موسوعة الإمام الخوئی جلد 36

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سرشناسه : غروی، علی، 1280 - 1376.

عنوان قراردادی : المکاسب.شرح

عنوان و نام پديدآور : التنقیح في شرح‌المکاسب: تقریرا لابحاث‌الاستاذ... ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی/ تالیف علی الغروی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (قدس سره)، [ 14] ق.= [ 2] م.= [ 13] -

مشخصات ظاهری : ج.

شابک : ج.36: 964-7336-35-7 ؛ ج.33‌964-6084-06-0 : ؛ ج.37: 964-7336-36-5 ؛ ج.38:964-7336-37-3 ؛ ج.39:964-7336-38-1 ؛ ج.40‌964-7336-39-X :

وضعیت فهرست نویسی : برونسپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : ج. 33، 37،36 و 40 (چاپ سوم: 1428ق.=2007م.= 1386).

مندرجات : .- ج.33. النکاح.- ج.36 - 37. البیع.- ج.38 - 40. الخیارات

موضوع : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب -- نقدو تفسیر

موضوع : معاملات (فقه)

شناسه افزوده : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

شناسه افزوده : انصاری، مرتضی بن محمدامین، 1214-1281ق . المکاسب . شرح

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP190/1/الف8م70217 1300ی

رده بندی دیویی : 297/372

شماره کتابشناسی ملی : 1‌1‌5‌0‌1‌2‌6

محرر الرقمي: علي الرضائي

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحیم

الحمدُللّه ربِّ العالمين

وَالصّلاة و السّلام علی سیّدنا محمّد وآله الطّاهرین

وَلَعنةُ اللّه عَلی أعدائهم أجمعین

مِن الآن إلی قیامِ یوم الدین

التّنقیح في شرح المکاسب

التّنقیح في شرح المكاسب

تقرير الأبحاث

الاستاذ الاعظم سماحة آیة اللّه العظمی

السَّيَّد ابُوالقَاسِمِ الموسوي الخوئي قدس سره

« 1317_1413ه- »

البیع

تاليف آیة اللّه الشهيد الشیخ ميرزا علي الغروي

طبعه منقّحه

مُوسَسة الخوئى الأِسلاميّة

جميع الحقّوق محفوظة ومسجّلة

لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء السادس والثلاثون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدّس سرّه)

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

• هاتف: 2932264 251 98 -+ 9121530367 98

تاريخ الطبع: 1430 ه- ، 2009 م

المطبعة: نينوى

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

ISBN:964-7336-35-7

Emil: info@alkhoei.net

www. alkhoei.com

www. alkhoei.net

البیع

اشارة

الكلام في البيع

تعریف المصباح للبیع

قال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) نقلاً عن المصباح أنّ البيع في الأصل مبادلة مال بما(1). نقول : المالية تنتزع عن رغبة العقلاء في شيء وجلبهم له لأجل احتياجاتهم وأغراضهم الشخصية ، إذ الإنسان ليس كالحيوانات التي لا تحتاج في تعيشها إلى كثير ممّا يحتاج إليه الإنسان من المسكن والملبس وغيرهما ، ولأجل رفع حوائجه يجلب شيئاً أو يرغب فيه فيقال : أنّه مال ، وتنتزع ماليته من جلبه له ورغبته فيه ، وهذا ظاهر.

منشا إضافة المال إلی الاشخاص

وإنّما الكلام في منشأ إضافته إلى أحد وأنّه كيف يكون هذا المال مضافاً إلى أحد وذاك المال مضافاً إلى أحد آخر ليقع بينهما المبادلة ، وأن منشأ إضافته إليه ماذا في مثل قولنا : هذا مال زيد وذاك مال عمرو بحيث لو أتلفه يكون ضامناً له لصاحبه ، وأنّ المصحّح لها أي شيء.

فنقول : أنّ إضافة مال إلى شخص على قسمين :

الأوّل : أنّ تكون الاضافة إليه ذاتية من غير حاجة في إضافته إليه إلى شيء آخر ، ومن دون أنّ تكون من جهة أمر معدوم قد وُجد ، أو أمر موجود انعدم ، بل هو مضاف إليه بذاته ، وهذا كأعمال الشخص ، فإنّها مضافة إلى نفسه ذاتاً يعني أنّ له


1) المصباح المنير : 69 .

سلطنةً على أفعال نفسه ، له أنّ يوجدها وله أنّ لا يوجدها ، كما أنّ له أنّ يملّكها إلى الغير بأن يكون أجيراً له ، وله إلّا يملّكها للغير ، وهذا المنع كافٍ في المقام ، ولسنا بصدد إثبات أنّ أعماله ملك له ليرد عليه ما أوردوه في المقام ، بل المراد أنّ له السلطنة على أفعاله ، وهو يكفينا في المقام .

الثاني : أنّ تكون الاضافة غير ذاتية ، وهذه أيضاً على قسمين :

الأوّل : أنّ تكون الاضافة ابتدائية .

الثاني : أنّ تكون الاضافة ثانوية .

والمراد بالابتدائية هو عدم سبق إضافة عليها ، كما أنّ المراد بالثانوية ما سبقتها إضافة أخرى أو إضافات متعددة .

والاضافة الابتدائية إما أصلية وأمّا تبعية .

أمّا الاضافة الأصلية فتكون بأحد أمرين على سبيل منع المخلو :

أحدهما : الحيازة ، فإنّ من حاز شيئاً ممّا لا مالك له كما إذا اصطاد سمكةً من الشط أو طيراً من الهواء فإنّه يُضاف حينئذٍ إليه عند العرف والعقلاء ، وليس لآخر أنّ يأخذه منه قهراً بدعوى أنّه لي ، فإنّه يعدّ من الظلم والجور ، مضافاً إلى ما ورد من أنّ من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو له (1)وإن لم نكن نحتاج إلى الأخبار لثبوتها بسيرة العقلاء كما لا يخفى .

وثانيهما : الفعل والعمل ، وأمثلته كثيرة لاختلاف مالية المال بحسب الأماكن والأزمنة ، مثلاً الماء في الشط ممّا لا مالية له عند العقلاء ، وكذا الأخشاب في الأماكن التي يكثر فيها الخشب ، بل وكذا العود الذي له مالية في أماكننا لا مالية له في محلّه بوجه ، ولكن ينقلها الإنسان إلى الأماكن التي لا ماء أو لا خشب فيها


1) ورد مضمونه في مستدرك الوسائل 17 : 111 / أبواب إحياء الموات ب 1 ح 4 .

فإنّهما في غير مكانها مال يجلبه العقلاء ، وإذا صارت مالاً في تلك الأماكن فهي مضافة إلى ناقلها ، والمنشأ في إضافة المالية إليه هو فعله وعمله الذي هو النقل ، هذا بحسب الأماكن .

وكذا يختلف بحسب الأزمنة ، وذلك كالثلوج فإنّها في أغلب البلاد كبلادنا أذربايجان ممّا لا مالية لها في الشتاء ، بل هي من الفضولات التي يخ-رج--ونه-ا م-ن أماكنهم ، وإذا فرضنا شخصاً جمعها وأبقاها إلى الصيف فإنّها تصير مالاً حينئذ ويرغب فيها العقلاء جداً ، وهي تضاف إليه ، والمنشأ في إضافة مالية الثلوج إليه هو إبقاؤه لها ، والابقاء فعل من أفعاله كما لا يخفى ، هذا .

وربما تكون الاضافة مستندة إلى مجموع الحيازة والعمل كما هو مقتضى كونها على نحو مانعة الخلو ، وذلك كما إذا حاز أخشاباً من الصحاري فعملها سريراً ، أو حاز حديداً فصنعه سكيناً ، فإنّ مالية السرير حينئذ تضاف إليه لا محالة ، ومنشؤها مجموع حيازة الأخشاب وعمله ، نعم كانت الأخشاب قبل أنّ يعملها سريراً مالاً أيضاً ، وكان يضاف إليه حينئذ إلّا أنها بعد جعلها سريراً تكون مالاً على حدة لاختلاف الأموال باختلاف صورها النوعية كما ذكرناه في بعض المباحث المتقدّمة (1)، هذا كله فى الاضافة الابتدائية الأصلية.

وأمّا الابتدائية التبعية فهي كما إذا ملك الدابة أو غيرها ، فإنّ حملها مال مضاف إليه بالاضافة الابتدائية - إذ ليس من قبيل الاضافات الثانوية كالارث والمعاملة - إلّا أنها غير أصلية كما في الأمثلة المتقدّمة ، بل تابعة لاضافة نفس الدابة إليه ، وكذا الدجاجة إذا باضت فإنّ بيضها له ، أو غرس أشجاراً فأثمرت ، وهكذا . وأمّا الاضافة الثانوية فمنشؤها إما من الأمور الخارجة عن الاختيار وأمّا


1) مصباح الفقاهة 1 (موسوعة الإمام الخوئي 35) : 234 ، 738 .

من الأمور الاختيارية .

فالأوّل كالارث فإنّه موجب لاضافة مال مورّثه إليه وهو أمر قهري غ--ير اختياري ، وكالوصية بناءً على أنها من الايقاعات ولا تحتاج إلى القبول كما ه-و المختار وفاقاً للسيّد في العروة (1)وكالأوقاف فإنّ الوقف موجب لمالكية الموقوف عليه المنافع الوقف بلا اختياره .

والثاني كالبيع وغيره من أبواب المعاملات والعقود التي لأجلها عقدنا الكلام وهذا أيضاً موجب لاضافة المال إليه ، إلّا أنها ليست من الاضافات الابتدائية ، بل إنّما هي بعنوان ثانوي لسبق إضافة فيها لا محالة ، وإلّا فلا يصحّ ببعه كما لا يخفى .

والكلام في المقام إنّما هو في القسم الأخير ، أي فيما إذا كانت الاضافة ثانوية وبالاختيار كالبيع ونحوه من المعاملات ، وقد عرفت أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال لاختلاف الحاجات والأغراض ، مثلاً إذا فرضنا أحداً عنده قرصان من الخبز ، وآخر عنده وقية من اللحم فيحتاج صاحب اللحم إلى خبز ليشبعه مع اللحم وصاحب الخبزين إلى لحم ليتلذذ بما يأكله ، فيتبادلان ويعطي أح--د خ--بزيه إلى الآخر وهو يعطيه نصف ما بيده من اللحم ، فكلاهما يأكلان اللحم مع الخبز وترتفع حاجتهما وبه يحصل غرضها ، أو يكون من عنده الأرز محتاجاً إلى اللباس ومن عنده اللباس يحتاج إلى الأرز فيتبادلان كما هو مرسوم في بعض القرى والبوادي فعلاً ، فترى أنّه يدفع إلى الخباز أو القصاب بيض دجاجة أو حنطة فيأخذ منه الخبز أو اللحم .

وكان احتياجهم إلى تبديل أموالهم من لدن زمان آدم إلى يومنا هذا ، فإنّ الحاجات مختلفة والأغراض متشتةً ، واستمرّت عادتهم على ذلك برهةً من الزمان


1) العروة الوثق 2 : 659 المسألة 1 [ 3899 ] .

إلى أنّ بنى العقلاء في معاملاتهم على أخذ الأشياء بالأثمان فاخترعوا الدرهم والدينار من أجل انضباط مالية الأموال وتسهيل الأمر على الناس حتّى يقاس مالية كلّ مال إلى الدراهم والدنانير ليعلم مقدار ماليته ، إذ قبل اختراعهما كانت مالية الأموال غير منضبطة بل كان مقدارها معلوماً بالمقايسة إلى الأرز تارةً وإلى شيء آخر تارةً أخرى ، مثلاً كان منّ من الأُرز يسوى بكذا مقدار من الحنطة وبكذا مقدار من الرطب وبكذا مقدار من الألبسة والظروف ، وهذا كما ترى أمر صعب ولا انضباط فيه ، ولأجله اخترعوا الدراهم والدنانير فيقاس مالية كل مال بالاضافة إليهما ، هذا .

ثمّ أنّ العوض والمعوّض ربما يكون كلاهما من قبيل العروض ، وأخرى يكون كلاهما من قبيل الأثمان وثالثةً يكون أحدهما من العروض وثانيها من الأثمان .

ومثال الأوّل قد ظهر من مطاوي كلماتنا ، بأن يدفع مقداراً من الحنطة ويأخذ مقداراً من اللحم .

والثاني كمعاملات الصرّافين فإنّهم يأخذون الثمن كالريال الايراني ويدفعون في مقابله الثمن أيضاً كالدينار العراقي .

والثالث كما إذا دفع ديناراً أو درهماً وأخذ شيئاً من العروض كالألبسة والأغذية .

وحينئذ يقع الكلام في أنّ البيع يشمل جميع تلك الأقسام أو يختصّ ببعضها دون بعض .

فنقول : قد عرفت أنّ الكلام في المقام إنّما هو في الاضافة الثانوية التي تنشأ عن أمور اختيارية وهي أبواب المعاملات ، وأمّا ما تنشأ عن أمور غير اختيارية فبيان أحكامها موكول إلى محلّه .

ومن جملة تلك الاضافات الثانوية التي تنشأ عن الأُمور الاختيارية ه-و البيع ، وكان الأولى أنّ نتعرّض إلى أحكامه من دون إطالة الكلام في بيان ما قيل في تعريفه من الإشكال والجواب كما هو سيرتنا دائماً حيث لا نتعرّض في المباحث إلى ما لا فائدة فيه ، ومنه التعاريف المذكورة في الكتب فإنّها ممّا لا يترتّب على تحقيقها شيء.

ولكن لمّا كان الخصوص البيع أحكام مختصّة كخيار المجلس ولزوم العلم بالكيل والوزن فيما إذا كان المبيع ممّا يكال أو يوزن ، احتجنا إلى بيان مفهومه وتحقيقه على نحو يمتاز عمّا عداه من المعاملات ، ولأجل ذلك ذكرنا مقدّمةً أنّ العوض والمعوّض في البيع إمّا أنّ يكون كلاهما من قبيل العروض والأجناس وأمّا أنّ يكون كلاهما من قبيل الأثمان والدرهم والدينار وأمّا أنّ يكون أحدهما من الأجناس والعروض وثانيها من قبيل الأثمان والفلوس كما هو المتعارف بين الناس ، ويقع الكلام حينئذ في أنّ مفهوم البيع شامل لجميع هذه الأقسام أو أنّه يختصّ ببعض دون بعضها الآخر .

معنی البیع عندالمصنّف

فإذا عرفت ذلك فنقول : مفهوم البيع مفهوم عقلائي يعرفه كلّ واح-د م--ن الناس لارتكاز معناه في أذهانهم من غير اختصاص ذلك بالعرب ، لأنّه مفهوم دائر بين جميع أفراد الناس عرباً كان أو غيره ، غاية الأمر أنّهما يختلفان في التعبير عنه بحسب اختلاف ألسنتهما ، فيعبّر العربي عن ذلك المفهوم الارتكازي المعلوم بالبيع والعجمي بفروختن وثالث بلغة أخرى.

ثمّ أنّه لو شككنا في شيء لا نشكّ في أنّ البيع اسم لا نشكّ في أنّ البيع اسم لما يقابل الاشتراء ، وليس اسماً عند العرف لكلّ من البيع والاشتراء في شيء من اللغات ، فالبيع ويعبّر عنه في الفارسية ب- « فروختن » إنّما هو فعل البائع ويعبّر عن فعل المشتري ب- « خريدن » أي الاشتراء لا أنّ البيع اسم لفعلها معاً وإلّا فلا يبقى معنى للاشتراء ،

تمییز البایع عن المشتری

والبائع هو من يكون نظره إلى حفظ مالية ماله برفع اليد عن خصوصية ما بيده كما هو المشاهد من حال التجّار فإنّ التاجر نظره دائماً إلى أنّ رأس ماله أيّ مقدار ولا نظر له إلى خصوصيات ما في دكّأنّه من القند والسكّر وغيرهما من الأجناس ، والمشتري على عكس ذلك ، فإنّ غرضه هو خصوصية ما يأخذه بدفع ماليته إلى البائع ولا نظر له إلى مالية ما يأخذه حتّى أنّه لو فرضنا أنّ البائع دفع إليه جنساً آخر يساوي قيمته قيمة ما يطلبه المشتري لا يقبله بوجه ، لعدم كون نظره إلى مالية ماله ، بل نظره إلى خصوصية ما يأخذه ، فلا يقبل الأرز عوضاً عن الدبس مثلاً .

والمدّعى أنّ البيع اسم لفعل البائع فقط يعني عبارة عن رفع اليد عمّا ب-ي-ده والتحفّظ بمالية ماله ، لا أنّه اسم للأعمّ منه ومن فعل المشتري ، ولذا إذا اشترى عباءً بدينارين مثلاً لا يصحّ له أنّ يقول بعت دينارين بالعباء كما لا يصحّ للبائع أنّ يقول اشتريت دينارين بالعباء فإنّه ممّا يضحك عليه العرف قطعاً ، بل الصحيح أنّ يقول اشتريت عباء بكذا ويقول البائع بعت عباء بدينارين .

وعليه فتعريف صاحب المصباح (1)للبيع بأنّه مبادلة مال بمال لشموله لفعل المشتري أيضاً يحمل على المسامحة والتعريف اللفظي كما هو دأب اللغويين دائماً لأنّهم ليسوا في مقام التعريف الحقّيقي ، فلذا تراهم يقولون السعدانة نبت مع أنّه لا اطراد فيه كما لا يخفى .

والمتحصّل : أنّ البيع على ما نشاهده في زماننا هذا إنّما هو عبارة عن فعل البائع فقط ، أعني التحفّظ على مالية ماله ورفع اليد عن خصوصيته ، في مقابل فعل المشتري الذي هو عبارة عن الاشتراء والأخذ بخصوصية المال كما عرفت وباستصحاب عدم النقل إلى زمان المعصومين والنبي (عليهم السلام) والمستعملين


1) تقدّم تخريجه في الصفحة 3 .

والواضعين يثبت أنّ البيع موضوع لخصوص فعل البايعين دون المشترين ، وعلى هذا فالبيع شامل بمفهومه لصورة كون أحد العوضين عرضاً والآخر ثمناً ، لأنّ صاحب العرض يتحفّظ على ماليته برفع اليد عن خصوصية العرض في مقابل فعل المشتري وأخذه بالخصوصية ورفع اليد عن المالية ، وقد عرفت أنّ تعريف المصباح للبيع بأنّه مبادلة مال بمال تعريف لفظي ، لأنّه كما عرفت عبارة عن إعطاء العرض والأخذ بماليته كما لا يخفى ، ولعلّه أراد من ذلك أمراً آخر سنشير إليه أنّ شاء اللّه تعالى .

وأمّا صورة كون كل واحد من العوضين من قبيل العروض فهي على قسمين : إذ ربما يكون أحد العرضين عوضاً عن الثمن والمالية كما إذا أراد شراء كتاب بدينار ولم يكن عنده ذلك فدفع العباء عوضاً وبدلاً عن الدينار في مقابل الكتاب وهذا في الحقّيقة من قبيل الصورة الأولى، والمعاوضة إنّما وقعت بين عرض وثمن فدافع الكتاب هو البائع حقيقةً ، لأنّه رفع اليد عن خصوصية ماله وتحفظ على ماليته التي هي الدينار ، إلّا أنّه لما لم يكن موجوداً فأخذ العباء عوضاً عنه ، لأنّه يسوى ديناراً واحداً مثلاً ، كما أنّ دافع العباء هو المشتري لأخذه بالخصوصية ع-ل-ى م-ا عرفت تفصیله آنفاً ، فالبيع بما له فالبيع، بما له من المفهوم شامل لها كما لا يخفى .

وأخرى لا يكون شيء منها عوضاً عن الثمن ب-وج-ه ب-ل ي-ع-ط-ي أحدهما باستقلاله ويأخذ بالآخر كذلك ، كما أنّ الثاني يعطي أحدهما ويأخذ بالآخر ، وهذا خارج عن حقيقة البيع - والشاهد على ذلك أنّه إذا أبدل شخص داره بدار أخرى ثمّ سئل : هل بعت دارك ؟ يقول في الجواب : أبدلتها بدار أخرى ولا يجيب بأنّي بعت داري كما لا يخفى - إذ لم يأخذ أحدهما بالمالية ويرفع اليد عن الخصوصية بوجه ليكون ذلك فعلاً للبائع في مقابل المشتري ، وقد عرفت أنّ البيع هو عبارة عن فعل البائع وهو غير متحقّق في المفروض بل كلّ واحد منهما أخذ بخصوصية المال وكلّ ما

صنعه أحدهما صنعه الآخر أيضاً ، فهما على وتيرة واحدة كالأخوين . ولا يمكن أن يقال إنّ هذا بائع وذاك مشترٍ لأنّه ليس بأولى من عكسه ، والعجب م-ن شيخنا الأستاذ (1)(قدّس سرّه) حيث إنّه ذكر أنّ أحدهما لا بعينه بائع في هذه الصورة وأحدهما الآخر لا بعينه مشترٍ ولا تعيّن لشيء منهما في الواقع .

وفيه : أنّا ذكرنا مراراً أنّ أحدهما لا بعينه لا مصداق له خارجاً ، فهو معاملة مستقلّة يمكن تصحيحها بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)و( تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (3)ولا يكون بيعاً ، بل هي التي ينبغي أنّ يقال إنّها مبادلة مال بمال التي ذكرنا أنها ليست تعريفاً للبيع حقيقة .

ولعلّ مراد صاحب المصباح بقوله : وهو في الأصل مبادلة مال بمال ، أنّه في الابتداء كان البيع بينهم بمبادلة مال بمال وعرض بعرض لما أشرنا إليه سابقاً من أنّهم كانوا يتبادلون مالاً بمال ثمّ بعد ذلك اخترعت النقود ، لا أنّ المراد بالأصل في كلامه هو اللغة كما ذكره بعض المحسين وإلّا لكان عليه أنّ يذكر في كل كلمة يفسّرها أنّها في اللغة كذا ، مع أنّه بنفسه من كتب اللغة فلا معنى لأن يقال أنّه في اللغة كذا .

وأمّا الصورة الثالثة ، أعني ما إذا كانت المعاوضة بين ثمنين اللذين هم-ا متمحّضان في المالية ، فهى أيضاً على أقسام فربما تكون المعاوضة بين مثل الأوراق النقدية الايرانية (اسكناس) والأوراق النقدية العراقية في العراق ، فإنّ حكمها حينئذٍ حكم الصورة الأولى ، إذ الأوراق الايرانية في مملكة العراق لا ت-ع-د م-ن الأثمان ، وإنّما هي أثمان في مملكة ايران، ووزانها في العراق كوزان القن-د والسكّر


1) منية الطالب 1 : 169 .

2) المائدة 5 : 1

3) النساء 4 : 29

وغيرهما من الأجناس ، فهي بمنزلة العروض ، وإنّما تباع وتشترى بما أنّه-ا م-ن العروض وثمنها هو الأوراق العراقية وهذه الصورة ممّا يشمله البيع بما له من المفهوم .

وأُخرى تكون المعاوضة بين مثل دينارين في العراق أو تومانين في إيران ممّا يعدّ كلّ واحد منهما من الأثمان في ذاك المكان كما إذا دفع إلى الصرّاف ورقة دينارية وأخذ ورقة دينارية أخرى ، لأنّ الأولى كانت خلقة والثانية جديدة . وهذه أيضاً خارجة عن البيع مفهوماً ، إذ لم يرفع أحدهما يده عن خصوصية ماله بالتحفظ على مالية ماله في مقابل أخذ الآخر بالخصوصية ، بل نسبة المعاوضة إلى كلّ واحد منهما على حد سواء ، ولا يمكن أنّ يقال هذا بائع وذاك مشترٍ ، لعدم أولويته من العكس .

وثالثة تقع المعاوضة بين مثل ورقة دينارية وبين أربعة أوراق أرباعية ، كما إذا دفع إلى الصرّاف ديناراً فدفع إليه أربعة أرباع ، فإنّها أيضاً كسابقتها دفع للمال في مقابل المال والثمن في مقابل الثمن غاية الأمر أنّ أحدهما ورقة مالية انضمامية وثانيهما أوراق مالية تفصيلية مجزّاة ، ونسبة المعاملة حينئذٍ أيضاً إلى كلّ واحد منهما على حد سواء ، وهذه كلّها خارجة عن البيع بما له من المفهوم ، هذا كله هذا كله في شمول مفهوم البيع للأقسام الثلاثة وعدمه .

اختصاص المبيع بالأعيان

وأمّا الكلام في متعلّق البيع - أي المبيع - هل يختصّ بالأعيان أو يعمّها والمنافع فملخّصه : أنّ المبيع لا إشكال في اختصاصه بما إذا وجد في الخارج كان من الأجسام شاغلاً للحيّز بمقداره وشاملاً للأبعاد الثلاثة ، أعني العرض والطول والعمق كما هو معنى الجسم ، وهذا هو المراد من الأعيان ، لا الموجود الخارجي فعلاً كما هو واضح . ولا يتعلّق البيع بالمنافع وإنّما يتعلّق بها الاجارة وهو المايز بينهما كما لا يخفى .

المراد بتعلّق البیع بالعین و تعلّق الاجارة بالمنفعة

ثمّ أنّ المراد بتعلّق البيع بالأعيان وتعلّق الاجارة بالمنافع ليس هو تعلّقها بها في صيغتي الاجارة والبيع حتّى يورد كما أُورد بأنّ الاجارة أيضاً تتعلّق بالأعيان فكما نقول بعتك هذه الدار كذلك نقول آجرتك هذه الدار ولا يتعلّق الاجارة بالمنافع ولا يصحّ أنّ يقال آجرتك منفعة هذه الدار ، إذ المنافع لا تتعلّق الاجارة بها بوجه بل المراد من تعلّق البيع بالأعيان وتعلّق الاجارة بالمنافع أنّ مفهوم البيع هو تمليك الأعيان كما أنّ مفهوم الاجارة عبارة عن تمليك المنافع فالتمليك في البيع يتعلّق بالأعيان ، وفي الاجارة يتعلّق بالمنافع ، فالبيع والتمليك نظير الأمر والطلب ، فإنّ الأمر يتعلق بالماهية والطلب يتعلّق بإيجاد الماهية لأنّ الايجاد مأخوذ في مفهوم الأمر ، إذ معناه طلب الايجاد فلا معنى لتعلّقه بالايجاد .

المراد بالمنافع التی هی متعلق الاجارة

كما أنّ المراد بالمنافع ليس هو فعل المستأجر كسكناه وركوبه ونحوهما حتّى يقال كما قيل إنّ أفعال المستأجر مملوكة له بحسب طبيعته وليست ممّا يدخل في ملك المؤجر ليملّكها للمستأجر بالاجارة ، ولا معنى لتمليك المؤجر للمستأجر ما هو مملوك له بنفسه ، فأيّ معنى لتمليكنا سكنى المستأجر له أو ركوب دابته ونحوهما ، إذ أفعال الغير خارجة عن تحت ملكيّة المؤجر فكيف يملّكه ما لا يملكه هو بنفسه ، ولا معنى لاعطائه ما هو فاقد له كما هو واضح .

بل المراد أنّ الأعيان كما أنّها مملوكة لمالكها كذا جهاتها وحيثيّاتها داخلة تحت ملك مالكها ، ومن جملة جهات الدار وحيثياتها سكناها ، وجهات الدابة ركوبها ، لأنّ الركوب والسكنى كما يتعلّقان بالساكن والراكب (أعني المستأجر) كذلك لهما تعلّق بالمركوب والدار ولهما إضافة إليهما ، وهذا التعلّق والاضافة من متعلقات العين ومن إضافاتها ، وقد ذكرنا أنّ الأعيان كما هي داخلة تحت ملك ملّاكها كذلك إضافاتها وجهاتها وحيثياتها داخلة تحت ملك ملاك الأعيان على ما عرفت ، فلصاحب العين أنّ يملّك المستأجر أو غيره جهة من جهات ماله ، كما أنّ له

تمليك جميع جهاته .

وبالجملة : أنّ التمليك ربما يكون مقيّداً ببعض الجهات وأُخرى مطلقاً ومن جميع الجهات ، فعلى الأوّل لا يفيد إلّا تمليك تلك الجهة كما أنّه على الثاني يفيد تمليك جميع الجهات ، فلمالك الدار أو الدابّة أنّ يملك سكنى داره وركوب دابته بما هما من متعلّقات ملكه ، إذ قد عرفت أنّ للسكنى وللركوب ولغيرهما من انتفاعات الأعيان تعلقاً بالمستأجر ، وتعلّقاً آخر وإضافة أخرى بالأعيان وهي ملك لملاكها ، والغرض من إجارتها وتمليك تلك الجهات والحيثيات للمستأجر أنّ يقع فعله الراجع إليه ممّا مملوك له على النحو الحلال ، وبذلك يرتفع الإشكال كما هو ظاهر .

فالمتحصّل : أنّ المبيع يختصّ بالأعيان ولا يعمّها والمنافع وإن ورد إطلاق البيع على تمليك المنافع في بعض الأخبار كما نقلها شيخنا الأنصاري (1)(قدّس سرّه) إلّا أنها مبنيّة على المسامحة كما هو ظاهر .

عدم اشتراط وجود العین في الخارج

ثمّ إنّ المراد بالعين ما يقابل المنفعة وهو كلّ ما يحتاج وجوده إلى حيّز ، فلا يشترط في العين أنّ تكون موجودة في الخارج ومشخّصة حين البيع ، بل كما يتعلّق البيع بالموجود المشخّص الخارجي كذلك يتعلّق بالكلّي في المعيّن كبيع ص--اع م-ن صبرة موجودة في الخارج، وبالكلّي في الذمّة ، وهذا أيضاً ربما يكون في ذمّة نفسه بأن يبيع له عشرة أمنان من الحنطة ، وأخرى يكون في ذمّة الغير كما إذا كان له دين في ذمة الغير كمن من الحنطة فباعه من عمرو ، والفرق بينه وبين الأوّل أنّ المبيع في الثاني ملك له في ذمّة الغير وفي الأوّل ليس ملكاً له وإنّما له السلطنة عليه كسلطنته على أفعاله .


1) المكاسب 3 : 7

وأمّا ما في بعض الحواشي (1)تبعاً للنراقي في عوائده (2)من أنّ الملكية م--ن الأعراض وهي إنّما تتحقّق وتقوم بالأُمور الوجودية المتحقّقة في الخارج ولا معنى لقيامها بما لا وجود له خارجاً ، فمندفع بما ذكرناه في الأصول من أنّ الملكية من الأمور الاعتبارية المحضة وليست من قبيل المقولات العرضية بوجه ولا ممّا هو فوق المقولات كملك الله تعالى للعالم ، بل إنّما هي أمر اعتباري محض ، فهي كما يمكن اعتبارها في الموجود الخارجي كذلك يمكن اعتبارها في المعدوم خارجاً كالكلّي ، كما يمكن اعتبارها فيما إذا كان المالك معدوماً خارجاً كما إذا كان كلياً كالفقراء في باب الزكاة وكلّي السادة في سهم السادة فإنّهما ملك كلّي الفقراء والسادة ، أو كالبطون في الأوقاف مع أنها غير موجودة خارجاً ، هذا .

اقسام الملکیة

ونزيد ذلك توضيحاً فنقول : الملكية على ثلاثة أقسام :

إحداها : الملكية الواقعية والسلطة الحقّيقية والاحاطة التامة المعبّر عنها بالاضافة الاشراقية ، وهي مختصة به (تعالى) ولا تتحقّق في غيره ، لأنّه محيط بجميع ما في العالم إحاطة تامّة لا يشدّ عنها شيء ، وجميعها في قبضته ولا يمكن الفرار من حکومته وهو موجدها وخالقها ، وهذه الملكية هي الاضافة القيومية في الحقّيقة لقيام غيره به (تعالى) حدوثاً وبقاءً بحيث لو انقطعت تلك الاضافة آناً ما لانعدمت الموجودات الخارجية بأسرها وكأنّها لم تكن شيئاً مذكوراً ، حيث إنّ تلك الموجودات بأنفسها وبذاتها متدلّيات به جلّت عظمته ، وبانقطاع الفيض الايجادي منعدمة محضة كما هي مقتضى ذاتها .

ومَثَل تلك الملكية والاضافة مثل النفس بالنسبة إلى صورها ، فإنّها تقوم


1) حاشية المكاسب (الاصفهانی) 1 : 12

2) عوائد الأيّام : 38 .

بالنفس واختيارها بيدها حدوثاً وبقاءً بحيث لو غفلت عنها في زمان ولو بآن لم يبق من الصور أثر ، وهذه شبيهة من جهة للإضافة الاشراقية وتقريب لها توضيحاً وإلّا فبينهما بون بعيد ولا يمكن قياسها بها .

ثمّ إنّ هذه الملكية الاشراقية شاملة لجميع الملّاك والأملاك والأشياء والسموات والأرضين وغيرها كما هو ظاهر ، وهي خارجة عن مقولة الجواهر والأعراض أي المقولات الحقّيقية ، لأنّها كما عرفت إيجاده تعالى ، والوجود والايجاد خارجان عن الجواهر والمقولات كما لا يخفى ، مضافاً إلى أنّه (تعالى) لا يمكن أنّ يقع معروضاً لشيء من الأعراض وهذا واضح.

وثانيتها : الملكية المقوليّة المعبّر عنها بالجدة وهي إحدى المقولات العرضية و عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم بجسم كالتلبّس والتعمّم والتنعّل وغيرها ، فإنّ للعاري هيئة وللمتلبّس هيئة أُخرى وللمتعمّم هيئة ثالثة وهكذا وهذه من الأعراض كما أشرنا إليه آنفاً .

وثالثتها : الملكية الاعتبارية التي هي محلّ الكلام في المقام ، وهي ليست من الأعراض والمقولات ليحتاج تحقّقها إلى تحقّق معروضاتها خارجاً ، لأن الأعراض تابعة لوجود معروضاتها ، بل إنّما هي أمر فرضي للعقلاء وأمضاه الشارع أيضاً مثلاً يفرضون المشتري بعد الايجاب والقبول محيطاً بالمبيع وذا هيئة حاصلة من إحاطته به ، وهذا كما تراه فرض واعتبار وإلّا فلا شيء خارجاً متحقّقاً بذلك الفرض ، وكيف لا مع أنّ المبيع ربما يكون بعيداً عن المشتري وكيف يكون محيطاً به خارجاً كما إذا كان المشتري في المغرب والمبيع ملكاً في المشرق مثلاً ، وبالجملة إنّها أمر اعتباري شرعي ، ويمكن أنّ يكون طرف إضافتها كلّياً غير موجود في الخارج فعلاً كما يمكن اعتبارها مع كون طرفها موجوداً خارجاً ، وطرف إضافتها هو المالك والمملوك ، وقد عرفت أنّ كلّ واحد من المالك والمملوك ربما يكون كلّياً لا وجود له خارجاً ، هذا .

المراد بالمبادلة في کلام المصباح

ثمّ إنّه يقع الكلام في المراد بالمبادلة في تعريف المصباح ولا يخفى أنّه ليس غرضنا الإشكال على المصباح لأنّ تعريفه تعريف لفظي لا تنبغي المناقشة فيه ، إلّا أنّا نريد أن نبيّن حقّ الكلام في المقام فنقول : إنّ المراد منها ليس هو مطلق المبادلة وإلّا لكان مثل تبديل ما في أحد الرفّين من الكتب بما في الآخر بيعاً ، وكذا في مثل تبديل العباء بعباء آخر في اللبس فإنّها أيضاً مبادلة ، بل المراد بالمبادلة هو المبادلة بين المالين في الاضافة ، بأن يصير المال المضاف إلى البائع بأحد أنحاء الاضافة المتقدّمة مضافاً إلى المشتري ، والمال المضاف إلى المشتري مضافاً إلى البائع .

والحاصل أنّ المبادلة ليست من المفاهيم المتأصّلة كالقيام والقعود وغيرهما من الأفعال ، بل إنّما هي من المفاهيم التعلّقية لابدّ من تعلّقها بشيء ، وذلك الشيء ليس هو المكان أو الملكية وإنّما هي عبارة عن طرف الاضافة . وبعبارة أخرى إنّ ظرف المبادلة وصقعها هو الاضافة لا المكان الخارجي بل ولا الملكية ، فإنّ البيع قد يكون تبديلاً في غير الملكية ، وذلك كما إذا اشترينا بسهم سبيل الله جصّاً أو أجراً لتعمير قنطرة أو طريق أو غيرهما ممّا يصدق عليه سبيل اللّه ، فإنّه لم يكن سبيل الله مالكاً للمال ليقع التبديل في الملكية ويصير السبيل مالكاً للجصّ عوضاً عن المال فلا يعتبر في البيع التمليك ليكون ظرف المبادلة وصقعها هو الملكية وإلّا فلازمه بطلان المعاملة المشار إليها ، إذ لا ملكية فيها ، والجهة وإن كان تملّكها أمراً معقولاً كما في بعض الموارد إلّا أنّ السهم في المثال ليس راجعاً إلى الجهة بل هو مال مصرفه سبيل الله لا أنّه ملك له ليقال أنّه مالك ومضاف إليه بهذا الاعتبار ، ومثله ما إذا أوصى أحد بصريح كلامه بمال يصرف في سبيل الله من دون أن يصير ملكاً لسبيل الله فإنّ الكلام فيه هو الكلام في المثال المتقدّم .

فالمتحصّل : أنّ التمليك في البيع غير معتبر وإنّما اللازم هو المبادلة بين

الاضافتين ، ففي المثال يتبادل إضافة المال إلى سبيل الله باضافة الجصّ إلى مالكه فتقع إضافة الجص مكان إضافة المال فيصير الجصّ مضافاً إلى سبيل الله كاضافة المال إليه قبل المبادلة ، كما أنّ ظرف المبادلة ليس هو المكان الخارجي ، وقد أجاد صاحب المصباح في تفسيره بقوله هو مبادلة مال بمال ولم يقل مبادلة شيء بشيء وإلّا لكان شاملاً لمبادلة الكتب من رفٌ إلى رفٌ ، وإنّما عبّر بالمال مشعراً بأنّ المراد بالمبادلة هي المبادلة في الاضافة لأنها الظاهر من المبادلة بين المالين بعنوان المالية هذا .

عدم اعتبار المالیة في العوضین

ثمّ إنّا ذكرنا سابقاً أنّه لا يعتبر في البيع أنّ يكون العوضان مالاً أي ممّا يرغب فيه العقلاء ، بل لو اشترى شيئاً لغرض شخصه وإن لم يرغب فيه العقلاء كان بيعاً صحيحاً كما إذا اشتاق إلى خطّ جدّه وكان ذلك عند أحد معدوداً من الزبالات واشتراه منه بثمن كذا . ولو قام على اعتبار المالية في العوضين اجماع أو دليل شرعي آخر أيضاً لما كان ذلك موجباً لأخذ المالية في مفهوم البيع عرفاً ، إذ الكلام فعلاً في بيان مفهوم البيع عند العرف وهم لا يعتبرون المالية كما عرفت . وكونها مأخوذة في المعاملة شرعاً أمر آخر لا يوجب ذكرها في تعريفه وإلّا يلزم ذكر جميع ما يعتبر في البيع من الشرائط شرعاً ، لعدم اختصاصها بالمالية فقط .

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أنّ المبادلة لابدّ من أن تقع بين الاضافتين بأن يكون المال المضاف إلى أحدهما مضافاً إلى الآخر وبالعكس ، هو الذي ذكره العلّامة في بعض كتبه (1)من أنّه لابدّ في البيع من أنّ يدخل المبيع في كيس من خرج عنه الثمن وبالعكس وإلّا فلا معنى لخروج الثمن من كيس أحد ودخول المثمن في ملك آخر وهذا أيضاً هو مقتضى الفهم العرفي ، فإنّ العرف لا يرى مثله بيعاً أبداً ، ويشهد له


1) [ لم نعثر عليه ]

جميع موارد استعمال لفظ البيع والشراء في الكتاب المجيد مثل قوله تعالى : (إِنَّ اللّه اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) (1)لا بأن يكون الجنّة لغيرهم وهذا ظاهر .

ثمّ إنّ ظاهر المبادلة وقوع الفعل من الطرفين وإن استعملت المفاعلة في بعض الموارد في فعل الواحد أيضاً كما في الآيات القرآنية كقوله تعالى : (يُخَادِعُونَ اللّه ) (2)و ( يُحَارِبُونَ اللّه )(3)وهكذا ، إلّا أنّ ظاهرها وقوع الفعل من اثنين وهو منافٍ لما ذكرناه في تعريف البيع من أنّه عبارة عن فعل البائع فقط لا فعل مجموع البائع والمشتري ، فهو فعل الواحد لا الاثنين ، حتّى لو فرضنا أنّ فعل المشتري أيضاً من البيع لا يصحّ التعبير عنهما بالمبادلة ، لأنّ البيع يكون حينئذ متعدّداً لا أنّ بيعاً واحداً وقع بينهما كما هو ظاهر المفاعلة ، لأنّ المفاعلة هو فعل واحد للاثنين ، فعليه لوأبدلت المبادلة في التعريف بالتبديل لكان أولى وأحسن .

هل البیع من مقولة اللفظ أو المعنی؟

فإذا عرفت ذلك فيقع الكلام بعد ذلك في أنّ البيع الذي هو عبارة عن فعل البائع هل هو من مقولة المعاني أو من مقولة الألفاظ ، وقد وقع في المقام خبط في كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(4)وإن جلّ مقامه عن الخبط إلّا أنّ الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز ، وذلك لأنّه (قدّس سرّه) أورد على من عرّف البيع بأنّه عبارة عن الايجاب والقبول : بأنّ البيع ليس من مقولة الألفاظ وإنّما هو من سنخ المعاني وإلّا لم يكن إنشاؤه باللفظ ، ثمّ عرّف البيع بأنّه عبارة عن إنشاء تمليك عين


1) التوبة 9 : 111 .

2) البقرة 2 : 9 .

3) المائدة 5: 33 .

4) المكاسب 3 : 10 .

بعوض ، مع أنّ نفس ذلك الإشكال وارد عليه أيضاً ، حيث إنّ الانشاء غير قابل للانشاء باللفظ كما لا يخفى ، فعلى تقدير أنّ البيع هو الانشاء فلا يعقل أن يتعلّق به الانشاء .

فالتحقيق أن يقال : إنّ البيع وغيره من العقود والايقاعات ليس من قبيل المعاني المجرّدة ولا من قبيل الألفاظ كذلك ، لما نشاهده من أنّ البيع لا يصدق على مجرّد الاعتبار النفساني بتبديل عين بعوض في جهة الاضافة ، وكذا النكاح لا يتحقّق بمجرّد اعتبار الزوجية ولا الطلاق بمجرّد اعتباره ولا الهبة ولا الصلح ولا غير ذلك من الأُمور الانشائية ، فإنّه بمجرد اعتباره لا يطلق عليه أنّه باع ماله وهذا واضح ، كما أنّه لا يمكن أن يقال أنّ البيع وما يشبهه من قبيل الألفاظ إذ لا يمكن انشاؤه حينئذ .

بل إنّما البيع وغيره من العقود والايقاعات من قبيل المعاني المبرزة بمبرز ما من القول والفعل والاشارة ونحوها كما هو شأن المعاني الانشائية على ما ذكرناه في محلّه كالطلب والأمر ، فما دام لم يبرزها بشيء من المبرزات فلا يصدق عليها شيء من عناوين البيع والصلح وغيرهما كما هو ظاهر ، ولعلّه مراد من فسّره بنقل العين بالصيغة المخصوصة فلا يرد عليه ما ذكره شيخنا الأنصاري من أنّ ذلك لا يقبل الانشاء بالصيغة وإنّما القابل له النقل لا النقل بالصيغة ، وذلك لأمرين : النقض والحلّ .

أمّا النقض : فبأنّا نرى في الخارج أموراً قائمة بالانشاء والابراز بحيث لا تحقّق لها بدون الانشاء بوجه ، وهذا كالاذن فإنّه ليس عبارة عن مجرّد طيب النفس بل الطيب المبرز بشيء من المبرزات وبدونه لا يمكن أنّ يقال أنّه أذن في أمر كذا حتّى يبرزه ويأتي به في مقام الاظهار والابراز . ومنها الأمر فإنّه لا إشكال في كونه من الأمور الانشائية ولا يصدق بمجرّد الطلب النفساني أنّه أمر بكذا ، وبالجملة أنّها من

الأمور التي لا قوام لها إلّا بالانشاء ، وانشاؤها وإبرازها كما يكون بالاشارة أو الفعل أو سائر الألفاظ كذلك يمكن بنفس الألفاظ الموضوعة لها كأذنت وأمرت ، إذ لا ينبغي الإشكال في أنّه يعقل انشاء الاذن بلفظ أذنت لك والأمر بلفظ أمرتك .

والبيع أيضاً من هذا القبيل فإنّه وإن كان تحقّقه وقوامه بنفس الانشاء لأنّه من الأمور الانشائية ، إلّا أنّه يمكن إنشاؤه بنفس لفظه بأن يقال : بعتك ، فقد أبرز البيع وأنشأه بلفظه ، ومن هذا القبيل الإسلام فإنّه لا يتحقّق بمجرّد عقد القلب ما دام لم ينشئ الإسلام ولم يبرزه باللفظ كالشهادتين ، مع أنّه يعقل ابرازه بنفس لفظ الإسلام بأن يقول : أسلمت لربّ العالمين ، وكذلك التعظيم فإنّه من الأمور الانشائية مع أنّه يمكن انشاؤه بلفظ التعظيم بأن يقول : إنّي أعظمك أو عظمتك على نحو الانشاء دون الاخبار .

فتحصّل : أنّه لا مانع من إنشاء الأُمور الانشائية بالألفاظ الموضوعة لها .

وأمّا الحلّ : فبأنّ الألفاظ الموضوعة للأمور الانشائية إنّما وضعت لمفاهيم تلك الأمور دون وجوداتها الخارجية ، فمعنى الأمر مفهوم الطلب ومعنى البيع هو مفهوم إنشاء تبديل عين بمال ، سواء كان موجوداً في الخارج أم لم يكن ، فمعنى بعت أنشأت مفهوم البيع . وبالجملة لا نظر لتلك الألفاظ إلى وجود معانيها خارجاً وع--دمه وعليه فإذا تكلّم بلفظ بعت أوجد المفهوم في ضمن ذلك الفرد ، فإنّ للبيع المفهومي أفراداً قد أوجده بذلك الفرد منه ولا محذور في إيجاد المفهوم بفرده كما هو واضح .

فتحصّل : أنّ ما أورده شيخنا الأنصاري على ذلك التعريف بأنّه إن أُريد بالصيغة خصوص بعت لزم الدور وإلّا فلابدّ من الاكتفاء بخصوص التمليك والنقل ممّا لا وجه له ، وعليه فالصحيح أنّ يقال : البيع عبارة عن التبديل الانشائي لعين في مقابل شيء .

وبعد ذلك نرجع إلى ما كنّا نحن بصدده فنقول : ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس

سرّه) (1)أنّ المعوّض في البيع يشترط أنّ يكون عيناً ولا يعمّ المنافع لأنّه الفارق بين البيع والاجارة على تفصيل تقدّم ، وإن أُطلق في بعض الأخبار على نقل المنافع إلّا أنّه من باب المسامحة ، كما أنّ لفظ الاجارة ربما يطلق على نقل الأعيان وذلك كالثمرة على الشجرة ، هذا .

إجارة الثمر علی الشجر

ولكنّا لم نفهم حقيقة ما أراد بهذا المثال ، فلذا نتردد في المراد ونقول :

أنّه إن أراد بذلك أنّ الاجارة تطلق على نقل الثمرة الموجودة فعلاً على الشجرة كنقل التمور الموجودة في البستان على النخيل ، ففيه : أنّ ذلك ممّا لا يطلق عليه الاجارة في شيء من اللغات لا في العربية ولا في غيرها ، ولم نجد أيضاً من أطلق عليه الاجارة من الفقهاء ، بل قد صرّحوا بأنّ الصوف الموجود على الغنم ونحوه لا يمكن إجارته بل الاجارة في مثله باطلة ، لأنها حينئذ عين في مقابل عين البستان وليست من منافعه . مضافاً إلى أنّه موجب للغرر ، حيث إنّ الثمرة على الشجرة لا يعلم مقدارها .

وإن أراد بذلك إطلاق الاجارة على نقل الثمرة غير الموجودة فعلاً على الشجرة بأن يستأجر البستان للانتفاع بثماره التي ستوجد بعداً فهي إجارة حقيقة لأن النقل تعلّق بالمنفعة الحاصلة من الشجرة ، غاية الأمر أنّ هذه المنفعة لو وجدت تكون من الأعيان .

وإن أراد أنّه استأجر البستان للتنزّه ونحوه بشرط أنّ تدخل الأثمار الموجودة فيه فعلاً في ملكه ، ففي هذا الفرض أيضاً لم تستعمل الاجارة في نقل الع--ي-ن ب-ل استعملت في نقل المنفعة وهي حيثية التنزّه مثلاً ويكون نقل العين أعني الثمار بالشرط لا بالاجارة .


1) المكاسب 3 : 7 .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّا لم نجد فقيهاً يُطلق الاجارة على نقل الثمرة الموجودة في الشجرة . نعم يصحّ إطلاقها على إجارة البستان للمنافع المستفادة منه بعد الاجارة، هذا كلّه في المعوّض .

وقوع الثمن منفعة

وأمّا العوض فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه لا مانع من أن يكون منفعة ، ولا يشترط في البيع أنّ يكون العوض أيضاً كالمعوّض من الأعيان وأمّا قولهم : أنّ البيع لنقل الأعيان فهو كقولهم : الاجارة لنقل المنافع في أنّه ناظر إلى المعوّض فيهما ، يعني أنّه لابدّ أن يكون المعوّض في البيع عيناً كما أنّه لابدّ أن يكون منفعة في الاجارة ، وليس معناه أنّه يشترط في البيع أن يكون كلا ال-ع--وض-ين م--ن الأعيان وفي الاجارة أنّ يكون كلاهما من المنافع ، لوضوح أنّ العوض في الاجارات يكون من الأعيان كالدراهم والدنانير غالباً فيؤجر الدار بعوض الدرهم أو الدينار ، فلابدّ أن يكون إطلاقهم ذلك بلحاظ المعوّض في كلّ واحد من البابين ، وعليه فلا مانع من أنّ يجعل العوض في البيع منفعة من المنافع كما إذا باع داره الصغيرة بسكنى دار وسيعة بمدّة عشر سنوات .

وقوع منافع الحرّ وأعماله عوضاً

وأمّا منافع الحرّ وأعماله وأنّها أيضاً يمكن أنّ تقع عوضاً في البيع أو لا يمكن فقد استشكل فيه الشيخ (قدّس سرّه) بقوله : ففيه إشكال ، وذلك لأنّ ظاهر تعريف المصباح أنّ تكون المبادلة واقعة بين مالين قبل وقوع المعاوضة عليها لا ما يكون مالاً بالمعاوضة، وعليه فإن قلنا بأن أعمال الحرّ من الأموال ولو قبل وقوع المعاوضة عليها فلا إشكال . وأمّا إذا قلنا بأنها إنّما تكون مالاً بعد وقوع المبادلة عليها ففي


1) المكاسب 3 : 8 .

جعلها عوضاً إشكال .

أقول : أراد (قدّس الله نفسه) بذلك أنّ وقوع أعمال الحرّ عوضاً في البيع على قسمين : فتارةً يستأجر أحد شخصاً للبناية أو الكتابة في مدّة كذا ثمّ يجعل ذلك عوضاً لما يشتريه من الأعيان في المعاملة البيعية كما إذا أراد شراء عباءة فجعل عوضها عبارة عن البناية أو الكتابة التي ملكهما من الأجير بالاجارة الواقعة قبل بيع العباءة ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته فإنّ ما جعله عوضاً في اشتراء العباءة إنّما هو من الأموال حينئذٍ قبل وقوع معاوضة العباءة به ، لأنّه ملكه بالاجارة . وأخرى يريد نفس البناء أو الكاتب أنّ يجعل عمله عوضاً في اشتراء شيء من الأعيان وصحّة البيع حينئذٍ مبتنية على أنّ أعمال الحرّ هل هي مال قبل وقوع المعاوضة عليها حتّى يصحّ جعلها عوضاً ، أو أنها تكون مالاً بعد المعاملة والمعاوضة حتّى لا يصحّ جعلها عوضاً ، لأنّ ظاهر تعريف المصباح أنّ يكون العوضان مالاً قبل وقوع المعاوضة والمبادلة عليهما لا ما يكون مالاً بنفس المبادلة دون قبلها ، وهذا هو منشأ استشكاله (قدّس سرّه) في المقام .

وربما يقال : بأنّ أعمال الحرّ قبل المعاوضة عليها ليست من الأموال ، ولذا لو أحدٌ حرّاً لا يكون ضامناً لما يفوت من أعماله وهذا بخلاف ما لو حبس العبد فإنّه يضمن أعماله حينئذٍ ، وليس هذا إلّا من جهة أنّ أعمال الحرّ ليست من الأموال فعلاً لعدم وقوع المعاوضة عليها ، وهذا بخلاف أعمال العبد فإنّه لمّا كان مملوكاً لمولاه كانت منافعه وأعماله مملوكة له أيضاً فعلاً ، لأن المنافع تابعة للأعيان في الملكية فهي فعلاً مال لمالك العبد ولو لم يقع عليها المعاملة ، ومنافعه حينئذ كمنافع داره وبستأنه مال له كما هو ظاهر . وكذا لا يحكم الفقهاء بوجوب الحج على من يتمكن من أنّ يعمل عملاً يسوى ألف دينار أو أقل أو أكثر بحيث يكون مستطيعاً فلو كانت أعماله ولو قبل وقوع المعاوضة عليها من الأموال لوجب عليه الحجّ قطعاً، لصيرورته

مستطيعاً حينئذٍ ، وهذان الحكمان يكشفان عن أنّ أعمال الحرّ قبل وقوع المعاوضة عليها ليست من الأموال كما هو واضح ، هذا .

عدم کون أعمال الحرّ قبل المعاوضة علیها من الاموال

ولا يخفى أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ أعمال الحرّ من الأموال مطلقاً ، لأنّها ممّا يرغب فيها العقلاء ويبذلون بازائها المال، من دون فرق في ذلك بين وقوع المعاوضة عليها وعدمه ، فلا وجه للاستشكال في أنّها مال قبل وقوع المعاوضة عليها أو ليست بمال .

نعم قبل وقوع المعاوضة عليها لا تكون مضافةً إلى صاحبها (وهو العامل) بالاضافة الملكية الاعتبارية (بمعنى الواجدية الاعتبارية لا بمعنى ما يكون اختياره بيده ، فإنّ الملك بهذا المعنى صادق على نفس أعمال الشخص أيضاً بقدرته عليها) إلّا أنّ الاضافة الملكية الاعتبارية غير معتبرة في شيء من العوضين في المعاملة وإنّما يعتبر فيهما بحسب تعريف المصباح أنّ يكونا مالاً ، وأمّا الاضافة الملكية الاعتبارية فلا ، وإلّا فلا يصحّ بيع الكلّي في الذمّة أيضاً لأنّه قبل وقوع المعاوضة عليه ليس ملكاً لأحد ، مع أنّه لا خلاف في صحته ، ولا وجه لها إلّا ك--ون-ه مالاً وكفاية ذلك في صحّة المعاملة .

وبالجملة : أنّ الكلّي في الذمّة كأعمال الحرّ من جميع الجهات ، فكما أنّها ليست ملكاً لأحد قبل وقوع المعاوضة عليها فكذلك الكلّي بعينه ، وكما أنّ الكلّي مال قبل المعاملة فكذلك أعمال الحرّ بلا فرق بينهما ، فإن صحّت المعاملة في أحدهما صحّت في الآخر أيضاً ، وإن لم تصح ففي كليهما كذلك .

وأمّا الحكمان اللذان استشهد بهما في المقام : فمسألة عدم وجوب الحجّ عليه حينئذ ليست من جهة أنّ الأعمال ليست بمال ، بل إنّما هو من جهة ما استفدناه من الأخبار الواردة في الحج من اشتراط أنّ يكون عنده مال بمقدار الاستطاعة ، وهذا العنوان لا يصدق في المقام ، فإنّ الأعمال وإن كانت من الأموال إلّا أنّه لا يصدق

عرفاً أنّه عنده مال ، نعم لو آجر نفسه من أحد يكون واجداً للمال ، إلّا أنّ تحصيل الاستطاعة غير واجب ، وهذا بخلاف أعمال العبد بالنسبة إلى مالكه فإنّه يصدق عليه أنّه عنده مال ، إذ ليست هما إلّا كمنافع بستأنّه وداره أو سائر أمواله كالفرش وغيرها ، ولا يلزم أنّ يكون المال من قبيل الدراهم والدينار كما هو ظاهر ، وأمّا في الحرّ فهو فعلاً لا مال عنده عرفاً بوجه لا من قبيل الدراهم ولا من قبيل غيرها كما لا یخفی.

ضمان من حبس الحرّ الکسوب

وأمّا مسألة عدم الضمان في حبس الحرّ فهي على وجهين : فإنّ الحرّ المحبوس إن كان كسوباً كالبنّاء الذي خرج من داره للبناية وهو معدّ نفسه لعمل البناية أو غيرها كالنجارة أو التجارة أو غيرهما ، فلا مانع من أنّ يكون الحابس ضامناً لما فوّته عليه من عمله يوماً أو أكثر ، إذ يصدق عليه عرفاً أنّه أتلف عليه ماله .

وأمّا إذا لم يكن كسوباً ولم يكن له شغل لتحصيل المال كالطلّاب ونحوهم فلا وجه للحكم بالضمان في مثله ، إذ لا وجه للضمان إلّا من جهة قاعدة من أتلف ، ولا إتلاف في المقام ، إذ لم يوجب حبسه تفويت عمله الذي يعطى بازائه المال إذ لو لم يحبسه أيضاً لم يكن يصدر منه عمل بازائه مال . وكيف كان فلا مقتضي للحكم بالضمان حينئذٍ ، وليس ذلك من جهة أنّ الأعمال ليست بمال بل من جهة عدم صدق أنّه ذو مال عرفاً ، فلا يصدق إتلاف مال الغير الذي هو موضوع الضمان . وتمام الكلام في الفرعين موكول إلى بابي الغصب والحجّ فراجعها .

الحقّ وأقسامه

ثمّ قال الشيخ (قدّس اللّه نفسه) أمّا الحقّوق الأُخر (1)الظاهر أنّ العبارة غير


1) المكاسب 3 : 8

صحيحة ولعلّ الاشتباه من النسّاخ وحقّ العبارة أنّ يكون هكذا : وأمّا الحقّوق فإن لم تقبل المعاوضة بالمال فلا إشكال ، وكذا لو لم تقبل النقل والانتقال كحق الشفعة وحق الخيار إلى قوله بعد أسطر : وأمّا الحقّوق الآخر ... وهذا موضع لفظة الأخر بمعنى أنّ الحقّوق التي ليست من قبيل القسم الأول والثاني ولذا وصفها ب-الأخر ولكن الناسخ اشتبهت عليه هذه الحقّوق بالحقّوق المذكورة في صدر العبارة فوصفها بالأخر وإلّا فلا معنى لوصفها بالأخر بوجه ، إذ لم يتقدّم حقوق قبل ذلك ليقال وأمّا الحقّوق الأخر .

وأمّا ما عن بعض الأعاظم (1)من أنّ الوجه في ذلك لعله من جهة عد العين والمنفعة أيضاً من الحقّوق بالمعنى الأعم وحينئذ صح أنّ يوصف الحقّوق بالأخر ففيه : أنّ العين والمنفعة ليست من الحقّوق وإنّما هي متعلّقات الحقّوق فلا وجه لعدّها منها كما هو واضح .

وكيف كان فقد قسّم الشيخ (قدّس سرّه) الحقّوق إلى ثلاثة أقسام :

أحدها : ما لا يقبل المعاوضة بالمال ومثّل له بحقّ الحضانة والولاية .

ثانيها : ما لا يقبل النقل وإن قبل الاسقاط بل الانتقال بارث ونحوه ومثّل له بحقّ الشفعة والخيار .

ثالثها : ما يقبل النقل والانتقال كحقّ التحجير .

وقبل التكلّم في حكم الأقسام لابدّ من بيان الفارق بين الملك والحقّ والحكم فنقول : الملكية قد تطلق على السلطنة والاحاطة الحقّيقية كملكية اللّه تعالى بالاضافة إلى المخلوقات . وقد تطلق على السلطنة الخارجية التكوينية كملكية الإنسان لأفعال نفسه ولما في ذمّته فإنّ الإنسان يملك تكويناً ذلك وليست ملكيته له


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 55 .

كملكية عمل عبده أو أجيره ، وهذه الملكية معناها الاختيار بحيث أنّ شاء فعل وإن شاء ترك ، وهذا هو المراد بقوله تعالى حكاية عن كليمه (عليه السلام) : (لَا أَمْلِكُ إلّا نَفْسِي وَأَخِي) (1)أي ليس تحت اختياري إلّا نفسي وأخي .

وثالثة تطلق على الملكية الاعتبارية وهي سلطنة اعتبارية تثبت باعتبار من بيده الاعتبار من الشارع والعقلاء . وهذه الملكية ليست منتزعة من الأحكام التكليفية ، لثبوتها في موارد عدم ثبوت الحكم التكليفي كالصبي والمجنون فإنّهما قد يملكان ولا تكليف في حقّها . وكالكلّي والجهة المالكين فإنها أيضاً مالكان من غير ثبوت تكليف . وقد ينعكس الأمر فيكون التكليف ثابتاً دون الملكية كما في المكلّف بالنسبة إلى مال الغير فإنّ التكليف موجود في حقّه من غير أنّ يكون مالكاً . وقد يجتمعان كالمكلّف بالنسبة إلى أموال نفسه ، فبين الملكية والتكليف عموم من وجه .

وهذه الملكية أيضاً ليست من الأعراض المقولية ، واستدلّ شيخنا المحقّق (قدّس سرّه) على ذلك بوجوه (2):

الأوّل : أنّ الملكية لو كانت من الأعراض لم تختلف فيها الأنظار مع أنّ الأنظار فيها قد تختلف فقد يكون الشيء مملوكاً لأحد بنظر دون نظر .

وفيه : أنّ اختلاف الأنظار في الأمور الواقعية غير عزيز ، فإنّ الأمور الواقعية قسمان بديهي واضح وهو لا يختلف فيه كاستحالة اجتماع النقيضين ، ونظري وهو يقع فيه الاختلاف.

الثاني : أنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّه لا يتغيّر بعد البيع مثلاً عرض من أعراض المالك ولا المملوك .


1) المائدة 5 : 25

2) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 26 .

وفيه : أنّه مصادرة واضحة ، فإنّ التغيّر الخارجي وعدمه نفس المدّعى فمدّعي العرضية يثبته ومنكرها ينفيه . وبالجملة لا إشكال في أنّه يحصل بعد البيع أو موت المورث شيء يسمّى بالملكية وإنّما الكلام في أنّه أمر متأصّل أو اعتباري ، وليس في هذا الوجه ما يثبت الثاني .

الثالث : أنّ الملكية لو كانت من الأعراض لاستحال تحقّقها مع عدم تحقّق موضوعها في الخارج ، فإنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده الموضوعه مع أنّ الملكية قد تثبت للمالك الكلّي كما في الزكاة فإنّها ملك لكلّي الفقير وللمملوك الكلّي كالكلّي في الذمة ، فثبوتها مع عدم وجود موضوعها من المالك والمملوك دليل على أنها ليست من الأعراض وإنّما هي من الأمور الاعتبارية .

وهذا الوجه صحيح لا بأس به .

الفرق بین الملک و الحقّ و الحکم

فظهر ممّا بيّناه أنّ الملكية مجعول اعتباري مستقل غير منتزع من الحكم التكليفي كما أنها ليست من المقولات العرضية ، فهي قسم من الحكم الوضعي .

وأمّا الحقّ فهو في اللغة بمعنى الثابت ، فيقال هذا مطلب حقّ أي ثابت ، ويطلق عليه تعالى أنّه الحقّ أي الثابت ، إلّا أنّه بحسب الاصطلاح يراد به الحكم القابل للاسقاط ، كما أنّ الحكم أيضاً له في اللغة معنى عام وفي الاصطلاح المقابل للحقّ يراد به الحكم غير القابل للاسقاط .

ومرجع الحقّ الاصطلاحي إلى عدم جواز مزاحمة من عليه الحقّ لمن له الحقّ في فعل متعلّق الحقّ ، سواء كان من عليه الحقّ شخصاً خاصاً كمن عليه الخيار في البيع فإنّ من عليه حقّ الفسخ لا يجوز أنّ يزاحم من له الحقّ في الفسخ ، أو لم يكن شخصاً خاصاً كما في حقّ التحجير فإنّه لا يجوز لسائر المكلفين مزاحمة من له حقّ التحجير في عمارة مورد التحجير . فيكون في مورد الحقّ طرفان : من له الحقّ ومن عليه الحقّ ، ولا يجوز لمن عليه الحقّ أنّ يزاحم من له الحقّ في متعلّق الحقّ . ومتعلّق

الحقّ يكون فعلاً من الأفعال دائماً كالعمارة في حقّ التحجير والفسخ في حقّ الخيار .

فالصحيح أنّ الحقّ لا يغاير الحكم بل هو حكم شرعي اختياره بيد من له الحقّ إسقاطاً وإبقاء . والحاصل أنّ الحقّ بالنسبة إلى من له الحقّ حكم تكليفي إلزامي أو ترخيصي أو وضعي جوازي أو لزومي ، والمراد بالحكم الوضعي في المقام خصوص نفوذ التصرّف وهو الجواز وعدم نفوذه وهو اللزوم ، لا بقية الأحكام الوضعية كالملكية والزوجية .

ويشهد لما ذكرناه من أنّ الحقّ هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين جواز قتل الجاني قصاصاً المعدود من الحقّوق وبين جواز قتل الكافر المعدود من الأحك-ام سوى أنّ الأوّل قابل للاسقاط دون الثاني ، هذا في الحكم التكليفي . وكذا لا نرى فرقاً بين جواز الرجوع في البيع الخياري المعبّر عنه بالحقّ وبين جواز الرجوع في الهبة المعبّر عنه بالحكم سوى قبول الاسقاط وعدمه وهذا في الحكم الوضعي . فليس في موارد ثبوت الحقّ سوى الحكم الشرعي القائم بالمكلّف المتعلّق بفعله ، غاية الأمر أنّه قابل للاسقاط دون سائر الأحكام الشرعية .

فالحقّ في الاصطلاح حكم شرعي استفيد من الدليل قبوله للاسقاط وفي قباله الحكم الذي لا يقبل الاسقاط . والحقّ قد يطلق على ما لا يقبل الاسقاط من الحكم الشرعي كما في حقّ المارّة فإنّه ليس إلّا جواز التصرف في مال الغير غير القابل للاسقاط ، هذا كله بالاضافة إلى من له الحقّ .

وأمّا من عليه الحقّ فلم يكن بالنسبة إليه سوى الحكم التكليفي كما في حقّ الزوجة والزوج فإنّ للزوجة على الزوج حقّ الإنفاق وليس معناه إلّا وجوب الانفاق على الزوج ، وللزوج على الزوجة حقّ التمكين وليس معناه إلّا وجوبه عليها ، وهكذا سائر الحقّوق .

وبالجملة الحقّ الشرعي ليس إلّا الحكم الشرعي كما أنّ الحقّوق العرفية ليست

إلّا أحكاماً عرفية .

هذا ملخّص الفرق بين الملك والحقّ والحكم . فالملك الاعتباري هو سلطنة اعتبارية قد تتعلّق بالأعيان كملكية الدار وقد تتعلّق بالأفعال كملك عمل الأجير . كما أنّها حكم وضعي مستقل وليس منتزعة من الحكم التكليفي . والحقّ هو الحكم الشرعي القابل للاسقاط ولا يتعلّق إلّا بالأفعال . والحكم هو ما لا يقبل الاسقاط .

وقوع الحقّ ثمناً في البیع

وأمّا أقسام الحقّوق وأحكامها فقد عرفت أنّ الشيخ (قدّس سرّه) قسّمها إلى ثلاثة أقسام :

الأوّل : ما لا يقبل المعاوضة بالمال وحكم فيه بعدم جواز جعله ثمناً في البيع .

نقول : إن أراد بما لا يقبل المعاوضة بالمال ما يقبل النقل والاسقاط ولكن مجّاناً من دون أنّ يقابل بالمال كحقّ القسم للضرّة على ما قيل فالكبرى - أعني عدم جواز جعل مثل هذا الحقّ ثمناً - وإن كانت صحيحة إلّا أنّه لا دليل على وجود صغرى لهذه الكبرى . وكون حقّ القسم من هذا القسم لا دليل عليه . وإن أراد به ما لا يقبل النقل والاسقاط مطلقاً أي مع العوض وبلا عوض كحق الولاية والحضانة فالكبرى صحيحة أيضاً إلّا أنّ مثله ليس حقاً اصطلاحاً بل هو حكم ، لأن الحقّ كما قلنا ما يكون اختياره إيقاءً وإسقاطاً بيد المكلّف .

الثاني : ما لا يقبل النقل وإن قبل الاسقاط بل الانتقال بإرث ونحوه كحقّ الشفعة والخيار ، وحكم فيه بأنّه لا يجوز جعله ثمناً في البيع ، لأن البيع تمليك ونقل من الطرفين والمفروض أنّ هذا لا يقبل النقل .

وناقش فيه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1)بانتقاضه ببيع الدَين على من هو عليه ، فإنّ الإنسان لا يملك ما في ذمّته ومقتضاه عدم جواز بيع الدين من المديون


1) الجواهر 22 : 209 .

بناءً على كون البيع تمليكاً ولكن مع ذلك يصحّ بيعه منه ويكون أثره سقوط الدين فليكن حقّ الشفعة والخيار كذلك .

وأجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) بالفرق بين المقامين ، فإنّه يعقل أنّ يملك الإنسان ما في ذمّته ، لأنّ الملك نسبة بين المالك والمملوك ولا يحتاج إلى من يملك عليه حتّى يلزم اتّحاد المالك والمملوك عليه المستحيل في ملك الإنسان لما في ذمّته . ولكن أثر هذه الملكية سقوط ما في الذمّة ، وأمّا مثل هذا الحقّ فهو سلطنة فعلية تقوم بمسلّط ومسلّط عليه فلا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد لأنّه لا يعقل أنّ يتسلّط الإنسان على نفسه .

نقول : ما مثّل الشيخ (قدّس سرّه) به من حقّي الشفعة والخيار لا يجوز جعلهما ثمناً في البيع ، لكن لا لما ذكره (قدّس سرّه) ، بل لأنّ حقّ الشفعة حقّ للشريك يستحقّ به تملّك الحصّة المبيعة ليضمها إلى حصته ، وهذا المعنى لا يمكن نقله لا إلى المشتري للحصة ولا إلى غيره ، أمّا إلى المشتري فلأنّه مالك لها بالفعل فلا معنی لاستحقاقه لتملّكها ثانياً .

وأمّا إلى غيره فلأنّه ليس شريكاً وحقّ الشفعة موضوعه الشريك . وأمّا حقّ الخيار فلأنّ مرجعه على ما سيأتي في مبحث الخيارات إلى تحديد الملكية إلى زمان فسخ من جعل له الخيار ، وهذا المعنى أيضاً لا يقبل النقل إلى غيره لأنّ فسخه ليس فسخ من جعل له الخيار .

نعم حقّ الشفعة والخيار قابلان للاسقاط والانتقال إلى الوارث ولكنّه مطلب آخر .

وأمّا ما استدلّ به الشيخ (قدّس سرّه) على المنع من جعلهما ثمناً من لزوم اتّحاد المسلّط والمسلّط عليه ففيه أوّلاً : أنّه أخصّ من المدّعى ، لاختصاصه بما إذا نقل إلى

من عليه الحقّ وأمّا إذا نقل إلى غيره فلا يلزم الاتّحاد المزبور .

وثانياً : أنّ الخيار يتعلّق بالعقد ، لأنّه عبارة عن ملك فسخ العقد، فالمسلّط عليه هو العقد لا عليه الخيار ، فلا يلزم من بيعه على من عليه الخيار اتّحاد المسلّط والمسلّط عليه فضلاً عن بيعه من غيره .

وثالثاً : أنّ اجتماع عنواني المسلّط والمسلّط عليه في شيء واحد ليس محالاً فإنّهما وإن كانا متضايفين إلّا أنّ التضايف بنفسه لا يقتضي امتناع اجتماع المتضايفين في اجتماع عنواني العالم والمعلوم عليه تعالى وعلى النفس باعتبار علمها بنفسها وكذا المحبّ والمحبوب فإنّ الإنسان محبّ ومحبوب لنفسه . نعم في مثل عنواني العلّة والمعلول لا يمكن اجتماعهما في شيء واحد. إذن ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من المحذور في نقل الحقّ غير تامّ . نعم بناءً على ما ذكرنا من رجوع الحقّ إلى عدم جواز مزاحمة من عليه الحقّ لمن له الحقّ لا يجوز نقل الحقّ إلى من عليه الحقّ لأنّ المزاحمة تقتضي طرفين مزاحم بالكسر ومزاحم بالفتح ولا يعقل أنّ يزاحم شخص نفسه .

وأمّا ما ذكره من أنّه يعقل أنّ يكون الإنسان مالكاً لما في ذمّته فيؤثر تمليكه السقوط ، لأنّ الملك نسبة بين المالك والمملوك ولا يحتاج إلى مملوك عليه حتّى يستحيل اتّحاد المالك والمملوك عليه ، ففيه : أنّ ملك الإنسان لما في ذمته أنّ كان مستحيلاً بحسب البقاء ولأجله يسقط فهو مستحيل بحسب الحدوث أيضاً لأنّ المانع عن البقاء مانع عن الحدوث أيضاً ولا فرق بين قصر الزمان وطوله ، وإن كان ممكناً حدوثاً فهو ممكن بقاءً أيضاً فلا وجه لسقوطه بعد الحدوث .

نعم لو كان المانع عن البقاء شرعياً كما في شراء العمودين نلتزم بحدوث الملكية آناً ما وزوالها بقاءً . والصحيح كما تقدّم أنّ الإنسان يملك ما في ذمته لكن بالملكية التكوينية بمعنى الاختيار والسلطنة التكوينية لا بالملكية الاعتبارية ، لأنّ الاعتبار بعد الثبوت التكويني لغو . فمرجع شراء الإنسان لما في ذمّته أو أعمال نفسه

إلى كونه مطلق العنان بالنسبة إليها ومختاراً في التصرّف فيها كيف ما شاء فيتمكّن من نقله إلى آخر وعدمه .

الثالث من الحقّوق : ما يقبل النقل والانتقال كحقّ التحجير فإنّه يصحّ نقله ومقابلته بالمال في الصلح إلّا أنّه استشكل (قدّس سرّه) في جواز جعله ثمناً في البيع من جهة أخذ المال في عوضي البيع والحقّ ليس بمال .

وفيه : أنّه لا إشكال في كون مثل هذا الحقّ مالاً ، لأنّه ممّا يرغب فيه العقلاء ويبذلون بازائه المال فلا إشكال في جعله ثمناً من هذه الجهة . نعم لا يجوز ذلك من جهة أخرى وهي أنّ الحقّ إمّا سلطنة ضعيفة كما هو المشهور أو حكم شرعي كما هو المختار .

فعلى الأوّل لا يجوز جعله ثمناً من جهة أنّ البيع مبادلة بين المالين في الاضافة في الملكية ، فهو مبادلة بين متعلّقي الاضافة والسلطنة لا بين نفس الاضافة والسلطنة ، وعلى الثاني أعني كون الحقّ حكماً شرعياً فلأن الحكم الشرعي بأقسامه لا تكون له إضافة مالية أو ملكية إلى من يقوم به الحكم حتّى يقع التبديل فيها ويتحقّق البيع ، نعم لا مانع من جعل إسقاط الحقّ أو متعلّقه كفسخ العقد في الخيار ثمناً في البيع لأنهما فعل المكلّف وقد عرفت وقوع عمل الحر ثمناً ، ولكنّه خارج عن محلّ الكلام .

وشيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)منع عن وقوع الحقّ القابل للنقل وكذا سره)(1) سقوطه وإسقاطه ثمناً في البيع ، لكن لا من جهة عدم مالية الحقّ بل من جهة أنّه يعتبر في البيع عنده أنّ يدخل كلّ من العوضين في ملك مالك الآخر ويحل محل العوض الآخر في تعلّق ملك الآخر به ، وهذا المعنى لا يجري في الحقّ لأن الحقّ مباين سنخاً


1) منية الطالب 1 : 110 .

للملك فلا يصلح لأن يقع طرفاً ومتعلّقاً له ، هذا في الحقّ .

وأمّا إسقاطه وسقوطه فلأنّهما أيضاً لا يصلحان للدخول في ملك مالك المعوّض لأنّ الاسقاط والسقوط بدون ملاحظة ما أُضيفا إليه من الحقّ لا مالية لها فلا يصلحان لأن يدخلا في ملك البائع ويقعا طرفاً للاضافة الملكية ، ومع ملاحظة ما أضيفا إليه وإن كانا مالين إلّا أنّ المضاف إليه وهو الحقّ الذي جاءت من قبله المالية لا يصلح لأن يدخل في ملك البائع كما عرفت . فلا يقاس الاسقاط بسائر الأعمال كالخياطة فإنّها في نفسها مال تصلح لأن تقع طرفاً للاضافة الملكية ، بخلاف الاسقاط كما عرفت .

وفيه : أنّ ما ذكره في الحقّ أنّ أراد به ما ذكرنا فهو حقّ .

وأمّا ما ذكره فى الاسقاط والسقوط ففيه : أنّهما بعد إضافتها إلى الحقّ يصيران بنفسهما مالين لا أنّ المال هو الحقّ ويسند إلى الاسقاط والسقوط مجازاً فالاضافة إلى الحقّ واسطة في ثبوت المالية لهما لا واسطة في العروض . وعليه فهما بعد الاضافة يكونان مالين كالخياطة ونحوها فيصلحان لوقوعها ثمناً بناءً على اعتبار المالية في العوضين ، هذا حكم وقوع الحقّ ثمناً .

الشّک في قابلیة حکم للاسقاط أو النقل أو الانتقال

ثمّ إذا شكّ في قابلية حكم للاسقاط أو النقل أو الانتقال فم-ا ه-و مقتضى القاعدة ؟

نقول : أمّا إذا شكّ في قبوله للاسقاط فإن كان لدليله إطلاق يعمّ ثبوته فيما بعد الاسقاط جاز التمسّك به كما إذا شككنا في جواز أكل المارة بعد إسقاطه فإنّه يتمسّك با طلاق دليله.

وإن لم يكن لدليله إطلاق كما إذا ثبت بالاجماع ونحوه ، فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية كما هو المشهور فلا مانع من التمسّك به وإثبات الحكم بعد إسقاطه أيضاً ، ويكون نتيجته نتيجة عدم قابلية الحكم للاسقاط ، هذا إذا

كان الحكم تكليفياً ، وإن كان وضعياً فجريان الاستصحاب يتوقف مضافاً إلى ذلك على القول بجريانه في الأحكام التعليقية ، وأمّا إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام كما هو المختار ولم يكن لدليل ثبوته إطلاق كما هو المفروض ، فلا محيص من الرجوع إلى سائر الأصول لفظية كانت أو عملية وهي تختلف حسب اختلاف الموارد ولكن النتيجة نتيجة السقوط وأنّ الحكم المشكوك قابليته للاسقاط وعدمه قابل له ، ففي مثل ما إذا شككنا في أنّ حقّ القصاص هل يقبل الاسقاط أو لا يقبل الاسقاط ، فبعد ، فبعد عدم إطلاق الدليل المثبت له وعدم جريان الاستصحاب على الفرض فلابدّ من الرجوع إلى سائر الأصول اللفظية والعملية ومقتضاها في المقام عدم جواز قتل أحد في الإسلام ، وإنّما جعل الاقتصاص للوارث ع-ل-ى خ--لاف مقتضى القاعدة ، والمتيقّن من ذلك الحكم المخالف للقاعدة هو ما إذا لم يسقط الوارث حقه فإنّه لا يجوز مزاحمة أحد له في قتل قاتل أبيه ، وأمّا بعد إسقاطه فمقتضى القاعدة أنّ لا يجوز له قتله ويجوز للآخر مزاحمة الوارث في قتل القاتل لحرمة دم المسلم في الإسلام، وله أنّ يمتنع من القتل ولا يمكن للآخر إلزامه به بوجه.

وكذا الحال فيما إذا شككنا في سقوط الخيار باسقاطه بعد فرض عدم الاطلاق في دليله وعدم جريان الاستصحاب فيرجع إلى عموم قوله : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضِ ) (1)فإنّه بعد ما أسقط حقّه لا يمكنه أخذ المبيع من المشتري لأنّه ماله ، والفسخ بعد الاسقاط لم يدل دليل على صحته وليس بتجارة عن تراض ، فيكون أخذه من أكل المال بالباطل ونتيجته أنّه يسقط بالاسقاط ، والسرّ في ذلك أنّ تلك الأحكام المجعولة إنّما هي على خلاف القاعدة فيقتصر فيها على المتيقّن وهو ما قبل الاسقاط وبعد إسقاطها فالمرجع هو العمومات


1) النساء 4 : 29 .

اللفظية والعملية ومقتضاها عدم ثبوت تلك الأحكام كما لا يخفى ، هذا كلّه فيما إذا شككنا في قابليته للاسقاط .

وأمّا إذا شككنا في أنّه قابل للانتقال فينتقل من المورّث إلى وارثه أم لا فالصحيح فيه الحكم بعدم الانتقال ، لأنّ ما ينتقل إلى الوارث هو ما تركه الميت والمراد به بحسب الفهم العرفي ما يبقى بعد ذهاب الميت ولا يكون قائماً بشخصه ، فإنّ ما يكون قائماً بشخص الميت يذهب بذهابه ولا يصدق عليه عنوان ما تركه الميت فإذا شككنا في قابلية الحكم للانتقال وعدمها يشكّ في شمول ما تركه الميت له والأصل عدم انتقاله إليه .

وبما ذكرنا ظهر أنّ القابلية للانتقال من شؤون قابلية الشيء للنقل ، فإنّه على فرض قبوله للنقل يدخل في جملة ما ترك ، لأنّه يكشف عن أنّه ليس حكماً شخصياً ليذهب بذهابه ، وعليه فالمهمّ صرف عنان الكلام إلى بيان أنّه يقبل النقل إلى الغير أو لا يقبل النقل .

فنقول : أمّا إذا شككنا في أنّه هل يقبل النقل إلى الغير أو لا يقبله ، فالنتيجة نتيجة عدم القبول والتحاقه بالأحكام المحضة، وذلك لما عرفت من أنّ تلك الأحكام المجعولة إنّما هي على خلاف القاعدة ولابدّ من الاقتصار فيها على مواردها المتيقّنة وهي ثبوتها لنفس الشخص الذي يريد نقلها إلى الغير ، وأمّا ثبوتها في حقّ ذلك الغير بنقلها إليه فهو غير معلوم ، مثلاً المتيقّن من عدم جواز المزاحمة في حقّ التحجير هو عدم جوازها في حقّ نفس المحجر للأرض ، وأمّا عدم جواز المزاحمة للمشتري من المحجّر فلا ، فيجوز مزاحمته ما لم يقم دليل على عدمه ، وكذلك حقّ الخيار فإنّ الثابت منه على خلاف القاعدة ثبوته في حقّ نفس البائع ، وأمّا المشتري منه ذلك الحقّ فلا ، وكذلك حقّ القصاص فلا يحرم مزاحمة غير الوارث في القصاص من القاتل كما لا يحرم مزاحمة غير البائع في فسخ المعاملة ، ونتيجة ذلك عدم قبول

المشكوك للنقل ، على خلاف الشكّ في الاسقاط فإنّ النتيجة فيه قبوله الاسقاط كما عرفت .

وبالجملة : أنّ مقتضى القاعدة الاقتصار على الموارد المتيقّنة وعدم ثبوت تلك الأحكام في حقّ غير من ثبت في حقّه أوّلاً .

ودعوى أنّ مقتضى عمومات (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1)و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (3)وغيرها من أدلّة التجارة ونحوها صحّة نقل الحكم إلى الغير وثبوت آثاره في حقّ المشتري ، مدفوعة بأنّ هذه العمومات لم ترد في مقام تشريع أنحاء السلطنة كالسلطنة على النقل ، بل هي ناظرة إلى نفوذ أسباب النقل في موارد ثبوت السلطنة التامّة لكلّ من المتعاقدين على ماله ولو عند العرف والعقلاء ولذا لو فرضنا أحداً آجر نفسه للغناء أو جعل فعله هذا عوضاً في البيع ونفرض أنّا نشكّ في حرمة الغناء وكونه تحت سلطنته وضعاً - فإنّ الحرام لا يجوز جعله عوضاً ولا تقع المعاملة عليه - لا يمكننا التمسّك بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) والحك-م ب-دلالته بالالتزام على صحّة العقد وجواز الغناء تكليفاً ، وليس هذا إلّا لما ذكرناه من أنّ هذه

العمومات لا تثبت السلطنة على أصل النقل ، بل هي ناظرة إلى أسبابه .

فالصحيح أنّ مقتضى الأصل عند الشكّ في قابلية الحكم للنقل هو العدم .

فالمتحصّل : أنّ مقتضى القاعدة في كلّ ما شككنا في قابليته للاسقاط هو كونه قابلاً للاسقاط ، كما أنّ مقتضى القاعدة في كلّ ما شككنا في قابليته للنقل عدم قابليته له ، هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالحقّوق .


1) البقرة : 2 : 275 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) النساء 4 : 29 .

ثمّ أنّ البيع كما تقدّم عبارة عن إنشاء تبديل عين بمال فيعتبر أنّ يكون المعوّض عيناً بخلاف العوض فإنّه كما يصحّ جعله من الأعيان كذلك يصحّ أنّ يكون من قبيل المنافع أو الأعمال .

حقيقة الإنشاء والفرق بینه و بین الإخبار

وبعد ذلك كلّه يقع الكلام في حقيقة الانشاء والفرق بينه وبين الإخبار فنقول : إنّ الانشاء عند المشهور عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ في قبال الإخبار الذي عبارة عن حكاية نسبة سلبية أو إيجابية .

ولكنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا يوجد باللفظ شيء من الجواهر والأعراض ولا الاعتباريات في العالم ، لأنّ الجواهر أو الأعراض يتوقّف تحقّقها على تحقّق عللها ومبادئ وجودها ، لا أنّها توجد باللفظ وهو ظاهر ، كما أنّ الأمور الاعتبارية وجودها تابع لاعتبار معتبرها ، والاعتبار أمر نفساني لا يحتاج إلى اللفظ ، فلا يكون للايجاد باللفظ معنىً محصّلاً ، فلا يمكن أنّ يكون ذلك حقيقة للانشاء .

وأمّا الاستعمال أعني استعمال اللفظ في المعنى ، فإنّه أيضاً لا يختص بالانشاء إذ الاستعمال عبارة عن إعمال الشيء فيما وضع له ، فلبس الثوب استعمال له ومطالعة الكتاب استعمال للكتاب ، ومنه استعمال اللفظ فيما وضع له من المعنى وهو متحقّق في الانشائيات والاخباريات والجملات والمفردات ، كانت الجملة تامّة أو ناقصة ، فلا يكون شيء من ذلك حقيقة للانشاء .

فلابدّ في بيان حقيقة الانشاء والاخبار أنّ يقال : الانشاء هو إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ما ، والاخبار إبراز قصد الحكاية عن ثبوت شيء أو نفيه ، فالفرق بينهما إنّما هو في المبرز (بالفتح) ، فإنّ المبرز في الانشاء عبارة عن أمر لا تعلّق له

بالخارج والأمور الواقعية وهو الاعتبار ، فإنّ الاعتبار أمر نفساني لا يحتاج إلى شيء وراء نفسه ولا تعلّق له بالخارج أبداً ، وبالاستعمال يبرز ذلك الاعتبار القائم بالنفس . وأمّا المبرز في الاخبار فهو أمر له تعلّق بالخارج وهو عبارة ع-ن ق-ص-د حكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه ، والقصد وإن كان أيضاً من الأمور القائمة بالنفس إلّا أنّ له تعلّقاً بالخارج ولأجل ذلك يتصف بالصدق والكذب ، لأنّه ربما تكون الحكاية مطابقة للواقع وأخرى مخالفة له ، وهذا بخلاف الانشاء إذ لا معنى لمطابقة الاعتبار فيه للواقع وعدمه ، وقصد الحكاية هو الذي يمكن أنّ يكون مدلولاً للجملات الاخبارية ولا يستفاد منها أزيد من أنّ المتكلّم بصدد الحكاية وقاصد لحكاية ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه . وأمّا نفس ثبوت القيام لزيد في مثل الاخبار عن قيام زيد فلا يستفاد من الجملة أبداً ، بل ربما يكون ثابتاً له في الواقع وأخرى منتفياً عنه سواء قصد الحكاية أم لم يقصدها ، وعليه فالبيع عبارة عن إبراز اعتبار كون المعوّض للمشتري أي كونه طرفاً لاضافته في مقابل العوض ، وقد عرفت أنّه إنّما يتحقّق فيها إذا كان نظر البائع إلى حفظ مالية ماله ورفع اليد عن خصوصيته في قبال المشتري الذي نظره إلى جلب الخصوصية برفع اليد عن مالية ماله ، فلو كان نظر كلّ واحد منهما إلى حفظ المالية أو إلى حفظ الخصوصية فهو خارج عن البيع وداخل تحت العناوين الآخر ، وبما أشرنا إليه يتميّز البائع عن المشتري وهو ظاهر .

ثمّ أنّ ما اعتبره البائع من تبديل متعلّقي الاضافتين ، ربما يكون مورداً لاعتبار الشارع والعقلاء أيضاً ، بمعنى أنّه يكون ممضى عندهما باعتبارهما له وأخرى لا يكون مورداً لامضاء العقلاء والشارع ولا يكون معتبراً عندهما ، وكيف كان فاعتبار شخص البائع هو المقوّم للمعاملة البيعية من دون توقفها على اعتبار العقلاء أو الشارع ونسبته إلى اعتبار العقلاء والشارع نظير نسبة الموضوع إلى الحكم ، يعني أنّ اعتبار البائع موضوع لاعتبار العقلاء أو الشارع ، بمعنى أنّ العقلاء

أو الشارع أيضاً يعتبرون المبادلة التي اعتبرها البائع ويرتبون عليها آثارها وهو معنی الصحّة ، أو أنّهم لا يعتبرونها ولا يرتّبون آثارها عليها ويعبّر عنه بالفساد من دون فرق في ذلك بين أنّ يكون البائع عالماً بموافقة اعتبار الشارع أو العقلاء لاعتباره أم لا ، بل ربما لا يلتفت إلى ذلك أصلاً كما في الصبيان ولكنّه مع ذلك أنّ طابق اعتبارهما يكون صحيحاً لا محالة .

ومن ذلك يظهر فساد ما أفاده بعض مشايخنا المحقّقين (قدس سرهم)(1)، من أنّ البائع باعتباره ذلك يتسبّب إلى اعتبار العقلاء والشارع ، إذ قد عرفت أنّه ربما لا يلتفت إلى أنّ ما اعتبره متحقّق عند العقلاء أو الشارع أو غير متحقّق كما في الصبيان ، ومعه كيف يكون متسبّباً به إلى اعتبارهما ، أو لا يكون عقلاء هناك حتّى يتسبّب إلى اعتبارهم كما في مثل زمان آدم وحواء (عليها السلام) فإنّ أحدهما إذا اعتبر شيئاً طرفاً لاضافة الآخر يتحقّق هناك معنى المبادلة مع أنّه لا يتسبّب بذلك إلى اعتبار العقلاء ، إذ لا عقلاء هناك حتّى يتسبّب إلى اعتبارهم ، أو لا يكون معتقداً للشريعة كما مرّ.

فتحصّل : أنّ حقيقة البيع ليست إلّا ما أشرنا إليه من أنّها تبديل عين بمال في ، الاضافة وهي متحقّقة في جميع موارد البيع بلا تخلّف حتّى في مثل شراء العمودين فإنّ البائع حينئذٍ يعتبرهما طرفاً لاضافة المشتري ويبدّل إضافتها من نفسه إليه وبعدما صارا طرفاً لاضافة الابن آناً ما فيترتّب عليه الانعتاق القهري بمقتضى الأخبار . وكذا في مثل البيع في الزكاة أو آلات المساجد وغيرهما ، فإنّ العبد الذي يشترى من مال الزكاة كما هو أحد مصارفها لقوله تعالى (وَفِي الرِّقَابِ) (2)يتبدّل


1) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 77 .

2) البقرة 2 : 177 .

العبد بالزكاة فيكون العبد زكاة ثمّ يعتقه من بيده الأمر من الحاكم وغيره وهكذا وهذا لا ينافي ما ذكره بعض من أنّ ظاهر الأخبار أنّ العمودين ينعتقان بالشراء فإنّا أيضاً قائلون بذلك ، ولكن الوجه فيه أنّهما يدخلان تحت إضافة الابن آناً ما ثمّ ينعتقان بنفسهما ، ولذا صحّ أنّ يقال إنّهما انعتقا بمجرد الشراء ، هذا .

إشكالات تعريف البيع

ثمّ إنّه أورد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)على تعريف البيع (بأنّه إنشاء تمليك عين بمال) بأنّ لازم ذلك صحّة إنشاء البيع بالتمليك بأن يقول : ملّكتك كذا فأجاب (قدّس سرّه) عنه : بأنّه لا مانع من أنّ يلتزم به ، هذا .

ولا يخفى أنّه إنّما يصحّ إنشاء البيع بلفظ ملكت فيما إذا كان المشتري نفس مالك المال ، وأمّا إذا كان وليّه أو وكيله أو من غصب منه فلا ، لأنّه حينئذ إنّما يملكه للمالك لا للمخاطب الذي فرضناه وليّاً أو وكيلاً أو غاصباً ، فإنّه نظير التزويج في النكاح إذ لا يصحّ أنّ يقال : زوّجتك للمخاطب مع أنّه ولي الزوج أو وكيله بل يقول : زوّجت موكلك وهكذا ، وذلك من جهة أنّ المبادلة في التمليك إنّما يتحقّق بين المالكين لا محالة ، وهذا بخلاف ما إذا أُنشئ بلفظ البيع فإنّه يصحّ مع كل واحد من الأشخاص المذكورين ، كان مالكاً أو وليّاً ووكيلاً عنه أو غاصباً ، لأنّه عبارة عن المبادلة بين المالين كما سيأتي توضيحه في بيع الفضولي (2)إن شاء اللّه تعالى ، وكذا قد يتحقّق البيع من غير تمليك كما إذا أوصى بصرف ماله في جهة خاصة كعمارة المسجد فاشتري به مال فإنّه لا يدخل في ملك أحد ومع ذلك يصدق البيع . فظهر أنّ البيع


1) المكاسب 3 : 11 .

2) في الصفحة 419 .

ليس مرادفاً للتمليك وإن صحّ إنشاؤه به .

وقد أورد عليه أيضاً : بالنقض ببيع الدّين على من هو عليه ، فإنّه ممّا لا شبهة في كونه بيعاً مع أنّه لا تمليك فيه ، لأنّ المشتري فيه لا يملك شيئاً على نفسه ولا يملك ما في ذمّته .

وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري (1)بأنّه أيضاً يملك ما في ذمّته ولكنّه يسقط بعد تملّكه له .

والحقّ في الجواب : ما عرفته سابقاً من أنّ الملكية الاعتبارية لا وجه لها في المقام لكونها لغواً ، إذ الإنسان مالك لأفعاله ولما في ذمته بالملكية الذاتية بمعنى كونهما تحت سلطأنّه واختياره ، فإذا خرج ما في ذمّته من اختياره وصار مملوكاً لأحد فلا مانع من أنّ يملكه ثانياً بمعنى صيرورته داخلاً تحت سلطأنّه واختياره بعدما كان خارجاً عنهما ، وهذا المعنى من الملكية لا استحالة فيه ابتداءً واستدامة ولا وج-ه لسقوطها أيضاً كما مر تفصيله فراجع.(2)

وحاصل الجواب أنّ التمليك في بيع الدين على من هو عليه متحقّق ، ف-لا انتقاض .

وقد أورد عليه أيضاً بالنقض بالمعاطاة ، فإنّ التمليك متحقّق فيها مع أنه-ا لیست ببيع إجماعاً أو على المشهور .

ويدفعه : أنّ المعاطاة على ما سيأتي أنّ شاء الله بيع لازم ، ومن نفى بيعيّتها إمّا نظر إلى لزومها فأراد نفي كونها لازمة كالمحقّق الثاني (قدس سره)(3)وإمّا نظر إلى


1) المكاسب 3 : 12 .

2) راجع الصفحة 3 فما بعدها .

3) جامع المقاصد 4 : 58 .

صحّتها فأراد نفي صحتها كمن يراها مفيدة للإباحة ، ولكن الكلام في المقام إنّما هو في مفهوم البيع الأعم من الفاسد والصحيح ، ولا مانع من نفي كونها بيعاً بلحاظ فسادها كما ربما نقول فيما هو فاقد لبعض شرائط المعاملة أنّه ليس بيعاً أو ليس معاملة ، بل نفس دعوى الإجماع شاهدة على أنّ مرادهم هو نفي صحتها ، إذ الإجماع في المفهوم اللغوي لا معنى له ، وإنّما هو مناسب للأحكام الشرعية كما هو واضح ، ولا وج--ه لدعوى الإجماع بأنّ معنى البيع لغة كذا وكذا ، وهذا ظاهر .

وربما يورد عليه أيضاً : بالنقض بالشراء والاستيجار فيما إذا استأجر عيناً بعين ، فإنّ المشتري أيضاً يملك ماله بمال البائع ، كما أنّ البائع يملك ماله بمال المشتري ، وكذا الاستيجار المذكور فإنّه أيضاً تمليك عين بمال وهو المنفعة .

وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بأن التمليك في الشراء والاستيجار ضمني بخلاف البيع فإنّ التمليك فيه استقلالي ، هذا .

ولكنّي لم أفهم حقيقة مراده كما لم يفهمه جماعة آخرون ، إذ ما معنى ك--ون التمليك في الشراء ضمنيّاً ، فإن أريد به تأخّر القبول عن الايجاب وأنّ المشتري إنّما يملّكه بعد تمليك البائع ، ففيه : أنّه لا يضرّ بصدق التمليك عليه فلابدّ أنّ يكون الشراء بيعاً ضمنياً كما هو واضح . مضافاً إلى أنّه يمكن أنّ يقدّم تمليك المشتري على تمليك البائع في غير صيغتي رضيت وقبلت ، فله أنّ يقول أوّلاً : اشتريت مالك بكذا فيقول البائع قبلت ، فإنّه بيع بلا كلام . وكذا يجوز أنّ يتقدّم إنشاء المستأجر على إنشاء المؤجر في الاجارة وإنشاء الزوج على إنشاء الزوجة في النكاح ، بل قد ورد في صحته رواية (2)بمضمون أنها إذا قالت نعم بعد إيجابك فأنت أولى الناس به-ا


1) المكاسب 3 : 13 .

2) الوسائل 21 : 43 / أبواب المتعة ب 18 ح1 .

وإن أريد بذلك أنّ تمليك المشتري مدلول غير مطابقي والمدلول المطابقي هو تمليك البائع ففيه أيضاً أنّه لا ينا في صدق التمليك فيلزم أنّ يكون الشراء بيعاً ضمنياً .

فالصحيح في الفرق بين البيع والشراء إنّما هو بما بيّناه من أنّ غرض البائع حفظ مالية ماله وغرض المشتري تحصيل خصوصية المبيع ، وأمّا إذا كان غرض كلّ منهما حفظ المالية أو تحصيل الخصوصية فلا تكون المعاملة بيعاً . وهكذا الحال في الاجارة فغرض المؤجر يتعلّق بالمالية وغرض المستأجر بالانتفاع بالعين ، وبدونه لا تصدق الاجارة .

ثمّ أورد عليه أيضاً بالنقض بالصلح على عين بمال ، وأجاب بأنّ البيع والصلح متغايران مفهوماً ، وهو كذلك فإنّ البيع هو إنشاء تبديل عين بمال في جهة الاضافة ، والصلح هو إنشاء التسالم على شيء ، وهما مفهومان متغايران ، نعم البيع يتعلّق به التسالم الواقعي ، فإنّ البائع والمشتري ما لم يتسالما على التبديل المزبور لا يصدر منهما البيع ، فالبيع متعلّق التسالم لا أنّ المنشأ فيه هو التسالم ، بخلاف عقد الصلح ، فإنّ المنشأ فيه هو التسالم على شيء ، وذلك الشيء قد يكون ملكية عين بعوض فيفيد فائدة البيع وقد يكون ملكية المنفعة فيفيد فائدة الاجارة وقد يكون غيرهما فيفيد فائدة عقد آخر . ومن هنا يظهر أنّ متعلّق عقد الصلح لا يكون إلّا الملكية ونحوها من الأحكام ولا يمكن تعلّقه بعين أو عمل بل يتعلّق بملكيتها فيقال مثلاً : صالحتك على أنّ يكون هذا ملكاً لك بازاء ملكي لما عندك ، بخلاف البيع فإنّه يتعلّق بالأعيان . وعليه فالبيع والصلح على ملكية عين بعوض متباينان مفهوماً ومصداقاً ، وإن اتّحدا في النتيجة ، هذا هو الفرق بينهما من حيث المفهوم وأمّا الفرق بينهما من حيث الأحكام فله مقام آخر .

وقد أورد عليه أيضاً بالنقض بالهبة المعوّضة أيضاً فإنّها تمليك عين بمال مع أنّها ليست ببيع ، ولذا لا يرتّب عليها آثاره وأحكامه كخيار الحيوان وخيار المجلس

ونحوهما ، هذا .

ولا يخفى أنّ الهبة على ثلاثة أقسام :

أحدها : الهبة غير المعوّضة كما إذا وهب مالاً لأحد من دون عوض ، وهذا لا إشكال في عدم صدق البيع عليه .

ثانيها : الهبة المعوّضة اتفاقاً كما إذا وهب مالاً لأحد من دون عوض ثمّ بعد ذلك وهب المتهب أيضاً مالاً آخر للواهب الأوّل كما يقع ذلك غالباً لئلّا يبق تحت منة الواهب مثلاً ، وهذا أيضاً خارج عن توهّم النقض ولا يصدق عليها تعريف البيع ، بل هما هبتان مجّانيتان ولا عوض في شيء منها .

وثالثها : الهبة بشرط العوض كما إذا وهب شيئاً لأحد على أنّ يفعل كذا أو يكون المال الفلاني له مثلاً ، وهذا هو الذي نقض تعريف البيع به ، من جهة توهّم أنّها أيضاً تمليك عين بمال .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بأنّ حقيقة الهبة هي الاعطاء مجّاناً من دون فرق بين أقسامها الثلاثة ، غاية الأمر أنّه ربما يشترط في الهبة أنّ يكون المال الفلاني له أو يفعل الفعل الفلاني ، فهو اشتراط في ضمن الهبة المتقومة بالمجانية ولا دخل له في حقيقتها ، وليس الشرط عوضاً للمال الموهوب ، فلذا إذا لم يعمل به المتّهب بعد الهبة لا تفسد الهبة به وإنّما يثبت للواهب خيار تخلّف الشرط فله أنّ يرجع في هبته . فالمتحصل أنّ الهبة إعطاء بجاني دائماً وليس فيها تبديل مال بمال أبداً ، وهذا الذي أفاده متين جدّاً .

ثمّ إنّ السيّد (قدّس سرّه) ذكر في حاشيته (2): أنّ ظاهر جميع العلماء أنّ الهبة


1) المكاسب 3 : 14 .

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 60 .

المعوّضة مختصّة بما إذا كان العوض مذكوراً على وجه الشرط ، ولكن يمكن أن يقال إنّ منها قسمين آخرين وهما أن يملك الواهب تمليكه في مقابل مال المتهب كأن يقول ملكتك كذا بكذا على أن تكون المقابلة بين التمليك والمال لا بين المالين وأن يملّك الواهب تمليكه في مقابل تمليك المتّهب كأن يقول : ملكتك كذا بتمليك كذا بأن تكون المقابلة بين التمليكين لا بين المال والتمليك . وهذان القسمان أيضاً خارجان عن تعريف البيع ، لأنّ المال الموهوب لم يقابل بشيء بل هو مملك مجّاناً .

وفيه : أنّ تمليك التمليك الذي هو فعل الواهب في مقابل مال المتّهب أو تمليكه بمثل الصيغتين المذكورتين مستحيل ، لأنّه مضافاً إلى أنّ الفعل الخارجي بعد تحقّقه لا معنى لتمليكه للغير، أنّ تمليكه أنّ كان بنفس قوله ملّكتك كذا فهو غير معقول لأنّ التمليك في هذه الصيغة قد تعلّق بالمال لا بالتمليك ، وإن كان بانشاء آخر فالمفروض انتفاؤه .

بقي من النقوض النقض بالقرض لأنّه أيضاً تمليك عين بمال مع أنّه ليس بيعاً.

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بأن القرض تمليك بالضمان لا أنّه تمليك عين بمال . وقد خفي ذلك على بعضهم (2)فأورد عليه بأنّه ما معنى التمليك بالضمان ، فإن أُريد به أنّه تمليك مجاني ولكنه ضامن له ، ففيه : أنّه لا وجه لضمأنّه حينئذ بعد كونه تمليكاً مجانياً . وإن أريد به أنّه تمليك في مقابل قيمته أو مثله ، فهو بيع حقيقة غاية الأمر أنّ ثمنه في ذمة المستقرض ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ الشيخ إنّما أراد بالضمان في المقام الضمان بالمعنى الذي ذكره


1) المكاسب 3: 15 .

2) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 29

في بحث المثلي والقيمي (1)حيث أفاد هناك أنّ معنى الضمان ك--ون العين في عهدة الشخص ولا يتوقّف على تلف العين بل مع كونها موجودة يكون ثابتاً في حقّ الضامن ، وهو نظير الكفالة غاية الأمر أنّها تعهد للأشخاص والضمان تعهد في الأموال ، فمقتضى قاعدة على اليد مثلاً أنّه بمجرّد وضع يده على المال يثبت المال في عهدته ، كان موجوداً أو كان تالفاً ، وسيأتي أنّ انتقاله إلى المثل أو القيمة ك--لام شعري ، لأنّه إنّما هو في مقام تفريغ الذمة مع تلف العين لا الاشتغال ، فإن ذمّته مشتغلة بعين المال في جميع الأحوال لا بالمثل أو القيمة ، غاية الأمر أنّه في مقام الأداء إذا لم يتمكن من دفع نفس العين يدفع ما هو أقرب إليه من المثل أو القيمة .

فإذا كان معنى الضمان هو التعهّد للمال وكونه في عهدة الضامن ، فإن كان ذلك في مثل الغصب وغيره من الأيدي الضامنة يكون المال بجميع خصوصياته وتشخّصاته ثابتاً في عهدة الضامن ويجب عليه دفعه مع خصوصياته ، وأمّا إذا كان في باب القرض فيكون المال في عهدته أيضاً ، ولكن بالغاء خصوصياته بمعنى أنّ المالك في القرض يرفع اليد عن خصوصيات ماله ويملّكه المقترض ، لا مجّاناً بل بأن يكون المال بكليه في عهدته ، فيكون تمليكاً بالضمان أي في مقابل تعهده بكلّي ذلك المال الصادق على شخص ذلك المال أيضاً ، فلذا لا يجب عليه في مقام الأداء أداء نفس المال الذي أقرضه ، نعم يجوز له ذلك ، ومن المعلوم أنّ هذا لا يكون من باب البيع ومبادلة مال بمال ، إذ لا يعقل أنّ يملك المال في مقابل نفسه أو في مقابل كلّي ينطبق على نفسه أيضاً ، وهذا هو معنى التمليك بالضمان كما سيأتي في المثلي والقيمي .

وعلى هذا المعنى بنينا وجوب دفع قيمة يوم الدفع فيما إذا تلفت العين المضمونة من جهة ما أشرنا إليه من أنّه دائماً يكون ضامناً لعين المال المغصوب ويكون عينه في


1) المكاسب 3 : 244

عهدته ، كانت باقية أو تالفة ، وفي مقام الأداء وتفريع الذمّة أنّ وجدها فيدفعها بعينها وإلّا فيجب عليه دفع ما هو أقرب إليها من المثل أو القيمة ، فالانتقال إلى القيمة أو المثل إنّما هو في مقام الأداء وإلى ذلك الزمان كان متعهداً لعين المال ، وعند الأداء لابدّ من ملاحظة قيمة المال لو كان تالفاً ، ولا مانع من اعتبار ذمّة الشخص مشغولة بعين المال الذي فرضناه تالفاً ، لأنّ الاعتبار في المعدومات بل المستحيلات أيضاً صحيح .

فالمتحصّل : أنّ معنى الضمان كون العين في العهدة ، وأنّ الضمان في الغصب يغاير الضمان في القرض في أنّه في باب الغصب عبارة عن كون العين بم-ا له-ا م-ن الخصوصيات في العهدة ، وأمّا في القرض فضمأنّه بمعنى كون العين بكلّيها وملغاةً عنها الخصوصيات في العهدة ، هذا .

ثمّ إنّه أيّد الشيخ ما ذكره من الفرق بين القرض والبيع بأنّ آثار البيع وأحكامه لا تأتي في القرض كربا المعاوضة فإنّه لا يجري فيه ، وكذا الغرر المنفي في البيع فإنّه غير مانع عن صحّة القرض ، وكذا العلم بالعوض اللازم في البيع غير لازم في القرض .

وقد فسّر بعض المحشّين (1)عدم جريان ربا المعاوضة في القرض بأنّ الربا في المعاوضة إنّما يختص بالمكيل والموزون مع اتّحاد العوضين في الجنس ، وأمّا في غيرها كالمعدود وغيره فلا يجري فيه ربا المعاوضة ، وهذا بخلاف باب القرض فإنّ الربا فيه لا يختصّ بالمكيل والموزون ولا يشترط فيه اتّحاد الجنس ، بل لو أقرض عشرة من البيض فدفع أحد عشر منها لزم فيه الربا أيضاً مع أنّه من المعدود ، وكذا لو أقرض قيمياً على أنّ يؤدّي إليه ما يزيد على قيمته كان رباً محرّماً ، مع أنّهما جنسان . فالربا


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 61 ، حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 29 .

المعاملي المختصّ بالمكيل والموزون مع اتّحاد الجنس لا يجري في القرض وأنّ دائرة الربا في القرض أوسع وغير مختصّة بهما ، لما عرفت من جريانه في المعدودات واختلاف الجنس أيضاً .

ثمّ بعد ذلك أورد على الشيخ (قدّس سرّه) ذلك المفسّر أنّ مجرد الاختلاف في الآثار وكون دائرة الربا في القرض أوسع لأجل دليل خصّصه بذلك ، لا يكشف عن عدم كون القرض من البيع ، فإنّ الاختلاف في الأحكام لا يكشف عن الاختلاف في الحقّيقة ، لامكان أنّ يختصّ بعض أفراد الحقّيقة الواحدة بحكم لا يجري في غيره من الأفراد لأجل دليل دلّ عليه في حقّه ، كما في بيع الحيوان فإنّه مختصّ بخيار الحيوان مع أنّه من أفراد البيع ، هذا .

والظاهر أنّ مراد شيخنا الأنصاري من هذه العبارة عدم جريان الربا الجاري في معاوضة في القرض ، لا أنّه يجري في القرض مالاً يجري في المعاوضة بل بالعكس ، فلذا ذكر أنّ ربا المعاوضة لا يجري فيه ، وهو ظاهر فيما ذكرناه لا فيما فسّره به ذلك البعض من اتساع دائرته في القرض ، وإلّا كان الأنسب أنّ يقول : «ولذا لا يعتبر فيه شروط ربا المعاوضة ».

وكيف كان فالربا الجاري في المعاوضة دون القرض هو فيما إذا اشترط المقترض على المقرض شيئاً ، فإنّه جائز وليس ربا .

وهذا المقدار يكفي في الفرق بين القرض والبيع ويمكن تصحيح ما أفاده الشيخ به ، لأن القرض لو كان من المعاوضات لكان مقتضى إطلاق أدلة الربا المعاوضي ثبوت الربا في القرض ، لعدم ورود دلیل خاص ناف للربا في المقام بخصوصه .

وأمّا التأييد الثاني أعني عدم جريان الغرر المنفي عنها في الدَين فهو غير متسالم عليه ، لأنّ بعضهم تعدّى إلى الدين أيضاً من جهة المناسبات بين الأحكام والموضوعات ، فالخبر وإن ورد في خصوص البيع وأنّه نهى النبي (صلّى اللّه عليه وآله)

عن بيع الغرر (1)ولم يرد الغرر مطلقاً إلّا في مرسلة (2)واحدة دلّت على أنّه نهى عن الغرر ، إلّا أنّه يمكن أنّ يتعدّى عن المورد إلى غيره في بعض الموارد لأجل المناسبات الموجودة بين الأحكام والموضوعات كما أشرنا إلى ذلك سابقاً في المكاسب المحرّمة (3)وأنّه إذا ورد نهي عن بيع الخمر مثلاً يستفاد منه لأجل المناسبات بينهما حرمة جميع الانتقالات في الخمر ولو كان بالهبة والمصالحة . وكيف كان فتعدّى بعضهم عن البيع إلى جميع موارد الغرر ، فحكم بأنّه إذا أعطى لآخر كيساً لا يعلم مقدار ما فيه ولا جنسه فقال أقرضتك فهو قرض فاسد ، هذا .

والتحقيق أنّ الغرر لا يجري في القرض موضوعاً ، لا أنّه يتحقّق فيه ولكن لا يجري فيه حكماً كما هو ظاهر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) والوجه في ذلك أنّ الغرر بمعنى الخطر وهو إنّما يتصوّر فيما إذا خرج عن ملك الإنسان شيء ودخل بازائه شيء مجهول ، وأمّا إذا فرضنا أنّ نفس ما يتملّكه ينتقل إلى عهدته فلا خطر فيه أصلاً ، ففي البيع إذا ملك شيئاً وتملّك بازائه شيئاً مجهولاً فقد أقدم على خطر لاحتمال أنّ يكون المأخوذ ديناراً واحداً وقد دفع في مقابله ألف دينار.

وأمّا في القرض فلا يتحقّق ذلك ، لأنّه إنّما يضمن نفس ما في الكيس إن ديناراً فديناراً وإن أكثر فأكثر ، وليس فيه إقدام على الخطر ، وإن كان ما في الكيس مجهولاً ، لأنّه إنّما يضمن عين ما أخذه ولو كان مجهولاً ، لما عرفت من أنّ معنى الضمان كون العين في عهدة الضامن ، نعم يعتبر العلم بمقدار القرض مقدمة للأداء ، وهو أمر خارج عن القرض كما هو واضح ، ولو رأى أنّ ما في الكيس أكثر ممّا هو غرضه فله


1) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب 40 ح3 .

2) راجع الخلاف 3 : 319 المسألة 13 .

3) لاحظ محاضرات فى الفقه الجعفري 1: 153 .

أن يدفع الزائد إلى مالكه لأنّه بيده وليس فيه خطر بوجه ، وكيف كان ففي ذلك أيضاً تأیید للفرق بين البيع والقرض لاستلزام البيع الغرر موضوعاً دون القرض كما مثّلنا بهما آنفاً .

وأمّا التأييد الثالث أعني عدم جريان ذكر العوض والعلم به في القرض مع لزومهما في البيع ، فلوضوح أنّه لا يلزم ذكر العوض فيه فلا يجب أنّ يقول أقرضتك هذا بهذا ، وكذا العلم به غير لازم في القرض بخلاف البيع كما هو ظاهر .

وقد ذكر السيّد في حاشيته (1)بأنّ الوجه في عدم اشتراط القرض بالعلم بالعوض أو بذكره فيه إنّما هو وضوحه ومعلوميته ، فإنّه المثل أنّ كانت العين مثلية وإلّا فالقيمة ، فلا دلالة في هذا على عدم كون القرض معاوضة ، هذا .

ويدفعه : أنّ الشيء قد يتردّد بين كونه مثلياً أو قيميّاً ، كما أنّ الشيء القيمي ربما لا تعتبر له قيمة كبعض الجواهر النفيسة ، فلا يكون العوض معلوماً دائماً . فالصحيح أن يقال إنّ القرض ليس معاوضة ليعتبر فيه ذكر العوض أو العلم به ، بل هو كما ذكرنا نقل العين إلى العهدة بالغاء خصوصياتها الشخصية التي ليست دخيلة في ماليتها ، فعدم ذكر العوض من باب السالبة بانتفاء الموضوع . فهذا أيضاً لا يخلو عن التأييد . هذا تمام الكلام فيما أورد على تعريف البيع من النقوض . ثمّ أنّ الشيخ (قدّس سرّه) نقل عن بعض الأصحاب أنّ الأصل في تمليك الأعيان بالعوض هو البيع ، فأورد عليه بأنّه أنّ كان المراد بالأصل هو الأصل اللفظي فهو صحيح ولكنّه خلاف ظاهر كلام القائل ، وإلّا فلا أصل في البين يعيّن البيع.

وتوضيح ذلك : أنّه تارةً يقال بأنّ تمليك العين بالعوض هو البيع وحينئذ لو


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 61 .

وقع هذا اللفظ في كلام الموجب وشكّ في أنّه أراد البيع الذي هو المعنى الحقّيقي لهذا اللفظ أو أراد غيره كالصلح مثلاً فإنّه يحمل على إرادة البيع عملاً بأصالة الحقّيقة الذي هو أصل لفظي لا كلام في اعتباره . وتارةً يقال بأن تمليك العين بالعوض أعمّ من البيع وقد وقع الإيجاب بهذا اللفظ وشكّ في إرادة البيع أو غيره فإنّه لا أصل حينئذ يقتضي إرادة البيع ، وكذا لو قلنا أنّ تمليك العين بالعوض هو البيع لا غير وقد وقعت في الخارج معاملة أفادت تمليك العين بالعوض وشكّ في أنها أنشئت بعنوان البيع أو الصلح مثلاً فإنّه لا أصل حينئذ أيضاً يعين البيع ، وهكذا لو كانت معاملة بنوعها مشتملة على تمليك العين بالعوض وشكّ في أنها بيع أو صلح أو غيرهما فلا يوجد أصل يقتضي أنها بيع كما في تقبيل أحد الشريكين حصته من الزرع لشريكه بشيء معلوم حيث قيل أنّه بيع وقيل صلح وقيل معاملة برأسها . نعم لو كان لأحد المحتملين أو المحتملات أثر زائد فإنّه يدفع بالأصل .

ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه) ذكر للبيع معاني تقدّم بعضها . الأوّل : أنّ يكون معنى البيع التمليك المذكور لكن بشرط تعقبه بالقبول الثاني : الأثر الحاصل من الايجاب والقبول أعني الانتقال . الثالث : أنّ يكون معناه نفس العقد المركّب من الايجاب والقبول ، وهذا أيضاً يحتمل معنيين : أحدهما : أنّ يراد بها الايجاب والقبول اللفظيين . وثانيهما : أنّ يكون المراد العقد المعنوي الذي هو المعاهدة كما ذكره السيد (قدّس سرّه) (1).

فأورد على الأول من المعاني المذكورة بأنّه ليس معنىً آخر مقابلاً للمعنى الذي ذكرناه سابقاً من إنشاء التمليك ، بل هو فرد من ذلك المعنى ينصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الايجاب المثمر ، وإلّا فالقبول ليس له دخل في معنى


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 61

البيع ، لأنّه تمليك يحصل بمجرد الايجاب عند البائع . نعم اعتبار الانتقال وتملّك المشتري عند العقلاء والشارع يتوقف على انضمام القبول إليه ، فالبي-ع م-ن ق-ب-ي-ل الايجاب والوجوب في أنّه يحصل الايجاب بمجرد الأمر في نظر الآمر وإن لم يحصل الوجوب في الخارج في نظر غيره ، كما إذا لم يكن الأمر عالياً ، وذلك لأن التأثير لا ينفك عن الأثر ، فإيجاب البائع وأمر الآمر موتران وأثرهما هو الانتقال والوجوب في نظرهما لا في الخارج وفي نظر الغير ، نعم يكون حصوله في الخارج وعند العقلاء والشارع متوقفاً على القبول أو أمر آخر .

فتحصّل : أنّ البيع من قبيل الايجاب الذي لا ينفكّ عن الوجوب عند الأمر وإن كان قابل الانفكاك عنه عند غيره خارجاً ، وليس من قبيل الكسر والانكسار الذي لا ينفكّ أحدهما عن الآخر خارجاً أيضاً ، هذا .

وقد أورد عليه السيّد (1)وبعض آخر من المحسّين بإيراد متين وملخّصه بتوضيح إجمالي منّا : أنّ البيع من قبيل المعاملات التي تحتاج إلى المراضاة والمعاقدة فتحتاج إلى قبول الطرف الآخر وليس من قبيل الايقاعات الحاصلة بمجرد الايجاب من غير اشتراط القبول فيها ، وأنّ التمليك والتملّك والايجاب والوجوب والكسر والانكسار كلّها من قبيل الايجاد والوجود ولا يعقل الانفكاك بينهما أبداً لما برهن عليه في محلّه من أنّ الايجاد والوجود متحدان ذاتاً وإنّما يختلفان بالاعتبار وذلك لأنّ التمليك عبارة عن إيجاد التملّك والتملّك وجود له ، وكذلك الايجاب إيجاد للوجوب والوجوب وجود له ، وكذا الكسر والانكسار ، غاية الأمر أنّ التمليك والتملّك والايجاب والوجوب أمور اعتبارية ، وكيف ما كان لا يعقل الانفكاك بينهما ، فالأمر الذي يوجد الايجاب في نظره يوجد الوجوب أيضاً في نظره ، وأمّا


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 62 .

من لا يحصل عنده الوجوب فهو لا يحصل عنده الايجاب أيضاً . وكذا الحال في التمليك فإنّ من يوجده عند نفسه يوجد التملّك أيضاً ومن لا يوجد في نظره التملّك فلا يوجد عنده التمليك أيضاً . وبالجملة أنّ كلّ من حصل عنده أحدهما فقد حصل عنده الآخر أيضاً ، ومن لم يحصل في نظره أحدهما لم يحصل عنده الآخر أيضاً ، فلا يعقل التفكيك بينهما ، فلا معنى لتفكيكه (قدّس سرّه) بين الايجاب والكسر ، مع أنّ كلاهما من باب واحد وكلاهما من قبيل الايجاد والوجود .

ففي المقام كما اعترف به (قدّس سرّه) التملّك والوجوب لا يحصلان عند العقلاء والشارع بمجرد الايجاب ، فلا يحصل عندهم التمليك والايجاب أيضاً لما عرفت من برهان الاتّحاد بينهما . بل مضافاً إلى أنها لا يحصلان عندهم لا يحصلان عند نفس الموجب أيضاً ، فإنّ البائع إذا قال بعت لا يعتبر ماله ملكاً للمشتري بمجرّده بأن يقول أنت عندي مالك لهذا المال مثلاً حتّى يقبل المشتري بقوله : قبلت ، فكأنّه مقدّر في كلامه وتقديره بعتك أنّ قبلت ورضيت .

ويوضّحه ملاحظة باب النكاح ، فإنّه إذا أوجب تزويج امرأة عند نفسه وفي بيته من دون أنّ تعلم به الزوجة وترضى به هل يمكن أن يقال إنّها عنده زوجة وهو يعتبر نفسه زوجاً لها ، وذلك واضح لا شبهة فيه ، فلا تمليك ولا تملّك عند البائع أيضاً حتّى يقبله المشتري ، كما لا تمليك ولا تملّك عند العقلاء والشارع حتّى يقبله المشتري ، كما هو مقتضى كونه عقداً لا إيقاعاً .

ومنه يظهر أنّ البيع عبارة عن التمليك المذكور بشرط قبول المشتري ، وحيث إنّ التمليك فيه مشروط بالقبول فلابدّ أنّ يعتبره البائع معلّقاً على القبول ، فيكون الاعتبار فعلياً والمعتبر معلّقاً كما في الوصية ونحوها من الاعتبارات التعليقية ، ولا يتوهم كون التعليق موجباً لفساد العقد فإنّه من التعليق على ما يكون العقد معلّقاً عليه واقعاً وهو لا يوجب الفساد .

وأمّا ما أفاده (قدّس سرّه) من تشبيه البيع بألفاظ النقل والابدال والتمليك في أنّها لا تتوقّف على القبول ففيه أنّ عدم توقّف هذه العناوين على القبول مسلّم ولكن قياس البيع عليها قياس مع الفارق لأنّها ليست مرادفة للبيع . أمّا النقل فلأنّه عنوان عام يشمل النقل الخارجي غير المتوقّف على القبول كما يشمل النقل الاعتباري في البيع . وهكذا الابدال فإنّه عنوان عام قد يتحقّق في ضمن البيع فيحتاج إلى قبول ويكون إبدالاً اعتبارياً في الملكية أو الاضافة وقد يتحقّق في غيره كالابدال في المكان الذي لا يحتاج إلى قبول ، وأمّا التمليك فهو أيضاً تكويني واعتباري فالتكويني منه كتمليك الإنسان لأفعاله لا يحتاج إلى قبول ، فإنّ الله تعالى إذا ملك إنساناً أفعاله بمعنى إقداره عليها فإنّ هذا لا يحتاج إلى قبول ذلك الشخص . وأمّا التمليك الاعتباري فهو قد يحتاج إلى قبول كالتمليك البيعي وقد لا يحتاج كما في الارث ونتاج الاملاك بل والوصية على الأظهر من أنها لا تحتاج إلى قبول ، نعم ردّ الموصى له يوجب انحلال الوصية ، فلو مات ولم يرد ولم يقبل ينتقل المال إلى وارثه فعنوان التمليك أيضاً عنوان عام جامع للتمليك التكويني والاعتباري الايقاعي والعقدي . فظهر أنّ عدم اعتبار القبول في صدق هذه العناوين غير مستلزم لع--دم اعتباره في صدق عنوان البيع .

وأمّا المعنى الثاني للبيع وهو الأثر الحاصل من الايجاب والقبول أي الانتقال فقد أورد عليه بأنّه لم يوجد في اللغة ولا في العرف ثمّ نقل توجيه بعضهم لهذا التفسير بأن المراد بالبيع المعرّف هو المبيعية ، أي المصدر المبني للمفعول واستحسن ه-ذا التوجيه وقال : أنّه تكلّف حسن .

والتحقيق أنّ المراد بالأثر والانتقال أنّ كان هو الانتقال والملكية عند الشارع أو العقلاء ، فقد عرفت سابقاً أنّ ذلك خارج عن حقيقة البيع سواء أريد به المبني للفاعل أو المفعول وإنّما هو حكم واعتبار شرعي أو عقلائي لا ربط له بالبيع

كيف وربما يتحقّق البيع خارجاً مع عدم حصول الملكية عند الشارع أو العقلاء ، بل إنّما تحصل بعد مدّة طويلة أو قصيرة ، وهذا كما في بيع المكره الذي رضي به بعد مدّة فإنّه بيع حقيقة ولكن لا يترتّب عليه الملكية عند العقلاء أو الشارع إلّا بعد حصول الرضا منه بالمعاملة ، ومع ذلك كيف يمكن أن يقال أنّ الملكية عند الشارع عبارة عن البيع مع أنّ بينها مدّة طويلة أو قصيرة.

وإن أُريد بالأثر الانتقال والملكية الحاصلة عند نفس البائع ، فهي وإن كانت متحقّقة دائماً مع البيع ، إلّا أنّ هذا المعنى عين تفسير الشيخ (قدّس سرّه) لأن الانتقال ليس أثراً للنقل بل هو عينه حقيقة واختلافهما بالاعتبار فإذا لوحظ صدوره من الفاعل يعبّر عنه بالنقل وإذا لوحظ قيامه بمتعلّقه يعبّر عنه بالانتقال ، فهو عين النقل والتمليك بنظر البائع الذي فسر (قدّس سرّه) به .

وأمّا المعنى الثالث أعني تفسير البيع بالعقد المركّب من الايجاب والقبول فقد نقل الشيخ (قدّس سرّه) عن بعض أنّ هذا هو المراد في جميع أبواب العقود حتّى في العقود التي ليست اسماً لأحد طرفي العقد كالاجارة وشبهها كما سيأتي توضيح الحال فيها فضلاً عن البيع الذي هو اسم لأحد طرفي العقد ، وأنّه بهذا المعنى يقال كتاب البيع ، وأنّ إضافة العقد إلى البيع إضافة السبب إلى المسبب لا بيانية ، فقد نقل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) عن الشهيد بأنّ إطلاق البيع عليه مجاز بعلاقة السببية ، ثمّ استظهر أنّ يكون المراد بالمسبّب في كلام الشهيد هو الأثر الحاصل في نظر الشارع لأنّه الذي يتوقف حصوله على العقد بمعنى الايجاب والقبول دون الأثر الحاصل من فعل الموجب ، لأنّه كما عرفت لا يتوقف على أزيد من الايجاب وليس بمسبّب إلّا عنه لا عن العقد هذا ، والكلام يقع في جهات :

الجهة الأولى : فيما أفاده ذلك البعض من أنّ الاجارة وشبهها ليست اسماً لأحد طرفي العقد.

أمّا الاجارة فهي قد تستعمل بمعنى الأُجرة وقد تستعمل بالمعنى المصدري من الثلاثي المجرد وتكون بمعنى الايجار والمؤاجرة ، فهي مصدر أجر ، وهو وآجر بمعنى ، وإن كان أحدهما مجرّداً والآخر مزيداً فيه ولكن كلاهما بمعنى واحد ، كما لا يفرق في آجر بين أخذها من باب الافعال بأن يكون مصدرها الايجار وأخذها من باب المفاعلة ليكون مصدرها على وزن مؤاجرة ، لأنّ جميع ذلك بمعنى إكراء نفسه أو ماله ، وهذا المعنى هو المراد أيضاً في قوله تعالى (عَلَى أنّ تَأْجُرَنِي) (1)أي على أنّ تكري نفسك لي ، لا بمعنى صيرورته أجيراً له كما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين (2)ومجمع البحرين(3)نعم هو أمر حاصل من إجارة نفسه . وكيف كان فالاجارة بالمعنى الثاني كالبيع اسم لأحد طرفي العقد.

وأمّا شبه الاجارة فقد ذكر السيّد (قدّس سرّه) في تعليقته (4)أنّ المراد به الوكالة ، وعليه فالجواب أنّ الوكالة أيضاً اسم لأحد طرفي العقد ، لأنها بمعنى التوكيل ولا فرق بينهما إلّا بالاعتبار ، فبلحاظ إضافته إلى الفاعل يعبّر بالتوكيل وبلحاظ إضافته إلى المفعول يعبر بالوكالة .

وبالجملة فلم نجد في ألفاظ المعاملات لفظاً لا يكون اسماً لأحد طرفي العقد نعم لم يلحظ الفقهاء في موردين وهما النكاح والوكالة جهة إضافة العقد إلى الفاعل وإلّا لعبّروا بالتوكيل والانكاح ، ولعلّ ذلك لمجرد الصدفة والاتفاق أو لنكتة لم تصل إلينا .

الجهة الثانية : فيا أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ الظاهر أن


1) القصص 28 : 27 .

2) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 73 .

3) مجمع البحرين 3 : 199 .

4) حاشية المكاسب (اليزدي) : 62 .

يكون مراد الشهيد (قدّس سرّه) بالمسبّب الأثر الحاصل في نظر الشارع الخ ، وقد عرفت أنّ الأثر الحاصل عنده ليس إلّا الملكية ، ومن الظاهر أنّ البيع لا يطلق بمعنى الملكية في عرف ولا لغة حتّى يكون إطلاقه على العقد حينئذ بعلاقة السببية .

والظاهر أنّ مراد الشهيد (قدّس سرّه) من المسبّب في قوله : إنّ اطلاق البيع على العقد مجاز بعلاقة السببية ، هو المعنى المنشأ بالعقد ، لما هو المشهور عندهم من أنّ الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ ، فيكون البيع عبارة عن ذلك المعنى المنشأ بالعقد ، فيكون إطلاق البيع على العقد حينئذٍ مجازاً ومن باب إطلاق اللفظ الموضوع للمسبّب على السبب ، هذا . ولكن قد عرفت فساد المبنى وأنّ الانشاء ليس إيجاد المعنى باللفظ ، بل هو إبراز الاعتبار النفساني . ثمّ الظاهر عدم صحّة إطلاق البيع على العقد كما سيأتي في الجهة الثالثة .

الجهة الثالثة : في تحقيق الكلام في أنّ البيع هل يطلق على العقد أو على غيره وأنّه بأيّة علاقة .

الظاهر أنّه لم يثبت إطلاق البيع على نفس الايجاب والقبول في مورد حتّى يتكلّم في وجهه وأنّه بأي علاقة ، بل لعلّ إطلاقه عليه يعد من الأغلاط . نعم ، يصحّ إطلاقه على المعاهدة بين البائع والمشتري ، ومنه قولهم «كتاب البيع » وقولهم «يعتبر في البيع الايجاب والقبول » وقولهم « انعقد البيع أو لم ينعقد » وقوله (عليه السلام) « لا بيع بينهما » وغير ذلك ، وهو الذي يعتبر له البقاء ويرد عليه الفسخ والامضاء . وهذا الاطلاق إطلاق مجازي لا محالة ، لما عرفت من أنّ البيع عبارة عن تبديل عين بمال مشروطاً بتعقّب القبول ، والعلاقة ليست علاقة السببية والمسبّبية بل هو من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل ، وعليه فإضافة العقد إلى البيع وغيره إضافة بيانية .

فتحصّل ممّا ذكر أنّ البيع له معنيان : أحدهما : مبادلة مال بمال ، وهي المعاهدة

والمعاقدة البيعية التي ذكرناها آنفاً . وثانيها : تبديل عين بمال إذا تعقّبه القبول . والثاني معنى لغوي والأوّل مجازي اصطلاحي .

وضع أسماء المعاملات

الكلام في أنّ البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح أو في الأعم

والكلام في ذلك يقع في مقامين :

أحدهما : في إمكان وضع ألفاظ المعاملات للصحيح عند الشارع بعد إمكان ذلك في العبادات ، فإنّ العبادات أمور شرعية وماهيات اختراعية جعليّة لا مانع من أخذ الصحّة أو ملزومها في معانيها ، وأمّا المعاملات فهي أمور عرفية لا ربط لها بالشرع ، والصحّة والفساد حكمان واردان على تلك الأمور المعاملية العرفية فكيف يمكن أخذ الصحّة والامضاء الشرعي في مفاهيمها .

وثانيهما : في وجه تمسّك الأصحاب باطلاقات أدلّة المعاملات كأدلّة البيع والاجارة على القول بوضعها لخصوص الصحيح ، مع أنّها حينئذ كالعبادات مجملات ولا يمكن التمسّك باطلاقاتها كما لا يمكن التمسّك بها في العبادات بناءً على وضعها للصحيحة منها ، لأنّ من شرائط التمسّك بالاطلاق صدق المطلق على المورد وانطباقه عليه وهو غير متحقّق على هذا المبنى ، لأنّ صدق البيع على فاقد الجزء أو الشرط المحتمل مشكوك لاحتمال عدم صحته ، والمفروض أنّ معنى البيع هو البيع الصحيح ، وهذان مقامان وقع الكلام بينهم فيها ونحن أيضاً نتكلم فيهما على نحو الاختصار وقد ذكرنا تفصيله في المباحث الأصولية فراجع (1).

أمّا المقام الأوّل : فقد وجّهه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)بأنّ البيع فيها


1) محاضرات في أصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 193 فما بعدها .

2) المكاسب 3 : 20

إذا استعمل في الحاصل من المصدر أعني ما يتعلّق به الانشاء وهو المنشأ إنّما يستعمل حقيقة في خصوص البيع الصحيح والمؤثّر واقعاً ، وهذا هو معناه حقيقة ، بمعنى أنّ البيع موضوع للمؤثّر في الملكية واقعاً لا للصحيح عند الشارع حتّى يقال إنّه كيف يمكن أخذ الصحّة والامضاء في مفهوم البيع العرفي ، وعليه فاختلاف الشرع والعرف في بعض المصاديق من جهة الاختلاف في التطبيق ومن باب تخطئة الشرع للعرف لأنّ الشارع عالم بالواقع فيرى أنّه ليس مؤثراً في الملكية واقعاً فيخطئ العرف بأنّك لا ترى وما أخذت به ليس مؤثّراً في الملكية الواقعية . فلا نزاع بينهما بحسب المفهوم أبداً ، غاية الأمر أنّ العرف يرى بعض الأمور مصداقاً لذلك المفهوم والشرع لا يراه مصداقاً له ، كما أنّ الأمر ربما ينعكس فيرى الشارع شيئاً مصداقاً لمفهوم البيع والعرف لا يراه منطبقاً عليه ، فاختلافهما في التطبيق ، والشارع يخطئ العرف في ذلك مع اتفاقهما في مفهوم البيع ، وهذا أمر يتفق كثيراً كنزاعنا في إمكان اجتماع الأم--ر والنهي واستحالته ، فإنّ مفهوم الامكان والاستحالة أمر لا خلاف فيه ، وإنّما الكلام في تطبيقه على المورد . وكذا النزاع في أعلمية زيد من عمرو فإن مفهوم الأعلمية معلوم لا خلاف فيه وإنّما الخلاف في تطبيقه على زيد ، أو البحث في أكبرية دار زيد من دار عمرو فإن مفهومها ظاهر والكلام في تطبيقها ، وكنزاع الأطباء في حرارة شيء وبرودته فإنّه نزاع في الانطباق لا المفهوم كما هو ظاهر .

فالمتحصّل أنّ مفهوم البيع وغيره من العقود والمعاملات موضوع لخصوص الصحيح منها ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدس الله سره) إنّما يتم فيما إذا كان مفهوم البيع كمفاهيم الاستحالة والامكان والأعلمية والأكبرية من الأمور الواقعية ، وحينئذ يمكن أنّ يقال أنّه موضوع لذلك الأمر الواقعي ، واختلافهما أي الشرع والعرف من جهة الاختلاف في التطبيق ومن قبيل تخطئة الشارع العرف ، فإنّه يرى وجود ذلك

الأمر الواقعي في هذا المورد دون العرف فيخطّئه .

إلّا أنّه عرفت سابقاً أنّ البيع أمر اعتباري ولا واقع له أبداً، وفي كلّ واحد من البيع العرفي والشرعي الاعتبار حاصل ، غاية الأمر أنّ العرف يعتبره في مورد لا يعتبره فيه الشرع ، أو الشرع يعتبره فيما لا يعتبره فيه العرف ، ولا يقاس ذلك بمثل التعظيم فإنّه أمر واقعي إذ هو بمعنى إظهار عظمة الشخص ، والاظهار بالقيام له أو بغيره أمر واقعي وإظهار للعظمة حقيقة ، غاية الأمر أنّ سبب ذلك الاظهار يختلف باختلاف العادات ففي بعض الأمكنة بالقيام وفي آخر برفع القلنسوة وفي آخ--ر بوضع اليد على الصدر أو على الرأس ، وجميعها موجب لاظهار العظمة حقيقة وهي تجليل له حقيقة ، وهذا بخلاف البيع لأنّ حقيقته الاعتبار فلا وجه لما ع-ن ب-عض المحشّين (1)من قياس المقام بالتعظيم ، فإنّ المقام أمر اعتباري محض ولا أمر واقعي محفوظ هناك ليقال أنّه منطبق على ذلك المورد أو غير منطبق وأن الشارع يخطئ العرف ، بل اعتبار كلّ واحد منهما موجود واعتبار كلّ منهما غير اعتبار الآخر بالبداهة ، ولا خطأ في الاعتبار أبداً إذ التخطئة في الأمور الاعتبارية غير معقول نعم يمكن التخطئة في منشأ ذلك الاعتبار بأن يقال أنّ البيع موضوع لما هو المؤثر في الملكية الصحيحة أي الناشئ اعتبارها من مصلحة واقعية إلّا أنّه أمر آخر مقطوع البطلان ، فإنّ نشوء الاعتبار من مصلحة وعدمه غير مأخوذ في المفهوم العرفي قطعاً .

فحينئذٍ إن قلنا بأنّ البيع عبارة عن اعتبار الملكية ولو في الجملة فهو صادق على كلّ واحد من البيع العرفي والشرعي والتزام بالوضع للأعمّ، وإن قلنا إنّه عبارة عن الاعتبار الذي أمضاه الشارع فيختص بخصوص البيع الصحيح ولكن يعود


1) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 36

المحذور المتقدّم من أنّ البيع مفهوم عرفي لا يمكن أخذ الصحّة الشرعية في مفهومه حيث إنّها كالفساد حكم وارد على البيع لا أنّها جزء من مفهومه ، وما يرى من أنّهم يحملون البيع ونحوه في الأقارير على الصحيح فليس من جهة أخذ الصحّة في مفهومه ، بل من جهة ظهور حاله في أنّه لا يقدم على أمر لا فائدة فيه ، وإنّما يعامل معاملة يترتّب عليها الآثار سیّما بعد الالتفات إلى ورود الشرع والشريعة ، فإنّ المسلم لا يرتكب الفاسد بحسب مذهبه ، ولعلّه ظاهر .

فتحصّل : أنّ هذا الإشكال وارد لا مدفع له ، ولا يمكن تصوير وضع ألفاظ المعاملات للصحيحة منها ، بل لابدّ من أنّ تكون موضوعة للأعمّ منها ومن الفاسدة .

وأمّا المقام الثاني : فقد يشكل التمسّك باطلاقات أدلّة المعاملات على القول بوضعها للصحيح عند الشكّ في دخل شيء في صحتها ، لأنّ حالها حينئذ ح--ال إطلاقات أدلّة العبادات على القول بوضعها لخصوص الصحيح حيث لا يتمسّكون بها لكونها مجملة حينئذ ، مع أنّ الأصحاب لم يزالوا يتمسّكون بها في موارد الشكّ في جزئية شيء أو شرطيّته في المعاملات ، بل ربما يستكشف من ذلك على نحو الإنّ عدم وضع ألفاظ المعاملات لخصوص الصحيحة وإلّا لم يكن وجه للتمسك باطلاقاتها كما لا يخفى .

وكيف كان ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري في وجه ذلك أمرين : أحدهما : أنّ البيع في قوله تعالى( أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) مستعمل في الحاصل من المصدر المؤثّر واقعاً وحينئذ لابدّ أنّ يراد به ما هو المؤثر عند العرف ، وذلك لأنّه لم يبيّن أسباب حصوله ، فإمّا أنّ يراد به ما هو حاصل بالأسباب العرفية أو غيره ، فعلى الثاني يكون الكلام لغواً لعدم بيان الأسباب ، فصوناً للحكيم عن اللغو يحمل على الأول وتكون نتيجته إمضاء جميع الأسباب العرفية، فالحاصل أنّ من سكوت الشارع عن

ذكر الأسباب يستكشف أنّها نفس الأسباب العرفية ، فتكون إمضاء لها .

ثمّ لا يخفى أنّ هذا التمسّك بالاطلاق غير التمسّك بالاطلاق المتعارف المبحوث عنه في باب المطلق والمقيّد ، كما إذا أردنا التمسّك باطلاق خلق الله الماء طهوراً ، فإنّ من شرائطه إحراز صدق الماء على المورد المشكوك في حكمه ، وبعده نتمسك باطلاق دليله ، وبالجملة لابدّ من انطباق المقسم وصدقه على المورد في التمسّك بالاطلاقات اللفظية ، وهذا بخلاف المقام فإنّ صدق البيع على ما نشك في صحته وفساده غير معلوم ومع ذلك نحكم بصحته من جهة التمسّك بالاطلاق على تقريب عرفته آنفاً ، ويسمّى ذلك بالاطلاق المقامي والأوّل بالاطلاق اللفظي ، لأنّه من مقتضيات المقام من دون صدق اللفظ عليه ، لما عرفت من أنّه لو لم يحمل على ذلك للزم أنّ يكون لغواً .

وثانيهما : أنّ يحمل البيع الوارد في الاطلاقات على المصدر أي على إنشاء البيع لا على المنشأ كما في الوجه الأوّل ، ويقال إنّ الشارع أمضى إنشاءاتكم للبيع وأنّها صحيحة وممضاة عنده، وعليه يدخل جميع أقسام البيع تحت مفهوم البيع وإن كان فاسداً ، نعم يخرج عنه بيع الهازل لأنّه صورة إنشاء البيع وليس قاصداً لانشائه حقيقة ، وحينئذ يمكن التمسّك بالاطلاق اللفظى أيضاً ، فإذا شككنا في إنشاء بيع أنّه صحيح أو فاسد فيها أنّ إنشاء البيع صادق و منطبق عليه ، نأخذ باطلاق ما دلّ على صحّة الانشاء ونحكم بصحّة ذلك الانشاء المشكوك ، هذا .

ولا يخفى عليك ما في كلا الأمرين من الإشكال ، أمّا الوجه الثاني فلأنّه خلف ، إذ هو مبني على أنّ البيع وغيره من ألفاظ المعاملات موضوعة للأعمّ ومستعملة فيه ، فإنّ إنشاء البيع كما هو متحقّق في الصحيح متحقّق في الفاسد أيضاً فلذا ذكرنا أنّ التمسّك بالاطلاق اللفظي ممكن حينئذ لصدقه على المشكوك ولا مانع من التمسّك بالاطلاقات على القول بالأعم، مع أنّ المفروض أنها موضوعة للصحيح

منها ومستعملة فيه ، فهذا الوجه خلف .

وأمّا الوجه الأول ، فلأنّه إنّما يتمّ فيها إذا لم يكن في الأسباب العرفية سبب متيقّن للبيع ، وحينئذ لابدّ من حمل خطاباته على ما يراه العرف سبباً لمحذور لزوم اللغوية ، وأمّا مع وجوده وهو العقد العربي الماضوي الخالي ع-ن الغ--ر والربا والمستجمع لجميع العقود والشرائط ، فلا يلزم من عدم إرادة الشارع جميع الأسباب العرفية لغو حينئذ في كلامه ، لامكان إرادة ذلك السبب القطعي وهو كافٍ في دفع محذور اللغوية ، ومعه لا يمكن الأخذ بجميع ما يراه العرف سبباً ، لاندفاع اللغوية به .

فتحصّل : أنّه لا يمكن الاعتماد على شيء من الوجهين المذكورين في كلامه .

وقد ذكر بعضهم أنّ ألفاظ المعاملات إذا قلنا بوضعها للمسبّبات فلا يجري فيها النزاع من أنّها موضوعة للصحيح منها أو الأعمّ ، لأنّ المسبّبات لا تتّصف بالصحّة والفساد بل بالعدم تارةً وبالوجود أخرى ، وإنّما يجري النزاع فيها فيما إذا قلنا بأنها أسام للأسباب ، وحينئذ يقع الكلام في أنها أسام للأسباب التامة الأجزاء والشرائط أو الأعم.

ولكنّك عرفت سابقاً أنّ باب البيع وغيره من الانشائيات خارج عن محيط الأسباب والمسبّبات وليس فيها سبب ولا مسبّب ، وليس هناك إلّا إبراز الاعتبار النفساني على ما فسرناه سابقاً من أنّ الانشاء عبارة عن إظهار الاعتبار وإبرازه فالبيع مثلاً اسم لاظهار اعتبار الملكية ولا يطلق على نفس الاعتبار المجرّد عن الابراز ولا على الابراز الخالي عن الاعتبار ، لأنّه صورة البيع حينئذ نظير بيع الهازل ، وإنّما هو اسم لمجموع الاعتبار المبرز في الخارج بمبرز ومظهر ما كما هو أوضح من أنّ يخفى .

وعلى هذا يخرج البيع ونظائره عن باب الأسباب والمسبّبات ليقال أنّ النزاع في وضعها للصحيح أو الأعم يبتني على أنّ تكون أسامي للأسباب دون المسبّبات

أو يقال إنّ إمضاء المسبّب لغو م-ن دون إمضاء الأسباب في تصحيح التمسّك بالاطلاق في أبواب المعاملات ، لما عرفت من أنّ كلّ ذلك لم يكن ، وليس في المعاملات إلّا إبراز الاعتبار النفساني فقط.

وعليه فصحّة التمسّك بالاطلاقات فيها في غاية الظهور والوضوح ، وذلك لأنّ البيع حينئذ اسم لابراز الاعتبار من دون أخذ الصحّة الشرعية أو العرفية في مفهومه ، بل هو أمر ربما يكون صحيحاً عند العرف وأخرى فاسداً ، كما يكون صحيحاً عند الشرع أيضاً تارةً وأخرى فاسداً ، فلم يؤخذ في مفهومه شيء م--ن الامضاءين والاعتبارين أبداً ، وحينئذ إذا شككنا في عقد أنّه صحيح أو باطل فيما أنّ صدق إبراز الاعتبار عليه محرز نتمسك بقوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)و (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (2)وغيرهما من المطلقات والعمومات ، لأنّه بيغ وعقد على أي حال ، فلا مانع من التمسّك بالاطلاق اللفظي فيه بوجه.

فلو تنزّلنا عن ذلك فيمكن تصحيح التمسّك بالاطلاق على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح بوجه آخر وهو أنّ الأدلة الدالّة على إمضاء المعاملات بالالتزام كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وإن لم يمكن التمسّك باطلاقاتها بناءً على الصحيح ، لعدم تعيّن إرادة البيع العرفي فيها فيشكّ في صدق البيع على مورد الشكّ إلّا أنّ الأدلّة الدالّة على إمضائها بالمطابقة كقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) لا مانع من التمسّك باطلاقاتها على هذا القول ، لأنّ البيع في تلك الأدلة ليس إلّا بمعنى ما هو بيع متد الغرف ولا يمكن إرادة البيع الصحيح الشرعي في مثلها ، فإنّ البيع الشرعي خلال بنفسة ولا يحتاج إلى إثبات الحلّية له في قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) فإثباتها


1) المائدة 5 : 1 .

2) البقرة : 2 : 475

عليه لغو و تحصيل للحاصل.

فتعيّن أنّ يراد بالبيع في تلك المطلقات البيع العرفي ، لأنّه الذي يحتاج إلى إثبات الحلّية له شرعاً ، ولا يكون إثباتها له لغواً دون البيع الصحيح الشرعي كما هو ظاهر ، وعليه فكلّ ما كان بيعاً عرفاً وشككنا في صحّته وفساده شرعاً نتمسّك باطلاق قوله (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) وهذا ظاهر لا خفاء فيه.

ولكن لا يخفى عليك الفرق بين هذا التقريب وبين ما ذكرناه أوّلاً ، فإنّ التمسّك بالاطلاق على هذا الوجه الثاني إنّما يصحّ فيما إذا كان المشكوك بيعاً عرفياً قطعاً ولكن شككنا في صحته وفساده شرعاً ، وأمّا إذا كان بيعاً مشكوك الصحّة ع-ن-د العرف أيضاً فلا يمكن التمسّك في مثلها باطلاق (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) إذ لم يحرز أنّه بيع عرفي ليترتّب عليه الحلّية شرعاً ، وهذا بخلاف الوجه الأول فإنّه عليه لا مانع من التمسّك بالاطلاقي في مشكوك الصحّة عرفاً لعدم أخذ الصحّة عند العرف أو الشرع في مفهوم البيع عليه ، بل إنّما كان موضوعاً لابراز الاعتبار وصدقه على مشكوك الصحّة عند العرف لا يكاد يخفى ، لأنّه إبراز للاعتبار فنتمسك باطلاق (أَحَلَّ الله البيع) ونحوه ، إذ هو بيع عند كل أحد حتّى العرف ، غاية الأمر أنّه بيع فاسد لا أنّة ، ليس ببيع فلا مانع معه من التمسّك بالاطلاق ، وهذا الوجه هو الصحيح .

مبحث المعاطاة

اشارة

الكلام في المعاطاة

معنی المعاطاة والفرق بینها و بین سائر المعاوضات

المعاطاة عبارة عن إعطاء شيء وأخذ شيء آخر كإعطاء الفلوس وأخ--ذ الخبز وهي الغالب في المعاملات سيّما في الأموال اليسيرة . وقد وقع الكلام في أنّها تفيد الملك أو الاباحة ، وقبل الورود في تحقيق المقال لابدّ من تقديم مقدمة أشار إليها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وهي أنّ الاعطاء لمّا كان من الأفعال الاختيارية الصادرة بالارادة والاختيار لم يكن يخلو عن قصد لا محالة نظير غيره من سائر الأفعال الصادرة بالاختيار ، وحينئذٍ فإن كان قصده باعطاء المال بقاءه عند الشخص من دون أنّ يجوز له التصرّف فيه ولا يخرج عن ملكه فهذا يكون وديعة لا محالة ، غاية الأمر أنها وديعة فعلية ويتوقف صحتها على عدم اعتبار الصيغة في الوديعة ، وإن كان قصده بالاعطاء تحليل الانتفاع به مع بقائه في ملك نفسه فهو عارية لا يترتّب عليه التمليك أبداً ، كما أنّه إذا قصد به إباحة جميع التصرّفات حتّى التصرّفات المتلفة للعين من دون تمليك كان إباحة التصرف كما في تقديم الطعام إلى الضيف . وأمّا إذا كان قصده به تمليك منافع المال للآخذ مع بقاء عينه في ملكه فهو إجارة ، كما أنّه إذا كان قصده تمليك عين المال للآخذ فإن كان بلا عوض فهو هبة وأمّا إذا كان مع العوض فهو لا محالة بيع ، لما ذكرناه سابقاً من أنّ


1) المكاسب 3 : 23

تمليك العين بالعوض عبارة عن البيع . وكيف كان فلا نتصوّر إعطاء بلا قصد شيء لما عرفت من أنّه فعل إرادي لا يعقل خلوّه من قصد لا محالة.

ثمّ إنّ المعاطاة وإن كانت جارية في جميع هذه الصور إلّا أنّ محلّ الكلام هو الصورة الأخيرة أعني ما إذا كان قصده بالاعطاء تمليك ماله بالعوض ، وصورة كون قصده إباحة التصرّفات فقط نظير تقديم الطعام للضيف ، ولكن لم يتوهّم أحد في صورة قصد إباحة التصرّفات أنّ يكون ذلك الاعطاء مفيداً للملكية أبداً ، بل ولا يمكن إسناده إلى أصاغر الطلبة ، لأنّه أمر بلا موجب ولا سبب ، فما يظهر من كلمات شيخنا الأستاذ (1)من وجود القائل بافادتها الملكية مع قصد الاباحة ليس على ما ينبغي .

فتحصّل : أنّ محل الكلام في المقام ومورد النقض والإبرام في أنّ المعاطاة تفيد الملك أو الإباحة هو صورة قصد المعطي تمليك ماله في مقابل العوض وه-ذا ه-و الأغلب ، وأمّا فيما إذا قصد به إباحة التصرّفات فهو وإن كان لا بأس بالتكلّم في حكمه ولكنه نادر الوقوع جداً ، وليس هذا محلّ بحثهم لصراحة كلماتهم في أنّ النزاع في صورة قصد التمليك ، والشاهد على ذلك أنهم يذكرون ذلك في مقام التعرّض لشروط البيع التي منها الايجاب والقبول فمنه يظهر أنّ مورد كلامهم إنّما هو صورة قصد التمليك غاية الأمر من دون لفظ فيه .

الاقوال في المعاطاة ومدرکها

ثمّ إنّ الأقوال في المعاطاة على ما حكاه شيخنا الأنصاري (2)ستّة :

قول بافادتها الملك اللازم مطلقاً ، وهو قول المفيد (رحمه اللّه)(3)من المتقدّمين


1) منية الطالب 1 : 116 .

2) المكاسب 3 : 37 .

3) كما نسبه إليه في جامع المقاصد 4 : 58 وكما يظهر من عبارة المقنعة : 591 .

وبعض العلماء المتأخّرين كما سنبيّن إن شاء اللّه .

وقول بافادتها الملكية المتزلزلة والجائزة وبالتلف أو التصرّف المغيّر تصير لازمة ، وهذا قول المحقّق الكركي (1)ناسباً له إلى ظاهر الأصحاب ، وهو وإن كان قولاً برأسه ولكن إسناده ونسبته إلى الأصحاب لا يخلو عن مناقشة كما ذكره شيخنا الأنصاري ، فإنّ ظاهرهم أنها تفيد الاباحة .

الثالث : التفصيل بين ما إذا كان الدالّ على التراضي بالمعاملة لفظاً فتفيد الملك اللازم وبين غيره فتفيد الملك الجائز. وأمّا التفصيل بين ما إذا كان الدال على المعاملة لفظاً وعدمه فهو ليس تفصيلاً في محلّ الكلام ، لأنّه تفصيل بين البيع اللفظي والمعاطاة ، لا تفصيل في المعاطاة بين قسمين منها ، ونسب كلّ من ذلك إلى بعض معاصري الشهيد الثاني (قدّس سرّه) .

الرابع : القول بافادتها الإباحة وهذا أيضاً على قولين ، قول بافادتها حلّية جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك ، وقول (2)بافادتها إباحة التصرّفات التي لا تتوقّف على الملك ، وهو محكي عن بعض حواشي الشهيد على القواعد .

والسادس : كون المعاطاة معاملة فاسدة لا يترتّب عليها شيء حتّى الإباحة كبقيّة العقود الفاسدة . وهو منسوب إلى العلّامة (3)في بعض كتبه ، ولك--ن ح-ك-ى المحقّق الكركي (4)عدوله عنه في باقي كتبه .

وما ذهب إليه العلّامة (قدّس سرّه) إنّما يتمّ فيها إذا لم تشمل أدلّة صحّة البيع


1) جامع المقاصد 4 : 58 .

2) هذا هو القول الخامس .

3) النهاية 2 : 449 .

4) جامع المقاصد 4 : 58 .

المعاطاة ولم يقم دليل على أنّ المعاطاة تفيد الاباحة ، فإنّه حينئذ مال للغير فلا يجوز التصرّف في مال الغير إلّا باذنه ، ولكن كلا الأمرين ممنوع لما ستعرف إن شاء الله من إقامة الدليل على أنّ المعاطاة بيع فتشملها أدلّة صحّة البيع ، وعلى تقدير عدم تماميته نقيم البرهان على أنّها تفيد الاباحة ، فلا يبقى معه مجال لما ذهب إليه العلامة (قدّس سرّه) ويبقى في البين الأقوال الخمسة المتقدّمة .

وبعد ذلك نقول : البيع كما عرفت عبارة عن تبديل عين بعوض في عالم الاعتبار في جهة الملكية المبرز في الخارج بمبرز من المبرزات ، وهذا كما ترى متحقّق في المعاطاة أيضاً بأسره ، وعليه فالمعاطاة بيع حقيقة ومفيدة للملك اللازم ، إذ يشملها عمومات حلّ البيع والتجارة بل وعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)لأنّها بيع ومصداق للتجارة عن تراض كما يصدق عليها أنّها عقد فيجب الوفاء به ، وعليه فالقاعدة الأولية تقتضي قول المفيد (قدّس سرّه) .

وما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)من أنّ البيع لا يصدق على المعاطاة لأنّه عبارة عن التبديل في عالم الاعتبار، والمعاطاة تبديل فعلي خارجي ، والتبديل الاعتباري لا يوجد به خارجاً ، مندفع بأنّ المدعى أنّ البيع أمر إنشائي أي اعتبار نفساني مبرز في الخارج بمبرز ما ، والمبرز كما يكون قولاً في بعض الموارد ، كذلك يمكن أنّ تكون إشارة أو كتابة أو فعلاً ، وصحّة ذلك بمكان من الوضوح ، ولا ندعي أنّ الأمر الاعتباري يمكن أن يتحقّق خارجاً ، وإنّما المراد أنّ الفعل الخارجي مبرز لذلك الاعتبار النفساني ، لأنّ الاعتبار صفعه النفس دون الخارج، ولا مانع من أنّ يكون المبرز فعلاً من الأفعال كما يمكن أن يكون إشارة أو غيرها . نعم لو فسرنا


1) المائدة 5 : 1 .

2) منية الطالب 1 : 119 .

الانشاء بإيجاد المعنى باللفظ لكان لما أفاده وجه ، ولكنّا ذكرنا غير مرّة أنّ اللفظ لا يعقل أنّ يكون موجداً لشيء من التكوينيات أو الاعتباريات ، فليس معنى الانشاء إلّا ما أشرنا إليه ، وعليه فالمعاطاة بيع حقيقة فتشملها أدلّة الصحّة واللزوم .

فلو قام إجماع تعبّدي على عدم إفادة المعاطاة اللزوم ، فإن قام على عدم إفادتها اللزوم على نحو الاطلاق فنتنزّل إلى ما أفاده المحقّق الثاني من الالتزام بالملك الجائز فإنّها حينئذ بيع غير لازم للاجماع فرضاً ، وأمّا إذا قلنا بأنّ الإجماع دليل لبّي لا يمكن التمسّك باطلاقه بل نأخذ بالمقدار المتيقّن منه وهو صورة عدم كون ما يدلّ على التراضي لفظاً ، فحينئذٍ نتنزّل إلى هذا القول ونفصّل بين ما إذا كانت القرينة الدالّة على التراضي لفظيّة فتفيد الملك اللازم وبين ما إذا لم تكن كذلك فنلتزم بالملك الجائز.

ثمّ لو تنزّلنا ذلك أيضاً وقلنا بأنّ المعاطاة لا تفيد الملك ولو من جهة قوله (عليه السلام) « إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » (1)على ما سيأتي ، أو لغير ذلك ممّا أقاموه على عدم كون المعاطاة مفيدة للملك ، فنلتزم بأنّها تفيد إباحة التصرّفات إلى زمان حصول الملزم ، وبعده تفيد الملك ، فمرجع هذا القول إلى أنّ حصول الملكية بالمعاطاة مشروط بالتلف أو التصرف كاشتراطها بالقبض في بيع الصرف وبالاقباض في الهبة ، فامضاء الملكية شرعاً يكون متأخراً عن تحقّق المعاطاة وما بين الزمانين أعني زمان المعاطاة وزمان التلف قد حكم الشارع فيه بالإباحة والدليل عليه هو السيرة ، وأمّا أنّ هذه الإباحة إباحة جميع التصرّفات أو التصرّفات التي لا تتوقف على الملك فلابدّ في تحقيقه من ملاحظة السيرة وأنها جارية في جميع التصرّفات أو فيما لا يحتاج إلى الملك ، فلو شككنا في ذلك لابدّ من


1) الوسائل 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 .

الأخذ بالمقدار المتيقّن من السيرة ، لأنّها دليل لبّي كالإجماع والمقدار المتيقّن منها هو التصرّفات غير المتوقفة على الملك .

ومن هذا البيان ظهر أنّ المعاطاة على القولين الأخيرين أعني إفادتها الإباحة دون الملك ليست من قبيل ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وليست منافية لقاعدة تبعية العقود للقصود التي هي من القواعد المسلّمة المستفادة من القواعد المسلّمة المستفادة من قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)، فإنّ الوفاء بالعقد إنّما هو باتمامه على ماقصد ، وذلك لأنّ هذه الإباحة إباحة شرعية ، نعم لو كانت إباحة مالكية كان من باب ما وقع لم يقصد ويلزم تخلّف العقد عن القصد ، لأنّ هذه الاباحة لم تقصد وقد وقعت بامضاء العقد

إلى هنا ظهر مدارك الأقوال وأنّ مستندها ماذا ، وبعد ذلك نرجع إلى تحقيقها وأنّ أيّها تامّ وأيّها غير تامّ ولا يمكن الالتزام به .

كما ظهر أنّ ما ذهب إليه المحقّق الثاني (2)وصاحب الجواهر (قدّس سرّهما)(3)كلاهما خارج عن جادّة الصواب ، وأنّه لا يمكن حمل الاباحة في كلمات الأصحاب على الملك المتزلزل كما صنعه المحقّق المذكور ، لأنّ المشهور يلتزمون بافادتها الاباحة على التقريب المتقدّم ، ولا يلتزمون بالملك الجائز بوجه ، كما أنّ حمل كلماتهم على صورة قصد الاباحة بعيد وإن صدر عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فإنّ ظواهر كلماتهم إرادة صورة قصد التمليك بالمعاطاة .

ودعوى أنّها مع قصدهما التمليك كيف يمكن الالتزام بافادتها الاباحة مع أنّ العقود تابعة للقصود ويلزم حينئذٍ أنّ يتحقّق ما لم يقصد ، مدفوعة بأنّ المشهور كما


1) المائدة1:5

2) جامع المقاصد 4 : 58 .

3) لاحظ الجواهر 22 : 213 فما بعدها .

عرفت ملتزمون بإفادتها الملك ، غاية الأمر لا من الابتداء بل بعد عروض أح--د الملزمات ، وإنّما التزموا بالاباحة إلى زمان عروضه لأجل السيرة المتقدّمة ، فهي إباحة شرعية وليست مالكية ليقال إنّه وقع ما لم يقصد ، ولا مانع من أنّ يتصرّف الشارع فيما قصده المتعاملان بامضائه من جهة وردعه من جهة أخرى . كما وقع نظير ذلك في بيع الصرف والسلم وكذلك في الهبة فإنّ التمليك فيها متوقف على الاقباض ، مع أنّ قصده موجود من الابتداء ، غاية الأمر أنّ التصرّف فيها قبل حصول الاقباض فاسد وحرام ، وفي المعاطاة قبل عروض أحد الملزمات لا مانع من التصرف في المال لأجل السيرة المتقدّمة التي هي إباحة شرعية .

فتحصّل : أنّ محلّ كلامهم ومورد نقضهم وإبرامهم إنّما ه-و ص-ورة قصد المتعاطين التمليك دون الاباحة ، وبعدما عرفت ذلك نرجع إلى تحقيق الأقوال المتقدّمة وبيان صحيحها وتمييزه عن فاسدها .

قد عرفت أنّ المفيد (رحمه الله) ذهب إلى أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم وه-و مقتضی القاعدة الأوّلية ، والكلام في تحقيقه يقع في مقامين : أحدهما : في إفادتها الملكية . وثانيها : في كونها لازمة أو جائزة .

الاستدلال علی افادة المعاطاة للملکیة

أمّا إفادتها الملكية فيمكن الاستدلال عليها بوجوه :

الوجه الأوّل : السيرة المستمرّة بين المسلمين والمتشرعين في معاملتهم مع المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك ، فلذا يرونه منتقلاً إلى وارثه بعد موته ، وثبوت ذلك بينهم ممّا لا يقبل الانكار ، هذا

وقد ناقش فيها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (1)بما ذكره في أواخر كلامه من أنّ مثل هذه السيرة إنّما نشأت من عدم مبالاتهم بالدين ولا يمكن الاعتماد عليها


1) المكاسب 3 : 42 .

أبداً ، وإلّا فلابدّ من رفع اليد عن المحرّمات التي جرت سيرتهم على ارتكابها أو الواجبات التي جرت عادتهم على تركها ، وهو كما ترى لا يمكن الالتزام به ، فلا ينبغي الاعتماد على هذه السيرة في المقام ، هذا .

وردّه السيّد في حاشيته (1)باستلزامه عدم اعتبار السيرة رأساً ، لأنّ هذا الاحتمال موجود في جميع موارد ثبوتها بل ذكر بعضهم أنّه عليه فعلى السيرة السلام .

ولكن الحقّ مع الشيخ (قدّس سرّه) لأنّ السيرة في المقام لا يمكن إثبات اتصالها بما هي سيرة المتشرّعة وكاشفة عن رضا الشارع بزمان المعصوم (عليه السلام) ، كيف ومراجع التقليد قبل المحقّق الثاني كانوا يفتون بعدم إفادتها الملك ، وهل يمكن مع ذلك أنّ تكون سيرة المتشرّعة في تلك الأعصار ناشئة عن منشأ صحيح ، وهل يشكّ به على تقدير ثبوتها في كونها ناشئة عن عدم المبالاة ، ولا تقاس هذه بالسير التي لم تكن مخالفة لفتاوى مراجع التقليد في زمان ما .

مضافاً إلى أنّ السيرة لو قامت فإنّما هي في الأشياء اليسيرة وأمّا الأمور الخطيرة فلا يكتفون فيها بمجرّد التراضي والمعاطاة ، بل يجرون الصيغة وغيرها من شرائط البيع ، هذا .

والصحيح أنّ يستدلّ في المقام بالسيرة المتحقّقة بين العقلاء الثابتة قبل زمان الشرع ،والشريعة ، فإنّهم قبل الشريعة المقدّسة كانوا يكتفون في معاملاتهم بمجرّد الأخذ والاعطاء من دون إجراء الصيغة بينهم ، كما هو الحال فعلاً بين العقلاء غير المسلمين فإنّهم لا يعتبرون الصيغة في المعاملات ، وهذه السيرة كانت بمرأى من النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمة الأطهار (سلام اللّه عليهم أجمعين) ومع ذلك لم يردعوا عنها وهو يكشف عن رضاهم بها كشفاً قطعيّاً ، إذ لولا رضاهم بها لردعوا عنها


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 68 .

كغيرها من السيرات العقلائية التي ردع عنها الشارع في موارد كثيرة ، وما يتوهّم أنّ يكون رادعاً عن السيرة أمران : أحدهما الإجماع على عدم إفادة المعاطاة للملك . وثانيهما : حديث « إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » وسيأتي بطلان كلا الأمرين وعدم صحّة الردع بهما عن قريب أنّ شاء الله فانتظر.(1)

وعليه فلا يحتاج إلى ملاحظة السيرة بعد زمان الأئمة (عليهم السلام) ليقال إنّها مخالفة لفتوى الفقهاء المتقدّمين ، لكفاية ثبوتها في زمانهم (عليهم السلام) مع عدم ردعهم ، وعليه فنسأل عن مدرك الفتاوى .

الوجه الثاني : قوله تعالى : (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) (2)وشيخنا الأنصاري (3)حمل الآية على الحلّية التكليفية ، وبما أنّه رأى عدم مناسبتها مع البيع - إذ لم يتوهّم أحد حرمة البيع تكليفاً ، غاية الأمر أنّ يكون فاسداً نظير البيع الغرري فإنّ النهي عنه ليس بمعنى كونه محرّماً تكليفياً بل المراد أنّه فاسد ولا يترتّب عليه الأثر - فالتزم بتعلق الحل بالتصرّفات المترتّبة على البيع واقعاً ، وإنّما أسند إلى البيع لفظاً من باب المجاز في الاسناد لأنّ البيع سبب لها أو من باب المجاز في الحذف ، فاستند في الاستدلال بالآية على صحّة البيع إلى الدلالة الالتزامية ، فإنّ جواز جميع التصرّفات مستلزم شرعاً لثبوت الملك وصحّة البيع . ثمّ وقع في الإشكال من حيث أنّ جواز التصرّفات تكليفاً لازم أعمّ للملك ، ولذا قالوا بثبوته دون الملك ، ولم يتخلّص من الإشكال .

والذي ينبغي أنّ يقال في المقام : أنّ الحلّ في الآية المباركة بما أنّه وقع في مقابل


1) راجع الصفحة 108 .

2) البقرة : 2 : 275 .

3) المكاسب 3 : 40 .

الحرمة في قوله تعالى (وَحَرَّمَ الرِّبَا) لم يمكن حمله على الحلول بمعنى القرار والثبوت في مقابل الرحلة والخروج بأن يكون معنى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) أَقرّ اللّه البيع وأثبته في مقرّه أي لم يتصرّف فيه برفعه بل أبقاه على حاله من الصحّة والجواز كما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين (1)، وذلك لما عرفت من أنّه في مقابل الحرمة في الآية المباركة وليس في مقابل الرحلة ليحتمل حمل الحلّ على الحلول ، بل إنّما هو في مقابل الحرمة كما هو واضح .

والظاهر أنّه بمعنى الحلّ في مقابل الشدّ والعقد وأنّ اللّه أحلّ البيع ، يعني أرسله وأطلقه ولم يشدّه ويمنع عنه ، بخلاف الربا فإنّه منع عنه وقيّده ، فالبيع محلول في مقابل الممنوع والمشدود ، وهذا المعنى للحل يجتمع مع كل من الحلّية التكليفية والوضعية بحسب اختلاف الموارد ، فإذا أسند في كلام الشارع إلى الأفعال أو الموضوعات الخارجية أريد به الحل من حيث التكليف وعدم العقاب ، وإذا أسند إلى الاعتبارات العرفية كالبيع أريد به الصحّة والنفوذ بمناسبة الحكم والموضوع ، كما أنّ الحرمة أيضاً كذلك تجتمع مع كلّ من التكليف والوضع بحسب اختلاف الموارد ، وعليه فالآية تدلّ بالمطابقة على صحّة البيع ونفوذه بقرينة إسناد الحل إلى البيع الذي ه-و م-ن الاعتبارات العرفية .

ويمكن تقريب دلالة الآية بوجه آخر يمكن جعله تصحيحاً أو تتميماً لتقريب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وحاصله الاستدلال بالدلالة التزامية العرفية ، فإنّ الحكم بجواز جميع التصرّفات في الثمن أو المثمن تكليفاً ظاهر عرفاً في إمضاء البيع كما أنّ المنع عنها ظاهر عرفاً في فساده ، كما استظهرناه من قوله (عليه السلام) : « ثمن العذرة سحت » ووجه هذه الدلالة أنّ هذا الجواز جواز تصرف مالكي وبعنوان


1) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 105

المالكية وهو عبارة أخرى عن إمضاء الملك ، وقد رتّب في الآية على البيع ، فيكون ظاهراً في إمضاء البيع وإفادته الملك . ومنه يظهر أنّ قياس هذا الجواز للتصرفات بغيره ممّا لم يكن بعنوان المالكية فاسد، فإنّ جواز التصرف لا بعنوان المالكية لا يدلّ على الملك بخلافه بذاك العنوان .

وأمّا الاستدلال بالدلالة الالتزامية العقلية بدعوى أنّ جواز جميع التصرّفات حتّى التصرّفات المتوقفة على الملك يستلزم عقلاً ثبوت الملك ، ففيه أنّ جواز التصرف المتوقف على الملك لا يكشف عن الملك من حين العقد بل يكشف عن الملك قبل التصرف آناً ما ، فالآخذ بالمعاطاة يجوز له البيع والوطء لكن البيع والوطء المسبوق بالملك آناً ما لا من حين المعاطاة ، فما ذكره شيخنا المحقّق (1)ناسباً له إلى الآخوند في حاشيته(2)في تقريب حصول الملكية من حين ثبوت الجواز وتحقّق المعاطاة من أنّ فعلية جواز جميع التصرّفات من حين العقد تستلزم فعلية الملك من ذلك الحين ، لأنّه يقال أنّ كلّاً من المتعاطيين يجوز له التصرف المتوقف على الملك فیما انتقل إليه فعلاً وكل من يجوز له ذلك التصرف فعلاً فهو مالك وهذا قياس ينتج أنّ كلاً من المتعاطيين مالك لما انتقل إليه فعلاً ، فيه : أنّ جواز التصرف وإن كان فعلياً من حين تحقّق المعاطاة إلّا أنّه لا يكشف عن فعلية الملك من ذلك الحين ، لأنّ متعلّقه يقتضي سبق الملك على التصرف آناً ما ، فمرجع هذا الجواز إلى جواز التملّك فعلاً لا إلى الملك الفعلي .

ثمّ ربما يورد على دلالة الآية على جواز جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك أنّ موضوع هذا الجواز هو الملك ولا يمكن إثباته بهذا الحكم ، لأن الحكم لا


1) حاشية المكاسب (للأصفهاني) 1 : 105 .

2) حاشية المكاسب (الآخوند) : 11

يثبت موضوعه ، بل ربما يدعى أنّ أدلّة توقف تلك التصرّفات على الملك يقتضي تخصيص جواز التصرّفات المستفاد من الآية بغير المتوقفة على الملك ، ولكنّه يندفع أولاً بأنّه بعد استظهار جواز التصرّفات المترتّبة على البيع لا نشك في شمولها للتصرفات المتوقفة على الملك ، لأنها من أظهر مصاديقها عرفاً ، فإنّ العرف يرتب هذه التصرّفات على البيع .

وثانياً : أنّ الحكم وإن كان لا يثبت موضوعه خارجاً إلّا أنّه يمكن أنّ يكشف عنه ، والمقام من هذا القبيل ، فإنّ المدعى كشف جواز التصرّفات عن تحقّق الملك لا إثبات الملك خارجاً . وعليه فلا مانع من دلالة الآية على جواز جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك ولا تكون أدلّة التوقف على الملك مخصصة لها لأنّ أدلّة التوقف موضوعها الملك والآية تثبت الملك فلا تنافي بينهما ليحمل أحدهما على الآخر.

والحاصل أنّه يمكن تقريب دلالة الآية على حصول الملك بالمعاطاة بوجهين أحدهما بالدلالة المطابقية وهو المختار . وثانيهما بالدلالة الالتزامية العرفية الذي جعلناه تصحيحاً لتقريب الشيخ (قدّس سرّه) ، ولكن هذا الوجه خلاف الظاهر .

الوجه الثالث : عقد الاستثناء من قوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ )(1)وتقريب دلالتها على أنّ المعاطاة تفيد الملك ما تقدّم في الآية السابقة وتوضيحه : أنّ المراد بالأكل إما التملّك وأمّا التصرف، فعلى الأوّل تدلّ بالمطابقة على حصول الملك بالمعاطاة ، وذلك لدلالتها على جواز تملّك أموال الناس بالتجارة عن تراض التي منها المعاطاة ، والمراد بالجواز حينئذ الصحّة لاسناده إلى الفعل الاعتباري ، والتعبير بالأكل كناية عن


1) النساء 4 : 29 .

التملّك شائع في الاستعمالات العرفية حتّى في لغات غير العرب . وعلى الثاني تدلّ بالملازمة العرفية على ذلك ، وذلك لأن معناها حينئذ أنّه يجوز تكليفاً التصرف في أموال الناس بالتجارة عن تراض ، وجواز جميع التصرّفات تكليفاً حتّى المتوقفة على الملك يلازم الملك عرفاً .

الوجه الرابع : قوله (علیه السلام) : « الناس مسلّطون على أموالهم » (1)وزاد بعضهم قوله « وعلى أنفسهم » ولكنّه غير موجود في الرواية ، وكيف كان فهذه الرواية وإن كانت مشهورة بين الأصحاب ويتمسّك بها الأكابر في موارد متعدّدة إلّا أنّ للمناقشة في سندها ودلالتها مجإلّا واسعاً .

أما بحسب سندها ، فلأنّها نبوية لم توجد في كتب الحديث المعتبرة للشيعة نعم رويت مرسلة في بحار الأنوار ، وقد أمر شيخ الشريعة الأصفهاني في زمأنّه بأن يتفحّص عنها المحصّلون ، ولكنّهم فحصوا ولم يظفروا بها ثمّ هو (قدّس سرّه) نبّه على مكانها ، ودعوى انجبار ضعف سندها بعمل المشهور ممنوع صغرى وكبرى ، إذ استنادهم إليها غير محرز ، وعلى تقدير إحراز أنهم استندوا إليها في عملهم لا دليل على أنّه يوجب انجبار ضعف سند الرواية ، كما ذكرنا تفصيله في الأصول (2)فراجع .

وأمّا بحسب الدلالة فلأنّ محتملاتها ثلاثة :

الأول : أنّ يراد بالرواية سلطنة الناس على أموالهم من حيث أنواع التصرّفات وأسبابها ، كأن يكونوا مسلّطين على تمليك أموالهم مثلاً بأي كيفية وأي سبب شاؤا ولو كان ذلك السبب غير متعارف و مجعولاً من المتبايعين ، فيشمل ما إذا اتفق شخصان على انتقال مال كل منهما إلى الآخر بدخول دار مثلاً ، فيكون نافذاً


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

2) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 279 فما بعدها .

بعموم النبوي . وهذا الاحتمال مبنى الاستدلال ، فيقال أنّ الناس مسلّطون على تمليك أموالهم بالمعاطاة .

الثاني : أنّ يراد بها سلطنة الناس على أموالهم من حيث أنواع التصرّفات فإذا شكّ في بعض التصرّفات كالأكل والشرب والايجار مثلاً يتمسّك في جوازه بالحديث ، وهذا الاحتمال مختار الشيخ (قدّس سرّه) (1)، وعليه لا تدلّ الرواية على المقصود .

الثالث : أن تكون ناظرة إلى سلطنة المالك من جهة إضافة المال إليه في مقابل الحجر عليه لا من جهة سائر الأحكام الشرعية التي لا ربط لها بحيثية إضافة المال إلى مالكه ، فمعنى الرواية أنّ سلطنة الناس على أموالهم من حيث إضافتها إليهم تامة ، فلا تتوقف تصرفاتهم المشروعة على إذن الغير أو إجازته ، وعليه فإذا شكّ في اعتبار إذن الغير أو إجازته في صحّة عقد بعد ثبوت مشروعيته - كما احتملوا اعتبار إذن الزوج في صحّة هبة الزوجة أموالها للغير - دفع اعتباره بالحديث . وعلى هذا الاحتمال أيضاً لا تدلّ الرواية على المدّعى .

والظاهر من هذه الاحتمالات هو الأخير، ومن هنا لو شكّ في حلّية أكل جزء من أجزاء الحيوان المملوك لا يتمسّك أحد بالحديث لاثبات جوازه ، وكذا لو شكّ في حلّية أكل لحم الأرنب المملوك ، وسرّ ذلك ما بيّناه من عدم كون الحديث ناظراً إلى الأحكام الشرعية التي يشكّ فيها من غير جهة إضافة المال إلى مالكه ، إذن فالحديث أجنبي عمّا نحن فيه .

وفي الوجوه السابقة كفاية وبها نحكم بأنّ المعاطاة تفيد الملك وإن كانت الشهرة على خلافه إلّا أنّه لا مانع من الانفراد إذا ساعدنا الدليل . مع أنّا لسنا


1) المكاسب 3 : 41 .

منفردين الموافقة المفيد (رحمه اللّه) والمحقّق الثاني والمتأخّرين ، وليكن هذا من أحد الموارد التي ذهب المتأخّرون فيها على خلاف المتقدّمين ، نظير مسألة البئر فإنّ المتقدّمين بنوا على تنجّسه من غير نكير وقد انقلب ذلك عند المتأخّرين انقلاباً عجيباً فبنوا على طهارته وعدم انفعاله

مناقشة كلام كاشف الغطاء (قدّس سرّه) حول إفادة المعاطاة الملک

بقي هناك شيء وهو أنّه هل يمكن الالتزام بافادة المعاطاة الملك بمجرد استبعادات كاشف الغطاء (1)مع قطع النظر عن الوجوه المتقدمة الدالّة على المطلوب أو أنها استبعادات محضة لا تثبت المطلوب ولا يمكن الالتزام بمجردها من جهة بإفادة المعاطاة الملك ، فيقع الكلام في أنّه هل يمكن الالتزام بافادة المعاطاة الملك ما أفاده كاشف الغطاء من أنّ القول بافادة المعاطاة إباحة التصرّفات يستلزم تأسيس قواعد جديدة ، أو لا يمكن الالتزام بها بمجرد استبعاداته (قدّس سرّه) .

من تلك القواعد التي ذكر (قدّس سرّه) أنّه يلزم تأسيسها بناءً على القول بأنّ المعاطاة تفيد الإباحة لزوم أنّ لا يقع ما قصد ووقوع ما لم يقصد مع أنّ العقود تابعة للقصود ، وذلك لأنّ مقصود المتبائعين في المعاطاة إنّما هو الملك ، فإذا قلنا بأنّها تفيد حلّية التصرّفات ذون الملك فيلزم المحذور من وقوع ما لم يقصد وعدم وقوع المقصود .

وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (رحمه الله) (2)بالحلّ والنقض .

أمّا الحلّ : فهو أنّ تبعية العقود للقصود إنّما هي في العقود الصحيحة الممضاة


1) شرح القواعد : 50 .

2) المكاسب 3 : 46 - 48 .

شرعاً ، وذلك لأنّ معنى الصحّة هو ترتّب الأثر المقصود ، فلا يعقل الحكم بالصحّة مع عدم ترتّب الأثر المقصود .

وأمّا المعاطاة فهي عند القائل بالاباحة ليست من العقود الصحيحة ليكون الحكم بصحّتها مع عدم ترتّب الأثر المقصود عليها مستحيلاً ، بل هي معاملة فعلية لم يدلّ على صحّتها دليل ، وإنّما حكم فيها بالاباحة بدليل خاصّ دلّ عليها .

وأمّا النقض ، فقد أورد عليه بنقوض خمسة :

الأوّل : بالبيع الفاسد ، فإنّ المشهور ذهبوا إلى أنّه يوجب الضمان بالمثل أو القيمة الواقعية فيما إذا كان يضمن بصحيحه ، مع أنّ مقصود المتبائعين الضمان بالمسمّى لا البدل الواقعي أعني المثل أو القيمة ، فلزم هناك أنّ يقع ما لم يقصد وعدم وقوع ما قصد ، فهذا ليس أمراً غريباً لوقوعه في الشريعة ، ثمّ أفاد أنّ الضمان بالمثل أو القيمة ليس مستنداً إلى قاعدة اليد في المقام وإنّما الوجه فيه هو إقدامها على الضمان .

الثاني : الشرط الفاسد ، فإنّ المشهور أنّه لا يوجب فساد المعاملة ، فالواقع هي المعاملة المجرّدة عن الشرط مع أنّ المقصود هو المعاملة المقرونة بالشرط.

الثالث : بيع ما يُملك وما لا يُملك وبيع ما يَملك وما لا يَملك كبيع الخنزير مع الشاة وبيع دار نفسه مع دار غيره بلا إذن منه ، فإنّهم حكموا بصحّة البيع فيما يُملك أو فيما يملكه دون ما لا يملك بالفتح أو الضم ، مع أنّ مقصودهما بيع أحدهما منضمّاً إلى الآخر لا بيع أحدهما وحده كما لا يخفى ، فوقع ما لم يقصد ولم يقع ما هو المقصود في المعاملة .

الرابع : بيع الغاصب لنفسه ، فإنّه إذا أمضاه المالك يقع البيع له دون الغاصب فمقصود الغاصب وهو بيعه لنفسه لم يقع ووقع ما لم يقصده وهو وقوعه للمالك .

الخامس : النكاح الانقطاعي ، فإنّ الزوجين إذا نسيا ذكر الأجل في العقد ينقلب دائميّاً مع أنّ المقصود هو الزوجية الانقطاعية فما قصد لم يقع ووقع ما لم يقصده

المتعاملان وهو الزوجية الدائمية ، هذا ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام .

أقول : أمّا الحلّ فالأنسب الأولى أنّ يقال تتميماً لكلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إنّ القائل بالاباحة في المعاطاة إن أراد بها الاباحة إلى الابدّ ورأى عدم شمول شيء من الأدلّة المتقدمة الدالّة على الملك للمعاطاة ، فما أفاده (قدّس سرّه) في الحلّ في غاية الوجاهة والمتانة حينئذ ، لأنّ الاباحة حينئذ إباحة شرعية مستندة إلى أدلتها لا مالكية مستندة إلى صحّة العقد ، فالمعاطاة معاملة فاسدة ، وإنّما أب-اح الشارع للمتعاطيين التصرف ، فهي إباحة شرعية .

وأمّا إذا كان القائل بالاباحة ملتزماً بشمول أدلّة البيع للمعاطاة ، نظير (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (1)و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)أو عموم « الناس مسلّطون على أموالهم» (3)وقال بأنّ الاباحة ثابتة إلى زمان طروء أحد الملزمات فيثبت الملك قبله آناً م--ا فحينئذ لا وجه لدعوى أنّ الشارع لم يمض ما قصده المتعاملان ، بل قد أمضى م-ا قصداه غاية الأمر لا متصلاً بزمان البيع بل على نحو الانفصال ، وللشارع أن يتصرّف فيما يوقعه المكلّفون بهذه الكيفية من التصرّفات ، وعليه فالمعاطاة تفيد الملك على نحو الانفصال فلم يتخلّف المقصود عن العقد .

لا يقال : إنّ ما قصداه هو الملكية المتصلة بالعقد وما أمضاه الشارع ه-و الملكية المنفصلة عنه وهو غير ما قصده المتعاملان فتخلّف العقد عن القصد .

فإنّه يقال : معنى لزوم أنّ يكون العقد تابعاً لقصد المتبائعين أنّه بعد إمضائه وصحته لابدّ أن يكون على نحو ما قصده المتعاملان ، والمقام كذلك فإنّ المعاطاة قبل


1) البقرة : 2 : 275 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) عوالي اللآلي :3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

طروء أحد الملزمات آناً ما تصير ممضاة وهي مفيدة للملك المقصود في ذلك الحين وعدم إفادة الملك قبله إنّما هو لأجل فسادها وعدم إمضائها فلا يضرّ بقاعدة تبعية العقود للقصود ، وهو نظير اشتراط القبض في الهبة والصرف والسلم فإنّهما قد قصدا الملكية من حين البيع والهبة مع أنّ الملكية إنّما تحصل بعد حصول القبض فيها ، ولا يقال حينئذ إنّها من باب تخلّف العقود عن القصود ، ولعلّه ظاهر إذ هي قبل تحقّق القبض فاسدة كفساد المعاطاة قبل عروض أحد الملزمات أي لم يمضها الشارع قبله نعم بين المعاطاة وبين الهبة والصرف فرق وهو أنّ التصرف فيها قبل حصول الملكية حرام بخلافه في المعاطاة فإنّه جائز فيها قبل عروض أحد الملزمات كما تقدّم سابقاً. هذا كله فيما يرجع إلى الحلّ.

وأمّا النقوض فلا يرد شيء منها على كاشف الغطاء (قدّس سرّه) .

أمّا النقض بالضمان في البيوع الفاسدة فلما سيأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى(1)من أنّه من جهة قاعدة على اليد ما أخذت الخ وذكر الإقدام تتميم للاستدلال بالقاعدة لا أنّه بنفسه يقتضي الضمان بالمثل أو القيمة ، وذلك لأنّ اليد إنّما يقتضي الضمان فيما إذا كان الأخذ مبنيّاً على الضمان كما في البيع والغصب ونحوهما لا في مطلق الأخذ وإن كان مجانياً كما في الوديعة والهبة ونحوهما ، وحينئذ فالدليل على الضمان بالبدل الواقعي هو اليد والاقدام على الضمان ذكر لبيان أنها لم تكن مجانية . وبالجملة الشارع لم يمض العقد فيها حسب الفرض فهي فاسدة والضمان من جهة على اليد ، لا أنّ الشارع أمضى خلاف ما قصده المتعاملان .

وأمّا النقض الثاني ومسألة الشرط الفاسد فلأن الشرط إذا كان شرطاً لأصل البيع بأن يكون أصل العقد معلّقاً عليه كما إذا قال : بعتك هذا المال بشرط أن


1) في الصفحة 235 فما بعدها .

تكذب وإلّا فلا أبيعه أصلاً ، فهذا البيع باطل سواء كان الشرط في حدّ نفسه فاسداً أو لا ، لأنّ التعليق في العقود والايقاعات يوجب البطلان ، فلا يلزم تخلّف العقد عن القصد على هذا التقدير ، إذ لا عقد ممضى حتّى يتخلّف أو لا يتخلّف .

وأمّا إذا كان الشرط الفاسد شرطاً للوفاء بالعقد والبقاء على الالتزام به لا لأصل العقد فكذا لا يلزم التخلّف ، وذلك لأنّ العقد المقصود حينئذ مطلق وقد وقع مطلقاً ، فلم يتخلّف العقد عن القصد .

ولا فرق بين الشرط الصحيح والفاسد من هذه الجهة ، فالشرط مطلقاً سواء كان صحيحاً أم فاسداً إن كان شرطاً للعقد بأن كان العقد معلّقاً عليه ، كان العقد باطلاً للتعليق ، وإن كان شرطاً للوفاء والالتزام بالعقد كان العقد مطلقاً وقد أمضي كذلك ، نعم يجب الوفاء بالشرط الصحيح لقوله (صلى الله عليه وآله) « المؤمنون عند شروطهم » (1)ولا يجب في الشرط الفاسد لما ورد من أنّ «شرط الله أسبق من شرطكم » (2)فيخصص به عموم «المؤمنون عند شروطهم » ويختص بما لم يخالف الكتاب والسنّة ، وفي كلا الشرطين الصحيح والفاسد يثبت الخيار عند تخلفه على المختار كما سيأتي وإن كان في ثبوت الخيار مع تخلّف الشرط الفاسد خلاف .

وأمّا النقض الثالث فهو مندفع بما سيصرّح به هو (قدّس سرّه) من أنّه ليس معاملة واحدة في الحقّيقة بل هو بيعان قد أبرزهما بمبرز واحد وأنشأهم-ا بانشاء فارد ، ومعناه أبيعك الخنزير وأبيعك الشاة أو أبيعك داري وأبيعك دار غيري والشارع قد أمضى أحدهما ولم يمض الآخر ، لا أنّه أمضى المعاملة على خلاف ما


1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .

2) نفس المصدر ح 6 وفيه « شرط الله قبل شرطكم »

قصده المتعاملان ، لما عرفت من أنّ عدم الامضاء وفساد المعاملة ليس من باب التخلّف، فهناك بيعان أحدهما ممضى شرعاً دون الآخر غاية الأمر أنّه ضمّ أحدهما إلى الآخر ، وهذا أيضاً ليس من موارد تخلف العقود عن القصود كما هو في غاية الظهور .

وأمّا النقض الرابع فهو أيضاً يندفع بما أفاده هو (قدّس سرّه) في محلّه على ما سيأتي من أنّ حقيقة البيع ليست إلّا التبديل بين المالين ولا نظر في المعاملة إلى خصوص البائع أو المشتري أبداً ، فهل رأيت أنّ يسأل البقال الذي تريد أن تشتري منه شيئا أنّه لمن تشتريه ، بل هو يأخذ الفلوس ويعطي الجين فقط .

وهذا بخلاف باب النكاح فانّ النظر فيه إلى خصوص الزوج والزوجة فلو تزوّج امرأة وحكم الشارع بأنّها صارت امرأة لرجل آخر فهو من باب التخلّف لا محالة ، وعليه فالغاصب في الحقّيقة إنّما بدّل المغصوب بمال آخر وقد أمضاه الشارع بعد إجازة المالك على نحو ما قصده المتعاملان ، وأمّا صيرورته ملكاً للمالك أو الغاصب فهو أمر آخر ، والغاصب وإن قصد كونه لنفسه إلّا أنّه قصد فضولي وأمر على حدة خارج عن المعاملة ، فلا يكون هناك تخلّف في البين أصلاً .

وأمّا النقض الخامس فهو على قسمين : فربما يبني في نفسه قبل العقد أن يتزوّجها بالزوجية الانقطاعية ثمّ لمّا يأتي في مقام العقد ينسى ما بنى عليه فيقصد الدوام ويعقدها من دون أن يذكر الأجل ، وفي هذه الصورة لا معنی للانقلاب ، بل هو من الأوّل عقد نكاح دائمي ، لأنّ الفرض أنّه بنى في مقام العقد على الدوام لأجل نسيان ما بنى عليه سابقاً . وبالجملة لا يكون في مقام العقد من دون ذكر الأجل بانياً في نفسه على الانقطاع، ولا إشكال في وقوعه صحيحاً وعليه يحمل الأخبار الواردة

في المقام ، ولكنّه ليس راجعاً إلى تخلّف العقود عن القصود ، بل الشارع أمضاه على نحو ما قصده المنشئ حسب الفرض ، وذلك نظير ما لو بنيت على أنّ تشتري جبناً من السوق فلمّا جئت إلى السوق فاشتريت منه لبناً لأجل نسيان ما قصدته سابقاً فهل يحتمل أنّ يكون هذا البيع باطلاً أو من باب تخلف العقود عن القصود .

وأخرى مع بنائه وقصده حين العقد على الانقطاع يبرزه بمبرز لا يطابق قصده، فلا يذكر الأجل في صيغة النكاح نظير سبق اللسان ، وفي هذه الصورة لا نقول بانقلابه إلى الدوام بل هو باطل ، نعم لو قلنا بصحته وانقلابه إلى الدوام لزم أنّ يتخلّف العقد عن القصد ، لأنّ المفروض أنّه قصد الانقطاع ومع كونه قاصداً له لو حكم الشارع بصحّته وانقلابه إلى الدوام لزم المحذور المتقدم ، إلّا أنّا لا نقول بالانقلاب في مثله والأخبار أيضاً لا تقتضى الانقلاب في هذه الصورة لحملها على الصورة الأولى كما تقدّم.

فتحصّل : أنّ شيئاً من النقوض لا يرد على كلام بعض الأساطين (قدّس سرّه) كما عرفت ، والصحيح في الجواب ما قدمناه تتميماً لكلام شيخنا الأنصاري (قدس سره) في الحلّ.

ومن جملة استبعادات كاشف الغطاء (قدّس سرّه) (1)أنّ لازم إفادة المعاطاة الاباحة أنّ يكون ارادة التصرف مملّكاً ، وصرّح في ذيل كلامه بمحذورية ك--ون التصرف مملكاً للجانب الآخر ، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد .

والجواب عنه : ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدس سره)(2)من أنّه لا استبعاد في كون التصرّف مملّكاً فيا إذا كان ذلك مقتضى الجمع بين الأدلّة الثلاثة : أعني


1) شرح القواعد : 50.

2) المكاسب 3 : 48.

استصحاب عدم الملك إلى زمان التصرّف، والأدلّة القائمة على إباحة التصرّفات فيما أخذ بالمعاطاة ، والأدلّة الدالّة على أنّه لا وطي إلّا في ملك أو لا عتق إلّا في ملك فمقتضى الجمع بينها الالتزام بدخول المال في ملك المتصرف بأن قبل التصرف ، ولا بعد في ذلك أصلاً، بل ونظير ذلك واقع في الشريعة المقدسة فيما إذا وهب جاريته بالهبة الجائزة أو باعها بالخيار ثمّ وقع عليها ، فانّ مقتضى الجمع بين الأدلة حينئذ أنّ يكون المتصرف مالكاً للجارية قبل الوطي بآن .

ومن ذلك يظهر اندفاع سائر استبعاداته في المقام ممّا يرجع إلى ذلك ، وهذا بناءً على ما يظهر من كلمات شيخنا الأنصاري من أنّ الملك لم يستند إلى المعاطاة وأمّا بناءً على ما ذكرنا من أنّ حصول الملك مستند إلى المعاطاة لكن بعد طروء أحد الملزمات من جهة توهّم قيام الإجماع على عدم الملك من أول الأمر فاندفاع هذه الاستبعادات ظاهر ، لأنّ المملّك حينئذ هو العقد المعاطاتي بشرط عروض أح---د الملزمات ، لا التلف أو إرادته .

ومن جملة ما استبعد به (قدّس سرّه) كون المعاطاة مفيدة للاباحة أنّ الأخماس والزكوات والاستطاعة والديون والنفقات وحق المقاسمة والشفعة والمواريث والربا والوصايا تتعلّق بما في اليد مع العلم ببقاء مقابله وعدم التصرف فيه ، ولازمه تعلّق تلك الحقّوق بما هو ليس بملك مع أنها إنّما تتعلّق بالملك .

وفي كلام شيخنا الأنصاري (1)في مقام الجواب تشويش ظاهر ، والذي ينبغي أن يقال : إنّ جملة ممّا استبعده لا يشترط فيها الملكية بوجه وتعلقها غير مقيّد بالملك ، فعدّه (قدّس سرّه) ممّا يشترط في تعلّقه أنّ يكون المال ملكاً غير صحيح وهذا كالنفقات فانّ نفقة العيال والأطفال لا يشترط أنّ تكون ممّا يملكه الزوج


1) المكاسب 3 : 48.

والوالد ، بل مجرّد إباحة التصرف لهما في مال كافٍ في صرفه في نفقاتهما ، لأنّه نحو من التصرف في المال وقد فرضنا التصرّفات مباحة . وكذا أداء الديون لعدم اشتراط كونه من الملك بل لو جاز له التصرف في مال أمكنه أنّ يؤدي دينه منه ، فلذا يجوز أداؤه من أموال الامام (عليه السلام) مع أنّ ماله لا يدخل تحت الملك بل المستحقّ يجوز له التصرف فيه فقط . وكذلك الأمر في الحج فانّ وجوبه وحصول الاستطاعة لا يتوقّف على الملك فلذا إذا أباح له أحد مالاً بمقدار يكفى له ذهاباً وإياباً فيصدق عليه أنّه ممّن استطاع إليه السبيل فيجب عليه الحجّ .

وأمّا الوجه في عدم جواز إعطاء الزكاة لمن عنده مال مأخوذ بالمعاطاة فهو من جهة جواز تصرفه فيما بيده من الأموال التي حصلها بالمعاطاة ، ولا يشترط في عدم الاستحقاق للزكاة أنّ يكون مالكاً لمؤونة سنته ، بل لو كانت مؤونته مباحة له أيضاً لا يجوز له الأخذ منها ، وهذا نظير أولاد التجار والأغنياء والسلاطين فانّ أولادهم مع وجود أبيهم لا يملكون شيئاً من الأموال ومع ذلك لا يجوز لهم الأخذ منها ، من جهة أنّ أباهم قد أباح لهم الصرف في مؤونة سنتهم .

وأمّا الوجه في تعلّق الأخماس والزكوات به مع أنّه غير مملوك له ، فلابدّ في توضيح الحال فيه أنّ نصوّره أوّلاً ونبيّن حكمه بعد ذلك، وتصويره كما إذا باع ماله بألف دينار بالمعاطاة مع أنّه يسوى بخمسمائة دينار واقعاً ، وحينئذ فنصف ذلك الألف رأس ماله ونصفه الآخر من الأرباح التي تتعلّق بها الأخماس فيما إذا زادت عن مؤونة سنته ، وهذا هو مراد كاشف الغطاء بالنقض ، وأنّه مع فرض عدم كونه مالكاً للربح المفروض فكيف يتعلّق به الخمس ، وليس م--راده (قدّس سرّه) ما إذ اشترى بالمعاطاة شيئاً ثمّ باعه واشترى بثمنه شيئاً آخر وهكذا إلى آخر السنة فهناك رأى أنّ منافعه أكثر من مؤونة سنته ، وعليه فلا يرد عليه ما ذكره بعض

مشايخنا المحقّقين (1)من أنّه حينئذ يصير مالكاً للمنافع ببيعه وشرائه لأنّهما م-ن التصرّفات المملّكة حسب الفرض ولا مانع من أنّ يتعلّق بها الخمس لأنها مملوكة له ، وقد عرفت أنّ مراده (قدّس سرّه) ماذا ولا يرد عليه ذلك الاشكال أبداً .

وبعد ذلك نقول : أجاب عنه شيخنا الأنصاري(2)بأنّه لا مانع من الالتزام بعدم تعلّق الأخماس به لأنّه ليس ملكه ، وإن دفع ذلك بأن السيرة ج--رت ع-ل-ى إخراج الأخماس ممّا أخذ بالمعاطاة ويعدّون تاركه من الفساق وممن لا يؤدي حقوقه ، فنقول : إنّه رجوع إلى السيرة في معاملتهم مع المأخوذ بالمعاطاة معاملة الأملاك ، فكونه ملكاً لأجل السيرة حينئذ لا من جهة ذلك الاستبعاد ، هذا كلّه في الخمس .

وكذا الحال في الزكاة وتفصيل الكلام فيها : أنّ المأخوذ بالمعاطاة ربما لا يكون بمقدار النصاب كما إذا اشترى إبلين وبضمّهما إلى ما عنده من الابل صارا بمقدار النصاب ، كما إذا كان عنده أيضاً ثلاثة من النوق فصار مجموعهما خمسة، وأخرى يكون المأخوذ بها بمقدار النصاب كما إذا اشترى خمسة نوق ، ففي الصورة الأولى لا نلتزم بوجوب دفع الزكاة عليه لأنّه غير مالك لما اشتراه بالمعاطاة كي يكون مالكاً للنصاب ، ولو دفع بقيام السيرة على وجوب إخراجها قلنا أنّه رجوع إلى السيرة لا إلى الاستبعاد ، ولا تتعلّق الزكاة بماله أيضاً لأنّه غير بالغ حدّ النصاب .

وأمّا في الصورة الثانية ، فإن كان البائع مكلّفاً باخراج الزكاة فلا إشكال في تعلّق الزكاة بالمال ، لكن هناك بحث في أنّ المكلف بالاخراج هو المالك أو المعطى له ، وأمّا إذا لم يكن البائع مكلّفاً باخراج الزكاة كما إذا كان صغيراً أو مجنوناً وق--د


1) حاشية المكاسب (الاصفهانی) 1 : 121.

2) المكاسب 3 : 48.

باعها وليّهما فإن لم يقم دليل على وجوب الزكاة فيه فلا نقول به وإن قام فهو المرجع .

وأمّا حقّ الشفعة الذي استبعد ثبوته فيا إذا باع أحد الشريكين حصّته بالمعاطاة ، لعدم تبدّل في المالك وإنّما أُبيح التصرف بالمعاطاة ، وهكذا يستبعد ثبوته للمعطى له فيما إذا باع الشريك للآخر حصّته من شخص آخر مع عدم كون المعطى له مالكاً ولا شريكاً ، فالجواب عنه أنّه إذا قام دليل من سيرة أو غيرها على ثبوت حقّ الشفعة في المعاطاة فهو المرجع تبدل المالك أو لم يتبدل ، وإن لم يقم دليل ف--لا نقول به .

وأمّا حقّ المقاسمة المراد بها حقّ التقسيم ، فإنّ لكلّ شريك إفراز ماله عن مال صاحبه إذا كان مشاعاً وإذا امتنع يجبر على الافراز ، ففيه أنّ حقّ التقسيم غير متوقف على الملك ، بل يثبت بإباحة التصرف أيضاً ، فإنّ التقسيم من جملة التصرّفات .

وأمّا الربا الذي استبعد ثبوته في المعاطاة من جهة أنّ إباحة التصرف في الزيادة لم يقل أحد بأنها توجب الفساد كما إذا أباح أحد لآخر التصرف في من من الحنطة وأباح الآخر له التصرف في منين منها ، فإنّه لا بأس به وإنّما المفسد تمليك الزيادة والمفروض أنّ المعاطاة لا تفيد الملك ، فالجواب عنه أنّ الفساد في المقام ليس من ناحية إباحة التصرف في الزيادة وأنّها ربا ، بل من ناحية أنّ المعاملة فاقدة لشرط من شروط صحّة البيع غير اللفظ ، وهو عدم الزيادة في العوضين الربويين . فإنّ الكلام في المعاطاة الجامعة لجميع ما يعتبر في صحّة البيع إلّا اللفظ ، لا الفاسدة من سائر الجهات ككون أحد المتعاطيين صغيراً أو مجنوناً.

وأمّا الغني فهو عبارة عن القدرة على إمرار المعاش بأي نحو كان ولو باعالة الغير إيّاه .

وبما ذكرناه يظهر الجواب عن سائر ما ذكره في المقام .

ومن جملة استبعاداته بناءً على إفادة المعاطاة الاباحة أنّ نماء المبيع الحاصل قبل التصرف أنّ جعلنا حدوثه مملكاً له دون العين فبعيد ، أو معها فكذلك وكلاهما منافٍ لظاهر الأكثر ، وشمول الإذن له - أي النماء خفي ، انتهى .

نقول : أنّ ثبت دليل من سيرة أو غيرها على انتقال الفرع أو مع أصله إلى ملك المعطى له بحدوث النماء فنلتزم به ، ويكون حدوث النماء كالتصرف والتلف من موجبات حصول الملك ، وإن لم يقم دليل على ذلك فإن قام على تبعية النماء للأصل في جواز التصرف التزمنا به وإلّا فلا يجوز للمعطى له التصرف في النماء .

هذا كلّه بناءً على ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري من عدم استناد الملك إلى المعاطاة أصلاً ، وأمّا بناءً على ما ذكرنا من إفادتها الملك بعد التلف أو التصرف مثلاً ، فاندفاع كثير ممّا ذكره بعض الأساطين في غاية الوضوح ، وعليه فلا مانع من الالتزام بملكية النماء وأصله من أوّل حدوثه، إذ لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن في الخروج عن أدلة إمضاء البيع ، وهو صورة عدم حدوث النماء ، وأمّا ص-ورة حدوثه فتبقى تحت العام .

وأمّا ما ذكره من أنّ المبيع بالمعاطاة إذا غصبه غاصب فحقّ المطالبة راجع إلى المالك أو المشتري وكلاهما عجيب ، فمندفعة بأنّ حقّ المطالبة حقّ لكليهما قبل التلف ، وكلّ واحد منهما يصحّ له مطالبة الغاصب بالمال ، أمّا المالك فلأنّه غصب ملكه ، وأمّا المشتري فلأنّه غصب شيئاً يحلّ له التصرّفات فيه ومنها أخذه م-ن الغاصب كما هو واضح . وأمّا بعد التلف فيضمن الغاصب للمعطى له فقط ، لدخول العين في ملكه قبل التلف آناً ما ، إذ لا فرق في ذلك بين كون التلف في يد المعطى له أو يد غيره .

فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه لولا الأدلّة المتقدمة الدالّة على إفادة المعاطاة للملك وكونها بيعاً لم يمكن الالتزام بكونها مفيدة للملك بمجرد تلك

الاستبعادات فلا تغفل .

هذا تمام الكلام في أنّ المعاطاة مفيدة للملك أو لا ، ويقع الكلام بعد ذلك في اللزوم وعدمه .

أدلّه أصالة اللزوم في العقود

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الأصل في جميع المعاملات اللزوم حتّى يثبت الجواز بدليل آخر كدليل خيار البيع ونحوه، واستدل لذلك بوجوه :

الأول : الاستصحاب وأنّه إذا شككنا في أنّ الأثر الحاصل بالمعاملة قبل الرجوع والفسخ هل يرتفع برجوع أحدهما وفسخه أو لا يرتفع ، فالاستصحاب يقتضي بقاءه كما كان وعدم ارتفاعه بالرجوع والفسخ ، وهذا وإن كان لا يثبت اللزوم إلّا أنّه نتيجة اللزوم كما هو ظاهر . وقد تمسّك بهذا الاستصحاب جماعة من الأعلام.

والكلام في ذلك يقع في ثلاثة مقامات : الأوّل : في أنّ هذا الاستصحاب شخصي أو كلّي . والثاني : في أنّه على تقدير كونه كلّياً فهل هو من الأقسام التي يجري فيها الاستصحاب أو ممّا لا يجرى فيه ذلك .

والثالث : في أنّه إذا شككنا في المقام في أنّ الاستصحاب شخصي أو كلّي فهل يجري الاستصحاب أو لا يجري ، وكلّ ذلك بعد الغ-ض عن إشكال جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية لمعارضته دائماً ، فإنّ الكلام في جريانه من هذه الجهة موكول إلى محلّه.(2)


1) المكاسب 3 : 51.

2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 42.

أمّا المقام الأوّل : فالظاهر أنّ الاستصحاب شخصي ك-ا أف--اده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) وذلك لأنّ الملك أمر اعتباري واحد ، غاية الأمر أنّ الشارع لما يراه من المصالح والمفاسد تارةً يمضيه على نحو الاستمرار والدوام الذي نعبّر عنه باللزوم وأخرى يمضيه موقتاً وما دام لم يفسخ ونعبّر عنه بالجواز ، فاللزوم والجواز حكمان شرعيان مترتّبان على ذلك الأمر الاعتباري ، والحكم لا يصنّف موضوعه ولا يقسمه إلى أقسام ولا يغيّر حقيقته بوجه، وهو نظير الحرمة والجواز المترتّبين على شرب الخمر وأنّه حرام في حقّ السالم وجائز في حقّ المريض مثلاً مع أنها لا يغيران حقيقة الخمر بوجه ولا يقسّمانها إلى قسمين واقعاً ، نعم الحكم باستمرار ذلك الأمر الاعتباري وبانقطاعه يختلف بحسب اختلاف الموارد والأسباب، مثلاً حقيقة الهبة مع كونها واحدة ومع عدم التفات الواهب إلى شيء إذا كان موردها من الأقرباء المعبّر عنهم بالرحم يحكم عليها باللزوم ، وإذا كان غيرهم فيحكم عليها بالجواز ، كما أنّ التمليك الواحد إذا كان بلفظ المصالحة يتصف باللزوم شرعاً وإذا كان بلفظ الهبة يتصف بالجواز وهكذا ، وكيف كان فالملك أمر واحد لا تعدّد فيه أبداً .

ويشهد له ما أفاده شيخنا الأنصاري من أنّ اللزوم والجواز لو ك-ان-ا م-ن خصوصيات الملك فإمّا أنّ يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيتين بجعل المالك أو بحكم الشارع ، والأوّل يقتضي التفصيل بحسب قصد المالك اللزوم أو الجواز ، وهو بديهي البطلان ، إذ لا تأثير لقصد المالك البطلان ، إذ لا تأثير لقصد المالك في ذلك ، والثاني يستلزم تخلّف العقد عن القصد ، وهو أيضاً باطل . وهذا الكلام متين لا إشكال فيه .

وبعبارة أخرى أنّ القسم الثاني من استصحاب الكلّي متقوّم بكون الحادث مردّداً بين جقيقتين شخصيتين أو نوعيتين أو غيرهما تكون إحداهما زائلة والأخرى باقية ، وأمثلته كثيرة :

منها : ما إذا شككنا في بقاء الحيوان الكلّي في الدار لأجل الشكّ في أنّ ما

حدث في ضمنه هو زيد الذي نعلم بخروجه بعد ساعة أو أنّه عمرو وهو يبق إلى آخر اليوم ، فلا مانع حينئذٍ من استصحاب الجامع بينهما .

ومنها : ما إذا شككنا في ارتفاع الحدث بعد الوضوء لأجل الشكّ في أنّ الحادث هو الحدث الأصغر ليرتفع بالوضوء أو أنّه الحدث الأكبر ليبقى بعده .

ومنها : ما إذا شككنا في ارتفاع النجاسة بعد غسلها مرّة لأجل الشكّ في أنّها نجاسة دموية لترتفع بعد غسلها مرّة أو أنّها نجاسة بولية لئلا ترتفع بالغسل مرّة .

وفي جميع ذلك إذا شككنا في بقاء الجامع بين المشكوكين لا مانع من استصحابه و ترتیب آثاره ، إلّا أنّك عرفت أنّ الشكّ في جميعها في كون الحادث هو الطويل أو القصير ، وهما متباينان في حد نفسها بل في حقيقتها الصنفية أو النوعية بحسب اختلاف الموارد .

وأمّا إذا شككنا في أنّ النجاسة الغائطية ترتفع بعد الغسل مرّة أو لا ترتفع مع العلم بأنّ النجاسة غائطية ، فلا مورد لاستصحاب الكلّي أبداً ، إذ ليس الشكّ فيها في حدوث الفرد الطويل أو القصير المباين أحدهما للآخر ، بل نعلم بأنّ الحادث ماذا وأنّه فرد معين وإنّما نشكّ في حكمه وأنّه ترتفع بالغسل مرّة أو لا ترتفع ، وإنّما يجري الاستصحاب الكلّي فيما إذا شككنا في أنّ الحادث هو النجاسة الدموية المعلوم حكمها أو النجاسة البولية التي نعلم بحكمها أيضاً، وحينئذ لا مانع من استصحاب الجامع بينهما . وأمّا في مثل المثال فلا يجري إلّا الاستصحاب الشخصي ، إذ الشكّ إنّما هو في بقاء الفرد المعلوم تحقّقه ولا شكّ فيه في أمرين مختلفين معلومين بحسب الحكم .

والمقام من ذلك القبيل للعلم بأنّ الحادث هو الملكية البيعية وإنّما نشكّ في حكمها وأنّه اللزوم أو الجواز ، فلا تردّد فيه بين فردين متباينين ليجري استصحاب الكلّي . نعم لو كنّا شاكّين في أنّ الملكية الحادثة هل هي الملكية الناشئة عن الصلح المعلومة بحسب الحكم وهو اللزوم ، أو أنها الملكية الناشئة عن الهبة المحكومة

بالجواز ، لما كان مانع من جريان استصحاب الكلّي حينئذ ، وهذا بخلاف المقام وتردّد الحادث بين البقاء والارتفاع لا يدرجه في الاستصحاب الكلّي لوجوده في جميع موارد الاستصحاب ، لأنّ التردّد والشكّ في بقائه مقوّم لجريان الاستصحاب ولولاه لما كان له مجال ، ولكنّه غير استصحاب الكلّي كما لا يخفى ، وإلّا فيرجع جميع الاستصحابات إلى الكلّي وهو كما ترى ، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل .

وأمّا المقام الثاني : وأنّ الاستصحاب على تقدير كونه كلّياً من أي أقسام الاستصحابات الكلّية ، وأنّ الاستصحاب يجري فيه أو لا يجري، فلا ينبغي الاشكال في أنّ الاستصحاب مع فرض كونه كلّياً من القسم الثاني ، لأنّ الشكّ فيه في حدوث الفرد الطويل أو القصير وهو الملكية اللازمة الباقية بعد الفسخ أو الملكية الجائزة التي ترتفع بعده ، والاستصحاب يجري في القسم الثاني من الاستصحابات الكلّية كما ذكرناه في محلّه .

وأورد عليه صاحب الكفاية في تعليقته على المتن(1)بأنّ الاستصحاب في القسم الثاني وإن كان جارياً إلّا أنّ جريانه في خصوص المقام خلاف مسلك الشيخ (قدّس سرّه) لأنّه لا يرى اعتبار الاستصحاب في الشكّ في المقتضي ، والشكّ في المقام في اقتضاء المقتضي وأنّه يقتضي الملكية الباقية بعد الفسخ أو الملكية التي لا تبقى بعده هذا .

ولكنّه مندفع بما ذكرناه في محلّه (2)من أنّ معنى الشكّ في المقتضي على ما هو ظاهر بعض كلمات الشيخ (قدّس سرّه) - وإن كان أكثرها غير مبين للمراد - أنّ يكون الشيء مع قطع النظر عن حدوث أي حادث في العالم ممّا ينقضي بنفسه ويزول كما أنّ


1) حاشية المكاسب (الآخوند): 13.

2) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 27.

مقابله ما لا يزول ولا ينقضي في حدّ نفسه إلّا بحدوث حادث وطروّ مانع ، فم--ن الأوّل الاجارة والزوجية الانقطاعية ونحوهما لزوالها في نفسهما مع قطع النظر عن حدوث شيء في العالم لتصرّم الزمان المأخوذ فيهما ، وهذا بخلاف الزوجية الدائمية أو الملكية الحاصلة بالبيع ونحوه لأنهما يبقيان ما دام لم يمنع عنهما مانع ، وعليه فالشكّ في المقام شكّ في الرافع وليس من قبيل الشكّ في المقتضي ، لبقاء الملكية الحاصلة بالبيع في حد نفسها لولا ما يرفعها كما لا يخفى، هذا كلّه .

نعم ، يبقى إشكالان في جريان القسم الثاني من استصحاب الكلّي :

أحدهما : أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة ، وأن يتعلّق الشكّ بعين ما يتعلّق به اليقين ، وهذا المعنى في الاستصحابات الشخصية متحقّق كما إذا شككنا فى بقاء زيد وعدمه فانّ الشكّ فيه في حياة زيد التي كان تعلّق بها اليقين ولكنّه مفقود في القسم الثاني من الاستصحابات الكلية ، لأنّ الشك في البقاء تعلّق بالفرد الطويل واليقين بالحدوث تعلّق بالفرد المردّد بين الطويل والقصير، فمشكوك البقاء غير متيقن الحدوث .

والجواب أنّ اليقين إنّما تعلّق بالجامع بين الفردين وهذا الجامع بعينه مشكوك البقاء ، فاتحدت القضيتان. فمثلاً قبل غسل الثوب مرّة كنّا عالمين بنجاسته وإن لم ندر باصابة البول أو الدم عليه ، إلّا أنّ نجاسته الجامعة بينهما معلومة ومما لا إشكال فيه وبعد ما غسلناه مرّة واحدة نشك في بقاء تلك النجاسة المتيقّنة فنستصحبها لا محالة فالقضية المتيقّنة متّحدة مع القضية المشكوكة ولا مانع عن جريانه من هذه الجهة .

وثانيهما : أنّ القضيتين وإن كانتا متحدتين إلّا أنّ هناك أصل حاكم على استصحاب الكلّي ، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء الكلّي وعدمه بعد غسل الثوب مرّة مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ، إذ لو كنا قطعنا بعدم حدوثه لما كنّا نشكّ في ارتفاع الكلّي للقطع بزوال الفرد القصير ، فالشك في بقائه ناش عن الشكّ في

حدوث الطويل والأصل عدم حدوث الفرد الطويل ، وبجريان الأصل في الشكّ السببي يرتفع الشكّ المسبّبي بالحكومة .

وأجيب عن ذلك بأجوبة متعدّدة ونذكر واحداً منها في المقام : وهو أنّ الشكّ في بقاء الكلي وعدمه مسبّب عن وعدمه مسبّب عن الشكّ في أنّ الحادث هو الفرد الطويل أو الفرد القصير ، وليس الشكّ فيه مسبّباً عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل ليرتفع بالاستصحاب ، بل الشكّ فيه ناش عن الشكّ في أنّ الحادث أيّهما وجريان استصحاب العدم الأزلي في أحدهما معارض بجريأنّه في الآخر ، فلا أصل حاكم في البين. وإنّما تعرّضنا لهذين الاشكالين في المقام توضيحاً لما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) كما ستقف عليه أنّ شاء الله . ومما ذكرناه في المقام يتضح الحال في :

المقام الثالث : وأنّه إذا شككنا في أنّ الاستصحاب في المقام شخصي أو كلّي، ، بعد البناء على عدم جريان الاستصحاب في الكلّيات فهل يجري الأصل في المقام أو لا يجري ، وذلك لأنّ الوجه في المنع عن جريان الاستصحابات الكلّية أنّ كان هو الاشكال الثاني من الاشكالين المتقدّمين الذي محصله إبداء المانع والمزاحم لجريان الاستصحاب في الكلّي وهو الاستصحاب الحاكم على استصحابه مع تسليم تمامية موضوعه ومقتضيه ، فالاستصحاب جارٍ في المقام مع الشكّ في أنّه شخصي أو كلي ، لعدم إحراز المانع والحاكم على ذلك الاستصحاب ، لأنّه إنّما ينشأ فيما إذا كان الاستصحاب كلّياً دون ما إذا كان شخصياً وبما أنّا نشكّ في أنّه كلي أو شخصي فنشكّ في وجود المزاحم وعدمه ، فلا يبقى مانع عن إجراء الأصل في المقام ، لوضوح أنّ الحاكم إنّما يتحقّق بعد ما وصل إلى المكلّف ، وقبله لا يمكن أنّ يكون مانعاً بوجوده الواقعي عن جريان الأصل المحكوم في الحكومة الظاهرية حتّى يقال إنا نحتمل وجود المانع واقعاً فلا يجري الاستصحاب .

وأمّا إذا كان الوجه في المنع عن جريان الاستصحاب هو الاشكال الأوّل

الذي يرجع محصّله إلى عدم تحقّق موضوع للاستصحاب وعدم اتّحاد القضيتين ، فلا يمكن جريان الاستصحاب مع الشكّ في أنّه شخصي أو كلّي لعدم إحراز موضوع الاستصحاب حينئذٍ ، لأنّ موضوعه إنّما يتحقّق في فرض كون الاستصحاب شخصياً ، وحيث لم يحرز أنّه شخصي أو كلّي حسب الفرض فلا يحرز موضوع الاستصحاب ، فيكون التمسّك بحديث « لا تنقض اليقين بالشكّ» من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية .

والظاهر أنّ نظر شيخنا الأنصاري في قوله أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّه كلّي أو شخصي (1)إنّما هو الإشكال الثاني دون الأوّل ، هذا .

وقد وجّهه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه ) (2)بتوجيه آخر وهو أنّ المنع عن جريان استصحاب الكلّي ليس من جهة ورود مخصص لفظي لعموم لا تنقض اليقين بالشك ، وإنّما هو من جهة المخصص العقلي واللبي نظير وجود أصل ح--اك--م ع-ل-ى استصحابه أو عدم اتّحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة ، وفي المقام نشكّ في أنّه استصحاب كلّي أو شخصي ولازمه الشكّ في أنّ المورد من أفراد المخصص اللبي كما إذا كان الاستصحاب كلّياً بناءً على خروجه عن عموم لا تنقض لبّاً ، أو من أفراد العام كما إذا كان الاستصحاب شخصياً ومورداً لعموم لا تنقض ، فاجراء الاستصحاب تمسّكاً بالعام وإن كان تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية ، إلّا أنّا بيّنا في محله (3)أنّ المخصص إذا كان لبياً لا مانع من الرجوع فيه إلى عموم العام ولا محذور في التمسّك بعمومه في الشبهات المصداقية عند ما كان المخصص لبّياً ، ولأجل ذلك بني


1) المكاسب 3 : 52

2) منية الطالب 1 : 149 - 150.

3) محاضرات في أصول الفقه 4 موسوعة الإمام الخوئي (46 : 358 .

شيخنا الأنصاري على صحّة جريان الاستصحاب في المقام مع الشك في أنّه شخصي أو كلّي الملازم للشكّ في أنّ المقام من أفراد المخصص أو العام ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّه مضافاً إلى ما ذكرناه في محله (1)من أنّ جميع المخصّصات اللبّية ليس كما أفاده ممّا يجوز التمسّك فيها بالعموم وإنّما يختص ببعضها كما ذكرناه هناك ، يرد عليه أنّه على تقدير تسليم جواز التمسّك بالعمومات في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصص لبياً مطلقاً ، لا يمكن الإذعان بما أفاده في المقام ، وذلك لأنّ التمسّك بالعمومات في الشبهات المصداقية في المخصّصات اللبّية إنّما هو مع إحراز موضوع العام على نحو القطع والشكّ في إنطباق عنوان المخصص عليه نظير التمسّك بعموم «لعن الله بني أُميّة قاطبة»(2)عند الشك في إيمان واحد عند الشك في إيمان واحد منهم ، فانّ كونه من أمية محرز بالوجدان وإن شك في إيمانه وعدمه ، ومعه يصحّ التمسّك بالعموم لأنّ المخصص لبّي ، وأمّا مع الشك في تحقّق الموضوع للعام كما إذا شككنا في أنّ رجلاً من بني أُميّة أو من غيرهم فلا معنى لأن يتمسّك فيه بعموم « لعن الله بني أمية قاطبة » وإثبات جواز لعنه، وهو واضح .

والأمر في المقام كذلك، فانّ الوجه في المنع عن جريان الاستصحابات الكلّية إذا كان عبارة عن الوجه الأوّل أعني عدم اتّحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة ، فلا يمكن التمسّك بعموم « لا تنقض اليقين » في المقام من جهة عدم إحراز موضوعه عند الشكّ في أنّه كلّي أو شخصي ، لأنّ المفروض أنّه إذا كان كلّياً لا موضوع له لعدم اتّحاد القضيتين ، وعلى تقدير كونه شخصياً فموضوعه معلوم ومحرز ، وبما أنّا نشك في أنّه كلّي أو شخصي فنشك في أنّ موضوعه موجود أو غير متحقّق ، ومع الشك في وجود


1) محاضرات في أصول الفقه 4 موسوعة الإمام الخوئي (46) : 358 .

2) كامل الزيارات : 176 ، وراجع البحار 98: 292 .

الموضوع للعام كيف يتمسّك بعمومه ولو كان المخصص لبّياً، وهو نظير التمسّك بالعموم مع الشكّ في أنّه من بني أُميّة أو من غيرهم .

فتحصّل : أنّ ما أفاده في المقام لا يمكن توجيه كلام شيخنا الأنصاري به وإنّما الصحيح ما ذكرناه في وجهه ، هذا .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أفاد بعد ذلك أنّ الأصل في كلّ عقد وقع في الخارج وشككنا في أنّه من القسم اللازم أو الجائز أنّ يكون لازماً ، وعليه إذا اختلف المتعاقدان في مورد وادّعى أحدهما أنّه عقد لازم وقال الآخر بل هو عقد جائز ، فيكون القول قول مدّعي اللزوم لأنّه منكر لتطابق قوله للأصل أعني أصالة اللزوم ، ولكن مدّعي الجواز هو المدّعي لمخالفة قوله للأصل ، ولأنّه لو ترك ترك كما هو أحد تعريفات المدّعي . ثمّ أفاد أنّه إذا كان مصبّ النزاع غير عنواني اللزوم والجواز بل ملزومها ، كما إذا ادّعى أحدهما أنّ المعاملة الواقعة على المال صلح فهو ملك لازم ، والآخر قال إنّها هبة فالملك جائز، احتمل التداعي والتحالف بينهما لادعاء كل واحد منهما أمراً مخالفاً للأصل ، لأن الأصل عدم كونها صلحاً كما أنّ الأصل عدم كونها هبة ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ هذا الكلام وإن كان خارجاً عن المقام إلّا أنّه نقول ملخصاً : لا وجه للتداعي في الصورة المذكورة أبداً ، وذلك لأنّ المناط في تعيين المدّعي والمنكر إنّما هي الأغراض التي هي مورد النزاع ، لا مطلق مصبّ الدعوى وإن لم يكون مورداً للنزاع ، وهو كما أفاده شيخنا الأستاذ (2)نظير ما إذا ضمّ إلى دعوى ملكية الدار دعواه كون برّ إفريقيا كذا مقداراً من المتر والسعة ، فإنّه لا يكاد


1) المكاسب 3: 53 .

2) منية الطالب 1 : 152 .

يفيد من جهة أنّه لا أثر له أبداً . وفي المقام أيضاً مع قطع النظر عن اللزوم والجواز لا أثر لخصوص الصلح والهبة ، وإذا كان المناط والمدار على الآثار والأغراض فلابدّ من لحاظ تلك الآثار ، وعليه فأحدهما يدّعي اللزوم وهو منكر والآخر يدّعي الجواز وهو مدّع ، وقد عرفت أنّ قول مدّعى اللزوم مقدّم ، هذا .

ثمّ لو سلّم أنّ المناط مصبّ الدعوى فالأصل مع مدعي اللزوم أيضاً ، وذلك لأن الأصلين غير متعارضين في المقام أعني أصالة عدم كونها صلحاً وأصالة عدم كونها هبة ، لعدم جريان الأولى منهما ، إذ لا أثر يترتّب عليها ، فان جواز الرجوع في الملك من آثار كون العقد هبة وليس من آثار عدم كونه صلحاً ، نعم أصالة عدم كونه صلحاً يقتضي عدم كون الملك من الابتداء لازماً .

وبعبارة أخرى : أنّها تقتضي عدم تحقّق الملك اللازم من الابتداء وهو خارج عن محل بحثنا ، فانّ المفروض أنّ الملكية متحقّقة قبل رجوعه قطعاً والشك في جواز رجوعه في الملك المتحقّق ، وقد عرفت أنّ جواز الرجوع في الملك المتحقّق من آثار كون العقد هبة وليس من آثار عدم كونه صلحاً إلّا على نحو الأصل المثبت وترتيب كونه هبة على أصالة عدم كونه صلحاً ، وعليه فلا مجرى لأصالة عدم كون العقد صلحاً ، فيكون استصحاب عدم كونه هبة جارياً بلا معارض ويترتّب عليه اللزوم وعدم جواز الرجوع في الملك ، فيكون مدّعي اللزوم منكراً لمطابقة دعواه للأصل بخلاف مدعي الجواز فإنّه هو المدعي إذ لا أصل موافق له ، فيكون قول مدعي اللزوم متقدماً .

فتحصّل : أنّ مدّعي اللزوم يقدّم قوله بلحاظ مصبّ الدعوى أيضاً . مضافاً إلى ما عرفته من أنّ المنازعات إنّما هي بلحاظ الآثار لا بحسب الألفاظ المؤدية لها ولا خصوصية للفظ قطعاً .

ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه) (1)قد تعرّض إلى استصحاب علقة المالك الأوّل الثابتة قبل وقوع المعاملة لاثبات صحّة رجوعه وكون العقد جائزاً ، ولكنّه (قدس الله نفسه) لم يجب عنه (2)لوضوح ضعفه وظهور وهنه ، حيث أنّ المراد بالعلقة في كلامه أنّ كان هو العلقة الملكية الثابتة على المال قبل وقوع المعاملة ، ففيه أنها مرتفعة قطعاً للعلم بارتفاعها بالمعاطاة والبيع ، وإن أريد بها جواز الرجوع فهي ليست متيقنة كي تستصحب ، اللهمّ إلّا أنّ يستصحب كلّي العلقة وهو من القسم الثالث م--ن استصحاب الكلّي الذي لا قائل بجريانه فيما نعلم .

فتحصّل من جميع ما تلوناه عليك : أنّ الأصل في جميع المعاملات والعقود اللزوم بمقتضى الاستصحاب المتقدّم ، ولا مانع من جريانه في المقام بوجه إلّا ما أشرنا إليه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية لأجل المعارضة ، ومع قطع النظر عنه لا مانع من جريانه أبداً .

الثاني ممّا استدلّ به على اللزوم في المقام : قوله (صلّى اللّه عليه وآله) «الناس مسلّطون على أموالهم» (3)بتقريب أنّ نفوذ الفسخ وجوازه منافٍ للسلطنة المطلقة على المال ، فانّ من آثارها أنّ لا يزول سلطنته بفسخ البائع أو المشتري هذا .

ثمّ ذكر الشيخ (4)توهّماً في المقام وهو أنّ كونه مالاً له بعد الفسخ غير معلوم والرواية دلّت على إثبات السلطنة لكلّ إنسان على ماله لا على مال غيره .


1) المكاسب 3 : 51.

2) بل أجاب عنه في بحث الخيارات من المكاسب 5 : 22 في بحث أدلة لزوم المعاملات .

3) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272

4) المكاسب 3: 53

وأجاب عنه : بأنّ الاستدلال إنّما هو بالنسبة إلى قبل الفسخ والرجوع ، وأنّ نفوذ الفسخ وإرجاع مال الغير بدون رضاه منافٍ لسلطنته المطلقة .

وهذا الدفع وإن كان متيناً إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بالحديث لضعف سنده أوّلاً وعدم دلالته ثانياً ، وذلك لما تقدّم من أنّه ناظر إلى جهة سلطنة المالك وأنّها تامّة ، فتجوز له التصرّفات التي ثبتت مشروعيتها من دون توقّف على إذن الغير أو إجازته ، فإذا احتمل اشتراط صحّة بيع الزوجة بإذن زوجها فنتمسّك بالحديث في رفعه، وأمّا إعدام السلطنة أو إبقاؤها فلا يمكن استفادته-ا م-ن-ه أب-داً ولذا أشكلوا على من تمسّك بالحديث لنفوذ الاعراض وزوال السلطنة به ، بل لو لم يثبت صحّة البيع بأدلتها لم نكن نحكم بصحته بهذه الرواية ، لأنّه إعدام للسلطنة وإزالة لها ، وقد ذكرنا أنّ الحديث ناظر إلى استقلال المالك فيا له السلطنة ، وأمّا جواز إزالتها وعدمه فلا ، فالحديث أجنبي عن المدّعى .

الثالث : قوله (عليه السلام ) «لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفسه » (1)فلا يجوز تملّك المال المأخوذ بالمعاطاة بالفسخ لأنّه بغير إذنه وهو حرام، والتوهم المتقدم جارٍ في المقام ومندفع بما أشرنا إليه ، هذا .

ولكن الاستدلال به غير تامّ أيضاً ، لما ذكرناه (2)من أنّ الحلّ لغ--ة بمعنى الإرسال في قبال الحرمة التي هي بمعنى المنع ، فإذا أسندا إلى الأمور الاعتبارية كالبيع استفيد منها الحكم الوضعي وإذا أُسندا إلى الأفعال الخارجية أو الأعيان كالشرب والماء استفيد منها الحكم التكليفي ، وبما أنّ الحلّية في الحديث أسندت إلى المال فلا محال تدلّ على الحكم التكليفي ، فمعنى الحديث أنّه لا يجوز تكليفاً التصرف


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب13 ح 1 (باختلاف يسير) .

2) في الصفحة 77 .

في مال الغير بما يناسبه من أكل أو شرب أو لبس وهكذا . فالحديث لا يدلّ على الحكم الوضعي ، إذ استفادة الحكم الوضعي على ذلك يحتاج إلى مؤونة زائدة على الاضمار أو المجاز في الحذف الذي لابدّ من أحدهما . ب--ل الح-ديث لا يشمل الانشائيات أصلاً حتّى بالنسبة إلى الحكم التكليفي ، لأنّ نفس الانشاء واللفظ غير محرم قطعاً ، لأنّه ليس تصرفاً في مال الغير ، والامضاء ليس فعلاً للمكلّف حتّى يحرم عليه .

الرابع : قوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (1)ولا بأس بالتمسّك بها في المقام ، بتقريب أنّ المراد بالأكل على ما تقدّم هو التملّك ، فمعنى الآية لا تتملّكوا أموال الناس إلّا بالتجارة ع--ن ت--راض ، ومن الظاهر أنّ التملّك بالرجوع ليس منها . ولا يفرق في صحّة الاستدلال بالآية بين أنّ يكون الاستثناء متصلاً كما هو الظاهر بأن يكون الباطل علة فيكون معنى الآية لا تتملّكوا أموال الناس بسبب من الأسباب فإنّه باطل إلّا أنّ يكون تجارة عن تراض ، وبين أنّ يكون منقطعاً بأن يكون « بالباطل » قيداً . وفي بعض النسخ : « أنّ التوهم المتقدّم جارٍ هنا » والظاهر سقوط كلمة « غير » والصحيح « غير جار هنا » لأنّ الموضوع للجواز في هذه الآية هو تملّك مال الغير لا نفس مال الغير حتّى يقال أنّه غير محرز بعد الرجوع . هذا في الاستدلال بذيل الآية أعني المستثنى .

واستدل الشيخ (قدّس سرّه) بصدر الآية أيضاً ، بدعوى أنّ معناه النهي عن تملّك أموال الناس بالأسباب الباطلة عرفاً ، ومن الواضح أنّ التملّك بالرجوع في المعاطاة تملّك بالباطل عرفاً .

وفيه : أنّ الاستدلال مبني على أنّ يكون المراد بالباطل هو الباطل العرفي كي


1) سورة النساء 4 : 29

يصحّ دعوى إحراز أنّ التملّك بالرجوع باطل عرفي ، ولكنّه فاسد ، فإنّ الباطل كسائر الألفاظ ظاهر في الباطل الواقعي ، فإذا شكّ في مورد أنّه من الباطل أو الحقّ كما في المقام أعني الرجوع بعد المعاطاة ، لا يجوز التمسّك بالآية ، لأنّه تمسك في الشبهة المصداقية .

الخامس : قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وهذه الآية المباركة ظاهرة بدلالتها المطابقية في أنّ العقود لازمة ، لما ذكرناه غير مرة من أنّ معنى الوفاء الانهاء وإيصال الشيء إلى آخره ، فأوفوا بالعقود معناه أوصلوها إلى آخرها فلا تفسخوها ولا ترجعوا فيها فيكون إرشاداً إلى لزومها وعدم انفساخها بالرجوع ، إذ لا تحتمل الحرمة التكليفية للفسخ والرجوع . وتوهم أنّ المعاطاة ليست بعقد ، مندفع بأنّ العقد عبارة عن تعاقد الالتزامين وربط أحدهما بالآخر وعقده به ، ولا يشترط فيه اللفظ بوجه، فالمعاطاة عقد غير لفظي ومقتضى الآية لزومها .

السادس : ما ورد في عدة روايات من أنّ «المؤمنون عند شروطهم إلّا ما خالف كتاب الله وسنّة نبيه » (2)، فإنّ الشرط لغة مطلق الالتزام فيشمل المعاملات الفعلية .

وفيه : أنّ الشرط لغة ليس بمعنى مطلق الالتزام بل خصوص الالتزام المربوط بشيء آخر من عقد ونحوه ، ولذا ترى استهجان إطلاقه على العقود كالبيع والهبة وعليه فلا يشمل المعاطاة كما لا يشمل الشروط الابتدائية ، فيكون خروجها من الحديث بالتخصص لا بالتخصيص ، هذه هي الأدلة العامة الدالّة على لزوم جم- المعاملات بيعاً كان أو غيره ، وقد عرفت أنّ الصحيح منها أمران : أحدهما جملة


1) سورة المائدة 5 : 1.

2) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .

المستثنى منه في قوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) الخ (1). وثانيها : الآية المتقدمة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .(2)

السابع من الأدلة : هو ما يختص بالبيع أعني قوله « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا وجب البيع » (3)ولا ينبغي الاشكال في أنّ المعاطاة بيع ، لأنّه ليس إلّا الاعتبار المبرز بمبرز ما فعلاً كان أو لفظاً ، وعليه فاذا افترق المتعاطيان يجب البيع لا محالة . وأمّا ما عن صاحب الغنية (4)من الاجماع على عدم كون المعاطاة بيعاً فقد عرفت سابقاً أنّه محمول على نفي الملك أو على نفي لزومها ، إذ لا معنى للاجماع التعبدي في المفاهيم اللغوية كمعنى البيع ونحوه ، والاجماع التعبدي إنّما يعقل في الأمور التعبدية كما لا يخفى .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الأقوى من هذه الأقوال الستة هو أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم كالمعاملات اللفظية .

بقي هناك الاجماع والشهرة القائمان على عدم اللزوم في المعاطاة .

فأمّا الشهرة على عدم اللزوم فهي غير قابلة للانكار ، لاشتهار عدم اللزوم في المعاطاة في ألسنة الأصحاب حتّى مثل المحقّق الثاني (5)القائل بالملك المتزلزل إلّا أنّه لا اعتبار للشهرة الفتوائية عندنا ، ولو كانت معتبرة للزم الالتزام بعدم إفادة المعاطاة الملك من رأس ، لانعقاد الشهرة بينهم فيما قبل زمان المحقّق الثاني. على أنها تفيد الاباحة دون الملك ، مع أنّ المفروض أنها مفيدة للملك لا محالة والكلام في أنّه


1) النساء 4 : 29 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) الوسائل 18 : 5 / أبواب الخيار ب1 .

4) الغنية : 214

5) جامع المقاصد 4 : 58 .

لازم أو غير لازم.

وأمّا الاجماع فالمحصّل منه على طريقة المتأخّرين بحيث يوجب القطع برأي الإمام (عليه السلام) غير حاصل لنا ، وأمّا على طريقة اللطف فهو على تقدير تحقّقه لا يمكن استكشاف رأي المعصوم به ، لبطلان أساسه . وأمّا على طريقة الدخوليين فلا نعلم بدخول الامام في جملة المفتين بأنّها تفيد الملك الجائز كما هو ظاهر ، وعليه فلا يبق إشكال في أنها تفيد الملك اللازم ولو كان على خلاف الشهرة بين الأصحاب .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من أنّ البيع اللفظي كان متعارفاً في زمانهم (عليهم السلام) وأنّ السيرة جرت على جواز ردّ المال المأخوذ بالمعاطاة وأنّهم ينكرون على البائع إذا لم يقبل ما باعه بالمعاطاة ، فمندفع بأنّ المراد ليس تخصيص البيع في زمانهم بخصوص البيع المعاطاتي بل نسلّم أنّ كلاً من اللفظي والمعاطاتي كان جارياً في زمانهم ، وتعارف اللفظي منهما لا يضرنا ب-ع-د وج-ود المعاطاتي منهما في زمانهم (عليهم السلام أيضاً .

وأمّا مسألة السيرة التي ادّعاها (قدّس سرّه) على جواز المعاطاة فان أراد بها السيرة العقلائية فهى ممّا لا أساس لها ، لأنهم كما أشرنا إليه سابقاً كانوا يعاملون بالمعاطاة دائماً في الأمور اليسيرة والخطيرة ولا يرونها جائزة أبداً . وإن أراد به--ا السيرة المتشرعية فلا يمكن الاعتماد عليها ، لأنّها ليست متّصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) ، بل هي ناشئة من فتاوى مراجع التقليد ، ولا يكشف ذلك عن رأي المعصوم (عليه السلام) . فالمتحصّل أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم كالبيع اللفظي ويساعدنا على ذلك ما نقله (قدّس سرّه) عن الشهيد (قدّس سرّه) من استحسأنّه ذلك لو لم يقم على خلافه اجماع ، هذا .


1) المكاسب 3 : 59 .

ثمّ أنّه ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بعد بيان الاجماع المدعى على عدم إفادة المعاطاة اللزوم : أنّه يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار ، بل يظهر منها أن إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفاً بين أهل السوق والتجّار .

وقد ذكر السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته (2): أنّ المراد بالمشار إليه بذلك اعتبار اللفظ في اللزوم ، والمراد بالأخبار لعله الخبر الوارد في شراء المصحف (3)والخبر الوارد في شراء أطنان من القصب (4)، ويحتمل إرادة الأخبار التي سينقلها والتي ورد في بعضها « إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » . وفيه : أنّه لا ظهور لهذه الأخبار في اعتبار اللفظ في اللزوم ، ولا وجه حينئذ للترقي بقوله « بل يظهر منها أنّ إيجاب البيع باللفظ كان متعارفاً بين أهل السوق والتجار » ، فإنّ تعارف البيع اللفظي بين التجار لا يسوى بشيء بعد ظهور الأخبار في اعتبار اللفظ في اللزوم ليترقى منه إليه ، ولا وجه أيضاً لتمسكه لذلك أي اعتبار اللفظ في اللزوم - بالشهرة والإجماع مع ما فيهما من المناقشة بعد ظهور الأخبار في ذلك . إذن من المحتمل قريباً أنّ يكون المشار إليه كون اللفظ قرينة على قصد التمليك بالتقابض الذي ذكره قبل هذه العبارة .


1) نفس المصدر السابق .

2) حاشية المكاسب اليزدي) : 74 .

3) عن سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، قال (عليه السلام) : لا تشتر كتاب الله عزّوجل ، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين وق--ل : اشتريت منك هذا بكذا وكذا ( الوسائل 17 : 158 / أبواب ما يكتسب به ب31.

4) عن العجلي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة ، والأنبار فيه ثلاثون ألف طن ، فقال البائع : قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن ، فقال المشتري قد قبلت واشتريت ورضيت ... ) الوسائل 17 : 365 / أبواب عقد البيع وشروطه ب19 ح 1 .

بحث في قوله (عليه السلام) « إنّما يحلّل الكلام ويحرم الكلام »

بقي الكلام في قوله (عليه السلام) : « إنّما يحلّل الكلام ويحرم الكلام » الذي استدلّ به تارةً على عدم إفادة المعاطاة إباحة التصرّف وأخرى على عدم إفادتها اللزوم جمعاً بينه وبين ما دلّ على صحّة مطلق البيع كما صنعه في الرياض (1).

فنقول : وردت هذه الفقرة في رواية واحدة وهي رواية ابن نجيح على ما في الكافي أو ابن الحجّاج على ما في الوافي ، قال : « قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : الرجل يجيئني ويقول اشتر لي هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، فقال : أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك ؟ قلت : بلى ، قال : لا بأس، إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » (2). وقد نقلها صاحب الوسائل أيضاً بهذا المتن (3)، فما ذكره شيخنا المحقّق (قدّس سرّه) (4)من أنّ النسخة الموجودة عنده كانت هكذا « إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام » لابدّ من حمله على غلط النسخة . وقد ورد « إنّما يحرّم الكلام » فقط في ثلاث روايات في باب المزارعة :

منها رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) « أنّه سئل ع--ن الرجل يزرع أرض رجل آخر فيشترط عليه ثلثاً للبذر وثلثاً للبقر ، فقال : لا ينبغي له أنّ يسمّي بذراً ولا بقراً ، ولكن يقول لصاحب الأرض : أزرع أرضك ولك منها كذا وكذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط ولا يسمّي بذراً ولا بقراً ، فإنّما يحرم الكلام » (5)وهي متعرّضة للنهي عن النطق - أعني تسمية البقر والبذر - بخلاف


1) رياض المسائل 8 : 214

2) الكافي 5 : 201 ح 6 ، الوافي 18 : 700 / أبواب أحكام التجارة ب 109 ح 7.

3) الوسائل 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 ، لكن فيه « إنّما يحلّ الكلام

4) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 150 .

5) الوسائل 19 : 43 / كتاب المزارعة والمساقاة ب 8 ح 10 .

الرواية السابقة ، والسؤال فيها لو لم يكن مشتملاً على قوله « وأُربحك كذا وكذا » لأمكن حمله على التوكيل في الشراء بجعالة ، إلّا أنّ أربحك ظاهر في الشراء ، ولذا فصل الإمام (عليه السلام) في الجواب بأن قوله «اشتر لي » أنّ كان مجرد مقاولة بحيث كان مخيّراً بين الأخذ والترك بعد ذلك فلا بأس به ، لأنّ البيع يكون بعد شرائه ، وإن كان شراء لم يصحّ ، لأنّه من بيع ما لم يملك .

وكيف كان فالاستدلال بهذه الفقرة يتوقف على إرادة الاحتمال الأول من المحتملات الأربعة في كلام الشيخ (1)وهو أنّ يقال أنّ المراد بالكلام في الرواية هو اللفظ الدال على التحليل أو التحريم ، والمعنى أنّ المحلّل منحصر في اللفظ كما أنّ المحرّم منحصر فيه ، وعليه فلا يكون المعاطاة محلّلاً للتصرفات لأنها خالية عن اللفظ.

ولكن الالتزام بذلك مشكل لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن وهو باطل ، لعدم انحصار المحلّل والمحرّم في الشريعة المقدسة باللفظ ، فانّ الماء قبل ملاقاته لشيء من النجاسات حلال وبالملاقاة ينقلب إلى الحرام ، والملاقاة ليست بلفظ والأكل حلال في ليالي شهر رمضان ويحرم بطلوع الفجر مع أنّ الطلوع ليس بلفظ ونظائر ذلك في الفقه كثيرة . هذا ولو تنزلنا وقلنا بأنّ المراد من كون اللفظ محلّلاً ومحرّماً إنّما هو في خصوص أموال الغير لا في جميع الموارد فلا يمكن الاذع--ان ب-ه أيضاً ، للاجماع بأنّ الرضا الباطني كافٍ في جواز التصرف في مال الغير، فإذا كتب على قرطاس أني راضٍ بالتصرف في مالي فيحلّ التصرف فيه قطعاً مع أنّه لا لفظ في البين يستند التحليل اليه ، وكذا يحلّ التصرّفات في الأمة بالارث مع أنّه لا لفظ في البين . ولو تنزلنا ثانياً وقلنا بأنّ المراد يكون اللفظ محلّلاً ومحرّماً هو كونه كذلك في


1) المكاسب 3 : 62 .

المعاملات والعقود لا في جميع الموارد ، فيدفعه أيضاً أنّ المحلّل فيها لا يختص باللفظ أيضاً ، لأنّ المعاطاة عندهم تفيد إباحة التصرّفات بلا إشكال ، مع أنّها ليست بلفظ . مضافاً إلى أنّ هذا المعنى لا ينطبق على مورد الرواية ، فإنّ الفساد فيه وعدمه لم يكن من ناحية اللفظ وعدمه . فتحصّل أنّه لا يمكن الالتزام بهذا الاحتمال بوجه ، هذا مضافاً إلى أنّ الالتزام بهذا الاحتمال من بين المحتملات بلا موجب ، وعليه فتخرج الرواية عن صلاحية الاستدلال .

فلابدّ من أن نفسّرها بمعنى آخر ، فإن وجدنا معنىً جامعاً بين باب البيع والمزارعة فنفسّرها بذلك المعنى الواحد وإلّا فلابدّ من أنّ نفسرها بمعنيين متعددين في البيع والمزارعة ، فقد حكي عن صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في الحاشية (1)أنّ المراد بالكلام هو المداليل الكلامية أعني الالتزامات النفسية التي هي مداليل الكلام اللفظي ولا مانع من إطلاق الكلام على الالتزام النفسي كما نشاهده فيما إذا كتب أحد إلى آخر أني سأتيك غداً ، فإنّه إذا سئل عن وجه قدومه إليه فيجيب بأنّي أعطيت الكلام ويقال في الفارسية قول دادم مع أنّه لم يتلفظ بكلام وإنّما كتبه إليه والكتابة ليست بكلام ، فلذا إذا كتب في أثناء صلاته شيئاً لا يبطل صلاته بدعوى أنّه تكلّم في الصلاة ، هذا .

وفيه : أنّ إطلاق الكلام على الالتزام إطلاق مسامحي لا يصار إليه إلّا بقرينة مضافاً إلى أنّه لا ينطبق على موارد أخبار المزارعة .

وأمّا الاحتمال الثالث في كلام الشيخ (قدس سره ) (2)أعنى إرادة الكلام الواحد في الفقرتين وكونه محلّلاً بوجوده ومحرّماً بعدمه أو بالعكس وهو الذي قربه الشيخ


1) حاشية المكاسب (الآخوند) : 15

2) المكاسب 3 : 63 .

(قدّس سرّه) واختاره الكاشاني في الوافي فهو بعيد غايته ، لأنّ الألفاظ إذا أطلقت تكون فانيات في الوجود الواقعي دون العدم، فمعنى البيع وجود البيع لا ع-دمه فاستعمال الكلام وإرادة عدمه غريب.(1)

وأمّا الاحتمال الرابع من محتملاته (قدّس سرّه) وهو إرادة المقاولة ومجرّد المواعدة من الكلام المحلّل وإرادة إنشاء البيع من الكلام المحرّم ، فهو أيضاً يندفع بظهور الكلام في وحدة المراد منه في بابي البيع والمزارعة ، والتفكيك بينهما خلاف ظاهر الرواية كما هو ظاهر .

إذن المتعيّن بين محتملات الحديث هو الاحتمال الثاني في كلام الشيخ (قدّس سرّه) وأنّ المعنى الواحد إذا ألقي بلفظ يكون محلّلاً كما أنّه إذا ألقي بلفظ آخر يكون محرماً ، أو إذا صدر في مورد يكون محلّلاً وإذا صدر في مورد آخر يكون محرّماً وهذا كالزوجية الانقطاعية فإنّها إذا أديت بصيغة متعتك نفسي في المدّة المعلومة بالمبلغ المعلوم تكون محلّلة ، وإذا أدّيت بلفظ آجرتك نفسي تكون محرّمة ، وكصيغة البيع في المقام فإنّها إذا وقعت قبل اشتراء الدلال له من مالكه تكون محرّمة لأنّه من قبیل بيع ما لا يملك ، وإذا وقعت بعد شرائه تكون محلّلة . فالاختلاف تارةً بحسب الألفاظ وتارةً بحسب الموارد . وهذا المعنى ينطبق على مورد روايتي البيع والمزارعة ، أما انطباقه على مورد رواية البيع فبلحاظ اختلاف الموارد وأن البيع إذا أنشئ قبل شراء الدلال يكون محرّماً وإذا أنشئ بعده يكون محلّلاً ، وأمّا انطباقه على مورد رواية المزارعة فبلحاظ اختلاف اللفظ وأنّ المقصود الواحد - وه-و ج-عل الثلث لمالك الأرض والثلثين للزارع - إذا أنشئ مع التسمية يكون حراماً وبدونها يكون حلإلّا .


1) ينتقض ذلك بلفظة العدم فإنّها فانية في العدم دون الأمور الوجودية .

ثمّ إنّ المراد بالتحريم والتحليل هو التحريم والتحليل الوضعي بمعنى ترتّب الأثر المقصود وعدم ترتّبه .

والوجه في إسناد الإمام التحريم إلى الكلام مع أنّ الموجب للفساد والبطلان هو عدم وقوع السبب الصحيح ، هو أنّ الداعي له إلى ترتيب الآثار في الخارج ليس إلّا الصيغة الفاسدة في مثل بيع الدار ، إذ لولا الصيغة فيها لا يسكن الدار بوجه ، وإنّما سكنها استناداً إلى تلك الصيغة الفاسدة وبهذا الاعتبار أسند الإمام التحريم إلى اللفظ في مقابل العامة القائلين ببطلان البيع في المقام مطلقاً ، وقع قبل الشراء أم بعده وأراد الإمام (عليه السلام) بيان ذلك المعنى وأنّه إذا وقع بعد وقوع الشراء يكون محلّلاً أي موجباً لحصول ما قصده من الآثار وهذا معنى كونه محلّلاً أو محرّماً ، يعني أنّ معناه كونه موجباً للفساد أو الصحّة .

ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه) بعدما منع ظهور الفقرة المذكورة في حصر المحلّل والمحرّم في اللفظ وأسقطها عن الدلالة على اعتبار اللفظ بهذا التقريب ، ذكر أنّه يمكن استظهار اعتباره في إيجاب البيع بوجه آخر وهو أنّ المراد بالكلام إيجاب البيع وإنشاؤه ، فحصر المحلّل والمحرّم في الكلام المراد به إيجاب البيع يقتضي عدم تحقّق البيع إلّا باللفظ ، إذ لو وقع بغيره لم يصحّ الحصر.

وفيه : مضافاً إلى أنّ لازمه القول بعدم ترتّب الأثر على المعاطاة حتّى إباحة التصرف وهو مخالف للإجماع كما تقدّم ، أنّ هذا الوجه أيضاً غير تامّ ، لا لما أفاده (قدّس سرّه) من احتمال أنّ يكون وجه الحصر في الكلام عدم إمكان المعاطاة في مورد الرواية ، لأنّ المبيع عند مالكه الأوّل ، وذلك لامكان كون المبيع عند غير مالكه كما يتفق كثيراً في الدلالين ، وهو ظاهر الاشارة في السؤال بقوله « اشتر لي هذا الثوب » ،ولا مكان تحقّق المعاطاة بالاعطاء من طرف واحد كالمشتري في الفرض . بل الوجه في عدم تمامية ذلك هو أنّ مفروض السؤال تحقّق الايجاب والقبول أو

المقاولة باللفظ ، ففي هذا الفرض قال (عليه السلام) « إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام » ، فالحصر إضافي لا حقيقي ، والمعنى أنّ المحلل هو المقاولة لا إنشاء البيع والمحرّم هو إنشاء البيع لا المقاولة ، [ أو أنّ المحلّل هو إنشاء البيع بعد ملك البائع لا قبله ، والمحرّم هو انشاؤه قبله لا بعده ] .

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) ذكر أخباراً ادعى إشعارها باعتبار اللفظ في البيع والانصاف أنّه لا إشعار فيها بذلك ، إذ وقع في بعضها « ولا تواجبه البيع قبل أنّ تستوجبها » (1)ولا يمكن استفادة اعتبار اللفظ منه بوجه ، لأنّ « لا تواجب » بمعنى لا تعامل ، ولا إشعار فيه باللفظ ، فلذا ذكر بعض المحشّين (2)(قدّس اللّه أسرارهم) أنّ الاستدلال على اعتبار اللفظ في المعاملة لو صح بهذه الروايات استناداً إلى ظهور المواجبة في الايجاب اللفظي لصح للشيخ أن يستدلّ على اعتبار اللفظ في المعاملة بكل رواية وقع فيها لفظة البيع ، لأنّها أيضاً ظاهرة في البيع اللفظي . فتحصّل : أنّ المعاطاة تفيد الملك اللازم على الأصح ولا إشكال في ذلك بوجه .

تنبيهات المعاطاة

التنبیه الاول :جریان أحکام البیع و شروطه فی المعاطاة

وينبغي التنبيه على أمور : الأول : أنّه هل يعتبر في المعاطاة ما اعتبر في البيع من الشروط ، وهل يجري فيها أحكام البيع ، فهنا مسألتان قد تعرّض لهما الشيخ (رحمه الله) (3)في التنبيه الأوّل . والكلام في المسألة الأولى يقع في مقامات ثلاث :


1) الوسائل 18 : 52 / أبواب أحكام العقود ب 8ح 13 .

2) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 67 .

3) المكاسب 3 : 66

الأوّل : في المعاطاة التي قصد بها الاباحة وأنّ شروط البيع هل تعتبر فيها أو لا تعتبر . الثاني : في المعاطاة التي قصد بها التمليك على القول بافادتها الملك الجائز . والثالث : في المعاطاة المقصود بها التمليك على القول بأنها تفيد الاباحة وأنّ الشرائط المعتبرة في البيع من عدم الغرر أو الربا معتبرة فيها أم لا ، وأمّا بناءً على ما ذكرناه من أنّها تفيد الملك اللازم فلا إشكال في أنها بيع حقيقي ويعتبر فيها جميع ما اعتبر في صحّة البيع من الشرائط .

أمّا المقام الأوّل : أعني المعاطاة المقصود بها الاباحة ، فلا ينبغي الإشكال في أنها خارجة عن البيع ولا يشملها ما دلّ على اعتبار الشرائط في البيع ، كقوله (عليه السلام) نهى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر ، وذلك لأنّها إباحة محضة ولا مانع من أنّ تكون غررية أو ربوية بأن يبيح منّاً من المحنطة في مقابل منين منها وبعبارة أخرى مرجع اشتراط شيء في صحّة البيع إلى اعتباره في حصول الملك والمفروض أنّ هذه المعاطاة لا يحصل بها الملك أصلاً سواء وجدت تلك الشروط أم فقدتها .

وأمّا صحّة هذه الاباحة ومشروعيتها عند الشكّ في اعتبار شيء فيها فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّه لابدّ من المراجعة حينئذ إلى الدليل الذي دلّ على صحّة هذه الاباحة ، فإن كان المستند لها عموم قوله « الناس مسلّطون على أموالهم » (2)فيمكن نفي شرطية ما شكّ في شرطيته للاباحة بهذا العموم ، فله أنّ يتصرّف في أمواله كيف شاء بأن يعطي منا في مقابل منّين وهكذا .

وأمّا إذا كان مستندها السيرة المتشرّعية الجارية على التصرف فيما أخذ


1) المكاسب 3 : 67 .

2) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

بالمعاطاة فينعكس الأمر ، لأنّ السيرة دليل لبّي يقتصر فيها على المقدار المتيقّن وهو الاباحة الواجدة للشرط المحتمل ، هذا .

والتحقيق أنّه لا يجوز الرجوع إلى حديث السلطنة ولا إلى السيرة لنفي اعتبار ما يحتمل اعتباره ، أمّا السيرة فلأنّها وإن كانت ثابتة في الجملة إلّا أنّها دليل لبّي يقتصر على المتيقّن منه ، وأمّا الحديث فلضعفه سنداً ودلالة ، لما عرفت من أنّه ناظر إلى رفع الحجر والمنع عن المالك في التصرّفات المفروغ عن جوازها ومشروعيتها وأمّا إذا شككنا في أصل مشروعية شيء من التصرّفات كما في المعاطاة الفاقدة لشروط البيع فلا يمكن التمسّك به في تصحيحها أبداً .

بل المدرك في إباحة التصرّفات في المعاطاة المقصود بها الاباحة هو عموم ما دلّ على إباحة ذلك التصرف كعموم ما دلّ على إباحة شرب الماء أو أكل الخبز مثلاً فإذا أباح بالمعاطاة ماءً أو خبزاً أو نحوهما فمقتضى العمومات حلية الأكل والشرب وسائر التصرّفات من دون اشتراطها بشيء ، وذلك لأنّه لا مانع من أكل مثل الرمّان أو غيره إلّا عدم رضا مالكه ، والمفروض أنّ مالكه راض ، فلا مانع من التصرف فيه ، وبه ندفع شرطية كلّ ما شكّ في شرطيته من عدم الغرر والربا ونحوهما ، هذا كلّه في التصرّفات غير الموقوفة على الملك .

وأمّا التصرف الموقوف على الملك كالوطء والعتق والبيع ونحوها ، فلا يمكن إثبات أنّه جائز لغير المالك أيضاً بالعمومات وذلك لأنّها خصصت بما دلّ على اعتبار الملك ، وأمّا ما شكّ في توقفه على الملك ، فالأصل يقتضي عدم التوقف فيلحق بالفرض الأوّل ويجوز التصرّف.

أما المقام الثاني : أعني المعاطاة المقصود بها الملك بناءً على إفادتها الملك المتزلزل شرعاً ، فلا ينبغي الشكّ في شمول ما دلّ على اعتبار الشرائط في البيع لها

لأنّها بيع عرفي و شرعي ، لأنّ البيع ليس إلّا تبديل مال بمال وهو صادق في المقام ولا دخل للجواز واللزوم في حقيقة البيع لأنّهما حكمان يعرضان على البيع ، ولا ينافي الجواز كونها بيعاً ، ومن الواضح أنّ ظاهر اشتراط شيء في البيع اشتراطه في حصول الملكية لا اللزوم ، والمفروض حصول الملكية في المقام ، فيعتبر فيها جميع ما اعتبر في البيع من الشرائط ، وهذا ممّا لا كلام فيه ولا إشكال ، وإنّما الكلام في المقام الثالث .

وأمّا المقام الثالث : أعني المعاطاة المقصود بها الملك المفيدة للاباحة شرعاً دون الملك ، فهي وسط بين القسمين المتقدّمين ، لأنّ الأولى ليست بيعاً لا عر عرفاً ولا شرعاً ، والثانية بيع عرفاً وشرعاً ، وهذه بيع عرفاً لا شرعاً ، لأنها قصد بها التمليك فتكون بيعاً عرفاً ولم يترتّب عليها الأثر المقصود في نظر الشارع فلا تكون بيعاً شرعاً . ويمكن أنّ يقال باعتبار شروط البيع في هذا القسم من المعاطاة لوجهين :

أحدهما : ما هو مبني على ما اخترناه من أنّ المعاطاة المبحوث عنها بيع عرفاً وشرعاً فيشملها الأدلّة الدالّة على اعتبار الشرائط في البيع . أمّا أنها بيع عر فلوضوح أنها مبادلة مال بمال عند العرف ، وأمّا كونها بيعاً عند الشرع فلأجل أنّها تفيد الملك بعد طروء أحد الملزمات ، فالشارع أمضاها على نحو الانفصال وإن لم يمضها متصلاً بوقوعها ، ولكن ذلك لا يضر بصحّة المعاطاة وكونها بيعاً شرعياً أبداً كما وقع نظيره في مثل بيع السلم والصرف والهبة فإنّ إفادتها الملك متوقفة على القبض فلا يمضيها الشارع متصلاً بوقوع العقد كما هو واضح ، إلّا أنّه لا يوجب خروجها عن مفهوم البيع أو الهبة .

وفي المعاطاة المقصود بها التمليك المفيدة للاباحة شرعاً وإن لم يمضها الشارع متصلاً بوقوعها ولكنّه أمضاها بعد مدّة وهو ما إذا طرأ عليها أحد الملزمات من التلف والتصرف ونحوهما ، فهي بيع شرعي وعرفي فلابدّ من اعتبار شرائط البيع

فيها لا محالة . هذا كلّه بالاضافة إلى زمان حصول الملك ، وأمّا من حيث إباحة التصرف قبل ذلك فيظهر الحال فيه من الوجه الثاني .

وثانيهما : أنّ مقتضى القاعدة بعد عدم إمضاء الشارع للمعاطاة على نحو ما قصده المتعاطيان كما هو المفروض في المقام أنّ تكون فاسدة ولا يجوز التصرف في العوضين كما هو الحال في جميع المعاملات الفاسدة ، وقصد التمليك لا يوجب جواز التصرّفات وإلّا فلازمه حلّية التصرّفات الواقعة على العوضين في جميع الب-ي-وع الفاسدة لوجود القصد فيها لا محالة ، وعليه فنسأل عن أنّ المرخص في التصرّفات وما يقتضي حلّيتها في المقام مع عدم إمضاء الشارع لها ماذا ، وبأي وج-ه يج--وز التصرّفات في المعاطاة المقصود بها التمليك المترتّبة عليها الاباحة ، مع أنّ الاباحة غير مقصودة لهما وما قصداه وهو التمليك غير ممضى حسب الفرض .

ولا دليل على حلّية التصرّفات لدى الخصم إلّا الإجماع والسيرة القطعيتان القائمتان على جواز التصرّفات في المال المأخوذ بالمعاطاة ، وهما دليلان لبيان لابدّ من الاقتصار فيهما على المقدار المتيقّن وهو صورة اجتماع جميع شرائط البيع في المعاطاة .

وهذا بلا فرق بين كون دليل اعتبار الشرط لفظياً أو لبّياً ، بل لابدّ من اعتبار الشروط الخلافية المشكوك شرطيتها في البيع ، لأنّ القدر المتيقّن إنّما هو الجامع لجميع ذلك ، فهذا الفرض أسوأ حإلّا من المعاطاة المقصود بها الملك المفيدة للملك الجائز وذلك لأنا إذا شككنا في اعتبار شرط آخر غير شروط البيع اللفظي في إفادتها الملك نتمسّك بعمومات(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (2)وغيرهما من


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

الأدلّة اللفظية وبها ندفع شرطيته وهو واضح ، وهذا بخلاف المقام أعني المعاطاة المقصود بها التمليك المفيدة للاباحة فإنّا إذا شككنا في اعتبار شيء وشرطيته في إفادتها للاباحة فلا يمكننا دفعه وإثبات عدم كونه شرطاً ، بل لابدّ من الاتيان بها بجميع شرائط البيع وما شكّ في اعتباره في إفادتها للاباحة ، لأن دليل إفادة المعاطاة الاباحة في المقام منحصر بالاجماع والسيرة وهما دليلان لبيان يقتصر فيهما على المقدار المتيقّن لا محالة .

ثمّ إنّ في هامش بعض نسخ المكاسب حاشية من المصنّف (قدّس سرّه) حاصلها جريان الربا في المعاطاة المقصود بها الاباحة أيضاً . وفيه أنا لم نعثر في الربا على إطلاق يعمّ جميع المعاوضات حتّى الاباحة المشروطة بمثلها .

هذا كلّه في المسألة الأولى التي ذكرها شيخنا الأنصاري في التنبيه الأوّل .

جريان الخيار في المعاطاة

بقي الكلام في المسألة الثانية التي نبه عليها أيضاً في هذا التنبيه أعني جريان الخيار الذي هو من أحكام البيع في المعاطاة .

ذكر شيخنا الأنصاري (1)أنّه يمكن نفي الخيار في المعاطاة بناءً على أنها تفيد الاباحة لأنّها جائزة فلا معنى للخيار ، ولا يخفى ما في التعليل ، فإنّ مجرّد الجواز لا ينا في الخيار كما ستعرف ، والمناسب تعليله بأنها إباحة . ثمّ قال : « وأمّا إذا قلنا بافادتها الملك فيمكن القول بثبوت الخيار فيه بناءً على صيرورتها بيعاً بعد اللزوم » وفيه : أنّ المعاطاة بناءً على أنها تفيد الملك بيع من الابتداء ولا معنى لكونها بيعاً بعد اللزوم ، إذ اللزوم والجواز حكمان شرعيّان يعرضان على البيع ولا مدخلية للزوم في


1) المكاسب 3 : 72 .

تحقّق البيع بوجه ، فهذا محمول على سهو القلم .

وتحقيق الحال في المقام يقع في ثلاثة مقامات : المقام الأوّل : في المعاطاة المقصود بها الاباحة التي تفيد الاباحة أيضاً . والمقام الثاني : في المعاطاة المقصود بها الملك المفيدة للملك أيضاً لازماً كان أو جائزاً . والمقام الثالث : في المعاطاة المقصود بها الملك المفيدة للاباحة .

أمّا المقام الأوّل : أعني المعاطاة التي قصد بها الاباحة فلا يجري فيها شيء من الخيارات لعدم المقتضي له لا ثبوتاً ولا إثباتاً ، أما ثبوتاً فلأن الخيار ملك فسخ العقد ، وليست هذه المعاطاة عقداً . ولأنّ الخيار إنّما يجعل فيما يكون ثبوته توسعة لذي الخيار ويكون انتفاؤه كلفة عليه ، ولا كلفة في هذه المعاطاة بعد عدم كونها عقداً لازماً ، فلا معنى لجعل الخيار فيها لا شرعاً ولا يجعل المتعاطيين . وأمّا إثباتاً فلأنّه إذا لم يمكن الثبوت لم يمكن الاثبات ، ولأنّ أدلّة الخيار المختصة بالبيع لا تشمل هذه المعاطاة لأنها ليست بيعاً ، والخيار المستند إلى ثبوت الضرر في اللزوم لا يثبت في المقام ، لانتفاء موضوع الضرر وهو الملك .

وأمّا المقام الثاني : أعني المعاطاة المقصود بها الملك المفيدة للملك أيضاً على نحو اللزوم أو الجواز . فإن أفادت الملك اللازم فلا ينبغي الإشكال في أنها بيع حقيقة ويجري فيها جميع أحكام البيع ومنها الخيار بلا نكير فلذا لم يتعرّض له شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في عبارته .

وأمّا إذا قلنا بافادتها الملك الجائز والمتزلزل ، ففي جريان خيارات البيع فيها مطلقاً ، وعدم جريانها فيها كذلك ، أو التفصيل بين الخيارات المختصة بالبيع كخيار المجلس الثابت بقوله «البيعان بالخيار » وكخيار الحيوان ، وبين الخيارات العامة كخيار العيب والغبن ونحوهما ، وجوه .

وربما يقال بأنّه لا معنى لجعل الخيار في هذا القسم من المعاطاة لأنّها جائزة

بذاتها فجعل الخيار فيها من اللغو الظاهر ، فلا يجري فيها شيء من الخيارات مطلقاً .

ويندفع ذلك بأنّه لا مانع من جعل الخيار فيما هو جائز في حدّ ذاته ولا تنافي بينهما ولا يلزم هناك لغوية أبداً ، وسيتّضح ذلك في ضمن بيان الوجه المختار وه-و جريان خيارات البيع في هذا القسم من المعاطاة مطلقاً ، وتوضيحه : أنّ المراد بالجواز الثابت في المعاطاة ذاتاً إمّا أن يكون هو الجواز الحكمي كما في الهبة ، وأمّا أن يكون المراد به هو الجواز الحقّي كما في خيارات البيع كخيار المجلس أو الحيوان ونريد بالجواز الحكمي ما لا يكون إسقاطه باختيار المتبايعين لأنّه حكم شرعي كما في الهبة فإنها جائزة بحكم الشارع ولا يمكن إسقاطه أبداً ، وهو نظير اللزوم الحكمي كاللزوم في باب النكاح فإنّه لا يرتفع بتراضي الزوجين على فسخه ، بخلاف اللزوم في باب البيع فإنّه لزوم حقي وللمتبايعين أنّ يتراضيا على رفع ما أنشأ من المعاملة .

كما أنّ المراد بالجواز الحقّي هو ما يكون باختيار المتبايعين كما في خياري الغبن والعيب فإنّ إسقاطهما باختيار من له الخيار ، وذلك ظاهر .

وعلى كلا تقديري كون الجواز في المعاطاة حقّياً أو حكميّاً ، فإمّا أنّ يكون متعلّقاً بالعقد وأمّا أنّ يكون متعلقاً بترادّ العينين كما ذكره شيخنا الأنصاري في التنبيه السادس وسيأتي تحقيقه هناك ، فإن قلنا بأنّ الجواز في المعاطاة حقي ومتعلّق بالعقد فيجتمع في المعاطاة خياران أحدهما بنفسها ، وثانيها من جهة الخيار المجعول فيها ولا مانع من اجتماع خيارين في مورد واحد أبداً ولا يلزم اللغوية أصلاً ، لفائدة إمكان إسقاطه وإعماله بعد إسقاط الخيار الأوّل نظير اجتماع خياري المجلس والحيوان والغبن والعيب في مورد واحد ، إذ لا مانع من أن يجعل له حقان أبداً .

وأمّا إذا قلنا بأنّ الجواز المعاطاتي متعلّق بترادّ العينين فالأمر حينئذ أوضح من الأوّل ، لأنّ الخيار يتعلّق بالعقد والجواز المعاطاتي متعلّق بتراد العينين ف-ه-ا أمران متعلقان بموضوعين مختلفين .

وأمّا إذا قلنا بأنّ الجواز المعاطاتي حكمي فإن كان متعلقاً بترادّ العينين ف--لا اجتماع أيضاً ، لأنّ أحدهما متعلّق بالعقد وثانيهما بترادّ العينين وذلك ظاهر . وأمّا إذا كان متعلّقاً بنفس العقد فحينئذ وإن لزم اجتماع جوازين في مورد واحد ، إلّا أنّ الجواز المعاطاتي لا يلزم اللغوية منه أصلاً ، لأنّ ذلك لا يبقى إلى أبد الآباد ليكون جعل الخيار الآخر فيه لغواً ، وإنّما يرتفع بطروء أحد الملزمات ويتحقّق للخيار بعد طروّه محل ، والنسبة بينهما عموم من وجه ، إذ ربما يتلف أحد العوضين في المجلس فيسقط الخيار الحكمي ويبقى خيار المجلس بحاله ، وأخرى يطرأ التلف أو التغيّر في أحد العوضين بعد انقضاء الخيار كخيار المجلس ونحوه ، فلا يلزم هناك لغوية أبداً . نعم لو كان الجواز المعاطاتي ممتداً وباقياً إلى الابدّ كان جعل الخيار في مثله من اللغو الواضح كما في المعاطاة المقصود بها الاباحة .

ثمّ إنّ التفصيل بين الخيارات الخاصّة بالبيع كخيار المجلس وبين الخيارات العامة بدعوى أنّ الأولى مختصة بالبيع اللازم من غير ناحية الخيار والمعاطاة في المقام غير لازمة من غير ناحية الخيار ، لأنّ المفروض أنّها جائزة لذاتها ، ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ الخيار والجواز حكم شرعي كاللزوم وموردهما البيع وليس حكمه بالجواز مقيداً بما إذا كان البيع لازماً من غير جهة الخيار ، أفيمكن أن يقال إنّ جعل الخيار مع خيار المجلس في البيع غير ممكن من جهة أنّ البيع غير لازم من غير جهة الخيار حينئذ . مضافاً إلى ما عرفت من أنّ المعاطاة مبنية على اللزوم بحسب قصد المتعاطيين ، غاية الأمر ثبت فيها الجواز ما لم يحصل التصرف بالسيرة ونحوها .

فالمتحصّل من جميع ذلك: أنّ الخيارات جارية في المعاطاة المفيدة للملك ويقع الكلام بعد ذلك في :

المقام الثالث : أعني ما إذا قصد بالمعاطاة التمليك ولكنها أفادت الاباحة

وهل يجري فيها أحكام البيع من الخيار ونحوه أو لا ؟

نقول : إن كان الخيار حقّاً متعلّقاً بردّ العين فلا ينبغي الريب في عدم ثبوته فيها لانتفاء موضوعه ، لأنّ العين لم تخرج عن ملك مالكها ولم يحصل النقل والانتقال وإنّما أبيح التصرّف فيها شرعاً . وإن كان الخيار بمعنى ملك فسخ العقد فالظاهر ثبوته فيها ، لما بينا من أنها بيع عرفاً وشرعاً ، غاية الأمر توقف تأثيره في الملك على حصول أحد الملزمات ، فتعمّها أدلّة الخيار ، إذ لا يشترط في ثبوته التأثير الفعلي للبيع ، بل تكفي قابليته للتأثير ، وأثر الخيار حينئذ التمكن من رفع تلك القابلية ، فإذا أمضى المعاطاة وأسقط خياره ترتّب عليه إباحة التصرف فعلاً والملك بعد التصرف ، وإذا فسخها انتفت الاباحة بانحلال موضوعها وهو المعاطاة ولا يحصل الملك بعد . التصرف . ونظير ذلك بيع الصرف قبل القبض ، فإنّه تشمله أدلة الخيار مع عدم فعلية تأثيره في الملك لتوقفه على القبض ، فإذا أسقط الخيار وجب الاقباض. وترتّب عليه الملك ، وإذا فسخ العقد سقط عن قابلية التأثير بعد الاقباض .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الخيارات تجري في جميع أقسام المعاطاة إلّا في القسم الأوّل منها وهو صورة قصد الاباحة بالمعاطاة المفيدة للاباحة أيضاً

التنبيه الثاني :فیما یحصل به المعاطاة

لا يخفى أنّ المقدار المتيقّن من مورد المعاطاة الاعطاء والأخذ من جانبين كما هو معنى المعاطاة بحسب مفهومها لغة (1)لأنّها من المفاعلة وهي فعل اثنين ، إلّا أنّ لفظة المعاطاة بما أنها غير واردة في شيء من الكتاب والروايات فلذا لا نقتصر على ما هو معناها لغة .


1) مجمع البحرين 1 : 297

فالكلام يقع في المعاملات الفعلية في مقابل المعاملات القولية فيرجع البحث في هذا التنبيه إلى أنّ الانشاء الفعلي هل يكفي في المعاملات أو لا سواء كان معاطاة ومن طرفين أو لا .

وكيف كان فتحقيق الحال في ذلك يقع في ثلاثة مقامات : المقام الأوّل : في المعاطاة المقصود بها الاباحة المفيدة للاباحة أيضاً . المقام الثاني : في المعاطاة المقصود بها التمليك المفيدة للملكية اللازمة أو الجائزة . المقام الثالث : في المعاطاة المقصود بها التمليك المفيدة للاباحة ، ويقع الكلام في تلك المقامات في أنّ المعاطاة من جانب واحد هل هي كالمعاطاة من جانبين في جميع الأحكام المتقدّمة المذكورة في المعاطاة من الجانبين أو لا .

أما المقام الأوّل : فإذا أعطى أحدهما ماله للآخر وأخذه الآخر بقصد إباحة التصرّفات ، فلا إشكال في أنّه كصورة الاعطاء من الجانبين في جريان الأدلة الدالّة على إباحة التصرّفات ، وهي العمومات الدالّة على حلّية التصرّفات في كلّ واحد واحد من الأشياء بخصوصه ، فإذا أباح للآخر التصرف في مثل الماء ونحوه فنقول أنّ شربه حلال له ولا مانع عنه إلّا عدم رضا مالكه والمفروض أنّه راض بالتصرف في ماله ، فالمقتضي موجود والمانع عنه مفقود فلا محالة يباح له التصرف فيما أباحه الآخر له ، كما أنّ دليلها لو كان عبارة عن عموم قوله (عليه السلام) « الناس مسلّطون على أموالهم » (1)يجري في المقام أيضاً، ولكنّك عرفت أنّ أصل الاستدلال به غير تامّ لأنّه لا يدلّ على إباحة التصرف المشكوك حرمته.

فهذا القسم من المعاطاة فيما إذا كانت من جانب واحد نظير ما إذا كانت من جانبين في جريان الأحكام المذكورة فيها .


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

وأمّا المقام الثاني : أعني المعاطاة المقصود بها الملك المترتّب عليها الملك أيضاً لزوماً كان أو على نحو الجواز ، فهي أيضاً كما إذا كانت المعاطاة من الطرفين ويجري فيها جميع الأدلّة التي أقمناها على إفادتها الملك واللزوم كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)( أو تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (2)أو غيرهما من الأدلة التي أسلفناها سابقاً وذلك لأنها بيع عرفاً وشرعاً .

وما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (3)من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال وهي تستلزم التبديلين لا محالة والمفروض أنّ التبديل في المقام من طرف واحد ولا مبادلة فيها ، فما لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لما ذكرناه سابقاً (4)من أنّ المراد بالمبادلة ليس هو المبادلة الخارجية والمكانية، بل المراد بها هو المبادلة في عالم الاعتبار المبرزة في الخارج بالفعل أو القول ، وهذا المعنى متحقّق في المقام أيضاً لأنهما قصدا المبادلة بين المالين حسب الفرض وقد أبرزاها باعطاء أحدهما وأخذ الآخر له في مقابلة العوض ، هذا كلّه .

مضافاً إلى أنّه يمكن أنّ يقال : أنّ المعاطاة من الجانبين قليلة جداً بل كلّ ما يقع في الخارج من المعاطاة معاطاة من جانب واحد فالبائع مثلاً يبرز اعتباره باعطاء ماله والمشتري يبرز قبوله بأخذه ، فيكون إعطاء الثمن بعد ذلك وفاءً بالمعاملة التي أوقعاها بالاعطاء والأخذ لا أنّه مقوّم للمعاطاة والمعاملة كما هو ظاهر ، فلذا لو سألنا المشتري عن المبيع أنّه مال من ، قبل أنّ يدفع ع-وضه إلى


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

3) منية الطالب 1 : 166 .

4) في الصفحة 17

البائع ، يجيبنا بأنّه مالي اشتريته بكذا وكذا ، إلّا فيما إذا لم يطمئن البائع بالمشتري فأعطى بإحدى يديه المبيع وأخذ بالأخرى الثمن حين دفعه المبيع ، وهو قليل جداً كما هو واضح .

فتحصّل : أنّ المعاطاة من جانب في هذه الصورة كالمعاطاة من جانبين في جريان جميع الأحكام التي ذكرناها فيها .

وأمّا المقام الثالث : أعني ما إذا قصد بالمعاطاة التمليك وترتّبت عليها الاباحة ، فإذا كانت المعاطاة من جانب واحد فالتحاقها بالمعاطاة من الجانبين في الأحكام يحتاج إلى ملاحظة قيام السيرة على الاباحة في هذه الصورة أيضاً كقيامها على الاباحة فيما إذا كانت المعاطاة من الطرفين وبدون قيامها لا يمكن التعدّي منها في المقام وإثبات أنّ المعاطاة من جانب واحد كالمعاطاة من الجانبين .

ولا يمكن الاستدلال للاباحة في هذه الصورة بعموم قوله (صلى الله عليه وآله) «الناس مسلّطون على أموالهم » (1)فله أنّ يبيح ماله بهذه الكيفية مثلاً ، وذلك لما عرفت من أنّه يختص بما إذا كان التصرف مشروعاً في حد نفسه إلّا أنّه شك في استقلال المالك لا فيما إذا كان التصرف في حد نفسه مشكوك الحلية والحرمة كما في المقام .

وفي تعليقة شيخنا المحقّق (2)أنّ بعض المحشّين استدل للاباحة في هذه الصورة بعموم قوله (صلى الله عليه وآله) « الناس مسلّطون على أموالهم » فأورد عليه بأنّ الاستدلال به إنّما يصحّ فيا إذا قصد بها الاباحة وترتّب الاباحة عليها أيضاً ، أو قصد بها التمليك فترتّب عليها الملك أيضاً ، فإنّه يمكن أنّ يقال حينئذ أنّه مسلّط على


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272

2) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 158 .

إباحة ماله أو تمليكه ، وأمّا فيا إذا قصد بها التمليك وأفادت الاباحة كما في المقام فلا لأنّ الاباحة حينئذ شرعية وليست مالكية إذ لم يبح المالك ماله للآخر بوجه ،وإنّما أراد تمليكه له ولم يقع ، وما وقع من الاباحة حكم شرعي لم يقصده المالك بوجه فلم يبح ماله ليقال أنّه مسلّط على إباحة ماله ، هذا .

وما أفاده (قدّس سرّه) متين جداً إلّا أنّ مراده ببعض المحشّين إن كان هو السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته حيث استدلّ للاباحة بعموم قوله « الناس » الخ فهو إنّما استدلّ به في المعاطاة المقصود بها الاباحة المفيدة للاباحة دون المقام ، وقد ذكر السيّد (قدّس سرّه) (1)أنّ التمسّك به إنّما يصحّ في هذه الصورة دون ما إذا قصد بها التمليك فترتّب عليها الاباحة بعين ما ذكره شيخنا المحقّق طابق النعل بالنعل فلا يرد عليه إشكال ، وإن أراد به شخصاً آخر فلم نقف عليه وأن ذلك المحلّي م-ن فليتأمل (2).

ثمّ إنّ السيرة على إباحة التصرّفات في هذه الصورة أعني ما إذا كانت المعاطاة من طرف واحد متحقّقة ، لما عرفت من أنّهم دائماً يتعاملون بالمعاطاة من طرف واحد ، بل المعاطاة نسيئة معروفة عندهم فكثيراً ما يشترون شيئاً بالمعاطاة نسيئة ولا يدفعون الثمن حين إعطاء المالك للمبيع ، وعليه فالمعاطاة من جانب في هذه الصورة كالمعاطاة من الجانبين في إفادتها الاباحة وجريان جميع ما ذكرناه هناك ، هذا كلّه فيما إذا وقعت المعاطاة من جانب واحد .

وأمّا المعاطاة من غير أخذ وإعطاء أصلاً وهو القسم الثالث من المعاطاة وقد


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 77 .

2) نص سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه) بعد يوم على أنّ هذا المحسّي هو الاشكوري (قدّس سرّه) وإيراد شيخه المحقّق والسيد وارد عليه

مثّل الشيخ (1)لها بوضع الفلوس في كوز الحمّامي مع غيبته والاغتسال بالماء أو وضع الفلوس في كوز السقّاء أو البقّال وشرب الماء أو أخذ الخضراوات مع غيبتهما وغيرها من المحقّرات مع عدم إعطاء من المالك فيها للمشتري وعدم أخذ فيها من المالك ، فهل هي كالاعطاء والأخذ من الجانبين في جميع الأحكام المذكورة فيها كافادتها اللزوم أو الجواز أو الاباحة ، أو أنّ حكمها مغاير للاعطاء والأخذ من الجانبين .

نقول : أمّا وضع الفلوس في كوز الحمامي فليس بيعاً ولا إجارة معاطاتية بوجه ، لاشتراط البيع والاجارة بكون العوضين معلومين كمّاً ومقداراً ، وأحد العوضين فيه مجهول من الابتداء ، إذ لا يعلم أنّه يصرف أيّ مقدار من الماء أو يبقى أيّ مدّة في الحمام ، فالظاهر أنّه من قبيل إباحة التصرف بشرط وضع الفلس بنحو الشرط المتأخر .

وأمّا وضع الفلوس في كوز السقاء وشرب مقدار من الماء فهو أيضاً خارج عن البيع والمبادلة بين المالين، لاشتراطه بالعلم بمقدار الثمن والمثمن ، ومقدار الماء الذي يشربه الشارب مجهول فربّ شخص يشرب كأسين من الماء ، وبعضهم يشرب نصف كأس ، ومعه لا يكون ذلك من البيع بوجه ، وإنّما هو إباحة مشروطة بوضع الفلس بنحو الشرط المتأخر كما في سابقه .

وأمّا أخذ البقل مع غيبة البقلي ووضع الفلوس في كوزه فهو بيع حقيقي على طريقة المعاطاة ويكون إنشاء المعاملة فيها بأخذ البقل ، فكأنّ البقلي بوضع البقل في المكان الخاص وكل كلّ من أراد الشراء في إيجاب البيع ، فيكون أخذ البقل إيجاباً وكالة وقبولاً أصالة .


1) المكاسب 3 : 75 .

وما ذكره شيخنا الأستاذ (1)من اعتبار تعيين الوكيل في صحّة التوكيل ، إنّما يتمّ في الوكالات الشخصية وأمّا في التوكيل النوعي فلا يقدح فيه عدم تعيّن الشخص ، فإنّ توكيل عنوان كلّي ينطبق على أشخاص معينين كتوكيل شخص معين لا كتوكيل شخص غير معلوم كما إذا قال : أنّ علماء النجف وكلائي في بيع كتبي أو تعمیر مدرستي ، فإنّ ذلك صحيح قطعاً .

والأولى أنّ يمثل لها بما إذا أودع أحد عند عمرو ديناراً والآخر أودع عنده ثوباً وحين الاسترداد اشتبه الودعي فدفع الثوب لمالك الدينار والدينار لمالك الثوب وبعد ما أخذاهما وعلما باشتباه الودعى أبق كلّ واحد منهما ماله عند الآخر بعنوان التمليك . وكذا يمكن التمثيل بما إذا كان لزيد عند عمرو دينار فأطارت الريح ثوب عمرو إلى دار زيد فأبقى كل منها ماله عند الآخر على نحو التمليك ، فهل هي كالمعاطاة المشتملة على القبض والأخذ من جانبين أو لا ؟

الصحيح أنّها مثلها في جميع الأحكام المتقدّمة فتفيد الملك اللازم إذا قلنا بأنّ المعاطاة تفيد اللزوم ، والجواز أنّ قلنا بالجواز ، وتشملها أدلّة البيع كعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (3)لأنّ البيع ليس إلّا عبارة عن الاعتبار النفساني المبرز في الخارج بشيء من الفعل أو اللفظ وهذا متحقّق في المقام ، لأنّ كلّ واحد منهما بابقائه ماله عند صاحبه قد أبرز اعتباره النفساني ، والابقاء يصلح أنّ يكون مبرزاً كما هو ظاهر ، هذا كلّه فيما إذا قلنا بأنّ المعاطاة تفيد الملك .

وأمّا إذا قلنا بأنّها تفيد الاباحة شرعاً مع قصد التمليك فيها ، فلا يمكن القول


1) منية الطالب 1 : 167 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) النساء 4 : 29 .

بالاباحة في المقام لأنّها أمر على خلاف القاعدة يتوقف ثبوتها على قيام سيرة أو إجماع ، وتحقّقهما في المقام غير معلوم ، لأنّه أمر نادر الاتفاق وقلّ ما يتفق أنّ يشتبه الودعي أو تطير الريح مال أحدهما إلى دار الآخر ، هذا فيما إذا كانت المعاطاة مشتملة على إيصال ووصول وكانت عارية عن الإقباض والأخذ .

وأمّا القسم الرابع وهو ما إذا كانت عارية عن جميع ذلك ولم يكن فيها إيصال المالين إلى المتعاملين ولا إعطاء ولا تعاط فهل هى أيضاً داخلة تحت المعاطاة المشتملة على الأخذ من جانبين في جريان الأحكام المتقدمة فيها أو لا ؟ وقد مثّل لها الشيخ (1)بما إذا تقاولا بلفظ غير معتبر شرعاً من دون وصول المالين إليهما بل هما باقيان على حالها ومكانهما ، وذكر أنّه بناءً على أنّ المعاطاة تفيد الملك تشملها البيع من عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وغيره من الأدلة ، وأمّا إذا قلنا بافادتها الاباحة فالإشكال المتقدّم في القسم السابق هنا آكد ، والوجه في آكدية الإشكال ظاهر ، لأنها إباحة شرعية غير مالكية يتوقف ثبوتها على قيام سيرة أو إجماع ، وقيامهما في هذا القسم من المعاطاة العارية عن الإيصال والوصول والقبض والأخذ معلوم العدم بخلاف القسم السابق الذي كان فيه الاعطاء من جانب واحد .

هذا ، ولكنّا كلّما تأمّلنا فيا أفاده (قدس الله نفسه) على تقدير إفادة الملك لم نفهم ما أراده ، والمحشّون أيضاً لم يكتبوا عليها شيئاً ولا ندري أنّهم ماذا فهموا من عبارة الكتاب ولم يستشكلوا عليها في المقام ، والوجه في عدم فهمنا أنّ الأمر في عبارته يدور بين احتمالين كلاهما لا يمكن الالتزام به ، لأنّه أنّ أراد مجرّد المقاولة من دون إنشاء المعاملة بها كما إذا قال أحدهما سأبيعك داري وقال الآخر أنا أيضاً سأشتريه ، فهذا لا يكون بيعاً حتّى يشمله عمومات أدلّة البيع أبداً ، إذ لا عقد


1) المكاسب 3 : 76 .

ليشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ولا بيع ليقال أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) وهكذا .

وإن أراد بذلك إنشاء المعاملة بالألفاظ غير المعتبرة كما هو ظاهر قوله : «اللفظ غير المعتبر في العقد » من دون إيصال ولا أخذ ولا إقباض ، فهو من البيع الفاسد لا محالة ، فكيف يصحّ أنّ يقال أنّه يشمله عمومات أدلّة البيع مع فرض فساده ، فيكون شمول أدلّة البيع له وإمضاؤه بها من التناقض الظاهر .

فالمتحصّل أنّا لم نفهم مراده حقيقة ولا تصوير هذه الصورة من المعاطاة ، فلا نتصوّر منها إلّا الأقسام الثلاثة المتقدّمة المشتملة على الأخذ من جانبين ، والمشتملة على الأخذ من جانب واحد ، والعارية عن الأخذ والاعطاء المشتملة على الوصول والإيصال .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ لفظ المعاطاة لم ترد في آية ولا في رواية وإنّما نتبع تحقّق البيع ومفهومه وهو الاعتبار النفساني المبرز بشيء من الفعل أو الق--ول سواء صدقت عليه المعاطاة أم لم تصدق ، وكذلك نلتزم بالاباحة في خصوص موارد قامت السيرة على الاباحة فيها .

التنبيه الثالث:في تمییز البائع عن المشتری في المعاطاة

في تمييز البائع عن المشتري في باب المعاطاة . الشكّ في البائع والمشتري تارةً من جهة الشبهة المصداقية مع العلم بمفهوم كلّ واحد منهما وأن البائع هو من أعطى ماله بعنوان المعوّضية وكان نظره إلى حفظ مالية ماله برفع اليد عن خصوصية المال والمشتري هو من أعطى ماله بعنوان العوضية وكان نظره إلى خصوصية المال برفع اليد عن مالية ماله ، إلّا أنّ أحدهما اشتبه بالآخر ولا يعلم أنّ أيّهما أعطى ماله بعنوان العوضية وأيّهما أعطاه بعنوان المعوّضية .

وهذا الشكّ ممّا لا رافع له في المقام بوجه ، ولا يمكن إزالته بدعوى أنّ م--ن

أعطى أوّلاً فهو بائع ومن أعطى ماله ثانياً فهو مشترٍ ، إذ ربما يعطي المشتري ماله أولاً إلى البائع وبعده يعطيه البائع المبيع .

ولو تداعيا فلابدّ من إثبات أنّه بائع أو مشتر ليترتّب آثار خصوص البائع أو المشتري عليه من إقامة البينة ، كما أنّ الاشتباه من تلك الجهة خارجة عن محطّ كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأُخرى من جهة الاشتباه في الصدق أي من أجل الشبهة المفهومية والشكّ في سعة المفهوم وضيقه ، فإنّا نعلم أنّ للبائع والمشتري أفراداً متيقنة خارجاً وأفراداً مشكوكة يشكّ في صدقهما عليه .

وفي هذه الصورة إذا كان أحد المالين من العروض والآخر من النقود فدافع النقود هو المشتري ومعطي العروض هو البائع عرفاً ما لم يصرح بالخلاف ، لأنّ دافعها يأخذ بماليتها ويرفع يده عن خصوصية المال ، كما أنّ دافع الأثمان يأخذ بخصوصية المال ويرفع يده عن مالية ماله .

وأمّا إذا كان المالان كلاهما من قبيل العروض أو كلاهما من قبيل النقود فإن كان غرض أحدهما متعلّقاً بمالية ما يأخذه بحيث يلاحظ فيما يأخذه بدليته عن النقود وكان غرض الآخر متعلّقاً بخصوصية ما يأخذه كان الأوّل بائعاً والثاني مشترياً ، فإذا دفع نصف أوقية من الشاي وأخذ نصف حقة من القند الذي يسوى أربعين فلساً لكن لا بما أنّه شاي بل من جهة أنّ قيمته أربعون فلساً في مقابل القند الذي هو أيضاً يسوى أربعين فلساً ، فالمالك لما أعمل فيه عناية زائدة ولاحظ قيمته هو المشتري، ومالك المال الذي لم يعمل فيه عناية ولم يلحظ قيمته من النقود بائع لدى العرف فيقال اشتريت كذا مقداراً من القند بكذا مقدار من الشاي ، ولا يصحّ أنّ يقال بعت كذا مقداراً من الشاي بكذا مقدار من القند .

وأمّا إذا تعلّق غرض كليهما بالمالية أو بالخصوصية فهناك احتمالات أربعة

احتملها شيخنا الأنصاري (1)وزاد عليها شيخنا الأستاذ احتمإلّا خامساً .

الاحتمال الأوّل الذي هو الصحيح المختار : أنّه معاملة مستقلة خارجة عن البيع وغيره من المعاملات المعروفة . أما أنّه معاملة ومعاوضة فبالوجدان ، وأمّا أنّه ليس بيعاً فلما سيأتي .

الثاني : أنّه بيع وأنّ من دفع ماله أولاً هو البائع منها ومن دفع ماله ثانياً يكون مشترياً . وفيه : أنّ المشتري كثيراً ما يعطي ماله أوّلاً وبعده يأخذ المال من البائع ولم ترد في آية ولا دليل أنّ من دفع كذلك يصير بائعاً .

الثالث : أنّه صلح . وفيه : أنّه إن أريد كونه متعلّقاً للمصالحة وواقع التسالم فهو وإن كان كذلك لما ذكرناه في أوائل البيع إلّا أنّه لا يختص بالمقام ، بل الاجارة والبيع الحقّيقي وغيرهما من المعاملات أيضاً متعلقات للمصالحة لأنّ كلّ واحد منها وقع التسالم عليه . وإن أريد أنّه صلح إنشائي وإنشاء للتسالم ففيه : أنّه لم ينشأ مصالحة ماله بمال الآخر أبداً فلا يكون صلحاً إنشائياً . نعم يوجد في مورده واقع المصالحة نظير الاجارة وغيرها من المعاملات .

الرابع : أنّ كلّ واحد منها بائع ومشتر وأنّه معاملة بيعية ، وفيه : أنّه إن أُريد بالبائع من بدل ماله بمال آخر ، فهو يصدق في حقّ المشتري أيضاً في كل بيع لأنّه أيضاً بدل ماله بمال الآخر ، كما أنّه أنّ أريد بالمشتري مطلق من ترك شيئاً وأخذ شيئاً آخر فهو يصدق في حقّ البائع أيضاً في كلّ بيع ، وإن أريد بالبائع من تعلق غرضه بالمالية دون الخصوصية وبالمشتري من تعلّق غرضه بالخصوصية لم يصدق العنوانان على شخص واحد .


1) المكاسب 3 : 78 .

وأمّا الاحتمال الذي ذكره شيخنا الأستاذ (1)في المقام وقد نقلناه عنه في أوائل البيع (2)أيضاً وتعجبنا منه ، فهو أنّ أحدهما لا بعينه بائع والآخر مشتر بلا تعين لهما لا واقعاً ولا ظاهراً . وهذا ممّا لم نفهمه فعلاً كما لم نفهمه حين البحث في درسه وذلك أولاً : أنّه لا معنى لكون أحدهما بائعاً بلا تعين أو لكون أحدهما مشترياً كذلك . وثانياً : أنّ نسبة المعاملة إلى كلّ واحد منهما على حدّ سواء فلا معنى لصيرورة أحدهما بائعاً والآخر مشترياً، وهل هذا إلّا من قبيل الترجّح بلا مرجّح لأنّ كليهما واجدان لما هو موجود في الآخر ومعه كيف صار هذا بائعاً دون الآخر .

فالمتحصّل من جميع ذلك أنّ المتعيّن من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأوّل الذي تقدم وعرفت .

التنبيه الرابع :أقسام المعاطاة بحسب قصدالمتعاطیین

ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره ) (3)أنّ المعاطاة بحسب مقصود المتعاطيين يتصوّر على وجوه :

أحدها : أنّ يكون قصد كلّ واحد من المتعاطيين تمليك ماله بمال الآخر وأن تكون المبادلة بين المالين فيكون الآخر في أخذه قابلاً ومتملّكاً بازاء ما يدفعه ، فلا يكون في دفعه العوض إنشاء تمليك بل دفع لما التزمه على نفسه بازاء ما تملّكه فيكون الإيجاب والقبول بدفع العين الأولى وقبضها ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده من أنّ المعاملة تحصل بالاعطاء من جانب واحد


1) منية الطالب 1 : 169 .

2) في الصفحة 11 .

3) المكاسب 3 : 80.

والأخذ من الجانب الآخر فيكون الاعطاء الثاني وفاءً لما التزمه على نفسه بأخذه لا مقوّماً للمعاطاة ، أجنبي عما نحن بصدده من بيان أقسام المعاملة المعاطاتية بحسب مقصود المتعاطيين ، وأمّا أنّها تحصل بأي شيء فقد مرّ في التنبيه الثاني ، إذ المعاملة اعتبار نفساني يحتاج إلى مبرز خارجي ولا مانع من جعل الاعطاء من جانب واحد مبرزاً له كما هو واضح إلّا أنّه غير مربوط بما نحن بصدده ، وكيف كان فهذا أعني قصد المبادلة بين المالين أحد الوجوه المتصوّرة في المعاطاة .

وثانيها : أن تكون المبادلة بين تمليك وتمليك لا بين مال ومال كما في الصورة الأولى ، فالمقابلة بين فعلين وتمليكين لا المالين والملكين . واستشكل (قدّس سرّه) في كون هذه الصورة من المعاملات البيعية بأنّ البيع عبارة عن التبديل بين المالين لا التبديل بين فعلين وتمليكين ، فهذه خارجة عن البيع ، كما أنها خارجة عن الهبة المشروطة ، لأنّ التمليك فيها يحصل بمجرد الهبة غاية الأمر أنّ الموهوب له إذا لم يف بشرطه يكون الواهب مختاراً بين أنّ يفسخ أو يمضيها ، وهذا بخلاف المقام فإنّ التمليك لا يحصل فيه إلّا بتمليك الآخر بحيث لو لم يملك الآخر ماله له لا يصحّ تمليك الأوّل له فلا يكون من قبيل الهبة المشروطة ولا المعاملة البيعية ، وذكر أنّها مصالحة أو معاوضة مستقلة .

وثالثها: أنّ يقصد الأوّل اباحة ماله بعوض فيقبلها الآخر بتمليك ماله له فيكون الصادر من الأوّل الاباحة ومن الثاني التمليك .

ورابعها : أنّ تكون المبادلة بين إباحة وإباحة ، كما إذا قصد إباحة ماله في مقابل إباحة الآخر ماله له ، فتكون المقابلة بين الاباحتين .

واستشكل في هذين القسمين من جهتين : إحداهما : صحّة إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على ملك المتصرف بأن يقول : أبحت لك كلّ تصرف من دون أنّ يملّكه العين . وثانيتهما : صحّة الاباحة بالعوض الراجعة إلى عقد مركّب من

إباحة وتمليك . ثمّ أطال الكلام في هذين الإشكالين .

أقول : أمّا الصورة الأولى ممّا أفاده في المقام فهي الاباحة المصطلحة التي وقع الكلام في كونها مفيدة للاباحة أو الملك الجائز أو اللازم أو هي فاسدة لا يترتّب عليها شيء ، وقد عرفت المختار .

وأمّا الصورة الثانية : فهى غير معقولة جدّاً فضلاً من أنّ تكون مصالحة أو معاوضة مستقلّة ، وذلك لما مرّ في أوائل الكتاب (1)على نحو الاشارة من أنّ المراد بالمبادلة في البيع هو أنّ يكون أحد المالين في مقابل الآخر وعوضاً عنه وينوب منابه في عالم الاعتبار ، وهذا إنّما يتصوّر في الأمور الموجودة خارجاً أو فيما هو فيه شائبة الوجود كما في الذمم ، وأمّا ما مضى وانعدم فلا يعقل أنّ يكون قائماً مقام مال الآخر بوجه ، وعليه فلا يعقل أنّ يكون تمليكه هذا في مقابل تمليك الآخر لأنّه بمجرد إنشاء التمليك حصلت الملكية وانعدم التمليك ، وما لا وجود له كيف يقع في مقابلة شيء آخر في عالم الملكية والاعتبار . هذا بحسب مقام الواقع والثبوت .

وأمّا بحسب مقام الدلالة والاثبات فلا يمكن إنشاؤه بمثل « ملّكتك الدار » بل لابدّ من وقوع عقد آخر على نفس التمليك كأن يقول « آجرتك على أنّ تملّكني دارك بازاء تمليكي البستان لك » . والحاصل أنّ جعل التمليك بازاء التمليك ممنوع ثبوتاً وإثباتاً فما يحتمل في هذا القسم أمران : أحدهما أنّ يكون التمليك مشروطاً بتمليك الثاني كالهبة المعوّضة .

ثانيها : أن يكون تمليك الأوّل بداعي تمليك الآخر فتخلّفه لا يوجب الخيار أيضاً ، وعلى أيّ تقدير لابدّ وأن يكون الفرض خارجاً عن باب المعاوضات رأساً . وأمّا احتمال كونه مصالحة فمدفوع بما تقدّم من أنّ الصلح عبارة عن إنشاء


1) في الصفحة 17 .

التسالم ، وأمّا واقعه فمتحقّق في ضمن كل عقد.

و ممّا ذكرناه في المقام يظهر الحال في القسمين الأخيرين وأنّ الاباحة في مقابلة التمليك أو في مقابلة الاباحة غير معقول ، وإنّما المعقول أحد أمور ثلاثة ، أحدها : أن ماله يبيح ماله بداعي تمليك الآخر له أو بداعي إباحة الآخر . وثانيها : أن يبيح مشروطاً بتمليك الآخر أو إباحته ، فيجب على الآخر بعد قبوله العمل بالشرط بناءً على شمول قوله (صلّى اللّه عليه وآله ) : « المؤمنون عند شروطهم » لمثل المقام وأمّا على الوجه الأوّل فلا يجب على الآخر التمليك أو الاباحة .

وثالثها : أنّ يعلّق إباحته على إباحة الآخر أو تمليكه ، وهذا صحيح ، فإنّ التعليق إنّما يكون مفسداً فى التمليك لا الاباحة ، فتكون الاباحة ثابتة لمن يملك ماله أو يبيحه له ، فيكون موضوع الاباحة مقيّداً بذلك لا يدخل فيه من لا يفعل ذلك وهذا نظير الحمامي ، فإنّه يبيح التصرف لكل من يضع الفلوس في الدخل .

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) تكلّم في المناقشتين الواردتين على القسمين الأخيرين وأنّ إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك صحيحة أو أنّها غير مشروعة ، وأنّ الاباحة بالعوض المركّبة من إباحة وتمليك ممضاة فى الشريعة المقدسة أو غير ممضاة وذكر أنّ إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك غير جائزة ، لأن المالك لا يمكنه أنّ يرخص فيما لم يرخص فيه الشارع بوجه ، لأنّ إذنه ليس مشرعاً وإنّما يمضي فيما يجوز شرعاً ، نعم يصحّ ذلك بأحد وجوه كلها منتفية في المقام :

أحدها : أنّ يقصد المبيح بإباحته إنشاء توكيل المخاطب في بيع ماله ثمّ نقل ثمنه إلى نفسه ، أو في نقل ماله إلى نفسه ثمّ بيعه لنفسه ، أو أنّ يقصد التمليك بلفظة أبحت فيكون قوله ذلك تمليكاً للآخر واقعاً غاية ما هناك أنّه إنشاء التمليك بصيغة أبحت ويكون تصرف الآخر بمنزلة القبول ، فيكون داخلاً في النزاع الآتي في أنّ إيقاع التمليك بالألفاظ المجازية صحيح أو أنّه باطل ، وهذا منتف في المقام إذ المفروض أنّه

يقصد إباحة ماله لا التوكيل ولا التمليك ، وعليه فلا يكون المقام من قبيل اعتق عبدك عني في الدلالة على التمليك بالدلالة الاقتضائية التي هي عبارة عن دلالة الكلام على أمر مقصود للمتكلّم يتوقف صحّة كلامه عليه عقلاً أو شرعاً ، وقد مثّلوا في الكتب الأصولية للعقلي بقوله تعالى (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) (1)فإنّ سؤال القرية غير ممكن عقلاً فيدلّ ذلك على إرادة الأهل لا محالة ، وللشرعي بهذا المثال وهو قوله : أعتق عبدك عني ، إلّا أنّ المقام خارج عن ذلك لعدم قصد المتعاملين التمليك وإنّما المفروض أنّه قصد إباحة ماله فقط .

وثانيها : أنّ يدلّ دليل شرعي على صحّة إباحة جميع التصرّفات فإنّه بمقتضى الجمع العرفي بينه وبين ما دلّ على عدم جواز بعض التصرّفات لغير المالك يدلّ على حصول الملك للمتصرف عند إرادة التصرف آناً ما فيقع التصرف في ملكه أو على ملك الثمن بعد التصرف بلا فصل ، أو يكون ذلك الدليل تخصيصاً للأدلّة الدالّة على اشتراط الملك في التصرّفات المتوقفة على الملك ، وهذا الوجه جه الأخير وهو كون الدليل مخصصاً لم يذكره الشيخ في المتن وإنّما احتملناه نحن فنبني بعده على عدم اشتراط التصرّفات بالملك ، وهذا أيضاً مفقود في المقام إذ لم يدل دليل شرعي خاص على صحّة إباحة التصرّفات عند قوله أبحت ، ولا يصحّ الاستدلال على ذلك بعموم قوله (عليه السلام) « الناس مسلّطون » الخ (2)ما لم يرد دليل خاص على صحّة تلك الاباحة ، لما ذكرناه وذكره الشيخ من أنّ معنى الحديث أنّ الناس مسلّطون على أموالهم لا أنهم مسلّطون على أحكامهم ، هذا كله مع الاغماض عما في سنده م--ن الضعف


1) يوسف 12 : 82 .

2) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

وثالثها الذي ذكره في أواخر كلامه : أن يكون التصرف كاشفاً عن ثبوت الملك له واقعاً بحيث يقع تصرفه ذلك في ملكه ، وهذا نظير بيع الواهب م-ا وه-به للآخر أو عتقه فيا إذا كان الموهوب عبداً ، فإنّ بيعه ذلك أو عتقه كاشف عن رجوعه في هبته ووقوع تصرفاته في ملكه ، وقد سمّى ذلك بالملك التحقيقي والقسم الثاني بالملك التقديري ، ولكنّه أيضاً غير موجود في المقام ، لأنّ التصرف فيما أباحه المبيح لا يكشف عن سبق سبب الملك وهو واضح . هذا ملخص ما أفاده في المقام ولابدّ لنا من بيان كيفية توقف التصرّفات على الملك .

فنقول : أنّ الكلام فيها من جهتين :

الجهة الأولى : في التصرف من حيث صدوره من المالك ، وتوضيحه أنّه من هذه الجهة على ثلاثة أقسام :

أحدها : التصرّفات التي دلّ الدليل على جواز صدورها عن المالك فقط ولا تقبل الوكالة والنيابة وهذا نظير الوطي وغيره من التصرّفات الخارجية فإنّه دلّ قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) (1)الآية ، وغيره من الأخبار على اختصاص جواز صدور الوطي بالمالك أو الزوج ، ففي مثله لا يجوز التصرف لغيرهما بالإذن والاباحة ، لأنّ غير المالك لا يصير مالكاً بهما .

وتوهّم الاستدلال لحلّ أمثال ذلك من التصرّفات بعموم « الناس مسلّطون » الخ (2)مندفع بما عرفت من المناقشة في دلالته وسنده . نعم قد ورد على عموم ذلك في الوطي تخصيص وهو التحليل بالصيغة الخاصة فلذا صار موارد جواز الوطي


1) المؤمنون 23 : 5 - 6 .

2) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

ثلاثة : النكاح والملك والتحليل .

ثانيها : التصرّفات التي دلّ الدليل على اعتبار صدورها من المالك بالمباشرة أو بالتسبيب أي بنفسه أو بوكيله ، وهذا كالعتق والابراء وغيرهما من الايقاعات نظير الطلاق في اختصاص صدوره بالزوج لقوله (عليه السلام) « الطلاق بيد من أخذ بالسّاق »(1)وإن كان خارجاً عن المقام إذ لا ملك ولا مالك في الطلاق إلّا أنّه كما يختص بالزوج أو بمن وكله في طلاق زوجته لأنّ الوكيل كالموكل وفعله فعله وكأنّه آلة له والطلاق يصدر من الزوج بسبب الوكيل ، كذلك الحال في غيره من الايقاعات نظير العتق والابراء فانّها لابدّ وأن يصدرا من المالك فقط ولا يكفي في صحتهما إذن المالك أو طيب نفسه مع صدورهما من الغير إلّا أنّ يكون المنشئ وكيلاً من قبله فان الأمور الاعتبارية تقبل الوكالة .

ثالثها : التصرّفات التي يصحّ أنّ تصدر من المالك ووكيله ونائبه وممن أذن له قبلها أو بعدها أو مقارناً لها ، وهذا كالبيع وغيره من المعاملات فانّها لا تختص بالمالك فقط وتصح فيها إذا صدرت من الغير أيضاً ، لعدم اعتبار أنّ يكون المنشئ للبيع خصوص نفس المالك ، وبهذا صححنا البيع الصادر من الفضولي وقلنا إنّا استفدنا من أدلة البيع اشتراط البيع برضا المالك وإذنه مطلقاً لاحقاً أو مقارناً أو سابقاً على العقد ، ولا دليل على اشتراط مقارنة الاذن للعقد في صحّة المعاملات هذا كله في الجهة الأولى من الكلام .

الجهة الثانية : في بيان التصرّفات من جهة اعتبار وقوعها للمالك بحيث ترجع نتيجته إليه مع قطع النظر عمّن صدرت منه وهي كالبيع ونحوه ، فان مفهوم المبادلة بنفسه يقتضي دخول المعوّض في ملك من خرج عنه العوض وبالعكس وإلّا


1) المستدرك 15 : 306 / كتاب الطلاق أبواب مقدماته وشرائطه ب 25 ح3 .

فلا تتحقّق المبادلة في عالم الملكية والاعتبار ، سواء كان المنشئ هو نفس المالك أو غيره ، وهو لا يقع إلّا للمالكين ولا يقع للغير ولو بتصريح المالك بوقوعه للغير كما إذا صرّح بقوله : بع مالي لنفسك ثمّ إنّ الدليل الدالّ على اعتبار وقوعها للمالك تارة يكون عقلياً وأخرى دليلاً شرعياً .

أمّا الأوّل فكالبيع فانّ نفس المبادلة ومفهومها يتوقف عقلاً على دخول كل واحد من المالين في ملك مالك الآخر وإلّا فلا تتحقّق المبادلة كما هو ظاهر . وفي مثل ذلك إذا قام دليل خارجي على خلافه كما في شراء العمودين والمحارم فانها لا تدخل في ملك الابن المشتري ، فلابدّ في مثله من الالتزام بحصول الملك آناً ما في حقّ المشتري ثمّ انعتاقها عليه قهراً لأجل الجمع بين ذلك الدليل العقلي والدليل الدال على صحّة شراء العمودين والمحارم وما دلّ على أنّ الانسان لا يملك عموديه ولا محارمه ، إلّا أنّ هذا الملك ملك حقيقي غاية الأمر أنّ مدته قصيرة لا يقبل غير العتق لما عرفت ، فلا وجه لتسمية ذلك بالملك التقديري كما وقع ذلك في كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) كما أنّه لا فرق بين الملك في المقام وبينه في بيع الواهب للمال الموهوب فلا وجه للتفرقة بينهما وتسمية الملك في بيع الواهب بالملك الحقّيقي كما صرّح به (1)وتسمية الملك في المقام بالملك التقديري .

وهذا الذي ذكرناه من الالتزام بالملك آناً ما جمعاً بين الأدلة لا يختص بالبيع ويجري في مثل ما إذا انتقل أحد محارمه إليه بالارث أو بالهبة فإنّه أيضاً يملكه آناً ما فينعتق عليه قهراً .

وأمّا الثاني فكالعتق فإنّه لا مانع عقلاً من أنّ يقع لغير المالك بوجه ، إلّا أنّ


1) المكاسب 3 : 88

الروايات تطابقت على أنّه لا عتق إلّا في ملك ، فدليل وقوع العتق للمالك دلي--ل شرعي وفي مثل ذلك إذا قام دليل شرعي آخر على أنّ العتق في المورد الفلاني يقع لغير المالك أيضاً كما وقع ذلك في خصوص عتق الولد عبده عن والده والتزم به في المسالك (1)أيضاً ، لا وجه للالتزام بالملك آناً ما ، بل نلتزم بالتخصيص وأنّ العتق يقع للمالك دائماً إلّا في المورد الفلاني ، إذ لا مانع من التخصيص في الأحكام الشرعية .

وهذا لا يقاس بما إذا كان دليل وقوعه للمالك عقلياً ، فان الالتزام بالملك التقديري أو التحقيقي حينئذ من جهة أنّ الحكم العقلي غير قابل للتخصيص كما هو واضح ، وأمّا في المقام فيها أنّ دليل ذلك شرعي فأي مانع من أن نلتزم بالتخصيص هذا كله في كبريات المسألة .

بقي الكلام في بعض صغرياتها : منها : ما إذا قال المالك لغيره اعتق عبدي عنك ، فإنّه يكون مورداً لكلتا الجهتين ، فمن حيث اعتبار كون العتق فعل المالك لابدّ وأن يكون الأمر بالعتق توكيلاً أو تمليكاً ، وإلّا فلا يكون المعتق هو المالك ، وأمّا من الجهة الثانية فلا يكفي التوكيل بناءً على اعتبار وقوع العتق عن المالك ، فلابدّ في صحته من أن يكون الأمر بالعتق تمليكاً للمخاطب ، وإلّا فلا يكون العتق عن المالك .

ومنها : ما لو قال اعتق عبدي عنّي ، ولا تجري فيه إلّا الجهة الأولى ، فلابدّ من الالتزام فيه بالتوكيل ليكون العتق فعل المالك.

ومنها : ما لو قال اعتق عبدك عنّي ، والكلام فيه يكون من الجهة الثانية فقط فإنّ العتق على أي تقدير يكون فعل المالك ، فإن جوّزنا العتق عن غير المالك جاز


1) لاحظ المسالك 10 : 05 - 17 ، 318 .

ذلك من دون حاجة إلى حمله على استدعاء التمليك ، وإلّا فلابدّ وأن يكون السؤال استدعاء له والعتق جواباً كما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) (1).

فتحصّل من جميع ما تقدّم أنّ البيع ونحوه من الجهة الأولى يعتبر فيه أنّ يكون منتسباً إلى المالك ليصدق عليه عنوان التجارة عن تراض ، ويحصل ذلك بالرضا اللاحق فضلاً عن الاذن والاباحة السابقة . وأمّا من الجهة الثانية فالعقل يستقل باعتبار كونه عن المالك كما عرفت ، فإذا ثبت خلافه في مورد كما في شراء العمودين وانعتاقهما مع خروج الثمن عن كيس الولد فلا محيص من الالتزام بالملك آناً ما ، وهو ملك حقيقي ، لاستحالة تخصيص الحكم العقلي .

وأمّا الوطء فالمستفاد من الآية توقفه على الملك ، ولا يجوز لغير المالك إلّا بالتحليل بصيغة خاصة ، ولا مانع من التخصيص فيه ، لأنّ التوقّف شرعي .

وأمّا العتق ونحوه من الايقاعات فإن ثبت إجماع على توقّفه على الملك و اعتبار كون المعتق مالكاً مباشرة أو تسبيباً فهو ، وإلّا فقوله (عليه السلام) « لا عتق إلّا فيما يملك» (2)لا يستفاد منه ذلك ، كما لا يستظهر من قوله (عليه السلام) « لا بيع إلّا في ملك » (3)، فإنّها ناظرة إلى نفي العتق والبيع قبل الملك ، مثل قوله (عليه السلام) لا طلاق قبل النكاح » (4)، فالمرجع حينئذ عمومات العتق و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(5)لشموله الايقاع أيضاً وهكذا في الطلاق)ثمّ لو تنزّلنا وسلّمنا دلالته على اعتبار كون المعتق مالكاً فمن الجهة الثانية لا


1) المكاسب 3 : 83 .

2) الوسائل 23 : 15 / كتاب العتق ب 5 .

3) المستدرك 13 : 230 / أبواب عقد البيع وشروطه با ح3.

4) المستدرك 15 : 292 / كتاب الطلاق ، أبواب مقدماته وشرائطه ب12 .

5) المائدة 5 : 1 .

ينبغي الشك في عدم دلالته على اعتبار كون العتق عن المالك ، فيصح العتق عن غيره ويثاب عليه .وينبغي التنبيه على أمرين : أحدهما : أنّه إذا قلنا بصحّة وقوع العتق لغير المالك هل يسقط بعتق المالك عبده عن الغير ما في ذمة ذلك الغير من التكليف كوجوب العتق الثابت عليه كفّارة أو نذراً أو لا يسقط به ذلك وإنّما يقع له ويثاب بعتق المالك عبده عنه ؟ ظاهر كلمات شيخنا الأستاذ(1والسيد اليزدي (قدّس سرّه) (2)تسلّم ذلك وأنّه يسقط به ما في ذمّته من التكليف ، ولكن التحقيق أنّ سقوط وجوب العتق عن ذمته بفعل الغير يحتاج إلى دليل وهو مفقود كما ذكرناه في مبحث التعبدي والتوصلي (3)من أنّ سقوط تكليف أحد بفعل الغير يحتاج إلى دليل وإلّا فظاهر كل تكليف وجوب إتيان نفس المكلف به وأنّه لا يسقط إلّا بفعله لا بفعل الغير ، فالعتق عن الغير وان كان صحيحاً إلّا أنّه لا يسقط الوجوب عن ذمته .)وأمّا ما استدلّ به السيّد (قدّس سرّه - من فحوى قوله : « دَين اللّه أحق أنّ يقضى »(4)حيث طبّق الإمام (عليه السلام) الدين على قضاء الفوائت ثمّ أمر بقضائه .)ففيه أوّلاً : أنّ تلك الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ مفادها حكم على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على موردها ، وهو أداء الدين القربي عن الميت لا عن الحي .


1) منية الطالب 1 : 173 .

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 79

3) محاضرات في أصول الفقه 1 موسوعة الإمام الخوئي 43) : 495 .

4) سنن النسائي 5 : 118 .

وثانيهما : أنّه إذا قلنا بصحّة وقوع العتق عن غير المالك فهل الأمر بالعتق يوجب الضمان أم لا ؟ أما إذا قصد المالك التبرع أو أقام الآمر قرينة على المجانية فلا إشكال في عدم الضمان ، لأنّ المالك أتلف ماله مجّاناً ، وإلّا فان ذكر قيمة للعبد في كلامه كما إذا قال : أعتق عبدك عني بمائة فأعتقه فيلزمه أداء ما عيّنه ، زاد عن قيمة مثله أو نقص، لأنّ المالك رضي به فلذا أعتقه حسب الفرض ، وأمّا إذا لم يعيّن شيئاً ولم يكن هناك قرينة على إرادة المجانية فيلزمه أداء قيمة مثله ، لأنّ مال المسلم وعمله محترم كما هو الحال في جميع الموارد التي أمر فيها الآخر بشيء كما إذا قال : احلق رأسي أو أعط للفقير قرصين من الخبز فإنّه يجب عليه قيمة مثله فيما إذا لم يظهر عليه أمارة المجانية. فالعبد إنّما يتلف من مال مالكه ولكن يضمنه الآمر ، لا أنّ العبد يدخل في ملك الآمر ويخرج منه كما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (1)هذا.)بقى الكلام في أمثلة أخرى للتصرفات المتوقفة على الملك التي تعرّض له-ا الشيخ وهي ثمن الهدي والزكاة والخمس.أمّا ثمن الهدي فقد ذكر أنّه لابدّ وأن يكون من مال من وجب عليه الهدي فلا يجزي المال المباح له في ثمن الهدي مثلاً ، ثمّ نقل كلاماً عن الشهيد من أنّه قال : أنّ المال المأخوذ بالمعاطاة لا يخرج في الزكاة والخمس وثمن الهدي الخ .ولا يخفى أنّ نقل كلام الشهيد في المقام غير مناسب جدّاً ولم يكن مترقّباً من الشيخ (قدّس سرّه وذلك لأنّه إنّما منع عن المال الذي قصد المتعاطيان التمليك بالمعاطاة والشارع رغماً لأنفها حكم بالاباحة الشرعية فمنع عن وقوع مثله ثمناً للهدي الواجب ، والمقام خارج عن ذلك لأن الكلام فيه إنّما هو في المعاطاة التي قصد بها المتعاطيان الاباحة وكانت الاباحة مالكية لا شرعية ، وأي مانع من وقوع مثله)


1) منية الطالب 1 : 173

ثمناً كما سيأتي . نعم المال المباح بالاباحة الشرعية لا يمكن فيه ذلك ، لأنّه ت-ابع لملاحظة مقدار ما قامت عليه السيرة بين المتشرعين والعقلاء كما مر توضيحه سابقاً .والحاصل : أنّ الشهيد (قدّس سرّه إنّما منع عن حصول إباحة التصرّفات المتوقفة على الملك بالمعاطاة المقصود بها الملك بعد الفراغ عن صحّة التصرف لو فرض حصول الاباحة بها ، وكلامنا في صحّة التصرف بعد الفراغ عن تعلّق الاباحة به ، فهما متعاكسان .)ثمّ إنّا لم نجد دليلاً على وجوب كون الثمن ملكاً لمن وجب عليه الهدي ، لأنّ غاية ما ثبت هناك وجوب سوق الهدي في القرآن وذبحه في التمتع وأمّا أنّه من مال أيّ شخص فلا دليل على تعيينه كما هو ظاهر لو لم نقل بقيام الدليل على جواز كونه من مال الغير ، وذلك لأنّ من بذل له الزاد والراحلة الذي يحتاج إلى الهدي مثلاً إنّما يشتريه بذلك المال المبذول له وحجّه صحيح بلا كلام وهو نظير المهر في الزواج لأن وجوده شرط في صحته من دون فرق بين أنّ يكون ملكاً للزوج أو لغيره وقد أباحه له ، هذا .مضافاً إلى أنّه لا يعقل إخراج ثمن الهدي من مال الغير ، وذلك أنّ الهدي قد يشتريه من وجب عليه بالثمن الكلّي في ذمته ثمّ يؤديه من المال المباح له وعليه يكون الثمن مال نفسه وإنّما أوفاه من مال الغير ولا إشكال في صحته ، إذ لا مانع من أداء الدين من مال الغير باذنه وإباحته ، وقد يشتريه بشخص مال الغير المباح له فان قصد الشراء للمالك المبيح فالهدي بنفسه يكون ملكاً للمبيح ولا مانع منه أيضاً لما ذكرنا من عدم الدليل على اعتبار كون الهدي ملكاً لمن وجب عليه ، وإن قصد الشراء لنفسه فهو وإن كان يأتي فيه إشكال المبادلة من أنّ مفهومها يقتضي عقلاً أنّ يكون المعوّض داخلاً في ملك من خرج عنه العوض فكيف يعقل أنّ يكون الهدي ملكاً له مع كون العوض ملكاً للمبيح ، إلّا أنّ هذا الاشكال لا يختص بثمن الهدي

حينئذ ويأتي في جميع البيوع إذا كان المعوّض فيها داخلاً في ملك من لم يخرج منه العوض كما هو ظاهر ، فلا وجه لتخصيص ثمن الهدي بالذكر ، وكيف كان فلم نفهم الوجه في الاستشكال في ثمن الهدي ، هذا كله في ثمن الهدي .وأمّا الزكاة والخمس فان قلنا بتعلّقها بالأعيان الشخصية بماليتها ، فوجه عدم صحّة دفع الغير لهما عمّن وجبا عليه ظاهر ، لأن حقّ الامام والفقراء إنّما تعلّق بذلك العين الخارجية فجواز تبديلها بشيء آخر يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، نعم للمالك أنّ يبدلها لأنّه الشريك الأعظم كما في الروايات (1وأمّا غيره فلا .)وأمّا إذا قلنا بتعلّقها بالذمم دون الأعيان الخارجية فهما في هذه الصورة وإن كانا ديناً إلّا أنّها لما كانا من الواجبات القربية كان سقوطها بفعل الغير محتاجاً إلى الدليل وهو مفقود في المقام ، هذا كله فيما إذا كان المخرج للزكاة والخمس من مال نفسه شخصاً آخر غير المالك الذي وجب عليه الخمس والزكاة .وأمّا إذا كان الدافع لهما نفس المالك ولكن لا من مال نفسه بل من مال آخر أباحه له مالكه ، فهل يجزي ذلك عما وجب عليه من الخمس والزكاة أو لا ؟ أنّ قلنا بتعلّقها بالدّمم فيكونان دَيناً على المالك حينئذ ولا مانع له من أنّ يؤدّي دَينه بمال شخص آخر كما هو ظاهر ، والمفروض أنّه يدفعه بقصد القربة فيبرأ بذلك ذمّته .وأمّا إذا قلنا بتعلّقها بالأعيان الخارجية فدفعه المال المباح عوضاً عن حصة الفقراء والامام تبديل يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، وتوضيحه : أنّ المالك بتبديله ذلك أنّ قصد التبديل لمالك المال المباح بأن يريد المالك دفع مال المبيح للفقراء والامام (عليه السلام ويعوّضه بحصة الفقراء والامام ويقيمه مقامها ، فهذا تبديل لا دليل عليه ، لأنّ المالك وإن جاز له تبديل حقوق الفقراء أو الامام بمال آخر إلّا أنّه)


1) ورد بهذا المضمون في الوسائل 9 : 129 / أبواب زكاة الأنعام ب 14 .

مختصّ بما إذا أراد تبديله بمال نفسه ولا يشمل ما إذا أراد تبديله بمال غيره ، وإن أراد تبديل حصة الفقراء والامام لنفسه بمال الغير المباح له فيأتي فيه إشكال المبادلة من أنّ نفس مفهومها يحتاج عقلاً إلى دخول المعوّض في ملك من خرج عنه العوض فكيف يعقل دخول حصتهم في ملك المالك في مقابل مال الآخر نظير الاشكال المتقدّم في قوله : بع مالي لنفسك ، فراجع .ثمّ إنّ الشيخ (1عدّ من موارد الملك التقديري دية الميت فيما إذا قتله أح---د خطأ أو عمداً فصولح بالدية فانها تنتقل إلى ورثة الميت عن الميت ، وفيها أيضاً لابدّ من تقدير كونها ملكاً للميت آناً ما ثمّ انتقالها منه إلى ورثته . وكذا الحال في الديات المنتقلة إلى الميت كما إذا قطع أحد يد الميت أو أذنه أو رجله فإنّ ديتها تصل إلى الميت ثمّ تنتقل منه إلى ورثته ، فلابدّ من تقدير كونها ملكاً للميت آناً ما حتّى تنتقل منه إلى الورثة ، هذا .)ولا يخفى أنّ الحاجة إلى الالتزام بملك الميت آناً ما إنّما هي فيما إذا قام دليل على أنّ الوارث يتلقى الدية من الميّت كما هو ظاهر جملة من الروايات ، ومع قيامه فلابدّ من الالتزام بالملكية الحقّيقية للميت آناً ما لا التقديرية لعدم ترتّب الأثر عليها وأمّا إذا قلنا بأنّ الوارث يملك الدية ابتداء كما يستظهر من قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (2)فلا حاجة حينئذ إلى الملك التحقيقي ولا التقديري أبداً ، هذا تمام الكلام في الاشكال الأوّل من الاشكالين اللذين ذكرهما الشيخ في القسمين الأخيرين من المعاطاة .)وأمّا الإشكال الثاني وهو صحّة الاباحة بالعوض الراجعة إلى العقد المركّب


1) المكاسب 3 : 88

2) النساء 4 : 92

من الاباحة والتمليك فلابدّ من التكلّم في صحته أوّلاً ثمّ في لزومه أو جوازه . ذهب الشيخ (رحمه الله إلى الصحّة واللزوم من الجانبين . أمّا الصحّة فإما لأجل أنّه نوع من الصلح أو لكفاية عموم «الناس مسلّطون على أموالهم » و « المؤمنون عند شروطهم » . وأمّا اللزوم فلعموم « المؤمنون عند شروطهم » .)والتحقيق أنّ التمليك والاباحة قد يقعان مورداً لعقد آخر كالصلح أو الاجارة أو البيع ، كما إذا تصالحا على الاباحة والتمليك وأنشأه بعنوان الصلح ، أو استأجر كلّ منهما الآخر على ذلك ، أو باع أحدهما شيئاً وجعل ثمنه الاباحة ، وقد تنشأ الاباحة في مقابل التمليك من دون تعلّق عقد بها .أمّا الفرض الأول فلا إشكال في صحّته ، فيجب على كلّ منهما العمل بما التزم به ويملك كلّ منهما ذلك على الآخر ، نعم ، الاباحة من طرف المبيح إنّما تجب تكليفاً ولا تلزم وضعاً ، فله الرجوع متى شاء ، بخلاف التمليك على الطرف الآخر ، وعليه فإن أباح المبيح وكان مورد العقد الاباحة في الجملة لا يجوز للمملك الرجوع ، لأنّه من أكل المال بالباطل ، وأمّا إذا لم يبح أو كان مورد العقد الاباحة المستمرة كما هو الظاهر ورجع في الأثناء ثبت للمملك خيار تخلّف الشرط .وأمّا الفرض الثاني أعني إنشاء الاباحة والتمليك من دون تعلّق عقد بها فقد عرفت خروجه عن المعاوضات المالية ، وإنّما هو إباحة مشروطة بالتمليك أو معلّقة عليه ، ولكنه مع ذلك صحيح على القاعدة ، ويؤيده قوله (صلى الله عليه وآله « الناس مسلّطون على أموالهم » ، فإنّ مقتضاه تسلّط المالك على إباحة ماله للغير مشروطاً أو معلّقاً ، وأمّا من حيث اللزوم والجواز فإن كانت الاباحة مشروطة أي فعلية غير معلقة على التمليك ، وإنّما شرط التمليك على المباح له في ضمنها ، جاز للمبيح الرجوع عن إباحته متى ما أراد ، ولكن ليس للمملك الرجوع ابتداءً ، لأن تمليكه لم يكن هبة مجانية كي تكون جائزة ، بل كان في مقابل الاباحة ، فهو هبة معوّضة لازمة ، نعم ، لو)

رجع المبيح عن اباحته فلا يبعد جواز رجوع المملك لتخلّف الشرط .وإن كانت الاباحة - شخصية أو نوعية - معلّقة بأن تكون فعليتها منوطة بالتمليك من دون أن يجب التمليك على الطرف الآخر لعدم اشتراطه والتزام-ه ب-ه فيجوز للمملك أيضاً الرجوع ابتداءً ، لأنّ تمليكه كان هبة مجانية جائزة ، إلّا إذا كانت لذي رحم ، فتكون لازمة لا يجوز له الرجوع إلّا إذا رجع المبيح ، فيثبت له خيار تخلف الشرط ، ولا ينافيه إطلاق ما دلّ على لزوم الهبة لذي رحم ، فإنّه ناظر إلى لزومها من حيث كونها هبة ، فلا مانع من ثبوت الخيار فيها من جهة أخرى .### التنبيه الخامس :جریان المعاطاة في غیر البیعفي جريان المعاطاة في غير البيع وعدمه . هل المعاطاة تختص بالمعاملات البيعية أو أنها تجري في جميع العقود والايقاعات . قد يقال باختصاص المعاطاة بالبيع وعدم جريانها في غيره من العقود فضلاً عن الايقاعات ، لتوهم انحصار دليل صحتها بالاجماع والسيرة ، وهي غير ثابتة إلّا في البيع ، ولكن المحقّق على ما حكى عنه الشيخ (قدّس سرّه استظهر جريانها في الاجارة من كلام بعض الأصحاب حيث ذكر أنّه إذا أمره بعمل على عوض معيّن فعمله استحق الأجرة على عمله ، ولو كانت هذه إجارة فاسدة لم يجز له العمل ولم يستحق أجرة مع علمه بالفساد ، فمنه يظهر أنّ المعاطاة تجري في الاجارة أيضاً ، وكذا لو وهب بغير عقد ، فإنّ ظاهرهم جواز الاتلاف ، ولو كانت هبة فاسدة لم يجز ، هذا .)ولا يخفى أنّ ضمان الآمر لما عيّنه من العوض أو لأجرة المثل فيما إذا لم يعيّن عوضاً إنّما هو من هو من جهة حرمة فعل المسلم ولا ربط له بالاجارة ولا بالمعاطاة على ما تقدمت الاشارة إليه ، فلا وجه للاستشهاد بذلك الكلام على جريان المعاطاة في الاجارة أبداً، ولازم جريان المعاطاة في الاجارة أن يكون المأمور مستحقاً للاجرة

قبل العمل ويكون الأمر مستحقاً للعمل منه كذلك ، وفيما ذكره من الكلام إنّما يستحق المأمور الاجرة بعد العمل لا قبله .والذي ينبغي أنّ يقال هو أنّه أنّ قلنا بتقوّم العقود مفهوماً باللفظ ، فعدم جريان المعاطاة في العقود والايقاعات على وفق القاعدة ومما لا ينبغي الاشكال فيه ، وغاية ما هناك أنا خرجنا عما تقتضيه القاعدة في خصوص البيع وبنينا على جريان المعاطاة وإفادتها الملك أو الاباحة الشرعية فيه لأجل قيام السيرة عليه .وأمّا إذا لم نقل بذلك كما هو الصحيح وقلنا بإمكان إنشاء جميع الأمور الانشائية من العقود والايقاعات وغيرها بغير اللفظ ، لما عرفت من أنّ الانشاء عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ما سواء كان قولاً أو فعلاً فمن الواضح صدق عناوين العقود والايقاعات على الاعتبارات المبرزة بالفعل كالقول ، وعليه تصح المعاطاة بكل فعل مبرز للاعتبار النفساني لا خصوص العطاء الخارجي وتشملها الأدلّة العامة والخاصة، ويكون مقتضى القاعدة فيها الصحّة واللزوم ، ولا يرفع اليد عن ذلك إلّا بدليل شرعي من إجماع أو غيره دال على عدم اللزوم أو عدم الملك ، فيقتصر حينئذ في الاباحة الشرعية على القدر المتيقّن ، وقد خرجنا عن مقتضى القاعدة في موردين اعتبرنا فيهما اللفظ للدليل الخاص وهما النكاح والطلاق ، واعتبار اللفظ في الثاني أظهر .وبما بيّنا ظهر فساد توجيه عدم جريان المعاطاة في النكاح بتقوّم مفهومه باللفظ ، إذ لا فرق بينه وبين سائر العقود من هذه الجهة ، كما ظهر فساد توجيه جيه المحقّق (1النائيني من أنّ النكاح والسفاح متقابلان ، فإنّ الوطء قبل إيجاد علقة الزوجية يكون مصداقاً للزنا ، فكيف يتحقّق به مضادّه وهو النكاح ، إذ فيه أوّلاً : أنّه أخص)


1) منية الطالب 1 : 189 .

من المدّعى ، لأنّه إنّما يقتضي عدم تحقّق النكاح بخصوص الوطء ولا يقتضي عدم تحقّقه بسائر الأفعال ، وقد ذكرنا أنّ المراد بالمعاطاة هو العقد المنشأ بالفعل مطلقاً ولم نعتبر فيها فعلاً خاصاً ، فيمكن إبراز النكاح بفعل آخر غير الوطء من إشارة أو كتابة أو نحوهما . وثانياً : أنّ تقابل النكاح والسفاح ليس من جهة اعتبار اللفظ في مفهوم النكاح ، وإنّما هو من جهة أنّ النكاح عبارة عن الوطء عن استحقاق شرعي باختلاف الشرائع والسفاح عبارة عن الوطء بغير استحقاق ، ومن الظاهر أنّ الوطء المبرز لاعتبار العلقة الزوجية ليس وطئاً عن غير استحقاق ، فلا يكون مصداقاً للزنا . هذا كله مع قطع النظر عن الأدلة الشرعية وأمّا بحسب الأدلة الشرعية فظاهر قوله تعالى : (إلّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ (1)عرفاً اختصاص حلّ الوطء بما إذا تأخّر عن الزوجية إلّا أنّ هذا حكم شرعي لا ربط له بمعقولية تحقّق النكاح بالوطء .)والحاصل أنّه من حيث القاعدة لا فرق بين النكاح وغيره من العقود ، إلّا أنّه يستفاد اعتبار اللفظ فيه من الاجماع وتسالم الأصحاب ، ومن قوله (عليه السلام في نكاح المتعة « فإذا قالت نعم فأنت أولى الناس بها (2)فإنّ مقتضاه اعتبار خصوص هذا اللفظ ، وقد رفعنا اليد عن الخصوصية للقطع بعدم اعتبارها ، وأمّا أصل اللفظ فلا وجه لنفي اعتباره ، هذا كله في النكاح .)وقد اتّضح بما ذكرنا أيضاً فساد ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه من عدم جريان المعاطاة في الوصية والضمان والايقاعات ، بدعوى عدم وجود فعل تنطبق عليه تلك العناوين خارجاً ، وذلك لما عرفت من أنّ صدق عنوان عقد أو إيقاع على)


1) المؤمنون 23 : 5

2) الوسائل 21 : 43 / أبواب المتعة ب 18 ح1 .

فعل إنّما هو بكونه مبرزاً للاعتبار النفساني كالقول ، ومن الواضح إمكان إب-راز الاعتبار النفساني بالفعل في موارد الأمور المذكورة .نعم ، العطاء الخارجي لا يمكن إبراز التمليك بعد الموت أو نقل الدَين إلى ذمّة الضامن به ، لكن الانشاء الفعلي لا ينحصر في الاعطاء كما عرفت ، فيمكن أنّ تنشأ الوصية أو الضمان ونحوهما بالكتابة أو الاشارة ونحوهما ممّا يمكن إبراز تلك الأمور بها . نعم لابدّ من مناسبة عرفية بين الفعل والاعتبار النفساني المبرز به بحيث يكون الفعل مصداقاً لذلك العنوان عرفاً ، وإلّا فالقصور يكون من ناحية المبرز . ويشهد لا مكان المعاطاة في الايقاعات ما ورد في طلاق الأخرس من تحقّقه بالقاء القناع على رأس زوجته ، فإنّ الخرس لا يجعل المستحيل ممكناً ، فينكشف ب-ه إمك-ان المعاطاة في الايقاعات، غاية الأمر اعتبرت في بعض الموارد دون بعض .بقي الكلام في الهبة والوقف والرهن والقرض .أمّا الهبة فلا إشكال في جريان المعاطاة فيها ، وأمّا دع-وى شيخنا الأنصاري (1من أنّ توقف الملك في الهبة على الايجاب والقبول كاد أنّ يك--ون اتفاقياً ، فتندفع بأنّ هذا ليس إجماعاً آخر وإنّما هو الاجماع المدعى على أنّ كل عقد أو إيقاع متوقف على اللفظ ، ونحن أجبنا عنه بأنّه ممّا لا يمكن الاعتماد عليه وأشار إليه السيد في حاشيته (2)أيضاً فراجع . فالمتحصل أنّ المعاطاة تجري في الهبة بلا إشكال كما عليه سيرة المسلمين . وأمّا القرض فقد استشكل في جريان المعاطاة فيه بأنّ القبض شرط في حصول الملك به بمعنى أنّ العقد مقتض وما منه ينشأ الأثر والقبض شرط في فعلية)


1) المكاسب 3 : 92 .

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 69 ، 81 .

ذلك الأثر ومتمّم لقابلية القابل أو فاعلية الفاعل ، ولا يعقل أن يتّحد المقتضي والشرط ، فكيف يعقل أن يكون القبض مع أنّه شرط مقتضياً وعقداً كما هو لازم المعاطاة في القرض ، هذا .والجواب عنه : بالنقض والحلّ . أمّا النقض فبالهبة ، لأنّ القبض شرط في حصول الملك بها أيضاً ، ولازم ما ذكر عدم صحّة المعاطاة فيها ، مع أنّا لو شككنا في كلّ شيء فلا نشك في جريان السيرة على المعاطاة في الهبة . وكذا ينتقض بالصرف والسلم لاشتراطهما بالقبض مع أنّ المعاطاة تجري فيهما بلا كلام .وأمّا الحلّ فهو ما أشرنا إليه مراراً من أنّ إطلاق الشرط على مثل القبض ودخول الزوال وغيرهما ممّا يطلق عليه الشرط في الأحكام الشرعية ليس بمعنى الشرط الفلسفي في الأمور التكوينية الموجب لتتميم فاعلية الفاعل أو قابلية القابل بل إنّما هو بمعنى أخذ شيء قيداً في متعلقات الأحكام أو في موضوعاتها وتضيق دائرة المتعلق أو الموضوع ، فمعنى كون الطهارة شرطاً للصلاة هو أنّ الأمر إنّما تعلق بالصلاة مع الطهارة ، لا أنّ لها مدخلية في الصلاة ، كما أنّ معنى كون الزوال شرطاً لوجوب الصلاة هو أنّ الوجوب إنّما يتعلّق بها في ذلك الظرف ، لا أنّ له مدخلية في الحكم أبداً.وبعد ذلك نقول : إنّ الشارع قد اعتبر في القرض أمرين: أحدهما : إبراز الاعتبار النفساني بمبرز ما في الخارج . وثانيها : القبض، وأيّ مانع عقلي من أنّ يوجدهما المكلّف بفعل واحد كما إذا أقبضه بقصد إبراز اعتباره النفساني فيتحقّق كلا الأمرين أعني القبض وإبراز الاعتبار النفساني ، فلا مانع من جريان المعاطاة في القرض أيضاً .وأمّا الرهن فربما يناقش في جريان المعاطاة فيه بأنّ المعاطاة أنّ أفادت اللزوم في الرهن فهو مخالف للاجماع المنقول القائم على أنّ المعاطاة لا تفيد اللزوم

ومخالفته جرأة ، وإن كانت مفيدة للجواز فيأباه نفس معنى الرهن لأنّه وثيقة لدى المرتهن ليطمئن به قلبه ويمكنه استيفاء دينه منه عند إنكار الدائن لدينه أو صيرورته مفلساً ، وهذا إنّما يعقل فيما إذا كان الرهن لازماً وأمّا إذا كان جائزاً فكيف يوجب الوثوق والاطمئنان لجواز رجوعه فيه وإن لم يرجع فيه فرضاً، فلأجل ذلك يلتزم بعدم جريان المعاطاة في الرهن ، هذا .ولا يخفى عليك أولاً : أنّ مثل ذلك الإجماع المنقول لا يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام ظنّاً فضلاً عن القطع ، ومثله لا مانع من مخالفته كما ارتكبناه نحن والتزمنا بأن المعاطاة تفيد اللزوم.)وثانياً : سلّمنا اعتبار الإجماع إلّا أنّه لما كان من الأدلة اللبية كان اللازم أنّ يؤخذ بالمقدار المتيقّن منه ، وهو العقود التي يتصوّر فيها الجواز ولا يكون منافياً لحقيقتها .وثالثاً : أنّ كلمات المجمعين التي نقلها الشيخ (1في المقام ليس مضمونها اشتراط اللفظ في لزوم العقد ، وإنّما مضمونها أنّ العقد لو خلا من اللفظ أفاد الاباحة كما في كلام الأكثر أو الملك الجائز كما في كلام المحقّق الثاني (2)، ومن الواضح أنّ مورد هذا الكلام هو العقد الذي يتصف بالجواز واللزوم ، ولا يعمّ ما يدور أمره بين اللزوم والفساد كالرهن ، فمقتضى إطلاق الأدلّة العامة والخاصة صحّة الرهن سواء أنشئ بالقول أو الفعل .)وأمّا الوقف فقد ادّعي عدم جريان المعاطاة فيه لأنها لو قلنا بافادتها اللزوم فهو على خلاف الاجماع المنقول ، وإن قلنا بأنها تفيد الجواز ف-ه-و ع-ل-ى خ-لاف


1) المكاسب 3 : 26

2) جامع المقاصد 4 : 58 .

المتعارف المعهود لأنّا لم نعهد الجواز في الوقف كما ادّعاه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه .(1))ويدفعه : أنّه إن ثبت من الخارج اعتبار اللزوم في الوقف إمّا لكونه عبادياً وما كان الله تعالى لا يرجع ، وأمّا لجهة أخرى فيلحقه حكم الرهن ويجري فيه ما ذكرناه هناك ، إذ لا فرق حينئذ بينهما إلّا من حيث كون اللزوم في الرهن لازماً له حقيقة وفي الوقف بحكم الشارع .وأمّا إذا لم يثبت اعتبار اللزوم في الوقف فيكون حاله حال البيع . فعلى كلا التقديرين تجري فيه المعاطاة .ويؤكد جريانها فيه السيرة القطعية المستمرّة على عدم ذكر الصيغة في كثير من الأوقاف ، مثل الفرش والحصر للمساجد والمشاهد ، ولم يعهد رجوع الواقفين أو وارثهم في شيء منها .ومما ينبغي أنّ يذكر في المقام ممّا يناقش في جريان المعاطاة فيه العتق ، فان المناقشة المذكورة في الرهن يجري في العتق أيضاً حرفاً بحرف ، لأنها أنّ أفادت اللزوم فهو مخالف للاجماع المنقول ، وإن أفادت الجواز فهو مخالف للعتق ، فانّ الجواز غير معهود فيه ولا يرجع الحرّ عبداً ، فأمره يدور بين اللزوم والبطلان.والجواب عنها هو الجواب المذكور في الوقف ، فإنّه إمّا ملحق بالرهن أو بالبيع .### التنبيه السادس : في ملزمات المعاطاةبناء على المختار من أنّ المعاطاة مفيدة للملك اللازم يكون البحث عن


1) المكاسب 3 : 94

ملزماتها لغواً، إذ المفروض أنها لازمة بنفسها فلا معنى لصيرورتها لازمة بعد طروء شيء.وأمّا على القول بإفادتها الاباحة أو الملك الجائز فينتهي البحث إلى الملزمات ، وقد تكلّم الشيخ (قدّس سرّه أوّلاً في تأسيس الأصل عند الشكّ في ملزمية شيء كالتصرف المغيّر ، فحكم بأنّ الأصل على القول بالملك هو اللزوم لقوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (1)وغيره من الوجوه المتقدّمة، وعلى القول بالاباحة فالأصل عدم اللزوم ، لقاعدة تسلّط الناس على أموالهم فإنّ مقتضاه جواز رجوع المالك بعد طروء ذلك الشيء وتوهم جريان استصحاب الاباحة بعد الرجوع مندفع بعدم جريانه مع وج-ود الدليل ، لحكومته عليه .)وما أفاده بناء على إفادة المعاطاة الملك وإن كان متيناً ، إلّا أنّ ما ذكره في صورة إفادتها الاباحة ليس في محله ، لأنّ الشك في بقاء الاباحة تارة مع العلم ببقاء الملك على ملك مالكه الأوّلي إلّا أنّا نشك في أنّ الشارع هل أباح التصرف في ملك الغير نظير إباحته في حقّ المارّة أم لا ، وحينئذ لا مجال لاستصحاب بقاء الاباحة السابقة لحكومة عموم الناس مسلّطون عليها كما أفاده ، وأخرى نشك في انقلاب الملك عن ملك مالكه الأول ودخوله في ملك المباح له بواسطة طرق ما نشك في كونه ملزماً ، ومع هذا الشك لا مجال للتمسك بعموم « الناس مسلّطون » الخ للشك في أنّه ملك للمالك الأول، ومع الشك في كونه ملكاً له لا مجرى لعموم « الناس مسلّطون » كما هو ظاهر ، ولا مجال حينئذ إلّا لاستصحاب بقاء الملك وهو أيضاً لا مجرى له مع وجود العمومات المقتضية لأن الملك ينقلب إلى ملك المشتري بطرق الملزم المحتمل .


1) النساء 4 : 29 .

بيان ذلك : أنّ المعاطاة إذا قلنا بأنها فاسدة كما ذهب إليه العلّامة في بعض كتبه (1وأنّ الشارع حكم في موردها باباحة التصرف مع بقاء المال ع-ل-ى م-لك مالكه فيصح حينئذ القول بأنّ قاعدة السلطنة تقتضي جواز الرجوع ، فإذا رجع انتفت الاباحة لكونها شرعية ثابتة بالسيرة أو الاجماع ، وموردها ما دام لم يرجع المالك .)وأمّا إن قلنا بأنّ المعاطاة عقد صحيح مشمول للعمومات ، ولكن قامت السيرة والإجماع على عدم حصول الملك قبل حصول أحد الملزمات ، فحيث أنّ السيرة والإجماع مجمل لا يعلم شموله لما إذا حصل ما يحتمل معه اللزوم فلابدّ من الاقتصار فيهما على المتيقّن وهو ما لم يحصل فيه الملزم المحتمل ويرجع فيما عداه إلى العمومات على ما هو الشأن في المخصص المنفصل المجمل ، ومعه كيف يمكن الرجوع إلى قاعدة السلطنة ، واستصحاب عدم حدوث الملك بعد حدوث محتمل الملزمية غير جار مع وجود الأصل اللفظي . وليست الشبهة موضوعية والشك في تحقّق شرط الملك ليستصحب عدمه . فالأصل هو اللزوم على كلا التقديرين .وبعد ذلك تكلّم الشيخ (قدّس سرّه في خصوص الملزمات وعدّ منها تلف العينين وأنّه موجب للزوم المعاطاة بلا إشكال ولا ريب وأفاد في وجه ذلك : أنّه بناءً على أنّ المعاطاة تفيد الاباحة يكون تلف كل واحد من المالين في ملك مالكه ولم يحدث شيء يوجب الضمان ، فلا يمكن للمالك أنّ يرجع إلى صاحبه ويطالبه بقيمة ماله أو مثله ، لأنّه إنّما أخذه برضا مالكه ولا موجب لضمأنّه . وتوهّم أنّ عموم على اليد يقتضي الضمان ، مندفع بما سيأتي من أنّ اليد في المقام غير ضمانية ، هذا كله فيما إذا كان التلف سماوياً ، وأمّا إذا كان بالاتلاف ونحوه فنفس الاتلاف يقتضي الضمان)


1) النهاية 2 : 449 .

لأنّ من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، ولا يحتاج في ذلك إلى التمسّك بقاعدة اليد ونحوها ، هذا .ولا يخفى أنّ ما أفاده إنّما يتم في الاباحة المالكية كما إذا أباح أحد المالكين التصرف في ملكه لمالك المال الآخر من دون أنّ يقصد التمليك به ، ففي مثله يكون تلفهما في ملك مالكهما ولا يجري فيه عموم على اليد لما أفاده (قدّس سرّه إلّا أنّه خارج عن الفرض ، وأمّا في الاباحة الشرعية كما في المقام لأن المفروض أنهما قصدا التمليك والشارع حكم بالاباحة ، فلا يتم ما أفاده بوجه، لما أفاده هو (قدّس سرّه) في جواب بعض الأساطين من أنّ مقتضى الجمع بين الأدلة حينئذ أنّ نلتزم بحصول الملك آناً ما قبل التلف ، فإنّ الجمع بين الإجماع على عدم الضمان بالمثل أو القيمة وبين قاعدة اليد فإنها جارية لعدم التسليط المجاني وبين استصحاب عدم الملك إلّا في الزمان المتيقّن وقوعه فيه يقتضي حصول الملك آناً ما قبل التلف . ه-ذا ع-لى مسلكه (قدّس سرّه) ، وأمّا على مسلكنا - من شمول العمومات والأدلة الخاصة للمعاطاة ، غاية الأمر اشتراط الملك بأمر متأخّر من تلف ونحوه - فيكون التلف دائماً من ملك المعطى له ، كما في البيع اللفظي ، فيلحق بالقول بالملك أي الفرض الثاني الذي سنتكلّم فيه .)ثمّ أفاد أنّ المعاطاة إذا قلنا بأنّها تفيد الملك فالوجه في كون تلف العينين ملزماً هو ما عرفت من أصالة اللزوم ، والمتيقّن من مخالفتها جواز تراد العينين ، فالجواز متعلّق بالتراد وغير متعلق بالعقد كما في الجواز في باب الخيارات ، وبعد تلف العوضين يرتفع موضوع الجواز لا محالة ، ولا يقاس المقام بالجواز في باب الخيارات الذي يبقى مع تلفها، أيضاً ، لأنّه متعلق بالعقد لا بتراد العينين على خلاف المقام ، ولو شككنا في أنّ الجواز تعلق بتراد العينين أو بنفس العقد ، فلا يمكننا إجراء استصحاب الجواز بعد التلف لعدم إحراز الموضوع حسب الفرض فإنّه على تقدير تعلقه بترادّ

العينين منتف ، هذا ملخّص ما أفاده في المقام .وللنظر فيما أفاده مجال ، لأنّا لم نفهم معنى تعلّق الجواز بتراد العينين ، فهل يريد بذلك مجرد ردّ العينين خارجاً مع بقائها في ملك مالكهما الثاني بأن يدفع المشتري ملكه للبائع نظير الوديعة والأمانة مع بقائه في ملكه ، فهو خلاف المفروض .نعم ، يمكن أن يراد بالجواز حقّ حلّ العقد بالتراد بأن يكون التراد مصداقاً للفسخ ، أو حقّ حلّ العقد بعد التراد ، نظير بيع الخيار أي الخيار بشرط ردّ مثل الثمن ، وعليه يختص الجواز بفرض بقاء العينين ولا يثبت بعد تلفهما ، بل احتمال ذلك كافٍ في المنع عن ثبوت الخيار بعد التلف ، وذلك تمسكاً بالعمومات .فظهر بما بيّنا فساد ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه من التعليلين وإن كانت الدعوى - أعني كون تلف العوضين ملزماً - صحيحة . أمّا على المختار فلأنّ العمومات كانت تقتضي الملكية واللزوم من أوّل الأمر ، وإنّما خ--رج--نا عنها في المعاطاة إلى ما قبل التلف آناً ما لقيام الإجماع على اشتراط حصول الملك أو اللزوم بالتلف وأمّا بعده فلم يثبت لها مخصص ، وأمّا على مسلكه فلدخول كل من المالين من أوّل الأمر أو قبل التلف آناً ما في ملك المعطى له ، والأصل في الملك اللزوم .)ومن ذلك يظهر حال ما إذا تلفت إحدى العينين أو بعضها مع بقاء العين الأخرى وأنّ ذلك أيضاً من الملزمات ، ولا يمكن مع تلف إحداهما الفسخ لعدم امكان الترادّ ، وقد عرفت أنّ المتيقّن من جواز الفسخ هو صورة تراد العينين ومع عدمها لا يجوز الفسخ كما لا يخفى ، هذا .وقد نقل شيخنا الأنصاري (1عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّه التزم بعدم اللزوم في المقام وفاقاً لبعض معاصريه تبعاً للمسالك على القول بأن المعاطاة)


1) المكاسب 3 : 97 .

تفيد الاباحة مستنداً إلى أصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة وبقاء ملكه لها .وشيخنا الأنصاري يستشكل في ذلك أوّلاً : بأنّ أصالة بقاء ملك مالك العين الموجودة وأصالة بقاء سلطنته عليها معارضة بأصالة براءة ذمته عن مثل التالف أو قيمته ، فإنّ مقتضى بقاء السلطنة والملك جواز الرجوع في العين الموجودة ، فإذا رجع لا بد أنّ يضمن التالف لمالكه بالمثل أو القيمة ، وهو منافٍ لأصالة براءة ذمته عن الضمان ، فيعلم إجمالاً بعدم جريان أحد الأصلين فيسقطان معاً على ما هو الشأن في موارد العلم الاجمالي . ولا يتوهّم عدم جريان أصالة البراءة لحكومة على اليد عليها ، فيكون استصحاب السلطنة خالياً عن المعارض ، وذلك لعدم جريان على اليد في المقام ، للقطع بأنها ليست يد ضمان قبل التلف بل ولا بعده ما لم يرجع المالك فيبق الضمان بعد الرجوع ، وليس هذا من مقتضى اليد قطعاً .وبعد ذلك يقرب ما استوجهه صاحب الجواهر (قدّس سرّه ويقول : لكن يمكن أنّ يقال : إنّ أصالة بقاء السلطنة حاكمة على أصالة البراءة عن الضمان بالمثل أو القيمة ، فإنّ الشكّ في الضمان مسبّب عن الشكّ في بقاء السلطنة ، بل لا مجرى لأصالة عدم الضمان في نفسها مع قطع النظر عن معارضتها باستصحاب بقاء السلطنة ، للقطع بضمان العين التالفة حسب الفرض من أنّ الاباحة لم تكن مجانية ، غاية الأمر أنّ الكلام في أنّه ضامن لعوضها الواقعي من المثل أو القيمة أو لعوضها المسمّى ، وكيف كان فأصل ضمانه مقطوع به ، ومعه لا مجال لأصالة عدم الضمان، فيبقى أصالة بقاء السلطنة والملك سليمة عن المعارض وثمرتها عدم لزوم المعاطاة بتلف إحدى العينين .)مضافاً إلى ما قد يقال : من أنّ عموم «الناس مسلّطون» الخ (1يدلّ على)


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

السلطنة على العين الموجودة فيمكن لمالكها أخذها عمّن بيده ، وعلى العين التالفة فلمالكها أن يأخذها ببدلها الحقّيقي من المثل أو القيمة ثمّ أمر بالتدبّر ، هذا .والكلام يقع في جهات :الجهة الأولى : في أنّ أصالة بقاء السلطنة أو الملك هل هي جارية في حدّ نفسها أو غير جارية ؟ الصحيح أنّها غير جارية على مسلكنا ومسلكه ، أما على مسلكنا فلأنّ العمومات دلّت على صحّة المعاطاة ولزومها من أوّل الأمر ، ولكن خرجنا عن ذلك بقيام الإجماع في المقدار المتيقّن وهو فرض بقاء العينين ، ففي غيره مثل فرض تلف إحدى العينين نرجع إلى العمومات ونثبت الملك واللزوم. وأمّا على مسلكه فلأجل ما ذكره هو (قدّس سرّه (1)في أجوبة إيرادات كاشف الغطاء من أنّ مقتضى الجمع بين الأدلة الالتزام بدخول التالف في ملك من بيده بآن قبل التلف بحيث يتلف في ملك نفسه ، وأنّ ذلك يوجب دخول العين الموجودة في ملك من هي بيده عوضاً ، لأن دخول التالف في ملك من تلف عنده ليس مجانياً وب--لا ع--وض وعوضه إنّما هو العين الموجودة فيملكها من بيده لا محالة .)وإن شئت قلت : إنّ الرجوع الثابت قبل التلف إنّما هو رجوع المالك إلى ملكه ، وبعد ، وبعد التلف يكون من الرجوع إلى ملك الغير ، وقد نهى عنه سبحأنّه بقوله : (ولَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ (2)فالموضوع متبدل لا مجال معه للاستصحاب ، نعم لو احتمل عدم حصول الملكية آناً ما قبل التلف أمكن الاستصحاب ، لكنّه خلاف الفرض . الجهة الثانية : في أنّه هل يمكن التمسّك بعموم على اليد أو لا ؟ الظاهر أنّه لا)


1) المكاسب 3 : 49

2) النساء 4 : 29 .

مانع من التمسّك به وإثبات الضمان ، وذلك لأنّ الخارج عنه وعن السيرة العقلائية موردان ، أحدهما : ما إذا ألغى المالك احترام ماله بتسليط الغير عليه مجّاناً ، ف-لا يكون الغير ضامناً ، وعليه تبتني قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده وثانيهما : اليد الأمانية سواء كانت الأمانة مالكية أو شرعية ، والمقام خارج عن كلا الموردين فيكون مشمولاً للحديث والسيرة .ودعوى أنّ اليد قبل التلف لم تكن يد ضمان ممنوعة ، فهي يد ضمان من أوّل حدوثها والخبر شامل لها ، غاية الأمر يكون الضمان قبل التلف بنفس العين وبعده ببدلها .الجهة الثالثة : في أنّ أصالة بقاء الملك على تقدير جريانها حاكمة على براءة ذمته عن الضمان بالمثل والقيمة أم لا ؟ فنقول : لا وجه لحكومتها إلّا أحد أمرين كلاهما لا يناسب مقام الشيخ جداً :أحدهما : أن يقال أنّ الاستصحاب حاكم على البراءة مطلقاً ولو كان مورد هما متعدداً كما في المقام ، وظنّي أنّ المحقّق الهمداني (1نقله في بحث قضاء الصلوات الفائتة وقرّبه على ما هو ببالي .)وهذا مندفع بأنّا لا نلتزم بحكومة الاستصحاب على البراءة إلّا من جهة أنّ الاستصحاب ينفي موضوع البراءة ويرفعه ، وهذا إنّما يتم فيما إذا جريا في مورد واحد ، فإذا كانت نجاسة شيء مورداً للاستصحاب فلا يبقى لأصالة الطهارة فيه مجال .وأمّا إذا كانا في موردين فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر وهو ظاهر . على أنّه يمكن الرجوع في نفي الضمان بالمثل أو القيمة إلى الاستصحاب ، بأن نقول إنّ


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 610 .

ذمة ذلك الشخص لم تكن مشغولة بالمثل أو القيمة قبل التلف والآن كما كان وحينئذ لا يبقى لتوهم حكومة استصحاب بقاء السلطنة والملك على أصالة عدم الضمان وجه ، لأن الأصل الجاري فيه أيضاً استصحاب .وثانيهما : أن يقال إنّ السر في حكومة أصالة بقاء السلطنة على أصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة هو أنّ مرتبة الضمان بالمثل أو القيمة متأخرة عن مرتبة الضمان بالمسمّى ، فان الذمة إنّما تشتغل بها فيما إذا لم يضمن بالعوض المسمّى فالأصل الجاري في الثاني مقدّم على الأصل الجاري في الأوّل ، وأصالة بقاء السلطنة والملك جارية في الثاني ، فإنّها تنفي الضمان بالمسمّى ، فلا يبقى مجال لأصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة .وبعبارة أخرى : الشك في اشتغال الذمة بالمثل أو القيمة مسبّب عن الشك في بقاء السلطنة والملك ، فإذا جرت أصالة بقاء السلطنة واقتضت عدم الضمان بالمسمّى فيترتّب عليها اشتغالها بالمثل أو القيمة ، ولا تجري أصالة عدم اشتغالها بالمثل أو القيمة ، هذا .وفيه : أنّ الحكومة إنّما تتمّ فيما إذا كان ترتّب الضمان بالمثل أو القيمة على بقاء الملك ترتّباً شرعياً ، وليس كذلك ، فإنّ الضمان المذكور مترتّب على بقاء التالف في ملك مالكه الأوّل وهو لازم عقلي لبقاء الملك والسلطنة على العين الموجودة وبالجملة ثبوت الضمان بالمثل أو القيمة إنّما هو من جهة امتناع اجتماع عدمه مع بقاء الملك والسلطنة في العين الموجودة ، ولا تتحقّق الحكومة بذلك .نعم ، يمكن إثبات الضمان بالمثل أو القيمة باستصحاب بقاء التالف في ملك مالكه الأوّل فيما إذا احتملنا ذلك ، ولكنّه منافٍ للالتزام بالملكية آناً ما قبل التلف .

الجهة الرابعة : في جريان قاعدة « الناس مسلّطون على أموالهم » (1في كل من المالين الموجود والتالف وعدمه . والتمسّك بها في المقام من أظهر أنحاء التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية ، لأنّ المفروض أنا نشك في انتقال المالين من مالكيها الأولين إلى الطرف الآخر من جهة الشك في أنّ التلف مملك ومن ملزمات المعاطاة ومعه كيف يصحّ أنّ يقال بجريان عموم « الناس مسلّطون على أموالهم » في المقام .)فالمتحصّل من جميع ذلك: أنّ تلف إحدى العينين كتلف كلتاهما من ملزمات المعاطاة ولا وجه لبقاء الاباحة بعده بوجه ، هذا .ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ذكر أنّه لو كان أحد العوضين ديناً في ذمة أحد المتعاطيين ، فعلى القول بالملك يملكه من في ذمّته فيسقط عنه، والظاهر أنّه في حكم التالف لأن الساقط لا يعود ، ويحتمل العود وهو ضعيف، والظاهر أنّ الحكم كذلك على القول بالاباحة فافهم (2)انتهى .)ووجّه شيخنا الأستاذ (3اللزوم على القول بالاباحة بأنّ الاباحة في المقام إباحة مطلقة وهي كالسلطنة المطلقة ، فيكون أثرها السقوط كالملك .)نقول : الظاهر لزوم المعاطاة في الفرض على كلّ من القول بالملك والاباحة لكن لا من جهة أنّ الدين يستحيل أنّ يملكه من في ذمّته لاستلزامه سلطنة الإنسان على نفسه فلابدّ وأن يسقط ، لما عرفت في تعريف البيع من إمكان ذلك ، بل اللزوم من أجل ما ذكرنا من أنّ العمومات المقتضية للملك واللزوم تشمل المعاطاة خرجنا عنها بالإجماع القائم على الجواز أو على عدم الملك ، ولكن هذا الإجماع


1) تقدّم تخريجه في الصفحة 163 .

2) المكاسب 3 : 98 .

3) منية الطالب 1 : 206 .

مختصّ بصورة إمكان ترادّ العينين ، فيختصّ بما إذا كان العوضان من الأعيان الخارجية التي يمكن فيها التراد ، ولا يشمل الدين حتّى إذا كان في ذمة شخص آخر غير المتعاطيين ، لعدم إمكان التراد فيه ، فتأمّل.ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه (1)تعرّض لصورة انتقال أحد المالين المأخوذين بالمعاطاة أو كليهما بالانتقال اللازم أو الجائز كما إذا باع المشتري ما أخذه بالمعاطاة من آخر ، والحقّ عدم جواز الرجوع مطلقاً ، سواء على القول بالملك أو الاباحة وسواء عادت العين أم لم تعد ، أما قبل عودها فواضح ، وأمّا بعد العود فلأن المعاطاة بناءً على أنّها تفيد الاباحة تصير لازمة بانتقال أحد المالين إذا كان الانتقال متوقفاً على الملك نظير البيع ونحوه ، لأنّه يكشف عن دخول المال في ملكه بآن قبل البيع فيكون المال ملكه ولا يمكن للبائع أعني مالكه الأول أن يرجع عليه ، لأنّه من قبيل الرجوع في ملك الغير ، بل لا يختص ذلك بالانتقال المعاوضي ويجري في مثل الهبة التي لا معاوضة فيها ، بل لا يختص بالمعاملات ويجري في كل تصرف متوقف على الملك نظير العتق والوطء فانّها تكشف عن دخول المال في ملك المتصرف آناً ما ودخوله في ملكه يكشف عن دخول المال الآخر أيضاً في ملك المالك الآخر ، فلا يصحّ لهما الرجوع في مالهما بدعوى عموم الناس مسلّطون على أموالهم » (2)وذلك لما عرفت من أنّ المال صار ملكاً للآخر حينئذ فلا يبقى للعموم المدعى مجال .)وأمّا على القول بالملك فإن كان رجوع العين إلى ملك البائع بسبب آخ--ر كالارث أو عقد آخر فالملكية الناشئة منه ملكية أخرى ولم يكن للمالك حقّ الرجوع فيها وحلّها ، وإنّما كان له حقّ الرجوع في الملكية السابقة التي زالت بالناقل


1) المكاسب 3 : 99

2) تقدّم تخريجه في الصفحة السابقة

على الفرض ، وإن كان رجوع العين بفسخ أو إقالة فالملكية العائدة وإن لم تكن مغايرة للملكية السابقة ، إلّا أنّ المتيقّن من مورد الإجماع القائم على جواز المعاطاة غير ذلك ، واستصحاب الجواز غير جارٍ ، للقطع بارتفاع الجواز في الأثناء .نعم ، على القول بالملك لا يكون الوطء ونحوه من التصرف المتوقّف على الملك ملزماً ، لعدم توقفه على لزوم الملك ، ولا وجه لقياس المقام بخيار العيب حيث يكون التصرف فيه مسقطاً للخيار ، فإنّ ذلك ثبت فيه بدليل خاص دلّ على سقوطه بإحداث الحدث ، وأي حدث أعظم من الوطء خصوصاً في الباكرة ، ولم يدلّ دليل عليه في المقام .اللهمّ إلّا أن يقال - على ما سلكناه في المعاطاة - إنّ العمومات كانت شاملة للمعاطاة وكان مقتضاها اللزوم ، وإنّما خرجنا عنها بالإجماع ، والمتيقّن منه ما لم يحدث التصرف المتوقّف على الملك كالوطء .وأمّا إذا باع الفضولي أحد المالين المأخوذين بالمعاطاة ، فالكلام في ذلك يقع في أمور ثلاثة : الأول : في الاجازة . والثاني : في الردّ . والثالث : في تعارض الرد والاجازة .أما الاجازة فلا ينبغي الاشكال في أنّه إذا قلنا بالاباحة يجوز للمعطي أي المالك إجازة البيع الذي وقع على ما أباحه للمعطى له ، لأن المال ماله وله إجازة بيع الفضولي فيه ، وبنفس إجازته يبطل المعاطاة ويكون رجوعاً فعلياً بالدلالة الالتزامية ، كما أنّ للمشتري المباح له إجازة البيع الفضولي الواقع على المال ، لأنها من أحد أنحاء التصرّفات الجائزة له بالمعاطاة ، إذ المفروض أنّ المعاطاة تفيد الاباحة وإجازته ذلك يكشف عن دخول المال في ملكه آناً ما وخروجه عن ملكه إلى ملك المشتري الثاني ، وأمّا إذا قلنا بالملك فالاجازة من المالك الأول تكون رجوعاً وفسخاً للمعاطاة كبيعه وسائر تصرفاته الموقوفة على الملك ، ومن المشتري

تكون ملزمة للمعاطاة .وأمّا الردّ فلا إشكال بناء على القول بالاباحة في نفوذه من المالك ، لأنّه ملكه وله ردّ البيع الواقع على ملكه فضولاً وإبقاء المعاطاة الموجودة بل لا يبعد ك--ونه رجوعاً وإبطإلّا للمعاطاة ، لأنّ الاباحة لم تكن مالكية وإنّما كانت شرعية مترتّبة على المعاطاة المقصود بها إنشاء الملك ، فإذا ردّ المالك فمعناه الرجوع عما أنشأه من التمليك ، فإذا انتفى إنشاء التمليك انتفت الاباحة الشرعية المترتّبة عليها .وأمّا الردّ من المعطى له فربما يقال بنفوذه أيضاً نظراً إلى أنّ الردّ تصرف مالكي يستكشف به دخول العين في ملكه قبله آناً ما ، فبعد الردّ تكون العين ملكاً له ، اللهمّ إلّا أنّ يقال أنّ التصرف المالكي من المباح له إنّما يكشف عن دخول العين في ملكه قبله آناً ما إذا كان في العين، وليس الردّ تصرفاً في العين ، وإنّما هو تصرف في العقد الواقع عليها ، ولم يثبت جوازه له أصلاً . وأمّا بناءً على القول بالملك فيكون الردّ من المالك الأول نافذاً وفسخاً للمعاطاة كما ينفذ من المشتري أيضاً لوقوع عقد الفضولي على ملكه فله ردّه .وأمّا تعارض الردّ والاجازة كما إذا ردّ المعطي وأجاز المعطى له فإن كانت الاجازة سابقة على الردّ فلا يبقى موضوع للردّ ، وتكون الاجازة نافذة دون الردّ وأمّا إذا تأخّرت الاجازة عنه فيكون الردّ السابق للعقد الفضولي فسخاً للمعاطاة ورجوعاً عنها بالالتزام، فهل يكون الرجوع مقدماً على الاجازة أو هي تتقدّم عليه ؟ جعله الشيخ (قدّس سرّه (1)مبنيّاً على القول بالنقل أو الكشف ، فعلى النقل يتقدّم الردّ ، لكونه رجوعاً في المعاطاة فلا يبقى للثاني حقّ الاجازة ، وعلى الكشف تكشف الاجازة عن خروج العين عن ملك المعطي قبل ردّه ، فلم يحصل الردّ من)


1) المكاسب 3 : 101 .

المالك فيلغو ، ثمّ احتمل لغوية الاجازة ، لأنّ الكاشف إنّما هو اجازة المالك ، وهي : أوّل الكلام .والصحيح في المقام أن يقال : إن أُريد بكون الاجازة كاشفة أنّها كالأمارات في كونها معرّفاً وكاشفاً عن الواقع ، فلا ينبغي الشك في أنّ الردّ يقع لغواً حينئذ ، لأن الاجازة تكشف عن سبق ملك المشتري للمال وتقدّمه على الردّ ، إلّا أنّ الكشف بهذا المعنى لا دليل عليه كما سيأتي تفصيله في محله إن شاء الله(1)وإن قلنا بالكشف على نحو الشرط المتأخّر بأن تكون الاجازة شرطاً متأخراً في تأثير العقد الصادر عن الفضولي، أو على نحو أخذ التعقب بالاجازة شرطاً مقارناً ، فعدم نفوذ الاجازة ظاهر كالقول بالنقل ، وذلك لأن الاجازة إنّما تكون كاشفة عن الملك سابقاً فيما إذا صدرت عن المالك مع قطع النظر عن الاجازة ، لا أنّ الاجازة كاشفةً من أي شخص صدرت ، لأن قوله تعالى ﴿إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (2)بمعنى عن تراض من الملاك لا من الجيران أو الغاصب ونحوهما والمعطى له المجيز للعقد الفضولي مع قطع النظر عن هذه الاجازة ليس بمالك ، لأن الرد السابق من المالك قد دلّ على رجوع المال إلى ملكه وخروجه عن ملك المعطى له ، فلا تكون إجازته نافذة على أي حال، بل يمكن أنّ يقال إنها غير نافذة حتّى على القول بأنها كاشفة كالأمارات ، لعين ما عرفت من أنها عند القائلين بأنها كالأمارات إنّما تكشف عن الملك فيما إذا صدرت عن الملك فيما إذا صدرت عن المالك مع قطع النظر عن هذه الاجازة ، والمجيز غير مالك مع قطع النظر عنها .)ويحتمل كلام الشيخ معنى آخر ليس فيه تبعيد المسافة ، وهو أن نفرض


1) راجع الصفحة 435 فما بعدها .

2) النساء 4 : 29 .

المعارضة ابتداءً بين رجوع المعطي عن المعاطاة وإجازة المعطى له ، لا بين ردّ المعطي وإجازة المعطى له حتّى نحتاج إلى إثبات أنّ الردّ رجوع بالالتزام على القول بالملك أو مطلقاً ، بل هذا المعنى هو الظاهر من قول الشيخ « ولو رجع الأوّل فأجاز الثاني » حيث عبّر بالرجوع دون الرد .فالمتحصّل : أنّ الاجازة على جميع الأقوال والتقادير باطلة ، وأنّ النافذ هو الردّ السابق من المالك فلا تغفل.هذا كلّه فيما إذا وقع العقد الفضولي على المبيع بالمعاطاة ، وكذلك الحال فيما إذا وقع على الثمن في المعاطاة ويأتي فيه ما ذكرناه في الصورة الأولى حذو النعل بالنعل هذا .ثمّ إن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1) تعرّض لفرعين آخرين :)أحدهما : ما إذا امتزجت العينان أو إحداهما بشيء آخر ، فإن كان المزج ملحقاً بالتلف كامتزاج الدهن بالمرق أو بسائر الأغذية كالحلويات ، فلا إشكال في أنّه ملزم للمعاطاة .وأمّا إذا لم يكن كذلك فذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه(1)أنّه بناءً على القول بالاباحة فالأصل بقاء التسلّط على ماله الممتزج فيصير المالك شريكاً م-ع م-الك الجنس الآخر ، وأمّا بناءً على الملك فلا يجوز له الرجوع في المعاطاة ، لأن متعلّق الجواز إنّما هو تراد العينين ولا يمكن التراد في المقام . ثمّ احتمل جواز الرجوع والشركة وذكر أنّه ضعيف ، هذا.)ولا يخفى أنّه بناءً على ما سلكناه من أنّ مقتضى العمومات لزوم المعاطاة من الابتداء وإنّما خرجنا عن مقتضاها بمقدار الإجماع القائم على الجواز نحكم بلزوم


1) المكاسب 3 : 101 .

المعاطاة بعد الامتزاج مطلقاً على القول بالملك والاباحة ، لأن المتيقّن من الاجماع هو ما أمكن فيه استرجاع الملكية الاستقلالية السابقة .مع أنّ السيرة المتداولة بين الناس أيضاً تقتضي اللزوم بعد الامتزاج .وثانيهما : ما إذا تصرف في العين تصرفاً مغيّراً للصورة ، كما إذا طحن الحنطة أو فصل الثوب فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)أنّه لا لزوم بناء على الاباحة ، وأمّا على الملك ففي اللزوم وجهان مبنيان على جريان استصحاب جواز التراد وعدمه، من جهة الشك في أنّ الموضوع في الاستصحاب عرفي أو حقيقي ، هذا .)ولا يخفى أنّ مقتضى ما سلكناه في المقام لزوم المعاطاة بذلك ، لأن المتيقّن من الاجماع القائم على الجواز إنّما هو ما قبل زمان التصرف المغيّر في العين ، وأمّا بعده فلا ، كما أنّ السيرة المتداولة بين الناس أيضاً تؤيد ذلك .ثمّ أنّه (قدّس سرّه تكلّم في الموت والجنون وأنّ شيئاً منهما إذا طرأ على أحد المتعاطيين فهل يوجب لزوم المعاطاة نظير التلف أو لا يوجب اللزوم ، فأفاد بأنّ المعاطاة إذا قلنا بإفادتها الملك تصير لازمة بموت المتعاطيين أو أحدهما ، لأن الجواز في المقام ليس من قبيل الحقّوق حتّى ينتقل إلى وارث الميّت أو يقبل الاسقاط ، بل إنّما هو جواز حكمي قائم بالشخص غير قابل للانتقال ، فإذا مات أحد المتعاطيين فلا محالة يرتفع الجواز فتصير المعاطاة لازمة .)وأمّا إذا قلنا بالاباحة فلا تصير المعاطاة لازمة بموت أحدهما ، لأن الاباحة في المقام نظير الاباحة فيما يقدّمه الانسان لضيفه في دورأنّه مدار الرضا الباطني للمالك ، فإذا مات أحد المتعاطيين وانتقل المال إلى وارثه فيدور بقاء الاباحة مدار


1) المكاسب 3 : 101 .

رضا الوارث ، هذا .وما أفاده على القول بالملك من أنّ الجواز حكمي وليس حقياً م-ت-ي-ن ج-داً لأنّه على وفق القاعدة لما ذكرناه (1في بيان الفرق بين الحقّ والحكم من أنّ الحقّ بعينه هو الحكم وليس شيئاً غيره ، غاية الأمر أنّ بعض الأحكام ممّا قام الدليل على انتقاله وأنّه يقبل الاسقاط ، وكل ما لم يقم دليل على كونه كذلك فمقتضى القاعدة فيه عدم سقوطه وعدم قبوله النقل والانتقال .)إلّا أنّ ما أفاده بناءً على القول بالاباحة ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن الاباحة في المعاطاة ليست إباحة مالكية نظير الاباحة في الطعام حتّى يدور مدار رضا المتعاطيين والمالكين ، بل هي إباحة شرعية حكم بها الشارع في المعاطاة المقصود بها الملك ، وكان مقتضى القاعدة فيها ثبوت الملك ، وقد خرجنا عنها بالإجماع ، والمتيقّن منه ما قبل موت أحد المتعاطيين ، وأمّا حين موته أو قبله آناً ما فلم يثبت إجماع على عدم الملك ، فالعمومات محكمة ، فلا ينتقل المال إلى الوارث ليدور بقاء الاباحة للمعطى له مدار رضا الوارث ، وهذا البيان يجري على القول بالملك أيضاً فيلتزم بسقوط جواز الرجوع وإن بنينا على كونه جوازاً حقياً . وإن شئت قلت أنّ الجواز الثابت بالإجماع إنّما هو لشخص المتعاطيين دون وارثهم .وأمّا المجنون فقد ذكر (قدّس سرّه أنّه يقوم الولي مقامه في الرجوع على كلا القولين ، ولعلّ وجهه أنّه ليس فيه انتقال للجواز ، ولكن ظهر الحال فيه ممّا بيناه ، فإنّ مقتضى العمومات أنّ تكون المعاطاة مفيدة للملك اللازم ، وقد خرجنا عنها بالإجماع ، والمتيقّن منه ما قبل الجنون آناً ما .)


1) في ص 30 .

### التنبيه السابع :جریان الخیارات المختصّة بالبیع في المعاطاةالمقصود من هذا التنبيه البحث عن جريان الخيارات المختصة بالبيع في وعدمه ، وقد حكى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)ع--ن المسالك (2)وجهين في كون المعاطاة بيعاً أو معاملة مستقلة أخرى وقد تقدم ذلك سابقاً وأحال شيخنا الأنصاري تفصيله إلى التنبيهات فلذا أشار إلى تفصيله في المقام ، ومحل البحث إنّما هو المعاطاة المقصود بها التمليك مع ترتّب الاباحة عليها شرعاً ، وأمّا المعاطاة المقصود بها الاباحة التي يترتّب عليها الاباحة فلا معنى للبحث عن أنها بيع أو معاوضة مستقلة ، للعلم بأنها ليست من البيع جداً ، كما أنّ المعاطاة المقصود بها التمليك المترتّب عليها الملك على نحو الجواز أو اللزوم ، لا معنى للبحث عن أنها بيع أو معاوضة أخرى لأنها بيع حقيقي حينئذ بلا كلام .)ثمّ إنّه ربما يتخيّل أنّه لا ينبغي البحث عن أنّ المعاطاة المذكورة من البيع أو معاوضة أخرى ، إذ المراد من البيع أنّ كان البيع العرفي فلا إشكال في أنها كذلك وإن أريد به البيع شرعاً فلا إشكال في أنها ليست بيعاً شرعياً لعدم ترتّب الملكية عليها .والتحقيق أنّ المعاطاة على القول بالملك اللازم بيع بلا إشكال ، وكذا على القول بترتّب الملك الجائز عليها ، إذ لا يعتبر اللزوم في حقيقة البيع ، وأمّا على القول بالاباحة فكذلك ، لما مرّ مراراً من أنّ الاباحة المترتّبة على المعاطاة ليست إباحة مالكية ، وإنّما هي إباحة شرعية ثابتة بالسيرة والإجماع، وأمّا المتعاطيان فقد قصدا بها التمليك وأمضاه الشارع غاية الأمر مشروطاً بشرط متأخر عن المعاطاة مقارن


1) المكاسب 3 : 103 .

2) المسالك 3 : 151 .

لحصول الملك من التلف والتصرف المغيّر ونحوهما ، كاشتراط صحّة بيع الصرف وترتّب الأثر عليه بالقبض واشتراط صحّة بيع المكره بالاجازة . نعم ، حكم الشارع في المعاطاة باباحة التصرف قبل حصول شرط الملك ولم يحكم بها في بيع الصرف وبيع المكره ونحوهما .وعليه فالمعاطاة تكون بيعاً من أوّل حدوثها على جميع الأقوال حتّى القول بالاباحة ، كما أنّ بيع المكره والصرف أيضاً بيع قبل حصول الاجازة والقبض .وأمّا جريان الخيارات فيها فتفصيله أنّ الخيار قد يكون بتعبّد شرعي كخيار المجلس والحيوان ، وقد يكون ناشئاً من تخلّف الشرط ، فإن جعل الشرط لا معنى له إلّا جعل الخيار عند تخلّفه ، ثمّ الشرط قد يكون لفظياً مذكوراً في العقد وقد يكون ارتكازياً كاعتبار سلامة العوضين وعدم تفاوت الثمن عن القيمة السوقية تفاوتاً فاحشاً في المعاوضات ، ولذا يكون التخلّف في الأوّل موجباً لثبوت خيار العيب وفي الثاني موجباً لخيار الغبن ، وهذا القسم من الخيار أعني الناشئ من تخلف الشرط لا إشكال في جريانه في المعاطاة ، لعدم اختصاصه بالبيع بل يجري في جميع المعاوضات .وأمّا القسم الأوّل فعلى المختار من القول بافادة المعاطاة الملك اللازم من أوّل الأمر فلا ينبغي الإشكال في جريان جميع الخيارات فيها .وأمّا بناءً على القول بالملك المتزلزل فظاهر كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)و صریح كلام شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)في الخيارات المختصة بالبيع كخيار المجلس والحيوان عدم جريان الخيارات فيها ، وعلله شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بأنّ)


1) المكاسب 3 : 104

2) منية الطالب 1 : 225 .

هذه الخيارات إنّما تتحقّق في بيع مبناه على اللزوم لولا الخيار ، والمعاطاة بناءً على أنها تفيد الملك المتزلزل غير مبنية على اللزوم مع قطع النظر عن الخيار ، لأن الفرض أنها تفيد الملك الجائز دون اللازم ، هذا .ولا يخفى أنّ الجواز الثابت في المعاطاة كالجواز في البيع الخياري ومتعلّقها شيء واحد وهو العقد ، وليس الجواز في المقام متعلّقاً بتراد العينين كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)وذلك لما عرفت من أنّ المراد بالتراد ليس هو التراد الخارجي ، إذ لا معنى لتعلّق الجواز به ، وإنّما هو التراد في العلقة الملكية نظير الخيار في البيع ، وعليه فحال المعاطاة حال البيع الخياري بعينه ، وليس الجواز في أحدهما أمراً آخر غير الجواز في الآخر ، فما يجري في البيع الخياري من خياري المجلس والحيوان أو العيب بالنسبة إلى الارش يجري في المعاطاة أيضاً ، هذا كله بالنسبة إلى ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .)وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه فإن أراد بالبيع الذي يكون مبنياً على اللزوم البيع الذي يكون كذلك بجعل المتعاملين فالمقام أيضاً من هذا القبيل لأن قصد المتعاطيين التمليك اللازم .)وإن أراد بذلك البيع الذي مبناه على اللزوم عند الشارع ، فهو أمر لا يمكن إسناده إلى أحد ، لأنّ لازمه عدم جريان خيار الحيوان في بيع يكون فيه خيار آخر كخيار الرؤية أو خيار المجلس أو الشرط ، لأنّه حينئذ غير مبني على اللزوم شرعاً ولو مع قطع النظر عن خيار الحيوان ، إذن فالحقّ ثبوت هذه الخيارات في المعاطاة على القول بإفادتها الملك الجائز ، وذلك لوضوح أنّه لا مانع من اجتماع خيارات بينها عموم من وجه في بيع واحد ، فلا يلزم من جعل أحدهما مع وجود الآخر


1) المكاسب 3 : 97 .

لغوية ولا محذور آخر ، ففي مثل المعاطاة إذا حكمنا بخيار الحيوان فيها مثلاً يتمكّن المكلّف من إيطال المعاطاة من جهتين ، فتارةً يثبت له خيار الحيوان مع ارتفاع الجواز الناشئ من المعاطاة كما إذا تصرف في العين تصرفاً مغيّراً للعين وارتفع الجواز المعاطاتي بذلك ، إلّا أنّ له فسخها بخيار الحيوان لعدم انقضاء ثلاثة أيّام مثلاً . وأخرى يثبت له الجواز من جهة المعاطاة دون سائر الجهات ، وهذا كما إذا انقضت الأيام الثلاثة ولم يتصرّف في العين تصرفاً مغيّراً مثلاً ، وثالثة يجتمع عنده الخياران وكيف كان فلا يلزم من تعدّدها محذور اللغوية ونحوها . فتحصّل أنّه لا مانع من جريان الخيارات المذكورة في المعاطاة بناءً على أنها تفيد الملك المتزلزل .وأمّا على القول بالاباحة فحال المعاطاة على ما عرفت حال بيع المكره وبيع الصرف، فكما يثبت فيها خيار المجلس والحيوان ويترتّب عليه الأثر بعد حصول الشرط فكذلك المقام ، وقد ظهر بما بيناه أنّ مبدأ خيار الحيوان هو زمان حصول أحد الملزمات ، فلا وجه للترديد في مبدئه .### التنبيه الثامن :صدق المعاطاة علی البیع بصیغة غیرجامعة للشروطإذا أوقعا البيع بصيغة غير جامعة لجميع شرائط الصحّة واللزوم فهل يحكم عليها بالمعاطاة ، أو يحكم عليها بالبيع الفاسد ، أو يفصل بين ما إذا وقع التقابض بعدها فيحكم عليها بالمعاطاة ، وبين ما إذا لم يقع فيحكم عليها بالبيع الفاسد ؟ وجوه .وقد أطال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)الكلام في المقام بما لا نرى فيه فائدة ، فلذا ندرج الكلام في ذلك فنقول : أنّ قلنا بعدم اعتبار شيء من الشرائط التي)


1) المكاسب 3 : 106 .

سيأتي ذكرها في محلّها في صحّة الصيغة وقلنا بأنّ الصيغة لا يعتبر فيها إلّا ما يكون مبرزاً للاعتبار النفساني من دون أن يعتبر فيها الماضوية أو العربية أو غيرهما فلا توجد في الخارج صيغة تكون فاقدة لشيء من شرائط الصحّة إلّا فيما إذا لم يكن مبرزاً للاعتبار النفساني من جهة أنها لا تكون مشروطة حينئذ بشرط لتكون الصيغة فاقدة له ، وتكون الصيغة العارية عن العربية والماضوية صحيحة كما سيأتي تفصيله أنّ شاء الله ، ونبيّن هناك أنّ هذا هو الصحيح .وأمّا إذا قلنا باعتبار شيء في صحتها كالعربية والماضوية مثلاً ، فلو أوقعا العقد عارياً عن العربية أو الماضوية فحينئذ نسأل أنّ هذا شرط في لزوم الملك أو أنّه شرط في صحته ، فإن كان شرطاً في لزومه فلازم انتفائه انتفاء لزوم الملك حينئذ وأمّا أصله فلا ، فيكون الملك جائزاً لا محالة ، ففقدان الصيغة لمثل ذلك لا يوجب دخولها تحت المعاطاة أو البيع الفاسد بوجه ، وإنّما هو بيع حقيقي غاية الأمر أنّها تفيد الجواز لا اللزوم.وأمّا إذا كان ذلك شرطاً في صحّة الصيغة ، فلازم فقدان الصيغة له أنّ تكون بيعاً فاسداً لا يوجب جواز التصرف في العوضين ولا رفع الضمان ، ولا وجه لإدخاله تحت المعاطاة حينئذ ، وهذا من دون فرق بين ترتّب التقابض عليها وعدمه ، لأنّ القبض المبني على العقد اللفظي ليس إنشاء فعلياً للتمليك ، بل يكون من قبيل قبض المقامر وإقباضه مترتّباً على القمار من باب الوفاء بالعقد ، فلا يوجب جواز التصرف كبقية العقود الفاسدة ، ولا يقال ذلك في المعاطاة على القول بعدم إفادتها الملك ، لأنّ الاباحة في موردها ثبتت بدليل خارجي من سيرة أو إجماع ، ولم يثبت ذلك في المقام .نعم يستثنى من ذلك موردان على سبيل الاستثناء المنقطع :أحدهما : ما إذا قصدا بالقبض والاقباض إنشاء التمليك مستقلاً مع قطع النظر

عن العقد اللفظي السابق .وثانيهما : ما إذا أحرز كلّ من الطرفين رضا الآخر بتصرّفه في ملكه ، فإنّ التصرف حينئذ سائغ حلال ، ولا إشكال في ذلك أيضاً بوجه ، ولا يختص ذلك بالبيع لأنّ الأمر كذلك في جميع المقامات حتّى في مثل القمار ونحوه ، فإنّهما إذا تراضيا بتصرف كلّ في مال الآخر فلا محالة يصير التصرف في المال سائغاً ، إلّا أنّ هذا الجواز حينئذ جواز مالكي قائم باحراز رضاه ، فكلما أحرز رضاه فالتصرف حلال ، وأمّا إذا شكّ فيه فلا يسوغ التصرف في ماله ولو كان راضياً بذلك سابقاً كما أفاده الشيخ .إن قلت : في فرض الشكّ في بقاء الرضا فلماذا لا يجري استصحاب رضاه في صورة سبق العلم بالرضا . قلت : لأنّ الموضوع في حرمة التصرّفات متعدّد وكل تصرف من التصرّفات الطولية الواقعة في ملك الغير محكوم بالحرمة شرعاً على سبيل الانحلال ، فإذا أحرزنا رضاه بتصرف في زمان فترتفع الحرمة عنه لا محالة ويحكم بالجواز في خصوص ذلك التصرف ، فإذا أردنا بعده تصرفاً آخر فلابدّ من إحراز الرضا فيه أيضاً ، فإن أحرزناه بوجه فهو وإلّا فنحكم بحرمته ، ولا يكفي رضاه بالتصرف السابق في جواز هذا الفرد الآخر من التصرف إلّا إذا كان الرضا السابق رضا بالتصرّفات المتأخرة أيضاً.وقد ظهر ممّا ذكرنا بطلان قياس المقام بما إذا شكّ في رجوع المالك في المعاطاة ، حيث أنّه يستصحب عدم الرجوع ويترتّب عليه جواز التصرف ، وذلك لأنّ الاباحة في المعاطاة إباحة شرعية مغيّاة برجوع المالك ، فإذا شك في تحقّق الغاية استصحب عدمه .فما أفاده (قدّس سرّه ممّا لا غبار عليه ، هذا تمام الكلام في المعاطاة)

## شروط الصيغة### عدم اعتبار اللفظ في بیع الأخرسقدّم شيخنا الأنصاري مقدّمة في المقام وذكر فيها أموراً منها : أنّ الإجماع المدعى على اعتبار اللفظ في البيع بل في جميع العقود إنّما يختص بصورة التمكن من اللفظ ، وأمّا مع العجز عنه كما في الأخرس ففي فرض عدم القدرة على التوكيل لا إشكال ولا خلاف في عدم اعتبار اللفظ وقيام الاشارة مقامه ، وكذا مع القدرة على التوكيل ، لا لأصالة عدم الاشتراط ، لأنّ الاشتراط هو الأصل ، بل لفحوى ما ورد من أنّ طلاق الأخرس إشارته ، وتخصيصه بفرض العجز عن التوكيل تخصيص بالفرد النادر ، فتجزئ الاشارة من الأخرس مطلقاً .ومنها : أنّه لو قلنا بأنّ الأصل في المعاطاة هو اللزوم بعد القول بافادتها الملك فالقدر الخارج صورة القدرة على مباشرة اللفظ ، وأمّا غيرها فهو باق تحت الأصل فتلزم معاطاة الأخرس ولا يحتاج إلى الاشارة.### کفایة الکتابة مع العجز الاخرس عن الاشارةومنها : أنّ الظاهر كفاية الكتابة مع العجز عن الاشارة ، لفحوى ما ورد من النصّ على جوازها في الطلاق مع أنّ الظاهر عدم الخلاف فيه ، وأمّا مع القدرة على الاشارة فقد رجح بعض الاشارة ، ولعلّه لأنها أصرح ، وفي بعض روايات الطلاق ما يدل على العكس ، وإليه ذهب الحلّي هناك .ثمّ بعد ذلك (قدّس سرّه تكلّم في مواد الألفاظ وأنّها لابدّ وأن تكون على نحو الحقّيقة أو أنّه يكفي كونها مجازاً ، وفي هيئاتها الافرادية وأنها لابدّ وأن تكون ماضوية أو يكفي غير الماضي أيضاً ، وفي هيئاتها التركيبية وأنّه هل يشترط في الصيغة التوالي بين الايجاب والقبول أو لا يشترط فيها التوالي ، هذا .)وقبل الورود في بيان تحقيق الحال في مواد الألفاظ وهيئاتها الافرادية أو التركيبية نتكلّم في جهات :### مقتضی الاصل العملي عندالشک في شرطیة شیء أو المانعیتهالجهة الأولى : فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشكّ في شرطية شيء أو

مانعيته مع فرض عدم وجود أصل لفظي رافع للشكّ .فنقول : إنّ مقتضى الأصل كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه(1)هو الاشتراط وعدم ترتّب الأثر على الفاقد لما يحتمل شرطيته .)وربما يقال كما عن بعض محشّي الكتاب (2أنّ الأصل هو البراءة ، فإن حديث الرفع يعم الأحكام الوضعية أيضاً ، وقد طبقه الإمام (عليه السلام) على نفي عن الصحّة الحلف المكره عليه ، فإذا ارتفعت شرطيته بالبراءة لا يبقى مجال لاستصحاب عدم ترتّب الأثر ، لأنّ الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في الشرطية ، والأصل الجاري في السبب حاكم على الأصل الجاري في المسبّب وإن كان الأوّل براءة والثاني استصحاباً ، فلا يتوهّم أنّ الاستصحاب مقدّم على البراءة ، فإنّ ذلك فيما إذا كانا في رتبة واحدة .)والصحيح ما عرفت من أنّ مقتضى الأصل في المقام كما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه هو الاعتبار الجريان استصحاب عدم ترتّب الأثر في الفاقد ولا مجال للبراءة بوجه ، وهذا لا من جهة اختصاص البراءة بالأحكام التكليفية لأنها كما تجري فيها تجري في الأحكام الوضعية أيضاً ، بل من جهة أنّ هذه الأقسام من الأحكام الوضعية أي الشرطية والجزئية والمانعية غير قابلة للجعل نفياً وإثباتاً وذلك لما بيناه في محلّه من أنّ الشرطية والجزئية والمانعية أعم من أنّ تلحظ في متعلقات الأحكام ، بأن يكون شيء شرطاً للمأمور به أو جزءاً له أو مانعاً عنه ، أو أنّ تلحظ في موضوعاتها كما إذا كان شرطاً للحكم أو جزءاً منه أو مانعاً عنه ممّا لا تناله يد الجعل والتشريع إثباتاً ولا نفياً ، لأنها من الأمور الانتزاع-ي-ة ورفعها)


1) المكاسب 3 : 117 .

2) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 95 .

ووضعها إنّما هو بوضع منشأ انتزاعها ورفعه ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الشرطية للمأمور به إنّما تنتزع عن الأمر بشيء متقيّداً بشيء آخر كما إذا أمر بالصلاة عن طهارة أو مستقبلاً فتنتزع منه شرطية الطهارة والقبلة للصلاة ، كما أنّ جزئية شيء للمأمور به تنتزع عن الأمر بالمركب منه ومن غيره كما إذا أمر بالمركب من القراءة والسورة والركوع وهكذا فننتزع منه أنّ السورة جزء لها ، كما أنّ معنى كون شيء شرطاً للحكم أو جزءاً له أخذ ذلك الشيء في موضوعه فينتزع من أخذ شيء في موضوع الحكم أنّه شر ط له سواء كان تكليفياً كالاستطاعة المأخوذة في موضوع وجوب الحج أو وضعيّاً كالتعدّد المأخوذ في موضوع طهارة المغسول.وعليه فلا مجال لجريان البراءة عن شرطية شيء للحكم ، لأنّها ممّا لا تناله يد الجعل إثباتاً أو نفياً ، ومرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في أخذ ذلك في موضوع الملكية مثلاً وعدمه ، ومع الشك في الملكية يرجع إلى استصحاب عدمها وهو المعبّر عنه بأصالة الفساد فتحصّل أنّ الأصل العملي يقتضي اعتبار اللفظ وغيره ممّا نشك في اعتباره في المعاملات .### اختصاص اعتبار الشروط بالمتمکّنالجهة الثانية : إذا كان هناك عموم أو إطلاق يقتضي صحّة العقد أو لزومه وثبت الإجماع على اعتبار شرط في ذلك فالظاهر اختصاص اعتباره بصورة التمكن من إيجاد ذلك الشرط ، وأمّا مع العجز عنه فالاطلاق محكم للزوم الاقتصار على القدر المتيقّن في المخصص أو المقيد اللبّي ، وفي غيره يرجع إلى المطلق أو العام .وعليه فيكتفى في صحّة عقد الأخرس ولزومه بغير اللفظ من الاشارة أو الكتابة أو المعاطاة بعد كونها بيعاً وعقداً عرفاً ، سواء كان متمكناً من التوكيل أم لم يكن من دون حاجة إلى التمسّك بفحوى ما ورد في الطلاق أو غيره ، نعم تكون الفحوى مؤيّدة للعمومات والمطلقات ، ويلحق بالأخرس غيره ممن لا يقدر على الانشاء اللفظي لمرض أو اضطرار أو جهل كلّ من المتبايعين بلغة الآخر أو غير

ذلك ، فالعقود غير اللفظية من هؤلاء تكون لازمة من أوّل الأمر .### هل تتقدّم الاشارة علی الکتابة في الاخرس؟الجهة الثالثة : وقع الكلام في أنّ الاشارة تتقدّم على الكتابة في الأخرس ونظائره أو أنّ الأمر بالعكس، فربما يقال بتقدّم الاشارة على الكتابة من جهة أنّها أصرح من الكتابة ، لاحتمال أنّ تكون الكتابة لأجل التمرين ونحوه دون الاشارة .عن الحلي (1أنّ الكتابة متقدّمة على الاشارة لأنها أضبط لبقائها دون الاشارة كما لا يخفى .)وفيه : على تقدير تسليم الصغرى أنّه لا ينبغي الاعتماد على هذه الوجوه الاستحسانية في مسلك الشيعة لعدم دليل على الاعتبار ، وإلّا فلازمه أنّ تتقدّم الكتابة على القول أيضاً لأنها أضبط لبقائها دون القول .فالصحيح كما ذكرنا صحّة الانشاء بكلّ ما يكون مصداقاً له عرفاً سواء كان لفظاً أو كتابة أو إشارة أو تعاطياً من الطرفين أو إعطاء من طرف واحد أو غير ذلك من غير ترتيب بينها ، نعم في خصوص الطلاق يستفاد تقدّم الكتابة على الاشارة من النصّ (2، ولكنه مختص بمورده ولا يتعدّى عنه . ولا وجه لما ذكره السيد في الحاشية (3)من إمكان الخدشة فى دلالته على الترتيب وأنّه لبيان طرق الافادة وأنّ منها الكتابة ومنها غيرها من سائر الأفعال ، وذلك لأن ظهوره في الترتيب غير قابل للإنكار .)


1) السرائر 2 : 678 .

2) عن البزنطي قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلم ، قال : أخرس هو ؟ قلت : نعم ، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهته له-ا أيجوز أنّ يطلق عنه وليّه ؟ قال : لا ، ولكن يكتب ويشهد على ذلك ، قلت : فإنّه لا يكتب كيف يطلقها ؟ قال : بالذي يعرف به من حاله (أفعاله) مثل ما ذكرت من كراهته يسمع وبغضه لها » . الوسائل 22 : 47 / أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ب 19 ح 1 .

3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 86 .

هذا كله في اعتبار أصل اللفظ ، ويقع الكلام في خصوصياته .### بحث في موادّ الصيغة وهيآتهاوبعدما عرفت ذلك نتكلّم في موادّ الألفاظ وهيآتها التركيبية والافرادية .أمّا موادّها فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)أنّ المشهور اعتبار الصراحة فلا ينعقد بالكناية ، وربما بدله بعضهم باشتراط الحقّيقة فلا ينعقد بالمجاز وصرّح بعضهم بعدم الفرق بين المجاز القريب والبعيد ، ثمّ فسّر الصراحة والكناية ونقل أقوال الفقهاء .)والتحقيق أنّ مقتضى الاطلاقات كما عرفت سابقاً عدم اعتبار شيء في المعاملات إلّا صدق عناوينها عرفاً ، وعليه فلابدّ من ملاحظة أنّها في أي مورد صادقة عرفاً وفي أيها غير صادقة كذلك ، فنقول : أنّه إذا استعمل اللفظ في معناه الحقّيقي على نحو لا يحتمل إرادة غيره فلا ينبغي الإشكال في أنّه يوجب صدق عنوأنّه عليه من البيع والاجارة والنكاح وغيرها ، وهذا ممّا لا إشكال فيه ، كما أنّه إذا استعمل في معناه ولكن كان ظاهراً فيه لا نصاً كما في الأول ، وهذا كما إذا استعمل اللفظ في معناه الحقّيقي واحتمل إرادة المعنى المجازي أيضاً ، أو استعمل في المطلق واحتمل إرادة المقيد منه ، وفي هذه الصورة أيضاً يؤخذ بظاهره ويحكم بإرادة المعنى الحقّيقي والمطلق دون المجاز والمقيد ، وبه أيضاً يصدق عناوين المعاملات عرفاً وهذا كما إذا استعمل البيع في معناه الحقّيقي واحتمل إرادة الاجارة منه مجازاً ، أو استعمل النكاح في الدوام واحتمل إرادة الانقطاعي منه - وهو المقيّد في مقابل


1) المكاسب 3 : 119 .

المطلق ، لأنّ الدوام مطلق في مقام التلفّظ والاثبات والانقطاعي مقيّد بذكر الأجل ونحوه - فيؤخذ بالبيع والنكاح الدائمي لصدق عنوانهما عرفاً ، لصحّة أنّ يقال أنّه باع داره أو تزوّج دائماً ، وهذا ظاهر .وأمّا استعمال الألفاظ الكنائية وهي كما عرّفها التفتازاني (1على ما هو ببالي عبارة عن استعمال لفظ في معناه الحقّيقي بداعي تفهيم معنى آخر ملازم معه ، وبعبارة أخرى كان المقصود بالأصالة هو المعنى الثاني دون الأوّل الذي استعمل فيه لفظ حقيقة ، وهذا في مقابل المجاز لأنّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير معناه الحقّيقي ، فإن كان اللفظ المستعمل على وجه الكناية ظاهراً في المكني عنه عرفاً ، فلا مانع أيضاً من استعمالها في العقود وإنشائها بها ، سواء كان المكنّي عنه أعم من المستعمل فيه أم مساوياً ، لصدق عناوين المعاملات معها ، وهذا كما إذا قال : نقلت مالي إليك بكذا فإنّه لازم مساوٍ للبيع ، لأنّه عبارة عن تبديل مال بمال ، وإن كان هذا المثال قابلاً للمناقشة فيه .)وأمّا الألفاظ المجازية فكذلك لا إشكال في وقوع العقد بها فيما إذا كان اللفظ ظاهراً في المعنى المجازي عرفاً ولو بواسطة القرينة بحيث لا يعد من الأغلاط كانت القرينة مقالية أو حالية وكان المجاز قريباً أو بعيداً ، لصدق العناوين المعاملية معه ، وقد عرفت أنّه لا نحتاج في صحّة العقود إلى أزيد من صدق عناوين البيع والنكاح ونحوهما .ويظهر من الشيخ (قدّس سرّه التفصيل بين ما إذا كانت القرينة على إرادة المعنى المجازي مقالية فيجوز إنشاء العقد بها وبين ما إذا كانت حالية فلا يجوز بدعوى أنّه مقتضى ما بني عليه من عدم العبرة بغير الألفاظ في إنشاء العقود الثابت بالإجماع .)


1) مختصر المعاني : 257 .

وفيه : أنّه لم يبن في مورد على اعتبار اللفظ في القرينة ولم يقم إجماع عليه فإنّ ما بني عليه بالإجماع إنّما كان اعتبار اللفظ في أصل إنشاء العقد لا في القرينة .نعم لا يصحّ الانشاء بالمجاز فيما إذا لم يكن صحيحاً عرفاً وعده أهل العرف من الأغلاط ولو مع نصب القرينة على المراد ومعلوميته ، وهذا كما إذا قال : أكلت الدار وأراد منه البيع مجازاً ونصب عليه القرينة أيضاً على نحو علمنا بالمراد ، فإنّ العرف يراه من الأغلاط ولا يصدق عليه البيع عرفاً ، فلذا لا يشمله العمومات والاطلاقات . وكذا إذا قال : بعت داري وأراد منه الاجارة أو الصلح ، أو قال : بعت المرأة الفلانية وأراد منه النكاح بحيث عدّ من الأغلاط عرفاً ولو مع معلومية المراد بواسطة القرائن الموجودة ، فإنّه لا يصدق عليه النكاح ولا البيع عرفاً ، ولعلّه المراد بالمجاز البعيد في كلمات الفقهاء.وأعجب من ذلك التفصيل للشيخ تفصيله في الانشاء بالمشترك اللفظي أو المعنوي بين ما إذا كانت القرينة المعيّنة حالية أو لفظية سابقة على العقد فلا يصحّ إنشاء العقد به وبين ما إذا كانت لفظية متصلة بالعقد ، وقد ظهر فساده بما ذكرنا .فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ كلّ لفظ يكون ظاهراً في معناه عند الع--رف بحيث يكون مصداقاً للعقد المقصود يصحّ الانشاء به ، سواء كان صريحاً أو كناية حقيقة أو مجازاً قريباً أو بعيداً ، لفظية كانت القرينة أو عقلية ، وقد خرج عن ذلك موردان: أحدهما بالتخصيص ، والآخر بالتخصص ، والأول هو الطلاق حيث ورد فيه أنّه لابدّ من أنّ يقع بلفظة طالق دون غيرها . والثاني ما إذا أوقعه بلفظ غ--ير ظاهر فيه عند العرف وعدّ عندهم من الأغلاط وإن نصب القرينة على مراده أيضاً كما إذا قال : أكلت الدار بكذا وأراد منه البيع مجازاً وعلمنا خارجاً أنّ المراد بالأكل هو البيع ، إلّا أنّه لما كان من الأغلاط عند العرف لم يصدق عليه البيع عندهم

ولأجل عدم كونه مصداقاً للبيع لا تشمله العمومات فلذا يقع باطلاً ، وبعبارة أخرى : أنّه لابدّ في المعاملات من أن يكون فيها شيء مبرز للاعتبار النفساني لا محالة ، إذ لا يصدق شيء من العناوين المعاملية على مجرد الاعتبار النفساني الخالي عن المبرز ، ومثل قوله : أكلت الدار لا يكون مبرزاً للاعتبار البيعي عند العرف فلذا يعدونه من الأغلاط ولا يقع البيع به بوجه. هذا كله بحسب الكبرى ، ويقع الكلام في تشخيص بعض الصغريات .وقد تعرّض شيخنا الأنصاري (1لجملة من ألفاظ الايجاب والقبول ، أمّا ألفاظ الايجاب :)### صيغ الإيجابمنها : لفظة بعت ، فإنّها يصحّ أن تقع إيجاباً في البيع بلا إشكال ، بل إيجاب البيع يقع بها كثيراً ، وهى وإن كانت من الأضداد وتشمل الشراء أيضاً إلّا أنّ كثرة استعمالها في البيع توجب انصرافها إليه .ومنها : لفظ الشراء (2فإنّه أيضاً يصحّ أنّ يوقع به إيجاب البيع ، بل قد أدعي أنّه لم يستعمل في القرآن إلّا في خصوص البيع ، وهو ، وهو كذلك ، وعليه فلا ينبغي الإشكال في صحّة وقوعه إيجاباً .)ولكنّه ربما يستشكل في ذلك بقلّة استعماله في البيع عرفاً وخلو كلام القدماء


1) المكاسب 3 : 130

2) ذكر سيدنا الأستاذ (دام ظله) أنّ كلمات الشيخ في المقام غير خالية عن المناقضة الواضحة فإنّه أولاً ينفي الإشكال عن وقوع البيع به أي بالشراء ثمّ بعد أسطر يوجه الإشكال بقوله ولا يخلو عن إشكال ، ونفي الإشكال والإشكال فيه متناقضان جدّاً .

عن الإيجاب به . ويندفع ذلك بأنّ استعماله في البيع في الكتاب الذي هو من أفصح الكلمات وقائله من أفصح الفصحاء يكفي في صحّة وقوعه إيجاباً بعد مساعدة اللغة على ذلك ، فإنّ الشراء لغة أعم من البيع والاشتراء .ومنها : ملّكتك وهو أيضاً يقع إيجاباً في البيع ، وهو بمعنى تمليك الغير الجامع بين التمليك بلا عوض والتمليك بالعوض، فإن ذكر على نحو الاطلاق ومجرّداً عن ذكر عوضه يكون ظاهراً في التمليك المجاني الذي هو بمعنى الهبة ، كما أنّه إذا ذك--ر م-ع العوض يكون ظاهراً في البيع فإنّه كما عرفت بمعنى مبادلة مال بمال وتمليك بالعوض فالتمليك المطلق نظير الحيوان الجامع بين الإنسان وغيره ، والبيع بمنزلة الإنسان الذي هو بمعنى الحيوان الناطق ، لأنّ البيع بمعنى التمليك بالعوض فلفظة البيع كلفظة الإنسان عبارة عن التمليك مع العوض أو الحيوان مع النطق على نحو الإجمال . وتفصيلهما أي تفصيل البيع والإنسان هو التمليك بالعوض والحيوان الناطق .وكيف كان ، فلا إشكال في صحّة وقوعه إيجاباً في البيع ، فإذا قال : ملّكتك بعوض كذا وأراد منه الهبة المعوّضة أو الصلح فيبتني صحّتها على صحّة إنشاء عقد بلفظ غيره ، فإنّ التمليك بالعوض بمعنى البيع واستعماله وإرادة الهبة المعوّضة أو الصلح إنّما يصحّ إذا قلنا بصحّة إنشاء العقد إذا وقع بلفظ عقد آخر ، هذا.وقد فهم بعض المحشّين (1من عبارة الكتاب أنّه إذا قال : ملكتك - مجرّداً عن ذكر العوض - وأراد منه الهبة المعوّضة فهو الذي يبتني صحته على صحّة إنشاء عقد بلفظ آخر ، فأورد عليه بأنّ الهبة المعوّضة والهبة غير المعوّضة حقيقة واحدة وهو التمليك المجاني ، وإنّما الاختلاف بينهما في الاقتران بشرط وعدمه ، وإذا كانا حقيقة واحدة فإذا صح إنشاء الهبة غير المعوّضة بلفظ ملكت صح إنشاء المعوّضة به أيضاً)


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 87 .

فلا معنى لجعل خصوص الثاني مبنيّاً على صحّة إنشاء عقد بلفظ غيره .ولكنّك عرفت أنّ مراد الشيخ هو ما إذا أطلق التمليك بالعوض وأريد به الهبة المعوّضة ، لا التمليك المجرّد عن ذكر العوض ، وهو كما أفاده من باب إيقاع عقد بلفظ عقد آخر ، لأنّ التمليك بالعوض من ألفاظ البيع ، فانشاء الهبة به يكون من إنشاء عقد بلفظ غيره . وكذا الحال إذا أريد به الصلح فإنّه بمفهومه العام وإن كان يشمل جميع المعاملات إلّا أنّه بالمعنى المصطلح أمر آخر وراء الب-ي-ع ف-انشاؤه بالتمليك بالعوض الذي هو البيع يبتني على صحّة عقد بلفظ عقد آخر .ومنها : الاشتراء ويصح إيجاب البيع به ، والإشكال المتقدم في شريت يجري في المقام أيضاً بل المقام أولى بالإشكال منه ، فإنّ الاشتراء لم يستعمل في القرآن في البيع إلّا في مورد واحد على ما ذكره بعض المفسّرين كما سيأتي ، وهذا بخلاف شريت فإنّه كما عرفت لم يستعمل في الكتاب إلّا في خصوص البيع ، هذا .ولكن الصحيح أنّه لا مانع من وقوعه إيجاباً للبيع بعد تصريح أهل اللغة كالقاموس (1بأن معنى الاشتراء عبارة عن أخذ شيء وترك شيء آخر ، وعدم استعماله في كلمات العرف والأصحاب أو الكتاب لا يكون مانعاً عن صحته ، نعم لم يستعمل في الكلمات المتداولة بل ولا في الكتاب المجيد في البيع إلّا في قوله تعالى : (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أنّ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْياً) (2)ع-لى م-ا ذك-ره ب-ع-ض المفسّرين ، فإنّهم فسّروا الاشتراء بالبيع ، أي بئسما باعوا به أنفسهم ، إذ لا معنى لشراء الإنسان نفسه إلّا أنّ الصحيح إمكان إبقائه على ظاهره من الشراء المتعارف ، بأن يكون)


1) القاموس المحيط 4 : 347 .

2) البقرة 2 : 90 .

المعنى شراء بعضهم نفس البعض الآخر على ما هو ظاهر إضافة الجمع إلى الجمع ، كما في قوله تعالى (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ (1)إذ ليس المراد منه أنّ يقتل كل منهم نفسه ، بل المراد قتل بعضهم بعضاً .)فالظاهر من الآية الواردة في ذمّ علماء اليهود وعوامهم على ما يستفاد من مقارناتها أنّه بئس ما اشترى العوام به نفس علمائهم ، فإنّ العلماء باعوا أنفسهم من العوام تحفّظاً على مقامهم وجاههم ، وبئس ما اشترى به العلماء نفس عوامهم ، فإنّهم باعوا أنفسهم من العلماء خوفاً أو طمعاً . وقد فسّره بعض المفسّرين أيضاً بالشراء المتعارف ، إلّا أنّه وجهه بتوجيه غير مرضي .وكيف كان لم نجد استعمال الاشتراء بمعنى البيع في شيء من الآيات حتّى الآية المزبورة ، لكن مع ذلك يصحّ إيجاب البيع به ، لما عرفت من جوازه بكل لفظ يكون مصداقاً للبيع عرفاً .وربما نوقش(2في صحّة ذلك بأنّ الاشتراء من باب الافتعال وهو ظاهر في المطاوعة وهي قبول فعل الغير ، فكيف يصحّ استعماله في الايجاب .)وفيه : أنّ الافتعال وإن كان للقبول إلّا أنّه ليس لخصوص مطاوعة فعل الغير بل يصحّ إطلاقه في مورد قبول الطبيعة أعني فعل نفسه كما في الاكتساب والابتداع إذ لا يراد به قبول كسب الغير أو إبداع الغير ، بل المراد به قبول طبيعي الكسب والابداع .والحاصل أنّه يجوز إيجاب البيع بكلّ من هذه الألفاظ بل وبغيرها ممّا يكون مصداقاً للبيع عرفاً كلفظ نقلت وشبهه


1) البقرة 2 : 54 .

2) منية الطالب 2 : 244 .

ثمّ إنّ في الاشتراء إشكإلّا آخر وهو أنّه إذا بنينا على صحّة وقوعه إيجاباً في المعاملة فكيف يتميّز البائع عن المشتري في البيع ، لأنّه كما صح أنّ يقع إيجاباً كذلك يصحّ أنّ يقع قبولاً ، فبأي شيء يتميّز البائع عن المشتري ، هذا .ولا يخفى أنّه بناءً على عدم جواز تقديم القبول على الايجاب فلا ينبغي الإشكال في أنّ المتقدّم منهما موجب والمتأخّر مشترٍ فتميّز أحدهما عن الآخر ظاهر ولا سترة عليه ، وأمّا بناءً على جواز تقديم القبول على الايجاب فلابدّ من الاعتماد في تميز أحدهما عن الآخر على القرائن الحالية أو المقالية ، هذا.وقد أورد شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)على الاعتماد على القرائن الحالية كغلبة تقدّم الايجاب على القبول بناءً على جواز تقديم القبول على الايجاب : بأنّ الإجماع على اعتبار اللفظ في العقود يقتضي عدم صحّة الاتّكال على القرائن غير اللفظية ، ثمّ أجاب عنه بأنّ الإجماع إنّما قام على اعتبار اللفظ في العقود لا في تميز البائع عن المشتري ، هذا .)وقد ذكرنا نحن أنّه لا أساس لهذا الإجماع رأساً ، ولو كان فإنّما هو في اعتبار اللفظ في أصل الانشاء وأمّا في تشخيص المراد فلا إجماع على اعتبار اللفظ فيه ولعلّه واضح . هذا تمام الكلام في ألفاظ الايجاب .فالمتحصّل : أنّ كلّ لفظ ظاهر في العقد عند العرف على نحو لا يعدّ من الأغلاط عندهم لا مانع من وقوعه إيجاباً .### صيغ القبولوأمّا ألفاظ القبول ، فلا إشكال في وقوعه بلفظ قبلتُ ورضيت واشتريت


1) المكاسب 3 : 133 .

وشريت وابتعت وتملّكت وملكت بالتخفيف ، وهل يصحّ بلفظ بعت أو ملكت بالتشديد ؟ الظاهر صحّة ذلك ، لأنّ البيع والتمليك بالعوض يعمان البيع والشراء بحسب اللغة ، وغاية ما هناك أنّ يكون من إنشاء القبول بالألفاظ المجازية ، بل لو قلنا بأنّ البيع مشترك بين البيع والشراء يكون إنشاء القبول به من الانشاء باللفظ المشترك ، وكلاهما صحيح كما عرفت .بل يمكن أنّ يقال بكفاية الايجاب من الطرفين في صحّة العقد ولو لم يكن في البين قبول أصلاً كما إذا أنشأ كلّ منهما تبديل عين ماله بشخص مال الآخر مقارناً فقال أحدهما بعت داري ببستانك ، وقال الآخر بعت بستاني بدارك صح ذلك لصدق عنوان العقد والتجارة عن تراض ، فإنّ العقد عبارة عن الالتزامين المربوط أحدهما بالآخر ، وهو متحقّق في الفرض ، كما أنّ التجارة عن تراض لم يؤخذ فيها القبول . نعم لا يصدق عنوان البيع والشراء على ذلك ، فلا يترتّب عليه أحكام البيع والشراء . وقد ذكرنا سابقاً (1أنّه إذا قصد كل من المتعاملين خصوصية مال الآخر فلا يكون بيعاً ولا يترتّب عليه أحكام البيع ، والمقام من هذا القبيل .)وهل ينعقد القبول بلفظ أنفذت أو أمضيت أو أجزت وشبهها ؟ ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (2)أنّ فيه وجهين ولم يعيّن أحدهما . وعن بعض مشايخنا المحقّقين (3)أنّ الانفاذ والامضاء ونحوهما إنّما تلحق العقد التام مع قطع النظر عن الامضاء كعقد الفضولي والمكره ، والايجاب وحده مع قطع النظر عن الامضاء ليس عقداً تاماً .)


1) في الصفحة 10 .

2) المكاسب 3 : 134 .

3) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 473

وفيه : أنّه لا مانع من إبراز القبول بكل لفظ كاشف عنه عرفاً ، فيتحقّق العقد بنفس الامضاء .### تعيين الموجب والقابلثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (1تعرّض لصورة الاختلاف في تعيين الموجب والقابل وخص ذلك بما إذا أوقعا العقد بالألفاظ المشتركة بين الايجاب والقبول فاختلفا في تعيين الموجب والقابل منهما فادّعى كلّ واحد منهما أنّه موجب أو قابل بناءً على جواز تقديم القبول ، وأمّا بناءً على عدم جوازه فالمتقدم منهما وإن كان موجباً إلّا أنهما اختلفا في المتقدم وأن أيهما متقدّم ، هذا .)ولكنّك خبير بأنّ هذا النزاع لا يختص بما إذا أوقعا العقد بالألفاظ المشتركة بين الايجاب والقبول ، إذ لو فرضنا أنّها أوقعاه بغير الألفاظ المشتركة أيضاً يصحّ النزاع في أنّ أيهما موجب وأيهما قابل وأنّ المتلفّظ باللفظ المخصوص بالايجاب أيهما ولعل الشيخ ذكره مثالاً لا أنّه من جهة الاختصاص .وكيف كان ، فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه أنّه لا يبعد التحالف حينئذ وعدم ترتيب شيء من الآثار المختصة بكلّ من البيع والاشتراء على شيء منها هذا .)ولا يخفى أنّه لا أثر مهمّ يختصّ بخصوص البائع أو المشتري ليقع الاختلاف في تعيين المشتري أو البائع وتميّزه عن غيره ، لأن قاعدة «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه (2غير مختصة بالبائع وتجري في المشتري أيضاً للإجماع ، أو لأنّ)


1) المكاسب 3 : 134 .

2) المستدرك 13: 303 / أبواب الخيار ب 9 ح1 .

المراد بالمبيع أعمّ من المثمن والثمن فلا يبقى أثر يختصّ بهما أبداً إلّا خيار الحيوان لأنّه يختص بخصوص المشتري لقوله (عليه السلام « صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيّام » (1)ونزاعهما في تعيين البائع والمشتري يرجع إلى الاختلاف في أنّ البيع خياري أو لازم ، لأنّ من انتقل إليه الحيوان بادعائه أنّه مشتر يدعي أنّ البيع جائز وله الخيار ، فيكون مدعياً لمخالفة قوله الأصل، ومن يدعي أنّ صاحب الحيوان هو البائع ولا خيار في البين يكون منكراً لموافقة قوله للأصل ، فلا وجه لاحتمال الحكم بالتحالف في المقام ، لأنّه عليه يكون أحدهما مدعياً والآخر منكراً ، فلابدّ من إعمال قواعد المدعي والمنكر ، ولا يجري الحكم بالتحالف لاختصاصه بما إذا كان كلّ واحد منهما مدعياً من من جهة ومنكراً من جهة أخرى ، والمقام ليس من هذا القبيل .)ولعلّ الوجه فيما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه في المقام من أنّه لا يبعد الحكم بالتحالف هو ما عنونوه في باب القضاء من أنّ المناط في تعيين المدعي والمنكر هو الدلالة المطابقية أو الأعم منها ومن الدلالة الالتزامية .)فإن قلنا بأنّ المناط أعم من المطابقية والالتزامية ، فمدّعي اللزوم في المقام يكون منكراً بالدلالة الالتزامية لما ادعاه خصمه من الخيار فيكون أحدهما مدّعياً والآخر منكراً ولا يبقى للتحالف مجال .وأمّا إذا قلنا بأنّ المناط إنّما هو الدلالة المطابقية فكل واحد منهما يكون مدّعياً لأنّ أحدهما يدّعي الخيار والآخر يدعي اللزوم ، والحكم فيه هو التحالف . ولعلّ شيخنا الأنصاري لم يكن جازماً بأحد الطرفين في باب القضاء وكان مائلاً إلى الاحتمال الثاني من الاحتمالين أعني الاعتبار بخصوص الدلالة المطابقية ، فلذا ذكر أنّه لا يبعد الحكم بالتحالف فلا تغفل .


1) الوسائل 18 : 10 / أبواب الخيار ب3 ح 2 .

### الكلام في اعتبار العربية وعدمهكلامنا في المقام يقع في مسائل أربع :المسألة الأولى : وقع الخلاف في اعتبار العربية في العقود ، واستدلّ لأصل اشتراط العربية بوجوه :الأوّل : التأسّي لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله كان يتكلّم بالعربية في عقوده وإيقاعاته ، ومقتضى التأسّي به (صلّى اللّه عليه وآله) أن يعتبر العربية في جميع العقود والايقاعات .)الثاني : الأولوية ، لأنّا إذا بنينا على عدم صحّة العقد العربي غير الماضي فلابدّ من أن نلتزم بعدم صحّة العقد غير العربي بطريق أولى .الثالث : أنّ العقد إنّما يصدق على العربي فما لا يكون عربيّاً لا يصدق عليه العقد عرفاً فلا محالة يقع باطلاً.والجواب عن الوجه الأوّل : أنّه لا دليل على وجوب التأسّي بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله بل ولا على استحبابه في غير الأحكام ، وإلّا فلازم ذلك أنّ يقال بحرمة التكلّم بغير العربي في المحاورات العرفية عند التمكّن من العربي ، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) كان يتكلّم في جميع محاوراته بالعربية ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، لأنّه (صلّى اللّه عليه وآله) إنّما كان يتكلّم بالعربي لكونه عربياً لا من جهة وجوبه ولزومه هذا كله مضافاً إلى أنّ التأسي على تقدير وجوبه حك-م تكليفي ي-وجب مخالفته استحقاق العقاب وهو لا ربط له بالمقام ، لأنّ الكلام في وجوبه الوضعي واشتراطه في العقود وعدمه وهو أجنبي عن الحكم التكليفي.)وأمّا الجواب عن الوجه الثاني : فهو أنّه لا معنى للأولوية في المقام ، لأن فساد العقد العربي غير الماضي إنّما هو من جهة عدم كونه ماضياً لا من جهة أنّه ليس عربياً ، ولازم ذلك صحّة التعدّي إلى العقد الفارسي غير الماضي ويقال أنّه أيضاً

فاسد بطريق أولى ، وأمّا التعدّي إلى الفارسي الماضي فهو ممّا لا محصّل له بوجه ، إذ ما معنى أنّ يقال أنّ الفارسي الماضي باطل بطريق أولى من جهة بطلان العربي غير الماضي ، ولعلّه ظاهر .وأمّا الجواب عن الوجه الثالث : فهو أنّ العقد لا يتوقف صدقه على أنّ يكون عربياً وإلّا فلازمه أنّ لا يكون في العالم عقد ولا إيقاع إذا لم يكن في العالم عربي وهو كما ترى .والتحقيق أنّه إذا فرضنا عدم تمامية العمومات والاطلاقات الواردة في أبواب العقود والايقاعات وكان الدليل على صحّة العقود هو الإجماع فلابدّ من اعتبار العربية في العقود من باب أنّ العربي هو المقدار المتيقّن في العقود والايقاعات ، إذ مع عدم كونه عربياً نشكّ في صحته ونحتمل الفساد ، ومع الشكّ في الصحّة والفساد أصالة الفساد محكمة ، لأنّ المفروض أنّه لا إطلاق ولا عموم في البين يقتضي صحّة العقد الفاقد للعربية ، وكيف كان فأخذ العربية في صحّة العقود حينئذ إنّما هو من جهة الاحتياط والأخذ بالمقدار المتيقّن لا من جهة دلالة الدليل على اعتبارها وذلك ظاهر.وأمّا مع تمامية المطلقات والعمومات كقوله تعالى (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1)و( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (3)فلا مجال للشكّ في الفاقد للعربية بوجه ، فإنّ مقتضى الاطلاق عدم اعتبار العربية أبداً ، وأن العربي وغير العربي كلاهما صحيحان إلّا فيما قام الدليل على اشتراط العربية فيه بالخصوص كالطلاق .)


1) البقرة : 2 : 275 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) النساء 4 : 29 .

وأمّا في غيره فلا وجه لاعتبارها ، نعم الاحتياط الشديد في النكاح يقتضي اعتبار العربية فيه ، لكثرة اهتمام الشارع به .المسألة الثانية : إذا قلنا باعتبار العربية في العقود والايقاعات ، فهل اللازم أن يكون جميع ألفاظ العقد من أوّلها إلى آخرها عربية أو أنّ اللازم هو العربية في خصوص إنشاء العقود والايقاعات ، وأمّا غيره كألفاظ الثمن والمثمن أو الشروط المذكورة فيهما فلا مانع من ذكرها بغير العربية أيضاً ، فإذا قال بعت اين دار را بده درهم ، فلا محالة يقع البيع صحيحاً ؟إذا قطعنا النظر عن الاطلاقات الواردة في العقود والايقاعات فلا محيص عن اعتبار العربية في جميع أجزاء العقد من أوّلها إلى آخرها ، للشك في صحّة مثل بعت إين دار را بده درهم ، ومع الشك في ذلك فأصالة الفساد تقتضي الفساد كما هو واضح وفاقاً لشيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)في المقام حيث قال : الأقوى ه-و الأوّل ، يعني اعتبار العربية في جميع أجزاء العقد .)نعم مع النظر إلى المطلقات كقوله تعالى (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ وأَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)لا يعتبر العربية في العقود أصلاً ، فضلاً عن اعتبارها في جميع أجزاء العقد ، إلّا أنّ مفروض كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) إنّما هو عدم الاطلاق والعموم فراجع ، هذا كله فيما إذا كان ذكر الثمن والمثمن وغيرهما من متعلقات البيع أو غيره من العقود معتبراً .)وأمّا إذا قلنا بعدم اعتبار ذكرها في ايجاب البيع كعدم اعتبار ذكرها في القبول قطعاً لأنّه لا يجب عليه أنّ يقول قبلت الدار بكذا ، فلا ينبغي الإشكال في عدم


1) المكاسب 3: 136

2) تقدّم تخريج الآيات آنفاً .

اعتبار العربية فيها مطلقاً - كان هناك إطلاق أم لم يكن - لأن غاية ما هناك أنّ يكون ذكر الثمن والمثمن بغير العربي لغواً حينئذ ، وأمّا كونه مبطلاً للبيع فهو ممّا لا يحتمل بوجهالمسألة الثالثة : هل يشترط في صحّة العقود أنّ يكون العاقد عالماً بوضع اللفظ وبمعناه تفصيلاً ، بأن يعلم أنّ معنى البيع ماذا ومعنى التاء في بعت أي شيء وأنّه للاسناد إلى نفسه ، والبيع يستفاد من مادة بعت ، أو أنّه لا يشترط ذلك في صحتها بل إذا علم إجمالاً بأنّ معنى مجموع هذا الكلام هو بيع الدار بكذا وإن لم يعلم أنّ أيّها استفيد من أيّ لفظ من الألفاظ ، واحتمل أنّ يكون التاء بمعنى البيع والبيع بمعنى الاسناد يكفي ذلك في صحته ؟لا ينبغي الإشكال في أنّه إذا لم يعلم معنى اللفظ بخصوصه لا يكون استعماله اللفظ جارياً على قانون الوضع ، لأنّ معنى الاستعمال كذلك كما ذكرناه في الأصول عبارة عن استعمال اللفظ بقصد تفهيم معناه ، ومع الجهل بالمعنى كيف يقصد تفهيمه للمخاطب ، إلّا أنّ الاستعمال كذلك لا يشترط في صحّة العقود ، وإنّما المعتبر في صحتها أنّ يكون هناك شيء مبرز للاعتبار النفساني ، ولا ينبغي الإشكال في أنّه بتكلّمه بلفظة بعث يبرز اعتباره وإن لم يعلم بأن معنى البيع بخصوصه ماذا ومعنى التاء بخصوصه أيّ شيء ، وذلك لأنّ المفروض أنّه يعلم بأن مجموع هذه الكلمة بمعنى كذا وإن لم يعلم أنّ أيها استفيد من أي لفظ ، فيعلم أنّه باستعماله ذلك باع داره فيكون استعماله مبرزاً لاعتباره النفساني لا محالة ، وهذا كما إذا علم إجمالاً بأن جثني بالماء إنّما يقال عند العرب فيما إذا كان عطشاناً وطالباً للماء وإن لم يعلم أنّ معنى جئني أي شيء ومعنى الماء أي شيء فإنّه إذا عطش وقال : جئني بالماء فلا محالة بالماء فلا محالة يبرز مقصوده بذلك خارجاً وإن لم يعلم بمعاني الكلام تفصيلاً وذلك ظاهر .ثمّ إنّ هذه المسألة والمسألة التي تأتي بعدها غير مختصتين بما إذا اشترطنا

العربية في العقود على ما يظهر من كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه بل تأتيان على القول بصحّة العقد غير العربي أيضاً، وأنّه إذا قال : فروختم بكذا ، لابدّ أنّ يعلم أنّ البيع استفيد من مادة فروختم وأنّ الاسناد استفيد من لفظة ميم ، أو أنّه إذا علم إجمالاً بأن فروختم بمعنى بعت وإن لم يعلم أنّ أيها استفيد من أي لفظ ، كان كافياً .)المسألة الرابعة : هل يعتبر عدم اللحن في العقود أو لا ، فإذا قال : بعت بالفتح أو فروختم بكسر الفاء كان صحيحاً ؟إذا قطعنا النظر عن الاطلاقات الواردة في العقود والايقاعات فلا محيص عن اعتبار عدم اللحن للشكّ في صحّة الملحون ، ومع الشكّ فأصالة الفساد تقتضي الفساد ، ولم يعلم وجه ما ذكره السيّد في حاشيته (1معلّقاً على قول شيخنا الأنصاري « الأقوى ذلك « من أنّ المتعيّن خلافه ، وذلك لأن مفروض كلام الشيخ إنّما هو مع عدم الاطلاق والعموم ، وقد عرفت أنّ الصحيح حينئذ هو ما أفاده (قدّس سرّه) لاحتمال الفساد مع اللحن ومعه يرجع إلى أصالة الفساد . ن-ع-م بالنظر إلى المطلقات لا يعتبر عدم اللحن لشمولها للملحون أيضاً .)والتحقيق أن يقال : أنّ اللحن من حيث المادة أو الهيئة تارةً يكون نوعياً ودارجاً عند العرف وظاهراً في المعنى عندهم ، وهذا ممّا لا إشكال في صحته وجواز الاكتفاء به في العقود ، لأنّه مبرز للاعتبار النفساني عندهم ، فإذا قال : جوزتك عوض زوجتك يقع صحيحاً لا محالة ومبرزاً للاعتبار وهو كافٍ في صحّة العق-ود وإن كان غلطاً بحسب اللغة .وأخرى يكون اللحن شخصياً ولا يكون متعارفاً عند العرف بوجه بل يعده العرف من الأغلاط ولا يراه مبرزاً للاعتبار كما إذا قال : بغت عوض بعت ، أو قال :


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 87

فخست عوض فسخت ، فلا محالة يقع باطلاً ، لأنّ العرف لا يرى مثله كاشفاً عن الاعتبار بوجه ، وهذه المسألة أيضاً غير مختصة بما إذا اشترطنا العربية في العقود كما أشرنا إليه آنفاً .### الكلام في اعتبار الماضوية في العقود وعدمهالمشهور اشتراط الماضوية في العقود وعدم وقوعها بالمضارع والأمر ، ب--ل حكي الإجماع على ذلك واستدلّ عليه : بأنّ الماضي صريح في الانشاء وأمّا المضارع فهو أشبه بالوعد والأمر بالاستدعاء فليسا ظاهرين في إنشاء التمليك كالماضي . وبأن المتعارف في باب العقود والايقاعات إنّما هو الماضي دون المضارع والأمر والعمومات الواردة فيهما ناظرة إلى إمضاء العقود والايقاعات المتعارفة ، هذا .ثمّ أشار شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (1)إلى الروايات الدالّة على صحّة الايجاب بلفظ المضارع وقوّى صحّة العقود بغير الماضي فيما إذا كان صريحاً في الانشاء على وجه لا يحتاج إلى القرينة ثمّ أمر بالتأمل ، هذا .)ولا يخفى عليك ضعف ما استدلّ به على اعتبار الماضوية في العقود ، أمّا الثاني فلأن إنشاء العقد بلفظ المضارع والأمر أيضاً متعارف عندهم ، فيقول أحدهما للآخر أبيعك هذا بدرهم ويقول الآخر قبلت ، وهذا واقع في الفارسية والعربية كثيراً وليس أمراً خارجاً عن المتعارف بين الناس ، كما يقولون في الهبة خذ هذا المال وهو أمر ، فإذا صحّ استعمال الأمر في الهبة فيصحّ استعماله في البيع لا محالة ، لما مرّ من أنّ الهبة والبيع مشتركان في اشتمالها على التمليك ، غاية ما هناك أنّ الهبة تمليك مجاني والبيع تمليك في مقابل مال . هذا مضافاً إلى أنّه لا اعتبار بالتعارف بعد كون الصيغة


1) المكاسب 3 : 138 .

مبرزة للاعتبار النفساني عرفاً وتحقّق مصداق العقد خارجاً .وعليه فلا مانع من إنشاء التمليك بالمضارع والأمر بوجه فيما إذا كانا ظاهرين في الانشاء . نعم البحث في أنهما ظاهران فيه أو غير ظاهرين بحث آخر لا ربط له بالمقام ، فإنّ الكلام بعد الفراغ عن ظهورهما في ذلك كما هو ظاهر وقد عرفت أنهما ظاهران في الانشاء عند العرف إلّا في بعض الموارد والمقامات كما إذا أمرنا الدلال في الطريق ببيع شيء من أشيائنا بأن قال : بع عباءك بكذا ، فإنّه غير ظاهر في الانشاء كما هو واضح .وأمّا الاستدلال للأوّل من عدم صراحة المضارع والأمر في الانشاء ففيه : أنّ الصراحة من حيث الهيئة غير معتبرة قطعاً ، إذ ليس في هيئات ألفاظ العقود ما تكون متمحضة في الانشاء حتّى هيئة الماضي، فإنّها تستعمل في الاخبار كثيراً ومنه يعلم فساد تقييد جواز الانشاء بالمضارع بفرض صراحته في الانشاء .بقي هناك أمر لم يتعرّض له شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه وهو أنّ العقود هل يصحّ إنشاؤها بالجمل الاسمية كقوله : هذا لك ، أو يشترط أنّ يكون الانشاء بالجمل الفعلية دائماً ؟)الظاهر عدم اعتبار الفعلية ، لتعارف الانشاء بالاسمية أيضاً كما تراهم يقولون : هذا لك في مثل البيع والهبة وهو ظاهر في المعنى المقصود عرفاً . نعم الانشاء بمثل أنا بائع لك أو أنت مشترٍ لهذا بكذا غير صحيح عند العرف جداً ، لعدم ظهور مثله في الابراز عن الاعتبار النفساني ، فيكون إبرازه بمثله غلطاً عند الع--رف ف-لا يصدق عليه البيع ولا النكاح ولا غيرهما من العقود والايقاعات إلّا في مثل الطلاق والعتق ، فإنّ انشاءهما بالجملة الاسمية صحيح ، وقد خرجا عما ذكرناه بالتخصيص لصحّة الطلاق بمثل أنت طالق أو زوجتي هي طالق وعدم وقوعه بغيرهما ، وكذا العنق فإنّه إنّما ينشأ بمثل قولنا أنت حرّ لوجه اللّه .

فالمتحصّل : أنّ العقد يصحّ بالجملة الاسمية أيضاً في الجملة لا في جميع الموارد هذا كله فيما يرجع إلى الهيئة الافرادية في الايجاب والقبول .### تقدّم الإيجاب على القبولوأمّا ما يرجع إلى هيئتها التركيبية فقد اشترطوا تقدّم الايجاب على القبول بل حكي عليه الإجماع ، وخالفهم في ذلك الشيخ في باب النكاح من المبسوط(1وإن وافقهم في البيع منه (2)وفصل شيخنا الأنصاري (قدس سره)(3)في المقام تفصيلاً لعله لم يسبقه إليه غيره ، وملخصه أنّ القبول على أقسام : فقسم منه يفيد إنشاء التملّك باستقلاله سواء تقدّمه إيجاب أم لم يتقدّم ، ولم يؤخذ فيه معنى المطاوعة وهذا كملكت بالتخفيف وابتعتُ فإنّه يفيد الانشاء باستقلاله من دون أنّ يتوقف على سبق الايجاب كما هو ظاهر . وقسم آخر منه قد أخذ فيه المطاوعة يتوقف إنشاء التملّك به على تقدّم الايجاب عليه كما في مثل قبلت ورضيت فإنّه إنّما يفيد إنشاء التملّك فيما إذا سبقه الايجاب ويستفاد الانشاء من وقوعه بعد الايجاب لا منه بنفسه ، وهذا نظير تحريك الرأس في إفادة الحكاية فإنّه إنّما يفيدها فيما إذا وقع بعد السؤال عن مثل مجيء زيد ونحوه فيحرّك رأسه ويستفاد منه الحكاية عن مجيئه أو عدمه ، وأمّا إذا وقع قبل السؤال فلا يستفاد منه الحكاية بوجه فيكون لغواً محضاً .)أمّا القسم الأوّل فلا إشكال في صحّة تقديمه على الايجاب لأنّه يفيد إنشاء التملّك بنفسه ، ولا يعتبر في العقد إلّا ذلك ، نعم لا يصدق عليه القبول اصطلاحاً


1) المبسوط 2 : 87 .

2) المبسوط 4 : 194

3) المكاسب 3 : 143 .

ولكنّه لا يضرّ بصحته لما مرّ سابقاً من أنّه لم يقم دليل على اعتبار القبول في العقد وإنّما المعتبر أنّ يصدق عليه البيع أو النكاح أو غيرهما من العناوين المعامليّة ليشمله العمومات ، والأمر في المقام كذلك ولعلّه ظاهر .وأمّا القسم الثاني فأفاد بأنّه لا يصحّ تقديمه على الايجاب لوقوعه لغواً لعدم إفادته الانشاء حينئذ ، لأنّه إنّما يستفاد من سبق الايجاب عليه ومعه لا يبقى لصحته مجال . فهذا ليس من جهة أنّ الرضا لا يمكن أنّ يتعلّق بالأمور المتأخرة ، لوضوح أنّه كما يصحّ أنّ يتعلّق بالأمر المتقدم كذلك يصحّ أنّ يتعلق بالأمر المتأخر أيضاً ، بل من جهة أنّ مجرد الرضا لا يكفي في صحّة العقود ، بل لابدّ وأن يكون على وجه يتضمّن إنشاء نقل المال ، والفرض أنّ مثله لا يفيد الانشاء فيا إذا كان متقدماً على الايجاب .ثمّ نقل الكلام إلى القسم الثالث من القبول وهو ما إذا كان بلفظ الأمر والاستيجاب ، وأفاد أنّ تقدّمه على الايجاب غير جائز ، لأن الأمر غايته أنّ يكون ظاهراً في الرضا بالمعاوضة المستقبلة وكاشفاً عنه لا محالة وقد تقدم أنّ مجرد الرضا لا يكفي في صحّة العقود بل لابدّ من أنّ يكون على نحو يفيد الانشاء ، هذا ملخص ما أفاده في المقام .ولا يخفى عليك أنّ الكلام تارةً في مقام الاثبات وأنّ مثل قبلت أو الأمر عند تقدّمها على الايجاب هل يكون ظاهراً في انشاء التملّك أو لا يكون ، وهذا بحث صغروي ولا كلام لنا فيه ، وإنّما البحث في كبرى صحّة إنشاء العقد بالقبول المتقدّم على الايجاب بعد الفراغ عن كونه ظاهراً في إنشاء التملّك كما إذا قال : رضيت بكون هذا المال ملكاً لي في مقابل كذا ، أو قبلت أنّ يكون كذا في مقابل كذا ، وهذا ظاهر بل صريح في إنشاء التملّك كما لا يخفى ، ولا وجه للمنع عن صحته أبداً ، وهو نظير التملّك الذي صرّح بجواز تقديمه على الايجاب .وبالجملة : المعتبر في صحّة العقد كما أشرنا إليه سابقاً أنّ يكون على نحو يصدق

عليه البيع أو غيره من العناوين عرفاً ، وبعده يشمله العمومات كعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)أو (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (2)ونحوهما ، وكذا الحال في الأمر فيما إذا كان ظاهراً في إنشاء التملّك كما إذا قال أعطني هذا المال في مقابل كذا ، وهذا ظاهر بعد التأمل ، ويؤيّده الروايات (3)الواردة في صحّة النكاح بالاستيجاب .)لا يقال : إنّ القبول اصطلاحاً قد أخذ فيه المطاوعة ، ولازمه أنّ يتأخّر عن الايجاب ، وفيما إذا تقدّم عليه فلا يصدق عليه القبول اصطلاحاً ، والقبول ممّا لابدّ منه في صحّة العقد .فإنّه يقال : لم يقم دليل على اعتبار القبول بمعنى المطاوعة في العقد ، بل اللازم ربط الالتزام بالالتزام الآخر في مقابل الايقاعات ، وهذا كما يتحقّق فيما إذا تأخّر القبول عن الايجاب كذلك يتحقّق فيها إذا تقدّم عليه ، على أنّا لو سلّمنا اعتبار المطاوعة في العقد فليس المراد بها مطاوعة فعل الموجب بمعناه المصدري ، بل بمعناه الاسم المصدري أعني المنشأ من المبادلة ونحوها كما مرّ في الاكتساب ، وهي غير متوقفة على تحقّق الايجاب . هذا كله في العقود التي يعتبر فيها عقد الالتزام بالالتزام ، وأمّا ما يكفي في صحته مجرد الرضا فلا مانع فيه من تقديم القبول على الايجاب مطلقاً ولو كان بمثل قبلت أو رضيت ، لأنّ الرضا كما يتعلّق بالأمر المتقدّم كذلك يتعلّق بالأمر المتأخّر ، وذلك ظاهر .ثمّ قال الشيخ (قدّس سرّه (4)أنّ العقود التي لا قبول فيها إلّا بلفظ قبلت أو)


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

3) راجع الوسائل 21 : 43 / أبواب المتغة ب 18 .

4) المكاسب 3: 153 .

رضيت أو ما يتضمّن معناهما كما في الهبة والقرض - فإنّه لابدّ أن يقول في القبول اتهبت واقترضت أو رضيت أو قبلت - لا يجوز تقديم القبول فيها على الايجاب لعدم صحّة تقديم قبلت على الايجاب ، ولا قبول آخر فيه يجوز تقديمه على الايجاب الفرض . وكذا لا يجوز تقديم القبول على الايجاب في المصالحة ، لأنّ الفعل الصادر من كل واحد من المتصالحين شيء واحد وليس حاله حال البيع الذي يختلف فيه فعل البائع عن المشتري ، لأنّ البائع إنّما ينشئ التمليك والمشتري ينشئ التملّك ، فكلّ من صدر منه إنشاء التمليك فهو بائع لا محالة تقدّم أو تأخر ، كما أنّ كلّ من صدر منه إنشاء التملّك فهو مشترٍ تقدّم أو تأخّر ، وهذا بخلاف المصالحة لأنّ كلّ واحد منهما يصالح الآخر ففعل أحدهما عين فعل الآخر لا محالة ، وإنّما يتميز الموجب فيها عن القابل بالتقدم والتأخّر ، فإذا قال أحدهما : صالحتك على أنّ يكون كذا بكذا فلابدّ للآخر أن يقول قبلت أو رضيت ، إذ لو قال الآخر أيضاً صالحتك فيكون إنشاء آخر نظير الانشاء الصادر من الأول ، فيكون كل واحد منهما موجباً ولا يكون هناك قبول ، وقد قام الإجماع على اشتراط القبول في العقود ، هذا ملخص ما أفاده في المقام بطوله .أمّا ما ذكره من أنّه لا قبول في الهبة والقرض بغير قبلت ورضيت ، ففيه : أنّ الهبة ليست إلّا التمليك مجّاناً وقبولها عبارة عن التملّك بلا عوض نظير البيع ، غاية الأمر أنّ التمليك والتملّك فيه في مقابل العوض وفي الهبة لا يكونان في مقابل العوض وعليه فيصح أنّ يقول في مقام القبول تملّكت هذا بلا عوض أو ملكته كذلك كما كان يقول في البيع ملكته بكذا ، ومن الظاهر أنّه لا مانع من تقديم ملكت على الايجاب وكذلك الحال في القرض .وأمّا ما ادعاه من أنّ الإجماع قام على اعتبار القبول في العقود فهو ينافي ما صرح به هو (قدّس سرّه عند تجويز تقديم ملكت في البيع على الايجاب من أنّه لا)

دليل على اشتراط القبول في العقد بمعنى المطاوعة ، ومعه كيف يصحّ له دعوى قيام الإجماع على اعتبار القبول في العقود في المقام ، مضافاً إلى أنّه لا يراد بالمطاوعة مطاوعة فعل الغير، بل مطاوعة الطبيعة غير المتوقفة على سبق الايجاب . وكيف كان فأمثال ذلك منه (قدّس سرّه غريبة جداً .)فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ تقديم القبول على الايجاب جائز في جميع العقود والمعاملات ، لأن المعتبر فيها هو صدق العقد والبيع وهما يتحقّقان بعقد انشاء التمليك بانشاء التملّك ، وعقدهما كما يتحقّق في صورة تقديم الايجاب على القبول كذلك يتحقّق في صورة تقديم القبول على الايجاب .والتحقيق : أنّ العقد إذا كان من العقود التي لم يعتبر في صحّتها إلّا الرضا من الطرف الآخر من دون اعتبار القبول فيها ، في مقابل سائر العقود التي يعتبر فيها القبول ، وفي مقابل الايقاعات التي لا يعتبر فيها شيء من الرضا والقبول كالابراء والعتق والطلاق وغيرهما من الايقاعات التي لا يشترط فيها رضا الآخر بوجه ولذا يمكن أنّ يقال أنّ هذه العقود إيقاعات مشروطة بالرضا كما يصحّ دعوى ذلك في مثل الوصية التمليكيّة فإنّها لا تحتاج إلى القبول ولذا ذهب في العروة (1إلى أنها من الايقاعات ، ولكن فحوى « الناس مسلّطون على أموالهم » (2)يقتضي اعتبار الرضا في الوصية ، فإنّ سلطنة الإنسان على ماله تستلزم سلطنته على نفسه بالأولوية ، ودخول المال في ملك الإنسان قهراً عليه مناف لسلطنته على نفسه .)فإذا كان العقد من هذا القبيل - أي ممّا لا يحتاج فيه إلى إنشاء آخر بل يكفي فيه رضا الآخر - يكتفى فيه بما يكون مبرزاً للرضا وإن تقدّم على الايجاب .


1) العروة الوثقى 2 : 660 المسألة [ 3899 ] فصل في معنى الوصية وأقسامها وشرائطها .

2) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 .

وأمّا إذا كان من العقود التي قام الدليل على اعتبار القبول والانشاء م--ن الطرف الآخر فيها ، فكذا لا مانع من تقديم القبول فيها على الايجاب ، لأنّ غاية ما يستفاد من الأدلة العامة نظير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و (تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ) و (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (1)اعتبار صدق العقد وعقد الالتزام بالالتزام ، وهذا المعنى كما يتحقّق في صورة تقدّم الايجاب على القبول كذلك يتحقّق في صورة تقدّم القبول على الايجاب . وأمّا اشتراط القبول فيها بمعنى المطاوعة فلم يقم عليه دليل ، مضافاً إلى ما ذكرنا أنّ المطاوعة المدعاة في المقام ليس بمعنى مطاوعة فعل الآخر بل هي بمعنى مطاوعة الطبيعة وقبول المادة كما في الاكتساب والاحتطاب ونحوهما ، وذلك لأنّ مطاوعة إنشاء البائع الذي هو بمعنى فعله وقوله بعت ليست بمعتبرة في العقود قطعاً وإنّما هي على تقدير اعتبارها مطاوعة إنشاء البائع بالمعنى الحاصل منه المعبّر عنه باسم المصدر، أعني كون هذا المال ملكاً للمشتري ، ومطاوعة ذلك وقبوله كما يمكن أنّ يتحقّق بعد الايجاب كذلك يمكن أنّ يتحقّق قبله ، كما إذا رضي بكون المال ملكاً له .)وبالجملة : مطاوعة فعل البائع بالمعنى الاسم المصدري لا تتوقّف على صدور فعل من البائع خارجاً وذلك ظاهر ، فإذا قال اشتريت أو اتهبت فقد قبل أنّ يكون المال ملكاً لنفسه ولو كان قبل الايجاب .فتحصّل : أنّ تقديم القبول على الايجاب صحيح في جميع العقود والمعاملات .


1) تقدّم تخريجها في ص197.

### اعتبار الموالاة بين إيجاب العقد وقبولهذكر الشهيد (رحمه اللّه (1)وجماعة أنّ الموالاة معتبرة في العقد وأنّ هذه الموالاة مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه (2)ثمّ رتب على ذلك فروعاً .)أما مسألة كون الأصل فى اعتبار الموالاة عبارة عن اعتبار الاتّصال بين المستثنى والمستثنى منه فلا بأس بها من جهة أنّ الاستثناء أشدّ ربطاً بالمستثنى منه من سائر اللواحق بحيث يقلب الكذب صدقاً والصدق كذباً ويقلب الكفر بالإسلام والمدح بالذم وبالعكس ، فإذا قال ما جاءني أحد يكون ذلك كذباً فيما إذا جاءه زيد ، ولكنّه إذا ضم إليه قوله إلّا زيداً فقد قلب الكذب إلى الصدق ، أو إذا قال : لا صانع في العالم يكون كفراً فإذا ضم إليه قوله إلّا الله فيقلبه إلى الإسلام ، وإذا قال : زيد عالم ورع تقي فيكون ذلك مدحاً ، فإذا ضم إليه قوله إلّا أنّه لا عقل له فينقلب إلى الذمّ لا محالة .وبالجملة : أنّ الاستثناء إذا لم يذكر على نحو الاتّصال فيعامل معه معاملة الكفر أو المدح وهكذا ، فإذا أتى به بعد مدّة فلا يوجب الانقلاب بوجه ، مثلاً إذا قال : لا إله ولا صانع للعالم فقضى ثمّ جاء بعد يوم فقال : إلّا الله ، فلا يعامل معه معاملة الإسلام بل يحكم عليه بالكفر ، أو إذا أقرّ بأنّه مديون لزيد عشرة دراهم ثمّ ذهب وجاء بعد مدّة فقال : إلّا درهماً فلا يسمع منه ذلك بل يؤخذ منه العشرة حسب ما يقتضيه إقرارة :


1) الدروس 2 : 264 ، القواعد والفوائد 1 : 234 القاعدة 73 .

2) ذكر سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه) أنّ في نسخة كتابه بدل المستثنى ذكر لفظ الاستثناء ، وأفاد أنّه الأصح من جهة لزوم اتصال الاخراج بالكلام .

وبالجملة : أنّ الاستثناء لشدّة ربطه بالكلام يعتبر فيه الموالاة ويخلّ الفصل بينه وبين المستثنى منه بصحّة الكلام وبصدقه وكذبه كما مرّ ، وإنّما انتقلوا إلى اعتبار الموالاة في المقام وفي غيره من الموارد من ملاحظة الموالاة بين الاستثناء والمستثنى منه وهذا ظاهر .وأمّا الفروع التي رتّبها عليه فلم نفهم وجه ارتباط بعضها بالمقام ، منها : مسألة وجوب التوبة على المرتدّ فإنّ كونها واجبة عليه فوراً لا ربط له بمسألة الاتصال بين الاستثناء والمستثنى منه ، لأنّه نظير وجوب إزالة النجاسة عن المسجد فوراً وتابع لدلالة دليله ، فإذا دلّ على الفور فلا محالة يؤخذ به وإلّا فلا .ووجهه شيخنا الأنصاري (1بأنّ المطلوب في الإسلام الاستمرار فإذا انقطع فلابدّ من إعادته في أقرب الأوقات ، هذا .)ولكنّك عرفت أنّ فورية التوبة إنّما هي من جهة دلالة الدليل وأن الرجوع إلى اللّه وعن المعاصي لازم في كل وقت و آن ، وهو غير مربوط بلزوم الاتصال كما لا يخفى .ومنها : مسألة الجمعة وأنّه يجب فيها الايتمام قبل ركوع الإمام ، فإذا تعمدوا أو نسوا حتّى ركع فلا جمعة ، وذلك لأنّ وجوب الايتمام مع تكبيرة الإمام كما عليه العامة فإذا كبر الإمام فيكبرون معه جميعاً - أو قبل الركوع أمر تابع لدلالة دليله ولا ربط له بمسألة الاتصال بوجه ، هذا .ثمّ إنّ الاتّصال والموالاة في مثل الاستثناء والمستثنى منه وفي غيره من الموارد التي اعتبرت الموالاة فيها أمر عرفي ويختلف باختلاف المقامات والموارد من حيث الطول والقصر ، مثلاً الموالاة بين الجملات على نحو أوسع من الموالاة بين الكلمات


1) المكاسب 3 : 160 .

والموالاة فيها أوسع منها بين حروف الكلمة ، وهكذا .وبالجملة : أنّ اعتبار الموالاة والاتّصال بين الاستثناء والمستثنى منه ممّا لا كلام فيه .وإنّما الكلام في أنّ البيع والنكاح والقرض والهبة وغيرها من العقود المحتاجة إلى الايجاب والقبول هل هي نظير الاستثناء والمستثنى منه ويعتبر فيها الموالاة بين الايجاب والقبول ، أو أنّه لا يعتبر فيها الموالاةواستُدلّ على اعتبار الموالاة في العقود بوجهين :أحدهما : ما ذكره شيخنا الأنصاري من أنّ العقد إنّما هو شدّ الالتزام بالالتزام وإيجاد علقة بين شيئين ، والشد والعقد إنّما يصدق فيما إذا ذكر الايجاب والقبول على نحو الاتصال ، وأمّا إذا تخلّل بينهما زمان طويل فلا يصدق العقد والشدّ بوجه .وثانيهما : ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (1)من أنّ المعاملات المتوقفة على القبول مشتملة على خلع ولبس فالبائع يخلع الملكية عن نفسه ويلبسها المشتري وبالعكس ، فإذا فرضنا أنّ البائع قد خلع لباس الملكية عن نفسه فلابدّ من أنّ يلبسها المشتري على نحو الاتصال وإلّا فلا يتحقّق هناك خلع ولبس ، ففي صورة انفصال أحدهما عن الآخر فلا محالة يبطل المعاملة ، هذا .)ولا يخفى أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ لم يكن مترقباً منه (قدّس سرّه لأنّ المراد بالخلع واللبس أنّ كان هو الخلع واللبس في نظر البائع أو الموجب فلا إشكال في أنّه بإيجابه قد خلع الملكية عن نفسه وألبسها المشتري في عالم اعتباره ، فالخلع واللبس قد تحقّقا معاً . وإن كان المراد الخلع واللبس في نظر الشارع أو العقلاء فهو إنّما يتحقّق)


1) منية الطالب 1 : 251 .

بعد تمامية العقد بذكر الايجاب والقبول معاً وأمّا قبل تماميته فلا خلع ولا لبس ، هذا .مضافاً إلى أنّ تخلّل الفصل بين الخلع واللبس إذا كان مستحيلاً فلا يفرق فيه بين الفصل الطويل والفصل القصير، مع أنّه لا إشكال في صحّة العقد وتماميّته فيما إذا تخلّل بين الايجاب والقبول زمان قليل كآن واحد مثلاً ، فهذا يكشف عن عدم استحالة الفصل بين الايجاب والقبول وذلك ظاهر .وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه فالجواب عنه بوجهين :)أحدهما : ما أشار إليه هو (قدّس سرّه في ضمن كلماته من أنّه إنّما يتم فيا إذا كان دليل الملك واللزوم قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وعندئذٍ يمكن أنّ يقال أنّ العقد يتوقف صدقه على اتصال القبول بالايجاب ، وأمّا إذا قلنا بأن الدليل على صحّة المعاملات عبارة عن عموم قوله تعالى : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) (2)أَو (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (3)فلا نحتاج في صحّة المعاملات حينئذ إلى صدق عنوان العقد أبداً ، وإنّما يحتاج إلى صدق عنوان البيع والتجارة ، ولا إشكال في صدقها مع الانفصال وهو ظاهر .)و توهّم أنّ الاستدلال بالايتين إنّما يفيد صحّة البيع وغيره من المعاملات وأمّا لزومها فلا ، فلا يبقى للزوم المعاملات مع عدم الموالاة دليل فتكون جائزة .مدفوع بما ذكرناه سابقاً من أنّ الدليل على لزوم المعاملات غير منحصر بقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وقد ذكرنا الأدلة الدالّة على اللزوم سابقاً وقلنا أنّ أصرحها دلالة هو قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ)


1) المائدة 5 : 1 :

2) البقرة : 2 : 275 .

3) النساء 4 : 29 .

تَرَاضٍ ، فإنّ الأكل بالفسخ ليس تجارة عن تراض فيكون أكلاً بالباطل .وثانيهما : أنّ ما أفاده لا يتمّ فيمكن الاستدلال بقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أيضاً ، لأنّ العقد ليس اسماً للايجاب والقبول أعني اللفظ وإنّما ه-و اسم للمبرز بالايجاب والقبول أعني الالتزام ، فالعقد عبارة عن شد التزام بالتزام آخر لا عن ربط الايجاب والقبول ، فإذا فرضنا أنّ البائع أبرز اعتباره والتزامه بقوله بعت وكان المشتري غافلاً أو نائماً وبعدما استيقظ قال قبلت فقد شدّ التزامه بالتزام البائع المبرز بقوله بعت ، وهذا ممّا لا إشكال في صحته . نعم يشترط في ذلك أنّ يكون البائع باقياً على التزامه إلى زمان التزام المشتري .)فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الموالاة غير معتبرة بين الايجاب والقبول ويدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدّم : السيرة المستمرّة بين العرف في بعض موارد المعاطاة ، فإنّه لا إشكال في صحّة الهبة فيما إذا أهدى أحد كتاباً إلى آخر وهو في مسافة بعيدة فوصل الكتاب إلى المهدى إليه بعد شهر أو شهرين مع فرض المهدي غافلاً عن ذلك حين وصول هديته ومع تخلّل الفصل بين الإهداء والقبول .ودعوى أنّ ذلك لا يعدّ فصلاً لأنّه من جهة كون الفعل والاعطاء طويلاً ومحتاجاً إلى زمان نظير ما إذا مدّ يده إلى المشرق فأخذ منه شيئاً وأراد إيصاله إلى المغرب فهو من جهة طول الفعل لا أنّ الزمان تخلّل بين فعل المهدي والمهدى إليه كما عن شيخنا الأستاذ(1.)غير مسموعة لوضوح الفرق بين الموردين ، لأنّ المهدي ربما يكون غافلاً عن إهدائه حين وصول الهدية إلى المهدى إليه ، فلا يكون ذلك من قبيل طول الفعل المعاطاتي .


1) منية الطالب 1 : 253 .

ودعوى الفرق بين المعاطاة والعقود اللفظية واضحة الفساد ، وكذا السيرة جارية على المعاملة بالبرقية والمكاتبة مع عدم الموالاة بين الايجاب والقبول فيها . فالمتحصّل أنّ الموالاة كالماضوية والعربية غير معتبرة في صحّة المعاملات .### الكلام في اشتراط التنجيز في العقودذكر جماعة أنّ التنجّز معتبر في العقود مطلقاً وأنّ تعليقها على شيء يوجب البطلان ، من دون فرق في ذلك بين التعليق الصريح كما إذا قال : بعتك هذا إن كان كذا ، وبين التعليق غير الصريح كما إذا قال : أنت وكيلي يوم الجمعة ، لأنّه في حكم التعليق واقعاً ومعناه أنّ الوكالة معلّقة على مجيء يوم الجمعة وأنّه لا وكالة قبل مجيئه . نعم لو كان التوكيل مطلقاً وكان التعليق راجعاً إلى متعلقه فهو ممّا لا إشكال في صحته ، وهذا كما إذا قال : أنت وكيلي من الآن ولكن لا تبع عبدي إلّا في يوم الجمعة ، أو قال أنت وكيلي في بيع داري يوم الجمعة بأن يكون يوم الجمعة قيداً للبيع الذي هو متعلّق الوكالة ، وهذا نظير الاجارة لأنها تارةً تكون مطلقة وأخرى مقيدة بشيء وثالثة تكون الاجارة مطلقة ولكن متعلّقها يكون مقيّداً بشيء على نحو الواجب المعلّق .وكيف كان ، فقد وقع الخلاف في كلمات الأصحاب في المقام ، فذكر بعضهم أنّ التعليق مطلقاً يوجب الفساد ، وذهب آخر إلى التفصيل بين التعليق على شيء معلوم الحصول والتعليق على شيء مشكوك الحصول، وثالث إلى التفصيل بين التعليق على شيء يتوقف صحّة العقد عليه شرعاً وبين غيره ، ولأجل ذلك ذكر شيخنا الأنصاري (1أقسام التعليق في المقام وقسمه إلى ثمانية أقسام فأفاد : إنّ التعليق إما)


1) المكاسب 3 : 166 .

أن يكون على شيء معلوم الحصول أو على شيء مشكوك الحصول ، وأمّا ما نعلم بعدم حصوله فالتعليق عليه يوجب البطلان قطعاً إما لاخلاله بالتنجز على تقدير اعتباره في العقود ، وأمّا لعدم حصول المعلّق عليه فرضاً على تقدير عدم اعتبار التنجيز وصحّة التعليق ، فلذا لم يذكره الشيخ أيضاً في المقام .وكيف كان ، فعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً وأمّا أن يكون استقبالياً ، وعلى جميع التقادير الأربعة إما أن يكون المعلق عليه ممّا تتوقف صحّة العقد عليه شرعاً ، وأمّا أن لا يكون متوقفاً عليه صحته فهذه ثمانية أقسام . وإن كان الأولى أنّ يجعل الأقسام اثنى عشر قسماً ، لأنّ المعلّق عليه إما أنّ يكون معلوم الحصول أو يكون مشكوك الحصول ، وعلى كلا التقديرين إما أنّ يكون أمراً حالياً وأمّا أنّ يكون أمراً استقبالياً ، وعلى جميع التقادير الأربعة ، إما أنّ يكون ممّا يتوقف حقيقة ما أنشأه المنشئ عليه عقلاً وأمّا أنّ لا يكون ممّا يتوقف عليه حقيقة المنشأ عقلاً ، وعلى الثاني إما أنّ يكون ممّا يتوقف صحّة العقد عليه شرعاً وأمّا أنّ لا يكون كذلك ، فهذه اثنا عشر قسماً .فأمّا ما يتوقف حقيقة المنشأ عليه عقلاً فالظاهر أنّ التعليق عليه لا يوجب البطلان ، لأنّ الفرض أنّ المنشأ متوقّف عليه عقلاً ، سواء تلفّظ به في العقد أم لم يتلفظ به ، وهذا كما إذا قال : هذه المرأة هي طالق أنّ كانت زوجتي أو أنّ هذا الرجل حرّ لوجه الله إن كان عبداً ، وذلك لأنّ الطلاق في غير الزوجة أمر لا معنى له ، لأنّه بمعنى الخلو وغير الزوجة مخلاة من الابتداء فلا معنى لطلاقها ، كما أنّ التحرير متوقف عقلاً على أنّ يكون المحرّر عبداً ، إذ الحرّ لا يحرّر .وكيف كان فالتلفّظ بأداة التعليق لا يكون مانعاً قطعاً ، لأنّه تلفّظ به أم لم يتلفظ به معلّق عليه واقعاً ، وإن احتاط شيخنا الأنصاري بعدم ذكر ألفاظ التعليق إلّا أنّه لا وجه له بعد عدم دلالة الدليل على أنّ التلفّظ بها مانع عن صحّة الانشاء

وهذا من دون فرق بين أن يكون ما يتوقّف عليه المنشأ عقلاً أمراً حاليا أو يكون أمراً استقبالياً ، وسواء كان معلوم الحصول أو مشكوك الحصول ، فهذه الأقسام الأربعة ممّا لا إشكال فيه بوجه.وأمّا إذا كان المعلّق عليه ممّا يتوقّف صحّة العقد عليه شرعاً من دون أن يكون متوقفاً عليه عقلاً ، كما إذا قال : بعتك هذا إن كنت بالغاً أو أسلفتك كذا إن كنت قادراً على تسليمه في وقته وغير ذلك من القيود المعتبرة شرعاً ، فهل يكون التعليق فيه موجباً للبطلان أو لا ؟الظاهر أنّه أيضاً ملحق بالقسم الأوّل ، وأنّ التعليق عليه لا يوجب البطلان وذلك لأنّ عمدّة الدليل على مبطلية التعليق هو الاجماع ، وشموله لهذا القسم غير معلوم بل هو معلوم العدم كما يظهر من كلام الشيخ حيث أرسل جواز التعليق عليه على نحو إرسال المسلّمات فراجع . وهذا أيضاً من دون فرق بين أنّ يكون المعلق عليه أمراً حالياً أو يكون أمراً استقبالياً كما لا يفرق فيه أيضاً ب-ي-ن ك--ونه معلوم الحصول وكونه مشكوك الحصول ، فهذه الأقسام الأربعة ملحقة بالأقسام الأربعة المتقدّمة في أنّ التعليق فيها غير موجب للبطلان .وأمّا الأقسام الأربعة الباقية أعني ما يكون معلوم الحصول أو مشكوك الحصول وعلى كلا التقديرين يكون حالياً أو استقبالياً من دون أن يكون ممّا يتوقف العقد عليه شرعاً أو عقلاً ، فأمّا القسم الأوّل منها أعني ما يكون معلوم الحصول في الحال كما إذا قال : بعتك هذا إن كان اليوم جمعة مع علمها بأن اليوم يوم الجمعة ، فلا ينبغي الإشكال في صحته لأنّه غير منافٍ للتنجيز ويعلمان بتحقّق ما علّق عليه العقد حسب الفرض .وأمّا الأقسام الثلاثة الباقية فهي المقدار المتيقّن من الإجماع المدعى على بطلان التعليق في العقود ، وهذه الأقسام الثلاثة عبارة عما إذا كان أمراً حالياً

مشكوك الحصول كما إذا قال : بعتك هذا المال أنّ كانت الساعة الساعة الخامسة ولم يعلما أنّ الساعة هي الخامسة أو غيرها، وما إذا كان أمراً استقبالياً مشكوك الحصول أو معلوم الحصول كما إذا قال : أنت وكيلي في بيع داري إذا جاء يوم الجمعة بأن يكون مجيؤه شرطاً لحصول الوكالة على نحو الواجب المشروط ، وأمّا إذا كان العقد منجزاً وكان القيد راجعاً إلى متعلّق العقد على نحو الواجب المعلّق فقد عرفت أنّه ممّا لا إشكال في صحته كما إذا قال : أنت وكيلي في بيع داري يوم الجمعة على أنّ يكون يوم الجمعة قيداً للبيع . هذا تمام الكلام في الأقسام الاثني عشر .بقي الكلام في مدرك بطلان الأقسام الثلاثة المتقدّمة ، والإنصاف أنّ المسألة من العويصات ، لأنّ الأدلّة العامة والخاصة غير قاصرة الشمول لها لأنّها أيضاً بيع وعقد وتجارة عن تراض ، مضافاً إلى أنّها واقعة في العرف أيضاً بكثير وليست عندهم أمراً مستبشعاً ، إذ لا مانع عندهم من أن يبيع أحد ماله بشرط أن تجيئه البرقية على أنّ وكيله اشترى مثله له كما هو واقع بين التجار ، أو يشتري شيئاً بشرط أنّ يرضى به أبوه وهكذا.وعليه فيقع الكلام فيما يمنع عن شمول الاطلاقات والعمومات لها .المانع الأوّل : الاجماع المدّعى في المقام . ولكنّه لا يمكن الاعتماد عليه لأنّه لا يفيد القطع برأي المعصوم (عليه السلام خصوصاً بعد التعليلات المذكورة في كلماتهم .)هذا كلّه مضافاً إلى أنّ كلمات المجمعين غير متطابقة على مطلب واحد ، وذلك لأنّ بعضهم ذكر اعتبار التنجيز في العقود وعلّله بأنّه لا يح-ص-ل ب-دونه الجزم في الانشاء ، ولازمه صحّة تعليق العقد على أمر معلوم الحصول في المستقبل لأنّه لا ينافي الجزم ، وبعضهم ذكر أنّ المعتبر في صحّة العقود هو عدم التعليق تعبداً ، ولازمه بطلان العقد فيها إذا علّق على ما يتوقف صحّة العقد عليه عقلاً أو شرعاً ، كما إذا قال : بعتك هذا أنّ قبلته أو أنّ كنت بالغاً ، لأنّه معلّق في مقام الاثبات وه-و م-وجب

للبطلان ، ومن أجل ذلك احتاط شيخنا الأنصاري بذكر العقد على صورة الجزم وإن كان في الواقع معلّقاً ، ، ومع هذا الاختلاف كيف يصحّ دعوى القطع برضا الإمام (عليه السلام مع أنّه أمر وجداني نعلم بعدم حصوله ، هذا أحد الموانع التي ادعيت في المقام .)المانع الثاني : أنّ الانشاء غير قابل للتعليق بوجه ، لأنّه نظير سائر الأفعال كالأكل والضرب ونحوهما ، فكما لا يعقل أنّ يضرب أحداً معلّقاً على أمر كذا أو يأكل معلّقاً على أنّ يكون كذا لأنّه يأكل ويضرب فعلاً فما معنى كونه معلّقاً على شيء ، فالانشاء والإخبار أيضاً كذلك لأنّه إما أنّ ينشئ ويخبر أو لا ينشئ ولا يخبر ، وأمّا أنّه ينشئ معلّقاً فهو غير متصوّر أبداً كما في الأكل والضرب ، هذا .والجواب عن ذلك : ما ذكرناه في الواجب المشروط (1من أنّ المعلّق ليس هو الانشاء أو الاخبار اللذين هما من قبيل الأفعال ، بل المعلّق هو المنشأ كالملكية ونحوها مع كون الانشاء فعلياً ، فالمعلّق متعلّق الانشاء أو الاخبار ولا مانع من أنّ يكون المنشأ أو المخبر به أمراً استقبالياً ومعلّقاً على شيء كما في الوصية فإنّ المنشأ فيها هو الملكية المعلّقة على الموت ، هذا .)وقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (2بأنّ التعليق أمر متصوّر وواقع في العرف والشرع كثيراً كما في الوصية والوقف ونحوهما ممّا هو مقيد ومعلّق على الموت أو على شيء آخر ، وكالتدبير المعلّق على وفاة المعتق وكالصرف ونحوه ممّا يشترط فيه القبض ، ونظائرها كثيرة ، وهذا كاشف عن عدم استحالة التعليق في العقود والانشاءات .)


1) محاضرات في أصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 146 .

2) المكاسب 3 : 170 .

المانع الثالث : أنّ ظاهر الأدلّة الدالّة على سببية العقود لمسبّباتها وترتّب المسبّبات عليها إنّما هو ترتّبها عليها وكونها سبباً للمسبّبات في حال إنشاءاتها وفي ظرف وقوعها ، لا في الأزمنة الآتية ، فكون العقد سبباً للبيع إنّما هو فيما إذا كان موجباً للملكية الفعلية ، وأمّا إذا كان موجباً للملكية الاستقبالية فهو على خلاف ظواهر الأدلّة الدالّة على أنّ عقد البيع سبب للملك مثلاً ، هذا .ولا يخفى أنّ مفاد الأدلّة هو وجوب ترتيب الأثر على كل عقد على طبق مدلوله منجزاً كان أو معلّقاً نظير النذر المعلّق على أمر متأخّر .وأجاب عنه شيخنا الأنصاري (1مضافاً إلى ما ذكرنا : بأنّ دليل الصحّة واللزوم غير منحصر في قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لأنّ دليل حلّية البيع وتسلّط الناس على أموالهم كافٍ في إثبات ذلك ، هذا)ولا يخفى أنّ ما ذكر من المانع كما يأتي في قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)كذلك يأتي في قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ )(3)و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (4)والجواب الجواب فلا تغفل .)ثمّ أجاب عنه ثالثاً : بأنّ ذلك لو تمّ فإنّما يتمّ في خصوص البيع دون غيره من العقود ، لأنّ العقود يتأخّر مقتضاها عنها غالباً . هذا ولكنّا لم نفهم مراده (قدّس سرّه من هذا الجواب وأنّ العقود التي يتأخّر مقتضاها عنها ماذا ، وأي عقد يكون مقتضاه متأخّراً عنه في الشرع ، فإن أراد به الوصية والتدبير فهما خارجان عن محلّ)


1) المكاسب 3 : 170 .

2) المائدة 5 : 1 .

3) البقرة : 2 : 275 .

4) النساء 4 : 29 .

النزاع لأنّ صحّتهما من ناحية الدليل الخاص ، وإن أراد به الاجارة كما قيل ففيه أنّ متعلّقهاالأثر فيها أعني الملكية فعلية غير متأخرة عن العقد وإنّما المتأخر عنه هو أعني المنفعة المستقبلة كما لا يخفى .المانع الرابع : أنّ الأسباب الشرعية توقيفية وهذا موجب لوجوب الاقتصار فيها على المتيقّن وهو العقد العاري عن التعليق وصحّة المعلّق مشكوكة وقد تكرّر ذلك في كلماتهم جداً حتّى أنّي رأيت في كلام القاضي في جواهره (1في مقام الاستدلال على بطلان المضاربة بغير الدرهم والدينار أنّه استدل عليه بأنّ الأسباب توقيفية ، والترخيص إنّما ثبت في خصوص الدرهم والدينار دون غيرهما فيكون باطلاً .)وفيه : أنّه أي دليل أحسن من عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و (أَحَلَّ الله الْبَيْعَ ) و ( تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) وغيره من العمومات ، وهي كافية في الترخيص كما هو واضح .)المانع الخامس : ما ذكره شيخنا الأستاذ (2من أنّ أدلة صحّة البيع والنكاح وغيرهما من العقود إنّما تنصرف إلى العقود المتعارفة ، والبيع المتأخّر عنه الملكية بأيّام أو الاجارة كذلك غير متعارف جداً ، وهذا هو السر في بطلان التعليق في العقود ، هذا .)ولا يخفى ما فيه صغرى وكبرى . أمّا الكبرى فلأن العمومات والمطلقات الواردة في الأدلة والأخبار لا يعتبر في شمولها لشيء إلّا صدق الطبيعي عليه وكونه فرداً من أفراده ، وأمّا كونه متعارفاً أيضاً فلا ، نعم، ربما يتوهم في خصوص


1) جواهر الفقه : 124 .

2) منية الطالب 1 : 255 .

المطلقات عدم شمولها لغير المتعارف ، فإنّ الاطلاق موقوف على عدم بيان القيد فربما يتخيّل كفاية التعارف الخارجي في البيان ، فلا يتمّ الاطلاق . ولكن العمومات لا يجري فيها هذا التوهّم .وأمّا الصغرى فلمنع عدم تعارف العقود التعليقية عندهم ، فإنا نراهم يهبون المال للغير بعد أيّام لحاجتهم إليه في تلك الأيّام .فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ التنجيز غير معتبر في العقود وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه سيّما في النكاح إلّا ما خرج بالدليل كالتزويج الانقطاعي معلّقاً على مضيّ زمان الانقطاعي الموجود فعلاً مع عدّته كما إذا بقي من أيّام انقطاعه عشرة أيّام فزوجت نفسها من آخر بعقد انقطاعي أو دائمي معلقاً على مضي العشرة أيام الباقية من الانقطاعي الموجود بالفعل ومضي أيام عدّته ، لما ورد من أنّ المزوجة لا تزوّج (1وذلك ظاهر .)### اعتبار التطابق بين الايجاب والقبولوهذا ليس اشتراطاً خارجياً في المعاملات وإنّما هو ممّا يقتضيه نفس مفهوم المعاقدة ، لتوقّفها على وحدة المورد واتّحاد المحل لا محالة وإلّا فلا يصدق المعاقدة بوجه ، فلابدّ من تطابق الايجاب والقبول في صدق مفهوم المعاقدة كما هو واضح فإذا اختلفا فلا يكون أحدهما مربوطاً بالآخر أبداً .والاختلاف تارةً من جهة المثمن وأخرى من جهة الثمن وثالثة من جهة البائع أو المشتري كما إذا قال : بعتك هذا العباء بكذا ، فقال المشتري : اشتريت هذا الفراش بكذا ، أو قال : بعتك هذا المال بمائة ، وقال الآخر : اشتريت هذا المال


1) لاحظ الوسائل 20 : 446 / أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب 16 .

بخمسين ديناراً ، أو قال : بعتك هذا بكذا ، فقال المخاطب : اشتريته بكذا لموكّلي ، ولا تصدق المعاقدة على شيء من هذه الموارد بوجه .أمّا الأوّلان فواضحان . وأمّا في الثالث أعني عدم التطابق في المشتري ، فلانّا وإن ذكرنا في محلّه أنّ البيع ليس إلّا مبادلة مال بمال ولا نظر فيه إلى خصوصية البائع أو المشتري ولذا لا يسأل المشترى أنك تشتريه لنفسك أو لشخص آخر، إلّا أنّ هذا كله في الأعيان الخارجية دون ما في الذمم من الثمن أو المثمن لاختلافها باختلاف الذمم ، فإذا قال : بعتك هذا المال بمائة دينار كلّي وقال المخاطب : اشتريته بكذا لموكلي على وجه الكلّي ، فلا محالة يقع باطلاً ، لأنّ ما في ذمّة المخاطب مغاير لما في ذمّة وكله وقد تعلّق غرض البائع بخصوصية ما في ذمّة المخاطب ، فإذا قبله المخاطب لموكله وبدل ما في ذمّته إلى ما في ذمّة الموكل فلا محالة يقع باطلاً ، وفي الحقّيقة يرجع هذا إلى التطابق في الثمن أو المثمن .وأمّا التطابق من حيث الشروط وعدم الاختلاف فيها كما إذا قال : بعتك هذا المال بكذا على أنّ يكون كذا فقال المشتري قبلته بكذا من دون اشتراط ، فهل هو أيضاً لازم في صحّة المعاملة وعدمه يوجب البطلان أو لا يوجب بطلانها ؟الظاهر أنّ التطابق في الشروط غير معتبر في صحّة المعاملات ، لأنّ الشرط لا يرجع إلى نفس العقد وأصل البيع بحيث لا بيع في صورة تخلّف الشرط لأنّه باطل لا محالة للإجماع على بطلان التعليق في العقود ، مع أنّه لا خلاف نصاً ولا فتوى في جواز الاشتراط في المعاملات لعموم « المؤمنون عند شروطهم » (1وفتوی الأصحاب بصحته . بل الشرط التزام آخر في ضمن التزام وقد شرحناه في محله باشتراط شيء في الالتزام بالمعاملة وتوضيحه : أنّ ما يصدر عن البائع أمران :)


1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4 .

أحدهما نفس المعاملة والبيع . وثانيهما : التزامه بما فعله ووقوفه عليه وعدم رجوعه عنه ، وقد يشترط في ذلك على أنّ يخيط له المشتري ثوباً بحيث لو لم يف المشتري بذلك فله أنّ لا يقف على فعله ولا يلتزم بعقده ويرجع عنه ، فالشرط راجع إلى الالتزام بالعقد ومعناه جعل الخيار لنفسه على تقدير عدمه .وكيف كان ، فالشروط خارجة عن المعاملات والبيع ، وعليه فإذا قبله المشتري مجرّداً عن الشرط فقد تطابق قبوله للايجاب وتمت المعاملة ، فإن رضي البائع حينئذ برفع اليد عمّا جعله لنفسه من الخيار على تقدير تخلّف الشرط فالمعاملة صحيحة ولا يلزمه إعادة الايجاب والقبول ، نعم أنّ لم يرض برفع اليد عن الاشتراط وفسخ فالبيع باطل ، هذا كله في التطابق في الشروط .وأمّا التطابق من حيث أجزاء الثمن أو المثمن أو أجزاء البائع أو المشتري كما إذا قال : بعتك هذه الدار بمائة دينار وقال المشتري اشتريت نصفها بخمسين ديناراً أو قال مخاطباً للاثنين : بعتكما هذه الدار بمائة وقال أحدهما اشتريت نصفها بخمسين ولم يقبل الآخر ، فهل هو ملحق بالتطابق في الشروط أو أنّ التطابق في الأجزاء لازم وعدمه يوجب بطلان المعاملة ؟الظاهر هو الأوّل ، لأنّ بيع الدار بمائة ينحل إلى بيع كل نصف منها بخمسين ديناراً ، غاية الأمر مشروطاً بانضمام أحد النصفين إلى الآخر ، فإذا قبله المشتري بقوله اشتريت نصفها بخمسين ديناراً فقد طابق فعله الايجاب ، وذلك لما عرفت من أنّ الشروط خارجة عن البيع ، فعدم قبوله للنصف الآخر لا يضر بصحّة البيع في النصف الآخر فيما إذا رضي البائع برفع اليد عن اشتراطه الانضمام ، ولا يحتاج إلى إعادة الايجاب والقبول . وأمّا إذا لم يرض برفع اليد عن الانضمام وفسخ فالمعاملة فاسدة ، كما أنّ بيع الدار للاثنين ينحل إلى بيعين مستقلين أحدهما بيع النصف من هذا الشخص بخمسين ديناراً وثانيهما بيع النصف الآخر من الثاني بخمسين ديناراً

أيضاً ، نظير بيع ما يملك وما لا يملك في صفقة واحدة فهو بيعان في الواقع فإذا قبل أحدهما أحد النصفين بخمسين فقد طابق قبوله الايجاب ، غاية الأمر أنّه مجرد عن الشرط الذي هو الانضمام ، وقد عرفت أنّ الشروط خارجة عن المعاملة فلذا نقول بعدم فساد المعاملة بفساد الشرط ، وعدم التطابق فيها غير موجب لعدم التطابق في أصل البيع فيما إذا رضي البائع برفع اليد عن الشرط ، وهذا ظاهر واضح .ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما هو فيما إذا كانت المعاملة بالنسبة إلى مجموع العوضين أو كلا المشتريين بانشاء واحد ، وأمّا إذا كانت بانشائين كما إذا باع نصف داره بخمسين ديناراً من أحد ونصفها الآخر من الآخر فقبل أحدهما دون الآخر ، فهو ممّا لا إشكال في صحته وخارج عن محل الخلاف بيننا وبين الشيخ (1لا محالة .)### اشتراط قابلية كلّ واحد من المتعاملين وأهليته للمعاملة حين إنشاء الآخربأن يكون كلّ واحد من البائع والمشتري باقياً على أهليته وقابليته للمعاملة في زمان إنشاء الآخر .ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (2)أنّ اشتراط ذلك في المعاملات من القضايا التي قياساتها معها ، لأنّ العقد لا ينعقد إلّا بفعل الاثنين فلو فقد حين إنشاء أحدهما شرائط العقد فوجودها سابقاً أو لاحقاً لا أثر له ، ومجرد تحقّق الشرط حين إنشاء الآخر لا يفيد بعد كون إنشائه جزءاً للعقد لا إيقاعاً مستقلاً ، فلو كان المشتري حين إنشاء البائع نائماً لا يصحّ العقد ، وكذلك العكس .)


1) المكاسب 3 : 175 .

2) منية الطالب 1 : 257 .

وفصّل السيّد في الحاشية (1بين ما إذا خرج الموجب عن القابلية في زمان قبول القابل فالتزم بصحّته ، لأنّ الايجاب قد صدر من الموجب في حال صحّته ولحقه القبول من المشتري وبه يتمّ المعاملة ، وإن عرض الجنون أو الموت أو نحوهما على الموجب في زمان إنشاء القابل لصدق البيع عليه عرفاً ، وبين ما إذا لم يكن المشتري قابلاً للتخاطب حين إيجاب البائع فالتزم بالفساد ، هذا .)أمّا ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه فيندفع بأنّ لازمه أن يكون اشتراط القابلية من البديهيات نظير انقسام كلّ زوج إلى متساويين ، والأمر ليس كذلك في المقام ، وإلّا لما وجد فيه الخلاف ، ونفس تفصيل السيّد (رحمه الله) كاشف عن أنّ المطلب نظرى وليس أمراً بديهيّاً .)وأمّا ما أفاده السيّد (قدّس سرّه فالظاهر عدم تماميته أيضاً بل التحقيق عكس ما ذكره (قدّس سرّه) وبطلان المعاملة في الصورة الأولى دون الثانية ، وذلك لأن العقد عبارة عن الربط والشدّ بين الالتزامات النفسية والاعتبارات المبرزة في الخارج ، لا الربط بين الألفاظ كما هو واضح ، وعليه فإذا أبرز الموجب التزامه النفسي بالايجاب في زمان لم يكن القابل فيه قابلاً للمعاقدة كما إذا كان مجنوناً أو نائماً أو مغشياً عليه وبعده صار قابلاً لها فأنشأ القبول وأبرز به التزامه فقد شدّ بينه وبين التزام البائع لأنّ المفروض أنّ البائع باقٍ على التزامه الذي أبرزه في زمان جنون القابل أو نومه فلا ينبغي الإشكال في صدق العقد عليه وتحقّق المعاقدة به ويشمله عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)و (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ )(3))


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 92 .

2) المائدة 5 : 1.

3) البقرة : 2 : 275

و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (1)وهو ظاهر .)وهذا بخلاف ما إذا أبرز الموجب اعتباره النفساني خارجاً ثمّ خرج ع--ن قابلية الانشاء لجنون أو غشوة أو نوم أو موت وأنشأ المشتري اعتباره في ذلك الزمان ، فإنّه لا يكون موجباً لربط الالتزام بالالتزام ، إذ لا التزام للبائع حينئذ ليرتبط بالتزام المشتري ، بل زال التزامه حقيقةً في صورة الموت وحكماً في صورة الجنون والغشوة والنوم ، إذ لا اعتبار بالتزام المجنون وهو واضح .فتحصّل : أنّ الحقّ هو التفصيل بين ما إذا كان إنشاء المشتري في زمان عدم قابلية البائع للمعاملة وما إذا كان إنشاء البائع في زمان عدم قابلية المشتري للمعاقدة ، بالبطلان في الأوّل والصحّة في الثاني ، لعدم لزوم كون المشتري في زمان إنشاء البائع قابلاً للمعاملة كما عرفت ، بل هذا هو الذي جرت عليه السيرة المستمرّة بين العقلاء فإنهم يتعاملون بالمكاتيب في الأماكن البعيدة وبالبرقيات والتلفون مع أنّ المشتري في زمان إرسال المكتوب أو تلفونه أو برقيته غافل عن المعاملة أو نائم أو غير ذلك ممّا يخرجه عن كونه قابلاً للمعاملة ، فالتحقيق ما ذكرناه على عكس ما أفاده السيد (قدّس سرّه ، هذا .)ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه (2)ذكر أنّهم صرّحوا بجواز لحوق الرضا لبيع المكره ، ومقتضاه عدم اعتبار الرضا من أحدهما حين العقد بل يكفي حصوله بعده فضلاً عن حصوله بعد الايجاب وقبل القبول ، وهذا ينافي ما اشترطوه في صحّة المعاملة من كون كلّ واحد منهما قابلاً للمعاملة حين إنشاء الآخر ، اللهمّ إلّا أن يلتزم بأنّ الحكم في المكره على خلاف القاعدة لأجل الإجماع ، هذا)


1) النساء 4 : 29 .

2) المكاسب 3 : 178 .

ولا يخفى أنّ الحكم في المكره ليس لدليل خارجي من الإجماع ونحوه لأنّه لا يوجب صدق عنوان العقد على ما ليس بعقد عرفاً كما هو واضح ، فلابدّ من التكلّم في أنّ الحكم فيه على خلاف القاعدة وأنّ مقتضى القاعدة بطلأنّه لعدم وقوعه في حال يجوز لكل واحد منهما الانشاء ، أو أنّ الحكم فيه على وفق القاعدة وأن م--ا ذكرناه من اشتراط وقوعه في حال يصحّ المعاملة من كلّ واحد غير صحيح ، وأنّ القاعدة غير مقتضية له .والتحقيق أنّ صحّة بيع المكره وإن لم تكن على خلاف القاعدة إلّا أنّها أجنبية عمّا نحن بصدده ، فإنّ مورد بحثنا هي الأمور المعتبرة في العاقد بما هو عاقد بحيث يكون صدور العقد عنها كالبلوغ والعقل ونحوهما ، وأمّا الرضا فقد يراد به الارادة والاختيار وهو بهذا المعنى معتبر في العاقد بما هو عاقد فلابدّ من صدور العقد عنه فإذا أنشأ بيع ماله هزلاً ثمّ اختاره بعد ذلك لم يجز ، وقد يراد به طيب النفس بأن لا يكون الاختيار ناشئاً عن إجبار الغير ،وإكراهه ، وهو بهذا المعنى يعتبر في المالك دون العاقد ، ولذا يصحّ العقد من المكره على إجرائه إذا كان المالك راضياً ، فلا يعتبر صدور العقد عنه ، نعم لابدّ أنّ يستفاد من الأدلّة كقوله تعالى تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ولو بالقرائن الخارجية أنّ المعتبر في صحّة العقد الأعم من الرضا المقارن والمتأخر وسنتكلّم فيه في محلّه إن شاء الله تعالى، وعلى أي حال لا يقاس بيع المكره بالمقام .)### اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغةثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (1ذكر صورة اختلاف المتبايعين في شروط العقد تقليداً أو اجتهاداً كما إذا اعتبر أحدهما العربية في العقد دون الآخر ، فقال الموجب :)


1) المكاسب 3 : 178 .

بعتك هذا بكذا وقال المشتري : قبول کردم آن مال را بقیمت كذا ، فهل يحكم بصحته مطلقاً أو يحكم بفساده مطلقاً ، أو أنّه يفصّل بين ما إذا كان العقد المركب من الايجاب والقبول ممّا لا قائل بصحته وبين ما إذا كان المركب منهما صحيحاً عند أحدهما دون الآخر ، فالأوّل محكوم بالبطلان دون الثاني ، وهذا كما إذا اعتبر أحدهما العربية في العقد دون الماضوية واعتبر الآخر الماضوية دون العربية ، فقال البائع : أبيعك هذا المال بكذا وكذا وقال المشتري قبول كردم الخ ، فإنّ مجموع هذا العقد المركب من الايجاب العربي غير الماضي والقبول الفارسي الماضي باطل عند كل واحد من المتعاملين ، لأنّ الأول اعتبر العربية في الايجاب والقبول والمفروض أنّ القبول غير عربي، والثاني اعتبر الماضوية في الايجاب والقبول والمفروض أنّ الايجاب غير ماض ، فهو باطل عند كل واحد منهما .وهذا بخلاف ما إذا اعتبر أحدهما العربية دون الآخر فأنشأ القبول بالفارسي ، فإنّ العقد حينئذ باطل عند من اعتبر العربية فقط دون من لم يعتبر العربية ، فإنّ العقد عنده يصحّ إذ لا يرى العربية مانعة عن صحّة العقد وإنّما يرى عدم اعتبارها بالخصوص .أو يفصّل بما فصّل به شيخنا الأنصاري من أنّ الاختلاف في الايجاب والقبول إن أدّى إلى تخلّف الشرط في كلّ واحد منهما فهو يوجب البطلان وإن لم يؤدّ إليه وإنّما أوجب تخلّف الشرط في خصوص أحدهما فهو لا يوجب البطلان ، والأوّل كالاختلاف في التنجيز والموالاة فإذا رأى أحدهما صحّة التعليق في العقود فأوجب البيع معلقاً على مجيء زيد والآخر يرى اعتبار التنجيز في المعاملات فقبله مطلقاً فإنّ القبول لما كان قبولاً لما أنشأه البائع مثلاً لاعتبار التطابق بين الايجاب والقبول كان القبول أيضاً معلّقاً على مجيء زيد كما أنشأه البائع ، فقد تخلف التنجيز عن كلّ واحد من الايجاب والقبول ، وكذا الحال في الموالاة لأنّه إذا أوجب البيع وي--رى

اعتبار الموالاة في العقود وكان المشتري ممّن لا يرى اعتبار الموالاة فيها فنام وتأخّر ساعة ثمّ أنشأ القبول ، فإنّه يوجب عدم اتّصاف شيء من الايجاب والقبول بالموالاة ، والثاني كالاختلاف في اعتبار العربية وعدمه ، فإنّه إذا أنشأ القبول بغير العربي فهو لا يوجب أنّ يكون الايجاب أيضاً غير عربي وذلك ظاهر ، هذا .أمّا التفصيل الأول فهو كما ذكره شيخنا الأنصاري(1أردأ الوجوه وممّا لا يمكن الالتزام به، لعدم الاعتبار بكونه ممّا لا قائل بصحته منها لاحتمال خطئها وكون العقد صحيحاً واقعاً ، وهذا نظير ما لو أفتى أحد المجتهدين المتساويين بوجوب السورة في الصلاة ولم يعتبر التعدّد في التسبيحات الأربعة واكتفى فيها بمرّة واحدة وأفتى الآخر بعدم وجوب السورة في الصلاة ولكنه اعتبر التعدّد في التسبيحات ثلاث مرّات، وقد قلّد أحد الثاني منهما في الركعتين الأولتين فلم يأت بالسورة فيهما ، وقلّد الأوّل منهما في الركعتين الباقيتين فلم يأت بالتسبيحات ثلاث مرّات ، فإنّ صلاته هذه وإن كانت باطلة عند كلّ واحد من المجتهدين إلّا أنّه لا يوجب بطلانها واقعاً لاحتمال خطئهما وكون ما أتى به المقلّد صحيحاً واقعياً ، فيجوز الاجتزاء به لأنّ المقلّد معتمد في كلا عمليه على حجة شرعية .)وأمّا الوجهان الأوّلان فقد بناهما شيخنا الأنصاري على أنّ الطرق والأمارات مجعولة على نحو الطريقية أو على نحو السببية والموضوعية ، فإن قلنا بالطريقية فلا محالة يكون العقد باطلاً ، لأنّ الحكم الظاهري على الطريقية إنّما يكون عذراً لمن لم ينكشف الخلاف لديه ، فلا يمكن الاجتزاء بها لمن يراها فاسدة ولو صدرت ممن يراها صحيحة ، وهذا بخلاف القول بالسببية والموضوعية ، فإنّ قيام الأمارة حينئذ يوجد مصلحة في المتعلّق ويجعله حكماً واقعياً كالأحكام الواقعية


1) المكاسب 3 : 178 .

الثانوية نظير التيمّم بالنسبة إلى فاقد الماء فيكون حكماً واقعياً في حقّ الجميع ويكون العقد صحيحاً واقعياً عند كلّ أحد ، وهذا بخلاف القول بالطريقية كما عرفت ، نعم باب النكاح خارج عن ذلك قطعاً ، لأنّ من عقد زوجة بعقد باطل عند غيره لا يحكم عليه بالبطلان ولا يجوز ترتيب آثار عدم الزوجية عليها ، وقد سمعنا من المرحوم شيخ الشريعة الأصفهاني أنّه لو جاز ذلك ولم يحكم عليه بالصحّة لجاز أنّ يعقد الابن على زوجة أبيه فيما إذا رأى بطلان عقد أبيه ، وكان يستدلّ على ذلك بأنّه يطلق عليه الزوج عرفاً ، وكذا يقال إنها زوجة فلان ، وهذا المقدار يكفي في الحكم بأنّها زوجة له ويمنع عن عدم ترتيب آثار الزوجية عليها .ولكن الحقّ أنّ يستدلّ عليه بمفهوم قوله (عليه السلام لكل قوم نكاح (1)فإنّه دلّ على ترتيب آثار الزوجية والنكاح على عقد كل قوم ، فيلزم ذلك في عقد المسلمين بطريق أولى ، هذا .)وقد أورد جماعة (2على شيخنا الأنصاري بأنّ مؤدّى الطرق على تقدير كونها معتبرة على نحو الموضوعية والسببية إنّما تصير أحكاماً واقعية وذات مصلحة في حقّ من قامت عنده لا في حقّ غيره ، مثلاً إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة يومها فهي إنّما تصير ذات مصلحة وحكماً واقعياً بالنسبة إلى من قامت الأمارة عنده لا بالنسبة إلى الغير وذلك ظاهر ، ولازم ذلك أنّ حال الأحكام الظاهرية على السببية لا يغاير حالها بناءً على الطريقية ، لاختصاص اعتبارها في حقّ من قامت عنده على كلا القولين ، هذا .)


1) الوسائل 17 : 299 / أبواب ما يكتسب به ب 95 ح 2 (مع اختلاف يسير) .

2) منهم المحقّق الايرواني في حاشيته على المكاسب 2 : 109 ، ومنهم المحقّق الخراساني في حاشيته : 29 .

ولشيخنا المحقّق (قدّس سرّه (1)في الجواب عن هذا الإشكال كلام يفرّق فيه بين الأحكام الوضعية والأحكام التكليفية بناءً على القول بالسببية في الأمارات وقد ذكره في بحث الاجزاء (2)وبحث تبدل الرأي في الأصول أيضاً وملخصه : أنّ بعض الأحكام الوضعية كالملكية ونحوها على القول بالسببية تثبت في حقّ الجميع ولا تختص بشخص دون شخص ، مثلاً الملكية عبارة عن الاضافة بين المالك والمملوك فإذا دل دليل على كفاية العقد الفارسي في الملكية مثلاً ، فلنا أن نسأل عن أنّ هذا الدليل الدالّ على عدم اعتبار العربية في الملكية هل يقتضي إيجاد الاضافة بين الملك والمالك واقعاً بالعقد غير العربي بناءً على السببية والموضوعية أو لا يقتضي إيجادها واقعاً ، فإن لم يقتض إيجادها في الواقع فهو خلاف الفرض من أنّ مؤدّيات الأمارات بناءً على السببية تصير أحكاماً واقعية ، وإن اقتضى إيجادها فالملكية متحقّقة حتّى بالنسبة إلى غير من قامت عنده الأمارة وينبغي ترتيب الجميع آثار الملكية عليها ، لأنّ الاضافة إن حصلت فهو ملك حقيقة في حقّ الجميع وإن لم تحصل فهو منافٍ للقول بالسببية والموضوعية .)وهذا بخلاف الأحكام التكليفية ومثل الطهارة والنجاسة من الأحكام الوضعية ، فإنّها تختلف باختلاف الاضافات ، فيكون شيء حراماً بالاضافة إلى شخص وحلالاً بالاضافة إلى شخص آخر ، وعلى ذلك بنى الاجزاء في الأحكام الوضعية وفي بحث تبدل الرأي فراجع .وما أفاده متين واقعاً ، وعليه يتم ما أفاده شيخنا الأنصاري من الابتناء


1) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 295 .

2) رسالة في الاجتهاد والتقليد (الأصفهاني) : 188 .

في المقام وأنّه بناءً على السببية والموضوعية يصحّ العقد في حقّ كل واحد منهما ، دون القول بالطريقية .ولكن السببية بجميع أنحائها وشقوقها حتّى السببية السلوكية باطلة عندنا وعليه فالحقّ عدم جواز اجتزاء من يوافق رأيه الاحتياط بفعل غيره عند الاختلاف## أحكام المقبوض بالعقد الفاسد### 1-ادلّة ضمان المقبوض بالعقدالفاسدالأول : قال الشيخ (رحمه اللّه (1)لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه وكان مضموناً عليه ، ونقل عن الشيخ الطوسي الإجماع على الضمان ثمّ استدل (قدّس سرّه) بدليلين : الأوّل : النبوي المعروف « على اليد ما أخذت حتّى تؤديه » نقله في كتاب الغصب من المستدرك (2)عن الشيخ أبي الفتوح الرازي في تفسيره عن رسول الله (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال « على اليد ما أخذت حتّى تؤديه » لأنّه ظاهر في استقرار المال في عهدة المشتري .)الثاني : رواية جميل بن درّاج في نكاح الوسائل عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام « في رجل اشترى جاريةً فأولدها فوجدت الجارية مسروقة قال : يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولده بقيمته » (3)بتقريب أنّ الولد نماء لم يستوفه المشتري فضمأنّه يستلزم ضمان الأصل أعني الأمة المقبوضة بالعقد الفاسد بطريق أولى .)


1) المكاسب 3 : 180 .

2) المستدرك 17 : 88 / كتاب الغصب ب 1 ح 4 .

3) الوسائل 21 : 204 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 88 3 . 204 88 ح 3.

ولكن لا يمكن الاستدلال للضمان بشيء منها . أما رواية « على اليد » فقد ذكرنا في الأصول (1الإشكال في التمسّك بالنبوي وأمثاله من الأخبار الضعيفة ، لأنّ استناد المشهور في مقام الفتوى إلى النبوي غير ثابت ، وعلى تقدير الاستناد ق-د ذكرنا أنّ عملهم به لا يوجب الانجبار .)وأمّا رواية الجارية المسروقة فهي خارجة عن محلّ كلامنا ، لأنّ كلامنا فيا إذا صدر البيع من مالك المال غاية الأمر كان فاسداً لانتفاء شرط من شروطه ، فيمكن أنّ يتوهّم عدم الضمان من جهة إلغاء المالك احترام ماله ، وهذا بخلاف مورد الرواية لأن موردها صدور العقد عن الغاصب ولا إشكال أنّ الضمان في مثل ذلك على القاعدة .بل عمدّة الدليل هي السيرة العقلائية الثابتة قبل الشريعة ، حيث أنّ المالك لم يعط ماله مجّاناً وبلا عوض ، ولا كلام أنها ممضاة للشارع حيث لم يردع عنها .وما يظهر من الشيخ (قدّس سرّه في المبسوط (2)من تعليله للضمان في العقد الفاسد بأنّه دخل على أنّ يكون المال مضموناً عليه ، يكون بصدد إظهار هذا المعنى الارتكازي العقلائي ، فالمقدار الخارج عن الضمان ما إذا سلّط المالك غيره على ماله مجّاناً ، وأمّا غير هذه الصورة فباق على الضمان بحكم السيرة القطعية ثمّ أنّ السيد (قدس سره ) (3)استظهر في الحاشية من كلام الشيخ وصاحب الجواهر اختصاص محلّ النزاع بالتلف السماوي ، وأمّا الاتلاف فلا إشكال في ثبوت)


1) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 279 فما بعدها

2) المبسوط 3 : 58، 65 ، 68 ، 85، 89 .

3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 93

الضمان به لقاعدة من أتلف ، ثمّ أشكل على ذلك بما حاصله أنّ قاعدة « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » موجبة للضمان في التلف السماوي كما أنّ قاعدة « م--ن أتلف » موجبة له في الاتلاف ، وإذا كان إذن المالك موجباً لعدم شمول الأولى فكذا الثانية . وهذا الإشكال متين جداً والتخصيص لا وجه له .### قاعدة ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسدهثمّ إنّه قال الشيخ (1أنّ هذه المسألة من صغريات القاعدة المعروفة : « كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » فلابدّ من بيان معناها أوّلاً فنقول : أنّ المراد بالضمان كون المال في العهدة كما هو معناه لغةً وعرفاً ، وليس المراد به وجوب دفع المثل أو القيمة ، بل هما من الآثار المترتّبة على الضمان لا نفسه . وأمّا العقد فليس المراد به النوع بأن يكون معنى القاعدة كلّ عقد يضمن بنوعه حتّى تدخل عارية الذهب والفضّة في عكس القاعدة ، لأنّ العارية لا يضمن بنوعها ، وكذا ليس المراد به الصنف بمعنى كل صنف من العقود يضمن بصحيحه يضمن بفاسده حتّى تدخل عارية الذهب والفضة في الأصل ، بل المراد به الشخص ومعنى القاعدة ك--ل ع-ق-د يضمن بصحيحه إذا فرض تحقّقه في الخارج صحيحاً يضمن بفاسده إذا تحقّق فاسداً فالقاعدة من قبيل القضايا الحقّيقية وهكذا عكسها ، والسر في حمل العقد على الشخص أنّه لم يرد في هذه القاعدة دليل لفظي ليحمل على النوع أو الصنف ، وإنّما هي على طبق السيرة وقوله (صلّى اللّه عليه وآله) « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » على فرض اعتباره ، وما ينطبق عليها هو ما إذا أريد الشخص لا النوع والصنف وعليه فلا يعتبر أنّ يكون الضمان وعدمه من مقتضيات نفس العقد بطبعه ، بل القاعدة جارية ولو كان الضمان أو عدمه في العقد لخصوصية فيه ، فالبيع بلا ثمن والاجارة بلا أجرة لاضمان فيهما .)


1) المكاسب 3 : 182 .

وأمّا لفظة « الباء » في القاعدة فيحتمل أن تكون للظرفية ويحتمل أن تكون للسببية ، ووجه احتمال السببية هو أنّ سبب الضمان في العقد الصحيح أو الفاسد وإن كان هو القبض ، إلّا أنّه إنّما يوجب الضمان إذا كان بعنوان الوفاء بالعقد ، وإلّا فالقبض في نفسه مع قطع النظر عن كونه مترتّباً على العقد المعاوضي لا يوجب الضمان قطعاً وأمّا كونها للسببية التامة فغير محتمل ، لعدم كون العقد علّة تامة للضمان لا تكويناً ولا تشريعاً ، فإنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه ، كما أنّ ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه في وجه سببية العقد الفاسد من أنّه منشأ للقبض الذي هو سبب للضمان لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ الضمان حينئذ لا يستند إلى العقد ، فإنّه نظير إسناد نجاسة الميتة أو العصير إلى الشمس لكونها سبباً للموت أو الغليان ، وهو واضح الفساد .)### ادلّة هذه القاعدةوأمّا مدرك تلك القاعدة فقد استدل لها بأمرين :الأوّل : إقدام الآخذ على الضمان ودخوله على أنّ يكون المال مضموناً عليه لا مجّاناً كما يظهر من المسالك (1. استدلّ به الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) للضمان في موارد كثيرة حيث علّل الضمان فيها بأنّ الآخذ أقدم على أنّ يكون المال مضموناً عليه بالمسمّى ، فإذا لم يسلم له المسمّى رجع إلى المثل أو القيمة ، وأشكل عليه شيخنا الأنصاري (2)بأنّهما أقدما بالعقد الفاسد على ضمان خ-اص وه-و الضمان بالمسمّى وبما أنّ الشارع لم يمض هذه المعاملة انتفى الضمان الخاص ، فلو سلمنا الضمان بهما لكان تابعاً لدليله الخاص من قبل الشرع .)وأمّا توهّم أنّ الفرد إذا فسد بقي طبيعي الضمان في ضمن فرد آخ--ر ف-فاسد لأنّهما لم يقدما إقدامين بل أقدما على شيء واحد والمفروض عدم إمضائه من قبل


1) المسالك 56:4

2) المكاسب 3 : 188 .

الشارع . هذا مضافاً إلى أنّ نسبة الاقدام مع الضمان في موارد العقود الفاسدة عموم من وجه ، فربما يكون الاقدام موجوداً ولا ضمان كتلف المبيع قبل القبض ، وربما يكون بالعكس أي يوجد الضمان بلا إقدام كما لو قال بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أجرة وكما لو شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري فدليل الاقدام منقوض طرداً وعكساً ، هذا ملخص ما أفاده .ولكنّا ذكرنا أنّ ثبوت الضمان بالاقدام هو الصحيح لأنّه ارتكازي للعقلاء وأن السيرة قائمة على أنّ يكون الأخذ بعنوان كون ضمأنّه وخسارته عليه موجباً للضمان ، وليس المراد أنّ نفس الاقدام يكون موجباً للضمان حتّى يناقش فيه بم--ا ذكره الشيخ (قدّس سرّه بل المراد أنّ أخذ مال الغير والاستيلاء عليه بلا تسليط مجاني من المالك موجب للضمان كما عليه السيرة القطعية العقلائية الممضاة من قبل الشارع ، فثبوت الضمان إنّما هو بالاقدام المنضم إلى الاستيلاء ، والمراد من الاقدام على الضمان عدم الاقدام على المجانية ، وحيث أنّ الشارع لم يمض الضمان بالمسمّى في العقد الفاسد فيثبت الضمان بالمثل أو القيمة ، فلا وجه لمناقشة الشيخ (قدّس سرّه) فيه كما لا وجه لما ذكره من الأمثلة لعدم الطرد والعكس ، لأن في تلف المبيع قبل القبض وإن كان الاقدام موجوداً إلّا أنّه لم يقدم على الضمان على الاطلاق بل إنّما أقدم على الضمان بشرط القبض ، ولذا قامت السيرة على عدم الضمان قبل القبض .)وأمّا مسألة البيع بلا ثمن وهكذا الاجارة بلا أجرة فهما في الحقّيقة من الهبة والعارية المجانية وليسا بيعاً ولا إجارةً بل يكونان على صورة البيع والاجارة فيدخلان في عكس القاعدة أعني ما لا يضمن بصحيحه ، فكما لا إقدام فيهما على الضمان لاضمان فيهما أيضاً . وأمّا ثبوت الضمان على المشتري مع اشتراطه على البائع في العقد كما ذكره الشيخ (رحمه الله فهو وإن كان صحيحاً إلّا أنّ الاقدام على الضمان موجود من جهة الالتزام البيعي ، واشتراطه على البائع أمر أجنبي عن الالتزام

البيعي ، ومع فرض فساد البيع يفسد الشرط فيثبت الضمان على المشتري بمقتضى إقدامه البيعي .فالنقوض بأجمعها مدفوعة ، والاستدلال بالاقدام بالمعنى الذي ذكرناه متين جدّاً ويرجع إلى السيرة التي بيّناها ، وهي تشمل ضمان الأعيان والأفعال والمنافع أجمع .الثاني : قوله (صلّى اللّه عليه وآله « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » (1)ولكن ذكرنا أنّه ضعيف سنداً وأنّ استناد القوم إليه غير معلوم وأن عملهم على تقدير الاستناد لا يوجب الانجبار ، وعلى فرض التنزل والتسليم لصحته فقد ذكر الشيخ (2)أنّه مختص بالأعيان ولا يشمل المنافع والأعمال .)وليس الوجه في عدم شموله للمنافع ما توهّم من عدم قبولها للأخذ ، فإنّ المراد بالأخذ هو الاستيلاء ، والاستيلاء على كلّ شيء بحسبه ، فيمكن الاستيلاء على المنافع بتبع الاستيلاء على العين ، كما يكون تسليمها بتسليم العين . نعم الأعمال غير قابلة للأخذ ، فإنّ الفعل وإن صدر بأمر الأمر إلّا أنّه لا يصدق عليه أنّه أخذه فخياطة الثوب وإن صدرت بأمر من مالك الثوب إلّا أنّه لا يقال أخذ الخياطة ، وإنّما يقال أخذ الثوب المخيط ، فعنوان الأخذ يشمل المنافع دون الأعمال .بل الوجه في عدم شموله للمنافع هو ذيل النبوي من قوله (صلّى اللّه عليه وآله حتّى تؤدي أو تؤديه ، فإنّه ظاهر في أداء نفس المأخوذ ، وهو إنّما يمكن في الأعيان فإنّ المنافع لا يمكن أنّ تؤدى بنفسها ، فيكون هذا قرينة على أنّ المراد بالموصول خصوص الأعيان دون المنافع ودون الأعمال ، ولذا استدلوا على ضمان المنافع)


1) المستدرك 17 : 88 / كتاب الغصب ب 1 ح 4 .

2) المكاسب 3 : 190 .

والأعمال بأمور أخر نحن في غنى عنها بعد عموم السيرة لمطلق الأموال .وأمّا الأدلة الأخرى التي استدلّ بها الشيخ (قدّس سرّه للضمان في العقود الفاسدة فمنها ما ورد في كتاب الغصب من المستدرك عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال « المسلم أخو المسلم لا يحلّ ماله إلّا عن طيب نفس منه».(1))وفيه : أنّ هذه الحلّية هي الحلّية التكليفية لا الوضعية ، لأنّ الظاهر أنّ إسناد الحلّ إلى المال إنّما هو بلحاظ التصرّف فيها ، فيكون معناه لا يجوز التصرف في مال الغير إلّا برضاه ، وإنّما أسند الحلّ إلى المال نظير قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ(2)وأمثال ذلك ، ولا تدلّ على إثبات الضمان . ويؤيد ما ذكرناه : أنّ طيب النفس راجع إلى التصرف لأنّه لا معنى لطيب النفس بالعين .)ومنها : ما عن حجّ المستدرك (3عن البحار عن قضاء الحقّوق للصوري عنه (صلى الله عليه وآله مثله وزاد في آخره » وحرمة ماله كحرمة دمه » .)والمراد بالحرمة فيه الاحترام لا الحرمة التكليفية ، فالاستدلال به على الضمان في الأعيان وغيرها وإن كان صحيحاً لأنّه مقتضى الاحترام إلّا أنّه يختص بصورة إتلاف العين أو استيفاء المنفعة أو صدور العمل بأمر منه ، ولا يشمل صورة التلف مع عدم التعدي والتفريط لأنّ احترام المال لا يقتضي الضمان في هذه الصورة .ومنها : ما ورد من « أنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد » (4)وفيه أيضاً : أنّه لا يشمل صورة التلف ، فإنّ ثبوت الحقّ فيها أوّل الكلام .


1) المستدرك 17 : 88 / أبواب كتاب الغصب ب 1 ح 5 .

2) النساء 4 : 23

3) المستدرك 9 : 138 / أبواب أحكام العشرة ب 138 ح 6 .

4) الوسائل 19 : 310 / كتاب الوصايا ب 20 ح3 .

ومنها : موثّقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام في قصّة سمرة بن جندب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال (صلى الله عليه وآله ) : « إنّك - ياسمرة - رجل مضارّ ولا ضرر ولا ضرار على المؤمن » (1)وما يقرب هذا المضمون في سائر الروايات من نفي الضرر شرعاً .)وفيه : أنّه قد ذكرنا في مبحث الأصول (2أنّ دليل لا ضرر مختصّ ب-رفع الأحكام الوجودية المجعولة في الشريعة الناشئ منها الضرر ، وأمّا إذا ترتّب الضرر في مورد على عدم جعل الحكم كما في المقام حيث يتوجّه الضرر على المالك من عدم الحكم بالضمان ، فلا يجري فيه دليل لا ضرر حتّى يقتضي جعل ذلك الحكم وإثباته على أنّ القاعدة إنّما تجري فيها إذا استوفى المنافع أو أتلف العين أو عمل عملاً بأمره وأمّا إذا تلف بتلف سماوي فلا موجب لضمان الآخذ لتضرّره بالضمان ، فقاعدة لا ضرر في طرفه معارضة بها في الطرف الآخر ونسبتها إلى الطرفين على حد سواء . وبالجملة لا فرق بين الآخذ وبين سائر الناس ، فالقول بضمانه دونهم بلا مرجح فإذا وجب تدارك ضرر المالك فلماذا يجب على الآخذ فليجب من بيت المال أو سائر الناس .)هذا ، مضافاً إلى أنّ لا ضرر لا يجري ولو في صورة الاتلاف ، وذلك لأنّ الاتلاف موجب لضمان ما أقدم عليه وهو المسمّى ، وأمّا لو أتلفه وقوم بأضعاف قيمة المسمّى لا يكون ضامناً بالنسبة إلى المقدار الزائد ، فهذا أيضاً غير دال على الضمان في المقام ، بل التحقيق في الدليل ما ذكرناه من السيرة العقلائية وأن الآخذ إنّما يقدم على أنّ يكون المال مضموناً عليه ومع العوض لا مجّاناً .


1) الوسائل 25 : 429 / كتاب إحياء الموات ب 12 ح 4 .

2) لاحظ مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي (47) : 648 فما بعدها .

بقي أمران : الأوّل أنّه بناءً على الضمان هل يكون مختصاً بما إذا كان م--ورد العقد الفاسد عيناً من الأعيان قد قبضها الآخذ أو منفعة استوفاها أو عملاً صادراً عن أمره أو يعم غيرها كالسبق في المسابقة الفاسدة ، فإنّه ليس عملاً استوفاه المسبوق وانتفع به كما أنّه لم يصدر بأمره وليس عيناً وقعت في يده ؟ الظاهر الاختصاص ، لاختصاص الأدلّة المذكورة في كلام الشيخ (قدّس سرّه ، نعم سيرة العقلاء قائمة على الضمان في مثل السبق أيضاً ، ولكن بما أنّ المسابقة مقامرة لم يمضها الشارع إلّا في العقد الصحيح فالسيرة مردوع عنها لا يمكن الحكم بالضمان في العقد الفاسد بمقتضاها .)الثاني : أنّ الضمان هل يختص بصورة جهل الدافع بالفساد أو ي-ع-مّ ص-ورة علمه، سواء كان القابض عالماً أو جاهلاً ؟ فقد يتوهّم اختصاص الضمان بصورة جهل الدافع بالفساد ويستدلّ له بوجهين :الأول : أنّ الدافع إذا كان عالماً بالفساد فقد سلّط القابض على ماله مجّاناً كما هو تعبير الشيخ (قدّس سرّه في بيع الغاصب ، أو يكون المال أمانة مالكية عند القابض كما هو تعبيره في المقام ، والمطلب واحد ، وهذا الوجه يجري في كلا فرضي علم القابض بالفساد وجهله .)الثاني : - وهو مختص بصورة جهل القابض بالفساد - أنّ القابض حينئذ مغرور قد غرّه الدافع ، والمغرور يرجع على من غرّه ، فلا ضمان عليه . وفي كلا الوجهين من حيث الصغرى نظر ، وأمّا الكبرى فللبحث عنها مقام آخر.أمّا الوجه الأول وكون التسليط مجّانياً فهو خلاف الوجدان ، لأنّ الدافع إنّما يسلّط القابض على ماله بعنوان المعاوضة وعلى أنّه مالك ولو تشريعاً كما في سائر المعاملات الفاسدة من القمار ونحوه ، وإلّا لزم عدم ضمان القابض لما يأخذه في القمار

وبيع الخمر ونحوهما إذا كان الدافع عالماً بالفساد ، فإنّ التسليط حينئذ يكون مجانياً غير موجب للضمان خصوصاً إذا كان القابض جاهلاً بالفساد بشبهة موضوعية فإنّ توهّم الغرور أيضاً يكون جارياً فيه ، نعم فما كان الجهل بشبهه حكمية لا مجال للتغرير ، لأنّه كان مكلّفاً بالفحص فلم يفعل فليس بمغرور ، وهذا منافٍ للفتاوى وإطلاق الأدلة الدالّة على أنّ ثمن الخمر ومهر البغي ونحو ذلك سحت .وأمّا الوجه الثاني أعني الغرور فلأنّ الغرور متقوّم بأمرين : علم الغار وجهل المغرور ، ولا يصدق عنوان الغرور إذا انتفى أحدهما ، والقابض في الفرض وإن كان جاهلاً بفساد المعاملة إلّا أنّه عالم بالضمان وهو مقدم عليه ، غايته الضمان بالمسمّى لا أكثر ، ولا كلام لنا الآن في ذلك ، بل لا يبعد القول بعدم ضمأنّه بالاضافة إلى الزائد على المسمّى ، نعم يصدق الغرور فيما إذا كانت المعاملة مبنية على المجانية كالهدية وتقديم الطعام للضيف وكان ذلك فاسداً من جهة كون المال لغير المهدي ، فيكون مغروراً يرجع فيما اغترمه على الغار . هذا تمام الكلام في أصل القاعدة .وأمّا عكس القاعدة وهو كلّ عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده فقد علم حكمه ممّا سبق في أصلها ، لأنّه لو كان مدرك الضمان هو قاعدة اليد فتشمل حتّى الموارد التي لا ضمان في صحيحها ، فلابدّ من تخصيص القاعدة بدليل خاص في موارد عدم الضمان في الصحيح ، والمخصص على ما ذكره الشيخ (1في ذيل عبارته هو عموم ما ورد (2)من أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن ، وأمّا على ما سلكناه في المدرك للضمان في أصل القاعدة من السيرة العقلائية فهي مختصة بم-ا يضمن بصحيحه أي بما إذا لم يقدم المالك على بذل ماله مجّاناً أو أمانة أو عارية ، فإنّ)


1) المكاسب 3 : 197

2) الوسائل 19 : 79 / كتاب الوديعة ب 4 .

هذه الموارد لا تشملها السيرة القائمة على الضمان ، فمن الأوّل يكون دليل الضمان غير شامل لهذه الموارد ولا يحتاج إلى مخصّص.ثمّ إنّ القاعدة على تقدير تماميتها تكون مخصصة لحديث اليد لا محالة ، لأنّها أخص منه وواردة في مورده ، ولا معنى لكونها معارضة به كما توهّم .ثمّ إنّ الشيخ (قدّس سرّه أورد نقوضاً على عكس القاعدة .)منها : الاجارة الفاسدة ، لأنّ العين فيها غير مضمونة في الصحيحة بخلاف الفاسدة لأن العين مضمونة فيها كما عن الرياض (1وجامع المقاصد (2)ووجه الضمان إمّا احتمال التخصيص أو التخصص . أما الأوّل : فدعوى أنّ قاعدة اليد مخصصة لعكس القاعدة . وفيه : أنّ مورد قاعدة ما لا يضمن هو اليد والاستيلاء فتلك القاعدة مخصصة لليد . وأمّا الثاني : فدعوى أنّ قاعدة ما لا يضمن إنّما تجري في مورد العقد ولا كلام أنّ مورد العقد في الاجارة هو المنفعة لا العين ، فتكون العين خارجة عن القاعدة ، غاية الأمر لما كان استيفاء المنفعة متوقفاً على تسليم العين في الاجارة الصحيحة يكون تسليم العين في الاجارة الصحيحة أمانة مالكية وشرعية فلا ضمان ولذا يجبر المالك على تسليم العين مع امتناعه عنه ، ولكن في الفاسدة لا يكون العين أمانة لأنّ الموجر إنّما سلّم العين بتخيّل صحّة الاجارة وأن التسليم واجب عليه ، ولما كانت فاسدة فيكون المستأجر ضامناً لها بمقتضى حديث على اليد لكون يده على العين يد عدوان ، وأمّا نفس المنفعة فيما أنها مورد العقد فتدخل في أصل القاعدة أي كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، هذا .)ولكن التحقيق عدم الضمان في الاجارة الفاسدة للعين كما هو المشهور ، لأنّ


1) الرياض 10 : 44

2) جامع المقاصد 6 : 216 .

محل النزاع في المقام مختصّ بما إذا كان استيفاء المنفعة متوقّفاً على تسلّط المستأجر على العين وكان دخول العين تحت يد المستأجر باقتضاء عقد الاجارة ، وأمّا إذا لم يتوقّف استيفاء المنفعة على تسلّط المستأجر عليها فلم تدخل العين تحت يده ب--ل كانت تحت يد المالك فتلفت عنده أو دخلت العين تحت يده وتسلّط عليها ، لكن لا من جهة اقتضاء عقد الاجارة ذلك ، بل من جهة أمر خارجي كاشتراط مستأجر الحيوان على المالك نقل متاعه بنفسه ولكن استدعى مالك الحيوان من المستأجر أنّ يأخذ الحيوان معه ، فلا ضمان على المستأجر في هذين الفرضين بلا نزاع ، وفي محلّ النزاع أنّ كان مراد المستدلّ أنّ العين خارجة عن مورد التمليك فهو صحيح ولكن الاجارة إنّما تتضمّن تمليك المنفعة وشرطاً ضمنياً وهو لزوم تسليم العين مجّاناً ، لأنّ استيفاء المنفعة متوقف على تسلّطه عليها ، فاذن يكون العين داخلة في العقد بالشرط الضمني الارتكازي ، فكما تكون الاجارة الصحيحة غير موجبة لضمان العين ففي الفاسدة كذلك . وأمّا ما ذكره المحقّق الخراساني (1في مقام الجواب من أنّ العين داخل في مورد العقد ولذا يقال آجرتك الدار ولا يقال آجرتك المنفعة فغير محتاج إليه ، لأنّه ليس المراد اللفظ بل يكون حقيقة الاجارة تمليك المنفعة وإن كانت العين متعلقة للعقد لفظاً .)ومنها : أي ومما يرد على المقام نقضاً مسألة استعارة المحرم من المحل صيداً فإنّهم ذهبوا إلى ضمأنّه مع أنّ صحيحها لا ضمان فيه ، ولا ريب أنّ كلامنا في صورة التلف لا الاتلاف ، ولذا إنّما نقول بعدم الضمان في صحيح العارية فيما إذا تلف ، وأمّا لو أتلفه فلا وجه لعدم الضمان ، وقد ذكر للضمان وجهان :


1) حاشية المكاسب (الآخوند) : 32 .

الأوّل: ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه (1)من أنّ الضمان فيها إنّما يتحقّق بمجرد استيلاء المحرم على العين لكونه مأموراً بالارسال ، فليس الضمان مستنداً إلى التلف لينقض به ، لأنّ مورد القاعدة ما إذا استند الضمان إلى التلف .)وفيه : أنّ الثابت إنّما هو وجوب الارسال تكليفاً وهو غير مستلزم للضمان وضعاً واستقرار بدل العين في الذمة ، ولم يدلّ دليل على ثبوته بمجرد وضع اليد ، ولذا لو لم يرسلها بل أداها إليه لم يضمن شيئاً وإن كان عاصياً ، فالضمان لا يتحقّق إلّا بعد التلف ويكون مستنداً إليه .بل يمكن أن يقال إنّه لم يثبت وجوب الارسال أيضاً ، وغاية ما هناك حرمة الامساك ووجوب الفداء على تقديره، وهو غير وجوب الارسال ، وعليه فلا مانع من الردّ إلى المالك .الثاني : ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (2)من أنّ الصيد يخرج عن ملك مالكه بمجرد الأخذ ، فيكون أخذه إتلافاً فيضمن من جهة الاتلاف دون التلف .)وفيه : أنّ ما دلّ الدليل عليه هو أنّ المحرم لا يملك الصيد ، وأمّا خروجه عن ملك مالكه المحلّ بمجرد أخذ المحرم فلا ، ولذا لو أخذه ثمّ ردّه إلى مالكه فهو غير ضا من قطعاً .فالحقّ عدم الضمان في صورة التلف كما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه (3)وإنّما التزم بالضمان في الاتلاف.)


1) المكاسب 3 : 195 .

2) المكاسب والبيع 1 : 314 - 315 .

3) الجواهر 27 : 165 .

وأمّا الشرائع (1فذكر في العارية أنّه لا يجوز للمحرم أنّ يستعير من محلّ صيداً لأنّه ليس له إمساكه فلو أمسكه ضمنه وإن لم يشترط عليه ، وظاهره صورة التلف لأنّ الاشتراط وعدمه غير دخيل في الضمان في صورة الاتلاف ، ولكن العجب من السيد (قدّس سرّه) (2)حيث ذكر كلام الشرائع وأضاف إليه كلمة وأرسله وحمله على صورة الاتلاف . وفيه : كما ذهب إليه الأستاذ (قدّس سرّه) أنّ كلمة أرسله من صاحب الجواهر لا من كلام المحقّق فلا يكون ناظراً إلى الاتلاف .)ومنها : المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد ، حيث إنّها في صحيح البيع لم تكن مضمونة بخلاف الفاسد . ولا وجه لتخصيص النقض بغير المستوفاة ، لأنّ النقض جار حتّى بالنسبة إلى المنافع المستوفاة أيضاً ، لأنّها أيضاً غير مضمونة في البيع الصحيح ومضمونة في الفاسد ، ولعلّ وجه الاختصاص أنّ المراد من غير المستوفاة ما لا يكون عيناً كالركوب ، والمراد من المستوفاة ما يكون من الأعيان كاللبن والصوف ، وحيث أنّ استيفاء الأعيان إتلاف لها فتكون المنافع المستوفاة المراد بها الأعيان المتلفة خارجة عن مورد القاعدة فلا يقع النقض بها ، ولكن استيفاء غير الأعيان يكون بمنزلة التلف الذي هو مورد القاعدة فيقع بها النقض .وأجاب شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (3)عن هذا النقض بأن تلك القاعدة إنّما تجري في مورد العقد ، ولا كلام أنّ مورد البيع هي العين دون المنافع ، ففي البيع الصحيح تكون المنافع قد استوفاها المشتري في ملكه فلا معنى لضمأنّه ، وأمّا في الفاسد فهي مضمونه بمقتضى عموم على اليد ونحوه لأنها باقية على ملك مالكها .)


1) شرائع الإسلام 2 : 202 .

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 94

3) المكاسب والبيع 1 : 308 ، منية الطالب 1 : 273 .

وفيه : أنّه يلزم من ذلك الالتزام بمثله في الهبة الفاسدة ، لأنّ موردها العين والمنافع خارجة فيضمنها المتهب مع أنّه ليس كذلك ، هذا .ولكن الحقّ في الجواب أنّ بين تمليك العين وتمليك المنفعة عموماً م-ن وج-ه فربما يكون تمليك العين بلا تمليك المنفعة كبيع شيء مسلوب المنفعة ، أو تمليك منفعة بلا تمليك عين كالاجارة ، وربما يجتمعان وهو واضح ، ولا ريب أنّ تمليك كلّ منهما يحتاج إلى السبب ، وبما أنّ السبب في صحيح البيع ليس إلّا نفس البيع فلا محالة يقع الثمن في مقابل العين والمنفعة كليهما ، فالمنفعة أيضاً مورد للعقد ولو بالتبع فتكون مضمونة في الصحيح والفاسد فتدخل المنافع في أصل القاعدة وهو كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، وبهذا يفترق البيع عن الهبة ، لأن التمليك في الهبة إنّما يكون مجّاناً فلا ضمان في الصحيح والفاسد منها بمقتضى عكس القاعدة ، نعم لو فسخ البيع أو تقايلا ترجع المنافع من حين الفسخ أو الاقالة لا قبله فلا تضمن المنافع المستوفاة قبل الفسخ أو الاقالة لكون استيفائها في ملك المستوفي ، اللهم إلّا أنّ يكون بعض أوصاف المبيع زائداً حين الفسخ أو الاقالة ، كما لو زال وصف القابلية للركوب عن الدابة بكسر رجله فلا مناص من ضمان الوصف ، فالضمان للمنافع والأوصاف يكون على القاعدة .ومنها : حمل الدابة ، حيث ذهب فيه بعضهم إلى الضمان في البيع الفاسد مع أنّه غير مضمون في البيع الصحيح ، وذهب بعضهم إلى عدم الضمان ، ولا يبعد الجمع بينهما بحمل كلام النافي للضمان على ما إذا لم يشترط دخوله في البيع ، فإنّه حينئذ يكون أمانة عند المشتري فلا يكون مضموناً عليه ، وحمل القول بالضمان على ما إذا اشترط دخوله في البيع ، فيدخل في أصل القاعدة ، فلا ينتقض العكس ، وربما يتوهّ- النقض بصفات المبيع ، ولكن يظهر جوابه ممّا تقدّم .ومنها : الشركة الفاسدة ، لأنّ عدم وقوع الشركة صحيحة يمنع عن جواز

التصرف ، فإذا لم يجز التصرف يكون الشريك ضامناً ، مع أنّ صحيح الشركة لا يوجب الضمان .وفيه : أنّه لا ملازمة بين عدم جواز التصرف والضمان كما لو وهبت الأمة بالهبة الفاسدة فتلفت فلا يضمن لها ، مع أنّ التصرف لم يكن جائزاً له في الواقع فالضمان في الشركة غير ثابت حتّى يرد به النقض على القاعدة .ثمّ أنّه ربما ينقض أصل القاعدة بالنكاح الفاسد مع علم المرأة بالفساد ، فإنّ الاستمتاع بها حينئذ غير مضمون ، لأنها بغي ولا مهر لبغي ، مع أنّ الاستمتاعات في النكاح الصحيح مضمونة ، لأنّه في حكم العقود المعاوضية .وفيه : أنّه يمكن الجواب بالالتزام بالتخصيص في هذا المورد لعدم كون القاعدة عقلية غير قابلة للتخصيص ، كما يمكن بالالتزام بالتخصّص لأنّ المهر والأجر في النكاح إنّما يجعل بازاء نفس الزوجية دون الانتفاعات على ما يستفاد من بعض النصوص من مضمون قوله (عليه السلام « معاذ الله أنّ يجعل للبضع أجراً » (1)فبمجرد العقد يستحق المهر دون شيء آخر ، فهو خارج ع-ن م-ورد القاعدة ، لأنّ موردها ما إذا كان هناك شيء يضمن بالتلف أو الاتلاف ، وليست الانتفاعات في النكاح من هذا القبيل . نعم خصّص ذلك في بعض الموارد كثبوت أجرة المثل في الوطء بالشبهة وسقوط نصف المهر فيما إذا ماتت أو طلّقت قبل الدخول . والحاصل أنّ النكاح أنّ كان صحيحاً ثبت بنفسه الضمان وإن كان فاسداً فلا مقتضي للضمان أصلاً .)ثم أنّ مدرك عكس القاعدة يختلف على اختلاف المباني ، فإن قلنا بأن دليل الضمان في أصل القاعدة هو السيرة العقلائية التي لم يردع عنها الشارع ففي الحقّيقة


1) الوسائل 18 : 103 / أبواب أحكام العيوب ب 4 ح 4 .

يكون موارد العقود المجّانية خارجة عن موردها تخصّصاً وغير مشمولة للسيرة من الأوّل كما هو التحقيق . وأمّا على مسلك الشيخ ومن وافقه من أنّ دليل الضمان عبارة عن قاعدة اليد فجميع هذه الموارد من العارية والوديعة ونحوهما داخلة فيها فالضمان ثابت ويحتاج في إخراجها إلى مخصص ، وليس لنا مخصص لعموم على اليد . وأمّا ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه (1)في ذيل كلامه من أنّ ما دلّ على أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن بل ليس لك أنّ تتهمه مخصص لعموم على اليد ، فياليت قد عيّن مورده فإنّه غير معلوم الرواية (2).)نعم ورد (مَا عَلَى الْمَحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (3)وأنّه ليس على الأمين إلّا اليمين (4)ولكنه مختص بمن استأمنه المالك بأمانة أو عارية ممضاة شرعاً ، وهذا غير مربوط بمقامنا ، لأنّ القابض بالعقد الفاسد غاصب وتصرّفه عدواني حسب ما بنى (قدّس سرّه) عليه فكيف لا يكون ضامناً . فالاستدلال بدليل الاستيان غريب . وكذا استناده في عدم الضمان في الهبة الفاسدة إلى فحوى ما دلّ على عدم الضمان في موارد الاستيمان ، فإن استيمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمأنّه له اقتضى التسليط المطلق المجاني عدم ضمأنّه بطريق أولى . وهذا أيضاً غريب ، لما عرفت من اختصاص تلك الأدلّة بموارد الاستمان ولا تشمل غيرها فضلاً عن الأولوية .)


1) المكاسب 3 : 197 .

2) [ ورد مضمون ذلك في الوسائل 19 : 79 / كتاب الوديعة ب 4 ]

3) التوبة 9 : 91 .

4) [ الظاهر كونها قاعدة فقهية وليست رواية ] .

### 2-لزوم ردّ المقبوض بالعقد الفاسدذكر الشيخ (قدّس سرّه (1)أنّ ردّ المقبوض بالعقد الفاسد إلى مالكه واجب فوراً ، لأنّ الامساك آناً ما تصرّف في مال الغير فلا يجوز لقوله (عجل الله فرجه) لا يجوز لأحد أنّ يتصرف في مال غيره إلّا باذنه (2)ولو نوقش في كون الامساك من مصاديق التصرف يكفي عموم قوله ( عليه السلام) « لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه (3)فإنّه يدلّ على تحريم جميع الأفعال المتعلقة بالمال ومنها » الامساك ، ثمّ اختار أنّ مؤونة الردّ واجبة على القابض من باب المقدمة للردّ الواجب عليه إلّا إذا كانت كثيرة موجبة للضرر ، وأمّا دعوى أنّ الاذن قد حصل من المالك فمدفوع بأنّ المالك إنّما ملكه بالعوض والمفروض أنّ الشارع لم يمضه والتسليط إنّما يكون متفرّعاً على وقوع التمليك الخارج-ي وه-و م-نت-ف ف-لا إذن للقابض ، هذا .)ولابدّ من التكلّم في جهات :الأولى : في حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد وجوازه . قد عرفت أنّ الشيخ ذهب إلى الحرمة ، ولكن السيّد (4استشكل في الحرمة في صورة علم الدافع بالفساد ، وذلك لوجود الاذن الضمني في التصرف ، فإنّ المالك في ضمن تمليكه قد أذن للقابض في التصرف، قال ودعوى أنّ الاذن مقيد بالملكية وهي غير حاصلة فيكون الاذن أيضاً غير حاصل ، مدفوعة بأن القيد إنّما هو الملكية في اعتبار)


1) المكاسب 3 : 199.

2) ورد مضمونه في الوسائل 25 : 386 / كتاب الغصب ب 1 ح 4 .

3) ورد مضمونه في الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 1 .

4) حاشية المكاسب (اليزدي) : 95 .

البائع وهي حاصلة ، إذ المفروض أنّه أنشأها . فيكون الاذن أيضاً حاصلاً . نعم لو كان مقيّداً بالملكية الشرعية صح دعوى عدم حصوله . فإن قلت لم يصدر من البائع إلّا التمليك وقد صار لغواً بحكم الشارع ، فأين الاذن ، قلت : هذا التمليك له حيثيتان : حيثية الاذن وحيثية التمليك ، ولما كان التمليك محتاجاً شرعاً إلى صيغة مخصوصة والمفروض عدمها فهو غير مؤثر من هذه الحيثية ، وأمّا الاذن فهو غير مشروط شرعاً بصيغة خاصة فيكون مؤثراً في جواز التصرف .ونقول : الظاهر حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد حتّى في صورة العلم ، وذلك لأن المستثنى في قوله (عليه السلام لا يجوز لأحد التصرف في مال غيره إلّا باذنه إنّما هو إذن المالك في التصرف في ملكه لا في أملاك الناس ، وفي المقام إنّما أذن الدافع للقابض في التصرف في ملك نفسه - أي القابض - ولو تشريعاً ، فلا يكون داخلاً فى المستثنى ، بل يبقى تحت المستثنى منه ويحرم ، نعم لو فرض إذن الدافع في التصرف مع عدم البناء على ملكية القابض دخل في المستثنى وكان حلإلّا ولكنه خارج عما نحن فيه ويكون عارية صحيحة .)وبالجملة : : يعتبر في جواز التصرف أحد أمرين : إمّا ملكية المتصرف للمال فيكون تصرفه خارجاً عن مورد الرواية من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، وأمّا إذن المالك في التصرف بعنوان أنّه مالك ، وكلا الأمرين مفقود في المقام .الجهة الثانية : أنّ حرمة التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد لا تختص بالعقود المعاوضية التي يضمن بها ، بل تشمل العقود غير المعاوضية أيضاً كالهبة المجانية التي لا يضمن بها ، لعدم الملازمة بين عدم الضمان وجواز التصرف ، فإن عدم الضمان فيها من جهة كون القبض مبنيّاً على عدم الضمان ، وجواز التصرف مبني على طيب نفس المالك وإذنه في التصرف في ماله ، والمفروض عدم تحقّقها كما عرفته في الجهة الأولى ، بل لو كان الاذن أيضاً متحقّقاً ولم يكن ممضى شرعاً لم يترتّب عليه

جواز التصرف ، ولهذا لا يجوز التصرف في العارية الفاسدة أيضاً مع أنّ المالك راض بالتصرف في ملكه .الجهة الثالثة : في وجوب الردّ وحرمة الامساك وعدمه ، فنقول : إنّ الامساك له معنيان : فتارةً يكون بمعنى منع المالك عن التصرف في ماله فهو من أوضح أفراد الغصب بلا كلام، وتارة يكون بمعنى بقائه عنده من دون مزاحمة المالك ومنعه عن أخذ ماله والتصرف فيه ، فهو ليس بتصرف في مال الغير ، فاذن لا يحرم الامساك بهذا المعنى ولا يجب ردّه إلى المالك ، غاية الأمر لابدّ من التخلية بين المال والمالك ، وأن لا يزاحم سلطنته ولا يمنعه من التصرف في ماله .فتحصّل : أنّه لا دليل على حرمة مطلق امساك المقبوض بالعقد الفاسد ووجوب ردّه فضلاً عن كونه فورياً وإن استدلّ الشيخ الأنصاري (قدس سره(1)لوجوب الردّ وحرمة الامساك أوّلاً : بقوله (عجّل الله فرجه) « لا يجوز لأحد أنّ يتصرف في مال غيره إلّا باذنه » . وثانياً : - على فرض المناقشة في صدق التصرف على الامساك - بعموم قوله (عليه السلام) ( لا يحلّ مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه » ولكن قد عرفت عدم صدق التصرف في مال الغير على مجرد إمساكه بمعنى بقاء المال عنده ، فإنّ ذلك نظير مسّ مال الغير والنظر إليه ، فلا يتم الاستدلال بالرواية الأولى ، كما لا يتم الاستدلال بالرواية الثانية ، لأنّ إسناد الحلية أو الحرمة إلى المال وغيره من الأعيان يكون باعتبار الفعل المناسب لها باختلاف الموارد لا باعتبار جميع الأفعال ، ففي قوله سبحأنّه حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) (2)يكون المقدّر النكاح لا النظر واللمس وسائر الأفعال ، وفي قوله سبحأنّه حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)


1) المكاسب 3 : 199 .

2) النساء 4 : 23

وَالدَّمُ (1)يراد حرمة الأكل لا سائر الاستعمالات، والمناسب في المقام تقدير الأكل بالمعنى الذي بيناه في قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) (2)أو جميع التصرّفات والانتفاعات لا مطلق الأفعال الشامل للنظر واللمس ونحوهما حتّى يحتاج في إخراجها إلى دعوى التخصيص بالسيرة أو غيرها ، هذا .)وقد يستدلّ على وجوب ردّ المقبوض بالعقد الفاسد فوراً وحرمة إمساكه بالنبوي المعروف « على اليد ما أخذت حتّى تؤديه » (3وذكروا في تقريب الاستدلال به وجهين : الأوّل : ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدس سره ) (4)من أنّ قاعدة « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» وإن كانت دالة على الحكم الوضعي بالدلالة المطابقية ويثبت الضمان على القابض ، إلّا أنّها تدل بالالتزام على الحكم التكليفي وهو وجوب الردّ لأنّه لا أثر للضمان إلّا وجوب ردّ العين ما دامت باقية ورد المثل أو القيمة لو كانت تالفة ، فأثر الضمان وكونه على العهدة هو لزوم الردّ فيجب بمقتضى القاعدة .)وفيه : أنّ أثر استقرار الضمان لا ينحصر في وجوب الردّ ، إذ يكفي من حيث الأثر لزوم التخلية بين المالك والمال وعدم مزاحمته .الثاني : ما ذكره المحقّق الايرواني (قدّس سرّه (5)من أنّ قوله (صلّى اللّه عليه وآله) « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه » شامل للحكم الوضعي والتكليفي أي عليها الضمان والردّ ، فيدلّ بالمطابقة على كلا الحكمين الوضعي والتكليفي لامكان استعمال)


1) المائدة 5: 3 .

2) النساء 4 : 29 .

3) المستدرك 14 : 8 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12 .

4) منية الطالب 1 : 274

5) حاشية المكاسب (الايرواني) 2 : 124 .

لفظ « على » فيما يعمهما .وفيه : أنّه مردود بأمرين : الأوّل أنّه يلزم أنّ يجمع بين التقدير وعدمه ، دمه ، لأنّ إرادة الحكم الوضعي من لفظ « على اليد » تقتضي عدم التقدير لصحّة إسناده إلى الموضوع الخارجي المراد من كلمة « ما » الموصوف كلمة « ما » الموصولة ، وإرادة الحكم التكليفي تقتضي تقدير فعل كالردّ مثلاً لعدم صحّة إسناده إلى نفس الموضوع الخارجي ، وحيث أنّ الجمع بين التقدير وعدمه محال فلا يمكن الجمع بين إرادة الحكمين .الثاني: أنّه لو كان المراد الحكم التكليفي تصير العبارة م-ن ق-ب-ي-ل توضيح الواضحات ، لأن وجوب الشيء لا يغيّى بنفسه وإلّا يكون المعنى هكذا : على اليد رد ما أخذت حتّى تردّه ، وهو توضيح للواضح ويكون لغواً ، نظير أنّ يقال : يجب عليك الصلاة إلى أنّ تصلي ، فإنّه من اللغو كما هو ظاهر ، فالغاية المذكورة في الحديث حيث إنّها لا تناسب الحكم التكليفي ، فالمتعيّن إرادة الحكم الوضعي فقط فلا دلالة في الحديث على وجوب الردّ لا مطابقة ولا بالالتزام ، مع ما فيه من ضعف السند . فتحصّل أنّه لا دليل على وجوب ردّ المقبوض بالعقد الفاسد أصلاً . الجهة الرابعة : أنّ مؤونة الردّ على تقدير وجوبه على المالك أو القابض ، فقد فصل شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه (1)في المقام تفصيلاً وهو أنّ الردّ لو كان مقتضياً لمؤونة في طبعه فهو على القابض، لأن الحكم الذي جعل ضررياً في طبعه غير مرفوع بحديث لا ضرر ، وهذا بخلاف ما إذا كان الردّ محتاجاً إلى مؤونة أكثر ممّا يقتضيه طبع ردّ مال الغير ، فإنّه بما أنّه ضرر عرضي فيرفع بحديث لا ضرر .)وفيه : أنّ حكومة لا ضرر إنّما تنقطع بالنسبة إلى مورد يكون بطبعه مقتضياً للضرر بحيث يكون جميع أفراده أو غالبها ضررياً ، وهذا بخلاف ما إذا كان بعض


1) منية الطالب 1 : 276 .

الأفراد ضررياً دون البعض ، فحينئذ لا مانع من حكومة لا ضرر ورفع الحكم عن هذا المورد كما في المقام، لأن ردّ المقبوض بالعقد الفاسد لا يكون ضررياً بطبعه لعدم توقفه في غالب أفراده على صرف المؤونة كما في ردّ الكتاب أو الخاتم ونحوهما فليس وجوب الردّ من الأحكام المبتنية على الضرر حتّى لا يرتفع بحديث لا ضرر فلو تحقّق في فرد ضرر ولو بأدنى مراتب القلّة فحديث لا ضرر يصير حاكماً عليه فيرفعه ، فلا فرق بين الضرر القليل والكثير في المرفوعية . فالصحيح أنّ مؤونة الردّ على المالك مطلقاً .الجهة الخامسة : أنّ ما ذكرناه من عدم وجوب الردّ وكفاية التخلية بين المالك وماله إنّما هو فيا إذا كان فى بلد المعاوضة لا مطلقاً وتفصيل ذلك أنّ المال. والمالك لو كانا في بلد المعاوضة لا يجب على القابض إلّا التخلية بينها ، وهكذا إذا انتقلا معاً إلى بلد آخر كما إذا سافر المالك والقابض مع المال إلى بلد واحد ، وأمّا لو خرجا عن بلد العقد وذهب كل منهما إلى مكان فلو طالب المالك استرداد ماله في غير بلد البيع فانّ للمشتري أن يمتنع، لأنّه لابدّ من ردّ سلطنة المالك على ماله في بلد المعاملة، وأمّا لو خرج المالك فليس له المطالبة بردّ المال إلى غير بلد العقد كما هو واضح، نعم لو كان المالك في بلد المعاوضة وقد أخرج القابض المال إلى بلد آخر ففي هذه الصورة يجب على القابض ردّ المال إلى المالك ويصرف مؤونته من كيسه وإلّا يكون ضرراً على المالك.### 3-ضمان منافع المقبوض بالعقدالفاسدلو كانت للمقبوض بالعقد الفاسد منافع قد استوفاها المشتري فهل يكون

ضامناً لها أم لا؟ ظاهر المشهور هو الضمان ، بل ظاهر المحكي عن السرائر (1من أنّه بحكم المغصوب الاجماع عليه ، وخالف في ذلك في الوسيلة (2)فنفى الضمان مستدلاً بالنبوي المرسل الخراج بالضمان» (3)بمعنى أنّ من ضمن شيئاً فخراجه ومنافعه له هذا .)ولكنّه لابدّ من ملاحظة دليل الضمان فإن لم يكن عليه دليل كفي في نفيه الأصل ولا نحتاج إلى هذه الرواية المرسلة، وإن قام عليه الدليل لابدّ من البحث عن وجود ما يعارضه وعدمه ، فنقول قد استدل على الضمان بوجوه :منها : النبوي المعروف « على اليد ما أخذت حتّى تؤديه » (4فإنّ المنافع تقع تحت اليد كالأعيان . وفيه : - مضافاً إلى ما ذكرناه مراراً من أنّ سنده ضعيف - أنّ دلالته غير تامة ، لأنّ مقتضى ذيله اختصاصه بالأعيان ، حيث أنّه ظاهر في أداء نفس المأخوذ ، والمنافع غير قابلة للأداء بنفسها .)ومنها : ما ورد في احترام مال المسلم وأنّه كحرمة دمه (5. وفيه : أنّ غاية ما يدلّ عليه حرمة إتلافه تكليفاً ، وأمّا الضمان على فرض استيفاء المنافع فغير مستفاد منه.)ومنها : قوله (عليه السلام « لا يحلّ مال امرئ مسلم لأخيه إلّا بطيب نفسه»(6)وفيه : أنّ المراد حرمة التصرّف تكليفاً من دون الرضا وأمّا الضمان فلا)


1) السرائر 2 : 285

2) الوسيلة: 255.

3) المستدرك 13 : 302 / كتاب التجارة ب 37.

4) المستدرك 14 : 8 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12 .

5) تقدّم تخريجه في الصفحة 238

6) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير) .

يدلّ عليه ، فهذه الوجوه غير مفيدة للضمان .والمهمّ في المقام أمران : الأول : ما ذكرناه سابقاً من السيرة العقلائية حيثإنّهم يرون مستوفي المنافع ضامناً ولم يردع عنها الشارع فتكون دليلاً على الضمان في المقام . والثاني : القاعدة المستفادة من عدّة من موارد الضمان وهي من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، وهي عبارة الفقهاء لا أنها رواية في نفسها كما ذهب إليه السيّد (قدّس سرّه في حاشيته (1)ولا ريب أنّ الاتلاف يعمّ ما كان بالاستيفاء أو بغيره .)### المحتملات في قاعدة «الخراج بالضمان»فتحصّل : أنّ ما استوفاه المشتري من منافع المقبوض بالعقد الفاسد تكون مضمونة عليه لهذين الدليلين ، ولا يعارضهما ما استدل به في الوسيلة على عدم الضمان من النبوي المعروف « الخراج بالضمان » (2لأنّه مع عدم تماميته سنداً غير تام الدلالة فان المحتمل فيه وجوه :)الأول : أنّ يكون المراد من « الخراج » ما يقابل المقاسمة دون مطلق المنافع وعليه يكون معنى الحديث أنّ كل من يضمن الأرض الخراجية ويتقبلها من السلطان فخراجه عليه دون غيره ، فإذا تقبل شخص أرضاً يكون هو المطالب بخراجها وإن انتفع بها شخص آخر .وهذا الاحتمال وإن لم نره في كلمات الفقهاء لكنه أظهر المحتملات ، ومعه يكون الحديث المزبور أجنبياً عن المقام .الثاني : أنّ يكون المراد من « الخراج » مطلق المنافع ومن « الضمان » مطلق الضمان ، سواء كان اختيارياً مترتّباً على العقود الصحيحة أو الفاسدة ، أو غير


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 94 .

2) تقدّم في الصفحة السابقة

اختياري كالضمان المترتّب على الغصب ، وهذا المعنى ينطبق على مسلك أبي حنيفة (1حيث قال : أنّ كل من يضمن مالاً ولو غصباً فالمنافع له ، ولكنه مقطوع العدم وغير مراد لصاحب الوسيلة .)الثالث : أن يكون المراد من « الخراج » مطلق المنافع إلّا أنّ المراد من «الضمان » هو خصوص الضمان الاختياري المترتّب على العقود الصحيحة ، فيكون المعنى أنّ من يضمن شيئاً بعقد صحيح يملك منافعها بالتبع . فنحن أيضاً نقبل ذلك ولكن المفروض أنّ الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد لا يكون ممضى للشارع .الرابع : أن يكون المراد من « الخراج » مطلق المنافع ولكن المراد من «الضمان » مطلق الضمان الاختياري ولو كان فاسداً ولم يمضه الشارع . فهذا المعنى يصحّ دليلاً لصاحب الوسيلة في المقام ، إلّا أنّه مضافاً إلى احتياجه إلى القرينة من بين المعاني وهي معدومة ، يستلزم أنّ تكون منافع العين للمشتري بحيث يضمنها له كل من استوفاها ولو كان هو المالك أو الأجنبي الثالث ، ولا يلتزم أحد بهذا حتّى أبو حنيفة .فالصحيح هو المعنى الأول، ومع التنزّل عنه يرجع إلى المعنى الثالث ، هذا كلّه في المنافع المستوفاة .وأمّا التي لم يستوفها المشتري فهل تكون مضمونة عليه أم لا ؟ وهذا بعد البناء على ضمان المنافع المستوفاة ، لأنا لو بنينا على عدم الضمان فيها فلا يجري البحث عنه في المنافع غير المستوفاة لانتفاء الضمان فيها بطريق أولى .ولا يخفى أنّ كلمات الشيخ (قدّس سرّه (2)مشوشة في المقام حيث التزم بعدم)


1) المبسوط 11 : 78 ، بدائع الصنائع 7 : 145 ، المغني لابن قدامة 5 : 413 .

2) المكاسب 3 : 204 وما بعدها .

الضمان فيها أولاً ثمّ ذهب إلى التوقف ثمّ قوّى الضمان . ولكن الأقوال في المسألة ثلاثة: القول بالضمان مطلقاً والقول بعدمه كذلك ، والتفصيل بين علم البائع بفساد العقد وعدمه . ولا إشكال أنّه بعد الالتزام بالضمان في المنافع المستوفاة على نحو الاطلاق لا وجه لهذا التفصيل في غير المستوفاة ، لأن منشأ هذا التفصيل هو توهم أنّ المالك مع فرض علمه بفساد العقد هو بنفسه سلّط القابض على ماله وأذن له في التصرف فيه فينبغي أنّ لا يكون القابض في هذا الفرض ضامناً ، وهذا الوجه جارٍ في المنافع المستوفاة أيضاً . ولكن بعد ردّ هذا التوهم فيا سبق - حيث قلنا بأنّ إذن المالك كان مشروطاً بحصول الملكية للمشتري وأنّه يتصرف في مال نفسه لا مال البائع ، وحيث لم يحصل له الملكية شرعاً فيحرم التصرف له لعدم بقاء الاذن فيه - فلا مجال للتفصيل بين صورتي علم البائع وجهله في المقام كما لم نفصل بينهما في ضمان المنافع المستوفاة . وأمّا التوقف مطلقاً أو في صورة علم البائع بالفساد فلا يعدّ قولاً في المسألة ، لأنّه يرجع في الواقع إلى الجهل بالحكم ولا ينبغي عد الجهل بحكم المسألة أحد الأقوال فيها ، فتكون المسألة في الحقّيقة ذات قولين: الق--ول ب-الضمان مطلقاً والقول بعدمه كذلك .ولا بدّ قبل الورود في البحث من التكلّم في المنافع غير المستوفاة للمغصوب فنقول: لا إشكال في ضمان الغاصب للعين والمنافع التي قد استوفاه منها ، وأمّا المنافع غير المستوفاة منها فتارة تكون العين معدة لاستيفاء تلك المنافع بحيث لولا الغصب كان المالك يستوفيها ، وأخرى لم تكن معدّةً له وإن كانت قابلةً للاستيفاء بمعنى أنّ المالك أيضاً لم يكن يستوفيها لولا الغصب كما إذا فرضنا أنّ المالك من الأغنياء يملك أعياناً كثيرة لا ينتفع منها في جميع الأزمان مع شأنية الانتفاع فيها .ففي الصورة الأولى يكون الغاصب ضامناً للمنفعة وإن لم يستوفها، لأنّه حال بين المالك وبين المنافع ، فيكون متلفاً لها على المالك ، كما لو غصب داراً فإنّه يضمن

أُجرة سكنى الدار . وأمّا في الصورة الثانية فلا ضمان ، لأن تلف هذه المنفعة ليس مستنداً إلى منع الغاصب بل إنّما يكون لعدم المقتضي ، لأن المالك لو كان مسلّطاً على ماله لم يستوف هذه المنافع أيضاً، فلو ادعى ضمان مثل هذه المنفعة يضحك عليه فلابدّ من التفصيل في الغصب في المنافع غير المستوفاة بين ما تكون العين معدّةً لاستيفاء المنفعة منها ، وما لم تكن كذلك .وأمّا في المقبوض بالعقد الفاسد بالنسبة إلى المنافع التي لم تكن العين معدة لاستيفائها فلا ضمان ، لأنّه لم يستوفها المشتري ولم يتلفها حتّى يتمسّك للضمان بقاعدة الاتلاف ، وإذا لم تكن هذه المنافع مضمونة في الغصب فلا تضمن في المقبوض بالعقد الفاسد بطريق أولى. وأمّا المنافع التي تكون العين معدة لاستيفائها فأيضاً لا ضمان على القابض فيها ، لأن عمدّة الدليل على ضمان المنافع المستوفاة كما ذكرنا هي قاعدة من من أتلف والسيرة القائمة على ضمان مستوفي المنافع من مال الغير وهما لا يجريان في المقام ، لأن المفروض عدم إتلافه ، وعدم منعه للمالك م-ن التصرف في ماله لو أراد ، وعدم استيفائه المنافع حتّى يقال بأن الاستيفاء بحكم الاتلاف ، كما أنّ السيرة أيضاً غير جارية على الضمان لمجرد تلف المنفعة تحت ي-د القابض من دون استناد إليه ، فمجرد البقاء عنده مع التخلية بين المالك والمال لا يوجب الضمان ، هذا .وقد استدل للضمان في المنافع غير المستوفاة بأمور :منها : النبوي المعروف «على اليد ما أخذت حتّى تؤديه » (1ويردّه أمران : الأول ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) (2)من أنّ متعلّق الأخذ لابدّ وأن يكون من)


1) مرّ تخريجه في الصفحة 255 .

2) المكاسب 3 : 204

الأعيان الخارجية وأمّا المنافع فهي غير قابلة للأخذ . الثاني : ما ذكرناه من أنّ المأخوذ لابدّ وأن يكون قابلاً للردّ والأداء ، والمنافع ليست كذلك لأنّها قبل الاستيفاء لا تكون تحت اليد وبعده تنعدم وليست بموجودة .ومنها : قوله ( عليه السلام » لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه» (1)وفيه : أنّ مفاده إما يكون عدم حلّ أكل أموال الغير بمعنى تملّكها كقوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) (2)أو يكون عدم حل التصرف كقوله (عليه السلام) «لا يجوز لأحد أنّ يتصرف في مال غيره إلّا باذن صاحبه» (3)وفي المقام لا تصرف في المنافع ، ومع التنزل عن ذلك يكون مفاده الحرمة التكليفية ولا ربط له بالحكم الوضعي حتّى يثبت الضمان .)ومنها : قوله (عليه السلام «حرمة ماله كحرمة دمه » (4)وقد ذكرنا أنّ دليل الاحترام لا يدلّ على أزيد من حرمة التصرف في مال الغير بغير رضاه ، وأمّا الضمان فلا ، فلم يبق في المقام إلّا الاجماع المنقول في السرائر (5)وغيره على الضمان وفيه : مضافاً إلى أنّه اجماع منقول وليس بحجة ، أنّ المنقول هو الاتفاق على أنّ المقبوض بالعقد الفاسد يكون في حكم المغصوب ، والظاهر أنّ مورد الاتفاق ه-و وجوب ردّ العين وضمانها كالمغصوب لا بقية الأحكام ، لوضوح أنّه ليس بمنزلة المغصوب في جميع الأحكام ، فلا دلالة فيه أيضاً على ضمان المنافع . فتحصّل : أنّه لا دليل على ضمان المنافع غير المستوفاة في المقام .)


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير) .

2) النساء 4 : 29 .

3) مرّ تخريجه في الصفحة 249 .

4) المستدرك 9 : 138 / أبواب أحكام العشرة ب 138 ح 6 .

5) تقدّم في الصفحة 255 .

### 4-ضمان المثل بالمثلی والقیمة بالقیمیأنّه لو كان المبيع التالف مثلياً يجب ردّ مثله بالاتفاق ، وليس في المسألة مخالف إلّا الاسكافي (1حيث أنّه التزم بجواز ردّ القيمة مطلقاً على ظاهر ما حكاه الشيخ (قدّس سرّه) عنه . والكلام في المقام تارة يقع في الكبرى وأنّه هل يدل دليل على ضمان المثلي بالمثل أم لا ، وأخرى في الصغرى وأن المثلي ماذا ؟)أمّا المقام الأوّل : فقد استدلّ على اثبات ضمان المثلي بالمثل بوجوه لا ينهض شيء منها للدلالة عليه.منها : رواية على اليد . ولكنّها مضافاً إلى ضعف السند وأنّها غير مجبورة بعمل المشهور لا تتمّ دلالتها في المقام فإنّها تدلّ على أصل الضمان ، وأمّا الضمان بالمثل فلا .ومنها : قوله (عليه السلام «حرمة ماله كحرمة دمه » أو « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه » ولكنّها أيضاً لا يدلان على أزيد من عدم جواز التصرف في مال الغير ، وأمّا الضمان بالمثل فلا يستفاد منهما .)ومنها : القاعدة المستفادة من الروايات وهي « من أتلف مال الغير فهو له ضامن » وهي أيضاً لا تدلّ على الضمان بالمثل كما لا تدلّ عليه نفس الروايات المتفرّقة في موارد الضمانات بطريق أولى . نعم ذكر في بعض النصوص كقضية الأمة المسروقة (2ردّ القيمة في القيمي ، وأمّا الضمان بالمثل فلا .)ومنها : قوله تعالى (فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى


1) حكاه عنه العلّامة فى مختلف الشيعة 6 : 96 ، المسألة 84 .

2) الوسائل 21 : 204 / أبواب أحكام العبيد والإماء ب 88 ح 3 .

عَلَيْكُمْ (1). وفيه : أنّ هذه الآية أنّ خصصناها بمسألة قتال المشركين في أشهر الحرم فهي أجنبية عن مقامنا ، وإن قلنا بأنّها قاعدة كلية فلابدّ من اختصاصها بم--ورد الاعتداء فقط بمعنى أنّه لو ضربه أو شتمه شخص فهو يعتدي بمثله فلا دلالة فيها على ضمان المثلي بالمثل مطلقاً .)ومنها : الإجماع على ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي . وفيه : منع خصوصاً مع اختلاف الأصحاب في تعيين المثلي والقيمي ، ولو تنزّلنا واقتصرنا في مورده على القدر المتيقّن فليس إجماعاً تعبّدياً ، للظنّ القوى باستناد المجمعين إلى الوجوه السابقة .فتحصّل : أنّ شيئاً من الوجوه المذكورة لا يصلح دليلاً في المقام . والعمدّة في الدليل هو السيرة العقلائية على أنّ من أتلف شيئاً من أموال الغير يلزم عليه أداء مثله ، ولعلّه لم يتعرّض في النصوص لضمان المثل إيكإلّا إلى الارتكاز العقلائي وأنّ هذا ممّا يفهمه كلّ أحد ، فلو تلف المبيع بالعقد الفاسد وكان مثليّاً لزم أداء مثله للسيرة العقلائية كما ذكرنا .### تعریف المثلیوأمّا الكلام في المقام الثاني : وأنّ المثلي ما هو ، فقد عرّفوه ب-تعاريف ذهب المشهور إلى أنّ المثلي عبارة عمّا يتساوى أجزاؤه من حيث القيمة ، وبعضهم عرّفه بأنّه عبارة عما يكون فيه السلم وغير ذلك ، والمراد بالأجزاء هو الأفراد وإنّما عبّر بالأجزاء من جهة فرض جميع أفراد هذه الطبيعة شيئاً واحداً فيكون كل فرد بالاضافة إليه جزءاً . وأمّا المراد بالتساوي بحسب القيمة فقد فسّره الشيخ (قدّس سرّه (2)بمساواة نسبة قيمة كلّ بعضين لنسبة كمّهما ، بأن يسوى نصف الشيء نصف)


1) البقرة 2 : 194 .

2) المكاسب 3 : 210 .

قيمة المجموع وثلث الشيء ثلث قيمة المجموع وهكذا ، وقد قرّر الشيخ (رحمه اللّه في هذا التفسير الأجزاء على ظاهره. وفيه : أنّه لا إشكال في تأثير الكمّ في القيمة ، بمعنى أنّ الشيء في الكم الكبير يباع أرخص منه في الكمّ الصغير ، فإنّ المنّ من الحنطة إذا قوم بست دراهم فالحقّة منها لا تقوم بدرهم واحد ، بل بأكثر من درهم مع أنّها سدس المنّ.)فالصحيح ما ذكرناه من إرادة الأفراد من الأجزاء وأنّ المراد من التساوي تساوي الأفراد من حيث القيمة، مثلاً الحنطة إذا كان المنّ منها بدرهم فالمنّ الآخر منها يقوم بدرهم ، بخلاف القيمي فان أفراده مختلفة القيمة ، وتوضيح ذلك : أنّ الصفات تارة تكون من قبيل الخصوصيات الشخصية التي لا دخل لها في القيمة وفي رغبات الناس فهي خارجة عن المقام ولا تعتبر في تشخيص المثلي عن القيمي ولهذا لا تكون مضمونة مع التلف فلو تلفت العين وفرض امكان إعادتها لم يجب ردّها نعم يجب ردّها ما دامت موجودة ، وأمّا الصفات التي يختلف بها الرغبات والقيم فهي تارة تكون شائعة في أفراد تلك الطبيعة كالحنطة والأرز من أرض واحدة فان أرز كل واحد من أطراف هذه الأرض مساوٍ للأرز في الطرف الآخر فيكون الأرز مثلياً، وهكذا الحنطة ، ومن المثليات جميع ما يخرج من المكائن من الأواني والأقمشة وغيرهما . وما قيل من أنّ الثوب من القيميات إنّما عني به الثوب المخيط المنسوج باليد لا الأقمشة الجديدة غير المخيطة . وأمّا لو كان الوصف ممّا تختلف ب-ه القيم لكنه لم يكن بشائع في جميع أفراد هذه الطبيعة بل كان موجوداً في الفرد الخاص دون الفرد الآخر فهو يعدّ من القيميّات كمقدار حمصة من الفيروزج له خصوصيات تزيد بها القيمة وليست في غير هذا الفرد ، فربما يكون مقدار العدسة منه ديناراً والعدسة الأخرى منه دينارين فهذا من القيميات دون المثليات .ثمّ أنّه لو أحرزنا كون شيء من القيميات أو المثليات فلابدّ من أداء المثل أو

القيمة ، وأمّا لو شككنا في كون الشيء من المثلي أو القيمي فماذا يقتضيه الأصل ، هل الواجب أداء القيمة أو المرجع تخيير الضامن أو تخيير المالك أو غيرهما ؟ وجوه .أمّا القول بوجوب أداء القيمة فهو يكون مبنيّاً على كون المقام من باب الأقل والأكثر ، لأن الأمر يدور بين كون الواجب أداء المالية فقط أو هي مع الخصوصيات المثلية ، فالقدر المتيقّن هو الأقل وهو أداء المالية والزائد على ذلك محل للبراءة فيجب رعاية القيمة فقطوفيه : أنّه لو كانت القيمة المعتبرة في ضمان القيميات عبارة عن المالية المشتركة بين جميع الأشياء لكان لما ذكره مجال ، ولكنه ليس كذلك لأن المراد م--ن القيمة هو خصوص النقدين لأنّها متمحضان في المالية وسائر الأشياء يقوم بها فاذا كان كذلك فيدور أمر تكليفه بين أداء القيمة أي النقدين وأداء المثل أي المالية مع الصفات المثلية ، فدوران الأمر بين المتباينين لا الأقل والأكثر .وأمّا القول بتخيير الضامن فمتوقف على كون المقام من قبيل المتباينين وقيام الاجماع أو قاعدة لا ضرر على عدم وجوب الموافقة القطعية في الماليات فلا يجب عليه أداء المثل والقيمة معاً ، فلا محالة تصل النوبة إلى الموافقة الاحتمالية وهو أداء أحدهما فينتج التخيير في مقام الردّ ، فمدرك التخيير إما الاجماع أو قاعدة لا ضرر . وأمّا مدرك تخيير المالك فهو عبارة عن قاعدة الاشتغال ، مع دوران الأمر بين المتباينين ، فإنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني وهو يحصل بدفع ما يختاره المالك ويرضاه .ويرد على القولين معاً : أنّ الاجماع أو لا ضرر أو قاعدة الاشتغال لا ينحصر أثرها في التخيير ، بل يمكن أنّ يرجع إلى القرعة فانّها لكل أمر مشكل ، أو يرجع إلى المصالحة القهرية فلا وجه للتخيير لهما ، كما لا وجه للالتزام بردّ القيمة من جهة دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، بل يمكن القول بضمان المثل لوجهين : الأول رواية

على اليد بناءً على صحتها . والثاني : السيرة العقلائية في الاستيلاء على مال الغير فإنّهما يقتضيان ردّ الأوصاف التي استولى عليها الضامن إلّا فيما قام الدليل على عدم وجوب ردّها وهو ما ثبت كونه قيمياً ، فما لم يثبت ذلك يجب ردّ الأوصاف بأداء المثل .وبالجملة : القول بتخيير المالك أو الضامن مبني على كون المقام من قبيل المتباينين ، بأن يكون ما استقر في ذمّة الضامن مردّداً بين المثل والقيمة ، وليس كذلك ، فإنّ المستقرّ في ذمّة الضامن هو نفس العين بما لها من المالية والأوصاف النوعية والشخصية ، فإن أمكن ردّها بردّ العين وجب وإلّا فيجب ردّ الأوصاف النوعية إلّا فيما أحرز عدم وجوبه فيجب ردّ المالية فقط بدفع القيمة . ولو تنزّلنا عن ذلك فالمرجع هو القرعة ، فإنّها لكلّ أمر مشكل ، ولا وجه للتخييرين .ثمّ أنّه لو نزلت قيمة التالف المثلي يوم الردّ فالظاهر أنّه يجب ردّ المثل دون القيمة، لأن حاله حال العين إذا كانت باقية وتنزّلت قيمتها السوقية ، فلا إشكال في أنّ ردّ الزائد عن المثل غير واجب على الضامن لأنّه ضامن للمثل ولا ربط لنقصان القيمة في السوق به ، ويؤيّده ما عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى عن يونس قال « كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام أنّه كان لي على رجل (عشرة دراهم وأنّ السلطان أسقط تلك الدراهم وجاء بدراهم أغلى (أعلى) من تلك الدراهم الأولى ولها اليوم وضيعة ، فأي شيء لي عليه ، الأولى التي أسقطها السلطان ، أو الدراهم التي أجازها السلطان ؟ فكتب (عليه السلام) : لك الدراهم الأولى» (1)فإنّ الإمام (عليه السلام) حكم بأنّ له الدراهم الأولى مع فرض تنزل قيمتها وأنّ لها وضيعة ، ولا يتوهم دلالتها على اشتغال الذمة بالمثل حتّى مع فرض)


1) الوسائل 18 : 206 / أبواب الصرف ب 20 ح 2.

سقوطه عن المالية بالمرّة ، لأن الدراهم المتعارفة في تلك الأعصار كانت من الفضة فكانت لموادها مالية فاسقاط السلطان كان موجباً لنقصان ماليتها لا زوال ماليتها رأساً ، فلو سقط المثل عن القيمة بالمرّة كما لو أخذ الثلج في الصيف ويريد أنّ يعطيه في الشتاء فالظاهر أنّه يرجع إلى القيمة ولو كان المثل موجوداً أيضاً ، لأن مقتضى على اليد وسائر أدلة الضمان هو الضمان بالمال ولابدّ في مقام الرد أنّ يكون مالاً ، وبما أنّ المالية قد سقطت فلابدّ من أداء القيمة ، هذا في المثلي .وأمّا لو تلف القيمي وكان المثل ميسوراً للضامن ، فالظاهر أنّه يجب أداء المثل دون القيمة ، لأن الدليل على ضمان القيمي بالقيمة مطلقاً مقطوع العدم ، وإنّما نقول في القيميات بضمان القيمة لأجل تعدّر المثل ، وأمّا إذا فرضنا وجود المثل للقيمي وإمكان أداء المثل في مقام الخروج عن عهدة الضمان فلا مجال إلّا للمثل للسيرة العرفية كما ذكرنا .فتلخصّ ممّا ذكرنا : أنّ ما في الذمة عبارة عن نفس العين غاية الأمر بما أنّ خصوصيات الفرد ليست قابلة للردّ ، لا بنفسها لكونها تالفة ولا ببدلها حيث لا بدل لها ، فلا محالة تصل النوبة إلى المثل وهو كلّي هذا الفرد مع الصفات النوعية أو الصنفية .### 5-حکم زیادة قیمة مثل التالف بأضعافأنّه إذا زادت قيمة مثل التالف في السوق بأضعاف قيمته يوم التلف ، أو لم يكن له مثل في الخارج إلّا عند شخص واحد ولا يبيعه إلّا بأضعاف قيمته ، فهل يجب على الضامن في هاتين الصورتين شراء المثل أو تصل النوبة إلى القيمة أو يفصل بينهما ؟ربما يقال بوجوب القيمة ، لأنّ وجوب المثل ضرري ، وربما يقال بوجوب

المثل وعدم جريان دليل لا ضرر ، لأنّه إنّما نشأ من قبل نفس الضامن وإقدامه على ذلك كما هو ظاهر عبارة الشيخ (قدّس سرّه (1)حيث التزم بوجوب رد المثل لعموم النص والفتوى .)ولكن التحقيق هو الفرق بين الصورتين بالالتزام بوجوب شراء المثل وردّه في الصورة الأولى دون الثانية ، لعدم تضرّر الضامن في الصورة الأولى ، لأنّه لا يدفع إلى المالك إلّا ما اشتغلت ذمته به وزيادة قيمة السوق لا توجب ضرراً على الضامن لأنّها زيادة اعتبارية، ولذا لو كانت العين باقية يجب ردّها ولو زادت قيمتها ، ولا يكون ضرراً على الضامن كما فيما إذا تنزلت قيمتها فإنّ الواجب هو ردّ ما ضمنه وهو المثل فلا يجري دليل لا ضرر .وأمّا في الصورة الثانية فالظاهر أنّ ردّ المثل مستلزم لتضرره ودفع أكثر ممّا ثبت في عهدته ، فيرتفع وجوبه بحديث لا ضرر ، فتكون زيادة قيمة المثل في هذه الصورة ملحقة بصورة إعواز المثل في الحكم ، فهي إع--واز حكمي ، فيجب أداء القيمة .وأمّا ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه من عموم النص والفتوى فهو مخصص بقاعدة لا ضرر وهي حاكمة عليه)### 6-حکم تعذرالمثل في المثلی من حیث الاجبار علی أخذ القیمةلو تعذر المثل في المثلي فلا كلام في وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك ، وإنّما الكلام يقع في جهتين : الأولى : أنّه هل يكون للضا من إجبار المالك على أخذ القيمة بعد فرض عدم القدرة على أداء المثل ، لأنّ التكليف به تكليف بما لا يطاق أم لا ؟


1) المكاسب 3: 223 وما بعدها

الثانية : هل تكون للمالك المطالبة بالقيمة واجبار الضامن على دفع القيمة مع أن الواجب على الضامن هو المثل أم لا ؟أما الأولى : فليس للضامن الاجبار على القيمة مع إرادة المالك الصبر حتّى يوجد المثل ، لأنّ المضمون هو المثل لا القيمة فلا يسقط إلّا برضا المالك .وأمّا الثانية : فيجوز للمالك مطالبة القيمة ، لأنّ المال مع أوصافه النوعية عية أو الصنفية من حقوق المالك على الضامن فيجوز له أنّ يطالب بالمال مع الصفات أو يرفع اليد عن حقه بالاضافة إلى الصفات ويطالب بالقيمة كاشتراط المشتري على البائع شيئاً فإنّ له أن يطالب بأصل المبيع من دون مطالبة للشرط لأنّه حقه ، والدليل على ذلك هو السيرة العقلائية حيث لا يمهلون الضامن حتّى يوجد المثل مع مطالبة المالك بالقيمة.ثمّ يأتي النزاع في أنّ القيمة التي يجب ردّها هل هي قيمة التلف ، أو يوم يوم الدفع ، أو يوم الأخذ ، أو أعلى القيم من زمان الأخذ إلى يوم التلف ، أو أعلاها من يوم الأخذ إلى يوم الدفع ؟ أقوال .ولكن هذه متوقّفة على أنّ يصير المثلي التالف أو المثل أو الجامع بين التالف والمثل قيمياً بالاعواز ، ولكن لا وجه له لعدم الدليل عليه ، وذلك لما ذكرناه من أنّ المضمون في الذمة هو نفس العين وبعد تلف العين أنّ كان المثل موجوداً فهو وإلّا ينتقل إلى القيمة يوم الدفع . ودعوى أنّ المالك بمطالبته للقيمة يبرئ الضامن من الصفات النوعية فلابدّ من أداء قيمة يوم المطالبة فاسدة ، لأن المالك إنّما يتنازل في مقام الوفاء ويرضى بالقيمة وليس ذلك إسقاطاً للمثل عن الذمة ، بل هي مشغولة بالمثل حتّى بعد مطالبة المالك للقيمة ، ولذا لو لم يدفعها الضامن بعد المطالبة ثمّ وجد المثل بعد ذلك فللمالك أنّ يأخذه دون القيمة .ثمّ لا فرق فيما ذكرنا من اشتغال الذمّة بالعين بين تعدّر المثل من الأوّل أو أنّ

يطرأ التعذّر بعد وجود المثل ، كما لا فرق بين أنّ يكون التعذر موقتاً أو مستمراً إلى الابدّ ، فإنّ الثابت في الذمة هو العين إلى زمان الدفع فإن كان المثل موجوداً فهو وإلّا تصل النوبة إلى القيمة .ثمّ إنّ المحكي عن التذكرة (1أنّ المراد من إعواز المثل أن لا يوجد في البلد وما حوله ، وزاد في المسالك (2)قوله ممّا ينقل عادة منه إليه ، كما ذكروا هذا القيد في السلم أيضاً، هذا .)ولكن من جهة عدم ورود الاعواز وتحديده في دليل شرعي فلابدّ م- الالتزام بما تقتضيه القاعدة وقد عرفت أنها تقتضي رد المثل إلّا إذا تعذر ، فيكون المناط هو التعذر الشخصي بلا فرق بين وجوده في البلد وما حوله وعدمه ، فلو تمكن من أداء المثل ولو من أقصى البلاد يجب ، إلّا أنّ يكون في أداء المثل ضرر أزيد ممّا يقتضيه رد المثل فتكون قاعدة لا ضرر محكمة ، كما أنّه لو كان المثل في بلده ولكن لا يتمكن من شرائه لعذر لا يجب أداء المثل .ثمّ إنّ في تقويم التالف مع تعدّر المثل إشكالاً من جهة أنّه هل يلاحظ قيمة زمان قلة وجود المثل أو زمان كثرته ؟الظاهر أنّه كما ذكرنا تكون العين ثابتة في الذمة إلى يوم الدفع ، فيفرض أنّ مثل التالف موجود في زمان الدفع فيقوم فيؤدّي قيمة ذلك الوقت كما لو كانت العين موجودة إلى زمان الدفع ثمّ تلفت ، فلابدّ من أداء قيمة هذا الزمان وهو زمان الدفع إلى المالك فلا يبقى إشكال في المقام .ثمّ إنّه لو فرض تعذّر المثل في البلد ولكن من باب الصدفة ذهب المالك


1) تذكرة الفقهاء 2 : 383 السطر 16

2) المسالك 12 : 183

والضامن إلى بلد آخر فطالب المالك بدل عينه التالفة ، فإن كان المثل موجوداً وجب ردّه ، لأنّ العين ثابتة في الذمة إلى يوم الدفع فيؤدّي المثل بالمطالبة في غير بلد المعاوضة ولو كانت قيمته فيه أكثر من قيمته في بلد المعاوضة ، وأمّا لو أعوز المثل في ذلك البلد أيضاً فهل يجوز له المطالبة بالقيمة ولو كانت القيمة في ذلك البلد ضعف بلد المعاوضة ؟ الظاهر ذلك ، لأنّ الضامن ملزم برد المثل يوم المطالبة ، فإذا تعدّر فللمالك أنّ يتنازل كما مرّ سابقاً عن حقه فى الصفات النوعية ويطالب بأصل المالية وهو القيمة ، وأمّا الزيادة السوقية فلا يرتبط بما يؤدّيه لأنها زيادة اعتبارية لا توجب ضرراً على الضامن كما ذكرنا .ثمّ إذا سقط المثل عن القيمة رأساً كما إذا أخذ بالبيع الفاسد ثلجاً في الصيف وأراد أن يؤدّيه في الشتاء ، فإنّ الثلج في هذا الوقت لا قيمة له ، فهل يكون مثل ذلك ملحقاً بما إذا تعذر المثل أم لا ؟ الظاهر أنّه كذلك ، لأنّ مقتضى السيرة وظاهر على اليد وجوب ردّ المال ، فلابدّ أنّ تكون للمضمون مالية ، والمفروض في المقام عدم بقاء مالية للمثل فتصل النوبة إلى القيمة في الوقت الذي وصل المثل فيه إلى أدنى القيم وسقط بعده عن القيمة ، لما ذكرنا من أنّ العين تثبت في الذمة إلى يوم الدفع فلو طالبه في يوم السقوط عن القيمة وجب دفع قيمة ذلك اليوم لا قيمة يوم التلف ولا أعلى القيم ولا غيرهما من الوجوه المذكورة في المسألة .ثمّ إنّه لو كان المثل متعدّراً وطالب المالك بالقيمة لم يسقط المثل عن الذمّة بمجرد مطالبة القيمة ، بل يكون المثل ثابتاً في الذمة إلى زمان الدفع ، ولذا لو طالب بالقيمة عند تعذر المثل ثمّ وجد المثل فندم وطالب بالمثل فله ذلك ، وأمّا لو طالب المالك عند تعذر المثل بالقيمة وقد أعطاها الضامن خارجاً ورضيا بذلك ثمّ وجد المثل فهل يكون للمالك أنّ يردّ القيمة ويطالب بالمثل أم لا ؟

ذكر الشيخ (قدّس سرّه (1)بأنّه لو قلنا بأن الثابت في الذمة هو المثل ولا يسقط المثل عن الذمة بالتعذر إلى زمان دفع القيمة فليس له المطالبة ، لأنهما تراضيا على آداء ما في الذمة بالقيمة ، فالذمة فرغت بها فلا موجب لاشتغالها بعد ذلك ، كما لو كان المثل موجوداً وتراضيا على القيمة فانّ دفع القيمة في المفروض إنّما يكون في مقام أداء ما اشتغلت به الذمة فلا معنى لمطالبة المثل بعده ، وأمّا لو قلنا بسقوط المثل عن الذمة بتعذّره وأنّ العين التالفة تنتقل إلى القيمة وتصير قيمية بمجرد تعذر المثل فالسقوط لما في الذمة أولى ، لأن نفس المضمون كان هو القيمة وقد أدّاها فلا وجه لمطالبة المثل بعد ذلك بالأولوية . وأمّا لو قلنا بأنّ المثل عند تعذره صار قيمياً فيحتمل أنّ يكون للمالك مطالبة المثل لأنّ القيمة إنّما تكون من قبيل بدل الحيلولة عن المثل فإذا وجد المثل ينتفى الحيلولة ، هذا .)ولكنّه من غرائب كلمات الشيخ (قدّس سرّه لأنّه لا وجه لكون القيمة بدل الحيلولة على القولين الأخيرين ، لأنا إذا فرضنا انتقال نفس العين التالفة أو المثل إلى القيمة فما أدّاه هو عين ما اشتغلت به ذمّته لا بدل حيلولة له ، نعم لو قام دليل على بدل الحيلولة لأمكن جريانه على القول الأول أي القول بعدم انقلاب المثلي التالف ولا المثل إلى القيمة وبقاء المثل في الذمة إلى يوم دفع القيمة ، فإنّه يمكن أنّ يقال أنّ القيمة المؤداة تكون من قبيل بدل الحيلولة للمثل حتّى يوجد إلّا أنّ لنا كلاماً في أصل بدل الحيلولة وما ذكره السيد الطباطبائي (2)من أنّ بدل الحيلولة إنّما يتصوّر في الأعيان الخارجية لا بالاضافة إلى الذمم كالمقام لا وجه له ، لأنّ معنى بدل الحيلولة أنّ يجعل بدلاً عن السلطنة الممنوعة للمالك على العين لا)


1) المكاسب 3 : 239 فرع .

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 102 .

بدلاً عن أصل العين ، فلا فرق بين أنّ يكون المبدل منه من الأعيان الخارجية أو ما في الذمم هذا تمام الكلام في المثلي .### 7- وجوب ردّالمثل في القیمي مع التمکّن من المثللا ريب في أنّ القيمي إذا تلف وكان مثله موجوداً لزم أداء المثل دون القيمة وأمّا ما ورد من أداء القيمة في بعض النصوص (1فهو محمول على صورة تعدّر المثل ، وذلك لأنّه لا فرق بين المثلي والقيمي في أنّ ما اشتغلت به الذمة هو العين غاية الأمر عند تعذر المثل في المثلي ليس للضامن إجبار المالك بأخذ القيمة ، لأنّ المالك له أنّ يصبر حتّى يتمكن من أداء ما في الذمة وهو المثل ، وهذا بخلاف تعذر المثل في القيمي لأنّه بمجرد تعذر المثل تشتغل الذمة بالقيمة فللضامن أنّ يجبر المالك على أخذ القيمة ، وامتناع المالك من الأخذ حتّى يوجد المثل بعد ذلك مستلزم للضرر على الضامن ، لأنّ اشتغال الذمة ضرر ، فيرفع بقاعدة لا ضرر .)ثمّ إنّ ما ذكرناه من وجوب ردّ المثل في القيمي مع التمكّن من المثل مورد للسيرة العقلائية ، وأمّا الإجماع المدّعى في المقام على ضمان القيمي بالقيمة لا إطلاق له يشمل صورة تيسّر المثل ، وكذا لو كان التالف في يد المشتري هو القيمي وكان في ذمة المالك أيضاً مثله للضامن فلا تصل النوبة إلى القيمة أيضاً ، بل لابدّ من التهاتر القهري كما لو كان لكل منهما على ذمة الآخر ذراع من الكرباس .فتحصّل : أنّ المثل لو كان موجوداً فيجب رده لو كان خارجياً ويحكم بالتهاتر القهري لو كان في الذمة


1) راجع من باب المثال الوسائل 23 : 36 / كتاب العتق ب18 ح1، 3، 4، 5، 6 .

### الملاك في تعيين القيمة في القيميقد عرفت أنّ القيمي مع تعذر المثل يضمن بالقيمة ، ولكن ما هو الملاك في تعيين القيمة ؟ وهل يجب قيمة يوم الدفع أو يوم التلف أو قيمة يوم الغصب في باب الغصب أو يوم القبض في المقام أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف أو إلى يوم الدفع أو من زمان التلف إلى يوم الدفع ؟ أقوال :أمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم الغصب أو القبض كما في المقام فينافيه ما يقتضيه الضمان في طبعه ، إذ مجرد الاستيلاء على العين لا يوجب الضمان بالقيمة ، بل الذمة مشغولة بنفس العين ما دامت باقية ولا ينتقل الضمان إلى بدلها قبل التلف ، فهذا القول على خلاف القاعدة ولا مدرك له إلّا صحيحة أبي ولاد الواردة في الغصب وعلى تقدير تماميتها يلحق به المقبوض بالعقد الفاسد للاجماع أو الأولوية كما سنبين إن شاء اللّه .وأمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم الدفع فهو وإن كان مقتضى ما ذكرناه سابقاً من أنّ الذمة مشغولة بالعين إلى زمان الفراغ وهو يوم الدفع فيجب قيمة هذا اليوم ، إلّا أنّه ينافي ما سبق آنفاً من أنّ للضامن إجبار المالك على أخذ القيمة عند تعذر المثل ، فإنّ لازمه عدم ثبوت شيء في عهدة الضامن سوى القيمة ، لأنّه لو كانت ذمته مشغولة بالمثل لم يبق مجال للقول باجبار الضامن للمالك على أخذ القيمة بل يمكنه الامتناع من أخذها والصبر إلى أنّ يوجد المثل كما في المثلي ، وأمّا القول بوجوب أداء قيمة يوم التلف فهو وإن كان على القاعدة ويقتضيه طبع الضمان ، لأنّ العهدة مشغولة بالعين ما دامت موجودة ، وإذا تلفت فلابدّ من إقامة شيء مقامها يجعلها كأنها لم تتلف تتلف وهو القيمة في الفرض ، فزمان الانتقال إلى القيمة هو زمان التلف ، فلابدّ أنّ يكون هو الملاك في تعيين القيمة ، إلّا أنّ صحيحة أبي ولاد قد دلّت على وجوب قيمة يوم الغصب على خلاف القاعدة ، فلابدّ من التكلّم في دلالة

الصحيحة وهي وإن وردت في المغصوب لكن لا ريب أنّه ربما تكون القيمة في المغصوب يوم التلف أكثر من قيمته يوم الغصب ، ومع ذلك لو دلّت الرواية على ضمان قيمة يوم الغصب نلحق الضمان في سائر المقامات بالغصب ونقول فيها بضمان يوم القبض بالأولوية القطعية ، لأنّه لا نحتمل أنّ يكون الضمان في غير باب الغصب أسوأ حالاً من الغصب ، فالضمان بالقيمة يوم الغصب والقبض بمقتضى الرواية يكون على خلاف القاعدة فيسقط ضمان يوم التلف عن الاعتبار كيوم الدفع .وأمّا الرواية ففي كتاب الغصب من الوسائل (مع ما نقص من أصل رواي--ة الشيخ (قدس سره) عن محمّد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن أبي ولاد قال « اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا وخرجت في طلب غريم لي ، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت خبّرت أنّه توجه إلى بغداد فأتبعته وظفرت به وفرغت فيما بيني وبينه ورجعت إلى الكوفة وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً ، فأخبرت صاحب البغل بعذري وأردت أنّ أتحلّل منه فيما صنعت وأرضيه فبذلت له خمسة عشر درهماً فأبى أنّ يقبل فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل ، فقال لي ما صنعت بالبغل فقلت قد رجعته إليه سليماً ، قال نعم بعد خمسة عشر يوماً ، قال : فما تريد من الرجل ؟ قال : أريد كراء بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوماً ، فقال إنّي ما أرى لك حقاً لأنّه اكتراه إلى قصر بني هبيرة فخالف فركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكراء فلما ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء ، قال : فخرجنا من عنده وأخذ صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة وأعطيته شيئاً وتحلّلت منه وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبدالله (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة ، فقال : في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها فقلت لأبي عبدالله فما ترى)

أنت جعلت فداك ؟ قال (عليه السلام أرى له عليك مثل كرى البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل ومثل كرى البغل من النيل إلى بغداد ومثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إيّاه ، قال قلت : جعلت فداك قد علقته بدراهم فلي عليه علفه ؟ قال : لا لأنك غاصب ، فقلت أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني ؟ قال : نعم قيمة بغل يوم خالفته ، قلت : فإن أصاب البغل عقر أو كسر أو دبر ؟ فقال : عليك قيمته ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه ، قلت : فمن يعرف ذلك ؟ قال : أنت وهو ، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك ، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمك (الزمه) ذلك ، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغ-ل ح--ين اكتري كذا وكذا فيلزمك » (1)الحديث .)ومحلّ الاستشهاد منها على ضمان قيمة يوم الغصب قوله (عليه السلام « نعم قيمة بغل يوم خالفته » حيث أنّه يمكن أن يكون الظرف متعلّقاً بالقيمة بنحو الإضافة على نحو تتابع الإضافات ، أو تكرار إضافة القيمة ، ولكنهما خلاف الظاهر . أو إضافة مجموع القيمة والبغل إلى الظرف ، ونظيره كثير في الاستعمالات العرفية كقولنا ماء رمان زيد وبيض دجاج زيد مع عدم رمان أو دجاج لزيد وإنّما اشترى ابتداءً ماء الرمان أو بيض الدجاج ، إلّا أنّه خلاف الظاهر أيضاً ، والظاهر أنّه ظرف للقيمة بلا إضافة شيء إليه فينتج ضمان قيمة يوم المخالفة فيناسب الرواية مسلك المشهور . ويحتمل أنّ يكون الظرف متعلّقاً بقوله ( عليه السلام) « نعم » القائم مقام قوله (عليه السلام) « يلزمك » أي يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل ، وبناءً على هذا الاحتمال يكون أجنبياً عن تعيين القيمة ، فتكون الصحيحة مجملة ، إلّا أنّه يردّ هذا الاحتمال)


1) أوردها بتمامها في التهذيب 7 : 215 ح 943 من باب الاجارات ، وكذا في الكافي 5 : 290 ح 6 ، وأورد بعضها في الوسائل 25 : 390 / كتاب الغصب ب 7 ح 1 .

أمران :الأول : ما ذكره شيخنا الأنصاري (عليه السلام (1)من أنّ السؤال لم يكن عن زمان اللزوم والضمان بسبب المخالفة فإنّه كان أمراً واضحاً ، بل السائل إنّما سأل عمّا يلزمه بسبب المخالفة على تقدير التلف فلو كان الظرف راجعاً إلى قوله (عليه السلام) « نعم » لزم اللغوية في جواب الإمام (عليه السلام) لفرض علم السائل بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان .)والثاني : أنّ مقتضى تعلّق الظرف بقوله « نعم » وجوب ردّ القيمة من ي--وم الغصب ، فيلزم انتقال العين إلى القيمة قبل تلفها ولم يقل به به أحد .فتحصّل : أنّه لا يصحّ رجوع الظرف إلى كلمة نعم ، بل هو راجع إلى القيمة وعليه تدلّ هذه الفقرة على ضمان قيمة يوم الغصب في المغصوب ويلحق به المقبوض بالعقد الفاسد فيكون الضمان فيه بقيمة يوم القبض ، هذا .وقد أُورد على هذا الاستدلال بأمور منها : أنّ الإمام (عليه السلام ذكر في الرواية لزوم تعيين الشهود قيمة يوم الاكتراء حيث قال (عليه السلام) « أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا » فيعلم أنّ يوم الغصب لا موضوعية له ، بل ذكر كلا اليومين طريق إلى إثبات الضمان لا خصوص ضمان يوم الغصب .)وفيه : أنّ ضمان قيمة يوم الاكتراء من حيث كونه يوم الاكتراء واضح الفساد ، لعدم كون البغل مغصوباً حينئذ ، فلابدّ أنّ يكون ذكره لنكتة عرفناها أو لم نعرفها ، فلا يجوز أنّ يجعل منافياً لتعيين قيمة يوم المخالفة في الجملة الأولى ، ولا يبعد أن تكون النكتة اتّحاد يوم الاكتراء مع يوم المخالفة في مورد السؤال ، لأن الاكتراء


1) المكاسب 3 : 248 .

للمسافات القريبة غالباً يكون مقارناً للسفر وللحركة ، ولو كان مقدّماً لكان بنصف يوم أو من الليل إلى الصبح ولا يفصل بين زمان الاكتراء والسفر أزيد من هذا وهذا الشخص قد اكترى البغل من الكوفة إلى قصر بني هبيرة الذي كان أقل من الفرسخ من الكوفة ولما بلغ قرب قنطرة الكوفة خالف وذهب إلى النيل ، فالفصل يكون بساعة أو ساعتين ، فيوم الاكتراء بعينه هو يوم الغصب ، فدلالته على ضمان يوم الغصب بحاله .ومنها : قوله ( عليه السلام « عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب ي-وم ت-ردّه عليه » بناءً على أنّ يكون لفظة «يوم» متعلّقاً بالقيمة ، فيكون المعنى وجوب قيمة يوم الدفع لا قيمة يوم المخالفة تلف الأوصاف ، ولا فرق بين تلف العين وتلف الأوصاف في هذا الحكم.)وفيه : أنّ الظرف لا يمكن تعلّقه بالقيمة لما ذكره الشيخ (قدّس سرّه من أنّ المناط في تعيين الأرش ليس بيوم الردّ إجماعاً ، كما لا يصحّ تعلقه ب- « عليك » لأنّ لزوم القيمة ليس في يوم الردّ بل وجوبها ثابت من أوّل يوم من المخالفة .)فالصحيح أنّ يكون متعلقاً بالعيب ، لأنّه أقرب وله معنى حدثي ، وعليه فتدل هذه الفقرة من الصحيحة على أنّ العيب الحادث إنّما يوجب ضمان الأرش فيما إذا استمرّ إلى زمان ردّ العين ، فالغاصب ضامن لأرش العيب الموجود حال الرد لا مطلق العيب الحادث وإن زال وارتفع ، فلا تعرض في هذه الفقرة لتعيين قيمة يوم الردّ حتّى تنافي ما استظهرناه من الفقرة الأولى من الاعتبار بقيمته يوم الغصب.ومنها : قوله (عليه السلام : « إمّا أنّ يحلف هو على القيمة فيلزمك ... أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون » الخ حيث عيّن في الرواية أنّ الحلف والبيئة وظيفة المالك مع أنّ البينة تكون على المدعي واليمين على من أنكر ولا يصحّ توجه ك--لا الأمرين إلى شخص واحد ، فهذه الرواية مخالفة للقاعدة من هذه الجهة ولذا التجأ)

الشيخ (رحمه اللّه (1)إلى توجيه هذه الفقرة من الصحيحة وجعلها مؤيدة لك--ون الاعتبار بقيمة يوم التلف لا يوم المخالفة، وحملها على بيان صورتين من صور النزاع بين المالك والضامن ، فحملها من حيث الحكم بتوجه اليمين على المالك ، على صورة اختلافهما في تنزل القيمة يوم التلف ، بأن يكون المالك والضامن متفقين على قيمة واحدة للعين قبل يوم التلف وادّعى المالك بقاءها على القيمة السابقة في يوم التلف ولكن الضامن يدعي تنزّلها ، فيكون القول قول المالك فيحلف ، وحملها من حيث الحكم بتوجّه البينة عليه على صورة اختلافهما في أصل قيمة البغل سابقاً مع اتفاقها على بقائه على تلك القيمة إلى يوم التلف بأن ادّعى المالك أنّها عشرة والضامن يدّعي أنّها خمسة ، فالبيّنة على المالك لأنّه يكون مدّعياً في المقام ، فاليمين والبيّنة كلاهما وظيفة المالك ، غاية الأمر في الصورتين . ثمّ قال : وأمّا على تقدير كون العبرة في القيمة بيوم المخالفة فلابدّ في توجيه توجّه اليمين إلى المالك من حمل الرواية على ما إذا اتفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة أو اللاحق له وادعى الغاصب نقصانه عن تلك القيمة يوم المخالفة ، ولا يخفى بعد هذا الحمل.)وفيه : أنّ الحمل على صورتين خلاف الظاهر ، لأنّ قوله (عليه السلام « إمّا أنّ يحلف هو... أو يأتي صاحب البغل » ظاهر في تخيير المالك لاثبات مقصوده ب--ين الحلف والاشهاد في صورة واحدة لا صورتين . وأمّا ما ذكره أخيراً من الصورتين لتوجيه توجّه الحلف إلى المالك فالصورة الثانية منهما غير صحيحة ، إذ ليس فيها أصل يوافق قول المالك إلّا الاستصحاب القهقري الذي لا نقول به إلّا في باب الألفاظ ، بل الأصل فيها موافق لقول الغاصب ، لأنّ المالك يدعي زيادة القيمة والغاصب ينكرها ، نعم ما أفاده في الصورة الأولى صحيح . والحاصل أنّ الحمل)


1) المكاسب 3 : 251 .

على الصورتين خلاف الظاهر .فالصحيح أن نقول : إنّ هذه الرواية تكون مخصّصة لعموم البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ، لأنّ هذا العام ليس من القواعد العقلية حتّى يكون آبياً عن التخصيص بل من القواعد الفقهية وقد خصص في موارد كثيرة ، ففي المقام أيضاً نخصصه بالرواية ونقول في خصوص الغاصب بسماع البينة واليمين كليهما من المالك وله أنّ يأخذ بكل منهما في المحاكمة جزاءً للغاصب ، لأنّه يؤخذ بأشق الأحوال وإن لم يكن رواية .ثمّ إنّه استدلّ بهذه الرواية على وجوب أعلى القيم من زمان الغصب إلى يوم التلف ، فذكر الشيخ (قدّس سرّه أنها لا تدلّ على ذلك ، ويمكن أنّ يكون وجه الدلالة هو أنّ زمان ارتفاع القيمة يصدق عليه أيضاً يوم المخالفة ، لأن المراد بيوم المخالفة طبيعي يوم المخالفة الساري في جميع هذه الأيام ، لأنّ كلّ يوم يصدق عليه أنّه يوم المخالفة ، فلا محالة يؤخذ بأعلى القيم ويندرج الأقل في الأكثر لوضوح عدم وجوب الجمع بين القيم في الأداء، فتكون دلالة الرواية على لزوم أعلى القيم تامة ، هذا .)ولكن يردّه أمران : الأوّل أنّ المراد من يوم المخالفة صرف الوجود وهو ينطبق على أوّل أيام المخالفة لا أنّه كلّى يصدق على كلّ فرد .والثاني : أنّ قوله (عليه السلام« يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا » أقوى شاهد على كون المناط بيوم خاص لا الطبيعي الساري في جميع الأيام وإلّا لما كان وجه لتعيين يوم الاكتراء الذي ذكرنا سابقاً اتحاده في مورد الرواية مع يوم المخالفة ، فالميزان هو قيمة أوّل أيّام المخالفة فلا وجه لوجوب أعلى القيم .)واستدلّ أيضاً لوجوب أعلى القيم بقاعدة الاشتغال ، بدعوى أنّ ذمة الضامن مشغولة بحق المالك الذي كان فيه أعلى القيم ، فإذا دفع الأقل من أعلى القيم يشكّ في فراغ الذمة ، فأصالة الاشتغال حاكمة بوجوب دفع القيمة العليا من بين القيم في هذه المدّة .

وفيه : أنّ المورد من موارد البراءة ، لأنّه لم يثبت الاشتغال اليقيني إلّا بالقدر المتيقّن ويكون اشتغال الذمة بالزائد مشكوكاً فيه فيدفع بالبراءة .واستدلّ أيضاً لهذا القول بالاستصحاب حيث إنّ الضمان قد ثبت بحديث على اليد ونشكّ في ارتفاعه بدفع الأقل من أعلى القيم فنستصحبه إلى زمان دفع أعلى القيم.وفيه : أنّ المراد من الاستصحاب أنّ كان استصحاب ضمان نفس العين بناءً على ما ذكرناه سابقاً من عدم سقوط العين بالتعذر عن الذمة واشتغالها بالعين إلى زمان الدفع فإن كان المثل موجوداً فهو ، وإلّا فلابدّ من دفع القيمة فلا محالة يثبت بالاستصحاب ضمان قيمة يوم الدفع لا أعلى القيم ، وإن كان المراد منه استصحاب ضمان القيمة بناءً على القول بأنّ التعدّر موجب لسقوط العين عن الذمة وتبدلها بالقيمة ، فالمتيقّن من الضمان هو الضمان بالأقل وأمّا الضمان بالمقدار الزائد من القيمة فليست له حالة سابقة متيقنة حتّى يستصحب بل يجري فيه البراءه كما ذكرنا آنفاً .واستدلّ أيضاً بقاعدة لا ضرر بدعوى أنّه لو كان المال في هذه المدّة التي منها زمان ارتفاع قيمته عند مالكه لتمكن من بيعه بأعلى القيم فلو أدّى غير أعلى القيم يتضرّر المالك وهو مرفوع .وفيه : أنّ الضرر بمعنى النقص في النفس أو العرض أو المال ، وأمّا النقص في المالية الناشئ من اختلاف القيمة السوقية فلا يعدّ ضرراً عرفاً ليكون مورداً لقاعدة لا ضرر ومضموناً على الغاصب ، ولذا لا يحكم بضمان زيادة القيمة السوقية في صورة بقاء العين إذا ردّها إلى مالكها بعد نقصان قيمتها السوقية .واستدلّ أيضاً لهذا القول بأنّ العين مضمونة في جميع الأزمنة التي منها زمان ارتفاع القيمة فيجب على الضامن الخروج عن عهدتها بدفع أعلى القيم .

وفيه : إن كان المراد بضمان أعلى القيم أنّه لو تلفت العين في هذا الزمان لابدّ من الانتقال إلى قيمة هذا اليوم فمسلّم على تقدير كون العبرة بقيمة يوم التلف ، إلّا أنّ المفروض عدم التلف ، ولو كان المراد وجوب أعلى القيم وإن لم تتلف في ذلك الزمان وردّت إلى مالكها بعدما تنزلت قيمتها ، فهو خلاف الإجماع والضرورة حيث أنّه لو كانت العين باقية وأراد ردّها لم يجب على الضامن ردّ العين مع القيمة المرتفعة إذا فرضنا تنزلها بعد ذلك ، وإن كان المراد ضمان أعلى القيم على تقدير التلف بعد ذلك ، ففيه : أنّ التلف بعد ذلك يوجب أداء القيمة مع طلب المالك أما كونها أعلى القيم فهو أوّل الكلام .واستدلّ أيضاً بما أفاده الشيخ وحاصله : أنّ الضمان كما يتحقّق بالاتلاف كذلك يتحقّق بالحيلولة بين المال ومالكه حتّى يتلف المال ، والمفروض في المقام أنّ الغاصب حال بين المالك وبين العين زمان ارتفاع قيمتها فيكون ضامناً للقيمة العليا كما لو كان أتلفها في هذا الزمان . والحيلولة وإن كانت ثابتة في سائر أوقات الغصب أيضاً إلّا أنّ القيم النازلة تندرج في القيمة العليا ويحصل أداؤها بأدائها . نعم لو ردّ العين حصل تدارك تلك المالية بنفس العين ، وارتفاع القيمة السوقية أمر اعتباري لا يضمن بنفسه ، لعدم كونه مالاً ، وإنّما هو مقوّم لمالية المال .ويردّه أوّلاً : أنّه لا دليل على انتقال العين إلى القيمة بالحيلولة .وثانياً : أنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما يكون مع مطالبة المالك بالقيمة لا مطلقاً .وثالثاً : أنّ بدل الحيلولة على تقدير تسليمه يختص بما إذا تعذر ردّ العين ، ولم يفرض في المقام تعدّر ردّ العين حين ارتفاع القيمة .فتحصّل : أنّه لم يتم شيء من هذه الوجوه ، ولو فرض تمامية بعضها يكون معارضاً بالصحيحة الدالّة على الضمان بقيمة يوم يوم الغصب على ما استظهرناه ، اللهم إلّا

أن يفرض إجمالها من تلك الجهة .ثمّ إنّ في المقام مسائل : الأولى : حكي عن المفيد (1والقاضي (2)والحلبي (3)(قدّس سرّهم) أنّ الاعتبار بيوم البيع فيا كان فساده من جهة تفويض الثمن إلى حكم المشتري ، لأنّ الثمن غير معلوم فيكون البيع غررياً .)وفيه : - بعد عدم الخصوصية لفساد البيع من جهة تفويض الثمن إلى حكم المشتري - أنّه لا وجه لما ذكروه من الاعتبار بقيمة يوم البيع ، ولعلهم أرادوا من يوم البيع يوم القبض كما ذكره الشيخ (رحمه اللّه لغلبة اتحادهما كما عبّر في الصحيحة عن يوم المخالفة بيوم الاكتراء ، فكأنّهم تبعوا الرواية في هذا التعبير .)الثانية : أنّه لا اعتبار بزيادة القيمة بعد التلف على جميع الأقوال إلّا أنّه تردّد فيه في الشرائع (4ولعله كما قيل من جهة احتمال كون القيمي مضموناً بمثله ، ولكن التحقيق كما ذكرنا سابقاً أنّه لا فرق في اشتغال الذمة بالعين بين المثلي والقيمي ، إلّا أنّ القيمي إذا تلف ينتقل الضمان إلى القيمة ، قيمة يوم التلف على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) وقيمة يوم الغصب بمقتضى الرواية ، وأمّا زيادة القيمة بعد ذلك فلا تكون مضمونة ، إذ هي زيادة سوقية اعتبارية كما قلنا سابقاً . نعم لو قلنا بأعلى القيم كان للضمان وجه بناءً على ما ذكر سابقاً من بقاء العين بخصوصياتها النوعية في الذمة إلى يوم الأداء إلّا أنّه مخالف للصحيحة .)الثالثة : لو كان اختلاف القيمة بحسب اختلاف الأمكنة ذكر الشيخ (قدّس


1) المقنعة : 593 .

2) حكى عنهما العلّامة فى المختلف 5 : 265 المسألة 233 .

3) حكى عنهما العلّامة فى المختلف 5 : 265 المسألة 233 .

4) شرائع الإسلام 3 : 240 .

سرّه (1)أنّ المناط بقيمة مكان التلف ، لأنّ العين إذا سقطت عن الذمّة فلابدّ من إبقاء شيء مقامه كأنّه لم يتلف وهو قيمة هذا المكان سواء كان القيمة في مكان الغصب أقل من هذا أو أكثر، ولكنّه مخالف للرواية ، لأنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) « قيمة بغل يوم خالفته » من دون تعيين المكان أنّه لابدّ من قيمة يوم الغصب ومكان الغصب .)مضافاً إلى أنّ قوله (عليه السلام في ذيلها « أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا وكذا » يدلّ على ضمان قيمة مكان الاكتراء حيث أنّ المتعارف هو الاتيان بالشهود من بلد الاكتراء وشهادتهم بقيمة بلدهم والمفروض أنّ بلد الاكتراء متحد مع مكان القبض في المقام والغصب في باب)الغصب .الرابعة : إذا كان ارتفاع القيمة من جهة الزيادة المتّصلة في العين كما إذا كان المبيع يوم البيع مهزولاً ثمّ صار سميناً فهل يضمن القيمة المرتفعة أو القيمة الأولى ؟لا إشكال في ضمان ارتفاع القيمة ، وذلك لأنّ هذه الزيادة لم تكن زيادة سوقية كي لا تكون مضمونة بل هي من الكمّ المتصل والزيادة العينية ، فمقتضى ضمان العين ضمان هذه الزيادة أيضاً لأنّها مضمونة في كلّ يوم ، ومن الأيام يوم ارتفاع القيمة بحدوث الزيادة ، وإنّما الكلام في تعيين قيمة تلك الزيادة هل هو بيوم ضمانها أو يوم فواتها أو أعلى القيم أو غير ذلك ؟ والظاهر كون العبرة بقيمتها يوم قبض العين فتقوم العين واجدة لتلك الصفة يوم الاستيلاء عليها ، وذلك لأن الصفات لا تقابل بالمال عرفاً ، فلا معنى لتقويم الصفة مستقلاً وقت حدوثها ، فإنّها تابعة للعين موجبة لزيادة ماليتها فتتبعها في التقويم أيضاً ، فتقوم العين كما ذكرنا واجدة لتلك


1) المكاسب 3 : 256 .

الصفة يوم قبض العين وإن كان حدوث الضمان بالاضافة إلى الزيادة متأخراً .### بدل الحيلولةالخامسة : أنّهم ذكروا أنّ تعذر الوصول إلى العين يكون في حكم التلف وإن لم تتلف في الواقع حقيقة كما لو سرق المال أو غرق أو ضاع أو أبق ، والتزموا بلزوم دفع البدل من المثل أو القيمة عوضاً عن حيلولة الضامن بين المالك وماله إلى أنّ ينتقل إليه ، هذا .ولكن الكلام في مدرك ذلك واستدلّ لذلك بأمور الأول : قاعدة لا ضرر لأن عدم ضمان الضامن بالبدل في زمان التعذر من الوصول يكون ضرراً على المالك وهو مرفوع .ولكن الاستدلال بلا ضرر في المقام متوقف على إثبات أمرين :الأول : أنّ يكون الحديث رافعاً للحكم الضرري لا الموضوع الضرري كالوضوء والغسل الناشي منهما الضرر حتّى يقال بانتفاء الموضوع الضرري في المقام وقد قلنا في محلّه (1أنّ حديث لا ضرر إنّما يرفع الحكم الضرري لا الموضوع ، فهذا الأمر صحيح .)الثاني : أنّ الحديث يرفع الأحكام العدمية أيضاً ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ حديث لا ضرر إنّما يتكفّل رفع الأحكام التي جعلت في الشريعة كحديث الرفع وأمّا الأحكام التي لا تكون مجعولة ويلزم الضرر من عدم جعلها فلا . وبعبارة أخرى يكون لسان الحديث نفياً لا إثباتاً ، وفي المقام إنّما يلزم الضرر من عدم جعل الضمان على الضامن فلا يمكننا إثبات الضمان بحديث لا ضرر ، لأنّه كما ذكرنا لا يدلّ


1) مصباح الأصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي (47) : 615 .

على الجعل .وعلى تقدير تسليم أنّ الحديث يعمّ عدم الأحكام التي ينشأ الضرر منها ، إلّا أنّ نسبة حديث لا ضرر مع القول بضمان بدل الحيلولة عموم من وجه ، إذ ربما يكون المورد ضررياً ولا ضمان فيه كما إذا حيل بين المالك والمال بساعة أو ليلة وكان ضررياً ، مع أنهم لا يلتزمون بالضمان ، لأنهم اشترطوا مدّة طويلة ، وربما يك--ون الضمان موجوداً كما إذا حال الضامن بينها بسنة أو أزيد أو أقل مع أنّ المالك يكون من الأغنياء ولا يتضرّر من قطع سلطنته خصوصاً إذا لم يكن مورد احتياجه ، فلا وجه للتمسّك بقاعدة لا ضرر في المقام .ولو تنزّلنا عن ذلك أيضاً يكون القاعدة معارضة بالمثل ، إذ كما يكون في عدم جعل الضمان ضرر على المالك يكون في جعله ضرر على الضامن أيضاً . ومما يؤيّد أنّ التمسّك بالقاعدة غير ممكن في المقام : أنّه لو حبس الضامن نفس المالك ومنعه عن التصرف في أمواله لم يلتزم أحد بضمان البدل بالقاعدة بدعوى أنّ المالك منع عن السلطنة ولا يتوهّمه فقيه بل متفقه ، فلا يمكن التمسّك بحديث لا ضرر .الثاني ممّا استدلّ به على ضمان البدل : حدیث السلطنة بدعوى أنّ قوله (صلّى الله عليه وآله « الناس مسلّطون على أموالهم » (1)يقتضي جواز مطالبة المالك بماله أنّ كان موجوداً وإلّا فببدله ، لكن مضافاً إلى ضعف سند الحديث يرد عليه نقضان : الأوّل أنّه لو حبس المالك ساعة ومنع عن التصرف في ماله لا يجب على الحابس إعطاء البدل ، فلو كان مقتضى حديث السلطنة هو الضمان فلابدّ من الالتزام به في المقام ولم يلتزموا به مع أنّ سلطنة المالك قد قطعت بحبس الغير إيّاه . والثاني أنّه لو حيل بين المالك وماله في مدّة قليلة لابدّ من الضمان مع أنهم لا يلتزمون به إلّا في)


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272

صورة الحيلولة بينهما في مدّة طويلة .وأمّا حلّه : فبأنّ مقتضى قاعدة السلطنة التسلّط على ماله ، وأمّا التسلّط على البدل من المثل أو القيمة فلا دلالة فيها عليه .الثالث : قاعدة الاتلاف حيث أنّ الغاصب أو من بحكمه قد أتلف على المالك سلطنته على ماله فلابدّ من ضمان البدل .وفيه : مضافاً إلى النقضين المذكورين ، أنّ المراد من السلطنة إن كان هو السلطنة الشرعية على ماله بمعنى جواز التصرّفات الخارجية والاعتبارية فيه حيث إنّ المالك بعد الحيلولة لا يجوز له بيع ماله ولا إيجاره لتعذر تسليمه ، فهذه السلطنة حكم شرعي وليس بمال حتّى يجري في إتلافها قاعدة من أتلف مال الغير ، وإن كان المراد من السلطنة نفس التصرّفات الخارجية أي الانتفاع بالمال واستيفاء منافعه مع بقاء عينه فتفويتها فيا يمكن بقاؤه مع استيفاء المنافع مثل الدار وأمثالها - بخلاف الذهب والفضة والخبز فإنّ استيفاء المنافع منها متوقف على زوال العين - وإن كان موجباً لضمان المنافع إلّا أنّه لا يرتبط ببدل الحيلولة هذا ، مع أنّ قاعدة الاتلاف ليست بنفسها مدلولة لآية أو رواية حتّى يتمسّك باطلاقها ، بل هي متصيّدة من أدلّة الضمان الواردة في موارد خاصة فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن منها وه-و إتلاف نفس العين ، فلا وجه للاستدلال بها في المقام .الرابع : قاعدة على اليد بدعوى أنّ مقتضاها أنّ يرد العين المأخوذة إن كانت موجودة وأمكن ردّها وإلّا فبدلها من المثل أو القيمة ، وهذا معنى بدل الحيلولة .وفيه أوّلاً : أنّ الاستدلال بقاعدة على اليد في المقام لا يتم على ما سلكه المشهور وقرّره الشيخ (قدّس سرّه (1)من أنّ البدل إنّما يكون بعنوان الغرامة لا أداء)


1) المكاسب 3 : 259 ، 267 .

العين ، ولذا لو وجدت العين بعد ذلك يجب على الضامن ردّها ولا يجب على المالك ردّ البدل . وأورد المحقّق والشهيد الثانيان (1على مسلك المشهور بأنّه جمع بين العوض والمعوّض ، وأجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) بأنّه غرامة لا ع--وض وإلّا لا يجب ردّ العين لو وجدت ، فلو كان البدل غرامة لا أداءً لا يمكن التمسّك بقاعدة على اليد ، لأنّ مفادها وجوب الأداء وأن يكون الخروج عن الضمان بهذا العنوان .)وثانياً : لو كان الدليل قاعدة على اليد فلا وجه للتفرقة بين كون الوصول إلى العين مرجوّ الحصول أو مع اليأس أو متعذراً في مدّة قليلة أو طويلة ، لأن قاعدة على اليد لم تخصص بشيء منها ، فهذه تدلّ على أنّ القاعدة ليست دليلاً على الضمان في المقام وهو كذلك . وثالثاً : أنّ مقتضى القاعدة ردّ ما أخذه وهو العين أنّ كانت موجودة ، وردّ بدلها أنّ كانت تالفة ، وأمّا دفع بدل الحيلولة مع بقائها فلا يستفاد منها .نعم لو كان التعذر دائميّاً كوقوع سكة الدينار في البحر المحيط فهذا يعدّ في حكم التلف ، فلابدّ فيه من البدل دون الموجود المتعذر الوصول إليه مدّة ، وبالجملة لو كان لنا إجماع على ضمان بدل الحيلولة فهو وإلّا فلا وجه للقول بالضمان بدلاً عن حيلولة الضامن بين المالك وملكه فتلخّص ممّا ذكرنا : أنّ الأدلّة المذكورة ليست دالّة على ضمان بدل الحيلولة إلّا أنّ يكون إجماع في المقام ، وعلى تقدير ثبوته وكونه تعبدياً - إذ من المحتمل قريباً أنّ يكون مستنده متنده هي الوجوه المتقدّمة - لابدّ من الاقتصار على مورده ، نعم المنافع التي فوتت على المالك يجب على الضامن ردّ بدلها ولكنّها أجنبية عن بدل الحيلولة ، وأمّا نفس العين فضمانها بالبدل يدور مدار تلفها حقيقة أو حكماً بتعذرها مع اليأس عن


1) جامع المقاصد 6 : 261 ، المسالك 12 : 201 .

الوصول إليها .ثمّ على تقدير ثبوت بدل الحيلولة لابدّ من الكلام في فروع :الأوّل : هل يختصّ بصورة يأس الضامن عن الوصول إلى العين وإيصالها إلى المالك أو يلزم مطلقاً حتّى مع العلم بالحصول ؟ هذا يختلف بحسب المباني فإن كان الدليل هو الإجماع فيؤخذ بالقدر المتيقّن وهو لزوم البدل في صورة اليأس ع--ن الحصول ، وأمّا لو كان قاعدة الاتلاف أو حديث لا ضرر أو على اليد فلا فرق بين الصورتين ، لأنّ تعدّر وصول المالك إلى ماله ضرر عليه في كلتا الصورتين ويصدق فيها اليد واتلاف السلطنة ، فيجب على الضامن أنّ يغرم للمالك بدل سلطنته حتّى في صورة العلم بالحصول .الفرع الثاني : قد ذكرنا سابقاً أنّ المثلي والقيمي إذا تلفا تصل النوبة إلى المثل في الأوّل بعد تعدّر ردّ الخصوصيات الشخصية وفي الثاني إلى القيمة ، فللضامن من إلزام المالك بقبولهما كما أنّ للمالك مطالبتهما ، وأمّا في مثل المقام أي صورة التعذر فبناءً على لزوم بدل الحيلولة هل يكون الحقّ ثابتاً لكل منهما أيضاً حتّى يكون للضامن إلزام المالك بقبول البدل كما في صورة التلف الحقّيقي حيث أنّ بقاء الضامن مشغول الذمة ضرر عليه أو يختص بالمالك فقط ؟ الظاهر أنّه حقّ المالك فقط وليس للضامن إجباره على أخذ البدل ، فإنّ عمدّة الدليل في المقام ثلاثة : إمّا قاعدة لا ضرر أو قاعدة الاتلاف وتفويت السلطنة أو قاعدة على اليد ، ومقتضى قاعدة لا ضرر إثبات حقّ المطالبة للمالك لئلا يتضرّر ، وأمّا كونه مجبوراً في أخذ البدل فلا ومقتضى قاعدة الاتلاف وتفويت السلطنة أنّ يكون للمالك مطالبة بدل سلطنته أنّ أراد ذلك ، وأمّا أنّه لو لم يرد فليس له حقّ في الامتناع فلا تدلّ عليه ، وأمّا قاعدة على اليد فهي تدلّ على وجوب ردّ ما أخذ لا غير ، فللمالك أنّ يصبر حتّى يمكن الوصول إلى ماله وليس للضامن أنّ يجبره على أخذ البدل .

والحاصل أنّه في صورة تلف العين تسقط الخصوصيات الشخصية عن عهدة الضامن ، فلا يبق في ذمته إلّا المثل أو القيمة ، فيكون للضامن الزام المالك بقبول ذلك ، لأنّه عين ما يملكه في عهدته بالفعل، وأمّا في صورة التعذّر فالخصوصيات غير ساقطة عن عهدة الضامن ، نعم للمالك إسقاطها والرضا بالمثل أو القيمة ، وأمّا أنّ للضامن إجبار المالك على الاسقاط فلا .الفرع الثالث : أنّ ما يأخذه المالك من البدل هل يدخل في ملكه أم يصير مباحاً له فقط ؟ الظاهر اختلاف ذلك باختلاف المباني فإنّ مقتضى قاعدة لا ضرر وقاعدة الاتلاف وتفويت السلطنة أنّ يتدارك ضرره وسلطنته ، والمفروض عدم تضرّر المالك بزوال ملكيته ولم تتلف ملكيته لأنّ ملكيته على عين ماله باقية ما لم تتلف العين ، وإنّما تضرّر من جهة عدم تمكنه من التصرّف في ماله وأتلف عليه تمكنه من التصرف والانتفاع بماله ، وهذا يتدارك بمجرد إباحة التصرّف له في البدل والانتفاع به فلا موجب لصيرورة البدل ملكاً له ، نعم لو تصرف تصرفاً موقوفاً على الملك لابدّ أنّ نلتزم بدخوله في ملكه آناً ما قبل التصرّف كما ذكرنا في المعاطاة ومقتضى قاعدة على اليد أنّه يجب على الضامن ردّ ما أخذه ، ولا ريب أنّ البدل ليس عوضاً عن السلطنة الفائتة كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه لأن السلطنة والقدرة على التصرف حكم شرعي ليست قابلة لأن يبدل عنها ، بل البدل إنّما يقع عوضاً عن نفس العين ، فإذا أعطاه البدل بمقتضى الضمان الثابت بحديث على اليد فقد أدى عين ما ضمنه ، ومقتضى ذلك أنّ يكون البدل ملكاً للمالك مثل التلف الحقّيقي فإنّ المالك في صورة التلف الحقّيقي بعد ما تعدّر له أخذ الخصوصيات الشخصية يرجع إلى الكلّي وهو المثل أو القيمة ، وهكذا في التلف العرفي كما إذا وقع خاتمه في البحر فإنّه وإن كان موجوداً في الواقع إلّا أنّه ملحق بالتلف عرفاً فلابدّ من إعطاء بدله للمالك وهو يكون عوضاً عن التالف لا غرامة ، ويدلّ على ذلك السيرة القطعية من)

العقلاء حيث إنّ المال المحكوم بالتلف عند العرف كمقدار من دهن الغير إذا خلطه بطعامه إذا أدّى بدله يكون عوضاً عنه وأداءً لما ضمنه وأخذه ، ومن هنا يتّضح الكلام في :الفرع الرابع : وهو أنّه هل تدخل العين في ملك الضامن بعد إعطاء بدلها أم لا ؟ فإنّ البدل إذا كان غرامة فدخولها في ملك المالك لا يقتضي دخول العين في ملك الضامن ، وأمّا إذا كان عوضاً عن نفس العين وأعطاه الضامن بعنوان أداء ما أخذه واستولى عليه بمقتضى حديث على اليد بعد إغماض المالك عن خصوصيات ماله فلا محالة تتحقّق هناك معاوضة ،قهرية ، فكما أنّ البدل يدخل في ملك المالك كذلك يعتبر التالف المبدل عنه ملكاً للضامن بقاءً إذا ترتّب أثر على ذلك كما في الأمثلة الآتية .ويؤكّد ذلك السيرة العقلائية في جميع موارد أداء الغرامة ، فإنّ العقلاء يعتبرون التالف من مال الغارم لا مالكه الأصلي ، ويؤيده أيضاً ما يستظهر م-ن النصّ الوارد في البهيمة الموطوءة التي يراد ظهرها من دخولها في ملك الواطئ بعد أداء ثمنها ، وبهذا ينقدح حلّ العويصة المعروفة في مسألة تعاقب الأيدي الغاصبة حيث ذكروا فيها أنّ المالك يجوز له الرجوع إلى كلّ من الغاصبين ببدل ماله ، ولكن إذا رجع إلى الغاصب السابق يرجع هو إلى اللاحق حتّى ينتهي استقرار الضمان إلى الغاصب الأخير الذي تلفت العين في يده ، وأمّا إذا رجع إلى اللاحق فهو لا يرجع إلى سابقه .وقد أشكل سرّ الفرق بين الصورتين على كثير من الأعلام حيث أنّ العين التالفة ليس لها إلّا بدل واحد ، ونسبة الضمان إلى جميع الأيادي على حد سواء ولكن بعدما ذكرنا من رجوع التالف إلى ملك الضامن بعد إعطاء البدل كما عليه السيرة العقلائية يتّضح حلّ هذا الإشكال ، حيث أنّ الغاصب الذي رجع إليه المالك وأخذ الغرامة منه يعتبر مالكاً للعين التالفة ، فله الرجوع إلى الغاصب اللاحق

بمقتضى حديث على اليد ، لأنّ اللاحق أخذ العين منه واستولى عليها بخلاف السابق على من رجع إليه المالك حيث أنّ يده على العين قد انتهت بعد انتقال العين إلى من بعده ، فلا وجه لرجوع من أدى الغرامة إلى سابقه .ثمّ إنّه يتفرّع على ما ذكرنا جواز المسح فيها إذا توضأ بماء ثمّ قبل المسح علم بغصبيته ، فإنّه إذا أعطى البدل لمالكه فقد أدّى ما ضمنه ، فيكون النداوة في الكفّ ملكاً للغارم فيجوز له المسح بها ، لأنّ المفروض أنّ المالك قد أخذ ما أخذ منه فلا حقّ له بعد ذلك ، هذا من أمثلة التلف العرفي فإنّ البلل الباقي وإن كان موجوداً إلّا أنّه في حكم التالف عند العرف ، وهكذا مسألة الخيوط المغصوبة في الثوب فإنّ نزعها يوجب تلفها فإذا أدّى العوض تكون الخيوط ملكاً للضامن لا محالة فيجوز له الصلاة وسائر التصرّفات في الثوب . الفرع الخامس : أنّه لو أدّى البدل فوجد العين وصار متمكن الوصول إليها فهل تكون للمالك مطالبتها مع ردّ العوض أم لا ؟ الظاهر أنّ هذا النزاع يرجع إلى أنّ ملكية المالك للبدل مستقرّة أو متزلزلة ، ولا ريب أنّ جميع أدلة اللزوم في المعاوضة تجري هنا فتكون النتيجة هو اللزوم فليس للمالك الاسترداد .الفرع السادس : أنّ الشيخ (قدّس سرّه (1)ذكر أنّ ارتفاع قيمة العين بعد أداء البدل والمنافع والنماء المتصل والمنفصل الحادثة بعد دفع الغرامة غير مضمونة على الغارم .)وفيه : إن كان دليل الضمان هو قاعدة لا ضرر أو تفويت السلطنة فالأمر ليس كما ذكره ، لأن الغارم لم يخرج بأداء الغرامة عن عهدة ضمان العين ، لأنّ ما أدّاه كان بدلاً عن السلطنة على العين لا بدلاً عن نفسها ، فالعين باقية في ملك مالكها على


1) المكاسب 3 : 266 .

عهدة الغارم فلا وجه لعدم كون نمائها مضموناً عليه ، نعم لو قلنا بأن المدرك هو قاعدة اليد فمقتضاها دخول العين في ملك الضامن بعد دفع البدل ، فيتجه الحكم بعدم ضمان زيادة القيمة والنماء ، ولكن الشيخ لا يقول بذلك .وبعبارة أخرى : أنّ كان البدل عوضاً عن السلطنة الفائتة فلازمه بقاء العين في ملك مالكه الأصلي ولا وجه لعدم الضمان للمنافع ، وإن كان عوضاً عن نفس العين فبأدائه بمقتضى على اليد خرج من عهدة الضمان فلازمه بقاء العين ملكاً للضامن فلا ضمان .## أسباب الضمان### اشارةفبعد ذلك يقع الكلام في أقسام سبب الضمان التي ذكرها الشيخ (قدّس سرّه.(1))### 1- التلف الحقیقیالأوّل : التلف الحقّيق فحكم بأنّه يجب على الضامن بذل عوض تمام المال ويزول ملكية المالك عن العين لكونها تالفة من أصلها فلم يبق مورد للملكية .### 2-التلف الحکمیالثاني : التلف الحكمي وهو ذهاب سلطنة المالك ماله عن بحيث لا يكون عودها مرجوّاً كغرق المال في البحر ، فحكم فيه بأنّه مورد لبدل الحيلولة ، ويكون البدل عوضاً عن السلطنة الفائتة لا عن نفس العين ، فهي باقية على ملك مالكها الأصلي.### 3-التلف الجزاء والاوصافالثالث : تلف الأجزاء والأوصاف الدخيلة في المالية دون الملكية فبتلفها تزول المالية دون الملكية ، وتكون الغرامة بدلاً عن مالية العين مع بقائها في ملك مالكها .


1) المكاسب 3 : 261 ، 264 .

### 4-زوال الملکیةالرابع : ما إذا زالت الملكية أيضاً كما لو صار الخل خمراً فإنّ الشارع قد ألغى ماليتها وملكيتها إلّا أنّه يبقى مجرد حقّ الأولوية للمالك مع ثبوت بدل الخلّ على الضامن .ونقول : أما القسم الأوّل فالأمر كما ذكر غاية الأمر بعد دفع البدل تعتبر العين التالفة ملكاً للضامن إذا ترتّب عليه أثر كما في مسألة تعاقب الأيدي .وأمّا الثاني فقد ذكرنا أنّه كالتلف الحقّيقي فلابدّ من بذل عوض تمام المال بدلاً عن العين المحكومة بالتلف عرفاً مع اعتبار العين ملكاً للضامن ، ولا يكون المورد مورد بدل الحيلولة ، بل مورد بدل الحيلولة على فرض ثبوته ما إذا تعذر الوصول إلى المال لكنّه يوجد بعد مدّة ، فلابدّ من إعطاء البدل عوضاً عن الحيلولة .وأمّا القسم الثالث فقد أشكل السيّد (قدّس سرّه (1)في حاشيته فيه بأنّ الشيء بعد زوال وصفه لو كان ممّا ينتفع به فهو مال وإلّا فلا تبق الملكية أيضاً. ولكن الظاهر أنّ مراد الشيخ فيما يمكن الانتفاع به ، وذلك لأن زوال الوصف تارةً يوجب قلة الانتفاع بالعين كالقصعة المكسورة بالنسبة إلى القصعة الصحيحة ، حيث أنّ نفعها أقلّ فيكون الكسر موجباً لنقصان المالية لا زوال المالية رأساً ، فلابدّ من تأدية الأرش ، إلّا أنّ يدل دليل خاص على خلاف ذلك كما في البهيمة الموطوءة ، وأخرى يوجب سقوط العين عن قابلية الانتفاع بها مستقلاً مع إمكان الانتفاع بها منضمّاً كأقلام من القصب إذا شقت إلى شقوق ، أو صفحة قد كتبت فيها القصيدة فألقيت في الماء فانتشر حبرها ولا تقرأ بعده ، فإنّ القرطاس وإن لم ينتفع به مستقلاً إلّا أنّه لو انضم إليه مثله من القراطيس حتّى تبلغ حقة أو وزنة يمكن الانتفاع به ، لأنّه يصرف في مصارف منها الاحراق ، وهكذا القلم المشقوق لو انضم إليه أخشاب أخ--ر)


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 108 .

يستعمل لاشتعال النار ، ومن هذا القبيل الحبّة الواحدة من الحنطة أو الأرز فإنّه لا يمكن الانتفاع بها مستقلة ولكن إذا انضمّت إلى غيرها يمكن الانتفاع بها ، فزوال الوصف في كلّ هذه الأمثلة - ممّا لا ينتفع به مستقلاً ولكن يمكن الانتفاع به منضمّاً إلى الغير - يوجب سقوط العين عن المالية دون الملكية ، ولعلّ هذا هو مراد الشيخ ( رحمه اللّه في القسم الثالث ، فلا منافاة بين بقاء الملكية وقابلية الانتفاع بالعين وبين سقوطها عن المالية . وثالثة يوجب سقوط العين عن قابلية الانتفاع مطلقاً بحيث لا يمكن الانتفاع بها لا مستقلاً ولا منضماً فيدخل في :)القسم الرابع : وهو ما إذا زالت الملكية أيضاً كما لو صار الخلّ خمراً فإنّه تزول ماليته وملكيته بحكم الشارع ، ولذا لو أتلفه شخص لم يكن ضامناً ، وهذا لا إشكال فيه إنّما الكلام يقع في بقاء حقّ الأولوية والاختصاص للمالك كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه وأنّ هذا الحقّ ثابت له أم لا ، فلابدّ من البحث في جهات :)الأولى : في دليل إثبات أصل الحقّ ، فربما يقال بأنّ المالك كان له في المال إضافتان : الملكية والحقّ ، فإنّ المالك أحق بماله من غيره ، فإذا زالت الملكية بصيرورته خمراً بحكم الشارع يبقى الحقّ بحاله ، لكنّه دعوى بلا دليل . وهكذا دعوى أنّ الحقّ عبارة عن المرتبة الضعيفة من الملكية فتبقى بعد زوال المرتبة القوية منها ، لأنّ الملكية واحدة وقد زالت .وقد يستدلّ بالاستصحاب حيث أنّ التصرف في ملك الغير حرام في الشريعة المقدّسة ، فبعد زوال الملكية لو شككنا في بقاء حرمة التصرف في العين يجري الاستصحاب . وفيه : أنّ موضوع حرمة التصرف هو ملك الغير أو مال الغير ، فمع سقوط العين عن المالية والملكية لا يبقى الحكم المذكور ، فلا مجال للاستصحاب هذا .ولكن عمدّة الدليل لاثبات الحقّ للمالك هو السيرة العقلائية الممضاة عند

الشارع المقدّس فإنّه إذا ماتت شاة أحد يرى العقلاء المالك أولى بها من الغير ، لا أنّه والغير شرع سواء في التصرف والانتفاع بها ، ويشهد لذلك أنّ الخمر لو صار خلاً أو الشاة عادت إلى الحياة بإذن الله تعالى فلا يشكّ أحد في كون هذا ملكاً للمالك لا أنّه من المباحات الأصلية ، فهذا شاهد على أنّ الحقّ فيما خرج عن الملكية ثابت للمالك دون غيره .ثمّ أنّه ذكر بعض مشايخنا المحقّقين (1في ردّ هذا الشاهد كلاماً وهو أنّ دخول الخلّ في ملك المالك كان معلولاً عن سبب ومقتض كالبيع وأمثاله ، فإذا حصل المقتضي يؤثر ، غاية الأمر عرض عليه المانع بقاءً وهو انقلابه إلى الخمر ، فإذا زال المانع أثر المقتضي أثره فيكون ملكاً للمالك .)ولكنّه يردّه أمران : الأوّل أنّ المقتضي والمانع مجرّد اصطلاح ولا طريق لهما في الأحكام الشرعية ، بل الأحكام الشرعية تابعة لموضوعاتها وتدور مدارها وجوداً وعدماً ، وقد دلّ الدليل على أنّ الخل يملك بالشراء أو الارث ونحوهما ، فإذا فرضنا زوال الملكية بصيرورة الخلّ خمراً فإثباتها بعد صيرورة الخمر خلاً - لأنّ هذا الخل مباين للخل السابق - يحتاج إلى دليل .الثاني : أنّ السبب إنّما كان يقتضي الملكية الواحدة المستمرة لا الملكية في كلّ آن ، فإذا زالت الملكية بالمانع فلا يقتضي السبب ملكية أخرى بعد زوال المانع .الجهة الثانية : أنّ حقّ الأولوية بالعين التي سقطت عن المالية والملكية يكون للمالك قبل أخذ البدل من الضامن ، وأمّا بعد أخذ البدل فينتقل الحقّ إلى الضامن بناءً على ما سبق من كون البدل عوضاً عن نفس العين بعد إغماض المالك


1) حاشية المكاسب (الأصفهاني) 1 : 445 .

عن الخصوصيات ، خلافاً لظاهر الشيخ (قدّس سرّه (1).)الجهة الثالثة : أنّ الخل بعد صيرورته خمراً لو صار خلاً فهل يجب على الضامن زائداً على ردّ الخلّ غرامة نقصانه وتعيّبه قبل ذلك أم لا ؟ الظاهر كما ذكرنا سابقاً أنّ مقتضى على اليد ردّ العين بتمامها وقد أدّاها ، فلا وجه لضمان نقصان القيمة أو خروجه عن الملكية في زمان .بقي الفرع السابع من فروع بدل الحيلولة : وهو أنّ البدل لو أعطاه الضامن ثمّ زال التعذر ووجد العين فهل يكون المالك بمجرد طرق التمكن من العين ممنوع التصرف في البدل أم يبقى في ملكه وله التصرف إلى أنّ يسلّط على ماله ؟ ذهب الشيخ (قدّس سرّه (2)في المقام إلى أنّ البدل ملك للمالك وله التصرف فيه حتّى يرد الضامن ماله .)والإنصاف أنّه لا يمكن الجمع بين كلمات الشيخ (قدّس سرّه حيث أنّه بناء على مسلكه من أنّ البدل إنّما يكون عوضاً عن السلطنة الفائتة جمعاً بين الحقّين لا أنّه عوض عن نفس العين ، إذا زال التعدّر خرج البدل عن ملك المالك ولا يجوز له التصرّف ، لأنّه كان بدلاً عن السلطنة الفائتة وقد حصلت ، مع أنّه يفتي بعدم خروج البدل عن ملك المالك بمجرد طرق التمكّن ، وأمّا على ما سلكناه من أنّ البدل بدل عن العين فقد برئت ذمة الضامن بأداء البدل وانقطع ملكه عن البدل كما انقطع ملك المالك عن العين ، فليس له حقّ مطالبة العين ، هذا .)وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا إلى هنا : أنّ بدل الحيلولة لا دليل عليه إلّا أنّ يقوم إجماع تعبّدي عليه فيعمل به في مورده ، هذا تمام الكلام في المقبوض بالعق الفاسد .


1) المكاسب 3 : 259 .

2) المكاسب 3 : 268 .

## شرائط المتعاقدین### 1-اشتراط البلوغالمشهور بين الأصحاب بطلان عقد الصبي بل ادّعي الإجماع عليه كما عن الغنية (1فلابدّ لنا من التكلّم في أفعال الصبي ، لأنّ فعله تارةً يكون من أصول الدين وأُخرى من فروعه . والثاني تارة لا يحتاج إلى القصد وأخرى يحتاج إلي-ه والثالث تارة يكون في العبادات وأخرى في المعاملات .)أمّا الأوّل فكا لإسلام فربما يقال بأنّ إسلامه ككفره في حكم العدم، ولا أثر لهما ، إلّا أنّه خرج منه إسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام هذا .)ولكنّه لا يمكن المساعدة على ذلك ، لأنّ الإسلام والكفر من الأمور الواقعية يثبتان بتحقّق موضوعهما ، فلو أقرّ الصبي بالإسلام فهو مسلم حقيقة ويترتّب عليه آثار الإسلام ، ولا ريب أنّ الاطلاقات المتوجهة إلى المسلمين شاملة للصبي أيضاً إلّا ما ارتفع عنه بحديث رفع القلم مثل وجوب قتل المرتد الفطري وحبس المرتدة في أوقات الصلاة حتّى تتوب ونحوهما ، وإنّما حكمنا بنجاسة صبيان اليهود والنصارى من أجل ذلك ، وهو شمول الاطلاقات لهم ، إذ لا دليل للتبعية ، فحينئذ يكون إسلام علي (عليه السلام على وفق القاعدة ومشمولاً للأدلة لا من خواصه وعلى خلاف القاعدة .)وأمّا ما يرجع إلى فروع الدين ولا يحتاج إلى القصد فكالطهارة والنجاسة وصيرورته محدثاً بالنوم والبول ومحكوماً بالجنابة بالجماع والدخول ، فلا ريب أنّ سبب الحدث إذا تحقّق فيه يصير محكوماً بالمحدثية ، لاطلاق من جامع يجب عليه


1) الغنية : 210 .

الغسل (1المستفاد من الأدلّة ، غاية الأمر لا يكلّف برفع الحدث في زمان الصباوة حتّى يبلغ فيجب عليه الغسل لما في طهارة الوسائل عن الخصال مسنداً ع--ن اب-ن ظبيان قال « أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها فقال (عليه السلام) أم--ا علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة : عن الصبي حتّى يحتلم وعن المجنون حتّى يفيق وعن النائم حتّى يستيقظ » (2)حيث تدلّ على أنّ الصبي ليس بمكلّف .)وأمّا ما يصدر عن الصبي ممّا يعتبر فيه القصد فما كان من العبادات المستحبة فيكون الصبي مشمولاً لاطلاق أدلّتها مثل قوله « من زار الحسين (عليه السلام عارفاً بحقه كمن زار الله تعالى في عرشه » (3). ولا ترتفع بحديث رفع القلم ، لوروده في مقام الامتنان ، فلا يرتفع به إلّا ما كان في رفعه امتناناً ويكون ثبوته كلفة والاستحباب ليس كذلك.)وأمّا الواجبات فأدلّتها في نفسها مطلقة أيضاً بالاضافة إلى غير البالغين ولذا ذكروا أنّ المرفوع بحديث رفع القلم بالاضافة إلى الصبي هو خصوص الالزام وأمّا أصل المطلوبية فهو باق على حاله .ولكن فيه : أنّ الوضع الواحد للحكم إما يكون إلزامياً بالاضافة إلى جميع أفراد موضوعه وأمّا يكون ترخيصياً كذلك ، وأمّا أنّ يكون إلزامياً بالنسبة إلى بعض أفراد موضوعه وترخيصياً بالنسبة إلى البعض الآخر فغير ممكن ، وعليه فمقتضى حديث رفع القلم خروج الصبي عن أدلّة الواجبات بالكلية فلا يستفاد منها أصل المشروعية أيضاً .


1) راجع الوسائل 2 : 182 / أبواب الجنابة ب 6 .

2) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 11 .

3) كامل الزيارات : 149 ، بحار الأنوار 101 : 77 .

فلابدّ لمشروعية عبادات الصبي من التماس دليل آخر وه-و م-ا في صلاة الوسائل عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام عن أبيه « قال : إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين » (1)حيث أنّ الأمر بالأمر أمر ، ففي الحقّيقة يكون الصبي مأموراً بأم--ر الشارع ، وبعد ضم حديث رفع القلم إلى ذلك ورفع الالزام تثبت المطلوبية وبضميمة عدم القول بالفصل بين الصلاة وغيرها من العبادات تثبت المطلوبية في الجميع .)وأمّا معاملات الصبي فتارةً يقع الكلام في تصرّف الصبي بنحو الاستقلال مال نفسه أو وليه أو الغير وأخرى في تصرفه بنحو الآلة للغير .أمّا تصرّفه في مال نفسه بنحو الاستقلال فلا ريب في عدم نفوذه ولا يترتّب عليه الأثر ، وذلك لقوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حتّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (2)وتقريبه أنّ اللّه سبحأنّه علّق جواز تصرف الصبي في أمواله على أمرين : الأوّل بلوغ النكاح الذي هو كناية عن البلوغ . والثاني : إيناس الرشد ، فلا يجوز له التصرف قبل البلوغ والرشد أي لا ينفذ معاملته .)وأمّا دعوى أبي حنيفة (3من أنّ المناط حصول الرشد فهو خلاف الظاهر وإلّا لزم أنّ يكون تحديده ببلوغ النكاح لغواً ، وأمّا وجه لزوم الابتلاء قبل البلوغ مع عدم وجوب دفع المال إلّا بعده فواضح ، لأنّه لو كان ظرف الابتلاء بعد البلوغ)


1) الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 - 5 .

2) النساء 4 : 6 .

3) بدائع الصنائع 5 : 135 ، الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 363 ، التفسير الكبير 9 : 187 .

لزم منعه عن ماله في برهة من الزمان حتّى يتم الابتلاء وهو لا يجوز .ثمّ إنّ الآية الشريفة وإن كانت مختصة بتصرّف اليتيم في أموال نفسه ولا تعمّ تصرفه في مال غيره ، إلّا أنّ تصرفه في مال الغير بنحو الاستقلال كالوكلاء المفوّض إليهم الأمر غير نافذ أيضاً للأولوية أو لعدم القول بالفصل بين التصرف في ماله ومال الآخر . مضافاً إلى الروايات الواردة في المقام كما ورد في مقدّمة عبادات المستدرك عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام قال « سأله أبي وأن--ا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره ؟ فقال : حين يبلغ أشده ، قلت : وما أشدّه ؟ قال : الاحتلام ، قلت : قد يكون الغلام ابن ثماني عشر سنة لا يحتلم أو أقل أو أكثر ، قال : إذا بلغ ثلاث عشر سنة كتب له الحسن وكتب عليه السيّء وجاز أمره إلّا أنّ يكون سفيهاً أو ضعيفاً » (1)حيث أنّ الرواية دلّت باطلاقها على أنّ كلّ ما يصدق عليه أمره من بيع أو صلح أو إجارة لا ينفذ قبل البلوغ ، سواء كان في مال نفسه أو مال غيره .)وأمّا تصرّف الصبي في مال نفسه أو مال الغير لا بالاستقلال بل بأن يكون بمنزلة الآلة في إنشاء الصيغة فقط أو في المعاطاة الخارجية ، فلا دليل على عدم جواز مثل هذا التصرف.أمّا الرواية فظاهر ، لأنّ المراد بالأمر فيها بقرينة إسناد الجواز ما يكون قابلاً للمضي ، وليس هو إلّا البيع ونحوه ، ولا يشمل إجراء الصيغة ، والبيع في الفرض ليس أمراً للصبي ، بل أمر غيره من الولي والمالك .وأمّا الآية فدلالتها أيضاً غير تامّة ، فإنّها في مقام بيان أنّ جواز دفع أمواله


1) المستدرك 1 : 88 / أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 12 . ورواها في الوسائل 18 : 412 / کتاب الحجر ب 2 ح 5 .

واستقلاله في التصرف إنّما يكون بعد البلوغ والرشد ، وأمّا لغوية عبارته فلا تدلّ عليها .وأمّا قوله (عليه السلام « رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم »(1)فلا ريب أنّ معناه ليس رفع المؤاخذة كما ذهب إليه الشيخ (قدّس سرّه) (2)لأن الرفع لابدّ أنّ يتعلّق بما يكون أمر رفعه ووضعه بيد الشارع ابتداءً وهي الأحكام ، بل معناه رفع الالزام أي كلّ حكم يكون فيه إلزام فهو مرفوع عنه ولا يلزم بشيء ، فليس فيه دلالة على رفع الأحكام عن البالغين لكون الصبي آلة .)فتحصّل إلى هنا عدم دلالة الأدلّة المتقدّمة على عدم العبرة بانشاء الصبي .بقي في المقام الروايات المتضمّنة لكون عمد الصبي خطأ وهي ثلاث طوائف : الأولى : ما ورد فيها ذلك مطلقاً من غير تقييد بشيء ، وهي ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام « قال : عمد الصبي وخطؤه واحد »(3). وهذه مطلقة تشمل الجنايات وغيرها . والثانية : ما ورد فيها ذلك مقيّداً بحمل العاقلة المقتضي لاختصاصها ب-باب الجنايات ، وهي رواية إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) « أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة »(4).)والثالثة : ما اقترن فيها ذلك بالتقييد بحمل العاقلة ورفع القلم ، وهي ما رواه أبو البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام « أنّه كان يقول : في المجنون)


1) الوسائل 1 : 45 / أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11 .

2) المكاسب 3 : 278

3) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح2 .

4) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح3 .

والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تجمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم».(1.)ثمّ إنّ حمل المطلق على المقيّد غير جارٍ فيها بعد كونهما مثبتين ، لأنّه لا منافاة بين كون عمد الصبي بمنزلة الخطأ في باب الجنايات وكونه كذلك في سائر الأبواب أيضاً ، ولكن نقطع بأنّ الاطلاق ليس بمراد من الرواية الأولى لوجهين : وجود المانع وعدم المقتضي .أمّا وجود المانع فهو أنّه لو كانت هذه القضية عامة في جميع الموارد يلزم صحّة صلاة الصبي وصومه لو صلّى إلى غير جهة القبلة عمداً أو أفطر عمداً في أثناء صوم شهر رمضان أو لم يأت بغير الأركان في الصلاة عمداً وقس على ذلك ، وذلك كلّه من جهة أنّ عمده خطأ ، مع أنّه لم يلتزم فقيه بصحّة هذه الأعمال ، وأمّا عدم المقتضي فلأنّ ظاهر قوله ( عليه السلام » عمده وخطوه واحد » أنّه لابدّ أنّ يكون للعمد أثر وللخطأ أثر ، فيقال لو صدر عنه الفعل في حال العمد يترتّب عليه أثر الخطأ وهو منحصر في باب الجنايات ، لأنّ القتل على ثلاثة أقسام : إما عمدي وأثره القصاص ، أو خطأ وأثره ثبوت الدية على العاقلة ، أو شبه العمد وأثره ثبوت الدية على الجاني ، فنقول في الصبي لو قتل عمداً يترتّب عليه حكم الخطأ ، وأمّا ما لا يكون لخطائه أثر كالبيع فإنّ العمدي من البيع يترتّب عليه الأثر وأمّا البيع الخطائي فلا ، لأنّ فساده من جهة عدم العقد الصحيح لا من أجل العقد الخطائي فحينئذ لا تشمله الرواية ، ولو سلمنا وجود مورد في الفقه في غير باب الجنايات يكون فيه للخطأ من الفعل أثر أيضاً كإتيان الزيادة في الصلاة عمداً أو سهواً فإنّه يؤثر في البطلان في الأوّل ولزوم سجدة السهو في الثاني أو في بعض موجبات الكفّارة في)


1) الوسائل 29 : 90 / أبواب القصاص في النفس ب 36 ح2 .

الحجّ لا يكون مشمولاً للحديث أيضاً ، لأنّ التكليف فيها متوجّه إلى فاعل الفعل الخطئي ، وقد عرفت أنّ التكليف مرفوع عن الصبي بحديث رفع القلم ، فبعد ضمّ حديث رفع القلم إلى تلك الروايات أعني روايات عمد الصبي خطأ ينحصر موردها فيما إذا كان الفعل الخطئي موضوعاً لتكليف متوجه إلى غير الفاعل م--نالبالغين ، وهو مختص بباب الجنايات .فتحصّل : أنّ شيئاً من حديث أمر اليتيم وحديث رفع القلم وغيرهما لا يدلّ على سلب عبارته ، كما أنّ عدم نفوذ تصرّفه لا ينافي ترتّب الأثر عليه بعد بلوغه ولذا نقول : بأنّ الصبي لو أتلف مال الغير وإن لم يكن ملزماً بالتدارك في زمان الصباوة لحديث الرفع ، إلّا أنّه يلزم بالضمان بعد البلوغ لشمول من أتلف له.بقي الكلام في استدلال الشيخ (قدّس سرّه (1)برواية أبي البختري على إلغاء عبارة الصبي وتقريبه : أنّ قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية « وقد رفع عنها القلم لا يرتبط بسابقه إلّا بأن يكون علّة لقوله ( عليه السلام) « تحمله العاقلة » أو معلولاً لقوله ( عليه السلام) « عمده خطأ » بمعنى أنّ الصبي بما أنّه غير ملزم يكون دية جنايته على عاقلته ، أو بما أنّ عمده خطأ عند الشارع قد رفع عنه الالزام ، ومقتضى عموم رفع الالزام عن الصبي أنّ يكون مسلوب العبارة أيضاً لا مجرد نفي الأثر عن صورة استقلاله وإلّا لزم تقييد الرفع بصورة الاستقلال في التصرف ، والمفروض أنّ رفع القلم يعمّ صورة عدم الاستقلال ، هذا ملخص استدلاله على إلغاء سلب عبارة الصبي .)وفيه : أنّ رفع القلم لا يكون علّة لاثبات الدية على العاقلة ، لأنّ نفي الحكم عن الصبي كيف يكون علة لاثبات الحكم على الآخر ، إذ لا يرتبط أحدهما بالآخر


1) المكاسب 3 : 282

ولا ملازمة بين ارتفاع القلم عن الصبي وثبوت الدية على عاقلته فضلاً عن العلية إذ يمكن ارتفاع الدية رأساً ، وعلى فرض ثبوت الدية من جهة عدم ذهاب دم المسلم هدراً ، يمكن أنّ تكون ثابتة على بيت المال أو على جميع المسلمين لا خصوص العاقلة .وعلى أيّ حال لا يصحّ جعل رفع القلم عن الصبي في الرواية علّة لثبوت الدية على العاقلة كما لا يصحّ جعله معلولاً لكون عمده خطأ، لأن قوله (عليه السلام «عمدهما خطأ » تنزيل بلسان الحكومة أي توسعة في موضوع الخطأ حتّى يشمل عمد الصبي أيضاً ويكون معنى التنزيل نفي حكم المنزل عنه وإثبات حكم المنزل عليه ، كقوله لا شكّ لكثير الشكّ بمعنى أنّ آثار الشك منتفية وآثار القطع ثابتة له فمعنى « عمده خطأ » أنّ يثبت الدية وهو حكم الخطأ ويرفع حكم العمد وه-و القصاص وهذا معنى رفع القلم ، فيكون رفع القلم مقوماً ومتمماً لمعنى التنزيل ومبيّناً لكون عمده خطأ لا معلولاً له ، فلا يمكن استفادة سلب عبارته من هذه الرواية ، فلابدّ أن تختصّ بباب الجنايات .)وعلى تقدير تسليم أنّ معنى رفع القلم في هذه الرواية رفع مطلق الالزام والالتزام عن الصبي سواء كان بنحو الاستقلال أو بإذن الولي كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه فلا دلالة فيها على سلب عبارة الصبي ، إذ لا منافاة بين رفع الالزام وعدم كون عبارته مسلوبة الأثر .)ثمّ إنّه يقع الكلام في سائر الأفعال التي تصدر عن الصبي ، منها مسألة الاتلاف وأنّه إذا أتلف شيئاً هل يكون ضامناً أم لا ؟ فنقول : أما قوله (عليه السلام «عمده وخطؤه واحد » فلا ريب في خروج الاتلاف عنه تخصصاً ، لأن الاتلاف لا يتوقف على القصد ولا يكون من الأفعال القصدية حتّى يرفع أثره بالرواية . وأمّا رواية عدم جواز أمر اليتيم فلا تشمله أيضاً ، لعدم صدق أمر اليتيم على إتلافه خصوصاً بعد إسناد عدم الجواز إليه .)

وأمّا حديث رفع القلم فهو أيضاً غير رافع للضمان عنه ، لأنّ مقتضى الحديث رفع الالزامات الدنيوية والأخروية عن الصبي ، والضمان ليس منها ، نعم هو يوجب وجوب الأداء بعد البلوغ من جهة الاتلاف الذي صدر منه قبل البلوغ ، للقاعدة المسلّمة بينهم من أنّ من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، نظير الجنابة الحاصلة قبل البلوغ حيث لا إلزام عليه بالاغتسال قبله إلّا أنّه يلزم به بعد البلوغ فيما يشترط فيه الطهارة لقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا(1))ومنها : مسألة التعزير وأنّه هل يعزّر الصبي أم لا ؟ فإن قلنا أنّ المراد من حديث رفع القلم عن الصبي ومن قوله (عليه السلام » عمده خطأ » أنّ الآثار الثابتة للبالغين في عمدهم ليست ثابتة للصبي كما ذهب إليه الشيخ (قدّس سرّه) (2)فلا مانع من ثبوت التعزير له ، وخروجه عن تلك الأحكام يكون بنحو التخصص ، إذ لا يكون التعزير ثابتاً للبالغين حتّى يرفع في ناحية الصبي ، فلا مانع من تعزير الصبي بحسب مصلحة الحاكم . وأمّا لو كان المراد رفع مطلق الآثار الالزامية فيكون التعزير ثابتاً للصبي بعنوان التخصيص في تلك الأدلة كما أمر في الشريعة بضرب الصبيان للصلاة، وهذا تخصيص لأدلة رفع مطلق الالزام عنهم ، فيثبت لهم التعزير حسب ما يراه الحاكم الشرعي من المصالح .)ومنها : ما لو حاز شيئاً أو سبق إلى شيء لم يسبق إليه غيره كاصطياد سمكة من البحر أو وجد لقطة دون الدرهم أو شاة في البرّ فهل يملك أو لا، لأن عمده خطأ ؟ فنقول : أنّ إثبات عدم الملك في تلك الموارد للصبي متوقّف على إثبات


1) المائدة 5 : 6 .

2) المكاسب 3 : 282 .

أمرين :الأوّل : اعتبار قصد التملّك في حصول الملكية ، وبما أنّ قصده ك--لا قصد لا يملك . وفيه : أنّ الأدلة مطلقة كقوله ( عليه السلام ( من سبق إلى مكان فهو أحق به » (1)أو « من أحيى أرضاً ميتة فهي له » (2)إذ ليس فيها اعتبار القصد .)والثاني : إثبات أنّ قصده كلا قصد . وهو ممنوع أيضاً ، لأنّ المراد من قوله «عمده وخطوه واحد » أنّ ما كان من افعال البالغين لعمده أثر ولخطئه أثر آخر ينزل عمد الصبي فيه منزلة الخطأ ويترتّب أحكام المنزل عليه على المنزل بعد رفع أثر المنزل ، وهو مختص بباب الجنايات فلا يكون معناه أنّ قصده كلا قصد .فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ شيئاً من معاملات الصبي لا ينفذ إلّا خصوص الوصية ، حيث ورد النصّ بصحّتها كما سيأتي .وأمّا ما كان خارجاً عن العقود والايقاعات كالقبض والقصد في الحيازات بناءً على اعتباره فهو صحيح ونافذ من الصبي ، فلو أقبض شخص الصبي شيئاً يكون قبضه نافذاً ويترتّب عليه الأثر ، لأنّ عمدّة الدليل على عدم نفوذ الأمر من الغلام هو قوله : متى يجوز أمر اليتيم ؟ قال (عليه السلام إذا بلغ أشده (3)وهو مختص بما يصدق عليه أمر اليتيم وهي العقود والايقاعات .)


1) الوسائل 5 : 278 / أبواب أحكام المسجد ب 56 ح 1 و 2 (مع اختلاف يسير) .

2) الوسائل 25 : 413 / كتاب إحياء الموات ب 2 ح 1 (مع اختلاف يسير) .

3) الوسائل 18 : 412 / كتاب الحجر ب 2 ح 5 (مع اختلاف) .

قوله (رحمه اللّه : ووصيته وايصال الهدية وإذنه في الدخول (1) .)قوله (رحمه اللّه : بين أن تكون في الأشياء اليسيرة أو الخطيرة (2) .)(1(1)أما الوصية من الصبي البالغ عشر سنين فمنصوص عليها (2)وأمّا إيصال الهدية وإذنه في الدخول فلم نعرف وجهاً لاستثنائها لعدم دخولهما في المستثنى منه ، فإنّه تصرّفات الصبي التي تكون موضوعاً لأثر شرعي وليس شيء من الأمرين كذلك . أما إيصال الهدية فلعدم كونه مقوّماً لعقد الهبة ولذا يمكن تحقّقه بواسطة حيوان ونحوه . وأمّا الاذن في الدخول إلى دار الغير فليس في نفسه موضوعاً لجواز الدخول ، فان حصل منه الاطمئنان برضى المالك كما هو الغالب فهو المعتبر وإلّا فلا يجوز التصرف في مال الغير سواء كان الآذن بالغاً أو صبياً ، فلا معنى لاستثنائهما بعد عدم دخولهما في مورد البحث .)(2استدلّ على التفصيل بين الأمور الحقّيرة وغيرها بقيام السيرة على نفوذ معاملة الصبي في الأولى ، وبقوله (عليه السلام) نهى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن)


1) من هنا إلى ص 398 لم يوجد في مخطوطة المؤلّف نقلناها من محاضرات في الفقه الجعفري مع تصحيح وتحقيق منا

2) روي عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيته » وعن منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن وصية الغلام هل تجوز ؟ قال : إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته » وعن عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا بلغ الصبي خمسة أشبار أكلت ذبيحته وإذا بلغ عشر سنين جازت وصيته » وعن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق أو ما تصدّق أو أوصى على حدّ معروف وحق فهو جائز » [ الوسائل 19 : 361 - 363 / كتاب الوصايا ب 44 ح 2 ، 7 ، 5، 4 ] .

كسب الصبي ما لم يحسن صنعة بيده معلّلاً بأنّه إن لم يجد سرق »(1بدعوى ظهور التعليل بالأمر العرضي في ذلك ، فانّ عقد الصبي لو لم يكن نافذاً كان الأنسب أن يعلّل النهي به .)ولكن الظاهر عدم دلالة شيء منها . أمّا السيرة فان كان المدّعى قيامها على نفوذ معاملة الصبي فيما إذا كان آلة لاجراء العقد أو القبض فهو وإن كان حقاً كما عرفت إلّا أنّه غير مختص بالأشياء اليسيرة ، فأنا بينا في المعاطاة عدم توقفها على الأخذ والاعطاء أصلاً على ما هو المتعارف كما في دخول الحمام ووضع الثمن في دخل الحمامي ، ولا يقل قبض الصبي عن عدمه ولا عن دخل الحمّامي .وبالجملة : ما عليه السيرة من نصب الصبي على الدكان إنّما هو من جهة أن لا يسرق أحد من الدكان شيئاً لا من جهة المعاملة معه مستقلاً فإنّه بمنزلة كوز الحمامي . نعم فيما إذا كان القبض مقوّماً للعقد كما في الهبة لا اعتبار بقبض الصبي ، لا بما أنّه قبض بل من حيث كونه التزاماً مقوّماً لقبول العقد وهو مرفوع عن الصبي .وإن كان المدّعى قيام السيرة على نفوذ معاملة الصبي مطلقاً فهو ممنوع م--ن المتدينين . وأمّا الاستدلال بالخبر فهو مضافاً إلى ضعفه بالسكوني ، أنّ المراد بالكسب أنّ كان معناه المصدري فلا محالة يكون النهى تنزيهيّاً متوجهاً إلى أولياء الصبي للحكمة المذكورة فيه وعليه فهو أجنبي عن المقام ، وإن كان المراد به المكسوب فالمنهي عنه هو أخذ مطلق ما يحصل في يد الصبي نظير النهي عن كسب الاماء معللاً بأنهنّ أنّ لم يجدن زنين(2.)


1) الوسائل 17 : 163 / أبواب ما يكتسب به ب33 ح 1 .

2) نفس المصدر السابق .

قوله (رحمه اللّه : قصدهما لمدلول العقد (1).)قوله (رحمه اللّه : بعدم تحقّق القصد في عقد الفضولي والمكره(2).)### 2-اشتراط قصد مدلول العقدقصد المتعاقدين اللفظ والمعنى(1الكلام في المسألة يقع من جهات الأولى : اعتبار قصد اللفظ والمعنى : وهذا هو المعروف ، فلابدّ أن يقصد كل من المتبايعين اللفظ بأن لا يكون صدوره منه لسبق اللسان ونحوه، كما أنّه لابدّ من قصدهما المعنى وهو إبراز اعتبار المبادلة بين المالين ، فاذا قصد اللفظ ولم يقصد المعنى كما في الهازل أو من كان في مقام عد الصيغ فقال بعت ، فإنّه لا يتحقّق به البيع . وبعبارة أخرى قد تقدم أنّ البيع متقوم بأمرين الاعتبار النفساني وابرازه خارجاً ، فلابدّ في تحقّقه من ثبوت كلا الأمرين ، فقصد اللفظ والمعنى من مقومات البيع فلا يصحّ التعبير عنه بشرط العقد أو المتعاقدين فانّ الشرط إنّما يطلق على الأمر الخارج عن حقيقة المشروط .)(2ذكر الشهيد في المسالك (1)أنّهما قاصدان للفظ دون المعنى . ونقول أمّا المكره فهو بحسب الغالب قاصد للمعنى كما أنّه قاصد للفظ إلّا إذا كان ملتفتاً فيجري العقد بنحو التورية ولا يقصد معناه ، فالاكراه غير مستلزم لعدم قصد المعنى ، كما أنّ الاكراه على الأمور الخارجية من الأكل والضرب ونحوهما لا يستلزم عدم قصد حقيقتها ، فما يكون عقد المكره فاقداً له ليس إلّا طيب النفس ولذا ينفذ إذا لحقه ، ولو لم يكن المكره قاصداً للمعنى فحقيقة البيع لا تكون متحقّقة فكيف ينفذ بلحوق طيب النفس به الذي هو ممّا اتفقت عليه آراء الخاصة في قبال العامة(2).)


1) المسالك 3: 156 .

2) الحنفية وافقوا الخاصة بصحته مع الاجازة اللاحقة وهذه نصوصهم في كتبهم الفقهية قال الكاشاني الحنفي في بدائع الصنائع ج 7 ص 186 كتاب الاكراه :)الاكراه يوجب فساد البيع لفقده الرضا ويزول الاكراه باجازته ورضاه . وقال في ص 188 إذا كان البائع والمشتري مكرهين جميعاً على البيع والشراء فلكل منهما خيار الفسخ والاجازة لأنّ البيع فاسد في حقهما والثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم ، فان أجازا جميعاً جاز وان أجاز أحدهما دون الآخر جاز في جانبه وبقي الخيار في حقّ صاحبه . وفي المبسوط للسرخسي الحنفي ج 24 ص 93 كتاب الاكراه باب الاكراه على البيع : إذا أكرهه على بيع عبده الذي يساوي عشرة آلاف درهم من هذا الرجل بألف درهم ففعل وقبض الثمن ولما تفرقوا من المجلس قال البائع : أجزت البيع كان جائزاً ، لأن الاكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع فقد وجد ما به ينعقد البيع من الايجاب والقبول من أهله في محل قابل له ، ولكن امتنع نفوذه لانعدام تمام الرضا بسبب الاكراه فاذا أجاز البيع غير مكره فقد تم رضاه به ، فاذا أجاز بيعاً باشره غيره نفذ باجازته ، فاذا أجاز بيعاً باشره هو بنفسه فهو أولى به ، انتهى . وحكى عن الحنفية في الفقه على المذاهب الأربعة ج 2 ص 161 مثل ذلك .نعم عند الحنابلة والمالكية والشافعية بطلان بيع المكره وعدم تأثير لحوق الاجازة فيه ففي الفروع لابن مفلح الحنبلي 4 : 3 ونيل المآرب لعبد القادر الشيباني الحنبلي ج 1 ص 83 في البيع شرطه الرضا فلا يصحّ بيع المكره بغير حقّ . وفي المدوّنة لمالك 3 : 209 باب العتق قال مالك : لا يجوز على المستكره شيء من بيع وعتق ونكاح ووصية وصلح سواء أكرهه السلطان أو غيره . وفي مختصر أبي الضياء في فقه مالك ج 5 ص 8 لا يلزم في الجبر على البيع إجماعاً ولا على سببه على المذهب لقوله تعالى : (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ وقوله (صلّى اللّه عليه وآله ) : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفس » .)وفي المهذّب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي 3 : 10 والمنهاج للنووي ص 94 وشرحه تحفة المحتاج لابن حجر 2 : 88 كتاب البيع لا يصحّ عقد المكره في ماله بغير حقّ لعدم الرضا واستدلّ له في المهذب بقوله ( عليه السلام : « إنّما البيع عن تراض » فدل على أنّه لا بيع عن غير تراض . وبذلك نقل فتواهم في الفقه على المذاهب الأربعة : 2 : 161 - 163 .

وأمّا الفضولي فهو أيضاً قاصد للفظ والمعنى معاً لطيب نفسه ولذا ينفذ بيعه

قوله (رحمه اللّه : هل يعتبر تعيين المالكين (1) .)بلحوق الاجازة ، فانّ عقده لا يفقد عدا شرط من شروط صحته وهو رضا المالك وإجازته فاذا تحقّق ترتّب عليه الأثر لا محالة ، فلا معنى للقول بأنّ الفضولي غير قاصد للمعنى .وأمّا ما يتوهم من عدم قصدهما للامضاء الشرعي لعلمها بعدم ترتّبه على العقد الصادر منهما ففيه أوّلاً : أنّ المكره كثيراً ما يتخيّل ترتّب الأثر شرعاً على بيعه الصادر عن إكراه ولذا يكره إنشاءه ، نعم قد يكون عارفاً بالحكم الشرعي ولكن عدم قصد الامضاء الشرعي غير ملازم للاكراه ، بل قد يتحقّق ذلك في غير مورد الاكراه كما إذا اعتقد الأب جريان الربا بين الوالد والولد فأوقع المعاملة الربوية مع ولده لا بقصد الامضاء الشرعي، وهكذا في بيع الفضولي فإنّه قد يقصد الامضاء الشرعي بزعمه أنّه مالك للمبيع لشبهة موضوعية أو حكمية مثل ما إذا تخيّل عدم اختصاص الحبوة بالولد الأكبر فباع غيره حصته منها ، فانّ البيع فضولي مع قصد الامضاء الشرعي .وثانياً : نفرض عدم كون المكره والفضولي قاصدين للبيع الممضى شرعاً إلّا أنّه أي أثر يترتّب على ذلك ، مع أنّه لا دليل على اعتباره أصلاً كما أنّه ليس مقوّماً لحقيقة البيع . فتلخّص أنّ بيع المكره والفضولي لا يفقد سوى طيب النفس في الأوّل ورضى المالك في الثاني ، والشاهد عليه نفوذه بلحوق الاجازة وطيب النفس .### 3-تعیین المالکین(1 هذه الجهة الثانية وهي اعتبار قصد من يقع عنه البيع وتعيينه ، سواء كان عن نفسه أو غيره ، ثمّ على فرض اعتباره هل يلزم تعريفه للمشتري أم لا ؟ وهكذا من طرف المشتري فيقال هل يلزم تعيين من يقع الشراء له وقصده وتعريف البائع به ؟ وتفصيل الكلام فيه تارةً في البيع الشخصي وأخرى في البيع الكلّي .)

أمّا البيع الشخصي فتعيّن المالك فيه ثبوتاً يغني عن تعيينه إثباتاً بالقصد أو باللفظ . وبعبارة أخرى : اعتبار شيء في البيع لابدّ وأن يكون لأحد أمرين إم--ا لد خالته في ماهيته وتقومها به ، وأمّا لقيام الدليل على اعتباره ، والمفروض فقدان كلا الأمرين في المقام ، فلا يقاس هذا بالنكاح الذي يعتبر فيه تعيين الزوجين لكونهما ركناً فيه ، بخلاف البيع فإنّه بمعنى المبادلة بين المالين وليس للمالكين دخل في حقيقته أصلاً ليلزم تعيينه .ثمّ لو فرضنا قصد البيع أو الشراء لغير المالك فهل يصحّ أو لا ؟ فيه تفصيل ويتصوّر بحسب مقام الثبوت على صور ثلاثة :الأولى : أن يقصدا حقيقة البيع أعني انتقال الثمن إلى مالك المثمن وبالعكس غاية الأمر يجعل فائدة البيع لشخص ثالث ، وهذا متعارف ، مثلاً يعطي أحد البزازين دراهم ليقطع ثوباً إلى ولده أو خادمه ، أو يعطي الثمن للخباز ويقول له أعط زيداً خبزاً .الثانية : أنّ يقصدا حقيقة البيع ويقصدا نقضه أيضاً . وفي هاتين الصورتين يتحقّق البيع ويحصل النقل والانتقال ، وقصد رجوع الفائدة إلى الغير أو قصد النقض لا أثر له بعد ذلك أصلاً فتأمّل .الثالثة : أنّ لا يكونا قاصدين للمبادلة أعني دخول الثمن في كيس من خرج المثمن منه وبالعكس ، بل يقصد دخوله في ملك شخص آخر ، وفي هذه الصورة يكون البيع فاسداً ، هذا كله في مرحلة الثبوت .وأمّا مرحلة الاثبات فاذا ذكر ذلك في اللفظ بأن قال : بعتك ثوبي بدراهم عمرو لا يترتّب عليه الأثر ، لأنّه من قبيل الكلام المحتف بما يصلح للقرينية فلا يكون مبرزاً لحقيقة البيع .وأمّا إذا كان الثمن والمثمن كلّياً فلا مناص من تعيين من يقع البيع عنه أو

يكون الشراء له ، لا من جهة اعتباره في نفسه بل لأنّ الكلّي لا يكون مالاً قابلاً للمملوكية ما لم يضف إلى ذمّة معيّنة ، فوقوع البيع عليه متوقف على ذلك .ومن هنا يظهر أنّ قياس المقام ببيع أحد عبديه أو طلاق إحدى زوجتيه مع الفارق ، فانّ البيع أو الطلاق في المثالين إنّما يتعلّق بالموجود الخ--ارج-ي ب-الغاء الخصوصيات الشخصية كما في بيع صاع من صبرة فانّ المبيع فيه ليس الكلّي الطبيعي وقد اشترط أداؤه من الصبرة خارجاً ليوجب تخلّفه الخيار ، بل المبيع هو الموجود الخارجي لكن الخصوصيات الشخصية ليست مورداً للبيع بل هي باقية في ملك البائع ، وسيأتي الكلام فيه أنّ شاء الله ، فبيع أحد العبدين يكون المبيع فيه خارجياً لا كلياً.وحاصل الكلام في اعتبار تعيين البائع والمشتري أنّه قد يكون المبيع والثمن شخصيين وقد يكونان كلّيين ، أما إذا كانا شخصيين فالتعيين بقصد البائع والمشتري غير معتبر قطعاً ، لأنّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين وهي متحقّقة بقصد المبادلة بين المالين الشخصيين ولو لم يقصد من يقع البيع له ومن يقع الشراء له ، نعم قد يقصد خلاف ذلك وهو وقوع البيع لغير البائع والشراء لغير المشتري كأن يقول : بعتك هذا ليكون الثمن ملكاً لعمرو ، فهل يحكم في مثل هذا بفساد البيع أو بصحته ولغوية قصد الخلاف ، أو يفصل بين ما إذا ذكر ذلك في اللفظ فيفسد البيع وبين القصد المجرد فلا يبطل كما ذهب إليه التستري (1؟ وجوه بل أقوال .)والتحقيق أنّ قصد الخلاف قد يرجع إلى عدم قصد حقيقة البيع والمبادلة بين المالين بل يكون المقصود الهبة فلا بيع حينئذ ليكون صحيحاً أو فاسداً ، والتعبير بفساد البيع مسامحة ، وقد لا يرجع إلى ذلك بأن يكون واقع البيع مقصوداً وهذا


1) مقابس الأنوار : 115 - 116

يتصوّر على صور :إحداها : أن يقصد رجوع نتيجة البيع وفائدته إلى شخص آخر .ثانيتها : أنّ يكون تمليكاً للغير بعد تحقّق البيع ، ومن هذا القبيل شراء الوالد لولده والمولى لعبده ، ولا إشكال في صحته .ثالثتها : أنّ يقصد الخلاف من باب الادعاء وعقد القلب على كون غير المالك مالكاً تشريعاً ، ومن هذا القبيل بيع اللصوص والغاصبين ومن يتوكل عنهم فإنّه مبني على كون غير المالك مالكاً تنزيلاً .رابعتها : أنّ يكون ذلك من باب الخطأ في التطبيق مثل الوكيل عن غيره في بيع أمواله ، فتخيّل أنّ العين الفلانية مملوكة للموكّل فباعها له ثمّ ظهر كونها ملكاً لشخص آخر ، وفي هاتين الصورتين يتحقّق البيع للمالك غاية الأمر يتوقف نفوذه على إجازته .وبما ذكرناه ظهر فساد التفصيل ، فان قصد الخلاف أنّ كان مخلاً بقصد واقع المبادلة بين المالين كان البيع فاسداً ، سواء ذكر في اللفظ أم لم يذكر ، وإلّا فلا يفسد على التقديرين .ويلحق بالمبيع الشخصي ما إذا كان المبيع أو الثمن كلّياً في ذمّة شخص خاص وقصد البيع أو الشراء لشخص آخر ، فإنّه يجري فيه الصور المذكورة ، هذا كلّه في الشخصي .وأمّا الكلّي فلابدّ من تعيين البائع إذا كان المبيع كلّياً والمشتري إذا كان الثمن كلّياً ، ولا يصحّ البيع إذا أضيف إلى واحد غير معيّن كأن يقول : بعتك مناً من الحنطة في ذمّة أحد هؤلاء ، وعدم الصحّة لا من جهة اعتبار التعيين في البيع بل من جهة أنّ الطبيعي لا مالية له إذا لم يضف إلى ذمّة معيّنة فلا يكون قابلاً لوقوع البيع عليه .ولا يقاس ببيع الكلّي في المعيّن فان مالك الشخص يكون مالكاً للكلي في تعيين الموجب والقابل.

قوله (رحمه اللّه : وأمّا تعيين الموجب لخصوص المشتري(1).)ضمنه ، فكما له بيع الشخص له بيع الكلي في ضمنه لأنّه مال حقيقة ، وهذا بخلاف الطبيعي .كما أنّه لا يقاس ذلك بطلاق إحدى زوجتيه أو عتق أحد عبديه ، فإنّه مضافاً إلى كونهما منصوصين ، أنّ الواجد لزوجية الزوجتين واجد لزوجية الجامع بينهما ومالك العبدين مالك للجامع بينهما ، فله طلاق الجامع بين الزوجتين وعتق أح---د العبدين واختيار إحدى الخصوصيتين بعد ذلك .وهذا بخلاف الطبيعي فإنّه في مقام الثبوت إذا قصد إضافة الكلي إلى ذمة معيّنة يكون قابلاً لوقوع البيع عليه وإلّا فلا ، وأمّا في مقام الاثبات إذا باع الكلي من دون إضافة إلى ذمة معيّنة أصلاً يكون هو المطالب به ، لانصراف الاطلاق إلى ذمته ، فیلزم هو به في مقام النزاع والترافع ، وليس هذا تفصيلاً في مقام الثبوت كما تخيله المحقّق النائيني (قدّس سرّه (1)بل هو انصراف في مقام الاثبات والنزاع ولذا يجري في طرف الثمن أيضاً ، وأمّا من حيث الثبوت فصحّة البيع واقعاً وعدمها مبتنية على قصد الذمة المعيّنة وعدمه. هذا كلّه في تعيين البائع والمشتري في نفسه .)### تعیین الموجب و القابل(1 لا بدّ من التكلّم هنا في جهات لم يتكلّم المصنّف (قدّس سرّه) إلّا في بعضها : الجهة الأولى : هل يلزم معرفة المشتري من يقع عنه البيع أنّه الموجب أو وکیله ومن هو الموكل ، وهل يلزم أنّ يعرف البائع المشتري بمعنى أنّ القابل نفس المشتري أو وكيله أو لا يعتبر سوى تعيين البائع بحسب قصد الموجب والمشتري)


1) منية الطالب 1 : 371 - 372 .

بحسب قصد القابل ؟ مقتضى إطلاق قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)وقوله (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (2)هو الثاني ، لعدم قيام دليل على التقييد ، ولا فرق بين العقود التي يكون المتعاقدان فيها ركناً للعقد كالنكاح أو [ لا ] يكونان ركناً فيه كالبيع ، فيصح أن تزوّج المرأة نفسها لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو غيره المعين عنده ، وكذا لا مانع من أن يطلب القابل أن يهب المالك ماله لمن قصده سواء كان نفسه أو غيره المعين عنده وإن لم يكن معيّناً عند الواهب ، وهكذا في الوصية يوصي بماله لمن قصده القابل سواء كان نفسه أو شخصاً آخر معيّناً عنده ، فانّ من الواضح كون المراد من ركنية الطرفين هو تقوم العقد بهما لا لزوم تعيّن كل منهما عند الآخر .)الجهة الثانية : إذا قصد الموجب الايجاب لشخص المخاطب وقصد القابل القبول لغيره كموكله فالظاهر فساده ، لأنّه يعتبر في العقد التطابق بين الايجاب والقبول بأن يرد القبول على ما ورد عليه الايجاب ، مثلاً إذا زوجت المرأة نفسها من الشخص المخاطب وقبل المخاطب التزويج لموكله فلا يصحّ ، لأنّ ما ورد عليه القبول [ غير ما ورد عليه الايجاب ] وبالعكس ، وهكذا إذا باع أحد شيئاً بثمن في ذمة شخص المخاطب فقبل بثمن في ذمة موكله لم يتحقّق التطابق بين الايجاب والقبول .نعم فيما إذا كان الثمن أو المبيع شخصياً وكان عدم التطابق من جهة الخطأ في التطبيق صح العقد ، كما إذا قصد البائع البيع لشخص المشتري بثمن شخصي باعتقاد أنّه المالك له وكان المالك في الواقع موكّله صح البيع ، لأنها قصدا حقيقته وقصد خصوص المشتري إنّما كان من الخطأ فلا اعتبار به .الجهة الثالثة: هي التي تكلّم فيها المصنّف (قدّس سرّه وحاصلها : أنّه إذا لم)


1) المائدة 5 : 1 .

2) البقرة 2 : 275 .

يعلم أنّ الموجب قصد المخاطب بشخصه في مقام الايجاب أو قصد الأعم من شخصه أو كونه وكيلاً عن الغير ، مثلاً إذا قال الموجب : زوّجتك وقال القابل : قبلت لموكلي فهل يجوز مثل هذا أو لا ؟ فصل المصنّف (قدّس سرّه بين العقود وحاصل ما ذكره : أنّ لفظ الخطاب وإن كان ظاهراً في المخاطب بشخصه إلّا أنّه تبدل ظهوره الأولي بظهور ثانوي في بعض العقود كالبيع لقرينة عامة وهي عدم كون خصوصية البائع والمشتري ملحوظة فيه غالباً ، فقول الموجب بعتك يكون ظاهراً في إيجاب البيع للمخاطب أعم من كونه قابلاً لنفسه أو لموكله ، نعم في غير البيع من العقود كالاجارة أو الهبة أو النكاح يكون ظهور الخطاب باقياً على حاله ولم يتبدل بظهور ثانوي .)والتحقيق أنّه تارةً يعلم أنّ الموجب قصد في الايجاب المخاطب بشخصه وحينئذ لا يجوز القبول لموكله ، وأخرى يعلم أنّه قصد الأعم من كونه هو القابل لنفسه أو لموكله وفي هذا يجوز القبول لنفسه أو عن موكله . وثالثة لم يحرز قصده فلا يجوز القبول إلّا لنفسه لا لموكّله .وبعبارة أخرى : لابدّ في صحّة القبول عن الموكّل من إحراز كون الايجاب للمخاطب أعم من نفسه أو من موكله ، وإلّا فلا يصح القبول عن الموكل ، لأنّ الشبهة مصداقية لا مفهومية ، لأنّ مفهوم البيع واضح مبين وهو المبادلة بين المالين والشبهة في كون الايجاب الخاص مع القبول عن الموكل هل هو مصداق له أم لا فيكون التمسّك بالعام حينئذ من التمسّك به في الشبهة المصداقية .الجهة الرابعة : أنّ الموجب إذا قصد الايجاب لموكّل المخاطب فهل يجوز له الايجاب بلفظ الخطاب ، كأن يقول : بعتك ويقصد البيع لموكّله ، أو يقول : زوّجتك ويقصد التزويج لموكله ؟ الظاهر عدم صحّة ذلك إلّا فيما إذا كان للفظ ظهور عرفي في المنشأ لأنّه يعتبر في العقد أمران : الاعتبار النفساني وإبرازه خارجاً بما هو مبرز له وأمّا ما لا يكون في العرف مبرزاً له كابراز المبادلة بين المالين بلفظ ضربت فلا يصحّ

قوله ( رحمه اللّه : من شرائط المتعاقدين الاختيار(1).)ذلك ، وفيما نحن فيه إذا أبرز علقة الزوجية بين المرأة وموكل القابل بلفظ زوّجتك الذي هو غير مبرز لها لا يصحّ العقد وهذا ظاهر ، ولذا لا يصدق الزوج على مجري القبول .نعم لا يبعد كون بعتك مبرزاً عرفاً لانشاء العقد للمخاطب الأعم من كونه بنفسه مشترياً أو الشراء لموكله .### 4- اشتراط الاختیارالاختيار والاكراه(1 قد عرفت في المسألة السابقة اعتبار قصد اللفظ والمعنى لكون العقد متقوّماً بأمرين : الاعتبار النفساني وابرازه بمبرز دال عليه ، ولا يتحقّق إلّا بقصد اللفظ والمعنى ، وفي هذه المسألة يقع الكلام في اعتبار كون القصد ناشئاً عن اختيار وليس المراد به الارادة في مقابل الجبر ، بل المراد به الرضا وطيب النفس ويستعمل كل ذلك بمعنى ، وقد استعملت الارادة بمعنى الرضا في قوله : « لا طلاق إلّا بارادة »(1)بأن يكون الداعي له طيب نفسه ورضاه النفساني لا الاجبار من الغير والمعروف بين الخاصة اعتبار ذلك ، وخالفنا العامة في الطلاق جزماً حيث ذهبوا إلى صحّة [ طلاق ] المكره ، ولعلهم يلتزمون به في سائر العقود والايقاعات أيضاً (2).


1) لم أجد هذا اللفظ في الوسائل والمستدرك والموجود في الوسائل 22 : 87 / أبواب مقدّمات الطلاق ب 37 - 4 قول أبي عبدالله (عليه السلام) « الطلاق من غير استكراه ولا إضرار )

2) في المغني لابن قدامة 8 : 260 كتاب الطلاق قال : لا تختلف الرواية عن أحمد أنّ طلاق المكره لا يقع . وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن سمرة ، وبه قال عبدالله بن عبيد بن عمر وعكرمة والحسن وجابر بن زيد وشريح وعطاء وطاوس وعمر بن عبدالعزيز وابن عون وأيوب السختياني ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وأجازه أبو قلابة والشعبي والنخعي والزهري والثوري وأبو حنيفة وصاحباه ، لأنّه طلاق من مكلّف فى محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره .)واختلف المذاهب في البيع ففي الفقه على المذاهب 2 : 161 وما بعدها : عند الحنابلة والمالكية والشافعية يشترط الاختيار واقعاً في نفوذ البيع ، وقال الحنفية : كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد ، غاية الأمر أقواله التي يكره عليها منها ما يحتمل النسخ كالبيع والاجارة ، ومنها ما لا يحتمله كالنكاح والطلاق والعتاق والنذر ، ففي الأوّل يقع البيع فاسداً فله أنّ يجيزه بعد زوال الاكراه وله أن يفسخه ، وفي الثاني يمضي عقد المكره وليس له أن ينقضه .

وكيف كان فلابدّ لنا من التكلّم في جهتين :## معاملات المکره### اشارةالجهة الأولى : في بيان ما ذكره الشهيدان (1والعلّامة (2)أما الشهيدان فذكرا أنّ الفضولي والمكره قاصدان إلى اللفظ دون المعنى ، وظاهره أنّ فساد عقدهما ليس من جهة فقدان طيب النفس وإنّما هو من جهة عدم قصد المعنى ويلوح ذلك من كلام العلّامة (قدّس سرّه) حيث ذكر أنّ طلاق المكره صحيح إذا كان ناوياً .)والمحتمل في عبارة الشهيدين وجوه : الأوّل : أن يراد بها أنها غير قاصدين مدلول اللفظ نظير الهازل ومن هو في مقام عدّ الصيغة .ويردّه أوّلاً : أنّه خلاف الوجدان فانّ المكره والفضولي قاصدان للمعنى قطعاً . ثانياً : أنّ لازمه عدم نفوذ العقد بلحوق الاجازة والرضا ، وعليه فلم يتحقّق عقد في الخارج أصلاً . ثالثاً : عليه تكون فتواهما مطابقة لفتوى أهل السنّة ، وهو كما تری .


1) الدروس 3 : 192 ، المسالك 3: 156 .

2) تحرير الأحكام 4 : 51 .

الوجه الثاني : أن يكون المراد ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه م--ن ك--ونه-ا قاصدي اللفظ والمدلول وعدم قصدهما وقوع مضمون العقد وهو الأثر الشرعي أو الممضى عند العقلاء ، لأنهما يعلمان بعدم ترتّب الأثر على عقدهما شرعاً وعرفاً .)وفيه : أنّه لو أُريد بالمضمون اعتبار المتعاملين فهو متحقّق في أفق النفس بعد قصد اللفظ والمدلول على ما هو المفروض لا محالة ، وإن أريد به اعتبار العقلاء أو الشارع ، فأولاً : ليس الاكراه والفضولية مستلزماً لذلك دائماً ، بل إنّما يكون ذلك فيما إذا كان المكره أو الفضولي عالماً بفساد عقده وإلّا فربما يقصد الامضاء الشرعي خصوصاً الفضولي إذا أخطأ في التطبيق وتخيّل كونه مالكاً لمال غيره فباعه .وثانياً : أنّه لا دليل على اعتبار قصد ذلك في صحّة المعاملة ولذا يصحّ من غير المتدينين أيضاً مع [عدم] اعتقادهم بالشرع فضلاً عن قصدهم للامضاء الشرعي فهذا الاحتمال ممنوع صغرى وكبرى .الوجه الثالث : أنّ يراد من العبارة ما احتمله المحقّق النائيني (قدس سره(1)من عدم كونهما قاصدين لما هو ظاهر كلامهما ، فانّ ظاهر قول الموجب بعت أنّه مالك للبيع وأنّه بداعي طيب نفسه لا باكراه الغير ويستظهر المشتري منه ذلك والمفروض أنّه لم يرد ذلك وأراد غيره .)وفيه أوّلاً : أنّه قد يكون في البين قرينة على الفضولية وعلى الاكراه بل ربما يصرح بذلك للمشتري ، ومعها كيف يكون اللفظ ظاهراً في ذلك .وثانياً : قصد خلاف الظاهر بهذا المعنى لأيّ وجه يوجب فساد العقد ، وإلى الآن لم يظهر معنى صحيح لعبارة الشهيدين .


1) منية الطالب 1 : 381 .

وأمّا عبارة العلّامة (قدّس سرّه فهي أجنبية عمّا نحن فيه بل راجعة إلى مسألة أخرى وهي عدم تحقّق الاكراه مع التمكن من التورية ، فإذا أكره أحد على الطلاق وكان متمكناً من التورية فلم يفعل ونوى حقيقة الطلاق ، صح لعدم كونه مكرهاً عليه ، وفي ذيل العبارة شاهد عليه فراجع .)الجهة الثانية : في دليل اعتبار طيب النفس في صحّة العقود وهو أمور :الأوّل : قوله تعالى : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (1)فإنّه سبحانه وتعالى نهى عن تملّك الأموال بجميع الأسباب سوى التجارة عن تراض ، والمراد بالتراضي ليس الارادة والاختيار كما توهمه بعض المحقّقين فإنّه خلاف الظاهر أوّلاً ، وثانياً لو أريد به الارادة لزم اللغو فانّ التجارة متقومة بالارادة ، فذكر الرضا بمعناها بعدها يكون لغواً .)الثاني : قوله (صلّى اللّه عليه وآله : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه » (2)فانّ إسناد عدم الحل إلى العين الخارجية ظاهر في عدم حل جميع التصرّفات حتّى الاعتبارية فلا يستقر شيء منها إلّا بطيب النفس ، والمراد به الرضا لا الاختيار كما عرفت . الثالث : ما ورد في الطلاق أنّه « لا طلاق إلّا بارادة » (3)ولابدّ أنّ يراد بها الرضا دون ما يقابل الجبر ، فانّ الطلاق لا عن اختيار لا يكون طلاقاً عقلاً ، فلا مجال لنفيه شرعاً ، وبعدم القول بالفصل يثبت اعتباره في سائر العقود والايقاعات .)


1) النساء 4 : 29 .

2) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (مع اختلاف) .

3) تقدّم تخريجه في ص318 .

استدراكلقد ذكرنا في الآية المتقدّمة (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ أنّ المراد منه طيب النفس لا الاختيار في مقابل الاكراه ، وتقريبه بوجهين : الأول : ظهور الرضا في طيب النفس ، ولذا يصحّ أنّ يقال بعت مالي بدون رضاي فيما إذا باعه عن إكراه ولو كان الرضا بمعنى الاختيار لم يصحّ السلب . الثاني : أنّه لو كان بمعنى الاختيار لزم اللغو ، لأنّ التجارة متقوّمة بعنوان الاختيار فالتقييد به ثانياً لغو ظاهر ، وتوضيحه : أنّ الاختيار افتعال من الخير بمعنى طلب الخير وهو إعمال القدرة فيما يراه الانسان خيراً لنفسه .)أقسام :ثمّ أنّ الفعل الاختياري في مقابل الفعل الطبعي والقسري يكون على ثلاثةالأوّل : أنّ يرى الفعل خيراً لترتّب فائدة دنيوية أو أخروية عليه كما إذا رأى أنّ المشتري يشتري متاعه بثمن جيّد فيختار بيعه ، أو يتصدّق بماله للفقراء لأنّ فيه فائدة أخروية فيختارها بطيب نفسه .الثاني : أن يراه خيراً لنفسه بعنوان ثانوي كما إذا ابتلي بمرض وتوقف علاجه على بيع داره وصرف الثمن في المعالجة ، فانّ بيع الدار حينئذ وإن لم يكن خيراً له بعنوأنّه الأوّلي إلّا أنّه يراه خيراً لنفسه بالعنوان الثانوي حيث يكون مقدمة لدفع ضرر خارجي متوجّه إليه في نفسه أجنبي عن المعاملة ، وفي هذا الفرض يكون البائع طيّب النفس للبيع ويحمد ربّه تعالى على ما سهّل عليه من بيع الدار لمعالجته .الثالث : أن يراه خيراً لنفسه بعنوان ترتّب ضرر على نفس ترك المعاملة وفي هذا الفرض ولو كان الاختيار موجوداً لأنّه يراه خيراً لنفسه بعنوان ثانوي إلّا أنّه ليس طيّب النفس به ، وإنّما يغضبه ذلك ولذا لا يحمد ربه تعالى على طلاق زوجته ، ففي هذه الصورة الاختيار موجود دون الرضا ، ولابدّ من حمل التراض

على هذه الصورة لئلا يلزم اللغو.الأمر الرابع : حديث الرفع ، والاستدلال به على ما اخترناه من عدم الحاجة إلى التقدير فيه واضح ، فانّ لكل من الأفعال التي تعلّق بها الحكم الشرعي أو جعل موضوعاً لحكم شرعي وجود في عالم التشريع فيصح إسناد الرفع إليه حقيقة فيكون المعنى رفع المتعلّق للحكم أو الموضوع لحكم شرعي إذا تحقّق عن إكراه أو اضطرار أو خطأ ، ومعنى رفعه عدم تعلّق الحكم به وعدم كونه موضوعاً للأثر الشرعي .وعليه فيستفاد منه رفع الأحكام الوضعية عند الاكراه بلا حاجة إلى التمسّك باستشهاد الامام عليه السلام به لفساد الحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك وإن كان يستفاد منه الكبرى الكلية أعني رفع الآثار الوضعية بحديث الرفع ، وإن كان الحلف بغير الله تعالى باطلاً عندنا .)ثمّ أنّه ظهر من مطاوي ما ذكرناه أمران :الأوّل : أنّه إذا اضطر الانسان إلى معاملة لكونها مقدمة لدفع ضرر أهم متوجّه إليه كما في الفرض الثاني من الفروض الثلاثة المتقدمة فهل يحكم فيه بالفساد للاضطرار أم لا ؟ والتمسّك للفساد بالآية المباركة أو النبوي المتقدم لا وجه له لتحقّق طيب النفس والرضا في المعاملة الصادرة عن اضطرار كما عرفت .نعم ، ربما يتوهم الاستدلال على ذلك بحديث الرفع لاشتماله على رفع ما اضطروا إليه ، ولكن لا يقام له وزن لورود حديث الرفع مورد الامتنان ، وليس رفع الآثار الوضعية في مورد الاضطرار امتناناً على الأمة بل هو منافٍ للامتنان . نعم ارتفاع الحكم التكليفي كحرمة الخمر إذا اضطر إلى شربه موافق للامتنان .الثاني : أنّ الاكراه إذا كان عن حقّ كاكراه النبي (صلّى اللّه عليه وآله أو الإمام (عليه السلام) أو ولي الأمر على معاملة لا يوجب فسادها وإلّا كان الاكراه لغواً، بل)

لم يكن إكراه على المعاملة وإنّما هو إكراه على مجرد اللفظ ، وحينئذ إذا أكره المحتكر على بيع الطعام أو المديون على أداء دينه أو الممتنع عن الإنفاق على زوجته على طلاقها صح ذلك لأنّه إكراه عن حقّ .وحاصل الكلام في المقام : أنّ الصحيح اعتبار طيب النفس في المعاملة وقد استدللنا عليه بالنبوي المعروف وهو قوله (صلى الله عليه وآله : « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه » (1)وقوله تعالى : (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) وذكرنا أنّ المراد بالتراضي طيب النفس لا الإرادة ولا مبادئها ، فانّ التجارة من العناوين القصدية وليست من قبيل الأفعال الخارجية كالأكل والشرب ونحوه فهي متقومة بالقصد ولا يتحقّق بدون الارادة ومبادئها ، فلابدّ وأن يراد بالتراضي طيب النفس لئلا يلزم اللغوية ، هذا مع إمكان الاستدلال على فساد معاملة المكره بحديث الرفع .)إذا عرفت ذلك فلابدّ من التكلّم في جهات :الأولى : أنّه بناءً على التمسّك لبطلان معاملة المكره بحديث الرفع لابدّ في بطلان المعاملة من وجود مكره على ذلك وإلّا فلا يتحقّق الاكراه ، وعليه فإذا اعتقد أحد وجود مكره له على بيع داره مثلاً فباعها ولم يكن في الواقع مكره صح ذلك البيع بناء على كون الوجه في البطلان حديث الرفع على ما ذكره السيد في الحاشية (2فإنّه ناقش في دلالة الآية بدعوى ظهور التراضي في الارادة ، لتقوم الاكراه بوجود المكره فلا إكراه .)أمّا على ما سلكناه من كون الفساد من جهة عدم طيب النفس فيفسد البيع


1) الوسائل (5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير).

2) حاشية المكاسب (اليزدي) : 120 .

لذلك ، لأنّ طيب النفس أمر قلبي يتبع الاعتقاد ، الاعتقاد ، فإذا اعتقد وجود المكره فباع لم يكن بيعه صادراً عن الرضا النفساني ولو لم يكن هناك مكره واقعاً ، وإذا انعكس الأمر ينعكس كما إذا كان هناك مكره على بيع داره ولم يحرزه البائع لعدم معرفته بلغته فباع داره ، صح بيعه لصدوره عن طيب نفسه .فالثمرة تظهر بين مسلكنا وما ذهب إليه المصنّف (قدّس سرّه والسيد في الحاشية في صورة اعتقاد وجود المكره له على بيع داره فباعها مع فرض عدم وجود المكره في الواقع .)الجهة الثانية : هل يعتبر في الاكراه كون الضرر المترتّب على الترك صادراً من الأمر أو يكفي ترتّبه ولو من غيره ، مثلاً إذا أمره أحد ببيع داره ولم يكن الضرر على الترك مترتّباً من قبله بل يحصل الضرر من قبل شخص آخر كما إذا كان الأمر عزيزاً عند السلطان وظنّ صاحب الدار أنّ مخالفة عزيز السلطان تحمل السلطان على إضراره ، فإذا باع الدار في هذا الحال فهل يفسد البيع أو لا ؟ الظاهر فساده ، أما بناءً على طيب النفس فواضح لعدم تحقّقه في الفرض ، وأمّا بناءً على مانعية الاكراه فلأن أمر الأمر وإن لم يكن إكراها إلّا أنّه موضوع لأمر السلطان وإكراهه وترتّب الضرر على مخالفته ، ونظيره ما إذا أمر السلطان شخصاً ببيع داره ومضى فان الضرر على الترك يكون من قبل خدمه وشرطته ، فانّ أمر السلطان يكون موضوعاً لاكراه الخدم ، فالاكراه موجود لا محالة .وأمّا إذا فرضنا أنّ الضرر المتوجّه على الترك سماوي كما إذا علم البائع أنّه إذا خالف أمر السيد أو المؤمن الخاص ببيع داره فلم يفعل يتضرر بمرض أو موت أو نحوهما فباعها ، فالظاهر صحّة البيع لما عرفت من أنّ إكراه الشارع على المعاملة لا يوجب فسادها ، لأنّ الشارع هو المالك حقيقة ومرجع إكراهه إلى الرخصة في المعاملة وإمضائها في مورد خاص وإن فرضنا صدور المعاملة عن غير طيب

قوله (رحمه اللّه : هل يعتبر في موضوع الاكراه الخ(1).)النفس ، وإلّا لزم اللغو كما عرفت ، ولذا لم يستشكل أحد في صحّة الوقف لو بنى أحد مسجداً خوفاً من زوال نعمه إذا لم يفعله ، ولم يقل أحد ببقاء ذلك على ملك مالكه .الجهة الثالثة : هل يعتبر في الاكراه الاطمئنان أو الظن بالضرر أم يكفي الاحتمال ؟ ظاهر المصنّف (قدّس سرّه (1)اعتبار الظن ، ولا يبعد ذلك بناء على أنّ الموجب للفساد هو عنوان الاكراه ، وربما يقال بتقومه بظن الضرر وإن كان قابلاً للمناقشة ، وأمّا بناء على المختار من أنّ الموجب للفساد انتفاء طيب النفس فلا ينبغي الاشكال في كفاية الاحتمال ولذا إذا قال له أحد : بع دارك وإلّا حبستك فاحتمل صاحب الدار أنّ الأمر رجل عادي لا يتمكن من حبسه ثمّ احتمل أنّه حاكم البلد فخاف منه وباع داره ، فلا يكون هذا البيع عن طيب نفس بالضرورة فيقع باطلاً .)### بحث حول التورية(1هذه الجهة الرابعة ممّا يتعلق بالاكراه وهي هل يعتبر في صدق الاكراه عدم التمكن من التفصي بالتورية أو بغيرها أو لا يعتبر ؟ أقوال ثالثها : التفصيل بين الاكراه على المعاملة والاكراه على غيرها من الأفعال كالشرب ونحوه فيعتبر ذلك فيها دون المعاملات ورابعها : التفصيل بين إمكان التفصي بغير التورية فينافي الاكراه وبين إمكان التفصي بالتورية فقط فلا يخلّ بصدق الاكراه . خامسها : التفصيل بين الحكم والموضوع فيقال باعتبار عدم التمكن من التفصي في صدق الاكراه موضوعاً وعدم اعتباره فيه حكماً ، فإذا أكره أحد على بيع داره وأمكنه)


1) المكاسب 3 : 311

التفصّي فلم يفعل وباع الدار كان فاسداً وإن لم يصدق عليه عنوان الاكراه .ثمّ ليعلم أنّ التورية لا تختص باللفظ الموهم للمخاطب أو السامع خلاف ما قصده المتكلّم ، بل هي عبارة عن مطلق الايهام وقد فسرت به فتعم التورية في القول أو الفعل ، فإذا فعل الانسان فعلاً أوهم للغير وقوع فعل آخر كان مصداقاً للتورية ، فالتورية تارةً تكون في القول وأخرى في الفعل كما إذا أكره على شرب الخمر مثلاً فصبّه في جيبه بنحو تخيل المكره أنّه شربه .وعليه فلا وجه لما صنعه بعض المحقّقين (1من التمثيل لما إذا تمكّن المكلّف من التفصّي بغير التورية بالتورية في الفعل كالمثال المتقدّم فإنّه من التورية في الفعل .)إذا عرفت ذلك نقول : الذي ينبغي أنّ يقال هو أنّ الاكراه لا موضوعية له في فساد المعاملة الصادرة عن إكراه ، وإنّما الموضوع للبطلان عدم تحقّق طيب النفس الذي هو معتبر في صحّة المعاملة ، وإنّما نحكم ببطلان المعاملة الصادرة عن إكراه من جهة فقدانها طيب النفس .وعليه فإذا أكره أحد على معاملة كبيع داره مثلاً وكان متمكّناً من التفصي وقد مثل له المصنّف بما إذا كان المكرَه - بالفتح - جالساً في حجرته وحده فأكرهه المكره على بيع داره وكان له خدم خارج الغرفة وكان متمكناً من الاستعانة بهم في دفع ضرر المكره من دون استلزامها الحرج أو الضرر أو المشقة التي لا تتحمّل عادة فلم يفعل وباع داره ، فالظاهر صحته لصدوره عن طيب النفس والرضا وليس صادراً عن الاكراه ، لأنا ذكرنا أنّ الميزان في صدور المعاملة عن إكراه أن تكون صادرة عن خوف ضرر مالي أو عرضي أو بدني ، والمفروض في المقام عدم صدور البيع عن ذلك فلا محالة يكون صادراً عن طيب نفسه ، ولو لم يكن راضياً ب-ه لم يفعله.


1) وهو السيّد اليزدي في حاشية المكاسب ص 123 السطر 1 .

فلا وجه لما ذهب إليه المصنّف (رحمه اللّه من فساد ذلك لعدم صدوره عن طيب النفس ، وفصل بين تعلّق الاكراه بهذا النحو بالمعاملة فيوجب فسادها لاستلزامه صدورها لا عن طيب النفس ، وبين تعلّقه بغيرها كشرب الخمر مثلاً فلا يوجب رفع حرمته لعدم صدق الاكراه مع التمكن من التفصي بدون ضرر وحرج ومشقة ، فالتفصيل بين المعاملات وغيرها في الاكراه لا وجه له .)وأمّا ما ورد في رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام : « لا يمين في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه ، قلت أصلحك الله ، وما الفرق بين الجبر والاكراه ؟ قال : الجبر من السلطان ويكون الاكراه من الزوجة والأم والأب وليس ذلك بشيء » (1)فلا يستفاد منه عدم اعتبار عدم التمكن من التفصي في صدق الاكراه فانّ الاكراه من الأب والأم والزوجة لا يمكن التفصي عنه ويترتّب على مخالفتهم اختلال أمور معائش الانسان وأي ضرر أعظم منه.)وأمّا التفصيل بين التمكّن من التفصّي بالتورية فقط وبغيرها أيضاً كما صرّح به في المتن بدعوى أنّه عند التمكن من التفصي بالتورية يترتّب الضرر على ترك الفعل ولو بنحو القضية الشرطية ، أي إذا علم المكره بذلك ضره ويكفي هذا في صدق الاكراه ، وهذه القضية الشرطية غير متحقّقة عند التمكن من التفصي بغير التورية .ففيه : أنّه لم ندر من أي لغوي عرف المصنف (رحمه الله تقوم الاكراه بالقضية الشرطية حتّى مع القطع بعدم تحقّق المقدّم وأنّ المكره لا يعلم بذلك بل دائرة الاكراه أضيق من ذلك .)نعم إذا احتمل بالاحتمال العقلائي أنّ المكره يعرف ذلك وحصل له الخ-وف


1) الوسائل 23 : 235 / كتاب الأيمان ب 16 ح 1 (مع اختلاف يسير)

حرم ذاك التورية وتحقّق عنوان الاكراه ، فهو متقوّم بالقضية الشرطية مع احتمال وصول الأمر إلى المكره لا مع القطع بعدمه ، فهذا التفصيل أيضاً ساقط .وبالجملة : لا فرق في اعتبار عدم التمكّن من التفصي في صدق الاكراه ورفعه للآثار بين الآثار التكليفية والوضعية ، فإذا أكره أحد على معاملة وكان متمكناً من التفصي ولم يفعل كما في المثال المتقدم لا يكون الاكراه رافعاً لأثر المعاملة ، لأنها حينئذ تكون صادرة عن طيب النفس ، لعدم كونها صادرة عن الخوف فتكون صحيحة ، كما أنّه إذا أكره على شرب الخمر مثلاً وكان متمكناً من التفصي لا يكون مثل هذا الاكراه رافعاً للحكم التكليفي ، فالتفصيل بينهما بدعوى عدم طيب النفس في المعاملة فاسد.كما أنّ التفصيل بين إمكان التفصّي بالتورية فقط وبغيرها والقول بارتفاع الأثر بالاكراه في الأوّل لصدق القضية الشرطية دون الثاني لعدم صدقها أيضاً فاسد ، إذ لا يكفي في تحقّق الاكراه مجرد القضية الشرطية مع الجزم بعدم تحقّق مُقدّمها وأن المكره - بالكسر - لا يعلم بالتورية ، بل لابدّ في تحقّق الاكراه من احتمال ذلك المورث للخوف ، فانّ التورية حينئذ تكون محرمة فيتحقّق عنوان الاكراه ولو مع التمكن منها.وأمّا ما استدلّ به المصنّف (رحمه الله (1)على عدم اعتبار العجز عن التفصي بالتورية من إطلاقات كلمات الأصحاب والأخبار ، وكون حملها على فرض العجز من الحمل على الفرد النادر ، فعجيب منه (قدّس سرّه) لأن موضوع الروايات وكلماتهم إنّما هو عنوان الاكراه فإذا فرض تقومه بالعجز لا يعم غيره ليكون تخصيصه بصورة العجز من الحمل على الفرد النادر بل لا يعمّه الموضوع رأساً .)


1) المكاسب 3 : 313.

وأمّا التمسّك بحديث عمّار وتقريره (صلى الله عليه وآله إيّاه على عدم التورية حيث لم ينبّه النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عماراً بها ، ففيه :)أوّلاً : أنّ جلالة قدر عمّار يقتضي أنّه ورّى في ذلك ولم يقصد الكفر والتبرّي من النبي (صلّى اللّه عليه وآله ودينه حقيقة ، فأظهر الكفر صورة ، كما أنّ الكافر إذا أكره على الشهادتين يورّي فيهما من دون قصد المعنى وعقد القلب عليهما ، ولذا لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله بها .)وثانياً : لا يبعد القول بعدم إمكان التورية في إظهار الكفر والتبري كما لا يمكن ذلك في السب والهتك ، فلا يكون التورية رافعاً لحرمته ، مثلاً إذا سبّ أحد بعض الأكابر علناً على رؤوس الأشهاد وقصد في نفسه شخصاً فاجراً لضرب على فعله ، لأن مجرد قصد غيره لا يرفع عنوان هتك المؤمن الكبير وقبحه ، فليس في عدم تنبيه النبي (صلى الله عليه وآله للتورية تقرير لعدم لزومها .)والظاهر أنّ ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه من صراحة بعض الأخبار بحسب المورد في فرض التمكن من التورية أراد به حديث عمار ، لأن غيره لا ظهور له في ذلك فضلاً عن الصراحة . وأمّا التمسّك برواية ابن سنان المتقدّمة بدعوى أنّ الغالب التمكن من التفصي عن إكراه الوالدين والزوجة ، فغير تام أيضاً لما عرفت من أنّ الموضوع فيها عنوان إكراه الوالدين والزوجة فلا يعمّ إلّا صورة عدم التمكن من مخالفتهم وترتّب الضرر عليها .)نعم يستفاد منها أمر ، وهو كفاية الضرر الخفيف في رفع الأثر الوضعي كاليمين وإن لم يكن رافعاً للأثر التكليفي كالحرمة لضعفه وقلّته فتأمل ، لأن الغالب أنّ الضرر المترتّب على مخالفة الأبوين أو الزوجة ضعيف جداً مثل النزاع والجدال الداخلي لا يرفع الحكم التكليفي ، ولذا لا يكتفى بمثله في رفع الحرمة إذا أكرهت الزوجة

قوله (رحمه الله : إذا أكره الشخص على أحد الأمرين المحرمين(1).)زوجها على شرب الخمر ولا يترتّب على تركه إلّا الاختلال الداخلي ، ولكن يرتفع به الأثر الوضعي في المعاملات ومنها اليمين فتأمّل .فالصحيح اعتبار العجز عن التفصي في صدق الاكراه .وأمّا التفصيل بين الاكراه من حيث الموضوع دون الحكم ، بدعوى أنّ جريان حكم الاكراه مع القدرة على التورية تعبّدي ، فلم نعرف له وجهاً ، لأن ذلك يحتاج إلى قيام الدليل على ثبوت حكم الاكراه لغير الاكراه وهو مفقود ، هذا كلّه في بيان أصل الاكراه فيقع الكلام في فروعه.### إکراه علی الجامع(1 المحكي عن جماعة صحّة العقد إذا أكره على الجامع بينه وبين غيره كما إذا أكره على بيع داره أو طلاق زوجته فطلقها ، بدعوى أنّ ما وقع في الخارج ليس بشخصه متعلّقاً للاكراه ، لأنّ الاكراه. إنّما تعلّق بالجامع دون الشخص ، فهو صادر عن طيب النفس فيترتّب عليه الأثر .)وقد أورد عليه المصنّف (رحمه اللّه (1):أوّلاً : بالنقض وأنّ الاكراه على الجامع لو لم يكن رافعاً لأثر ما وقع في الخارج لكونه واقعاً عن طيب النفس لزم عدم ترتّب الأثر على الاكراه مطلقاً ، لأن الاكراه دائماً يكون على الجامع والطبيعي والخصوصيات تكون خارجة عن حيّز الاكراه ، مثلاً يكره على البيع وأمّا من حيث الخصوصيات الشخصية من المكان والزمان والفارسية وغيرها ، فلم يتعلّق بها إكراه ويكون تحقّقها بطيب النفس .)وفيه : أنّ النقض غير وارد لأنّ الخصوصيات على قسمين :


1) المكاسب 3 : 320 .

منها : ما تكون دخيلة في موضوع الأثر بل تكون هي الموضوع حقيقة كما في الاكراه على الجامع بين البيع والطلاق ، فانّ خصوصية الطلاق هي المؤثّر في أثر البينونة والمفروض تحقّقها بطيب النفس ، وليس ذاك الأثر مترتّباً على الجامع الذي تعلق به الاكراه ، فما تعلّق به الاكراه ليس موضوعاً للأثر وما هو الموضوع للأثر لم يتعلّق به الاكراه .ومنها : ما لا تكون دخيلة في الأثر أصلاً كالخصوصيات الشخصية في البيع فانها وإن لم تكن متعلّقة للاكراه إلّا أنها لا يترتّب عليها أثر أصلاً ، وإنّما الأثر للطبيعى والمفروض تعلّق الاكراه به فلا يقاس إحدى الخصوصيتين بالأخرى .والذي ينبغي أنّ يقال : أنّه إذا تعلّق الاكراه بالجامع بين الأفراد العرضية ولو انتزاعياً ليس كل من أفراده بخصوصه متعلّقاً للاكراه ، لما عرفت من أنّ الفعل إنّما يكون مكرهاً عليه فيما إذا كان صادراً عن خوف ترتّب ضرر على تركه ، ومن الواضح أنّ ترك كل من الأفراد أو الفردين العرضيين لا يترتّب على تركه الضرر إذا كان تركاً إلى بدل ، أي تركه باتيان الفرد الآخر وهكذا العكس ، فليست الأفراد حينئذ مكرهاً عليها ، وإنّما هي مصداق للمكره عليه لا نفسه ، وكذلك الحال في الاضطرار إلى الجامع .وقد ذكرنا في بحث الأوامر أنّ متعلّق الأمر في الوجوب التخييري ليس إلّا عنوان أحد الأشياء أو الشيئين ، وأمّا الأفراد بخصوصياتها فليست متعلّقة للأمر مثلاً إذا قال المولى : صلّ أو صم ليس المأمور به خصوص الصوم ولا خصوص الصلاة ، بحيث من يختار الصلاة كانت هي الواجبة في حقه ، ومن اختار الصوم كان هو الواجب عليه ، فإنّه منافٍ للاشتراك في التكليف ، بل كل من الأفراد يكون مصداقاً للمأمور به ، ويجري هذا في تعلّق كل من الاكراه أو الاضطرار إلى الجامع.إذا عرفت هذا نقول : صور الاكراه على الجامع خمسة : لأنّه تارةً يتعلّق

الاكراه أو الاضطرار بالجامع بين محرّمين فيكرهه على أحد الأم--ري-ن م-ن ش-رب الخمر أو قتل النفس . وأخرى يتعلّق بالجامع بين الحرام والمباح . وثالثة يتعلّق بالجامع بين المباح والمعاملة . ورابعة يتعلّق باحدى المعاملتين بالمعنى الشامل للعقود والايقاعات. وخامسة يتعلّق بالجامع بين الحرام والمعاملة أي بين ما تعلّق به الحكم التكليفي والوضعي .أمّا الصورة الأولى : وهي تعلّق الاكراه بأحد المحرمين ، فقد عرفت أنّ كلاً منهما بخصوصه ليس مكرهاً عليه ، وإنّما الاكراه متعلّق بالجامع فترتفع حرمته بالاكراه فيجوز ارتكابه بل قد يجب ، ولكن بما أنّ الجامع لا يمكن إيجاده إلّا في ضمن إحدى الخصوصيتين فمقدّمة لارتكاب الجامع المكره عليه يضطر المكلّف إلى ارتكاب إحدى الخصوصيتين ، فيثبت الترخيص في إحداهما بنحو التخيير ، فإذا أتى بالجامع في ضمن إحداهما لم يرتكب محرّماً .نعم ، إذا أتى بالجامع في ضمن كلتا الخصوصيتين ، فقد ارتكب المحرّم لعدم ثبوت الترخيص إلّا في إحداهما . فإذا كانت الخصوصيتان متساويتين في الأهمية يتخيّر المكلّف بينهما ، وإن كانت إحداهما أهم كما إذا أكره على شرب الخمر أو شرب الماء المتنجس تعيّن ارتكاب المهم دون الأهم ، لأنّ شرب الخمر في المثال مشتمل على شرب النجس وزيادة .وأمّا الصورة الثانية : وهي الاكراه على الجامع بين الحرام والمباح ، فهو غير رافع لحرمة الحرام ، وإن صدق الاكراه على الجامع بينه وبين المباح ، ولا أثر لمثل هذا الاكراه لأن الجامع بين الحرام والمباح لم يكن حراماً ، وليس المكلف مضطراً إلى ارتكاب الخصوصية المحرّمة مقدّمة لارتكاب الجامع الذي أكره عليه ، بل يكون المقام نظير ما إذا كان المكلّف متمكناً من التفصي بغير التورية .وأمّا الصورة الثالثة : وهي تعلّق الاكراه بالجامع بين المباح والمعاملة ، كما

إذا أُكره أحد على السكوت أو بيع داره مثلاً ، فالاكراه فيها أيضاً لا يرفع أثر المعاملة إذا اختارها ، لما تقدّم في الصورة السابقة ، فانّ المعاملة في الفرض تكون صادرة عن طيب النفس ، إذ لا نعني بها إلّا ما يقابل المعاملة الصادرة عن الخوف ومن الظاهر أنّ الاقدام عليها في الفرض ليس من أجل الخوف على الترك فتصح .ومن هنا ظهر الحال فيما إذا أكره على الجامع بين المعاملة الصحيحة والفاسدة بأن قال له : بع دارك أو أوقع معاملة غررية مثلاً ، فان الاكراه على الفاسدة لا أثر له ، فإذا اختار الصحيحة صحّت إذا كان عالماً بفساد المعاملة الغررية ، لصدورها عن طيب النفس لا الاكراه ولا الاضطرار الجامع بينهما خوف الضرر على الترك ، إذ ليس في ترك الصحيحة ضرر ليكون صدورها عن إكراه أو اضطرار . وهكذا ظهر الحال إذا أكره على الجامع بين المعاملة الصحيحة وما يكون مورد حقّ الغير ، كما إذا أكره على الجامع بين بيع داره وإيفاء دينه . وأمّا الصورة الرابعة : وهي ما إذا أكره على إحدى المعاملتين كطلاق زوجته أو بيع داره ، فتفسد فيها المعاملة التي يختارها المكره ، وذلك لأن الاكراه وإن لم يتعلّق بكل من المعاملتين ، وإنّما تعلّق بالجامع ، إلّا أنك عرفت اضطرار المكره إلى ارتكاب إحدى الخصوصيتين مقدّمة لدفع الضرر المترتّب على ترك الجامع ، فهو مضطر إلى إحدى المعاملتين ، وهذا الاضطرار يرفع الأث-ر ع-ما يختاره المكره خارجاً .وهذا الاضطرار لا يقاس بالاضطرار الذي قلنا بعدم كونه رافعاً للأث-ر الوضعي ، لأنّ شمول حديث الرفع له خلاف الامتنان ، وذلك لأن الاضطرار هناك كان ناشئاً عن الضرر الخارجي، وفي المقام الاضطرار ناش من ضرر داخلي أعني الضرر المترتّب على ترك الجامع من جهة الاكراه عليه ، وهذا رافع للأثر الوضعي أيضاً ، بل ينا في طيب النفس .

وأمّا الصورة الخامسة : وهي ما إذا تعلق الاكراه بالجامع بين الحكم التكليفي والوضعي، كما إذا أكره على بيع داره أو شرب الخمر مثلاً ، فلابدّ من التكلّم فيها من وجهين : أحدهما من حيث الحكم التكليفي وأنّه يرتفع الحرمة بالاكراه أو لا ، وثانيهما من حيث الحكم الوضعي .أمّا الحكم التكليفي فالظاهر عدم ارتفاعه ، وذلك لأن المعاملة ليست من المحرمات وإنّما هي من المباحات ، فيكون المقام من قبيل الاكراه على الجامع بين الحرام والمباح ، فيكون المكلّف متمكناً من التفصي عن ارتكاب الحرام باختيار المعاملة ، فالحرمة لا ترتفع بذلك .وأمّا الحكم الوضعي إذا اختار البيع ، فالظاهر عدم ترتّبه عليه ، وذلك لصدوره عن خوف ترتّب الضرر على الترك ، بعد فرض بقاء الحرمة في الطرف الآخر . وبعبارة أخرى : شرب الخمر ضرر في نفسه فيترتّب على ترك البيع أحد ضررين : إمّا شرب الخمر ، وأمّا الضرر المتوعّد عليه من طرف المكره ، فليس صادراً عن طيب النفس بل يكون صادراً عن خوف الضرر الجامع بين الاكراه والاضطرار ، هذا كله في الاكراه على الجامع بين الأفراد العرضية .وأمّا الاكراه على الجامع بين الأفراد الطولية ، كما إذا أُكره على فعل محرّم في اليوم أو في الغد مثلاً ، أو أكره على بيع داره في اليوم أو بعده ، فهل يكون رافعاً للأثر عن أحدهما ، من غير فرق بين الفرد السابق واللاحق مطلقاً ، أو يفصل بين التكاليف والوضعيات ، ففي التكليفيات لا يرتفع الأثر إلّا عن الفرد اللاحق ، بخلاف الوضعيات فإنّه يرتفع الأثر بالاكراه فيها ولو اختار الفرد السابق لسراية الاكراه إليه ، ولتساوي الفردين بالنسبة إلى الجامع المكره عليه ، كما ذكره المحقّق النائيني

(رحمه اللّه (1)وذكر في الأصول (2)تعيّن الفرد السابق في التكليفيات في صورة واحدة :)وهي ما إذا كان الفرد اللاحق أهم في نظر الشارع ، كما إذا أكره على شرب النجس في اليوم أو قتل مؤمن في الغد ، فإنّه يتعيّن عليه دفع الاكراه بالفرد السابق واختياره ، لأنّ أهمية الفرد اللاحق يكون معجزاً شرعياً عنه فيجب حفظ القدرة على الفرد اللاحق بارتكاب الفرد السابق .نقول : أمّا ما أفاده في فرض أهمية اللاحق فهو تام ، وأمّا ما ذك-ره م--ن التفصيل فغير تام ، توضيح ذلك : أنّ الاكراه على الجامع بين الأفراد الطولية لا يوجب كون الفرد السابق صادراً عن خوف الضرر على تركه الذي هو الجامع بين الاكراه والاضطرار ، لعدم ترتّب ضرر على تركه في نفسه ، وإنّما يترتّب الضرر على تركه المنضم إلى ترك الفرد اللاحق ، ولذا لا يجوز للمكلّف ارتكابه .وهكذا الحال في التكاليف الوجوبية إذا أكره المكلّف على ترك أحد واجبين طوليين لا يجوز له ترك الفرد الأول حفظاً للقدرة على ارتكاب الفرد اللاحق ، بل لابدّ له من الاتيان بالواجب المتقدّم ، فيتعيّن ترتّب الضرر على الثاني فيجوز تركه لا محالة .نعم يختص ما ذكرناه بالواجبات الاستقلالية دون الضمنية ، كما إذا أكره أو اضطر إلى ترك التشهد مثلاً في الركعة الثانية أو الرابعة ، فإنّه لا يتعيّن فيه ترك الفرد اللاحق والاتيان بالسابق إلّا في الموارد المنصوصة ، وذلك لأن الأمر بالمركب يسقط بتعذر بعض أجزائه لا محالة .


1) منية الطالب 1 : 395 .

2) أجود التقريرات 4 : 277 - 278 .

إلّا أنّه في الصلاة ثبت الأمر بالمقدار الميسور منها ، إمّا للاجماع ، أو للروايات ، أو لغير ذلك . وهذا الأمر الحادث بعد التعدّر يدور أمره بين أنّ يكون متعلّقاً بالصلاة مع التشهد في الركعة الثانية ، أو بخصوص الصلاة مع التشهّد في الركعة الأخيره ، أو مع التشهد في الجملة ، فيكون من صغريات دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، وقد بيّنا في الأصول أنّ الأصل يقتضي البراءة عن التعيين ، فلا يقاس الاضطرار أو الاكراه على الجامع في الواجبات الضمنية بالواجبات الاستقلالية ، لأنّ الشكّ هناك فى سقوط التكليف عن الفرد الأول بالاكراه على الجامع وفي المقام في حدوث التكليف وتعلقه بخصوص الفرد الأول .نعم ، في بعض الأجزاء يظهر من الأدلة تعيّن الاتيان بالفرد السابق م-ع الاضطرار إلى ترك الجامع كالقيام لقوله ( عليه السلام : « إذا قوي فليقم » (1)فإنّه يصدق التمكن منه في الركعة الأولى إذا لم يتمكن منه إلّا في إحدى الركعات ، هذا كله في التكاليف .)وقد ظهر الحال في الوضعيات أيضاً ، فانّ الفرد السابق من المعاملة التي أكره على الجامع بينها وبين الفرد اللاحق ليس ممّا يخاف الضرر على تركها في نفسه إلّا منضمّاً إلى ترك الآخر ، ليكون مكرهاً عليها أو مضطراً إليها ، فإذا اختارها المكره كان صدورها عن طيب نفسه واختياره فتصح ، وهذا بخلاف الفرد اللاحق فإنّه يصدر عن خوف الضرر على تركه بعد ما ترك الفرد الأول لا محالة .نعم ، بناءً على ما اختاره في المتن من عدم تحقّق طيب النفس بمجرد الاكراه مع إمكان التفصي بالخروج عن المحل الذي هو فيه ولو لم يكن فيه حرج ولا ضرر ولا مشقة ، أمكن القول بعدم ترتّب الأثر على الفرد الأول من المعاملة في المقام إذا


1) الوسائل 5 : 495 / أبواب القيام ب 6 ح3 .

قوله (رحمه اللّه : ثمّ إنّ إكراه أحد الشخصين ... الخ(1).)اختارها ، إلّا أنّك عرفت فساد المبنى .### إکراه احدالشخصین(1إكراه أحد الشخصين أو الأشخاص يكون نظير الواجب الكفائي الذي ذكرنا تعلّق الوجوب فيه بالجامع بين الشخصين أو الأشخاص ، ففي إكراه أحد الشخصين أيضاً يكون متعلّق الاكراه هو الجامع بينهما ، وهو تارةً يكون في مورد الأحكام التكليفية ، وأخرى في الأحكام الوضعية . وعلى الثاني تارة يكون المكره عليه متعدّداً مع قطع النظر عن المصدر ، وأخرى يكون تعدّده بلحاظ المصدر فالأقسام ثلاثة :)أمّا القسم الأوّل : أعني إكراه أحد الشخصين على فعل محرّم ، فالظاهر أنّه لا يرفع الأثر التكليفي - أي الحرمة - عن فعل كل منهما ، إلّا إذا اطمأن بأن الآخر لا يأتي به ، أو احتمل ذلك احتمإلّا عقلائياً لخوف الضرر على تركه ، وذلك لأنّ التكليف ينحل إلى تكاليف عديدة بحسب أفراد المكلّفين ، ويكون لكل منهم تكليف مغاير لتكليف الآخر أجنبي عنه ، ولا يسقط التكليف عن كلّ منهما إلّا إذا اطمأن بالضرر فإنّه حجّة ، أو احتمله احتمإلّا عقلائياً ، وإلّا فإذا احتمل أنّ الآخر يرتكبه لكونه غير مبال بالدين مثلاً بحيث ارتفع عنه خوف الضرر على الترك ، فالتكليف المتعلّق به باقٍ لابدّ له من امتثاله ولا يجوز مخالفته .وأمّا القسم الثاني : وهو ما إذا تعلّق الاكراه بالجامع بين الشخصين في الوضعيات مع فرض تعدّد المكره عليه في نفسه ، كما إذا أكره الجائر أحد الشخصين على بيع داره ، فانّ بيع كل من الدارين في نفسه يغاير بيع الدار الآخر ، وهذا القسم يكون ملحقاً بالقسم الأول ، فانّ كلاً منها أنّ احتمل احتمإلّا عقلائياً رافعاً للخوف صدور البيع من الآخر ومع ذلك أقدم على بيع داره فلا محالة يكون ب-ي-ع-ه ب-ط-يب

قوله (رحمه اللّه : واعلم أنّ الاكراه قد يتعلّق ... الخ(1).)نفسه ، ولا يكون صادراً عن خوف الضرر فيكون صحيحاً ، وأمّا إذا لم يحتمل ذلك ، أو احتمله ولم يكن احتمإلّا رافعاً للخوف ، فيكون العقد الصادر منه مستنداً إلى الخوف فيكون فاسداً .وأمّا القسم الثالث : وهو الفرض مع اتّحاد المكره عليه في نفسه وكون تغايره بلحاظ تغاير المصدر ، كما إذا أكره أحد الوكيلين على بيع دار موكله الشخصية ، فانّ المكره عليه حينئذ يكون أمراً شخصياً خارجياً والاختلاف يكون من ناحية مصدر بيع الدار الشخصية ، أو نفرض تعلّق الاكراه بما يعم الوكيلين والموكل.والظاهر ارتفاع الأثر عن العقد في هذا القسم على جميع التقادير ، وذلك لأنّ موضوع الأثر فيه ليس هو العقد الصادر عن الوكيل بمعناه المصدري ، وإنّما هو العقد المستند إلى الموكل بالمعنى الاسم المصدري ، والعقد بهذا المعنى - أي العقد المستند إلى الموكل - لا يكون صادراً عن طيب النفس ، بل يكون صادراً عن إكراه ولو لم يكن بمعناه المصدري كذلك .وبعبارة أخرى : مورد الامضاء الشرعي هو العقد الصادر عن الجامع بين الوكيلين لا عن خصوص كل منهما ، والمفروض كون العقد الصادر عن الجامع مكرهاً عليه ، فيكون فاسداً سواء علم المصدر بعدم إقدام الآخر عليه أو احتمله أو علم بخلافه .### صور الاکراه من حیث تعلّقه بالمالک أوالعاقد(1صور المسألة ثلاثة : لأنّه قد يتعلّق الاكراه بالمالك العاقد كما هو الغالب وقد يتعلّق بالمالك دون العاقد ، وقد ينعكس الأمر فيتعلّق الاكراه بالعاقد دون المالك.)أمّا الصورة الأولى : فقد تقدّم الكلام فيها وأن الاكراه فيها رافع للأثر

سواء كان وضعياً أو تكليفياً على تفصيل تقدّم .وأمّا الصورة الثانية : كما إذا أكره المالك على توكيل غيره في بيع داره ، وبعد تحقّق الوكالة باعها الوكيل باختياره وطيب نفسه ، فالاكراه فيها لا محالة يكون في التوكيل فيكون فاسداً . فان حصل للمالك طيب النفس بالوكالة في أثناء الاكراه ووقوع العقد ، فتصح الوكالة بناء على صحّة العقد الصادر عن إكراه إذا لحقه طيب نفس مالكه ، فتنفذ معاملة الوكيل مطلقاً ، وإلّا فتكون المعاملة الصادرة عن الوكيل فضولية ، فان كانت قابلة للحوق الاجازة بها ولحقته الاجازة صحت كما في العقود وأمّا إذا لم تكن قابلة بأن كانت إيقاعاً ، كما إذا أكره الزوج على توكيل غيره في طلاق زوجته فوكله فطلقها اختياراً ، فانّهم ادعوا الاجماع على بطلان الايقاع الفضولي وعدم قابليته للحوق الاجازة به ، وإن كان مشمولاً لدليل صحّة الفضولي على ما سيأتي الكلام فيه ، فلا محالة تكون فاسدة لا يترتّب عليها الأثر ، وهكذا إذا كانت قابلة للاجازة ولكن لم يجزها المالك .وأمّا الصورة الثالثة : وهى ما إذا تعلّق الاكراه بالعاقد دون المالك ، وفي هذه الصورة تارةً يكون المكره - بالكسر - هو المالك ، وأخرى يكون غيره ، وعلى الثاني تارةً يكون المكره - بالفتح - وكيلاً عن المالك للعقد وأخرى يكون شخصاً أجنبياً عنه .أما إن كان المكره هو المالك كما إذا أكرهت المرأة عالم البلد على تزويج نفسها لشخص خاص ، أو أكرهه المالك على بيع داره ، فالظاهر هو الصحّة ولا يترتّب الأثر على الاكراه ، وذلك لعدم شمول شيء من أدلّة رفع الأثر عن الاكراه للمقام . أما قوله سبحأنّه (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (1)فلأنّه إنّما يعتبر التراضي)


1) النساء 4 : 29 .

في التجارة ، ولا تصدق التجارة على فعل مُجري الصيغة ليعتبر صدوره عن طيب نفسه ، والمعتبر فيها على ما استظهرناه من الآية رضا المالك ومن بمنزلته من الولي والوكيل دون غيره ، والمفروض تحقّقه في المقام.وأمّا النبوي وهو قوله (صلّى اللّه عليه وآله : « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه » (1)فهو وإن كان شاملاً للتصرفات الاعتبارية مثل النقل والانتقال لأن حذف المتعلّق يفيد العموم ، إلّا أنّ المعتبر في الحلّ طيب نفس من له المال دون غیره .)وأمّا حديث الرفع فلأنّه لا يعم إلّا ما يكون مورداً للوضع لولا الاكراه أو الاضطرار ، وفعل مجري الصيغة بنفسه ليس موضوعاً للأثر فتأمل .وبعبارة أخرى : ليس في رفع الأثر في الفرض منة على المالك - فتأمل - ليعمه حديث الرفع الذي عرفت وروده في مقام الامتنان .وأمّا إن كان المكره غير المالك وكان المكره - بالفتح - أجنبياً ، فلا أثر لإكراهه لعين البيان المتقدم، فيكون العقد الصادر منه فضولياً يصحّ إذا كان قابلاً للحوق الاجازة به ولحقته ، وإلّا فيفسد .وأمّا إن كان المكره - بالفتح - وكيلاً مفوّضاً من قبل المالك ، فقد استشكل فيه صاحب المسالك (2وذهب فيه إلى فساد العقد .)والتحقيق : أنّ الوكيل المفوّض يكون لطيب نفسه ورضاه موضوعية في صحّة العقد ولذا يصحّ منه العقد ولو كان معزولاً ما لم يصل إليه عزله ، لكن بما أنّه بدل تنزيلي عن الموكل .


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (مع اختلاف يسير)

2) المسالك 9 : 23 .

قوله (رحمه اللّه : ولو أكرهه على بيع واحد غير معيّن ... الخ (1).)وإن شئت قلت : إنّ المعتبر إنّما هو رضا أحد الشخصين من الوكيل والموكّل وعليه إن كان المالك راضياً بالعقد دون الوكيل ، فالعقد الصادر منه يكون صحيحاً لما عرفت من أنّ الاكراه على إصدار العقد بمعناه المصدري لا أثر له ، وإن لم يكن راضياً به ، فان لحقه الرضا من الموكل أو الوكيل يصحّ ، بناء على ما سنبينه من صحّة العقد الواقع عن إكراه إذا لحقه رضا المالك ، وإلّا فيفسد .ولعل الوجه فيما ذكره صاحب المسالك من الفساد حتّى إذا رضي الموكل ، هو أنّ من صدر منه العقد عن إكراه لم يتحقّق منه الرضا ، ومن رضي بالعقد - وه-و الموكل - لم يكن العقد صادراً منه ، وقد عرفت أنّ صدور العقد بالمعنى المصدري لا يترتّب عليه أثر أصلاً .ويؤكّده الفرع الآتي وهو صحّة عقد المكره إذا تعقبه طيب نفس المالك ، فانّ حيثية صدوره عن إكراه لا يرتفع بالرضا المتأخر ، فلو كان له أثر لم يرتفع بالرضا بالعقد فيما بعد ، وهذا ظاهر .### الاکراه علی شیء واتیان المکره بشیء آخر(1 بعد ما عرفت من أنّ الاكراه رافع للأثر حتّى الأثر الوضعي ، يقع الكلام فيما إذا اختلف المكره عليه مع ما وقع في الخارج، وفي فرض الاختلاف تارة يكون)الواقع في الخارج أمراً مبايناً مع المكره عليه ، وأخرى يكون أكثر أو أقل منه .أمّا إذا كان ما وقع في الخارج أكثر من المكره عليه ، كما إذا أكرهه الجائر على بيع أحد عبديه فباعهما معاً ، فتارةً يكون المكره عليه هو الأق--ل ب-ش-رط لا ع-ن الزيادة ، ويكون ما أوقعه المكره في الخارج بشرط شيء ، ولا إشكال في صحّة المقدار الزائد في هذا الفرض ، لأنّه مباين للمكره عليه ، ولم يتعلّق به الاكراه كما هو ظاهر. وأخرى لا يكون المكره عليه بشرط لا عن الزيادة، بل ما وقع عليه الاكراه

هو الجامع بين الأمرين كما في المثال .وعليه أيضاً تارة يكون لانضمام كل من الشيئين دخل في مالية الآخر كفردي النعال أو مصراعي الباب ، وفي هذا الفرض إذا أكرهه الجائر على بيع أحدهما فباعهما معاً ، بطل البيع في الجميع لاستناده إلى خوف ضرر الجائر ، فانّ المكره عليه وإن كان بيع أحدهما ، إلّا أنّه إنّما يختار بيع كليهما من باب كونه أقل ضرراً ، إذ لو باع واحداً منهما لبقي الآخر بلا فائدة ، ولا يحصل رغبة في شرائه ، فبعد ما أكره على بيع أحدهما ، إذا لم يبع شيئاً منهما يقع في ضرر الجائر ، وإذا باع أحدهما دون الآخ---ر تضرر من جهة بقاء الآخر بلا راغب يرغب في شرائه ، ولا ينتفع به ، فلا محالة يبيعهما معاً ، فيكون بيع كليها مستنداً إلى خوف ضرر الجائر فيبطل .وأخرى لا يكون لانضمام كل من الشيئين دخل في مالية الآخر ، كما إذا أكرهه الجائر على بيع أحد فرسيه فباعهما معاً دفعة واحدة كما هو المفروض ، فهل يصحّ البيع في كليها كما اختاره المصنف (رحمه الله (1)، لأن ما وقع خارجاً - وه-و ب-ي-ع كليها - لم يكن مكرهاً عليه ، أو يعيّن الصحيح منهما بالقرعة ، أو يبطل البيعان ، لأن صحتهما معاً غير ممكن ، لكون أحدهما مكرهاً عليه ولا تعيّن له في الواقع فيبطل كلا البيعين ، إذ لا معنى لامضاء أحدهما غير المعيّن ، كما عن بعض مشايخنا المحقّقين (رحمهم اللّه)(2)؟ وجوه .)والظاهر هو صحّة أحدهما ، ويتعيّن باختيار البائع من دون حاجة إلى القرعة . أما صحّة البيع في أحدهما ، فلإطلاق الأدلة من قوله تعالى : (أَحَلَّ اللّهُ


1) المكاسب 3 : 324 .

2) حاشية المكاسب (الاصفهاني) 2 : 54 .

الْبَيْعَ (1)ونحوه . وأمّا فساده في الآخر فللعلم بأن عمومات البيع قد خصصت في أحد الشيئين قطعاً بحديث رفع الاكراه ، وهذا نظير ما إذا أكره أحد على شرب أحد الاناء ين اللذين فيهما الخمر فشربهما معاً ، فإنّه لا مجال فيه للقول بحرمة كلا الشربين وتعدد العقاب ، لاطلاق دليل حرمة شرب الخمر ، فإنّه مخصص في أحدهما بدليل رفع الاكراه قطعاً ، كما لا مجال للقول بجواز شرب كليهما ، لأن الاكراه لم يتعلّق إلّا بواحد منهما ، بل يكون أحد الشربين مباحاً والآخر حراماً عليه ، والمقام أيضاً كذلك ، فيكون أحد البيعين جائزاً لاطلاقات الأدلة ، وأحدهما فاسداً لحديث رفع الاكراه .)وأمّا كون التعيين باختيار البائع ، فلأنّ ما تعلّق به طيب النفس إنّما هو بيع أحد المبيعين ، فيكون من هذه الجهة من بيع الكلّي في المعين ، فتكون الخصوصيات الشخصية خارجة عن المبيع ، وتبقى في ملك البائع فيكون تعيين الكلي باختيار البائع .نعم في بعض الموارد لا يكون التعيين باختيار البائع ، فلا مناص فيها من الرجوع إلى القرعة ، وهي ما إذا كان المشتري متعدّداً ، كما إذا باع من شخصين ببيع واحد بناء على صحّة ذلك ، فإنّه لا مجال حينئذ لكون البائع مخيّراً في تعيين الصحيح من البيعين ، فان كلاً من المشتريين يريد صحّة شرائه ، فلابدّ من القرعة .وتوهم اختصاصها - أي القرعة - بما إذا كان الواقع معيّناً في نفس الأمر مدفوع باطلاق دليل القرعة ، وقد عمل بها الفقهاء فيما لا تعيّن له واقعاً ، كما فيما إذا كان لرجل ثلاث زوجات ، وتزوج بنفسه وبوكيله بالرابعة والخامسة في أنّ واحد فانّ تزويج إحداهما صحيح من دون تعيّن ، فذكروا أنّ ذلك يعيّن بالقرعة ، إلى غير


1) البقرة 2 : 275

ذلك من الموارد ، ففي المقام أيضاً يعيّن الصحيح بالقرعة .ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما يجري فيها إذا لم يكن المكره عليه معيّناً ، إمّا بتعيين المكره وأمّا بتعين ذلك ، نظير الوضع التعييني والتعيّني . وأمّا إذا كان متعيّناً كما إذا أكرهه الجائر على بيع أحد العبدين معيّناً فباعهما معاً ، فيكون الفاسد بيع المكره عليه دون غيره ، وهكذا إذا تعيّن بفعل البائع ، كما إذا باع العبدين تدريجاً فانّ المبيع أولاً يتعيّن في كونه مكرهاً عليه ، فيبطل دون بيع الفرد الآخر.ولا مجال حينئذ لتوهم جعل الثاني مكرهاً عليه باختيار البائع ، نظير تبديل الامتثال بامتثال آخر ، فانّ موضوع الاكراه ينتفي بالاتيان بالفرد الأول ، فكيف يمكن أنّ يكون الفرد الثاني مصداقاً للمكره عليه ، وهذا واضح . هذا كله فيما إذا كان الواقع في الخارج أكثر من المكره عليه .وأمّا إذا كان أقلّ منه كما إذا أكرهه الجائر على بيع داره أو عبده فباع نصف ذلك .فتارةً يكون بيع النصف مع كونه عازماً على بيع النصف الآخر ، غاية الأمر يأتي به تدريجاً لزعمه أنّ المكره عليه هو الجامع بين البيع التدريجي والدفعي ، وفي هذا الفرض لا إشكال في فساد البيع لكونه مكرهاً عليه ، ولا وجه لما ذكره المصنّف (رحمه الله وإشكاله في سماع دعوى ذلك في مقام الاثبات بقوله : لكن في سماع دعوى البائع ذلك مع عدم الأمارات نظر (1)فانّ نفس الاكراه قرينة على صدق دعواه .)وأُخرى يبيع النصف لاحتمال أنّ الجائر يكتفي به عن المجموع ، وفي هذا الفرض أيضاً لا إشكال فى الفساد ، لأن الاكراه على كل مقدار ينحل إلى الاكراه على أبعاضه ، مثلاً الاكراه على دفع مائة درهم إكراه على دفع الخمسين .


1) المكاسب 3 : 325

قوله (رحمه اللّه : قال في التحرير لو أكره على الطلاق ... الخ(1).)وثالثةً يكون المكره عليه بشرط شيء ويأتي المكره بالأقل بشرط لا . وفي هذا الفرض ربما يتوهم أنّ ما وقع مغاير للمكره عليه فيكون صحيحاً .ونقول : نفرض الكلام فيما إذا كان الواقع في الخارج مبايناً حقيقة مع المكره عليه ويتّضح به حكم المقام ، مثلاً إذا فرضنا أنّ الجائر أكرهه على بيع كتابه فباع رداءه بدلاً عنه من باب أهميته لديه أكثر من الرداء ، كان بيع الرداء فاسداً مع كونه مبايناً للمكره عليه ، وذلك لأن الدليل لرفع الاكراه كان أمرين :أحدهما : حديث الرفع ، وهو غير شامل للمقام ، لأن بيع الرداء لم يكن مكرهاً عليه .ثانيها : قوله تعالى : (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (1)وهو شامل للمقام فانّ بيع الرداء على الفرض لم يكن بطيب النفس ، فيكون أكل المال بسببه من الأكل بالباطل ، ففي المقام أيضاً بيع نصف الدار أو العبد لم يكن صادراً عن طيب نفس المالك ، فيكون أكل المال به من أكل المال بالباطل.)### حکم الاکراه علی الطلاق(1لابدّ في تفصيل الاكراه على الطلاق ونحوه من بيان أقسام الاكراه ، فإنّه يتصوّر على صور :)إحداها : أن يكرهه الجائر على الطلاق ونحوه ، إلّا أنّه متمكّن من دفع ضرر المكره ، أو يوطّن نفسه على تحمّل الضرر ومع ذلك يوقع الطلاق ، ولا إشكال في الصحّة في هذه الصورة ، والظاهر خروجه عن مورد كلام العلامة (رحمه الله.(2))


1) النساء 4 : 29 .

2) التحرير 4 : 51 .

ثانيها : أن يكرهه على الطلاق فيوقعه خوفاً من ضرر الجائر ، ولا إشكال في الفساد في هذه الصورة أيضاً ، من غير فرق بين كون المكره - بالفتح - معتقداً صحّة العقد الواقع عن إكراه لجهله بالمسألة ، أو اعتقد بأنّ دفع الضرر لا يكون إلّا بقصد حقيقة العقد أو الطلاق فقصده وبين غيره ، فانّ ذلك لا ينا في صدق الاكراه.ويؤيده : تمسّك الامام (علیه السلام بحديث رفع ما استكره عليه لفساد الحلف إكراهاً على الطلاق والعتاق من غير استفصال بين من يرى صحّة الحلف الصادر عن إكراه وبين من يرى فساده ، مع أنّ أغلب العامة (1)يرون صحّة ذلك ووقوعه فاحتمال الصحّة كما زعمه المصنّف (رحمه الله) في الفرض لا يناسب مقامه (قدّس سرّه) .)ثمّ إنّه لا فرق في تحقّق الاكراه بين أن يكون الضرر الموجود متوجهاً إلى نفس المكره أو ماله أو عرضه ، أو يكون متوجهاً إلى بعض متعلّقيه كولده مثلاً ، فإذا قال الولد لوالده : طلّق زوجتك وإلّا قتلت نفسي فطلقها بطل ، لأن موت الولد ضرر على الوالد ، ولذا لو أوعده الأجنبي بقتل ولده على ترك عمل ، صدق عليه عنوان الاكراه ، وهذا ظاهر .وثالثتها : أن يكرهه الجائر على الطلاق ويكون له الداعي النفساني على الطلاق أيضاً ، إلّا أنّه ليس كل من الأمرين تام الداعوية ، فإذا انضم أحدهما إلى الآخر تمت داعويته ، فكان كل من الاكراه والداعي النفساني جزء المقتضي . وفي هذا الفرض يكون الطلاق مستنداً إليهما معاً فيكون فاسداً، لأنّه وإن لم يكن مصداقاً للمكره عليه ، ولا يمكن التمسّك فيه بحديث رفع الاكراه ، إلّا أنّه لا يكون صادراً عن طيب النفس أيضاً ، لصدوره عن كلا الأمرين معاً ، وقد ذكرنا أنّ مقتضى قوله


1) تقدّم تخريجه في الصفحة 318 فما بعدها

تعالى : (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (1)اعتبار صدوره عن طيب النفس وهو مفقود .)ورابعتها : أنّ يكون كل من الاكراه والداعي النفساني كسوء خُلُق الزوجة في نفسه في المثال المذكور - تام الداعوية لطلاق الزوج ، بحيث لو فقد أحدهما أثر الآخر ، إلّا أنّ الأثر الفعلي لا محالة يستند إليهما معاً ، ففي هذه الصورة لابدّ من الحكم بالصحّة ، لاستناد الأثر إلى طيب النفس التام في مقام الداعوية ، وانضمام الاكراه إليه يوجب لا عدم تأثيره ، لأنّ الاكراه ليس مقتضياً للفساد ولا مانعاً من الصحّة ، وإنّما نقول بفساد المعاملة الصادرة عن الاكراه لعدم المقتضي - وهو طيب النفس - لا لوجود مقتضى الفساد ، فانضمامه إلى الداعي النفساني المقتضي للصحّة لا يمنع عن تأثيره ، وكثيراً ما ينضم الداعي النفساني إلى الداعي القربي في العبادات ، ويكون كل منهما تام الداعوية في نفسه ، ولا يخلّ بعباديتها .وعليه فلا وجه لقياس هذه الصورة بالصورة السابقة والقول بالبطلان فيها كما عن الميرزا (رحمه اللّه (2)بدعوى استناد الأثر في كلتا الصورتين إلى مجموع الاكراه والداعي النفساني ، فانّ الداعي النفساني في الصورة السابقة لم يكن تام الداعوية ، بخلافها في هذه الصورة ، فانّ طيب النفس فيها تام الداعوية ، غايته أنّه انضم إليه ما ليس مقتضياً للصحّة .)ثمّ مع التنزّل وفرض كون الاكراه مانعاً عن الصحّة نقول : شمول دليل رفع الاكراه لمثل المقام الذي يكون المالك طيّب النفس خلاف الامتنان .ثمّ أنّ المكره إذا تمكن من التورية ولم يفعل ، فالظاهر عدم صدق الاكراه لما


1) النساء 4 : 29 .

2) منية الطالب 1 : 406 .

قوله (رحمه اللّه : لو رضي المكره بما فعله صح العقد (1).)ذكرنا سابقاً من تقوم الاكراه بالعجز حتّى عن التورية ، وأن مجرد القضية الشرطية لا يحقق عنوان الاكراه ، ولعل هذا مورد حكم العلّامة بالصحّة ومراده من قوله : لو طلق ناوياً فالأقرب وقوع الطلاق(1.)### لو رضي المکره بما فعله حال الاکراه(1 ربما يقال بعدم ترتّب الأثر على عقد المكره حتّى بعد لحوق الرض-ا ب-ه والوجه في ذلك أحد أمرين :)الأوّل : اعتبار مقارنة طيب نفس المالك ورضاه مع العقد في مفهومه ، فلا يصدق عنوان العقد مع عدم مقارنة الرضاوفيه : أنّ العقد ليس إلّا كبقية المفاهيم مثل الأكل والشرب ونحوهما ، ومن الواضح أنّ الداعي لا دخل له في شيء من تلك المفاهيم ، فالأكل يصدق على الأكل الخارجي بأي داع حصل من طيب النفس أو الاكراه أو غير ذلك ، وهكذا مفهوم الشرب ، وكذلك مفهوم العقد. ولولا ذلك لزم عدم صدق العقد على بيع الفضولي وعدم صدقه على بيع المكره بحق ، فلابدّ وأن يكون ترتّب الأثر عليه بالتعبّد الشرعي لا بما أنّه عقد ، وهو كما ترى .الثاني : اعتبار مقارنة رضا المالك في صحّة العقد لا في مفهومه . وهذا وإن لم يكن كسابقه بديهي الفساد إلّا أنّ اعتبار ذلك في الصحّة مع صدق العقد بدونه يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على اعتباره وإلّا لزم بطلان عقد الفضولي وإن لحقته الاجازة لعدم اقترأنّه برضا المالك .وهناك وجهان آخران ، وهو اعتبار مقارنة رضا العاقد في مفهوم العقد أو في


1) التحرير 4 : 51 .

صحته . وقد ظهر الجواب عنهما بما تقدّم ، مضافاً إلى أنّ لازمه فساد بيع العاقد المكره على إنشاء الصيغة من قبل المالك ، وقد مرّ صحته .وبالجملة : صحّة بيع الفضولي بلحوق الرضا تستلزم صحّة بيع المكره بلحوق طيب نفس المالك ، بل في بيع المكره مرجّح للصحّة ، وهو صدور العقد من المالك دون بيع الفضولي ، فانها مشتركان في عدم مقارنة العقد لطيب نفس المالك ، إلّا أنّ الانشاء أيضاً في بيع الفضولي غير ناش من المالك بخلاف بيع المكره . اللهم إلّا أن يدعى الفرق بين بيع الفضولي وبيع المكره ، ويدعى قيام الدليل على اعتبار مقارنة العقد مع الرضا .أمّا الفرق بين بيع الفضولي والمكره فهو أنّ ظاهر قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)توجه الخطاب إلى الملاك ووجوب وفاء كل مالك بالعقد المستند إليه وليس الخطاب متوجهاً إلى غير الملاك ولا إلى المالك الذي لم يستند العقد إليه ، كما أنّ ظاهر قوله تعالى : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) (2)و وجوب غسل كل شخص وجه نفسه ويديه ، لا أنّ يغسل كل أحد وجه غيره ويديه ، فالأمر بالوفاء بالعقد أيضاً كذلك لا يراد به لزوم وفاء المالك بالعقد الصادر عن غيره .)ثمّ إنّ عقد الفضولي لا يكون عقداً للمالك ولا يستند إلي-ه ق-ب-ل إجازته ورضاه ، وعليه فخروجه عن عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قبل لحوق الاجازة به يكون بالتخصص ، لعدم كونه عقداً للمالك ، فإذا لحقته الاجازة يدخل حينئذ في عنوان العقود فيعمّه حكمها ، وهذا بخلاف عقد المكره ، فإن خروجه عن عموم الآية إنّما يكون بالتخصيص بمقتضى حديث رفع الاكراه ، لأنّه قبل لحوق الاجازة أيضاً عقد)


1) المائدة 5 : 1 .

2) المائدة 5 : 6 .

مستند إلى المالك ، فإذا خرج عن العموم بالتخصيص ، فرجوعه إليه بعد لح-وق الرضا يحتاج إلى دليل ، وهذا هو الفارق بينهما .ثمّ إذا استفدنا الحصر من قوله تعالى : (إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ كما هو الصحيح ، لأن الاستثناء فيه متصل لا منقطع كما زعمه المصنف في المقام ، والمعنى لا تأكلوا أموالكم بوجه من الوجوه فإنّه باطل إلّا أنّ تكون تجارة عن تراض ، فيفيد حصر سبب حل الأكل بالتجارة عن تراض ، ويصدق التجارة عن تراض على بيع الفضولي إذا لحقته الاجازة ، ولا يصدق التجارة الناشئة عن الرضا على بيع المكره بعد الحوق الرضا إليه ، لتأخّر الرضا عن تجارة المالك .)وبالجملة : يمكن الفرق بين بيع المكره وبيع الفضولي بما ذكرناه من أنّ بيع المكره من حين صدوره يستند إلى المالك ، فإذا خرج عن عموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالتخصيص فعوده إليه بعد لحوق الرضا يحتاج إلى دليل ، وهذا بخلاف بيع الفضولي فإنّه إنّما يستند إلى المالك ويدخل في موضوع الآية حين لحوق الاجازة ، فيثبت له الحكم ويترتّب عليه الأثر .)إلّا أنّ المصنّف (1استدلّ على صحّة بيع المكره بعد لحوق الرضا بوجهين :)أحدهما : أنّ رفع أثر بيع المكره بعد الحوق رضاه - أعني صحته حينئذ - خلاف الامتنان عليه ، فلا يعمّه حديث الرفع ، إذ لعل البيع يكون صلاحاً له فیرضی به . نعم [ عدم ] ترتّب الأثر عليه قبل الحوق الرضا به موافق للامتنان .وفيه : أنّ ما أفاده منافٍ لما أوضحه في بحث الأصول (2من أنّ حديث الرفع إنّما يرفع الآثار المترتّبة على الموضوعات بعناوينها إذا كان رفعها م--واف-قاً)


1) المكاسب 3 : 331

2) فرائد الأصول 1 : 363

للامتنان ، ولا يعمّ الأثر المترتّب عليها بعنوان العمد أو بعنوان الاكراه ونحوه م--ن الأمور المذكورة في الحديث ، وعليه فصحّة بيع المكره إذا لحقه الرضا أنّ دلّ عليها دليل يكون حكماً ثابتاً لعنوان الاكراه ، فلا يعمّها حديث الرفع ، سواء كان رفعها موافقاً للامتنان أو مخالفاً له . نعم لا دليل في مقام الاثبات على صحّة عقد المكره بعد لحوق الرضا .ثانيهما : ما أطال فيه الكلام وحاصله : منع حكومة حديث الرفع على أدلّة صحّة البيع ووجوب الوفاء بالعقود ، وذلك لأن قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ مخصص بالمرضي بحكم العقل وغيره ، فليس له إطلاق ، وعليه فالعقد غير المرضي به ليس موضوعاً لأدلّة الصحّة ليعمه حديث الرفع ، وأمّا المرضي به ، فإن كان الرضا به مقارناً يستحيل أنّ يتعلّق به الاكراه أيضاً ويكون مكرهاً عليه أيضاً ، فانهما متناقضان فلا يعمّه رفع الاكراه ، وأمّا أنّ كان الرضا به لاحقاً فذات العقد الملحوق بالرضا جزء للسبب وليس موضوعاً للأدلة ليعمه حدیث رفع الاكراه ، فعلى أي تقدير ليس حديث الرفع حاكماً على أدلة صحّة العقود .)وفيه : أنّه إنّما يتم لو كان تخصيص دليل الوفاء بالعقد بحديث الرفع في طول تخصيصه بحديث « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه » (1وقوله تعالى ﴿إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (2)وغيره ممّا دلّ على اعتبار الرضا في صحّة العقد ، وليس الأمر كذلك ، بل تخصيصه بكل من المخصصين عرضي ، فان حديث الرفع أيضاً مخصص لعموم الوفاء بالعقود غايته بلسان الحكومة ، وقد ذكرنا في بحث انقلاب)


1) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير) .

2) النساء 4 : 29 .

النسبة (1أنّه إذا ورد مخصصان على عام واحد يخصص بهما معاً ، وعليه فيخصص عموم الآية بكل من حديث رفع الاكراه وما دلّ على اعتبار طيب النفس ، ويخرج عنه العقد المكره عليه ، ورجوعه إلى حكم العام بعد الحوق الرضا يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فلا يتم شيء من الوجهين اللذين أطال المصنف الكلام فيها .)إلّا أنّ الصحيح مع ذلك كلّه صحّة عقد المكره بعد لحوق الرضا به ، وذلك لأنّه ليس المراد من العقد إنشاؤه الذي لا بقاء له ، بل المراد به الأمر الاعتباري م-ن المبادلة وحصول النقل والانتقال الذي له بقاء واستمرار في عالم الاعتبار ، وعليه فما لم يلحق به الرضا يكون العقد مكرهاً عليه فيعمه حديث رفع الاكراه ، وأمّا إذا لحقه الرضا فليس العقد بقاء مصداقاً للمكره عليه .ومن الواضح أنّ حديث رفع الاكراه إنّما يرفع الأثر ما دام الاكراه متحقّقاً ويصدق عليه عنوان المكره عليه ، فإذا رضي به المالك بقاءً صار العقد مصداقاً للتجارة عن تراض ، فيعمه دليل الصحّةوبعبارة أخرى : إذا كان للعام أو المطلق استمرار فورد عليه المخصص في مقدار من الزمان ، لا مانع من التمسّك به في الزائد على ذلك المقدار من الزمان فقوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ له استمرار من حيث الزمان ، وقد خصص ما دام العقد كان مكرهاً عليه ، وأمّا إذا رضي به المالك وخرج عن عنوان المك--ره ع-ليه فيعمّه الآية المباركة، ويؤكده المقابلة بين التجارة عن تراض وأكل المال بالباطل في الآية الشريفة ، فإنّه إذا غصب أحد من غيره شيئاً فهو مصداق لأكل المال بالباطل ما لم يرض به المالك ، فإذا رضي لم يكن من الأكل بالباطل ، فلا محالة يكون مصداقاً للتجارة عن تراض .)


1) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 467 .

والحاصل : أنّ الظاهر صحّة عقد المكره إذا لحقه رضا المالك ، إلّا أنّه ربما يستشكل فيها بما ذكر فارقاً بين عقد المكره وعقد الفضولي ، من أنّ عقد الفضولي إنّما يستند إلى المالك مقارناً لحصول طيب نفسه ورضاه ، فيعمه عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بخلاف عقد المكره فإنّه يكون مستنداً إلى المالك قبل طيب نفسه ورضاه ، ومع ذلك لم يكن مشمولاً لعموم الدليل ، فشموله له بعد الرضا يحتاج إلى دليل .)ولكنّك قد عرفت أنّ هذا الفرق ليس بفارق ، فانّ عقد المكره وإن لم يكن مقارناً مع رضا المالك حدوثاً إلّا أنّه مقارن معه بقاء ، فيعمه عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بقاء كما عرفت ، فلا فرق بينه وبين عقد الفضولي .)ثمّ إنّه يمكن تقريب صحّة بيع المكره بوجه آخر يقرب من أوّل الوجهين المذكورين في كلام المصنف : وهو أنّ الآثار المترتّبة على الأفعال بعناوينها الأولية منها ما يكون رفعها موافقاً للامتنان مطلقاً كالأحكام التكليفية كحرمة شرب الخمر ، فانّ رفعها موافق للامتنان في مورد الاكراه والاضطرار والخطأ والنسيان مطلقاً . ومنها : ما يكون رفعها مخالفاً للامتنان كذلك كالآثار الوضعية في مورد الاضطرار ، فانّ رفعها مخالف للامتنان على الاطلاق . ومنها : ما يكون رفعها موافقاً للامتنان في بعض الحالات دون بعض ، فحديث الرفع بناءً على كونه وارداً مورد الامتنان - كما هو الظاهر - يكون رافعاً لما هو من قبيل الأوّل مطلقاً ، ولا يكون رافعاً لما هو من قبيل الثاني مطلقاً ، وفي الثالث يرفع الأثر في الحال الذي يكون رفعه امتناناً ولا يكون رافعاً له فيما ليس رفعه امتناناً ، ففي المقام ارتفاع أثر بيع المكره قبل لحوق الرضا موافق للامتنان فيرتفع ، وفي حال لحوق الرضا مخالف للامتنان فلا يرتفع .وبعبارة أخرى : لدليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إطلاق أزماني ، فيثبت به الملكية مستمرة من زمان تحقّق العقد إلى الأبد، ففي بيع المكره يقيد إطلاقه بحديث الرفع في

قوله (رحمه اللّه : الرضا المتأخّر ناقل أو كاشف(1).)الحال الذي يكون فيه الرفع موافقاً للامتنان - وهو ما قبل لحوق الرضا - وأمّا في غيره فيتمسّك باطلاق الآية ويترتّب عليه الأثر لعدم جريان حديث الرفع فيه .والفرق بين هذا الوجه وما أفاده المصنف واضح ، فإنّه (قدّس سرّه ذكر أوّلاً أنّ المرفوع في حديث الرفع هو المؤاخذة ، ثمّ ذكر بعد ذلك أنّ رفع صحّة بيع المكره بعد لحوق رضاه مخالف للامتنان ، وقد أوردنا عليه بعدم الدليل على صحّة بيع المكره إذا لحقه الرضا ، وأمّا على ما ذكرناه فإطلاق الآية بنفسه دليل على ترتّب الأثر على بيع المكره إذا لحقه الرضا كما عرفت .)### هل الرضا کاشف أو ناقل؟(1لا ريب في أنّ مقتضى الأصل العملي هو النقل ، إلّا أنّه ربما يدّعى وجود الدليل على الكشف ، وهو ما ورد في إرث الصغير أو الصغيرة التي تزوّجه كبير أو كبيرة أو صغير مثله ثمّ مات فإذا بلغ أجاز النكاح ، من أنّه يستحلف على إجازته وأنّه لو كان حيّاً أيضاً لأجاز النكاح فيرث منه (1)مع أنّ إرثه منه مبني على الكشف ليتحقّق موضوع موت الزوج أو الزوجة عن وارث ، والإستحلاف إنّما هو من جهة كونه مورداً للتهمة وأنّ الاجازة من جهة الارث ، هذا .)إلّا أنّ الرواية واردة في الفضولي ، والتعدّي إلى المك-ره مبني على إلغاء الخصوصية ، وأنّ الميزان إنّما هو تعلّق الاجازة أو الرضا بالعقد السابق ، وه-و موجود في عقد المكره أيضاً كما يتعدّى إلى غير النكاح بالأولوية ، وإلّا فالكشف حكم مختص بمورده وهو النكاح الفضولي ، ولا يتعدى عن مورد النص .


1) راجع الوسائل 26 : 219 / أبواب ميراث الأزواج ب11 .

ولكن قد يدعى أنّ الكشف يكون على القاعدة ، إذ فرق بين اشتراط صحّة العقد بالرضا المتأخّر وبين اشتراطها بغيره كالقبض في الصرف والهبة ، لأنّ الرضا والاجازة إنّما يتعلّق بالعقد السابق ، فإذا قام دليل على اعتباره لابدّ من ترتيب الأثر من حين العقد ، نظير ما إذا باع أحد داره فعلاً قبل عشرة أيام ، وقام دليل على اعتباره ولو كان العمومات لو لم يكن منصرفاً عن مثل ذلك لكونه خ-لاف المتعارف ، فانّ لازمه الكشف وترتيب آثار الملكية السابقة ، والاجازة أيضاً كذلك .ثمّ أورد عليه المصنّف بما حاصله : أنّ الاجازة لم تتعلق بالملكية من حين العقد ، وإنّما تعلّقت بطبيعي الملكية ، ومقتضى ظاهر الأدلة التي تعتبر اشتراط نفس الاجازة في صحّة العقد وترتّب الأثر عليه لا وصف التعقب ، عدم ترتّب الأثر إلّا بعد حصول الشرط ، وهو لا ينا فى تعلّق الاجازة بالعقد السابق.ثمّ أجاب بما حاصله : أنّه إنّما يتم لو قلنا بالكشف الحقّيقي ، وأمّا الكشف الحكمي أعني حكم الشارع بعد حصول الاجازة والرضا بالملكية السابقة من زمان البيع ، فلا ينافي شرطية نفس الاجازة والرضا .ثمّ أشكل عليه بأن الملكية عين حكم الشارع ، فلا يمكن تخلفها (1.)وفيه : ما نبيّنه في بحث الفضولي من أنّ الجعل غير المجعول ، فالجعل - وه-و الحكم - عبارة عن نفس الاعتبار ، والملكية تكون متعلّقة للحكم وهو المجعول ، فكما يمكن أنّ يكون الاعتبار فعليّاً ومتعلّقه أمراً لاحقاً كما في الوصية - يمكن أنّ يكون الاعتبار فعليّاً ومتعلّقه أمراً سابقاً ، وهذا نظير أنّ ينشيء أحد فعلاً ملكية داره لزيد من قبل سنة - بأن يكون الانشاء فعليّاً والمنشأ أمراً متقدماً - فإذا فرضنا قيام الدليل


1) المكاسب 3 : 336 .

قوله (رحمه اللّه : وإن شئت توضيح ما ذكرنا فلاحظ مقتضى فسخ العقد(1).)قوله (رحمه اللّه : مسألة : ومن شروط المتعاقدين إذن السيّد(2).)على صحّته كما إذا فرض عدم كونه خلاف المتعارف وشملته الاطلاقات ، لزم الحكم بترتّب آثار الملكية من الأول لا من حين العقد ، والاجازة أيضاً كذلك فلازم تعلّقها بالعقد السابق ترتّب آثاره من حين حدوثه ، وذلك لأن مقتضى إطلاق قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)إمضاء اعتبار المتعاملين من حين حدوثه ، وقد رفعنا اليد عن ذلك في مقدار من الزمان الحديث رفع الاكراه ، وبعد ارتفاعه وحصول الرضا يكون مقتضى إطلاق العام إمضاء اعتبار المتعاملين المتحقّق سابقاً ، وهذا معنى الكشف .)(1 الفسخ يقابله الإمضاء لا الإجازة ، وما يقابل الإجازة إنّما هو الردّ ، وإن كان جميعها متعلّقاً بالعقد السابق ، فلا وجه لقياس الاجازة وجعلها مقابلة للفسخ وذلك لأنّ الاجازة عبارة عن إمضاء العقد من حينه ، ويقابله ردّ العقد الذي هو عبارة عن فسخه من حينه - أي حدوثاً - وأمّا الفسخ في مقابل الإمضاء فهو عبارة عن حل العقد من حين الفسخ - أي بقاءً لا حدوثاً - كما هو ظاهر أدلّة الخيار في موارد ثبوته كخيار الحيوان والمجلس ونحوهما ، فكون الفسخ حل العقد بقاءً ومن قبيل النقل لا يستلزم كون الاجازة إمضاءً للعقد كذلك ، فالقياس مع الفارق .)### 5-شرطيّة إذن السيّد في صحة معاملة العبد(2 ذكروا من جملة شروط صحّة العقد كون العاقد حرّاً ، فلو فرض كونه)


1) المائدة 5 : 1 .

عبداً لم يصحّ ما لم يأذن ،مولاه ، فجعل العبد حدّ وسط بين الحرّ وبين الصبي والمجنون فانّ الحرّ مستقل في تصرفاته ، والمجنون - وكذا الصبي على قول - ساقط انشاؤه مطلقا حتّى مع إذن الولي ، وأمّا العبد فهو وسط بينهما ، فليس كالحر بحيث يستقل في تصرفاته ، وليس كالمجنون بحيث لا ينفذ تصرفه أصلاً حتّى مع إذن الولي ، بل ينفذ تصرّفه مع إذن المالك ولا ينفذ بدون إذنه ، واستدل على ذلك بقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ (1)حيث وصف العبد بكونه غير قادر على شيء والمراد بالقدرة المنفيّة إنّما هو استقلاله في التصرف لا أصل التصرف ، فان من لا يكون مستقلاً في تصرفه فهو ليس بقادر عليه .)ثمّ إنّه ليس المراد بالقدرة القدرة العقلية وبالشيء الأفعال الخارجية ، بداهة أنّ الرقية والحرية لا دخل لشيء منهما في القدرة العقلية على الأمور الخارجية ، فمن يقدر على الخياطة فهو قادر عليها تكويناً عبداً كان أو حراً ، فيحتمل أنّ يراد من القدرة القدرة الشرعية ، والتعبير عن المنع الشرعي بعدم القدرة متعارف ، فيكون المعنى أنّ العبد ممنوع عن كل شيء ، وهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به ، بداهة ع--دم حرمة جميع الأفعال على العبد بدون إذن سيده حتّى الأفعال الضرورية كالتنفّس وتحريك اليد والرأس والعين والتكلّم ونحو ذلك ، فلابدّ وأن يراد بالقدرة القدرة الوضعية - أعني النفوذ - فيكون المراد من قوله لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ن--ي نفوذ تصرفاته .فيقع الكلام في أنّ المنفي نفوذ تصرفه في خصوص نفسه وماله ، أو أعم منه ومن تصرفه في مال سيده ، أو أعم من ذلك ومن تصرفه فيما لا يرجع إلى سيده


1) النحل 16 : 75 .

کالوكالة في إنشاء العقد عن غيره ؟ وجوه ، ظاهر المصنف (1هو الأخير ، وكأنّه أرسله إرسال المسلّمات وشرع في إجازة السيّد وحكمها ، وتبعه في ذلك المحقّق النائيني (رحمه اللّه) (2)إلّا أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أنّ يكون المنفي نفوذ تصرف العبد في نفسه وفي ماله لو قلنا بأنّه يملك كما هو أحد القولين في المسألة - نظير قوله (علیه السلام) : « الناس مسلّطون على أموالهم أو على أنفسهم » (3).)ويؤكّدها : أنّ ذكر قوله تعالى (مَمْلُوكاً فى الآية ، مع أنّ العبد والمملوك مترادفان لابدّ وأن يكون لنكتة وليس قيداً توضيحياً كما ذكره الميرزا (رحمه اللّه)(4)والنكتة في ذلك إنّما هي علية المملوكية للحكم ، وعليه فلابدّ وأن يكون المنفي ما يكون المملوكية علّة له ، وليس ذلك إلّا نفوذ تصرفه في نفسه وماله ، فيصح أنّ يقال : لا يصحّ تصرفه في نفسه لأنّه مملوك ، وأمّا التصرف في مال السيد فعدم نفوذه ليس معلولاً للمملوكية ، ولذا لا ينفذ تصرف الحرّ في مال غيره أيضاً ، وهكذا الوكالة عن الغير في إنشاء العقد ، ولا أقل من الاجمال فيرجع في مورد إجمال المخصص - وهو إنشاء العقد للغير - إلى العمومات والاطلاقات.)وعليه فلابدّ من التفصيل بين وكالة العبد عن الغير في مجرد إنشاء الصيغة وتوكيله الغير ، والالتزام بالفساد في الثاني لأنّ العبد لم يكن له التصرف بنفسه فضلاً عن توكيله الغير ، وبالصحّة في الأول لعدم الدليل على توقف إنشاء العبد على إذن السيد ، كما أنّ الظاهر عدم كونه حراماً تكليفاً لعدم الدليل على حرمة التلفّظ ونحوه


1) المكاسب 3 : 338

2) منية الطالب 1 : 423 .

3) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272 . 49 2

4) منية الطالب 1 : 422 .

قوله (رحمه اللّه : وأمّا مع الاجازة اللاحقة فيحتمل(1).)من التصرّفات الضرورية ، وعلى فرض حرمته تكليفاً فهي لا تدلّ على الفساد لعدم تعلّقها بعنوان المعاملة .(1أمّا بناءً على المختار من عدم توقف إنشاء العبد على إذن سيده لانصراف الآية عن مثله لمناسبة الحكم والموضوع أو لظهور أخذ المملوك في العلية ولأن الروايتين (1)لا تشملان الانشاء المجرد ، لورودهما في تزويج العبد لنفسه)


1) أحدهما : ما نقله الشيخ في صدر هذه المسألة [ عن الفقيه 3 : 350 / 1673 ] وهو مذكور في الوسائل 22 : 101 / أبواب مقدمات الطلاق ب 45 ح1)وإليك نص الرواية :محمد بن علي بن الحسين باسناده عن ابن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام قإلّا : « المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلّا باذن سيده ، قلت : فان السيد كان زوّجه بيد من الطلاق ؟ قال : بيد السيد ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أفشيء الطلاق ».)ثمّ أنّ إطلاق الرواية المذكورة معارضة بما ورد من تجويز طلاق العبد أنّ كانت زوجته حرّة أو من غير مولاه ، وقد عقد في الوسائل باباً لذلك ، منها ما رواه عن محمد بن يعقوب ، عن أحمد ، عن ابن فضال ، عن مفضل بن صالح، عن ليث المرادي قال : « سألت أبا عبدالله (علیه السلام عن العبد هل يجوز طلاقه ؟ فقال : أنّ كانت أمتك فلا ، أنّ الله عزّوجل يقول : عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وإن كانت أمة قوم آخرين أو ح-رة ج--از طلاقه » الوسائل 22 : 98 / أبواب مقدّمات الطلاق ب 43 ح 2 .])وظاهر هذه الرواية عدم المنافاة بين جواز طلاق العبد لزوجته أنّ كانت حرّة أو أمة لغير مولاه . وبين كونه مملوكاً لا يقدر على شيء .ثانيهما : ما استعان به الشيخ (رحمه الله ونقل بعض فقراته مؤيداً لكلامه في المسألة المذكورة أيضاً ، وقد ذكره في الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 24 ح1)وإليك نصّه :محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم، عن أبیه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام قال : « سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده فقال : ذاك إلى سيده أنّ شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما ، قلت : أصلحك الله ، أنّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون : أنّ أصل النكاح فاسد ولا تحل إجازة السيد له فقال أبو جعفر (عليه السلام) : أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده ، فإذا أجاز فهو له جائز » . ورواه الصدوق باسناده عن ابن بكير، عن زرارة . [ الفقيه 3 : 350 / 1675 ورواه الشيخ أيضاً في التهذيب 7 : 351 / 1432 ] .

وطلاقه زوجته ولو زوّجه السيد ، وكلاهما من التصرف في نفس العبد ، وهذا أجنبي عن إنشائه الصيغة للغير ، ولذا يكون فاسداً ولو كان المنشيء للصيغة غير المملوك أي وكل غيره في إنشاء العقد ، بل لولا ما ورد في ذيل الرواية من تطبيق الآية على ذلك لاقتصرنا فيها على خصوص نكاح العبد وطلاقه ولم نتعد إلى سائر تصرفاته في نفسه - فلا مجال للبحث عن نفوذ إجازة السيد بعد ذلك وعدمه .وأمّا على مسلك المصنف فيقع الكلام في نفوذ إنشاء المملوك إذا لحقته اجازة السيد وعدمه ، وقد احتمل المصنف أوّلاً كلا الأمرين ، من عدم ، من عدم النفوذ لأنّ المنع ليس من جهة المنشأ وعدم رضا المالك به ، وإنّما هو من جهة الانشاء الصادر ، وما وقع لا ينقلب عما وقع عليه ، إذ ليس له بقاء لينقلب عما وقع عليه بقاء ، والنفوذ ولحوق الاجازة ، لكون المعتبر هو الرضا الأعم من المقارن واللاحق ، ثمّ قوّى هذا الاحتمال واستدل عليه بوجهين : أحدهما يرجع إلى نفي المقتضي لاعتبار خصوص الاذن السابق ، والآخر يرجع إلى وجود الدليل على عدم اعتباره .أمّا الوجه الأوّل فحاصله : أنّ ما دلّ عليه المخصص إنّما هو نفي استقلال العبد

في التصرف وعدم نفوذه في نفسه من دون ضميمة لا مطلقاً ولو لحقه إجازة السيد ولا أقل من الاجمال فيرجع في مورده وهو لحوق الاجازة إلى عموم دليل( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .)وأورد عليه المحقّق النائيني (1بعدم الاجمال في المخصص ، فانّ المأخوذ في الرواية عنوان الاذن ، حيث قال (عليه السلام) : « لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلّا باذن سيّده » والاذن ظاهر في الاذن المقارن .)وفيه أوّلاً : أنّ الظاهر أنّ المصنّف ناظر في المخصص إلى الآية لا الرواية ، لما عرفت من أنّ الرواية أجنبية عن إنشاء العبد للغير ، وإنّما هي واردة في نكاح العبد لنفسه أو طلاقه زوجته ، فلا تعم الانشاء المجرد ، أصلاً ، وليس في الآية عنوان الاذن ليدعي ظهوره في المقارن . وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك فلم يظهر لنا ظهور الاذن في المقارن ، بل كل من الاجازة والاذن يستعمل في الرضا السابق والمقارن واللاحق ، فإذا فرضنا أنّ أحداً غصب دار غيره مدّة وتصرف فيها ثمّ رضي به المالك يصح أن يقول : أجزت تصرفاته ، أو يقول : أذنت فيها .وبعبارة أخرى : قوله (عليه السلام ( لا يجوز » في الرواية قرينة على أنّ المراد بالنكاح والطلاق إنّما هو المنشأ لا الانشاء ، فانّ المنشأ هو القابل للجواز وعدم الجواز ، لقابليته للبقاء دون الانشاء ، وعليه فانّ المنشأ قد لا يكون مقروناً بالاذن أصلاً وقد يكون مقروناً بالاذن السابق ، وربما يكون مقروناً بالاجازة اللاحقة فنى الجواز عماً ليس مقروناً بالاذن أصلاً وأثبته للمقرون باذن ، سواء كان سابقاً أو لاحقاً.)


1) منية الطالب 1 : 430 .

وأمّا الوجه الثاني الراجع إلى وجود الدليل على نفي اعتبار خصوص الاذن السابق فقرّبه بوجهين :الأوّل : أنّ الاذن في الرواية أعم من الاجازة اللاحقة ، لأنّه ذكر فيها النكاح ، ولا إشكال في نفوذ نكاح العبد إذا لحقه إجازة سيّده ، فيكون ذلك قرينة على إرادة الأعم من الاذن .وأورد عليه الميرزا (1بایراد متين ، وحاصله : عدم كون النكاح في الرواية [ قرينة على أنّ المراد من الاذن ] هو الأعم ، وإلّا فلِمَ لا ينعكس الأمر ويقال : أنّ الطلاق المذكور في الرواية وعدم نفوذه بالاجازة اللاحقة إجماعي ، فيكون هذا قرينة على أنّ المراد من الاذن هو خصوص الاذن السابق ، فهذا الوجه غير تام .)وحاصل الكلام : أنّه بناءً على توقف مجرد إنشاء العبد على إذن السيد يقع الكلام في أنّه إذا أنشأ عن غيره بدون إذن سيده فأجازه السيد بعد ذلك هل يكون إنشاؤه قابلاً للحوق الرضا أم لا ؟ احتمل المصنف أوّلاً المنع من جهة عدم تعلّق حقّ السيد بمضمون العقد - أعني المنشأ - ليكون قابلاً للاجازة ، لعدم ك--ون ال-ع--وض-ين متعلّقاً لحقه ، وإنّما تعلّق حقه بمجرد الانشاء ، وليس هو قابلاً للاجازة لعدم البقاء فيه والاستمرار .ثمّ قوّى قابليته للحوق الاجازة وأفاد في وجهه وجهين : الأول : وهو ما يرجع إلى منع المقتضي عن اعتبار أزيد من الاذن في الجملة ، وحاصله : أنّ مقتضى عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ صحّة إنشاء العبد مطلقاً ، خرج عنه بمقتضى قوله تعالى : (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) الدال على نفي استقلال العبد في التصرف حتّى الانشاء على الفرض واحتياجه إلى إذن السيد ، ما إذا لم يكن إنشاؤه مقروناً بالرضا رأساً لا)


1) منية الطالب 1 : 430 .

سابقاً ولا لاحقاً ، وبما أنّه مجمل بالاضافة إلى إنشائه الملحوق باجازة السيد يرجع فيه إلى عموم العام ويحكم بصحته .وهذا الوجه وإن كان تاماً من حيث الحكم الفرعي إلّا أنّه ليس جواباً عن الاشكال ، فالمصنف (قدّس سرّه وإن بين الحكم الفقهي إلّا أنّه لم يجب عن الاشكال أعني [ عدم كون ] انشاء العبد قابلاً للاجازة - فنقول في حلّه : أنّ الانشاء ليس إلّا ابرازاً للاعتبار ، ولا يترتّب عليه بما هو إنشاء أثر أصلاً ، وإنّما الأثر مترتّب على المنشأ - أعني مضمون العقد - والاعتبار النفساني ، لكن لا مطلقاً بل بما أنّه مبرز فنفس الانشاء حيث لا يترتّب عليه الأثر لا معنى للحوق الاجازة به ، بل لا بد وأن يلحق الاجازة بمضمون العقد . وتوهم [عدم ] كونه متعلّقاً لحق مالك العبد لعدم كونه مالكاً للعوضين ممنوع ، فانّ تعلّق الحقّ بمضمون العقد لا ينحصر بما إذا كان ذو الحقّ مالكاً لأحد حد العوضين ، بل يثبت الحقّ لمالك العبد متعلّقاً بمضمون العقد الذي أنشأه مملوكه من حيث كونه مبرز مملوكه .)وبعبارة أخرى : ما اعتبره العبد في مقام الانشاء هو متعلّق لحقّ مالكه ويتعلّق به الاجازة ، وهو أمر له البقاء والاستمرار ، ويؤكده إسناد الجواز وعدمه في الروايتين إلى نفس الطلاق والنكاح ، وقوله ( عليه السلام « أفشيء الطلاق » (1)وهو ظاهر في حقيقة العقد أو الايقاع الخاص ، ولم يسند شيء من ذلك إلى الانشاء فالاشكال مندفع من أصله . ونظيره اعتبار اجازة العمة والخالة في تزويج بنت أخيها أو بنت أختها ، فانّها تتعلق بمضمون العقد وواقع الزوجية لا بالانشاء السابق ، ولذا صححنا فيها الاجازة اللاحقة ولم نعتبر في صحته الاذن السابق منها . وأمّا الوجه الثاني الذي ذكره المصنف الراجع إلى إقامة الدليل على كفاية)


1) الوسائل 22 : 101 / أبواب مقدمات الطلاق ب 45 ح 1 .

الاجازة المتأخّرة فقد عرفت أنّه (قدّس سرّه قربه بوجهين : أمّا الوجه الأوّل فقد تقدم الكلام فيه فلا نعيده . وأمّا الوجه الثاني فهو التمسّك بالروايات الواردة في تزويج العبد لنفسه من وجهين : أحدهما قوله (عليه السلام) فيها « فإذا أجازه فهو له جائز» (1)ومقتضاه صحّة تزويج العبد لنفسه ولو كان هو المنشيء للعقد وبعبارة أخرى : تزويج العبد لنفسه غير نافذ لأنّه تصرف في مملوك المولى ولو كان المنشئ للعقد شخصاً آخر ، وإنشاؤه للعقد غير نافذ ولو كان التزويج لشخص آخر ، وقد اجتمع كلتا الجهتين في مورد الرواية فحكم فيها بالصحّة إذا لحقت الاجازة ، فيستفاد منها لحوق الاجازة بانشاء العبد أيضاً .)وببيان ثالث : كل من تصرف العبد في نفسه وإنشائه العقد ممنوع عنه وضعاً واجتمعا في تزويج العبد لنفسه ، ففيه جهتان لعدم النفوذ ومع ذلك حكم الامام (عليه السلام بصحته إذا لحقته الاجازة ، فإذا لم يكن في البين إلّا جهة واحدة - بأن أنشأ العبد النكاح لغيره كان أولى بالصحّة إذا لحقته إجازة المالك .وقد أورد عليه الميرزا (2بما حاصله : أنّ لحوق الاجازة بانشاء العبد بنحو المعنى الحرفي ، أي تبعاً لاجازة مضمون العقد لا يستلزم لحوقها إليه بنحو المعنى الاسمي - أي مستقلاً ..)وفيه : أنّا لم نفهم المراد من المعنى الحرفي والاسمي في المقام ، فانّ الانشاء معنى حرفي دائماً ، غاية الأمر في مورد الرواية يكون إجازته بالدلالة الالتزامية ، فانّ إجازة التزويج يستلزم إجازة الانشاء أيضاً ، وفي غيره يكون لحوق الاجازة به بالمطابقة ، فإذا كان قابلاً للحوق الاجازة لا يفرّق فيه بين كونه بالمطابقة أو


1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 24 ح1 .

2) منية الطالب 1 : 431 .

بالالتزام ، إلّا أنّ أصل استدلال المصنف بترك الاستفصال فاسد ، وذلك لأنّه (عليه السلام قال : « إذا أجاز جاز» وتختص الاجازة بما يكون قابلاً ، فإذا فرضنا عدم قابلية تزويج العبد لنفسه إذا كان بانشائه للحوق الاجازة ، لا يعمّه إطلاق الرواية ويختص بالصورة الأخرى ، أعني ما إذا كان تزويجه لنفسه بانشاء غيره . وبعبارة أخرى : لو ورد نص بالخصوص على لحوق الاجازة بتزويج العبد فيما إذا كان هو المنشئ لرفعنا اليد عن الاشكال بسبب التعبّد ، وأمّا إذا لم يكن في البين إلّا إطلاق متوقف على جريان مقدمات الحكمة فنفس م-ا ب-ن-ي-ن-ا ع-ل-ي-ه م-ن استحالة لحوق الاجازة بالانشاء كافٍ في عدم تمامية المقدمات ، فلا يتحقّق الاطلاق .)الوجه الثاني : تمسكه بذيل بعض الروايات ، وهو قوله (عليه السلام : « أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيده » فإنّه (عليه السلام) في مقام تعليم الاستدلال والرد على بعض العامة القائل بفساد إنشاء العبد بعد لحوق الاجازة كابراهيم النخعي ، بين كبرى كلية ، وهي أنّ المنع أنّ كان من جهة عصيان من لا يبدل عصيأنّه بالرضا لاستحالة البداء في حقه كما في المحرّمات الذاتية كالتزويج بالمحارم أو في العدة - لا يصحّ الاجازة ، وأمّا أنّ كان من جهة عصيان من يمكن البداء في حقه وتبدله بالرضا كما في عصيان المولى العرفي فانّ الإنسان كثيراً ما لا يرضى بشيء ثمّ يبدو له فيرضی به ویراه صلاحاً لنفسه - فيصح بلحوق الاجازة ، وهذه الكبرى الكلية تنطبق على إنشاء العبد عن غيره ، فإنّه ليس من المحرّمات الذاتية ، بل المنع عنه إنّما هو من جهة عصيان السيد فيرتفع إذا تبدل بالرضا .)ويرد على هذا الوجه الايراد المتقدم والجواب المتقدم ، كما يرد الاستدلال ما ذكرناه من اختصاص ذلك بما هو قابل للانقلاب والتبدّل ، فإذا فرضنا أنّ الانشاء يوجد وينعدم ولا بقاء له ويستحيل تبدّل العصيان فيه بالرضا فلا محالة يكون

خارجاً عن هذه الكبرى .فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ إنشاء العبد لا يتوقف على إذن السيد أصلاً وعلى تقدير توقفه عليه فينفذ بلحوق الاجازة ، والاشكال يندفع بأنها تتعلّق بمضمون العقد - أعني ما أنشأه العبد - لا بنفس الانشاء بما هو ، وهو أمر مستمر قابل لذلك .فذلكة البحث ونتيجة ما تقدّم بنحو الاجمال : هو أنّ دليل المنع عن تصرف العبد بدون إذن سيده أمران :أحدهما : الآية المباركة، وهي قوله تعالى : (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ولا يصحّ أنّ يراد به نفي القدرة تكليفاً ، بداهة جواز كثير من أفعاله اليسيرة الضرورية وعدم توقفه على إذن سيده ، فلابدّ وأن يراد به نفي القدرة الوضعية - أي النفوذ -- وحينئذ ينحصر موردها بما يكون قابلاً للنفوذ وعدمه ، فلا يعم إنشاءه للغير ، فانّ الإنشاء بما أنّه إنشاء لا يترتّب عليه الأثر ليكون قابلاً للنفوذ ، كما أنّ مقتضى أخذ عنوان المملوك في الآية اختصاصها بما يكون رفع الأثر عنه معلولاً للمملوكية فلا ي-ع-مّ تصرفه في أموال مولاه ، فيخرج وكالته في الإنشاء من الغير عن مورد الآية لكون المراد من نفي القدرة القدرة الوضعية بمعنى النفوذ ، كما أنّ تصرفه في أموال المولى يخرج عن الآية ، لظهور أخذ المملوك في العلية ، وهذا مراد المصنف من إجمال المخصص والرجوع إلى العمومات .)ثانيهما : قوله (عليه السلام : « المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلّا باذن سيده » الحديث (1)وظاهر النكاح والطلاق هو نكاح العبد لنفسه وطلاقه لنفسه وهو تصرف في نفس العبد ولا ربط له بانشائه للغير، وعلى فرض التنزل وشمول)


1) الوسائل 22 : 101 / أبواب مقدمات الطلاق ب 45 ح 1 .

قوله (قدّس سرّه : لو أمر العبد أمر أن يشتري(1).)ذلك لانشائه - ولو للغير - وظهور الاذن في الاذن السابق لابدّ من رفع اليد عنه ، لا لما ذكره المصنف من قرينية ما دلّ على لحوق الاجازة بنكاح العبد بدون إذن مولاه على أنّ المراد بالاذن في الرواية أعم من السابق واللاحق ، بل لحكومة قوله (عليه السلام « أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز » وعليه فان هذه الكبرى الكلية ناظرة إلى نكاح العبد بدون إذن السيد سابقاً ، وقد حكم فيها بقابليته للحوق الاجازة إذا لم يكن عصياناً له تعالى غير قابل لتبدّله بالرضا ، ولو لم يكن إجماع على عدم لحوق الاجازة بالايقاعات لقلنا بصحّة طلاقه أيضاً بالاجازة اللاحقة ، فلا دليل على اعتبار خصوص الاذن السابق في صحّة انشاء العبد أصلاً .)ثمّ كان المناسب أنّ يتعرّض المصنف لبيان أنّ إجازة السيد تكون كاشفة أو ناقلة ، فنقول : أما لو قلنا بالكشف الحكمي على القاعدة وأنّه مقتضى تعلّق الاجازة بالعقد السابق فنقول به في المقام أيضاً ، وأمّا لو قلنا بالكشف الحقّيقي وأنّ المعتبر في صحّة العقد تعقبه بالرضا والاجازة ، فحيث أنّه على خلاف القاعدة فلابدّ من القول بالنقل في المقام ، لأصالة عدم حصول الأثر إلى زمان تحقّق الاجازة .### أمر العبد بشراء نفسه من مولاه(1حاصل هذا الفرع : أنّه لو أمر العبد آمر بشراء نفسه من مولاه أو بغير الشراء من بقية العقود ففعل فهل يصحّ ذلك أم لا ؟ حكى المصنف (1)بعد ما قوّى الصحّة البطلان عن القاضي ، وقد استدل عليه بوجهين :)### 6- شرطیة الملک أو الاذن من المالکالأول : استلزامه اتّحاد الموجب والقابل ، لأن العبد بمنزلة المالك .وفيه : أنّه أوّلاً لم نعثر على ما يدلّ على اعتبار تعدد الموجب والقابل ، فلا


1) المكاسب 3 : 343 .

مانع من كون شخص واحد وكيلاً عن البائع والمشتري ، فأوجب العقد وقبله . وثانياً : لا إشكال في أنّ العبد شخص مغاير للمالك ، فهما شخصان لا شخص واحد ولا معنى لكونه بمنزلة المالك .الثاني : أنّه يعتبر في صحّة العقد وجدان كل من الموجب والقابل لشرائط العقد من أنّ الشروع في العقد إلى حين انتهائه ، ومن الواضح أنّ العبد ليس واجداً لشرط وهو إذن السيد حين تحقّق الايجاب ، فانّ الاذن في الانشاء إنّما يحصل له بالايجاب بالدلالة الالتزامية ، فحين الايجاب ليس قابلاً للقبول .وفيه : أولاً : أنا لا نسلّم اعتبار ذلك كما مر في شرائط المتعاقدين وسيأتي أنّ شاء الله تعالى ، وعلى فرض التسليم إنّما نسلّم اعتبار البقاء في الشرائط التي تكون دخيلة في صحّة مجموع العقد لا في خصوص الموجب أو القابل كبقاء المال في ملك الموجب مثلاً ، فإذا فرضنا - بعد الايجاب وقبل القبول - خروج المال عن ملك الموجب ببيع وكيله المال لشخص آخر يبطل بيع المالك ، وأمّا ما يعتبر في الموجب أو القابل فإنّما يعتبر فيه ما دام موجباً أو قابلاً لا قبله ولا بعده ، مثلاً إذا جنّ الموجب بعد الايجاب وقبل القبول أو أغمي عليه صح البيع بعد لحوق القبول إلى الايجاب وهكذا لا يعتبر أنّ يكون القابل واجداً لما يعتبر في القبول إلّا حين القبول لا سابقاً عليه ومن حين الايجاب ، ومن الظاهر أنّ العبد يكون واجداً لشرط القبول حين إنشائه ولو لم يكن واجداً له حين الايجاب . ثمّ على فرض التنزل أيضاً لا وج-ه للبطلان ، بل يصحّ لحوق الاجازة كما عرفت ، اللهم إلّا أنّ يراد بالبطلان هذا المعنى .هذا كلّه إذا أمر بالشراء من المالك ، وأمّا إذا أمره بالشراء من وكيل المالك فان كان الوكيل مفوّضاً - حتّى في إذن العبد في شراء نفسه - فحاله حال المالك يجري فيه ما ذكرناه ، وأمّا إذا كان وكيلاً في خصوص البيع فلا محالة يكون إنشاء العبد للقبول بدون إذن المالك فيتوقف على إجازة المالك .

قوله (قدّس سرّه : ومن شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين(1).)## بيع الفضولي### اشارةاشتراط كون المتعاقدين مالكين أو مأذونين .(1تارة يكون العقد صادراً من المالك - أي من له السلطنة على العقد ، سواء كان مالكاً أو مأذوناً - وهذا لا إشكال في صحته من هذه الجهة . وأخرى يك--ون صادراً من غير المالك من دون أنّ يلحقه الاجازة لاحقاً ، وهذا لا إشكال في فساده ، وهناك وسط بينهما بأن يكون العقد صادراً من غير المالك إلّا أنّه تلحقه الاجازة ، وهذا هو مورد البحث في هذه المسألة .)ثمّ إنّ المصنف (1تعرّض قبل الشروع في البحث لبيان أمرين أحدهما : دخول الايقاعات في البحث ، أعني جريان الفضولي في الايقاعات وصحتها بلحوق الاجازة وعدمه . ثانيها : أنّ عقد الفضولي إذا كان مقروناً برضا المالك من دون مبرز - سواء علم به العاقد من الخارج أو لم يعلم به - يكون خارجاً عن الفضولي ولا يحتاج إلى الاجازة ، بحيث يجب على المالك بينه وبين الله إذا كان راضياً بالعقد حين تحقّقه تنفيذه أو يحتاج إلى الاجازة أيضاً .)### جریان الفضولیة في الایقاعاتأمّا الأمر الأوّل : فدخول الايقاعات في الفضولي مبني على كون صحّة عقد الفضولي على القاعدة وعدمه . فان قلنا بأن صحته على القاعدة بمقتضى عموم


1) المكاسب 3 : 346 .

(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وهي العهود كما هو الصحيح ، فلا محالة لابدّ وأن يكون إخراج الايقاعات عنها بالدليل ، ولم يقم دليل على ذلك سوى الاجماع المنقول في غاية المراد (1)على بطلان الفضولي في الايقاعات .)وفيه : أنّه قد ذكرنا في محلّه عدم حجية نقل الاجماع خصوصاً إذا لم يكن متكرّراً ، فانّ الظاهر أنّ ناقل الاجماع في المقام منحصر بغاية المراد فإنّه موهن لصحّة النقل ، وعلى فرض حصول الاتفاق فالظاهر أنّ مورده خصوص العتق والطلاق فلا يعمّ سائر الايقاعات كالابراء ونحوه . مضافاً إلى احتمال استنادهم إلى ما ورد في الطلاق من قوله (صلّى اللّه عليه وآله « الطلاق بيد من أخذ بالساق » (2)وقوله (عليه السلام) في العتق « لا عتق إلّا في الملك »(3)ولا دلالة لشيء من ذلك على اعتبار الاذن السابق ، فإنّه نظير ما ورد في البيع من أنّه « لا بيع إلّا في ملك » (4). وبالجملة : فبناء على صحّة الفضولي على القاعدة الظاهر صحّة الايقاع الفضولي أيضاً حتّى الطلاق والعتق ، وأمّا بناءً على كون صحته على خلاف القاعدة بمقتضى النص ، فالايقاعات وإن كانت خارجة لعدم ورود نص فيها ، إلّا أنّ لازم ذلك عدم صحّة الفضولي في جملة من العقود أيضاً كالهبة والاجارة ، لاختصاص النص بالنكاح والبيع ، فالتعدّي لا وجه له .)### صحة عقدالفضولی مع اقترانه برضا المالکوأمّا الأمر الثاني : فظاهر المصنّف صحّة العقد الفضولي إذا كان مقترناً مع رضا المالك وطيب نفسه وعدم احتياجه إلى لحوق الاجازة ، واستدل عليه بوجوه :


1) غاية المراد 3 : 37 .

2) المستدرك 15 : 306 كتاب الطلاق أبواب مقدماته وشرائطه ب 325 .

3) الوسائل 23 : 15 / كتاب العتق ب 5 ح 1 ، 2 ، 1، 2، 6 ( مع اختلاف يسير)

4) المستدرك 13 : 230 / أبواب عقد البيع وشروطه با ح3.

الأوّل عموم قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1). الثاني : قوله تعالى ﴿إلّا أن تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) (2). الثالث : قوله (عليه السلام) « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه» (3)فانّ الرضا وطيب النفس موجود على الفرض . الرابع : رواية عروة البارقي (4)، فانّ انشاء العقد على مال الغير بدون إذنه وإن لم يكن ممنوعاً منه إلّا أنّ قبضه وإقباضه لا يحل بدون الرضا المقارن وإلّا فيكون حراماً ، وتقريره (صلى الله عليه وآله وسلّم) لفعل عروة يدل على كفاية الرضا المقارن . الخامس : ما ورد في نكاح العبد وسكوت مولاه (5)وهكذا ما ورد في سكوت البكر وأنّه رضا منها .(6))


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

3) الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (مع اختلاف يسير) .

4) المستدرك 14 : 245 / كتاب التجارة ب 18 ح1

5) عقد في الوسائل باباً لهذه المسألة نقل فيها ثلاثة أحاديث وإليك بعضها : محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم عن معاوية ابن وهب قال : « جاء رجل إلى أبي عبدالله (عليه السلام) فقال : إني كنت مملوكاً لق--وم وإنّي تزوّجت امرأة حرّة بغير إذن موالي ثمّ أعتقوني بعد ذلك ، فأجدد نكاحي إياها حين أعتقت ؟ فقال له : أكانوا علموا أنك تزوّجت امرأة وأنت مملوك لهم ؟ . فقال : نعم وسكتوا عني ولم يغيّروا عليّ ، قال فقال : سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم . اثبت على نكاحك الأوّل » . [ الوسائل 26 : 117 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 26 ح1 ] .

6) ذكر في الوسائل روايات ثلاث دلّت على كفاية سكوت البكر على نحو يظهر منه عدم الكراهة في استيذانها ، وإليك بعضها :)محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن بن أبي نصر قال : قال أبو الحسن (عليه السلام : « في المرأة البكر إذنها صماتها ، والنيب أمرها إليها ».[الوسائل 20 : 274 / أبواب عقد النكاح ب 5 ح1 .]

ثمّ إنّه (قدّس سرّه ذكر أنّه لو أشكل في عقود غير المالك فلا ينبغي الاشكال في عقد العبد نكاحاً أو بيعاً مع العلم برضا السيد ولو لم يأذن له ، ولكن الميرزا (1)ناقش في كفاية الرضا المقارن مطلقاً ، وأصرّ في الانكار على المصنف ، ونقول : الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان العقد مستنداً إلى من يعتبر استناده إليه مع قطع النظر عن الرضا والاجازة ، وما إذا كان استناده إليه غير ثابت وأريد إثباته بالرضا المقارن ، فيكفي الرضا وطيب النفس في الأوّل دون الثاني . أما عدم الكفاية في الثاني فلفساد استدلال المصنف بالوجوه المتقدّمة :)أمّا الوجه الأوّل : فيردّه ما ذكرناه من أنّه خطاب إلى العاقدين ، ولا يكون العقد عقد المالك ولا يستند إليه بمجرد رضاه ما لم يجزه لاحقاً أو يأذن فيه سابقاً . وأمّا الوجه الثاني : فكذلك يردّه أنّ التجارة والتكسب لا يصدق إلّا بعد الإذن ، ولا يصدق بمجرد رضا المالك بعقد غيره أنّه اتجر أو تكسّب .وبهذا يظهر الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ (2)لو استدل به أحد ، فانّ موضوعه أيضاً هو البيع المستند إلى المالك .)وأمّا حديث « لا يحل » وتخيّل بعض المحسّين أنّه آية توهّماً من عطف المصنف فزعم أنّه معطوف على قوله تعالى (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ وهو ظاهر الفساد ، ففيه : أنّ الحل لو أريد به الحل التكليفي فهو خارج عن محل الكلام ، لأنّه ليس بحثنا في جواز إيقاع الانشاء على مال الغير تكليفاً برضاه أو بدونه فإنّه أمر واضح ، وإن أريد به الأعم كما هو الظاهر ، لأن الحل بمعنى الارسال وفتح الطريق في مقابل السد - فيرد)


1) منية الطالب 2 : 3 .

2) البقرة 2 : 275 .

عليه ما ذكرناه في مبحث المفاهيم من الأصول (1ردّاً على أبي حنيفة ، حيث استدل على عدم دلالة الاستثناء على الحصر بقوله ( عليه السلام) « لا صلاة إلّا بطهور » لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب وقلنا أنّه في موارد نفي الحقّيقة ليس الاستثناء حقيقياً كقوله : جاء القوم إلّا زيداً ليدلّ على الحصر، وإنّما هي صورة استثناء وفي الحقّيقة إشارة إلى الشرطية أو الجزئية .)وبعبارة أخرى : لسان هذه التراكيب لبيان النفي - أي نفي الصحّة - عند فقدان القيد لا الاثبات ، أعني كفايته في الصحّة وكونه علّة تامة لها ، فمعنى قوله (عليه السلام « لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب » اعتبارها فيها ، لا أنّ حقيقة الصلاة هي القراءة أو الطهور ليدل على الحصر، والنبوي أيضاً من هذا القبيل ليس فيه دلالة على الحصر بل غاية مفاده اعتبار طيب النفس في الحل ، وأمّا كون الحل به فقط فلا يستفاد منه فلا ينافيه اعتبار الاستئذان بدليل .)وأمّا رواية عروة فيحتمل أنّ تكون أجنبية عن الفضولي رأساً وكونه وكيلاً مفوضاً من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم لأنها واردة في قضية شخصية . وثانياً : ما يستفاد منها إنّما هو كفاية الرضا في التصرّفات الخارجية من القبض والاقباض ولا إشكال في كفاية الرضا الباطني فيها ، وإنّما الكلام في كفايته في التصرّفات الاعتبارية ولا دلالة فيها على ذلك .)وأمّا ما تمسك به (قدّس سرّه ممّا دلّ على أنّ علم المولى بنكاح العبد وسكوته إقرار منه ، وهكذا ما ورد في سكوت الباكر ، ففيه : أمّا سكوت الباكر فلا يبعد أنّ يكون كاشفاً عرفياً عن الرضا ، فانّها لعفّتها تخجل عن التصريح فتسكت وإلّا فمن أين يستكشف رضاها ، وعليه فلا ربط له بالمقام . وأمّا سكوت المولى فيمكن أيضاً)


1) محاضرات في أصول الفقه 4 موسوعة الإمام الخوئي (46) : 292 .

قوله (قدّس سرّه : مع أنّ كلمات الأصحاب (1).)قوله (قدّس سرّه : لو سلّم كونه فضولياً(2).)کونه كاشفاً عرفياً ويكون إذناً منه ، ومع التنزل لابدّ من الاقتصار على مورد الرواية وما يكون من قبيله ، أي العقود التي يكون الاستناد فيها متحقّقاً مع قطع النظر عن الرضا كالتزويج ببنت أخي الزوجة أو ببنت أختها ، فان استناد العقد إلى الزوج موجود ، وإنّما اعتبر فيه رضا العمّة أو الخالة ، فيكفي طيب نفسها ولو لم يكن مبرزاً ، وهكذا بيع العين المرهونة ، ولا يتعدّى عن ذلك إلى العقد الفاقد للاستناد كبيع الفضولي المقرون بطيب نفس المالك ، فعليه لابدّ من التفصيل بين القسمين كما ذكرناه ، ولا وجه لما ذكره الميرزا (رحمه الله من اعتبار الاذن أو الاجازة في كلا القسمين.)(1تمسك (قدّس سرّه) بكلمات بعض العلماء ، واستظهر منها كفاية الرضا المقارن في صحّة العقد ، كقولهم في الاستدلال على صحّة الفضولي إذا لحقه الرضا : أنّ الشرائط كلّها حاصلة إلّا رضا المالك ، وأن السكوت لا يكفي في الاجازة لأنّه أعمّ من الرضا .)وفيه أوّلاً : لا يبعد أنّ يكون مرادهم خصوص الرضا المبرز ، فانّهم ذكروا من جملة شروط العقد الاختيار ، والظاهر أنّ مرادهم بالرضا في المقام هو الاختيار الذي اعتبروه ، وهو عبارة عن الرضا المبرز . وثانياً : ليس كلماتهم آية ولا رواية لتكون حجة يتمسّك بها .(2ذكر أنّه ولو سلّم كون عقد الفضولي المقارن لرضا المالك داخلاً في الفضولي موضوعاً إلّا أنّه ليس كل فضولي متوقفاً على الاجازة ، لعدم ثبوت دليل مطلق في المقام ، كما احتمل عدم التوقف على الاجازة في من باع ملك غيره ثمّ ملکه .)

قوله (قدّس سرّه : مع أنّه يمكن الاكتفاء (1).)وفيه : أنّه إن دل دليل على كفاية الرضا المقارن في صحّة العقد فالعقد المقرون به لا يكون فضولياً ، وإلّا فلابدّ من الاجازة اللاحقة .وبعبارة أخرى : إن قلنا بتحقّق الاستناد بمجرد الرضا وشمول عموم (أَوْفُوا بالْعُقُودِ للعقد الفضولي المقرون برضا المالك فلا وجه لكونه فضولياً ، وإلّا فلابدّ من الاجازة ولا يكفي الرضا المقارن ، ولا واسطة بين الحدّين .)(1الاكتفاء بالرضا الحاصل بعد البيع ولو آناً ما في الاجازة لا معنى له ، لأنّه كان مبرزاً يكتفى بتحقّقه مقارناً للعقد ، وإلّا فلا يكتفى بالرضا الحاصل بعد البيع كما لا يكتفى بالمقارن منه)ثمّ إنّه قد يستدل على صحّة العقد المقرون برضا المالك بما ورد من قوله (عليه السلام في الضيعة « لا تشترها إلّا من مالكها أو بأمر منه أو برضاه » حيث قرن الرضا بأمر المالك ، وقد ورد هذا المضمون في روايتين (1)إحداهما لا بأس بها من)


1) محمد بن الحسن ، عن الحسن بن محبوب ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : « سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل وأهل الأرض يقولون هي أرضهم ، وأهل الاستان يقولون هي من أرضنا ، فقال : لا تشترها إلّا برضا أهلها ».)ورواه الكليني ، عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمد ، عن ابن محبوب . أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد عبدالله بن جعفر بن الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام : « أنّ بعض أصحابنا له ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب ، للسلطان فيها حصة واكرته ربما زرعوا وتنازعوا في حدودها ، وتؤذيهم عمال السلطان ، وتتعرّض في الكل من غلات ضيعة ، وليس لها قيمة لخرابها ، وإنّما هي بائرة منذ عشرين سنة ، وهو يتحرّج من شرائها لأنّه يقال : أنّ هذه الحصة من هذه الضيعة كانت قبضت من الوقف قديماً للسلطان ، فان جاز شراؤها من السلطان كان ذلك صوناً - أو صواباً - وصلاحاً له وعمارة لضيعته ، وأنّه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة بفضل م-اء ضيعته العامرة ، وينحسم عن طمع أولياء السلطان ، وإن لم يجز طمع أولياء السلطان ، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله . فأجابه : الضيعة لا يجوز ابتياعها إلّا من مالكها أو بأمره أو رضا منه » . [ الوسائل 17 : 334 ، 337 / أبواب عقد البيع ب 1 3 ، 8 ] .

قوله (قدّس سرّه : ثمّ اعلم أنّ الفضولي قد يبيع للمالك (1).)حيث السند ، والظاهر أنّ المصنّف ذكرها في بيع الأراضي الخراجية .وكيف كان يرد عليه أوّلاً : أنّه لا يبعد أنّ يراد به الرضا المبرز لا مطلقاً وعلى فرض التنزل يكون نظير قوله ( عليه السلام « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه »(1)وقد ذكر أنّ لسأنّه النفي دون الاثبات ، ولا يستفاد منه صحّة العقد بمجرد رضا المالك ، كما لا يستفاد منه الاكتفاء بمجرد أمره ، أو كون الشراء من المالك وعدم اعتبار بقية الشرائط ، وهذا واضح .)(1ذكر أنّ البحث عن الفضولي يقع في مسائل ثلاث : الأولى : أنّ يبيع من لا يملك المبيع للمالك من دون أنّ يسبقه منع منه . الثانية : أنّ يبيع للمالك مع سبق المنع منه . الثالثة : أنّ يبيع لغير المالك إما لنفسه وأمّا لشخص ثالث .)ومن الظاهر أنّ المسألة الأولى تكون أساساً للمسألتين الأخيرتين ، فإنّه لو قلنا بالفساد في المسألة الأولى من جهة عدم حدوث البيع مستنداً إلى المالك فلابدّ من القول بالفساد في الثانية والثالثة ،أيضاً ، لأن تلك الجهة جهة مشتركة بين المسائل


1) الوسائل (5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1 (باختلاف يسير)

الثلاث ، فالمسألتان الأخيرتان مشتملتان على تلك الجهة مع شيء زائد ، وهو سبق منع المالك في الثانية ووقوع البيع لغير المالك في الثالثة ، فإذا أوجب ذلك فساد البيع في الأولى لأوجبه فيها أيضاً ، وأمّا لو قلنا بصحّة البيع في المسألة الأولى لعدم استلزام عدم استناد البيع حدوثاً إلى المالك الفساد ، فيكون للبحث عن المسألتين الأخيرتين مجال ، فيبحث عن أنّ سبق المنع من المالك يوجب الفساد أم لا ؟ وعن أنّ قصد وقوع البيع لغير المالك الذي هو منافٍ لمقتضى العقد يوجب الفساد أم لا ؟### أدلّة صحة بیع الفضولی للمالکبيع الفضولي للمالكأمّا المسألة الأولى : فهي المتيقّن من مورد الحكم بصحّة الفضولي كما ذك--ره المصنف ( رحمه اللّه (1)والمشهور بين القدماء فيها هو الصحّة ، وقد خالف فيها بعض المتأخّرين كالأردبيلي (2)والسيد الداماد (3)، ويدل على صحته عموم قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (4)وإطلاق قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) (5)، فانا ذكرنا أنّ الخطاب فيهما إلى الملاك لا إلى غيرهم ، فلابدّ وأن يكون البيع مستنداً إلى المالك ليعمه العموم أو الاطلاق ، إلّا أنّه لا يختص بما إذا كان العقد مستنداً إلى المالك حدوثاً ، بل يعم ما إذا كان مستنداً إليه ولو بقاء ، ومن الظاهر أنّ التصرّفات الاعتبارية ليست كالأفعال الخارجية التي لا تستند إلى غير الفاعل بالاذن ولا بالاجازة كالأكل أو


1) المكاسب 3 : 349 .

2) مجمع الفائدة 8: 158 .

3) ضوابط الرضاع (كلمات المحقّقين) : 56 .

4) المائدة 5 : 1 .

5) البقرة 2 : 275

قوله (قدّس سرّه) : بقضية عروة البارقي (1).

الشرب فإنّه لا يكون أكل الآذن لاذنه فيه ، بل هي قابلة للاستناد إلى المالك إمّا حدوثاً كما في عقد الوكيل وأمّا بقاءً كما في العقد الفضولي إذا لحقه إجازة المالك ، فإنّه أمر له استمرار وبقاء قابل للحوق الاجازة به ، فيكون بقاء عقد المالك ، فيعمّه العموم والاطلاق .

والظاهر أنّ هذا مراد المصنف من قوله : وهو مدفوع بالأصل ، أي الأصل اللفظي ، أعني أصالة العموم أو أصالة الاطلاق لا الأصل العملي ، إذ ليس في المقام أصل عملي يقتضي نفي اعتبار مقارنة الاذن للعقد ، بل الأصل العملي يقتضي الفساد .

وبالجملة : فنفس العموم أو الاطلاق كافٍ في صحّة العقد الفضولي إذا لحقه الاجازة من دون حاجة إلى التمسّك بدليل خاص.

(1) استدل على صحّة الفضولي بروايتين : إحداهما رواية عروة البارقي(1)فانّ بيعه كان فضولياً بلا إشكال كما أفاد المصنف (2)، ويحتمل كون شرائه أيضاً فضولياً ، فانّ ما أذن النبي (صلى الله عليه وآله) فيه إنّما كان شراء ش--اة واحدة لا شاتين ، فشراؤهما يكون فضولياً لا محالة .

وقد أجيب عنه : بأن المأذون فيه إنّما كان شراء طبيعي الشاة لا خصوص الواحدة كما ذكره السيد في حاشيته (3)، ولكن الظاهر أنّ المأذون فيه إنّما كان الشاة الواحدة للأضحية لا جنس الشاة ، إلّا أنّه مع ذلك لم يكن الشراء فضولياً ، لأنّ


1) المستدرك 14 : 245 / كتاب التجارة ب 18 ح 1 .

2) المكاسب 3 : 351 .

3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 135

شراء الشاة الواحدة بدينار كان مأذوناً فيه بالمطابقة وشراء الشاتين بدينار بالالتزام أو بالأولوية فتأمل ، فالشراء لم يكن فضولياً .

وقد ذكر المصنّف أنّ الاستدلال بها مبني على أنّ يكون العقد المقرون برضا المالك داخلاً في الفضولي ، لأنّ ظاهر تقرير النبي (صلى الله عليه وآله) أنّ قبض عروة وإقباضه لم يكن حراماً ، فلابدّ إما من الالتزام باقتران البيع والقبض والاقباض برضا المالك ، أو القول بجواز التصرف في البيع الفضولي إذا علم عروة بلحوق الاجازة أو علم برضا النبي باقباض ماله للمشتري حتّى يستأذن ، وكون دفع الثمن من المشتري على نحو استئمان البائع ، ثمّ اختار أنّ الظاهر هو الأول ، فيكون الاستدلال بها مبنيّاً على ما ذكره .

ونقول : يرد على الاستدلال بهذه الرواية :

أولاً : إنّها ضعيفة السند لأنها عامية مروية من طرقهم ، ولم يعلم استناد الأصحاب إليها ، فانّهم وإن ذكروها في مقام الاستدلال على صحّة عقد الفضولي من الشيخ (1)ومن تأخّر عنه ، إلّا أنّ اعتمادهم عليها في مقام العمل والفتوى غير ثابت ، لأنهم ذكروها في جملة الأدلة ، وكثيراً ما تذكر رواية عامية في ضمن الأدلة للتأييد ونحوه من غير اعتماد عليها .

وثانياً : أنها قضية خارجية ، ومن المحتمل أنّ عروة كان وكيلاً مفوّضاً من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ففعله خارج عن الفضولي .

ثانيتهما : صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه غلاماً فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر


1) راجع النهاية : 385 .

فقال : وليدتي باعها ابني بغير اذني ، فقال (عليه السلام) : الحكم أنّ يأخذ وليدته وابنها ، فناشده الذي اشتراها ، فقال له : خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتّى ينفذ البيع لك ، فلما رآه أبوه قال له : ارسل ابني . قال : لا والله لا ارسل ابنك حتّى ترسل ابني فلما رأى ذلك سيّد الوليدة أجاز البيع »(1).

وقد استدل بها على صحّة الفضولي بالاجازة ، وهي من حيث السند صحيحة لا بأس بها ، وإنّما الكلام في دلالتها ، فإنّه ربما يقال : إنها غير معمول بها في موردها - وهو الاجازة بعد الرد - فانّها فاسدة إجماعاً ، فلابدّ من ردّ علمها إلى أهلها ، والشاهد على الرد فيها أمور ثلاثة : الأول أخذ الوليدة وابنها ، بل وحكمه (علیه السلام) به على نحو الاطلاق ، فإنّه ظاهر في رد البيع عرفاً . الثاني : مخاصمته إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا معنى له لولا الردّ . الثالث : مناشدة المشتري له (عليه السلام) ، فإنّه أيضاً ظاهر في ردّ البائع وأنّ المشتري طلب من الامام (عليه السلام) علاجاً لرده .

ولكن الظاهر عدم الدلالة في شيء منها على الردّ ، لأن الرد إنّما هو بمعنى حل العقد ، وهو غير الكراهة ، ولابدّ له من مبرز ، وليس أخذ الوليدة وابنها مبرزاً لحل العقد ، بل هو أعم منه ، فانّها ما لم يتحقّق الاجازة تكون باقية في ملك المالك الأوّل ، فله أنّ يأخذ ماله حتّى يتأمل فى الرد والاجازة ، فان رد فهو وإن أجاز يرد المال إلى المشتري ، واطلاق حكمه (عليه السلام) بالأخذ تكون من هذه الجهة . وهكذا المخاصمة فانّها إنّما كانت من جهة بقاء المال على ملك المالك الأول فأراد من المشتري حتّى يتأمل في أنّ صلاحه في الرد أو في الاجازة . وأمّا استنقاذها مناشدة المشتري للامام (عليه السلام) فيمكن أنّ يكون من جهة علاج عدم الاجازة


1) الوسائل 21 : 203 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 88 ح 1 (مع اختلاف)

لا الردّ ، فسأل الامام أنّ يعلّمه طريقاً لأن ينتهي الأمر إلى إجازة المالك ، فاذن ليس مورد الرواية الاجازة بعد الردّ .

والحاصل : أنّ الصحيحة ليس فيها أدنى ظهور في أنّ الاجازة بعد الردّ وذلك لأنّ الردّ ليس مجرد عدم الرضا وإنّما هو بمعنى حل العقد نظير الفسخ ، فلابدّ فيه من مبرز إما لفظ صريح أو فعل يكون لازماً مساوياً للرد ، كما أنّ الفسخ بالفعل أيضاً لا يكون إلّا بفعل مساوٍ له ، مثلاً إذا باع المالك لنفسه في المجلس ماله لشخص آخر ثانياً فإنّه لازم مساو لفسخ البيع الأول ، وهكذا إذا وطى، الأمة التي باعها في زمان الخيار فإنّه مساءٍ للفسخ فيكون فسخاً ، وهكذا في الرجوع ف--ان النظر إلى المطلقة بما لا يجوز النظر إليها لغير الزوج أو وطأها يكون لازماً مساوياً للرجوع فيدل عليه بالالتزام .

وأمّا إذا لم يكن الفعل لازماً مساوياً لذلك فلا يكون مصداقاً له ، وفي الصحيحة ليس شيء من الأفعال الثلاثة لازماً مساوياً للردّ بل كلّها لازم أعمّ له فانّها لازم لعدم الرضا ، فليس فيها دلالة التزامية على الردّ . أما الأخذ فلأنّه يمكن أنّ يكون من جهة عدم رضاه بالبيع ، وكون الوليدة باقية في ملكه ولا يرضى ببقائها تحت يد الأجنبي ، وهكذا المخاصمة . وأمّا مناشدة المشتري فيحتمل أنّ يكون طلباً العلاج عدم رضا السيد بالبيع ، فليس في هذه الأمور دلالة على الرد لتكون الاجازة بعد الردّ .

والمصنّف حيث سلّم ظهورها في الردّ قرّب الاستدلال بالصحيحة بوجه آخر وحاصل ما أفاده : هو أنّ الاستدلال ليس بالحكم الشخصي وهو الاجازة بعد الردّ ليكون التعدّي منحصراً بما يساويه في الخصوصيات وهو الاجازة المسبوقة بالردّ والمفروض قيام الاجماع على عدم نفوذها فلا يمكن ذلك ، بل الاستدلال يكون بذيل الصحيحة ، أعني قوله (عليه السلام) » فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز البيع ،

الصريح في صحّة بيع الفضولي بلحوق الاجازة ، وإن لم يمكن تطبيق ذلك على مورد الصحيحة .

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ الرواية إن كانت مشتملة على عموم أو إطلاق يستفاد منها كبرى كلية ولم يمكننا تطبيقها على المورد أمكن القول بأن الاستدلال ليس بالحكم الشخصي الثابت للمورد ، وإنّما يستدلّ بالكبرى الكلية فيما ليس من قبيل المورد وإن لم يعرف تطبيقها عليه نظير ما ورد في رواية ابن بكير التي سأل فيها الامام عن السنجاب والسنّور والفنك ، فأخرج كتاباً باملاء رسول الله وف-ي-ه م-ا حاصله : « أنّ الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه وشعره وجلده وكلّ شيء منه غير جائز ولا يقبل الله تلك الصلاة حتّى يصلّيها في غيره ممّا أحل الله أكله » (1) فانّ الصلاة في السنجاب جائز قطعاً ، فالكبرى لا تعم موردها ، إلّا أنّه يمكن التمسّك بها لغير ذاك المورد .

(1) أصل الرواية على ما في الوسائل هكذا :

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير قال : سال زرارة أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنّ الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد ، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحل الله أكله . ثمّ قال : يازرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله فاحفظ ذلك بازرارة فان كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبأنّه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي وقد ذكاه الذبح ، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ . شيء ء منه فاسد ، ذكاه الذبح أو لم يذكّه » [ الوسائل 4 : 345 / أبواب لباس المصلّي ب 2 ح1 ] . والكبرى المذكورة في هذه الرواية إنّما لا تنطبق على موردها - أعني السنجاب - لو فرض كون السنجاب ممّا يحرم أكله ومع ذلك يجوز و الصلاة فيه ، وإلّا فهي منطبقة على موردها كما هو واضح .

وأمّا إذا لم تكن الرواية مشتملة على عموم ولا على إطلاق وإنّما كانت مشتملة على حكم شخصي ولم يكن معمولاً بها في ذاك المورد وأمثاله فليس هناك حكم آخر يتمسّك به ، والمقام من هذا القبيل فانّ ما ذكر في الصحيحة ليس إلّا حكم القضية الشخصية - أعني بيع الوليدة بتلك الخصوصيات - فإذا لم تكن معمولة بها في ذلك المورد وما يساويه ليس فيها عموم أو إطلاق يتمسّك به ، هذا .

ولكن عرفت أنّه ليس فيها أدنى ظهور في الرد ، فلا تصل النوبة إلى هذه التطويلات أصلاً ، كما لا مجال حينئذ لما ذكره السيد في حاشيته (1)من التمسّك بالصحيحة في موردها والحكم بجواز الاجازة بعد الرد إذا كان فعلياً ، وذلك لأنّ دليل عدم نفوذ الاجازة بعد الرد إنّما هو الاجماع، وهو دليل لبي لابدّ من الاقتصار فيه على المتيقّن ، وهو ما إذا كان الردّ قولياً دون ما إذا كان فعليّاً لدلالة هذه الصحيحة على جوازها .

نعم يرد عليه إشكالان :

أحدهما : أنّ ظاهر الصحيحة أنّ المشتري لم يكن عالماً بأن البائع - وهو ابن السيد - فضولي ، لقول السيد : وليدتي باعها إبني بغير اذني ، فإنّه مشعر بعدم كون المشتري عالماً بذلك ، كما أنّ عدم تعرض الامام (عليه السلام) لجهة كون المشتري زانياً من إقامة الحد عليه أو طلب الشهود على ذلك أيضاً شاهد على جهله بالحال وأنّه اعتمد على يد ابن المولى ، فأنّها أمارة الملكية أو الوكالة إذا علم عدم كونها مالكية ، وعليه فيكون الولد حرّاً لأنّه من الوطء بالشبهة ، وإذا كان حرّاً لا وجه لحكمه (عليه السلام) بأخذه .

وتوهم أنّ حبس الولد إنّما كان لامتناع المشتري من دفع قيمته إلى السيد


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 135 .

فإنّه الذي أتلفه عليه فيستحق قيمة مثله يوم الولادة ، كما يظهر من بعض كلمات المصنّف (1)وصرّح به الميرزا (2)مدفوع أولاً : بأنّه لو قلنا بأن المديون يحبس إذا تسامح في أداء الدين فهو الذي يحبس ، ولا وجه لحبس حرّ غيره كالولد مع أنّه ليس بمجرم أصلاً . وثانياً : نفرض إمكان حبس الولد الحر لتسامح والده في أداء دينه إلّا أنّه عليه لا يكون الامام (عليه السلام) مبيناً حكم المسألة في الصحيحة ، فانّ حكم السؤال كان أخذ الوليدة وأخذ قيمة الولد ، وأمّا حبسه عند امتناع المشتري من الدفع فهو حكم آخر لم يكن مسؤولاً عنه في الرواية .

ثانيهما : ما بينه الامام (عليه السلام) للمشتري من أنّه يأخذ ابن السيد ، فإنّه أيضاً لا وجه له . وتوهم أنّ حبسه كان من جهة قبضه الثمن كما هو المتعارف في أغلب البيوع الفضولية - وإتلافه إياه ، مدفوع أولاً : بأنّه عليه كان اللازم أنّ يحكم (عليه السلام) ابتداءً بأنّه يطالبه بالثمن وبما يغرمه للسيد من قيمة الولد ، وإذا تسامح عن الدفع يحبسه . وثانياً : أنّه مخالف لقول المشتري عندما طالبه السيد بارسال ابنه « لا والله لا أرسل ابنك حتّى ترسل إبني » فإنّه صريح في أنّ حبسه لم يكن من جهة دفع الثمن وإنّما كان من جهة أنّ يجيز السيد البيع ، ولم نعرف لذلك وج-ه-ا ، ولع--ل القضية لم تنقل بتمامها إلينا وكان فيها خصوصيات تقتضي أخذ الولد ، وكيف ما كان لا يضر عدم فهمنا لذلك بالاستدلال ببقية جملات الصحيحة على صحّة الفضولي بالاجازة ، وذلك واضح .

و ممّا استدل به على صحّة بيع الفضولي قوله ( عليه السلام) في نكاح العبد بدون


1) المكاسب 3 : 354 .

2) منية الطالب 2 : 14 .

إذن سيده « أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيده فإذا أجاز جاز» (1)وقد ركن إلي-ه المحقّق النائيني (2)بدعوى أنّ المستفاد منه الكبرى الكلية وهي أنّ سبب عدم نفوذ العقد أنّ لم يكن عصيان الله تعالى كالنكاح في العدة بل كان عدم رضا السيد أو من هو بمنزلة السيد كالمالك ينفذ بلحوق الاجازة منه ، والعصيان في بيع الفضولي ليس إلّا عصيان المالك ، فينفذ إذا أجاز .

وفيه : أنّه إن استند عقد الفضولي إلى المالك بالاجازة اللاحقة ، وشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (3)الذي هو خطاب إلى الملاك ، فلا حاجة إلى التمسّك بهذه الرواية وأمثالها ، وإلّا فلا يمكن الاستدلال بها أيضاً ، لأنّ غاية مفادها إنّما هي كفاية الرضا المتأخر فيما إذا كان العقد بنفسه مستنداً إلى من يلزم الاستناد إليه ، ولكنّه كان فاقداً لرضا من يعتبر رضاه فيه كما في مورد الرواية فنتعدّى إلى أمثاله كالتزويج ببنت أخي الزوجة أو بنت أختها حيث اعتبر رضاها المتأخر أو الاجازة المتأخّرة .

وبعبارة أخرى : غاية مفاد الرواية أنّ الاجازة المتأخرة من السيد تكفي في حصول الرضا ، لا أنّها تكفي في استناد العقد إلى من يلزم استناده إليه .

وممّا استدل به على الصحّة أيضاً : الأخبار الواردة في إباحة الخمس للشيعة وهي كثيرة : منها ما ورد (4)في غنائم الحرب وشراء الجواري منها ، فانها إما ملك للامام (عليه السلام) بتمامها إذا لم يكن الحرب باذنه ، وأمّا للامام فيها الخمس إذا كان الحرب باذنه ، وعلى أي تقدير أباح الامام ذلك لشيعته لطيب ولادتهم .


1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 24 ح 1 (مع اختلاف يسير).

2) منية الطالب 2 : 15

3) المائدة 5 : 1 .

4) الوسائل 9 : 552 / أبواب الأنفال ب 4 ح 20 .

ومنها : ما ورد (1)في المساكن والمتاجر ، أي ما يشتريه الشيعي ممن لا يعتقد بالخمس وقد ورد في بعضها ما مضمونه « إنا ما أنصفناكم أنّ كلّفناكم اليوم » أي الوقت الذي لم يتمكنوا من استنقاذ أموالهم من الناس لعدم وصول الخلافة الظاهرية إليهم ، فانّ تكليف الشيعة حينئذ بأداء الخمس ممّا يشترونه م-ن الع--امة خلاف الانصاف.

وكيف كان ، هذه الأخبار بعضها صادرة عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام وفي بعضها تصريح بعدم اختصاص الاباحة بامام دون إمام ، فيستفاد منها صحّة المعاملات الواقعة على أموالهم (عليهم السلام فضولة وبغير إذنهم .

ونقول : الاستدلال بهذه الأخبار يصحّ على تقدير ولا يصحّ على تقدير آخر ، فإنّه أنّ قلنا بخروج العقد عن عنوان الفضولي إذا كان مسبوقاً بالرضا المبرز مع عدم وصوله إلى العاقد فلا محالة تكون مورد هذه الأخبار خارجاً عن الفضولي ، وأمّا أنّ قلنا بأنّ الخروج عن الفضولية متقوّم باستناد العقد إلى المالك وهو متقوّم بالاذن - أعني وصول الرضا المبرز إلى العاقد ولا يكفي في ذلك مجرد الابراز كما لا يكفي فيه الرضا النفساني المجرد عن المبرز - فالاباحة في الأخبار تدل على المقصود ، والظاهر هو الثاني ، لأنّ الاستناد إلى غير العاقد إنّما يكون فيما إذا وقع العقد عن إذن المالك ومستنداً إليه ، وأمّا إذا فرض أنّ المالك رضي بالعقد بل وكل غيره في بيع داره مثلاً وأبرز ذلك لأهله ولكن قبل وصول ذلك إلى الوكيل باع الدار فضولة لعدم مبالاته ، لا يقال عرفاً أنّ المالك باع داره بمجرد رضاه المبرز مع عدم وصوله إلى العاقد ، وعليه يكون شراء ما تعلّق به حقّ الامام (عليه السلام) أيضاً من الفضولي وتكون الاباحة بمنزلة الاجازة المتأخّرة ، فيمكن التمسّك بهذه الأخبار علی الفضولی.


1) الوسائل : 545 / أبواب الأنفال ب 4 ح 6 .

و ممّا يستدلّ به أيضاً ما ذكره المصنف بقوله : وربما يستدل أيضاً بفحوى صحّة عقد النكاح من الفضولي الخ (1)وقد ورد في بعض الأخبار صحّة تزويج الولي العرفي كالأم لابنه أو الأخ لأخيه أو العم لابن أخيه إلى غير ذلك إذا أجازه الزوج بعد ذلك (2)ومن الظاهر أنّ لا خصوصية للولي العرفي ، فلا وجه لما نسب إلى ابن حمزة (3)من القول بصحّة تزويج الولي العرفي كالولي الشرعي ، وعليه فإذا صح تمليك البضع بالاجازة اللاحقة مع أهميته - لأنّه يكون منه الولد كما صرّح به في بعض الأخبار (4)وهو أولى بمراعاة الاحتياط فيه - فتمليك المال يصح بطريق أولى .

وفيه : أنّ أهمية النكاح من سائر المعاملات غير قابلة للانكار كما صرّح به في جملة من الأخبار ، فانّ قوام العالم به ولذا رغب فيه الشارع وحذر عن مقابله وهو الزنا ، إلّا أنّ الكلام في أنّ أهمية المسبّب يوجب التضييق في سببه أو التوسعة فيه ، فانّ المناسب للأمر المهم المرغوب فيه أنّ يوسع في سببه ليسهل الوصول إليه لكل أحد ، لا أنّ يجعل سببه ضيّقاً ، فإنّه مناسب للأمر المكروه للشارع ، كالطلاق الذي هو مزيل للنكاح ولذا ضيّق في سببه من جهات ، إلّا ترى أنّ سبب النكاح لو خص باللفظ العربي الفصيح باللهجة العربية لما أمكن الوصول إليه لجملة من أهل القرى والبر ، بخلاف ما إذا اكتفي بكل لغة . وعليه فالتوسعة في سبب النكاح لا


1) المكاسب 3 : 356 .

2) الوسائل 20 : 280 / أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ب 7 ح 3 ، والصفحة 293 الباب 13 ح 3 ، وغيرهما .

3) الوسيلة : 300 .

4) الوسائل 20 : 258 / أبواب مقدّمات النكاح ب 157 ح 1، 3 .

يستلزم التوسعة في البيع الذي ليس بتلك المرتبة من الأهمية ، ولذا لم يرغب فيه شرعاً ، فالأولوية ممنوعة .

والمصنف (رحمه اللّه) بما أنّه مسلّم للأولوية جعلها معارضة بالنص الوارد في الردّ على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل وبين بيعه بالصحّة في الثاني دون الأوّل ، لأن المال له العوض بخلاف البضع ، قال (عليه السلام) في ردّهم « سبحان الله ما أجور هذا الحكم وأفسده ، فانّ النكاح أولى وأجدر أنّ يحتاط فيه لأنّه الفرج وم-ن-ه يكون الولد »(1)فإنّه (قدّس سرّه) زعم أنّ المراد بالاحتياط في النكاح هو الحكم بصحته دون البيع ، فيمكن أن يصحّ النكاح في مورد دون البيع بعكس الأولوية ، فصحّة البيع بدون إذن المالك تستلزم صحّة النكاح بدون إذن الزوج دون العكس .

نعم عليه إذا قام دليل على بطلان التزويج بدون إذن الزوج يدلّ بالأولوية

على بطلان البيع بدون إذن المالك أيضاً ، فتنعكس الأولوية بمقتضى هذه الرواية .

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ حكم العامة بصحّة البيع في مفروض الرواية لم يكن مبنياً على الاحتياط ، فان الاحتياط فيه من حيث الفتوى إنّما يقتضي التوقف عن الحكم بكل من الصحّة والفساد ، لأنّ كلاً منهما مبني على وجوه استحسانية ، فهو من مصادیق قوله تعالى (قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (2). وأمّا من حيث العمل فالأمر دائر بين محذورين ، لأنّ كلاً من الثمن والمثمن يدور أمره بين أنّ يكون ملكاً للمشتري أو ملكاً للبائع ، فليس الحكم بأحد الطرفين موافقاً للاحتياط ، وإنّما الاحتياط يقتضي الصلح باقالة أو بيع جديد أو نحو ذلك ، كما أنّ الحكم [ في النكاح ]


1) الوسائل 19 : 163 / كتاب الوكالة ب 2 ح 2 .

2) یونس 10 : 59 .

قوله (قدّس سرّه) : ربما يؤيّد صحّة الفضولي بل يستدلّ عليها (1).

بصحته أيضاً ليس موافقاً للاحتياط ، وهكذا الحكم بفساده .

أمّا من حيث الفتوى فواضح ، وأمّا من حيث العمل فلأن القول بالصحّة إذا لم يطابق الواقع يوجب الوقوع في الزنا ، والقول بالبطلان مستلزم لجواز تزويج المرأة نفسها للغير، فإذا خالف الواقع لزم منه الزنا بذات البعل ، فالاحتياط يقتضي تجديد عقد النكاح أو الطلاق .

وعليه لا يمكن أنّ يراد بكون النكاح أجدر وأحرى بالاحتياط من البيع الأولوية من حيث الحكم بالصحّة ، لأنها في البيع لم تكن مبنية على الاحتياط بل هي مخالفة له ، وإنّما يصحّ هذا التعبير لو كانت صحّة البيع من جهة الاحتياط فلابدّ وأن يكون مراده (عليه السلام) من ذلك - والله العالم - أنّ العامة إذا تجرؤوا ولم يحتاطوا في البيع حيث لم يتوقفوا ولم يرجعوا إلى أهل البيت (عليهم السلام) وأفتوا فيه بالصحّة اعتماداً على وجوه عقلية ، فالأجدر بهم أنّ يتوقفوا عن ذلك ويحتاطوا في النكاح لاهميته وأنّه يكون منه الولد ، فأولوية النكاح بالصحّة عن البيع أجنبية عن هذه الرواية .

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا صحّة العقد الفضولي بالاجازة بمقتضى العمومات وصحيحة محمّد بن قيس وإن كانت مورداً للمناقشة من عدة جهات . وأمّا ما ورد في النكاح الفضولي فلا دلالة فيه على صحّة غيره من العقود الفضولية .

(1) من الوجوه التي أيّد بها صحّة الفضولي بلحوق الاجازة ما ورد في المضاربة في رجل دفع إلى رجل مالاً ليشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى غير الذي أمره - بأن عيّن له طريقاً خاصاً أو سلعة خاصة فخالفه العامل في ذلك -

فقال (عليه السلام) : هو ضامن والربح بينهما على ما شرطه(1).

وذكر المصنف (قدّس سرّه) (2)أنّه يستأنس منه صحّة الفضولي على تقدير ويستدل به عليها على تقدير آخر ، لأنّ الرواية إذا أبقيت على ظاهرها من عدم توقف الصحّة على الاجازة كما نسب ذلك إلى بعض الأصحاب - لكان موردها خارجاً عن الفضولي ، إلّا أنّه يستأنس منه عدم اعتبار إذن المالك سابقاً في صحّة البيع ، وأمّا أنّ حملناها على صورة الاجازة بمقتضى ما دلّ على اعتبار رضا المالك في حصول النقل والانتقال في ماله لكان موردها من العقد الفضولي ، واحتمال اختصاص الحكم بالصحّة بموردها - أعني المضاربة - وإن كان موجوداً ولا يمكن التعدّي عنها إلّا أنّ ذلك يكون مؤيداً للمقام .

ونقول : الظاهر عدم إمكان التمسّك بهذه الأخبار أصلاً لا تأييداً ولا استدلالاً ، أما على التقدير الأوّل فلأنّ الحكم بصحّة [ بيع ] مال الغير تعبداً في مورد بدون إذن المالك سابقاً ولا إجازته لاحقاً أجنبي عما نحن فيه من حصول الصحّة بالاجازة اللاحقة التي هي محل الكلام ، فلا وجه لاستيناسها منه أصلاً . وأمّا على التقدير الثاني فلأنّ الظاهر بحسب ما هو المرتكز في أذهان التجار أنّ اشتراط المالك على العامل أنّ يشتري نوعاً خاصاً من المتاع أو لا يشتري إلّا من مكان خاص ليس لغرض شخصي وإنّما هو لاعتقاده أنّ الربح يكون فيما يعينه للعامل دون غيره فإذا كان الربح في الواقع فيما منعه عنه وكان اعتقاده مخالفاً للواقع فهو راض بتلك المعاملة .

وعليه فإذا خالفه العامل وربح تكون المعاملة باذن المالك على حسب


1) الوسائل 19 : 18 / كتاب المضاربة ب 1 ح 9 .

2) المكاسب 3 : 358 .

المضاربة ، وإذا خسر يكون ضامناً ، لأنّه لم يعمل حسب شرط المالك ، فمورد الرواية أجنبي عن الفضولي بالكلية . ويؤكده أنّ معاملة العامل لو كانت فضولية لم يكن وجه للحكم بالصحّة مطلقاً ، بل كانت صحتها متوقفة على إجازة المالك مضافاً إلى أنّ الربح حينئذ كان جميعه للمالك ولم يكن وجه للحكم بتقسيمه على حسب الشرط .

وتوهّم كون التقسيم من جهة عمله فإنّه عمل مسلم محترم ، مدفوع بأن عمله لو سلّم كونه محترماً - مع أنّه ممنوع وإلّا لزم دفع الأجرة إليه حتّى في فرض الخسارة ولم يقل به أحد - يوجب استحقاقه لأجرة المثل لا لشيء من الربح .

والحاصل : أنّ المصنف ذكر ما توضيحه : أنّ هذه الأخبار الواردة في المضاربة إذا أبقيت على ظاهرها ولم يقيد إطلاقها بما إذا أجاز المالك اتجار العامل فهي وإن كانت خارجة عن عنوان الفضولي بل مفادها حكم تعبّدي إلّا أنّه يمكن استيناس صحّة الفضولي منها ، لأنّه يستفاد منها عدم توقف صحّة العقد على الاذن السابق ، وإن قيّد إطلاقها بصورة لحوق الاجازة بمقتضى ما دل على اعتبار رضا المالك في صحّة العقد الواقع على ماله ، فيكون مورد الرواية داخلاً في عنوان الفضولي إلّا أنها لعدم اشتمالها على كبرى كلّية تختص بموردها ولا يتعدّى عنه ، إلّا أنها تكون مؤيدة للمطلوب .

ونقول : الظاهر أنّه لا يستأنس منها صحّة الفضولي على التقدير الأول ، كما لا يمكن الاستدلال بها على التقدير الثاني . أما على الأول فلأن الحكم بصحّة العقد الواقع على مال الغير تعبداً من دون إذنه ورضاه لا ربط له بصحّة بيع الفضولي مبنياً على إجازة المالك ، فلا معنی لأن يستأنس ذلك صحّة البيع مثلاً بالاجازة من اللاحقة . وأمّا على التقريب الثاني فلا يمكن الالتزام بكون مورد الرواية داخلاً تحت عنوان الفضولي ، لمنافاته مع حكمه (عليه السلام) فيها بأن الربح يقسم بينهما ، فانّ

البيع لو كان فضولياً لزم رجوع جميع الربح إلى المالك ، ولا وجه لتقسيمه حسب قرار المضاربة ، كما أنّه ينا في ذلك كون الخسارة على العامل ، لأنّ المعاملة لو كانت فضولية لم تكن الخسارة على العامل على تقديري الصحّة والفساد ، لأنّه على فرض الصحّة تكون الخسارة على المالك وعلى تقدير الفساد وعدم الإجازة يأخذ المالك عين ماله من المشتري إلّا إذا كانت تالفة ، فحينئذٍ يمكن أنّ يغرم العامل .

هذا كلّه في دفع الاستدلال بهذه الأخبار في المقام ، وأمّا حكم هذه المضاربة وأنّ تقسيم الربح بين المالك والعامل وكون الخسارة على العامل هل يمكن تطبيقه على القواعد أو أنّه حكم تعبدي، ربما يوجّه التقسيم بأن غرض المالك المضارب من المضاربة إنّما هو الاسترباح على ما هو شأن التجار ، فإذا منع العامل عن شراء شيء أو السفر إلى بلد فليس ذلك لغرض شخصي وإنّما ه-و لاعتقاده الربح في ذلك والخسران في الآخر ، فإذا كان خاطئاً في التطبيق وفرضنا أنّ العامل اتجر بما منعه المالك عنه وربح يكشف منه رضا المالك به من أوّل الأمر ، فتكون المعاملة مورداً للمضاربة حقيقة وإن لم يفهمه المالك من باب الخطأ في التطبيق ، ومن ، ومن هذه الجهة يقسّم الربح بينهما على حسب القرار .

وفيه أوّلاً : أنّ باب الغرض والداعي أجنبي عن مداليل الألفاظ والمعتبر هو الثاني ، فإذا فرضنا أنّ أحداً وكل شخصاً في شراء دار فرأى الوكيل أنّ شراء الطعام أربح له من شراء الدار فاشترى له الطعام لكونه موافقاً لغرضه فهل يتوهم صحته لذلك ؟ وهكذا إذا وكلت المرأة أحداً في تزويجها لشخص لكونه مثرياً فزوجها الوكيل لرجل أثرى منه لموافقته لغرضها فهل يمكن القول بصحّة التزويج ، فانّ الميزان إنّما هو مداليل الألفاظ لا الدواعي والأغراض.

وثانياً : أنّه لا يمكن دعوى أنّ الغرض للتاجر المضارب في تعيين متاع أو طريق للعامل هو الاسترباح كلية ، إذ قد يكون له غرض آخر كما إذا فرضنا أنّه

رجل مقدّس يمنع العامل من بعض المعاملات لكونها مكروهة شرعاً كالتعاطي في الأكفان مثلاً .

وثالثاً : هذا التوجيه أخص من مورد الرواية ، فإنّه إنّما يتم فيما إذا كان ما فعله العامل أكثر ربحاً من المعاملة التي أمر بها المالك ، وإلّا فلا يستكشف رضا المالك المضارب بها واقعاً ، فتوجيه تقسيم الربح فاسد .

وأمّا كون الخسارة على العامل فقد وجه على القاعدة بوجهين :

أحدهما : أنّه يكون من جهة الشرط الضمني ، فانّ مرجع المنع عن معاملة خاصة إلى اشتراط كون الخسارة على العامل عند المخالفة ، ولا ينافي ذلك ما ه-و المعروف المسلّم من عدم كون العامل ضامناً للخسارة في المضاربة ، فانّ المراد به أنّ المضاربة لا تقتضي ضمان العامل لأنّه عامل ، فلا ينافيه ثبوت الضمان بالاشتراط من الخارج ، وقد ورد في بعض الأحاديث (1)أنّ العبّاس كان له مال كثير وكان يعطيه إلى الناس بعنوان المضاربة ويشترط عليهم أنّ لا ينزلوا بطن وادٍ ولا يشتروا رطباً وإلّا كانت الخسارة عليهم .

ثانيهما : ما ذكره الميرزا (2)وحاصله : أنّ ذلك إنّما هو على القاعدة لا من جهة الشرط ، فانّ تصرّف العامل لما لم يكن على طبق الشرط فلا محالة يكون عدواناً ، فما كان باقياً من ماله تحت يد العامل يجب ردّه إليه ، وما تلف أو صار بحكم الاتلاف بالاتّجار يكون ضامناً له .

ونقول : أمّا التوجيه الأوّل ففيه : أنّه لا وجه لرجوع تعيين الطريق الخاص أو المتاع المخصوص إلى اشتراط كون الخسارة على العامل مطلقاً حتّى من غير الملتفت


1) الوسائل 19 : 17 / كتاب المضاربة ب 1 ح 7.

2) المكاسب والبيع 2 : 27

قوله (قدّس سرّه) : الأخبار الواردة في اتجار غير الولي في مال اليتيم (1)

إلى ذلك ، مضافاً إلى أنّ صحّة هذا الشرط محل الكلام بين الأعلام ، بل المعروف عدم كون العامل ضامناً حتّى بالاشتراط .

وأمّا التوجيه الثاني ففيه أوّلاً : ما عرفت من أنّ معاملة العامل لو كانت فضولية لا تكون الخسارة على العامل على كلا تقديري الصحّة والفساد . وثانياً : أنّه منافٍ لما هو ظاهر بعض الأخبار (1)الواردة في المقام ، حيث جعل فيها الوضيعة أعني الخسارة - مقابلاً للضمان وقال (عليه السلام) عند مخالفة العامل للشرط أنّه يكون ضامناً ، ثمّ بعد ذلك قال (عليه السلام) أنّ ربح يقسم الربح بينهما وإن خسر كانت الخسارة على العامل ، فانّ ظاهره أنّ ضمان الخسارة والنقصان يكون مقابلاً لضمان العين الثابت بمقتضى على اليد أو حديث من أتلف ، فلا يتم شيء من هذه التوجيهات ، بل الظاهر أنّ تقسيم الربح وكون الخسارة على المالك حكم تعبّدي على خلاف القاعدة ، كما أنّ نفوذ عقد الوكيل المعزول قبل وصول عزله إليه أيضاً على خلاف القاعدة ، وقد ثبت بالتعبّد .

(1)تقريب الاستيناس بها ظاهر فانّها لو قيدت بصورة إجازة الولي كما صرح به بعض - كان موردها داخلاً في الفضولي وإلّا فيستأنس بها لصحّة الفضولي ، لأنّ صحّة الاتجار بمال الغير بدون إذن سابق ولا اجازة لاحقة تقتضي صحتها بعد الاجازة بطريق أولى .

وفيه : أنّ جملة من الأخبار الواردة في الاتجار بمال اليتيم واردة في اتج--ار


1) منها ما ورد في الوسائل 19 : 15 / كتاب المضاربة ب 1 ح 1 وغيره .

قوله (قدّس سرّه) : وربما يؤيد المطلب برواية ابن أشيم(1).

الولي وأنّه أنّ كان ملياً وضمن المال - أي بالضمان الاختياري أعني الاقتراض - فالربح له والخسارة عليه ، وإلّا فالربح لليتيم والخسارة على الولي ، وبعض الأخبار وإن كانت مطلقة إلّا أنّه لا يبعد حملها على الولي أيضاً (1)، وفي بعضها : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : ليس في مال اليتيم زكاة إلّا أنّ يتجر به ، فان اتجر به فالربح لليتيم ، وإن وضع فعلى الذي يتجر به » (2)والمراد بالزكاة الزكاة المستحبة في الاتّجار.

وبالجملة : المستفاد من هذه الروايات [أنّ ] غير الولي مطلقاً ، والولي إذا لم يكن ملّياً أو لم يضمن مال اليتيم واتّجر به لنفسه كان الربح لليتيم والخسارة عليه فإنّه تصرف عدواني ولو من الولي . وعلى أي تقدير - أي سواء كان التصرف من الولي لنفسه أو من الأجنبي كان أجنبياً عما نحن فيه ، أما لو كان هو الأجنبي فلعدم ذكر الاجازة من الولي في الروايات أصلاً ، بل لو كان مورداً للاجازة لزم أنّ يكون الوضيعة كالخسارة على اليتيم ، ولم يكن وجه لكون الربح له والخسارة على التاجر .

وتوهّم أنّ الشارع ولي الكل وهو أجاز ذلك ، فيه : ما لا يخفى ، فانّ محلّ الكلام إجازة من يملك العقد وأمّا الشارع فاجازته حكمه ، وهو أنّ كان ثابتاً فثابت قبل العقد لا بعد تحقّقه ، فالظاهر أنّ ذلك حكم تعبّدي ثابت في مال اليتيم ولا ربط له بالفضولي أصلاً .

(1) مضمون الرواية أنّ أحداً دفع إلى العبد المأذون في التجارة مالاً ليشتري


1) [ ولمزيد التوضيح راجع مصباح الفقاهة 4 : 58 - 60 ] .

2) الوسائل 9 : 87 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 2 ح 2 .

به نسمة ويعتقها ويحجّه عنه أو يحج عنه - بصيغة المبني للمفعول - فمات فاشترى المأذون أباه وأعتقه ودفع إليه باقي المال وحج عنه ثمّ تنازع مولى المأذون ومولى الأب وورثة الدافع وادّعى كل منهم أنّه اشتراه بماله ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما مضمونه : أنّ الحج يمضي على ما هو عليه ، وأمّا المملوك فيرد رقاً لمولاه ، وأيّ الفريقين أقاموا البيّنة بعد ذلك على أنّه اشترى بماله كان رقاً له ، الحديث (1).

وتقريب الاستدلال أو التأييد بها : أنّ الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق كان فاسداً لأنّه اشتري بمال مالكه ، وإن كان بمال مالك العبد المأذون صح ولكنه خارج عن الفضولي ، وأمّا أنّ كان بمال الميّت فلا محالة يكون الشراء فضولياً ، لأنّ الشراء كان بعد موته بدون إذن الورثة ، والمفروض أنهم أجازوه بعد تحقّقه ، فانّ مطالبتهم للعبد يكون إجازة للشراء ، وقد حكم الامام (عليه السلام) بأنّهم إذا أقاموا البينة على أنّه اشتري بمالهم كان رقاً لهم ، ومعناه صحّة الشراء الفضولي إذا فرض أنّهم أقاموا البينة على ذلك ، هذا .

وفيه - مضافاً إلى ضعف السند بابن أشيم فإنّه غير ممدوح - ضعف الدلالة لأن من المحتمل أنّ الورثة أيضاً كان لهم مال عند المأذون ، فيدعون أنّ العبد اشترى بمالهم ، فيخرج الشراء حينئذ عن الفضولية ، فتأمّل . فكون الشراء فضولياً مبنى على أحد أمرين : إما أنّ يكون دفع الميت المال إلى المأذون بعنوان الوصية ، ولكن الورثة يدعون أنّ العبد لم يشتر بالمال الذي عيّنه الميت لذلك وإنّما اشتراه بمال آخر م--ن الميت لم يعيّنه لذلك ، وإلّا فإذا أقروا بالوصية وأنّ العبد اشترى بالمال الذي عينه الميت ولم يكن زائداً على الثلث لم يكن لهم حقّ المخاصمة أصلاً . وأمّا أنّ الورثة ينكرون الوصية ويدعون أنّ الميّت إنّما دفع المال إلى المأذون بعنوان الوكالة وقد


1) الوسائل 18 : 280 / أبواب بيع الحيوان ب 25 ح1 .

بطلت بموت الموكّل ، والمفروض أنّ الشراء كان بعد موته وانتقال المال إليهم فيدعون أنّ العبد اشترى بمالهم . وهذا الاحتمال - أي إنكار الوصية - يجري في الرواية ، إذ لم يصرّح فيها بأنّ الميت أوصى بذلك ، كما أنّ ظاهر مخاصمتهم أيضاً ذلك .

ودعوى أنّهم كانوا يطالبون ولاء العتق - كما عن الميرزا (1)ينافيها حكم الامام (عليه السلام) بأنّ العبد يعود ملكاً لهم إذا أقاموا البينة ، الظاهر في فعلية العود إلى الرقية . وكيف كان بما أنّ الاحتمال الأول جارٍ لا يمكن الاعتماد على الرواية لا استدلإلّا ولا تأييداً ، هذا .

مضافاً إلى جريان إشكالين آخرين فيها :

أحدهما : أنّ الامام (عليه السلام) كيف حكم برجوع العبد رقاً إلى مالكه الأول ، أعني بفساد البيع الذي هو مقتضى الاستصحاب مع وجود أصل حاكم عليه وهو أصالة الصحّة في العقد ، وقاعدة الاقرار أعني من ملك شيئاً ملك الاقرار ب-ه فانّ المأذون كان مالكاً للعقد ، وهو يعترف بالشراء بمال الميت فكيف يقدم عليها الاستصحاب .

والجواب عنه : أنّ أصالة الصحّة غير جارية في المقام ، لا لما ذكره الميرزا (2)من اختصاصها بما إذا لم يكن الشك في أركان العقد ، بل لأنها إنّما تجري فيا إذا كان تحقّق العقد مفروغاً عنه وشك في صحته وفساده ، لا فيما إذا كان الشك في أصل تحقّق العقد خارجاً كما في المقام ، فانّ الشراء لو كان بمال مالك العبد المعتق لم يكن هناك بيع حقيقة ولم تتحقّق مبادلة بين المالين أصلاً ، إذ لا معنى للمبادلة بين مالي شخص


1) منية الطالب 2 : 23

2) منية الطالب 2 : 24

واحد ، بل هنا صورة بيع ، فالأمر دائر بين وقوع العقد وعدم وقوعه ، فليس مورداً لأصالة الصحّة .

وأمّا قاعدة « من ملك شيئا ملك الاقرار به » فليست مورداً لعموم أو إطلاق ، وإنّما هي مستفادة من تسالم الأصحاب ، فلابدّ من الاقتصار فيها على المتيقّن وهو ما إذا كان حين الاقرار مالكاً ، وأمّا إذا لم يكن له السلطنة حين الاقرار فلا اعتبار باقراره وإن كان له السلطنة سابقاً ، ومن هنا إذا باع أحد داره وبعد ذلك اعترف بأنها كانت مغصوبة من عمرو مثلاً لم يسمع دعواه ، وهكذا لو ادعى أنّه كان نجساً ، ففي المقام إذا كان إقرار المأذون قبل موت الدافع لكان مسموعاً لسلطنته على الشراء له ، وأمّا بعد موته فلا يعتبر إقراره لزوال سلطنته بموته ، فالحكم بالفساد تمسكاً بالاستصحاب لا بأس به .

فيبقى الاشكال الثاني ، وهو كيف حكم الامام (عليه السلام) بصحّة الحج مع ابتنائها على أمور غير ثابتة ، وكيف يصحّ حج من حكم بكونه رقاً لمالكه الأوّل وكيف يستحق الأجرة مع أنّه ملك الورثة ظاهراً فلا يمكن الاستدلال بها من هذه الجهة وللاحتمال المتقدّم (1).

ثمّ إنّه قد استدلّ على صحّة بيع الفضولي بجملة أخرى من الروايات منها : صحيحة الحلبي «عن الرجل يشتري ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثمّ ردّه على صاحبه فأبى أنّ يقبله إلّا بوضيعة ، قال : لا يصلح له أنّ يأخذ بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد »(2)وقد حكم (عليه السلام) في هذه الرواية ببطلان الاقالة - التي هي عبارة عن فسخ العقد السابق


1) نهاية ما أوردناه من محاضرات في الفقه الجعفري مع تصحيح وتحقيق .

2) الوسائل 18 : 71 / أبواب أحكام العقود ب 17 ح 1 .

وليست معاملة مستقلّة - فيما إذا كانت بوضيعة عن العقد السابق ، لأنّ معنى الاقالة والفسخ حل العقد وإرجاع كل من العوضين إلى مالكه الأول ، وفيما إذا أخذ المثمن بوضيعة أو بزيادة فهو لا يكون إرجاعاً للمالين إلى مالكيها فكأنّه يصير معاملة مستقلة أخرى . وقوله (عليه السلام) « لا يصلح » ظاهر في بطلانها، لتعلقه بالمعاملة ، لا الكراهة ، وعليه فإذا جهل البائع بذلك فأخذه من المشتري بوضيعة فباعه بأكثر ممّا أخذه من المشتري ، يتحقّق هناك بيع الفضولي وهو بيع البائع المال الذي أخذه من المشتري ، إذ المفروض أنّه لم ينتقل إليه بالاقالة لفسادها لأجل الوضيعة وقد حكم الامام (عليه السلام) بصحته حيث قال (عليه السلام) » ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد » ومعناه أنّ بيع البائع صحيح غاية الأمر يجب عليه ردّ ما زاد على الثمن إلى المشتري بل هذه الرواية تدلّ على صحّة بيع الفضولي في غير ذلك المورد بطريق أولى ، لأنّ مورد الرواية من أرداً أنحاء الفضولي وهو بيعه لنفسه ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ الرواية أجنبية عن المقام ، لأنّ بيع البائع على تقدير كونه فضولياً يحتاج إلى إجازة المشتري على جميع التقادير ، باعه بأكثر ممّا أخذه أو منه ، كان عالماً أم كان جاهلاً ، فلا وجه لتخصيصه بصورة الجهالة . مضافاً بأنقص إلى أنّ البيع لو كان فضوليّاً لزم ردّ تمام الثمن إلى المشتري واسترداد ما دفعه إليه أوّلاً بالاقالة ، لا ردّ خصوص المقدار الزائد .

فالصحيح أنّ الرواية أجنبية عن بيع الفضولي وأنّ موردها هو البيع المقرون بإذن المالك ، فإنّ المشتري باستقالته قد رضي باستبدال ماله ونحن وإن لم نر الرضا المقارن مخرجاً عن الفضولية إلّا أنا إنّما قلنا به فيما لم يكن الرضا مبرزاً باللفظ ونحوه وأمّا معه فيخرج عن الفضولية ، وفي المقام يكون نفس إقدام المشتري على الاقالة دإلّا على الرضا بالمبادلة بالأكثر بالدلالة الالتزامية حيث أنّه دال بالدلالة المطابقية

على رضاه بأخذ البائع الثوب بالوضيعة ويدلّ على جواز أخذه بالأكثر لغير البائع بالدلالة الالتزامية وإن لم يعرفه ، وهي كافية في صحّة المعاملة لما ذكرناه في محلّه من أنّ نظر البائع في المعاملة إلى استبدال ماله من دون نظر إلى مشتر خاص ، فهي قائمة بالمالين لا بالمتعاقدين وقد استبدل ماله بمال آخر وبما أنّه زائد عما أخذه البائع من المشتري حكم عليه السلام) بردّه إليه ، فهو بيع صحيح ولا ربط له بالفضولي .

بقيت كلمة ترجع إلى عبارة الحديث وهي أنّه ما المراد بالضمير في قوله « ردّ على صاحبه الأوّل « فقد أرجعه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)إلى المال بمعنى أنّه يرد إلى صاحب المال الأوّل الذي هو المشتري ، وبذلك استظهر أنّ المال خارج عن ملك المشتري وقد دخل في ملك البائع ، وإلّا فلا معنى لتوصيف المشتري بالمالك الأوّل ، فمنه يعلم أنّ للمال مالكاً ثانياً أيضاً ، غاية الأمر أنّ الرواية تدلّ على استحباب ردّ ما زاد إلى المشتري فيما إذا استقاله بوضيعة وإلّا فله أنّ لا يردّه إليه هذا .

ولا يخفى أنّ إرجاع الضمير إلى المال خلاف ظاهر الحديث بملاحظة قوله (عليه السلام) « ردّ » فإنّ وحدة السياق تقتضي إرجاع الضمير في لفظة «صاحبه » إلى ما يرجع إليه ضمير « ردّ » يعني أنّ البائع يردّ إلى صاحبه أي طرف معاملته الأوّل الذي هو المشتري الأوّل ، وعليه فلا يمكن استظهار أنّ البائع أيضاً مالك ويحكم بذلك على استحباب ردّ ما زاد في الاقالة ، هذا .

مضافاً إلى أنا لو أغمضنا النظر عما ذكرناه أيضاً لا يمكن إرجاع الضمير إلى المال ، إذ البائع حينئذ لو ردّ لا يرد إلّا إلى المشتري وليس هناك غير المشتري مالك آخر يرد عليه ما زاد ، فلا وجه لوصف المشتري بالمالك الأول دفعاً عن ردّه إلى


1) منية الطالب 2 : 25 .

غيره . وبالجملة ليس هناك مالك إلّا المشتري والبائع ، والبائع لا يرد إلى نفسه فوصف المشتري بالمالك الأوّل لا يخلو عن البشاعة .

ومنها : موثّقة عبد الرحمن بن أبي عبدالله « قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع إليه الورق فيشترط عليه أنك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته وما شئت تركته ، فيذهب فيشتري المتاع ثمّ يأتي بالمتاع فيقول : خذ ما رضيت ودع ما كرهت ، قال : لا بأس ».(1)

والاحتمالات فيها على ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)ثلاثة :

الأوّل : أنّ المالك أعطى المال للسمسار قرضاً وملكه له حتّى يشتري أجناساً فيختار المالك منها ما يشاء ببيع آخر ، إذ لو لم يعطه الورق لما كان متمكناً من الاشتراء ليختار المالك ما يرضى به ، ويكون وصف السمسار بأنّه يشتري بالأجر لأجل بيان أنّهم بنوعهم يشترون للملاك بالأجر لا أنّه في شخص القضية كذلك لينا في أخذه الأجرة كون الورق ملكاً له بالقرض ، واشتراءه الأجناس لنفسه لا لغيره ، وعلى هذا الاحتمال فالرواية أجنبية عمّا نحن بصدده ولا ربط لها بالفضولي .

ولكن يدفعه : أنّ ظاهر لفظ السمسار أنّ الورق أعطي له بعنوان أنّه سمسار لا بشخصه وبذاته كما هو معلوم، وإنّما يعطى المال للسمسار لأجل أن يشتري به المتاع لمالكه ويأخذ الأجر كما لا يخفى . الثاني : أنّ الدافع قد وكّل السمسار في أنّ يشتري بماله أجناساً واشترط عليه جعل الخيار لنفسه بأن لا يشتري الأجناس جزماً بل يجعل فيها الخيار


1) الوسائل 18 : 74 / أبواب أحكام العقود ب 20 ح 2 .

2) المكاسب 3 : 362 - 363 .

لصاحب الورق على بائع الأجناس حتّى يأخذ ما هو صلاح له ويدفع ما لا صلاح فيه ، وهذا هو الغالب في السمسارين ، وعليه أيضاً تخرج الرواية عما نحن فيه .

الثالث : أنّه أعطى له المال ودفع إليه الورق على نحو لا يخرجه عن الفضولية كأنّه قال له : أعلم أنك إذا اشتريت بمالي شيئاً من دون إجازة مني إليك فيمكن أنّ أردّ ما أشاء وأقبل ما هو صلاح لي ، وعليه فالرواية دالة على صحّة بيع الفضولي لا محالة ، وبما أنّ الإمام (عليه السلام) حكم بالصحّة من غير تفصيل بين المحتملات فيعلم صحّة الفرض الأخير أعني الفضولي أيضاً .

ولا يخفى أنّ ترك الاستفصال إنّما يكون دليلاً على العموم فيما إذا كان المسؤول عنه مردداً بين احتمالات وأجاب المسؤول بجواب كلّي يصحّ مع كل واحد من الاحتمالات ، وأمّا إذا علم المسؤول مراد السائل بقرائن حالية أو مقالية فأجابه بشيء ونحن لم نعلم المراد وتردّدنا بين الاحتمالات، فهذا كيف يمكن أنّ يكون دليلاً على العموم ، مضافاً إلى أنّ مراد السائل على ما يظهر من الحديث ويساعده الغلبة هو الاحتمال الثاني ، وعليه فتكون الرواية أجنبية عن البيع الفضولي .

واستدلّ شيخنا الأنصاري (قدس سره)(1)على صحّة بيع الفضولي أيضاً بالتعليل الوارد في صحّة نكاح العبد من غير إذن سيده من « أنّه لم يعص الله وإنّما عصى سيّده » بدعوى أنّه يستفاد منه أنّ كلّ ما كان راجعاً إلى غيره تعالى من المخلوقين وكان محتاجاً إلى إجازته فهو صحيح إذا أجاز ، وبما أنّ بيع الفضولي غير متوقف إلّا على إجازة المالك فيصح إذا أجاز . وقد أصرّ بعضهم ومنهم شيخنا الأستاذ (2)على أنّ العلة عامة فيتعدّى منها


1) المكاسب 3: 363 .

2) منية الطالب 2 : 15 .

إلى كلّ مورد يحتاج إلى إجازة الغير .

والظاهر أنّه لا شهادة في الرواية على صحّة الفضولي ، لأنّا وإن كنا لا ننكر العموم ولا ندعي أنّ المورد يوجب التخصيص وأنها مختصة بنكاح العبد ، إلّا أنّه لا يمكننا التعدّي منها إلى جميع العقود والايقاعات الفضولية ، بل غاية الأمر التعدي إلى كلّ عقد يكون استناده إلى من يعتبر استناد العقد إليه متحقّقاً لكن يتوقف نفوذ عقده على إجازة شخص آخر كالعبد في نكاح نفسه والراهن في بيع الرهن لنفسه فإنّه يحتاج إلى إجازة المرتهن والزوج إذا عقد على بنت أخت زوجته أو على بنت أخيها ، لأنّه يحتاج إلى إجازة الخالة أو العمّة التي هي الزوجة ، وأمّا في غير ذلك من الموارد ممّا كان العقد الواقع فاقداً للاستناد فلا ، كما في الفضولي لأنّ في بيع الفضولي الذي يبيع مال أحد أو يشتري لأحد آخر لا يرجع العقد إليه ، وليس الفضولي طرفاً للمعاملة في الحقّيقة كالعبد الذي هو طرف للنكاح في الرواية ، فلا يمكننا التعدّي منه إلى غيره . وبعبارة أخرى : إنّما يمكن التعدي إلى كلّ م-ورد يشمله العمومات كأوفوا بالعقود كمورد التعليل ، وفي العقود الفضولية لا يتحقّق ذلك بوجه.

فتحصّل من جميع ذلك : أنّ العمومات والاطلاقات يكفينا في صحّة الفضولي ولا نحتاج فيها إلى شيء آخر .

أدلّة بطلان بیع الفضولی للمالک

ما استدلّ به على بطلان بيع الفضولي للمالك

ثمّ إنّهم استدلّوا على بطلان الفضولي بالأدلّة الأربعة .

أمّا الكتاب : فقد استدلوا بقوله تعالى (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ

تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ )(1)والاستدلال بالآية من وجهين :

أحدهما :بدلالة الاستثناء على انحصار حلّية الأكل في التجارة عن تراض والفضولي ليس عن تراض .

وثانيهما : بمفهوم الوصف المستفاد من تقييد التجارة بكونها عن تراض ، فإنّه بمفهومه يقتضي حرمة الأكل فيما إذا لم تكن عن تراض .

وقد أجاب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه ) (2)عن الوجه الأوّل : بأنّ الاستثناء منقطع ، لأنّ التجارة عن تراض غير داخلة في المستثنى منه حتّى تخرج منه ، والاستثناء المنقطع ممّا لا يدلّ على الحصر ، وإنّما ادعوا ذلك في الاستثناء المتصل فقط ، لأنا إذا قلنا بأنّه ما جاءنا من العلماء إلّا حمار فلا يستفاد منه أنّه لم يجئنا غير الحمار شيء آخر كالفرس ونحوه .

والجواب عن ذلك : أنّا ذكرنا في محلّه وأشرنا إليه في بحث الاكراه (3)وقلنا أنّ الاستثناء المنقطع ممّا لا يقبله الذوق بل ربما يعدّ من الأغلاط كما إذا قيل : ما رأيت أحداً من العلماء إلّا بطيخاً ، إذ لا ربط بين العلماء والبطيخ ، فلا يصحّ الاستثناء إلّا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه بوجه ولو على نحو المسامحة كما إذا قيل : ما رأيت أحداً من العلماء إلّا أبناءهم أو خدّامهم ، وكيف كان فالانقطاع في الاستثناء يحتاج إلى مؤونة زائدة والأصل فيه هو الاتصال .

والاستثناء في الآية أيضاً من قبيل المتصل دون المنقطع ، إذ قد يحذف من الجملة شيء ويقام شيء آخر مقامه نظير قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ


1) النساء 4 : 29 .

2) المكاسب 3 : 364 .

3) في ص 351 .

الْعَالَمِينَ) (1)فإنّ التعليل ليس مترتّباً على الشرط المذكور فيه ، لأنّه تعالى غنيّ على أي حال كفروا أم آمنوا ، وإنّما هو تعليل لما حذف عن الآية وهو فلا تحزن ولا تهتم ونحوهما ، وفي المقام أيضاً كذلك فكأنّ الآية كذا : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بشيء من الأسباب كالنهب والقمار والبيع فإنّها باطلة إلّا إذا كان ذلك السبب تجارة عن تراض، وعليه فالاستثناء متصّل مفرغ .

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) أورد على الوجه الثاني من الاستدلال تارةً بأنّه لا مفهوم للوصف كما بيناه في محله ، وأخرى بأن كون (عَنْ تَرَاض) وصفاً غير معلوم ، إذ لعله خبر بعد خبر وكأنّه قيل لا تأكلوا .... إلّا إذا كان السبب تجارة وكان السبب ع--ن تراض ، ومن المعلوم أنّ السبب الموجب لحل الأكل في الفضولي ناش عن تراض . و في كلا الوجهين نظر ، أما الأوّل فلأنّه وإن لم يكن للوصف مفهوم إلّا أنّ ذلك لا يجري في المقام ، لأنّه تعالى في مقام التحديد ولا ينبغي الإشكال في أنّ ما يؤتى به في الكلام في مقام التحديد يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفائه نظير قوله (علیه السلام) في جواب السائل عمّا لا ينفعل بالملاقاة «كرّ من الماء » وهذا ظاهر .

وأمّا الثاني : فلأنّه في حد نفسه خلاف ظاهر الآية ، لأنّ ظاهر الآية الشريفة أنّ الجميع كلام واحد متصل لا أنّه خبر بعد خبر ، وقد اعترف (قدّس سرّه) بأن غلبة وصف النكرة تؤيد التقييد ، هذا أوّلاً

وثانياً : فلو سلمنا أنّه خبر بعد خبر فهل ذلك يرفع الإشكال ، لأن معنى الآية حينئذ كما مرّ أنّ السبب لا بد أنّ يكون تجارة ولابدّ أنّ يكون عن تراض فبانتفاء كلّ واحد من الأمرين يرتفع الحلية والمفروض أنّ الفضولي ليس عن تراض .

فالتحقيق في الجواب : ما ذكره أخيراً من أنّ الخطاب في الآية إنّما هو للمالكين


1) آل عمران 3 : 97 .

فلابدّ أنّ يكون تجارتهم عن تراض ، والانشاء الصادر من الفضولي إنّما يصير تجارة المالك بعد الاجازة ، فتكون تجارته عن تراض .

وأمّا السنّة فهي كثيرة عمدتها النبوي المشهور الذي رواه الفريقان وه-و قوله (صلى الله عليه و آله) « لا تبع ما ليس عندك » (1)والمراد ممّا ليس عندك هو مالا يكون تحت يدك كناية عن الملك وهو تعبير متعارف ، وليس المراد عدم جواز بیع الملك فيما إذا كان بينه وبين المالك فاصل مكاني ، وكيف كان فقد استدل بذلك على بطلان الفضولي بدعوى أنّه من قبيل بيع ما ليس عنده . ولابدّ أنّ يراد من الموصول الأعيان الشخصية الخارجية وإلّا فمن البديهي عند الإمامية جواز بيع الكلّي مطلقاً حإلّا وسلفاً مع عدم كونه مالكاً له حين المعاملة ، وكذا عند العامة (2)في خصوص بیعه سلفاً لأنّهم لا يرخصون بيع الكلّي حإلّا .

ومنه يظهر أنّ ما وقع في تقرير شيخنا الأستاذ (قدس سره)(3)من أنّ جواز بيع الكلّي سلفاً أو حالاً ممّا اتفق عليه الفريقان غير خالٍ عن السبق في اللسان أو سهو القلم .

ثمّ إنّه بعد إرادة العين الشخصية من الموصول لا يمكن الاستدلال به على بطلان الفضولي أيضاً ، لأنّ الظاهر منه بحسب صدره إرادة بيع شيء لنفسه مع أنّه غير مالك له حين المعاملة على أنّ يمضي فيشتريه من مالكه ويدفعه إلى من باعه منه ، وهذا خارج عما نحن بصدد تصحيحه وهو بيع الفضولي للمالك ، هذا أولاً .


1) روي مضمونه في الوسائل 18 : 47 / أبواب أحكام العقود ب 7 ح 2 ، كما روى نصه في مسند أحمد 402:3، 434

2) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 164 وما بعدها ، 240 ، 304 .

3) منية الطالب 2 : 28 .

وثانياً : أنّا لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا إنّ الحديث غير ظاهر فيما ادّعيناه فلا محالة يكون مجملاً ، إذ لا نعلم المراد منه حينئذ ونحتمل إرادة مطلق بيع ما هو خارج عن ملكه ، كما نحتمل إرادة خصوص البيع لنفسه على أنّ يمضي ويشتريه ويدفعه إلى المشتري فلا يمكن التمسّك به في المقام .

وثالثاً : أنّ الحديث على تقدير تماميته إنّما يقتضي بطلان بيع الفضولي فقط وأمّا إذا استند البيع إلى المالك باجازته بحيث صح أنّ يقال فلان باع داره فلا محالة يخرج عن كونه بيع ما ليس عنده ، لأنّه بيع لما هو عنده وهو مالك له بالفرض ، هذا كلّه .

مضافاً إلى أنّ الحديث لو كان ظاهراً في العموم وشاملاً لكلا الاحتمالين ولكنه لا يكون مانعاً عن الفضولي ، لأنّه حينئذ قابل للتخصيص بمقتضى الروايات الخاصة المتقدّمة الواردة في تصحيح الفضولي التي عمدتها صحيحة محمّد بن قيس لخصوصيّتها وكونها ناصة على جواز بيع الفضولي للمالك فيما إذا أجاز فتكون مخصّصة للحديث ، هذا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في المقام .

وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ (1)بأنّ النسبة بين الحديث والروايات المتقدمة هي التباين لا العموم والخصوص ، وذلك لأنّ الوجه في توهّم أنّ الحديث عام إنّما هو ملاحظة أنّ النبي قد نهى عن بيع ما ليس عنده سواء كان لنفسه أم للمالك وسواء أجازه المالك أم لم يجزه ، والروايات المتقدّمة دلّت على أنّه إذا كان للمالك وأجازه المالك صحيح ، فتكون أخصّ من الحديث فتوجب تخصيصه لا محالة .

ولكن الأمر ليس كما أفيد ، وذلك لأنا لا نحتمل إرادة النهي عن بيع ما ليس عنده لنفسه أو للمالك مع عدم إجازته ، لأنّ بطلان ذلك بمكان يغني عن النهي


1) منية الطالب 2 : 29 .

وكيف يحتمل المسلم أنّ يكون بيع البستان الفلاني صحيحاً إذا كان لنفسه أو للمالك ولو لم يجزه مالكه ، ويكون بيع الجار دار جاره ماضياً مع عدم إجازة صاحبها ، فهذا ممّا لا يحتمله عاقل ولا يحتاج إلى نهي ، وعليه فالنهي وارد في خصوص ما إذا كان البيع للمالك مع اجازته ، والفرض أنّ هذه الصورة بخصوصها وقعت مورداً للجواز في الروايات المتقدّمة فتكون النسبة بينهما هي التباين لا محالة ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) ذهول عن طريقة الجاهلين ومن جهة عدم التوجه إلى أفعال الظالمين والمسلمين غير المبالين بالدين ، أفلا ينهبون أموال الناس ويبيعونها والناس يشترون منهم ، وهذا في زماننا كثير فكيف بزمان الجاهلية فإنّ النهب والسرقة كان شعارهم وكانوا يفتخرون بذلك بينهم ، أفلا يصحّ مع ذلك أنّ ينهاهم النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله « لا تبع ما ليس عندك » ومن الظاهر أنّ نهيه (صلى الله عليه وآله) بمكان من الصحّة والمتانة ليرتدعوا بذلك عن بيع أموال الناس ، وعليه فالنسبة بينهما عموم وخصوص فيتقدّم الروايات عليه لا محالة ، هذا .

وربما يقال (1)أنّ النسبة بينهما هو العموم من وجه ، لأن الحديث عام من جهة عدم تخصيصه النهي بصورة الاجازة وعدمها ، بل نهى عن البيع مطلقاً سواء تعقبه الاجازه أم لا ، وخاص من جهة أنّه بمعنى لا تبع مال الناس فعلاً لتشتريه من مالکه بعد ذلك فتدفعه إلى المشتري ، وبالجملة أنّه ينهى عن خصوص البيع لنفسه ، وأمّا الروايات المتقدّمة فهي عامّة من جهة عدم تخصيصها بخصوص البيع لنفسه ، بل قد صرّحت بجوازه سواء باعه لنفسه أو باعه لمالكه ، ولكنّها خاصة من جهة تقيّدها بصورة الاجازة من المالك ، ومع ذلك كيف تتقدّم الروايات على الحديث ، هذا .

ولا يخفى أنّه يرد على ذلك وجوه قد تنبّه المستشكل لبعضها :


1) كما في حاشية المكاسب للايرواني 2 : 230 .

الأوّل : أنّه على هذا التقدير يخرج الحديث عمّا نحن فيه ، إذ الكلام في المقام إنّما هو في خصوص البيع للمالك لا لنفسه لأنّه مسألة أخرى سيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى وقد فرض أنّ الحديث خاص ببيع الفضولي لنفسه فلا يعارض الروايات المتقدّمة المجوّزة لبيع الفضولي للمالك مع الاجازة ، فعمومية الحديث لكلّ من البيع لنفسه وللمالك هي الحجر الأساسي للمعارضة ، وذلك لأنّ مورد التعارض حينئذ هو خصوص بيع الفضولي لنفسه مع التعقب بالاجازة ، وهذه هي المسألة الآتية بعينها ولا ربط لها بما نحن فيه كما لا يخفى .

الثاني : هب أنّ النسبة بينهما هو العموم من وجه ولكن قاعدة المعارضة بينهما تقتضي تساقطها والرجوع إلى العمومات ، وهي تقتضي الصحّة كأوفوا بالعقود وغيره ، هذا تمام الكلام في الحديث .

ومنه يظهر الجواب عمّا ورد من أنّه « لا بيع إلّا فيما يملك » و « لا طلاق إلّا فيما يملك » و « لا عتق إلّا فيما يملك » و « أنّه لا يجوز بيع ما ليس بملك » .

هذا كلّه بناء على قرائتها بصيغة المبني للمعلوم ، وأمّا إذا قرأناها مبنيّاً للمجهول فتصير كلّها خارجة عمّا نحن فيه وتكون دليلاً على بطلان بيع ما هو غير مملوك كالسمك في البحر وكذا عتق العبد قبل استرقاقه وطلاق المرأة قبل تزوّجها بأن يطلّقها أوّلاً ثمّ يتزوّجها ليؤثر الطلاق بعد النكاح .

بقيت في المقام ثلاث روايات إحداها : صحيحة محمّد بن القاسم « في رجل اشترى من امرأة من آل فلان - يعني بني العباس على ما في حاشية السيد (قدّس سرّه) (1)ولم يصرح به تقيّة - بعض قطائعهم إلى أنّ قال (عليه السلام) قل له يمنعها أشدّ


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 139 .

المنع فإنّها باعت ما لم تملّكه » (1)وإيراد هذه الصحيحة في المقام خالٍ عن السداد لأنّها قد منعت عن إقباض الثمن للفضولي ، وهذا ممّا لا مانع منه سواء صح البيع الفضولي أم فسد ، فلا دلالة للرواية على الفساد بل هي مؤيدة لصحّة البيع الفضولي إذ لم يعلّل الإمام (عليه السلام) فيها المنع عن إقباض الثمن ببطلان البيع بل علله بأنّها باعت ما لم تملّكه ، مع أنّه لو كان باطلاً لكان التعليل به أولى وأنسب .

وثانيتها : ما عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) « الضيعة لا يجوز ابتياعها إلّا عن مالكها أو بأمره أو رضى منه».(2)

وثالثتها : صحيحة محمّد بن مسلم الوارد في أرض بفم النيل اشتراها رجل وأهل الأرض يقولون هى أرضنا وأهل الأستان يقولون من أرضنا ، فقال لا تشترها إلّا برضا أهلها(3).

أما الرواية الثانية فلا دلالة فيها على بطلان الفضولي ، لأنّ غاية ما هناك أنّ تكون الرواية نظير الآية المباركة لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (4)الدالّة على اشتراط البيع بالرضا ، وقد عرفت الجواب عنها سابقاً وقلنا إنها على تقدير تمامية دلالتها إنّما تمنع عن بيع الفضولي بالاضافة إلي-ه وأمّا إذا أضيف إلى المالك باجازته فلا ، لأنّه حينئذ تجارة عن تراض ، وكذلك الحال في الرواية ، هذا .

مضافاً إلى أنّ جعل الرضا في الرواية مقابلاً للأمر يكشف عن أنّ الاجازة


1) الوسائل 17 : 333 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 1 ح 2 .

2) الوسائل 17 : 337 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 1 ح 8 .

3) الوسائل 17 : 334 / أبواب عقد البيع وشروطه با ح3 .

4) النساء 4 : 29 .

كافية في صحّة البيع ، إذ عرفت أنّ المراد بالرضا هو الرضا المبرز لا مجرد الرضا النفساني ، فلو أريد بالرضا في الرواية الرضا السابق أو المقارن لكان ذكره مستدركاً ، لكفاية الأمر وكونه مغنياً عن ذكر الرضا ثانياً فلابدّ أنّ يراد به الرضا المتأخّر أعني الاجازة ، هذا .

مع أنّا لو أغمضنا النظر عن جميع ما ذكرناه وسلّمنا أنّها تقتضي البطلان فلا مانع من أنّ نقيدها بالروايات المتقدّمة الدالّة على صحّة الفضولي وعدم اعتبار الرضا المقارن وكفاية المتأخّر منه .

وأمّا الرواية الثالثة فالجواب عنها هو الجواب عما تقدّمها فلا نعيد . فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ بيع الفضولي صحيح ولا إشكال فيه ، هذا كلّه في السنة .

وأمّا الإجماع فقد ادّعاء الشيخ (قدّس سرّه) (1)إلّا أنّ المحصّل منه غير حاصل قطعاً حتّى أنّ الشيخ بنفسه خالفه في النهاية (2)لتي قيل إنها آخر مصنفاته وبنى على ا صحّة الفضولي ، وكذا غيره من المتقدّمين والمتأخّرين ، ومعه لا مجال لدع---وى الإجماع المحصل بوجه . وأمّا المنقول فهو مضافاً إلى عدم حجيته في حد نفسه موهون في المقام بذهاب جلّ الأصحاب من المتقدّمين والمتأخّرين إلى صحّة البيع الفضولي ومع الاطمئنان بخطأ المخبر عن الحدس كيف يكون حجّة ومورداً للاعتماد ، فإنّ الإجماع المنقول الذي هو إخبار عن الحدس لا يزيد على غيره من الأخبار الآحاد التي هي إخبار عن الحسّ ، لأنّه إذا علمنا بخطأ المخبر عن الحس لا يمكننا الاعتماد عليه فكيف بما إذا كان الإخبار مستنداً إلى الحدس ، وذلك ظاهر .


1) الخلاف 3 : 168 كتاب البيوع المسألة 275

2) النهاية : 385 .

وأمّا الدليل العقلي فبيانه أنّ بيع مال الغير تصرّف فيه عرفاً ، والتصرّف في مال الغير بدون إذنه منهي عنه ، فيكون بيع مال الغير بدون إذنه منهياً عنه ، والبيع المنهي عنه فاسد لاقتضاء النهي في المعاملات للفساد ، فينتج أنّ بيع مال الغير بدون إذنه فاسد .

وأجاب عنه الشيخ بخمسة وجوه(1):

الأوّل : منع الصغرى الأولى وأنّ العقد على مال الغير متوقفاً لاجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليه ليس تصرّفاً فيه . وهذا الجواب صحيح .

الثاني : منع الكبرى الأولى ، فإنّه ليس كل تصرف في مال الغير منهياً عنه لجواز مثل الاستضاءة بنور الغير والاصطلاء بناره ، فلو فرض أنّ العقد على مال الغير تصرّف فهو من هذا القبيل ممّا استقل العقل بجوازه .

وفيه : أنّ استقلال العقل بجواز مثل هذا التصرّف بحيث يكون مثل حكمه بحسن العدل وقبح الظلم ممنوع ، نعم دعوى القطع بجوازه له وجه لكنّه أوّل الكلام وما نرى من عمل عامة الناس في بعض التصرّفات كدق باب الغير فهو من جهة قيام السيرة القطعية على ذلك ، أو قيام أمارة نوعية على رضا المالك ، لا من جهة استقلال العقل بجوازه ، ففي كلّ مورد قام الدليل على جوازه أو على رضا المالك به فهو ، وإلّا فيكون داخلاً في عموم عدم جواز التصرف في مال الغير . الثالث : أنّه قد يفرض الكلام فيما إذا علم الإذن في هذا من المقال أو الحال بناءً على أنّ ذلك لا يخرجه عن الفضولي . وهذا الجواب لا ينافي الاستدلال على الفساد موجبة جزئية .

الرابع : منع دلالة التحريم والنهي على الفساد.


1) المكاسب 3 : 371.

وأورد عليه المحقّق النائيني (1)بأنّ الحرمة إنّما لا توجب الفساد إذا رجعت إلى السبب من حيث إنّه فعل من أفعال البائع كحرمة البيع وقت النداء ، لعدم الملازمة بين حرمة السبب وعدم ترتّب المسبّب ، وأمّا إذا تعلّقت بالمسبب كما هو مبنى الايراد الخامس فلا ينبغي الإشكال في فساده كبيع المصحف من الكافر ، لأنّ من شرائط صحّة العقد القدرة ، والنهي عن الشيء يقتضي سلب قدرة المكلّف عنه شرعاً.

ويرد على ما ذكره أخيراً في وجه الفساد أوّلاً : النقض بما لو كانت المعاملة واجبة كما لو شرط بيع داره في ضمن عقد لازم ، فإنّ الواجبات أيضاً غير مقدورة شرعاً ، غاية الأمر أنّ النهى يسلب القدرة عن الفعل والأمر يسلب القدرة على الترك ، ولا يمكن الالتزام بفساد المعاملات الواجبة .

وثانياً : أنّ ما تكون المعاملات مشروطة به هي القدرة العقلية لا الشرعية .

فالصحيح في تقريب وجه عدم دلالة النهي في المقام على الفساد أن يقال : إنّ النهي لم يتعلّق بعنوان المعاملة وإنّما تعلّق بعنوان آخر يتحد مع المعاملة وجوداً ، وهو التصرف في مال الغير الصادق على المعاملة فرضاً ، وهذا النهي لا يدلّ على الفساد وإنّما يدلّ على الحرمة التكليفية ، نعم إذا كان النهي متعلقاً بعنوان المعاملة لدلّ على الفساد مثل النهي عن بيع الغرر ، لكن لا لما ذكره المحقّق النائيني من استلزامه عدم القدرة وهو يقتضي الفساد ، بل من جهة ظهور النهي حينئذ في الفساد ، فيكون ارشادياً نظير النهي المتعلّق بالموانع في المركبات مثل « لا تكفّر في الصلاة » فإنّه إرشاد إلى مانعية التكفير ، فهذا الجواب الرابع من الشيخ متين جداً .

الخامس : أنّه لو دلّ هذا التحريم على الفساد لدلّ على بطلان البيع بمعنى عدم


1) منية الطالب 2 : 31 .

ترتّب الأثر عليه وعدم استقلاله في ذلك ، ولا ينكره القائل بالصحّة ، وحاصله أنّ البيع بعد الاجازة يكون بيع المالك ، فيكون صحيحاً من هذه الجهة لا من جهة استناده إلى العاقد .

وهذا الجواب وإن ارتضاه المحقّق النائيني إلّا أنّه مردود بأنّ هذا الجواب بعد تسليم أنّ إنشاء البيع تصرف منهي عنه وأنّ النهي يقتضي الفساد ، وعليه فيكون نفس الانشاء فاسداً وملغى في نظر الشارع وغير قابل لترتّب الأثر عليه حتّى بعد الاجازة ، فإنّ الحوق الاجازة بالانشاء الفاسد غير مجد .

بقي الكلام فيما أفاده السيّد (قدّس سرّه) في حاشيته (1)في المقام وملخّصه : أنّ الفضولي إذا باع شيئاً معلّقاً على إجازة المالك يكون باطلاً لأجل التعليق في البيع هذا .

والظاهر أنّه اشتباه منه (قدّس سرّه) لأنّ التعليق على ما يتوقّف صحّة البيع عليه ممّا لا يوجب البطلان نظير قول الزوج فلانة طالق أنّ كانت زوجتي ، أو بعتك أنّ اشتريت أو رضيت ، وإجازة المالك في المقام من هذا القبيل .

بيع الفضولي للمالك مع سبق نهيه عنه

المسألة الثانية : فيا إذا نهاه المالك عن بيع ماله سابقاً ومع ذلك باعه الفضولي وهل هي كسابقتها في الصحّة أو أنها باطلة لسبق النهي ؟ المشهور المعروف أنها كالصورة السابقة صحيحة ولا أثر لسبق المنع من المالك بوجه ، وذهب بعضهم إلى بطلانها لأجل المنع المتقدّم وعلى هذا حمل العلّامة (قدس سره)(2)ما ورد من النبوي


1) حاشية المكاسب اليزدي) : 140 .

2) التذكرة 2 : 588 ، السطر 18

(صلّى اللّه عليه وآله) « أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فهو عاهر » (1)وذكر أنّ ذلك إنّما هو فيما إذا نكح بعد منع مولاه وكراهته ، ولكن لا نحتاج إلى هذا الحمل لامكان ورودها فيما إذا تصرّف العبد في زوجته قبل إذن السيّد ، فإنّ فعله ذلك يوجب كونه عاهراً كما هو ظاهر ، هذا .

والصحيح أن يقال إنّ الكلام في المقام يقع من جهتين : الجهة الأولى في بيان المقتضي لصحتها أعني شمول العمومات والأدلّة الخاصة المجوّزة . والجهة الثانية : : في بيان المانع وعدمه وهو النهي الدال على الكراهة حال العقد الدال على الكراهة حال العقد وبعده آناً ما ، بناءً على أنها تكفي في تحقّق الرد.

أمّا الكلام في الجهة الأولى فملخّصه : أنّه لا ريب في شمول العمومات والاطلاقات للمقام ، لأنّه لا مانع من شمولها إلّا عدم استناد المعاملة إلى المالك وبالاجازة يتحقّق الاستناد . وأمّا الأدلّة الخاصة التي استدل بها الشيخ (قدّس سرّه) فرواية عروة البارقي أجنبية عن مسألتنا ، لأن بيعه لم يكن مع سبق نهي النبي (صلى الله عليه وآله) ، وصحيحة محمّد بن قيس أيضاً موردها عدم إذن المالك لا نهيه ، ولذا قال : وليدتي باعها ابني بغير إذني ، وعدم الاذن وإن كان لا ينا في النهي إلّا أنّه ظاهر في صورة انتفاء النهي ، ولذا لا يمكن الاستدلال بها من جهة ترك الاستفصال ، وأمّا روايات المضاربة فقد عرفت أنها أجنبية عن بيع الفضولي ، وأمّا روايات بيع مال اليتيم فلا ربط لها بالمقام لعدم سبق المنع من الولي هناك .

نعم لا مانع من التمسّك بما دلّ على جواز نكاح العبد بدون إذن سيده لأنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده ، فإذا أجاز جاز ، فإنّ عصيان السيّد يصدق مع نهيه وإن كان مورد الرواية هو عدم الإذن ، ولكن عموم العلّة كافٍ في المطلب ، فإنّ العلة


1) سنن البيهقي 7 : 127

تعمّم كما تضيّق . وكيف كان فالعمومات وهذه الرواية كافية في الصحّة .

وأمّا الجهة الثانية : فأصل مسألة أنّ الردّ مانع عن لحوق الاجازة محلّ منع لأنّه لا دليل عليه سوى استحسانات لفّقها الشيخ (قدّس سرّه) والإجماع المنقول وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى. مع أنّه لو سلّمنا حجية الإجماع المنقول فالمتيقّن من مورده صورة إنشاء الردّ لا مجرّد الكراهة الباطنية كما في المقام .

وأمّا ما ذكره الشيخ تأييداً لكفاية الكراهة الباطنية في صدق الرد - من حكم بعضهم بأنّه إذا حلف الموكل على نفي الإذن في اشتراء الوكيل انفسخ العقد - فقد حمله المحقّق النائيني (1)على المعاملة الخيارية في زمان الخيار ، فإنّه بانكار الوكالة ينفسخ العقد ، لأنّه لا يعتبر في إعمال الخيار زائداً على إظهار الكراهة لفظ مخصوص ، ولكن الظاهر أنّ هذا الحمل غير وجيه .

فنقول : إنّ الحلف على عدم التوكيل يتصوّر على وجهين : الأوّل أنّ يريد به رد الشراء ، فيكون الحلف إنشاء للردّ وبه يبطل العقد ، والثاني أنّ يريد به نفي الوكالة فقط حتّى لا يتنجز الشراء في حقه ، وهذا لا يقتضي ردّ الشراء بل يبقى معلقاً على إجازته ، والمتيقّن من مورد كلامهم هو الأوّل ، فيكون خارجاً عن محل الكلام ولا يصحّ للتأييد ، لأنّ الكلام في حصول الردّ بمجرّد الكراهة الباطنية ، والمتيقّن من مورد كلامهم هو الكراهة المبرزة التي يتحقّق بها إنشاء الرد بلا إشكال .

فالمتحصّل : أنّ النهي السابق لا يمنع عن اجازة البيع بوجه .

بيع الفضولي لنفسه

المسألة الثالثة : فيا لو باعه الفضولي لنفسه ، والكلام في ذلك أيضاً يقع من


1) منية الطالب 2 : 32 .

جهتين : إحداهما جهة المقتضي . وثانيهما : جهة المانع .

أمّا الجهة الأولى : فمقتضى العمومات صحّة البيع في المقام لشمول (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وغيرها من العمومات له .

وأمّا الأدلّة الخاصة فلا مانع من التمسّك بترك الاستفصال في صحيحة محمّد ابن قيس ، بل ظاهرها بيع الوليدة لنفسه كما استظهره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .(2)

وأمّا الأخبار الواردة في صحّة نكاح العبد من دون إذن السيد ف-لا وج-ه للاستدلال بها في المقام ، لأنّ الفضولي وإن كان طرفاً للمعاملة حسب الفرض ويتوقف صحتها على إجازة الغير مثل النكاح الصادر من العبد في الأخبار ، إلّا أنّ البيع في المقام يرجع إلى غير من هو له ، لأنّه لابدّ وأن يرجع إلى المالك لا إلى الفضولي الذي باعه لنفسه ، وهذا بخلاف النكاح في العبد فإنّه راجع إليه حقيقة وليس راجعاً إلى غير من هو له ، ومعه لا يمكن التعدّي منها إلى المقام .

وأمّا الجهة الثانية : فقد ذكر في المنع عن صحّة البيع أمور إلّا أنّ عمدتها أمران كلاهما مبني على أنّ يكون عنوان البيع متقوّماً بدخول الثمن في كيس من خرج من كيسه المثمن :

أحدهما : أنّ الفضولي إذا قصد بيع مال الغير لنفسه فلم يقصد حقيقة المعاوضة ، لتقومها بدخول كلّ من العوضين فى ملك مالك الآخر .

ثانيهما : أنّه على تقدير الاغماض عن الايراد السابق كيف يجيزها المالك فإنّه إن أراد الاجازة على نحو أوقعه الفضولي بأن يكون البيع راجعاً إلى الفضولي


1) المائدة 5 : 1 .

2) المكاسب 3: 376 .

فهذا أمر لا يقبل الاجازة لعدم صحّة بيع مال الغير لنفسه ، إذ لا معنى للمبادلة حينئذ لأنّه لم يخرج المثمن من كيسه ليدخل الثمن فيه .

وإن أراد الاجازة على أنّ يكون البيع راجعاً إليه لا إلى الفضولي فهذا ممّا لم ينشئه الفضولي ليجيزه المالك مثلاً ، فإنّه إنّما أنشأ البيع لنفسه لا للمالك كما هو ظاهر هذا .

أمّا الجواب عن الإشكال الأوّل : فهو أنّ البيع عبارة عن تبديل مال بمال في جهة الاضافة ، وليس إمضاء الشارع لذلك مأخوذاً في حقيقته . وعليه فإن أُريد بالإشكال أنّ الغاصب البائع لنفسه لا يقصد إمضاء الشارع فذلك لا يضر بقصد حقيقة البيع ، لما عرفت من خروج إمضاء الشارع عن حقيقته ، وإن أريد به عدم قصد التبديل المذكور فهو ممنوع ، لأنّ الغاصب كما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) (1)يبني على أنّه مالك للمبيع وأنّ المبيع مضاف إليه بالاضافة الملكية ، وبعد هذا البناء يقصد التبديل في هذه الاضافة الذي هو حقيقة البيع ، وإن كان هذا البناء لغواً لا يجعله مالكاً في نظر الشارع ، فلا يرد عليه ما أورده بعضهم (2)من أنّه كيف تكون المعاوضة المبنية على أمر غير حقيقي حقيقية وهل يزيد الفرع على الأصل ، لم-ا عرفت من أنّ البيع هو التبديل في الاضافة ، والغاصب بعد بنائه على أنّه ط-رف الاضافة يقصد التبديل المذكور حقيقة .

ثمّ أنّ هذا الإشكال يختص بالغاصب العالم بالحال ، وأمّا إذا فرضناه جاهلاً أو فرضنا الفضولي ناسياً ومشتبهاً وتخيل أنّه ملك لنفسه وباعه فلا يجري الإشكال لأنّهم قاصدون للمعاملة حقيقة وليس ذلك مجرد صورة البيع كما هو ظاهر .


1) المكاسب 3 : 378

2) هو المحقّق الايرواني في حاشيته على المكاسب 2 : 239 .

وكيف كان ، فهذا الإشكال أخصّ من المدعى لاختصاصه بالغاصب العالم دون غيره من الفضوليين ، إذ لا مانع من قصد الانشاء حقيقة في مثل الغاصب الناسي أو المعتقد أنّه مال لنفسه فباعه ثمّ انكشف أنّه ملك للغير كما في البيوع الفاسدة التي لا يعلم بفسادها . مضافاً إلى أنّه مردود بما عرفت .

وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني : فيعلم ممّا ذكرناه ، فإنّ البيع المنشأ من الغاصب بعد ما كانت حقيقته مجرّد التبديل في جهة الاضافة تكون الاجازة متعلقة بنفس المنشأ لا بشيء آخر ، نعم الغاصب بان على مالكية المثمن وقاصد لتملّك الثمن ولكن هذا البناء بعد خروجه عن حقيقة البيع غير قادح .

وهذا الذي ذكرناه في البائع الفضولي يجري فيما إذا كان الفضولي هو المشتري ، لأنّه وإن أضاف الملكية إلى نفسه حيث قال تملّكت بكذا أو ملكت أو قبلت ، إلّا أنّ التملّك لما كان في مقابل العوض ولم يكن تملّكاً مطلقاً لأنّه يصير هبة حينئذ ومفروض البحث أنّه معاملة وبيع حقيقي فلذا يقول تملّكت بكذا أي بعوض كذا ، كان التملّك والقبول من المشتري قبولاً لأصل المبادلة الصادرة عن الموجب والمالك إنّما يجيز ذلك يعني يرضى بأصل القبول ، وأمّا إضافة التملّك والقبول إلى نفسه فقد عرفت أنها خارجة عن حقيقة المعاوضة وأمر زائد عليها ، وبما أنها غير مطابقة للواقع فيقع لغواً لا محالة .

وبالجملة : أنّ المناط إنّما هو المعنى دون اللفظ ، والمفروض أنّ المشتري قد قصد القبول في مقابل العوض، وهذا قبول لأصل المبادلة فتتعلّق به الاجازة فتقع الزيادات لغواً ، وكيف كان فالجواب في المشتري الفضولي هو الجواب في الفضولي البائع بعينه ، ومعه لا مجال لتطويل الكلام كما أطاله شيخنا الأنصاري (1)في المقام


1) المكاسب 3 : 379 .

واستشكل في المشتري الفضولي بأنّه أنشأ تملّك المبيع لنفسه بمال الغير ، فلا م-ورد لاجازة المالك على وجه ينتقل المبيع إليه ، فلابدّ من التزام كون الاجازة نقلاً مستأنفاً غير ما أنشأ الفضولي الغاصب ، ثمّ أجاب عن ذلك بأن المشتري وإن أنشأ تملّك المبيع بالمال إلّا أنّه لا على نحو الاطلاق بل مقيّداً بأنّه مالك للثمن وقد قبله بما أنّه مالك ، وحيث أنّ الثابت للشيء من حيثية تقييدية ثابت لنفس تلك الحيثية فالمسند إليه التملّك في الحقّيقة المالك دون غيره ، والاجازة إنّما تتعلّق بذلك هو القبول ، وذلك لأنّ الجواب في المشتري الفضولي هو الجواب في البائع الفضولي ولا خصوصية في المشتري بوجه .

مضافاً إلى أنّه لا يمكن المساعدة على ما أفاده في الجواب ، لأنّ المشتري لم ينشئ في المقام أمرين أحدهما تملّك كلّي المالك وثانيهما إضافته إلى نفسه حتّى يقال أنّ الاضافة ملغاة والاجازة تتعلّق بتملّك المالك مثلاً ، وإنّما أنشأ تملّكاً خاصاً وتملّك حصة خاصة وهو تملّك نفسه ، فلا يبقى حينئذ لما أفاده مجال ، وكيف تتعلّق ب-ه الاجازة . وبالجملة فلا محيص عما ذكرناه في مقام الجواب ، هذا كله في المشتري الفضولي .

ولنرجع إلى ما كنا فيه من كيفية تعلّق الاجازة ببيع الفضولي لنفسه وقد عرفت الجواب فيه بما لا مزيد عليه.

وقد أجاب المحقّق القمّي (قدّس سرّه) (1)عن الإشكال في تعلّق الاجازة ببيع الفضولي لنفسه بما ملخصه : أنّ الاجازة في الفضولي بمعنى تبديل رضى الغاصب وبيعه لنفسه برضى المالك ووقوع البيع عنه ، وبالجملة أنّه عقد جديد .

وفيه : أنّه إن أراد بذلك أنّ الاجازة بمنزلة الايجاب المتأخّر عن القبول فإذا


1) جامع الشتات 2 : 319 .

صدرت من المالك وانضمّت إلى قبول المشتري فلا محالة تتمّ المعاملة فتصير بيعاً صحيحاً ، فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، إذ بعد الفراغ عن صحّة تقديم القبول على الايجاب وتسليم ذلك في محلّه ، أنّ القبول إنّما تعلّق على إيجاب البائع الفضولي حسب الفرض لا على إيجاب المالك المتأخّر عنه ، فما تعلّق عليه القبول ليس بايجاب والايجاب لم يتعلّق عليه القبول ، فإن ألغى الخصوصية في البائع الفضولي وقال القبول إنّما تعلّق بأصل المبادلة فهو يرجع إلى ما ذكرناه في الجواب من أنّ المعاملة تتقوم بالمبادلة والخصوصيات أمور زائدة عليها ، ولأج--ل ع-دم مطابقتها للواقع لا محالة تقع لغواً ، فلا يحتاج إلى الاطالة بهذا المنوال ، وإن أراد أنّ الاجازة المتأخّرة بمنزلة الايجاب والقبول كليهما لولاية المالك على المشتري أو وكالته عنه في خصوص القبول ، وله أنّ يوجب البيع من قبل نفسه ويقبله ولاية أو وكالة عن المشتري ، فهو أمر غير موافق للعقل والشرع ولا دليل على ولاية المالك على المشتري أو وكالته بوجه .

وأمّا ما أجاب به کاشف الغطاء (قدّس سرّه)(1)من أنّ الاجازة موجبة الصيرورة الثمن ملكاً للفضولي فهو يمكن أنّ يقرّر على وجهين :

أحدهما : أن يقال إنّه لا دليل على اشتراط كون المثمن ملكاً للبائع في انتقال الثمن إليه ، بل يكفي أنّ يكون مأذوناً في بيع ملك الآخر لنفسه ، فإذا كان الاذن كافياً في انتقال الثمن إليه فالاجازة أيضاً مثله .

وثانيهما : أنّ الاجازة من المالك تتضمّن انتقال المثمن إلى البائع قبل المعاملة ، وبعد صيرورته مالكاً للمبيع فقد باعه من المشتري فلا محالة يملك الثمن هذا .


1) شرح القواعد (مخطوط) : 60 .

والظاهر أنّ شيئاً من الوجهين لا يتمّ ولا يمكن الاعتماد عليه كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1).

أمّا الوجه الأوّل : فلما ذكرناه في محلّه من أنّ مقتضى المبادلة عرفاً أنّ يكون الثمن قائماً مقام المثمن في كونه ملكاً للبائع ، والمثمن في مقام الثمن في كونه ملكاً للمشتري ، وإلّا فلا معنى للمبادلة ، بل يكون البيع هبتان والمشتري يهب ماله للبائع والبائع للمشتري ، فاشتراط كون المثمن ملكاً للبائع في دخول الثمن في ملكه ممّا لا غبار عليه وإلّا فتخرج عن محل الكلام ويصير هبة ، والكلام في البيع والمبادلة .

وأمّا الوجه الثاني : فلأنّ تملّك البائع للمثمن قبل المعاملة يتوقف على مبرز وهو الاعتبار النفساني وعلى مبرز له خارجاً ، والمفروض أنّ البائع إنّما أنشأ الايجاب بالبناء على أنّه مالك كما في الغاصب مثلاً ، ومن المعلوم أنّ البناء ليس من أحد المملكات ، ولم يبرز تملّكه للمال بشيء خارجاً فكيف صار مالكاً للمبيع حينئذ ، بل لو أذن له في ذلك سابقاً كما إذا قال : تملّك بمالي لنفسك ولكنه لم يبرز تمليكه له خارجاً وإنّما بنى على كونه مالكاً واعتقد بذلك في نفسه ، لا يصير مالكاً له أيضاً ، فكيف بالاجازة المتأخّرة كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

و توضيح ما ذكرناه : أنّ تملّك الغاصب الفضولي للمال قبل المعاملة يتصوّر على وجهين :

أحدهما : أن يكون بانياً على تملّك المبيع فيبيعه لنفسه ثمّ يجيزه المالك . وفي هذه الصورة يرد إشكال الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ إجازة البناء على التملّك لا توجب تأثير البناء في التملّك ، كما أنّ الإذن كذلك.

ثانيهما : أن يقصد إنشاء تملّك المبيع فضولة بقوله « بعت » مضافاً إلى إنشاء


1) المكاسب 3 : 384 .

البيع لنفسه ، بأن يقصد بقوله « بعت » إنشاء أمرين مترتّبين : أحدهما تملّك المبيع فضولة وثانيهما البيع لنفسه مترتّباً على ذلك . وفي هذه الصورة يصحّ البيع للبائع باجازة المالك للتملّك الفضولي بلا حاجة إلى إجازة البيع ، لأنّه بإجازة التملّك يصير البائع مالكاً فيكون البيع بيع مال نفسه لا مال الغير ، وهكذا الحال في الاذن ، وكأنّ الشيخ غفل عن هذه الصورة فأورد ذلك الإشكال .

بقي في المقام إشكال آخر

وهو مختصّ بما إذا كان الأصيل عالماً بالحال وأنّ طرفه فضولي يبيع لنفسه ومع ذلك اشتراه منه ودفع إليه الثمن ، فقد حكم الأصحاب بأن المالك لو ردّ البيع فليس للمشتري الرجوع على البائع بالثمن ، وهذا كاشف عن أنّ الغاصب ملك الثمن بمجرد تسليط الأصيل إيّاه ، فلا يبقى مورد للحوق الاجازة ، فلو أجاز وصح يكون بيعاً بلا ثمن ، وهو منافٍ لحقيقة البيع فلابدّ وأن يكون باطلاً .

وقد أجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) (1)بثلاثة وجوه :

الأوّل : أنّا لا نسلّم ما حكم به الأصحاب من أنّه ليس للمشتري استرداد الثمن مع ردّ المالك .

الثاني : أنّه لم يسلّط البائع على ماله بوجه الاطلاق ، سواء أجازه المالك أم رده ، وإنّما سلطه عليه على تقدير ردّ المالك ، وأمّا في صورة الاجازة فإنّما أعطاه للمالك في مقابل المبيع ، وعليه إذا أجازه المالك يتملّك الثمن لا محالة .

الثالث : أنّ الإشكال بعد الإغماض عن الجوابين المتقدّمين إنّما يتمّ بناءً على القول بالنقل ، وأمّا على الكشف فلا ، لأنّها تكشف حينئذ عن أنّ الثمن ملك للمالك


1) المكاسب 3 : 388

من أوّل الأمر فيكون تسليطه أي المشتري للبائع على ملك المالك لغواً .

نقول : الجوابان الأوّلان صحيحان ، وأمّا الثالث فهو مبني على القول بالكشف بمعنى عدم تأثير الاجازة أصلاً ، وهو لا يمكن الالتزام به ، وأمّا على الكشف بالمعنى الذي يمكن الالتزام به - وهو الكشف الحكمي أو اشتراط الاجازة بنحو الشرط المتأخّر أو اشتراط وصف التعقب - فلا يصحّ الجواب ، لأنّه حينئذ لا ينتقل المال إلى المجيز قبل الاجازة ، فيكون تسليط المشتري الأصيل للغاصب على الثمن تسليطاً على ماله لا مال الغير .

ثمّ إنّ هذا الإشكال إنّما يرد بناءً على جواز البيع من طرف الأصيل . إذ بناءً على لزومه ليس للأصيل تمليك الثمن بالتسليط أو بغيره .

ثمّ إنّ صحّة بيع الفضولي لنفسه تارةً يراد بها وقوع البيع للمالك إذا أجاز وتارةً وقوعه للفضولي بعد ما ملك ، والكلام هنا إنّما هو في الأوّل دون الثاني .

وقد اشتبه الأمر على صاحب الرياض (1)فرأى الإجماع على البطلان في كلمات العلّامة وحسب أنّ ذلك في القسم الأوّل فادّعى أنّ بيع الفضولي لنفسه باطل بالإجماع والنصوص، غافلاً عن أنّ ذلك إنّما هو في الصحّة بالمعنى الثاني لذهاب المشهور إلى صحتها للمالك مع الاجازة ، هذا كله في بيع الفضولي لنفسه

جريان الفضولي في بيع الكلّي

ولنرجع إلى أحكام بيع الفضولي ونقول : أنّ بيع الفضولي لا يختص بالأعيان الشخصية ويجري في بيع الكلّي في الذمة كما إذا باع أحد عشرة أمنان من الحنطة في ذمة زيد بكذا مقداراً من الثمن أو اشترى شيئاً بعشرة دراهم في ذمة زيد وهكذا .


1) رياض المسائل 8 : 221 .

وبيع الفضولي في الذمّة يتصوّر على ثلاثة أقسام : لأنّه تارةً يضيف الذمّة إلى الغير صراحةً ويقول بعتك عشرة أمنان من الحنطة في ذمة فلان بكذا ، وأخ--رى يسند البيع إلى الغير الظاهر في إضافة الذمة إليه كما إذا قال من قبل فلان بعتك عشرة أمنان من الحنطة بكذا فلا يضيف الذمّة إليه إلّا على نحو الظهور ، وثالثة لا يضيف شيئاً من البيع أو الذمة إلى الغير في المعاملة وإنّما يقصد ذلك وينوي كونه في ذمّة فلان .

وفي هذا القسم الأخير إن أجاز صاحب الذمة وقع العقد له ، وإن ردّ فلا يقع العقد له ولكن هل يقع للفضولي أو لا ، اختار الشيخ البطلان واقعاً وعدم وقوعه للفضولي أيضاً ، ولكن لو لم يصدّقه الطرف الآخر في الفضولية وحلف على ع-دم علمه بالفضولية حكم بوقوع العقد للفضولي بحسب الظاهر . واختار العلّامة (1)وقوعه للفضولي واقعاً ونسب إلى جماعة .

نقول : أمّا بحسب الحكم الواقعي فالحقّ هو البطلان كما اختاره الشيخ (قدّس سرّه) ، لأنّ مالية الكلّي إنّما هي بحسب إضافته إلى الذمم ، فالكلّي المضاف إلى ذمّة غير الكلّي المضاف إلى ذمّة شخص آخر ، وعليه فإذا وقع أحدهما متعلّقاً للعقد فلا معنى لصحّة العقد بالنسبة إلى الآخر .

وأمّا بحسب الظاهر في فرض الترافع فالمدّعي للفضولية هو المدعي لمخالفة قوله لظاهر العقد ولأصالة الصحّة ، والطرف الآخر منكر لموافقة قوله لأصالة الصحّة ، وحيث أنّ القصد أمر قلبي لا يمكن للمدعي إقامة البينة عليه تصل النوبة إلى حلف المنكر ، ولابدّ للمنكر أنّ يحلف على عدم قصد طرفه الفضولية لا على عدم العلم ، لأنّ عدم علمه لا ينافي قصد طرفه الفضولية ، وحيث إنّه لا يمكن للمنكر


1) راجع قواعد الأحكام 1 : 247 .

الحلف على عدم قصد طرفه الفضولية لكونه أمراً قلبياً فلا محالة يرد الحلف إلى المدعي ، فيحلف ويحكم ببطلان العقد ظاهراً . فاتضح أنّ الحقّ هو البطلان واقعاً وظاهراً .

ثمّ تعرّض الشيخ (قدّس سرّه) المسألة أخرى وه-ي م-ا لو جم-ع الع-اق-د ب-ي-ن المتنافيين بأن أضاف البيع إلى غيره والكلّي إلى ذمّة نفسه بأن قال : اشتريت هذا لفلان بدرهم في ذمتي ، أو أضاف البيع إلى نفسه والكلّي إلى غيره بأن قال : اشتريت هذا لنفسي بدرهم في ذمّة فلان ، ثمّ نقل كلاماً عن العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة يحتمل أنّ يراد به الصورة السابقة أعني قصد وقوع الكلّي في ذمة الغير وتعيينه بالنية وهذا ما يساعد عليه صدر عبارته ، ويحتمل أنّ يراد به صورة التنافي وهذا ما يظهر من ذيل عبارته ، وكيف كان فقد نُسب إلى المشهور أنّ الغير إذا ردّ المعاملة تقع عن الفضولي ، ويمكن حمله بحيث ينطبق على القواعد على ما إذا اشترى بالكلّي والتزم هو بأدائه إمّا من مال غيره فيكون الشراء للغير وأمّا من ماله فيكون الشراء لنفسه ولكن الملتزم بالأداء هو المباشر لا الغير ، وينحل هذا الشراء إلى شرائين طوليين فيشتري للغير فإن أجاز وقع له وإلّا فيشتري لنفسه ، وهذا التعليق لا يوجب البطلان ، لأنّه تعليق على ما تتوقف صحّة العقد عليه واقعاً، ولأن الدليل على مبطلية التعليق هو الإجماع ، والمتيقّن منه غير هذا المورد أي إنشاء بيعين طوليين فتشمله أدلّة صحّة البيع والعقود ، وعليه فإذا أجاز الغير وقع العقد له وإلّا وقع للمباشر .

وقد تصدّى المحقّق النائيني(1)لتطبيقه على القاعدة بوجهين :

أحدهما : أن يكون مراد العاقد وقوع المعاملة لنفسه مع كون المال في ذمّته


1) منية الطالب 2 : 47 .

ويكون قصده للغير من باب بيع التولية له ، وتكون إجازة الغير من قبيل القبول وحينئذ فإن أجاز الغير التولية يكون البيع له وإلّا يكون للعاقد .

وفيه : أنّ هذا خلاف الفرض ، لأنّ المفروض أنّه لو أجاز ينتقل المال من مالكه إليه لا من ملك العاقد ، وعلى التولية ينتقل المال من ملك المالك إلى العاقد ومن ملك العاقد إلى ملك المجيز ، هذا أولاً .

وثانياً : أنّ ذلك لو تمّ فإنّما يتمّ في شراء الفضولي متاعاً بثمن في ذمته فيبيع ذلك المتاع تولية للغير وأمّا إذا باع الفضولي شيئاً في ذمته بثمن للغير فلا معنى لبيع ذلك الشيء تولية للغير لأنّه باع مال نفسه للمشتري وجعل ثمنه للغير ولم يبع شيئاً للغير حتّى يصحّ باجازته ، مع أنّ كلامهم في مطلق المعاملة الفضولية سواء كان في البيع أو الاشتراء .

وثالثاً : أنّ الفضولي ربما يموت قبل إجازة الغير ، فلو كانت الاجازة قبولاً لبيع التولية فلا محالة يبطل البيع لخروج الموجب عن أهلية العقد قبل تحقّق القبول مع أنّهم يلتزمون بالصحّة في هذا الفرض

وثانيهما : أن يكون مراده وقوع البيع للغير وقصد إضافة الكلّي إلى ذمّة الغير ، لكنّه ضمن ذمّة الغير بناءً على أن لا يكون الضمان موجباً لانتقال المال إلى ذمّة الضامن كما عليه العامة (1)، فيكون كل منهما ضامناً بنحو الطولية .

وفيه أوّلاً : أنّه لو لم يجز الغير العقد فلا معنى لوقوع العقد للضامن وك--ونه ملزماً بالأداء . وثانياً : أنّه لو أجاز الغير العقد ولم يؤد المال يلزم أنّ يكون الضامن ملزماً بأدائه.

بقي الكلام في حكم التنافي بين الاضافتين فيما إذا أجاز الغير ، وقد ذهب


1) المغني لابن قدامة 5 : 70 ، 83 ، المجموع 14 : 24 ، المهذب 2 : 307 .

شيخنا الأُستاذ (1)إلى صحّة المعاملة ووقوعها عن العاقد الفضولي ولا أثر لإجازة الغير ، وبنى توضيح ذلك على مقدّمتين :

إحداهما : أنّ مقتضى إطلاق العقد والمعاملة الصادرة من شخص أنّ العقد له ما لم ينصب قرينة على صرفه للغير ، وهذا نظير الواجب النفسي والغيري والعيني والكفائي حيث ذكرنا في الأوامر (2)أنّ ظاهر إطلاق صيغة الأمر يقتضي النفسية والعينية ، وكون الوجوب غيرياً أو كفائياً يحتاج إلى مؤونة زائدة وقرينة تدلّ على أنّ الوجوب غيري أو كفائي ، وإطلاق العقد أيضاً يقتضي وقوعه للعاقد حتّى ينصب قرينة على أنّه للغير .

وثانيتهما : أنّ المعاملة إنّما تتقوّم بالمبادلة بين المالين ، وغيرها من القيود والاضافات خارجة عن حقيقتها ، ففي صورة التعارض تقع لغواً لا محالة ، وعلى هاتين المقدمتين بنى أنّ الاضافة إلى الذمة والاضافة إلى الغير في البيع وإن كانت كلّ واحدة منها قرينة على صرف البيع إلى العاقد في الصورة الأولى وللغير في الثانية إلّا أنّهما لتعارضها تسقطان ، فيبقى في البين أصل المبادلة بين المالين ، وقد عرفت أنّ إطلاق العقد يقتضي وقوعه للعاقد والمباشر ، وبذلك نحكم على أنّ البيع وقع للعاقد فقط سواء أجاز الغير أم ردّه ، هذا . ولا يخفى أنّ ما أفاده وإن كان بحسب الكبرى ممّا لا إشكال فيه ، وأن الظاهر يقتضي وقوع البيع للعاقد ، إلّا أنّ تطبيق ذلك على المقام غير صحيح ، وذلك لأنّ إضافة البيع للغير في الكلام أنّ كان قرينة على عدم إرادة المبادلة حقيقة ، إذ لا معنى في المبادلة لدخول الثمن في ملك غير من خرج عن ملكه المثمن ، فلا كلام في بطلان


1) منية الطالب 2 : 45 .

2) محاضرات في أصول الفقه 2 موسوعة الإمام الخوئي (44) : 3 .

المبادلة حينئذ ، وإن كان التنافي بين الاضافتين قرينة على إنشاء بيعين طوليين كما صوّرناه سابقاً فلا إشكال في وقوع البيع للغير إذا أجاز وإذا ردّ يقع البيع للعاقد . وأمّا إذا لم يكن قرينة على أحد الأمرين بل أنشأ معاملة واحدة قاصداً لحقيقتها ولو لاعتقاده صحّة هكذا معاملة ، فحينئذ بما أنّ الكلّي لابدّ أنّ يضاف إلى شخص معين في المعاملة فتقع المعاملة لذلك الشخص الذي أضيف إليه الكلّي في المبادلة ، فإن اشترى بما في ذمته للغير فالمعاملة تقع للمشتري لا محالة ، كما أنّ المشتري إذا اشترى لنفسه بما في ذمّة الغير تقع المعاملة للغير ويكون فضولياً محتاجاً إلى إجازة الغير لا محالة .

وبالجملة : أنّ تعيين المالكين وإن لم يكن شرطاً في صحّة المعاملة إلّا أنّ المثمن إنّما يدخل في ملك من خرج من ملكه الثمن ، وكذا الحال في العكس ، كما أنّ الأمر كذلك في بيع الأعيان الشخصية فإنّه إذا اشترى شيئاً بمال معين فلا محالة ينتقل المبيع إلى ملك من خرج عن ملكه المال ، ولا يعقل أنّ ينتقل إلى ملك شخص آخر كما هو ظاهر .

فالمتحصّل : أنّ البيع سواء كان في الأعيان الشخصية أو الكليات إنّما يقع لمن خرج عن ملكه الثمن فيدخل المبيع في ملكه ، وهذا ظاهر جدّاً .

الكلام في جريان الفضولي في المعاطاة وعدمه

اختلفوا في جريان الفضولي في المعاطاة على أقوال ثالثها : التفصيل بين القول بأنّ المعاطاة تفيد الاباحة فلا يجري والقول بأنها تفيد الملك فيجري ، واستدل للمنع مطلقاً بوجوه :

الأوّل : أنّ القبض والاقباض في المعاطاة محرّمان ومنهيّان لأنّهما تصرّف في مال الغير بلا إذنه ، والنهي في المعاملات يوجب الفساد .

والجواب عن ذلك أوّلاً : أنّا نفرض الكلام فيما إذا لم يكن التصرف في المال منهيّاً عنه ، وهذا كما إذا اعتقد أنّ المال ملكه فأقبضه واشترى به شيئاً فإنّه لا حرمة في التصرف واقعاً كما في سائر موارد الجهل المركب والغفلة والنسيان .

وثانياً : أنّ المالك ربما يجيز التصرّف في ماله وإن لم يجز البيع كما إذا صرّح بأنّه لا مانع من أنّ يبقى المال عندك أو عند أخيك ، فأعطى المال لأخيه وقصد به المعاملة أو أقبضه من وكيل المالك وقصد به البيع.

وثالثاً : يمكن أنّ يكون المالك راضياً بالبيع والقبض فلا يكون التصرف فيه حراماً ومع ذلك لا يخرج البيع عن كونه فضولياً ، لما ذكرناه سابقاً من أنّ مجرّد الرضا لا يخرج المعاملة عن الفضولية .

ورابعاً : أنّ النهى على تقدير تسليمه تكليفي وهو لا يستتبع الفساد .

وخامساً : لو سلّمنا أنّ النهي التكليفي يستلزم الفساد فلا يقتضي ذلك إلّا فساد المعاملة بالنسبة إلى من توجّه عليه وهو الفضولي لا بالنسبة إلى المالك بعد إجازته .

الثاني : ما ذكره بعضهم وحكاه شيخنا الأنصاري (1)في المقام : من أنّ صحّة المعاطاة تتوقف على إنشاء التمليك والرضا وهما من شؤون المالك كما لا يخفى ، ولا يتحقّقان من الفضولي أصلاً .

ويدفعه : أنّ هذا لو تم لعمّ ويوجب بطلان أصل الفضولي مطلقاً كان في العقد اللفظي أو المعاملة المعاطاتية ، مع أنّ الكلام في جريانه في المعاطاة بعد الفراغ عن صحّته في المعاملات اللفظية .

وأمّا حلّ الإشكال : فهو أنّ إنشاء التمليك أمر لا مؤونة فيه ويتحقّق من كلّ


1) المكاسب 3: 395 .

أحد في كلّ مال لكلّ شخص ، وأمّا الرضا فالمفروض أنّ المالك يرضى ب-ه بعد المعاطاة .

الثالث : أنّ صحّة العقد الفضولي إنّما ثبتت في الموارد المتقدمة على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على الموارد التي ورد فيها نص كما تقدّم سابقاً .

وأجاب عنه شيخنا الأنصاري : بأنّ الفضولي على طبق القاعدة للعمومات الدالّة على صحّته كأوفوا بالعقد وغيره من عمومات البيع والتجارة ، وظاهره تسليم عدم جريان الفضولي في المعاطاة فيما إذا كان على خلاف القاعدة .

ولكن الأمر ليس كذلك ، لأنّه يجري في المعاطاة ولو كان على خلاف القاعدة ، لأنّ الأدلّة الخاصة الواردة فى الموارد المتقدّمة عامة تشمل المعاطاة أيضاً إذ لم يقيد شيء منها بالبيع اللفظي ولم يفصل فيها بين المعاطاة والعقد ، نعم ما أفاده من أنّ الفضولي على طبق القاعدة متين .

الرابع : ما استدلّ به شيخنا الأستاذ (قدس سره)(1)وحاصله ؛ أنّا إذا بنينا على إفادة المعاطاة للاباحة فالمؤثّر فيها هي التسليط المالكي لا تسليط غيره وإجازة المالك تسليط الغير ، بنفسها مصداق للتسليط المالكي لا أنها توجب تأثير التسليط السابق الصادر من غير المالك فإنّه لغو لا يترتّب عليه الأثر وإنّما يترتّب الأثر على تسليط المالك ، وأمّا إذا بنينا على أنها تفيد الملك فاجازة المالك إنّما تتعلّق بما يكون قابلاً للبقاء وهذا لا يتحقّق إلّا بالعقد اللفظي فإنّه بالعقد الذي هو بيع بالمعنى المصدري يتحقّق أمر قابل للبقاء وهو تبديل طرفي الاضافة ويعبّر عنه باسم المصدر والاجازة اللاحقة إنّما تتعلّق بهذا الأمر الباقي وأمّا الف-ع-ل الص-ادر م--ن الفضولي فهو لا يعنون إلّا بعنوان الاعطاء والتبديل المكاني وليس له إسم مصدر


1) منية الطالب 2 : 51 .

غير العطاء ، وهذا لا ينفكّ عنه وليس قابلاً للبقاء حتّى تتعلّق به إجازة المالك .

وما أفاده (قدّس سرّه) إن تمّ فإنّما يتمّ على المسلك المشهور من أنّ الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ وإن كان قابلاً للمناقشة أيضاً ، وأمّا بناءً على ما ذكرناه في معنى الانشاء من أنّه عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني فهو أمر خفيف المؤونة لا يتوقف صدوره على المالك بوجه ويتحقّق من الفضولي أيضاً ، وهذا الابراز كما يتحقّق باللفظ يتحقّق بالفعل أيضاً ، وعليه فلا مانع من جريان الفضولي في المعاطاة كجريأنّه في البيع اللفظي ويكون مصداقاً للبيع حقيقة .

نعم يبقی هناك أنّ المعاطاة بناءً على إفادتها الاباحة هل يجري فيها الفضولي ؟ أفاد الشيخ (قدّس سرّه) إمكان القول بالبطلان لوجهين أحدهما : أنّ حصول الاباحة قبل الاجازة غير ممكن ، والتحقيق أنّ الكشف الحقّيقي بمكان من الامكان فيكون التصرف مباحاً في الواقع من حين المعاطاة غاية الأمر عدم العلم بالاباحة حتّى تتحقّق الاجازة . نعم الكشف الحقّيقي لا دليل عليه في مقام الاثبات . وأمّا الكشف الحكمي فهو غير معقول لأنّ التصرف في مال الغير قبل إجازته حرام وبعد الاجازة لا ينقلب الشيء عمّا وقع عليه بل تباح التصرّفات الواقعة بعد الاجازة ، ولا معنى للحكم فعلاً باباحة التصرّفات السابقة ، وأمّا على النقل فلا مانع من الالتزام بالاباحة بعد الاجازة .

ثانيهما : أنّ الاباحة على خلاف القاعدة لأنّ ما قصد هو الملك وهو غير واقع وما وقع هو الاباحة وهي غير مقصودة ، فالاباحة شرعية على خلاف القاعدة فيقتصر على المتيقّن وهي صورة تعاطي المالكين .

والتحقيق أنّ الاباحة الشرعية وإن كانت على خلاف القاعدة إلّا أنّ حصول الملك عند التصرّف على القاعدة ، فإذا أجاز المالك المعاطاة الفضولية وحصل التصرف المتوقف على الملك ، تحقّقت الملكية . وبعبارة أخرى : مقتضى السيرة

العقلائية والأدلّة الامضائية هو تحقّق الملكية من حين المعاطاة ولكن بالإجماع نقيد ذلك بالتصرف كما قيدنا بيع الصرف بالقبض للأدلّة الواردة فيه ، فنحكم بعدم حصول الملكية قبل التصرّف فإذا حصل التصرّف تحقّقت الملكية على القاعدة وحينئذٍ فلا مانع من جريان الفضولي في المعاطاة من هذه الجهة فإذا أجاز المالك انتسب العقد إليه وتحصل له الملكية بعد التصرف على القاعدة . نعم الاباحة الشرعية حكم آخر على خلاف القاعدة ثبت في الفترة الواقعة بين العقد والتصرف والقدر المتيقّن منه تعاطي المالكين ، فلا تثبت الاباحة الشرعية في تعاطي الفضولي إلّا أنّ هذا لا يمنع من حصول الملك عند التصرف فإنّه حكم على القاعدة . فهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه .

هذا كلّه في المعاطاة المقصود بها الملك وأمّا المعاطاة المقصود بها الاباحة فقد ظهر حكمها ممّا سبق ، فإنّ الكشف الحكمي لا يعقل فيها والحقّيقي لا يمكن الالتزام به إثباتاً ، والنقل يجري لكن الاجازة بنفسها إباحة من المالك فهي إباحة مالكية تحصل بنفس الاجازة .

الكلام في الاجازة

هل الاجازة کاشفة أو ناقلة؟

بعد الفراغ عن صحّة بيع الفضولي يقع الكلام في الاجازة وأنّها كاشفة أو ناقلة ، بمعنى أنّ الرضا والاجازة المتأخّرة يفرض وجوده مقارناً للعقد السابق ، أو أنّ العقد السابق يفرض وجوده متأخراً ومقارناً مع الاجازة المتأخرة ، فعلى الأول لا بد من الالتزام بالكشف كما أنّه على الثاني لابدّ من الالتزام بالنقل .

والكلام في المقام يقع في إمكان الكشف في حد نفسه أوّلاً وبعد الفراغ ع---ن إمكأنّه يتكلّم في وقوعه وعدمه ، كما أنّه إذا بنينا على استحالته لا يبقى مجال للبحث عن وقوعه ، فنقول :

أمّا الكشف الحقّيقي بمعنى أنّ الاجازة لا مدخلية لها في البيع أصلاً وإنّما هي كالعَلَم المنصوب على باب دار للأمارية والكاشفية عن وجود التعزية هناك من دون أن يكون له دخل في التعزية بوجه ، بأن تكشف الاجازة عن تحقّق حصة خاصة من العقد الذي هو مؤثر في الملكية عند الله فرضاً كما إذا فرضنا أنّ بعض العقود يفيد الملكية عند الشارع بنفسه وبعضها لا يفيدها ، والاجازة تكشف عن أنّ العقد الواقع سابقاً قد أثر في الملكية عند الشارع ، فهذا المعنى من الكشف ممّا لا ينبغي الإشكال في إمكأنّه واقعاً ، إلّا أنّه لا دليل على إثباته ووقوعه خارجاً ، لأن مقتضى الأدلة الواردة في البيع أنّ الاجازة والرضا دخيلان في الملك كقوله تعالى( إلّا أنّ تَكُونَ

تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (1)ونحوه ، وأنّ الاجازة كغيرها من الشرائط دخيلة في الملكية لا محالة ، وبالجملة أنّ كون الاجازة ممّا لا مدخلية له في الملكية ممّا لا دليل عليه ودون إثبات ذلك خرط القتاد .

وقد يقال بالكشف بمعنى أنّ الاجازة دخيلة في الملكية كدخالة غيرها من الشروط ، وأن الملكية مشروطة بها لا محالة إلّا أنّ الاجازة المتأخرة تكون مؤثرة في حصول المشروط سابقاً ، وهذا لاضير في الالتزام به في الشرعيّات وإن كان ذلك مستحيلاً في الأمور التكوينية ، لأن المشروط يستحيل أنّ يتحقّق ق-ب-ل ح-صول شرطه وإلّا فلا معنى لكونه شرطاً كما هو ظاهر ، إلّا أنّه يختص بالأمور التكوينية دون الشرعية ، بل قد وقع نظير ذلك في الشرعيات في موردين :

أحدهما : الواجبات التركيبية كالصلاة ونحوها فإن كون التكبيرة مأموراً بها في الصلاة وصحيحة واقعاً متوقف على التحاق الأجزاء الآتية وتعقبها بها حتّى السلام فإنّه ما دام لم يسلّم لا يمكن أنّ تكون التكبيرة مأموراً بها كما لا يخفى ، ومع ذلك تكشف التسليمة عن أنّ التكبيرة من حين تحقّقها كانت صحيحة ومأموراً بها فقد تحقّق المشروط قبل شرطه .

وثانيهما : غسل المستحاضة فإنّه يجب عليها الاغتسال للعشاءين وللظهرين وللفجر ، فأمّا اغتسالها للعشاءين فلم يثبت كونه شرطاً لصحّة صومها وأمّا الاغتسال للظهرين فهو شرط لصحّة صومها في اليوم مع أنّه إذا تحقّق يكشف عن أنّ صومها إلى الظهر صحيح ومأمور به شرعاً وأنّه تحقّق قبل شرطه . وأمّا الاغتسال للفجر فالاحتياط فيه كما ذكره بعضهم أنّ تؤخّره إلى بعد الفجر بزمان


1) النساء 4 : 29 .

وإن ذكر في العروة (1)أنّها تغتسل قبل الفجر إلّا أنّه خلاف الاحتياط ، وكيف كان فصحّة الصوم في الآنات المتأخّرة عن الفجر إلى زمان الاغتسال متوقفة عليه أي على الاغتسال ، مع أنّه بوجوده يكشف عن صحّة الصوم في الأزمنة المتقدّمة عنه إلى الفجر ، فقد تحقّق المشروط قبل حصول شرطه .

فالجواب عن ذلك : أنّ ما ذكره الخصم في المقام نظير أنّ يقال إنّ اجتماع النقيضين إنّما يستحيل في الأمور التكوينية دون الش-رع--ي-ات ك--ا أف--اده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)وذلك لأن معنى كون الاجازة شرطاً في حصول الملكية أنّ الملكية لا تتحقّق قبلها ، ومعنى أنها تحقّقت قبل الاجازة أنّ الاجازة ليست شرطاً في صحّة الملكية وحصولها ، وهذان الأمران ممّا لا يجتمعان ، وأمّا الموارد التي نقض بها الخصم في المقام فليست كما توهمه من قبيل تقدّم المشروط على شرطه على ما سيأتي أنّ شاء الله تعالى ، وكيف كان فهذا المعنى من الكشف أمر غير معقول فلا حاجة إلى التكلّم عنه في مقام الاثبات والوقوع .

وهناك معنی ثالث للكشف متوسّط بين المعنيين المتقدّمين وهو أنّ يقال : أنّ شرط الملكية عبارة عن تعقب العقد بالاجازة ،واقعاً ، واتصافه بكونه متعقباً بها كاف في حصول الملكية شرعاً ولو لم يعلم بذلك أي بالاتصاف والتعقب ، فلذا يجوز له التصرف في المال فيما علم أنّ المالك سيجيز المعاملة ، فيجوز له وطء الأمة وغيره من التصرّفات في المبيع ، وعليه فالاجازة المتأخّرة خارجاً تكشف عن أنّ العقد السابق مؤثر من الابتداء وأنّه متصف بالتعقب أوّلاً وإن لم يعلم به المشتري أو البائع .


1) العروة الوثقى 2 : 22 .

2) المكاسب 3 : 41 .

والموارد المتقدّمة أيضاً من هذا القبيل فإنّ الشرط في صحّة التكبيرة في الصلاة هو أن تكون متّصفة بالتعقّب بالقيام والركوع والسجدتين والتشهّد والتسليمة كما لا يخفى ، فالتسليمة تكشف عن أنّ التكبيرة كانت متصفة بالتعقب بالأمور المذكورة من الابتداء واقعاً ، وكذا الحال في صحّة صوم المستحاضة . وكيف كان فالاجازة دخيلة في الملكية بهذا المعنى لا بالمعنى المتقدم حتّى يكون مستحيلاً وأن الاجازة تكشف عن حصول الملكية وصحّة العقد واتصافه بالتعقب واقعاً من الابتداء في علم الله أو في علم المجيز الذي يعلم أنّه سيجيز وذلك ظاهر .

وهذا المعنى من الكشف وإن كان معقولاً واقعاً و ممكناً في حد نفسه إلّا أنّه لا دليل عليه في مقام الوقوع والاثبات ، فإنّ ظاهر الأدلة المتقدمة أنّ الرضا بنفسه شرط في التجارة لا أنّ تعقب البيع بالرضا شرط في حصول الملكية وذلك واضح .

ثمّ إنّه التزم بعض المحقّقين في المقام على ما حكاه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)بالكشف الحقّيقي في الاجازة بمعنى أنها تكشف عن أنّ العقد الواقع سابقاً كان مقارناً لجميع شرائط الصحّة والملكية ، وأنّ الشرط في الملكية هو الرضا ولو على نحو التقدير ، والاجازة المتأخّرة تكشف عن أنّ المجيز لو كان ملتفتاً إلى البيع حين العقد لأجازه ورضي به ، وهذه الاجازة التقديرية كافية في حصول الملكية وصحّة العقد ، فالاجازة تكشف عن أنّ العقد السابق مقارن لشرطه وهو الاجازة التقديرية كما عرفت .

وهذا من غرائب الكلام ، وذلك أمّا أوّلاً : فلمنع الملازمة بين الاجازة المتأخرة وكونه بحيث لو علم بالعقد حين البيع لأجازه ، إذ ربما لا يكون المالك متوجهاً إلى المنفعة في المعاملة فلا يكون راضياً بها ولكنّه بعدما التفت إلى الحال


1) منية الطالب 2 : 52 نقلاً عن المحقّق الرشتي في بدائعه : 323 .

يبدو له فيجيز ، والبداء بالمعنى الحقّيقي ممّا لا إشكال في إمكأنّه ووقوعه بين العباد .

وثانياً : أنّا ذكرنا سابقاً أنّ الرضا الفعلي حين العقد ما لم يبرز لا يخرج البيع عن الفضولية ولا يكفي في حصول الملكية بالعقد ، بل يحتاج إلى الاجازة لا محالة فكيف بالرضا التقديري فإنّه لا يكفي في صحّة البيع وحصول الملكية أبداً ، هذه هي الوجوه المذكورة للكشف ، فعلى تقدير تمامية استدلال القائلين بالكشف لابدّ من الالتزام بما هو معقول من الوجوه المذكورة .

فقد استدلّ المحقّق (1)والشهيد (2)الثانيان للقول بالكشف : بأنّ العقد سبب تام في الملكية لقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وتمامه في الفضولي إنّما يعلم بالاجازة فإذا أجاز تبيّن كونه تامّاً يوجب ترتّب الملك عليه وإلّا لزم أنّ لا يكون الوفاء بالعقد خاصة بل به مع شيء آخر ، هذا .

ولا يخفى أنّ هذا الكلام وإن صدر من العلمين العظيمين إلّا أنّ الأنسب أن يقال إنّا لا نفهم ما أرادا من هذا الكلام، فإنّهما أنّ أرادا بذلك أنّ الاجازة لا مدخلية لها في حصول الملكية أصلاً ، وأنّ العقد هو السبب التام فيها ، فهو خلاف المستفاد من قوله تعالى : ( إلّا أنّ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) مضافاً إلى أنّ لازم ذلك أنّ لا نحتاج إلى الاجازة بوجه لتمامية العقد وقد فرضناه تمام السبب ، وهذا ممّا لا يلتزم به المستدل .

وإن قالا بأنّ الاجازة دخيلة في الملك لا محالة ، فيرد عليها بأنّها حينئذ كيف تكشف عن حصول الملك سابقاً وكيف يتبيّن كون العقد الواقع سابقاً تاماً مع أنّ شرطه متأخّر عنه بحسب الفرض .


1) جامع المقاصد 4 : 74 - 75 .

2) الروضة البهية 3 : 229 .

وإن أرادا أنّ الشرط هو التعقب بالاجازة لا نفسها ، فهو من باب المصادرة لا محالة ، إذ لا دليل على أنّ التعقب بها شرط في صحّة المعاملة كما هو ظاهر .

ثمّ إنّهما قد استدلّا للكشف ثانياً بأنّ الرضا وإن كان شرطاً في حصول الملك شرعاً إلّا أنّه غير الشرائط الأخر كالقبض في بيع الصرف فإنّه من الأمور القارة بخلاف الرضا فإنّه أمر تعلّقي ومن قبيل الأوصاف ذات الاضافة فلابدّ من أنّ يتعلّق بشيء لا محالة ، وفي المقام إنّما تعلّق بالملكية السابقة التي هي مضمون العقد الصادر من الفضول ، وعليه فتكشف عن الملكية من أوّل الأمر .

وقد أورد عليه بعضهم ومنهم شيخنا الأنصاري (1)وشيخنا الأستاذ(2)(قدّس سرّهما) بوجهين :

أحدهما : أنّ المنشأ في البيع الفضولي ليس إلّا نفس المبادلة ومجرد الملكية وليست مقيّدة بزمان دون زمان ، نعم بما أنّ الانشاء من الزمانيات فلا محالة يقع في زمان ، والمنشأ أيضاً يتحقّق في زمان ولكنه غير مقيد بشيء بل إنّما أنشأ أص--ل المبادلة لا المبادلة المقيّدة باليوم السابق ونحوه ، وعليه فالرضا وإن كان من الأمور التعلّقية إلّا أنّه إنّما تعلّق بأصل المبادلة المنشأة في البيع الفضولي لا بالمبادلة المقيدة بكونها في اليوم السابق ، وهذا نظير القبول الذي يتعلّق بالايجاب المنشأ بانشاء البائع فكما أنّه يتعلّق بأصل المبادلة المنشأة بالايجاب لا بالمبادلة المتحقّقة بالايجاب المقيّدة بكونها قبل القبول وإلّا لزم أنّ تتحقّق الملكية قبل تمام العقد وقبل القبول مع أنها لا تتحقّق إلّا بالقبول ، وكذلك الحال في المقام . وبعبارة أخرى أنّ الايجاب إنّما يفيد أصل المبادلة لا المبادلة المقيّدة بكونها حين الايجاب المتقدم على القبول ، إذ


1) المكاسب 3 : 400 .

2) منية الطالب 2 : 53 .

لازمه ما عرفت من تحقّق الملكية قبل القبول فإنّه رضى بالايجاب لا محالة ، والمقام أيضاً من هذا القبيل ولعلّه واضح .

وثانيهما : أنّ نظر المجيز وإن فرضنا أنّه تعلّق بالملكية المتقدمة وقلنا أنّه رضي بتلك الملكية مثلاً إلّا أنّ المتبع هو الحكم الشرعي ونظر الشارع دون نظر المتعاملين والجيز ، والمفروض أنّ الشارع إنّما يحكم بالملكية بعد الاجازة لا قبلها لأن العقد بالاجازة يستند إلى المالك وأمّا قبلها فهو أجنبي عنه فلا تشمله أدلّة الامضاء ، فالشارع يحكم بالملكية بعد الاجازة ، كما يحكم بها بعد القبول أو ب-ع-د القبض في الصرف مع أنّ غرض المتعاملين في الصرف إنّما هو الملكية من حين العقد لا بعد القبض وهو واضح ، وعليه فالملكية إنّما هي متأخرة عن الاجازة فكيف تكشف الاجازة عن الملكية المتقدّمة ، هذا .

ولنا في كلا الايرادين إشكال ، أما الايراد الأوّل ، فلأنّه إنّما يتم بناءً على المسلك المشهور من أنّ الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ ، وعليه يمكن أن يقال إنّ إيجاد الملكية غير مقيد بشيء ، وأمّا بناءً على ما سلكناه في معنى الانشاء وقلنا أنّه عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني المتحقّق في أفق النفس فيستحيل أنّ لا تكون الملكية مطلقة ولا مقيّدة ، لاستحالة الاهمال في الواقعيات ، يعني أنّ الحاكم والمعتبر لابدّ إما أنّ يعتبر الشيء على نحو الاطلاق وأمّا على نحو التقييد ، وأمّا الاهمال وأنّه لا يدري ما جعله فهو مستحيل ، وعليه فالملكية المعتبرة في النفس لابدّ إما أنّ تكون مطلقة أي من هذا الزمان إلى يوم القيامة ، أو مقيدة بزمان كالملكية بعد ساعة ونحوها ، وبما أنّ الملكية غير مقيّدة بزمان فتكون مطلقة لا محالة يعني من هذا الزمان إلى الآخر ، والاجازة إنّما تعلّقت بتلك الملكية المطلقة أعني الملكية من زمان البيع إلى الآخر ، فلا محالة تكشف الاجازة عن الملكية من أوّل الأمر .

وأمّا النقض بالقبول فهو غير وارد على المحقّق والشهيد الثانيين ، لأن الملكية

المنشأة بالايجاب مقيّدة بالقبول وليست مطلقة فكأنّه قال : بعتك إن قبلت ، فلذا ذكرنا أنّ مثل هذا التعليق في المعاملات ممّا لا بأس به ، لأنّه تعليق يقتضيه العقد بنفسه ، ولا معنى لتقدّم الملكية حينئذ على القبول لأنّها قد أنشأت معلّقة على قبول المشتري وذلك ظاهر .

وأمّا الايراد الثاني ، فلأنّ الشارع وإن حكم بالملكية بعد الاجازة لا قبلها إلّا أنّه لا ينافي أنّ يحكم بعد الاجازة بالملكية من أول الأمر ، ولا مانع من تغاير زماني الحكم والمحكوم به ، كما وقع عكس ذلك في الوصية حيث حكم بالملكية للموصى له بعد الموت ، فإنّ الحكم في زمان الوصية والمحكوم به هو الملكية بعد الموت ، فإذا جاز ذلك فليكن عكسه أيضاً جائزاً ، ففي المقام قد حكم بعد الاجازة بالملكية المتقدّمة .

والذي يوضّح ذلك : ملاحظة باب الاجارة كما إذا آجر الفضولي دار شخص من أوّل السنة فأجازها المالك بعد عشرة أيام مضت من أوّل السنة ، فإنّ الاجارة عبارة عن ملك المنافع وقد حكم الشارع بصحتها بعد الاجازة ، ولكن الحكم بعد عشرة أيام ، وملكية المنافع التي حكم بها هي الملكية من أوّل السنة ، فالحكم بعد الاجازة والمحكوم به هو الملكية من أوّل الأمر ، وقد عرفت أنّه لا مانع من تغاير زماني الاعتبار والمعتبر ، بل لولا الإجماع على بطلان التعليق في العقود لقلنا بصحّة البيع معلّقاً على مضيّ ساعة أو على شيء آخر بأن يكون الاعتبار أعني اعتبار الملكية فعليّاً والمعتبر الذي هو الملكية متأخراً وبعد ساعة .

وهذا الذي ندّعيه في المقام ليس من الكشف الحقّيقي أو الحكمي في شيء ، لأنّ المفروض أنّ المشتري ليس مالكاً للمال قبل الاجازة واقعاً وفي نفس الأمر حتّى يكون ذلك من الكشف الحقّيقي ، كما أنّه ليس من الكشف الحكمي إذ لا تنزيل في البين بأن ينزل المشتري منزلة المالك في ترتيب آثار الملك عليه المعبّر عنه بالكشف

الحكمي ، وإنّما هو أمر آخر وتوضيحه : أنّ الأمور الاعتبارية كالبيع والنكاح والايجاب والتحريم ممّا لا وعاء له إلّا وعاء الاعتبار ، فإنّ الإنسان يعتبر زيداً مالكاً في الخارج ، لا بمعنى أنّ الملكية توجد خارجاً ، بل بمعنى أنّ البائع يعتبر المشتري مالكاً في الخارج بالاعتبار ، وهو نظير تصوّر الأمر الخارجي فإنّ زيداً المعدوم إذا تصوّرناه خارجاً فمعناه ليس إلّا تصوّره في الخارج لا وجوده في الخارج حقيقة.

وكما أنّ الاعتبار والمعتبر يتّحدان بحسب الزمان تارةً ويقع أحدهما مقارناً للآخر زماناً كما إذا اعتبرنا زيداً مالكاً فعلياً لشيء ، فاعتبار الملكية والملكية المعتبرة متحقّقان في زمان واحد ، كذلك يمكن أنّ ينفك أحدهما عن الآخر بأن يكون الاعتبار فعلياً والمعتبر أمراً متأخراً ، كما في الوصية فإنّ اعتبار ملك الموصى له فعلي والمعتبر الذي هو الملكية بعد الموت ، وكما أنّ اعتبار وجوب الحج في حقّ غير المستطيع فعليّ والمعتبر الذي هو الوجوب بعد الاستطاعة ، وهذا ليس من الواجب التعليقي بوجه ، لأنّ المعتبر وهو الوجوب والاعتبار كلاهما فعليّان في التعليقي ، وزمان متعلّق المعتبر وهو الفعل متأخّر ، وأمّا في المقام فالاعتبار فعلي دون المعتبر فإنّه متأخّر كما عرفت ، فلذا لا يجب على غير المستطيع تحصيل شيء من مقدمات الحج ، لأن الوجوب غير فعلي في حقه وإن كان الاعتبار فعلياً .

كما يمكن أن يكون الاعتبار فعلياً والمعتبر أمراً متقدّماً كما إذا اعتبرنا في الحال زيداً مالكاً من أمس ، فالاعتبار حالي والمعتبر أمر متقدّم ، بل ولولا مخالفة الارتكاز العرفي وانصراف الأدلّة لقلنا بصحّة أنّ يبيع فعلاً ماله من أمس بأن يقول : بعتك داري من أمس، فيكون المشتري مالكاً لها من ذلك الزمان ويطالب البائع بالأجرة من أمس ، إلّا أنّ مثل ذلك خلاف ما ارتكز في أذهان العقلاء ، والأدلة والعمومات لا تشمله ، وإلّا فلا مانع من أنّ يكون الاعتبار فعلياً والمعتبر متقدماً

فهو مالك حقيقة للمال من أمس ، وأمّا في المقام فيما أنّ العقد متحقّق قبل الاجازة فلا مانع من أنّ تشمله العمومات وتوجب صحّة البيع في المقام ، هذه خلاصة المدعى في المقام .

والذي يمكن أن يورد عليه كما أورده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أمران :

أحدهما : أنّ الحكم بملكية شيء لشخصين مستحيل والعبرة إنّما هو بتعدد المتعلّق لا بتعدد زمان الاعتبار ، فلو كان المتعلّق واحداً فالحكم عليه بحكمين متنافيين محال ، ولو كان الحكمان والاعتباران في زمانين كما إذا حكم في اليوم بوجوب الصوم في الغد ثمّ حكم في أوّل الغد بحرمة الصوم فيه أو باستحبابه أو باباحته أو بكراهته ، فإنّه مستحيل وإن كان زمان الاعتبارين والحكمين متعدّداً كما أنّ المتعلّق إذا كان متعدّداً يصحّ أنّ يحكم عليهما بحكمين ولو كانا في زمان واحد كما إذا حكم في زمان واحد بوجوب السفر في الغد وباستحبابه في اليوم فإنّه أمر ممكن ، وفي المقام متعلّق الحكم والاعتبار واحد وهو الملكية قبل الاجازة ولك--ن نعتبرها قبل الاجازة للمالك وبعد الاجازة للمشتري ، فهي شيء واحد قد حكم به لشخصين وهو مستحيل .

وقد تعرّض لهذا في حكم الخروج من الأرض المغصوبة ، وأجبنا عن ذلك بأنّ ما أفاده إنّما يتم في الأحكام البعثية والزجرية وهي التكليفية فقط حيث إنه-ا تحتاج إلى المتعلّق لا محالة ، والشيء الواحد لا يمكن أنّ يبعث إليه ويزجر عنه ولا يمكن إيجابه وتحريمه أو إباحته وكراهته لأن معنى ذلك أنّه واجد للمصلحة وغير واجد له أو أنّه واجد للمفسدة وغير واجد له وهو تناقض ، وأمّا الأحكام الوضعية فلا ، لأنها ناشئة من مصالح في جعلها ولا مانع من أنّ يعتبر في زمان شخصاً مالكاً


1) أجود التقريرات 2 : 188

لشيء لأجل مصلحة في هذا الاعتبار وأن يعتبر في زمان آخر غيره مالكاً له لأجل مصلحة أخرى ، وهذا أمر ممكن في الاعتبار .

وتوضيح ذلك : أنّ المعتبر لا وجود له في وعاء من الأوعية إلّا في وعاء الاعتبار ، بمعنى أنّ الموجود إنّما هو الاعتبار الذي هو من أفعال النفس ، والمعتبر له وجود تبعي بتبع الاعتبار ، ففي الحقّيقة لا وجود إلّا للاعتبار ، وقد عرفت أنّه فعل من الأفعال نظير التصوّر ، فإنّه أي الاعتبار ليس إلّا البناء على أنّ فلاناً مالك ، ولا مانع من أنّ يصدر من المالك أو الشارع اعتباران ولو كان المعتبر شيئاً واحداً لأجل ما فيهما من المصالح حتّى يخرج عن اللغوية ، فيعتبر المشتري بعد الاجازة مالكاً من حين العقد كما أنّه كان ملكاً للمالك قبلها ، نعم إذا كان زمان الاعتبارين واحداً استحال ذلك ، لتناقض الآثار المترتّبة على الاعتبارين ، فإن أثر الاعتبار الأوّل استقلال زيد في التصرف - مثلاً - وأثر الاعتبار الثاني إستقلال عمرو في التصرف ولا يمكن أنّ يستقلّا في التصرف في زمان واحد .

الايراد الثاني الذي يمكن أنّ يورد به على المختار : هو ما ربما يقال من أنّ اعتبار الملكية السابقة بعد الاجازة إنّما يتم في القضايا الخارجية والموالي العرفية التي نظرها إلى البيوع الخارجية ، فلا مانع في مثلها من أنّ يقال أنّ الاجازة بما أنها متعلّقة بالعقد الواقع سابقاً لا مانع من أنّ يكون الحكم والاعتبار بعد الاجازة والملكية من أوّل العقد والبيع ، وأمّا في القضايا الحقّيقية والأحكام الشرعية التي لا نظر فيها إلى الخارج بوجه بل إنّما هي مترتّبة على موضوعاتها المقدرة الوجود وصادرة قبل خلق الخلق والعالم أو حين نزول الشريعة فلا يتم أبداً ، لأن الشارع إنّما اعتبر الملكية قبل وجود المتبائعين لا محالة ، كما هو كذلك في غيرها من الأحكام التكليفية كوجوب الحج فإنّه إنّما اعتبره قبل وجود المستطيعين وبما أنّ موضوعه هو المستطيع فقبل صيرورة المكلّف مستطيعاً لا يتوجّه عليه الخطاب ولا يكون باعثاً له ، لأنّه

خارج عن الموضوع ، وإذا صار مستطيعاً فيشمله الخطاب ويحركه نحو المراد ، لا أنّ الخطاب يتحقّق بعد استطاعة ذلك المستطيع .

وعليه فنقول : أنّ الشارع الذي اعتبر الملكية هل اعتبرها من حين العقد أو من حين الاجازة ، فعلى الأوّل تكون الاجازة كاشفة حقيقة كما أنها على الثاني تكون ناقلة ، فلا يبقى لاستكشاف ما ذكرتموه مجال بأن يكون الاعتبار بعد الاجازة والمعتبر هو الملكية المتقدّمة .

وهذا الايراد يدفعه وجهان: أحدهما أنّ اعتبار الملكية أو غيرها من الأمور الاعتبارية ليس من أفعال الشارع أبداً ولا يعتبر الملكية بوجه حتّى يقال إنّ للشارع اعتبار الملكية ونحوه ، وإنّما شأنّه الامضاء أو الردع في المعاملات ، فقد ردع عن البيع الغرري وبيع الخمر والصليب وأمضى مثل الفضولي ونحوه ، ومعنى الردع هو أنّ ما أتى به المتبائعان غير نافذ شرعاً ، كما أنّ معنى الامضاء هو أنّ ما أتى به المتبائعان نافذ ، وما أتى به المالك في المقام هو الاعتبار بعد الاجازة المتعلقة بالملكية السابقة والمفروض أنّ الشارع قد أمضى هذا الاعتبار فيقع الاعتبار بعد الاجازة والملكية من أوّل الأمر عند الشارع أيضاً صحيحاً وممضى .

الثاني : أنّه هب أنّ للشارع اعتبار الملكية كاعتبار المالك والجيز وأنّ اعتباره أزلي إلّا أنّ هذا لا يضر في المقام ، فإنّ موضوع اعتباره هي الاجازة ، لأنّ الشارع إنّما اعتبر ملكية المشتري من أوّل العقد إذا تحقّقت الاجازة نظير اعتبار المالك والمجيز ، فما دام لم تتحقّق الاجازة فلا حكم بالملكية لعدم تحقّق موضوعها وبعدما تحقّقت فيتحقّق الحكم بالملكية من أوّل الأمر كما في وجوب الحج بالنسبة إلى الاستطاعة ، فكون القضية حقيقية ويترتّب الحكم فيها على موضوعاتها المقدّرة غير مضر بالاستدلال كما عرفت .

فتحصّل : أنّ ما ذكرناه في معنى الكشف الذي هو الوسط بينه وبين النقل ممّا لا

غبار عليه ، بل هو الذي تساعده الأدلّة ، لأنّ الاجازة إنّما تتعلّق بالعقد الصادر من الفضولي فيشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) ونحوهما ، فيكون الحكم بالملكية بعد الاجازة ، والملكية المحكوم بها من أوّل الأمر كما يوضحه ملاحظة باب الاجارة ، هذا كله في بيان الوجه المختار .

وأمّا الروايات الخاصة الواردة في المقام كصحيحة محمد بن قيس(1)وما ورد في نكاح الصغيرين (2)فظاهرة في الكشف جداً ، بل بعضها لا يتم فيه النقل أصلاً كما في مسألة نكاح الصغيرين اللذين يموت الزوج منهما وتبقى زوجته وتبلغ فتجيز العقد وترث من زوجها ، فإنّه لا معنى فيها أنّ يقال أنّ الزوجية تتحقّق بعد إجازة الزوجة ، إذ المفروض أنّ زوجها قد مات قبل الاجازة ، فهي صريحة في الكشف وبما أنّ الكشف الحقّيقي المتقدّم في الوجوه الثلاثة للكشف لا دليل عليه ، والوج---ه الثاني منها غير معقول لعدم إمكان تقدّم المشروط على شرطه ، والوجه الثالث أيضاً لا تساعده الأدلّة ، لأنّ مقتضاها أنّ نفس الاجازة والرضا دخيلان لا عنوان التعقب أو الملحوقية بهما ، فلا محالة تنطبق الأخبار على ما ذكرناه في معنى الكشف . نعم لو لم نتمكن من تصحيح الوجه المختار لابدّ من الالتزام بالكشف الحكمي في الأخبار كما أفاده شيخنا الأنصاري (قدس سره ) (3)لعدم صحّة حمل الأخبار على شيء من الوجوه الثلاثة المذكورة في معنى الكشف .

بقي في المقام إشكال : وهو أنّ حكمهم (عليهم السلام) بعزل حصة الزوجة في الرواية فيما إذا مات زوجها يكشف عن أنّ إجازتها بعد البلوغ كاشفة حقيقة عن


1) الوسائل 21 : 203 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 88 ح 1 .

2) الوسائل 26 : 219 / أبواب ميراث الأزواج ب 11 ح 1 .

3) المكاسب 3 : 409 .

الزوجية من أوّل الأمر وإلّا لا معنى لعزل حصتها ، بل لابدّ من أنّ يتصرف فيها الورّاث لأنّها ملكهم حقيقة سواء أجازت الزوجة بعد ذلك أو لم تجز ، لكنه مندفع بأنّ الحكم بالعزل إنّما هو من جهة الاحتياط في الأموال والتحفظ على المال الذي يحتمل أنّ يصير ملكاً للغير فيا بعد باجازته ، واستصحاب عدم الاجازة ملغى في هذا الفرض بحكم الشارع كما صنع ذلك في إرث الحمل أيضاً حيث حكم بعزل حصّة الذكرين ، وليس ذلك إلّا من جهة الاحتياط .

وكيف كان ، فمع صحّة الوجه المختار لا مجال للكشف الحكمي أبداً ، إذ مع إمكان الالتزام بكون المشتري مالكاً حقيقة لا معنى لتنزيله منزلة المالك في ترتيب آثار المالكية عليه ، بل التنزيل منزلة المالك في جميع الآثار مع إمكان الالتزام بالملك الحقّيقي على الوجه المختار أمر غير ممكن ، وذلك لأنّ المنزّل عليه تارةً يكون أمراً واقعياً تكوينياً كتنزيل الفقاع منزلة الخمر وتنزيل الطواف منزلة الصلاة ، وفي هذه الحالة يمكن أنّ يكون التنزيل بلحاظ بعض الآثار كما يمكن أنّ يكون بلحاظ جميع الآثار . وأخرى يكون المنزل عليه أمراً اعتبارياً فيمكن تنزيل شيء عليه في بعض الآثار كتنزيل من يراد تزويجها منزلة الزوجة في جواز النظر إليها ، ولكن لا يمكن تنزيل شيء منزلة الأمر الاعتباري في جميع الآثار فإنّه في الحقّيقة يكون جعلاً لنفس الأمر الاعتباري فإذا نزلت المطلقة رجعيّاً منزلة الزوجة في جميع آث-ار الزوجية فهي زوجة حقيقة ولا معنى للقول أنها ليست زوجة ولكن نزلت منزلة الزوجة ، وكما لو نزل فعل منزلة الواجب في وجوب الاتيان به فإنّه واجب حقيقة إذ لا معنى لا يجاب الفعل إلّا ذلك .

وفي المقام لا معنى لأن يقال أنّه غير مالك حقيقة وإنّما نزل منزلة المالك في ترتیب جميع الآثار ، فإنّ معنى ذلك أنّه مالك حقيقة كما هو واضح .

ثمّ إنّه قد استدلّ فخر المحقّقين (قدّس سرّه) (1)للقول بالكشف وبطلان النقل بأنّه على القول بالنقل يلزم أنّ يؤثر العقد المعدوم حين الاجازة في الموجود الذي هو الملكية بعد الاجازة ، فاستدل في المقام بوجه عقلي كما هو دأبه (قدّس سرّه) من خلط الفقه بالأحكام الفلسفيّة .

إلّا أنّ ذلك الكلام بمكان من الغرابة والاعوجاج ، لأنّ تأثير المعدوم في الموجود في العلل والمعلولات التكوينية ممكن فضلاً عن العلل التشريعية ومعاليلها كما لا يخفى ، لا مكان أنّ يشرب السم فعلاً ويموت بعد شهر ، لأنّ العلة ربما تحتاج إلى معدات وشرائط تتحقّق على التدريج ، والمستحيل إنّما هو الانفكاك بين الجزء الأخير من العلّة ومعلولها ، وعليه فلا مانع من أنّ تتحقّق الملكية بعد العقد بزمان لتوقف تأثيره على صدور الاجازة ، وإلّا لورد عليه ما نقض به شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)من أنّ لازم هذا الكلام أنّ تتحقّق الملكية قبل القبول بعد الايجاب وإلّا للزم تأثير الايجاب المعدوم بعد القبول في الملكية الموجودة بعده ، وكيف كان فتأثير المعدوم في الموجود ممّا لا محذور فيه ، وياليته عكس الكلام واستدل بما ذكره للقول بالنقل واستحالة الكشف ، إذ الشرط أعني الاجازة حين العقد معدوم ، فعلى القول بالكشف يلزم أنّ يؤثر المعدوم في الموجود ويتحقّق المشروط قبل شرطه وهو مستحيل ، فإنّ ذلك أولى ممّا ذكره في المقام ، هذا كله في معنى الكشف وتصويره .


1) إيضاح الفوائد 1 : 419 .

2) المكاسب 3 : 403 .

ثمرات القول بالکشف والنقل

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ الثمرة على الكشف الحقّيقي بين كون نفس الاجازة شرطاً وكون الشرط تعقب العقد بها قد تظهر في جواز تصرف كلّ منهما فيما انتقل إليه بانشاء الفضولي إذا علم إجازة المالك فيما بعد ، وظاهر ذلك أنّ التصرف فيما انتقل إليه قبل الاجازة بناءً على أنّ نفس الاجازة شرط محرّم ، لأنّه تصرف في مال الغير واقعاً ، وأمّا بناءً على أنّ الشرط هو تعقب العقد بها فلا ، لأنّ الاجازة تكشف عن أنّ العقد كان ملحوقاً ومتعقباً بالاجازة واقعاً ، لأنّه أمر يمكن أنّ يتحقّق قبل وجود الاجازة كما يصحّ أنّ يقال إنا ملحوقون بالموت فعلاً مع أنّ الموت متأخّر ، أو يقال أنّ الليل ملحوق بالنهار مع أنّ النهار لم يأت بعد ، فإذا علم أنّ المالك سيجيز فتصرفاته تتصف بالحلّية ،واقعاً ، هذا ما أفاده في السطر الأوّل من کلامه .

ولا يخفى عليك أنّ ما أفاده بناءً على كون الشرط هو التعقب بالاجازة وإن كان صحيحاً كما نقله قبل ذلك عن بعض إلّا أنّ حكمه بعدم جواز التصرّفات بناءً على كون نفس الاجازة شرطاً غير تام ، بل الصحيح أنّ يلتزم بإباحة التصرّفات فيه ، لأنّ الكلام في الكشف الحقّيقي كما هو مقتضى صريح عبارته ، ومعنى الكشف أنّ الاجازة بوجودها المتأخّر عن العقد تؤثر في الملكية المتقدمة وتكشف عن الملكية حال العقد ولو بالالتزام بصحّة تقدّم المشروط على شرطه أو بغير ذلك ممّا استند إليه القائل بالكشف في هذه الصورة ، وما أفاده (قدّس سرّه) في المقام إنّما يتم على الوجوه الأخرى لا على الكشف الحقّيقي كما هو ظاهر . ثمّ أنّه (قدّس سرّه) ذكر بعد ذلك بأنّ الثمرة بين الكشف الحقّيقي والكشف


1) المكاسب 3 : 410 .

الحكمي مع كون نفس الاجازة شرطاً يظهر في مثل ما إذا وطئ المشتري الجارية قبل إجازة مالكها ، فإنّ الوطء على الكشف الحقّيقي حرام ظاهراً لأصالة عدم الاجازة و حلال واقعاً لكشف الاجازة عن وقوعه في ملكه ، انتهى .

ولا يخفى أنّ ما ذكره في المقام يناقض ما أفاده في السطر الأوّل من كلامه حيث أنّه حكم هناك بعدم حلّية التصرّفات بناءً على الكشف الحقّيقي فيما إذا كان الشرط نفس الاجازة ، وفي المقام حكم بحلية مثل الوطء واقعاً بناءً على الكشف الحقّيقي وكون الاجازة بنفسها شرطاً ، وهذا تناقض صرف ، ولعله صدر اشتباهاً من قلمه الشريف والله العالم بالحال . نعم ما أفاده بناءً على الكشف الحكمي م-ن حرمة الوطء واقعاً تام ، كما أنّه حرام بناءً على الوجه المختار ، لأنّه وطء في غير الملك وهو حرام ولو فرضناه عالماً بأنّه سيعتبر مالكاً لها ، وعليه فإذا استولدها لم يحكم عليها بأحكام أم الولد ، لأنها إنّما تصير كذلك فيما إذا كان الاستيلاد جائزاً شرعاً وقد عرفت أنّ تصرفه فيها حرام ، فهو زنا أنّ كان عالماً بالحال وإلّا فهو وطء بالشبهة كما هو ظاهر .

وتفصيل الكلام في الثمرة بين الكشف والنقل وبين أقسام الكشف يقع في جهات :

الجهة الأولى : في بيان الأحكام الشرعية المترتّبة على التصرّفات في المبيع قبل الاجازة ، وأنّ المشتري إذا استولد الأمة المشتراة بالبيع الفضولي قبل الاجازة هل يحكم بالجواز وتصير الأمة بذلك أم ولد فتجري عليها أحكامها يعني أحكام أمّ الولد ، أو أنّه محكوم بالحرمة والزنا وأنها لا تصير أمّ ولد بذلك الاستيلاد الحرام ؟ ، وكذا إذا زوّجت المرأة فضولةً ثمّ زنى معها ثالث قبل الاجازة فهل يحكم بأنّه زناً بذات بعل بناءً على القول بالكشف أو أنّه غير محكوم بذلك ؟

احتمل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام أنّ يكون الاستيلاد صحيحاً والزنا زناً بذات بعل فيترتّب أحكامها عليها كالحكم بعدم جواز بيع الأمة في المثال لصيرورتها أم ولد بذلك الاستيلاد ، أو الحكم بالحرمة الأبدية للزاني مع المرأة المزوّجة فضولة لأنها حكم الزنا بذات البعل ، كما احتمل أنّ يكون الاستيلاد حراماً ولا يكون الزنا زناً بذات بعل .

ولكنّ بعض المحشّين (2)قد أصر على الاحتمال السابق وإثبات أنّ الاستيلاد صحيح والزنا زنى بذات بعل حتّى بناءً على القول بالكشف الحكمي بدعوى أنّه مشترك مع الكشف الحقّيقي في جميع الآثار غاية الأمر أنّه محتاج إلى التنزيل دون الكشف الحقّيقي ، هذا .

ولكن التحقيق هو صحّة الاحتمال الثاني بناءً على الكشف الحكمي أو الكشف على الوجه المختار ، وأن الاستيلاد غير صحيح ولا يُحكم على الأمة بذلك بأحكام أم الولد ، كما أنّ الزنا لا يكون زناً بذات بعل ولا تترتّب أحكامه عليه ، وذلك لظهور الأدلّة في أنّ الاستيلاد الذي وقع على نحو الحلال حين الفعل هو الذي يوجب حرمة الأمة وصيرورتها بذلك أمّ ولد ، لا الاستيلاد الواقع على نحو الحرام وإن يحكم بيع بحليته بعد الفعل والاجازة ، كما أنّ الأحكام المترتّبة على الزنا بذات البعل إنّما تترتّب على الزنا الذي يتصف بكونه بذات البعل حين الزنا ، لا ما سيحكم بأنها ذات بعل بعد مدّة كما في المقام ، لانصراف الأدلّة وظهورها في كون الزنا متصفاً بالزنا بذات البعل حين العمل ، والاستيلاد المتصف بالحلية حين الفعل ، لا المتصف بذلك بعداً .


1) المكاسب 3 : 410 .

2) الظاهر هو المحقّق الايرواني في حاشية المكاسب 2 : 261 .

وهذا نظير الزيادة في الصلاة حيث ذكرنا أنّ الأدلّة إنّما تدل على أنّ الزيادة المتصفة بكونها زيادة من الابتداء توجب البطلان ، وأمّا ما لا يكون زائداً حين تحقّقه ويصير محكوماً بالزيادة بعداً فالأدلّة منصرفة عنه ولا دلالة لها ع-ل-ى ك--ونه مبطلاً للصلاة ، ومثلنا لذلك بما إذا قال : إيّاك نع بقصد القراءة والقرآن وحينما وصل إلى آخر العين بدا له ثمّ ذكر نعبد ، فإنّ كلمة نع ممّا لا معنى له إلّا أنّها لم تكن محكومة بالزيادة من الابتداء بل كانت محكومة بالصحّة والقراءة وصارت محكومة بالزيادة بعد البداء والانصراف ، وقلنا إنّها لا توجب البطلان وإنّما توجبه فيما إذا ذكرها من الابتداء بقصد أمر آخر لا بقصد القرآنية .

وفي المقام أيضاً لا ندّعي الاستحالة وعدم إمكان كون الاستيلاد صحيحاً أو الزنا زناً بذات بعل كما ادعاه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)حيث ذهب إلى أنّ الأمة لا تصير أم ولد بذلك الاستيلاد ولا يكون الزنا في المثال زناً بذات البعل ، لأنّ الاستيلاد قد وقع على وجه الحرام وبالاجازة لا تنقلب الحرمة إلى الحلية لاستحالة انقلاب الشيء عما وقع عليه ، وكذا الحال في الزنا لأنّه لم يقع بذات البعل حين العمل ولا يصير بالاجازة زناً بذات البعل لاستحالة انقلاب الشيء عما وقع عليه ، إذ الأحكام بيد الشارع وله أنّ يعتبرها كيف ما شاء ، وهذا ظاهر جداً ولكن ندّعي انصراف الأدلّة عن مثله إلى ما كان متصفاً بتلك الأوصاف حين العمل ، وبما أنهما غير متصفين بالوصفين عند العمل واتصفا بهما بعد الاجازة فالاستيلاد لا يكون موجباً لحرمة بيع الأمة ولا يحقق الاستيلاد شرعاً ، لأنّه حين وقوعه ك-ان محكوماً بالحرمة فرضاً ، كما أنّ الزنا لا يحكم بكونه واقعاً على ذات بعل لعدم اتصافه به حين العمل ، نعم يترتّب عليه أحكام الزنا فقط لا الزنا بذات البعل كما هو ظاهر


1) منية الطالب 2 : 68 .

هذا كلّه بناءً على الكشف المختار والكشف الحكمي لأنّها شيء واحد ، وإنّما يفترقان في أنّ الملكية على الكشف المختار ملكية حقيقية وعلى الكشف الحكمي ملكية تنزيلية كما عرفت .

وأمّا بناءً على الكشف الحقّيقي فلا إشكال في أنّ الاستيلاد صحيح والزنا زناً بذات بعل وذلك ظاهر .

الجهة الثانية : في أحكام التصرّفات الواقعة من المالك في المال المبيع بالبيع الفضولي وأنها صحيحة أو فاسدة وأنّ حكمها ماذا ، فنقول : أنّ التصرّف الصادر من المجيز قبل الاجازة تارةً ينافي العقد الفضولي الصادر قبله بحيث لا يبقى له مجال وهذا كما إذا زوجت المرأة فضولة ثمّ المرأة قبل الاجازة زوجت نفسها من شخص آخر فإنّ التزويج الثاني بنفسه ينا في العقد الفضولي لا محالة ، وهذا من المرأة ردّ عملي للتزويج الصادر من الفضولي فيما إذا لم تكن عالمة بالعقد الفضولي ، وإلّا يمكن أنّ يقال أنّ نفس إقدامها على التزويج الثاني ردّ لما أصدره الفضولي وهو ظاهر ، ففي مثل ذلك لا يبقى مجال للاجازة المتأخّرة ، إذ لا يمكن تزويج المرأة من زوجين في زمان واحد .

لا يقال : إنّ الاجازة المتأخّرة تكشف عن أنّ العقد الثاني وقع على زوجة الغير وكان عقداً فضولياً ، فهذه الاجازة للعقد الأوّل بنفسها ردّ للعقد الثاني بل هو بنفسه باطل لبطلان العقد على زوجة الغير كما هو ظاهر.

فإنّه يقال : إنّ الأمر بالعكس ولا مجال للاجازة المتأخرة حينئذ ، والوجه في ذلك ما ذكرناه في الأصول في باب الأمارات من أنّ الموضوع لأحد الدليلين إذا كان تنجيزياً ومتحقّقاً بالفعل فلا محالة يترتّب عليه حكمه ولا يبقى مجال لموضوع الدليل الثاني المتوقف على عدم موضوع الدليل الأوّل ، فإنّ الموضوع إذا تحقّق يترتّب عليه حكمه ، وفي المقام بما أنّ المرأة كانت ذات اختيار فقد زوّجت نفس-ه-ا م-ن الث-اني

باختيارها شملتها العمومات وصحّ ذلك العقد ، وبعد ذلك لا يبقى مجال للاجازة المتأخرة فإنّها إنّما تصحّ من جهة أنها تسند العقد الأوّل إلى من يعتبر استناده إليه وبذلك كانت تشمله العمومات ، ومع العقد الثاني كيف تكون الاجازة موجبة لاسناد العقد الأوّل إلى من يعتبر إستناده إليه مع أنها زوجة الغير حسب الفرض وإنّما توجب الاجازة إسناده إليها فيما إذا لم يكن هناك عقد ثان والمفروض أنه--ا زوّجت نفسها وتحقّق الموضوع وأثّر الحكم أثره .

وبالجملة : أنّ الأدلة الخاصة الواردة في صحّة الفضولي لا إطلاق لها بحيث تشمل المقام وصورة وقوع العقد من المجيز ثانياً .

وأمّا الأدلة العامة فقد عرفت أنّها إنّما توجب صحّة الفضولي من جهة أنّ الاجازة تسند العقد الفضولي إلى من يعتبر إستناده إليه ، وهذا الإستناد لا يتحقّق مع العقد الثاني فلا تشمله العمومات ، وهذا بلا فرق بين الكشف الحقّيقي والحكمي .

وأخرى لا يكون التصرّف الصادر من المجيز منافياً للعقد الفضولي وهذا كما إذا أعتق المالك عبده أو باع ماله ثمّ علم أنّ الفضولي قد باعه من شخص آخ--ر فأجاز البيع الفضولي بعد العلم بالحال فإنّ هذا التصرف ليس منافياً للعقد الفضولي لأن بقاء العوضين ليس شرطاً في العقد فلا يعتبر وجودهما حين إستناد العقد إلى المالك بل ينتقل إلى البدل ، وهذا بخلاف النكاح فإنّ كون المرأة خليّة معتبر حين إستناد العقد إليها ولا يمكن الحكم بزوجية المرأة المزوّجة للغير . وهذه الصورة هل يحكم فيها بصحّة الاجازة وبطلان البيع أو العتق أو يحكم ببطلان الاجازة وصحّة البيع والعتق ؟ ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)أنّ الاجازة تُلغى لأن المالك يجوز له التصرف في المال قبل الاجازة ، وهذا التصرّف يُخرج المالك عن كونه مالكاً حين


1) منية الطالب 2 : 69 .

الاجازة ، ومن البديهي أنّ المعتبر في كشف الاجازة عن سبق الملكية إنّما هو إجازة المالك دون الأجنبي، وهو حينئذ كالأجنبي بالنسبة إلى المال بمقتضى بيعه وعتقه فلا يبقى مجال للاجازة حتّى تكشف عن الملكية المتقدمة ، والسر فيا أفاده (قدّس سرّه) أنّ الاجازة عنده تتعلّق بالعين لا بالعقد ومن الواضح أنّ البيع أو العتق أو غيرهما من التصرّفات الناقلة تخرج العين عن ملك المجيز فلا يبقى مجال للاجازة لانتفاء متعلّقها وموضوعها .

وفيه : أنّ الاجازة كالفسخ والردّ تتعلّق بالعقد ، وإن كان الردّ دفعاً والفسخ رفعاً من حينه ولكنهما مشتركان في أنهما متعلّقان بالعقد ، وكذا الاجازة فالمعتبر أنّ يكون المجيز مالكاً حين العقد لا حين الاجازة وإلّا فلا تعقل الاجازة بناءً على الكشف الحقّيقي ، لأنّ المفروض أنّ المشتري صار مالكاً للمال من حين المعاملة فالمال ملك له حين الاجازة وخارج عن ملك المجيز فكيف تصح الاجازة منه وليس ذلك إلّا من أجل أنّه كان مالكاً للمال حين العقد وهذا هو المعتبر في الاجازة .

والتحقيق : أنّه بناءً على الكشف الحقّيقي نلتزم بصحّة البيع والعتق وإلغاء الاجازة ، لا لما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بل لأنّ الالتزام بالكشف الحقّيقي إما أنّه التزام بشيء مستحيل ثبوتاً وأمّا التزام بما لا دليل عليه في مقام الاثبات كما مر في معاني الكشف الحقّيقي ، وعليه فالالتزام به في مورد إنّما هو على خلاف القاعدة ومن أجل ضيق الخناق واللابدية ولو لأجل ما ذكره فخر المحقّقين (قدّس سرّه) ، فلابدّ أنّ يقتصر فيه على المقدار المتيقّن لا محالة وهو ما إذا كانت الاجازة من المالك حين الاجازة بمعنى أنّه مالك لو لا الاجازة ، لاحتمال أنّ يكون الكاشف حصّة خاصة من الاجازة لا مطلقاً ، وبما أنّ المجيز غير مالك للمال حينها فلا نلتزم بكون الاجازة كاشفة عن الملك حقيقة . وهذا الذي نقول بيان لقصور المقتضي عن تصحيح الاجازة في المقام ، وما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بيان للمانع عن

تأثير الاجازة بعد تمامية المقتضي .

وأمّا على الكشف الحكمي والكشف بالمعنى المختار فيما أنّهما على طبق القاعدة لشمول العمومات لهما ، وإطلاقها يقتضي صحّة الاجازة حتّى فيما إذا لم يكن المجيز مالكاً للعين حين الاجازة ، فنحكم بصحّة الاجازة ونفوذها ويكون المشتري مالكاً للمبيع حقيقة أو تنزيلاً ، ولكن بما أنّ التصرّفات الصادرة عن المالك كانت واقعة على ملكه فنحكم بصحتها وانتقال حقّ المشتري إلى البدل فيطالب المشتري المجيز بالمثل أو القيمة ، وهذا هو مقتضى الجمع بين الأدلّة الدالّة على صحّة تصرفات المالك في ماله وبين وجوب الوفاء بالعقد بعد الاجازة كما وقع نظيره فيما إذا فسخ من له الخيار وكان المبيع منتقلاً إلى الغير .

الجهة الثالثة : في حكم نقل المالك نماء العين المبيعة كبيع ولد الشاة المبيعة أو بيع أثمار الأشجار فيما إذا تحقّقت بعد البيع وقبل الاجازة ، فبناءً على القول بالنقل لا ينبغي الإشكال في أنّ تصرف المالك في منافع العين تصرّف في ملكه ، لأنّها تابعة للعين ، وهي ملك للمالك قبل الاجازة ، فلو باع منافعها فقد باع ملك نفسه ، وهذا

وأمّا على القول بالكشف الحقّيقي فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره)(1)على نسخة الولد أنّ المالك إذا نقل الولد ثمّ أجاز البيع الفضولي يبطل بيع الولد لا محالة ، لأنها تكشف عن أنّ المشتري كان مالكاً للعين من حين العقد فيكون مالكاً للنماء أيضاً بالتبع ، فهو إنّما باع ملك الغير ويكون من قبيل البيع الفضولي ، ولا يبعد أنّ يكون ذلك موافقاً للارتكاز العربي أيضاً ، ثمّ احتمل أنّ تكون الاجازة لغواً وبيع النماء ردّاً للعقد الفضولي فيقع صحيحاً لا محالة ، إلّا أنّ هذا الاحتمال بعيد غايته


1) المكاسب 3 : 411.

وذلك لأنّ مجرّد بيع الثمرة والتصرّف في منافع المبيع لا يمكن أن يكون ردّاً فعلياً للمعاملة الصادرة فضولةً ، لأنّ الردّ كالاجازة من الأمور القصدية ، فإذا كان المالك جاهلاً بوقوع المعاملة الفضولية أو باع النماء عدواناً مع بنائه على الاجازة لم يكن ذلك إنشاء للردّ ، نعم لو كان عالماً بالحال وقد قصد بنقل النماء ردّ المعاملة الفضولية يكون ذلك رداً ويقع نقل النماء صحيحاً .

فالمتحصّل : أنّ الاجازة في هذه الصورة تكشف عن أنّ تصرّفات المالك في النماء وقعت على مال الغير لا على مال نفسه ، ولا يقاس المقام بما إذا باع المالك نفس العين المبيعة حيث حكمنا فيه ببطلان الاجازة المتأخّرة بناءً على الكشف الحقّيقي من جهة الأخذ بالمقدار المتيقّن واحتمال أن يكون المؤثر حصة خاصة من الاجازة وهي إجازة المجيز المالك لولا الاجازة ، وذلك لأنّ العين موجودة في المقام والنقل إنّما وقع على النماء ولم يقع على ما تعلّق به العقد الفضولي ليحتمل مانعيته عن صحّة الاجازة فالاجازة قد صدرت من المالك لولا الاجازة وهو المقدار المتيقّن من الاجازة المؤثرة ، وأمّا بناءً على الكشف الحكمي أو الكشف بالمعنى المختار فقد ذكر شيخنا الأنصاري (1)أنّ التصرّف في النماء قد وقع صحيحاً في ملك نفسه فلا يكون التصرف حراماً ، وكذلك يقع صحيحاً من حيث حكمه الوضعي كما هو مقتضى وقوعه في ملكه إلّا أنّه يدفع قيمة النماء إلى المشتري بعد إجازة البيع ، لأن النم--اء يدخل في ملك المشتري بقاءً وإن كان في ملك المالك حين التصرّفات ، ومقتضى الجمع بينهما هو الحكم بصحّة البيع وتغريم القيمة للمشتري .

وما أفاده (قدّس سرّه) متين ولا مانع من أنّ يحكم بملكية المشتري للنماء بعد الاجازة ويترتّب عليه وجوب دفع البدل .


1) المكاسب 3 : 411 .

وقد أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)بأنّ المنفعة المنفصلة قد انتقلت إلى شخص آخر وليست موجودة حتّى يحكم بملكيتها للمشتري بعد الاجازة ، وبعد الانعدام كيف يصحّ الحكم بكونها ملكاً له ، هذا .

ولا يخفى عليك أنّ هذه المناقشة ظاهرة الاندفاع ، لأنّ الحكم بالملكية ليس بلحاظ حال الانعدام وإنّما هو بلحاظ حال الوجود ، فمن الآن يحكم بأن الموجود سابقاً ملك للمشتري فيترتّب عليه وجوب دفع القيمة ، هذا كله بناءً على نسخة الولد .

وأمّا بناءً على نسخة أمّ الولد فالمسألة داخلة في الجهة الثانية المتقدّمة أعني ما إذا تصرف المالك في نفس المال المبيع ، والكلام في المقام إنّما هو في الجهة الثالثة وهي ما إذا تصرّف المالك في منافع العين المبيعة لا في نفسها ، وقد استقرب شيخنا الأستاذ (2)النسخة الثانية وقال أنّ الصحيح هو نسخة أُمّ الولد ، فلذا أورد عليه ما نقلناه سابقاً من أنّ بيع الأمّ يوجب لغوية الاجازة المتأخرة ولا يبقى لها مجال ، لأنّ الاجازة تتعلّق بالعين والمفروض أنها بالبيع انتقلت إلى شخص آخر والمالك أجنبي حين الاجازة حينئذ ، ويعتبر في الاجازة أنّ تكون صادرة عن المالك لا عن الأجنبي، هذا.

إلّا أنّ الصحيح هو النسخة الأولى وهي نسخة الولد ، وذلك لأن الشيخ (قدّس سرّه) بعد سطرين أو ثلاثة أسطر يذكر في بيان ضابط الكشف الحكمي أنّ الضابط هو الحكم بعد الاجازة بترتّب آثار ملكية المشتري من حين العقد ، فإن ترتّب شيء من آثار ملكية المالك قبل إجازته كاتلاف النماء ونقله ولم يناف الاجازة جمع بينه وبين مقتضى الاجازة بالرجوع إلى البدل ، وإن نافى الاجازة كاتلاف العين عقلاً أو شرعاً


1) منية الطالب 2 : 70 .

2) منية الطالب 2 : 70 .

يعني به البيع والعتق ونحوهما فات محلّها ، مع احتمال الرجوع إلى البدل ، فقد حكم بأنّ الاجازة تقع لغواً فيها إذا أتلف العين عقلاً أو شرعاً ، فلو كانت النسخة نسخة أُمّ الولد لوقع بين كلماته (قدّس سرّه) تهافت ظاهر ، فإنّه (قدّس سرّه) يحكم هناك بصحّة بيع أم الولد ووقوع الاجازة صحيحة أيضاً ويجمع بينهما بدفع القيمة ، وفي هذه الأسطر قد حكم بصحّة بيع العين وإلغاء الاجازة عن التأثير ، وهذا تناقض واضح ولا يناسب مقامه ، فالتحفّظ على مقامه يقتضي أنّ تكون النسخة الصحيحة نسخة الولد ، وعليه فالشيخ (قدّس سرّه) تعرّض للجهتين أعني التصرف في نفس العين في هذه العبارة والتصرّف في النماء في العبارة السابقة .

وأمّا الجهة الرابعة : فهي في بيان حكم التصرّفات الصادرة من المشتري في المال قبل الاجازة ، ولا إشكال في أنّه حرام بالحرمة التكليفية بناءً على النقل ، لأنّه تصرف في مال الغير لا محالة ، كما أنّه إذا وطئ الأمة يحكم بكونه زناً ولو مع العلم بصدور الاجازة من المالك بعد ذلك ، كما أنّه بحسب الحكم الوضعي باطل لأنّه بيع ملك الغير فيكون فضولياً لا محالة ، نعم لو أجاز المعاملة يدخل في من باع شيئاً ثمّ ملك وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى .

وأمّا بناءً على الكشف الحقّيقي فلا إشكال في أنّ تصرفاته جائزة شرعاً ونافذة واقعاً ، غاية الأمر أنّه تجرى في الاقدام على التصرّفات المحرمة ظاهراً لاستصحاب عدم لحوق الاجازة ، فلو وطئ الأمة أو باعها فقد تصرف في ملكه وإن كان جاهلاً بالحال ، وإن كان تصرفه عبادياً كالوضوء بالماء المبيع فضولة وقع فاسداً ، لمنافاة الحرمة الظاهرية مع قصد القربة .

وأمّا بناءً على الكشف الحكمي والكشف بالمعنى المختار فتصرفاته في الم-ال حرام تكليفاً ، وأمّا وضعاً فهي وإن كانت في مال الغير بحسب الحدوث إلّا أنّه بحسب البقاء ملك للمشتري فلا مانع من أنّ يحكم بصحّة التصرّفات المتقدمة بعد صدور

الاجازة ولعلّه ظاهر ، هذا .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (1)أعاد الكلام في بيان الثمرة بين الكشف والنقل من حيث النماء مع أنّه قد تعرّض له قبل ذلك ، ولعله أعاده للتعرّض إلى ما أفاده الشهيد الثاني (2)في المقام حيث ذكر في شرح اللمعة أنّ الفائدة تظهر في النماء ، فإن جعلناها كاشفة فالنماء المنفصل المتخلّل بين العقد والاجازة الحاصل من المبيع للمشتري ونماء الثمن المعيّن للبائع ، ولو جعلناها ناقلة فهما للمالك المجيز ، انتهى . مع أنّ الاجازة على تقدير كونها ناقلة لا توجب تملّك المجيز لنماء الثمن ، وإنّما نماؤه يرجع إلى المشتري كما أنّ نماء المبيع يرجع إلى المالك المجيز ، فكأنّ العقد لم يقع عليه إلّا بعد الاجازة ، فما معنى قوله أنّ نماء الثمن والمبيع للمالك المجيز على تقدير كون الاجازة ناقلة .

وقد وجهه بعض محشّي (3)الكتاب بأنّ المراد ما إذا كان كلّ واحد من البائع والمشتري فضولياً ، وأنّ نماء الثمن يرجع إلى مالك الثمن ونماء المبيع إلى مالك المبيع وكل واحد منهما مالك مجيز ، فصح التعبير عنهما بالمالك المجيز الذي يصدق على كلّ واحد من المالكين ، وليس المراد أنّ نماء الثمن والمبيع يرجع إلى مالك المبيع .

وهذا التوجيه بعيد غايته ، فإنّ قوله : « فهما للمالك المجيز» الظاهر منه أنّ كلاً من نمائي الثمن والمبيع - الذي حكم برجوعه إلى البائع في نماء الثمن وإلى المشتري في نماء المبيع على تقدير كون الاجازة كاشفة - يرجع إلى شخص واحد على تقدير كونها ناقلة وهو المالك المجيز.


1) المكاسب 3 : 411 .

2) الروضة البهية 3 : 229 - 230 .

3) وهو جمال الدين في حاشية الروضة ، ونقله المحقّق الايرواني في حاشية المكاسب 2 :.262

وقد ذكر بعض آخر (1)في توجيه العبارة أنّ الحكم برجوع النماء في كل واحد من العوضين إلى المالك أعني مالك المبيع هو الصحيح وأنّه على وفق القاعدة ، ولا وجه لرفع اليد عن ظهورها ، وذلك أمّا في نماء المبيع فلوضوح أنّ المال ماله وكذلك النماء ، فقبل الاجازة الموجبة للنقل لا ينبغي الإشكال في أنّه له وهذا بمكان من الوضوح. وأمّا نماء الثمن فلأن المشتري الأصيل هو الذي أقدم على تمليكه له في المعاملة ، وهو أي الاقدام يوجب رجوع نماء الثمن إلى مالك المبيع لا محالة ، هذا .

ولا يخفى أنّ هذا أبعد من التوجيه المتقدّم آنفاً ولا يمكن المساعدة عليه بوجه لا صغرى ولا كبرى .

أما بحسب الصغرى ، فلأنّ الشراء قد يكون فضولياً كالبيع فلم يُقدم مالك الثمن على التمليك ، وقد يكون المشتري أصيلاً لكنه جاهل بكون المعاملة فضولية ، وقد يكون عالماً بذلك ولكنّه اشترى بمال الصغير الذي تحت ولايته فهو لم يقدم على تمليك مال نفسه وإنّما أقدم على تمليك مال الصغير خلافاً للمصلحة.

وأمّا بحسب الكبرى ، فلأنّ الاقدام ليس من أحد المملكات في الشريعة المقدّسة ، نعم في التسليط الخارجي كلام بين الأعلام ولكنّه غير المقام أعني المعاملة الفضولية كما لا يخفى .

فالمتحصّل : أنّ هذا التوجيه لا يمكن المساعدة عليه ، فالصحيح حمل العبارة على سهو القلم ، أو توجيه المراد منها بحملها على خلاف ظاهرها كما في التوجيه الأوّل الذي جعله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أولى من التحفظ على ظاهرها وتوجيه حكمها كما تكلّفه بعض آخر في التوجيه الثاني .

ثمّ إنّ من جملة الموارد التي تظهر فيها الثمرة بين الكشف والنقل أنّ أحد


1) نقله السيد اليزدي في حاشيته 154 ، والايرواني في حاشيته على المكاسب 2 : 262 .

المتعاملين إذا كان أصيلاً وكان الآخر فضولياً فالأصيل يجوز له الفسخ أو التصرف المنافي للاجازة كالبيع ونحوه ممّا يرفع موضوع الاجازة المتأخرة بناء على النقل دون الكشف ، هذا .

والأقوال في المسألة ثلاثة ، قول بصحّة التصرّفات الصادرة من الأصيل وكذلك فسخه على نحو الاطلاق ، وقول بعدم صحتها مطلقاً ، وثالث بالتفصيل بين النقل والكشف وأنها صحيحة على الأوّل دون الثاني ، وهذا هو الذي ذهب إلي-ه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)وذكر أنّ الأصيل يجوز له الفسخ وغ-ي-ره م-ن التصرّفات كتزويج نفسها من ثالث أو عتق العبد المجعول ثمناً بناءً على النقل دون الكشف ، لأنّه أي الأصيل ملزم على المعاملة حينئذ ولا يجوز له الرجوع .

وأمّا شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)فقد ذهب إلى عدم جواز فسخ الأصيل وتصرفاته حتّى على القول بالنقل ، لأنّ العقد تامّ فيجب عليه الوفاء وإن كانت الملكية متوقفة على الاجازة ، وعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يقتضي الحك-م ب-وجوب الوفاء بالعقد وحرمة الفسخ عليه ، وهو حكم انحلالي ينحل إلى كل واحد من المتعاقدين ، وأنّه يجب الوفاء على كلّ واحد منهما بعقد نفسه ولا ربط لأحدهما بالآخر كما لا يخفى .

وهذا الكلام منه (قدّس سرّه) مبنيّ على ما بني عليه في محلّه من أنّ الآية أعني (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إنّما تدلّ على الحكم التكليفي وهو وجوب الالتزام بالعقد وحرمة الفسخ عليه ، وليست ناظرة إلى الحكم الوضعي ، ولا منافاة بين الحكم بحرمة الفسخ ووجوب الالتزام ، وبين توقف الحكم الوضعي أعني الملكية على الاجازة ، كما وقع


1) المكاسب 3 : 412 .

2) منية الطالب 2 : 78 .

نظير ذلك في بيع الصرف والسلم فإنّهما بعد المعاملة ملزمان على البيع ويحرم عليهما الرجوع ، ويجب الالتزام بما أنشأه وإن كانت الملكية متوقفة على القبض والاقباض ، ولا يقاس ذلك بالوقف والهبة وغيرهما من العقود التي دلّ الدليل على جواز الفسخ والرجوع فيها قبل القبض أو بعده ، لأنّها إنّما خرجت بالنص ، كما لا يمكن قياس المقام بجواز الفسخ بعد الايجاب قبل القبول ، لأنّ العقد حينئذ غير تام وإنّما يتمّ بالقبول ولا مانع من الفسخ قبل إتمام العقد كما هو ظاهر ، وهذا بخلاف المقام فإنّ المفروض أنّ العقد فيه تامّ فيجب عليه الوفاء ويحرم عليه الفسخ ، لأنّ المراد بالعقد في الآية إنّما هو العقد بالمعنى المصدري يعني الايجاب والقبول لا الحاصل من المصدر الذي هو الملكية حتّى يقال إنها لم تحصل بعد فلا يجب الوفاء ، وبذلك أورد على شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في قوله بجواز الرجوع والفسخ قبل تمامية شرائط صحّة العقد ، وأفاد أنّ الالتزام بالعقد واجب سواء حصلت شرائط صحّة العقد أم لم تحصل ، وعليه فلا وجه لتفصيل شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) بين الكشف والنقل هذا .

ولا يخفى أنّ المراد بالآية لو كان هو وجوب الالتزام وحرمة الفسخ كما أفاده لصح ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنّ الحكم من الايجاب والتحريم إنّما يصحّ فيما إذا كان متعلّقها مقدوراً للمكلف لا محالة ، وعليه فهذه الآية تدل على أنّ العقود في حد نفسها جائزة وفسخها ممكن وصحيح وإلّا فلا معنى لوجوب عدم الفسخ أو لحرمة الفسخ ، إذ المراد بالفسخ ليس هو لفظة فسخت قطعاً للعلم بعدم حرمتها شرعاً ، بل المراد هو واقع الفسخ الممضى شرعاً ، فلو كانت العقود جائزة فلا وجه للالتزام بها بوجه ، لأن الجائز لا يجب الالتزام به وإنّما يجب الالتزام بالعقود اللازمة كما هو ظاهر ، فلا يمكن حمل الآية على الحكم التكليفي كما أفاده ، وإنّما هي مسوقة للارشاد

إلى اللزوم وأنّها لا تنفسخ بالرجوع نظير قوله(صلّی اللّه علیه وآله) « دعي الصلاة أيام أقرائك »(1)له وعليه فلا يكون العقد مشمولاً للآية إلّا بعد تماميته من حيث الاجزاء والشرائط وترتّب الأثر عليه ، والعقد الفضولي ليس كذلك على النقل ، ومن هنا يظهر أنّ وجوب الالتزام في الصرف والسلم قبل حصول القبض والاقباض أوّل الكلام لأنّه عقد لم تتمّ شرائطه ولم يترتّب الأثر عليه بل إنّما يصير العقد لازماً بعد تحقّق الملكية بالقبض ، وعليه فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّه على النقل يجوز للأصيل الفسخ وسائر التصرّفات التي ترفع مورد الاجازة متين .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ معنى الوفاء في الآية عبارة عن إنهاء العقد إلى آخره ، لأن معنى الوفاء بالشيء إنهاؤه إلى آخره ، والآية ترشد إلى أنّه لا ينفسخ بالفسخ ، هذا أولاً .

وثانياً : هب أنّ الآية تدلّ على وجوب الالتزام تكليفاً إلّا أنّها إنّما تختص بالملاك ، لأنها خطاب إلى المالكين وموضوعها العقد أي الارتباط بين التزامي المالكين ، فإذا كان أحدهما أصيلاً والآخر فضولياً فتمامية العقد إنّما هي بعد بعد الاجازة على فرض القول بالنقل ، وأمّا قبلها فلا عقد حتّى يجب الالتزام به بل هناك التزام من قبل الأصيل إلّا أنّه غير مرتبط بالتزام المالك الآخر حتّى يكون عقداً ويجب عليهما الوفاء به على نحو الانحلال . نعم بالاجازة يستند البيع إلى المالك وتقع المعاملة بينهما ، فقبل الاجازة لا عقد حتّى يجب عليه الوفاء كما لا يخفى ، هذا كله بناءً على النقل .

وكذلك الحال بناءً على المعنى المختار في الكشف فإنّه لا عقد قبل الاجازة ولا مانع من تصرفات الأصيل وفسخه ، وهي توجب ارتفاع مورد الاجازة المتأخرة .


1) الوسائل 2 : 287 / أبواب الحيض ب 7 ح 2 .

وأمّا بناءً على الكشف الحقّيقي فهل ينفذ فسخ الأصيل قبل الاجازة وتجوز تصرفاته في ماله وتكون نافذة أو أنّها تقع لغواً ، فلابدّ في تحقيق ذلك من التكلم في جهات :

الجهة الأولى : في نفوذ فسخ الأصيل وعدمه .

الثانية : في جواز تصرفاته في المال المنتقل عنه ظاهراً أو واقعاً .

الثالثة : في نفوذ التصرّفات وضعاً .

أمّا الجهة الأولى : فالظاهر أنّ الفسخ من الأصيل قبل الاجازة لا أثر له بناءً على الكشف الحقّيقي ولا يمكن أن يكون نافذاً أبداً ، لأن العقد بناءً على هذا القول تام ولا قصور ولا نقصان فيه بوجه ، فلذا استدل القائل بالكشف الحقّيقي بأنّ العقد سبب تام فإذا تحقّق العقد من قبل الأصيل فيكون لازماً عليه ويشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وغيره من أدلّة اللزوم كقوله (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (2)فإنّ الفسخ والتصرف في المال بعد صيرورته ملكاً للطرف الآخر تصرف في مال الغير وأكل للمال بالباطل ، وكذا يجري استصحاب الملكية في المقام إذا شك في تأثير الفسخ وعدمه ، فإنّ الاستصحاب يقتضي بقاءه في ملك الطرف الآخر وعدم انتقاله إليه بفسخه فلا ينفسخ بالفسخ ، والقول بعدم تمامية العقد حينئذ هدم لأساس الكشف الحقّيقي وهو خلف ، وهذه الثمرة بين النقل والكشف صحيحة . وأمّا الجهة الثانية : فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (3)أنّ التصرّفات من طرف الأصيل فيما انتقل عنه محرّمة شرعاً لأنّها منافية لوجوب


1) المائدة 5 : 1 .

2) النساء 4 : 29 .

3) المكاسب 3: 413 .

الالتزام والوفاء ، هذا .

ولكن الأمر ليس كما أفاده (قدّس سرّه) لأنّ حرمة أكل المال ووطء الأمة وغيرهما من التصرّفات ليست من آثار الالتزام بالعقد ، وإنّما هي من آثار الملكية الشرعية ، والملكية إنّما يُعلم بها بعد الاجازة بمعنى أنها تكشف عن الملكية المتقدّمة وأمّا قبلها فالمال ملك الأصيل بمقتضى الاستصحاب كما أنّ المبيع ملك لمالكه فلماذا لا يجوز له التصرف في ماله ظاهراً ، نعم بعد الاجازة ينكشف أنّها كانت محرمة عليه في الواقع . والعجب من شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث ذهب إلى حرمة التصرّفات في المال ولو مع العلم بعدم إجازة المالك وهذا من غرائب الكلام ، إذ أيّ شيء دلّ على تخصيص العمومات المجوّزة لتصرّفات المالك في ملكه ، لأنّه ملكه حينئذ ظاهراً أو واقعاً .

وكيف كان ، فمقتضى الالتزام أنّي متعهد بالمعاملة ولا أفسخها ولكنه لا يستدعي حرمة التصرّفات التكوينية بل هي مترتّبة على الأثر الذي يمضيه الشارع وهو المعبّر عنه بالملكية الشرعية وهي غير متحقّقة بعد ولو باستصحاب عدم الاجازة ، فتكون تصرفاته محكومة بالجواز ظاهراً وإن ينكشف بعد الاجازة أنّها كانت محكومة بالحرمة واقعاً .

ثمّ إنّه ممّا ذكرناه يتّضح الفرق بين الوفاء بالنذر والوفاء بالعقد ، فإن معنى الوفاء في كليهما هو الانهاء إلّا أنّ موارده مختلفة ، ففي العقد معنى الانهاء الالتزام بالملكية إلى الابدّ وعدم الفسخ ، وأمّا في النذر فانهاؤه هو الاتيان بمتعلّقه فعلاً أو تركاً ، فترك الفعل أو إتيأنّه بنفسه ردّ للنذر فيما إذا نذر الفعل في الأول والترك في الثاني .

وملخص ما ذكرناه في المقام : أنّ الأصيل إذا شكّ في إجازة المالك يجوز له التصرف في المال ظاهراً ولو بحكم الاستصحاب الذي ذكرنا أنّه يجري في الأمور

المتأخرة أيضاً ، فإذا تحقّقت الاجازة ينكشف أنّه كان حراماً في الواقع ونفس الأمر ، وأمّا إذا كان عالماً بعدم إجازة المالك فتصرفاته جائزة ظاهراً وواقعاً .

فالمتحصّل : أنّه لا مانع من جواز تصرفات الأصيل في ماله قبل إجازة الآخر سواء كان عالماً بعدم حصول الاجازة أو شاكاً في تحقّقها ، فإنّها تجوز له في الأوّل واقعاً وفي الثاني ظاهراً بحكم استصحاب عدم تحقّق الاجازة ، وبعد تحقّقها ينكشف أنّ التصرّفات صدرت من غير أهلها وكانت محرّمة في الواقع ، وقد عرفت أنّ الآية الشريفة أعني قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إنّما وردت في مقام الارشاد إلى أنّ العقود لا تنفسخ بالفسخ ، وليس المراد منها وجوب الوفاء بالعقود بالحكم التكليفي ، فلو سلمنا وتنزلنا عما ذكرناه فهي دالة على وجوب الالتزام بالعقد ، وقد عرفت أنّ التصرف في المال لا ينا في الالتزام ، لأنّ حرمة التصرّفات من آث--ار الملكية لا الالتزام ، فلذا يمكن أنّ يقال بجواز التصرّفات في مثل الهبة وبيع الصرف ونحوهما ممّا اشترطت الملكية فيه بشرط لاحق قبل تحقّق شرطها ، بل لو أغمضنا عن جميع ذلك وقلنا بأنّ الآية بصدد الحكم التكليفي وأنها تدلّ على وجوب الوفاء بالعقود لا يفيد ذلك في المقام ، لأنّ العقد قبل الاجازة غير معلوم في الفضولي لما ذكرناه سابقاً من أنّ العقد ربط التزام بالتزام آخر ، وهذا الربط لا يعلم إلّا بعد الاجازة كما لا يخفى ، وأمّا قبلها فمقتضى الاستصحاب عدمه فيجوز للأصيل التصرف ظاهراً وإن كان العقد حاصلاً واقعاً .

نعم إنّما يفيد في مثل الهبة والصرف، لأنّ العقد فيها تام وإن كانت الملكية فيهما مشروطة بالقبض ولعلّه ظاهر .

نعم لو كان عالماً بصدور الاجازة من الآخر تحرم عليه التصرّفات لأنّها تصرف في مال الغير إلّا أنّه ملازم للعلم بدخول العوض في ملكه فيجوز له التصرف فيه.

وممّا ذكرنا ظهر الحال في :

الجهة الثالثة وأنّ تصرفات الأصيل تكون نافذة ظاهراً فإذا تحقّقت الاجازة إنكشف فسادها .

ثمّ إنّ ما ذكرناه في المقام لا يختصّ بمورد خاصّ ويجري في جميع المعاملات الفضولية حتّى النكاح فإذا زوّجت المرأة نفسها فضولة يجوز لها أنّ تزوّج نفسها من آخر فيما إذا علمت بعدم الاجازة من الآخر أو شكّت في صدورها واستصحبت عدمها ، غاية الأمر أنّ الاجازة بعد تحقّقها تكشف عن بطلان ذلك الزواج ، كما أنّ الزوج إذا كان أصيلاً يجوز له الخامسة وتزويج أمّ المعقودة أو أختها كما لا يخفى ، فما ذكره العلامة (قدّس سرّه) (1)في النكاح أنّ كان من أجل خصوصية في النكاح فقد عرفت منعه ، وإن كان من أجل أنّ مبناه عدم جواز تصرف الأصيل مطلقاً فلا بأس به ، لأنّه حكم على المبنى وذلك ظاهر .

نعم ، قد ورد في تزويج الصغيرين (2)أنّ الإمام (عليه السلام) أمر بعزل حصة الزوجة من الأموال وألغى استصحاب عدم لحوق الاجازة ، ومسألة تزويج الصغيرين وإن كانت خارجة عمّا نحن فيه ، لعدم وقوع معاملة فضولية على المال وإنّما الرواية تتعرّض لحكم تصرف الورثة وهم لا يرتبطون بالمعاملة الفضولية إلّا أنّ الشكّ في إرثهم مسبّب عن الشكّ في لحوق إجازة الزوجة وعدمه ، فإذا جرى استصحاب عدم الاجازة ترتّب عليه إرث الورثة وجواز تصرفهم في المال فالمسألة من هذه الجهة مشتركة مع ما نحن فيه ، وقد ألغى الإمام (عليه السلام) هذا الاستصحاب . وفيه : أنّ إلغاء الاستصحاب في مورد لأج-ل الن-ص الخاص لا


1) قواعد الأحكام 3 : 16 .

2) تقدّم مصدره في الصفحة 444 .

يكشف عن إلغائه في جميع الموارد الفضولية بل يختص بمورده ، كما ألغي استصحاب عدم تولّد الحمل في مسألة إرث الحمل حيث حكم الشارع بعزل نصيب ذكرين .

الكلام في مسألة النذر

التي تعرّض لها شيخنا الأنصاري (1)في المقام ، والكلام فيها يقع من جهتين :

1 - من جهة الحكم التكليفي 2 - من جهة الحكم الوضعي .

أمّا الجهة الأولى ، فملخّص الكلام فيها : أنّ النذر إذا كان على نحو الاطلاق المعبّر عنه بالمنجز ولم يكن مقيّداً بشيء فلا ينبغي الإشكال في أنّ التصرف في المال المنذور للفقراء حرام ، سواء كان النذر نذر نتيجة بأن ينذر انتقال الشاة إلى ملكهم أو كان نذر فعل كنذره أنّ يملكها للفقراء ، لأنّه تصرّف فيما يجب تمليكه للغير فلا يجوز أكله ولا بيعه ولا غيرهما من التصرّفات المنافية للوفاء بالنذر ، وهذا ظاهر جداً .

كما أنّه إذا كان على نحو الواجب المعلّق بأن يكون النذر معلّقاً على شيء إلّا أنّه من الآن يلتزم بالعمل وإن كان ظرف العمل متأخّراً وهو زمان مجيء ولده أو شفاء مريضه كما هو الظاهر فيا إذا كان المعلّق عليه أمراً متيقن الحصول كما إذا قال : لله عليّ كذا إذا جاء الغد ، فلا إشكال أيضاً في عدم جواز التصرف في المال ، لأنّ الوجوب فعلي ومعه كيف يجوز له البيع أو الذبح ونحوهما .

وكذا الحال فيما إذا كان على نحو الواجب المشروط إلّا أنّ الشرط كان معلوم الحصول ، وذلك لما ذكرناه في المقدّمات المفوّتة من أنّ تفويت الملاك الملزم قبيح في نظر العقل وهو كعصيان التكليف المنجز عنده ، ولا إشكال أنّه بذبح الشاة أو بيعها يعجز عن إستيفاء الملاك الذي يعلم أنّه يتوجه عليه ، فلا يجوز تفويت الملاك لأنّه


1) المكاسب 3 : 416 .

روح الأمر وحقيقته .

وأمّا إذا كان مشروطاً بشرط مجهول الحصول ، فإن كان بنذره ذلك قاصداً لابقاء الشاة أيضاً إلى وقت حصول الشرط المجهول كما هو الغالب في الناذرين فلا إشكال في عدم جواز إتلافها وبيعها أو ذبحها ، لأنّه بنذره ذلك أوجب أمرين : أحدهما تمليك الشاة للفقراء . وثانيهما : إبقاؤها إلى زمان الشرط ، وهذا نظير ما ذكره الفقهاء في الشروط من أنّه إذا باع داره بشرط أنّ يبيعها المشتري للبائع فيما إذا جاء بمثل الثمن ، فهو بمنزلة اشتراط أنّ لا يبيعها المشتري للغير .

وفي المقام أيضاً يمكن أنّ يقال أنّه بنذره ذلك نذر أنّ يبقي المال إلى ذلك الوقت ، وهذا من دون فرق بين أنّ يكون الشرط اختيارياً للناذر كما إذا نذر أنّ يفعل كذا إذا شرب التتن ، وبين كونه غير اختياري له كما إذا نذر كذا إذا نزل المطر في وقت معلوم ، نعم لو فرضناه على نحو الواجب المشروط من دون أنّ ينذر الابقاء وغيره وكان الشرط مجهول الحصول، فلا مانع من التصرف في المال ببيعه وذبحه هذا كله بحسب الحكم التكليفي .

وأمّا الجهة الثانية : وهو الحكم الوضعي ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ النذر إذا كان نذر نتيجة وكان مطلقاً ، أو كان مشروطاً ولكن حصل شرطه لا يصحّ التصرف في المال المنذور صرفه في جهات خاصة ، لأنّه ملك الغير حينئذ فلا تكون التصرّفات نافذة أبداً .

وأمّا فيما إذا كان نذر فعل وكان معلّقاً أو مشروطاً مع كون الشرط معلوم الحصول ، أو غير ذلك من الموارد التي حكمنا بعدم جواز التصرف فيها في المال من دون تعلق حقّ به وإنّما كان مجرد حكم تكليفي بعدم الجواز ، فهل تصح التصرّفات في المال حينئذ وتكون نافذة أو أنها تقع باطلة ؟ فقد وقع فيه الخلاف ، فذهب بعضهم إلى الصحّة والنفوذ ، ومنعه بعض آخر بعد الاتفاق على صحّة التصرّفات ونفوذها

في الموارد التي حكمنا بالجواز فيها تكليفاً .

ولا إشكال في أنّ مقتضى العمومات والاطلاقات صحّة التصرّفات والمعاملات الواقعة على المال في الموارد المبحوث عنها ، وهذا ممّا لا كلام فيه ،وإنّما المهمّ بيان ما استند إليه المانعون في المقام .

فقد استدلوا على بطلان البيع وسائر التصرّفات بوجهين :

أحدهما : أنّ الملك فى المعاملة يعتبر أنّ يكون طلقاً ولا يصحّ بيع ما ليس بطلق كبيع الوقف والرهن ، والمال في المقام كالرهن والوقف ليس طلقاً لتعلّق حقّ الفقراء أو السادات به أو حقّ غيرهما ممّا نذر صرفه فيه ، وعليه يكون البيع الواقع عليه باطلاً ، هذا .

وفيه : منع الصغرى والكبرى ، أمّا الصغرى فلا ، لان المفروض أنّ الموجود في البين ليس إلّا حكماً تكليفياً ولم يتعلّق بالمال حقّ بالنسبة إلى الغير لعدم تحقّق شرطه ، والذي يوضّح ذلك ويدلّ على أنّ الأمر بصرفه في الجهات الخاصة مجرد حكم تكليفي وليس هناك حقّ للغير هو أنّه لا يقبل السقوط بالاسقاط ولا يسقط بشيء ، فلو فرضنا أنّ فقراء البلد اجتمعوا وأسقطوا حقهم عن المال لا يسقط وجوب الصرف بذلك بل يجب عليه الوفاء بالنذر على تقدير حصول شرطه ، ومن المعلوم أنّه لو كان حقاً لكان قابلاً للاسقاط لما ذكرناه في أوائل البيع (1)من أنّ الفارق بين الحقّ والحكم ليس إلّا ذلك ، وأنّ الأوّل يسقط بالاسقاط دون الثاني وإلّا فكل حقّ حكم ، فالملك طلق في المقام .

وأمّا منع الكبرى فلما سيأتي (2)من أنّ هذا العنوان أي اعتبار كون المبيع


1) في الصفحة 30.

2) في المجلد الثاني من هذا الكتاب الصفحة 252 .

ملكاً طلقاً لم يرد في شيء من الآيات والروايات وإنّما انتزعه الفقهاء من الموارد الخاصّة كالمنع عن بيع الوقف والرهن وأمّ الولد ونحوها ، فالعبرة إنّما هي بتلك الموارد لا بالعنوان فلا يمكن التعدّي عنها ، والمقام ليس من قبيل الموارد المذكورة كما هو واضح ، فعلى تقدير تسليم أنّ المال تعلّق به حقّ الغير لا يمكن الالتزام ببطلان بیعه.

الثاني ممّا استدلّ به على المنع ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، وبما أنّ الشارع أمر بصرف المال في الجهات الخاصة فبالملازمة نستكشف أنّ ضدّها وهو التصرف في المال وصرفه إلى غير الجهات الخاصة حرام ومنهي عنه شرعاً ، فيكون تسليمه إلى المشتري ضداً لصرفه في الجهات ومحرّماً شرعاً ، والممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً فيكون النهي موجباً لسلب القدرة على التسليم ، ومن شرائط صحّة المعاملات هو القدرة على تسليم المبيع وبهذا بنى على أنّ النهي المولوي في المعاملات يوجب الفساد ، هذا .

وفيه : أنّ المتّبع هو الدليل الذي دلّ على اشتراط القدرة على التسليم وهل أنّه دلّ على اعتبار القدرة خارجاً وتكويناً أو على اعتبار القدرة شرعاً أيضاً ، ولا إشكال أنّه إنّما يقتضي اعتبار القدرة على التسليم تكويناً ، ولا إشكال أنّ الناذر قادر عليه خارجاً فلا محالة يصحّ بيعه وإن ارتكب محرّماً شرعياً حينئذ ، وبالجملة أنّه لا تنافي ولا تضاد بين حرمة التصرّفات ونفوذها أبداً ، فلذا يصحّ البيع فيما إذا حلف على تركه غاية الأمر أنّه عاص للحكم التحريمي حينئذ ، والقائل أنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً أنّ أراد بذلك أنّه غير مقدور تكليفاً فهو مسلّم ، وإن أراد أنّه غير مقدور وضعاً بمعنى أنّه غير نافذ فهو أوّل الكلام كما لا يخفى .


1) لاحظ منية الطالب 2 : 83 .

فالمتحصّل : أنّه لا مانع من الالتزام بصحّة بيع المال الذي تعلّق به النذر ووجب صرفه في جهات معينة وإن كان ذلك معدماً له حينئذ . ثمّ أنّه لا إشكال في صحّة البيع فيما إذا علم برجوعه إلى ملكه عند فعلية النذر بحصول شرطه كما إذا علم أنّه يهبه له أو يبيحه أو يبيعه منه وهكذا ، ولعلّ المانع يمنعه في غير تلك الصورة أيضاً بل لا يكون التصرّف حراماً أيضاً لعدم منافاته الوفاء بالنذر .

ثمّ إنّه ذكر كاشف الغطاء (قدّس سرّه) (1)للكشف والنقل ثمرات أخر منها : أنّه إذا خرج أحد المتعاقدين - ونفرضه الأصيل - عن قابلية الملكية والمعاملة بالموت ونحوه ، تصح المعاملة بناءً على الكشف لأنّ الاجازة تكشف عن صحّة العقد السابق على الموت ، وهذا بخلاف القول بالنقل فإنّ المعاملة تبطل حينئذ لعدم قابلية أحدهما للملك حين الاجازة ، هذا

وأورد عليه صاحب الجواهر (قدس سره ) (2)بأنّ الخروج عن القابلية يوجب البطلان على كلا القولين ، أما على النقل فواضح ، وأمّا على الكشف فلأن الاجازة لابدّ وأن تكشف عن الملكية المستمرة من حين العقد إلى حين الاجازة ، وعند خروج أحدهما عن الأهلية لا يمكن الكشف عن الملكية المستمرّة .

وقد أشكل عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره ) (3)بالنقض والحلّ ، أمّا النقض : فبأنّ المشتري إذا باعه من زيد وهو من بكر وبكر من خالد فلا ينبغي الإشكال في أنّ الاجازة على القول بالكشف تكشف عن صحّة البيوع المتعاقبة وعن أنّ المال قد انتقل إلى المشتري الأوّل من حين العقد ، مع أنّ الملكية غير


1) شرح القواعد (مخطوط) : 62 .

2) الجواهر 22 : 291 .

3) المكاسب 3 : 419 .

مستمرّة من حين العقد إلى حين الاجازة حينئذ ، لانتقال المال إلى المشتري الثاني قبل الاجازة حسب الفرض .

وأمّا الحلّ : فهو أنّ الروايات الواردة في البيع الفضولي قد دلّت على عدم اعتبار بقاء المتعاقدين على صفة القابلية والأهلية في بيع الفضولي ، وبعضها صريح في ذلك وبعضها الآخر ظاهر في المدعى ، ولعله أراد بالصريح ما ورد في مسألة العبد المأذون حيث إنها صريحة في أنّ العبد ينتقل إلى الورثة فيما إذا أقاموا البينة مع أنّ المالك الأصيل قد مات وإنّما الحي ورثته ، وأراد بالظاهر ما ورد في المضاربة وفي الاتجار بمال اليتيم (1)حيث دلّت الأولى على أنّ العامل إذا صرف المال في غير الجهة المأذون فيها يكون ضامناً للخسران ، والربح يرجع إليهما أي إلى المالك والعامل ودلّت الثانية على أنّ الربح يرجع إلى اليتيم والخسران على المتصرف في المال، وهما ظاهرتان في صحّة البيع الفضولي مطلقاً سواء بقي المالك على حياته أم خرج عن الأهلية بالموت ونحوه ، إذ لم يفصل فيهما بين موته وحياته وترك الاستفصال دليل العموم ، هذا .

ولا يخفى أنّ تلك الأخبار بأجمعها خارجة عن البيع الفضولي على ما ذكرناه سابقاً حتّى أنّ شيخنا الأنصاري لم يستدلّ على صحّة الفضولي بتلك الأخبار وإنّما ذكرها تأييداً ، وعليه فلم ترد رواية منها في الفضولي حتّى يستفاد منها عدم اعتبار استمرار القابلية بالصراحة أو الظهور كما هو ظاهر .

وأمّا النقض الذي أورده على صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فأعجب ، لأنّ الكلام في اعتبار قابلية المتعاقدين في نفسهما ، وأمّا الخروج عن المالكية بالاجازة فهو ممّا لا مانع عنه أبداً ، ومن الظاهر أنّ المالك في البيوع المتعاقبة لم يخرج عن أهلية


1) تقدمت مصادرها في ص 390، 396 .

الملك والقابلية لولا الاجازة ، فهذا النقض من مثله بالنسبة إلى صاحب الجواهر غريب ، هذا كله بالنسبة إلى ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) .

وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) فإن كان الخروج عن القابلية بالموت فالظاهر أنّ المعاملة صحيحة على كلا القولين من الكشف والنقل .

أمّا على الكشف ، فلوضوح أنّ الاجازة تكشف عن صحّة البيع حين العقد وهما كانا حيين عند العقد ، وخروج أحدهما عن الأهلية بعده لا يوجب فساد المعاملة للعمومات والاطلاقات الواردة في صحّة بيع الفضولي الشاملة لما إذا خرج أحد المتعاقدين عن القابلية حين الاجازة ، نعم لو كان المدرك في صحّة البيع الفضولي هو الأخبار الخاصة المتقدّمة كرواية عروة البارقي أو صحيحة محمّد ب-ن قيس ونحوهما ، كان اللازم أنّ نقتصر على موردها ، وهما ظاهرتان في حياة المالكين والمتعاقدين ، ولم يمكن التعدّي منهما إلى ما إذا خرجا عن الأهلية بالموت إلّا أنّك عرفت أنّ المدرك هو العمومات وهي شاملة للمقام من دون قصور .

وأمّا على النقل ، فلأن المعاملة إنّما تتقوّم بالمبادلة بين المالين ولا نظر فيها إلى المالكين ، فإذا صدرت الاجازة من المالك المجيز فتتوقف صحّة المعاملة على إجازة وارث الأصيل الذي فرضناه خارجاً عن الأهلية بالموت ، لأنّ الموت لا يوجب بطلان المعاملة حينئذ ، غاية الأمر أنّ يكون بيعه بالنسبة إلى الوارث فضولياً لأنّه باع ما ملكه الوارث بعد ذلك فيتوقف على إجازة الوارث ، وسيأتي في المسألة الآتية أنّه لا يعتبر في المجيز أنّ يكون مالكاً حين العقد على ما ذهب إليه الشيخ أسد الله التستري ، ولا مانع من أنّ يكون المجيز غير المالك حين العقد ، هذا كله بالنسبة إلى الموت .

وأمّا إذا كان الخروج عن الأهلية بالارتداد والكفر ، فالظاهر كما نقل ع-ن كاشف الغطاء وغيره أنهم لم يفرّقوا في المرتدّ الفطري بين كون المبيع مصحفاً أو عبداً

مسلماً وبين كونه من الأشياء الأخر ، وقد حكموا بالصحّة على الكشف والبطلان على النقل ، ولكنّه مبني على أنّ الارتداد عن فطرة يوجب عدم قابلية المرتد للملك مطلقاً ، إلّا أنّ هذا ممّا لم يدلّ دليل على صحته وإنّما ورد أنّ المرتد عن فطرة تقسّم أمواله بين ورثته وتنتقل إليهم ، وأمّا أنّه إذا اكتسب مالاً بعد الارتداد لا يكون مالكاً له فلا يستفاد من شيء ، وعليه لابدّ في الفطري أيضاً من التفصيل بين كون المبيع من قبيل المصحف والعبد المسلم ونحوهما ممّا لا يملكه الكافر وبين غيره فالثمرة تظهر في بيع المصحف والعبد المسلم فإنّه على الكشف يصحّ لأنّه كان مسلماً حين العقد وعلى النقل يكون باطلاً لأنّه حين الاجازة كافر وهو لا يتملّك شيئاً منهما كما لا يخفى ، وأمّا في غيرهما كالفرش والدار ونحوهما فلا يبطل على النقل أيضاً حتّى في الارتداد عن فطرة ، إذ لا دليل على أنّ المرتد الفطري لا يتملّك بعد الارتداد .

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه من بطلان بيع المصحف ونحوه عند ارتداد المشتري قبل الاجازة بناءً على القول بالنقل إنّما هو فيما إذا كان الثمن كلياً ، وأمّا إذا كان شخصياً وكان الارتداد عن فطرة فهو ينتقل إلى ورثة المرتد فتكون المعاملة بقاءً على مال الورثة فتتوقف على إجازتهم كما مرّ في الموت ، لأنّه بالنسبة إلى الوارث فضولي ولا يكون البيع باطلاً ، فلا تكون حينئذ ثمرة بين القول بالكشف والق--ول بالنقل ، وإنّما تظهر الثمرة عند كون الثمن كلّياً إذ لا مالية له إلّا بالاضافة وه-و ق-د أضيف إلى ذمّة المرتدّ ، ولا ينتقل إلى الورثة لمغايرة ما أضيف إلى ذمّته بالنسبة إلى ما في ذمة الورثة .

والحاصل : أنّ الارتداد موت شرعي ، وعليه فلا فرق بينهما في البيع الشخصي من حيث الصحّة فيهما على كلا القولين من النقل والكشف ، غاية الأمر أنها على النقل تتوقف على إجازة الوارث في كل واحد من الارتداد والموت ، لأنّه بالنسبة إلى الوارث فضولي فيهما ، كما لا فرق بينهما في البيع الكلّي من حيث البطلان

في كليهما على القول بالنقل دون الكشف ، لأنّ ما في ذمّة الميت والمرتدّ غير ما في ذمّة وارثهما ، فلا فرق بينهما من هذه الجهات . نعم يظهر الفرق بين الارتداد والموت على القول بالكشف فيما إذا كان الثمن عبارة عمّا في ذمّة أحدهما من المنافع كما إذا اشتريا المصحف أو العبد المسلم في مقابل أنّ يكنسا دار البائع أو في مقابل عمل آخر ، فإنّ البيع في صورة الموت باطل ، لعدم تمكنه من الثمن و استحالة الكنس أو العمل في حقّ الميّت فيبطل ، اللهمّ إلّا إذا حكمنا بالانتقال إلى القيمة ، وهذا بخلاف المرتد فإنّ البيع لا يبطل بالنسبة إليه بل ينتقل المصحف أو العبد إلى الوارث ويلزم المرتدّ على العمل من الكنس أو غيره لقدرته عليه إلّا فيا إذا كان العمل ممّا يشترط فيه الطهارة والإسلام كالصوم والصلاة ، فالبيع بالنسبة إلى الميّت باطل لعدم قدرته على تسليم الثمن ، وصحيح في حقّ المرتدّ فلا تغفل ، هذا كله بالنسبة إلى ارتفاع الأهلية والقابلية عن المالكين قبل الاجازة وبعد العقد .

وأمّا إذا ارتفعت القابلية عن المالين وخرجا عن قابلية التموّل بالتلف وشبهه كما إذا صار الخل خمراً لأنّه تلف شرعي قبل الاجازة ، فيقع الكلام فيه من جهتين : إحداهما أنّ الخروج عن قابلية التموّل هل يوجب بطلان العقد على النقل دون الكشف ، وتظهر الثمرة بينهما في مثله أو لا ؟

وثانيهما : أنّ استمرار قابلية التموّل في المالين شرط في صحّة العقد والاجازة كما ادّعاه صاحب الجواهر (1)أو أنّ الاستمرار غير لازم ؟

فأمّا الكلام في الجهة الأولى فملخّصه : أنّ الخروج عن القابلية بالتلف ونحوه أنّ كان قبل القبض فلا إشكال في أنّه يوجب البطلان على كلا القولين .

أمّا على النقل ، فلوضوح أنّ المال قد تلف قبل البيع والمعاملة على المعدوم باطلة .


1) الجواهر 22 : 291 .

وأمّا على الكشف ، فلأنّ الاجازة وإن تكشف عن الملكية من حين العقد إلّا أنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال مالكه فيوجب التلف انفساخ المعاملة ، إذ المفروض أنّ المال لم يقبض ، ومعنى كل مبيع تلف قبل قبضه أنّ المال يدخل في ملك البائع قبل التلف بآن ويتلف في ملك البائع كنايةً عن انفساخ المعاملة ورجوع الثمن والمثمن إلى ملك مالكها الأوّل فلا تظهر ثمرة بين القولين حينئذ .

وأمّا إذا خرجا عن القابلية بالتلف ونحوه بعد القبض فلا مانع من الالتزام بالصحّة على الكشف والبطلان على النقل وتظهر الثمرة بينهما حينئذ .

والتلف بعد القبض يتصوّر على وجهين :

أحدهما : ما إذا كان المبيع بيد المشتري قبل المعاملة بإذن مالكه كما إذا استأجر الدار من مالكها وسكن فيها بإذنه ثمّ اشتراها بالبيع الفضولي وتلفت قبل الاجازة ، فإنّ المعاملة صحيحة على الكشف لأنّ الملكية حصلت حين العقد وقد قبض المشتري المال ، والتلف بعد القبض لا أثر له ، وذلك لأن المفروض أنّ المشتري قد قبض الدار من مالكها بإذنه وإن لم يقبضها المالك بعنوان المعاملة إلّا أنّ قبضه صحيح ومستند إلى إجازة المالك ومثله يكفي في القبض ، ولكنّها باطلة على النقل لأنها تلفت قبل المعاملة ، والقبض قبلها لا يوجب صحّة البيع أبداً لأنها قد انعدمت والمعاملة على المعدوم لا تصحّ .

وثانيهما : ما إذا كان الفضولي وكيلاً من قبل المالك في خصوص قبض كلّ ما للمالك من الأموال ، واشترى مالاً للمالك فضولاً وقد قبضه من البائع فتلف بعد القبض ، فإنّه يصحّ على الكشف لتقدّم الملكية والقبض على التلف ، والمفروض أنّ القابض وكيل في قبض أموال المالك وقبضه قبض المالك لا محالة ، ويبطل على النقل لانعدام المال قبل المعاملة .

والغرض من هذا التطويل دفع ما أورده بعضهم ومنهم شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)(1)على كاشف الغطاء (قدّس سرّه) في المقام من أنّ المعاملة عند التلف باطلة على كلا القولين ، أما على النقل فظاهر ، وأمّا على الكشف فلأجل أنّ كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، إلّا أنك عرفت أنّ التلف يمكن أنّ يتصوّر بعد القبض وعليه تظهر الثمرة بين القولين لا محالة ، هذا .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (2)مثل للخروج عن المالية بمثالين التلف وعروض النجاسة على المبيع مع ميعأنّه ، ولم نفهم الوجه في المثال الثاني وأنّ عروض النجاسة على المائعات كيف يخرج المائع عن المالية والملكية مع أنّه (قدّس سرّه) صرّح بجواز بيع المتنجس كالدهن ونحوه للاستصباح أو لجعله صابوناً بل لطلي السفن ونحوه ، فلا يمكن المصير إلى أنّ الدهن بتنجسه يخرج عن المالية ، غاية الأمر أنّ بيعه غير جائز فيما يتوقف استعماله على الطهارة إلّا أنّه لا يوجب الخروج عن المالية والملكية بوجه حتّى أنّه لو أتلفه أحد نحكم بضمأنّه للمالك كما هو ظاهر .

نعم تظهر الثمرة بين القولين في المثال إلّا أنّه لا لأجل خروج المالين عن المالية بل من جهة انتفاء شرط من شروط صحّة البيع ، وعليه ينبغي أنّ يدرج ذلك في المقام ويلحق بالقسمين المتقدّمين أعني صورة خروج المالكين عن الأهلية وصورة خروج المالين عن المالية ويقال بظهور الثمرة فيما إذا خرج المالكان عن القابلية أو خرج المالان عن التموّل أو انتفى شرط من شرائط صحّة البيع كما عرفت ، هذا كله في الجهة الأولى .

أمّا الكلام في الجهة الثانية : فقد عرفت أنّ صاحب الجواهر (قدّس سرّه)


1) منية الطالب 2 : 85 .

2) المكاسب 3 : 418 .

قد ادّعى ظهور الأدلّة في اشتراط استمرار القابلية والمالية والشرائط في صحّة المعاملة والاجازة ، وقد تبعه بعض المتأخّرين وذكروا أنّه لا إطلاق في أدلّة صحّة الفضولي ليمكن التعدّي ، بل لابدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن وهو صورة استمرار القابلية والمالية والشرائط .

إلّا أنّك عرفت أنّ ذلك إنّما يتم فيما إذا استدللنا على صحّة الفضولي بالأخبار الخاصة الواردة في بعض الموارد المخصوصة ، وأمّا إذا كان المدرك على صحّة الفضولي هو الاطلاقات والعمومات فلا ينبغي الإشكال في إطلاقها وشمولها للمقام وبها ندفع اشتراط الاستمرار بحسب القابلية والمالية والشرائط ، فلا يمكن المصير إلى ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من بطلان المعاملة على كلا القولين ، بل قد عرفت أنّ الثمرة بينهما تظهر في الموارد المتقدمة ، فما ذكره كاشف الغطاء هو الصحيح ، هذا ما يرجع إلى كلمات صاحب الجواهر (قدّس سرّه) .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري في مقام الجواب عن صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من أنّه لا دليل على استمرار القابلية والمالية في المعاملة ، بل الدليل على عدم الاشتراط موجود وهو الروايات الواردة في صحّة الفضولي حيث أنّ ظاهر بعضها وصريح الآخر عدم اعتبار الحياة في المتعاقدين حال الاجازة ، مضافاً إلى إطلاق رواية عروة حيث لم يستفصل النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن موت الشاة أو ذبحها وإتلافها ، وإلى فحوى خبر تزويج الصغيرين .

فمندفع بما ذكرناه سابقاً من أنّه (قدّس سرّه) أراد بالظاهر ما ورد في المضاربة وفي الاتجار بمال اليتيم من أنّ الربح للمالك والصغير ، والخسران ع-ل-ى الع-امل والمتصرّف ، حيث إنها ظاهرتان في الاطلاق وعدم التفصيل ب-ي-ن م-وت

المالك وعدمه ، إلّا أنّك عرفت أنّهما أجنبيتان عن الفضولي ولا دلالة فيه-ا ع-ل-ى صحته كي يتمسّك بهما في المقام ، وأمّا الصريح فلم نفهم أنّه ما أراد بالصريح في الأخبار ، إذ لا رواية صريحة في ذلك بين الأخبار، وأمّا رواية ابن أشيم الواردة في العبد المأذون فهي صريحة في موت الموكل وتدلّ على صحّة بيع الوكيل فيها إذا مات الموكل بعد البيع ، ولا إشكال في صحّة بيع الوكيل ومعاملاته فيما إذا مات الموكل بعد المعاملة ، وهذه لا ربط لها بالمقام كما لا يخفى .

وأمّا ما استشهد به ثانياً ففيه : أنّ عدم الاستفصال لأجل الاطمئنان بعدم موت الشاة أو تلفها ، إذ من البعيد أنّ تموت الشاة في ذلك الزمان القصير المتخلّل بين بيعها وإجازة النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، وعلى تقدير الشكّ فالاستصحاب جارٍ وأمّا ذبح الشاة وأنّه لم يستفصل بين ذبحها وعدمه ، ففيه : أنّ ذبحها لا يخرجها عن المالية والملكية كما لا يخفى والكلام في خروج المالين عن المالية فلا تغفل .

وأمّا استدلاله برواية تزويج الصغيرين فهو عجيب ، إذ على تقدير صحتها في موردها كيف يمكن التعدّي منها إلى المعاملات الفضولية فإنّ التعدّي منها قياس لا نقول به . ودعوى الفحوى والأولوية كما صدرت منه (قدّس سرّه) ممنوعة من جهة أنا إنّما قلنا بدلالة الرواية الواردة في صحّة النكاح الفضولي على صحّة البيع الفضولي بالأولوية من أجل أنّ النكاح - بما أنّ فيه الفروج والأولاد - أهم عند الشارع قطعاً ، فإذا صح الفضولي في النكاح فتدل على صحته في البيع بطريق أولى .

وأمّا في المقام فيها أنّه لا يترتّب على صحّة النكاح بعد فرض موت الزوج ولد ولا وطء فلا يمكن التعدّي منه إلى البيع ، إذ لا أهمية له عليه ولا أولوية في البين فكيف يمكن التعدّي عن صحّة النكاح بالاجازة الذي لا يترتّب عليه إلّا إرث الزوجة إلى صحّة جميع العقود الفضولية لينتقل الثمن والمثمن إلى المالكين . فالمتحصل أنّه لا يمكننا المساعدة على شيء ممّا أفاده في المقام ، هذا كله فيما إذا كان المالكان

والمالان والبيع واجدين للقابلية والمالية والشروط حين العقد ولكنّها ارتفعت بعد العقد إلى زمان الاجازة .

وأمّا إذا انعكس الأمر كما إذا كان المالكان غير واجدين للقابلية أو ك--ان العوضان فاقدين للمالية أو كان البيع فاقداً للشروط حين العقد فصارا واجدين لها في زمان الاجازة فقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)في المقام أنّ المعاملة باطلة حينئذ على كلا القولين لعدم تمامية الشروط في العقد ، ثمّ ذكر أنّ باب المناقشة في ذلك وإن كان واسعاً إلّا أنّ الأرجح في النظر ما ذكرناه ، هذا .

ولكن التحقيق أن يفصّل بين الشروط فإن كان الشرط راجعاً إلى المتعاقدين كالبلوغ والعقل ونحوهما وفرضنا أنّ أحدهما كان صبيّاً حين العقد ثمّ بلغ حين الاجازة ، فلا ينبغي الإشكال في بطلان العقد على كلا المسلكين ، لأن عمد الصبي وخطأه سيّان ، فلا اعتبار بما صدر منه حال كونه صبيّاً ، فلا عقد حتّى يصحّ على الكشف أو النقل .

وأمّا إذا كان الشرط من شروط نفس البيع كعدم كونه غ---رياً وكان ذلك الشرط مفقوداً حال العقد الفضولي ثمّ ارتفع الغرر قبل الاجازة كما إذا باعه صندوقاً مقفّلاً من دون أنّ يعلم المشتري بما في الصندوق من الأموال ثمّ علمه بعد البيع قبل الاجازة ، فالمعاملة باطلة أيضاً على كلا المسلكين ، لاشتراط عدم الغرر في البيع حال الحدوث فوجوده مانع عن صحّة البيع لا محالة ، وارتفاعه بعد ذلك لا ينفع في صيرورة البيع صحيحاً ، فما أفاده متين في هذه الصورة أيضاً . وأمّا إذا كان الشرط من شرائط المالين فهو ينقسم إلى قسمين : فتارةً يكون أحد المنقولين أو كلاهما ممّا لا مالية له تكويناً أو تما حكم


1) المكاسب 3 : 418 - 420 .

الشارع بعدم ماليته شرعاً حين العقد ثمّ انقلب إلى المال حال الاجازة ، وهذا أيضاً لا مجال لصحته على كلا القولين ، فإذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها أي زمان كونها زهراً على نحو الفضولي ثمّ بدا صلاحها حين الاجازة من المالك ، أو كان المبيع خمراً حال العقد ثمّ صار خلاً حين الاجازة فإنّ العقد في المثالين إنّما وقع على المعدوم حقيقة أو شرعاً ، لأنّ الثمرة غير موجودة قبل بدو الصلاح واقعاً كما أنّ الخمر محكومة بعدم المالية شرعاً فلا محالة يكون باطلاً ، إذ لا معنى لصحّة العقد على المعدوم على كلّ من المسلكين وأمّا ما وجد بعد ذلك فهو لم يقع عليه عقد حتّى يصحّ بالاجازة .

وأخرى : يكون كلّ واحد من المنقولين مالاً حقيقة ولكن تختلف أوصافها فيتصفان بشيء حال العقد وبشيء آخر حال الاجازة ، وفي مثل هذا لا وج-ه للبطلان على كلا المسلكين كما إذا كان المبيع وقفاً أو ماءً متنجساً أو أمّ ولد حال العقد ثمّ صار الوقف مورداً للخلاف بين أهله حتّى انتهى الأمر إلى القتل والجدال فصار بيعه صحيحاً حال الاجازة ، أو طهّرنا الماء قبل صدور الاجازة من المالك فجاز بيعه بعدما كان بيعه باطلاً لاشتراط الطهارة في المبيع ، أو مات ولد الأمّ فصح بيعها حال الاجازة ، ومثل ذلك صحيح على كلا القولين ، أمّا على النقل فواضح لأنّه حين الاجازة مال يجوز بيعه وقد وقع العقد على هذا المال فبالاجازة يستند إلى المالك وحين الاستناد هو واجد لشرط الصحّة فتعمّه العمومات ، وأمّا على الكشف فلان الاجازة لا تكشف عن الملكية من حين العقد حتّى يقال أنّ المبيع حال العقد كان وقفاً أو ماءً متنجساً أو أمّ ولد وكيف يحكم بدخولها في ملك المشتري مع أنّ بيعها غير صحيح حينئذ ، وإنّما تكشف عن الملكية من زمان صيرورة الوقف أو الماء أو الأمّ ممّا يجوز بيعه لأجل ما طرأ عليها من المجوزات ، فما أفاده (قدّس سرّه) من البطلان على كلا القولين غير تام في هذه الصورة .

كما أنّ الشرط إذا كان راجعاً إلى المالكين لا إلى المتعاقدين ولا إلى المالين ولا إلى البيع كاشتراط الإسلام في مالك الثمن في بيع المصحف أو العبد المسلم ، فلا مانع من الالتزام بصحّة البيع على كلا القولين ، أما على القول بالنقل فلوضوح أنّ المشتري قد صار مسلماً حال الاجازة ، وأمّا على الكشف فلأن الاجازة إنّما تكشف عن الملكية من زمان إسلام المشتري للمصحف والعبد لا من زمان العقد حتّى يقال أنّه حين العقد محكوم بعدم التملّك لهما ، فإذا باع الفضولي شيئاً منهما من الكافر للنسيان أو الغفلة والاشتباه ثمّ أسلم الكافر قبل الاجازة فهو صحيح على كلا المسلكين ، فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه) (1)من البطلان على كلا القولين في هذه الموارد كما هو ظاهر .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري ذكر أنّ الثمرة بين الكشف والنقل تظهر في موارد أخر كالنذر والزكوات والخيارات وحقّ الشفعة .

أمّا النذر فلأنّه إذا نذر كذا عند كونه مالكاً للمال الفلاني في الوقت الفلاني فيجب عليه الوفاء بالنذر بعد العقد على المال المذكور ولو على نحو الفضولي بناءً على الكشف ، لأنّ الاجازة إنّما تكشف عن الملكية حال العقد ، وهذا بخلاف القول بالنقل لأنّه قبل الاجازة لم يملك المال حتّى يجب عليه الوفاء بالنذر .

وأمّا الزكاة فالظاهر أنّه لا ثمرة فيها بين المسلكين ، وذلك لأن وجوب الزكاة لا يتوقف على الملكية فقط ليجب إخراجها على المشتري بعد العقد على الكشف دون النقل ، بل يتوقف على الملكية مع التمكّن من التصرف في المال ، وفي المقام وإن تملّك المال قبل الاجازة على الكشف إلّا أنّه غير متمكّن من التصرف فيه شرعاً ، فلا يفترق الحال في الزكاة بالنسبة إلى المشتري بين القول بالكشف والقول بالنقل ، وإنّما


1) لاحظ المكاسب 3 : 420 .

يجب عليه إخراج الزكاة بعد الاجازة على كلا القولين .

نعم ، تظهر الثمرة فيها بالنسبة إلى المالك ، لأنّه على القول بالكشف لا يجب عليه الزكاة ، إذ المفروض أنّه خارج عن ملكه واقعاً حتّى قبل الاجازة ، والزكاة إنّما تجب على المالك كما لا يخفى ، وأمّا على القول بالنقل فتجب عليه الزكاة لأنّه المالك حسب الفرض ، والمفروض أنّه متمكّن من التصرف فيه أيضاً .

وأمّا الخيارات ففي مثل خيار الحيوان لا بأس بالثمرة بين المسلكين لأنّه إنّما ثبت لصاحب الحيوان كما في الأخبار ، فمع القول بالكشف فالمشتري صاحب للحيوان من حين العقد ، وعلى النقل إنّما يصير مالكاً بعد الاجازة لا من حين العقد فالثلاثة في الخيار تحتسب من حين العقد على الكشف ومن حين الاجازة على النقل .

وكذا تظهر الثمرة في خياري العيب والغبن ، فله الفسخ والامضاء من حين العقد على الكشف دون النقل ، لأنّه عليه لم يملك المال حتّى يحكم بالخيار له من حين المعاملة ، نعم لا يصحّ له مطالبة الارش من المالك في خيار العيب قبل الاجازة ولو بناءً على القول بالكشف ، إذ للمالك أنّ يقول إنّي لم أرض بالمعاملة بعد فكيف تطالبني بالأرش ولكنّه يتمكّن من الفسخ والامضاء ، وهذا لا ينافي ما ذكرناه سابقاً من أن الأصيل لا يتمكن من الفسخ لأنّه إنّما يفسخ في المقام من جهة الخيار .

وتظهر الثمرة بين الفسخ والردّ في النماء المتخلّل بين العقد والفسخ على القول بالكشف ، ففي فرض الفسخ يكون نماء المبيع للمشتري ونماء الثمن للبائع وأمّا في فرض الرد فالأمر بالعكس .

وأمّا خيار المجلس فيمكن أن يقال أنّه مترتّب على الاجازة على كلا القولين أما على القول بالنقل فواضح لأنّ « البيع » إنّما يصدق عليهما حين الاجازة دون قبلها ، وأمّا على القول بالكشف فلأنّ الاجازة وإن تكشف عن الملكية حال العقد

إلّا أنّ الخيار لم يترتّب على الملكية في الأخبار ، بل على عنوان « البيع » كما في الروايات ، ولا إشكال أنّ البيع إنّما يسند إلى المالك بالاجازة وأمّا قبلها فلا بيع للمالك أبداً ، فالبيّع إنّما يصدق عليه بالاجازة وإن كانت الملكية متقدمة عليه ، ولا مانع من تغاير الملكية وصدق عنوان البيع وانفكاك أحدهما عن الآخر أبداً ، وهذا كما إذا قلنا بصحّة البيع فيها إذا باع أحد ماله فعلاً قبل ستة أشهر مثلاً بأن يكون البيع فعلاً والملكية قبل الأشهر الستة حتّى تكون المنافع للمشتري من زمان الملكية ، فإنّ خيار المجلس إنّما يتحقّق حين البيع لا من حين الملكية المتقدمة وذلك ظاهر ، فالمناط بالمجلس حال الاجازة ولعلّه ظاهر . وأمّا ما عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)من أنّه لا خيار في أمثال المقام فلم نجد له وجهاً ، لشمول إطلاق قوله (عليه السلام)« البيّعان بالخيار » (2)لهما بعد الاجازة كما ذكرناه فلا تغفل .

وأمّا حقّ الشفعة فهو أيضاً تظهر فيه الثمرة بين المسلكين ، فإذا كان زيد شريكاً لعمرو في دار فباع الفضولي حصة زيد من ثالث وقبل إجازة زيد باع عمرو حصة نفسه من شخص رابع ثمّ أجاز زيد ما باعه الفضولي من حصته ، فعلى القول بالكشف فالشفعة للمشتري من الفضولي لأنّه صار شريكاً مع عمرو فباع عمرو حصته من آخر فله الشفعة، وعلى القول بالنقل تكون الشفعة للمشتري من عمرو لأنّه صار شريكاً مع زيد فباع زید حصته من آخر ، فالشفعة للمشتري من عمرو لأنّه المالك الشريك عند زيد حصته من الآخر وه- بيع وهو واضح .

وأمّا مسألة تعاقب الأيادي فسيأتي الكلام فيها في محلّها فانتظر .


1) منية الطالب 2 : 87 .

2) الوسائل 18 : 5 / أبواب الخيار ب 1 ح 1 وغيره .

تنبيهات الاجازة

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (1)نبّه على أمور في المقام :

1-کون النزاع في الکشف والنقل في الحکم الشرعی لا اللغوی

الأوّل : أنّ النزاع في الكشف والنقل ليس راجعاً إلى مفهوم الاجازة لغة وعرفاً ، وأنّ معناها هو الامضاء من حين العقد أو من حين الاجازة حتّى يكون البحث صغروياً ، وإنّما النزاع في الحكم الشرعي المستفاد الأدلّة نحو (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) وغيرهما ، وأنّ المراد إمضاء المعاملة من حين العقد أو من حين الاجازة ، وعليه فإذا صرّح المجيز بأني أمضيت المعاملة من حين الاجازة مع البناء على الكشف ، وأنّ الحكم الشرعي في المقام هو الصحّة حين المعاملة ، أو أنّه صرّح بالامضاء من حين المعاملة مع فرض القول بالنقل وأنّ الشارع أمضاها من حين الاجازة ، فهل يحكم بالصحّة في المقام أو لا ؟ وعلى تقدير الصحّة فهل يحكم بوقوعها على طبق ما صرح به المجيز أو يحكم بوقوعها على ما يقتضيه الحكم الشرعي من الكشف والنقل ؟ فقد ذكر شيخنا الأنصاري أنّ في المسألة وجهين .

والتحقيق أنّ يفصل بين القول بالكشف والنقل، فعلى القول بالكشف لا بد من الالتزام بالفساد ، لأنّ العمدّة في أدلّة الكشف هي العمومات والاطلاقات وانها شاملة للمعاملة من حين العقد إذا لحقته الاجازة من المالك ، فإذا صرح المجيز بأنّي قد أمضيت العقد من حين الاجازة فلا يكون ذلك مطابقاً لما أنشأه الفضولي والأصيل لأنها إنّما أنشأ المعاملة من حين العقد أي أنهما أنشأ الملكية المطلقة والمالك رضي بالمعاملة من حين الاجازة ، فما تعلّقت به الاجازة لم ينشأ سابقاً والمنشأ لم تتعلّق به الاجازة ، ومن الظاهر أنّه لابدّ من التطابق بينهما فلا محالة تقع باطلة .


1) المكاسب 3 : 421 .

والذي يوضّح ذلك وإن كان بينهما فرق جزئي ، ملاحظة باب الاجارة فإنّه إذا آجر دار الآخر فضولياً من أوّل شوال إلى سنة فقبلها المالك ورضي بها من شهر ذي القعدة مثلاً ، فهل يحتمل الصحّة في مثله ، وكيف كان لا يمكن الالتزام بالصحّة في مثله ، والوجه فيه هو الوجه في اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول ، هذا كلّه بناءً على القول بالكشف .

وأمّا على القول بالنقل فإذا أجاز العقد من حين المعاملة مع الحكم بالنقل فلا يبعد الالتزام بالصحّة حينئذ والحكم بوقوع الزيادة لغواً ، وإنّما ت-ص-ح وتؤثر في الملكية من حين الاجازة ، والاجازة حينئذ وإن لم تكن مطابقة للمنشأ بين المتعاقدين لأنها إنّما أنشئا الملكية من حين النقل ، إلّا أنّ التخلّف بينهما بهذا المقدار ممّا لا بد منه ، وهذا نظير ما إذا جوّزنا الفصل اليسير بين الايجاب والقبول كدقائق يسيرة فأوجب البائع ملكية شيء لزيد وبعد زمان يسير قبله ذلك المشتري ، فإنّ الملكية حينئذ إنّما تحصل بعد القبول مع أنّه إنّما رضي بالملكية من حين الايجاب لأنها التي أنشأها البائع في المعاملة ، إلّا أنّ الزائد يقع باطلاً فيؤثر في الملكية بعد القبول ولعله ظاهر .

2-هل یعتبر في الاجازة اللفظ؟

في أنّ الاجازة هل يعتبر أنّ تكون باللفظ أو يكتفى فيها بكلّ شيء يستفاد منه الرضا والاجازة ، فقد حكى شيخنا الأنصاري (1)عن بعضهم أنّه توهّم أنّ الاجازة كالبيع في استقرار الملك فكما أنّ البيع لا يتحقّق إلّا باللفظ ، فكذلك الاجازة . وأجاب عن ذلك بأنّه مصادرة .


1) المكاسب 3 : 422 .

واستدلّ على اعتبار اللفظ في الاجازة أيضاً : بأنّ اللفظ بحكم الاستقراء في العقود معتبر في اللزوم فلذا قلنا بعدم اللزوم في المعاطاة .

وفيه : أنّا لو سلّمنا عدم اللزوم في المعاطاة وبنينا على اعتبار اللفظ المعاملات اللازمة ، لا نلتزم به في المقام لأنّ الاجازة ليست معاملة ولا بيعاً ، وإنّما هي من شرائط صحّة البيع الحاصل باللفظ الذي أصدره الفضولي ، ونحن إذا اعتبرنا اللفظ في المعاملات فلا يمكن أنّ نعتبره في شرائطها أيضاً ولعله ظاهر ، بل الصحيح أنّ الاجازة لا تحتاج إلى لفظ صريح وتتحقّق بكل لفظ أو فعل يدلّ عليها . ويؤيّده : ما ورد في رواية عروة من قوله (صلى الله عليه وآله) « بارك الله في صفقة يمينك » (1)فإنّه بالالتزام يكشف عن الرضا والاجازة .

وكذا يكفي في الاجازة قول أحسنت ونحوه.

ثمّ إنّه بعد عدم اعتبار اللفظ في الاجازة فهل يكتفى بمجرد الرضا الباطني بالعقد فيها إذا أحرزناه بوجه ولا يعتبر فيها الابراز بمبرز قولي أو فعلي ، أو أنّ الابراز بشيء من القول والفعل معتبر في صحّة الاجازة ؟

بما أنّ شيخنا الأنصاري بنى على أنّ الرضا الباطني المقارن للعقد يخرجه عن الفضولي فذهب في المقام إلى أنّ العلم بالرضا يكفي في صحّة الاجازه والبيع ، لأنّ ما يخرج العقد عن الفضولي بوجوده المقارن يكفي في الاجازة بوجوده المتأخر ولا يعتبر فيها الابراز بمبرز فعلي أو قولي ، واستشهد على كفاية مجرد الرضا في الاجازة في المعاملات بعدة من الروايات وكلمات الأصحاب :

فمن الروايات : ما ورد (2)من أنّ سكوت الباكرة رضى منها بالعقد ، فيدلّ


1) المستدرك 13 : 245 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 18 ح 1 .

2) الوسائل 20 : 274 / أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ب 5 .

ذلك على أنّ المناط في الصحّة نفس الرضا الباطني .

وفيه : أنّ السكوت فعل من أفعالها وهو يكشف عن رضاها ويبرزه خارجاً وهذا يكفي في الابراز . ولو سلمنا أنّ السكوت غير كاشف فمن أين تعلم رضاها بالعقد عند السكوت ، فلا نعلم برضاها الباطني إلّا بالسكوت .

ومنها : ما ورد (1)في من زوّجت نفسها في حال السكر ، من أنها بعد الافاقة لو أقامت مع الزوج فذلك رضى منها ، فإنّه دلّ على أنّ الاعتبار إنّما هو برضاها الباطني .

والجواب عن ذلك : يظهر ممّا أسلفناه آنفاً من أنّ الاقامة معه فعل من الأفعال ، ولا مانع من الاكتفاء به في المقام لكفاية الابراز العملي في إجازة النكاح . ولو سلّمنا أنّ الاقامة غير كاشفة فنعيد النقض المتقدّم من أنّ الرضا حينئذ من أين نعلمه ، هذا . مضافاً إلى أنا لو سلّمنا كفاية مجرّد الرضا الباطني في المقام كما إذا فرضنا رواية دلّت على كفايته مثلاً ، فلا يمكننا التعدّي منه إلى الفضولي أبداً ، لأنّ تزويج السكرى ليس من المعاملات الفضولية بوجه ، بل إنّما هي زوّجت نفسها باللفظ مع سائر الشرائط المعتبرة في النكاح إلّا شرط الرضا والاختيار ، فإذا علمنا بوجوده بعد الافاقة فلا محالة يتم النكاح ، وهذا بخلاف المقام لأنّ الكلام إنّما هو في الفضولي لا في أفعال نفسه.

ومن ذلك يظهر الجواب عن الروايات (2)الواردة في نكاح العبد بدون إذن سيده من أنّه إذا سكت المولى صح النكاح ولا يشترط فيه الابراز بشيء ، والوجه في الجواب - مضافاً إلى ما عرفت من كون السكوت مبرزاً عرفياً - أنّ نكاح العبد


1) الوسائل 20 : 294 / أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ب 14 ح1 .

2) الوسائل 21 : 117 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 26 .

وإن كان مشروطاً برضا سيّده إلّا أنّه ليس من قبيل المعاملات الفضولية بل هو من أفعال نفسه ، غاية الأمر أنّه متوقف على إجازة الغير وإذنه ، نظير تزويج الزوج مع بنت أخي زوجته أو بنت أختها فإنّه فعل نفس الزوج غاية الأمر أنّه يتوقف على إجازة الزوجة ورضاها فإذا رضيت بذلك أو رضي السيد بالنكاح فلا مانع من الالتزام بالصحّة حينئذ ، لأنّه كان فاقداً لبعض الشروط وبالرضا تتم الشرائط في مثله ، وهذا لا يقاس بالمقام الذي هو من المعاملات الفضولية والكلام في كيفية استنادها إلى المالك ، وأنّه كيف يمكن الاكتفاء في الاستناد بمجرد الرضا ما لم يبرز بالقول أو الفعل ، إذ لولاه لا يمكن إسناد البيع إلى المالك والقول بأن المالك باع ماله .

وأمّا ما استشهد به من كلمات العلماء فمنها : تعليلهم عدم كفاية السكوت في الاجازة بأنّه أعمّ من الرضا ، فيستفاد منه أنّ المناط مجرد الرضا ولا اعتبار بالابراز .

وفيه : أنّ السكوت مباين للرضا لا أنّه أعم فما معنى أنّه أعمّ، ولعلّهم أرادوا بذلك من حيث الكشف والابراز ، وأنّ السكوت لا يكشف عنه دائماً ، إذ ربما يوجد السكوت والرضا غير موجود ، ومن المعلوم أنّ الأعم لا يدلّ على الأخص ، ومعناه أنّه لابدّ في الرضا من شيء مبرز عنه لا محالة .

ومنها : ما ذكروه من أنّ الموكل إذا أنكر الاذن فيها أوقعه الوكيل من المعاملة فحلف انفسخت ، لأنّ الحلف يدلّ على كراهتها وعدم الرضا بها ، هذا .

وفيه : أنّ ذلك إمّا محمول على صورة كون المعاملة خيارية كاشتراء الحيوان الذي فيه ثلاثة أيام للخيار فإنّ في مثله إذا أنكر الموكل الاذن فنفس ذلك فسخ للعقد الخياري ، وأمّا محمول على العقد غير الخياري إلّا أنّه لما كان من المعاملات الفضولية لانكاره الاذن فيها وحلفه على ذلك ، وفي الفضولي يكفي الرد بالفعل فمجرد التبري والحلف على نفي الاذن يكون رداً فعلياً ، وكيف ك--ان ف-لا يمكن

الاستشهاد بشيء ممّا استشهد به في المقام مع أنّ كلمات الأصحاب على تقدير موافقتها معه لا تكون دليلاً على المدعى وحجّة على غيرهم غاية الأمر أنّ له موافقاً في هذه المسألة .

فالمتحصّل : أنّه يعتبر في الاجازة الابراز بشيء من القول والفعل .

وتظهر الثمرة فيما إذا رضي بالزواج أو المعاملة الفضولية ولم يبرزه خارجاً ثمّ ندم وأراد الفرار ، فعلى ما ذكره الشيخ لا يمكنه الردّ ورفع اليد عن الزواج أو المعاملة ، إذ برضاه تحقّقت الاجازة فصارت لازمة ، وأمّا على ما ذكرناه فيما أنّ الاجازة لم تتحقّق فله أنّ يرجع عن الزواج ويردّه .

3-حکم الاجازة بعدالرّد

أن الاجازة في بيع الفضولي إنّما تؤثّر فيها إذا لم يسبقها الردّ من المالك ، إذ مع الردّ تنفسخ المعاملة فلا يبقى شيء تكون الاجازة مؤثرة فيه ، وقد استدل عليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)بوجوه ثلاثة :

الأول : الإجماع على بطلان الاجازة فيما إذا كانت مسبوقة بالردّ .

ويدفعه : أنّ الإجماع لا أساس له في المقام لما نقل من أنّ المسألة كانت مسكوتاً عنها إلى زمان الشهيد (قدّس سرّه) ومعه كيف يطمئن الإنسان بأن الحكم قد وصل يداً بيد من زمن المعصومين (عليهم السلام) هذا ، مضافاً إلى أنا نحتمل استنادهم في هذا الحكم إلى الوجوه الآتية ومعه لا يمكن استكشاف قول المعصوم (علیه السلام) منه ، ومن الواضح أنّ ضم شيء غير حجّة إلى غير الحجة لا يكون حجة . الثاني : أنّ العقد ربط التزام بالتزام آخر ، والارتباط إنّما يحصل فيما إذا لم


1) المكاسب 3 : 426 .

يكن هناك قاطع في البين ، والردّ يقطع الارتباط بينهما ، وهذا نظير رجوع الموجب عن الايجاب فإنّه يمنع عن اتّصال القبول بالايجاب .

وفيه : أنّ الرد لو كان من طرف الأصيل في الفضولي لكان لما أفاده وج--ه وفي مثله لا تؤثر الاجازة من المالك ، لأنّ الردّ يرفع العقد فلا يبقى هناك شيء تلحقه الاجازة ، وأمّا إذا كان من طرف المالك فتصريحه بعدم القبول وعدم انتساب العقد إليه لا يقطع الارتباط ، لأنّ لفظ « لا أقبل » ليس أزيد من عدم الرضا واقعاً ، فكما أنّه إذا لم يكن راضياً بما أصدره الفضولي أولاً ثمّ رضي به لا يمنع عدم رضاه الواقعي عن الاتصال بين الالتزامين ، فكذلك الحال فيما إذا صرّح بعدم القبول ثمّ أجازه بالالتماس ونحوه .

وبالجملة : أنّ عدم الاجازة يوجب عدم انتساب العقد إليه سواء كان بالتصريح بعدم القبول أو من أجل السكوت ، وبالاجازة يسند العقد إليه ، ولا مانع من أنّ يمنع عن الانتساب إليه أوّلاً ثمّ يقبله وينسبه إلى نفسه بالاجازة ثانياً ، كما أنّ الأمر كذلك في الايجاب والقبول فإنّه إذا لم يقبل الايجاب أولاً ثمّ قبله بعد ذلك ، لا يوجب ذلك الانقطاع بينهما أبداً ، فالحكم في المقيس عليه لا نسلمه فكيف في المقيس.

مضافاً إلى أنّ القياس في غير محله ، لأن العقد في الفضولي قد تم سابقاً والاجازة إنّما هي لأجل الانتساب فالردّ إنّما يقع بعد العقد ، وأمّا في الايجاب والقبول فالردّ إنّما هو قبل القبول وتمامية العقد وكم فرق بين الموردين .

الثالث ، وهو العمدّة : أنّ الردّ كالاجازة في أنّ المالك بمقتضى عموم « الناس مسلّطون على أموالهم » (1)يتمكّن من أنّ يمضي العلاقة الواقعة على ماله فضولةً كما


1) عوالي اللآلي 3 : 208 ح 49 ، بحار الأنوار 2 : 272

يتمكّن من أنّ يقطعها ، فإنّ قابلية المال للانتقال إلى المشتري وشأنية ذلك المعبّر عنها بالقوة والمادة الهيولائية أمر حدث بالبيع الفضولي ، والمالك بمقتضى عموم السلطنة يرفع تلك الشأنية ويصيّرها كالعدم بعد ما كانت حادثة بالبيع الفضولي وبعد ارتفاع ذلك لا يبقى معنى للاجازة .

وبالجملة : أنّ الردّ والاجازة في المقام كالفسخ والامضاء في البيع الخياري فكما أنّ الفسخ يقطع العلاقة الحاصلة بين المال والمشتري وبعده لا معنی للامضاء والانفاذ ، فكذلك الحال في المقام ، هذا .

والكلام في ذلك يقع من جهتين : الجهة الأُولى في كبرى أنّ « الناس مسلّطون على أموالهم » هل يوجب مشروعية التصرّفات المشكوكة بحسب الحكم التكليفي أو الوضعي ، أو أنّه ليس مشرعاً الجوازها أبداً ، وقد مرّ في أوائل البيع (1)أنّ الحديث مضافاً إلى ضعف سنده وعدم انجباره بعمل الأصحاب ، إنّما يدل على أنّ المالك ليس محجوراً وممنوعاً عن التصرّف فى ماله كالصغير والمجنون والمفلس ، وأمّا أنّ هذا التصرف جائز تكليفاً أو وضعاً فهو ساكت عنه ويقتضي عدم المنع عن التصرّفات الجائزة كما لا يخفى ، فلذا إذا اشترى لباساً وشكّ في جواز لبسه من جهة أنّه من مختصات النساء ، فلا يمكن إثبات جواز اللبس بعموم « الناس مسلّطون على أموالهم « وأنّ اللبس من أحد التصرّفات، وعليه فيها أنا نشك في أنّ المالك هل يجوز أنّ يتصرّف في ماله بقطع العلاقة الحاصلة بالبيع على نحو لا يصحّ بالاجازة المتأخرة ، فلا يمكن التمسّك بعموم السلطنة في إثبات صحته وجوازه .

الجهة الثانية : في الصغرى وأنّه هل حدث بالبيع الفضولي شيء في المال حتّى نرفعه بعموم الناس مسلّطون على أموالهم » بناءً على أنّه يثبت الجواز في


1) في الصفحة 80 وما بعدها

التصرّفات المشكوك جوازها وصحتها ، أم لم يحدث هناك شيء في المال كي نتمسك بالعموم ؟ الظاهر أنّ المعاملة الفضولية لم تحدث شيئاً في المالين أبداً ، إذ لو حدث هناك شيء وأمكننا رفع ذلك بعموم «الناس مسلّطون الخ » لدلّ ذلك على بطلان الفضولي رأساً ، لأنّ إيجاد شأنية الانتقال في المال مخالف لسلطنة المالك على ماله هذا بحسب النقض .

وأمّا حلّ الإشكال : فهو أنّ المعاملة الفضولية لا تحدث شيئاً في المال حتّى نرفعه بالعموم ، وأمّا شأنية الانتقال ونحوها فهي إنّما كانت حادثة من الابتداء بقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و (تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) وغيرهما من العمومات الدالّة على صحّة نقل المال من ملك إلى ملك آخر ، فإنّها تقتضي قابلية المال للانتقال بالبيع وبما أنّ أحد جزأي الناقل متحقّق في المقام ، فلا محالة تتوقف فعلية تلك الشأنية على الجزء الآخر وهو الاجازة ، كما أنّ الحال كذلك في الايجاب والقبول فإنّ الايجاب لا يحدث شيئاً غير موجود ، إذ قابلية الانتقال في المال مستندة إلى تشريع الشارع وتجويزه للبيع ، نعم بعد ما تحقّق أحد جزأي العقد في مورد فلا محالة تتوقف فعلية تلك القوّة على الجزء الآخر .

وبعبارة واضحة : أنّ إجازة المالك بعد بيع الفضولي ليست إلّا كجواز بيع ماله بنفسه ، بل الاجازة هي البيع حقيقة فكما كان له بيع ماله للغير وإخراجه عن تحت سلطنته بعموم « الناس مسلّطون » على نحو المباشرة ، فكذلك له أنّ يجيز البيع الواقع على ماله ويسنده إلى نفسه ، وهذا كان ثابتاً له بالعمومات الدالّة على جواز البيع والمعاملات ، غاية الأمر أنّه في المعاملة المباشرية يحتاج إلى إيجاب وقبول ، وأمّا في الفضولي فأمره سهل لتحقّق بعض أجزاء العقد بنفسه فيحتاج إلى إيجاد جزئه الأخير ، وهذا نظير القبول في البيع الذي به يتحقّق الانتقال .

وبالجملة : أنّه لم يثبت هناك بالبيع الفضولي علقة على المال أو شيء آخر حتّى

نرفعها بعموم السلطنة ، وحقّ الاجازة كان ثابتاً عليه قبل المعاملة بالعمومات ، لأنّه ليس إلّا عبارة عن حقّ البيع . مضافاً إلى أنّ حديث السلطنة ليس مشرّعاً ولا يدلّ على جواز التصرّفات المشكوك جوازها تكليفاً أو وضعاً .

فالمتحصّل : أنّ ما أفاده السيّد الطباطبائي (قدّس سرّه) (1)من أنّ الردّ قبل الاجازة لا يوجب بطلان المعاملة ولا يرتفع به موضوع الاجازة هو الصحيح وقياس الردّ على الفسخ في المعاملات الخيارية قياس مع الفارق ، لأنّ الملكية قد حصلت هناك سابقاً والفسخ يرفع الملكية المتحقّقة فلا يبقى م-ورد للامضاء بعد الفسخ ، وهذا بخلاف المقام فإنّ الملكية لم تحصل للمشتري كما لم يحصل هناك شيء غيرها حتّى يرفع بالردّ ، وغاية ما هناك أنّ انتساب العقد إلى المالك مفقود مع الردّ ولا مانع من أنّ يتحقّق بالاجازة بعد ذلك .

والعجب من شيخنا الأستاذ (قدس سره ) (2)حيث قاس الردّ بالاجازة وذكر أنّ الردّ بعد الاجازة كما لا يكون نافذاً ولا محالة يقع لغواً ، فكذلك الاجازة بعد الردّ لا تقع صحيحة فتكون لغواً ، هذا .

ولكنّك خبير بأنّ الاجازة توجب انقطاع سلطنة المالك عن المال كالبيع والهبة ، وبعده لا معنى للردّ لأنّه صار ملكاً للغير ، وهذا بخلاف الردّ قبل الاجازة فإنّ غاية ما يترتّب عليه عدم بيع المالك فقط ، وهذا لا ينافي بيعه بعد ذلك . فالمتحصل أنّ الردّ قبل الاجازة لا يترتّب عليه شيء ، هذا .

وربما يقال كما قيل : إنّ حديث السلطنة على تقدير تسليم شموله للردّ في المقام والالتزام بتشريعه الجواز في كلّ مورد شككنا في صحّة التصرف وجوازه تقع


1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 159 .

2) منية الطالب 2 : 94 .

فيه المعارضة من حيث شموله لكلّ من الردّ والاجازة ، فنفوذ الردّ قبل الاجازة بمقتضى السلطنة عليه يكون معارضاً بنفوذ الاجازة بعد الردّ ، لأنها أيضاً من أنواع السلطنة على المال ، هذا .

ولا يخفى أنّا لو بنينا على أنّه يشمل الردّ في المقام فلا تقع المعارضة بينه وبين السلطنة على الاجازة ، لأنهما ليسا متعارضين وليس أحدهما في عرض الآخر كما لا يخفى ، لأنّه بشموله للردّ يرفع موضوع الاجازة المتأخرة ويصير العقد كالعدم ف---ا معنى تعارضها حينئذ ، نعم لا مانع من شمول الحديث لكل واحد من الردّ والاجازة على حدة ، فإذا تقدم أحدهما فلا يبق مجال للآخر كما عرفت .

ثمّ إنّه يؤيد ما ذكرناه من أنّ الردّ قبل الاجازة لا يترتّب عليه شيء : الصحيحة (1)الواردة في بيع الوليدة، لأنا وإن ذكرنا سابقاً أنّ أخذ الولد يمكن أنّ لا يكون رداً إلّا أنّها لا تخلو عن الاشعار فيما ذكرناه فراجع (2)هذا .

ثمّ إنّ شيخنا الأنصاري (3)أورد على الاستدلال بهذه الصحيحة على صحّة الاجازة بعد الردّ بأنّ الردّ الفعلي كأخذ المبيع غير كافٍ في تحقّق الردّ ، بل لابدّ فيه من إنشاء الفسخ والردّ . ثمّ أجاب عنه بأنّ الفسخ والردّ في المقام ليس بأولى من الفسخ في المعاملات اللازمة (الخيارية بالعرض) وقد صرّحوا بحصول الفسخ فيها بالفعل . ثمّ ردّ هذا الجواب بأنّ الفعل الذي يحصل به الفسخ في المعاملات هو فعل لوازم ملك المبيع كالوطء والعتق ونحوهما لا مثل أخذ المبيع ، هذا .

ولكنّه لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا إشكال في أنّ تحقّق الفسخ بالفعل في


1) الوسائل 21 : 203 / أبواب نكاح العبيد والاماء ب 88 ح 1 .

2) الصفحة 381 وما بعدها .

3) المكاسب 3 : 426 .

المعاملات اللازمة أولى من تحقّق الفسخ بالفعل في المقام ، لأنّ المفروض أنّ المال ملك للمشتري حينئذ وقد خرج عن ملك البائع لا محالة ، وحينئذ فيمكن الالتزام بأنّ الردّ الفعلي يقتضي الفسخ مطلقاً سواء كان من قبيل لوازم الملك كالوطء أو كان من غيرها كأخذ المبيع أو المفتاح من يد المشتري ، وذلك من أجل أنّه لا وج-ه لتصرف البائع في مال الغير ولو بأخذ مفتاحه فيما إذا كان المبيع داراً لأنّه تصرف حرام ، فاقدامه على ذلك يدلّ بالالتزام على الفسخ ورجوعه إلى ملكه ، فإنّ المسلم لا يرتكب الحرام ظاهراً ، وهذا بخلاف المقام فإنّ المال ماله ولم ينتقل إلى الغير بعد فتصرفاته فيه ولو كان بالوطء لا يقتضي الفسخ ولا يكشف عن الردّ ، حيث أنّ تصرفاته صحيحة حينئذ وليست محرّمة حتّى يقال أنّ المسلم لا يرتكب الحرام وأنّه يكشف عن الردّ والفسخ .

4-إرث الاجازة

أنّ الاجازة في البيع الفضولي كما ذكرناه سابقاً ليست إلّا عبارة ع--ن الب-ي-ع بحسب البقاء ، وعليه فهي حكم من الأحكام قد ثبت بقوله تعالى (أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وغيره من العمومات ، وليست من قبيل الحقّوق ، فإذا مات المالك بعد العقد الفضولي فلا تنتقل الاجازة الثابتة له إلى وارثه ، لأن الحكم لا يورّث ، نعم ينتقل إليه المال ، فله الاجازة بناءً على أنّ المجيز لا يشترط أنّ يكون هو المالك حال العقد .والثمرة بين إرث نفس الاجازة وكونها من الحقّوق ، وبين إرث المال وترتّب الاجازة عليه وكونها من الأحكام تظهر من جهتين :

إحداهما : أنّ الاجازة بناءً على أنها من الحقّوق تنتقل إلى جميع ورثة المالك حتّى زوجته وغيرها ممن لا ترث من الأراضي والعقار ، لعموم أنّ ما تركه الميت فهو لوارثه ، وقد خرج عنه الأراضي فتبق الحقّوق مشمولة للعموم ، فلزوجته أيضاً

الاجازة بالنسبة إلى العقد الواقع على الأرض والعقار وإن لم ترث من نفس الأراضي كما عرفت ، وهذا بخلاف ما إذا كانت الاجازة من الأحكام فإنها لا تنتقل إلى الورثة بوجه ، بل الموروث هو المال فيتبعه الاجازة لا محالة ، فمن انتقل إليه المال فله الاجازة بناءً على عدم اشتراط المالكية حال العقد في المجيز ، فالزوجة بما أنّها لا ينتقل إليها المال لأنّه من قبيل العقار مثلاً فلا تتمكن من الاجازة لا محالة . وثانيتهما : أنّ لهم كلاماً في كيفية إرث الحقّوق ، وأن الحقّ هل ينتقل إلى طبيعي الورثة ، فإذا أسقطه بعضهم فيسقط بالكلية وإن لم يرض به الآخرون لأنّ الطبيعي يصدق على ذلك البعض ، كما أنّه إذا أعمله واحد منهم فيثبت لا محالة وإن لم يرض به الباقون مثلاً ، فالمناط في مثل الخيار باسقاط من له الخيار وهو عبارة عن طبيعي الورثة فرضاً ، والطبيعة تصدق بأوّل الوجودات ، أو أنّه ينتقل إلى جميعهم على نحو العموم المجموعي فالاعتبار باجتماعهم على إسقاطه أو إعماله . هذان احتمالان .

وهناك احتمال ثالث وإن كان في غاية الضعف ، وهو أنّ الحقّ يتبعض بين الورثة بحسب ما يرثونه من المال، فمن انتقل إليه نصف المال فله من الحقّ نصفه ويتمكن من إسقاط نصف ذلك الحقّ وعدمه ، كما أنّ من انتقل إليه ربع المال فينتقل إليه ربع الحقّ لا محالة وله إسقاط ربع الخيار وهكذا .

ولكن هذا الاحتمال ضعيف بل لا قائل به في الحقّوق.

والصحيح هو الاحتمالان المتقدّمان ، وعليه فإذا بنينا على أنّ الاجازة من قبيل الحقّوق فتأتي فيها الاحتمالات الثلاثة ، وأمّا إذا قلنا إنها من الأحكام وأن الموروث هو المال فلا محالة يتعيّن الاحتمال الثالث في المقام ، وذلك لأنّ الفضولي كأنّه باع مالاً مشتركاً بين أشخاص فنصفه لأحدهم وربعه لآخر وهكذا ، وفي مثله لا يتمكّن المالكان إلّا من إجازة العقد بالنسبة إلى ملكها ، وأمّا إجازة العقد بالنسبة

إلى جميع المال فلا وجه لها أبداً ، إذ لا معنى لاجازة الأجنبي للعقد الواقع على مال الغير بوجه ، فلصاحب النصف الاجازة في نصف المعاملة كما أنّ لصاحب الربع الاجازة في ربعها ، فإذا أجاز أحدهما دون الآخر فالمعاملة في ملك المجيز صحيحة دون حصة الراد، غاية الأمر أنّ للمشتري خيار تبعض الصفقة ، وهذا مبني على ما سيأتي في بيع ما يملك وما لا يملك من أنّ البيع الواحد ينحل في نظر العرف إلى بيوع متعدّدة ، فإذا جمع بين الشاة والخنزير وباعهما في بيع واحد فالمعاملة بالنسبة إلى الأوّل صحيحة وبالنسبة إلى الآخر باطلة ، وللمشتري خيار تبعض الصفقة كما هو ظاهر .

فالمتحصّل : أنّ هذا الاحتمال وإن كان ضعيفاً في الحقّوق لأنّ الحقّ الواحد لا يقبل التبعيض ، إلّا أنّه متعيّن بناءً على أنّ الاجازة من الأحكام.

5-إجازة المعاملة لیست إجازة للقبض والاقباض

ذكر شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)أنّ إجازة المعاملة الفضولية ليست إجازة للقبض والاقباض ، إلّا في بعض الموارد فإنّها بدلالة الاقتضاء توجب إجازة القبض والاقباض أيضاً كما سيأتي أنّ شاء الله تعالى ، وكيف كان فإذا صرّح بالاجازة فيهما أو فهمناها بدلالة الاقتضاء فهل تكون الاجازة بالنسبة إلى القبض أو الاقباض صحيحة أو أنها ممّا لا يترتّب عليه أثر أصلاً ، فقد فصل شيخنا الأنصاري بين القبض والاقباض في الثمن المعين وبين القبض في الكلّي المتشخّص به وذلك لأنّ الاجازة إنّما تسند الفعل الصادر من الفضولي إلى المجيز فيما إذا كان الفعل من قبيل الأمور الاعتبارية كالبيع والهبة ونحوهما ، وأمّا في الأفعال الخارجية


1) المكاسب 3 : 428 .

التكوينية فلا معنى للاجازة فيها ، لأنّ أكل أحد لا ينتسب إلى الآخر بالاجازة وكذلك النوم وغيره من الأفعال الصادرة عن الغير لا تستند إلى المجيز بالاجازة والقبض أيضاً من الأفعال التكوينية الخارجية فلا معنى للاجازة فيه ، إلّا أنّ يقوم دليل على صحتها فيه أيضاً .

فإذا كان الثمن معيّناً فأجازه المالك في قبضه فرجع الاجازة إلى إسقاط الضمان عن المشتري وأنّه إذا تلف بعد ذلك فيخرج من المالك لا من المشتري ، كما أنّ المثمن إذا كان معيّناً فمرجع الاجازة في إقباضه إلى حصول المبيع في يد المشتري برضا المالك ، ولا يعتبر في الاقباض إلّا ذلك المعنى ، إذ لا يشترط فيه أنّ يأخذه المالك بيده ثمّ يقبضه من المشتري ، فلذا إذا كان المبيع بيد المشتري سابقاً فرضي به المالك صح الاقباض لا محالة .

وأمّا إذا كان الثمن أو المثمن كلّياً يتشخّص بالقبض والاقباض فلا وج-ه لصحّة الاجازة فيهما ، لأنّ قبض غير المالك أو إقباضه لا يوجب تشخص الكلّي فيها أخذه الفضولي أو أقبضه بوجه ، هذا ملخص ما أفاده في المقام .

ولا يخفى أنّ ما أفاده في طرف الاقباض من أنّه إذا كان المبيع معيناً فرجع الاجازة إلى حصول المبيع في يد المشتري برضا المالك وأنّه يكفي في الاقباض وإن كان متيناً لا محالة لما عرفت ، إلّا أنّ ما ذكره في طرف قبض الثمن وأن الاجازة فيه ترجع إلى إسقاط الضمان عن المشتري غير تام ، لأنّ قبض الأجنبي لا يسقط الضمان فلو تلف تحت يد الفضول يشمله عموم «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو م-ن م-ال بائعه » فيوجب انفساخ البيع ، إذ المراد بالمبيع هو الأعم من الثمن أو المثمن ، وكذا الحال فيما إذا فرضنا البائع أصيلاً والمشتري مجيزاً فإن قبض الفضولي للبيع لا يكفي في سقوط الضمان لأجل العموم ، ومعنى ذلك الحكم بانفساخ المعاملة عند تلف المبيع قبل قبضه ، وهذا حكم شرعي لا يقبل الاسقاط حتّى يقال أنّه بالاجازة أسقط

الضمان ، فإنّ معنى الضمان ليس إلّا حكم الشارع بالانفساخ ، ولو كان قبض الأجنبي وإقباضه مستنداً إلى المالك باجازته فلماذا منع عن ذلك فيما إذا كان الثمن أو المثمن كلّياً ، هذا .

ولكن الصحيح أنّ يقال : إنّ الاجازة المتأخّرة في القبض والاقباض في البيع الشخصي والكلي كالاذن المتقدم عليهما ، فكما أنّه إذا كان مأذوناً فيها من قبله أو كان وكيلاً له في ذلك كان القبض والاقباض صحيحين ويترتّب عليها الأحكام من إسقاطه الضمان ونحوه ، فكذلك الحال في الاجازة المتأخرة عنها ، لأنّ القبض والاقباض ليسا كغيرهما من الأفعال التكوينية غير القابلة للاجازة كما في الأكل والنوم والصلاة وغيرها ، لأنها لا تستند إلى المجيز بالاجازة ولا بالاذن والوكالة وهذا بخلاف القبض والاقباض فإنّ فعل الوكيل فعله وقبضه قبضه في ترتّب آثاره عليه ، وكذلك القبض الصادر من الأجنبي يستند إليه بالاجازة . والضابط أنّ كلّ ما يقبل الوكالة يقبل الاجازة ولا إشكال في أنّ الوكيل في القبض والاقباض يترتّب على فعله جميع ما يترتّب على فعل موكله ، فكذلك فيها إذا أجازهما بعداً ، وهذا من دون فرق بين الكلّي والشخصي ، كما أنّه مع قطع النظر عن ذلك لا فرق في ورود الإشكال بينهما ولعلّه ظاهر .

فالمتحصّل من جميع ذلك : أنّ الاجازة توجب صحّة القبض والاقباض من دون فرق بين بيع العين الشخصية والعين الكلّية أبداً ، لأنهما ممّا يقبل الوكالة والاذن فيقبلان الاجازة المتأخّرة كما هو ظاهر ، ويشهد لذلك الارتكاز العقلائي فإنّه لو دفع المديون دينه إلى أخ الدائن مثلاً فأجاز الدائن ذلك فلا يشكّ أحد في فراغ ذمّته كما لو أذن له ابتداءً . ثمّ أنّ ما ذكرناه من أنّ إجازة العقد لا تستلزم إجازة القبض والاقباض إنّما هو في العقود التي لا تتوقف صحتها على القبض والاقباض .

وأمّا إذا كانا دخيلين في صحّة العقد السابق كما في الصرف والسلم فإنّ

المعاملة لابدّ وأن تكون فيهما يداً بيد كما في الروايات وقد عبّر الفقهاء عنه بالتقابض في المجلس ، ففي مثله إذا كان المجيز للعقد ملتفتاً إلى أنّ صحّة العقد متوقفة على إجازة القبض والاقباض ، فاجازته للعقد تدلّ بالدلالة الالتزامية على إجازة القبض والاقباض أيضاً ، وأمّا إذا كان غافلاً أو صرّح بالاجازة للعقد وعدم الاجازة للقبض والاقباض لأجل أنّ الفضولي ليس مورداً للاطمئنان فلعله يأكل المال ولا يدفعه إلى المجيز أو لغير ذلك من الجهات ، فلا محالة يحكم بالبطلان لعدم صحّة البيع من دون قبض ولا إقباض .

وأمّا ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)من احتمال بطلان ردّ القبض بعد إجازة العقد وأنّه يلزم باجازة القبض أيضاً فهو من غرائب الكلام ، لأن المالك له أنّ يجيز وله أنّ يردّ واختيار ذلك بيده ، فكيف يمكن إلزامه بشيء منها مع أنّه مالك مسلّط على ماله ، فهو نظير الالزام ببيع شيء من أمواله ابتداءً ، هذا .

ثمّ إنّه بقي في المقام شيء : وهو أنّ نزاع الكشف والنقل لا يجري في إجازة القبض والاقباض ، فإنّه إنّما يأتي في مثل الاجازة المتعلقة بالعقد السابق الذي أصدره الفضولي وقلنا بصحته بعد الاجازة للعمومات ، فعند ذلك يقال إنها تكشف عن الملكية من حين العقد كما هو ظاهر ، وأمّا في مثل القبض فلا معنى فيه للكشف فإنّه فعل من الأفعال الخارجية . وبعبارة أخرى الأمور الاعتبارية كالبيع والهبة إذا لحقتها الاجازة تستند إلى المالك فيكون بيع الفضولي أو هبته بيعاً للمالك ، وأمّا الأمور التكوينية كالقبض والاقباض الصادرين من الأجنبي فهي لا تستند إلى المالك بمجرد إجازته فإن قبض الفضولي الصادر سابقاً لا يكون قبضاً للمالك ، نعم إجازة القبض تكون بنفسها قبضاً للمالك فالاستناد يكون بحسب البقاء .


1) المكاسب 3 : 429 .

نعم لا مانع من أنّ يحكم الشارع بحصول الملكية من حين القبض الصادر من الفضولي إلّا أنّه لا دليل عليه إثباتاً ، وعليه إذا باع أو اشترى الفضولي بالصرف أو السلم وقد قبض وأقبض العوضين ثمّ أجاز المالك البيع والقبض تتحقّق الملكية من حين الاجازة إذ لا قبض للمالك قبلها ، كما أنّ مجلس البيع يكون مجلس الاجازة لأنّ المالك يصير بائعاً ويستند إليه البيع بالاجازة .

6-الاجازة لیست فوریة

ذكر شيخنا الأنصاري (1)أنّ الاجازة ليست على الفور وللمالك أنّ يتروى ويتأمّل مدّة ثمّ يجيز البيع أو يردّه ، وذلك لما عرفت من أنّ الاجازة بيع بحسب البقاء ، والمالك مسلّط على ماله وله أنّ يبيع كما له أنّ لا يبيع وذلك ظاهر ، وعليه فإذا فرضنا أنّ المالك لم يردّ ولم يجز إلى مدّة بل بقى ساكتاً عن الاجازة والردّ وتضرّر الأصيل بذلك بناءً على أنّه لا يتمكن من التصرف في ماله ولا في بدله وأنّ المعاملة لازمة من قبله كما مرّ ، فهل يتمكن من الفسخ أو لا ؟

ذكر شيخنا الأنصاري أنّه يحتمل إنّ يقال أنّ الأصيل متمكن من الفسخ بقاعدة لا ضرر ، لأنّ لزوم المعاملة أمر يوجب الضرر عليه فيرتفع بالقاعدة ، كما يحتمل إجبار المالك على أحد الأمرين من الاجازة والرد لاستلزام ذلك ضرراً على الأصيل ، هذا .

أمّا مسألة الاجبار فلا دليل على جواز إجبار المالك على بيع ماله أو إجباره على الالتزام بعدم البيع ، لما عرفت من أنّ الاجازة ليست إلّا عبارة عن البيع وأيّ قاعدة تقتضي إجبار أحد على أنّ يبيع ماله أو يلتزم بعدم بيعه ، إذ له أنّ يجيب بأنّي


1) المكاسب 3 : 429.

لا ألتزم بهذا ولا بذاك ، لأنّ المالك مسلّط على ماله لا محالة .

وأمّا مسألة الخيار والحكم بأنّ الأصيل متمكّن من الفسخ بقاعدة لا ضرر ففيها أنّ إبطاء المالك وإن كان أمراً يوجب الضرر على الأصيل ، إلّا أنّ الضرر لازم عليه على كل حال ، سواء أبطأ كثيراً أو أبطأ قليلاً فأجاز أم ردّ ، وهو مع الالتفات إلى أنّ البيع فضولي يحتاج إلى إجازة المالك وأنّه إلى زمان الاجازة لا يتمكن من التصرف في شيء من ماله ولا بدله وهو أمر يوجب الضرر عليه قد أق--دم ع-ل-ي-ه وذلك لا يرتفع بالقاعدة ، والوجه في لزوم الضرر عليه على أي حال ظاهر ، وهو أنّ ماله يبقى معطلاً في تلك المدّة قليلة كانت أو كثيرة ، كما إذا كان المبيع مثل الدار ونحوها ، ولازم ما ذكرناه أنّ الأصيل يجب عليه الانتظار ولا يتمكن من الفسخ والاجبار ، ولعل هذا ممّا يؤيد ما ذكرناه سابقاً من أنّ الأصيل يتمكن من التصرف في ماله قبل الاجازة مطلقاً أي على النقل والكشف ، وإلّا فاللازم أنّ يتعطل الأصيل ويجب عليه الانتظار كما عرفت (1)هذا كلّه أوّلاً .

وثانياً : أنّ الأمرين اللذين احتملها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) لا يجريان في جميع الموارد كما إذا اتفق ذلك في النكاح فإنّهم ذهبوا إلى أنّ النكاح لا يقبل الخيار إلّا في بعض الموارد المنصوصة ، فلو فرضنا أنّ الزوج غائب أو شخص شريف لا يمكن إجباره كالإمام (عليه السلام) أو كما إذا كان ملكاً من الملوك أو زعيماً ونحوهما فاللازم حينئذ الانتظار إلى آخر الحياة والعمر في مثل النكاح ، والالتزام بمثله في غاية الإشكال ، فلذا ذكرنا أنّ ذلك يؤيّد ما تقدّم منّا من عدم اللزوم على الأصيل


1) وقد نقل سيدنا الأستاذ (دام ظلّه أنّ امرأة زوّجت نفسها من الحجّة المنتظر (عليه السلام) تشريفاً ثمّ أرادت التزويج من آخر فأفتى الفقهاء بأنها تصبر إلى أنّ تموت ، لأن العقد الفضولي لازم من طرف الأصيل أبداً ، هذا .

والعجب من شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)حيث أنّه التزم باللزوم من طرف الأصيل مطلقاً حتّى على القول بالنقل ومنع عما احتمله شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من عدم اللزوم على القول بالنقل . والتحقيق أنّ الأصيل غير ملزم على المعاملة في المقام وهي ليست لازمة من قبله مطلقاً كما مرّ وعرفت .

7-مطابقة الاجازة للمجاز وعدمها

أنّ الاجازة تارةً تطابق العقد الواقع من جميع الجهات وأخرى تخالفه والمخالفة تارةً على نحو التباين وأخرى بنحو الكلّية والجزئية وثالثة بنحو الاطلاق والتقييد .

أمّا فيما إذا كانت مطابقة للعقد الصادر من جميع الجهات فلا ينبغي الإشكال في صحتها حينئذ وهو واضح ، كما أنّه إذا كانت مخالفة له بالتباين لا ينبغي الإشكال في بطلانها وفسادها وهذا كما إذا عقد الفضولي على الدار فأجاز المالك بيع المال الآخر ، وهذا ظاهر .

وأمّا إذا كانت مخالفة له بنحو الكلية والجزئية كما إذا عقد الفضولي على دارين للمالك فأجاز المالك بيع إحداهما دون الأخرى ، أو باع داراً واحدةً وأجاز المالك بيع نصفها ، فالظاهر أنّ المعاملة صحيحة في المقدار الذي تعلّقت الاجازة به ، وذلك لما يأتي في بيع ما يملك وما لا يملك من أنّ المعاملة الواحدة تنحل عند الع--رف إلى بيوع متعددة ولا مانع من إجازة بعضها دون الآخر أبداً كما إذا باع شاة وخنزيراً فإنّ المعاملة بالاضافة إلى الشاة صحيحة وبالاضافة إلى الخنزير باطلة في مقابل ما


1) منية الطالب 2 : 76 - 78 .

يخصّه من الثمن ، والحال في المقام من هذا القبيل فتصح المعاملة بالاضافة إلى إحدى الدارين أو نصفها في مقابل ما يخصهما من الثمن ، غاية الأمر ثبوت خيار تبعض الصفقة للأصيل ، وهذا لا خفاء فيه .

وأمّا إذا كانت مخالفة للعقد بنحو الاطلاق والتقييد ، فإن كان الاشتراط والتقييد على الأصيل للمالك كما إذا باعه الفضولي داراً واشترط عليه أنّ يخيط ثوب المالك مثلاً ثمّ أجاز المالك نفس المعاملة مطلقة دون الاشتراط ، فلا إشكال في صحّة المعاملة حينئذ لأنّ من له الحقّ الذي هو المالك في المثال قد أسقط شرطه وحقه ولم يطالب المشتري بما التزمه على نفسه فالمعاملة صحيحة .

وأمّا إذا كان الاشتراط على المالك للأصيل كما إذا باعه الفضولي شيئاً واشترط الخياطة على المالك للأصيل فأجاز المالك نفس المعاملة دون المعاملة المشروطة بالشرط فذهب شيخنا الأنصاري (1)إلى أنّ المعاملة باطلة ، لأنّ العقد وإن كان يقبل التبعيض من حيث الأجزاء كما مرّ في الأمثلة المتقدمة ، إلّا أنّه لا يقبل التبعيض من حيث الشرط أبداً ، لأنّ الشروط لا يقع بازائها الثمن وإنّما الثمن في مقابل نفس المال فقط .

وذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (2)أنّ المعاملة في الصورة المفروضة صحيحة ، لأن الشرط وإن لم يحصل للمشتري حسب الفرض ولكنه لا يضرّ بالمعاملة أبداً ، وهذا نظير تعذر الشرط خارجاً وعدم وصوله للمشتري ، والوجه في ذلك أنّ اشتراط شيء في العقد ليس بمعنى تعليق العقد عليه حتّى يبطل العقد بانتفائه ، لأنّ التعليق في العقود يوجب البطلان بالاتفاق ، وإنّما معناه هو الالتزام في


1) المكاسب 3 : 430 .

2) منية الطالب 2 : 103

الالتزام ، فإذا لم يحصل أحدهما فلا وجه لبطلان الآخر أبداً ، هذا .

ولا يخفى أنّ ما أفاده (قدّس سرّه) من أنّ الشرط التزام في الالتزام وليس العقد معلّقاً عليه وإلّا لبطلت المعاملة للتعليق ممّا لا غبار عليه ، لأن معنى الاشتراط ليس عدم البيع على تقدير عدم حصوله ، وإلّا لبطلت المعاملات المشروطة بالشرط للاتفاق على أنّ التعليق يوجب البطلان ، ومع الغضّ عن ذلك فلازمه بطلان العقد عند تخلّف الشرط ، بل الاشتراط عبارة عن الالتزام في الالتزام ، وإنّما الكلام في معنى الالتزام في الالتزام وهل أنّه عبارة عن مجرّد التقارن بين الالتزامين من دون أنّ يكون أحدهما مربوطاً بالآخر بوجه كالالتزام الابتدائي نظير الوعد والعهد فهذا لا يمكن الالتزام به إذ لا وجه حينئذ للخيار عند تخلف الشرط فإنّه غير واجب الوفاء كالوعد فلماذا نحكم بالخيار عند التخلّف حينئذ ، بل هو مخالف لمعنى الشرط لغة فإنّ الشرط هو الربط بين شيئين ومنه الشريط الذي يوضع على اللباس ، ولا ربط بين الشيئين على هذا الاحتمال .

فالتحقيق كما ذكرناه في محلّه : أنّ معناه عبارة عن أنّ الالتزام بالبيع والقيام عليه معلّق على الالتزام الآخر ، فأصل البيع غير معلّق على شيء بل هو متحقّق على كلا تقديري تحقّق الشرط وعدمه ، وإنّما المعلق عبارة عن الالتزام بذلك البيع والثبات عليه والوفاء به ، وأنّ الوفاء بالعقد معلّق على وفاء الآخر بالشرط ومرجعه إلى جعل الخيار عند تخلّف الشرط خارجاً ، وعليه يثبت له الخيار فيما إذا تخلّف الشرط في المعاملة ، ولا يكون ذلك من قبيل التعليق في العقود ، لأنّ البيع والعقد غير معلّقين على شيء وإنّما المعلّق هو الالتزام بالمبادلة وعدم فسخها ، وعليه فالبيع قسمان لازم وخياري وهما حصّتان متغايرتان ، فإذا أوجد الفضولي إحدى الحصتين فأجاز المالك الحصة الأخرى منهما فلا معنى لصحّة البيع حينئذ ، لأنّ إحداهما غير الأخرى بالبداهة فلا تكون الاجازة مطابقة للعقد بوجه ، والتطابق

بينهما معتبر في صحّة المعاملات نظير التطابق بين الايجاب والقبول . وبعبارة أخرى : العقد الواقع في الخارج لم تتعلّق به الاجازة وما تعلّقت به الاجازة حصة أخرى لم تقع خارجاً .

وهذا لا يقاس بما إذا تعذر الشرط خارجاً بعد تمامية العقد من الطرفين فإنّ البائع والمشتري في صورة التعدّر قد رضيا بالبيع والشرط وطابق القبول الايجاب فيها غاية الأمر أنّ الشرط تعدّر خارجاً إما بالتعدّر العقلي كما إذا لم يتمكن من الوفاء بالشرط حقيقةً بأن لم يتمكن من تحريك لسأنّه ليدرسه كما إذا اشترط عليه التدريس ، وأمّا بالتعذّر الشرعى كما إذا باعه شيئاً بشرط أنّ يأتيه بالخمر أو يقتل عدوّاً له ، فإنّه وإن كان متمكناً من الفعلين حينئذ إلّا أنّ الشارع نهاه عنهما فهما متعدّران شرعاً ، وهذا بخلاف المقام فإنّ أحدهما غير راض بفعل الآخر ولم يحصل التطابق بينهما ، فالمعاملة لم تتم بعد فكيف يقاس أحدهما بالآخر .

فالصحيح ما ذهب إليه شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من البطلان في الصورة المفروضة وإن كان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بالاضافة إلى معنى الاشتراط صحيحاً أيضاً، هذا كله فى صورة اشتراط الأصيل على المالك .

وممّا ذكرناه في تفصيله يظهر أنّ ما أفاده شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أنّ المقام نظير تخلّف الجزء فيها إذا باع شيئاً مركباً ممّا لا وجه له ، فإنّ الالتزامين عند تخلّف الجزء متطابقان بخلاف المقام ، وتوضيحه : أنّه إذا باع الفضولي فرسين للمشتري فقبله الأصيل بالاجتماع بمعنى أنّ شراء كل واحد منهما مشروط بشراء الفرس الآخر ، ثمّ أجازه المالك في أحدهما دون الآخر ، لا وجه لبطلان المعاملة أبداً ، وذلك لأنّ المشتري كأنّه اشترى كلّ واحد منها بشراء مستقل م-ش-روطاً بشراء الفرس الآخر في المثال ، والمالك أجاز البيع الخياري في أحدهما دون الآخر حيث أنّ البيع في كلّ واحد منهما خياري ومشروط بشراء الآخر حسب الفرض

فالخيار عند تخلّف الشرط ثابت في كلّ واحد منهما من الابتداء ، والمالك أجاز أحد البيعين الخياريين دون الآخر ، فكأنّه قال أجزت بيع أحدهما وللمشتري الخيار وله الالتزام بالبيع وفسخه ، وهذا بخلاف المقام فإنّ المعاملة وقعت على المقيد بالشرط والاجازة على المطلق فلم تتطابق الاجازة مع المعاملة ، والتطابق بينهما ممّا لا مناص عن الالتزام به في صحّة المعاملات ولعلّه ظاهر ، فلا وجه لما أفاده (قدّس سرّه) في المقام من أنّ تخلّف الشرط نظير تخلّف الجزء في عدم استلزامه البطلان في المعاملات ، هذا كله فيما إذا وقع الاشتراط في ضمن العقد للأصيل على المالك أو للمالك على الأصيل .

وأمّا إذا كانت المعاملة مطلقة حين العقد واشترط المالك حين الاجازة أمراً على الأصيل ففيه وجوه : الأوّل صحّة الاجازة مع الشرط فيما إذا رضي به الأصيل . الثاني : صحّة الاجازة في نفسها دون الشرط لأنّه من قبيل الشروط الابتدائية وهي ممّا لا يجب الوفاء به . الثالث : بطلان الاجازة لأنّها مشروطة بالشرط فإذا لغى

الشرط لغى المشروط لا محالة .

وقد مال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) (1)إلى الأخير ، إلّا أنّ التحقيق هو الوجه الأوّل . أمّا عدم صحتهما فيما إذا لم يرض به الأصيل فلما ذكرناه سابقاً من عدم تطابق الاجازة للعقد حينئذ ، فإنّها متعلّقة بالعقد المشروط والواقع خارجاً هو العقد المطلق والتطابق بينهما ممّا لا بد منه . وأمّا صحتهما أي الاجازة مع الشرط فيما إذا رضي به الأصيل فلأجل أنّ الشروط الابتدائية وإن كانت خارجة ع-ن ع-موم « المؤمنون عند شروطهم » وغيره من العمومات من جهة الإجماع على عدم وجوب الوفاء بالشروط الابتدائية وإن كان على خلاف الأخلاق أو من جهة


1) المكاسب 3 : 430 .

اقتضاء نفس الشرط فإنّه بمعنى الربط بين شيئين كما في القاموس (1)فلذا قلنا سابقاً أنّ الشريط مأخوذ من الشرط لأنّه يربط بين الشيئين كما هو ظاهر ، فلابدّ في تحقّق الشرط من وجود شيء يرتبط به شيء آخر ، وهذا مفقود في الشروط الابتدائية كما هو واضح فلا يجب الوفاء بها، إلّا أنّ الشرط في المقام لما كان في ضمن القبول أو ما هو بحكمه أعني الاجازة ولم يكن من قبيل الشرائط الابتدائية فلا مانع من شمول عموم « المؤمنون عند شروطهم » له بعد ما رضي به الأصيل ، لأنّه شرط في ضمن المعاملة غاية الأمر أنّه ذكر في طرف الاجازة والقبول لا في طرف الايجاب ، ولم يرد دليل على اعتبار ذكره في طرف الايجاب في وجوب الوفاء به . نعم هذه المعاملة المشروطة لم تبرز بالايجاب والقبول بل أبرزت بايجاب وقبول ورضى من الأصيل والاختلاف في المبرز غير مانع عن صحّة المعاملات .

وبالجملة : أنّ العقد وإن كان مطلقاً بحسب الحدوث إلّا أنّه بحسب البقاء مشروط من كلا طرفي الأصيل والمالك ، فلا يرد إشكال عدم التطابق بين الاجازة والعقد في المقام ، هذا كلّه فيما إذا اشترط المالك على الأصيل حين الاجازة ، وأمّا إذا اشترطه للأصيل على نفسه فلا إشكال في صحته بطريق الأولوية والفحوى ، لأنّ الأصيل الذي رضي بالمطلق حسب الفرض فهو راض بالعقد عند الاشتراط له ولعله ظاهر ، هذا تمام الكلام في الاجازة .


1) القاموس 2 : 368 .

فهرس الموضوعات

الموضوع

البيع

تعريف المصباح للبيع ...4

منشأ إضافة المال إلى الأشخاص ...4

معنى البيع عند المصنّف ...8

تمييز البائع عن المشتري ...9

اختصاص المبيع بالأعيان...12

المراد بتعلّق البيع بالعين وتعلق الاجارة بالمنفعة ...13

المراد بالمنافع التي هي متعلّق الاجارة ...13

عدم اشتراط وجود العين في الخارج ...14

أقسام الملكية ...15

المراد بالمبادلة في كلام المصباح ...17

عدم اعتبار المالية في العوضين ...18

هل البيع من مقولة اللفظ أو المعنى ؟ ...19

إجارة الثمر على الشجر...22

وقوع المنفعة عوضاً ...23

وقوع منافع الحر وأعماله عوضاً ...23

عدم كون أعمال الحرّ قبل المعاوضة عليها من الأموال ...25

ضمان من حبس الحرّ الكسوب ...26

أقسام الحقّ ...26

الفرق بين الملك والحقّ والحكم ...29

وقوع الحقّ ثمناً في البيع ...31

الشك في قابلية حكم للاسقاط أو النقل والانتقال ...35

حقيقة الإنشاء والفرق بينه وبين الاخبار ...39

إشكالات تعريف البيع ...42

وضع أسماء المعاملات ...60

مبحث المعاطاة. ..68

معنى المعاطاة والفرق بينها وبين سائر المعاوضات ...68

الأقوال في المعاطاة ومدركها ...69

الاستدلال على إفادة المعاطاة للملكية ...74

مناقشات كاشف الغطاء حول إفادة المعاطاة الملك ...82

أدلة أصالة اللزوم في العقود...94

معنى قوله (عليه السلام) « إنّما يحلل الكلام ويحرم الكلام »...111

تنبيهات المعاطاة ...116

التنبيه الأوّل: جريان أحكام البيع وشروطه في المعاطاة ...116

جريان الخيار في المعاطاة ...121

التنبيه الثاني : فيما يحصل به المعاطاة ...125

التنبيه الثالث : في تمييز البائع عن المشتري في المعاطاة...133

التنبيه الرابع : أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين ...136

التنبيه الخامس : جريان المعاطاة في غير البيع ...152

التنبيه السادس : ملزمات المعاطاة...158

التنبيه السابع : جريان الخيارات المختصة بالبيع في المعاطاة ...175

التنبيه الثامن : صدق المعاطاة على البيع بصيغة غير جامعة للشروط ...178

شروط الصيغة ...181

عدم اعتبار اللفظ في بيع الأخرس ...181

كفاية الكتابة مع عجز الأخرس عن الاشارة...181

مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في شرطية شيء أو مانعيته ... 181

اختصاص اعتبار الشروط بالمتمكن ...183

هل تتقدم الاشارة على الكتابة في الأخرس ؟ ...184

بحث في مواد الصيغة وهيآتها ...185

صيغ الايجاب ...188

صيغ القبول ...192

تعيين الموجب من القابل ...194

الكلام في اعتبار العربية وعدمه ...196

اعتبار الماضوية وعدمه ...201

اشتراط تقدّم الايجاب على القبول ...203

الموالاة بين الايجاب والقبول ...209

اعتبار التنجيز في العقود ...214

اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول ...221

بقاء أهلية كلّ من المتعاقدين عند انشاء الآخر ...224

الاختلاف في شروط الصيغة...227

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد ...232

1 - أدلّة ضمان المقبوض بالعقد الفاسد ...232

قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ...234

أدلّة هذه القاعدة...235

2 - لزوم ردّ المقبوض بالعقد الفاسد ...249

3-ضمان منافع المقبوض بالعقد الفاسد ...254

المحتملات في قاعدة « الخراج بالضمان »...256

4- ضمان المثل بالمثلي والقيمة بالقيمي ...261

تعريف المثلي ...262

5 - حكم زيادة قيمة مثل التالف بأضعاف...266

6 - حكم تعدّر المثل في المثلي من حيث الاجبار على أخذ القيمة ...267

7 - وجوب ردّ المثل في القيمي مع التمكن من المثل ...272

المناط في تعيين القيمة في القيمي ...273

بدل الحيلولة ...284

أسباب الضمان ...292

1 - التلف الحقّيقي ...292

2 - التلف الحكمي ...292

تلف الأجزاء والأوصاف...292

4 - زوال الملكية ...293

شروط المتعاقدين...297

1 - اشتراط البلوغ ...297

معاملات الصبي ...297

2 - اشتراط قصد مدلول العقد ...309

3 - تعيين المالكين ...311

تعيين الموجب والقابل ...315

4 - اشتراط الاختيار ...318

معاملات المكره ...318

بحث حول التورية ...326

الاكراه على الجامع ...331

إكراه أحد الشخصين ...338

صور الاكراه من حيث تعلّقه بالمالك أو العاقد....339

الاكراه على شيء وإتيان المكره - بالفتح - بشيء آخر ...342

حكم الاكراه على الطلاق ...346

لو رضي المكره بما فعله حال الاكراه ...349

هل الرضا كاشف أو ناقل ؟ ...355

5 - شرطية إذن السيّد في صحّة معاملة العبد ...357

معاملات العبد ...357

أمر العبد بشراء نفسه من مولاه ...368

6 - شرطية الملك أو الاذن من المالك ...371

بيع الفضولي...370

جريان الفضولية في الايقاعات ...370

صحّة عقد الفضولي مع اقترأنّه برضا المالك ...371

أدلّة صحّة بيع الفضولي للمالك...378

أدلّة بطلان بيع الفضولي للمالك...404

بيع الفضولي للمالك مع سبق نهيه عنه ...415

بيع الفضولي لنفسه ...417

جريان الفضولية في بيع الكلي ...425

جريان الفضولية في المعاطاة ...430

الكلام في الاجازة ...435

هل الاجازة كاشفة أو ناقلة ؟ ...435

ثمرات القول بالكشف والنقل ...450

تنبيهات الاجازة ...488

1 - كون النزاع في الكشف والنقل في الحكم الشرعي لا اللغوي ...488

2 - هل يعتبر في الاجازة اللفظ ؟ ...489

3-حكم الاجازة بعد الردّ ...493

4 - إرث الاجازة ...499

5- إجازة المعاملة ليست إجازة للقبض والاقباض ...501

6 - الاجازة ليست فورية...505

7-مطابقة الاجازة للمجاز وعدمها ...507

فهرس الموضوعات...513