موسوعة الإمام الخوئی جلد 44

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : محاضرات في اصول الفقه/ تقریرا لابحاث ابوالقاسم الموسوی الخوئی؛ محمداسحاق الفیاض.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار‌الامام الخوئی(قدس سره)، 14ق.= -13

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه الامام الخوئی.

شابک : ج.43 ، چاپ سوم : 964-7336-12-8 ؛ ج. 44، چاپ سوم 964-7336-13-6 : ؛ ج. 45 ، چاپ سوم 964-7336-14-6 : ؛ ج. 46، چاپ سوم 964-7336-15-2 :

يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد چهل ششم، 1422ق. = 1380.

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلدهای قبلی کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشران متفاوت منتشر شده است.

يادداشت : ج. 43 - 46 (چاپ سوم: 1428 ق. = 2007 م. = 1386 ).

یادداشت : کتابنامه.

موضوع : اصول فقه شیعه

شناسه افزوده : فیاض، محمداسحاق، 1934 - م.، گردآورنده

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP159/8/خ‌9م‌3 1300ی

رده بندی دیویی : 297/312

شماره کتابشناسی ملی : م‌81-4695

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسّسة الخوئي الإسلامية

الجزء الرابع والأربعون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 98251 + - 9121530367 98 +

تاريخ الطبع : 1430 ه-، 2009.

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 6 - 13 - 7336 - 964

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com www. alkhoei.net

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين

والصّلاة والسّلام علی سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين

و لعنة اللّه علی أعدائهم أجمعين

من الآن إلی قیام يوم الدّين

اشارة

محاضرات

في

أصول الفقه

محاضرات

في

أصول الفقه

تقرير الأبجاث

الأسَتاد الأعظم سماحة آية اللّه العظمی

السيّد ابوالقاسم الموسويّ الخوئي (قدّس سِرُّه)

«1317-1413ه-»

تأليف آية اللّه

الشيخ محمّد اسحاق الفيّاض (دام ظلّه)

مؤسسة الخوئي الإسلاميّة

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسّسة الخوئي الإسلامية

الجزء الرابع والأربعون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 98251 + - 9121530367 98 +

تاريخ الطبع : 1430 ه-، 2009م

المطبعة نينوى

الطبعة الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN: 6 - 13 - 7336 - 964

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com www. alkhoei.net

-7-44

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

مبحث الأمر

دوران الواجب بين النفسي والغيري

إشارة:

إذا علم بوجوب شيء وتردّد أمره بين الوجوب النفسي والغيري، أو بين التعييني والتخييري، أو بين العيني والكفائي فما هو مقتضى الأصل والقاعدة في ذلك ؟ فهنا مسائل ثلاث :

أمّا المسألة الأولى : وهي ما إذا دار أمر الوج--وب بين النفسي والغ--يري فالكلام فيها يقع في موردين : الأول : في الأصل اللفظي والثاني : في الأصل العملي.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

أمّا المورد الأوّل : فلا ينبغي الشك في أنّ مقتضى الأصل اللفظي كعموم أو إطلاق هو النفسي، وذلك لأنّ بيان وجوب الغيري يحتاج إلى مؤونة زائدة باعتبار أنه قيد للواجب النفسي، ومن الواضح أنّ الاطلاق لا يفي لبيان كونه قيداً له. له. وعلى الجملة : فالتقييد يحتاج إلى مؤونة زائدة، مثلاً لو كان لقوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (1)إطلاق فمقتضاه عدم تقييد الصلاة بالطهارة أو نحوها، فالتقييد يحتاج إلى دليل ومؤونة زائدة، والاطلاق ينفيه، ولازم ذلك هو أنّ وجوب الطهارة المشكوك نفسي لا غيري. وكذا إذا أخذنا باطلاق الأمر بالطهارة، فان مقتضاه وجوبها مطلقاً، أي سواء أكانت الصلاة واجبة أم لا، فتقييد وجوبها بوجوب الصلاة يحتاج إلى دليل.


1) البقرة 2 43.

وقد تحصل من ذلك : أنّه يمكن إثبات نفسية الوجوب بطريقين:

الأوّل: الأخذ باطلاق دليل الواجب النفسي كالصلاة مثلاً، ودفع كل ما يحتمل أن يكون قيداً له كالطهارة أو استقبال القبلة أو نحو ذلك، ولازم هذا هو أنّ الواجب المحتمل دخله فيه كالطهارة مثلاً نفسي، وهذا اللازم حجّة في باب الأصول اللفظية.

الثاني : الأخذ باطلاق دليل الواجب المشكوك في كونه نفسياً أو غيرياً، وذلك لأنّ وجوبه لو كان غيرياً فهو مشروط بطبيعة الحال بوجوب واجب آخر نفسي، وإن كان نفسياً فهو مطلق وغير مقيد به، وعليه فإذا شكّ في أنّه نفسي أو غيري فمقتضى إطلاق دليله وعدم تقييده بما إذا وجب شيء آخر هو الحكم بكونه نفسياً، والفرق بين الاطلاقين هو أن الأوّل تمسك باطلاق المادة، والثاني تمسك باطلاق الهيئة، فاذا تم كلا الاطلاقين أو أحدهما كفى لاثبات كون الواجب نفسياً.

وأما المورد الثاني : فسيأتي (1)الكلام فيه في بحث مقدمة الواجب إن شاء اللّه تعالى بشكل موسع فلا حاجة إلى البحث عنه في المقام.


1) في ص 222.

دوران الواجب بين التعييني والتخييري

إشارة:

وأما المسألة الثانية : وهي ما إذا دار الأمر بين كون الواجب تعيينياً أو تخييرياً، فأيضاً يقع الكلام فيها في مقامين : الأوّل في مقتضى الأصل اللفظي. الثاني : في مقتضى الأصل العملي.

حقيقة الواجب التخييري

أمّا المقام الأوّل : فبيانه يحتاج إلى توضيح حول حقيقة الواجب التخييري فنقول : إنّ الأقوال فيه ثلاثة :

الأوّل : أنّ الواجب ما اختاره المكلف في مقام الامتثال، ففي موارد التخيير بين القصر والتمام مثلاً لو اختار المكلف القصر فهو الواجب عليه ولو عكس فبالعكس.

الثاني : أن يكون كل من الطرفين أو الأطراف واجباً تعيينياً ومتعلقاً للارادة، ولكن يسقط وجوب كل منهما بفعل الآخر، فيكون مردّ هذا القول إلى اشتراط وجوب كل من الطرفين أو الأطراف بعدم الاتيان بالآخر.

الثالث : ما اخترناه من أنّ الواجب هو أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، وتطبيقه على كل منهما في الخارج بيد المكلف كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر أن متعلق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة والجامع الحقيقي، وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني، وقد ذكرنا في محله أنّه لا مانع من تعلق الأمر به أصلاً، بل تتعلق به الصفات الحقيقية كالعلم والارادة وما شاكلها، وذكرنا أنه لا واقع للمعلوم

بالاجمال في موارد العلم الاجمالي ما عدا عنوان أحدهما أو أحدها حتّى في علم اللّه تعالى، فاذا تعلقت به الصفات الحقيقية فما ظنّك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض. وقد تقدّم منّا غير مرّة أنّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية وليس لها واقع موضوعي ما عدا اعتبار الشارع، ومن المعلوم أن الأمر الاعتباري كما يصح تعلقه بالجامع الذاتي كذلك يصح تعلقه بالجامع الانتزاعي، فلا مانع من اعتبار الشارع أحد الفعلين أو الأفعال على ذمة المكلف، ونتيجة ذلك هي أن بقاءه مشروط بعدم تحقق شيء منها أو منها في الخارج.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

وبعد ذلك نقول : إنّ مقتضى إطلاق الأمر المتعلق بشيء هو التعيين لا التخيير على جميع الأقوال في المسألة، أمّا على القول الأوّل فواضح، لفرض أن وجوب كل منهما مشروط باختيار المكلف، ومن الطبيعي أن مقتضى الاطلاق عدمه، فالاشتراط يحتاج إلى دليل زائد وأمّا على القول الثاني فالأمر أيضاً كذلك، لفرض أنّ وجوب كل مشروط بعدم الاتيان بالآخر، ومقتضى الاطلاق عدمه وبه يثبت الوجوب التعييني.

وأما على القول الثالث كما هو المختار فلأن مرجع الشك في التعيين والتخيير فيه إلى الشك في متعلق التكليف من حيث السعة والضيق، يعني أن متعلقه هو الجامع أو خصوص ما تعلق به الأمر، كما إذا ورد الأمر مثلاً باطعام ستين مسكيناً وشككنا في أنّ وجوبه تعييني أو تخييري، يعني أن الواج-ب ه-و خصوص الاطعام أو الجامع بينه وبين صيام شهرين متتابعين، ففي مثل ذلك لا مانع من الأخذ باطلاقه لاثبات كون الواجب تعيينياً لا تخييرياً، لأنّ بيانه يحتاج إلى مؤونة زائدة وهي ذكر العدل بالعطف بكلمة (أو) وحيث لم يكن فيكشف عن عدمه في الواقع ضرورة أنّ الاطلاق في مقام الاثبات يكشف عن الاطلاق في مقام الثبوت.

أو فقل : إنّ الواجب لو كان تخييرياً فبقاء وجوبه مقيد بعدم الاتيان بفرد ما من أفراده في الخارج، ومن المعلوم أنّ مقتضى الاطلاق عدم هذا التقييد وأنّ الواجب هو الفعل الخاص. ويمكن أن يقرر هذا بوجه آخر وهو أنّ الأمر المتعلق بشيء خاص كالاطعام مثلاً فالظاهر هو أنّ للعنوان المذكور المتعلق به الأمر دخلاً في الحكم، فلو كان الواجب هو الجامع بينه وبين غيره ولم يكن للعنوان المزبور أيّ دخل فيه فعليه البيان، وحيث لم يقم بيان عليه فمقتضى الاطلاق هو وجوبه الخاص دون الجامع بينه وبين غيره، وهذا هو معنى أنّ الاطلاق يقتضي التعيين.

وأمّا المقام الثاني : فالكلام فيه يقع في مبحث البراءة والاشتغال(1)إن شاء للّه تعالى فلا حاجة إليه هنا.


1) مصباح الأصول 2: 530.

دوران الواجب بين العيني والكفائي

حقيقة الوجوب الكفائي

وأمّا المسألة الثالثة : وهي ما إذا دار الأمر بين الواجب الكفائي والعيني، فيقع الكلام فيها أيضاً تارة في مقتضى الأصل اللفظي، وتارة أخرى في مقتضى الأصل العملي.

أما الكلام في المورد الأول : فبيانه يحتاج إلى توضيح حول حقيقة الوجوب الكفائي فنقول : إنّ ما قيل أو يمكن أن يقال في تصويره وجوه:

الأوّل : أن يقال : إنّ التكليف متوجه إلى واحد معين عند اللّه ولكنه يسقط عنه بفعل غيره، لفرض أنّ الغرض واحد فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

الثاني : أن يقال : إنّ التكليف في الواجبات الكفائية متوجه إلى مجموع آحاد المكلفين من حيث المجموع، بدعوى أنه كما يمكن تعلق تكليف واحد شخصي بالمركب من الأمور الوجودية والعدمية على نحو العموم المجموعي كالصلاة مثلاً إذا كان الغرض المترتب عليه واحداً شخصياً، كذلك يمكن تعلقه بم-جم-وع الأشخاص على نحو العموم المجموعي.

الثالث : أن يقال : إنّ التكليف به متوجه إلى عموم المكلفين على نحو العموم الاستغراقي فيكون واجباً على كل واحد منهم على نحو السريان، غاية الأمر أنّ وجوبه على كل مشروط بترك الآخر.

الرابع : أن يكون التكليف متوجهاً إلى أحد المكلفين لا بعينه، المعبّر عنه

بصرف الوجود، وهذا الوجه هو الصحيح.

بيان ذلك ملخصاً : هو أن غرض المولى كما يتعلق تارة بصرف وجود الطبيعة، وأخرى بمطلق وجودها، كذلك يتعلق تارة بصدوره عن جميع المكلفين وأخرى بصدوره عن صرف وجودهم. فعلى الأوّل، الواجب عيني فلا يسقط عن بعض بفعل بعض آخر. وعلى الثاني، فالواجب كفائي بمعنى أنه واجب على أحد المكلفين لا بعينه المنطبق على كل واحد منهم ويسقط بفعل بعض عن الباقي، وهذا واقع في العرف والشرع.

أما في العرف : فكما إذا أمر المولى أحد عبيده أو خدّامه بفعل في الخارج من دون أن يتعلق غرضه بصدوره من شخص خاص منهم، ولذا أي واحد منهم قام به وأوجده في الخارج حصل الغرض وسقط الأمر لا محالة.

وأما في الشرع : فأيضاً كذلك، كما في أمره بدفن الميت أو كفنه أو نحو ذلك، حيث إنّ غرضه لم يتعلق بصدوره عن خصوص واحد منهم، بل المطلوب وجوده في الخارج من أي واحد منهم كان، وذلك لأنّ نسبة ذلك الغرض الوحداني إلى كل واحد من أفراد المكلفين على السوية، فعندئذٍ تخصيص واحد معين منهم بتحصيل ذلك الغرض خارجاً بلا مخصص ومرجح، وتخصيص المجموع منهم على نحو العموم المجموعي بتحصيل ذلك الغرض، مع أنه بلا مقتض وموجب باطل بالضرورة كما برهن في محله وتخصيص الجميع بذلك على نحو العموم الاستغراقي أيضاً بلا مقتض وسبب بعد افتراض أن الغرض واحد يحصل بفعل بعض منهم، فاذن يتعيّن وجوبه على واحد منهم على نحو صرف الوجود.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

وبعد ذلك نقول : إنّ مقتضى إطلاق الدليل هو الوجوب العيني على جميع هذه الوجوه والاحتمالات.

أما على الوجه الأوّل : فواضح، لأن سقوط التكليف عن شخص بفعل غيره يحتاج إلى دليل، وإلا فمقتضى إطلاقه عدم سقوطه به. أو فقل: إنّ مردّ هذا إلى اشتراط التكليف بعدم قيام غيره بامتثاله وهو خلاف الاطلاق.

وأما على الوجه الثاني : فمضافاً إلى أنّه في نفسه غير معقول فأيضاً الأمر كذلك، لأن مقتضى إطلاق الدليل هو أن كل واحد من أفراد المكلف موضوع للتكليف. وجعل الموضوع له مجموع أفراده على نحو العموم المجموعي بحيث يكون كل فرد من أفراده جزءه لاتمامه خلاف الاطلاق، وعند احتماله يدفع به.

وأمّا على الوجه الثالث : فالأمر ظاهر، ضرورة أن قضيّة الاطلاق عدم الاشتراط، فالاشتراط يحتاج إلى دليل خاص.

وأما على الوجه الرابع : فأيضاً الأمر كذلك، حيث إنّ حاله بعينه هو حال الوجه الثالث في الوجوب التخييري فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، غاية الأمر أنّ الأوّل متعلق بالمأمور به والثاني بالمكلفين. وعلى الجملة ففيما إذا ورد الأمر متوجهاً إلى شخص خاص أو صنف مخصوص وشككنا في أنه كفائي أو عيني، يعني أنّ موضوعه هو الجامع بينه وبين غيره أو خصوص هذا الفرد أو ذاك الصنف، فلا مانع من التمسك بالاطلاق لاثبات كونه عينياً.

ويمكن أن يقرّب هذا بوجه آخر وهو أنّ ظاهر الأمر المتوجه إلى شخص خاص أو صنف مخصوص هو أنّ الخصوص عنوانه دخلاً في الموضوع، ومتى لم تكن قرينة على عدم دخله وأنّ الموضوع هو طبيعي المكلف فاطلاق الدليل يقتضي دخله، ولازم ذلك هو كون الوجوب عينياً لا كفائياً.

وأمّا الكلام في المورد الثاني : وهو مقتضى الأصل العملي فيقع في مبحث

البراءة والاشتغال وسيجي وسيجيء (1)إن شاء اللّه تعالى أنّ مقتضى الأصل هناك البراءة دون الاشتغال. إلى هنا قد استطعنا أن نصل إلى هذه النتيجة وهي أن مقتضى الأصل اللفظي في المسائل الثلاث هو كون الواجب نفسياً تعيينياً عينياً.


1) مصباح الأصول 2: 530 [لكنّه لم يصرّح هناك بالدوران بين العيني والكفائي ].

دلالة الأمر عقيب الحظر أو توهّمه

إذا وقع الأمر عقيب الحظر أو توهمه فهل يدل على الوجوب كما نسب إلى كثير من العامّة (1)، أو على الاباحة كما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، أو هو تابع لما قبل النهي إن علّق الأمر بزوال علة النهي لا مطلقاً ؟ وجوه بل أقوال.

والتحقيق هو أنه لا يدل على شيء من ذلك، من دون فرق بين نظريتنا في مفاد الصيغة وما شاكلها ونظرية المشهور في ذلك. أما على ضوء نظريتنا فلأنّ العقل إنما يحكم بلزوم قيام المكلف بما أمر به المولى بمقتضى قانون المولوية والعبودية إذا لم تقم قرينة على الترخيص وجواز الترك، وحيث يحتمل أن يكون وقوع الصيغة أو ما شاكلها عقيب الحظر أو توهمه قرينة على الترخيص فلا ظهور لها في الوجوب بحكم العقل.

وإن شئت قلت : إنها حيث كانت محفوفة بما يصلح للقرينية فلا ينعقد له-ا ظهور فيه. إذن فحمل الصيغة أو ما شاكلها في هذا الحال على الوجوب يقوم على أساس أمرين :

أحدهما : أن تكون الصيغة موضوعة للوجوب.

وثانيهما: أن تكون أصالة الحقيقة حجة من باب التعبد كما نسب إلى السيد


1) راجع المحصول 1: 236، منهاج الوصول : 76.

(قدس سره)(1)وحيث إنّه لا واقع موضوعي لكلا الأمرين على ضوء نظريتنا فلا مقتضي لحملها على الوجوب أصلاً، ومن هنا يظهر أنه لا مقتضى لحملها عليه على ضوء نظرية المشهور أيضاً، فانّ الصيغة أو ما شابهها على ضوء هذه النظرية وإن كانت موضوعة للوجوب إلّا أنّه لا دليل على حجية أصالة الحقيقة

من باب التعبد، وإنّما هي حجة من باب الظهور ولا ظهور في المقام، لما عرفت من احتفافها بما يصلح للقرينية، ومن ذلك يظهر أنّه لا وجه لدعوى حملها على الاباحة أو تبعيتها لما قبل النهي إن علّق الأمر بزوال علة النهي، وذلك لأنّ هذه الدعوى تقوم على أساس أن يكون وقوعها عقيب الحظر أو توهمه قرينة عامة على إرادة أحدهما بحيث تحتاج إرادة غيرهما إلى قرينة خاصة، إلا أنّ الأمر ليس كذلك، لاختلاف موارد استعمالها فلا ظهور لها في شيء من المعاني المزبورة.

فالنتيجة : أنها مجملة، فارادة كل واحد من تلك المعاني تحتاج إلى قرينة.


1) لاحظ الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 13.

دلالة الأمر على المرة أو التكرار

لا إشكال في انحلال الأحكام التحريمية بانحلال موضوعاتها كما تنحل بانحلال المكلفين خارجاً، ضرورة أنّ المستفاد عرفاً من مثل قضية لا تشرب الخمر أو ما شاكلها انحلال الحرمة بانحلال وجود الخمر في الخارج، وأنه متى ما وجد فيه خمر كان محكوماً بالحرمة، كما هو الحال في كافة القضايا الحقيقية.

وأما التكاليف الوجوبية فأيضاً لا إشكال في انحلالها بانحلال المكلفين وتعددها بتعددهم، بداهة أنّ المتفاهم العرفي من مثل قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (1)أو ما شاكله، هو تعدد وجوب الحج بتعدد أفراد المستطيع خارجاً. وأما انحلالها بانحلال موضوعاتها فيختلف ذلك باختلاف الموارد فتنحل في بعض الموارد دون بعضها الآخر. ومن الأوّل : قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) (2)وقوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (3)وما شاكلها، حيث إنّ المتفاهم العرفي منهما هو الانحلال وتعدد وجوب الصلاة ووجوب الصوم عند تعدد الدلوك والرؤية.)ومن الثاني : قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ إلخ، حيث إنّ المستفاد)


1) آل عمران 3: 97.

2) الإسراء 17: 78.

3) البقرة 2 : 185.

منه عرفا عدم انحلال وجوب الحج بتعدد الاستطاعة خارجاً في كل سنة، بل المستفاد منه أن تحقق الاستطاعة لدى المكلف يقتضي وجوب الحج عليه فلو امتثل مرّة واحدة كفى ولا يلزمه التكرار بعد ذلك وإن تجددت استطاعته مرة ثانية.وبعد ذلك نقول : إن صيغة الأمر أو ما شاكلها لا تدل على التكرار ولا على المرّة في كلا الموردين، واستفادة الانحلال وعدمه إنما هي بسبب قرائن خارجية وخصوصيات المورد لا من جهة دلالة الصيغة عليه وضعاً.وبكلمة أخرى : أنّ المرّة والتكرار في الأفراد الطولية والوحدة والتعدد في الأفراد العرضية جميعاً خارج عن إطار مدلول الصيغة مادة وهيئة، والوجه في هذا واضح، وهو أنّ الصيغة لو دلت على ذلك فبطبيعة الحال لا تخلو من أن تدل عليه بمادتها أو بهيئتها ولا ثالث لهما، والمفروض أنها لا تدل بشيء منها على ذلك.أما من ناحية المادة : فلفرض أنّها موضوعة للدلالة على الطبيعة المهملة المعراة عنها كافة الخصوصيات منها المرّة والتكرار والوحدة والتعدد فلا تدلعلى شيء منها.وأما من ناحية الهيئة : فقد تقدّم في ضمن البحوث السالفة أنها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، فلا تدل على خصوصية زائدة على ذلك، كالانحلال وعدمه أصلاً.فالنتيجة : أن هذا النزاع لا يقوم على أساس صحيح وواقع موضوعي، فعندئذٍ إن قام دليل من الخارج على تقييد الطلب بإحدى الخصوصيات المذكورة فهو، وإلا فالمرجع ما هو مقتضى الأصل اللفظي أو العملي.

أما الأصل اللفظي، كأصالة الاطلاق أو العموم إذا كان، فلا مانع من التمسك به لاثبات الاكتفاء بالمرة الواحدة في الأفراد الطولية، وهذا لا من ناحية أخذها في معنى هيئة الأمر أو مادته، لما عرفت من عدم دلالة الصيغة عليه بوجه، بل من ناحية أن متعلق الأمر هو صرف الطبيعة، وهو وإن كان كما يصدق بالمرة الواحدة يصدق بالتكرار، إلّا أنّ الاكتفاء به في ضمن المرّة الواحدة من جهة صدق الطبيعة عليها خارجاً الموجب لحصول الغرض وسقوط الأمر، وعندئذ فلا يبقى مقتض للتكرار أصلاً، كما أنّه لا مانع من التمسك به لاثبات الاكتفاء بوجود واحد في الأفراد العرضية، وهذا لا من ناحية أخذ الوحدة في معنى الأمر، لما عرفت من عدم أخذها فيه، بل من ناحية صدق الطبيعة عليه خارجاً الموجب لحصول الغرض وسقوط الأمر فلا يبقى مقتض للتعدد.وأمّا الأصل العملي في المقام، فهو أصالة البراءة عن اعتبار الأمر الزائد. وعلى الجملة : أنّ ما هو ثابت على ذمة المكلف ولا شك فيه أصلاً هو اعتبار طبيعى الفعل، وأما الزائد عليه وهو تقييده بالتكرار أو بعدمه في الأفراد الطولية أو تقييده بالتعدد أو بعدمه في الأفراد العرضية فحيث لا دليل على اعتباره، فمقتضى الأصل هو البراءة عنه، فإذا جرت أصالة البراءة عن ذلك في كلا الموردين ثبت الاطلاق ظاهراً، ومعه يكتفى بطبيعة الحال بالمرة الواحدة، لصدق الطبيعة عليها الموجب لحصول الغرض وسقوط الأمر، كما إذا أمر المولى عبده باعطاء درهم للفقير فأعطاه درهماً واحداً يحصل به الامتثال، لصدق الطبيعي عليه وعدم الدليل على اعتبار أمر زائد هذا لا إشكال فيه.

### الامتثال بعد الامتثال#### إشارة:وإنما الاشكال والنزاع في إتيان المأمور به ثانياً بعد إتيانه أولاً، ويُسمّى ذلك بالامتثال بعد الامتثال، فهل يمكن ذلك أم لا ؟ فيه وجوه، ثالثها: التفصيل بين بقاء الغرض الأقصى وعدمه، وقد اختار المحقق صاحب الكفاية (قدس سره هذا التفصيل وقد أفاد في وجه ذلك ما إليك نصّه:)والتحقيق أن قضية الاطلاق إنّما هو جواز الاتيان بها مرّة في ضمن فرد أو أفراد، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال كايجادها في ضمن الواحد، لا جواز الاتيان بها مرّة أو مرّات، فانّه مع الاتيان بها مرّة لا محالة يحصل الامتثال ويسقط به الأمر فيما إذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرده، فلا يبقى معه مجال لاتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر أو بداعي أن يكون الاتيانان امتثالاً واحداً، لما عرفت من حصول الموافقة باتيانها وسقوط الغرض معها وسقوط الأمر بسقوطه فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً.وأما إذا لم يكن الامتثال علّة تامة لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتى به ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلاً، فلا يبعد صحة تبديل الامتثال باتيان فرد آخر أحسن منه بل مطلقاً، كما كان له ذلك قبله على ما يأتي بيانه في الإجزاء (1.)


1) كفاية الأصول : 79.

والصحيح هو عدم جواز الامتثال بعد الامتثال، وذلك لأن مقتضى تعلق الأمر بالطبيعة بدون تقييدها بشيء كالتكرار أو نحوه حصول الامتثال بايجادها في ضمن فردٍ ما في الخارج لفرض انطباقها عليه قهراً، ولا نعني بالامتثال إلا انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المأتي به في الخارج، ومعه لا محالة يحصل الغرض ويسقط الأمر، فلا يبقى مجال للامتثال مرّة ثانية، لفرض سقوط الأمر بالامتثال الأول وحصول الغرض به فالاتيان بها بداعيه ثانياً خلف. ومن هنا سنذكر إن شاء اللّه تعالى في مبحث الإجزاء أن الاتيان بالمأمور به بجميع أجزائه وشرائطه علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر، فعدم الاجزاء غير معقول، بل لو لم يكن الامتثال الأوّل مسقطاً للأمر وموجباً لحصول الغرض لم يكن الامتثال الثاني أيضاً كذلك لفرض أنّه مثله فلا تفاوت بينهما، على أنه لا معنى لجواز الامتثال ثانياً بعد فرض بقاء الأمر والغرض.#### توهم جواز تكرار الامتثال في موردينوإن شئت قلت: إنّ لأمر واحد ليس إلا امتثالاً واحداً، فعندئذ إن سقط الأمر بالامتثال الأوّل لم يعقل امتثاله ثانياً وإلا وجب ذلك، ضرورة أن حدوث الغرض كما يوجب حدوث الأمر، كذلك بقاؤه يوجب بقاءه، فجواز الامتثال بعد الامتثال عندئذ لا يرجع إلى معنى معقول. نعم، إذا أتى المكلف بما لا ينطبق عليه المأمور به خارجاً وجب عليه الاتيان به مرّة ثانية، إلا أنه ليس امتثالاً بعد الامتثال لفرض أنّ الأوّل ليس امتثالاً له.ومن ضوء هذا البيان يظهر نقطة الخطأ في كلام صاحب الكفاية (قدس سره وهي الخلط بين الغرض المترتب على وجود المأمور به في الخارج من دون دخل شيء آخر فيه، وبين غرض الآمر كرفع العطش مثلاً، حيث إن حصوله يتوقف على فعل نفسه وهو الشرب زائداً على الاتيان بالمأمور به، ومن الطبيعي)

أنّ المكلف لا يكون مأموراً بايجاده وامتثاله لخروجه عن قدرته واختياره، فالواجب على المكلف ليس إلّا تمكين المولى من الشرب وتهيئة المقدمات له، فانّه تحت اختياره وقدرته وهو يحصل بصرف الامتثال الأوّل وكيف كان فان حصل الغرض من الامتثال الأوّل وسقط الأمر لم يعقل الامتثال الثاني إلا تشريعاً، وإن لم يحصل وجب ذلك ثانياً، وعلى كلا التقديرين فلا معنى لجوازه أصلاً.نعم، قد يتوهم جواز ذلك في موردين:أحدهما في صلاة الآيات، حيث قد ورد فيها أنّ من صلى صلاة الآيات فله أن يعيد صلاته مرّة ثانية ما دامت الآية باقية (1، وهذا يدل على جواز الامتثال مرّة ثانية بعد الامتثال الأوّل.)وثانيهما : في الصلاة اليومية، حيث قد ورد فيها أن من صلّى فرادى وأقيمت الجماعة فله أن يعيد صلاته مرّة أخرى فيها (2، وهذا أيضاً يدل على جواز الامتثال بعد الامتثال.)ولكن هذا التوهم خاطئ في كلا الموردين ولا واقع له.أمّا في المورد الأوّل : فهو لا يدل على أزيد من استحباب الاعادة مرة ثانية بداعي الأمر الاستحبابي، بداهة أنّ الأمر الوجوبي قد سقط بالامتثال الأوّل فلا تعقل الاعادة بداعيه.وبكلمة أخرى : أنّ صلاة الآيات متعلقة لأمرين: أحدهما أمر وجوبي والآخر أمر استحبابي، غاية الأمر أنّ الأوّل تعلق بصرف طبيعة الصلاة والثاني


1) الوسائل 7 : 498 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 8 ح 1.

2) الوسائل 8: 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1.

تعلق بها بعنوان الاعادة، ويستفاد الأمر الثاني من الروايات الواردة في المقام، وعليه فالاعادة بداعي الأمر الاستحبابي لا بداعي الأمر الأوّل، لتكون من الامتثال بعد الامتثال، كيف فلو كانت بداعي الأمر الأوّل لكانت بطبيعة الحال واجبة، وعندئذ فلا معنى لجوازها.فالنتيجة : أنّه لا إشعار في الروايات على ذلك فما ظنك بالدلالة.وأما في المورد الثاني : فأيضاً كذلك، ضرورة أنه لا يستفاد منها إلا استحباب الاعادة جماعة، فإذن تكون الاعادة بداعي الأمر الاستحبابي لا بداعي الأمر الأوّل، وإلا لكانت واجبة وهذا خلف. نعم، هنا روايتان صحيحتان ففي إحداهما أمر الإمام بجعل الصلاة المعادة فريضة، وفي الأخرى يجعلها فريضة إن شاء. ولكن لا بد من رفع اليد عن ظهورهما أوّلاً بقرينة عدم إمكان الامتثال ثانياً بعد الامتثال، وحملها على جعلها قضاء عما فات منه من الصلاة الواجبة ثانياً، أو على معنى آخر، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الإجزاء(1إن شاء اللّه تعالى.)


1) في ص 40.

### دلالة الأمر على الفور أو التراخي#### إشارة:يقع الكلام فيهما تارة في مقام الثبوت وأخرى في مقام الاثبات.أما المقام الأوّل : فالواجب ينقسم إلى ثلاثة أصناف:الصنف الأوّل: ما لا يكون مقيداً بالتقديم ولا بالتأخير من ناحية الزمان، بل هو مطلق من كلتا الناحيتين، ومن هنا يكون المكلف مخيراً في امتثاله بين الزمن الأوّل والزمن الثاني وهكذا، ويسمى هذا الصنف من الواجب بالواجب الموسّع، وذلك كالصلاة وما شاكلها. نعم، إذا لم يطمئن باتيانه في الزمن الثاني وجب عليه الاتيان في الزمن الأوّل، ولكن هذا أمر آخر أجنبي عما نحن بصدده.الصنف الثاني : ما يكون مقيداً بالتأخير فلو قدمه في أوّل أزمنة الامكان لم يصح، ويسمى هذا الصنف بالواجب المضيق كالصوم وما شابهه. الصنف الثالث : ما يكون مقيداً بالتقديم وهذا على قسمين : الأول : أنيكون ذلك بنحو وحدة المطلوب. الثاني: أن يكون بنحو تعدد المطلوب.أما الأوّل: فمردّه إلى وجوب الاتيان به فى أوّل أزمنة الامكان فوراً من ناحية، وإلى سقوط الأمر عنه في الزمن الثاني من ناحية أخرى، وعليه فلو عصى المكلف ولم يأت به في الزمن الأوّل سقط الأمر عنه ولا أمر في الزمن الثاني، وقد مثل لذلك برد السلام حيث إنّه واجب على المسلّم عليه في أوّل أزمنة الامكان، ولكن لو عصى ولم يأت به سقط الأمر عنه في الزمن الثاني.وأما الثاني : فهو أيضاً على شكلين أحدهما: أن يكون المطلوب هو إتيانه

في أوّل أزمنة الامكان وإلا ففي الزمن الثاني وهكذا فوراً ففوراً، فالتأخير فيه كما لا يوجب سقوط أصل الواجب كذلك لا يوجب سقوط فوريته. قيل ومن هذا القبيل قضاء الفوائت يعني يجب على المكلف الاتيان به-ا ف-وراً ففوراً. وثانيهما: أن يكون المطلوب من الواجب إتيانه في أوّل أزمنة الامكان فوراً إلا أن المكلف إذا عصى وأخر عنه سقطت فوريته دون أصل الطبيعة، فعندئذ لا يجب عليه الاتيان بها فوراً ففوراً، بل له أن يمتثل الطبيعة في أي وقت وزمن شاء وأراد. وعلى الجملة : فالمكلف إذا لم يأت به في أوّل الوقت وعصى، جاز له التأخير إلى آخر أزمنة الامكان. ومن هذا القبيل صلاة الزلزلة فانها واجبة على المكلف في أوّل أزمنة الامكان فوراً، ولكنه لو تركها فيه وعصى جاز له التأخير إلى ما دام العمر موسعاً.وأمّا المقام الثاني : - وهو مقام الاثبات - فالصيغة لا تدل على الفور ولا على التراخي فضلاً عن الدلالة على وحدة المطلوب أو تعدده، والسبب في ذلك : أنّ الصيغة لو دلت على ذلك فبطبيعة الحال إمّا أن تكون من ناحية المادة أو من ناحية الهيئة، ومن الواضح أنها لا تدل عليه من كلتا الناحيتين.أمّا من ناحية المادة فواضح، لما تقدّم في ضمن البحوث السابقة من أنّ المادة موضوعة للطبيعة المهملة العارية عن جميع الخصوصيات والعوارض فلا تدل إلا على إرادتها، فكل من الفور والتراخي وما شاكلها خارج عن مدلولها.وأما من ناحية الهيئة، فأيضاً كذلك، لما عرفت بشكل موسع من أنه-ا وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني على ذمة المكلف في الخارج فلا تدل على شيء من الخصوصيات المزبورة بل ولا إشعار فيها فما ظنك بالدلالة، فثبوت كل واحدة من تلك الخصوصيات يحتاج إلى دليل خارجي، فان قام فهو، وإلا فاللازم هو الاتيان بالطبيعي المأمور به مخيراً عقلاً بين الفور

والتراخي. وعلى هذا فلو شككنا في اعتبار خصوصية زائدة كالفور أو التراخي أو نحو ذلك، فمقتضى الأصل اللفظي من عموم أو إطلاق إذا كان ه-و ع-دم اعتبارها وأنّ الواجب هو الطبيعي المطلق، ولازم ذلك جواز التراخي، وقد عرفت أنه لا فرق في حجية الأصول اللفظية بين المثبت منها وغيره.هذا إذا كان في البين أصل لفظي. وأما إذا لم يكن كما إذا كان الدليل مجملاً أو إجماعاً، فالمرجع هو الأصل العملي وهو في المقام أصالة البراءة، للشك في اعتبار خصوصية زائدة كالفور أو التراخي، وحيث لا دليل عليه فأصالة البراءة تقتضي عدم اعتبارها، وبذلك يثبت الاطلاق في مقام الظاهر.فالنتيجة : أنّ الصيغة أو ما شاكلها لا تدل على الفور ولا على التراخي فضلاً عن الدلالة على وحدة المطلوب أو تعدده، بل هي تدل على ثبوت الطبيعي الجامع على ذمة المكلف، ولازم ذلك هو حكم العقل بالتخيير بين أفراده العرضية والطولية. نعم، لو احتمل أن تأخيره موجب لفواته وجب عليه الاتيان به قوراً بحكم العقل.#### الاستدلال ببعض الآيات على الفورقد يقال كما قيل : إن الصيغة وإن لم تدل على الفور وضعاً إلا أنها تدل عليه من جهة قرينة عامة خارجية وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ (1)وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (2)ببيان أنّ اللّه (عزّ وجلّ) أمر عباده بالاستباق نحو الخير والمسارعة نحو المغفرة، ومن مصاديقهما فعل المأمور به، فاذن يجب على المكلف الاستباق والمسارعة نحوه في أوّل أزمنة الامكان وإلّا ففي الزمن الثاني وهكذا، لفرض أنهما يقتضيان الفورية إلى


1) آل عمران 3: 133.

2) البقرة 2 : 148.

الاتيان بما يصدق عليه الخير والغفران في كل وقت وزمن، وعليه فلو عصى المكلف وأخر عن أوّل أزمنة الامكان وجب عليه ذلك في الزمن الثاني أو الثالث وهكذا فوراً ففوراً، إذ من الواضح عدم سقوط وجوب المسارعة والاستباق بالعصيان في الزمن الأوّل، لفرض بقاء الموضوع والملاك، ونتيجة ذلك هي لزوم الاتيان بكافة الواجبات الشرعية فوراً ففوراً على نح-و ت-عدد المطلوب.

ولنأخذ بالنقد عليه من عدّة وجوه:

الأوّل : أن الآيتين الكريمتين أجنبيتان عن محل الكلام رأساً ولا صلة لهما بما نحن بصدده.

أما آية الاستباق، فلأنّ كلمة (فَاسْتَبِقُوا) فيها من الاستباق بمعنى المسابقة لغة وعلى هذا فظاهر الآية المباركة هو وجوب المسابقة على العباد نحو الخيرات، يعني أنّ الواجب على كل واحد منهم أن يسابق الآخر فيها. وان شئت قلت : إن مدلول الآية الكريمة هو ما إذا كان العمل خيراً للجميع، وأمكن قيام كل واحد منهم به، ففي مثل ذلك أمر (سبحانه وتعالى) عباده بالمسابقة نحوه، ومن الواضح أنه لا صلة لهذا المعنى بما نحن فيه أصلاً، وذلك لأنّ الكلام فيه إنّما هو في وجوب المبادرة على المكلف نحو امتثال الأمر المتوجه إليه خاصة على نحو الاستقلال مع قطع النظر عن الأمر المتوجه إلى غيره، وهذا بخلاف ما في الآية، فان وجوب الاستباق فيها إنّما هو بالاضافة إلى الآخر لا بالاضافة إلى الفعل، فاذن لا تدل الآية على وجوب الاستباق والمبادرة إلى الفعل أصلاً، ولا ملازمة بين الأمرين كما لا يخفى.

وأما آية المسارعة، فالظاهر من المغفرة فيها هو نفس الغفران الإلهي، فالآية

عندئذ تدل على وجوب المسارعة نحوه بالتوبة والندامة التي هي واجبة بحكم العقل، وليس المراد منها الأفعال الخارجية من الواجبات والمستحبات، فاذن الآية ترشد إلى ما استقل به العقل وهو وجوب التوبة وأجنبية عما نحن بصدده.

الثاني : على تقدير التنزل عن ذلك، وتسليم أنّ الآيتين ليستا أجنبيتين عن محل الكلام، إلا أنّ دلالتهما على ما نحن بصدده تقوم على أساس أن يكون الأمر فيهما مولوياً. وأما إذا كان إرشادياً كما هو الظاهر منه بحسب المتفاهم العرفي، فلا دلالة لها عليه أصلاً، وذلك لأنّ مفادهما على هذا الضوء ه-و الارشاد إلى ما استقل به العقل من حسن المسارعة والاستباق نحو الاتيان بالمأمور به وتفريغ الذمة منه، وتابع له في الالزام وعدمه فلا موضوعية له، ومن الواضح أنّ حكم العقل بذلك يختلف في اللزوم وعدمه باختلاف موارده.

الثالث : على تقدير التنزل عن ذلك أيضاً، وتسليم أنّ الأمر فيها مولوي، إلّا أنّه لا بد من حمله على الاستحباب، ولو حمل على ظاهره وهو الوجوب لزم تخصيص الأكثر وهو مستهجن، والسبب في ذلك : هو أن المستحبات بشتى أنواعها وأشكالها مصداق للخير وسبب للمغفرة، فلو حملنا الأمر فيها على الوجوب لزم خروجها بأجمعها عن إطلاقها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الواجبات على أصناف عديدة أحدها واجبات موسعة كالصلاة وما شاكلها، والمفروض عدم وجوب الاستباق والمسارعة نحوها. وثانيها: واجبات مضيّقة كصوم شهر رمضان ونحوه، والمفروض عدم وجوب الاتيان بها إلا في وقت خاص لا في أوّل وقت الامكان. وثالثها واجبات فورية على نحو تعدّد المطلوب، فعلى ما ذكرنا من الحمل لزم خروج الصنفين الأولين من الواجبات أيضاً عن إطلاقهما فيختص الاطلاق بخصوص الصنف الثالث، ومن الطبيعي أنّ هذا من أظهر مصاديق تخصيص الأكثر.

فالنتيجة : أنّه لا دليل على الفور لا من الداخل ولا من الخارج بحيث يحتاج عدم إرادته إلى دليل خاص، وكذلك لا دليل على التراخي، وعندئذ ففي كل مورد ثبت بدليل خاص الفور أو التراخي فهو، وإلا فمقتضى الأصل عدمه.

نتائج البحوث السابقة

نتائج البحوث إلى هنا عدّة نقاط :

الأولى : أنّ صيغة الأمر موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، ولا تدل وضعاً إلا على ذلك. وأما دلالته-ا ع-ل-ى اب--راز التهديد أو التخيير أو نحو ذلك فتحتاج إلى قرينة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أن الصيغة تستعمل دائماً في معنى واحد والاختلاف إنما هو في الداعي قد تقدّم نقده بشكل موسع.

الثانية : أنّ الوجوب مستفاد من الصيغة أو ما شاكلها بحكم العقل بمقتضى قانون العبودية والمولوية لا بالدلالة الوضعية ولا بالاطلاق ومقدمات الحكمة هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ تفسير صيغة الأمر مرة بالطلب ومرّة أخرى بالبعث والتحريك ومرّة ثالثة بالارادة لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى محصل.

الثالثة : ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) أنّ دلالة الجمل الفعلية في مقام الانشاء على الوجوب أقوى وآكد من دلالة الصيغة عليه. ولكن قد تقدّم نقده بصورة موسعة في ضمن البحوث السابقة، وقلنا هناك إنّه لا فرق بمقتضى قانون العبودية والمولوية بين الجمل الفعلية وصيغة الأمر في الدلالة على الوجوب، وما ذكره (قدس سره) من النكتة لأقوائية دلالتها قد سبق منا عدم صلاحيتها لذلك.

الرابعة : أن الواجب التوصلي يطلق على معنيين: أحدهما: ما لا يعتبر قصد

القربة فيه. وثانيهما : ما لا تعتبر المباشرة فيه من المكلف نفسه، بل يسقط عن ذمته بفعل غيره، بل ربّما لا يعتبر في سقوطه الالتفات والاختيار، بل ولا إتيانه في ضمن فرد سائغ.

الخامسة : إذا شككنا في كون الواجب توصلياً بالمعنى الثاني وعدمه، فان كان الشك في اعتبار قيد المباشرة في سقوطه وعدم اعتباره فمقتضى الاطلاق اعتباره وعدم سقوطه بفعل غيره. وأمّا إذا لم يكن إطلاق فمقتضى الأصل العملي هو الاشتغال دون البراءة. وأمّا إذا كان الشك في اعتبار الاختيار والالتفات في سقوطه وعدم اعتباره أو في اعتبار إتيانه في ضمن فرد سائغ فمقتضى الاطلاق عدم الاعتبار، فالاعتبار يحتاج إلى دليل. هذا إذا كان في البين إطلاق وأمّا إذا لم يكن فمقتضى الأصل العملي هو البراءة.

السادسة : ما إذا شككنا في اعتبار قصد القربة في واجب وعدم اعتباره، فهل هنا إطلاق يمكن التمسك به لاثبات عدم اعتباره أم لا؟

المعروف والمشهور بين الأصحاب هو أنه لا إطلاق في المقام، وقد تقدّم منا أنّ هذه الدعوى ترتكز على ركيزتين: الأولى : استحالة تقييد الواجب بقصد القربة وعدم امكانه الثانية : أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق. وذكروا في وجه الأوّل وجوهاً، وقد ناقشنا في تمام تلك الوجوه واحداً بعد،واحد، وأثبتنا عدم دلالة شيء منها على الاستحالة، كما ناقشنا فيما ذكر في وجه الثاني وبينا خطأه وأنه لا واقع موضوعي له.

السابعة : أننا لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أن أخذ قصد الأمر في متعلقه لا يمكن بالأمر الأوّل، إلّا أنّه لا مانع من أخذه فيه بالأمر الثاني، كما اختاره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)، كما أنّه لا مانع من أخذ ما يلازمه ولا ينفك


1) أجود التقريرات 1: 173.

عنه، وعلى تقدير تسليم استحالة ذلك أيضاً فلا مانع من بيان اعتباره ودخله في الغرض بجملة خبرية، ومن هنا قلنا إنه لا مانع عند الشك عند الشك في ذلك من التمسك بالاطلاق إن كان، وإلا فبأصالة البراءة.

الثامنة : أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد في مرحلة الث-ب-وت م-ن ت-قابل الضدّين وفي مرحلة الاثبات من تقابل العدم والملكة.

التاسعة : أنّه لا مانع من أخذ بقية الدواعي القربية في متعلق الأمر، ولا يلزم منه شيء من المحاذير التي توهم لزومها على تقدير أخذ قصد الأمر فيه، ولكن منع شيخنا الأستاذ (قدس سره) عن أخذها بملاك آخر قد تقدّم خطؤه بشكل موسع هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) قد اعترف بأن أخذها في المتعلق وإن كان ممكناً إلا أنه ادعى القطع بعدم وقوعه في الخارج. ولكن قد ذكرنا هناك خطأه وأنه لا يلزم م--ن عدم أخذها خاصة عدم أخذ الجامع بينها وبين قصد الأمر فلاحظ.

العاشرة : قيل : إنّ مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في ت-ع-ب-دية واجب وتوصليته هو كونه واجباً تعبدياً، واستدل على ذلك بعدة وجوه، ولكن ق--د تقدّم منا المناقشة في تمام تلك الوجوه وأنها لا تدل على ذلك، فالصحيح هو ما ذكرنا من أنّ مقتضى الأصل اللفظي عند الشك هو التوصلية.

الحادية عشرة : أنّ مقتضى الأصل العملي عند الشك يختلف باختلاف الآراء، فعلى رأي صاحب الكفاية (قدس سره) الاشتغال وعلى رأي-ن-ا البراءة شرعاً وعقلاً على تفصيل تقدّم.

الثانية عشرة : أنّ مقتضى إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً، فان إرادة كل من الوجوب الغيري والتخييري والكفائي تحتاج إلى قرينة زائدة فالاطلاق لا يكفي لبيانها.

الثالثة عشرة : أنّ الأمر الواقع عقيب الحظر أو توهمه لا يدل في نفسه لا على الوجوب ولا على الاباحة ولا على حكم ما قبل النهي، فإرادة كل ذلك منه تحتاج إلى قرينة.

الرابعة عشرة : أنّ صيغة الأمر لا تدل على المرّة ولا على التكرار في الأفراد الطولية، كما لا تدل على الوجود الواحد أو المتعدد في الأفراد العرضية لا مادة ولا هيئة، واستفادة كل ذلك تحتاج إلى قرينة خارجية.

الخامسة عشرة : أنّ الصيغة لم توضع للدلالة على الفور ولا على التراخي، بل هي موضوعة للدلالة على اعتبار المادة في ذمة المكلف، فاستفادة كل من الفور والتراخي تحتاج إلى دليل خارجي، ولا دليل في المقام. وأما آيتا المسابقة والمسارعة فلا تدلان على الفور أصلاً كما تقدّم.

مبحث الإجزاء

إشارة:

كون بحث الاجزاء بحثاً عقلياً

إتيان المأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء أم لا ؟

قبل الخوض في المقصود ينبغي لنا تقديم أمور :

الأوّل : أنّ هذه المسألة من المسائل العقلية كمسألة مقدمة الواجب ومسألة الضدّ وما شاكلها، والسبب في ذلك هو أنّ الإجزاء الذي هو الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة إنّما هو معلول للاتيان بالمأمور به خارجاً وامتثاله، ولا صلة له بعالم اللفظ أصلاً.

وبكلمة أخرى : أنّ الضابط لامتياز مسألة عقلية عن مسألة لفظية إنما هو بالحاكم بتلك المسألة، فان كان عقلاً فالمسألة عقلية، وإن كان لفظاً فالمسألة لفظية، وحيث إنّ الحاكم في هذه المسألة هو العقل فبطبيعة الحال تكون عقلية، وستأتي الاشارة إلى هذه الناحية في ضمن البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى.

معنى «على وجهه» في عنوان البحث

الثاني : ما هو المراد من كلمة «على وجهه» في العنوان ؟

ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ما هذا لفظه : الظاهر أنّ المراد من «وجهه» في العنوان هو النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعاً وعقلاً، مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً، فانّه عليه يكون على وجهه» قيداً توضيحياً وهو بعيد. مع أنه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناءً على المختار كما تقدّم من أنّ قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلاً لا من قيود المأمور به شرعاً. ولا الوجه

المعتبر عند بعض الأصحاب، فانّه مع عدم اعتباره عند المعظم وعدم اعتباره عند من اعتبره إلا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات، لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار، فلابد من إرادة ما يندرج فيه من المعنى وهو ما ذكرناه كما لا يخفى (1).

وغير خفي أن ما أفاده إنما يقوم على أساس نظريته (قدس سره) من استحالة أخذ قصد القربة قيداً في المأمور به شرعاً وانما هو قيد فيه عقلاً، إذ على هذا بطبيعة الحال يكون قيد «على وجهه» احترازياً. وأما بناءً على نظريتنا من امكان أخذه ابتداء في المأمور به أو على نظرية شيخنا الأستاذ (قدس سره) من امکان أخذه بتمم الجعل ولو بالأمر الثاني فلا محالة يكون القيد توضيحياً لا تأسيسياً حيث لا يفيد وجوده على هذا أزيد من الاتيان بالمأمور به بتمام أجزائه وشرائطه، ولا يلزم من عدمه خروج التعبديات عن محل النزاع. ودعوى أنّ ذكره إنّما هو لادخال قصد الوجه خاطئة جداً، أما أولاً: فلأنه لا دليل على اعتبار قصد الوجه. وأما ثانياً : فلاختصاصه بالعبادات في صورة الامكان فلا معنى لجعله في العنوان العام الشامل للتعبديات والتوصليات ولصورتي الامكان وعدمه. هذا مضافاً إلى أنّه لا وجه لتخصيصه بالذكر من بين سائر الأجزاء والشرائط حيث إنّه على تقدير اعتباره أحد تلك الأجزاء أو الشرائط

المراد بالاقتضاء في المقام

الثالث : ما هو المراد من الاقتضاء ؟

ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ما هذا لفظه : الظاهر أن المراد من الاقتضاء هاهنا الاقتضاء بنحو العلية والتأثير لا بنحو الكشف والدلالة، ولذا نسب إلى الاتيان لا إلى الصيغة. إن قلت هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى


1) كفاية الأصول: 81.

أمره، وأما بالنسبة إلى أمر آخر كالاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلها على اعتباره بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده. قلت : نعم، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم، غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما إنما هو الخلاف فى دلالة دليلها، هل أنه على نحو يستقل العقل بأن الاتيان به موجب للإجزاء ويؤثر فيه، وعدم دلالته، ويكون النزاع فيه صغروياً أيضاً، بخلافه في الإجزاء بالاضافة إلى أمره فانه لا يكون إلا كبروياً لو كان هناك نزاع كما نقل عن بعض فافهم (1).

ما أفاده (قدس سره) متين جداً، والسبب في ذلك واضح، وهو أنّ غرض المولى متعلق باتيان المأمور به بكافة أجزائه وشرائطه، فاذا أتى المكلف بالمأمور به كذلك، حصل الغرض منه لا محالة وسقط الأمر، ضرورة أنه لا يعقل بقاؤه مع حصوله، كيف حيث إنّ أمده بحصوله، فاذا حصل انتهى الأمر بانتهاء أمده وإلّا لزم الخلف أو عدم إمكان الامتثال أبداً، وهذا هو المراد من الاقتضاء في عنوان المسألة لا العلة في الأمور التكوينية الخارجية كما ه-و واضح، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ عمدة النزاع في المسألة إنما هي في الصغرى، يعني في دلالة أدلّة الأمر الاضطراري أو الظاهري على ذلك وعدم دلالتها. ولكن بعد إثبات الصغرى فالمراد من الاقتضاء فيها هذا المعنى، فإذن لا فرق بين اقتضاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعى الإجزاء عن أمره وبين اقتضاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري الإجزاء عنه، فهما بمعنى واحد وهو ما عرفت.


1) كفاية الأصول : 81.

المراد من الاجزاء في المقام

الرابع: في بيان المراد من الإجزاء. الظاهر أنه لم يثبت له معنی اصطلاحي خاص في مقابل معناه اللغوي، ليكون هذا المعنى الاصطلاحي هو المراد منه في المقام، بل المراد منه هو معناه اللغوي وهو الكفاية غاية الأمر أن متعلقها يختلف باختلاف الموارد فقد يكون متعلقها القضاء، وقد يكون الاعادة، فاجزاء المأتي به عن المأمور به هو كفايته عما أمر به إعادة وقضاء، أو قضاءً فقط، فيما إذا دلّ الدليل على وجوب الاعادة دونه، وذلك كمن صلّى في الثوب المتنجس نسياناً حيث إنّه على المشهور إذا تذكر في الوقت وجبت الاعادة عليه، وإذا تذكر في خارج الوقت لم يجب القضاء، وإن كان الأقوى عندنا وجوبه. أو المسافر الذي يتم في السفر نسياناً أو جاهلاً بالموضوع، حيث إنّه إذا تذكر أو ارتفع جهله في الوقت وجبت الاعادة عليه، وإن تذكر أو ارتفع في خارج الوقت لم يجب القضاء، وهكذا. فاجزاء المأتي به عن المأمور به في أمثال الموارد هو كفايته عما أمر به قضاءً لا إعادة.

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار

الخامس : قد يتوهم أنه لا فرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار بدعوى أن القول بالإجزاء موافق للقول بالمرة، والقول بعدم الإجزاء موافق للقول بالتكرار، فإذن لا وجه لعقدهما مسألتين مستقلتين بل ينبغي عقدهما مسألة واحدة. كما أنه قد يتوهم عدم الفرق بينها وبين مسألة تبعية القضاء للأداء، باعتبار أنّ القائل بالتبعية يلتزم ببقاء الأمر في خارج الوقت عند عدم امتثاله في الوقت وهو متحد في النتيجة مع القائل بعدم الإجزاء، وعليه فلا فرق بين مسألتنا هذه وتلك المسألة.

ولكن كلا التوهمين خاطئ جداً.

أمّا الأوّل: فلأنّ القول بالإجزاء وإن كان موافقاً في النتيجة مع القول بالمرة، كما أنّ القول بعدم الإجزاء موافق في النتيجة مع القول بالتكرار، إلا أن مجرد

ذلك لا يوجب اتحاد المسألتين، وذلك لما تقدّم في ضمن البحوث السابقة (1)من أنّ الضابط لامتياز مسألة عن مسألة أخرى إنما هو بالجهة المبحوث عنها في المسألة، وحيث إن الجهة المبحوث عنها في مسألتنا هذه غير الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة، فلا مناص من تعددهما، وذلك لأن الجهة المبحوث عنها في مسألة المرّة والتكرار إنما هي تعيين حدود المأمور به شرعاً من حيث السعة والضيق وأنّه الطبيعة المقيدة بالمرة أو التكرار وفي هذه المسألة إنما هي إجزاء الاتيان بالمأمور به عن الواقع عقلاً وعدم إجزائه بعد الفراغ عن تعيين حدوده شرعاً.

الفرق بين هذه المسألة ومسألة تبعية القضاء للأداء

وإن شئت قلت : إن البحث في المسألة الأولى بحث عن دلالة الصيغة أو ما شاكلها على المرّة أو التكرار ولذا تكون من المباحث اللفظية، والبحث في هذه المسألة بحث عن وجود ملازمة عقلية بين الاتيان بالمأمور ب-ه خ-ارجاً وبين إجزائه، ومن هنا قلنا إنّها من المسائل العقلية.

وصفوة القول : أنّ الاشتراك في النتيجة لو كان موجباً لوحدة المسألتين أو المسائل لكان اللازم أن يجعل المسائل الأصولية بشتى أشكالها وألوانها مسألة واحدة، لاشتراك الجميع في نتيجة واحدة وهي القدرة على الاستنباط وهذا كما تری.

وأما التوهم الثاني : فلأن مسألتنا هذه تختلف عن مسألة تبعية القضاء للأداء موضوعاً وجهة، أمّا الأوّل: فلأنّ الموضوع في هذه المسألة هو الاتيان بالمأمور به وأنه يجزي عن الواقع أم لا ؟ والموضوع في تلك المسألة هو عدم الاتيان بالمأمور به في الوقت ومن الطبيعي أنّه لا جامع بين الوجود والعدم،


1) [بل سيأتي في المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 375].

وعليه فلا ربط بين المسألتين في الموضوع أصلاً. وأما الثاني: فلأن الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة إنّما هي وجود الملازمة بين الاتيان بالمأمور به وإجزائه عن الواقع عقلاً وعدم وجودها، والجهة المبحوث عنها في تلك المسألة دلالة الأمر من جهة الاطلاق على تعدد المطلوب وعدم دلالته عليه، إنما هي فإذن لا ارتباط بينهما لا في الموضوع ولا في الجهة المبحوث عنها.

وبعد ذلك نقول : إنّ الكلام يقع في مسائل ثلاث:

الأولى: أنّ إتيان المأمور به بكل أمر يقتضى الإجزاء عن أمره عقلاً، سواء أكان ذلك الأمر أمراً واقعياً أو اضطرارياً أو ظاهرياً ؟

الثانية : أنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري هل يوجب الإجزاء عن الأمر الواقعي أم لا ؟

الثالثة : أنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري هل يوجب الإجزاء عنه إعادةً وقضاء، أو قضاء فحسب أم لا ؟

إجزاء كل مأمور به عن أمره

توهم جواز الامتثال بعد الامتثال في موردين

أمّا الكلام في المسألة الأولى : فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)أن إجزاء الاتيان بكل مأمور به عن أمره عقلي سواء كان أمراً واقعياً أو اضطرارياً أو ظاهرياً، ضرورة أنّ العقل يستقل بعدم بقاء موضوع للتعبد ثانياً.

أقول : الأمر كما أفاده (قدس سره) ومن هنا لا نزاع فيه وإن نسب الخلاف إلى بعض، ولكنّه على تقدير صحته لا يعتد به أصلاً، والوجه في ذلك : هو أن المكلف إذا جاء بالمأمور به وأتى به خارجاً واجداً لجميع الأجزاء والشرائط حصل الغرض منه لا محالة وسقط الأمر، وإلا لزم الخلف أو عدم إمكان الامتثال أبداً، أو بقاء الأمر بلا ملاك ومقتض، والجميع محال. أما الأول : فلان لازم بقاء الأمر تعدد المطلوب لا وحدته وهو خلف. وأما الثاني : فلأن الامتثال الثاني كالامتثال الأوّل، فإذا لم يكن الأوّل موجباً لسقوط الأمر فالثاني مثله، وهكذا. وأمّا الثالث : فلأنّ الغرض إذا تحقق في الخارج ووجد كيف يعقل بقاء الأمر، ضرورة استحالة بقائه بلا مقتض وسبب.

فالنتيجة : أن إجزاء الاتيان بالمأمور به عن أمره ضروري من دون فرق في ذلك بين المأمور به الواقعي والظاهري والاضطراري أصلاً.

وعلى ضوء ما بيناه قد ظهر أنّ الامتثال عقيب الامتثال غير معقول.

ولكن قد يتوهم جواز الامتثال بعد حصول الامتثال في موردين :


1) كفاية الأصول : 83.

أحدهما: جواز إعادة من صلّى فرادى جماعة، وقد دلّت على ذلك عدّة روايات منها : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنّه قال: في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال : يصلي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء»(1)ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث «قال : لا ينبغي للرجل أن يدخل معهم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها، وإن كان قد صلّى فانّ له صلاة أخرى» (2)إلى غيرهما من الروايات الواردة في هذا الباب، فهذه الروايات تدل على جواز الامتثال ثانياً بعد حصول الامتثال الأوّل وهو الاتيان بالصلاة فرادى، وهذا من الامتثال بعد الامتثال الذي قد قلنا باستحالته.

وثانيهما: جواز إعادة من صلى صلاة الآيات ثانياً، وقد دلّت على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبدالله (عليه السلام) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد (3)وغيرها من الروايات الواردة في المقام، فانّها ظاهرة في وجوب إعادتها ثانياً فضلاً عن أصل مشروعيتها، وهذا معنى الامتثال بعد الامتثال.

أقول: أما الجواب عن المورد الأوّل: فالنصوص الواردة فيه على طائفتين :

إحداهما : ما وردت في إعادة الصلاة مع المخالفين، منها: صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنّه قال : ما منكم أحد يصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقيّة وهو متوضئ إلا كتب اللّه له بها خمساً وعشرين


1) الوسائل 8: 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 1.

2) الوسائل 8: 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 2.

3) الوسائل 7: 498 / أبواب صلاة الكسوف والآيات ب 8 ح 1.

درجة فارغبوا في ذلك» (1). ومنها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (علیه السلام) «قال : ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب اللّه له خمساً وعشرين درجة»(2)وغيرهما من الروايات الواردة في هذا المورد. وهذه الطائفة لاتدل على مشروعية الامتثال بعد الامتثال أصلاً، والسبب في ذلك : أنها وردت في مقام التقية فتكون الاعادة لأجلها، ولولا التقية لم يكن لنا دليل على جوازها ومشروعيتها. وعلى الجملة: فالروايات الدالة على جواز الاعادة تقية لا تدل على جواز الامتثال بعد الامتثال، فهذه الطائفة أجنبية عن محل الكلام ولا صلة لها بما نحن بصدده.

وثانيتهما : ما دلّت على إعادة الصلاة جماعة منها : الصحيحتان المتقدمتان(3)ولكنّهما أيضاً لا تدلان على مشروعية الامتثال ثانياً، بداهة أنّ الامتثال الأوّل وهو الاتيان بالمأمور به بجميع أجزائه وشرائطه - مسقط لأمره، ويكون علّة له وإلّا فلا يعقل سقوطه، بل مفاد تلك الروايات استحباب الاعادة جماعة بداعي الأمر الاستحبابي - لا بداعي الأمر الأوّل - المستفاد من نفس تلك الروايات، أو بداعي الأمر الوجوبي قضاءً لا أداءً وعليه تدل صحيحة هشام ابن سالم «يصلي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء» (4)وصحيحة حفص بن البختري «يصلي معهم ويجعلها الفريضة» (5)بقرينة قوله (عليه السلام) في صحيحة إسحاق


1) الوسائل 8: 302/ أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 1.

2) الوسائل 8: 302/ أبواب صلاة الجماعة ب 6 ح 2.

3) في الصفحة السابقة.

4) تقدّم ذكر مصدرها في الصفحة السابقة.

5) الوسائل 8: 403 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 11.

ابن عمار صلّ واجعلها لما فات» (1).

وبتعبير آخر: أنّ المستفاد من تلك الطائفة من الروايات هو أن إعادة الصلاة جماعة بعد الاتيان بها فرادى أمر مستحب، فيكون الاتيان بها بقصد ذلك الأمر الاستحبابي. نعم، من كان في ذمته قضاء فله أن يجعلها لما فات. فالنتيجة أنها أجنبية عن الدلالة على جواز الامتثال بعد الامتثال بالكلية، فضلاً عن الدلالة على أنّ سقوط الأمر الأوّل مراعى بعدم تعقب الامتثال الآخر جماعة. وأما ما ورد من الرواية من أنّ اللّه تعالى يختار أحبّهما إليه (2)فيرده ضعف السند فلا يمكن الاعتماد عليه وعلى تقدير تسليم سنده فهو لا يدل على جواز تبديل الامتثال بالامتثال الآخر وكون سقوط الأمر مراعي بعدم تعقب الأفضل، وذلك لأنّ معناه واللّه العالم هو أنّ اللّه تعالى يعطي ثواب الجماعة فانها عنده تعالى أحب من الصلاة فرادى، وهذا تفضل منه تعالى، ولا سيما إذا قلنا بأنّ أصل الثواب من باب التفضل لا من باب الاستحقاق. وكيف ما كان، فهذه الرواية ساقطة كغيرها من الروايات، فلا وجه لاطالة الكلام فيها كما عن شيخنا المحقق (قدس سره) (3). مع أنّ ما أفاده (قدس سره) في تفسير هذه الرواية خارج عن الفهم العرفي وراجع إلى الدقة الفلسفية كما لا يخفى.

وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر فساد ما احتمله شيخ الطائفة (قدس سره) في التهذيب وإليك نصه : والمعنى في هذا الحديث قوله (عليه السلام) «يصلّي ويجعلها الفريضة إن شاء» أنّ من يصلّي ولم يفرغ من صلاته ووجد جماعة

معهم فليجعلها نافلة ثمّ يصلّي في جماعة، وليس ذلك لمن فرغ من صلاته بنية الفرض،


1) الوسائل 8: 404 / أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.

2) الوسائل 8: 403 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 10 (نقل بالمضمون).

3) نهاية الدراية 1: 374.

لأنّ من صلّى الفرض بنيّة الفرض فلا يمكن أن يجعلها غير فرض (1)وأيّده الوحيد (قدس سره) (2)بقوله بأنه ظاهر صيغة المضارع.

وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) خلاف ظاهر الحديث، بل خلاف صريحه فانه نص من جهة العطف بكلمة «ثم» [ في] أنّ وجدانه الجماعة بعد الفراغ عن الصلاة فرادى لا في أثنائها. وبذلك ظهر أنه لا وجه لتأييد الوحيد (قدس سره) بأنه ظاهر صيغة المضارع، فانّها وإن كانت ظاهرة في الفعلية إلّا أنّ العطف بكلمة «ثم» يدل على أنّ وجدانه الجماعة كان متأخراً زماناً عن إتيانه بالصلاة فرادی.

وأما الجواب عن المورد الثاني: فالصحيح هو أنه لا بد من رفع اليد عن ظهور تلك الروايات في وجوب الاعادة وحملها على الاستحباب، وذلك لاستقلال العقل بسقوط الأمر بالامتثال الأوّل فلا يعقل أن تكون الاعادة بداعي ذلك الأمر كما أشرنا إليه في ضمن البحوث السالفة أيضاً.

فالنتيجة قد تحققت لحد الآن في عدّة خطوط :

الأوّل : أن مسألة الإجزاء مسألة أصولية عقلية وليست من المسائل اللفظية. الثاني : أن الاتيان بكل مأمور به مسقط لأمره، وهذا ليس من محل الكلام في شيء، وإنما الكلام في سقوط الأمر الواقعي باتيان المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري.

الثالث : أن الروايات الدالة على جواز الاعادة على اختلافها لا تدل على الامتثال بعد الامتثال.


1) التهذيب 3: 50 / 176.

2) حاشية المدارك : 254.

إجزاء المأمور به الاضطراري عن المأمور به الاختياري

1 - زوال العذر في الوقت

تحرير محل النزاع

وأمّا الكلام في المسألة الثانية: وهي أنّ الاتيان بالمأمور به ب-الأم-ر الاضطراري هل هو مجز عن الواقع أم لا، فيقع في مقامين : الأول : فيما إذا ارتفع العذر في الوقت الثاني : فيما إذا ارتفع في خارج الوقت.

أمّا الكلام في المقام الأوّل: فليعلم أنّ محل النزاع في الإجزاء وعدمه في هذا المقام إنما هو فيا إذا كان المأتي به في أوّل الوقت مأموراً به بالأمر الواقعي الاضطراري، وذلك كما إذا كان الموضوع للأمر الاضطراري وجود العذر وإن كان غير المستوعب لتمام الوقت، ففي مثله يقع الكلام في أنّ الاتيان به هل مجز عن الواقع أو أنّه غير مجز. وأمّا إذا كان الموضوع له العذر المستوعب لتمام الوقت فلا مجال للنزاع هنا أصلاً، وذلك لعدم الأمر حينئذ واقعاً ليقال إنّ امتثاله مجز عن الواقع أم لا، وذلك كما لو اعتقد المكلف استيعاب العذر في تمام الوقت فصلّى في أوّل الوقت ثم انكشف الخلاف وظهر أن العذر لم يكن مستوعباً.، ففى مثل ذلك لا أمر واقعاً ولا ظاهراً ليقال إن امتثاله مجز عن الواقع أو لا. وأما إذا قامت الحجة على الاستيعاب وصلّى في أوّل الوقت ثم انكشف الخلاف فهو داخل في المسألة الثالثة وهي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الواقع وعدم إجزائه عنه وخارج عن مسألتنا هذه.

وإن شئت فقل : إنّ محل البحث في هذه المسألة هو ما إذا كان الموضوع للأمر الواقعي الاضطراري وجود العذر في زمان الاتيان بالواجب، لا العذر المستوعب لجميع الوقت، وإلا فلا يجوز البدار حقيقة، ف-ان ج-وازه حينئذ

مستند إلى أحد أمرين : إما إلى القطع باستيعاب العذر، أو إلى قيام أمارة كالبينة أو نحوها على الاستيعاب، ومع انكشاف الخلاف في هاتين الصورتين ينكشف أنه لا أمر اضطراري واقعاً ليقع البحث في إجزائه عن الواقع نعم في الصورة الثانية الأمر الظاهري موجود ومن هنا قلنا بدخول هذه الصورة في المسألة الآتية، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ محل الكلام في إجزاء الاتيان بالمأمور ب-ه ب-الأمر الاضطراري عن الواقع وعدمه فيما إذا كان الأمر الاضطراري ناشئاً عن مصلحة الواقع، وأما إذا كان ناشئاً عن مصلحة أخرى أجنبية عن مصلحةالواقع فهو خارج عن محل الكلام، وذلك كالأمر في موارد التقية حيث إنّه نشأ من المصلحة الكامنة في نفس الاتقاء وهو حفظ النفس أو العرض أو المال، ومن الطبيعي أنّ تلك المصلحة أجنبية عن مصلحة الواقع، وعليه فلا مقتضي للإجزاء فيها من هذه الناحية نعم قد قلنا بالإجزاء في تلك الموارد، من ناحية أخرى وهي وجود دليل خاص على ذلك كما ذكرناه في محلّه.

نقد كلام صاحب الكفاية في المقام

وبعد ذلك نقول : قد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ما هذا لفظه : تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراري من الأنحاء، وبيان ما هو قضية كل منها من الإجزاء وعدمه، وأخرى في تعيين ما وقع عليه. فاعلم أنه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار كالتكليف الاختياري في حال الاختيار وافياً بتمام المصلحة وكافياً فيا هو المهم والغرض. ويمكن أن لا يكون وافياً به كذلك، بل يبقى منه شيء أمكن استيفاؤه أو لا يمكن وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحب. ولا يخفى أنّه إن كان وافياً به يجزي، فلا مجال أصلاً للتدارك لا قضاءً ولا إعادةً، وكذا لو لم يكن وافياً ولكن لا يمكن تداركه، ولا

یکاد يسوغ له البدار في هذه الصورة إلّا لمصلحة كانت فيه، لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة لولا مراعاة ما هو فيه من الأهم فافهم.

لا يقال : عليه فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار، لامكان استيفاء الغرض بالقضاء. فانه يقال : هذا كذلك لولا المزاحمة بمصلحة الوقت. وأما تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الأولى فيدور مدار كون العمل بمجرد الاضطرار مطلقاً، أو بشرط الانتظار، أو مع اليأس عن طروء الاختيار ذا مصلحة ووافياً بالغرض. وإن لم يكن وافياً وقد أمكن تدارك الباقي في الوقت، أو مطلقاً ولو بالقضاء خارج الوقت فان كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزي، بل لا بد من إيجاب الاعادة أو القضاء وإلّا فيجزي. ولا مانع عن البدار في الصورتين، غاية الأمر يتخير في الصورة الأولى بين البدار والاتيان بعملين : العمل الاضطراري في هذا الحال والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار، أو الانتظار والاقتصار باتيان ما هو تكليف المختار. وفي الصورة الثانية يجزي البدار، ويستحب الاعادة بعد طروء الاختيار. هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الأنحاء (1).

ملخص ما أفاده (قدس سره) بحسب مقام الثبوت أربع صور :

الأولى: أن يكون المأمور به بالأمر الاضطراري الواقعي مشتملاً على تمام مصلحة الواقع.

الثانية : أن يكون مشتملاً على بعضها مع عدم إمكان استيفاء الباقي.

الثالثة : هذه الصورة مع إمكان تدارك الباقي ولكنه ليس بحد يلزم استيفاؤه.

الرابعة : أن يكون الباقي واجب الاستيفاء والتدارك.


1) كفاية الأصول : 84.

ولنأخذ بالنظر إلى هذه الصور:

أمّا الصورة الأولى : فلا إشكال في الإجزاء عن الواقع وجواز البدار حقيقة وواقعاً، لعدم الفرق حينئذ بين الفرد الاضطراري والفرد الاختياري في الوفاء بالملاك والغرض أصلاً.

وأما الصورة الثانية : فالصحيح فيها هو القول بالإجزاء، وذلك لعدم إمكان تدارك الباقي من مصلحة الواقع. نعم لا يجوز البدار حينئذ، ولكن لابد م--ن فرض ذلك فيما إذا كان الملاك في المأمور به بالأمر الاضطراري، وأما إذا كان في أمر آخر فهو خارج عن مفروض الكلام، كما أن جواز البدار واقعاً أو عدم جوازه كذلك إنما هو بالاضافة إلى وفاء المأمور به الاضطراري بملاك الواقع أو عدم وفائه. وأما افتراض جوازه بملاك آخر أجنبي عن ملاك الواقع فهو فرض لا صلة له بمحل الكلام. ومن ذلك يظهر أنّ ما فرضه (قدس سره) من وجود مصلحة في نفس البدار ولأجل تلك المصلحة جاز، في غير محله.

وأمّا الصورة الثالثة : فأيضاً لا مناص من القول بالإجزاء فيها، وذلك لعدم كون الباقي من الملاك ملزماً ليجب تداركه. هذا كله ممّا لا كلام ولا إشكال فيه، وإنما الكلام والاشكال في: الصورة الرابعة : فقد ذكر (قدس سره) أنّ المكلف مخيّر فيها بين البدار في أوّل الوقت والاتيان بعملين : العمل الاضطراري في هذا الحال يعني حال الاضطرار، والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار، وبين الانتظار والاقتصار باتیان ما هو تكليف المختار.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) من التخيير في هذه الصورة غ--ير معقول، وذلك لأنه من التخيير بين الأقل والأكثر الاستقلاليين، وقد حققنا في

محله (1)أن التخيير بينهما مستحيل إلّا إذا رجع إلى التخيير بين المتباينين وتفصيل ذلك هو أن مردّ جواز البدار واقعاً إلى أنّ الفرد المضطر إليه مأمور به بالأمر الاضطراري الواقعي حقيقة وواف بتمام مصلحة الواقع، وإلا فلا يجوز البدار كذلك قطعاً. ومردّ التخيير المزبور إلى عدم كون الفرد المضطر إليه مأموراً به كذلك وعدم كونه وافياً بتمام المصلحة، وذلك لأنّ الشارع إذا لم يكتف بالعمل الناقص في أوّل الوقت وأوجب على المكلف الاتيان بالعمل التام الاختياري بعد رفع الاضطرار والعذر، سواء أكان المكلف آتياً بالعمل الاضطراري الناقص في أوّل الوقت أم لم يأت به، فبطبيعة الحال لا معنى لايجابه العمل الاضطراري الناقص وإلزام المكلف باتيانه ولو على نحو التخيير، فانّه بلا ملاك يقتضيه.

وبكلمة أخرى أنّ الصورة الأولى والثانية والثالثة في كلامه (قدس سره) وإن كانت من الصور المعقولة بحسب مقام الثبوت، إلّا أنّ الصورة الأخيرة وهي الصورة الرابعة غير معقولة، إذ بعد فرض أنّ الشارع لم يرفع اليد ع--ن الواقع وأوجب على المكلف الاتيان به على كل من تقديري الاتيان بالعمل الاضطراري الناقص في أوّل الوقت وعدم الاتيان به، فعندئذٍ بطبيعة الحال لا معنى لايجابه الفرد الناقص، حيث إنّه لا يترتب على وجوبه أثر، بل لازم ذلك وجوبه على تقدير المبادرة وعدمه على تقدير عدمها. وأيضاً لازم ذلك كونه مصداقاً للواجب على تقدير الاتيان به وعدم كونه كذلك على تقدير ع-دم الاتیان به، والسر في كل ذلك ما ذكرناه من أنّ التخيير المذكور غير معقول.

فالنتيجة على ضوء ما بيناه : أنّ الواجب هو الطبيعي الجامع بين المبدأ


1) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 229.

والمنتهى، والمفروض في المسألة هو تمكن المكلف من الاتيان بالطبيعي المزبور في وقته، من جهة تمكنه على إيجاد بعض أفراده في الخارج، ومعه لا مقتضي لإيجاب الشارع الفرد الناقص الذي لا يفي بملاك الواقع.

وإن شئت قلت : إن المكلف إذا كان قادراً على الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية مثلاً في الوقت لم تصل النوبة إلى الصلاة مع الطهارة الترابية، لفرض أنّ الأمر الاضطراري في طول الأمر الاختياري، ومع تمكن المكلف من امتثال الأمر الاختياري لا موضوع للأمر الاضطراري، ولازم ذلك عدم جواز البدار هنا واقعاً، كما أن جوازه كذلك ملازم للإجزاء في الوقت وخارجه. فما أف--اده (قدس سره) من الجمع بين جواز البدار واقعاً وعدم الإجزاء عن الواقع جمع بين المتناقضين ثبوتاً وهو مستحيل، فإذن لا تصل النوبة إلى البحث عنه في مقام الإثبات.

الكلام في اطلاق أدلة الأمر الاضطراري بالنسبة إلى من يتمكن من العمل الاختياري

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا إمكان الجمع بينهما في مرحلة الثبوت، يقع الكلام فيه عندئذ في مرحلة الاثبات والدلالة، يعني هل لأدلة الأمر الاضطراري إطلاق يتمسك به في المقام أم لا ؟ ذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) إلى أنّ لها إطلاقاً وإليك نص ما أفاده :

وأما ما وقع عليه فظاهر إطلاق دليله مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) وقوله (عليه السلام) «التراب أحد الط-ه-ورين» و«يكفيك عشر سنين» هو الإجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء، ولابد في إيجاب الاتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص. وبالجملة فالمتبع ه-و الاطلاق لو كان، وإلا فالأصل، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الاعادة، لكونه شكاً في أصل التكليف. وكذا عن إيجاب القضاء بطريق أولى. نعم، لو دلّ دليله

على أن سببه فوت الواقع ولو لم يكن هو فريضة كان القضاء واجباً ع-ل-ي-ه لتحقق سببه وإن أتى بالفرض، لكنّه مجرد الفرض (1).

نتيجة ما أفاده (قدس سره) هي جواز البدار مع تمكن المكلف من الاتيان بالفعل الاختياري التام وعدم وجوب الاعادة عليه بعد ارتفاع العذر في أثناء الوقت، وذلك من جهة إطلاق الدليل، ومع عدمه أصالة البراءة عن وجوبها.

وقد اختار هذا القول في خصوص الطهارة الترابية جماعة منهم السيد الطباطبائي (قدس سره) في العروة (2).

والصحيح في المقام أن يقال : إنّه لا إطلاق لأدلّة مشروعية التيمم بالقياس إلى من يتمكن من الاتيان بالعمل الاختياري في الوقت، بداهة أن وجوب التيمم وظيفة المضطر ولا يكون مثله مضطراً، لفرض تمكنه من الصلاة مع الطهارة المائية في الوقت ومجرد عدم تمكنه منها في جزء منه لا يوجب كونه مكلفاً بالتكليف الاضطراري ما لم يستوعب تمام الوقت.

وقد ذكرنا في بحث الفقه (3)أنّ موضوع وجوب التيمم هو عدم التمكن من استعمال الماء عقلاً أو شرعاً في مجموع الوقت بمقتضى الآية الكريمة وم-ا شاكلها، فلو افترضنا عدم استيعاب العذر لمجموع الوقت وارتفاعه في الأثناء لم يكن المكلف مأموراً بالتيمم، لعدم تحقق موضوعه.

وبكلمة أخرى : أنّ الواجب على المكلف هو طبيعي الصلاة مثلاً على نحو صرف الوجود كما هو الحال في جميع التكاليف الايجابية، وعليه فطروء


1) كفاية الأصول : 85.

2) العروة الوثقى 1 : 355 المسألة [1141].

3) شرح العروة 10: 325.

الاضطرار على فرد من ذلك الطبيعي لا يوجب ارتفاع الحكم منه، وذلك لأنّ ما طرأ عليه الاضطرار - وهو الفرد - لا حكم له على الفرض، وما هو متعلق الحكم - وهو الطبيعي الجامع - لم يطرأ عليه الاضطرار كما هو المفروض، فإذن لا مقتضي لوجوب التيمم أصلاً. فالنتيجة : أنّ حال الأفراد الطولية كحال الأفراد العرضية من هذه الناحية، فكما أنّ طروء الاضطرار إلى بعض الأفراد العرضية لا يوجب سقوط التكليف عن الطبيعي الجامع بينها، فكذلك طروؤه على بعض الأفراد الطولية، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة: أنّه لا إطلاق لأدلة الأمر الاضطراري في محل الكلام، ومن ضوء هذا البيان يظهر أنّه لا يجوز التمسك بأصالة البراءة أيضاً، وذلك لأنّ رفع الاضطرار في أثناء الوقت كما هو المفروض في المقام كاشف عن عدم تعلّق الأمر واقعاً بالفعل الاضطراري، ليكون الاتيان به مجزئاً عن الواقع، بل من الأوّل كان متعلقاً بالفعل الاختياري التام، والمفروض عدم امتثاله، فإذن لا نشك في وجوب الاتيان به لنتمسك بأصالة البراءة عنه.

وعلى الجملة : فما أتى به المكلف في الخارج من الفعل الاضطراري لا أمر به على الفرض، وما كان متعلقاً للأمر لم يأت به، فإذن كيف يشك في وج-وب الاعادة. ومن ذلك تبيّن أنّه لا يجوز البدار هنا،واقعاً، بداهة أن جوازه كذلك ملازم للإجزاء، ومن الطبيعي أنّ الإجزاء لا يمكن إلا في فرض وجود الأمر بالفعل الاضطراري واقعاً.

نعم، قد ثبت جواز البدار في بعض الموارد بدليل خاص مع فرض تمكن المكلف من الفعل الاختياري التام في الوقت.

منها : موارد التقية حيث يجوز البدار فيها واقعاً وإن علم المكلف بارتفاعها في أثناء الوقت وتمكنه من العمل بلا تقيّة، فيجوز له الوضوء تقيّة مع تمكنه منه

بدونها في آخر الوقت أو في مكان آخر، وهكذا. ومن هنا لا تجب الاعادة بعد ارتفاع العذر.

ومنها ما إذا تيمم المكلف في آخر الوقت وصلّى به صلاتي الظهرين ثمّ دخل وقت المغرب وهو باق على تلك الطهارة، جاز له أن يصلي به صلاتي المغرب والعشاء واقعاً، وهكذا.

وقد تحصل من ذلك : أنّ في كل مورد ثبت جواز البدار واقعاً بدليل خاص نلتزم فيه بالإجزاء، وفي كل مورد لم يثبت جوازه بدليل كذلك فلا نقول به من جهة الأدلّة العامّة.

فالنتيجة في نهاية المطاف: هي أنّه لا وجه للقول بالإجزاء في هذه المسألة أصلاً.

دعوى المحقق النائيني الاجزاء في المقام

ولكن مع ذلك ذهب شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)إلى الإجزاء فيها، بدعوى أنّ المكلف لا يخلو من أن يكون متمكناً من الطهارة المائية في تمام الوقت أو لا يكون كذلك، أو يكون متمكناً منها في بعضه دون بعضه الآخ--ر فعلى الشقين الأولين لا إشكال في التخيير العقلي بين الأفراد الطولية والعرضية. وعلى الأخير فيا أنّ ملاك التخيير هو تساوي الأفراد في الغرض فلا يحكم العقل فيه بالتخيير بين الاتيان بالفرد الناقص والاتيان بالفرد التام يقيناً، ولكن إذا ثبت جواز البدار مع اليأس فيها إذا فرض ارتفاع العذر في الأثناء بعد الاتيان به والامتثال، فلا يخلو من أن يكون جوازه حكماً ظاهرياً طريقياً أو حكماً واقعياً.


1) أجود التقريرات 1: 284.

وعلى الأوّل: فيبتني القول بالإجزاء على القول به في المسألة الآتية وهي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الواقع بعد انكشاف الخلاف في الوقت ولا يكون له مساس بمسألتنا هذه.

وعلى الثاني : فلا مناص من الالتزام بالإجزاء، وذلك لقيام الضرورة والاجماع القطعي على عدم وجوب ست صلوات على المكلف في يوم واحد، وهو يكشف كشفاً قطعياً عن أنّ الفعل الناقص في حال الاضطرار - ولو مع فرض ع-دم استيعاب العذر لمجموع الوقت - واجد لتمام الملاك، فيكون في هذا الحال في عرض الأفراد الواجدة واقعاً. وعلى هذا فلا مناص من القول بالإجزاء، ضرورة أنّ الاعادة بعد استيفاء الملاك بتمامه من الامتثال بعد الامتثال.

وفيه أوّلاً: ما عرفت من عدم الدليل على جواز البدار في مفروض المسألة إلا في بعض الموارد.

وثانياً : على تقدير تسليم ثبوته، لا مناص من القول بالإجزاء، لما عرفت من الملازمة بين جواز البدار واقعاً والإجزاء.

وثالثاً : على تقدير تسليم عدم الملازمة بينهما وأنّ الإجزاء يحتاج إلى دليل، إلّا أنّ ما أفاده من الدليل على الإجزاء - وهو قيام الاجماع والضرورة - خاص بخصوص الصلاة ولا يعم غيرها من الواجبات، ولا دليل آخر على الإجزاء فيها، حيث قد عرفت أنّه لا إطلاق لدليل الأمر بالفعل الاضطراري في أمثال الموارد التي يرتفع العذر في أثناء الوقت ليتمسك باطلاقه.

وأمّا الأصل العملي، فالظاهر أنّه لا مانع من التمسك بأصالة البراءة عن وجوب الاعادة في المقام، والسبب في ذلك: هو أن جواز البدار في مفروض الكلام وإن لم يكن كاشفاً عن أنّ العمل الناقص واجد لتمام ملاك الواقع كشفاً

قطعياً، إلّا أنّ احتماله موجود ومن الطبيعي أنّ مع هذا الاحتمال لا يمكن إحراز تعلق الأمر بالعمل الاختياري التام من الأوّل، وذلك لأن العمل الاضطراري الناقص إن كان واجداً لتمام ملاكه فلا مقتضي للأمر به، وإلا ف--لا م-وجب لسقوطه، وحيث إننا لا ندري بوفائه بملاكه وعدم وفائه به، فبطبيعة الحال لا نحرز وجوبه وتعلق الأمر به، ومن المعلوم أنّ مثل هذا مورد لأصالة البراءة.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ نتيجة أصالة البراءة هي الإجزاء وعدم وجوب الاعادة.

2 - زوال العذر بعد خروج الوقت

كلام المحقق النائيني في المقام

وأمّا المقام الثاني : وهو ما إذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت، فهل يجزي الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن القضاء في خارج الوقت أم لا ؟

فقد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)الإجزاء بدعوى أن عدم الإجزاء في هذه الصورة غير معقول، والوجه في ذلك: أنّ القيد المتعذر على المكلف في تمام الوقت لا يخلو من أن يكون له دخل في ملاك الواجب مطلقاً حتّى حين التعذر وعدم تمكن المكلف من إتيانه كالطهور مثلاً، وإما أن لا يكون له دخل كذلك، بل يختص دخله في ملاكه بحالة التمكن منه دون التعذر كالطهارة المائية مثلاً، فعلى الأوّل لا يمكن الأمر بفاقده في الوقت لعدم الملاك له، وعلى الثاني فالأمر بالفاقد له باق لفرض اشتماله على المصلحة التامة وعدم دخل القيد المتعذر فيها حال التعذر.

وعلى الجملة : فبناءً على دخل القيد مطلقاً فى ملاك الواجب ومصلحته فلا يمكن الأمر بالأداء في الوقت لا بالاضافة إلى المأمور به من جهة انتفاء القدرة


1) أجود التقريرات 1: 283.

على امتثاله ولا بالاضافة إلى الباقي من جهة عدم اشتماله على الملاك والمصلحة التامة، إذن لا بدّ من الأمر بالقضاء في خارج الوقت، وبناءً على عدم دخ--ل القيد مطلقاً فى ملاكه فبطبيعة الحال يتعين الأمر بالفاقد في الوقت، لاشتماله على الفرض على تمام الملاك والمصلحة، وعدم دخل القيد المزبور فيه في هذا الحال.

وعليه فلا أمر بالقضاء لعدم ملاك له، فالجمع بين الأمر بالأداء في الوقت والأمر بالقضاء في خارج الوقت جمع بين المتناقضين، ضرورة أنّ الأمر بالقضاء تابع لصدق فوت الفريضة وإلا فلا مقتضي له أصلاً، ومن الطبيعي أن صدق فوت الفريضة يستلزم عدم الأمر بالفاقد في الوقت ودخل القيد مطلقاً في الملاك حتّى حال التعذر، كما أنّ الأمر بالفاقد في الوقت يستلزم عدم دخل القيد المذكور في الملاك مطلقاً وهو يستلزم عدم وجوب القضاء في خارج الوقت، لفرض عدم صدق فوت الفريضة، إذن لا يمكن الجمع بين الأمر بالفاقد في الوقت وإيجاب القضاء في خارج الوقت.

وعلى ضوء هذا البيان يظهر أنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري في الوقت مجز عن المأمور به بالأمر الواقعي الأولي في خارج الوقت، ولا يمكن القول بعدم الإجزاء عنه، لما عرفت من أنّه لا يمكن الجمع بين الأمر باتيان الفاقد في الوقت وإيجاب القضاء في خارج الوقت، وأن الجمع بينهما جمع بين المتناقضين، وعليه فلا مناص من القول بالإجزاء هنا.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) قابل للنقد والمؤاخذة بحسب مقام الثبوت، وإن كان تاماً بحسب مقام الاثبات فلنا دعويان: الأولى : عدم تمامية ما أفاده (قدس سره) بحسب مرحلة الثبوت الثانية : تمامية ما أفاده (قدس سره) بحسب مرحلة الاثبات.

أما الدعوى الأولى : فلإمكان أن يقول قائل بأنّ الصلاة مع الطهارة المائية مثلاً مشتملة على مصلحتين ملزمتين، أو على مصلحة واحدة ذات مرتبتين شديدة وضعيفة، ومع تعذر القيد وهو الطهارة المائية فى المثال يكون الفاقد - وهو الصلاة مع الطهارة الترابية - مشتملاً على إحدى المصلحتين الملزمتين أو على المصلحة الضعيفة، وحيث إنّها ملزمة في نفسها فلذلك توجب الأمر بالفاقد في الوقت لاستيفائها، ولئلا تفوت عن المكلف، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ المصلحة الثانية أو المرتبة الشديدة حيث إنها كانت أيضاً ملزمة وقابلة للاستيفاء والتدارك، والمفروض أنه لا يمكن تداركها في الوقت، ف-لا مناص من إيجاب القضاء في خارج الوقت لاستيفائها وتداركها.

فالنتيجة على ضوئهما : هي أنّ الجمع بين الأمر بالفاقد في الوقت والقضاء في خارج الوقت ليس جمعاً بين المتناقضين. فما أفاده (قدس سره) من أن الجمع بينهما جمع بين المتناقضين خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أصلاً.

نعم، لو كانت للصلاة مع الطهارة المائية مثلاً مصلحة واحدة شخصية ليست ذات مراتب تم ما أفاده (قدس سره) من عدم إمكان الجمع بين الأمر بالأداء في الوقت والأمر بالقضاء في خارج الوقت، وذلك لما عرفت من أن القيد المتعذر إذا كان دخيلاً في ملاك الواجب مطلقاً حتّى حال التعذر فلا موجب للأمر بالفاقد في الوقت، وإلا فلا مقتضي للأمر بالقضاء في خارج الوقت، ولكن حيث أمكن اشتمال الواجب في حال الاختيار والتمكن على مصلحة واحدة ذات مراتب، أو على مصلحتين ملزمتين في مقام الثبوت فلا يتم ما أفاده (قدس سره).

وأما الدعوى الثانية : فلأنّه لا مانع من التمسك باطلاق أدلة الأم--ر

الاضطراري لاثبات عدم وجوب القضاء في خارج الوقت، وذلك لأنّ المولى إذا كان في مقام بيان تمام الوظيفة الفعلية للمكلف بهذه الأدلة، ومع ذلك سكت عن بيان وجوب القضاء عليه في خارج الوقت فبطبيعة الحال كان مقتضى إطلاقها المقامي عدم وجوبه وإلا كان عليه البيان.

وعلى الجملة : فلا قصور في أدلة الأوامر الاضطرارية كقوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً) إلخ (1)، وقوله (عليه السلام) «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» (2)وما شاكلها غير قاصرة عن إثبات وجوب الفعل الناقص على المكلف في الوقت وعدم وجوب القضاء عليه في خارج الوقت. هذا إذا كان لها إطلاق، وأما مع عدمه فالمرجع هو الأصل العملي، وهو في المقام أصالة القضاء، للشك فيه وعدم الدليل عليه.

البراءة عن وجوب وإن شئت قلت : إن وجوب القضاء حيث كان بأمر جديد، سواء أكان موضوعه فوت الفريضة أم كان فوت الواقع بملاكه، فلا علم لنا به في المقام. أما على الأوّل فواضح لفرض عدم فوات الفريضة من المكلف في الوقت. وأمّا على الثاني فلاحتمال أن يكون المأمور به بالأمر الاضطراري مشتملاً على تمام ملاك الواقع فلا يفوت منه الواقع بملاكه، ومن الواضح أنّ وجوب القضاء مع الشك فيه وعدم قيام دليل عليه مورد لأصالة البراءة، ولا خصوصية له من هذه الناحية، فنتيجة هذه المسألة هي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الواقعي وعدم وجوب قضائه في خارج الوقت.

ثمّ إنّ الاضطرار قد يكون بغير اختيار المكلف، وقد يكون باختياره، أمّا


1) النساء 4: 43.

2) الوسائل 3: 369 / أبواب التيمم ب 14 ح 12 (نقل بالمضمون).

الأوّل فقد تقدّم حكمه بشكل موسع فلا نعيد. وأما الثاني وهو ما إذا كان الاضطرار باختياره، كما إذا كان عنده ماء يكفي لوضوئه أو غسله فأراق-ه فأصبح فاقداً للماء، أو كان عنده ثوب طاهر فنجسه وبذلك اضطر إلى الصلاة في ثوب نجس، أو كان متمكناً من الصلاة قائماً فأعجز نفسه عن القيام وهكذا، فهل تشمل إطلاقات الأوامر الاضطرارية لهذه الموارد أم لا؟ وجهان والظاهر هو الثاني.

حكم الاضطرار بالاختيار

والسبب في ذلك : هو أنّ تلك الاطلاقات بمقتضى الظهور العرفي وارتكازهم منصرفة عن الاضطرار الناشئ عن اختيار المكلف وإرادته، لوضوح أنّ مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً) إلخ (1)ظاهر بمقتضى المتفاهم العرفي فيما إذا كان عدم وجدان الماء والاضطرار إلى التيمم بطبعه وبغير اختيار المكلف، ومنصرفة عما إذا كان باختياره وكذا قوله (عليه السلام) «إذا قوي فليقم» (2)وما شاكل ذلك. وعلى الجملة : فلا شبهة في أنّ الظاهر من تلك الأدلة بمقتضى الفهم العرفي هو اختصاصها بخصوص الاضطرار الطارئ على المكلف بغير اختياره فلا تشمل ما كان طارئاً بسوء اختياره.

وعلى هذا الضوء لا يجوز للمكلف تعجيز نفسه باختياره وإرادته، فلو كان عنده ماء مثلاً لم يجز إهراقه وتفويته إذا علم بعدم وجدان الماء في مجموع الوقت، ولو فعل ذلك استحق العقوبة على ترك الواجب الاختياري التام أو على تفويت الملاك الملزم في محله، ومن الواضح أنّ العقل لا يفرّق في الحكم باستحقاق العقاب بين تفويت الواجب الفعلي وتفويت الملاك الملزم في ظرفه إذا


1) النساء 43:4.

2) الوسائل 5: 495 / أبواب القيام ب 6 ح 3.

كان كذلك، فكما يحكم بقبح الأوّل واستحقاق العقوبة عليه، فكذلك في الثاني هذا من ناحية. ومن ناحيةأخرى : قد اتضح ممّا ذكرناه أنه لا أمر في موارد الاضطرار الاختياري لنبحث عن أنّ امتثاله مجز عن الواقع أم لا؟ هذا حسب ما تقتضيه القاعدة.

ولكن في باب الصلاة خاصة قد علمنا من الخارج عدم سقوطها من المكلف بحال، فلو عجز نفسه باختياره عن الصلاة قائماً أو مع الطهارة المائية في ثوب طاهر، وجبت الصلاة عليه قاعداً أو مع الطهارة الترابية أو في ثوب متنجس، وإن استحق العقاب على ترك ما هو وظيفة المختار، لأنّ الاضطرار إذا كان بسوء الاختيار لم يمنع من العقاب.

فالنتيجة في نهاية المطاف : هي أنّ مقتضى القاعدة سقوط الأمر الأوّل عن المركب بسقوط جزئه أو قيده، وإثبات الأمر للفاقد يحتاج إلى دليل، والأدلة الاضطرارية تختص بصورة الاضطرار غير الاختياري، ولا تشمل الاضطرار الاختياري، وعندئذ ففي كل مورد من موارد الاضطرار الاختياري قام دليل خاص على وجوب الاتيان بالفاقد كما في باب الصلاة فهو، وإلا فلا يجب. هذا كله في غير موارد التقية.

وأمّا فيها فالظاهر عدم الفرق بين صورتي الاختيار وغيره، وذلك لاطلاق أدلة التقية، ومقتضاه جواز الاتيان بالعمل تقية مع التمكن من الاتيان بدونها، ومن هنا أفتى المشهور بأنّ من تمكن من الصلاة في موضع خال عن التقية لا يجب عليه ذلك، بل يجوز له الاتيان بها مع العامّة تقية، وكذلك الحال في الوضوء.

فالنتيجة أنّ في موارد التقية يجوز للمكلف تعجيز نفسه باختياره ع-ن

الاتيان بالعمل بدونها، كما يجوز له البدار إليها، ولا تجب الاعادة إذا ارتفعت في الأثناء ولا القضاء إذا ارتفعت في خارج الوقت. ولكن قد أشرنا في ضمن البحوث السالفة أنّ موارد التقية خارجة عن محل الكلام في المقام.

إلى هنا قد انتهينا إلى عدّة نتائج :

الأولى : أنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري لا يجزي عن الواقع إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت.

الثانية : أن الاتيان به مجز عنه إذا كان العذر مستوعباً لتمام الوقت.

الثالثة : أنّ إطلاقات الأوامر الاضطرارية لا تشمل الاضطرار الناشئ عن اختيار المكلف وإرادته إلا في موارد التقية.

الرابعة : ثبوت الملازمة بين تعلق الأمر بالفعل الاضطراري واقعاً وبين الإجزاء عن الواقع، أو فقل : ثبوت الملازمة بين جواز البدار واقعاً والإجزاء، هذا بحسب نظريتنا من وجود الملازمة بين تعلق الأمر بالفعل الاضطراري واقعاً وبين الإجزاء عن الواقع في مقام الثبوت، ومعه لا حاجة في الرجوع إلى أدلة أخرى لاثبات ذلك ولا تصل النوبة إلى البحث عن وجود هذه الأدلة في مقام الاثبات.

ولكن لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بمقالة صاحب الكفاية (قدس سره) فعندئذ بطبيعة الحال نحتاج في إثبات ذلك إلى التماس دليل اجتهادي أو أصل عملي.

وأما الدليل الاجتهادي فصوره أربع:

الاضطرار إلى ترك الجزء أو الشرط

الأولى : أن يكون كل من دليل الأمر الاضطراري ودليل اعتبار الجزئية أو الشرطية مطلقاً.

الثانية : أن يكون لدليل اعتبار الجزئية أو الشرطية إطلاق دون دليل الأمر الاضطراري.

الثالثة : بعكس ذلك، بأن يكون لدليل الأمر الاضطراري إطلاق دون دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية.

الرابعة : أن لا يكون لشيء من الدليلين إطلاق.

أما الصورة الأولى : فلا ينبغي الشك في أنّ إطلاق دليل الأمر الاضطراري يتقدم على إطلاق دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية، وذلك لحكومته عليه، ومن الطبيعي أن إطلاق دليل الحاكم يتقدم على إطلاق دليل المحكوم كما ه-و الحال في تقديم جميع الأدلة المتكفلة لاثبات الأحكام بالعناوين الثانوية كأدلة لا ضرر ولا حرج وما شاكلها على الأدلة المتكفلة لاثباتها بالعناوين الأولية. وعلى ضوء ذلك فقضية إطلاق الأمر الاضطراري من ناحية وتقديمه على إطلاق دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية من ناحية أخرى هي الإجزاء وعدم وجوب الاعادة حتّى فيا إذا ارتفع الاضطرار في الوقت فضلاً عن خارج الوقت، والسبب في ذلك: هو أنّ الاطلاق كاشف عن أنّ الفعل الاضطراري تمام الوظيفة وأنّه وافٍ بملاك الواقع وإلا لكان عليه البيان، ولازمه بطبيعة الحال عدم إعادة العمل حتّى في الوقت فما ظنك بخارج الوقت.

وأما الصورة الثانية : فمقتضى إطلاق دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية هو عدم سقوطهما في حال الاضطرار، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: أنّه لا إطلاق لدليل الأمر الاضطراري على الفرض فالنتيجة بطبيعة الحال هي عدم الإجزاء ووجوب الاعادة إذا عادت القدرة للمكلف.

وأمّا الصورة الثالثة : فهي بعكس الصورة الثانية تماماً، يعني أن مقتضى

إطلاق دليل الأمر الاضطراري من ناحية وعدم إطلاق دليل اعتبار الجزئية أو الشرطية من ناحية أخرى، هو الإجزاء لا محالة وعدم وجوب الاعادة عند إعادة القدرة.

مقتضى الأصل العملي في المقام

وأمّا الصورة الرابعة : فحيث إنّه لا إطلاق لكل من الدليلين فالمرجع فيها الأصول العملية، وقد اختلفت كلمات الأعلام فيها فذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)إلى أنّ الأصل هنا يقتضي البراءة عن وجوب الاعادة بتقريب أنّ الفعل الاضطراري حيث كان متعلقاً للأمر واقعاً ولذا جاز البدار إليه، والمفروض أنّ المكلف أتى به فعندئذ إذا ارتفع العذر في الوقت وعادت القدرة فبطبيعة الحال شكّ في أصل وجوب الاعادة وهو مرجع لأصالة البراءة، كما إذا شكّ في وجوب القضاء.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) مبني على جواز البدار واقعاً في مثل المقام، فعندئذ لا مناص من القول بالإجزاء، لما تقدّم من الملازمة بينه وبين وفاء المأمور به بالأمر الاضطراري بتمام ملاك الواقع وإجزائه عنه، وعليه فلو شكّ في وجوب الاعادة بعد ارتفاع العذر فطبعاً يكون شكاً في أصل التكليف ومقتضى الأصل عدمه، إلا أنك قد عرفت في ضمن البحوث السابقة أنه لا دليل على جواز البدار واقعاً فيما إذا لم يكن العذر مستوعباً لمجموع الوقت كما هو المفروض في المقام، وعليه فلا مناص من القول بعدم الإجزاء ووجوب الاعادة بعد ارتفاع العذر.

وذهب بعض الأعاظم (قدس سره) (2)إلى أن مقتضى الأصل هنا الاشتغال


1) كفاية الأصول : 85.

2) نهاية الأفكار 1: 230.

دون البراءة، وقد قرّب ذلك بوجهين :

الأول : أن الشك في وجوب الاعادة فيا إذا ارتفع العذر في الوقت نشأ من الشك في القدرة على استيفاء المصلحة الباقية من العمل الاختياري، وهذا وإن كان شكاً في أصل التكليف، ومقتضى الأصل فيه البراءة، إلّا أنّه لما كان ناشئاً من الشك في القدرة فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال، لما تقرر في محله (1)من أنّ الشك في التكليف إذا كان ناشئاً عن الشك في القدرة على الامتثال فهو مورد لحكم العقل بالاشتغال دون البراءة كما لا يخفى.

الثاني : أنّ المقام داخل في كبرى مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، ببيان أنا نعلم إجمالاً بأنّ الجامع بين الفعل الاضطراري والاختياري مشتمل على مقدار من المصلحة، ولكنّا نشك في أن المقدار الباقي من المصلحة الملزمة أيضاً قائم بالجامع لتكون نتيجته التخيير بين الاتيان بالفعل الاضطراري والاتيان بالفعل الاختياري، ولازم ذلك هو إجزاء الاتيان بالفعل الاضطراري عن الواقع، لأنّ المكلف مع الاتيان به قد امتثل الواجب في ضمن أحد فرديه وهو الاضطراري - أو أنّه قائم بخصوص الفرد الاختياري، لتكون نتيجته التعيين، ولازمه عدم إجزائه عنه، لفرض أنّه غير وافٍ بتمام مصلحته، فلابد عندئذ من الاتيان به ثانياً، وحيث إنّنا لا نحرز هذا ولا ذاك بالخصوص، فبطبيعة الحال نشك في أنّ التكليف في المقام هل تعلق بالجامع أو بخصوص الفرد الاختياري، وهذا معنى دوران الأمر بين التعيين والتخيير، والمرجع فيه التعيين بقاعدة الاشتغال

ولنأخذ بالنقد على كلا الوجهين :


1) مصباح الأصول 2: 465.

أما الوجه الأول: فلما حققناه في محله (1)من أنّه لا فرق في الرجوع إلى أصالة البراءة في موارد الشك في التكليف بين أن يكون منشؤه الشك في القدرة أو الشك من جهة أخرى كعدم النص أو إجماله أو تعارض النصين أو نحو ذلك، ضرورة عدم الفرق بينهما، ولا موجب لتقييد أصالة البراءة بغير المورد الأوّل، فانّه بلا دليل ومقتض، وتمام الكلام في محله.

وأمّا الوجه الثاني : فلأنّ ما أفاده (قدس سره) من دوران الأمر في المقام بين التعيين والتخيير وإن كان صحيحاً، إلا أنّ ما ذكره (قدس سره) من أن المرجع فيه قاعدة الاشتغال خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له، والسبب في ذلك : هو أننا قد حققنا في موطنه (2)أنّ المرجع في كافة موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو أصالة البراءة دون قاعدة الاشتغال إلا في موردين :

الأول : فيما إذا دار الأمر بينهما في الحجية، كما إذا دل دليل على وجوب شيء، والآخر على حرمته وفرضنا العلم الخارجي بحجية أحدهما في هذا الحال، فعندئذ إن كان الدليلان متساويين فالحجية تخييرية، وإن كان أحدهما محتمل الرجحان بالاضافة إلى الآخر فهو الحجة دونه، وذلك لأنه إما بخصوصه حجة أو هو أحد فردي الحجية، وهذا بخلاف الآخر، فان احتمال أنه بخصوصه حجة دون ذاك غير محتمل. فإذن لا محالة تكون حجيته مشكوكة، وقد ذكرنا في محله أنّ الشك في الحجية في مرحلة الانشاء مساوق للقطع بعدمها في مرحلة الفعلية فلا أثر له. وهذا معنى حكم العقل بالتعيين في مثل هذا المورد.


1) مصباح الأصول 2: 465، وراجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 87.

2) مصباح الأصول 2: 520، وراجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 85.

الثاني : فيما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير في موارد التزاحم والامتثال، بيان ذلك : أنّ الحكمين في هذه الموارد إن كانا متساويين فالمكلف مخ--ير ب-ي-ن امتثال هذا وذاك، وإن كان أحدهما محتمل الأهمية دون الآخر، ففي مثله تعيّن امتثاله بحكم العقل دون ذاك، وذلك بقانون أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وحيث إنّ المكلف في مفروض الكلام يعلم باشتغال ذمته بالتكليف فلابد له من الخروج عن عهدته وتحصيل الأمن من العقوبة عليه، وم-ن الطبيعي أنه لا يحصل له الأمن منها إلّا بامتثال ما هو محتمل الأهمية دون غيره، بداهة أنّ وظيفته في الواقع لا تخلو من أن تكون هي التخيير بينهما، أو التعيين والاتيان بخصوص هذا، وعلى كلا التقديرين حيث إن امتثاله مؤمن دون امتثال غيره تعيّن بحكم العقل.

وأما في غير هذين الموردين فالمرجع هو أصالة البراءة، وذلك لأنّ تعلق التكليف بالجامع معلوم وتعلقه بالخصوصية الزائدة مشكوك فيه، ومقتضى الأصل البراءة عنه، وهذا كما في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

وبعد ذلك نقول : إنّ دوران الأمر في المقام وإن كان بين التعيين والتخيير، إلّا أنه حيث كان في مقام الجعل لا في مقام الفعلية والامتثال، فبطبيعة الحال يدخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، لفرض أن تعلق الأمر بالجامع بين الفعل الاختياري والاضطراري،معلوم وتعلقه بخصوص الفعل الاختياري مشكوك فيه للشك في أنّ فيه ملاكاً ملزماً يخصه، فمقتضى الأصل فيه البراءة.

وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّ الأصل يقتضي البراءة عن وج-وب الاتيان بالفعل

الاختياري.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة، وهي أنّ تعلق الأمر الاضطراري بالفعل الناقص وجواز البدار إليه واقعاً مع فرض تمكن المكلف من الاتيان بالفعل الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار في أثناء الوقت يحتاج إلى دليل، وق-د ق-ام الدليل على ذلك في خصوص موارد التقية وأنّ البدار فيها جائز كما أشرنا إليه سابقاً.

وأمّا فيما عدا موارد التقية، فقد أشرنا (1)إلى أنّ جماعة منهم السيد (قدس سره) في العروة (2)قد اختاروا أن مقتضى إطلاق دليل وجوب التيمم هو جواز البدار إليه، مع احتمال ارتفاع العذر في الوقت وتمكن المكلف من الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية فيه. ومن هنا قال (قدس سره) في المسألة الثالثة من أحكام التيمم : الأقوى جواز التيمم في سعة الوقت وإن احتمل ارتفاع العذر في آخره أو ظنّ به - إلى أن قال - فتجوز المبادرة مع العلم بالبقاء ويجب التأخير مع العلم بالارتفاع، هذا.

وحري بنا أن نقول : إنّ ما ذكروه في مسألة التقية في غاية الصحة والمتانة ولا مناص عن الالتزام به. وأما ما ذكروه في مسألة التيمم فلا يمكن المساعدة عليه بوجه، والسبب في ذلك ما تقدّم من أنّه لا إطلاق لأدلة وجوب التيمم من الآية والروايات بالاضافة إلى الموارد التي لا يستوعب العذر فيها مجموع الوقت لفرض تمكن المكلف معه من الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية، ومن الطبيعي أنّ النوبة لا تصل عندئذ إلى الصلاة مع الطهارة الترابية.

وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في ضمن البحوث السالفة بشكل أوسع، كما


1) في ص 47.

2) العروة الوثقى 1: 355 المسألة [1141].

قد بيّنا في مبحث الفقه (1)بصورة موسعة أنّ مدّعاهم من جواز البدار خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له، وما يظهر من بعض الروايات جوازه قد تكلمنا فيه هناك فلاحظ.

وأمّا الأدلة العامّة، فلا تدل على مشروعية العمل الناقص مع تمكن المكلف من الاتيان بالعمل التام في الوقت.

أما حديث رفع الاضطرار والاكراه، فقد ذكرنا في محله (2)أن مفاده ن--في الحكم لا إثباته، يعني أنّ الوجوب المتعلق بالمركب عند اضطرار المكلف إلى ترك جزء أو شرط منه يرتفع بمقتضى هذا الحديث، وأما الأجزاء الباقية التي تمكن المكلف منها فالحديث لا يدل على وجوبها، مثلاً إذا اضطر إلى ترك الطهارة المائية ارتفع عنه الوجوب المتعلق بالصلاة معها، وأما وجوب الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية فهو يحتاج إلى دليل خاص، وحديث الاضطرار لا يدل على ذلك، وكذلك الحال في حديث النسيان وما شاكله.

وأضف إلى ذلك : أن حديث الاضطرار أو النسيان أو نحو ذلك إنما يكون رافعاً للتكليف إذا تعلق بترك الواجب في مجموع الوقت، وأما إذا تعلق بتركه في بعض الوقت لا في مجموعه فلا أثر له ولا يكون رافعاً للتكليف، فانّ ما تعلق به الاضطرار أو النسيان أو نحو ذلك لا يكون مأموراً به وما هو مأمور به - وهو الطبيعي الجامع بين الأفراد الطولية والعرضية - لم يتعلق به، فلا وجه لسقوط وجوبه، ومن هنا يظهر حال مثل قوله (عليه السلام) «ما من شيء حرمه اللّه تعالى إلا وقد أحله عند الضرورة» (3)وذلك لوضوح أنه لا يدل إلا


1) شرح العروة 10: 325.

2) مصباح الأصول 2: 310.

3) الوسائل 5: 483 / أبواب القيام ب 1 ح 7 (نقل بالمضمون).

على جواز ارتکاب ما تعلقت الضرورة به وأجنبي عن المقام بالكلية.

وأما قاعدة الميسور أو ما شاكلها، فمضافاً إلى ما حققناه في محلّه(1)من أنّه لا أصل لهذه القاعدة، وأنها قاصرة سنداً ودلالة، فهي أجنبية عن المورد ولا صلة لها به أصلاً، وذلك لعدم تحقق موضوعها، حيث إنّ المكلف على الفرض متمكن من الاتيان بالواجب في ضمن فرد كامل في أثناء الوقت بعد ارتفاع العذر، ومن المعلوم أنّه مانع عن صدق عنوان المعسور عليه لتصل النوبة إلى میسوره.

وعلى الجملة : فالواجب على المكلف هو طبيعي الصلاة مع الطهارة المائية مثلاً في مجموع الوقت المحدد له، ومن الطبيعي أن تمكنه من الاتيان به في ضمن فرد كامل يوجب عدم صدق المعسور في حقه، لتكون الفرد الاضطراري - وهو الصلاة مع الطهارة الترابية - ميسوره.

فالنتيجة في نهاية المطاف : هي عدم قيام دليل على تعلق الأمر الاضطراري بالعمل الناقص مع تمكن المكلف من الاتيان بالعمل التام في أثناء الوقت، نعم قد قام دليل خاص على ذلك في خصوص موارد التقية.


1) مصباح الأصول 2: 552.

إجزاء المأمور به الظاهري

الأقوال في المسألة

وأما الكلام في المسألة الثالثة - وهي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن المأمور به بالأمر الواقعي وعدمه فيما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني أو تعبّدي - فقد اختلفت كلمات الأصحاب فيها على أقوال:

الأوّل : الإجزاء مطلقاً.

الثاني : عدمه مطلقاً.

الثالث : التفصيل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني وما إذا انكشف بعلم تعبدي، فيجزي على الثاني دون الأول.

الرابع : التفصيل بين القول بالسببية والقول بالطريقية، فعلى الأوّل لا مناص من الإجزاء دون الثاني.

الخامس : التفصيل بين أقسام السببية بالالتزام بالإجزاء في بعضها وبعدمه في بعضها الآخر.

التفصيل بين الأمارات والأصول

السادس : التفصيل بين الأمارات والأصول بالالتزام بعدم الإجزاء في موارد الأمارات والإجزاء في موارد الأصول. وقد اختار هذا التفصيل المحقق صاحب الكفاية (قدس سره). ولكن ينبغي لنا عطف الكلام في هذا التفصيل قبل أن نحرر محل النزاع وبيان ما هو الحق في المسألة من الأقوال فنقول : قد أفاد (قدس سره) في وجه ذلك ما إليك لفظه :

والتحقيق : أنّ ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق

متعلقه، وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل واستصحابها في وجه قوي ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية، يجزي فان دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ومبيّناً لدائرة الشرط وأنّه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل الشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبیل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل، وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنّه ما هو الشرط واقعاً كما هو لسان الأمارات فلا يجزي فان دليل حجيته حيث كان بلسان أنه واجد لما هو شرطه الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف أنه لم يكن كذلك بل كان الشرطه فاقداً (1).

توضيح ما أفاده (قدس سره): هو أن الحكم الظاهري على قسمين: أحدهما: حكم ظاهري مجعول في ظرف الشك والجهل بالواقع حقيقة من دون نظر إلى الواقع أصلاً. وثانيهما: حكم ظاهري مجعول أيضاً في ظرف الشك في الواقع والجهل به، إلا أنه ناظر إلى الواقع وكاشف عنه. والأوّل مفاد الأصول العملية كقاعدة الطهارة والحلية والاستصحاب، والثاني مفاد الأمارات.

أمّا الأول : فلأن المجعول في موارد تلك الأصول هو الحكم الظاهري في ظرف الشك والجهل بالواقع بما هو جهل، ومن الطبيعي أن ذلك إنما يكون من دون لحاظ نظرها إلى الواقع أصلاً، ولذا أخذ الشك في موضوعه في لسانها، ومن هنا لا يتصف بالصدق تارة وبالكذب تارة أخرى، ضرورة أنّ الحكم الظاهري المجعول في مواردها كالطهارة أو الحلية موجود حقيقة قبل انكشاف الخلاف، وبعد الانكشاف يرتفع من حينه لا من الأوّل، كارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه، حتّى الاستصحاب بناءً على نظريته (قدس سره) وفي مثله لا يعقل


1) كفاية الأصول : 86.

الاتصاف بالصدق مرّة وبالكذب أخرى. نعم، قد يكون الحكم مطابقاً للحكم الواقعي وقد يكون مخالفاً له، ولكن هذا أمر آخر أجنبي ع-ن اتصافه به-ما بالكلية كما هو واضح.

فالنتيجة على أساس ذلك هي حكومة تلك الأصول على الأدلة الواقعية في مرحلة الظاهر وتوجب توسعة دائرتها، حيث إنّ ما دلّ على شرطية الطهارة أو الحلية للصلاة مثلاً ظاهر في الطهارة أو الحلية الواقعية، ولكنها جعلت الشرط أعم منها ومن الطهارة أو الحلية الظاهرية، فمقتضى هذه الحكومة هو أنّ الطهارة الظاهرية كالطهارة الواقعية فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فكما أن المكلف إذا كان واجداً للطهارة الواقعية واجد للشرط حقيقة، فكذلك إذا كان واجداً للطهارة الظاهرية، فلو صلّى معها ثم انكشف الخلاف لم ينكشف أن العمل فاقد للشرط، بل هو واجد له حقيقة والشيء لا ينقلب عما وقع عليه.

وبكلمة أخرى : أنّ الطهارة الظاهرية الثابتة بقاعدة الطهارة أو استصحابها، وكذا الحلية الظاهرية الثابتة بقاعدتها أو استصحابها، لا واقع موضوعي لها، ما عدا الثبوت في ظرف الشك لكي تطابق الواقع مرّة وتخالفه مرة أخرى، ومن المعلوم أنّ ما لا واقع له لا يعقل اتصافه بالصدق والكذب، فان معنى الصدق هو مطابقة الشيء لواقعه الموضوعي، ومعنى الكذب عدم مطابقته له، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنها تحكم على الأدلة الواقعية وتجعل الشرط أعم منها ومن الطهارة أو الحلية الظاهرية.

فالنتيجة على ضوء ذلك : هي أنّ الشرط إذا كان الأع-م ف-لا يعقل ف-يه انكشاف الخلاف وفقدان العمل له بعد ما كان واجداً له في ظرفه، غاية الأمر يرتفع بارتفاع موضوعه وهو الشك فهي أحكام ثابتة واقعاً في مرحلة الظاهر ما دام الشك والجهل بالواقع، فلو صلّى المكلف مع ثوب طاهر ظاهراً أو في

مكان مباح كذلك ثمّ بان عدمها واقعاً لم ينكشف أن الصلاة فاقدة للشرط في ظرفها، لفرض أنّ الشرط أعم منها ومن الطهارة أو الحلية الظاهرية، والمفروض أنها واجدة لها في ظرفها حقيقة، فلا يعقل انكشاف الخلاف بالاضافة إليها. نعم، هي فاقدة للطهارة أو الحلية الواقعية، ولكن قد عرفت أن الشرط ليس خصوصها، ومن هنا يظهر أنّ التعبير بانكشاف الخلاف في أمثال هذه الموارد إنما هو بلحاظ الطهارة أو الحلية الواقعية.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ عدم الإجزاء في موارد هذه الأصول غير معقول فلا مناص من القول بالإجزاء.

وأمّا الثاني - وهو مفاد الأمارات - فلأن المجعول في مواردها إنما هو حجيتها بلحاظ نظرها إلى الواقع وإثباتها له على ما هو عليه من دون جعل شيء آخر فيها في مقابل الواقع، بيان ذلك : أمّا بناءً على كون المجعول فيها هو الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي فواضح، وذلك لأنّ الأمارة على ضوء هذه النظرية إن كانت مطابقة للواقع أثبتت الواقع فحسب وإن كانت خاطئة وغير مطابقة له لم تؤد إلى حكم شرعي أصلاً : لا واقعي ولا ظاهري، أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلفرض عدم جعل حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي في موردها، وإنما المجعول كما عرفت هو الطريقية والكاشفية فحسب، فإذن حالها حال القطع المخالف للواقع. وأما بناءً على نظريته (قدس سره) من أنّ المجعول فيها إنما هو المنجزية والمعذرية، فأيضاً الأمر كذلك، لأنها على تقدير المطابقة تثبت الواقع إثباتاً تنجزياً فحسب، وعلى تقدير المخالفة فلا حكم في موردها، لا واقعاً ولا ظاهراً، أما الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فلما عرفت من أنّ المجعول في مواردها إنما هو المنجزية والمعذرية دون شيء آخر.

وعلى الجملة : فحال الأمارات حال القطع من هذه الناحية فلا فرق بينهما

أصلاً، فكما أنه لا حكم في موارد القطع المخالف للواقع لا واقعاً ولا ظاهراً، فكذلك لا حكم في موارد الأمارات المخالفة له ومن هنا تتصف الأمارات بالصدق مرّة وبالكذب مرّة أخرى.

فالنتيجة في نهاية المطاف هي أنّ في مقام الثبوت وإن كان لا فرق بين الأمارات والأصول، حيث إنّ كلتيهما وظائف مجعولة للجاهل بالواقع دون العالم به، إلا أنهما تفترقان في مرحلة الاثبات في نقطة واحدة، وهي أن الشك قد أخذ في موضوع الأصول في لسان أدلتها، ومن هنا يكون الحكم المجعول في مواردها في قبال الواقع من دون نظره إليه. وهذا بخلاف الأمارات، فانّ الشك لم يؤخذ في موضوعها في لسان أدلتها، وأنّ لسانها كما عرفت لسان إثبات الواقع والنظر إليه. وعلى ضوء ذلك لا مناص من القول بعدم الإجزاء في موارد الأمارات عند كشف الخلاف لما عرفت من عدم الحكم في موارد مخالفتها للواقع لا واقعاً ولا ظاهراً، ومعه كيف يتصور الإجزاء فيها، ومن هنا اتفقت كلماتهم على عدم الإجزاء في موارد القطع بالخلاف.

وغير خف أنّ ما أفاده (قدس سره) خاطئ نقضاً وحلاً.

أمّا الأوّل : فلأنّ الالتزام بما أفاده (قدس سره) ممّا لا يمكن في غير ب--اب الصلاة من أبواب الواجبات كالعبادات والمعاملات، ومن هنا لو توضأ بماء قد حكم بطهارته من جهة قاعدة الطهارة أو استصحابها ثم انكشف نجاسته لم يلتزم أحد من الفقهاء والمجتهدين حتّى هو (قدس سره) بالإجزاء فيه وع--دم وجوب إعادته، وكذا لو غسل ثوبه أو بدنه في هذا الماء ثم انكشف نجاسته لم يحكم أحد بطهارته، وهكذا، مع أنّ لازم ما أفاده (قدس سره) ه-و الحك-م بصحة الوضوء في المثال الأوّل، وبطهارة الثوب أو البدن في المثال الثاني، لفرض أنّ الشرط أعم من الطهارة الظاهرية والواقعية، والمفروض وج-ود

الطهارة الظاهرية هنا، ومن الطبيعي أنّ العمل إذا كان واجداً للشرط في ظرفه حكم بصحته، ولا يتصور فيه كشف الخلاف كما عرفت، وارتفاعه إنم-ا ه-و بارتفاع موضوعه. ومن هذا القبيل ما إذا افترضنا أنّ زيداً كان يملك داراً مثلاً ثم حصل لنا الشك في بقاء ملكيته فأخذنا باستصحاب بقائها ثم اشتريناها منه وبعد ذلك انكشف الخلاف وبان أنّ زيداً لم يكن مالكاً لها، فمقتضى ما أفاده (قدس سره) هو الحكم بصحة هذا الشراء لفرض أنّ الاستصحاب حاكم على الدليل الواقعي وأفاد التوسعة في الشرط وجعله أع-م م-ن الملكية الواقعية والظاهرية، مع أنّه لن يلتزم ولا يلتزم بذلك أحد حتّى ه-و (قدس سره) فالنتيجة : أنّ ما أفاده (قدس سره) منقوض في غير باب الصلاة من أبواب العبادات والمعاملات.

وأما الثاني : - وهو جوابه حلاً - فلأن قاعدتي الطهارة والحلية وإن كانتا تفيدان جعل الحكم الظاهري في مورد الشك بالواقع والجهل به من دون نظر إليه، إلا أن ذلك مع المحافظة على الواقع بدون أن يوجب جعله في موردهما انقلابه وتبديله أصلاً، والسبب في ذلك ما حققناه في مورده(1)من أنه لا تنافي ولا تضاد بين الأحكام في أنفسها ضرورة أنّ المضادة إنما تكون بين الأمور التكوينية الموجودة في الخارج، وأما الأمور الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لها ما عدا اعتبار المعتبر فلا تعقل المضادة والمنافاة بينها أصلاً، وبما أن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية ولا واقع موضوعي لها في الخارج ما عدا اعتبار الشارع إياها في عالم الاعتبار، فلا تعقل المنافاة والمضادة بينها في أنفسها أصلاً، بداهة أنه لا تنافي بين اعتبار الوجوب في نفسه لفعل واعتبار الحرمة كذلك له، وإنّما المضادّة والمنافاة بينها من إحدى ناحيتين: الأولى : بحسب المبدأ يعنى المصلحة


1) مصباح الأصول 2: 126.

والمفسدة، بناءً على مسلك العدلية من تبعية الأحكام لها. الثانية : بحسب المنتهى يعني مرحلة الامتثال حيث لا يقدر المكلف على امتثال الوجوب والحرمة المجعولين لفعل واحد في زمن واحد، كما أنه لا يمكن اجتماعهما فيه بحسب المبدأ، فانّ المصلحة الملزمة مضادة للمفسدة كذلك فلا يعقل اجتماعهما في فعل واحد.

وعلى ضوء ذلك قد قلنا إنّه لا تنافي بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي أصلاً لا في نفسه ولا من ناحية المبدأ، ولا من ناحية المنتهى، أما الأوّل: فلما عرفت من عدم التنافي بين الأحكام في أنفسها. وأما الثاني : فلأن الحكم الظاهري لم ينشأ عن المصلحة في متعلقه، وإنما نشأ عن المصلحة في نفسه. وأمّا الثالث : فلأنّ الحكم الظاهري إنما هو وظيفة من لم يصل إليه الحكم الواقعي لا بعلم وجداني ولا بعلم تعبدي، وأما من وصل إليه الحكم الواقعي فلا موضوع عندئذ للحكم الظاهري في مادته فلا يجتمعان في مرحلة الامتثال لكي تقع المنافاة بينهما في هذه المرحلة.

وعلى الجملة : ففي موارد وجود الحكم الظاهري لا يجب على المكلف امتثال الحكم الواقعي، وفي موارد وجوب امتثاله لا حكم ظاهري في البين. فالنتيجة : هي أنه لا تنافي بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي أصلاً، وعليه فالالتزام بوجود الحكم الظاهري في موارد قاعدة الطهارة والحلية لا ينافي الالتزام بثبوت الحكم الواقعي في مواردهما أيضاً، بل لا مناص من الالتزام بذلك بعد بطلان التصويب والانقلاب بكافة أشكاله وألوانه كما حققناه في محلّه (1).

وعلى ضوء هذا الأساس فلو صلّى المكلف مع طهارة البدن أو الثياب ظاهراً بمقتضى قاعدة الطهارة أو استصحابها وكان في الواقع نجساً فصلاته وإن


1) مصباح الأصول 2: 109، وسيأتي في ص 82.

كانت في الظاهر محكومة بالصحة ويترتب عليها آثارها، إلا أنها باطلة في الواقع لوقوعها في النجس، وعليه فإذا انكشف الخلاف انكشف أنها فاقدة للشرط من الأوّل، وأنّه لم يأت بالصلاة المأمور بها واقعاً، وأن ما أتى به ليس مطابقاً لها، فإذن بطبيعة الحال تجب الاعادة أو القضاء، والاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري إنما يكون عذراً له في تركها ما دام بقاء الجهل والشك، وأما إذا ارتفع وانكشف الحال لم يكن معذوراً في تركها، فالأحكام الظاهرية في الحقيقة أحكام عذرية فحسب، وليست أحكاماً حقيقية في قبال الأحكام الواقعية، والمكلف مأمور بترتيب آثار الواقع عليها ما دام الجهل وإذا ارتفع ارتفع عذره، وبعده لا يكون معذوراً في ترك الواقع وترتيب آثاره عليه من الأوّل.

وأما حديث حكومة تلك القواعد على الأدلة الواقعية كما تقدم ذكره فلا يجدي، والسبب في ذلك هو أنّ هذه الحكومة حكومة ظاهرية موقتة بزمن الجهل بالواقع والشك فيه، وليست بحكومة واقعية لكي توجب توسعة الواقع أو تضييقه. ونتيجة هذه الحكومة بطبيعة الحال ترتيب آثار الواق--ع م-ا لم ينكشف الخلاف، فإذا انكشف فلابد من العمل على طبق الواقع.

وبكلمة أخرى أنّ الشرط هو الطهارة أو الحلية الواقعية فحسب بمقتضى الأدلة الواقعية، وهذه القواعد والأصول إنّما تثبت الطهارة أو الحلية في مواردها عند الشك والجهل بها، والمكلف مأمور بترتيب آثار الواقع عليها ما دام هذا الشك والجهل، فإذا ارتفع انكشف أنّ العمل فاقد له من الأوّل، وعليه فما أتى به غير مأمور به واقعاً. ومن الطبيعي أنّ إجزاء غير المأمور به عن المأم-ور ب-ه يحتاج إلى دليل خاص، وإلا فمقتضى القاعدة عدم إجزائه عنه.

أو فقل: إنّ فى صورة مطابقة تلك القواعد للواقع فالشرط الواقعي موجود وصحة العمل مستندة إلى وجدانه، ولا اثر عندئذ لوجود الطهارة أو الحلية

الظاهرية، وأما في صورة مخالفتها للواقع فأثرها ليس إلا ترتيب آثار الواقع عليها تعبداً في مرحلة الظاهر لا البناء على أنها شرط حقيقة، كما أن الطهارة أو الحلية الواقعية شرط كذلك، بداهة أنّ لسانها ليس إثبات أنّ الشرط أعم منها، بل لسانها إثبات آثار الشرط ظاهراً في ظرف الشك والجهل، وعند ارتفاعه وانكشاف الخلاف ظهر أنّ الشرط غير موجود. ومن هنا يظهر أنّ هذه الحكومة إنّما هي حكومة في طول الواقع وفي ظرف الشك به بالاضافة إلى ترتيب آثار الشرط الواقعي عليها في مرحلة الظاهر فحسب، وليست بحكومة واقعية بالاضافة إلى توسعة دائرة الشرط وجعله الأعم من الواقع والظاهر حقيقة.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة هي أنّ مقتضى القاعدة عند ارتفاع الجهل وكشف الخلاف عدم الإجزاء، فالإجزاء يحتاج إلى دليل خاص، وقد ثبت ذلك في خصوص باب الصلاة دون غيره من أبواب العبادات والمعاملات. وقد تحصل من ذلك : أنّه لا فرق بين هذه القواعد والأصول وبين الأمارات فانهما من واد واحد، فما أفاده (قدس سره) من التفصيل بينهما ساقط ولا أصل له كما عرفت، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : لا إشكال في أن الأمارات القائمة على الشبهات الموضوعية كالبينة واليد وما شاكلها ممّا يجري في تنقيح الموضوع وإثباته خارجة عن محل البحث، والسبب في ذلك : هو أنّ قيام تلك الأمارات على شيء لا يوجب قلب الواقع عما هو عليه، والقائلون بالتصويب في الأحكام الشرعية لا يقولون به في الموضوعات الخارجية، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في ضمن البحوث الآتية أنّ الإجزاء في موارد الأصول والأمارات غير معقول إلّا بالالتزام بالتصويب فيها، والتصويب في الأمارات الجارية في الشبهات الموضوعية غير معقول، بداهة أنّ

البينة الشرعية إذا قامت على ان المائع الفلاني خمر مثلاً، لا توجب انقلاب الواقع عما هو عليه من هذه الناحية، فلو كان في الواقع ماء لم تجعله خمراً وبالعكس، كما إذا قامت على أنّه ماء وكان في الواقع خمراً لم تجعله ماءً، أو إذا قامت على أنّ المال الذي هو لزيد قد نقل منه بناقل شرعي إلى غيره ثم بعد ذلك انكشف الخلاف وبان أنّه لم ينتقل إلى غيره لم توجب انقلاب الواقع عما هو عليه وتغيّره، يعني قلب ملكية زيد إلى غيره، أو إذا افترضنا أنها قامت على أنّ المائع الفلاني ماء فتوضأ به ثم انكشف خلافه لم يكن مجزئاً، لما عرفت من أنها لا توجب انقلاب الواقع ولا تجعل غير الماء ماء، ليكون الوضوء المذكور مجزئاً عن الواقع.

ومن ناحية ثالثة : قد تسالمنا على خروج موارد انكشف عدم الحكم الظاهري فيها رأساً عن محل الكلام، وذلك كما لو استظهر المجتهد معنى من لفظ وأفتى على طبقه استناداً إلى حجية الظهور، ثم بعد ذلك انكشف أنه لا ظهور له في هذا المعنى المعيّن أصلاً، بل هو مجرد وهم وخيال فلا واقع موضوعي له، فعندئذ لا ريب في عدم حجية هذا المعنى، لعدم ان-دراج-ه تحت أدلة حجية الظهورات. وكذا لو أفتى المجتهد على طبق رواية وقع في سلسلة سنده ابن سنان، بتخيّل أنه عبدالله بن سنان الثقة، الثقة، ثمّ بان أنّه محمد بن سنان الضعيف، فان الاعتقاد الأوّل باطل، حيث إنّه صرف وهم وخيال ولا واقع له.

فالنتيجة : أنّ كلّما كان الاشتباه في التطبيق بتخيل أنّ اللفظ الفلاني ظاهر في معنى ثمّ بان أنه غير ظاهر فيه من الأوّل وكان اعتقاد الظهور مجرد وهم بلا واقعية له، أو اعتقد أنّ الرواية الفلانية رواية ثقة بتخيل أن الواقع في سندها زرارة بن أعين مثلاً ثم انكشف أنها رواية ضعيفة، وأن الواقع في سندها ليس هو زرارة بن أعين، بل شخص آخر لم يوثق، أو اعتقد أن الرواية الفلانية

مسندة ثمّ بان أنها مرسلة،وهكذا فهذه الموارد بكافة أشكالها خارجة عن محل النزاع وقد تسالموا على عدم الإجزاء فيها.

ومن ناحية رابعة : لا إشكال ولا خلاف أيضاً بين الأصحاب في عدم الإجزاء في موارد انكشاف الخلاف في الأحكام الظاهرية بالعلم الوجداني بأن يعلم المجتهد مثلاً بمخالفة فتواه السابقة للواقع.

فالنتيجة على ضوء ما قدمناه في نهاية المطاف هي ما يلي:

إنّ محل النزاع في مسألتنا هذه بين الأعلام والمحققين هو ما إذا انكشف الخلاف في موارد الحجج والأمارات والأصول العملية في الشبهات الحكمية بقيام حجة معتبرة على الخلاف، وذلك كما إذا أفتى المجتهد بعدم جزئية شيء أو شرطيته مثلاً من جهة أصل عملي كالاستصحاب أو البراءة ثم بعد ذلك انكشف الخلاف واطلع على دليل اجتهادي يدل على أنّه جزء أو شرط، أو أفتى بذلك من جهة أصل لفظي كالعموم أو الاطلاق أو نحو ذلك ثم بعده انكشف الخلاف واطلع على وجود مخصص أو مقيد أو قرينة مجاز، ففي هذه الموارد يقع الكلام في أنّ الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري هل يجزي عن المأمور به بالأمر الواق--ع-ي إعادة أو قضاءً، أو لا يجزي ؟ فيه وجوه وأقوال.

المختار هو التفصيل بين الطريقية والسببية

والصحيح : هو التفصيل بين نظرية الطريقية في باب الأمارات والحجج ونظرية السببية، فعلى ضوء النظرية الأولى مقتضى القاعدة عدم الإجزاء مطلقاً يعني في أبواب العبادات والمعاملات وفي موارد الأصول والأمارات - إلا أن يقوم دليل خاص على الإجزاء في مورد وعلى ضوء النظرية الثانية مقتضى القاعدة الإجزاء كذلك إلا أن يقوم دليل خاص على عدمه في مورد، فلنا دعويان: الأولى : أنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء بناءً على نظرية الطريقية والكاشفية. الثانية : أنّ مقتضى القاعدة الإجزاء بناءً على نظرية السببية.

أمّا الدعوى الأولى : فلأنّ الأمارات على ضوء هذه النظرية تكشف عن عدم إتيان المكلف بالمأمور به الواقعي في هذه الشريعة، وأنّ ما أتى به ليس بمأمور به كذلك، والمفروض أنّ الصحة إنما تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به في الخارج الموجبة لسقوط الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه، كما أنّ الفساد ينتزع من عدم مطابقته له المترتب عليه وجوب الاعادة والقضاء، ومن الطبيعي أن إجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل، ولا دلي--ل عليه، وهذا معنى قولنا إنّ مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء.

نقد ما يقال إنّ الاجزاء مطابق للقاعدة

ولكن قد يقال : إنّ الإجزاء هو المطابق للقاعدة، واستدلّ عليه بأن انكشاف الخلاف إذا كان بقيام حجة معتبرة كما هو مفروض الكلام فلا علم بكون الحجة الأولى باطلة ومخالفة للواقع كما هو الحال فيما إذا كان انكشاف الخلاف بعلم وجداني، بل الحجة السابقة كاللاحقة من هذه الناحية، فكما يحتمل أن تكون الحجة اللاحقة مطابقة للواقع، فكذلك يحتمل أن تكون الحجة الأولى مطابقة له وإن كان الواجب على من قامت عنده الحجة الثانية وعلى مقلديه العمل باجتهاده الثاني المستند إلى هذه الحجة الفعلية، دون اجتهاده السابق المستند إلى الحجة السابقة، والسبب في ذلك هو أن حجية السابقة إنما تسقط ظرف وصول الحجة اللاحقة، أمّا في ظرفها فهي باقية على حجيتها، بداهة أنّه لا يعقل كشف الحجة اللاحقة عن عدم حجية السابقة في ظرفها، لأنّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه، فإذا كانت السابقة متصفة بالحجية في ظرفها كما هو المفروض فكيف يعقل كشف اللاحقة عن عدم حجيتها فيه، فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع لا من كشف الخلاف وعدم الثبوت في الواقع، وعليه فلا وجه لبطلان الأعمال الماضية المستندة إلى الحجة السابقة.

وبكلمة أخرى : أنّ الواقع كما هو مجهول له في ظرف اجتهاده الأول كذلك

هو مجهول في ظرف اجتهاده الثاني فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فقيام الحجة الثانية على خلاف الأولى لا يعيّن بمؤداها الواقع الحقيقي لكي يستلزم خطأ الأولى مطابقتها للواقع، بداهة أنه كما يحتمل خطأ الأولى وعدم وعدم مطابقة مؤداها للواقع، كذلك يحتمل خطأ الثانية وعدم مطابقة مؤداها له، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنا قد ذكرنا في غير مورد أن الأثر إنّما يترتب على الحجية الفعلية الواصلة إلى المكلف صغرى وكبرى - وهو تنجيز الواقع ع-ن-د المصادفة والتعذير عند الخطأ وصحة الاسناد والاستناد - وأما الحجية المجعولة في مرحلة الانشاء التي لم تصل إلى المكلف صغرى وكبرى فلا أثر لها أصلاً، مثلاً إذا علم بحجية البينة في الشريعة المقدسة وعلم بقيامها على نجاسة شيء تترتب عليها آثارها وهي التنجيز والتعذير وصحة الاسناد والاستناد. وأما إذا علم بحجيتها ولكن لم يعلم بقيامها على نجاسته في الخارج أو علم بقيامها عليها ولكنّه لم يعلم بحجيتها في الشريعة المقدسة، لم يترتب عليها تنجيز نجاسة ذلك الموضوع الخارجي، بل تبقى مشكوكة، فالمرجع فيها الأصول العملية من الاستصحاب أو قاعدة الطهارة. وعلى الجملة : فالحجية متقوّمة بالوصول، فان وصلت إلى المكلف صغرى وكبرى لم يبق موضوع للأصل العملي، وإن لم تصله ولو بإحدى مقدمتيها فالموضوع للأصل العملي موجود حقيقة وهو الشك في الحكم الواقعي.

ومن ناحية ثالثة : أنّ انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول، والتبدل فيها دائماً يكون من التبدل في الموضوع وارتفاع الحكم بارتفاعه، لا عدم ثبوته من الأوّل كما هو واضح.

وإن شئت قلت : إنّ المقام نظير النسخ في الأحكام الشرعية، فكما أنّ حقيقة

النسخ انتهاء الحكم بانتهاء أمده ومدة عمره وثبوت الحكم حقيقة قبل انتهائه، فكذلك حجية الأمارة الأولى، فانّها منتهية بانتهاء أمدها ومدة عمرها - وهو الظفر بالحجة الثانية ووصولها - حيث إنّها ثابتة حقيقة قبل ذلك، والسبب في ذلك : هو ما عرفت من أنّ اتصاف الأمارة بالحجية متقوم بالوصول إلى المكلف بصغراها وكبراها، فمتى وصلت إليه كذلك اتصفت بالحجية، وإلا لم يعقل مانعة عن اتصافها بها. وعلى هذا فالحجة الثانية ما لم تصل إلى المكلف لا يعقل كونها اتصاف الحجة السابقة بها ولا توجب رفع اليد عنها أصلاً، وذلك لفرض أنها قبل وصولها لم تكن حجة لتكون مانعة عن حجيتها ورافعة لها، فإذا وصلت فبطبيعة الحال كانت رافعة لحجيتها من حين الوصول، لفرض أنّ اتصافها بالحجية من هذا الحين فلا يعقل أن تكون رافعة لها قبله، فإذن لا مانع من اتصافها بالحجية في وقتها وقبل الظفر بحجية الحجة الثانية، ولا مزاحم لها في هذه الفترة من الزمن، ولا موجب لرفع اليد عنها في تلك الفترة.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي: هي أنّه لا مناص من الالتزام بصحة الأعمال الماضية المطابقة مع الحجة السابقة، ولا موجب لاعادتها أو قضائها في الوقت أو خارجه، لفرض أنها صادرة عن المكلف على طبق الحجة في ظرفها واقعاً،، ومعه لا مقتضي لبطلانها أصلاً، ومن البديهي أن الشيء لا ينقلب عما وقع عليه.

ولنأخذ بالنقد عليه بيان ذلك : أنّ مقتضى الأمارة الثانية - سواء فيها القول باتصافها بالحجية الفعلية من الأوّل، أو القول باتصافها بها كذلك من حين وصولها والظفر بها - هو عدم الإجزاء.

أما على التقدير الأوّل: فواضح، حيث إنّه بعد انكشاف الخلاف ظهر أنّ الأمارة الثانية كانت حجة من الأوّل، والأمارة الأولى لم تكن حجة كذلك،

وصرف الاعتقاد بحجيتها من دون واقع موضوعي له لا أثر له أصلاً. ونتيجة ذلك بطبيعة الحال بطلان الأعمال الماضية ووجوب إعادتها أو قضائها، حيث إنّها لم تكن مطابقة للحجة في ظرف حدوثها، بل كانت مخالفة لها من ذلك الوقت على الفرض، غاية الأمر أنّ المكلف جاهل بذلك، ومعه كيف يمكن القول بالإجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء.

ولكن هذا التقدير مجرد فرض لا واقع له، وذلك لما عرفت من أنّ حجية الأمارة فعلاً متقومة بالوصول فلا يعقل اتصافها بها كذلك من دون وصولها إلى المكلف صغرى وكبرى. وإن شئت قلت: إنّ الحجية وإن كانت كغيرها من الأحكام الشرعية، فكما أن لها مرتبتين : مرتبة الانشاء، ومرتبة الفعلية، فكذلك للحجية مرتبتان : مرتبة إنشائها، وهي جعلها على نحو القضية الحقيقية ولا أثر لها في هذه المرتبة، ومرتبة فعليتها، وهي مرتبة ترتب الآثار عليها، ومن الطبيعي أنّ هذه المرتبة تتوقف على وصولها إلى المكلف، حيث إنّ الآثار المرغوبة منها كالتنجيز والتعذير وصحة الاسناد والاستناد لاتترتب عليها إلا بعد فعليتها ووصولها، ضرورة أنه لا معنى لحجية شيء فعلاً إلا ترتيب تلك الآثار عليه.

وأما على التقدير الثاني : فلأن صفة الحجية وإن كانت تحدث للأمارة المتأخرة بعد الظفر بها ووصولها ولا معنى لا تصافها بها قبل ذلك، ومن هنا قلنا إن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول، والتبدل فيها إنما هو من التبدل في الموضوع، إلا أن مدلولها أمر سابق، حيث إنها تحكي ع-ن ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من دون اختصاصه بزمن دون آخر وبعصر دون عصر، وذلك كما إذا افترضنا أنّ المجتهد أفتى بطهارة شيء من جهة قاعدة الطهارة ثم وجد ما يدل على نجاسته، كالاستصحاب مثلاً كما إذا علم أن حالته السابقة هي النجاسة، فهذا لا يكشف عن عدم حجية القاعدة في ظرفها، وإنما يوجب

سقوطها من حين قيامه عليها، حيث إنّه لا يكون حجة إلا بعد العلم بها، فانّ موضوعه وهو الشك في البقاء لا يتحقق إلا من هذا الحين، فكيف يعقل أن يكون رافعاً لحجية القاعدة في وقتها وكاشفاً عنه كذلك. نعم، مفاده أمر سابق ولذا وجب ترتيب الأثر عليه من السابق.

ومثله ما إذا أفتى على طبق عموم بعد الفحص عن مخصصه وعدم الظفر به، فلا يكون الظفر به بعد ذلك كاشفاً عن عدم حجية العام قبله، حيث إنه لا يكون حجة إلا بعد وصوله لا مطلقاً، نعم مدلوله كان مطلقاً وهو يحكى عن ثبوته في الشريعة المقدسة كذلك. ومن الطبيعي أنّ مقتضى حجية ذلك ثبوت مدلوله من الابتداء، ولازم هذا هو أنّ العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة حيث كان مخالفاً لمدلولها باطل، لعدم كونه مطابقاً لما هو المأمور به في الواقع وهو مدلولها.

وكون الحجتين تشتركان في احتمال مخالفة مدلولها للواقع لا يضر بذلك، بعد إلغاء هذا الاحتمال بحكم الشارع في الحجة الثانية حسب أدلة اعتبارها، وعدم إلغائها في الأولى، لفرض سقوطها عن الاعتبار بقاء. ومن الطبيعي أن صرف هذا الاحتمال يكفي في الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء، بداهة أنه لا مؤمن معه من العقاب، فانّ الحجة السابقة وإن كانت مؤمنة في ظرف حدوثها، إلا أنها ليست بمؤمنة في ظرف بقائها، لفرض سقوطها عن الحجية والاعتبار بقاءً بعد الظفر بالحجة الثانية وتقديمها عليها بأحد أشكال التقديم من الحكومة أو الورود أو التخصيص أو التقييد أو غير ذلك، وعليه فلا مؤمن من العقاب على ترك الواقع، ولأجل ذلك وجب بحكم العقل العمل على طبق الحجة الثانية وإعادة الأعمال الماضية حتّى يحصل الأمن.

وأمّا القضاء، فلأجل أنّ ما أتى به المكلف على طبق الحجة الأولى غير

مطابق للواقع بمقتضى الحجة الثانية، وعليه فلابد من الحكم ببطلانه، ومعه حيث يصدق عنوان فوت الفريضة فبطبيعة الحال يجب القضاء بمقتضى ما دلّ على أنّ موضوعه هو فوت الفريضة، فمتى تحقق، تحقق وجوب القضاء.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة : وهي أنّ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء في جميع موارد كشف الخلاف وعدم مطابقة العمل المأتي به للواقع، سواء أكانت من موارد التبدل في الرأي أو من موارد الرجوع إلى مجتهد آخر، ب-لا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات، والأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، وموارد الأصول والأمارات، وموارد كشف الخلاف بالعلم الوجداني وكشف الخلاف بالعلم التعبدي، إلّا فيما قام دليل خاص على الإجزاء، كما قام في خصوص الصلاة حيث دلّ حديث لا تعاد على عدم وجوب الاعادة في غير الخمسة المذكورة فيها، كما ستجيء الاشارة إلى ذلك من هذه الناحية إن شاء اللّه تعالى. هذا كلّه بناءً على حجية الأمارات على ضوء نظرية الطريقية والكاشفية.

وأما بناءً على حجيتها على ضوء نظرية السببية والموضوعية، فينبغي لنا التكلّم فيها في مقامين :

حقيقة السببية وأقسامها

الأوّل : في بيان حقيقة السببية وأقسامها.

الثاني : في بيان ما يترتب على تلك الأقسام.

أما المقام الأوّل فالسببية على وجوه:

الأوّل: ما نسب إلى الأشاعرة - وإن كانت النسبة غير ثابتة - من أنّ اللّه تعالى لم يجعل حكماً من الأحكام في الشريعة المقدسة قبل تأدية نظر المجتهد إلى شيء، وإنما يدور جعله مدار تأدية نظرية المجتهد ورأيه، فكل ما أدى إليه رأيه من الوجوب أو الحرمة أو غير ذلك في مورد بسبب قيام أمارة أو أصل جعل الشارع ذلك الحكم فيه، وإذا تبدّل رأيه إلى رأي آخر كان من التبدل في

الموضوع وانقلاب الحكم بانقلابه ولا يعقل فيه كشف الخلاف أصلاً، كيف حيث لا واقع ما وراء رأيه.

وبكلمة أخرى : أنّ هذا القول يرتكز على أساس أنه لا مقتضي في الواقع من المصالح أو المفاسد قبل قيام الأمارة وتأديتها إلى شيء ليكون منشأ لجعل الحكم فيه، وإنّما تحدث المصلحة أو المفسدة في فعل بسبب قيام أمارة على وجوبه أو على حرمته، ولذا جعل الشارع الحكم على طبق ما أدت إليه. فالنتيجة : أنّ مردّ القول بهذه السببية إلى خلوّ صفحة الواقع عن الحكم قبل تأدية الأمارة إليه وقيامها عليه، فلا يكون في حق الجاهل مع قطع النظر عنها حكم أصلاً.

الثاني : ما نسب إلى المعتزلة وهو أن يكون قيام الأمارة سبباً لكون الحكم الواقعي بالفعل هو المؤدى، وذلك لأنّ قيام الأمارة يوجب إحداث مصلحة أو مفسدة في متعلقة وحيث إنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها فبطبيعة الحال ينحصر الحكم الواقعي الفعلي فيه. وبكلمة أخرى : أنّ المعتزلة قد اعترفت بثبوت الأحكام الواقعية في الشريعة المقدسة المشترك فيها بين العالم والجاهل، ولكن على الرغم من ذلك يقول بانحصار الأحكام الواقعية الفعلية في مؤديات الحجج والأمارات ولا حكم في غيرها إلا شأناً واقتضاء.

بيان ذلك: هو أنّ الأمارة القائمة على شيء لا تخلو من أن تكون مطابقة للواقع أو تكون مخالفة له، فعلى الأوّل فهي توجب فعلية الواقع فحسب، وعلى الثاني فحيث إنها توجب إحداث مصلحة في المؤدى أقوى من مصلحة الواقع فهي بطبيعة الحال كما توجب اضمحلال مصلحة الواقع وجعلها بلا أثر كذلك توجب جعل الحكم على طبقها. فالنتيجة أنها توجب انقلاب الواقع وتغييره وجعل المؤدى على خلافه.

ثمّ إنّ السببية بهذا المعنى تمتاز عن السببية بالمعنى الأوّل في نقطة وتشترك معها في نقطة أخرى. أمّا نقطة الامتياز فهي أنّ الأولى تقوم على أساس اختصاص الأحكام الواقعية بالعالمين بها وعدم ثبوت الحكم في حق الجاهل ولذا لا يتصور على ضوئها الخطأ في آراء المجتهدين حيث لا واقع ما عداها. والثانية تقوم على أساس ثبوت الواقع المشترك بين العالم والجاهل، ولذا تختص سببيتها لجعل المؤدى في صورة المخالفة فحسب. وأمّا نقطة الاشتراك فهي أنهما تشتركان في اختصاص الأحكام الواقعية الفعلية بمؤديات الأمارات فلا حكم واقعي فعلي في غيرها أصلاً.

الثالث : ما نسب إلى بعض الإمامية (1)وهو أن يكون قيام الأمارة سبباً لاحداث المصلحة في السلوك على طبق الأمارة وتطبيق العمل على مؤداها، مع بقاء الواقع على ما هو عليه من دون أن يوجب التغيير والانقلاب فيه أصلاً، فلو قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة مثلاً، وفرضنا أنّ الواجب في الواقع هو صلاة الظهر، لم توجب تغيير الواقع وانقلابه وجعل غير الواجب واجباً، بل الواجب الواقعي باق على ما كان عليه رغم أن الأمارة قامت على خلافه، كما أنّ صلاة الجمعة بقيت على ما كانت عليه م-ن ع-دم الوجوب في الواقع، فوجود الأمارة وعدمها بالاضافة إلى الواقع على نسبة واحدة.

نعم، هذه الأمارة سبب لحدوث مصلحة في السلوك على وفقها، وبها يتدارك ما فات من مصلحة الواقع. وعلى الجملة : فكما لا دخل للأمارة في جعل الأحكام، فكذلك لا دخل لها في فعليتها، فالأحكام الواقعية فعلية رغم قيام الأمارات على خلافها فلا تتغير به، والسر في ذلك هو أن قيام الأمارة لو كان


1) نسبه إلى جماعة من العدلية في أجود التقريرات 3: 117، وراجع فرائد الأصول 1: 91.

موجباً لحدوث المصلحة في المؤدى فبطبيعة الحال أوجب انقلاب الواقع.

وأمّا إذا لم يو يوجب حدوث مصلحة فيه كما هو المفروض في المقام، فاستحال أن يكون موجباً لانقلاب الواقع. وأما إيجابه حدوث مصلحة في السلوك فهو غير مناف لمصلحة الواقع أصلاً، وهذه المصلحة تختلف باختلاف السلوك كما أوضحناه في مبحث الظن (1).

وعلى ضوء هذا البيان يظهر نقطة الامتياز بين السببية بهذا المعنى والسببية بالمعنيين الأولين كما لا يخفى.

وبعد ذلك نقول : أمّا على ضوء السببية بالمعنى الأوّل، فلا مناص من القول بالإجزاء، حيث لا واقع على الفرض ما عدا مؤدى الأمارة لنبحث عن أن الاتيان به مجز عنه أو لا، فلو تبدل رأي المجتهد إلى رأي آخر على خلاف الأوّل كان من تبدل الموضوع لا من انكشاف الخلاف، فالاتيان بما أدى إليه رأيه إتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي لا أنّه إتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ليقع البحث عن إجزائه عن الأوّل، إلّا أنّ السببية بذلك المعنى غير معقولة في نفسها، بداهة أنّ تصوّرها في نفسه كاف للتصديق ببطلانها بلا حاجة إلى إقامة برهان عليه من لزوم دور أو نحوه، كيف حيث إنّ هذا المعنى من السببية خلاف الضرورة من الشرع ويكذِّبه الكتاب والسنة، إذ لازمه بطلان بعث الرسل وإنزال الكتب.

على أنه لو لم يكن حكم مجعول في الواقع قبل قيام الأمارة عليه، فالأمارة تحكي عن أيّ شيء، وأنها تؤدي إلى أيّ حكم، وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من دون محكي، فلو توقف ثبوته على قيام الأمارة عليه


1) مصباح الأصول 1: 110.

لزم الدور أو الخلف. وأضف إلى ذلك : أنّ اختصاص الأحكام الشرعية بم--ن قامت عنده الأمارة خلاف الضرورة والمتسالم عليه بين الأصحاب، وتكذبه الاطلاقات الأولية، حيث إنّ مقتضاها ثبوت الأحكام الشرعية في الواقع مطلقاً من دون فرق بين العالم والجاهل.

وأما على ضوء السببية بالمعنى الثاني، فالأمر أيضاً كذلك، يعني أنه لا مناص من القول بالإجزاء، حيث إنّه لا واقع على ضوئها أيضاً في مقابل مؤدى الأمارة ليقع البحث عن أنّ الاتيان به هل هو مجز عنه أم لا، بل الواقع هو مؤدى الأمارة، فالاتيان به إتيان بالواقع، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنّ السببية بهذا المعنى وإن كان أمراً معقولاً بحسب مقام الثبوت ولا مانع في نفسه من الالتزام بانقلاب الواقع وتغييره بقيام الأمارة على خلافه، بأن يكون ثبوت الواقع مقيداً بعدم ذلك، نظير تقيد ثبوت الأحكام الواقعية بغير موارد الاضطرار والضرر والحرج وما شاكلها، إلا أنّ الأدلة لا تساعد على ذلك. أمّا الاطلاقات الأولية، فلأن مقتضاها ثبوت الأحكام الواقعية للعالم والجاهل ولا دليل على تقييدها بعدم قيام الأمارة على الخلاف كما قام الدليل على تقييدها بغير موارد الضرر والحرج وما شاكلها. فالنتيجة أنّ التقييد يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.

وأمّا أدلة الاعتبار فلا تخلو من أن تكون هي السيرة العقلائية أو تكون غيرها من الآيات أو الروايات، فعلى كلا التقديرين لاتدل على سببية الأمارات.

أمّا على الأوّل: فواضح، حيث إنّ سيرتهم قد جرت على العمل بها بملاك كونها طريقاً إلى الواقع وكاشفاً عنه، وأنهم يعاملون معها معاملة العلم والقطع من جهة كونها منجزة للواقع على تقدير الاصابة، ومعذرة على تقدير الخطأ، وهذا هو مردّ الطريقية والكاشفية، بداهة أنّه ليس عند العقلاء طريق اعتبروه

من باب السببية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الشارع قد أمضى تلك السيرة على ما هي عليه فالنتيجة على ضوئها هي أن اعتبار الحجج والأمارات من باب الكاشفية والطريقية لا من باب السببية والموضوعية.

وأما على الثاني : فأيضاً كذلك، فانّ الظاهر من الآيات والرواي-ات ه-و إمضاء ما هو حجة عند العقلاء، فلا تدلان على حجية شيء تأسيساً، ومن هنا لم نجد في الشريعة المقدسة أن يحكم الشارع باعتبار أمارة تأسيساً. نعم، قد زاد الشارع في بعض الموارد قيداً في اعتبارها ولم يكن ذلك القيد معتبراً عند العقلاء. وقد تحصل من ذلك : أنّ الحجية التأسيسية لم توجد في الشريعة المقدّسة، ليتوهم أنها كانت من باب السببية. على أنه لا ملازمة بينها وبين السببية أصلاً.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّ السببية بهذا المعنى وإن كانت معقولة في ذاتها ولا يترتب عليها المحاذير المترتبة على السببية بالمعنى الأوّل، إلا أنها خلاف الضرورة وإطلاقات الأدلة التي تقتضي عدم اختصاص مداليلها بالعالمين بها.

وما عن شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) من أنه قد تواترت الأخبار والآثار على اشتراك الأحكام الواقعية بين العالم والجاهل (1)لعله أراد منها الروايات الدالة على ثبوت الأحكام مطلقاً، أو أراد أخبار الاحتياط والبراءة أو ما شاكلها ممّا يدل بالالتزام على الاشتراك، وإلا فلم ترد رواية واحدة تدل على أنّ الأحكام الواقعية مشتركة بين العالمين بها والجاهلين.

وأمّا السببية بالمعنى الثالث : فالكلام يقع فيها من جهات ثلاث:


1) فرائد الأصول 1: 91.

الأولى: أننا قد حققنا في محلّه (1)أنّه لا ملزم للالتزام بهذه المصلحة التي تسمّى بالمصلحة السلوكية لتصحيح اعتبار الأمارات وحجيتها، والسبب في ذلك : هو أنّ اعتبار الأمارات من دون أن ترتب عليه مصلحة وإن كان لغواً، فلا يمكن صدوره من الشارع الحكيم، إلّا أنّه يكفي في ذلك ترتب المصلحة التسهيلية عليه، حيث إنّ تحصيل العلم الوجداني بكل حكم شرعي لكل واحد من المكلفين غير ممكن في زمان الحضور فضلاً عن زماننا هذا، ولو أمكن هذا فبطبيعة الحال كان حرجياً لعامة المكلفين في عصر الحضور فما ظنك في هذا العصر. ومن الواضح أنّ هذا مناف لكون الشريعة الاسلامية شريعة سهلة وسمحة. وعلى هذا الضوء فلابد للشارع من نصب الطرق المؤدية غالباً إلى الأحكام الواقعية وإن كان فيها ما يؤدي على خلاف الواقع أيضاً.

وبكلمة أخرى : أنّ المصلحة التسهيلية بالاضافة إلى عامة المكلفين تقتضي ذلك. نعم، من كان مباشراً للإمام (عليه السلام) كعائلته ومتعلقيه يمكن له تحصيل العلم في كل مسألة بالسؤال منه (عليه السلام) وكيف كان، فمع وجود هذه المصلحة لا مقتضي للالتزام بالمصلحة السلوكية أصلاً.

الثانية : أنّنا قد أثبتنا في الجهة الأولى أنّه لا موجب ولا مقتضي للالتزام بها أصلاً، ولكنا نتكلم في هذه الجهة من ناحية أخرى وهي: أنّ في الالتزام بها محذوراً أو لا؟ فيه وجهان.

فذهب شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) (2)وتبعه فيه شيخنا الأستاذ


1) مصباح الأصول 1: 110 - 113.

2) فرائد الأصول 1: 91.

(قدس سره) (1)إلى أنه لا محذور في الالتزام بها أصلاً، ولكن الصحيح هو أنه لا يمكن الالتزام بها، وذلك لاستلزام القول بها التصويب وتبدل الحكم الواقعي، والسبب فيه هو أننا إذا افترضنا قيام مصلحة في سلوك الأمارة التي توجب تدارك مصلحة الواقع، فالايجاب الواقعي عندئذ تعييناً غير معقول، كما إذا افترضنا أنّ القائم بمصلحة إيقاع صلاة الظهر مثلاً في وقتها أمران: أحدهما: الاتيان بها في الوقت الثاني : سلوك الأمارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة في تمام الوقت من دون كشف الخلاف فيه، فعندئذ امتنع للشارع الحكيم تخصيص الوجوب الواقعي بخصوص صلاة الظهر، لقبح الترجيح من دون مرجّح من ناحية، وعدم الموجب له من ناحية أخرى، بعد ما كان كل من الأمرين وافياً بغرض المولى، فعندئذ لا مناص من الالتزام بكون الواجب الواقعي في حق من قامت عنده أمارة معتبرة على وجوب صلاة الجمعة مثلاً هو الجامع بينهما على نحو التخيير : إما الاتيان بصلاة الظهر في وقتها أو سلوك الأمارة المذكورة، ومعه كيف يعقل أن يكون الحكم الواقعي مشتركاً بين العالم والجاهل، فانّه بطبيعة الحال يكون تعيينياً في حق العالم وتخييرياً في حق الجاهل. وهذا خلاف الضرورة والاجماع وإطلاقات الأدلة التي مقتضاها عدم الفرق بينها بالاضافة إلى الأحكام الواقعية.

فالنتيجة : أنّ مردّ هذه السببية إلى السببية بالمعنى الثاني في انقلاب الواقع وتبدله فلا فرق بينهما من هذه الناحية.

الثالثة : أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)قد ذكر أن حال هذه السببية حال الطريقية في عدم اقتضائها الإجزاء، فكما أنّ الإجزاء على ضوء القول


1) أجود التقريرات 3: 117.

2) أجود التقريرات 1: 293.

بالطريقية يحتاج إلى دليل وإلا فمقتضى القاعدة عدمه، فكذلك على ضوء القول بهذه السببية، توضيح ما أفاده (قدس سره) هو أن المصلحة القائمة بسلوك الأمارة تختلف باختلاف السلوك - وهو الزمان الذي لم ينكشف الخلاف فيه - فان كان السلوك بمقدار فضيلة الوقت فكانت مصلحته بطبيعة الحال بمقدار يتدارك بها مصلحتها فحسب، لأنّ فوتها مستند إليه دون الزائد، وأما مصلحة أصل الوقت فهي باقية فلابد من استيفائها بالاعادة، وإن كان بمقدار تم-ام الوقت وكان انكشاف الخلاف في خارجه فطبعاً كانت مصلحته بمقدار يتدارك بها مصلحة تمام الوقت الفائتة، وأمّا مصلحة أصل العمل فهي باقية فلابد من استيفائها بالقضاء في خارج الوقت.

ولنأخذ لتوضيح ذلك مثالاً: وهو ما إذا افترضنا أن الواجب في الواقع هو صلاة الظهر، ولكن الأمارة المعتبرة قامت على وجوب صلاة الجمعة في يومها، والمكلف قد قام بالعمل على طبق هذه الأمارة وأتى بصلاة الجمعة ثم انكشف الخلاف، فعندئذ إن كان كشف الخلاف في ابتداء الوقت فالمتدارك هو خصوص مصلحة وقت الفضيلة دون مصلحة نفس العمل في تمام الوقت، لفرض أنّ سلوكها كان بهذا المقدار، فإذن لا محالة تجب الاعادة، وإن كان في خارج الوقت فالمتدارك هو مصلحة الوقت خاصة دون المصلحة القائمة بذات العمل في الواقع، ومن الطبيعي أنها تقتضي الاتيان به في خارج الوقت، وإن لم ينكشف الخلاف إلى ما دام العمر، فالمتدارك هو تمام مصلحة الواقع. وقد تحصل من ضوء هذا البيان: أنّ الالتزام بالسببية بهذا الاطار لا يستلزم التصويب في شيء، بل هي في طرف النقيض معه، حيث إنّ حالها حال الطريقية في النتيجة - وهي عدم اقتضائها للإجزاء - فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) بيان ذلك: هو أنا قد حققنا في

مورده (1)أنّ القول بأنّ القضاء تابع للأداء لا يمكن إتمامه بدليل، والسبب فيه هو أنّ هذا القول يقوم على أساس أن تكون للصلاة مصلحتان ملزمتان: إحداهما تقوم بذات الصلاة. والأخرى تقوم بحصة خاصة منها - وهي الصلاة في الوقت - وعلى هذا فبطبيعة الحال يتعلق بها أمران: أحدهما بطبيعي الصلاة على نحو الاطلاق. والآخر بحصة خاصة منها ومن المعلوم أن سقوط الأمر الثاني بسقوط موضوعه كخروج الوقت لا يستلزم سقوط الأمر الأوّل، لعدم الموجب له، فعندئذ إن ترك المكلف الصلاة في الوقت عصياناً أو نسياناً وجب عليه الاتيان بها في خارج الوقت، فانّ سقوط الأمر المتعلق بالصلاة المقيدة في الوقت لا يستلزم سقوط الأمر المتعلق بها على نحو الاطلاق، وهذا معنى القول بكون القضاء تابعاً للأداء.

فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) إنما يتم على ضوء هذا القول، ولكنه خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أصلاً، والسبب في ذلك: ما ذكرناه في الدورات السابقة، وسنذكره إن شاء اللّه تعالى فى هذه الدورة أيضاً، من أنّ حال تقييد المأمور به كالصلاة مثلاً بالوقت كحال تقييده بغيره من القيود، فكما أنّ المتفاهم العرفي من تقييده بأمر زماني هو وحدة المطلوب لا تعدده، وأن المأمور به هو الطبيعي المقيد بهذا القيد فكذلك المتفاهم العرفي م-ن ت-قييده بوقت خاص، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

هذا في التقييد بالمتصل واضح، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ) (2)حيث لا يستفاد منه عرفاً إلّا أمر واحد متعلق بحصة


1) راجع المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 247 وما بعدها.

2) الإسراء :17: 78.

من الصلاة - وهي الصلاة في هذا الوقت الخاص - لفرض عدم انعقاد ظهور للمطلق في الاطلاق.

وأما إذا كان التقييد بدليل منفصل فقد يتوهم تعدد المطلوب ببيان أنّ-ه لا يوجب انقلاب ظهور المطلق في الاطلاق إلى التقييد، غاية الأمر أنه يدل على أنه مطلوب في الوقت أيضاً. فالنتيجة هي تعدد المطلوب، بمعنى أن الفعل مطلوب في الوقت لأجل دلالة هذه القرينة المنفصلة، ومطلوب في خارجه لأجل إطلاق الدليل الأوّل.

ولكن هذا التوهم خاطئ جداً، وذلك لعدم الفرق في ذلك بين القرينة المتصلة والقرينة المنفصلة، فكما أنّ القرينة المتصلة تدل على التقييد وعلى كون مراد المولى هو المقيد بهذا الزمان الخاص، فكذلك القرينة المنفصلة، فانّها تدل على تقييد إطلاق دليل المأمور به وكون المراد الجدي من الأول هو المقيد. نعم، فرق بينهما من ناحية أخرى وهي أنّ القرينة المتصلة مانعة عن ظهور الدليل في الاطلاق، ومعها لا ينعقد له ظهور، والقرينة المنفصلة مانعة ع-ن ح-جية ظهوره في الاطلاق دون أصله.

ولكن من الواضح أنّ مجرد هذا لا يوجب التفاوت بينهما في محل الكلام، ضرورة أنهما تشتركان في سقوط الاطلاق عن الحجية والكاشفية عن المراد الجدي وعدم إمكان التمسك به غاية الأمر على الأوّل سقوطه عنها بسقوط موضوعها، وعلى الثاني سقوطه عنها فحسب من دون سقوط موضوعها.

وقد تحصل من ذلك : أن دليل التقييد بمقتضى الفهم العرفي كاشف عن أنّ مراد المولى من الأوّل كان هو المقيد ولم يكن المطلق مراداً له أصلاً، ولا فرق في ذلك بين كون القيد زماناً أو زمانياً، ولولا ذلك - أي كشف دليل التقييد بمقتضى الظهور العرفي عما عرفت - لانسدّ باب حمل المطلق على المقيد.

فالنتيجة على ضوء هذا البيان أمران :

الأوّل : أنّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، فلا أصل للقول بأنه تابع للأداء، فلو ترك المكلف الصلاة في الوقت عصياناً أو نسياناً فالأمر بها في خ-ارج الوقت يحتاج إلى دليل.

الثاني : أن سلوك الأمارة في مجموع الوقت إذا كان وافياً بمصلحة الصلاة في الوقت كما هو مقتضى القول بالسببية بهذا المعنى لا مناص من القول بالإجزاء، وبذلك يفترق القول بهذه السببية عن القول بالطريقية، حيث إن مقتضى القاعدة على القول بالطريقية هو عدم الإجزاء، ومقتضى القاعدة على القول بها هو الإجزاء. فالصحيح أن السببية بهذا المعنى تشترك مع السببية بالمعنى الأوّل والثاني في هذه النتيجة، لا مع الطريقية. فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن حالها حال الطريقية من هذه الناحية خاطئ جداً، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة : وهي أنّ الأمارات على القول بالسببية بتمام أشكالها تفيد الإجزاء، وعدم الإجزاء يحتاج إلى دليل، وعلى القول بالطريقية لا تفيد الإجزاء، فالإجزاء يحتاج إلى دليل، من دون فرق في ذلك بين الأمارات والأصول العملية، ومن دون فرق فيه بين كون كشف الخلاف بالعلم الوجداني والعلم التعبدي. وقد تقدّم جميع ذلك في ضمن البحوث السالفة بشكل موسع. هذا كله فيما إذا علم حال الأمارة من ناحية السببية أو الطريقية.

الشك في الطريقية والسببية

وأما إذا شك في ذلك ولم يعلم أنّ اعتبارها على نحو السببية حتّى ت-ف-ي-د الإجزء، أو على نحو الطريقية حتّى لا تفيده، فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) التفصيل بين الاعادة والقضاء وإليك نص كلامه :

وأمّا إذا شك ولم يحرز أنها على أي الوجهين فأصالة عدم الاتيان بما يسقط

معه التكليف مقتضية للاعادة في الوقت واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعلياً في الوقت لا يجدي ولا يثبت كون ما أتى به مسقطاً إلّا على القول بالأصل المثبت، وقد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها عنه بذلك المأتي به. وهذا بخلاف ما إذا علم أنه مأمور به واقعاً وشكّ في أنّه يجزي عما هو المأمور به الواقعي الأولي، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناءً على أن تكون الحجية على نحو السببية، فقضية الأصل فيها كما أشرنا إلي-ه ع-دم وج-وب الاعادة للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقيناً، وأصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف. وأما القضاء فلا يجب بناءً على أنه فرض جديد وكان الفوت المعلّق عليه وجوبه لا يثبت بأصالة عدم الاتيان إلا على القول بالأصل المثبت، وإلا فهو واجب كما لا يخفى على المتأمل، فتأمل جيدا (1).

وملخّص ما أفاده (قدس سره) ما يلى : أما وجوب الاعادة فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت، فلأجل أنّ الذمة قد اشتغلت بتكليف فعلي يقيناً ويشك في. أنّ الاتيان بمؤدى الأمارة يفيد الإجزاء عما اشتغلت به الذمة أو لا يفيد، ومنشأة الشك هو الشك في كيفية حجية الأمارة وأنها هل تكون على نحو السببية أو هذا الشك تجرى أصالة عدم الاتيان بما يسقط معه على نحو الطريقية، ومع التكليف الواقعي وهي مقتضية للاعادة بل يكفي في وجوبها نفس الشك في الفراغ. وأمّا القضاء فما أنه بفرض جديد وقد أخذ في موضوعه عنوان الفوت وهو في المقام غير محرز فلا يجب.

ولنأخذ بالنظر على ما أفاده (قدس سره) أما ما أفاده بالنسبة إلى عدم وجوب القضاء فمتين جداً ولا مناص عنه. وأما ما أفاده بالاضافة إلى وجوب


1) كفاية الأصول: 87.

الاعادة في الوقت فهو قابل للنقد والمؤاخذة، والسبب في ذلك ما قدمناه في ضمن البحوث السابقة من أنّ مقتضى القاعدة على القول بالسببية بالمعنى الأوّل والثاني هو الإجزاء، بل لا مناص عنه حيث إنّه لا واقع على ضوء ه-ذين القولين ما عدا مؤدى الأمارة، وكذا الحال على القول بالسببية بالمعنى الثالث. وعلى القول بالطريقية هو عدم الإجزاء.

وعلى هذا الضوء فإذا شككنا في أنّ حجية الأمارة على نحو السببية والموضوعية أو على نحو الطريقية والكاشفية، فبطبيعة الحال إذا عملنا بها وأتينا بما أدّت إليه ثم انكشف لنا بطلانها وعدم مطابقتها للواقع، وإن كنا نشك في الإجزاء وعدمه، إلّا أنّ المورد ليس من موارد التمسك بقاعدة الاشتغال، بل هو من موارد التمسك بقاعدة البراءة.

والوجه فيه : هو أنّ حجية الأمارة إن كانت من باب السببية والموضوعية لم تكن ذمة المكلف مشغولة بالواقع أصلاً، وإنما تكون مشغولة بمؤاداها فحسب، حيث إنه الواقع فعلاً وحقيقة فلا واقع غيره. وإن كانت من باب الط-ري-ق-ي-ة والكاشفية اشتغلت ذمته به وبما أنّه لا يدري أنّ حجيتها كانت على الشكل الأوّل أو كانت على الشكل الثاني، فبطبيعة الحال لا يعلم باشتغال ذمته بالواقع ليكون المقام من موارد قاعدة الاشتغال، فإذن لا مناص من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الاعادة، حيث إنّه شكّ في التكليف من دون العلم بالاشتغال به.

وبكلمة أخرى : أنّ الشك فيما نحن فيه وإن أوجب حدوث العلم الاجمالي بوجود تكليف مردد بين تعلقه بالفعل الذي جيء به على طبق الأمارة السابقة وبين تعلقه بالواقع الذي لم يؤت به على طبق الأمارة الثانية، إلّا أنّه لا أثر لهذا العلم الاجمالي، ولا يوجب الاحتياط والاتيان بالواقع على طبق الأم-ارة

الثانية، وذلك لأنّ هذا العلم حيث قد حدث بعد الاتيان بالعمل على طبق الأمارة الأولى كما هو المفروض فلا أثر له بالاضافة إلى هذا الطرف، وعليه فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن الطرف الآخر، ومن هنا ذكرنا في محله (1)أن أحد طرفي العلم الاجمالي أو أطرافه إذا كان فاقداً للأثر فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر، كما إذا افترضنا أن المكلف علم بوجوب الصوم عليه في يوم الخميس مثلاً من ناحية النذر أو نحوه فأتى به في ذلك اليوم، ثم في يوم الجمعة تردّد بين كون الصوم المزبور واجباً عليه في ي--وم الخميس أو في هذا اليوم، وحيث لا أثر لأحد طرفي هذا العلم الاجمالي، وهو كونه واجباً عليه في يوم الخميس، لفرض أنه أتى به، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوبه في هذا اليوم.

وما نحن فيه من هذا القبيل بعينه، فانّ المكلف إذا أتى بصلاة القصر مثلاً على طبق الأمارة الأولى، ثم انكشف الخلاف في الوقت وعلم بأنّ الواجب في الواقع هو الصلاة تماماً، فعندئذ وإن حدث للمكلف العلم الاجمالي بوجوب صلاة مرددة بين القصر والتمام، فانّ الأمارة إن كانت حجيتها من باب السببية فالواجب هو الصلاة قصراً، وإن كانت من باب الطريقية فالواجب هو الصلاة تماماً، ولكن حيث لا أثر لهذا العلم الاجمالي بالاضافة إلى أحد طرفيه - وهو وجوب الصلاة قصراً - فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وج-وب الصلاة تماماً.

نعم، لو حدث هذا العلم الاجمالي قبل الاتيان بالقصر لكان المقام من موارد قاعدة الاشتغال ووجوب الاحتياط بالجمع بين الصلاتين، إلّا أنّ هذا الفرض


1) مصباح الأصول 2: 423.

خارج عن مورد الكلام، كما أنّ فرض وجود علم إجمالي آخر بين وج--وب الصلاة تماماً مثلاً وبين وجوب شيء آخر خارج عنه.

إلى هنا قد استطعنا أن نصل إلى هذه النتيجة : وهي أن مقتضى القاعدة عند الشك فى اعتبار أمارة أنّه على نحو السببية أو على نحو الطريقية هو الإجزاء، إعادة وقضاء، فالتفصيل بينهما كما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) خاطئ ولا واقع له أصلاً.

تنبيهات في المقام

1 - التفصيل في الاجزاء بين قيام الأمارة على الحكم أو على متعلقه

[ ثم إنه ] لا بأس بالاشارة إلى عدّة خطوط :

الأول : ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره)(1)م-ن أنّ محل النزاع في الإجزاء وعدمه إنما هو في الأمارات القائمة على متعلقات الأحكام، كما لو قامت على عدم شرطية شيء مثلاً وكان في الواقع شرطاً، أو قامت على عدم جزئية شيء كالسورة مثلاً وكان في الواقع جزءاً، وهكذا، من دون فرق في ذلك بين القول بحجيتها من باب السببية والقول بحجيتها من باب الطريقية، غاية الأمر أنّها تفيد الإجزاء على الفرض الأوّل، ولا تفيده على الفرض الثاني.

وأمّا الأمارات القائمة على نفس الأحكام الإلهية كما لو فرض قيامها على وجوب صلاة الجمعة مثلاً فهي خارجة عن محل النزاع ولا تفيد الإجزاء مطلقاً ولو على القول بالسببية، والوجه في ذلك هو أنّ قيامها عليه وإن أوجب حدوث مصلحة ملزمة فيها على ضوء هذا القول إلّا أنّ تلك المصلحة أجنبية عن مصلحة الواقع ولا صلة لها بها أصلاً، وعليه فبطبيعة الحال لا يكون الاتيان بها مجزئاً عن الواقع بعد فرض بقائه على ما هو عليه من الملاك. نعم، في خصوص هذا المثال قد قام دليل من الخارج على عدم وجوب كلتيهما في يوم


1) كفاية الأصول : 87.

واحد، وأمّا في غير هذا المثال فلا مانع من الالتزام بتعدد الواجب عند قيام الأمارة على وجوب شيء آخر غير ما هو واجب في الواقع، كما إذا افترضنا أنّ الواجب في الواقع هو إكرام زيد العالم مثلاً، ولكن الأمارة قامت على وجوب إعطاء درهم لفقير جاهل، والمفروض أنه غير واجب، وحيث إنه-ا ت-وجب إحداث مصلحة فيه، فلا محالة يصير الاعطاء واجباً واقعاً، ولكن من الواضح أنّ الاتيان به لا يجزي عن الواجب الواقعي ولا يتدارك به مصلحته، بل ه-و باق على ما هو عليه من الملاك الملزم، وعلى هذا لو انكشف الخلاف و الاتيان به لا محالة سواء أكان في الوقت أو خارجه.

ولنأخذ بالمناقشة عليه بيان ذلك أنّنا نتكلم في الأمارات القائمة على نفس الأحكام الشرعية مرّةً على القول بحجيتها من باب الطريقية والكاشفية المحضة، ومرّة أخرى على القول بحجيتها من باب السببية والموضوعية، ونقول : إنّه لا فرق بين الأمارات القائمة على متعلقات التكاليف والقائمة على نفسها على كلا القولين. أما على القول الأوّل: فلما عرفت من أن مقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء، من دون فرق بينهما في هذه النقطة أصلاً. وأما على القول الثاني فأيضاً لا فرق بينهما في الدلالة على الإجزاء. أما على السببية بالمعنى الأوّل فواضح، حيث لا حكم على ضوئها في الواقع غير ما أدّت إليه الأمارة. وأمّا على السببية بالمعنى الثاني فالحكم في الواقع وإن كان مجعولاً إلا أن الأمارة توجب انقلابه وانحصاره في المؤدى لنظرها إليه.

وبكلمة أخرى : أنّ الأحكام الفعلية الواقعية على ضوء هذه النظرية منحصرة في مؤديات الأمارات فلا حكم واقعي فعلي في غيرها، وعليه فلا مقتضي لوجوب الاعادة أو القضاء عند انكشاف الخلاف. وعلى الجملة : فإذا افترضنا أنّ الأمارة قامت على وجوب صلاة الجمعة مثلاً، أفادت أن الواجب الواقعي

الفعلي هو صلاة الجمعة دون صلاة الظهر لفرض أنها ناظرة إلى الواقع وتفيد انحصاره، وفي مثله كيف يمكن دعوى عدم الإجزاء، بداهة أنه لابد فيه م--ن الالتزام باشتمال المؤدى على مصلحة ملزمة وافية بمصلحة الواقع ومسانحة لها، إذ لو كان مشتملاً على مصلحة أخرى غير مرتبطة بالواقع لزم الخلف - وهو عدم دلالة الأمارة على انحصار الواقع في مؤداها وعدم نظرها إليه - مع أنّ مثل هذا الكلام يجري في الأمارات القائمة على متعلقات التكاليف أيضاً.

نعم، لو قلنا بعدم نظر الأمارة القائمة على حكم شرعي إلى تعيين الواقع وبعدم دلالتها على انحصاره، بل تدل على ثبوت ما أدت إليه فحسب كما في المثال الذي ذكرناه لتم ما أفاده (قدس سره) إلا أنه مجرد فرض في الأمارات القائمة على الأحكام الواقعية ولا واقع موضوعي له أصلاً.

2 - اختصاص محل النزاع بوجود أمر بالفعل

الثاني : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)من أنّ محل النزاع في هذه المسألة هو ما إذا كان الفعل متعلقاً للأمر الاضطراري أو الظاهري حقيقة وواقعاً، وأمّا إذا لم يكن متعلقاً للأمر أصلاً لا واقعاً ولا ظاهراً، بل كان مجرد تخيل وتوهم بدون واقع له كما في موارد الاعتقادات الخاطئة، مثل أن يعتقد الانسان بكون مائع مخصوص ماءً ثم انكشف له خلافه وأنه لم يكن ماءً، أو قطع بأنّه متوضئ ثمّ بان خلافه،وهكذا، فهو خارج عن محل النزاع. ومن هذا القبيل تبدل رأي المجتهد في غالب الموارد، حيث يظهر له مثلاً ضعف سند الرواية بعد أن قطع بأنّ سندها صحيح، وهكذا.

وهذا الذي أفاده (قدس سره) متين جداً ولا مناص عنه.

3 - عمومية عدم الاجزاء للأحكام والموضوعات

الثالث: أنه لا فرق فيا ذكرناه من عدم الإجزاء فيا إذا انكشفت مخالفة


1) كفاية الأصول : 88.

الأمارة للواقع، بين الأحكام الكلية والموضوعات الخارجية، وإن كان القول بعدم الإجزاء في الأحكام الكلية أظهر من القول به في الموضوعات، وذلك لما عرفت من استلزام القول بالإجزاء التصويب، وقد تقدّم (1)أنه في الأحكام الكلية إما محال أو باطل بالضرورة والاجماع. مضافاً إلى أنه خلاف إطلاقات الأدلة. وأما الموضوعات الخارجية فالتصويب في نفس تلك الموضوعات من ناحية تعلق العلم بها أو الأمارة غير معقول، ومن ثمة لا قائل به فيها أصلاً، بداهة أنّ تعلق العلم بموضوع خارجي أو قيام الأمارة عليه لا يوجب تغييره وانقلابه عما هو عليه. وأما التصويب من جهة الحكم المتعلق بها، فالظاهر أنه لا مانع منه في نفسه، ولا دليل على بطلانه، فإن ما دلّ من الاجماع والضرورة على اشتراك العالم والجاهل يختص بالأحكام الكلية، ولا يعم الموارد الجزئية.

وعلى هذا الضوء فيمكن دعوى اختصاص الأحكام الشرعية بالعالمين بالموضوعات الخارجية لا مطلقاً، بأن يكون العلم بها مأخوذاً في موضوعها، كما نسب اختصاص الحكم بنجاسة البول بما إذا علم بوليته إلى بعض الأخباريين، ومن هنا يمكن القول بالإجزاء في موارد مخالفة الأمارة للواقع في الشبهات الموضوعية، لامكان القول بالتصويب فيها، ولا يلزم فيه محذور مخالفة الاجماع والضرورة كما يلزم من القول به في موارد مخالفة الأمارة للواقع في الشبهات الحكمية، إلّا أنّ القول بالتصويب فيها باطل من ناحية مخالفته لظواهر الأدلة الدالة على اعتبار الأمارات والطرق المثبتة للأحكام على موضوعاتها الخارجية، حيث إنّ مقتضاها طريقية تلك الأمارات إلى الواقع وكاشفيتها عنه من دون دخل لها فيه أصلاً، كما هو الحال في الأمارات القائمة على الأحكام الكلية، بلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.


1) في ص 85.

وعلى الجملة : فقد تقدّم في ضمن البحوث السالفة أن الحجية التأسيسية غير موجودة في الشريعة الاسلامية المقدسة، بل الحجج فيها بتمام أشكالها حجج عقلائية، والشارع أمضى تلك الحجج، ومن الطبيعي أن أثر إمضائه ليس إلا ترتب تنجيز الواقع عند الاصابة والتعذير عند الخطأ، من دون فرق في ذلك بين أن يكون الدليل على اعتبارها السيرة القطعية من العقلاء أو غيرها كما عرفت، وعليه فلا يمكن الالتزام بالتصويب والسببية فيها.

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ حجية الأمارات الشرعية كانت تأسيسية ابتدائية ولم تكن إمضائية، ولكن مع ذلك لا يستلزم القول بها القول بالتصويب، وذلك لأنّ غاية ما يترتب عليه هو جعل الأحكام الظاهرية في مؤدياتها، وقد ذكرنا في محله بشكل موسع أنها لا تنافي الأحكام الواقعية أصلاً، ولا توجب انقلابها بوجه، بدون فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنّ ظاهر إطلاق الأدلة الدالة على ثبوت الأحكام للموضوعات الخارجية ثبوتها لها في نفسها من دون التقييد بالعلم بها، مثلاً قوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1)يدل على نجاسة البول مطلقاً، أي سواء أكان المكلف عالماً بها أم لم يكن، غاية الأمر أنه في حال الجهل بها يكون معذوراً، لا أنّ البول لا يكون نجساً في الواقع.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهاتين النتيجتين :

الأولى : أن جعل الأحكام للموضوعات المعلومة في الخارج بالوجدان أو بالتعبد وإن كان بمكان من الامكان كجعل الحرمة للخمر المعلوم مثلاً دون الخمر الواقعي وهكذا، إلّا أنّه خلاف ظاهر إطلاق أدلتها من ناحية، وخلاف


1) الوسائل 3: 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

ظاهر أدلة حجيتها من ناحية أخرى.

الثانية : بطلان توهم أن مقتضى أدلة حجيتها هو وجوب العمل على طبق الأمارة في صورتي الاصابة،والخطأ، ومن الطبيعي أن العمل بها إذا كان واجباً على كلا التقديرين لزمه القول بالتصويب، ولكن القول به في الأحكام الكلية لا يمكن من ناحية الاجماع والضرورة، وحيث لا إجماع ولا ضرورة في الموضوعات الخارجية فلا بأس بالقول به فيها أصلاً.

توضيح البطلان ما عرفت من أنّ هذا القول يقوم على أساس أن يكون المجعول في باب الأمارات بمقتضى أدلة حجيتها هو نفس المؤدى، وقد تقدّم بشكل موسّع أنّه لا عين ولا أثر له فيها أصلاً، فإذن لا موجب للقول بالإجزاء في الشبهات الموضوعية، فحالها من هذه الناحية حال الشبهات الحكمية على أنّ وجوب العمل على طبقها مطلقاً لا يستلزم التصويب كما لا يخفى.

4 - عمومية عدم الاجزاء للمجتهد والمقلّد

الرابع : أنه لا فرق فيما ذكرناه من عدم الإجزاء على ضوء نظرية الطريقية والكاشفية في باب الأمارات بين المجتهد والمقلد فكما أن المجتهد إذا تبدل رأيه واجتهاده برأي آخر واجتهاد ثان وجبت الاعادة عليه في الوقت والقضاء في خارجه، فكذلك المقلد إذا عدل عن مجتهد لأحد موجبات العدول إلى مجتهد آخر وكان مخالفاً له في الفتوى وجبت عليه إعادة الأعمال الماضية.

ودعوى أن حجية فتاوى المجتهدين على المقلدين كانت من باب السببية والموضوعية وهي تستلزم الإجزاء على الفرض، خاطئة جداً لوضوح أنه لا فرق بينها وبين الأمارات القائمة عند المجتهدين، كيف، فان عمدة الدليل على حجيتها إنما هي السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم، وقد تقدم أنّ القول بالسببية يقوم على أساس جعل المؤدى، ومن الطبيعي أنّه ليس في السيرة العقلائية لجعل المؤدى عين ولا أثر.

5 - نفوذ الحكم الظاهري عند شخص في حق غيره

إشارة:

الخامس : أنّ ثبوت الحكم الظاهري عند شخص بواسطة قيام الأمارة عليه هل هو نافذ في حق غيره، وذلك كما إذا قامت البينة عند إمام جماعة مثلاً على أنّ المائع الفلاني ماء فتوضأ به أو اغتسل، وقد علم غيره الخلاف وأنه ليس بماء، فهل يجوز لذلك الغير الاقتداء به ؟

الظاهر عدم جوازه، بلا فرق فيه بين الشبهات الحكمية والموضوعية، والسبب في ذلك: هو أنّ نفوذ الحكم الظاهري الثابت لشخص في حق غيره الذي يرى خلافه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه إلا في بعض الموارد الخاصة كما سنشير إليه. وعلى هذا الضوء فلو رأى شخص مثلاً وجوب الوضوء مع الجبيرة في موارد كسر أحد أعضاء الوضوء أو جرحه وإن كان مكشوفاً، ولكن يرى الآخر وجوب التيمم فيها، أو إذا رأى مشروعية الوضوء أو الغسل في موارد الضرر أو الحرج أو العسر، ولكن يرى الآخر عدم مشروعيته، أو إذا رأى كفاية غسل المتنجس بالبول مرّة واحدة، ويرى غيره اعتبار التعدد فيه وهكذا، ففي جميع هذه الموارد وما شاكلها لا يجوز للثاني الاقتداء بالأوّل، وليس له ترتيب آثار الوضوء الصحيح على وضوئه، وترتيب آثار الطهارة على ث-وبه المتنجس بالبول المغسول بالماء مرّة واحدة.

نعم، إذا كان العمل في الواقع صحيحاً بمقتضى حديث لا تعاد، صح الاقتداء به، كما إذا افترضنا أن شخصاً يرى عدم وجوب السورة مثلاً في الصلاة اجتهاداً أو تقليداً فيصلي بدونها، جاز لمن يرى وجوبها فيها الاقتداء به، لفرض أنّ صلاته في الواقع صحيحة بمقتضى هذا الحديث، ولذا لا تجب الاعادة عليه عند انكشاف الخلاف.

استثناء مسألة النكاح والطلاق

ولكن يستثنى من ذلك مسألتان، إحداهما : مسألة النكاح. والأخرى: مسألة الطلاق. أما المسألة الأولى : فقد وجب على كل أحد ترتيب آثار النكاح

الصحيح على نكاح كل قوم وإن كان فاسداً في مذهبه، فلو رأى شخص صحة النكاح بالعقد الفارسي وعقد على امرأة كذلك ويرى الآخر بطلانه واعتبار العربية فيها، لزمه ترتيب آثار الصحة على نكاحه وإن كان فاسداً في نظره، بأن يحكم بأنها زوجته وبعدم جواز العقد عليها وغير ذلك من الآثار المترتبة على الزواج الصحيح. ومن هنا وجب ترتيب آثار النكاح الصحيح على نكاح كل ملة وإن كانوا كافرين. وبذلك يظهر حال المسألة الثانية حرفاً بحرف.

والدليل على هذا : مضافاً إلى إمكان استفادة ذلك من روايات الباب (1)السيرة القطعية الجارية بين المسلمين من لدن زمن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) إلى زماننا هذا، حيث إنّ كل طائفة منهم يرتبون آثار النكاح الصحيح على نكاح طائفة أخرى منهم، وكذا الحال بالاضافة إلى الطلاق، ه-ذا م-ن ناحية. ومن ناحية أخرى : أنهم يعاملون مع الملل الأخرى أيضاً كذلك، يعني أنهم يرتبون آثار العقد الصحيح على نكاحهم، وآثار الطلاق الصحيح على طلاقهم، فلو عقد كافر على امرأة عاملوا معها معاملة المرأة المزوّجة ورتبوا عليها تمام آثارها، ولو طلّقها عاملوا معها معاملة المرأة المطلقة ورتبوا عليها آثارها من جواز تزويجها بعد انقضاء عدتها ونحو ذلك.

عدم استثناء الطهارة والنجاسة

قد يتوهم : أن بابي الطهارة والنجاسة أيضاً من هذا القبيل، أي من قبيل النكاح، بدعوى أننا كثيراً ما نخالط أبناء العامّة وغيرهم الذين لا يعتبرون في زوال عين النجاسة ما نعتبره من الشرائط، بل نخالط من لا يبالي بالنجاسة أصلاً مع سكوت الأئمة (عليهم السلام) عن ذلك، ولم يرد منهم ما يدل على وجوب الاجتناب عن هؤلاء، بل ورد منهم الأمر بمعاملتهم معاملة المتطهر، وهذا دليل على خروج بابي الطهارة والنجاسة عن الحكم المتقدم، ونفوذ الحكم


1) الوسائل 21: 199/ أبواب نكاح العبيد والإماء ب 83.

الظاهري الثابت لشخص في حق الآخرين.

ولكن هذا التوهّم خاطئ جداً، والسبب في ذلك : هو أن جواز المخالطة مع هؤلاء الأشخاص المذكورين وعدم وجوب الاجتناب عنهم ليس من ناحية نفوذ الحكم الظاهري لأحد في حق الآخرين، ضرورة أن عدم وجوب الاجتناب عمّن لا يبالي بالنجاسة كالعصاة ونحوهم ليس مبنياً على ذلك، لفرض ع-دم ثبوت حكم ظاهري في حق مثله، وعليه فلابد أن يكون ذلك مبنياً على أحد أمور:

الأوّل: أن يكون ذلك مبتنياً على عدم نجاسة ملاقي المتنجس في غير المائعات كما مال إليه المحقق الهمداني (قدس سره) حيث قال: لو بني على تنجيس المتنجس مطلقاً لزم تنجيس العالم كله، حيث إنّ النجاسة تسري دون الطهارة، ولكن مع ذلك قال : إنّ مخالفة المشهور أشكل فلاحظ (1).

الثاني : الاكتفاء بغيبة المسلم في الحكم بالطهارة، حيث إنّ الأصحاب قد عدوها من المطهرات، وإن كان الاكتفاء بها في الحكم بالطهارة مطلقاً لا يخلو عن إشكال بل منع. ومن هنا ذكرنا في محلّه (2)أن الحكم بالطهارة بها يبتني على أمور:

1 - أن يكون المسلم بالغاً أو مميزاً، فلو كان صبياً غير مميز لم تترتب الطهارة على غيابه.

2 - أن يكون المتنجس بدنه أو لباسه ونحو ذلك ممّا هو في حوزته، فلو كان خارجاً عن حوزته لم يحكم بطهارته.


1) مصباح الفقيه (الطهارة): 579 السطر 9.

2) شرح العروة 4 : 241.

3 - أن يحتمل تظهيره، فمع العلم بعدمه لا يحكم بطهارته.

4 - أن يكون عالماً بنجاسته، فلو كان جاهلاً بها لم يحكم بطهارته.

5 - أن يستعمله فيما هو مشروط بالطهارة، كأن يصلي فيه أو يشرب في إنائه الذي كان متنجساً، وهكذا، ومع انتفاء أحد هذه الأمور لا يحكم بالطهارة على تفصيل ذكرناه في بحث الفقه.

الثالث : أننا نعلم بطروء حالتين متعاقبتين عليه، فكما أننا نعلم بنجاسة يده مثلاً في زمان نعلم بطهارتها في زمان آخر، ونشك في المتقدم والمتأخر، ففي مثل ذلك قد ذكرنا في محله (1)أنّ الاستصحاب لا يجري في شيء منهما للمعارضة، فإذن المرجع هو قاعدة الطهارة. وأمّا إذا لم يكن المورد من موارد تعاقب الحالتين، فإن كانت الحالة السابقة هي النجاسة فالمرجع هو استصحابها، وإن كانت الحالة السابقة هى الطهارة فالمرجع هو استصحابها.

فالنتيجة : أنّ عدم وجوب الاجتناب في هذه الموارد يبتني على أحد الأمور المذكورة، فلا يقوم على أساس أنّ الحكم الظاهري الثابت في حق مسلم موضوع لترتيب الآثار عليه واقعاً في حق الآخرين.

6 - دعوى الاجماع على الاجزاء في العبادات المأتي بها طبقاً للحجة

السادس : أنّ المحقق النائيني (قدس سره) (2)قد ادعى الاجماع على الإجزاء في العبادات التي جاء المكلف بها على طبق الحجة الشرعية فلا تجب إعادتها في الوقت، ولا قضاؤها في خارج الوقت. وأمّا في الأحكام الوضعية فقد ذكر (قدس سره) أنها على قسمين، أحدهما ما كان الموضوع فيه باقياً إلى حين انكشاف الخلاف والثاني: غير باق إلى هذا الحين. والأوّل: كما إذا عقد على


1) مصباح الأصول 3: 246.

2) أجود التقريرات 1: 299.

امرأة بالعقد الفارسي، أو اشترى داراً مثلاً بالمعاطاة، أو ذبح ذبيحة بغير الحديد، أو ما شاكل ذلك ثم انكشف له الخلاف اجتهاداً أو تقليداً مع بقاء هذه الأمور.

والثاني : كما إذا اشترى طعاماً بالمعاطاة التي يرى صحتها ثم انكشف له الخلاف وبنى على بطلانها اجتهاداً أو تقليداً مع تلف الطعام المنقول إليه، أو عقد على امرأة بالعقد الفارسي ثم انكشف له الخلاف وبنى على بطلانه كذلك مع عدم بقاء المرأة عنده، وبعد ذلك قال (قدس سره) أما القسم الأوّل من الأحكام الوضعية فلا إجماع على الإجزاء فيه بل هو المتيقن خروجه عن معقده، ومن هنا لا نظن فقيهاً أن يفتي بالإجزاء في هذا القسم. وأما القسم الثاني فيشكل دخوله في معقده ولا نحرز شموله له، وبدونه لا يمكن الافتاء بالإجزاء.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) بيانه: أما ما ذكره من دع-وى الاجماع على الإجزاء في العبادات ففي غاية الاشكال، والسبب في ذلك : هو أن هذه المسألة يعني مسألة الإجزاء ليست من المسائل الأصولية المعنونة في كتب القدماء، بل هي من المسائل المستحدثة بين المتأخرين، ومع هذا كيف يمكن لنا دعوى الاجماع فيها. وأضف إلى ذلك : أن جماعة كثيرة من الأصوليين ذهبوا إلى عدم الإجزاء فيها. فالنتيجة : أنّ دعوى الاجماع على الإجزاء فيها خاطئة جداً. على أنه اجماع منقول وهو غير حجة كما قرر في محلّه(1).

وأما ما ذكره (قدس سره) بالاضافة إلى القسم الأوّل من الأحكام الوضعية فمتين جداً، وإن سلّمنا الاجماع على الإجزاء في العبادات. وأما ما ذكره (قدس سره) من التردد في القسم الثاني فلا وجه له، لوضوح أنه لا فرق بين القسم الأول والثاني من هذه الناحية أصلاً، غاية الأمر إذا لم يبق الموضوع دفع إلى


1) مصباح الأصول 2: 156.

صاحبه بدله إذا كان له بدل، كما إذا اشترى مالاً بالمعاطاة فتلف المال ثم بنى على فسادها اجتهاداً أو تقليداً ضمن بدله وعلى الجملة : فلا فرق بين القسمين في عدم الإجزاء أصلاً.

إلى هنا قد استطعنا أن نصل إلى هذه النتيجة: وهي أن مقتضى القاعدة عدم الإجزاء مطلقاً، فالإجزاء يحتاج إلى دليل، وما ذكره شيخنا الأستاذ (ق--دس سره) من الاجماع فهو غير تام كما عرفت. نعم، قد ثبت الإجزاء في خصوص باب الصلاة بدليل خاص وهو حديث لا تعاد فيما إذا كان الفاقد جزءاً أو شرطاً غير ركن، بناءً على ضوء ما حققناه في موطنه (1)من عدم اختصاصه بالناسي وشموله للجاهل القاصر أيضاً، وعليه فلو صلّى بدون السورة مثلاً معتقداً عدم وجوبها اجتهاداً أو تقليداً ثم اعتقد وجوبها كذلك، لم تجب الاعادة عليه لا في الوقت ولا في خارجه.

وكذا لو صلّى بدون جلسة الاستراحة بانياً على عدم وجوبها في الصلاة ثمّ انكشف له الخلاف وبنى على وجوبها فيها لم تجب الاعادة عليه، وهكذا. والحاصل أن الصلاة إذا كانت فاقدة لجزء أو شرط ركني بطلت وتجب إعادتها. وأما إذا كانت فاقدة لجزء أو شرط غير ركني لم تبطل ولم تجب إعادتها لا في الوقت ولا في خارجه بمقتضى حديث لا تعاد. وأما تكبيرة الإحرام فهي خارجة عن إطلاق هذا الحديث بمقتضى الروايات الدالة على بطلان الصلاة بفقدانها ولو كان من جهة النسيان، وأما عدم ذكرها فيه فلعله من ناحية عدم صدق الدخول في الصلاة بدونها.

فالنتيجة : هي أنّ مقتضى القاعدة الثانوية في خصوص باب الصلاة ه-و


1) منها ما ذكره في شرح العروة 18: 16.

الإجزاء دون غيره من أبواب العبادات والمعاملات، ومن هنا لو بنى أحد في باب الصوم على عدم بطلانه بالارتماس فارتمس مدة من الزمن ثم انكشف له الخلاف وبنى على كونه مبطلاً وجب عليه قضاء تلك المدة. نعم، لا تجب الكفارة عليه لأنّها مترتبة على الافطار عالماً عامداً، ومن هنا قد قلنا بعدم وجوبها حتّى على الجاهل المقصر (1).

نتائج الأبحاث السابقة

قد استطعنا في نهاية الشوط أن نخرج في هذه المسألة بعدة نتائج :

الأولى : أنّ قيد «على وجهه» في عنوان المسألة على ضوء نظريتنا م-ن إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر توضيحي وليس باحترازي، نعم هو كذلك على نظرية المحقق صاحب الكفاية (قدس سره).

الثانية : أنّ المراد من الاقتضاء في عنوان النزاع ما يشبه العلة الحقيقية التكوينية والتأثير الخارجي، ومن هنا نسب إلى الاتيان بالمأمور به لا إلى الأمر، كما أنّ المراد من كلمة الإجزاء هاهنا هو معناها اللغوي، أعني الكفاية.

الثالثة : قد تقدّم أنّ مسألتنا هذه تمتاز عن مسألة المرة والتكرار من ناحية، وعن مسألة تبعية القضاء القضاء للأداء من ناحية أخرى، فلا صلة لها بشيء من المسألتين.

الرابعة : أن صاحب الكفاية (قدس سره) قد ذكر أن المأمور به بالأمر الاضطراري لا يخلو بحسب مقام الثبوت عن أربع صور، وقد تكلمنا في تلك الصور بشكل موسّع في ضمن البحوث السابقة وناقشنا في بعضها.

الخامسة : ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أن عدم إجزاء الاتيان بالمأموربه بالأمر الاضطراري فيما إذا ارتفع العذر في خارج الوقت غير معقول في مرحلة


1) شرح العروة :21: 307 (فصل في كفارة الصوم).

الثبوت، وقد تقدّم نقده وأنّه لا مانع من الالتزام بعدم الإجزاء ثبوتاً. نعم، لا مناص من الالتزام بالإجزاء في مرحلة الاثبات من جهة الاطلاق.

السادسة : لا إشكال في جواز البدار في موارد التقية، وأما في غير مواردها فالصحيح هو عدم جواز البدار فيها.

السابعة : أنّ أدلة الأوامر الاضطرارية لا تشمل الاضطرار المستند إلى الاختيار إلا في موارد التقية، حيث لا فرق فيها بين ما كان الاضطرار بالاختيار أو بغيره.

الثامنة : أنّ ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من التفصيل بين موارد الأصول وموارد الأمارات فالتزم بالإجزاء في الأولى وبعدمه في الثانية، قد تقدّم نقده بشكل موسع في ضمن البحوث المتقدمة وأنه لا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً.

التاسعة : أن مقتضى القاعدة على القول بالسببية بجميع أنواعها وأشكالها هو الإجزاء، فعدمه يحتاج إلى دليل ومقتضى القاعدة على القول بالطريقية هو عدم الإجزاء، فالإجزاء يحتاج إلى دليل نعم قد قام الدليل بالخصوص على الإجزاء في خصوص باب الصلاة.

العاشرة : أنّ ثبوت الحكم الظاهري في حق شخص لا يكون نافذاً في حق آخر ولا دليل على ذلك إلا في موردين أحدهما : مسألة النكاح. وثانيها : مسألة الطلاق كما عرفت هذا آخر ما أوردناه في مبحث الإجزاء.

مقدمة الواجب

إشارة:

معنى الوجوب المبحوث عنه في المقام

يقع الكلام فيها عن عدّة جهات :

الأولى : في بيان المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام، فنقول : لا يشك أحد ولن يشك في أنّ المراد منه ليس هو الوجوب العقلي، يعني لابدية الاتيان بالمقدمة، بداهة أنّ العقل إذا أدرك توقف الواجب على مقدمته ورأى أنّ تركها يؤدي إلى ترك الواجب الذي فيه احتمال العقاب استقل بلزوم إتيانها، امتثالاً لأمره تعالى وقياماً بوظيفة العبودية والرقية، وتحصيلاً للأم-ن م-ن العقوبة، فثبوت الوجوب بهذا المعنى ضروري، فلا مجال للنزاع فيه أبداً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ المبحوث عنه هنا ليس هو الوجوب المجازي بمعنى أنّ الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة حقيقة وواقعاً ه-ل يصح إسناده إلى مقدماته مجازاً أم لا، ضرورة أنّه لا شبهة في صحة هذا الاسناد المجازي أولاً، وعدم شأن الأصولي البحث عن ذلك ثانياً، وكون البحث عندئذ بحثاً لغوياً ثالثاً.

ومن ناحية ثالثة : أنّ المراد منه ليس هو الوجوب الفعلي التفصيلي، بداهة أنه يقتضي التفات الآمر دائماً إلى تمام مقدمات الواجب حتّى يقال إنه متى أوجب شيئاً أوجب مقدماته فعلاً، مع أنّ الأمر كثيراً ما لا يلتفت إلى نفس المقدمة فضلاً عن إيجابها.

فالصحيح أن يقال : إنّ المراد منه في المقام هو وجوب غيري تبعي، بمعنى أنّ الآمر لو كان ملتفتاً إلى نفس المقدمة لأوجبها كما أوجب ذي المقدمة، ولا

بأس بأن يسمى هذا الوجوب بالوجوب الارتكازي، لارتكازه في ذهن كل آمر وحاكم. وإن شئت قلت : إنّ النزاع في الحقيقة في ثبوت هذه الملازمة، يعني الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدماته، وعدم ثبوتها.

في أن هذه المسألة أصولية

الثانية : أنّ هذه المسألة هل هى من المسائل الأصولية أو الفقهية أو الكلامية أو المبادئ الأحكامية ؟ ففيها وجوه بل أقوال:

قيل : إنّها من المسائل الفقهية، ويظهر ذلك من عبارة جملة من المتقدمين منهم صاحب المعالم (قدس سره) (1)حيث قد استدلّ على نفي وجوب المقدمة بانتفاء الدلالات الثلاث.

ولكن هذا القول خاطئ جداً، فلا واقع موضوعي له أصلاً، وذلك لم-ا حققناه في أوّل بحث الأصول من أنّ البحث في هذه المسألة ليس عن وجوب المقدمة ابتداءً لتكون المسألة فقهية، بل البحث فيها إنما هو عن ثبوت الملازمة بين الأمر بشيء والأمر بمقدمته وعدم ثبوتها، ومن الطبيعي أنّ البحث عن هذه الناحية ليس بحثاً فقهياً ولا صلة له بأحوال فعل المكلف وعوارضه بلا واسطة هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ البحث عن ثبوت الملازمة وعدمه في هذه المسألة يعم الوجوب والاستحباب فلا اختصاص له بالوجوب. وأما تخصيص العلماء محل النزاع بالوجوب فلعله لأجل أهميته وإلا فعلى القول بالملازمة لا فرق بينه وبين الاستحباب أصلاً.

وأما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ الأحكام الفقهية مجعولة للعناوين الخاصة كالصلاة والصوم والحج والزكاة وما شاكل ذلك، والمقدمة


1) معالم الدين: 62.

حيث إنّها تصدق في الخارج على العناوين المتعددة والحقائق المختلفة وليست عنواناً لفعل واحد، فبطبيعة الحال لم يكن المجعول عليها من الأحكام الفقهية لتكون المسألة فقهية (1).

فخاطئ جداً، والسبب في ذلك : هو أنّ الضابط في المسائل الفقهية هو أنها مجعولة للموضوعات والعناوين الخاصة من دون فرق بين كونها منطبقة في الخارج على حقيقة واحدة كالأمثلة المتقدمة، أو على حقائق متعددة كعنوان النذر والعهد واليمين وإطاعة الوالد والزوج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما شابه ذلك، حيث لا شبهة في أنّ الأحكام المجعولة لهذه العناوين م-ن الأحكام الفقهية.

قيل : إنها من المسائل الكلامية بدعوى أنّ البحث عنها بحث عقلي ف-لا صلة لها بعالم اللفظ أصلاً.

وفيه : أن مجرد كون البحث عنها عقلياً لا يوجب دخولها في المسائل الكلامية، ضرورة أنّ المسائل الكلامية وإن كانت عقلية إلّا أنّ كل مسألة عقلية ليست منها، بل هي صنف خاص منها وهي المسائل التي يبحث فيها ع-ن أح---وال المبدأ والمعاد فحسب، ورجوع البحث عنها إلى البحث عن أحوالهما وإن كان بمكان من الامكان، إلّا أنّه ليس من جهة اختصاص البحث عنها بذلك، بل من ناحية قابلية المسألة في نفسها لذلك، وحيث إنّ انعقادها أصولية ممكن هنا فلا موجب لتوهم كونها منها أصلاً.

قيل : إنها من المبادئ الأحكامية.

ويدفعه أنّ المبادئ لا تخلو من التصورية والتصديقية ولا ثالث لهما،


1) أجود التقريرات 1: 310.

والمبادئ التصورية هي لحاظ ذات الموضوع والمحمول وذاتياتهما في كل علم، ومن البديهي أنّ البحث عن مسألة مقدمة الواجب لا يرجع إلى ذلك. والمبادئ التصديقية هي المقدمات التي يتوقف عليها تشكيل القياس، ومنها المسائل الأصولية فانّها مبادئ تصديقية بالاضافة إلى المسائل الفقهية، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها تلك المسائل والأحكام، ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية.

نعم، قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره، إلا أنه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية وليس شيئاً آخر في مقابلها وهو ظاهر، كما أنّ تصوره بذاته وذاتياته داخل في المبادئ التصورية. على أنّ البحث في هذه المسألة ليس عن حالات الحكم وآثاره، بل هو عن إدراك العقل الملازمة بين حكمين شرعيين : النفسي والغيري، وعدمه.

وعلى هذا الضوء، فإن أراد القائل بالمبادئ الأحكامية أنها من المبادئ التصديقية لعلم الفقه، فيرد عليه : أنّ جميع المسائل الأصولية بشتى أنواعها كذلك، فلا اختصاص لها بتلك المسألة. وإن أراد أنها من المبادئ التصديقية لعلم الأصول، فهو خاطئ جداً، لما سنشير إليه من أنّ هذه المسألة من المسائل الأصولية التي تقع في طريق الاستنباط بلا توسط مسألة أصولية أخرى.

والصحيح أنها من المسائل الأصولية العقلية، فلنا دعويان: الأولى: أنها من المسائل الأصولية الثانية : أنها من المسائل العقلية.

أمّا الدعوى الأولى : فلما حققناه في أوّل بحث الأصول (1)من أنّ المسائل الأصولية ترتكز على ركيزتين : 1 - أن تكون استفادة الأحكام الشرعية من


1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 4 - 10.

الأدلة من باب الاستنباط لا من باب التطبيق. 2 - أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم مسألة أصولية أخرى، وقد تقدّم الكلام حول هاتين الركيزتين بشكل موسع في أوّل بحث الأصول، وبما أن هاتين الركيزتين قد توفرتا في مسألتنا هذه، فهي من المسائل الأصولية لا محالة.

وأما الدعوى الثانية : فلأنّ الحاكم بالملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته إنّما هو العقل، ولا صلة لها بدلالة اللفظ أبداً.

ومن ذلك يظهر أنّ ما ظهر من صاحب المعالم (قدس سره) من كون هذه المسألة من المسائل اللفظية حيث قد استدلّ على عدم وجوب المقدمة بانتفاء الدلالات الثلاث في غير محله، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ الأصوليين قد قسّموا الحكم العقلي إلى قسمين : أحدهما : حكم عقلي مستقل وهو التحسين والتقبيح العقليان. وثانيهما: حكم عقلي غير مستقل وهو مباحث الاستلزامات العقلية، وإنما سمى الأول بالمستقل والثاني بغير المستقل من ناحية أنّ استنتاج الحكم الشرعي من الأوّل لا يتوقف على مقدمة خارجية، ومن الثاني يتوقف عليها كما فصلنا الحديث م-ن ه-ذه الناحية في مبحث اجتماع الأمر والنهي، ومسألتنا هذه من القسم الثاني.

تقسيمات المقدمة

الثالثة : في تقسيمات المقدمة. فقد ذكروا للمقدمة تقسيمات متعددة:

الأول : تقسيمها باعتبار دخولها في المأمور به قيداً وتقيداً وعدم دخولها فيه كذلك إلى أصناف ثلاثة :

انقسام المقدمة إلى الداخلية والخارجية

المقدمة الداخلية : وهي أجزاء المأمور به التي هي داخلة في حقيقته تقيداً وقيداً، فانّ الجزء كما هو بنفسه دخيل في حقيقته ومقوّم لواقعه الموضوعي، كذلك تقيده بسائر أجزائه، وهكذا مثلاً القراءة كما أنها بنفسها دخيلة في حقيقة الصلاة، كذلك تقيدها بكونها مسبوقة بالتكبيرة وملحوقة بالركوع دخيل فيها.

2 - المقدمة الخارجية بالمعنى الأعم، وقد يطلق عليها المقدمة الداخلية بالمعنى الأعم أيضاً : وهي التي تكون خارجة عن المأمور به قيداً وداخلة فيه تقيداً، وذلك كشرائط المأمور به مثل طهارة البدن للصلاة، وطهارة الثوب واستقبال القبلة والطهارة من الحدث، وما شاكل ذلك، فإنها وإن كانت خارجة عن ذات الصلاة وحقيقتها قيداً، ولكنها داخلة فيها تقيداً، يعنى أنّ المأمور به هو حصة خاصة من الصلاة، وهي الصلاة المتقيدة بتلك الشرائط لا مطلقاً، وإن شئت قلت : إنّ ما تعلق به الأمر إنما هو نفس أجزاء المأمور به مقيدة بعدة شرائط وقيود وجودية أو عدمية، وأمّا نفس الشرائط والقيود فهي خارجة عن متعلقه.

ومن هنا يظهر أن ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ الأمر كما ينبسط على الأجزاء كذلك ينبسط على القيود والشرائط فلا فرق بينه-ا م-ن هذه الناحية (1)خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أبداً، لما عرفت من من أنّ القيود بشتى ألوانها خارجة عن المأمور به والداخل فيه إنما هو التقيد بها، فلو كانت داخلة فيه لم يكن فرق بينها وبين الأجزاء أصلاً. مع أنّ الفرق بينهما من الواضحات وإلّا فما هو الموجب لتسمية هذا بالقيد وذاك بالجزء.

3 - المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص : وهي التي غير دخيلة في الواجب لا قيداً ولا تقيداً، وإنما يتوقف وجوده في الخارج على وجودها، كتوقف وجود الصلاة خارجاً على وجود مكان ما، وتوقف الكون في كربلاء مثلاً على طي المسافة وهكذا.

وبعد ذلك نقول : لا إشكال في دخول الصنف الثاني من تلك الأصناف في محل النزاع، وكذا الصنف الثالث، وإنما الاشكال والكلام في دخول الصنف


1) أجود التقريرات 1: 323.

الأوّل وعدم دخوله، الكلام فيه يقع من جهات:

اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري

الأولى : في صلاحية الأجزاء للاتصاف بالمقدمية وعدمها.

الثانية : على تقدير صلاحيتها للاتصاف بها هل المقتضي لاتصافها بالوجوب الغيري موجود أم لا؟

الثالثة : على تقدير ثبوت المقتضي له هل هنا مانع عن اتصافها به أم لا ؟

أمّا الجهة الأولى : فقد يطلق المقدمة ويراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيها بأن يكون فيه وجودان، أحدهما : للمقدمة، والآخر : لذي المقدمة، غاية الأمر أنّ وجود الثاني يتوقف على وجود الأولى. وقد يطلق ويراد بها مطلق ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه.

أمّا المقدمة بالاطلاق الأوّل فلا تصدق على الأجزاء، بداهة أنّ وجود الأجزاء في الخارج ليس مغايراً لوجود الكل، بل وجوده ف-ي-ه ع-ين وج-ود أجزائه بالأسر، فانّها إنّما تغايره إذا لوحظت لا بشرط، وأما إذا لوحظت بشرط شيء فهي عينه، حيث إنّه هو الأجزاء الملحوظة كذلك، والسر فيه واضح، وهو أنّ التركيب بينها اعتباري فلا وجود له خارجاً ما عدا وج--ود أجزائه فيه. وإن شئت قلت : إنّ في الخارج وجوداً واحداً وذلك الوجود الواحد كما يضاف إلى الكل فيكون وجوداً له، كذلك يضاف إلى الأجزاء، وليس فيه وجودان أحدهما مقدمة للآخر.

وأما المقدمة بالاطلاق الثاني فتشمل الأجزاء أيضاً، لوضوح أن وجود الكل يتوقف على وجود أجزائه، وأما وجودها فلا يتوقف على وجوده، وذلك كالواحد بالاضافة إلى الاثنين حيث إنّ وجود الاثنين يتوقف على وج-ود الواحد دون العكس. وعلى الجملة : فما أنّ وجود الجزء يتقدم على وجود الكل

طبعاً فبطبيعة الحال لا يعقل وجوده بدون وجوده دون العكس، وهذا معنى كونه مقدمة له. فالنتيجة أنّه لا إشكال في صدق المقدمة بالاطلاق الثاني على الأجزاء.

وأمّا الجهة الثانية : فقد أفاد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في هامش الكفاية (1)ما حاصله : هو أنه لا مقتضي لاتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري أصلاً، والسبب في ذلك : هو أنّ ملاك الوجوب الغيري إنما هو فيما إذا كان وجود المقدمة غير وجود ذيها في الخارج ليقع البحث عن أن إيجاب الشارع ذي المقدمة هل يستلزم إيجابه مقدمته تبعاً أم لا، وأما إذا كان وجودها عين وجود ذيها في الخارج كالجزء بالاضافة إلى الكل فلا ملاك لاتصافها به، لوضوح أنها واجبة بعين الوجوب المتعلق بالكل وهو الوجوب النفسي ومعه لا مقتضي لاتصافها به، بل هو لغو محض.

وهذا الذي أفاده (قدس سره) في غاية الصحة والمتانة، بداهة أنه لا موضوع لحكم العقل بالملازمة هنا بعد فرض أنّ الأجزاء نفس المركب في الخارج وأحدهما عين الآخر وجوداً ووجوباً، ومعه كيف يعقل وجود الملاك للوجوب الغيرى فيها.

وأمّا الجهة الثالثة : فقد ادّعى صاحب الكفاية (قدس سره) (2)وجود المانع عن اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري على فرض ثبوت المقتضى له - وه-و لزوم اجتماع المثلين - وذلك لأنّ الأجزاء بشرط الاجتماع واجبة بوجوب نفسي، ومع ذلك لو وجبت بوجوب غيري لزم اجتماع حكمين متماثلين في شيء واحد، وهو محال حتّى لو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي في مورد التصادق


1) كفاية الأصول: 91.

2) كفاية الأصول : 90.

والاجتماع، والسبب فيه هو أنّ القول بالجواز هناك يرتكز على كون الجهتين تقييديتين، وأما إذا كانتا تعليليتين فلا يمكن القول به، وبما أن الجهة فيما نحن فيه تعليلية وهي عنوان المقدمة ولم تكن تقييدية فلا يمكن القول بالاجتماع فيه.

ولنأخذ بالنقد عليه بيانه : أنّ ما أفاده (قدس سره) من المانع في فرض ثبوت المقتضي لا يصلح أن يكون مانعاً، والسبب في ذلك هو أن اجتماع الحكمين المذكورين في شيء واحد لا يؤدي إلى اجتماع المثلين بل يؤدي إلى اندكاك أحدهما في الآخر فيصيران حكماً واحداً مؤكداً كما هو الحال في كل واجب نفسي يتوقف عليه واجب نفسي آخر، كصلاة الظهر بالاضافة إلى صلاة العصر حيث إنها واجبة بحد ذاتها نفساً، أي سواء أكان هناك واجب آخر أم لا، وواجبة بالاضافة إلى صلاة العصر غيراً باعتبار توقفها عليها، فهي ذات ملاكين، فإذن بطبيعة الحال يندك أحدهما في الآخر ويتحصل من مجموعها وجوب واحد أكيد متعلق بها.

وعلى الجملة : ففي كل مورد اجتمع فيه حكمان متماثلان - سواء أكانا من نوع واحد أم من نوعين، وسواء أكان كلاهما معاً إلزاميين أم كان أحدهما إلزامياً دون الآخر - يندك أحدهما في الآخر، ولا يعقل بقاء كل واحد منهما بجده، هذا.

وقد اعترض على ذلك بعض الأعاظم (قدس سره)(1)، وحاصله : هو أنّ الاندكاك بين الحكمين المتماثلين إنما يتصور فيما إذا كانا في رتبة واحدة، وأما إذا كان أحدهما في طول الآخر فلم يتصور الاندكاك بينهما، وما نحن فيه من قبيل الثاني، وذلك لأن ملاك الوجوب الغيري في طول ملاك الوجوب النفسي. وإن شئت قلت : إنّ الوجوب الغيري متأخر رتبة عن الوجوب النفسي حيث إنّه


1) نهاية الأفكار 1: 268.

مترشح عنه، وعليه فبطبيعة الحال اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري في رتبة متأخرة عن اتصافها بالوجوب النفسي، ومعه كيف يعقل حصول الان--دكاك بينهما.

ولنأخذ بالنقد عليه : وهو أنّ ما أفاده (قدس سره) مبتن على الخلط بين تقدّم حكم على حكم آخر زماناً، وبين تقدمه عليه رتبة مع مقارنته له كذلك، بيانه : أن الاندكاك بين الحكمين إنّما لا يتصور فيما إذا كانا مختلفين زماناً، بأن يكون أحدهما في زمانٍ والآخر في زمانٍ آخر بحيث لا يجتمعان في زمان واحد، ففي مثل ذلك لا يعقل الاندكاك والتأكد.

وأما إذا كانا مقارنين زماناً ومجتمعين فيه - وإن كانا مختلفين رتبة - فلا مناص من الالتزام بالتأكد والاندكاك بداهة أنّه لا أثر لاختلاف الرتب العقلية في الأحكام الشرعية لعدم ثبوتها لها، وإنما هي ثابتة للموجودات الزمانية. ومثال الاندكاك في التكوين والتشريع موجود.

أمّا في الأوّل : فكما إذا افترضنا وجود ملاكين لاتصاف جسم بالبياض مثلاً وكان أحدهما في طول الآخر رتبة، كما إذا فرضنا أن اتصاف جسم ببياض سبب لايجاد بياض آخر فيه، فالبياضان عندئذ وإن كانا مختلفين رتبة إلا أنّ اتحادهما زمناً يوجب اندكاك أحدهما في الآخر، ولا يعقل بقاء كل منهما فيه بجده واستقلاله.

وأما في الثاني : كما لو نذر الصلاة في المسجد أو الجماعة أو نحو ذلك، فانّه لا شبهة في أنّ الوجوب الآتي من قبل النذر يندك في الوجوب أو الاستحباب النفسي الثابت لها، مع أنه في رتبة متأخرة عنه، لتأخر ملاكه - وهو رجحان متعلقه - عن ملاك ذلك، والسبب فيه ليس إلا اجتماعهما في شيء واحد وزمن واحد. ومن هنا ذكرنا في محلّه أنّ الأمر النذري في عرض الأمر النفسي زمناً

وإن كان في طوله رتبة بملاك اعتبار الرجحان في متعلقه في مرتبة سابقة عليه.

ثمرة القول بوجوب الأجزاء غيرياً

فالنتيجة : أنّ الملاك المقتضي للاندكاك والتأكد هو تقارن الحكمين زمناً وإن كانا مختلفين رتبة. أضف إلى ذلك : أنّ الوجوب الغيري ليس معلولاً للوجوب النفسي ومترشحاً منه كما سيأتي تحقيقه في ضمن البحوث الآتية.

وقد ادعى بعض الأعاظم (قدس سره) (1)ظهور الثمرة بين القول باتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري والقول بعدم اتصافها به في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، بدعوى أنه على القول الأول لا ينحل العلم الاجمالي بوجوب أحدهما بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل، وذلك لأن مناط الانحلال هو انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل على كل تقدير، وبما أنّ في المقام لا ينطبق كذلك باعتبار أنّ المعلوم بالاجمال هو الوجوب النفسي والمعلوم بالتفصيل هو الجامع بين الوجوب الغيري والنفسي، فلا انحلال في البين. وعلى القول الثاني ينحل إلى العلم التفصيلي بوجوب نفسي متعلق بذات الأقل - وهي المركب من تسعة أجزاء مثلاً - والشك البدوي في اعتبار أمر زائد، وعندئذ فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الزائد.

وغير خني أن ما أفاده (قدس سره) خاطئ جداً، والسبب في ذلك هو أن انحلال العلم الاجمالي وعدمه في تلك المسألة يرتكزان على نقطة أخرى وهي جريان أصالة البراءة عن وجوب الزائد وعدم جريانها، ولا صلة لها باتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري وعدم اتصافها به. وإن شئت قلت : إنّ الأمر بالمركب إذا لم يكن أمر بالأجزاء فلا موجب للانحلال، وإن كان الأمر به عين الأمر


1) نهاية الأفكار 1: 269.

بالأجزاء كما هو كذلك تعيّن القول بالانحلال، بناءً على ما حققناه في مورده (1)من عدم المانع من جريان أصالة البراءة عن وجوب الزائد، وعلى ك-لا التقديرين لا فرق بين القول بوجوب الأجزاء غيرياً والقول بعدمه.

نتيجة ما ذكرناه إلى هنا هي أنّ المقدمة الداخلية خارجة عن مورد البحث، فالذي هو مورد للبحث والنزاع هو المقدمة الخارجية بكلا صنفيها.

انقسام المقدمة إلى الوجوب والوجود والعلم والصحة

الثاني : تقسيم المقدمة إلى مقدمة الوجوب تارة، ومقدمة الوجود أخرى، ومقدمة العلم ثالثة، ومقدمة الصحة رابعة.

أمّا الأولى : فلا إشكال في خروجها عن محل البحث، وذلك لأنه لا وجوب قبل وجودها حتّى يجب تحصيلها، وبعد وجودها وجوبها تحصيل للحاصل، وذلك كالاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحج، فانّه لا وجوب له قبل وجودها، وكالسفر الذي هو شرط لوجوب القصر في الصلاة والافطار في الصيام، وفي مقابله الحضر الذي هو شرط لوجوب التمام والصيام، ومن هنا لا شبهة في عدم اتصاف هذه المقدمات والشرائط بالوجوب، لأنها أخذت مفروضة الوجود في الخارج في مقام الجعل فلا يعقل إيجابها من هذه الناحية. نعم، قد يجب الاتيان بها من ناحية أخرى، كما إذا نذر تحصيل الاستطاعة أو السفر أو نحو ذلك فحينئذ يجب، ولكن ذلك أجنبي عما هو محل الكلام في المقام.

وأمّا مقدمة العلم : كالصلاة إلى الجهات الأربع في مورد اشتباه القبلة لتحصيل العلم بوقوعها إلى القبلة، أو في غير ذلك من موارد العلم الاجمالي، فهي أيضاً لا شبهة في خروجها عن مورد البحث، وذلك لأن الصلاة التي وقعت


1) مصباح الأصول 2: 494.

إلى القبلة في المثال هي نفس الواجب وليست مقدمة له، وأما غيرها فهي مغايرة للواجب ولا تكون مقدمة له، وإنما هي مقدمة لحصول العلم بالواجب وفراغ الذمة والأمن من العقاب.

وأمّا مقدمة الوجود وهي التي يتوقف وجود الواجب على وج--وده-ا خارجاً بحيث لولاها لما حصل الواجب نفسه فهي تعود إلى المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص، وهي التي خارجة عن المأمور به قيداً وتقيداً.

انقسام المقدمة إلى الشرعية والعقلية والعادية

وأمّا مقدمة الصحة : وهي التي تتوقف صحة الواجب عليها، فهي تعود إلى المقدمة الخارجية بالمعنى الأعم، وهي التي خارجة عن المأمور ب-ه ق-ي-داً وداخلة فيه تقيداً. فالنتيجة : أنّه لا بأس بهذا التقسيم.

نعم، لا وقع لتقسيمها ثالثاً إلى الشرعية والعقلية والعادية، وذلك لأن الأولى بعينها هي المقدمة الخارجية بالمعنى الأعم وليست مقدمة أخرى في مقابلها. والثانية هي المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص. وأمّا الثالثة، فإن أريد منها ما جرت العادة على الاتيان بها من دون توقف الواجب عليها خارجاً فلا شبهة في خروجها عن مورد النزاع، وإن أريد منها ما يستحيل وج-ود الواجب في الخارج بدونها عادة وإن لم يستحل عقلاً، وذلك كالكون على السطح مثلاً حيث إنه بلا طي المسافة محال عقلي لاستحالة الطفرة، ولكنّه بلا نصب السلّم محال عادي، ضرورة إمكان الطيران ذاتاً.

وبكلمة أخرى تارة يكون الشيء ممتنعاً ذاتاً كاجتماع النقيضين، ووجود الممكن بلا علة وما شاكل ذلك. وأخرى يكون ممتنعاً وقوعاً وإن كان في ذاته ممكناً، وذلك ككون الانسان على السطح بدون طي المسافة،، فانه ممتنع عقلاً حيث يلزم من فرض وقوعه في الخارج محال - وهو الطفرة - وثالثة لا هذا ولا ذاك، بل هو ممتنع عادة ككونه على السطح بلا نصب السلّم حيث لا يلزم من

فرض وقوع الطيران أو القوة الخارقة للعادة له محال، لعدم استحالتهما. وإنّما يستحيل بلا نصب السلّم بالقياس إلى عادم الجناح وعادم القوّة الخارقة.

فالنتيجة : أنّ المقدمة في الحقيقة هي الجامعة بين الطيران ونصب السلّم، وحيث إنّ الفرد الأوّل غير متحقق انحصر الجامع في الفرد الأخير وهو نصب السلّم، فإذن ترجع المقدمة العادية على ضوء هذا التفسير إلى المقدمة العقلية، فلا معنى لذكرها في قبالها.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ الصحيح من هذه التقسيمات للمقدمة هو التقسيم الأوّل والثاني، ولا وقع للتقسيم الثالث.

الكلام في الشرط المتأخر

تعمیم الاشكال للشرط المتقدم

ينقسم الشرط إلى الشرط المتأخر والمتقدم والمقارن.

وقد أشكل على الشرط المتأخر بأنّ الشرط من أجزاء العلة التامة، ومن البديهي أنّ العلة بكافة أجزائها تتقدّم على المعلول رتبة وتعاصره زمناً، فلا يعقل تأخّر جزء من أجزائها عنه، ومعه كيف صار الشرط متأخراً عن المشروط.

وربّما يتوهم أنّ الشرط ليس هو ذات الوجود الخارجي ليستحيل تأخره عن المشروط، بل الشرط إنما هو وجوده المتأخر بوصف تأخره، فالعلة لم تتأخر عن المعلول، بل المتأخر بوصف تأخره يكون علة تامة.

ويرده: أنه مجرد وهم فلا واقع موضوعي له أصلاً، وذلك لأنّ لازم هذا هو أن يكون الشيء المعدوم بوصف أنّه معدوم مؤثراً في وجود الشيء، لفرض أنّ الشرط كما عرفت من أجزاء العلة التامة المؤثرة في الوجود، ومع عدمه فالعلة التامة غير موجودة، ومعه كيف يعقل وجود المعلول. وعلى الجملة: فالشيء المتأخر لا يعقل أن يكون مؤثراً في المتقدم لا بوصف كونه متأخراً ولا بوصف كونه معدوماً، إذ على كلا التقديرين يلزم وجود المعلول قبل وجود علته وهو محال.

ثمّ إنّ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)لم يقتصر في الاشكال على الشرط المتأخر، بل أورده على الشرط المتقدم أيضاً بدعوى أن الشرط بما أنه


1) كفاية الأصول : 92.

من أجزاء العلة التامة فلابد أن يكون مقارناً مع المشروط زمناً، فكما لا يعقل أن يكون متأخراً عنه كذلك لا يعقل أن يكون متقدماً عليه إذا لم يبق إلى عصر وجوده أي وجود المشروط، ومن هنا قال (قدس سره): إنّه لا وجه لاختصاص الاشكال بخصوص الشرط المتأخر كما اشتهر في الألسنة، بل يعم الشرط والمقتضي المتقدمين المتصرمين حين وجود الأثر كالعقد في الوصية والصرف والسلم، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه لتصرمها حين تأثره، مع ضرورة اعتبار مقارنتها له زماناً.

ولنأخذ بالنقد عليه : وهو أنّ ما جاء به المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من تعميم الاشكال إلى الشرط المتقدم خاطئ جداً، فان تقدّم الشرط على المشروط في التكوينيات غير عزيز فما ظنك في التشريعيات، والسبب في ذلك : هو أن مردّ الشرط في طرف الفاعل إلى مصحح فاعليته، كما أن مردّه في طرف القابل إلى متمم قابليته، ومن الطبيعي أنّه لا مانع من تقدّم مثله على المشروط زماناً.

وبكلمة أخرى: أنّ شأن الشرط إنّما هو إعطاء استعداد التأثير للمقتضي في مقتضاه، وليس شأنه التأثير الفعلي فيه حتّى لا يمكن تقدمه عليه زماناً. ومن البديهي أنه لا مانع من تقدّم ما هو معد ومقرّب للمعلول إلى حيث يمك--ن صدوره عن العلة زمناً عليه، ولا تعتبر المقارنة في مثله. نعم، الذي لا يمكن تقدمه على المعلول زماناً هو الجزء الأخير للعلة التامة، وأما سائر أجزائها فلا مانع من ذلك أصلاً، ونأخذ لتوضيح ذلك مثالين:

أحدهما أنّ غليان الماء خارجاً يتوقف على إحراق النار وإيجاد الحرارة فيه على التدريج إلى أن تبلغ درجة خاصة فإذا وصلت إلى هذه الدرجة تحقق الغليان، فالاحراق شرط له وهو متقدم عليه زماناً.

ثانيهما : أنّ القتل يتوقف على فري الأوداج، ثم رفض العروق الدم الموجود فيها إلى الخارج، ثم توقف القلب عن الحركة وبعده يتحقق القتل، ففري الأوداج مع أنّه شرط متقدم عليه. فالنتيجة أنّه لا مانع من تقدّم سائر أجزاء العلة التامة على المعلول زماناً، فان ما لا يمكن تقدمه عليه كذلك هو الجزء الأخير لها.

ومن هنا يظهر أنّ التعاصر إنما هو بين العلة التامة ومعلولها لا بين كل جزء جزء منها وبينه، فإذا جاز تقدّم الشرط على المشروط في التكوينيات جاز في التشرعيات أيضاً، بداهة أنّه لا مانع من اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف مشروطاً بشيء متدرج الوجود خارجاً على نحو يكون ثبوته في ذمته معاصراً لجزئه الأخير بحيث يستحيل الانفكاك بينهما زماناً، أو يعتبر الوضع كالملكية والزوجية وما شاكلها كذلك، يعني مشروطاً بشيء متدرج الوجود كالعقد ونحوه.

وعلى الجملة : فلا مانع من تقدّم الشرط على المشروط، سواء أكان المشروط حكماً أو فعلاً، وسواء أكان الحكم وضعياً أو تكليفياً. وأضف إلى ذلك : أن باب الأحكام الشرعية أجنبي عن باب العلة والمعلول بالكلية ف-لا صلة لأحدهما بالآخر أبداً كما سنشير إليه.

حصر النائيني الاشكال في شروط الحكم

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)قد خصص الاشكال المذكور بشرائط الحكم، وذهب إلى عدم جريانه بالاضافة إلى شرائط المأمور به، وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله: هو أنّ مرد شرطية شيء للمأمور به هو أن الشارع جعل متعلق أمره حصة خاصة منه وهي الحصة المتقيدة به لا مطلقاً، مثلاً معنى كون الطهارة شرطاً للصلاة هو أنّ الأمر تعلق بحصة خاصة منها وهي


1) أجود التقريرات 1: 322 الأمر الثالث.

الحصة المتقيدة بها لا مطلقاً، فيكون القيد كالجزء، فكما أن الجزء متعلق للأمر النفسي، فكذلك القيد، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر : كما أنه لا مانع من تأخر بعض أجزاء الواجب ع-ن بعضها الآخر ولا محذور فيه أبداً، وأنّ الأمر تعلق بالمجموع من المتقدم والمتأخر ولا يمكن امتثاله إلا بالاتيان بالجميع كما هو الحال في أجزاء الصلاة، كذلك لا مانع من تأخر بعض القيود عن الواجب، فان مرجعه إلى أنّ الواجب هو الحصة المتقيدة به، فحاله حال الجزء الأخير من هذه الناحية، فكما أنّ الواجب لا يحصل في الخارج إلا بحصول الجزء الأخير، فكذلك لا يحصل إلا بحصول قيده المتأخر. ومن هنا لو قلنا باشتراط صوم النهار بالغسل المتأخر وهو الغسل في الليل فلا يمكن امتثاله بدونه فانّ الواجب هو حصة خاصة من الصوم وهي الحصة المتقيدة به، ومن الطبيعي أنّه لا يمكن حصول المقيد في الخارج بدون حصول قيده.

وإن شئت قلت : إنّ مقامنا هذا ليس مقام التأثير والتأثر، لما عرفت من أنّ مرد كون شيء شرطاً للمأمور به إلى كونه قيداً له، ومن الواضح أن قيد المأمور به قد يكون مقارناً له، وقد يكون متقدماً عليه، وقد يكون متأخراً، فكما لا يمكن حصول المأمور به بدون قيده المقارن أو المتقدم فكذلك لا يمكن حصوله بدون قيده المتأخر، فحال القيد المتأخر كالغسل المزبور مثلاً حال الجزء الأخير من الواجب كالتسليم بالاضافة إلى الصلاة فانهما مشتركان في نقطة واحدة، وهي توقف امتثال الواجب عليهما.

ويرد عليه أوّلاً : أنّ هذا مناقض لما أفاده (قدس سره) سابقاً (1)من الفرق


1) أجود التقريرات 1: 313 وما بعدها.

بين المقدمات الداخلية بالمعنى الأخص وهي الأجزاء والمقدمات الداخلية بالمعنى الأعم وهي الشرائط حيث قال بخروج الشرائط حيث قال بخروج الأولى عن محل النزاع لعدم ملاك الوجوب الغيري فيها، دون الثانية. ووجه المناقضة هو أنّ الشرائط لو كانت متصفة بالوجوب النفسي فهي كالأجزاء فلا مقتضي عندئذ لاتصافها بالوجوب الغيري.

وثانياً : ما أشرنا إليه في ضمن البحوث السابقة من أنّ الشرائط بأجمعها خارجة عن المأمور به والداخل فيه إنّما هو تقيده بها، فإذن كيف يعقل أن تكون متعلقة للأمر النفسي كالأجزاء مع أنّ بعضها غير اختياري كالقبلة أو ما شاكلها. وعلى الجملة : فالملاك في صحة التكليف هو كون المقيد بما هو مقيد تحت قدرة المكلف واختياره، وإن كان القيد خارجاً عنه. فالنتيجة : أن إشكال تأخر الشرط في شرائط المأمور به لا يندفع بما ذكره (قدس سره).

والذي ينبغي أن يقال في المقام هو أنّه لا شأن للشرط هنا إلّا كونه قيداً للطبيعة المأمور بها الموجب لتعنونها بعنوان خاص وتخصصها بحصة مخصوصة التي يقوم بها ملاك الأمر، فالمأمور به هو تلك الحصة من الكلي من دون دخل لذلك القيد في الملاك القائم بها أصلاً، ومن الطبيعي أنه لا فرق فيه بين كون ذلك القيد من الأمور المتقدمة أو المقارنة وبين كونه من الأمور المتأخرة، بداهة كما أن تقييد الطبيعة المأمور بها بالأمور المتقدمة كتقييد الصلاة مثلاً بالطهارة بناءً على ما هو الصحيح من أنّها عبارة عن الأفعال الخارجية - أو بالأمور المقارنة كتقييدها باستقبال القبلة وبالستر والقيام وما شابه ذلك، يوجب تخصصها بحصة خاصة بحيث لا يمكن الاتيان بتلك الحصة إلا مع هذه القيود، ومع انتقائها تنتفي، كذا تقييدها بالأمور المتأخرة يوجب تخصصها كذلك بحيث لم يحصل ذلك الأمر المتأخر في موطنه كشف عن عدم تحقق تلك الحصة.

وذلك كالصوم الواجب على المستحاضة بناءً على كونه مشروطاً بشرط متأخر وهو الغسل في الليل اللاحق، فان معنى كونه مشروطاً ب-ه ه-و أن الواجب عليها حصة خاصة من الصوم وهي الحصة المقيدة به بحيث يكون التقيد داخلاً والقيد خارجاً، ومن الواضح أنّه لا يمكن حصول تلك الحصة في الخارج بدون الاتيان به فلو صامت المستحاضة في النهار فان أتت بالغسل في الليل كشف ذلك عن حصول تلك الحصة من الصوم الواجبة عليها، وإن لم تأت به کشف عن عدم حصولها وأنّ ما أتت به هو حصة أخرى مباينة للحصة المأمور بها.

وعلى الجملة: فباب الأحكام الشرعية باب الاعتبارات وهو أجنبي عن باب التأثير والتأثر، ولا صلة لأحد البابين بالآخر أبداً، فلا مانع من تقييد الشارع متعلقها بأمر متأخر، كما أنّه لا مانع من تقييدها بأمر مقارن أو متقدم، لما عرفت من أنّ مردّ تقييده بأمر متأخر هو أنه بوجوده المتأخر يكشف عن وجود الواجب في ظرفه، كما أنّ عدم وجوده كذلك يكشف عن عدم تحققه فيه باعتبار أن تقيده به كان جزءه.

فالنتيجة : أنّه لا فرق بين القيد المقارن والمتقدم والمتأخر من هذه الناحية أصلاً، ولا وجه لتوهم استحالة القيد المتأخر إلّا من ناحية إطلاق لفظ الشرط عليه، زاعماً أنّ المراد منه ما كان له دخل في تأثير المقتضي فيكون من أجزاء العلة التامة، فلا يعقل تأخره عن وجود المعلول، ولكن قد تبين ممّا تقدّم أنّ المراد من الشرط هنا معنى آخر وهو ما يكون تقيده دخيلاً في الواجب دون نفس القيد، وعليه فبطبيعة الحال لا يضر تقدمه عليه وتأخره عنه خارجاً.

ومن ذلك يظهر أنّ المغالطة في المقام إنّما نشأت من الاشتراك اللفظي، حيث قد أخذ الشرط في الصغرى - وهي قوله هذا شرط - بمعنى، وفي الكبرى

وهي قوله كل شرط مقدّم على المشروط - بمعنى آخر، فلم يتكرر الح--د الوسط وبدونه فلا نتيجة.

وأمّا شرائط الحكم سواء أكان حكماً تكليفياً أم كان وضعياً، فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ما إليك نصه : والتحقيق في رف-ع ه-ذا الاشكال أن يقال: إنّ الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها لا يخلو إما أن يكون المتقدم أو المتأخر شرطاً للتكليف أو الوضع أو المأمور به. أما الأوّل: فكون أحدهما شرطاً له ليس إلّا أن للحاظه دخلاً في تكليف الأمر كالشرط المقارن بعينه، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلا أنّ لتصوره دخلاً في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدم أو المتأخر.

كلام صاحب الكفاية في المقام

وبالجملة : حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية كان من مبادئه بما هو كذلك تصوّر الشيء بأطرافه ليرغب في طلبه والأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه ولما أراده واختاره، فيُسمّى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته شرطاً، لأجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارناً له أو لم يكن كذلك، متقدماً أو متأخراً، فكما في المقارن يكون لحاظه فى الحقيقة شرطاً، كان فيهما كذلك فلا إشكال. وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً ولو كان مقارناً، فان دخل شيء في الحكم به وصحة انتزاع-ه لدى الحاكم به ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه وبدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده فيكون دخل كل من المقارن وغيره بتصوّره ولحاظه وهو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن، فتأمل تعرف(1).

ملخص ما أفاده (قدس سره) : هو أنّ الشرط في الحقيقة تصور الشيء


1) كفاية الأصول : 93.

ووجوده الذهني دون وجوده الخارجي، وإطلاق الشرط عليه مبني على ضرب من المسامحة باعتبار أنّه طرف له، وعلى ضوء هذا الأساس لا فرق بين كون وجود الشرط خارجاً متأخراً عن المشروط أو متقدماً عليه أو مقارناً له، إذ على جميع هذه التقادير الشرط واقعاً والدخيل فيه حقيقة هو لحاظه ووجوده العلمي، وهو معاصر له زماناً ومتقدم عليه رتبة.

وعلى الجملة : فالحكم بما أنّه فعل اختياري للحاكم، فلا يتوقف صدوره منه إلا على تصوره بتمام أطرافه من المتقدمة والمقارنة واللاحقة، وهو الموجب لحدوث الارادة في نفسه نحو إيجاده، كسائر الأفعال الاختيارية، فالشرط له حقيقة إنما هو وجود تلك الأطراف في عالم التصور واللحاظ، دون وجودها في عالم الخارج.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) إنما يتم في موردين : أحدهما: في القضايا الشخصية. وثانيهما في مرحلة الجعل والتشريع ولا يتم فيما نحن فيه، فلنا دعاو ثلاث :

أمّا الدعوى الأولى : فلأن فعلية الأحكام المجعولة في القضايا الشخصية مساوقة لجعلها غالباً، فهما في آن واحد، والسبب في ذلك: أنّ الموضوع فيها هو الشخص الخارجي، ومن الطبيعي أنه ليس لفعلية الحكم المجعول عليه حالة منتظرة ما عدا جعله، فانّ فعلية الحكم إنما هي بفعلية موضوعه، فإذا ك-ان موضوعه موجوداً في الخارج كما هو المفروض كان فعلياً لا محالة، فلا تتوقف فعلية الحكم فيها على شيء آخر، ومن المعلوم أنّ ما هو دخيل في ذلك ومؤثر فيه إنما هو إرادة المولى بمبادئها من التصور واللحاظ، فلا دخل لشيء من الوجودات الخارجية فيه، فأمر المولى باتيان الماء مثلاً لا يتوقف على شيء سوى إرادته واختياره كسائر أفعاله الاختيارية والمفروض أن زمان الجعل

فيه مساوق لزمان فعلية المجعول، فلا تتوقف على شيء آخر ما عداه.

فالنتيجة : أنّ في أمثال هذه الموارد لا يعقل أن يكون الشيء شرطاً لفعلية الحكم ومؤثراً فيها من دون دخله في جعله، بل الأمر بالعكس تماماً، يعني أنّ الشرائط فى أمثال تلك الموارد بأجمعها راجعة إلى شرائط الجعل، فليس شيء منها راجعاً إلى شرط المجعول، وقد عرفت أنّ شرائط الجعل عبارة عن علم الآمر وتصوّره الشيء بتمام أطرافه المتقدمة والمقارنة والمتأخرة، سواء أكان علمه مطابقاً للواقع أم لا. إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنّ تمامية ما أفاده (قدس سره) في تلك الموارد إنما هي من ناحية أن شرائط الحكم فيها ترجع إلى شرائط الجعل فحسب، فلا معنى لكون شيء شرطاً فيها للحكم.

وأما الدعوى الثانية : فقد ظهر حالها من ضوء ما بيناه في الدعوى الأولى، وأنّ الجعل كسائر الأفعال الاختيارية فلا يتوقف على شيء ما عدا الاختيار بمبادئه.

وأمّا الدعوى الثالثة : فلأنّ محل الكلام إنما هو في شرائط الحك-م م-ن التكليفي أو الوضعي لا في شرائط الجعل، فلا صلة لما أفاده (قدس سره) بما هو محل الكلام، بيان ذلك هو أنّ للأحكام المجعولة على نحو القضايا الحقيقية مرتبتين :

الأولى مرتبة الجعل والانشاء، فالحكم في هذه المرتبة لا يتوقف على وجود شيء في الخارج، بل هو موجود بوجود إنشائي فحسب، وله بقاء واستمرار كذلك ما لم ينسخ.

الثانية مرتبة الفعلية فالحكم في هذه المرتبة يتوقف على وجود موضوعه بتمام قيوده خارجاً، وذلك لاستحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه، ومحل الكلام في المقام إنما هو في شرائط المجعول وهو الحكم الفعلي، لا في شرائط

الجعل حيث قد عرفت الكلام فيها، وأنّ الجعل بما أنّه فعل اختياري للجاعل فلا وعاء لشرائطه إلا النفس ولا دخل للوجود الخارجي فيه أصلاً.

وهذا بخلاف شرائط المجعول، فانّها حيث كانت عبارة عن القيود المأخوذة في موضوعه في مقام الجعل فيستحيل تحققه وفعليته بدون تحققها وفعليتها وذلك كالاستطاعة مثلاً التي أخذت في موضوع وجوب الحج، فانه-ا م-ا لم تتحقق في الخارج لا يكون وجوب الحج فعلياً، وكالعقد الذي أخذ في موضوع الملكية أو الزوجية، فانّه ما لم يوجد خارجاً لا تتحقق الملكية أو الزوجية. وعلى الجملة : ففعلية الحكم تدور مدار فعلية موضوعه المأخوذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل، ومن هنا وقع الاشكال فيما إذا كان الشرط متأخراً زماناً عن الحكم.

فالنتيجة لحد الآن أمران : الأوّل : أنّ فعلية الحكم تتوقف ع-ل-ى ف-ع-ل-ي-ة موضوعه المأخوذ مفروض الوجود في ظرف التشريع. الثاني: أنّ كلامه (قدس سره) مبنى على الخلط بين شرائط الجعل وشرائط المجعول، وقد مرّ أنّه لا صلة لاحداهما بالأخرى أصلاً.

التزام النائيني باستحالة الشرط المتأخر

وعلى ضوء هذه النتيجة قد التزم شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)باستحالة الشرط المتأخر بدعوى أنّ الموضوع في القضايا الحقيقية قد أخذ مفروض الوجود بتمام شرائطه وقيوده، ومن الطبيعي أنّ الموضوع مالم يتحقق في الخارج كذلك يستحيل تحقق الحكم، حيث إنّ نسبة الموضوع إلى الحكم كنسبة العلة التامة إلى معلولها، ففرض فعلية الحكم قبل وجود موضوعه ولو من ناحية عدم وجود قيد من قيوده كفرض وجود المعلول قبل وجود علته، والسر فيه


1) أجود التقريرات 1: 328.

أن القضايا الحقيقية بأجمعها ترجع في الحقيقة إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له، ومن الطبيعي أنه لا يمكن وج-ود التالي قبل وجود المقدّم.

والذي ينبغي أن يقال في المقام : هو جواز الشرط المتأخر، ويقع الكلام فيه في مقامين : الأوّل في مقام الثبوت. والثاني: في مقام الاثبات.

المختار في المسألة بالنسبة إلى مقامي الثبوت والاثبات

أمّا المقام الأوّل : فقد ذكرنا غير مرّة أنّ الأحكام الشرعية بشتى أنواعها أمور اعتبارية، فلا واقع موضوعي لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، ولا صلة لها بالموجودات المتأصلة الخارجية أبداً. وبكلمة أخرى : أنّ الموجودات التكوينية المتأصلة خاضعة لعللها الطبيعية فلا يتعلق بها جعل شرعي أصلاً. وأما الموجودات الاعتبارية التي منها الأحكام الشرعية فهي خاضعة لاعتبار المعتبر، وأمرها بيده وضعاً ورفعاً، ولا تخضع لشيء من الموجودات التكوينية وإلا لكانت تكوينية.

وعلى ضوء هذا البيان قد اتضح أنّ موضوعات الأحكام الشرعية وإن كانت من الأمور التكوينية، إلّا أنّه لا تأثير لها فيها أبداً، لا تأثير العلة في المعلول، ولا الشرط في المشروط ولا السبب في المسبب وإن أطلق عليها الشرط مرّة، والسبب مرّة أخرى، إلا أنّ ذلك مجرد اصطلاح من الأصحاب على تسمية الموضوعات في الأحكام التكليفية بالشروط، وفي الأحكام الوضعية بالأسباب، مع عدم واقع موضوعي لها، فيقولون إن البلوغ شرط لوج---وب الصلاة مثلاً، والاستطاعة شرط لوجوب الحج، وبلوغ النصاب شرط لوجوب الزكاة،وهكذا والبيع سبب للملكية، والموت سبب لانتقال المال إلى الوارث، وملاقاة النجس مع الرطوبة المسرية سبب لنجاسة الملاقي وهكذا، وقد قلنا في موطنه إنّه لم يظهر لنا وجه للتفرقة بين تسمية الأولى بالشروط والثانية

بالأسباب أصلاً، بداهة أنّ كلتيهما موضوع للحكم فلا فرق بين الاستطاعة والبيع من هذه الناحية، فكما أنّ الشارع جعل وجوب الحج معلّقاً على فرض وجود الاستطاعة في الخارج، فكذلك جعل الملكية معلقة على فرض وجود البيع فيه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنّ فعلية الأحكام وإن كانت دائرة مدار فعلية موضوعاتها بتمام قيودها وشرائطها في الخارج، إلّا أنّ لازم ذلك ليس تقارنها زماناً، والسبب فيه هو أن ذلك تابع لكيفية جعلها واعتبارها، فكما يمكن للشارع جعل حكم على موضوع مقيد بقيد فرض وجوده مقارناً لفعلية الحكم، يمكن له جعل حكم على موضوع مقيد بقيد فرض وجوده متقدماً على فعلية الحكم مرّة ومتأخراً عنها مرّة أخرى، فإن كل ذلك بمكان من الوضوح بعد ما عرفت من أنه لا واقع للحكم الشرعي ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، فإذا كان أمره بيده وضعاً ورفعاً سعة وضيقاً، كان له جعله بأي شكل ونحو أراد وشاء، فلو كان جعله على الشكل الثالث فبطبيعة الحال تتقدم فعلية الحكم على فعلية موضوعه، كما أنّه لو كان على الشكل الثاني تتأخر فعليته عن فعليته وإلا لزم الخلف.

والسر فيه : أنّ المجعول في القضايا الحقيقية حصة خاصة من الحكم وهي الحصة المقيدة بقيد فرض وجوده في الخارج لا مطلقاً، ومن الطبيعي أنّ هذا القيد يختلف، فمرة يكون قيداً لها بوجوده المتأخر، مثل أن يأمر المولى باكرام زيد مثلاً فعلاً بشرط مجيء عمرو غداً، فانّ المجعول فيه هو غداً، فانّ المجعول فيه هو حصة خاصة من الوجوب وهو الحصة المقيدة بمجيء عمرو غداً، فإذا تحقق القيد في ظرفه كشف عن ثبوتها في موطنها وإلّا كشف عن عدم ثبوتها فيه. ومرة أخرى بوجوده المتقدم كما لو أمر باكرام زيد غداً بشرط مجيء عمرو هذا اليوم. ومرّة ثالثة بوجوده المقارن، وذلك كقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1).

وبكلمة أخرى : بعد ما كان جعل الأحكام الشرعية بيد الشارع سعة وضيقاً ورفعاً ووضعاً، فكما أن له جعل الحكم معلّقاً على أمر مقارن، كذلك له جعل الحكم معلّقاً على أمر متقدم عليه أو متأخر عنه، ومن المعلوم أنّ المولى إذا جعل الحكم معلّقاً بأمر متأخر عن وجوده فبطبيعة الحال تكون فعليته قبل وجود ذلك الأمر، وإلا لكانت الفعلية على خلاف الانشاء وهو خلف كما عرفت. ومثال ذلك في العرفيات: الحمامات المتعارفة في زماننا هذا، فان صاحب الحمام يرضى في نفسه رضى فعلياً بالاستحمام لكل شخص على شرط أن يدفع بعد الاستحمام وحين الخروج مقدار الأجرة المقررة من قبله، فالرضا من المالك فعلي والشرط متأخر.

ومن ضوء هذا البيان يظهر فساد ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره)(2)من أنّ الموضوع في القضايا الحقيقية بما أنّه أخذ مفروض الوجود فيستحيل تحقق الحكم وفعليته قبل فعلية موضوعه بقيوده، توضيح الفساد: ما عرفت من أنه كما يمكن أخذ الموضوع مفروض الوجود في ظرف مقارن للحكم أو متقدم عليه، كذلك يمكن أخذه مفروض الوجود في ظرف متأخر عنه، وعليه فلا محالة تتقدم فعلية الحكم على فعلية موضوعه.

فالنتيجة في نهاية المطاف : هي أنّ شرائط الحكم عبارة عن قيود الموضوع المأخوذة مفروضة الوجود في الخارج من دون فرق بين كونها مقارنة للحكم أو متقدمة عليه أو متأخرة عنه، وليس لها أي دخل وتأثير في نفس الحكم أصلاً. ومن هنا قلنا إنّ إطلاق الشروط والأسباب عليها مجرد اصطلاح بين


1) آل عمران 3: 97.

2) أجود التقريرات 1: 329.

الأصحاب كما مرّ.

وأمّا المقام الثاني : وهو مقام الاثبات فلا شبهة في أنّ الشرط المتأخر على خلاف ظواهر الأدلة التي تتكفل جعل الأحكام على نحو القضايا الحقيقية، فانّ الظاهر منها هو كون الشرط المأخوذ في موضوعاتها مقارناً للحكم كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1)حيث إنّ المتفاهم العرفي منه هو كون الاستطاعة خارجاً مقارناً لوجوب الحج، فارادة كون وجوبه سابقاً على وجودها في الخارج تحتاج إلى مؤونة زائدة.

فالنتيجة : أنّ الالتزام بوقوع الشرط المتأخر في مقام الاثبات يحتاج إلى دليل وبدونه فلا يمكن الالتزام به. نعم، شرطية الاجازة بوجودها المتأخر في العقد الفضولي كالبيع والاجارة والنكاح وما شاكل ذلك، وشرطية القدرة كذلك في الواجبات التدريجية كالصلاة والصوم ونحوهما لا تحتاجان إلى دليل خاص، بل كانتا على طبق القاعدة.

أمّا الأولى : فلأجل أنّ العقد قبل تحقق الاجازة لم يكن منتسباً إلى المالك حتّى يكون مشمولاً لعمومات الصحة وإطلاقاتها، فانها تدل على صحة عقد المالك وإمضائه ولا معنى لدلالتها على نفوذه وصحته لغير المالك أصلاً، فإذا تعلقت الاجازة به انتسب إلى المالك من حين وقوعه وحكم بصحته من هذا الحين، والسبب في ذلك هو أنّ الاجازة من الأمور التعلقية فكما يمكن تعلقها بأمر مقارن لها أو متأخر عنها، فكذلك يمكن تعلقها بأمر متقدم عليها. هذا من ناحية.

شرطية الاجازة في العقد الفضولي والقدرة في الواجبات التدريجية

ومن ناحية أخرى : أنّ المالك بما أنّه أجاز العقد السابق الصادر من الفضولي


1) آل عمران 3: 97.

فبطبيعة الحال قد أمضى الشارع ذلك العقد بمقتضى تلك العمومات والاطلاقات، ومن ناحية ثالثة : أنّ ظرف الاجازة وإن كان متأخراً إلّا أنّ متعلقها - وهو العقد - أمر سابق. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي صحة العقد من حينه وحصول الملكية من هذا الحين، وهذا معنى كون الاجازة بوجودها المتأخر شرطاً للملكية السابقة.

وبكلمة أخرى : أنّ اعتبار الشارع وإمضاءه وإن كان من الآن، أي من حين الاجازة، إلّا أنّ الممضى هو العقد السابق والمعتبر هو الملكية المتقدمة أعني الملكية من حين العقد، والمفروض أنّ الاجازة شرط لها. ونظير ذلك ما إذا افترضنا قيام دليل على أنّ القبول المتأخر بزمن مؤثر في صحة العقد من حين الايجاب، فانّه عندئذ لا مناص من الالتزام بحصول الملكية من هذا الحين، وإن كان ظرف اعتبارها بمقتضى أدلة الامضاء من حين القبول، إلا أن ذلك مجرد افتراض فلا واقع موضوعي له على أنه خلاف المرتكز في أذهان الع-رف والعقلاء، وذلك بخلاف الاجازة اللاحقة، فان كونها شرطاً متأخراً كان على طبق القاعدة وموافقاً للارتكاز فلا نحتاج إلى دليل.

ومن هنا قد التزمنا في مسألة الفضولي بالكشف الحقيقي بهذا المعنى، وقلنا هناك إنّ هذا لا يحتاج إلى دليل خاص (1)، كما أنا ذكرنا هناك أنه لا تنافي بين اعتبار الشارع ملكية مال لشخص في زمان وبين اعتباره ملكيته لآخر في ذلك الزمان بعينه إذا كان زمان الاعتبار متعدداً، فالعبرة في أمثال ذلك إنم-ا ه-ي بتعدد زماني الاعتبار وإن كان زمان المعتبرين واحداً، لعدم التنافي بينهما ذاتاً، وذلك لما حققناه في موطنه (2)من أنّ الأحكام الشرعية بأجمعها : التكليفية


1) مصباح الفقاهة 4: 141.

2) مصباح الأصول 2: 125.

والوضعية، أمور اعتبارية فلا تنافي ولا تضاد بينها في أنفسها أصلاً، وإنما التنافي والتضاد بينها من ناحية أخرى على تفصيل ذكرناه في محلّه.

وأما الثانية : وهي شرطية القدرة بوجودها المتأخر في الواجبات التدريجية، فلأن فعلية وجوب كل جزء سابق منها مشروطة ببقاء شرائط التكليف من الحياة والقدرة وما شاكلها إلى زمان الاتيان بالجزء اللاحق، مثلاً فعلية وجوب التكبيرة فى الصلاة مشروطة ببقاء المكلف على شرائط التكليف إلى زمان الاتيان بالتسليمة، لفرض أنّ وجوبها ارتباطي فلا يعقل وجوب جزء بدون وجوب جزء آخر، فلو جنّ في الأثناء أو عجز عن إتمامها كشف ذلك عن عدم وجوبها من الأوّل. وعلى الجملة : ففعلية وجوب الأجزاء السابقة كما تتوقف على وجود تلك الشرائط في ظرفها، كذلك تتوقف على بقائها إلى زمان الأجزاء اللاحقة، فالالتزام بالشرط المتأخر في أمثال الموارد ممّا لا مناص عنه ولا يحتاج إلى دليل خاص فيكفي فيه نفس ما دلّ على اشتراط هذه الواجبات بتلك الشرائط.

لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بهاتين النتيجتين :

الأولى : أنه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر في مرحلة الثبوت ولا محذور فيه أبداً.

الثانية : أنّ الالتزام بوقوعه في مرحلة الاثبات يحتاج إلى دليل خاص، وإلا فمقتضى القاعدة عدمه. نعم، وقوعه في الموردين السابقين كان على طبق القاعدة.

الواجب المطلق والمشروط

معنى الاطلاق والاشتراط

غير خفي أنّ إطلاق المطلق والمشروط على الواجب بمالها من المعنى اللغوي، فالمطلق عبارة عن المرسل وعدم التقييد بشيء، ومنه طلاق المرأة فانه بمعنى إرسالها عن قيد الزوجية. والمشروط عبارة عن المقيد بقيد والمشدود به، ومنه وجوب الحج بالاضافة إلى الاستطاعة، فانّه مقيد بها ومربوط، ولا يكون مطلقاً، وليس للأصوليين اصطلاح خاص فيهما، بل هم يطلقون هذين اللفظين بمالهما من المعنى اللغوي كما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1).

ثمّ إنّ إنه قد يتصف بهما الوجوب فيكون مطلقاً تارة ومشروطاً أخرى، وذلك كوجوب الحج، فانّه مشروط بالاضافة إلى الاستطاعة، ومطلق بالاضافة إلى الزوال مثلاً، وقد يتصف بهما الواجب كذلك، كالصلاة فانها مقيدة بالطهارة ومطلقة بالاضافة إلى الاحرام مثلاً، وهكذا. ومن هنا يظهر أنّ إطلاقها على الواجب في المقام مبني على ضرب من المسامحة، وذلك لأن الكلام فيه إنما هو في إطلاق الوجوب واشتراطه لا الواجب.

وبكلمة أخرى : أن الكلام في المقام إنما هو في إطلاق الحكم واشتراطه، سواء أكان الحكم تكليفياً أم وضعياً، وليس الكلام في إطلاق الواجب واشتراطه.

ثم إنّ الاطلاق والتقييد أمران إضافيان، فيمكن أن يكون شيء واحد بالاضافة إلى شيء مطلقاً، وبالاضافة إلى آخر مقيداً، وذلك كوجوب الصلاة


1) كفاية الأصول : 95.

مثلاً حيث إنّه مطلق بالاضافة إلى الطهارة ومقيد بالاضافة إلى الزوال، وهكذا، ووجوب الحج فانّه مطلق بالاضافة إلى الزوال ومقيد بالاضافة إلى الاستطاعة، ومن الطبيعي أنّ هذا دليل ظاهر على أنّ الاطلاق والتقييد أمران اضافيان.

بقي الكلام في النزاع المعروف الواقع بين شيخنا الأنصاري (قدس سره) وغيره من الأعلام، وهو أنّ القيود المأخوذة في لسان الأدلة هل ترجع إلى مفاد الهيئة أو إلى نفس المادة ؟ فنسب صاحب التقرير إلى الشيخ (قدس سره)(1)رجوعها إلى المادة دون مفاد الهيئة، وإن كان ظاهر القضية الشرطية بحسب المتفاهم العرفي هو رجوعها إلى مفاد الهيئة، ضرورة أنّ المتفاهم عرفاً من مثل قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه، هو ترتب وجوب الاكرام على مجيئه وأنه قيد له دون الواجب، وكذا المتفاهم من مثل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2)ومن هنا اعترف الشيخ (قدس سره) بهذا الظهور وقال : إنّ مقتضى القواعد العربية وإن كان ذلك، إلا أنه ادعى استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة من ناحية، وادعى لزوم رجوعه إلى نفس المادة لباً م--ن ناحية أخرى، فهنا نقطتان من البحث، الأولى: في دعوى استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة. الثانية : في دعوى لزوم رجوعه إلى المادة لباً.

أمّا النقطة الأولى : فالبحث فيها يعود إلى دعاو ثلاث:

وجوه استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة

الأولى : ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) في تقريره كما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) (3)وحاصله : هو أنّ مفاد الهيئة معنى حرفي والمعنى الحرفي جزئي حقيقي، ومن البديهي أنّ الجزئي غير قابل للتقييد، فانّ ما هو قابل له هو المعنى


1) مطارح الأنظار : 45، 46، 52.

2) آل عمران 3: 97.

3) كفاية الأصول : 95.

الكلي حيث يصدق على حصص متعددة، وأمّا المعنى الجزئي فلا يعقل ف-ي-ه الاطلاق والتقييد.

ولكنه يندفع أوّلاً: بما حققناه في مبحث المعنى الحرفي (1)من أنّ الحروف لم توضع للمعاني الجزئية الحقيقية حتّى لا تكون قابلة للتقييد، وإنّما وضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسمية وتخصيصها بخصوصية ما، ومن الواضح أنّ المعنى الاسمي بعد تخصيصه وتضييقه أيضاً قابل للانطباق على حصص وأفراد كثيرة في الخارج، وذلك كما إذا كان أحد طرفي المعنى الحرفي كلياً أو كلاهما، مثل قولنا : سر من البصرة إلى الكوفة، فانّ السير كما كان قبل التضييق كلياً قابلاً للانطباق على كثيرين، كذلك بعده، فعندئذ بطبيعة الحال يصير المعنى الحرفي كلياً بتبعه.

وثانياً : أنّ التقييد على قسمين: الأوّل: التقييد بمعنى التضييق والتخصيص، وفي مقابله الاطلاق بمعنى التوسعة. الثاني: بمعنى التعليق، وفي مقابله الاطلاق بمعنى التنجيز، وعليه فلو سلّمنا أنّ المعنى الحرفي جزئي حقيقي، إلّا أنّ الجزئي الحقيقي غير قابل للتقييد بالمعنى الأوّل، وأما تقييده بالمعنى الثاني فهو بمك-ان من الوضوح، بداهة أنّه لا مانع من تعليق الطلب الجزئي المنشأ بالصيغة أو بغيرها على شيء، كما إذا علق وجوب إكرام زيد مثلاً على مجيئه حيث لا محذور فيه أبداً.

الثانية : ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)من أنّ المعنى الحرفي وإن كان كلياً، إلّا أنّه ملحوظ باللحاظ الآلي فلا يرد عليه الاطلاق والتقييد،


1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 83 وما بعدها.

2) أجود التقريرات 1: 195.

لأنهما من شؤون المعاني الملحوظة باللحاظ الاستقلالي، وبما أن معنى الهيئة معنى حرفي فلا يتصف بالاطلاق حتّى يصلح للتقييد، ولأجل ذلك امتنع رجوع القيد إلى مفاد الهيئة.

ويرد عليه أوّلاً: ما حققناه في مبحث الحروف بشكل موسع من أنّ ذلك - أي المعنى الحرفي ملحوظ باللحاظ الآلي والمعنى الاسمي ملحوظ باللحاظ الاستقلالي - وإن كان كلاماً مشهوراً بين الأصحاب، إلا أنه لا يبتني على أصل صحيح، ومن ذلك ذكرنا هناك أنه لا فرق بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي من هذه الناحية أبداً، بل ربّما يكون مورد الالتفات والتوجه استقلالاً هو خصوص المعنى الحرفي، وذلك كما إذا علمنا بورود زيد مثلاً في بلد ونعلم أنه سكن في مكان، ولكن لا نعلم المكان بخصوصه، فنسأل عن تلك الخصوصية التي هي معنى معنى الحرف، أو إذا علمنا وجود زيد في الخارج وقيامه، ولك-ن لا نعلم خصوصية مكانه أو زمانه، فنسأل عن تلك الخصوصية وهكذا، ففي أمثال هذه الأمثلة المعنى الحرفي هو الملحوظ مستقلاً والمورد للتوجه والالتفات كذلك. وقد تقدّم تفصيل ذلك فلاحظ.

وثانياً : على تقدير تسليم أنّ المعنى الحرفي لابد أن يلحظ باللحاظ الآلي، إلّا أنّه إنما يمنع عن طروء التقييد عليه حين لحاظه كذلك، وأما إذا قيد المعنى أوّلاً بقيد، ثمّ لوحظ المقيّد آلياً، فلا محذور فيه أبداً، وعليه فلا مانع من ورود اللحاظ الآلي على الطلب المقيد في رتبة سابقة عليه.

الثالثة : - وهي العمدة في المقام - أنّ رجوع القيد إلى مفاد الهيئة بم-ا أن-ه مستلزم لتفكيك الانشاء عن المنشأ والايجاب عن الوجوب الذي هو مساوق لتفكيك الايجاد عن الوجود فهو غير معقول، والسبب في ذلك : هو أنه لا ريب في استحالة تفكيك الايجاد عن الوجود في التكوينيات، حيث إنهما واحد ذاتاً

وحقيقة، والاختلاف بينهما إنّما هو بالاعتبار، فلا يعقل التفكيك بينهما، وكذا الحال في التشريعيات، بداهة أنّه لا فرق في استحالة التفكيك بين الايج-اد والوجود في التشريع والتكوين. وعلى الجملة : فايجاب المولى ووجوبه إنّما يتحققان بنفس إنشائه فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار، فبملاحظة فاعله إيجاب، وبملاحظة قابله وجوب، كما، كما هو الحال في الايجاد والوجود التكوينيين.

وعلى هذا الضوء فلا محالة يرجع القيد إلى المادة دون الهيئة، وإلا لزم تحقق الايجاب دون الوجوب، ولازم ذلك انفكاكه عنه، لفرض عدم إنشاء آخر في البين، ومردّه إلى تخلف الوجود عن الايجاد وهو مستحيل، فالنتيجة تعيّن

رجوع القيد إلى المادة بعد استحالة رجوعه إلى الهيئة، لعدم ثالث في البين. وقد أجاب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) عن ذلك بما إليك نصه : المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله - الشرط - فلابد أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث، وإلا لتخلف عن إنشائه، وإنشاء أمر على تقدير كالاخبار به بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان (1).

وفيه : أنّ ما أفاده (قدس سره) مصادرة ظاهرة، وذلك لأنّ الكلام إنما هو في إمكان هذا النحو من الانشاء، وأنّه كيف يمكن مع استلزامه تخلف الوجوب عن الايجاب وهو مساوق لتخلف الوجود عن الايجاد. وبكلمة أخرى : أنّ محل الكلام هنا إنما هو في إمكان كون الايجاد حالياً والوجود استقبالياً وعدم إمكانه، فكيف يمكن أن يستدل على إمكانه بنفس ذلك، وهذا نظير ما تقدّم في الجواب عن الشرط المتأخر من أنّ الشرط بوصف كونه متأخراً شرط، أو بوصف كونه معدوماً كذلك، فلو تقدّم كان خلفاً.


1) كفاية الأصول: 97.

فالصحيح أن يقال : إنّه لا مدفع لهذا الاشكال بناءً على نظرية المشهور من أنّ الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، ضرورة عدم إمكان تخلف الوجود عن الايجاد. وأمّا بناءً على نظريتنا من أنّ الانشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج بمبرز من قول أو فعل كما حققناه في مبحث الخبر والانشاء بشكل موسّع (1)، فيندفع الاشكال المذكور من أصله، والسبب في ذلك : هو أن المراد من الايجاب سواء أكان إبراز الأمر الاعتباري النفساني أم كان نفس ذلك الأمر الاعتباري، فعلى كلا التقديرين لا يلزم محذور من رجوع القيد إلى مفاد الهيئة.

أمّا على الأوّل، فلأنّ كلّاً من الابراز والمبرز والبروز فعلي، فليس شيء منها معلّقاً على أمر متأخر، وهذا ظاهر.

وأما على الثاني، فلأنّ الاعتبار بما أنّه من الأمور النفسانية التعليقية يعني ذات الاضافة كالعلم والشوق وما شاكلهما من الصفات الحقيقية التي تكون كذلك، فلا مانع من تعلقه بأمر متأخر كما يتعلّق بأمر حالي، نظير العلم فإنه كما يتعلق بأمر حالي كذلك يتعلّق بأمر استقبالي. وعلى الجملة : فكما يمكن تأخر المعلوم عن العلم زمناً كقيام زيد غداً أو سفره أو نحو ذلك، حيث إنّ العلم به حالي والمعلوم أمر استقبالي فكذلك يمكن تأخر المعتبر عن الاعتبار، بأن يكون الاعتبار حالياً والمعتبر أمراً متأخراً، كاعتبار وجوب الصوم على زيد غداً أو نحو ذلك، فالتفكيك إنّما هو بين الاعتبار والمعتبر ولا محذور فيه أصلاً، ولا يقاس ذلك بالتفكيك بين الايجاد والوجود في التكوينيات أصلاً.

و ممّا يشهد لما ذكرناه صحة الوصية التمليكية، فلو قال الموصي هذه الدار


1) راجع المجلد الأول من هذا الكتاب ص 99.

لزيد بعد وفاتي، فلا شبهة في تحقق الملكية للموصى له بعد وفاته، مع أنّ الاعتبار فعلي، ومن البديهي أنّ هذا ليس إلا من ناحية أنّ الموصي اعتبر فعلاً الملكية للموصى له في ظرف الوفاة. ومن هنا لم يستشكل أحد في صحة تلك الوصية حتّى من القائلين برجوع القيد إلى المادة دون الهيئة.

وتوهّم أنّ الملكية فعلية ولكن المملوك وهو العين الخارجية مقيدة بما بعد الوفاة، خاطئ جداً، فإنّه يقوم على أساس قابلية تقيد الجواهر بالزمان، ومن المعلوم أنّ الجواهر غير قابلة لذلك. نعم، يمكن هذا في الأعراض القائمة بها، كما إذا اعتبر المالك ملكية المنفعة المتأخرة حالاً. وعلى الجملة : فالأعيان الخارجية التي هي من قبيل الجواهر غير قابلة للتقدير بالزمن والتحديد به، فإنّ القابل للتقدير والتحديد به إنما هو المعنى الحدثي، يعنى الأعراض والأمور الاعتبارية كالضرب والقيام وما شاكلها. ومن هنا قلنا إنّ المنفعة قابلة للتقدير بالزمن كمنفعة شهر أو سنة أو نحو ذلك، وعليه فلا مانع من اعتبار ملكية المنفعة المتأخرة من الآن، بأن تكون الملكية فعلية والمملوك أمراً متأخراً، بل هو واقع في باب الاجارة.

وجه رجوع القيود إلى المادة لباً

وأما النقطة الثانية : فقد استند الشيخ (قدس سره)(1)في إثباتها بما حاصله : أن الانسان إذا توجه إلى شيء والتفت إليه، فلا يخلو من أن يطلبه أم لا، ولا ثالث في البين لا كلام على الثاني، وعلى الأوّل فأيضاً لا يخلو من أنّ الفائدة تقوم بطبيعي ذلك الشيء من دون دخل خصوصية من الخصوصيات فيها أو تقوم بحصة خاصة منه، وعلى الأوّل فبطبيعة الحال يطلبه المولى على إطلاقه وسعته، وعلى الثاني يطلبه مقيداً بقيد خاص، لفرض عدم قيام المصلحة إلا بالحصة الخاصة - وهي الحصة المقيدة بهذا القيد - لا بصرف وجوده على نحو


1) مطارح الأنظار : 52.

السعة والاطلاق. وهذا القيد مرّة يكون اختيارياً، ومرّة أخرى غير اختياري، وعلى الأوّل تارةً يكون مورداً للطلب والبعث، وذلك كالطهارة مثلاً بالاضافة إلى الصلاة، وتارة أخرى لا يكون كذلك بل أخذ مفروض الوجود، وذلك

مطلقاً کالاستطاعة بالاضافة إلى الحج، فانّ المولى لم يرد الحج من المكلف وإنما أراد حصة خاصة منه وهي الحج من المكلف المستطيع، وعلى الثاني فهو لا محالة أخذ مفروض الوجود في مقام الطلب والجعل، لعدم صحة تعلق التكليف به، وذلك كزوال الشمس مثلاً بالاضافة إلى وجوب الصلاة، فانّ المولى لم يطلب الصلاة على نحو الاطلاق، بل طلب حصة خاصة منها - وهي الحصة الواقعة بعد زوال الشمس - وعلى جميع التقادير فالطلب فعلي ومطلق والمطلوب مقيد، من دون فرق بين كونه اختيارياً أو غير اختياري. فالنتيجة : أنّ م--ا ذكرناه من رجوع القيد بشتى ألوانه إلى المادة أمر وجداني لاريب ولا مناقشة فيه.

والجواب عنه : أنّه (قدس سره) إن أراد من الطلب في كلامه الشوق النفساني، فالأمر وإن كان كما أفاده، حيث إنّ تحقق الشوق النفساني المؤكد تابع لتحقق مبادئه من التصور والتصديق ونحوهما في أفق النفس، ولا يختلف باختلاف المشتاق إليه في خارج أفقها من ناحية الاطلاق والتقييد تارة، ومن ناحية كون القيد اختيارياً وعدم كونه كذلك أخرى، ومن ناحية كون القيد أيضاً مورداً للشوق وعدم كونه كذلك ثالثة، بل ربّما يكون القيد مبغوضاً في نفسه، ولكن المقيد به مورد للطلب والشوق، وذلك كالمرض مثلاً، فأنه رغم كونه مبغوضاً للانسان المريض فمع ذلك يكون شرب الدواء النافع مطلوباً له ومورداً لشوقه. إن أراد هذا، فالأمر وإن كان كذلك، إلّا أنّه ليس من مقولة الحكم في شيء، بداهة أنه أمر تكويني نفساني حاصل في أفق النفس من ملائمتها - النفس - لشيء أو ملائمة إحدى قواها له، فلا صلة بينه وبين الحكم الشرعي أبداً،

كيف، فانّ الحكم الشرعي أمر اعتباري فلا واقع موضوعي له ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، وهو أمر تكويني فله واقع موضوعي، وحصوله تابع لمبادئه من إدراك أمر ملائم لإحدى القوى النفسانية.

وإن أراد من الطلب في كلامه (قدس سره) الارادة بمعنى الاختيار، فيرد عليه: أنه لا يتعلق بفعل الغير حتّى نبحث عن أنّ القيد راجع إليه أو إلى متعلقه، بل قد ذكرنا في مبحث الطلب والارادة أنّه لا يتعلق بفعل نفسه في ظرف متأخر فضلاً عن فعل الغير، والسبب في ذلك ما تقدم بشكل موسع من أن الارادة بهذا المعنى إنما تعقل في الأفعال المقدورة للانسان التي يستطيع أن يعمل قدرته فيها، ومن المعلوم أنّ ما هو خارج عن إطار قدرته فلا يمكن تعلقها به، وفعل الغير من هذا القبيل، وكذا فعل الانسان نفسه إذا كان متأخراً زمناً، وعليه فلا يمكن الالتزام بتعلق هذه الارادة بفعل الغير في مقام الطلب، أو فقل إنّ الأمر لا يخلو من أن يكون هو اللّه تعالى أو غيره، فعلى كلا التقديرين لا يمكن تعلقها به.

أمّا على الأوّل، وإن أمكن للباري (عزّ وجلّ) أن يوجد الفعل عن الغير لعموم قدرته، إلّا أنّ ذلك ينا في اختيار العبد، بداهة أن الفعل عندئذ يوجد بارادته تعالى وإعمال قدرته، فلا معنى حينئذ لتوجيه التكليف إليه.

وأمّا على الثاني، فمن جهة أنّ فعل الغير خارج عن قدرة الانسان فلا معنى لاعمال قدرته بالاضافة إليه، ومن هنا ذكرنا أنّه لا معنى لتقسيم الارادة إلى التكوينية والتشريعية، بداهة أنا لا نعقل للارادة التشريعية معنى في مقابل الارادة التكوينية، وقد سبق الاشارة إلى هذه النواحي بشكل مفصل فلاحظ (1)


1) المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 416 وما بعدها.

وإن أراد بالطلب جعل الحكم واعتباره أي اعتبار شيء على ذمة المكلف، حيث إن حقيقة الطلب كما ذكرناه سابقاً (1)هي التصدي نحو حصول الشيء في الخارج، وقد ذكرنا أنه على نحوين: أحدهما: التصدي الخارجي. وثانيها : التصدي الاعتباري، والاعتبار المذكور المبرز في الخارج مصداق للثاني، نظراً إلى أنّ الشارع تصدى نحو حصول الفعل من الغير باعتباره على ذمته وإبرازه في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو ما شاكلها، فإن أراد (قدس سره) به ذلك، فهو وإن كان فعلياً دائماً، سواء أكان المعتبر أيضاً كذلك أو كان أمراً استقبالياً، إلّا أنّه أجنبي عن محل الكلام رأساً، فان محل الكلام إنما هو في رجوع القيد إلى المعتبر وعدم رجوعه إليه، لا إلى الاعتبار نفسه، ضرورة أن الاعتبار والابراز غير قابلين للتقييد والتعليق أصلاً.

وإن أراد بالطلب ما تعلق به الاعتبار وهو المعتبر المعبّر عنه بالوجوب تارة وبالالزام تارة أخرى، فصريح الوجدان شاهد على أنه قابل للتقيد كما أنه قابل للاطلاق، وأنّ الحال يختلف فيه باختلاف الموارد من هذه الناحية، بيان ذلك :

أن الفعل الذي هو متعلق للوجوب مرّة يكون ذا ملاك ملزم فعلاً، فلا يتوقف اشتماله على الملاك المذكور واتصافه بالحسن على شيء من زمان أو زماني، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال الوجوب المتعلق به فعلي فلا حالة منتظرة له أبداً، وإن كان تحقق الفعل في الخارج وإيجاده فيه يتوقف على مقدمات، وذلك كشرب الدواء مثلاً للمريض، فانّه ذو ملاك ملزم بالاضافة إليه فعلاً، وإن كان تحققه في الخارج يتوقف على الاتيان بعدّة،مقدمات وكالصلاة بعد دخول وقتها، فانّها واجدة للملاك الملزم بالفعل، وإن كان الاتيان بها في الخارج يتوقف على عدّة أمور كتطهير الثوب والبدن والوضوء أو الغسل أو نحو ذلك.


1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 346، 353.

وكذلك الحال فيما إذا كان الملاك فيه تاماً، ولكن وجوده وتحققه في الخارج يتوقف على مقدمات خارجة عن اختيار المكلف، وذلك كالمريض مثلاً حيث إنّ ملاك شرب الدواء في حقه تام ولا حالة منتظرة له، ولكن تحصيله فعلاً غير ممكن لمانع خارجي من زمان أو زماني، ففي مثل ذلك لا مانع من كون الايجاب حالياً والواجب استقبالياً. ولعل من هذا القبيل وجوب الصوم بعد دخول شهر رمضان بمقتضى الآية الكريمة (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (1)فانّ الظاهر منها هو أن وجوب الصوم فعلي بعد دخول الشهر، وهذا لا يمكن إلا بالالتزام بتمامية ملاكه من الليل بحيث لو تمكن المكلف من جرّ اليوم إلى الساعة لكان عليه أن يصوم، وكذا الحال في وجوب الحج بعد حصول الاستطاعة، فانّ الظاهر من قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2)هو أن وجوب الحج فعلي بعد فعلية الاستطاعة، وإن كان المكلف غير قادر على الاتيان به إلا بعد مجيء زمانه وهو يوم عرفة، وهذا لا ينافي كون الملاك فيه تاماً من حين تحقق الاستطاعة بحيث لو تمكن المكلف من جرّ يوم عرفة إلى الآن لكان عليه أن يحج. وعلى الجملة : فالقيد في أمثال هذه الموارد يرجع إلى الواجب دون الوجوب، فالوجوب حالي والواجب استقبالي.

فالنتيجة : أنّ الملاك إذا كان تاماً فالوجوب فعلي، سواء أكان الواجب أيضاً كذلك أم كان استقبالياً.

ومرّة أخرى : يكون ذا ملاك في ظرف متأخر لا فعلاً، بمعنى أن ملاكه لا يتم إلا بعد مجيء زمان خاص أو تحقق أمر زماني في ظرف متأخر، ففي مثل ذلك لا يعقل أن يكون الوجوب المتعلق به فعلياً، بل لا محالة يكون تقديرياً


1) البقرة 2 : 185.

2) آل عمران 3: 97.

أي معلّقاً على فرض تحقق ما له الدخل في الملاك، بداهة أنّ جعل الوجوب فعلاً لما لا يكون واجداً للملاك كذلك لغو محض، فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم، إذ مردّه إلى عدم تبعية الحكم للملاك. وعلى الجملة : مضافاً إلى ذلك، الوجدان أصدق شاهد على عدم وجود البعث الفعلي في أمثال هذه الموارد.

ولتوضيح ذلك نأخذ مثالاً : وهو أنّ المولى إذا التفت إلى الماء مثلاً، فقد يكون عطشه فعلاً، وعندئذ فبطبيعة الحال يأمر عبده باحضار الماء، أي يعتبر على ذمته إحضاره كذلك، فيكون المعتبر كالاعتبار فعلياً، وقد يكون عطشه فيما بعد، ففي مثله لا محالة يعتبر على ذمة عبده إحضار الماء في ظرف عطشه لا قبل ذلك، لعدم الملاك له، فالاعتبار فعلي والمعتبر - وهو كون إحضار الماء على ذمة العبد - أمر متأخر، حيث إنه على تقدير حصول العطش، والمفروض عدم حصوله بعد، ومن الطبيعي أنّ في مثل ذلك لو رجع القيد إلى المادة وكان المعتبر كالاعتبار فعلياً لكان لغواً صرفاً وبلا ملاك ومقتض، ومرجعه إلى عدم تبعية الحكم للملاك وهو خلف.

فالنتيجة : أنّ الحكم الشرعي يختلف باختلاف القيود الدخيلة في ملاكه، فقد يكون فعلياً لفعلية ما له الدخل في ملاكه، وقد يكون معلّقاً على حصول ما له الدخل فيه. وأضف إلى ذلك : ظهور القضايا الشرطية في أنفسها في ذلك، أي رجوع القيد إلى الهيئة دون المادة، وذلك لأنها لو لم تكن نصاً في هذا فلا شبهة في أنّ المتفاهم العرفي منها هو تعليق مفاد الجملة الجزائية على مفاد الجملة الشرطية، سواء أكانت القضية إخبارية أم كانت إنشائية.

أما الأولى : فمثل قولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، فانّها تدل على تعليق وجود النهار على طلوع الشمس.

وأمّا الثانية : فمثل قولنا : إن جائك زيد فأكرمه، فانّها تدل على تعليق

وجوب الاكرام على مجيء زيد. وحمله على كون الوجوب فعلياً والقيد - وهو المجيء - راجعاً إلى المادة وهي الاكرام خلاف الظاهر جداً، فلا يمكن الالتزام به بدون قرينة، بل يمكن دعوى أنّ ذلك غلط، فان أدوات الشرط لا تدل على تعليق المعنى الافرادي.

وكيف كان، فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من رجوع القيد إلى الهيئة دون المادة، فما أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) من رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة خاطئ جداً. هذا بناءً على أن تكون الأحكام الشرعية تابعة للملاكات في أنفسها واضح، حيث إنّ الملاك القائم في نفس الحكم قد يكون فعلياً يدعو إلى جعله واعتباره كذلك، وقد لا يكون فعلياً وإنما يحدث في ظرف متأخر، فالمولى في مثله لا محالة يعتبره معلّقاً على مجيء وقت اتصافه بالملاك.

وأما بناءً على كونها تابعة للملاكات في متعلقاتها فالأمر أيضاً كذلك، لا لما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من أنّه قد يكون المانع موجوداً من الطلب والبعث الفعلي فلابد من التعليق، وذلك لأنّ عدم فعلية الأمر قد يكون من ناحية ناحية عدم المقتضي، وذلك كالصلاة قبل دخول الوقت، والحج قبل الاستطاعة، والصوم قبل دخول شهر رمضان وما شاكل ذلك، فان في أمثال هذه الموارد لا مقتضي للأمر، فلو جعل فلا بد من جعله معلّقاً على فرض تحقق المقتضي له في ظرفه، وإلا كان لغواً. نعم، قد يكون المقتضي موجود موجوداً، ولكن لا يمكن الأمر فعلاً من جهة وجود المانع، ففي مثل ذلك لا بأس بجعله معلّقاً على ارتفاعه. فالنتيجة : أنّ في موارد عدم المقتضي لا مانع من جعل الحكم معلّقاً على فرض تحققه في موطنه، كما أنّه لا مانع من جعله معلّقاً على فرض


1) كفاية الأصول: 97.

ارتفاع المانع عند ثبوته، أي المقتضي.

نعم، لو علم المولى أنّ المكلف لا يتمكن من الامتثال حين اتصاف الفعل بالمصلحة، لكان عليه الأمر من الآن ليتهيأ لامتثاله في ظرفه، وذلك كما إذا افترضنا أنّ المولى يعلم من نفسه أنه سيعطش بعد ساعة مثلاً، وعلم أنّ عبده لا يتمكن من إحضار الماء في ذلك الوقت لمانع من الموانع، فأنه يجب عليه أن يأمره باحضاره فعلاً قبل عروض العطش عليه، فيكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، إلّا أنّ هذه الصورة خارجة عن محل الكلام.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي: أن ما تقدّم من الوجوه الأربعة لا يتم شيء منها، فلا مانع من رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ك-م-ا ه-و مقتضى ظاهر الجملة الشرطية، نعم في خصوص الأحكام الوضعية قد تسالم الأصحاب على بطلان التعليق فيها، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى: تختلف نتيجة تلك الوجوه على تقدير تماميتها باختلافها، فان مقتضى الوجه الأول والثاني هو استحالة رجوع القيد إلى الحكم الشرعي المستفاد من الهيئة فحسب، باعتبار أنه معنى حرفي والمعنى الحرفي غير قابل للتقييد، إما من ناحية أنه جزئي أو من ناحية أنه ملحوظ بلحاظ آلي، ولا فرق في ذلك بين كونه تكليفياً أو وضعياً، ولا يدلان على استحالة رجوع القيد إلى الحكم الشرعي المستفاد من المادة أصلاً، كما في مثل قوله : إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة، أو قال أحد إن مت فهذا ملك لك، وما شاكل ذلك.

و مقتضى الوجه الثالث هو استحالة رجوع القيد إلى الحكم مطلقاً، سواء أكان مستفاداً من الهيئة أم من المادة، وسواء أكان حكماً تكليفياً أم كان وضعياً، بداهة أنّ انفكاك المنشأ عن الانشاء لو كان محالاً فهو في الجميع على نسبة

واحدة. ومقتضى الوجه الرابع وإن كان هو عدم الفرق بين كون الوج-وب مستفاداً من الهيئة أو من المادة، إلا أنه يختص بالحكم التكليفي فلا يعم الحكم الوضعي كما هو واضح.

تردّد القيد بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة

تردد القيد بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة

ثمّ إنّه نسب إلى شيخنا الأنصاري (قدس سره) في تقريراته (1)مسألة ما إذا تردد أمر القيد بين رجوعه إلى الهيئة ورجوعه إلى المادة، واستظهاره (قدس سره) رجوعه إلى المادة دون الهيئة.

ولكن غير خفي أنّ هذا الكلام منه (قدس سره) يرتكز على أحد أمرين: إما على التنزل عما أفاده (قدس سره) من استحالة رجوع القيد إلى الهيئة، إذ مع الاستحالة لا تصل النوبة إلى التردد.والاستظهار وإما على كون الوجوب مستفاداً من جملة اسمية، وعلى هذا الفرض فان علم من الخارج أنّ القيد راجع إلى المادة دون الهيئة وجب تحصيله لفرض فعلية وجوب المقيد، وإذا علم أنّه راجع إلى الهيئة دون المادة لم يجب تحصيله، لفرض عدم فعلية وجوبه، بل تتوقف فعليته على حصول القيد. وإن لم يعلم ذلك وتردد أمره بين رجوعه إلى المادة ليكون الوجوب فعلياً، ورجوعه إلى الهيئة حتّى لا يكون فعلياً فهو مورد للنزاع والكلام. وبعد ذلك نقول : الكلام هنا يقع في مقامين : الأوّل : في مقتضى الأصول اللفظية. الثاني: في مقتضى الأصول العملية.


1) مطارح الأنظار : 49.

أمّا المقام الأوّل (1): فقد ذكر الشيخ (قدس سره) في مبحث التعادل والترجيح (2)أنه إذا دار الأمر بين العام الشمولي والاطلاق البدلي قدّم العام الشمولي على الاطلاق البدلي، وأفاد في وجه ذلك : أنّ دلالة العام على العموم تنجيزية فلا تتوقف على أية مقدمة خارجية، وهذا بخلاف دلالة المطلق على الاطلاق فانها تتوقف على تمامية مقدمات الحكمة ومنها عدم البيان على خلافه، ومن الطبيعي أنّ عموم العام يصلح أن يكون بياناً على ذلك، ومعه لا تتم المقدمات. وعلى الجملة فالمقتضي في طرف العام تام وهو وضعه للدلالة على العموم، وإنم-ا الكلام في وجود المانع عنه، والمفروض عدمه. مه. وأمّا في طرف المطلق فالمقتضي غير تام، فان تماميته تتوقف على تمامية مقدمات الحكمة وهي لا تتم هنا، فان من جملتها عدم البيان على خلافه والعام بيان.

وجوه رجوع القيد إلى المادة

وهذا الذي أفاده (قدس سره) وإن كان متيناً جداً، إلا انه خارج عن محل الكلام، فان محل الكلام إنّما هو فيما إذا كان كل من الاطلاق البدلي والعموم الشمولي مستنداً إلى الاطلاق ومقدمات الحكمة، وفي مثل ذلك إذا دار الأمر بينهما هل هنا مرجّح لتقديم الاطلاق الشمولي على البدلي في مورد التعارض والاجتماع؟ فيه وجهان بل قولان: فذهب الشيخ (قدس سره) إلى الأوّل واستدل عليه بوجهين :

الوجه الأوّل: أنّ مفاد الهيئة إطلاق شمولي، فان معناه ثبوت الوجوب على كل تقدير - أي تقديري حصول القيد وعدم حصوله - ومفاد المادة إطلاق بدلي، فانّ معناه طلب فردٍ ما من الطبيعة التي تعلّق بها الوجوب على سبيل


1) [لم يُذكر فيما يأتي المقام الثاني ].

2) فرائد الأصول 2: 792.

البدل، وعلى ضوء هذا، فإذا دار الأمر بين تقييد إطلاق الهيئة وتقييد إطلاق المادة تعيّن الثاني، وذلك لأنّ رفع اليد عن الاطلاق البدلي أولى من رفع اليد عن الاطلاق الشمولي.

وغير خفي أنّ هذا الوجه ينحل إلى دعويين: الأولى: دعوى كبروية وهي تقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي الثانية: دعوى أن مسألتنا هذه من صغريات تلك الكبرى الكلية.

مناقشة صاحب الكفاية

وقد ناقش المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في الكبرى بعد تسليم أنّ المقام من صغرياتها بما إليك لفظه : فلأنّ مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شمولياً بخلاف المادة، إلّا أنّه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها، لأنه أيضاً كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة، غاية الأمر أنها تارةً تقتضي العموم الشمولي وأخرى البدلي، كما ربّما يقتضي التعيين أحياناً كما لا يخفى.

وترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنما هو لأجل كون دلالته بالوضع، لا لكونه شمولياً، بخلاف المطلق فانّه بالحكمة فيكون العام أظهر فيقدم عليه، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس، فكان عام بالوضع دلّ على العموم البدلي، ومطلق باطلاقه دلّ على الشمول لكان العام يقدّم بلا كلام (1).

تقدم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي

وهذا الذي أفاده (قدس سره) من منع الكبرى في غاية الصحة والمتانة ولا مناص عنه، ضرورة أنّ الملاك في الجمع الدلالي إنما هو بأقوائية الدلالة والظهور، ومن الطبيعي أنّ ظهور المطلق في الاطلاق الشمولي ليس بأقوى من ظهوره في الاطلاق البدلي لفرض أنّ ظهور كل منهما مستند إلى تمامية مقدمات الحكمة


1) كفاية الأصول : 106.

وبدونها فلا مقتضي له. نعم، لو كان ظهور أحدهما مستنداً إلى الوضع والآخر إلى مقدمات الحكمة قدّم ما كان بالوضع على ما كان بالمقدمات كما عرفت.

وأمّا شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)فقد اختار مقالة شيخنا الأنصاري (قدس سره) من تقديم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي، وخالف بذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) واستدل على ذلك بأمور ثلاثة :

الأوّل: أنّ الاطلاق الشمولي عبارة عن انحلال الحكم المعلّق على الطبيعة المأخوذة على نحو مطلق الوجود، فيتعدد الحكم بتعدد أفرادها في الخارج أو أحوالها، ويثبت لكل فرد منها حكم مستقل، وذلك مثل لا تكرم فاسقاً، فانّ الفاسق لوحظ على نحو مطلق الوجود موضوعاً لحرمة الاكرام، فطبعاً تتعدد الحرمة بتعدد وجوده خارجاً، فيثبت لكل فرد منه حرمة مستقلة. والاطلاق البدلي عبارة عن حكم واحد مجعول للطبيعة على نحو صرف الوجود القابل للانطباق على كل فرد من أفرادها على البدل.

وبكلمة أخرى : أنّ الحكم في الاطلاق الشمولي بما أنه مجعول على الطبيعة الملحوظة على نحو مطلق الوجود، فبطبيعة الحال ينحل بانحلالها ويتعدد بتعدد أفرادها، وفي الاطلاق البدلي بما أنّه مجعول على الطبيعة الملحوظة على نحو صرف الوجود، فلا محالة لا ينحل بانحلالها ولا يتعدد بتعدد وجودها، بل هو حكم واحد ثابت لفرد ما منها، ونتيجة ذلك هي تخيير المكلف في تطبيق ذلك على أي فرد منها شاء وأراد.

وعلى هذا الأساس فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن الاطلاق البدلي والتحفّظ


1) أجود التقريرات 1: 235.

على الاطلاق الشمولي وبين العكس تعيّن الأوّل، والسبب فيه : هو أن رفع اليد عن الاطلاق البدلي لا يوجب إلّا تضييق سعة انطباقه على أفراده وتقييدها على بعضها دون بعضها الآخر من دون تصرف في الحكم الشرعى أصلاً، وهذا و بخلاف التصرف في الاطلاق الشمولي، فإنّه يوجب رفع اليد عن الحكم في بعض أفراده، ومن المعلوم أنه إذا دار الأمر بين التصرف في الحكم ورفع اليد عنه، وبين رفع اليد عن التوسعة مع المحافظة على الحكم تعيّن الثاني. وعلى هذا الضوء لو دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق مثل أكرم عالماً، وإطلاق مثل لا تكرم فاسقاً، تعيّن رفع اليد عن إطلاق الأول دون الثاني.

مقالة المحقق النائيني في المقام

ولنأخذ بالنقد عليه، أمّا أوّلاً : فلأنّ ما ذكره (قدس سره) من الوج-ه لتقديم الاطلاق الشمولي على البدلي لا يصلح لذلك، فانّه صرف استحسان عقلي فلا أثر له في أمثال المقام ولا يكون وجهاً عرفياً للجمع بينها، فانّ الملاك في الجمع العرفي إنما هو بأقوائية الدلالة والظهور وهي منتفية في المقام، والسبب فيه : أنّ ظهور كل منهما في الاطلاق بما أنّه مستند إلى مقدمات الحكمة فلا يكون أقوى من الآخر، وبدون ذلك فلا موجب للتقديم أصلاً.

وإن شئت قلت : إنّه لا شبهة في حجية الاطلاق البدلي في نفسه، ولا يجوز رفع اليد عنه بلا قيام دليل أقوى على خلافه، وحيث إنّ ظهور المطلق في الاطلاق الشمولي ليس بأقوى من ظهوره في البدلي، فلا مقتضي لتقديمه عليه أبداً.

وأما ثانياً : فلأنّ الاطلاق البدلي وإن كان مدلوله المطابقي ثبوت حك-م واحد لفرد ما من الطبيعة على سبيل البدل إلّا أن مدلوله الالتزامي ثبوت أحكام ترخيصية متعددة بتعدد أفرادها، فاطلاقه من هذه الناحية شمولي، فلا

فرق بينه وبين الاطلاق الشمولي من هذه الجهة غاية الأمر أنّ شموله بالدلالة المطابقية، وشمول ذاك بالدلالة الالتزامية.

وبكلمة أخرى قد ذكرنا غير مرّة أنّ الاطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخلها في الحكم، وعليه فإذا لم يقيد الشارع حكمه بفرد خاص م-ن الطبيعة بل جعل على نحو صرف الوجود، فلا محالة يستلزم عقلاً ثبوت الترخيص شرعاً في تطبيقها على أي فرد من أفرادها شاء المكلف. ومن هنا ذكرنا أن ثبوت حكم وجوبي بالاطلاق وعلى نحو صرف الوجود يستلزم عقلاً ثبوت الترخيص في التطبيق شرعاً بالاضافة إلى تمام الأفراد. وعلى ضوء هذا البيان فرفع اليد عن الاطلاق البدلي أيضاً يستلزم رفع اليد عن الحك-م والتصرف فيه، لفرض أنّ إطلاقه إنما هو بدلي بالاضافة إلى الحكم الوجوبي وأما بالاضافة إلى الحكم الترخيصي فهو شمولي كالاطلاق الشمولي فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً. فإذن لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، ومجرد اختلافهما في نوع الدلالة لا يوجب الترجيح كما هو ظاهر.

الثاني : أنّ ثبوت الاطلاق في كل من الشمولي والبدلي وإن توقف على مقدمات الحكمة، إلا أنّ الاطلاق البدلي يزيد على الاطلاق الشمولي بمقدمة واحدة، وتلك المقدمة هي إحراز تساوي أفراد الطبيعة في الوفاء بغرض المولى من دون تفاوت بينها في ذلك أصلاً، والسبب فيه : أن مقدمات الحكمة تختلف زيادة ونقيصة باختلاف الموارد، ففي موارد إثبات الاطلاق الشمولي تكفي مقدمات ثلاث : الأولى : ثبوت الحكم للطبيعة الجامعة دون حصة خاصة منها. الثانية : كون المتكلم في مقام البيان الثالثة : عدم نصب قرينة على الخلاف، فإذا تمت هذه المقدمات تم الاطلاق، ومقتضاه ثبوت الحكم لتمام أفرادها على اختلافها ومراتب تفاوتها.

وذلك كالنهي عن شرب الخمر مثلاً، فإنّه بمقتضى إطلاقه يدل على حرمة شرب كل فرد من أفراده الطولية والعرضية على اختلافها وتفاوتها من ناحية الملاك شدّة وضعفاً. وكالنهي عن قتل النفس المحترمة، فان قضية إطلاقه ثبوت الحرمة لقتل كل نفس محترمة مع تفاوتها من حيث الملاك، لوضوح أنّ ملاك حرمة قتل نفس النبي أو الوصي أشدّ بمراتب من ملاك حرمة قتل نفس غيرهما، وهكذا.

وكالنهي عن الكذب، فانّه يدل على حرمة تمام أفراده مع تفاوتها بتفاوت الملاك شدّة وضعفاً، فانّ الكذب على اللّه أو رسوله أشد من الكذب على غيرهما. وكالنهي عن الزنا، فانّ الزنا بالمحارم أشد من الزنا بغيرها، وهكذا، فالنتيجة: أن مفاد الاطلاق الشمولي ثبوت الحكم لتمام الأفراد بشتى أشكالها وألوانها على نسبة واحدة ولا أثر لتفاوت الأفراد في الملاك شدّة وضعفاً م--ن هذه الناحية أصلاً.

وهذا بخلاف الاطلاق البدلي، فان ثبوته يتوقف على مقدمة أخرى زائدة على المقدمات المذكورة، وهي إحراز تساوي أفراده من الخارج في الوفاء بالغرض، ومن الطبيعي أنه لا يمكن إحراز ذلك مع وجود العام الشمولي على خلافه، حيث إنه يكون صالحاً لبيان التعيين في بعض الأفراد وأشدية الملاك فيه، ومعه لا ينعقد الاطلاق البدلي.

والجواب عنه : أنّ إحراز التساوي في الوفاء بالغرض ليس مقدمة رابعة في قبال المقدمات الثلاث المتقدمة لكي يتوقف الاطلاق عليها، ضرورة أنه يتحقق بنفس تلك المقدمات من دون حاجة إلى شيء آخر، ومن المعلوم أنه إذا تحقق فهو بنفسه كاف لاثبات التساوي في ذلك بلا حاجة إلى دليل آخر. وبكلمة أخرى إذا كان الحكم ثابتاً على الطبيعة على نحو صرف الوج-ود م-ن دون

ملاحظة وجود خاص، وكان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف، فبطبيعة الحال كان إطلاق كلامه قرينة على تساوي أفرادها في الوفاء بالملاك والغرض، إذ لو كان بعض أفرادها أشدّ ملاكاً من غيره ومشتملاً على خصوصية زائدة لكان على المولى البيان، فمن عدم بيانه نستكشف عدم الفرق وعدم التفاوت بينها في ذلك. ومما يدلنا على هذا: أنّ المكلف لو شك في صلاحية فرد في الوفاء بغرض المولى تمسك بالاطلاق لاثبات ذلك، فإذن الاطلاقان متكافئان ومتعارضان فلا وجه لتقديم الشمولي على البدلي.

الثالث: أنّ حجية الاطلاق البدلي بالاضافة إلى جميع الأفراد تتوقف على أن لا يكون هناك مانع عن انطباقه على بعضها دون بعضها الآخر، بداهة أنه لو كان هناك مانع عن ذلك فلا بد من رفع اليد عنه وتقييده بغيره، ومن المعلوم أن الاطلاق الشمولي في مورد التصادق والاجتماع صالح لأن يكون مانعاً منه، فلو توقف عدم صلاحيته للمانعية على وجود الاطلاق البدلي وانطباقه على ذلك لزم الدور، فالنتيجة : أنّ المطلق الشمولي صالح لأن يكون مانعاً عن المطلق البدلي في مورد المعارضة والاجتماع، دون العكس.

والجواب عنه : قد ظهر ممّا تقدّم وحاصله : هو أن ثبوت الاطلاق في كليهما يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة كما عرفت ولا مزية لأحدهما على الآخر من هذه الناحية أصلاً، هذا من جانب. ومن جانب آخر أن حجية إطلاق المطلق فعلاً والتمسك به كذلك في مورد تتوقف على عدم وجود معارض له، ولا فرق من هذه الناحية بين الاطلاق البدلي والشمولي، بداهة كما أن حجية الأوّل في مورد تتوقف على عدم وجود مانع ومعارض له، كذلك حجية الثاني. فما أفاده (قدس سره) من أنّ حجية الاطلاق البدلي تتوقف على عدم وجود مانع، إن أراد به توقفها على مقدمة زائدة على مقدمات الحكمة فقد عرفت

خطأها.

وإن أراد به توقفها على عدم وجود معارض، فحجية الاطلاق الشمولي أيضاً كذلك، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً. فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي أنّ في مورد اجتماع الاطلاقين وتصادقها كما أنّ الشمولي صالح لأن يكون مانعاً عن البدلي ومقيداً له بغير ذلك المورد، كذلك البدلي صالح لأن يكون مانعاً عن الشمولي ومخصصاً له فلا ترجيح لأحدهما على الآخر أصلاً. ومن هنا يظهر أنّ هذا الوجه في الحقيقة ليس وجهاً آخر في قبال الوجه الثاني، بل هو تقريب له بعبارة أخرى.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ الكبرى المتقدمة أي تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي غير تامة ولا دليل عليها.

ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا الكبرى المذكورة، وهي تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي، إلّا أنّ المقام ليس من صغرياتها، والسبب في ذلك هو أنّ تقديم الاطلاق الشمولي على البدلي في مورد الاجتماع والتصادق إنما هو فيما إذا كان التنافي والتكاذب بينهما بالذات بحيث لا يمكن كشفهما معاً عن مراد المولى في مرحلة الاثبات، فعندئذ يمكن أن يقال بتقديمه عليه بأحد الوجوه المتقدمة.

وإن شئت قلت : إنّ التنافي بين الاطلاقين إذا كان بالذات في مقام الاثبات فبطبيعة الحال يكشف عن التنافي بينهما في مقام الثبوت بقانون التبعية، وعليه فلابد من تقديم ما هو الأقوى والأرجح على الآخر، وهذا بخلاف محل الكلام هنا فانه لا تعارض ولا تكاذب بين الاطلاقين بالذات أصلاً، بداهة أنه لا مانع من أن يكون كل من الهيئة والمادة مطلقاً من دون أية منافاة بينهما، والمنافاة إنما جاءت من الخارج وهو العلم الاجمالي برجوع القيد إلى إحداهما، ومن الطبيعي أنّ هذا العلم الاجمالي لا يوجب تقديم ما هو أقوى دلالة وظهوراً على غيره،

كيف حيث إن نسبته إلى كل واحدة منهما على حد سواء، فلا توجب أقوائية إطلاق إحداهما ليقدّم على الأخرى كما هو واضح.

وبكلمة أخرى أنّ العلم الاجمالي تعلق برجوع القيد إلى إحداهما، ومن البديهي أن كون إطلاق الهيئة شمولياً وإطلاق المادة بدلياً لا يوجب ذلك رجوع القيد إلى الثاني دون الأوّل، لأنّ إحدى الحيثيتين تباين الأخرى، فانّ الجمع العرفي بينهما بتقديم الشمولي على البدلي إنّما هو فيما إذا كانت المعارضة بينهما ذاتاً وحقيقة، وأما إذا لم تكن كذلك كما هو المفروض في المقام، فمجرد العلم الاجمالي برجوع القيد من الخارج إلى أحدهما لا يوجب تعين رجوعه إلى البدلي، لعدم الموجب لذلك أصلاً لا عرفاً ولا عقلاً، بل لو افترضنا حصول العلم الاجمالي بعروض التقييد من الخارج لأحد دليلي الحاكم أو المحكوم لم توجب أقوائية دليل الحاكم لارجاع القيد إلى دليل المحكوم، وهذا لعله من الواضحات الأولية.

الكلام في الملازمة بين تقييد الهيئة وتقييد المادة

فالنتيجة في نهاية الشوط هي: أنه حيث لا تنافي بين إطلاق الهيئة وإطلاق المادة بالذات والحقيقة، بل هو من ناحية العلم الخارجي بعروض التقييد على أحدهما، فلا وجه لتقديم إطلاق الهيئة على المادة وإن فرض أنه بالوضع فضلاً عما إذا كان بمقدمات الحكمة، وعليه فإذا كان التقييد المزبور بدلیل متصل فأوجب العلم الاجمالي الاجمال وعدم انعقاد أصل الظهور لفرض احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، وإذا كان بدليل منفصل فأوجب سقوط الاطلاقين عن الاعتبار.

وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أنّ ما أفاده (قدس سره) خاطئ صغری وكبرى.

الوجه الثاني الذي أفاده (قدس سره) لاثبات ما يدعيه من رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة، فحاصله : أنّ القيد لو عاد إلى الهيئة فهو كما يوجب رفع

اليد عن إطلاقها فكذلك يوجب رفع اليد عن إطلاق المادة، بمعنى أنها لا تقع على صفة المطلوبية بدونه لفرض عدم الوجوب قبل وجوده، ومعه لا تكون مصداقاً للواجب. مثلاً لو افترضنا أنّ وجوب إكرام زيد مقيد بمجيئه ي--وم الجمعة، فهذا بطبيعة الحال يستلزم تقييد الواجب أيضاً - وهو الاكرام - يعني أنّه يدل على أنّ المطلوب ليس هو طبيعي الاكرام على الاطلاق، بل هو حصة خاصة منه وهي الحصة الواقعة في يوم الجمعة.

مثلاً الاستطاعة قيد لوجوب الحج، وهي تدل على تقييد الواجب أيضاً، بمعنى انه ليس هو طبيعي الحج على نحو السعة والاطلاق، بل هو حصة منه وهي الواقعة بعدها، وهذا بخلاف ما إذا رجع القيد إلى المادة دون الهيئة، فانّه لا يلزم منه رفع اليد عن الاطلاق في طرف الهيئة أصلاً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّه لا شبهة في أنّ في كل مورد إذا دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق واحد ورفع اليد عن إطلاقين تعيّن رفع اليد عن الأوّل، فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي تعيّن رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة.

ولكن ناقش في ذلك المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) فيما إذا كان التقييد بمتصل دون ما إذا كان بمنفصل، يعني أنه (قدس سره) سلّم ما جاء الشيخ (قدس سره) به في الثاني دون الأوّل، وقد أفاد في وجه ذلك ما إليك ن-ص-ه : وأمّا في الثاني فلأنّ التقييد وإن كان خلاف الأصل، إلا أن العمل الذي يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة وانتفاء بعض مقدماتها، لا يكون على خلاف الأصل أصلاً،، إذ معه لا يكون هناك إطلاق كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل التقييد الذي يكون على خلاف الأصل. وبالجملة لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل إلا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة، ومع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور، كان ذاك العمل المشارك مع التقييد

في الأثر وبطلان العمل باطلاق المطلق، مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً. وكأنه توهم أن إطلاق المطلق كعموم العام ثابت ورفع اليد عن العمل به تارةً لأجل التقييد، وأخرى بالعمل المبطل للعمل به، وهو فاسد، لأنه لا يكون إطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات. نعم، إذا كان التقييد بمنفصل ودار الأم--ر ب--ين الرجوع إلى المادة أو الهيئة، كان لهذا التوهم مجال، حيث انعقد للمطلق إطلاق وقد استقر له ظهور ولو بقرينة الحكمة، فتأمل (1).

وأمّا شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)فقد وافق شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) في القرينة المتصلة والمنفصلة.

أمّا في المتصلة : فقد ذكر (قدس سره) أن الواجب فيها إرجاع القيد إلى نفس المادة لسببين :

الأوّل: أنّ رجوع القيد إلى المادة ولو كان ذلك في ضمن رجوعه إلى المادة، بما أنها منتسبة ومعروضة للنسبة الطلبية متيقن على كل حال، وإنما الشك في رجوعه إليها بعد الانتساب، وبما أنّه يحتاج إلى بيان زائد من ذكر نفس القيد، فالشك فيه يدفع بالاطلاق. ومن ذلك يظهر أنّ ما نحن فيه ليس م-ن ق-بيل احتفاف الكلام بما يصلح كونه قرينة بداهة أنّه إنما يكون كذلك فيما إذا لم يكن التقييد محتاجاً إلى مؤونة أخرى مدفوعة بالاطلاق، كما في موارد إجمال القيد مفهوماً، وموارد تعقب الجمل المتعددة بالاستثناء ونحو ذلك. وأما فيما نحن فيه، فحيث إنّ القدر المتيقن موجود في البين، والمفروض أن احتمال رجوع القيد إلى المادة المنتسبة مدفوع بالاطلاق، فلا يمكن للمولى أن يكتفي بما ذكره من القيد، لو كان مراده تقييد المادة المنتسبة دون غيرها.


1) كفاية الأصول : 107.

2) أجود التقريرات 1: 236.

الثاني : أن القيد إذا كان راجعاً إلى المادة بعد الانتساب، فلابد أن يؤخذ مفروض الوجود كما هو شأن كل واجب مشروط بالاضافة إلى شرطه، وبما أنّ أخذ القيد مفروض الوجود في مقام الجعل والاعتبار يحتاج إلى عناية زائدة على ذكر ذات القيد والمفروض عدمها، فبطبيعة الحال احتمال أخذه كذلك يدفع باطلاق القيد، وأنه لم يلحظ كذلك، ومن هنا يظهر الفرق بين هذا الوجه والوجه الأوّل، وهو أنّ احتمال رجوع القيد إلى مفاد الهيئة في الأوّل يدفع باطلاق المادة المنتسبة وفي الثاني باطلاق القيد.

وأمّا في المنفصلة : فلا يخلو الأمر من أن تكون القرينة المزبورة لفظية أو لبية، أما إذا كانت لفظية، فحالها حال المتصلة، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، بل الأمر فيها أوضح لعدم جريان شبهة احتفاف الكلام بما يمكن أن يكون قرينة فيها، لأنّ المفروض انعقاد الظهور وأما إذا كانت لبية فيجري فيه الوجهان المذكوران لدفع الشك في رجوع القيد إلى المادة المنتسبة باطلاق المادة أو إطلاق القيد. وقد تحصل ممّا ذكرناه : أنه إذا شكّ في رجوع القيد إلى الواجب أو الوجوب فالاطلاق يقتضي رجوعه إلى الواجب.

التحقيق في المقام أن يقال: إنّ القيد إذا كان قيداً للهيئة واقعاً، فمردّه إلى أخذه مفروض الوجود في مقام الجعل والاعتبار، من دون فرق في ذلك ب--ين كون القيد اختيارياً أو غير اختياري، وإذا كان قيداً للمادة واقعاً فمردّه إلى اعتبار تقيد المادة به في مقام الجعل والانشاء، من دون فرق في ذلك أيضاً بين كون القيد اختيارياً أو غير اختياري غاية الأمر إذا كان غير اختياري فلابد من أخذه مفروض الوجود، وذلك لما تقدّم من أنّ كون القيد غير اختياري لا يستلزم كون الفعل المقيد به أيضاً كذلك ضرورة أنّ القدرة عليه لا تتوقف على القدرة على قيده فان الصلاة المتقيدة إلى القبلة مثلاً مقدورة مع أنّ قيدها

وهو وجود القبلة - غير مقدور.

فالنتيجة : أنّ تقييد كل من الهيئة والمادة مشتمل على خصوصية مباينة لما اشتمل عليه الآخر من الخصوصية، فانّ تقييد الهيئة مستلزم لأخذ القيد مفروض الوجود، وتقييد المادة مستلزم لكون التقيد به مطلوباً للمولى، وعلى ضوء هذا الأساس فليس في البين قدر متيقن لنأخذ به وندفع الزائد بالاطلاق.

وبكلمة أخرى : قد سبق فى ضمن البحوث السالفة أن معنى الاطلاق هو رفض القيود عن شيء وعدم ملاحظتها معه لا وجوداً ولا عدماً، وعلى ذلك فمعنى إطلاق الهيئة عدم اقتران مفادها عند اعتباره بوجود قيد ولا بعدمه.. وفي مقابله تقييده بقيد، فانّ مرده إلى أنّ المجعول في طرفها هو حصة خاصة م-ن الوجوب - وهي الحصة المقيدة بهذا القيد - ومعنى إطلاق المادة هو أن الواجب ذات المادة من دون ملاحظة دخل قيد من القيود في مرتبة موضوعيتها للحكم، وفي مقابله تقييدها بخصوصية ما، فانّ مفاده هو أنّ المولى جعل حصة خاصة منها موضوعاً للحكم ومتعلقاً له - وهي الحصة المقيدة بهذه الخصوصية -.

ومن هنا يظهر أنّ النسبة بين تقييد المادة وتقييد الهيئة عموم من وج-ه، فيمكن أن يكون شيء قيداً لمفاد الهيئة دون المادة، وذلك كما إذا افترضنا أنّ القيام مثلاً قيد لوجوب الصلاة دونها، فعندئذ جاز الاتيان بالصلاة جالساً بعد تحقق القيام، بل لا مانع من تصريح المولى بذلك بقوله : إذا قمت فصل قاعداً، وكالاستطاعة فانّها قيد لوجوب الحج دون الواجب، ومن هنا لو استطاع شخص ووجب الحج عليه ولكنّه بعد ذلك أزال الاستطاعة باختياره فحج متسكعاً صح حجّه وبرئت ذمته، فلو كانت الاستطاعة قيداً لنفس الحج أيضاً لم يصح جزماً لفرض انتفاء قيده، ومن هذا القبيل ما نسب إلى بعض من أنّ السفر قيد للوجوب دون الواجب، فلو كان المكلف مسافراً في أوّل الوقت ثم

حضر وجب عليه القصر دون التمام فالنتيجة أنه لا ملازمة بين كون شيء قيداً للوجوب وكونه قيداً للواجب أيضاً. وعلى الجملة: فقد يكون الشيء قيداً للهيئة دون المادة كما عرفت.

وقد يكون قيداً للمادة دون الهيئة، وذلك كاستقبال القبلة وطهارة البدن واللباس وما شاكل ذلك، فانها بأجمعها تكون قيداً للمادة - وهي الصلاة -- دون وجوبها، وقد يكون قيداً لهما معاً، وذلك كالوقت الخاص بالاضافة إلى الصلاة مثلاً، كزوال الشمس وغروبها وطلوع الفجر، فان هذه الأوقات من ناحية كونها شرطاً لصحة الصلاة فهي قيد لها، ومن ناحية أنها ما لم تتحقق لا يكون الوجوب فعلياً فهي قيد له.

وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر : أنّ القيد المردد بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة، إن كان متصلاً فهو مانع عن أصل انعقاد الظهور، لفرض احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، لوضوح أنّ القيد المزبور على أساس ما حققناه صالح لأن يكون قرينة على تقييد كل منهما، ومعه لا ينعقد الظهور لهما جزماً، فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ المقام غير داخل في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، يقوم على أساس ما ذكره من وجود القدر المتيقن في البين، وهو تقييد المادة والرجوع في الزائد إلى الاطلاق.

ولكن قد تقدّم خطأ ذلك، وعرفتم أنّ رجوع القيد إلى المادة يباين رجوعه إلى الهيئة، فليس الأوّل متيقناً، فإذن لا مناص من القول بالاجمال ودخول المقام في تلك الكبرى. وأما ما أفاده (قدس سره) من أن رجوع القيد إلى المادة ولو كان ذلك في ضمن رجوعه إلى المادة المنتسبة متيقن، فهو خاطئ جداً، وذلك لأنّ المراد من المادة المنتسبة هی المادة المتصفة بالوجوب، والمراد من تقييدها تقييد اتصافها به، ومن الواضح أنّ هذا عبارة أخرى عن تقييد مفاد

الهيئة فلا يكون في مقابله ولا مغايرة بينهما إلا باللفظ، وقد سبق أن رجوع القيد إلى المادة يباين رجوعه إلى الهيئة، فلا متيقن في البين.

وإن شئت فقل : إنّ المتيقن إنّما هو رجوع القيد إلى ذات المادة الجامعة بين رجوعه إليها قبل الانتساب ورجوعه إليها بعد الانتساب، وأمّا رجوعه إليها قبل الانتساب فهو كرجوعه إليها بعده مشكوك فيه وليس شيء منها معلوماً. فما أفاده (قدس سره) مبني على عدم تحليل معنى تقييد المادة في مقابل تقييد الهيئة وما هو محل النزاع هنا، هذا في التقييد بالمتصل.

وأمّا إذا كان منفصلاً، فظهور كل منهما في الاطلاق وإن انعقد، إلّا أنّ العلم الاجمالي بعروض التقييد على أحدهما أوجب سقوط كليهما عن الاعتبار فلا يمكن التمسك بشيء منها، وذلك لما عرفت من أن معنى تقييد المادة مطابقة هو أنّ الواجب حصة خاصة منها في مقابل إطلاقها، ومعنى تقييد الهيئة كذلك هو أنّ الوجوب حصة خاصة منه في مقابل إطلاقها، والمدلول الالتزامي للمعنى الأوّل هو تعلق الوجوب بتقيد المادة به، والمدلول الالتزامي للثاني هو أخذه مفروض الوجود، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنّ الحصتين المفروضتين متباينتان، فتحتاج إرادة كل منهما إلى مؤونة زائدة وعناية أكثر، وليست إحداهما متيقنة بالاضافة إلى الأخرى، فالنتيجة على ضوئهما هي أنّ المكلف إذا علم بأنّ المولى أراد بدليل منفصل إحدى الحصتين المزبورتين دون كلتيهما معاً، فبطبيعة الحال لا يمكن التمسك بالاطلاق، لا لدفع كون الوجوب حصة خاصة، ولا لدفع كون الواجب كذلك، وكذا لا يمكن التمسك به، لا لنفي أخذ القيد مفروض الوجود، ولا لنفي وجوب التقيد به ضرورة أنّ العلم الاجمالي كما يوجب وقوع التكاذب والتنافي بين الاطلاقين من الناحية الأولى، كذلك يوجب التكاذب والتنافي بينهما من الناحية الثانية.

وبكلمة أخرى : أن التمسك بالاطلاق كما لا يمكن لنفي المدلول المطابقي للتقييد، كذلك لا يمكن لنفي مدلوله الالتزامي، وذلك لأنّ كلاً منهما طرف للعلم الاجمالي من دون خصوصية في ذلك لأحدهما، وعليه فبطبيعة الحال يقع التكاذب بين الاطلاقين بالاضافة إلى كل منهما.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي بطلان الدعاوي المتقدمة وعدم واقع موضوعي لشيء منها، وأنها جميعاً تقوم على أساس عدم تنقيح ما هو محل النزاع في المقام، بيان ذلك :

أما ما ادعاه شيخنا الأنصاري (قدس سره) من استلزام تقييد الهيئة تقييد المادة، فهو مبتن على أساس تخيل أنّ المراد من تقييد المادة هو عدم وقوعها على صفة المطلوبية إلا بعد تحقق قيد الهيئة، وقد تقدّم أنّ هذا المعنى ليس المراد من تقييدها، بل المراد منه معنى آخر، وقد سبق أنه لا ملازمة بينه وبين تقييد الهيئة أصلاً.

وأما ما ادّعاه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في خصوص القرينة المنفصلة، فمبني على توهم أنّ تقييد الهيئة وإن لم يستلزم تقييد المادة، إلا أنه يوجب بطلان محل الاطلاق فيها، وهو كتقييدها في الأثر. ولكن قد ظهر ممّا ذكرناه خطاً هذا التوهم، وأن تقييد الهيئة كما لا يستلزم تقييد المادة كذلك لا يوجب بطلان محل الاطلاق فيها، وعليه فالعلم الاجمالي بوجود القرينة المنفصلة الدالة على تقييد أحدهما لا محالة يوجب سقوط كلا الاطلاقين عن الاعتبار بعد ما عرفت من عدم مزية لأحدهما على الآخر.

وأما ما ادعاه شيخنا الأستاذ (قدس سره) فهو مبتن على أساس أن تقييد المادة متيقن وتقييد الهيئة يحتاج إلى خصوصية زائدة ومؤونة أكثر. ولكن قد تقدّم فساد ذلك، وأنّ تقييد كل منهما يحتاج إلى خصوصية مباينة لخصوصية

الآخر فليس في البين قدر متيقن، ولا فرق في ذلك بين موارد القرينة المتصلة وموارد القرينة المنفصلة. نعم، فرق بينهما في نقطة أخرى وهي : أنّ القرينة إذا كانت متصلة أوجبت إجمالها من الأوّل، وإذا كانت منفصلة أوجبت سقوط إطلاقهما عن الاعتبار.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة بالمعنى الذي ذكرناه - وهو كون التقيد تحت الطلب كغيره من الأجزاء - نعم، تقييدها وإن استلزم تقييد المادة بمعنى آخر وهو عدم وقوعها على صفة المطلوبية إلا بعد تحقق قيدها، إلّا أنّه غير قابل للبحث، حيث إنّه يترتب على تقييد الهيئة قهراً ولا صلة له بمحل البحث أصلاً.

الكلام في الواجب المعلّق

معنى الواجب المعلّق

قسم المحقق صاحب الفصول (قدس سره) (1)الواجب إلى واجب مشروط وهو ما يرجع القيد فيه إلى مفاد الهيئة، ومطلق وهو ما يرجع القيد فيه إلى مفاد المادة، ثمّ قسّم المطلق إلى واجب منجز، وهو ما كان الواجب فيه كالوجوب حالياً، ومعلّق وهو ما كان الوجوب فيه حالياً والواجب استقبالياً يعني مقيداً بزمن متأخر. وإن شئت قلت: إنّ الواجب تارة مقيد بقيد متأخر خارج عن اختيار المكلف من زمان أو زماني، وتارة أخرى غير مقيد بقيد كذلك، وعلى الأوّل فالوجوب حالي والواجب استقبالي، وعلى الثاني فكلاهما حالي، ويمتاز هذا التقسيم عن التقسيم الأوّل في نقطة واحدة وهي أن التقسيم الأول بلحاظ الوجوب، وهذا التقسيم بلحاظ الواجب، وعليه فتوصيف الواجب بالمطلق والمشروط توصيف بحال الغير.

وقد أنكر هذا التقسيم شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره)(2)وقال بأنا لا نعقل للواجب ما عدا المطلق والمشروط قسماً ثالثاً يكون هو المعلّق. ولكن غير خفي أنّ إنكاره (قدس سره) للواجب المعلق يرجع في الحقيقة إلى إنكاره للواجب المشروط عند المشهور دون الواجب المعلّق عند صاحب الفصول (قدس سره) وذلك لأنه (قدس سره) حيث يرى استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة وتعيّن رجوعه إلى المادة، فبطبيعة الحال الواجب المشروط عنده ما


1) الفصول الغروية : 79.

2) مطارح الأنظار : 51، 52.

يكون الوجوب فيه حالياً والواجب استقبالياً وهو بعينه الواجب المعلّق صاحب الفصول (قدس سره) وعليه فالنزاع بينهما لا يتجاوز عن حدود اللفظ فحسب.

وقد أشكل عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) بما إليك قوله : نعم، يمكن أن يقال : إنه لا واقع لهذا التقسيم، لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط، وخصوصية كونه حالياً أو استقبالياً لا توجبه ما لم توجه الاختلاف في المهم، وإلّا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات ولا اختلاف فيه، فان ما رتبه عليه من وجوب المقدمة فعلاً كما يأتي إنما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليته لا من استقبالية الواجب (1).

والظاهر أنّ التزام صاحب الفصول (قدس سره) به-ذا التقسيم إنم-ا هو للتفصي عن الاشكال الذي أورد على وجوب الاتيان بالمقدمات قبل مجيء زمان الواجب كمقدمات الحج وما شاكلها، وسيأتي بيانه في ضمن البحوث الآتية وما عليه من النقد إن شاء اللّه تعالى.

نعم، الذي يرد عليه : هو أنّ المعلّق ليس قسماً من الواجب المطلق في مقابل المشروط بل هو قسم منه، وذلك لما تقدّم من أنّ وجوب كل واجب لا يخلو من أن يكون مشروطاً بشيء من زمان أو زماني مقارن له أو متأخر عنه أو يكون غير مشروط به كذلك ولا ثالث لهما، لاستحالة ارتفاع النقيضين، وعلى الأوّل فالواجب مشروط، وعلى الثاني مطلق، وعلى هذا فلابد من ملاحظة أن وجوب الحج مثلاً مشروط بيوم عرفة أو مطلق، لا شبهة في أنّ ذات الفعل وهو الحج مقدور للمكلف فلا مانع من تعلق التكليف به وكذا إيقاعه في زمان


1) كفاية الأصول : 101.

خاص - يوم عرفة - وأمّا نفس وجود الزمان فهو غير مقدور له فلا يمكن وقوعه تحت التكليف، وبما أنّ التكليف لم يتعلق بذات الفعل على الاطلاق وإنما تعلق بايقاعه في زمن خاص، فعلم من ذلك أنّ للزمان دخلا في ملاكه وإلا فلا مقتضي لأخذه في موضوعه.

وعليه فبطبيعة الحال يكون مشروطاً به غاية الأمر على نحو الشرط المتأخر، ومن هنا إذا افترضنا عدم مجيء هذا الزمان الخاص وعدم تحققه في الخارج من جهة قيام الساعة، أو افترضنا أنّ المكلف حين مجيئه خرج ع--ن قابلية التكليف بجنون أو نحوه كشف ذلك عن عدم وجوبه من الأوّل.

فالنتيجة : أنّ هذا قسم من الواجب المشروط بالشرط المتأخر لا م-ن الواجب المطلق، فانّ المشروط بالشرط المتأخر على نوعين : قد يكون متعلق الوجوب فيه أمراً حالياً، وقد يكون أمراً استقبالياً كالحج في يوم عرفة، وكلاهما مشروط، فما سمّاه في الفصول بالمعلّق هو بعينه هذا النوع الثاني من المشروط بالشرط المتأخر، وعليه فجعله من المطلق خطأ محض، وقد ذكرنا أنه لا بأس بالالتزام به ثبوتاً. نعم، وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، وقد أشرنا إلى أنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ...) إلخ (1)وقوله عزّ وجلّ: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ...) (2)هو ذلك.

وقد تحصّل من ذلك : أنّه لا يرد على هذا التقسيم شيء يرد على هذا التقسيم شيء عدا ما ذكرناه.

وجوه استحالة الواجب المعلّق

وكيف كان، فقد يقال كما قيل باستحالة هذا النوع من الواجب، واستدلّ على ذلك بعدة وجوه:


1) آل عمران 3: 97.

2) البقرة 2 : 185.

الأوّل : ما حكاه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) عن بعض معاصريه(1)وملخصه : أنّ الارادة لا يمكن أن تتعلق بأمر متأخر بلا فرق بين الارادة التكوينية والتشريعية، إذ لا فرق بينهما إلا في أنّ الأولى تتعلق بفعل نفس المريد، والثانية تتعلق بفعل غيره، ومن المعلوم أنّ الايجاب والطلب بازاء الارادة المحرّكة للعضلات نحو المراد، فكما أنّ الارادة التكوينية لا تنفك عن المراد زمناً حيث إنها لا تنفك عن التحريك وهو لا ينفك عن الحركة خارجاً، وإن تأخرت عنه رتبة، فكذلك الارادة التشريعية لا تنفك عن الايجاب زمناً وهو غير منفك عن تحريك العبد في الخارج، ولازم ذلك استحالة تعلق الايجاب بأمر استقبالي، لاستلزامه انفكاك الايجاب عن التحريك وهو مستحيل، وبما أن الالتزام بالواجب المعلّق يستلزم ذلك فلا محالة يكون محالاً.

وأجاب صاحب الكفاية (قدس سره) عن ذلك بما هو لفظه : قلت : فيه أنّ الارادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي كما تتعلّق بأمر حالي وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلاً عن فاضل، ضرورة أن تحمل المشاق في تحصيل المقدّمات فيا إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المؤونة، ليس إلا لأجل تعلق إرادته به وكونه مريداً له قاصداً إيّاه لا يكاد يحمله على التحمل إلا ذلك، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الارادة بالشوق المؤكد المحرك للعضلات نحو المراد، وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر ممّا لا يكاد، وقد غفل عن أن كونه محرّكاً نحوه يختلف حسب اختلافه في كونه ممّا لا مؤونة له كحركة نفس العضلات، أو ممّا له مؤونة ومقدمات قليلة أو كثيرة، فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له، والجامع أن يكون نحو المقصود، بل مرادهم من هذا الوصف في تعريف الارادة بيان مرتبة الشوق


1) كفاية الأصول : 102.

الذي يكون هو الإرادة وإن لم يكن هناك فعلاً تحريك، لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدمة، ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق المحرّك فعلاً نحو أمر حالي أو استقبالي محتاج إلى ذلك. هذا مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أنّ البعث إنّما يكون لاحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به، بأن يتصوره بما يترتب عليه من المثوبة، وعلى تركه من العقوبة، ولا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان، ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والامكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب (1).

وملخص ما أفاده (قدس سره) أمران:

الأوّل: أنّ الارادة مرتبة خاصة من الشوق الحاصل في أفق النفس، وهي المرتبة التي يكون من شأنها انبعاث القوة العاملة في العضلات لتحريكها نحو المراد، غاية الأمر إذا كان أمراً حالياً فهي توجب تحريكها نحوه حالاً، وإذا كان أمراً استقبالياً، فإن كانت له مقدمة خارجية فكذلك، وإن لم تكن له مقدمة خارجية غير مجيء زمانه لم توجب التحريك. مع أن-ه به-ذه المرتبة الخاصة موجود في عالم النفس فأخذ الوصف المزبور في تعريف الارادة إنما هو للاشارة إلى أنها عبارة عن تلك المرتبة الخاصة وإن لم توجب التحريك فعلاً من جهة عدم الموضوع لا من جهة قصور فيها، فإذن لا مانع من تعلق الارادة بأمر متأخر كما تتعلق بأمر حالي، وهذا لعله من الواضحات.

الثاني : أنّه لا شبهة في انفكاك الوجوب عن متعلقه زماناً وتأخ--ره ع-نه


1) كفاية الأصول : 102.

كذلك، بداهة أنّ الغرض من البعث إنّما هو إحداث الداعي للمكلف نحو الفعل، ومن الواضح أنّ الداعي إلى إيجاده إنما يحصل بعد تصور الأمر وم-ا يترتب عليه، وهذا بطبيعة الحال يحتاج إلى زمانٍ ما ولو كان في غاية القصر، فإذا جاز الانفكاك بينهما في ذلك جاز في زمن طويل أيضاً، لعدم الفرق بينهما فيما هو ملاك الاستحالة والامكان.

وينبغي لنا أن نتعرض لنقده على الشكل التالي:

إن أريد بالارادة الشوق النفساني إلى شيء الحاصل في أفق الن-ف-س م-ن ملائمتها له أو ملائمة إحدى قواها وهي التي توجب هيجانها وميلها إليه إلى أن بلغ حدّ العزم والجزم، فقد تقدّم في ضمن البحوث السالفة أنّ الشوق النفساني كما يتعلق بأمر حالي كذلك يتعلق بأمر استقبالي، وهذا لا يحتاج إلى إقامة برهان، بل هو أمر وجداني ضروري يعلمه كل ذي وجدان بمراجعة وجدانه، بل ولا مانع من تعلقه بالأمر الممتنع كالجمع بين الضدّين أو النقيضين أو م-ا شاكل ذلك فضلاً عن الأمر الممكن المتأخر، كاشتياق الانسان إلى دخول الجنة والتلبس بالملاذ الأخروية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : قد ذكرنا سابقاً بشكل موسّع أنّ الارادة بهذا المعنى مهما بلغت ذروته-ا م-ن الق-وة والشدة لا تكون علة تامة لتحريك العضلات نحو الفعل.

وإن أريد بها الاختيار وإعمال القدرة، فقد سبق الكلام في ذلك بصورة موسعة وأنها لا تتعلق بفعل الغير، بلا فرق بين اختياره (عزّ وجلّ) وإعمال قدرته واختيار غيره. نعم، له تعالى إيجاد الفعل عن الغير بايجاد أسبابه، ولكنه أجنبي عن تعلق مشيئته تعالى واختياره به مباشرة، بل قد عرفت أنه-ا لا تتعلق بفعل الانسان نفسه إذا كان في زمن متأخر فضلاً عن فعل غيره، ومن هنا لا يمكن تعلقها بالمركب من أجزاء طولية زمناً وتدريجية وجوداً دفعة

واحدة إلا على نحو تدريجية، أجزائه، وذلك كالصلاة مثلاً، فأنّه لا يمكن إعمال القدرة على القراءة قبل التكبيرة وهكذا، هذا من جانب.

ومن جانب آخر قد سبق منّا أيضاً أنه لا أصل للارادة التشريعية في مقابل الارادة التكوينية، سواء أكانت الارادة بمعنى الشوق النفساني أو بمعنى الاختيار وإعمال القدرة.

أما على الأوّل : فلأنّ الارادة عبارة عن ذلك الشوق الحاصل في أفق النفس، ومن الطبيعي أنّه لا يختلف باختلاف متعلقه، فقد يكون متعلقه أمراً تكوينياً وقد يكون أمراً تشريعياً وقد يكون فعل الانسان نفسه، وقد يكون فعل غيره، وتسمية الأوّل بالارادة التكوينية، والثاني بالتشريعية لا تتعدى عن مجرّد الاصطلاح بلا واقع موضوعي لها أصلاً.

وأما على الثاني : فواضح ضرورة أنّ إعمال القدرة لا تختلف باختلاف متعلقها، فان متعلقها سواء أكان من التشريعيات أو التكوينيات فهو واح---د حقيقة وذاتاً. فتحصل : أنا لا نعقل للارادة التشريعية معنى محصلاً في مقابل الارادة التكوينية.

نعم، قد يقال كما قيل : إنّ المراد منها الطلب والبعث، باعتبار أنه يدعو المكلف إلى إيجاد الفعل في الخارج.

وفيه : أن تسمية ذلك بالارادة التشريعية وإن كان لا بأس بها، إلا أنه لا يمكن ترتب أحكام الارادة التكوينية عليه بداهة أنه أمر اعتباري فلا واقع موضوعي له ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، فلا يُقاس هذا بالارادة والاختيار أصلاً، ولا جامع بينهما حتّى يوجب تسرية حكم أحدهما إلى الآخر، فعدم تعلق الارادة بالأمر المتأخر زمناً لا يستلزم عدم تعلقه به أيضاً، وقد تقدّم أنّ ما اعتبره المولى قد يكون متعلقه حالياً، وقد يكون استقبالياً، وقد يكون

كلاهما استقبالياً، وذلك كما إذا اعتبر شخص ملكية منفعة داره مثلاً لآخر بعد شهر، فانّ المعتبر - وهو الملكية - ومتعلقه - وهو المنفعة - كليهما استقبالي والحالي إنما هو الاعتبار فحسب، وهذا ربما يتفق وقوعه في باب الاجارة وفي باب الوصية كالوصية بالملك بعد الموت، ومن الواضح أنه لا فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية. وقد تحصل من ذلك: أنّ في تسرية أحكام الارادة على الطلب والبعث مغالطة ظاهرة ولا منشأ لها إلا الاشتراك في الاسم.

فقد انتهينا في نهاية الشوط إلى هذه النتيجة وهي أنه لا مانع من الالتزام بالواجب المعلّق بالمعنى الذي ذكرناه وهو كون وجوبه مشروطاً بشرط متأخر. الثاني : ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)من أنّ القيود الراجعة إلى الحكم المأخوذة في موضوعه بشتى ألوانها تؤخذ مفروضة الوجود في مقام الاعتبار والجعل فلا يجب على المكلف تحصيل شيء منها وإن كان مقدوراً كالاستطاعة، ومن الواضح أنّ فعلية الحكم في مثل ذلك إنما هي بفعلية تلك القيود، فلا تعقل فعليته قبل فعليتها وتحققها في الخارج، وعلى هذا الأساس بنى على استحالة الشرط المتأخر. ولكن قد تقدّم الكلام في مسألة الشرط المتأخر بصورة مفصلة في بيان ذلك الأساس وما فيه من النقد والاشكال فلا نعيد.

الثالث : ما قيل كما في الكفاية (2)من أنّ التكليف مشروط بالقدرة، وعليه فلابد أن يكون المكلف حين توجيه التكليف إليه قادراً، فلو التزمنا بالواجب المعلق لزم عدم ذلك. وجوابه واضح، وهو أنّ القدرة المعتبرة في صحة التكاليف إنّما هي قدرة المكلف في ظرف العمل وإن لم يكن قادراً في ظرف التكليف.


1) أجود التقريرات 1: 196 وما بعدها.

2) كفاية الأصول : 103.

الكلام في المقدّمات المفوّتة

ثمّ إنّ الذي دعا صاحب الفصول (قدس سره) إلى الالتزام بالواجب المعلق هو عدّة فوائد تترتب عليه :

منها : دفع الاشكال عن إيجاب مقدمات الحج قبل الموسم، حيث يلزم على المكلف تهيئة لوازم السفر ووسائل النقل وما شاكل ذلك قبل مجيء زمان الواجب وهو يوم عرفة، إذ لو لم نلتزم به لم يمكن الحكم بايجابها قبل موسمه، كيف حيث إنّ وجوب المقدمة معلول لايجاب ذيها فلا يعقل وجود المعلول قبل وجود علته. وعلى ضوء الالتزام بحالية الوجوب في أمثال هذا المورد يندفع الاشكال رأساً، وذلك لأن فعلية وجوب المقدمة تتبع فعلية وجوبالواجب وإن لم يكن نفس الواجب فعلياً.

ومنها : دفع الاشكال عن وجوب الغسل على المكلف كالجنب أو الحائض ليلاً لصوم غد، فانّه لولا الالتزام بحالية الوجوب في مثله كيف يمكن الالتزام بوجوب الغسل في الليل، مع أنّ الصوم لا يجب إلا من حين طلوع الفجر.

ومنها : دفع الاشكال عن وجوب التعلم قبل دخول وقت الواجب كتعلم أحكام الصلاة ونحوها قبل وقتها، فلولا وجوب تلك الصلوات قبل دخول أوقاتها لم يكن تعلم أحكامها واجباً.

ومنها : دفع الاشكال عن وجوب إبقاء الاستطاعة بعد أشهر الحج.

ويمكن أن نأخذ بالمناقشة فيه : وهي أنّ دفع الاشكال المزبور ع---ن تلك الموارد وما شاكلها لا يتوقف على الالتزام بالواجب التعليقي، إذ كما يمكن دفع

الاشکال به یمکن دفعه بالالتزام بوجوبها نفسياً، لكن لا لأجل مصلحة في نفسها، بل لأجل مصلحة كامنة في غيرها، فيكون وجوبها للغير لا بالغير، إذن تكون هذه المقدمات واجبة مع عدم وجوب ذيها فعلاً.

ومع الاغماض عن ذلك، يمكن دفعه بالالتزام بحكم العقل بلزوم الاتيان بها بملاك إدراك العقل قبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه، حيث إنّه لا يفرق في القبح بين تفويت الملاك الملزم في موطنه ومخالفة التكليف الفعلي، فكما يحكم بقبح الثاني يحكم بقبح الأوّل، وبما أنّه يدرك أنّ الحج في ظرفه ذو ملاك ملزم، وأنه لو لم يأت بمقدماته من الآن لفات منه ذلك الملاك، يستقل بلزوم إتيانها قبل أوانه ولو بشهر أو أكثر أو أقل.

نعم، ظواهر الأدلة في مسألتي الحج والصوم تساعد ما التزم به في الفصول من كون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً، فان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1)ظاهر في فعلية وجوب الحج عند فعلية: الاستطاعة، كما أن قوله عزّ وجلّ (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (2)ظاهر في فعلية وجوب الصوم عند شهود الشهر والشهود كناية عن أحد أمرين : إمّا الحضور في مقابل السفر، وإما رؤية الهلال، وعلى كلا التقديرين فالآية تدل على تحقق وجوب الصوم عند تحقق الشهود. نعم، ظواهر الأدلة في الصلوات الخمس لا تساعده، فان قوله (عليه السلام) «إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة» (3)ظاهر في تحقق الوجوب بعد الزوال.


1) آل عمران 3: 97.

2) البقرة 2 : 185.

3) الوسائل 1: 373/ أبواب الوضوء ب 4 ح 1. وفيه: «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة».

وكيف كان، فقد ذكرنا أنّ الشرط المتأخر وإن كان ممكناً في نفسه ولا مانع من الالتزام به، إلّا أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، ففي كل مورد دلّ الدليل عليه فهو، وإلا فلا نقول به. نعم، لو قلنا باستحالته فلابد من رفع اليد عن ظواهر تلك الأدلة.

وبكلمة أخرى : ينبغي لنا أن نتكلم حول هذه المسألة في مقامين:

الأوّل : على القول بامكان الواجب التعليقي ووقوعه في الخارج.

الثاني : على القول باستحالته أو عدم وقوعه وإن قلنا بامكانه.

أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في لزوم الاتيان بالمقدمات التي لو لم يأت بها لفات الواجب عنه في ظرفه من دون فرق فيه بين القول بوجوب المقدمة شرعاً والقول بعدم وجوبها كذلك، أما على الأوّل فواضح. وأما على الثاني فلاستقلال العقل بذلك بعد إدراكه توقف الاتيان بالواجب عليها، حيث إنّ وجوبه فعلي على الفرض، ومن المعلوم أنّ العقل يستقل في مثله بلزوم امتثاله، فلو توقف على مقدمات حكم بلزوم الاتيان بها أيضاً لأجل ذلك.

وعلى الجملة : فعلى ضوء هذا القول لا فرق بين المقدمات التي لاب-د م-ن الاتيان بها قبل وقت الواجب كمقدمات الحج والغسل في الليل، وما شاكل ذلك، وبين غيرها من المقدمات العامّة فيما إذا علم المكلف بأنه لو لم يأت بها قبله عجز عنها في وقته، فإنّه كما يحكم بلزوم الاتيان بالأولى يحكم بلزوم الاتيان بالثانية، ولا فرق بينهما من هذه الناحية.

وإليه أشار ما في الكفاية (1)من أنّ الوجوب لو صار فعلياً لوجب حفظ القدرة على المقدمات في مورد يعلم المكلف أنّه يعجز عن الاتيان بها في زمن


1) كفاية الأصول : 104، 105.

الواجب. فالنتيجة : هي لزوم الاتيان بتمام مقدمات الواجب المعلّق قبل زمانه، أو التحفظ عليها إذا كانت حاصلة فيما إذا علم المكلف بعدم تمكنه منها في وقته.

نعم المقدمات التي اعتبرت من قبلها القدرة الخاصة وهي القدرة في ظرف العمل فلا يجب تحصيلها قبل مجيء وقته، بل يجوز تفويتها اختياراً، بل ولا مانع منه في بعض الموارد بعد الوقت، وذلك كاجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله بعد دخول وقت الصلاة وهو يعلم بعدم تمكنه من الطهارة المائية بعده، فانّه يجوز ذلك حيث إنّ القدرة المعتبرة هنا قدرة خاصة - وهي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله - وستجيء الاشارة إلى ذلك. وأما إجناب نفسه بطريق آخر كالنوم أو نحوه في الوقت مع علمه بعدم التمكن من الطهارة المائية فلا يجوز.

وعلى الجملة : فالواجبات في الشريعة الاسلامية المقدسة تختلف من هذه الناحية - أي من ناحية اعتبار القدرة فيها من قبل مقدماتها - فقد تكون قدرة مطلقة، وقد تكون قدرة خاصة، فعلى الأوّل يجب الاتيان بها ولو قبل دخول وقتها، دون الثاني، هذا بحسب مقام الثبوت، وأما بحسب مقام الاثبات فالمتبع في ذلك دلالة الدليل.

وأما المقام الثاني : وهو ما إذا افترضنا استحالة الواجب المعلّق أو قلنا با مكانه ولكن فرضنا عدم مساعدة الدليل على وقوعه، وذلك كوجوب تعلم الصبيان أحكام الصلاة ونحوها قبل البلوغ، إذ لو قلنا بعدم وجوبه عليهم كما هو الصحيح وستجيء الاشارة إليه - فلازمه جواز تفويت الصلاة أوّل بلوغهم مقداراً من الزمن يتمكنون من التعلم فيه، ولا يمكن الالتزام بوجوب التعلم من ناحية سبق وجوب الصلاة أو نحوها على البلوغ، وإن قلنا بامكان الواجب المعلق، وذلك لفرض عدم التكليف على الصبيان، فالنتيجة أنّ الاشكال في

المقدمات المفوّتة فى أمثال هذه الموارد وأنّه كيف يمكن الحكم بوجوبها مع عدم وجوب ذيها. وقبل التعرض لدفع الاشكال وبيان الأقوال فيه ينبغي تقديم أمرين:

بحث حول قاعدة الامتناع بالاختيار

الأول : أنّ ما اشتهر بين الأصحاب من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً في غاية الصحة والمتانة، فلو اضطر الانسان نفسه باختياره إلى ارتكاب محرّم كما لو دخل في الأرض المغصوبة أو ألقى نفسه من شاهق أو ما شاكل ذلك، فعندئذ وإن كان التكليف عنه ساقطاً، لكونه لغواً صرفاً بعد فرض خروج الفعل عن اختياره، وأما عقابه فلا قبح فيه أصلاً، وذلك لأنّ هذا الاضطرار حيث إنّه منته إلى الاختيار فلا يحكم العقل بقبحه أبداً.

وناقش في هذه القاعدة طائفتان : فعن أبي هاشم المعتزلي (1)أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وخطاباً، وكان للمولى في المثالين المذكورين أن ينهى عن التصرف في مال الغير بدون إذنه، ويأمر بحفظ نفسه، بدعوى أنه لا مانع من التكليف بغير المقدور إذا كان مستنداً إلى سوء اختياره. ويظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي (قدس سره) أيضاً (2). وفي مقابل هذا القول ادعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً وخطاباً. أما الخطاب فهو واضح، لأن-ه لغو صرف. وأمّا العقاب فلأنّه عقاب على غير مقدور وهو قبيح عقلاً.

ولنأخذ بالنقد على كلا القولين :

أما القول الأول : فلأنّ الغرض من التكليف هو إحداث الداعي للمكلف


1) البرهان في أصول الفقه 1: 208، المنخول : 129.

2) قوانين الأصول 2: 153.

بالاضافة إلى المكلف به، وعليه فإن كان المكلف به مقدوراً لم يكن التكليف به لغواً، حيث إنّه يمكن أن يصير داعياً إليه، وإن لم يكن مقدوراً كان التكليف به لغواً محضاً، لعدم إمكان كونه داعياً، ومن الواضح أنه لا فرق في هذه النقطة بين أن يكون مستند عدم القدرة سوء الاختيار أو غيره، بداهة أنّ عدم القدرة المسبب عن سوء الاختيار لا يصحح تكليف المولى لغير القادر وإلا لجاز للمولى أن يأمر عبده بالجمع بين الضدّين معلّقاً على أمر اختياري كالصعود على السطح أو نحو ذلك، وهو باطل قطعاً حتّى عند القائل بهذا القول.

وأمّا القول الثاني : فلأنّ الخطاب وإن كان لغواً كما عرفت إلا أنه لا مانع من العقاب، وذلك لأنّ المكلف حيث كان متمكناً في بداية الأمر أن لا يجعل نفسه مضطراً إلى ارتكاب الحرام ومع ذلك لو جعل نفسه كذلك بسوء اختیاره وارتكب الحرام حكم العقل باستحقاقه العقاب لا محالة، لأنه منته إلى اختياره، ومن الطبيعي أنّ العقل لا يفرّق في استحقاق العقاب على فعل الحرام بين كونه مقدور الترك بلا واسطة أو معها، وإنما يحكم بقبح استحقاقه على ما لا يكون مقدوراً له أصلاً. فالنتيجة : أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً.

نعم، قد تستعمل هذه القاعدة في مقام نقد نظرية الجبر وعدم الاختيار للعبد، ولكنّه بمعنى آخر، والفرق بين المعنيين هو أنّ المراد من الامتناع هنا الامتناع الوقوعي، والمراد من الامتناع هناك هو الامتناع بالغير وهو اختيار العبد وإرادته. وقد تقدّم الكلام فيها من هذه الناحية بشكل موسع عند ما تعرضنا لنظرية الجبر ونقدها (1).


1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 398.

الثاني : أنّه لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الالزامي الفعلي وبين تفويت حقيقة التكليف وروحه، وهو الملاك التام الملزم الذي يدعو المولى إلى اعتبار الايجاب تارة، وإلى جعل التحريم تارة أخرى، فإذا أحرز العبد ذلك الملاك فى فعل وإن علم بعدم التكليف به استحق العقاب على تفويته، من دون فرق في ذلك بين أن يكون المانع من التكليف قصوراً في ناحية المولى نفسه، كما إذا كان غافلاً أو نائماً واتفق في هذا الحال غرق ولده أو حرقه وكان عبده متمكناً من إنقاذه، فعندئذ لو خالف ولم ينقذه فلا شبهة في استحقاقه العقاب، أو قصوراً في ناحية العبد، كما إذا علم بأنّ الملاك تام في ظرفه وأنه لو لم يحفظ قدرته عليه لم يكن قابلاً لتوجيه التكليف إليه، فعندئذ لو خالف وعجز في ظرف التكليف عن امتثاله، فعجزه هذا وإن كان مانعاً عن توجه التكليف إليه، لعدم القدرة، إلّا أنّه يستحق العقاب على تفويت الغرض الملزم فيه حيث كان قادراً على حفظ قدرته واستيفائه. فالنتيجة : أنه لا فرق عند العقل في الحكم باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الفعلي وبين تفويت الغرض الملزم فيما لا يمكن جعل التكليف على طبقه.

الكلام في غير التعلم من المقدّمات المفوتة

وبعد ذلك نقول : الكلام هنا يقع في مقامين : الأوّل: في غير التعلم من المقدمات. الثاني: في التعلم.

أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه تارة يقع في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الاثبات. أما الكلام في مقام الثبوت فيتصور على وجوه:

الأوّل : أن يكون ملاك الواجب تاماً والقدرة المأخوذة فيه من قبل مقدماته هي القدرة العقلية وغير دخيلة في ملاكه، وذلك كحفظ بيضة الاسلام أو حفظ النفس المحترمة أو ما شاكل ذلك، إذا افترضنا أنّ المكلف علم بأنه لو تحفظ

على قدرته هذه أو لو أوجد المقدمة الفلانية لتمكن من حفظ بيضة الاسلام أو النفس المحترمة بعد شهر مثلاً، وإلا لم يقدر عليه، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال يستقل العقل بوجوب التحفظ عليها أو بلزوم الاتيان بها لئلا يفوته الملاك الملزم فيه في ظرفه، وقد عرفت عدم الفرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة الأمر أو النهي الفعلي وتفويت الملاك الملزم.

وكذا الحال لو كان عدم فعلية التكليف من ناحية عدم دخول الوقت أو عدم حصول الشرط، إذا افترضنا أنّ ملاك الواجب تام في ظرفه، والقدرة فيه شرط عقلي فلا دخل لها بملاكه أصلاً، وذلك كما إذا فرض أنّ ملاك الحج مثلاً تام في وقته وقد أحرزه المكلف ولم يكن التكليف المتعلق به فعلياً، إم-ا م-ن ناحية استحالة الواجب التعليقي أو من ناحية عدم مساعدة الدليل عليه، ففي مثله لا محالة يحكم العقل بوجوب الاتيان بتمام مقدماته التي لها دخل في تمكن المكلف من امتثاله في ظرفه وإلّا لفاته الملاك الملزم باختياره، حيث إنه يعلم بأنه لو لم يأت بها لصار عاجزاً عن إتيان الواجب في وقته، وبما أن عجزه مستند إلى اختياره فيدخل في كبرى القاعدة الآنفة الذكر : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً، فعندئذ يستحق العقاب على ذلك.

وإن شئت قلت : إنّ ترك المقدمة في أمثال المقام حيث إنّه يؤدي إلى تعجيز المولى عن تكليفه مع ثبوت المقتضي له، فبطبيعة الحال يحكم العقل بعدم جوازه وبقبح ذلك. فالنتيجة : أنّ في كل مورد علم المكلف بتمامية ملاك الواجب في ظرفه وعلم بأنه لو ترك مقدمة من مقدماته قبل وقته أو شرطه لعجز ع-ن إتيانه فيه، فلا محالة يحكم العقل بلزوم إتيانها لفاقدها في أوّل أزمنة الامكان، لتحصيل القدرة على الواجب، ووجوب حفظها لواجدها، لا من ناحية أن

تركها يؤدي إلى ترك الواجب الفعلي لفرض أنّ الواجب ليس بفعلي لا قبل الوقت كما هو واضح، ولا بعده لعدم تمكنه وعجزه عن القيام به، بل من ناحية أنّه يؤدي إلى تفويت الغرض الملزم، وقد عرفت حكم العقل بقبحه واستحقاق العقاب عليه.

ثم إنه هل يمكن استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بوجوب المقدمة بقاعدة الملازمة ؟ فيه وجهان فقد اختار شيخنا الأستاذ(قدس سره)(1)الوجه الأوّل بدعوى أنّ حكم العقل بذلك دليل على جعل الشارع الايجاب للمقدمة حفظاً للغرض، فيكون ذلك الجعل متمماً للجعل الأول.

والصحيح : هو الوجه الثاني، والسبب في ذلك أنّ مثل هذا الحكم العقلي لا يعقل أن يكون كاشفاً عن جعل حكم شرعي مولوي في مورده، بداهة أنه لغو صرف، فان حكم العقل باستحقاق العقوبة على تقدير المخالفة وتفويت الغرض يكفي في لزوم حركة العبد وانبعاثه نحو الاتيان بالمقدمات، كما هو الحال في مطلق موارد حكمه بحسن الاطاعة وقبح المعصية. نعم، الملازمة بين الحكمين في مقام الاثبات إنما تكون فيما إذا كان العقل مدركاً لملاك الحكم من المصلحة أو المفسدة غير المزاحمة، وأين ذلك من إدراكه استحقاق العقاب كما في المقام، فما أفاده (قدس سره) خاطئ جداً، وعليه فلو ورد حكم من الشارع في أمثال هذا المورد لكان إرشاداً إلى حكم العقل لا محالة.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة : وهي أنّ في أمثال هذه الموارد لا إشكال في حكم العقل بوجوب الاتيان بالمقدمة قبل وجوب ذيها، وعلى ضوئها يندفع الاشكال عن كثير من الموارد منها وجوب الاتيان بمقدمات الحج قبل وقته.


1) أجود التقريرات 1: 221.

الثاني : ما إذا كانت القدرة فيه شرطاً شرعياً ودخيلة في ملاكه وهذا يتصوّر على أقسام:

الأول : أن يكون الشرط هو القدرة المطلقة على سعتها.

الثاني : أن يكون الشرط هو القدرة الخاصة، وهي القدرة بعد حصول شرط خاص من شرائط الوجوب.

الثالث : أن يكون الشرط هو القدرة في وقت الواجب.

أما القسم الأوّل : فحاله حال ما إذا كانت القدرة شرطاً عقلياً حرفاً بحرف، إلا في نقطة واحدة وهي أنّ القدرة إذا كانت شرطاً عقلياً لم يكن لها دخل في ملاك الواجب فانّه تام في كلتا الحالتين: التمكن وعدمه، وإذا كانت شرطاً شرعياً كان لها دخل في ملاكه، ولا ملاك له في حال عدم التمكن. ولكن هذه النقطة غير فارقة فيما نحن فيه، وذلك لأنّ الشرط إذا كان القدرة المطلقة كما هو المفروض وجب تحصيلها في أوّل أزمنة الامكان وإن كان قبل زمن الوجوب، وحرم عليه تفويتها إذا كانت موجودة فإنه مع التمكن من إتيان الواجب في ظرفه ولو باعداد أوّل مقدماته قد تم ملاكه فلا يجوز تفويته، وقد عرفت استقلال العقل بقبحه والعقاب عليه بقاعدة أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً. فالنتيجة: أنه لا فرق بين هذا القسم والقسم السابق فيما هو المهم في المقام أصلاً.

وأما القسم الثاني : فلا يجب فيه على المكلف تحصيل القدرة على الواجب من قبل مقدماته قبل تحقق شرطه، بل يجوز له تفويتها إذا كانت حاصلة وذلك كمقدمات الحج مثلاً، فإنّه لا بد من أن يفرّق بين حالتي حصول هذا الشرط - وهو الاستطاعة - وعدمه، فعلى الأوّل يستقلّ العقل بوجوب الاتيان بها ليتمكن من الاتيان بالواجب في ظرفه لفرض أنّ ملاكه قد تم فلا حالة منتظرة

له، وعليه فلو ترك الاتيان بها بسوء اختياره وأدى ذلك إلى ترك الواجب في وقته استحق العقاب، لا من ناحية أنه خالف التكليف الفعلي ليقال إنه غير فعلي، بل من ناحية أنه فوّت الملاك الملزم، وقد تقدّم أنّ العقل لا يفرّق بينهما في استحقاق العقاب، فإذن يدخل المقام تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، وعلى الثاني فلا يحكم العقل بوجوب الاتيان بها، بل لا مانع من تفويتها إذا كانت حاصلة لفرض أنّ ملاك الواجب غ-ي-ر ت-ام، ومعه لا مقتضي للوجوب أصلاً.

وإن شئت قلت : إنّ ترك هذه المقدمات وإن استلزم ترك الواجب في موطنه، إلا أنه لا قبح فيه، وذلك لأنّ القبيح أحد أمرين : إما مخالفة التكليف الفعلي والمفروض عدمه، أو تفويت الغرض الملزم، والفرض خلافه، فإذن ما هو الموجب لقبحه.

فالنتيجة : أنّ القدرة المأخوذة في الواجب - وهو الحج - من قبل مقدماته قدرة خاصة، وهي القدرة بعد حصول هذا الشرط - وهو الاستطاعة - اتفاقاً، ولذا لا يجب على المكلف تحصيله، بل يجوز له تفويته بالمنع من تحققه فيما إذا وجد المقتضي له، كما إذا أراد شخص أن يهب مالاً لآخر ليستطيع به فللآخر أن لا يقبل، أو أراد أن يبذل له مبلغاً يكفيه لحجه فالتمس منه أن لا يبذل له ذلك،وهكذا، وعلى هذا الضوء فلا إشكال في وجوب الاتيان بمقدمات الحج بعد الاستطاعة وقبل الموسم.

وأما القسم الثالث : وهو ما أخذت فيه حصة خاصة من القدرة - وهي القدرة في وقت الواجب - فلا يجب على المكلف تحصيل القدرة عليه من قبل مقدماته قبل دخول وقته، بل يجوز له تفويتها إذا كانت موجودة، وذلك لأنّ الواجب لا يكون ذا ملاك ملزم إلّا بعد القدرة عليه في زمنه، وأما القدرة عليه

قبله فوجودها وعدمها بالاضافة إليه سيّان، وذلك كالصلاة مع الطهارة المائية حيث إنّ القدرة المعتبرة فيها قدرة خاصة - وهي القدرة عليها بعد دخول وقتها - وأمّا قبله فلا يجب على المكلف تحصيلها، بل ولا حفظها إذا كان واجداً لها، لفرض عدم دخلها في ملاكها قبل الوقت أصلاً، فان تمكن منها بعده وجب عليه تحصيلها وإلا فلا بداهة أنّ إيجاد الموضوع وإحداث الملاك في الفعل غير واجب على المكلف، بل يجوز له تفويته بجعل نفسه محدثاً باختياره أو باهراق الماء عنده.

ونظير ذلك السفر بالاضافة إلى وجوب القصر في الصلاة، وقصد الاقامة بالاضافة إلى وجوب التمام والصيام، حيث إنّه لا ملاك لوجوب القصر قبل السفر، ولوجوب التمام قبل قصد الاقامة، ومن الواضح أنّ في مثل ذلك لا يجب عليه إيجاد السفر، ولا قصد الاقامة، إذ بتركها لا يفوته شيء، لا تكليف ولا ملاك، أما الأوّل فواضح، وأمّا الثاني، فلأنّه لا ملاك لوجوب القصر قبل تحقق السفر ولا لوجوب التمام والصيام قبل قصد الاقامة.

وشيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)ذهب إلى الفرق بين تفويت القدرة قبل الوقت بجعل نفسه محدثاً باختياره بجماع أو نحوه مع علمه بعدم تمكنه من الماء بعد الوقت، وتفويتها باهراق الماء، فاختار الجواز في الأوّل وعدمه في الثاني، واستند في هذه التفرقة إلى وجود رواية صحيحة. ولكن قد ذكرنا في التعليقة (2)أنّ هذا غفلة منه (قدس سره) حيث لم ترد في هذا الموضوع أية رواية فضلاً عن الرواية الصحيحة.


1) أجود التقريرات 1: 225.

2) راجع تعليقته على أجود التقريرات 1: 225.

وقد تحصل من ذلك : أنّه لا يجب حفظ القدرة قبل الوقت، ولا تحصيلها، وأما بعد الوقت فهو واجب. نعم، وردت رواية معتبرة (1)في جواز الجنابة مع الأهل فحسب بعد دخول الوقت مع عدم وجود الماء الكافي عنده للاغتسال، ولكن لا بد من الاقتصار على مورد هذه الرواية - وهو الجماع مع الأهل - ولا يمكن التعدي عنه إلى غيره، فلا يجوز إجناب نفسه بسبب آخر من احتلام أو نحوه.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة وهي أنّ التفصي عن الاشكال المزبور لا يتوقف على الالتزام بالواجب التعليقي، بل يمكن التفصي عنه على ضوء الالتزام بالقسم الأوّل من الواجب والثاني والثالث.

هذا كله فيا إذا علم بدخل القدرة في ملاك الواجب في وقته أو عدم دخلها فيه كذلك. وأمّا إذا شك ولم يحرز ذلك فهل يجب الاتيان بمقدماته قبل وقته فيما إذا علم بعدم تمكنه منها فيه ؟

الظاهر عدم وجوبه، وذلك لما حققناه في بحث الترتب على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام الواقعية من الخارج، غاية الأمر أننا نستكشف تلك الملاكات من الأمر والنهي المولويين، وعليه فبطبيعة الحال تكون سعة الملاك في مرحلة الاثبات بقدر سعة الأمر دون الزائد، فلو لم يكن أمر في مورد أصلاً أو كان ولكنه سقط من ناحية عجز المكلف عن الامتثال، لم يكن لنا طريق إلى وجود الملاك فيه، لاحتمال أن يكون سقوط الأمر لأجل انتفاء المقتضي له في هذا الحال لا لوجود المانع مع ثبوته، وقلنا هناك إنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّه يمكن إحراز


1) الوسائل 20 : 109 / أبواب مقدمات النكاح ب 5 ح 1.

الملاك من التمسك باطلاق المتعلق عند سقوط الأمر خاطئ جداً، ضرورة أنّ مجرد إطلاق المتعلق لا يكون دليلاً على وجود الملاك فيه كذلك على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

وبما أنّ فيما نحن فيه لم نحرز أنّ ترك المقدمة قبل الوقت مستلزم لتفويت ملاك الواجب في ظرفه لاحتمال أنّ القدرة من قبلها دخيلة في ملاكه في وقته، وعليه فلو لم يأت بها قبل الوقت والمفروض عدم تمكنه بعده لم يحرز ف-وت شيء منه لا الأمر الفعلي ولا الملاك الملزم، أمّا الأوّل فواضح. وأما الثاني فلاحتمال دخل القدرة الخاصة فيه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : قد تقدّم أنّ ملاك حكم العقل بالقبح أمران: أحدهما: تفويت التكليف الفعلي. وثانيهما: تفويت الملاك الملزم. فالنتيجة على ضوئها: هي أنه لا ملاك لحكم العقل بالقبح في المقام، لفرض عدم إحرازه الملاك، ومن هذا القبيل ما إذا علم شخص أنّه إذا نام في الساعة المتأخرة من الليل لفاتته صلاة الصبح، كما إذا لم يبق فرضاً من الصبح إلا ساعة واحدة مثلاً فإنه يجوز له ذلك، لفرض أنّ الأمر غير موجود قبل الوقت، وأما الملاك فغير محرز، لاحتمال دخل القدرة الخاصة فيه.

وأمّا الكلام في مقام الاثبات: فقد ذكرنا غير مرّة أنه لا طريق لن-ا إلى ملاكات الأحكام ما عدا نفس تلك الأحكام، إلا فيما قامت قرينة خارجية على ذلك، وعلى هذا الضوء فان أحرزنا من الخارج اشتمال الواجب على ملاك ملزم في ظرفه، فبطبيعة الحال وجب الاتيان بمقدماته قبل وقته إذا علم بعدم تمكنه منها في ظرفه، وإن لم نحرز ذلك من الخارج، فإن كان وجوبه فعلياً کشف عن أنّ ملاكه تام، وإلّا فلا طريق لنا إليه، ومن هنا قلنا إنّ الأمر إذا سقط في مورد لم يمكن إحراز الملاك فيه، لاحتمال أن يكون سقوطه لأجل عدم

المقتضي له لا لأجل وجود المانع مع ثبوته، وعلى هذا الأساس فلو أنكرنا الوجوب التعليقي وقلنا بعدم إمكان تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب لم يمكن إحراز ملاكه قبل وقته.

وبكلمة أخرى أنّ التفصي عن الاشكال المتقدم وإن أمكن بحسب مقام الثبوت بأحد الوجوه السالفة، إلّا أنّ إثبات تلك الوجوه جميعاً بدليل مشكل جداً.

ودعوى أن الظاهر من قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1)هو أنّ ملاك الحج تام في ظرفه بعد حصول الاستطاعة، كما أنّ الظاهر من قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (2)هو أن الصوم تام الملاك بعد دخول الشهر، فهي وإن كانت صحيحة إلا أنه من جهة ظهور الآية في فعلية الوجوب بعد الاستطاعة، وكذا الآية الثانية، ومن المعلوم أنه يكشف عن وجود ملاك ملزم فيه في وقته، وأمّا لو رفعنا اليد عن هذا الظهور وقلنا بعدم فعلية وجوبه بعدها فلم يكن لنا طريق إلى أنّ ملاكه تام في ظرفه، فعندئذ كيف يمكن الحكم بوجوب مقدّماته قبل زمانه. فالنتيجة : أنّ الاشكال إنما هو على ضوء نظرية القائلين باستحالة الواجب التعليقي والشرط المتأخر، وأمّا على ضوء نظريتنا من إمكانه بل وقوعه خارجاً كما في أمثال هذين الموردين فلا إشكال من أصله.


1) آل عمران 3: 97.

2) البقرة 2 : 185.

وجوب التعلّم

دعوى عدم وجوب التعلم بمجرد احتمال الابتلاء

وأما المقام الثاني : وهو التعلم، فقد ذكر جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أن وجوب وجوب التعلم ليس بملاك وجوب بقية المقدمات المعدة التي يستلزم تركها ترك الواجب بملاكه الملزم، وتفويتها تفويته كذلك، بل وجوبه بملاك آخر وهو لزوم دفع الضرر المحتمل.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يتم على إطلاقه، والسبب في ذلك هو أنّ ترك التعلم قبل وقت الواجب أو شرطه يقع على أنحاء:

الأوّل: أنّه لا أثر لترك التعلم قبل الوقت، وذلك لتمكن المكلف من تعلّم الواجب بجميع أجزائه وشرائطه بعد دخول وقته أو حصول شرطه كالحج مثلاً، فان باستطاعة العبد أن يتعلم أحكامه تدريجاً اجتهاداً أو تقليداً من اليوم الذي يجب عليه الإحرام إلى اليوم الذي تنتهي نسكه، ومن الطبيعي أنّ في مثله لا يجب عليه التعلم قبل دخول الوقت لعدم فوت شيء منه بعده. نعم، إذا جاء وقته لم يجز له تركه حيث إنّ فيه احتمال مخالفة التكليف الفعلي المنجز وهو مساوق لاحتمال العقاب، إذ لا مؤمن منه فانّ البراءة لا تجري قبل الفحص، ومعه لا محالة يستقلّ العقل بوجوبه وعدم جو جواز ترکه.

الثاني : أنّ ترك التعلم قبل الوقت مؤثر في فقد تمييز الواجب عن غيره، يعني أنّ المكلف لا يتمكن معه من الامتثال العلمي التفصيلي بعد الوقت، ولكنّه


1) أجود التقريرات 1: 229.

متمكن من الامتثال العلمي الاجمالي، وذلك كما إذا تردد أمر الواجب ب--ين المتباينين كالقصر والاتمام أو الظهر والجمعة أو ما شاكل ذلك، فلو ترك المكلف التعلم قبل الوقت لم يتمكن من تمييز الواجب عن غيره بعده، إما من ناحية عدم سعة الوقت لذلك، أو من ناحية فقدان الوسيلة، ولكنّه متمكن من إحراز امتثاله اجمالاً بطريق الاحتياط، وفي هذا القسم هل يجب التعلم ؟ الظاهر عدم وجوبه، وذلك لما حققناه في محله (1)من أنّ الامتثال الاجمالي في عرض الامتثال التفصيلي وإن استلزم التكرار.

الثالث : أنّ المكلف إذا ترك التعلم قبل الوقت فكما لا يكون متمكناً من الامتثال العلمي التفصيلي بعد دخوله، كذلك لا يكون متمكناً من الامتثال العلمي الاجمالي. نعم، هو متمكن من الاتيان بذات الواجب يعني الامتثال الاحتمالي، وذلك كما إذا افترضنا أنّ الوقت ضيّق فلا يتمكن المكلف إلا من الاتيان بفعل واحد، إما القصر أو التمام، أو الظهر أو الجمعة، وفي هذا القسم هل يجب التعلم قبل دخول الوقت ؟

الظاهر وجوبه، وذلك لا بملاك قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار، إذ المفروض عدم امتناع الواجب بترك التعلم، بل بملاك قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل حيث إنّ في الاكتفاء بما يحتمل انطباق المأمور به عليه احتمال المخالفة للتكليف الفعلي من دون مؤمن في البين فلا محالة يحتمل العقاب، ومعه يستقلّ العقل بوجوب دفعه، وهو لا يمكن إلا بالتعلم قبل الوقت. ومنه يظهر أنّ ملاك حكم العقل هنا ليس احتمال تفويت الملاك الملزم في ظرفه.

هذا كله فيما إذا ترك المكلف التعلم قبل الوقت اختياراً ومتعمداً، أي م-ع


1) مصباح الأصول 2: 84 وما بعدها.

التفاته إلى أنّه يؤدّي إلى عدم إحراز امتثال الواجب في ظرفه.

وأمّا إذا كان معذوراً في تركه قبله ثم بعد دخوله تردد أمره بين شيئين كالقصر والاتمام مثلاً، لم يتنجز الواقع عليه على كل تقدير، إذ المفروض أنه لا يتمكن من الجمع بينهما، بل يتنجز على تقدير دون آخر، وسمينا ذلك بحث الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الاجمالي بالتوسط في التنجيز (1)، ومردّه إلى وجوب الاتيان بأحدهما لتمكن المكلف منه، سواء أكان موافقاً للواقع أم كان مخالفاً له غاية الأمر أنّ المكلف في صورة المخالفة معذور، وذلك كالصبي في أوّل بلوغه إذا دار أمره بين شيئين كالظهر والجمعة مثلاً ولا يتمكن م-ن الجمع بينهما ولا من التعلم، فعندئذ بطبيعة الحال الواجب عليه هو الاتيان بإحداهما ولا يكون معذوراً فى تركها.

الرابع : أنّ ترك التعلم قبل الوقت موجب لترك الواجب في ظرفه، إما للغفلة عن التكليف أصلاً، أو لعدم التمكن من امتثاله، والأوّل كثيراً ما يتفق في المعاملات، حيث إنّ المتعاملين من جهة ترك تعلم أحكام المعاملات لا يميّزان الصحيحة منها عن الفاسدة، فإذا أوقعا معاملة فاسدة في الخارج وتحقق النقل والانتقال بنظرهما فبطبيعة الحال يتصرف كل منهما فيا انتقل إليه غافلاً عن أنه حرام، والثاني كثيراً ما يتفق في العبادات كالصلاة ونحوها، فانّها حيث كانت مركبة من عدّة أمور : التكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليمة ونحو ذلك، ومشروطة بعدة شرائط كطهارة البدن واللباس واستقبال القبلة وما شاكلها، ومن الطبيعي أنّ تعلم الصلاة بتمام أجزائها وشرائطها يحتاج إلى مدة من الزمن ولا سيّما لمن لم يحسن اللغة العربية، وفي هذا القسم يجب التعلم قبل


1) راجع مصباح الأصول 2: 453 وما بعدها.

الوقت، وذلك لاستقلال العقل بذلك وأنّه لو لم يتعلم لفاته الغرض الملزم في ظرفه، ومعه يستحق العقاب، لما عرفت من قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار. هذا كله فيا لم يكن الواجب مشروطاً بقدرة خاصة شرعاً من ناحية التعلم والمعرفة.

وأمّا إذا كان مشروطاً بها كذلك لم يجب التعلم قبل دخول الوقت، لأنه لا وجوب حتّى يجب التعلم مقدمة لاتيان الواجب في ظرفه، ولا له ملاك ملزم كذلك كي يستلزم ترك التعلم تفويته، لفرض أنّ ملاكه إنما يتم بالقدرة عليه في وقته من قبل التعلم، ولا أثر لها فيه قبل دخوله أصلاً، وعليه فلا وجوب لا قبل دخول الوقت أو حصول الشرط، ولا بعده.

أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فلعدم تمكنه منه، إما من ناحية الغفلة أو من ناحية عدم القدرة على التعلم لضيق الوقت أو نحوه، وعلى هذا الضوء فلا يمكن الالتزام بوجوب التعلم في هذه الصورة إلا بناءً على الالتزام بمقالة المحقق الأردبيلي (قدس سره) وهو الوجوب النفسي للتهيؤ إلى الغير (1).

ثم إنّ هذا الوجوب بطبيعة الحال يختص بمن كان التكليف متوجهاً إليه لولا عجزه من ناحية عدم التعلّم، وأما بالاضافة إلى غيره فلا معنى للوجوب النفسي، وذلك كالرجال بالاضافة إلى تعلم أحكام النِّساء، فانّه لا يجب عليهم ذلك نفساً، لعدم ملاكه وهو التهيؤ لامتثال التكليف الواقعي. نعم، يجب كفاية تحصيل هذه الأحكام اجتهاداً، ومن المعلوم أنّ هذا خارج عن محل الكلام، هذا بحسب الكبرى.

وغير خفي أنّ هذه الكبرى وإن كانت ثابتة، إلا أنّ المقام ليس من


1) مجمع الفائدة والبرهان 2: 110.

صغرياتها، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق الآيات والروايات الدالة على وجوب التعلم والسؤال هو عدم أخذ القدرة الخاصة من قبله في الواجب، وأنه ليس للتعلم أيّ دخل في صيرورة الواجب ذا ملاك،ملزم فان إطلاق قوله (عليه السلام) «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له هلا عملت فيقول : ما علمت فيقال له : هلا تعلّمت» (1)يدل على ثبوت الملاك للواجب في ظرفه حتّى بالاضافة إلى العاجز عنه من ناحية تركه التعلم.

فالنتيجة على ضوء ذلك : هي وجوب تعلم الأحكام على المكلف مطلقاً، من دون فرق بين الأحكام المطلقة والمشروطة بالوقت أو بغيره، فلو تركه قبل الوقت أو قبل حصول الشرط وأدّى تركه إلى ترك الواجب في ظرفه استحق العقاب عليه، بقاعدة أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالقدرة من قبله قدرة مطلقة، وأمّا القدرة من قبل سائر المقدمات فهي في العموم والخصوص تابعة لأدلتها كما تقدّم. هذا فيما إذا علم المكلف أو اطمأنّ بالابتلاء بها كأحكام الصلاة والصيام والحج ونحوها.

وأمّا فيما إذا احتمل ذلك فهل يجب التعلم ؟ المعروف والمشهور ب--ين الأصحاب هو وجوبه بعين الملاك المتقدم.

ولكن قد يقال بعدم وجوبه، بدعوى التمسك باستصحاب عدم الابتلاء بالاضافة إلى الزمن المستقبل، حيث إنّ عدم الابتلاء فعلاً متيقن ويشك فيه فيما بعد فيستصحب عدمه على عكس الاستصحاب المتعارف.

وأورد على هذا بايرادين :

الأوّل : أنّ دليل الاستصحاب قاصر عن شمول هذا النحو من الاستصحاب


1) البحار 2: 29، 180 (نقل بالمضمون).

المسمّى بالاستصحاب الاستقبالي، فيختص بما إذا كان المتيقن سابقاً والمشكوك لاحقاً.

الثاني : أنّ الاستصحاب إنما يجري فيما إذا كان المستصحب بنفسه أثراً شرعياً أو ذا أثر شرعي، وأمّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك لم يجر الاستصحاب، والمقام كذلك، فانّ الأثر - وهو استقلال العقل بوجوب التعلم - إنما هو مترتب على مجرّد احتمال الابتلاء من جهة دفع الضرر المحتمل، لا على واقعه حتّى يدفعه باستصحاب عدمه.

وإن شئت قلت : إنّ الأثر في كل مورد إذا كان مترتباً على نفس الشك والاحتمال دون الواقع، فمتى شكّ فيه فالموضوع محرز بالوجدان، ومعه لا معنى لورود التعبد بالواقع أصلاً، لأنه لغو صرف، وما نحن فيه كذلك، فانّ الأثر فيه كما عرفت مترتب على نفس احتمال الابتلاء، والمفروض أنه محرز بالوجدان، فلابد من ترتيب أثره عليه، وأما الابتلاء الواقعي فما أنه لا أثر له فلا يجري استصحاب عدمه.

ولنأخذ بالنقد عليهما :

أما على الأوّل : فلأنّه لا قصور في دليل الاستصحاب عن شم-ول ه-ذا القسم، وذلك لأنّ مفاد أدلة الاستصحاب هو عدم جواز رفع اليد عن اليقين بالشك، ولا فرق في ذلك بين كون المتيقن بهذا اليقين سابقاً والمشكوك فيه لاحقاً كما هو الغالب أو بالعكس (1)كما فيا نحن فيه. فالنتيجة : أن مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب عدم الفرق في جريانه بين الأمور المتقدمة والمتأخرة، فكما يجري في الأولى كذلك في الثانية، فما عن صاحب الجواهر (قدس سره) (2)من الفرق


1) [لا يخفى أنّ العكس هو الاستصحاب القهقرائي لا الاستقبالي الذي هو مورد الكلام ].

2) [ لم نعثر عليه في الجواهر ].

بينهما في غير محله.

وأما على الثاني : فلأنا قد ذكرنا في أوّل بحث البراءة، وكذا في مبحث الاستصحاب ضمن التعرض لقاعدة الفراغ أنّ الحكم العقلي وإن كان غير قابل للتخصيص إلّا أنّه قابل للتخصص والخروج الموضوعي، فان لزوم دفع الضرر المحتمل وقبح العقاب بلا بيان من القواعد التي قد استقلّ بها العقل، ومع ذلك يتسبب المولى إلى رفعهما برفع موضوعهما بجعل الترخيص في مورد ورد الأولى، والبيان في مورد الثانية، وليس هذا من التخصيص في شيء، بل رفعهما برفع موضوعها وجداناً، فان موضوع الأولى احتمال العقاب على فعل شيء أو ترك آخر، ومن الطبيعي أنّ هذا الاحتمال يرتفع وجداناً بجعل الشارع الترخيص في موردها.

وموضوع الثانية عدم البيان،، ومن المعلوم أنه يرتفع كذلك بجعل الشارع البيان في موردها مثلاً العقل يستقل بلزوم تحصيل اليقين بالفراغ في موارد الشك في حصول الامتثال بعد العلم بالتكليف، ومع ذلك قد جعل الشارع قاعدة الفراغ في تلك الموارد، وهي رافعة وجداناً لموضوع ذلك الحكم العقلي، حيث إنّ موضوعه هو احتمال العقاب من ناحية احتمال أن العمل المأتي به خارجاً لم يكن مطابقاً للمأمور به ومن المعلوم أنه لا احتمال له معها، وإن فرضنا أن العمل مخالف للواقع.

وما نحن فيه من هذا القبيل، فان احتمال الابتلاء الذي هو موضوع للأثر، وإن كان محرزاً بالوجدان، إلّا أنّ استصحاب عدم الابتلاء واقعاً إذا جرى كان رافعاً للابتلاء الواقعي تعبّداً، وبه يرتفع الموضوع - وه-و احتمال الابتلاء - فيكون المكلف ببركة الاستصحاب عالماً بعدمه، وهذا ليس من التخصيص في الحكم العقلي بشيء بل ارتفاعه بارتفاع موضوعه.

وإن شئت قلت : إنّ موضوع حكم العقل هنا هو احتمال العقاب على مخالفة الواقع، ومن الطبيعي أنّه لا احتمال للعقاب بعد فرض التعبد الاستصحابي. فالنتيجة : أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام خاطئ جداً.

الصحيح في المقام أن يقال : إنّ المانع عن جريان الاستصحاب هنا أحد أمرين :

الأوّل : العلم الاجمالي بالابتلاء بقسم من الأحكام الشرعية في ظرفها، ومن الواضح أنّ مثل هذا العلم الاجمالي مانع عن جريان الأصول النافية في أطرافه، حيث إنّ جريانها في الجميع مستلزم للمخالفة القطعية العملية، وجريانها في البعض دون الآخر مستلزم للترجيح من دون مرجّح، فلا محالة تسقط فيستقلّ العقل بوجوب التعلم والفحص.

الثاني : أنّ ما دلّ على وجوب التعلم والمعرفة من الآيات والروايات كقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2)وقوله (عليه السلام) «هلا تعلّمت» (3)وما شاكل ذلك، وارد في مورد هذا الاستصحاب، حيث إنّ في غالب الموارد لا يقطع الانسان بل ولا يطمئن بالابتلاء، فلو جرى الاستصحاب في هذه الموارد لم يبق تحت هذه العمومات والمطلقات إلا موارد نادرة، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، فانّه تقييد المطلق بالفرد النادر، ونظير ذلك ما ذكرناه في بحث الاستصحاب في وجه تقديم قاعدة الفراغ عليه (4).


1) أجود التقريرات 1: 231.

2) النحل 16: 43.

3) البحار 2: 29، 180. وفيه: «أفلا تعلّمت».

4) مصباح الأصول 3: 318.

ثمّ إنّ الظاهر اختصاص وجوب التعلم بالموارد التي يقع ابتلاء المكلف بها عادة، وأمّا الموارد التي يقل الابتلاء بها كبعض مسائل الشكوك والخلل وما شاكله ممّا يكون الابتلاء به نادراً جداً فلا يجب التعلم فيها لا بحكم العقل ولا بحكم الشرع.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن تعلم الأحكام الشرعية واجب مطلقاً، أي من دون فرق بين ما إذا علم المكلف الابتلاء بها أو اطمأنّ، وبين ما إذا احتمل ذلك عادة. نعم، فيما لا يحتمل الابتلاء كذلك لا يجب.

ينبغي التنبيه على عدّة نقاط :

الأولى : أنّ ما ذكرناه من وجوب التعلم قبل الوقت فيما إذا كان تركه موجباً إما لتفويت الملاك الملزم في ظرفه أو لفقد إحراز امتثال التكليف ولو إجمالاً، مختص بالبالغين، وأمّا الصبيان فلا يجب عليهم التعلم وإن علموا بفوات الواجب في وقته أو إحرازه، والسبب في ذلك هو أن البالغ إذا ترك التعلم وفات الواجب منه في زمنه لم يستحق العقاب على فوت الواجب، لفرض عدم قدرته عليه، وإنّما استحق العقاب على تفويت الملاك الملزم فيه من ناحية تفويت مقدمته اختياراً، وقد تقدّم أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، وم--ن الطبيعي أنّ هذا المعنى لا يتأتى في حق الصبي، وذلك لأنّ الشارع قد رفع القلم عنه، ومقتضاه هو أنّ تركه التعلم قبل البلوغ كلا ترك، فلا يترتب عليه أيّ أثر، وبعد البلوغ لا يقدر على الواجب، فإذن لا يفوت منه شيء لا الواجب الفعلي ولا الملاك الملزم حتّى يستحق العقاب.

عدم وجوب التعلم على الصبي

وعلى الجملة : فالصبي لا يكون مشمولاً لقاعدة أنّ الامتناع بالاختيار لا ينا في الاختيار، وذلك لأنّ اختيار الصبي كلا اختيار بمقتضى رفع القلم عنه، وعليه فلا يكون للواجب في ظرفه ملاك ملزم بالاضافة إليه. نعم، يؤدب

الصبي على ارتكاب بعض المعاصي ويمرّن على الصلاة والصيام لسبع أو تسع وهو أمر آخر، فلا صلة له بما نحن فيه.

ومن ضوء هذا البيان يظهر أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من لزوم التعلم على الصبي بدعوى أنّ التمسك بحديث رفع القلم لرفع وجوب التعلم غير ممكن، وذلك لأنّ وجوبه عقلي وحديث الرفع لا يرفع الوجوب العقلي.

خاطئ جداً، والوجه في ذلك هو أنّ حكم العقل في المقام وإن كان يعمّ الصبي وغيره، إلّا أنّه معلّق على عدم ورود التعبد من الشارع على خلافه، ومعه لا محالة يرتفع بارتفاع موضوعه والمفروض أن التعبد الشرعي قد ورد على خلافه في خصوص الصبي - وهو حديث رفع القلم - فان مفاده أن فعل الصبي كلا فعل، فلا يترتب عليه أي أثر من استحقاق عقاب أو نحوه، وعلى هذا فلا يعقل استحقاق الصبي العقاب على تفويت الملاك بعد البلوغ استناداً إلى تركه التعلم قبله.

وإن شئت قلت : إنّ مقتضى حديث رفع القلم أو ما شاكله هو أن ملاك الواجب في ظرفه غير تام في حقه من ناحية التعلم والمعرفة لكي يكون تركه موجباً لتفويته واستحقاق العقاب عليه، كما هو الحال أيضاً بالاضافة إلى سائر مقدمات الواجب.

طريقية وجوب التعلم

الثانية : أنّ وجوب التعلم لا يخلو من أن يكون نفسياً أو غيرياً أو إرشادياً أو طريقياً، فلا خامس في البين، أما النفسي فهو وإن كان محتملاً وقد اختاره المحقق الأردبيلي (قدس سره) (2)إلا أنه خلاف ظواهر الآيات والروايات الدالة


1) أجود التقريرات 1: 222.

2) مجمع الفائدة والبرهان والبرهان 2: 110.

على ذلك كما عرفت. وأمّا الوجوب الغيري فهو مبتن على أن يكون التعلم مقدمة لوجود الواجب خارجاً وترك الحرام كذلك كبقية المقدمات الوجودية، ولكنه ليس كذلك، ضرورة أنّ الاتيان بذات الواجب وترك نفس الحرام لا يتوقفان عليه. نعم، يتوقف الاتيان بالواجب إذا كان مركباً على تعلم أجزائه وشرائطه، وذلك كالصلاة وما شاكلها إلّا أنّ وجوبه لا يدور مدار الق-ول بوجوب المقدمة، بل هو ثابت بالآيات والروايات.

وأمّا الوجوب الارشادي بأن يكون ما دلّ عليه من الكتاب والسنّة إرشاداً إلى ما استقل به العقل من وجوب تعلم الأحكام نظير ما ذكرناه في الآيات الناهية عن العمل بغير العلم من أنّ مفادها إرشاد إلى ما استقل به العقل، وهو عدم جواز العمل بالظن فيرد عليه : أنه لو كان وجوبه ارشادياً لم يكن مانع من جريان البراءة الشرعية فى الشبهات الحكمية قبل الفحص، وذلك لأنّ المقتضي له - وهو إطلاق أدلتها - موجود على الفرض، وعمدة المانع عنه نه إنما هي وجود تلك الأدلة، والمفروض أنها على هذا التفسير حالها حال حكم العقل فغير صالحة للمانعية، فان موضوعها يرتفع عند جريانها كحكم العقل، ومثلها كيف يصلح أن يكون مانعاً.

وعلى الجملة: فعلى ضوء هذا التفسير كما أنّ البراءة الشرعية تجري في الشبهات الموضوعية قبل الفحص كذلك تجري في الشبهات الحكمية قبله فلا فرق بينهما عندئذ أصلاً، فان عمدة الدليل على تقييد إطلاق أدلتها في الشبهات الحكمية بما بعد الفحص إنما هو تلك الأدلة، وإذا افترضنا أن مدلولها حك-م إرشادي فهي لا تصلح لذلك. نعم، لا تجرى البراءة العقلية، لعدم إحراز موضوعها قبل الفحص.

فالنتيجة : أنه يتعين الاحتمال الأخير - وهو كون وجوب التعلم وجوباً

طريقياً - ويترتب عليه تنجيز الواقع عند الاصابة، لأنه أثر الوجوب الطريق كما هو شأن وجوب الاحتياط ووجوب العمل بالأمارات وما شاكل ذلك، وعليه فتكون هذه الأدلة مانعة عن جريان البراءة فيها قبل الفحص وتوجب تقييد إطلاق أدلتها بما بعده.

الثالثة : أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)نقل عن بعض الرسائل العملية لشيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) (2)أنه حكم فيه بفسق ت-ارك ت-ع-لم مسائل الشك والسهو فيما يبتلي به عامة المكلفين، وقد تعجب (قدس سره) من ذلك ونسب الاشتباه إلى من جمع فتاواه في الرسالة، وعلله بأحد أمور:

فسق تارك التعلم

الأول : أنّ هذا مبنى على كون وجوب التعلم وجوباً نفسياً كما اختاره المحقق الأردبيلي (قدس سره) (3)وعليه فلا محالة يكون تاركه فاسقاً. وفيه : أنه خلاف مبناه (قدس سره) حيث إنّه لم يلتزم بالوجوب النفسي.

الثاني : أنّه مبني على حرمة التجري، وعليه فبطبيعة الحال يكون فاعله فاسقاً ويستحق العقاب، وفيه : أنّه أيضاً خلاف ما بني (قدس سره) عليه من عدم حرمة التجري وأنّ قبحه فاعلي لا فعلي، ومعه لا موجب لكون فاعله فاسقاً ومستحقاً للعقاب.

الثالث : أن يكون مستند ذلك الفرق بين مسائل الشك والسهو وبين غيرها من المسائل، بدعوى أنّ العادة قد جرت على ابتلاء المكلفين بها لا محالة دون غيرها، فلأجل ذلك يجب تعلمها ومعرفتها على كل أحد، ومن الطبيعي أنّ


1) أجود التقريرات 1: 231.

2) صراط النجاة : 175 مسألة 682.

3) مجمع الفائدة والبرهان 2: 110.

مخالفة الواجب توجب الفسق. وفيه : أنّه أبعد هذه الفروض، لما عرفت من أنّ وجوب التعلم وجوب طريقي فلا توجب مخالفته العقاب ما لم تؤد إلى مخالفة الواقع.

والصحيح أن يقال : إنّ ما أفاده (قدس سره) من أن تارك التعلم محكوم بالفسق يقوم على أساس أنّ التجري كاشف عن عدم وجود العدالة فيه، حيث إنها على مسلكه (قدس سره) عبارة عن وجود ملكة نفسانية تبعث صاحبها على ملازمة التقوى، يعني الاتيان بالواجبات وترك المحرمات، ومن الطبيعي أنها لا تجتمع مع التجري - وهو الاتيان بما يعتقد كونه مبغوضاً وترك ما يعتقد كونه واجباً - وهذا لا ينافي عدم استحقاقه العقاب، فان ملاك الاستحقاق عنده ارتكاب المبغوض الواقعي أو ترك الواجب كذلك وهو غير موجود في التجري. فالنتيجة : أنّ المتجري فاسق وإن لم يستحق العقاب فلا ملازمة بين الأمرين. فما جاء به شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) في غاية المتانة والصحة.

عمومية محل النزاع لمقدمة الواجب المشروط

الرابعة : أنّ المقدمة التي يبحث عن وجوبها في المسألة لا يفرق فيها بين أن تكون مقدمة لواجب مشروط أو مطلق، والسبب في ذلك: هو أنه بناءً على الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته لا يفرق الحال بين المطلق والمشروط، غاية الأمر إذا كان الواجب مشروطاً فوجوب مقدمته كذلك، فانّه في الاطلاق والاشتراط تابع لوجوب ذيها بداهة أن التفكيك بينهما في الاطلاق والاشتراط ينافي ما افترضناه من الملازمة بين وجوبيها.

ومن هنا يظهر أنه لا وجه لما أفاده صاحب المعالم (قدس سره) (1)م-ن تخصيص محلّ النزاع بمقدمات الواجب المطلق، وكذا غيره، ولعلّ مرادهم من


1) معالم الدين: 60.

الواجب المطلق هو الواجب بالوجوب الفعلي.

ومما يدلنا على ذلك : أنّه لم يكن في الشريعة المقدسة واجب مطلق من جميع الجهات، بل الواجبات بشتى أنواعها وأشكالها واجبات مشروطة ولا أقل بالشرائط العامّة، غاية الأمر بعضها مشروط بالاضافة إلى شيء ومطلق بالاضافة إلى آخر، وبعضها الآخر بالعكس مثلاً وجوب الحج مشروط بالاضافة إلى الاستطاعة ومطلق بالاضافة إلى الزوال، ووجوب الصلاة مثلاً مطلق بالاضافة إلى الاستطاعة، ومشروط بالاضافة إلى الزوال، ووجوب الزكاة مشروط بالاضافة إلى بلوغ المال حدّ النصاب، ومطلق بالاضافة إلى غيره من الجهات وهكذا.

فالنتيجة : أنّ عدم وجود واجب مطلق في الشريعة المقدسة دليل على أنّ مرادهم من الواجب المطلق الواجب الفعلي.

خروج مقدمات الوجوب المفروضة الوجود عن محل النزاع

الخامسة : أنّ المقدمات الوجوبية التي أخذت مفروضة الوجود في مقام الجعل والاعتبار كالاستطاعة ونحوها خارجة عن محل النزاع، ضرورة أنه لا وجوب قبل وجودها، وبعده يكون وجوبها تحصيل الحاصل. نعم، يمكن وجوبها بسبب آخر كالنذر واليمين وما شاكلها مع قطع النظر عن وج-وب ذيها.

إطلاق لفظ الواجب على الواجب المشروط

السادسة : أنّه لا إشكال فى أنّ إطلاق لفظ الواجب على الواجب المطلق حقيقة، وكذا إطلاقه على الواجب المشروط بلحاظ حصول شرطه، وإنما الكلام والاشكال في إطلاقه على الواجب المشروط لا بهذا اللحاظ، فهل هو حقيقة أو مجاز، فبناءً على نظرية شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) من رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة حقيقة، وأما بناءً على نظرية المشهور م-ن رجوعه إلى الهيئة فمجاز بعلاقة الأول أو المشارفة، لفرض ع-دم تحقق

الوجوب، وقد ذكرنا في بحث المشتق أنّ إطلاقه على من لم يتلبس بالمبدأ فعلاً مجاز بالاتفاق (1).

ثم إن استعمال الصيغة أو نحوها ممّا دلّ على الوجوب ككلمة على في مثل قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (2)وما شاكلها في المطلق والمشروط على نحو الحقيقة، وذلك لأنّ كلا من الاطلاق والاشتراط خارج عن معناها الموضوع له، حيث إنّه الطبيعي المهمل فيعرض عليه الاطلاق مرّة، والاشتراط مرة أخرى، والأوّل مستفاد من قرينة الحكمة، والثاني مستفاد من ذكر المتكلم القيد في الكلام، وقد يستفاد من ناحية الانصراف، وتفصيل الكلام في ذلك في مبحث المطلق والمقيد إن شاء اللّه تعالى.

نتائج الأبحاث السابقة

نتائج البحوث المتقدمة عدّة نقاط :

الأولى : أن المبحوث عنه في مسألة مقدمة الواجب إنم-ا ه-و ع-ن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته عقلاً.

الثانية : أنّ المسألة من المسائل الأصولية العقلية.

الثالثة : أنّ المقدمات الداخلية بالمعنى الأخص، وهي أجزاء الواجب، خارجة عن محل البحث ولا مقتضي لاتصافها بالوجوب الغيري أصلاً.

الرابعة : أنّ المراد من الشرط في محلّ الكلام سواء أكان شرطاً للحكم أو شرطاً للمأمور به أجنبي عن الشرط بمعنى ما له دخل في فعلية تأثير المقتضي في المقتضى ويكون من أجزاء العلّة التامة، وعلى ضوء هذا قد أجبنا عن الاشكال على إمكان الشرط المتأخر وجوازه على تفصيل تقدّم.


1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 246.

2) آل عمران 3: 97.

الخامسة : أنّ كلام المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) مبنى على الخلط بين شرائط الجعل وشرائط المجعول، والوجود الذهني إنما هو من شرائط الجعل دون الحكم المجعول، والكلام إنما هو في شرائط المجعول.

السادسة : قد تقدّم أنّ الشرط المتأخر بمكان من الامكان، نعم وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل إلّا في موردين: أحدهما في العقد الفضولي، حيث إنّ شرطية الاجازة بوجودها المتأخر لا يحتاج إلى دليل. وثانيهما: في الواجبات التدريجية، فان شرطية القدرة فيها على نحو الشرط المتأخر لا يحتاج إلى مؤونة خاصة.

السابعة: أنّ ما ذهب إليه شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) من استحالة رجوع القيد إلى الهيئة ولزوم رجوعه إلى المادة قد تقدّم نقده بشكل موسع، وقلنا إن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من أنّه لا استحالة في ذلك أصلاً، بل مقتضى القواعد العربية وظهور القضية الشرطية هو رجوعه إلى الهيئة دون المادة.

الثامنة : أنه لا وجه لتقديم الاطلاق الشمولي على البدلي فيما إذا كان كلاهما مستنداً إلى مقدمات الحكمة. نعم، إذا كان أحدهما بالوضع دون الآخر تقدّم ما كان بالوضع على ما كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة، وعليه فلا وجه لتقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادة كما عن الشيخ (قدس سره).

التاسعة : أنّ تقييد كل من مفاد الهيئة والمادة مشتمل على خصوصية مباينة لخصوصية الآخر، فلا يكون في البين قدر متيقن، وعليه فكما أن تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، كذلك لا يوجب بطلان محل الاطلاق فيها، من دون فرق في ذلك بين كون القرينة متصلة أو منفصلة، غاية الأمر إذا كانت القرينة

متصلة فهي مانعة عن انعقاد أصل الظهور في الاطلاق، وإذا كانت منفصلة فمانعة عن اعتباره وحجيته وأما ما ورد في كلمات شيخنا الأنصاري والمحقق صاحب الكفاية وشيخنا الأستاذ (قدس سرهم من ترجيح تقييد الهيئة ق-د تقدّم أنه نشأ من عدم تنقيح ما ينبغي أن يكون محلاً للنزاع في المقام.

العاشرة : أن الواجب المعلّق قسم من الواجب المشروط بالشرط المتأخر، فلا وجه لجعله قسماً من الواجب المطلق كما عن الفصول، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّه لا مانع من الالتزام بالواجب المعلّق بالمعنى الذي ذكرناه، ولا يرد عليه شيء ممّا أورد عليه. ومن ناحية ثالثة : أن الذي دعا صاحب الفصول (قدس سره) إلى الالتزام بالواجب المعلّق هو التفصي به عن الاشكال الوارد في جملة من الموارد على وجوب الاتيان بالمقدمة قبل إيجاب ذيها، ولكن قد تقدّم أنّ دفع الاشكال لا يتوقف على الالتزام به، بل يمكن دفعه بشكل آخر قد سبق تفصيله بصورة موسّعة في ضمن البحوث السالفة.

الحادية عشرة: أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن وجوب التعلم [ ليس ] بملاك وجوب سائر المقدمات، بل هو بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، قد تقدّم أنّه لا يتم على إطلاقه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنّ مقتضى إطلاق أدلة وجوب التعلم هو أن ملاك الواجب تام في ظرفه من قبله فلو ترك المكلف التعلم وأدى ذلك إلى ترك الواجب في وقته استحق العقاب ولو كان غافلاً حينه، ومن هنا قلنا مطلقاً بوجوبه من دون فرق بين الواجبات المطلقة والمشروطة.

الثانية عشرة : أنّ وجوب التعلم مختص بالبالغين فلا يجب على الصبيان قبل بلوغهم، لعدم إحراز تمامية الملاك في حقهم، بل مقتضى حديث رفع القلم

عدمه، وما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من عدم إمكان التمسك به ق-د تقدم فساده.

الثالثة عشرة : أنّ وجوب التعلم وجوب طريقي يترتب عليه تنجيز الواقع والعقاب على تركه على تقدير المصادفة، وليس وجوبه نفسياً كما عن المحقق الأردبيلي (قدس سره) ولا غيرياً ولا ارشادياً على تفصيل تقدّم.

الرابعة عشرة : أنّ ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) من أن ت--ارك التعلم فاسق متين جداً، ولا وجه لتعجب شيخنا الأستاذ (قدس سره) م-ن ذلك أصلاً.

الواجب النفسي والغيري

تعريف الواجب النفسي والغيري

قد عرّف الواجب النفسي بأنّه ما وجب لا لأجل التوصل به إلى واجب آخر، والواجب الغيري : بأنّه ما وجب لأجل التوصل به إلى واجب آخر.

وقد أورد على تعريف الواجب النفسي: بأنّ لازم ذلك صيرورة ج--لّ الواجبات لولا كلّها غيرية بداهة أنها إنما تجب لأجل مصالح وفوائد تترتب عليها اللّازمة تحصيلها بحيث لولاها لم تكن واجبة. وعلى الجملة : فعلى ضوء هذا التعريف لا يكون واجب نفسي ما عدا معرفة الباري (عزّ وجلّ) حيث إنّها غاية الغايات فلا غاية فوقها، وأما غيرها من الواجبات بشتى ألوانها وأشكالها واجبات لأجل التوصل إلى غايات مترتبة عليها، بناءً على المسلك الصحيح وهو مسلك العدلية.

وأجيب عنه كما حكى في الكفاية (1): بأن تلك الغايات المترتبة عليها خارجة عن الاختيار فلا تتعلق القدرة بها، وعليه فلا يعقل وجوبها وتعلق الخطاب بها. وأورد عليه صاحب الكفاية (قدس سره) بأنها وإن كانت في حد أنفسها وبلا واسطة خارجة عن إطار القدرة، إلّا أنّها مع الواسطة مقدورة لدخول أسبابها تحت القدرة، ومن الطبيعى أنّ القدرة على السبب قدرة على المسبب، وإلا لم يصح وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق إلى غير ذلك من المسببات مورداً لحكم من الأحكام التكليفية الشرعية كما هو واضح.


1) كفاية الأصول : 108.

ذلك من المسببات مورداً لحكم من الأحكام التكليفية الشرعية كما هو واضح.

هذا وقد أجاب (قدس سره) (1)عن الاشكال المزبور بوجه آخر وإليك نصه : فالأولى أن يقال: إنّ الأثر المترتب عليه وإن كان لازماً، إلا أن ذا الأثر لما كان معنوناً بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله بل وبذم تاركه صار متعلّقاً للايجاب بما هو كذلك، ولا ينافيه كونه مقدّمةً لأمر مطلوب واقعاً، بخلاف الواجب الغيري لتمحض وجوبه في أنه لكونه مقدمة لواجب نفسي، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه إلّا أنّه لا دخل له في إيجابه الغيري، ولعلّه مراد من فسّرهما بما أمر به لنفسه، وما أمر به لأجل غيره، فلا يتوجه عليه بأنّ جلّ الواجبات لولا الكل يلزم أن يكون من الواجبات الغيرية، فانّ المطلوب النفسي قلّما يوجد في الأوامر، فان جلّها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها.

وملخص ما أفاده (قدس سره) هو أن ملاك الواجب النفسي م-ا ك-ان وجوبه لأجل حسنه في حد ذاته، سواء أكان مع ذلك مقدمة لواجب آخر أم لم يكن، وملاك الواجب الغيري ما كان وجوبه لأجل حسن غيره، سواء أكان في نفسه أيضاً حسناً كالطهارات الثلاث أم لم يكن.

ويرد عليه أولاً : ما أورده المحقق النائيني (قدس سره) (2)من أنّ حسن الأفعال الواجبة المقتضي لا يجابها، إن كان ناشئاً من مقدميتها لما يترتب عليها من المصالح والفوائد اللازمة فالاشكال باق على حاله، وإن كان ثابتاً في حد ذاتها مع قطع النظر عما يترتب عليها، فلازم ذلك أن لا يكون شيء من الواجبات


1) كفاية الأصول : 108.

2) أجود التقريرات 1: 244.

وهو حسنها ذاتاً - والغيري - وهو كونها مقدمة لواجب آخر - نظير صلاة الظهر حيث إنّها واجبة لنفسها ومقدمة لواجب آخر وهو صلاة العصر، وصلاة المغرب فانها مع كونها واجبة لنفسها مقدمة لصلاة العشاء أيضاً، وأفعال الحج فانّ المتقدم منها واجب لنفسه ومقدمة للمتأخر. فالنتيجة : أنّه لا وق-ع لهذا التقسيم أصلاً على ضوء ما أفاده (قدس سره).

وثانياً : أنّ دعوى الحسن الذاتي في جميع الواجبات النفسية دعوى جزافية ولا واقع موضوعي لها أصلاً، والسبب في ذلك : هو أنّ جلّ الواجبات النفسية لم تكن حسنة بذاتها وفي نفسها كالصوم والحج والزكاة والخمس وما شاكل ذلك، فان ترك الأكل والشرب مثلاً في نهار شهر رمضان ليس في نفسه حسناً، بداهة أنّه لا فرق بينه فيه وبين الأكل والشرب في غيره ذاتاً مع قطع النظر عن الأمر، وكذا الحال في مناسك الحج. نعم، الأمر المتعلق بها يكشف عن وجود مصلحة ملزمة فيها إلّا أنّها أجنبية عن حسنها الذاتي. نعم، بعض الواجبات حسن ذاتاً كالسجود والركوع وما شاكلها مع قطع النظر عن تعلق الأمر به، وأمّا الحسن العقلي فهو أجنبي عن حسن الفعل ذاتاً، حيث إنّه من باب حسن الاطاعة فيعرض عليه بعد الأمر به باعتبار أنّ إتيانه يكون إطاعة للمولى.

ومنع شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)عن تعلق الأمر بمثل هذه الغايات والمسببات، بيان ذلك : أنه (قدس سره) قسم الغايات إلى أصناف ثلاثة :

الأوّل: ما يترتب على الفعل الخارجي من دون توسط أمر اختياري أو غير اختياري بينه وبين ذلك الفعل، وذلك كالزوجية المترتبة على العقد، والطهارة المترتبة على الغسل، والقتل المترتب على ضرب أو نحوه، وما شاكل ذلك، فإذا


1) أجود التقريرات 1: 57، 167، 243.

كانت الغاية من هذا القبيل فلا مانع من تعلق التكليف بها، لأنها مقدورة بواسطة القدرة على سببها.

الثاني : ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسط أمر اختياري خاصة، وذلك كالصعود على السطح وطبخ اللحم وما شاكلها، حيث إن وجود كل منها في الخارج يتوقف على عدّة من المقدمات الاختيارية. وفي هذا الصنف أيضاً لا مانع من تعلق التكليف بنفس الغاية والغرض بملاك أنّ الواسطة مقدورة.

الثالث : ما يترتب على الفعل الخارجي بتوسط أمر خارج عن اختيار الانسان، فتكون نسبة الفعل إليه نسبة المعدّ إلى المعد له، لا نسبة السبب إلى المسبب والعلة إلى المعلول، وذلك كحصول الثمر من الزرع، فانه يتوقف زائداً على زرع الحب في الأرض وجعل الأرض صالحة لذلك وسقيها على مقدمات أخرى خارجة عن اختيار الانسان، فالمقدمات الاختيارية مقدمات إعدادية فحسب، ومثل ذلك شرب الدواء للمريض، فانّ تحسّن حاله يتوقف على مقدمة أخرى خارجة عن اختياره وفي هذا الصنف لا يمكن تعلق التكليف بالغاية القصوى والغرض الأقصى لخروجها عن الاختيار.

وما نحن فيه من هذا القبيل، فانّ نسبة الأفعال الواجبة بالاضافة إلى ما يترتب عليها من المصالح والفوائد نسبة المعدّ إلى المعدّ له، حيث تتوسط بينهما أمور خارجة عن اختيار المكلف، وعليه فلا يمكن تعلق التكليف بتلك المصالح والغايات، لفرض خروجها عن إطار القدرة.

ولنأخذ بالنقد عليه وذلك لأنّ ما أفاده (قدس سره) بالاضافة إلى الغرض الأقصى والغاية القصوى وإن كان صحيحاً ولا مناص عنه، لوضوح أنّ الأفعال الواجبة بالنسبة إليها من قبيل العلل المعدة إلى المعدّ لها، لفرض أنها خارجة عن اختيار المكلف وقدرته، مثلا النهي عن الفحشاء الذي هو الغاية القصوى

من الصلاة فلا يترتب عليها ترتب المعلول على العلة التامة، بل ترتبه عليها متوقف على مقدمة أخرى خارجة عن اختيار المكلف وإطار قدرته، إلا أنه لا يتم بالاضافة إلى الغرض القريب وهو حيثية الاعداد للوصول إلى الغرض الأقصى، حيث إنّه لا يتخلف عنها، فيكون ترتبه عليها من ترتب المعلول على العلة التامة والمسبب على السبب، وبما أنّ السبب مقدور للمكلف فلا مانع من تعلق التكليف بالمسبب، فيكون المقام نظير الأمر بزرع الحب في الأرض، فانّ الغرض الأقصى منه - وهو حصول النتاج - وإن كان خارجاً عن اختيار المكلف، إلّا أنّ الغرض المترتب على الزرع من غير تخلف - وهو إعداد المحل للانتاج - مقدور له بالقدرة على سببه لا محالة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى بما أنّ هذا الغرض المترتب على تلك الأفعال ترتب المسبب على السبب لزومي على الفرض فبطبيعة الحال يتعين تعلق التكليف به، لكونه مقدوراً من جهة القدرة على سببه، وعلى ذلك يبق إشكال دخول الواجبات النفسية في تعريف الواجب الغيري بحاله.

فالصحيح في المقام أن يقال: أما بناءً على نظرية صاحب المعالم (قدس سره)(1)من أنّ الأمر بالمسبب عين الأمر بالسبب، فيكون جميع الأفعال واجباً بالوجوب النفسي، فليس هنا واجب آخر ليكون وجوبها لأجل ذلك الواجب، لفرض أنّ الأمر بالغاية عين الأمر بتلك الأفعال، إلّا أنّ هذه النظرية خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً.

وأما بناءً على نظرية المشهور كما هو الحق، وهي أنّ حال السبب حال بقية المقدمات فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فلأنّ المصالح والغايات المترتبة


1) لاحظ معالم الدين: 61.

على الواجبات ليست قابلة لتعلق التكليف بها، فانّ تعلق التكليف بشيء يرتكز على أمرين: الأول : أن يكون مقدوراً للمكلف. الثاني: أن يكون أمراً عرفياً وقابلاً لأن يقع في حيّز التكليف بحسب أنظار العرف، وتلك المصالح والأغراض وإن كانت مقدورة له للقدرة على أسبابها، إلا أنها ليست ممّا يفهمه العرف العام، لأنّها من الأمور المجهولة عندهم وخارجة عن أذهان عامة الناس، فلا يحسن توجيه التكليف إليها ضرورة أنّ العرف لا يرى حسناً في توجه التكليف بالانتهاء عن الفحشاء أو باعداد النفس للانتهاء عن كل أمر فاحش.

فالنتيجة في نهاية الشوط هي : أنّه لا مناص من الالتزام بتعلق الوجوب النفسي بنفس الأفعال دون الغايات المترتبة عليها، فإذن يصدق عليها أنّها واجبة لا لأجل واجب آخر، وعليه فلا إشكال. نعم، تلك الغايات داعية للمولى على إنشاء وجوب تلك الأفعال واعتبارها على ذمة المكلف.

توهم وجود واجب لا هو نفسي ولا غيري

ثمّ إنّه قد يتوهّم أنّ هنا قسماً آخر من الواجب لا يكون نفسياً ولا غيرياً، وذلك كالمقدمات المفوّتة مثل غسل الجنب ليلاً لصوم غد، وركوب الدابة ونحوه للاتيان بالحج في وقته، بناءً على استحالة الواجب التعليقي. أما أنه ليس بواجب غيري، فلأن الواجب الغيري على مسلك المشهور ما كان وجوبه معلولاً لوجوب واجب نفسي ومترشحاً منه، فلا يعقل وجوبه قبل إيجابه، وأما أنه ليس بواجب نفسي فلأن الواجب النفسي ما يستوجب تركه العقاب، والمفروض أن ترك هذا الواجب لا يستوجب العقاب عليه، وإنما يستحق المكلف على ترك ذي المقدمة.

وأما بناءً على ما هو الصحيح - من أنّ وجوب المقدمة إنّما نشأ من ملاك الواجب النفسي لا من وجوبه نفسه - فانّه واجب غيري، وذلك لأنّ ما هو المشهور من أنّ وجوب المقدمة معلول لوجوب ذيها ومترشح منه خاطئ جداً

ولا واقع موضوعي له أصلاً بداهة أنّ وجوبها على القول به كوجوب ذيها فعل اختياري للمولى وصادر منه بالارادة والاختيار، فلا معنى لكونه معلولاً ومترشحاً منه، فانّه واجب غيري، فانّ المولى الملتفت إذا توجه إلى شيء ورأى فيه مصلحة ملزمة فبطبيعة الحال اشتاق إليه، فعندئذ لو كانت له مقدمة بحيث لا يمكن الاتيان به في ظرفه بدون الاتيان بها، فلا محالة اشتاق إليها بتبع اشتياقه إلى ذيها، فهذا الشوق الناشئ من وجود الملاك الملزم الكامن في ذيها هو المنشأ لوجوبها الغيري هذا كلّه فيها إذا علم أنه واجب نفسي أو غيري.

تردد الواجب بين النفسي والغيري

وأما إذا شكّ في ذلك فهل الأصل اللفظي أو العملي يقتضي أحدهما خاصة ؟ والبحث فيه يقع في مقامين الأوّل في الأصل اللفظي. الثاني: في الأصل العملي.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

أمّا المقام الأوّل: فمقتضى إطلاق الدليل هو الوجوب النفسي، وهذا بناءً على نظرية المشهور واضح، وذلك لأنّ تقييد وجوب شيء بما إذا وجب غيره يحتاج إلى مؤونة زائدة، فلو كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على التقييد كان مقتضى إطلاق كلامه هو الحكم بكون الوجوب نفسياً، يعني أنه واجب سواء أكان هناك واجب آخر أم لا. وأما بناءً على نظرية الشيخ (قدس سره) (1)من استحالة رجوع القيد إلى الهيئة ولزوم رجوعه إلى المادة، فيمكن تقريب التمسك بالاطلاق بوجهين :

الأول : فيا إذا كان الوجوب مستفاداً من الجملة الاسمية كقوله (عليه السلام) «غسل الجمعة فريضة من فرائض اللّه» (2)وما شاكل ذلك، وفي مثله لا مانع من التمسك باطلاق هذه الجملة لاثبات كون الوجوب نفسياً، إذ لو كان غيرياً لكان على المولى نصب قرينة على ذلك، وحيث إنّه لم ينصب مع كونه في مقام البيان فالاطلاق يقتضي عدمه.

الثاني : التمسك باطلاق دليل الواجب كدليل الصلاة أو نحوها لدف-ع م-ا


1) تقدّم في ص 142.

2) ورد مضمونه في الوسائل 3: 312/ أبواب الأغسال المسنونة ب 6 ح 3، 5، 6.

يحتمل أن يكون قيداً له، بيان ذلك : أنّ المولى إذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على تقييد الواجب بقيد، ففي مثله إذا شكّ في تقييده بشيء كما إذا شكّ في تقييد الصلاة مثلاً بالوضوء، فلا مانع من التمسك باطلاق قوله : صل لاثبات عدم تقييدها به، ولازم ذلك هو عدم كون الوضوء واجباً غيرياً. وقد ذكرنا في محلّه أنّ الأصول اللفظية تثبت لوازمها. فالنتيجة أنّه على ضوء كلتا النظريتين لا مانع من التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب نفسياً. نعم، تفترق نظرية المشهور عن نظرية الشيخ (قدس سره) في كيفية التمسك به كما عرفت. ومن هنا لم ينسب إلى الشيخ (قدس سره انكار الواجب الغيري على ما نعلم.

وأمّا المقام الثاني : وهو التمسك بالأصول العملية عند عدم وجود الأصول اللفظية، فالكلام فيه يقع من وجوه :

مقتضى الأصل العملي في المقام

الأول : ما إذا علم المكلف بوجوب شيء إجمالاً في الشريعة المقدسة وتردد بين كونه واجباً نفسياً أو غيرياً، وهو يعلم بأنه لو كان واجباً غيرياً ومقدمة لواجب آخر لم يكن ذلك الواجب فعلياً، وذلك كما إذا علمت الحائض بوجوب الوضوء عليها وترددت بين كون وجوبه نفسياً أو غيرياً، وهي تعلم بأنه لو كان واجباً غيرياً ومقدّمة للصلاة لم تكن الصلاة واجبة عليها فعلاً، وفي مثل هذا الفرض لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عقلاً ونقلاً، بيان ذلك : هو أنّ المكلف لا يعلم بوجوب فعلي على كل تقدير، فانّه على تقدير وجوبه نفسياً وإن كان فعلياً إلّا أنّه على تقدير وجوبه الغيري فلا يكون بفعلي، لعدم فعلية وجوب ذيه، ومعه لا محالة يشك في الوجوب الفعلي، ومن الطبيعي أنّ المرجع في مثله هو البراءة الشرعية والعقلية، وهذا هو مراد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من الرجوع إلى البراءة فيه لا الوجه الثاني الآتي كما نسب إليه


1) كفاية الأصول : 110.

شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1).

الثاني : ما إذا علم المكلف بوجوب شيء فعلاً وتردد بين أن يكون نفسياً أو غيرياً، وهو يعلم أنه لو كان غيرياً ومقدمة لواجب آخر ف-وجوب ذلك الواجب فعلي يتوقف حصوله على تحقق ذلك الشيء في الخارج، ومثاله هو ما إذا علم المكلف مثلاً بتحقق النذر منه، ولكن تردد متعلقه بين الوضوء والصلاة، فان كان الأوّل فالوضوء واجب نفساً، وإن كان الثاني فأنه واجب غيراً، ففي مثل ذلك يعلم المكلف بوجوب الوضوء على كل تقدير، ولا يمكن له الرجوع. إلى البراءة عن وجوبه، لفرض علمه التفصيلي به، ولا أثر لشكه في النفسي والغيري أصلاً.

وإنّما الكلام في جواز الرجوع إلى البراءة عن وجوب الصلاة وعدم جوازه، الصحيح هو الأوّل، والسبب في ذلك : هو أنّ المكلف وإن علم إجمالاً بوجوب نفسي مردد بين تعلقه بالصلاة أو الوضوء، إلّا أنّ العلم الاجمالي إنما يكون مؤثراً فيما إذا تعارضت الأصول في أطرافه، وأمّا إذا لم تتعارض فيها فلا أثر له، وبما أنّ أصالة البراءة في المقام لا تجري بالاضافة إلى وجوب الوضوء، لفرض العلم التفصيلي به، واستحقاق العقاب على تركه على كلا التقديرين - أي سواء أكان وجوبه نفسياً أم كان غيرياً - فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الصلاة، للشك فيه وعدم قيام حجة عليه، ومعه لا محالة يكون العقاب على تركها عقاباً بلا بيان وحجّة.

وبكلمة واضحة : أنّ الانحلال الحقيقي في المقام وإن كان غير موجود، إلّا أنّ الانحلال الحكمي موجود كما هو الحال في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين،


1) أجود التقريرات 1: 249.

ولكن الانحلال الحكمي في مسألتنا هذه لا بملاك الانحلال الحكمي هناك، بيان ذلك : أما في تلك المسألة فقد ذكرنا فيها أنّ العلم الاجمالي قد تعلق بالماهية المرددة بين لا بشرط وبشرط لا، وهذا العلم الاجمالي غير قابل للانحلال حقيقة من هذه الناحية، حيث إنّ تعلّقه بالماهية المزبورة مقوّم له، فكيف يعقل أن يكون موجباً لانحلاله، ولكن حيث إنّ الأصل لا يجري في أحد طرفي هذا العلم - وهو الاطلاق - فلا مانع من جريانه في طرفه الآخر - وهو التقييد ومعه لا أثر لهذا العلم الاجمالي، وهذا هو معنى انحلاله هناك حكماً، ومردّ هذا الانحلال إلى التفكيك بين أجزاء الواجب الواحد في مرحلة التنجيز بعد ع-دم إمكان التفكيك بينها في مرحلتي السقوط والثبوت أصلاً.

وأمّا في مسألتنا هذه : فما أنّ المكلف يعلم بوجوب الوضوء تفصيلاً وإن لم يعلم أنّه لنفسه أو لغيره، فلا يمكن له الرجوع إلى البراءة عنه، لعلمه باستحقاق العقاب على تركه على كلا التقديرين. وأمّا وجوب الصلاة فيما أنّه لا يعلم به فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه : الشرعية والعقلية، لعدم قيام بيان عليه، ومعه لا محالة يكون العقاب على تركها عقاباً من دون بيان، ولا تعارض أصالة البراءة عنه أصالة البراءة عن وجوب الوضوء نفسياً، حيث إنّه مشكوك فيه، وذلك لما عرفت من عدم جريانها في طرف الوضوء من ناحية العلم بوجوبه على كل تقدير واستحقاق العقاب على تركه كذلك، فإذن لا مانع من جريانها في طرف الصلاة بناءً على ما حققناه من أن تنجيز العلم الاجمالي يرتكز على تعارض الأصول في أطرافه ومع عدمه فلا أثر له، وبما أنّ في المقام لا تعارض بين الأصلين فلا يكون منجزاً.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ العلم الاجمالي بوجوب نفسي مردد بين تعلقه بالوضوء أو الصلاة وإن لم ينحل حقيقة، إلّا أنّه ينحل حكماً من ناحية عدم

جريان الأصل في أحد طرفيه، هذا من جانب. ومن جانب آخر: أنّ ملاك عدم جريانه فيه هو كونه معلوم الوجوب على كل تقدير، وبهذه النقطة يمتاز ما نحن فيه عن مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، حيث إنّ هناك عدم جریان الأصل في أحد طرفي العلم الاجمالي من ناحية عدم الأثر لا من ناحية ك--ون التكليف به معلوماً.

ونتيجة ذلك : هي التفكيك في حكم واحد في مرحلة التنجيز، كوجوب الصلاة في المقام حيث إنّه منجز من ناحية وجوب الوضوء، لما عرفت من استحقاق العقاب على تركها المستند إلى ترك الوضوء، وغير منجز من ناحية أخرى لما مرّ من وجود المؤمن من غير تلك الناحية.

الثالث : ما إذا علم المكلف بوجوب كل من الفعلين في الخارج وشكّ في أنّ وجود أحدهما مقيد بوجود الآخر مع علمه بتماثل وجوبيها من حيث الاطلاق والاشتراط من بقية الجهات، أي أنهما متساويان إطلاقاً وتقييداً كوجوب الوضوء والصلاة مثلاً، ففي مثل ذلك قد أفاد شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)أنّ الشك حيث إنّه متمحض في تقييد ما علم كونه واجباً نفسياً كالصلاة بالواجب الآخر - وهو الوضوء - في مفروض المثال، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عن ذلك التقييد، وذلك لفرض أنّ وجوب الصلاة معلوم، وكذا وجوب الوضوء والشك إنما هو في خصوص تقييد الصلاة بالوضوء، ومن الطبيعي أنّ مقتضى أصالة البراءة عدمه.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) غير تام، وذلك لأنّ أصالة البراءة عن التقييد المذكور معارضة بأصالة البراءة عن وجوب الوضوء بوجوب نفسي،


1) أجود التقريرات 1: 248.

وذلك لأنّ القدر المعلوم لنا تفصيلاً إنما هو أصل تعلق الوجوب بالوضوء بوجوب جامع بين النفسي والغيري، وأمّا خصوصية كونه نفسياً أو غيرياً فهي مشكوكة، وبما أنّ العلم الاجمالي بإحدى الخصوصيتين موجود فهو مانع ع-ن ج-ريان أصالة البراءة عن كلتيهما، فإذن لا محالة يكون المرجع هو قاعدة الاحتياط.

وإن شئت قلت: إنّ وجوب الوضوء غيرياً - أي كونه قيداً للصلاة - وإن كان مشكوكاً فيه في نفسه ولا مانع من جريان الأصل فيه في ذاته، إلّا أنّ وجوبه نفسياً أيضاً كذلك، وعليه فلا مانع من جريان الأصل فيه أيضاً في ذاته، وبما أنه لا يمكن جريان كلا الأصلين معاً، لاستلزامه المخالفة القطعية العملية، فبطبيعة الحال المرجع هو قاعدة الاحتياط، وهو الاتيان بالوضوء أولاً ثم الاتيان بالصلاة، ومردّ هذا بحسب النتيجة إلى أنّ وجوب الوضوء غيري لا نفسي.

الرابع : ما إذا علم المكلف بوجوب كل من الفعلين وشكّ في تقييد أحدهما بالآخر مع عدم العلم بالتماثل بينهما من حيث الاطلاق والاشتراط، وذلك كما إذا علم باشتراط الصلاة بالوقت، وشكّ في اشتراط الوضوء به من ناحية الشك في أنّ وجوبه نفسي أو غيري، فعلى الأوّل لا يكون مشروطاً به، وعلى الثاني فمشروط، لتبعية الوجوب الغيري للنفسي في الاطلاق والاشتراط. ففي هذه الصورة الشك يكون من عدّة جهات.

وقد أفاد شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بجريان البراءة من جميع تلك الجهات الأولى : الشك في تقييد الصلاة بالوضوء وهو مجرى للبرءاة، فالنتيجة هي صحة الصلاة بدون الوضوء. الثانية : الشك في وجوب الوضوء قبل الوقت الذي هو شرط لوجوب الصلاة، وهو أيضاً مرجع للبراءة، فالنتيجة من هذه


1) أجود التقريرات 1 : 248.

الجهة نتيجة الغيرية من ناحية عدم ثبوت وجوب الوضوء قبل الوقت في مفروض المثال الثالثة : الشك في وجوب الوضوء بعد الوقت بالاضافة إلى من أتى به قبله، ومرجع هذا الشك إلى أنّ وجوب الوضوء بعد الوقت مطلق أو مشروط بما إذا لم يؤت به قبله، وبما أنّ وجوبه مشكوك فيه بالاضافة إلى من أتى به قبله، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه.

فالنتيجة هي : أن المكلف مخيّر بين الاتيان بالوضوء قبل الوقت وبعده قبل الصلاة وبعدها.

ولنأخذ بالنظر في هذه الجهات بيان ذلك : أنّ وجوب الوضوء في مفروض المثال المردد بين النفسي والغيري إذا كان نفسياً، فلا يخلو من أن يكون مقيداً بايقاعه قبل الوقت أو يكون مطلقاً. وأما وجوبه الغيري فهو مقيد بم-ا ب-عد الوقت على كل تقدير.

وعلى الأوّل : فلا يمكن جريان البراءة عن تقييد الصلاة بالوضوء، لمعارضته بجريانها عن وجوبه النفسي قبل الوقت، وذلك للعلم الاجمالي بأنّه إما واجب نفسي أو واجب غيري وجريان البراءة عن كليهما مستلزم للمخالفة القطعية العملية، وقد ذكرنا في محلّه (1)أنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي وسقوط الأصول عن أطرافه بين أن تكون أطرافه من الدفعيات أو التدريجيات، وعلى ذلك فلابد من الاحتياط والاتيان بالوضوء قبل الوقت، فان بقي إلى ما بعده أجزاً عن الوضوء بعده، ولا يجب عليه الاتيان به ثانياً، وإلا وجب عليه ذلك بمقتضى حكم العقل بالاحتياط. فالنتيجة هي نتيجة الحكم بالوجوب النفسي والغيري معاً من باب الاحتياط.


1) مصباح الأصول 2: 429.

وعلى الثاني : فلا معنى لاجراء البراءة عن وجوب الوضوء قبل الوقت، وذلك لعدم احتمال تقيده به، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ مفاد أصالة البراءة رفع الضيق عن المكلف لا رفع السعة والاطلاق وأمّا بعد الوقت فيحكم العقل بوجوب الوضوء، وذلك للعلم الاجمالي بوجوبه إمّا نفسياً أو غيرياً، ولا يمكن إجراء البراءة عنهما معاً، ومعه يؤثر العلم الاجمالي فيجب الاحتياط.

نعم، لو شككنا في وجوب إعادة الوضوء بعد الوقت على تقدير كونه غيرياً، أمكن رفعه بأصالة البراءة، وذلك لأنّ تقييد الوضوء بوقوعه بما بعد الوقت على تقدير كون وجوبه غيرياً بما أنّه مجهول، فلا مانع من إجراء البراءة عنه، وذلك لأن وجوبه إن كان نفسياً فهو غير مقيد بذلك كما هو واضح، وإن كان غيرياً فالمقدار المعلوم إنما هو تقيد الصلاة به، وأما تقيدها به بخصوصية أن يؤتى به بعد الوقت فهو مجهول فيدفع بالبراءة.

وقد تحصل من ذلك : أنّ ما أفاده (قدس سره) من الرجوع إلى أصالة البراءة في الجهات المزبورة لا يتم إلا في الجهة الأخيرة خاصة.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي : أنّ المرجع في جميع الصور المتقدمة هوقاعدة الاحتياط دون قاعدة البراءة، إلا في خصوص الصورة الأولى.

آثار الواجب النفسي والغيري

لا إشكال في أنّ ترك الواجب النفسي يوجب استحقاق العقاب والذم، حيث إنه تمرد وطغيان على المولى وخروج عن رسم العبودية والرقية. كما أنه لا إشكال في أنّ ترك الواجب الغيري لا يوجب استحقاق العقاب عليه. نعم، إنّ تركه حيث يستلزم ترك الواجب النفسي فالعقاب عليه لا على ترك الواجب الغيري. كما أنّه لا إشكال في ترتب الثواب على امتثال الواجب النفسي.

وإنما الاشكال والكلام في موردين : الأول : في وجه ترتب الثواب على امتثال الواجب النفسي هل هو بالاستحقاق أو بالتفضل. الثاني: في ترتب الثواب على الواجب الغيري.

الكلام في أنّ الثواب على الواجب النفسي بالتفضل أو الاستحقاق

أمّا المورد الأوّل: ففيه خلاف، فذهب معظم الفقهاء والمتكلمين(1)إلى أنه بالاستحقاق. وذهب جماعة منهم المفيد (قدس سره)(2)إلى أنه بالتفضل بدعوى أنّ العبد ليس أجيراً في عمله للمولى ليستحق الثواب عليه، وإنما جرى ومشى على طبق وظيفته ومقتضى عبوديته،ورقيته ولكنّ اللّه (سبحانه وتعالى) ه-و الذي يتفضل عليه باعطاء الثواب والأجر.

والصحيح في المقام أن يقال : إن أراد القائلون بالاستحقاق أنّ العبد بعد قيامه بامتثال الواجب وإظهار العبودية والرقية يستحق على المولى الثواب


1) راجع كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 407، المسألة الخامسة في الثواب والعقاب.

2) أوائل المقالات (مصنفات المفيد 4): 111.

كاستحقاق الأجير للأجرة على المستأجر بحيث لو لم يقم المولى باعطاء الثواب له لكان ذلك ظلماً منه فهو مقطوع البطلان بداهة أنّ إطاعة العبد لأوامر مولاه ونواهيه جرى منه على وفق وظيفته ورسم عبوديته ورقيته ولازمة بحكم العقل المستقل، ولا صلة لذلك بباب الاجارة أبداً، كيف فانّ مصالح أفعاله ومفاسدها تعودان إليه لا إلى المولى. ومن ذلك يظهر حال التوبة، فانّ ما ورد من أن التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له (1)ليس معنى هذا أنّ التائب يستحق الغفران على المولى كاستحقاق الأجير للأجرة باتيان العمل المستأجر عليه، لوضوح أنّ التوبة مقتضى وظيفة العبودية، ومن هنا يستقل العقل بها، حيث إن حقيقتها رجوع العبد إلى اللّه تعالى وخروجه عن التمرد والعصيان ودخوله في الاطاعة والاحسان.

وإن أرادوا بذلك أنّ العبد بقيامه بامتثال أوامر المولى ونواهيه يصير أهلاً لذلك، فلو تفضّل المولى باعطاء الثواب له كان في محله ومورده فهو متين جداً ولا مناص عنه، والظاهر بل المقطوع به أنهم أرادوا بالاستحقاق هذا المعنى. وعلى هذا الضوء فقد أصبح النزاع المزبور لفظياً كما لا يخفى.

الثواب على الواجب الغيري

وأمّا المورد الثاني : وهو ترتب الثواب على الواجب الغيري، فلاريب في عدم استحقاقه الثواب على امتثاله بمعناه الأوّل، وإن قلنا به فرضاً في الواجب النفسي، وهذا واضح. وأما الاستحقاق بمعناه الثاني فالظاهر أنه لا شبهة فيه إذا أتى به بقصد الامتثال والتوصل، والسبب في ذلك هو أن الملاك فيه ك--ون العبد بصدد الاطاعة والانقياد والعمل بوظيفة العبودية والرقية ليصبح أه--لاً لذلك، ومن المعلوم أنه باتيانه المقدمة بداعي التوصل والامتثال قد أصبح أهلاً


1) الكافي :2 : 435 / 10 (مع اختلاف يسير).

له، بل الأمر كذلك ولو لم نقل بوجوبها، ضرورة أنّ الاتيان بها بهذا الداعي مصداق لاظهار العبودية والاخلاص والانقياد والاطاعة. نعم، لو جاء بها بدون قصد التوصل والامتثال فقد فاته الثواب، حيث إنه لم يصر بذلك أهلاً له ليكون في محله ولم يستحق شيئاً، كما أنه لو أتى بالواجب النفسي التوصلي بدون ذلك لم يترتب الثواب عليه وإن سقط الأمر.

وعلى ضوء ذلك هل يستحق العبد على الاتيان بالمقدمة وذيها ثوابين أو ثواباً واحداً ؟ وجهان بل قولان.

فذهب صاحب الكفاية (1)وشيخنا الأستاذ (2)(قدس سرهما) إلى الثاني بدعوى أنّ الأمر الغيري بما هو أمر غيري لا واقع موضوعي له إلّا كونه واقعاً في طريق التوصل إلى الواجب النفسي، فلا إطاعة له إلا مع قصد الأمر النفسي، وحينئذ فالآتي بالواجب الغيري إن قصد به التوصل إلى الواجب النفسي فهو شارع في امتثال الأمر النفسي فيثاب على اطاعته، وإلا فلا.

ولكن الصحيح هو القول الأوّل، وذلك لما عرفت من أنّ ملاك ترتب الثواب على امتثال الواجب الغيري هو أنه بنفسه مصداق للانقياد والتعظيم وإظهار لمقام العبودية، مع قطع النظر عن إتيانه بالواجب النفسي، ولذا لو جاء بالمقدمة بقصد التوصل ثم لم يتمكن من الاتيان بذيها لمانع من الموانع، استحق الثواب عليها بلا إشكال، وهذا دليل على أنّ الاتيان بها بنفسه منشأ للثواب وموجب له.


1) كفاية الأصول : 110.

2) أجود التقريرات 1: 251.

منشأ عبادية الطهارات الثلاث

ثمّ إنّه قد يشكل في الطهارات الثلاث من وجهين :

الأول: أنه لا شبهة في استحقاق الآتي بها الثواب مع أنّ الأمر المتعلق بها غيري ولا يترتب على امتثاله ثواب، كما أنّه لا عقاب على تركه. والجواب عنه قد ظهر ممّا تقدّم.

الثاني : أنّه لاريب في عبادية الطهارات الثلاث ولزوم الاتيان بها بقصد التقرب وإلا لم تقع صحيحة، ومن هنا لا تكون حالها حال بقية المقدمات في كون مطلق وجودها في الخارج مقدمة، وإنما الاشكال والكلام في منشأ عباديتها، ولا يمكن أن يكون منشؤها الأوامر الغيرية المتعلقة بها، ضرورة أن تلك الأوامر أوامر توصلية لا تقتضي عبادية متعلقاتها، أضف إلى ذلك : أنّ الأمر الغيري إنّما يتعلق بما يتوقف عليه الواجب، والمفروض أنّ الطهارات الثلاث بعنوان كونها عبادة كذلك، وعليه فالأمر الغيري المتعلق بها بطبيعة الحال يتعلق بعنوان أنها عبادة، ومعه كيف يعقل أن يكون منشأ لعباديتها.

وأجاب عن هذا الوجه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)بأنّ منشأ عباديتها إنما هو الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بذواتها، فإذن لا إشكال من هذه الناحية.


1) كفاية الأصول: 111.

ولكن أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بوجوه:

الأوّل : أنّ ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) لو تم فانّما يتم في خصوص الوضوء والغسل حيث ثبت استحبابهما شرعاً، وأمّا التيمم فلا دليل على استحبابه في نفسه. فإذن يبقى الاشكال بالاضافة إليه بحاله.

وفيه : أنّه يمكن استفادة استحباب التيمم من قوله (عليه السلام) «التراب أحد الطهورين» (2)بضميمة ما دلّ من الاطلاقات على استحباب الطهور في نفسه. فالنتيجة : أنّ التيمم بما أنّه طهور فهو مستحب بمقتضى تلك الاطلاقات.

الثاني : أنّ الطهارات الثلاث بما أنها مقدمة متصفة بالوجوب الغيري فعلاً، ومعه لا يمكن بقاء الأمر النفسي المتعلق بها بحاله، لوجود المضادة بينهما، فلابد عندئذ من الالتزام باندكاكه في ضمن الوجوب، فإذن كيف يمكن أن يكون منشأ لعباديتها.

وفيه : أنّ حال هذا المورد حال غيره من موارد الاستحباب التي عرض عليها الوجوب من ناحية نذر أو شبهه، فكما أنّ في تلك الموارد يندك الأمر الاستحبابي في ضمن الأمر الوجوبي فيتحصل من ذلك أمر واح-د وج-وبي مؤكد [ فكذلك المقام ] ويكون ذلك الأمر الواحد أمراً عبادياً، لأن كلاً منهما يكتسب من الآخر صفة بعد عدم إمكان بقاء كل منهما بحده الخاص. على أنه يكفي في عباديتها محبوبيتها في أنفسها وإن لم يبق أمرها الاستحبابي ب-اط-اره الخاص. أضف إلى ذلك : أنّه لا اندكاك ولا تبدل في البين على ضوء نظريتنا من أنّه لا فرق بين الوجوب والاستحباب إلا في جواز الترك وعدم جوازه،


1) أجود التقريرات 1: 254.

2) الوسائل 3 : 381/ أبواب التيمم ب 21 ح 1، ولكن فيه: «فإنّ التيمم أحد الطهورين».

وعليه فعند عروض الوجوب يتبدل الجواز بعدمه.

وإن شئت قلت : إنّ الأمر الغيري إن تعلق بها بداعي أمرها الاستحبابي، كان متعلق أحدهما غير ما تعلق به الآخر، وإن تعلق بذواتها، فعندئذ وإن كان متعلقهما واحداً إلا أنك عرفت أنّه لا تنافي بينهما ولا يوجب زوال الاستحباب بالمرة.

الثالث : أنّ الأمر النفسي الاستحبابي المتعلق بها كثيراً ما يكون مغفولاً عنه ولا سيما للعامي، بل ربّما يكون الشخص معتقداً عدمه باجتهاد أو تقليد أو نحو ذلك، ومع هذا يكون الاتيان بها بداعي التوصل بأمرها الغيري صحيحاً، فلو كان منشأ عباديتها ذلك الأمر النفسي لم تقع صحيحة.

وقد أجاب في الكفاية (1)عن هذا الاشكال بأنّ الأمر الغيري لا يدعو إلّا : إلى ما هو المقدمة، والمفروض في المقام أنّ ما هو المقدمة عبارة عن الطهارات الثلاث المأمور بها بالأمر النفسي، فيكون قصد امتثال هذا الأمر النفسي حاصلاً ضمناً عند قصد امتثال الأمر الغيري وإن لم يلتفت المكلف إلى هذا الأمر تفصيلاً فضلاً عن قصده.

وفيه : أنّ ما أفاده (قدس سره) من الجواب غير تام، والسبب في ذلك هو أنّ قصد الأمر النفسي لو كان مقوّماً للمقدمية لم يعقل تحققها مع الغفلة عنه رأساً، مع أنه لا شبهة في تحقق الطهارات الثلاث مع القطع بعدم الأمر النفسي لها. على أن لازم ذلك هو الحكم بصحة صلاة الظهر إذا أتى المكلف بها بقصد أمرها الغيري ومقدمةً لصلاة العصر مع الغفلة عن وجوبها في نفسه، وه-و ضروري الفساد.


1) كفاية الأصول: 111.

فالنتيجة : أنه لا يمكن التفصي عن هذا الاشكال بناءً على حصر عبادية الطهارات الثلاث بأوامرها النفسية، بل إنّ لازم ذلك هو بطلان صلاة من يعتقد بعدم استحباب الوضوء في نفسه، فإنّه إذا كان معتقداً بعدم استحبابه امتنع قصد امتثاله ولو ضمناً وارتكازاً، وبدونه يقع الوضوء باطلاً فتبطل الصلاة، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به.

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أجاب عن أصل الاشكال، وحاصل ما أفاده (قدس سره) هو أنه لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الأمر الغيري والأمر النفسي الاستحبابي ليرد الاشكال على كل منها، بل هناك منشأ ثالث وهو الموجب لعباديتها، بيان ذلك : أنّ الأمر النفسي المتعلق بالصلاة مثلاً كما ينحل إلى أجزائها فيتعلق بكل جزء منها أمر نفسي ضمني وهو الموجب لعباديته فلا يسقط إلا بقصد التقرب به، فكذلك ينحل إلى شرائطها وقيودها، فيتعلق بكل شرط منها أمر نفسي ضمني وهو الموجب لعباديته. فالنتيجة أنّ الموجب للعبادية في الأجزاء والشرائط واحد.

ثم أورد على نفسه : بأنّ لازم ذلك هو القول بعبادية الشرائط مطلقاً من دون فرق بين الطهارات الثلاث وغيرها لفرض أنّ الأمر النفسي تعلق بالجميع على نحو واحد، فإذن ما هو الفارق بينها وبين غيرها من الشرائط. وأجاب عن ذلك : بأنّ الفارق بينهما هو أنّ الغرض من الطهارات الثلاث - وهو رفع الحدث - لا يحصل إلا إذا أتى المكلف بها بقصد القربة دون غيرها من الشرائط، ولا مانع من اختلاف الشرائط في هذه الناحية، بل لا مانع من اختلاف الأجزاء كذلك في مرحلة الثبوت وإن لم يتفق ذلك في مرحلة الاثبات.


1) أجود التقريرات 1: 255.

ولنأخذ بالنقد عليه وهو ما ذكرناه في أوّل بحث مقدمة الواجب، وحاصله : هو أنّ الأمر النفسي المتعلق بالصلاة مثلاً إنما تعلق بأجزائها وتقيدها بشرائطها، وأمّا نفس الشرائط والقيود فهي خارجة عن متعلق الأمر وإلا لم يبق فرق بين الجزء والشرط أصلاً. وعلى الجملة : فلا شبهة في أنّ الشرائط خارجة عن متعلق الأمر، ولذا قد يكون الشرط غير اختياري. على أنها لو كانت داخلة في متعلقه فكيف تتصف بالوجوب الغيري، وقد تقدّم أنه لا مقتضي لاتصاف المقدمات الداخلية بالوجوب الغيري، فما أفاده (قدس سره) من التحقيق خاطئ جداً ولا واقع موضوعي له أصلاً.

والصحيح في المقام أن يقال : إنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث أحد أمرين على سبيل منع الخلو:

أحدهما قصد امتثال الأمر النفسي المتعلق بها مع غفلة المكلف عن كونها مقدمة لواجب أو مع بنائه على عدم الاتيان به كاغتسال الجنب مثلاً مع غفلته عن إتيان الصلاة بعده أو مع قصده عدم الاتيان بها، وهذا يتوقف على وجود الأمر النفسي، وقد عرفت أنّه موجود.

وثانيهما: قصد التوصل بها إلى الواجب، فأنّه أيضاً موجب لوقوع المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها شرعاً، لما عرفت في بحث التعبدي والتوصلي من أنه يكفي في تحقق قصد القربة إتيان الفعل مضافاً به إلى المولى وإن لم يكن أمر في البين. وعليه فالآتي بالطهارات الثلاث بقصد التوصل بها إلى الصلاة أو نحوها، فقد أوجد المقدمة في الخارج وإن لم يكن ملتفتاً إلى الأمر النفسي المتعلق بها وقاصداً لامتثاله، كما أنّ الآتي بها بقصد أمرها النفسي موجد للمقدمة وإن لم يكن ملتفتاً إلى المقدمية. وقد تحصل من ذلك : أنّ لزوم الاتيان بالطهارات الثلاث عبادة لم ينشأ من ناحية أمرها الغيري، بل من ناحية كون المقدمة

عبادة، سواء فيه القول بوجوب المقدمة والقول بعدم وجوبها.

وبكلمة أخرى : أنّ مقدمية الطهارات الثلاث تنحل إلى ذوات الأفعال وقصد التقرب بها، فإذا جاء المكلف بالأفعال في الخارج ولم يقصد بها التقرب إلى المولى فلم يوجد المقدمة خارجاً، فلا تصح عندئذ العبادة المشروطة بها، وأما إذا قصد بها التقرب - سواء أكان من ناحية قصد الأمر النفسي المتعلق بها، أو من ناحية قصد التوصل بها إلى الواجب - فالمقدمة قد وجدت في الخارج، ومعه تصح العبادة المشروطة بها، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه. فالنتيجة : أنّ الأمر الغيري لا يعقل أن يكون منشأ لعباديتها.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أمران :

الأول : أنّه لا إشكال في صحة الاتيان بالوضوء والغسل بداعي أمرهما النفسي ومحبوبيتها كذلك، أو بداعي التوصل إلى الواجب النفسي قبل الوقت، لما عرفت من أنّ إتيانهما كذلك لا يتوقف على عروض الوجوب الغيري عليها، كما أنه لا إشكال في الاكتفاء بهما بعد دخول الوقت، لفرض أنّ المقدمة - وهي الوضوء والغسل العباديان - قد تحققت وكذا لا إشكال في صحة التيمم بداعي أمره النفسي قبل دخول الوقت والاكتفاء به بعده إذا بقي موضوعه وهو عدم وجدان الماء، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّه لا شبهة في صحة الاتيان بها - أي الطهارات الثلاث - بقصد التوصل إلى الواجب بعد الوقت، وإنما الكلام في صحة الاتيان بها بعده بقصد أمرها الاستحبابي، لما قد يتوهم من اتصافها بالوجوب الغيري بعد دخول الوقت، ولازمه اندكاك الأمر الاستحبابي النفسي في ضمن الأمر الوجوبي الغيري وعدم بقائه حتّى يكون داعياً للاتيان بها.

وأجاب عن ذلك السيّد الطباطبائي (قدس سره) في عروته (1)بأنه لا مانع من اجتماع الوجوب الغيري والاستحباب النفسي في شيء واحد من جهتين بناءً على ما اختاره (قدس سره) من جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد من جهتين، وبما أنّ في المقام الجهة متعددة، فان جهة الوجوب الغيري وهي المقدمية غير جهة الاستحباب النفسي - وهي ذوات الأفعال - وعليه فلا مانع من اجتماعهما، ولا يوجب ذلك اندكاك الاستحباب في الوجوب.

وغير خفي أن تعدد الجهة إنما يجدى في جواز اجتماع الأمر والنهي إذا كانت الجهة تقييدية، وأمّا إذا كانت تعليلية كما في المقام فلا أثر لتعددها أصلاً.

والصحيح في الجواب : هو ما أشرنا إليه في ضمن البحوث السالفة من أنّ عروض الوجوب الغيري على ما كان مستحباً في نفسه بناءً على نظريتنا لا يوجب اندكاك الاستحباب وتبدله بالوجوب، بل هو باق على محبوبيته وملاكه الكامنين في الفعل، وإنما يرفع حدّه - وهو الترخيص في الترك - وعليه فإذا أتى المكلف بها بداعي المحبوبية فقد تحققت العبادة.

الثاني : أنّ المكلف إذا جاء بالطهارات الثلاث بداعي التوصل إلى الواجب النفسي وكان غافلاً عن محبوبيتها النفسية ثم بدا له في الاتيان بذلك الواجب، فهل تقع الطهارات عندئذ عبادة ؟ فقد ظهر ممّا ذكرنا أن ذلك لا يكون مانعاً عن وقوعها عبادة، أمّا بناءً على وجوب المقدمة مطلقاً فواضح، وأما بناءً على عدم وجوبها كذلك كما هو المختار أو بناءً على وجوب خصوص المقدمة الموصلة، فهي وإن لم تتصف بالوجوب الغيري إلّا أنّك عرفت أن وقوعها عبادة لا يتوقف على وجوبها الغيري حيث يكفي في ذلك الاتيان بها بداعي التوصل


1) العروة الوثقى 1: 169 المسألة [572].

أو بداعي الأمر الاستحبابي النفسي، والمفروض في المقام هو أن المكلف قد أتى بها بداعي التوصل.

فالنتيجة في نهاية الشوط هى أنّ منشأ عبادية الطهارات الثلاث أحد أمرين على سبيل منع الخلو:

1 - قصد امتثال الأمر الاستحبابي النفسي.

2 - قصد التوصل بها إلى الواجب النفسي، ولا صلة للأمر الغيري بعباديتها أصلاً.

الأقوال حول وجوب المقدّمة

إشارة:

لا شبهة في تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها في الاطلاق والاشتراط بناءً على ثبوت الملازمة بينهما، فلو كان وجوب ذيها مطلقاً لكان وجوب مقدمته أيضاً كذلك. وإن كان مشروطاً كان وجوبها كذلك، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أنه بناءً على الملازمة المزبورة هل الواجب مطلق المقدمة، أو خصوص حصة خاصة منها ؟ وعلى الثاني اختلفوا في اعتبار الخصوصية فيها على أقوال:

أحدها : ما عن صاحب المعالم (قدس سره) (1)من اشتراط وجوب المقدمة بالعزم والارادة على إتيان ذيها.

وثانيها : ما نسب إلى شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) (2)من أنّ الواجب هو المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب، والفرق بين هذا القول والقول الأوّل في نقطة واحدة، وهي أنّ القصد على القول الأوّل قيد للوجوب،. وعلى هذا القول قيد للواجب.

وثالثها: ما عن صاحب الفصول (قدس سره)(3)من أن الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة دون غيرها. وبعد ذلك نتكلم حول تلك الأقوال.


1) معالم الدين: 71.

2) مطارح الأنظار : 72.

3) الفصول الغرويّة : 86، التنبيه الأوّل.

وبيان ما فيها من النقد والاشكال :

أمّا القول الأوّل: فهو خاطئ جداً ولا يرجع إلى معنى محصل أصلاً، وذلك لأنّ لازم هذا القول أحد محذورين: إما التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، وهو خلف بناءً على الملازمة كما هو المفروض، وإما لزوم كون وجوب ذي المقدمة تابعاً لارادة المكلف ودائراً مدار اختياره وعزمه، وه-و مح-ال، بداهة أنّ لازم ذلك عدم الوجوب عند عدم الارادة.

مناقشة نظرية الشيخ الأنصاري

وأمّا القول الثاني : فقد أورد عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)(1)بما حاصله : هو أن ملاك وجوب المقدمة بناءً على حكم العقل بالملازمة بينه وبين وجوب ذيها هو توقف الواجب النفسي عليها وتمكن المكلف من الاتيان بها على إتيان ذيها، ومن المعلوم أنّ هذا الملاك مشترك فيه بين المقدمات بشتى أشكالها، بلا اختصاص له بحصة خاصة منها دون حصة أخرى، ومن هنا لو جاء المكلف بالمقدمة بدون قصد التوصل بها لكان مجزئاً إذا لم تكن عبادة، وهذا دليل قطعي على عدم أخذ قصد التوصل قيداً لها، وإلا لم يكن الاتيان بها مجرداً عنه كافياً.

وإن شئت قلت : إنّ ملاك وجوب المقدمة لو كان قائماً في حصة خاصة منها وهي الحصة المقيدة بقصد التوصل فبطبيعة الحال لم يحصل الغرض منها بدون ذلك، مع أنه لا شبهة في حصوله بدونه إذا لم تكن المقدمة عبادة. فالنتيجة : أنه لا وجه لتخصيص الوجوب بخصوص تلك الحصة. نعم، قصد التوصل إنم-ا يعتبر في حصول الامتثال وترتب الثواب لا في حصول أصل الغرض.

وقد يوجه مراد الشيخ (قدس سره) بما ملخصه : أن الواجب إنّما هو الفعل بعنوان المقدمة لا ذات الفعل فحسب، وعليه فلابد في الاتيان بها من لحاظ هذا العنوان وقصده وإلا لم يأت بالواجب، وبما أنّ قصد التوصل إلى الواجب


1) كفاية الأصول : 114.

عين عنوان المقدمية، فبطبيعة الحال لزم قصده. نعم، إن الاتيان بالأفعال الخارجية وحدها مجردة عن قصد التوصل وإن كان مسقطاً للغرض المطلوب، إلا أنه لا يكون إتياناً للواجب ومصداقاً له، حيث قد عرفت أن الواجب هو ما كان معنوناً بعنوان المقدمة وهو عين قصد التوصل، وأمّا سقوط الواجب بغيره فهو يتفق كثيراً ما في الواجبات التوصلية.

وأورد على هذا التوجيه المحقق صاحب الكفاية وشيخنا الأستاذ(1)(قدس سرهما) بأن عنوان المقدمة من الجهات التعليلية لوجوب المقدمة لا من الجهات التقييدية له، بداهة أنّ الواجب إنّما هو ذات المقدمة التي هي مقدمة بالحمل الشائع، وأمّا عنوانها فهو من الجهات الباعثة على وجوبها كالمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقات الأحكام. نعم، لو تم التوجيه المزبور لكان لما أفاده (قدس سره) وجه، بل لا مناص عنه، نظير ما إذا افترضنا أنّ الشارع أوجب القيام مثلاً بعنوان التعظيم، فلا محالة إذا أتى به بدون قصد هذا العنوان لم يأت بما هو مصداق للقيام الواجب.

وقد تصدى شيخنا المحقق (قدس سره) (2)إلى توجيه مراد الشيخ (قدس سره) ببيان أمرين :

الأوّل : أنّ الجهات التقييدية إنما تمتاز عن الجهات التعليلية في الأحكام الشرعية، فإنّ العناوين المأخوذة في متعلقاتها كعنوان الصلاة والصوم ونحوهما من الجهات التقييدية، ومن هنا يعتبر الاتيان بها بقصد العناوين المزبورة، وإلا لم يؤت بما هو مصداق للواجب، وأما الملاكات الكامنة في متعلقاتها فهي


1) أجود التقريرات 1 : 341.

2) نهاية الدراية 2: 133.

جهات تعليلية. فالنتيجة أنّ الجهات التعليلية في الأحكام الشرعية غير الجهات التقييدية. وأمّا في الأحكام العقلية فالجهات التعليلية فيها راجعة إلى الجهات التقييدية، وأنّ الأغراض في الأحكام العقلية عناوين لموضوعاتها، ولا يفرق في ذلك بين الأحكام النظرية والأحكام العملية.

أما الأولى : فلأنّ حكم العقل باستحالة شيء بسبب استلزامه الدور أو التسلسل حكم باستحالة الدور أو التسلسل بالذات، وحكمه باستحالة اجتماع الأمر والنهي مثلاً من ناحية استلزامه اجتماع الضدّين حكم باستحالة اجتماع الضدّين كذلك،وهكذا، فتكون الجهة التعليلية فيها بعينها هي الموضوع لحكم العقل.

وأمّا الثانية : فلأنّ حكم العقل بحسن ضرب اليتيم للتأديب مثلاً حك-م بحسب الواقع والحقيقة بحسن التأديب، كما أن حكمه بقبح الضرب للايذاء حكم في الواقع بقبح الايذاء وهكذا، فتكون الجهة التعليلية فيها بعينها الجهة التقييدية والموضوع للحكم.

فالنتيجة في نهاية الشوط هي: : أنه لا فرق بين الجهات التعليلية والجهات التقييدية في الأحكام العقلية أصلاً. وعلى هذا الضوء فيما أنّ مطلوبية المقدمة ليست لذاتها، بل لحيثية مقدميتها والتوصل بها، فالمطلوب الجدّي والموضوع الحقيقي للحكم العقلي إنما هو نفس التوصل لما عرفت من أنّ الجهة التعليلية في الحكم العقلي ترجع إلى الجهة التقييدية.

الثاني : أنّ متعلقات التكاليف سواء أكانت تعبدية أم كانت توصلية لا تقع على صفة الوجوب ومصداقاً للواجب بما هو واجب إلّا إذا أتي به عن قصد وعمد حتّى في التوصليات، والسبب في ذلك أنّ التكليف تعبدياً كان أو توصلياً لا يتعلق إلّا بالفعل الاختياري، فالغسل الصادر بلا اختيار وإن كان

مطابقاً لذات الواجب ومحصلاً لغرضه، إلّا أنّه لا يقع مصداقاً للواجب بما هو واجب، بل يستحيل أن يتعلق الوجوب بمثله فكيف يكون مصداقاً له، وعلى ذلك فالواجب بحكم العقل بما أنّه عنوان المقدمة لا ذاتها، فمن الطبيعي أنّ المكلف إذا أتى بها بداعي المقدمية والتوصل فقد تحقق ما هو مصداق للواجب خارجاً بما هو واجب، وإن لم يأت بها كذلك لم يتحقق ما هو مصداق للواجب كذلك وإن تحقق ما هو محصل لغرضه. فالنتيجة على ضوء هذين الأمرين : أنّ الواجب هو المقدمة بعنوان التوصل لا ذاتها، فإذن تم ما أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره).

ولنأخذ بالنقد على كلا الأمرين :

أمّا الأمر الأوّل : فلأنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ الجهات التعليلية الأحكام العقلية ترجع إلى الجهات التقييدية، وإن كان في نهاية الصحة والمتانة، إلّا أنّه أجنبي عن محلّ الكلام في المقام، وذلك لما تقدّم في أوّل البحث من أنّ وجوب المقدمة عقلاً بمعنى بمعنى اللابدية خارج عن م-ورد النزاع وغير قابل للانكار، وإنما النزاع في وجوبها شرعاً الكاشف عنه العقل، وك-م ف--رق ب-ين الحكم الشرعي الذي كشف عنه العقل والحكم العقلي، وقد عرفت أن الجهات التعليلية في الأحكام الشرعية لا ترجع إلى الجهات التقييدية، فما أفاده (قدس سره) لا ينطبق على محل النزاع.

وأما الأمر الثاني : فلأنّ ما أفاده (قدس سره) إنما يتم فيما إذا كانت القدرة مأخوذة شرعاً في المأمور به وواردة في لسان الخطاب به، وذلك كآية الحج بناءً على تفسير الاستطاعة بالقدرة كما قيل، وآية التيمم بناءً على أن يكون المراد من الوجدان فيها القدرة على الاستعمال شرعاً، لا عدم الوجود بقرينة ذكر المريض فيها، والسبب فى هذا هو أنّه لا يمكن كشف الملاك في أمثال هذه

الموارد إلّا في خصوص الحصة المقدورة، وأمّا الحصة الخارجة عن القدرة فلا طريق لنا إلى إحراز الملاك فيها أصلاً.

فالنتيجة : أنّ في كل مورد كانت القدرة مأخوذة فيه شرعاً فالواجب فيه بطبيعة الحال هو خصوص الحصة المقدورة دون غيرها، ودون الجامع بينها وبين غيرها. وأما إذا كانت معتبرة فيه عقلاً فلا يتم، والوجه في ذلك هو : أنّ المكلف مرّة يكون عاجزاً عن إتيان تمام افراد الواجب في الخارج وظرف الامتثال، فعندئذ بطبيعة الحال يسقط عنه التكليف ولا يعقل بقاؤه، ومرّة أخرى يكون عاجزاً عن امتثال بعض أفراده دون بعضها الآخر كالصلاة مثلاً حيث إنّ المكلف يتمكن من امتثالها في ضمن بعض أفرادها العرضية والطولية ولا يتمكن من امتثالها في ضمن بعضها الآخر كذلك، ففي مثل ذلك لا موجب لتخصيص التكليف بخصوص الحصة المقدورة، بل لا مانع من تعلقه بالجامع بينها وبين الحصة غير المقدورة، وقد تقدّم أنّ الجامع بين المقدور وغيره مقدور، ضرورة أنه يكفي في القدرة عليه القدرة على امتثال فرد منه. وعلى هذا فيما أنّ اعتبار القدرة في إيجاب المقدمة إنما هو بحكم العقل، فلا محالة لا يختص وجوبها بخصوص ما يصدر من المكلف عن إرادة واختيار، بل يعمه وغيره، فإذا كان الواجب هو الطبيعي الجامع كان الاتيان به لا بقصد التوصل مصداقاً له، وعليه فلا موجب لتخصيصه بخصوص الحصة المقدورة، فما أفاده (قدس سره) من المقدمتين غير تام أصلاً كما هو ظاهر.

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)ادعى أنه يظهر من تقريرات بحث شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) أن مراده من اعتبار قصد التوصل إنّما هو اعتباره في مقام الامتثال دون أخذه قيداً في المقدمة، وعليه فمن جاء


1) أجود التقريرات 1: 340 [لكنّه ادعى أنّ عبارات المقرر مشوشة ].

بالمقدمة بقصد التوصل فقد امتثل الواجب وإلا فلا.

وفيه : أنّ هذه الدعوى لو تمت لكان لما أفاده وجه صحيح، ضرورة أن الثواب لا يترتب على الاتيان بالمقدمة مطلقاً، وإنّما يترتب فيا إذا جاء المكلف بها بقصد التوصل والامتثال.

وذكر (قدس سره) مرّة ثانية أنّ مراد الشيخ (قدس سره) من اعتبار قصد التوصل إنما هو اعتباره في مقام المزاحمة، كما إذا كانت المقدمة محرمة، ونقل (قدس سره) أنّ شيخه العلّامة السيّد محمّد الاصفهاني (قدس سره) ك--ان جازماً بأن مراد الشيخ من اعتبار قصد التوصل هو ذلك، ولكن كان شيخنا الأستاذ (قدس سره) متردداً بأن هذا كان استنباطاً منه أو أنه حك-اه ع-ن أستاذه السيد الشيرازي (قدس سره).

وكيف كان، فحاصل هذا الوجه هو أنه لو ت-وقف واجب ن-فس-ي ك-انقاذ الغريق مثلاً على مقدمة محرّمة بنفسها كالتصرف في مال الغير أو نحوه، فبطبيعة الحال تقع المزاحمة بين الوجوب الغيري والحرمة النفسية، وعليه فان جاء المكلف بالمقدمة قاصداً بها التوصل إلى الواجب النفسي ارتفعت الحرمة عنها، وذلك لأنّ إنقاذ النفس المحترمة من الهلاك أهم من التصرف في مال الغير، فلا محالة يوجب سقوط الحرمة عنه، وأما إن جاء بها لا بقصد التوصل، بل بقصد التنزه أو ما شاكله، فلا موجب لسقوط الحرمة عنه أبداً.

وغير خفي أنّ المزاحمة في الحقيقة إنما هي بين الحرمة النفسية الثابتة للمقدمة وبين الوجوب النفسي الثابت لذيها وإن لم نقل بوجوب المقدمة أصلاً، فالتزاحم في المثال المزبور إنما هو بين وجوب إنقاذ الغريق وحرمة التصرف في الأرض المغصوبة سواء أكانت المقدمة واجبة أم لا. وبكلمة أخرى : أنّ التزاحم المذكور لا يتوقف على القول بوجوب المقدمة، فانّه سواء أقلنا

بوجوبها مطلقاً أو خصوص الموصلة منها أو ما يقصد به التوصل إلى الواجب أم لم نقل به أصلاً على الاختلاف في المسألة، فالتزاحم بينها موجود، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الواجب في المقام بما أنّه أهم من الحرام فبطبيعة الحال ترتفع حرمته، فالسلوك في الأرض المغصوبة عندئذ إذا وقع في طريق الانقاذ لا يكون محرّماً، بداهة أنه لا يعقل بقاؤه على حرمته مع توقف الواجب الأهم عليه، ولا فرق في ارتفاع الحرمة عنه، أي عن خصوص هذه الحصة من السلوك، بين أن يكون الآتي به قاصداً التوصل به إلى الواجب المذكور أم لا، غاية الأمر إذا لم يكن قاصداً به التوصل كان متجريّاً، وأما إذا لم يقع السلوك في طريق الانقاذ فتبقى حرمته على حالها، ضرورة أنه لا موجب ولا موجب ولا مقتضي لارتفاعها أصلاً، فانّ المقتضي لذلك إنّما هو توقف الواجب الأه-م ع-ليه، والمفروض أنه ليس هذه الحصة من السلوك ممّا يتوقف عليه الواجب المزبور كي ترتفع حرمته. نعم، لو قصد المكلف به التوصل إلى الواجب ولكنّه لمانع لم يترتب عليه في الخارج كان عندئذ معذوراً فلا يستحق العقاب عليه.

نعم، بناءً على القول بوجوبها تقع المعارضة بينه وبين حرمتها، وذلك لم-ا عرفت من أنّ عنوان المقدمة عنوان تعليلي فلا يكون موضوعاً لحكم، وعليه فبطبيعة الحال يرد الوجوب والحرمة على موضوع واحد ويتعلقان بشيء فارد. وعلى هذا الضوء، فان قلنا بوجوب خصوص المقدمة الموصلة سقطت الحرمة عنها فحسب، فإذن نتيجة القول بالتعارض والتزاحم واحدة، وهي سقوط الحرمة عن خصوص السلوك الواقع في سلسلة علّة الانقاذ لا مطلقاً، وإن قلنا بوجوب المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب، فالساقط إنّما هو الحرمة عنها فحسب، سواء أكانت موصلة أم لم تكن، وإن قلنا بوجوب المقدمة مطلقاً

فالساقط إنما هو الحرمة عنها كذلك.

وعلى ضوء ذلك تظهر الثمرة بين هذين القولين وبين القول بعدم الوجوب أصلاً كما هو الصحيح، فأنّه على هذا القول أي القول بعدم الوجوب، فالساقط إنّما هو حرمة خصوص المقدمة الموصلة دون غيرها، وعلى القول الأوّل فالساقط إنما هو حرمة خصوص المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب، وعلى القول الثاني فالساقط إنما هو حرمة مطلق المقدمة وهذه ثمرة مهمة.

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)ذكر أنّ المقرر رتب على اعتبار قصد التوصل فروعاً يبعد كونها من العلّامة الأنصاري (قدس سره).

ما يتفرع على اعتبار قصد التوصل من الفروع

منها: عدم صحة صلاة من كانت وظيفته الصلاة إلى الجهات الأربع إذا لميكن من قصده الصلاة إلى جميعها، حيث إنّ الاتيان بها إلى تلك الجهات من باب المقدمة وقد اعتبر فيها قصد التوصل، فالاتيان بصلاة إلى جهة منها بدونه لا محالة تقع فاسدة وإن كانت مطابقة للواقع لفرض عدم إتيانه بما هو مقدمة وواجب عليه إذن لا مناص من الاعادة ومن هذا القبيل كل مورد كان موردکان الاحتياط فيه مستلزماً للتكرار كالصلاة في ثوبين مشتبهين أو نحو ذلك إذا أتى بصلاة واحدة من دون قصده الاتيان بالجميع.

وفيه : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من الاستبعاد في محله، والسبب في ذلك واضح وهو أنّ وجوب الصلاة إلى الجهات الأربع أو ما شاكل ذلك إنما هو من باب المقدمة العلمية، وقد تقدّم أنّ وجوبها لا يقوم على أساس القول بوجوب المقدمة وعدمه، فانّ الحاكم بوجوبها إنما هو العقل بملاك دفع الضرر المحتمل، وأما محلّ النزاع في اعتبار قصد التوصل وعدم اعتباره فانّما هو


1) أجود التقريرات 1: 340.

في المقدمة الوجودية، ولا صلة لإحدى المقدمتين بالأخرى أصلاً، كيف فان ما كان من الصلوات إلى الجهات الأربع مطابقاً للواقع كان هو نفس الواجب لا أنّه مقدمة له، وما لم يكن مطابقاً له فهو أجنبي عنه، فلا يكون هنا شيء مقدمة لوجود الواجب أصلاً. نعم، ذكر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) في أواخر رسالة بحث البراءة (1)ما ملخصه : هل الاطاعة الاحتمالية في طول الاطاعة العلمية ولو إجمالاً أو في عرضها ؟ فان قلنا بالأوّل كان ما جاء به من الامتثال الاحتمالي فاسداً وإن كان مطابقاً للواقع، وذلك لاستقلال العقل الحاكم في هذا الباب بعدم كفاية الامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال العلمي ولو كان إجمالياً، وإن قلنا بالثاني كان ما جاء به صحيحاً، لفرض تحقق الواجب في الخارج وقد قصد التقرب به احتمالاً وهو يكفي في العبادة.

وهذا الذي ذكره (قدس سره) هناك أيضاً أجنبي عن القول باعتبار قصد التوصل في المقدمة وعدم اعتباره فان كفاية الامتثال الاحتمالي مع، التمكن من الامتثال العلمي وعدم كفايته معه يقومان على أساس آخر لا صلة له بما يقوم به هذان القولان، فيمكن القول بالكفاية هناك على كلا القولين هنا، ويمكن القول بعدم الكفاية هناك كذلك على تفصيل في محلّه. فالنتيجة أنه لا صلة لأحد البابين بالآخر أصلاً كما هو واضح.

ومنها: عدم جواز الاتيان بالغايات المشروطة بالطهارة إذا لم يكن المتوضئ قاصداً به تلك الغايات بل أتى به لغاية أخرى، فلو توضأ لغاية خاصة كقراءة القرآن مثلاً لم يجز له الدخول في الصلاة بذلك الوضوء وهكذا. ثم إنه (قدس سره أشكل على ذلك : بأنّ هذا لا يتم في الوضوء، حيث إنّه حقيقة واحدة


1) فرائد الأصول 2: 457.

وماهية فاردة فإذا جاء به لأيّة غاية مشروعة لترتبت عليه الطهارة، ومعه يصح الاتيان بكل ما هو مشروط بها، فإذن لا تكون لاعتبار قصد التوصل إلى غاية خاصة ثمرة في الوضوء. نعم، يتم ذلك في باب الأغسال، حيث إنّها حقائق متباينة وماهيات متعددة وإن اشتركت في اسم واحد، وعليه فلو اغتسل لغاية خاصة فلا يجوز له الدخول إلى غاية أخرى. فثمرة اعتبار قصد التوصل تظهر هنا.

وأورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) بأنّ ما أفاده بالاضافة إلى الوضوء وإن كان متيناً جداً فلا مناص عنه، إلّا أنّ ما أفاده بالاضافة إلى الأغسال من الغرائب، فانّ الاختلاف فى أنّ الأغسال حقيقة واحدة أو حقائق متعددة إنّما هو باعتبار اختلاف أسبابها كالجنابة والحيض والنفاس ونحو ذلك، لا باعتبار غاياتها المترتبة عليها، ضرورة أنّه لم يحتمل أحد فضلاً عن القول بأن الأغسال حقائق متعددة باعتبار تعدد غاياتها، فهي من ناحية الغايات لا فرق بينها وبين الوضوء أصلاً. فالنتيجة : أنّ ما استبعده شيخنا الأستاذ (قدس سره) في محله.

المقدمة الموصلة

وأما القول الثالث : وهو قول صاحب الفصول (قدس سره) (1)من أنّ الواجب هو حصة خاصة من المقدمة وهي الحصة الموصلة، أي الواقعة في سلسلة علة وجود ذيها دون غيرها من الحصص، فقد نوقش فيه بعدة مناقشات:

مناقشة المحقق النائيني

الأولى : ما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)من أن تخصيص الوجوب بخصوص هذه الحصة يستلزم أحد محذورين : إما الدور أو التسلسل، وكلاهما محال.

أمّا الأوّل : فلأنّ مردّ هذا القول إلى كون الواجب النفسي مقدمة للمقدمة، لفرض أن ترتب وجوده عليها قد اعتبر قيداً لها، وعلى هذا يلزم كون وجوب الواجب النفسي ناشئاً من وجوب المقدمة وهو يستلزم الدور، فان وج-وب المقدمة على الفرض إنّما نشأ من وجوب ذي المقدمة، فلو نشأ وج- وجوبه من وجوبها لدار. وأمّا الثاني : فلأنّ الواجب لو كان خصوص المقدمة الموصلة فبطبيعة الحال كانت ذات المقدمة من مقدمات تحققها في الخارج، نظراً إلى أنّ ذاتها مقوّمة لها ومقدّمة لوجودها، فعندئذ إن كان الواجب هو ذات المقدمة على الاطلاق لزم خلاف ما التزم به (قدس سره) من اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة، وإن كان هو الذات المقيدة بالايصال إليها ننقل الكلام إلى


1) الفصول الغروية : 86، التنبيه الأوّل.

2) أجود التقريرات 1: 344.

ذات هذا المقيد بالايصال وهكذا فيذهب إلى ما لا نهاية له. فالنتيجة : أنّه لا يمكن القول بأنّ الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة.

ولنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قدس سره):

أمّا الدور فيرد عليه : أنّ الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة غير ناشٍ من وجوب المقدمة كي يتوقف اتصافه به على وجوبها. نعم، الواجب النفسي على هذا بما أنّه مقدمة للواجب الغيري بما هو كذلك، فبطبيعة الحال يعرض عليه الوجوب الغيري على نحو الترتب الطبعي، بمعنى أن الواجب أوّلاً هو ذو المقدمة بوجوب نفسي، ثم مقدمته بوجوب غيري، ثم أيضاً ذو المقدمة لكن بوجوب غيري وعليه فلا يلزم الدور من اختصاص الوجوب بخصوص المقدمة الموصلة، وإنما يلزم اجتماع الوجوب النفسي والغيري في شيء واحد - وهو ذو المقدمة - وهذا ممّا لا محذور فيه أصلاً، حيث إن مردّه إلى اندكاك أحدهما في الآخر وصيرورتهما حكماً واحداً أكد.

وأما التسلسل فيرد عليه : أنّ ذات المقيد وإن كانت مقوّمة له، إلا أن نسبته إليه ليست نسبة المقدمة إلى ذيها لننقل الكلام إليه ونقول إنها واجبة مطلقاً أو مقيدة بالايصال، وحيث إنّ الأوّل خلاف الفرض فالثاني يستلزم الذهاب إلى ما لا نهاية له بل نسبته إليه نسبة الجزء إلى المركب، إذ على هذا القول المقدمة تكون مركبة من جزأين أحدهما ذات المقيد والآخر: تقيدها بقيد وه-و وجود الواجب في الخارج، كما هو الحال في كل واجب مقيد بقيد سواء أكان وجوبه نفسياً أم كان غيرياً، وعلى هذا فلا يبقى موضوع للقول بأنّ ذات المقيد هل هي واجبة مطلقاً أو مقيدة بالايصال هذا كله على تقدير تسليم ك--ون الواجب النفسي قيداً للواجب الغيري.

والتحقيق في المقام أن يقال: إنّ الالتزام بوجوب المقدمة الموصلة لا

يستدعي اعتبار الواجب النفسي قيداً للواجب الغيري أصلاً، والسبب في ذلك : هو أن الغرض من التقييد بالايصال إنّما هو الاشارة إلى أن الواجب إنّما هو حصة خاصة من المقدمة، وهي الحصة الواقعة في سلسلة العلة التامة لوجود الواجب النفسي، دون مطلق المقدمة. وبكلمة أخرى : أنّ المقدمات الواقعة في الخارج على نحوين: أحدهما: ما كان وجوده في الخارج ملازماً لوجود الواجب فيه، وهو ما يقع في سلسلة علة وجوده. وثانيهما: ما كان وجوده مفارقاً لوجوده فيه - وهو ما لا يقع في سلسلته-ا - فالقائل بوجوب المقدمة الموصلة إنما يدعي وجوب خصوص القسم الأوّل منهما دون القسم الثاني، وعليه فلا يلزم من الالتزام بهذا القول كون الواجب النفسي قيداً للواجب الغيري، فإذن لا موضوع لاشكال الدور أو التسلسل أصلاً، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أن قضية الارتكاز والوجدان تقتضي وجوب خصوص هذا القسم الملازم لوجود الواجب في الخارج، بداهة أنّ من اشتاق إلى شراء اللحم مثلاً فلا محالة يحصل له الشوق إلى صرف مال واقع في سلسلة مبادئ وجوده لا مطلقاً، ولذا لو فرض أن عبده صرف المال في جهة أخرى لا في طريق امتثال أمره بشراء اللحم لم يعد ممتثلاً للأمر الغيري، بل يعاقبه ع-ل-ى صرف المال في تلك الجهة، إلّا إذا كان معتقداً بأنّ صرفه في هذا الطريق يؤدي إلى امتثال الواجب في الخارج ولكنّه في الواقع غير مؤد إليه. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هى أنه على القول بوجوب المقدمة لا مناص من الالتزام بهذا القول.

مناقشة صاحب الكفاية

الثانية : ما عن المحقق صاحب الكفاية (1)وشيخنا الأستاذ (2)(قدس سرهما)


1) كفاية الأصول: 116.

2) أجود التقريرات 1: 345.

وملخصه هو : أنّ ملاك الوجوب الغيري لو كان قائماً بخصوص ما يترتب عليه الواجب النفسي خارجاً، فلابد من القول باختصاص الوجوب بخصوص السبب دون غيره كما عن صاحب المعالم (قدس سره) وهذا ممّا لم يلتزم به صاحب الفصول (قدس سره)، وإن كان ملاكه مطلق التوقف والمقدمية فهو مشترك فيه بين تمام أقسام المقدمات، وعندئذ فلا موجب للتخصيص بخصوصها.

وغير خفي أنّ ملاك الوجوب الغيري قائم بخصوص ما يكون توأماً وملازماً لوجود الواجب في الخارج من ناحية وقوعه في سلسلة مبادئ وجوده بالفعل، لا بمطلق المقدمة وإن لم تقع في سلسلتها، ولا بخصوص الأسباب التوليدية، فالطهارة من الحدث أو الخبث مثلاً إن وقعت في سلسلة مبادئ وجود الصلاة في الخارج فهي واجبة وإلا فلا مع أنها ليست من الأسباب التوليدية بالاضافة إلى الصلاة.

الثالثة : ما جاء به المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من أن الغرض الداعي إلى إيجاب المقدمة إنّما هو تمكن المكلف من الاتيان بذيها، نظراً إلى أنه لا يتمكن من الاتيان به ابتداءً بدون الاتيان بها، ومن المعلوم ترتب هذا الغرض على مطلق المقدمة دون خصوص الموصلة منها.

والجواب عنه : أنّ هذا ليس الغرض من إيجاب المقدمة، ضرورة أنّ التمكن من الاتيان بذيها ليس من آثار الاتيان بها، بل هو من آثار التمكن من الاتيان بالمقدمة، لوضوح أنه يكفي في التمكن من الاتيان بالواجب النفسي وامتثاله التمكن من الاتيان بمقدمته، فانّ المقدور بالواسطة مقدور. أضف إلى ذلك : أنّ القدرة على الواجب لو كانت متوقفة على الاتيان بالمقدمة لجاز للمكلف تفويت الواجب بترك مقدمته بداهة أنّ القدرة ليست بواجبة التحصيل. فالنتيجة : أنّ


1) كفاية الأصول: 115.

ما أفاده (قدس سره) لا يمكن أن يكون غرضاً لا يجابها، بل الغرض منه ليس إلا إيصالها إلى الواجب، حيث إنّ الاشتياق إلى شيء لا ينفك عن الاشتياق إلى ما يقع في سلسلة علة وجوده دون ما لا يقع في سلسلتها.

الرابعة : ما أورده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)أيضاً وحاصله هو: أنّ المكلف إذا جاء بالمقدمة مع عدم الاتيان بذيها - وهو الواجب النفسي - فلا يخلو الحال من أن يلتزم بسقوط الأمر الغيري عنها أو بعدم السقوط، ولا مجال للثاني، لأنّه موجب للتكرار، وعلى الأوّل فاما أن يكون السقوط للعصيان أو لفقد الموضوع أو لموافقة الخطاب، والأوّل غير حاصل، لفرض الاتيان بالمقدمة، وكذا الثاني فيتعين الثالث، وهذا هو المطلوب، إذ لو كان الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة لم يسقط الأمر الغيري، فالسقوط كاشف عن أنّ الواجب هو مطلق المقدمة ولو لم توصل إلى ذيها.

والجواب عنه أوّلاً: بالنقض بأجزاء الواجب المركب كالصلاة مثلاً، فانّ المكلف إذا جاء بأوّل جزء منها ولم يأت ببقية الأجزاء فبطبيعة الحال يسأل عنه أنه هل يلتزم بسقوط الأمر الضمني المتعلق به أو لا يلتزم ب-ه، والث-اني لا يمكن لاستدعائه التكرار، وعلى الأوّل فالسقوط لا يخلو من أن يكون بالعصيان أو بانتفاء الموضوع أو بالامتثال، ولا يمكن الالتزام بشيء منها، فإذن ما هو جوابه عن ذلك فهو جوابنا عن المسألة.

وثانياً : بالحل، وملخصه : هو ما عرفت من أنّ الواجب على هذا القول هو حصة خاصة من المقدمة وهي التي يكون وجودها توأماً وملازماً لوجود ذي المقدمة في الخارج، وواقعاً في سلسلة العلة التامة لوجوده، فإذا كانت منفكة


1) كفاية الأصول: 117.

عن ذلك ووقعت مجردة عن بقية أجزاء العلة التامة، فبما أن الغرض الداعي إلى إيجابها لم يترتب عليها عندئذ فلا محالة لا تقع في الخارج على صفة الوجوب، وعليه فبطبيعة الحال يستند سقوط الأمر الغيري إلى العصيان أو نحوه لا إلى الاتيان بالمقدمة، لفرض أنه لم يأت بما هو الواجب منها.

فالنتيجة: أن وجود الواجب النفسي في الخارج كاشف عن تحقق المقدمة فيه، وعدم وجوده كاشف عن عدم تحققها كالشرط المتأخر. ومن ذلك يظهر الحال في أجزاء الواجب النفسي، فانّ كل واحد منها إنما يقع على صفة الوجوب إذا وقع في الخارج منضماً إلى بقية أجزائه، وأما إذا وقع منفكاً عنها فلا يقع على هذه الصفة، لفرض أنّه ليس بجزء من الواجب.

أدلة صاحب الفصول

استدلّ صاحب الفصول (قدس سره) (1)على إثبات نظريته بأمور :

الأوّل: أنّ الحاكم بالملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدماته إنما ه-و العقل، ومن الطبيعي أنّه لا يدرك أزيد من الملازمة بين طلب شيء وطلب مقدماته التي في سلسلة علة وجود ذلك الشيء في الخارج، بحيث يكون وجودها فيه توأماً وملازماً لوجود الواجب، وأما ما لا يقع في سلسلة علته ويكون وجوده خارجاً مفارقاً عن وجود الواجب فالعقل لا يدرك الملازمة بين إيجابه وإيجاب ذلك أبداً.


1) الفصول الغروية : 86.

وقد أورد عليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)بأنّ العقل لا يفرّق في الحكم بالملازمة بين الموصلة،وغيرها نظراً إلى أنّ ملاك حكمه بالملازمة إنّما هو حصول التمكن للمكلف من الاتيان بالواجب من قبل الاتيان به-ا وه-و مشترك فيه على الفرض بين تمام أنواع المقدمة. وجوابه قد ظهر ممّا تقدم حيث بينا أن التمكن المزبور لا يصلح أن يكون ملاكاً للوجوب الغيري وداعياً له، لفرض أنه حاصل قبل الاتيان بالمقدمة.

الثاني : أنّ العقل لا يأبى عن تصريح الآمر بعدم إرادة غير المقدمة الموصلة، ومن الطبيعي أنّ عدم إباء العقل عن ذلك وتجويزه دليل قطعي على وجوب خصوص المقدمة الموصلة دون مطلق المقدمة، مثلاً يجوز للمولى أن يقول لعبده أريد الحج وأريد المسير الذي يوصل إلى بيت اللّه الحرام، ولا أريد المسير الذي لا يوصل، ولا يسوغ له أن يقول أريد الحج ولا أريد جميع مقدماته الموصلة وغيرها، كما لا يسوغ له التصريح بعدم إرادة خصوص الموصلة، ومن الواضح أنّ ذلك كلّه آية اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة.

وناقش في ذلك صاحب الكفاية (قدس سره) (2)بأنه ليس للمولى الحكيم غير المجازف التصريح بذلك بعد ما عرفت من أنّ الغرض مشترك بين الجميع وهو التمكن - وجوابه يظهر ممّا تقدّم، وأنّ ما ذكره من الغرض لا يصلح أن يكون غرضاً، وعليه فلا بأس بهذا التصريح بل الوجدان أصدق شاهد على جواز ذلك.


1) كفاية الأصول : 115.

2) كفاية الأصول : 118.

الثالث : أن الغرض من إيجاب المقدمة إنما هو إيصالها إلى الواجب ووقوعها في سلسلة علة وجوده، وإلا فلا داعي للمولى في إيجاب المقدمة، فإذن بطبيعة الحال يكون الواجب هو خصوص المقدمة الموصلة، والوجدان شاهد صدق على ذلك، فانّ من أراد شيئاً أراد مقدماته التي توصل إليه، وأما ما لا يوصل إليه فهو غير مراد له مثلاً من أراد الطبيب فبطبيعة الحال أراد مقدماته التي توصل إليه دون ما لا يوصل، وهكذا.

وقد ناقش فيه صاحب الكفاية (قدس سره) بما يرجع إلى وجهين أحدهما : إلى منع الصغرى وثانيهما: إلى منع الكبرى، أمّا الأوّل: فملخصه هو : أنّ الغرض الداعي إلى إيجاب المقدمة إنّما هو التمكن من الاتيان بالواجب النفسي لا ترتبه عليه خارجاً، وهذا الغرض موجود في الموصلة وغيرها، فلا موجب لتخصيص الوجوب بخصوص الموصلة. وجوابه قد تبين ممّا سبق فلا نعيد. وأمّا الثاني فحاصله هو : أنّ صريح الوجدان قاض بأنّ المقدمة التي أريد لأجل غاية من الغايات وتجرّدت عنها تقع على صفة الوجوب، وعلى هذا وإن سلّمنا أن الغاية لوجوب المقدمة إنما هي ترتب وجود ذيها عليها، إلا أنه لا يكون قيداً للواجب بحيث لو تجرد عنه لم يقع على صفة الوجوب. وجوابه واضح، وهو انّ الشيء إذا وجب لغاية من الغايات فكيف يعقل تحقق الوجوب بدون تحقق تلك الغاية، فإذا افترضنا أنّ الغاية من إيجاب المقدمة إنما هي إيصالها إلى الواجب النفسي وترتبه عليها، فعندئذ لو تجردت عنها ولم يترتب الواجب عليها فكيف تقع على صفة الوجوب، ومن هنا قلنا إن وجود الواجب في الخارج كاشف عن تحقق مقدمته الواجبة وعدم وجوده كاشف ع-ن ع-دم تحققها، ونظير ذلك ما تقدّم من أنّ المكلف إذا أتى بجزء من الواجب وتجرد عن بقية أجزائه لم يقع على صفة الوجوب.

وعلى الجملة : فالغرض بما أنّه قائم بخصوص المقدمة الموصلة دون غيرها ودون الجامع بينهما، فلا مقتضي لايجاب غيرها ولو بايجاب الجامع. فالنتيجة أنّ ما أفاده المحقق صاحب الفصول (قدس سره) متين جداً ولا مناص عنه لو قلنا بوجوب المقدمة.

وجه آخر لوجوب المقدمة الموصلة

قد يستدل على إيجاب خصوص المقدمة الموصلة بوجه آخر وحاصله : هو أنّه يجوز للمولى أن ينهي عن المقدمات التي لا توصل إلى الواجب، ولا يستنكر ذلك العقل، مع أنه يستحيل أن ينهى عن مطلق المقدمة أو عن خصوص الموصلة منها، ومن الطبيعي أنّ هذه التفرقة آية عدم وجوب مطلق المقدمة، ووجوب خصوص الموصلة، مثلاً لو أمر المولى عبده بشراء اللحم من السوق فليس له المنع عن مطلق مقدمته أو عن خصوص الموصلة منها، ولكن له أن يمنع عن المقدمة التي لا توصل إليه، وهذا الاستدلال منسوب (1)إلى السيد الطباطبائي صاحب العروة (قدس سره).

وأجاب صاحب الكفاية (قدس سره) (2)ذلك عن بوجهين :

الأوّل : أنّ هذا الدليل خارج عن مورد الكلام في المسألة، فان محل الكلام إنما هو في المقدمات المباحة في أنفسها، وأما إذا كان بعضها محرّماً، فعدم اتصاف المحرّم بالوجوب الغيري إنما هو لوجود مانع، لا لأجل عدم المقتضي له، وعلى هذا فنهي المولى عن المقدمات غير الموصلة لا يدل على أنّه لا مقتضي لاتصافها بالوجوب الغيري، إذ من المحتمل أن يكون عدم اتصافها في هذه الحالة لأجل


1) نسبه فى أجود التقريرات 1: 346 إلى صاحب الفصول.

2) كفاية الأصول : 120.

وجود المانع وهو نهي المولى، لا لعدم ثبوت المقتضي له.

وهذا الجواب متين جداً، حيث إنّ المقدمة إذا كانت محرمة فعدم اتصافها بالوجوب الغيري لا يكشف عن عدم ثبوت المقتضي له.

الثاني : أنّه لا يصح منع المولى عن المقدمة غير الموصلة، بل إنه غير معقول، والسبب في ذلك هو أنّه مستلزم إما لطلب الحاصل أو جواز تفويت الواجب مع الاختيار، وكلاهما محال، بيان ذلك :

أمّا الأوّل: فلأنّ وجوب ذي المقدمة مشروط بالقدرة عليه، وهي تتوقف على جواز مقدمته شرعاً، وهو يتوقف على الاتيان بالواجب، لفرض أنّ المقدمة غير الموصلة محرمة، ونتيجة ذلك هي أنّ وجوب ذي المقدمة يتوقف على الاتيان به.

وأمّا الثاني : فلما عرفت من أن جواز المقدمة مشروط بالاتيان بذيها وإلا لكانت المقدمة محرّمة، ومع حرمتها لا يكون الواجب مقدوراً، ولازم ذلك جواز ترك الواجب اختياراً وبلا عصيان ومخالفة لفرض أن تحصيل القدرة غير لازم. وعلى الجملة : أنّ وجوب الواجب النفسي مشروط بالقدرة عليه، وهي تتوقف على التمكن من المقدمة عقلاً وشرعاً، وبما أنّ التمكن منها شرعاً في المقام منوط باتيان الواجب النفسي، فمع عدمه لا يكون متمكناً منها، ومع عدم التمكن لا بأس بترك الواجب اختياراً وعمداً.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) مبني على الخلط بين كون الايصال قيداً لجواز المقدمة ووجوب ذيها وبين كونه قيداً للواجب، فلو كان الايصال من قبيل الأوّل لتمّ ما أفاده (قدس سره) إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فانّه قيد للواجب، وعلى هذا فلا يكون جواز المقدمة مشروطاً بالايصال الخ--ارج-ي

ووجود الواجب النفسي، بل الجواز تعلّق بالمقدمة الموصلة، والمفروض تمكن المكلف منها ومع هذا بطبيعة الحال لا يجوز له ترك الواجب فلو ترك استحق العقاب عليه، لفرض قدرته عليه فعلاً من ناحية قدرته على مقدمته الموصلة كذلك. فالنتيجة : أنّ ما أفاده (قدس سره) خاطئ جداً.

كلام المحقق النائيني في المقام

ولشيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)في المقام كلام هو : أنه (قدس سره) حيث رأى أنّ الوجدان لا يساعد على وجوب المقدمة مطلقاً - سواء أكانت موصلة أم لم تكن - من ناحية، ورأى أنه لا يمكن الالتزام بوجوب خصوص الموصلة للمحاذير المتقدمة من ناحية أخرى، فقد اختار نظرية ثانية تبعاً لنظرية المحقق صاحب الحاشية (قدس سره) (2)وإن كان مخالفاً له في بعض النقاط، وملخص ما أفاده (قدس سره) في المقام هو : أنّ الواجب وإن كان هو خصوص المقدمة في حال الايصال، لمساعدة الوجدان على ذلك بناءً على ثبوت الملازمة، إلا أنه مع ذلك لم يؤخذ الايصال قيداً لاتصاف المقدمة بالوجوب، لا بنحو يكون قيداً للواجب ولا للوجوب. أمّا الأوّل : فلما عرفت من استلزامه الدور أو التسلسل. وأمّا الثانى : فلاستلزامه التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها في الاطلاق والاشتراط، لأن معنى ذلك هو أنّ وجوب المقدمة مقيد بالايصال دون وجوب ذيها، وهو مستحيل على ضوء القول بالملازمة بينهما، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ امتناع تقييد الواجب أو وج-وب-ه ب-الايصال إلى الواجب النفسي لا يستلزم أن يكون الواجب والوجوب مطلقين م--ن هذه


1) أجود التقريرات 1: 348.

2) هداية المسترشدين: 219.

الجهة كما ذهب إليه العلّامة الأنصاري (قدس سره)، وذلك لما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ثبوتاً وإثباتاً، فاستحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق وبالعكس، وقد طبق (قدس سره) هذه الكبرى في عدّة موارد :

منها: أن تقييد الأحكام الشرعية بخصوص العالمين بها مستحيل فاطلاقها كذلك، وبما أنّ الاهمال في الواقع غير معقول، فيثبت الاطلاق بمتمم الجعل ويعبّر عن ذلك بنتيجة الاطلاق. ومنها : أن تقييد متعلق الأمر الأوّل بقصد القربة مستحيل فاطلاقه كذلك، وبما أنّ إهمال الواقع الأوّل من الحاكم الملتفت غير معقول فيثبت التقييد بمتمم الجعل، ويسمى ذلك بنتيجة التقييد. ومنها : ما نحن فيه، حيث إنّ تقييد الواجب الغيري أو وجوبه بقيد الايصال مستحيل، فاطلاقه كذلك، وعليه فلابد من الالتزام بشق ثالث وهو الالتزام بوجوب المقدمة في حال الايصال.

ومن ناحية ثالثة : أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) قد خالف المحقق صاحب الحاشية (قدس سره) في نقطة وهي: أنّ المقدمة إذا كانت محرمة كس-لوك الأرض المغصوبة لانقاذ الغريق مثلاً، فقد ادّعى صاحب الحاشية (قدس سره) أن المقدمة المزبورة إنّما تتصف بالوجوب من ناحية إيصالها إلى الغريق، وتتصف بالحرمة على تقدير عدم الايصال إليه وعصيان الأمر الوارد عليها، وهو وجوب السلوك من حيث الانقاذ، فالنتيجة هى تعلّق خطابين بموضوع واحد على نحو الترتب.

ولكن أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) بأنّ اتصاف المقدمة المذكورة بالحرمة من ناحية عصيان الأمر بالواجب النفسي لا الأمر المتوجه إليها، فانّ

المزاحمة إنما هي بين حرمتها ووجوب ذيها فلا يعقل الترتب بين خطابين متعلقين بموضوع،واحد، ومن هنا اعتبر (قدس سره) الترتب بين خطابين متعلقين كل منهما بموضوع، وتمام الكلام في محلّه.

ولنأخذ بالنقد على ما أفاده (قدس سره) من عدّة جهات:

الأولى : ما تقدّم من أنّ الالتزام بوجوب خصوص المقدمة لا يستلزم كون الواجب النفسي قيداً للواجب الغيري ليلزم محذور الدور أو التسلسل.

الثانية : أنّ ما أفاده (قدس سره) من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، فقد ذكرنا بصورة موسعة في بحث التعبدي والتوصلي أنّ هذه الكبرى خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها أصلاً، وذكرنا هناك أنّ استحالة التقييد بقيد في مقام الثبوت تستلزم إمّا ضرورة الاطلاق أو ضرورة التقييد بخلافه. وعلى ضوء هذا الأساس فحيث إنّ فيما نحن فيه تقييد الواجب الغيري بالايصال مستحيل وكذلك تقييده بعدم الايصال، فالاطلاق عندئذ ضروري وعليه فالنتيجة ثبوت ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من وجوب المقدمة مطلقاً.

الثالثة : أنّ الترتب كما ذكرناه في محله (1)وإن كان أمراً معقولاً بل ولا مناص من الالتزام به، إلّا أنّه في المقام غير معقول، والسبب في ذلك هو أن حرمة المقدمة إذا كانت مشروطة بعصيان الأمر بذي المقدمة فبطبيعة الحال يكون وجوبها مشروطاً بعدم عصيانه وإطاعته، لاستحالة كون شيء واحد في زمان واحد واجباً وحراماً معاً.


1) يأتي في ص 385.

وإن شئت قلت : إنّه لا يعقل أن يكون وجوبها مطلقاً وثابتاً على كل تقدير مع كونها محرمة على تقدير عصيان الأمر بذي المقدمة، كيف فانّه من اجتماع الوجوب والحرمة الفعليين في شيء في زمن واحد، فإذا كان وجوب المقدمة مشروطاً بعدم عصيان وجوب الواجب النفسي فعندئذ لا بد من النظر إلى أنّ وجوب الواجب النفسي أيضاً مشروط بعدم عصيانه وإطاعته أم لا، فعلى الأوّل يلزم طلب الحاصل، لأنّ مردّ ذلك إلى أنّ وجوب الواجب النفسي مشروط با تيانه وإطاعته وهو مستحيل، وعلى الثاني يلزم التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها من حيث الاطلاق والاشتراط وهو غير ممكن على القول بالملازمة بينهما كما هو المفروض.

فالنتيجة في نهاية المطاف: : هي أن ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فالصحيح على القول بوجوب المقدمة هو ما ذهب إليه صاحب الفصول (قدس سره) ولا يرد عليه شيء ممّا أورد كما عرفت

ثمرات النزاع في وجود المقدمة

ذكر الأصحاب لها عدّة ثمرات :

الأولى : صحة العبادة إذا كان تركها مقدمة لواجب أهم على القول بوجوب المقدمة الموصلة، وفسادها على القول بوجوب مطلق المقدمة.

ولا يخفى أنّ هذه الثمرة ليست ثمرة لمسألة أصولية، كما ذكرنا في محلّه من أنّ ثمرة المسألة الأصولية ما يترتب عليها بلا ضم مقدمة أخرى أصولية، وهذه الثمرة تتوقف على ضم مقدمتين أخريين الأولى: أن يكون ترك الضدّ مقدمة لفعل الضدّ الآخر. الثانية : أن يكون النهي الغيري كالنهي النفسي في الدلالة على الفساد، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ المقدمتين المذكورتين غير تامتين كما حققنا ذلك في مبحث الضدّ بشكل موسع فلانعيد. ومن ناحية ثالثة : أنه على تقدير تسليم هاتين المقدمتين وتسليم وجوب المقدمة هل تظهر الثمرة المزبورة بين القولين؟ ففيه وجهان، الصحيح هو الظهور بيان ذلك هو أنّ ترك الصلاة إذا كان مقدمة لواجب أهم كازالة النجاسة عن المسجد مثلاً، فلا محالة كان ذلك الترك واجباً، فإذا صار الترك واجباً بطبيعة الحال كان الفعل منهياً عنه، بناءً على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام، والنهي في العبادة يوجب الفساد هذا بناءً على القول بوجوب مطلق المقدمة.

وأما بناءً على القول بوجوب خصوص المقدمة الموصلة فالصلاة في المثال

المزبور لا تقع فاسدة، وذلك لأنّ الواجب على ضوء هذا القول إنما هو الترك الخاص وهو الترك الموصل لا مطلق الترك، ومن الطبيعي أن نقيضه - وهو ترك هذا الترك الخاص - ليس عين الصلاة في الخارج، بل هو مقارن لها لتحققه في ضمن الصلاة مرّة، وفي ضمن الترك غير الموصل مرّة أخرى، ومن المعلوم أنّ الحرمة الثابتة لشيء لا تسري إلى ملازمه فضلاً عن مقارنه اتفاقاً، وعلى هذا فلا تكون الصلاة منهياً عنها لتقع فاسدة.

وأورد على ذلك شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) على ما في تقريراته (1)من أنّ هذه الثمرة ليست بتامة، والسبب في ذلك: هو أن الفعل على كلا القولين ليس نقيضاً للترك، لأنّ نقيض كل شيء رفعه ونقيض الترك رفع الترك وهو غير الفعل، غاية الأمر على القول بوجوب مطلق المقدمة ينحصر مصداق النقيض في الفعل فحسب، وعلى القول بوجوب خصوص الموصلة فله فردان في الخارج : أحدهما: الفعل، والآخر : الترك غير الموصل، حيث إنّ نقيض الأخص أعم، ومن الواضح أنّ حرمة النقيض ك-ما ت-س-ري إلى فعل الصلاة على الأوّل، كذلك تسري إليه على الثاني، لفرض أنّ الفعل على ك--لا القولين ليس عين النقيض، بل هو فرده وثبوت الحرمة له من باب السراية، وبديهي أنّه لا فرق في السراية بين انحصار فرده في الفعل وعدم انحصاره فيه أبداً. فإذن تقع الصلاة على كلا القولين فاسدة فلا تظهر الثمرة بينهما.

والجواب عنه أوّلاً: أنّ الفعل لا يعقل أن يكون مصداقاً للترك، لاستحالة كون الوجود مصداقاً للعدم لتباينهما ذاتاً واستحالة صدق أحدهما على الآخر، كيف فان العدم لا تحقق له خارجاً لينطبق على الوجود. وعلى الجملة : فلا يعقل أن يكون العدم جامعاً بين الوجود والعدم المحض، وعلى هذا فلا يكون


1) مطارح الأنظار : 78.

فعل الصلاة مصداقاً للنقيض، بل هو مقارن له، وقد تقدّم أنّ حرمة شيء لا تسري إلى مقارنه.

وثانياً : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وقد بيناه مع زيادة توضيح في مبحث الضد، وملخصه : هو أنّ الفعل بنفسه نقيض للترك المطلق ورافع له، بداهة أنّ نقيض الوجود هو العدم البديل له، ونقيض الع-دم ه-و الوجود كذلك، وهذا هو المراد من جملة أن نقيض كل شيء رفعه، وليس المراد منها أن نقيض الترك عدم الترك، ونقيض عدم الترك عدم عدم الترك وهكذا إلى ما لا نهاية له، فانّه وإن عبّر به إلّا أنّه باعتبار انطباقه على الوجود خارجاً وكونه مرآة له لا أنّه بنفسه نقيض، وإلا لزم أن لا يكون الوجود نقيضاً للعدم وهو كما ترى، ولأجل ذلك، أي كون الوجود نقيضاً للعدم حقيقة وبالعكس، قد ثبت أنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.

وعلى ضوء هذا الأساس، فعلى القول بوجوب المقدمة مطلقاً، حيث إنّ ترك الصلاة في المثال المتقدم واجب فنقيضه - وهو وجود الصلاة - بطبيعة الحال يكون منهياً عنه، عنه، وعليه فلا محالة تقع فاسدة. وعلى القول بوجوب خصوص الموصلة بما أنّ الواجب هو الترك الموصل فحسب فلا يكون فعل الصلاة نقيضاً له، بل هو مقارن له وقد تقدّم أنّ الحكم الثابت لشيء لا يسري

إلى ملازمه فضلاً عن مقارنه. فالنتيجة في نهاية الشوط : هي أنّ هذه الثمرة تامة وإن لم تكن ثمرة للمسألة الأصولية على تقدير تسليم وجوب المقدمة من ناحية، وتسليم المقدمتين المذكورتين من ناحية أخرى.

الثمرة الثانية : ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من أن نتيجة


1) كفاية الأصول : 123.

البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدماته هي وجوب المقدمة شرعاً بناءً على الثبوت بعد ضم هذه الكبرى إلى صغرياتها.

وفيه : أنّ هذه النتيجة وإن ترتبت على هذه المسألة بناءً على ثبوت الملازمة بينهما، إلا أنها لا تصلح أن تكون ثمرة فقهية للمسألة الأصولية، وذلك لعدم ترتب أثر عملي عليها أصلاً بعد حكم العقل بلابدية الاتيان بالمقدمة. ومن هنا سنقول إنّ حكم الشارع بوجوب المقدمة لغو محض.

الثمرة الثالثة : أنّ المقدمة إذا كانت عبادة فعلى القول بوجوبها أمكن الاتيان بها بقصد التقرب. وأما على القول بعدم وجوبها فلا يمكن.

وفيه : أنه قد تقدّم (1)أنّ عبادية المقدمة لا تتوقف على وجوبها، فان منشأها كما عرفت أحد أمرين: إمّا الاتيان بها بقصد التوصل إلى الواجب النفسي وامتثال أمره وإما الاتيان بها بداعي أمرها النفسي المتعلق بها كما في الطهارات الثلاث، فالوجوب الغيري لا يكون منشأ لعباديتها أصلاً.

الثمرة الرابعة : برّ النذر بالاتيان بالمقدمة على القول بوجوبها فيما إذا تعلّق بفعل واجب، وعدم حصول البِرِّ به على القول بعدم وجوبها.

وغير خفى أمّا أوّلاً: أن مثل هذه الثمرة لا يوجب كون البحث عن وجوب المقدمة بحثاً أصولياً، وذلك لأنّ المسألة الأصولية هي ما تقع في طريق استنباط الحكم الكلي الإلهي بعد ضم صغراها إليها بلا توسط مسألة أصولية أخرى كالقواعد التي يستنبط منها مثل وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فانّ المترتب على مسألتنا هذه إنما هو انطباق الحكم الشرعي الكلي المعلوم المستنبط من دليله على الاتيان بالمقدمة، ومن الواضح


1) في ص 236.

أنّ المسألة لا تكون بذلك أصولية.

وأما ثانياً : فلأنها لو تمت فانّما تتم على القول بوجوب مطلق المقدمة، وأمّا بناءً على القول بوجوب خصوص الموصلة فلا تظهر إلّا إذا أتى بذي المقدمة أيضاً، وإلا لم يأت بالواجب، وعندئذ فلا تظهر الثمرة كما لا يخفى.

وأما ثالثاً : فلأن الوفاء بالنذر تابع لقصد الناذر، فان قصد من لفظ الواجب خصوص الواجب النفسي لم يكف الاتيان بالمقدمة في الوفاء به ولو قلنا بوجوبها، وإن قصد منه مطلق ما يلزم الاتيان به ولو عقلاً، كفى الاتيان بها وإن قلنا بعدم وجوبها. نعم، لو كان قصده الاتيان بالواجب الشرعي من دون نظر إلى كونه نفسياً أو غيرياً ولو من ناحية عدم الالتفات إلى ذلك، ولم يكن في البين ما يوجب الانصراف إلى الأوّل، كفى الاتيان بالمقدمة على القول بوجوبها دون القول بعدم وجوبها.

الثمرة الخامسة : هي أنه على القول بوجوب المقدمة لا يجوز أخذ الأجرة عليها، لأنّه من أخذ الأجرة على الواجبات وعلى القول بعدم وجوبها يجوز ذلك.

وفيه أوّلاً : أننا قد حققنا في محلّه (1)أنّ الوجوب بما هو وجوب لا يكون مانعاً من أخذ الأجرة على الواجب، سواء أكان وجوبه عينياً أم كان كفائياً، توصلياً كان أم عبادياً، إلّا إذا قام دليل على لزوم الاتيان به مجاناً كتغسيل الميت ودفنه ونحو ذلك، فعندئذ لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وبما أنه لا دليل على لزوم الاتيان بالمقدمة مجاناً فلا مانع من أخذ الأجرة عليه وإن قلنا بوجوبها.

وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك فلابد من التفصيل بين المقدمات العبادية


1) مصباح الفقاهة 1: 468.

كالطهارات الثلاث وبين غيرها من المقدمات، فانّه لو كان هناك مانع من أخذ الأجرة عليها إنّما هو عباديتها، سواء أكانت واجبة أم لم تكن، فلا دخل لوجوبها بما هو وجوب في ذلك أبداً، بل ربما يكون الشيء غير واجب فمع ذلك لا يجوز أخذ الأجرة عليه كالأذان مثلاً. فالنتيجة : أنه لا ملازمة بين وجوب شيء وعدم جواز أخذ الأجرة عليه أصلاً، بل النسبة بينهما عموم من وجه.

ومن هنا يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أن جواز أخذ الأجرة على المقدمة وعدم جوازه يدوران مدار جواز أخذها على ذي المقدمة وعدم جوازه، خاطئ جداً، ضرورة أنّ المقدمة ليست تابعة لذيها من هذه الناحية، ولا دليل على هذه التبعية، وإنما كانت تبعيتها في الوجوب فحسب، وبعد القول بوجوبها فهي واجبة مستقلة، فجواز أخذ الأجرة عليها أو عدم جوازه يحتاج إلى دليل ولا صلة له بالجواز أو عدمه على الواجب النفسي أصلاً على أنّ هذه الثمرة ليست ثمرة للمسألة الأصولية.

الثمرة السادسة : حصول الفسق بترك الواجب النفسي مع مقدماته الكثيرة على القول بوجوبها، وعدم حصوله على القول بعدمه.

وفيه : مضافاً إلى أنّه لابد من فرض الكلام فيما إذا كان ترك الواجب النفسي من الصغائر دون الكبائر، وإلا لكان تركه بنفسه موجباً لحصول الفسق من دون حاجة [إلى ] ترك مقدماته، أنّ هذه الثمرة تبتني على أمرين، الأوّل: التفصيل بين المعاصي الكبيرة والصغيرة، والالتزام بحصول الفسق في الأولى، وعدم حصوله في الثانية إلا في فرض الاصرار عليها. الثاني: أن يكون الاصرار عبارة عن ارتكاب معاص عديدة ولو في زمن واحد ودفعة واحدة.


1) أجود التقريرات 1: 357.

ولكنّ للمناقشة في كلا الأمرين مجالاً واسعاً.

أما الأوّل : فلما ذكرناه في محلّه من أنّه لا أساس لهذا التفصيل أصلاً، وأنه لا فرق بين المعصية الكبيرة والصغيرة من هذه الناحية، فكما أنّ الأولى توجب الفسق والخروج عن جادة الشرع يميناً وشمالاً، فكذلك الثانية. وبكلمة أخرى: قد ذكرنا غير مرّة أنّ الفسق عبارة عن خروج الشخص عن جادة الشرع يميناً وشمالاً، ويقابله العدل فانّه عبارة عن الاستقامة في الجادة وعدم الخروج عنها كذلك، ومن البديهي أنّ المعصية الصغيرة كالكبيرة توجب الفسق والخروج عن الجادة، فإذن لا تترتب هذه الثمرة على القول بوجوب المقدمة أصلاً كما هو ظاهر. وأمّا الثاني : فلأنّ الاصرار على المعصية عبارة عرفاً عن ارتكابها مرّة بعد أخرى، وأمّا ارتكاب معاصي عديدة مرّة واحدة فلا يصدق عليه الاصرار يقيناً، بداهة أنّ من نظر إلى جماعة من النّساء الأجنبيات دفعة واحدة وإن كان يرتكب معاصي عديدة إلا أنه لا يصدق على ذلك الاصرار، وعليه فلا ثمرة. ولو تنزلنا عن جميع ذلك فأيضاً لا مجال لها، لما قد عرفت من أنّه لا معصية في ترك المقدمة بما هو مقدمة وإن قلنا بوجوبها حتّى يحصل الاصرار على المعصية، ضرورة أنّ المدار في حصول المعصية وهتك المولى إنما هو بمخالفة الأمر النفسي، فلا أثر لمخالفة الأمر الغيري بما هو أمر غيري أصلاً. أضف إلى ما ذكرناه : أنّ هذه الثمرة على تقدير تسليمها لا تصلح أن تكون ثمرة للمسألة الأصولية.

الثمرة السابعة : أنّ المقدمة إذا كانت محرّمة فعلى القول بوجوبها يلزم اجتماع الأمر والنهي دون القول بعدم الوجوب.

وقد أورد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)على هذه الثمرة بأمور


1) كفاية الأصول : 124.

ثلاثة :

ثمرة النزاع في وجوب المقدّمة

الأوّل: أنّ مسألة اجتماع الأمر والنهي إنما هي ترتكز على ما إذا كان هناك عنوان تعلّق بأحدهما الأمر وبالآخر النهي وقد اجتمعا في مورد واحد اتفاقاً، وأمّا إذا كان هناك عنوان واحد تعلّق به كل من الأمر والنهي فهو خارج عن هذه المسألة وداخل في مسألة النهي عن العبادات والمعاملات، وما نحن فيه من قبيل الثاني، فان عنوان المقدمة عنوان تعليلي خارج عن متعلق الأمر، وعليه فبطبيعة الحال تعلّق كل من الأمر والنهي بشيء واحد، وهو ما ك-ان م-قدمة بالحمل الشائع.

ويرده : أن عنوان المقدمة وإن كان عنواناً تعليلياً وخارجاً عن متعلق الأمر، إلّا أنّ المأمور به هو الطبيعي الجامع بين هذا الفرد المحرّم وغيره، وعليه فيكون متعلق الأمر غير متعلق النهي فان متعلق الأمر هو طبيعي الوضوء أو الغسل مثلاً، أو طبيعي تطهير البدن أو اللباس، ومتعلق النهي حصة خاصة من هذا الطبيعي بعنوان الغصب أو نحوه، وبما أنّ متعلق الأمر والنهي ينطبقان على هذه الحصة فهي مجمع لهما وتكون من موارد الاجتماع.

الثاني : أنّه لا يلزم في المقام اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد، وذلك لأنّ المقدمة لا تخلو من أن تكون منحصرة أو غير منحصرة، فعلى الأوّل، فان كان ملاك الوجوب أقوى من ملاك الحرمة فلا حرمة في البين، وإن كان العكس فبالعكس، وعلى الثاني فلا محالة يختص الوجوب بغير المحرم من المقدمة، لوضوح أنّ العقل لا يحكم بالملازمة إلا بين وجوب شيء ووج--وب خصوص مقدماته المباحة. فالنتيجة : أنّ المقدمة لا يكون مجمعاً للوجوب والحرمة.

ويردّه : أنّ الأمر وإن كان كذلك في صورة انحصار المقدمة بالمحرمة، إلا أنه

لا يتم في صورة غير الانحصار، والسبب فيه هو أنه لا موجب لتخصيص الوجوب في هذه الصورة بخصوص المقدمة المباحة بعد ما كانت المقدمة المحرمة مثلها في الواجدية للملاك - وهو توقف الواجب عليها ووفائها بالغرض - ومجرد كون المقدمة محرّمة من ناحية انطباق عنوان المحرّم عليها لا يخرجها عن واجديتها للملاك، إذ كما أنّ اجتماع الواجب النفسي مع عنوان محرّم لا ينافي وقوعه على صفة المطلوبية بناءً على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وعدم سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه متعلق الأمر كذلك اجتماع الواجب الغيري كالمسير إلى الحج مثلاً مع عنوان محرّم كالغصب لا ينافي وقوعه على صفة المطلوبية، ومن الواضح أنه لا فرق من هذه الناحية بين الواجب النفسي والغيري.

الثالث : أن الغرض من المقدمة إنّما هو التوصل بها إلى الواجب النفسي، فان كانت توصلية أمكن التوصل بها إلى الواجب النفسي، وإن كانت محرّمة سواء فيه القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه، ضرورة أنه لا أثر له في ذلك أبداً، وإن كانت تعبدية كالطهارات الثلاث، فعندئذ إن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي صحت العبادة في مورد الاجتماع، سواء أقلنا بوجوب المقدمة أم لم نقل، وإن قلنا بامتناع الاجتماع وتقديم جانب النهي على جانب الأمر فلا مناص من الحكم بفسادها، من دون فرق أيضاً بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدم وجوبها، فإذن لا ثمرة للقول بالوجوب من هذه الناحية.

الواجب الأصلي والتبعي

معنى الواجب الأصلي والتبعي

ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) (1)في مبحث مقدمة الواجب أموراً أربعة :

الأوّل : أنّ مسألة مقدمة الواجب من المسائل الأصولية العقلية.

الثاني : تقسيم المقدمة إلى الشرعية والعقلية والعادية من ناحية، وإلى الداخلية والخارجية والمتقدمة والمتأخرة والمقارنة من ناحية أخرى.

الثالث : تقسيم الواجب إلى المشروط والمطلق تارة، وإلى المنجز والمعلق تارة أخرى.

الرابع : بيان الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، والتعرض لما هو الواجب من المقدمة، وبعد الانتهاء عن هذه الأمور الأربعة ذكر انقسام الواجب إلى الأصلي والتبعي. وكان المناسب عليه أن يدرج هذا التقسيم في الأمر الثالث، لأنّه من شؤون تقسيم الواجب، ولعل هذا كان غفلة منه (قدس سره) في مقام التأليف أو كان الاشتباه من الناسخ وكيف كان فالتعرض لهذا التقسيم هنا إنما هو تبعاً للمحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإلّا فهو عديم الفائدة والأثر.

فنقول : إنّ الأصالة والتبعية تلاحظان مرّة بالاضافة إلى مقام الثبوت، ومرة أخرى بالاضافة إلى مقام الاثبات.

أما على الأوّل: فالمراد بالأصلي : هو ما كان متعلقاً للارادة والطلب تفصيلاً ومورداً لالتفات المولى كذلك، والمراد بالتبعي هو ما كان متعلقاً له--ا تبعاً


1) كفاية الأصول : 89 – 122.

وارتكازاً ومورداً للالتفات كذلك. ومن هنا يظهر أنّ هذا التقسيم لا يجري في الواجب النفسي، بداهة أنّه لا يتصف إلا بالأصالة، فلا يعقل أن تكون الارادة المتعلقة به إرادة تبعية وارتكازية، فالتقسيم خاص بالواجب الغيري.

وأمّا على الثاني : فالمراد بالأصلي هو ما كان مقصوداً بالافهام من الخطاب بحيث تكون دلالة الكلام عليه بالمطابقة، وبالتبعي هو ما لم يكن كذلك، بل كانت دلالة الكلام عليه بالتبعية والالتزام، ولكن على هذا فالواجب لا ينحصر بهذين القسمين، بل هنا قسم ثالث : وهو ما لم يكن الواجب مقصوداً بالافهام من الخطاب أصلاً لا أصالة ولا تبعاً، كما إذا كان الواجب مدلولاً لدليل لبي من إجماع أو نحوه، هذا إذا علم بالأصالة والتبعية.

وأما إذا شك في واجب أنه أصلي أو تبعي، فحيث لا أثر لذلك فلا أصل في المقام حتّى يعيّن أحدهما لا لفظاً ولا عملاً. نعم، لو كان لها أثر عملي فمقتضى الأصل هو كون الواجب تبعياً إذا كان عبارة عما لم تتعلق به الارادة المستقلة، وأما إذا كان عبارة عما تعلقت به الارادة التبعية فلا يكون موافقاً للأصل.

أدلة وجوب المقدمة

مقتضى الأصل العملي في المقام

والبحث فيه يقع في مقامين : الأوّل: في مقتضى الأصل العملي. الثاني: في مقتضى الأصل اللفظى.

أمّا المقام الأوّل: فقد أفاد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أنه لا أصل في المسألة الأصولية يعيّن الملازمة عند الشك في ثبوتها أو عدمها، والسبب فيه ما ذكرناه من أنّ هذه الملازمات وإن لم تكن من سنخ الموجودات الخارجية من الأعراض والجواهر، إلا أنها أمور واقعية أزلية كاستحالة اجتماع النقيضين والضدّين والدور والتسلسل وما شاكل ذلك، حيث إنها لم تكن محدودة بحد خاص، بل هي أمور أزلية ولها واقع موضوعي.

وعلى هذا الضوء فان كانت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته ثابتة فهي من الأزل، وإن لم تكن ثابتة فكذلك، ومن الطبيعي أنّ ذلك لن يدع مجالاً للأصل في المقام. وأمّا في المسألة الفرعية فقد أفاد (قدس سره) أنه لا مانع من الرجوع إلى اصالة عدم وجوب المقدمة بتقريب أنها قبل إيجاب الشارع الصلاة مثلاً لم تكن واجبة لفرض عدم وجوب ذيها، وبعد إيجابها شكّ في وجوبها، ومعه لا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدم الوجوب أو أصالة البراءة عنه.

ولنأخذ بالنظر إلى ما أفاده (قدس سره). أما ما أفاده بالاضافة إلى المسألة الأصولية من أنّه لا أصل فيها، فمتين جداً ولا مناص عنه كما عرفت.

وأما ما أفاده بالاضافة إلى المسألة الفرعية من وجود الأصل فيها فانّه قابل

للمؤاخذة، وذلك لأنّ الأصل فيها لا يخلو من أن يكون البراءة أو الاستصحاب.

والأولى : لا تجري بكلا قسميها : أما العقلية، فلأنها واردة لنفي المؤاخذة والعقاب، والمفروض أنّه لا عقاب على ترك المقدمة وإن قلنا بوجوبها، والعقاب إنما هو على ترك الواجب النفسي. وأمّا الشرعية، فبما أنها وردت مورد الامتنان فيختص موردها بما إذا كانت فيه كلفة على المكلف ليكون في رفعها بها امتناناً، والمفروض أنّه لا كلفة في وجوب المقدمة حيث لا عقاب على تركها. على أنّ العقل يستقل بلزوم الاتيان بها لتوقف الواجب عليها، سواء أقلنا بوجوبها أم لم نقل، فإذن أي أثر ومنة في رفع الوجوب عنها بعد لا بدّية الاتيان بها على كل تقدير.

والثاني - وهو الاستصحاب - فأيضاً لا يجري، لأنّ موضوعه وإن كان تاماً، إلا أنه لا أثر له بعد استقلال العقل بلزوم الاتيان بها. وعلى الجملة : فلا يترتب أي أثر على استصحاب عدم وجوبها بعد لابدّية الاتيان بها على كل تقدير، ومعه لا معنى لجريانه.

نعم، لا مانع من الرجوع إلى الأصل من ناحية أخرى، وهى ما ذكرناه سابقاً من الثمرة فيما إذا كانت المقدمة محرّمة وقد توقف عليها واجب أهم، فعندئذ لا بدّ من ملاحظة دليل حرمة المقدمة، فان كان لدليلها إطلاق أو عموم، لزم التمسك به في غير مقدار الضرورة - وهو خصوص المقدمة الموصلة - وإن شئت قلت : إنّ القدر المتيقن هو رفع اليد عن تحريم خصوص تلك المقدمة، وأما غيرها، فان كان إطلاق في البين فلا مناص من التمسك به لاثبات حرمتها، لعدم ضرورة تقتضي رفع اليد عنها، وإن لم يكن إطلاق فالمرجع هو أصل البراءة عن حرمة المقدمة غير الموصلة للشك فيها وعدم دليل عليها. فالنتيجة هي سقوط الحرمة عن المقدمة مطلقاً، سواء أكانت موصلة أم لم تكن، أما ع--ن

الأولى فمن ناحية المزاحمة وأمّا عن الثانية فمن ناحية أصالة البراءة.

هذا على القول بوجوب مطلق المقدمة، وأمّا على القول بوجوب خصوص الموصلة، أو خصوص ما قصد به التوصل، فالساقط إنم--ا هو الحرمة عنه فحسب دون غيره كما سبق.

مقتضى الأصل اللفظي في المقام

وأما المقام الثاني : فقد استدلّ على وجوب المقدمة بأدلة ثلاثة:

الأوّل : ما عن الأشاعرة (1)وملخصه : أنّ المولى إذا أوجب شيئاً فلابد له من إيجاب جميع مقدمات ذلك الشيء، وإلا - أي وإن لم يوجب تلك المقدمات - فجاز تركها، وهذا يستلزم أحد محذورين : إما أن يبقى وجوب ذي المقدمة بحاله، وهو محال لأنّه تكليف بما لا يطاق، أو لا يبقى وجوبه بحاله بل يصير مشروطاً بحصول مقدمته، فيلزم عندئذ انقلاب الواجب المطلق إلى المشروط. وغير خفي أنّ عدم إيجاب الشارع المقدمة مع إيجاب ذيها لا يستلزم أحد هذين المحذورين أبداً، والسبب في ذلك ما تقدّم من أنّه يكفي في القدرة على ذي المقدمة القدرة على مقدمته فلا تتوقف على الاتيان بها خارجاً ولا ع-ل-ى وجوبها شرعاً، بداهة أنّه لا صلة لوجوب المقدمة بالقدرة على ذيها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الشارع وإن لم يوجب المقدمة إلّا أنّ العقل يستقل بلا بدية الاتيان بها بحيث لو لم يأت بها وأدّى ذلك إلى ترك ذي المقدمة لكان عاصياً بنظر العقل واستحق العقاب على مخالفته لفرض أنه خالف تكليف المولى باختياره، فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي أنه لا يلزم من بقاء وجوب ذي المقدمة بحاله تكليف بما لا يطاق، لما عرفت من أنّه مقدور في هذا


1) المعتمد في أصول الفقه 1: 94.

الحال، وعليه فلا موجب للانقلاب أصلاً والحاصل : أن ترخيص المولى بترك المقدمة معناه أنّه لا يعاقب عليه، لا أنّه لا يعاقب على ترك ذيها بعد تمكن المكلف من الاتيان بمقدماته.

الثاني : ما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من أنّ الأوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات تدلنا على إيجاب المقدمة حين إرادة ذيها مثل قوله تعالى: (إِذَا قُمتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (2)وقوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (3)وما شاكل ذلك، ومن الواضح أنّه لا بد من أن يكون لهذه الأوامر ملاك، وهو لا يخلو من أن يكون غير ملاك الواجب النفسي أو يكون هو المقدمية، فعلى الأوّل يلزم أن تكون تلك الأوامر أوامر نفسية وهو خلاف الفرض، فإذن يتعين الثاني، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنّه لا خصوصية لهذه الموارد التي وردت فيها تلك الأوامر، فإذن بطبيعة الحال يتعدى منها إلى غيرها ونقول بوجوب المقدمة مطلقاً.

ولنأخذ بالنقد عليه وهو أنّ الأوامر المزبورة مفادها إرشاد إلى شرطية شيء دون الوجوب المولوي الغيري، ويدلنا على ذلك أمران : الأول : أن المتفاهم العرفي من أمثال تلك الأوامر هو الارشاد دون المولوية. الثاني: ورود مثل هذه الأوامر في أجزاء العبادات كالصلاة ونحوها والمعاملات، ومن الطبيعي أنّ مفادها هو الارشاد إلى الجزئية لا الوجوب المولوي الغيري، كيف حيث قد تقدّم أنّ الجزء لا يقبل الوجوب الغيري.


1) كفاية الأصول : 126.

2) المائدة 6:5.

3) الوسائل 3: 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

الثالث : ما جاء به المحقق صاحب الكفاية (1)وشيخنا الأستاذ (2)(ق-دس سرهما) من أنّ الوجدان أصدق شاهد على ذلك، فانّ من اشتاق إلى شيء وأراده فبطبيعة الحال إذا رجع إلى وجدانه والتفت إلى ما يتوقف عليه ذلك الشيء اشتاق إليه كاشتياقه إلى نفس الواجب ولا فرق من هذه الجهة بين الارادة التكوينية والارادة التشريعية وإن كانتا مختلفتين من حيث المتعلق.

والجواب عنه : أنّه إن أريد من الارادة الشوق المؤكد الذي هو من الصفات النفسانية الخارجة عن اختيار الانسان وقدرته غالباً، ففيه : مضافاً إلى أنّ اشتياق النفس إلى شيء البالغ حدّ الارادة إنما يستلزم الاشتياق إلى خصوص مقدماته الموصلة لو التفت إليها لا مطلقاً، أنّ الارادة بهذا المعنى ليست من مقولة الحكم في شيء ضرورة أنّ الحكم فعل اختياري للشارع وصادر منه باختياره وارادته.

وإن أريد منها الاختيار وإعمال القدرة نحو الفعل، فهي بهذا المعنى وإن كانت من مقولة الأفعال، إلّا أنّ الارادة التشريعية بهذا المعنى باطلة، وذلك لما تقدّم بشكل موسع من استحالة تعلّق الارادة بهذا المعنى أي إعمال القدرة بفعل الغير.

وإن أريد منها الملازمة بين اعتبار شيء على ذمة المكلف وبين اعتبار مقدماته على ذمته فالوجدان أصدق شاهد على عدمها بداهة أنّ المولى قد لا يكون ملتفتاً إلى توقفه على مقدماته كي يعتبرها على ذمته. على أنه لا مقتضي لذلك بعد استقلال العقل بلابدّية الاتيان بها، حيث إنّه مع هذا لغو صرف.

المختار فى مقدمة الواجب

وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الصحيح في المقام أن يقال: إنّه لا دليل


1) كفاية الأصول : 126.

2) أجود التقريرات 1: 335.

على وجوب المقدمة وجوباً مولوياً شرعياً، كيف حيث إنّ العقل بعد أن رأى توقف الواجب على مقدمته ورأى أنّ المكلف لا يستطيع على امتثال الواجب النفسي إلا بعد الاتيان بها، فبطبيعة الحال يحكم العقل بلزوم الاتيان بالمقدمة توصلاً إلى الاتيان بالواجب، ومع هذا لو أمر الشارع بها فلا محالة يك-ون إرشاداً إلى حكم العقل بذلك، لاستحالة كونه مولوياً.

فالنتيجة في نهاية الشوط : هي عدم وجوب المقدمة بوجوب شرعي مولوي لا على نحو الاطلاق ولا خصوص حصة خاصة منها.

مقدمة المستحب والحرام

ثم إننا لو بنينا على وجوب المقدمة شرعاً من ناحية ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب،مقدمته، فهل تختص هذه الملازمة بخصوص ما إذا كان ذو المقدمة واجباً أم يعمّ المستحب أيضاً ؟ الظاهر هو الثاني بعين ما ذكرناه من الملاك لوجوبها في الواجب، وقد تقدم بشكل موسّع.

ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أنّ مقدمة الحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: هو ما لا يتوسط بين المقدمة وذيها اختيار الفاعل وإرادته، فلو أتى بالمقدمة فذو المقدمة يقع في الخارج قهراً عليه بحيث لا يتمكن من تركه نظير العلّة التامة ومعلولها، كما إذا علم المكلف بأنه لو دخل في المكان الفلاني لاضطرّ إلى ارتكاب الحرام قهراً على نحو لا يقدر على التخلّف عنه، وفي هذا القسم حكم (قدس سره) بحرمة المقدمة حرمة نفسية لا غيرية، حيث إنّ النهي الوارد على ذي المقدمة وارد عليها حقيقة، فانها هي المقدورة للمكلف دونه.

الثاني : هو ما يتوسط بين المقدمة وذيها اختيار الفاعل وإرادته، إلا أن المكلف يقصد باتيان المقدمة التوصل إلى الحرام، حيث إنّه بعد إتيانها يقدر على ارتكابه، وفي هذا القسم أيضاً حكم (قدس سره) بالحرمة، ولكنّه تردّد بين الحرمة النفسية والغيرية من ناحية تردّده بين أنّ حرمتها تبتني على حرمة التجري أو على السراية من ذي المقدمة.

الثالث : هو ما يتوسط بين المقدمة وذيها اختيار الفاعل وإرادته، إلا أنّ إتيان المكلف بها ليس بداعي التوصل إلى الحرام، فانّه بعد الاتيان بها وإن تمكن من ارتكابه ولكن لديه صارف عنه، وفي هذا القسم حكم (قدس سره)


1) أجود التقريرات 1: 361.

بعدم الحرمة، إذ لا موجب لها، فانّ الموجب لاتصاف المقدمة بالحرمة أحد أمرين: الأول : أن يكون إتيانها علة تامة للوقوع في الحرام. الثاني: أن يكون الاتيان بها بقصد التوصل. وكلا الأمرين مفقود في المقام.

ولنأخذ بالنظر إلى هذه الأقسام، أما القسم الأوّل: فتحريم المقدمة يتبع القول بوجوب مقدمة الواجب لوحدة الملاك بينهما - وهو توقف امتثال التكليف عليها - غاية الأمر ففي مقدمة الواجب يتوقف امتثال الواجب على الاتيان بها، وفي مقدمة الحرام يتوقف ترك الحرام على تركها وحيث إنا لا نقول بوجوب المقدمة فلا نقول بتحريمها. وأما ما أفاده (قدس سره) من أنّ النهي في هذا القسم حقيقة تعلّق بالمقدمة دون ذيها، نظراً إلى أنها مقدورة دونه فهو مناقض لما أفاده (قدس سره) في غير مورد من أنّ المقدور بالواسطة مقدور، فالمعلول وإن لم يكن مقدوراً ابتداءً إلّا أنّه مقدور بواسطة القدرة على علته، ومن الطبيعي أنّ هذا المقدار يكفي في تعلّق النهي به حقيقة، وعليه فلا مقتضي لحرمة المقدمة.

وأما القسم الثاني : فلأنه لا موجب لاتصاف المقدمة بالحرمة الغيرية وإن قلنا بوجوب مقدمة الواجب، وذلك لعدم توقف الاجتناب عن الحرام على ترك المقدمة لفرض أنّ المكلف بعد الاتيان بها قادر على ترك الحرام، وهذا بخلاف مقدمة الواجب، فانّ المكلف لا يقدر على الواجب عند ترك مقدمته. وأمّا الحرمة النفسية فهى على تقديرها ترتكز على حرمة التجري، ولكن قد حققنا في محلّه (1)أن التجري لا يكون حراماً وإن استحق المتجري العقاب في عليه، وقد ذكرنا هناك أنّه لا ملازمة بين استحقاق المتجري العقاب وحرمة التجري شرعاً. نعم، يظهر من بعض الروايات أنّ هذه الحرمة من ناحية نية الحرام، وقد تعرّضنا لهذه الروايات وما دلّ على خلافها بشكل موسع في مبحث


1) مصباح الأصول 2: 25.

التجري، فلاحظ.

وأما القسم الثالث : فالأمر كما أفاده (قدس سره) حيث إنّه لا موجب لاتصاف المقدمة بالحرمة أصلاً لعدم الملاك له، فان ملاكه إنما ه-و ت-وقف الامتثال عليها، والمفروض أنّ ترك الحرام لا يتوقف على تركها. فالنتيجة : أنّ مقدمة الحرام ليست بمحرّمة إلّا في صورة واحدة - الصورة الأولى - بناءً على وجوب مقدمة الواجب شرعاً، وبما أنه لم يثبت فلا حرمة أصلاً.

ومن هنا يظهر حال مقدمة المكروه من دون حاجة إلى بيان.

هذا آخر ما أوردناه في هذا الجزء (1). وقد تم بعون اللّه تعالى وتوفيقه.


1) [حسب التجزئة السابقة ].

مسألة الضدّ

جهات من البحث

هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه

يقع الكلام في هذه المسألة من جهات:

الأولى : قد تقدّم منا في بحث مقدمة الواجب أن البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته لا يختص بما إذا كان الوجوب مدلولاً لفظياً، فان ملاك البحث يعم مطلق الوجوب، سواء أكان مستفاداً من اللفظ أو الاجماع أو العقل، ولذلك قلنا إنّها من المسائل الأصولية العقلية، لا من مباحث الألفاظ (1).

وهكذا الشأن في مسألتنا هذه، فان جهة البحث فيها في الحقيقة ثبوت الملازمة بين وجوب شيء وحرمة ضدّه.

ومن الواضح أنّ البحث عن تلك الجهة لا يختص بما إذا كان الوج-وب مدلولاً لدليل لفظي، بل يعم الجميع، ضرورة أنّ ما هو المهم في المقام هو البحث عن ثبوت تلك الملازمة وعدمه، ولا يفرق فيه بين أن يكون الوجوب مستفاداً من اللفظ أو من غيره، وإن كان عنوان البحث في المسألة - قديماً وحديثاً - يوهم اختصاص محلّ النزاع بما إذا كان الوجوب مدلولاً لفظياً، إلّا أنّ ذلك من جهة الغلبة، وأنّ الوجوب في الغالب يستفاد من دليل لفظي، لا من جهة اختصاص محلّ النزاع بذلك، كما هو واضح.

ولأجل ذلك تكون المسألة من المسائل الأصولية العقلية لا من مباحث الألفاظ، لعدم صلتها بتلك المباحث أصلاً، كما أنه لا صلة لغيرها من المسائل العقلية بها.


1) راجع ص 114.

الثانية : هل هذه المسألة من المسائل الأصولية أو الفقهية أو المبادئ الأحكامية؟ قالوا في ذلك وجوهاً :

1 - إنّها من المسائل الفقهية، بدعوى أنّ البحث فيها عن ثبوت الحرمة لضدّ الواجب، وعدم ثبوت الحرمة له، وهذا بحث فقهي لا أصولي.

ويدفعه : ما ذكرناه في أوّل بحث الأصول من أنّ هذا التوهم قد ابتنى على كون البحث بحثاً عن حرمة الضدّ ابتداءً، لتكون المسألة فقهية، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ البحث فيها عن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، وعدم ثبوتها، ومن الواضح أنّ البحث عن هذه الناحية ليس بحثاً فقهياً له صلة بأحوال فعل المكلف وعوارضه بلا واسطة.

2 - إنها من المبادئ الأحكامية.

ويدفعه أيضاً : ما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب (1)من أن المبادئ لا تخلو من التصورية والتصديقية ولا ثالث لهما، والمبادئ التصورية هي لحاظ ذات الموضوع أو المحمول وذاتياتهما، ومن الواضح أنّ البحث عن مسألة الضدّ لا يرجع إلى ذلك. والمبادئ التصديقية هي المقدمة التي يتوقف عليها تشكيل القياس، ومنها المسائل الأصولية، فانها مبادئ تصديقية بالاضافة إلى المسائل الفقهية، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها تلك المسائل والأحكام، ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية.

3 - وهو الصحيح، أنها من المسائل الأصولية العقلية.

أما كونها من المسائل الأصولية : فلما قدّمناه في أوّل بحث الأصول (2)من


1) في ص 113.

2) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 4 - 9.

أن المسائل الأصولية ترتكز على ركيزتين :

الأولى : أن تكون استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة من باب الاستنباط والتوسيط، لا من باب التطبيق، أي تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها كتطبيق الطبيعي على أفراده، والكلي على مصاديقه.

الثانية : أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، فكل مسألة إذا ارتكزت على هاتين الركيزتين فهي من المسائل الأصولية، وإلا فلا.

وعلى هذا الأساس نميز كل مسألة ترد علينا أنها أصولية أو فقهية أو غيرها، وحيث إنّ هاتين الركيزتين قد توفرتا في مسألتنا هذه، فهي م-ن المسائل الأصولية لا محالة، إذ أنّها واقعة في طريق استفادة الحكم الشرعي من باب الاستنباط والتوسيط بنفسها بلا توسط كبرى أصولية أخرى.

و توهم خروج هذه المسألة عن علم الأصول، لعدم توفر الركيزة الثانية فيها، إذ لا يترتب أثر شرعي على نفس ثبوت الملازمة بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، لتكون المسألة أصولية، وأمّا حرمة الضدّ فهي وإن ثبتت من ناحية ثبوت تلك الملازمة، إلا أنها حرمة غيرية فلا تصلح لأن تكون ثمرة للمسألة الأصولية.

مندفع بما ذكرناه في أوّل علم الأصول (1)من أنّه يكفي لكون المسألة أصولية ترتب نتيجة فقهية على أحد طرفيها، وإن لم تترتب على طرفها الآخر، بداهة أنّ ذلك لو لم يكن كافياً في اتصاف المسألة بكونها أصولية، للزم خروج كثير من المسائل الأصولية عن علم الأصول، حتّى مسألة حجية خبر الواحد، فانّه على القول بعدم حجيته لا يترتب عليها أثر شرعي أصلاً، ومسألتنا هذه تكون


1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 11.

كذلك، فانّه تترتب عليها نتيجة فقهية على القول بعدم ثبوت الملازمة، وهي صحة الضدّ العبادي، وأما الحكم بفساده على القول الآخر فهو يتوقف على استلزام النهي الغيري كما يستلزمه النهي النفسي، وسنتعرض إلى ذلك إن شاء اللّه تعالى بشكل واضح.

فالنتيجة الكلية هي أنّ الملاك في كون المسألة أصولية وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها ولو باعتبار أحد طرفيها، في مقابل ما ليس له هذا الشأن وهذه الخاصة كمسائل سائر العلوم.

وأما كونها عقلية : فلأنّ الحاكم بالملازمة المزبورة إنما هو العقل، ولا صلة لها بدلالة اللفظ أبداً.

الثالثة : أن المراد من الاقتضاء في عنوان المسألة ليس ما هو ظاهره، بل الأعم منه ومن الاقتضاء بنحو الجزئية والعينية، ليعم جميع الأقوال، فان منها قولاً بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضده. ومنها قول بأنّ النهي عن الضدّ جزء من الأمر بالشيء. ومنها قول بأنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده كما هو ظاهر لفظ الاقتضاء، فالتعميم لأجل أن لا يتوهم اختصاص النزاع بالقول الأخير.

الرابعة : أنّ المراد بالضد في محل البحث مطلق ما يعاند الشيء وينافيه، سواء أكان أمراً وجودياً كالأضداد الخاصة، أو الجامع بينها، وقد يعبّر عن هذا الجامع بالضد العام أيضاً، أم كان أمراً عدمياً كالترك الذي هو المسمّى عندهم بالضد العام فإنّ من الأقوال في المسألة قولاً بأنّ الأمر بالشي يقتضي النهي عن ضدّه العام وهو الترك.

وبعد بيان ذلك نقول : إن الكلام يقع في مقامين :

الأوّل: في الضدّ الخاص.

والثاني : في الضدّ العام.

الكلام في الضدّ الخاص

الاستدلال على الاقتضاء بمقدمية ترك أحد الضدّين للآخر

أما الكلام في المقام الأوّل: فقد استدلّ جماعة على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، سواء أكان المراد به أحد الأضداد الخاصة أو الجامع بينها بوجهين :

الأول : أنّ ترك أحد الضدّين مقدمة للضد الآخر، ومقدمة الواجب واجبة، فإذا كان الترك واجباً فالفعل لا محالة يكون محرّماً، وهذا معنى النهي عنه.

أقول : هذا الدليل مركب من مقدمتين : إحداهما صغرى القياس. والثانية كبراه، فلابد من درس كل واحدة منهما.

أمّا المقدمة الأولى فبيانها أنّ العلّة التامة مركبة من أجزاء ثلاثة 1 - المقتضي وهو الذي بذاته يقتضي التأثير في مقتضاه. 2- الشرط وهو الذي يصحح فاعلية المقتضي. 3- عدم المانع وهو الذي له دخل في فعلية تأثير المقتضي. ومن الواضح أنّ العلة التامة لا تتحقق بدون شيء من هذه المواد الثلاث، فبانتفاء واحدة منها تنتفي العلة التامة لا محالة.

ونتيجة ذلك : هي أنّ عدم المانع من المقدمات التي لها دخل في وج-ود المعلول، ويستحيل تحققه بدون انتفائه. ويترتب على ذلك أنّ ترك أحد الضدّين مقدمة لوجود الضدّ الآخر، لأنّ كلاً منهما مانع عن الآخر، وإلا لم يكن بينهما تمانع وتضاد، فإذا كان كل منهما مانعاً عن الآخر فلا محالة يكون عدمه مقدمة له، إذ كون عدم المانع من المقدمات ممّا لا يحتاج إلى مؤونة بيان، وإقامة برهان.

وأمّا المقدمة الثانية : فهي أنّ مقدمة الواجب واجبة، وقد تقدم الكلام فيها.

فالنتيجة من ضمّ المقدمة الأولى إلى هذه المقدمة هي: أنّ ترك الضدّ بما أنه مقدمة للضد الواجب - كما هو المفروض في المقام - يكون واجباً، وإذا ك--ان تركه واجباً ففعله حرام لا محالة، مثلاً ترك الصلاة بما أنّ-ه م-قدمة للازالة الواجبة فيكون واجباً، وإذا كان واجباً ففعلها الذي هو ضد الازالة يكون حراماً، وهذا معنى أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد.

ولكن كلتا المقدمتين قابلة للمناقشة :

كلام المحقق النائيني في المقام

أمّا المقدمة الأولى : فقد أنكرها جماعة من المحققين منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)وقال باستحالة المقدمية، وأفاد في وجهها أمرين:

الأول : أن المعلول وإن كان مترتباً على تمام أجزاء علته التامة، إلا أنّ تأثير كل واحد منها فيه يغاير تأثير الآخر فيه، فان تأثير المقتضي فيه بمعنى ترشحه منه ويكون منه الأثر والوجود كالنار بالإضافة إلى الاحراق، فانّ الإحراق يترشح من النار، وأنها فاعل ما منه الوجود والأثر، لا المحاذاة مثلاً أو بقية الشرائط. وأمّا تأثير الشرط فيه بمعنى أنه مصحح لفاعلية المقتضي وتأثيره أثره، فانّ النار لا تؤثر في الاحراق بدون الماسة والمحاذاة وما شاكلها، فتلك الشرائط مصححة لفاعلية النار وتأثيرها فيه، لا أن الشرط بنفسه مؤثر فيه. ومن هنا إذا انتفى الشرط لم يؤثر المقتضي.

أو فقل : إنّ الشرط في طرف القابل متمم قابليته، وفي طرف الفاعل مصحح فاعليته، فلا شأن له ما عدا ذلك. وأمّا عدم المانع فدخله باعتبار أن وجوده يزاحم المقتضي في تأثيره، كالرطوبة الموجودة في الحطب، فان دخل عدمها في


1) أجود التقريرات 2 : 11.

الاحتراق باعتبار أنّ وجودها مانع عن تأثير النار في الاحراق، وهذا معنى دخل عدم المانع في وجود المعلول، وإلا فلا يعقل أن يكون العدم بما هو من أجزاء العلة التامة، بداهة استحالة أن يكون العدم دخيلاً في الوجود ومؤثراً فيه

ومن ذلك البيان يظهر طولية أجزاء العلة التامة، فانّ مانعية المانع متأخرة رتبة عن وجود المقتضي، وعن وجود جميع الشرائط، كما أن شرطية الشرط متأخرة رتبة عن وجود المقتضي فان دخل الشرط في المعلول إنما هو في مرتبة وجود مقتضيه، ليكون مصححاً لفاعليته، لما عرفت آنفاً من أن الشرط في نفسه لا يكون مؤثراً فيه. ودخل عدم المانع إنما يكون في ظرف تحقق المقتضي مع بقية الشرائط، ليكون وجوده مزاحماً له في تأثيره ويمنعه عن ذلك.

وعلى ضوء ذلك قد اتضح استحالة اتصاف المانع بالمانعية إلا في ظرف وجود المقتضي مع سائر الشرائط، كما أنه يستحيل اتصاف الشرط بالشرطية إلا فيما إذا كان المقتضي موجوداً، مثلاً الرطوبة في الجسم القابل للاحتراق لا تتصف بالمانعية إلا في ظرف وجود النار ومماستها مع ذلك الجسم، ليكون عدم الاحتراق مستنداً إلى وجود المانع، وأما إذا لم تكن النار موجودة، أو كانت ولم تكن مماسة مع ذلك الجسم فلا يمكن أن يستند عدم الاحتراق إلى وجود المانع.

ولنأخذ مثالاً لتوضيح ذلك : إذا فرضنا أنّ النار موجودة والجسم القابل للاحتراق مماس لها، ومع ذلك لم يحترق، إذن نفتش عن سبب ذلك وما هو، وبعد الفحص يتبيّن لنا أنّ سببه الرطوبة الموجودة في ذلك الجسم وهي التي توجب عدم قابليته للاحتراق وتأثير النار فيه، فيكون عدمه مست- مستنداً إلى وجود المانع. وكذا إذا فرض أنّ اليد الضاربة قوية والسيف حاد، ومع ذلك لا أثر للقطع في الخارج، فلا محالة عدم قبول الجسم للانقطاع والتأثر بالسيف من

جهة المانع وهو صلابة ذلك الجسم، لوجود المقتضي المقارن مع شرطه.

وأمّا إذا فرض أنّ النار موجودة، ولكن الجسم القابل للاحتراق لم يكن مماساً لها، أو أنّ اليد الضاربة كانت قوية ولكن السيف لم يكن حاداً، فعدم المعلول عندئذ لا محالة يستند إلى عدم الشرط، لا إلى وجود المانع، فالمانع في هذه اللحظة يستحيل أن يتصف بالمانعية فعلاً، فان أثره المنع عن فعلية تأثير المقتضي، ولا أثر له في ظرف عدم تحقق الشرط.

وكذلك إذا لم تكن النار موجودة، أو كانت اليد الضاربة ضعيفة جداً أو مشلولة، فعدم المعلول عندئذ لا محالة يستند إلى عدم مقتضيه، لا إلى عدم المماسة أو الرطوبة، أو إلى عدم حدة السيف، أو صلابة الجسم كل ذلك لم یکن.

وهذا من الواضحات خصوصاً عند المراجعة إلى الوجدان، فان الانسان إذا لم يشته أكل طعام فعدم تحققه يستند إلى عدم المقتضي، وإذا اشتهاه ولكن لم يجد الطعام فعدم الأكل يستند إلى عدم الشرط، وإذا كانت الشروط متوفرة ولكنّه منع عن الأكل مانع، فعدمه يستند إلى وجود المانع وهكذا.

وبعد بيان ذلك نقول : إنّه يستحيل أن يكون وجود أحد الضدّين مانعاً عن وجود الضدّ الآخر، لما سبق من أنّ المانع إنما يتصف بالمانعية في لحظة تحقق المقتضي مع بقية الشرائط.

ومن الواضح البيّن أنّ عند وجود أحد الضدّين يستحيل ثبوت المقتضي للضدّ الآخر، ليكون عدمه مستنداً إلى وجود ضدّه، لا إلى عدم مقتضيه، والوجه في ذلك : هو أنّ المضادة والمنافرة بين الضدّين والمعلولين تستلزم المضادة والمنافرة بين مقتضييهما، فكما يستحيل اجتماع الضدّين في الخارج، فكذلك يستحيل اجتماع مقتضييهما فيه، لأنّ اقتضاء المحال محال.

أو فقل : إنّ عدم الضدّ إنّما يستند إلى وجود الضدّ الآخر في فرض ثبوت المقتضي له، وهذا غير معقول، كيف فان لازم ذلك هو أن يمكن وجوده في عرض وجود ذلك الضدّ والمفروض أنه محال، فالمقتضي له أيضاً محال، بداهة أنّ استحالة اقتضاء المحال من الواضحات الأولية، وإلا فما فرض أنّه محال لم یيكن محالاً، وهذا خلف.

ولنأخذ مثالاً لذلك : إن وجود السواد مثلاً في موضوع لو كان مانعاً ع---ن تحقق البياض فيه فلابد أن يكون ذلك في ظرف ثبوت المقتضي له، ليكون عدمه - البياض - مستنداً إلى وجود المانع، وهو وجود السواد، لا إلى عدم مقتضيه. وثبوت المقتضي له محال وإلا لكان وجوده - البياض - في عرض وجود الضدّ الآخر - السواد - ممكناً، وحيث إنّه محال فيستحيل ثبوت المقتضي له، لأن اقتضاء المحال محال.

وعليه فإذا كان المقتضي لأحدهما موجوداً فلا محالة يكون المقتضي للآخر معدوماً، إذن يكون عدمه دائماً مستنداً إلى عدم مقتضيه، لا إلى وجود المانع.

هذا بالاضافة إلى إرادة شخص واحد في غاية الوضوح، بداهة استحالة تحقق إرادة كل من الضدّين في آن واحد من شخص واحد، فلا يمكن تحقق إرادة كل من الصلاة والإزالة في نفس المكلف، فان أراد الإزالة لم يمكن تحقق إرادة الصلاة، وإن أراد الصلاة لم يمكن تحقق إرادة الازالة، فترك كل واحدة منهما عند الاشتغال بالأخرى مستند إلى عدم المقتضي له، لا إلى وجود المانع مع ثبوت المقتضي.

وأما بالإضافة إلى إرادة شخصين للضدين فالأمر أيضاً كذلك، لأنّ إحدى الارادتين لا محالة تكون مغلوبة للارادة الأخرى، لاستحالة تأثير كلتيهما معاً، وعندئذ تسقط الإرادة المغلوبة عن صفة الاقتضاء، لاستحالة اقتضاء المحال

وغير المقدور، لفرض أنّ متعلقها خارج عن القدرة فلا تكون متصفة بهذه الصفة، فيكون وجودها وعدمها سيان.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ المانع بالمعنى الذي ذكرناه - وهو ما يتوقف على عدمه وجود المعلول في الخارج - ما كان مزاحماً للمقتضي في تأثيره أثره، ومانعاً عنه عند وجدانه الشرائط، وهذا المعنى مفقود في الضدّين كما مرّ.

فالنتيجة إذن : أنّه لا وجه لدعوى توقف أحد الضدّين على عدم الآخر، إلا تخيل أنّ المنافاة والمعاندة بينهما تقتضي التوقف المزبور، ولكنّه خيال فاسد، ضرورة أن ذلك لو تم لكان تحقق كل من النقيضين متوقفاً على عدم الآخر أيضاً، لوجود الملاك فيه، وهو المعاندة والمنافاة. مع أن بطلان ذلك م-ن الواضحات فلا يحتاج إلى مؤونة بيان وإقامة برهان.

ونلخص ما أفاده (قدس سره) في عدّة نقاط :

الأولى : أنّ مانعية المانع في مرتبة متأخرة عن مرتبة وجود المقتضي ووجود الشرط، فيكون استناد عدم المعلول إلى وجود المانع في ظرف ثبوت المقتضي مع بقية الشرائط، وإلا فالمانع لا يكون مانعاً كما سبق.

الثانية : أنّ وجود كل من الضدّين بما أنّه يستحيل في عرض الآخر ويمتنع تحققه في الخارج، فثبوت المقتضي له في عرض ثبوت المقتضي للآخر أيضاً محال، لأن اقتضاء المحال محال كما عرفت.

الثالثة : أنّ المعاندة والمنافاة بين الضدّين لو كانت مقتضية للتوقف المذكور لكانت مقتضية له بالإضافة إلى النقيضين أيضاً، وبطلانه غني عن البيان.

ولنأخذ الآن بدرس هذه النقاط :

أمّا النقطة الأولى : فهي في غاية الصحة والمتانة على البيان المتقدم.

وأمّا النقطة الثانية : فللمناقشة فيها مجال واسع، وذلك لأنه لا مانع من ثبوت المقتضي لكل من الضدّين في نفسه، مع قطع النظر عن قطع النظر عن الآخر، ولا استحالة فيه أصلاً.

والوجه في ذلك هو : أنّ كلاً من المقتضيين إنما يقتضي أثره في نفسه مع عدم ملاحظة الآخر، فمقتضي البياض مثلاً إنما يقتضيه في نفسه سواء أكان هناك مقتض للسواد أم لم يكن، كما أنّ مقتضي السواد إنما يقتضيه كذلك، وإمكان هذا واضح، ولا نرى فيه استحالة، فانّ المستحيل إنما هو ثبوت المقتضي لكل من الضدّين بقيد التقارن والاجتماع لا في نفسه أو اقتضاء شيء واح-د ب-ذات-ه الأمرين متنافيين في الوجود، وهذا مصداق قولنا اقتضاء المحال محال، لا فيما إذا كان هناك مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضي في نفسه شيئاً مخصوصاً وأثراً خاصاً مع قطع النظر عن ملاحظة الآخر.

والبرهان على ذلك : أنّه لولا ما ذكرناه من إمكان ثبوت المقتضي لكل منهما في نفسه، لم يمكن استناد عدم المعلول إلى وجود مانعه أصلاً، لأنّ أثر المانع كالرطوبة مثلاً لا يخلو من أن يكون مضاداً للمعلول - وهو الاحراق - وأن لا يكون مضاداً له، فعلى الفرض الأوّل يستحيل ثبوت المقتضي للمعلول والممنوع، ليكون عدمه مستنداً إلى وجود مانعه، لفرض وجود ضدّه وهو أثر المانع، وقد سبق أن عند وجود أحد الضدّين يستحيل ثبوت المقتضي للآخر، فيكون عدمه من جهة عدم المقتضي لا من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له. وعلى الفرض الثاني فلا مقتضي لكونه مانعاً منه، بداهة أنّ مانعية المانع من جهة مضادة أثره للممنوع، فإذا فرض عدم مضادته له فلا موجب لكونه مانعاً أصلاً.

وقد تبين لحد الآن أنه لا مانع من أن يكون أحد الضدّين مانعاً عن الآخر

ليستند عدمه إليه، لا إلى عدم مقتضيه لفرض إمكان ثبوته في نفسه، بحيث لولا وجود الضدّ الآخر لكان يؤثر أثره، ولكن وجوده يزاحمه في تأثيره ويمنعه عن ذلك، مثلاً إذا فرض وجود مقتض لحركة شيء إلى طرف المشرق ووجد مقتض لحركته إلى طرف المغرب، فكل من المقتضيين إنما يقتضي الحركة في نفسه إلى كل من الجانبين، مع عدم ملاحظة الآخر، فعندئذ كان تأثير كل واحد منهما في الحركة إلى الجانب الخاص متوقفاً على عدم المانع منه، فإذا وجدت إحدى الحركتين دون الأخرى فلا محالة يكون عدم هذه مستنداً إلى وجود الحركة الأولى، لا إلى عدم مقتضيها، فانّ المقتضي لها موجود على الفرض، ولولا المانع لكان يؤثر أثره، ولكنّ المانع - وجود تلك الحركة - بزاحمه في تأثيره.

وعلى الجملة : فلاريب في إمكان ثبوت المقتضيين في حد ذاتها، حتّى إذا كانا في موضوع واحد أو محل واحد كارادتين من شخص واحد، أو سببين في موضوع واحد، فضلاً عما إذا كانا في موضوعين أو محلين، كارادتين من شخصين، أو سببين في موضوعين، إذ لا مانع من أن يكون في شخص واح-د مقتض للقيام من جهة، ومقتض للجلوس من جهة أخرى، وكلا المقتضيين موجود في حد ذاتها مع الغض عن الآخر، فعندئذ إذا وجد أحد الفعلين دون الآخر فعدم هذا لا محالة يكون مستنداً إلى وجود ذاك، لا إلى عدم مقتضيه، لفرض أنّ المقتضي له موجود، وهو يؤثر أثره لولا مزاحمة المانع له.

ونتيجة ما ذكرناه هي : أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن أحد الضدّين إذا كان موجوداً يستحيل ثبوت المقتضي للآخر لا يتم، ومنشأ ذلك غفلته (قدس سره) عن نقطة واحدة هي تخيل أن المقام من موارد الكبرى المتسالم عليها، وهي أنّ اقتضاء المحال محال، مع أنّ الأمر ليس كذلك،

فانّ المقام أجنبي عنه، فان اقتضاء المحال إنما يتحقق في أحد موردين:

الأول : ما إذا كان هناك شيء واحد يقتضي بذاته أمرين متنافيين في الوجود.

الثاني : ما إذا فرض هناك ثبوت المقتضي لكل من الضدّين بقيد الاجتماع والتقارن، ومن الواضح أنّه لا صلة لكلا الموردين بالمقام، وهو ما إذا كان هناك مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضي شيئاً مخصوصاً، وأثراً خاصاً في نفسه، بلا ربط له بالآخر، وهذا هو مراد القائلين بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فانّهم بعد ما تسالموا على الكبرى - وهي وجوب مقدمة الواجب - قد نقحوا الصغرى - وهي كون عدم أحد الضدّين مقدمة للضدّ الآخر - بالشكل الذي بيناه، ثم أخذوا النتيجة بضم الصغرى إلى الكبرى وهي حرمة الضد.

وأمّا النقطة الثالثة : فيرد عليها أنّ المعاندة والمنافرة بين الضدّين لو سلّم اقتضاؤها للتوقف المزبور، فلا يسلم اقتضاؤها له بين النقيضين، إذ لا يعقل التوقف بين النقيض وعدم نقيضه، بداهة أنّ عدم الوجود عين العدم البديل له فكيف يعقل توقف ذلك العدم على عدم الوجود، لأنه من توقف الشيء على نفسه وهو محال، مثلاً عدم الانسان عين العدم البديل له فلا يكاد يمكن توقف العدم البديل له على عدمه بداهة أن توقف شيء على شيء يقتضي المغايرة والاثنينية بينهما في الوجود، فضلاً عن المغايرة في المفهوم. ومن الظاهر أنه لا مغايرة بين عدم الانسان مثلاً والعدم البديل له لا خارجاً ولا مفهوماً.

نعم المغايرة المفهومية بين عدم العدم والوجود ثابتة، لكنّه لا تغاير بينهما في الخارج، مثلاً الانسان مغاير مفهوماً مع عدم نقيضه وهو العدم البديل له، ولكنهما متحدان عيناً وخارجاً، فان عدم عدم الانسان عين الانسان في الخارج، إذن لا معنى لتوقف تحقق أحد النقيضين على عدم الآخر.

وهذا بخلاف الضدّين، فأنّه لمكان المغايرة بينهما مفهوماً وخارجاً لا يكون

توقف أحدهما على عدم الآخر من توقف الشيء على نفسه.

فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ المعاندة والمنافرة بين الضدّين لو اقتضت توقف أحدهما على عدم الآخر لثبت ذلك في النقيضين أيضاً، لا يرجع إلى معنى محصل أصلاً.

الوجه الثاني : أنّ عدم أحد الضدّين لو فرض ثبوت المقتضي له أيضاً يستند إلى وجود مقتضي الآخر، لا إلى وجود نفسه، بيان ذلك : أنّ الصور المتصورة في المقام ثلاثة لا رابع لها.

الأولى: أن يكون المقتضي لكل من الضدّين موجوداً.

الثانية : أن لا يكون المقتضي لشيء منهما موجوداً، عكس الأولى.

الثالثة : أن يكون المقتضي لأحدهما موجوداً دون المقتضي للآخر. أما الصورتان الأخيرتان فالأمر فيهما واضح، فان عدم ما لا مقتضي له مستند إلى عدم مقتضيه، لا إلى وجود الضدّ الآخر.

وإنّما الكلام في الصورة الأولى فنقول : إنّ المقتضيين الموجودين في عرض واحد لا يخلوان من أن يكونا متساويين في القوة، وأن يكون أحدهما أقوى من الآخر.

أما على الأوّل: فلا يوجد شيء من الضدّين، لاستحالة تأثير كل منهما أثره معاً، وتأثير أحدهما المعين فيه دون الآخر ترجيح من دون مرجح، أو خلف إن فرض له مرجح. ومن ذلك يعلم أنّ المانع من وجود الضدّ مع فرض ثبوت مقتضيه إنّما هو وجود المقتضي للضدّ الآخر، لا نفس وجود الضد. وفي هذا الفرض بما أنّ كلاً من المقتضيين يزاحم الآخر في تأثيره ويمنعه عن ذلك،

فان تأثير كل منهما منوط بعدم المانع عنه، ووجود مقتضي الضدّ الآخر مانع،

فلا محالة يكون عدم كل من الضدّين مستنداً إلى وجود المقتضي للآخر لا إلى نفسه.

وأما على الثاني : فيؤثر القوي في مقتضاه، ويكون مانعاً عن تأثير المقتضي الضعيف، والضعيف لا يمكن أن يكون مانعاً من القوي.

بيان ذلك : أن القوي لمكان قوته يزاحم الضعيف ويمنعه من التأثير في مقتضاه، فنفس وجوده موجب لفقد شرط من شرائطه وهو عدم المزاحم، فانّه شرط تأثيره ومصحح فاعليته فيكون عدم القوي شرطاً لتأثير الضعيف، ووجوده مانعاً منه.

وعلى هدى ذلك يعلم أنّ عدم تمامية علية الضعيف مستند إلى تمامية علية القوي ووجوده، وبما أنّ الضعيف لا يمكن أن يزاحم القوي في تأثيره يكون تام الاقتضاء والفاعلية، فهو بصفته كذلك يزاحم الضعيف ويمنعه عن تأثيره في معلوله، فعدم مزاحمة الضعيف بالتالي منته إلى ضعف في نفسه بالاضافة إلى المقتضي الآخر، إذ لو كان قوياً مثله لزاحمه في تأثيره لا محالة، فعدم قابليته لأن يزاحم الآخر وقابلية الآخر لأن يزاحمه لأجل عدم قوته بالإضافة إليه، وإن كان قوياً في نفسه وتامّ الفاعلية والاقتضاء مع قطع النظر عن مزاحمة الآخر له، ولذا لو لم يكن القوي في البين لأثر الضعيف في مقتضاه، ففي هذا الفرض يستند عدم الضدّ إلى وجود المقتضي القوي للضدّ الآخر، لا إلى نفس وجوده، ولا إلى عدم مقتضي نفسه، فانّه موجود على الفرض، ولكن المانع منعه عن تأثيره وهو وجود المقتضي القوي.

وعلى الجملة : ففيما إذا كان المقتضيان متفاوتين بالقوة والضعف، فيستحيل أن يؤثر الضعيف في مقتضاه، لأنّ تأثير كل مقتض مشروط بعدم المانع المزاحم له، والقوي لمكان قوته مزاحم له ومع ذلك لو أثر الضعيف دون القوي للزم

انفكاك المعلول عن علته التامة، وصدوره عن علته الناقصة، فان علية القوي كما عرفت تامة فلا حالة منتظرة فيه أصلاً، إذ الضعيف لمكان ضعفه لا يمكن أن يزاحمه، وعلية الضعيف ناقصة لوجود المانع المزاحم له، إذن يستند عدم الضدّ الذي يقتضيه السبب الضعيف إلى وجود السبب القوي، فانّه مانع عن تأثير الضعيف ومزاحم له، وإلا فالمقتضي له موجود. وقد سبق أن عدم المعلول إنما يستند إلى وجود المانع في ظرف تحقق المقتضي وبقية الشرائط.

ولنأخذ لذلك مثالين :

الأول : ما إذا فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدّين في محل واحد، كارادة الضدّين من شخص واحد وكانت إرادته بالاضافة إلى أحدهما أقوى من إرادته بالاضافة إلى الآخر، كما لو كان هناك غريقان وقد تعلقت إرادته بانقاذ كل واحد منهما في نفسه، ولكن إرادته بالاضافة إلى إنقاذ أحدهما أقوى من إرادته بالاضافة إلى إنقاذ الآخر، من جهة أنّ أحدهما عالم والآخر جاهل، أو كان أحدهما صديقه والآخر أجنبياً عنه، وغير ذلك من الخصوصيات والعناوين الموجبة لكثرة الشفقة والمحبة بالاضافة إلى إنقاذ أحدهما دون الآخر، ففي مثل ذلك لا محالة يكون المؤثر هو الارادة القوية دون الارادة الضعيفة، فانّها لمكان ضعفها تزاحمها الارادة القوية، وتمنعها عن تأثيرها في مقتضاها، وتلك لمكان قوتها لا تزاحم بها. إذن عدم تحقق مقتضي الارادة الضعيفة غير مستند إلى وجود الضدّ الآخر، ولا إلى عدم مقتضيه، فان مقتضيه وهو الارادة الضعيفة موجود على الفرض، بل هو مستند إلى وجود المانع والمزاحم له، وهو الارادة القوية.

الثاني : ما إذا فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدّين في محلّين وموضوعين، كما إذا كان كل منهما متعلقاً لارادة شخص ولكن كانت إرادة أحدهما أقوى

من إرادة الآخر، كما إذا أراد أحد الشخصين مثلاً حركة جسم إلى جانب وأراد الآخر حركة ذلك الجسم إلى جانب آخر وهكذا، ففي مثل ذلك أيضاً يكون المؤثر هو الارادة الغالبة دون الارادة المغلوبة، فعدم أثرها أيضاً غير مستند إلى وجود أثر تلك الارادة، بل هو مستند إلى مزاحمتها بها، لمكان ضعفها وعدم مزاحمة تلك بها لمكان قوتها.

فالنتيجة إذن : لا يمكن فرض وجود صورة يستند عدم الضدّ في تلك الصورة إلى وجود الضدّ الآخر، لا إلى وجود سببه، أو عدم مقتضي نفسه.

أقول : هذا الوجه في غاية المتانة والاستقامة ولا مناص من الالتزام ب-ه ولا سيما بذلك الشكل الذي بيناه.

کلام صاحب الكفاية في المقام

وذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وجهاً ثالثاً لاستحالة مقدمية عدم الضدّ للضدّ الآخر، وإليك نصّه :

وذلك لأنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلا عدم اجتماعهما في التحقق، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة، من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى، فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين (1).

أقول : توضيح ما أفاده (قدس سره) : أنّ المنافرة والمعاندة بين الضدّين كما تقتضي استحالة اجتماعهما في التحقق والوجود في زمن واحد، كذلك تقتضي استحالة اجتماعهما في مرتبة واحدة، فإذا استحال اجتماعهما في مرتبة واحدة كان


1) كفاية الأصول : 130.

عدم أحدهما في تلك المرتبة ضرورياً وإلا فلابد أن يكون وجوده فيها كذلك، لاستحالة ارتفاع النقيضين عن الرتبة، مثلاً البياض والسواد متضادان، وقضية مضادة أحدهما مع الآخر ومعاندتهما استحالة اجتماعهما في الوجود في موضوع وفي آن واحد أو رتبة،واحدة فكما أنّ استحالة اجتماعها في زمان واح---د تستلزم ضرورة عدم أحدهما في ذلك الزمان، كذلك استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة تستلزم ضرورة عدم واحد منهما في تلك الرتبة، لاستحالة ارتفاع النقيضين عن المرتبة أيضاً، بأن لا يكون وجوده في تلك المرتبة ولا عدمه.

ومن ذلك يعلم أنّ مراده (قدس سره) من أنّه لا منافاة بين وجود أح---د الضدّين وعدم الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة، ما ذكرناه من أنّ المضادة بين شيئين لا تقتضي إلا استحالة اجتماعهما في التحقق والوجود في آن واحد أو رتبة واحدة، وإذا استحال تحققهما في مرتبة فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة واجباً، مثلاً عدم البياض في مرتبة وجود السواد وكذلك عدم السواد في مرتبة وجود البياض ضروري، كيف ولو لم يكن عدم البياض في تلك المرتبة يلزم أحد محذورين: إمّا ارتفاع النقيضين عن تلك المرتبة لو لم يكن وجود البياض أيضاً في تلك المرتبة، أو اجتماع الضدّين فيها إذا كان البياض موجوداً فيها، وليس غرضه من ذلك نفي المقدمية والتوقف بمجرد كمال الملاءمة بينهما ليرد عليه ما أورده شيخنا المحقق (قدس سره) (1)من أنّ كمال الملاءمة بينهما لا يدل عليه فان بين العلة والمعلول كمال الملاءمة ومع ذلك لا يكونان متحدين في الرتبة.

كما أن غرضه (قدس سره) من قوله : فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين، هو ما


1) نهاية الدراية 2: 180.

ذكرناه، وليس غرضه من ذلك الاستدلال على نفي التوقف والمقدمية بقياس المساواة، بدعوى أنّ عدم أحد الضدّين في مرتبة وجوده، لأنها نقيضان والنقيضان في رتبة واحدة، وبما أنّ وجود أحد الضدّين في مرتبة وجود الآخر لأنّ ذلك مقتضى التضاد بينهما كان عدم أحد الضدّين في مرتبة وجود الآخر. و

ذلك لما ذكرناه غير مرّة من أنّ التقدم والتأخر والتقارن بين شيئين تارة تلاحظ بالاضافة إلى الزمان، ومعنى ذلك أنّ الملاك في تقدم شيء على شيء آخر أو تأخره عنه أو تقارنه معه هو نفس الزمان لا غيره، وتارة أخرى تلاحظ بالاضافة إلى الرتبة مع تقارنهما بحسب الزمان، وحينئذ فالملاك فيه شيء آخر غير الزمان.

أما إذا كان التقدم والتأخر بين شيئين أو التقارن بينهما بالزمان، فكل ما هو متحد مع المتقدم في الزمان متقدم على المتأخر بعين الملاك الموجود في المتقدم، وهو كونه في الزمان المتقدم، وكل ما هو متحد مع المتأخر في الزمان متأخر عن المتقدم بعين الملاك الموجود في المتأخر، وهو كونه في الزمان المتأخر. وكل ما هو متحد مع المقارن في الزمان مقارن لتحقق ملاك التقارن فيه، وهذا من الواضحات فلا يحتاج إلى مؤونة بيان.

وأما إذا كان التقدم والتأخر بينهما بلحاظ الرتبة دون الزمان فالأمر ليس كذلك، فانّ ما هو متحد مع المتقدم في الرتبة لا يلزم أن يكون متقدماً على المتأخر، وكذا ما هو متحد مع المتأخر فيها أو المقارن لا يلزم أن يكون متأخراً أو مقارناً، مثلاً العلة متقدمة على المعلول رتبة، وما هو متحد معها في الرتبة - وهو العدم البديل لها - لا يكون متقدماً عليه، والمعلول متأخر عن العلة رتبة وما هو متحد معه - وهو عدمه البديل له - لا يكون متأخراً عنها.

والوجه في ذلك هو : أنّ التقدم أو التأخر بالرتبة والطبع لا يكون جزافاً، بل

لا بد أن يكون ناشئاً من ملاكٍ مقتض له، فكل ما كان فيه الملاك الموجب لتقدمه أو تأخره فهو، وإلّا فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر أصلاً، فهذا الملاك تارة يختص بوجود الشيء فلا يمكن الالتزام بالتقدم أو التأخر في عدمه، وتارة أخرى يختص بعدمه، فلا يعقل الالتزام به في وجوده، فانه تابع لوجود الملاك، ففي كل مورد لا يوجد فيه الملاك لا يمكن فيه التقدم أو التأخر، بل لا بد فيه من الالتزام بالاتحاد والمعية في الرتبة، فان ملاك المعية انتفاء ملاك التقدم والتأخر، لا أنها ناشئة من ملاك وجودي.

وعلى ضوء ذلك نقول : إنّ تقدّم العلة على المعلول بملاك ترشح وجود المعلول من وجود العلة، كما أن تقدّم الشرط على المشروط بملاك توقف وجوده على وجوده، وتقدّم عدم المانع على الممنوع بملاك توقف وجوده عليه، وأمّا عدم العلة فلا يكون متقدماً على وجود المعلول، لعدم ملاك التقدم فيه، كما أن عدم المعلول لا يكون متأخراً عن وجود العلة مع أنه في مرتبة وجود المعلول، لعدم تحقق ملاك التأخر فيه، وكذا لا يكون عدم الشرط متقدماً على المشروط، ولا عدم المشروط متأخراً عن وجود الشرط، لاختصاص ملاك التقدم والتأخر بوجود الشرط ووجود المشروط دون وجود أحدهما وعدم الآخر.

وعلى الجملة : فما كان مع المتقدم في الرتبة كالعلة والشرط ليس له تقدّم على المعلول والمشروط، إذ التقدم بالعلية شأن العلة دون غيرها، والتقدم بالشرطية شأن الشرط دون غيره، فانّ التقدم بالعلية أو الشرطية أو نحوها الثابت لشيء لا يسري إلى نقيضه المتحد معه في الرتبة، ولذا قلنا إنّه لا تقدّم لعدم العلة على المعلول ولا للعلة على عدم المعلول، مع أنّه لا شبهة في تقدّم العلة على المعلول، والسر فيه ما عرفت من أنّ التقدم والتأخر الرتبيين تابعان

للملاك، فكل ما لا يكون فيه الملاك لا يعقل فيه التقدم والتأخر أصلاً، بل لا مناص فيه من الحكم بالمعية والاتحاد في الرتبة.

ومن ذلك يظهر الحال في الضدّين، إذ يمكن أن يكون عدم أحدهما متقدماً على وجود الآخر بملاك موجب له، ولا يكون ما هو متحد معه في الرتبة متقدماً عليه، فمجرد اتحاد الضدّين والنقيضين في الرتبة لا يأبى أن يكون عدم الضدّ متقدماً على الضدّ الآخر، مع عدم تقدّم م-ا ه-و في مرتبته عليه، لاختصاص ملاك التقدم بعدم كل منهما بالاضافة إلى وجود الآخر، دون عدم كل منهما بالاضافة إلى وجوده، ودون وجود كل منهما بالاضافة إلى وج-ود الآخر. ولأجل ذلك كان ما هو متحد العلة في الرتبة - وهو عدمها - متحداً مع مع المعلول في الرتبة، وكان ما هو متحد مع المعلول في الرتبة - وهو عدمه - متحداً مع العلة في الرتبة، مع أنّ العلة متقدمة على المعلول رتبة.

ثمّ إنّ ما ذكره في النقيضين - من أن قضية المنافاة بينهما لا تقتضي تقدّم [ ارتفاع ] أحدهما في ثبوت الآخر - لا بد من فرضه في طرف واحد منهما، وهو طرف الوجود دون كلا الطرفين، وذلك لأنّ وجود الشيء يغاير عدم نقيضه - أعني به عدم العدم - مفهوماً، وأما عدم الشيء فهو بنفسه نقيض الشيء، ولا يغايره بوجه كي يقال إنّ ارتفاع الوجود يلائم نقيضه من دون أن يكون بينهما تأخر وتقدّم. مثلاً وجود الانسان يغاير عدم الانسان يغاير عدم نقيضه - عدم الانسان - مفهوماً، فان مفهوم عدم العدم غير مفهوم الوجود، وإن كان في الخارج عينه. فإذن يمكن أن يقال: إنّ الشيء كالانسان متحد في الرتبة مع عدم نقيضه، وأمّا، وأمّا عدم الانسان فلا يغاير عدم نقيضه - وجود الانسان - حتّى مفهوماً، فان نقيضه هو الانسان، وعدم نقيضه هو عدم الانسان. إذن فلا معنی لأن يقال: إن عدم الانسان متحد في الرتبة مع عدم الانسان.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّ التمسك بقياس المساواة إنما يصح في التقدم الزماني، فانّ ما هو مع المتقدم بالزمان متقدم لا محالة، دون ما إذا كان التقدم في الرتبة.

وقد عرفت أنّ غرض المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ليس التمسك بقياس المساواة لاثبات نفى المقدمية والتقدم لعدم أحد الضدّين للضدّ الآخر، ليرد عليه ما بيناه، بل غرضه ما ذكرناه سابقاً. هذا غاية توجيه لم-ا أف-اده (قدس سره) في المقام.

وقد ظهر من ضوء بياننا هذا أمران :

الأوّل : بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التمسك لاثبات كون عدم أحد الضدّين في مرتبة الضدّ الآخر، بقياس المساواة. وقد تقدّم(1)بيانه مع جوابه مفصلاً فلا حاجة إلى الاعادة.

الثاني : بطلان ما أفاده شيخنا المحقق (قدس سره) من أنّ المعية في الرتبة كالتقدم أو التأخر الرتبي لا بد أن تكون ناشئة ملاك من وجودي، فلا يكفي فيها انتفاء ملاك التقدم أو التأخر، والوجه في ذلك : ما عرفت من أنّ التقدم أو التأخر لا بد أن يكون ناشئاً من ملاك وجودي موجب له، وأما المعية في الرتبة فلا.

والسر في ذلك : أنّ كل شيء إذا قيس على غيره ولم يكن بينها ملاك التقدم والتأخر فهو في رتبته لا محالة، إذ لا نعني بالمعية في الرتبة إلّا عدم تحقق موجب التقدم والتأخر بينهما ضرورة أنها لا تحتاج إلى ملاك آخر غير عدم وج---ود ملاك التقدم والتأخر، فكل ما لم يكن متقدماً على شيء ولا متأخراً عنه في


1) في ص 300.

الرتبة، كان متحداً معه في الرتبة لا محالة.

وبعد بيان هذا نقول : إنّه يمكن المناقشة فيا أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أيضاً والوجه في ذلك : هو أنّ ما أف--اده (قدس سره) مبتن على أصل فاسد، وهو أن استحالة اجتماع الضدّين أو النقيضين إنما تكون مع وحدة الرتبة، وأما مع تعددها فلا استحالة أبداً، أو فقل: إنّه كما يعتبر في التناقض أو التضاد وحدة الزمان، كذلك يعتبر فيه وحدة الرتبة، ومع اختلافها فلا تناقض ولا تضاد.

ولكن هذا الأصل بمكان من الفساد، وذلك لأن التضاد من صفات الوجود الخارجي، فالمضادة والمعاندة بين السواد والبياض أو بين الحركة والسكون مثلاً إنما هي في ظرف الخارج، بداهة أنّه مع قطع النظر عن وجودهما في الخارج لا مضادة ولا معاندة بينهما أبداً.

وعلى الجملة : فالمضادة والمماثلة والمناقضة جميعاً من الصفات التي تعرض الموجودات الخارجية، لا الرتب العقلية، ضرورة أنّ الوجود والعدم إنّما يستحيل اجتماعها في الخارج، وكذا السواد والبياض والحركة والسكون، وكل ما يكون من هذا القبيل، ولذا لو فرضنا أنّ الضدّين كانا مختلفين في الرتبة عقلاً كان اجتماعهما خارجاً في موضوع واحد محالاً، فالاستحالة تدور مدار اجتماعهما في الوجود الخارجي في آن واحد وفي موضوع فارد، سواء أكانا مختلفين بحسب الرتبة أم كانا متحدين فيها، إذ العبرة إنّما هي بالمقارنة الزمانية، ومن المعلوم أنّ المختلفين بحسب الرتبة قد يقترنان بحسب الزمان كالعلة والمعلول.

وعليه فلا يتم ما في الكفاية من أنّ المعاندة والمنافرة بين الضدّين تقتضي استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة أيضاً، فإذا استحال اجتماعهما فيها فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة ضرورياً، وإلا لزم إما ارتفاع الضدّين أو

اجتماعهما، وكلاهما محال.

والوجه فيه : ما عرفت من أنّ المعاندة والمنافرة بين الضدّين إنّما هي بلحاظ وجوديهما في الخارج وإلا فلا معاندة ولا مضادة بينها أبداً، فإذن لا مانع من أن يكون عدم أحدهما متقدماً على الآخر بالرتبة، ولا يلزم عليه المح--ذور المذكور أصلاً، وأما عدم تقدّم أحد الضدّين على الآخر فليس من ناحية المضادة بينهما، ليقال إنّ قضيتها اتحادهما في الرتبة، بل من ناحية انتفاء ملاك التقدم والتأخر.

ومن هنا لم يعدوا من الوحدات المعتبرة في التناقض أو التضاد وحدة الرتبة، وهذا منهم شاهد على عدم اعتبارها فيه.

كلام آخر لصاحب الكفاية

وذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)وجهاً رابعاً لاستحالة كون عدم أحد الضدّين مقدمة للضدّ الآخر، بأنه مستلزم للدور، فانّ التمانع بينهما لو كان موجباً لتوقف وجود كل منهما على عدم الآخر من باب توقف المعلول على عدم مانعه، لاقتضى ذلك توقف عدم كل منهما على وجود الضدّ الآخر من باب توقف عدم الشيء على وجود مانعه فيلزم حينئذ توقف وجود كل منهما على عدم الآخر وتوقف عدم كل منهما على وجود الآخر، وهذا محال. وقد أورد عليه كما في الكفاية : بأن توقف وجود أحد الضدّين على ع-دم الآخر فعلي، فانّ وجود السواد في محل متوقف فعلاً على عدم تحقق البياض فيه، وأمّا توقف عدم الضدّ على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي، فلا دور.

والوجه في ذلك : هو أنّ وجود الضدّ في الخارج لا محالة يكون بوجود علته التامة من المقتضي والشرط وعدم المانع، ومن الواضح أن توقف وجود المعلول


1) كفاية الأصول: 130.

على جميع أجزاء علته ومنها عدم المانع فعلي، لأنّ للجميع دخلاً فعلاً في تحققه ووجوده في الخارج، وهذا معنى أن توقف وجود الضدّ على عدم الآخر فعلي، فانّه من توقف وجود المعلول على عدم مانعه في ظرف تحقق المقتضي والشرط.

وأما عدم الضدّ فلا يتوقف على وجود الضدّ الآخر فعلاً، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقق المقتضي مع بقية الشرائط، ليكون توقفه عليه فعلياً، بل يحتمل استحالة تحقق المقتضي له أصلاً، لأجل احتمال أن يكون وقوع أحد الضدّين في الخارج وعدم وقوع الآخر فيه منتهياً إلى تعلّق الارادة الأزلية بالأوّل وعدم تعلقها بالثاني، فانّها علة العلل، وجميع الأسباب الممكنة لا بد أن تنتهي إلى سبب واجب وهو الارادة الأزلية، فيكون عدم الضدّ عندئذ دائماً مستنداً إلى عدم المقتضي، لا إلى وجود المانع، ليلزم الدور.

وما قيل : من أنّ هذا إنّما يتم فيما إذا كان الضدان منتهيين إلى إرادة شخص واحد، فان إرادة الضدّين من شخص واحد محال سواء أكانت الارادتان منتهيتين إلى الارادة الأزلية أم لم تنتهيا إليها فإذا أراد أحدهما فلا محالة يكون عدم الآخر مستنداً إلى عدم الارادة والمقتضي لا إلى وجود المانع. وأما إذا كان كل منهما متعلقاً لارادة شخص فلا محالة يكون عدم أحدهما مستنداً إلى وجود المانع، لا إلى عدم ثبوت المقتضي له لفرض أنّ المقتضي له موجود وهو الارادة، فإن إرادة الضدّين من شخصين ليست بمحال، مدفوع بأنّ عدم الضدّ هنا أيضاً مستند إلى قصور في المقتضي، لا إلى وجود الضدّ الآخ-ر م-ع تماميته، فانّ الارادة الضعيفة مع مزاحمتها بالارادة القوية لا تؤثر، لخروج متعلقها عن تحت القدرة، فلا يكون المغلوب منهما في إرادته قادراً على إيجاد متعلقها.

وإن شئت فقلت : إنّ الفعلين المتضادين إما أن يلاحظا بالاضافة إلى شخص

واحد أو بالاضافة إلى شخصين، فعلى الأوّل كان عدم مالم يوجد منهما مستنداً إلى عدم تعلّق الارادة به، فعدمه لعدم مقتضيه لا لوجود المانع، وعلى الثاني يستند عدمه إلى عدم الشرط، أعني به عدم القدرة على الايج--اد م-ع تعلّق الارادة القوية بخلافه. وهذا التقريب ألخص وأمتن، فانّه لا يتوقف على انتهاء أفعال العباد إلى الارادة الأزلية حتّى يرد عليه أنّ أفعال العباد غير منتهية إلى إرادة اللّه تعالى أوّلاً، وليست إرادته سبحانه أزلية ثانياً، كما تقدّم الكلام فيه مفصلاً في بحث الطلب والارادة (1).

وحاصل الاعتراض على ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) - من أن وجود أحد الضدّين إذا توقف على عدم الآخر لزم الدور، فانّ عدم الآخر أيضاً متوقف على وجود الأوّل توقف عدم الشيء على وجود مانعه - هو أنّ عدم أحد الضدّين لا يستند إلى وجود الآخر أبداً، بل يستند إلى عدم المقتضي أو عدم الشرط، فالتوقف من طرف الوجود فعلي وأمّا من طرف العدم فلا توقف إلا على فرض محال وهو أن يفرض وجود المقتضي للوجود مع جميع شرائطه، هذا غاية ما يمكن أن يقال في دفع غائلة استلزام الدور.

ولكنّه يرد عليه ما أفاده في الكفاية وحاصله : أنّ المورد إذا سلّم إمكان استناد عدم أحد الضدّين إلى وجود الآخر وإن لم يتحقق ذلك خارجاً، فمحذور الدور يبقى على حاله لا محالة، إذ كيف يمكن أن يكون ما هو من أجزاء العلة لشيء معلولاً له بعينه. وأما إذا لم يسلّم ذلك، وذهب إلى استحالة استناد عدم أحد الضدّين إلى وجود الآخر كما هو مقتضى التقريب المتقدم، فمعناه إنكار توقف أحد الضدّين على عدم الآخر، فانّه إذا استحال أن يكون شيء مانعاً


1) فى المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 417.

عن ضدّه فكيف يمكن أن يقال إنّ ضده يتوقف على عدمه توقف الشيء على عدم مانعه.

وبعبارة واضحة : أنّ المدعى إنّما هو توقف أحد الضدّين على عدم الآخر توقف الشيء على عدم مانعه، فإذا فرض أنّه لا يمكن أن يكون مانعاً فكيف يمكن أن يكون عدمه عدمه موقوفاً عليه.

التفصيل بين الضدّ الموجود والمعدوم

ثم إن المحقق الخوانساري (قدس سره) (1)قد فصّل بين الضدّ الموجود والضد المعدوم، وربّما نسب هذا التفصيل إلى شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) (2)أيضاً بدعوى أن وجود الضدّ إنما يتوقف على عدم الضدّ الآخر إذا كان موجوداً لا مطلقاً، بمعنى أن المحل إذا كان مشغولاً بأحد الضدّين فوجود الضدّ الآخر في هذا المحل يتوقف على ارتفاع ذلك الضد، وأما إذا لم يكن مشغولاً به فلا يتوقف وجوده على عدمه، ونتيجة ذلك هي أن عدم الضدّ الموجود مقدمة لوجود الضدّ الآخر دون عدم الضدّ المعدوم.

بيان ذلك : أن المحل إمّا أن يكون خالياً من كل من الضدّين، وإما أن يكون مشغولاً بأحدهما دون الآخر.

فعلى الأوّل: فالمحل قابل لكل منهما بما هو مع قطع النظر عن الآخر، وقابلية المحل لذلك فعليّة فلا تتوقف على شيء، فعندئذ إذا وجد المقتضي لأحدهما فلا محالة يكون موجوداً من دون توقفه على عدم وجود الآخر، مثلاً إذا كان الجسم خالياً من كل من السواد والبياض فقابليته لعروض كل منه-ا ع-ل-ي-ه عندئذ فعلية، فإذا وجد مقتضي السواد فيه فلا محالة يكون السواد موجوداً،


1) حكاه عنه في مطارح الأنظار : 108.

2) مطارح الأنظار : 112.

من دون أن يكون لعدم البياض دخل في وجوده أصلاً. فالنتيجة : أن وجود الضدّ في هذا الفرض لا يتوقف على عدم الضدّ الآخر.

وعلى الثاني : فالمحل المشغول بالضد لا يقبل ضداً آخر في عرضه،، بداهة أن المحل غير قابل بالذات لعروض كلا الضدّين معاً. نعم، يقبل الضدّ الآخر بدلاً عنه، وعليه فلا محالة يتوقف وجود الضدّ الآخر على ارتفاع الضدّ الموجود، ضرورة أنّ الجسم الأسود لا يقبل البياض كما أنّ الجسم الأبيض لا يقبل السواد، فوجود البياض لا محالة يتوقف على خلوّ الجسم من السواد ليقبل البياض، وكذا وجود السواد يتوقف على خلوّه من البياض، ليكون قابلاً لعروض السواد وهذا بخلاف الضدّ الموجود فانّه لا يتوقف على شيء عدا ثبوت مقتضيه.

أقول : إنّ مرد هذا التفصيل إلى أنّ الأشياء محتاجة إلى العلة والسبب في حدوثها لا في بقائها، فهي في بقائها مستغنية.

بيان ذلك : أن الحادث إذا كان في بقائه غير محتاج إلى المؤثر كان وجود الحادث المستغني عن العلة مانعاً عن حدوث ضدّه، فلا محالة يتوقف حدوث ضدّه على ارتفاعه. وأمّا إذا كان الحادث محتاجاً في بقائه إلى المؤثر، فان لم یكن لضدّه مقتض فعدمه يستند إلى عدم مقتضيه وإن كان له مقتض ولم يكن شرطه متحققاً فعدمه يستند إلى عدم شرطه وإن كان شرطه أيضاً موجوداً ومع ذلك كان معدوماً فهو مستند إلى وجود مقتضي البقاء المانع من تأثير مقتضي ضدّه. إذن لا فرق بين الضدّ الموجود وغير الموجود في أن وجود الشيء لا يتوقف على عدم ضدّه، بل يتوقف على عدم مقتضي ضدّه إذا كان مقتضي الشيء وشرطه موجوداً في الخارج.

إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدرس هذه النقطة - استغناء البقاء عن المؤثر - مرّة في الأفعال الاختيارية، ومرّة أخرى في الموجودات التكوينية.

أمّا في الأفعال الاختيارية التي هي محل الخلاف في المسألة : فهي بديهية البطلان ولو سلّمنا أنّها صحيحة في الموجودات التكوينية، والوجه في ذلك ما ذكرناه في بحث الطلب والارادة من أنّ الفعل الاختياري مسبوق باعمال القدرة والاختيار، وهو فعل اختياري للنفس، وليس من مقولة الصفات، وواسطة بين الارادة والأفعال الخارجية، فالفعل في كل أن يحتاج إليه، ويستحيل بقاؤه بعد انعدامه وانتفائه.

أو فقل : إنّ الفعل إذا كان تابعاً لاعمال قدرة الفاعل فلا محالة كان الفاعل إذا أعمل قدرته فيه تحقق في الخارج، وإن لم يعملها فيه استحال تحققه، وكذا إن استمرّ على إعمال القدرة فيه استمرّ،وجوده، وإن لم يستمر عليه استحال استمراره، وهذا واضح.

وعلى الجملة : لا فرق بين حدوث الفعل الاختياري وبقائه في الحاجة إلى السبب والعلة - وهو إعمال القدرة - فان سرّ الحاجة وهو إمكانه الوجودي وفقره الذاتي كامن في صميم ذاته ووجوده، مع أنّ البقاء هو الحدوث، غاية الأمر أنه حدوث ثانٍ ووجود آخر في مقابل الوجود الأوّل، والحدوث ه-و الوجود الأوّل غير مسبوق بمثله، وعليه فإذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار كالتكلّم مثلاً، الذي هو مضاد للسكوت، أو الحركة التي هي مضادة للسكون، أو الصلاة التي هي منافية للازالة، فهذا الفعل كما أنّه في الآن الأوّل بحاجة إلى إعمال القدرة فيه والاختيار، كذلك بحاجة إليه في الآن الثاني والثالث وهكذا، فلا يمكن أن نتصور استغناءه في بقائه عن الفاعل بالاختيار.

وعلى هذا الضوء لا فرق بين الضدّ الموجود والمعدوم، إذ كما أن تحقق كل منهما في الزمان الأوّل كان متوقفاً على وجود مقتضيه - الاختيار وإعمال القدرة - كذلك تحققه في الزمان الثاني كان متوقفاً عليه. وقد أشرنا آنفاً أنّ

نسبة بقاء الضدّ الموجود في الآن الثاني كنسبة حدوث الضدّ المعدوم فيه في الحاجة إلى المقتضي وفاعل ما منه الوجود فكما أنّ الأوّل لا يتوقف على عدم الثاني فكذلك الثاني لا يتوقف على عدم الأوّل.

أو فقل : إنّ كل فعل اختياري ينحل إلى أفعال متعددة بتعدد الآنات والأزمان، فيكون في كل آن فعل صادر بالارادة والاختيار، فلو انتفى الاختيار في زمان يستحيل بقاء الفعل فيه، ولذلك لا فرق بين الدفع والرفع عقلاً إلا بالاعتبار وهو أن الدفع مانع عن الوجود الأوّل والرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة دفع، ومثال ذلك: ما إذا أراد المكلف ف-ع-ل الازالة دون الصلاة، فكما أن تحقق كل واحدة منهما في الزمن الأوّل كان منوطاً باختياره وإعمال القدرة فيه، فكذلك تحقق كل منهما في الزمن الثاني كان منوطاً باختياره وإعمال القدرة فيه، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.

فالنتيجة : أن احتياج الأفعال الاختيارية إلى الارادة والاختيار من الواضحات الأولية، فلا يحتاج إلى مؤونة بيان وإقامة برهان.

وأما في الموجودات التكوينية : فالأمر أيضاً كذلك، إذ لا شبهة في حاجة الأشياء إلى علل وأسباب فيستحيل أن توجد بدونها.

وسرّ حاجة تلك الأشياء بصورة عامة إلى العلة وخضوعها لها، هو أنّ الحاجة كامنة في ذوات تلك الأشياء لا في أمرٍ خارج عنها، فانّ كل ممكن في ذاته مفتقر إلى الغير ومتعلق به، سواء أكان موجوداً في الخارج أم لم يكن، ضرورة أنّ فقره كامن في نفس،وجوده، وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق بين الحدوث والبقاء في الحاجة إلى العلّة، فانّ سرّ الحاجة وهو إمكان الوجود لا ينفك عنه، كيف فإنّ ذاته عين الفقر والامكان، لا أنه ذات لها الفقر.

وعلى أساس ذلك فكما أنّ الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة إلى سبب

وعلّة، فكذلك في بقائها، فلا يمكن أن نتصور وجوداً متحرراً عن تلك الحاجة. أو فقل : إنّ النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء إلى مبدأ الايجاد ليست هي حدوثها، لأنّ هذه النظرية تستلزم تحديد حاجة الممكن إلى الع-ل-ة م-ن ناحيتين : المبدأ والمنتهى.

أما من ناحية المبدأ، فلأنّها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث وهي الأشياء الحادثة بعد العدم، وأما إذا فرض أن للممكن وجوداً مستمراً بصورة أزلية لم تكن فيه حاجة إلى المبدأ، وهذا لا يطابق مع الواقع، إذ الممكن يستحيل وجوده من دون علة وسبب، وإلّا انقلب الممكن واجباً وهذا خلف.

وأما من ناحية المنتهى، فلأنّ الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر، ومن الواضح أنّها نظرية خاطئة لا تطابق الواقع، كيف فان حاجة الأشياء إلى ذلك المبدأ كامنة في صميم وجودها كما عرفت.

تلخص : أنّ هذه النظرية بما أنّها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ، وتوجب تحديده في نطاق خاص وإطار مخصوص، فلا يمكن الالتزام بها.

والصحيح : أنّ منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ وخضوعها له خضوعاً ذاتياً هو إمكانها الوجودي وفقرها الواقعي.

وعلى ضوء هذا البيان قد اتضح أنّه لا فرق بين الضدّ الموجود والض-دّ المعدوم، فكما أنّ الضدّ المعدوم يحتاج في حدوثه إلى سبب وعلة، كذلك الضدّ الموجود يحتاج في وجوده في الآن الثاني والثالث وهكذا، إلى سبب وعلة ولا يستغني عنه في لحظة من لحظات وجوده ونسبة حاجة الضدّ الموجود في بقائه إلى السبب والعلة والضدّ المعدوم في حدوثه إلى ذلك على حد سواء.

أو فقل : إنّ المحل كما أنه في نفسه قابل لكل من الضدّين حدوثاً، فان قابليته

لذلك ذاتية، كما أنّ عدم قابليته لقبول كليهما من ذاتياته، فوجود كل منهما وعروضه لذلك المحل منوط بتحقق علته فعلة أي منهما وجدت كان موجوداً لا محالة، كذلك حال المحل في الآن الثاني، فانّه قابل لكل منهما بعين تلك النسبة، فانّ بقاء الضدّ الموجود أو حدوث الضدّ الثاني منوط بوجود علته، فكما أنّ وجود الضدّ المعدوم في هذا الآن منوط بتحقق علته، كذلك بقاء الضدّ الموجود، فنسبة تحقق علة وجود ذلك الضد، وتحقق علة وجود الضدّ الموجود في ذلك الآن على حدّ سواء، وعليه فعلة وجود أي منهما وجدت في تلك الحال كان موجوداً لا محالة، بلا فرق بين الضدّ الموجود والمعدوم.

وقد تبين ممّا مرّ أنّ المعلول يرتبط بالعلة ارتباطاً ذاتياً ويستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، فلا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، كما لا يمكن أن تبقى العلة والمعلول غير باق، وقد عبّر عن ذلك بالتعاصر بين العلة والمعلول زماناً.

وقد يناقش في ذلك الارتباط : بأنّه مخالف لظواهر عدّة من الموجودات الكونية التي هي باقية بعد انتفاء علتها فهي تكشف عن عدم صحة قانون التعاصر، وأنه لا مانع من بقاء المعلول واستمرار وجوده بعد انتفاء علّته، وذلك كالعمارات التي بناها البناؤون وآلاف من العمال، فانها بعد انتهاء عملية العمارة والبناء تبقى سنين متطاولة. وكالجسور والطرق ووسائل النقل المادية والمكائن والمصانع وما شاكلها ممّا شاده المهندسون والفنانون في شتى ميادين العلم، فانّها بعد أن انتهت عمليتها بيد هؤلاء الفنّانين والعمال تبقى إلى أمد بعيد من دون علّة مباشرة لها. وكالجبال والأحجار والأشجار ونحوها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض، فانّها باقية ولم تكن في بقائها بحاجة إلى ع-لة مباشرة لها.

والخلاصة : أن المناقش قد عارض قانون التعاصر بظواهر تلك الأمثلة

التي تكشف بظاهرها عن أنّ المعلول لا يحتاج في استمرار وجوده وبقائه إلى علة، بل هو باقٍ مع انتفاء علته.

والجواب عن تلك المناقشة : أنها قد نشأت عن عدم فهم معنى العلية فهماً صحيحاً كاملاً، وقد تقدّم بيان ذلك، وقلنا هناك إنّ حاجة الأشياء إلى مبدأ وسبب كامنة في صميمذاتها ولا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها.

والوجه في ذلك هو : أنّ علة تلك الأشياء والظواهر حدوثاً غير علتها بقاءً، وبما أنّ المناقش لم ينظر إلى علة تلك الظواهر لا حدوثاً ولا بقاء نظرة عميقة صحيحة، وقع في هذا الخطأ، لأنّ ما هو معلول المهندسين والبنائين وآلاف العمال في بناء العمارات والدور وصنع الطرق والجسور والوسائل المادية الأخرى من المكائن والسيارات،وغيرها، إنما هو نفس عملية صنعها وتصميمها نتيجة عدّة من الحركات والجهود التي يقوم بها العمال، ونتيجة تجميع المواد الخام من الحديد والخشب والآجر وغيرها من المواد لتصنيع السيارات وتعمير العمارات و تركيب سائر الآلات وهذه الحركات هي المعلولة للعمال والصادرة عنهم، ولذا تنقطع تلك الحركات بمجرد إضراب العمال عن العمل وكف أيديهم عنها.

وأمّا بقاء تلك الظواهر والأشياء على وضعها الخاص، فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية وحيويتها، وقوة الجاذبية العامّة التي تفرض عليها المحافظة على وضعها، نظير اتصال الحديد بما فيه القوة الكهربائية، فانها تجذب الحديد بقوة جاذبية طبيعية تجره إليها آناً فاناً بحيث لو سلبت منه تلك القوة لا نقطع منه الجذب لا محالة.

ومن ذلك تظهر حال بقية الأمثلة فان بقاء الجبال على وضعها الخاص وموضعها المخصوص، وكذا الأحجار والأشجار والمياه وما شاكلها لخصائص طبيعية كامنة في صميم موادها والقوة الجاذبية العامّة التي تفرض على جميع

الأشياء الكونية، وقد صارت عمومية تلك القوة في يومنا هذا من الواضحات، وقد أودعها اللّه سبحانه وتعالى) في صميم هذه الكرة الأرضية للتحفظ على الكرة وما عليها على وضعها ونظامها الخاص، في حين أنها تتحرك في هذا الفضاء الكوني بسرعة هائلة.

وعلى الجملة : فبقاء تلك الظواهر والموجودات الممكنة واستمرار وجودها في الخارج معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية المحافظة على هذه الظاهرة من ناحية، والقوة الجاذبة من ناحية أخرى.

فبالنتيجة : المحافظ على الموجودات الطبيعية على وضعها الخاص وموضعها المخصوص، هي خصائصها والجاذبية التي تخضع تلك الظواهر لها، ولا تملك حريتها حدوثاً وبقاء. إذن فلا وجه لتوهم أنّ تلك الظواهر في بقائها واستمرار وجودها مالكة لحريتها ولا تخضع لمبدأ وسبب.

ونتيجة ذلك نقطتان متقابلتان :

الأولى : بطلان نظرية أنّ سرّ الحاجة إلى العلة هو الحدوث، لأنّ تلك النظرية مبنية على أساس عدم فهم معنى العلية فهماً صحيحاً وتحديد حاجة الأشياء إلى العلة في إطار خاص ونطاق مخصوص لا يطابق مع الواقع.

الثانية : صحة نظرية أنّ سرّ الحاجة إلى العلة هو إمكان الوجود، فان تلك النظرية قد ارتكزت على أساس فهم معنى العلية فهماً صحيحاً مطابقاً للواقع، وأنّ حاجة الأشياء إلى المبدأ كامنة في صميم وجودها فلا يمكن أن نتصور وجوداً متحرراً عن ذلك المبدأ.

وقد تلخص : أنّ الأشياء - بشتى ألوانها وأشكالها - خاضعة للمبدأ الأوّل خضوعاً ذاتياً، وهذا لا ينافي أن يكون تكوينها وإيجادها بمشيئة اللّه تعالى

وإعمال قدرته كما فصلنا الحديث - من هذه الناحية - في بحث الطلب والارادة (1)وقد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية وزاوية المعاليل الطبيعية.

ثم إنا لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا صحة نظرية أنّ منشأ الحاجة هو الحدوث في الموجودات التكوينية، وأنها تملك حريتها في البقاء ولا تخضع لمبدأ، إلا أنها بديهية البطلان في الأفعال الاختيارية التي هي محل الكلام في المسألة، ضرورة أنّ الفعل الاختياري يستحيل بقاؤه بعد ارتفاع الارادة والاختيار. إذن لا وجه للتفصيل بين الضدّ الموجود والمعدوم.

ويجدر بنا أن نختم الحديث عن مقدمية عدم الضدّ للضد الآخر وعدم مقدميته، وقد عرفت استحالة مقدميته، هذا بحسب الصغرى.

وأمّا الكبرى وهي وجوب مقدمة الواجب، فقد تقدم الكلام فيها، وقلنا هناك إنّه لا دليل على ثبوت الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته، وما ذكروه من الأدلة على ذلك قد ناقشناها واحداً بعد واحد، بل ذكرنا هناك - مضافاً إلى أن الوجدان حاكم بعدم ثبوت الملازمة بينهما - أن إيجاب المقدمة شرعاً لغو محض فلا يترتب عليه أثر أصلاً.


1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 400.

الاستدلال على الاقتضاء بالملازمة بين وجود شيء وعدم ضده

الوجه الثاني

قد استدل بعضهم على أنّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه: بأن وجود الضدّ ملازم لترك الضدّ الآخر، والمتلازمان لا يمكن اختلافهما في الحكم بأن يكون أحدهما واجباً والآخر محرّماً، وعليه فإذا كان أحد الضدّين واجباً فلا محالة يكون ترك الآخر أيضاً واجباً وإلا لكان المتلازمان مختلفين في الحكم وهو غير جائز.

أقول : هذا الدليل أيضاً مركب من مقدمتين :

الأولى : صغرى القياس، وهي ثبوت الملازمة بين وجود شيء وعدم ضده.

الثانية : كبراه وهي عدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم.

أما المقدمة الأولى : فلا إشكال فيها.

وأمّا المقدمة الثانية : فقد ذكروا أنّ المتلازمين لابد أن يكونا متوافقين في الحكم، فإذا كانت الازالة مثلاً واجبة فترك الصلاة الذي هو ملازم لفعل الازالة لا محالة يكون واجباً، لأنه يمتنع أن يكون محرّماً لاستلزامه التكليف بالمحال، ولا فرق في ذلك بين الضدّين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون وما شاكلها، والضدّين اللذين لهما ثالث كالسواد والبياض والقيام والجلوس ونحوهما، غاية الأمر أنّه على الفرض الأوّل كان الاستلزام من الطرفين، فكما أنّ وجود كل منهما يستلزم عدم الآخر، كذلك عدم كل منهما يستلزم وجود الآخر. وأما على الفرض الثاني فوجود كل واحد منهما يستلزم عدم الآخر دون العكس، إذ يمكن انتفاؤهما معاً، وذلك لأنّ ملاك دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده

هو استلزام وجود ذلك الشيء لعدم ضدّه، وهو أمر يشترك فيه جميع الأضداد. وأمّا استلزام عدم الشيء لوجود ضدّه فهو وإن كان مختصاً بالضدّين اللذين لا ثالث لهما، إلا أنه أجنبي عن ملاك الدلالة تماماً.

وعلى ذلك يظهر أنّه لا وجه لما يراه شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)م-ن التفرقة بين ما إذا لم يكن للضدين ثالث، وما إذا كان لهما ثالث،، فسلّم الدلالة في الفرض الأول دون الثاني، فان ملاك الدلالة كما عرفت واحد، إذن فالتفصيل في غير موضعه كما سنتعرض إلى ذلك إن شاء اللّه تعالى.

والجواب عن ذلك : أنّ الذي لا يمكن الالتزام به هو كون المتلازمين مختلفين في الحكم، بأن يكون أحدهما متعلقاً للأمر، والآخر متعلقاً للنهي لاستلزام ذلك التكليف بما لا يطاق، فلا يمكن أن يأمر الشارع باستقبال القبلة مثلاً في بلدنا هذا أو ما يقربه من البلاد في الطول والعرض، وينهى عن استدبار الجدي، لأنّ هذا تكليف بغير المقدور، بل لا يمكن النهي التنزيهي عنه لكونه لغواً، فلا يترتب عليه أي أثر بعد فرض وجوب الاستقبال. وأما لزوم كونها محكومين بحكم واحد ومتوافقين فيه فلا موجب له أصلاً، فانّ المحذور المتقدم - وه-و لزوم التكليف بما لا يطاق - كما يندفع بالالتزام بكونهما متوافقين في الحكم، كذلك يندفع بكون أحدهما غير محكوم بحكم من الأحكام. وعليه فلا مقتضي لدفع المحذور بالفرض الأول دون الفرض الثاني، فانّ الالتزام بالتوافق في الحكم يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل في المقام، بل قام الدليل على خلافه، وذلك لأنّ الشارع إذا أمر بأحد المتلازمين فالأمر بالملازم الآخر لغو، فإذا أمر باستقبال القبلة مثلاً، فالأمر باستدبار الجدي، أو كون اليمين على طرف المغرب واليسار على طرف المشرق بلا فائدة، فان تلك الأمور من ملازمات وجود


1) أجود التقريرات 2 : 8.

المأمور به في الخارج، سواء أكانت متعلقة للأمر أم لم تكن، وما كان كذلك فلا يمكن تعلّق الأمر به.

نعم، لو توقف ترك الحرام خارجاً على الاتيان بفعل ما، للملازمة بين ترك هذا الفعل والوقوع في الحرام وجب الاتيان به عقلاً، وأمّا شرعاً فلا، لعدم الدليل على سراية الحكم من متعلقه إلى ملازماته الخارجية. ونظير ذلك ما تقدّم في بحث مقدمة الواجب (1)من أنّ الاتيان بالمقدمة إذا كان علة تامة للوقوع في الحرام من دون أن يتوسط بين المقدمة وذيها إرادة واختيار للفاعل، وجب تركها عقلاً لا شرعاً، لعدم الدليل على حرمة تلك المقدمة لا حرمة نفسية ولا حرمة غيرية.

أما الحرمة النفسية، فلأن المتصف بها إنّما هو المسبب، لأنه مقدور للمكلف بواسطة القدرة على مقدمته، ومن الظاهر أنّه لا فرق في المقدور بين كونه بلا واسطة أو معها. ووجوب وجوده وضرورته من قبل الاتيان بمقدمته لا يضر بتعلق التكليف به، لأنه وجوب بالاختيار فلا ينافي الاختيار. إذن لا وجه لصرف النهي المتعلق بالمعلول إلى علته كما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)بدعوى أنّ العلة مقدورة دون المعلول ضرورة أنّ المقدور بالواسطة مقدور، والمعلول وإن لم يكن مقدوراً ابتداءً، إلا أنه مقدور بواسطة القدرة على علته وهذا يكفي في صحة تعلّق النهي به.

وأمّا الحرمة الغيرية، فقد تقدّم (3)أنّه لا دليل عليها، لأنّ ثبوتها يبتني على ثبوت الملازمة، وقد سبق أن الملازمة لم تثبت.


1) في ص 284.

2) أجود التقريرات 1: 362.

3) في ص 284.

وبتعبير آخر لا شبهة في أنّ مراد القائل بأنّ المتلازمين لا بد أن يكونا متوافقين في الحكم، ليس توافقها في الارادة بمعنى الشوق المؤكد، ولا بمعنى إعمال القدرة، فانّ الارادة بالمعنى الأوّل من الصفات النفسانية، وليست من سنخ الأحكام في شيء، وبالمعنى الثاني وهو إعمال القدرة في شيء يستحيل أن يتعلق بفعل الغير، لأنه ليس واقعاً تحت اختيار المولى وإرادته، بل مراده من ذلك أنّ اعتبار المولى أحد المتلازمين في ذمة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز يستلزم اعتبار الآخر في ذمته أيضاً.

ولكن من الواضح جداً أنه لا ملازمة بين الاعتبارين أصلاً. مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الاعتبار الثاني لغو.

وعلى ضوء هذا البيان قد ظهر : أنّ الأمر كذلك في النقيضين، والمتقابلين بتقابل العدم والملكة كالتكلم والسكوت، فان اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن نقيضه واعتبار عدمه، كما أنّ اعتبار الملكة في ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن عدمها فالأمر بالازالة مثلاً كما لا يستلزم النهي عن الصلاة المضادة لها، كذلك لا يستلزم النهى عن نقيضها وهو العدم البديل لها، ضرورة أنّ المتفاهم منه عرفاً ليس إلا وجوب الازالة في الخارج، لا حرمة تركها، ولذلك قلنا إنّ كل حكم شرعي متعلق بشيء لا ينحل إلى حكمين : أحدهما متعلق به والآخر بنقيضه.

أو فقل: إنّ النهي عن أحد النقيضين مع الأمر بالنقيض الآخر لغ-و ف-لا يترتب عليه أثر.

وبذلك يظهر فساد ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من الالتزام بأنّ الأمر بأحد النقيضين يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الأخص. والأمر بأحد المتقابلين بتقابل العدم والملكة كالتكلم والسكوت مثلاً يستلزم

النهي عن الآخر باللزوم البيّن بالمعنى الأخص أيضاً، بل الأمر بأحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون يستلزم النهي عن الضدّ الآخر ولكن باللزوم البين بالمعنى الأعم.

ووجه الظهور هو : ما قد سبق من أنّه لا دلالة على الملازمة في شيء من تلك الموارد حتّى باللزوم البيّن بالمعنى الأعم، فضلاً عن البين بالمعنى الأخص، وأنّ الأمر لا يدل إلّا على اعتبار متعلقه في ذمة المكلف، ولا يدل على النهي عن تركه، بل قد عرفت أنّ النهي عنه لغو.

أضف إلى ذلك : ما ذكرناه سابقاً من أنّ ملاك الدلالة في المقام هو استلزام فعل الضدّ لترك الضدّ الآخر، وهو أمر مشترك فيه بين الجميع، فلا يختص بالنقيضين ولا بالمتقابلين بتقابل العدم والملكة ولا بالضدّين اللذين لا ثالث لهما، بل يعمّ الضدّين اللذين لهما ثالث أيضاً، لأنّ فعل أحدهما يستلزم ترك الآخر لا محالة. وأما استلزام ترك الشيء لفعل ضدّه فهو أجنبي عن ملاك الدلالة تماماً. فالنتيجة : أنّ ما هو ملاك الدلالة على تقدير تسليمه يشترك فيه الجميع، ولا يختص بغير الضدّين اللذين لهما ثالث فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التفرقة لا يرجع إلى معنى محصل.

شبهة الكعبي بانتفاء المباح

وهذه الشبهة ترتكز على ركيزتين :

الأولى : أنّ ترك الحرام في الخارج يتوقف على فعل من الأفعال الوجودية، لاستحالة خلق المكلف من فعل ما، وكون من الأكوان الاختيارية، وعليه فإذا لم يشتغل بغير الحرام وقع في الحرام لا محالة. إذن كان الاشتغال بغير الحرام واجباً مقدمة لترك الحرام.

الثانية : أنّ الفعل الاختياري يحتاج في حدوثه وبقائه إلى المؤثر، فلا يستغني الحادث في بقائه عن المؤثر كما لا يستغني عنه في حدوثه، فالنتيجة على ضوء هاتين الركيزتين هي أنّ ترك الحرام حدوثاً وبقاءً متوقف على إيجاد غيره من الأفعال الاختيارية في الخارج. وبما أنّ إيجاده مقدمة لترك الحرام فيكون واجباً بوجوب مقدّمي، إذن لا يمكن فرض مباح في الخارج. وهذا معنى القول بانتفاء المباح وانحصار الأفعال بالواجب والحرام.

ويرد عليه : أنّ الركيزة الثانية وإن كانت في غاية الصحة والمتانة كما سبق، إلّا أنّ الأولى منهما واضحة البطلان والوجه في ذلك : هو أنّ ما ذكره الكعبي في هذه الركيزة إما مبتن على مانعية وجود أحد الضدّين عن الضدّ الآخر، بدعوى أنّ فعل الحرام بما أنّه مضاد لغيره من الأفعال الوجودية، فلا محالة يتوقف تركه على فعل ما من تلك الأفعال من باب توقف عدم الشيء على وجود مانعه. وإما مبتن على دعوى الملازمة بين حرمة شيء ووجوب ضده.

ولكن كلا الأمرين واضح الفساد.

أمّا الأمر الأوّل: فقد تقدمت استحالة مانعية وجود أحد الضدّين عن الضدّ الآخر بصورة مفصلة، فلا يكون عدم الضدّ مستنداً إلى وجود ضدّه، بل هو إما مستند إلى عدم مقتضيه، أو إلى وجود المقتضي للضدّ الآخر. وعلى هذا فلا يكون ترك الحرام متوقفاً على فعل ما غير الحرام من الأفعال الوجودية، بل يكفي في عدمه عدم إرادته وعدم الداعي إليه، أو إرادة ايجاد فعل آخر. وكيف كان، فلا يتوقف ترك الحرام على أحد تلك الأفعال. على أنّ الكبرى أيضاً غير ثابتة، وهي وجوب مقدمة الواجب كما سبق.

وأمّا الأمر الثاني : فلما عرفت من أنّه لا دليل على سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر.

نعم ربّما يمكن أن يعلم المكلف بأنه لو لم يأت بفعل ما غير الحرام لوقع في الحرام باختياره وإرادته، فحينئذ وإن وجب الاتيان به فراراً عن الوقوع في الحرام، إلا أنّ وجوبه عقلي لا شرعي كما تقدم، إذن فما أفاده الكعبي من انحصار الأفعال الاختيارية بالواجب والحرام لا يرجع إلى معنى محصل. هذا تمام كلامنا في الضدّ الخاص.

نتيجة الأبحاث السابقة

ونتيجة جميع ما ذكرناه عدّة نقاط :

الأولى : أنّ هذه المسألة من المسائل الأصولية العقلية وليست من المسائل الفقهية، ولا من المبادئ كما تقدّم.

الثانية : أنّ العلة التامة مركبة من أجزاء ثلاثة وهذه الأجزاء تختلف من ناحية استناد وجود المعلول إليها واستناد عدمه إلى تلك الأجزاء، فان وجوده مستند إلى الجميع في مرتبة واحدة فلا يمكن أن يستند إلى بعضها دون بعضها الآخر، وهذا بخلاف عدمه، فانّه عند عدم المقتضي أو الشرط لا يستند إلى وجود المانع كما عرفت.

الثالثة : أن كبرى كون عدم المانع من المقدمات مسلّمة، إلّا أنّ عدم أحد الضدّين ليس مقدمة لوجود الضدّ الآخر، لما تقدّم من استحالة مانعية وجود أحد الضدّين للضدّ الآخر بالوجهين السابقين : الدور والتفتيش عن حال المقتضيات، وعدم إمكان فرض صورة يستند عدم الضدّ في تلك الصورة إلى وجود الضدّ الآخر.

الرابعة : أنّ المانع إنما يكون متصفاً بالمانعية عند ثبوت المقتضي مع بقية الشرائط، ليزاحم المقتضي في تأثيره. وهذا معنى دخل عدمه في وجود المعلول.

الخامسة : إمكان ثبوت المقتضي لكل من الضدّين في نفسه مع قطع النظر عن الآخر، وقد عرفت أنّ هذا غير داخل في الكبرى المتسالم عليها، وهي أنّ اقتضاء المحال محال، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث إنّه قد أصرّ على استحالة ثبوت المقتضي لكل منهما، وأنّ ذلك من مصاديق تلك الكبرى، ولكن قد سبق أنّ الأمر ليس كذلك، فانّ تلك الكبرى إنما تتحقق في أحد موردين: 1 - اقتضاء شيء واحد بذاته أمرين متنافيين في الوجود. 2- فرض ثبوت المقتضي لكل من الضدّين بقيد الاجتماع والتقارن. والمقام ليس منهما في شيء.

السادسة : أنّ التقدم أو التأخر الرتبي يحتاج إلى ملاك وجودي كامن في صميم ذات الشيء لا في أمر خارج عنه، دون المعية في الرتبة، فانّه يكفي في تحققها عدم تحقق ملاك التقدم أو التأخر، خلافاً لشيخنا المحقق (قدس سره) حيث قال : إنّ المعية في الرتبة أيضاً تحتاج إلى ملاك وجودي. وقد تقدّم فساده فلاحظ.

السابعة : أنّه لا مقتضي لكون المتلازمين متوافقين في الحكم، بل قد سبق أنّ ذلك لغو فلا يترتب عليه أثر شرعي أصلاً. نعم، الذي لا يمكن هو اختلافها

في الحكم كما مرّ.

الثامنة : أنّ قياس المساواة إنّما ينتج في المتقدم والمتأخر بالزمان، فانّ ما كان متحداً مع المتقدم أو المتأخر زماناً متقدم أو متأخر لا محالة، لا في المتقدم والمتأخر بالرتبة والطبع، وسرّ ذلك: أنّ ملاك التقدم والتأخر في الأولين أمر خارج عن مقتضى ذاتها، وهو وقوعها في الزمان المتقدم والمتأخر، ومع قطع النظر عن ذلك فلا يقتضي أحدهما بذاته التقدم على شيء آخر ولا الآخر التأخر، فانّ المتقدم والمتأخر بالذات نفس أجزاء الزمان وما يشبهها كالحركة ونحوها، والحوادث الأخر إنما تتصف بهما بالعرض لا بالذات. ونتيجة ذلك : هي أنّ كل ما كان واقعاً في الزمان المتقدم واجد لملاك التقدم، وكل ما كان واقعاً في الزمان المتأخر واجد لملاك التأخر، وكل ما كان واقعاً في الزمان المقارن واجد لملاك التقارن من دون اختصاص بحادث دون آخر. وملاك التقدم والتأخر في الأخيرين أمر راجع إلى مقتضى ذاتها، فكل ما كان في صميم ذاته من الوجود أو العدم اقتضاء التقدم على شيء أو التأخر متقدم عليه أو متأخر لا محالة، وكل ما لم يكن فيه اقتضاء كذلك فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر ولو كان في رتبة ما فيه الاقتضاء.

التاسعة : بطلان التفصيل بين الضدّ المعدوم والضدّ الموجود، بتوقف وجود الأول على ارتفاع الثاني دون العكس. وقد عرفت أنّ منشأ هذا التفصيل توهم استغناء الباقي عن المؤثر. وقد تقدّم الكلام فيه مفصلاً فراجع.

العاشرة : بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من تسليم الدلالة على الملازمة بين الأمر بشيء والنهي عن ضدّه في النقيضين، والمتقابلين بتقابل العدم والملكة، بل في الضدّين اللذين لا ثالث لهما. وقد عرفت عدم الدلالة في الجميع.

الحادية عشرة : قد تقدّم أنّه على تقدير تسليم الملازمة فيما إذا لم يكن للضدين ثالث، فلابد من تسليمها فيا إذا كان لهما ثالث أيضاً، لأن ملاك الدلالة كما مر وهو استلزام فعل الشيء لترك ضدّه، أمر يشترك فيه جميع الأضداد، فلا وجه للتفصيل بينهما كما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره).

الثانية عشرة : أنّ ما ذهب إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح لا يرجع إلى معنى محصل كما سبق.

الكلام في الضدّ العام

القول بأنّ الأمر بشيء عين النهي عن ضده العام

وأما الكلام في المقام الثاني وهو الضدّ العام، فقد اختلفت كلماتهم في كيفية دلالة الأمر بالشيء على النهي عنه بعد الفراغ عن أصل الدلالة إلى ثلاثة أقوال:

الأوّل : أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام، فالأمر بالصلاة مثلاً عين النهي عن تركها فقولنا : صلّ عين قولنا : لا تترك الصلاة.

الثاني : أنّ الأمر بالشيء يدل على النهي عنه بالتضمن، بدعوى أنه مركب من طلب الفعل والمنع من الترك، فالمنع من الترك مأخوذ في مفهوم الأمر، فيكون دالاً عليه بالتضمن.

الثالث : أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عنه بالدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الأخص، أو البين بالمعنى الأعم.

أمّا القول الأوّل: فان أريد من العينية في مقام الاثبات والدلالة - أعني بها أنّ الأمر بشيء والنهي عن تركه يدلان على معنى واحد، وإنما الاختلاف بينهما فى التعبير فقط - فهذا ممّا لا إشكال فيه، إذ من الواضح أنّه لا مانع من إبراز معنى واحد بعبارات متعددة وألفاظ،مختلفة فيبرزه تارةً بلفظ وأخرى بلفظ آخر وهكذا، مثلاً يمكن إبراز كون الصلاة على ذمة المكلف مرة بكلمة صلّ، ومرّة أخرى بكلمة : لا تترك الصلاة بأن يكون المقصود من كلتا الكلمتين إبراز وجوبها وثبوتها في ذمة المكلف، لا أنّ المقصود من الكلمة الأولى إبراز وجوب فعلها ومن الكلمة الثانية إبراز حرمة تركها لئلا تكون إحدى الكلمتين عين الأخرى في الدلالة والكشف.

وهذا هو المقصود من الروايات الناهية عن ترك الصلاة. وليس المراد من النهي فيها النهي الحقيقي الناشئ من مفسدة إلزامية في متعلقه، ولذلك لم يتوهم أحد حرمة ترك الصلاة وأن تاركها يستحق عقابين، عقاباً لتركه الواجب، وعقاباً لارتكابه الحرام.

وهذا التعبير - أعني به التعبير عن طلب شيء بالنهي عن تركه - أمر متعارف في الروايات في باب الواجبات والمستحبات وفي كلمات الفقهاء (رضوان اللّه عليهم فترى أنهم يعبّرون عن الاحتياط الواجب بقولهم : لا يترك الاحتياط. وعليه فمعنى أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه، هو أنها متحدان في جهة الدلالة والحكاية عن المعنى، في مقابل ما إذا كانا متغايرين في تلك الجهة.

وعلى ضوء ذلك صح أن يقال : إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام بحسب المعنى والدلالة عليه. فان أريد من العينية العينية بهذا المعنى، فهي صحيحة ولا بأس بها، ولكنّ الظاهر أنّ العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها كما لا يخفى.

وإن أريد بها العينية في مقام الثبوت والواقع - أعني بها كون الأمر بشيء عين النهي عن تركه في ذلك المقام وبالعكس - فيرد عليه أنه إن أريد من النهى عن الترك، طلب تركه المنطبق على الفعل، إذ قد يراد من النهي عن الشيء طلب تركه كما هو الحال في تروك الاحرام والصوم، حيث يراد من النهي عن الأكل والشرب ومجامعة النساء والارتماس في الماء ولمس المرأة ولبس المخيط للرجال والتكحل والنظر إلى المرآة والمجادلة وغيرها ممّا يعتبر عدمه في صحة الاحرام، طلب ترك هذه الأمور، فانّ هذا النهي لم ينشأ عن مبغوضية تلك الأمور وقيام مفسدة إلزامية بها، بل نشأ عن محبوبية تركها وقيام مصلحة إلزامية به، وعليه لم يكن مثل هذا النهي نهياً حقيقياً ناشئاً عن مفسدة ملزمة

في متعلقه، بل هو في الواقع أمر ولكن أبرز بصورة النهي في الخارج.

إن أريد ذلك، فلا معنى له أصلاً، وذلك لأنّ ترك الترك وإن كان مغايراً للفعل مفهوماً، إلّا أنّه عينه مصداقاً وخارجاً، لأنّه عنوان انتزاعي له، وليس له ما بازاء في الخارج ما عداه.

أو فقل : إنّ في عالم التحقق والوجود أحد شيئين لا ثالث لهما، أحدهما الوجود، والثاني العدم البديل له وأمّا عدم العدم فهو لا يتجاوز حد الفرض والتقدير، وليس له واقع في قبالها وإلا لأمكن أن يكون في الواقع أعدام غير متناهية، فانّ لكل شي عدماً، ولعدمه عدم، وهكذا إلى أن يذهب إلى ما لا نهاية له. نعم، إنّه عنوان انتزاعي منطبق على الوجود، وعليه فالقول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه في قوة القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي الأمر بذلك الشيء، وهو قول لا معنی له أصلاً.

فالنتيجة : أنّه لا يمكن أن يراد من النهي عن الترك طلب تركه، لاستلزام ذلك النزاع في أنّ الأمر بالشيء يقتضي نفسه، وهذا النزاع لا محصل له أبداً.

وإن أريد بالنهي عن الترك النهي الحقيقي الناشئ عن مبغوضية متعلقه، وقيام مفسدة ملزمة به، فالنهي بهذا المعنى وإن كان أمراً معقولاً في نفسه، إلا أنه لا يمكن أن يراد فيها نحن فيه، وذلك لاستحالة أن يكون بغض الترك متحداً مع حبّ الفعل أو جزئه، وذلك لاستحالة اتحاد الصفتين المتضادتين في الخارج.

وبعبارة واضحة : أنّه لا شبهة في أنّ الأمر الحقيقي يباين النهي الحقيقي تبايناً ذاتياً، فلا اشتراك بينهما لا في ناحية المبدأ ولا في ناحية الاعتبار ولا في ناحية المنتهى. أما من ناحية المبدأ، فلأنّ الأمر تابع للمصلحة الإلزامية في متعلقه، والنهي تابع للمفسدة الإلزامية فيه. وأما من ناحية الاعتبار، فلما ذكرناه غير مرّة من أنّ حقيقة الأمر ليست إلّا اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف وإبرازه

في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو نحوها. وحقيقة النهي ليست إلا اعتبار المولى حرمة الفعل عليه وجعله محروماً عنه، وإبرازه في الخارج بمبرز من صيغة النهي أو ما شاكلها، ومن الواضح أنّ أحد الاعتبارين أجنبي عن الاعتبار الآخر بالكلية. وأمّا من ناحية المنتهى، فلأنّ الأمر يمتثل باتيان متعلقه والنهي يمتثل بترك متعلقه.

وعلى هذا الضوء فكيف يمكن القول بأنّ الأمر عين النهي، فهل هو عينه في ناحية المبدأ أو في ناحية المنتهى أو في ناحية الاعتبار، كل ذلك غير معقول. فالنتيجة إذن هى أنّ القول بالعينية قول لا محصل له. ومن ذلك يظهر بطلان:

القول بأنّ الأمر بشيء يتضمن النهي عن الضد العام

القول الثاني أيضاً، وهو القول بأنّ النهي جزء من الأمر، فان الق-ول بالجزئية أيضاً غير معقول، ضرورة أنه كما لا يمكن أن يكون النهي متحداً مع الأمر في المراحل المتقدمة، كذلك لا يمكن أن يكون جزأه في تلك المراحل. وما قيل في تعريف الوجوب من أنّه عبارة عن طلب الفعل مع المنع من الترك لا يخلو عن ضرب مسامحة، ولعلّ الغرض منه الاشارة إلى مفهوم الوجوب في مقام تقريبه إلى الأذهان، لا أنه تعريف له على التحقيق، وإلا فمن الواضح جداً أنّ المنع من الترك لم يؤخذ في حقيقة الوجوب بأي معنى من المعاني الذي فرضناه، سواء أكان إرادة نفسانية، أم كان حكماً عقلياً، أو مجعولاً شرعياً.

فانّه على الأوّل من الأعراض وهي من البسائط الخارجية، وعلى الثاني فهو من الأمور الانتزاعية العقلية، بمعنى أنّ العقل يحكم باللزوم عند اعتبار المولى فعلاً ما على ذمة المكلف مع عدم نصبه قرينة على الترخيص في تركه. ومن الظاهر أنّه أشدّ بساطة من الأعراض فلا يعقل له جنس ولا فصل. وعلى الثالث فهو من المجعولات الشرعية، ومن الواضح أنها في غاية البساطة ولا يعقل لها جنس وفصل، نعم المنع من الترك لازم للوجوب لا أنه جزؤه.

وعلى تقدير كون الوجوب مركباً فلا يعقل أن يكون مركباً من المنع من الترك، لما عرفت من أنّ بغض الترك كما لا يمكن أن يكون عين حبّ الفعل، كذلك لا يمكن أن يكون جزأه.

وقد تحصل من ذلك : أنّ النزاع في عينية الأمر بشيء للنهي عن ضدّه أو جزئيته له، لا يرجع إلى النزاع في معنى معقول.

القول بأنّ الأمر بشيء يستلزم النهي عن الضد العام

وأما القول الثالث : وهو القول بأنّ الأمر بشيء يستلزم النهي عن ضده العام، فقد ذهب إليه جماعة ولكنهم اختلفوا في أنّ الاقتضاء هل هو على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصور الوجوب كافياً في تصور المنع من الترك، من دون حاجة إلى أمر زائد أو أنه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأعم على قولين.

فقد قرب شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)القول الأوّل، وقال : إنّه لا يبعد أن تكون دلالته على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص، وعلى تقدير التنزل ع-ن ذلك فالدلالة الالتزامية بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم ممّا لا إشكال فيه ولا كلام.

المختار في المقام

والتحقيق : هو عدم الاقتضاء، والوجه في ذلك: هو أن دعوى استلزام الأمر بشيء النهي عن تركه باللزوم البيّن بالمعنى الأخص واضحة الفساد، ضرورة أن الأمر ربما يأمر بشيء ويغفل عن تركه ولا يلتفت إليه أصلاً ليكون كارهاً له، فلو كانت الدلالة على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص لم يتصور غفلة الأمر عن الترك وعدم التفاته إليه في مورد من الموارد، ومن هنا قد اعترف هو (قدس سره) أيضاً ببداهة إمكان غفلة الآمر بشيء عن ترك تركه


1) أجود التقريرات 2: 7.

فضلاً عن أن يتعلق به طلبه، وهذا منه يناقض ما أفاده من نفي البعد عن اللزوم البين بالمعنى الأخص.

وأما دعوى الدلالة الالتزامية باللزوم البيّن بالمعنى الأعم، فهي أيضاً لا يمكن تصديقها، وذلك لعدم الدليل عليها لا من العقل ولا من الشرع.

أمّا من ناحية العقل : فلأنّه لا يحكم بالملازمة بين اعتبار الشارع وجوب شيء واعتباره حرمة تركه، فانّ كلاً من الوجوب والحرمة يحتاج إلى اعتبار مستقل، والتفكيك بينهما في مقام الاعتبار بمكان من الامكان، وكذا لا يحكم العقل بالملازمة بين إرادة شيء وكراهة نقيضه، إذ قد يريد الانسان شيئاً غافلاً عن تركه وغير ملتفت إليه، فكيف يكون كارهاً له.

وإن شئت فقل: إنّ القائل باستلزام وجوب شيء لحرمة تركه، إما أن يدعي الحرمة النفسية، أو يدعي الحرمة الغيرية. وكلتا الدعويين فاسدة:

أمّا الدعوى الأولى : فلأن الحرمة النفسية إنما تنشأ من مفسدة إلزامية في متعلقها، ومن الواضح أنّه لا مفسدة في ترك الواجب، فتركه ترك ما فيه المصلحة لا فعل ما فيه المفسدة. فلو سلمنا وجود المفسدة في ترك الواجب أحياناً فلا كلية لذلك بالبداهة. إذن لا مجال لدعوى الملازمة بين وجوب شيء وحرمة تركه بل الوجدان حاكم بعدم ثبوتها.

وأما الدعوى الثانية : فلعدم ملاك الحرمة الغيرية فيه أوّلاً، لانتفاء المقدمية، وكونها لغواً ثانياً، لعدم ترتب أثر عليها من العقاب أو نح-وه. وع-ل-ي-ه ف-لا موضوع لدعوى الملازمة أصلاً.

وأما من ناحية الشرع: فلأنّ ما دلّ على وجوب شيء لا يدل على حرمة تركه، بداهة أن الحكم الواحد وهو الوجوب في المقام لا ينحل إلى حكمين أحدهما يتعلق بالفعل والآخر بالترك، ليكون تاركه مستحقاً لعقابين من جهة

تركه الواجب وارتكابه الحرام، ومن هنا قلنا إنّه لا مفسدة في ترك الواجب ليكون تركه محرّماً، كما أنه لا مصلحة في ترك الحرام ليكون واجباً.

وعلى الجملة : فمن الواضح جداً أنّ الأمر بشيء لا يدل إلّا على اعتباره في ذمة المكلف بلا دلالة له على اعتبار حرمة تركه، فالأمر بالصلاة مثلاً لا يدل إلا على اعتبار فعلها في ذمة المكلف، دون حرمة تركها وهكذا. وأما إطلاق المبغوض على ترك الواجب فهو بضرب من العناية والمسامحة، كما أنّ إطلاق المحبوب على ترك الحرام كذلك.

وقد تحصل من ذلك بشكل واضح : أنه لا ملازمة بين اعتبار شيء في ذمة المكلف واعتبار حرمة نقيضه، لا عقلاً ولا شرعاً.

ونتيجة مجموع ما ذكرناه نقطتان الأولى: أنّ الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام لا بنحو العينية أو الجزئية ولا بنحو اللزوم.

الثانية : أنّ القولين الأوّلين لا يرجعان إلى معنى معقول، دون القول الأخير. هذا تمام كلامنا في الضدّ العام.

ثمرة البحث

قد اشتهر بين الأصحاب أنّ الثمرة تظهر فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة مثلاً وواجب مضيق كالازالة، أو بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر، فعلى القول بعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه يقع الواجب الموسع أو غير الأهم صحيحاً، إذ لا مقتضي لفساده أصلاً، فانّ المقتضي له إنّما هو تعلّق النهي به ولا نهي على الفرض إذن يبقى الواجب على حاله من المحبوبية والملاك. وأما على القول بالاقتضاء فيقع فاسداً إذا كان عبادة، بضم كبرى المسألة الآتية وهي : أنّ النهي في العبادات يوجب الفساد.

وقد أورد على هذه الثمرة بايرادين متقابلين:

أحدهما: ما عن الشيخ البهائي (قدس سره)(1)من بطلان العبادة مطلقاً حتّى على القول بعدم الاقتضاء، وذلك لما يراه (قدس سره) من اشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلاً، وعلى هذا فلا محالة تفسد عند المزاحمة بالواجب الأهم أو المضيق، سواء فيه القول بالاقتضاء وعدمه، ضرورة أنّ الأمر بشيء لو لم يقتض النهي عن ضدّه فلا شبهة في أنّه يقتضي عدم الأمر به، لاستحالة تعلّق الأمر بالضدّين معاً، فإذا كانت العبادة المضادة غير مأمور بها فعلاً فلا محالة تقع فاسدة، لفرض أنّ صحة العبادة مشروطة بكونها مأموراً بها، وبما أنّه لا أمر في المقام على الفرض فلا صحة لها لانتفائها بانتفاء شرطها.


1) زبدة الأصول : 82.

ثانيهما: ما عن جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من صحة العبادة مطلقاً حتّى على القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده، والوجه في ذلك : هو : هو أن صحتها على القول بعدم الاقتضاء واضحة، لعدم المقتضي للفساد أصلاً، بناءً على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد الأمر، بل المعتبر فيها هو إضافتها إلى المولى بنحو من أنحاء الاضافة. وأما على القول بالاقتضاء فالعبادة كالصلاة مثلاً وإن كانت منهياً عنها، إلا أن هذا النهي بما أنه نهي غيري نشأ عن مقدمية تركها أو عن ملازمته لفعل المأمور به في الخارج ولم ينشأ عن مفسدة في متعلقه، فلا يكون موجباً للفساد، ومن هنا قالوا : إنّ مخالفة الأمر والنهى المقدميين لا توجب بعداً، وسر ذلك ما سبق من أنّ النهي الغيري المقدمي لا يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه وكونه مبغوضاً للمولى لئلا يمكن التقرب به فانّ المبعد لا يمكن التقرب به.

وعلى ضوء ذلك فالعبادة باقية على ما كانت عليه من المصلحة والمحبوبية الذاتية الصالحة للتقرب بها والنهي المتعلق بها - بما أنه غيري - لا يمنع عن التقرب بها.

وعلى الجملة : فبناءً على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد الأمر وكفاية قصد الملاك، فصحتها عندئذ تدور مدار تحقق الملاك بلا فرق بين القول بالاقتضاء والقول بعدمه، وبما أنّها واجدة للملاك على كلا القولين فهي تقع صحيحة، إذن فلا ثمرة.

أقول : أما الايراد الأوّل فيرده : ما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي مفصلاً، وسنتعرض لذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى أيضاً، من أنّ المعتبر في صحة العبادة


1) أجود التقريرات 2 : 21، 22.

هو قصد القربة بأي وجه تحقق لا خصوص قصد الأمر، لعدم دليل خاص يدل عليه. إذن لا فرق بنظر العقل في حصول التقرب بين وجود الأمر وعدمه إذا كان الفعل واجداً للملاك وقصد التقرب به.

واما الايراد الثاني : فيظهر حاله ممّا سنبينه إن شاء اللّه تعالى.

فنقول : تحقيق الحال في الثمرة المزبورة يستدعي الكلام في مقامين :

الأوّل: فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة مثلاً وواجب مضيق كالازالة.

الثاني : فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيّقين أحدهما أهم من الآخر، إذا وقعت المزاحمة بين الصلاة فى آخر الوقت والازالة بحيث لو اشتغل بالازالة فاتته الصلاة.

تزاحم الموسع مع المضيق

أما الكلام في المقام الأوّل : فقد اختار المحقق الثاني (قدس سره)(1)وتبعه جماعة من المحققين تحقق الثمرة فيه، فعلى القول بالاقتضاء تقع العبادة فاسدة وعلى القول بعدمه تقع صحيحة.

بيان ذلك: أنا قد ذكرنا في بحث تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد (2)أنّ الصحيح هو تعلقها بالطبائع الملغاة عنها جميع الخصوصيات والتشخصات دون الأفراد، وعلى هذا فالمأمور به هو الطبيعة المطلقة، ومقتضى إطلاق الأمر بها ترخيص المكلف في تطبيق تلك الطبيعة على أي فرد من أفرادها شاء تطبيقها عليه من الأفراد العرضية والطولية، ولكن هذا إنّما يكون فيما إذا لم يكن هناك مانع عن التطبيق، وأما إذا كان مانع عنه كما إذا كان بعض أفرادها منهياً عنه، فلا محالة يقيد إطلاق الأمر المتعلق بالطبيعة بغير هذا الفرد المنهي عنه، لاستحالة انطباق الواجب على الحرام.

ويترتب على ذلك : أنه بناءً على القول باقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضده، كان الفرد المزاحم من الواجب المطلق منهياً عنه فيقيد به إطلاق الأمر به، كما هو الحال في بقية موارد النهي عن العبادات، لاستحالة أن يكون الحرام مصداقاً للواجب، ونتيجة ذلك التقييد هي وقوعه فاسداً بناءً على عدم كفاية اشتماله على الملاك في الصحة.


1) جامع المقاصد 5: 12.

2) في المجلد الثالث من هذا الكتاب ص 196.

أو فقل : إنّ الأمر بالشيء لو كان مقتضياً للنهي عن ضدّه، كان الفرد المزاحم منهياً عنه لا محالة، وعليه فلا يجوز تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه، وبضميمة المسألة الآتية وهي أنّ النهي في العبادات يوجب الفساد، يقع فاسداً.

وأما بناءً على القول بعدم الاقتضاء، فغاية ما يقتضيه الأمر بالواجب المضيق هو عدم الأمر بالفرد المزاحم، لاستحالة الأمر بالضدّين معاً، وهذا لا يقتضي فساده.

والوجه في ذلك: ما عرفت من أنّ متعلق الوجوب صرف وجود الطبيعة وخصوصية الأفراد جميعاً خارجة عن حيّز الأمر، والمفروض أن القدرة على صرف الوجود منها تحصل بالقدرة على بعض وجوداتها وأفرادها وإن لم يكن بعضها الآخر مقدوراً. ومن الواضح أنّ التكليف غير مشروط بالقدرة على جميع أفرادها العرضية والطولية، ضرورة أنّه ليست طبيعة تكون مقدورة كذلك، وعليه فعدم القدرة على فرد خاص من الطبيعة المأمور بها وهو الفرد المزاحم بالأهم لا ينافي تعلّق الأمر بها، فانّ المطلوب هو صرف وجودها وهو يتحقق بايجاد فرد منها في الخارج، فالقدرة على إيجاد فرد واحد منها كافٍ في تعلّق الأمر بها.

وعلى هذا الضوء يصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة المأمور بها لانطباق تلك الطبيعة عليه كانطباقها على بقية الأفراد، ضرورة أنه لا فرق بينه وبين غيره من الأفراد من هذه الجهة أصلاً.

وبتعبير آخر أنّه لا موجب لتقييد إطلاق المأمور به على هذا القول بغير الفرد المزاحم للواجب المضيق، فانّ الموجب لذلك إنما هو تعلّق النه-ي ب-ه وحيث لا نهي على الفرض فلا موجب له أصلاً، وعندئذ فغاية ما يقتضيه الأمر بالواجب المضيق هو عدم الأمر به، ومن الواضح أنه غير مانع م-ن

انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، إذ الأفراد جميعاً في عدم تعلّق الأمر بها وعدم اتصافها بالواجب على نسبة واحدة ولا فرق في ذلك بين الفرد المزاحم للواجب المضيق وغيره، فان متعلق الأمر الطبيعة الجامعة بين الأفراد بلا دخل شيء من الخصوصيات والتشخصات فيه، ولذا لا يسري الوجوب منها إلى تلك الأفراد، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: أنّ ضابط الامتثال انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المأتي به في الخارج.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين : هي صحة الاتيان بالفرد المزاحم لاشتراكه مع بقية الأفراد في كلتا الناحيتين

نعم، يمتاز عنها في ناحية ثالثة : وهي أنّ الفرد المزاحم غير مقدور شرعاً وهو في حكم غير المقدور عقلاً، إلا أنها لا تمنع عن الصحة وحصول الامتثال به، لأنّ الصحة تدور مدار الناحيتين الأوليين، وهذه الناحية أجنبية عما هو ملاك الصحة، ضرورة أنّ المكلف لو عصى الأمر بالواجب المضيق وأتى بهذا الفرد المزاحم لوقع صحيحاً، لانطباق المأمور به عليه.

وإن شئت فقل : إنّ ما كان مزاحماً للواجب المضيق وإن كان غير مقدور شرعاً، إلّا أنّه ليس بمأمور به وما كان مأموراً به ومقدوراً للمكلف - وهو صرف وجود الطبيعة بين المبدأ والمنتهى - غير مزاحم له. وعلى ذلك الأساس صح الاتيان بالفرد المزاحم، فانّ الانطباق قهري والإجزاء عقلي.

ونتيجة ما أفاده المحقق الثاني (قدس سره) هي أنّ الفرد المزاحم بناءً على القول بالاقتضاء، حيث إنّه كان منهياً عنه، فلا ينطبق عليه المأمور به، وعليه فلا إجزاء لدورانه مدار الانطباق. وبناءً على القول بعدم الاقتضاء حيث إنّه ليس بمنهي عنه ينطبق عليه المأمور به فيكون مجزئاً.

وقد أورد على هذا التفصيل شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بأن ذلك إنما يتم بناءً على أن يكون منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، إذ على هذا الأصل يمكن أن يقال إنّ العقل لا يحكم بأزيد من اعتبار القدرة على الواجب في الجملة ولو بالقدرة على فرد منه، فإذا كان المكلف قادراً على الواجب ولو بالقدرة على فرد واحد منه لا يكون التكليف به قبيحاً، وبما أنّ الواجب الموسع في مفروض الكلام مقدور من جهة القدرة على غير المزاحم للواجب المضيق من الأفراد، فلا يكون التكليف به قبيحاً.

وعليه فعلى القول بالاقتضاء بما أنّ الفرد المزاحم منهي عنه، لا ينطبق عليه المأمور به فلا يكون مجزئاً. وعلى القول بعدم الاقتضاء حيث إنّه ليس بمنهي عنه ينطبق عليه المأمور به فيكون مجزئاً. إذن ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل متين.

وأمّا إذا كان منشأ اعتبار القدرة شرطاً للتكليف اقتضاء نفس التكليف ذلك كما هو الصحيح، لا حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فلا يتم ما ذكره، ولا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بقصد الأمر أصلاً. فها هنا دعويان :

الأولى : أنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف اقتضاء نفس التكليف ذلك لا حكم العقل.

الثانية : أنّ التفصيل المزبور لا يتم على هذا الأصل.

أمّا الدعوى الأولى : فلأن الغرض من التكليف جعل الداعي للمكلف نحو الفعل، ومن الواضح أنّ هذا المعنى بنفسه يستلزم كون متعلقه مقدوراً، لاستحالة جعل الداعي نحو الممتنع عقلاً أو شرعاً، فإذا كان التكليف بنفسه مقتضياً


1) أجود التقريرات 2 : 23.

لاعتبار القدرة في متعلقه فلا تصل النوبة إلى حكم العقل بذلك، ضرورة أن الاستناد إلى أمر ذاتي في مرتبة سابقة على الاستناد إلى أمر عرضي. وإن شئت فقل : إنّ الغرض من البعث انبعاث المكلف نحو الفعل، ومن الواضح امتناع الانبعاث نحو الممتنع، وحصول الداعي له إلى إيجاده، فإذا امتنع الانبعاث والداعوية امتنع جعل التكليف لا محالة.

وأمّا الدعوى الثانية : فهي مترتبة على الدعوى الأولى، وذلك لأنّ التكليف إذا كان بنفسه مقتضياً لاعتبار القدرة في متعلقه فلا محالة ينحصر متعلقه بخصوص الأفراد المقدورة، فتخرج الأفراد غير المقدورة عن متعلقه.

وعلى الجملة : فنتيجة اقتضاء نفس التكليف ذلك - أي اعتبار القدرة - هي أن متعلقه حصة خاصة من الطبيعة وهي الحصة المقدورة. وأمّا الحصة غير المقدورة فخارجة عن متعلقه وإن كانت من حصة نفس الطبيعة، إلا أنها ليست من حصتها بما هي مأمور بها ومتعلقة للتكليف. وعلى ذلك فالفرد المزاحم بما أنه غير مقدور شرعاً - وهو في حكم غير المقدور عقلاً - خارج عن حيّز الأمر ولا يكون مصداقاً للطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها، فان انطباق الطبيعة المأمور بها عليه يتوقف على عدم تقييدها بالقدرة، وحيث إنّها كانت مقيدة بها - على الفرض - امتنع انطباقها على ذلك الفرد ليحصل به الامتثال. أو فقل : إنّ الطبيعة إذا كانت مقيدة بالقدرة لا تنطبق على الفرد الفاقد لها، بداهة عدم إمكان انطباق الحصة المقدورة على أفراد الحصة غير المقدورة، فان كل طبيعة تنطبق على أفرادها، ولا تنطبق على أفراد غيرها.

وعلى هذا الضوء فلو بنينا على اشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلاً، ليكون الاتيان بها بداعي ذلك الأمر، وعدم كفاية قصد الملاك، فلا مناص من الالتزام بفساد الفرد المزاحم على كلا القولين. أمّا على القول بالاقتضاء، فلأنه

متعلق للنهي. وأما على القول بعدم الاقتضاء، فلتقييد الطبيعة المأمور بها بالقدرة المانع من انطباقها عليه.

وقد تحصل من مجموع ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) نقطتان : الأولى : عدم تمامية ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل ب-ين القول بالاقتضاء والقول بعدمه.

الثانية : أنّه لا بدّ من الالتزام بتفصيل آخر، وهو أنّ منشأ اعتبار القدرة شرطاً للتكليف إن كان حكم العقل من باب قبح تكليف العاجز، فم-ا أف-اده المحقق الثاني (قدس سره) صحيح، ولا مناص من الالتزام به، وإن كان اقتضاء نفس التكليف ذلك، وأنّ البعث بذاته يقتضي أن يكون متعلقه مقدوراً سواء أكان للعقل حكم في هذا الباب أم لم يكن، فلا يتم ما أفاده المحقق الثاني (قدس سره إذ لا ثمرة عندئذ، فانّ الفرد المزاحم للواجب المضيق محكوم بالفساد مطلقاً حتّى على القول بعدم الاقتضاء كما عرفت.

هذا كلّه بناءً على القول باشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلاً، وعدم كفاية قصد الملاك.

وأما إذا بنينا على كفاية الاشتمال على الملاك في الصحة، فلابد من الالتزام بصحة الفرد المزاحم على كلا القولين، لأنّه تامّ الملاك حتّى بناءً على القول بكونه منهياً عنه، وذلك لأنّ النهي المانع عن صحة العبادة والتقرب بها إنما هو النهي النفسي، فانّه يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه موجبة لاضمحلال ما فيه من المصلحة الصالحة للتقرب بفعل يكون مشتملاً عليها، دون النهي الغيري فانّه لا يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه، ليكشف عن عدم تمامية ملاك الأمر.

أو فقل : إنّ النهي النفسي بما أنه ينشأ من مفسدة في متعلقه فيكون مانعاً عن

التقرب به لا محالة، والنهي الغيري بما أنّه لم ينشأ من مفسدة في متعلقه بل ينشأ من أمر آخر، فلا محالة لا يكون مانعاً عن التقرب، لأنّ متعلقه باقٍ على م-ا كان عليه من الملاك الصالح للتقرب به، من هذا ناحية. ومن ناحية أخرى : قد ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي (1)أنّ قصد الملاك كافٍ في صحة العبادة، وأنّ صحتها لا تتوقف على قصد الأمر بخصوصه، لعدم دليل يدل على اعتبار أزيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، وهو إضافته إلى المولى بنحو من أنحاء الاضافة، وأمّا تطبيق ذلك على قصد الأمر أو غيره من الدواعي القربية فانّما هو بحكم العقل، ومن الواضح أنّه لا فرق بنظر العقل في حصول التقرب بين قصد الأمر وقصد الملاك، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي صحة الفرد المزاحم مطلقاً حتّى على القول بالاقتضاء.

وقد تحصل من ذلك : أنّ ما أفاده المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل بين القولين كما لا يتم على القول باشتراط صحة العبادة بقصد الأمر كما عرفت، كذلك لا يتم على القول بكفاية قصد الملاك، فانّ الصغرى - وهي كون الفرد المزاحم تامّ الملاك - ثابتة والكبرى وهي كفاية قصد الملاك - محرزة، فالنتيجة من ضم الصغرى إلى الكبرى هي : صحة الفرد المزاحم حتّى بناءً ع-ل-ى ك--ونه منهياً عنه.

ونلخص ما أفاده (قدس سره) في عدّة نقاط :

الأولى : فساد ما اختاره المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل بين القولين مطلقاً، أي سواء القول فيه باشتراط صحة العبادة بقصد الأمر، وعدم كفاية قصد الملاك، أو القول بعدم اشتراط صحتها بذلك، وكفاية قصد الملاك كما مرّ.


1) فى المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 542.

الثانية : أنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنّما هو اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار لا حكم العقل بقبح تكليف العاجز، ضرورة أنّ الاستناد إلى أمر ذاتي سابق على الاستناد إلى أمر عرضي.

الثالثة : أنّ الفرد المزاحم هنا تامّ الملاك، وأنّ قصد الملاك كافٍ في صحة العبادة.

الرابعة : أنّ المانع من صحة العبادة والتقرب بها إنما هو النهي النفسي لا النهى الغيري، لأن النهى الغيري لا ينشأ من مفسدة في متعلقه ليكون كاشفاً عن عدم تمامية ملاك الأمر.

ولنأخذ الآن بدرس هذه النقاط :

أما النقطة الأولى، فيرد عليها : أنّ ما أفاده (قدس سره) من التفصيل بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة شرطاً للتكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، والقول بأنّ منشأ اعتباره اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، فيسلّم ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) على الأوّل دون الثاني، لا يرجع إلى معنى محصل، بناءً على ما اختاره (قدس سره) من استحالة الواجب المعلق، وتعلّق الوجوب بأمر متأخر مقدور في ظرفه.

بيان ذلك : أنّ الأمر في الواجب الموسع وإن تعلّق بالطبيعة وبصرف الوجود منها، إلا أنّه أيضاً مشروط بالقدرة عليها، ومن الواضح أن القدرة عليها لا يمكن إلا بأن يكون بعض وجوداتها وأفرادها - ولو كان واحداً منها - مقدوراً للمكلف، وأمّا لو كان جميع أفرادها ووجوداتها غير مقدورة له، ولو كان ذلك في زمان واحد دون بقية الأزمنة، فلا يمكن تعلّق التكليف بنفس الطبيعة، وبصرف وجودها في ذلك الزمان الذي فرضنا أنّ الطبيعة غير مقدورة فيه بجميع أفرادها، إلا على القول بصحة الواجب المعلق، وحيث إن الواجب

الموسع في ظرف مزاحمته مع الواجب المضيق غير مقدور بجميع أفراده، فلا يعقل تعلّق الطلب به عندئذ، ليكون انطباقه على الفرد المزاحم في الخارج قهرياً وإجزاؤه عن المأمور به عقلياً، إلّا بناءً على صحة تعلّق الطلب بأمر متأخر مقدور في ظرفه، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف حكم العقل بقبح تكليف العاجز، وأن يكون منشؤه اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار.

وبتعبير ثان: أنه بناءً على اشتراط صحة العبادة بوجود الأمر فعلاً، والاغماض عما سنتعرض له من صحة تعلّق الأمر بالضدّين على نحو الترتب، فانّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) إنما يتم بناءً على إمكان تعلّق الوجوب بأمر متأخر على نحو الواجب المعلّق، إذ على ذلك لا مانع من تعلّق الأمر بالعبادة الموسعة في حال مزاحمتها بالواجب المضيّق على نحو يكون الوجوب فعلياً والواجب أمراً استقبالياً، لاستحالة تعلّق الأمر بها على نحو يكون الواجب أيضاً حالياً، لأنها في تلك الحال غير مقدورة للمكلف بجميع أفرادها.

وأما بناءً على وجهة نظره (قدس سره) من استحالة الواجب المعلّق، وعدم إمكان تعلّق الطلب بأمر استقبالي مقدور في ظرفه، فلا مناص من القول بفساد الفرد المزاحم مطلقاً، حتّى على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة هو الحكم العقلي المزبور، وذلك لعدم إمكان طلب صرف وجود الطبيعة المأمور بها، المزاحمة بالواجب المضيق عندئذ، ليكون انطباقه على ما أتى به المكلف في الخارج قهرياً، والإجزاء عقلياً.

فالنتيجة : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التفصيل بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة في صحة التكليف هو حكم العقل، والقول بأنّ منشأه اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، فعلى الفرض الأول تظهر الثمرة في المسألة،

دون الفرض الثاني غير تام على مسلكه (قدس سره).

وأمّا على مسلك من يرى صحة الواجب المعلّق فلا بأس به. نعم، إذاكان للواجب أفراد عرضية، وكان بعض أفراده مزاحماً بواجب مضيق دون جميعها، لتم ما أفاده (قدس سره) إذ حينئذ يصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على بعض أفرادها، بناءً على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل بقبح خطاب العاجز، كما إذا وقعت المزاحمة بين بعض الأفراد العرضية للصلاة مثلاً، وإنقاذ الغريق كما في مواضع التخيير بين القصر والاتمام، فأنّه قد يفرض أن الصلاة تماماً مزاحمة مع الانقاذ، لعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال دون الصلاة قصراً فيما إذا تمكن المكلف من الجمع بينها وبين الانقاذ.

ففي هذا الفرض وإن كان اللازم على المكلف الاتيان بالصلاة قصراً، لئلا يفوت منه الواجب المضيق، ولا يجوز له اختیار فرد آخر منها في مقام الامتثال - وهو الصلاة تماماً - لأنّ اختياره يوجب تفويت الواجب الأهم، ولكن إذا عصى الواجب الأهم واختار ذلك الفرد فلا مناص من الالتزام بصحته، لانطباق الطبيعة المأمور بها - وهي طبيعي الصلاة الجامع بين القصر والتم-ام - ع-ليه، لفرض كون تلك الطبيعة مقدورة بالقدرة على فرد منها، فإذا كانت مقدورة فلا مانع من تعلّق الأمر بها بناءً على أنّ منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل. إذن صح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة.

نعم، بناءً على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، لم يمكن الحكم بصحة الفرد المزاحم، لعدم انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، إذ على هذا القول كما عرفت يكون المأمور به حصة خاصة من الطبيعة، وهي الحصة المقدورة، ومن الواضح أنها لا تنطبق على الفرد المزاحم.

وقد تلخص : أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التفصيل وإن تم على هذا الفرض، إلّا أنّ ذلك الفرض خارج عن مورد ك--لام المحقق الثاني (قدس سره) الذي كان محلاً للكلام في المقام، وهو ما إذا كان الواجب ذا أفراد طولية، وكان بعضها مزاحماً بواجب مضيق.

ثم لو تنزلنا عن ذلك، وسلّمنا أنّ شيخنا الأستاذ (قدس سره) من القائلين بالواجب المعلّق، ويرى جواز تعلّق الطلب بأمر متأخر مقدور في ظرفه، إلّا أنه مع ذلك لا يتم ما أفاده بيان ذلك : أنّ المطلق المتعلق للطلب لا يخلو من أن يكون شمولياً وأن يكون بدلياً، والمطلق الشمولي وإن كان خارجاً عن مح--لّ الكلام في المقام - حيث إنّ محل الكلام في المطلق البدلي - إلّا أنا نتعرض له لشيء من التوضيح للمقام فنقول :

إنّ المطلق إذا كان شمولياً فلا محالة ينحلّ الحكم المتعلق به بانحلال أفراده، فيثبت لكل واحد منها حكم مستقل مغاير للحكم الثابت لفرد آخر، وهذا واضح. وعليه فإذا كان بعض أفراده مزاحماً بواجب مضيّق، فلا محالة يسقط حكمه من جهة المزاحمة، لكونه غير مقدور للمكلف شرعاً، وما كان كذلك يستحيل تعلّق الطلب به، ولا يفرق في ذلك بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل، والقول بأنّ منشأه اقتضاء نفس التكليف ذلك، فانّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً، إذن لا يمكن الحكم بصحة ذلك الفرد المزاحم مع قطع النظر عما سيجيء من صحة تعلّق الأمر بالضدّين على نحو الترتب.

وأمّا إذا كان بدلياً كما هو محلّ الكلام في المقام، فبناءً على ما هو الصحيح من أنّ الأوامر متعلقة بالطبائع دون الأفراد، فمتعلق الأمر هو صرف وج-ود الطبيعة الجامع بين الحدين، أو فقل: الجامع بين الأفراد العرضية والطولية بلا دخل شيء من الخصوصيات والتشخصات الخارجية فيه.

ومن هنا قد ذكرنا غير مرّة أنّ معنى الاطلاق هو رفض القيود وعدم دخل شيء منها في متعلق الحكم واقعاً، لا الجمع بينها ودخل الجميع فيه. وم-ن الواضح جداً أن وجوب وجوب شيء كذلك لا ينافي وجوب شيء آخر في عرضه، ضرورة أنّه لا منافاة بين وجوب الصلاة مثلاً في مجموع وقتها - وهو ما بين الزوال والمغرب - وبين وجوب الإزالة أو إنقاذ الغريق أو نحو ذلك في ذلك الوقت، إذ المفروض أنّ المطلوب إنّما هو صرف وجود الصلاة في مجموع هذه الأزمنة لا في جميعها، ومن المعلوم أنه يكفي في كونه مقدوراً للمكلف القدرة على فرد واحد منها، وإذا كان مقدوراً صح تعلّق الطلب به، سواء أكان هناك واجب آخر في تلك الأزمنة أم لم يكن فان وجوب واجب آخر إنما ينافي وجوب الصلاة إذا كان وجوبها في جميع تلك الأزمنة لا في مجموعها، والمفروض أنّها ليست بواجبة في كل من تلك الأزمنة، لينافي وج-وبه-ا وج-وب واجب آخر، بل هي واجبة في المجموع، وعليه فلا ينافيه وجوب شيء آخر في زمان خاص.

نعم، وجوب واجب آخر ينافي ترخيص انطباق صرف وجود الطبيعة على الفرد في ذلك الزمان، ولا يفرق في ذلك بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة في فعلية التكليف هو حكم العقل، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك، إذ على ك--لا القولين لو عصى المكلف الأمر بالواجب المضيّق وأتى بالفرد المزاحم به صح لانطباق المأمور به عليه.

والسر في ذلك : أنّ التكليف بنفسه لا يقتضي أزيد من أن يكون متعلقه مقدوراً ولو بالقدرة على فرد منه لئلا يكون البعث نحوه لغواً وممتنعاً، لأن الغرض منه جعل الداعي له ليحرّك عضلاته نحو الفعل بالارادة والاختيار ومن الواضح أنّ جعل الداعي إلى إيجاد الطبيعة المقدورة ولو بالقدرة على فرد

منها بمكان من الوضوح.

وبتعبير آخر : أنّ الشارع لم يأخذ القدرة في متعلق أمره على الفرض، بل هو مطلق من هذه الجهة غاية ما في الباب أنّ التكليف المتعلق به يقتضي أن يكون مقدوراً من جهة أنّ الغرض منه جعل الداعي إلى إيجاده، وجعل الداعي نحو الممتنع عقلاً أو شرعاً ممتنع. ومن الواضح أنّ ذلك لا يقتضي أزيد من إمكان حصول الداعي للمكلف، وهو يحصل من التكليف المتعلق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على فرد منها لتمكنه من إيجادها في الخارج، ولا يكون ذلك التكليف لغواً وممتنعاً عندئذٍ، فإذا فرض أنّ الصلاة مثلاً مقدورة في مجموع وقتها وإن لم تكن مقدورة في جميعها، فلا يكون البعث نحوها وطلب صرف وجودها في مجموع هذا الوقت لغواً.

وعليه فلا مقتضي للالتزام بأنّ متعلقه حصة خاصة من الطبيعة وهي الحصة المقدورة، فانّ المقتضي له ليس إلّا توهم أنّ الغرض من التكليف حيث إنّ-ه جعل الداعي، فجعل الداعي نحو الممتنع غير معقول، ولكنّه غفلة عن الفارق بين جعل الداعي نحو الممتنع، وجعل الداعي نحو الجامع بين الممتنع والممكن، والذي لا يمكن جعل الداعي نحوه هو الأوّل دون الثاني، فانّ جعل الداعي نحوه من الوضوح بمكان.

فالنتيجة على ضوء هذا البيان أنّه يصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة، من دون فرق بين القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة ه-و حكم العقل، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك.

ولو تنزّلنا عن ذلك أيضاً، وسلّمنا الفرق بين القولين، فمع هذا لا يتم م-ا أفاده بناءً على ما اختاره (قدس سره) من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فكلما لم يكن المورد قابلاً للتقييد لم يكن قابلاً للاطلاق،

فإذا كان التقييد مستحيلاً في موردٍ كان الاطلاق أيضاً مستحيلاً فيه، لأنّ استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر.

وفيما نحن فيه بما أنّ تقييد الطبيعة المأمور بها بخصوص الفرد المزاحم مستحيل، فاطلاقها بالاضافة إليه أيضاً مستحيل حتّى على القول بأن منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل، وبالنتيجة لا يمكن الحكم بصحة الفرد المزاحم لعدم إطلاق للمأمور به، ليكون الاتيان به بداعي أمره حتّى على القول بصحة الواجب المعلق.

نعم، بناءً على ما حققناه في بحث التعبدي والتوصلي (1)من أن التقابل بينهما ليس من تقابل العدم والملكة، بل من تقابل التضاد، ولذلك قلنا إن استحالة تقييد متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص تستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضرورياً، يصح الاتيان به بداعي الأمر بالطبيعة بناءً على جواز تعلّق الوجوب بأمر متأخر مقدور في ظرفه، كما هو المفروض، وقد ذكرنا هناك أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة لا يمكن تصديقه بوجه. وقد فصلنا الحديث من هذه الناحية هناك فلا نعيد في المقام.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التفصيل بين اعتبار القدرة عقلاً واعتبارها باقتضاء نفس التكليف في المقام لا يرجع إلى معنى صحيح.

فالصحيح هو ما ذهب إليه المحقق الثاني (قدس سره) من تحقق الثمرة بين القولين في المسألة، وهي صحة العبادة بناءً على القول بعدم الاقتضاء، وفسادها


1) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 528 وما بعدها.

بناءً على القول بالاقتضاء، مع قطع النظر عما سيجيء إن شاء اللّه تعالى من صحة تعلّق الأمر بالضدّين بناءً على القول بالترتب.

ولكنّ الذي يرد هنا هو أنّ مقامنا هذا - أي التزاحم بين الاتيان بواجب موسّع وواجب مضيق - غير داخل في كبرى مسألة التزاحم بين الحكمين أصلاً، والوجه في ذلك : هو أنّ التنافي بين الحكمين إما أن يكون في مقام الجعل والانشاء فلا يمكن جعل كليهما معاً، وإما أن يكون في مقام الامتثال والفعلية، مع كمال الملاءمة بينهما بحسب مقام الجعل ولا ثالث لهما.

ومنشأ الأوّل: إمّا العلم الاجمالي بكذب أحدهما في الواقع مع عدم التنافي بينهما ذاتاً، أو ثبوت التنافي بينهما بالذات والحقيقة على وجه التناقض أو التضاد، ولذا قالوا: التعارض تنا في مدلولي الدليلين بحسب مقام الاثبات والدلالة على وجه التناقض أو التضاد بالذات أو بالعرض.

ومنشأ الثاني: عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال والفعلية، فان صرف قدرته على امتثال أحدهما عجز عن الثاني، فينتفي بانتفاء موضوعه وهو القدرة، ولذا قالوا : التزاحم تنافي الحكمين بحسب مقام الفعلية والامتثال مع عدم المنافاة بينهما بحسب مقام الجعل والانشاء.

وأما إذا لم يكن بين حكمين تنافٍ لا بحسب مقام الجعل، ولا بحسب مقام الفعلية والامتثال لم يكونا داخلين لا في باب التعارض ولا في باب التزاحم، لانتفاء ملاك كلا البابين فيهما، ومقامنا من هذا القبيل، ضرورة أنه لا تنافي بين واجب موسّع وواجب مضيّق أبداً، لا في مقام الجعل كما هو واضح، ولا في مقام الامتثال لتمكن المكلف من امتثال كلا الواجبين معاً من دون أيّة منافاة ومزاحمة في البين، فيقدر على إتيان الصلاة والازالة معاً، أو الصلاة وإنقاذ الغريق من دون مزاحمة بينهما أصلاً.

وسر ذلك : أن ما هو مزاحم للواجب المضيق أو الأهم ليس بمأمور به، وما هو مأمور به وهو الطبيعي الجامع بين الميدأ والمنتهى ليس بمزاحم له، وه-ذا ظاهر.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ما ذكرناه من أنّه لا تزاحم بين الواجب الموسع والمضيق لا ينافي ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من الثمرة بين القولين في المسألة، فان دخول المقام تحت كبرى التزاحم، وعدم دخوله تحت تلك الكبرى، أجنبيان عن ظهور تلك الثمرة تماماً كما لا يخفى.

وأما النقطة الثانية : وهي اقتضاء نفس التكليف اعتبار القدرة في متعلقه، فهي مبنية على ما هو المشهور من أنّ المنشأ بصيغة الأمر أو ما شاكلها إنّما هو

الطلب والبعث نحو الفعل الارادي والطلب والبعث التشريعيان عبارة عن تحريك عضلات العبد نحو الفعل بارادته واختياره وجعل الداعي له لأن يفعل في الخارج ويوجده، ومن الضروري أنّ جعل الداعي إنما يمكن في خصوص الفعل الاختياري. إذن نفس التكليف مقتض لاعتبار القدرة في متعلقه بلا حاجة إلى حكم العقل في ذلك.

أقول : قد ذكرنا في بحث صيغة الأمر، وكذا في بحث الإنشاء والإخبار : أنّ ما هو المشهور من أنّ الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ لا أساس له أصلاً، والوجه في ذلك : ما ذكرناه هناك وملخصه : أنّ المراد بايجاد المعنى باللفظ ليس الايجاد التكويني بالضرورة، فانّ اللّفظ غير واقع في سلسلة علل الموجودات التكوينية، بداهة أنها توجد بأسبابها وعللها الخاصة، واللفظ ليس من جملتها، وكذا ليس المراد منه الايجاد الاعتباري، فانّ الاعتبار خفيف المؤونة فيوجد في نفس المعتبر بمجرد اعتباره، سواء أكان هناك لفظ تكلم به المعتبر أم لم يكن، فلا يتوقف وجوده الاعتباري على اللفظ، أبداً، إذن لا يرجع الانشاء بهذا المعنى إلى محصل.

فالتحقيق : هو ما ذكرناه سابقاً من أنّ حقيقة التكليف عبارة عن اعتبار المولى كون الفعل على ذمة المكلف وإبرازه في الخارج بمبرز ما، من صيغة الأمر أو ما شاكلها، ولا نتصور للتكليف معنى غير ذلك، كما أنا لا نتصور للإنشاء معنى ما عدا إبراز ذلك الأمر الاعتباري.

وعلى الجملة: فإذا حللنا الأمر بالصلاة مثلاً أو غيرها، نرى أنه ليس في الواقع إلا اعتبار الشارع كون الصلاة على ذيمة المكلف، وإبراز ذلك بمبرز في الخارج،ككلمة صلّ أو نحوها، ولا نتصور شيئاً آخر غير هذين الأمرين: 1 - اعتبار الفعل على ذمة المكلف 2 - إبراز ذلك بمبرز في الخارج نسميه بالطلب تارةً وبالبعث أخرى وبالوجوب ثالثة.

ومن هنا قلنا إن الصيغة لا تدل على الوجوب وإنما هي تدل على إبراز الأمر الاعتباري القائم بالنفس، ولكنّ العقل ينتزع منه الوجوب ولزوم الامتثال بمقتضى قانون العبودية والمولوية، ما لم تنصب قرينة على الترخيص في الترك، فالوجوب إنما هو بحكم العقل ومن لوازم إبراز شيء على ذمة المكلف إذا لم تكن قرينة على الترخيص، وأمّا الطلب فقد ذكرنا أنه عبارة عن التصدي لتحصيل شيء في الخارج، فلا يقال طالب الضالة إلا لمن تصدى لتحصيلها في الخارج.

وعلى ضوء ذلك : فصيغة الأمر أو ما شاكلها من أحد مصاديق هذا الطلب، لا أنّه مدلول لها، فانّ الأمر يتصدى بها لتحصيل مطلوبه في الخارج، فهي من أظهر مصاديق الطلب.

وعلى هدى ذلك البيان قد ظهر : أنّه لا مقتضي لاختصاص الفعل بالحصة المقدورة، فان اعتبار المولى الفعل على عهدة المكلف وذمته لا يقتضي ذلك بوجه ضرورة أنه لا مانع من اعتبار الجامع بين المقدور وغير المقدور على عهدته

أصلاً، وإبراز المولى ذلك الأمر الاعتباري النفساني بمبرز في الخارج أيضاً لا يقتضي ذلك، بداهة أنّه ليس إلا مجرد إبراز وإظهار اعتبار كون المادة على ذمة المكلف، وهو أجنبي تماماً عن اشتراط التكليف بالقدرة وعدم اشتراطه بها.

فالنتيجة : أنه لا مقتضي من قبل نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه أبداً، وأمّا العقل فقد ذكرنا أنه لا يقتضي اعتبار القدرة إلا في ظرف الامتثال، وعليه فإذا لم يكن المكلف قادراً حين جعل التكليف وصار قادراً في ظرف الامتثال صح التكليف ولم يكن قبيحاً عنده، فان ملاك حكم العقل - باعتبار القدرة في ظرف الامتثال وفي موضوع حكمه وهو لزوم إطاعة المولى وامتثال أمره ونهيه بمقتضى قانون العبودية والمولوية - إنما هو قبح توجيه التكليف إلى العاجز عنه في مرحلة الامتثال، فالعبرة إنّما هي بالقدرة في تلك المرحلة، سواء أكان قبلها قادراً أم لم يكن، فوجود القدرة قبل تلك المرحلة وعدمه على نسبة واحدة بالقياس إلى حكم العقل، وهذا ظاهر.

ونتيجة مجموع ما ذكرناه أمران :

الأوّل : أنّ القدرة ليست شرطاً للتكليف ومأخوذة في متعلقه لا باقتضاء نفسه ولا بحكم العقل.

الثاني : أنّها شرط لحكم العقل بلزوم الامتثال والاطاعة ومأخوذة في موضوع حكمه، إذن فلا مقتضي لاختصاص الفعل بالحصة الاختيارية أصلاً. قد يتوهم : أنّ تعلّق التكليف بالجامع بين المقدور وغيره وإن لم يكن مستحيلاً، ولكنّه لغو محض، إذ المكلف لا ينبعث إلا نحو المقدور ولا يتمكن إلا من إيجاده، إذن ما هي فائدة تعلقه بالجامع.

ويرده : ما ذكرناه هناك من أن فائدته سقوط التكليف عن المكلف بتحقق

فرد منه في الخارج بغير اختياره وإرادته، لانطباق الجامع عليه وحصول الغرض القائم بمطلق وجوده به، ولا يفرق بينه وبين الفرد الصادر منه باختياره وإرادته في حصول الغرض وسقوط التكليف، لأن مناط ذلك انطباق الطبيعي المأمور به على الفرد الخارجي، وهو مشترك فيه بين الفرد الصادر منه بالاختيار والصادر منه بغيره.

وقد تبين لحد الآن أنه لا مانع من تعلّق التكليف بالجامع بين الحصة المقدورة وغيرها أصلاً.

أضف إلى ذلك : ما تقدّم آنفاً من أنا لو سلّمنا أنّ منشأ اعتبار القدرة اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، لم يكن مقتض لاختصاص المتعلق بخصوص الحصة الاختيارية كما سبق ذلك بصورة مفصلة فلا حاجة إلى الاعادة.

وأما النقطة الثالثة : وهى أنّ الفرد المزاحم للواجب المضيق تام الملاك مطلقاً حتّى على القول بالاقتضاء، وأنّ قصد الملاك يكفي في وقوع الشيء عبادة، فهي تتوقف على إثبات هاتين المقدمتين : إحداهما : كبرى القياس، والأخرى: صغراه.

أمّا المقدمة الأولى : وهي كبرى القياس، فلا إشكال فيها، وذلك لما حققناه في بحث التعبدي والتوصلي (1)من أنّ المعتبر في صحة العبادة هو قصد القربة بأي وجه تحقق، سواء أتحقق في ضمن قصد الأمر، أو قصد الملاك، أو غير ذلك من الدواعي القربية. ولا دليل على اعتبار قصد الأمر خاصة، ب-ل ق-ام الدليل على خلافه، كما فصلنا الحديث من هذه الناحية هناك.

وأما المقدمة الثانية : وهي صغرى القياس فقد استدلّ عليها بوجوه :


1) في المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 542.

الأول : ما عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) (1)من دعوى القطع بأنّ الفرد المزاحم تام الملاك، ولا قصور فيه أصلاً، وقال في بيان ذلك م-ا ملخصه : أنّ الفرد المزاحم للواجب المضيّق أو الأهم وإن كان خارجاً عن الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها، إلّا أنّه لما كان وافياً بغرضها - كالباقي من أفرادها كان عقلاً مثله في الاتيان به بداعي الأمر بالطبيعة في مقام الامتثال بلا تفاوت في نظر العقل بينه وبين بقية الأفراد من هذه الجهة أصلاً. نعم، إنّه يفترق عن البقية في أنّه خارج عن الطبيعة المأمور بها بما هي كذلك، والبقية داخلة فيها. وهذا ليس لقصور فيه ليكون خروجه عنها من باب التخصيص وعدم الملاك، بل لعدم إمكان تعلّق الأمر بما يعمّه عقلاً. وعلى كل حال فالعقل لا يرى تفاوتاً بينه وبين غيره من الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة أصلاً وأنّه كالبقية تامّ الملاك، ولا قصور فيه أبداً.

وغير خفي: أنا قد ذكرنا غير مرة أنّه لا طريق لنا إلى إحراز م-لاك--ات الأحكام الواقعية، وجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها، مع قطع النظر عن ثبوت تلك الأحكام. نعم، في لحظة ثبوتها نستكشف اشتمال متعلقاتها على الملاك بناءً على ما هو الصحيح من تبعية الأحكام لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد الواقعيتين. وأما إذا سقطت تلك الأحكام فلا يمكننا إحراز أن متعلقاتها باقية على ما كانت عليه من الاشتمال على الملاك، إذ كما نحتمل أن يكون سقوطها من جهة المانع مع ثبوت المقتضي لها نحتمل أن يكون من جهة انتفاء المقتضي وعدم ثبوته، فلا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر.

وعلى الجملة : فالعلم بوجود مصلحة في فعل أو مفسدة تابع لتعلق الأمر أو النهي به، فمع قطع النظر عنه لا يمكن العلم بأنّ فيه مصلحة أو مفسدة. ومن هنا


1) كفاية الأصول: 136.

قلنا : إنّ الملازمة بين إدراك العقل مصلحة ملزمة غير مزاحمة في فعل أو مفسدة كذلك، وحكم الشارع بوجوبه أو حرمته، وإن كانت تامة بحسب الكبرى بناءً على وجهة مذهب العدلية كما هو الصحيح، إلّا أنّ الصغرى لها غير متحققة في الخارج، لعدم وجود طريق للعقل إلى إدراك الملاكات الواقعية، فضلاً عن أنها غير مزاحمة، وعليه فإذا سقط الأمر أو النهي عنه فلا يمكن الجزم ببقاء الملاك فيه، وأن سقوط الأمر أو النهي من جهة وجود المانع لا لأجل انتفاء المقتضي، بل كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون سقوطه من جهة انتفاء المقتضي.

وسر ذلك هو أن العلم بالملاك معلول للعلم بوجود الأمر، فهو يتبعه في السعة والضيق، إذ لا يمكن أن تكون دائرة المعلول أوسع من دائرة علته.

وعلى ذلك الأساس فلا يمكن إحراز أنّ الفرد المزاحم مشتمل على الملاك، فان الطريق إلى إحرازه هو انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها عليه، فإذا لم تنطبق الطبيعة عليه كما هو المفروض لم يمكن إحراز وجود الملاك فيه ليكون عدم الانطباق مستنداً إلى عدم إمكان تعلّق الأمر بها على نحو تعمّه لا لقصور فيه، إذ من الواضح جداً أنّه كما يحتمل أن يكون عدم الانطباق من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له يحتمل أن يكون من جهة عدم المقتضي وانتفائه، لاحتمال اختصاص الملاك والمقتضي بالأفراد غير المزاحمة للواجب المضيق أو الأهم، ولا دليل على ترجيح الاحتمال الأوّل على الثاني. إذن لا دليل على أنّ الفرد المزاحم تامّ الملاك ولا قصور من ناحيته أصلاً.

وإن شئت فقل : إنّ اشتمال الفرد المزاحم على الملاك ليس أمراً وجدانياً وبديهياً لئلا يخفى على أحد ولا يكون قابلاً للشك والترديد. وعليه فدعوى القطع باشتماله على الملاك بدعوى حكم العقل بعدم الفرق بينه وبين غيره من الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها في غير محلها، ضرورة أنّ العقل

حاكم بالفرق وأنّ الفرد المزاحم ليس كغيره من الأفراد الباقية تحت الطبيعة المأمور بها.

وعلى الجملة : حكم العقل بأنّ فعلاً ما مشتمل على الملاك منوط بأحد أمرين لا ثالث لهما، الأوّل: ما إذا كان الشيء بنفسه متعلقاً للأمر، فان تعلّق الأمر به يكشف عن وجود ملاك فيه لا محالة. الثاني : ما إذا كان مصداقاً للمأمور به بما هو مأمور به، فانه يكشف عن أنّه وافٍ بغرض المأمور به وواجد لملاكه، وأمّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا ملاك لحكمه أصلاً. والفرد المزاحم في المقام كذلك. على الفرض - فانه ليس متعلقاً للأمر ولا مصداقاً للمأمور به بما هو مأمور به. إذن فلا يحكم العقل بأنّ فيه ملاكاً وأنّه وافٍ بغرض المأمور به كبقية الأفراد، بل هو حاكم بضرورة التفاوت بينهما في مقام الامتثال والاطاعة كما هو واضح.

الثاني : ما عن عن جماعة من المتأخرين منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)من أن سقوط اللفظ عن الحجية بالاضافة إلى مدلوله المطابقي لا يستلزم سقوطه عنها بالاضافة إلى مدلوله الالتزامي، إذ الضرورة تتقدر بقدرها، وهي تقتضي سقوط الدلالة المطابقية فحسب. إذن فلا موجب لرفع اليد عن الدلالة الالتزامية. وبعبارة واضحة : أنّ الدلالة الالتزامية وإن كانت تابعة للدلالة المطابقية في مقام الثبوت والاثبات، إلّا أنّها ليست تابعة لها في الحجية، والوجه في ذلك: هو أنّ ظهور اللفظ في معناه المطابقي غير ظهوره في معناه الالتزامي، وكل واحد من الظهورين حجة في نفسه بمقتضى أدلة الحجية، ولا يجوز رفع اليد ع-ن حجية كل واحد منهما بلا موجب ومقتض، وعليه فإذا سقط ظهور اللفظ في معناه المطابق عن الحجية من جهة قيام دليل أقوى على خلافه، فلا وجه لرفع اليد عن ظهوره في معناه الالتزامي، لعدم المانع منه أصلاً.


1) أجود التقريرات 2 : 26.

ونظير ذلك ما ذكرناه من أنه إذا ورد عام مجموعي كقولنا: أكرم عشرة من العلماء، ثم ورد دليل خاص كقولنا : لا تكرم أربعة منهم، فلا شبهة في تخصيص الدليل الأوّل بالثاني بالاضافة إلى هؤلاء الأربعة، ورفع اليد عن ظهوره بالاضافة إلى وجوب إكرام المجموع، ولكنّه مع ذلك لا ترفع اليد عن وجوب إكرام الباقي، مع أنّ الدلالة التضمنية كالدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في مقام الثبوت والاثبات.

تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحدوث والبقاء

والسر فيه : أنّ ظهور اللفظ في معناه المطابقي كما يغاير ظهوره في معناه الالتزامي، كذلك يغاير ظهوره في معناه التضمني وكل واحد من هذه الظواهر قد ثبت اعتبارها بمقتضى أدلة الحجية، وعندئذ فإذا سقط ظهور اللفظ في معناه المطابقي عن عن الحجية من جهة وجود مانع يختص به، لا يلزم منه سقوط ظهوره عن الحجية بالاضافة إلى مدلوله الالتزامي أو التضمني، لعدم مانع بالقياس إليه، إذن كان رفع اليد عنه عند سقوط الدلالة المطابقية ع-ن الح-جية ب-لا موجب، وهو غير جائز.

وعلى الجملة : بعد ما فرضنا أنّ كلاً من تلك الظواهر حجة في نفسه، فرفع اليد عن كل واحد منها منوط بقيام حجة أقوى على خلافه، ولذلك ك--ان الساقط في المثال المزبور خصوص الدلالة المطابقية من جهة قيام حجة أقوى على خلافها، دون الدلالة التضمنية.

وبعد ذلك نقول : بما أنّ الأمر في المقام قد تعلّق بفعل غير مقيد بحصة خاصة - وهي الحصة المقدورة - فهو كما يدل على وجوبه مطلقاً كذلك يدل على كونه ذا ملاك كذلك، بناءً على تبعية الأحكام لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد الواقعيتين، غاية الأمر أنّ دلالته على وجوبه دلالة بالمطابقة، وعلى كونه ذا ملاك دلالة بالالتزام وهذه الدلالة بناءً على مسلك العدلية لازمة لدلالة كل

دليل دلّ على وجوب شيء أو حرمته أو كراهة شيء أو استحبابه، وعليه فإذا تعلّق الأمر بفعل غير مقيد بالقدرة في مقام الاثبات كشف ذلك عن وجوبه بالدلالة المطابقية، وعن كونه ذا ملاك بالدلالة الالتزامية، فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لحكم العقل باعتبار القدرة في فعلية التكليف، لم تسقط الدلالة الالتزامية عن الحجية.

أو فقل : إنّ اللازم وإن كان تابعاً للملزوم في مقام الثبوت والاثبات، إلا أنه ليس تابعاً له في مقام الحجية والوجه فيه هو أن الإخبار عن الملزوم ينحل إلى إخبارين، أحدهما : إخبار عن الملزوم، والآخر : إخبار عن اللازم، ودليل الاعتبار يدل على اعتبار كليهما معاً، وعندئذ إذا سقط الإخبار عن الملزوم عن الحجية من جهة قيام دليل أقوى على خلافه فلا وجه لرفع اليد عن الإخبار عن اللازم، لعدم المانع له أصلاً. وفيما نحن فيه وإن كان كشف الأمر عن وجود ملاك في فعل تابعاً لكشفه عن وجوبه في مقام الاثبات والدلالة، إلا أنه ليس تابعاً له في مقام الحجية، فان حكم العقل باعتبار القدرة في متعلق التكليف، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار إنما يصلح للتقييد بالقياس إلى الدلالة المطابقية فيوجب رفع اليد عنها دون الدلالة الالتزامية، ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقها أصلاً، إذ المفروض أنّ كل واحد من الظهورين حجة في نفسه، فرفع اليد عن أحدهما لمانع لا يوجد يوجب رفع اليد عن الآخر، فانّ رفع اليد عنه بلا مقتض وسبب.

ونتيجة ذلك عدّة أمور :

الأول : أنّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً لا بقاء. الثاني : أنّ الملاك قائم بالجامع بين الحصة المقدورة وغيرها، ولازم ذلك صحة الفرد المزاحم، فانّ الصغرى - وهي كونه تامّ الملاك - محرزة، والكبرى

وهي كفاية قصد الملاك في وقوع الشيء عبادة - ثابتة، فالنتيجة من ضم إحداهما إلى الأخرى هي ذلك.

الثالث : اختصاص الوجوب بخصوص الحصّة المقدورة من جهة حك-م العقل باعتبار القدرة فى متعلقه، أو من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك.

الرابع : أن الملاك تابع للارادة الانشائية المتعلقة بفعل، دون الارادة الجدية، فانها قد تخالف الأولى كما في المقام، فانّ الارادة الانشائية تعلقت بالجامع، والارادة الجدية تعلقت بحصة خاصة منه، وهي الحصة المقدورة.

والجواب عن ذلك نقضاً وحلاً، أما نقضاً فبعدّة من الموارد :

الأول : ما إذا قامت البينة على ملاقاة الثوب مثلاً، ثم علمنا من الخارج بكذب البينة، أو عدم ملاقاة الثوب للبول، ولكن احتملنا نجاسته من جهة أخرى، كملاقاته للدم مثلاً أو نحوه، فحينئذ هل يمكن الحكم بنجاسة الثوب من جهة البيئة المذكورة، بدعوى أنّ الإخبار عن ملاقاة الثوب للبول إخبار عن نجاسته بالدلالة الالتزامية، لأنّ نجاسته لازمة لملاقاته للبول، وبعد سقوط البينة عن الحجية بالاضافة إلى الدلالة المطابقية من جهة مانع، لا موجب لسقوطها بالاضافة إلى الدلالة الالتزامية، لعدم المانع عنها أصلاً، ولا نظن أن يلتزم بذلك أحد حتّى من يدعي بأن سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزامية عنها، وهذا واضح جداً.

الثاني : ما إذا كانت الدار مثلاً تحت يد زيد، وادعاها عمرو وبكر، وأخبرت بينة على أنّها لعمرو، وأخرى على أنها لبكر فتساقطت البينتان من جهة المعارضة بالاضافة إلى مدلولها المطابقي، فلم يمكن الأخذ بهما ولا باحداهما، فهل يمكن عندئذ الأخذ بالبينتين في مدلولهما الالتزامي، وهو عدم كون الدار لزيد، بدعوى أنّ التعارض بينهما إنما كان في مدلولها المطابق لا في مدلولها

الالتزامي، وبعد سقوطهما عن الحجية في مدلولهما المطابقي لم يكن موجب لرفع اليد عنهما في مدلولها الالتزامي، وهو أنّ الدار ليست لزيد، فلابد أن يعامل معها معاملة مجهول المالك، ولا نظن أن يلتزم به متفقه فضلاً عن الفقيه.

الثالث : ما إذا شهد واحد على أنّ الدار في المثال المزبور لعمرو، وشهد آخر على أنها لبكر، والمفروض أن شهادة كل واحد منهما ليست بحجة في مدلولها المطابقي، مع قطع النظر عن معارضة إحداهما مع الأخرى، لتوقف حجية شهادة الواحد على ضم اليمين، ففي مثل هذا الفرض هل يمكن الأخذ بمدلولها الالتزامي، وهو عدم كون هذه الدار لزيد، لكونهما متوافقين فيه، فلا حاجة إلى ضم اليمين في الحكم بأنّ الدار ليست لزيد، كلا.

الرابع : ما إذا قامت البينة على أنّ الدار التي في يد عمرو لزيد، ولكنّ زيداً قد أقرّ بأنها ليست له فلا محالة تسقط البينة من جهة الاقرار، فانّه مقدّم عليها، وبعد سقوط البينة عن الحجية بالاضافة إلى الدلالة المطابقية من جهة قيام الاقرار على خلافها، فهل يمكن الأخذ بها بالاضافة إلى الدلالة الالتزامية، والحكم بعدم كون الدار لعمرو، كلّا.

وقد تلخص من ذلك : أنّه لا يمكن الأخذ بالدلالة الالتزامية في شيء من تلك الموارد وما شاكلها بعد سقوط الدلالة المطابقية فيها.

وأمّا حلاً: فلأنّ الدلالة الالتزامية ترتكز على ركيزتين من ضم إحداهما إلى الأخرى يتشكل القياس على نحو الشكل الأوّل: الأولى : ثبوت الملزوم. الثانية : ثبوت الملازمة بينه وبين شيء. ومن ضمّ الصغرى إلى الكبرى تحصل النتيجة، وهي ثبوت اللازم. وأمّا إذا لم تثبت الصغرى أو الكبرى أو كلتاهما، فلا يمكن إثبات اللازم، وفي المقام بما أنّ المدلول الالتزامي لازم للمدلول المطابقي، فثبوته يتوقف على ثبوت الملازمة وثبوت المدلول المطابقي، فإذا لم يثبت

المدلول المطابقي أو ثبت ولكن لم تثبت الملازمة، فلا يثبت المدلول الالتزامي لا محالة، ولا يفرق في ذلك بين حدوثه وبقائه أصلاً.

وبعبارة أخرى: أنّ ظهور الكلام في مدلوله الالتزامي وإن كان مغايراً لظهوره في مدلوله المطابق، إلّا أنّ ظهوره في ثبوت المدلول الالتزامي ليس على نحو الاطلاق، بل هو ظاهر في ثبوت حصة خاصة منه، وه-ي الحصة الملازمة للمدلول المطابق، مثلاً الإخبار عن ملاقاة الثوب للبول وإن كان إخباراً عن نجاسته أيضاً، إلا أنه ليس إخباراً عن نجاسته على الاطلاق بأي سبب كان، بل إخبار عن حصة خاصة من النجاسة. وهي الحصة الملازمة لملاقاة البول بمعنی أنه إخبار عن نجاسته المسببة عن ملاقاته للبول في مقابل نجاسته المسببة لملاقاته للدم أو نحوه، فإذا قيل إنّ هذا الثوب نجس، يراد به أنه نجس بالنجاسة البولية، وعندئذ إذا ظهر كذب البينة في إخبارها بملاقاة الثوب للبول، فلا محالة يعلم بكذبها في إخبارها بنجاسة الثوب المسببة عن ملاقاته للبول. وأما نجاسته بسبب آخر وإن كانت محتملة، إلا أنها نجاسة أخرى أجنبية عن مفاد البينة تماماً. وعليه فكيف يمكن الأخذ بالدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية.

ومن ذلك يظهر حال بقية الأمثلة وسائر الموارد، ومنها ما نحن فيه، فان ما دلّ على وجوب فعل غير مقيد بالقدرة وإن كان دالاً على كونه ذا ملاك ملزم كذلك، إلّا أنّ دلالته على كونه ذا ملاك ليست على نحو الاطلاق، حتّى مع قطع النظر عن دلالته على وجوبه، بل هي بتبع دلالته على وجوب ذلك، فيكون دالاً على حصة خاصة من الملاك، وهي الحصة الملازمة لذلك الوجوب في مقام الاثبات والكشف ولا يدل على قيام الملاك فيه على الاطلاق، وعليه فإذا سقطت دلالته على الوجوب من جهة مانع فلا تبقى دلالته على الملاك المسببة عن دلالته على الوجوب، إذن لا علم لنا بوجود الملاك فيه، فانّ العلم

بالملاك كان بتبع العلم بالوجوب، وإذا سقط الوجوب فقد سقط العلم بالوجوب لا محالة، فانّه مسبب عنه، ولا يعقل بقاء المسبب بلا سبب وعلة. ولا يفرق في ذلك بين سقوط الوجوب رأساً وبين سقوط إطلاقه.

وسره: ما عرفت من أنّ الإخبار عن وجوب شيء إخبار عن وجود حصة من خاصة الملاك فيه، وهي الحصة الملازمة لوجوبه، لا عن مطلق وج-وده فيه. ولا يمكن أن يكون الإخبار عنه بصورة أوسع من الإخبار عن الوجوب، فانّه خلاف المفروض، إذ المفروض أنّه لازم له في مقام الاثبات فيدور العلم به سعة وضيقاً مدار سعة العلم بالوجوب وضيقه، وعلى ذلك فإذا قيد الوجوب بحصة خاصة من الفعل وهي الحصة المقدورة مثلاً، فلا يكشف عن الملاك إلّا في خصوص تلك الحصة، دون الأعم منها ومن غيرها، هذا واضح جداً.

لعلّ القائل بأن سقوط الدلالة المطابقية لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزامية تخيل أنّ ثبوت المدلول الالتزامي بعد ثبوت المدلول المطابقي يكون على نحو السعة والاطلاق، ولازم ذلك هو أنه لا يسقط بسقوط المدلول المطابقي، إلّا أنّ ذلك غفلة منه، فانّ المفروض أنّ من أخبر بثبوت المدلول المطابقي فقد أخبر بثبوت حصة خاصة منه وهي الحصة الملازمة له، لا بثبوته على الاطلاق.

هذا مضافاً إلى أنّ هذا الكلام أي عدم سقوط الدلالة الالتزامية بسقوط الدلالة المطابقية في المقام، مبتن على أن يكون إحراز الملاك في فعل تابعاً للارادة الانشائية المتعلقة به دون الارادة الجدية وفساد هذا بمكان من الوضوح، ضرورة أن ثبوت الملاك على مذهب العدلية إنّما هو في متعلق الارادة الجدية، فسعة الملاك في مقام الاثبات تدور مدار سعة الارادة الجدية ولا أثر للارادة الاستعمالية في ذلك أصلاً.

وعلى الجملة : فالوجوب إنّما يكشف عن الملاك كشف المعلول عن علته

بمقدار ما تعلّق به واقعاً، والمفروض أنّ ما تعلّق به الوجوب هنا هو خصوص الحصة المقدورة دون الأعم منها.

كما أنه لا وجه لقياس الدلالة الالتزامية بالدلالة التضمنية، لما ذكرناه في بحث العام والخاص من أنّ الدلالة التضمنية لا تسقط بسقوط الدلالة المطابقية، ولذا قلنا بعدم الفرق في جواز التمسك بالعام بين كونه استغراقياً أو مجموعياً، فلو قال المولى : أكرم هذه العشرة، وكان الوجوب وجوباً واحداً، ثم علمنا من الخارج بخروج واحد من هذه العشرة، وشككنا في خروج غيره فنرجع إلى العموم ونحكم بعدم الخروج.

والوجه في ذلك : أنّ الدلالة على وجوب إكرام هذا المجموع تنحل في الواقع إلى دلالات ضمنية باعتبار كل جزء منه، فإذا سقط بعض تلك الدلالات الضمنية فلا موجب لسقوط البقية. أو فقل : إنّ الحكم في العموم المجموعي وإن كان واحداً، إلّا أنّ ذلك الحكم الواحد إنّما انقطع بالاضافة إلى جزء واحد، وخروج سائر الأجزاء يحتاج إلى دليل، وهذا بخلاف الدلالة الالتزام-ي-ة ف-ان المدلول الالتزامي بما أنّه لازم للمدلول المطابقي فلا يعقل بقاؤه بعد سقوطه كما عرفت.

وأمّا بناء العقلاء وإن جرى في باب الظهورات على أنّ التعبد بالملزوم يقتضي التعبد باللازم، ولو مع عدم التفات المتكلم إلى الملازمة بينهما، وعدم قصده الحكاية عنه، إلّا أنّه من الواضح أنّ هذا البناء - أي البناء على ثبوت اللّازم - إنما هو في ظرف ثبوت الملزوم، وأمّا إذا سقط الملزوم من جهة مانع فلا بناء للعقلاء على ثبوت اللّازم بداهة أنّ بناءهم على التعبد بثبوته متفرع على التعبد بثبوت الملزوم، لا على نحو الاطلاق والسعة.

وإن شئت فقل: إنّه لا ريب في عدم سقوط بعض الدلالات الضمنية عن

الحجية بسقوط بعضها الآخر عنها، مثلاً إذا أخبرت بينة على أنّ زيداً مديون من عمرو عشرة دراهم، ولكن عمراً قد اعترف بأنه ليس مديوناً بالعشرة، بل هو مديون بخمسة، فلا إشكال في حجية البينة بالاضافة إلى الخمسة. أو قامت بينة على نجاسة الإناءين، ولكن علمنا من الخارج بطهارة أحدهما من جهة إصابة المطر أو نحوه، فأيضاً لا إشكال في حجيتها بالاضافة إلى نجاسة الاناء الآخر.

وسر ذلك هو أنه لا ملازمة ولا تبعية بين المداليل الضمنية بعضها بالاضافة إلى بعضها الآخر، ضرورة أنّ أحدها ليس معلولاً للآخر ولا علة له ولا هما معلولان لعلة ثالثة في الواقع. وعلى هذا الضوء لا محالة لا تستلزم إرادة أحدهما إرادة الآخر، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: أنّ أدلة الحجية ليست قاصرة عن إثبات حجية البينة أو ما شاكلها بالاضافة إلى الباقي فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هو أنّ سقوط بعض الدلالات الضمنية عن الحجية لا يوجب سقوط بعضها الآخر، لعدم الملازمة والتبعية بينها كما مرّ. نعم، الملازمة بينها في مقام الابراز، فانّ الجميع كما عرفت يبرز بمبرز واحد.

وهذه هي النقطة الرئيسية للفرق بين الدلالة التضمنية والدلالة الالتزامية. أو فقل : إنّ الدلالة الالتزامية في نقطة مقابلة للدلالة التضمنية من ناحية مقام الثبوت والحجية. أمّا من ناحية مقام الثبوت، فلأنّ المدلول الالتزامي لا يخلو في الواقع من أن يكون لازماً للمدلول المطابقي أو ملازماً له أو ملزوماً له، ولأجل ذلك تستلزم إرادة أحدهما إرادة الآخر تبعاً. وأمّا من ناحية الحجية، فلما سبق من أنّ أدلة الحجية إنما تدل على حجية الدلالة الالتزامية تبعاً لدلالتها على حجية الدلالة المطابقية.

الثالث : ما عن شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من أنّ الفرد المزاحم تامّ الملاك حتّى على القول بكونه منهياً عنه، والوجه في ذلك : هو أنّ النهي المانع عن التقرب بالعبادة هو الذي ينشأ من مفسدة في متعلقه وهو النهي النفسي. وأما النهي الغيري فيما أنّه لا ينشأ من مفسدة في متعلقه لا يكشف عن عدم وجود الملاك في متعلقه، فبضم هذا إلى كبرى كفاية قصد الملاك في صحة العبادة كما تقدمت تستنتج صحة الفرد المزاحم.

ثم أورد (قدس سره) على نفسه بأنّ الحكم بصحة الفرد المزاحم من جهة الملاك لا يجتمع مع القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة هو اقتضاء نفس التكليف ذلك كما هو الصحيح، إذ على هذا يكون اعتبار القدرة فيه شرعياً ودخيلاً في ملاك الحكم فيرتفع الملاك بارتفاع القدرة لا محالة.

نعم، تم ذلك بناءً على أنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، إذ حينئذ يمكن أن يقال إنّ اطلاق متعلقه شرعاً كاشف عن كونه ذا ملاك مطلقاً حتّى في حال عدم القدرة عليه.

توضيح ذلك : أنّ القدرة مرّة تؤخذ في متعلق التكليف لفظاً وأخرى تؤخذ باقتضاء نفس التكليف ذلك، فعلى الأوّل لا فرق بين أن تكون دلالة اللفظ على اعتبار القدرة فيه بالمطابقة كما في آية الحج فانّها تدل على اعتبار القدرة فيه مطابقة، أو بالالتزام كما في آية الوضوء فانّها تدل على تقييد وجوب الوضوء بالتمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً التزاماً من جهة أخذ عدم وجدان الماء في موضوع وجوب التيمم مطابقة، والتفصيل قاطع للشركة لا محالة، فانّه على كلا التقديرين كان تقييد الواجب بالقدرة مستفاداً من الدليل اللفظي، ونتيجة


1) أجود التقريرات 2: 25.

ذلك : أن القدرة دخيلة في ملاك الحكم واقعاً، ضرورة أنه لا معنى لأخذ قيد في متعلق الحكم في مقام الاثبات إذا لم يكن له دخل فيه في مقام الثبوت.

وعلى ذلك يبتني أنه لا يمكن تصحيح الوضوء أو الغسل بالملاك، أو بالالتزام بالترتب في موارد الأمر بالتيمم، لعدم الملاك للوضوء أو الغسل في تلك الموارد ليمكن الحكم بصحته من جهة الملاك أو من جهة الالتزام بالترتب، وثبوت الأمر بالمهم عند عصيان الأمر بالأهم، فإذا كان هذا هو الحال فيما إذا كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل بإحدى الدلالتين، كان الأمر كذلك فيما إذا كان اعتبار القدرة باقتضاء نفس التكليف ذلك، إذ من الواضح جداً أنه حينئذ يتعين المأمور به في الحصة المقدورة بمقتضى دلالة نفس الدليل، فالقدرة تكون دخيلة في ملاك الحكم فينتفي بانتفائها.

ثم قال (قدس سره): ولو سلمنا فيما نحن فيه عدم القطع بالتقييد شرعاً الكاشف عن دخل القدرة في الملاك، إلّا أنا نحتمل ذلك بالبداهة، ولا دافع لذلك الاحتمال من جهة أنها لو كانت دخيلة فيه واقعاً لجاز للمتكلم أن يكتفي في بيانه بنفس إيقاع الطلب على ما كان فيه الملاك، فيكون المقام داخلاً في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، ومعه لا ينعقد له ظهور في سعة الملاك.

ثم قال (قدس سره) : ولو تنزّلنا عن ذلك أيضاً وسلّمنا عدم صلاحيته لكونه قرينة على التقييد، إلّا أنّ إطلاق المتعلق إنّما يكشف عن عدم دخل قيد في الملاك إذا لزم نقض الغرض من عدم التقييد في مقام الاثبات مع دخل القيد فيه في مقام الثبوت، وأمّا إذا لم يلزم منه نقض الغرض فلا يكون الاطلاق في مقام الاثبات كاشفاً عن عدم دخل القيد فيه ثبوتاً، وعليه فيما أنّ ما يحتمل دخله في الملاك هو القدرة، ولا يتمكن المكلف من إيجاد غير المقدور في الخارج ليترتب عليه نقض الغرض على تقدير دخل القدرة في الملاك واقعاً، لا يمكن التمسك

بالاطلاق لدفع الاحتمال المزبور. ومن الواضح أنّ ذلك الاحتمال مانع عن الحكم بصحة الفرد المزاحم والتقرب به.

وأجاب (قدس سره) عن ذلك بما ملخصه : أنّ القدرة إذا كانت مأخوذة في متعلق التكليف لفظاً - كما في آيتي الحج والوضوء - فالأمر كما ذكر ولا مناص -نه. وأما إذا لم تكن مأخوذة فيه لفظاً وكان متعلق التكليف غير مقيد بالقدرة في مرتبة سابقة على تعلّق التكليف به، بل كان اعتبار القدرة فيه في مرتبة تعلّق التكليف به وعروضه عليه، سواء أكان منشؤه حك-م الع-ق-ل ب-قبح تكليف العاجز، أو كان اقتضاء نفس التكليف ذلك، فلا مانع من التمسك باطلاق المتعلق لاثبات كونه واجداً للملاك، فانّ التقييد الناشئ من قبل حكم العقل أو من قبل اقتضاء نفس التكليف بما أنّه في مرتبة متأخرة وهي مرتبة تعلّق التكليف به وعروضه، فلا يعقل أن يكون تقييداً في مرتبة سابقة وهي مرتبة اقتضاء المتعلق لعروض التكليف عليه التي هي عبارة أخرى عن مرتبة وجدانه للملاك، لاستحالة أخذ ما هو متأخر رتبة فيا هو متقدم كذلك.

ومن هنا قلنا إن كل ما يتأتى من قبل الأمر لا يمكن أخذه في متعلقه، وعليه فحيث إنّ المتعلق في مرتبة سابقة على تعلّق الطلب به مطلق، فاطلاقه في تلك المرتبة يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك، وأنه قائم بمطلق وجوده وإلا لكان على المولى تقييده بها في تلك المرتبة، فمن الاطلاق في مقام الاثبات يكشف الاطلاق في مقام الثبوت.

ومن ذلك يظهر أنّ اقتضاء التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه يستحيل أن يكون بياناً ومقيداً لاطلاقه في مرتبة سابقة عليه، إذن فلا يدخل المقام تحت كبرى احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة ليدعى الاجمال.

وأمّا الاشكال الأخير : وهو انّ التمسك بالاطلاق لا يمكن لدفع احتمال دخل

القدرة في الملاك، لعدم لزوم نقض الغرض من عدم البيان على تقدير دخلها فيه واقعاً فيرده :

أوّلاً : أنّ هذا لو تم فانّما يتم إذا كان الشك في اعتبار القدرة التكوينية في الملاك، فان صدور غير المقدور حيث إنّه مستحيل فلا يلزم نقض الغرض من عدم البيان، وأمّا إذا كان الشك في اعتبار القدرة ولو كانت شرعية في متعلق الحكم كما هو المفروض، فيلزم نقض الغرض من عدم البيان على تقدير دخلها في الملاك واقعاً، فانّ المكلف قادر تكويناً على أن يأتي بفرد الواجب الموسع عند مزاحمته للواجب المضيق، فمن عدم التقييد في مقام الاثبات يستكشف عدمه في مقام الثبوت، إذن لا مانع من التمسك بالاطلاق لاثبات أنّ الفرد المزاحم واجد للملاك.

وثانياً : أن نقض الغرض ليس من إحدى مقدمات التمسك بالاطلاق، فان من مقدماته أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام ماله دخل في مراده، ومع هذا الفرض إذا لم ينصب قرينة على التقييد في مقام الاثبات يستكشف منه الاطلاق في مقام الثبوت لا محالة، وإلّا لزم الخلف وعدم كونه في مقام البيان، ولا يفرق في ذلك بين أن يلزم من عدم البيان نقض الغرض أم لا، فلا يكون نقض الغرض من إحدى مقدمات الحكمة.

ونلخص ما أفاده (قدس سره) في عدّة خطوط :

الأوّل : أنّ متعلق التكليف إذا كان مقيداً بالقدرة لفظاً فالتقييد يكشف عن دخل القدرة في الملاك واقعاً، ضرورة أنّه لا معنى لأخذ قيد في متعلق التكليف إثباتاً إذا لم يكن دخيلاً في ملاكه ثبوتاً.

الثاني : أنّه على هذا لا يمكن تصحيح الوضوء أو الغسل بالملاك أو الترتب في موارد الأمر بالتيمم، لعدم الملاك له في تلك الموارد.

الثالث : أن التقييد الناشئ من قبل حكم العقل باعتبار القدرة في متعلق التكليف أو باقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، حيث إنّ-ه ك-ان في مرتبة متأخرة عن وجدان المتعلق للملاك، فلا يوجب تقييد المتعلق في مرتبة وجدانه الملاك، إذن من عدم تقييد المتعلق في تلك المرتبة إثباتاً يستكشف منه إطلاقه ثبوتاً، وعدم دخل القدرة في الملاك واقعاً.

الرابع : أنّ المتكلم لا يمكن أن يعتمد في تقييد متعلق حكمه بالقدرة باقتضاء نفس التكليف ذلك، أو حكم العقل باعتبارها فيه، فلا يكون المقام داخلاً كبرى احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة على الخلاف.

الخامس : أنّ لزوم نقض الغرض من عدم البيان ليس من إحدى المقدمات التي يتوقف التمسك بالاطلاق عليها.

ولنأخذ بدرس هذه الخطوط :

أما الخط الأول : فهو في غاية الصحة والمتانة.

وأمّا الخط الثاني : فالأمر وإن كان كما أفاده (قدس سره) بالاضافة إلى الملاك، إذ أنه ينتفي بانتفاء القدرة على الفرض فلا يمكن تصحيح العبادة عندئذ بوجدانها الملاك، إلّا أنّ الأمر ليس كما أفاده بالاضافة إلى الترتب،، إذ لا مانع من الالتزام به في أمثال المقام، وسنتعرض فيما بعد إن شاء اللّه تعالى أنه لا فرق في صحة الترتب بين كون القدرة مأخوذة في متعلق التكليف شرعاً وكونها معتبرة فيه عقلاً، إذ كما يجري الترتب على الثاني كذلك يجري على الأوّل، فلو كانت وظيفة المكلف التيمم في موردٍ كما في موارد ضيق الوقت أو نحوه، ولكن خالف أمر التيمم وعصاه فتوضأ أو اغتسل فلا مانع من الحكم بصحة الوضوء أو الغسل من جهة الترتب، وسيأتي الكلام في ذلك بصورة مفصلة.

وأمّا الخط الثالث : فان كان غرضه (قدس سره) من إطلاق المتعلق استكشاف مراد المتكلم من ظاهر كلامه، فلا شبهة في أنه يتوقف على أن يكون المتكلم في مقام البيان من هذه الجهة. ومن الواضح أنّ المتكلم ليس في مقام بيان ما يقوم به ملاك حكمه، بل هو في مقام بیان ما تعلّق به حكمه فحسب، بل الغالب في الموالي العرفية غفلتهم عن ذلك فضلاً عن كونهم في مقام البيان بالقياس إلى تلك الجهة، إذن لا يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات كون الفرد المزاحم تامّ الملاك، لعدم تمامية مقدمات الحكمة.

ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ المولى في مقام البيان من هذه الجهة - أي ما يقوم به ملاك حكمه - فأيضاً لا يمكن التمسك باطلاق كلامه، وذلك لأنّ في الكلام إذا كان ما يصلح لكونه قرينة فلا ينعقد له ظهور، وفي المقام بما أنّ حكم العقل باعتبار القدرة فى متعلق التكليف أو اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار صالح للقرينية فلا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق، لاحتمال أن المتكلم قد اعتمد في التقييد بذلك.

وعلى الجملة فيحتمل أن يكون الملاك في الواقع قائماً بخصوص الحصة المقدورة لا بالجامع بينها وبين غيرها، وعدم تقييد المتكلم متعلق حكمه بها في مقام الاثبات، لاحتمال أنّه قد اعتمد في بيان ذلك على اقتضاء نفس التكليف ذلك أو على الحكم العقلي المزبور.

وما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ اقتضاء الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه أو حكم العقل بذلك، يستحيل أن يكون بياناً ومقيداً لاطلاق متعلقه في مرتبة سابقة عليه، إذن لا معنى لدعوى الاجمال وأنّ المقام داخل في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة على التقييد.

لا يمكن تصديقه بوجه والوجه في ذلك هو أن انقسام الفعل إلى مقدور

وغيره انقسام أوّلي فلا يتوقف على وجود الأمر وتحققه في الخارج، وعلى هذا فلا يخلو الأمر من أن يكون متعلق التكليف خصوص الحصة المقدورة أو الجامع بينها وبين غير المقدورة، إذ الاهمال غير معقول في الواقع، وعليه فإذا فرضنا أنّ الثابت على ذمة المكلف خصوص الحصة المقدورة، فابراز ذلك في الخارج كما يمكن أن يكون بأخذ القدرة في متعلق التكليف لفظاً أو بقيام قرينة من الخارج على ذلك، يمكن أن يكون إبرازه باقتضاء نفس التكليف ذلك أو الحكم العقلي المزبور، بداهة أنا لانرى أي مانع من إبرازه بأحدهما، ولا يلزم منه المحذور الذي توهم في المقام، فانّه لا شأن لاقتضاء نفس التكليف أو حكم العقل عندئذ إلا مجرد إبراز واظهار ما اعتبره المولى على ذمة المكلف، ومن الواضح جداً أنه لا محذور في أن يكون الابراز بمبرز متأخر عن المبرز بالفتح - بل إنّ الأمر كذلك دائماً.

وبتعبير آخر: أنه بناءً على وجهة نظره (قدس سره) من أن منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو اقتضاء نفس التكليف ذلك الاعتبار، لا مانع من أن يعتمد المتكلم في مقام بيان تقييد المأمور به بالقدرة على ذلك، بأن يجعل هذا بياناً لما اعتبره في ذمة المكلف وهو الحصة المقدورة وكاشفاً عنه، ه، فإذا كان اقتضاء نفس التكليف أو حكم العقل صالحاً لأن يكون قرينة على التقييد يدخل المقام حينئذ في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة، فلا ينعقد له ظهور في الاطلاق.

على أنّ الكاشف عن الملاك فى فعل، إنما هو تعلّق إرادة المولى به واقعاً وجداً والمفروض في المقام أنّ الارادة الجدية متعلقة بالمقيد لا بالمطلق، إذن كيف يمكن القول باشتمال المطلق على الملاك كما تقدّم.

وأمّا بناءً على وجهة نظرنا من أنّ القدرة لم تعتبر في متعلق التكليف لا من

جهة حكم العقل ولا من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك، فانك قد عرفت أنّ التكليف بنفسه لا يقتضي ذلك أصلاً، وأمّا العقل فهو لا يحكم بأزيد من اعتبار القدرة في موضوع حكمه وهو لزوم الامتثال ووجوبه، ووجوبه، لا في موضوع حكم الشرع ومتعلقه، فلا مقتضي لاعتبار القدرة في متعلق الطلب أصلاً.

وعلى هذا الضوء فالصحيح هو الجواب الأوّل من أنّ المتكلم غالباً بل دائماً ليس في مقام بيان ما يقوم به ملاك حكمه حتّى يمكن التمسك بالاطلاق فيا إذا شك في فرد أنه واجد للملاك أم لا، ومع قطع النظر عن ذلك وفرض أنّ المتكلم في مقام البيان حتّى من هذه الجهة، فلا مانع من التمسك بالاطلاق، إذ قد عرفت أنه لا حكم للعقل ولا اقتضاء للتكليف لاعتبار القدرة في متعلقه ليكونا صالحين للبيان ومانعين عن ظهور اللفظ في الاطلاق.

وعلى كل حال فما أفاده (قدس سره) لا يرجع إلى معنى محصل على وجهة مذهبه.

وأمّا إذا كان غرضه (قدس سره) من التمسك بالاطلاق كشف الملاك م-ن باب كشف المعلول عن علته، سواء أكان المولى في مقام البيان من هذه الجهة أم لا، كما هو صريح كلامه (قدس سره) حيث قال : إنّ هذا الكشف عقلي لا يدور مدار كون المولى في مقام البيان وعدمه (1)، فيردّه : ما ذكرناه عند الجواب عن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّ تعلّق الحكم بشيء وإن كان كاشفاً عن وجود الملاك فيه، بناءً على مذهب العدلية من تبعية الأحكام لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد الواقعيتين، إلّا أنّ ذلك في ظرف تحققه ووجوده، وأمّا إذا سقط ذلك الحكم فلا يمكن استكشاف الملاك فيه على تفصيل تقدّم هناك فلا حاجة إلى الاعادة


1) أجود التقريرات 2: 32.

ونزيدك هنا إلى ذلك : أنّ متعلق الحكم على مسلکه (قدس سره) خصوص الحصة المقدورة دون الأعم منها ومن غيرها، وعليه فلا يعقل أن يكون الحكم كاشفاً عن وجود الملاك في الأعم منها بداهة أن المعلول إنّما يكشف عن وجود علته بمقدار سعته دون الزائد، مثلاً الحرارة الناشئة من النار إنّما تكشف عنها خاصة، لا عن مطلق سببها، وقد تقدّم أنّ الكاشف عن وجود ملاك في فعل هو كونه متعلقاً لارادة المولى واقعاً وجداً، ولا اثر لتعلق الارادة الانشائية به أصلاً. إذن ما أفاده (قدس سره) من أنّ هذا الكشف عقلي لا يدور م--دار كون المولى في مقام البيان، لا يرجع إلى معنى صحيح، فان كشف الحكم عن الملاك بمقدار ما تعلّق به دون الزائد، وهذا واضح.

فالنتيجة من جميع ما ذكرناه أنّه لا يتم شيء من هذه الوجوه، وعليه فلا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بالملاك.

وأمّا الخط الرابع : فقد ظهر فساده ممّا ذكرناه، فانّه على مسلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) صالح لأن يكون قرينة على التقييد، وعليه فيكون مانعاً عن التمسك بالاطلاق كما عرفت. نعم، على مسلكنا لا يكون مانعاً عنه، فلو كان المولى في مقام البيان من تلك الناحية فلا مانع من التمسك باطلاق كلامه لاثبات أنّ الفرد المشكوك فيه واجد للملاك.

وأمّا الخط الخامس : فالأمر كما أفاده (قدس سره) فان لزوم نقض الغرض لا دخل له في مقدمات الحكمة، فانّها تتألف من ثلاث مقدمات لا رابع لها. إحداها : أن يرد الحكم على المقسم والجامع، لا على حصة خ-اص-ة م-ن-ه. وثانيتها : أن يكون المتكلم في مقام البيان وثالثتها : أن لا ينصب المتكلم قرينة على التقييد. فإذا تمت هذه المقدمات جاز التمسك بالاطلاق، ولا يتوقف على شيء آخر زائداً عليها، فانّه لو كان مراد المتكلم في الواقع هو المقيد ومع ذلك

لم ينصب قرينة عليه مع فرض كونه في مقام البيان لزم الخلف وعدم كونه في مقام البيان، إذن لزوم نقض الغرض من عدم البيان أو عدم لزومه ممّا لا دخل له في التمسك بالاطلاق وعدم التمسك به أصلاً. هذا تمام الكلام في النقطة الثالثة.

وأما النقطة الرابعة : وهي أنّ النهي الغيري لا يكون مانعاً عن صحة العبادة، فهي في غاية الصحة والمتانة والوجه في ذلك هو أن المانع عن التقرب بالعبادة وصحتها إنما هو النهي النفسي، باعتبار أنه ينشأ عن مفسدة في متعلقه ومبغوضية فيه، ومن الواضح أنّ المبغوض لا يكون مقرّباً، وأما النهي الغيري فما أنه ينشأ عن أمر خارج عن ذات متعلقه، وهو كون تركه في المقام مقدمة لواجب مضيق أو ملازماً له في الخارج، فلا يكون مانعاً عن صحة العبادة والتقرب بها، لأنّ متعلقه باق على ما كان عليه من المحبوبية ولم تعرض عليه أية حزازة ومنقصة من قبل النهي المتعلق به.

فعلى ضوء ذلك لا مانع من صحة الاتيان بالفرد المزاحم والتقرب به بداعي الأمر المتعلق بالواجب الموسع، فانّ الواجب هو صرف وجود الطبيعة ب--ين المبدأ والمنتهى وهو غير مزاحم بواجب آخر، وما هو مزاحم ب-ه غ-ير واجب. إذن يصح الاتيان به بداعي أمره كما هو الحال على القول بعدم ونتيجة ذلك : هي عدم ظهور الثمرة بين القولين في هذا المقام، أي فيا إذا كان الاقتضاء. التزاحم بين الاتيان بالواجب الموسّع ووجوب الواجب المضيق.

ثمّ إنّا لو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا أنّ النهي الغيري كالنهي النفسي مانع عن صحة العبادة والتقرب بها، فمع هذا يمكن تصحيحها بما سيجيء من إمكان الأمر بالضدّين على نحو الترتب.

ونتائج الأبحاث المتقدمة لحد الآن عدّة نقاط :

الأولى : أن ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من اشتراط صحة العبادة

بتحقق الأمر بها فعلاً، لا يمكن المساعدة عليه بوجه كما عرفت.

الثانية : أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من التفصيل في منشأ اعتبار القدرة بين حكم العقل بذلك من باب قبح تكليف العاجز، وبين اقتضاء نفس التكليف ذلك، فقد عرفت أنه لا يمكن تصديقه بوجه.

الثالثة : أنه بناءً على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو اقتضاء نفس التكليف ذلك، فقد عرفت أنّه لا يقتضي أزيد من كون متعلقه مقدوراً في الجملة في مقابل ما لا يكون مقدوراً أصلاً.

الرابعة : قد سبق أنّ التكليف بنفسه لا يقتضي اعتبار القدرة في متعلقه، ولا العقل يحكم بذلك، وإنما يحكم باعتبار القدرة في مقام الامتثال فحسب.

الخامسة : بطلان ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من دعوى القطع باشتمال الفرد المزاحم على الملاك.

السادسة : بطلان ما هو المشهور من أنّ الدلالة الالتزامية لا تتبع الدلالة المطابقية في الحجية، فلا تسقط بسقوطها.

السابعة : أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ التقييد الناشئ من قبل اقتضاء نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه، أو حكم العقل بذلك، بما أنّه يكون في مرتبة لاحقة وهي مرتبة تعلّق التكليف به وعروضه عليه، فلا يعقل أن يكون مقيداً لاطلاق المتعلق في مرتبة سابقة وهي مرتبة اقتضائه للتكليف، فاسد صغرىً وكبرى. أمّا الصغرى فلأن التقييد غير ثابت، لم-ا سبق من أنّ التكليف لا يقتضي اعتبار القدرة في متعلقه، والعقل لا يحكم إلا باعتبارها في مقام الامتثال والاطاعة دون مقام التكليف. وأما الكبرى: فقد تقدّم أنه لا مانع من اعتماد المتكلم في تقييد المتعلق على اقتضاء نفس التكليف ذلك أو حكم العقل به.

الثامنة : أنّ الحاكم لا يكون في مقام بيان ما يقوم به ملاك حكمه، وإنم-ا يكون في مقام بيان ما تعلّق به حكمه.

التاسعة : أنّ تعلّق الارادة الانشائية بشيء لا يكشف عن وجود الملاك فيه، وإنّما الكاشف عنه تعلّق الارادة الجدية به.

العاشرة : أنّ الدلالة التضمنية لا تسقط بسقوط الدلالة المطابقية كما سبق.

الحادية عشرة : أنّ النهي الغيري لا يكون مانعاً عن صحة العبادة والتقرب بها.

الثانية عشرة : أنّ الثمرة لا تتحقق بين القولين في مزاحمة الواجب الموسع بالواجب المضيق. هذا تمام كلامنا في المقام الأوّل.

تزاحم الواجبين المضيّقين

وأمّا الكلام في المقام الثاني : وهو ما إذا كان التزاحم بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر، فلا يمكن تصحيح الواجب المهم بالأمر، لاستحالة تعلّق الأمر به فعلاً مع فعلية الأمر بالأهم على الفرض، فانّه من التكليف بالمحال وهو محال.

وبذلك يمتاز هذا المقام عن المقام الأوّل، حيت إنّ في المقام الأوّل كان الأمر المتعلق بالواجب الموسّع والمضيّق كلاهما فعلياً، ولم يكن تنافٍ بين الأمرين أصلاً، وإنما التنافي كان بين الاتيان بفردٍ من الواجب الموسع والواجب المضيق، ومن هنا قلنا إنه يصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة الجامعة بين الأفراد العرضية والطولية حتّى على القول باشتراط صحة العبادة بقصد الأمر المتعلق بها فعلاً.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ النقطة الرئيسية للفرق بين المقامين هي ما ذكرناه من أنّ تعلّق الأمر فعلاً بكلا الواجبين في المقام الأوّل كان ممكناً، ولكنّه لا يمكن في هذا المقام.

وعلى ضوء تلك النقطة لا يمكن تصحيح العبادة المزاحمة مع الواجب الأهم بالأمر الفعلي.

ومن هنا لا يتأتى في هذا المقام ما أفاده المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل بين القولين، فانّه مبتن على إمكان تعلّق الأمر فعلاً بالضدّ العبادي على القول بعدم الاقتضاء، وقد عرفت عدم إمكان تعلقه في هذا المقام مطلقاً.

وعلى الجملة : فالمقام الثاني يمتاز عن المقام الأوّل في نقطة، ويشترك معها في نقطة أخرى. أمّا نقطة الامتياز فقد عرفت. وأما نقطة الاشتراك فهي أنهما يشتركان في تصحيح العبادة المزاحمة مع الواجب الأهم بوجهين آخرين : هما القول باشتمالها على الملاك، والقول بصحة الأمر بالضدّين على نحو الترتب.

أما الوجه الأوّل فقد تقدّم الكلام فيه في المقام الأوّل مفصلاً، وقلنا إنّ-ه لا يمكن إحراز أنّ الفرد المزاحم تامّ الملاك، وما ذكروه من الوجوه لاثبات اشتماله على الملاك قد عرفت فساد جميعها بصورة مفصلة فلا حاجة إلى الاعادة مرة أخرى.

وأما الوجه الثاني الذي يمكن تصحيح العبادة المزاحمة بالواجب الأهم به وهو الالتزام بجواز الأمر بالضدّين على نحو الترتب، فتفصيله على الوجه التالي:

مسألة الترتب

التعرض لأمور في المقام

قبل بيان المسألة نذكر أموراً :

الأوّل: أنّ البحث عن هذه المسألة إنّما تترتب عليه ثمرة لو لم يمكن تصحيح العبادة المضادة للواجب الأهم بالوجهين المتقدمين : 1 - الملاك. 2 - الأمر، وإلا فلا تترتب على البحث عنها أيّة ثمرة. وقد ظهر ممّا تقدّم أنه لا يمكن تصحيح العبادة بالملاك، لا في المقام الأوّل، وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين الاتيان بالواجب الموسع ووجوب المضيق، ولا في المقام الثاني، وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيقين، لأنّ الكبرى وهي كفاية قصد الملاك في وقوع الشيء عبادةً وإن كانت ثابتة، إلّا أنّ الصغرى وهي اشتمال تلك العبادة على الملاك غير محرزة.

وأما تصحيحها بالأمر المتعلق بالطبيعة وإن كان ممكناً في المقام الأوّل كما سبق، بل قد عرفت أنه غير داخل في كبرى باب التزاحم أصلاً، إلا أنه غير ممكن في المقام الثاني، وذلك لما عرفت من امتناع تعلّق الأمر بها فعلاً مع فعلية الأمر بالأهم على الفرض، إذن للبحث عن مسألة الترتب في المقام الثاني وإمكان تعلّق الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأمر بالأهم ثمرة مهمة جداً.

صور تزاحم الواجبين

الثاني : أنّ الواجبين المتزاحمين يتصوران على صور :

الأولى: أن الواجبين الممتنع اجتماعها في زمان واحد قد يكونان موسعين كالصلاة اليومية وصلاة الآيات في سعة وقتها، أو الصلاة الأدائية مع القضاء على القول بالمواسعة، ونحو ذلك.

الثانية : أن يكون أحدهما موسعاً والآخر مضيقاً، وذلك كصلاة الظهر مثلاً وإزالة النجاسة عن المسجد المسجد، أو ما شاكل ذلك.

الثالثة : أن يكون كلاهما،مضيقين وذلك كالازالة والصلاة في آخر وقتها، بحيث لو اشتغل بالازالة لفاتته الصلاة.

أمّا الصورة الأولى : فلا شبهة في أنها غير داخلة في كبرى باب التزاحم، لتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أية منافاة ومزاحمة، ويكون الأمر في كل واحد منهما فعلياً بلا تنافٍ، ومن هنا لم يقع إشكال في ذلك من أحد فيما نعلم.

وأمّا الصورة الثانية : فقد ذهب شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)إلى أنها داخلة في مسألة التزاحم.

وغير خفي أنّ هذا منه (قدس سره) مبني على ما حققه في بحث التعبدي والتوصلي من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فكل مورد لا يكون قابلاً للتقييد لا يكون قابلاً للاطلاق، فإذا كان التقييد مستحيلاً في موردٍ كان الاطلاق أيضاً مستحيلاً فيه، لأنّ استحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، وبما أنّ فيما نحن فيه تقييد إطلاق الواجب الموسع بخصوص الفرد المزاحم مستحيل، فاطلاقه بالاضافة إليه أيضاً مستحيل.

ويترتب على ذلك وقوع المزاحمة بين إطلاق الواجب الموسع وخطاب الواجب المضيق، فلا يمكن الجمع بينهما، إذ على تقدير فعلية خطاب الواجب المضيّق يستحيل إطلاق الواجب الموسّع بالاضافة إلى الفرد المزاحم، إذن لا بدّ إمّا أن ترفع اليد عن إطلاق الموسّع والتحفظ على فعلية خطاب المضيق، وإمّا


1) لاحظ أجود التقريرات 2: 23.

أن ترفع اليد عن خطاب المضيّق والتحفظ على إطلاق الموسع.

فالنتيجة : أنّ هذا القسم داخل في محلّ النزاع كالقسم الثالث، غاية الأمر أنّ التزاحم في القسم الثالث بين نفس الخطابين والتكليفين، وفي هذا القسم بين إطلاق أحدهما وخطاب الآخر. وعلى هذا فان أثبتنا الأمر بالضدّين على نحو الترتب، نحكم بصحة الفرد المزاحم، وإلا فلا نعم، بناءً على ما ذكره (قدس سره) (1)من اشتماله على الملاك صح الاتيان به من هذه الناحية أيضاً، من غير حاجة إلى الالتزام بصحة الترتب.

وأمّا بناءً على ما حققناه في ذلك البحث (2)- من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة، بل هو من تقابل التضاد ومن هنا قلنا إن استحالة تقييد متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص تستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضرورياً - فتلك الصورة خارجة عن محل النزاع وغير داخلة في كبرى باب التزاحم.

والوجه في ذلك: ما ذكرناه غير مرّة من أنّ معنى الاطلاق هو رفض القيود وعدم دخل شيء منها في متعلق الحكم واقعاً، لا الجمع بينها ودخل الجميع فيه، وعليه فمعنى إطلاق الواجب الموسع هو أن الواجب صرف وجوده الجامع بين المبدأ والمنتهى، وعدم دخل شيء من خصوصيات وتشخصات أفراده فيه، فالفرد غير المزاحم كالفرد المزاحم في عدم دخله في متعلق الوجوب وملاكه أصلاً، فهما من هذه الجهة على نسبة واحدة.

أو فقل : إنّ متعلق الحكم في الواقع إمّا مطلق بمعنى عدم دخل شيء من


1) تقدّم في ص 371.

2) راجع المجلد الأوّل من هذا الكتاب ص 528، وتقدّم في ص 354.

الخصوصيات فيه واقعاً من الخصوصيات المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة، أو مقيد بإحداها فلا ثالث لاستحالة الاهمال في الواقعيات، فالملتفت إلى هذه الخصوصيات والانقسامات إما أن يلاحظه مطلقاً بالاضافة إليها أو مقيداً بها، لأنّ الاهمال في الواقع غير معقول، فلا يعقل أن يكون في الواقع لا مطلقاً ولا مقيداً. وعلى هذا فمعنى إطلاق الواجب المزبور هو عدم دخل شيء من تلك الخصوصيات فيه، بحيث لو تمكن المكلف من إيجاده في الخارج عارياً عن جميع الخصوصيات والمشخصات المزبورة لكان مجزئاً، لأنّه أتى بالمأمور به في الخارج، وهذا معنى الاطلاق كما ذكرناه في بحث تعلّق الأوامر بالطبائع. ونتيجة ذلك هي أن الواجب الموسع مطلق بالاضافة إلى الفرد المزاحم، كما هو مطلق بالاضافة إلى غيره من الأفراد.

وعلى ذلك الأساس، فلا تنافي بين إطلاق الموسع وفعلية خطاب المضيق.

ومن هنا ذكرنا سابقاً أنّه لا منافاة بين وجوب الصلاة مثلاً في مجموع وقتها - وهو ما بين الزوال والمغرب - وبين وجوب واجب آخر كانقاذ الغريق أو إزالة النجاسة عن المسجد في بعض ذلك الوقت، إذ المفروض أن الوجوب تعلّق بصرف وجود الصلاة في مجموع هذه الأزمنة لا في كل زمان من تلك الأزمنة لينا في وجوب واجب آخر في بعضها. فبالنتيجة أنه لا مضادة ولا ممانعة بين إطلاق الموسع ووجوب المضيّق أصلاً، ولذلك صح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر المتعلق بصرف وجود الواجب، فلا حاجة عندئذ إلى القول بالترتب أصلاً، فإذن لا وجه لدخول هذا القسم في محلّ الكلام والنزاع. وقد تقدّم الحديث من هذه الناحية بصورة أوضح من ذلك فلا حاجة إلى الاعادة.

وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا كان التزاحم بين واجبين مضيقين: أحدهما أهم من الآخر، فهي القدر المتيقن من مورد النزاع والكلام بين الأصحاب كما

هو ظاهر.

كون مسألة الترتب عقلية

الثالث : أن مسألة الترتب من المسائل العقلية، فان البحث فيها عن الامكان والاستحالة بمعنى أنّ الأمر بالضدّين على نحو الترتب هل هو ممكن أم لا، ومن الواضح جداً أنّ الحاكم بالاستحالة والامكان هو العقل لا غيره، ولا دخل للفظ في ذلك أبداً.

الرابع : أن إمكان تعلّق الأمر بالضدّين على طريق الترتب كافٍ لوقوعه في الخارج، فلا يحتاج وقوعه إلى دليل آخر، والوجه في ذلك : هو أن تعلّق الأمر بالمتزاحمين فعلاً على وجه الاطلاق غير معقول، لأنه تكليف بما لا يطاق وهو محال، ضرورة استحالة الأمر بازالة النجاسة عن المسجد والصلاة معاً في آخر الوقت، بحيث لا يقدر المكلف إلا على إتيان إحداهما. ولكن هذا المحذور، أي لزوم التكليف بالمحال كما يندفع برفع اليد عن أصل الأمر بالواجب المهم، سواء أتى بالأهم أم لا، كذلك يندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر به، إذن يدور الأمر بين أن ترفع اليد عن أصل الأمر بالمهم على تقدير امتثال الأمر بالأهم، وعلى تقدير عصيانه، وأن ترفع اليد عن إطلاقه لا عن أصله، يعني على تقدير الامتثال لا على تقدير العصيان، ومن الواضح جداً أن المحذور في كل مورد إذا كان قابلاً للدفع برفع اليد عن إطلاق الأمر فلا موجب لرفع اليد عن أصله، فانه بلا مقتض وهو غير جائز. وفي المقام بما أنّ المحذور المزبور يندفع برفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهم، فلا مقتضي لرفع اليد عن أصله أصلاً، إذ الضرورة تتقدر بقدرها وهي لا تقتضي أزيد من رفع اليد عن إطلاقه. وعليه فالالتزام بسقوط الأمر عنه رأساً بلا مقتض وسبب وهو غير ممكن.

وبتعبير ثان : أنّ المكلف لا يخلو من أن يكون عاصياً للأمر بالأهم أو مطيعاً له ولا ثالث، وسقوط الأمر بالمهم على الفرض الثاني وهو فرض إطاعة الأمر

بالأهم واضح، وإلّا لزم المحذور المتقدم. وأمّا سقوطه على الفرض الأول وهو فرض عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه فهو بلا سبب يقتضيه، فان محذور لزوم التكليف بما لا يطاق يندفع بالالتزام بالسقوط على فرض الاطاعة والامتثال، فلا وجه للالتزام بسقوطه على الاطلاق.

جريان الترتب في تكليفين أحدهما مشروط بالقدرة شرعاً

وعلى الجملة : أنّ وقوع الترتب بعد الالتزام بامكانه لا يحتاج إلى دليل، فإذا بنينا على إمكانه فهو كافٍ في وقوعه، فمحط البحث في المسألة إنّما هو عن جهة إمكان الترتب واستحالته.

الخامس : ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)أن الترتب لا يجري فيما إذا كان أحد التكليفين مشروطاً بالقدرة عقلاً، والتكليف الآخر مشروطاً بالقدرة شرعاً، وقال في وجه ذلك : أنّ التكليف المتعلق بالمهم المترتب على عصيان التكليف بالأهم يتوقف على كون متعلقه حال المزاحمة واجداً للملاك. والطريق إلى إحراز اشتماله على الملاك والكاشف عنه إنما هو إطلاق المتعلق، فإذا فرضنا أنّ المتعلق مقيد بالقدرة شرعاً، سواء أكان التقييد مستفاداً من قرينة متصلة أو منفصلة أو كان مأخوذاً في لسان الدليل لفظاً، لم يبق للتكليف بالمهم محل ومجال أصلاً. ورتب (قدس سره) على ذلك أنه لا يمكن تصحيح الوضوء في موارد الأمر بالتيمم لا بالملاك ولا بالترتب، وذلك لأنّ الأمر بالوضوء في الآية المباركة مقيد بالقدرة من استعمال الماء شرعاً، وهذا التقييد قد استفيد من تقييد وجوب التيمم فيها بعدم وجدان الماء، فانّ التفصيل في الآية المباركة وتقييد وجوب التيمم بعدم الوجدان يقطع الشركة ويدل على أن وجوب الوضوء أو الغسل مقيّد بوجدان الماء.

ثم إنّ المراد من الوجدان من جهة القرينة الداخلية والخارجية التمكن من


1) أجود التقريرات 2: 90.

استعمال الماء عقلاً وشرعاً.

أمّا القرينة الداخلية : فهي ذكر المريض في الآية المباركة، ومن المعلوم أنّ المرض ليس من الأسباب التي تقتضي عدم وجود الماء وفقدانه وليس حاله كحال السفر، فانّ السفر ولا سيما إذا كان في البوادي ولا سيما في الأزمنة السابقة من أسباب عدم الماء غالباً، وهذا بخلاف المرض فان الغالب أنّ الماء يوجد عند المريض ولكنّه لا يتمكن من استعماله عقلاً أو شرعاً.

وأما القرينة الخارجية : فهي عدّة من الروايات الدالة على جواز التيمم في موارد الخوف من استعمال الماء أو من تحصيله (1). والمفروض في تلك الموارد وجود الماء خارجاً وتمكن المكلف من استعماله عقلاً. إذن المراد من وجدان الماء وجوده الخاص وهو الذي يقدر المكلف على صرفه في الوضوء أو الغسل عقلاً وشرعاً.

فالنتيجة على ضوء ذلك : هي أنّ تقييد وجوب التيمم بعدم التمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً يقتضي التزاماً تقييد تقييد وجوب الوضوء أو الغسل بالتمكن من استعماله كذلك، ولأجل ذلك التزم (قدس سره) بأنه لا يمكن الحكم بصحة الوضوء في مواضع الأمر بالتيمم كما إذا كان عند المكلف ماء ولكنّه لا يكفي للوضوء ولرفع عطش نفسه أو من هو مشرف على الهلاك معاً، ففي مثل ذلك يجب عليه التيمم وصرف الماء في رفع عطش نفسه، أو م-ن ه-و مشرف على الهلاك. أو إذا دار أمره بين أن يصرفه في الوضوء أو الغسل وأن يصرفه في تطهير الثوب أو البدن، بأن لا يكون عنده ثوب طاهر، فيدور الأمر بين أن يصلي في الثوب أو البدن الطاهر مع الطهارة الترابية، وأن يصلي في


1) الوسائل 3: 346 / أبواب التيمم ب 5، 342 ب 2.

الثوب أو البدن المتنجس مع الطهارة المائية وغير ذلك. ففي هذه الفروع وما شاكلها لا يمكن تصحيح الوضوء أو الغسل بالملاك أو الترتب.

أمّا بالملاك فواضح ضرورة أنه لا ملاك لوجوب الوضوء أو الغسل في شيء من هذه الموارد لفرض أنّ القدرة مأخوذة في متعلقه شرعاً ودخيلة في ملاكه واقعاً ومع انتفاء القدرة ينتفي الملاك لا محالة.

وأما بالترتب، فلأنّ الوضوء إذا لم يكن فيه ملاك عند مزاحمته مع الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، فعصيان ذلك الواجب لا يحدث فيه مصلحة وملاكاً، وعلى هذا فيمتنع تعلّق الأمر به لاستحالة تعلّق الأمر بشيء بلا ملاك ولو كان على نحو الترتب بداهة أنّه لا فرق في استحالة تعلّق الأمر بشيء بلا ملاك بين أن يكون ابتداءً وأن يكون على نحو الترتب.

ثم قال (قدس سره) : ومن هنا أنّ شيخنا العلّامة الأنصاري والسيد العلّامة الميرزا الكبير الشيرازي (قدس سرهما) لم يفتيا بصحة الوضوء في تلك الموارد مع أن الأوّل منهما يرى كفاية الملاك في صحة العبادة، والثاني يرى ص-ح-ة الترتب.

نعم، قد افتى السيد العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في العروة بصحة هذا الوضوء في مفروض الكلام، ولكن هذا غفلة منه (قدس سره) عن حقيقة الحال.

أقول : للنظر فيما أفاده (قدس سره) مجال واسع، والوجه في ذلك: هو أنه لا بد من التفصيل بين المثالين المذكورين، فما كان من قبيل المثال الأوّل فلا مانع من الالتزام بالترتب فيه، وما كان من قبيل المثال الثاني فلا. وذلك لا من ناحية ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) بل من ناحية أخرى ستظهر لك إن شاء اللّه.

أمّا المثال الأوّل وما شاكله : فلأنّ المانع منه ليس إلا توهم أنه لا ملاك للوضوء أو الغسل فى هذه الموارد، وعليه فلا يمكن تعلّق الأمر به ولو على نحو الترتب، لاستحالة وجود الأمر بلا ملاك. ولكنّه يندفع بأن القول بجواز تعلّق الأمر بالضدّين على نحو الترتب لا يتوقف على إحراز الملاك في الواجب المهم، إذ لا يمكن إحرازه فيه إلا بتعلق الأمر به، فلو توقف تعلّق الأمر به على إحرازه لدار. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الواجب المهم مشروطاً بالقدرة عقلاً، وأن يكون مشروطاً بها شرعاً، وذلك لما تقدّم من أنه لا يمكن إحراز الملاك إلا من ناحية الأمر، فلو تم هذا التوهم لكان مقتضاه عدم جريان الترتب مطلقاً حتى في الواجب المشروط بالقدرة عقلاً.

إذن الصحيح : هو عدم الفرق في صحة الترتب وإمكانه بين أن يكون الواجب مشروطاً بالقدرة عقلاً أو مشروطاً بها شرعاً، والوجه في ذلك : هو أن مبدأ إمكان الترتب نقطة واحدة، وهي أن تعلّق الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأمر بالأهم لا يقتضي طلب الجمع بين الضدّين ليكون مح-الاً، ب-ل يقتضي الجمع بين الطلبين في زمان واحد ولا مانع منه أصلاً إذا كان المطلوب في أحدهما مطلقاً وفي الآخر مقيداً بعدم الاتيان به ومترتباً عليه على نحو لو تمكن المكلف من الجمع بينهما في الخارج وايجادهما معاً فيه لم يقعا على صفة المطلوبية، ولذا لو أتى بهما بقصد الأمر والمطلوبية لكان ذلك تشريعاً ومحرّماً، وسيجيء الكلام من هذه الجهة إن شاء اللّه تعالى بصورة مفصلة.

وعلى ضوء ذلك : لا يفرق بين ما إذا كانت القدرة مأخوذة في المهم عقلاً وما إذا كانت مأخوذة فيه شرعاً، فان ملاك صحة الترتب - وهو عدم التنافي بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم إذا كانا طوليين - مشترك فيه بين التقديرين، فإذا لم يكن الأمر بالأهم مانعاً عن الأمر بالمهم لا عقلاً ولا شرعاً إذا كان في طوله،

فلا مانع من الالتزام بتعلق الأمر ب-ه على نحو الترتب، ولو كانت القدرة المأخوذة فيه شرعية.

وعليه يترتب أنّ المكلف إذا لم يصرف الماء في واجب أهم وعصى أمره، فلا مانع من تعلّق الأمر بالوضوء أو الغسل لتحقق موضوعه في الخارج، وهو كونه واجداً للماء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً. أما عقلاً فهو واضح. وأم-ا شرعاً فلأنّ الأمر بالأهم على تقدير عصيانه لا يكون مانعاً.

أو فقل : إنّ مقتضى إطلاق الآية المباركة أو نحوها أنّ الوضوء أو الغسل واجب، سواء أكان هناك واجب آخر أم لا غاية الأمر أنه إذا كان هناك واجب آخر يزاحمه يسقط إطلاق وجوبه لا أصله، إذ أنّ منشأ التزاحم هو إطلاقه، فالساقط هو دون أصل وجوبه الذي هو مشروط بعدم الاتيان بالأهم ومترتب عليه، لعدم التنافي بينه وبين وجوب الأهم كما عرفت، وعليه فلا موجب لسقوطه أصلاً.

وقد تحصل من ذلك : أنّ دعوى عدم جريان الترتب فيما إذا كانت القدرة مأخوذة في الواجب المهم شرعاً تبتني على الالتزام بأمرين:

الأول : دعوى أنّ الترتب يتوقف على أن يكون المهم واجداً للملاك مطلقاً، حتّى في حال المزاحمة، أعني بها حال وجود الأمر بالأهم، ومن المعلوم أنّ هذا إنما يحرز فيها إذا كانت القدرة المعتبرة في المهم عقلية، وأما إذا كانت شرعية فبانتفاء القدرة - كما في موارد الأمر بالأهم - ينتفي ملاك الأمر بالمهم لا محالة، ومعه لا يجري الترتب.

الثاني : دعوى أنّ الأمر بالأهم مانع عن الأمر بالمهم ومعجز عنه شرعاً حتّى في حال عصيانه وعدم الاتيان بمتعلقه.

ولكن قد عرفت فساد كلتا الدعويين :

أمّا الدعوى الأولى : فلما سبق من أنّ الترتب لا يتوقف على إحراز الملاك في المهم، فإنك قد عرفت أنه لا يمكن إحرازه فيه مع سقوط الأمر حتّى فيما إذا كانت القدرة المأخوذة فيه عقلية فضلاً عما إذا كانت شرعية، فبالنتيجة أنّه لا فرق في جريان الترتب بين ما كانت القدرة معتبرة فيه عقلاً وما كانت معتبرة شرعاً، فلو كان الترتب متوقفاً على إحراز الملاك في المهم لم يمكن الالتزام به على كلا التقديرين.

وأما الدعوى الثانية: فقد عرفت أنه لا تنافي بين الأمرين أصلاً، إذا ك--ان الأمر بالمهم مشروطاً بعدم الاتيان بالأهم وعصيان أمره، ب-ل ب-ي-نه-ا ك--مال الملاءمة، فلو كان بين الأمرين تنافٍ في هذا الفرض، أعني فرض الترتب، فلا يمكن الالتزام به مطلقاً حتّى فيا إذا كان اعتبار القدرة فيه عقلياً.

فقد تبين من مجموع ما ذكرناه أنّ ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، هذا تمام كلامنا في المثال الأوّل وما شاكله.

وأمّا المثال الثاني وما يشبهه : وهو ما إذا دار الأمر بين صرف الماء في الوضوء أو الغسل وصرفه في تطهير الثوب أو البدن، كما إذا كان بدنه أو ثوبه نجساً ولم يكن عنده من الماء بمقدار يكفي لكلا الأمرين من رفع الحدث والخبث معاً، فلا يجري فيه الترتب، ولكن لا من ناحية ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ التزاحم لا يجري فيما إذا كان أحد الواجبين مشروطاً بالقدرة شرعاً والآخر مشروطاً بها عقلاً، وبما أنّ وجوب الوضوء في المقام مشروط بالقدرة شرعاً ووجوب إزالة الخبث عن البدن أو الثوب مشروط بها عقلاً، فلا تزاحم بينهما، لعدم ملاك للوضوء في أمثال هذه الموارد، وذلك لما تقدّم من أنّ ما أفاده (قدس سره) غير تام، بل من جهة أنّ هذا وغيره من الأمثلة غير داخل في كبرى التزاحم، ولا يجري عليه شيء من أحكامه، وسنتعرض له فيما

بعد إن شاء اللّه تعالى بشكل واضح.

وملخصه : أنّ التزاحم إنّما يجري بين واجبين نفسيين كالصلاة والازالة مثلاً أو ما شاكلها، وأما بين أجزاء واجب واحد فلا يعقل فيه التزاحم، لأنّ الجميع واجب بوجوب،واحد وذلك الوجوب الواحد يسقط بتعذر واحد من تلك الأجزاء لا محالة، فإذا تعذر أحد جزأيه يسقط الوجوب عن الكل بمقتضى القاعدة الأوّلية. إذن ثبوت الوجوب للباقي يحتاج إلى دليل، وقد دلّ الدليل في باب الصلاة على عدم السقوط ووجوب الاتيان بالباقي، وعندئذ يعلم إجمالاً بجعل أحد هذين الجزأين أو الشرطين في الواقع. إذن يقع التعارض بين دليلي الجزأين أو الشرطين، إذ لم يعلم أنّ أيهما مجعول في الواقع، فلا مجال لتوهم جريان أحكام التزاحم حينئذ أصلاً.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ما نسب شيخنا الأستاذ (قدس سره) إلى السيد العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في العروة من أنّه قد حكم بصحة الوضوء في ه-ذا الفرع، لا واقع له، فانّ السيد قد حكم ببطلان الوضوء في هذا الفرع حيث قال : والأولى أن يرفع الخبث أوّلاً ثمّ يتيمم ليتحقق كونه فاقداً للماء ح--ال التيمم وإذا توضأ أو اغتسل والحال هذا بطل لأنه مأمور بالتيمم، ولا أم--ر بالوضوء أو الغسل (1).

وقد تلخص : أنّه لا يمكن تصحيح الوضوء أو الغس-ل م-ن ن-احية الأمر الضمني في المثال لعدم جريان قاعدة الترتب بالاضافة إليه. ولا من ناحية الملاك لعدم إمكان احرازه.

نعم، يمكن تصحيحه بوجه آخر وهو أنّ الوضوء أو الغسل بما أنّه عبادة في


1) العروة الوثقى 1: 339 بعد المسألة [1080] السادس.

نفسه ومتعلق الأمر نفسي استحبابي سواء أكان مقدمة لواجب كالصلاة أو نحوها أم لم يكن، ولذلك قلنا إنه يعتبر في صحته قصد القربة، وعلى ذلك فلا مانع من الالتزام بتعلق أمره الاستحبابي النفسي به من جهة الترتب، وسيجيء فيما بعد إن شاء اللّه تعالى أنّه لا فرق في جريان الترتب على القول بامكانه بين الأمر الوجوبي والأمر الاستحبابي، فكما أنّ الترتب يجري في مزاحمة واجب مع واجب أهم، فكذلك يجري في مزاحمة مستحب مع واجب، غاية الأمر أنّ إطلاق الأمر الاستحبابي قد سقط حين المزاحمة، ولكن لا مانع من الالتزام بثبوت أصله على تقدير عدم الاتيان بالواجب ومخالفة أمره، إذ لا تنافي بين الأمرين حينئذ، فرفع اليد عن أصل الأمر الاستحبابي بلا موجب.

ونتيجة ذلك : هي أن ملاك صحة الترتب وإمكانه - وهو عدم التنافي بين الأمرين وأنّ الساقط هو إطلاق الخطاب دون أصله - مشترك فيه مشترك فيه بين الأمر الوجوبي والاستحبابي، ومن هنا ذكرنا في حاشية العروة أنّ الأقوى صحة الوضوء أو الغسل في هذا الفرع وما يشبهه.

وبعد بيان ذلك نقول : إن مسألة الترتب ليست من المسائل المعنونة في كلمات الأصحاب إلى زمان الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) وهو أوّل م-ن تعرّض لهذه المسألة (1)، ولكنّ المسألة في زماننا هذا قد أصبحت معركة للآراء بين المحققين من الأصحاب، فمنهم من ذهب إلى صحة تلك المسألة وإمكانها، كالسيد الكبير العلّامة الميرزا الشيرازي (قدس سره) (2)وأكثر تلامذته. ومنهم من ذهب إلى استحالتها كشيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) (3)والمحقق


1) کشف الغطاء : 27.

2) نسبه إليه في الكفاية : 136.

3) فرائد الأصول 2 : 524.

صاحب الكفاية (قدس سرهما) (1)فالمتحصل من ذلك هو أن المسألة ذات قولين :

أحدهما : امكان الترتب وتعلّق الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأهم.

وثانيهما : استحالة ذلك وعدم إمكان تعلّق الأمر به على هذا التقدير.

والصحيح هو القول الأول.


1) كفاية الأصول : 134.

أدلة إمكان الترتب

الوجدان :

إن كل من رجع إلى وجدانه وشهد صفحة نفسه مع الاغماض عن أية شبهة ترد عليها، لا يرى مانعاً من تعلّق الأمر بالضدّين على نحو الترتب، فلو كان هذا محالاً كاجتماع الضدّين أو النقيضين وما شاكلها لم يصدق الوجدان ولا العقل إمكانه.

الدليل الإنّي :

لا إشكال في وقوع ترتب أحد الحكمين على عصيان الحكم الآخر في موارد الخطابات العرفية وفي جملة من المسائل الفقهية، ومن الواضح جداً أنّ وقوع شيء أكبر برهان على إمكانه وأدلّ دليل عليه، وليس شيء أدل من ذلك، ضرورة أن المحال لا يقع في الخارج، فلو كان هذا محالاً استحال وقوعه خارجاً، فمن وقوعه يكشف إمكانه وعدم استحالته بالضرورة.

أما في موارد الخطابات العرفية : فهو في غاية الكثرة، منها : ما هو المتعارف في الخارج من أنّ الأب يأمر ابنه بالذهاب إلى المدرسة، وعلى تقدير عصيانه يأمره بالجلوس في الدار مثلاً والكتابة فيها، أو بشيء آخر. فالأمر بالجلوس مترتب على عصيان الأمر بالذهاب. وكذلك المولى يأمر عبده بشيء وعلى تقدير عصيانه وعدم إتيانه به يأمره بأحد أضداده، وهكذا.

وعلى الجملة : فالأمر بالضدّين على نحو الترتب من الموالي العرفية بالاضافة

إلى عبيدهم، ومن الآباء بالاضافة إلى أبنائهم ممّا لا شبهة في وقوعه خارجاً، بل وقوع ذلك في أنظارهم من الواضحات الأولية، فلا يحتاج إلى إقامة برهان ومؤونة استدلال. وأمّا في المسائل الفقهية : ففروع كثيرة لا يمكن للفقيه إنكار شيء منها، نذكر

جملة منها في المقام :

الأوّل : ما إذا وجبت الاقامة على المسافر في بلد مخصوص، وعلى هذا فان قصد الاقامة في ذلك البلد وجب عليه الصوم لا محالة، إذا كان قصد الاقامة قبل الزوال ولم يأت بمفطر قبله، وأما إذا خالف ذلك وترك قصد الاقامة فيه فلا إشكال في وجوب الافطار وحرمة الصوم عليه. وهذا هو عين الترتب الذي نحن بصدد إثباته، إذ لا نعني به إلا أن يكون هناك خطابان فعليان متعلقان بالضدّين على نحو الترتب، بأن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيانه، وفيما نحن فيه كذلك، فان وجوب الافطار وحرمة الصوم مترتب على عصيان الأمر بقصد الاقامة الذي هو مضاد له - أي الافطار - ولا يمكن لأحد أن يلتزم في هذا الفرض بعدم جواز الافطار ووجوب الصوم عليه، فانّه في المعنى إنكار الضروري من الضروريات الفقهية.

الثاني : ترتب وجوب تقصير الصلاة على عصيان الأمر بقصد الاقامة وتركه في الخارج، ولا يفرق في ترتب وجوبه عليه بين أن يكون ترك قصد الاقامة قبل الزوال أو بعده، وبذلك تمتاز الصلاة عن الصوم كما عرفت.

الثالث : ما إذا حرمت الاقامة على المسافر في مكان مخصوص، فعندئذ كما أنّه مكلف بترك الاقامة في هذا المكان وهدم موضوع وجوب الصوم، كذلك هو مكلف بالصوم على تقدير قصد الاقامة وعصيان الخطاب التحريمي فالخطاب التحريمي المتعلق بقصد الاقامة خطاب مطلق وغير مشروط بشيء،

والوجوب المتعلق بالصوم وجوب مشروط بعصيان ذلك الخطاب، وعليه فلو عصى المكلف ذلك الخطاب وقصد الاقامة فيه فلا مناص من الالتزام بوجوب الصوم عليه. ومن الواضح جداً أنّ القول بوجوبه لا يمكن إلا بناءً على صحة الترتب، فلو لم نقل بترتب وجوب الصوم على عصيان الخطاب بترك الاقامة، فلازمه الالتزام بعدم وجوبه عليه، وهو خلاف الضرورة.

الرابع : ترتب وجوب إتمام الصلاة على عصيان حرمة قصد الاقامة والكلام فيه يظهر ممّا تقدّم.

فالنتيجة : فعلية كلا الحكمين في هذه الفروعات وما شاكلها، غاية الأمر أنّ أحدهما مطلق والآخر مشروط بعصيانه وعدم الاتيان بمتعلقه، إذن الالتزام بتلك الفروعات بعينه هو التزام بالترتب لا محالة.

نعم، فيما إذا حدث الأمر بشيء بعد سقوط الأمر بضده - كما في موارد الأمر بالقضاء -- فهو خارج عن محلّ الكلام فان محل الكلام فيما إذا كان كلا الحكمين فعلياً في زمان واحد غاية ما في الباب كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً. وأما تعلّق الأمر بشيء بعد سقوط الأمر بضده بحيث لا يجتمعان في زمان واحد فلا كلام في صحته وجوازه، والأمر المتعلق بقضاء الصلاة ونحوها بالاضافة إلى الأمر بأدائها من هذا القبيل، فلا يجتمعان في زمان واحد.

أو فقل : إنّ ما هو محل الكلام هو تقارن الأمرين زماناً، وتقدّم أحدهما على الآخر رتبة، ففرض تعلّق الخطاب بالمهم بعد سقوط الخطاب عن الأهم خارج عن مورد النزاع تماماً، فيكون نظير تعلّق الأمر بالطهارة الترابية بعد سقوط الأمر عن الطهارة المائية.

الدليل اللمي:

إن بيان إمكان الترتب وتعيين مورد البحث يتوقف على التكلم في جهات:

الجهة الأولى: في بيان أمور:

الأول : أن الواجب الأهم إذا كان آنياً غير قابل للدوام والبقاء، وذلك كانقاذ الغريق مثلاً أو الحريق أو ما يشبهه، ففي مثل ذلك لا يتوقف تعلّق التكليف بالمهم على القول بجواز الترتب وإمكانه، ضرورة أنه بعد عصيان المكلف الأمر بالأهم في الآن الأوّل القابل لايجاد الأهم فيه، وسقوط أمره في الآن الثاني بسقوط موضوعه لا مانع من فعلية الأمر بالمهم على الفرض، إذ المفروض أنّ المانع منه هو فعلية الأمر بالأهم، وبعد سقوطه عن الفعلية لا مانع من فعلية الأمر بالمهم أصلاً، فحينئذ يصح الاتيان بالمهم ولو بنينا على استحالة الترتب، لما عرفت من أن جواز تعلّق الأمر بالمهم بعد سقوط الأمر عن الأهم من الواضحات.

ومن ذلك يعلم أنّ هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام ومورد النزاع، فان ما هو مورد النزاع والكلام - بين الأعلام والمحققين - هو ما لا يمكن إثبات فعلية الأمر بالمهم إلّا بناءً على القول بالترتب ومع قطع النظر عنه يستحيل فعلية أمره والحكم بصحته.

نعم، في الآن الأوّل - وهو الآن القابل لتحقق الأهم فيه خارجاً - لا يمكن تعلّق الأمر بالمهم فعلاً، والحكم بصحته بناءً على القول باستحالة الترتب، وأمّا في الآن الثاني - وهو الآن الساقط فيه الأمر بالأهم - فلا مانع من تعلّق الأمر به ووقوعه صحيحاً. وأمّا بناءً على إمكانه فالالتزام بترتب الأمر بالمهم على عصيان الأمر بالأهم إنما يجدي في خصوص الآن الأوّل، دون بقية الآنات، إذ

لا تتوقف فعليّة أمره فيها على القول بجواز الترتب كما عرفت. نعم، إذا كان الواجب المهم أيضاً آنياً فحينئذ يدخل ذلك في محلّ الكلام، إذ فعلية الأمر بالمهم - عندئذ - والحكم بصحته تتوقف على القول بالترتب. وأما على القول بعدمه فلا يمكن إثبات الأمر به، أما في الآن الأوّل فلمزاحمته بالأهم، وأما في الآن الثاني فلانتفائه بانتفاء موضوعه.

فالنتيجة من ذلك : أنّ الواجب الأهم إذا كان آنياً - دون الواجب المهم - فحيث إنّ إثبات الأمر بالمهم بمكان من الوضوح مع قطع النظر عن صحة الترتب وعدم صحته، ولا يتوقف إثبات الأمر به على القول بجوازه، فهو خارج عن محل الكلام، فانّ ما كان محلاً للكلام هو ما إذا لم يمكن إثبات الأمر به مع قطع النظر عنه

الثاني : أنّ كلاً من الواجب الأهم والمهم إذا كان آنياً - بمعنى أن يكون في الآن الأوّل قابلاً للتحقق والوقوع في الخارج، ولكنه في الآن الثاني يسقط بسقوط موضوعه - فهو داخل في محلّ الكلام ولا يمكن إثبات الأمر بالمهم فيه إلا على القول بصحة الترتب.

الثالث : أن الواجب الأهم والمهم إذا كان كلاهما تدريجياً كالصلاة والازالة مثلاً، عند ما تقع المزاحمة بينهما فلا إشكال في أنّه داخل في محلّ الكلام، وعليه فان قلنا بأنّ الشرط لفعلية الأمر بالمهم هو معصية الأمر بالأهم آناً ما، بمعنى أنّ معصية الأهم في الآن الأوّل كافية لفعلية الأمر بالمهم في جميع أزمنة امتثاله، فلا تتوقف فعليته في الآن الثاني على استمرار معصيته الأمر بالأهم إلى ذلك الآن، بل لو تبدلت معصيته بالاطاعة في الزمن الثاني كان الأمر بالمهم باقياً على فعليته لفرض تحقق شرطه، وهو معصية الأمر بالأهم في الآن الأوّل، فهو مستلزم لطلب الجمع بين الضدّين لا محالة، ولعلّ هذا هو مورد نظر المنكرين

للترتب، كما يظهر ذلك من بعض موارد الكفاية (1).

لكن ذلك ليس مراد القائلين بالترتب أصلاً، فان محذور طلب الجمع بين الضدّين على هذا الوجه باقٍ بحاله، وذلك لأنّ المفروض أنّ الأمر بالأهم في الآن الثاني باق على فعليته من جهة فعلية موضوعه، وهو قدرة المكلف على امتثاله، بأن يرفع اليد عن المهم ويمتثل الأمر بالأهم، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أنّ الأمر بالمهم أيضاً فعلي في ذلك الآن، وليست فعليته مشروطة بعصيان الأمر بالأهم فيه، لفرض أنّ شرطها - وهو عصيانه في الآن الأول قد تحقق في الخارج، ولم تتوقف فعليته في الآن الثاني والثالث وهكذا على استمرار عصيانه كذلك، فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي أنّ كلاً من الأمر بالأهم والأمر بالمهم فعلي في الآن الثاني وفي عرض الآخر. وعليه فيلزم محذور طلب الجمع بين الضدّين.

وأما إذا قلنا بأن شرط فعلية الأمر بالمهم عصيان الأمر بالأهم في جميع أزمنة امتثاله، بمعنى أنّ فعليته تدور مدار عصيانه حدوثاً وبقاء، فلا يكفي عصيانه آناً ما لبقاء أمره إلى الجزء الأخير منه، ففعلية الأمر بالصلاة مثلاً عند مزاحمتها بالازالة مشروطة ببقاء عصيان أمر الإزالة واستمراره إلى آخر أزمنة امتثال الصلاة، وبانتفائه في أي وقت كان ينتفى الأمر بالصلاة، ضرورة أنّ بقا. أمر المهم منوط ببقاء موضوعه والمفروض أنّ موضوعه هو عصيان الأم--ر بالأهم، ولابد من فرض بقائه إلى آخر أزمنة امتثال المهم في تعلّق الأمر ب-ه فعلاً، فإنّ تعلّق الأمر به كذلك فى أوّل أزمنة امتثاله منوط ببقاء عصيان الأمر بالأهم إلى الجزء الأخير من المهم، فان هذا نتيجة تقييد إطلاق الأمر بالمهم


1) لاحظ كفاية الأصول : 134 وما بعدها.

بعصيان الأهم، وكون المهم واجباً ارتباطياً، وعلى هذا فليس هنا طلب للجمع بين الضدّين أصلاً كما سيأتي توضيحه.

وهذا بناءً على وجهة نظرنا من إمكان الشرط المتأخر، وكذا إمكان تعلّق الوجوب بأمر متأخر مقدور في ظرفه على نحو الواجب المعلّق كما حققناهما في محلها لا إشكال فيه، إذ لا مانع حينئذ من أن يكون العصيان المتأخر شرطاً للوجوب المتقدم، بمعنى أنّ فعلية وجوب المهم في أوّل أزمنة امتثاله تكون مشروطة ببقاء عصيان الأهم إلى آخر زمان الاتيان بالمهم، وبانتفائه يستكشف عدم فعلية وجوب المهم من ب المهم من الأوّل، ومن هنا قلنا إنّه لا مناص من الالتزام بالشرط المتأخر في الواجبات التدريجية كالصلاة ونحوها، فان وجوب أوّل جزء منها مشروط ببقاء القدرة على الجزء الأخير منها في ظرفه، وإلا فلا يكون من الأوّل واجباً، وهذا ثمرة اشتراط وجوب تلك الواجبات بالقدرة في ظرف الامتثال من ناحية، وارتباطيتها من ناحية أخرى.

وأما بناءً على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من استحالة الشرط المتأخر وكذا الواجب المعلّق فيشكل الأمر في المقام، ومن هنا قد تفصى عن هذه المشكلة بما أجاب به عن الاشكال في اشتراط القدرة في الواجبات التدريجية وقال : إنّ المقام داخل في تلك الكبرى - أي اشتراط التكليف بالقدرة - ومن إحدى صغرياتها، فان اشتراط التكليف بالمهم بعصيان تكليف الأهم إنما هو لأجل أنّه غير مقدور إلّا في هذا الفرض، ولذا لا نحتاج في اشتراط تكليف المهم بعصيان تكليف الأهم إلى دليل خاص، فالدليل عليه هو حكم العقل باشتراط التكليف بالقدرة، فانّه يوجب اشتراط خطاب المهم بعصيان خطاب الأهم، لكون المهم غير مقدور شرعاً - وهو في حك-م غ-ي-ر


1) أجود التقريرات 1: 201، 328.

المقدور عقلاً - إلّا عند تحقق هذا الشرط.

وحاصل ما أجاب به (قدس سره) أن الشرط هو القدرة على الجزء الأوّل من أجزاء الواجب التدريجي المتعقبة بالقدرة على بقية الأجزاء، فشرط وجوب الصلاة مثلاً إنّما هو القدرة على التكبيرة المتعقبة بالقدرة على بقية أجزائها.

ومن الواضح أنّ عنوان التعقب عنوان حاصل بالفعل، وبذلك يدفع محذور الالتزام بالشرط المتأخر، وعليه يكون شرط فعلية وجوب المهم عصيان الأهم في الآن الأوّل متعقباً بعصيانه في بقية الآنات، والمفروض أن عصيانه في آن أوّل امتثال المهم المتعقب بعصيانه في بقية أزمنة امتثال المهم موجود بالفعل، فيكون من الشرط المقارن لا من الشرط المتأخر، ومن المعلوم أن اشتراط المهم بعصيان الأهم ليس إلا من ناحية عدم قدرة المكلف على امتثاله في غير هذه الصورة - عصيان الأهم -.

ولكن قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط (1)أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وذكرنا هناك أنّه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر أصلاً، وأنّه لا محصل لجعل عنوان التعقب شرطاً لعدم الدليل عليه.

وقد فصلنا الحديث عن ذلك هناك، فلا حاجة إلى الاعادة.

ومن ذلك يظهر أنّ الواجب المهم بعد حصول شرط وجوبه لا يصير مطلقاً فانه يبتني على أن يكون شرطه هو عصيان الأهم في الآن الأوّل فحسب كما عرفت، وأمّا على ما ذكرناه من أنّ شرطه هو عصيانه في جميع أزمنة امتثال المهم فلا وجه لتوهم أنه بعد تحقق شرطه يصير مطلقاً أصلاً.

وقد تحصّل من ذلك أمران :


1) في ص 135.

الأول: أن الواجب الأهم إذا كان آنياً والمهم تدريجياً فهو خارج عن محلّ الكلام والبحث كما مرّ آنفاً.

الثاني : أنّ شرط فعلية الأمر بالمهم عصيان الأهم على نحو الاستمرار والدوام لا عصيانه آناً ما، لما عرفت من أنّه لا يدفع محذور طلب الجمع بين الضدّين.

الجهة الثانية : أنّه لا يفرق في القول بامكان الترتب وجوازه، والق--ول باستحالته وعدم جوازه، بين أن يكون زمان فعلية الخطاب متحداً مع زمان الامتثال،والعصيان وأن يكون سابقاً عليه - بناءً على ما هو الصحيح م-ن إمكان الواجب المعلّق - وإن كان الغالب هو الأوّل، بل قد ذكرنا في محلّه أنّ الثاني وإن كان ممكناً، إلّا أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل وقيام قرينة عليه، وإلا فهو خلاف الظهور العرفي، فان مقتضى ظهور الخطاب هو أن زمان فعليته متحد مع زمان الواجب - وهو زمان امتثاله وعصيانه - ولكن الغرض من ذلك الاشارة إلى أنّ القول بامكان الترتب لا يتوقف على الق-ول ب-انكار الواجب المعلّق، فان ملاك استحالة الواجب المعلّق وإمكانه أجنبي عما هو ملاك استحالة الترتب وإمكانه، فكما يجري على القول باستحالة الواجب المعلّق، فكذلك يجري على القول بامكانه.

وتوضيح ذلك : أنّه لا إشكال في تقدّم زمان الاعتبار والجعل على زمان المعتبر والمجعول غالباً، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ جعل الأحكام جميعاً على نحو القضايا الحقيقية، فلا يتوقف على وجود موضوعها في الخارج، فيصح الجعل والاعتبار، سواء أكان موضوعها موجوداً في الخارج أم لم يكن. وأما زمان المعتبر - وهو زمان فعلية تلك الأحكام بفعلية موضوعاتها في الخارج - فبناءً على استحالة الواجب المعلّق فهو دائماً متحد مع زمان الواجب الذي هو ظرف تحقق الامتثال والعصيان وعلى هذا فزمان فعلية التكليف بالمهم وزمان امتثاله

وزمان عصيانه،واحد هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أنّ زمان فعلية التكليف بالأهم وزمان امتثاله وزمان عصيانه واحد.

فالنتيجة على ضوء ذلك : أنّ زمان فعلية التكليف بالمهم وزم--ان فعلية التكليف بالأهم،واحد، إذ زمان فعلية التكليف بالمهم متحد مع زمان عصيان الأهم، لفرض أنّ عصيانه شرط لفعليته وموضوع لها، فيستحيل أن يكون زمان فعليته متقدماً على زمان عصيانه أو متأخراً عنه، والمفروض أن زمان عصيانه متحد مع زمان فعلية خطابه، فينتج ذلك أنّ زمان فعلية خطاب المهم متحد مع زمان فعلية خطاب الأهم، لأنّ ما مع المقارن بالزمان مقارن أيضاً لا محالة كما سبق.

وعلى هذا الضوء تترتب ضرورة تقارن فعلية خطاب المهم مع خطاب الأهم واجتماعهما في زمان واحد. نعم، تتقدم فعلية الخطاب على عصيانه أو امتثاله رتبة، كتقدم عصيان الأهم على فعلية خطاب المهم. وأمّا خطاب الأهم فليس بمتقدم على خطاب المهم رتبة، كما أنه ليس بمتقدم زماناً، والوجه في ذلك واضح، فانّ تقدّم الأمر على عصيانه أو امتثاله بملاك أنّه علة له، وتقدّم عصيان الأهم على فعلية الأمر بالمهم بملاك أنّه شرط له، ولا ملاك لتقدم خطاب الأهم على خطاب المهم أصلاً، فما هو المعروف من أنّ الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم، ليس المراد منه التقدم والتأخر بحسب الرتبة كما توهم، بل المراد منه مجرد ترتب الأمر بالمهم على عصيان الأمر بالأهم.

ودعوى أنّ الأمر بالمهم متأخر عن عصيان الأمر بالأهم وهو متأخر عن الأمر به فيتأخر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم بمرتبتين، مدفوعة بما ذكرناه سابقاً من أنّ التقدم أو التأخر بالرتبة والطبع منوط بملاك كامن في صميم ذات المتقدم أو المتأخر وليس أمراً خارجاً عن ذاته، ولذا يختص هذا التقدم أو

التأخر بما فيه ملاكها، فلا يسري منه إلى ما هو متحد معه في الرتبة فضلاً عن غيره، ولذا قلنا بتقدم العلة على المعلول، لوجود ملاك التقدم فيها. وأما عدمها فلا يتقدم عليه مع أنه في مرتبتها، وعلى هذا الضوء ففيما نحن فيه وإن كان الأمر بالأهم مقدّماً على عصيانه بملاك أنّه علة له إلّا أنّه لا يوجب تقدمه على الأمر بالمهم، لانتفاء ملاكه.

أو فقل : إن تأخّر الأمر بالمهم عن عصيان الأمر بالأهم المتأخر عن نفس الأمر به، لا يوجب تأخره عن نفس الأمر بالأهم، وقد فصلنا الحديث من هذه الناحية في أوّل بحث الضدّ فلاحظ.(1). هذا بناءً على القول باستحالة الواجب المعلق.

وأما بناءً على إمكان الواجب المعلّق كما هو الصحيح، فلا مانع من أن يكون زمان الوجوب مقدّماً على زمان الواجب - الذي هو ظرف امتثاله وعصيانه - وقد حققنا ذلك في بحث الواجب المعلّق والمشروط بصورة مفصلة (2)، وقلنا هناك إنّه لا يلزم أيّ محذور من الالتزام بتعلق الوجوب بأمر متأخر مقدور في ظرفه، كما أنّه لا يلزم من الالتزام بالشرط المتأخر أصلاً.

ثمّ إنّه لا يفرق فيما ذكرناه من إمكان الترتب بين القول بامكان الواجب المعلّق والشرط المتأخر والقول باستحالتهما، ولا يتوقف القول بامكان الترتب على القول باستحالتها، بتخيل أنه لو قلنا بامكان الواجب المعلّق أو الشرط المتأخر لكان لازم ذلك إمكان فعلية تكليف المهم قبل تحقق عصيان الأهم على نحو الشرط المتأخر أو الواجب المعلّق، وهذا غير معقول، لأنّ طلب الضدّين


1) ص 304.

2) في ص 135 و 174.

في آن واحد محال فلا يكون ممكناً، ولكنّه خيال فاسد.

والوجه في ذلك : هو أن ملاك استحالة الترتب ليس اجتماع الخطابين - أي خطاب الأهم وخطاب المهم - في زمان واحد، لأنّ اجتماعهما على كلا المذهبين في زمان واحد ومقارنتهما فيه ممّا لا بد منه، ضرورة أن حدوث التكليف بالمهم بعد سقوط التكليف بالأهم خلاف مفروض الخطاب الترتبي، وخارج عن محل الكلام، إذ لا إشكال في جواز ذلك،وصحته فان محل الكلام هو ما إذا كان الأمران متقارنين زماناً، ومع إثبات أنّ الجمع بين الأمرين في زمان واحد مع ترتب أحدهما على عصيان الآخر لا يرجع إلى طلب الجمع بين الضدّين، فلا مانع منه أصلاً، وهذا هو ملاك القول بامكان الترتب وصحته، كما أن ملاك القول بامتناعه واستحالته تخيّل أنّ الجمع بين الخطابين في زمان واحد يستلزم طلب الجمع بين الضدّين وهو محال.

وعلى هذا الأساس فكل من ملاك إمكان الترتب واستحالته أجنبي ع--ن ملاك إمكان الواجب المعلّق والشرط المتأخر واستحالتها تماماً، إذ ملاك إمكان الترتب وامتناعه يدوران مدار النقطة المزبورة وهي أن الجمع بين الطلبين في زمان واحد هل يستلزم طلب الجمع بين الضدّين أم لا ؟ فالقائل باستحالة الترتب يدعي الأوّل، والقائل بامكانه يدعي الثاني، فتلك النقطة هي محط البحث والأنظار بين الأصحاب في المقام. وملاك إمكان الواجب المعلّق والشرط المتأخر وملاك استحالتهما يدوران مدار ما ذكرناه من الأساس هناك فلا حاجة إلى الاعادة.

وقد تحصل من ذلك : أنّ القول بامكان الترتب لا يتوقف على القول باستحالة الواجب المعلّق أو الشرط المتأخر. وعليه فلا فرق فيما ذكرناه م--ن إمكان الترتب وأن الجمع بين الأمرين في زمان واحد لا يرجع إلى طلب الجمع

بين الضدّين، بين وجهة نظرنا في هاتين المسألتين - الواجب المعلّق والشرط المتأخر - وبين وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) فيها أصلاً.

فالغرض من هذه الجهة دفع ما توهم من ابتناء القول بامكان الترتب على القول باستحالة الواجب المعلّق أو الشرط المتأخر.

الجهة الثالثة : لا إشكال في إطلاق الواجب بالاضافة إلى وجوده وعدمه - بمعنى تعلّق الطلب بالماهية المعراة عن الوجود والعدم - بداهة أن الطلب المتعلق بالفعل لا يعقل تقييد متعلقه بالوجود أو العدم، إذ على الأوّل يلزم طلب الحاصل وعلى الثاني الخلف، أو طلب الجمع بين النقيضين، وكذا الحال في الطلب المتعلق بالترك، فانّه لا يمكن تقييده بالترك المفروض تحققه، لاستلزامه طلب الحاصل ولا تقييده بالوجود، لأنّه خلف أو طلب الجمع بين النقيضين.

فالنتيجة : أنّ تقييد متعلق الأمر بوجوده في الخارج أو بعدمه محال، فإذا استحال تقييده بالحصة المفروضة الوجود أو المفروضة العدم فلا محالة يكون متعلقه هو الجامع بينهما، ولازم ذلك هو ثبوت الأمر في حال وجوده وح---ال عدمه وفي حال عصيانه وامتثاله وهذا واضح لا كلام فيه، فيه، وإنما الكلام والاشكال في أنّ ثبوت الأمر في هذه الأحوال هل هو بالاطلاق أم لا ؟

فعلى مسلك شيخنا الأستاذ (قدس سره) ليس بالاطلاق، لما يراه (قدس سره) (1)من أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فاستحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، وحيث إنّ التقييد في المقام محال كما عرفت فالاطلاق أيضاً محال، إذن لا إطلاق المتعلق الأمر بالاضافة إلى تقديري وجوده وعدمه، لا بالاطلاق والتقييد اللحاظيين، ولا بنتيجة الاطلاق أو


1) أجود التقريرات 1: 156.

التقييد. أمّا الأوّل، فكما مرّ. وأمّا الثاني، فلأنّ استحالة التقييد والاطلاق في المقام ليست من ناحية استحالة لحاظيها ليمكن التوصل إليهما بجعل آخر ويسمّى ذلك بنتيجة الاطلاق ونتيجة التقييد، بل من ناحية أنّ التقييد هنا مستلزم لتحصيل الحاصل أو طلب الجمع بين النقيضين، والاطلاق مستلزم للجمع بين كلا المحذورين المزبورين.

ومن الواضح البيّن أنّ كل هذه الأمور محال في حد ذاته، لا من ناحية عدم إمكان الجعل بجعل واحد وعدم إمكان اللحاظ بلحاظ فارد، ولكن مع هذا كان الحكم موجوداً في كلتا الحالتين - الوجود والعدم -، والوجه فيه : هو أنه لا موجب لسقوط التكليف بالأهم في المقام ما عدا العجز عن امتثاله، والمفروض أنّ المكلف غير عاجز عنه ضرورة أنّ فعل الشيء لا يصير ممتنعاً حال تركه وكذا تركه حال فعله، إذ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا يوجب العجز وسلب القدرة عن الطرف الآخر بالبداهة. وعلى هذا فالأهم مقدور للمكلف حال تركه، كما أنّ تركه مقدور حال فعله، وكذا هو مقدور حال فعل المهم.

والأصل في جميع ذلك : هو أنّ ترجيح أحد الطرفين على الآخر أو ترجيح فعل المهم في المقام على فعل الأهم باختيار المكلف وإرادته، فلا يعقل أن يكون ذلك موجباً لامتناع الطرف الآخر، وإلا فلا يكون الشيء من الأوّل مقدوراً، وهذا خلف. ونتيجة ذلك : هي أنّ الأمر بالأهم ثابت حال عصيانه وح--ال الاتيان بالمهم، وهذا معنى اجتماع الأمرين في زمان واحد، هذا على مسلك شيخنا الأستاذ (قدس سره).

وأمّا بناءً على وجهة نظرنا من أنّ التقابل بينهما ليس من تقابل العدم والملكة بل من تقابل التضاد، وأنّ استحالة أحدهما تستلزم ضرورة تحقق الآخر ووجوبه لا استحالته، فثبوته بالاطلاق والوجه فيه : ما ذكرناه غ--ير

مرّة من أنّ الاهمال في الواقع ومقام الثبوت غير معقول، فمتعلق الحكم في الواقع إمّا هو ملحوظ على وجه الاطلاق بالاضافة إلى جميع القيود حتّى القيود الثانوية - ومعنى الاطلاق عدم دخل شيء من تلك القيود فيه واقعاً، لا أنّ جميعها دخيلة فيه - وإمّا هو ملحوظ على وجه التقييد ولا ثالث لهما، وعليه فإذا استحال أحدهما الآخر لانتفاء ثالث بينهما. وفي المقام بما أنّ تقييد متعلق الأمر بتقديري الفعل في الخارج أو الترك محال، فلا محالة كان إطلاقه بالاضافة إليه واجباً.

وعلى هذا يترتب أنّ الأمر المتعلق بالأهم مطلق بالاضافة إلى حالتي وجوده وعدمه، فعندئذ إذا كان الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأهم وتركه في الخارج فلا محالة عند تركه يجتمع الأمران، أما الأمر بالأهم فمن جهة الاطلاق كما عرفت، وأما الأمر بالمهم فلتحقق شرطه - وهو ترك الأهم وعصيان أمره - ولكن مع ذلك فليس مقتضى الأمرين طلب الجمع بين الضدّين في زمن واحد، لأنّ أحدهما في طول الآخر لا في عرضه. وعليه فلا يمكن أن يقع متعلقهما على صفة المطلوبية ولو تمكن المكلف من إيجادهما في الخارج.

أو فقل : إنّ طلب الجمع بين فعلين في الخارج يتصور على صور أربع، وما نحن فيه ليس من شيء منها.

الأولى : ما إذا كان هناك أمر واحد تعلّق بالجمع بين فعلين على نحو يرتبط كل منهما بالآخر ثبوتاً وسقوطاً، كما إذا تعلّق الأمر بالجمع بين الكتابة والجلوس مثلاً.

الثانية : ما إذا تعلّق أمران بفعلين على نحو يكون متعلق كل من الأمرين مقيداً بحال امتثال الأمر بالآخر، كما إذا أمر المولى بالصلاة المقارنة لامتثال الأمر بالصوم وبالعكس.

الثالثة : أن يكون متعلق أحد الخطابين مقيداً بحال امتثال الآخر دون العكس.

الرابعة : ما إذا تعلّق أمران بفعلين على وجه الاطلاق، بأن يكون كل منهما مطلقاً بالاضافة إلى حال امتثال الآخر والاتيان بمتعلقه، كما هو الحال في الأمر المتعلق بالصوم والصلاة فانّ وجوب كل منهما مطلق بالاضافة إلى الاتيان بالآخر.

هذه هي الصور التي يكون المطلوب فيها الجمع، غاية الأمر أن الجمع في الصورة الأولى بعنوانه متعلق للأمر والطلب. وأما في الصور الثلاثة الأخيرة فالجمع بعنوانه ليس متعلقاً للطلب، بل الأمر فيها يرجع إلى طلب واقع الجمع وحقيقته بالذات، كما في الصورتين الأوليين، وبالعرض كما في الصورة الأخيرة، فانّ الجمع في تلك الصورة - أعني بها الصورة الأخيرة - ليس بمطلوب لا بعنوانه ولا بواقعه حقيقة، وإنما هو مطلوب بالعرض، بمعنى أن عند تحقق امتثال أحدهما كان الاتيان بالآخر أيضاً مطلوباً، وهذا نتيجة إطلاق الخطابين.

وعلى كل حال فالقول بالترتب واجتماع الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم في زمان واحد لا يستلزم القول بطلب الجمع بينهما أصلاً. أما الجمع بمعنى طلب واحد به كما في الصورة الأولى فواضح. وأما الجمع بالمعنى تعلّق الموجود في بقية الصور فأيضاً كذلك، لأنّ تعلّق طلبين بفعلين في زمان واحد إنما يقتضيان الجمع بينهما فيما إذا كان امتثال كل منهما مقيداً بتحقق امتثال الآخر، أو كان امتثال أحدهما خاصة مقيداً بذلك دون الآخر، أو كان كل واحد منهما مطلقاً من هذه الجهة كما عرفت في الصور الثلاثة المتقدمة.

وأمّا إذا فرضنا أنّ أحد الأمرين مشروط بعدم الاتيان بمتعلق الآخر وعصيانه كما فيما نحن فيه فيستحيل أن تكون نتيجة اجتماع الأمرين وفعليتهما

في زمن واحد طلب الجمع، بداهة أنّ فعلية الأمر بالمهم مشروط بعدم الاتيان بالأهم وفي ظرف تركه، وهذا في طرف النقيض مع طلب الجمع تماماً ومعانده رأساً، ومن هنا قلنا إنّه لا يمكن وقوع الفعلين معاً - الأهم والمهم - على صفة المطلوبية وإن فرضنا أنّ المكلف متمكن من الجمع بينهما في الخارج.

وسر ذلك: هو أنّ الأمر بالمهم إذا فرض اشتراطه بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه، فلا يمكن فعلية أمره بدون تحقق شرطه وهو ترك الأهم وفي ظرف وجوده، وإلا لزم أحد محذورين : إمّا اجتماع النقيضين، أو الخلف، وكلاهما مستحيل، وذلك لأنّ الأمر بالمهم تتوقف فعليته على فعلية موضوعه وهو ترك الأهم وعدم الاتيان به، وعليه فإذا فرض فعلية الأمر بالمهم في ظرف وجود الأهم، فعندئذ لابد إما من فرض عدم الأهم عند وجوده فلزم اجتماع النقيضين، وإما من فرض أنّ عدم الأهم ليس بشرط، وهذا خلف.

ونتيجة ذلك : هي استحالة فعلية الأمر بالمهم في ظرف وجود الأهم وتحققه في الخارج، لاستلزامها أحد المحالين المزبورين.

وعلى هذا الضوء يستحيل استلزام فعلية الأمرين المترتب أحدهما على عدم الاتيان بالآخر وعصيان أمره لطلب الجمع بين متعلقيها.

وقد تحصل من ذلك : أنّ المقام في طرف النقيض مع الصور المتقدمة، إذ فعلية الأمرين فيها تقتضي الجمع بين متعلقيها كما عرفت، وفعلية الأمرين في المقام تقتضي التفريق بين متعلقيهما، وعدم امكان كون كليهما معاً مطلوباً.

ثم إنّه لا يخفى أنّ هذه الجهة وإن لم تكن كثيرة الدخل في إمكان القول بالترتب وجوازه، إلا أن الغرض من التعرض لها لدفع ما ربّما يتخيل أن الأمر بالأهم لو كان مطلقاً بالاضافة إلى حالتي عصيانه وامتثاله وفعله وتركه في الخارج لم يمكن القول بالترتب، إذ مقتضى إطلاقه هو أن أمره في حال عصيانه

باق، فإذا كان باقياً فلا محالة يدعو إلى إيجاد متعلقه في الخارج، والمفروض أنّ هذا الحال هو حال فعلية الأمر بالمهم، لفرض تحقق شرطها - وهو عصيان الأهم - إذن يلزم من ذلك طلب الجمع بين الضدّين، وهذا محال.

ولكن من بيان تلك الجهة قد ظهر فساد هذا الخيال، وذلك لأنّ محل الكلام في إمكان الترتب واستحالته فيما إذا كان الأمر بالأهم ثابتاً حال عصيانه وترك متعلقه، وإلا فليس من محل الكلام في شيء كما تقدم، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ اجتماع أمرين متعلقين بالضدّين في زمن واحد شيء، وطلب الجمع بينهما شيء آخر، ولا ملازمة بين أحد الأمرين والآخر أصلاً.

نعم، لو كان تعلّق أمرين بهما في عرض واحد وعلى وجه الاطلاق، لكان ذلك مستلزماً لطلب الجمع بينهما لا محالة. ولكن أين هذا من تعلّق أمرين بهما على نحو الترتب، بأن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيان الأوّل وعدم الاتيان بمتعلقه، لأنك عرفت أنّ اجتماع الأمرين كذلك لا يستلزم طلب الجمع بين متعلقيها بل هو في طرف النقيض معه وينافيه ويعانده، لا أنه يقتضيه كما مر.

وعلى الجملة : فالغرض من بيان هذه الجهة الاشارة إلى هذين الأمرين، أعني بهما دفع الخيال المزبور وأنه لا مجال له أصلاً. وامتياز المقام عن الصور المتقدمة، وأنّ فعلية الأمرين في تلك الصور تستلزم طلب الجمع لا في المقام كما عرفت.

الجهة الرابعة : وهي الجهة الرئيسية لأساس الترتب وتشييد كيانه : ق---د ذكرنا غير مرّة أنّ الخطابات الشرعية بشتى أشكالها لا تتعرّض لحال موضوعاتها وضعاً ورفعاً، وإنما هي تتعرض لحال متعلقاتها على تقدير وجود موضوعاتها، مثلاً خطاب الحج كما في الآية المباركة لا يكون متعرّضاً لحال الاستطاعة، ولا

يكون ناظراً إليها وجوداً وعدماً، وإنما يكون متعرّضاً لح-ال الح--ج ب-اقتضاء وجوده على تقدير وجود الاستطاعة وتحققها في الخارج بأسبابها المقتضية له، فلا نظر له إلى إيجادها ولا إلى عدم إيجادها أصلاً، ولا إلى أنها موجودة أو غير موجودة. وكذا خطاب الصلاة وخطاب الزكاة وما شاكلها، فانّ كلاً منها لا يكون متعرّضاً لحال موضوعه لا وضعاً ولا رفعاً، ولا يكون مقتضياً لوجوده ولا لعدمه، وإنما هو متعرض لحال متعلقه باقتضاء ايجاده في الخارج على تقدير وجود موضوعه.

والسر في ذلك : هو أنّ جعل الأحكام الشرعية إنما هو على نحو القضايا الحقيقية، ومعنى القضية الحقيقية هو أنّ ثبوت المحمول فيها ووجوده على تقدير وجود الموضوع وثبوته، ونسبة المحمول فيها إلى الموضوع وضعاً ورفعاً نسبة لا اقتضائية، فلا يقتضي المحمول وجود موضوعه ولا يقتضي عدمه، فمتى تحقق الموضوع تحقق المحمول وإلا فلا.

ومن هنا قلنا إنّ القضية الحقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له، ومن الواضحات الأولية أنّ الجزاء لا يقتضي وجود الشرط ولا عدمه، ولذلك لو كان أحد الدليلين ناظراً إلى موضوع الدليل الآخر وضعاً أو رفعاً فلا ينافي ما هو مقتضى ذاك الدليل أبداً، لأنه بالاضافة إلى موضوعه لا اقتضاء، فلا يزاحم ما يقتضي وضعه أو رفعه، ولذا لا ت-ن-افي بين الدليل الحاكم والمحكوم والوارد والمورود.

وعلى ذلك الأساس نقول : إن عصيان الأمر بالأهم في محلّ الكلام وترك متعلقه، بما أنّه مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم، فهو لا يكون متعرضاً لحاله وضعاً ورفعاً، لما عرفت من أنّ الحكم يستحيل أن يستدعي وجود موضوعه أو عدمه، وإنما هو يستدعي إيجاد متعلقه على تقدير وج-ود م-وض-وعه في

الخارج، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنّ الأمر بالأهم محفوظ في ظرف عصيانه، إما من جهة الاطلاق كما ذكرناه، أو من جهة أنّ الأمر يقتضي الاتيان بمتعلقه وإيجاده في الخارج، وهذا عبارة أخرى عن اقتضاء هدم موضوع الأمر بالمهم،ورفعه وهو عصيانه وعدم الاتيان بمتعلقه.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي عدم التنافي بين هذين الأمرين أبداً.

أما بين ذاتيهما فواضح، ضرورة أنّه لا تنافي بين ذات الأمر بالمهم مع قطع النظر عن اقتضائه، وذات الأمر بالأهم كذلك، وقد ذكرنا في غير مورد أن-ه لا تضاد ولا تماثل بين نفس الأحكام بما هي أحكام، إذ حقيقتها ليست إلا اعتبار المولى، ومن المعلوم أنّه لا مضادة بين اعتبار واعتبار آخر، ولا مماثلة بينهما كما سيجيء ذلك بشكل واضح في الفرق بين مسألة التزاحم والتعارض.

وأما بينهما باعتبار اقتضائها فالأمر أيضاً كذلك، لأن الأمر بالمهم إنّما يقتضي ايجاد متعلقه في الخارج على تقدير عصيان الأمر بالأهم من دون تعرض لحال عصيانه وضعاً أو رفعاً، وجوداً أو عدماً. والأمر بالأهم يقتضي ه-دم عصيانه الذي هو موضوع للأمر بالمهم، ومن الضروري أنّه لا تنافي بين مقتضى - بالفتح - الأمرين كذلك، كيف فانّ ما كانت فعلية أصل اقتضائه الأمر بالمهم - منوطة بعدم تأثير الآخر - الأمر بالأهم - وعدم العمل بمقتضاه، فيستحيل أن يزاحمه في تأثيره ويمنعه عنه، لأنّه في ظرف تأثيره والعمل بمقتضاه ليس بفعلي ليكون مزاحماً له، وفي ظرف عدم العمل به وإن كان فعلياً إلا أنك قد عرفت أنه غير ناظر إلى حال موضوعه - العصيان - أصلاً ليزاحمه.

وإن شئت فقل : إنّ المقتضيين في محلّ الكلام - خطاب الأهم وخطاب المهم - إنّما يكونان متنافيين إذا كان اقتضاء كل واحد منهما لايجاد متعلقه على

وجه الاطلاق وفي عرض الآخر، بأن يكون الغرض من كل منهما فعلية مقتضاه من دون ترتب في البين، إذ عندئذ يستحيل تأثيرهما معاً وفعلية مقتضاهما، لأنه طلب للجمع بين الضدّين والمتنافيين، واستحالة ذلك من الواضحات. وأما إذا كان اقتضاء أحدهما مترتباً على عدم اقتضاء الآخر ومنوطاً بعدم تحقق مقتضاه، فلا تنافي بين اقتضائها أبداً بل بينهما كمال الملاءمة، فان اقتضاء خطاب المهم إنّما هو في ظرف عدم تحقق مقتضى - بالفتح - خطاب الأهم وعدم فعليته. وأما في ظرف تحققه وفعليته فلا اقتضاء له لعدم تحقق شرطه. إذن كيف يكونان مقتضيين لأمرين متنافيين والجمع بين الضدّين.

ولنأخذ لتوضيح ذلك مثالاً : وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين الأمر بالازالة مثلاً، والصلاة في آخر الوقت بحيث لو اشتغل المكلف بالازالة لفاتته الصلاة، فعندئذ الأمر بالازالة إنما ينافي الأمر بالصلاة، إذا كانت دعوته إلى إيجاد الازالة واقتضائه له على وجه الاطلاق، وفي عرض اقتضاء الأمر بالصلاة ودعوته، بأن يكون الغرض منه فعلية مقتضاه مطلقاً، لا على تقدير دون آخر، وعليه فيلزم طلب الجمع بين الضدّين لفرض اقتضاء كل منهما لايجاد مقتضاه في عرض اقتضاء الآخر له.

وأمّا إذا فرضنا أنّ اقتضاء الأمر بالازالة كان مترتباً على ترك الصلاة وعصيان أمرها، كما هو محلّ الكلام، فلا يعقل أن يكون مزاحماً لمقتضى الأمر بالصلاة، والسرّ في ذلك : هو أنه لا تنافي ولا تضاد بالذات بين نفس اقتضاء الأمر بالمهم واقتضاء الأمر بالأهم، مع قطع النظر عن التضاد والتنافي ب-ي-ن مقتضاهما وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج فالتنافي بين اقتضائها إنما هو من جهة التنافي والتضاد بين مقتضاهما، وعلى هذا فلا يمكن تعلّق الطلبين بهما في عرض واحد وعلى وجه الاطلاق، لاستلزام ذلك طلب الجمع بين الضدّين، وهو تكليف بالمحال.

وأمّا إذا كان طلب أحدهما مترتباً على عدم الاتيان بالآخر وفي ظرف عدمه، فلا يلزم التكليف بالمحال، فانّ الازالة عند الاتيان بالصلاة وامتثال أمرها ليست بمطلوبة واقعاً ليلزم من ذلك طلب الجمع، وعند تركها فهي وإن كانت مطلوبة إلّا أنّ مطلوبيتها لما كانت مقيدة بترك الصلاة في الخارج وعدم العمل بمقتضى أمرها في كل آن فلا تنافي مطلوبية الصلاة، ولا يلزم من تعلّق الأمرين بهما عندئذ طلب الجمع، كيف وأنّ الأمر بالازالة حيث كان معلّقاً على تقدير عدم العمل بمقتضى أمر الصلاة من دون تعرّضه لحال هذا التقدير واقتضائه وضعه، لما عرفت من أنّ الحكم لا يقتضي وجود موضوعه، فلا يكون مانعاً عن فعلية مقتضى - بالفتح - الأمر بالصلاة الذي هو ناظر إلى ذلك التقدير، ويقتضي هدمه.

إذن لا مانع من اجتماع الأمر بالأهم والأمر بالمهم في زمان واحد لعدم التنافي بينها، لا بالذات كما مر، ولا باعتبار اقتضائها، لأنّ التنافي بينهما بهذا الاعتبار إنما هو من جهة أنّ القدرة الواحدة لا تفي بهما معاً، ومن الواضح أنها إنما لا تفي فيما إذا كان كلاهما مطلوباً في عرض واحد لا على النحو الترتب، بمعنى أنّ المهم مطلوب في ظرف ترك الأهم، إذ لا شبهة حينئذ في وفاء القدرة بهما على هذا النحو كما عرفت.

وقد تحصل ممّا ذكرناه : أن فعلية تعلّق الأمرين بهما واجتماعهما في زمان واحد إنما تستدعي طلب الجمع بينهما على أحد تقديرين لا ثالث لهما:

الأوّل : أن يكون الأمر بالمهم في عرض الأمر بالأهم وعلى وجه الاطلاق، فعندئذ لا محالة يلزم طلب الجمع بينهما.

الثاني: أن يكون الأمر بالمهم في فرض تقييده بترك الأهم ناظراً إلى حال تركه ومقتضياً لوضعه وتحققه في الخارج، فحينئذ يلزم طلب الجمع لفرض أنّ

الأمر بالأهم يقتضي هدمه ورفعه. ومن الواضح جداً أنا لا نعقل لزوم طلب الجمع بينهما فيما عدا هاتين الصورتين، هذا من جانب.

ومن جانب آخر: أنّ مفروض كلامنا هاهنا ليس من قبيل الصورة الأولى كما هو ظاهر، ولا من قبيل الصورة الثانية، لما عرفت من أنّ ترك الأهم بما أنه مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم، فيستحيل أن يقتضي وجوده، ففرض اقتضائه وجوده وتحققه، فرض عدم كونه مأخوذاً في موضوعه، وهذا خلف.

فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي عدم لزوم طلب الجمع في مفروض الكلام.

وأمّا التنافي بين الأمرين باعتبار مبدئها : فهو أيضاً غير متحقق، بداهة أنه لا تنافي ولا تزاحم بين تحقق ملاك في الواجب المهم على تقدير ترك الواجب الأهم وعصيانه، وتحقق ملاك في الواجب الأهم على وجه الاطلاق، بل لا تنافي بين الملاكين فيما إذا كان ثبوته في المهم أيضاً على وجه الاطلاق مع قطع النظر عن تأثيرهما في جعل الحكم فعلاً.

ومن هنا يظهر أنه لا تنافي بين إرادة المهم على تقدير عدم امتثال الأهم، وإرادة الأهم على نحو الاطلاق.

والنكتة في جميع ذلك : هي أنّ التزاحم بين هذه الأمور جميعاً إنما نشأ من مبدأ واحد وهو عدم قدرة المكلف على الجمع بين الضدّين في مقام الامتثال. ومن المعلوم أنّ التنافي إنّما هو فيما إذا كان كل منهما مراداً للمولى ومطلوباً له في عرض الآخر، وأما إذا كانت مطلوبية أحدهما مقيدة بعدم الاتيان بالآخر، فلا تنافي بين طلبيها في زمان واحد ولا بين إرادتيهما لتمكن المكلف عندئذ من الاتيان بالأهم والاتيان بالمهم على تقدير ترك الأهم عقلاً وشرعاً.

فالقائل باستحالة الترتب إنما قال بها من جهة غفلته عن هذه النكتة،

وتخيله أنّ فعلية طلب المهم وفعلية طلب الأهم في زمان واحد تستلزمان طلب الجمع بينهما، إذ المفروض أن كل واحد منهما في هذا الزمان يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج، وهذا معنى طلب الجمع، ولكنّه غفل عن أن مجرد فعلية اقتضائها لذلك لا يستلزم طلب الجمع، وإنما يستلزم ذلك فيما إذا كان اقتضاء كل منهما على وجه الاطلاق وفي عرض الآخر، وأمّا إذا كان اقتضاء طلب المهم مقيداً بترك الأهم من دون اقتضائه لتركه فلا يستلزم طلب الجمع بل مقتضاهما التفريق في مقام الامتثال كما عرفت.

وخلاصة ما ذكرناه في المقام : بعد تحليل مسألة الترتب تحليلاً علمياً عميقاً، هو أنّ المانع من طلب الضدّين معاً ليس إلا عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال، ومن الواضح أنّ ذلك المانع إنما هو فيما إذا كان طلبهما في عرض واحد وعلى وجه الاطلاق. وأما إذا كان طلب أحدهما مقيّداً بترك الآخر من دون تعرضه لحال تركه أصلاً - كما هو المفروض - فلا مانع عندئذ أصلاً، لفرض أنّ المكلف قادر على الاتيان بالأهم، وعلى الاتيان بالمهم في ظرف ترك الأهم، والجمع بينهما غير مطلوب على الفرض، إذن لا مانع من تعلّق الطلبين بهما على هذا النحو والتقدير ولا يلزم منه طلب المحال. والغفلة عن هذه النقطة الأساسية أوجبت تخيل أنّ تعلّق الأمرين بالضدّين في زمان واحد مستحيل ولو كان على نحو الترتب.

أو فقل : إنّ منشأ استحالة طلب الجمع بين الضدّين هو أنّ القدرة الواحدة لا تفي للجمع بينهما في زمان واحد، وأما إذا كان طلب أحدهما مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر، فالقدرة الواحدة تفى بهما ضرورة أنه مع إعمال القدرة في فعل الأهم وصرفها في امتثاله، لا أمر بالمهم أصلاً، لعدم تحقق شرطه، وأما مع عدم إعمالها فيه فلا مانع من إعمالها في فعل المهم، ولا مانع عندئذ من فعلية أمره مع

فعلية الأمر بالأهم، ولا يلزم من فعلية كلا الأمرين في زمان واحد طلب المحال وغير المقدور أصلاً.

ونظير ما ذكرناه من الترتب موجود في الأمور التكوينية أيضاً، وهو ما إذا كان هناك مقتضيان أحدهما يقتضي تحريك جسم عن مكان، والآخر يقتضي بیاضه على تقدير حصوله في ذلك المكان، من دون نظر له إلى حال هذا التقدير واقتضائه حصوله فيه أصلاً، أو كما إذا كان مقتض يقتضي وجود رمانة مثلاً في يد أحد، ولكنّه على تقدير وقوعه من يده في الخارج كان مقتض آخر يقتضي وجودها في يد شخص آخر، فالمقتضي لأخذه موجود - على تقدير سقوطه من ید الأول - دون أن يكون فيه اقتضاء لسقوطه، ونحو ذلك، فكما لا تعقل المزاحمة بين المقتضيين التكوينيين في هذين المثالين وما شاكلها، فكذلك لا تعقل المزاحمة بين المقتضيين التشريعيين في محلّ البحث.

والسر في ذلك ليس إلا ما ذكرناه من النقطة الأساسية. هذا تمام الكلام في الدليل اللمي. نتائج الجهات المتقدمة :

نتيجة الجهة الأولى هي أنّ عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه في الآن الأوّل، غير كافٍ لفعلية الأمر بالمهم على الاطلاق، وإلى آخر أزمنة امتثاله، بل فعليته مشروطة في كل آن وزمن بعصيانه في ذلك الآن والزمن، ف-ل-و ك-ان عصيانه في الآن الأوّل كافياً لفعلية أمره مطلقاً، لزم محذور طلب الجمع بين الضدّين في الآن الثاني والثالث وهكذا، كما سبق.

ونتيجة الجهة الثانية هي : أن القول بالترتب لا يتوقف عى القول باستحالة الواجب المعلّق والشرط المتأخر، فانّ ملاك إمكان الترتب واستحالته غير ملاك إمكان الواجب المعلّق والشرط المتأخر واستحالتها، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أنّ زمان فعلية الأمر بالأهم وزمان امتثاله وزمان عصيانه،واحد، كما أنّ زمان فعليته وزمان فعلية الأمر بالمهم واحد، وليس الأمر بالأهم ساقطاً في زمان فعلية الأمر بالمهم، بأن حدث الأمر بالمهم بعد سقوط الأمر بالأهم، فان ذلك خارج عن محلّ الكلام في المقام، ولا اشكال في جوازه. وما هو محلّ الكلام هو ما إذا كان كلا الأمرين فعلياً كما تقدّم.

ونتيجة الجهة الثالثة هي: أنّ انحفاظ الأمر بالأهم في زمان الأمر بالمهم - وهو زمان عصيان الأمر بالأهم - بالاطلاق على وجهة نظرنا، ومن جهة اقتضاء الأمر لهدم هذا التقدير على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) وعلى كل منهما لا يلزم من انحفاظه في ذلك الزمان طلب الجمع بين الضدّين، فان ملاك طلب الجمع إنما هو إطلاق الخطابين وكون كل منهما في عرض الآخر، لا ترتب أحدهما على عصيان الآخر، فانّه يناقض طلب الجمع وينافيه، كما تقدّم بشكل واضح.

ونتيجة الجهة الرابعة هي : أنّ خطاب المهم - بم-ا أن-ه م-ش-روط بعصيان خطاب الأهم وترك متعلقه - لا نظر له إلى عصيانه رفعاً ووضعاً، لما عرفت من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه أو عدمه، وخطاب الأهم بما أنّه محفوظ في هذا الحال فهو يقتضي هدم عصيانه ورفعه، باعتبار اقتضائه إيجاد متعلقه في الخارج، ومن الواضح أنّ الجمع بين ما لا اقتضاء فيه وما فيه الاقتضاء لا يستلزم طلب الجمع، بل هو في طرف النقيض مع طلب الجمع، ولذا لو تمكن المكلف من الاتيان بهما في الخارج فلا يقعان على صفة المطلوبية، بل الواقع على هذه الصفة خصوص الأهم دون المهم، والمفروض أن المكلف قادر على الاتيان بالمهم في ظرف ترك الأهم، فإذا كان قادراً فلا مانع من تعلّق التكليف به على هذا التقدير، فانّ المانع عن طلب الجمع هو عدم القدرة، وحيث لم يكن المطلوب هو الجمع فلا مانع أصلاً.

وعلى ضوء هذه النتائج تترتب نتيجة حتمية، وهي إمكان الترتب، وأنه لا مناص من الالتزام به، بل نقول : إنّ من انضمام تلك النتائج بعضها مع بعضها الآخر وملاحظة المجموع بصورة موضوعية يستنتج أن مسألة إمكان الترتب من الواضحات الأولية، وأنها غير قابلة للانكار، بحيث إن تصوّرها - بعد ملاحظة ما ذكرناه - يلازم تصديقها كما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره).

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ ما ذكرناه من إمكان تعلّق الأمر بالضدّين على نحو الترتب وعدم لزوم طلب الجمع بينهما فيما إذا كان خطاب المهم مشروطاً بعصيان خطاب الأهم وترك متعلقه إنما هو من جهة أنّ هذا التقييد هادم لموضوع طلب الجمع ومناقض له، لا من جهة أنّ العصيان أمر اختياري وتعليق طلب الجمع على أمر اختياري لا مانع منه بداهة أنّ طلب الجمع محال مطلقاً ولو كان معلّقاً على أمر يمكن رفعه، وعدم إيجاده في الخارج، فلا فرق في استحالة طلب إيجاد الضدّين معاً أو النقيضين بين أن يكون مطلقاً، وأن يكون معلّقاً على أمر اختياري، كأن يقول الآمر إذا صعدت السطح مثلاً، فاجمع بين الضدّين أو النقيضين، أو إذا سافرت فاجمع بينهما إلى غير ذلك، فانّ استحالة طلب المحال وقبحه - ولو مشروطاً بشرط يكون وجوده وعدمه تحت اختیار المكلف - من الضروريات الأولية.

وأما ما نسب إلى السيد العلّامة الميرزا الكبير الشيرازي (قدس سره) من أنه اعترف بأنّ الترتب وإن استلزم طلب الجمع، إلا أنه لا محذور فيه بعد ما كان عصيان الأهم الذي هو مأخوذ في موضوع المهم تحت اختيار المكلف، لتمكنه من الفرار عن هذا المحذور بترك العصيان والاتيان بالأهم، فلا يخلو ما في هذه النسبة، ضرورة أنّ صدور مثل هذا الكلام عنه (قدس سره) في غاية البعد، فانّه من عمدة مؤسسي الترتب في الجملة، فكيف يعترف بهذا المحذور.

ومن هنا قال شيخنا الأستاذ (قدس سره) إنّ هذه النسبة ليست مطابقة للواقع، بل يستحيل صدور ذلك منه (قدس سره) ولعلّه تعرّض لمناسبة أنّ العصيان أمر اختياري فتوهم المتوهم منه أنه أراد به تصحيح الترتب(1). والأمر كما أفاده (قدس سره).

هذا تمام كلامنا في أدلة الترتب.

هنا شيء تعرّض له شيخنا الأستاذ (قدس سره) لتوضيح محل البحث في المقام ولا بأس بعطف الكلام عليه.

فنقول: قد ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)أن الأمرين المتعلقين بفعلين إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً على قسمين:

الأول : أن لا يكون أحد الخطابين المجتمعين في الزمان ناظراً إلى رفع موضوع الخطاب الآخر وهدمه.

الثاني: أن يكون أحدهما ناظراً إلى رفع موضوع الآخر.

أما القسم الأوّل : فالشرط الذي يترتب عليه الخطاب والأمر لا يخلو من أن يكون اختيارياً كالسفر والحضر وقصد الاقامة وما شاكل ذلك، وأن يكون غير اختياري كزوال الشمس وغروبها وكسوفها وخسوف القمر وما يشبهها، وعلى كلا التقديرين فعند تحقق الشرط يصير كلا الخطابين فعلياً، وحينئذ فان كان كل منهما مشروطاً بعدم الاتيان بمتعلق الآخر، أو كان أحدهما مشروطاً بذلك دون الآخر، فلا شبهة في استحالة وقوع متعلقيها في الخارج على صفة المطلوبية، وتعلّق الطلب بالجمع بينهما، وذلك على ضوء ما بيناه من أنّ اجتماع


1) أجود التقريرات 2: 75.

2) أجود التقريرات 2: 73 وما بعدها.

الأمرين كذلك لا يرجع إلى طلب الجمع بل يناقضه.

وأمّا إذا كانا مطلقين من هذه الناحية، فعندئذ إن لم يكن بين متعلقيها تضاد في الوجود الخارجي وتمكن المكلف من إيقاعهما في الخارج وإيجادهما فيه، فلا إشكال في وجوبه. وأما إن كانت بينهما مضادة في عالم الوجود فيدخلان في كبرى باب التزاحم وتجري عليهما أحكامه من تقييد إطلاق كل واحد منهما بعدم الاتيان بالآخر إذا لم يكن في البين أهم وإلا يتعين تقييد إطلاق خطاب المهم بعدم الاتيان بالأهم دون العكس، ولا يلزم فيه محذور طلب الجمع ونحوه كما سبق.

ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الشرط المزبور اختيارياً أو غير اختياري، وذلك لما عرفت من أنّ الحكم لا يقتضي وجود شرطه في الخارج. إذن كونه اختيارياً لا أثر له من هذه الناحية.

وأما القسم الثاني : وهو ما إذا كان أحد الخطابين ناظراً إلى رفع موضوع الخطاب الآخر، فهو على نحوين:

أحدهما : ما إذا كان أحد الخطابين رافعاً لموضوع الخطاب الآخر بامتثاله

وإتيانه في الخارج. ثانيهما : ما إذا كان رافعاً له بصرف وجوده وتحققه في الخارج.

أما النحو الأوّل: فهو من محل الكلام هنا جوازاً وامتناعاً، باعتبار أنّ توجه خطابين كذلك إلى شخص واحد في زمان واحد هل يستلزم طلب الجمع بين متعلقيها في الخارج كما تخيله المنكرون للترتب، أو لا يستلزم ذلك كما هو الصحيح؟ وقد تقدّم الكلام في هذا النحو من الخطابين ضمن عدّة من الفروعات الفقهية بصورة مفصلة، فلا حاجة إلى الاعادة.

وأما النحو الثاني : وهو ما إذا كان الخطاب بصرف وجوده رافعاً لموضوع

الآخر، فهو خارج عن محل البحث والكلام، وذلك لامتناع اجتماع الخطابين حينئذ في زمان واحد، إذ المفروض أنه بمجرد تحقق أحد الخطابين يرتفع الخطاب الآخر بارتفاع موضوعه فلا يمكن فرض اجتماعها في زمان واحد، بداهة أنّ فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه، ومن الواضح أنه-ا مستحيلة في فرض وجود الرافع لموضوعه، فيكون المقام نظير الأمارات القائمة في موارد الأصول، فانّها رافعة لموضوعها، ولا يبقى مج-ال لجريانه-ا ب-عد ورودها، وقد عرفت أنّ محل البحث هنا هو ما إذا كان الخطابان مجتمعين في زمان واحد، وأما إذا لم يكونا مجتمعين فيه، فلا يكونان داخلين في محل البحث، وقد ذكر (قدس سره) لذلك فروعاً كثيرة :

1 - مسألة الحج : ببيان أنّ موضوعها - وهو الاستطاعة - يرتفع بصرف تحقق خطاب آخر وهو الخطاب بأداء الدين مثلاً، فانّه بمحض وجوده رافع لموضوع الخطاب بالحج، ومعه لا يكون المكلف مستطيعاً إذا لم يكن المال الموجود عنده وافياً بأداء الدين ومصارف الحج معاً، نعم هو وافٍ بالمصارف وحدها، فلو لم يكن مديوناً لكان مستطيعاً وكان الحج واجباً عليه، ولك--ن دينه مانع عن وجوبه ورافع لموضوعه وعليه فلو لم يؤد دينه وعصى أم--ره وحج، فلا يكون حجه من حجة الاسلام ولا يكون مجزئاً، لعدم جريان الترتب في ذلك.

وعلى الجملة : فهذا خارج عن محل الكلام في المقام، لعدم امكان اجتماع الخطاب بأداء الدين والخطاب بالحج في زمان واحد، ففي زمان تحقق الخطاب بأداء الدين يرتفع موضوع الخطاب بالحج، والمفروض أن الخطاب بأداء الدين في زمان عصيانه وترك متعلقه أيضاً موجود لما سبق مفصلاً من أن التكليف ثابت في حال عصيانه أيضاً. وعلى هذا فلا يمكن فرض وجود الخطاب بالحج

مترتباً على عصيان الأمر بأداء الدين. هذا بناءً على ما هو المعروف من تفسير الاستطاعة بالتمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً.

وأما بناءً على تفسيرها بالتمكن من الزاد والراحلة وأمن الطريق كما في الرواية (1)- وهو الصحيح - فالتكليفان متزاحمان ولا مانع من اجتماعهما على نحو الترتب، فانّه عند عصيان الأمر بأداء الدين متمكن من الزاد والراحلة، وعندئذ فلا مانع من وجوب الحج عليه، بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب وجوازه.

2 - إنّ الخطاب باخراج الخمس في بعض الموارد بصرف وجوده وتحققه رافع لموضوع وجوب الزكاة ومانع عنه، وذلك كما إذا فرضنا أن شخصاً ملك عشرين شاة في أوّل محرّم مثلاً، ثم ملك عشرين شاة أخرى في آخره، فإذا مضى على الطائفة الأولى حول كامل تعلّق الخطاب باخراج الخمس منها، وهو أربع من تلك الشياه. ومن المعلوم أنّ هذا الخطاب بصرف وجوده مانع ع--ن وجوب الزكاة ورافع لموضوعه وهو بلوغها حدّ النصاب - أعني ب-ه أرب-ع-ين شاة - فان هذه الأربعة عندئذ صارت ملكاً للإمام (عليه السلام) والسادة، فلم يبق في ملك المالك إلا ست وثلاثون شاة، وهي غير بالغة حدّ النصاب الذي هو موضوع لوجوب إخراج الزكاة.

أو إذا فرضنا أنّه ملك أربعين شاة أثناء سنة التجارة من الأرباح، فعندئذ لا محالة بمجرد إكمال سنة التجارة، وقبل تمامية حول الزكاة تعلّق الخطاب بإخراج الخمس منها، الموجب لخروجها عن كونها ملكاً طلقاً له بمشاركة الإمام (عليه السلام) والسادة إيّاه في ذلك المال - أعني به الشياه - ومن الواضح أنها بذلك تخرج عن موضوع وجوب الزكاة، إذ لم يبق في ملكه الطلق بعد خروج ثمان


1) راجع الوسائل 11: 33/ أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 8.

منها إلا اثنتان وثلاثون شاة، وهي لا تبلغ حدّ النصاب، ففي هذا المثال وما شاكله لا يمكن القول بالترتب، إذ الخطاب بإخراج الخمس بصرف تحققه وفعليته مانع عن وجوب الزكاة ورافع لموضوعه، لا بامتثاله وإتيانه في الخارج، ليمكن الالتزام بوجوب الزكاة في ظرف عصيان الخطاب بالخمس وعدم امتثاله.

وعلى الجملة : ففعلية الخطاب باخراج الزكاة إنما هي بفعلية موضوعه، وهو بلوغ المال النصاب، وهذا المال وإن كان في نفسه داخلاً في النصاب مع قطع النظر عن وجوب إخراج الخمس منه، إلا أنّ وجوب ذلك مخرج له عن كونه ملكاً تاماً له بمشاركة الإمام (عليه السلام) والسادة إياه في ذلك المال، فبذلك يخرج عن موضوع وجوب الزكاة. وأما الباقي في ملكه فليس يبلغ حدّ النصاب، هذا بناءً على ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن الرافع لموضوع وجوب الزكاة في مثل هذا المورد صرف تحقق الخطاب باخراج الخمس وفعليته.

وأما بناءً على ما حققناه في محلّه، فالأمر ليس كما أفاده (قدس سره) والوجه ذلك : هو أنّ الترتب وإن كان غير جارٍ بين هذين الخطابين وما شاكلها، ولكن لا من ناحية ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) بل لأجل ما ذكرناه من أنّ الرافع لموضوع وجوب الزكاة إنما هو تعلّق الخمس بالربح، وكون غير المالك شريكاً معه في خمس هذا المال، وبذلك يخرج عن كونه ملكاً طلقاً له بمشاركة غيره إياه في ذلك، فعندئذ يخرج عن موضوع وجوب الزكاة، لفرض عدم بلوغ الباقي في ملكه حدّ النصاب، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى : أنّ المفروض - كما حقق في محله (1)- أن الخمس إنما تعلّق


1) شرح العروة 25: 275 ذيل المسألة 72 [2948].

بالربح من حين وجوده، ولا يتوقف تعلقه به على إكمال سنة التجارة، غاية الأمر أن الشارع قد رخص المالك في التصرف في الأرباح إلى حين إكمال السنة، وهذا مجرد ترخيص في التصرف من قبل الشارع في المال المشترك بينه وبين غيره، فلا ينافي كون خمسها ملكاً للغير.

فالنتيجة على ضوء هاتين الجهتين: هي أنّ موضوع وجوب الزكاة يرتفع من حين تعلّق الخمس بها، وهو أوّل زمان تحققها وحصولها في الخارج، سواء أتحقق الخطاب باخراج الخمس في ذلك الزمان أم لم يتحقق، فانّه لا دخل لتحقق الخطاب وفعليته في ذلك أبداً، مثلاً في المثالين المتقدمين بمجرد أن المالك ملك أربعين شاة أثناء سنة التجارة أو عشرين شاة، تعلّق بها الخمس الموجب لخروجها عن كونها ملكاً طلقاً له بمشاركة غيره إياه فيها، فبذلك تخرج عن موضوع وجوب الزكاة، ضرورة أنه بعد صيرورة أربع منها في المثال الأوّل، وثمان منها في المثال الثاني ملكاً لغير المالك، لم يبق في ملكه ما يبلغ حدّ النصاب، فيرتفع الموضوع من زمان حصول ذلك الربح وهو زمان ملك المالك أربعين أو عشرين شاة، ولا يتوقف ارتفاعه على وجود الخطاب وتحققه أصلاً، بداهة أن الموجب لارتفاعه إنما هو صيرورة خمس تلك الأرباح ملكاً لغير المالك، فانّه يمنع عن بلوغها حدّ النصاب، لا وجود الخطاب، إذ الالزام بالاخراج إنم--ا يتحقق بعد مضي الحول وتمام السنة. نعم، يستحبّ الاخراج من زمان الربح لا أنه واجب.

3 - ما إذا تعلق الخطاب باخراج شيء زكاة، فانّه في بعض الموارد بنفسه وبصرف وجوده مانع عن وجوب الخمس ورافع لموضوعه، وذلك كثيراً ما يتفق في الغلات الأربع، كما إذا ملك المكلف أثناء سنة التجارة م-ن الغ-لات مقداراً يبلغ حدّ النصاب فوجب عليه إخراج زكاته، وهي مقدار عشر ه-ذا

المال مثلاً، فيخرج بذلك هذا العشر عن فاضل المؤونة الذي ه-و م-وضوع وجوب الخمس.

أو فقل : إنّ تعلّق الخطاب باخراج الزكاة عن ذلك المال يخرجه عن كونه ملكاً طلقاً له بمشاركة الفقير إيّاه في عشر ذلك، وعليه فلا يكون عشره من فاضل مؤونته ليتعلق به الخمس. ولا يفرق في عدم تعلّق الخمس به بين أن يخرجه ويعطي للفقير أم لا، فلا يمكن اجتماع هذين الخطابين في زمان واحد ليمكن تصحيح وجوب الخمس بالترتب. هذا بناءً على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره).

وأما بناءً على وجهة نظرنا فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ الرافع للموضوع في أمثال هذا المورد ليس الخطاب بصرف وجوده وتحققه، بل الرافع له هنا هو نفس تعلّق الزكاة بعين هذا المال الموجب لخروجه عن كونه ملكاً تاماً له بمشاركة الفقير إيّاه في ذلك المال، فبذلك يخرج عشره عن فاضل المؤونة من جهة صار أنه ملكاً لغيره، ومن الواضح جداً أنه لا دخل في ذلك لوجود الخطاب باخراج الزكاة وعدم وجوده أصلاً، وهذا بمكان من الوضوح.

4 - ما إذا كان المكلف مديوناً بدين صرفه في مؤونة سنته، فالخطاب بأدائه بصرف تحققه وفي نفسه يخرج ربح هذه السنة عن عنوان فاضل المؤونة إن كان دينه مستوعباً لتمام الربح، كما إذا كان مائة دينار وربحه أيضاً كذلك، وإن لم يكن مستوعباً لتمامه كما إذا كان دينه خمسين ديناراً وربحه في تلك السنة مائة دينار، فيخرج عن الربح بمقدار الدين عن فاضل المؤونة، فلا يتعلق به الخمس دون الزائد، وعلى هذا لو عصى الأمر بأداء الدين ولم يؤد دينه فلا يجب عليه إخراج الخمس عنه بمقدار دينه، هذا بناءً على مسلك شيخنا الأستاذ (قدس سره).

والصحيح أنّ الرافع لموضوع وجوب الخمس هنا إنما هو نفس وج-وب الدين، إذ معه لا يتحقق له في هذه السنة ربح ليتعلق به الخمس، لا الخطاب بأدائه، فانّه لا دخل له في ذلك أصلاً، ولذا لو فرض أنه لم يكن خطاب بأدائه لمانع من الموانع لم يتعلق به الخمس أيضاً، لعدم الموضوع له، وهو الفاضل عن مؤونة السنة. هذا إذا كان دينه من جهة الصرف في المؤونة. وأما إذا كان دينه من غير تلك الجهة، كما إذا كان من ناحية الضمان أو نحوه، فهل هو أيضاً رافع لموضوع وجوب الخمس أم لا، ففيه كلام وإشكال، وتمام الكلام في باب الخمس (1)إن شاء اللّه تعالى.

وقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ هذه الفروعات وما شاكلها جميعاً خارجة عن محل الكلام في المسألة، ولا يجري الترتب في شيء منها، ولكن لا من ناحية ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ عدم جريانه من جهة أنّ أح--د الخطابين رافع لموضوع الخطاب الآخر بصرف وجوده وتحققه، فلا يمكن اجتماعهما في زمان واحد، بل لما ذكرناه من أنّ الرافع له شيء آخر، وهو المانع عن اجتماعهما في زمان واحد، ولا دخل لوجود الخطاب وعدمه في ذلك أبداً. نعم، ما ذكره (قدس سره) بالاضافة إلى الأمارات وأنها رافعة لموضوع الأصول وأنّه لا يبقى مجال لجريانها بعد ورودها صحيح، بل لا يختص هذا بالأمارات والأصول، فيعم جميع موارد الحكومة والورود، إذ لا يبقى موضوع لدليل المحكوم والمورود بعد ورود دليل الحاكم والوارد، ولكن قياس هذه الفروعات بتلك الموارد قياس مع الفارق.

ونتائج أبحاث الترتب إلى هنا عدّة نقاط :


1) شرح العروة 25: 269 ذيل المسألة 71 [2947].

الأولى : أنّ البحث عن الترتب إنّما يكون ذا ثمرة إذا لم يمكن تصحيح العبادة المزاحمة لواجب أهم بالأمر ولا بالملاك، وإلا فلا تترتب على البحث عنه ثمرة كما عرفت.

الثانية : أنّ البحث عن هذه المسألة بحث عقلي لا يرتبط بعالم اللفظ أبداً. الثالثة : أنّ ما كان محلاً للبحث هو ما إذا كان الواجبان المتزاحمان مضيقين، أحدهما أهم من الآخر، وأما إذا كانا موسعين، أو كان أحدهما موسعاً والآخر مضيّقاً، فقد سبق أنّ هاتين الصورتين خارجتان عن محل البحث والكلام. نعم، ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنّ الصورة الأخيرة داخلة في محل الكلام. ولكن قد عرفت أنّ ما ذكره إنّما يتم على مسلكه (قدس سره) لا مطلقاً، كما تقدّم تفصيلاً.

الرابعة : أنّ إمكان الترتب كافٍ لوقوعه فلا يحتاج وق--وعه إلى دليل، فالبحث فيه متمحض في جهة إمكانه.

الخامسة : أنّ الترتب لا يجري في أجزاء واجب واحد وشرائطه، فإذا دار الأمر بين القيام في الركعة الأولى من الصلاة والقيام في الركعة الثانية مثلاً فلا يجري الترتب فيه، لعدم كونهما من المتزاحمين ليترتب عليهما أحكامهما ومنها الترتب. نعم، ذكر جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنّ التزاحم يجري بينهما كما يجري بين واجبين نفسيين، ولكن قد عرفت فساد ذلك.

السادسة : أنّه لا يتوقف ثبوت الأمر بالمهم على نحو الترتب على إحراز الملاك فيه، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث قد أنكر جريانه فيما لم يحرز كونه واجداً للملاك، وقلنا إنّ الترتب لا يتوقف على ذلك، والأصل فيه ما تقدم من أنّه لا يمكن إحراز الملاك في شيء مع قطع النظر عن تعلّق الأمر به، من دون فرق في ذلك بين اعتبار القدرة في موضوع التكليف عقلاً أو شرعاً.

السابعة : أنّه لا فرق في جريان الترتب بين ما إذا كانت القدرة معتبرة في موضوع التكليف بالمهم عقلاً، وما إذا كانت معتبرة فيه شرعاً كما في الوضوء، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث منع عن جريان الترتب في الثاني بدعوى أن نفس التكليف بالأهم رافع لموضوع وجوب الوضوء لا امتثاله، ولكن قد عرفت فساده، وأنّ نفس التكليف بالأهم لا يكون رافعاً لموضوعه، لفرض أنّ التصرف في الماء الموجود عنده مباح وليس بحرام، غاية الأمر يجب صرفه في واجب أهم كحفظ النفس المحترمة أو نحوه، ولكن المكلف عصى ولم يصرفه فيه. إذن يكون المكلف واجداً للماء ولا مانع من صرفه في الوضوء لا عقلاً كما هو واضح، ولا شرعاً لأنّ التصرّف في هذا الماء مباح له على الفرض، والعصيان إنّما هو من جهة ترك ذلك الواجب، لا من جهة التصرف فيه، وعليه فعلى القول بامكان الترتب لا مانع من الالتزام به في مثل المقام. نعم، لو كان التصرف في الماء في نفسه حراماً فلا يمكن تصحيح الوضوء بالترتب، لأنّ نفس الحرمة رافعة لموضوع وجوبه لا امتثالها.

الثامنة : أنّ ما دلّ على إمكان الترتب أمور ثلاثة : الوجدان، الدليل الإنّي الدليل اللمي.

التاسعة : أنّ الترتب قد وقع في عدّة من الفروعات الفقهية ولا مناص من الالتزام به في تلك الفروعات، كما تقدّمت جملة منها فلاحظها.

العاشرة : أنّ الواجب الأهم إذا كان آنيّاً غير قابل للدوام والبقاء، وكان الواجب المهم تدريجياً قابلاً لذلك، فلا يتوقف ثبوت الأمر بالمهم على الق--ول با مكان الترتب، ولذا قلنا إنّ هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فان ما كان محلاً للكلام هو ما إذا لم يمكن إثبات الأمر بالمهم مع قطع النظر عن القول بالترتب.

الحادية عشرة: أنّ محل الكلام هو ما إذا كان كل من الواجب الأهم والمهم تدريجياً أو كان كلاهما آنياً.

الثانية عشرة : أنّ شرط فعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم مستمراً إلى آخر أزمنة امتثال الأمر بالمهم على نحو الشرط المتأخر، لا صرف وجود عصيانه في الآن الأوّل، وإن تبدل بالاطاعة في الآن الثاني، فانّ هذا لا يدفع محذور طلب الجمع بين الضدّين في الآن الثاني والثالث كما تقدّم.

الثالثة عشرة : أنّ زمان المعتبر والمجعول - وهو زمان فعلية الحكم بفعلية موضوعه – دائماً متحد مع زمان الواجب، وهو زمان عصيانه وامتثاله، بناءً على القول باستحالة الواجب المعلّق والشرط المتأخر، وأمّا بناءً على القول بامكانها - كما هو الصحيح - فلا مانع من أن يكون زمان المعتبر مقدماً على زمان الواجب كما سبق.

الرابعة عشرة: أنّه لا فرق في القول بامكان الترتب واستحالته بين القول بامكان الواجب المعلّق والشرط المتأخر والقول باستحالتهما، فان ملاك الامكان والاستحالة في الترتب شيء وهناك شيء آخر كما عرفت

الخامسة عشرة: أنّ الأمر بالأهم ثابت حال عصيانه وامتثاله، كما أنّ-ه ثابت حال الأمر بالمهم على ما تقدّم.

السادسة عشرة : أنّ ثبوت الأمر بالأهم في حالي عصيانه وامتثاله إنما هو بالاطلاق على وجهة نظرنا ومن جهة ثبوت المؤثر حال تأثيره على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره).

السابعة عشرة : أن اجتماع الأمر بالأهم والأمر بالمهم في زمان واحد لا يستلزم طلب الجمع، بل هو يناقضه ويعانده بملاك تقييد مطلوبية المهم بترك الأهم،

وقد تقدّم أنّ اقتضاء اجتماع الأمرين للجمع بين متعلقيها في الخارج يتصور في صور، وما نحن فيه ليس بشيء منها.

الثامنة عشرة : أنّ النقطة التي ينطلق منها إمكان الترتب بل ضرورته هي أنّه لا تنافي بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم في ذاتها، مع قطع النظر عن اقتضائها للاتيان بمتعلقيهما، فالمنافاة إنّما هي بين متعلقيها من ناحية عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما، ومن الواضح أنّ هذه المنافاة ترتفع بتقييد فعلية الأمر بالمهم بترك الأهم وعصيان أمره، مع عدم اقتضائه لعصيانه وتركه، لما عرفت من استحالة اقتضاء الحكم لوجود موضوعه في الخارج، وعلى ضوء ذلك فلا منافاة بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم أصلاً، لا بالذات كما عرفت، ولا باعتبار اقتضائها المتعلقيهما، فان متعلق الأمر بالأهم مطلوب على الاطلاق وليس في عرضه مطلوب آخر ليزاحمه وعلى تقدير تركه وعدم الاتيان به فالمهم حينئذ مطلوب، والمفروض أنّه في هذا الظرف مقدور للمكلف عقلاً وشرعاً، فإذا كان كذلك فلا مانع من تعلّق الأمر به، وليس فيه تكليف بالمحال والجمع أبداً، ومجرد ثبوت الأمر بالأهم في هذا الحال لا ينافيه لا ذاتاً ولا اقتضاء، ولعلّ المنكرين للترتب لم ينظروا إلى هذه النقطة نظرة عميقة صحيحة، بل نظروا إليها نظرة سطحية، وتخيّلوا أنّ اجتماع الأمر بالأهم والأمر بالمهم في زمان واحد غير معقول. وكيف ما كان فامكان الترتب على ضوء بياننا هذا قد أصبح أمراً ضرورياً، فلا مناص من الالتزام به أصلاً.

التاسعة عشرة : أنّه لا تنافي ولا تزاحم بين الملاك القائم بالمهم في ظرف ترك الأهم وعصيان أمره، والملاك القائم بالأهم على وجه الاطلاق، كما أنه لا تنافي بين إرادة المهم في هذا الظرف وإرادة الأهم على الاطلاق كما عرفت.

العشرون : أن الخطاب الناظر إلى موضوع خطاب آخ-ر ع-لى قسمين :

أحدهما ما كان رافعاً الموضوعه بصرف وجوده وتحققه، وقد مثل شيخنا الأستاذ (قدس سره) لذلك بفروع كثيرة، ولكن قد عرفت أنّ الرافع للموضوع في تلك الفروعات ليس هو صرف وجود الخطاب، بل الرافع له شيء آخر كما عرفت.

وثانيهما: ما كان رافعاً له بامتثاله والاتيان بمتعلقه، وقد تقدّم أنّ القسم الأوّل خارج عن محل الكلام، ولا يمكن فيه فرض الترتب، والقسم الثاني داخل فيه.

أدلة استحالة الترتب

الأول : ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك نصه :

قلت : ما هو ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد آتٍ في طلبهما كذلك، فانه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبها، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بعد بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لتحقق ما هو شرط فعليته فرضاً.

لا يقال: نعم، لكنّه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعد بالاختيار، فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلّا الطلب بالأهم، ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

فانّه يقال : استحالة طلب الضدّين ليست إلا لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته لا تختص بحال دون حال، وإلّا لصح فيما علّق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب، مع أنه محال بلاريب ولا إشكال.

إن قلت : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك، فانّ الطلب في كل منهما في الأوّل يطارد الآخر، بخلافه في الثاني فانّ الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم، فانّه يكون على تقدير عدم الاتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه وعدم عصيان أمره.

قلت : ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم، وهل يكون طرده له إلّا من جهة فعليته ومضادّة متعلقه له (1). وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الاتيان به لا يوجب عدم طرده، لطلبه مع تحققه على تقدير عدم الاتيان ب-ه وعصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين، مع أنه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم، فانّه على هذا الحال يكون طارداً لطلب الضدّ - كما كان في غير هذا الحال - ف--لا يكون له معه أصلاً بمجال (2).

أقول : ملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ اجتماع الأمر بالمهم والأمر بالأهم في زمان واحد كما هو المفروض في محل الكلام، يقتضي الجمع بينهما في ذلك الزمان، لما عرفت من أنّ نسبة الحكم إلى متعلقه نسبة المقتضي إلى مقتضاه في الخارج، وعلى هذا فكما أنّ الأمر بالأهم يقتضي ايجاد متعلقه في الزمان المزبور، فكذلك الأمر بالمهم يقتضي إيجاده فيه، لفرض كونه فعلياً في ذلك الزمان إذ لا معنى لفعلية الأمر فى زمان إلّا اقتضاءه إيجاد متعلقه فيه خارجاً ودعوته إليه فعلاً، وعلى هذا فلا محالة يلزم من اجتماعها في زمان واحد المطاردة بينهما في ذلك الزمان من جهة مضادة متعلقيها في الوجود، مع أنّ الأمر بالمهم لو لم يقتض طرد الأهم فالأمر به لا محالة يقتضي طرد الأمر بالمهم، وهذا يكفي في استحالة طلبه.

وغير خفي أنّ صدور هذا الكلام منه (قدس سره) غريب، والوجه في ذلك: هو أنه لا يعقل أن يكون الأمر بالمهم طارداً للأمر بالأهم، بداهة أن طرده له


1) [في المصدر :هكذا : ومضادّة متعلقه للأهم، والمفروض فعليته ومضادة متعلقه له ].

2) كفاية الأصول : 134.

يبتني على أحد تقديرين لا ثالث لهما.

أحدهما: أن يكون الأمر بالمهم مطلقاً وفي عرض الأمر بالأهم، فحينئذ لا محالة تقع المطاردة بينهما من ناحية مضادة متعلقيهما، وعدم تمكن المكلف من الجمع بينهما.

الثاني : أن يكون الأمر به على تقدير تقييده بعصيان الأهم مقتضياً لعصيانه وتركه في الخارج، فعندئذ تقع المطاردة والمزاحمة بين الأمرين لا محالة باعتبار أنّ الأمر بالمهم يقتضي عصيان الأهم وترك متعلقه، والأمر بالأهم يقتضي هدم عصيانه ورفعه.

ولكن كلا التقديرين خلاف مفروض الكلام

أمّا الأوّل: فواضح، لما عرفت من أنّ محل الكلام فيما إذا كان الأمر بالمهم مقيداً بحال ترك الأهم وعصيان أمره فلا يكون مطلقاً.

وأمّا الثاني : فلما تقدّم من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه في الخارج، وناظراً إليه رفعاً ووضعاً.

وعلى ضوء هذا فالأمر بالمهم بما أنّه لا يكون مطلقاً، ولا يكون متعرضاً لحال موضوعه وهو عصيان الأهم، بل هو ثابت على تقدير تحقق موضوعه ووجوده، فيستحيل أن يكون طارداً للأمر بالأهم ومنافياً له، فانّه لا اقتضاء له بالاضافة إلى حالتي وجوده وعدمه، ومن الواضح جداً أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء.

أو فقل : إنّ اقتضاء الأمر بالمهم لاتيان متعلقه إنما هو على تقدير ترك الأهم وعصيان أمره، واقتضاؤه على هذا التقدير لا ينافي اقتضاء الأمر بالأهم أصلاً، ولا يكون الاتيان بمتعلقه في هذا الحال مزاحماً بأيّ شيء، غاية ما في الباب أنّ

المكلف من جهة سوء سريرته عصى الأمر بالأهم ولم يعمل بمقتضاه، فلا يكون عصيانه مستنداً إلى مزاحمة الأمر بالمهم، كيف فانّ الأمر به قد تحقق في فرض عصيانه وتقدير وجوده، فلا يعقل أن يكون عصيانه مستنداً إليه، بل هو مستند إلى اختيار المكلف إيّاه، وعند ذلك - أي اختيار المكلف عصيانه وترك متعلقه - يتحقق الأمر بالمهم. وعليه فلا يمكن أن يكون مثل هذا الأمر طارداً ومزاحماً له، فالطرد من جانب الأمر بالمهم غير معقول، فإذن المطاردة من الجانبين غير متحققة.

وأمّا الطرد من جانب الأمر بالأهم فحسب فهو أيضاً غير متحقق، والوجه في ذلك : هو أنّ الأمر بالأهم إنما يطارد الأمر بالمهم فيها إذا فرض كونه ناظراً إلى متعلقه ومستدعياً لهدمه، فحينئذ لا محالة يكون طارداً له باعتبار أنّ-ه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج، وذاك يقتضي هدمه، وبما أنه أهم فيطارده، ولكن الفرض أنه غیر ناظر إليه، وإنما هو ناظر إلى موضوعه ومقتض لرفعه.

وعلى هذا فلا تنافي بينهما أصلاً ليكون الأمر بالأهم طارداً للأمر بالمهم، إذ المفروض أنّ الأمر بالمهم لا يقتضي وجود موضوعه في الخارج وغير متعرض لحاله أصلاً لا وجوداً ولا عدماً، ومعه كيف يكون الأمر بالأهم طارداً له، بداهة أنّ الطرد لا يتصور إلّا في مورد المزاحمة ولا مزاحمة بين ما لا اقتضاء فيه بالاضافة إلى شيء أصلاً وما فيه اقتضاء بالاضافة إليه.

وقد تحصل من ذلك : أنّ ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام لا يرجع إلى معنى معقول.

نعم، ما أفاده (قدس سره) من أنّ استحالة طلب المحال لا تختص بحال دون حال متين جداً كما تعرضنا له آنفاً، إلا أنّه أجنبي عن محل الكلام بالكلية.

الثاني : أيضاً ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك لفظه :

ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد، ولذا كان سيّدنا الأستاذ (قدس سره) لا يلتزم به على ما هو ببالي وكنا نورد به على الترتب وكان بصدد تصحيحه (1).

أقول : توضيح ما أفاده (قدس سره) هو أنّ غرضه من ذلك بيان نفي القول بالترتب بطريق الإن بتقريب : أنا لو سلّمنا أنه لا يلزم من فعلية خطاب المهم وخطاب الأهم في زمان واحد على نحو الترتب طلب الجمع بين متعلقيهما في الخارج، بل قلنا إنّ ترتب أحد الخطابين على عصيان الخطاب الآخر وع--دم الاتيان بمتعلقه يناقض طلب الجمع ويعانده، إلّا أنّه لا يمكن الالتزام بم-ا ه-و لازم للقول بالترتب وهو تعدد العقاب عند ترك المكلف امتثال كلا الواجبين معاً - أعني الواجب الأهم والمهم - ضرورة أنّ العقاب على ما لا يقدر عليه المكلف قبيح بحكم العقل، وبما أنّ المفروض في المقام استحالة الجمع بين متعلقيها خارجاً من جهة مضادتهما، فكيف يمكن العقاب على تركها، أليس هذا من العقاب على ترك ما هو خارج عن قدرة المكلف واختياره.

وعلى هذا، فلا مناص من الالتزام بعدم تعدد العقاب وأن تارك الأه-م والمهم معاً يستحق عقاباً واحداً، وهو العقاب على ترك الأهم دون ترك المهم، وهو يلازم انكار الترتب وعدم تعلق أمر مولوي إلزامي بالمهم، وإن كان في الخارج أمر إنشائي، فهو إرشاد إلى كونه واجداً للملاك والمحبوبية في هذه الحال، ضرورة أنه لا معنى للالتزام بوجود الأمر المولوي الالزامي وعدم ترتب

استحقاق العقاب على مخالفته، لاستحالة تفكيك الأثر عن المؤثر.


1) كفاية الأصول : 136.

أو فقل : إنّ القائل بالترتب لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يلتزم بتعدد العقاب. وإمّا أن لا يلتزم به فالأوّل يستلزم العقاب على أمر غير مقدور وهو محال. والثاني يستلزم انكار الترتب فبالنتيجة أنّه لا يمكن القول بالترتب أصلاً، بل لا مناص من الالتزام باستحالته من جهة استحالة ما يترتب عليه.

وغير خفي ما فيه من الخلط بين أن يكون العقاب على ترك الجمع بين الواجبين - أعني بهما الواجب الأهم والمهم - وأن يكون العقاب على الجمع في الترك، بمعنى أنه يعاقب على ترك كل منهما في حال ترك الآخر، فانّ المستحيل إنما هو العقاب على الأوّل، حيث إنّ الجمع بينهما من جهة تضادهما في الخارج غير ممكن وخارج عن قدرة المكلف،واختياره فالعقاب على تركه لا محالة يكون عقاباً على أمر غير مقدور وهو محال، إلّا أنّ القائل بالترتب لا يقول باستحقاق العقاب على ذلك ليقال إنّه محال، فانّ القائل به إنما يقول باستحقاق العقاب على الفرض الثاني - وهو الجمع بين تركي الأهم والمهم خارجاً - وهو مقدور للمكلف، فلا يكون العقاب عليه عقاباً على غير مقدور.

والوجه في ذلك : هو أنّ الأمر في المقام لم يتعلّق بالجمع بينهما ليقال باستحالة العقاب على تركه من جهة استحالة طلب الجمع بينها، بل الأمر تعلق بذات كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر، ولا يرتبط أحدهما بالآخر في مقام الجعل والتعلق غاية الأمر قد وقعت المزاحمة بينهما في مقام الامتثال والفعلية، وبما أنّ المكلف لا يقدر على الجمع بينهما في مقام الامتثال قيدنا فعلية الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه.

ونتيجة ذلك: هي أنّ الأهم مطلوب على وجه الاطلاق والمهم مطلوب في ظرف ترك الأهم وعصيانه، وقد سبق أنّ ذلك يناقض طلب الجمع ويعانده، لا أنه يستلزمه.

وعلى هذا، فكل منهما مقدور للمكلف على نحو الترتب، فانّه عند إعمال قدرته في فعل الأهم وامتثاله، لا أمر بالمهم، والمفروض أنه في هذا الحال قادر على فعل الأهم تكويناً وتشريعاً، وعندئذ لا يكون العقاب على تركه وعصيان أمره عقاباً على ما لا يقدر.

وأما مع عدم إعمالها فيه فلا مانع من إعمالها في فعل المهم، وحينئذ لو تركه وعصى أمره فلا مانع من العقاب عليه، إذ المفروض أنه مقدور في هذا الحال، وهذا معنى الجمع بين تركي الواجبين والعصيانين - ترك المهم عند ترك الأهم وعصيانه عند عصيانه - وحيث إنّه باختيار المكلف فيستحق عقابين، عقاباً على ترك الواجب الأهم وعقاباً على ترك الواجب المهم.

ومن ذلك يستبين أنّ الالتزام بجواز الترتب يستلزم الالتزام بجواز تعدد العقاب ولا يلزم من الالتزام به - الترتب - كون العقاب عند مخالفة الأمرين من من العقاب على أمر مستحيل، ضرورة أن معنى إمكان الترتب هو جواز تعلق الأمر بالأهم على وجه الاطلاق، وبالمهم مقيداً بعصيان الأهم، لفرض أنهما على هذا النحو مقدوران للمكلف، فإذا كانا مقدورين فلا محالة يستحق عقابين على تركهما في الخارج وعصيان الأمرين المتعلقين بهما، ولا يكون ذلك العقاب على المحال، فانّ المحال وما لا يقدر عليه المكلف إنما هو الجمع بين الضدّين في الخارج، لا الجمع بين تركيهما على نحو الترتب، فانّه بمك--ان م-ن الوضوح بداهة أنّ الانسان قادر على ترك القيام مثلاً عند تركه الجلوس أو بالعكس، وقادر على ترك إيجاد السواد مثلاً عند تركه إيجاد البياض وهكذا، وما لا يتمكن منه ولا يقدر عليه إنّما هو الجمع بين فعليها خارجاً، فلا يقدر على إيجاد القيام عند وجود الجلوس، أو إيجاد السواد عند وجود البياض وهكذا. وسنبين إن شاء اللّه تعالى عند الفرق بين باب التزاحم والتعارض أنّ

التزاحم يختص بالضدّين اللذين لهما ثالث، وأمّا الضدّان اللذان لا ثالث لهما فلا يمكن وقوع التزاحم بينهما، بل هما يدخلان في كبرى باب التعارض.

وعليه فمن الواضح جداً أنّ ترك كل من الضدّين لهما ثالث عند ترك الآخر مقدور، فلا مانع من العقاب عليه.

أو فقل : إنّ استحقاق العقاب على عصيان الأهم وتركه مورد تسالم من الكل، وإنّما الكلام في استحقاق العقاب على ترك المهم، مضافاً إلى استحقاق العقاب على ترك الأهم، ومن الضروري أنّ المهم في ظرف عصيان الأه-م مقدور عقلاً وشرعاً، وإنما لا يكون مقدوراً في صورة واحدة وهي صورة الاتيان بالأهم - لا مطلقاً - وعليه فلا يكون العقاب على تركه محالاً.

والغفلة عن هذا أوجبت تخيل أنه على تقدير القول بامكان الترتب لا يمكن الالتزام بما هو لازمه من استحقاق عقوبتين في صورة مخالفة الأمرين، لأنه عقاب على ما لا يقدر عليه المكلف - وهو الجمع بين الضدّين - غافلاً عن أنّ القول بامكان الترتب يرتكز على أساس يناقض طلب الجمع ويعانده. وعليه فكيف يمكن أن يقال إنّ القول بامكانه يستلزم كون العقاب على تركه - الجمع - ليقال إنّه محال، فلا يمكن الالتزام به، بل القول به يستلزم كون العقاب على عصيان الأهم على وجه الاطلاق، وعلى عصيان المهم في ظرف عصيان الأهم - لا مطلقاً - والمفروض أن كلا العصيانين على هذا الشكل مقدور للمكلف، فيستحق عقابين عليهما، ولا يكون ذلك من العقاب على غير المقدور.

نعم، لو كان القول بالترتب مستلزماً لطلب الجمع لكان العقاب على مخالفته قبيحاً، إلّا أنّه على هذا لا يمكن الالتزام بأصل الترتب لتصل النوبة إلى التكلم عن إمكان الالتزام بما هو لازمه وعدم إمكانه به.

فالنتيجة قد أصبحت أنّ القول بامكان الترتب يستلزم ضرورة الالتزام

بتعدد العقاب في صورة مخالفة الأمرين، ولا يكون ذلك من العقاب على غير المقدور

فما أفاده (قدس سره) من أنّ القائل بالترتب لا يمكن أن يلتزم بما هو لازم له - وهو تعدد العقاب - لا يرجع إلى معنى معقول أصلاً، ومنشؤه غفلته (قدس سره) عن تصور حقيقة الترتب وما هو أساس إمكانه وجوازه، وإلا لم يقع في هذا الاشتباه فان تعدّد العقاب فيما نحن فيه نظير تعدّده في الواجبات الكفائية، فان صدور واجب واحد من جميع المكلفين وإن كان مستحيلاً، إلا أن تركه عند ترك الباقين مقدور له فلا مانع من العقاب عليه.

بل يمكن أن يقال : إن تعدد العقاب في صورة مخالفة المكلف وتركه الواجب الأهم والمهم معاً من المرتكزات في الأذهان، مثلاً إذا فرض وقوع المزاحمة بين صلاة الفريضة فى آخر الوقت وصلاة الآيات، بحيث لو اشتغل المكلف بصلاة الآيات لفاتته فريضة الوقت، فعندئذ لو عصى المكلف الأمر بالصلاة ولم يأت بها فلا محالة يدور أمره بين أن يأتي بصلاة الآيات وأن يتركها، ومن الواضح جداً أنه إذا تركها في هذا الحال فتشهد المرتكزات العرفية على أنه يستحق العقوبة عليه أيضاً، فانّ المانع بنظرهم عن الاتيان بها هو الاتيان بفريضة الوقت. وأما إذا ترك الفريضة فلا يجوز له أن يشتغل بفعل آخر ويترك الآيات، وبذلك نستكشف إمكان الترتب وإلا لم يكن هذا المعنى مرتكزاً في أذهانهم.

الثالث : أن القول بالترتب بما أنّه يبتنى على فعلية كلا الأمرين في زم--ان واحد - أعني بهما الأمر بالأهم والأمر بالمهم - فلا محالة يستلزم طلب الجمع والمحال، ضرورة أنه لا معنى لكون الأمرين فعليين في زمان واحد إلّا اقتضاءهما إيجاد متعلقيهما في ذلك الزمان، وهذا معنى طلب الجمع والتكليف بالمحال، ومن الظاهر أنّ مثل هذا التكليف لا يمكن جعله.

والوجه في ذلك : هو أنّ الغرض الداعي إلى جعل التكليف واعتباره على ذمة المكلف - سواء أكان التكليف وجوبياً أو تحريمياً - جعل الداعي له ليحرّك عضلاته نحو الفعل وينبعث منه، ومن الواضح البيّن أن جعل الداعي له وإيجاده في نفسه لتحريك عضلاته إنما يمكن فيما إذا كان الفعل في نفسه ممكناً، ولا يلزم من فرض وقوعه في الخارج أو لا وقوعه فيه محال، فإذا كان الفعل ممكناً بالامكان الوقوعي أمكن حصول الانبعاث له أو الانزجار من بعث المولى المتعلق به أو زجره عنه. وأما إذا كان الفعل ممتنعاً وخارجاً عن قدرة المكلف واختياره فلا يمكن حصول الانبعاث أو الانزجار له من بعثه أو زجره، فإذا لم يمكن حصوله استحال البعث أو الزجر، فانّ الغرض منه كما عرفت إمكان داعويته، فإذا استحالت استحال جعله، لكون جعله عندئذ لغواً صرفاً فلا يصدر من الحكيم، لاستحالة تكليف العاجز.

وتترتب على هذا استحالة فعلية كلا الأمرين المزبورين في زمان واحد كما هو مبنى الترتب، وذلك لأن معنى فعليتها في زمان واحد هو أنّ كليهما يدعو فعلاً إلى إيجاد متعلقيهما في الخارج في ذلك الزمان، وإلا فلا معنى لكونها فعليين، والحال أنك قد عرفت استحالة جعل الداعي بجعل التكليف نحو المح-ال وم-ا لا يقدر عليه المكلف، وبما أنّ الجمع بين متعلقيها في الخارج في زمان واحد محال، فلا يمكن أن يكون كلاهما داعياً في ذلك الزمان، لاستحالة حصول الداعي للمكلف وانبعاثه عنهما في زمان واحد، إذن يستحيل جعل كليهما في هذا الحال، لما مرّ من أنّ استحالة داعوية التكليف تستلزم استحالة جعله.

فالنتيجة : استحالة القول بالترتب وأنّ المجعول في الواقع هو الأمر بالأهم دون الأمر بالمهم.

والجواب عنه : يظهر ممّا تقدّم وملخصه : هو أنه لا يلزم من اجتماع الأمرين

في زمان واحد طلب الجمع، ليستحيل داعوية كل منهما لايجاد متعلقه في هذا الزمان، والوجه فيه هو أنّ الأمر بالمهم بما أنّه كان مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه خارجاً، فلا نظر له إلى عصيانه رفعاً ووضعاً، لما عرفت من أن الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه أو عدمه، والأمر بالأهم بما أنه كان محفوظاً في هذا الحال فهو يقتضي هدم عصيانه ورفعه، باعتبار اقتضائه إيجاد متعلقه في الخارج، ومن الواضح أنّ الجمع بين ما لا اقتضاء فيه وما فيه الاقتضاء لا يستلزم طلب الجمع بل هو في طرف النقيض معه.

ومن هنا قلنا إنه لو تمكن المكلف من الجمع بينهما خارجاً فلا يقعان على صفة المطلوبية، بل الواقع على هذه الصفة خصوص الواجب الأهم دون المهم، وبما أنّ المفروض قدرة المكلف على الاتيان بالمهم في ظرف ترك الأهم، فلا مانع من تعلق التكليف به على هذا التقدير وحصول الانبعاث منه، ضرورة أن المانع عن ذلك إنما هو عدم قدرة المكلف عليه، وحيث إنّ المطلوب لم يكن عند اجتماع الطلبين هو الجمع بين متعلقيها وحصول الانبعاث منهما معاً، فلا مانع منه أبداً.

وقد ذكرنا أنّ طلب الجمع إنما يلزم على أحد تقادير [ ثلاثة ] لا رابع لها.

الأول : أن يكون كلا الخطابين على وجه الاطلاق. الثاني : أن خطاب المهم على تقدير اشتراطه بعصيان خطاب الأهم يكون ناظراً إلى حال عصيانه وضعاً ورفعاً.

الثالث : أنّ الخطاب بالمهم مشروط باتيان الأهم، بأن يكونا مطلوبين على نحو الاجتماع في آن واحد، ومن المعلوم أنّ ما نحن فيه ليس من شيء منها.

أمّا أنّه ليس من قبيل الأوّل فواضح لفرض أنّ الأمر بالمهم مقيد بعصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً.

وأمّا أنّه ليس من قبيل الثاني، فلما عرفت غير مرّة من أنّ الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه في الخارج ويكون ناظراً إلى حاله وضعاً أو رفعاً.

وأمّا أنّه ليس من قبيل الثالث فظاهر، بل هو في طرف النقيض معه، إذ المفروض في المقام أنّ الأمر بالمهم مقيد بعدم الاتيان بالأهم على عكس ذلك تماماً.

فالنتيجة على ضوء ذلك : أن مقتضى بالفتح - مثل هذين الخطابين يستحيل أن يكون هو الجمع بين متعلقيها، بداهة أن مقتضى - بالفتح - أحدهما رافع لموضوع الآخر وهادم له إذن لا يلزم من اجتماع الخطابين في زمان واحد طلب الجمع، ليقال باستحالة ذلك وعدم إمكان الانبعاث عنها. نعم، هو جمع بين الطلبين، لا طلب للجمع بين الضدّين.

وبذلك ظهر أن انبعاث المكلف عن كلا الأمرين في عرض واحد وإن كان لا يمكن، إلا أنّ انبعاثه عنهما على نحو الترتب لا مانع منه أصلاً، فانّه عند انبعاثه عن الأمر بالأهم لا بعث بالاضافة إلى المهم ليزاحمه في ذلك ويقتضي انبعاث المكلف نحوه، وعلى تقدير عدم انبعاثه عنه باختياره وإرادته لا مانع من انبعاثه عن الأمر بالمهم، بداهة أنّ المهم مقدور للمكلف في هذا الحال عقلاً وشرعاً، فإذا كان مقدوراً فلا مانع من تعلق الأمر به الموجب لانبعاث المكلف عنه نحو إيجاده، فهذا الوجه أيضاً لا يرجع إلى معنى محصل.

وقد أجاب عنه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)بما ملخصه : أنّ الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن كانا فعليين حال العصيان معاً، إلا أنّ اختلافهما في الرتبة أوجب عدم لزوم طلب الجمع من فعليتها، لما عرفت من أنّ الأمر


1) أجود التقريرات 2 : 85.

بالأهم في رتبة يقتضي هدم موضوع الأمر بالمهم وعدمه، وأما هو فلا يقتضي وضع موضوعه،، وإنما يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج على تقدير وج-ود موضوعه، وحيث إنه لم يكن بين الأمرين اتحاد في الرتبة، يستحيل أن تقتضي فعليتهما طلب الجمع بين متعلقيها.

ومن هنا قال : إنّ ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) من أنّ الأمر بالمهم مشروط بالعزم على عصيان الأمر بالأهم غير صحيح، فانّه على هذا لا يكون الأمر بالأهم رافعاً لموضوع الأمر بالمهم وهادماً له تشريعاً، فانّ الأمر بالأهم إنما يقتضي عدم عصيانه، لا عدم العزم على عصيانه.

فالنتيجة أنّ ما أفاده (قدس سره) هنا أمران :

الأوّل: أنّ ملاك عدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، إنما هو اختلافهما في الرتبة.

الثاني : أنّ ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) غير صحيح.

ولنأخذ بالمناقشة في كلا الأمرين:

أما الأمر الأوّل فيردّه أوّلاً ما ذكرناه مراراً من أن الأحكام الشرعية ثابتة للموجودات الزمانية، ولا أثر لاختلافها في الرتبة، وعلى هذا فلا أثر لتقدم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم رتبة بعد ما كانا متقارنين زماناً، بل القول بالاستحالة أو الامكان يبتني على أنّ قضية اجتماع الأمرين في زمان هل هي طلب الجمع بين متعلقيهما في الخارج أم لا، ولا يفرق في ذلك ب-ي-ن ك-ونه-ا مختلفين في الرتبة أم لا ضرورة أنّ اختلافها في الرتبة لا يوجب اختلافهما في الزمان، فانّ من الواضح أنّ المحال إنما هو طلب الجمع بين الضدّين في الخارج لا في الرتبة، لما عرفت من أن التضاد والتماثل والتناقض وما شاكلها جميعاً من

صفات الموجودات الخارجية فلا تتصف الأشياء بتلك الصفات مع قطع النظر عن وجوداتها في الخارج.

ومن هنا قلنا إنه لا مضادة ولا مناقضة في المرتبة أصلاً، ومن ه-ن-ا ج-از اجتماع الضدّين أو النقيضين في رتبة واحدة، كما جاز ارتفاعها عنها. أمّ-ا الأوّل، فلما حققناه من أنّ النقيضين وكذا الضدّين في مرتبة واحدة، وهذا معنى اجتماعهما في المرتبة. وأما الثاني، فلأنّ النقيضين قد ارتفعا من الماهيات من حيث هي، فانها بما هيلا موجودة ولا معدومة.

فالنتيجة هي أنّه لا يمكن القول بأنّ ملاك عدم لزوم طلب الجمع من فعلية الأمر بالأهم والأمر بالمهم معاً هو اختلافهما في الرتبة.

فالصحيح في الجواب : هو ما تقدّم من أنّ الملاك الرئيسي لعدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين هو تقييد الأمر بالمهم بعدم الاتيان بالأهم وعصيانه، وعدم تعرضه لحاله أصلاً كما تقدّم ذلك بشكل واضح.

وثانياً : ما سبق من أنّ الأمر بالأهم لا يتقدم على الأمر بالمهم رتبة، فانّ تقدّم شيء على آخر بالرتبة يحتاج إلى ملاك كامن في صميم ذات المتقدم، فلا يتعدّى منه إلى ما هو في مرتبته فضلاً عن غيره، ومن الواضح أنه لا ملاك لتقدّم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم.

ودعوى أنّ الأمر بالأهم مقدّم على عصيانه وعدم امتثاله الذي أخذ في موضوع الأمر بالمهم، والمفروض أنّ الموضوع مقدّم على الحكم رتبة، فلازم ذلك تقدّم الأمر بالأهم على الأمر بالمهم برتبتين، يدفعها ما أشرنا إليه من أنّ التقدّم أو التأخّر بالرتبة يحتاج إلى ملاك راجع إلى ذات الشيء وطبعه، وتقدّم الأمر بالأهم على عصيانه بملاك لا يقتضي تقدّمه على ما هو متأخر عن العصيان رتبة كما لا يقتضي تقدمه على ما هو في مرتبته بعد ما كان الجميع متحدة في

الزمان، وموجودات في زمان واحد، ومن هنا قلنا إنّ العلة مقدّمة على المعلول دون عدمه، مع أنه في مرتبته.

وأمّا الأمر الثاني : فيظهر فساده ممّا ذكرناه من أنّ ملاك استحالة الترتب وإمكانه هو لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، وعدم لزومه، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم أو بالعزم عليه، فانّه كما يقتضي هدم تقدير عصيانه يقتضي هدم تقدير العزم عليه أيضاً، فلا فرق بينهما من هذه الناحية. وعلى الجملة فملاك جواز الترتب على تقدير اشتراط الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم موجود بعينه في صورة اشتراطه بالعزم على عصيانه.

نعم، الذي يرد عليه هو أنّ العزم ليس بشرط، والوجه فيه : هو أن هذا الاشتراط قد ثبت بحكم العقل، ومن الواضح أنّ العقل لا يحكم إلا بثبوت الأمر بالمهم في ظرف عصيان الأمر بالأهم خارجاً وعدم الاتيان بمتعلقه.

وإن شئت فقل : إنّ مقتضى المزاحمة بين الأمر بالأهم والأم-ر ب-المهم ه-و سقوط إطلاق الأمر بالمهم حال العجز وعدم القدرة على امتثاله، وبقاؤه في حال القدرة على امتثاله لعدم موجب لسقوطه حينئذ، ومقتضى ذلك هو اشتراط الأمر بالمهم بنفس العصيان الخارجي، لا بالعزم على عصيانه.

الرابع : أنّ العصيان الذي هو شرط لفعلية الأمر بالمهم، إن كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، فهو ه-ادم لأساس الترتب، إذ الترتب عند القائل به مبتن على وجود كلا الأمرين - أعني بهما الأمر بالأهم والأمر بالمهم - في زمان واحد، ولكن في الفرض المزبور يسقط الأمر بالأهم، فانّ الأمر كما يسقط بالامتثال والاتيان بمتعلقه خارجاً، كذلك يسقط بالعصيان وعدم الاتيان به في الخارج.

وعلى هذا فلا يمكن فرض اجتماع الأمرين في زمان واحد، فانّ في زمان فعلية الأمر بالمهم قد سقط الأمر بالأهم من جهة العصيان، وفي زمان ثبوت الأمر بالأهم لا أمر بالمهم، لعدم تحقق شرطه، وقد تقدّم أنّ تعلق الأمر بالمهم بعد سقوط الأمر عن الأهم خارج عن محل الكلام ولا إشكال في جوازه، فان محل الكلام هو ما إذا كان كلا الأمرين فعلياً في زمن واحد، وهذا غير معقول مع فرض كون معصية الأمر بالأهم علة لسقوطه، إذ عندئذ لا ثبوت له حال العصيان ليجتمع مع الأمر بالمهم في ذلك الحال.

وأما إذا كان العصيان شرطاً على نحو الشرط المتأخر، أو كان وجوده الانتزاعي - وهو كون المكلف متصفاً بأنه يعصي فيما بعد - شرطاً في فعلية الأمر بالمهم، فلا محالة يلزم منه طلب الجمع بين الضدّين، وذلك لأنّ الأمر بالمهم يصير فعلياً في زمان عدم سقوط الأمر بالأهم، إذ المفروض أن العصيان شرط متأخر، أو أنّ الشرط في الحقيقة هو عنوان تعقبه بالعصيان المتأخر، وعلى كل حال فالأمر المتعلق به فعلي، كما أنّ الأمر بالأهم فعلي، وهو لم يسقط بعد، لأنّ مسقطه - وهو العصيان على الفرض - لم يتحقق، فإذن يتوجه إلى المكلف تكليفان فعليّان في زمان واحد ولا محالة يقتضي كل منهما لايجاد متعلقه في الخارج في ذلك الزمان، ضرورة أنه لا معنی لفعلية تكليف إلا اقتضاؤه إيجاد متعلقه خارجاً ودعوته إليه فعلاً، وفي المقام بما أنّ كلاً من الأمر بالأهم والأمر بالمهم فعلي في زمن،واحد، فلا محالة يدعو كل منهما إلى إيجاد متعلقه في ذاك الزمن، وهذا معنى لزوم طلب الجمع بين الضدّين.

وصفوة هذا الوجه : هي أنّ العصيان إن كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، فلا يمكن عندئذ فرض اجتماع الأمر بالمهم والأمر بالأهم زمان واحد، لأنّ بتحقق العصيان خارجاً وإن صار الأمر بالمهم فعلياً، إلّا

أنه في هذا الزمان يسقط الأمر بالأهم، فزمان ثبوت أحدهما هو زمان سقوط الآخر، فلا يمكن فرض اجتماعهما في زمان واحد.

وقد تقدّم أنّ هذا خارج عن محل الكلام في المسألة ولا إشكال في جوازه، فانّ ما كان محلاً للكلام هو ما إذا كان الأمران مجتمعين في زمان واحد، وأما إن كان شرطاً بنحو الشرط المتأخر، أو كان الشرط في الحقيقة ه-و ع-ن-وان-ه العصيان - الانتزاعي المنتزع منه باعتبار وجوده في زمان متأخر، فحينئذ وإن كان الأمران مجتمعين في زمان،واحد، إلّا أنّ لازم اجتماعهما فيه هو طلب الجمع بين إيجاد متعلقيها في الخارج، بداهة أنّه لا معنى لتعلق التكليف بشيء إلّا اقتضاؤه إيجاده خارجاً، وبما أنهما متضادان على الفرض فيلزم طلب الجمع بينهما، وهو محال فالنتيجة عدم إمكان القول بالترتب.

والجواب عن هذا الوجه على ضوء ما بيناه واضح، وتفصيل ذلك : أنّ ما ذكر من أنّ العصيان إذا كان شرطاً متأخراً، أو كان الشرط عنواناً انتزاعياً من العصيان المتأخر في ظرفه فهو يستلزم طلب الجمع بين الضدّين، لفرض اجتماع الأمرين في زمان واحد، فيردّه:

أوّلاً: أن العصيان ليس بوجوده المتأخر ولا بعنوانه الانتزاعي شرطاً، بأن يكون الأمر بالمهم فعلياً لمن يعصي في زمان متأخر، لما سنبين إن شاء اللّه من أنّ العصيان شرط بوجوده الخارجي، وعليه فما لم يتحقق العصيان في الخارج لم يصر الأمر بالمهم فعلياً.

وثانياً : قد تقدّم أنّ اجتماع الأمرين في زمان واحد على نحو الترتب لا يستلزم طلب الجمع، بل هو في طرف النقيض مع طلب الجمع ومعانده رأساً، والأصل في ذلك : ما سبق من أنّ طلب الجمع بين الضدّين إنما يلزم على أحد التقادير المتقدمة، وقد مضى الكلام فيها بشكل واضح فلا حاجة إلى الاعادة وقلنا إنّ

ما نحن فيه ليس من شيء من تلك التقادير.

ومما يشهد على ما ذكرنا أنه إذا فرض فعلان في حد ذاتها ممكني الجمع كقراءة القرآن والدخول في المسجد مثلاً، فمع ترتب الأمر بأحدهما على عدم الاتيان بالآخر لا يقعان على صفة المطلوبية عند جمع المكلف بينهما خارجاً، بداهة أنّ مطلوبية أحدهما إذا كانت مقيدة بعدم الاتيان بالآخر، فيستحيل وقوعهما معاً في الخارج على صفة المطلوبية. وهذا برهان قطعي ع-ل-ى ع-دم مطلوبية الجمع.

ودعوى أن عدم وقوعها على صفة المطلوبية معاً هنا إنما هو من جهة عدم تمكن المكلف من الجمع بينهما، فلو تمكن من ذلك فلا محالة يقعان على صفة المطلوبية، مدفوعة : بأنّ وقوعها على هذه الصفة مع فرض بقاء تقييد الأمر بالمهم بعدم الاتيان بالأهم وعصيان أمره في هذا الحال غير معقول، بل الاتيان بالمهم عندئذ بقصد الأمر تشريع ومحرّم. وأما مع فرض ارتفاع التقييد في هذا الحال كما هو الصحيح - لأنّ التقييد من جهة المزاحمة بين التكليفين وعدم تمكن المكلف من الجمع بين متعلقيها في مقام الامتثال، وأما مع فرض عدم المزاحمة وتمكن المكلف من الجمع بينهما في تلك المرحلة فلا تقييد في البين، ولا حكم للعقل به، لأنه إنما يحكم به في صورة المزاحمة لا مطلقاً - فهو خارج عن محل الكلام، فانّ محل الكلام هو ما إذا لم يتمكن المكلف من الجمع بينهما، فانه يوجب تقييد الواجب المهم بعدم الاتيان بالأهم بحكم العقل، وفي هذا الفرض لا يمكن وقوعهما على صفة المطلوبية كما سبق.

وأما ما ذكر من أنّ العصيان إذا كان شرطاً بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن فلا يمكن فرض اجتماع الأمرين - الأمر بالأهم والأمر بالمهم - في زمان واحد، فهو يبتني على نقطة فاسدة وهي توهم أن العصيان مهما تحقق

ووجد في الخارج فهو مسقط للأمر، ولكن الشأن ليس كذلك، والوجه فيه : هو أنا إذا حلّلنا مسألة سقوط الأمر تحليلاً علمياً نرى أن الموجب لسقوطه أمران لا ثالث لهما :

الأوّل: امتثاله والاتيان بمتعلقه في الخارج، هذا باعتبار أنّ ذلك موجب لحصول الغرض منه، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الأمر معلول للغرض الداعي له حدوثاً وبقاءً، فمع تحقق الغرض في الخارج لا يعقل بقاء الأمر، وإلا لزم بقاء الأمر بلا غرض، وهو كبقاء المعلول بلا علة محال. فالنتيجة: أن الامتثال والاتيان بمتعلقه خارجاً إنما يوجب سقوط الأمر باعتبار حصول الغرض بذلك وانتهاء أمد اقتضائه بوجود مقتضاه - المأمور به - في الخارج، لا أنّ الامتثال في نفسه يقتضي سقوط الأمر،وعدمه بداهة أنّ الامتثال معلول للأمر فلا يعقل أن يكون معدماً له، لاستحالة أن يكون وجود المعلول خارجاً علة لعدم وجود علته، ووجود المقتضى - بالفتح - علة لعدم مقتضيه.

وعلى الجملة : فامتثال الأمر والاتيان بمتعلقه خارجاً بما أنه يوجب حصول الغرض يكون مسقطاً له لا محالة، فانّ أمد اقتضائه لايجاد متعلقه خارجاً ينتهي بوجوده وتحققه في الخارج، وبعده لا اقتضاء له أبداً.

الثاني : امتناع الامتثال وعدم تمكن المكلف منه، فانّه يوجب سقوط الأمر لا محالة، لقبح توجيه التكليف نحو العاجز. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون عدم تمكن المكلف من ناحية ضيق الوقت أو من ناحية مانع آخر.

فالنتيجة قد أصبحت أنّ الأمر بما أنّه تابع للغرض الداعي له حدوثاً وبقاء، فمع تحقق هذا الغرض ووجوده لا يعقل بقاء الأمر، وإلا لزم بقاء المعلول ب--لا علة، كما أنه مع امتناع حصول هذا الغرض في الخارج من جهة عدم تمكن المكلف من تحصيله، لعجزه عن الامتثال والاتيان بالمأمور به لا يعقل بقاء

الأمر. وأما إذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا يعقل سقوط الأمر، بداهة أنه لا يسقط بلا سبب وموجب.

وأمّا العصيان بما هو عصيان فلا يعقل أن يكون مسقطاً للأمر، وذلك لما تقدم من أنّ ثبوت الأمر في حال العصيان والامتثال أمر ضروري لا مناص من الالتزام به، وإلا فلا معنى للامتثال والعصيان، ضرورة أنّ الأمر لو سقط في حال الامتثال أو العصيان فلا أمر عندئذ ليمتثله المكلف أو يعصيه

نعم، لو استمرّ العصيان إلى زمان لا يتمكن المكلف بعده من الامتثال لسقط الأمر لا محالة ولكن لا من جهة العصيان بما هو، بل من جهة عدم قدرة المكلف عليه وعدم تمكنه منه، كما أنّ الامتثال إذا استمر إلى آخر جزء من الواجب لسقط الأمر من جهة حصول الغرض به.

وسر ذلك : هو ما عرفت من أنه لا موجب لسقوط التكليف إلّا أح---د الأمرين المزبورين، أعني بهما عجز المكلف عن امتثاله، وحصول الغرض منه.

وأما إذا كان المكلف متمكناً الامتثال، ولكنّه عصى ولم يأت به في الآن الأوّل، فمن الواضح أنّ مجرد تركه في ذلك الآن وعدم الاتيان به فيه لا يوجبسقوطه مع تمكنه منه في الآن الثاني.

وعلى ضوء هذا يترتب أنّ التكليف بالأهم في محل الكلام لا يسقط بعصيانه في الآن الأوّل مع تمكن المكلف من امتثاله في الآن الثاني، والوجه في ذلك: هو أنّه لا موجب لسقوط الأمر بالأهم في المقام ما عدا عجز المكلف عن امتثاله والاتيان بمتعلقه، والمفروض أنّ المكلف غير عاجز عنه، ضرورة أنّ فعل الشيء لا يصير ممتنعاً حال تركه، وكذا تركه حال فعله، إذ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا يوجب العجز وسلب القدرة عن الطرف بالبداهة، وعلى ذلك فالأهم مقدور للمكلف حال تركه كما كان مقدوراً حال فعله، وكذا هو مقدور

حال فعل المهم.

والأصل في هذا هو أنّ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر أو ترجيح فعل المهم في المقام على فعل الأهم باختيار المكلف وإرادته، فلا يعقل أن يكون ذلك موجباً لامتناع الطرف الآخر، وإلا لم يكن الشيء من الأوّل مقدوراً،وهذا خلف.

ونتيجة ذلك : هي أنّ الأمر بالأهم ثابت حال عصيانه وح--ال الات-ي-ان بالمهم، غاية الأمر ثبوته في هذا الحال على وجهة نظرنا بالاطلاق، حيث قد ذكرنا غير مرّة أنّ الاهمال في الواقع غير معقول، فمتعلق الحكم في الواقع إما هو ملحوظ على وجه الاطلاق بالاضافة إلى جميع الخصوصيات حتّى الخصوصيات الثانوية، وإمّا هو ملحوظ على وجه التقييد بشيء منها ولا ثالث لهما. وعليه فإذا استحال أحدهما وجب الآخر، وحيث إنّ في المقام التقييد بالوجود والعدم محال، فالاطلاق واجب، وعلى وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)من جهة انحفاظ المؤثر في ظرف تأثيره واقتضائه هدم عصيانه.

وعلى هذا فالأمر بالأهم لا يسقط في ظرف عصيانه، فإذن يجتمع الأمران في زمان واحد - وهو زمان عصيان الأهم - أمّا الأمر بالمهم فلتحقق شرطه، وأمّا الأمر بالأهم فلعدم سقوطه بالعصيان.

نعم، لو كان الواجب الأهم آنياً لسقط الأمر به بالعصيان في الآن الأوّل، ولكن لا من ناحية أنّ العصيان مسقط له، بل من ناحية عدم تمكن المكلف من امتثاله والاتيان بمتعلقه خارجاً في الآن الثاني لانتفائه بانتفاء موضوعه في ذلك الآن،، وبعده لا يبقى مجال وموضوع للامتثال، وقد تقدم ذلك سابقاً بشكل


1) أجود التقريرات 2: 72.

واضح، وقلنا هناك إنّ هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فانّ ما كان محلاً للكلام هنا هو ما لا يمكن إثبات الأمر بالمهم إلا بناءً على القول بالترتب، ومع الإغماض عنه يستحيل إثبات الأمر به، وفي هذا الفرض لا مانع من ذلك، فانّ المانع منه هو فعلية الأمر بالأهم، وبعد سقوطه عن الفعلية لا مانع من فعلية الأمر بالمهم أصلاً، وحيث إنّ المفروض هنا سقوط الأمر بالأهم في الآن الثاني بسقوط موضوعه - وهو القدرة - فلا محذور في تعلق الأمر بالمهم في ذلك الآن أصلاً.

نعم، إذا كان الواجب المهم أيضاً آنياً، فيدخل في محل النزاع ولا يمكن إثبات الأمر به عندئذ إلّا بناءً على القول بالترتب كما سبق.

ومن هذا القبيل ما إذا كان الواجب الأهم مضيّقاً على نحو لو عصاه المكلف في جزء من وقته لفاته، ولا يتمكن بعده من الاتيان به وامتثاله لسقوطه بسقوط موضوعه، ضرورة أنه بعد مضي مقدار من الزمان الذي لا يتمكن المكلف بعده من الاتيان به يسقط أمره لأجل امتناع تحصیل ملاكه وغرضه، لا لأجل مجرد عدم الفعل في الآن الأوّل وعصيانه فيه، ومثال ذلك هو ما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الصوم مثلاً ووجوب واجب آخر، فإذا ترك الصوم في جزء من الزمان فهو لا يتمكن من امتثال أمره بعد ذلك فيسقط وجوبه لا محالة.

ولعلّ المنكر للترتب تخيّل أوّلاً أنّ محل النزاع خصوص هذا الفرض، وتخيّل ثانياً أن سقوط الأمر فيه مستند إلى العصيان في الآن الأوّل لا إلى شيء، آخر،

وثالثاً أنّ الأمر غير ثابت في حال العصيان، فها هنا دعاوى ثلاث:

الأولى : أنّ محل البحث في مسألة الترتب إنما هو في أمثال هذا الفرض.

الثانية : أنّ سقوط الأمر فيه مستند إلى عدم الفعل في الآن الأوّل وعصيان

الأمر فيه، لا إلى شيء آخر.

الثالثة : أنّ الأمر ساقط في حال العصيان.

ولكن جميع هذه الدعاوى باطلة.

أما الدعوى الأولى : فالأمر على عكسها - أعني به أنّ هذا الفرض وما يشبهه خارج عن محل الكلام في المقام - والوجه في ذلك : هو ما عرفت من أنّ محل الكلام هو ما إذا لم يمكن إثبات الأمر بالمهم إلا بناءً على القول بالترتب، وفي هذا الفرض يمكن إثبات الأمر به مع قطع النظر عنه، إذ المانع عن تعلق الأمر به هو فعلية الأمر بالأهم، وبعد سقوطه عن الفعلية لا مانع من تعلقه به أصلاً، وبما أنّ المفروض هنا سقوطه في الآن الثاني، فلا مانع من تعلق الأمر بالمهم فيه، لما تقدّم من أنّ صحة تعلق الأمر به بعد سقوط الأمر عن الأهم من الواضحات الأولية، وليس من محل النزاع في شيء.

وقد تحصّل من ذلك : أنّ الواجب الأهم إذ كان موقتاً على نحو يكون وقته مساوياً لفعله، فهو خارج عن محل البحث لسقوط وجوبه في الآن الثاني بمجرد تركه خارجاً وعدم الاتيان به في الآن الأوّل.

وأمّا الدعوى الثانية : فلما عرفت من أنّ العصيان بنفسه لا يمكن أن يكون مسقطاً للأمر، وقد سبق أنّ المسقط له أحد الأمرين المزبورين ولا ثالث لهما هما : 1 - امتثاله الموجب لحصول الغرض والملاك الداعي له. 2- وعجز المكلف عنه الموجب لامتناع حصوله. وأما مجرد ترك امتثاله في الآن الأوّل وعصيانه فيه مع تمكنه منه في الآن الثاني فلا يوجب سقوطه، ضرورة أن سقوطه عندئذ من دون موجب وعلة وهو محال.

وأمّا الدعوى الثالثة : فلما تقدّم من أنّ الأمر ثابت في حال العصيان،

ضرورة أنه لو لم يكن ثابتاً في أن العصيان فلا معنى لمخالفة المكلف وعصيانه إيّاه، فانّه لا أمر في هذا الآن ليعصيه، وقد سبق أنّ ثبوته بالاطلاق على وجهة نظرنا ومن جهة اقتضائه هدم عصيانه على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره).

وقد تحصّل من مجموع ما ذكرناه هنا عدّة أمور :

الأوّل : أنّ الواجب الأهم إذا كان آنياً أو كان على نحو يسقط أمره بمجرد عدم إتيانه في الآن الأوّل وعصيانه فيه بسقوط موضوعه - وهو القدرة - وكان الواجب المهم تدريجياً، فهو خارج عن محل البحث، لعدم توقف إثبات الأمر بالمهم على القول بالترتب كما مرّ.

الثاني : أنّ العصيان بأي نحو فرض لا يعقل أن يكون مسقطاً للأمر، نعم قد يوجب سقوطه من جهة سقوط موضوعه وعدم تمكن المكلف من امتثاله بعده.

الثالث : أنّ المسقط للأمر بقانون أنّه تابع للغرض والملاك الداعي له حدوثاً وبقاءً إنما هو أحد الأمرين المتقدمين حصول الملاك والغرض في الخارج بالامتثال وامتناع حصوله وتحققه فيه لعجز المكلف عنه.

الرابع : أنّ الامتثال لا يقتضي بذاته سقوط الأمر، بل اقتضاؤه ذلك باعتبار حصول غرضه وانتهاء أمد اقتضائه بوجود مقتضاه في الخارج.

الخامس : أنّ الشرط لفعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم بوجوده الخارجي على نحو الشرط المقارن، بمعنى أنّه ما لم يتحقق في الخارج لم يصر الأمر بالمهم فعلياً. السادس: أنّ الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن اجتمعا على هذا في زمان واحد، إلّا أنّ مقتضاهما ليس هو طلب الجمع بين متعلقيها بل هو طلب التفريق

بينهما، كما حققناه بصورة مفصلة.

فالنتيجة على ضوء هذه الأمور : هي بطلان الدليل المزبور وأنّه لا مجال له أبداً.

إلى هنا قد تبين بطلان جميع أدلة استحالة الترتب وأنه لا يمكن تصديق شيء منها.

تنبيهات المقام

إشارة:

هذا تمام كلامنا في بحث الترتب جوازاً وامتناعاً، إمكاناً واستحالة. بقي الكلام في أمور:

1 - الجهر موضع الاخفات والتمام موضع القصر

قد ذكرنا في آخر بحث البراءة والاشتغال أن حديث لا تعاد لا يختص بالناسي، بل يعم الجاهل القاصر أيضاً ولذلك قلنا بعدم وجوب الاعادة أو القضاء عند انكشاف الخلاف، خلافاً لشيخنا الأستاذ (قدس سره) حيث قد استظهر اختصاصه بالناسي فلا يعمّ الجاهل (1). وقد ذكرنا هناك أنّ ما ذكره (قدس سره) في وجه ذلك غير تام وتمام الكلام في بحث البراءة والاشتغال إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الجاهل المقصر فقد تسالم الأصحاب قديماً وحديثاً على عدم صحة عباداته، واستحقاقه العقاب على ترك الواقع ومخالفته، ووجوب الاعادة والقضاء عليه عند انكشاف الخلاف وظهوره، ولكن استثني من ذلك مسألتان.

الأولى : مسألة الجهر والخفت.


1) أجود التقريرات 3: 528.

الثانية : مسألة القصر والتمام، حيث ذهب المشهور إلى صحة الصلاة جهراً في موضع الاخفات وبالعكس، وصحة الصلاة تماماً في موضع القصر، وكذلك القصر في موضع التمام للمقيم عشرة أيام - لا مطلقاً - على المختار، كل ذلك في فرض الجهل ولو عن تقصير، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى : أن المشهور قد التزموا في تلك الموارد باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع وتركه، فمن صلّى جهراً في موضع الاخفات أو بالعكس، أو صلّى تماماً في موضع القصر استحق العقاب على ترك الواقع، مع الحكم بصحة ما أتى به.

ومن هنا وقع الاشكال في الجمع بين هاتين الناحيتين وأنّ-ه كيف يمكن الحكم بصحة المأتي به خارجاً وأنه مجزئ عن الواقع وعدم وجوب الاعادة مع بقاء الوقت، والحكم باستحقاق العقاب.

ثم إنه لا يخفى أنّ المسألتين بحسب الفتاوى والنصوص ممّا لا إشكال فيها أصلاً.

أما بحسب الفتاوى فقد تسالم الأصحاب عليهما.

وأما بحسب النصوص فقد وردت فيهما نصوص صحيحة قد دلّت على ذلك، وإنما الكلام والاشكال في الجمع بين الناحيتين المزبورتين في مقام الثبوت والواقع، وقد تفصي عن ذلك بوجهين :

الأوّل : ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره)(1)من الالتزام بالترتب في المقام بتقريب أنّ الواجب على المكلف ابتداءً هو الصلاة جهراً مثلاً، وعلى تقدير تركه وعصيان أمره فالواجب هو الصلاة إخفاتاً أو بالعكس، أو أنّ الواجب عليه ابتداءً هو الصلاة قصراً، وعلى تقدير تركه فالواجب ه-و


1) کشف الغطاء : 27.

الصلاة تماماً، وبذلك دفع الاشكال المزبور وأنّه لا منافاة عندئذ بين الحك--م بصحة العبادة المأتي بها جهراً أو إخفاتاً وأنها مجزئة عن الواقع، وصحة العقاب على ترك الآخر.

وقد أورد عليه شيخنا العلّامة الأنصاري (قدس سره) بقوله : إنا لا نعقل الترتب (1)، واكتفى بذلك ولم يبين وجهه.

وأورد عليه شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)بأن قوله هذا مناقض لما ذهب إليه في تعارض الخبرين بناءً على السببية من الالتزام بالترتب هناك.

وإليك نص كلامه : إن الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة وعدم تساقطها ليس لأجل شمول العموم اللفظي لأحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع، لأنّ ذلك غير ممكن كما تقدم وجهه في بيان الشبهة... لكن لما كان امتثال التكليف بالعمل بكل واحد منهما كسائر التكاليف الشرعية والعرفية مشروطاً بالقدرة والمفروض أنّ كل واحد منهما مقدور في حال ترك الآخر وغير مقدور مع إيجاد الآخر، فكل منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه ويتعين فعله، ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلة وجوب الامتثال والعمل بكل منها بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة وهذا ممّا يحكم به بداهة العقل، كما في كل واجبين اجتمعا على المكلف ولا مانع من تعيين كل منهما على المكلف بمقتضى دليله إلّا تعيّن الآخر عليه كذلك.

والسر في ذلك : أنا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل،


1) فرائد الأصول 2 : 524.

2) أجود التقريرات 2 : 57.

لم يكن وجوب كل واحد منهما ثابتاً بمجرد الامكان، ولزم كون وجوب كل منهما مشروطاً بعدم وجود الآخر، وهذا خلاف ما فرضنا من عدم تقييد كل منهما في مقام الامتثال بأزيد من الامكان سواء كان وجوب كل منهما بأمر أو كان بأمر واحد يشمل الواجبين، وليس التخيير في القسم الأوّل لاستعمال الأمر في التخيير. والحاصل أنه إذا أمر الشارع بشيء واحد استقلّ العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقلي والشرعي، وإذا أمر بشيئين واتفق امتناع ايجادهما في الخارج استقل بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه، لأنها ممكنة فيقبح تركها، لكن هذا كله على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببية، بأن يكون قيام الخبر على وجوب شيء واقعاً سبباً شرعياً لوجوبه ظاهراً على المكلف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببية فيه لاعمال الآخر كما في كل واجبين متزاحمين (1).

أقول : ما أورده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من المناقضة بين كلام الشيخ (قدس سره) في المقام، وما ذكره في بحث التعادل والترجيح متين جداً، فان كلامه هناك الذي نقلناه بألفاظه هنا ظاهر بل صريح في التزامه بالترتب، إذ لا معنی له إلا الالتزام بوجوب أحد الواجبين المتزاحمين عند ترك الآخر، بأن يرفع اليد عن إطلاق كل واحد منهما عند الاتيان بالآخر، لا عن أصله إذا كانا متساويين، وعن إطلاق واحد منهما إذا كان أحدهما أهم من الآخر.

ومن الواضح جداً أنّه لا فرق في القول بالترتب بين أن يكون من طرف واحد كما تقدّم الكلام فيه مفصلاً، وأن يكون من الطرفين كما إذا كان كلاهما متساويين، فانّه عند ذلك بما أنّ المكلف لا يقدر على الجمع بينهما في الخارج فلا مانع من أن يكون الأمر بكل منهما مشروطاً بعدم الاتيان بالآخر فهما - الترتب


1) فرائد الأصول 2: 761.

من طرف واحد، ومن الطرفين - يشتركان في ملاك إمكان الترتب واستحالته، فان ملاك الامكان هو أنّ اجتماع الأمرين كذلك في زمان واحد لا يستلزم طلب الجمع، وملاك الاستحالة هو أنّ اجتماعهما كذلك يستلزم طلبه، والمفروض أنّ الأمرين مجتمعان في زمان واحد لما عرفت من أنّ الأمر ثابت حالتي وجود متعلقه وعدمه فلا يسقط بمجرد تركه كما أنه لا يسقط بصرف الاشتغال بالآخر. نعم، يسقط بعد الاتيان به لفرض أنّ وجوب كل منهما مشروط بعدم الاتيان بالآخر، فلا محالة لا وجوب بعد الاتيان به وعلى كل حال فهو (قدس سره) قد التزم بالترتب في تعارض الخبرين بناءً على السببية غافلاً عن كون هذا ترتباً مستحيلاً في نظره.

ومن هنا قلنا إن مسألة إمكان الترتب مسألة ارتكازية وجدانية، ولا مناص من الالتزام بها، ولذا قد يلتزم بها المنكر لها بشكل آخر وببيان ثانٍ غافلاً عن كونه ترتباً، مع، مع أنه هو في الواقع هو في الواقع وبحسب التحليل.

وأمّا شيخنا الأستاذ (قدس سره) (1)فقد أورد على ما أفاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدس سره) في المسألة - صحة الجهر في موضع الاخفات وبالعكس جهلاً - من ناحية أخرى، ونحن وإن تعرضنا المسألة في آخر بحث البراءة والاشتغال ودفعنا الاشكال عنها من دون حاجة إلى الالتزام بالترتب فيها، إلا أنّ الكلام هنا يقع في الوجوه التي ذكرها شيخنا الأستاذ (قدس سره) في وجه عدم جريان الترتب فيها، وأنها ليست من صغريات كبرى مسألة الترتب، بيانها :

الأوّل : أنّ محل الكلام في جريان الترتب وعدم جريانه إنما هو فيما إذا كان


1) أجود التقريرات 2 : 91.

التضاد بين متعلقي الحكمين اتفاقياً، والوجه في ذلك : هو أنّ التضاد بين المتعلقين إنما يوجب التزاحم بين الحكمين فيما إذا كان من باب الاتفاق كالصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد وإنقاذ الغريقين وما شاكلها بالاضافة إلى من لا يقدر على الجمع بينهما في عالم الوجود، ولذا لا تزاحم ولا تضاد بينهما بالاضافة إلى من يقدر على الجمع بينهما فيه. وأما إذا كان التضاد بينهما دائمياً بحيث لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الوجود أصلاً كالقيام والجلوس والسواد والبياض وما شابهها، فلا يمكن جعل الحكمين لهما معاً، لأنّ ذلك لغو صرف فلا يصدر من الحكيم.

نعم، يمكن جعلها على نحو التخيير إلا أنه خارج عن محل الكلام، وعليه فلا محالة يدخلان في باب التعارض، لتنافيهما بحسب مقام الجعل.

وعلى هذا الأساس فحيث إنّ التضاد بين الجهر والاخفات دائمي فلا محالة كان دليل وجوب كل منهما معارضاً لدليل وجوب الآخر، فبذلك يخرجان عن باب التزاحم الذي هو الموضوع لبحث الترتب.

ويمكن المناقشة فيما أفاده (قدس سره) وذلك لأنّ ما ذكره من أن التضاد بين المتعلقين إذا كان دائمياً فيدخلان في باب التعارض، وإن كان متيناً جداً، إلا أنّ ذلك لا يمنع عن جريان بحث الترتب فيهما إمكاناً واستحالة، فانّ ملاك إمكانه هو أن تعلق الأمرين بالضدّين على نحو الترتب لا يرجع إلى طلب الجمع بينهما في الخارج، وملاك استحالته هو أنّ ذلك يرجع إلى طلب الجمع بينهما فيه، ومن الواضح جداً أنه لا يفرق في ذلك بين أن يكون التضاد بينهما اتفاقياً أو دائمياً، ضرورة أن مرجع ذلك إن كان إلى طلب الجمع فهو محال على كلا التقديرين من دون فرق بينهما أصلاً، وإن لم يكن إلى طلب الجمع فهو جائز كذلك، إذ على هذا كما يجوز تعلق الأمر بالصلاة والازالة مثلاً على نحو الترتب، كذلك

يجوز تعلق الأمر بالقيام والقعود مثلاً على هذا النحو.

وعلى الجملة: فالمحال إنما هو طلب الجمع، فكما يستحيل طلب الجمع بين القيام والقعود خارجاً، فكذلك يستحيل طلب الجمع بين الصلاة والازالة، وأمّا طلبهما على نحو الترتب الذي هو مناقض لطلب الجمع ومعاند له فلا مانع منه أصلاً.

فالنتيجة من ذلك : هي أنّ الترتب كما يجري بين الخطابين في مقام الفعلية والمزاحمة بتقييد فعلية خطاب المهم بعصيان خطاب الأهم وترك متعلقه، كذلك يجري بينهما في مقام الجعل والمعارضة بتقييد جعل أحد الحكمين المتعارضين بعصيان الحكم الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه على نحو القضية الحقيقية، وفي مسألتنا هذه لا مانع من جعل وجوب الجهر في موضع الخفت وبالعكس على نحو الترتب، بأن يكون الواجب على المكلف ابتداءً هو الاخفات مثلاً، وعلى تقدیر عصيانه وتركه جهلاً يكون الواجب عليه هو الجهر أو بالعكس، وكذا الحال في موضع القصر والتمام، فانّ المجعول ابتداءً على المسافر ه-و وج-وب القصر، وعلى تقدير تركه وعدم الاتيان به جهلاً يكون المجعول عليه هو وجوب التمام، ولا مانع من أن يؤخذ في موضوع أحد الخطابين عصيان الخطاب الآخر وعدم الاتيان بمتعلقه في مقام الجعل أصلاً.

نعم، الترتب في مقام الجعل في هاتين المسألتين يمتاز عن الترتب في مقام الفعلية والامتثال في نقطتين :

الأولى : أن المأخوذ في موضوع الخطابين فيها عدم الاتيان بالآخر في حال الجهل لا مطلقاً، ولذا لو لم يأت المكلف بالصلاة جهراً في صورة العلم والعمد أو الصلاة قصراً فلم تجب عليه الصلاة إخفاتاً أو الصلاة تماماً بالترتب، فيختصّ القول بالترتب فيهما بحال الجهل.

الثانية : أنّ وقوع الترتب في مقام الجعل يحتاج إلى دليل، فلا يكفي إمكانه لوقوعه، وهذا بخلاف الترتب في مقام التزاحم والامتثال، فان إمكانه يُغني عن إقامة الدليل على وقوعه فيكون الوقوع على طبق القاعدة، لما عرفت سابقاً من أنه بناءً على إمكان الترتب كما هو المفروض، فالساقط إنما هو إطلاق خطاب المهم دون أصله، لأن سقوط أصله بلا موجب وسبب، إذ الموجب له إنما هو وقوع التزاحم بينه وبين خطاب الأهم، والمفروض أن التزاحم يرتفع برفع اليد عن إطلاق خطاب المهم. وعليه فلابد من الاقتصار على ما يرتفع به التزاحم المزبور، وأما الزائد عليه فيستحيل سقوطه.

وعلى هذا يترتب بقاء خطاب المهم في ظرف عصيان خطاب الأهم وعدم الاتيان بمتعلقه، وهذا معنى أنّ وقوعه لا يحتاج إلى دليل، بل نفس ما دلّ على وجوب المهم كاف.

ولكن للشيخ الكبير (قدس سره) أن يدعي أنّ الدليل قد دلّ على وقوعه في المسألتين المزبورتين، وهو الروايات الصحاح الدالة على صحة الجهر في موضع الخفت وبالعكس، وصحة التمام في موضع القصر، وعليه فيتم ما أفاده (قدس سره) ثبوتاً وإثباتاً، ولا يرد عليه ما أورده شيخنا الأستاذ (قدس سره) فانّه لم يدع الترتب في مقام التزاحم والفعلية ليرد عليه ما أورده، بل هو يدعي الترتب في مقام الجعل، وقد عرفت أنه بمكان من الوضوح، غاية الأمر أنّ وقوعه يحتاج إلى دليل، وقد عرفت الدليل عليه - وهو الروايات المزبورة - فإذن يتم ما أفاده.

الثاني : ما أفاده (قدس سره) من أنّ مورد بحث الترتب هو ما إذا كان خطاب المهم مترتباً على عصيان الخطاب بالأهم وترك متعلقه، ومن الواضح أنّ هذا إنما يعقل فيما إذا لم يكن المهم ضروري الوجود في الخارج عند عصيان

الأهم وعدم الاتيان به وإلا فلا يعقل تعلق الأمر به في هذا الحال، ضرورة استحالة تعلق الطلب بما هو ضروري الوجود في الخارج، كما أنه يستحيل تعلقه بما هو ممتنع الوجود فيه، وبذلك يظهر أنّ مورد البحث في المسألة إنما هو في الضدّين اللذين لهما ثالث كالصلاة والازالة مثلاً، والقيام والقعود والسواد والبياض وما شاكلها، فان وجود أحدهما لا يكون ضرورياً عند عصيان الآخر وتركه. وأمّا الضدّان اللذان لا ثالث لهما كالحركة والسكون وما شابهها، فلا يعقل جريان الترتب فيهما، لأنّ وجود أحدهما عند عصيان الآخر وتركه ضروري، فلا يكون قابلاً لأن يتعلق به الخطاب الترتبي، ب-داه-ة أنّ طلبه عندئذ يكون من قبيل طلب الحاصل.

وعلى الجملة : فإذا كان وجود الشيء ضرورياً على تقدير ترك الآخر كوجود الحركة مثلاً على تقدير ترك السكون أو بالعكس، لاستحال تعلق الأمر به على هذا التقدير لأنّ قبل تحقق ذلك التقدير يستحيل كون الأمر المتعلق به فعلياً لاستحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه وتحققه، وبعد تحققه يكون طلبه طلباً لا يجاد الموجود وهو محال.

فقد تحصّل : أنّ طلب أحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما على تقدير ترك الآخر، طلب لما هو مفروض الوجود في الخارج وهو مستحيل، كما أنه يستحيل طلب الشيء على فرض وجوده أو عدمه فيه على ما سبق.

وبعد ذلك نقول : إنّ الجهر والاخفات في القراءة بما أنهما من الضدّين اللذين لا ثالث لهما، وكذا القصر والتمام فانّ المكلف في حال القراءة لا يخلو من الجهر أو الاخفات وكذا في حال الصلاة لا يخلو من القصر أو التمام، ولا ثالث في البين، فلا يعقل جريان الترتب فيهما، لفرض أنّ وجود أحدهما على تقدير ترك الآخر ضروري، وعليه فيستحيل تعلق الأمر بأحدهما في ظ-رف ت-رك

الآخر، لأنه طلب الحاصل فلا يمكن أن يقال: إنّ الاخفات مأمور به على تقدير ترك الجهر أو بالعكس، أو التمام مأمور به على تقدير ترك القصر.

فالنتيجة من ذلك : هي أن هاتين المسألتين خارجتان عن موضوع الترتب رأساً.

وغير خفي أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من الكبرى، وه-ي اختصاص القول بجواز الترتب بما إذا كان للواجبين المتضادين ثالث، في غاية المتانة والصحة، والوجه فيه : ما عرفت في ضمن كلامه من أنّ وجود أحدهما إذا كان ضرورياً عند ترك الآخر فلا يعقل تعلق الأمر به في هذا الحال، إلا أنّ تلك الكبرى لا تنطبق على المسألتين المزبورتين وأنها ليستا من صغرياتها ومصاديقها، وذلك لأنّ جعل محل الكلام في المسألتين من الضدّين اللذين لا ثالث لهما غير مطابق للواقع، ومبني على تخيل أن المأمور به هو نفس الجهر والاخفات في هذه المسألة، والقصر والتمام في تلك المسألة.

وعليه فالمكلف في حال القراءة لا محالة لا يخلو من الجهر أو الاخفات، كما نه في حال الصلاة لا يخلو من القصر أو التمام. ولكنّه غفلة عن الواقع، وذلك لأنّ المأمور به في المسألة الأولى إنّما هو القراءة الجهرية أو الاخفاتية، وفي المسألة الثانية إنما هو الصلاة قصراً أو الصلاة تماماً، ومن الواضح جداً أنهما من الضدّين اللذين لهما ثالث، ضرورة أنّ القراءة الجهرية ليست ضرورية الوجود عند ترك القراءة الاخفاتية أو بالعكس، كما أن الصلاة تماماً ليست ضرورية الوجود عند ترك الصلاة قصراً، إذ المكلف عند ترك القراءة جهراً يمكن أن يأتي بها إخفاتاً ويمكن أن لا يأتي بها أصلاً، كما أنه عند ترك الصلاة قصراً يمكن أن يأتي بالصلاة تماماً ويمكن أن لا يأتي بها أبداً، وعلى هذا ف--لا مانع من تعلق الأمر بهما على نحو الترتب، بأن يكون الأمر باحداهما مشروطاً

بعصيان الأمر بالأخرى وعدم الاتيان بمتعلقه.

نعم، لا واسطة بين الجهر والاخفات في ظرف وجود القراءة، كما أنه لا واسطة بين القصر والتمام في فرض وجود الصلاة فان الصلاة إذا تحققت فلا محالة لا تخلو من كونها قصراً أو تماماً ولا ثالث لهما، كما أن القراءة إذا تحققت فلا تخلو من كونها جهرية أو إخفاتية. ولكن هذا ليس من محل الكلام في شيء ضرورة أنّ المأمور به كما عرفت ليس هو الجهر أو الاخفات بما هو، والقصر أو التمام كذلك، بل المأمور به هو القراءة الجهرية والقراءة الاخفاتية، والصلاة قصراً والصلاة تماماً، وقد عرفت أنّ بينهما واسطة فلا يكون وجود إحداهما ضرورياً عند ترك الأخرى.

بل يمكن أن يقال: إنّ ما ذكره (قدس سره) لو تم فانّما يتم بالاضافة إلى مسألة الجهر والخفت وأمّا بالنسبة إلى الاتمام والتقصير فالواسطة موجودة، فان معنى التقصير هو الاتيان بالتسليمة في الركعة الثانية، ومعنى الاتمام ه-و التسليم في الركعة الرابعة، ويمكن المكلف ترك كلا الأمرين كما هو واضح.

وقد تحصل من ذلك : أنّ المسألتين داخلتان في موضوع بحث الترتب. فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّهما من الضدّين اللذين ليس لهما ثالث مبني على غفلته عما ذكرناه، وتخيل أن المأمور به هو نفس الجهر والاخفات.

الثالث : ما ذكره (قدس سره) من أنّ الخطاب المترتب على عصيان خطاب آخر إنما يكون فعلياً عند تحقق أمرين :

الأول : : تنجز الخطاب المترتب عليه من ناحية وصوله إلى المكلف صغرى وكبرى. وقد ذكرنا في محلّه أنّ التكليف ما لم يصل إلى المكلف بحسب الصغرى والكبرى لا يكون محرّكاً له وموجباً لاستحقاق العقاب على مخالفته (1).


1) راجع مصباح الأصول 2: 76.

الثاني : عصيانه الذي هو الموضوع للخطاب المترتب. وقد ذكرنا غير مرّة أنّ فعلية الحكم بفعلية موضوعه، ويستحيل أن يكون الحكم فعلياً بدون فعلية موضوعه وتحققه في الخارج، وحيث إنّ المفروض فيما نحن فيه توقف صحة الصلاة مع القراءة الجهرية مثلاً على الجهل بوجوب الاخفات، فلا يمكن تحقق العصيان للتكليف بالاخفات ووجوبه ليتحقق موضوع وجوب الجهر، لأنّ التكليف الواقعي لا يتنجز مع الجهل به وبدون التنجز لا يتحقق العصيان الذي أخذ في موضوع وجوب الجهر.

وعلى هذا، فلا يتحقق شيء من الأمرين المزبورين، وبدون ذلك يستحيل فعلية الخطاب المترتب، فإذا استحالت فعليته استحال جعله أيضاً، لما ذكرناه من أن الغرض من جعل التكليف - سواء أكان وجوبياً أم تحريمياً - إنما ه-و إيجاد الداعي للمكلف نحو الفعل أو الترك، ومن الواضح أنه إنما يكون داعياً فيا إذا أمكن إحرازه صغرى وكبرى، وأما إذا لم يمكن إحرازه كذلك فيستحيل أن يكون داعياً.

ومن هنا قد ذكرنا في بحث البراءة (1)أنّ التكليف إذا لم يصل إلى المكلف صغرى فلا يكون محرّكاً له بمجرد وصوله كبرى، كما إذا علم بحرمة شرب الخمر مثلاً في الشريعة المقدسة، ولكن لم يعلم أنّ هذا المائع المعين خمر، فلا يكون مثل هذا العلم داعياً إلى ترك شرب هذا المائع، وكذا الحال فيما إذا كان التكليف واصلاً صغرى، ولكنه لم يصل كبرى، كما إذا علم أنّ هذا المائع المعيّن خمر، ولكن لم يعلم حرمة شربه، فلا يكون مجرّد العلم بكونه خمراً مؤثراً في تركه.

ومن ذلك قلنا إنه لا فرق في جريان البراءة بين الشبهات الحكمية والموضوعية،


1) مصباح الأصول 2: 76.

فكما أنها تجري في الأولى فكذلك تجري في الثانية، لأن ملاك الجريان فيهما واحد - وهو عدم العلم بالتكليف الفعلي - غاية الأمر أن جريانها في الأولى مشروط بالفحص فلا تجري قبله، دون الثانية، وفي المقام بما أنّه لا يمكن إحراز موضوع الخطاب المترتب - وهو عصيان الخطاب المترتب عليه - فلا يمكن جعله لأنه لغو فلا يصدر من الحكيم.

ثم أورد على نفسه : بأنّ المفروص في محل الكلام هو أنّ الجهل بالخطاب المترتب عليه ناشئ عن التقصير، فلا يكون مانعاً عن تنجز الخطاب المزبور، وحصول عصيانه الذي أخذ في موضوع الخطاب المترتب، فانّ المانع عن ذلك إنما هو الجهل عن قصور.

وأجاب عنه : بأنّ الخطاب الواقعي لا يكون منجزاً وقابلاً للدعوة في ظرف الجهل، من دون فرق فيه بين كون الجهل عن قصور أو عن تقصير، وأمّا استحقاق العقاب فانّما هو على مخالفة الواقع في ظرف وجوب الاحتياط أو التعلم، والوجه فيه : ما ذكرناه في محلّه (1)من أنّ وجوب الاحتياط أو التعلم إنما هو من باب تتميم الجعل الأوّل، فالعقاب على مخالفة الواقع هو بعينه العقاب على مخالفة إيجاب الاحتياط أو التعلّم وبالعكس. وعلى هذا يترتب أنّ استحقاق العقاب على تقدير مخالفة الحكم الواقعي في موارد وجوب الاحتياط أو التعلم لا يصحح إحراز العصيان، فانّ إحرازه يتوقف على وصول الحكم الواقعي بنفسه بالوجدان أو بطريق معتبر من أمارة أو أصل محرز، ومن الواضح أنّه ما لم يحرز العصيان لا وجداناً ولا تعبداً لا يكون الحكم المترتب عليه محرزاً أيضاً.

وبتعبير آخر: أنّ تعلق الأمر بالضدّين على نحو الترتب يبتني على أخذ


1) أجود التقريرات 3: 561.

عصيان الأمر المترتب عليه في موضوع الأمر المترتب، وهذا في محل الكلام غير معقول، فلا يمكن أخذ عصيان الأمر بالاخفات مثلاً في موضوع الأم--ر بالجهر، والوجه في ذلك : هو أنّ المكلف بالقراءة الاخفاتية لا يخلو من أن يكون عالماً بوجوب الاخفات عليه، أو يكون جاهلاً به ولا ثالث لهما. أمّ-ا الفرض الأول فهو خارج عن محل الكلام، إذ المفروض فيه توقف صحة الجهر على الجهل بوجوب الاخفات فلا يقع صحيحاً في صورة العلم بوجوبه بالضرورة. وأما على الفرض الثاني فعصيان وجوب الاخفات وإن كان متحققاً في الواقع، إلا أنه يستحيل جعله موضوعاً لوجوب الجهر في ظرف الجهل، لاستحالة جعل حكم على موضوع لا يمكن إحرازه أصلاً، فانّ المكلف إذا علم الاخفات ينقلب الموضوع فيصير الواجب عليه عندئذ ه-و بعصيانه وجوب الاخفات دون الجهر، وإذا كان جاهلاً به فلا يصل، وعليه فكيف يمكن أخذه في موضوع وجوب الجهر.

وإن شئت فقل : إنّ فعلية الخطاب المترتب تتوقف على توفير شروط:

الأوّل: أن يكون الخطاب المترتب عليه فعلياً ومنجزاً.

الثاني : كون المكلف عاصياً له وغير آتٍ به في الخارج.

الثالث : كونه عالماً بعصيانه، فعند توفر هذه الشروط الثلاثة يمكن القول بالترتب وبفعلية الخطاب المترتب، وإلا فلا يمكن القول به أبداً، فالموارد التي تجري فيها أصالة البراءة عن التكليف المجهول كما في الشبهات البدوية، تنتفي فيها الشروط الثلاثة معاً، ضرورة أنه مع جريان البراءة لا يتنجز التكليف الواقعي، ومع عدم تنجزه فلا عصيان فضلاً عن العلم به. وعليه فلا يمكن القول بالخطاب الترتبي في تلك الموارد، كما أنه في الموارد التي لا تجري فيها أصالة البراءة من جهة وصول التكليف الواقعي بطريقه وذلك كموارد الشبهات

قبل الفحص والموارد التي اهتم الشارع بها، يمتنع جعل خطاب مترتب على عصيان التكليف الواقعي في تلك الموارد فانّ التكليف الواقعي فيها وإن كان فعلياً ومنجزاً إلّا أنّ مجرد ذلك لا يجدي في صحة الخطاب بنحو الترتب، لانتفاء الشرطين الأخيرين فيها، أعني بهما تحقق العصيان، والعلم به.

والوجه فيه : ما عرفت من أنّ العصيان في تلك الموارد حقيقة إنم-ا ه-و بالنسبة إلى الخطاب الطريق - وهو وجوب الاحتياط أو التعلم - الواصل عند المصادفة للواقع دون الخطاب الواقعي المجهول، وكما أنّ في موارد العلم الاجمالي التي كان التكليف فيها معلوماً إجمالاً وواصلاً ب-ه، وفعليته وعصيانه ك-انا متحققين واقعاً على تقدير تحقق المخالفة ومصادفة الاحتمال للواقع، فمع ذلك لا يمكن الالتزام بالترتب فيها وجعل خطاب مترتب على عصيان التكليف الواقعي، وذلك لأنّ الشرط الأخير الذي اعتبر في صحة الخطاب الترتبي - أعني به العلم بتحقق العصيان الموجب لوصول الخطاب المترتب وتنجزه على المكلف - منتف في هذا الفرض.

والحاصل : أنّ المكلف إن لم يكن محرزاً للعصيان المترتب عليه خطاب آخر لم يتنجز عليه ذلك الخطاب، لعدم إحراز موضوعه - وهو العصيان - وإن كان محرزاً له فجعل الخطاب المترتب في مورده وإن كان صحيحاً ولا مانع م-ن-ه أصلاً، إلّا أنّه خلاف مفروض الكلام في المقام، فانّ مفروض الكلام هو جعل خطاب آخر مترتباً على العصيان الواقعي للخطاب الأوّل في ظرف جهل المكلف به لا مطلقاً، ومن الواضح أنّ كل خطاب يستحيل وصوله إلى المكلف صغرى أو كبرى يستحيل جعله من المولى الحكيم.

وعلى ذلك يتفرع استحالة أخذ النسيان في موضوع خطاب، فانّ المكلف إن التفت إلى نسيانه انقلب الموضوع وخرج عن عنوان الناسي، وإن لم يلتفت

إليه لم يحرز التكليف المترتب عليه، فلا يمكن جعل مثل هذا التكليف الذي لا يعقل وصوله إلى المكلف أبداً. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) في المقام مع شيء من التوضيح.

أقول : ما ذكره (قدس سره) ينحل إلى عدّة نقاط :

الأولى : أنّ فعلية الخطاب المترتب على عصيان الخطاب الآخر ترتكز على ركائز ثلاث: 1- فعلية ذلك الخطاب وتنجزه. 2 - عصيانه. 3- العلم بعصيانه، وإلّا فتستحيل فعلية الخطاب المترتب على ذلك.

وعلى ضوء تلك النقطة تترتب أمور :

الأوّل : عدم إمكان جريان الترتب في محل الكلام وفي مسألة القصر والتمام، لعدم توفر الركيزة الثانية والثالثة فيهما - وهما تحقق العصيان في الواقع والعلم. والعصيان وإن كان متحققاً في كلتا المسألتين، إلّا أنّه حقيقةً إنما هو بالاضافة إلى الخطاب الطريق الواصل عند المصادفة مع الواقع - وهو وجوب التعلم - لا على مخالفة الخطاب الواقعي المجهول.

الثاني : عدم إمكان جريانه في الشبهات البدوية التي تجري فيها أصالة البراءة عن التكليف المجهول، لعدم توفر شيء من الركائز المزبورة في تلك الشبهات كما هو واضح.

الثالث : أنّه لا يمكن جعل خطاب مترتب على عصيان خطاب آخر في موارد الشبهات قبل الفحص، أو الموارد المهمة التي يجب الاحتياط فيها، لانتفاء الركيزة الثانية والثالثة فيهما - أعني بهما تحقق العصيان، والعلم به - وذلك لم-ا عرفت من أنّ العصيان حقيقة إنّما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريق الواصل عند مطابقته للواقع، دون الخطاب الواقعي المجهول.

الرابع: عدم إمكان جريانه في موارد العلم الاجمالي، لعدم توفر الركيزة الثالثة في تلك الموارد، وإن كانت الركيزة الأولى والثانية متوفرتين فيها، فانّ التكليف المعلوم بالاجمال واصل إلى المكلف بالعلم الاجمالي، وعصيانه متحقق على تقدير تحقق المصادفة للواقع، وذلك لأنّ العلم بتحقق العصيان الموجب لوصول التكليف المترتب وتنجزه على المكلف منتف في هذا الفرض.

الثانية : أنّ العقاب فيا نحن فيه وفي الشبهات قبل الفحص وفي الموارد المهمة، إنما يكون على مخالفة الوجوب الطريقي كوجوب التعلم أو الاحتياط المستلزمة لمخالفة الواقع، ومن هنا قلنا إنّ العصيان حقيقة إنما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريق الواصل عند المصادفة مع الواقع، دون الخطاب الواقعي المجهول.

الثالثة : أنّه لا يمكن أخذ النسيان بشيء في موضوع حكم، لاستحالة كونه واصلاً إلى المكلف، وذلك لأنّ المكلف إن التفت إلى نسيانه خرج عن موضوع الناسي وصار ذاكراً، وإن لم يلتفت إليه لم يحرز التكليف المترتب عليه، ف-لا يمكن جعل مثل هذا الحكم الذي لا يمكن وصوله إلى المكلف صغرى وكبرى أبداً.

ولنأخذ بدراسة هذه النقاط :

أمّا النقطة الأولى : فبناءً على ما أفاده (قدس سره) من أنّ المأخوذ في موضوع الخطاب المترتب هو عصيان الخطاب المترتب عليه، فهي في غاية الصحة والمتانة ضرورة أنّه على أساس تلك النقطة لا يمكن القول بالترتب في شيء من الموارد المزبورة كما عرفت. أما فيما نحن فيه وما شاكله فلانتفاء الركيزة الثالثة - وهي إحراز عصيان الخطاب المترتب عليه - لوضوح أنّ الأمر بالقراءة الجهرية إذا كان مشروطاً بعصيان الأمر بالقراءة الاخفاتية وبالعكس، ومع

ذلك كانت صحة كل واحدة منهما مشروطة بحال الجهل بوجوب الأخرى، لم يمكن إحراز ذلك العصيان بما هو مأخوذ في الموضوع، وإلا لانقلب الموضوع. وأمّا في الموارد الثلاثة الأخيرة فأيضاً الأمر كذلك من جهة انتفاء تلك الركيزة فيها بعينها.

نعم، ما أفاده (قدس سره) من انتفاء الركيزة الثانية فيما عدا المورد الأخير، بدعوى أن استحقاق العقاب على عصيان الخطاب الطريق الواصل عند المصادفة للواقع، لا على التكليف الواقعي المجهول، لا يمكن المساعدة عليه، لما سنبين في النقطة الآتية إن شاء اللّه تعالى. ولكن الالتزام بتلك النقطة، وهي لزوم تقييد فعلية الخطاب المترتب بعنوان عصيان الخطاب المترتب عليه، بلا ملزم وسبب بل الأمر على خلاف ذلك. فهاهنا دعويان:

الأولى : أنه لا ملزم للتقييد بخصوص العصيان.

الثانية : أنّه لا بدّ من الالتزام بالتقييد بغيره.

أمّا الدعوى الأولى : فلأن صحة القول بجواز الترتب لا تتوقف على ذلك أصلاً، فانّ الترتب كما يمكن تصحيحه بتقييد الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم، كذلك يمكن تقييده بعدم الاتيان بمتعلقه فلا فرق بينهما من هذه الجهة أصلاً. إذن الالتزام بكون الشرط هو خصوص الأوّل دون الثاني بلا موجبوسبب، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى : أن صحة الترتب - أي تعلق الأمر بالمهم على نحو الترتب - لم ترد في آية أو رواية ليقال إنّ الموضوع المأخوذ فيها هو عصيان الأمر بالأهم لا ترك متعلقه في الخارج.

وعلى هذا، فلا مانع من أن يكون الأمر بالقراءة الاخفاتية مثلاً مترتباً على

ترك القراءة الجهرية وبالعكس، والأمر بالصلاة تماماً مترتباً على ترك الصلاة قصراً، فانّ الترك قابل للاحراز من دون لزوم محذور انقلاب الموضوع.

فالنتيجة : أنّه لا مانع من الالتزام بالترتب في هاتين المسألتين، فانّ المانع منه ليس إلا توهم أن الشرط خصوص العصيان، ولكن قد عرفت بطلانه وأنّ إمكان الترتب لا يتوقف على ذلك، فانّ مناط إمكانه هو عدم لزوم طلب الجمع بين الضدّين من اجتماع الأمرين في زمان واحد، ومن الواضح أنه لا يفرق في ذلك بين أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم أو بترك متعلقه في الخارج.

وأمّا الدعوى الثانية : فلأنّ الملاك الرئيسي لامكان الترتب وجوازه هو أنّ الواجب المهم في ظرف عدم الاتيان بالواجب الأهم وتركه في الخارج مقدور للمكلف عقلاً وشرعاً، فإذا كان مقدوراً في هذا الحال فلا يكون تعلق الأمر به على هذا التقدير قبيحاً، فانّ القبيح إنما هو التكليف بالمحال وبغير المقدور، وهذا ليس من التكليف بغير المقدور.

ونتيجة ذلك : هي أن شرط تعلق الأمر بالمهم هو عدم الاتيان بالأهم وتركه خارجاً لا عصيانه، ضرورة أنّ إمكان الترتب ينبثق من هذا الاشتراط، سواء أكان ترك الأهم معصية أم لم يكن، وسواء أعلم المكلف بانطباق عنوان العصيان عليه أم لم يعلم، فانّ كل ذلك لا دخل له في إمكان الأمر بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم أصلاً، ولذا لو فرضنا في مورد لم يكن ترك الأهم معصية لعدم ك--ون الأمر وجوبياً، لم يكن مانع من الالتزام بالترتب فيه.

ومن هنا قلنا بجريان الترتب في الأوامر الاستحبابية وعدم اختصاصه بالأوامر الالزامية.

وعلى الجملة : فتعلق الأمر بالمهم على الاطلاق في مقابل الأمر بالأهم

قبيح، لاستلزام ذلك طلب الجمع، وكذا تعلقه به في حال الاتيان بالأهم قبيح، لعين المحذور المزبور. وأمّا تعلقه به في حال عدم الاتيان به وترك امتثاله في الخارج فلا قبح فيه، ولازم ذلك هو كون الشرط لتعلق الأمر بالمهم ترك الأهم واقعاً وعدم الاتيان به خارجاً، كان تركه معصية أم لم يكن، كان المكلف محرزاً لانطباق عنوان المعصية عليه أم لم يحرز.

وأما العصيان بما هو مع قطع النظر عن تركه وعدم الاتيان به واقعاً، ف--لا يصلح أن يكون شرطاً له ومصححاً لتعلقه به، وأما مع انضمامه به فهو كالحجر في جنب الانسان، فانّ المصحح له واقعاً إنما هو تركه خارجاً، ب-داه-ة أن-ه أساس إمكان الترتب ونقطة دائرة إمكانه لما عرفت من استحالة تعلق الأمر به في غير تلك الحال.

وأما ما تكرر في كلماتنا من أنّ فعلية الأمر بالمهم مشروطة بعصيان الأمر بالأهم، فمن جهة أنه عنوان يمكن الاشارة به إلى ما هو شرط في الواقع - وهو ترك الأهم - غالباً، لا من ناحية أنه شرط واقعاً وله موضوعية في المقام. إذن فما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) هنا لا يرجع بالتحليل العلمي إلى معنى صحيح أبداً.

وعلى هذا الأساس لا مانع من الالتزام بالترتب في هاتين المسألتين ودفع الاشكال المتقدم به، غاية الأمر أنّ الترتب فيها حيث إنّه على خلاف القاعدة فيحتاج وقوعه إلى دليل، والدليل موجود هنا وهو الروايات الصحيحة الواردة فيهما (1)، وذلك لا ينا في دفع الاشكال بشكل آخر كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه


1) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة ب 26، الوسائل8: 505/ أبواب صلاة المسافر ب 17.

تعالى. وعلى ضوء ما حققناه قد تبيّن أنّه لا أصل للركيزة الثانية والثالثة - وهما عصيان الأمر بالأهم، والعلم بعصيانه - ولا دخل لهما في صحة الترتب أصلاً.

نعم، الذي ترتكز عليه صحة الترتب وجوازه هو ترك الاتيان بما تعلق الخطاب المترتب عليه به بما هو ترك، وإحراز ذلك الترك في الخارج.

وعلى هذا الأساس لا بد من التفصيل بين الموارد الثلاثة المتقدمة - أعني بها الشبهات البدوية والشبهات قبل الفحص والموارد المهمة، وموارد العلم الاجمالي - بالالتزام بجريان الترتب فيها عدا الأولى، وعدم جريانه فيها، فهاهنا دعويان :

الأولى : عدم جريان الترتب في موارد الشبهات البدوية.

الثانية : جريانه فيما عداها.

أمّا الدعوى الأولى : فهي في غاية الصحة والمتانة، والوجه في ذلك واضح، وهو أنّ التكليف الواقعي في الشبهات البدوية على تقدير ثبوته غير صالح لأن يكون مزاحماً لحكم من الأحكام، ومع هذا الحال لا موضوع للبحث عن الترتب.

وأما الدعوى الثانية : فلأنّ التكليف الواقعي في جميع تلك الموارد من جهة وصوله إلى المكلف بطريقه أو بعلم إجمالي صالح لأن يكون مزاحماً لتكليف آخر مضاد له، وعليه فلا مانع من الالتزام بالترتب فيها باعتبار أن التكليف الواقعي بعد تنجزه لا محالة يقتضي لزوم الاتيان بتلك المشتبهات في موارد الشبهات الوجوبية ووجوب الاجتناب عنها في موارد الشبهات التحريمية، وعندئذ لو كان هناك واجب آخر يزاحم لزوم الاتيان بها أو وجوب الاجتناب عنها، فلا مانع من الالتزام بوجوبه عند ترك ذلك، وهذا واضح.

وأمّا النقطة الثانية فلا يمكن القول بها، والوجه في ذلك : هو أن العقاب

ليس على مخالفة الوجوب الطريقي الواصل المصادف للواقع، ضرورة أن مخالفة الوجوب الطريقي بما هو لا توجب العقاب، وفي صورة المصادفة للواقع ليس العقاب على مخالفته، بل إنّما هو على مخالفة الواقع، فأنه بعد تنجزه بوجوب الاحتياط أو التعلم فلا محالة توجب مخالفته استحقاق العقاب.

وعلى الجملة : فوجوب الاحتياط أو التعلم ليس وجوباً نفسياً على الفرض، لتستلزم مخالفته العقوبة، بل هو وجوب طريقي شأنه إحراز الواقع وتنجزه، وبعده لا محالة يكون العقاب على مخالفة الواقع بما هو لا على مخالفته، وضم مخالفته إلى مخالفة الواقع بالاضافة إلى استحقاق العقاب كالحجر في جنب الانسان، ضرورة أنّه لا دخل له في العقاب أصلاً.

نعم، ما أفاده (قدس سره) من أنّ العقاب لا يمكن أن يكون على الواقع المجهول بما هو متين، إلّا أنّ ذلك لا يوجب أن لا يمكن العقاب عليه بعد إحرازه وتنجزه من جهة وجوب الاحتياط أو التعلم أيضاً. فما أفاده (قدس سره) هنا لا يلائم مذهبه من أنّ وجوب التعلم والاحتياط طريقي لا نفسي.

وأما النقطة الثالثة : وهي استحالة أخذ النسيان في موضوع الحكم، فهي في غاية الجودة والاستقامة، وقد تعرّضنا لها في الدورة السابقة في آخر بحث البراءة والاشتغال بصورة مفصلة فلا حاجة إلى الاعادة هنا، ويأتي الكلام فيها في محلّها إن شاء اللّه تعالى(1).

الوجه الثاني : ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وإليك ن-ص کلامه

قلت : إنما حكم بالصحة لأجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء


1) مصباح الأصول 2: 533.

في نفسها مهمة في حد ذاتها، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر، وإنما لم يؤمر بها لأجل أنّه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتم. وأما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فانها بلا فائدة، إذ م-ع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلاً مع تمكنه من التعلم فقد قصر ولو علم بعده وقد وسع الوقت. فانقدح أنّه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الاخفات، وإن كان الوقت باقياً.

إن قلت : على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت الواجب فعلاً، وما هو سبب لتفويت الواجب كذلك حرام، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.

قلت : ليس سبباً لذلك، غايته أنّه يكون مضاداً له، وقد حققنا في محلّه أنّ الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلاً.

لا يقال : على هذا فلو صلّى تماماً أو صلّى إخفاتاً في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبها في موضعهما لكانت صلاته صحيحة وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.

فانّه يقال : لا بأس بالقول به لو دلّ دليل على أنها تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم، لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل ولا بعد أصلاً في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به كما لا يخفى (1).


1) كفاية الأصول : 378.

أقول : ملخص ما أفاده (قدس سره) هو أنّ الحكم بصحة الصلاة جهراً في موضع الاخفات وبالعكس، وصحة الصلاة تماماً في موضع القصر يبتني على أساس اشتمالها على المصلحة الملزمة في نفسها وبعد استيفائها لا يبقى مج-ال لاستيفاء المصلحة الأخرى التي هي أهم من المصلحة الأولى، لتضاد المصلحتين وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج. ثمّ إنّ اشتمالهما على تلك المصلحة الملزمة يختص بحالة الجهل بوجوب الواجب الواقعي، وأمّا في صورة العلم به فلا مصلحة لهما أبداً، ولا بعد في ذلك، ضرورة أنّ الأشياء تختلف من حيث وج-دان-ه-ا المصلحة أو عدم وجدانها لها باختلاف الحالات والأزمان، وهذا واضح.

ويتفرع على ذلك عدم وجوب الاعادة ولو مع بقاء الوقت وتمكن المكلف منها، لعدم مشروعيتها بعد استيفاء المصلحة المزبورة في ضمن الصلاة تماماً والصلاة جهراً مثلاً، وقد حققنا في محلّه أنّ عدم الضدّ ليس مقدمة للضد الآخر ليكون فعله منهياً عنه فيكون فاسداً. وأما الحكم باستحقاقه العقوبة مع تمكنه من الاعادة في الوقت فمن ناحية تقصيره، وعدم فائدة الاعادة.

وقد أجبنا عن ذلك في آخر بحث البراءة والاشتغال وملخصه : أن المضادة بين الأفعال الخارجية وإن كانت معقولة وواقعة في الخارج بالبداهة، كالمضادة بين القيام والقعود والحركة والسكون وما شاكلها، وأما المضادة بين الملاكات الواقعية القائمة بالأفعال الخارجية بما هي مع قطع النظر عن التضاد بين تلك الأفعال ففي غاية البعد، بل تكاد تلحق بالمحال، ضرورة أنه لا يعقل التضاد بين المصلحتين مع إمكان الجمع بين الفعلين، فإذا فرضنا أنّ في كل من صلاتي الجهر والاخفات مصلحة تامة، أو في كل من صلاتي التمام والقصر مصلحة كذلك، وكان المكلف متمكناً من الجمع بينهما خارجاً، فلا نعقل التضاد بين المصلحتين بحيث لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما خارجاً واستيفائهما معاً. فم-ا أف-اده

(قدس سره) من التضاد بين المصلحتين وعدم إمكان استيفائها معاً لا نعقل له معنى محصلاً أصلاً.

أضف إلى ذلك : أنّ المصلحتين المفروضتين القائمة إحداهما بطبيعي الصلاة والأخرى بخصوص القصر أو الاخفات مثلاً لا تخلوان من أن تكونا ارتباطيتين أو تكونا استقلاليتين ولا ثالث لهما.

فعلى الأوّل لا يمكن الحكم بصحة الصلاة تماماً في موضع القصر والصلاة جهراً في موضع الخفت وبالعكس لفرض أنّ المصلحتين ارتباطيتان، ومع عدم حصول المصلحة الثانية لا يكفي حصول الأولى.

وعلى الثاني يلزم تعدد الواجب بأن يكون القصر مثلاً أو الجهر أو الاخفات واجباً في واجب، وهو طبيعي الصلاة مع قطع النظر عن أية خصوصية من هذه الخصوصيات باعتبار كونها مشتملة على مصلحة إلزامية في حال الجهل بتلك الخصوصيات، ولازم ذلك هو تعدد العقاب عند ترك الصلاة على الاطلاق وعدم الاتيان بها أبداً، لا تماماً ولا قصراً لا جهراً ولا إخفاتاً، وهو خلاف الضرورة كما لا يخفى.

فالصحيح هو ما ذكرناه في محلّه وحاصله : أنّه لا يمكن المساعدة على ما هو المشهور بين الأصحاب من الجمع بين الحكم بصحة الجهر في موضع الخفت وبالعكس وصحة التمام في موضع القصر، وبين الحكم باستحقاق العقاب على ترك الواجب الواقعي.

والوجه في ذلك هو أن الجاهل بوجوب القصر والاخفات مثلاً لو صلّى قصراً أو اخفاتاً وتحقق منه قصد القربة في حال الاتيان به، فلا يخلو الأمر من أن يحكم بفساد صلاته هذه ووجوب الاعادة عليه عند انكشاف الحال وارتفاع الجهل، أو يحكم بصحتها وعدم وجوب الاعادة عليه ولا ثالث في البين.

أما على الأوّل، فلا شبهة في أن مقتضاه هو أن الصلاة تماماً أو جهراً هو الواجب على المكلف تعييناً في الواقع عند جهل المكلف بالحال، وعلى هذا فلا معنی لاستحقاق العقاب على ترك القصر أو الاخفات، ضرورة أنّ القصر أو الاخفات لا يكون واجباً فى هذا الحال على الفرض، ليستحق العقاب على تركه، ودعوى الاجماع عليه في هذا الفرض من الغرائب كما لا يخفى على أنّ استحقاق العقاب ليس من الأحكام الشرعية ليمكن دعوى الاجماع عليه. هذا مع أنّ كلمات كثير من الأصحاب خالية عن ذلك.

وأما على الثاني، فلا شبهة في أنّ الحكم في الواقع حينئذ يكون هو التخيير بين الجهر والاخفات والقصر والتمام، ولازم ذلك أن يكون الاتيان بالقصر أو الاخفات مجزئاً كما هو شأن كل واجب تخييري، وعلى هذا فلا موضوع لاستحقاق العقاب بعد الاتيان بأحد طرفي التخيير، وإن لم يكن المكلف حال العمل ملتفتاً إليه، ضرورة أنّ الالتفات إليه ليس من أحد شرائط صحة الاتيان بأحد طرفيه.

وقد تحصل ممّا ذكرناه أمران :

الأول : أنه يمكن دفع الاشكال المزبور عن المسألتين المتقدمتين بوجهين: أحدهما : الالتزام بالترتب في مقام الجعل، وقد عرفت أنه لا مانع منه أصلاً، غاية الأمر أنّ وقوعه في الخارج يحتاج إلى دليل، وقد دلّ الدليل على وقوعه فيهما.

ثانيهما: ما ذكرناه لحد الآن من أنّه لا موجب لاستحقاق العقاب أصلاً كما عرفت.

الثاني : أن نقطة الامتياز بين هذين الجوابين هي أنّ الجواب الأوّل ناظر إلى

أنّه لا مانع من الجمع بين الأمرين المزبورين، أعني بهما صحة التمام في موضع القصر والجهر في موضع الخفت أو بالعكس، واستحقاق العقاب على مخالفة الواقع، فأنه بناءً على القول بصحة الترتب فيهما لا إشكال في الالتزام بالجمع بين هذين الأمرين، بل هو لازم ضروري للقول بالترتب، كما عرفت الكلام فيه بصورة مفصلة. والجواب الثاني ناظر إلى أنّه مع الحكم بصحة التمام في موضع القصر والجهر في موضع الخفت وبالعكس كما هو صريح صحيحة زرارة (1)، لا يمكن الحكم باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع، لما عرفت من أنّه مع قطع النظر عن الترتب فالحكم بالصحة يبتني على أحد التقديرين المتقدمين هما : كون التمام أو الجهر مثلاً واجباً تعيينياً في ظرف الجهل، وكونه أحد فردي الواجب التخييري. وعلى كلا التقديرين لا مجال لاستحقاق العقاب أصلاً. هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.

2 - جريان الترتب في واجبين أحدهما موسع والآخر مضيق

أن الترتب كما يجري بين الواجبين المضيقين أحدهما أهم من الآخر كما سبق، فهل يجري بين الواجبين أحدهما موسع والآخر مضيق أم لا؟

قد اختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)جريانه فيهما، ببيان أن الواجب المهم إذا كان موسعاً له أفراد كثيرة، وكان بعض أفراده مزاحماً للأهم دون بعضها الآخر، فبناءً على ما ذكرناه من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف من جهة


1) المتقدمة في ص 482.

2) أجود التقريرات 2: 97.

اقتضاء نفس التكليف ذلك، فلا محالة يتقيد المأمور به بالحصة الخاصة وهي الحصة المقدورة، فيخرج غير المقدور من الأفراد عن إطلاقه، وعليه فلا محالة يتوقف شمول الاطلاق للفرد المزاحم على القول بامكان الترتب وجوازه، فان قلنا به يدخل في الاطلاق عند عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه، وإلا فهو خارج عنه مطلقاً. نعم، يمكن الحكم بصحته حينئذ من جهة اشتماله على الملاك.

وأمّا بناءً على ما ذكره المحقق الثاني (قدس سره) من أنّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هو من ناحية حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فلا نحتاج في الحكم بصحة الفرد المزاحم إلى القول بالترتب والالتزام به، بل يمكن القول بها ولو قلنا باستحالة الترتب والوجه في ذلك هو أن الطبيعة المأمور بها بما أنها مقدورة للمكلف ولو بالقدرة على بعض أفرادها كما هو المفروض، فلا مانع من تعلق الأمر بها على إطلاقها.

وعليه فيصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة، إذ الانطباق قهري والإجزاء عقلي.

أقول : الكلام في ذلك مرّة يقع من ناحية أنّ منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هل هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز أو اقتضاء نفس التكليف ذلك، ومرّة أخرى يقع من ناحية أنّ المهم إذا كان موسعاً وكان بعض أفراده مزاحماً بالأهم، أيمكن إثبات صحته بالترتب أم لا ؟

أما الكلام في الناحية الأولى : فقد ذكرنا أنّ القدرة لم تؤخذ في متعلق التكليف أصلاً، لا من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، ولا من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك، وإنّما هي معتبرة في ظرف الامتثال والاطاعة، ضرورة أنّ العقل لا يحكم بأزيد من اعتبارها في تلك المرحلة، وقد تقدّم

الكلام (1)في ذلك بصورة مفصلة، وقد أوضحنا هناك بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره) من وجوه فلاحظ

وأمّا الكلام في الناحية الثانية فجريان الترتب فيه يبتني على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، وبما أنّ تقييد المهم في المقام بخصوص الفرد المزاحم محال، فاطلاقه بالاضافة إليه أيضاً محال، وعليه فلا يمكن الحكم بصحته من جهة الاطلاق، فلا محالة تبتني صحته على القول بالترتب مع قطع النظر عن كفاية الملاك، غاية الأمر أنّ الترتب هنا إنما هو في إطلاق الواجب المهم بمعنى أن إطلاقه مترتب على ترك الواجب الأهم، وهذا بخلاف الترتب في غير المقام، فان هناك أصل الخطاب بالمهم مترتب على ترك امتثال الخطاب بالأهم لا إطلاقه، وعلى كل حال فالترتب في المقام مبتن على مسلكه (قدس سره).

ولكن قد ذكرنا غير مرّة أنّ التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد، فاستحالة أحدهما في مورد لا يستلزم استحالة الآخر، وعليه فلا يتوقف الحكم بصحته على القول بجواز الترتب، ضرورة أنه عندئذ يمكن الاتيان به بداعي امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة.

وعلى الجملة : فجريان الترتب فيما إذا كان الواجب المهم موسعاً والأهم مضيقاً يرتكز على أحد أمرين :

الأوّل : دعوى اقتضاء نفس التكليف اعتبار القدرة في متعلقه وأنه يوجب تقييده بحصة خاصة وهي الحصة المقدورة

الثاني : دعوى أنّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق.


1) في ص 356.

ولكن قد عرفت فساد كلتا الدعويين في غير موضع. هذا مضافاً إلى أنّ الدعوى الأولى - على تقدير تسليمها في نفسها - لا توجب تقييد المتعل-ق بخصوص تلك الحصة، كما تقدّم الكلام في ذلك بشكل واضح (1)فلا نعيد.

فالصحيح في المقام أن يقال كما ذكرناه سابقاً : إنّ هذه الصورة - أعني بها ما إذا كان المهم موسعاً والأهم مضيقاً - خارجة عن كبرى مسألة التزاحم لتمكن المكلف فيها على الفرض من الجمع بين التكليفين في مقام الامتثال، ومعه لا مزاحمة بينهما أصلاً، هذا من ناحية

ومن ناحية أخرى : أنّ البحث عن إمكان ترتب أحد الحكمين على عدم الاتيان بمتعلق الحكم الآخر واستحالة ذلك، إنما هو في فرض التزاحم بينهما، وإلا فلم يكن للبحث عنه موضوع أصلاً، كما هو واضح.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هى أنّ الصورة المزبورة خارجة عن موضوع بحث الترتب فان موضوع بحثه هو ما إذا لم يمكن إثبات صحة المهم إلّا بناءً على القول بالترتب، وفي المقام يمكن إثبات صحته بدون الالتزام به، بل ولو قلنا باستحالته كما عرفت غير مرّة.

3 - الالتفات إلى الأهم أثناء الاشتغال بالمهم

ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) (2)أنّ المكلف قد يكون عالماً بخطاب الأهم قبل الشروع في امتثال خطاب المهم، وقد يكون عالماً به بعد الشروع


1) في ص 351.

2) أجود التقريرات 2: 99.

فيه. أمّا على الفرض الأوّل فيدور الحكم بصحة الاتيان بالمهم وامتثال خطابه مدار القول بامكان الترتب، كما أنّ الحكم بفساده يدور مدار القول بامتناعه كما سبق. وأما على الفرض الثاني وهو ما إذا كان المكلف عالماً بخطاب الأهم بعد الشروع فيه، فان كان الواجب المهم ممّا لا يحرم قطعه فحكمه حكم الفرض الأوّل بلا كلام. وأما إن كان ممّا يحرم قطعه كما إذا دخل في المسجد وشرع في الصلاة ثم علم بتنجسه، فعندئذ لا يتوقف بقاء الأمر بالمهم - وهو الصلاة في مفروض المثال - على القول بالترتب، فيمكن الحكم بصحتها من دون الالتزام به أصلاً.

والوجه في ذلك : هو أنّ إزالة النجاسة عن المسجد وإن كانت أهم من الصلاة باعتبار أنها فورية دون الصلاة، إلّا أنّ المكلف إذا شرع فيها وحرم عليه قطعها على الفرض لم يكن عندئذ موجب لتقديم الأمر بالازالة على الأمر بالصلاة، وعليه فلا يتحقق عصيان الخطابها ليكون الأمر باتمامها متوقفاً على جواز الترتب.

وسر ذلك : هو أنّ الدليل على وجوب الازالة إنما هو الاجماع، وليس دليلاً لفظياً ليكون له إطلاق أو عموم يشمل هذه الصورة أيضاً. وعلى هذا فلابد من الاقتصار على المقدار المتيقن منه، والمقدار المتيقن منه غير تلك الصورة فلا يشملها. إذن يبقى الأمر بالاتمام بلا مزاحم. وعلى الجملة فالاجماع بما أنه دليل لبّي فالقدر المتيقن منه غير هذا الفرض فلا يشمل ذلك.

نعم، إذا كان هناك واجب آخر أهم من إتمام الصلاة كحفظ النفس المحترمة أو ما شاكله، توقف الأمر باتمام الصلاة عندئذ على القول بالترتب أيضاً، ضرورة أنّ الأمر بالاتمام من جهة مزاحمته بالأهم قد سقط يقيناً، فثبوته له حينئذ لا محالة يتوقف على عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان بمتعلقه خارجاً.

وغير خفي أنّ ما أفاده (قدس سره) إنما يتم لو كان مدرك حرمة قطع

الصلاة هو الروايات الدالة على أنّ تحليلها هو التسليم (1)، فان مقتضى إطلاق تلك الروايات هو حرمة قطعها والخروج عنها بغير التسليم مطلقاً ولو كانت مزاحمة مع الازالة. ولكن قد ذكرنا في بحث الفقه (2)أن شيئاً من هذه الروايات لا يدل على حرمة قطع الصلاة غاية ما في الباب أنها تدل على أنّ التسليم هو الجزء الأخير، وأنّ الصلاة تختتم به كما تفتتح بالتكبيرة، وأما أنّ قطعها يجوز أو لا يجوز فهى أجنبية عن هذا تماماً.

ومن هنا قلنا إنه لا دليل على حرمة قطع الصلاة أصلاً ما عدا دع---وى الاجماع على ذلك كما في كلمات غير واحد، ولكن قد ذكرنا أن الاجماع لم يتم، فانّ المحصل منه غير ثابت، والمنقول منه غير معتبر على أنه يحتمل أن يكون مدركه تلك الروايات أو غيرها، ومع هذا كيف يمكن أن يكون كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام).

ولو تنزلنا عن ذلك وسلّمنا ثبوت الاجماع، فالقدر المتيقن منه هو ما إذا لم تكن الصلاة مزاحمة مع الازالة، وأمّا في صورة المزاحمة فلا علم لنا بثبوته وذلك لعدم تعرض كثير من الفقهاء لتلك الصورة وعليه فلا موجب لتقديم وجوب إتمام الصلاة على وجوب الازالة.

وعلى الجملة : بما أنّ الدليل على كل من الطرفين هو الاجماع فهو لا يشمل الصورة المزبورة، فإذن لا دليل على وجوب الازالة فى تلك الصورة، ولا على وجوب الاتمام، وحيث لا أهمية في البين فمقتضى القاعدة هو التخيير بين قطع الصلاة والاشتغال بالازالة وبين إتمامها، وتمام الكلام في محلّه.


1) الوسائل 6: 415 / أبواب التسليم ب 1.

2) شرح العروة 15: 523 وما بعدها.

4 - الوضوء أو الغسل من الماء المغصوب

هل يمكن الحكم بصحة الوضوء أو الغسل من إناء الذهب أو الفضة أو المغصوب أم لم يمكن ؟

أقول : تحقيق الكلام في هذه المسألة يستدعي البحث عنها في جهات:

الأولى : الوضوء أو الغسل من الماء المغصوب.

الثانية : الوضوء أو الغسل من إناء الذهب أو الفضة أو المغصوب.

الثالثة : الوضوء أو الغسل في الدار المغصوبة أو في الفضاء المغصوب.

الوضوء أو الغسل من إناء النقدين

أمّا الجهة الأولى : فلا شبهة في فساد الوضوء أو الغسل، والوجه فيه ظاهر، وهو أنّ المنهي عنه يستحيل أن يكون مصداقاً للمأمور به، وحيث إنّ الوضوء أو الغسل فى هذا الماء بنفسه تصرّف في مال الغير ومصداق للغصب، فيستحيل أن ينطبق عليه المأمور به، ولا يدخل ذلك في كبرى مسألة التزاحم أبداً كما هو ظاهر.

وأمّا الجهة الثانية : فلو قلنا إنّه يصدق على الوضوء أو الغسل من إناء المغصوب أو الذهب أو الفضة أنّه نحو تصرف فيه بناءً على عدم جواز استعمال الآنيتين مطلقاً، فلا إشكال فى فساده أيضاً لما عرفت من أن المحرم يستحيل أن يكون مصداقاً للمأمور به وبما أنّ الوضوء أو الغسل على هذا بنفسه محرّم فيمتنع أن ينطبق الواجب عليه، وهذا واضح. وأما بناءً على ما هو الصحيح من أنّ المأمور به في مثل هذه الموارد غير متحد مع المنهي عنه، فانّ المأمور به هو صب الماء على الرأس والبدن أو على الوجه واليدين، والمنهي عنه هو أخذ الماء من تلك الأواني، فلا مانع من الحكم بصحة الوضوء أو الغسل، وذلك

لعدم سراية الحكم من متعلقه إلى مقارناته ولوازمه الاتفاقية.

وإن شئت فقل : إنّ متعلق النهي هو أخذ الماء منها، فانه نحو استعمال لها وهو محرّم على الفرض، وأما صبّه على الوجه واليدين مثلاً بعد أخذه منها فليس باستعمال لها ليكون محرّماً، نعم هو مترتب عليه، وقد ذكرنا في بحث مقدمة الواجب (1)أنّ حرمة المقدمة لا تمنع عن إيجاب ذيها إذا لم تكن منحصرة، وأمّا إذا كانت منحصرة فتقع المزاحمة بينهما. فإذن المرجع هو قواعد باب التزاحم.

ولكن المشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً هو التفصيل بين ما إذا كان الماء منحصراً فيها وما إذا لم يكن، فذهبوا إلى فساد الوضوء أو الغسل في الصورة الأولى، وإلى صحته في الصورة الثانية.

أما الصورة الأولى : فقد ذكروا أنّ أخذ الماء منها بما أنه كان محرّماً شرعاً فالمكلف وقتئذ فاقد للماء، لما ذكرناه غير مرّة من أنّ المستفاد من الآية المباركة بقرينة داخلية وخارجية هو أنّ المراد من وجدان الماء فيها وجوده الخاص، وهو ما إذا تمكن المكلف من استعماله عقلاً وشرعاً، وفي المقام وإن تمكن من استعماله عقلاً وتكويناً، ولكنّه لا يتمكن منه شرعاً، والممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فإذن وطيفته هي التيمم.

وأما الصورة الثانية : فلأنّ الوضوء أو الغسل مشروع في حقه، لفرض أنه واجد للماء غاية الأمر أنه قد ارتكب مقدمة محرّمة وهي أخذ الماء من الأواني، وهذا لا يمنع عن صحة وضوئه أو غسله بعد ما كان الماء الموجود في يده مباحاً، وهذا ظاهر.

أقول : التحقيق على ما هو الصحيح من عدم اتحاد المأمور به مع المنهي عنه


1) في ص 273.

خارجاً، صحة الوضوء أو الغسل على كلا التقديرين، وبيان ذلك يقتضي دراسة نواحي عديدة :

الأولى : صورة انحصار الماء بأحد الأواني المزبورة مع عدم تمكن المكلف من تفريغ الماء منها في إناء آخر على نحو لا يصدق عليه الاستعمال.

الثانية : ما إذا تمكن المكلف من تفريغه في إناء آخر من دون أن يصدق عليه الاستعمال.

الثالثة : صورة عدم انحصار الماء فيها ووجود ماء آخر عنده يكفي لوضوئه أو غسله.

أمّا الكلام في الناحية الأولى: فيقع في موردين:

الأوّل : ما إذا أخذ المكلف الماء من هذه الأواني دفعة هذه الأواني دفعة واحدة بمقدار يفي لوضوئه أو غسله.

الثاني : ما إذا أخذ الماء منها غرفة غرفة.

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّه لا إشكال في صحة الوضوء أو الغسل به، ضرورة أن المكلف بعد أخذ الماء منها صار واجداً للماء وجداناً ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً، ولا نرى في استعمال هذا الماء في الوضوء أو الغسل أي مانع، هذا نظير ما إذا توقف التمكن من استعمال الماء على التصرف في أرض مغصوبة ولكن المكلف بسوء اختياره تصرف فيها ووصل إلى الماء، وبعد وصوله إليه لا إشكال في أنه واجد للماء ووظيفته عندئذ هي الوضوء أو الغسل دون التيمم، وإن كان قبل التصرف فيها أو قبل الأخذ منها فاقداً للماء وكانت وظيفته التيمم دون غيره، ولكن بعد التصرف فيها أو بعد الأخذ منها انقلب الموضوع وصار الفاقد واجداً للماء. وهذا لعله من الواضحات.

وأمّا الثاني : فلأنّ بطلان الوضوء أو الغسل على هذا يبتني على اعتبار القدرة الفعلية على مجموع العمل المركب من أجزاء تدريجية كالصلاة والصوم والوضوء والغسل وما شاكلها من الابتداء وقبل الشروع فيه، ولم نكتف بالقدرة التدريجية على شكل تدريجية أجزائه بأن تتجدد القدرة عند كل جزء منها، ويكون تجددها عند الأجزاء اللاحقة شرطاً لوجوب الأجزاء السابقة على نحو الشرط المتأخر. وعلى هذا فلا يمكن تصحيح الوضوء أو الغسل بأخذ الماء منها غرفة غرفة، ضرورة أنّ المكلف قبل الشروع في التوضؤ أو الاغتسال لم يكن واجداً للماء بمقدار يكفي لوضوئه أو غسله، فوقتئذ لو عصى عصى وأخذ الماء منها غرفة غرفة وتوضأ أو اغتسل به فيكون وضوءه أو غسله باطلاً، لعدم ثبوت مشروعيته.

وهذه النظرية وإن قوّيناها سابقاً، ولكنّها نظرية خاطئة، بيان ذلك : أنه لا مجال لتلك النظرية بناءً على ما حققناه من إمكان الشرط المتأخر وأنّه لا مناص من الالتزام به في الواجبات المركبة من الأجزاء الطولية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى قد حققنا ضرورة إمكان الترتب وأنّه لا مناص من التصديق به. ومن ناحية ثالثة : قد ذكرنا غير مرّة أنّ القدرة التي هي شرط للتكليف إنّما هي القدرة في ظرف العمل والامتثال، ومن الواضح أن العقل لا يحكم بأزيد من اعتبار القدرة عند الاتيان بكل جزء ولا دليل على اعتبارها من الابتداء.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي صحة الوضوء أو الغسل بالماء المأخوذ منها بالاعتراف، فان القدرة تتجدّد عند كل جزء من أجزائه بالعصيان وبارتكاب المحرّم، حيث إنّ المكلف بعد ارتكابه واغترافه الماء من الأواني المغصوبة أو الذهب والفضة يقدر على الوضوء مثلاً بمقدار غسل الوجه، وبما

أنه يعلم بارتكابه المحرّم ثانياً وثالثاً إلى أن يتم الوضوء أو الغسل، يعلم بطروء التمكن عليه من غسل سائر الأعضاء، فعندئذ لا مانع من الالتزام بثبوت الأمر به مترتباً على عصيانه، بناءً على ما ذكرناه من صحة الترتب وجوازه، وأنّ وجود القدرة في ظرف الاتيان بالأجزاء اللاحقة شرط لوجوب الأجزاء السابقة على نحو الشرط المتأخر.

ومن المعلوم أنه لا فرق في ذلك بين أنّ القدرة تبقى من الابتداء، أو تحدث في ظرف الاتيان بها، وقد عرفت أنّه لا دليل على اعتبار القدرة بأزيد من ذلك. وبتعبير واضح : أنّه لا ينبغي الاشكال في كفاية القدرة بالتدريج على الواجبات المركبة على شكل تدرج أجزائها، بأن تحدث القدرة على كل جزء منها في ظرفه، مثلاً إذا فرض أنّ عند المكلف ماءً قليلاً لا ينفي إلا بغسل وجهه فقط، ولكنّه يعلم بنزول المطر من جهة إخبار معصوم (عليه السلام) مثلاً، أو قرينة قطعية أخرى، فلا إشكال في صحة غسله وجهه بقصد الوضوء، لتمكنه عندئذ من غسل بقية الأعضاء بعد غسل وجهه، أو لو كان عنده ثلج يذوب شيئاً فشيئاً، وليس عنده إناء ليجمعه فيه، ففي مثل ذلك يتمكن من الوضوء أو الغسل بأخذ الماء غرفة غرفة وعلى نحو التدريج، فلا تكون وظيفته التيمم، لأنه واجد للماء وقادر على استعماله في الوضوء أو الغسل عقلاً وشرعاً، بداهة أنّه لا يعتبر في صحة الوضوء أو الغسل أن يكون عنده ماء بمقدار يفي به من الابتداء وقبل الشروع فيه، إذ هو عمل تدريجي لا يعتبر في صحته وتعلق الأمر به إلا القدرة عليه، سواء أكانت موجودة من الأوّل أو وجدت تدريجاً، فانّه لا دخل لشيء من الخصوصيتين في فعلية التكليف بنظر العقل.

ونظير هذا ما إذا فرض خروج الماء من الأرض بمقدار غرفة واحدة دون الزائد، ولكنّه لو أخذ ذلك الماء فيخرج بذاك المقدار ثانياً وهكذا، فلا إشكال

في وجوب الوضوء عليه أو الغسل.

ومن هذا القبيل ما إذا كان الماء لغير المكلف ولم يرض بالتصرف فيه إلا بالأخذ منه بمقدار غرفة واحدة ولكنّه يعلم أنّه يبدو له ويرضى بعد غسل وجهه به مثلاً بالأخذ منه غرفة ثانية وثالثة وهكذا إلى أن يتم وضوءه أو غسله، فانّه يجب عليه الوضوء أو الغسل حينئذ بلا إشكال.

وقد تحصل من ذلك : أنّه لا شبهة في وجوب الوضوء أو الغسل في أمثال تلك الموارد ولا يشرع في حقه التيمم لكونه واجداً لل-م-اء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً، ضرورة أنه لا نعني بوجدان الماء إلّا كونه متمكناً من استعماله من زمان الشروع في الوضوء أو الغسل إلى زمان انتهائه، ولا أثر لوجدان الماء من الابتداء بالاضافة إلى الأجزاء التالية، وإنما الأثر لوج--دان--ه حين الاتيان بها وغسلها كما هو واضح هذا من جانب. ومن جانب آخر: أنك قد عرفت أنّ الترتب أمر ممكن بل لا مناص من الالتزام به.

وعلى ضوء هذين الجانبين فالنتيجة هي صحة الوضوء أو الغسل من الأواني المغصوبة أو الذهب والفضة بقانون الترتب، وأنّ الأمر بالوضوء أو الغسل مترتب على عصيان المكلف النهي عن التصرف فيها، إذ المانع من الأمر به إنما هو حرمة التصرف في تلك الأواني وأمّا بعد ارتكابه المحرّم باغتراف-ه م-نه-ا يتمكن من الوضوء أو الغسل بمقدار غسل الوجه أو الرأس فحسب، ولكنّه علم بطروء العصيان باغترافه ثانياً وثالثاً إلى أن يتمكن من غس-ل ب-قية الأعضاء، وإن فرض أنه لم يتوضأ أو لم يغتسل به خارجاً، فحينئذ لا مناص من الالتزام بالأمر به مترتباً على عصيانه لكونه واجداً للماء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً، وقد عرفت أنّه لا فرق بين الوجدان الفعلي والوجدان التدريجي، فكلاهما بالاضافة إلى وجوب الغسل أو الوضوء على نسبة واحدة،

كما أنه لا فرق في الالتزام بالترتب بين أن تطول مدة المعصية وارتكاب المحرّم وأن تقصر، وبين أن تكون المعاصي متعددة وأن تكون واحدة، ضرورة أن كل ذلك لا دخل له فيما هو ملاك إمكان الترتب واستحالته، فان ملاك إمكانه كما سبق هو أنّه لا يلزم من طلب المهم على تقدير عصيان الأمر بالأه-م وت--رك متعلقه طلب الجمع، ومن الواضح جداً أنه لا يفرق في هذا بين العصيان الفعلي والعصيان التدريجي، كما أنّ ملاك استحالته هو لزوم طلب الجمع من ذلك، ولا يفرق فيه بين معصية واحدة فعلية ومعاصي عديدة تدريجية كما هو واضح.

ومثل المقام ما إذا وقعت المزاحمة بين الصلاة الفريضة في آخر الوقت وصلاة الآيات، فانّ الأمر بصلاة الآيات حينئذ مترتب على عصيان الفريضة وتركها في مقدار من الزمان الذي يتمكن المكلف من الاتيان بصلاة الآيات ولا يكفي عصيانها في الآن الأوّل، لفرض وجوبها في جميع آنات صلاة الآيات، فالمكلف بعد عصيانها في الآن الأوّل وإن تمكن من جزء منها، إلّا أنّه لا يتمكن من بقية أجزائها، ولكنه حيث علم بأنه يعصي الأمر بالفريضة في الآن الثاني والثالث وهكذا، علم بطروء التمكن عليه من الاتيان بها بعد الاتيان بالجزء الأول.

ومثله أيضاً ما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الازالة عن المسجد ووجوب الصلاة، فانّ الأمر بالصلاة عندئذ منوط بعصيان الأمر بالازالة في الآنات التي يقدر المكلف فيها على الاتيان بالصلاة تماماً، ولا يكفي عصيانها آناً ما، ولكن المكلف حيث علم بعد عصيانه في الآن الأوّل بأنّه يعصيه في الآن الثاني والثالث وهكذا، علم بعروض التمكن من الاتيان بها تدريجاً، وقد عرفت أنّ القدرة التدريجية كافية في مقام الامتثال ولا تعتبر القدرة الفعلية، وعليه فلا مانع من الالتزام بوجوبها من ناحية الترتب، بل لا مناص من ذلك.

وقد تبيّن لحد الآن : أنّ تدريجية وجود القدرة مرّة من ناحية تدريجية وجود

مقتضيه وتحققه في الخارج، ومرّة أخرى من ناحية تدريجية ارتفاع مانعه، ومرّة ثالثة من ناحية تدريجية عصيان الأمر بالأهم.

ومثال الأول : ما مرّ من أنه إذا كان عند المكلف ثلج فيذوب شيئاً فشيئاً ولم يكن عنده إناء ليجمع ماءه فيه ثم يتوضأ أو يغتسل به، فلا يقدر على جمعه إلا بمقدار يسع كفّه. أو إذا فرض خروج الماء من الأرض بمقدار يسعه كفه دون الزائد، ولكنّه إذا أخذ ذلك الماء يخرج منها بهذا المقدار ثانياً وهكذا، أو إذا كان عنده مقدار من الماء لا. الماء لا يفى لوضوئه أو غسله، ولكنه يعلم بنزول المطر ب-ع-د صرفه في غسل الوجه أو الرأس من جهة إخبار المعصوم (عليه السلام) به أو من طريق آخر، ففي هذه الموارد وما شاكلها جميعاً لا شبهة في وجوب الوضوء أو الغسل، بناءً على كفاية القدرة التدريجية كما هو الصحيح، وقد تقدّم أنّ العقل مستقل بكفايتها، وأنّ حكم العقل بذلك لم يدع مجالاً لتوهم اعتبار القدرة الفعلية في مقام الامتثال لتكون نتيجته سقوط وجوب الوضوء أو الغسل في تلك الموارد وانتقال الوظيفة إلى التيمم.

ومثال الثاني: ما إذا كان الماء ملكاً لغيره ولم يرض بالتصرف فيه إلا بالأخذ منه بمقدار غرفة لا يفي إلا لغسل الوجه فحسب، ولكنّه يعلم بأنه يرضى بعد غسل وجهه بالأخذ منه ثانياً وثالثاً وهكذا كما عرفت. أو إذا كان هناك مانع آخر لا يتمكن معه من الوضوء أو الغسل إلّا تدريجاً، ففي كل ذلك لا

مناص من الالتزام بوجوب الوضوء أو الغسل كما تقدّم بصورة واضحة. ومثال الثالث : ما إذا كان الماء في الأواني المغصوبة أو الذهب والفضة، ولم يتمكن المكلف من تفريغه في إناء آخر، كما هو مفروض الكلام هنا، أو م-ا ذكرناه من الأمثلة المتقدمة، فوقتئذ لو عصى المكلف وارتكب المحرم بالاغتراف من تلك الأواني، فلا محالة يتمكن من الوضوء بمقدار غسل الوج-ه أو م-ن

الغسل بمقدار غسل الرأس،مثلاً، ولكنّه لما علم بأنه يعصي ويغترف منها ثانياً وثالثاً، وهكذا علم بأنّه قادر على الوضوء أو الغسل بالتدريج، وعليه فلا مناص من الحكم بوجوبه بناءً على الأساسين المتقدمين هما: كفاية القدرة التدريجية في مقام الامتثال، والالتزام بامكان الترتب وجوازه.

ومن ذلك يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)من بطلان الوضوء أو الغسل في هذا الفرض لا يمكن المساعدة عليه، والوجه في ذلك: هو أنّ ما ذكره (قدس سره) مبني على ما أسسه من ابتناء جريان الترتب على كون العمل واجداً للملاك حين الأمر به وبما أنّ الوضوء أو الغسل فيما نحن فيه غير واجد له، فان وجدانه يتوقف على كون المكلف واجداً للماء من الأوّل، والمفروض عدمه هنا، إذ كونه واجداً له موقوف على جواز تصرفه في الأواني، وبما أنّه محرم و ممنوع شرعاً، والممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فلم يكن واجداً للماء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً.

ولكن قد عرفت فساد ما أفاده (قدس سره) وأنّ جريان الترتب في مورد لا يتوقف على ذلك، وقد أوضحناه بصورة مفصلة فلا نعيد. هذا من ناحية الملاك. وأما من ناحية عدم كون المكلف واجداً للماء فأيضاً يظهر فساده ممّا ذكرناه الآن من أنّه لا فرق بين كون المكلف واجداً للماء بالفعل وكونه واجداً له بالتدريج، فالترتب كما يجري في الأوّل كذلك يجري في الثاني من دون فرق بينهما من هذه الجهة أبداً كما عرفت بشكل واضح.

فالنتيجة قد أصبحت أنّ النقطة الرئيسية لصحة الوضوء أو الغسل في أمثال المقام هي كفاية القدرة على العمل في مقام الامتثال بالتدريج، وعدم اعتبارها


1) أجود التقريرات 2 : 101

من الابتداء. وعلى ضوء هذه النقطة لا مناص من الالتزام بصحة الوضوء أو الغسل من جهة الترتب.

وأما الكلام في الناحية الثانية : وهي صورة تمكن المكلف من تفريغ الماء في ظرف آخر، فلا شبهة في صحة الوضوء أو الغسل حينئذ، وذلك لأنه واجد للماء ومتمكن من استعماله عقلاً وشرعاً، وعليه فالأمر بالطهارة المائية في حقه فعلي، ضرورة أنه مع تمكنه من التفريغ بدون أن يصدق عليه الاستعمال بوجه قادر عليها، وعندئذ تتعين وظيفته بمقتضى الآية المباركة وغيرها من روايات الباب في الوضوء أو الغسل، ولا يشرع في حقه التيمم.

ثمّ إنّه لو عصى وأخذ الماء من الأواني بالاغتراف فهل يمكن الحكم بصحة وضوئه أو غسله مع قطع النظر عن القول بالترتب وكفاية القدرة التدريجية أم

لا؟

وجهان، والصحيح هو الأوّل، وذلك لأنه قادر عليه فعلاً، والمفروض أنّ مشروعيته لا تتوقف على القول بالترتب، غاية الأمر أنّه بسوء اختياره ق-د ارتكب مقدمة محرمة، ومن الواضح أنّ ارتكابها لا يضر بصحته أبداً.

فالنتيجة هي صحة الوضوء أو الغسل فى هذه الصورة مطلقاً قلنا بالترتب أم لم نقل، قلنا بفساد الوضوء أو الغسل في الصورة الأولى أم لم نقل.

وأمّا الكلام في الناحية الثالثة : وهي صورة عدم انحصار الماء في الأواني المزبورة، فأيضاً لا شبهة فى صحة الوضوء أو الغسل بالاعتراف، سواء في-ه القول بالترتب،وعدمه، وسواء فيه القول باعتبار القدرة الفعلية وعدم اعتبارها، وذلك لفرض أنّ المكلف متمكن من الطهارة المائية بالفعل، ولا يتوقف مشروعيتها على القول بالترتب، غاية الأمر أنّه بسوء اختياره قد ارتكب فعلاً محرماً، وقد عرفت أنه لا يضر بصحة وضوئه أو غسله بعد ما كان الماء الموجود في يده

مباحاً على الفرض.

فقد تحصل ممّا ذكرناه : أنّ الوضوء أو الغسل صحيح في جميع تلك النواحي والصور.

وقد تبين ممّا قدمناه لحد الآن أمران :

الأوّل : أنّ الوضوء أو الغسل من الأواني إذا كان ارتماسياً فلا إشكال في فساده، وذلك لأنه بنفسه تصرف فيها، وهو محرّم على الفرض، ومن الواضح جداً أنّ المحرّم لا يقع مصداقاً للواجب، ولا يفرق في ذلك بين صورتي انحصار الماء فيها وعدمه، وصورة التمكن من التفريغ في إناء آخر وعدم التمكن منه، فانّ التوضؤ أو الاغتسال إذا كان في نفسه محرّماً فلا يمكن التقرب به ولا يقع مصداقاً للواجب، وهذا ظاهر.

الثاني : أنّه قد ظهر فساد ما أفاده السيد العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في العروة في بحث الأواني وإليك نص كلامه : لا يجوز استعمال الظروف المغصوبة مطلقاً، والوضوء والغسل منها مع العلم باطل مع الانحصار، بل مطلقاً (1). وقال في مسألة أخرى ما لفظه : إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين، فان أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب، وإلا سقط وجوب الوضوء أو الغسل ووجب التيمم، وإن توضأ أو اغتسل منهما بطل، سواء أخذ الماء منهما بيده أو صب على محل الوضوء بهما أو ارتمس فيهما، وإن كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف آخر، ومع ذلك توضأ أو اغتسل منها فالأقوى أيضاً البطلان (2).


1) العروة الوثقى 1 : 116 المسألة [398] فصل في حكم الأواني.

2) العروة الوثقى 1 : 120 المسألة [411] فصل في حكم الأواني.

فالنتيجة أنه (قدس سره) قد حكم ببطلان الوضوء والغسل في جميع تلك الصور والنواحي، من دون فرق بين صورتي الانحصار وعدمه، وإمكان التفريغ في إناء آخر وعدم إمكانه.

أقول : ما أفاده (قدس سره) في المقام لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وذلك لما عرفت من الحكم بصحة الوضوء أو الغسل في صورة انحصار الماء في تلك الأواني مع عدم التمكن من التفريغ في إناء آخر فضلاً عن صورة عدم الانحصار أو التمكن من التفريغ، وعلى ذلك فمن المحتمل قوياً أن يكون نظر السيد (قدس سره) في هذا إلى أنّ المأمور به في هذه الموارد متحد مع المنهي عنه، بمعنى أنّ الوضوء أو الغسل من الأواني ولو بالاغتراف بنفسه تصرف فيها فيكون منهياً عنه، وعليه فلا يمكن أن يقع مصداقاً للمأمور به، ولأجل ذلك حكم بالبطلان مطلقاً.

ولكن ممّا ذكرناه ظهر فساده والوجه فيه : أنّ الوضوء أو الغسل بعد أخذ الماء منها بالاغتراف ليس تصرفاً فيها بشيء، ضرورة أن ما هو التصرف في الآنية إنّما هو تناول الماء منها،وأخذه وأمّا التصرفات الواقعة بعده فلا يصدق على شيء منها عرفاً أنه تصرف فيها، لوضوح أن صبه على الأرض أو استعماله في الطهارة الخبئية أو سقيه للحيوان أو إعطاءه لشخص آخر أو غير ذلك جميعاً تصرفات خارجية، فليس شيء منها تصرفاً في الآنية ليكون مشمولاً للروايات الناهية عن استعمالها، ومن المعلوم أنّ التوضؤ أو الاغتسال به أيضاً من هذه التصرفات فلا تشمله الروايات.

وعلى الجملة : فالذي هو استعمال للآنية إنّما هو تناول الماء منها وأخذه، وأمّا التصرف في الماء بعد أخذه واستعماله بنحو من أنحاء الاستعمال، سواء أكان في الوضوء أو الغسل أو كان في غيره، فلا شبهة في أنه ليس باستعمال

للآنية قطعاً، بداهة أنّه استعمال للماء حقيقة وليس باستعمال لها بوجه، وهذا واضح جداً.

ومن هنا ذهب كثير من الفقهاء إلى صحة الوضوء أو الغسل في صورة عدم انحصار الماء فيها كما عرفت، ومن المعلوم أنه إذا كان بنفسه تصرفاً فيها ومصداقاً للمحرم، لم يكن وجه للقول بالصحة أبداً، بناءً على حرمة التصرف فيها مطلقاً كما هو مختارهم لاستحالة كون المحرّم مصداقاً للمأمور به.

فالنتيجة: أنّ ما أفاده السيد (قدس سره) في المقام لا يرجع إلى أساس صحيح. بقي الكلام في أمر وهو أنّ ما ذكرناه حول أواني الذهب والفضة يبتني على وجهة نظر المشهور من حرمة استعمال الآنيتين مطلقاً من دون اختصاصها بالأكل والشرب، وعليه فحالها حال الأواني المغصوبة.

وأما بناءً على القول بعدم حرمة سائر الاستعمالات من الوضوء والغسل وإزالة النجاسات وغيرها ممّا يعدّ عرفاً استعمالاً لهما، فلا إشكال عندئذ في صحة الوضوء أو الغسل من الآنيتين مطلقاً ولو كان ارتماسياً.

وقد ذكرنا في بحث الفقه (1)أنّ القول بذلك لا يخلو عن وجه، والوجه في ذلك ملخصاً : أن جميع ما استدلوا به على حرمة غير الأكل والشرب من الاستعمالات يرجع إلى وجوه ثلاثة وكلّها قابل للمناقشة :

الأول : الاجماع كما ادعاه غير واحد منهم. ويردّه: مضافاً إلى أنه لم يثبت في نفسه لاقتصار جماعة على خصوص الأكل والشرب وعدم تعرضهم لغيرهما، أنّه اجماع منقول لم يقم دليل على اعتباره كما ذكرناه في محله (2). على أنه محتمل


1) شرح العروة 4: 282.

2) مصباح الأصول 2: 156.

المدرك لو لم يكن معلوماً. وعليه فلا أثر له.

الثاني : رواية موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) «آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون» (1)بتقريب أنّ المتاع ما ينتفع به، فالرواية تدل على حرمة الانتفاع من الآنيتين وأنه خاص لغير الموقنين، ومقتضى إطلاقها حرمة جميع استعمالاتهما حيث إنّ استعمال الشيء انتفاع به.

وغير خفي أنّ الرواية ضعيفة سنداً ودلالة. أما سنداً فلأنها ضعيفة بسهل ابن زياد وموسى بن بكر على طريق الكافي، وبموسى بن بكر على طريق آخر رواها عنه البرقي. وأمّا دلالةً فمع إمكان المناقشة في أصل دلالتها على الحرمة باعتبار أن مجرد اختصاص الانتفاع بهما لغير الموقنين لا يدل على حرمة الانتفاع لهم، أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن الانتفاع من كل متاع بحسب ما يناسبه، فالانتفاع بالكتاب إنما هو بمطالعته، والانتفاع بالفرش إنما هو بفرشه، وباللباس بلبسه وهكذا. ومن الواضح جداً أن الانتفاع بالأنيتين ظاهر في استعمالهما في الأكل والشرب فلا يشمل غيرهما، لكون الأواني معدة لذلك. إذن فالرواية ظاهرة في حرمة الأكل والشرب منها فلا تشمل سائر الانتفاعات والاستعمالات.

الثالث : ما ورد من النهي عن أواني الذهب والفضة وهي روايات كثيرة:

منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه نهى عن آنية الذهب والفضة» (2).

ومنها : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن الرضا


1) الوسائل 3: 507 / أبواب النجاسات ب 65 ح 4.

2) الوسائل 3: 506/ أبواب النجاسات ب 65 ح 3.

(عليه السلام) عن آنية الذهب والفضة، فكرهها» (1).

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) «أنه كره آنية الذهب والفضة والآنية المفضضة» (2)بتقريب أنّه لا معنى لتعلّق النهي والكراهة بالأعيان والذوات، نعم الكراهة بمعنى الصفة النفسانية المعبّر عنها بالكراهة التكوينية الحقيقية وإن أمكن تعلقها بالذوات بما هي بأن يكون الشيء مبغوضاً بذاته، كما أنّه قد يكون محبوباً كذلك، إلّا أنّ الكراهة بالمعنى الشرعي لا معنى لتعلقها بها أبداً، ومن المعلوم أنّه لم يرد من الكراهة في هاتين الصحيحتين الكراهة التكوينية، ضرورة أنّ الظاهر منهما هو أنّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الحكم الشرعي، لا في مقام إظهار كراهته الشخصية وهذا واضح وعليه فلابد من تقدير فعل من الأفعال فيها، ليكون هو المتعلق للنهي والكراهة، وبما أنه لا قرينة على التخصيص ببعض منها دون بعضها الآخر، فلا محالة يكون المقدّر هو مطلق الانتفاعات والاستعمالات.

ولكن قد ظهر الجواب عنه بما تقدّم من أنّ المقدر في كل مورد بحسب ما يناسب ذلك المورد، ومن هنا ذكروا أنّ المقدر في مثل النهي عن الأمهات هو النكاح، فانه المناسب للمقام والأثر الظاهر من النساء، كما أنّ المقدر في مثل النهي عن الميتة والدم وما شاكلها هو الأكل، وهكذا.

وفيما نحن فيه بما أنّ الأثر الظاهر من الاناء هو استعماله في الأكل والشرب،

فلا محالة ينصرف النهي عنه إلى النهي عن الأكل والشرب فلا يشمل غيرهما وعلى الجملة: فالنهي في أمثال هذه الموارد بمناسبة الحكم والموضوع


1) الوسائل 3: 505/ أبواب النجاسات ب 65 ح 1.

2) الوسائل 3 : 508/ أبواب النجاسات ب 65 ح 10.

منصرف إلى النهي عن الأثر الظاهر من الشيء، فلا يعم مطلق أثره.

ونتيجة ذلك : هي أن المقدر في تلك الصحاح بمقتضى الفهم العرفي ه-و خصوص الأكل والشرب دون مطلق الاستعمال والانتفاع، فإذن لا دليل على حرمة استعمال الآنيتين في غير الأكل والشرب، وعليه فلا مانع من الوضوء أو الغسل بهما مطلقاً ولو كان ارتماسياً، كما أنّه لا مانع من غيره، وتمام الكلام في ذلك في بحث الفقه (1).

وقد تحصّل ممّا ذكرناه أمران : الأوّل: الوضوء أو الغسل الترتيبي من الأواني المغصوبة أو الذهب والفضة صحيح مطلقاً، سواء أكان الماء منحصراً فيها أم لم يكن، وسواء أتمكن المكلف من التفريغ في إناء آخر أم لم يتمكن، وسواء أخذ الماء منها دفعة واحدة أم بالتدريج الثاني: أنّ الوضوء أو الغسل الارتم-اسي باطل على جميع هذه التقادير والفروض.

الوضوء أو الغسل في الأرض المغصوبة

وأمّا الجهة الثالثة : فيقع الكلام فيها في مقامين : الأوّل: في الوضوء أو الغسل في الأرض المغصوبة. الثاني: في الفضاء المغصوب.

أمّا المقام الأوّل : فالكلام فيه يقع في موردين: الأول : ما إذا فرض انحصار الماء في مكان مغصوب بحيث إنّ المكلف لا يتمكن من الوضوء أو الغسل إلا في ذلك المكان الثاني : ما إذا فرض عدم انحصار الماء فيه.

أمّا المورد الأوّل : فالظاهر أنّه لا إشكال في صحة الوضوء أو الغسل على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي في مثل المقام الذي لم يتحد فيه المأمور به مع المنهي عنه خارجاً، حيث إنّ المأمور به هو الغسلتان والمسحتان مثلاً، والمنهي عنه هو الكون في الدار وهو من مقولة الأين، فيستحيل أن ينطبق على المأمور به،


1) شرح العروة 4: 282.

نعم هما أمران متلازمان في الخارج، وقد ذكرنا غير مرّة أنه لا دلي--ل ع-ل-ى سراية الحكم من متعلقه إلى ملازماته الوجودية، بل قد عرفت الدليل على عدمها، هذا من جانب.

ومن جانب آخر : أن وظيقته ابتداءً وإن كانت هي التيمم، ولو صلّى معه فلا إشكال في صحة صلاته باعتبار أنّه لم يتمكن من الوضوء أو الغسل شرعاً وإن تمكن تكويناً، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ مشروعية الوضوء أو الغسل منوطة بالتمكن من استعمال الماء عقلاً وشرعاً، ولا يكفي مجرد التمكن منه عقلاً إذا كان ممنوعاً من قبل الشرع، وفي المقام بما أنّ الوضوء أو الغسل يتوقف على ارتكاب محرم وهو التصرف في مال الغير، فلا يتمكن المكلف منه. إذن فوظيفته التيمم، لكونه فاقداً للماء، ولكنّه لو عصى ودخل في الدار المغصوبة فتوضأ أو اغتسل به فلا إشكال في صحته بناءً على ما حققناه من إمكان الترتب.

وأما المورد الثاني : فلا شبهة في صحة الوضوء أو الغسل ولو قلنا بالفساد في المورد الأوّل، ولا تتوقف صحته على القول بالترتب، لفرض أنه مأمور بالطهارة المائية، لتمكنه منها، غاية الأمر أن المكلف بسوء اختياره قد ارتكب المحرّم بدخوله في المكان المزبور وتوضأ أو اغتسل فيه، ومن الواضح أنّ ارتكاب محرّم مقدمة للوضوء أو الغسل أو في أثنائه إذا لم يكن متحداً م-ع-ه لا يوجب فساده، هذا كلّه فيما إذا لم يكن الفضاء مغصوباً بل كان مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ.

الوضوء أو الغسل في الفضاء المغصوب

وأمّا المقام الثاني : وهو الوضوء أو الغسل في الفضاء المغصوب، فالظاهر بطلان الوضوء فحسب دون الغسل، أمّا الوضوء فمن جهة المسح حيث يعتبر فيه إمرار اليد وهو نحو تصرف في ملك الغير فيكون محرّماً، ومن الواضح جداً أنّ المحرّم لا يقع مصداقاً للواجب، ولا يفرق في ذلك بين صورتي انحصار الماء

وعدمه، كما هو ظاهر. نعم، لو أوقع المسح في غير الفضاء المغصوب لص-ح وضوءه على الأقوى، وإن كان الأحوط تركه.

ومن هنا استشكلنا في صحة التيمم في الفضاء المغصوب من جهة أنّ المعتبر فيه إمرار اليد وهو نحو تصرف فيه، ولا يفرق في هذا بين وجود المندوحة وعدمها.

وأما الغسل فحيث إنّه لا يعتبر فيه إمرار اليد فلا يكون تصرفاً فيه، وإن كان الأحوط تركه أيضاً.

نتائج الأبحاث السابقة

ونلخص نتائج الأبحاث المتقدمة في عدّة نقاط :

1 - قد سبق أنه يمكن تصحيح الجهر في موضع الخفت وبالعكس، والاتمام في موضع القصر، بالالتزام بالترتب في مقام الجعل، ولا يرد عليه شيء شيء ممّا أورده شيخنا الأستاذ (قدس سره).

2 - قد تقدّم أنّ التضاد الدائمي بين متعلقي الحكمين وإن كان يوجب دخولها في باب التعارض دون باب التزاحم، كما هو واضح، إلا أنه لا يمنع من الالتزام بالترتب بينهما في مقام الجعل بأن يكون جعل أحدهما مترتباً على عدم الاتيان بمتعلق الآخر، غاية الأمر أنّ وقوع الترتب في هذا المقام يحتاج إلى دليل، والدليل موجود في المسألتين كما عرفت.

3- أنّ المأمور به ليس خصوص الجهر والخفت في فرض وجود القراءة، والقصر والتمام في فرض وجود الصلاة ليكونا من الضدّين اللذين لا ثالث لهما، بل المأمور به هو القراءة الجهرية والاخفاتية في المسألة الأولى، والصلاة قصراً وتماماً فى المسألة الثانية، وعليه فيكونان من الضدّين لهما ثالث. على أنّ القصر والتمام لا يكونان من الضدّين لا ثالث لهما حتّى في فرض وجود الصلاة.

4 - أنه لا ملزم لكون الشرط لفعلية الخطاب المترتب عصيان الخطاب المترتب عليه، بل قد عرفت أنّ الشرط في الحقيقة والواقع هو ترك امتثاله وعدم الاتيان بمتعلقه، فانّه نقطة انطلاق إمكان الترتب لا غيره. وعلى هذا الأساس فلا يلزم المحذور المتقدم.

5 - قد ظهر أن الترتب كما يجري في المقام يجري في موارد العلم الاجمالي، والشبهات قبل الفحص والموارد المهمة بناءً على وجوب الاحتياط فيها. نعم، لا يجري في خصوص موارد الشبهات البدوية التي تجري أصالة البراءة فيها.

6 - أن جريان الترتب في مورد يرتكز على ركائز ثلاث: 1- وصول الخطاب المترتب عليه إلى المكلف صغرى وكبرى. 2- عدم الاتيان بمتعلقه في الخارج. 3- إحراز ذلك.

7 - أن مخالفة الخطاب الطريقي بما هو لا توجب العقاب، والعقاب في صورة مصادفته للواقع إنما هو على مخالفة الواقع لا على مخالفته.

8 - قد ذكرنا وجهاً آخر أيضاً لدفع الإشكال عن المسألتين، وهو أنه لا موجب لاستحقاق العقاب أصلاً، فانّ الواجب في الواقع إمّا هو خصوص الجهر مثلاً عند الجهل بوجوب الخفت في المسألة الأولى، وخصوص التمام عند الجهل بوجوب القصر في المسألة الثانية، وإمّا هو أحد فردي الواجب التخييري، وعلى كلا التقديرين لا معنى للعقاب.

9 - أنا لا نعقل التضاد بين الملاكين مع عدم المضادة بين الفعلين.

10 - أن الترتب لا يجري بين الواجبين أحدهما موسع والآخر مضيق، فانّ البحث عن الترتب إمكاناً وامتناعاً يتفرع على تحقق التزاحم بين الحكمين، فإذا فرض أنه لا مزاحمة بينهما وتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا

موضوع له، وما نحن فيه كذلك، فانّ المكلف متمكن من الجمع بينهما من دون أية منافاة.

11 - ذكر شيخنا الأستاذ (قدس سره) أنّ المكلف إذا التفت إلى تنجس المسجد مثلاً أثناء الصلاة فلا يتوقف الحكم بصحتها على القول بالترتب، وهذا بخلاف ما إذا علم بتنجسه قبل الشروع بها، أو كان الواجب ممّا لا يحرم قطعه، ووجهه هو أنّ دليل وجو أن دليل وجوب الازالة لبّي فلا يشمل هذه الصورة، ولكن قد عرفت فساد ذلك، وأنّ دليل حرمة قطع الصلاة على تقدير تسليمها أيضاً لبي، والروايات لا تدل على ذلك.

12 - أنه لا إشكال في صحة الوضوء أو الغسل من الأواني المغصوبة أو أواني الذهب والفضة فيما إذا أخذ الماء منها دفعة واحدة بمقدار يكفي له، لأنّ المكلف بعد الأخذ واجد للماء ومتمكن من استعماله عقلاً وشرعاً.

13 - أنّ المأمور به هنا غير متحد مع المنهي عنه، فانّ المأمور ب-ه هوالغسلتان والمسحتان مثلاً والمنهي عنه هو أخذ الماء من الآنية.

14 - قد تقدّم أنّه لا دليل على اعتبار القدرة الفعلية في ابتداء العمل وعند الشروع في الامتثال، بل تكفي القدرة على نحو التدريج، ولا يحكم العقل بأزيد من ذلك، ولا يفرق في هذا بين أن تكون تدريجية القدرة من ناحية تدريجية مقتضيها، أو من ناحية تدريجية ارتفاع مانعها، أو من ناحية تدريجية ارتكاب معصية المولى.

15 - صحة الوضوء أو الغسل الترتيبي من الأواني مطلقاً وعلى جميع الصور المتقدمة، من صورة انحصار الماء وعدمه، وصورة إمكان التفريغ في إناء آخر وعدم إمكانه، بناءً على ما حققناه من صحة الترتب.

16 - أنّ ما ذكرناه من النزاع مبتن على ما هو المشهور من حرمة استعمال الآنيتين مطلقاً. وأما بناءً على عدم حرمة استعمالهما في غير الأكل والشرب كما لا يخلو عن وجه، فلا موضوع لهذا النزاع أصلاً.

17 - أن صحة الوضوء أو الغسل في الدار المغصوبة مبنية على ما هو الصحيح من عدم اتحاد المأمور به مع المنهي عنه خارجاً، وعدم سراية الحكم من متعلقه إلى ملازماته الاتفاقية. إذن لا مانع من الالتزام بصحة الوضوء أو الغسل من جهة الترتب، ولا فرق في ذلك بين صورتي انحصار الماء وعدمه كما هو واضح.

18 - فساد الوضوء في الفضاء الغصبي على الأقوى من جهة حرمة المسح، بلا فرق بين صورتي الانحصار وعدمه.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

دوران الواجب بين النفسي والغيري...3

مقتضى الأصل اللفظي في المقام ...3

دوران الواجب بين التعييني والتخييري... 5

حقيقة الواجب التخييري ...5

مقتضى الأصل اللفظي في المقام ...6

دوران الواجب بين العيني والكفائي... 8

حقيقة الوجوب الكفائي ...8

مقتضى الأصل اللفظي في المقام ...9

دلالة الأمر عقيب الحظر أو توهّمه... 12

دلالة الأمر على المرة أو التكرار ...14

الامتثال بعد الامتثال ...18

توهم جواز تكرار الامتثال في موردين ...19

دلالة الأمر على الفور أو التراخي ...21

الاستدلال ببعض الآيات على الفور ...23

نتائج البحوث السابقة ...26

مبحث الإجزاء

كون بحث الاجزاء بحثاً عقلياً ...30

معنى «على وجهه» في عنوان البحث ...30

المراد بالاقتضاء في المقام ...31

المراد من الاجزاء في المقام ... 33

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار ...33

الفرق بين هذه المسألة ومسألة تبعية القضاء للأداء ...34

إجزاء كل مأمور به عن أمره ...36

توهم جواز الامتثال بعد الامتثال في موردين ...36

إجزاء المأمور به الاضطراري عن المأمور به الاختياري ...41

1 - زوال العذر في الوقت ...41

تحرير محل النزاع ...41

نقد كلام صاحب الكفاية في المقام ...42

الكلام في اطلاق أدلة الأمر الاضطراري بالنسبة إلى من يتمكن من العمل الاختياري ...46

دعوى المحقق النائيني الاجزاء في المقام ...49

2 - زوال العذر بعد خروج الوقت ...51

كلام المحقق النائيني في المقام... 51

حكم الاضطرار بالاختيار ...55

الاضطرار إلى ترك الجزء أو الشرط ...57

مقتضى الأصل العملي في المقام ...59

إجزاء المأمور به الظاهري عن المأمور به الواقعي ...66

الأقوال في المسألة ...66

التفصيل بين الأمارات والأصول ...66

المختار هو التفصيل بين الطريقية والسببية ...76

نقد ما يقال إنّ الاجزاء مطابق للقاعدة ...77

حقيقة السببية وأقسامها ...82

الشك في الطريقية والسببية... 93

تنبيهات في المقام ...97

1 - التفصيل في الاجزاء بين قيام الأمارة على الحكم أو على متعلقه... 97

2 - اختصاص محل النزاع بوجود أمر بالفعل ...99

3 - عمومية عدم الاجزاء للأحكام والموضوعات ...99

4 - عمومية عدم الاجزاء للمجتهد والمقلّد ...102

ه - نفوذ الحكم الظاهري عند شخص في حق غيره ...103

استثناء مسألة النكاح والطلاق ...103

عدم استثناء الطهارة والنجاسة ...104

6 - دعوى الاجماع على الاجزاء في العبادات المأتي بها طبقاً للحجة... 106

نتائج الأبحاث السابقة ...109

مقدمة الواجب

معنى الوجوب المبحوث عنه في المقام... 111

في أن هذه المسألة أصولية ...112

تقسيمات المقدمة ...115

انقسام المقدمة إلى الداخلية والخارجية...115

اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري ...117

ثمرة القول بوجوب الأجزاء غيرياً ...121

انقسام المقدمة إلى الوجوب والوجود والعلم والصحة ...122

انقسام المقدمة إلى الشرعية والعقلية والعادية ...123

الكلام في الشرط المتأخر ...125

تعمیم الاشكال للشرط المتقدم ...125

حصر النائيني الاشكال في شروط الحكم ...127

كلام صاحب الكفاية في المقام ...131

التزام النائيني باستحالة الشرط المتأخر ...134

المختار في المسألة بالنسبة إلى مقامي الثبوت والاثبات ...135

شرطية الاجازة في العقد الفضولي والقدرة في الواجبات التدريجية ...138

الواجب المطلق والمشروط ...141

معنى الاطلاق والاشتراط ...141

الخلاف في رجوع القيد إلى المادة أو الهيئة ...142

وجوه استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ...142

وجه رجوع القيود إلى المادة لباً ...147

تردد القيد بين رجوعه إلى المادة أو الهيئة ...155

وجوه رجوع القيد إلى المادة ... ...156

مناقشة صاحب الكفاية ...157

تقدم الاطلاق الشمولي على الاطلاق البدلي ...157

مقالة المحقق النائيني في المقام ...158

الكلام في الملازمة بين تقييد الهيئة وتقييد المادة ...164

الكلام في الواجب المعلّق ...173

معنى الواجب المعلّق ...173

وجوه استحالة الواجب المعلّق ...175

الكلام في المقدّمات المفوّتة ...181

بحث حول قاعدة الامتناع بالاختيار ...185

الكلام في غير التعلم من المقدّمات المفوتة ...187

وجوب التعلم ...186

دعوى عدم وجوب التعلم بمجرد احتمال الابتلاء ...200

عدم وجوب التعلم على الصبي ...204

طريقية وجوب التعلم ...205

فسق تارك التعلم ...207

عمومية محل النزاع لمقدمة الواجب المشروط ...257

خروج مقدمات الوجوب المفروضة الوجود عن محل النزاع ...209

إطلاق لفظ الواجب على الواجب المشروط ...209

نتائج الأبحاث السابقة ...210

الواجب النفسي والغيري ...214

تعريف الواجب النفسي والغيري ...214

توهم وجود واجب لا هو نفسي ولا غيري ...219

تردد الواجب بين النفسي والغيري ...221

مقتضى الأصل اللفظي في المقام... 221

مقتضى الأصل العملي في المقام ...222

آثار الواجب النفسي والغيري ...229

الكلام في أنّ الثواب على الواجب النفسي بالتفضل أو الاستحقاق ...229

الثواب على الواجب الغيري ...230

منشأ عبادية الطهارات الثلاث ...232

الأقوال في وجوب المقدمة ...240

مناقشة نظرية الشيخ الأنصاري ...242

ما يتفرع على اعتبار قصد التوصل من الفروع ...249

المقدمة الموصلة ...252

مناقشة المحقق النائيني ...252

مناقشة صاحب الكفاية... 254

أدلة صاحب الفصول... 257

وجه آخر لوجوب المقدمة الموصلة ...260

كلام المحقق النائيني في المقام ...262

ثمرات النزاع في وجود المقدمة ...266

الواجب الأصلي والتبعي ...275

معنى الواجب الأصلي والتبعي ...275

أدلة وجوب المقدمة ...277

مقتضى الأصل العملي في المقام ...277

مقتضى الأصل اللفظي في المقام... 279

المختار فى مقدمة الواجب ...281

مقدمة المستحب والحرام ...282

مبحث الضدّ

جهات من البحث ...286

الكلام في الضدّ الخاص ...290

الاستدلال على الاقتضاء بمقدمية ترك أحد الضدّين للآخر ...290

كلام المحقق النائيني في المقام ...291

کلام صاحب الكفاية في المقام ...302

كلام آخر لصاحب الكفاية... 309

التفصيل بين الضدّ الموجود والمعدوم ...312

الاستدلال على الاقتضاء بالملازمة بين وجود شيء وعدم ضده ...321

شبهة الكعبي بانتفاء المباح ...326

نتيجة الأبحاث السابقة ...327

الكلام في الضدّ العام... 332

القول بأنّ الأمر بشيء عين النهي عن ضده العام ...332

القول بأنّ الأمر بشيء يتضمن النهي عن الضد العام ...334

القول بأنّ الأمر بشيء يستلزم النهي عن الضد العام ...335

المختار في المقام... 335

ثمرة البحث ...338

تزاحم الموسع مع المضيق ...241

تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحدوث والبقاء ...362

تزاحم الواجبين المضيّقين ...383

مبحث الترتب ...385

التعرض لأمور في المقام ...385

صور تزاحم الواجبين ...385

كون مسألة الترتب عقلية ...389

جريان الترتب في تكليفين أحدهما مشروط بالقدرة شرعاً ...390

أدلة إمكان الترتب ...399

أدلة استحالة الترتب ...439

تنبيهات المقام ...463

1 - الجهر موضع الاخفات والتمام موضع القصر ...463

2 - جريان الترتب في واجبين أحدهما موسع والآخر مضيق... 489

3 - الالتفات إلى الأهم أثناء الاشتغال بالمهم ...492

4 - الوضوء أو الغسل من الماء المغصوب ...495

الوضوء أو الغسل من إناء النقدين ...495

الوضوء أو الغسل في الأرض المغصوبة ...510

الوضوء أو الغسل في الفضاء المغصوب ...511

نتائج الأبحاث السابقة ...512

فهرست الموضوعات ...517 - 527

جدول الخطأ و الصواب، ج 44

الصفحة / السطر / الخطأ / الصواب

215 / 1 / ذلك - إلى قوله - واضح / زائد يُحذف

215 / 20 / / النفسيه متمحضاً في الوجوب النفسي، و ذلك لاشتمالها على ملاكين النفسي

278 / 5 / امتنانا / امتنان

450 / 1 / فلما / فلما