموعهم على نحو الاشتراك، وعليه فمن الطبيعي أنّه لا يسقط بفعل البعض ولا يحصل الغرض به، وهذا ضروري الفساد ولم يتوهم أحد ولا يتوهم ذلك.
وثانياً : أنّ هذا لو تم فانّما يتم فيما إذا كان التكليف متوجهاً إلى صرف وجود مجموع أفراد المكلف الصادق على القليل والكثير، دون مجموع أفراده المتمكنين من الاتيان به ضرورة أنّ بعض الواجبات الكفائية غير قابل لأن يصدر من المجموع، فإذن كيف يمكن توجيه التكليف به إلى المجموع، وعلى كل فهذا الوجه واضح الفساد.
الثالث : أن يقال إنّ التكليف به متوجه إلى عموم المكلفين على نحو العموم الاستغراقي، فيكون واجباً على كل واحد منهم على نحو السريان، غاية الأمر أن وجوبه على كل مشروط بترك الآخر.
ويردّه : مضافاً إلى أنه بعيد في نفسه - فانّ الالتزام بوجوبه أوّلاً واشتراطه بالترك ثانياً تبعيد للمسافة فلا يمكن استفادته من الأدلة - أن الشرط لو كان هو الترك في الجملة فلازمه هو أنّ المكلف لو ترك في برهة من الزمان ولو بمقدار دقيقة واحدة فقد حصل الشرط وتحقق، ومن المعلوم أنه إذا تحقق يجب على جميع المكلفين عيناً، وهذا خلف. ولو كان الشرط هو الترك المطلق فلازمه هو أنه لو أتى به جميع المكلفين لم يحصل الشرط - وهو الترك المطلق - وإذا لم يحصل فلا وجوب لانتفائه بانتفاء شرطه على الفرض، فإذن لا معنى للامتثال وحصول،الغرض، ضرورة أنّه على هذا الفرض لا وجوب في البين ليكون الاتيان بمتعلقه امتثالاً وموجباً لحصول الغرض في الخارج، على أنّه لا مقتضي لذلك، والوجه فيه : هو أنّ الغرض بما أنه واحد وقائم بصرف وجود الواجب في الخارج، فلابد أن يكون الخطاب أيضاً كذلك، وإلا لكان بلا داعٍ وغرض. وهو محال.
نعم، لو كانت هناك أغراض متعددة بعدد أفعال المكلفين ولم يمكن الجمع بينها واستيفاؤها معاً لتضادها، فعندئذ لا محالة يكون التكليف بكل منها مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر على نحو الترتب، وقد ذكرنا في بحث الضدّ (1)أنّ الترتب كما يمكن بين الحكمين في مقام الفعلية والامتثال، كذلك يمكن بين الحكمين في مقام الجعل والتشريع فلا مانع من أن يكون جعل الحكم لأحد الأمرين مترتباً على عدم الاتيان بالآخر.
وغير خفي أنّ هذا مجرد فرض لا واقع له أصلاً.
أمّا أوّلاً فلأنّ هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فانّ المفروض في محل
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 469.
الكلام هو ما إذا كان الغرض واحداً بالذات، وفرض تعدد الغرض بتعدد أفعال المكلفين فرض خارج عن مفروض الكلام.
وأما ثانياً : فلأن فرض التضاد بين التضاد الملاكات مع عدم بين الأفعال يكاد يلحق بأنياب الأغوال، بداهة أنّه لا واقع لهذا الفرض أصلاً. على أنه لو كان له واقع فلا طريق لنا إلى إحراز تضادها وعدم إمكان الجمع بينها مع عدم التضاد بين الأفعال.
وأمّا ثالثاً : فلأن فرض تعدد الغرض إنّما يمكن فيما إذا كان الواجب متعدداً خارجاً، وأما إذا كان الواجب واحداً كما هو المفروض في المقام كدفن الميت وكفنه وغسله وصلاته ونحو ذلك، فلا معنى لأن تترتب عليه أغراض متعددة، فلا محالة يكون المترتب عليه غرضاً واحداً، بداهة أنه لا يعقل أن يكون المترتب على واجب واحد غرضين أو أغراض كما هو واضح، فالنتيجة أنّ هذا الوجه أيضاً فاسد.
الرابع : أن يكون التكليف متوجهاً إلى أحد المكلفين لا بعينه المعبّر عنه بصرف الوجود، وهذا الوجه هو الصحيح، بيان ذلك : هو أنّ غرض المولى كما يتعلق تارةً بصرف وجود الطبيعة، وأخرى بمطلق وجودها، كذلك يتعلق تارةً بصدوره عن جميع المكلفين وأخرى بصدوره عن صرف وجودهم، فعلى الأوّل الواجب عيني فلا يسقط عن بعض بفعل بعض آخر...وهكذا، وعلى الثاني فالواجب كفائي، بمعنى أنه واجب على أحد المكلفين لا بعينه المنطبق على كل واحد واحد منهم، ويسقط بفعل بعض عن الباقي، وهذا واقع في الع-رف والشرع، ولا مانع منه أصلاً.
أما في العرف، فلأنه لا مانع من أن يأمر المولى أحد عبيده أو خدّامه بايجاد فعل ما في الخارج من دون أن يتعلق غرضه بصدور هذا الفعل من خصوص
هذا وذاك، ولذا أي واحد منهم أتى به وأوجده فقد حصل الغرض وسقط الأمر لا محالة، كما إذا أمر أحدهم باتيان ماء مثلاً ليشربه، فأنّه من المعلوم أنّ أي واحد منهم قام به فقد وفى بغرض المولى.
وأما في الشرع فأيضاً كذلك، ضرورة أنّه لا مانع من أن يأمر الشارع المكلفين بايجاد فعل في الخارج كدفن الميت مثلاً أو كفنه أو ما شاكل ذلك، من دون أن يتعلق غرضه بصدوره عن خصوص واحد منهم، بل المطلوب وجوده في الخارج من أي واحد منهم كان، فانّ نسبة ذلك الغرض الواحد إلى كل من المكلفين على السوية، فعندئذ تخصيص الواحد المعيّن منهم بتحصيل ذلك الغرض خارجاً بلا مخصص ومرجح، وتخصيص المجموع منهم بتحصيل ذلك مع أنه بلا مقتض وموجب باطل بالضرورة كما عرفت وتخصيص الجميع بذلك على نحو العموم الاستغراقي أيضاً بلا مقتض وموجب، إذ بعد كون الغرض واحداً يحصل بفعل واحد منهم فوجوب تحصيله على الجميع لا محالة يكون بلا مقتض وسبب، فإذن يتعين وجوبه على الواحد لا بعينه المعبّر عنه بصرف الوجود ويترتب على ذلك أنه لو أتى به بعض فقد حصل الغرض لا محالة وسقط الأمر، لفرض أنّ صرف الوجود يتحقق بأوّل الوجود ولو أتى به جميعهم، كما إذا صلّوا على الميت مثلاً دفعةً واحدة كان الجميع مستحقاً للثواب، لفرض أنّ صرف الوجود في هذا الفرض يتحقق بوجود الجميع دون خصوص وج-ود هذا أو ذاك، وأما لو تركه الجميع لكان كل منهم مستحقاً للعقاب، فانّ صرف الوجود يصدق على وجود كل منهم من ناحية، والمفروض أن كلاً منهم قادر على إتيانه من ناحية أخرى.
فالنتيجة : هي أنّ الواجب الكفائي ثابت في اعتبار الشارع على ذمة واحد من المكلفين لا بعينه، الصادق على هذا وذاك، نظير ما ذكرناه في بحث الواجب
التخييري من أنّ الواجب أحدهما لا بعينه المنطبق على هذا الفرد أو ذاك لا خصوص أحدهما المعيّن، فلا فرق بين الواجب التخييري والواجب الكفائي إلا من ناحية أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري متعلق الحكم، وفي الواجب الكفائي موضوعه.
بقي هنا فرع ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)هو أنّه إذا فرضنا شخصين فاقدي الماء فتيما، ثم بعد ذلك وجدا ماءً لا يكفي إلا لوضوء أحدهما، فهل يبطل تيمم كل منهما أو لا يبطل شيء منهما أو يبطل واحد منهما لا بعينه دون الآخر؟ وجوه.
قد اختار (قدس سره) الوجه الأوّل، وأفاد في وجه ذلك : أنّ في المقام أموراً ثلاثة : الأوّل: الأمر بالوضوء، الثاني: الأمر بالحيازة، الثالث: القدرة على الحيازة. لا إشكال في أنّ وجوب الوضوء مترتب على الحيازة الخارجية وكون الماء في تصرف المكلف، ليصدق عليه أنه واجد له فعلاً، وأما وجوب الحيازة على كل منهما فمشروط بعدم سبق الآخر وحيازته، وإلا فلا وجوب، كما هو واضح، وعلى هذا فلا يمكن وجوب الوضوء على كل منهما فعلاً، لفرض أنّ الماء لا يكفي إلّا لوضوء أحدهما، ولكن بطلان تيممها لا يترتب على وجوب الوضوء لها فعلاً، بل هو مترتب على تمكن المكلف من استعمال الماء وقدرته عليه عقلاً وشرعاً، والمفروض أنّ القدرة على الحيازة بالاضافة إلى كليهما موجودة فعلاً، ضرورة أن كلاً منهما متمكن فعلاً من حيازة هذا الماء في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، وعدم كفاية الماء إلّا لوضوء واحد إنّما يكون منشأ لوقوع التزاحم بين فعلية حيازة هذا وذاك خارجاً، لا بين القدرة على الحيازة، لما عرفت من أنّها فعلية بالاضافة إلى كليهما معاً من دون أي تنافٍ في البين.
1) أجود التقريرات 1: 273.
وعلى الجملة، فما أن بطلان التيمم في الآية المباركة أو نحوها منوط بوجدان الماء، وقد ذكرنا أنّ المراد منه القدرة على استعماله عقلاً وشرعاً، فلا محالة يبطل تيمم كل منهما، لفرض أنه واجد للماء ومتمكن من استعماله كذلك، وهذا لا ينافي وقوع التزاحم بين الخطابين في ناحية الوضوء خارجاً، وذلك لفرض أن تيمم كل مكلف مشروط بعدم الوجدان، فإذا كان واجداً وقادراً على الاستعمال لا محالة يفسد تيممه، ولا فرق فيه بين وقوع التزاحم بين الخطابين في ناحية الوضوء وعدم وقوعه أصلاً، كما هو واضح.
ولنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قدس سره) وهي أن هذين الشخصين لا يخلوان من أن يتسابقا إلى أخذ هذا الماء المفروض وجوده أم لا، فعلى الأوّل إن كان كل منهما مانعاً عن الآخر، كما إذا فرض كون قوة أحدهما مساويةً لقوّة الآخر، فتقع الممانعة بينهما والمزاحمة إلى أن يضيق الوقت، فلا يتمكن واحد منهما من الوصول إلى الماء، فعندئذ لا وجه لبطلان تيممها أصلاً ولا لبطلان تيمم أحدهما، لفرض عدم تمكنهما من استعمال الماء، وإذا كان أحدهما أقوى من الآخر فالباطل هو تيمم الأقوى دون الآخر، أما بطلان تيمم الأقوى، فلفرض أنّه واجد للماء فعلاً، وأمّا عدم بطلان تيمم الآخر، فلكشف ذلك ع-ن ع-دم قدرته على الوضوء أو الغسل، وأنّه باقٍ على ما كان عليه من عدم الوجدان.
وعلى الثاني فيبطل كلا التيممين معاً، والوجه في ذلك : هو أن كلاً منهما قادر على حيازة هذا الماء واستعماله في الوضوء أو الغسل من دون مانع من الآخر، لفرض عدم تسابقهما إلى أخذه وحيازته ولو لأجل عدم المبالاة بالدين، وعليه فيصدق على كل منهما أنه واجد للماء ومتمكن من استعماله عقلاً وشرعاً، ومعه لا محالة يبطل كلا التيممين معاً، وقد ذكرنا في محلّه أن وجوب الوضوء وبطلان التيمم في الآية المباركة مترتبان على وجدان الماء، فإذا كان المكلف واجداً له
وجب الوضوء وبطل تيممه وإلا فلا، وهذا واضح، ولكن العجب من شيخنا الأستاذ (قدس سره) كيف فصل بين بطلان التيمم ووجوب الوضوء، مع أنّ وجوب الوضوء لا ينفك عن بطلان التيمم كما هو مقتضى الآية الكريمة، كما أنه لا وجه لما ذكره (قدس سره) من بطلان تيمم كليهما معاً، لما عرفت من أنه لا بد من التفصيل في ذلك.
ونتيجة هذا البحث عدّة نقاط :
الأولى : أنّ الأمر كما أنّه لا يمكن تحققه بدون متعلق، كذلك لا يمكن تحققه بدون موضوع على جميع المذاهب والآراء.
الثانية: أنّه كما يمكن لحاظ متعلق الحكم تارةً على نحو العموم الاستغراقي وأخرى على نحو العموم المجموعي، وثالثة على نحو صرف الوجود، يمكن لحاظ الموضوع أيضاً كذلك، بأن يلحظ تارةً على نحو العموم الاستغراقي، وأخ--رى على نحو العموم المجموعي، وثالثة على نحو صرف الوجود.
الثالثة : أن الواجب الكفائي ثابت على ذمّة أحد المكلفين لا بعينه الذي عبّر عنه بصرف الوجود، لا على ذمّة جميع المكلفين ولا على ذمّة مجموعهم ولا على ذمة الواحد المعيّن كما عرفت.
الرابعة : أن فرض تعدد الملاك فرض خارج عن محل الكلام، مع أن-ه لا شاهد عليه أصلاً كما مرّ.
الخامسة : أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من بطلان تيمم شخصين كانا فاقدي الماء، ثم وجدا ماءً لا يكفى إلّا لوضوء أحدهما فحسب، مطلقاً لا وجه له أصلاً كما سبق، كما أنه لا أصل لما ذكره (قدس سره) من التفصيل بين بطلان التيمم ووجوب الوضوء.
ينقسم الواجب باعتبار تحدیده بزمان خاص وعدم تحديده به إلى موقت وغير موقت، وينقسم الموقت باعتبار زيادة الزمان المحدد له على الزمان الوافي باتيان الواجب فيه وعدم زيادته عليه إلى موسّع ومضيّق، والأوّل كالصلوات اليومية فانّ وقتها زائد على زمان فعلها فيتمكن المكلف من الاتيان بها في وقتها مرات عديدة كما هو واضح، والثاني كصوم شهر رمضان أو نحوه ف--انّ الزمان المحدد له مساوٍ لزمان الاتيان به بحيث يقع كل جزء منه في جزء من ذلك الزمان بلا زيادة ونقيصة.
قد يشكل في إمكان الواجب الموسع تارةً، وفي المضيق أخرى.
أمّا في الأوّل: فبدعوى أنه يستلزم جواز ترك الواجب في أول الوقت وهو ينافي وجوبه، كيف فانّ الواجب ما لا يجوز تركه، فإذا فرض أنه واجب في أوّل الوقت كيف يجوز تركه.
وغير خفي ما فيه من المغالطة، وذلك لأن الواجب هو الجامع بين المبدأ والمنتهى المعرى عنه جميع خصوصيات الأفراد من العرضية والطولية، والواجب على المكلف هو الاتيان بهذا الجامع بين هذين الحدين لا في كل آن ووقت ليكون تركه أوّل الوقت تركاً للواجب ولو أتي به في آخر الوقت، بل تركه فيه ترك لفرده وهو ليس بواجب على الفرض، ولذا لو ترك المكلف الصلاة في أوّل الوقت وأتى بها في آخر الوقت فلا يقال إنّه ترك الواجب، وقد تقدّم نظير هذا
الاشكال في الواجب التخييري أيضاً فيما إذا فرض أن كل واحد من الفعلين واجب فكيف يجوز تركه مع الاتيان بالآخر، مع أنه لا يجوز ترك الواجب، وقد أجبنا عنه بعين هذا الجواب، وقلنا بأنّ الواجب ه-و الجامع بينهما لا خصوص هذا وذاك، فإذن لو أتى المكلف بأحدهما وترك الآخر فلا يكون تاركاً للواجب.
وعلى الجملة : فلا فرق بين الأفراد العرضية والطولية من هذه الناحية أصلاً، فكما أن الواجب هو الجامع بين الأفراد العرضية، فكذلك هو الجامع بين الأفراد الطولية، فكما أنّ المكلف مخيّر في تطبيقه على أي فرد من أفراده العرضية، فكذلك هو مخيّر في تطبيقه على أيّ فرد من أفراده الطولية، ولا يكون تركه في ضمن فرد والاتیان به ضمن فرد آخر تركاً للواجب، من دون فرق في ذلك بين الأفراد العرضية والطولية أصلاً، فإذن لا وجه لهذا الاشكال أبداً.
وأمّا في الثاني : وهو الاشكال في إمكان وجود المضيق، فبدعوى أنّ الانبعاث لا بد وأن يتأخر عن البعث ولو آناً ما، وعليه فلابد من فرض زمان يسع البعث والانبعاث معاً، أعني الوجوب وفعل الواجب، ولازم ذلك ه-و زيادة زمان الوجوب على زمان الواجب، مثلاً إذا فرض تحقق وجوب الصوم حين الفجر فلابد وأن يتأخر الانبعاث عنه آنا ما وهو خلاف المطلوب، ضرورة أن لازم ذلك هو خلق بعض الآنات من الواجب، وإذا فرض تحقق وجوب الصوم قبل الفجر يلزم تقدّم المشروط على الشرط وهو محال، وعليه فلابد من الالتزام بعدم اشتراطه بدخول الفجر لئلا يلزم تقدّم المعلول على علته، ولازم ذلك هو عدم إمكان وجود الواجب المضيق.
ويرد على ذلك أوّلاً: أن الملاك في كون الواجب مضيقاً هو ما كان الزمان
المحدد له وقتاً مساوياً لزمان الاتيان بالواجب، بحيث يقع كل جزء منه في جزء من ذلك الزمان بلا زيادة ونقيصة، وأما كون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب أو مساوياً له فهو أجنبي عما هو الملاك في كون الواجب مضيّقاً، ومن هنا لا شبهة في تصوير الواجب المضيّق والموسّع على القول بالواجب المعلق، مع أنّ زمان الوجوب فيه أوسع من زمان الواجب، ولم يتوهم أحد ولا يتوهم أنه لا يتصور المضيق على هذه النظرية كما هو واضح.
وثانياً : أنّ تأخّر الانبعاث عن البعث ليس بالزمان ليلزم المحذور المزبور، بل هو بالرتبة كما لا يخفى. نعم، العلم بالحكم وإن كان غالباً متقدماً على حدوثه، أي حدوث الحكم زماناً، إلّا أنّه ليس ممّا لا بد منه، بداهة أن توقف الانبعاث عند تحقق موضوع البعث كالفجر في المثال المزبور مثلاً على العلم ب-ه - أي بالبعث - رتبي، وليس زمانياً كما هو واضح، كتقدّم العلم بالموضوع على العلم بالحكم.
ثمّ إنّ مقتضي القاعدة هل هو وجوب الاتيان بالموقت في خارج الوقت إذا فات في الوقت اختياراً أو لعذر أم لا، مع قطع النظر عن الدليل الخاص الدال على ذلك كما في الصلاة والصوم ؟ هذه هي المسألة المعروفة بين الأصحاب قديماً وحديثاً في أنّ القضاء تابع للأداء أو هو بأمر جديد؟ فيها وجوه بل أقوال:
الأوّل: وجوب الاتيان به مطلقاً. الثاني: عدم وجوبه كذلك. الثالث: التفصيل بين ما إذا كانت القرينة على التقيد متصلة وما إذا كانت منفصلة، فعلى الأوّل إن كانت القرينة بصورة قضية شرطية فتدل على عدم وجوب إتيانه في خارج الوقت، بناءً على ما هو المشهور من دلالة القضية الشرطية على المفهوم، وأمّا
إذا كانت بصورة قضية وصفية فدلالتها على ذلك تبتنيان على دلالة القضية الوصفية على المفهوم وعدم دلالتها عليه وعلى الثاني - وه-و ك-ون القرينة منفصلة - فلا تمنع عن إطلاق الدليل الأوّل الدال على وجوبه مطلقاً في الوقت وفي خارجه، ضرورة أنّ القرينة المنفصلة لا توجب انقلاب ظهور الدليل الأوّل في الاطلاق إلى التقييد، بل غاية ما في الباب أنّها تدل على كونه مطلوباً في الوقت أيضاً. فإذن النتيجة في المقام هي تعدد المطلوب، بمعنى كون الفعل مطلوباً في الوقت لأجل دلالة هذه القرينة المنفصلة، ومطلوباً في خارجه لأجل إطلاق الدليل الأول، وعليه فإذا لم يأت المكلف به في الوقت، فعليه أن يأتي به في خارج الوقت، وهذا معنى تبعية القضاء للأداء.
ولنأخذ بالنقد على هذا التفصيل وملخّصه : هو أنّه لا فرق فيا نحن فيه بين القرينة المتصلة والمنفصلة، بيان ذلك : أنّ القرينة المتصلة كما هي تدل على التقييد وعلى كون مراد المولى هو المقيد بهذا الزمان، كذلك القرينة المنفصلة فانّها تدل على تقييد إطلاق دليل المأمور به وكون المراد هو المقيد من الأوّل، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً. نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى، وهي أنّ القرينة المتصلة مانعة عن ظهور الدليل في الاطلاق، ومعها لا ينعقد له ظهور، والقرينة المنفصلة مانعة عن حجّية ظهوره في الاطلاق دون أصله، ولكن من المعلوم أنّ مجرد هذا لا يوجب التفاوت بينهما في مفروض الكلام، ضرورة أنه لا يجوز التمسك بالاطلاق بعد سقوطه عن الحجّية والاعتبار، سواء أكان سقوطه عنها بسقوط موضوعها وهو الظهور، كما إذا كانت القرينة متصلة، أم كان سقوطه عنها فحسب من دون سقوط موضوعها، كما إذا كانت القرينة منفصلة، فالجامع بينهما هو أنه لا يجوز التمسك بهذا الاطلاق.
وعلى الجملة : فالقرينة المنفصلة وإن لم تضر بظهور المطلق في الاطلاق
إلّا أنها مضرّة بحجيته، فلا يكون هذا الظهور حجةً معها، لفرض أنها تكشف عن أن مراد المولى هو المقيد من الأوّل، فإذن لا أثر لهذا الاطلاق أصلاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّها لا تدل على أنه مطلوب في الوقت بنحو كمال المطلوب، ليكون من قبيل الواجب في الواجب، وإلا لانسدّ باب حمل المطلق على المقيد في تمام موارد القيود الثابتة بقرينة منفصلة، سواء أكانت زماناً أو زمانيةً، إذ على هذا لا بد من الالتزام بتعدد التكليف وأنّ التكليف المتعلق بالمقيد غير التكليف المتعلق بالمطلق، غاية الأمر أن المقيد أكمل الأفراد.
مثلاً الأمر المتعلق بالصلاة مع الطهارة المائية أو مع طهارة البدن أو اللباس أو مستقبلاً إلى القبلة أو ما شاكل ذلك غير الأمر المتعلق بها على إطلاقها، وعليه فلو أتى بالصلاة مثلاً فاقدةً لهذه القيود، فقد أتى بالواجب وإن ترك واجباً آخر وهو الصلاة المقيدة بهذه القيود، ومن المعلوم أن فساد ه-ذا م-ن الواضحات الأولية عند الفقهاء، ولن يتوهّم ذلك في تلك القيود، ومن الطبيعي أنه لا فرق بين كون القيد زماناً أو زمانياً من هذه الناحية أصلاً، ولذا لو ورد: اعتق رقبةً مطلقاً وورد في دليل آخر اعتق رقبةً مؤمنةً، لا يتأمل أحد في حمل الأوّل على الثاني، وأن مراد المولى هو المقيد دون المطلق، ولأجل ذلك لا يجزئ الاتيان به. وكيف كان، فلا شبهة في أنّ ما دلّ على تقييد الواجب بوقت خاص كالصلاة أو نحوها لا محالة يوجب تقييد إطلاق الدليل الأوّل ويكشف عن أنّ مراد المولى هو المقيد بهذا الوقت دون المطلق، ولا فرق في ذلك بين كون الدليل الدال على التوقيت متصلاً أو منفصلاً، وهذا واضح.
فالنتيجة : أنه لا فرق بين القرينة المتصلة والقرينة المنفصلة، فكما أن الأولى تدل على تقييد الأمر الأوّل، وأنّ مراد المولى هو الأمر بالصلاة مثلاً في هذا الوقت لا مطلقاً، فكذلك الثانية تدل على ذلك، فإذن ليس هنا أمر آخر متعلق
بالصلاة على إطلاقها ليكون باقياً بعد عدم الاتيان بها في الوقت على الفرض.
ولصاحب الكفاية (قدس سره) في المقام تفصيل آخر وإليك نص كلامه: ثمّ إنّه لا دلالة للأمر بالموقت بوجه على الأمر به في خارج الوقت بعد فوته في الوقت، لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر.به نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت، وكان لدليل الواجب إطلاق، لكان قضية إطلاقه ثبوت وجوب القضاء بعد انقضاء الوقت وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله.
وبالجملة : التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب، كذلك ربّما يكون بنحو تعدد المطلوب بحيث كان أصل الفعل ولو في خارج الوقت مطلوباً في الجملة وإن لم يكن بتمام المطلوب، إلّا أنّه لا بدّ في إثبات أنه بهذا النحو من دلالة، ولا يكفي الدليل على الوقت إلا فيما عرفت، ومع عدم الدلالة فقضية أصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت، فتدبّر جيّداً (1).
توضیح ما أفاده (قدس سره) هو أنّ التقييد بالوقت لا يخلو من أن يكون بدليل متصل أو منفصل ولا ثالث لهما.
أمّا على الأوّل - وهو ما إذا كان التقييد بدليل متصل - فلا يدل الأمر بالموقت على وجوب الاتيان به في خارج الوقت، إذ على هذا يكون الواجب هو حصة خاصة من طبيعي الفعل وهي الحصة الواقعة في هذا الوقت الخاص، وعليه فإذا لم يأت به المكلف في ذلك الوقت فلا دليل على وجوب الاتيان به في خارجه، وهذا واضح.
1) كفاية الأصول : 144.
وأما على الثاني - وهو ما إذا كان التقييد بدليل منفصل - فلا يخلو من أن يكون له إطلاق بالاضافة إلى حالتي الاختيار وعدمه، أو لا إطلاق له.
فعلى الأوّل لا يدل على وجوب الاتيان به في خارج الوقت، لفرض أنّ ما دلّ على تقييده بزمان خاص ووقت مخصوص مطلق، وباطلاقه يشمل حال تمكن المكلف من الاتيان به في الوقت وعدم تمكنه منه، تمكنه منه، ولازم هذا لا محالة سقوط الواجب عنه عند مضي الوقت وعدم ما يدل على وجوبه في خارج الوقت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون للدليل الأول إطلاق بالاضافة إلى الوقت وخارجه أم لم يكن له إطلاق كما لو كان الدليل الدال عليه لبياً من إجماع أو نحوه أو كان لفظياً، ولكنّه لا يكون في مقام البيان من هذه الناحية، والوجه في ذلك واضح على كلا التقديرين، أما على تقدير عدم الاطلاق له فالأمر ظاهر، إذ لا إطلاق له ليتمسك به، فإذن المحكّم هو إطلاق الدليل المقيد، وأما على تقدیر أن يكون له إطلاق فلما ذكرناه غير مرّة من أن ظهور القرينة في الاطلاق يتقدّم على ظهور ذي القرينة فيه فلا تعارض بينهما بنظر العرف أصلاً.
وعلى الثاني - وهو ما إذا لم يكن له إطلاق بالاضافة إلى كلتا الحالتين فالمقدار المتيقن من دلالته هو تقييد الأمر الأوّل بخصوص حال الاختيار والتمكن لا مطلقاً، بداهة أنّه لا يدل على أزيد من ذلك، لفرض عدم الاطلاق له، وعليه فلابد من النظر إلى الدليل الأوّل هل يكون له إطلاق أم لا، فإن كان له إطلاق فلا مانع من الأخذ به لاثبات وجوب الاتيان به في خارج الوقت. وبكلمة أخرى: أنّ مقتضى إطلاق الدليل الأوّل هو وجوب الاتيان بهذا الفعل كالصلاة مثلاً أو نحوها مطلقاً - أي في الوقت وخارجه - ولكن الدليل قد دلّ على تقييده بالوقت في خصوص حال الاختيار، ومن الطبيعي أنّه لا بدّ من الأخذ بمقدار دلالة الدليل، وبما أنّ مقدار دلالته هو تقييده بخصوص حال
الاختيار والتمكن من الاتيان به في الوقت فلا مانع من التمسك باطلاقه عند عدم التمكن من ذلك لاثبات وجوبه في خارج الوقت، ضرورة أنه لا وج--ه لرفع اليد عن إطلاقه من هذه الناحية أصلاً، كما هو واضح.
ثمّ إنّ هذا الكلام لا يختص بالتقييد بالوقت خاصة، بل يعم جميع القيود المأخوذة في الواجب بدليل منفصل، فانّ ما دلّ على اعتبار تلك القيود لا يخلو من أن يكون له إطلاق بالاضافة إلى حالتي الاختيار وعدمه أو لا يكون له إطلاق كذلك.
والأوّل كالطهارة مثلاً، فانّ ما دلّ على اعتبارها في الصلاة واشتراطها بها كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور» (1)ونحوه مطلق، وباطلاقه يشمل صورة تمكن المكلف من الاتيان بالصلاة معها وعدم تمكنه من ذلك، وعلى هذا فمقتضى القاعدة سقوط الأمر بالصلاة عند عدم تمكن المكلف من الاتيان بها معها، بل قد ذكرنا أنّ الطهارة من الحدث مقوّمة لها، ولذا ورد في بعض الروايات أنها ثلث الصلاة (2)ومن هنا قوينا سقوط الصلاة عن فاقد الطهورين وعدم وجوبها عليه. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون للدليل الأوّل أيضاً إطلاق أو لا، وذلك لأنّ إطلاق دليل المقيد حاكم على إطلاق دليل المطلق فيقدم عليه كما هو واضح.
والثاني كالطمأنينة مثلاً وما شاكل ذلك، فانّ ما دلّ على اعتبارها في الصلاة لا إطلاق له بالاضافة إلى حالة عدم تمكن المكلف من الاتيان بها معها، وذلك لأنّ الدليل على اعتبارها هو الاجماع، ومن المعلوم أن القدر المتيقن منه ه-و
تحققه وثبوته في حال تمكن المكلف من ذلك لا مطلقاً كما هو ظاهر. وعليه فلابد من أن ننظر إلى دليل الواجب، فإن كان له إطلاق فنأخذ به ونقتصر في تقييده بالمقدار المتيقن وهو صورة تمكن المكلف من الاتيان به لا مطلقاً ولازم هذا هو لزوم الاتيان به فاقداً لهذا القيد، لعدم الدليل على تقييده ب-ه في ه-ذا الحال، ومعه لا مانع من التمسك باطلاقه لاثبات وجوبه فاقداً له. وهذا الذي ذكرناه لا يختص بباب دون باب، بل يعم جميع أبواب الواجبات من العبادات ونحوها. وخلاصة ما ذكرناه هي أنه لا فرق بين كون القيد زماناً وزمانياً هذه الناحية أصلاً كما هو واضح، هذا ما أفاده (قدس سره) مع توضيح منّي.
والانصاف أنّه في غاية الصحة والمتانة ولا مناص من الالتزام به. نعم، بعض عباراته لا يخلو عن مناقشة وهو قوله (قدس سره): وبالجملة التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب كذلك يكون بنحو تعدد المطلوب...إلخ، وذلك لما عرفت من أنّ الدليل الدال على التقييد ظاهر في تقييد الواجب من الأوّل، سواء أكان الدليل الدال عليه متصلاً أم كان منفصلاً، فلا فرق بين المتصل والمنفصل من هذه الناحية أصلاً، وأما دلالته على كمال المطلوب في الوقت فهو يحتاج إلى عناية زائدة، وإلا فهو في نفسه ظاهر في تقييد أص-ل المطلوب لا كماله، ومن هنا لم يتوهّم أحد ولا يتوهم ذلك في بقية القيود، بأن يكون أصل الصلاة مثلاً مطلوباً على الاطلاق وتقييدها بهذه القيود مطلوباً آخر على نحو كمال المطلوب، كيف فانّ لازم ذلك هو جواز الاتيان بالصلاة فاقدة لتلك القيود اختياراً، وهذا كما ترى.
وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه : أنّ الدليل المقيد ظاهر في تقييد دليل الواجب من الابتداء، ويدل على أنّ مراد المولى بحسب اللب والواقع هو المقيد دون المطلق، ولا يفرق في ذلك بين كون الدليل الدال على التقييد متصلاً أو
منفصلاً، وكون القيد زماناً أو زمانياً، غاية الأمر إذا كان منفصلاً ولم يكن له إطلاق وكان لدليل الواجب إطلاق فيدل على تقييده بحال دون آخر وبزمان دون زمان آخر، وهكذا.
فالنتيجة في المقام هي : أنّ مقتضى القاعدة سقوط الأمر عن الموقت بانقضاء وقته، وعدم وجوب الاتيان به في خارج الوقت إلّا فيما قامت قرينة على ذلك.
ثم إن فيما ثبت فيه القضاء لو ترك المكلف الواجب في الوقت، فإن أحرزنا ذلك وجداناً أو تعبداً بأصل أو أمارة فلا إشكال في وجوب قضائه والاتيان به في خارج الوقت، بلا فرق في ذلك بين القول بكون القضاء تابعاً للأداء والقول بكونه بأمر جديد، وهذا واضح ولا كلام فيه، والكلام إنما هو فيما إذا لم يحرز ذلك لا وجداناً ولا تعبداً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّه لا بدّ من فرض الكلام فيما إذا لم تجر قاعدة الحيلولة المقتضية لعدم الاعتبار بالشك بعد خروج الوقت فان مقتضاها عدم وجوب الاتيان به في خارج الوقت أو قاعدة الفراغ فيما إذا فرض كون الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ عن أصل وجوده وتحققه في الوقت، فانّ في مثله يحكم بصحته من ناحية تلك القاعدة، وإلا فلا يجب الاتيان به في خارج الوقت.
فإذن لا بد من فرض الكلام فيما نحن فيه إمّا مع قطع النظر عن جريانها، أو فيما إذا لم تجريا، كما إذا فرض أن شخصاً توضأ بمائع معيّن فصلّى، ثم بعد مضي الوقت حصل له الشك في أنّ هذا المائع الذي توضأ به هل كان ماءً ليك---ون وضوءه صحيحاً، أو لم يكن ماءً ليكون وضوءه فاسداً، أو فرض أنه صلّى إلى جهة ثم بعد خروج الوقت شكّ في أنّ القبلة هي الجهة التي صلّى إليها، أو جهة أخرى وهكذا، ففى أمثال ذلك لا يجري شيء منهما.
أما قاعدة الحيلولة، فلأنّ موردها الشك في أصل وجود العمل في الخارج
وتحققه، لا فيما إذا كان الشك في صحته وفساده بعد الفراغ عن أصل وجوده، فإذن لا يكون مثل هذين المثالين من موارد تلك القاعدة.
وأما قاعدة الفراغ، فلما حققناه في محلّه (1)من أن قاعدة الفراغ إنما تجري فيما إذا لم تكن صورة العمل،محفوظة، كما إذا شكّ في صحة الصلاة مثلاً بعد الفراغ عنها من ناحية الشك في ترك جزء أو شرط منها، ففي مثل ذلك تجري القاعدة، لأنّ صورة العمل غير محفوظة، بمعنى أنّ المكلف لا يعلم أنه أتى بالصلاة مع القراءة مثلاً أو بدونها أو مع الطمأنينة أو بدونها وهكذا، وهذا هو مرادنا من أن صورة العمل غير محفوظة.
وأما إذا كانت محفوظة وكان الشك في مطابقة العمل للواقع وعدم مطابقته له، كما في مثل هذين المثالين فلا تجري،القاعدة لفرض أنّ المكلف يعلم أنه أتى بالصلاة إلى هذه الجهة المعينة أو مع الوضوء من هذا المائع ولا يشك في ذلك أصلاً، والشك إنّما هو في أمر آخر وهو أنّ هذه الجهة التي صلّى إليها قبلة أو ليست بقبلة، وهذا المائع الذي توضأ به ماء أو ليس بماء، ومن المعلوم أنّ قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ هذه الجهة قبلة وأنّ ما أتى به وقع إلى القبلة ومطابق للواقع، لما عرفت من اختصاص القاعدة بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، وأما إذا كانت كذلك وإنما الشك كان في مصادفته للواقع وعدم مصادفته، فلا يكون مشمولاً لتلك القاعدة، وبما أنّ صورة العمل في هذين المثالين محفوظة كما عرفت، وأنّ ما أتى به المكلف في الخارج معلوم كمّاً وكيفاً ولا يشك فيه أصلاً، والشك إنّما هو في مصادفته للواقع وعدم مصادفته له، وقاعدة الفراغ لا تثبت المصادفة، فعندئذ يقع الكلام في هذين المثالين وما شاكلها، وأنّ-ه ه-ل يجب
1) مصباح الأصول 3: 370 – 371.
قضاء تلك الصلوات خارج الوقت أم لا، فإذن تظهر الثمرة بين القولين.
وذلك لأنه لو قلنا بكون القضاء تابعاً للأداء ومطابقاً للقاعدة فيجب قضاء تلك الصلوات، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ التكليف المتعلق بها معلوم ولا يشك في ذلك أصلاً، والشك إنما هو في سقوطه وفراغ ذمّة المكلف عنه، ومعه لا مناص من الالتزام بقاعدة الاشتغال لحكم العقل بأنّ الشغل اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني. نعم، المعلوم سقوطه إنّما هو التكليف عن المقيد لاستحالة بقائه بعد خروج الوقت من ناحية استلزامه التكليف بالمحال، وأما سقوط التكليف عن المطلق فغير معلوم، لفرض أنّ ما أتى به المكلف لا نعلم بصحته ليك--ون مسقطاً له، فإذن يدخل المقام في كبرى موارد الشك في فراغ الذمة بعد العلم باشتغالها بالتكليف، ومن المعلوم أن المرجع في تلك الكبرى هو قاعدة الاشتغال.
وأمّا إذا قلنا بأنّ القضاء بأمر جديد كما هو الصحيح، لما ذكرناه من أنّ القرينة على التقييد سواء أكانت متصلة أم كانت منفصلة توجب تقييد الواجب من الأوّل، فلا يمكن عندئذ التمسك باطلاقه إلا في صورة واحدة، كما تقدمت (1)بشكل واضح، وعلى هذا فلا يجب الاتيان بها في خارج الوقت، وذلك لأنّ المكلف شاك عندئذ في أصل حدوث التكليف بعد خروج الوقت، لفرض أنّ التكليف بالموقت قد سقط يقيناً، إما من ناحية امتثاله في وقته وحصول غرضه، وإما من ناحية عدم القدرة عليه فعلاً، فإذن لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه.
فالنتيجة : أنّ الثمرة تظهر بين القولين في المثالين المزبورين وما شاكلها، فانّه على القول الأول - أي القول بكون القضاء تابعاً للأداء - فالمرجع فيها وفي ما
1) في ص 253.
شاكلها قاعدة الاشتغال، كما تقدّم بشكل واضح، وعلى القول الثاني - أي القول بكونه أمر جديد - فالمرجع في أمثالها قاعدة البراءة، كما عرفت الآن.
وقد تحصل ممّا ذكرناه عدّة أمور :
الأوّل : أنّ التقييد - سواء أكان بمتصل أم بمنفصل - ظاهر في التقييد من الأوّل، وأنّ مراد المولى هو المقيد لا غيره، وحمله على تعدد المطلوب لا يمكن بلا قرينة تدل عليه من داخلية أو خارجية.
الثاني : أنّ لازم ذلك هو كون مقتضى القاعدة سقوط الواجب بسقوط وقته.
الثالث : أن نتيجة هذين الأمرين هو كون القضاء بأمر جديد، وليس تابعاً للأداء، كما هو واضح.
ثمّ إنّه فما ثبت فيه وجوب القضاء كالصلاة والصوم ونحوهما إذا خرج الوقت وشكّ المكلف في الاتيان بالمأمور به في وقته، فهل يمكن إثبات الفوت باستصحاب عدم الاتيان به أم لا؟
وجهان مبنيان على أنّ المتفاهم العرفي من هذه الكلمة - أعني كلمة الفوت - هل هو أمر عدمي عدمي، الذي هو عبارة عن عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت، أو أمر وجودي ملازم لهذا الأمر العدمي لا أنّ-ه ع-ي-ن-ه؟ ف-ع-لى الأوّل يجري استصحاب عدم الاتيان به في الوقت، إذ به يثبت ذلك العنوان ويترتب عليه حكمه وهو وجوب القضاء في خارج الوقت، وعلى الثاني فلا يجري إلّا على القول بالأصل المثبت، لفرض أنّ الأثر غير مترتب على عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت، بل هو مترتب على عنوان وجودي ملازم له في الواقع وهو عنوان الفوت، ومن المعلوم أنّ إثبات ذلك العنوان باستصحاب عدم الاتيان به م--ن أوضح أنحاء الأصل المثبت ولا نقول به.
وعلى الجملة فمنشأ الإشكال في المقام الاشكال في أنّ عنوان الفوت الذي هو مأخوذ في موضوع وجوب القضاء هل هو أمر وجودي عبارة عن خلوّ الوقت عن الواجب، أو هو أمر عدمي عبارة عن عدم الاتيان به في الوقت؟
والصحيح هو أنه عنوان وجودي، وذلك للمتفاهم العرفي، ضرورة أن-ه بنظرهم ليس عين الترك، بل هو بنظرهم عبارة عن خلوّ الوقت عن الفعل وذهاب الواجب من كيس المكلف، مثلاً المتفاهم عرفاً من قولنا: فات شيء من زيد، هو الأمر الوجودي - أعني ذهاب شيء من كيسه - لا الأمر العدمي وهذا واضح، فعلى هذا الضوء لا يمكن إثباته بالاستصحاب المزبور ولا أثر له بالاضافة إليه أصلاً، وعليه فيرجع إلى أصالة البراءة. هذا فيما إذا أحرز أنّ عنوان الفوت أمر وجودي أو عدمي. وأما إذا لم يعلم ذلك وشكّ في أنّه أمر وجودي ملازم لعدم الفعل في الوقت أو أنّه نفس عدم الفعل، فهل يمكن التمسك بالاستصحاب المزبور لاثبات وجوب القضاء في خارج الوقت أم لا ؟
الصحيح بل المقطوع به عدم إمكان التمسك به، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ المكلف لم يعلم أنّ المتيقن - وهو عدم الاتيان بالواجب في الوقت - ه-و الموضوع للأثر في ظرف الشك، أو الموضوع للأثر شيء آخ-ر م--لازم له خارجاً، فإذن لم يحرز أنّ رفع اليد عنه - أي عن المتيقن السابق - من نقض اليقين بالشك، ومعه لا يمكن التمسك باطلاق قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» (1)لكون الشبهة مصداقية.
بقي هنا شيء، وهو أن المكلف لو شكّ في أثناء الوقت أنّه صلّى في أوّل الوقت أم لا، فمقتضى قاعدة الاشتغال هو لزوم الاتيان بالصلاة، لأنّ الاشتغال
1) الوسائل 1: 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1.
اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، ولكنّ المكلف إذا لم يأت بها إلى أن خرج الوقت ففي هذا الفرض اتفق الفقهاء على وجوب قضائها في خارج الوقت، مع أنّ مقتضى ما ذكرناه من أنّ استصحاب عدم الاتيان بها في الوقت لا يثبت عنوان الفوت، عدم وجوب القضاء، لفرض أنّ عنوان الفوت في نفسه غير محرز هنا، واستصحاب عدم الاتيان بها في الوقت لا يجدي.
والجواب عن هذا ظاهر، وهو أنّ الشك في المقام بما أنّه كان قبل خروج الوقت، فلا محالة يكون مقتضى قاعدة الاشتغال والاستصحاب وجوب الاتيان بها، وعلى ذلك فلا محالة إذا لم يأت المكلف به في الوقت فقد فوّت الواجب، ومعه لا محالة يجب قضاؤه لتحقق موضوعه وهو عنوان الفوت وهذا بخلاف ما إذا شكّ المكلف في خارج الوقت أنّه أتى بالواجب في وقته أم لا، ففي مثل ذلك لم يحرز أنه ترك الواجب فيه ليصدق عليه عنوان الفوت، والمفروض أن استصحاب عدم الاتيان به غير مجد، وهذا هو نقطة الفرق بين ما إذا شكّ المكلف في إتيان الواجب في الوقت وما إذا شك في إتيانه في خارج الوقت.
نتائج هذا البحث عدّة أمور :
الأول : أنه لا إشكال في إمكان الواجب الموسّع والمضيق، بل في وقوعها خارجاً، وما ذكر من الاشكال على الواجب الموسع تارةً وعلى المضيق تارة أخرى ممّا لا مجال له، كما تقدم بشكل واضح.
الثاني : أنّ ما ذكر من التفصيل بين ما كان الدليل على التوقيت متصلاً وما كان منفصلاً، فقد عرفت أنه لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، وقد ذكرنا أنه لا فرق بين القرينة المتصلة والقرينة المنفصلة من هذه الناحية أبداً، فكما أن الأولى تدل على التقييد من الأوّل وعلى وحدة المطلوب، فكذلك الثانية كما سبق.
الثالث : أنّ الصحيح ما ذكرناه من أنّ التقييد بالوقت إذا كان بدليل متصل فيدل على أنّ الواجب هو حصة خاصة من طبيعي الفعل، وهي الحصة الواقعة في زمان خاص، وأما إذا كان بدليل منفصل، فإن كان له إطلاق بالاضافة إلى حالتي التمكن وعدمه، فيقيّد به إطلاق دليل الواجب مطلقاً، لحكومة إطلاق دليل المقيد على إطلاق دليل المطلق، وإن لم يكن له إطلاق، فيقيد دليله في حال التمكن فحسب، وفي حال عدمه نتمسّك باطلاق دليل الواجب لاثبات وجوبه في خارج الوقت.
الرابع : أن مقتضى القاعدة هو سقوط الواجب بسقوط وقته، إلا فيما قامت قرينة على خلاف ذلك.
الخامس : أنّ الثمرة تظهر بين القول بكون القضاء تابعاً للأداء والقول بكونه بأمر جديد فيما إذا شك بعد خروج الوقت في الاتيان بالمأمور به وعدمه، أو في صحة المأتي به في الوقت وعدم صحته إذا لم يكن هناك أصل مقتض للصحة كقاعدة الفراغ أو نحوها، فانّه على الأوّل المرجع قاعدة الاشتغال وعلى الثاني قاعدة البراءة، كما تقدّم.
السادس : أنّ الصحيح هو القول بكون القضاء بأمر ج-ديد وليس تابعاً للأداء، فانّه خلاف ظاهر دليل التقييد، فلا يمكن الالتزام به إلا فيما قامت قرينة عليه.
السابع : أنه لا يمكن إثبات الفوت الذي علّق عليه وج-وب القضاء باستصحاب عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت إلا على القول بالأصل المثبت كما سبق.
توضيح ذلك أنه بحسب مقام الثبوت والواقع يتصوّر على وجوه: الأوّل: أن يكون غرض المولى قائماً بخصوص الأمر الثاني باعتبار أنه فعل اختياري للمكلف، فلا مانع من أن يقوم غرض المولى به وكونه متعلقاً لأمره كسائر أفعاله الاختيارية مثل الصلاة والصوم والحج وما شاكل ذلك. وعلى الجملة فلا مانع من أن يأمر الشارع بايجاد أمر بشيء أو إيجاد نهي عن آخر كما هو الحال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني : أن يكون قائماً بالفعل الصادر من المأمور الثاني، فيكون الأمر الثاني ملحوظاً على نحو الطريقية، من دون أن يكون له دخل في غرض المولى أصلاً، ولذا لو صدر الفعل من المأمور الثاني من دون توسط أمر من المأمور الأوّل لحصل الغرض ولا يتوقف حصوله على صدور الأمر منه. فإذن ليس له شأن ما عدا كونه واقعاً في طريق إيصال أمر المولى إلى هذا الشخص، فهذا القسم في طرفي النقيض مع القسم الأوّل، فانّ غرض المولى في القسم الأوّل متعلق بالأمر الصادر من المأمور الأوّل دون الفعل الصادر من الثاني، فيكون المأمور به هو الأمر فقط، وفي هذا القسم متعلق بالفعل دون الأمر، بمعنى أنّ المأمور به هو
الفعل، والأمر طريق إلى إيصال أمر المولى إلى المكلف بهذا الفعل، وهذا القسم هو الغالب والمتعارف من الأمر بالأمر بشيء لا القسم الأوّل.
الثالث: أن يكون الغرض قائماً بهما معاً، بمعنى أن الفعل مطلوب من المأمور الثاني بالأمر من المأمور الأوّل لا مطلقاً، بحيث لو اطلع المكلف م-ن طريق آخر على أمر المولى من دون واسطة أمره لم يجب عليه إتيانه، فوجوب إتيانه عليه منوط بأن يكون اطلاعه على أمر المولى بواسطة أمره لا مطلقاً، فإذن هذا القسم يكون واسطةً بين القسم الأول والثاني.
ونقطة الفرق بين هذه الوجوه : هي أنّه على الوجه الأوّل لا يجب الفعل على الثاني لفرض أنّ غرض المولى يحصل من صدور الأمر من الأوّل، سواء صدر الفعل من الثاني أيضاً أم لا، فإذا صدر الأمر منه فقد حصل الغرض. وعلى الوجه الثاني يجب الفعل عليه ولو فرض أنه اطلع على أمر المولى به من طريق آخر غير الأمر من المأمور الأوّل. وعلى الوجه الثالث يجب عليه الاتيان به إذا أمر به المأمور الأوّل لا مطلقاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أن الظاهر من الأمر بالأمر بشيء هو القسم الثاني دون القسم الأول والثالث، ضرورة أنه المتفاهم من ذلك عرفاً، فلو أمر المولى أحداً بأن يأمر زيداً مثلاً بفعل كذا، الظاهر منه هو هذا القسم دون غيره.
ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)من أنّه لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر بشيء على كونه أمراً به، بل لا بد للدلالة عليه من قرينة، لا يمكن المساعدة عليه بوجه لما عرفت من أنّه دال على ذلك بمقتضى الفهم العرفي، ولا حاجة في الدلالة عليه من نصب قرينة.
1) كفاية الأصول : 144.
ثمّ إنّ الثمرة المترتبة على هذا النزاع هي شرعية عبادة الصبي بمجرد ما ورد في الروايات من قوله (عليه السلام) : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين»(1)ونحوه ممّا ورد في أمر الولي للصبي، فأنه بناءً على ما ذكرناه من أنّ الأمر بالأمر بشيء ظاهر عرفاً في كونه أمراً بذلك الشيء، تدل تلك الروايات على شرعية عبادة الصبي لفرض عدم قصور فيها، لا من حيث الدلالة كما عرفت، ولا من حيث السند لفرض أن فيها روايات معتبرة.
قد يقال كما قيل : إنّه يمكن إثبات شرعية عبادة الصبي بعموم أدلة التشريع كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (2)وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (3)وما شاكلها، ببيان أن تلك الأدلة باطلاقها تعمّ البالغ وغيره، فانّها كما تدل على تشريع هذه الأحكام للبالغين، كذلك تدل على تشريعها لغيرهم، فلا فرق بينهما من هذه الناحية. وحديث «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» (4)لا يقتضي أزيد من رفع الالزام، لفرض أنّ هذا الحديث ورد في مورد،الامتنان ومن المعلوم أنّ المنّة إنما هي في رفع الحكم الالزامي، وأمّا رفع الحكم غير الالزامي فلا منة فيه أبداً. فإذن هذا الحديث يرفع الالزام عن عبادة الصبي فحسب لا أصل المحبوبية عنها، وعلى هذا فتكون عباداته مشروعة لا محالة. فالنتيجة أنّه مع قطع النظر عن تلك الروايات يمكن إثبات مشروعية عباداته (5).
ولنأخذ بالمناقشة على هذه النظرية وملخصها : أنا قد ذكرنا غير مرة أنّ الوجوب عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز من لفظ أو نحوه، ولا نعقل له معنى ما عدا ذلك، وعلى هذا فليس في مورد تلك العمومات إلا اعتبار الشارع الصلاة والصوم والحج وما شاكلها على ذمة المكلف وإبرازه في الخارج بها، أي بتلك العمومات، غاية الأمر إن قامت قرينة من الخارج على الترخيص فينتزع منه الاستحباب وإلا فينتزع منه الوجوب، وحيث إنّه لا قرينة على الترخيص في موارد هذه العمومات، ف-لا محالة ينتزع منه الوجوب، وقد عرفت أنه لا شأن له ما عدا ذلك.
وعلى هذا الضوء فحديث الرفع وهو قوله (عليه السلام): «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» يكون رافعاً لذاك الاعتبار - أي اعتبار الشارع هذه الأفعال على ذمّة المكلف - فيدل على أنّ الشارع لم يعتبر تلك الأفعال على ذمّة الصبي، وعليه فكيف يمكن إثبات مشروعية عباداته بهذه العمومات، لفرض أنّ مفاده هو أنّ قلم الاعتبار والتشريع مرفوع عنه في مقابل وضعه واعتباره في ذمته. فإذن تلك العمومات أجنبية عن الدلالة على مشروعية ع-ب-ادات-ه بالكلية.
وبكلمة أخرى : أنّ الأمر سواء أكان عبارة عن الارادة أو عن الطلب أو عن الوجوب أو عن الاعتبار النفساني المبرز في الخارج بمبرز ما، بسيط في غاية البساطة، وعلى هذا فمدلول هذه العمومات سواء أكان طلب هذه الأفعال أو وجوبها أو إرادتها أو اعتبارها في ذمّة المكلف، لا محالة يقيد بغير الصبي والمجنون وما شاكلها بمقتضى حديث الرفع لفرض أنّ مفاد الحديث هو عدم تشريع مدلول تلك العمومات للصبي ونحوه، فإذن كيف تكون هذه العمومات دالة على مشروعية عبادته من الصوم والصلاة وما شاكلها.
وتوهّم أنّ الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، والمرفوع بحديث الرفع هو المنع من الترك لا أصل الطلب بل هو باقٍ، وعليه فتدلّ العمومات على مشروعيتها خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، والوجه في ذلك :
أمّا أوّلاً فلأنّه على تقدير تسليم كون الوجوب هو المجعول في موارد هذه العمومات، إلّا أنّه لا شبهة في أنّه أمر بسيط، وليس هو بمركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، وإلا لكان تركه محرّماً وممنوعاً شرعاً، مع أنّ الأمر ليس كذلك، ضرورة أن تركه ليس بمحرم بل فعله واجب، والعقاب إنّما هو على تركه لا على ارتكاب محرّم أو فقل: أو فقل: إنّ لازم ذلك هو انحلال وجوب كل واجب إلى حكمين: أحدهما متعلق بفعله والآخر متعلق بتركه، وهذا باطل جزماً، كما ذكرناه غير مرّة.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّ الوجوب أمر بسيط لا تركيب فيه أصلاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ هذا مرفوع عن الصبي بمقتضى حديث الرفع، ومن المعلوم أنه بعد رفعه لا دلالة لتلك العمومات على مشروعية عباداته كما هو واضح.
وأما ثانياً : فلأنه على فرض تسليم أنّ الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، مع ذلك لا تتم هذه النظرية، وذلك لأنها ترتكز على أن يبقى الجنس بعد ارتفاع الفصل وهو خلاف التحقيق، بل لا يعقل بقاؤه بعد ارتفاعه، كيف فانّ الفصل مقوّم له، وعلى هذا فلا محالة يرتفع طلب الفعل بارتفاع المنع من الترك المقوّم له، وأمّا إثبات الطلب الآخر فهو يحتاج إلى دليل، فالعمومات لا تدل على ذلك كما هو ظاهر، ومن هنا قد ذكرنا (1)أن نسخ الوجوب لا يدل
1) في ص 203.
على بقاء الجواز أو الرجحان.
وقد تحصل من ذلك : أنّ هذه النظرية إنما تتم فيما إذا كان الدليل على مشروعية هذه العبادات على نحو الاطلاق شيء، والدليل على وجوبها ولزومها شيء آخر، ليكون حديث الرفع ناظراً إلى الدليل الثاني ومقيداً لمدلوله دون الدليل الأوّل، ولكن الأمر هنا ليس كذلك كما هو واضح. لحد الآن قد تبيّن أنه لا يمكن إثبات مشروعية عبادات الصبي بتلك العمومات أصلاً.
فالصحيح أنّ الدليل على مشروعيتها إنما هو تلك الروايات فحسب، ومع قطع النظر عنها أو مع المناقشة فيها كما عن بعض، فلا يمكن إثبات مشروعيتها أصلاً كما عرفت.
ونتائج هذا البحث عدّة نقاط :
الأولى : أنّ الأمر بالأمر بشيء يتصوّر بحسب مقام الثبوت ع-ل-ى وج-وه ثلاثة كما تقدّم.
الثانية : أنّ الظاهر من هذه الوجوه بحسب مقام الاثبات الوجه الثاني، وهو ما كان الغرض قائماً بالفعل لا بالأمر الصادر من المأمور الأول.
الثالثة : أنّ الثمرة المترتبة على هذا البحث هى مشروعية عبادات الصبيان على تقدير ظهور تلك الروايات في الوجه الثاني أو الثالث كما عرفت
الرابعة : أنّ ما توهّم من إمكان إثبات شرعية عباداتهم بالعمومات الأولية خاطئ جداً، لما عرفت من أنّ تلك العمومات أجنبية عن الدلالة على ذلك بالكلية بعد تقييدها بحديث الرفع بالبالغين.
الخامسة : أنّ الدليل على شرعية عبادات الصبي إنما هو الروايات المتقدمة أعني قوله (عليه السلام): «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» ونحوه.
لا إشكال في أنّ الأمر بشيء في نفسه ظاهر في التأسيس، وإنّما الاشكال فيها إذا كان مسبوقاً بأمر آخر، فهل هو عندئذ ظاهر في التأسيس أو التأكيد - إذا كانا مطلقين بأن لم يذكر سببهما أو ذكر سبب واحد - أم لا ؟، وجوه.
الظاهر هو الوجه الثاني ضرورة أنّ المتفاهم عرفاً من مثل قول المولى: صلّ ثم قال : صلّ هو التأكيد، بمعنى أنّ الأمر الثاني تأكيد للأمر الأوّل، وهذا واضح. نعم، لو قيد الأمر الثاني بالمرّة الأخرى ونحوها، لكان دالاً على التأسيس لا محالة، فيكون المراد وقتئذ من الأمر الأوّل صرف وجود الطبيعة ومن الثاني الوجود الثاني منها.
ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فانّ محل الكلام فيما إذا كان الأمر الثاني متعلقاً بعين ما تعلق به الأمر الأوّل من دون تقييده بالمرة الأخرى أو نحوها، وإلا فلا إشكال في دلالته على التأسيس، وأما إذا لم يكونا مطلقين، بأن ذكر سببهما كقولنا : إن ظاهرت فأعتق رقبة، وإن أفطرت فأعتق رقبة، أو قولنا: إن نمت فتوضأ، وإن بلت فتوضأ، وهكذا، فهل الأمر الثاني ظاهر في التأكيد أو التأسيس ؟ فيه كلام سيأتي بيانه في بحث المفاهيم إن شاء اللّه
تعالى (1)بصورة مفصلة وخارج عن محل كلامنا هنا.
وعلى الجملة : فمحل الكلام في المقام فيما إذا كان الأمران مطلقين ولم يذكر سببها أو ذكر سبب واحد، ففي مثل ذلك قد عرفت أنّ الظاهر من الأمر الثاني هو التأكيد دون التأسيس، فانّه قضية إطلاق المادة وعدم تقييدها بشيء.
1) راجع المجلد الرابع من هذا الكتاب ص 252.
وفيه جهات من البحث :
الأولى : أنّ المشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ النهي بمادته وصيغته، كالأمر بمادته وصيغته في الدلالة على الطلب، غير أنّ متعلق النهي ترك الفعل ونفس أن لا تفعل، ومتعلق الأمر إيجاد الفعل.
وبكلمة واضحة : أنّ المعروف بينهم هو أنّ النهي يشترك مع الأمر في المعنى الموضوع له وهو الدلالة على الطلب، ومن هنا أنهم يعتبرون في دلالة النهي عليه ما اعتبروه في دلالة الأمر من كونه صادراً عن العالي، فلو صدر ع-ن السافل أو المساوي فلا يكون نهياً حقيقةً، وغير ذلك ممّا ق-دّمناه في بحث الأوامر بشكل واضح وبصورة مفصلة، فلا فرق بينهما من هذه النواحي أصلاً.
نعم، فرق بينهما في نقطة أخرى، وهي أنّ متعلق الطلب في طرف النهي الترك وفي طرف الأمر الفعل.
وقد أشكل عليه : بأنّ الترك أمر أزلي خارج عن القدرة والاختيار وسابق عليها، ومن الواضح جداً أنّه لا تأثير للقدرة في الأمر السابق، ضرورة أنّ القدرة إنما تتعلق بالأمر الحالي، ولا يعقل تعلقها بالأمر السابق المنصرم زمانه فضلاً عن الأمر الأزلي، وعليه فلا يمكن أن يتعلق النهي به، ضرورة استحالة تعلقه بما هو خارج عن الاختيار والقدرة.
ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنّ المطلوب في النواهي هو كفّ النفس عن الفعل في الخارج، دون الترك ونفس أن لا تفعل.
وغير خفي أنّ هذا الاشكال يرتكز على نقطة واحدة، وهي أن يكون متعلق النهي العدم السابق، فانّ هذا العدم أمر خارج عن القدرة والاختيار، فلا يعقل تعلقها به، إلّا أنّ تلك النقطة خاطئة جداً وغير مطابقة للواقع، وذلك لأنّ متعلقه الترك اللاحق، ومن المعلوم أنّه مقدور على حد مقدورية الفعل، لوضوح استحالة تعلّق القدرة بأحد طرفي النقيض، فإذا كان الفعل مقدوراً للمكلف كما هو المفروض فلا محالة يكون تركه مقدوراً بعين تلك المقدورية، وإلا فلا يكون الفعل مقدوراً وهذا خلف.
فالنتيجة : هي أنّ النهي يشترك مع الأمر في المعنى الموضوع له وهو الطلب ويمتاز عنه في المتعلق، فانّه في الأوّل هو الترك وفي الثاني الفعل، فيدل الأوّل على طلب الترك وإعدام المادة في الخارج والثاني على طلب الفعل وإيجاد المادة فيه.
ثم إنهم قد رتبوا على ضوء هذه النظرية - أعني دلالة النهي على طلب ترك الطبيعة ودلالة الأمر على طلب إيجادها - أنّ متعلق الطلب في طرف الأمر حيث إنه صرف إيجاد الطبيعة في الخارج فلا يقتضي عقلاً إلّا إيجادها في ضمن فردٍ ما، ضرورة أن صرف الوجود يتحقق بأوّل وجودها، وبه يتحقق الامتثال ويحصل الغرض، ومعه لا يبقى مجال لايجادها في ضمن فرد ثان وهكذا كما هو واضح.
وأما في طرف النهي فيما أنّه صرف ترك الطبيعة، فلا محالة لا يمكن تركها إلا بترك جميع أفرادها في الخارج العرضية والطولية، ضرورة أنّ الطبيعة في
الخارج تتحقق بتحقق فرد منها، فلو أوجد المكلف فرداً منها فقد أوجد الطبيعة فلم تترك.
وإلى ذلك أشار المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)بما حاصله : هو أنه لا فرق بين الأمر والنهي في الدلالة الوضعية، فكما أنّ صيغة الأمر تدل وضعاً على طلب إيجاد الطبيعة من دون دلالة لها على الدوام والتكرار، فكذلك صيغة النهي تدل وضعاً على طلب ترك الطبيعة بلا دلالة لها على الدوام والاستمرار. نعم، تختلف قضيتهما عقلاً ولو مع وحدة المتعلق، بأن تكون طبيعة واحدة متعلقة للأمر مرّةً وللنهي مرّة أخرى ضرورة أن وجودها بوجود فردٍ واحد من أفرادها، وعدمها لا يمكن إلا بعدم الجميع.
ومن هنا قال (قدس سره) : إنّ الدوام والاستمرار إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال، فانّه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومةً إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية والتدريجية. وبالجملة قضية النهي ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له، كانت مقيدة أو مطلقة، وقضية تركها عقلاً إنما هو ترك جميع أفرادها.
أقول : إن كلامه (قدس سره) هذا صريح فيما ذكرناه من أنّ النهي لا يدل وضعاً إلّا على ترك الطبيعة، سواء أكانت مطلقة أم مقيدة. نعم، لو كانت الطبيعة مقيدة بزمان خاص أو حال مخصوص لم يعقل فيها الدوام والاستمرار، وكيف كان، فالنهي لا يدل إلّا على ذلك، ولكن العقل يحكم بأنّ ترك الطبيعة في الخارج لا يمكن إلا بترك جميع أفرادها العرضية والطولية.
1) كفاية الأصول: 149.
وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ النقطة الرئيسية لنظريتهم أمران :
الأول : أنّ النهي يشترك مع الأمر في الدلالة على الطلب، فكما أن الأمر يدل عليه بهيئته فكذلك النهي. نعم، يمتاز النهي عن الأمر في أنّ متعلق الطلب في النهي صرف ترك الطبيعة، وفي الأمر صرف وجودها.
الثاني : أن قضية النهي عقلاً من ناحية متعلقه تختلف عن قضية الأمر كذلك، باعتبار أنّ متعلق النهي حيث إنّه صِرف الترك فلا يمكن تحققه إلا باعدام جميع أفراد تلك الطبيعة في الخارج عرضاً وطولاً، ضرورة أنه مع الاتيان بواحدٍ منها لا يتحقق صرف تركها خارجاً، ومتعلق الأمر حيث إنه صرف الوجود فيتحقق بايجاد فرد منها، وبعده لا يبقى مقتض لايجاد فرد آخر وهكذا.
ولنأخذ بالمناقشة في كلا هذين الأمرين معاً، أعني المبنى والبناء.
أمّا الأوّل: فيردّه أنّ النهي بما له من المعنى مادةً وهيئة يباين الأمر كذلك، فلا اشتراك بينهما في شيء أصلاً. وهذا لا من ناحية ما ذكره جماعة من المحققين من أنّ النهي موضوع للدلالة على الزجر والمنع عن الفعل باعتبار اشتمال متعلقه على مفسدة إلزامية، والأمر موضوع للدلالة على البعث والتحريك نحو الفعل باعتبار اشتماله على مصلحة إلزامية، وذكروا في وجه ذلك هو أنّ النهي لا ينشأ من مصلحة لزومية في الترك ليقال إنّ مفاده طلبه، بل هو ناشئ من مفسدة لزومية في الفعل، وعليه فلا محالة يكون مفاده الزجر والمنع عنه، فإذن لا وجه للقول بأنّ مفاده طلب الترك أصلاً.
فما ذكرناه من أنّ النهي بما له من المعنى يباين الأمر كذلك ليس من هذه الناحية، بل من ناحية أخرى.
فلنا دعویان :
الأولى : أنّ التباين بين الأمر والنهي في المعنى ليس من هذه الناحية.
الثانية : أنه من ناحية أخرى.
أما الدعوى الأولى : فلما ذكرناه غير مرّة من أن تفسير الأمر مرّةً بالطلب ومرة أخرى بالبعث والتحريك، ومرة ثالثة بالارادة، وكذا تفسير النهي تارةً بالطلب، وتارة أخرى بالزجر والمنع، وتارة ثالثة بالكراهة لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى محصل، ضرورة أنّ هذه مجرد ألفاظ لا تتعدى عن مرحلة التعبير وليس لها واقع موضوعي أبداً.
نعم، إنّ صيغة الأمر مصداق للبعث والتحريك لا أنهما معناها، كما أنها مصداق للطلب والتصدي، وكذلك صيغة النهي مصداق للزجر والمنع، وليس الزجر والمنع معناها، وأمّا الارادة والكراهة فليستا معنى الأمر والنهي بالضرورة، لاستحالة تعلق الارادة بمعنى الاختيار، وكذلك ما يقابلها من الكراهة بفعل الغير. نعم، يتعلق الشوق ومقابله بفعل الغير، ولا يحتمل أن يكونا معنى الأمر والنهي، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : أنا قد ذكرنا في محلّه أنّه لا معنى للارادة أو الكراهة التشريعية في مقابل التكوينية، ولا نعقل لها معنى محصلاً ما عدا الأمر أو النهي. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنه لا معنى لتفسير الأمر بالارادة والنهي بالكراهة.
وخلاصة الكلام كما أنّه لا أصل لما هو المشهور من تفسير الأمر بطلب الفعل وتفسير النهي بطلب الترك، كذلك لا أصل لما عن جماعة من تفسير الأوّل بالبعث والتحريك، والثاني بالزجر والمنع.
وأما الدعوى الثانية : فيقع الكلام فيها مرّةً في معنى الأمر، ومرّةً أخرى في
معنى النهي.
أمّا الكلام في الأوّل: فقد تقدّم في بحث الأوامر بشكل واضح أنه إذا حللنا الأمر المتعلق بشيء تحليلاً موضوعياً فلا نعقل فيه ما عدا شيئين :
أحدهما : اعتبار الشارع ذلك الشيء في ذمّة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة.
وثانيهما: إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو م-ا يشبهها، فالصيغة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني، لا للبعث والتحريك ولا للطلب. نعم، قد عرفت أن الصيغة مصداق للبعث والطلب ونحو تصدّ إلى الفعل، فانّ البعث والطلب قد يكونان خارجيين وقد يكونان اعتباريين، فصيغة الأمر أو ما شاكلها مصداق للبعث والطلب الاعتباري لا الخارجي، ضرورة أنها تصدّ في اعتبار الشارع إلى إيجاد المادة في الخارج وبعث نحوه، لا تكويناً وخارجاً كما هو واضح
ونتيجة ما ذكرناه أمران :
الأوّل : أنّ صيغة الأمر وما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني، وهو اعتبار الشارع الفعل على ذمّة المكلف، ولا تدل على أمر آخر ما عدا ذلك.
الثاني : أنّها مصداق للبعث والطلب لا أنها معناها.
وأمّا الكلام في الثاني : فالأمر أيضاً كذلك عند النقد والتحليل، وذلك ضرورة أنا إذا حلّلنا النهي المتعلق بشيء تحليلاً علمياً لا نعقل له معنى محصلاً ما عدا شيئين :
أحدهما : اعتبار الشارع كون المكلف محروماً عن ذلك الشيء باعتبار
اشتماله على مفسدة ملزمة وبعده عنه.
ثانيهما: إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كصيغة النهي أو ما يضاهيها، وعليه فالصيغة أو ما يشاكلها موضوعة للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفساني، لا للزجر والمنع، نعم هي مصداق لهما.
ومن هنا يصح تفسير النهي بالحرمة باعتبار دلالته على حرمان المكلف عن الفعل في الخارج، كما أنه يصح تفسير الأمر بالوجوب بمعنى الثبوت باعتبار دلالته على ثبوت الفعل على ذمّة المكلف، بل هما معناهما لغةً وعرفاً، غاية الأمر الحرمة مرّة حرمة تكوينية خارجية كقولك: الجنّة مثلاً محرّمة على الكفار ونحو ذلك، فانّ استعمالها في هذا المعنى كثير عند العرف، بل هو أمر متعارف بينهم، ومرّة أخرى حرمة تشريعية كاعتبار المولى الفعل محرّماً على المكلف في عالم التشريع وإبراز ذلك بقوله : لا تفعل أو ما يشابه ذلك، فيكون قوله هذا مبرزاً لذلك ودالاً عليه، وكذا الثبوت مرّة ثبوت تكويني خارجي، ومرّة أخرى ثبوت تشريعي، فصيغة الأمر أو ما شاكلها تدل على الثبوت التشريعي وتبرزه.
وعلى الجملة : فالأمر والنهي لا يدلان إلا على ما ذكرناه لا على الزجر والمنع والبعث والتحريك. نعم المولى في مقام الزجر عن فعل باعتبار اشتماله على مفسدة لزومية يزجر عنه بنفس قوله : لا تفعل أو ما شاكله، غاية الأمر الزجر قد يكون خارجياً، كما إذا منع أحد آخر عن فعل في الخارج، وقد يكون بقوله : لا تفعل أو ما يشبه ذلك، فيكون قوله لا تفعل عندئذ مصداقاً للزجر والمنع، لا أنه وضع بازائه، كما أنّ الطلب قد يكون طلباً خارجياً وتصدياً نحو الفعل في الخارج كطالب ضالة أو طالب العلم أو نحو ذلك، وقد يكون طلباً وتصدياً في عالم الاعتبار نحو الفعل فيه بقوله : افعل أو ما يشبه ذلك، فيكون قوله : افعل وقتئذ مصداقاً للطلب والتصدي، لا أنه وضع بازائه.
وعلى ضوء بياننا هذا قد ظهر أنّ الأمر والنهي مختلفان بحسب المعنى، فانّ الأمر معناه الدلالة على ثبوت شيء في ذمّة المكلف، والنهي معناه الدلالة على حرمانه عنه ومتحدان بحسب المتعلق، فانّ ما تعلق به الأمر بعينه هو متعلق النهي، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.
والوجه في ذلك واضح، وهو أنه بناءً على وجهة نظر العدلية من أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها، فلا محالة يكون النهي كالأمر متعلقاً بالفعل، ضرورة أنّ النهي عن شيء ينشأ عن مفسدة لزومية فيه وهي الداعي إلى تحريمه والنهي عنه، ولم ولم ينشأ عن مصلحة كذلك في تركه، لتدعو إلى طلبه، وهذا واضح. فإذن لا مجال للقول بأنّ المطلوب في النواهي هو ترك الفعل ونفس أن لا تفعل، إلا أن يدعى أن غرضهم من ذلك هو أنه مطلوب بالعرض وقد أخذ مكان ما بالذات، ولكن من الواضح أنّ إثبات هذه الدعوى في غاية الاشكال.
وقد تحصل من ذلك : أنّه لا شبهة في أنّ متعلق الأمر بعينه هو ما تعلق به النهي، فلا فرق بينهما من ناحية المتعلق أبداً، والفرق بينهما إنّما هو من ناحية المعنى الموضوع له، كما مضى.
عدة نقاط فيما ذكرناه :
الأولى : أنّ كلاً من الأمر والنهي اسم لمجموع المركب من الأمر الاعتباري النفساني وإبرازه في الخارج، فلا يصدق على كل منهما، ضرورة أنه لا يصدق على مجرد اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف بدون إبرازه في الخارج، كما أنه لا يصدق على مجرد إبرازه بدون اعتباره شيئاً كذلك، وكذا الحال في النهي، وهذا ظاهر. ونظير ذلك ما ذكرناه في بحث الانشاء والاخبار من أن العقود والايقاعات كالبيع والاجارة والطلاق والنكاح وما شاكل ذلك أسام لمجموع
المركب من الأمر الاعتباري النفساني وإبراز ذلك في الخارج بمبرز، فلا يصدق البيع مثلاً على مجرد ذلك الأمر الاعتباري، أو على مجرد ذلك الابراز الخار كما تقدّم هناك بشكل واضح.
الثانية : أنّ النزاع المعروف بين الأصحاب من أنّ متعلق النهي هل هو ترك الفعل ونفس أن لا تفعل، أو الكف عنه، باطل من أصله ولا أساس له أبداً.
الثالثة : أن نقطتي الاشتراك والامتياز بين الأمر والنهي على وجهة نظرنا ونقطتي الاشتراك والامتياز بينهما على وجهة نظر المشهور متعاكستان، فانّ الأمر والنهي على وجهة نظر المشهور كما عرفت مختلفان بحسب المعنى ومتفقان في المتعلق. وعلى وجهة نظرنا مختلفان في المعنى، ومتفقان في المتعلق، كما مرّ.
الرابعة : أنّ الأمر والنهي مصداق للبعث والتحريك والزجر والمنع، لا أنها موضوعان بازائهما، كما سبق.
وأما الأمر الثاني : وهو البناء، فعلى فرض تسليم الأمر الأوّل - وه-و المبنى - وأنّ متعلق الطلب في طرف الأمر صرف وجود الطبيعة، وفي طرف النهي صرف تركها، فيمكن نقده على النحو التالي، وهو أنه لا مقابلة بين الطبيعة التي توجد بوجود فرد منها والطبيعة التي لا تنعدم إلا بعدم جميع أفرادها، والوجه في ذلك هو أنه إن أريد من الطبيعة الطبيعة المهملة التي كان النظر مقصوراً على ذاتها وذاتياتها فحسب، فهي كما توجد بوجود فرد م-نه-ا كذلك تنعدم بعدم مثلها - أعني الطبيعة الموجودة كذلك - لأنه بديلها ونقيضها، لا عدم الطبيعة بعدم جميع أفرادها، ضرورة أن نقيض الواحد واحد، فنقيض الطبيعة الموجودة بوجود واحد لا محالة يكون عدم مثل تلك الطبيعة، كما هو واضح.
وإن أريد منها الطبيعة السارية إلى تمام أفرادها ومصاديقها، فهي وإن كان يتوقف عدمها كلياً في الخارج على عدم جميع أفرادها العرضية والطولية، إلّا أن هذا من ناحية ملاحظة وجود تلك الطبيعة على نحو الانحلال والسريان إلى جميع أفرادها، ومن الواضح جداً أنّ عدم مثل هذه الطبيعة الذي هو بديلها ونقيضها لا يمكن إلا بعدم تمام أفرادها في الخارج، ولكن أين هذا من الطبيعة التي توجد في الخارج بوجود فرد منها فانّ المقابل لهذه الطبيعة ليس إلا الطبيعة التي تنعدم بعدم ذلك الفرد، ضرورة أنّ الوجود الواحد لا يعقل أن يكون نقيضاً لعدم الطبيعة بتمام أفرادها، بل له عدم واحد وهو بديله ونقيضه. وأما المقابل للطبيعة التي يتوقف عدمها على عدم جميع أفرادها العرضية والطولية، هو الطبيعة الملحوظة على نحو الاطلاق والسريان إلى تمام أفرادها كذلك، لا الطبيعة المهملة التي توجد في ضمن فرد واحد.
وهذا بيان إجمالي لعدم كون الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بايجاد فرد واحد مقابلاً للطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها، وسيأتي بيانه التفصيلي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
وعلى هدى ذلك البيان الاجمالي قد ظهر أنّه لا أصل لما هو المشهور من أنّ صرف وجود الطبيعة يتحقق بأوّل الوجود وصرف تركها لا يمكن إلا بترك جميع أفرادها، والوجه في ذلك: هو أن صرف ترك الطبيعة كصرف وجودها، فكما أنّ صرف وجودها يتحقق بأوّل وجود، فكذلك صرف تركها يتحقق بأوّل ترك، ضرورة أنّ المكلف إذا ترك الطبيعة في آن ما لا محالة يتحقق صرف الترك، كما أنّه لو أوجدها في ضمن فردٍ ما يتحقق صرف الوجود، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، وهذا لعلّه من الواضحات الأولية.
نعم، لو كان المطلوب في النواهي هو ترك الطبيعة مطلقاً، لا يمكن تحققه إلّا
بترك جميع أفرادها في جميع الآنات والأزمنة، إلّا أنّ الأمر كذلك في طرف الأوامر أيضاً فيما إذا كان المطلوب منها مطلق وجود الطبيعة، لاصرف وجودها، ضرورة أن مطلق وجودها لا يتحقق بايجاد فرد منها، بل يتوقف على إيجاد جميع أفرادها في الخارج، والسر فيه ظاهر، وهو وضوح الفرق بين أن يكون المطلوب في النهي صرف ترك الطبيعة وفي الأمر صرف وجودها، وأن يكون المطلوب في الأوّل مطلق ترك الطبيعة وفي الثاني مطلق وجودها، فانّ صرف الترك وصرف الوجود يتحقق بأوّل ترك وأوّل وجود كما هو واضح.
وهذا بخلاف مطلق الترك ومطلق الوجود، فانّهما لا يتحققان بأوّل ترك وأوّل وجود، بل الأوّل يتوقف على ترك أفراد الطبيعة تماماً، والثاني يتوقف على إيجاد أفرادها كذلك.
وبكلمة أخرى : أنّ متعلق الترك ومتعلق الوجود إن كان الطبيعة المهملة فطبعاً يكون المطلوب في النهي هو صرف تركها وفي الأمر صرف وجودها، وقد عرفت أنّ الأوّل يتحقق بأوّل ترك والثاني بأوّل وجود، وإن كان المتعلق الطبيعة المطلقة السارية فلا محالة يكون المطلوب في الأوّل هو مطلق تركها وفي الثاني مطلق وجودها، وعليه فلا محالة ينحل المطلوب بحسب الواقع ونفس الأمر إلى مطلوبات متعددة بانحلال أفراد تلك الطبيعة، فيكون ترك كل فرد منها مطلوباً مستقلاً، كما أنّ وجود كل فرد منها كذلك، فإذن لا محالة حصول المطلوب على الأوّل يتوقف على ترك جميع أفرادها العرضية والطولية، وعلى الثاني يتوقف على إيجاد جميعها كذلك.
فالنتيجة قد أصبحت من ذلك : أنّ المقابل لصرف الوجود هو صرف الترك وهو عدمه البديل له ونقيضه، لا مطلق الترك فانّه ليس عدمه البديل له ونقيضه، ضرورة أن نقيض الواحد واحد لا اثنان والمقابل لمطلق الوجود هو
مطلق الترك، فانّه عدمه البديل له ونقيضه لا صرف الترك، ضرورة أن الواحد لا يعقل أن يكون نقيضاً للمتعدد، وهذا ظاهر.
وعلى ضوء هذا البيان نسأل المشهور عن سبب اكتفائهم في طرف الأمر بايجاد فرد واحد من الطبيعة، بدعوى أنّ المطلوب فيه هو صرف الوجود وهو يتحقق بأوّل وجود، وعدم اكتفائهم في طرف النهي بأوّل ترك، مع أنهم التزموا بأنّ المطلوب فيه هو صرف الترك، فانّ سبب ذلك ليس هو الوضع لما تقدّم من أنّ مقتضاه في كل من الأمر والنهي على نسبة واحدة، فلا مقتضي لأجل ذلك أن يفرق بينهما، فانّ مفادهما عندهم بحسب الوضع ليس إلا الدلالة على الطلب، غاية الأمر أنّ متعلقه في الأمر الوجود وفي النهي الترك، ولذا قالوا باشتراكهما في المعنى الموضوع له من هذه الجهة. وأما العقل فقد عرفت أنّ-ه يحكم بخلاف ذلك، فانّه كما يحكم بأنّ صرف الوجود يتحقق بأوّل وج-ود كذلك يحكم بأنّ صرف الترك يتحقق بأوّل ترك، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.
نعم، الذي لا يمكن تحققه بأوّل الترك هو مطلق الترك، إلا أنك عرفت أنهم لا يقولون بأنّ المطلوب في النواهي مطلق الترك، بل يقولون بأنّ المطلوب فيها هو صرف الترك، وقد مرّ أنّ العقل يحكم بأنّه لا مقابلة بين مطلق الترك وصرف الوجود، والمقابلة إنما هي بينه وبين مطلق الوجود لا صرفه، فانّ المقابل له - صرف الوجود - صرف الترك، فإذن لا يرجع ما هو المشهور إلى معنى محصل أصلاً.
ولعل منشأ تخيّلهم ذلك الغفلة عن تحليل نقطة واحدة، وهي الفرق بين صرف الترك ومطلق الترك، ولكن بعد تحليل تلك النقطة على ضوء ما بيناه قد ظهر بوضوح خطأ نظريتهم، وأنه لا مبرر لها أبداً.
إلى هنا قد تبيّن بطلان المبنى والبناء معاً، وأنّه لا يمكن الالتزام بشيء منهما، هذا.
الذي ينبغي أن يقال في هذا المقام هو : أنّ سبب اقتضاء النهي حرمة جميع أفراد الطبيعة المنهي عنها الدفعية والتدريجية وعدم صحة الاكتفاء في امتثاله بترك فردٍ ما منها، وسبب اقتضاء الأمر إيجاد فردٍ ما من الطبيعة المأمور بها دون الزائد، إحدى نقطتين :
الأولى : اختلاف الأمر والنهي من ناحية المبدأ.
الثانية : اختلافهما من ناحية المنتهى.
أمّا النقطة الأولى : فلأنّ النهي بما أنّه ينشأ عن مفسدة لزومية في متعلقه وهي داعية إلى إنشائه واعتباره، فهي غالباً تترتب على كل فرد من أفرادها في الخارج، ويكون كل منها مشتملاً على مفسدة مغايرة لمفسدة أخرى، ومن الواضح جداً أنّ لازم هذا هو انحلال النهي بانحلال أفراد الطبيعة المنهي عنها، وذلك على وفق ما هو المرتكز في أذهان العرف والعقلاء والف-ه-م الع--رفي م-ن النواهي، وهذا بخلاف ما إذا فرض أنّ المفسدة قائمة بصرف وجودها أو بمجموع وجوداتها، أو بعنوان بسيط متحصل من هذه الوجودات في الخارج، فإن فهم ذلك يحتاج إلى بيان من المولى ونصب قرينة تدل عليه، وأما إذا لم تكن قرينة على قيامها بأحد هذه الوجوه، فالاطلاق في مقام الاثبات كما عرفت قرينة عامة على قيامها بكل فرد من أفراد تلك الطبيعة.
وعلى هدى ذلك فإذا نهى المولى عن طبيعة ولم ينصب قرينة على أنّ المفسدة قائمة بصرف وجودها حتى لا تكون مفسدة في وجودها الثاني والثالث وهكذا، أو قائمة بمجموع وجوداتها وأفرادها على نحو العموم المجموعي، أو
بعنوان بسيط متحصل منها كان الارتكاز العرفى ولو من ناحية الغلبة المزبورة قرينة على أنّ النهي تعلق بكل فرد من أفرادها، وأنّ المفسدة قائمة بتلك الطبيعة على نحو السريان والانحلال فيكون كل واحد منها مشتملاً عليها.
وبكلمة واضحة : أنّ قيام مفسدة بطبيعة يتصوّر في مقام الثبوت على أقسام:
الأوّل : أن تكون قائمة بصرف وجود الطبيعة، ولازم ذلك هو أن المنهي عنه صرف الوجود فحسب، فلو عصى المكلف وأوجد الطبيعة في ضمن فردٍ ما، فلا يكون وجودها الثاني والثالث وهكذا منهياً عنه أصلاً.
الثاني : أن تكون قائمة بمجموع أفرادها على نحو العموم المجموعي، فيكون المجموع محرّماً بحرمة واحدة شخصية، ولازم ذلك هو أن المبغوض ارتكاب المجموع، فلا أثر لارتكاب البعض.
الثالث : أن تكون قائمة بعنوان بسيط مسبب من تلك الأفراد في الخارج. الرابع : أن تكون قائمة بكل واحد من أفرادها العرضية والطولية، هذا كلّه بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الاثبات، فلا شبهة في أنّ إرادة كل واحد من الأقسام الثلاثة الأولى تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليها وعناية زائدة، وأما إذا لم تكن قرينة في البين على أنّ المراد من النهي المتعلق بطبيعة النهي عن مجموع أفرادها بنحو العموم المجموعي أو عن صرف وجودها في الخارج أو عن عنوان بسيط متولد عنها، كان المرتكز منه في أذهان العرف والعقلاء هو النهي عن جم-يع أفرادها بنحو العموم الاستغراقي، وعليه فيكون كل فرد منها منهياً عنه باستقلاله مع قطع النظر عن الآخر.
وعلى الجملة : فلا إشكال في أنّ إرادة كل من الأقسام المزبورة تحتاج إلى
عناية زائدة فلا يتكفلها الاطلاق في مقام البيان، وهذا بخلاف القسم الأخير، فانّ إرادته لا تحتاج إلى عناية زائدة، فيكفي الاطلاق المزبور في إرادته.
ومن هنا لا شبهة في ظهور النواهي الواردة في الشريعة المقدسة بمقتضى الفهم العرفي في الانحلال كالنهي عن شرب الخمر والزنا والغيبة والكذب والغصب وسبّ المؤمن وما شاكل ذلك، ولأجل هذا قلنا إن التكاليف التحريمية غالباً بل دائماً تكاليف انحلالية، فتنحل بانحلال موضوعها مرّةً كما في النهي عن شرب الخمر مثلاً أو نحوه، فانّه ينحل بانحلال موضوعه في الخارج وهو الخمر ويتعدد بتعدده، وبانحلال متعلقها مرّةً أخرى كما في النهي عن الكذب مثلاً أو الغيبة أو ما شاكل ذلك ممّا لا موضوع له، فانّه ينحل بانحلال متعلقه في الخارج، وبانحلال كليهما معاً كما في مثل النهي عن سبّ المؤمن أو نحوه، فانّه كما ينحل بانحلال موضوعه وهو المؤمن كذلك ينحل بانحلال متعلقه وهو السب ولو مع وحدة موضوعه.
فالنتيجة : هي أنّ النهي حيث إنّه ينشأ عن قيام مفسدة ملزمة في متعلقه، فالظاهر منه بمقتضى الفهم العرفي هو ترتب تلك المفسدة على كل فرد من أفراده، وبذلك ينحل النهي إلى نواءٍ متعددة بانحلال موضوعه أو متعلقه.
هذا تمام الكلام في النهي وفي منشأ انحلاله. وأما الأمر فهو على عكس النهي، والوجه فيه : هو أنّ الأمر بما أنّه ينشأ عن قيام مصلحة ملزمة في متعلقه - وهي داعية إلى انشائه واعتباره - فلا محالة مقتضى الاطلاق فيه في مقام الاثبات وعدم التقييد بخصوصية من الخصوصيات هو أن المصلحة قائمة بصرف وجوده لا بمطلق وجوده أينما سرى.
وبتعبير أوضح : أن قيام مصلحة بطبيعة في مقام الثبوت والواقع يتصور على صور:
الأولى : أن تكون المصلحة قائمة بصرف الوجود.
الثانية : أن تكون قائمة بمطلق الوجود على نحو العموم الاستغراقي.
الثالثة : أن تكون قائمة بمجموع الوجودات على نحو العموم المجموعي.
الرابعة : أن تكون قائمة بعنوان بسيط متولد من هذه الوجودات الخارجية، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
وأمّا بحسب مقام الاثبات، فلا شبهة في أنّ إرادة كل من الصور الثلاث الأخيرة من الأمر المتعلق بطبيعة تحتاج إلى عناية زائدة ونصب قرينة تدل على إرادته، وأما إذا لم تكن قرينة على إرادة إحدى هذه الصور فاطلاقه في مقام الاثبات بمقتضى الفهم العرفي وارتكازهم كان قرينةً عامةً على أنّ المراد منه هو الصورة الأولى، وأنّ المصلحة قائمة بصرف الوجود.
والسر في ذلك : هو أنّ متعلق الأمر بما أنّه كان الطبيعة المهملة، فلا محالة لا يدل إلّا على إيجادها في الخارج، ومن المعلوم أنّ إيجادها يتحقق بأوّل وجودها، إلا أن تقوم قرينة على إرادة المتعدد منها أو خصوصية أخرى. وأما متعلق النهي فهو وإن كان تلك الطبيعة المهملة، إلّا أنّه لما كان يدل على مبغوضية وجودها في الخارج بلا قرينة على التقييد بالوجود الأوّل، أو بمجموع الوجودات، فلا محالة مقتضى الاطلاق هو مبغوضية كل وجود منها، فهذا هو السر في افتراق كل من الأمر والنهي عن الآخر.
فالنتيجة هي أنّ الأمر لا يدل إلا على اعتبار صرف وجود الطبيعة في ذمة المكلف، من دون الدلالة على خصوصية زائدة عليه.
ومن هنا قلنا في بحث المرّة والتكرار (1)أنهما خارجان عن مفاد الأمر مادةً
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 15.
وهيئةً، فهو كما لا يدل عليهما في الأفراد الطولية كذلك لا يدل على الوحدة والتعدد في الأفراد العرضية. وأمّا سبب الاكتفاء بالمرّة في مقام الامتثال فهو من جهة انطباق الطبيعة المأمور بها عليها لا من جهة دلالة الأمر على المرّة وهذا واضح. وخلاصة هذا الفرق بين الأمر والنهي، هي أنّ المصلحة في طرف الأمر قائمة بصرف وجود الطبيعة ما لم تقم قرينة على الخلاف، ولأجل ذلك لا ينحل الأمر بانحلال أفراد الطبيعة في الواقع. وأمّا المصلحة ففي طرف النهي قائمة بمطلق وجودها، إلا إذا قامت قرينة على أنها قائمة بصرف وجودها مثلاً أو بمجموع وجوداتها وهكذا، ولذلك ينحل في الواقع بانحلالها فيثبت لكل فرد منها حكم مستقل.
ولنا أن نأخذ بالنقد على هذا الفرق من ناحيتين :
الأولى : أنّ هذا الفرق أخص من المدعى، فانّه لا يثبت التفرقة بين الأمر والنهي مطلقاً وعلى وجهة نظر جميع المذاهب، حيث إنّه يرتكز على وجهة نظر مذهب من يرى تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها، ولا يجري على وجهة نظر مذهب من لا يرى التبعية كالأشاعرة، فإذن لا يجدي مثل هذا الفرق أصلاً.
الثانية : أنّ هذا الفرق وإن كان صحيحاً في نفسه، إلّا أنّه لا طريق لنا إلى إحرازه مع قطع النظر عما هو مقتضى إطلاق الأمر والنهي بحسب المتفاهم العرفي ومرتكزاتهم، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّه لا طريق لنا إلى ملاكات الأحكام مع قطع النظر عن ثبوتها، وعلى هذا الضوء فلا يمكننا إحراز أنّ المفسدة في المنهي عنه قائمة بمطلق وجوده، والمصلحة فى المأمور به قائمة بصرف وجوده، مع قطع النظر عن تعلق النهي بمطلق وجوده وتعلق الأمر بصرف وج-وده، فإذن لا أثر لهذا الفرق مع قطع النظر عن الفرق الآتي، وهو أن قضية الاطلاق
في النواهي هي الانحلال وتعلق الحكم بمطلق الوجود، وفي الأوامر هي عدم الانحلال وتعلق الحكم بصرف الوجود هذا تمام كلامنا في النقطة الأولى.
وأما النقطة الثانية : وهي الفرق بينهما من ناحية المنتهى فيقع الكلام فيها في مقامين :
الأوّل: في مقام الثبوت.
والثاني: في مقام الاثبات.
أمّا المقام الأوّل: فالصحيح هو أنّه لا فرق فيه بين الأمر والنهي، ولتوضيحه ينبغي لنا أن نقدّم مقدّمة : وهي وهي أنّ أسماء الأجناس كما ذكرناها في بحث الوضع (1)وضعت للدلالة على الماهية المهملة، وهي الماهية من حيث هي هي التي لم يلحظ فيها أي اعتبار زائد على ذاتها وذاتياتها، فيكون النظر مقصوراً على ذاتها من دون نظر إلى أمر خارج عنها، ولأجل ذلك تك-ون الماهية المهملة فوق الماهية اللابشرط المقسمي في الابهام والاهمال، فانّها مندمجة فيها غاية الاندماج دون تلك الماهية - أعني الماهية اللابشرط المقسمي - ضرورة أنّ النظر فيها ليس مقصوراً على ذاتها وذاتياتها، بل تلحظ فيها حيثية زائدة على ذاتها وهى حيثية ورود الاعتبارات الثلاثة عليها أعني اللا بشرط القسمي وبشرط لا وبشرط شيء - باعتبار أنها مجمع لتلك الاعتبارات ومقسم لها، فهذه الحيثية ملحوظة فيها ولم تلحظ في الماهية المهملة.
ثم إنّ لتلك الطبيعة المهملة أفراداً ومصاديق في الخارج، وهي كل ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبيعة، هذا من ناحية.
1) [بل ذكره في المجلد الرابع من هذا الكتاب ص 512].
ومن ناحية أخرى : أنّ لكل وجود عدماً مضافاً إليه عدماً مضافاً إليه وهو بديله ونقيضه، وقد برهن في محلّه أن نقيض الواحد واحد، فلا يعقل أن يكون الاثنان بما هما اثنان نقيضاً للواحد، ضرورة أن نقيض كل شيء رفع ذلك الشيء لا رفعه ورفع شيء آخر وهكذا، مثلاً نقيض الانسان رفع الانسان لا رفعه ورفع شيء آخر، فانّ رفع ذلك الشيء نقيض له لا للانسان.
نعم، قد ثبت في المنطق أن نقيض الموجبة الكلّية السالبة الجزئية وبالعكس، ونقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية كذلك، ولكن من المعلوم أن هذا التناقض ملحوظ بين القضيتين والكلامين بحسب مقام الاثبات والصدق، بمعنى أنّ صدق كل منهما يستلزم كذب الآخر، مثلاً صدق الموجبة الكلية يستلزم كذب السالبة الجزئية وبالعكس، وكذا صدق السالبة الكلية يستلزم كذب الموجبة الجزئية،وبالعكس فهما متناقضان بحسب الصدق، فلا يمكن فرض صدق كليهما معاً، كما أنّه لا يمكن فرض كذب كليهما كذلك. وهذا هو المراد بالتناقض بينهما، ويسمّى هذا التناقض بالتناقض الكلامي.
ومن الواضح جداً أنّ هذا أجنبي عن التناقض فيما نحن فيه - وهو التناقض بين الوجود والعدم بحسب مقام الثبوت والواقع الموضوعي - ضرورة أنه لا يمكن أن يكون نقيض الوجود الواحد أعداماً متعددة، ونقيض العدم الواحد وجودات متعددة، وإلّا لزم ارتفاع النقيضين، وهذا من الواضحات الأولية.
ومن ناحية ثالثة : أن وجود الطبيعي عين وجود فرده في الخارج، لوضوح أنه ليس للطبيعي وجود آخر في قبال وجود فرده، وقد ذكرنا في بحث تعلق الأوامر بالطبائع (1)أن معنى وجود الطبيعي في الخارج هو أنّ هذا الوجود الواحد الخارجي كما أنه مضاف إلى الفرد ووجود له حقيقةً وواقعاً، كذلك مضاف إلى
1) في ص 194.
الطبيعي ووجود له كذلك، وقد قلنا هناك إنّ كل وجود متشخص بنفس ذاته وهويته لا بوجود آخر، بداهة أنّ الوجود عين التشخص لا شيء وراءه. وأما الأعراض الملازمة له في الوجود فهي وجودات مستقلة في قباله، فليست من مشخصاته، وفي إطلاق المشخص عليها مسامحة واضحة، كما تقدّم ذلك بشكل واضح، فهذا الوجود كما أنه وجود للفرد حقيقةً وجود للطبيعي كذلك، فلا فرق بينهما إلا في الاعتبار وجهة الاضافة، ومن هنا صح القول بانّ نسبة الطبيعي إلى أفراده نسبة الآباء إلى الأولاد، لا نسبة أبٍ واحدٍ إلى الأولاد.
ومن ناحية رابعة : أنّه إذا كان وجود الطبيعي في الخارج عين وجود فرده، فلا محالة يكون عدمه فيه عين عدم فرده، وهذا واضح.
ومن ناحية خامسة : كما أنّ للطبيعي وجودات متعددة بعدد وج-ودات أفراده، كذلك له أعدام متعددة بعدد أعدامها، لما عرفت من أنّ عدم الطبيعي عين عدم فرده وبالعكس.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي أنّه لا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فردٍ منها والطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها، ضرورة أن نقيض الوجود الواحد واحد وهو عدمه البديل له، لا عدمه وعدم الفرد الثاني والثالث...وهكذا، فأوّل وجود هذه الطبيعة أوّل ناقض لعدمها، ونقيضه البديل له عدم هذا الوجود الأوّل، وهو وإن كان يستلزم بقاء أعدام بقية الأفراد على حالها إلّا أنّه ليس عينها لتثبت المقابلة بين الطبيعتين المذكورتين وهذا ظاهر. وقد عرفت أنّ وجود كل فرد وجود للطبيعة وعدمه عدم لها، غاية الأمر أنّ عدمه عدم لها بنحو القضية الجزئية، فانّ عدمها بنحو القضية الكلية بفرض عدم جميع أفرادها، وهو مقابل وجودها بهذا النحو لا مقابل وجودها بوجود فرد منها كما لا يخفى.
وبكلمة واضحة : الوجود قد يضاف إلى الطبيعة المهملة وهي التي كان النظر مقصوراً على ذاتها وذاتياتها، ولم يلحظ معها حيثية زائدة على ذاتها أصلاً، وقد يضاف إلى الطبيعة المطلقة السارية إلى أفرادها ومصاديقها في الخارج. وقد يضاف إلى الطبيعة بنحو السعة والاحاطة والوحدة في الكثرة.
أمّا الصورة الأولى : فقد تقدّم أنّ الطبيعة المهملة كما تتحقق بتحقق فردٍ ما، كذلك تنتفي بانتفاء ذلك، ضرورة أنّ المقابل لهذه الطبيعة هو عدم مضاف إلى مثلها، ومن الواضح جداً أنّ عدم مثلها يتحقق بانتفاء ذلك، لوضوح أن كل وجود يطرد د عدمه البديل له، لا عدمه وعدم غيره، فأوّل وجود لهذه الطبيعة أوّل طاردٍ لعدمها، ومن المعلوم أن نقيضه وهو الع-دم البديل له عدم هذاالوجود الأوّل، لا عدمه وعدم سائر وجوداتها، وإن استلزم عدمه - أي عدم هذا الوجود الأوّل - بقاع أعدام سائر وجوداتها على حالها، إلّا أنّه ليس عينها، لاستحالة أن يكون نقيض الوجود الواحد أعدام متعددة، كما هو ظاهر.
ومن هذا البيان يظهر فساد ما قيل من أنّ الوجود الناقض للعدم الكلّي وطارد العدم الأزلي ينطبق على أوّل الوجودات، ضرورة أنه أوّل ناقض للعدم الأزلي ونقيضه - وهو العدم البديل له - عدم ناقض العدم الكلّي، وهو عين بقاء العدم الكلّي على حاله، ولازم هذا هو وجود الطبيعة بوجود فرد منها، وانتفاؤها بانتفاء جميع أفرادها.
وجه الظهور : هو أن الطارد للعدم الأزلي المعبّر عنه بالعدم الكلّي هو الوجود الأوّل على الفرض، ومن المعلوم أنّ عدم هذا الطارد - أي الطارد للعدم الكلّي - هو عدم ذلك الوجود الأوّل، لا عدمه وعدم الوجود الثاني والثالث والرابع.. وهكذا، ضرورة أن نقيض الواحد،واحد، فلا يعقل أن يكون نقيض الواحد متعدداً، نعم عدم الوجود الأوّل يستلزم بقاء أعدام سائر الوجودات على حالها
لا أنه عينها.
ولعل منشأ هذا التوهم الغفلة عن تحليل هذه النقطة،، وهي أنّ عدم الوجود الأوّل - الذي هو أوّل ناقض للعدم الأزلي - يستلزم بقاء أع-دام س--ائر الوجودات على حالها، لا أنّ عدمه عين أعدام تلك الوجودات ليكون لازمه التقابل بين الطبيعة الموجودة بوجود واحد والطبيعة المنتفية بانتفاء جميع وجوداتها، وقد مرّ استحالة ذلك، فانّ لازم ذلك هو أن يكون نقيض الواحد متعدداً وهو محال.
فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه قد أصبحت : أنّه لا أصل لما اشتهر في الألسنة من جعل الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فردٍ منها مقابلاً للطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها، لما عرفت من استحالة المقابلة بينهما، فانّ وجود الواحد طارد لعدم الطبيعة الموجودة في ضمنه، لا له ولعدم الطبيعة الموجودة في ضمن غيره، بداهة أنّ الوجود الواحد لا يعقل أن يكون طارداً لعدم الطبيعة المطلقة السارية إلى تمام أفرادها، كما هو واضح.
قد يقال : إنّ صرف الوجود الذي يتحقق بوجود واحد، وصرف الترك الذي لا يمكن إلا بانعدام الطبيعة بجميع أفرادها، إنّما هو من جهة أنّ بين الأفراد وحدة سنخية، وتلك الوحدة السنخية هي الجامع بين الوجودات والكثرات، ولا شك في حصول ذلك الجامع بحصول كل واحد من الأفراد والوجودات.
أو فقل: إنّ الوجود السعي بين الوجودات كالطبيعة اللابشرط بين المفاهيم، فكما أن تلك الطبيعة تصدق وتنطبق على كل فرد من أفرادها، فكذلك ذلك الوجود السعي فانّه ينطبق على كل وجودٍ من الوجودات. وهذا بخلاف ما طرف العدم فانّ العدم الجامع عبارة عن مجموع الأعدام باضافة العدم إلى الطبيعة، لأنّ على مجموعها يصدق أنه عدم الطبيعة، لا على كل واحد واحد،
ضرورة أنه ليس هنا شيء واقعي يكون جامعاً بين تلك الأعدام ومنطبقاً على كل واحد منها.
وغير خفي أنّ هذا التوجيه لا يرجع إلى معنىً محصل أصلاً، وذلك لأنه إن أريد بالوحدة السنخية بين الوجودات الوحدة الحقيقية والذاتية فهي غير معقولة، وذلك لأنّ كل وجود مباين لوجود آخر وكل فعلية تابى عن فعلية أخرى، ومع ذلك كيف تعقل وحدة وجودية حقيقية بينهما، وكيف يعقل اشتراك الفعليتين بالذات في فعلية ثالثة.
وإن أريد بها الوجود السعي الذي هو عبارة عن الوجود المضاف إلى الطبيعة مع قطع النظر عن جميع الخصوصيات والتشخصات الخارجية، فهو أمر معقول، إلّا أنّ مثل هذا الجامع موجود بين الأعدام أيضاً وهو العدم السعي فانه عدم مضاف إلى الطبيعة مع إلغاء كل خصوصية من الخصوصيات، وينطبق على كل واحد من الأعدام كانطباق الوجود السعي على كل واحد من الوجودات، وليست وحدة الوجود السعي وحدة حقيقية ليقال إنه ليس بين الأعدام جامع حقيقي، لما عرفت من أنّ الجامع الحقيقي الوجودي بين الوجودات غير معقول، فلا محالة تكون وحدته وحدة بالعنوان، ولا تتعدى عن أفق النفس إلى الخارج. إذن تصوير هذا النحو من الجامع بين الأعدام بمكان من الوضوح كما عرفت.
وعلى هذا الضوء لا فرق بين أن يكون المطلوب الوجود السعي، وبين أن يكون المطلوب العدم السعي، فانّ الأوّل كما ينطبق على كل فرد من الأف--راد كذلك الثاني ينطبق على كل عدم من الأعدام، ولا يتوقف صدق الثاني على مجموع الأعدام كما توهم، كيف فانّه كما يصدق على وجود كل فرد أنه وجود الطبيعة، كذلك يصدق على عدم كل منه أنه عدم الطبيعة، بداهة أنّ الوجود إذا كان وجود الطبيعة، فكيف لا يكون عدمه البديل له عدماً لها، إذن كيف يتوقف صدق عدم الطبيعة على عدم مجموع الأفراد.
أو فقل : إنّ عدم الطبيعة بما هو ليس عدماً آخر في مقابل الأعدام الخاصة ليقال إن صدق هذا العدم يتوقف على تحقق مجموع تلك الأعدام، بداهة أنّ عدم الطبيعة عين تلك الأعدام ولا مطابق له،غيرها، كما أن وجودها ليس وجوداً آخر فى مقابل الوجودات الخاصة، بل هو عين تلك الوجودات. وعلى هذا فإذا كان للطبيعة وجود واحد كان لها عدم،واحد، وإذا كان لها وجودات متعددة كان لها أعدام كذلك، فالتفرقة بين وجود الطبيعة وعدمها ممّا لا أصل له أصلاً، وهي وإن كانت مشهورة إلا أنها مبنية على ضرب من المسامحة.
وأما الصورة الثانية : وهي ما إذا لوحظ الوجود مضافاً إلى الطبيعة المطلقة، فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ لها أعداماً متعددة بعدد وجودات أفرادها، وكل عدم منها طارد لوجوده لا له ولوجود غيره، وكل وجود منها طارد لعدمه، لا له ولعدم غيره، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ وجود الفرد كما أنه عين وجود الطبيعي في الخارج، كذلك عدمه عين عدمه فيه.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي أنّ الطبيعة كما توجد بوجود فردٍ منها كذلك تنتفي بانتفائه، لفرض أنّ انتفاء الفرد عين انتفاء الطبيعة، ولا يتوقف انتفلؤها على انتفاء جميع أفرادها. نعم، جميع أفرادها. نعم، إنّ انتفاء الطبيعة المطلقة يتوقف على انتفاء جميع أفرادها، لفرض أنّ المقابل لها هو عدم مثلها، لا عدم فرد واحد منها، كما هو ظاهر.
وأمّا الصورة الثالثة : وهي الوجود المضاف إلى الطبيعة بنحو السعة والاحاطة والوحدة في الكثرة، فقد تبيّن ممّا تقدّم أنّ المقابل للوجود المضاف إلى الطبيعة بنحو السعة لا بنحو الكثرة والانحلال عدم مثله - أي العدم المضاف إلى الطبيعة كذلك - والمراد من الوجود السعي كما عرفت هو عدم ملاحظة خصوصية وجود فرد دون آخر فيه، بل هو مضاف إلى الطبيعة مع إلغاء كل خصوصية م-ن
الخصوصيات، ولذا لا يغيب ولا يشذ عنه أي وجود من وجودات هذه الطبيعة وينطبق على كل وجود من وجوداتها بلا خصوصية في البين، ومن هنا يعبّر عنه بالوحدة في الكثرة، باعتبار أنّه يلاحظ فيه جهة السعة والوحدة في هذه الكثرات.
ومقابل هذا الوجود السعي العدم السعي، وهو العدم المضاف إلى الطبيعة مع إلغاء كل خصوصية من الخصوصيات فيه، ولأجل ذلك هذا عدم لا يغيب ولا يشذ عنه أيّ عدم من أعدام هذه الطبيعة، وينطبق على كل عدم منها من دون جهة خصوصية في البين، ومن الواضح أنّه لا يكون في مقابل هذا العدم وجود فرد منها، كما أنّه لا يكون في مقابل هذا الوجود عدم فرد منها.
ونتيجة ما ذكرناه لحد الآن عدة نقاط :
الأولى : أنّه لا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فرد منها والطبيعة الملحوظة على نحو تنتفى بانتفاء جميع أفرادها على ضوء جميع الصور المتقدمة.
الثانية : أنّ الطبيعة الملحوظة على نحو الاطلاق والسريان في نقطة مقابلة للطبيعة الملحوظة على نحو تنعدم بانعدام جميع أفرادها، كما هو ظاهر.
الثالثة : أنّ الوجود السعى المضاف إلى الطبيعة مع إلغاء الخصوصيات في نقطة مقابلة للعدم السعى المضاف إليها كذلك.
وبعد ذلك نقول : إنّ الطبيعة التي يتعلق بها الحكم لا تخلو أن تكون ملحوظةً على نحو الاطلاق والسريان، أو أن تكون ملحوظةً على نحو الاطلاق والعموم البدلي، أو أن تكون ملحوظةً على نحو العموم المجموعي.
فعلى الأوّل، لا محالة ينحل الحكم بانحلال أفرادها في الواقع، فيثبت لكل
فرد منها حكم مستقل، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون هذا الحكم إيجابياً أو تحريمياً، كما هو واضح.
وعلى الثاني، فالحكم متعلق بفردٍ ما من الطبيعة المعبّر عنه بصرف الوجود ومن المعلوم أنه لا يفرق فيه بين أن يكون ذلك الحكم وجوبياً أو تحريمياً، ضرورة أنّ الملاك إذا كان قائماً بصرف الوجود كما هو المفروض - فلا محالة يكون الحكم المجعول على طبقه متعلقاً به من دون فرق بين أن يكون ذلك الملاك مصلحة أو مفسدة، غاية الأمر إن كان الحكم المزبور تحريمياً فلا يكون ارتكاب الفرد الثاني والثالث...وهكذا بعد ارتكاب الفرد الأوّل محرّماً، وهذا ظاهر.
وعلى الثالث، فالحكم متعلق بمجموع الأفراد على نحو العموم المجموعي، ولا يفرق فيه أيضاً بين أن يكون ذلك حكماً وجوبياً أو تحريمياً، كما هو واضح. وعلى الجملة : فالألفاظ وإن كانت موضوعةً للطبيعة المهملة من تمام الجهات ما عدا النظر إلى ذاتها وذاتياتها، إلا أنّ الشارع في مقام جعل الحكم عليها لا بد أن يلاحظها على أحد الأنحاء المذكور، لاستحالة الاهمال في الواقع، فلا محالة إمّا أن يلاحظها على نحو الاطلاق والسريان، أو على نحو العموم البدلي، أو المجموعي، فلا رابع لها. وعلى جميع هذه التقادير والفروض لا فرق بين الحكم التحريمي والوجوبي أصلاً.
ومن هنا يظهر أنّ الحال كذلك على وجهة نظر المشهور من أنّ المطلوب من النهي هو ترك الطبيعة، فانّه في مقام جعل الحكم عليه إما أن يلاحظ على نحو الاطلاق والسريان، أو على نحو العموم المجموعي، أو على نحو العموم البدلي، فلا رابع. وكذا الحال على وجهة نظر من يرى أنّ المطلوب من النهي الزجر عن الفعل.
فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه قد أصبحت أنّه لا فرق بين الأمر والنهي بحسب مقام الثبوت والواقع من هذه الناحية مطلقاً، بلا فرق بين وجهة نظرنا ووجهة نظر المشهور، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.
وأمّا المقام الثاني : وهو مقام الاثبات،والدلالة، فهو نقطة أساسية للفرق بين الأمر والنهي، والسبب النهائي لجواز الاكتفاء في الأوّل بصرف إيجاد الطبيعة في الخارج، وعدم الاكتفاء في الثاني بصرف تركها.
بيان ذلك : هو أنّه لا شبهة في أنّ الأمر إذا تعلق بطبيعة كالصلاة مثلاً أو نحوها، فلا يعقل أن يراد من المكلف إيجاد تلك الطبيعة بكل ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبيعة في الخارج، بداهة استحالة ذلك على المكلف وأنه لا يقدر على إيجادها كذلك، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ الأمر المتعلق بها مطلق وغير مقيد بحصة خاصة من مرّة أو تكرار أو غيرهما.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنّ مقتضى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو جواز الاكتفاء في مقام الامتثال بايجاد فرد من أفراده-ا أراد المكلف إيجاده في الخارج، وذلك لأنه بعد استحالة أن يكون المطلوب منه هو إيجاد جميع أفرادها في الخارج من العرضية والطولية، ضرورة عدم تمكن المكلف من ذلك، وتقييده بحصة خاصة منها دون أخرى يحتاج إلى دليل يدل عليه، وحيث لا دليل في البين فلا مناص من الالتزام بأنّ قضية الاطلاق هي أن المطلوب صرف وجودها في الخارج.
أو فقل : إن المطلوب لا يمكن أن يكون جميع وجودات الطبيعة، وبعضها دون بعضها الآخر يحتاج إلى دليل، وعند فرض عدمه لا محالة كان المطلوب هو إيجادها في ضمن فردٍ ما المنطبق في الخارج على أوّل وجوداتها، غاية الأمر
يتخير المكلف في مقام الامتثال في تطبيقها على هذا أو ذاك.
وهذا بخلاف النهى فانّه إذا ورد على طبيعة ليس المراد منه حرمان المكلف عن فرد ما منها، ضرورة أن الحرمان منه حاصل قهراً، فالنهي عنه تحصيل للحاصل وهو محال، هذا من جانب. ومن جانب آخر: أنه لم يقيد النهي عنه بحصة خاصة منها بحسب الأفراد العرضية أو الطولية.
فالنتيجة على ضوئهما : هى أن مقتضى الاطلاق الثابت فيه بمقدمات الحكمة هو منع المكلف وحرمانه عن جميع أفرادها الدفعية والتدريجية.
وعلى أساس هذا البيان قد تبيّن أنّ هذا الاختلاف - أعني الاختلاف في نتيجة مقدّمات الحكمة بين الأمر والنهي - ليس من ناحية اختلافهما في المتعلق، لما عرفت من أنّ متعلقهما واحد وهو نفس طبيعي الفعل، فانّه كما يكون متعلقاً للأمر كذلك يكون متعلقاً للنهي، بل إنّ ذلك إنما كان من جهة خصوصية في تعلق الأمر والنهي به، وهذه الخصوصية هي أنّ المطلوب من الأمر بما أنّه إيجاد الطبيعة في الخارج فلا يمكن أن يريد المولى منه إيجادها بكل ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبيعة لفرض عدم تمكن المكلف منه كذلك، فهذه الخصوصية أوجبت أن تكون نتيجة مقدّمات الحكمة فيه هي كون المطلوب إيجادها في ضمن فردٍ ما المعبّر عنه بصرف الوجود والمطلوب من النهي بما أنه حرمان المكلف فلا يمكن أن يراد منه حرمانه عن بعض أفرادها، لفرض أنه حاصل قهراً، والنهي عنه تحصيل للحاصل، فهذه الخصوصية أوجبت أن تكون نتيجة مقدمات الحكمة فيه هي كون المطلوب حرمان المكلف عن جميع أفرادها.
وبكلمة واضحة : أنّ السبب الموضوعي لاختلاف نتيجة مقدمات الحكمة إنما هو اختلاف خصوصيات الموارد، ففي موردٍ لخصوصية فيه تنتج مقدمات
الحكمة الاطلاق الشمولي، وفي مورد آخر لخصوصية ف-يه تنتج الاطلاق البدلي، مع أنّ الموردين يكونان متحدين بحسب الموضوع والمتعلق، مثلاً في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) (1)تنتج الشمولي، ببيان أنّ جعل الطهور لفردٍ ما من الماء في العالم لغو محض فلا يصدر من الحكيم، فإذن لا محالة يدور الأمر بين جعله لكل ما يمكن أن ينطبق عليه هذا الطبيعي في الخارج، وجعله لخصوص حصة منه كالماء الكر مثلاً أو الجاري أو نحو ذلك، وحيث إنّه لا قرينة على تقييده بخصوص حصة خاصة فلا محالة قضية الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة هي إرادة الجميع، فانّ الاطلاق في مقام الاثبات كاشف عن الاطلاق في مقام الثبوت بقانون تبعية المقام الأول للثاني.
وأما في مثل قولنا : جئني بماء فتنتج المقدّمات الاطلاق البدلي، مع أنّ كلمة الماء في كلا الموردين قد استعملت في معنى واحد، وهو الطبيعي الجامع، ولكن خصوصية تعلق الحكم بهذا الطبيعي على الأوّل تقتضي كون نتيجة الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة شمولياً، وخصوصية تعلقه به على الثاني تقتضي كون نتيجته بدلياً.
وكذا نتيجة مقدّمات الحكمة في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (2)، (تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) (3)، (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (4)وما شابه ذلك شمولياً، باعتبار
أنّ جعل الحكم لفردٍ ما من البيع أو التجارة أو العقد في الخارج لغو محض، فلا يترتب عليه أي أثر. ومن المعلوم أنّه يستحيل صدور مثله عن الحكيم، فإذن لا محالة إمّا أن يكون الحكم مجعولاً لجميع أفراد تلك الطبائع في الخارج م--ن دون ملاحظة خصوصية فى البين، وإما أن يكون مجعولاً لحصة خاصة منها دون أخرى، وبما أنّ إرادة الثاني تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليها، والمفروض أنّه لا قرينة في البين، فإذن مقتضى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو إرادة جميع أفراد ومصاديق هذه الطبائع.
وهذا بخلاف نتيجة تلك المقدّمات في مثل قولنا : بع دارك مثلاً أو ثوبك، أو ما شاكل ذلك، فانّها في مثل هذا المثال بدلي لا شمولي، مع أنّ كلمة البيع في هذا المثال والآية الكريمة قد استعملت في معنى واحد، وهو الطبيعي الجامع، ولا تدل في كلا الموردين إلا على إرادة تفهيم هذا الجامع، ولكن لخصوصية في هذا المثال كان مقتضى الاطلاق فيه بدلياً، وهذه الخصوصية هي عدم إمكان أن يراد من بيع الدار بيعها من كل أحد وبكلّ شيء، ضرورة أنّ العين الواحدة الشخصية غير قابلة لأن يبيعها من كل شخص وبكل صيغة في زمان واحد، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ المفروض عدم تقييد بيعها من شخص خاص وفي زمان مخصوص.
فالنتيجة على ضوئها : هي جواز بيعها من أي شخص أراد بيعها منه، وهذا معنى الاطلاق البدلي وكون المطلوب هو صرف الوجود.
ومن ذلك يظهر حال الأوامر المتعلقة بالطبائع، كالأمر المتعلق بالصلاة والصوم والحج وما شاكل ذلك، فانّ قضية الاطلاق الثابت فيها بمقدّمات الحكمة الاطلاق البدلي وصرف الوجود، وذلك لما عرفت من أنه لا يمكن أن يراد من
المكلف كل ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبائع في الخارج، لاستحالة إرادة ذلك لأنه تكليف بالمحال، وإرادة بعض أفرادها دون بعضها الآخر تحتاج إلى دليل، فإذا لم يكن دليل في البين فمقتضى الاطلاق هو أن المطلوب واحد منها وصرف وجودها المتحقق بأوّل الوجودات وأمّا تكرار الصلاة في كل يوم والصوم في كل سنة فهو من جهة الأدلة الخاصة لا من ناحية دلالة الأمر عليه.
وهذا بخلاف ما إذا فرض تعلق النهي بتلك الطبائع، فان مقتضى الاطلاق الثابت فيها بمقدّمات الحكمة هو الاطلاق الشمولي لخصوصية في تعلق النهي بها، وهي أنه لا يمكن أن يريد المولى حرمان المكلف عن بعض أفرادها لأنه حاصل ولا معنى للنهي عنه، وإرادة حصة خاصة منها بحسب الأفراد العرضية أو الطولية تحتاج إلى دليل، وحيث إنّه لا دليل عليها فقضية الاطلاق لا محالة هي العموم الشمولي.
وقد تحصل من ذلك : أنّ مقتضى الاطلاق في الأوامر سواء أكان الاطلاق من تمام الجهات - أعني بالاضافة إلى الأفراد العرضية والطولية - أو من بعض الجهات، كما إذا كان لها إطلاق بالاضافة إلى الأفراد العرضية دون الطولية أو بالعكس، هو الاطلاق البدلي وصرف الوجود وفي النواهي كذلك الاطلاق الشمولي.
كما أنّ الأمر كذلك في الأحكام الوضعية المتعلقة بالطبائع الكلية كالطهارة والنجاسة ولزوم العقد وحلية البيع وما شاكل ذلك، فان مقتضى جريان مقدّمات الحكمة فيها هو الاطلاق الشمولي وانحلال تلك الأحكام بانحلال متعلقاتها وموضوعاتها في الخارج.
عدة نقاط فيما ذكرناه :
الأولى : أنّه لا فرق بين الأمر والنهي بحسب مقام الثبوت والواقع كما مرّ.
الثانية : أنّه لا فرق بينهما بحسب المتعلق فما تعلق به النهي بعينه هو متعلق الأمر كما عرفت.
الثالثة : أنّ الأساس الرئيسي لإمتياز النهي عن الأمر إنّما هو في مقام الاثبات والدلالة، حيث إنّ نتيجة مقدّمات الحكمة في طرف الأمر الاطلاق البدلي وصرف الوجود، وفي طرف النهي الاطلاق الشمولي.
الرابعة : أن مبدأ انبثاق هذا الامتياز إنّما هو خصوصية في نفس الأمر المتعلق بشيء والنهي المتعلق به كما سبق.
ثم إن ما ذكرناه من الاختلاف في نتيجة مقدّمات الحكمة باختلاف الخصوصيات جارٍ في الجمل الخبرية أيضاً، فانّ نتيجة مقدمات الحكمة فيها أيضاً تختلف باختلاف خصوصيات المورد مثلاً في مثل قولنا: ج-اء رج--ل نتيجة تلك المقدّمات الاطلاق البدلي، وفي مثل قولنا : لا رجل في الدار نتيجتها الاطلاق الشمولي، مع أنّ كلمة الرجل في كلا المثالين قد استعملت في معنى واحد وهو الطبيعي الجامع، ولكن في كل منهما خصوصية تقتضي كون الاطلاق في أحدهما بدلياً وفي الآخر شمولياً، وبتلك الخصوصية يمتاز أحدهما عن الآخر.
وبيان ذلك : أما كون النتيجة في المثال الأوّل بدلياً، فلأجل أنه لا يمكن أن يريد المتكلم الإخبار عن مجيء كل من ينطبق عليه عنوان الرجل، لأنه خلاف الواقع، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّه لم ينصب قرينةً على الإخبار عن مجيء شخص خاص.
فالنتيجة على ضوئهما : هي أنّ مقتضى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو كونه أراد الاخبار عن مجيء فردٍ ما من الرجل وصرف وجوده، فهذه الخصوصية أوجبت كون نتيجة المقدّمات فيه بدلياً.
وأمّا في المثال الثاني، فباعتبار أنه لا يمكن أن يريد منه الإخبار عن عدم وجود رجل واحد في الدار ووجود البقية فيها، بداهة أنّ هذا المعنى في نفسه غیر معقول كيف ولا يعقل وجود جميع رجال العالم في دار واحدة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّه لم يقيده بحصة خاصة دون أخرى، فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هي أنّ المتكلم أراد الإخبار بنفي وجود كل فرد من أفراد الرجل عن الدار ضرورة أنه لو كان واحد من أفراده فيها لا يصدق قوله : لا رجل في الدار، ولصدق نقيضه.
ومن هذا القبيل أيضاً قولنا: لا أملك شيئاً، فانّ كلمة «شيء» وإن استعملت في معناها الموضوع له وهو الطبيعي الجامع بين جميع الأشياء، إلا أن مقتضى الاطلاق وعدم تقييده بحصةٍ خاصةٍ هو نفى ملكية كل ما يمكن أن ينطبق عليه عنوان الشيء، لا نفي فردٍ ما منه ووجود البقية عنده، فانّ هذا المعنى باطل في نفسه، فلا يمكن إرادته منه.
ومن هذا القبيل أيضاً قوله (عليه السلام): «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام» (1)وما شاكل ذلك، فانّه لا يمكن أن يراد منه نفي ضرءٍ ما في الشريعة المقدّسة لأنه لغو محض، فلا يصدر من الحكيم. فإذن لا محالة إما أن يراد نفي جميع أفراده أو نفي بعضها الخاصة، وحيث إنّ الثاني يحتاج إلى قرينة تدل عليه، فمقتضى الاطلاق هو الأول وهو إرادة نفي الجميع.
1) الوسائل 25 : 427 / أبواب إحياء الموات ب 12.
وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج) (1)وقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور» (2)وقوله (عليه السلام): «لا سهو للإمام إذا حفظ عليه من خلفه، ولا سهو للمأموم إذا حفظ عليهم الإمام» (3)وغير ذلك منالجملات، سواء أكانت في مقام الإخبار أو الإنشاء - أي سواء أكانت كلمة لا النافية بمعناها أو بمعنى النهي - فانّه على كلا التقديرين مقتضى الاطلاق فيها هو العموم الشمولي دون البدلي، وذلك ضرورة أنه لا يمكن أن يريد المولى من النفي أو النهي نفي فردٍ ما أو النهي عنه، لأنه لغو محض ف-لا ي-ص-در م-ن الحكيم. فإذن لا محالة يدور الأمر بين أن يراد منه نفي جميع أفراد الطبيعة، أو النهي عن جميعها، أو نفي بعضها المعيّن أو النهي عنه كذلك، وحيث إنّ إرادة الثاني تحتاج إلى قرينة، فإذا لم تكن قرينة في البين يتعيّن إرادة الأوّل لا محالة. وهذا معنى كون نتيجة مقدّمات الحكمة فيها شمولياً، وأنها تكشف عن الاطلاق في مقام الثبوت.
عدّة خطوط فيما ذكرناه.
الأوّل : أنّ النهي موضوع للدلالة على إبراز اعتبار المولى حرمان المكلف عن الفعل في الخارج، كما أنّ الأمر موضوع للدلالة على إبراز اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف، ومن هنا يصح تفسير النهي بالحرمة والأمر بالوجوب، باعتبار دلالة الأوّل على حرمان المكلف عن الفعل، والثاني على ثبوته في ذمته.
الثاني : أنّ حقيقة النهي هو ذلك الأمر الاعتباري، كما أنّ حقيقة الأمر
كذلك وأنهما اسمان للمؤلف من ذلك الأمر الاعتباري وإبرازه في الخارج بمبرز.
الثالث : أنّ متعلق النهي بعينه هو ما تعلق به الأمر، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً. وأمّا ما هو المعروف من أنّ متعلق النهي الترك ونفس أن لا تفعل فلا أصل له كما سبق.
الرابع : أنّ النقطة الأساسية للفرق بين الأمر والنهي هي أنّ نتيجة مقدمات الحكمة في طرف الأمر الاطلاق البدلي وصرف الوجود، وفي طرف النهي الاطلاق الشمولي وتمام الوجود.
الخامس : أنه لا فرق بين الأمر والنهي بحسب مقام الثبوت والواقع على وجهتي كلا النظرين - أعني وجهة نظرنا ووجهة نظر المشهور - وذلك لأنهما لا يخلوان بحسب الواقع من أن يكونا مجعولين للطبيعة على نحو العموم البدلي أو الاستغراقي أو المجموعي فلا رابع في البين، ومن المعلوم أنه لا فرق بينهما من هذه النواحي أصلاً كما تقدّم.
السادس : أنّ النهي يختلف مع الأمر في المعنى الموضوع له، وي-تح-د م-ع-ه بحسب المتعلق على وجهة نظرنا، وأما على وجهة نظر المشهور فمتعلق الطلب في النهي الترك وفي الأمر الوجود. نعم، متعلق نفس الأمر والنهي معاً الفعل والوجود.
السابع : أنه لا فرق بين عدم الطبيعة ووجودها، فكما أنّ عدمها على نحو القضية الكلية يتوقف على عدم جميع ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبيعة في الخارج، فكذلك وجودها على هذا النحو يتوقف على وجود جميع ما يمكن انطباق تلك الطبيعة عليه، فلا فرق بينهما من هذه الجهة أصلاً. وأما وجودها على نحو القضية الجزئية فهو وإن تحقق بوجود فرد ما منها، إلّا أنّ عدمها
كذلك أيضاً يتحقق بعدم فردٍ ما منها فلا خصوصية من هذه الجهة للوجود، بل هما من هذه الناحية على نسبة واحدة ومن هنا قلنا إن مقابل كل وجود من وجودات الطبيعة عدم من أعدامها وهو بديله ونقيضه، ولذا ذكرنا أنه لا مقابلة بين الطبيعة التي توجد بوجود فرد منها والطبيعة التي تنتفي بانتفاء جميع أفرادها.
الثامن: أن نتيجة جريان مقدّمات الحكمة تختلف باختلاف خصوصيات الموارد، فانّ نتيجتها في الأوامر المتعلقة بالطبائع الاطلاق البدلي وصرف الوجود، وفي النواهي المتعلقة بها الاطلاق الشمولي وتمام الوجود. وفي الأحكام الوضعية المتعلقة بالطبائع الكلية أيضاً ذلك. أعني الاطلاق الشمولي والانحلال.
الجهة الثانية : أنّ الأمر كما يتعلق بالفعل من ناحية اشتماله على مصلحة لزومية قد يتعلق بالترك كذلك، وكما أنّه على الأوّل يتصور على صور كذلك على الثاني.
بيان ذلك : هو أنّ المصلحة القائمة بالفعل لا تخلو من أن تقوم بصرف وجوده في الخارج أو بتمام وجوداته، على نحو العموم الاستغراقي أو على نحو العموم المجموعي أو بعنوان بسيط متحصل من الوجودات الخارجية.
فعلى الأوّل يكون المطلوب هو صرف وجود الطبيعة المتحقق بأوّل وجوداتها.
وعلى الثاني يكون المطلوب هو جميع وجوداتها على نحو الانحلال.
وعلى الثالث يكون المطلوب هو مجموع تلك الوجودات بطلب واحد شخصي.
وعلى الرابع يكون المطلوب هو ذلك العنوان البسيط، وأما الوجودات الخارجية فهي محصلة له.
وكذا الحال في المصلحة القائمة بالترك، فانّها لا تخلو بحسب مقام الثبوت والواقع من أن تكون قائمةً بصرف ترك الطبيعة، أو بتمام تروكها على نحو العام الاستغراقي، أو بتمامها على نحو العام المجموعي، أو بعنوان بسيط متولّد من هذه التروك الخارجية، ولا خامس لها.
فعلى الأوّل المطلوب هو صرف الترك، وهو يحصل بترك فرد ما من الطبيعة في الخارج، فيكون حاله حال ما إذا كان المطلوب هو صرف الوجود.
وعلى الثاني المطلوب هو كل ترك من تروكها على نحو الاستقلال، بحيث يكون كل منها متعلقاً للحكم مستقلاً مع قطع النظر عن تعلق الحكم بالآخر، فحاله من هذه الناحية حال ما إذا كان المطلوب هو إيجاد الطبيعة على نحو الاطلاق والانحلال.
وعلى الثالث المطلوب هو مجموع التروك من حيث هو بطلب واحد شخصي بحيث يكون تعلق الحكم بكل منها مربوطاً بتعلقه بالآخر، فيكون حاله حال الصورة الثالثة من هذه الناحية.
وعلى الرابع المطلوب هو ذلك العنوان البسيط، وأما التروك الخارجية فهي محصلة له فيكون حاله من هذه الجهة حال الصورة الرابعة.
ثم إنّه لا يخفى أنّ مردّ هذه الصور الأربع جميعاً إلى إيجاب الترك، كما أن مردّ الصور الأربع الأولى إلى إيجاب الفعل، ولا يرجع شيء من تلك الصور إلى المنع عن الفعل وحرمته واقعاً، وإن فرض ورود الدليل عليه بصورة النهي، والوجه في ذلك واضح، وهو ما ذكرناه من أنّ النهي عن شيء، ينشأ عن اشتماله على مفسدة لزومية وهي تدعو المولى إلى اعتبار حرمان المكلف عنه، ولا ينشأ عن مصلحة كذلك في تركه، وإلا لزم أن يكون تركه واجباً لا أن يكون فعله
حراماً، ضرورة أنه لا مقتضي لاعتبار حرمان المكلف عنه أصلاً بعد ما لم تكن فيه مفسدة أصلاً، بل اللازم عندئذ هو اعتبار تركه في ذمته من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة. وهذا بخلاف النهي الوارد في المقام، فانّه غير ناشٍ عن مفسدة في الفعل، بداهة أنّه لا مفسدة فيه أصلاً، بل نشأ عن قيام مصلحة في تركه، وهي داعية إلى إيجابه واعتباره في ذمة المكلف.
وبكلمة واضحة : أنّ المولى كما يعتبر الفعل على ذمة المكلف باعتبار اشتماله على مصلحة إلزامية ويبرزه في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو ما شاكلها، قد يعتبر الترك على ذمته باعتبار قيام مصلحة لزومية فيه ويبرزه في الخارج بمبرز ما، سواء أكان إبرازه بقول أم بفعل، وسواء أكان بصيغة الأمر وما شابهها أم بصيغة النهي ضرورة أنّ اختلاف أنحاء المبرز - بالكسر - لا يوجب الاختلاف في المبرز - بالفتح - أصلاً فانّه واحد - وهو اعتبار المولى الترك في ذمته - كان مبرزه قولاً أو فعلاً، كان بصيغة الأمر أو النهي، وهذا واضح.
ونتيجة ذلك هي أنّ الأمر ناس عن قيام مصلحة إلزامية في متعلقه،، سواء أكان متعلقه فعل شيء أم تركه كما أنّ النهي ناش عن قيام مفسدة إلزامية في متعلقه كذلك، والسر فيه ما عرفت من أنّ حقيقة الأمر هو اعتبار المولى الشيء على ذمة المكلف من جهة وجود مصلحة ملزمة فيه، ومن المعلوم أنّه لا يفرق بين اعتباره فعل شيء على ذمته أو تركه، كما أنه لا يفرق بين أن يكون مبرز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج فعلاً أو قولاً. وحقيقة النهي اعتباره حرمان المكلف عن الشيء باعتبار وجود مفسدة ملزمة فيه، ومن الواضح جداً أنه لا يفرق بين اعتباره حرمانه عن فعل شيء أو اعتباره حرمانه ع--ن ترك شيء.
وقد تحصل من ذلك : أنّ هذا هو الميزان الأساسي لتمييز حقيقة النهي عن
حقيقة الأمر، وليست العبرة في ذلك بالمبرز - بالكسر - أصلاً، ضرورة أنه لا شأن له ما عدا إبرازه عن واقع الأمر وواقع النهي ولا خصوصية له أبداً.
وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال النواهي الواردة في أبواب العبادات، منها ما ورد في خصوص باب الصلاة كموثقة سماعة قال: «سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن جلود السباع فقال: اركبوها ولا تلبسوا شيئاً منها تصلّون فيه»(1)وما شاكلها من الروايات الدالة على ذلك. وصحيحة محمد بن مسلم قال : «سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ ؟ قال (عليه السلام): لا ولو دبغ سبعين مرة» (2)وصحيحة محمّد بن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبدالله (عليه السلام): «في الميتة قال : لا تصل في شيء منه حتى في شسع» (3)وقوله (علیه السلام): «لا تصل فيه حتى تغسله» (4)وما شاكل ذلك من الروايات، فانّ هذه الروايات وإن كانت واردة بصورة النهي، إلا أنها في الحقيقة إرشاد إلى مانعية تلك الأمور عن الصلاة وتقيد الصلاة بعدمها، لأجل مصلحة كانت في هذا التقييد، لا لأجل مفسدة في نفس تلك الأمور حال الصلاة، ضرورة أنه ليس لبس ما لا يؤكل أو الميتة أو النجس في الصلاة من المحرمات في الشريعة المقدسة.
نعم، الاتيان بالصلاة عندئذ بقصد الأمر تشريع ومحرّم، وهذا خارج عن محل الكلام، فانّ الكلام في حرمة هذه القيود لا في حرمة الصلاة. على أنّ
الكلام في الحرمة الذاتية لا في الحرمة،التشريعية، والفرض أنّ هذه الحرمة حرمة تشريعية. فإذن لا يمكن أن تكون هذه النواهي ناشئة عن وجود مفسدة ملزمة فيها.
وعلى الجملة : ففي أمثال هذه الموارد ليس في الواقع وعند التحليل العلمي إلا اعتبار الشارع تقييد الصلاة بعدم تلك الأمور، من جهة اشتمال هذا التقييد على مصلحة ملزمة وإبراز ذلك الاعتبار في الخارج بمبرز، كهذه الن--واه-ي أو غيرها. ومن هنا تدل تلك النواهي على مطلوبية هذا التقييد ومانعية تلك الأمور عن الصلاة، ضرورة أنا لا نعني بالمانع إلا ما كان لعدمه دخل في المأمور به، وهذا معنى كون هذه النواهي إرشاداً إلى مانعية هذه الأمور وتقيّد الصلاة بعدمها، هذا كلّه فيما إذا كان الترك مأموراً به بالأمر الضمني.
وقد يكون الترك مأموراً به بالأمر الاستقلالي، بأن يعتبره المولى على ذمّة المكلف باعتبار اشتماله على مصلحة ملزمة ويبرزه في الخارج بمبرز، سواء أكان ذلك المبرز صيغة أمر أم نهي لما عرفت من أنه لا شأن للمبرز - بالكسر - أصلاً ما عدا إبرازه ذلك الأمر الاعتباري في الخارج، والعبرة إنما هي للمبرز - بالفتح - فانّه إذا كان ناشئاً عن مصلحة في متعلقه سواء أكان متعلقه فعلاً أم تركاً، فهو أمر حقيقة وإن كان مبرزه في الخارج صيغة النهي، وإذا كان ناشئاً عن مفسدة في متعلقه كذلك، فهو نهي حقيقة وإن كان مبرزه في الخارج صيغة الأمر أو ما يشبهها.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّ الأمر المتعلق بالترك على قسمين:
أحدهما : أنه أمر ضمني متعلق بعدم إيجاد شيء في العبادات أو المعاملات.
وثانيهما : أنه أمر استقلالي متعلق بعدم إيجاد شيء مستقلاً.
أما القسم الأوّل: فهو بمكان من الكثرة في أبواب العبادات والمعاملات.
وأمّا القسم الثاني : فهو قليل جداً. نعم يمكن أن يكون الصوم من هذا القبيل، باعتبار أنّ حقيقته عبارة عن ترك عدة أمور كالأكل والشرب والجماع والارتماس في الماء ونحو ذلك، وليست عبارة عن عنوان وجودي بسيط متولد من هذه التروك في الخارج، فإذن الأمر بالصوم ناش عن قيام مصلحة ملزمة في هذه التروك، ولم ينشأ عن قيام مفسدة كذلك في فعل هذه الأمور، ولذا يقال إن الصوم واجب، ولا يقال إنّ فعل المفطرات محرّم. وعليه فلا محالة يكون مردّ النهي عن كل من الأكل والشرب والجماع والارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إلى اعتبار تروك هذه الأمور على ذمّة المكلف باعتبار وجود مصلحة إلزامية فيها. فالنهي عن كل واحد منها إرشاد إلى دخل تركه في حقيقة الصوم، وأنّه مأمور به بالأمر الضمني.
فالنتيجة هي أن مجموع هذه التروك مأمور به بالأمر الاستقلالي، وكل منها مأمور به بالأمر الضمني.
ومن هذا الباب أيضاً تروك الإحرام في الحج، فانّ كلاً منها واجب على المكلف وثابت في ذمته وليس بمحرّم، ضرورة أنّ النهي عنه غير ناش عن قيام مفسدة إلزامية في فعله، بل هو ناش عن قيام مصلحة ملزمة في نفسه، بمعنى أن الشارع قد اعتبر ترك كل من محرمات الإحرام على ذمة المكلف، وأبرزه في الخارج بمبرز، كصيغة النهي أو ما شاكلها، ومن الواضح جداً أنه ليس هنا نهي حقيقةً، بل أمر في الحقيقة والواقع تعلق بترك عدّة من الأفعال في حال الإحرام، فيكون ترك كل منها واجباً مستقلاً على المكلف، وقد تقدم ما هو ملاك افتراق الأمر والنهي وأنه ليس في المبرز - بالكسر - لما عرفت من أنه لا شأن له أصلاً
ما عدا إبرازه عن واقع الأمر وواقع النهي - وهما اعتبار الشارع فعل شيء أو تركه في ذمّة المكلف، واعتباره حرمانه عن فعل شيء أو تركه - فالأوّل أمر، سواء أكان مبرزه في الخارج صيغة أمر أم صيغة نهي، والثاني نهي كذلك، أي سواء أكان مبرزه فيه صيغة نهي أم أمر.
نعم، فيما إذا كان مبرز الأمر خارجاً صيغة النهي يصح أن يقال إنه أمر واقعاً وحقيقةً، ونهي صورةً وشكلاً.
ومن هنا يظهر أن تعبير الفقهاء عن تلك الأفعال بمحرّمات الإحرام مبني على ضرب من المسامحة والعناية وإلا فقد عرفت أنها ليست بمحرمة بل تركها واجب، وكيف كان فلا إشكال في أنّ هذا القسم قليل جداً في أبواب العبادات والمعاملات، دون القسم الأوّل وهو ما إذا كان الترك متعلقاً للأمر الضمني.
وبتعبير آخر : أنّ الواجبات الضمنية على ثلاثة أقسام:
الأوّل : ما يكون بنفسه متعلقاً للأمر.
الثاني : ما يكون التقيد بوجوده متعلقاً له.
الثالث : ما يكون التقيد بعدمه متعلقاً،له ولا رابع لها. والأول هو الأجزاء، لفرض أنّ الأمر متعلق بأنفسها. والثاني هو الشرائط، فانّ الأمر متعلق بتقيد تلك الأجزاء بها لا بنفسها، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث إنّه قد ذهب إلى أنّ الشرائط كالأجزاء متعلقة للأوامر الضمنية بنفسها، ولكن قد ذكرنا بطلان ذلك في بحث الواجب المطلق والمشروط (1)فلا نعيد. والثالث هو الموانع،
1) [بل ذكره في بحث تقسيمات المقدّمة، راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص116، 129].
فانّ الأمر متعلق بتقيد هذه الأجزاء بعدمها.
وبعد ذلك نقول : الكلام هنا يقع في مقامين :
الأوّل: في مقام الثبوت والواقع.
الثاني : في مقام الاثبات والدلالة.
أمّا المقام الأوّل : فيقع الكلام فيه في موردين:
الأوّل: في بيان ظهور الثمرة بين الصور المتقدمة في فرض كون الترك متعلقاً للأمر مستقلاً.
الثاني : في بيان ظهورها بين تلك الصور في فرض كونه متعلقاً للأمر ضمناً.
أمّا الكلام في المورد الأوّل : فتظهر الثمرة بين تلك الصور في موضعين :
الأول : فيما إذا فرض أنّ المكلف قد اضطر إلى إيجاد بعض أفراد الطبيعة في الخارج [التي ] كان المطلوب تركها فيه، كأن اضطر إلى إيجاد بعض محرّمات الإحرام في الخارج، أو اضطر إلى ترك الصوم في بعض آنات اليوم.
فعلى الصورة الأولى، وهي ما كانت المصلحة قائمة بصرف تركها، فإن تمكن المكلف من صرف الترك فى هذا الحال وجب عليه ذلك، وإلّا فيسقط الأمر المتعلق به لا محالة، لفرض أنه غير مقدور له.
وبكلمة واضحة : أنّ الاضطرار المزبور لا يخلو من أن يكون مستوعباً لتمام وقت الواجب، كما إذا اضطر إلى إيجاد بعض تلك المحرمات إلى آخر وقته، أو لا يكون مستوعباً له.
فعلى الأوّل، لا محالة يسقط الأمر المتعلق بصرف الترك، لعدم قدرته عليه، فهو نظير ما إذا اضطرّ المكلف إلى ترك الصلاة مثلاً في تمام وقتها، فانّه لا إشكال عندئذ في سقوط الصلاة عنه.
وعلى الثاني، لا يسقط الأمر عنه بالضرورة، لفرض أن الواجب هو الجامع، لا خصوص الفرد المضطر إليه، والمفروض أنّه مقدور للمكلف، ومعه لا محالة لا يسقط عنه، فيكون نظير ما لو اضطرّ المكلف إلى ترك الصلاة في بعض أوقاتها، فانّه لا إشكال في أنّ ذلك لا يوجب سقوط الأمر بالصلاة عنه، لفرض أنّ الواجب هو الجامع بين المبدأ والمنتهى لا خصوص هذا الفرد المضطر إليه أو ذاك، وهذا واضح.
وعلى الصورة الثانية، وهي ما كانت المصلحة قائمةً بتمام تروك الطبيعة على نحو الانحلال والعموم الاستغراقي، فلابد من الاقتصار على خصوص الف-رد المضطر إليه، ولا يجوز ارتكاب فرد آخر زائداً على هذا الفرد، والوج-ه ف-يه واضح، وهو أن المجعول في هذه الصورة على الفرض أحكام متعددة بعدد تروك أفراد هذه الطبيعة في الخارج، فيكون ترك كل واحد منها واجباً مستقلاً ومناطاً للاطاعة والمعصية، ومن الظاهر أنّ الاضطرار إلى ترك واجب لا يوجب جواز ترك واجب آخر، وفي المقام الاضطرار إلى إيجاد فردٍ منها في الخارج لا يوجب جواز إيجاد فرد آخر منها...وهكذا، ضرورة أن سقوط التكليف عن بعض منها - لأجل اضطرار أو نحوه - لا يوجب سقوطه عن آخر، وجواز عصيانه بعد ما كان التكليف المتعلق بكل منهما تكليفاً مستقلاً غير مربوط بالآخر، فانّه بلا موجب، ومن المعلوم أن سقوط التكليف بلا موجب وسبب محال.
وعلى الصورة الثالثة، وهي ما كانت المصلحة قائمةً بمجموع التروك الخارجية على نحو العموم المجموعي، لا محالة يسقط التكليف المتعلق بالمجموع المركب من هذه التروك، لفرض أنّه تكليف واحد شخصي متعلق به، فإذا فرض أن المكلف لا يقدر عليه لاضطراره إلى إيجاد بعض أفراد هذه الطبيعة في الخارج، ومعه لا يتمكن من ترك هذه الطبيعة فيه بجميع أفرادها، وإذا لم يتمكن منه فلا محالة
يسقط التكليف عنه، فيكون كما إذا تعلق التكليف بمجموع أفراد هذه الطبيعة على نحو العموم المجموعي، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، ضرورة أنه لا فرق في الأحكام المترتبة على العموم المجموعي بين أن يكون هذا العموم ملحوظاً بين تروك الطبيعة في الخارج، وأن يكون ملحوظاً بين وجوداتها وأفرادها فيه وهذا واضح.
وعلى ضوء ذلك لا يجب عليه الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه بل يجوز له إيجاد فردٍ ثانٍ وثالث...وهكذا، لفرض أنّ الأمر المتعلق بمجموع تروكها قد سقط، ومعه لا مانع من إيجاد البقية في الخارج أصلاً، إلّا إذا فرض قيام الدليل على وجوب الباقي.
وقد تحصّل من ذلك : أنّ مقتضى القاعدة في أمثال المقام هو سقوط التكليف عن المجموع المركب بسقوط جزء منه أو قيده، ووجوب الباقي يحتاج إلى دليل خارجي، فإن دلّ دليل من الخارج على وجوبه فهو، وإلا فلا نلتزم به.
وعلى الصورة الرابعة، وهي ما كانت المصلحة قائمة بعنوان وجودي بسيط متولد من تروك هذه الطبيعة في الخارج، أيضاً يسقط التكليف المتعلق ب-ه، وذلك لفرض أنّ هذا العنوان مسبب عن ترك جميع أفراد هذه الطبيعة خارجاً، فإذا فرض اضطرار المكلف إلى إيجاد بعض أفرادها في الخارج، لا محالة لا يتحقق ذلك العنوان المعلول لترك جميعها، لاستحالة وجود المعلول بدون وجود علته التامة.
فالنتيجة من ذلك : هي أنّ الثمرة تظهر بين الوجه الأول والثاني، كما أنها تظهر بينهما وبين الوجهين الأخيرين، وأما بينهما - أي بين الوجهين الأخيرين - فلا تظهر كما عرفت.
الثاني : فيما لو شككنا في فرد أنّه من أفراد الطبيعة التي كان المطلوب تركها أم لا.
فعلى الصورة الأولى : لا يجب تركه لفرض أنّ المطلوب في هذه الصورة صرف تركها، والمفروض أنه يتحقق بتركها آناً ما، ومعه أي مع تركها آناً ما - يجوز له إيجادها في الخارج في ضمن أفرادها المتيقنة في بقية الآنات والأزمنة فضلاً عن أفرادها المشكوكة، وهذا ظاهر.
وعلى الصورة الثانية : فيما أنّ مردّ الشك في كون هذا الموجود فرداً له أو ليس بفرد له، إلى الشك في تعلق التكليف به، فلا مناص من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه، لفرض أنّه شك في تكليف مستقل، وهو القدر المتيقن من موارد الرجوع إليها.
وعلى الصورة الثالثة : فما أنّ المورد داخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، فلا محالة يرتكز جريان البراءة فيه وعدم جريانها على القول بجريان البراءة وعدمه في تلك المسألة، فإن قلنا فيها بجريان أصالة البراءة عن وجوب الأكثر العقلية والنقلية، فنقول بها كذلك في المقام أيضاً، وإن لم نقل به فيها فلا نقول هنا أيضاً، وحيث إنّا قد اخترنا في تلك المسألة جريان أصالة البراءة عن وجوبه عقلاً وشرعاً، فلا مناص من الالتزام به في المقام.
وقد ذكرنا هناك (1)أنه لا وجه لما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من التفصيل بين البراءة الشرعية والعقلية، فالتزم بجريان الأولى دون الثانية، وذلك لأنّ ما توهم من المانع عن جريان البراءة العقلية هنا منحصر في أمرين لا ثالث لهما :
1) كفاية الأصول : 363 - 366.
أحدهما : دعوى أنّ العلم الاجمالي هنا غير منحل.
ثانيها : دعوى وجوب تحصيل الغرض في المقام، ومن الواضح جداً أن كلاً منهما لو تم، فكما أنّه مانع عن جريان البراءة العقلية، فكذلك مانع عن جريان البراءة الشرعية، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.
بيان ذلك ملخصاً : هو أنه لو بنينا على أنّ انحلال العلم الاجمالي في المقام يبتنى على أن يُثبت جريان البراءة الشرعية عن جزئية المشكوك فيه تعلق التكليف بالأقل على نحو الاطلاق وعدم دخل الجزء المشكوك فيه في الواجب، لم يمكن إثباته باجراء أصالة البراءة الشرعية عنها، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الاطلاق كالتقييد أمر وجودي، فانّ الأوّل عبارة عن لحاظ الطبيعة لا بشرط، والثاني عبارة عن لحاظها بشرط شيء، ومن المعلوم أنهما أمران متضادان، فإذا دار أمر التكليف بين تعلقه بالطبيعة على النحو الأوّل، وتعلقه بها على النحو الثاني، فأصالة البراءة عن تعلقه بها على النحو الثاني لا تثبت تعلقه بها على النحو الأوّل - وهو الاطلاق - إلا على القول بالأصل المثبت.
نعم، لو كان الاطلاق أمراً عدمياً عبارة عن عدم التقييد، فأصالة البراءة عن التقييد تثبت الاطلاق، إلّا أنّ هذا الفرض خاطئ وغير مطابق للواقع.
فالنتيجة : هي أنّ البراءة الشرعية كالعقلية غير جارية.
وكذا لو بنينا على وجوب تحصيل الغرض في المقام، فانّه عندئذ لا أثر لجريان أصالة البراءة عن الجزء المشكوك فيه، لفرض أنها لا تثبت كون الغرض المعلوم مترتباً على الأقل إلا على القول بالأصل المثبت ومعه لا محالة نشك في حصوله باتيانه. فإذن لا بد من الالتزام باتيان الأكثر ليعلم بحصوله وتحققه في الخارج.
ونتيجة ذلك هي عدم جريان البراءة الشرعية كالعقلية من دون فرق بينهما
من هذه الناحية أصلاً.
ولكن قد ذكرنا في محلّه (1)أنّ شيئاً من الأمرين لا يكون مانعاً عن إجراء البراءة الشرعية والعقلية.
أمّا العلم الاجمالي، فقد ذكرنا هناك أنّ انحلاله لا يتوقف على إثبات الاطلاق ليقال إنّ البراءة عن التقييد لا تثبت الاطلاق بل يكفي في انحلاله جريان البراءة في أحد الطرفين بلا معارض لعدم جريانها في الطرف الآخر، والمفروض أنّ الأمر في المقام كذلك، وذلك لأنّ البراءة لا تجري عن الاطلاق، لفرض أنّ-ه توسعة للمكلف ولا ضيق فيه أصلاً، ومن المعلوم أن البراءة سواء أكانت شرعية أم عقلية إنما ترفع الضيق عن المكلف والكلفة عنه ليكون في رفعه منّةً عليه، والفرض أنّه لا كلفة ولا ضيق في طرف الاطلاق أصلاً، فإذن تجري البراءة عن التقييد بلا معارض.
ومن المعلوم أنه لا يفرق فيه بين البراءة الشرعية والعقلية، بل كلتاهما تجري بملاك واحد، وهو أنّ التقييد بما أنّ فيه كلفةً زائدةً ولم يقم بيان عليها من قبل الشارع، والاطلاق لا كلفة فيه، فلذا لا مانع من جريان البراءة عنه مطلقاً، أما البراءة الشرعية فواضح. وأما البراءة العقلية فلتحقق موضوعها هنا - وهو عدم البيان - ومعه لا محالة تجري كما هو ظاهر فإذن لا وجه للتفرقة بينهما أصلاً.
وأمّا الغرض، فلفرض أنّه لا يزيد عن التكليف بل حاله حاله، وذلك لما ذكرناه مراراً من أنّه لا طريق لنا إلى إحرازه في مورد مع قطع النظر عن ثبوت التكليف فيه، وعليه فلا محالة تدور سعة إحراز الغرض وضيقه مدار سعة
1) راجع مصباح الأصول 2: 499 وما بعدها.
التكليف وضيقه، فلا يعقل أن يكون الغرض أوسع منه.
وعلى هذا فما أنّ التكليف المتعلق بالأكثر غير واصل إلى المكلف، لما عرفت من انحلال العلم الاجمالي، فلا محالة يكون الغرض المترتب عليه في الواقع أيضاً غير واصل لفرض أنّ وصوله تابع لوصول التكليف، فإذا فرض أنّ التكليف لم يصل فالغرض أيضاً كذلك، ومن الظاهر أنّه لا يجب تحصيل مثل هذا الغرض لا بحكم العقل ولا بحكم الشرع لفرض أنّه لا يزيد عن التكليف، والمفروض في المقام أنه لا يجب امتثال هذا التكليف من جهة عدم تنجزه ووصوله، فإذن لا مانع من قبل وجوب تحصيل الغرض من إجراء البراءة عن وجوب الأكثر شرعاً وعقلاً كما هو واضح.
وأما التكليف المتعلق بالأقل، فيما أنّه واصل إلى المكلف ومنجز، فلا محالة يكون الغرض المترتب عليه واصلاً،أيضاً، ومعه يجب تحصيله، كما يجب امتثال التكليف المتعلق به.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّ الغرض المترتب على الأكثر بما أنّه مشكوك فيه من جهة، ولم يقم برهان عليه من جهة أخرى، فلا محالة لا يمنع عن جريان البراءة عن وجوبه.
ومن ذلك يظهر أنه لا فرق بين البراءة الشرعية والعقلية، فانّه كما لا يمنع عن جريان الأولى، كذلك لا يمنع عن جريان الثانية، ضرورة أن مانعيته إنما هي في فرض كون تحصيله واجباً بحكم العقل، وقد عرفت أن العقل لا يحكم بوجوب تحصيله، إلا فيما إذا وصل إلى المكلف لا مطلقاً.
فما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من التفكيك بين البراءة
1) تقدّم ذكر المصدر في ص 314.
الشرعية والعقلية في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وتمام الكلام هناك.
وأمّا الكلام في المورد الثاني، وهو بيان الثمرة بين الصور المتقدمة في فرض كون الترك متعلقاً للوجوب الضمني، فأيضاً تظهر الثمرة بينها في موردين:
الأوّل : فيما إذا اضطر المكلف إلى إيجاد بعض أفراد الطبيعة [التي ] كان المطلوب تركها في الخارج في ضمن واجب كالصلاة مثلاً أو نحوها، كما إذا اضطر إلى لبس الثوب المتنجس أو الميتة أو ما لا يؤكل لحمه في الصلاة.
فعلى الصورة الأولى، بما أنّ المطلوب هو صرف ترك هذه الطبائع في ضمنها وأنها متقيدة به، فلا محالة يحصل المطلوب بترك فردٍ ما منها في الخارج، ولا يجب عليه ترك بقية أفرادها، وذلك لما عرفت من أن صرف الترك كصرف الوجود فكما أنّ صرف الوجود يتحقق بأوّل الوجودات، فكذلك صرف الترك يتحقق بأوّل التروك، فإذا حصل صرف الترك بأوّل الترك حصل الغرض، ومعه يسقط الأمر، فإذن لا أمر بترك بقية أفرادها، بل لا مقتضي له، لفرض أنه قائم بصرف الترك لا بمطلقه، كما أن عصيانه يتحقق بايجاد أوّل فرد منها في الخارج في ضمن الصلاة ولو في آن.
وعلى الجملة : فعلى هذه الصورة يكفي في صحة الصلاة ترك هذه الطبائع فيها آناً ما، ولا يلزم تركها في تمام آنات الاشتغال بالصلاة، بل لا مقتضي له. ويترتب على ذلك أنّ المانع عنها في هذه الصورة إنما هو وجود هذه الطبائع في تمام آنات الاشتغال بها، ولا أثر لوجودها في بعض تلك الآنات أصلاً، والسر فيه واضح، وهو أن المطلوب حيث كان صرف ترك هذه الطبائع في الصلاة، فمن المعلوم أنه يتحقق بترك لبسها آناً ما فيها، وإن لم يترك في بقية آنات الاشتغال بها، لصدق صرف الترك عليه، ومعه يحصل المطلوب ويسقط الأمر
لا محالة، ولازم ذلك هو أنّ المانع لبس هذه الأمور في جميع آنات الصلاة، وهذا واضح.
وعلى الصورة الثانية، وهي كون المطلوب ترك جميع أفراد هذه الطبائع في الصلاة على نحو الانحلال والعام الاستغراقي، وجب الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، وذلك لفرض أنّ الصلاة على هذا متقيدة بترك كل فرد من أفرادها في الخارج على نحو الاستقلال، ولازم ذلك هو أن وجود كل منها مانع مستقل عنها، فلا تكون مانعيته مربوطة بمانعية فرد آخر...وهكذا.
وبكلمة أخرى : حيث إنّ المفروض في هذه الصورة هو أنّ ترك كل واحد من أفراد هذه الطبائع مطلوب على نحو الاستقلال، فلا محالة يكون وجود كل منها مانعاً مستقلاً، ضرورة أنا لا نعني بالمانع إلّا ما يكون عدمه دخيلاً في الواجب. وعلى هدى ذلك فإذا فرض أنّ المكلف اضطر إلى إيجاد ف--رد م-ن أفرادها، وجب عليه الاقتصار على خصوص هذا الفرد المضطر إليه ولا يسوغ له إيجاد فرد آخر منها، فلو أوجده لبطلت صلاته، لفرض أنّ ترك كلّ منها مطلوب مستقلاً وأنّه زيادة في المانع.
ويترتب على ما ذكرناه أنّه يجب التقليل في أفراد تلك الطبائع بالمقدار الممكن ويلزم الاقتصار على قدر الضرورة، ولا يجوز ارتكاب الزائد، وذلك كما إذا فرض نجاسة طرفي ثوب المكلف مثلاً، وفرض أنه متمكن من إزالة النجاسة عن أحد طرفيه دون الطرف الآخر، كما إذا كان عنده ماء بمقدار يكفي لازالة النجاسة عنه دون الآخر، ففي مثل ذلك يجب عليه تقليل النجاسة وإزالتها عن أحد طرفي ثوبه لفرض أنّ كل فرد منها مانع مستقل، وترك كل فرد منها مطلوب كذلك، فإذا فرض أنّ المكلف اضطر إلى إيجاد مانع فلا يجوز له إيجاد مانع آخر...وهكذا، فانّ الضرورة تتقدّر بقدرها، فلو أوج-د ف-رداً
آخر زائداً عليه لكان موجباً لبطلان صلاته.
وكذا إذا فرض نجاسة ثوبه وبدنه معاً، فعندئذ إذا كان عنده ماء بمقدار يكفى لازالة النجاسة عن أحدهما وجبت الازالة بالمقدار الممكن.
وكذا إذا فرض نجاسة مواضع من بدنه وفرض أنه متمكن من إزالة النجاسة عن بعضها وجبت الازالة الممكنة.
وكذا الأمر فيما إذا فرض نجاسة مواضع من بدنه أو ثوبه، ولكنّه متمكن من تقليله بحسب الكم، وجب تقليله...وهكذا.
وعلى الجملة : فالاضطرار إلى إيجاد مانع في الخارج لا يوجب سقوط الصلاة، لفرض أنّها لا تسقط بحال، كذلك لا يوجب سقوط مانعية فرد آخر، لفرض أنّ كلاً منها مانع مستقل.
ونتيجة ما ذكرناه هي وجوب التقليل في أفراد النجس والميتة وما لا يؤكل ونحو ذلك في الصلاة من الأفراد العرضية والطولية بالمقدار الممكن، ولزوم الاقتصار على قدر الضرورة.
بل إنّ السيّد العلّامة الطباطبائي (قدس سره) (1)قد أفتى في العروة بوجوب التقليل حكماً، فضلاً عن التقليل موضوعاً، كما إذا فرض تنجس الثوب بملاقاة البول المعتبر في طهارته تعدد الغسل، ولكن كان عنده ماء بمقدار يكفى لغسلة واحدة، أو كان هناك مانع عن الغسلة الثانية، فيجب غسله مرة واحدةً، لأنه يوجب تخفيف النجاسة وزوال المرتبة الشديدة.
وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) من وجوب تقليل النجاسة حكماً لا يتم صغرى وكبرى.
1) العروة الوثقى 1: 82 المسألة [285].
أما بحسب الصغرى، فلما ذكرناه غير مرّة من أن الأحكام الشرعية - بشتى أنواعها وأشكالها - أمور اعتبارية محضة وليس لها واقع موضوعي ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، ومن الطبيعي أنّ الأمور الاعتبارية لا تتصف بالشدّة مرّة وبالضعف مرّة أخرى ضرورة أنهما من الصفات العارضة على الأمور الخارجية والموجودات التكوينية، كالسواد والبياض وما شاكلها. وأمّا الأمور الاعتبارية فالمفروض أنه ليس لها واقع خارجي ووجود إلا في عالم الاعتبار، فهي لا تتصف في ذلك العالم إلا بالوجود والعدم، إذ أنها عند اعتبار م-ن له الاعتبار موجودة وعند عدم اعتباره معدومة.
وبعد ذلك نقول : إنّ النجاسة بما أنّها حكم شرعي فليس لها واقع موضوعي ما عدا اعتبار الشارع لها للأشياء بالذات، كما في الأعيان النجسة، أو بالعرض كما في الأعيان المتنجسة، لحكمة دعت إلى ذلك الاعتبار، ومن المعلوم أنّ هذا الاعتبار لا يتصف بالشدّة والضعف، فلا يقال إنّ اعتبار نج-اس-ة شيء عند ملاقاته للبول شديد واعتبار نجاسته عند ملاقاته للدم مثلاً ضعيف، ضرورة أنه لا فرق بين الاعتبارين من هذه الناحية أصلاً، ولا يعقل اتصافها بالشدّة تارةً وبالضعف أخرى.
وعلى الجملة : فليس في المقام عند التحليل إلا اعتبار الشارع نجاسة الثوب مثلاً عند ملاقاته للبول، واعتبار طهارته عند غسله في الماء مرتين مطلقاً، أو في خصوص الماء القليل على الخلاف في المسألة، فتكون ملاقاته للبول موضوعاً لحكم الشارع بنجاسته، وغسله في الماء مرتين موضوعاً لحكمه بطهارته، ومن الواضح أنّ الموضوع ما لم يتحقق في الخارج لا يترتب عليه حكمه.
وعلى ضوء ذلك فلا أثر لتحقق الغسلة الواحدة بالاضافة إلى الحكم بالطهارة ما لم تتحقق الغسلة الثانية، لفرض أنها جزء الموضوع، ولا أثر له ما لم يتحقق
جزؤه الآخر أيضاً، وعند تحقق الغسلة الثانية يتحقق الموضوع، فيترتب عليه حكمه وهو الطهارة في المثال. كما أنّه ربّما اعتبر الشارع في حصول الطهارة لشيء خصوصية أخرى زائداً على غسله بالماء، وهي المسح بالتراب أو نحوه، ولكن من المعلوم أنّ كل ذلك لمصلحة يراها الشارع وليس أمراً جزافاً، لاستحالة صدور الجزاف منه، كما أنّ من الضروري أنها لا توجب كون اعتبار النجاسة في مثل هذه الموارد أشد من اعتبارها في غيره من الموارد، لما عرفت من أنّ الاعتبار بما هو لا يمكن أن يتصف بالشدّة والضعف، ضرورة أنهما من صفات وعوارض الأمور الخارجية، لا الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها في الخارج.
نعم، يمكن اختلاف المعتبر في الشدّة والضعف، فيكون المعتبر نجاسة شديدة لشيء ونجاسة ضعيفة لشيء آخر، كما ورد ذلك في الناصب أنّه أنجس من الكلب والخنزير (1)إلا أنّ ذلك أجنبي عن محل البحث وحصول ضعف في نجاسة المتنجس بغسله مرّة واحدة.
وإن شئت فقل : إنّ الاعتبار - بما هو - وإن كان غير قابل للاتصاف بالشدّة تارةً والضعف أخرى، إلّا أنّه لا مانع من اعتبار الشارع نجاسة شديدة لشيء ونجاسة ضعيفة لآخر بملاك يقتضي ذلك، فانّ هذا بمكان من الوضوح، ولكن هذا غير ما نحن بصدده كما لا يخفى.
وقد يتخيل في المقام أنّه لا شبهة في تفاوت الأحكام الشرعية من حيث القوّة والضعف والأهمية، وعدمها ضرورة أنها ليست في رتبة واحدة وعلى نسبة فاردة كما هو ظاهر، وعليه فكيف يمكن نفي التفاوت بينها وعدم اتصافها بالشدّة والضعف.
1) ورد مضمونه في الوسائل 1 : 220 أبواب الماء المضاف ب 11 ح 5.
ولكن هذا الخيال خاطئ وغير مطابق للواقع، وذلك لأن مركز نفي الشدّة والضعف عن الأحكام الشرعية إنّما هو نفس الاعتبار الشرعي بما هو اعتبار، ومن المعلوم أنه غير قابل للاتصاف بهما أبداً كما مر. وأما اتصاف الحكم بكونه أهم من آخر وأقوى منه، فانّما هو باعتبار الملاك المقتضي له، بمعنى أن ملاكه أقوى من ملاكه وأهم منه لا باعتبار نفسه، ضرورة أنّ الأحكام الشرعية بملاحظة أنفسها في رتبة واحدة وعلى نسبة فاردة، فليس هذا الاعتبار بما هو اعتبار أقوى وأهم من اعتبار آخر وهكذا...فإذن يكون اتصافها بالأقوائية والأهمية إنّما هو بالعرض والمجاز، لا بالذات والحقيقة، والمتصف بهما بالذات والحقيقة إنّما هو ملاكات تلك الأحكام كما لا يخفى.
وأما بحسب الكبرى، فعلى تقدير تسليم الصغرى - وهي قبول النجاسة لوصف الشدّة تارةً ولوصف الضعف تارة أخرى - فلأنه لا دليل على وجوب تقليل النجاسة عن البدن أو الثواب بحسب الكيف، وذلك لأن الأدلة ناظرة إلى مانعية الأفراد بحسب الكم، وأنّ كل فرد من أفراد النجس إذا كان في ب-دن الانسان أو ثوبه مانع عن الصلاة، ولا تكون ناظرةً إلى مانعيتها بحسب الكيف، وأنّ شدّتها زيادة في المانع.
وبتعبير آخر : أنّ الأدلة تدل على الانحلال الكمي، وأن كل فرد من أفراد هذه الطبيعة مانع، ولا تدل على أنّ شدّته مانع آخر زائداً على أصله ليجب رفعها عند الامكان وعليه فلا فرق بين الفرد الشديد والضعيف في المانعية بالنظر إلى الأدلة، ولا تكون شدّته زيادةً في المانع بعد ما كان موجوداً في الخارج بوجود واحد. وعليه فالعبرة في وحدة المانع وتعدده إنما هي بوحدة الوجود خارجاً وتعدده، فإن كان في الخارج موجوداً بوجود واحد فهو فرد واحد من المانع وإن كان وجوده شديداً، وإن كان موجوداً بوجودين فهو فردان من المانع
وهكذا...
فالنتيجة : هي أنه لا دليل على وجوب التخفيف الحكمي والكيفي.
وعلى الصورة الثالثة : وهي ما كان المطلوب مجموع تروك الطبيعة على نحو العموم المجموعي، فلا يجب التقليل والاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ المطلوب في هذه الصورة تقيد الصلاة بترك مجموع أفراد هذه الطبائع في الخارج على نحو العام المجموعي، وليس ترك كلُّ منها مطلوباً مستقلاً، بل المجموع مطلوب بطلب واحد شخصي.
وعلى هذا فإذا فرض أنّ المكلف اضطر إلى إيجاد بعض أفراد تلك الطبائع في الصلاة، لا يقدر على إتيان الصلاة مقيدةً بالقيد المزبور. وعليه فلا أثر لايجاد فرد آخر غير هذا الفرد المضطر إليه، ضرورة أنّه سواء أوجد فرداً آخر غيره أم لم يوجد، فلا يقدر على الصلاة مع ذلك القيد.
وإن شئت قلت: إنّ مردّ هذه الصورة إلى أنّ المانع عن الصلاة إنم-ا ه-و الوجود الأوّل، ضرورة أن ينتفي القيد المذكور. ومن المعلوم أنه مع انتفائه لا أثر للوجود الثاني والثالث وهكذا...ولا يتصف شيء منهما بالمانعية، لعدم المقتضي لهذا الاتصاف أصلاً، كما هو ظاهر. وعلى هذا يجوز له إيجاد فرد آخر بارادته واختياره.
ويترتب على ذلك: أنّه في الأمثلة المتقدمة لا يجب عليه التقليل، بل له أن يصلي مع نجاسة ثوبه وبدنه مع فرض تمكنه من تطهير أحدهما وإزالة النجاسة عنه، بل لو كان عنده ثوبان متنجسان يجوز له أن يصلّي فيهما معاً عند اضطراره إلى الصلاة في أحدهما، ولا يجب عليه الاقتصار فيها على أحدهما، والسر فيه : ما ذكرناه من أنّ الصلاة متقيّدة بمجموع تروك أفراد النجس أو الميتة أو م-ا لا يؤكل أو نحو ذلك على نحو العموم المجموعي، ففيها تقييد واحد بالاضافة إلى
مجموع التروك، لا تقييدات متعددة.
وعليه فإذا اضطرّ المكلف إلى الصلاة في شيء من أفراد هذه الطبائع، كأن اضطر إلى الصلاة في الثوب المتنجس أو فيا لا يؤكل أو غير ذلك، فلا محالة ينتفي ذلك القيد، لعدم القدرة على إتيانها معه. ومن الواضح جداً أنه لا يفرق في ذلك بين أن يقتصر المكلف على خصوص الفرد المضطر إليه أو يأتي بفرد آخر أيضاً، كأن يلبس ثوباً متنجساً آخر زائداً على الفرد المضطر إليه باختياره وإرادته، بداهة أنه لا دخل للفرد الثاني أصلاً، فيكون وجوده وعدمه سيان، لفرض أنّ عدمه بالخصوص غير دخيل في الواجب، والدخيل فيه إنما هو عدم المجموع، والمفروض أنّ المكلف لا يقدر عليه. فإذن يستحيل أن يتصف الفرد الثاني أو الثالث بالمانعية، ومعه لا مانع من أن يأتي به باختياره وإرادته أصلاً. كما أنّ المطلوب لو كان هو صرف الوجود يستحيل أن يتصف الفرد الثاني أو الثالث بالمطلوبية، وهذا من الواضحات الأولية.
وعلى الصورة الرابعة : وهي ما كانت الصلاة متقيدة بعنوان ما كانت الصلاة متقيدة بعنوان وجودي بسيط متحصل من مجموع تروك هذه الطبائع، فالحال فيها هي الحال في الصورة الثالثة، بمعنى أنّ المكلف إذا اضطر إلى الصلاة في شيء من أفراد هذه الطبائع في الخارج، كأن اضطر إلى الصلاة في الثوب المتنجس أو الميتة أو ما لا يؤكل، فلا محالة لا يتحقق العنوان المزبور، ولا يقدر المكلف على الصلاة مع هذا القيد ضرورة أنه مسبب عن مجموع تروك الطبيعة ومعلول لها، ومع الاخلال بواحد منها لا محالة لا يوجد بداهة استحالة وجود المعلول بدون وجود علته التامة.
وعلى الجملة : فالصلاة لم تكن متقيدةً بنفس تروك تلك الطبائع على الفرض، بل هي متقيدة بعنوان متولد من تلك التروك في الخارج، فلا شأن لهذه التروك إلا كونها محصلة لقيد الواجب - وهو الصلاة في مفروض الكلام - ومقدّمةً
لحصوله، وإلا فهى أجنبية عما هو مراد الشارع وليست بمطلوبة له، فإذا فرض أنّ لمجموع هذه التروك دخلاً في تحقق هذا العنوان، بحيث يكون دخل كل منها فيه بنحو جزء السبب والمؤثر لاتمامه، فلا محالة ينتفي ذلك القيد بانتفاء واحد منها وانقلابه إلى الوجود باضطرار أو نحوه.
وعليه فلا أثر لانقلاب ترك الفرد الثاني أو الثالث وهكذا...إلى الوج--ود أصلاً، وذلك لفرض أنّ ترك كل منها ليس مطلوباً، والمطلوب إنّما هو تقيد الصلاة بالعنوان المذكور، وهو منتفٍ في هذا الحال، سواء أوجد المكلف فرداً آخر زائداً على هذا الفرد المضطر إليه أم لا، فإذن لا يجب الاق-ت-ص-ار ع-لى خصوص هذا الفرد، ويجوز له إيجاد فرد آخر باختياره.
وقد تحصل من ذلك : أنّه لا فرق بين هذه الصورة والصورة الثالثة بحسب النتيجة، وهي عدم وجوب الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه.
نعم، بينهما فرق في نقطة أخرى وهي أنّ في الصورة الثالثة كانت الصلاة متقيدة بنفس التروك الخارجية بعنوان العموم المجموعي، وفي هذه الصورة متقيدة بعنوان وجودي متحصل منها.
ونتيجة ما ذكرناه هي أن:
في الصورة الأولى : لا يجب على المكلف إلا ترك هذه الطبائع، أعني ترك لبس النجس والميتة وما لا يؤكل ونحو ذلك في الصلاة آناً ما، ولا يلزم تركها في جميع آنات الاشتغال بها، وذلك لما عرفت من أنّ المطلوب في هذه الصورة هو صرف تركها وهو على الفرض يتحقق بتركها آناً ما، كما هو واضح.
وفي الصورة الثانية : يجب عليه الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، ولا يجوز له إيجاد فرد آخر زائداً عليه، وإلا لبطلت صلاته لفرض أنه مانع
مستقل ولم يضطر إليه.
وفي الصورة الثالثة والرابعة : لا يجب عليه الاقتصار على خصوص الف-رد المضطر إليه، بل يجوز له إيجاد الفرد الثاني والثالث وهكذا...باختياره.
الثاني : ما إذا شككنا في مانعية مانعية شيء شيء عن الصلاة مثلاً لشبهة موضوعية، فإن كان هناك أصل موضوعي يمكن أن تحرز به المانعية أو عدمها، كما إذا شككنا في طهارة ثوب أو نجاسته، وجرى فيه استصحاب النجاسة أو قاعدة الطهارة، فلا كلام فيه ولا إشكال.
وأما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي، كما لو شككنا في مانعية ثوب عن الصلاة مثلاً من جهة الشك في أنّه متخذ من أجزاء ما لا يؤكل لحمه أو غير متخذ منه، ففي مثل ذلك لا أصل موضوعي يحرز به أحد الأمرين مع قطع النظر عن جريان استصحاب العدم الأزلي فيه، أو العدم النعتي المحرز لعدم كونه متخذاً من أجزاء ما لا يؤكل.
بيان ذلك : هو أنا إذا بنينا في تلك المسألة - أعني مسألة اللباس المشكوك فيه - على جريان استصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتي فيها بالتقريب الآتي، كما هو مختارنا في هذه المسألة فهي خارجة عن مفروض كلامنا، إذ بهذا الاستصحاب نحرز أنّ هذا اللباس غير متخذ من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، فلا يبقى لنا شك عندئذ في مانعيته أصلاً.
أما تقريب جريانه على النحو الأوّل في هذه المسألة : هو أن مادة هذا الثوب في زمان لم تكن موجودةً يقيناً، ضرورة أنها ليست أزلية، وكذا اتصافها بكونها من أجزاء ما لا يؤكل، لوضوح أنه أمر حادث مسبوق بالعدم، ثم وجدت مادته، وبعد وجودها لا محالة نشك في اتصافها بالوصف المزبور وأنّ هذا
الاتصاف تحقق في الخارج أم لا، فعندئذ لا مانع من استصحاب عدم اتصافها به، وبذلك نحرز أن مادة هذا الثوب ليست من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، فإذن لا مانع من الصلاة فيه، إذ المفروض جواز الصلاة في ثوب لم يكن من أجزاء ما لا يؤكل، وهذا ثوب لم يكن منها، أما كونه ثوباً فبالوجدان، وأمّا أنّه ليس من أجزاء ما لا يؤكل فبالتعبد فبضم الوجدان إلى الأصل يلتئم موضوع الأثر.
وعلى الجملة : فهنا أمران كلاهما مسبوق بالعدم، أحدهما : مادة هذا الثوب وأجزاؤه الأصلية. ثانيهما: اتصافها بكونها من أجزاء ما لا يؤكل. أما الأم--ر الأوّل : فقد تحقق في الخارج ووجدت مادة هذا الثوب. وأمّا الأمر الثاني : فهو مشكوك فيه فإنّا نشك فى أنّ تلك المادة والأجزاء هل وجدت متصفةً بهذه الصفة أو لم توجد كذلك، فالذي نتيقن به هو وجود تلك المادة في الخارج، وأمّا اتصافها بهذه الصفة فهو مشكوك فيه فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدمه، للشك في انتقاض هذا العدم إلى الوجود فنستصحب بقاءه على حاله، وبذلك نحرز أن مادة هذا الثوب لم تؤخذ من أجزاء ما لا يؤكل، فلا مانع عندئذ من إيقاع الصلاة فيه. وتمام الكلام في محله.
وأما تقريب جريانه على النحو الثاني في هذه المسألة : هو أن مادة هذا الثوب في زمان كانت موجودة، ولم تكن في ذلك الزمان جزءاً لما لا يؤكل وهو زمان كونها نباتاً مثلاً، ثمّ نعلم بانتقالها من الصورة النباتية وصيرورتها جزءاً للحيوان، ولكن لا نعلم أنها صارت جزءاً للحيوان غير المأكول أم لا، وحيث إنا نعلم بعدم كونها جزءاً له في حال كونها نباتاً، ثم بعد ذلك نشك في أنها صارت جزءاً له أم لا، فعندئذ لا مانع من استصحاب عدم صيرورتها جزءاً له وبذلك نحرز أن مادة هذا الثوب ليست من أجزاء ما لا يؤكل
ودعوى أنّ هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم انتقالها من الصورة النباتية وصيرورتها جزءاً للحيوان المأكول خاطئة جداً، وذلك لأنّ هذا الاستصحاب غير جارٍ في نفسه، ليعارض الاستصحاب المزبور، لعدم ترتب أثر شرعي عليه إلا على القول بالأصل المثبت، فانّ الأثر الشرعي - وهو صحة الصلاة - إنما يترتب على عدم كونها جزءاً من غير المأكول، لا على كونها جزءاً من المأكول، كما أن بطلانها إنّما يترتب على كونها جزءاً من غير المأكول لا على عدم كونها جزءاً من المأكول وهذا واضح، فإذن لا وجه لهذه الدعوى أصلاً.
فالنتيجة هي أنه بناءً على ما حققناه في تلك المسألة (1)من جريان استصحاب العدم الأزلي فيها أو العدم النعتي بالتقريب المزبور، لا تصل النوبة إلى الأصل الحكمي من أصالة البراءة أو الاشتغال، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنّه قد مرّ أنّ محل الكلام في المقام إنما هو فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي، ويترتب على ضوئها أنّ هذه المسألة - بناءً على هذه النظرية - خارجة عن محل الكلام. نعم، لو بنينا فيها على عدم جريان هذا الاستصحاب - أعني استصحاب العدم الأزلي والعدم النعتي معاً - فتدخل المسألة في محل الكلام، ولا بد عندئذ من الرجوع إلى الأصل الحكمي من أصالة البراءة أو الاحتياط، ومن الواضح أنّه يختلف باختلاف الصور المتقدمة، بيان ذلك :
أمّا على الصورة الأولى : فيما أنّ المطلوب هو صرف ترك لبس النجس والميتة وما لا يؤكل ونحو ذلك في الصلاة، والمفروض حصوله بترك فردٍ ما من
1) راجع مصباح الأصول 2: 361 وما بعدها.
هذه الطبائع في الخارج آناً ما حال الصلاة، فعندئذ إن تمكن المكلف من ترك هذه الطبائع آناً ما فيها فلا مانع بعد ذلك من إيجاد عن أفرادها المتيقنة فيها فضلاً الأفراد المشكوك فيها، وإن لم يتمكن من تركها آناً ما فيها فلا محالة تبطل صلاته، لما مرّ من أنّ المانع على هذه الصورة إنما هو وجود هذه الطبائع في تمام آنات الاشتغال بها - أي بالصلاة - وعليه فإذا صلّى في هذا الثوب المشكوك فيه، بأن لبسه في تمام آنات الاشتغال بها كما هو مفروض الكلام، فحينئذ إن كان هذا الثوب نجساً في الواقع فهو مانع عنها لا محالة، وإن لم يكن نجساً فلا يكون مانعاً، وحيث إنا لا نعلم أنه نجس أو ليس بنجس، فطبعاً نشك في مانعيته، ولا مانع عندئذ من الرجوع إلى البراءة عنها الشرعية والعقلية بناءً على ما هو الصحيح من جريان البراءة في مسألة دوران الواجب بين الأق--ل والأكثر الارتباطيين.
وأما على الصورة الثانية : وهي ما كان ترك كل فرد من أفراد هذه الطبائع مطلوباً في الصلاة على نحو الاستقلال، فالمقام داخل في كبرى مسألة الأق--ل والأكثر الارتباطيين، وذلك لأنّ مردّ الشك فيها عندئذ إلى الشك في انطباق الواجب وهو الصلاة المقيدة بعدم إيقاعها فيا لا يؤكل والميتة والنجس وما شابه ذلك على الصلاة المأتي بها في هذا الثوب في الخارج، وعدم انطباقه إلا على خصوص المقيدة بعدم وقوعها في هذا الثوب المشتبه، فعلى الأوّل يكون الواجب هو الأقل، وهو المطلق من حيث تقيده بعدم وقوعه في هذا الثوب وعدم تقيده به. وعلى الثاني يكون هو الأكثر، وهو المقيد بعدم وقوعه في ه-ذا الث-وب المشكوك فيه، وبما أنا لا نعلم أنّ الواجب في المقام هو الأقل أو الأكثر فيدخل في تلك المسألة، ويبتني القول بالرجوع إلى البراءة أو الاحتياط فيه على القول بالرجوع إلى البراءة أو الاحتياط فيها، وحيث إنا قد اخترنا في تلك المسألة
جريان أصالة البراءة عن وجوب الأكثر الشرعية والعقلية، فنقول بها في المقام أيضاً.
وقد تقدّم (1)ملخصاً أنّ ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من التفصيل بين البراءة الشرعية والعقلية لا يرجع إلى معنى صحيح.
ويترتب على ما ذكرناه أنّه لا مانع من الصلاة في هذا الثوب المشتبه المردد بين كونه من المأكول أو غيره. ومن هنا يظهر الحال في:
الصورة الثالثة أيضاً، لأنّ مرجع الشك فيها أيضاً عندئذ إلى الشك في انطباق الواجب - وهو الصلاة في مفروض الكلام - على هذا الفرد المأتي به في الخارج - وهو الصلاة في هذا الثوب المشتبه - وعدم انطباقه عليه، فعلى الأوّل يكون الواجب هو الأقل يعني الطبيعي اللا بشرط. وعلى الثاني يكون ه-و الأكثر يعني الطبيعي بشرط شيء، وحيث إنّا لا نعلم أنّ الواجب هو الأقل أو الأكثر، فيدخل في كبرى تلك المسألة، وقد عرفت أنّ المختار فيها على وجهة نظرنا هو جريان أصالة البراءة عن التقييد، لأنه كلفة زائدة، ولم يقم برهان عليها، فعندئذ لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه العقلية والشرعية. وكذا الحال فيما نحن فيه.
وقد تحصل من ذلك : أنّه لا فرق بين الصورة الثانية والصورة الثالثة من هذه الناحية أصلاً، فانّ المقام على كلتا الصورتين داخل في كبرى تلك المسألة ويكون من صغرياتها.
نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى : وهي أن الصلاة بناءً على الصورة الثانية
1) في ص 314.
متقيدة بترك كل فرد من أفراد هذه الطبائع في الخارج على نحو الاستقلال، وبناءً على الصورة الثالثة متقيدة بمجموع تروك أفراد هذه الطبائع في الخارج بنحو الارتباط، وعليه فيكون ترك هذا الفرد المشتبه على تقدير كونه نجساً مثلاً في الواقع تركاً لمانع مستقل على الصورة الثانية، وجزء من التروك المطلوبة على الصورة الثالثة.
ومن هنا يظهر أنه لا ثمرة بين هاتين الصورتين من هذه الناحية أصلاً.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنه مع قطع النظر عما ذكرناه من الأصل الموضوعي في مسألة اللباس المشكوك فيه، يرتكز جواز الصلاة فيه على القول بجريان البراءة فى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، فإن قلنا بالبراءة فيها - كما هو الصحيح - تجوز الصلاة فيه، سواء أكانت مانعية ما لا يؤكل لحمه انحلالية أم غير انحلالية، وإن لم نقل بالبراءة فيها فلا تجوز الصلاة فيه كذلك، أي سواء أكانت مانعيته انحلالية أم لم تكن.
ومن ذلك يظهر فساد ما قد يتوهّم أنّ جواز الصلاة في اللباس المشكوك كونه ممّا لا يؤكل يبتني على أن تكون مانعيته انحلالية، وأما إذا لم تكن انحلالية فلا تجوز الصلاة فيه، ووجه الظهور ما عرفت من أنّ مانعيته سواء أكانت انحلالية أم لم تكن، فعلى كلا التقديرين تدخل هذه المسألة - أعني مسألة اللباس المشكوك - في كبرى تلك المسألة، أي مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، فلا فرق بين الصورتين من هذه الناحية أصلاً. وعليه فيبتني جريان البراءة أو الاحتياط فيها على جريان البراءة أو الاحتياط في تلك المسألة، لا على الانحلالية وعدمها، فلا أثر لهما في المقام أصلاً.
نعم، إنما يكون أثر لها - أي للانحلال وعدمه - في التكاليف الاستقلالية لا
في التكاليف الضمنية كما في المقام، فانّه لا أثر لكون تروك هذه الطبيعة ملحوظةً على نحو الانحلال في مقام جعل الحكم أو على نحو العموم المجموعي، فانّها على كلا الفرضين داخلة في كبرى تلك المسألة كما مرّ. وهذا بخلاف التكاليف الاستقلالية فانّها على تقدير كونها مجعولة على نحو الانحلال والاستغراق بالاضافة إلى أفراد متعلقاتها، فلا إشكال في جريان أصالة البراءة في موارد الشك في كون شيء فرداً لها أو لا. وأما على تقدير كونها مجعولةً على نحو الارتباط والعموم المجموعي بالاضافة إلى أفراد متعلقاتها، فيقع جريان البراءة عن كون شيء جزءاً لها مورداً للكلام والاشكال بين الأصحاب، وإن كان الصحيح أيضاً عدم الفرق بينهما بحسب النتيجة بناءً على ما اخترناه في مسألة الأق--ل والأكثر الارتباطيين من جريان البراءة عن وجوب الأكثر، إلا أنّ هذا المقدار من الفرق - وهو كون جريان البراءة على التقدير الأوّل محل الوفاق بينهم، وعلى التقدير الثاني محل الخلاف - كافٍ في المقام.
ومن هنا يظهر الفرق بين التروك المتعلقة للأمر الاستقلالي والتروك المتعلقة للأمر الضمني، فانّها على التقدير الأوّل يفرق بين ما كانت مأخوذةً في متعلق الأمر على نحو الانحلال والعام الاستغراقي، وما كانت مأخوذةً فيه على نح-و الارتباط والعام المجموعي.
ويترتب على هذا الافتراق أنّ مورد الشك على الفرض الأوّل غير داخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، ولا يبتني القول بالرجوع إلى البراءة فيه على القول بالرجوع إلى البراءة في تلك المسألة، بل ولو قلنا بالاحتياط فيها، فمع ذلك نقول بالبراءة فيه لفرض أنّ الشك فيه شك في تكليف مستقل، ومعه لا مانع من الرجوع إلى البراءة. وأما المشكوك فيه على الفرض الثاني فهو داخل في كبرى تلك المسألة، وعليه فيبتني جواز الرجوع إلى البراءة فيه
وعدمه على القول بجواز الرجوع إلى البراءة وعدمه في تلك المسألة.
وأما على التقدير الثاني فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فانّها على كلا التقديرين داخلة فى كبرى تلك المسألة وتكون من صغرياتها.
نعم، بحسب النتيجة بناءً على ما ذكرناه - من أنّه لا مانع من الرجوع إلى البراءة العقلية والشرعية عن وجوب الأكثر في تلك المسألة - لا فرق في التروك المأخوذة في متعلق الوجوب على نحو الاستقلال بين كونها مأخوذةً على نحو العموم الاستغراقي أو العموم المجموعي، فانّ النتيجة واحدة على كلا التقديرين وهي البراءة عن وجوب المشكوك فيه، ولا فرق بينهما من هذه الجهة، وإن كان فرق بينهما من جهة أخرى كما تقدّم.
وعلى الصورة الرابعة : وهي ما كان المطلوب عنواناً بسيطاً متحصّلاً من التروك الخارجية، فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال دون البراءة على عكس الصورتين المتقدمتين، والوجه فى ذلك هو أنّ الصلاة مثلاً في هذه الصورة ليست متقيدةً بنفس تروك الطبائع المزبورة في الخارج على الفرض، بل هي متقيدة بعنوان وجودي بسيط متولد من هذه التروك في الخارج، فتكون تلك التروك محصّلةً للمطلوب ومقدّمةً لوجوده وتحققه فيه، وليست بنفسها مطلوبة.
وعلى هذا فإذا شكّ في ثوب أنّه من أجزاء ما لا يؤكل أو لا، يرجع الشك فيه لا محالة إلى الشك في تحقق المطلوب وعدمه، فيكون أمر المحصل عندئذ دائراً بين الأقل والأكثر، ومن المعلوم أن البراءة لا تجري هنا عن عن الأكثر، لفرض أنّه لا أثر له شرعاً، والأثر الشرعى إنّما يترتب على ذلك العنوان البسيط المشكوك وجوده، هذا هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ ذمّة المكلف قد اشتغلت بذلك العنوان يقيناً، والمفروض أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.
فالنتيجة على ضوء هذين الأمرين : هي أنّه لابد من الاتيان بالأكثر ليحصل القطع بحصول ذلك العنوان البسيط في الخارج، ويقطع ببراءة ذمته عن التكليف المعلوم، وهذا بخلاف ما إذا اقتصر على إتيان خصوص الأقل في الخارج، فانّه لا يعلم عندئذ بحصول ذلك العنوان البسيط فيه، ولا يقطع ببراءة ذمته عنه.
ومن هنا تظهر الثمرة بين هذه الصورة والصورتين المتقدمتين بناءً على ما هو الصحيح من جريان البراءة في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين.
نعم، لو بنينا في تلك المسألة على عدم جريان البراءة وأنّ المرجع فيها هو قاعدة الاشتغال لا غيرها، فلا تظهر الثمرة وقتئذ بين هذه الصورة وهاتين الصورتين، إلّا أنّ هذا الفرض خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً كما تقدّم، فإذن تظهر الثمرة بينهما، كما تظهر الثمرة بين هذه الصورة والصورة الأولى، كما هو ظاهر، هذا تمام الكلام في مقام الثبوت.
أما الكلام في مقام الاثبات والدلالة فلابد من ملاحظة أدلة مانعية هذه الأمور وما شاكلها، هل المستفاد منها مانعيتها على النحو الأوّل أو الثاني أو الثالث أو الرابع ؟
أقول : ينبغي لنا أوّلاً ذكر جملة من الروايات الواردة في باب العبادات والمعاملات بالمعنى الأعم ثم نبحث عن أنّ المستفاد من تلك الروايات ما هو.
أما الروايات الواردة في باب العبادات فنكتفي بذكر خ-ص-وص الرواي--ات الواردة في باب الصلاة فحسب وهي كثيرة :
منها : صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ ؟ قال (عليه السلام) : لا، ولو دبغ سبعين مرّة» (1).
1) الوسائل 4 : 343/ أبواب لباس المصلي ب 1 ح 1.
ومنها : صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الميتة، قال (عليه السلام) لا تصل في شيء منه ولا في شسع» (1).
ومنها: موثقة سماعة قال: «سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال (عليه السلام): أمّا لحومها فمن الطير والدواب فأنا أكرهه، وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه» (2).
ومنها موثقة ابن بكير قال: «سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام) ع--ن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره ممّا أحل اللّه أكله. ثم قال: يا زرارة، هذا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذابح، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذكاه الذابح أو لم يذكه» (3).
ومنها : قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مسكان يغسلها ويعيد صلاته» (4).
ومنها قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم «إذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصليت فيه صلاةً كثيرة فأعد ما
صليت فيه» (1).
ومنها: قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر «وإن اشتراه من نصراني فلا يصلّي فيه حتى يغسله» (2).
ومنها : صحيحة اسماعيل بن سعد الأحوص في حديث قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم ؟ فقال (عليه السلام): لا» (3).
ومنها : قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن عبدالجبار «لا تحل الصلاة في حرير محض» (4).
ومنها: قوله (عليه السلام) في موثقة عمار بن موسى «لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه» (5)ونحوها من الروايات الواردة في هذه الأبواب الدالة على مانعية هذه الأمور عن الصلاة، وأنّ الصلاة المأمور بها هي الحصة الخاصة منها وهي الحصة المتقيدة بعدم إيقاعها فيها.
وأما الروايات الواردة في باب المعاملات فأيضاً كثيرة :
منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «قال: ما ك-ان م-ن طعام سميت فيه كيلاً فلا يصلح بيعه مجازفة» (6).
ومنها : توقيعه (عليه السلام في مكاتبة الصفار «لا يجوز بيع ما ليس يملك» (1).
ومنها : قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم «لا تشترها إلا برضا أهلها» (2).
ومنها : قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة «لا يصلح إلا أن يشتري معه - العبد الآبق - شيئاً آخر» (3).
وغيرها من الروايات الدالة على المنع عن بيع الخمر، والبيع الربوي، والبيع الغرري، وبيع النقدين بدون التقابض في المجلس، وبيع المجهول وبيع آلات القمار والغناء، وبيع غير البالغ وما شاكل ذلك ممّا يعتبر عدمه في صحة المعاملة، سواء أكان من أوصاف العوضين أم كان من أوصاف المتعاملين أم كان من غيرهما.
والحري بنا أن نقول في هذا المقام : هو أنّ هذه النواهي جميعاً نواهي إرشادية فتكون إرشاداً إلى مانعية هذه الأمور عن صحة العبادات والمعاملات ومبرزةً لاعتبار عدمها فيهما، وهذا معنى إرشادية تلك النواهي، ضرورة أن إرشاديتها ليست كارشادية الأوامر والنواهي الواردتين في باب الاطاعة والمعصية، فانّه لا أثر لهما ما عدا الارشاد إلى ما استقل به العقل، وهذا بخلاف تلك النواهي فانّها إرشاد إلى حكم مولوي ومبرزة له، وهو تقيد العبادة أو المعاملة بعدم هذا الشيء أو ذاك، فيكون مردّ ذلك إلى أنّ المطلوب هو حصة خاصة من العبادة
أو أنّ الممضاة من المعاملة هي الحصة المتقيدة بعدم ما تعلق به النهي، وتسمية هذه النواهي بالنواهي الارشادية إنما هي من جهة أنها ليست بنواهي حقيقية، وهي اعتبار حرمان المكلف عن متعلقاتها، باعتبار اشتمالها على مفسدة ملزمة لينتزع منها الزجر عنها، ولتكون تلك النواهي عندئذ مصداقاً له، لفرض أنه لا مفسدة فيها فلا شأن لها ما عدا كونها مبرزةً لتقييد العبادة أو المعاملة بعدم شيء وإرشاداً إلى مانعيته.
كما أنّ الأوامر الواردة في هذه الأبواب سميت بأوامر إرشادية من ناحية أنها ليست بأوامر،حقيقية، وأنها إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية، ولا يترتب عليها ما عدا ذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : أنّه لا شبهة في ظهور تلك النواهي في الانحلال، وأنّ مانعية هذه الأمور تنحل بانحلال أفرادها ومصاديقها في الخارج، فيكون كل فرد منها مانعاً مستقلاً، بمعنى أنّ عدم كل منها مأخوذ في عبادة أو معاملة على نحو الاستقلال، والوجه في ذلك : هو أنّه لا إشكال في أنّ مانعية هذه الأمور على النحو الأوّل - بأن يكون المطلوب صرف تركها في الصلاة أو نحوها ولو آناً ما، ليكون لازمه هو كون المانع وجودها وتحققها في تمام آنات الاشتغال بها، فلا أثر لوجودها في بعض تلك الآنات دون بعضها الآخ-ر - تحتاج إلى نصب قرينة تدل على إرادة مانعيتها على هذا الشكل وعناية زائدة، وإلا فاطلاقات الأدلة لا تتكفل لارادة المانعية على هذا النحو أصلاً، ب-ل ه-ي لا تخرج عن مجرد الفرض.
وكذا إرادة مانعية هذه الأمور على النحو الثالث تحتاج إلى عناية زائدة، ضرورة أنّ الاطلاقات لا تتكفل لبيان تقييد الواجب بمجموع تروك هذه الطبائع على نحو العموم المجموعي، ليكون لازم ذلك هو كون المانع صرف
وجود هذه الطبائع في الخارج، كيف فانّ مقتضى الاطلاق عدم الفرق في المانعية بين الوجود الأوّل والثاني والثالث وهكذا...
وكذا إرادة الصورة الرابعة، ضرورة أنها خلاف ظواهر الأدلة، فانّ الظاهر منها هو كون تروك هذه الطبائع بنفسها قيداً، لا أنها مقدمة لحصول القيد في الخارج، فانّ إرادة ذلك تحتاج إلى عناية أخرى وبيان من المتكلم.
ومن ناحية ثالثة : المفروض أنّ المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على إرادة الصورة الأولى، ولا على إرادة الصورة الثالثة، ولا على إرادة الصورة الرابعة، لما عرفت من أنّ إرادة كل واحدة من هذه الصور تحتاج إلى قرينة ومؤونة زائدة.
ومن ناحية رابعة : أنه لم يعقل أن يراد من هذه النواهي ترك هذه الطبائع في ضمن فردٍ ما من أفرادها العرضية والطولية حال الصلاة، ضرورة أنه حاصل قهراً، فلا يمكن إرادته، لأنّها إرادة ما هو حاصل بالفعل، وهي مستحيلة من الحكيم، فإذن تنتج مقدمات الحكمة الاطلاق.
ومن ناحية خامسة : قد ذكرنا سابقاً (1)أنه لا يترتب على مقدّمات الحكمة ما عدا الاطلاق وعدم التقييد بخصوصية من الخصوصيات، وأما كون الاطلاق بدلياً أو شمولياً أو غير ذلك، فهو خارج عن مقتضى المقدمات، ضرورة أنّ كون المتكلم في مقام البيان وورود الحكم على المقسم، وعدم نصب قرينة على التقييد بصنف خاص دون آخر لا يقتضي إلّا إطلاق الحكم وعدم تقييده بحصة خاصة، وأمّا اختلاف الاطلاق من حيث الشمول والبدل والتعيين وما شاكل ذلك، فهو من جهة القرائن الخارجية وخصوصيات المورد فانها تقتضي كون
1) في ص 296.
الاطلاق بدلياً في مورد وشمولياً في مورد آخر، ومقتضياً للتعيين في م-ورد ثالث.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي: هي أنّ الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في المقام شمولي لا بدلي، وذلك لقرينة خارجية وخصوصية المورد، وتلك القرينة الخارجية هي فهم العرف ضرورة أنّ المرتكز في أذهانهم من مثل هذه النواهي هو الانحلال والشمول، ومنشأ فهم العرف ذلك وك-ون ه-ذا م-ن مرتكزاتهم هو ما ذكرنا من أن إرادة بقية الصور من تلك النواهي تحتاج إلى مؤونة أخرى خارجة عن عهدة الاطلاق، هذا من جهة. ومن جهة أخرى : أنّ إرادة ترك فردٍ ما من أفرادها العرضية أو الطولية غير ممكنة، كما عرفت. ومن جهة ثالثة : أنّ القرينة لم تنصب على إرادة حصة خاصة منها.
فالنتيجة على ضوئها : هي كون الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في هذه الموارد شمولياً، وأنّ كل فرد من أفراد هذه الطبائع مانع مستقل، فلا تكون مانعية هذا مربوطة بمانعية ذاك، وعدم كل واحد منها مأخوذ في العبادة أو المعاملة على نحو الاستقلال والانحلال، وهذا هو المتفاهم العرفي م-ن هذه الروايات، ضرورة أنّه لا فرق في نظر العرف بين الفرد الأوّل من النجس والفرد الثاني والثالث...وهكذا في المانعية. وكذا لا فرق بين الفرد الأوّل من الميتة والفرد الثاني والفرد الأوّل ممّا لا يؤكل أو الحرير والفرد الثاني...وهكذا.
وقد تحصل من ذلك : أنّ المستفاد عرفاً من إطلاق قوله (عليه السلام) «لا تصل في شيء منه ولا في شسع» (1)وقوله (عليه السلام) «لا تحل الصلاة في
1) الوسائل 4: 343/ أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2.
حرير محض» (1)ونحوهما هو الانحلال، وأن لبس كل فرد من أفراد هذه الطبائع مانع عن الصلاة مستقلاً، وعدم الفرق بين الوجود الأول والثاني من هذه الناحية أصلاً، وهذا ظاهر.
وبكلمة أخرى : أنّ حال هذه النواهي من هذه الجهة حال النواهي الحقيقية الاستقلالية، فكما أنّ المتفاهم عرفاً من إطلاق تلك الن-واه-ي ه-و العموم والشمول بالاضافة إلى الأفراد العرضية والطولية ما لم تنصب قرينة على الخلاف، فكذلك المتفاهم عرفاً من إطلاق هذه النواهي هو العموم والشمول.
والسر في ذلك واضح، وهو أنّ الأحكام المجعولة على نحو القضايا الحقيقية لا محالة تنحل بانحلال موضوعاتها في الخارج، ومن الواضح أنه لا فرق في ذلك بين الأحكام التحريمية والوجوبية، فكما أنّ الأولى تنحل بانحلال موضوعها فيما إذا لم تنصب قرينة على خلافه، فكذلك الثانية، مثلاً وجوب الحج المجعول للمستطيع في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَن أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2).
على نحو القضية الحقيقية لا محالة ينحل بانحلال أفراد المستطيع في الخارج، فيثبت لكل منها حكم مستقل. وكذا وجوب الصلاة المجعول للمكلف البالغ العاقل القادر الداخل عليه الوقت على نحو القضية الحقيقية، فانّه لا محالة ينحل بانحلال أفراده. وكذا وجوب الزكاة المجعول لمن بلغ ماله حد النصاب على نحو القضية الحقيقية، وهكذا.
فلا فرق من هذه الناحية بين الأحكام التحريمية والأحكام الوجوبية أصلاً،
وإنما الفرق بينهما في نقطة أخرى وهي أنّ الأحكام التحريمية كما تنحل بانحلال موضوعها في الخارج فيما إذا كان لها موضوع، كذلك تنحل بانحلال أفراد متعلقها فيه، فالنهي عن سبّ المؤمن مثلاً كما ينحل بتعدد أفراد المؤمن في الخارج، كذلك ينحل بانحلال أفراد السب، ويكون كل فرد منه بنه محرّماً.
نعم، قد يكون انحلال النهي بانحلال متعلقه وتعدده من ناحية تعدد موضوعه وانحلاله في الخارج لا في نفسه، وذلك كشرب الخمر مثلاً أو شرب النجس أو ما شاكل ذلك، فانّه يتعدد بتعدد أفراد الخمر أو النجس خارجاً لا في ذاته، ضرورة أن فرداً واحداً منه غير قابل لأن يتعدد شربه، بل له شرب واحد، نعم يتعدد باعتبار تعدد الحالات والأزمنة لا في نفسه، والمكلف في اعتبار الشارع محروم عن جميع أفراد شربه في الخارج من العرضية والطولية.
وهذا بخلاف الأحكام الوجوبية، فانّها لا تنحل بانحلال أفراد متعلقها في الخارج أصلاً، إلّا فيما إذا قامت قرينة من الخارج على الانحلال.
فالنتيجة : هي أنّ الأوامر تنحل بانحلال موضوعاتها في الخارج فحسب، ولا تنحل بانحلال متعلقاتها فيه، وهذا بخلاف النواهي فانها تنحل بانحلال موضوعاتها ومتعلقاتها معاً وفيا نحن فيه حيث إنّ مانعية لبس ما لا يؤكل والميتة والحرير والذهب والنجس وما شاكل ذلك في الصلاة جعلت لها على نحو القضية الحقيقية، فمن الطبيعي هو أنها تنحل بانحلال أفراد هذه الطبائع في الخارج، فيكون لبس كل فردٍ منها مانعاً مستقلاً، ولا تكون مانعيته مربوطة بمانعية الآخر...وهكذا، وهذا هو المتفاهم العرفي من كل قضية حقيقية من دون شبهة وخلاف.
وكذا لا شبهة في ظهور تلك النواهي في باب المعاملات - بالمعنى الأعم - في
الانحلال، ضرورة أنّ مانعية الغرر مثلاً تنحل بانحلال أفراد البيع في الخارج، وكذا الجهل بالعوضين أو بأحدهما وما شاكل ذلك بعين الملاك المتقدم.
وقد يتخيّل في المقام أنّ المفروض أنّ هذه النواهي ليست بنواءٍ حقيقية، بل هي نواه بحسب الصورة والشكل، وفي الحقيقة أوامر غاية الأمر أنّ المولى أبرز تلك الأوامر بصورة النهي، وقد تقدّم أنّه لا عبرة بالمبرز - بالكسر - أصلاً، والعبرة إنما هي بالمبرز - بالفتح - هذا من ناحية. ومن ناحية أخ--رى ق-د سبق (1)أنّ نتيجة الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة في طرف الأوامر هي العموم البدلي وصرف الوجود، لا العموم الشمولي ومطلق الوجود.
فالنتيجة على ضوئها : هي أنّه لابد أن يكون المطلوب في أمثال هذه الموارد هو تقيّد العبادة أو المعاملة بصرف ترك هذه الأمور في الخارج، وهو يتحقق بتركها آناً ما، فإذن المتعيّن في هذه الموارد وما شاكلها هو إرادة الصورة الأولى من الصور المتقدمة لا غيرها وهي ما كان المطلوب تقييد الواجب بصرف ترك تلك الأمور خارجاً.
وعلى الجملة : فقد مرّ أنّ مقتضى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في طرف الأمر هو العموم البدلي وصرف الوجود بمقتضى الفهم العرفي، ومن المعلوم أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر متعلقاً بالفعل أو بالترك، فإذن مقتضى الاطلاق في أمثال تلك الموارد أيضاً ذلك.
ولكن هذا الخيال خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، والوجه في ذلك : ما تقدّم من أنّ نتيجة مقدّمات الحكمة ليست إلا ثبوت الاطلاق، وأما كونه
1) في ص 295.
شمولياً أو بدلياً فلا تدل مقدّمات الحكمة على شيء من ذلك، فإذن إثبات كون الاطلاق في المقام على النحو الأوّل أو الثاني يحتاج إلى قرينة خارجية تدل عليه، هذا من جانب.
ومن جانب آخر: قد مرّ أنّ القرينة الخارجية قد دلّت على أنّ الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة في موارد الأمر المتعلق بالفعل والوجود بدلي وفي موارد النهي شمولي.
ومن جانب ثالث : أنّ الأمر إذا تعلق بترك طبيعة في الخارج، فلا محالة لا يخلو بحسب مقام الثبوت والواقع من أنّ المولى إمّا أن يريد ترك جميع أفرادها في الخارج من العرضية والطولية - سواء أكانت على نح-و الع-م-وم المجموعي أو الاستغراقي - أو أن يريد ترك فرد ما منها، أو أن يريد ترك حصة خاصة منها دون أخرى، أو أن يريد صرف تركها، ولا خامس في البين.
ومن جانب رابع : أنّه لا شبهة في أنّه لا يمكن أن يراد من ذلك الفرض الثاني وهو ترك فردٍ ما منها، لأنّه حاصل وطلبه تحصيل للحاصل، فلا يمكن أن يصدر من الحكيم، وكذا لا يمكن أن يراد منه الفرض الثالث وهو ترك حصة خاصة منها، لأنّ إرادته تحتاج إلى قرينة تدل عليها، والمفروض أنه لا قرينة هنا، فإذن يدور الأمر بين أن يراد منه الفرض الأوّل، وهو أن يكون المطلوب ترك جميع أفرادها العرضية والطولية، وأن يراد منه الفرض الرابع وهو أن يكون المطلوب صرف تركها المتحقق بتركها آناً ما، ومن الواضح جداً أن إرادة الفرض الرابع خلاف المتفاهم العرفي المرتكز في أذهانهم، ضرورة أنّ المتفاهم العرفي من مثل قوله (عليه السلام): «لا تصل في شيء منه ولا في شسع» (1). هو
1) الوسائل 4 : 343/ أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2.
تركه في جميع آنات الاشتغال بها، ولا يختلج في بالهم أن يكون المراد منه تركه حال الاشتغال بالصلاة آناً ما، ولا يلزم تركها في تمام آنات الاشتغال بها، ومن المعلوم أنّ إرادة مثل هذا المعنى البعيد عن أذهان العرف تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليه، وإلّا فلا يمكن إرادته من الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة.
فالنتيجة على ضوء هذه الجوانب الأربعة : هى أنّ نتيجة مقدّمات الحكمة - وهي الاطلاق - يختلف مقتضاها باختلاف موارد الأمر، ففي موارد تعلقه بالفعل كان مقتضاها الاطلاق البدلي وصرف الوجود من جهة القرينة الخارجية - وهي فهم العرف من إطلاقه ذلك بعد ضميمة عدم إمكان إرادة إيجاد الطبيعة بجميع أفرادها العرضية والطولية في الخارج - وفي موارد تعلقه بالترك كان مقتضاها الاطلاق الشمولي ومطلق الترك من جهة الفهم العرفي والقرينة الخارجية.
وعلى الجملة: فقد عرفت أنّ نتيجة مقدّمات الحكمة هي ثبوت الاطلاق فحسب، وأنّ مراد المولى مطلق من ناحية تبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت ولكن المتفاهم العرفي من هذا الاطلاق في موارد تعلق الأمر بالفعل هو الاطلاق البدلي وصرف الوجود، لأجل خصوصية فيه، والمتفاهم العرفي من الاطلاق في موارد تعلقه بالترك هو الاطلاق الشمولي وعموم الترك كذلك أي من جهة خصوصية فيه، ولأجل ذلك تفترق موارد تعلق الأمر بالفعل عن موارد تعلقه بالترك.
ثمّ إنّه لا فرق في الأوامر المتعلقة بالفعل بين أن تكون أوامر استقلالية كالأمر بالصلاة والصوم وما شاكلها، وأن تكون أوامر ضمنية كالأوامر المتعلقة بأجزاء العبادات والمعاملات وشرائطهما، مثل الأمر بالركوع والسجود والتكبيرة واستقبال القبلة والقيام والطهارة وما شاكلها، فكما أنّ المتفاهم العرفي من
الاطلاق في موارد الأوامر الاستقلالية هو الاطلاق البدلي وصرف الوجود، فكذلك المتفاهم العرفي منه في موارد الأوامر الضمنية ه-و ذلك، ضرورة أن المتفاهم العرفي من إطلاق قوله (عليه السلام) : «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1)هو كون المطلوب صرف وجود الغسل وتحققه في الخارج، واعتبار خصوصية أخرى يحتاج إلى دليل خاص كاعتبار التعداد والمس--ح بالتراب ونحو ذلك، فإن كل هذا خارج عن الاطلاق، فلا يستفاد منه، فإن قام دليل من الخارج على اعتباره بالخصوص نأخذ به، وإلا فلا نقول به، وكذا الحال في مثل الأمر بالركوع والسجود ونحوهما، فانّ المتفاهم منه عر عرفاً هو كون المطلوب صرف الوجود لا مطلق الوجود وهذا واضح، كما أنه لا فرق في الأوامر المتعلقة بالترك بين أن تكون استقلالية أو ضمنية من هذه الناحية أصلاً.
وقد تحصل من ذلك أمور :
الأول : أن كون الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة في مورد بدلياً وفي موردٍ آخر شمولياً ليس ما تقتضيه نفس المقدّمات فانّ ما تقتضيه المقدّمات هو ثبوت الاطلاق في مقام الاثبات الكاشف عن الاطلاق في مقام الثبوت، وأمّا كونه بدلياً أو شمولياً فخارج عما تقتضيه المقدمات بالكلية، ب-ل ه-و ت-ابع لخصوصيات الموارد ويختلف باختلافها.
الثاني : أنّ مقتضى الاطلاق في طرف الأمر ليس هو الاطلاق البدلي مطلقاً وفي تمام موارده، بل هو يختلف باختلاف تلك الموارد، ففي موارد تعلقه بالفعل كان مقتضاه بدلياً إلّا إذا قامت قرينة من الخارج على خلافه، وفي موارد تعلقه بالترك كان شمولياً.
1) الوسائل 3: 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
الثالث : أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر المتعلق بالترك أمراً ضمنياً، وأن يكون أمراً استقلالياً، فكما أنّ مقتضى الاطلاق في الأوّل من جهة الفهم العرفي هو العموم والشمول، فكذلك مقتضى الاطلاق في الثاني، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، كما أنه لا فرق في الأمر المتعلق بالفعل بين أن يكون أمراً استقلالياً كالأمر بالصلاة والصوم وما شابه ذلك، وأن يكون أمراً ضمنياً كالأوامر المتعلقة بالعبادات والمعاملات بالمعنى الأعم، فكما أنّ المتفاهم عرفاً من الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة في الأوّل هو العموم البدلي وصرف الوجود، فكذلك المتفاهم عرفاً من الاطلاق الثابت بها في الثاني، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً.
الرابع : أن نتيجة الاطلاق عرفاً في هذه الموارد - أعني موارد النهي عن العبادات والمعاملات - هو العموم الانحلالي دون العموم المجموعي، لأنّ إرادته تحتاج إلى مؤونة زائدة فلا يتكفل الاطلاق لبيانه.
فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن أن مقتضى إطلاق هذه النواهي هو تقييد العبادات كالصلاة مثلاً والمعاملات بترك كل فرد من أفراد هذه الطبائع في الخارج من العرضية والطولية.
وعلى ضوء هذا البيان قد اتضح أنّه لا شبهة في وجوب التقليل في أف--راد هذه الموانع والاقتصار على مقدار الضرورة.
نعم، لو كان المستفاد من تلك الأدلة هو الصورة الثالثة أو الرابعة لم يجب التقليل والاقتصار على قدر الضرورة كما مرّ، ولكن عرفت أنّ المستفاد منها عرفاً هو الصورة الثانية مطلقاً، أي في العبادات والمعاملات م-ن دون ف-رق بينهما من هذه الناحية أصلاً، بل الحال في المعاملات أوضح، ضرورة أن-ه
لا يحتمل أن يكون الجهل مثلاً بأحد العوضين أو بهما معاً مانعاً عن صحة المعاملة في مورد واحد...وهكذا.
ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده السيّد العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في العروة(1)من وجوب التقليل بالمقدار الممكن والاقتصار على ما تقتضيه الضرورة هو الصحيح ولا مناص عنه، إلا أنّ ما أفاده (قدس سره) من لزوم التقليل حكماً فضلاً عن التقليل موضوعاً لا يتم صغرى وكبرى، كما تقدم بشكل واضح فلا نعيد.
نعم، لو قلنا بالتزاحم في أمثال هذه الموارد دون التعارض من ناحية، وسلّمنا اتصاف النجاسة من هذه الجهة بالشدّة والضعف من ناحية أخرى، فعندئذ لو دار الأمر بين إزالة الفرد الشديد وإزالة الفرد الضعيف، لكان اللازم هو تقديم إزالة الفرد الشديد على إزالة الفرد الضعيف، لأنّ إزالته أهم من إزالته، ولا أقل من احتمال كونها أهم منها، وهذا يكفي للتقديم في مقام المزاحمة.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا بكون هذه الموارد داخلة في كبرى باب التعارض، فانّه عندئذ لا وجه لتقديم إزالة الفرد الشديد على إزالة الفرد الضعيف في مقام المعارضة أصلاً، وذلك لفرض أنّه لا فرق بينهما في أصل المانعية بالنظر إلى الأدلة ولا تكون شدّته زيادة فيها، وعليه ففى مثل هذا الفرض نعلم إجمالاً بجعل الشارع أحدهما مانعاً، فإذن لا بد من الرجوع إلى قواعد باب المعارضة، فإن كان الدليل على أحدهما لفظياً والدليل على الآخر لبياً يتقدّم الأوّل على الثاني، لفرض أنّ المتيقن من الثاني هو غير هذا المورد، فلا يشمل مثله.
وإن كان كلاهما لفظياً، فإن كان التعارض بينهما بالاطلاق يسقطان معاً،
1) تقدّم المصدر في ص 320.
فلابد عندئذ من الرجوع في هذا المورد إلى الأصل فيه، إلا إذا كان إطلاق أحدهما من الكتاب أو السنّة، وإطلاق الآخر من غيرهما، فيتقدّم الأوّل على الثاني، وذلك لما استظهرناه من أنّ الروايات الدالة على طرح الأخبار المخالفة للكتاب أو السنّة تشمل المخالفة بالاطلاق أيضاً، فإذن لا يكون هذا الاطلاق حجّة في نفسه مع قطع النظر عن المعارضة في مقابل إطلاق الكتاب أو السنّة.
وإن كان التعارض بينهما بالعموم فعندئذ لابدّ من الرجوع إلى ق-واع-د ومرجّحات باب المعارضة، وإن كان أحد الدليلين مطلقاً والآخر عاماً فيتقدّم العام على المطلق، لأنّه يصلح أن يكون بياناً للأول دون العكس. وإن ك--ان كلاهما لبياً فلابد وقتئذ من الرجوع إلى دليل آخر من أصل لفظي أو عملي، لفرض أنّ المتيقن منهما غير هذا الفرض، فلا إجماع فيه لا على مانعية هذا ولا على مانعية ذاك، كما هو ظاهر.
نتائج ما ذكرناه لحد الآن عدة نقاط :
الأولى : أنّ النهى عن فعل غالباً ينشأ عن قيام مفسدة ملزمة فيه، ولا ينشأ عن مصلحة إلزامية في تركه وإلا لكان تركه واجباً لا فعله محرّماً وهذا خلف والأمر به ينشأ غالباً عن قيام مصلحة ملزمة في فعله، لا عن قيام مفسدة كذلك في تركه، وإلا لكان تركه محرّماً لا فعله واجباً.
الثانية : أنّ الأمر كما يتعلق بالفعل باعتبار وجود مصلحة إلزامية فيه فيكون ذلك الفعل واجباً سواء أكان وجوبه ضمنياً أم استقلالياً، قد يتعلق بالترك كذلك أي باعتبار وجود مصلحة ملزمة فيه فيكون ذلك الترك واجباً، سواء أكان وجوبه استقلالياً أم ضمنياً.
الثالثة : أنّ النواهي الواردة في أبواب العبادات جميعاً نواه إرشادية فتكون
إرشاداً إلى مانعية أشياء كالقهقهة والحدث والتكلم ولبس ما لا يؤكل والنجس والميتة والحرير والذهب وما شاكل ذلك، وليست تلك النواهي نواهِ حقيقية ناشئة عن قيام مفسدة ملزمة فيها ضرورة أنه لا مفسدة فيها أبداً، بل مصلحة ملزمة في تقيد الصلاة بعدم هذه الأمور.
ولعل النكتة في التعبير عن هذا التقييد بالنهى في مقام الاثبات لا بالأمر، إنّما هي اعتبار الشارع كون المكلف محروماً عن هذه الأمور حال الصلاة ولأجل ذلك أبرزه بالنهي الدال على ذلك، ولكن بما أنّ هذا الاعتبار لم ينشأ عن قيام مفسدة ملزمة فيها، بل هو ناشئ عن قيام مصلحة ملزمة في هذا التقييد ومن ثمّ يكون مردّه إلى اعتبار حصة خاصة من الصلاة، الصلاة، وهي الحصة المقيدة بعدم هذه الأمور في ذمّة المكلف، فلأجل ذلك يكون هذا نهياً بحسب الصورة والشكل، لا بحسب الواقع والحقيقة.
ومما يدل على كون هذه النواهي إرشادية لا حقيقية وجود هذه النواهي في المعاملات بالمعنى الأعم، ولا شبهة في كون تلك النواهي هناك نواهي إرشادية إلى مانعية ما تعلق به النهي كالغرر ونحوه، وليست هي بنواه حقيقية، ضرورة أنّ بيع الغرر وما شاكل ذلك ليس من المحرّمات في الشريعة المقدّسة، فالنهي عنه إرشاد إلى فساده.
نعم، قد تكون المعاملة محرّمةً بنفسها كالمعاملة الربوية، ولكن من المعلوم أن حرمتها ليست من ناحية هذا النهي، بل هي من جهة دليل آخر يدل عليها، ولذا قلنا إن حرمتها لا تستلزم فسادها، ففسادها إنما هو من ناحية هذا النهي، لا من ناحية النهي الدال على حرمتها. ونظير ذلك في العبادات أيضاً موجود وهو لبس الحرير، فانّه حرام على الرجال مطلقاً - أي سواء أكان في حال الصلاة أم كان في غيره - ومانع عن الصلاة أيضاً، ولكن من الواضح جداً أنّ
حرمته الذاتية غير مستفادة من النهي عن لبسه حال الصلاة، ضرورة أنّ هذا النهي لا يكون إلا إرشاداً إلى مانعيته عنها، ولا يدل على حرمته أصلاً، وحاله من هذه الناحية حال النهي عن بقية الموانع حال الصلاة، بل لابد من استفادتها من دليل آخر أو من قرينة خارجية، كما هو ظاهر.
ومن ذلك يظهر حال الأوامر الواردة في أبواب العبادات بشتى أشكالها، أنها أوامر إرشادية، فتكون إرشاداً إلى الجزئية أو الشرطية، كالأمر بالركوع والسجود والقيام واستقبال القبلة والطهور وما شاكلها، فانّها إرشاد إلى جزئية الركوع والسجود للصلاة، وشرطية القيام والاستقبال والطهور لها
و ممّا يؤكد ذلك : وجود هذه الأوامر في أبواب المعاملات، فانّه لا إشكال في كون تلك الأوامر هناك إرشادية، ضرورة أن مثل قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل» (1)أو نحوه، لا يحتمل فيه غير الارشاد إلى نجاسة الأبوال، وأنّ المطهر للثوب المتنجس بها هو الغسل، وهكذا الحال في بقية الأوامر الواردة فيها.
الرابعة : أنّ التروك المأخوذة في متعلق الأمر مرةً تكون مأخوذة على نحو الاستقلال بأن تكون تلك التروك واجبة بوجوب استقلالي، ومرة أخرى تكون مأخوذة على نحو القيدية بأن تكون واجبة بوجوب ضمني، فالقسم الأوّل وقوعه في الشريعة في غاية القلّة، وأما القسم الثاني فهو في غاية الكثرة في باب العبادات والمعاملات، كما أنّ الوجودات المأخوذة في متعلق الأمر مرّةً تكون على نحو الاستقلال، وأخرى على نحو القيدية والجزئية، والأوّل كالصلاة والصوم وما شاكلها، والثاني كالركوع والسجود والقيام والطهور ونحوها، وكلا
1) الوسائل 3: 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
هذين القسمين كثير في الشريعة في باب العبادات والمعاملات، كما هو واضح.
الخامسة : أنّ هذا الترك مأمور به سواء أكان مبرزه في الخارج صيغة الأمر أم صيغة النهي، لما عرفت من أنّه لا شأن للمبرز - بالكسر - أصلاً، وإنما العبرة بالمبرز -- بالفتح -.
السادسة : أنّ التروك المأخوذة في متعلق الأمر بكلا قسميها من الاستقلالي والضمني تتصور في مقام الثبوت والواقع على صور أربع، وقد تقدّم أنّ الثمرة تظهر بين هذه الصور في موردين: أحدهما في مورد الاضطرار والاكراه. الثاني في مورد الشك كما سبق.
السابعة : أنّ وجوب التقليل في أفراد المانع بالمقدار الممكن والاقتصار على قدر الضرورة يرتكز على القول بالانحلال في المسألة دون بقية الأقوال، كما أنه على هذا القول إنما يجب التقليل فيها بحسب الكم دون الكيف على تقدير تسليم اختلافها فيه، كما تقدّم.
الثامنة : أنّ الرجوع إلى أصالة البراءة أو الاشتغال في موارد التروك المتعلقة للأمر الضمني عند الشك، يبتني على أن لا يكون هناك أصل موضوعي، مثلاً جريان أصالة البراءة أو الاشتغال في مسألة اللباس المشكوك كونه ممّا لا يؤكل أو الحرير أو الذهب، يبتني على عدم جريان استصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتي بالتقريب المتقدم، وإلا فلا موضوع له.
التاسعة : أن جواز الصلاة في اللباس المشكوك فيه مع قطع النظر عن جريان استصحاب العدم الأزلي أو النعتي يرتكز على القول بجريان أصالة البراءة في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، لا على انحلال المانعية أو عدم انحلالها.
العاشرة: أن المستفاد من الأدلة في مقام الاثبات في باب العبادات
والمعاملات هو الصورة الثانية وهي انحلال مانعية هذه الطبائع بانحلال أفرادها في الخارج، وأنّ تلك الأدلة إرشاد إلى مانعية كل فرد من أفرادها العرضية والطولية، فانّ إرادة بقية الصور منها تحتاج إلى بيان زائد من المتكلم وقرينة أخرى، وفي فرض عدمها كانت إرادة هذه الصورة متعيّنة.
الجهة الثالثة : قد تقدّم سابقاً أنّ الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في طرف النهي كما أنه يستدعي بمقتضى الفهم العرفي العموم بالاضافة إلى الأفراد العرضية، كذلك يستدعي العموم بالاضافة إلى الأفراد الطولية، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، ضرورة أنّ إطلاق النهي في مقام الاثبات وعدم تقييد المنهي عنه بحصة خاصة دون أخرى وبزمان معيّن دون آخر، كما أنه كاشف عن الاطلاق والعموم في مقام الثبوت والواقع بالاضافة إلى الأفراد العرضية، كذلك هو كاشف عنه فيه بالاضافة إلى الأفراد الطولية، لتبعية مقام الاثبات للثبوت، إلا أن العموم في متعلق الأمر يكون بدلياً كما عرفت، وقد يكون مجموعياً، كما أنّه في طرف الحكم الوضعي يكون مجموعياً من جهة.
ومثال الأوّل: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)ومثال الثاني: قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللّه الْبَيْعَ) (2)و (تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) (3)ونحوهما ممّا دلّ على حك-م وضعي كالطهارة والنجاسة والملكية،وغيرها فانّ المستفاد عرفاً من إطلاق الآية الأولى وإن كان هو العموم الاستغراقي بالاضافة إلى الأفراد العرضية والطولية من العقد، ضرورة أنه يثبت لكل فرد من أفراد العقد وجوب الوفاء
على نحو الاستقلال، فلا يكون وجوب الوفاء بهذا الفرد من العقد مربوطاً بفرد آخر...وهكذا، وهذا واضح، ولكن المستفاد منه عرفاً بالاضافة إلى الوفاء الذي تعلق به الأمر هو العموم المجموعي، لا الاستغراقي، لوضوح أن الوجوب الثابت للوفاء بكل فرد من أفراد العقد في جميع الآنات والأزمنة وجوب واحد مستمر، وليس الثابت في كل آن وزمان وجوباً غير وجوب الوفاء الثابت له في زمان آخر.
وكذا المستفاد عرفاً من إطلاق الآية الثانية والثالثة وإن كان هو العموم الاستغراقي بالاضافة إلى الأفراد العرضية والطولية من البيع والتجارة، إلّا أنّ الحلية الثابتة لكل فرد من أفراد البيع في جميع الآنات والأزمنة حلية واحدة مستمرة، وليس الثابت له في كل آن وزمان حلية غير الحلية الثابتة له في آن آخر وزمان ثان...وهكذا، ضرورة أنّ ثبوت الحلية له في كل آن وزمان لغو محض، وكذا الحال في الطهارة والنجاسة ونحوهما، فانّ الطهارة الثابتة لشيء في جميع الآنات والأزمنة طهارة واحدة مستمرة وليس الثابت له في كل آن طهارة واحدة، وهكذا الأمر في النجاسة وغيرها.
وهذا بخلاف الاطلاق في طرف النهي فانّ المتفاهم العرفي منه كما أنه ثبوت الحرمة لكل فرد من أفراد المنهي عنه، كذلك ثبوت الحرمة له في كل زمان من الأزمنة وآن من الآنات، كما تقدم بشكل واضح.
ولكن لشيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)في المقام كلام، وهو أنّ انحلال النهي بالاضافة إلى الأفراد العرضية إنّما هو من جهة أخذ ترك الطبيعة حال تعلق الطلب به فانياً في معنوناته التي هي عبارة عن ترك كل واحد من تلك الأفراد
1) أجود التقريرات 2: 122.
الخارجية، وأمّا انحلاله بالاضافة إلى الأفراد الطولية فهو إنّما يمكن بأحد وجهين :
الأوّل: أن يكون الزمان مأخوذاً في ناحية المتعلق بأن يكون شرب الخمر في كل زمان محكوماً بالحرمة.
الثاني: أن يؤخذ الزمان في ناحية الحكم بأن يكون الحكم المتعلق بترك الطبيعة باقياً في الأزمنة اللاحقة، وبما أنّه لا دليل على أخذ الزمان في ناحية المتعلق من جهة، ولا معنى لتحريم شيء يسقط بامتثاله آناً ما من جهة أخرى، فلا محالة يكون دليل الحكمة مقتضياً لبقاء الحكم في الأزمنة اللاحقة.
نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة صور :
الأولى : أن انحلال النهي بالاضافة إلى الأفراد العرضية إنما هو من ناحية أخذ ترك الطبيعة فانياً في معنوناته حين تعلق الطلب به، ولازم ذلك هو أنّ متعلق الطلب في الحقيقة هو ترك كل فرد من أفراد هذه الطبيعة في الخارج، فانّ الطلب المتعلق به لا محالة يسري إلى جميع أفراده ومعنوناته، لفرض أنه أخذ فانياً في تلك المعنونات، وهذا معنى انحلال النهي بانحلال ترك أفراد الطبيعة. الثانية : أنّ انحلال النهي بالاضافة إلى الأفراد الطولية إنما هو من جهة أحد الأمرين : إما أخذ الزمان في ناحية المتعلق، أو أخذه في ناحية الحكم، ولا ثالث، ضرورة أنّ النهي لا يدل على الانحلال بالاضافة إلى تلك الأفراد، وإنما يدل عليه بالاضافة إلى الأفراد العرضية فحسب.
والسر في ذلك : هو أن الملحوظ حال تعلق الطلب بترك الطبيعة هو فناؤه في ترك كل فرد من أفرادها فحسب، لافناؤه في ترك كل فرد منها في كل آن من الآنات وزمان من الأزمنة، ولأجل ذلك يدل على الانحلال من الناحية الأولى
دون الثانية.
الثالثة : أنّ أخذ الزمان في ناحية المتعلق يحتاج إلى دليل، وحيث إنه لا دليل عليه في المقام، فدليل الحكمة يعيّن أخذه في ناحية الحك-م ف-يدل على استمراره وبقائه في الآنات اللاحقة والأزمنة المتأخرة.
ولنأخذ بالمناقشة في جميع هذه الصور:
أمّا الصورة الأولى : فيردّها ما تقدّم منا (1)بشكل واضح، وملخّصه :
أمّا أوّلاً: فلأنّ أصل هذه النظرية فاسد، لما سبق من أنّ النهي ليس عبارة عن طلب ترك الطبيعة، ولا عبارة عن الزجر عنها، بل هو عبارة عن اعتبار المولى حرمان المكلف عن الطبيعة وإبراز ذلك الاعتبار في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل.
وأما ثانياً : فلما عرفت من أنّ انحلال النهي بالاضافة إلى الأفراد العرضية والطولية على جميع المذاهب والآراء إنما هو مقتضى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فانّ المتفاهم منه عرفاً ذلك بالاضافة إلى كلتيهما، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.
وأمّا الصورة الثانية : فيرد عليها ما عرفت من أنّ استفادة العموم بالاضافة إلى الأفراد الطولية أيضاً بالاطلاق، فانّ إطلاق المتعلق وعدم تقييده بحصة خاصة كما يقتضي العموم بالاضافة إلى الأفراد العرضية، كذلك إطلاقه وعدم تقييده بزمان معيّن يقتضي العموم بالاضافة إلى الأفراد الطولية، فما أف--اده (قدس سره) من أنّ انحلال النهي بالاضافة إلى الأفراد الطولية يتوقف على أحد
1) في ص 272.
أمرين: إما أخذ الزمان في ناحية المتعلق، أو أخذه في ناحية الحكم، لا يمكن المساعدة عليه بوجه، لما مرّ من أنه لا يتوقف على شيء منها، بل هو يتوقف على ثبوت الاطلاق، فإذا كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينةً على التقييد بزمان خاص دون آخر، لا محالة كان مقتضى الاطلاق هو ثبوت الحكم لكل فرد من أفراد الطبيعة في كل آن وزمان.
أضف إلى ذلك : أنه لا معنی لأخذ الزمان في ناحية المتعلق أو الحكم في أمثال هذه الموارد، فانّ الزمان كالمكان بنفسه،ظرف، فلا يحتاج كونه كذلك إلى لحاظ زائد، وعليه فإذا لم يقيد المولى الحكم بزمان خاص، فطبعاً يكون الحكم ثابتاً في تمام الأزمنة والآنات.
ومن الواضح جداً أنّ هذا لا يحتاج إلى لحاظ الزمان في ناحية المتعلق أو الحكم وأخذه فيه كما هو ظاهر، غاية الأمر قد يكون المتفاهم العرفي من ذلك هو استمرار الحكم على نحو العموم المجموعي، وقد يكون المتفاهم م-ن-ه ه-و استمراره على نحو العموم الاستغراقي، كما هو الحال في أمثال هذه الموارد.
وأمّا الصورة الثالثة : فعلى تقدير تسليم أنّه لا بد من أخذ الزمان في ناحية المتعلق أو الحكم لأجل استفادة العموم باضافة إلى الأفراد الطولية، فيرد عليها : أنّ دليل الحكمة يعيّن أخذه في ناحية المتعلق دون ناحية الحكم، وذلك لأن إطلاق المتعلق وعدم تقييده بزمان مخصوص يقتضي ثبوت الحكم له في كل زمان على نحو العموم الاستغراقي، بأن يثبت له في كل زمان حكم مغاير لثبوت حكم له في زمان ثان...وهكذا، وهذا هو المتفاهم منه عرفاً، ضرورة أنّ المتفاهم العرفي من النهي عن شرب الخمر مثلاً وسبّ المؤمن وما شاكلها، هو انحلال النهي بانحلال أفرادها بحسب الأزمنة، فيكون النهي الثابت لسب
المؤمن في هذا الزمان مغايراً للنهي الثابت له في زمان آخر...وهكذا.
نعم، إطلاق المتعلق في بعض الموارد يعيّن أخذه في ناحية الحكم كما في مثل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وما شاكله كما عرفت.
فما أفاده (قدس سره) من أن دليل الحكمة يعيّن أخذه في ناحية الحكم لا يتم على إطلاقه، بل الغالب هو العكس.
هذا تمام الكلام في معنى النهي ونقطة الامتياز بينه وبين الأمر.
1) المائدة 5: 1.
ها هنا جهات من البحث :
الأولى: أنّ عنوان النزاع في هذه المسألة على ما حرّره الأصحاب قديماً وحديثاً يوهم كون النزاع فيها كبروياً، بمعنى أن موضوع المسألة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ومحمولها الجواز أو الامتناع، بمعنى أن القائلين بجواز الاجتماع يدّعون أنّه لا مانع من اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، بدعوى أنّه لا مضادة بينهما ومعه لا مانع من اجتماعها فيه. والقائلين بالامتناع يدعون استحالة اجتماعهما فيه، بدعوى وجود المضادة بينهما، وعليه فمردّ النزاع في المسألة إلى دعوى المضادة بين الأحكام الشرعية بعضها مع بعض وعدم المضادة، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع، وعلى الثاني لابد من القول بالجواز.
والتحقيق : أنّ النزاع في هذه المسألة لا يعقل أن يكون كبروياً، ب-داه-ة استحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد مطلقاً، حتى ع-ن-د م-ن يجوز التكليف بالمحال كالأشعري، وذلك لأنّ اجتماعهما في نفسه محال، لا أنّ-ه م-ن التكليف بالمحال، ضرورة استحالة كون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً للمولى معاً على جميع المذاهب والآراء فما ظنك بغيره.
وعلى الجملة : فلا شبهة في استحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، حتى عند القائل بجواز الاجتماع في المسألة، فانّه إنما يقول به بملاك أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون، وأما مع فرض وحدته فلا يقول بالجواز أصلاً.
فإذن لا نزاع في الكبرى والنزاع في المسألة إنما هو في الصغرى.
وبيان ذلك : هو أنّ الأمر إذا تعلق بطبيعة كالصلاة مثلاً، والنهي تعلق بطبيعة أخرى كالغصب مثلاً وقد اتفق في الخارج انطباق الطبيعتين على شيء واحد - وهو الصلاة في الأرض المغصوبة - فعندئذ يقع الكلام في أنّ النهي المتعلق بطبيعة الغصب، هل يسري منها إلى ما تنطبق عليه طبيعة الصلاة المأمور بها في الخارج أم لا ؟ ومن الواضح جداً أنّ سراية النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر ترتكز على نقطة واحدة وهي اتحاد المجمع وكونه موجوداً بوجود واحد، كما أن عدم السراية ترتكز على تعدد المجمع وكونه موجوداً بوجودين.
فالنتيجة : هي أنّ مركز النزاع في هذه المسألة ونقطة الخلاف فيه-ا ب-ين الأعلام والمحققين إنما هي في أنّ المجمع لمتعلقي الأمر والنهي كالصلاة في الأرض المغصوبة مثلاً في مورد التصادق والاجتماع، هل هو موجود واحد حقيقةً وبالذات وأنّ التركيب بينهما،اتحادي أو هو متعدد كذلك وأنّ التركيب بينهما انضمامي ؟ فمردّ القول بالامتناع في المسألة إلى القول باتحاد المجمع لهما في مورد التصادق والاجتماع، إذ على هذا لا محالة يسرى النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به في الخارج، فإذن يلزم انطباق المأمور به على المنهي عنه فعلاً، وهذا محال. ومردّ القول بالجواز فيها إلى القول بعدم اتحاد المجمع، وعليه فلا يسري النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية حكم أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر.
وقد تحصل من ذلك بوضوح أنّ النزاع في مسألتنا هذه صغروي، ولا يعقل أن يكون كبروياً.
الثانية : قد ظهر ممّا ذكرناه نقطة الامتياز بين هذه المسألة والمسألة الآتية، وهي مسألة النهي في العبادات، وهي أنّ النزاع في تلك المسألة كبروي، فإنّ
المبحوث عنه فيها إنما هو ثبوت الملازمة بين النهي عن عبادة وفسادها وعدم ثبوت هذه الملازمة بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى، وهي تعلق النهي بالعبادة، وأما النزاع في مسألتنا هذه فقد عرفت أنه صغروي، لفرض أنّ المبحوث عنه فيها هو سراية النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر، وعدم سرايته.
وعلى ضوء هذا فالبحث في هذه المسألة بحث عن إثبات الصغرى للمسألة الآتية، فانّها على القول بالامتناع وسراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به تكون من إحدى صغرياتها ومصاديقها دون القول الآخر.
فالنتيجة : أنّ النقطة الرئيسية لامتياز إحدى المسألتين عن الأخرى هي أنّ جهة البحث في إحداهما صغروية وفي الأخرى كبروية.
ومن هنا يظهر فساد ما أفاده المحقق صاحب الفصول (قدس سره)(1)من الفرق بين المسألتين، وحاصل ما أفاده هو أنّ هذه المسألة تمتاز عن المسألة الآتية في أنّ النزاع في هذه المسألة فيما إذا تعلق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة والذات، وإن كانت النسبة بينها العموم المطلق كما إذا أمر المولى عبده بالحركة ونهاه عن القرب في مكان مخصوص، فان عنوان الحركة وعنوان القرب عنوانان متغايران بالذات مع أنّ النسبة بينهما بحسب الخارج عموم مطلق، ضرورة أنّ العبرة إنما هي بتغاير ما تعلق به الأمر وما تعلق به النهي، لا بكون النسبة بينهما عموماً من وجه وإن كان الغالب أن النسبة بين الطبيعتين المتغايرتين كذلك عموم من وجه، وقلّما يتفق أن تكون النسبة بينهما عموماً مطلقاً. والنزاع في تلك المسألة فيما إذا كان متعلق الأمر والنهي متحدان بحسب الذات والحقيقة ومختلفان بمجرد الاطلاق والتقييد، بأن تعلق الأمر بالطبيعة
1) الفصول الغروية : 124.
المطلقة كالصلاة مثلاً، والنهي تعلق بحصة خاصة منها، وهي الصلاة في الدار المغصوبة.
و توضيح فساده : هو أن مجرد اختلاف متعلق الأمر والنهي في هذه المسألة واتحادهما في تلك المسألة، لا يكون ملاكاً لامتياز إحداهما عن الأخرى ما لم تكن هناك جهة أخرى للامتياز، ضرورة أنّه لا يفرق في البحث ع-ن ت-لك المسألة، أعني البحث عن أنّ تعلق النهي بعبادة هل يستلزم أن تعلق النهي بعبادة هل يستلزم فسادها أم لا، بين أن يكون النهي متعلقاً بعبادة بعنوانها كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة أو نحوه، وأن يكون متعلقاً بعنوان آخر منطبق عليها في الخارج، كالنهي الغصب مثلاً إذا فرض انطباقه على الصلاة فيها خارجاً، فإذن لا محالة تكون الصلاة منهياً عنها ومتعلقاً للنهي.
ومن الواضح جداً أن مجرد تعلق النهي بها بعنوان آخر لا يوجب عقد ذلك مسألة أخرى في قبال تلك المسألة، بعد ما كان ملاك البحث في تلك المسألة موجوداً فيه، وكان الغرض المترتب عليها مترتباً على ذلك أيضاً، وهو فساد العبادة. وعليه فلا أثر لمجرد الاختلاف في المتعلق، وعدم الاختلاف فيه، فانّ ميزان تعدد المسألة ووحدتها فى أمثال هذا العلم إنما هو بتعدد الغرض وجهة البحث ووحدتهما، لا باختلاف الموضوع والمحمول وعدم اختلافها، كما هو واضح.
وبكلمة أخرى: أنّ صرف تعلق الأمر والنهي بطبيعتين مختلفتين على نحو العموم من وجه أو المطلق في هذه المسألة، وعلى نحو الاطلاق والتقييد في تلك المسألة، لا يوجب الامتياز بينهما إذا فرض عدم اختلافها من جهة البحث، ضرورة أنه إذا فرض أنّ جهة البحث فيهما ترجع إلى نقطة واحدة، فلا معنی عندئذ لجعل هذه المسألة مسألة أخرى في قبال تلك، كما هو ظاهر.
وقد تحصل من ذلك : أنّ الضابط لامتياز هذه المسألة عن تلك، هو ما
ذكرناه، من أنّ جهة البحث في هذه المسألة غير جهة البحث في تلك المسألة، فإذن لا بد من عقدها مسألة أخرى في قبالها، كما تقدّم بصورة مفصلة.
وقد يتخيّل أن نقطة الفرق بين هاتين المسألتين هي أنّ البحث في مسألتنا هذه عقلي، فانّ الحاكم بالجواز أو الامتناع فيها إنما هو العقل، بملاك تعدد المجمع في مورد التصادق والاجتماع ووحدته فيه، وليست للفظ أية صلة في البحث عنها، والبحث في المسألة الآتية لفظي، بمعنى أن النهي المتعلق بعبادة، هل يدل على فسادها أم لا.
ولكن هذا الخيال خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، والوجه في ذلك : أمّا أوّلاً: فلأن هذه المسألة تغاير تلك المسألة ذاتاً، فلا اشتراك لهما، لا في الموضوع ولا في المحمول ولا في الجهة ولا في الغرض، وهذا معنى الامتياز الذاتي، ومعه لا نحتاج إلى امتياز عرضي بينهما، وهو أن البحث في إحداهما عقلي وفي الأخرى لفظي، فانّ الحاجة إلى مثل هذا الامتياز إنّما هو في فرض الاشتراك بينهما ذاتاً، وأما إذا فرض أنّه لا اشتراك بينهما أصلاً فلا معنى لجعل هذا جهة امتياز بينهما، كما هو واضح.
وأما ثانياً : فلما سيجيء عن قريب إن شاء اللّه تعالى(1)من أنّ البحث في تلك المسألة أيضاً عقلى، ولا صلة له بعالم اللفظ أبداً، ضرورة أنّ الجهة المبحوث عنها فيها إنما هي ثبوت الملازمة بين حرمة العبادة وفسادها وعدم ثبوت هذه الملازمة، ومن الواضح جداً أن البحث عن تلك الجهة لا يختص بما إذا كانت الحرمة مدلولاً لدليل لفظي، بل يعم الجميع، بداهة أن المبحوث عنه تلك المسألة والمهم فيها إنما هو البحث عن ثبوت الملازمة وعدمه، ومن
1) راجع المجلد الرابع من هذا الكتاب ص 135.
المعلوم أنّه لا يفرق فيه بين أن تكون الحرمة مستفادة من اللفظ أو من غيره، وإن كان عنوان البحث فيها على ما حرّره الأصحاب قديماً وحديثاً يوهم اختصاص محل النزاع بما إذا كانت الحرمة مدلولاً لدليل لفظي، إلّا أنّ هذا من جهة الغلبة، حيث إنّ الحرمة غالباً مستفادة اللفظ من دون غيره، كما هو ظاهر.
الثالثة : قد تقدّم أنّ متعلق الأوامر والنواهي هو الطبائع الكلية التي يمكن انطباقها على الأفراد والمصاديق الخارجية بشتى ألوانها وأشكالها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنّ تلك الطبائع الكلية قد قيّدت بقيودات كثيرة وجودية وعدمية، مثلاً الصلاة مقيدة بقيودات وجودية، كالطهور والقيام واستقبال القبلة والاستقرار وما شاكل ذلك، وقيودات عدمية، كترك لبس ما لا يؤكل والحرير والذهب والميتة والنجس، وترك القهقهة والتكلم ونحو ذلك.
ومن ناحية ثالثة : أنّ تلك القيودات لا توجب إلا تضييق دائرة انطباقها على أفرادها في الخارج ولا توجب خروجها عن الكلية.
وعلى الجملة : فانّ للطبائع الكلية عرضاً عريضاً، ولكل حصة منها نحوسعة وكلّية، وأنّ التقييد مهما بلغ عدده لا يوجب إلّا تضييق دائرة الانطباق على ما في الخارج، إلّا إذا فرض بلوغ التقييد إلى حد يوجب انحصار المقيد في الخارج بفرد واحد، ولكنّه مجرد فرض العله غير واقع أصلاً.
ومن هنا تكون التقييدات الواردة على الصلاة من نواح عديدة : 1 - من ناحية الزمان حيث إنّها واجبة في زمان خاص لا مطلقاً. 2 - من ناحية المكان حيث إنّه يشترط في صحتها أن تقع في مكان.مباح. 3- من ناحية المصلي فلا تصح من كل شخص كالحائض ونحوها. 4- من ناحية نفسها حيث إنّها مقيدة
بقيودات عديدة كثيرة وجودية،وعدمية لا توجب إلّا تضييق دائرة انطباقها على ما في الخارج، ولا توجب خروجها عن الكلية وإمكان انطباقها على الأفراد الكثيرة في الخارج.
ومن ناحية رابعة : أنّ المراد من الواحد في محل الكلام هو مقابل المتعدد لا في مقابل الكلّي، بمعنى أنّ المجمع في مورد التصادق والاجتماع واحد وليس بمتعدد، بأن يكون مصداق المأمور به في الخارج غير مصداق المنهي عنه وإلا لخرج عن محل الكلام ولا إشكال عندئذ أصلاً.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي أنّ المجمع في مورد الاجتماع والتصادق كلّي قابل للانطباق على كثيرين وليس واحداً شخصياً، ضرورة أنّ الصلاة في الأرض المغصوبة ليست واحدة شخصاً بل هي واحدة نوعاً ولها أفراد عرضية وطولية تصدق عليها، لما عرفت من أنّ التقييد لا يوجب إلّا تضييق دائرة الانطباق، فتقييد الصلاة بكونها في الدار المغصوبة لا يوجب خروجها عن الكلية، وإنما يوجب تضييق دائرة انطباقها على خصوص الأفراد الممكنة التحقق فيها من العرضية والطولية، فانّها كما تصدق على الصلاة قائماً فيها، تصدق على الصلاة قاعداً وعلى الصلاة مع فتح العينين ومع غمضها وفي هذه الدار وتلك...وهكذا، وعلى الصلاة في هذا الآن وفي الآن الثاني والثالث...وهكذا.
وبكلمة أخرى: أن الواحد قد يطلق ويراد منه ما لا يكون متعدداً، فيقال إن الصلاة في الأرض المغصوبة واحدة فلا تكون متعددة، بمعنى أنه ليس في الدار شيئان أحدهما كان متعلق الأمر والثاني متعلق النهي، بل فيها شيء واحد - وهو الصلاة - يكون مجمعاً المتعلقيهما، فالغرض من التقييد بكون المجمع لهما واحداً، في مقابل ذلك، أي في مقابل ما ينطبق المأمور به على شيء والمنهي عنه على شيء آخر، لا في مقابل الكلّي كما ربّما يتوهّم.
وقد يطلق الواحد ويراد منه ما لا يكون كلّياً فيقال هذا واحد ليس بكلّي قابل للانطباق على كثيرين والنسبة بين الواحد بهذا المعنى والواحد بالمعنى الأول هي عموم مطلق، فانّ الأوّل أعم من هذا لشموله الواحد بالشخص والواحد بالنوع والواحد بالجنس، دون هذا فانه خاص بالأوّل فحسب. وبعد ذلك نقول : إنّ المراد من الواحد في محل الكلام هو الواحد بالمعنى الأول دون الثاني، بمعنى أن هذه الحصة من الصلاة مثلاً وهي الصلاة في الأرض المغصوبة مجمع لمتعلقي الأمر والنهي ومورد لتصادقها، وإن كانت في نفسها كلياً قابلاً للانطباق على الأفراد الكثيرة في الخارج العرضية والطولية، كما عرفت.
فالنتيجة : أنّ هذه الحصة بما لها من الأفراد مجمع لهما ومح-ل لل-تصادق والاجتماع في مقابل ما إذا لم يكن كذلك، بأن يكون مصداق المأمور به حصة، ومصداق المنهي عنه حصة أخرى مباينة للأولى بما لها من الأفراد الدفعية والتدريجية.
وعلى ضوء هذا البيان يظهر خروج مثل السجدة والقتل والكذب وما شاكلها من الطبائع الكلية التي يتعلق الأمر بحصة منها والنهي بحصة أخرى منها عن محل الكلام في المسألة، فانّ هذه الطبائع وإن كانت واحدةً بالنوع أو الجنس، إلا أنها ليست مجمعاً لمتعلقي الأمر والنهي معاً، فانّ الأمر تعلق بحصة منها وهي السجود اللّه تعالى، والنهي تعلق بحصة أخرى منها وهي السجود لغيره تعالى، وهاتان الحصتان متباينتان فلا تجتمعان في مورد واحد، ولا تنطبق إحداهما على ما تنطبق عليه الأخرى، وليس هنا شيء يكون مجمعاً لمتعلق الأمر والنهي، ومحلاً لاجتماعهما فيه ضرورة أن طبيعي السجود بما هو ليس مجمعاً للأمر والنهي ليكون داخلاً في محل البحث في هذه المسألة، بل الأمر كما عرفت تعلق بحصة، والنهي تعلق بحصة مباينة لها، فلا تجتمعان في مورد أصلاً.
وكذا الحال في القتل، فانّ الأمر تعلق بحصة خاصة منه - وهي قتل الكافر أو غيره ممن وجب قتله - والنهي تعلق بحصة أخرى منه - وهي قتل المؤمن - ومن الواضح أنها لا تتصادقان على شيء واحد، ولا تجتمعان في محل ف-ارد فإذن ليس هنا شيء واحد اجتمع فيه الأمر والنهي، بل الأمر تعلق بحصة يمكن انطباقها على أفرادها الكثيرة في الخارج العرضية والطولية، والنهي تعلق بحصة أخرى كذلك. وكذا الحال في الكذب ونحوه.
ونتيجة ما ذكرناه هي أنّ الغرض من تقييد المجمع بكونه واحداً إنما هو التحرز عن مثل هذه الموارد التي لا يتوهّم اجتماع الأمر والنهي فيها في شيء واحد، لا التحرز عن مطلق الواحد النوعي أو الجنسي كما عرفت.
وقد تحصّل من ذلك أمران :
الأوّل : أنّه إذا كان مصداق المأمور به غير مصداق المنهي عنه في الخارج ومبايناً له، فهو خارج عن مفروض الكلام في المسألة، ولا كلام ولا إشكال فيه أبداً.
الثاني : أنّ محل الكلام فيها ما إذا كان مصداق المأمور ب-ه والم-نه-ي ع-ن-ه واحداً، وذلك الواحد يكون مجمعاً لها، سواء أكانت وحدته شخصية أو صنفية أو نوعية أو جنسية، لما مرّ من أنّ المراد من الواحد في مقابل المتعدد وهو ما إذا كان مصداق المأمور به غير مصداق المنهي عنه خارجاً - لا في مقابل الكلّي، وسواء أكانت وحدته حقيقية أم انضمامية.
الجهة الرابعة: التي أهم الجهات في مسألتنا هذه: قد تقدّم أنّ القول بالامتناع في المسألة يرتكز على سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به، وعلى هذا فلا محالة تقع المعارضة بين دليلي الحكمين كالوجوب
والحرمة مثلاً، لما عرفت من أنّ مردّ هذا القول إمّا إلى القول باتحاد المجمع حقيقةً، أو القول بسراية حكم أحد المتلازمين إلى الآخر. وعلى كلا التقديرين لا محالة يكون أحد الدليلين كاذباً في مورد الاجتماع، وذلك لاستحالة أن يكون المجمع عندئذ مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً، فإذن الأخذ بمدلول كل منهما في ذلك المورد يستلزم رفع اليد عن مدلول الآخر فيه مع بقاء موضوعه.
ومن هنا ذكرنا في بحث التعادل والترجيح(1)أنّ التعارض هو تنافي مدلولي الدليلين في مقام الاثبات على وجه التناقض أو التضاد بالذات والحقيقة أو بالعرض والمجاز، بمعنى أنّ كل واحد من الدليلين يدل على نفى مدلول الدليل الآخر بالمطابقة أو بالالتزام، فيكون مدلول الدليل الآخ-ر م-نتفياً م-ع ب-قاء موضوعه بحاله لا بانتفائه. وهذا هو الضابط الرئيسي لمسألة التعارض وواقعه الموضوعي، ومن المعلوم أنّه ينطبق في هذه المسألة على القول بالامتناع، فانّ المجمع على هذا يكون واحداً، كما هو المفروض.
وعليه فلا محالة يدل كل من دليلي الأمر والنهي على نفي مدلول الدليل الآخر مع بقاء موضوعه بحاله. فإذن لا بدّ من الرجوع إلى قواعد باب المعارضة، فإن كان التعارض بينهما بالاطلاق كما هو الغالب يسقطان معاً، فيرجع إلى الأصل في المسألة من أصل لفظي إن كان، وإلا فإلى أصل عملي. وإن كان بالعموم يرجع إلى أخبار الترجيح إذا كان التعارض بين الخبرين، وإلا فإلى قواعد أخر على تفصيل في محلّه. وإن كان أحدهما مطلقاً والآخر عاماً فيتقدّم العام على المطلق، لأنه يصلح أن يكون بياناً له دون العكس، وإن كان أحدهما لبياً والآخر لفظياً، فيتقدّم الدليل اللفظي على الدليل اللبي، كما هو واضح. وإن كان
1) مصباح الأصول 3: 417.
كلاهما لبياً فلابد من الرجوع في المسألة إلى الأصل من أصل لفظي أو عملي.
والقول بالجواز يرتكز على عدم سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به، سبق من أنّ مردّ هذا القول إلى تعدد المجمع حقيقة في م-ورد الاجتماع والتصادق، وعليه فلا محالة تقع المزاحمة بين إطلاقي الدليلين في مقام الامتثال والفعلية، وقد تقدّم (1)في بحث الضد بشكل واضح أن نقطة انبثاق التزاحم بين الحكمين تنحصر في عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، فإن صرف قدرته في امتثال هذا يعجز عن امتثال ذاك، وإن عكس فبالعكس، فيكون انتفاء كل منهما عند إعمال المكلف قدرته في امتثال الآخر بانتفاء موضوعه - وهو القدرة - لا بانتفائه مع بقاء موضوعه على حاله، وإلّا لكان بينهما تعارض وتعاند في مقام الجعل، ولذا قلنا إنه لا تنافي بين الحكمين المتزاحمين بحسب مقام الجعل أصلاً، فكل منهما مجعول لموضوعه على نحو القضية الحقيقية من دون أيّة منافاة ومعاندة بينهما في هذا المقام أبداً، والمنافاة بينهما إنّما طرأت في مقام الامتثال من ناحية عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما معاً.
ومن هنا قلنا إنه لا منافاة بينها ذاتاً،وحقيقة، والمنافاة إنما هي بالعرض والمجاز، ولأجل ذلك اختصت المزاحمة والمنافاة بينهما بالاضافة إلى العاجز، فلا مزاحمة بينهما بالاضافة إلى القادر أصلاً.
وهذا بخلاف باب التعارض، فانّه تنافي الحكمين بحسب مقام الجعل مع قطع النظر عن وجود أي شيء في الخارج وعدمه فيه، ولذا لا يختص التعارض بين الحكمين بالاضافة إلى شخص دون آخر. وقد تقدم الكلام في تمام هذه النقاط في بحث الضد بصورة مفصلة فلا نعيد هذا إذا لم تكن مندوحة للمكلف في
1) راجع ص 3.
مقام الامتثال، وأمّا إذا كانت مندوحة له بأن يتمكن من امتثال كلا التكليفين معاً، غاية الأمر أحدهما بنفسه والآخر ببدله، فهل يدخل ذلك في كبرى مسألة التزاحم أم لا؟ وجهان.
فقد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)الوجه الأوّل، بدعوى أنه لا فرق في تحقق المزاحمة بين حكمين بين أن تكون هناك مندوحة للمكلف أم لم تكن، ومن هنا قال (قدس سره) إنّ أوّل مرجحات باب التزاحم هو ما إذا كان لأحد الحكمين المتزاحمين بدل دون الحكم الآخر، فيتقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل في مقام المزاحمة، وهذا إنما يتحقق في أحد موردين:
الأوّل : ما إذا زاحم بعض أفراد الواجب التخييري الواجب التعييني، كما إذا وقعت المزاحمة بين صرف المال الموجود عنده في نفقة عياله وصرفه في إطعام ستين مسكيناً مثلاً بعد فرض أنه لا يكفي إلا لأحدهما فحسب، وحيث إنّ للثاني بدلاً في عرضه - وهو صوم شهرين متتابعين - فيتقدّم الأوّل عليه في صورة المزاحمة مطلقاً ولو كان ما له البدل أهم منه.
الثاني : ما إذا وقعت المزاحمة بين الأمر بالوضوء أو الغسل، والأمر بغسل الثوب أو البدن للصلاة، وبما أنّ للوضوء أو الغسل بدلاً في طوله - وهو التيمم - فيتقدّم الأوّل عليه، فتنتقل الوظيفة إلى التيمم.
أقول : أمّا المورد الأوّل : فقد تقدّم الكلام فيه (2)بشكل واضح في بحث الضد عند التكلم عن مرجحات باب التزاحم وقلنا هناك إنّه خارج عن كبرى هذا الباب، وذلك لما ذكرناه في بحث الواجب التخييري من أن الواجب ه-و
الجامع بين الفعلين أو الأفعال، لا كل واحد منهما، مثلاً الواجب في خصال الكفارة هو الواحد لا بعينه، لا كل واحد منها خاصة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: قد ذكرنا أنّ منشأ التزاحم بين الحكمين إنما هو عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مرحلة الامتثال.
فالنتيجة على ضوئها : هي أنّه لا تزاحم في أمثال هذا المورد، لفرض أنّ المكلف قادر على امتثال كلا الواجبين معاً، ومعه لا مزاحمة بينهما أبداً، ضرورة أنه كما يكون قادراً على امتثال الأمر بالنفقة والاتيان بمتعلقه في الخارج، كذلك يكون قادراً على امتثال الأمر بالجامع بين الخصال والاتيان بمتعلقه فيه، فما هو واجب - وهو الجامع بينها - لا يكون مزاحماً للأمر بصرف هذا المال النفقة في ومانعاً عنه، وما هو مزاحم له ومانع عنه - وهو إطعام ستين مسكيناً - ليس بواجب، فإذن لا يعقل التزاحم في هذه الموارد.
نعم، التزاحم إنما يكون في تطبيق هذا الجامع على خصوص ه-ذا الف-رد وهو الاطعام - ولكن التطبيق بما أنّه باختيار المكلف وإرادته، ولا يكون ملزماً في تطبيقه على هذا الفرد، لا من قبل الشرع، ولا من قبل العقل، فله الخيار في التطبيق على هذا أو ذاك، ولكن حيث إن تطبيقه على خصوص هذا الفرد في المقام مزاحم لامتثال الواجب الآخر ومستلزم لتركه فلا يجوز بحكم العقل، بل هو ملزم بتطبيقه على غيره لئلا يزاحم الواجب، كما هو واضح. وتمام الكلام في ذلك قد تقدّم في بحث الضد فلاحظ.
وأما المورد الثاني : فقد تقدّم الكلام فيه (1)أيضاً بصورة واضحة في بحث الضد، وقلنا هناك إنّ أمثال هذا المورد داخلة في كبرى باب التعارض دون
1) في ص 106.
باب التزاحم فراجع ولا حاجة إلى الاعادة.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أن مسألة الاجتماع على القول بالامتناع وسراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به تدخل في كبرى باب التعارض وتكون من إحدى صغرياتها، فلابد عندئذ من الرجوع إلى قواعد ذلك الباب. وعلى القول بالجواز وعدم السراية تدخل في كبرى باب التزاحم، إذا لم تكن للمكلف مندوحة في البين بأن لا يتمكن من الاتيان بالصلاة في خارج الأرض المغصوبة، وأما إذا كانت له مندوحة بأن كان متمكناً من الاتيان بها في الخارج فلا تزاحم أبداً.
الخامسة : هل إنّ مسألتنا هذه من المسائل الأصولية، أو من المسائل الفقهية، أو من المسائل الكلامية، أو من المبادئ التصديقية ؟ وجوه وأقوال.
قيل : إنها من المسائل الفقهية، بدعوى أنّ البحث في هذه المسألة في الحقيقة عن عوارض فعل المكلف وهي صحة العبادة في المكان المغصوب وفسادها فيه، وهذا هو الضابط لكون المسألة فقهية لا غيرها.
ويردّه : ما تقدّم من أنّ البحث فيها ليس عن صحة العبادة وفسادها ابتداءً، بل البحث فيها متمحض في سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به وعدم سرايته، ومن الواضح جداً أنّ البحث من هذه الناحية لا يرتبط بعوارض فعل المكلف أبداً، ولا يكون بحثاً عنها أصلاً، بل الصحة التي هي من عوارض فعله تترتب على القول بعدم السراية، ونتيجة لهذا القول، وهذا ملاك كون هذه المسألة مسألة أصولية لا غيرها، وذلك لما تقدّم من أن الميزان في كون المسألة أصولية ترتب نتيجة فقهية عليها، ولو باعتبار أحد طرفيها من دون ضم كبرى مسألة أصولية أخرى، وكيف كان فعدم كون هذه المسألة من المسائل الفقهية من الواضحات الأولية.
الثاني : أنها من المسائل الكلامية بتقريب أنّ البحث فيها عن استحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وإمكانه عقلاً. ومن الظاهر أن البحث عن هذه الجهة - أعني الاستحالة والامكان - يناسب المسائل الكلامية دون المسائل الأصولية، ضرورة أنّ الأصولي لابد أن يبحث عما يترتب عليه أثر شرعي، وليس المناسب له البحث عن إمكان الأشياء واستحالتها.
وغير خفي أنّ البحث في هذه المسألة وإن كان عقلياً ولا صلة له بعالم اللفظ أبداً، إلا أنه مع ذلك ليس من المسائل الكلامية، والوجه فيه هو أن الضابط في كون المسألة كلامية هو أن يكون البحث فيها عن أحوال المبدأ والمعاد ومسألتنا هذه وإن كانت مسألة عقلية، إلّا أنّ البحث فيها ليس بحثاً عن أحوال المبدأ والمعاد في شيء، بل البحث فيها - كما عرفت - إنما هو عن سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به وعدم السراية، ومن المعلوم أنه لا مساس لها على كلا القولين بالعقائد الدينية والمباحث الكلامية.
وبكلمة أخرى : أنّ المسائل الكلامية وإن كانت مسائل عقلية، إلّا أنّه ليس كل مسألة عقلية مسألة كلامية، بل هي طائفة خاصة منها، وهي ما يترتب على البحث عنها معرفة المبدأ والمعاد، وبذلك نميّز المسائل الكلامية عن غيرها، فكل مسألة يترتب على البحث عنها هذا الغرض فهي من المسائل الكلامية، وإلا فلا، وحيث إنّ هذا الغرض لا يترتب على البحث عن مسألتنا هذه فلا تكون منها.
نعم، يمكن إرجاع البحث في هذه المسألة إلى البحث عن أحوال المبدأ والمعاد، بتقريب أن يجعل البحث فيها عن قبح صدور الأمر والنهي منه تعالى بالاضافة إلى شيء واحد وعدم قبح ذلك منه تعالى، وبهذه العناية وإن كانت من المسائل الكلامية، إلّا أنّ البحث فيها ليس عن هذه الجهة في شيء، بل قد عرفت أنّ
البحث فيها عن السراية وعدمها بعد ما تعلق الأمر بطبيعة والنهي بطبيعة أخرى واتفق انطباقهما على شيء، فعندئذ يقع الكلام في سراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق به الأمر وعدم سرايته، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : قد ذكرنا أنّ الضابط لكون المسألة أصولية أو كلامية أو غيرهما إنما هو جهة البحث في تلك المسألة، فإن كانت الجهة ممّا يترتب عليه الغرض الأصولي تكون المسألة أصولية، وإن كانت ممّا يترتب عليه الغرض الكلامي تكون كلامية...وهكذا، كما هو واضح. وحيث إنه يترتب على البحث عن هذه المسألة غرض أصولي، فهي من المسائل الأصولية، لا غيرها.
الثالث : أنها من المبادئ الأحكامية، والمراد بها ما يكون البحث فيه عن حال الحكم، كالبحث عن أنّ وجوب شيء هل يستلزم وجوب مقدمته، أو حرمة ضده أم لا، والبحث في هذه المسألة في الحقيقة بحث عن حال الأحكام من حيث إمكان اجتماع اثنين منها في شيء واحد وعدم إمكانه. وعليه فتكون المسألة من المبادئ الأحكامية، كما هو الحال في بقية مباحث الاستلزامات العقلية.
ويرده : أن المبادئ لا تخلو من أن تكون مبادئ تصورية أو مبادئ تصديقية فلا ثالث لهما، والمبادئ التصورية عبارة عن تصور نفس الموضوع والمحمول بذاتها وذاتياتهما، والمبادئ التصديقية هي التي تكون مبدأ للتصديق بالنتيجة، فانّها عبارة عن الصغرى والكبرى المؤلف منهما القياس المنتج للعلم بالنتيجة. ومن تلك المبادئ المسائل الأصولية بالاضافة إلى المسائل الفقهية باعتبار أنها تكون مبدأ للتصديق بثبوت تلك المسائل، وتقع في كبرى القياس الواقع في طريق استنباطها، وبهذا الاعتبار تكون المسائل الأصولية مبادئ تصديقية لعلم الفقه، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها المسائل الفقهية.
ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية، بداهة أنّه إن أريد من المبادئ الأحكامية تصور نفس الأحكام كالوجوب والحرمة ونحوهما، فهو من المبادئ التصورية، إذ لا نعني بها إلا تصور الموضوع والمحمول كما مر. وإن أريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه - ومنه الحكم بسراية النهي إلى متعلق الأمر في محل الكلام - فهي من المبادئ التصديقية لعلم الفقه، كما هو الحال في سائر المسائل الأصولية.
الرابع : أنها من المبادئ التصديقية لعلم الأصول، وليست من مسائله. وقد اختار هذا القول شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)وأفاد في وجه ذلك ما حاصله: هو أنّ هذه المسألة على كلا القولين لا تقع في طريق استنباط الحكم الكلّي الشرعي بلا واسطة ضم كبرى أصولية، وقد تقدّم أن الضابط لكون المسألة أصولية هو وقوعها في طريق الاستنباط بلا واسطة، والمفروض أنّ هذه المسألة ليست كذلك، فانّ فساد العبادة لا يترتب على القول بالامتناع فحسب، بل لا بد من ضم كبرى أصولية إليه وهي قواعد كبرى مسألة التعارض، فانّ هذه المسألة على هذا القول تدخل في كبرى تلك المسألة، وتكون من إحدى صغرياتها. وعليه ففساد العبادة إنما يترتب بعد إعمال قواعد التعارض وتطبيقها في المسألة لا مطلقاً، وهذا شأن كون المسألة من المبادئ التصديقية دون المسائل الأصولية، كما أنها على القول بالجواز تدخل في كبرى مسألة التزاحم.
ويرد عليه : ما ذكرناه غير مرّة من أنّه يكفي في كون المسألة أصولية وقوعها في طريق الاستنباط، وتعيين الوظيفة بأحد طرفيها وإن كانت لا تقع بطرفها الآخر، ضرورة أنه لو لم يكن ذلك كافياً في اتصاف المسألة بكونها
1) أجود التقريرات 2 : 128.
أصولية، بل يعتبر فيه وقوعها في طريق الاستنباط بطرفها الآخر أيضاً، للزم خروج عدة من المسائل الأصولية عن كونها أصولية، منها : مسألة حجية خبر الواحد فانّها لا تقع في طريق الاستنباط على القول بعدم حجيته ولا يترتب عليها أي أثر شرعي على هذا القول. ومنها حجية ظواهر الكتاب، فانّه على القول بعدمها لا يترتب عليها أي أثر شرعي، وغيرهما من المسائل، مع أنه لا شبهة في كونها من المسائل الأصولية، بل هي من أهمّها.
نتيجة ذلك : هي أنّ الملاك في كون المسألة أصولية وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها ولو باعتبار أحد طرفيها، في مقابل ما ليس له هذا الشأن وهذه الخاصة، كمسائل بقية العلوم، والمفروض أنّ مسألتنا هذه كذلك، فانّه يترتب عليها أثر شرعي، وهو صحة العبادة على القول بالجواز وتعدد المجمع وإن لم يترتب أثر شرعي عليها على القول بالامتناع، وهذا يكفي في كونها مسألة أصولية.
وقد تبيّن لحد الآن : أنّ هذه المسألة كما أنها ليست مسألة فقهية، كذلك لیست مسألة كلامية، ولا من المبادئ الأحكامية، ولا من المبادئ التصديقية.
الخامس : أنها من المسائل الأصولية العقلية، وهذا هو الصحيح.
فلنا دعویان:
الأولى: أنّها مسألة عقلية ولا صلة لها بعالم اللفظ أبداً.
الثانية : أنّها مسألة أصولية تترتب عليها نتيجة فقهية بلا واسطة.
أما الدعوى الأولى فهي واضحة ضرورة أن الحاكم باستحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وإمكانه إنما هو العقل، فانه يدرك استحالة الاجتماع فيما إذا كان المجمع في مورد التصادق والاجتماع واحداً، وجوازه فيما إذا كان
المجمع فيه متعدداً.
وبتعبير آخر أنّ القضايا العقلية على ضربين:
أحدهما: القضايا المستقلة العقلية، بمعنى أنّ في ترتب النتيجة ع-ل-ى ت-لك القضايا لانحتاج إلى ضم مقدّمة خارجية، بل هي تتكفل لاثبات النتيجة بأنفسها، وهذا معنى استقلالها، وهي مباحث التحسين والتقبيح العقليين التي يبحث فيها عن حكم العقل بحسن شيء أو قبحه في مقابل الأشاعرة حيث إنهم ينكرون تلك القضايا ويدعون أن العقل لا يدرك حسن الأشياء وقبحها أصلاً.
وثانيهما: القضايا العقلية غير المستقلة، بمعنى أنّ في ترتب النتيجة عليها نحتاج إلى ضم مقدّمة خارجية، وإلا فلا تترتب عليها بأنفسها أية نتيجة فقهية، وهي كمباحث الاستلزامات،العقلية كمبحث مقدّمة الواجب ومبحث الضد ونحوهما، فانّ الحاكم في هذه المسائل هو العقل لا غيره، ضرورة أن-ه يدرك وجود الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته وبين وجوبه وحرمة ضده...وهكذا. وليس المراد من عدم استقلال تلك القضايا أنّ العقل في إدراكه غير مستقل، فانّه لا معنى لعدم استقلاله في إدراكه، بداهة أنه لا يتوقف في إدراكه الملازمة بينهما أو الاستحالة والامكان كما في مسألتنا هذه - على أيّة مقدمة خارجية، بل المراد من عدم استقلالها ما عرفت من أنّها تحتاج في ترتب نتيجة فعلية عليها إلى ضم مقدّمة شرعية، كما هو واضح.
وأما الدعوى الثانية : فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ المسألة الأصولية ترتكز على ركيزتين :
الأولى : أن تقع في طريق استنباط الأحكام الكلية الإلهية، وتكون الاستفادة من باب الاستنباط والتوسيط، لا من باب الانطباق، وبهذه الركيزة تمتاز
المسائل الأصولية عن القواعد الفقهية، فانّ استفادة الأحكام منها م-ن ب-اب التطبيق لا التوسيط. هذا مضافاً إلى أنّ الأحكام المستفادة منها أحكام شخصية لا كلية.
الثانية : أن يكون وقوعها في طريق الاستفادة بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، وبهذه الركيزة تمتاز عن مسائل بقية العلوم، فانّها وإن كانت دخيلةً في استنباط الأحكام وواقعةً في طريق استفادتها، إلا أنها لا بنفسها، بل بضميمة مسألة أصولية.
وبعد ذلك نقول : إنّ في مسألتنا هذه تتوفر كلتا هاتين الركيزتين، فانها تقع في طريق الاستنباط بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، لما عرفت من أنه تترتب عليها صحة العبادة في مورد الاجتماع على القول بالجواز وتعدد المجمع بلا ضميمة مسألة أخرى، وإن لم يترتب عليها أثر شرعي على القول بالامتناع، ولكنك عرفت أن ترتب الأثر الشرعي على أحد طرفيها يكفي في كونها مسألة أصولية.
السادسة : قد سبق أن مسألتنا هذه من المسائل العقلية باعتبار أن الحاكم باستحالة اجتماع الأمر والنهي أو إمكانه إنما هو العقل ولا صلة لها بعالم اللفظ أبداً.
ومن هنا يظهر أنّ النزاع في المسألة لا يختص بما إذا كان الايجاب والتحريم مدلولين لدليل لفظي من كتاب أو سنة، بل يعم الجميع - أي سواء أكانا مدلولين لدليل لفظي أم لم يكونا - وإن كان عنوان المسألة يوهم اختصاص النزاع بما إذا كانا مستفادين من اللفظ، إلّا أنّه من ناحية الغلبة، حيث إنّ الدليل عليهما في الغالب هو اللفظ دون غيره.
وعلى ضوء ذلك قد تبيّن أنّه لا معنى لأن يقال إن القول بالامتناع في المسألة يرتكز على نظر العرف والقول بالجواز فيها يرتكز على نظر العقل، والوجه فيه هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّ نظر العرف إنما يكون متبعاً في مقام تعيين مفاهيم الألفاظ سعةً وضيقاً، لا في مثل مسألتنا هذه حيث إنّه لا صلة لها بعالم اللفظ أبداً، وليس البحث فيها عن تعيين مفهوم الأمر ومفهوم النهي، والبحث فيها إنما هو عن سراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق به الأمر وعدم سرايته.
وقد تقدم أنها ترتكزان على وحدة المجمع في مورد التصادق والاجتماع وتعدده فيه، فإن كان واحداً بحسب الواقع والحقيقة فلا مناص من القول بالامتناع والسراية، وإن كان متعدداً في الواقع، فعندئذ لو قلنا بأن الحكم الثابت لأحد المتلازمين يسري إلى الملازم الآخر، فأيضاً لا مناص من القول بالامتناع، ولكن هذا مجرد فرض لا واقع له أصلاً.
وأما إذا قلنا بأنّه لا يسري إلى الملازم الآخر كما هو الصحيح، فلابد من الالتزام بالقول بالجواز وعدم السراية، ومن الطبيعي أن الملاك في السراية وعدمها وهو وحدة المجمع وتعدده إنّما هو بنظر العقل، ضرورة أنّ اللفظ لا يدل على أنه واحد في مورد الاجتماع والتصادق أو متعدد، فانّ إدراك ذلك إنما هو بنظر العقل، فإن أدرك أنّه متعدد واقعاً كان المتعين هو القول بالجواز، فلا معنى لحكم العرف بالامتناع في هذا الفرض وإن أدرك أنه واحد واقعاً لم يكن مناص من القول بالامتناع لاستحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور ب-ه والمنهي عنه معاً، فإذن لا يعقل الحكم بالجواز، وكيف كان فلا أصل لهذا التفصيل أصلاً.
وقد يوجه ذلك : بأنّ نظر العرف حيث كان يبتنى على المسامحة، فيرون المجمع في مورد الاجتماع والتصادق واحداً ويحكمون بامتناع الاجتماع، وأما نظر العقل حيث إنه كان مبنياً على الدقة فيرى المجمع متعدداً، ولذا يحكم بالجواز بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر.
ويردّه : ما ذكرناه غير مرّة من أنّ نظر العرف لا يكون حجة في موارد تطبيق المفاهيم على مصاديقها، بداهة أنّ المجمع إذا كان متعدداً في الواقع فلا أثر لنظر العرف بكونه واحداً أصلاً، ولا سيما نظره المسامحي، فالعبرة إنم-ا ه-ي بوحدة المجمع وتعدده بحسب الواقع والحقيقة عند العقل، كما هو ظاهر.
وقد يوجه بتوجيه ثانٍ وملخّصه : هو دعوى أنّ العرف لا يفهم من قوله تعالى مثلاً : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) (1)إِلَّا وجوب حصة منها - وهي الحصة التي لا تكون في الأرض المغصوبة - فلا تنطبق على الصلاة فيها، وعليه فلا ينطبق المأمور به على المنهي عنه أصلاً، وهذا معنى امتناع اجتماعهما في شيء واحد عرفاً.
وبتعبير آخر : أنّ المتفاهم العرفي من الأدلة الدالة على وجوب الصلاة أو نحوها بعد ملاحظة النهي عن التصرف في مال الغير هو وجوب حصة خاصة منها، وهي الحصة التي لا تقع في مال الغير وعليه فالحصة الواقعة فيه ليست مصداقاً للصلاة المأمور بها، بل هي منهي عنها فحسب، فإذن يستحيل اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، ومردّ هذا إلى تخصيص أدلة وجوب الصلاة مثلاً
1) الإسراء 17: 78.
بغير موارد النهي عن التصرف في أرض الغير، وهذا معنى امتناع اجتماعهما على شيء واحد.
ولنأخذ بالمناقشة عليه أمّا أوّلاً فلأنّه لا صلة لهذا الفرض بمحل البحث أبداً، وذلك لأنّ محل البحث في المسألة إنما هو فيما إذا كان لكل من متعلقي الأمر والنهي إطلاق يشمل مورد التصادق والاجتماع بأن يكون المجمع فيه مصداقاً للمأمور به من ناحية، وللمنهي عنه من ناحية أخرى، غاية الأمر إذا فرض أن المجمع واحد بالذات والحقيقة، فيقع التعارض بين دليلي الوجوب والحرمة، فعندئذ لا بد من الرجوع إلى قواعده وإجراء أحكامه، وإذا فرض أنه متعدد واقعاً وخارجاً، فيقع التزاحم بينهما، فلابد عندئذ من الرجوع إلى ق-واع-ده وإجراء أحكامه.
وأمّا إذا فرض أنّ الأمر من الأوّل تعلق بحصة خاصة من الصلاة، وهي الحصة التي لا تكون في الأرض المغصوبة، فلا موضوع وقتئذ للنزاع في المسألة عن جواز الاجتماع وعدم جوازه وسراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق ب-ه الأمر وعدم سرايته أصلاً، إذ على هذا لا يعقل توهّم اجتماعهما في مورد واحد، لفرض تقييد دليل الوجوب من الأوّل بغير موارد الحرمة، ومن الواضح جداً أنه لو كان المتفاهم العرفي من أدلة وجوب الصلاة أو نحوها ذلك لم يكن مجال وموضوع لهذه المسألة أصلاً كما لا يخفى.
وأما ثانياً : فلأنّ أصل هذه الدعوى فاسدة، وذلك لأنّ المتفاهم العرفي من الأمر المتعلق بطبيعة الصلاة ليس ذلك التقييد والتضييق، ضرورة أن التقييد بحصة خاصة يحتاج إلى دليل يدل عليه، وحيث إنّه لا دليل عليه فلا يمكن الحكم بالتقييد.
ومن ناحية أخرى : أنّ ما دلّ على حرمة التصرف في أرض الغير لا يصلح أن يكون مقيداً له، ضرورة أنّ نسبته إليه ليست كنسبة الخاص إلى العام والمقيد إلى المطلق ليكون المتفاهم العرفي منه ذلك التقييد، بل المتفاهم عرفاً من كل منهما هو الاطلاق أو العموم بنحو يكون مورد الاجتماع داخلاً فيهما معاً، ولا يصلح شيء منهما لأن يكون مقيداً للآخر فيه كما هو واضح، وعليه ف--لا محالة تقع المعارضة بينهما في ذلك المورد إذا كان المجمع فيه واحداً بالذات والحقيقة. وأمّا إذا كان متعدداً ذاتاً وحقيقةً، فعندئذ لو قلنا بسراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر أيضاً تقع المعارضة بينهما، وأما إذا لم نقل بها كما هو كذلك فتقع المزاحمة بينهما إذا لم تكن مندوحة في البين.
ومن هنا يكون مردّ البحث في هذه المسألة إلى البحث عن نقطتين :
الأولى : هل المجمع في مورد التصادق والاجتماع واحد بالذات والحقيقة أو أنه متعدد كذلك ؟
الثانية : أنه على تقدير كونه متعدداً هل يسري الحكم من أحدهما إلى الآخر أم لا؟ وسيأتي البحث عن هاتين النقطتين فيما بعد إن شاء اللّه تعالى(1)بصورة واضحة.
فالنتيجة هي أنه لا أصل لهذا التفصيل أبداً.
السابعة : قد حققنا فيما تقدّم أنّ القول بالامتناع يرتكز على أحد أمرين: الأوّل: أن يكون المجمع لمتعلقي الأمر والنهي في مورد الاجتماع واحداً. الثاني : أن يلتزم بسراية الحكم من أحد المتلازمين بحسب الوجود إلى الملازم
1) في ص 396، 453.
الآخر.
والقول بالجواز يرتكز على أمرين :
الأول : أن يكون المجمع لهما في مورد التصادق والاجتماع متعدداً.
الثاني : أن لا يسري الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر.
وعلى ضوء هذا فيدخل في محل النزاع جميع أنواع الايجاب والتحريم ما عدا الايجاب والتحريم التخييريين، فلنا دعويان :
الأولى : جريان النزاع في جميع أنواعهما ما عدا التخييريين منهما، سواء أكانا نفسيين أم غيريين أم تعيينيين أم عينيين أم كفائيين.
الثانية : عدم جريانه في خصوص التخيريين منهما.
أمّا الدعوى الأولى : فلضرورة استحالة اجتماع اثنين منها في شيء واحد، سواء أكانا من نوع واحد أو من نوعين لوضوح أنه إذا فرض كون المجمع واحداً، فكما أنه لا يمكن اجتماع الوجوب والتحريم النفسيين فيه - كما عرفت - فكذلك لا يمكن اجتماع الوجوب والتحريم الغيريين، بداهة أنه لا يعقل أن يكون شيء واحد واجباً غيرياً وحراماً كذلك على القول بهما، فانّ مردّ الأوّل إلى أمر الشارع باتيانه مقدّمة لواجب نفسي، ومردّ الثاني إلى نهي الشارع عن فعله مقدّمة للاجتناب عن فعل حرام كذلك، ومن الواضح جداً أنه لا يمكن اجتماعهما في شيء واحد، ضرورة استحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه عنه معاً ولو كانا غيريين.
وإن شئت فقل : إنّ اجتماع الوجوب والحرمة الغيريين كما أنه مستحيل من ناحية المنتهى مستحيل من ناحية المبدأ أيضاً، فانّ كون شيء مقدّمة لواجب يقتضي محبوبيته، كما أنّ كونه مقدّمة الحرام يقتضي مبغوضيته، ومن المعلوم
أنه لا يمكن تأثير كل منهما في مقتضاه، كما أنه لا يمكن تأثير المصلحة والمفسدة في تحريم شيء واحد ووجوبه معاً.
وكذا لا يمكن اجتماع الوجوب والتحريم الكفائيين، لوضوح أنه لا يمكن أن يكون في فعل واحد ما يقتضي وجوبه وما يقتضي تحريمه ويؤثر كل منهما في مقتضاه من دون فرق بين أن يكون المكلف بهما آحاد المكلفين كما في التكاليف العينية، أو الطبيعي الجامع للأفراد كما في التكاليف الكفائية.
وأمّا الدعوى الثانية : فلعدم إمكان اجتماع الوجوب والحرمة التخييريين في شيء واحد ليقع التنافي بينهما والوجه فيه هو أن الحرمة التخييرية تمتاز عن الوجوب التخييري في نقطة واحدة، وتلك النقطة تمنع عن اجتماعهما في شيء واحد، وهي: أنّ مردّ الحرمة التخييرية إلى حرمة الجمع بين فعلين باعتبار قيام مفسدة ملزمة بالمجموع لا بالجامع بينهما، وإلا لكان كل من الفعلين محرّماً تعييناً، لفرض أنّ النهي المتعلق بالجامع ينحل بانحلال أفراده، فيثبت لكل فرد منه نهي مستقل. وفي المقام إذا فرض أنّ المفسدة قائمة بالطبيعي الجامع فلا محالة تسري إلى أفراده وتثبت لكل فرد منها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى قد تقدّم أنّ المتفاهم العرفي من الاطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة في طرف النهي هو الانحلال وتعلق النهي بكل فرد من أفراد متعلقه العرضية والطولية.
فالنتيجة على ضوئها : هي أن النهي لو تعلق بالجامع بينهما لا بالمجموع لكان كل منهما حراماً تعييناً لا تخييراً كما هو ظاهر، فإذن مرجع النهي التخييري إلى النهي عن الجمع بين الفعلين، ومردّ الوجوب التخييري إلى إيجاب الجامع بين شيئين أو أشياء، لا إلى إيجاب كل منهما بخصوصه كما تقدّم بيان ذلك في بحث الواجب التخييري بشكل واضح.
وبعد ذلك نقول : إنّه لا تنافي بين إيجاب الجامع بين شيئين وحرمة الجمع بينهما، لا بحسب المبدأ ولا بحسب المنتهى. أما بحسب المبدأ فلأنه لا مانع من قیام مصلحة ملزمة بالجامع بينهما وقيام مفسدة ملزمة بالمجموع منهما، ضرورة أنّ المانع إنما هو قيام كلتيهما في شيء واحد، لا قيام إحداهما بشيء والأخرى بشيء آخر وهذا واضح. وأما بحسب المنتهى فلفرض أنّ المكلف قادر على امتثال كلا التكليفين معاً، لأنه إذا أتى بأحدهما وترك الآخر فامتثل كليهما. وعليه فلا تنافي بينهما أصلاً، أي لا في المبدأ ولا في المنتهى. هذا بناءً على ما حققناه في بحث الواجب التخييري من أنّ الواجب هو الجامع بين فعلين أو أفعال.
وأمّا بناءً على أن يكون الواجب هو كل واحد منهما بخصوصه: غاية الأمر. عند الاتيان بأحدهما يسقط الآخر، فأيضاً لا تنافي بينهما، أعني بين الواجب التخييري كذلك والحرام التخييري. أمّا بحسب المنتهى فواضح، وأم-ا بحسب المبدأ فلأنّه لا منافاة بين قيام مصلحة في كل واحد منهما خاصة بح-ي-ث م-ع استيفاء تلك المصلحة في ضمن الاتيان بأحدهما لا يمكن استيفاء الأخرى في ضمن الاتيان بالآخر، وقيام مفسدة بالجمع بينهما في الخارج كما هو ظاهر.
ونتيجة ما ذكرناه: هي أنّ ملاك النزاع في المسألة يعم جميع أنواع الايجلب والتحريم ما عدا الايجاب والتحريم التخييريين.
الثامنة : قد يتوهّم أنّه لا بد من اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع في هذه المسألة، ضرورة أنه بدونه يلزم التكليف بالمحال بيان ذلك : هو أنّه لا إشكال في اعتبار القدرة في متعلق التكليف واستحالة توجيهه نحو العاجز، غاية الأمر أنّ اعتبارها على وجهة نظرنا إنّما هو من ناحية حكم العقل في ظرف الامتثال فحسب لا مطلقاً، وأنّ المكلف في هذا الظرف لا بد أن يكون قادراً، ولا يحكم باعتبار قدرته مطلقاً حتى في ظرف،الجعل، كما أنه لا يحكم باعتبار القدرة في
متعلقه بأن يكون المتعلق حصة خاصة منه وهي الحصة المقدورة، وعلى وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) إنما هو من ناحية اقتضاء نفس التكليف ذلك، ومن هنا يكون متعلقه على وجهة نظره خصوص الحصة المقدورة، دون الأعم منها ومن غير المقدورة، كما تقدّم تفصيل ذلك في بحث الضد بشكل واضح (1).
وعلى كلا هذين المسلكين، فإن كان المكلف قادراً على إيجاد متعلق التكليف في ضمن فردٍ ما خارجاً، كما إذا فرض أنه قادر على الاتيان بالصلاة في خارج الأرض المغصوبة، فعندئذ لا مانع من توجيه التكليف بالصلاة إليه، ولا يكون هذا من التكليف بالمحال. وأمّا إذا فرض أنه غير قادر على الاتيان بالصلاة مثلاً لا في خارج الدار المغصوبة، لعدم المندوحة له، ولا فيها لأنّ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فإذن لا يمكن توجيه التكليف بالصلاة إليه، لأنه من التكليف بالمحال، وعليه فلا معنى للنزاع في المسألة عن جواز اجتماع الأمر والنهي وعدم جوازه، ضرورة أنّ الأمر على هذا الفرض غير معقول ليقع النزاع في ذلك.
ولكن هذا التوهّم خاطئ جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، والوجه في ذلك ما تقدّم من أنّ النزاع في المسألة إنّما هو في سراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق به الأمر وبالعكس، وعدم سرايته، وقد سبق أن القول بالامتناع يرتكز على أخذ أمرين:
الأوّل: كون المجمع في مورد التصادق والاجتماع واحداً.
الثاني : الالتزام بسراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر. كما أنّ القول بالجواز يرتكز على أمرين هما تعدد المجمع، وعدم سراية الحك-م م-ن
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 344.
أحدهما إلى الآخر، كما هو الصحيح، ومن الواضح جداً أنه لا دخل لوجود المندوحة فى ذلك أبداً.
وبكلمة أخرى : أنّ اعتبار وجود المندوحة في مقام الامتثال أجنبي عما هو محل النزاع في المسألة، فانّ محل النزاع فيها - كما عرفت - في السراية وعدمها، وهما لا يبتنيان على وجود المندوحة أبداً، بل يبتنيان على أمر آخر كما مرّ، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: قد : قد ذكرنا أنه يترتب على القول بالامتناع والسراية وقوع التعارض بين دليلي الوجوب والحرمة في مورد الاجتماع والتكاذب بينهما فيه بحسب مرحلة الجعل بحيث لا يمكن أن يكون كل منهما مجعولاً على نحو يشمل مورد الاجتماع، فانّ ثبوت كل منهما في مرحلة الجعل يستلزم كذب الآخر في تلك المرحلة وعدم ثبوته فيها، وهذا معنى التعارض بينهما، فإذن لا بد من الرجوع إلى مرجّحات باب التعارض لتشخيص الكاذب عن الصادق، وقد تقدّم بيان ذلك بشكل واضح.
وعلى القول بالجواز وعدم السراية وقوع التزاحم بينهما فيما إذا لم تكن مندوحة في البين، لما عرفت من أنّه إذا كانت مندوحة فلا تزاحم أصلاً، لفرض تمكن المكلف عندئذ من امتثال كليهما معاً ومعه لا مزاحمة بينهما. نعم، إذا لم تكن مندوحة فلا محالة تقع المزاحمة بينهما لعدم تمكن المكلف وقتئذ من امتثال كليهما معاً، فإذن لا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات باب المزاحمة.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنه على القول بالامتناع يترتب وقوع المعارضة بين دليلي الوجوب والحرمة في مورد الاجتماع، سواء أكانت هناك مندوحة أم لم تكن، فلا أثر لوجود المندوحة وعدم وجودها بالاضافة إلى هذا القول أصلاً. وعلى القول بالجواز يترتب وقوع المزاحمة بينهما إذا لم تكن مندوحة في البين لا مطلقاً، كما عرفت.
وقد تحصل من ذلك : أنه إذا كانت مندوحة للمكلف في مقام الامتثال وجب عليه امتثال كلا التكليفين معاً، لفرض أنّ كليهما فعلي في حقه عندئذ بلا أيّة،مزاحمة، وأمّا إذا لم تكن مندوحة فتقع المزاحمة بينها، وعندئذ لا يمكن توجيه كلا التكليفين معاً إليه، لأنّه من التكليف بالمحال، فلابد إذن من الرجوع إلى قواعد باب المزاحمة، فيقدّم أحدهما على الآخر لمرجّح إن كان، وإلا فهو مخيّر بين أن يصرف قدرته في امتثال هذا وأن يصرف قدرته في امتثال ذاك، فعدم المندوحة في البين يوجب وقوع التزاحم بين التكليفين على القول بالجواز في المسألة لا أنه يوجب عدم صحة النزاع فيها، كما هو ظاهر.
التاسعة : قد يتخيّل أنّ النزاع في المسألة في الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلق الأحكام بالطبائع دون الأفراد، بتقريب أنه على الق-ول ب-تعلق الأحكام بالأفراد والمصاديق لا مناص من الالتزام بالقول بالامتناع، ضرورة أنه لا يعقل أن يكون المجمع وهو الفرد الواحد الخارجي مصداقاً للمأمور ب-ه والمنهي عنه عنه معاً، ولم يقل أحد بجواز ذلك حتى القائل بجواز الاجتماع، وذلك لأنه إنما يقول به بدعوى أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون لا مطلقاً، فإذن لا يعقل النزاع في المسألة على هذا القول، وهذا بخلاف ما إذا كان متعلق الأوامر والنواهي هو الطبائع الكلية، فأنّه يبقى حينئذ مجال للبحث، فانّ الأمر إذا تعلق بطبيعة، والنهي تعلق بطبيعة أخرى ولكن اتفق انطباقهما في الخارج على شيء، فعندئذ يقع النزاع في سراية كل من الأمر والنهي من متعلقه إلى متعلق الآخر وعدم سرايته، وقد تقدّم أنّ مردّ ذلك إلى أن تعدد متعلقي الأمر والنهي هل يوجب تعدد المجمع في مورد الاجتماع والتصادق أو لا يوجب، فالقائل بالامتناع يدعي الثاني وأنّ تعدده لا يوجب تعدد المعنون في الخارج، والقائل بالجواز يدعي الأوّل وأنّ تعدده يوجب تعدد المعنون فيه.
ولنأخذ بالمناقشة فيه : وهى أنّ هذا الخيال يرتكز على نقطة واحدة، وهي أن معنى تعلق الأمر بالأفراد هو تعلقه بها بما لها من المشخّصات الخارجية واللوازم المفردة للطبيعة، بحيث تكون تلك اللوازم داخلةً في متعلق الأمر لا أنها ملازمة له، وعليه فالغصب حيث إنّه من مقولة الأين مشخّص للصلاة في المكان المغصوب ومفرد لها، وقد عرفت أنّ المشخّص والمفرد مقوّم لها وداخل في حيّز أمرها، فإذن يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد شخصي في الخارج - وهو الصلاة المتشخّصة بالغصب - ومن البديهي أنه يستحيل أن يتعلق الأمر والنهي بشيء واحد في آن واحد، وأن يكون ذلك الشيء الواحد محبوباً ومبغوضاً معاً حتى عند من يجوز التكليف بالمحال كالأشعري فضلاً عن غيره، لأنّ نفس هذا التكليف محال، لا أنّه من التكليف بالمحال، وعليه فلا يعقل النزاع.
وهذا بخلاف ما إذا تعلق الأمر بالطبيعة، فانّ الغصب خارجاً وإن كان مشخّصاً لها، إلا أنّه غير داخل في المطلوب وخارج عما تعلق به الأمر وعليه فالنزاع في جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه في المسألة عندئذ أمر معقول، فانّه يرجع إلى النزاع في أنه هل يسري الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر أم لا، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع، وعلى الثاني من القول بالجواز.
ولكن قد ذكرنا في بحث تعلق الأوامر بالطبائع دون الأفراد(1)أن تلك النقطة خاطئة جداً وليس لها واقع موضوعي أبداً، وذلك لما حققناه هناك وملخّصه: هو أن تشخّص كل وجود بنفس ذاته وهويته الشخصية لا بوجود آخر، بداهة أن كل وجود يباين وجوداً آخر وكل فعلية تأبى عن فعلية أخرى ويستحيل اتحاد إحداهما مع الأخرى، وأمّا الأعراض الملازمة لهذا الوجود فلا يعقل أن
1) في ص 193.
تكون مشخّصة له، ضرورة أنّ تلك الأعراض واللوازم أفراد لطبائع شتى لكل منها وجود وماهية، فيستحيل أن تكون من مشخّصاته، وإطلاق المشخص عليها مبني على ضرب من المسامحة.
وعلى الجملة : فكل وجود جوهري في الخارج ملازم لوجودات عديدة فيه، وتلك الوجودات من أعراضه ككمه وكيفه وأينه ووضعه ونحو ذلك، ومن المعلوم م أنّ لتلك الأعراض وجودات أخرى في مقابل ذلك الوجود الجوهري ومباينة له، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ كل وجود متشخص بنفسه فلا يحتاج في تشخّصه إلى شيء آخر، ومن هنا قالوا إن تشخص الماهية بالوجود، وأما تشخص الوجود فهو بنفس ذاته لا بشيء آخر وإلّا لدار أو ذهب الأمر إلى ما لا نهاية له، كما هو واضح، وهذا معنى قولهم : الشيء ما لم يوجد لم يتشخص.
فالنتيجة على ضوئها : هى أنّه لا يعقل أن تكون تلك الوجودات من مشخصات ذلك الوجود الجوهري، لما عرفت من أنّ تشخّص كل منها في نفسه بل هي وجودات في قباله وملازمة له في الخارج.
وعلى هدى هذا البيان يظهر أنّه لا فرق بين تعلق الأمر بالطبيعة وتعلقه بالفرد أصلاً، وذلك لأنّ وجودات تلك الأعراض كما أنه على القول بتعلق الأمر بالطبيعة خارجة عن متعلقه وغير داخلة فيه، غاية الأمر أنها ملازمة لوجود الطبيعة في الخارج، كذلك على القول بتعلقه بالفرد، لما مرّ من أن تشخص الفرد بوجوده لا بوجودات تلك الأعراض الملازمة له خارجاً، فانها وجودات في قبال وجود ذلك الفرد ومباينة له، غاية الأمر أنها ملازمة له في الخارج، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ الأمر على الفرض تعلق بالفرد فحسب، لا به وبما هو ملازم له في الوجود الخارجي كما هو واضح، إلّا على القول بسراية
الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، ولكنّه مجرد فرض لا واقع له.
وعلى ذلك يترتب أنّ تلك الأعراض واللوازم خارجة عن متعلق الأمر وغير داخلة فيه، فإذن لا فرق بين القول بتعلق الأوام-ر ب-الطبائع وتعلقها بالأفراد من هذه الناحية أبداً. وقد تبيّن لحد الآن: أنه لا وقد تبين لحد الآن: أنه لا وقع لهذا التفصيل أصلاً، ولا يرجع إلى معنى محصل.
وقد يتخيّل في المقام : أنّ القول بالامتناع يرتكز على القول بتعلق الأوامر والنواهي بالأفراد، والقول بالجواز يرتكز على القول بتعلقها بالطبائع، بدعوى أنّ متعلق الأمر والنهي إذا كان هو الطبيعة فكل من متعلقي الأمر والنهي يغاير الآخر في مرحلة تعلق الحكم به، فلم يجتمع الأمر والنهي في واحد، وإنما الاجتماع في مرحلة أخرى غير مرحلة تعلق الأمر والنهي بشيء. وأم-ا ع-ل-ى القول الآخر - وهو القول بتعلق الأوامر والنواهي بالأفراد - فيما أنّ متعلقهما هو الفرد فلا يمكن اجتماعهما على فرد واحد وتعلقها به. فالنتيجة هي أنّه لا بد من الالتزام بهذا التفصيل.
ولكن هذا الخيال فاسد جداً وغير مطابق للواقع قطعاً، والوجه في ذلك : هو أنّ هذا التفصيل بظاهره لا يرجع إلى معنىً محصل أصلاً، إذ لا فرق بين تعلق الأوامر والنواهي بالطبائع وتعلقها بالأفراد من هذه الناحية أبداً، ضرورة أن تعلقهما بالطبائع لا يقتضي تعدد المجمع في مورد الاجتماع كذلك، كما أنّ تعلقهما بالأفراد لا يقتضي وحدة المجمع فيه، فانّ وحدة المجمع في مورد الاجتماع ترتكز على كون التركيب بين متعلقي الأمر والنهي تركيباً حقيقياً، وأما إذا لم يكن التركيب بينهما حقيقياً، كما إذا تعلق الأمر بمقولة والنهي بمقولة أخرى، فلا مناص من الالتزام بتعدده فيه، ومن الواضح جداً أنه لا يفرق في ذلك بين تعلق الأمر بطبيعي هذه المقولة أو بأفرادها. وكذا الحال في النهي، ضرورة أنه
كما لا يمكن التركيب بين هذه المقولة وتلك واندراجهما تحت مقولة ثالثة، كذلك لا يمكن التركيب بين فرد من هذه المقولة وفرد من تلك وكونها موجودين بوجود واحد، فإذن لا فرق بين تعلق الأحكام بالطبيعة وتعلقها بالأفراد من هذه الناحية أصلاً.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنّ ملاك وحدة المجمع في مورد الاجتماع أو تعدده فيه أمر آخر، ولا صلة له بتعلق الأمر والنهي بالطبيعة أو بالفرد.
على أنك عرفت سابقاً أنّ النواهى جميعاً متعلقة بالأفراد بحسب الواقع والحقيقة دون الطبائع بما هي لما ذكرناه من أنّ النهي المتعلق بطبيعة ينحل بانحلال أفراد تلك، فيثبت لكل فرد منه نهي مستقل مغاير للنهي الثابت لفرد آخر وهكذا...
ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ ملاك تعدد المجمع هو انطباق ع-ن-وان-ي-ن متغايرين عليه، بتخيل أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون، ولك-ن م-ن الواضح جداً أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون العنوانان كليين أو جزئيين، ضرورة أن انطباق طبيعتين كلّيتين إذا اقتضى تعدد المجمع في الخارج كذلك اقتضى تعدده فيه انطباق حصتين جزئيتين، لما ذكرناه من أنّ الفرد حصة من الطبيعة، وتلك الحصة بالنظر العقلى تنحل إلى ماهية وتقيّد بقيد خاص، وهذا التقيد يوجب صيرورتها حصة في مقابل سائر الحصص. مثلاً الحصة المتقررة في ذات زيد تمتاز عن الحصة المتقررة في ذات عمرو، والموجود بك-ل م-ن الوجودين غير الموجود بالوجود الآخر ضرورةً، وإلا لم يكن بينها امتياز، وهو باطل بالبداهة، وعلى ذلك فانطباق الطبيعتين المتغايرتين على شيء لو كان مقتضياً لتعدده في الخارج لكان انطباق الحصتين المتغايرتين عليه واجتماعهما فيه أيضاً مقتضياً له لا محالة، فما توهّم من أنّ الأوّل مقتض له دون
الثاني باطل جزماً.
وعلى الجملة : فلو كان صدق الطبيعتين الكليتين كالصلاة والغصب مثلاً على شيء مجدياً في رفع محذور استحالة اجتماع الوجوب والحرمة وموجباً لتعدده، لكان صدق الطبيعتين الجزئيتين عليه مجدياً في ذلك وموجباً لتعدده، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً ضرورة أن الصلاة في الدار المغصوبة إذا كانت متحدة مع الغصب خارجاً فلا مناص من القول بالامتناع، من دون فرق بين تعلّق الأمر بالطبيعة وتعلقه بالفرد غاية الأمر على الأوّل يكون الفرد مصداقاً للمأمور به، وعلى الثاني يكون بنفسه مأموراً به، وهذا لا تعلّق له بما نحن بصدد إثباته، وإذا فرض أنها غير متحدة معه في الخارج بأن يكون التركيب بينهما انضمامياً لا اتحادياً فلا مناص من القول بالجواز، من دون فرق في ذلك بين القول بتعلق الأوامر بالطبائع وتعلقها بالأفراد.
فالنتيجة : أنّ هذا التفصيل بالتحليل العلمي لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، إلا أن يوجه ذلك إلى معنى معقول، وهو ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ وجود كل فرد يمتاز في الخارج عن وجود فرد آخر ويباينه، ولهذا الوجود فيه لوازم ولتلك اللوازم وجودات بأنفسها في قبال وجود ذلك الفرد، ويعبّر عنها مسامحة بالمشخصات، وهي عبارة عن الأعراض الطارئة على هذا الوجود الجوهري، ككمه وكيفه وأينه وما شاكل ذلك.
وعلى هذا، فإن قلنا بتعلق الأحكام بالطبائع فتلك الأعراض الملازمة لوجود الفرد خارجة عن حيّز الأمر، فإذن لا مانع من تعلق النهي بها، لفرض أنّ الأمر تعلق بشيء والنهي تعلق بشيء آخر، غاية الأمر أنه ملازم لوجود المأمور به في الخارج، فلا يلزم محذور اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد. وعليه فلا مناص من القول بالجواز.
وإن قلنا بتعلقها بالأفراد فتكون تلك الأعراض الملازمة لها في الخارج داخلة في متعلق الأمر، بمعنى أنّ الأمر لم يتعلق بها فحسب، بل تعلق بها مع لوازمها وأعراضها، وعليه فإذا فرض تعلق النهي بتلك الأعراض، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، مثلاً الصلاة في الدار المغصوبة ملازمة للغصب فيها والتصرف في مال الغير، فعندئذ إن قلنا بكون متعلق الأمر هو طبيعي الصلاة فلا يسري الأمر منه إلى الغصب الملازم لوجود ذلك الطبيعي في الخارج، لفرض أنّ الأمر متعلق بالطبيعة فحسب، وعليه فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد. وإن قلنا بكون متعلقه هو الفرد دون الطبيعي فحيث إنه لم يتعلق به فحسب على الفرض بل تعلق به،وبلوازمه، فلا محالة يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد، وهو محال.
ولكن قد عرفت فساد ذلك وملخصه : هو أنه لا فرق في ذلك بين تعلق الأوامر بالطبائع وتعلقها بالأفراد أصلاً، فكما أنّه على تقدير تعلقها بالطبائع تلك الأعراض واللوازم خارجة عن متعلقها، فكذلك على تقدير تعلقها بالأفراد، لما عرفت من أنّ تلك الوجودات ليست من مشخّصاتها، ضرورة أن تشخص كل وجود بنفسه، بل هي من عوارضها التي تعرّض عليها في الخارج وملازمة لوجوداتها فيه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : أنّ الأوامر متعلقة بنفس الأفراد على القول به، لا بها وبلوازمها الخارجية، ضرورة أنّ القائلين بتعلقها بالأفراد لا يقولون بذلك كما هو المفروض، وعليه فلا مجال لدعوى أنه على القول بتعلق الأمر بالأفراد هو أنه متعلق بها وبأعراضها معاً فيلزم عندئذ اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وهو محال، فإذن يبقى دعوى أنّ النهي المتعلق بهذا الفرد من الغصب يسري إلى لازمه - وهو الصلاة في مفروض الكلام - باعتبار أنها لازمة لوجود الغصب
في الخارج.
ولكن هذه الدعوى فاسدة، وذلك لعدم الدليل على سراية الحكم المتعلق بالملزوم إلى لازمه، كما أنه لا دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، ضرورة أنّ المستفاد من الدليل هو ثبوت الحكم للملزوم فحسب، وأما ثبوته للازمه فهو يحتاج إلى دليل آخر، ومجرد كون شيء لازماً لشيء آخر لا يكون دليلاً على وجوب اتحادهما في الحكم، لوضوح أن غاية ما يقتضي ذلك هو عدم إمكان اختلافهما فيه.
وعلى الجملة : فهذا التفصيل يبتني على أحد أمرين:
الأوّل : دعوى أنّ تلك الأعراض من مشخّصات الأفراد ومقوماتها، وعليه فلا محالة الأمر المتعلق بالأفراد متعلق بها أيضاً.
الثاني : دعوى سراية النهي المتعلق بالأفراد إلى ما ينطبق عليه المأمور به. ولكن قد عرفت أنّ كلتا الدعويين خاطئة وغير مطابقة للواقع، فإذن لا مجال لهذا التفصيل أصلاً.
وقد يتوهّم أنّ النزاع في المسألة يبتني على النزاع في مسألة أصالة الوجود أو الماهية، فإن قلنا في تلك المسألة بأصالة الوجود فلا مناص في هذه المسألة من القول بالامتناع، وإن قلنا في تلك المسألة بأصالة الماهية فلا مانع م-ن الالتزام بالقول بالجواز، بيان ذلك : هو أنّ القائل بأصالة الوجود يدعي أنّ ما في الخارج هو الوجود، والماهية منتزعة من حدوده، وليس لها ما بازاء ف-يه أصلاً. والقائل بأصالة الماهية يدّعي أنّ ما في الخارج هو الماهية، والوجود منتزع من إضافة الماهية إلى الموجد، وليس له ما بازاء.
وبعد ذلك نقول : إنه بناءً على أصالة الوجود فى تلك المسألة، وأن الصادر
من الموجد هو الوجود لا غيره، فلا محالة يكون هو متعلق الأمر والنهي دون الماهية، لفرض أنّه لا عين ولا أثر لها في الخارج، وعليه فبما أنّ الوجود في مورد الاجتماع واحد فلا يعقل تعلق الأمر والنهي به، ضرورة استحالة أن يكون شيء واحد مأموراً به ومنهياً عنه معاً ومحبوباً ومبغوضاً في آن واحد، فإذن لا مناص من القول بالامتناع.
وأمّا بناءً على أصالة الماهية فلا محالة يكون متعلق الأمر والنهي هو الماهية لفرض أنّه على هذا لا عين ولا أثر للوجود، وعليه فما أنّ الماهية المتعلقة للأمر كالصلاة مثلاً في مورد الاجتماع غير الماهية المتعلقة للنهي كالغصب فلا مانع من القول بالجواز، واجتماع الأمر والنهي، وذلك لأنّ الماهيات متباينات بالذات والحقيقة، فلا يمكن اتحاد ماهية مع ماهية،أخرى، ولا يمكن اندراج ماهيتين متباينتين تحت ماهية واحدة، فإذن في الحقيقة لا اجتماع للأمر والنهي في شيء واحد.
ولكن هذا التوهم خاطئ جداً، والوجه في ذلك : هو أنه على القول بأصالة الوجود وإن كانت حقيقة الوجود واحدة إلّا أنّ لها مراتب عديدة وتتفاوت تلك المراتب بالشدّة والضعف، وكل مرتبة منها تباين مرتبة أخرى. ومن ناحية أخرى : أنّ لكل مرتبة منها عرض عريض وأفراد كثيرة. ومن ناحية ثالثة : أنّ لكل وجود ماهية واحدة وحدّ فارد ويستحيل أن يكون لوجود واحد ماهيتان وحدان. نعم، وإن أمكن أن يكون لوجود واحد عنوانان أو عناوين متعددة، إلّا أنّه لا يمكن أن يكون له ماهيتان وحدان، ضرورة أن لكل ماهية وجوداً واحداً ولا يعقل أن يكون للماهيتين وجود، وهذا واضح.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي الثلاث هي أنّ المجمع في مورد الاجتماع والتصادق إذا كان وجوداً واحداً فلا محالة يكون له ماهية واحدة، وعليه فلا
فرق بين القول بأصالة الوجود والقول بأصالة الماهية، فكما أنه على الأوّل يستحيل اجتماع الأمر والنهي، فكذلك على الثاني، فلا فرق بينه-ا م-ن ه-ذه الناحية أبداً.
نتائج ما ذكرناه عدّة نقاط :
الأولى : أنّ محل النزاع في مسألتنا هذه إنما هو في سراية النهي من متعلقه إلى ما تعلق به الأمر وبالعكس وعدم سرايته، لا ما يوهم عنوان المسألة في كلمات الأصحاب قديماً وحديثاً من كون النزاع فيها كبروياً، لما عرفت من عدم تعقل كون النزاع فيها كذلك.
الثانية : أنه قد تقدّم أنّ القول بالامتناع يبتني على أحد أمرين:
الأول : أن يكون المجمع في مورد الاجتماع واحداً، فإذا كان واحداً وجوداً وماهيةً لا مناص من القول بالامتناع.
الثاني : أنه على تقدير كون المجمع متعدداً أن يلتزم بسراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، وعند منع أحدهما ينتفي القول بالامتناع.
والقول بالجواز يرتكز على أمرين :
الأوّل : أنّه أن لا يكون المجمع واحداً وإلا فلا مجال له.
الثاني : أنّه على تقدير كونه متعدداً لانقول بسراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، وعند انتفاء أحد الأمرين ينتفي القول بالجواز.
الثالثة : أنّ المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى باب التعارض فتقع المعارضة بين دليلي الوجوب والحرمة، فإذن لا بد من الرجوع إلى قواعد بابه وإجراء أحكامه كما تقدّم، وعلى القول بالجواز تدخل في كبرى باب التزاحم، فتقع المزاحمة بينها إذا لم تكن مندوحة في البين فإذن لا بد من الرجوع إلى
قواعد باب المزاحمة وإجراء أحكامه.
الرابعة : أن نقطة الامتياز بين هذه المسألة والمسألة الآتية - وهي مسألة النهي في العبادات - هي أنّ البحث في مسألتنا هذه بحث عن تنقيح الصغرى لتلك المسألة باعتبار أنها على القول بالامتناع تدخل في كبرى تلك المسألة وتكون من إحدى صغرياتها.
الخامسة : أن المراد من الواحد في محل الكلام في مقابل المتعدد، بأن لا يكون ما تعلق به الأمر غير ما تعلق به النهي، لا في مقابل الكلّي.
السادسة : قد تقدّم أنّ مسألتنا هذه من المسائل الأصولية العقلية، لتوفر شروط المسألة الأصولية فيها، وليست من المسائل الكلامية أو الفقهية أو من المبادئ الأحكامية أو التصديقية كما مرّ.
السابعة : أنّ النزاع في المسألة في جواز الاجتماع أو امتناعه لا يبتني ع--ل-ى وجوذ المندوحة في البين لما غرفت من أنّ كلاً من القول بالجواز والامتناع يرتكز على ركيزة أجنبية عن وجود المندوحة وعدم وجودها بالكلية - وهي وحدة المجمع وتعدده - فانّ المجمع في مورد الاجتماع والتصادق إذا فرض واحد حقيقة فلا مناص من القول بالامتناع، كانت هناك مندوحة أم لم تكن، وإذا فرض أنه متعدد كذلك فلا مناص من القول بالجواز، بناءً على م-ا ه-و الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم وهو متعلق النهي إلى لازمه، وهو ما ينطبق عليه متعلق الأمر.
الثامنة : قد سبق أنّ النزاع يعمّ جميع أنواع الايجاب والتحريم م-ا ع-دا الايجاب والتحريم التخييريين، فلا فرق بين كونهما نفسيين أو غيريين أو كفائيين، فانّ ملاك استحالة الاجتماع في شيء واحد موجود في الجميع. وأمّا خروج الايجاب والتحريم التخييريين عن محل النزاع فلعدم إمكان اجتماعها في
شيء واحد، كما عرفت فتكون السالبة بانتفاء الموضوع.
التاسعة : أنّ النزاع في المسألة لا يختص بما إذا كان الايجاب والتحريم مدلولين لدليل لفظي، ضرورة أنّه يعمّ جميع أقسام الايجاب والتحريم، سواء أكانا مدلولين لدليل لفظي أم لم يكونا.
العاشرة : أنّ مسألتنا هذه من المسائل العقلية، فانّ الحاكم بالجواز أو الامتناع فيها إنّما هو العقل، ولا صلة لها بعالم اللفظ أبداً، غاية الأمر أنها من العقليات غير المستقلة، وليست من العقليات المستقلة، كما تقدّم.
الحادية عشرة : أنّه لا فرق في جريان النزاع في المسألة بين القول بتعلق الأحكام بالطبائع وتعلقها بالأفراد، وتوهّم أنّه على تقدير تعلقها بالأفراد لا مناص من القول بالامتناع فاسد، لما سبق بشكل واضح.
قال المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في الأمر الثامن ما هذا نصه : أنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلا إذا كان في كل واحد من متعلق الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقاً حتى في مورد التصادق والاجتماع، كي يحكم على الجواز بكونه فعلاً محكوماً بالحكمين، وعلى الامتناع بكونه محكوماً بأق-وى المناطين، أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى، كما يأتي تفصيله. وأما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب، ولا يكون مورد الاجتماع محكوماً إلا بحكم واحد منهما إذا كان له مناطه، أو حكم آخر غيرهما فيا لم يكن لواحد منهما قيل بالجواز أو الامتناع، هذا بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الدلالة والاثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز أنّ المناط من قبيل الثاني، فلابد من عمل المعارضة بينهما
من الترجيح والتخيير، وإلا فلا تعارض في البين، بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين، فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلاً، لكونه أقوى مناطاً، فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات أصلاً، بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات، كما تأتي الاشارة إليها. نعم، لو كان كل منهما متكفلاً للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض، فلابد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن (1).
نلخص ما أفاده (قدس سره) في عدة نقاط :
الأولى : أن مسألتنا هذه ترتكز على ركيزة واحدة وتدور مدارها وجوداً وعدماً، وهي أن يكون المجمع المتعلقي الأمر والنهي في مورد الاجتماع والتصادق مشتملاً على ملاك كلا الحكمين معاً، مثلاً الصلاة في الدار المغصوبة التي تكون مجمعاً لمتعلقي الأمر والنهي إنما تكون من أفراد هذه المسألة إذا كانت مشتملة على ملاك كلا الحكمين، وعليه فالمجمع - على القول بالجواز - يكون محكوماً بكلا الحكمين معاً، لفرض وجود الملاك لهما من ناحية، وعدم التنافي بينهما من ناحية أخرى. وعلى القول بالامتناع يكون محكوماً بأقوى الملاكين إذا ك--ان أحدهما أقوى من الآخر، وأما إذا كانا متساويين فهو محكوم بحكم آخر غير هذين الحكمين بمقتضى أصل لفظي أو أصل عملي، لفرض أنّه لا أثر لملاكهما عندئذ. وأما إذا فرض أنّ المجمع لم يكن مشتملاً على ملاك كلا الحكمين معاً، فلا يكون من هذا الباب - أي باب الاجتماع - من دون فرق في ذلك بين أن يكون مشتملاً على ملاك أحدهما أم لا.
1) كفاية الأصول : 154 - 155
الثانية : أنا لو أحرزنا من الخارج بأنّ المجمع لمتعلقي الأمر والنهي مشتمل على ملاك واحد من الحكمين دون الآخر، فتقع المعارضة بين دليليهما الدالين عليهما، لعدم إمكان ثبوت كليهما معاً في الواقع، فإذن لابد من الرجوع إلى قواعد باب التعارض من الترجيح أو التخيير، فالنتيجة أنّ ملاك التعارض بين الدليلين في مقام الاثبات هو أن يكون مورد الاجتماع مشتملاً على مناط أحد الحكمين دون الحكم الآخر. وأمّا إذا كان مورد الاجتماع مشتملاً على مناط كليهما معاً فتقع المزاحمة بين المقتضيين، فإذن لا بدّ من الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم من الأهمية ونحوها، ولا وجه للرجوع إلى مرجحات باب التعارض، لانتفائه على الفرض.
الثالثة : لو كان كل من الدليلين متكفلاً للحكم الفعلي لوقع التعارض بينهما فعندئذ لا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة، إلا إذا جمع بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجّحات باب المزاحمة.
ولنأخذ بالمناقشة في جميع هذه النقاط :
أمّا النقطة الأولى فيردّها أنّ النزاع في مسألتنا هذه لا يرتكز على وجهة نظر مذهب الإمامية القائلين بتبعية الأحكام للملاكات الواقعية والجهات النفس الأمرية، بل يعمّ وجهة نظر جميع المذاهب حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للجهات الواقعية، ضرورة أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وامتناعهما لا يختص بمذهب دون آخر كما هو ظاهر، هذا م-ن ناحية. ومن ناحية أخرى قد تقدّم أنّ النزاع في المسألة في سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به وعدم سرايته، وقد عرفت أن القول بالسراية يبتني على أحد أمرين:
الأول : أن يكون المجمع واحداً وجوداً وماهية.
الثاني: أن لا يتخلف اللازم عن الملزوم في الحكم، بأن يثبت الحكم الثابت للملزوم له أيضاً.
والقول بعدمها يبتني على أمرين معاً.
الأوّل: أن يكون المجمع متعدداً وجوداً وماهية.
الثاني : أن يتخلف اللازم عن الملزوم في الحكم بمعنى أن الحكم الثابت له لا يسري إلى لازمه، وبانتفاء أحدهما ينتفي هذا القول.
فالنتيجة على ضوئها: هي أنّ النزاع في مسألتنا هذه لا يبتني على مسألة تبعية الأحكام الواقعية لجهات المصالح والمفاسد أصلاً، ضرورة أن إحدى المسألتين أجنبية عن المسألة الأخرى بالكلية، ولا صلة لإحداهما بالأخرى أبداً.
وعلى الجملة : فها هنا :مسألتان : إحداهما مسألتنا هذه، والأخرى مسألة تبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد الواقعية، وقد عرفت أن نقطة انطلاق الخلاف في إحداهما غير نقطة انطلاق الخلاف في الأخرى.
أما في الأولى : فهي أنّ المجمع لمتعلقي الأمر والنهي إن كان واحداً وجوداً وماهيةً في مورد الاجتماع والتصادق، فلا مناص من القول بالامتناع والسراية حتى على مذهب الأشعري المنكر للتبعية من ناحية، المجوّز للتكليف بالمحال من ناحية أخرى، فانّ هذا أعني اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ذاتاً وحقيقة - ليس من التكليف بالمحال، بل نفس هذا التكليف محال، كما هو واضح. وإن كان متعدداً وجوداً وماهيةً من جانب، وقلنا بعدم سراية الح-ك-م م-ن أح-د المتلازمين إلى الملازم الآخر من جانب آخر، فلا مناص من القول بالجواز، بلافرق بين تبعية الأحكام للملاكات الواقعية وعدم تبعيتها لها، وهذا ظاهر.
فما أفاده (قدس اللّه سرّه) من ابتناء النزاع في المسألة على القول بالتبعية لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً.
وأما في الثانية : فهي أنّ الأشاعرة حيث إنّهم قد أنكروا مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا بأنّ العقل لا يدرك حسن الأشياء وقبحها، وأن كل ما أمر الشارع به حسن وكل ما نهى الشارع عنه قبيح، وأن أفعاله تعالى لا تتصف بالقبح أبداً، فلأجل ذلك قد التزموا بعدم تبعية الأحكام الواقعية للملاكات، لا في متعلقاتها ولا في أنفسها لفرض أنّ عندهم لا مانع من صدور اللغو من الشارع الحكيم. وأما الإمامية فحيث إنهم قد التزموا بتلك المسألة، وأنّ أفعاله تعالى تتصف بالحسن مرّةً وبالقبح مرّةً أخرى، فلذلك التزموا بالتبعية المزبورة، وإلّا لكان التكليف لغواً محضاً وصدور اللغو م-ن الش-ارع الحكيم قبيح.
فهذه النقطة هي منشأ الخلاف في تلك المسألة أعني مسألة تبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد وعدم تبعيتها لها.
فالنتيجة : أنه لا مساس لمسألتنا هذه بتلك المسألة أصلاً.
وأمّا النقطة الثانية : فيردّها ما تقدّم بصورة مفصلة في بحث الضد (1)من أن مسألة التعارض لا ترتكز على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تعمّ جميع المذاهب والآراء، حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للملاكات مطلقاً، وذلك لما ذكرناه هناك من أنّ مبدأ انبثاق التعارض بين الدليلين هو عدم إمكان ثبوت الحكمين في مقام الجعل، وأنّ ثبوت كل منهما في هذا المقام ينفي الآخر ويكذبه، ومن المعلوم أنّه لا يفرق فيه بين القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح
1) في ص 19.
والمفاسد والقول بعدمها، وكون مورد الاجتماع مشتملاً على مناط أحد الحكمين أم لا. وقد تقدّم الكلام من هذه الناحية بشكل واضح في بحث الضد، فلا نعيد. وعليه فما أفاده (قدس سره) من الضابط للتعارض بين الدليلين وه-و ك-ون مورد الاجتماع بينهما مشتملاً على مناط أحدهما لا أصل له، بل صدوره من مثله (قدس سره) غريب جداً.
ومن ناحية أخرى أنّا قد ذكرنا هناك أن التزاحم على نوعين :
الأوّل: التزاحم بين الملاكات بعضها ببعض.
الثاني : التزاحم بين الأحكام كذلك.
أما النوع الأول : فقد ذكرنا سابقاً أنه خارج عن محل الكلام، فانّ مح--ل الكلام إنما هو في النوع الثاني، ولذا قلنا إنّ الترجيح فيه بيد المولى، فله أن يلاحظ الجهات الواقعية ويرجح بعضها على بعضها الآخر، وليس ذلك من وظيفة العبد، فانّ وظيفته امتثال الأحكام المجعولة من قبل المولى. على أنّ-ه ليس للعبد طريق إلى معرفة تلك الجهات ليرجح بعضها على بعضها الآخر مع قطع النظر عن الأحكام المجعولة على طبقها.
وبعد ذلك نقول : إنه (قدس سره) إن أراد من التزاحم بين المقتضيين ذلك، فقد عرفت أنّ هذا النوع من التزاحم خارج عن محل الكلام، وأنّ الترجيح فيه بيد المولى دون العبد، ولذا لا يرجع فيه إلى مرجحات النوع الثاني من التزاحم. وإن أراد منه التزاحم بين الدليلين في مرتبة الاقتضاء، فقد تقدم أنّ التزاحم هو تنافي الحكمين في مرتبة الفعلية الناشئ من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أي تنافٍ بينهما في مقام الانشاء والجعل، كما مرّ بشكل واضح. وعليه فلا يرجع قوله (قدس سره): بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين، إلى معنى محصل أصلاً.
وأضف إلى ذلك : ما ذكرناه هناك من أن مسألة التزاحم أيضاً لا تبتني على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تعمّ جميع المذاهب والآراء، حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للملاكات مطلقاً، ضرورة أن مسألة التزاحم كمسألة التعارض، فانّها ترتكز على ركيزة واحدة، وتدور مدار تلك الركيزة وجوداً وعدماً، وهي عدم تمكن المكلف من الجمع بين المتزاحمين في مقام الامتثال، ومن المعلوم أن مسألة التبعية أجنبية عن تلك الركيزة بالكلية، فإذن ما أفاده (قدس سره) من الضابط لمسألة التزاحم - وهو كون المجمع مشتملاً على مناط كلا الحكمين - لا يرجع إلى أصل صحيح.
وأمّا النقطة الثالثة فيمكن المناقشة فيها بوجوه:
الأوّل: أنّ موارد التوفيق العرفي غير موارد التعارض، فإذا فرض التعارض بين الدليلين فمعناه أنّه لا يمكن الجمع العرفي بينهما، وفيما إذا أمكن ذلك. فلا تعارض، ففرض التعارض مع فرض إمكان الجمع العرفي لا يجتمعان، كما هو واضح.
الثاني : أنّ التوفيق العرفي بين الدليلين إنما يكون بملاحظة مرجحات باب الدلالة، كأن يكون أحدهما أظهر من الآخر أو نحو ذلك، لا بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، لوضوح الفرق بين البابين، وأن أحدهما أجنبي عن الآخر بالكلية، ضرورة أن مرجحات باب المزاحمة توجب انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، وهو القدرة، ولا توجب التصرف بالحمل على الاقتضاء أو نحوه كما هو ظاهر.
الثالث : أنّ هذا الحمل أي حمل الأمر والنهي على بيان المقتضي في متعلقه - خارج عن الفهم العرفي، ولا يساعد عليه العرف أبداً.
الرابع : أنّ هذا الحمل لا يجدي في دفع المحذور اللازم من اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، وذلك لأنّ اجتماع المصلحة والمفسدة في شيء واحد في
نفسه وإن كان لا مانع منه، إلّا أنّ ذلك لا يمكن من جهة تاثير المصلحة في محبوبيته وتأثير المفسدة في مبغوضيته لاستحالة أن يكون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً معاً.
قال (قدس سره) في الأمر التاسع، ما هذا لفظه: أنّه قد عرفت أنّ المعتبر في هذا الباب أن يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها والمنهي عنها مشتملاً على مناط الحكم مطلقاً حتى في حال الاجتماع، فلو كان هناك ما دلّ على ذلك من إجماع أو غيره فلا إشكال، ولو لم يكن إلا إطلاق دليلي الحكمين ففيه تفصيل، وهو أنّ الاطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلاً ع-ل-ى ثبوت المقتضي والمناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب، ولو كان بصدد الحكم الفعلي فلا إشكال في استكشاف ثبوت المقتضي في الحكمين على القول بالجواز، إلّا إذا علم إجمالاً بكذب أحد الدليلين، فيعامل معها معاملة المتعارضين. وأما على القول بالامتناع فالاطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلاً، فانّ انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن أن يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن أن يكون لأجل انتفائه، إلّا أن يقال : إنّ قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر وإلّا فخصوص الظاهر منهما.
فتلخّص : أنّه كلّما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين كان من مسألة الاجتماع، وكلّما لم تكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقاً، إذا كانت هناك دلالة على انتفائه في أحدهما بلا تعيين ولو على الجواز، وإلا فعلى الامتناع (1).
1) كفاية الأصول : 155 - 156.
ونلخص هذا الأمر في عدة خطوط :
الأوّل : أنّ غرضه (قدس سره) من هذه المقدّمة بيان ما يمكن أن يحرز به كون المجمع في مورد الاجتماع مشتملاً على ملاك كلا الحكمين معاً من قيام دليل من الخارج ليكون بذلك داخلاً في هذا الباب - أي باب الاجتماع كالاجماع أو نحوه في دخوله في المسألة.
الثاني : أنه إذا لم يكن من الخارج دليل فهل هناك قرينة أخرى تدل عليه أم لا، فقد ذكر (قدس سره) أن إطلاق كل من دليلي الحكمين إن كان في مقام بيان الحكم الاقتضائي لكان قرينة على ثبوت المقتضي والمناط لكلا الحكمين في مورد الاجتماع، من دون فرق في ذلك بين القول بالجواز والقول بالامتناع. وأمّا إذا كان في مقام بيان الحكم الفعلي، فإن قلنا بالجواز كان إطلاق كل منهما أيضاً قرينة على ثبوت المقتضي والمناط لكليهما معاً في محل الاجتماع والتصادق، إلا إذا علم من الخارج بكذب أحدهما وعدم جعله في الواقع، فعندئذ تقع المعارضة بينهما فلابد من الرجوع إلى قواعد بابها. وأما إذا قلنا بالامتناع فتقع المعارضة بين دليليهما، ولا بدّ عندئذ من رفع اليد عن أحدهما، وعليه فلا دلالة على ثبوت المقتضي والمناط لهما في مورد الاجتماع، ضرورة أنّ انتفاء أحدهما كما يمكن أن يكون لوجود المانع مع ثبوت المقتضي له يمكن أن يكون من جهة انتفاء المقتضي.
ولعلّ الوجه في ذلك ما ذكرناه غير مرّة من أنه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام ومقتضياتها مع قطع النظر عن ثبوت نفس هذه الأحكام.
وعلى ضوء هذا فإذا فرض انتفاء حكم في مورد فلا يمكن الحكم بأنّ انتفاءه من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي،له ضرورة أنه كما يحتمل أن يكون انتفاؤه من هذه الناحية يحتمل أن يكون من ناحية عدم المقتضي له في هذا
الحال، بل قد ذكرنا أنّ الأمر كذلك حتى فيما إذا كان انتفاء الحكم من جهة عجز المكلف عن امتثاله وعدم قدرته عليه، فانّ انتفاءه في هذا الحال كما يمكن أن يكون من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي، يمكن أن يكون من ناحية عدم المقتضي له بداهة أنه لا طريق لنا إلى ثبوت المقتضي له في هذا الحال، كما هو ظاهر.
الثالث : أنه يمكن رفع التعارض بحمل كل من الاطلاقين على الحكم الاقتضائي إذا لم يكن في البين أظهر، وإلّا فيحمل خصوص الظاهر منها على ذلك، وعليه فهما دالان على ثبوت المقتضي والمناط في المورد، أعني مورد الاجتماع والتصادق، وذلك لأنّ المانع من دلالتها عليه إنما ه-و تعارضها وتنافيها بحسب م-ق-ام الاثبات والدلالة، وأما بعد علاجه بالجمع بينهما عرفاً فلا مانع من دلالته--ا عليه أصلاً.
ولنأخذ بالمناقشة في هذه الخطوط :
أما الخط الأوّل : فلأنّه يبتني على تسليم أن يكون المعتبر في باب الاجتماع هو كون المجمع مشتملاً على مناط كلا الحكمين معاً في مورد الاجتماع، لتستدعي الحاجة إلى إثبات ذلك في الخارج بدليل، ولكن قد عرفت منع ذلك في الأمر الثامن (1)وقلنا هناك إنّ مسألة الاجتماع لا ترتكز على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تجري على وجهة نظر جميع المذاهب والآراء، وذلك لما تقدّم من أنّ المسألة تبتني على ركيزة أخرى وتدور مدار تلك الركيزة، وهي أن المجمع إذا كان واحداً وجوداً وماهيةً فلابد من الالتزام بالامتناع، سواء فيه القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد والقول بعدمها وسواء أكان المجمع مشتملاً على
1) راجع ص 400.
ملاك أم لم يكن، وإن كان متعدداً كذلك من ناحية، ولم نقل بسراية الحكم من الملزوم إلى اللّازم من ناحية أخرى، فلابد من الالتزام بالجواز كذلك، ومن الواضح جداً أن تلك الركيزة لا تختص بمذهب دون آخر وبحالة دون أخرى، وأجنبية عن القول بالتبعية بالكلية، ضرورة أنّه لا فرق في استحالة اجتماع الضدين بين وجهة نظر دون آخر، كما هو ظاهر.
وأمّا الخط الثاني : فيقع الكلام فيه من ناحيتين :
الأولى: في بيان مراده (قدس سره) من الحكم الفعلي.
الثانية : في بيان مراده من الحكم الاقتضائي.
أمّا الناحية الأولى : فإن أراد (قدس سره) من الحكم الفعلي الحكم الذي بلغ إلى مرتبة البعث أو الزجر فقد ذكرنا غير مرّة أنّ بلوغ الحكم إلى تلك المرتبة يتوقف على وجود موضوعه بجميع شرائطه وقيوده في الخارج، ضرورة استحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه كذلك، فما لم يتحقق موضوعه خارجاً يستحيل أن يكون الحكم فعلياً، فتتبع فعلية الحكم فعلية موضوعه حدوثاً وبقاء، ومن هنا لا يلزم أن تكون فعليته حين جعله وإبرازه في الخارج، بل هي غالباً متأخرة عنه، بل ربما تتأخر عنه بآلاف سنين.
والسر فيه : هو أن الأحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية، أعني للموضوعات المقدّر وجودها في الخارج، ولا يتوقف جعلها على وجودها فيه أبداً، ضرورة أنه يصح جعلها لها من دون أن يتوقف على وجود شيء منها في الخارج، مثلاً وجوب الحج مجعول للعاقل البالغ القادر المستطيع مع بقية الشرائط، ووجوب الصوم مجعول للبالغ العاقل القادر الداخل عليه شہر رمضان مع سائر الشرائط وهكذا...ولا يتوقف جعلها ع-ل-ى وج-ود موضوعها خارجاً، ولكن فعلية تلك الأحكام وتحققها في الخارج تتوقف على
فعلية موضوعاتها، فمتى تحقق موضوعها تحقق الحكم. ومن ذلك قد ظهر أنّ فعلية الحكم خارجة عن مفاد الدليل وأجنبية عنه رأساً وتابعة لفعلية موضوعه، ضرورة أنّ مفاد الدليل هو ثبوت الحكم على نحو القضية الحقيقية، ولا يدل على أزيد من ذلك، فلا نظر له إلى فعليته بفعلية موضوعه أبداً، لوضوح أن كل قضية حقيقية غير ناظرة إلى وجود موضوعها في الخارج وتحققه فيه، بل مفادها ثبوت الحكم على تقدير وجود موضوعها فيه من دون تعرض لحاله وجوداً وعدماً.
وعليه فلا معنى لما أفاده (قدس سره) من أنّ إطلاق كل من الدليلين قد يكون لبيان الحكم الفعلي، وذلك لما عرفت من أنّ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه في الخارج وأجنبية عن مفاد الدليل بالكلية، فلا يكون الدليل متكفلاً لفعليته أبداً.
وإن أراد منه الحكم الانشائي وهو الحكم المبرز في الخارج بمبرز ما، بأن يكون إطلاق كل من الدليلين في مقام بيان إبراز ما اعتبره المولى، غاية الأمر دليل النهي في مقام بيان اعتبار الشارع محرومية المكلف عن الفعل، ودليل الأمر في مقام بيان اعتباره الفعل على ذمته، وقد يطلق عليه الحكم الفعلي باعتبار أنه فعلي من قبل الشارع وتام فيرد عليه : أنّ اجتماع الحكمين كذلك في شيء واحد محال، سواء فيه القول بالجواز والقول بالامتناع، ضرورة أنه لا يمكن الجمع بين اعتبار ثبوت فعل على ذمّة المكلف واعتبار محروميته عنه.
وعلى الجملة : فالمجمع إذا كان واحداً يستحيل جعل الوجوب والحرمة له معاً، سواء فيه القول بالجواز والقول بالامتناع، وإن كان متعدداً فلا مانع من جعلهما معاً، لفرض أنّ الوجوب مجعول لشيء، والحرمة مجعولة لشيء آخر، ولا مانع من ذلك أبداً، بلا فرق بين القول بالامتناع والقول بالجواز، فالعبرة
إنما هي بوحدة المجمع وتعدده، لا بكون الدليلين متكفلين للحكم الفعلي أو الاقتضائي، كما هو واضح.
وأمّا الناحية الثانية : فلا نعقل للحكم الاقتضائي معنى محصلاً ما عدا كون الفعل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، ويكون إطلاق كل م-ن دليلي الأم--ر والنهي في مقام بيان ذلك، وإرشاد إلى أنّ فيه جهةً تقتضي وجوبه وجهةً تقتضي حرمته، وهذا هو مراده (قدس سره) من الحكم الاقتضائي.
ولكن يرد عليه أوّلاً : أنّ هذا خارج عن محل الكلام، فانّ محل البحث في المسألة كما عرفت في سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأم-ور ب-ه وعدم سرايته، ومن المعلوم أنه لابد من فرض وجود الأمر ووجود النهي، ليبحث في مورد اجتماعهما عن سراية أحدهما من متعلقه إلى ما تعلق به الآخر وعدم السراية، والمفروض أنه بناءً على هذا ليس أمر ولا نهي ما عدا ك--ون الفعل مشتملاً على مصلحة ومفسدة، لنبحث عن سراية أحدهما إلى الآخر وعدمها.
فالنتيجة : هي أنّ مردّ الاطلاقين على ذلك في الحقيقة إلى إخبار الشارع بوجود المصلحة والمفسدة في مورد الاجتماع لا إلى جعل حكم تكليفي.
وبكلمة أخرى أنّ حمل الأمر والنهي على ذلك، أي على الاخ-ب-ار ع-ن وجود مصلحة في فعل ووجود مفسدة فيه، بأن يقال إنّ المولى في مقام بيان الاخبار عنه لا يمكن، وذلك لأنّ هذا خارج عن وظيفة الشارع، فانّ وظيفته بيان الأحكام الشرعية، لا الاخبار عن وجود المصالح والمفاسد في الأفعال، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ هذا الحمل خارج عن المتفاهم العرفي وبعيد عنه جداً، بل غير واقع في الشريعة المقدّسة أصلاً، كيف فانّ حمل الأمر الوارد في الشريعة المقدّسة على الاخبار عن وجود مصلحة في الفعل، وحم--ل
النهي الوارد فيها على الاخبار عن وجود مفسدة فيه لا يمكن بحسب المتفاهم العرفي أبداً.
وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ هذا الحمل ممكن عرفاً إلا أنه عندئذ وإن كان لا مانع من اجتماع المصلحة والمفسدة في شيء واحد في نفسه مع قطع النظر عن تأثيرهما في المحبوبية والمبغوضية، ضرورة أنه لا مانع من أن يكون شيء واحد مشتملاً على مصلحة من جهة وعلى مفسدة من جهة أخرى، ولكن لا يمكن تأثيرهما في المحبوبية والمبغوضية معاً، بداهة استحالة أن يكون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً في آن واحد وعليه فإذا فرض أن المجمع واحد وجوداً وماهية فلا يعقل تأثير المصلحة في محبوبيته وتأثير المفسدة في مبغوضيته، وتأثير الأولى في جعل الوجوب له وتأثير الثانية في جعل الحرمة له، وإن كان لا مضادة بين نفس الوجوب والحرمة من جهة أنهما أمران اعتباريان، وقد ذكرنا أنه لا مضادة بين الأمور الاعتبارية أصلاً، إلا أنه لا يمكن جعلهما لشيء واحد من ناحية أنّ جعل الحكم الأوّل كاشف عن محبوبية هذا الشيء، وجعل الثاني كاشف عن مبغوضيته، ولا يمكن أن تجتمع المحبوبية والمبغوضية في شيء واحد، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى : أنّه لا يمكن امتثالهما في الخارج، ومن المعلوم أن جعل مثل هذا الحكم لغو وصدور اللغو عن الشارع الحكيم مستحيل.
وعلى الجملة : فعلى تقدير كون المجمع واحداً وإن كان لا مانع من اجتماع المصلحة والمفسدة فيه بنفسه، إلّا أنّه لا يمكن ذلك من ناحية تأثيرهما في المحبوبية والمبغوضية، فإذن لا يمكن أن يكون الاطلاقان كاشفين عن وجود مصلحة فيه كذلك ومفسدة، فعلى هذا لا محالة تقع المعارضة بينهما لك-ذب أحدهما في الواقع على الفرض، وعدم إمكان صدق كليهما معاً، فيرجع عندئذ
إلى أحكامها وقواعدها.
ودعوى أنها كاشفان عن وجودهما في المجمع في نفسه - من دون تأثيرهما في شيء، وقد مرّ أنّه لا مانع من اجتماعهما في شيء في ذاته - خاطئة جداً وغير مطابقة للواقع قطعاً، وذلك لأنها مخالفة للوجدان والضرورة، بداهة أنّ المجمع كالصلاة في الدار المغصوبة إذا كان واحداً فلا محالة إما أن يكون محبوباً أو مبغوضاً ولا ثالث لهما، ضرورة أنّه لا يعقل أن لا يكون محبوباً ولا مبغوضاً، بأن لا تؤثر المفسدة فيه ولا المصلحة، أضف إلى ذلك : أنّ هذا الفرض لغو محض، فلا يترتب عليه أي أثر، فإذن لا يمكن حمل إطلاقي الأمر والنهي على ذلك أصلاً، لعدم أثر شرعي مترتب عليه.
وأما إذا كان المجمع متعدداً فلا مانع من تأثيرهما في المحبوبية والمبغوضية معاً أصلاً وفي جعل الوجوب والحرمة من دون أية منافاة ومضادة في البين وهذا واضح.
وأمّا الخط الثالث : فيردّه ما تقدّم من أنّ هذا الجمع، أي الجمع بين الدليلين بالحمل على الاقتضاء خارج عن المتفاهم العرفي، ولا يساعد عليه العرف، كما مر بشكل واضح.
وقد تحصل من جميع ما ذكرناه عدة أمور :
الأول : أن أساس مسألة إمكان الاجتماع واستحالته يبتني على وح-دة المجمع وجوداً وماهية في مورد الاجتماع وتعدده كذلك، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع والاستحالة، قلنا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أم لا، قلنا بكون المجمع مشتملاً على الملاك أم غير مشتمل، ضرورة أن كل ذلك لا دخل له فيما هو ملاك هذا القول في المسألة. وعلى الثاني إذا لم نقل بسراية
الحكم من الملزوم إلى اللازم كما هو الصحيح، فلا مناص من الق-ول ب-الجواز كذلك، ومن هنا قلنا إنّ هذه المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى باب التعارض، وعلى القول بالجواز تدخل في كبرى باب التزاحم إذا لم تكن مندوحة في البين كما سبق.
الثاني : أنّ أساس مسألة التعارض يرتكز على تنافي الحكمين في مقام الجعل، بحيث لا يمكن جعل كليهما معاً، سواء فيه القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد وعدمه، وكون مورد التعارض مشتملاً على ملاك أحد الحكمين أم لا بداهة أنّ كل ذلك أجنبي عما هو ملاك التعارض.
وأساس مسألة التزاحم بين الحكمين يرتكز على عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال، سواء أقلنا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أم لا، وسواء أكان المجمع مشتملاً على مناط كلا الحكمين أم لم يكن.
الثالث : أنّ ما أفاده (قدس سره) في هاتين المقدمتين، أعني المقدمة الثامنة والتاسعة جميعاً لا يبتني على أصل صحيح كما تقدم بشكل واضح.
المعروف والمشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً هو أن العبادة صحيحة على القول بالجواز وتعدد المجمع مطلقاً ولو كان عالماً بحرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع، فضلاً عما إذا كان جاهلاً بها أو ناسياً لها. وعليه فتصح الصلاة في المكان المغصوب ومجرد ملازمتها لارتكاب الحرام خارجاً لا يمنع عن صحتها بعد فرض أنّ متعلق الأمر غير متعلق النهي، وفاسدة على القول
بالامتناع ووحدة المجمع كذلك، ولو كان جاهلاً بالحرمة فضلاً عما إذا كان عالماً بها، هذا هو المشهور.
ولكن خالف في ذلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)وذهب إلى بطلان الصلاة على القول بالجواز وتعدد المجمع فيها إذا كان المكلف عالماً بالحرمة لا فيما إذا كان جاهلاً بها أو ناسياً لها، فله (قدس سره) هناك دعويان:
الأولى : بطلان الصلاة على هذا القول في صورة العلم بالحرمة.
الثانية : صحة الصلاة في صورة الجهل والنسيان.
أمّا الدعوى الأولى : فلأنها تبتني على ما أفاده (قدس سره) في بحث الضد (2)وملخصه : هو أنّ منشأ اعتبار القدرة في التكليف إنما هو اقتضاء نفس التكليف ذلك، لا حكم العقل بقبح تكليف العاجز، والوجه في ذلك: هو أن الغرض من التكليف حيث إنّه كان جعل الداعي للمكلف نحو الفعل، فمن الواضح أنّ هذا بنفسه يقتضي كون متعلقه مقدوراً، ضرورة استحالة جعل الداعي نحو الممتنع عقلاً وشرعاً، ونتيجة ذلك هي أن متعلقه حصة خاصة من الطبيعة - وهي الحصة المقدورة عقلاً وشرعاً - وأمّا الحصة غير المقدورة فهي خارجة عن متعلقه، وإن كانت حصة من الطبيعة على نحو الاطلاق، إلا أنها ليست من حصتها بما. هي مأمور بها ومتعلقة للتكليف.
وعلى ذلك فما أنّ الأمر متعلق بخصوص الحصة المقدورة عقلاً وشرعاً، وهي الصلاة في غير المكان المغصوب مثلاً، فلا محالة لا تكون الصلاة في المكان المغصوب مصداقاً للمأمور به وفرداً له، فانّها وإن لم تكن متحدة مع الحرام في
الخارج، إلا أنها ملازمة له خارجاً، فلأجل ذلك لا تكون مقدورة شرعاً وإن كانت مقدورة عقلاً، والمفروض أنّ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فإذن لا محالة يختص الأمر بالحصة الخاصة من الصلاة وهي الحصة المقدورة، فلا تنطبق على الحصة غير المقدورة، وهي الصلاة في المكان المغصوب.
فالنتيجة : هي أنه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد العبادة في مورد الاجتماع على هذا القول - أي القول بالجواز من ناحية الأمر - لعدم انطباق الطبيعة المأمور بها عليها. مثلاً الصلاة المأمور بها لا تنطبق على الصلاة فى الدار المغصوبة، لفرض أنها ليست مصداقاً وفرداً لها، ومن الواضح أنه مع عدم الانطباق لا يمكن الحكم بالصحة، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ الصحة منتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، فإذا فرضنا أنّ المأمور به لا ينطبق عليه وأنه ليس مصداقاً وفرداً له فلا يمكن الحكم بصحته.
وقد تحصل من ذلك : أنّ المأمور به على هذا بما أنّه حصة خاصة - وهي الحصة المقدورة فحسب - لا يمكن الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع والتصادق على القول بالجواز وتغاير متعلق الأمر والنهي فضلاً عن غيره، لعدم انطباق المأمور به عليها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنّه لا يمكن تصحيح تلك العبادة في مورد الاجتماع بالترتب، بتقريب أنها وإن لم تكن مأموراً بها بالأمر الأوّل، إلّا أنّه لا مانع من تعلق الأمر بها مترتباً على عصيان النهى وذلك لأنه (قدس سره) وإن التزم بالترتب في بحث الضد وقلنا هناك إنّ إمكانه يكفي في وقوعه فلا يحتاج وقوعه إلى دليل، لما ذكرناه هناك من أنّ حقيقة الترتب هو رفع اليد عن إطلاق كل من الحكمين بمقدار تقتضيه الضرورة لا مطلقاً، والمقدار الذي تقتضيه الضرورة هو تقييد إطلاق كل منهما بعدم الاتيان بمتعلق الآخر دون الزائد عليه، إلا أنه
(قدس سره) قد أنكر جريانه في المقام أي في مسألة الاجتماع، وقد أفاد في وجه ذلك ما ملخصه :
أنّ عصيان النهي في مورد الاجتماع لا يخلو من أن يتحقق باتيان فعل مضاد للمأمور به في الخارج وهو الصلاة مثلاً، كأن يشتغل بالأكل أو الشرب أو النوم أو ما شاكل ذلك، وأن يكون بنفس الاتيان بالصلاة، ولا ثالث لهما، ومن الواضح أنّه على كلا التقديرين لا يمكن أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً به.
أمّا على التقدير الأوّل فلأنّه يلزم أن يكون الأمر بأحد الضدين مشروطاً بوجود الضدّ الآخر، وهذا غير معقول ضرورة أن مردّ هذا إلى طلب الجمع بين الضدين في الخارج لفرض أنّه أمر بايجاد ضد على فرض وج-ود ض-د آخر، وهو محال، لأنه تكليف بالمحال.
وأما على التقدير الثاني فلأنه يلزم أن يكون الأمر بالشيء مشروطاً بوجوده في الخارج، وهو محال لأنه طلب الحاصل ضرورة أنه لا يعقل أن يكون الأمر بالشيء كالصلاة مثلاً مشروطاً بوجوده، كما هو واضح.
فالنتيجة : هي أنّه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع بناءً على القول بالجواز وتعدد المجمع بالترتب.
ومن ناحية ثالثة : أنّه لا يمكن تصحيحها في هذا المورد بالملاك، بيان ذلك: هو أنه (قدس سره) وإن التزم بتصحيح الفرد المزاحم من العبادة بالملاك كما تقدّم في بحث الضد إلّا أنّه قال بعدم إمكان تصحيح العبادة في مورد الاجتماع بالملاك، وذلك لأنّ ملاك الأمر إنما يصلح للتقرب به فيما إذا لم يكن مزاحماً بالقبح الفاعلي، وإلا فلا يكون صالحاً للتقرب، فانّ صحة العبادة كما هي مشروطة بالحسن الفعلي، بمعنى أن يكون الفعل في نفسه محبوباً وحسناً ليكون صالحاً للتقرب به إلى المولى، كذلك هي مشروطة بالحسن الفاعلي، بمعنى أن يكون
إيجادها من الفاعل أيضاً حسناً وإلا لم تقع صحيحة، والمفروض فيما نحن فيه أنّ إيجادها من الفاعل ليس كذلك، لأنّ الصلاة والغصب بما أنهما ممتزجان في الخارج بحيث لا تمكن الاشارة إلى أنّ هذه صلاة وذاك غصب، فلا محالة يكونان متحدين في مقام الايجاد والتأثير وموجودين بايجاد واحد، ضرورة أنّ المكلف بايجاد الصلاة في الأرض المغصوبة أوجد أمرين أحدهما الصلاة والآخر الغصب، لا أنّه أوجد الصلاة فحسب، وعليه فلا محالة يكون موجدهما مرتكباً للقبيح في إيجاده، ومعه يستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرباً له.
ونتيجة ما ذكرناه: هي أنّه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع، لا من ناحية الأمر لما عرفت من عدم انطباق المأمور به على هذا الفرد من جهة اختصاصه بالحصة المقدورة عقلاً وشرعاً، وعدم انطباقه على الحصة غير المقدورة كما مرّ. ولا من ناحية الترتب لما عرفت من عدم جريانه في المقام. ولا من ناحية الملاك لما عرفت من القبح الفاعلي المانع من التقرب.
ولنأخذ بالمناقشة في جميع ما أفاده (قدس سره). أما ما ذكره من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هي باقتضاء نفس التكليف ذلك لا ناحية حكم العقل، فقد ذكرنا في بحث الضد (1)أنه غير من تام وملخصه : هو أنّ ذلك مبني على وجهة نظر المشهور من أنّ المنشأ بصيغة الأمر أو ما شاكلها إنما هو الطلب والبعث نحو الفعل الارادي، وحيث إنّ الطلب والبعث التشريعيين عبارة عن تحريك عضلات العبد نحو الفعل بارادته واختياره وجعل الداعي له لأن يفعل في الخارج ويوجده، فمن الطبيعي أن جعل الداعي لا يمكن إلا بالاضافة إلى خصوص الفعل الاختياري، إذن نفس التكليف مقتض لاعتبار القدرة في متعلقه من دون حاجة إلى حكم العقل في ذلك.
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 356.
ولكن قد ذكرنا في بحث صيغة الأمر، وكذا في بحث الانشاء والاخبار أنّ ما هو المشهور من أنّ الانشاء إيجاد المعنى باللفظ، وأنّ المنشأ بالصيغة هو الطلب والبعث لا أساس له أصلاً، وقد تقدّم الكلام هناك من هذه الناحية بشكل واضح فلا نعيد.
فالصحيح هو ما ذكرناه من أنّ حقيقة التكليف عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف أو اعتباره محروماً عن الفعل وإبرازه في الخارج بمبرز ما من صيغة الأمر أو النهي أو ما شاكلها ولا نعقل للتكليف معنى ما عدا ذلك، ومن الواضح جداً أنّ هذا الاعتبار لا يقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، ضرورة أنّه لا مانع من اعتبار الجامع بين المقدورة وغير المقدورة على ذمّة المكلف أصلاً، كما أنّ إبرازه في الخارج لا يقتضي ذلك، بداهة أنه ليس إلا مجرد إبراز اعتبار كون المادة على ذمة المكلف، وهذا أجنبي تماماً عن اشتراط التكليف بالقدرة وعدم اشتراطه بها.
فالنتيجة : أنه لا مقتضي من قبل نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه. وأما العقل فقد ذكرنا أنه لا يقتضي اعتبار القدرة إلا في ظرف الامتثال، ولا يحكم باعتبارها في ظرف الجعل، فانّه لا وجه لتخصيص متعلق التكليف بخصوص الحصة المقدورة، بل مقتضى إطلاقه هو الجامع بين المقدورة وغير المقدورة، وعليه فلا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع، لفرض انطباق الطبيعة المأمور بها عليها عندئذ.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما ه-و باقتضاء نفس التكليف، ولكن من الواضح أنّه لا يقتضي إلا كون متعلقه مقدوراً في الجملة، ولو باعتبار القدرة على بعض أفراده، لئلا يكون طلبه طلباً للمحال، ولئلا يكون البعث نحوه بعثاً نحو الممتنع، ضرورة أنه إذا كان مقدوراً كذلك
صحّ البعث نحوه وصح طلبه، ولا يكون بعثاً نحو الممتنع وطلباً له. وقد تقدّم الكلام من هذه الناحية في بحث الضد بصورة مفصلة (1).
ولو تنزلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا أنّ التكليف يقتضي ك-ون متعلقه خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، فمع ذلك لا يتم ما أفاده (قدس سره) من عدم انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد، وذلك لفرض أن الصلاة في الدار المغصوبة غير متحدة مع الغصب خارجاً، وأن التركيب بينهما انضمامي لا اتحادي، كما هو أساس هذا القول، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنها مقدورة عقلاً وشرعاً. أما عقلاً فواضح. وأمّا شرعاً فلفرض عدم انطباق كبرى «الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي» على المقام، وذلك لفرض أن الصلاة ليست ممنوعة شرعاً وأنها سائغة في نفسها ومقدورة تشريعاً، والممنوع الشرعي هو ما إذا كان الشيء في نفسه ممنوعاً ومنهياً عنه شرعاً، أو كانت له مقدمة محرّمة وإن لم يكن في نفسه محرّماً، وأمّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا مانع من كونه مصداقاً للمأمور به وفرداً له، وبما أنّ الصلاة في الدار المغصوبة على هذا القول - أي القول بالجواز - ليست بمحرمة على الفرض ولا له-ا م-قدمة محرمة، غاية الأمر أنّ إيجادها فيها ملازم لايجاد الحرام، فلا مانع من كونها مصداقاً للمأمور به ولا مانع من انطباق الصلاة المأمور بها بما هي عليها، ومجرد ملازمة وجودها في الخارج لوجود الحرام لا يمنع عن ذلك، بعد فرض أن وجودها مغاير لوجود الحرام خارجاً.
فالنتيجة : أنه لو سلّمنا اختصاص التكليف بخصوص الحصة المقدورة، فمع ذلك لا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع، لفرض أنها مقدورة عقلاً وشرعاً، ومعه لا محالة تنطبق الطبيعة المأمور بها عليها. وما ذكره (قدس
1) راجع المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 352.
سره) من الكبرى وهي أنّ الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي لا ينطبق على ما نحن فيه.
ثمّ إنّه لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنه لا يمكن تصحيح العبادة في م-ورد الاجتماع من هذه الناحية - أي من ناحية انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد - ولكن يمكن تصحيحها من ناحية الالتزام بالترتب.
وأما ما أفاده (قدس سره) من أنّ الترتب لا يعقل في المقام، بدعوى أنّ عصيان النهي الذي هو شرط للأمر بالصلاة إمّا أن يتحقق في ضمن نفسها، وإما أن يتحقق في ضمن ضدّها، فعلى الأوّل يلزم اشتراط الأمر بالشيء بوجوده وتحققه في الخارج وهو محال، وعلى الثاني يلزم اشتراط الأمر بالشيء بوجود ضدّه وتحققه فيه، وهذا غير معقول.
فيرد عليه : ما ذكرناه في بحث الضد (1)وملخصه : هو أنّ المنهي عنه في المقام هو الكون في الأرض المغصوبة، لأنّه تصرف فيها حقيقة ومصداق للغصب كذلك، لا الأكل والشرب والنوم وما شاكل ذلك، ضرورة أن شيئاً منها لا يكون مصداقاً للغصب وتصرفاً في مال الغير، فالتصرف فيه إنّما ه-و الكون فيها، ومن الواضح جداً أنّه لا مانع من اشتراط الأمر بالصلاة على عصيان النهي عنه، كأن يقول المولى : لا تكن في أرض الغير وإن كنت فيها فتجب عليك الصلاة، فيكون الأمر بالصلاة معلّقاً على عصيان النهي عن الكون فيها، ومن المعلوم أنّه لا يلزم من اشتراط الأمر بالصلاة به أحد المحذورين المزبورين، أعني بهما طلب الجمع بين الضدّين، واشتراط الأمر بالشيء بوجوده وتحققه في الخارج.
1) راجع ص 176.
والوجه في ذلك ظاهر، وهو أنّ ما يتحقق به الغصب هو الكون فيها الذي هو من مقولة الأين، وأمّا الأفعال الخاصة كالأكل والنوم والشرب وما شاكل ذلك فليست مصداقاً للغصب، ضرورة أنّ الأكل ليس ممّا يتحقق به الغصب وكذا النوم والشرب وما شابه ذلك في مفروض الكلام، بل الغصب يتحقق بالكون فيها، ومن الواضح أنّه لا مانع من اشتراط الأمر بالصلاة به، ولا يلزم شيء من المحذورين المذكورين. أمّا عدم لزوم محذور طلب الجمع بين الضدين فلفرض أنّ الكون فيها ليس مضاداً لها، بل هو ملازم معها وجوداً ويجتمع معها خارجاً. وأما عدم لزوم محذور اشتراط الأمر بالشيء بوجوده وتحققه في الخارج، فلأنه مبني على أنّ الكون فيها متحد مع الصلاة خارجاً ويكون عينها فيه، ولكنّك عرفت أنه خلاف مفروض الكلام في المقام، فانّ المفروض هو أنه مغاير لها وجوداً، فانّ الكلام في المقام مبني على القول بالجواز وتعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً وماهية، فإذن لا محذور أبداً.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنّه لا مانع من الحكم بصحة العبادة في م-ورد الاجتماع من ناحية الترتب.
ولو تنزّلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا أنه لا يمكن تصحيح العبادة هنا بالترتب، إلا أنه لا مانع من الحكم بصحتها من ناحية الملاك على وجهة نظره (قدس سره) من تسليم اشتمالها على الملاك، وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) من أن الملاك في المقام لا يكون مقرّباً من جهة القبح الفاعلي غير تام، والوجه فيه ما ذكرناه غير مرّة من أنّ الايجاد عين الوجود في الخارج ذاتاً وحقيقة، والاختلاف بينهما إنما هو في الاضافة، فالشيء الواحد باعتبار إضافته إلى الفعل وجود، وباعتبار إضافته إلى الفاعل إيجاد، ويترتب على ذلك أنّ الوجود إذا كان متعدداً الخارج فلا محالة يكون الايجاد أيضاً متعدداً فيه، ولا يعقل أن يكون واحداً،
وبما أن الوجود في مورد الاجتماع متعدد خارجاً كما هو المفروض في المقام فلا محالة يكون الايجاد أيضاً كذلك، بمعنى أنّ المأمور به كما أنه مغاير للمنهي عنه وجوداً، كذلك مغاير له إيجاداً وعليه فيكون إيجاد المأمور به بما هو محبوباً للمولى، وليس فيه أيّ قبح أصلاً، والقبيح إنما هو إيجاد المنهي عنه فحسب، والمفروض أنّ قبحه لا يسري إليه فإذن لا مانع من التقرب به من ناحية اشتماله على الملاك، وإن كان إيجاده في الخارج ملازماً لايجاد قبيح ومبغوض فيه، إلا أنه لا يمنع من التقرب به أصلاً، لفرض أنّ الفعل في نفسه صالح للتقرب به من جهة اشتماله على الملاك، وإيجاده في الخارج لا يكون قبيحاً ومبغوضاً، والقبيح إنما هو إيجاد أمر آخر مغاير له - وهو إيجاد المنهي عنه - غاية الأمر أنه ملازم له خارجاً، ومن المعلوم أنّ مجرد ملازمته له لا يمنع عن الصحة، وعلى هذا فلا قبح فعلي ولا فاعلي:
فالنتيجة : أنه بناءً على ما يراه (قدس سره) من اشتماله على الملاك لا مناص من الحكم بالصحة أصلاً.
نعم، بناءً على وجهة نظرنا من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك، فالحكم بالصحة في المقام يبتني على الالتزام بأحد الأمرين الأولين : هما انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي على هذا الفرد في مورد الاجتماع، والقول بالترتب فيه.
وأمّا الدعوى الثانية : وهي صحة العبادة في مورد الاجتماع في صورة الجهل والنسيان على القول بالجواز وتعدد المجمع ماهية ووجوداً، فلأنّ المفروض أنه لا تنافي بين الحكمين في مقام الجعل، والتنافي بينهما إنما هو في مقام الامتثال من ناحية عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما معاً، فلو صرف قدرته في امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر وينتفي بانتفاء موضوعه وهو القدرة، وعليه فإذا فرض كون أحد الحكمين أهم من الآخر تعيّن صرف القدرة في
امتثاله، وبذلك عجز عن امتثال الآخر.
ولكن من المعلوم أنّ تعجيزه عنه إنّما هو في ظرف وصوله إلى المكلف وكونه منجزاً عليه ليحكم العقل بلزوم امتثاله، وأمّا في ظرف كون المكلف جاهلاً به فحيث إنّ العقل لا يحكم بلزوم امتثاله ولا يكون شاغلاً للمكلف بامتثاله، لا يكون معجزاً له عن امتثال الآخر لفرض أنّه مع الجهل به قادر على امتثاله، والمفروض أنّه مع القدرة عليه فعلي لأنّ المانع عن فعليته عدم القدرة على امتثاله، ومع التمكن منه لا محالة يكون فعلياً بفعلية موضوعه وهو القدرة.
وإن شئت فقل : إنّه لا تنافي بين الحكمين في مقام الجعل على الفرض، والتنافي بينهما إنّما هو في مقام الفعلية والامتثال، فإذا فرض جهل المكلف بأحدهما فلا مانع من فعلية الآخر بفعلية موضوعه وهو القدرة، هذا في صورة الجهل.
وأما في صورة النسيان فالأمر أوضح من ذلك، لفرض أنّه لا حرمة واقعاً في هذه الصورة، هذا على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره). وأما على وجهة نظرنا فقد عرفت أنّ العبادة صحيحة في مورد الاجتماع على القول بالجواز وتعدد المجمع واقعاً في صورة العلم بالحرمة فضلاً عن صورة الجهل بها أو النسيان لها.
قال [صاحب الكفاية ] في الأمر العاشر ما إليك لفظه : أنّه لا إشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال باتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقاً ولو في العبادات وإن كان معصية للنهي أيضاً، وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر، إلّا أنّه لا معصية عليه.
وأما عليه وترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر مطلقاً في غير العبادات، لحصول الغرض الموجب له، وأمّا فيها فلا، مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه
تقصيراً، فانّه وإن كان متمكناً مع عدم الالتفات من قصد القربة وقد قصدها، إلّا أنّه مع التقصير لا يصلح أن يتقرب به أصلاً فلا يقع مقرباً، وبدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادة كما لا يخفى.
وأما إذا لم يلتفت إليها قصوراً وقد قصد القربة باتيانه، فالأمر يسقط لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به، لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسناً، لأجل الجهل بحرمته قصوراً، فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط به قطعاً وإن لم يكن امتثالاً، بناءً على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعاً، لا لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح، لكونهما تابعين لما علم منهما، كما حقق في محلّه. مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك، فانّ العقل لا يرى تفاوتاً بينه وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها، وإن لم تعمه بما هي مأمور بها، لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
ومن هنا انقدح انقدح أنّه يجزئ ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادة، وعدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية، كما يكون كذلك في ضدّ الواجب حيث لا يكون هناك أمر يقصد أصلاً. وبالجملة مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعاً أو حكماً يكون الاتيان بالمجمع امتثالاً وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة، غاية الأمر أنّه لا يكون ممّا يسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للأحكام الواقعية، وأمّا لو قيل بعدم التزاحم إلا في مقام فعلية الأحكام لكان ممّا يسعه وامتثالاً لأمرها بلا كلام.
وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين وقدّم دليل الحرمة تخييراً أو ترجيحاً، حيث لا يكون معه مجال للصحة أصلاً، وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع، وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة، حيث يقع صحيحاً في غير مورد من موارد الجهل والنسيان، لموافقته للغرض
بل للأمر. ومن هنا علم أنّ الثواب عليه من قبيل الثواب على الاطاعة لا الانقياد ومجرد اعتقاد الموافقة.
وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع، بل أو الحكم إذا كان عن قصور، مع أنّ الجل لولا الكل قائلون بالامتناع وتقديم،الحرمة ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر (1).
نلخص ما أفاده (قدس سره) في هذا الأمر في عدة نقاط :
الأولى : أنّه لا إشكال في تحقق الامتثال وحصول الغرض باتيان المجمع بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة على القول بالجواز مطلقاً في العبادات والتوصليات، أما في التوصليات،فواضح، لأنّ الغرض منها على الفرض صرف وج--وده-ا وتحققها في الخارج، ولا يعتبر فيها كيفية زائدة. وأما في العبادات فلأجل انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد المأتي به في الخارج - وهو المجمع - وإن استلزم ذلك معصيةً للنهي أيضاً، وذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة فانّها تستلزم التصرف فيها وهو محرّم، إلا أنها حيث لم تكن متحدةً مع الحرام على الفرض فلا يكون ارتكابه موجباً لفسادها، فيكون كالنظر إلى الأجنبية حال الصلاة، فكما أنّه لا يوجب بطلانها باعتبار أنّه غير متحد معها خارجاً، فكذلك الكون في الأرض المغصوبة لا يوجب فساد الصلاة فيها من جهة أنّه غير متحد معها.
الثانية : أنه بناءً على القول بالامتناع فعلى تقدير تقديم جانب الوج--وب على جانب الحرمة، فلا إشكال في تحقق الامتثال وحصول الغرض باتيان المجمع
1) كفاية الأصول: 156 - 158.
عندئذ، وذلك لأنه على هذا الفرض متمحض في كونه مصداقاً للمأمور ب-ه دون المنهي عنه، ولذا لا يكون الاتيان به وقتئذ معصيةً أيضاً. وأما على تقدير تقديم جانب الحرمة على الوجوب فيما أنّ المجمع لا يكون حينئذ مصداقاً للمأمور به ضرورة أنّ الحرام لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب، فلا يحصل الامتثال باتيانه إذا كان الواجب عبادياً، ضرورة أنه مع الالتفات إلى الحرمة لا يمكن قصد التقرب به المعتبر في صحته. وأما إذا كان توصلياً فيسقط أمره باتيانه، لفرض أنّ الغرض منه يحصل بمجرد وجوده وتحققه في الخارج ولو كان في ضمن فعل محرّم، هذا إذا كان عالماً بالحرمة.
وأما إذا كان جاهلاً بها فمرة يكون جهله عن تقصير، وأخرى عن قصور.
أما على الأوّل، فتكون عبادته فاسدة، والوجه في ذلك: هو أن صحة العبادة ترتكز على ركائز : 1- أن يكون الفعل في نفسه قابلاً للتقرب. 2- أن يقصد المكلف التقرب به 3- أن لا يكون صدوره منه قبيحاً ومبغوضاً.
ثم إنّ الركيزة الأولى والثانية وإن كانتا موجودتين هنا، باعتبار أن المكلف بما أنّه كان جاهلاً بالحرمة فيتمشى منه قصد القربة، والمفروض أن الفعل لاشتماله على الملاك قابل لأن يتقرب به في نفسه، إلّا أنّ الركيزة الثالثة غير موجودة هنا، وذلك لأنّ الفعل وإن كان في نفسه قابلاً للتقرب من ناحية اشتماله على الملاك، إلا أنه حيث كان فعلاً مبغوضاً للمولى كما هو المفروض من ناحية، وجهله كان عن تقصير من ناحية أخرى، فلا يكون صدوره منه حسناً، بل يكون قبيحاً ومبغوضاً، فإذن لا يمكن الحكم بصحة العبادة الفاقدة لتلك الركيزة.
وأما على الثاني، فتكون صحيحة وذلك لتوفر تلك الركائز فيه.
أمّا الركيزة الأولى، فلأنّ الفعل من ناحية اشتماله على الملاك قابل للتقرب
به والجهل بالحرمة بما أنّه كان عن قصور فهو مانع عن فعلية الحرمة، ومن الواضح أنّ الحرمة غير الفعلية لا تمنع عن صحة العبادة وقابليتها للتقرب.
وأمّا الركيزة الثانية، فالمفروض أنّ المكلف متمكن من قصد القربة في هذا الحال.
وأما الركيزة الثالثة، فيما أنّ جهله كان عن قصور فلا محالة لا يكون صدور الفعل منه قبيحاً، فإذن لا مانع من الحكم بصحة العبادة في هذا الفرض، وإن لم يتحقق عنوان الامتثال، فانّ عنوان الامتثال إنّما يصدق فيما إذا كان المأتي به ممّا تعلق به الأمر لا فيما إذا كان الحكم بصحته من جهة محبوبيتها، كما في المقام. وقد ذكرنا أنّ سقوط الأمر لا يدور مدار حصول الامتثال، بل هو يدور مدار حصول الغرض، ومن هنا ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي أن صحة العبادة لا تتوقف على قصد الأمر فحسب، بل يكفي في صحتها إتيانها بقصد محبوبيتها، أو اشتمالها على الملاك أو نحو ذلك.
الثالثة : أنّه يمكن أن يقال بحصول الامتثال في المقام حتى بناءً على تبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد في الواقع، لا للجهات المؤثرة فيها فعلاً، وذلك لأن العقل لا يرى تفاوتاً بين هذا الفرد وبقية الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها، فكما أنّه يحصل الامتثال باتيان غيره من أفراد هذه الطبيعة فكذلك يحصل باتيانه فلا فرق بينهما بنظر العقل من هذه الناحية أصلاً.
الرابعة : أنّ عدم انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي على هذا الفرد يرتكز على تزاحم جهات المصالح والمفاسد في مقام تأثيرها في الأحكام الواقعية، فانّه على هذا حيث كانت جهة الحرمة أقوى من جهة الوجوب في الواقع ونفس الأمر، فلا محالة تكون هي المؤثرة فيها دون تلك، وعليه فلا يكون المجمع
مصداقاً للواجب. وأمّا إذا فرض عدم المزاحمة بين تلك الجهات في الواقع، وأنّه لا أثر لها، والمزاحمة إنما هي بين الجهات الواصلة في مقام فعلية الأحكام لكان المجمع بنفسه مصداقاً للطبيعة المأمور بها بما هي، ولكان الاتيان به امتثالاً لأمرها، وذلك لأن جهة الوجوب بما أنها كانت واصلة إلى المكلف لفرض أنها ملتفت إليها، فهي المؤثرة دون جهة الحرمة، لعدم الالتفات إليها.
وعلى الجملة : فلا أثر للملاك الواقعي ولا تأثير له في الحكم الشرعي أبداً، فالمؤثر إنما هو الملاك الواصل والفعلي - وهو ما كان ملتفتاً إليه - ه-ذا م-ن ناحية.
ومن ناحية أخرى : أن المجمع على الفرض مشتمل على مناط كلا الحكمين معاً، غاية الأمر أن ملاك الحرمة بحسب الواقع أقوى من ملاك الوجوب، ولكن عرفت أنّه لا أثر لأقوائية الملاك بحسب وجوده الواقعي. ومن ناحية ثالثة : أنّ الملاك الواصل إلى المكلف هو ملاك الوجوب، فانّه ملتفت إليه دون ملاك الحرمة.
فالنتيجة على ضوئها هى أنّ المؤثر ملاك الوجوب دون غيره، ولازمه هو أن المجمع عندئذ يكون مصداقاً للمأمور به فعلاً، من دون أن يكون محرّماً كذلك.
الخامسة : قد تقدّم أنّ هذه المسألة تبتني على أن يكون لكل من متعلقي الأمر والنهي ملاك حكمه على كل من القولين، وبذلك تمتاز هذه المسألة عن مسألة التعارض باعتبار أن مسألة التعارض تبتني على أن يكون لأحدهما مناط دون الآخر. وعلى هذا يترتب أنّ دليلي الوجوب والحرمة إذا ك-انا متعارضين وقدمنا دليل الحرمة على دليل الوجوب تخييراً أو ترجيحاً، فلا مجال
وقتئذ للصحة أصلاً، وإن فرض أنّ جهله بالحرمة كان عن قصور، وذلك لفرض أنه لا مقتضي للوجوب عندئذ في مورد الاجتماع أصلاً، في مورد الاجتماع أصلاً، ومعه يستحيل أن تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها، ضرورة استحالة أن يكون الحرام مصداقاً للواجب. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالامتناع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب، فانّه على هذا يقع المجمع صحيحاً في موارد الجهل عن قصور وموارد النسيان، وذلك لما عرفت من أنّ المجمع على هذا مشتمل على ملاك الوجوب، فلا مانع من التقرب به إذا كان جاهلاً بالحرمة عن قصور.
ومن هنا حكم الفقهاء بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور مع أنّ المشهور بينهم هو القول بالامتناع وتقديم جانب الحرمة.
ولنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط :
أمّا النقطة الأولى : فما أفاده (قدس سره) من صحة العبادة على الق-ول بالجواز مطلقاً لا يمكن المساعدة عليه باطلاقه، وذلك لما تقدم من أنّ المسألة على هذا القول تدخل في كبرى باب التزاحم مطلقاً على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) وفيما إذا لم تكن مندوحة في البين على وجهة نظرنا، وعليه فلابد من الرجوع إلى قواعد ذلك الباب ومرجحاته، فإن كان الوجوب أهم من الحرمة أو محتمل الأهمية فيقدّم عليها، وإذن فلا إشكال في صحة العبادة والاتيان بها بداعي أمرها. وكذا إذا كان الوجوب مساوياً لها ولكن أخذنا بجانب الوجوب دون الحرمة. وإن كانت الحرمة أهم من الوجوب أو محتمل الأهمية فتقدّم عليه.
فإذن تبتني صحة العبادة في محل الكلام على الالتزام بأحد أمرين :
الأوّل : أن يقول بالترتب.
الثاني : باشتمال المجمع في هذا الحال على الملاك.
أمّا الأوّل: وهو الترتب، فقد أنكره (قدس سره) وأصر على استحالته وعدم إمكانه، وعليه فلا يمكن تصحيح العبادة به على وجهة نظره.
وأمّا الثاني : فهو وإن اعترف به، وقد صحح العبادة بذلك في أمثال المورد، إلا أنا قد ذكرنا غير مرّة أنّه لا يمكن تصحيح العبادة بالملاك في هذا الحال، وذلك لما عرفت من أنّه لا طريق لنا إلى ثبوت الملاك ومعرفته في مورد بعد سقوط الحكم عنه، فانّه كما يمكن أن يكون سقوطه فانه كما يمكن أن يكون سقوطه من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن أن يكون من ناحية عدم المقتضي والملاك له في هذا الحال، ولا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر، بداهة أن الطريق إلى إحرازه منحصر في ثبوت الحكم وبعد سقوطه فلا طريق لنا إلى إحرازه أصلاً.
نعم، لو لم تكن مزاحمة بين الاطلاقين كما إذا كانت في الب-ين مندوحة، فعندئذ تصح العبادة باتيان المجمع بداعي الأمر بالطبيعة، لفرض أن الطبيعة المأمور بها على هذا لم تكن مزاحمة مع الحرام والمزاحم له إنم-ا ه-و ف-ردها. وعليه فلا مانع من الاتيان بهذا الفرد بداعي أمرها أصلاً. ولعل ما ذكره (قدس سره) بقوله : لا إشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال باتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز...إلخ ناظر إلى هذا الفرض، ولكن يردّه أنه لا وجه للاقتصار على هذا الفرض أصلاً.
فالنتيجة : أنّ ما أفاده (قدس سره) من صحة العبادة لا يتم فيها إذا لم تكن مندوحة في البين وتقع المزاحمة بين الواجب والحرام، وكان الحرام أهم أو محتمل الأهمية بناءً على وجهة نظره (قدس سره) من استحالة الترتب، وذلك
لفرض أنه لا أمر به في هذا الحال ليمكن الاتيان به بداعي أمره، ولا طريق لنا إلى اشتماله على الملاك ليمكن التقرب به من هذه الجهة، مع أنّ هذا الفرض خارج عن مورد كلامه، لأنّ المفروض في كلامه هو صحة العبادة بالأمر على الجواز لا بالملاك. وكيف كان فما أفاده (قدس سره) لا يتم على إطلاقه، فلا بدّ من التفصيل.
ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده (قدس سره) بقوله : إنه معصية للنهي أيضاً، لا يتم مطلقاً، فانّه إنّما يتم فيما إذا لم تكن مزاحمة بين الحكمين، أو كانت مزاحمة ولكن كان الحرام أهم من الواجب أو محتمل الأهمية. وأما إذا كان الواجب أهم منه أو محتمل الأهمية، فلا معصية أصلاً.
وأما النقطة الثانية : فقد تقدّم أنّ أساس القول بالامتناع في هذه المسألة هو اتحاد متعلق الأمر والنهي في مورد الاجتماع، وعلى ه-ذا ف-لا محالة تقع المعارضة بين دليليهما، لاستحالة أن يكون شيء واحد مأموراً به ومنهياً عنه معاً، فإذن لا بد من الرجوع إلى قواعد ومرجحات باب المعارضة، وعليه فان قدمنا دليل الأمر على دليل النهي ترجيحاً أو تخييراً على القول به، فلا إشكال في صحة العبادة باتيان المجمع، فانّه على هذا مصداق للمأمور به فحسب، ولا يكون بمنهي عنه في شيء.
وإن قدّمنا دليل النهي على دليل الأمر فلا يصح الاتيان بالمجمع عندئذ، لفرض أنّه منهي عنه فعلاً، ويستحيل أن يكون مصداقاً للمأمور به، ضرورة أن الحرام لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب فيقيد إطلاق دليل الواجب بغير ذلك الفرد.
من دون فرق في ذلك بين أن يكون الواجب توصلياً أو تعبدياً، ضرورة
استحالة أن يكون المحرّم مصداقاً له مطلقاً، فانّ الفرق بينهما في نقطة واحدة وهي اعتبار قصد القربة في الواجب العبادي دون التوصلي، فإذن لا يصح الاتيان بالمجمع في مورد الاجتماع في التوصليات فضلاً عن العباديات، لفرض تقييد المأمور به بغير هذا الفرد فلا يكون هذا الفرد مصداقاً له ليكون الاتيان به مجزئاً، فانّ إجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل، وإلّا فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء. ولا فرق من هذه الناحية بين التوصلي والتعبدي أصلاً.
نعم، قد يعلم من الخارج أنّ الغرض من الواجب التوصلي يحصل بمطلق وجوده في الخارج ولو في ضمن فرد محرّم، وذلك كازالة النجاسة عن البدن أو الثوب فانّ الغرض من وجوبها حصولها في الخارج وتحققها فيه ولو كان بماء مغصوب.
وأما فيما إذا لم يعلم ذلك من الخارج فلا يحكم بصحة الواجب وسقوط الأمر عنه وحصول الغرض، وذلك كتكفين الميت مثلاً فانّه واجب توصلي فمع ذلك لا يحصل الغرض منه بتكفينه بالكفن المغصوب ولا يحكم بسقوط الأمر عنه، بل هو من موارد اجتماع الأمر والنهي ومن هنا ذكرنا في بحث الواجب التوصلي والتعبدي (1)أنّ الواجب التوصلي على أقسام، منها: ما لا يترتب الغرض على مطلق وجوده في الخارج، بل يترتب على وجوده الخاص، وهو ما إذا لم يكن في ضمن فرد محرّم أو لم يصدر من المجنون أو الصبي وإلا ف--لا يحصل الغرض منه، وذلك كتحنيط الميت مثلاً فانّه واجب توصلي ومع ذلك لو أتى به الصبي أو المجنون لم يكن مجزئاً. فما أفاده (قدس سره) من أن الواجب إذا
1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 491.
كان توصلياً يحصل الغرض منه باتيان المجمع لا يمكن تصديقه بوجه.
وبكلمة أخرى : قد سبق منا غير مرّة أنّ القول بالامتناع يرتكز على وحدة المجمع وجوداً وماهية، وعليه فحيث تقع المعارضة بين إطلاق دليلي الأم--ر والنهي فلابد من الرجوع إلى مرجحاتها، وبعد ملاحظة المرجحات إذا قدمنا إطلاق دليل النهي على إطلاق دليل الأمر، فمعناه أن المجمع مبغوض للمولى ومحرّم في الواقع فحسب، وليس مصداقاً للواجب واقعاً وفي نفس الأمر. هذا فيما إذا علمت الحرمة واضح، وكذلك مع الجهل عن تقصير أو قصور فانّ الأحكام الواقعية ثابتة المتعلقاتها في الواقع، ولا دخل لعلم المكلفين وجهلهم بها أبداً، ضرورة أنها لا تتغير بواسطة جهل المكلف بها، فلو كان شيء حراماً في الواقع وكان المكلف جاهلاً بحرمته فلا تتغير حرمته بواسطة جهله بها وه-ذا واضح. ومن ناحية أخرى، أنّ الحرام لا يعقل يكون مصداقاً للواجب وإن فرض كون المكلف جاهلاً بحرمته بل معتقداً بوجوبه، ضرورة أن الواقع لا ينقلب عما هو عليه.
فالنتيجة على ضوء ذلك : هي أنّه لا إشكال في أنه لا ينطبق الواجب على المجمع بناءً على تقديم جانب الحرمة، فلا يسقط الأمر به باتيان المجمع، حتى إذا كان توصلياً مع العلم بحرمته أو مع الجهل بها، إلا إذا علم من الخارج وفاؤه بالغرض، وعلى ذلك يترتب فساد الاتيان بالمجمع كالصلاة في الدار المغصوبة مع العلم بمبغوضيته وحرمته، بل مع الجهل بها ولو كان عن قصور، ضرورة استحالة أن يكون الحرام مصداقاً للواجب، والمفروض أن الجهل بالحرمة لا يوجب تغيير الواقع وإن كان عن قصور، والعلم بوجوبه لا يوجب الأمر به في الواقع وارتفاع حرمته، فإذن كيف يمكن الحكم بالصحة في فرض الجهل بها عن قصور.
وإن شئت فقل : إنّ صحة العبادة ترتكز على ركيزتين :
الأولى : تحقق قصد القربة.
الثانية : كون الفعل في نفسه محبوباً وقابلاً للتقرب به.
ومع انتفاء إحدى هاتين الركيزتين لا تقع العبادة صحيحة، ضرورة أنّ الفعل إذا لم يكن محبوباً في نفسه، فلا يمكن التقرب به فضلاً عن كونه مبغوضاً في الواقع، أو لو كان محبوباً كذلك ولكن المكلف لم يقصد القربة، فحينئذ تقع العبادة فاسدة، وفيما نحن فيه وإن أمكن تحقق قصد القربة من المكلف باعتبار أنه جاهل بالحرمة، إلا أن المجمع لمتعلقي الأمر والنهي في مورد الاجتماع كالصلاة في الأرض المغصوبة على القول بالامتناع ووحدة المجمع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب لا يكون محبوباً في نفسه وصالحاً للتقرب به، لتمحضه في الحرمة والمبغوضية في الواقع.
ومن المعلوم أنّ الحرام لا يمكن أن يقع مصداقاً للواجب، كما هو الحال في بقية موارد التعارض بالعموم من وجه مثل ما إذا فرض قيام الدليل على وجوب إكرام العالم، وفرض قيامه أيضاً على حرمة إكرام الفاسق، فتقع المعارضة بينهما في مورد الاجتماع وهو العالم الفاسق، حيث إنّ مقتضى إطلاق الدليل الأوّل وجوب إكرامه ومقتضى إطلاق الدليل الثاني حرمة إك-رام-ه، فعندئذ لو قدّمنا دليل الحرمة على دليل الوجوب في مورد الاجتماع لخرج مورد الاجتماع - وهو إكرام العالم الفاسق - عن كونه مصداقاً للواج واقعاً، سواء أكان المكلف عالماً بالحرمة أو بموضوعها أم كان جاهلاً بها كذلك عن قصور أو تقصير، ضرورة أنّ الواقع لا يتغير بواسطة جهل المكلف به والاعتقاد بخلافه، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ فعلية الأحكام في الواقع تابعة لفعلية موضوعاتها، ولا دخل لعلم المكلف بها وجهله، وهذا واضح.
وكذا الحال فيما نحن فيه، فأنه بناءً على تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب في مورد الاجتماع كالصلاة في الدار المغصوبة مثلاً فالمجمع متمحض عندئذ في الحرمة والمبغوضية بحسب الواقع، ولا يعقل حينئذ أن يكون مصداقاً للمأمور به والواجب، وإن فرض أنّ المكلف جاهل بحرمته جهلاً عن قصور، غاية الأمر أنّ جهله بها كذلك يوجب كونه معذوراً وغير مستحق للعقاب على ارتكاب الحرام في الواقع، هذا بناءً على وجهة نظرنا من أنّ هذه المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى باب التعارض، فتجري عليه أحكامه.
ولكن يمكن لنا المناقشة فيه على وجهة نظره (قدس سره) أيضاً، ببيان أنّ قصد الملاك إنما يكون مقرّباً فيما إذا لم يكن مزاحماً بشيء، ولا سيما إذا كان أقوى منه، كما هو المفروض في المقام، وأمّا الملاك المزاحم فلا يترتب عليه أي أثر، ولا يكون قصده مقرّباً، بناءً على ما هو الصحيح من تبعية الأحكام للجهات الواقعية لا للجهات الواصلة، وبما أنّ في مفروض الكلام ملاك الوجوب مزاحم بملاك الحرمة في مورد الاجتماع فلا يكون صالحاً للتقرب به.
وعلى هذا فلا يمكن الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على هذا القول - أي القول بالامتناع - لا من ناحية الأمر وانطباق المأمور به بما هو على المأتي به في الخارج، ولا من ناحية الملاك لفرض أنّه مزاحم بما هو أقوى منه.
وأمّا النقطة الثالثة : فيردّها أنّ العقل يرى التفاوت بين هذا الفرد وبقية الأفراد من ناحية أنّ هذا الفرد بما أنّه ليس مصداقاً للطبيعة المأمور بها بما هي ولا تنطبق تلك الطبيعة عليه، فلا يمكن إحراز أنّه وافٍ بغرض الطبيعة المأمور بها، ضرورة أنّ طريق إحراز وفائه بغرضها منحصر بانطباقها عليه، وم-ع ع-دم الانطباق لا طريق لنا إلى ذلك أصلاً، لوضوح أنّ عدم الانطباق كما يمكن أن يكون من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن أن يكون من ناحية
عدم المقتضي له، ومن الطبيعي أنّ العقل على هذا لا يحكم بحصول الامتثال باتيان المجمع وسقوط الأمر.
وأما النقطة الرابعة : فيرد عليها أنّ الأحكام الشرعية بناءً على وجهة نظر العدلية تابعة لجهات المصالح والمفاسد الواقعية، وهي مقتضية لجعلها على نحو القضايا الحقيقية، وأمّا فعلية تلك الأحكام فهي تابعة لفعلية موضوعاتها في الخارج، ولا دخل لعلم المكلفين وجهلهم بها لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة الفعلية أصلاً.
وعلى هذا، فلا معنی لما أفاده (قدس سره) من التزاحم بين الجهات في مقام فعلية الأحكام، بأن يكون المؤثر في الحكم فعلاً هو الجهة الواصلة دون غيرها، ضرورة أن لازم ذلك هو دخل علم المكلف في فعلية الأحكام، وهذا غير معقول، لاستلزامه التصويب وانقلاب الواقع، فانّ لازمه هو أن المكلف إذا كان عالماً بحرمة المجمع في مورد الاجتماع وأنّه مشتمل على مفسدة، فالحرمة فعلية ولا أثر للوجوب عندئذ أصلاً، وإذا كان جاهلاً بحرمته عن قصور وعالماً بوجوبه وأنّه مشتمل على مصلحة، فالوجوب فعلى، ولا أثر للحرمة، وهذا معنى دخل علم المكلف في فعلية الأحكام. وعليه فلا محالة يلزم التصويب وانقلاب الواقع، ومن الواضح جداً أن ذلك ممّا لم يلتزم به أحد حتى هو (قدس سره) كيف فانّ لازم ذلك هو خروج المقام عن محل النزاع، ضرورة أنه في هذا الحال لا حرمة واقعاً ليقع الكلام في أنّها تجتمع مع الوجوب في مورد الاجتماع أم لا.
وبكلمة أخرى: أنّ الأمر في الأحكام العقلية العملية كالحسن والقبح وإن كان كما ذكر من أنّها تابعة للجهات الواصلة، فلا يتصف الشيء بالحسن أو القبح العقلي في الواقع، وإنما يتصف به فيما إذا علم المكلف بجهة محسنة أو مقبّحة
له، والسر في ذلك هو أنه لا واقع لحكم العقل بالحسن والقبح ما عدا إدراكه استحقاق الفاعل الذم على فعل والمدح على آخر، ومن المعلوم أن استحقاق الفاعل المدح أو الذم على صدور فعل منه إنما يكون في فرض التفاته إلى الجهة المحسنة أو المقبّحة له وإلّا فلا يعقل اتصافه بذلك.
ولكن الأمر في الأحكام الشرعية ليس كذلك، ضرورة أنها تابعة للجهات الواقعية في مقام الجعل بلا دخل لعلم المكلف وجهله في ذلك المقام أصلاً، وفي مقام الفعلية تابعة لفعلية موضوعها وتحققه في الخارج، ولا دخل لعلم المكلف بالحكم في فعليته أصلاً، كما أنه لا يضر بها جهله، فلو كانت الأحكام الواقعية تابعة للجهات الواصلة للزم التصويب وانقلاب الواقع لا محالة، فعندئذ يخرج المقام عن محل النزاع، فانّه على هذا ليس في مورد الاجتماع حكمان ليتكلم في جواز اجتماعهما فيه وعدم جوازه، بل حكم واحد فحسب، فان المكلف إذا كان جاهلاً بالحرمة جهلاً عن قصور فلا حرمة في مورد الاجتماع واقعاً، بل ه-و متمحض في الوجوب، وإن كان العكس فبالعكس، كما هو واضح.
ولكنك عرفت فساد هذا المبنى وأنّ المؤثر في الأحكام إنم-ا ه-و الجهات الواقعية لا غيرها، وعليه فمناط الحرمة في مورد الاجتماع بما أنه كان أقوى كما هو المفروض، فلا محالة يكون هو المؤثر، ولا أثر المناط الوجوب عندئذ أصلاً، سواء أكان المكلف عالماً بالحرمة أم كان جاهلاً بها عن تقصير أو قصور، فعلى جميع التقادير لا يكون المجمع واجباً.
أما على التقدير الأول والثاني،فواضح كما اعترف هو (قدس سره) بذلك. وأما على التقدير الثالث فلأنّ الجهل لا يوجب انقلاب الواقع، فالواقع باقٍ على ما كان عليه، وأنّ ملاك الوجوب بما أنّه مزاحم بما هو أقوى منه فلا أثر له.
وقد تحصل من ذلك : أنّ ما أفاده (قدس سره) في هذه النقطة لا يرجع إلى معنى محصل على وجهة نظره (قدس سره) في باب الاجتماع فضلاً عن وجهة نظرنا فيه.
وأمّا النقطة الخامسة : فقد ظهر فسادها ممّا تقدّم من ب-ي-ان م-لاك ب-اب الاجتماع وملاك باب التعارض وملاك باب التزاحم، فلا حاجة إلى الاعادة.
كما أنه قد تبيّن على هدى ما ذكرناه أنّ ما نسب (قدس سره) إلى المشهور من الحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة على القول بالامتناع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب في صورة الجهل بالحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور لا يمكن تصديقه بوجه، وذلك لأنّ حكمهم بصحة الصلاة في م-ورد الاجتماع مبني على القول بالجواز وتعدد المجمع ولم يعلم من حالهم أنهم حكموا بالصحة حتى على القول بالامتناع ووحدة المجمع، بل المعلوم منهم عكس ذلك، يعني أنهم على هذا القول حكموا بالبطلان دون الصحة. هذا تمام الكلام في الجاهل.
وأما الكلام في الناسي للحكم أو الموضوع فيقع في مقامين:
الأوّل: فيما إذا كان نسيانه مستنداً إلى سوء اختياره، بأن يكون المكلف مقصراً في ذلك.
الثاني : فيما لا يكون مستنداً إلى اختياره بل هو قاصر في ذلك ومعذور فيه. أمّا الكلام في المقام الأوّل: فالظاهر بطلان عبادته وفسادها، وذلك كما إذا فرض أنّ المكلف غصب ثوباً أو داراً ثم نسي وصلّى في ذلك الثوب أو الدار، ففي هذا الحال وإن لم يمكن توجيه التكليف بالحرمة إليه، لاستحالة تكليف الناسي في حال نسيانه، إلا أنّ ملاك الحرمة باقٍ وهو مبغوضية هذا التصرف،
باعتبار أنه منته بالأخرة إلى اختياره فإذن لا مانع من الحكم باستحقاقه للعقاب من ناحية باعتبار أنه منته إلى الاختيار، وفساد عبادته من ناحية أخرى باعتبار أنّ هذا التصرف مبغوض للمولى، فلا يمكن التقرب به، وهذا واضح.
وأمّا الكلام في المقام الثاني : فالظاهر بل المقطوع به أنّ عبادته صحيحة، وذلك لفرض أنّ النسيان رافع للحرمة واقعاً، فلا يكون المجمع في هذا الحال محرّماً كذلك، ولا مبغوضاً لفرض أنّ نسيانه كان عن قصور لا عن تقصير، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن المجمع إذا كان جائزاً واقعاً فلا مانع من شمول إطلاق دليل الأمر به ضرورة أنّ المانع من شمولة لهذا الفرد هو دلي--ل الحرمة وتقديمه على دليل الوجوب وبذلك يقيد إطلاق دليله، فإذا فرض سقوط. دليله واقعاً كما في المقام فلا مانع من شمول إطلاقه له أصلاً.
وبتعبير آخر : قد ذكرنا أنّ المعتبر في صحة العبادة أمران أحدهما أن يقصد القربة، والآخر أن يكون الفعل فى نفسه قابلاً للتقرب به، والمفروض أن كلا الأمرين في المقام موجود.
أمّا الأوّل: فلفرض أنّ المكلف قصد القربة. وأما الثاني : فلفرض أنّ الفعل في نفسه سائغ واقعاً، ومعه لا مانع من التقرب به باتيانه بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة، لفرض أنها تشمله بعد سقوط دليل المقيد لها واقعاً، وهذا ظاهر.
ومن هنا حكمنا بصحة الوضوء في الماء المغصوب نسياناً إذا كان عن قصور، وذلك لفرض أنّ التصرف فيه جائز واقعاً، ومعه لا مانع من شمول إطلاق دليل وجوب الوضوء له.
فالنتيجة : أن ما نسب إلى المشهور من صحة الصلاة في الدار المغصوبة في
حال نسيان الحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور متين جداً ولا مناص عنه، ولكن ما نسب إليهم من صحة الصلاة فيها في حال الجهل فقد عرفت أنه غير تام.
لحدّ الآن قد تبيّن أنّ ما أفاده (قدس سره) في هذا الأمر من الثمرة لا يمكن إتمامه بدليل، بل لا يترقب صدوره من مثله (قدس سره).
وبعد ذلك نقول : إنّ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)قد اختار في المسألة القول بالامتناع، ورتب ذلك القول على بيان مقدمات:
الأولى : ما لفظه : أنّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحدٍ في زمان والزجر عنه في ذاك الزمان، وإن لم يكن بينهما مضادة ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الانشائية قبل البلوغ إليها كما لا يخفى، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضاً.
ملخص هذه المقدّمة : هو أنّ المضادة والمعاندة بين الأحكام الخمسة إنما هي في مرتبة فعليتها وبلوغ تلك الأحكام حدّ البعث والزجر الحقيقيين، فلا مضادة بينها في مرتبة الانشاء فضلاً عن مرتبة الاقتضاء، واستحالة الجمع بين اثنين منها في هذه المرتبة في شيء واحد في زمانٍ من باب استحالة اجتماع الضدين، فلذا لا تختص بمذهب دون آخر، بل هو محال مطلقاً حتى على مذهب الأشعري
المجوّز للتكليف بالمحال، فانّ هذا في نفسه محال.
1) كفاية الأصول : 158 - 159.
الثانية : ما نصه : أنّه لا شبهة في أنّ متعلق الأحكام هو فعل المكلف وما هو في الخارج يصدر عنه وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه، وهو واضح، ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتزع عنه بحيث لولا انتزاعه تصوراً واختراعه ذهناً لما كان بحذائه شيء خارجاً، ويكون خارج المحمول كالملكية والزوجية والرقية والحرّية والمغصوبية إلى غير ذلك من الاعتبارات والاضافات، ضرورة أن البعث ليس نحوه والزجر لا يكون عنه، وإنما يؤخذ في متعلق الأحكام آلةً للحاظ متعلقاتها، والاشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله.
مردّ هذه المقدّمة إلى أنّ الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء والألفاظ، ولا بالعناوين الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج أصلاً، وإنما تتعلق تلك الأحكام بأفعال المكلفين الصادرة عنهم خارجاً، ضرورة أن الغرض سواء أكان مصلحة أو مفسدة أم كان غيرهما لا يترتب على الأسماء والألفاظ المجردة، ولا على العناوين الانتزاعية التي لا واقع موضوعي لها، وإنما يترتب على تلك الأفعال فحسب، وهذا ظاهر.
الثالثة : ما لفظه : أنّه لا يوجب تعدد الوجه والعنوان تعدد المعنون، ولا تنثلم به وحدته، فانّ المفاهيم المتعددة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد وتصدق على الفارد الذي لا كثرة فيه من جهة، بل بسيط من جميع الجهات، ليس فيه حيث غير حيث وجهة مغايرة لجهته أصلاً، كالواجب (تبارك وتعالى) فهو على بساطته ووحدته وأحديته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية والجمالية، له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، لكنّها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد :
عباراتنا شتى وحسنك واحد ***وكل إلى ذاك الجمال يشير
ملخص هذه المقدّمة : هو أنّ تعدد العنوان بشتى أنواعه وأشكاله لا يوجب تعدد المعنون في الخارج، ضرورة أنّه لا مانع من انطباق عناوين متعددة على معنون واحد خارجاً أصلاً، ولا يوجب تعدده أبداً، كانطباق عنوان الأب والابن والأخ والزوج والعالم والقادر وما شاكل ذلك على شخص واحد وذات فاردة كزيد مثلاً، بل تنطبق على ذات واحدة بسيطة من تمام الجهات كذات--ه تعالى شأنه، فانّ مفاهيم الصفات العليا الذاتية كالعالم والقادر ونحوهما، والصفات الفعلية كالخالق والرازق والمتكلم والمريد وما شاكل ذلك، تنطبق على ذات-ه الأحدية، مع أنها بسيطة في غاية البساطة. نعم، تلك الذات البسيطة باعتبار انكشاف الأشياء لديها عالم وباعتبار قدرتها على التكوين والايجاد قادر، وباعتبار خلقها الأشياء خالق، وباعتبار رزقها العالم رازق...وهكذا، فالاختلاف والتعدد إنّما هو في الاضافة لا في الذات، كما هو واضح، وكيف كان، فتعدد العنوان لا يستدعي تعدد المعنون بحسب الوجود الخارجي.
الرابعة : ما هذا نصه : أنّه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلا ماهية واحدة وحقيقة فاردة لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلا تلك الماهية فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كل منهما ماهية وحقيقية كانت عينه في الخارج كما هو شأن الطبيعي وفرده، فيكون الواحد وجوداً واحداً ماهيةً وذاتاً لا محالة، فالمجمع وإن تصادق عليه متعلقا الأمر والنهي، إلا أنه كما يكون واحداً وجوداً يكون واحداً ماهيةً وذاتاً، ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية. ومنه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة على القولين في تلك المسألة كما توهّم في الفصول، كما ظهر عدم الابتناء على تعدد وجود الجنس والفصل في الخارج وعدم تعدده، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له، وأنّ مثل الحركة في دار من أيّ مقولة كانت لا يكاد يختلف حقيقتها وماهيتها ويتخلف ذاتياتها، وقعت
جزءاً لصلاة أو لا، كانت تلك الدار مغصوبة أو لا.
ولنأخذ بتوضيح هذه المقدّمة بما يلي : قد يتخيل في المقام كما عن الفصول (1)أنّ القول بالامتناع والجواز في مسألتنا هذه يرتكزان على القول بأصالة الوجود وأصالة الماهية، ببيان أنّه لا شبهة في أنّ ماهية الصلاة غير ماهية الغصب، فهما ماهيتان متباينتان يستحيل اتحادهما في الخارج ودخولهما تحت ماهية،أخرى، وعلى هذا فإن قلنا بأصالة الماهية في تلك المسألة، فما أنّ مناط تأصلها وتحصلها نفسها في الخارج لا وجودها، لأن الفرض أنّه لا واق-ع موضوعي له ولا مطابق له في الخارج والمطابق فيه إنّما هو للماهية، فلا محالة يكون متعلق النهي غير متعلق الأمر تحصلاً، ضرورة استحالة اتحاد الماهيتين المتحصلتين خارجاً ودخولها تحت ماهية ثالثة، فإذن لا مناص من القول بالجواز. وأما إن قلنا بأصالة الوجود في تلك المسألة، فما أن اتحاد الماهيتين في الوجود الخارجي بمكان من الوضوح كاتحاد الماهية الجنسية مع الماهية الفصلية، فلا مناص من القول بالامتناع، وذلك لأنّ ماهية الصلاة وإن كانت مغايرة لماهية الغصب بما هما ماهيتان إلا أنهما متحدتان في الخارج وتوجدان بوجود فارد، ومن المعلوم أنّ وجوداً واحداً لا يعقل أن يكون مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً.
وإن شئت فقل : إنّ المحقق صاحب الفصول (قدس سره) قد ابتنى القول بالامتناع في المسألة على القول بأصالة الوجود باعتبار أن الوجود في م--ورد الاجتماع،واحد، والقول بالجواز على القول بأصالة الماهية باعتبار أن الماهية في مورد الاجتماع متعددة. ولكن هذا الخيال خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أصلاً، وذلك لأنّ
1) الفصول الغروية : 125 - 126.
ماهية الصلاة وماهية الغصب ليستا من الماهيات المتأصلة المقولية لتدخل في محل النزاع في تلك المسألة، أعني مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، بل هما من الماهيات الانتزاعية والعناوين الاعتبارية التي لا مطابق لها في الخارج ما عدا منشأ انتزاعها، سواء فيه القول بأصالة الوجود أو الماهية، فإذن لا يجري فيهما النزاع في تلك المسألة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى : قد عرفت أنّه لا مانع من انطباق عناوين متعددة على معنون واحد وجوداً وماهية.
ومن ناحية ثالثة : أنّ محل النزاع في تلك المسألة إنم-ا ه-و في الماهيات المتأصلة المقولية.
ومن ناحية رابعة : أنّه لا يعقل أن يكون لوجود واحد ماهيتان حقيقيتان أو حدان كذلك، بداهة أنّ لوجود واحد ماهية واحدة أو حدّ كذلك، وهذا واضح. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي أنّ مسألتنا هذه أجنبية عن تلك المسألة بالكلية ولا تبتني عليها أصلاً، وذلك لأنّ المجمع إذا كان له وجود واحد فلا محالة يكون له ماهية واحدة أو حدّ كذلك، ولا يعقل أن تكون له ماهيتان حقيقيتان أو حدّان كذلك، سواء فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية، ولا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً، ضرورة أنّ الوجود الواحد لا يعقل أن يكون وجوداً لماهيتين متباينتين، كيف فانّه إن كان وجوداً لهذه الماهية، فلا يمكن أن يكون لتلك وبالعكس.
وأما إذا فرض أنّ للمجمع في مورد الاجتماع وجودين فلا محالة تكون له ماهيتان بداهة أنّ لكل وجود ماهية واحدة، فلا يعقل أن تكون الماهية الواحدة ماهية لوجودين، وعليه فلا مناص من القول بالجواز بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، ومن
الواضح أنه لا فرق في ذلك بين القول بأصالة الوجود في تلك المسألة وأصالة الماهية فيها.
فالنتيجة : أنّ المفروض في المسألة بما أنّ المطابق في مورد الاجتماع واحد، سواء أكان ذلك المطابق مطابقاً للماهية بالذات وللوجود بالعرض، بناءً على أصالة الماهية، أم كان بالعكس بناءً على أصالة الوجود، فلا يعقل فيه اجتماع الأمر والنهي وهذا واضح.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكر في الفصول (1)أيضاً من ابتناء القول بالجواز والامتناع على تعدد وجود الجنس والفصل وعدمه، بدعوى أنّ مورد الأمر إذا كان الماهية الجنسية، ومورد النهي الماهية الفصلية، فإن كانت الماهيتان متحدتين في الخارج وموجودتين بوجود،واحد فلا مناص من القول بالامتناع، وإن كانتا متعددتين فيه بحسب الوجود فلا مناص من القول بالجواز.
وجه الظهور: ما عرفت آنفاً من أنّ ماهية الصلاة وماهية الغصب ليستا من الماهيات الحقيقية المقولية لتكون إحداهما جنساً والأخرى فصلاً، بل هما من المفاهيم الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج أصلاً ليقال إنهما موجودتان فيه بوجود واحد أو بوجودين.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ ماهية الصلاة وماهية الغصب من الماهيات الحقيقية المقولية، إلّا أنّ من الواضح جداً أنّ ماهية الصلاة ليست جنساً وماهية الغصب ليست فصلاً مقوّماً،لها، ضرورة أنّ الماهية الفصلية لا تنفك عن الماهية الجنسية، فانّ نسبتها إليها نسبة الصورة إلى المادة، ومن المعلوم استحالة انفكاك الصورة عن المادة، مع أنّ الغصب ينفك عن الصلاة بكثير، بحيث إنّ
1) الفصول الغروية : 125.
نسبة مادة اجتماعها إلى مادة افتراقهما نسبة الواحد إلى الألوف، وعليه فكيف يكون الغصب فصلاً والصلاة جنساً له، كما أنّ توهم كون الحركة في مورد الاجتماع بما هي حركة جنساً والصلاتية والغصبية فصلان لها واضح الفساد، وذلك لاستحالة أن يكون لشيء واحد فصلان مقوّمان، فانّ فعلية الشيء إنما هي بفصله وصورته، ومن الواضح أنّه لا يعقل أن يكون لشيء واحد صورتان.
على أنّك عرفت أنّ مفهوم الصلاة والغصب من المفاهيم الانتزاعية، ومن الطبيعي أنّ المفهوم الانتزاعي لا يصلح أن يكون فصلاً، كيف فانّ فعلية الشيء ووجوده إنما هي بفصله، والمفروض أنّ الأمر الانتزاع-ي لا وجود له في الخارج، ومعه لا يعقل كونه فصلاً.
فالنتيجة : هي أنه لا أصل لابتناء القول بالجواز والامتناع في هذه المسألة على كون التركيب بين الجنس والفصل هل هو اتحادي أو انضمامي، ضرورة أنه لا صلة لإحدى المسألتين بالأخرى أبداً على أنه لا إشكال في ك--ون التركيب بينهما اتحادياً.
نعم، قد يقال : إنّ الأمر لو تعلق بالجنس في مقام والنهي تعلق بالفصل، يبتني القول بالجواز والامتناع على كون التركيب بينهما اتحادياً أو انضمامياً، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع لاستحالة اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد، وعلى الثاني فلا مانع من القول بالجواز، لفرض أنّ متعلق الأمر عندئذ غير متعلق النهي وإن كانا متلازمين في مورد الاجتماع بحسب الوجود الخارجي، ويحتمل أن يكون غرض المحقق صاحب الفصول (قدس سره) أيضاً ذلك، لا أنّ غرضه هو أنّ الأمر في خصوص الصلاة والغصب كذلك، وكيف كان فهذا أيضاً غير تام، وذلك لأنّ المسألة على هذا الشكل تدخل في كبرى
مسألة المطلق والمقيد، فيجري عليها أحكامها من حمل المطلق على المقيد. هذا مضافاً إلى أنّ الجنس والفصل متحدان في الخارج وموجودان بوجود واحد، فلا يعقل أن يكونا موجودين بوجودين فيه.
وبعد ذلك نقول : إنّ النتيجة على ضوء هذه هي أنه لا مناص من القول بالامتناع لفرض أنّ الأحكام متضادة فلا يمكن اجتماع اثنين منها في شيء واحد بمقتضى المقدّمة الأولى، ولفرض أنّ المجمع في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهيةً بمقتضى المقدّمة الثانية والثالثة والرابعة.
ثم ذكر أنّه قد يتوهّم أنّ محذور اجتماع الضدّين في شيء واحد يرتفع على القول بتعلق الأحكام بالطبائع دون الأفراد، ببيان أن الطبائع من حيث هي هي التي ليست إلا ذاتها وذاتياتها وإن كانت غير قابلة لأن تتعلق بها الأحك-ام الشرعية، إلّا أنّها مقيدة بالوجود الخارجي - على نحو كان القيد وهو الوجود خارجاً والتقيد به داخلاً - قابلة لأن تتعلق بها الأحكام، وعلى هذا فلا يكون متعلقا الأمر والنهي متحدين أصلاً، لا في مقام تعلق الأمر والنهي، ولا في مقام عصيان النهي وإطاعة الأمر باتيان المجمع بسوء الاختيار.
في المقام الأوّل : فلتعدد متعلقها بما هما متعلقان وإن كانا متحدين في الوجود، إلا أنك عرفت أنّ الوجود قيد خارج عن المتعلق والتقيد به داخل.
وأما في المقام الثاني : فلسقوط أحدهما بالاطاعة والآخر بالعصيان، إذن فلا اجتماع بين الحكمين في واحد.
ولكن هذا التوهّم خاطئ، وذلك لما سبق (1)من أنّ مورد الحكم إنّما هو فعل المكلف بواقعه وحقيقته الصادرة منه لا بعنوانه العارض عليه، وقد عرفت
1) في ص 442.
أنّ الفعل في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهيةً، وأن تعدد العنوان لا يوجب تعدده، والمفروض أنّ الصلاة والغصب ليستا من الماهيات الحقيقية المقولية لتكونا متعلقتين للأمر والنهي، بل هما من المفاهيم الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج، وإنما تؤخذ في متعلقات الأحكام بما هي حاكيات وإشارات إلى ما هو المتعلق في الواقع، لا بما هي على حيالها واستقلالها، هذا تمام ما أفاده (قدس سره) في وجه القول بالامتناع، ولعله أحسن ما قيل في المقام.
ولنأخذ بالنقد على بعض تلك المقدمات وبذلك تبطل النتيجة التي أخذها (قدس سره) من هذه المقدّمات، وهي القول بالامتناع مطلقاً،، بيان ذلك :
أمّا المقدّمة الأولى : فقد ذكرنا غير مرّة أنّ حديث تضاد الأحكام بعضها مع بعضها الآخر في نفسها وإن كان أمراً معروفاً بين الأصحاب قديماً وحديثاً، إلا أنه ممّا لا أصل له، وذلك لما حققناه من أنّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية فلا واقع لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، ومن الواضح جداً أنه لا مضادة بين نفس اعتباري الوجوب والحرمة ذاتاً، بداهة أنه لا تنافي بين نفس اعتبار المولى الفعل على ذمّة المكلف وبين اعتباره محرومية المكلف عنه بالذات، مع قطع النظر عن مبدئهما ومنتهاهما، فانّ الاعتبار خفيف المؤونة، فلا مانع من اعتبار وجوب شيء وحرمته معاً، والوجه في ذلك : هو أن المضادة إنما تكون طارئة على الموجودات التكوينية الخارجية كالبياض والسواد والحركة والسكون وما شاكل ذلك ومن صفاتها، وأما الأمور الاعتبارية فالمفروض أنه لا واقع لها ما عدا اعتبار المعتبر، ليكون بعضها مضاداً مع بعضها الآخر.
نعم، المضادة بين الأحكام من ناحيتين :
الأولى : من جهة المبدأ، أعني اشتمال الفعل على المحبوبية والمبغوضية.
الثانية : من جهة المنتهى، أعني مرحلة الامتثال والاطاعة.
أمّا من ناحية المبدأ : فلأنّ الوجوب والحرمة بناءً على وجهة نظر مذهب العدلية كاشفان عن المحبوبية والمبغوضية في متعلقه، وعليه فلا يمكن اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد، وذلك لاستحالة أن يكون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً معاً، فمن هذه الناحية لا يمكن اجتماعهما في شيء واحد وفي زمان فارد لا بالذات والحقيقة.
فالنتيجة أن المضادة بين الوجوب والحرمة إنّما هي بالعرض والمجاز، فانّها في الحقيقة بين المحبوبية والمبغوضية والمصلحة الملزمة والمفسدة كذلك، كما هو واضح.
وأما من ناحية المنتهى : فلأنّ اجتماعهما في شيء واحد يستلزم التكليف بالمحال وبغير المقدور، لفرض أنّ المكلف في هذا الحال غير قادر على امتثال كليهما معاً.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ المضادة بين الأحكام الشرعية إنما هي في مرتبة فعليتها وبلوغها حدّ البعث والزجر مبني على نقطة واحدة وهي أن تكون الأحكام من قبيل الأعراض الخارجية، فكما أن المضادة بين الأعراض إنما كانت في مرتبة فعليتها ووجودها في الخارج، لوضوح أنه لا مضادة بين السواد والبياض قبل فعليتها ووجودهما فيه...وهكذا، فكذلك المضادة بين الأحكام الشرعية إنما تكون في مرتبة فعليتها ووجوداتها في الخارج، فلا مضادة ب--ين الوجوب والحرمة قبل وجودهما فيه وبلوغهما حدّ البعث والزجر.
ولكن تلك النقطة خاطئة جداً، وذلك لأنّ الأحكام الشرعية ليست من سنخ الأعراض الخارجية لتكون المضادة بينها في مرتبة فعليتها ووجوداتها في الخارج، لما ذكرناه من أنّ المضادة صفة عارضة على الموجودات الخارجية،
فلا مضادة بينها قبل وجوداتها، بل هي من الأمور الاعتبارية التي ليس له-ا واقع موضوعي، وقد تقدّم أنّه لا مضادة بينها بالذات والحقيقة، والمضادة بينها إما من ناحية المبدأ أو من ناحية المنتهى. أما من ناحية المبدأ، فالمضادة بينها إنما هي في مرتبة جعلها، فلا يمكن جعل الوجوب والحرمة على شيء واحد، ومن الواضح أنّ المضادة في هذه المرتبة لا تتوقف على فعليتهما وبلوغهما ح--دّ البعث والزجر، ضرورة أنّ المضادة بين نفس الجعلين، فلا يمكن تحقق كليهما معاً. وأما من ناحية المنتهى، فالمضادة بينها وإن كانت في مرتبة فعليتها، إلّا أنها بالعرض والمجاز، فانّها ناشئة عن عدم قدرة المكلف على الجمع بينها في مقام الامتثال وإلا فلا مضادة بينها أصلاً.
وعلى الجملة : فجعل الوجوب والحرمة لشيء واحد وجوداً وماهيةً مستحيل على جميع المذاهب والآراء، بداهة أنّ استحالة اجتماع الضدين في شيء واحد لا تختص بوجهة نظر دون آخر، ولا تتوقف استحالة ذلك على فعليتهما أبداً وهذا ظاهر.
فما أفاده (قدس سره) من أنّ التضاد بين الأحكام إنما هو في مرتبة فعليتها دون مرتبة الانشاء لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً كما لا يخفى.
وأمّا المقدّمة الثانية : فالأمر كما أفاده (قدس سره) من أن الأحكام لا تتعلق بالعناوين الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج بحيالها واستقلالها. نعم، تؤخذ تلك العناوين في متعلقات الأحكام لا بما هي هي، بل بما هي معرفة ومشيرة إلى ما هو المتعلق في الواقع، كما أنّها لا تتعلق بالأسماء والألفاظ كذلك، وإنم--ا تتعلق بطبيعي الأفعال الصادرة عن المكلفين في الخارج.
وأمّا المقدّمة الرابعة : فالأمر أيضاً كما أفاده (قدس سره) والوجه فيه ما تقدّم من استحالة أن يكون لشيء واحد ماهيتان في عرض واحد أو ح--دّان
كذلك. نعم، يمكن أن يكون له ماهيات طولاً باعتبار أجناسه العالية والمتوسطة والقريبة، ولكن لا يمكن أن يكون له ماهيتان نوعيتان عرضاً، فانّ لازم ذلك هو أن يكون شيء واحد متفصّلاً بفصلين يكون كل منها مقوّماً له، ومن الواضح استحالة ذلك كاستحالة دخول شيء تحت مقولتين من المقولات العشرة ضرورة أنّ المقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات والحقيقة، فيستحيل اندراج مقولتين منها تحت مقولة واحدة، كما أنه يستحيل أن يكون شيء واحد مندرجاً تحت مقولتين منها، فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن : أنه كما يستحيل صدق المقولتين على شيء واحد كذلك يستحيل تفصل شيء واحد بفصلين ولو كانا من مقولة واحدة.
وأمّا المقدّمة الثالثة : وهي أنّ تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون، فغير تامة، وذلك لأنّ هذه الكبرى لا تصدق إلّا على نحو الموجبة الجزئية، ومعها لا تنتج النتيجة المزبورة وهي القول بالامتناع لفرض أنه (قدس سره) لم يبرهن أنّ المعنون واحد في جميع موارد الاجتماع، وغاية ما برهن أن تعدد العنوان لا يقتضي تعدد المعنون، ومن المعلوم أنّ عدم الاقتضاء أعم من أن يكون واحداً أو متعدداً، فإذن لا بدّ من ملاحظة المجمع في مورد الاجتماع في نفسه، ومجرد تعدد العنوان كما لا يكشف عن تعدد المعنون فيه، كذلك لا يكشف عن وحدته، فلا أثر له بالاضافة إلى تعدده ووحدته عدته أصلاً.
ومن هنا استشكل شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بأنها لا تتم على إطلاقها، وذلك لأنّ العنوانين المنطبقين على شيء في الخارج إن كانا من العناوين الانتزاعية والمفاهيم الاعتبارية التي تنتزع من الجهات التعليلية ولا واقع موضوعي لها، فمن الواضح أنّ تعددها لا يوجب تعدد المعنون أبداً، ومن هنا
1) أجود التقريرات 2: 136.
قال (قدس سره): إنا قد ذكرنا في بحث المشتق أن صدق كل عنوان اشتقاقي على ذات معلول لقيام المبدأ بها بنحو من أنحاء القيام.
وعلى هذا الضوء فلا محالة تكون جهة الصدق والانطباق في صدق العناوين الاشتقاقية على ذات واحدة، وانطباق تلك العناوين عليها تعليلية لا تقييدية، إذ المفروض أن المعنون واحد ولا تعدد فيه أصلاً لا وجوداً ولا ماهية، والتعدد إنما هو في الأعراض القائمة بذلك الموجود الواحد التي توجب انتزاع تلك العناوين في الخارج، فصدق كل عنوان معلول لعرض قائم به، مثلاً ص--دق عنوان العالم عليه معلول لقيام العلم به، وصدق عنوان العادل عليه معلول لقيام العدل به، وصدق عنوان الشجاع معلول لقيام الشجاعة...وهكذا. وعليه فيكون صدق كل من هذه العناوين على هذا الشخص الواحد معلولاً لعلّة غير ما هو علّة لصدق الآخر، كما هو واضح.
فالنتيجة : هي أن الجهات في صدق العناوين الاشتقاقية بما أنها جهات تعليلية فتعددها لا يوجب تعدد المعنون في الخارج، ومن هنا يكون التركيب بين العنوانين الاشتقاقيين كالأبيض والحلو والمصلي والغاصب وما شاكلها في مورد الاجتماع اتحادياً، لفرض أنّ المعنون واحد وجوداً وماهيةً، والتعدد إنما يكون في العرضين القائمين به.
وأمّا إذا كان العنوانان من العناوين الذاتية كالعلم والشجاعة والقدرة وما شابه ذلك، فمن الطبيعي أن تعددها يوجب تعدد المعنون في الخارج، ضرورة أن الجهات فيها تقييدية، فلا يعقل اتحاد العنوانين منها خارجاً، ولا يمكن أن يكون التركيب بينهما اتحادياً، بداهة أنّ التركيب الاتحادي إنما يعقل بين جزأين يكون أحدهما قوّة محضة والآخر فعلية كذلك كالمادة والصورة، وأمّا الاتحاد بين أمرين فعليين فلا يعقل لوضوح أنّ كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى.
وعلى هذا الضوء فلا محالة تكون جهة الصدق في صدق كل من تلك المبادئ جهة تقييدية، ومن الواضح أنّ الجهة التقييدية توجب تعدد المعنون خارجاً، مثلاً ما ينطبق عليه عنوان العلم غير ما ينطبق عليه عنوان العدل في الخارج، لاستحالة اتحادهما فيه غاية الأمر أنهما يكونان متلازمين في الوجود في مورد الاجتماع، والوجه في ذلك : هو أنّ المبدأ المأخوذ بشرط لا بما أنه ماهية واحدة وحقيقة فاردة فلا محالة يكون محفوظاً بتمام ماهيته أينما سرى وتحقق، ضرورة أنّ الصلاة الموجودة في الدار المغصوبة متحدة في الماهية والحقيقة مع الصلاة الموجودة في غيرها، وكذا البياض الموجود في الثلج مثلاً في المكان المغصوب متحد في الماهية والحقيقة مع البياض الموجود في العاج أو نحوه، وكذا الحال في بقية المبادئ منها الغصب فأنّه ماهية واحدة أينما سرى وتحقق، أي سواء أتحقق في ضمن الصلاة أم في ضمن فعل آخر.
وعلى هذا الأصل فلا محالة يكون التركيب بينهما - أي بين الصلاة والغصب مثلاً - في مورد الاجتماع انضمامياً، نظير التركيب بين الهيولى والصورة، ويستحيل اتحادهما في الخارج، ليكون التركيب بينهما اتحادياً، لما عرفت م--ن استحالة التركيب الحقيقي بين أمرين فعليين.
وبكلمة أخرى أنّ الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أخرى وهي مقولة الأين، ومن المعلوم أنّ المقولات أجناس عاليات ومتباينات بتمام الذات والحقيقة فيستحيل اندراج مقولتين منها تحت مقولة، فإذا كانت الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أخرى يستحيل اتحادهما في الوجود الخارجي واندراجهما تحت مقولة ثالثة.
وقد يتخيل في المقام أنهما يصدقان على حركة واحدة شخصية، وتلك الحركة الواحدة مصداق للصلاة والغصب معاً، وعلى هذا فيكون التركيب بينهما
في مورد الاجتماع اتحادياً.
ولكن هذا الخيال خاطئ جداً، والوجه فيه : هو أن ذلك يستلزم تفصل الجنس الواحد - أعني الحركة - بفصلين في عرض واحد وهو محال، ضرورة أنه لا يمكن كون الحركة فيها جنساً لها وما به اشتراكهما، وإلا لزم ذلك المحذور.
أضف إلى ذلك : أنّ الأعراض بسائط،خارجية، فما به الاشتراك في ك--ل مقولة منها عين ما به الامتياز في تلك المقولة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أن الحركة ليست مقولة برأسها في قبال تلك المقولات، بداهة أن نسبة الحركة إلى المقولات التي تقبل الحركة نسبة الهيولى إلى الصور، فكما أن الهيولى لا توجد في الخارج إلا في ضمن صورة، فكذلك لا توجد الحركة إلا في ضمن، ومن الواضح جداً أنّ الحركة في أيّة مقولة تحققت ف-ه-ي ع--ي-ن ت-لك المقولة، وليست أمراً زائداً عليها سواء أكانت فى مقولة الجوهر على القول بالحركة الجوهرية أم كانت في مقولة الكم أو الكيف أو نحو ذلك، ضرورة أنّ الحركة في مقولة الجوهر ليست شيئاً زائداً عليها، بل هي عينها وحقيقتها، وكذا الحركة في الكم والكيف والأين والوضع، فانّها لا تزيد على وجودها، بل هي عينها خارجاً.
وعلى هذا الضوء فالحركة الموجودة في ضمن الصلاة لا محالة تكون مباينة مقولة للحركة الموجودة في ضمن الغصب لفرض أنّ الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أخرى، وعليه ففرض كون الحركة الواحدة مصداقاً لهما معاً يستلزم اتحاد المقولتين المتباينتين في الوجود، وهو محال. فإذن لا وج-ه لدعوى أنّ الحركة الموجودة في الدار المغصوبة كما هي محققة لعنوان الغصب، كذلك هي معروضة للصلاة فيها، فلا تستلزم وحدة الحركة فيها اتحاد المقولتين واندراجهما تحت مقولة ثالثة، وذلك لما عرفت آنفاً من أن الحركة ليست مقولة برأسها، بل
هي توجد في ضمن المقولات وتكون عينها خارجاً، وعليه فوحدتها في مورد الاجتماع وكونها كذلك مصداقاً لهما لا محالة تستلزم اتحاد المقولتين، كما ه-و واضح.
وبكلمة أخرى : أنّ جهة الصدق في العناوين الاشتقاقية بما أنه-ا ج-هة تعليلية فلا يوجب تعددها تعدد المعنون في الخارج، وجهة الصدق في المبادئ بما أنها جهة تقييدية، فلا محالة تعددها يوجب تعدد المعنون فيه، بيان ذلك:
أمّا في الأولى : فلأنّ معروض المبادئ وموضوعها في الخارج يختلف وجوداً وماهيةً باختلاف الموارد، فكما أن وحدة العرض نوعاً لا تقتضي وحدة معروضه كذلك، فالبياض يعرض للثلج والعاج وغيرهما، كذلك تعدد العرض لا يقتضي تعدد معروضه، فيمكن قيام أعراض متعددة بمعروض شخصي واحد، مثلاً الذات التي يقوم بها المبدأ في مورد اجتماع الحلاوة والبياض كالسكر ذات، وفي مورد الافتراق من ناحية الحلاوة ذات أخرى كالدبس المغايرة للأولى، وفي مورد الافتراق من ناحية البياض ذات ثالثة كالعاج...وهكذا.
وعلى الجملة : فالمعروض لا يتعدد بتعدد المبادئ القائمة به، ولذا يكون واحداً في مورد اجتماع الحلاوة والبياض ولا يتعدد بتعددهما.
وعلى هذا الضوء فالمجمع للعنوانين الاشتقاقيين اللذين بينهما عموم من وجه لا محالة يكون واحداً كالمجمع لعنواني الحلو والأبيض والمصلي والغاصب والمتحرك والساكن والعالم والعادل وما شاكل ذلك، لفرض أنّ المعنون في مورد الاجتماع واحد والتعدد إنما هو في العرض القائم به، وقد عرفت أن تعدد العرض لا يوجب تعدد المعروض.
وأمّا في الثانية : فلوضوح أنّ كل مبدأ من مبادئ الاشتقاق مباين لمبدأ آخر منها وجوداً وماهيةً، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى : أنّه من الطبيعي
أنّ ذلك المبدأ بتمام ذاته وذاتياته محفوظ في جميع موارد تحققه وسريانه، ضرورة أنّ الحلاوة الموجودة في محل الاجتماع متحدة في الماهية مع الحلاوة الموجودة في محل الافتراق بداهة أنّ جهة صدق طبيعي الحلاوة على الحصة منه الموجودة في محل الافتراق ليست مغايرةً لجهة صدقه على الحصة منه الموجودة في محل الاجتماع، بل هي واحدة وهي أنّ هذه الحصة كتلك عين الطبيعي في الخارج، لفرض أن وجوده فيه عين وجود أفراده وحصصه، وصدقه على جميع أفراده بملاك واحد وبجهة فاردة من دون فرق في ذلك بين الفرد منه الموجود في محل الافتراق والفرد منه الموجود في محل الاجتماع، وهذا واضح. وكذا الصلاة الموجودة في المكان المغصوب متحدة في الماهية مع الصلاة الموجودة في المكان المباح، والغصب الموجود في ضمن الصلاة متحد في الماهية مع الغصب الموجود في ضمن فعل آخر...وهكذا، لوضوح أنّ الحقيقة الواحدة لا تختلف في الصدق باختلاف وجوداتها ومواردها كما هو ظاهر.
وعلى هذا يترتب أنّ التركيب بين الصلاة والغصب أو البياض والحلاوة في مورد اجتماعهما انضمامي، نظير التركيب بين الهيولى والصورة، لفرض أن الصلاة الموجودة في محل الاجتماع بعينها هي الصلاة الموجودة في محل الافتراق، وكذا الحال في الغصب، وعليه فلا يعقل أن تتحد الصلاة مع الغصب، وإلا لزم أن لا تكون الصلاة الموجودة في محل الاجتماع فرداً لطبيعة الصلاة، وكذا الغصب الموجود فيه ليس فرداً لطبيعته، وهذا خلف.
نعم، يفترق التركيب الانضمامي بين العرضين عن التركيب الانضمامي بين الهيولى والصورة من ناحية أنّ نسبة الهيولى إلى الصورة نسبة القوّة إلى الفعل فان الهيولى قوّة محضة والصورة فعلية محضة، وهذا بخلاف نسبة العرض إلى معروضه، فانّها نسبة الشخص إلى المتشخص، لا نسبة القوّة إلى الفعل لفرض
أنّ كلاً من العرض ومعروضه فعلي في الخارج وموجود فيه، غاية الأمر أنه يتشخص بتشخص معروضه، مثلاً الصلاة كما تتشخص بوقوعها في غير الدار المغصوبة كذلك تتشخص بوقوعها فيها، وكذا الغصب كما يتشخص في ضمن غير الصلاة قد يتشخص في ضمنها.
فالنتيجة قد أصبحت من جميع ما ذكرناه أنّ التركيب ب-ي-ن ع-ن-وان--ين اشتقاقيين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه في م-ورد الاجتماع تركيب اتحادي، بمعنى أنّ معروضهما في الخارج واحد وجوداً وماهيةً، وإن كان منشأ انتزاعهما متعدداً فيه باعتبار أنّه لا يمكن انتزاع مفهومين متباينين من شيء واحد. وأما التركيب بين المبدأين اللذين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه في مورد الاجتماع تركيب انضمامي لا محالة بداهة استحالة انتزاع مفهومين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه من موجود واحد بجهة واحدة، وإلا لكانا متساويين، فانّ ملاك التساوي هو أن يكون صدق كل منهما على أفراده متحداً مع صدق الآخر على أفراده في ملاك الصدق وجهته، وهذا بخلاف المفهومين اللذين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه، فانّ جهة الصدق في كل منهما مغايرة لجهة الصدق في الآخر.
وعلى الجملة : فالمفهومان لا يخلوان من أن تكون جهة الصدق في كل منهما على جميع أفراده واحدة، أو أن تكون متعددة، وعلى الفرض الثاني فاما أنّ كل ما يصدق عليه أحدهما مندرج في الآخر ومن مصاديقه وأفراده، وإما أن لا يكون كذلك، وعلى الأوّل لا محالة تكون النسبة بينهما التساوي، لفرض أنه يستحيل صدق أحدهما على شيء بدون صدق الآخر عليه، وعلى الثاني تكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق لفرض عدم مادة الافتراق من جانب أحدهما. وعلى الثالث العموم والخصوص من وجه، لفرض وجود مادة الافتراق
من كلا الجانبين معاً.
ومن هنا يظهر أنه لا تعقل النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين، بداهة استحالة اتحادهما في الخارج واندراجهما تحت حقيقة واحدة، وهذا واضح.
ومن ضوء هذا البيان قد اتضح أنّ القول بالجواز في المسألة يرتكز على أن تكون الجهتان تقييديتين في مورد الاجتماع، والمفروض أنهما كذلك، وعليه فلا محالة يكون مصداق المأمور به غير المنهي عنه، غاية الأمر أنها متلازمان وجوداً في الخارج، وقد مرّ في غير مورد أنّ الصحيح هو عدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر خصوصاً إذا كان التلازم بينهما اتفاقياً كما في المقام، كما أنّ القول بالامتناع فيها يرتكز على أن تكون الجهتان تعليليتين فانه على هذا لا محالة يكون المجمع واحداً وجوداً وماهية، ومعه يستحيل أن يكون مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً.
ولأجل ذلك أشكل (قدس سره) على المحقق صاحب الكفاية بأن القول بالامتناع في المسألة يبتني على أن تكون الجهتان في مورد الاجتماع تعليليتين، بأن يكون صدق كل منهما معلولاً لجهة خاصة قائمة بالمجمع، ليكون التركيب بينهما اتحادياً لا انضمامياً، ولكن عرفت أنّ الجهتين في محل الكلام تقييديتان، وعلى هذا فلا مناص من القول بالجواز.
ثمّ إنّ المراد من التقييد في المقام غير التقييد في باب المطلق والمقيد، حيث إنّ التقييد هناك بمعنى تضييق دائرة المطلق وعدم سريان الحكم المتعلق ب-ه إلى جميع أفراده، وأما التقييد في المقام بمعنى التوسعة في متعلق الحكم واندراجه تحت ماهيتين، ضرورة أن معنى كون الجهة في مورد الاجتماع تقييدية هو أنه-ا توجب تعدد المجمع فيه واندراجه تحت الماهيتين، فنتيجة التقييد في ك-ل م-ن المقامين على عكس نتيجة التقييد في المقام الآخر، وكيف كان فالجهتان بما أنهما
في مورد الكلام تقييديتان فلابد من الالتزام بجواز الاجتماع بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى اللازم. ثم قال (قدس سره) والعجب منه أنّه لم يتعر لم يتعرض لهذه الجهة في كلامه في المقام أصلاً لا نفياً ولا إثباتاً.
ونتيجة ما أفاده (قدس سره) لحد الآن : هي أنه لا بد من القول بالجواز في المسألة، فانّ لازم كون جهة الصدق في صدق كل من المأمور به والمنهي عنه في مورد الاجتماع تقييدية هو تعدد المجمع وجوداً وماهية، ومعه لا مانع م--ن اجتماع الأمر والنهي، ولا يلزم منه اجتماع الضدّين أصلاً، وقد برهن على كون الجهة فيهما تقييدية بأنّ ماهية واحدة لا تختلف باختلاف وجوداتها وافرادها في الخارج، فانّ صدقها على جميعها بملاك واحد من دون فرق بين الفرد الموجود في مورد الاجتماع والفرد الموجود في مورد الافتراق، كما عرفت.
عدّة نقاط فيما أفاده (قدس سره):
الأولى : أنّ جهة الصدق في صدق العناوين الاشتقاقية جهة تعليلية، ولأجل ذلك لا مانع من انطباق عنوانين منها على معنون واحد وجوداً وماهيةً، فلا يقتضي تعددها تعدده أصلاً. نعم، تعددها مقتض لتعدد الأعراض القائمة،به لفرض أنّ كلاً من هذه العناوين منتزع من قيام عرض م-ن ت-لك الأعراض به.
الثانية : أن جهة الصدق في صدق المبادئ جهة تقييدية، ضرورة استحالة صدق مبدأ على مبدأ آخر واتحادهما في الخارج، وعليه فلا محالة يكون التركيب بينهما في مورد الاجتماع انضمامياً لفرض أن تعددهما يقتضي تعدد المجمع في الخارج، ومعه لا يمكن فرض اتحادهما فيه أبداً.
الثالثة : أنّ محل الكلام في هذه المسألة في الجواز والامتناع إنما هو فيما إذا
كان متعلق الأمر والنهي من المبادئ وكانت النسبة بينهما عموماً من وجه، لا من المفاهيم الاشتقاقية، لفرض أنّ المجمع لعنوانين منها في مورد الاجتماع واحد من ناحية أنّ جهة الصدق فيهما تعليلية، وإذا كان المجمع واحداً وجوداً وماهيةً، فلا يمكن القول بالجواز فيه حتى من القائل به فانّه إنما يقول به بدعوى أنّ المجمع متعدد وجوداً وماهيةً لا مطلقاً، كما هو واضح.
الرابعة : أنّ محل النزاع في مبادئ المشتقات إنما يكون فيما إذا كانت تلك المبادئ من سنخ الأفعال الاختيارية، لا فيا إذا كانت من سنخ الصفات الجسمانية أو النفسانية، لفرض أنّ محلّ الكلام في اجتماع متعلقي الأمر والنهي في مورد واحد، ومن المعلوم أنهما لا يمكن أن يتعلقا إلّا بالأفعال الاختيارية.
الخامسة : أنّ ماهيات المبادئ المأخوذة بشرط لا لا تختلف باختلاف الموارد، ففي مورد الاجتماع والافتراق ماهية واحدة، كما عرفت. وهذا بخلاف ماهية معروضها، فانها تختلف في الخارج بمعنى أنّ وح-دة م-اه-ي-ة الع-رض ن-وعاً لا تستلزم وحدة ماهية المعروض كذلك، كما أنّ تعددها لا يستلزم تعددها، ومن هنا يكون التركيب بين العرضين في مورد الاجتماع انضمامياً نظير التركيب بين الهيولى والصورة، وإن كان التركيب بين العنوانين الاشتقاقيين اتحادياً.
السادسة : أنّ ملاك التساوي بين المفهومين هو أن صدق كل منه-ا ع-ل-ى أفراده بمناط واحد وجهة،فاردة، وملاك العموم من وجه بينهما هو أن صدق كل منهما على أفراده بمناطين وجهتين لا معاندة بينهما، وإلا فهما ملاك التباين كما لا يخفى، وملاك العموم المطلق هو أنّ كل ما يصدق عليه أحدهما يكون داخلاً تحت المفهوم الآخر، ومن ذلك يتبين أنه لا يمكن أن تكون النسبة بين جوهرین عموماً من وجه، لتباينها في الخارج وعدم إمكان صدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر.
السابعة : أنّ الجهة التقييدية في المقام على عكس الجهة التقييدية في باب المطلق والمقيد، حيث إنّها في المقام توجب توسعة المجمع ودخوله تحت الماهيتين، وهناك توجب تضييق المطلق واختصاص الحكم بحصة خاصة منه دون أخرى كما هو واضح.
الثامنة : أنه لا يمكن أن يكون التركيب بين الصلاة والغصب اتحادياً، ضرورة أنّ الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أخرى وهي مقولة الأي--ن، ومن المعلوم أنّ المقولات متباينات بالذات، فلا يمكن اتحاد اثنتين منها في الوجود، وعلى هذا فيستحيل صدق كليهما على حركة واحدة في مورد الاجتماع، وإلا لزم تفصل شيء واحد بفصلين في عرض واحد وهو محال، مضافاً إلى ما ذكرناه من أنّ الحركة في كل مقولة من المقولات عين تلك المقولة خارجاً، وليست جنساً لها لفرض أنّ الأعراض بسائط خارجية وأنّ ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز.
ولنأخذ بالمناقشة في بعض هذه النقاط :
أمّا النقطة الأولى : فهي في غاية الصحة والمتانة، وذلك ضرورة أن جهة الصدق في صدق العناوين الاشتقاقية على ذواتها لا محالة جهة تعليلية، بداهة أنه لا يمكن تعقل النسبة بالعموم من وجه بين عنوانين منها إلا إذا كانت الذات في مورد الاجتماع،واحدة، وإلا فليست النسبة بينهما كذلك كما هو واضح.
أمّا النقطة الثانية : فيرد عليها أنّ نظريته (قدس سره) في تلك النقطة إنّما تتم في الماهيات المتأصلة والمقولات الحقيقية، فانّ المبادئ إذا كانت من تلك المقولات يستحيل اتحاد اثنين منها في الخارج وصدق أحدهما على الآخر، ضرورة استحالة اتحاد مقولتين خارجاً وصدق إحداهما على الأخرى، من دون فرق في ذلك بين أن تكونا عرضين أو جوهرين أو إحداهما جوهراً والأخرى
عرضاً، والسر فيه : ما عرفت غير مرّة من أنّ المقولات أجناس عاليات و متباينات بالذات والحقيقة، وليس فوقها جنس آخر لتكون تلك المقولات داخلة فيه.
وعلى هذا الضوء فكما أنّه لا يمكن صدق مقولة الجوهر على مقولة العرض، فكذلك لا يمكن صدق كل من أقسامها على الآخر بعين هذا الملاك، فلا تصدق النفس على العقل، والصورة على المادة والكم على الكيف، والأي--ن ع-ل-ى الوضع...وهكذا.
ومن هذا البيان قد تبين حال المبادئ المتأصلة كالبياض والعلم والشجاعة والحلاوة والكرم وما شاكل ذلك، فانّ هذه المبادئ وأمثالها بما أنّها مبادئ متأصلة وماهيات حقيقية مقولية فلا محالة تعددها يستلزم تعدد المعنون والمطابق في الخارج، لما عرفت الآن من استحالة اتحاد ماهية متأصلة مع ماهية متأصلة أخرى خارجاً، فلا يمكن اتحاد الحلاوة مع البياض والعلم مع الشجاعة...وهكذا، وعليه فالتركيب الحقيقي بين اثنين منها غير معقول، لاستلزام ذلك اندراج مقولتين متباينتين تحت مقولة واحدة وهو محال.
فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ التركيب بين متعلقي الأم--ر والنهي في مورد الاجتماع تركيب انضمامي لا غيره، إنما يتم فيما إذا كان متعلقاهما من المبادئ المتأصلة والماهيات المقولية، حيث قد عرفت أن التركيب الحقيقي بين تلك المبادئ غير معقول.
وإن شئت فقل : إن تعدد العنوان في مورد الاجتماع إنما يقتضي تعدد المعنون فيه بحسب الخارج إذا كان من العناوين المتأصلة والماهيات المقولية، ضرورة أنه على هذا لا بد من الالتزام بتعدده وكون التركيب انضمامياً، وأما إذا لم يكن من هذه العناوين أو كان أحد العنوانين منها دون الآخر، ففي مثل ذلك
لا يستدعي تعدد العنوان تعدد المعنون والمطابق في الخارج أصلاً، بل لابد عندئذ من ملاحظة أن المطابق لهما في مورد الاجتماع والتصادق واحد أو متعدد، فإن كان واحداً فلا مناص من القول بالامتناع، وإن كان متعدداً فلا مناص من القول بالجواز، بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى اللازم.
وعلى الجملة : فالعنوانان في مورد الاجتماع إذا كانا متأصلين فلا محالة يقتضيان تعدد المجمع فيه وجوداً أو ماهيةً، فإذن يتعين القول بالجواز. وأما إذا كانا انتزاعيين أو كان أحدهما انتزاعياً والآخر متأصلاً فلا يقتضيان تعدد المجمع أبداً، بل لابد وقتئذ من تحقيق نقطة واحدة، وهي ملاحظة أن منشأ انتزاعهما على الفرض الأوّل - وهو ما إذا كان كلا العنوانين انتزاعياً - هل هو واحد في الخارج وجوداً وماهيةً أو متعدد فيه كذلك، ومنشأ انتزاع العنوان الانتزاعي على الفرض الثاني - وهو ما إذا كان أحدهما انتزاعياً - ه-ل ه-و متحد مع العنوان الذاتي خارجاً، بأن يكونا موجودين بوجود واحد، أو غير متحد معه بأن يكون منشأ انتزاعه مبايناً للعنوان الذاتي وجوداً وماهيةً، فعلى الأوّل بما أنّ المطابق لهما واحد في مورد الاجتماع والتصادق فلابد من الق--ول بالاستحالة والامتناع في المقام، وعلى الثاني بما أنه متعدد فيه فلا مانع م-ن القول بالجواز أصلاً.
وبكلمة واضحة : أنّ العنوانين المتصادقين في مورد لا يخلوان من أن يكونا من العناوين الذاتية والمقولات الحقيقية، وأن يكون أحدهما من العناوين الذاتية والآخر من العناوين الانتزاعية، وأن يكون كلاهما من العناوين الانتزاعية ولا رابع في البين فالنتيجة أنّ الصور في المقام ثلاثة :
الأولى : وهي ما إذا كان كلاهما من العناوين المتأصلة، قد تقدّم آنفاً أنّ
تعدد العنوان المقولي في موردٍ لا محالة يوجب تعدد المعنون والمطابق فيه، بداهة أنه كما يستحيل اتحاد مقولة مع مقولة أخرى واندراجهما تحت مقولة ثالثة، كذلك يستحيل اتحاد نوع من مقولة مع نوع آخر من هذه المقولة، أو فرد من هذه المقولة مع فرد آخر منها...وهكذا، وذلك لما برهن في محلّه من أنه لا بدّ في المركب الحقيقي من أن تكون له جهة وحدة حقيقية، لوضوح أنه لولا تلك الجهة لكان التركيب اعتبارياً، ومن الواضح جداً أن جهة الوحدة الحقيقية لا تكون إلا إذا كان أحد جزأي المركب بالقوة والآخر بالفعل، ليكونا موجودين بوجود،واحد، وأما إذا كان كلاهما بنحو الفعلية والتحصل فيستحيل أن تكون بينهما جهة وحدة حقيقية، ضرورة أن كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى.
وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر أنّه لا يمكن اتحاد فردين من مقولة واحدة فضلاً عن مقولتين. أضف إلى ذلك : ما ذكرناه من أن المقولات أجناس عاليات فلا يمكن أن يكون فوقها جنس آخر.
الثانية : وهي ما إذا كان أحد العنوانين من العناوين المتأصلة والآخر من العناوين الانتزاعية، قد تقدّم على صفة الاجمال أن تعدد العنوان كذلك لا يقتضي تعدد المعنون والمطابق في الخارج، بل لابد من ملاحظة أن العنوان الانتزاعي هل ينتزع من مرتبة ذات العنوان المتأصل في الخارج أو من شيء آخر مباين له وجوداً، بمعنى أنّ منشأ انتزاعه مباين للعنوان الذاتي خارجاً.
فعلى الأول : لا محالة يكون التركيب بينهما اتحادياً في مورد الاجتماع، بمعنى أن المجمع فيه واحد وجوداً وماهية غاية الأمر يكون صدق أحدهما عليه ذاتياً والآخر عرضياً، ولتوضيح ذلك نأخذ بمثالين:
أحدهما : ما إذا فرض أنّ شرب الماء بما هو مأمور به، وفي هذا الفرض لو شرب أحدٌ الماء المغصوب فلا محالة ينطبق عليه عنوانان: أحدهما العنوان
الذاتي وهو الشرب، والآخر العنوان الانتزاعي وهو الغصب، لما سيجيء إن شاء اللّه تعالى من أنّ الغصب ليس من إحدى المقولات التسع العرضية، بل هو عنوان انتزاعي منتزع من التصرف في مال الغير، ومن هنا أمكن انطباقه على الماهيات المتعددة المقولية. وفي المقام بما أنّه منتزع من نفس العنوان الذاتي في مورد الاجتماع وهو شرب هذا الماء، لا من شيء آخر مباين له وجوداً، فلا محالة يتحد معه خارجاً، ويكون المطابق لهما واحداً وجوداً وماهية. وعليه فلا مناص من القول بالامتناع بداهة استحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهى عنه معاً.
فما أفاده (قدس سره) من استحالة اتحاد المبادئ بعضها مع بعضها الآخر لا يتم في هذا المثال وما شاكله. نعم، إنما يتم في المبادئ المتأصلة كما سبق.
وثانيهما: التوضؤ بماء الغير بدون إذنه، فانّه مجمع للعنوان الذاتي والانتزاعي معاً، أما العنوان الذاتي فهو عبارة عن نفس التوضؤ الذي له واقع موضوعي في الخارج وينطبق عليه انطباق الطبيعي على أفراده والكلّي على مصاديقه، وأمّا العنوان الانتزاعي فهو عبارة عن الغصب الذي لا واقع له ما عدا منشأ انتزاعه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّه منتزع من نفس هذا العنوان الذاتي في الخارج وهو التوضؤ بهذا الماء.
فالنتيجة على ضوئها : هي أنّ العنوانين في المقام منطبقان على شيء واحد وجوداً وماهيةً، وعليه فلا مناص من القول بالامتناع. وعلى الجملة: فالنسبة بين هذين العنوانين وإن كانت بالعموم من وجه، وأنّ لكل منهما ماهية مستقلة في مورد الافتراق، إلا أنهما متحدان في مورد الاجتماع باعتبار أنّ منشأ انتزاع العنوان الانتزاعي هو نفس العنوان الذاتي في الخارج، ولا واقع له ما عداه، والأصل في جميع ذلك هو ما أشرنا إليه من أنّ المبدأ إذا كان من العناوين
الانتزاعية التي لا واقع موضوعي لها ما عدا منشأ انتزاعها أمكن انطباقه على المقولات المتعددة، لفرض أنّه تابع لمنشأ انتزاعه، فإن كان منشأ انتزاعه من مقولة الأين فينطبق عليه، وإن كان من مقولة أخرى فكذلك...وهكذا، كما هو الحال في الغصب، فانّه قد ينطبق على مقولة الأين وهي الكون في الأرض المغصوبة، وقد ينطبق على مقولة أخرى غيرها كلبس مال الغير أو أكله أو شربه مع أنه لا يلزم من ذلك اتحاد المقولتين أو تفصل الجنس الواحد بفصلين في عرض واحد أصلاً، لاختصاص ذلك بما إذا كان المبدء ان كلاهما من المبادئ المتأصلة المقولية، لا فيما إذا كان أحدهما متأصلاً والآخر منتزعاً.
فالنتيجة قد أصبحت ممّا ذكرناه : أنّه لا يمكن في مثل هذين المثالين أن يكون العنوان الانتزاعي متعلقاً للنهي مثلاً والعنوان الذاتي الذي هو منشأ انتزاع-ه متعلقاً للأمر.
وعلى الثاني : وهو ما كان منشأ انتزاع العنوان العرضي مغايراً للعنوان الذاتي في الوجود، فالتركيب عندئذ في مورد الاجتماع لا محالة يكون انضمامياً، لفرض عدم اتحاد ما تعلق به الأمر مع ما تعلق به النهي، ويكون مصداق أحدهما في الخارج غير مصداق الآخر وجوداً وماهيةً، غاية الأمر أنهما متلازمان في الوجود في مورد الاجتماع، وقد تقدّم غير مرّة أنّ الصحيح هو عدم س-راي--ة حكم أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر. وعليه فلا مناص من القول بالجواز، ومثاله التكلم في الدار المغصوبة إذا فرض أنّه مأمور به، فانّ التكلم وإن كان عنواناً متاصلاً لفرض أنّه من مقولة الكيف المسموع، إلا أنه ليس منشأ لانتزاع عنوان الغصب خارجاً، ضرورة أنه ليس تصرفاً في الدار ليكون مصداقاً له ومنشأ لانتزاعه، بل المنشأ له إنّما هو الكون فيها الذي هو من مقولة الأين، ومن الواضح أنه مغاير للتكلم بحسب الوجود الخارجي، لفرض أنّه من مقولة
والتكلم من مقولة أخرى، والمفروض استحالة اتحاد المقولتين واندراجها تحت حقيقة واحدة. وعلى هذا فلا مانع من أن يكون العنوان الذاتي متعلقاً للأمر والعنوان الانتزاعي متعلقاً للنهي أصلاً لفرض أنّ منشأ العنوان الانتزاعي مغاير مع العنوان الذاتي في الخارج وجوداً وماهيةً، ومعه لا يلزم من اجتماعهما في مورد كون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهى عنه معاً.
ومن هذا القبيل الأكل في الأرض المغصوبة، فانّه ليس تصرفاً فيها بنظر العرف ليكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب، بل الغصب منتزع من أمر آخ--ر مغاير له وجوداً وهو الكون فيها، فلا يلزم من فرض تعلق الأمر بالأكل اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد.
الثالثة : وهي ما إذا كان كلا العنوانين من الماهيات الانتزاعية، أيضاً لابد من ملاحظة أنّ العنوانين المتصادقين في مورد الاجتماع هل ينتزعان من موجود واحد في الخارج، بمعنى أنّ ذلك الموجود الواحد باعتبار منشأ لانتزاع أحدهما، وباعتبار آخر منشأ لانتزاع الآخر، أو ينتزع كل منهما من موجود مباين لما ينتزع منه الآخر، فعلى الأوّل لا محالة يكون التركيب بينهما اتحادياً، لفرض أنّ منشأ انتزاعهما واحد في الخارج وجوداً وماهيةً من ناحية، وعدم تعلق الحكم بالعنوان الانتزاعي بما هو من ناحية أخرى، وعليه فلا مناص من القول بالامتناع، ضرورة استحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً ومحبوباً ومبغوضاً. وعلى الثاني فلا محالة يكون التركيب بينهما في مورد الاجتماع انضمامياً، وذلك لاستحالة التركيب الحقيق بين الموجودين المتباينين، سواء أكانا من مقولة واحدة أم من مقولتين.
وبتعبير آخر : أنّ العنوانين إذا كان كلاهما انتزاعياً فلا يخلوان من أن يكونا منتزعين من شيء واحد في الخارج باعتبارين مختلفين، أو أن يكون كل منهما
منتزعاً من شيء.
أمّا الصورة الأولى : فلابد من الالتزام باستحالة الاجتماع فيه، وذلك لأنّ متعلق الأمر والنهي في الحقيقة إنّما هو منشأ انتزاعهما، والمفروض أنه واح---د وجوداً وماهيةً، لا العنوانان المتصادقان عليه لفرض أنّ العنوان الانتزاع-ي لا يخرج عن أفق النفس إلى ما في الخارج ليكون صالحاً لأن يتعلق به الأمر أو النهي.
ولتوضيح ذلك : نأخذ مثالاً وهو الافطار في نهار شهر رمضان بمال الغير، فانّه مجمع لعنوانين أعني عنواني الغصب والافطار ومصداق لهما معاً، ضرورة أنّ هذا الفعل الواحد وجوداً وماهيةً وهو الأكل كما يكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب باعتبار تعلقه بمال الغير بدون إذنه، كذلك يكون منشأ لانتزاع عنوان الافطار في نهار شهر رمضان باعتبار وقوعه فيه، فانتزاع ك-ل م-ن ه-ذين العنوانين من ذلك الفعل الواحد معلول لجهة خاصة مغايرة لجهة أخرى، ومن الواضح جداً أنّ انتزاعهما من شيء واحد وصدقها عليه بجهتين لا ينافي كون المصداق الخارجي واحداً ذاتاً ووجوداً.
والوجه في ذلك ظاهر، وهو أنّ النسبة بالعموم من وجه لا يمكن أن تتحقق إلا بين عنوانين انتزاعيين هما من قبيل الخارج المحمول، أو بين عنوان انتزاعي وعنوان مقولي، بداهة أنه لا مانع من صدق عنوانين انتزاعيين على موجود واحد في الخارج، وكذا لا مانع من صدق عنوان عرضي على ما يصدق عليه العنوان الذاتي، ومن هنا يستحيل تحقق النسبة بالعموم من وج-ه ب-ين جوهرين وعرضين وجوهر وعرض، وذلك لوضوح أن المقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات والحقيقة، فلا يمكن اتحاد مقولتين منها خارجاً، وعليه فلا يمكن أن يكون شيء واحد مصداقاً للجوهر والعرض معاً، ضرورة أن ما
يكون مصداقاً للجوهر يستحيل أن يكون مصداقاً للعرض وبالعكس، كما أنّ ما يكون مصداقاً للكم مثلاً يستحيل أن يكون مصداقاً للكيف...وهكذا. بل الأمر كذلك بالاضافة إلى أنواع هذه المقولات وأفرادها، فلا يمكن اتحاد نوع من مقولة مع نوع آخر من هذه المقولة، فانّ الأنواع وإن كانت مشتركة في،الجنس، إلّا أنّها متباينات من ناحية الفصل لفرض أن نوعية الأنواع بواسطة الفصل، فلو فرض اتحاد نوع مع نوع آخر للزم تفصل شيء واحد بفصلين في عرض واحد وهو محال بداهة أنّ فعلية الشيء بفصله فانّه المقوّم والمحصل له، أو أنه منتزع من حدّه الحقيقي، ومن المعلوم أنه لا يعقل أن يكون لشيء واحد وجودان ومحصلان في الخارج، أو حدّان، كما هو واضح. وكذا لا يمكن اتحاد فرد من مقولة مع فرد آخر منها لما تقدّم من استحالة التركيب الحقيقي بين أمرين فعليين في الخارج، لأنّ كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى، وبما أنهما فعلیان وموجودان فيه فلا يعقل التركيب الحقيقي بينهما.
وقد تحصل من ذلك أمران :
الأوّل : أنّ النسبة بالعموم من وجه لا تعقل بين جوهرين وعرضين وجوهر وعرض.
الثاني : أنّ النسبة بالعموم من وجه إنما تعقل بين عنوانين عرضيين وعنوان عرضي وعنوان ذاتي،مقولي وعليه فلا مانع من انطباق عنوان الغصب والافطار على شيء واحد في مورد الاجتماع، فعندئذ لو تعلق الأمر بأحدهما كالافطار مثلاً والنهي بالآخر كالغصب، فلا محالة تقع المعارضة بينهما في مورد الاجتماع، لاستحالة أن يكون شيء واحد مأموراً به ومنهياً عنه معاً.
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا كان منشأ انتزاع كل منهما مغايراً لمنشأ
انتزاع الآخر، فلا مانع من القول بالجواز لفرض أنّ التركيب بينهما في م-ورد الاجتماع انضمامي، فيكون مصداق المأمور به غير مصداق المنهي عنه، ومعه لا مناص من القول به بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من متعلقه إلى مقارناته الوجودية.
ومثال ذلك : الافطار في المكان المغصوب بمال مباح أو مملوك له، فانّ عنوان الافطار هنا منتزع من شيء وعنوان الغصب من شيء آخر مباين له، حيث إنّ الأوّل منتزع من الأكل الموجود في الخارج، والمفروض أنه ليس تصرفاً في مال الغير ليكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب ومصداقاً له، والثاني منتزع من الكون في هذا المكان، فانّه مصداق للتصرف في مال الغير ومنشأ لانتزاعه، وعليه فلا يلزم من اجتماع هذين العنوانين في مورد كون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً لفرض أنّ المأمور به غير المنهي عنه بحسب الوجود الخارجي، فلا يعقل كون التركيب بينهما اتحادياً، غاية الأمر أن وجوده في هذا المورد ملازم لوجود المنهي عنه، وقد عرفت غير مرة أنّ الحكم لا يسري من الملازم إلى الملازم الآخر، وعليه فلا مانع من القول بالجواز في مثل هذا المثال أصلاً.
نعم، عنوان الغاصب والمفطر منطبقان على شخص واحد في مورد الاجتماع، إلّا أنّها أجنبيان عن محل الكلام رأساً، فمحل الكلام في عنواني الغصب والافطار والمفروض أنهما لا ينطبقان على شيء واحد هنا كما عرفت.
إلى هنا قد تبين أنه ليس لنا ضابط كلّي للقول بالامتناع ولا للقول بالجواز في المسألة أصلاً، بل لا بد من ملاحظة العنوانين المتعلقين للأمر والنهي في مورد الاجتماع، فإن كانا من المبادئ المتأصلة والمقولات الحقيقية فقد عرفت أنّ تعدد تلك المبادئ يستلزم تعدد المعنون والمطابق في الخارج لا محالة، ضرورة
استحالة اتحاد المقولتين واندراجهما تحت مقولة أخرى أو تفصل شيء واح---د بفصلين في عرض واحد.
وأمّا إذا كان أحدهما عنواناً انتزاعياً والآخر مقولياً فلابد من النظر في أنّ العنوان الانتزاعي هل ينتزع من مطابق العنوان الذاتي أو من شيء آخر مباين له، وليس لذلك ضابط كلّي، فإن كان منتزعاً من مطابق العنوان الذاتي فلا محالة يكون المجمع في مورد الاجتماع،واحداً، ومعه لا مناص م-ن الق--ول بالامتناع، وإن كان منتزعاً من شيء آخر كان المجمع متعدداً، ومعه لا مناص من القول بالجواز. وأما إذا كان كلاهما معاً انتزاعياً فأيضاً لا بد من النظر إلى أنهما منتزعان من شيء واحد في الخارج وجوداً وماهيةً أو من شيئين كذلك، فعلى الأوّل لابد من القول بالامتناع، وعلى الثاني من القول بالجواز.
ومن ضوء هذا البيان يظهر ما في نظرية كل من شيخنا الأستاذ والمحقق صاحب الكفاية (قدس سرهما حيث ذهب الأوّل إلى القول بالجواز مطلقاً، والثاني إلى القول بالامتناع كذلك.
أمّا نظرية المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) فلما سبق آنفاً (1)من أنّ العنوانين إذا كانا من المبادئ المتأصلة والمقولات الواقعية يستحيل اتحادهما في الخارج وانطباقهما على موجود واحد فلا محالة تعدد مثل هذا العنوان يستلزم تعدد المعنون، وأما إذا كان أحدهما انتزاعياً والآخر مقولياً أو كان كلاهما انتزاعياً فيختلف الحال باختلاف الموارد والمقامات، ففي بعض الموارد والمقامات يكون المعنون لهما واحداً، وفي بعضها الآخر يكون متعدداً، فلا ضابط لذلك أصلاً، فتعدد العنوان في هذه الموارد لا يقتضي تعدد المعنون ولا يقتضي وحدته،
1) في ص 463 وما بعدها.
فيمكن أن يكون واحداً، ويمكن أن يكون متعدداً.
فما أفاده (قدس سره) من أنّ تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون ولا ينثلم به وحدته، لا كلّية لهذه الكبرى أبداً، كما تقدم بشكل واضح.
نعم، إنّ لتلك الكبرى كلّية في العناوين الاشتقاقية خاصة، فانّ تعدد تلك العناوين لا يستلزم تعدد المعنون أصلاً، والسر فيه ما عرفت من أن صدق كل منها على معروضه معلول لعلّة قائمة بمعروضه وخارجة عن ذاته، ذاته، مثلاً صدق العالم على شخص معلول لقيام العلم به، ومن الواضح جداً أنّ العلم خارج عن ذات هذا الشخص ومباين له وجوداً، فانّ وجوده وجود جوهري ووج-ود العلم وجود عرضي، ومن الضروري استحالة اتحاد الجوهر مع العرض خارجاً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ تعدد العرض لا يستلزم تعدد معروضه، بداهة أنّ قيام أعراض متعددة كالعلم والشجاعة والسخاوة وما شاكل ذلك بذات واحدة ومعروض فارد من الواضحات الأولية، فلا حاجة إلى إقامة برهان وزيادة بيان.
فالنتيجة على ضوئهما : هي أنّ تعدد العناوين الاشتقاقية والمفاهيم الانتزاعية واجتماعها في موردٍ لا يوجب تعدد المعنون فيه، بل لا بد أن يكون المعنون واحداً وجوداً وماهية في مورد اجتماعهما، وإلا فلا تعقل النسبة بالعموم من وجه بينهما كما هو واضح، ضرورة أنّ المعنون لو لم يكن واحداً فيه وكان متعدداً وجوداً وماهية لكانت النسبة بينهما التباين، بمعنى أنّ كل عنوان منها مباين لعنوان آخر منها في الصدق، فلا يجتمعان في مورد واحد.
وأمّا نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) فقد ذكرنا أنها إنما تتم في ناحية خاصة، وهي ما إذا كان العنوانان المتصادقان في مورد الاجتماع من العناوين المتأصلة والماهيات المقولية، وأمّا إذا كان أحدهما انتزاعياً والآخر مقولياً، أو
كان كلاهما انتزاعياً، فلا تتم أصلاً كما تقدّم.
فما جعله (قدس سره) من الضابط لكون التركيب بين متعلقي الأمر والنهي في مورد الاجتماع انضمامياً لا اتحادياً - وهو ما كان العنوانان المنطبقان عليه من المبادئ الاختيارية وبينهما عموم من وجه - لا واقع موضوعي له أصلاً، لما تقدم من أنّ في كثير من الموارد يكون متعلقا الأمر والنهي من المبادئ الاختيارية، وبينهما عموم من وجه، ومع ذلك يكون مطابقهما في الخارج واحداً، وقد ذكرنا لذلك عدّة،أمثلة، منها : التوضؤ بالماء المغصوب، فانّه مجمع لمبدأين اختياريين بينهما عموم من وجه أعني بها التوضؤ،والغصب، ومع ذلك فهما ينطبقان على موجود واحد في الخارج. ومنها : شرب الماء المغصوب فيما إذا كان الشرب في نفسه مأموراً به، فانه مجمع لمبدأين: أحدهما الشرب، والآخر الغصب، والمفروض أنهما منطبقان على شيء واحد. ومنها: غير ذلك كما تقدّم.
فما أفاده (قدس سره) من استحالة اتحاد المبادئ بعضها مع بعضها الآخر منقوض بهذه الأمثلة وما شاكلها، فانّ متعلق الأمر والنهي فيها مبدءان، ومع ذلك فهما متحدان في الخارج ومنطبقان على شيء واحد وجوداً وماهيةً.
ومن هنا التجأ (قدس سره) إلى الالتزام بخروج مثل هذه الأمثلة عن محل الكلام، بدعوى أنّ المعنون في مورد الاجتماع فيها بما أنه واحد وجوداً وماهيةً فمع فرض كونه منهياً عنه لا يعقل كونه مصداقاً للمأمور به.
وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ شيئاً واحداً إذا كان منهياً عنه يستحيل أن يكون مأموراً به وإن كان في غاية الصحة، إلّا أنّ ذلك لا يوجب خروج مثل هذه الأمثلة عن محل الكلام، ضرورة أنه لا فرق بين الصلاة والشرب من هذه الناحية، أصلاً، وكذا بينهما وبين الوضوء، فكما أن الصلاة والغصب داخلان في محل النزاع، فكذلك الشرب والغصب والتوضؤ والغصب،
غاية الأمر أنّ المطابق في المثالين الأخيرين بما أنه واحد في الخارج وجوداً وماهية، فلا مناص فيه من القول بالامتناع، وأما في الصلاة والغصب، فإن كان الأمر أيضاً كذلك فلا مناص من القول به أيضاً، وإلا فلابد من القول بالجواز، فوحدة المجمع في مورد الاجتماع توجب القول بالامتناع لا الخروج عن محل الكلام كما لا يخفى.
فالنتيجة : هي أنّه لا ضابط لكل من القول بالامتناع والقول بالجواز في المسألة أصلاً، فما جعله شيخنا الأستاذ والمحقق صاحب الكفاية (قدس سرهما) من الضابط لكل من القولين قد عرفت فساده بشكل واضح وأنّه لا كلّية له أصلاً، فإن تعدد العنوان كما لا يقتضي تعدد المعنون كذلك لا يقتضي وحدته، فإذن لا أثر لتعدد العنوان، بل لابد من ملاحظة أن المجمع في مورد الاجتماع واحد أو متعدد.
ومن هنا قلنا سابقاً إنّ مردّ البحث في المسألة في الحقيقة إلى البحث ع--ن وحدة المجمع في مورد الاجتماع والتصادق وتعدده، وعليه فالحكم بالامتناع أو الجواز في كل مورد منوط بملاحظة ذلك المورد خاصة، فإن كان المجمع فيه واحداً يتعين فيه الحكم بالامتناع، وإن كان متعدداً يتعين فيه الحكم بالجواز.
وأمّا النقطة الثالثة : فالأمر كما أفاده (قدس سره)، وذلك ضرورة أن العناوين الاشتقاقية خارجة عن محل الكلام في المسألة، لما تقدّم من أنّ جهة الصدق فيها على معروضاتها جهة تعليلية، بمعنى أنّ الموجب لصدق تلك العناوين عليها أمر خارج عنها ومباين لها وجوداً، وهذا بخلاف جهة الصدق في صدق المبادئ فإنّها تقييدية، يعني أنّ صدقها على الموجود في الخارج صدق الطبيعي على فرده والكلّي على مصداقه، كصدق البياض على البياض الموجود في الخارج والسواد على السواد الموجود فيه...وهكذا، وليست جهة الصدق
فيها أمراً خارجاً عنها ومبايناً لها وجوداً، وهذا معنى كون الجهة تقييدية.
وأما العناوين الاشتقاقية فيما أنّ جهة الصدق فيها تعليلية فلا يمكن توهّم اجتماع الأمر والنهي في مورد اجتماع اثنين من هذه العناوين، لفرض أنّ الأمر والنهي لم يتعلقا بالجهتين التعليليتين، بل تعلقا بنفس المعروض لهما، والمفروض أنه واحد وجوداً وماهيةً، ومن المعلوم استحالة تعلق الأمر والنهي بشيء واحد حتى على مذهب من يرى جواز التكليف بالمحال كالأشعري فضلاً عن غيره، لفرض أنّ نفس هذا التكليف محال، وقد ذكرنا سابقاً أن القائل بالجواز إنم-ا يقول به بدعوى أن المجمع متعدد وجوداً وماهيةً، وأن ما ينطبق عليه المأمور به غير المنهي عنه خارجاً، وأما إذا كان المجمع واحداً كذلك فلا يقول أحد بجواز الاجتماع فيه حتى القائل بالجواز في المسألة، وبما أنّ المعروض للعنوانين الاشتقاقيين في مورد الاجتماع واحد وجوداً، وماهيةً، فلا محالة يخرج عن محل البحث في هذه المسألة، ضرورة أنّه لم يقل أحد بجواز الاجتماع ف-ي-ه ح-تى القائلين بالجواز، بل يدخل في باب المعارضة، وتقع المعارضة بين إطلاق دليل الأمر وإطلاق دليل النهي، فلابد عندئذ من رفع اليد عن إطلاق أحدهما لمرجح إن كان وإلّا فيسقطان معاً.
ومن هنا لم نر أحداً من الفقهاء - فيما نعلم - ذهب إلى دخول ذلك في محل البحث في هذه المسألة، بأن يبني على جواز اجتماع الأمر والنهي فيه على القول بالجواز فيها، والوجه فيه ما أشرنا إليه آنفاً من أن القائل بالجواز يدعي تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً، ومع وحدته لا يقول بالجواز أصلاً، ولذا قلنا سابقاً إنّ مردّ البحث في هذه المسألة إلى البحث عن وحدة المجمع في الواقع والحقيقة وتعدده كذلك.
وعلى الجملة : فلا إشكال في خروج العناوين الاشتقاقية عن محل البحث
والكلام، فانّ جهة الصدق فيها حيث إنّها تعليلية فلا محالة يكون المجمع واحداً في مورد الاجتماع، ومن المعلوم استحالة تعلق الأمر والنهي بشيء واحد، سواء فيه القول بالجواز أو الامتناع في مسألتنا هذه، مثلاً إذا ورد الأمر باكرام العلماء وورد النهي عن إكرام الفسّاق، وفرضنا انطباق هذين العنوانين على شخص واحد كزيد مثلاً، فأنّه من جهة كونه عالماً يجب إكرامه، ومن جهة كونه فاسقاً يحرم إكرامه، ومن الظاهر أنه لا يمكن أن يكون إكرامه واجباً وحراماً معاً ولا يلتزم به أحد حتى القائل بالجواز في تلك المسألة، أي مسألة الاجتماع، بل لا بد من رفع اليد عن أحدهما لمرجّح من مرجّحات باب التعارض، ومثل هذه المعارضة كثير في أبواب الفقه، ولم يتوهّم أحد دخوله في هذه المسألة ليبني على الجواز فيه، بناءً على القول بالجواز فيها، ولذا يعامل معه معاملة التعارض، سواء أكان من القائلين بالجواز فيها أم الامتناع، وهذا واضح.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)في الأمر الثالث من أنّ الظاهر لحوق تعدد الاضافات بتعدد العناوين، فلو كان تعدد العنوان كافياً مع وحدة المعنون في القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، لكان تعدد الاضافات أيضاً كافياً فى ذلك، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، وعليه فيكون أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق من باب الاجتماع لا من باب التعارض، وجه الظهور : ما عرفت من أنّ تعدد الاضافات والجهات التعليلية لا يكفي في القول بالجواز مع كون المجمع واحداً، فانّ القائل بالجواز يدعي تعدده وجوداً وماهيةً وأنّ ما ينطبق عليه المأمور به غير المنهي عنه في الخارج، وأما إذا كان واحداً فلا يقول بالجواز. فإذن مثل هذا المثال خارج عن مسألة الاجتماع
1) كفاية الأصول: 179.
بالكلية، ولا يقول فيه بالجواز أحد فيما نعلم.
وأما النقطة الرابعة : وهي ما كانت المبادئ من الأفعال الاختيارية دون الصفات الجسمانية والنفسانية، فهي من الواضحات، ضرورة أنّ الأمر والنهي لم يتعلقا بالصفات الخارجة عن القدرة، سواء أكانت جسمانية أو نفسانية، وهذا ليس لخصوصية في المقام، بل من ناحية حكم العقل بكون متعلق التكليف لا بد أن يكون مقدوراً للمكلف في ظرف الامتثال، وحيث إنّ تلك الصفات خارجة عن قدرته واختياره فلا محالة لا يتعلق التكليف بها، فهذا ليس شرطاً زائداً على أصل اشتراط التكليف بالقدرة.
وأما النقطة الخامسة : وهي أنّ ماهية المبادي بما أنها ماهية واحدة فهي محفوظة أينما تحققت وسرت فهي إنما تتم في المبادئ المتأصلة والماهيات المقولية،الحقيقية، ضرورة أنها لا تختلف باختلاف وجوداتها في الخارج وتنطبق على تلك الوجودات جميعاً بملاك واحد ومحفوظة بتمام ذاتها وذاتياتها في ضمن كل واحد منها، لفرض أنّ الطبيعي عين فرده في الخارج، كما سنشير إلى ذلك
في النقطة السادسة بشكل واضح.
وأمّا في المبادئ غير المتأصلة والماهيات الانتزاعية فهي لا تتم، وذلك لأنه لا مانع من انتزاع مفهوم واحد من ماهيات مختلفة ومقولات متعددة، كالغصب مثلاً فانّه قد ينتزع من مقولة الأين - وهو الكون في الأرض المغصوبة - وقد ينتزع من مقولة أخرى كأكل مال الغير أو لبسه أو نحو ذلك، ومن المعلوم أنّ منشأ انتزاعه على الأوّل غير منشأ انتزاعه على الثاني، ضرورة أنه على الأوّل من مقولة، وعلى الثاني من مقولة أخرى، فإذن لا يلزم أن يكون منشأ انتزاعه ماهية نوعية واحدة محفوظة في تمام موارد تحققه، لتكون نتيجته استحالة اتحاد
المجمع في مورد اجتماعها، كما هو الحال فيما إذا كانا من المبادئ المتأصلة والماهيات المقولية.
وعليه فلابد من النظر في أنّ العنوانين منتزعان من ماهية واحدة، أو من ماهيتين متباينتين، هذا إذا كان كلاهما انتزاعياً. وأما إذا كان أحدهما انتزاعياً دون الآخر فلا بد من النظر في أنّ منشأ انتزاعه متحد مع العنوان الذاتي المقولي خارجاً أم لا، وقد عرفت أنه لا ضابط لذلك أصلاً، ولأجل هذا ففي أي مورد كان المجمع واحداً نحكم بالامتناع، وفي أي مورد كان متعدداً نحكم بالجواز.
فالنتيجة : أن هذه النقطة هي الأساس لما اختاره (قدس سره) في المسألة وهو القول بالجواز.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّ التركيب بين الصورة والمادة انضمامي لا يمكن تصديقه بوجه، وذلك لما حققناه في بحث المشتق (1)من أن التركيب بينهما اتحادي ولأجل ذلك يصح حمل إحداهما على الأخرى، وحمل المجموع على النوع، بداهة أنّه لولا اتحادهما في الخارج وكونها موجودتين بوجود واحد لم يصح حمل إحداهما على الأخرى أبداً، ولا حمل المجموع على النوع، لما ذكرناه هناك من أن ملاك صحة حمل الشائع الصناعي ه-و هو اتحاد المحمول والموضوع في الوجود الخارجي، ضرورة أنهما متباينان بحسب المفهوم، فلو كانا متباينين بحسب الوجود الخارجي أيضاً لما أمكن حمل أحدهما على الآخر أبداً، لوضوح أنّ المعتبر في صحة الحمل المغايرة بين الموضوع والمحمول م--ن جهة، لبطلان حمل الشيء على نفسه، والوحدة من جهة أخرى لعدم جواز حمل المباين على المباين.
1) راجع المجلد الأول من هذا الكتاب ص 327.
ومن هنا قلنا في ذلك البحث إنّ الذات مأخوذة في مفهوم المشتق، وإلا فلا يمكن حمله عليها لفرض تباينها وجوداً عندئذ، فانّ العرض الذي هو مفهوم المشتق على الفرض موجود بوجود، والجوهر الذي هو موضوعه موجود بوجود آخر، ومن المعلوم استحالة اتحاد وجود مع وجود آخر، ضرورة أنّ كل وجود يأبى عن وجود،آخر، ولأجل ذلك قلنا إن مجرد لحاظه لا بشرط لا يوجب اتحاده مع موضوعه ليصح حمله عليه الذي ملاكه الاتحاد في الوجود بداهة أنّ اعتبار اللا بشرط لا يجعل المتغايرين في الوجود متحدين فيه واقعاً، فان تغايرهما ليس بالاعتبار لينتفي باعتبار آخر، وهذا واضح.
وأمّا النقطة السادسة : فيرد عليها : أن مناط التساوي بين المفهومين هو اشتراكهما في الصدق، بمعنى أنّ كل ما يصدق عليه هذا المفهوم يصدق عليه ذاك المفهوم أيضاً، فهما متلازمان من هذه الناحية، وليس مناط التساوي بينها اتحادهما في جهة الصدق، ضرورة أنّه مناط الترادف بين المفهومين، كالانسان والبشر، حيث إنّ جهة الصدق فيها واحدة وهو الحيوان الناطق، بمعنى أنهما مشتركان في حقيقة واحدة، ولفظ كل منهما موضوع بازاء تلك الحقيقة باعتبار، مثلاً لفظ الانسان موضوع للحيوان الناطق باعتبار، ولفظ البشر موضوع له باعتبار آخر، وهذا بخلاف المفهومين المتساويين كالضاحك والمتعجب مثلاً فانّ لكل منهما مفهوماً يكون في حد ذاته مبايناً لمفهوم الآخر، ضرورة أن مفهوم الضاحك غير مفهوم المتعجب، فلا اشتراك لهما في مفهوم واحد وحقيقة فاردة وإلا لكانا من المترادفين لا المتساويين، كما أن جهة الصدق في أحدهما غير جهة الصدق في الآخر، فانّ جهة صدق الضاحك على هذه الذات مثلاً هي قيام الضحك بها وجهة صدق المتعجب عليها هي قیام التعجب بها، فلا اشتراك لهما في جهة الصدق أيضاً.
فالنتيجة : أنّ ملاك التساوي بين المفهومين هو عدم إمكان تحقق جهة الصدق في أحدهما في الخارج بدون تحقق جهة الصدق في الآخر، لا أن تكون جهة الصدق فيها واحدة.
وأما ملاك العموم والخصوص من وجه بين المفهومين، فهو أن تكون جهة الصدق في كل منهما أعم من ناحية من جهة الصدق في الآخر، ومتحدة من ناحية أخرى من جهة الصدق فيه، كالحيوان والأبيض مثلاً فانّ طبيعة الحيوان الموجودة في مادة الاجتماع بعينها هي الطبيعة الموجودة في مادة الافتراق ولا تزيد ولا تنقص، لفرض أنّ الفرد عين الطبيعي في الخارج، فلا فرق بين الحصة الموجودة في مادة الاجتماع والحصة الموجودة في مادة الافتراق، فإن كلتا الحصتين عين الطبيعة بلا زيادة ونقيصة. وكذا البياض الموجود في مادة الاجتماع بعينه هو البياض الموجود في مادة الافتراق وفي موضوع آخر، فإن كلا الفردين عين طبيعته النوعية الواحدة، ضرورة أنّ البياض الموجود في مادة الاجتماع ليس فرداً لطبيعة أخرى، بل هو فرد لتلك الطبيعة وعينها خارجاً كبقية أفرادها، فلا فرق بينه وبينها من هذه الناحية أصلاً.
فالنتيجة على ضوء ذلك: هي أنّه لا تعقل النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين أو عرضين أو جوهر وعرض بداهة أنه لو كانت بين طبيعتين جوهرين أو عرضين أو جوهر وعرض - النسبة بالعموم من وجه للزم اتحاد مقولتين متباينتين في الخارج، أو اتحاد نوعين من مقولة واحدة، وكلاهما محال، فانّ لازم ذلك هو أن يكون شيء واحد - وهو الموجود في مورد الاجتماع - داخلاً تحت مقولتين أو نوعين من مقولة واحدة، وهذا غير معقول، لاستحالة أن يكون فرد واحد فرداً لمقولتين أو لنوعين، بداهة أن فرداً واحداً فرد لمقولة واحدة أو لنوع واحد، وإلّا لزم تفصله بفصلين في عرض واحد وهو مستحيل
وهذا واضح، فإذن تنحصر النسبة بين طبيعتين جوهرين أو عرضين أو جوهر وعرض بالتساوي أو التباين أو العموم المطلق، فلا رابع لها.
كما أنه تنحصر النسبة بالعموم من وجه بين مفهومين عرضيين كالأبيض والحلو والمصلي والغاصب وما شاكلها وبين مفهوم عرضي ومفهوم ذاتي مقولي كالحيوان والأبيض ونحوهما.
ومن ضوء هذا البيان يظهر فساد ما ذكره (قدس سره) من تخصيص استحالة تحقق النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين، وذلك لأنها كما يستحيل أن تتحقق بين جوهرين، كذلك يستحيل أن تتحقق بين عرضين أو جوهر وعرض كما عرفت الآن.
وأمّا النقطة السابعة : فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ المراد من الجهة التقييدية في المقام ليس اندراج فرد واحد تحت ماهيتين متباينتين، لما عرفت من استحالة ذلك، بل المراد منها ما ذكرناه من أنّ ملاك صدق كل منهما على الموجود في مورد الاجتماع هو أنّه فرده أو منشأ انتزاعه وليس ملاك صدقه عليه جهة خارجية، ولا نعني بالجهة التقييدية إلا صدق الطبيعي على ف-رده وح-صته والعنوان على نفس منشأ انتزاعه في مقابل الجهة التعليلية التي هي علة صدق العنوان على شيء آخر غيرها كالعلم القائم بزيد الموجب لصدق عنوان العالم عليه...وهكذا.
ومن هنا يظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ جهة الصدق إذا كانت في صدق كل من المأمور به والمنهي عنه في مورد الاجتماع تقييدية فلا مناص من الالتزام بكون التركيب فيه انضمامياً لا اتحادياً، وذلك لما عرفت أنّ هذا تام إذا كان كل من المأمور به والمنهي عنه من عنه من الماهيات المتأصلة، وأما إذا كان من الماهيات الانتزاعية، أو كان أحدهما دون الأخرى منها فلا يتم، كما
تقدم بشكل واضح.
هذا تمام الكلام في هذه المسألة بحسب الكبرى الكلية، وملخصه : هو أنه لا ضابط فيها للقول بالامتناع، ولا للقول بالجواز أبداً، بل لابد من ملاحظة کل مورد بخصوصه لنرى أنّ المجمع فيه واحد أو متعدد، متعدد، وقد عرفت أنه في بعض الموارد واحد وفي بعضها الآخر متعدد.
نعم، إذا كان العنوان من العناوين الاشتقاقية فلا محالة يكون المجمع في مورد اجتماع اثنين منها واحداً وجوداً وماهية، كما أنه إذا كان من المبادئ المتأصلة والماهيات المقولية الحقيقية فلا محالة يكون المجمع فيه متعدداً كذلك. وأما في غير هذين الموردين فلا ضابط لوحدته ولا لتعدده أصلاً، بل لا بد من لحاظه في كل مورد لنحكم بالجواز أو الامتناع.
وأمّا النقطة الثامنة : فالكلام فيها في صغرى تلك الكبرى، وهي ملاحظة أن الصلاة هل يمكن أن تتحد مع الغصب خارجاً أو لا، وقد عرفت أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) ذهب إلى عدم إمكان اتحادهما، بدعوى أن الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أخرى، ويستحيل اتحاد المقولتين واندراجهما تحت مقولة واحدة. ولكنّ الأمر ليس كذلك، فانّ الصلاة وإن كانت مركبة من مقولات متعددة، إلّا أنّ الغصب ليس من المقولات في شيء، بل هو مفهوم انتزاعي منتزع من مقولات متعددة كما أشرنا إليه، وعليه فيمكن اتحاده مع الصلاة.
فلنا دعويان: الأولى : أنّ الصلاة مركبة من مقولات متعددة والغصب ليس مقولة. الثانية : إمكان اتحادهما في الخارج.
أمّا الأولى : فلأن الصلاة ليست حقيقة مستقلة ومقولة برأسها في قبال بقية
المقولات كما هو واضح بل هي مركبة من مقولات عديدة، منها: الكيف المسموع كالقراءة والأذكار ومنها : الكيف النفساني كالقصد والنية. ومنها : الوضع كهيئة الراكع والساجد والقائم والقاعد، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أنه قد برهن في محلّه أنّ المقولات أجناس عاليات و متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، وعليه فلا يمكن أن يكون المركب من تلك المقولات مقولة برأسها لاعتبار الوحدة في المقولة ولا وحدة للمركب منها، ضرورة استحالة اتحاد مقولة مع مقولة أخرى. فإذن ليست للصلاة وحدة حقيقية بل وحدتها بالاعتبار، ولذا لا مطابق لها في الخارج ما عدا هذه المقولات المؤلفة الصلاة منها. وأمّا الغصب فلأنّه ممكن الانطباق على المقولات المتعددة، ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن يكون من الماهيات الحقيقية لما عرفت من استحالة اتحاد المقولتين واندراجهما تحت حقيقة واحدة، فلو كان الغصب من الماهيات المقولية لاستحال اتحاده مع مقولة أخ--رى وانطباقه عليها، لاستلزام ذلك تفصل شيء واحد بفصلين في عرض واح-د وان--دراج-ه تحت ماهيتين نوعيتين وهو محال، فإذن لا محالة يكون من المفاهيم الانتزاعية، فقد ينتزع من الكون في الأرض المغصوبة الذي هو من مقولة الأين، وقد ينتزع من أكل مال الغير أو لبسه الذي هو من مقولة أخرى...وهكذا.
فالنتيجة : أنّه لا يعقل أن يكون الغصب جامعاً ماهوياً لهذه المقولات فلا محالة يكون جامعاً انتزاعياً لها.
ودعوى أنه لا يمكن انتزاع مفهوم واحد من مقولات متعددة وماهيات مختلفة، وعليه فلا يمكن انتزاع مفهوم الغصب من تلك المقولات، وإن كانت صحيحة ولا مناص من الالتزام بها، إلّا أنّ الغصب لم ينتزع من هذه المقولات بأنفسها، بل انتزاعه منها باعتبار عدم إذن المالك في التصرف بها، ضرورة أنه
في الحقيقة منشأ لانتزاعه، لا نفس التصرف بها بما هو، والمفروض أنه واحد بالعنوان، وهذا ظاهر.
وأمّا الدعوى الثانية : فقد تقدّم (1)أنّ العنوان الانتزاعي قد يتحد مع العنوان الذاتي المقولي، بمعنى أنّ منشأ انتزاعه في الخارج هو ذلك العنوان الذاتي لا غيره، وفي المقام بما أنّ عنوان الغصب انتزاعي فلا مانع من اتحاده مع الصلاة خارجاً أصلاً.
ولكن الكلام في أنّ الأمر في الخارج أيضاً كذلك أم لا، وهذا يتوقف على بيان حقيقة الصلاة التي هي عبارة عن عدة من المقولات، لنرى أن الغصب يتحد مع هذه المقولات خارجاً أو مع إحداها أو لا.
فنقول : من هذه المقولات مقولة الكيف النفساني وهي النية، فانّها أوّل جزء للصلاة بناءً على ما حققناه في بحث الواجب التعبدي والتوصلي من أنّ قصد القربة مأخوذ في متعلق الأمر وليس اعتباره بحكم العقل، ولا يشك أحد في أنها ليست تصرفاً في مال الغير عرفاً، لتكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب في الخارج ومصداقاً له، ضرورة أنّ الغصب لا يصدق على الأمور النفسانية كالنية والتفكر في المطالب العلمية أو نحو ذلك من الأمور الموجودة في أفق النفس، وهذا من الواضحات الأولية فلا يحتاج إلى البيان.
ومنها: التكبيرة التي هي من مقولة الكيف المسموع، ولا شبهة في أنّها ليست متحدة مع الغصب خارجاً، ضرورة أنّه لا يصدق على التكلم في الدار المغصوبة أنّه تصرف فيها ليكون مصداقاً للغصب ومنشأ لانتزاعه.
1) في ص 465.
ودعوى أن التكلم وإن لم يكن تصرفاً في الدار إلا أنه تصرف في الفضاء باعتبار أنه يوجب تموّج الهواء فيه، والمفروض أن الفضاء ملك للغير كالدار، فكما أنّ التصرف فيها غير جائز ومصداق للغصب، فكذلك التصرف فيه خاطئة جداً وغير مطابقة للواقع قطعاً، وذلك لأنّ الفضاء وإن كان ملكاً للغير والتصرف فيه غير جائز بدون إذن صاحبه إلّا أنّ التكلم كما أنّه لا يكون تصرفاً في الدار كذلك لا يكون تصرفاً في الفضاء، ضرورة أنه لا يصدق عليه أنه تصرف فيه وعلى تقدير صدق التصرف عليه عقلاً فلا يصدق عرفاً بلا شبهة، ومن المعلوم أنّ الأدلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير منصرفة عن مثل هذا التصرف فلا تشمله أصلاً، لأنها ناظرة إلى الم-ن-ع ع-ما يك-ون تصرفاً عند العرف، وما لا يكون تصرفاً عندهم فلا تشمله وإن كان تصرفاً بنظر العقل، كمسح حائط الغير باليد مثلاً فأنّه ليس تصرفاً عند العرف، ولذا لا تشمله الأدلة، فلا يكون محكوماً بالحرمة وإن كان تصرفاً عند العقل.
والحاصل : أنّ التكلم في الدار المغصوبة ليس تصرفاً فيها ولا في فضائها لا عقلاً ولا عرفاً أوّلاً، وعلى فرض كونه تصرفاً فيه عقلاً فلا ريب في أنه ليس تصرفاً عرفاً، ومعه لا يكون مشمولاً لتلك الأدلة ثانياً. ومن هنا لو نصب أحد مروحةً في مكان توجب تموّج الهواء في فضاء الغير فلا يقال إنه تصرّف في ملك الغير، وهذا واضح.
ومن ذلك يظهر حال جميع أذكار الصلاة كالقراءة ونحوها، ضرورة أنّ الغصب لا يصدق عليها.
وبكلمة أخرى : أنّ الغصب هنا منتزع من ماهية مباينة لماهية التكلم في الخارج، فانّ الغصب في المقام منتزع من الكون في الدار، وهو من مقولة الأين،
والتكلم من مقولة الكيف المسموع فيستحيل اتحادهما في الخارج واندراجهما تحت مقولة واحدة.
فالنتيجة : أنّ التكبيرة وما شاكلها غير متحدة مع الغصب خارجاً.
ومنها: الركوع والسجود والقيام والقعود، والصحيح أنها أيضاً غير متحدة مع الغصب خارجاً، والوجه في ذلك : هو أنّ هذه الأفعال من مقولة الوضع، فانها هيئات حاصلة للمصلي من نسبة بعض أعضائه إلى بعضها الآخر ونسبة المجموع إلى الخارج، والوضع عبارة عن هيئة حاصلة للجسم من نسبة بعض أجزائه إلى بعضها الآخر، ونسبة المجموع إلى الخارج وهذه الهيئات هي حقائق تلك الأمور التي تعتبر في الصلاة، ومن الواضح جداً أن تلك الهيئات ليست بأنفسها مصداقاً للغصب ومتحدة معه في الخارج ومنشأ لانتزاعه، ضرورة عدم صدق التصرف عليها بما هي لتكون كذلك، بل يستحيل أن تتحد مع الغصب، لفرض أنّه في المقام منتزع من الكون في الأرض المغصوبة وهو من مقولة الأين، وتلك الهيئات من مقولة الوضع، وعليه فيستحيل اتحادهما خارجاً.
ونتيجة ذلك : هي أن هيئة الركوع والسجود والقيام والجلوس ليست في أنفسها مع قطع النظر عن مقدّماتها من الهوي والنهوض مصداقاً للغصب ومنشا لانتزاعه.
وقد يتخيّل في المقام أنها من مقولة الفعل وليست من مقولة الوضع، فإذن لا محالة تكون مصداقاً للغصب وتصرفاً في مال الغير.
ولكنّه تخيل خاطئ جداً، فانّه ناش من الخلط بين ما يكون من قبيل الفعل الصادر بالارادة والاختيار، وما يكون من مقولة الفعل التي هي من إحدى المقولات التسع العرضية، والهيئات المزبورة وإن كانت من الأفعال الاختيارية
الصادرة بالارادة والاختيار، إلا أنّها مع ذلك ليست من مقولة الفعل، ضرورة أنّه لا منافاة بين أن يكون الشيء من قبيل الفعل الصادر بالاختيار، ولا يكون من مقولته، للفرق بين الأمرين، وهو أنّ الملاك في كون الفعل اختيارياً ه-و صدوره من الانسان بالارادة والاختيار، والملاك في كون الشيء من مقولته هو أن يكون حصوله بالتأثير على نحو التدريج كتسخين المسخن ما دام يسخن ونحو ذلك، ومن المعلوم أنّ أحد الملاكين أجنبي عن الملاك الآخر بالكلية ولا مساس لأحدهما بالآخر أبداً، ولذا لا يعتبر في كون شيء من مقولة الفعل أن يكون من الأفعال الاختيارية أصلاً كما هو واضح.
وعلى الجملة : فالفعل الاختياري لا يكون مساوقاً لمقولة الفعل، بل النسبة بينهما عموم من وجه، فانّ الشيء قد يكون من مقولته ولا يكون اختيارياً كالهيئات العارضة للأجسام الخارجية، وقد يكون اختيارياً وليس من مقولته، بل من مقولة أخرى كمقولة الوضع أو الكيف أو نحوها.
ونتيجة ما ذكرناه : هي أنّ الصلاة لا تتحد مع الغصب خارجاً، لا من ناحية النيّة، ولا من ناحية التكبيرة والقراءة وما شاكلهما، ولا من ناحية الركوع والسجود والقيام والقعود.
بقي في المقام أمران :
الأوّل : أنّه لا شبهة في أنّ الهوي إلى الركوع والسجود أو النهوض عنهما إلى القيام والجلوس تصرّف في ملك الغير ويكون مصداقاً للغصب، ضرورة أنّ الحركة في الدار المغصوبة من أوضح أنحاء التصرف فيها، وبما أنّ الهوي والنهوض نحو من الحركة فلا محالة يكونان متحدين مع الغصب خارجاً ومن مصاديقه وأفراده، إلّا أنّ الكلام في أنّها من أجزاء الصلاة كبقية أجزائها أو من مقدماتها، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع، لفرض أن الصلاة
عندئذ متحدة مع الغصب في الخارج ومصداق له ولو باعتبار بعض أجزائها، ومعه لا بد من القول بالامتناع أي بامتناع [اجتماع الأمر والنهي في ] الصلاة في الأرض المغصوبة، لاستحالة أن يكون شيء واحد مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه معاً. وعلى الثاني فلا مناص من القول بالجواز، وذلك لأنّ الهوي والنهوض وإن كانا تصرفاً في ملك الغير، إلا أنهما ليسا من أجزاء المأمور به ليلزم اتحاده مع المنهي عنه، بل هما من مقدمات مقدمات وجوده في الخارج.
وقد ذكرنا في بحث مقدّمة الواجب (1)أنّ حرمة المقدمة لا تنافي إيجاب ذيها إذا لم تكن منحصرة، وأما إذا كانت منحصرة فتقع المزاحمة بين حرمة المقدمة ووجوب ذيها، كما لو توقف إنقاذ الغريق مثلاً على التصرف في مال الغير، ولم يكن له طريق آخر يمكن إنقاذه منه، فإذن لابد من الرجوع إلى قواعد باب التزاحم وأحكامه.
وعلى الجملة : فالهوي الذي هو مقدّمة للركوع والسجود، والنهوض الذي هو مقدمة للقيام، إذا كانا من أفعال الصلاة وأجزائها يتعين القول بالامتناع في المقدّمات يتعين القول بالجواز فيها، ولذا لو فرض تمكن
المسألة، وإذا كانا من شخص من الركوع والسجود والقيام والجلوس بدونهما، لكان مجزئاً لا محالة، ولا يجب عليه الاتيان بهما، لفرض عدم دخلها في المأمور به لا جزءاً ولا شرطاً. وعلى هذا الضوء فلابد من أن يدرس ناحية كونهما من أجزاء الصلاة أو من مقدماتها.
الصحيح هو أنهما من المقدّمات، وذلك لأنّ الظاهر من أدلة جزئية الركوع والسجود والقيام والجلوس هو أنّ نفس هذه الهيئات جزء فحسب، لا م-ع
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 247.
مقدماتها من الهوي والنهوض لفرض أنّ هذه العناوين اسم لتلك الهيئات خاصة لا لها ولمقدّماتها معاً، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: أنّ المذكور في لسان الأدلة إنّما هو نفس تلك العناوين على الفرض، لا هي مع مقدماتها.
فالنتيجة على ضوئهما : هي أنّ المستفاد من تلك الأدلة ليس إلا جزئية هذه العناوين فحسب دون مقدّماتها كما لا يخفى، وتمام الكلام في ذلك في محلّه.
وعلى هدى هذا البيان قد ظهر أنّه لا شبهة في صحة الصلاة في الدار المغصوبة إذا فرض أنها لم تكن مشتملة على الركوع والسجود ذاتاً، كصلاة الميت على تقدير كونها صلاة، وإن ذكرنا في موضعه أنها ليست بصلاة، بل هي دعاء حقيقة، أو عرضاً كما إذا كان المكلف عاجزاً عنهما وكانت وظيفته الصلاة مع الايماء والاشارة بدلاً عنهما، لفرض أنّ الصلاة عندئذ كما أنها ليست مصداقاً للتصرف في مال الغير، كذلك ليست متوقفة عليه، وأما إذا كانت مشتملة على الركوع والسجود فوقتئذ تقع المزاحمة بين حرمة التصرف في مال الغير ووجوب الصلاة، فلابد من الرجوع إلى قواعد باب المزاحمة من تقديم الأهم أو محتمل الأهمية أو نحو ذلك على غيره إن كان وإلّا فيتعين التخيير.
وعلى الجملة : فعلى ما حققناه من أنّ الهوي والنهوض ليسا من أفعال الصلاة وأجزائها، لا مناص من القول بالجواز من هذه الناحية في المسألة، وعليه فإذا لم تكن مندوحة في البين تقع المزاحمة بين وجوب الصلاة وحرمة التصرف، كما عرفت.
الثاني: أن الظاهر عدم صدق السجدة الواجبة على مجرد مماسة الجبهة الأرض، بل يعتبر في صدقها الاعتماد عليها، ومن المعلوم أن الاعتماد على أرض الغير نحو تصرف فيها فلا يجوز، وعليه فتتحد الصلاة المأمور بها مع الغصب المنهي عنه في الخارج، فإذن لا مناص من القول بالامتناع، ولا يفرق في ذلك
بين كون ما يصح عليه السجود نفس أرض الغير أو شيئاً آخر، ضرورة أنه على كلا التقديرين يكون الاعتماد على أرض الغير، وعلى هذا فلا يكفي في القول بالجواز مجرد الالتزام بكون الهوي والنهوض من المقدّمات لا من الأجزاء، بل لا بد من فرض عدم كون السجود على أرض الغير أيضاً.
ونتيجة ذلك : هي جواز الاجتماع فيما إذا لم تكن الصلاة مشتملة على السجود ذاتاً كصلاة الميت على تقدير كونها صلاة، أو عرضاً كما إذا كان المكلف عاجزاً عنه، أو فرض أنه متمكن من السجود على أرض مباحة أو مملوكة كما إذا كان في انتهاء الأرض المغصوبة، وفي غير هذه الصور لابد من القول بالامتناع، لفرض أنّ المأمور به فيها - أي في هذه الصور - متحد مع المنهي عنه خارجاً، وكون شيء واحد وهو السجود مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه وهو محال.
وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر فساد ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)من أنّه لا يمكن أن تكون الحركة الواحدة مصداقاً للصلاة والغصب معاً، وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) يرتكز على نقطة واحدة، وهي أنّ الغصب من مقولة برأسها وهي مقولة الأين، وعلى هذا فيستحيل اتحاده مع الصلاة خارجاً.
ولكن قد عرفت أنّ هذه النقطة خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً، ضرورة أنّ الغصب مفهوم انتزاعي منتزع من مقولات متعددة، وليس م-ن المفاهيم المتأصلة والماهيات المقولية، وعليه فلا مانع من اتحاده مع الصلاة في الخارج أبداً، بأن يكون منشأ انتزاعه بعينه ما تصدق عليه الصلاة، بل قد مرّ أنّه متحد خارجاً مع السجدة فيها، ومع الهوي والنهوض بناءً على كونها من أجزائها، كما أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ الصادر من المكلف في الدار
1) أجود التقريرات 2 : 136.
المغصوبة حركتان إحداهما مصداق للغصب والأخرى مصداق للصلاة من الغرائب، بداهة أنّ الصادر من المكلف في الدار ليس إلا حركة واحدة وهي مصداق للغصب، فلا يعقل أن تكون مصداقاً للصلاة المأمور بها.
على أنه لو كانت هناك حركة أخرى تكون مصداقاً لها في نفسها فلا محالة تكون مصداقاً للغصب أيضاً، لوضوح أنّ كل حركة فيها تصرف فيها ومصداق له، فإذن كيف يمكن فرض وجود الحركتين فيها تكون إحداهما مصداقاً للغصب فحسب، والأخرى مصداقاً للصلاة كذلك.
وخلاصة ما ذكرناه لحد الآن : هي أن القول بالامتناع في مسألتنا هذه أعني الصلاة في الأرض المغصوبة يتوقف على الالتزام بأحد أمرين:
الأوّل : أن نقول بكون الهوي والنهوض من أفعال الصلاة وأجزائها لا من المقدّمات، وعلى هذا فلابد من القول بالامتناع.
الثاني : أن نقول بأنّ السجود لا يصدق على مجرد وضع الجبهة على الأرض بدون الاعتماد عليها، فانّ الاعتماد عليها مأخوذ في مفهوم السجدة، فلو وضع جبهته عليها بدون اعتماد لم تصدق عليه السجدة، بل هو مماسة لها، لا أنه سجدة.
أما الأمر الأوّل: فقد عرفت أنهما ليسا من الأفعال والأجزاء، بل هما من المقدمات، فإذن من هذه الناحية لا مانع من القول بالجواز أصلاً.
وأمّا الأمر الثاني : فقد عرفت أنّ الاعتماد على الأرض مأخوذ في مفهوم السجدة فلا تصدق السجدة بدون الاعتماد عليها، وهذا واضح. وعليه فلا تجوز الصلاة المشتملة على السجدة في الأرض المغصوبة، لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به، كما أنّها إذا لم تكن مشتملة عليها فلا مانع من جوازها
فيها، أو إذا فرض أنّ المكلف متمكن من السجدة على الأرض المباحة أو المملوكة.
فالنتيجة من جميع ما ذكرناه لحد الآن قد أصبحت أن الصلاة في الدار المغصوبة إذا كانت مشتملة على السجود فلا مناص من القول بالامتناع، وأمّا إذا لم تكن مشتملة عليه ذاتاً أو عرضاً، أو كان المكلف متمكناً منه على أرض مباحة أو مملوكة فلا مانع من القول بالجواز.
نتائج ما ذكرناه إلى الآن عدّة نقاط :
الأولى: أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أن مسألة الاجتماع ترتكز على ركيزة واحدة وهي أن يكون المجمع مشتملاً على مناط كلا الحكمين معاً خاطئ جداً، وذلك لما حققناه من أنّ البحث في هذه المسألة لا يختص بوجهة نظر مذهب دون آخر، بل يعم جميع المذاهب والآراء حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد مطلقاً.
والسر فيه ما ذكرناه من أنّ مردّ البحث في هذه المسألة إلى البحث عن أنّ المجمع في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهية أو متعدد كذلك، فعلى الأوّل لا مناص من القول بالامتناع مطلقاً وعلى جميع المذاهب، ضرورة أنّ استحالة اجتماع الضدّين لا تختص بمذهب دون آخر، وعلى الثاني لا بد من القول بالجواز بناءً على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى اللازم.
الثانية : أنّ ما ذكره (قدس سره) من أن مسألة التعارض ترتكز على كون المجمع مشتملاً على مناط أحد الحكمين في مورد الاجتماع أيضاً خاطئ، وذلك لأن البحث عن هذه المسألة كالبحث عن مسألة الاجتماع لا يختص بوجهة نظر مذهب دون آخر، ضرورة أنّ ملاك التعارض هو عدم إمكان جعل الحكمين
معاً في مورد الاجتماع، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتوقف على وجود ملاك لأحدهما فيه، لوضوح استحالة جعلهما معاً لشيء واحد سواء فيه القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد والقول بعدمها، فانّ خلاف الأشعري مع الإمامية إنّما هو في العقل العملي، أعني به التحسين والتقبيح العقليين، ولأجل ذلك أنك--ر مسألة التبعية لابتنائها على تلك المسألة، أعني مسألة التحسين والتقبيح، لا في العقل النظري، أعني به إدراكه إمكان الأشياء واستحالتها، والمفروض أن جعل الحكمين المتضادين لشيء واحد محال عقلاً، وكذا الحال في مسألة التزاحم، فانّها لا تختص بوجهة نظر دون آخر، بل تعم جميع المذاهب والآراء حتى مذهب الأشعري، وذلك لما ذكرناه من أنّ مبدأ انبثاق المزاحمة بين الحكمين مع عدم التنافي بينهما في مقام الجعل إنّما هو عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما في مرحلة الامتثال.
الثالثة : أنّ الدليل لا يكون متكفلاً لفعلية الحكم أصلاً، ضرورة أن فعليته تتبع فعلية موضوعه في الخارج وأجنبية عنه بالكلية، فانّ مفاده - كما ذكرناه غير مرّة - ثبوت الحكم على نحو القضية الحقيقية، ولا نظر له إلى فعليته ووجوده في الخارج أصلاً، كما أنه لا يمكن أن يكون الدليل متكفلاً للحكم الاقتضائى وهو اشتمال الفعل على المصلحة والمفسدة، ضرورة أن بيان ذلك ليس من شأن الشارع ووظيفته فانّ وظيفته بيان الأحكام الشرعية، لا بيان مصالح الأشياء ومفاسدها ومضارها ومنافعها، وبذلك ظهر ما في كلام المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في المقدّمة التاسعة فلاحظ.
الرابعة : أنّ ثمرة المسألة على القول بالجواز صحة العبادة في مورد الاجتماع مطلقاً ولو كان عالماً بالحرمة فضلاً عما إذا كان جاهلاً بها، ولكن خالف في ذلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) وقال ببطلان العبادة في صورة العلم بالحرمة،
وبصحتها في صورة الجهل بها والنسيان وأفاد في وجه ذلك ما حاصله : أنه لا يمكن تصحيح العبادة بالأمر، لفرض أنّ متعلق الأمر هو الحصة الخاصة وهي الحصة المقدورة، ولا يمكن بالترتب لعدم جريانه في المقام، ولا يمكن بالملاك لفرض أنّ صدور المجمع منه قبيح، ومع القبح الفاعلي لا تصح العبادة، كما أنها لا تصح مع القبح الفعلي.
فالنتيجة : أنّه لا يمكن الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على هذا القول فضلاً عن القول بالامتناع، ولكن قد تقدّم أن نظريته (قدس سره) هذه خاطئة جداً ولم تطابق الواقع أصلاً، لما عرفت من أنّه يمكن الحكم بصحتها من ناحية الأمر، لما عرفت من إطلاق المتعلق وعدم المقتضي لتقييده بخصوص الحصة المقدورة، ومن ناحية الترتب لما ذكرناه هناك من أنه لا مانع من الالتزام به في المقام أصلاً ومن ناحية الملاك، لما عرفت من عدم القبح الفاعلي بالاضافة إلى إيجاد ما ينطبق عليه المأمور به.
الخامسة : قد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أنه تصح العبادة في مورد الاجتماع على القول بالجواز مطلقاً، أي في العبادات والتوصليات، وإن كان معصية للنهي أيضاً، وتبطل على القول بالامتناع مع العلم بالحرمة، وكذا مع الجهل بها إذا كان عن تقصير مع ترجيح جانب النهي، وتصح إذا كان عن قصور، ولكن قد ذكرنا سابقاً عدم تمامية جميع ما أفاده (قدس سره) فلاحظ.
السادسة : أنّ الصحيح في المقام هو ما ذكرناه من صحة العبادة في مورد الاجتماع على القول بالجواز مطلقاً، أي بلا فرق بين كون المكلف عالماً بالحرمة أو جاهلاً بها أو ناسياً، وكذا بلا فرق بين كون الحرمة أهم من الوجوب أو بالعكس أو كونهما متساويين، وباطلة على القول بالامتناع مع ترجيح جانب النهي مطلقاً، أي من دون فرق بين العلم بالحرمة والجهل بها، كان جهله عن
قصور أو عن تقصير. نعم، صحيحة على هذا الفرض في صورة واحدة وهي صورة النسيان، كما أنها صحيحة على هذا القول مع ترجيح جانب الوجوب.
السابعة : أنّ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) قد اختار في المسألة القول بالامتناع، بدعوى أنّ تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون، بل المعنون واحد في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً. ولكن قد عرفت أن ما أفاده لا يخرج عن مجرد الدعوى لفرض عدم إقامة برهان عليه، ولأجل ذلك قلنا إنّه لا يتم إلا على نحو الموجبة الجزئية.
الثامنة : أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) قد اختار في المسألة القول بالجواز بدعوى أن النسبة بين متعلق الأمر والنهي إذا كانت عموماً من وجه فلا محالة يكون التركيب بينهما انضمامياً، لفرض أنّ جهة الصدق في صدق كل منهما في مورد الافتراق بعينها هي جهة الصدق في صدق كل منهما في مورد الاجتماع، وعليه فيستحيل اتحادهما في الخارج واندراجهما تحت حقيقة واحدة، وإلا لزم أن لا تكون جهة صدقهما في مورد الاجتماع تلك الجهة التي كانت في مورد الافتراق وهذا خلف. وهذا بخلاف ما إذا كانت النسبة بالعموم من وجه بين موضوعي الحكمين كقولنا : أكرم العالم ولا تكرم الفاسق، حيث إنّ النسبة بين العالم والفاسق عموم من وجه، فانّ التركيب بينهما في مورد الاجتماع لا محالة يكون اتحادياً وهو العالم الفاسق، لانطباق كلا العنوانين عليه، فلا يمكن أن يكون إكرامه واجباً وحراماً معاً.
التاسعة : قد تقدّم أن نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) إنما تتم في المبادئ المتأصلة والماهيات المقولية، فانّ تعدد العنوان منها يستلزم تعدد المعنون في الخارج لا محالة، لاستحالة أن يكون التركيب بينهما في مورد الاجتماع اتحادياً، وأما إذا كان أحدهما عنواناً عرضياً والآخر ذاتياً أو كان كلاهما عنواناً
انتزاعياً، فلا يستلزم تعددهما تعدد المعنون بل يمكن أن يكون المعنون واحداً ويمكن أن يكون متعدداً، ومن هنا قلنا إنه لا ضابط للمسألة لا للقول بالامتناع ولا للقول بالجواز، بل لا بد من ملاحظة المجمع في كل مورد لنرى أنه واحد وجوداً وماهية أو متعدد كذلك، لنحكم على الأول بالامتناع وعلى الثاني بالجواز، ولأجل ذلك الصحيح هو القول بالتفصيل في المسألة في مقابل القول بالامتناع والجواز مطلقاً.
نعم، ما ذكره (قدس سره) من أنّ النسبة بالعموم من وجه إذا كانت بين موضوعي الحكمين، فلا محالة يكون التركيب بينهما في مورد الاجتماع اتحادياً متين جداً، كما سبق بشكل واضح.
العاشرة : أنّ الغصب عنوان انتزاعي وليس من الماهيات المقولية، بداهة أنه ينطبق على مقولات متعددة، فلو كان مقولة بنفسه يستحيل أن ينطبق على مقولة أخرى.
الحادية عشرة: قد تقدّم أنّ الصلاة بتمام أجزائها غير متحدة مع الغصب خارجاً، إلّا في السجدة حيث إنّها متحدة معه في الخارج ومصداق له، وعلى هذا الضوء فالصلاة إذا لم تكن مشتملة عليها ذاتاً أو عرضاً أو كانت السجدة على أرض مباحة مثلاً أو مملوكة، فلا مانع من القول بالجواز أصلاً.
الثانية عشرة: قد سبق أنّ الهوي والنهوض من مقدمات الصلاة لا م--ن أجزائها.
الثالثة عشرة : أنّ الصحيح عدم سراية الحكم من متعلقه إلى ملازماته الخارجية التي يعبّر عنها بالتشخصات مسامحة.
الرابعة عشرة : أنّ النسبة بالعموم من وجه لا تتصوّر بين جوهرين وعرضين
وجوهر،وعرض لفرض أنهما متباينان ماهية ووجوداً فلا يصدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر، وقد تقدّم أنّ النسبة كذلك إنما تتصور بين عنوانين عرضيين وعنوان عرضي وذاتي.
الخامسة عشرة : أن التركيب بين المادة والصورة حقيقي لا انضمامي، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره)، حيث يرى أنّ التركيب بينهما انضمامي، ولكن قد عرفت أنّ نظره (قدس سره) في ذلك خاطئ ولا يمكن تصديقه بوجه.
بقي الكلام في أمور :
الأوّل: التوضؤ أو الاغتسال بالماء المغصوب.
الثاني : التوضؤ أو الاغتسال من آنية الذهب أو الفضة.
الثالث: التوضؤ أو الاغتسال من الاناء المغصوب.
الرابع : التوضؤ أو الاغتسال في الدار المغصوبة.
الخامس : التوضؤ أو الاغتسال في الفضاء المغصوب.
أما الأول : فلا شبهة في القول بالامتناع وعدم جواز الوضوء أو الغسل منه، ضرورة استحالة أن يكون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به، ولا يمكن فيه القول بالجواز أبداً، ولا مناص من تقديم دليل حرمة التصرف فيه على دليل وجوب الوضوء أو الغسل، وذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ وجوب الوضوء والغسل مشروط بوجدان الماء بمقتضى الآية المباركة، وقد قلنا إنّ المراد منه وجوده الخاص من جهة القرينة الداخلية والخارجية، وهو ما يتمكن المكلف من استعماله عقلاً وشرعاً، والمفروض في المقام أن المكلف لا يتمكن من استعماله شرعاً وإن تمكن عقلاً، ومعه يكون فاقداً له، فوظيفة الفاقد هو التيمم دون الوضوء أو الغسل، وعليه فلابد من الالتزام بفساد الوضوء أو الغسل به
مطلقاً حتى في حال الجهل ضرورة أنّ التخصيص واقعي والجهل بالحرمة لا يوجب تغيير الواقع وصيرورة الحرام واجباً ولو كان عن قصور، وهذا واضح. نعم، لو كان المكلف ناسياً لكون هذا الماء مغصوباً فتوضأ أو اغتسل به فلا إشكال في صحة وضوئه أو غسله إذا كان نسيانه عن قصور لا عن تقصير، والوجه في ذلك : هو أنّ النسيان رافع للتكليف واقعاً فلا يكون الناسي مكلفاً في الواقع، وهذا بخلاف الجهل فانّه رافع للتكليف ظاهراً، فيكون الجاهل مكلفاً في الواقع، وعليه فترتفع حرمة التصرف في هذا الماء واقعاً من ناحية النسيان، ومعه لا مانع من شمول إطلاق دليل وجوب الوضوء له، فانّ المانع عن شموله هو حرمة التصرف فيه، والمفروض أنها قد ارتفعت واقعاً من ناحية النسيان، ومع ارتفاعها لا محالة يشمله لفرض عدم المانع منه حينئذ أصلاً، ومعه لا محالة يكون صحيحاً. نعم، لو كان نسيانه عن تقصير كما هو الحال في أكثر الغاصبين، فلا يمكن الحكم بصحته، وذلك لأنّ الحرمة وإن ارتفعت واقعاً من جهة نسيانه، إلّا أنّ ملاكه باقٍ وهو المبغوضية، ومعه لا يمكن التقرب به.
فالنتيجة : أنّ التوضؤ أو الاغتسال بهذا الماء غير صحيح في صورة الجهل ولو كان عن قصور، وصحيح في صورة النسيان إذا كان كذلك.
ولكن للشيخ الأستاذ (قدس سره) (1)في المقام كلام، وهو أنه (قدس سره) مع التزامه بفساد العبادة على القول بالامتناع وتقديم جانب الحرمة مطلقاً ذهب إلى صحة الوضوء أو الغسل هنا بهذا الماء في صورة الجهل بالحكم أو الموضوع عن قصور، ولعله (قدس سره) استند في ذلك إلى أحد أمرين:
الأول : دعوى أنّ الوضوء أو الغسل مشتمل على الملاك في هذا الحال، هذا
1) العروة الوثق (المحشّاة) 404:1 ذيل المسألة 4.
من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنّ صدوره من المكلف في هذا الحال حسن على الفرض، ومعه لا مانع من التقرب به من ناحية اشتماله على الملاك.
وغير خفي أنّ هذه الدعوى خاطئة جداً حتى عنده (قدس سره)، ضرورة أنه لا طريق لنا إلى إحراز أنّ الوضوء أو الغسل في هذا الحال مشتمل على الملاك، لما ذكرناه غير مرّة من أنّه لا طريق لنا إلى معرفة ملاكات الأحكام مع قطع النظر عن ثبوتها، فإذن لا يمكن الحكم بصحته من هذه الناحية.
الثاني : دعوى الاجماع على الصحة في هذا الفرض كما ذكرها صاحب مفتاح الكرامة (قدس سره) (1).
ويردّها أوّلاً: أنّ الاجماع غير ثابت وإنما هو إجماع منقول وهو ليس بحجة. وعلى تقدير ثبوته فهو إنّما يكون حجة إذا كان تعبدياً لا فيما إذا كان محتمل المدرك أو معلومه، ضرورة أنّه في هذا الحال لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام) فلا يكون حجة والاجماع المدعى في المقام على تقدير تسليمه بما أنه محتمل المدرك لاحتمال أنّ من يقول بصحة الوضوء أو الغسل هنا إنما يقول به من جهة توهم اشتماله على الملاك، أو من ناحية تخيل أن المؤثر في الحكم إنّما هو الجهات الواصلة دون الجهات الواقعية، فإذن لا بد من النظر في هذين الأمرين :
أما الأمر الأوّل: فقد عرفت أنه لا مجال له أصلاً، ضرورة أنه لا طريق لنا إلى إحراز أنّه مشتمل على الملاك في هذا الحال كما مرّ آنفاً.
وأمّا الأمر الثاني : فقد نشأ من الخلط بين الجهات المؤثرة في الأحكام
1) مفتاح الكرامة 1: 512.
الشرعية والجهات المؤثرة في الأحكام العقلية، فانّ المؤثر في الأحكام العقلية وهي الحسن والقبح إنما هو الجهات الواصلة، ضرورة أنّ العقل لا يحكم بحسن شيء وقبح شيء آخر، إلا فيما إذا أحرز ما هو المؤثر فيها، لما ذكرناه من أنه لا واقع موضوعي لها ما عدا إدراك العقل استحقاق الفاعل المدح على فعل واستحقاقه الذم على آخر، ومن الواضح جداً أنّ العقل لا يحكم بذلك إلا إذا أحرز انطباق عنوان العدل عليه في الأوّل، وانطباق عنوان الظلم في الثاني حيث إنّ حكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل ذاتي وغير قابل للانفكاك أبداً، ولا يحتاج إلى علّة خارجة عن مقام ذاتها، ضرورة أنّ الذاتي غير قابل للتعليل بشيء، من دون فرق في ذلك بين أن يكون الذاتي ذاتي باب البرهان، أو ذاتي باب الكليات كالجنس والفصل، وهذا واضح.
وأما حكمه بقبح غيرهما من الأفعال الاختيارية أو حسنها، فهو ليس بالذات بل من ناحية انطباق عنوان الظلم عليها أو العدل، مثلاً ضرب اليتيم إذا كان للتأديب انطبق عليه عنوان العدل، وإذا كان للايذاء انطبق عليه عنوان الظلم، ولذا يحكم بحسنه على الأوّل وقبحه على الثاني، وهذا واضح.
وأما المؤثر في الأحكام الشرعية فهو الجهات الواقعية لا الجهات الواصلة، ضرورة أنّ الأحكام الشرعية لو كانت تابعة لتلك الجهات، أي الجهات الواصلة للزم التصويب وانقلاب الواقع، فانّ معنى ذلك هو تبعية الأحك--ام لعلم المكلف وهذا معنى التصويب، وقد تقدّم الكلام في ذلك من هذه الناحية بشكل واضح فلاحظ.
فالنتيجة : أنه لا يمكن الحكم بصحة الوضوء أو الغسل في هذا الحال، لا من ناحية الملاك، ولا من ناحية الاجماع، بل الصحيح هو ما ذكرناه من فساده في
هذا الحال أيضاً، بداهة أنّ الجهل بالحرمة أو بموضوعها لا يغيّر الواقع وإن كان عن قصور، ولا يوجب صيرورة الحرام واجباً، بل هو باق على حرمته، غاية الأمر أنه معذور في ارتكابه والتصرف فيه، ومن المعلوم أن الحرام لا يصلح أن يكون مقرباً ومصداقاً للواجب، كما هو ظاهر.
وأما الثاني : وهو التوضؤ أو الاغتسال من آنية الذهب أو الفضة، فقد تقدّم الكلام فيه من ناحية صحة الوضوء أو الغسل منها أو فساده في بحث الضد (1)بصورة مفصلة، ونتيجته هي أنّه لا إشكال في فساد الوضوء أو الغسل منها إذا كان على نحو الارتماس، ضرورة أنّ نفس هذا التصرف محرّم، والمحرّم لا يصلح أن يكون مصداقاً للواجب، هذا بناءً على أن يكون مطلق التصرف فيها محرّماً. وأما إذا قلنا بأنّ المحرّم فيها إنّما هو خصوص الأكل والشرب لا مطلق استعمالها والتصرف فيها، فلا إشكال عندئذ في صحة الوضوء أو الغسل منها أصلاً.
وأما إذا كان على نحو الترتيب، بأن يغترف الماء منها غرفة غرفة ليتم وضوءه أو غسله، فبناءً على ما حققناه من إمكان الترتب من ناحية، وكفاية القدرة التدريجية على الواجبات المركبة من الأجزاء الطولية كالصلاة والوضوء والغسل وما شاكل ذلك من ناحية أخرى لا مانع من الحكم بصحته أصلاً، من دون فرق في ذلك بين صورة انحصار الماء فيها، وصورة عدم انحصاره، وتمكن المكلف من إفراغ الماء منها في إناء آخر بلا استلزامه التصرف فيها وعدم تمكنه منه، على ما تقدّم الكلام في جميع هذه النواحي بشكل واضح، فلا نعيد.
نعم، فرق بين الوضوء أو الغسل من الآنية كذلك، أي بأخذ الماء منها غرفة
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 495.
غرفة أو بأخذه في ظرف آخر، وبين الأكل والشرب على هذا النحو، أي بأن يأخذ الطعام أو الشراب من الآنية ويصب في المشقاب أو الفنجان، فيأكل فيه أو يشرب، حيث إنّ الأوّل - وهو الوضوء أو الغسل - ليس بمحرم، والمحرّم إنما هو أخذ الماء منها، الذي هو مقدّمة له، والثاني - وهو الأكل والشرب - محرّم، والوجه فيه : هو أنّ الملاك في حرمة الوضوء أو الغسل أو ما شابه ذلك منها كونه استعمالاً للآنية بنفسه، وفي الفرض المزبور بما أنه ليس استعمالاً لها كذلك، ضرورة أن ما كان استعمالاً لها إنّما هو أخذ الماء منها دونه، فلأجل ذلك لا يكون محرّماً ومصداقاً للتصرف فيها، وهذا بخلاف الملاك في حرمة الأكل والشرب منها فانها محرّمان، سواء أكان بلا واسطة أم مع واسطة، كما إذا صبّ الطعام من القدر في الصيني أو المشقاب فأكل فيه، فأنه وإن لم يصدق عليه أنه أكل في الآنية، إلّا أنّ ذلك استعمال لها في الأكل وهذا المقدار كافٍ في حرمته، وكذا إذا صبّ الشاي من السماور في الفنجان فانّه لا يجوز شربه، لصدق أنّ هذا استعمال للآنية في الشرب.
وعلى الجملة : فالمحرّم ليس خصوص الأكل والشرب في الآنية، بل المحرّم إنما هو استعمالها في الأكل والشرب ولو كان استعمالها واقعاً في طريقهما كالأمثلة المزبورة، هذا مقتضى إطلاق الروايات الواردة في المقام، وأما التوضؤ أو الاغتسال فانّه إن كان في الآنية كما إذا كان على نحو الارتماس فمحرم، وأما إذا كان بأخذ الماء منها في ظرف آخر أو غرفة غرفة فهو ليس بمحرم، لعدم كونه عندئذ مصداقاً للتصرف فيها، وتمام الكلام في ذلك في محلّه.
ومن هنا تظهر نقطة الفرق بين الأكل والشرب من آنية الذهب أو الفضة والأكل والشرب من الاناء المغصوب، فانهما على الأوّل كما عرفت محرمان مطلقاً، أي سواء أكان بلا واسطة أم معها، وعلى الثاني فليسا بمحرمين مطلقاً،
ولو كانا مع واسطة، وذلك لأنهما إنّما يكونان محرّمين فيا إذا صدق عليهما أنه تصرف فيه، فلو أخذ الطعام منه وصبّ في ظرف آخر وأكل فيه فلا يكون أكله فيه محرّماً، والوجه في ذلك : أنّ المستفاد من الروايات هو حرمة استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب ولو كان استعمالها في طريقها، وهذا بخلاف الاناء المغصوب فانّ المحرّم فيه إنما هو تصرفه، وعليه فإذا كان الأكل أو الشرب مصداقاً له فهو محرّم وإلا فلا، ومن المعلوم أنه إنما يكون مصداقاً له فيما إذا كان فيه، وأما إذا كان في غيره، كما إذا أخذ الطعام منه وصبه في إناء آخر فأكل فيه فهذا ليس تصرفاً فيه كما هو واضح.
وأمّا إذا توضأ المكلف أو اغتسل منها بحيث كان وضوءه أو غسله تصرفاً فيها، فهل يمكن القول بجواز اجتماع الأمر والنهي فيه، بناءً على القول بالجواز في المسألة أم لا؟ قولان.
فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أنّ من يقول بجواز الاجتماع فيها يقول به في المقام ايضاً، وقد أفاد في تقريب ذلك أنّ الوضوء أو الغسل باعتبار نفسه الذي هو فرد من أفراد المقولة مأمور به، وباعتبار اضافته إلى الآنية التي يحرم التصرف فيها منهي عنه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ استعمال الآنية ليس داخلاً في إحدى المقولات التسع العرضية، بل هو متمم لمقولة من المقولات كالأكل والشرب والتوضؤ وم-ا شاكل ذلك.
فالنتيجة على ضوئهما : هي أنّه لا مانع من القول بالجواز هنا باعتبار أنّ
1) أجود التقريرات 2 : 148 - 149.
المأمور به بنفسه،مقولة والمنهى عنه ليس بمقولة على الفرض، بل هو من متمم المقولة، فيكون متعلق الأمر غير متعلق النهي.
وغير خفي أنّ هذا غريب منه (قدس سره) والوجه في ذلك : هو أنه ليس لاستعمال آنية الذهب أو الفضة واقع موضوعي في الخارج ما عدا تلك الأفعال الخاصة كالأكل والشرب والتوضؤ والاغتسال وما شاكل ذلك، ضرورة أنه عنوان انتزاعي منتزع من هذه الأفعال خارجاً، ولا واقع له ما عداها، وعليه فيما أنّه في مفروض الكلام منتزع من نفس التوضؤ أو الاغتسال منها باعتبار أنه تصرف فيها كما إذا فرض أنّه كان على نحو الارتماس، لا محالة يكون المنهي عنه عندئذ متحداً مع المأمور به في مورد الاجتماع، ومعه لا يمكن القول بالجواز.
وعلى الجملة : فاستعمال الآنية قد يكون بالأكل والشرب، وقد يكون بالتوضؤ والاغتسال وقد يكون بغيرهما، وليس الاستعمال إلا عنواناً انتزاعياً من هذه الأفعال، وبما أنّه في المقام استعمالها بالتوضؤ أو الاغتسال على الفرض، فلا يعقل أن يكون مأموراً،به لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للواجب.
ثمّ إنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ استعمال الآنية ليس مقولة برأسها بل هو متمم المقولة، لا نعرف له معنى محصلاً أبداً، وذلك لأن مراده (قدس سره) من متمم المقولة كما فسّر به ما لا يعرض على الجوهر في الخارج بلا واسطة، كالشدّة في البياض والسواد والسرعة في الحركة وما شابه ذلك، فانها لا تعرض على الجوهر خارجاً بلا توسط، بل تعرض أوّلاً وبالذات على الكم والكيف ونحوهما وبواسطتها تعرض عليه، والمفروض كما عرفت أنّ الاستعمال - أي استعمالها - عنوان انتزاعي منتزع من أمر موجود في الخارج، وليس له ما بازاء فيه أصلاً لينظر أنّه من المقولة أو متمم لها، وليس كالشدّة فانّها موجودة فيه.
أضف إلى ذلك : أنّ الشدّة والضعف في البياض والسواد والسرعة والبطء أيضاً في الحركة ليس من متممات المقولة بالمعنى الذي ذكره (قدس سره) بل هما عين المقولة، ضرورةً أنّ الشدّة ليست شيئاً زائداً على حقيقة البياض، ولا السرعة شيئاً زائداً على حقيقة الحركة، لتكون الشدّة عارضةً على البياض العارض على الجوهر والسرعة عارضة على الحركة العارضة على موضوعها، بداهة أنّ الشدّة والسرعة موجودتان بنفس وجود البياض والحركة في الخارج لا بوجود آخر، لتكونا عارضتين على وجودهما فيه أوّلاً وبالذات وبتوسّطه تعرضان على الجوهر.
وبكلمة أخرى : أنّه (قدس سره) قد جعل الملاك في كون شيء متمماً للمقولة دون نفسها هو ما يمتنع عروضه في الخارج على الجوهر بلا واسطة عرض من الأعراض، وقد مثل لذلك بالشدّة والضعف والسرعة والبطء والابتداء والانتهاء، وقد عرفت أنّ الابتداء والانتهاء من الأمور الانتزاعية التي لا واقع موضوعي لها في الخارج ما عدا منشأ انتزاعها، فانّ الابتداء منتزع من صدور السير من البصرة مثلاً، والانتهاء منتزع من انتهائه إلى الكوفة...وهكذا، ومن المعلوم أنّ الأمر الانتزاعي لا يعقل أن يكون متمماً للمقولة، بداهة أن متمم المقولة لابد أن يكون موجوداً في الخارج، والأمر الانتزاعي لا يتعدى من أفق النفس إلى الخارج، وإلّا فكل عرض موجود فيه لا محالة يكون منشأ لانتزاع أمر، وعليه فيلزم أن يكون لكل عرض خارجاً متمم، وهذا باطل.
وأمّا الشدّة والضعف والسرعة والبطء فالمفروض أنها ليست بموج-ودة بوجود آخر غير وجود نفس البياض والحركة، ليكون وجودها عارضاً على وجودهما في الخارج أوّلاً وبتوسطه على وجود الجوهر، لوضوح أن كل مرتبة من وجود البياض والحركة مباين لمرتبة أخرى. منه، فلا يعقل أن تعرض مرتبة
منه على مرتبة أخرى منه، كأن تعرض المرتبة الشديدة على المرتبة الضعيفة، أو فقل : إنّ البياض الموجود فيه لا يخلو من أن يكون شديداً أو ضعيفاً أو متوسطاً ولا رابع في البين، وكذا الحركة الموجودة فيه، فلو كانت الشدّة والضعف في الفرد الشديد والضعيف متممين لهما لكان التوسط في الفرد المتوسط أيضاً كذلك، ضرورة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبداً، مع أنهم لا يقولون بذلك فيه.
فالنتيجة : أنه لا يرجع متمم المقولة إلى معنىً محصل أصلاً، فانّ الشدة في الخارج عين الفرد الشديد لا أنها متممة له، وكذا الضعف في الفرد الضعيف...وهكذا.
الثالث : وهو التوضؤ أو الاغتسال من الاناء المغصوب، قد ظهر الحال فيه ممّا ذكرناه في آنية الذهب والفضة، فانّ الكلام فيه من هذه الناحية، أي من ناحية الوضوء أو الغسل منه بعينه هو الكلام فيها، بناءً على أن يكون مطلق التصرف فيها محرّماً، كما أنّ الكلام فيه بعينه هو الكلام فيها من ناحية جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه، وقد تقدّم أنّ الظاهر من کلامه (قدس سره) هو جواز الاجتماع في أمثال ذلك، ببيان أنّ المأمور به هو فرد من أفراد المقولة وهو التوضؤ أو الاغتسال الموجود في الخارج، فأنّه عبارة عن إيصال الماء إلى البدن، والمنهي عنه وهو استعماله ليس داخلاً في إحدى المقولات التسع العرضية، بل هو متمم لمقولة من المقولات فمن يقول بجواز اجتماع الأمر والنهي المسألة يقول في المقام أيضاً.
ولكن قد عرفت أنّ هذا من غرائب كلامه (قدس سره)، وذلك لأنّ الوضوء أو الغسل منه إذا كان تصرّفاً فيه كما هو المفروض واستعمالاً له، فلا يعقل أن يكون مأموراً به ضرورة استحالة كون المنهي عنه مصداقاً له، كما أنه لا وجه
لما أفاده (قدس سره) من صحة الوضوء أو الغسل منه في صورة الجهل عن قصور، وقد تقدّم الكلام من هذه الناحية في آنية الذهب والفضة بشكل واضح فلا نعيد.
الرابع : وهو التوضؤ أو الاغتسال في الدار المغصوبة، قد تقدّم الكلام فيه في بحث الضد (1)بشكل مفصل، وملخّصه : هو أنّ المكلف تارةً متمكن من الوضوء أو الغسل في غير المكان المغصوب، وتارة أخرى لا يتمكن منه في غيره لانحصار الماء فيه، فعلى الثاني بما أنّ متعلق الأمر هنا غير متعلق النهي، حيث إنّ الأوّل عبارة عن الغسلتين والمسحتين مثلاً، والثاني عبارة عن الكون في الدار، والمفروض أنهما لا ينطبقان على موجود واحد في الخارج، فلا مانع من القول بالجواز، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ وظيفة المكلف في هذا الفرض وإن كانت هي التيمم، لفرض أنّه لا يتمكن من الوضوء أو الغسل شرعاً وإن تمكن منه عقلاً، وقد ذكرنا في غير مورد أنّ مشروعية الوضوء أو الغسل مشروطة بالتمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً، وفي المقام بما أنّ الوضوء أو الغسل يتوقف على ارتكاب محرّم - وهو التصرف في مال الغير - فلا يتمكن منه، فإذن لا محالة تكون وظيفته التيمم لكونه فاقداً للماء.
فالنتيجة على ضوئها هي : أنّ المكلف لو عصى ودخل الدار المغصوبة فتوضأ أو اغتسل فلا إشكال في صحته، بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب، وهذا واضح. وعلى الأوّل فلا شبهة في صحة الوضوء أو الغسل ولو قلنا بالفساد في الفرض الأوّل، وذلك لأنّ الصحة في هذا الفرض لا تتوقف على القول بالترتب، بل لو قلنا باستحالته فمع ذلك يكون صحيحاً، والوجه فيه : هو أن المكلف
1) في المجلد الثاني من هذا الكتاب ص 511.
مأمور بالطهارة المائية فعلاً، لتمكنه منها، غاية الأمر أنه بسوء اختياره فقد ارتكب المحرّم بدخوله في المكان المزبور، ومن الظاهر أن ارتكاب محرّم مقدّمة للوضوء أو الغسل أو في أثنائه إذا لم يكن متحداً معه لا يوجب فساده، هذا كله فيما إذا لم يكن الفضاء مغصوباً، بل كان مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ.
الخامس : وهو التوضؤ أو الاغتسال في الفضاء المغصوب، أن الظاهر بطلان الوضوء فحسب دون الغسل.
أما الوضوء : فمن ناحية المسح حيث يعتبر فيه إمرار اليد وهو نحو تصرف في ملك الغير فيكون محرّماً، ومن الواضح استحالة وقوع المحرم مصداقاً للواجب. فإذن لا بد من القول بالامتناع هنا لفرض اتحاد المأمور به مع المنهي عنه في مورد الاجتماع، ولا يفرق في ذلك بين صورتي انحصار الماء فيه - أي في الفضاء المغصوب - وعدم انحصاره فيه. نعم، لو تمكن المكلف من إيقاع المسح في غير الفضاء المغصوب وأوقع فيه لصح وضوءه على الأقوى وإن كان الأحوط تركه.
وعلى الجملة : فوظيفة المكلف في صورة الانحصار وإن كانت هي التيمم ولكنّه لو دخل في الفضاء المغصوب وتوضأ فيه، فإن أوقع المسح في غير الفضاء المغصوب لكان وضوءه صحيحاً، بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب، وإن أوقع المسح فيه لكان فاسداً، لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به، لفرض أنّ المسح تصرف في ملك الغير، ومعه لا يمكن أن يكون واجباً.
ومن هنا استشكلنا في صحة التيمم في الفضاء المغصوب من جهة أنّ المعتبر فيه إمرار اليد وهو نحو تصرف فيه، ولا يفرق في هذا بين وجود المندوحة وعدمها.
وأمّا الغسل : فيما أنّه لا يعتبر فيه إمرار اليد فلا يكون تصرفاً فيه، لفرض أنّ الواجب فيه وصول الماء إلى البشرة، ومن المعلوم أنه لا يكون تصرفاً فيه، والتصرّف إنما يكون في مقدماته كما هو واضح.
فإذن لا مانع من القول بالجواز في المقام والالتزام بصحة الغسل بناءً على ما ذكرناه من إمكان الترتب ووقوعه خارجاً.
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
التزاحم والتعارض
الجهة الأولى : حقيقة التزاحم وواقعه الموضوعي...1
أقسام التزاحم...1
كلام المحقق النائيني في المقام...9
الجهة الثانية: حقيقة التعارض وواقعه الموضوعي...14
الجهة الثالثة : الفرق بين التزاحم والتعارض...17
الجهة الرابعة مرجحات المتعارضين...20
مقتضی القاعدة في المتعارضين...20
انحصار المرجح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة...21
اختصاص الترجيح بهما بالخبرين المتعارضين...24
الجهة الخامسة : مرجحات المتزاحمين...24
مقتضى القاعدة في المتزاحمين...24
المرجح الأوّل: كون أحد الواجبين ممّا لا بدل له...25
الكلام في الفروع التي ذكرها المحقق النائيني في المقام...27
اختصاص التزاحم بالتكاليف النفسية...30
المرجح الثاني : كون أحد الواجبين مشروطاً بالقدرة عقلاً...42
القسم الأوّل: اشتراط أحد الواجبين بالقدرة شرعاً...42
القسم الثاني : اشتراط كل من الواجبين بالقدرة شرعاً...45
القسم الثالث : اشتراط كلا الواجبين بالقدرة عقلاً...76
المرجح الثالث : تقدّم الأهم على المهم...76
ترجيح محتمل الأهمية...82
الكلام في أنّ التخيير بين المتساويين عقلي أو شرعي ؟...88
فروع أخرى ذكرها المحقق النائيني للتزاحم...103
تفصيل الكلام في المنع عن جريان التزاحم في الأوامر الضمنية...106
مناقشات في الفروع التي ذكرها النائيني...127
نتائج بحث التزاحم والتعارض...152
أقسام التزاحم عند النائيني (قدس سره)...159
جريان الترتب بين واجبين طوليين مع أهمية المتأخر...163
جريان الترتب في موارد اجتماع الأمر والنهي...175
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه...181
تعلّق الأوامر بالطبائع أو بالأفراد...192
مبحث النسخ...203
الواجب التخييري...207
الآراء في حقيقة الواجب التخييري...207
المختار في حقيقة الوجوب التخييري...222
التخيير بين الأقل والأكثر...227
الواجب الكفائي...236
الأقوال في تصوير الوجوب الكفائي...237
فرع ذكره المحقق النائيني في المقام...242
الواجب الموسع والمضيق...245
الاشكال على الواجب الموسع وجوابه...245
الاشكال على الواجب المضيق وجوابه...246
تبعية القضاء للأداء...247
جریان استصحاب عدم الاتيان لاثبات الفوت...257
الأمر بالأمر بفعل...261
الكلام في مشروعية عبادات الصبي...263
الأمر بالأمر بشيءٍ...267
مبحث النواهي
الجهة الأولى : الفرق بين الأمر والنهي عند المشهور...269
مناقشة المشهور في المبنى والبناء...272
المختار في الفرق بين الأمر والنهي...273
سبب اقتضاء النهي ترك جميع الأفراد...277
الجهة الثانية : تعلق الأمر بالفعل تارةً وبالترك أخرى...304
صور قيام المصلحة بالفعل والترك...304
نشوء النهي عن مفسدة في المتعلق لا المصلحة في الترك...305
إرشادية النواهي الواردة في العبادات إلى المانعية...307
انقسام الأمر بالترك إلى الضمني والاستقلالي...308
الثمرة بين صور الأمر الاستقلالي بالترك...311
الثمرة بين صور الأمر الضمني بالترك...318
وجوب التقليل في أفراد المانع مهما أمكن...320
ظهور أدلة المانعية في الانحلال...335
الجهة الثالثة : انحلال النهي بالنسبة إلى الأفراد العرضية والطولية...354
كلام المحقق النائيني ونقده...355
اجتماع الأمر والنهي...360
الجهة الأولى : كون النزاع في المقام صغروياً لا كبروياً...36
الجهة الثانية : الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادة...361
الجهة الثالثة : معنى «الواحد» في عنوان النزاع...365
الجهة الرابعة : مبنى القول بالجواز والقول بالامتناع...368
دخول المسألة في التعارض على الامتناع وفي التزاحم على الجواز...368
الجهة الخامسة : أصولية مسألة الاجتماع...373
الجهة السادسة : نقد ابتناء القول بالجواز على نظر العرف...379
الجهة السابعة : دخول أنواع الايجاب والتحريم في محل النزاع...383
الجهة الثامنة : اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع...386
الجهة التاسعة : القول بابتناء النزاع على القول بتعلق الأمر بالطبيعة...389
القول بابتناء الجواز على القول بتعلق الأمر بالطبيعة وابتناء الامتناع على القول بتعلقه بالأفراد...392
القول بابتناء المنع على القول بأصالة الوجود...396
مناقشة الأمر الثامن في الكفاية...400
قول الآخوند باشتراط اشتمال المجمع على ملاك الحكمين...400
دخول المقام في التزاحم مع اشتمال المجمع على كلا الحكمين وفي التعارض مع اشتماله على ملاك واحد...400
مناقشة الأمر التاسع في الكفاية...407
بيان ما يمكن أن يحرز به اجتماع الملاكين في المجمع...407
ثمرة مسألة اجتماع الأمر والنهي...415
شهرة صحة الصلاة في الغصب على القول بجواز الاجتماع...415
تفصيل النائيني بين العالم بالحرمة وبين الجاهل والناسي...416
طريق تصحيح الصلاة في المغصوب للجاهل بالحرمة وللعالم بها...422
مناقشة الأمر العاشر من الكفاية...425
طريق تصحيح صاحب الكفاية المجمع...425
ابتناء قول المشهور بصحة الصلاة على الجواز...440
الكلام في الناسي للحكم أو الموضوع...440
اختيار الآخوند الامتناع نتيجة مقدمات...442
تخيل صاحب الفصول ابتناء القول بالجواز على أصالة الماهية...445
القول بابتناء الجواز على تعدد الجنس والفصل...447
الكلام في تعدد المعنون بتعدد العنوان...453
تفصيل المحقق النائيني في المقام...453
اختيار النائيني القول بالجواز...461
المختار في مسألة اجتماع الأمر والنهي...472
كون التركيب بين المادة والصورة اتحادياً...480
الكلام في إمكان اتحاد الصلاة مع الغصب خارجاً...484
هل الهوي إلى الركوع والسجود جزء أو مقدمة ؟...489
اتحاد الصلاة مع الغصب في السجود...490
اعتبار الاعتماد في مفهوم السجود...491
نتائج الأبحاث السابقة...494
التوضؤ أو الاغتسال بالماء المغصوب...499
تفصيل النائيني في المقام...500
التوضؤ أو الاغتسال من آنية الذهب والفضة...503
كلام المحقق النائيني في المقام...505
التوضؤ أو الاغتسال من الاناء المغصوب...508
التوضؤ أو الاغتسال في الدار المغصوبة...509
التوضؤ أو الاغتسال في الفضاء المغصوب...510
فهرس الموضوعات...513 - 519
جدول الخطأ والصواب، ج 45
الصفحة / السطر / الخطأ / الصواب
72 / 12 / عقلي / العقلي
210 / 14 / فيما نحن / فيما نحن فيه
257 / 2 / أمر / بأمر
323 / 12 / الثواب / الثوب
397 / 16 / عرض عريض و أفراد / عرضا عريضا و أفرادا
397 / 17 / حد فارد / حدا فاردا
402 / 18 / وامتناعهما / وامتناعه
435 / 11 / لا يعقل يكون / لا يعقل أن يكون
441 / 9 / به / له
444 / 15 / و حقيقية / و حقيقة
509 / 18 / الأول / الثاني