ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : مصباحالفقاهة فیالمعاملات: تقریرا لابحاث ابوالقاسمالموسوی الخوئی/ تالیف محمدعلیالتوحیدی التبریزی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاءآثارالامام الخوئی، 14ق.-= 13.-
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : 964-7336-41-1
يادداشت : فهرست نویسی بر اساس جلد سی و پنجم، 1428ق.-=2007م.-=1386.-
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : عنوان روی جلد: مصابحالفقاهه فیالمعاملاتالمکاسبالمحرمه.
یادداشت : کتابنامه.
عنوان روی جلد : مصابحالفقاهه فیالمعاملاتالمکاسبالمحرمه.
موضوع : معاملات (فقه)
شناسه افزوده : توحیدی، محمدعلی، 1955- م.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP190/خ9م6 1300ی
رده بندی دیویی : 297/372
شماره کتابشناسی ملی : 1147779
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِینَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَیِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِین َ
وَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَی اَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِینَ
مِنَ الْآن إِلَی قِیَامِ یَوْمِ الدِّینْ
مِصْبَاحُ الفَقَاهَةِ
فِي الْمُعَامِلَاتِ
مِصْبَاحُ الفَقَاهَةِ
فِي الْمُعَامِلَاتِ
تقريراً لِأَبَحَاثِ
الْاُسْتَاذِ الْاَعْظَمِ سَمَاحَةِ آيَة اللهِ الْعُظْمَى
السَّیِّدِ ابُو الْقَاسِمِ الْمُوسَويِ الْخُوئِي(قدس سره الشریف)
« 1317-1413ه- »
الْمَكَاسِبُ الْمُحَرَّمَةَ
تَأْلِيفُ آيَةَ الله
الشِّیْخُ مِیرْزا مُحَمَّد عَلِي التُّوحِيدِي التَّبْرِیزي(قدس سره الشریف)
طَبْعةٌ مُنَقَّحَةَ
مُؤَسَسَةُ الْخُوئى الْأِسْلَامِيَّةِ
مؤسسة الخوئي الإسلامية
AL-KHOEI ISLAMIC FOUNDATION
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة
لمؤسّسة الخوئي الإسلامية
الجزء الخامس والثلاثون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره الشریف)
(مؤسّسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 982512932264 + - 9121530367 98 +
تاريخ الطبع: 1430 ه- ، 2009 م
المطبعة: نينوى
الطبعة :الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
ISBN: 964-7236-41-1-
Emil: info@alkhoei.net
www. alkhoei.com
www. alkhoei.net
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا إلى حقائق الإيمان، وأنار قلوبنا بأنوار العلم والعرفان والصلوات الزاكيات على سيدنا ونبينا محمد الصادع بالدين الحنيف ، والشرع المنيف ، وعلى آله الأطهار ، الدعاة إلى الله ، والناشرين لأحكام الله . وبعد ، فلمّا كان كتاب المكاسب الذي هو من مصنّفات الشيخ الأعظم الصناع الفذّ والع-ل-م الف--رد المحقّق المؤسس شيخ مشايخنا الأنصاري (قدّس الله روحه) من أعظم الكتب الفقهية شأناً وأكثرها مادّة وأمتنها استدلالاً وأجز لها عبارة ، كان هو المعوّل عليه في الدراسة الخارجية عند البحث عن المعاملات ، وقد جمع (قدّس الله روحه) وأكرم مثواه بين دفّتي كتابه زبدة أفكار العلماء المتقدمين وخلاصة أنظارهم الدقيقة ، وأض-اف إليها من فكرته الوقّادة وقريحته النقّادة تحقيقات أنيقة وتأمّلات رشيقة ، وبذلك كان الكتاب صحيفة ناصعة تمثّل سداد الرأي ونتاج المجهود الفكري في مراتبه الراقية ، وعلماؤنا الأعلام (قدّس الله أسرارهم) قد أبدوا اهتماماً خاصّاً بهذا الكتاب وعنوا به عناية فائقة وتعرّضوا إليه وأوسعوه دراسة وشرحاً وتعليقاً حسب اختلاف أذواقهم في الشرح والتعليق ، وبذلك تكوّنت مجموعة نفيسة من الشروح
لايستغني عنها الباحث ولا يتجاوزها المراجع المتأمّل ، إلى أن ألقت العلوم الدينية زعامتها وأسندت رئاستها إلى سيّدنا وأُستاذنا علم الأعلام آية الله الملك الع-لّام فقيه العصر ، وفريد الدهر البحر اللجي، واسطة قلادة الفضل والتحقيق ، مح-ور دائرة الفهم والتدقيق ، إمام أئمّة الأُصول وزعيم أساتذة المعقول والمنقول ، المبيّن لأحكام الدين ، والمناضل عن شريعة جدّه سيد المرسلين ، قدوة العلماء الراسخين ، أُسوة الفقهاء العاملين ، المولى الأعظم والحبر المعظّم مولانا وملاذنا الحاج السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي النجفي أدام الله أيّام إفاضاته ومتّع الله المسلمين بطول بقائه ، وهو أدامه الله قد تعرّض إلى الكتاب أثناء الدراسة الخارجية في الحوزة المقدّسة العلوية وأوسعه تهذيباً وتنقيحاً ، وكشف النقاب عن غوامضه وأبان الموارد المعضلة منه ، وأخذ بتلك المسائل والآراء التي قيلت أو يمكن أن تقال فصهرها في بوتقة خياله الواسع وفكره الجامع ، وأفرغها في قوالب رصينة وشيّدها على أُسس متينة ، وكان النتاج درّة لمّاعة على مفرق التشريع الإسلامي والفقه الجعفري ، وكنت ممّن وفّقه الله للاستفادة من محضره الشريف والارتواء من منهله العذب ، فجمعت في هذا المختصر ما استفدته من تلك الأبحاث ، عرضت ذلك على السيد (دام ظلّه) فراجعه مراجعة كاملة وكرّر النظر في أبحاثه وفصوله ، وها أنا ذا أقدّم كتابي هذا مصباح الفقاهة إلى أرباب العلم والفضيلة ، آملاً أن يقع ذلك منهم موقع القبول ، وجعلت عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم ، سائلاً منه أن يجعل ذلك ذخراً ليوم لا ينفع مال ولا بنون . وقد كان المؤلّفون القدماء كثيراً يقولون إنّ أسواق العلوم كاسدة وتجارتها غير مربحة ، وإنّ الناس قد رغبت عنها إلى ملاذ الدنيا وشهواتها وقصرت بأنظارها إلى الحطام العاجل والعرض الزائل ، وإنّهم قد استأثروا الكسل على الجدّ والنوم على السهر والراحة على العمل ، وإنّ الدنيا قد أدبرت عن ورثة الرسالة وأصحاب الأمانة
وأمثال هذه الكلمات صارت عنواناً لفواتح الكتب ومستهلّات الخطب والرسائل وأمّا نحن فلنا أن نفتخر بحمد الله وإفضاله على هذا العهد الزاهي الذي ازدهرت فيه أنوار العلوم ، وأشرقت فيه شموس المعارف ، وأصبحت الاُمم من كل حدب وصوب يتّجهون إلى هذه المدينة المقدّسة مدينة سيد العلماء على الإطلاق بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وازدحمت المدارس بطلّابها وضاقت بهم أرجاؤها ، نحمده تعالى على هذه الموهبة الجليلة والنعمة الجسيمة ، ونسأله أن يوفّقنا لخدمات الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين ، وأن يجعلنا من المشمولين لقوله عزّ من قائل : يَرْفَع اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وتمّت كلمة ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم .
محمد علي التوحيدي
فیما یرجع الی روایة تحف العقول
قوله (رحمه الله ) : روي في الوسائل(1).
أقول : المذكور في تحف العقول(2)والبحار(3)يشتمل على زيادات ، وقد أسقطها المصنّف ، وربما يخلّ بالمقصود . وما في حاشية العلّامة الطباطبائي (رحمه الله)(4)من أنّه لا يتغيّر بها المعنى المراد ، فيظهر لك ما فيه ممّا سيأتي .
بحث وتحقيق : اعلم أنّ هذه الرواية وإن كانت حاوية للضوابط الكلّية والقواعد الكبروية الراجعة إلى إعاشة عالم البشرية ، من حيث تديّنهم بالأحكام الشرعية ، إلّا أنّه لا يمكن تصدير الكتاب بها لأجل أخذها مدركاً للأبحاث الآتية ودليلاً لأحكام التجارة جزئيّها وكلّيها ، بل لابدّ في كل مسألة من ملاحظة مداركها بالخصوص ، فإن كان فيها ما يدلّ على المنع أُخذ به ، وإلّا فالعمومات الدالّة على صحّة المعاملات محكمة .
الوجوه الدالّة علی عدم جواز التمسّک بها
وإنّما لم يجز التمسك بهذه الرواية لوجوه :
الأوّل : قصورها من ناحية السند وعدم استيفائها لشروط حجّية أخبار الآحاد ، فإنّ راويها أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي وإن كان رجلاً وجيهاً فاضلاً جليل القدر رفيع الشأن ، وكان كتابه مشتملاً على الدرر واليواقيت من مواعظ أهل البيت (عليهم السلام) وقد اعتمد عليه جملة من الأصحاب(1)إلّا أنّه لم يذكرها مسندة ، بل أرسلها عن الصادق (عليه السلام) فلا
1) منهم المحدّث الحرّ العاملي في الوسائل 30 : 156 / الفائدة الرابعة من الخاتمة ، حي-ث ع-دّ كتاب تحف العقول من جملة الكتب المعتبرة . وفي رجال المامقاني [ تنقيح المقال 1 : 293 من أبواب الحاء / 2641 ] : الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني أو الحلبي ، قال في روضات الجنات : إنه فاضل فقيه ومتبحّر نبيه ومترفّع وجيه ، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول ، معتمد عليه عند الأصحاب . وقال المحدّث القمّي في الفوائد الرضوية : 109 : أبو محمد شیخ فاضل محدّث عالم عامل فقيه جليل . ثم نقل عن صاحب التكملة عن الحسين بن علي بن الصادق البحراني أنه من قدماء الأصحاب ، حتى أنّ شيخنا المفيد ينقل عنه ، وهو كتاب لم يسمح الدهر بمثله . وهكذا المحدّث الطهراني في الذريعة 3 : 400 / 1435 . وقال المجلسي في البحار 1 : 29 : كتاب تحف العقول عثرنا منه على كتاب عتيق ، ونظمه يدلّ على رفعة شأن مؤلّفه ، وأكثره في المواعظ والأصول المعلومة التي لا نحتاج فيها إلى سند . وقال السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة: 413 [ ما مضمونه ] : شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم له كتاب تحف العقول في الحكم والمواعظ عن آل الرسول ، كتاب جليل لم يصنّف مثله وكان هذا الشيخ جليل القدر عظيم المنزلة ، وفي حقّه يقول الشيخ العالم الربّاني الشيخ حسين ابن علي بن الصادق البحراني في رسالته في الأخلاق : كتاب تحف العقول للفاضل النبيل الخ . إلى غير ذلك من كلمات الأعلام في اعتبار تحف العقول ووثاقة مؤلّفه .
تكون مشمولة لأدلّة حجّية خبر الواحد ، لاختصاصها بالخبر الموثوق بصدوره(1). ودعوى قيام القرينة على اعتبار رواتها المحذوفين جزافية ، لأنّ القرينة على اعتبارهم إن كانت هي نقله عنهم فذلك ممنوع ، لكون النقل أعم من الاعتبار فالالتزام بالأعم لا يدل على الالتزام بالأخص . وإن كانت شيئاً آخر غير النقل فلم يصل إلينا ما يدلّ على اعتبارهم . ولو سلّمنا ذلك فإنه لا يفيدنا بوجه ، بل حتى مع تصريحه باعتبارهم عنده ، لأنّ ثبوت الاعتبار له لا يدل على ثبوته لنا ما لم يذكر سببه من التوثيق لنلاحظه حتى يوجب ثبوته عندنا ، فلعلّه يعتمد على غير خبر الثقة أيضاً .
وهم ودفع : وربما يتوهّم انجبار ضعفها بعمل المشهور . إلّا أنه مدفوع ، لكونه فاسداً كبرى وصغرى.
أمّا الوجه في منع الكبرى : فلعدم كون الشهرة في نفسها حجّة ، فكيف تكون موجبة لحجّية الخبر وجابرة لضعف سنده ، وإنما الشهرة بالنسبة إلى الخبر كوضع الحجر في جنب الإنسان . فلابدّ من ملاحظة نفس الخبر ، فإن كان جامعاً لشرائط الحجية عمل به ، وإلّا فإن ضم غير حجة إلى مثله لا ينتج الحجية .
لايقال : إذا عمل المشهور بخبر كشف ذلك عن احتفافه بقرائن توجب الوثوق قد اطّلعوا عليها ولم تصل إلينا ، فيكون الخبر موثوقاً به. كما أنّ إعراضهم عن الخبر الصحيح يوجب وهنه وسقوطه عن الاعتبار ، ومن هنا اشتهر في الألسن : أنّ الخبر كلّما ازداد صحة ازداد باعراض المشهور عنه وهناً .
فإنه يقال : مضافاً إلى كون ذلك دعوى بلا برهان ورجماً بالغيب وعملاً بالظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، أنّ المناط في حجية خبر الواحد هي وثاقة
1) [ لعلّ الصحيح على مبناه (رحمه الله) أن يقال : لاختصاصها بخبر الثقة ] .
الراوي ، ويدل على ذلك الموثّقة التي أرجع الإمام (عليه السلام) السائل إلى العمري وابنه(1)
(عليه السلام) قال : «سألته وقلت : من أُعامل وعمّن آخذ وقول من أقبل ؟ فقال : العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون ». وقال : « سألت أبا محمد(علیه السلام) عن مثل ذلك ، فقال : العمري وابنه ثقتان ... فإنهما الثقتان المأمونان » وهما موثّقتان ، راجع الوسائل 27 : 138 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح4 .
حيث علّل هذا الحكم فيها بأنهما ثقتان . ويدل عليه أيضاً الروايات المتواترة التي أُرجع فيها إلى أشخاص موثّقين(2)، فإنّ من المعلوم أنه لا خصوصية لهؤلاء الرواة إلّا من حيث كونهم موثّقين. إذن فالمناط هو الوثاقة في الراوي ، وعلى هذا فإن كان عمل المشهور راجعاً إلى توثيق رواة الخبر وشهادتهم بذلك فبها ، وإلّا فلا يوجب انجبار ضعفه . ومن هنا يعلم أنه بعد ثبوت صحة الخبر لا يضرّه إعراض المشهور عنه ، إلّا أن يرجع إلى تضعيف رواته .وبالجملة : إنّ الملاك في حجية أخبار الآحاد هو وثاقة رواتها ، والمناط في عدم حجيتها عدم وثاقتهم ، ولأجل ذلك نهي عن الرجوع إلى من لا وثاقة له(3)و تفصيل الكلام في الأُصول(4).
وأمّا الوجه في منع الصغرى : فهو عدم ثبوت عمل المتقدّمين بها، وأمّا عمل المتأخّرين فهو على تقدير ثبوته غير جابر لضعفها . مضافاً إلى أنّ استنادهم إليها في فتياهم ممنوع جدّاً كما سيأتي ، فإنّ المظنون بل الموثوق به هو اعتمادهم في الفتيا على غيرها ، وإنّما ذكروها في بعض الموارد تأييداً للمرام .
لا يقال : إنّ شرائط الحجية وإن كانت غير موجودة فيها إلّا أنّ موافقتها في المضمون للروايات الأُخرى الصحيحة أو الموثقة توجب حجيتها ، على أنّ آث--ار الصدق منها ظاهرة .
فإنّه يقال . إذا لم تستوف الرواية شرائط الحجية فمجرد موافقتها للحجّة في المضمون لا تجعلها حجّة . وأمّا قوله : إنّ آثار الصدق منها ظاهرة ، فلا ندري ماذا يريد هذا القائل من هذه الآثار ، أهي غموض الرواية واضطرابها ، أم تكرار جملها وألفاظها ، أم كثرة ضمائرها وتعقيدها ، أم اشتمالها على أحكام لم يفت بها أحد من الأصحاب ومن أهل السنّة ، كحرمة بيع جلود السباع والانتفاع بها وإمساك-ها وجميع التقلب والتصرّف فيها ، مع أنّ الروايات المعتبرة إنما تمنع عن الصلاة فيها فقط لا عن مطلق الانتفاع بها ، كموثقة سماعة وغيرها (1)وكحرمة الانتفاع بالميتة ولو كانت طاهرة ، وسيأتي خلاف ذلك في بيع الميتة(2)وكحرمة التصرف والامساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد ، وسيظهر لك خلاف ذلك من المباحث الآتية.
و ممّا ذكرنا ظهر عدم انجبارها بالاجماع المنقول على تقدير حجّيته .
الوجه الثاني : أنّ فتاوى أكثر الفقهاء إن لم يكن كلّهم لا تطابق بعض جمل الرواية ، فكيف ينجبر ضعفها بالشهرة الفتوائية بينهم ، فإنّ مقتضى بعض فقراتها حرمة بيع النجس مطلقاً ، مع ، مع أنّه لم يلتزم به إلّا النادر من الفقهاء ، بل في بعض
فقراتها حرمة إمساكه والتقلّب فيه ، ولم يفت بهذا أحد فيما نعلم .
مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية هو حرمة بيع الأُمور المذكورة تحريماً تكليفياً ويدل على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام) : « فهو حرام بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته والتقلّب فيه » فإنّ الإمساك والتقلّب يشمل جميع أنواع التصرف حتى الخارجي منه ، ولا معنى لحرمته وضعاً ، والفقهاء (رضوان الله عليهم) لم يلتزموا في أكثر المذكورات بذلك ، وإنما ذهبوا إلى الحرمة الوضعية واستفادوا ذلك من النهي في أبواب المعاملات ، نظير النهي عن البيع الغرري ، فإنّ معناه الإرشاد إلى بطلان ذلك البيع كما يأتي في محلّه(1)إن شاء الله ، نعم لو توجه النهي إلى ذات المعاملة مع إرادة ما يظهر منه من المولوية لتوجه الالتزام بالحرمة التكليفية ، كالنهي عن بيع الخمر ، وسيأتي .
الوجه الثالث : أنّ التقسيم المذكور فيها لا يرجع إلى أم--ر مح-صّ-ل، وذلك يكشف عن اضطرابها ، فإنّ تربيع أقسام المعاملة المعاشية بجعل كل واح-د م-ن الولايات والصناعات قسماً مستقلاً من تلك الأقسام في قبال التجارات والإجارات لا يسلم عن التكرار .
أمّا الولاية : فهى على قسمين ، لأنها إمّا عامة ثبتت من الله كالنبوّة والإمامة أو خاصة ثبتت من قبل ذوي الولاية العامة .
أمّا الولاية العامة فهي خارجة عن حدود الرواية ، فإنّ التقسيم فيها باعتبار المعاملة المعاشية . فالولاية العامة خارجة عنها تخصصاً، وإنما هي من المناصب الإلهية التي جعلت للعترة الطاهرة .
وأمّا الولاية الخاصة فمن حيث جواز ارتزاق الولاة من بيت المال تدخل
1) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب : 255 وما بعدها .
تحت الاجارة المذكورة في الرواية ، فلا تكون الولاية في مقابل الاجارة قسماً آخر، فإنّ المراد من الإجارة فيها ليس هي الاجارة المصطلحة بين الفقهاء . ويدل على ذلك إدخال الجعالة تحتها وعدم ذكرها في الرواية استقلالاً .
وأمّا الصناعات فإن كان المقصود منها الصناعات المصطلحة من البناية والخياطة والنجارة ونحوها فمن الواضح أنّها ليست قسماً من المعاملات المشرعة للإعاشة ، وإنّما هي موضوع من الموضوعات .
وإن كان النظر فيها إلى الطوارئ والعوارض من حيث إنّ من يتّصف بها إمّا أن يؤجر نفسه للغير لأجل ما عنده من الصناعة ، وإمّا أن يجعل ما يحصله منها ثمناً أو مثمناً في البيع . فعلى الأول تدخل تحت الاجارة ، وعلى الثاني تحت التجارة ، فلا تكون وجهاً آخر في قبالهما .
إلّا أن يراد منها نفس الحرفة والصنعة مع تعميم المقسم إلى كل ما يكون وسيلة إلى المعاش ، فحينئذ يشملها المقسم لكونها من أعظم الوسائل إلى التعيّش .
وفيه : أنّه بناء عليه لا يكون التقسيم المذكور في الرواية حاصراً ، لخروج كثير من وسائل الإعاشة عن المقسم ، كالحيازات والنتاجات والاصطياد وإحياء الموات وإجراء القنوات والضيافات وأخذ الخمس والزكاة والصدقات .
وقد ردّ هذا الإشكال بأنّ الحصر في الرواية إضافي . ولكنّ هذا الرد فاسد فإنه ناشئ من الاغترار بما اشتهر في ألسنة الأُدباء من حسبان الحصر الإضافي قسماً آخر يقابل الحصر الحقيقي ، مع أنّ الحصر لا يكون إلّا حقيقياً ، بل الالتزام بالحصر في مورد مع الالتزام بكونه إضافياً لا حقيقياً التزام بالمتناقضين كما هو واضح للناقد البصير .
نعم قد يكون الحصر في حصة خاصة كما يقال : زيد أعلم من في النجف وقد يكون غير مقيّد بحصة خاصة ، فيسمّى الأول إضافياً والثاني حقيقياً ، وهذا
غير ما توهّم .
وتوهّم بعضهم أنّ التقسيم فيها باعتبار المعاملات ، وحينئذ فلا يوجب حصرها في الأربع حصر كل طرق المعاش إليه . ولكن هذا التوهّم مما لا يصغى إليه بعد القطع بأنّ المعاملات المنقسمة إلى الأقسام المذكورة ليست هي المعاملات المصطلحة كما عرفت .
نعم لا يبعد أن يقال : إنّ التقسيم في الرواية بحسب المعاملات المعاشية المعروفة كما يدل على ذلك صدرها(1)وقد أسقطه المصنّف تبعاً لصاحب الوسائل .
وقد تحصّل من مطاوي بعض ما ذكرنا عدم جواز الاستناد إلى شيء من روايات تحف العقول في شيء من الأحكام الشرعية، ومع ذلك لاينقضي تعجّبي من الشيخ حسين البحراني (رحمه الله)كيف رضي القول بأنه كتاب لم يسمح الدهر بمثله(2)، مع أنّ الكتب المعتمدة للشيعة نصب عينيه .
تذييل : لا يخفى عليك أنّ المناسب تقسيم معائش العباد إلى قسمين : التجارة بالمعنى الأعم ، والعمل . فإنّ الإعاشة العقلائية لا تخلو منهما ، وأمّا مثل التسوّل ونحوه فليس من الطرق العقلائية للإعاشة .
كشف حقيقة ولطف قريحة : لا يخفى عليك أنّ الإضافات الموجودة بين المال ومالكه المسماة بالإضافات المالكية تكون على أنحاء ، لأنّها في دار تقرّرها إمّا إضافة ذاتية تكوينية ، وإمّا إضافة عرضية أي متكوّنة بواسطة الأُمور الخارجية .
أمّا الأُولى فكالإضافات الموجودة بين الأشخاص وأعمالهم وأنفسهم وذممهم
فإنّ أعمال كل شخص ونفسه وذمّته مملوكة له ملكية ذاتية ، وله واجدية لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ودون مرتبة الواجدية الحقيقية التي لمكوّن الموجودات .
ثم إنه ليس المراد من الذاتي هنا الذاتي في باب البرهان ، وهو المنتزع من مقام الذات المسمّى بخارج المحمول ، ولا الذاتي في باب الكلّيات الخمس ، بل المقصود منه هنا ما لا يحتاج في تقرّره وظهوره في صفحة الوجود إلى شيء آخر وراء نفسه م-ن الاعتبارات الملكية ، ولا إلى إعدام موجود ، ولا إلى إيجاد معدوم ، ولا إلى ضم ضميمة ، وإنما شأنها شأن الذاتيات التي لا تحتاج إلّا إلى علّة في الوجود . ثم إنّ معنى الملكية هنا ليس إلّا القدرة والسلطنة ، بمعنى أنّ كل أحد مسلّط على عمله ونفسه وما في ذمته ، بأن يؤجر نفسه للغير ، أو يبيع ما في ذمته . ويأتي لذلك زيادة توضيح في أول البيع(1)إن شاء الله . ومن هنا يندفع ما ربما يتوهّم من أنّ عمل الإنسان لا يعد من الأموال . ووجه الاندفاع : أنّه ليس من الأموال بالإضافة الاعتبارية لا بالإضافة التكوينية .
وأمّا الإضافة العرضية فهي إمّا أن تكون إضافة أولية وإمّا أن تكون إضافة ثانوية ، والأولية إمّا أصلية استقلالية أو تبعية غيرية . فالأولية الأصلية كالإضافة المالية الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معاً ، فالأول كالأعمال التي يعملها الإنسان فيحصل منها المال ، والثاني كحيازة المباحات ، والثالث كمن يحوز أشجاراً فيجعلها سريراً ، فإنّ الصورة السريرية توجب تحقّق إضافة مالية أُخرى في المادّة الخشبية وراء المالية المتقوّمة بالخشبة ، فتلك المالية القائمة فى السرير حاصلة من العمل والحيازة معاً . فإطلاق الأولية عليها باعتبار عدم سبق إضافة ذلك المال إلى الغير والأصلية باعتبار عدم تبعها للغير .
1) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 4 .
وأمّا الإضافة الأولية التبعية فهي ما تكون بين المالك وبين نتاج أمواله كالنتاج التي تنتجه الحيوانات المملوكة ، والبيوض التي تبيضها الطيور المملوكة والثمار التي تثمرها الأشجار المملوكة ، إلى غير ذلك ، فإنها تضاف إلى مالك الأُصول إضافة أولية تبعية . أمّا إطلاق التبعية فلكونها تابعة لما تحصل منه وأمّا إطلاق الأولية فلعدم سبق إضافة إليها .
وأمّا الإضافة الثانوية فالمراد بها ما قابل الاضافة الأولية وإن كانت طارئة على الأموال مراراً عديدة ، فهي نظير المعقولات الثانوية في مقابلتها للمعقولات الأولية ، وهي على قسمين ، لأنها تارةً تكون قهرية وأُخرى اختيارية .
أمّا الأُولى فكالإضافة التي تحصل بسبب الإرث أو الوقف بناءً على كونه من الإيقاعات كما اخترناه في محلّه ، ووجه كونها قهرية هو حصول المالكية في هذه الموارد للوارث والموقوف عليه والموصى له بالقهر ، لا بالفعل الاختياري .
وأمّا الثانية فكالإضافة الحاصلة من المعاملات، ومنها ما يحصل من المكاسب التي نحن بصدد بحثها وتأسيس أُصولها ومبانيها بعون الله وحسن توفيقه. وغير خفي على الناقد أنّ ما ذكرناه من تلك الإضافات على أقسامها من البديهيات التي لا تحتاج إلى المقدمات النظرية الخفية.
قوله (علیه السلام) : كذلك المشتري . أقول : هو اسم فاعل مقابل البائع وليس باسم مفعول ليكون المراد منه المبيع كما تُوهّم .
قوله (علیه السلام) : فيجعل ذلك الشيء . أقول : يمكن أن يراد منه الحمل أي يحمل ، أو الأخذ أي يأخذ ، أو الوصف أي يوصف في مقام الإيجار ، وليس بمعناه المعروف ليكون الشيء مفعولاً أولاً وقوله (عليه السلام) : « في عمل » مفعولاً ثانياً كما
احتمله بعض الأعاظم(1).
قوله (علیه السلام) : حلالاً . أقول : ليس منصوباً على الحالية ، ولا مجروراً لكونه وصفاً لقوله ( عليه السلام) : « في عمل » كما تخيّل ، بل إنما هو مرفوع للخبرية فإنّ أصل النسخة هكذا : « فهذه وجوه من وجوه الإجارات حلال » .
قوله (علیه السلام) : أو سوقة . أقول : في المجمع(2)السوقة بالضم الرعية ومن دون الملك ، ومنه الحديث : « ما من ملك ولا سوقة يصل إلى الحجّ إلّا بمشقّة » .
قوله ( عليه السلام) : أو عمل التصاوير . أقول : في تحف العقول « أو حمل التصاوير» وعلى هذا فعطف الخنازير والميتة والدم في الرواية على التصاوير لا يحتاج إلى عناية .
قوله (عليه السلام) : إجارة نفسه فيه أو له . أقول : المراد من الأول هو الإيجار لنفس الشيء بأن يؤجر نفسه لصنع الخمر ، وكإيجار نفسه في هدم المساجد ، ومن الثاني الإيجار للمقدّمات . وليس المراد من الأول إيجار نفسه في المصنوع كحمل الخمر ومن الثاني إيجار نفسه لصنعه ، ولا أنّ المراد من الأول المباشرية ومن الثاني التسبيبية ، ولا أنّ المراد من الأول الإيجار للمقدّمات ومن الثاني الإيجار لنفس المحرم ، فإنّ كل ذلك خلاف الظاهر من الرواية ، ومن هنا ظهر المقصود من قوله (عليه السلام) : « أو شيء منه أو له » غاية الأمر أنّ المراد منهما جزء العمل وج--زء المقدمات ، والضمائر الأربعة كلّها ترجع إلى الأمر المنهي عنه.
قوله (علیه السلام) : وينحّيها . أقول : في المجمع(3)نحى الشيء أزاله ، ونحّ هذا
عنّي أي أزله وأبعده عنّي .
قوله (رحمه الله ) : وحكاه غير واحد . أقول : ليس في كتاب السيد من رواية تحف العقول عين ولا أثر ، ولم تذكر حتى بمضمونها فيه .
نعم ذكرت(1)
وفي بحار الأنوار 93 : 46 عن تفسير النعماني قال : فأما ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه : وجه الإشارة ، إلى أن قال (عليه السلام) : وأمّا وجه الإشارة فقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ إلى أن قال ( عليه السلام) : وأما وجه العمارة فقوله : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فأعلمنا سبحانه أنه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سبباً لمعايشهم بما يخرج من الأرض من الحب والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله (تعالى) معائش للخلق . وأما وجه التجارة فقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ الآية ، فعرفهم سبحانه كيف يشترون المتاع في السفر والحضر وكيف يتّجرون ، إذ كان ذلك من أسباب المعائش . وأما وجه الإجارة فقوله عزّوجلّ : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدَّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ فأخبرنا سبحانه أنّ الإجارة أحد معائش الخلق ... وجعل ذلك قواماً لمعائش الخلق ، وهو الرجل يستأجر الرجل في صنعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه ، إلى أن قال : وأمّا وجه الصدقات فإنما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب ، ولا في العمارة حظ ، ولا في التجارة مال ، ولا في الإجارة معرفة وقدرة ، ففرض الله تعالى في أموال الأغنياء » الخبر . والظاهر من قوله ( عليه السلام) : « إنّما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب » أنّ لفظ (الإشارة) في مطلع التقسيم غلط من النسّاخ ، وأنّ (الإمارة) هي النسخة الصحيحة كما في الوسائل .
وفي سفينة البحار [ 1 : 722 ] في مادّة حمد : محمد بن إبراهيم بن جعفر ، أبو عبدالله الكاتب النعماني ، صاحب كتاب الغيبة ، يروي عن الشيخ الكليني وغيره ، رجال النجاشي [ : 383 / 1043 ] محمد بن إبراهيم بن جعفر ، أبو عبدالله الكاتب النعماني ، المعروف بابن زينب ، شيخ من أصحابنا ، عظيم القدر ، شريف المنزلة صحيح العقيدة كثير الحديث ، قدم بغداد وخرج إلى الشام ومات بها ، له كتب منها كتاب الغيبة الخ . وهكذا في رجال المامقاني [ 2 : 55 / من أبواب المسيم / 10210 ] . وفي الذريعة 16 : 79 / 398 : تلميذ الكليني وشريك الصفواني . وفي المستدرك 19 (الخاتمة 1) : ( 347 : إنّ الكتاب في غاية الاعتبار ، وصاحبه شيخ أصحابنا الأبرار .
ومع ذلك كلّه لا يمكن الاعتماد على ما اشتمل عليه تفسير النعماني ، لأنّ أحمد بن يوسف وحسن بن علي بن أبي حمزة وأباه الذين من جملة رواته من الضعفاء .
فيه معائش الخلق على خمسة أوجه : وجه الإمارة ووجه1) ففى الوسائل 9 : 489 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 2 ح 12 عن علي بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني عن علي (عليه السلام) قال : « وأمّا ما جاء في القرآن من ذكر معائش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه : وجه الإمارة ، ووجه العمارة ، ووجه الإجارة ، ووجه التجارة ، ووجه الصدقات .
العمارة ووجه الإجارة ووجه التجارة ووجه الصدقات . إلّا أنّ ذلك غير مربوط بما في تحف العقول سنخاً وحكماً ، ولعلّ هذه الجملة صدرت من المصنّف إمّا من سهو القلم أو من جهة الاعتماد على ما في الوسائل ، فإنه قال بعد نقل رواية تحف العقول : ورواه المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه(1). ولا يخفى أنّ كتاب المحكم والمتشابه هذا هو بعينه تفسير النعماني المعروف.
قوله ( رحمه الله ) : وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام)(2).
أقول : تحقيق الكلام هنا يقع في جهتين : الأُولى : في صحة نسبة هذا الكتاب
إلى الرضا ( عليه السلام) وعدم صحتها . والثانية : في دلالة هذه الرواية على مقصد المصنّف وعدم دلالتها .
أمّا الجهة الأُولى : فقد تمسّك القائلون باعتباره بوجوه كثيرة ، ولكنّها تؤول إلى وجهين :
الأوّل : - وهو عمدة ما تمسّك به المثبتون - أنّ ظهوره وإن كان في زمن المجلسي الأول ، ولكن الذي أخبر بالكتاب - ورواه المجلسي - هو الثقة الفاضل والمحدّث الكامل القاضي السيد أمير حسين (طاب ثراه)(1)فإنّه أوّل من اطّلع عليه واستنسخه ، وقد استنسخه المجلسي من نسخته ، وهو ثقة فيصدّق في قوله ، لشمول أدلة الخبر الواحد لخبره ، هذا .
وفيه : أنّ إخباره هذا إمّا أن يكون مستنداً إلى القرائن التي أوجبت حصول العلم العادي له من الخطوط الموجودة فيه للإمام (عليه السلام) والإجازات المدوّنة فيه للأعلام على ما نقله المحدّث المتبحّر النوري في المستدرك(2)عن المجلسي الأول وإمّا أن يكون مستنداً إلى إخبار ثقتين عدلين من أهل قم السيد المذكور بكون الكتاب للرضا (عليه السلام) كما في المستدرك(3)أيضاً ، حيث قال : إنّ السيد الثقة الفاضل القاضي أمير حسين أخبر بأنّ هذا الكتاب له (عليه السلام) وأخبره بذلك أيضاً ثقتان عدلان من أهل قم ، وهذا خبر صحيح داخل في عموم ما دل على
حجية خبر العدل .
أمّا الطريق الأول : فضعفه بيّن ، لأنّ حصول العلم للسيد الأمجد والسند الأوحد من تلك القرائن على صحة النسبة لديه لا يوجب حصول العلم لنا باعتباره وعلمه بذلك لا يفيد غيره بوجه . ومن الغرائب أن يتمسك لحجية خبره هذا بعموم أدلة أخبار الآحاد ، فإنّ هذه العمومات لا تشمل الأخبار الحدسية ولو كان المخبر بها من الثقات. وأغرب منه أن يقال : إنّ المتيقّن من الأخبار الحدسية الخارجة عن هذه العمومات هي ما لا تعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بمضمون الخبر ، وأمّا لو اعتمد على مبادئ محسوسة يلزم من العلم بها العلم بصدق الخبر كما في الشجاعة والسخاوة والعدالة بناءً على تفسيرها بمعنى الملكة فلا يظن بأحد أن يتوقّف في عموم أدلة خبر العدل لها ، وإخبار السيد باعتبار الفقه الرضوي من قبيل الثاني لا الأول .
ووجه الغرابة في هذا القول : أنّ الإخبار بالأُمور الحدسية بواسطة أسبابها الحسّية إنما يكون مشمولاً لأدلة الحجية إذا كان بين الأسباب ومسبّباتها ملازمة عادية ، بحيث يلزم من العلم بها العلم بالمسبّبات كما في الأمثلة المذكورة ، وأمّا إذا انتفت الملازمة العادية فأدلة حجية الخبر لا تشمله كما حقّق ذلك في علم الأُصول(1). وهذا الشرط مفقود في موضوع البحث ، فإنّ الأُمور التي استند إليها السيد في إخباره قابلة للمنع ، فإنه كيف يعلم أحد أنّ الخطوط في النسخة للإمام (عليه السلام) وأنّ الإجازات للأعلام إلّا من طريق الحدس الشخصي . إذن فإنّ الأُمور المذكورة حدسية لا حسّية ، وأيضاً فلا ملازمة بينها وبين العلم بالنتيجة .
فإن قلت : كيف يصح إنكار ما يدل على صدق نسبة الكتاب للإمام (عليه
1) مصباح الأُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 157 - 158.
السلام) مع أنّ فيه عبارات تنطق بكونه له (عليه السلام) مثل ما قال في أول الكتاب : يقول عبدالله علي بن موسى الرضا . وفي بعض كلماته : نحن معاشر أهل البيت وأمرني أبي ، وجدّنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأروي عن أبي العالم ، إلى غير ذلك من العبائر التي لا ينبغي صدورها إلّا عن الحجج (عليهم السلام) وقد ذكر المحدّث النوري جملة منها في المستدرك(1)هذا مضافاً إلى القرائن التي اعتمد عليها السيد المذكور .
قلت : أولاً : أنّ احتمال الكذب لا دافع له مع الجهل بمؤلّفه وانفتاح باب الجعل والفرية من المشمّرين عن ساق الجد للكذب على العترة الطاهرة ، أفنسيت الأخبار المجعولة في أمر الولاية كيف قامت ، وأنّ لكل واحد من الأئمّة (عليهم السلام) م--ن يدسّ عليه من الكذّابين .
ومن هذا ظهر فساد توهّم الصدق في نسبة الكتاب من جهة موافقة تاريخه لزمان الرضا (علیه السلام) .
وثانياً : لنفرض أنّ الكتاب ليس من مجعولات الوضّاعين ، فهل يصح أن نتمسّك بقوله : نحن معاشر أهل البيت أو جدّنا أمير المؤمنين ، لتصحيح كون الكتاب للإمام (عليه السلام) أليس احتمال كون مؤلّفه رجلاً علوياً بمكان من الإمكان .
وأمّا الطريق الثاني : أعني استناد إخبار السيد بصدق الكتاب إلى إخبار ثقتين بذلك من أهل قم ، ففيه :
أوّلاً : أنه محض اشتباه من المحدّث المتبحّر النوري، فإنه مع نقله كلام المجلسي الأول بطوله الذي هو الأصل في السماع عن السيد غفل عنه وسلك مسلكاً آخر فقد قال المجلسي الأول كما في المستدرك : ثم حكى - أي السيد - عن شيخين فاضلين
1) راجع المصدر المتقدم من المستدرك : 255
صالحين ثقتين أنّهما قالا : إنّ هذه النسخة قد أُتي به-ا م-ن ق-م إلى مكة المشرّفة وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم وخط الإمام (عليه السلام) في عدّة مواضع ، قال : والقاضي أمير حسين قد أخذ من تلك النسخة وأتى بها إلى بلدنا، وإنّي استنسخت نسخة من كتابه(1). وهذا الكلام كما ترى يعلن بمخالفته لما أفاده النوري .
وثانياً : ننقل الكلام إلى إخبار هذين العدلين ، فإنّ غاية ما يحصل لنا من إخبارهما كون الفقه الرضوي من جملة الأخبار المرسلة ، فيتوجّه عليه ما قدّمناه في رواية تحف العقول .
وممّا يوهن حجية خبر أمير حسين بصدق الكتاب - مع كونه ثقة - ق-ول المجلسي الأول بعد كلامه المتقدم : والعمدة في الاعتماد على هذا الكتاب مطابقة فتاوى علي بن بابويه في رسالته وفتاوى ولده الصدوق لما فيه من دون تغيير أو تغيير يسير في بعض المواضع ، ومن هذا الكتاب تبيّن عذر قدماء الأصحاب فيما أفتوا به .
ووجه الوهن : أنه لو كان إخبار السيد بذلك جامعاً لشرائط الحجية في الخبر الواحد فلا وجه لقول المجلسي الأول : إنّ العمدة في إثباته هي مطابقته لفتوى الصدوقين . وبالجملة : لم يتحصپل لنا من الوجه المذكور ما يوجب اعتبار الكتاب .
الوجه الثاني مما تمسك به المثبتون لنسبة الكتاب : موافقته لرسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق، وهي الكتاب المعروف بشرائع الصدوق . وقد استند إلى هذا الوجه بعض الأصحاب ، وعرفت أنّ المجلسي الأول من هؤلاء ، فقد جعل العمدة في تصحيح الكتاب موا الكتاب موافقته لفتوى الصدوقين . فلابدّ من أن يكون الكتاب موجوداً في زمان الصدوق ومعتمداً عليه عنده ، ولذا نقل عنه وإن لم يسمّ به .
1) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك : 232 .
وفيه : أنّ هذا لا يوجب اعتبار الكتاب ، لاحتمال أخذ مؤلّفه ذلك من الرسالة المذكورة ، بل هذا هو الظاهر ، إذ من المستبعد جدّاً بل من المستحيل عادةً أن يسند علي بن بابويه كتاب الرضا (عليه السلام) إلى نفسه من دون أن يشير ه-و أو ابنه الصدوق - الذي كتب لأجله هذه الرسالة - إلى أنّ هذا الكتاب من تأليف الرضا . وهل يرضى أحد أن ينسب مثل هذه السرقة إلى الصدوقين . فلابد وأن يكون الأمر بالعكس ، بأن يكون هذا الكتاب مأخوذاً من رسالة علي بن بابويه .
وربما قيل : إنّ فقه الرضا (عليه السلام) هذا هو الذي كتبه الرضا لأحمد ب-ن السكين الذي كان مقرّباً عنده ، وهو بخطه (عليه السلام) موجود في الطائف بمكّة المعظّمة في جملة كتب السيد علي خان، وعليه إجازات العلماء وخطوطهم ، وهذه النسخة بالخطّ الكوفي ، وتاريخها عام مائتين من الهجرة (1). وبعد أن نقل المحدّث النوري هذا الوجه عن الرياض قال ما حاصله : ومن هنا يتّضح أنّ من عدم الاطّلاع ومن قلّة الخبرة أن يقال ظهور الكتاب إنما كان في زمن أمير حسين ، أمّا قبل ذلك الزمان فلم يكن منه عين ولا أثر .
أقول : نحن لا ندّعي أنه لم يكن للرضا (عليه السلام) كتاب و آثار حتى ينقض علينا بما كتبه لأحمد بن سكّين ، بل نقول إنه لا مدرك لنا لإثبات أنّ هذا الكتاب الذي عندنا كان له (عليه السلام) وأنه هو الذي كان موجوداً في مكتبة السيد علي خان ، خصوصاً مع ملاحظة أن ظهوره كان من قم كما عرفت ، ومن هنا يعلم أنّ نقد النوري للقول بظهوره في زمن أمير حسين ناشئ من عدم التأمّل .
ثم إنه مع الغضّ عن جميع ما ذكرناه فإنّ في الكتاب قرائن قطعيّة تدلّ على عدم كونه لمثل مولانا الرضا (عليه السلام) بل هو رسالة عملية ذكرت فيها الفتاوى
1) ملخّص ما نقله النوري في المصدر المتقدّم من المستدرك : 242 عن كتاب رياض العلماء .
والروايات بعنوان الافتاء كما يظهر لمن يلاحظه ، كيف وأكثر رواياته إمّا بعنوان روي وأروي ونحوهما، وإمّا نقل عن الرواة خصوصاً في آخر الكتاب ، فإنه ينقل فيه كثيراً عن ابن أبي عمير وزرارة والحلبي وصفوان ومحمد بن مسلم ومنصور وغيرهم .
على أنّ فيه عبارات يقبح صدورها عن الإمام(علیه السلام) نظير قوله : جعلني الله من السوء فداك(1)، وقوله في باب القدر(2): صف لي منزلتين. فإنّ هذا القول ظاهر في جهل القائل ، وهو مستحيل في حق الإمام (عليه السلام) إلى غير ذلك . وقد نقل جملة منها في المستدرك(3)مع أنه ذكر فيه(4)من الأحكام المتناقضة وما يخالف مذهب الشيعة كثير . وحملها على التقية بديهى الفساد ، لما ورد في هذا الكتاب أيضاً مما يخالفها ، بل تكذيبهم والازراء عليهم(5)، كما في المتعة .
1) [ لم نعثر عليه في المصدر ، نعم نقله في المستدرك (19) (الخاتمة 1) : 281 - في البحث عن الفقه الرضوي - عن بعض توقيعات الاحتجاج فراجع ] .
2) لاحظ فقه الرضا(عليه السلام) : 348 .
3) المصدر المتقدم من المستدرك : 290 .
4) في باب اللباس وما لا يجوز فيه الصلاة ص 157 قال : يجوز الصلاة في سنجاب وسنور وفنك . وفي باب اللباس وما يكره فيه الصلاة ص 202 قال : جلد الميتة دباغته طهارته وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الأرض ولم يحل أكله مثل السنجاب والفنك والسنور . وفي باب التخلّي والوضوء ص 79 قال : وإن غسلت قدميك ونسيت المسح عليهما فإنّ ذلك يجزئك لأنك قد أتيت بأكثر ما عليك ، وقد ذكر الله الجميع في القرآن .
5) ففي باب المتعة محمد بن أبي عمير عن ابن أذينة عن زرارة قال : جاء عبدالله بن عمير إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال : ما تقول في متعة النساء ؟ فقال : أحلّها الله في كتابه وعلى لسان نبيّه ، فهي حلال إلى يوم القيامة ، فقال : يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرّمها أمير المؤمنين عمر ؟ فقال : وإن كان فعل ، فقال : إنّي أُعيذك أن تحلّ شيئاً قد حرّمه عمر فقال : فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فهلم الاعنك أنّ القول ما قال رسول الله فإنّ الباطل ما قال صاحبك ، قال : فأقبل عليه عبدالله بن عمير فقال : يسرّك أنّ نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن ؟ فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) وعن مقالته حين ذكر نساءه وبنات عمّه . [ لم نعثر عليه في المصدر ] .
والالتزام بالتفصيل(1)بأنّ بعض الكتاب إملاء منه (عليه السلام) وبعضه الآخر لأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، وأنّ موارد التقية في الكتاب إنما هي فيما سمع منه (عليه السلام) تكلّف في تكلّف وقول بلا علم ، هذا كلّه ما يرجع إلى نفس الكتاب ، وقد أجاد صاحب الفصول في بعض ما أفاده(2)هنا فليراجع . إذن فقد حق القول أنه لو أُنيطت الأحكام الشرعية بمثل هذه المدارك فبين أيدينا البخاري ومسند أحمد وصحيح مسلم ، وعلى هذا فعلى الفقه السلام .
وأمّا توهّم انجبار رواياته بالشهرة إذا قامت على وفقها فقد عرفت(3)ما فيه في رواية تحف العقول .
وربما يتخيّل اعتبار الكتاب لأجل عمل جملة من الأكابر ب-ه ك-المجلسيين وغيرهما . ولكنّه فاسد ، لأنهم قد استندوا في عملهم هذا بما ذكر من الوجوه التي عرفت جوابها بما لا مزيد عليه .
وأمّا الجهة الثانية : فمع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه والالتزام باعتبار
الكتاب لا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية(1)التي نقلها العلّامة الأنصاري (رحمه الله) في شيء من المباحث ، وذلك لوجوه :
الأول : عدم وجدان فتوى من فتاوى أعاظم الأصحاب على طبقها ، فإنّ الرواية صريحة بحرمة استعمال ما نهي عنه مما فيه الفساد بجميع الاستعمالات حتى الإمساك ، مع أنه لم يفت به أحد فيما نعلم ، وكيف يتفوه فقيه أو متفقّه بحرمة إمساك الدم والميتة ولحوم السباع كما أنّ ذلك مقتضى الرواية . إذن فلا يمكن الفتوى على طبقها .
الثاني : أنّ مقتضى قوله : « فحرام ضارّ للجسم وفساد للنفس » أنّ الضابطة في تحريم هذه الأُمور المذكورة في الرواية هو إضرارها للجسم ، كما أنّ المناط في جوازها عدم إضرارها له ، مع أنّ جلّها ليس بضارّ للجسم ، كالملابس والمناكح وأكثر المشارب والمآكل إن لم يكن كلّها كذلك . وعلى فرض تسليم ذلك فلا نسلّم انضباط القاعدة ، فإنه لا شبهة أنّ كثيراً من هذه الاستعمالات للأشياء المحرّمة لا تكون مضرّة قطعاً ، كوضع اليد عليها مثلاً أو الأكل منها قليلاً أو شدّ اليد بجلد الميتة وشعر الخنزير ، وإنّما المضرّ هي مرتبة خاصة من الاستعمال بحسب الأشخاص
1) قال (عليه السلام) : « اعلم يرحمك الله أنّ كل مأمور به مما هو منّ (وفي البحار : ممّا ه-و عون) على العباد وقوام لهم في أُمورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون ، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته . وكل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهي عنه (من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه لوجه الفساد) مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما أشبه ذلك ، فحرام ضارّ للجسم وفساد للنفس» وهي ضعيفة كما عرفت . راجع فقه الرضا (عليه السلام) : 250 / 36 [ ما بين القوسين لا يوجد في المصدر ] ، البحار 100 : 51 / 12 ، المستدرك 13 : 64 / أبواب ما يكتسب به ب 2 ح 1 .
والأزمان والأمكنة والكمية . فلو كان ذلك موجباً لحرمة جميع الاستعمالات بجميع مراتبها فتكون نظير قول النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) : « فما أسكر كثيره فقليله حرام »(1)للزم من ذلك القول بحرمة جميع ما خلق الله في الأرض من المباحات فإنّ كل واحد من هذه المباحات لابدّ وأن يكون مضراً في الجملة ولو باستعمال الشيء الكثير منه .
على أنّ الأحكام الشرعية بناءً على مسلك العدلية تدور م--دار م-لاك-اته-ا الواقعية من المصالح والمفاسد ، وأمّا المنافع والمضار فهي خارجة عن حدودها ، نعم ربما يكون الضرر أو النفع موضوعاً للأحكام ، إلّا أنّ ذلك غير مربوط ب-باب ملاكات الأحكام .
الثالث : أنّ ظاهر الرواية هو حرمة بيع الأُمور المذكورة تحريماً تكليفياً ، كما تقدّم(2)نظير ذلك في رواية تحف العقول ، وكلامنا في الحرمة الوضعية .
قوله : وعن دعائم الإسلام .
أقول : أقصى ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبار هذا الكتاب أنّ صاحبه -أبا حنيفة النعمان - حيث كان رجلاً إمامياً اثني عشرياً جليلاً فاضلاً فقيهاً و من جملة النوابغ في عصره ، بل كان فريداً في دهره كما يظهر من كتابه ، كانت رواياته مشمولة لأدلة حجية خبر العدل الإمامي.
والذي ينبغي أن يقال : إنه لا شبهة في علو مكانة أبي حنيفة النعمان صاحب کتاب دعائم الإسلام وغيره من الكتب الكثيرة ونبوغه في العلم والفضل والفقه والحديث على ما نطقت به التواريخ وكتب الرجال وكتابه هذا ، كما لا شبهة في كونه
إمامياً في الجملة ، فإنه كان مالكي الأصل فتبصّر وصار شيعياً إمامياً كما اتّفقت عليه كلمات أكثر المترجمين الذين تعرّضوا لترجمته وتاريخه كالبحار (1)تنقيح المقال للمامقانى(2)وسفينة البحار(3)والمستدرك(4)وتأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر(5)وغيرها . وقد نقلوا عن أئمة التاريخ والرجال كونه إمامياً ، وعلى هذا فلا
1) قال : قد كان أكثر أهل عصرنا يتوهّمون أنه تأليف الصدوق ، وقد ظهر لنا أنه تأليف أبي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في أيام الدولة الاسماعيلية . راجع البحار 1 : 38.
2) تنقیح المقال 3 : 273 من أبواب الميم / 12502 .
3) سفينة البحار 1 : 802 مادّة حنف : أبو حنيفة الشيعة ، هو القاضي نعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر ، كان مالكياً أولاً ثم اهتدى وصار إمامياً ، وصنّف على طريق الشيعة كتباً منها كتاب دعائم الإسلام . وفي كتاب دائرة المعارف : أبو حنيفة المغربي هو النعمان بن أبي عبدالله محمد ابن منصور بن أحمد بن حيوان ، أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم ، ذكره الإمام المسبحي في تاريخه فقال : كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على ما لا مزيد عليه ، وله عدّة مصنّفات منها كتاب اختلاف أصول المذهب ، وغيره ، وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية . وقال ابن زولاق : كان في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه ، عالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف ، وألّف لأهل البيت من الكتب آلاف الأوراق بأحسن تأليف وأفصح سجع وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً ، وله ردّ على المخالفين ، له ردّ على أبي حنيفة ومالك والشافعي وعلي بن سُرَيج ، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت(عليهم السلام)وله القصيدة الفقهية لقّبها بالمنتخبة ، وكان ملازماً صحبة المعزّ العلوي ، توفّي سنة 363 . وكان أولاده من الأفاضل ، منهم أبو الحسن علي بن النعمان وأبو عبدالله محمد بن النعمان .
4) المستدرك 19 (الخاتمة 1) : 128 .
5) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 303 .
يصغي إلى قول ابن شهر آشوب في المعالم : إنّه لم يكن إمامياً ، على ما في تنقيح المقال .
إلّا أنّ الذي يقتضيه الإنصاف أنّا لم نجد بعد الفحص والبحث من يصرّح بكونه ثقة ولا اثني عشرياً، وإن كان المحدّث النوري قد أتعب نفسه في إثباتهما وبالغ في اعتبار الكتاب ، ومع هذا الجهد والمبالغة لم يأت بشيء تركن إليه النفس ويطمئن به القلب . ولعلّ كلام السيد في الروضات ينظر إلى ما ذكرناه حيث قال : ولك--ن الظاهر عندي أنه لم يكن من الإمامية الحقّة(1). وحينئذ فكيف يمكن إثبات حجية رواياته بأدلة حجية خبر العدل .
وعلى تقدير تسليم وثاقته وكونه إمامياً اثني عشرياً فلا يخرج بذلك م--ا احتواه كتابه عن سلك الأخبار المرسلة ، فتسقط حجيته للإرسال .
وأمّا توهم انجباره بالشهرة أو بموافقة أكثر رواياته لروايات الكتب المعتبرة فقد تقدّم(2)جوابهما في ذيل رواية تحف العقول .
فإن قلت : إذا سلّمنا وثاقة أبي حنيفة النعمان فلا مناص عن الالتزام بحجية كتابه ، لأنه قال في أوله : نقتصر فيه على الثابت الصحيح مما رويناه عن الأئمة من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فيكون كلامه هذا توثيقاً إجمالياً لما أسقطه من الرواة .
قلت : نعم ، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا ، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن . والحقّ فيه ما ذكره المجلسي فی
البحار : ورواياته تصلح للتأكيد والتأييد(1).
إزاحة شبهة : وقد التجأ المحدّث النوري(2)في تنزيه أبي حنيفة النعمان ع--ن اتّهامه بمذهب الإسماعيلية وإثبات كونه ثقة اثني عشرياً إلى بيان نبذة من عقائد الإسماعيلية الفاسدة ، كقولهم بأنّ محمد بن إسماعيل حي لم يمت ويبعث برسالة وشرع جديد ينسخ به شريعة محمد ، وأنه من أُولي العزم وأُولوا العزم عندهم سبعة ، لأنّ السماوات سبع والأرضين سبع وبدن الإنسان سبعة ، والأئمة سبعة وقلبهم محمد بن إسماعيل ، إلى غير ذلك من الخرافات التي تنزّه عنها النعمان وكتابه . ثم إنه صرّح في كتابه بكفر الباطنية وأثبت إمامة الأئمة الطاهرين ، وكونهم مفترضي الطاعة ، ولم يصرّح بإسماعيل ولا بابنه محمد ، ومع ذلك كلّه فكيف يرضى المنصف بعدّه من الإسماعيلة . انتهى ملخّص كلامه .
وفيه : أن تنزّه النعمان من تلك الأقاويل الكاذبة والعقائد الفاسدة وتصريحه بكفر الباطنية لا يستلزم عدم كونه من الإسماعيلية ، لأنّ الباطنية قسم منهم ، وليس كل إسماعيلي من الباطنية . وأنّ عدم ذكره إسماعيل وابنه في عداد الأئمة لا يكشف عن عدم عقيدته بامامتهما ، مع أنّ عقائد الإسماعيليين لم تصل إلينا بحقيقتها حتى نلاحظها مع ما ذكره النعمان ليتّضح لنا أنه منهم أو ليس منهم ، ولقد صادفت زعيماً من زعمائهم في الحضرة الشريفة فسألته عن ولي الأمر والحجة المنتظر (عليه السلام) هل هو حي أو ميت فقال هو لا حى ولاميت ، بل يولد من امرأة قرشية لا تحيض. فيعلم من ذلك أنهم لا يرون ما تذهب إليه الباطنية في محمد بن إسماعيل .
كشف حقيقة : لا ينقضي تعجّبي من المحدّث المتبحّر النوري حيث قال في
المستدرك(1)ما ملخّصه : إنّ الكتاب المذكور لم يخالف في فرع غالباً إلّا ومعه موافق معروف من الشيعة إلّا في إنكار المتعة فليس له موافق عليه ، ثم حمل إنكاره هذا على التقية ، وجعل القرينة على ذلك ما ذكره في باب الطلاق من عدم وقوع التحليل بالمتعة للمطلّقة ثلاثاً ، وما ذكره في باب الحد في الزنا من أنّ الإحصان لا يتحقق بالمتعة ، فإنّ المتعة لو لم تكن جائزة عنده لكان ذكرها في البابين بلا وجه ، وتكون من قبيل ذكر الزنا فيهما ، ولا معنى لأن يقول أحد إنّ الزنا لا يتحقق به التحليل والإحصان .
ووجه العجب أولاً : أنّ الكتاب يشتمل على فروع كثيرة تخالف مذهب الشيعة الاثني عشرية ، ولم يوافقه عليها أحد من علماء الشيعة ، وقد ذكرنا في الحاشية إنموذجاً من هذه المخالفات لتكون حجة على منكرها(2)
ومنها : ما [ في 1 : 101، 102 ] في نواقض الوضوء عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّ الذي ينقض الوضوء ، إلى أن قال : المذي ، وقال بعد أسطر : ورأوا أنّ كل ما خرج من مخرج الغائط ومن مخرج البول عما قدّمنا ذكره أو من دود أو حبّات أو حبّ القرع ذلك كله حدث يجب منه الوضوء وينقض الوضوء .
ومنها : ما قال [ في 1 : 109 ] في المسح : من بدأ بما أخّره الله من الأعضاء نسياناً أو جهلاً وصلّى لم تفسد صلاته .
ومنها : ما قال [ في 1 : 108 ] في صفات الوضوء : ثم أمروا بمسح الرأس مقبلاً ومدبراً ، يبدأ من وسط رأسه فيمر يديه جميعاً على ما أقبل من الشعر إلى منطقة من الجبهة ، ثم يمار يديه من وسط الرأس إلى آخر الشعر من القفا ، ويمسح مع ذلك الأذنين ظاهرهما وباطنهما .
ومنها : ما قال في هذا الباب : ومن غسل رجليه تنظّفاً ومبالغة في الوضوء ولابتغاء الفضل وخلل أصابعه فقد أحسن .
ومنها : ما قال [ في 1 : 110 ] في الوضوء التجديدي : ما غسل من أعضاء الوضوء أو ترك لا شيء عليه ، وقد روينا عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه سئل عن المسح على الخفّين فسكت حتى مرّ بموضع فيه ماء والسائل معه فنزل وتوضأ ومسح على الخفين وعلى عمامته وقال : هذا وضوء من لم يحدث. إلى غير ذلك مما يخالف مذهب الشيعة، وليس المقام مناسباً لذكره أجمع ، ومن أراد الاطّلاع عليه فليراجع دعائم الإسلام.
.1) المصدر المتقدّم من المستدرك : 145 .
2) منها : ما ذكره [ في 2 : 228 / 858، 859 ] في المتعة وأنها ليست بمشروعة ، ومنها : ما ذكره في [ 1 : 178 ] ضمن ما يسجد عليه المصلّي قال : وعن جعفر بن محمد (علیه السلام) أنه رخّص في الصلاة على ثياب الصوف وكلّ ما يجوز لباسه والصلاة فيه يجوز السجود عليه ... فإذا جاز لباس ثوب الصوف والصلاة فيه فذلك مما يسجد عليه . ومنها : ما قال في الوضوء [ 1 : 107 ] إنه من بدأ بالمياسير من أعضاء الوضوء جهلاً أو نسياناً وصلّى لم تفسد صلاته .
وثانياً : أنّ نقل روايتين في الكتاب يظهر منهما جواز المتعة لا يدل ع-ل-ى التزامه بالجواز ، ونسبة ذلك إليه محتاجة إلى علم الغيب بأنه كان حينما نقلهما ملتفتاً إلى ما يستفاد منهما من مشروعية المتعة، فإنّ من المحتمل القريب أن يكون نظره في الروايتين مقصوراً على نفى التحليل والإحصان بالمتعة كنفيهما بالشبهة ، مع عدم التفاته إلى جهة أُخرى ، لأنّه ليس بمعصوم لا يمكن في حقه مثل هذا الاحتمال .
أمّا أنّ المتعة بناءً على عدم جوازها كالزنا فيكون ذكرها في البابين من قبيل ذكر الزنا ولا معنى له ، فيدفعه أنّ ذكر المتعة يكون من قبيل ذكر الشبهة في البابين ولا خفاء فيه ، ولا معنى للتهويل به .
تذييل : لا يخفى عليك أنّا لو قطعنا النظر عن جميع ما ذكرناه في عدم اعتبار
الكتاب فالرواية التي ذكرها المصنّف(1)هنا لا يمكن الاستناد إليها بالخصوص ، لأنّ قوله فيها : « وما كان محرّماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه » يقتضي حرمة بيع الأشياء التي تعلّق بها التحريم من جهةٍ ما ، مع أنه ليس بحرام قطعاً . على أنّ الظاهر منه هي الحرمة التكليفية ، مع أنها منتفية جزماً في كثير من الموارد التي نهي عن بيعها وشرائها ، وإنما المراد من الحرمة في تلك الموارد هي الحرمة الوضعية ليس إلّا ، فلا تكون الرواية معمولة بها .
قوله : وفي النبوي المشهور .
أقول : توضيح الكلام في صحة الحديث وسقمه يقع في مقامين : الأول في سنده ، والثاني في دلالته.
أمّا الأول : فالكلام فيه من جهتين : الأُولى في حجيته عند العامة ، والثانية في حجيته عند الخاصة .
أمّا الكلام في الجهة الأُولى : فإنّ هذا النبوي لم يذكر في أُصول حديثهم إلّا في قضية الشحوم المحرّمة على اليهود التي نقلت بطرق متعدّدة ، كلّها عن ابن عباس إلّا في روايتين إحداهما عن جابر والثانية عن عمر ، وقد ذكر في ذيل بعض الروايات التي عن ابن عباس قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه »(2)مع إضافة لفظ (أكل ) وعلى هذا فيكون غير النبوي المشهور .
1) عن دعائم الإسلام [ 2 : 18 / 23 ] عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال : « الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وص-لاح ومباح لهم الانتفاع به ، وما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه » . راج-ع المستدرك 13 : 65 / أبواب ما يكتسب به ب2 ح 2 .
2) قال : « رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)جالساً عند الركن ، فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال : لعن الله اليهود - ثلاثاً - إنّ الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إنّ الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه » . راجع السنن الكبرى لأبي بكر أحمد ابن الحسين بن علي الشافعي البيهقي 6: 13 ومسند أحمد 1: 409 / 2222 ، 483 / 2673 ، والمستدرك 13 : 73 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 8 ، وسنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني 3 : 280 / 3488 باب في ثمن الخمر والميتة.
نعم ورد في مسند أحمد باسناده عن ابن عباس في بعض رواي--ات ت-لك القضية (1): « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » باسقاط لفظ (أكل) .
إلّا أنّ أصول حديثهم كلها مطبقة على ذكره، حتى ابن حنبل نفسه نقل ذلك في موضع آخر من كتابه عن ابن عباس كما أشرنا إلى مصدره في الحاشية ، ن-ع-م ق--د أورده الفقهاء من العامة(2)والخاصة(3)في كتبهم الاستدلالية كثيراً مع إسقاط كلمة
1) « أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : لعن الله اليهود ، حرّم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها ، وإن الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » راجع 1 : 530 / 2956 .
2) راجع حياة الحيوان للدميري [ 1 : 373 - 374 مادّة الحمام ] ذيل الحكم قال : وأمّا بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها فباطل، وثمنه حرام ، هذا مذهبنا ، إلى أن قال : واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عباس : « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرّم عليهم ثمنه » وهو حديث صحيح رواه أبو داود باسناد صحيح ، وهو عام إلا ما خرج بدليل كالحمار . أقول : المذكور في المصدر المتقدم من سنن أبي داود السجستاني مشتمل على كلمة (أكل) فلاحظ وشرح فتح القدير 6 : 44 استدل به على حرمة بيع الخمر ، وغيرهما من كتبهم الاستدلالية .
3) راجع البحار 100 : 55 / 29 نسبه إلى خط الشيخ محمد بن علي الجبعي ، وفي الخلاف للشيخ الطوسي 3 : 185 / بيع السرجين - استدل به على حرمة السرجين - استدل به على حرمة بيع السرجين النجس والخلاف 6 : 92 استدل به على حرمة بيع الدهن المتنّجس . والمستند 14 : 65 استدل به على حرمة بيع الخمر [ لا يخفى أنّ الطبعة الأخيرة مشتملة على كلمة أكل ] ، والغنية [ 213 ] أول البيع ، وغيرها من الكتب ، من غير أصول الحديث . ثم إن هذه الروايات كلّها ضعيفة السند ، أمّا ما في كتب العامة فواضح ، وأمّا في كتب الخاصة فللإرسال .
(أكل) تأييداً لمرامهم .
وحاصل ما ذكرناه : أنّ اتّحاد القضية في جميع رواياتها ، وإطباق أُصول حديثهم على ذكر لفظ الأكل ، واتّصال السند فيما يشتمل عليه وفيما لا يشتمل عليه إلى ابن عباس ، وموافقة أحمد على ذكر لفظ أكل في مورد آخر ، كلّها شواهد صدق على اشتباه أحمد ، وأنّ النبوي مشتمل على كلمة أكل .
وأمّا الجهة الثانية : فالنبوي وإن اشتهرت روايته في ألسنة أصحابنا في كتبهم قديماً وحديثاً متضمّنة لكلمة (أكل) تارةً و بدونها أُخرى، إلّا أنّ كلّهم مشتركون في نقله مرسلاً ، والعذر فيه أنهم أخذوه من كتب العامة ، لعدم وجوده في أُصولهم .
وحيث أثبتنا في الجهة الأُولى أنّ الصحيح عندهم هو ما اشتمل على كلمة (أكل) كان اللازم علينا ملاحظة ما ثبت عندهم . إذن فلم يبق لنا وثوق بك-ون النبوي المشهور رواية ، فكيف بانجبار ضعفه بعمل المشهور .
وأمّا المقام الثاني : فبعد ما عرفت أنّ الثابت عند العامة والخاصة اشتمال الرواية على كلمة (أكل) كان عمومه متروكاً عند الفريقين ، فإنّ كثيراً من الأُ مور يحرم أكله ولا يحرم بيعه ، ومن هنا قال في جوهر النقي حاشية البيهقي(1)في ذيل الحديث المشتمل على كلمة (أكل ) : قلت عموم هذا الحديث متروك اتفاقاً ، بجواز بيع الآدمي والحمار والسنّور ونحوها .
تبيين : لو فرضنا ثبوت النبوي على النحو المعروف لم يجز العمل به أيضاً للإرسال وعدم انجباره بالشهرة وغيرها ، وذلك لأنّ تحريم الشيء الذي
1) سنن البيهقي مع الجوهر النقي 6: 13 .
يستلزم تحريم ثمنه إمّا أن يراد به تحريم جميع منافع ذلك الشيء، وإمّا تحريم منافعه الظاهرة ، وإمّا تحريم منافعه النادرة ولو من بعض الجهات.
فعلى الاحتمالين الأولين فالمعنى وإن كان وجيهاً وموافقاً لمذهب الشيعة لقولهم بأنّ ما يحرم جميع منافعه أو منافعه الظاهرة يحرم بيعه ، إلّا أنّ إثبات اعتمادهم في فتياهم بذلك على النبوي مشكل ، وذلك للوثوق بأنّ مستندهم في تلك الفتيا ليس هو النبوي ، بل هو ما سيأتي(1)في البيع من اعتبار المالية في العوضين لأنّ مالية الأشياء إنما هي باعتبار المنافع الموجودة فيها الموجبة لرغبة العقلاء وتنافسهم فيها ، فما يكون عديماً لجميع المنافع أو للمنافع الظاهرة لا تكون له مالية. إذن فليست هنا شهرة فتوائية مستندة إلى النبوي لتوجب انجباره ، لأنه بناءً على انجبار ضعف الخبر بعمل الأصحاب إنما يكون فيها انحصر الدليل لفتياهم بذلك الخبر الضعيف ، ولم يكن في البين ما يصلح لاستنادهم إليه .
وأمّا على الثالث : فالحرمة لا توجب فساد البيع عند المشهور ليحتمل انجبار النبوي بفتياهم .
فتحصّل : أنه لا يكون شيء من الروايات العامة التي ذكرها المصنف دليلاً في المسائل الآتية ، بل لابدّ في كل مسألة من ملاحظة مداركها ، فإن كان فيها ما يدل على المنع أُخذ به ، وإلا فالعمومات الدالّة على صحة العقود كقوله تعالى : أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(2)و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3)و تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ(4)محكّمة كما تقدّمت
الإشارة إلى ذلك في أول الكتاب .
بطلان المعاملة علی الأعمال المحرّمة
تمهيد: لا يخفى عليك أنّ محل كلامنا في المسائل الآتية إنما هو في الأعيان المحرّمة من الخمر والخنزير والميتة ونحوها، وأمّا الأعمال المحرّمة كالزنا والنميمة والكذب والغيبة فيكفي في فساد المعاملة عليها الأدلّة الدالّة على تحريمها ، لأنّ مقتضى وجوب الوفاء بالعقود هو وجوب الوفاء بالعقد الواقع على الأعمال المحرّمة ومقتضى أدلّة تحريم تلك الأعمال هو وجوب صرف النفس عنها وإيقاف الحركة نحوها ، فاجتماعهما في مرحلة الامتثال من المستحيلات العقلية . وعلى أقل التقادير فإنّ أدلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بحكم العرف بما إذا كان العمل سائغاً في نفسه ، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة العمل في نفسه.
وبما ذكرنا يظهر أنّ الوجه في فساد المعاملة على الأعمال المحرّمة هو استحالة الجمع بين وجوب الوفاء بهذه المعاملة وبين حرمة هذه الأعمال ، أو الحكومة العرفية المذكورة .
وربما يظهر من كلام شيخنا الأُستاذ في حكم الأُجرة على الواجبات أنّ الوجه في ذلك هو عدم كون الأعمال المحرّمة من الأموال أو عدم إمكان تسليمها شرعاً ، حيث قال : الأول : أن يكون العمل الذي يأخذ الأجير أو العامل بازائ--ه الأُجرة والجعل ملكاً له ، بأن لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعي علیه(1).
وبملاحظة ما تقدم يظهر لك ما فيه ، فإنّك قد عرفت أنّ صحة المعاملة عليها
1) منية الطالب 1 : 45 .
ووجوب الوفاء بها لا يجتمعان مع الحرمة النفسية ، سواء اعتبرنا المالية أو القدرة على التسليم في صحة العقد أم لم نعتبر شيئاً من ذلك .
قوله : قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب .
أقول : المكاسب جمع مكسب ، وهو مفعل من الكسب ، إمّا مصدر ميمي بمعنى الكسب أو التكسّب ، أو اسم مكان من الكسب .
قوله : ممّا ندب إليه الشرع . أقول : أي أمر به بالأمر الاستحبابي ، وقد أشار بذلك إلى الأخبار الواردة في استحباب الرعي(1)
راجع البحار 11 : 64 / 6 ، 100 : 65 / 8 .وعن العيون : عقبة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ما بعث الله نبياً قطّ حتى يسترعيه الغنم ويعلمه بذلك رعية الناس » . راجع البحار 11 : 64 / 7 . وفي الحديث : « أنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : ما من نبي إلا وقد رعى الغنم ، قيل : وأنت يارسول الله ؟ قال : وأنا » راجع البحار 61 : 117.
والزرع(2)وفي الكافي والتهذيب عن سهل بن زیاد رفعه ، قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إنّ الله جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع لئلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » وهي ضعيفة بسهل ومرفوعة .
وفي الكافي عن سيّابة عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « سأله رجل فقال له : جعلت فداك ، أسمع قوماً يقولون إنّ الزراعة مكروهة ، فقال له : ازرعوا واغرسوا ، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحبّ ولا أطيب منه ، والله ليزرعنّ الزرع وليغرسنّ النخل بعد خروج الدجّال » وهي مجهولة بسيابة .
وفي الكافي عن يزيد بن هارون الواسطي قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : الزارعون كنوز الأنام ، يزرعون طيباً أخرجه الله (عزّوجلّ) وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً وأقربهم منزلة ، يُدْعون المباركين » مجهولة بيزيد بن هارون . راجع الكافي 5 : 260 / باب فضل الزراعة ، والوسائل 19 : 32 / كتاب المزارعة والمساقاة ب3 ح 3 ، 2 ، 1 ، 7 والوافي 17 : 129 / باب فضل الزراعة ، والتهذيب 6 : 384 / 1139 .
وفي التهذيب [ 6 : 384 / 1138 ] عن يزيد بن هارون الواسطي ، قال : « سألت جعفر بن محمد (عليه السلام)عن الفلاحين ، فقال : هم الزارعون كنوز الله في أرضه ، وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة ، وما بعث الله نبياً إلا زراعاً إلا إدريس (عليه السلام) فإنه كان خياطاً » . وهي مجهولة بيزيد بن هارون . راجع الوسائل 17 : 41 / أبواب مقدمات التجارة ب 10 ح 3 ، والباب المتقدم من الوافي .
ثم إنّ الأخبار في فضل الزرع والغرس كثيرة من الخاصّة ، كالروايات المذكورة وغيرها في الأبواب المزبورة وغيرها . ومن العامة ، وقد أخرجها البيهقي في السنن الكبرى 6 : 137 والبخاري في صحيحه :: 135 باب فضل الزرع .
.1) فعن العيون : محمد بن عطية ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إنّ الله (عزّوجلّ) أحبّ لأنبيائه من الأعمال الحرث والرعي لئلّا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » .
2) ففي الكافي عن محمد بن عطية قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : إنّ الله (عزّوجلّ) اختار لأنبيائه الحرث والزرع كي لا يكرهوا شيئاً من قطر السماء » وهي مرسلة.
قوله : فتأمّل . أقول : لعلّه إشارة إلى أنّ وجوب الصناعات ليس بعنوان التكسّب ، بل لكون تركها يؤدّي إلى اختلال النظام كما سنبيّنه.
أقول ملخّص كلامه : أنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) كالمحقق في الشرائع(1)وغيره في كتبهم قسّموا المكاسب إلى محرّم كبيع الخمر ، ومكروه كبيع الأكفان ومباح كبيع الأشياء المباحة ، وأهملوا ذكر الواجب والمستحب بناءً ع--لى ع-دم وجودهما في المعاملات ، مع أنه يمكن التمثيل للمستحب بمثل الزرع والرع--ي
1) شرائع الإسلام 2 : 6 .
وللواجب بالصناعات الواجبة كفاية إذا وجد أكثر من واحد ممن يقوم بها ، أو عيناً إذا لم يوجد غير واحد .
وفيه : أنّ الأمثلة المذكورة لا تدل على شيء من مراده ، أمّا الزراعة فاستحبابها إنما هو من جهة إيكال الأمر إلى الله وانتظار الفرج منه كما في رواية العياشي(1).
وأمّا الرعاية فاستحبابها لما فيها من استكمال النفس وتحصيل الأخلاق الحسنة وتمرين الطبع على إدارة شؤون الرعية وإزالة الأوصاف الرذيلة من السبعية والبهيمية ، فإنّ من صرف برهة من الزمان في تربية الحيوان صار قابلاً لإدارة الإنسان ، ومن هنا كان الأنبياء قبل بعثتهم رعاة للأغنام كما في رواية عقبة المتقدّمة :« ما بعث الله نبياً قط حتى يسترعيه الغنم ويعلّمه بذلك رعية الناس » وفي النبوي المتقدّم « ما من نبي إلّا وقد رعى الغنم ، قيل : وأنت يارسول الله ؟ قال : وأنا » .
وعلى كل حال فالزراعة والرعي مستحبّان في أنفسهما بما أنهما فعلان صادران من المكلّف ، لا بعنوان التكسب بهما كما هو محل الكلام ، فلا يصلحان مثلاً لما نحن فيه .
وأمّا الصناعات بجميع أقسامها فهي من الأُمور المباحة ، ولا تتّصف بحسب أنفسها بالاستحباب فضلاً عن الوجوب ، فلا يكون التكسّب بها إلّا مباحاً ؛ نعم إنما يطرأ عليها الوجوب إذا كان تركها يوجب إخلالاً بالنظام ، وحينئذ يكون التصدّي لها واجباً كفائياً أو عينياً ، وهذا غير كونها واجبة بعنوان التكسّب .
إزالة شبهة : قد يقال إنّ وجوب الصناعات من جهة أداء تركها إلى اختلال
1) عن الحسين بن ظريف عن محمد عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في قول الله : وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ قال : الزارعون» وهي مهملة بالحسين بن ظريف ، راجع الوسائل 17 : 42 / أبواب مقدمات التجارة ب 10 ح 5 .
النظام يقتضي أن يكون التكسّب بها مجانياً ، ولكن هذا يفضي إلى الإخلال بالنظام أيضاً ، ومقتضى الجمع بين الأمرين أن يلتزم بوجوبها مع الأُجرة ، وعلى ذلك فتكون مثالاً لما نحن فيه .
ولكن یرد عليه أوّلاً : أنّ هذا ليس إلّا التزاماً بوجوبها لأجل حفظ النظام وعليه فلا يكون التكسّب بعنوانه واجباً .
وثانياً : أن الواجب من الصناعات إنما هو الطبيعة المطلقة العارية عن لحاظ المجانية وغيرها ، وما يخلّ بالنظام إنما هو إيجاب العمل مجاناً ، لا ما هو الجامع بينه وبين غيره ، ولا ملازمة بين عدم وجوب الصناعات مجاناً وبين وجوب الجامع غير المقيّد بحصّة خاصة من الطبيعة ، ومن هنا نقول يجب الإقدام عليها عيناً أو كفاية من حيث هي صناعة يختل بتركها النظام ، سواء كانت عليها أُجرة أم لا .
والتحقيق : أنّ التقسيم إن كان باعتبار نفس التكسّب فلا محيص عن تثليث الأقسام كما تقدّم ، وإن كان بلحاظ فعل المكلّف والعناوين الثانوية الطارئة عليه فلا مانع من التخميس . ولا يخفى عليك أنّه إذا كان التقسيم بحسب فعل المكلّف لا يختص المثال بالصناعات ، بل يصح التمثيل بما وجب بالنذر أو اليمين أو العهد وبالكسب لقضاء الدين ، أو الإنفاق على العيال ، ونحو ذلك .
لا يقال : إذا ملك الكافر عبداً مسلماً . وجب بيعه عليه ، ويكون بيعه هذا من قبيل الاكتساب بالواجب .
فإنه يقال : الواجب هنا في الحقيقة هو إزالة ملكية الكافر للمسلم ، وبيع العبد المسلم إنما وجب لذلك ، ويدّلنا على ذلك أنه لو زال ملكه بغير البيع كالعتق والهبة أو بالقهر كموت الكافر لا يجب البيع .
قوله : ومعنى حرمة الاكتساب .
أقول : الحرمة المتعلّقة بالمعاملة إمّا أن تكون وضعية وإمّا أن تكون تكليفية وبينهما عموم من وجه ، فالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة حرام تكليفاً ، والبيع الغرري حرام وضعاً ، وبيع الخمر حرام وضعاً وتكليفاً ، وكلام المصنّف هنا مسوق لبيان خصوص الحرمة التكليفية في البيع .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ حرمة البيع تكليفاً تتصوّر على وجوه :
الأول : ما أفاده المحقّق الإيرواني في حاشيته(1)، وهو أنّ معنى حرمة الاكتساب هو إنشاء النقل والانتقال بقصد ترتّب أثر المعاملة ، أعني التسليم والتسلّم للمبيع والثمن ، فلو خلا عن هذا القصد لم يتّصف الانشاء الساذج بالحرمة .
وفيه : أنّ تقييد موضوع الحرمة بالتسليم والتسلّم إنّما يتم في الجملة ، لا في جميع البيوع المحرّمة ، وتحقيقه : أنّ النواهي المتعلّقة بالمعاملات على ثلاثة أقسام :
الأول : أن يكون النهي عنها بلحاظ انطباق عنوان محرّم عليها كالنهي عن بيع السلاح لأعداء الدين عند حربهم مع المسلمين ، فإنّ النهى عنه إنما هو لانطباق عنوان تقوية الكفر عليه ، ويدل على ذلك جواز بيع السلاح منهم إذا لم يفض ذلك
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 21
إلى تقويتهم على المسلمين ، ولهذا حرم نقل السلاح إليهم بغير البيع أيضاً كإجارته عليهم وهبته لهم وإعارته إيّاهم إذا لزم منه المحذور المذكور .
و من هنا يتّضح أنّ بين عنوان بيع السلاح منهم وبين عنوان تقوية الكفر وإعانته عموماً من وجه، إذ قد يباع السلاح منهم ولا يلزم منه تقويتهم،كبيعه منهم حال الصلح مثلاً ، أو حال حربهم مع الكفّار الآخرين ، أو مع المسلمين ولكن بشرط تأخير التسليم إلى ما بعد الحرب ، أو بدون الشرط المذكور ولكن يؤخّر التسليم قهراً عليهم ، فإنّ هذه الموارد لا يلزم من البيع فيها إعانة الك-ف-ر ع-ل-ى الإسلام . وقد تحصل تقوية الكفر على الإسلام بغير البيع كإجارة السلاح عليهم أو هبته منهم ، وقد يجتمعان .
إذن فتعلّق النهى بتقوية الكفر على الإسلام لا يستلزم حرمة بيع السلاح لأعداء الدين إلّا في مادة الاجتماع ، نعم لو كان بين العنوانين تلازم خارجاً لتوجّه الالتزام بحرمة بيع السلاح منهم مطلقاً ، ولكنّك عرفت أنّ الأمر على خلافه.
والثاني : أن يتوجّه النهي إلى المعاملة من جهة تعلّقها بشيء مبغوض، كالنهي عن بيع الخمر والخنزير والصليب والصنم و آلات القمار وغيرها من الآلات المحرّمة فإنّ النهي عن بيع تلك الأُمور إنما هو لمبغوضيتها ، لا بلحاظ عنوان طارئ على المعاملة كما في القسم الأول .
والثالث : أن يكون النهي عن المعاملة باعتبار ذاتها ، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، والنهي عن بيع المصحف والمسلم من الكافر بناءً على حرمة بيعهما منه ، فإنّ النهي عن البيع في هذا القسم ليس بلحاظ العناوين الطارئة عليه ولا بلحاظ مبغوضية متعلّقه ، بل لأجل مبغوضية نفسه .
إذا عرفت ما تلونا عليك ظهر لك أنّ تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلّم المستلزم لتقيّد أدلة تحريمه إنما يتم في القسم الأول فقط ، دون الثاني والثالث
فلابدّ فيهما من الأخذ باطلاق أدلة التحريم ، لعدم ثبوت ما يصلح لتقييدها ، نعم لو كان دليلنا على التحريم هو عموم ما دل على حرمة الإعانة على الإثم أو الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدمته الجاز تقييد موضوع حرمة البيع بالتسليم والتسلّم ، فإنّ الإعانة على الإثم والمقدّمية إلى الحرام لا يتحقّقان إلّا بالتسليم والتسلّم .
الوجه الثاني : أن يراد من حرمة البيع حرمة إيجاده بقصد ترتّب إمضاء العرف والشرع عليه ، بحيث لا يكفي مجرّد صدوره من البائع خالياً عن ذلك القصد.
وفيه : أنه لا وجه لتقييد موضوع حرمة البيع بذلك أيضاً ، لما مرّ من إطلاق أدلة تحريم البيع مع عدم وجود ما يصلح لتقييدها ، ومن هنا لو باع أحد شيئاً من الأعيان المحرّمة كالخمر مثلاً مع علمه بكونه منهياً عنه فقد ارتكب فعلاً محرّماً وإن كان غافلاً عن قصد ترتّب إمضاء الشرع والعرف عليه ، فإنه لا دليل على دخالة قصد إمضائهما في حرمة بيع الخمر.
الوجه الثالث : ما أفاده العلّامة الأنصاري وحاصل كلامه : أنّ المراد من حرمة البيع حرمة النقل والانتقال مقيّدة بقصد ترتّب الأثر المحرّم عليه ، كبيع الخمر للشرب ، وآلات القمار للعب ، والصليب والصنم للتعبّد بهما .
وفيه : أنّ تقييد ما دل على تحريم البيع بالقصد المذكور تقييد بلا موجب له ، إذ البيع كغيره من الأفعال إذا حكم الشارع بحرمته وجب التمسك باطلاق دليله حتى يثبت له المقيّد ، نعم لو كان الدليل على حرمة البيع هو ما تقدّمت الإشارة إليه من الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته أو عموم ما دلّ على تحريم الإعانة على الإثم لتم ما ذكره في الجملة ، لكن الكلام أعم من ذلك .
وأمّا ما في المتن من دعوى انصراف الأدلة إلى صورة قصد ترتّب الآثار المحرّمة فهي دعوى جزافية ، ونظيرها أن يدّعى انصراف أدلة تحريم الزنا مثلاً إلى ذات البعل . والالتزام بمثل هذه الانصرافات يستدعي تأسيس فقه جديد ، ن-ع-م
لدخالة قصد ترتّب الأثر المحرّم أو المحلّل في حرمة البيع وحلّيته في مثل بيع الصليب والصنم وجه كما سيأتي في النوع الثاني مما يحرم التكسّب به (1).
لا يقال : إنه لا مناص عن تقييد حرمة البيع بقصد ترتّب الأثر المحرّم عليه فإنّ من الجائز قطعاً إعطاء الدرهم للخمّار وأخذ خمره للإهراق مثلاً .
فإنه يقال : إنّ ذلك وإن كان جائزاً إلّا أنه لا يرتبط بأصل المعاملة ، بل هو من أنحاء النهي عن المنكر وقطع مادّة الفساد .
والذي يقتضيه النظر الدقيق أنّ ما يكون موضوعاً لحلّية البيع بعينه يك--ون موضوعاً لحرمته ، بيان ذلك: أنّ البيع ليس عبارة عن الإنشاء الساذج ، سواء كان الإنشاء بمعنى إيجاد المعنى باللفظ كما هو المعروف بين الأُصوليين أم كان بمعنى إظهار ما في النفس من الاعتبار كما هو المختار عندنا ، وإلّا لزم تحقّق البيع بلفظ (بعت) خالياً عن القصد ، ولا أنّ البيع عبارة عن مجرّد الاعتبار النفساني من دون أن يكون له مظهر ، وإلّا لزم صدق البائع على من اعتبر ملكية ماله لشخص آخر في مقابل الثمن وإن لم يظهرها بمظهر ، كما يلزم حصول ملكية ذلك المال للمشتري بذاك الاعتبار الساذج الخالي من المبرز ، بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركّب من ذلك الاعتبار النفساني مع إظهاره بمبرز خارجي ، سواء تعلّق ب-ه الإم-ض-اء م-ن الشرع والعرف أم لم يتعلّق، بل سواء كان في العالم شرع وعرف أم لم يكن . إذن فذلك المعنى هو الذي يكون موضوعاً لحرمة البيع ، وهو الذي يكون موضوعاً لحلّيته، وهكذا الكلام في سائر المعاملات كما حقّقناه في الأُصول(2)وسيأتي
التعرّض له في أوّل البيع(1)إن شاء الله .
قوله : فهو متفرّع على فساد البيع .
أقول : بعد أن أثبتنا أنّ موضوع الحلّية والحرمة في المعاملات شيء واحد وأنّ ترتّب الأثر على المعاملة من النقل والانتقال أو غير ذلك خارج عن حقيقتها وبعد أن أوضحنا (2)عند التكلّم في الروايات العامة المتقدّمة أنّ الحرمة التكليفية لا تستلزم الحرمة الوضعية ظهر لك بطلان ما ذهب إليه المشهور من أنّ حرمة المعاملة تستلزم فسادها ، كما ظهر بطلان ما نسب إلى أبي حنيفة(3)من أنّ حرمة المعاملة تستلزم صحتها ، وأنه لابدّ في إثبات صحتها وفسادها من التماس دليل آخر غير ما دل على الحرمة التكليفية ، وقد أوضحناه في الأُصول(4)، وتترتّب على ذلك ثمرات مهمّة في المباحث الآتية.
قوله : أمّا لو قصد الأثر المحلّل .
أقول : قد بيّنا أن البيع المحرّم لا يخرج بقصد الأثر المحلّل عن الحرمة المتعلّقة به بعنوان البيع ، وأنّ قصد الأثر المحرّم لا يكون مأخوذاً في موضوع تحريم البيع ، فلا مجال الدعوى أنه لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة ، نعم لو قصد حلّيته شرعاً مع كونه محرّماً لتوجّه عليه التحريم من جهة التشريع أيضاً ، كما أنّ الأمر كذلك في سائر المحرّمات المعلومة إذا أتى بها بعنوان الإباحة .
لا يخفى عليك أنّ معنى الحرمة الوضعية في العقود عبارة عن فساد المعاملة و بطلانها بحيث لا يترتّب عليها أثر من الآثار ، وأنّ الفاسد والباطل عندنا وعند غير الحنفية بمعنى واحد ، وهو ما اختلّ في تلك المعاملة شيء من الشروط التي اعتبرها الشارع ركناً لها ، بحيث يلزم من انتفائها انتفاء المشروط في نظر الشارع .
وأمّا عند الحنفية فإنّ الباطل والفاسد في البيع مختلفان ، فلكل واحد منهما معنى يغاير معنى الآخر ، فالباطل هو ما اختلّ ركنه أو محلّه ، وركن العقد هو بالإيجاب والقبول كما تقدّم ، فإذا اختلّ ذلك الركن كأن صدر من مجنون أو صبي لا يعقل كان البيع باطلاً غير منعقد ، وكذلك إذا اختلّ المحل وهو المبيع ، كأن كان ميتة أو دماً أو خنزيراً ، فإنّ البيع يكون باطلاً .
وأمّا الفاسد فهو ما اختلّ فيه غير الركن والمحل ، كما إذا وقع خلل في الثمن بأن كان خمراً ، فإذا اشترى سلعة يصح بيعها وجعل ثمنها خمراً انعقد البيع فاسداً ، ينفذ بقبض المبيع ، ولكن على المشتري أن يدفع قيمته غير الخمر ، وكذلك إذا وقع الخلل فيه من جهة كونه غير مقدور التسليم ، كما إذا باع شيئاً مغصوباً منه ولا يقدر على تسليمه ، أو وقع الخلل فيه من جهة اشتراط شرط لا يقتضيه العقد كما سيأتي ، فإنّ البيع في كل هذه الأحوال يكون فاسداً لا باطلاً.
ويعبّرون عن الباطل بما لم يكن مشروعاً بأصله ووصفه ، ويريدون بأصله ركنه ومحلّه كما عرفت ويريدون بوصفه ما كان خارجاً عن الركن والمحل
وحكم البيع الفاسد أنه يفيد الملك بالقبض ، بخلاف البيع الباطل فإنّه لا يفيد الملك أصلاً (1).
1) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 201 .
وقال ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير : وأيضاً فإنه مأخوذ في مفهومه- الفاسد - أو لازم له أنه مشروع بأصله لاوصفه ، وفي الباطل غير مشروع بأصله فبينهما تباين ، فإنّ المشروع بأصله وغير المشروع بأصله متباينان فكيف يتصادقان(1).
إلّا أنّ أمثال تلك الأقاويل لا تبتني على أساس صحيح من العقل والشرع والعرف واللغة .
قوله : يحرم المعاوضة على بول(2)غير مأكول اللحم .
أقول : في كلام العلّامة الأنصاري هنا وفي المسائل الآتية خلط بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية ، فقد جعل هنا كلاً من النجاسة والحرمة وعدم جواز الانتفاع بها دليلاً عليهما ، مع أنّ الأولين دليلان على الحرمة التكليفية ، والثالث دليل على الحرمة الوضعية .
قوله : فيما عدا بعض أفراده كبول الإبل الجلالة .
أقول : قال المحقّق الإيرواني : لعلّ هذا استثناء من صدر الكلام ، أعني قوله :
1) شرح فتح القدير 6 : 42 .
2) في تاج العروس 7 : 237 مادّة بول : البول معروف ، الجمع أبوال ، وقد بال يبول والاسم البيلة بالكسر كالركبة والجلسة ، ومن المجاز الولد ، قال المفضّل : بال الرجل يبول بولاً شريفاً فاخراً إذا ولد له ولد يشبهه في شكله وصورته وآسانه وآساله وأعسانه وأعساله وتجاليده ، والبولة بهاء بنت الرجل ، والبوال كغراب : داء يكثر منه البول ، يقال أخذه بوال إذا جعل البول يعتريه كثيراً ، والبولة كهمزة الكثيرة يقال رجل بولة .
يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم ، بتوهّم شمول الإجماع المنقول على جواز بيع بول الإبل له(1).
وفيه أولاً : أنّ المصنّف لم يستثن بول الإبل الجلالة فيما يأتي من أبوال ما لا يؤكل لحمه ، لا في حرمة شربه ولا في نجاسته .
وثانياً : أنّ الفارق بين بول الإبل الجلالة وبين أبوال ما لا يؤكل لحمه ليس إلّا كون الأول نجساً بالعرض وكون الثانية نجسة بالذات ، ومجرد هذا لا يكون فارقاً بينهما حتى يصح الاستثناء . والظاهر أنه استثناء من قوله : وعدم الانتفاع به . أي ليس لأبوال ما لا يؤكل لحمه نفع ظاهر إلّا بول الإبل الجلالة ، فإنه كبول الإبل غير الجلالة لها منفعة ظاهرة .
تنقیح و تهذيب : قد اتّفقت كلمات الأصحاب على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه ، بل في بعضها دعوى الإجماع بقسميه على ذلك ، وفي المراسم حكم بحرمة بيع الأبوال مطلقاً إلّا بول الابل(2)، وفي الغنية منع عن بيع كل نجس لا يمكن تطهيره(3)وفي نهاية الشيخ : وجميع النجاسات محرّم التصرف فيها والتكسّب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة والأبوال وغيرهما(4)، وفي المبسوط : فأمّا نجس العين فلا يجوز بيعه كالبول(5)، وفي التذكرة : الإجماع على عدم صحة بيع نجس العين
مطلقاً (1)وفي المستند : تحريم بيع الأبوال مما لا يؤكل لحمه شرعاً موضع وفاق(2)وفي الجواهر(3)ادّعى قيام الإجماع المحصّل على الحرمة وأنّ نقل الإجماع بين الأصحاب مستفيض عليها ، وعلى هذا الضوء المذاهب الأربعة . وفي الفقه على المذاهب الأربعة : ومن البيوع الباطلة بيع النجس(4)، وفي شرح فتح القدير : إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرّماً فالبيع فاسد(5).
ثم إنه قد استدل المصنّف على حرمة بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعاً وتكليفاً بالإجماع والحرمة والنجاسة وعدم جواز الانتفاع بها ، وجميعها لا يصلح لإثبات الحرمة التكليفية ولا الوضعية.
أمّا الاجماع وإن نقله غير واحد من أعاظم الأصحاب إلّا أنّ إثبات الإجماع التعبّدي هنا مشكل جدّاً ، للاطمئنان بل العلم بأنّ مستند المجمعين إنما هو الروايات العامّة المتقدّمة(6)، والروايات الخاصة المذكورة في بيع الأعيان النجسة ، والحكم بحرمة الانتفاع بها . مضافاً إلى أنّ المحصّل منه غير حاصل ، والمنقول منه غير حجّة .
وأمّا الحرمة فإن أراد منها حرمة الأكل والشرب فالكبرى ممنوعة ، لعدم الدليل على أنّ كل ما يحرم أكله أو شربه يحرم بيعه ، ولو فرضنا وجود دليل على ذلك فلابدّ من تخصيص أكثر أفراده ، فإنّ كثيراً من الأشياء يحرم أكلها ويجوز بيعها
وذلك مستهجن يوجب سقوط الدليل عن الحجية .
وإن أراد منها حرمة الانتفاع بها بجميع منافعها أو بالمنافع الظاهرة فهو وإن استلزم حرمة البيع كما تقدّم(1)في النبوي المشهور ولكن الصغرى ممنوعة ، لع--دم الدليل على تحريم جميع المنافع أو المنافع الظاهرة لتلك الأبوال ، وسيأتي تفصيلها(2).
وأمّا النجاسة فإنّ رواية تحف العقول(3)وإن دلّت على حرمة بيع النجس لقوله (عليه السلام) فيها : « أو شيء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام محرّم ، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه ، فجميع تقلّبه في ذلك حرام » إلّا أنّ ذلك فيما تكون منافعه كلّها محرّمة كما هو مقتضى التعليل المذكور فيها وأمّا إذا كان للنجس منفعة محلّلة فلا دليل على حرمة بيعه ، وأبوال ما لا يؤكل لحمه مما له منفعة محلّلة ، ومقتضى ذلك جواز بيعها ، اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ كل نجس يحرم الانتفاع به بجميع منافعه ، فإذا كان كذلك حرم بيعه وشراؤه . ولكنّه دعوى بلا دليل هذا مضافاً إلى ضعف سندها و عدم انجبارها بعمل الأصحاب كما عرفت .
على أنه لو سلّمنا دلالة الحرمة والنجاسة على حرمة البيع لدلّنا على الحرمة التكليفية دون الوضعية كما تقدم في أول المسألة .
ومما ذكرنا ظهر أنّ المشهور لم يستندوا في فتياهم بحرمة بيع النجس إلى رواية تحف العقول ، ولا إلى غيرها من الروايات العامة المتقدمة كرواية فقه الرضا (عليه السلام) الدالّة على أنّ كل ما يكون محرّماً من جهة يحرم بيعه ، ولو كان مستندهم ذلك لم يكن الحكم بحرمة البيع مختصاً بالنجس ، ب-ل ك--ان ي-ع-م س--ائر
المحرّمات ولو كانت من الأعيان الطاهرة كأبوال ما لا يؤكل لحمه بناءً على حرمة شربها .
وأمّا عدم جواز الانتفاع بها فربما قيل بأنه يستلزم فساد البيع وإن لم يقم دليل على حرمة ذلك البيع تكليفاً ، لأنّ حرمة الانتفاع بها يستلزم نفي ماليتها التي لابدّ منها في تحقق البيع .
وفيه أولاً : أنه لا دليل على اعتبار المالية في البيع ، وإنما المناط صدق عنوان المعاوضة عليه . وأمّا ما عن المصباح(1)من أنه مبادلة مال بمال ، فلا يكون دليلاً على ذلك ، لعدم حجية قوله .
وثانياً : إذا سلّمنا اعتبار المالية في البيع فلا نسلّم أنّ أبوال ما لا يؤكل لحمه ليست بمال في جميع الأزمنة والأمكنة ، كيف وأنّ الانتفاع بها باستخراج الأدوية أو الغازات أو استعمالها فى العمارة عند قلّة الماء ممكن جدّاً ، فتكون مالاً باعتبار تلك المنافع الظاهرة ، ومثلها أكثر المباحات التي تختلف ماليتها بحسب الأزمنة والأمكنة كالماء والحطب ونحوهما . ومن هنا يعلم أنّ الشرب ليس من منافعها حتى يلزم من حرمته سقوط ماليتها . اللهم إلّا أن يقال إنّ الشارع قد ألغى ماليتها بتحريم جميع منافعها ، ولكنّه أول الكلام .
وثالثاً : إذا سلّمنا اعتبار المالية في البيع فيكفي أن يكون المبيع مالاً بنظر المتبايعين إذا كان عقلائياً ، ولا يجب كونه مالاً في نظر العقلاء أجمع .
ورابعاً : لو سلّمنا عدم كون الأبوال المذكورة مالاً حتى في نظر المتبايعين فإنّ غاية ما يلزم كون المعاملة عليها سفهية ، ولا دليل على بطلانها بعد شمول أدلة صحة البيع لها ، والفاسد شرعاً إنما هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهائية ، والدليل على
1) المصباح المنير : 69 مادّة بيع .
الفساد فيها أنّ السفيه محجور شرعاً عن المعاملات. هذا كله مضافاً إلى صحة المعاملة عليها بمقتضى آية التجارة(1)وإن لم يصدق عليها البيع .
وقد اتّضح مما قدّمناه جواز بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه وضعاً وتكليفاً ، كما اتّضح جواز بيع أبوال ما يؤكل لحمه مطلقاً ، بل الجواز هنا بالأولوية ، إبلاً كان أو غيرها ، جلالاً كان أو غيره ، قلنا بجواز شربه اختياراً أو لم نقل ، لأنّ جواز الشرب لا يعد من منافع البول ليكون مالاً باعتباره ويدور الحكم بجواز البيع مداره .
وهم ودفع : قد استدلّ المحقّق الإيرواني (رحمه الله )(2)على فساد المعاملة عليها بقوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ(3) على أن يراد من الباطل م--ا يعم الباطل العرفي والشرعي . ومراد المستدل أنّ أخذ المال عوضاً عن أبوال ما لا يؤكل لحمه أكل للمال بالباطل .
وفيه : أنّ دخول باء السببية على الباطل ومقابلته في الآية للتجارة عن تراضٍ - ولا ريب أنّ المراد بالتجارة هي الأسباب - قرينتان على كون الآية ناظرة إلى فصل الأسباب الصحيحة للمعاملة عن الأسباب الباطلة كما نبّه عليه المستدل في أول البيع(3)وغيره ، وعلى ذلك فيكون الغرض من الباطل الأسباب الباطلة ، فلا يكون لها تعلّق بما لا مالية له من العوضين كما يرومه المستدل . كما أنّ المراد من الأكل فيها ليس هو الازدراد على ما هو معناه الحقيقي ، بل هو كناية عن تملّك مال الغير من غير استحقاق وإن كان ذلك المال من غير المأكولات كالدار ونحوها ، وقد
تعارف استعماله بذلك في القرآن وفي كلمات الفصحاء ، بل وفي غير العربية أيضاً .
وعلى هذا فإن كان الاستثناء متصلاً كما هو الظاهر والموافق للقواعد العربية فيكون مفاد الآية نفي تملّك أموال الغير بالأسباب الباطلة م-ن القم-ار والغصب والغزو وبيع المنابذة والحصاة والتقسيم بالأزلام والأقداح ، إلّا بسبب يكون تجارة عن تراضٍ ، فتفيد حصر الأسباب الصحيحة للمعاملات بالتجارة عن تراضٍ .
وإن كان الاستثناء منقطعاً فظهور الآية البدوي وإن كان هو بيان القاعدة الكلّية لكل واحد من أكل المال بالباطل والتجارة عن تراضٍ ، ولا تعرض لها للحصر، وتظهر ثمرة ذلك فيما لا يعدّ في العرف من الأسباب الباطلة ولا من التجارة عن تراضٍ فيكون مهملاً ، إلّا أنه تعالى حيث كان بصدد بيان الأسباب المشروعة للمعاملات وتميّز صحيحها عن فاسدها وكان الإهمال مما يخل بالمقصود ، فلا محالة يستفاد الحصر من الآية بالقرينة المقامية ، وتكون النتيجة أنّ الآية مسوقة لبيان حصر الأسباب الصحيحة بالتجارة عن تراض ، سواء كان الاستثناء متصلاً أم منقطعاً . ومما يدل على كون الآية راجعة إلى أسباب المعاملات تطبيقها في بعض الروايات على القمار(1)
و ما رواه العياشي في تفسيره [ 1 : 338 / 940 ] عن أسباط بن سالم قال : «كنت عند أبي عبدالله (علیه السلام) فجاء رجل فقال أخبرني عن قول الله عزّوجلّ : يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ قال : عنى بذلك القمار » الحديث .
وعن محمد بن علي عن أبي عبدالله (عليه السلام) - وقد سئل عن الآية - قال : « نهى عن القمار ، وكانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك » راجع الوسائل 17 : 166 / أبواب ما يكتسب به ب 35 ح 14 ، 8، 9 .
فائدة : اعلم أنّ صاحب التفسير أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عيّاش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي ، وإن كان ثقة صدوقاً عيناً من عيون هذه الطائفة وكبيرها ولكن لم يثبت لنا اعتبار التفسير ، للإرسال .
وفي الوسائل 30 : 157 (الخاتمة / الفائدة الرابعة ): كتاب تفسير القرآن لمحمد بن مسعود العياشي ، وقد وصل إلينا النصف الأول منه ، غير أنّ بعض النسّاخ حذف الأسانيد واقتصر على راو واحد .
وفي البحار 1 : 28 : كتاب تفسير العياشي روى عنه الطبرسي وغيره ، ورأينا منه نسختين قديمتين ، وعدّ في كتب الرجال من كتبه ، لكن بعض الناسخين حذف أسانيده للاختصار وذكر في أوله عذراً هو أشنع من جرمه .
وفي رجال المامقاني [ 3 : 183 / 11367 ] عدّ الشيخ ( رحمه الله) الرجل في رجاله ممن لم يرو عنهم ( عليهم السلام) بقوله : محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السمرقندي ، يكنّى أبا النضر ، أكثر أهل المشرق علماً وأدباً وفضلاً وفهماً ونبلاً في زمانه ، صنّف أكثر من مائتي مصنّف ذكرناها في الفهرست، وكان له مجلس للخاصّي ومجلس للعامّي .
وقال النجاشي [ في رجاله : 350 / 944 ] : أبو النضر المعروف بالعياشي ، ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة ، وكان يروي عن الضعفاء كثيراً ، وكان في أول أمره عامي المذهب وسمع حديث العامة فأكثر منه ثم تبصّر وعاد إلينا ... أنفق على العلم والحديث تركة أبيه سائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار ، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارئ أو مُعلِّق مملوّة من الناس .
.1) مثل ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجل :لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ قال : ذلك القمار » وهي موثقة .
قوله : كبول الإبل الجلالة.
أقول : بعد ما عرفت جواز الانتفاع بالأبوال مطلقاً وجواز بيعها كذلك فلا وجه لهذا الاستثناء .
قوله : إن قلنا بجواز شربها اختياراً كما عليه جماعة .
أقول : قد ظهر مما تقدّم أنّ جواز الشرب أو حرمته ليسا مناطين في جواز بيعها وحرمته ، لعدم كون الشرب من المنافع الظاهرة ليدور الحكم عليه وجوداً وعدماً . إذن فلا فرق بين أبوال ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه .
استطراد : قد وقع الخلاف بين أعاظم الأصحاب في جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه حال الاختيار وعدم جوازه ، وذهب جمع كثير إلى الجواز ، وجماعة أُخرى إلى الحرمة ، وهو الحق ، لمفهوم موثّقة عمار(1)فإنه يدل على حرمة شربها لغير التداوي ، كما تدل على ذلك أيضاً عدّة روايات أُخرى من الخاصة(2)
والمفضّل بن عمر عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنه شكى إليه الربو الشديد ، فقال : اشرب له أبوال اللقاح ، فشربت ذلك ، فمسح الله دائي » وهي موثّقة ، الوسائل 25 : 115 / أبواب الأطعمة المباحة ب 59 ح 8 . الربو : التهيّج وتوارد النفس الذي يعرض للمسرع في مشيه .
وسماعة قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الإبل والبقر والغنم ينعت له من الوجع ، هل يجوز له أن يشرب ؟ قال : نعم ، لا بأس به » وهي ضعيفة بأحمد ابن فضل . راجع الوسائل 25 : 113 / أبواب الأطعمة المباحة ب 59 ح 4 ، 8 ، 7 ، والكافي 6 : 338 / 2 ، والتهذيب 1 : 284 / 832 ، والوافي 20 : 687 / 2 ، 19 : 351 / باب 68.
وفي دعائم الإسلام [ 2 : 476 / 1711 ] روينا عن أبي عبدالله عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : « قدم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قوم من بني ضبة مرضى ... فأخرجهم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها يتداوون بذلك » الخبر . وهي ضعيفة بالإرسال . راجع المستدرك 17 : 27 / أبواب الأشربة المباحة ب 23 ح 1 .
1) عمار بن موسى عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال :« سئل عن بول البقر يشربه الرج--ل قال : إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه ، وكذلك أبوال الإبل والغنم » وهي موثّقة الوسائل 25 : 113 / أبواب الأطعمة المباحة ب 59 ح 1 ، التهذيب 1 : 284 / 832 .
2) منها ما رواه بعض أصحابنا عن موسى بن عبدالله قال : سمعت أشياخنا يقولون : ألبان اللقاح شفاء من كل داء وعاهة ولصاحب البطن أبوالها. وهي مرسلة . في القاموس [ 1 247 ] مادة لقح : اللقاح - ككتاب - الإبل ، واللقوح كصبور واحدته . [ في الوسائل : ولصاحب الربو أبوالها ] .
والعامة(1)
وفی القاموس [ 4 : 314 ] مادة الجوى ، اجتواه كرهه ، وأرض جوية غير موافقة . وفيه [ 2 : 220 مادّة الرهس ] : ارتهس الوادي امتلاً .
وفي مسند أحمد 1: 483 / 2672 عن ابن عباس قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّ في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذربة بطونهم » . وفي القاموس [ 1 : 68 / مادّة ذَرِب ] الذربة - محرّكة - فساد المعدة .
.نعم هناك روايتان إحداهما(2): رواية قرب الإسناد ، تدل على جواز شرب
1) في السنن الكبرى للبيهقي 10 : 4 عن أنس أنّ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)أمر العرنيين أن يشربوا ألبان الإبل وأبوالها ، وعن أنس أنّ رهطاً من عرينة أتوا النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)فقالوا إنا اجتوينا المدينة وعظمت بطوننا وارتهست ، أعضادنا ، فأمرهم النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)أن يلحقوا برّاً الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعي الإبل فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صلحت بطونهم وأبدانهم ثم قتلوا الراعي وساقوا الإبل ، الحديث . ورواه البخاري في الصحيح 1 : 67 باب الأبوال بأدنى تفاوت .
2) ما عن قرب الإسناد [ : 156 / 573 ] : « إنّ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)قال : لا بأس ببول ما أُكل لحمه » . وهي ضعيفة بأبي البختري وهب بن وهب .
أبوال مأكول اللحم على وجه الإطلاق . والثانية(1): رواية الجعفري تدل على جواز شرب بول الإبل مطلقاً ، وأنه خير من لبنه .
وفيه : مضافاً إلى ضعف سنديهما ، أنه لابدّ من تقييدهما بمفهوم موثّقة عمار المتقدّمة، وحينئذ فيختص جواز شربها بالتداوي فقط . على أنّ رواية الجعفري ليست بصدد بيان الجواز التكليفي ، بل هي مسوقة إلى بيان الوجهة الطبية وأنّ أبوال الإبل مما يتداوى بها الناس ، ويدل على ذلك قوله ( عليه السلام) في ذيل الرواية : «ويجعل الله الشفاء في ألبانها » .
دفع توهّم : قد استدل بعض الأعاظم(2)على حرمة شربها بقوله تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ(3)حيث قال : وعندي أنّ هذا القول هو الأقوى ، وفي آية تحريم الخبائث غنىً وكفاية بعد القطع بكون البول مطلقاً من الخبائث .
وفيه : أنّ المقصود من الخبائث كل ما فيه مفسدة وردائة ولو كان من الأفعال المذمومة المعبّر عنه في الفارسية بلفظ « پلید » ويدل على ذلك إطلاق الخبيث على العمل القبيح في قوله تعالى : وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ(4)ويساعده العرف واللغة(5)
وفي مفردات الراغب [ 272 ] مادّة خبث : المخبث والخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوساً كان أو معقولاً ، وأصله الرديء ، وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال (ويطلق على) ما لا يوافق النفس من المحظورات ، وإتيان الرجال والأعمال الفاسدة ، والنفوس الخبيثة ، والحرام ، والأفعال الرديئة ، والكفر والكذب والنميمة . وفي تاج العروس 1 : 617 مادّة خبث : الخبيث ضدّ الطيّب ، الخابث وهو الرديء من كل شيء ، ومن المجاز الخبث بالضم الزنا ، وقد خبث بها ككرم أي فجر ، وفي الحديث : إذا كثر الخبث كان كذا وكذا ، أراد الفسق والفجور ، ومنه حديث سعد بن عبادة أنه أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) برجل مخدج سقيم وجد مع امرأة يخبث بها أي يزني ، وفي حديث أنس : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان إذا أراد الخلاء قال : أعوذ بالله من الخبث والخبائث ، أراد بالخبث الشرّ ، والخبائث الشياطين . وقال ابن الأثير في تفسير الحديث : الخبث بضم الباء جمع الخبيث ، والخبائث جمع الخبيثة ، أي من ذكور الشياطين وإنائها ، وقيل : هو الخبث بسكون الباء ، وهو خلاف طيب الفعل من فجور وغيره ، والخبائث يريد بها الأفعال المذمومة والخصال الرديئة ، والخبيث نعت كل شيء فاسد ، يقال : هو خبيث الطعم خبيث اللون خبيث الفعل ، والحرام السحت ، يسمى خبيئاً مثل الزنا والمال الحرام والدم وما أشبهها مما حرّم الله تعالى .
. إذن فالآية ناظرة إلى تحريم كل ما فيه مفسدة ولو من1) ما روي في الكافي والتهذيب عن الجعفري قال : « سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول : أبوال الإبل خير من ألبانها ، ويجعل الله الشفاء في ألبانها » . وهي مجهولة ببكر بن صالح . راجع الوسائل 25 : 114 / أبواب الأطعمة المباحة ب 59 ح 2 ، 3 ، والكافي 6 : 1/338 ، والوافي 19 : 3522 / 5 ، 20 : 1687 / 1 ، والتهذيب 9 : 100 / 437 .
2) المامقاني في غاية الآمال : 13 ، السطر 9 .
3) الأعراف 7 : 157 .
4) الأنبياء 21 : 74 .
5) في المجمع [ 2 : 251 ، مادّة خبث ] : الخبيث ضد الطيّب ... وقيل : الخبيث خلاف ط-يّب الفعل من فجور ونحوه ، والخبائث الأفعال المذمومة والخصال الرديئة ، وفي الحديث : « لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم » وفي حديث أهل البيت « لا يبغضنا إلّا من خبثت ولادته » أي لم تطب ، وخبث الرجل بالمرأة من باب قتل : زنى بها . وفي تفسير التبيان 4 : 56 الخبائث يعني القبائح ، وفي 7 : 265 وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ يعني أَنّهم كانوا يأتون الذكران في أدبارهم ، ويتضارطون في أنديتهم(مجالسهم) وهي قرية سدوم على ما روي .
الأعمال القبيحة ، فلا تعمّ شرب الأبوال الطاهرة ونحوها مما تتنفّر عنها الطبائع .
قوله : لا يوجب قياسه على الأدوية .
أقول : هذا الكلام بظاهره مما لا يترقّب صدوره من المصنّف ، وذلك لأنّ التداوي بها لبعض الأوجاع يجعلها مصداقاً لعنوان الأدوية ، فكما يجوز بيعها حتى إذا كانت نجسة فكذلك يجوز بيع الأبوال مطلقاً لكونها مصداقاً للأدوية ، وانطباق الكلّي على أفراده غير مربوط بالقياس، وتوضيح ذلك : أنّ مالية الأشياء تدور على رغبات الناس بلحاظ حاجاتهم إليها على حسب الحالات والأزمنة والأمكنة ، ولا شبهة أنّ المرض من الحالات التي لأجلها يحتاج الإنسان إلى الأدوية والعقاقير طاهرة كانت أم نجسة ، ولأجل ذلك يجلبها الناس من أقاصي البلاد ، فإذا كانت الأبوال عند العرف من الأدوية وتعدّ من الأموال في غير حال المرض كانت كسائر الأدوية التي يحتاج إليها الناس في حال المرض ، ولا مجال لتفريقها عنها ، اللهم إلّا أن يكون مراد المصنّف سقوط مالية الأبوال لكثرتها .
وفيه : - مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر من كلامه ، وإلى منع كثرتها في جميع البلاد - أنّ الكثرة لا توجب سقوط ماليتها بعد إمكان الانتفاع بها في بعض الأمكنة ، وإلّا لزم سلب المالية عن أكثر المباحات ، نعم لا يبعد الالتزام بسقوط ماليتها إذا لم ينتفع بها في محلّها ولم يمكن نقلها إلى محل ينتفع بها فيه .
و مما ذكرنا علم أنّ التداوي بالأبوال من المنافع الظاهرة لها ، فلا وجه لعدّها فيما لا نفع فيه ، كما لا وجه للنقض على ذلك بأنه لو كان التداوي بها موجباً لصحة بيعها لجاز بيع كل شيء من المحرمات، لقوله (عليه السلام) : « ليس شيء مما حرّم الله إلّا وقد أحلّه لمن اضطر إليه »(1)وذلك لما بيّنا من أنّ المرض من الأحوال المتعارفة
1) عن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ليس شيء ... » وه-ي مرسلة . راجع الوسائل 23 : 228 / كتاب الأيمان ب 12 ح 18 ، والمستدرك 12 : 258 / كتاب الأمر بالمعروف ب 24 ح3 . والبحار 2 : 272/ 9 .
للإنسان، فلا يقاس بالاضطرار الذي لا يتّفق في العمر إلّا نادراً .
ومن هنا يتّضح الفرق بين الأبوال وبين الميتة ولحوم السباع وغيرهما من المحرّمات التي يحتاج إليها الإنسان عند الاضطرار، ولذلك فلا يتّجر أحد بلحوم السباع ونحوها لاحتمال الحاجة إليها ، وهذا بخلاف الأدوية فإنّ بيعها وشراءها من التجارات المهمة .
قوله : ولو عند الضرورة المسوّغة للشرب .
أقول : لا تعرض في شيء من الروايات العامة وغيرها لتعليق جواز بيع الأبوال الطاهرة غير بول الإبل على جواز شربها .
قوله : ولا ينتقض أيضاً بالأدوية المحرّمة .
أقول : قوله : لأجل الإضرار . تعليل للحرمة ، وحاصل النقض : أنّ الأبوال الطاهرة تكون بحكم الأدوية ، فكما أنّ الأدوية محرّمة الاستعمال في غ-ي-ر ح--ال المرض لإضرارها بالنفس ، ومع ذلك يجوز بيعها واستعمالها عند المرض في حال المرض ، لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع ، وهذا بخلاف الأبوال فإنّ حلّيتها ليست إلّا لأجل الضرورة ، فالنقض في غير محلّه .
ولكن الإنصاف أنّ ما أفاده المصنف نقضاً وجواباً غير تامّ .
أمّا الجواب : فلانّا لا نجد فرقاً بين الأبوال وسائر الأدوية ، وإذا كان الاحتياج إلى الأدوية موجباً لتبدّل عنوان الضرر إلى النفع فليكن الاحتياج إلى الأبوال في حال المرض كذلك ، مع أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ من الواضح جداً أنّ الاحتياج إلى الأدوية والعقاقير حال المرض ليس من قبيل تبدّل موضوع الضرر
بموضوع النفع كانتقال موضوع التمام إلى موضوع القصر ، وإنما هو كالاحتياج إلى سائر الأشياء بحسب الطبع .
وأمّا النقض ففيه أولاً : أنه لا يجوز أن تعلّل حرمة الأدوية في غير حال المرض بالإضرار ، لأنه من العناوين الثانوية ، فلا يمكن أن يكون علّة لثبوت الحرمة للشيء بعنوانه الأولي ، ولو صح ذلك لم يوجد شيء يكون حلالاً بعنوانه الأولي إلّا نادراً ، وذلك لأنه لابدّ من عروض عنوان الضرر عليه في مرتبة من مراتب استعماله فيكون حراماً .
وثانياً : أنّ عنوان الإضرار ليس مما تكون الحرمة ثابتة عليه بالذات أو بعنوان غير منفك عنه ، لأنه ليس أمراً مضبوطاً ، بل يختلف بالإضافة إلى الأشخاص والأزمنة والأمكنة والمقدار ، وربما يكون الشيء مضرّاً بالاضافة إلى شخص حارّ المزاج دون غيره، وبالنسبة إلى منطقة دون منطقة ، أو بمقدار خاص دون الأقل منه ، بل لو كان عنوان الإضرار موجباً لحرمة البيع لما جاز بيع شيء من المشروبات والمأكولات ، إذ ما من شيء إلّا وهو مضرّ للمزاج أزيد من حدّه ، نعم لو دل دليل على أنّ ما أضر كثيره فقليله حرام كما ورد في الخمر : « فما أسكر كثيره فقليله حرام »(1)لتوجّه ما ذكره من النقض.
وقد تمسك بعض العامة بذلك عند بحثنا معه في حرمة شرب التتن ، وأجبنا عنه بأنه لو صح ما أضر كثيره فقليله حرام للزم الالتزام بحرمة جميع المباحات ، فإنّ من الواضح أنه ما من شيء في العالم إلّا وتكون مرتبة خاصة منه مضرّة للمزاج .
1) تقدّم مصدره في ص 27
حرمة بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه
قوله : ولا ينافيه النبوي : لعن الله اليهود(1).
أقول : وجه التنافي هو توهّم الملازمة بين حرمة الأكل وحرمة البيع . وأجاب عنه المصنّف بأنّ الظاهر أنّ الشحوم كانت محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات ، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا.
وفيه : أنه لا منشأ لهذا الظهور لا من الرواية ولا من غيرها ، بل الظاهر منها رمة أكلها فقط ، كما هو المستفاد من الآية(2)أيضاً ، فإنّ الظاهر من تحريم الشحوم فيها تحريم أكلها ، لكونه منفعة ظاهرة لها . إلّا أنّك عرفت(3)في البحث عن النبوي المشهور أنّ حرمة الأكل لا تستلزم حرمة البيع وضعاً وتكليفاً باتّفاق من الشيعة ومن العامة .
قوله : والجواب عنه مع ضعفه .
أقول : قال المحقّق الإيرواني : ظاهر النبوي ما حرم أكله من المأكولات
1) روى جابر بن عبدالله أنه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول عام الفتح وهو بمكة : «إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، فقيل يارسول الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ، فقال : لا ، هو حرام ، ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : قاتل الله اليهود ، إنّ الله لمّا حرّم عليهم شحومها جملوه - أي أذابوه - ثم باعوه وأكلوا ثمنه » راجع سنن البيهقي 6 : 12 ، وسبل السلام : 26 / 735 ، والبخاري 3 : 107 ، 110 باب لا يذاب شحم الميتة ، وباب بيع 3: الميتة ، وتقدّم أيضاً بعض روايات الشحوم في ص 33 - 34 .
2) أي قوله تعالى في سورة الأنعام 6 : 146 : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا
3) لاحظ ص 36 .
أعني ما يقصد للأكل، دون ما حرم أكله مطلقاً ... ليخالف غ--رض المصنّف ويلزم تخصيص الأكثر حتى يضطر إلى تضعيفه سنداً ودلالة(1).
وفيه : مضافاً إلى كونه حملاً تبرّعياً ، أنه يلزم تخصيص الأكثر أيضاً ، لجواز بيع المأكولات والمشروبات المحرّمة إذا كانت لها منافع محلّلة . ثم إنّ الظاهر من ذيل كلامه استظهار ضعف الرواية من عبارة المصنّف من غير جهة تخصيص الأكثر ، إلّا أنه ناشئ من غلط النسخة ومن زيادة كلمة (مع) قبل كلمة (ضعفه ) .
لا يقال : إنّ الملاك في حرمة بيع الشحوم هو حرمة أكلها ، فيحرم بيعها لكونه إعانة على الاثم .
فإنه يقال : لو سلّمنا حرمة الإعانة على الإثم لكان الظاهر من الرواية هو بيع اليهود شحومهم من غيرهم ، ولم يعلم حرمته على غير اليهود ، بل الظاهر من الآية المباركة اختصاص التحريم بهم ، مع أنه لو قطع النظر عن هذا الظهور لكان تقييد الرواية بما إذا كان البيع للأكل بلا موجب .
جواز بيع العذرة
قوله : يحرم بيع العذرة النجسة من كل حيوان على المشهور(2).
أقول : المعروف بين الفقهاء (رضوان الله عليهم) حرمة بيع العذرة النجسة من كل حيوان ، بل في التذكرة : لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً م-نّا (3)، وفي
الجواهر ادّعى الاجماع بقسميه على حرمة بيع أرواث ما لا يؤكل لحمه(1)، وفي النهاية جعل بيع العذرة من المكاسب المحظورة (2)، وفي الغنية منع عن بيع سرقين ما لا يؤكل لحمه(3)، وفي المراسم حكم بحرمة بيع العذرة(4)، وفي المستند إنه موضع وفاق(5)، وعلى هذا اتّفاق المذاهب الأربعة(6)
وعن الحنابلة : لا يصح بيع النجس كالزبل النجس . وكذلك عند الشافعية .
وفي ص 209 عن الحنفية : لا ينعقد بيع العذرة ، فإذا باعها كان البيع باطلاً إلّا إذا خلطها بالتراب ، فإنه يجوز بيعها إذا كانت لها مالية ، ويصح بيع الزبل ويسمّى سرجين ، وكذا بيع البعر .
.ثم إنّ تحقيق هذه المسألة في ضمن مقامين ، الأول : من حيث القواعد والإجماعات والروايات العامة . والثاني : من حيث الروايات الخاصة الواردة خصوص هذه المسألة .
أمّا المقام الأول : فقد ظهر من المسألة السابقة وما قبلها أنه لا يجوز الاستدلال بشيء من تلك الأمور على حرمة البيع وفساده .
وأمّا المقام الثاني : فالروايات الواردة هنا على ثلاث طوائف : الأُولى : ما
1) الجواهر 22 : 17 .
2) النهاية : 364 .
3) الغنية : 213 .
4) المراسم : 170
5) المستند 14 : 82
6) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن المالكية : لا يصح بيع زبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرّماً كالخيل والبغال والحمير ، أو مكروهاً كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهرّ ، فإنّ فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها .
يدل على حرمة بيع العذرة وكون ثمنها سحتاً (1)
وفي دعائم الإسلام [ 2 : 18 / 22 ] : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع العذرة وقال : هي ميتة » . وهي مرسلة ، راجع المستدرك 13 : 71 / أبواب ما يكتسب به ب ه ح ه .
الثانية : ما يدل على جواز بيعها وهي رواية ابن مضارب(2)الثالثة : ما يدل على جواز بيعها وحرمته معاً ، وهي رواية سماعة(3).و للجمع بينها وجوه للأعلام :
الأول : ما ذكره شيخ الطائفة (رحمه الله) من حمل رواية المنع على عذرة الإنسان ، ورواية الجواز على عذرة البهائم مما يؤكل لحمه ، واستشهد على ذلك برواية سماعة ، قال في التهذيب بعد ما نقل رواية الجواز : ولا ينافي ذلك ما رواه يعقوب بن شعيب ، لأنّ هذا الخبر محمول على عذرة الإنسان ، والأول محمول على عذرة البهائم من الإبل والبقر والغنم ، ولا تنافي بين الخبرين ، والذي يكشف عمّا
1) وهو ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ثمن العذرة من السحت » وهي مجهولة بعلي بن مسكين أو سكن . راجع الوسائل 17 : 175 / أبواب ما يكتسب به ب 40 ح 1 . والتهذيب 6 : 372 / 1080 . والاستبصار 3: 56 / 182 . والوافي 22 / 283 : 17 .
2) محمد بن مضارب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « لا بأس ببيع العذرة » وهي حسنة بابن مضارب . راجع الكافي 5 : 226 / 3 ، والأبواب المذكورة من التهذيب والوسائل والاستبصار والوافي .
3) قال : « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا حاضر ، قال : إني رجل أبيع العذرة فما تقول ؟ قال : حرام بيعها وثمنها ، وقال : لا بأس ببيع العذرة » وهي موثقة . راجع الأبواب المذكورة من التهذيب والوسائل والاستبصار والوافي .
ذكرناه رواية سماعة(1). وفي المبسوط(2)فلا يجوز بيع العذرة والسرجين مما لا يؤكل لحمه ، وفي الخلاف(3)فالسرجين النجس محرّم بالإجماع ، فوجب أن يكون بيعه محرّماً .
إذا عرفت مسلكه من كتبه الثلاثة فلا تغترّ باطلاق كلامه في الاستبصار(4)حيث حمل رواية الجواز على عذرة غير الآدميين ، ورواية المنع على عذرة الناس ثم استشهد عليه برواية سماعة ، فإنّ مراده من غير الآدميين إنما هو ما يؤكل لحمه فقط ، فلا يعم غير المأكول .
وفيه أولاً : أنه ثبت في محلّه أنّ كون الدليل نصّاً في مدلوله غير كون بعض أفراده متيقّناً في الإرادة من الخارج على تقدير صدور الحكم ، فما هو الموجب لرفع اليد عن الحكم هو الأول دون الثاني . ففي مثل الأم-ر ب-غس-ل الث-وب م-ن ب-ول الخفّاش(5)الصريح في المحبوبية والظاهر في الوجوب ، وما ورد من أنّ بول الخفّاش لا بأس به(6)
في تاج العروس 4 : 308 مادّة خفش : الخفّاش كرمان : الوطواط الذي يطير بالليل سمّي به لصغر عينيه خلقة ، وضعف بصره بالنهار ، ومن الخواص أنّ دماغه إن مسح بالأخمصين هيّج الباه أي شبق النكاح ، وإن أحرق واكتحل به قلع البياض من العين وأحدّ البصر ، ودمه إن طلي به على عانات المراهقين منع نبات الشعر ، ومرارته إن مسح بها فرج المنهكة -وهي التي تعسر ولادتها - ولدت في ساعتها ، ج خفافيش ... والأخفش الذي يغمض إذا نظر .
وفي حياة الحيوان للدميري : الخفّاش له أربعة أسماء : خفّاش وخشّاف وخطّاف ووطواط وليس من الطير في شيء ، فإنه ذو أُذنين وأسنان وخصيتين ومنقار ، ويحيض ويطهر ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويبول كما تبول ذوات الأربع ، ويرضع ولده ، ومن الخواص إن طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مراراً حتى يتهرّى ويصفى ذلك الدهن عنه ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورّم في الجسد والربو فإنه ينفعه ذلك ويبرؤه ، وهو عجيب مجرّب ، وإن ذبح في بيت وأخذ قلبه وأحرق فيه لم يدخله حيّات ولا عقارب ، ومن نتف إبطه وطلاه بدمه مع لبن أجزاء متساوية لم ينبت فيه شعر ، وإن صبّ من مرق الخفّاش وقعد فيه صاحب الفالج انحلّ ما به .
، الصريح في جواز الترك والظاهر في الاباحة الخاصة ، ترفع اليد عن1) التهذيب 6 : 372 / 1080 .
2) المبسوط 2 : 166 - 167 .
3) الخلاف 3: 185 .
4) الاستبصار 3: 56 / ذيل ح 182 .
5) داود الرقي قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده ، فقال : اغسل ثوبك » وهي مجهولة بيحيى بن عمر . راجع الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح 4 ، والتهذيب 1 : 265 / 777 .
6) غياث عن جعفر عن أبيه قال : « لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف » وه-ي موثّقة . راجع البابين المذكورين من التهذيب والوسائل .
ظهور كل منهما بصريح الآخر ، فيثبت الاستحباب . وأمّا في أمثال المقام حيث لا صراحة للدليل في شيء ، فلا موجب للجمع المذكور ، فإنه تبرّعي محض وخارج عن صناعة الجمع الدلالي العرفي ، فلا يوجب رفع التعارض بوجه . إذن فلابدّ إمّا من طرحهما ، وإمّا الرجوع إلى المرجّحات السندية أو الخارجية من موافقة الكتاب أو مخالفة العامة .
وبعبارة أُخرى : أنّ الجمع العرفي بين الدليلين بطرح ظهور كل منهما ب-ن-ص الآخر إنما يجري فيما كانت لكل منهما قرينية لرفع اليد عن ظهور الآخر ، كالجمع بين الأمر [ أو النهي ] والترخيص ، بحمل الأول على الاستحباب والثاني على الكراهة
وهذا بخلاف ما إذا ورد النفي والإثبات على مورد واحد كما فيما نحن فيه ، فإنه من أوضح موارد المتعارضين .
وثانياً : سلّمنا ذلك ، إلّا أنّ إطلاق العذرة على مدفوعات ما يؤكل لحمه ممنوع جدّاً ، وإنما يطلق عليها لفظ الأرواث أو السرقين ، وهذا واضح لمن كان له أُنس بالعرف واللغة(1).
وثالثاً : سلّمنا جواز الإطلاق وصحته ، إلّا أنّ أخذ المتيقّن من الدليلين المتنافيين لا يعدّ من الجموع العرفية ، لعدم ابتنائه على أساس صحيح ، بل لو جاز أخذ المتيقّن من الدليل لانسدّ باب حجية الظواهر ولم يجز التمسك بها ، إذ ما من دليل إلّا وله متيقّن في إرادة المتكلّم ، إلّا أن يقال بتخصيص ذلك بصورة التعارض وهو كما ترى .
ورابعاً : سلّمنا ذلك أيضاً ، إلّا أنّ أخذ المتيقّن من دليلي الجواز والمنع لا ينحصر بما ذكر ، بل يجوز أخذه منهما بوجه آخر أوجه منه ، بأن تحمل رواية الجواز على فرض كون العذرة المبيعة يسيرة ورواية المنع على فرض كونها كثيرة ، أو تحمل رواية الجواز على بلاد تعارف فيها بيع العذرة لأجل التسميد ونحوه ، ورواية المنع على بلاد لم يتعارف فيها بيعها ، أو غير ذلك .
1) في المنجد [ 494 ، مادّة أعذَرَ ] العذرة الغائط ، وفي المجمع [ 3 : 398 مادّة عذر ] العذرة وزان كلمة الخرؤ ، ولم يسمع التخفيف ، وقد تكرّر ذكرها في الحديث ، وسمّي فناء الدار عذرة لمكان إلقاء العذرة هناك . وكذلك في نهاية ابن الأثير [ 3 : 199 ، مادّة عذر ] ، وفي تاج العروس 3 : 388 مادة عَذَر : والعاذر الغائط الذي هو السلح والرجيع ، والعذرة بكسر الذال المعجمة ، ومنه حديث ابن عمر أنه كره السلت الذي يزرع أنه كره السلت الذي يزرع بالعذرة ، يريد غائط الإنسان الذي يلقيه ، وفناء الدار .
الثاني : أن تحمل رواية الجواز على بلاد ينتفع بها ورواية المنع على بلاد لا ينتفع بها ، وقد حكى المصنّف هذا الوجه عن المجلسي ثم استبعده .
وفيه : مضافاً إلى كونه جمعاً تبرّعياً أنّ إمكان الانتفاع بها في مكان يكفي في صحة بيعها على وجه الإطلاق، على أنك عرفت(1)في بيع الأبوال أنّ غاية ما يلزم هو كون المعاملة على أمثال تلك الخبائث سفهية ، ولم يقم دليل على بطلانها وصرف العمومات عنها . مع أنّ الظاهر من قول السائل في رواية سماعة : « إنّي رجل أبيع العذرة » هو كونه بیّاع العذرة وأخذه ذلك شغلاً لنفسه ، وإنما سأل عن حكمه الشرعي ، وهذا كالصريح في كون بيع العذرة متعارفاً في ذلك الزمان . ثم إنّ هذا الوجه وإن نسبه المصنّف إلى المجلسي ولكن لم نجده في كتبه ، بل الموجود في مرآة العقول نفي البعد عن حمل رواية الجواز على الكراهة(2).
الثالث : ما احتمله السبزواري(3)من حمل رواية المنع على الكراهة ورواية الجواز على الترخيص المطلق . وقد استبعده المصنّف أيضاً ، ولعل الوجه فيه هو أنّ استعمال لفظ السحت في الكراهة غير جارٍ على المنهج الصحيح ، فإنّ السحت في اللغة(4)عبارة عن الحرام . إذن فرواية المنع آبية عن الحمل عليها .
1) في ص 52 .
2) مرآة العقول 19 : 266 [ لكنّه حكاه عن والده في ملاذ الأخيار 10 : 379 ] .
3) كفاية الأحكام : 84 السطر 36
4) في المجمع [ 2 : 204 ، مادة سحت ] السحت : كل مال لا يحل كسبه ، وفي القاموس [ 1 : 149 مادّة السحت ] السحت : الحرام أو ما خبث من المكاسب ، وفي المصباح [ 267 مادّة السحت ] السحت : مال حرام لا يحل أكله ولا كسبه ، وفي لسان العرب 2 : 41 السُحت : كل حرام قبيح الذكر ، وقيل : هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار ، وقبيح الذكر كثمن الكلب والخمر والخنزير ، والجمع أسحات ، والشحت : الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها ، وأسحَتَت تجارته خبثت وحرمت ، وأسحَتَ اكتسب السحت.
وفيه أولاً : أنّ لفظ السحت قد استعمل في الكراهة في عدّة من الروايات(1)
وفي دعائم الإسلام [ 1 : 126 ] « من السحت ثمن جلود السباع » وهي مرسلة . راجع البحار 100 : 72 / 13 ، والمصدر المذكور من المستدرك .
والكافي عن سماعة قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : السحت أنواع كثيرة ، منها كسب الحجّام إذا شارط » وهي ضعيفة بمحمد بن أحمد الجاموراني ، ومثلها رواية أخرى لسماعة إلا أنه ليست فيها جملة شرطية ، ولكنها موثقة . راجع الكافي 5 : 127 / 3 ، التهذيب 6 : 355 / 1013 ، الوسائل 17 : 92 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 2 ، 6 ، الوافي 17 : 194/8،9 .
والجعفريات : 299/ 1235 عن علي (عليه السلام)« من السحت كسب الحجّام » . وهي موثّقة . راجع المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 .
والعيون [ 2 : 28 / 16 ] عن علي (عليه السلام) » في قوله تعالى : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال : هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته » راجع الوسائل 17 : 95 / أب--واب م-ا يكتسب به ب 5 ح 11 . وقد تعرّض صاحب الوسائل لأسانيد الرواية في 1 : 448 / أبواب الوضوء ب 54 ح 4 ، ولكن أكثرها من المجاهيل .
وفقه الرضا : 253 عن ابن عباس في قوله تعالى : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال : أُجرة المعلّمين الذين يشارطون في تعليم القرآن . راجع المستدرك 13 : 116 / أبواب ما يكتسب به ب26 ح 2 .
فإنه أُطلق فيها على ثمن جلود السباع ، وكسب الحجّام ، وأُجرة المعلّمين الذين1) فقد روى في الجعفريات : 299 / 1235) عن علي (عليه السلام) « من السحت ثمن جلود السباع » وهي موثقة . راجع المستدرك 13 : 120 / أبواب ما يكتسب به ب 31 ح 2 .
يشارطون في تعليم القرآن ، وقبول الهدية مع قضاء الحاجة ، ومن الواضح جداً أنه ليس شيء منها بحرام قطعاً ، وإنما هي مكروهة فقط . وقد نص بصحة ذلك الاستعمال غير واحد من أهل اللغة(1)بل الروايات الكثيرة(2)
ومنها : رواية حنّان بن سدير ، وفيها : « إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد احتجم وأعطى الأجر أجر ، ولو كان حراماً ما أعطاه » وهي ضعيفة بسهل . وقريب منها رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) . وهي أيضاً ضعيفة بعمرو بن شمر . راجع الأبواب المذكورة من الكتب
المزبورة .
وفي البخاري 3 : 122 باب خراج الحجّام من الإجارات، وسنن البيهقي 9 : 338 عن ابن عباس قال : احتجم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)وأعطى الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه .
ومنها : رواية قرب الإسناد [ 111 / 384 ] : « إِنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) احتجم وسط رأسه ، حجمه أبو طيبة ، وأعطاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)صاعاً من تمر » [ في المصدر : ابن أبي طيبة ] وهي ضعيفة بالحسين بن علوان البحار 100: 59 / 1 ، الوسائل :المصدر المتقدّم ح 10 ، وصحيح البخاري 3 : 122 ، وسنن البيهقي 9 : 337 .
ومنها : رواية الفضل بن أبي قرّة قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ هؤلاء يقولون : إنّ كسب المعلّم سحت ، فقال : كذبوا أعداء الله ، إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن ، ولو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلّم مباحاً » وهي ضعيفة بالفضل . راجع التهذيب 6 : 364 / 1046 ، الكافي 5 : 121 / 2 ، والوافي 17 : 2 237 / 2 ، والوسائل 17 : 154 / أبواب ما يكتسب به ب 29 ح 2 ، ثم إنه أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 : 124 أحاديث تدل على جواز أخذ المعلم الأجرة للتعليم ، وأحاديث أخرى تدل على كراهة أخذها لتعليم القرآن .
تصرّح بجواز ب-ي-ع ج-لود1) في نهاية ابن الأثير [ 2 : 345 مادّة سحت ] السحت كما يطلق على الحرام يطلق على المكروه . وفي لسان العرب 2 : 42 [ مادّة سحت ] . السحت يرد في الكلام على المكروه مرّة وعلى الحرام أُخرى ، ويستدل عليه بالقرائن .
2) منها : الروايات المجوّزة لبيع جلود النمر والسباع كما سيأتي التعرّض لها في بيع المسوخ [ في ص 140 ] ومنها : موثّقة زرارة قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب الحجّام فقال : مكروه له أن يشارط ، ولا بأس عليك أن تشارطه وتماكسه ، وإنما يكره له ، ولا بأس عليك » راجع الكافي 5 : 116 / 4 ، والتهذيب 6 : 355 / 1011 ، والوافي 17 : 192 / 4 والوسائل 17 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب9 ح 9 . لا يخفى أنّ ظهور الرواية في الكراهة الاصطلاحية مما لا ينكر ، وإن كانت هي في الأخبار أعم منها ومن الحرمة .
السباع وأخذ الأُجرة للحجّام وتعليم القرآن حتى مع الاشتراط ، والجمع العرفي يقتضي حمل المانعة على الكراهة ، وعليها فتاوى الأصحاب وإجماعهم ، بل فتاوى أكثر العامة(1). إذن فلا وجه للتهويل على السبزواري بأنّ كلمة السحت غير مستعملة في الكراهة الاصطلاحية .
وثانياً : لو سلّمنا حجية قول اللغوي فغاية ما يترتّب عليه أنّ حمل لفظ السحت على المكروه خلاف الظاهر، ولابأس به إذا اقتضاه الجمع بين الدليلين.
لا يقال : وإن صح إطلاق كلمة السحت على الكراهة كصحة إطلاقها على الحرام ، إلّا أنّ نسبته إلى الثمن صريحة في الحرمة ، فإنه لا معنى لكراهة الثمن .
1) فی الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن الحنابلة : يجوز بيع سباع البهائم ، وعند الحنفية الأسد والفيل وسائر الحيوانات سوى الخنزير ، وفي الفقه على المذاهب الأربعة 3 : يصح بيع 116 كره أجر الحجّام إذا اشترط ، وفي ص130 عن الحنابلة كراهة أُجرة الحجّام ، وفي ص 114[ إنّ ]المتأخرين من الحنفية أجازوا أخذ الأُجرة على تعليم القرآن ، وفي ص 122 عن المالكية يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن إذا عرف المعلّم المتعلّم ، وفي ص 126 عن الشافعية تصح الإجارة على تعليم القرآن .
فإنه يقال : إنّ عناية تعلّق الكراهة بالثمن لا تزيد على عناية تعلّق الحرمة به فإرادة الثاني من كلمة السحت دون الأول مع صحة استعمالها فيهما تحتاج إلى قرينة معيّنة ، ومن هنا ذكر في لسان العرب : السحت يرد في الكلام على المكروه مرّة وعلى الحرام أُخرى ، ويستدل عليه بالقرائن . غاية الأمر أنه إذا تعلّقت الحرمة بالثمن فيستفاد من ذلك الحرمة الوضعية ، أعني بها فساد البيع زائداً على حرمة التصرف في الثمن ، بخلاف تعلّق الكراهة به ، فإنه متمحّض في الدلالة على الحكم التكليفي ، كما في ثمن جلود السباع ونحوه .
الرابع : أن تحمل رواية الجواز على الجواز التكليفي لظهور كلمة « لا بأس » في ذلك . ورواية المنع على الحرمة الوضعية ، فتصير النتيجة أنّ بيع العذرة فاسد وغير حرام .
وفيه : مضافاً إلى كونه جمعاً تبرّعياً أن استعمال« لابأس »في الجواز التكليفي ومقابله في البأس الوضعي من الغرابة بمكان كاد أن يلحق بالأغلاط ، ولم نسمع إلى الآن نظير ذلك الاستعمال ، بل هما متمحّضان لبيان الحكم الوضعي ، وإن كان يستفاد منهما الحكم التكليفی أحياناً بالالتزام ، ومن هنا ترون أنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) يتمسكون بالأمر بشيء وبالنهي عن شيء في الصلاة لإثبات الجزئية والمانعية فيها . على أنّ قوله (عليه السلام) في رواية سماعة : « حرام بيعها وثمنها » ظاهر في الحرمة التكليفية لو لم يكن نصّاً فيها . فلا وجه لرفع اليد عنها وحملها على الحرمة الوضعية .
الخامس : ما اختاره العلّامة المامقاني (رحمه الله) وقال : الأقرب عندي حمل قوله (عليه السلام) « لا بأس ببيع العذرة » على الاستفهام الإنكاري . ولعل هذا مراد المحدّث الكاشاني حيث قال : ولا يبعد أن يكون اللفظتان مختلفتين في هيئة التلفّظ
وإن كانتا واحدة في الصورة (1).
وفيه : مضافاً إلى كونه محتاجاً إلى علم الغيب ، أنه خلاف الظ-اه-ر م-ن الرواية ، فلا يجوز المصير إليه بمجرد الاحتمال .
والتحقيق : أنه لا يجوز العمل بروايات المنع لوجهين :
الأول : عدم استيفائها شرائط الحجية بنفسها . أمّا رواية ابن شعيب فلضعف سندها ، لا للإرسال كما زعمه صاحب الجواهر(2)اغتراراً بإرسال العلّامة في المنتهى(3)، بل لجهالة علي بن مسكين أو سكن . وكذا رواية دعائم الإسلام . وتوهّم انجبارهما بعمل المشهور توهّم فاسد ، فإنه مضافاً إلى فساد الكبرى ، أنّ الحكم غير مختص بالعذرة ، بل شامل لغيرها من النجاسات .
وأمّا رواية سماعة فهي وإن كانت موثّقة، إلّا أنه لا يجوز الاعتماد عليها ، إمّا لإجمالها لمعارضة صدرها مع ذيلها إن كانت رواية واحدة، وإمّا للتعارض والتساقط لو كانت روايتين ، ولكن يدل على التعدّد من الرواية أُمور: الأول : اقتران كلمة« قال» فيها بالواو. والثاني : وضع المظهر فيها موضع المضمر ، فإنها لو كانت رواية واحدة لكان للإمام (عليه السلام) أن يقول : ولا بأس ببيعها ، بدل قوله : « لا بأس ببيع العذرة ». الثالث : أنها لو كانت رواية واحدة لكانت مجملة كما عرفت إذن فلزم للسائل أن يسأل عن بيع العذرة ثانياً . فينكشف من تلك القرائن تعدّدها وأنّ سماعة لمّا نقل رواية المنع ألحقها برواية الجواز تفهيماً للمعارضة . وعلى ه-ذا فيحكم بالتساقط .
إن قلت : إنّ السائل لمّا فهم مقصوده من القرائن الحالية أو المقالية وإن لم تصل إلينا ترك التعرّض للسؤال ، فلا يلزم من ذلك تعدّد الرواية .
قلت : احتمال أنه فهم المراد من القرائن وإن كان موجوداً إلّا أنّ أصالة عدم القرينة التي هي من الأُصول المسلّمة عند العقلاء تدفع ذلك الاحتمال . ثم لو صحّت رواية ابن مضارب -كما هي كذلك ، وإن رماها المجلسي(1)بضعف السند - لوجب الأخذ بها ، وإلّا فالمرجع في الجواز التكليفي هي أصالة الإباحة ، وفي الجواز الوضعي هي العمومات منأَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2)و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ (3)وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (4).
الوجه الثاني : أنّك بعد ما عرفت تعدّد رواية سماعة وكونها روايتين فتنحصر الروايات هنا في طائفتين : المانعة عن بيع العذرة والمجوّزة لبيعها ، وعلى هذا فإن أمكن الجمع بينهما بإحدى الوجوه المتقدّمة فنأخذ بهما ، وإلّا فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات الخارجية ، لتساوي روايتي سماعة من حيث المرجّحات السندية ، ولما كان القول بحرمة بيع العذرة مذهب العامة(5)بأجمعهم فنأخذ بالطائفة المجوّزة لبيعها ومن هنا ظهر ما في كلام المصنّف حيث استبعد حمل الطائفة المانعة عن بيعها على التقية .
والعجب من الفاضل المامقاني (رحمه الله) فإنه وجّه كلام المصنّف وقال : إنّ
مجرد كونه مذهب أكثر العامة لا يفيد مع كون فتوى معاصر الإمام الذي صدر منه الحكم هو الجواز كما فيما نحن فيه ، حيث إنّ الجواز فتوى أبي حنيفة المعاصر لم--ن صدر منه أخبار المنع وهو الصادق (عليه السلام) فخبر الجواز أولى بالحمل على التقية(1). ووجه العجب أنّ أبا حنيفة قد أفتى بحرمة بيع العذرة كما عرفت .
وأعجب من ذلك ما نسبه إليه العلّامة في التذكرة(2)من تجويز بيع النجس لأنّ أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير ، فإنه(رحمه الله) م-ع اطلاعه على مذهب العامّة وآرائهم كيف خفي عليه مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة نعم لا ينكر تجويز أبي حنيفة (3)بيع العذرة إذا اختلطت بالتراب ، وبيع الزبل الذي يسمّى بالسرجين ، وبيع البعر للانتفاع به وجعله وقوداً .
قوله : فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى .
أقول : الوجوه المشار إليها في كلامه هي الإجماعات المنقولة ، والشهرة الفتوائية ، والروايات العامّة المتقدّمة(4)، وضعف سند ما يدل على الجواز . إلّا أنّها مخدوشة بأجمعها ، ولا يصلح شيء منها لترجيح ما يدل على المنع .
أمّا الإجماعات المنقولة فليست بتعبّدية ، بل مدركها هي الوجوه المتقدّمة ولو كانت تعبّدية لكانت حجّة مستقلّة، وضمّها إلى رواية المنع لا يزيد اعتبارها ، بل هي بنفسها لو كانت حجّة لوجب الأخذ بها ، وإلّا فضمّ الإجماعات إليها لا يوجب حجّيتها .
وأمّا الشهرة الفتوائية فهى وإن كانت مسلّمة ، إلّا أنّ ابتناءها على رواية المنع ممنوع جدّاً ، فإنّ تلك الشهرة غير مختصّة ببيع العذرة ، بل هي جارية في مطلق النجاسات . ولو سلّمنا ابتناءها عليها لا توجب انجبار ضعف سند الرواية . على أنّ ما يوجب ترجيح إحدى الروايتين على الأُخرى عند المعارضة هي الشهرة في الرواية دون الشهرة الفتوائية .
وأمّا الروايات العامّة فقد تقدّم الكلام فيها ، على أنّ النجاسة لم تذكر في شيء منها إلّا في رواية تحف العقول، والذي يستفاد منها ليس إلّا حرمة الانتفاع بالنجس مطلقاً، وهي وإن كانت مانعة عن البيع ، إلّا أنّه لم يقل بها أحد . وأمّا مانعية النجاسة من حيث هي نجاسة فلا يستفاد من تلك الروايات ولا من غيرها ، نعم لا شبهة في حرمة الانتفاعات المتوقّفة على الطهارة ، ومن هنا يظهر الجواب عمّن ذهب إلى حرمة الانتفاع بالعذرة في التسميد ونحوه وتمسّك في ذلك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد » بدعوى أنّ التسميد ونحوه من التصرفات فيها من وجوه الفساد ، بل قد ورد في بعض الروايات جواز طرح العذرة في المزارع(1).
وأمّا تخيّل ضعف رواية الجواز من ناحية السند ففيه أوّلاً : أنه محض اشتباه قد نشأ من خلط ابن مضارب بابن مصادف . وتوهّم أنّ الأول غير موجود في كتب الرجال فاسد ، فإنه مضافاً إلى كونه مذكوراً فيها ومنصوصاً بحسنه(2)قد اتّفقت
أُصول الحديث (1)على نقل رواية الجواز عنه ، ولم يحتمل فيها نقلها عن ابن مصادف .
وثانياً : أنّ اقتصار الكليني على نقل رواية الجواز فقط دون غيرها يشير إلى اعتبارها ، كما هي كذلك ، لكون رواتها بين ثقات وحسان .
جواز بيع الأرواث
قوله : الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة (2).
أقول : المشهور بين أصحابنا جواز بيع الأرواث الطاهرة ، وفي المستند : يجوز الاكتساب بها مطلقاً وفاقاً للأكثر ، بل عن السيد الإجماع عليه ، لطهارتها وعظم الانتفاع بها ، فيشملها الأصل والعمومات(3). وفي الخلاف : سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه ، دليلنا على جواز ذلك أنه طاهر عندنا ، ومن منع منه فإنّما منع لنجاسته ويدلّ على ذلك بيع أهل الأمصار في جميع الأعصار لزروعهم وثمارهم ، ولم نجد أحداً كره ذلك ،ولاخلاف فيه ، فوجب أن يكون جائزاً(4). نعم حكم في النهاية بحرمة بيع العذرة والأبوال إلّا بول الإبل خاصّة ، فإنه لا بأس بشربه والاستشفاء به عند الضرورة(5). وفي المراسم حكم بحرمة التكسّب بالعذرة والبول إلّا بول الإبل
خاصة (1). وكذلك ذهبت الشافعية(2)إلى نجاسة فضلة مأكول اللحم بلا تفصيل بين الطيور وغيرها ، مع ذهابهم(3)إلى عدم صحة بيع كل نجس إلّا إذا كان مخلوطاً بشيء طاهر لا يمكن فصله منه .
والظاهر أنه لا فرق بين العذرة والأرواث في جواز البيع وعدمه من جهة مدرك الحكم إلّا نجاسة الأُولى وطهارة الثانية ، فإنّ الأخبار الخاصة الواردة في حرمة بيع العذرة لم تتم كما عرفت(4)، والأخبار العامة المتقدّمة(5)إنّما تدلّ على حرمة بيع ما يكون منهيّاً عن أكله ، فتكون شاملة للأرواث والعذرة كلتيهما ، وحيث عرفت أنّه لا يصلح شيء من ذلك لإثبات حرمة بيع العذرة فتعرف عدم جريانه في الأروات أيضاً. وأمّا ما في رواية تحف العقول من قوله (عليه السلام) : « أو شيء من وجوه النجس » فلا تدل على مانعية النجاسة عن البيع ، لما عرفت في بيع الأبوال(6)أنّ مقتضى التعليل المذكور فيها هو كون منافع النجس بأجمعها محرّمة ، وأمّا إذا كانت له منفعة محلّلة فلا تدل الرواية على حرمة بيعه . إذن فلا وجه لما التزم به شيخنا الأنصاري من التفريق بين العذرة والأرواث .
وأمّا دعوى الإجماع على التفريق بينهما فهي دعوى جزافية ، للاطمئنان بأنّ مدرك المجمعين تلك الوجوه المذكورة لمنع بيع العذرة دون الأرواث ، وإلّا فالإجماع
التعبّدى الكاشف عن رأي الحجّة معلوم العدم، وقيام السيرة على جواز الانتفاع والمعاوضة لا يختص بالأرواث ، بل يعمّ العذرة أيضاً ، كشمول العمومات لهما .
وما في الجواهر(1)من الاستدلال على جواز بيع الأرواث فقط بخبر ابن مضارب وبذيل رواية سماعة(2)بعد ما حملهما عليها فاسد ، لما عرفت من أنه لا يصح إطلاق العذرة على الأرواث بوجه ، وأنّ الأرواث في اللغة(3)لا تطلق إلّا على رجيع ذي الحافر .
وقد يتوهّم تحريم بيعها لآية تحريم الخبائث(4)بدعوى أنّ عموم التحريم المستفاد من الجمع المحلّى باللام يشمل البيع أيضاً .
وفيه أوّلاً : ما أجاب به المصنّف من أنّ المراد من تحريم الخبائث هو تحريم أكلها ، لا مطلق الانتفاعات بها .
وثانياً : أنّه قد تقدّم في بيع الأبوال(5)أنّ الخبيث عبارة عن مطلق م-ا ف-يه : نقص ودناءة ولو كان من قبيل الأفعال ، ويرادف في الفارسية بلفظ (پليد) فمثل الزنا
1) الجواهر 22 : 18 .
2) المتقدمتين في ص 66 .
3) في تاج العروس 1 : 626 مادة راث : الروثة واحدة الروث والأرواث ، وقد راث الفرس وغيره ، وفي المثل أحشك وتروثني ، قال ابن سيده : الروث رجيع ذي الحافر . وفي التهذيب : يقال لكل ذي حافر قد رأت يروث روثاً . وفي المجمع [ 2 : 255 مادّة روث ] راث الفرس يروث روثاً من باب قال ، والخارج روث ، ومنه الحديث « نهى عن الروث » يعني رجيع ذات الحافر .
4) وهي قوله تعالى في الأعراف 7 : 157 : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ .
5) في ص 58 - 59 .
والافتراء والغيبة والنميمة وغيرها من الأفعال المحرّمة التي عبّر عنها في قوله تعالى بالفواحش(1)من الخبائث أيضاً .
إذن فليس المراد من تحريم الخبائث في الآية إلّا بيان الكبرى الكلّية من تحريم ما فيه مفسدة ، وأمّا تشخيص الصغرى وبيان أنّ في هذا مفسدة أو في ذاك فخارج عن حدود الآية، وإلّا فيلزم التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية، وهو لايجوز كما نقّح في الأُصول(2). وإن أبيت إلّا عن اختصاصها بما يكون الطبع متنفّراً عنه ، فندفعه بعدم الملازمة بين تحريم الأكل وحرمة البيع ، كما سبق(3)في بيع الأبوال وغيره ، إلّا إذا كان الأكل من المنافع الظاهرة .
جواز بيع الدم نجساً كان أم طاهراً
قوله : يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف(4).
أقول : المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة حرمة بيع الدم النجس ، كما في النهاية(5)والمراسم(6)والمبسوط(7). وفي التذكرة : يشترط في المعقود عليه الطهارة
الأصلية ، ولو باع نجس العين لم يصح إجماعاً(1).
وعلى هذا المنهج ابن الهمام الحنفي في شرح فتح القدير(2). وعن المالكية(3)لا يصح بيع النجس ، وعن الحنابلة لا يصح بيع النجس كالدم ، وعن الشافعية لا يصح بيع كل نجس ، وعن الحنفية لا يصح بيع الدم. وفي أخبارهم أيضاً شه--ادة على ذلك(4).
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المصنّف قد فصّل بين الدم النجس فحكم بحرمة المعاوضة عليه للإجماع والأخبار السابقة ، أي الروايات العامّة(5)، وبين الدم الطاهر فقد قوّى جواز المعاوضة عليه إذا فرضت له منفعة محلّلة كالصبغ ونحوه لكونه من الأعيان التي يجوز الانتفاع بها منفعة محلّلة .
وفيه : أنه بعد اشتراكهما في حرمة الأكل وجواز الانتفاع بهما منفعة محلّلة كالصبغ والتسميد ونحوهما ، فلا وجه للتفكيك بينهما . وأمّا النجاسة فقد عرفت مراراً أنّه لا موضوعية لها ، فلا تكون فارقة بين الدم الطاهر والنجس .
وأمّا الأخبار السابقة فمضافاً إلى ضعف سندها أنّها شاملة لهما ، فلو تمّت لدلّت على حرمة بيعهما معاً ، وإلّا فلا. على أنّ المستفاد من رواية تحف العقول هو تحريم مطلق منافع النجس ، وحينئذ فإن وقفنا على ظاهرها فلازمه الإفتاء بما لم يفت به
أحد ، وإن اقتصرنا على خصوص تحريم البيع فلا دليل عليه .
وأمّا الإجماع فهو لا يختص بالمقام ، وإنّما هو الذي ادّعي قيامه على حرمة مطلق بيع النجس ، ومدركه هو الوجوه المذكورة لحرمة بيعه من الروايات العامة وغيرها ، وإلّا فليس هنا إجماع تعبّدي ليكشف عن رأي المعصوم . إذن فلا دليل على حرمة بيع الدم ، سو ، سواء كان نجساً أم طاهراً ، لا وضعاً ولا تكليفاً .
وهم وإزالة : قد استدلّ على حرمة بيع الدم مطلقاً بمرفوعة أبي يحيى الواسطي(1)فإنّ فيها نهى علي (عليه السلام) عن بيع سبعة منها الدم ، فتدلّ على ذلك وضعاً وتكليفاً بعد ملاحظة انجبارها بالشهرة ، بل بعدم الخلاف بين الأصحاب .
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بعمل المشهور صغرى وكبرى
1) الواسطي رفعه قال : «مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم ، والغدد ، وآذان الفؤاد ، والطحال، والنخاع ، والخصى والقضيب، فقال له بعض القصّابين : يا أمير المؤمنين ما الكبد والطحال إلّا سواء ، فقال له : كذبت يالكع، ائتوني بتورين من ماء أُنبئك بخلاف ما بينهما ، فأُتي بكبد وطحال وتورين من ماء ، فقال (عليه السلام) : شقّوا الطحال من وسطه وشقوا الكبد من وسطه ، ثم أمر (عليه السلام)فمرسا في الماء جميعاً ، فابيضّت الكبد ولم ينقص شيء منها، ولم يبيضّ الطحال وخرج ما فيه كلّه وصار دماً كلّه حتّى بقى جلد الطحال وعرقه ، فقال له : هذا خلاف ما بينهما ، هذا لحم وهذا دم .» . وهي مرفوعة . راجع الكافي 6: 253 / 2 ، والتهذيب 9 : 74 / 315 ، والوافي 19 : 111 / 2 ،والوسائل 24 : 171 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 31 ح 2 . أقول: النخاع مثلّة : الخيط الأبيض في جوف الفقار، ينحدر من الدماغ وتتشعّب منه شعب في الجسم كما في القاموس :[ 3 : 87 مادّة نَخَع ] ، والخصى كمدى جمع خصية كمدية ، الغدد كغرف جمع غدّة كغرفة : لحم أسود يستصحب الشحم ، اللكع بضمّ اللام وفتح الكاف اللثيم والأحمق ، والتور إناء يشرب فيه ، ومرس الشيء في الماء إنقاعه فيه وتليينه باليد.
والوجه في ذلك ه-و ما تقدّم(1)ولا أنّها منجبرة بعدم الخلاف وإن ذكره المامقاني (رحمه الله)(2)فإنّه على تقدير عدم كونه حجّة فضمّها لغير الحجّة لا يفيد اعتبارها . فلا يجوز الاستدلال بها على حرمة بيع الأُمور المذكورة فيها ، نعم إذا قلنا بشمول أدلّة التسامح في السنن للمكروهات لا بأس من الالتزام بكراهة بيعها.
وثانياً : أنّ الظاهر من الدم المذكور في المرفوعة هو الدم النجس الذي تقذفه الذبيحة المسمّى بالمسفوح ، لكثرته ومرسومية أكله في زمن الجاهلية ، دون الطاهر المتخلّف فيها ، الذي يباع بتبع اللحوم كثيراً ، فإنّه من القلّة بمكان لم يك-ن م-ورد الرغبة لأهل الجاهلية لينجرّ ذلك إلى أن يمرّ علي (عليه السلام) بالقصّابين وينهاهم عن بيعه ، ولعلّه لذلك لم يذكر الله تعالى في القرآن إلّا الدم المسفوح(3)، إذن فالرواية لا تشمل الدم الطاهر ، فلا تدل على حرمة بيعه مطلقاً ، لكونها أخصّ من المدّعى.
ولكن يمكن أن يقال : إنّ تعارف أكل الدم النجس وغلبته في الخارج لا يوجب اختصاص المنع المذكور في الرواية ، بل يعمّ الدم الطاهر أيضاً ، ويدلّ على ذلك من الرواية ذكر الطحال فيها ، فإنّ الإمام(عليه السلام) بيّن كونه من الدم ، وفي رواية أُخرى : لأنه دم(4). إلّا أنّه مع ذلك لا نسلّم دلالة المرفوعة على أزيد من حرمة بيعه للأكل فقط تكليفاً ، أو وضعاً أيضاً ، كما نبّه على ذلك العلّامة الأنصاري (رحمه الله)وقال : فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل ، ولا شكّ في تحريمه لما سيجيء من
أنّ قصد المنفعة المحرّمة في المبيع موجب لحرمة البيع بل بطلانه(1). وأمّا حرمة بیعه لغير الأكل فلا دلالة عليه من الرواية لا وضعاً ولا تكليفاً ، والشاهد لذلك أنه لا ريب في جواز بيع الأُمور المذكورة فيها لغير الأكل كإطعام الحيوان ونحوه .
تذكرة : ربما يتوهّم أنّ بيع الدم لمّا كان إعانة على الإثم فيكون محرّماً لذلك.
وفيه : مضافاً إلى ما سيأتي(2)من عدم الدليل على حرمتها ، أنّ النسبة بينها وبين بيع الدم هو العموم من وجه، فإنّه قد يشتريه الإنسان لغير الأكل كالصبغ والتسميد ونحوهما ، فلا يلزم منه إعانة على الإثم بوجه ، وعلى تقدير كونه إعانة على الإثم فالنهي إنّما تعلّق بعنوان خارج عن البيع ، فلا يدل على الفساد .
تذكرة أُخرى : قد استدلّ العلّامة المامقاني(3)على حرمة بيعه بما دلّ من الكتاب(4)والسنّة(5)على تحريم الدم بضميمة قوله ( عليه السلام) :« إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه »(6).
وفيه : مضافاً إلى ما تقدّم في النبوي ، أنّ المراد من تحريم الدم في الكتاب والسنّة إنّما هو تحريم أكله ، وقد عرفت مراراً أنّه لا ملازمة بينه وبين حرمة الثمن .
1) المكاسب 1 : 28 .
2) في ص 283 وما بعدها .
3) غاية الآمال : 18 ، السطر 36 .
4) وهو قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ البقرة 2 : 173 وقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ المائدة 5: 3 .
5) راجع الأبواب المتقدّمة من الوسائل والوافي والكافي والتهذيب
6) عوالي اللثالي 2 : 110 / 301 ، سنن الدارقطني 3 : 7 / 20 .
قوله : الرابعة : لا إشكال في حرمة بيع المني .
أقول : قبل التعرّض لبيان جهات المسألة وأحكامها لابدّ وأن يعلم أنّ المني إنّما يطلق على ما خرج من المخرج وأُريق كما ذكره بعض أهل اللغة في وج-ه تسميته(1)، وهذا بخلاف عسيب الفحل فإنّ له معاني عديدة ، والذي يناسب منها المقام أربعة : الطروقة ، وماء الفحل في الأصلاب ، وأُجرة الضراب ، وإعطاء الكراء على الضراب . فإن أُريد منه المعنيان الأخيران فيكون ذلك بنفسه مورداً للنهي في الروايات الناهية عنه ، وإن أُريد المعنيان الأوّلان فيكون الذي في الحديث بتقدير المضاف ، فالتقدير في نهي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن عسيب الفحل أنه نهى عن بيعه أو عن كرائه . وقد نصّ على ذلك كثير من اللغويين(2)
وفي المجمع [ 2 : 121 ، مادّة عسب ] : عسيب الفحل : أجرة ضرابه ، ومنه « نه--ى ع--ن عسيب الفحل » وعسيب الفحل ماؤه ، فرساً كان أو بعيراً أو غيرهما ... ولم ينه عنه ..وإنّما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه للجهالة .
وعن الجمهرة [ 1 : 338 ، مادّة عسب ] نهى عن عسب الفحل ، أي لا يؤخذ لضرابه كراء .
وعن نهاية ابن الأثير :[ 3 : 234 مادّة عسب ] : نهى عن عسب الفحل ، عسب الفحل ماؤه وعسبه أيضاً ضرابه ، وإنّما أراد النهي عن الكراء . وعن فائق الزمخشري : النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن عسب الفحل أي عن كراء قرعه ، والعسب القرع ، والفرق بينه وبين الملاقيح أنّ المراد بها النطفة بعد استقرارها في الرحم ، والعسب الماء قبل استقرارها .
وعن المصباح [ 408 مادّة عَسَبَ ] عسب الفحل الناقة عسباً - من باب ضرب - طرقها وعسبت الرجل عسباً أعطيته الكراء على الضراب ، ونهى عن عسب الفحل وه-و ع-لى حذف مضاف ، والأصل عن كراء عسب الفحل
ولكنّ الغرض فيما1) في المصباح [ 582 مادّة منى ] المني معروف . وأمنى الرجل إمناء أراق منيه . وفي المجمع [ 1 : 399 مادّة منا ] قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى قيل أي تدفق في الرحم ، يقال أمنى الرجل يمني إذا أنزل المني ، ومنى كإلى موضع بمكة ، فقيل سمي به لما يمنى من الدماء أي يراق . وفي تاج العروس 10 : 348 [ مادّة منا ] استمنى طلب خروجه واستدعاه .
2) في تاج العروس 1 : 380 ، مادّة عسب : العسب ضراب الفحل وطرقه ، أو العسب ماؤه أي الفحل ، فرساً كان أو بعيراً ، أو نسله ، يقال : قطع الله عسبه أي ماءه ونسله ، والعسب الولد، والعسب إعطاء الكراء على الضراب ، وهو أيضاً اسم للكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل ، والفعل كضرب ، يقال : عسب الفحل الناقة يعسبها عسباً إذا طرقها ، وعسب فحله يعسبه إذا أكراه ، وهو منهي عنه في الحديث ، أو أنّ الذي في الحديث بحذف مضاف ، تقديره نهى عن كراء عسب الفحل ، وإنما نهى عنه للجهالة.
نحن فيه هو الكسب كما أُشير إليه في النبوي الآتي . ولعلّ الوجه في إفراد المصنّف وبعض آخر عسيب الفحل عن المني هو الفرق المذكور بينهما .
ثمّ إنّ تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في ثلاث جهات : الأُولى : في بيع المني إذا وقع في خارج الرحم . والثانية : في بيعه بعد وقوعه فيه ، ويسمّى بالملاقيح . والثالثة : في بيع ماء الفحول في أصلابها ، ويسمّى بعسيب الفحل .
أمّا الجهة الأُولى : فحكم المصنّف بحرمة بيعه ، لنجاسته وعدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم ، وكذلك يحرم بيعه عند كل من يرى النجاسة مانعة عن البيع ومنهم المالكية والحنابلة(1)غير الشافعية فإنّهم وإن ذهبوا إلى مانعية النجاسة عن البيع إلّا أنّهم يرون طهارة المني في بعض الصور(2).
1) الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 .
2) الشافعية قالوا بطهارة مني الآدمي حيّاً وميتاً إن خرج بعد استكمال السن تسع سنين ، ولو خرج على صورة الدم إذا كان خروجه على هذه الحالة من طريقه المعتاد ، وإلّا فنجس. وقيس عليه مني خرج من حي غير آدمي ، لأنّه أصل للحيوان الطاهر ، إلّا مني الكلب والخنزير . راجع الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 15 .
أمّا النجاسة فظهر ما في مانعيتها عن البيع من المسائل المتقدّمة(1).
وأمّا عدم الانتفاع به فما نعيته عنه تتوقّف على أمرين : الأول : إثبات حرمة الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، والثاني : اعتبار المالية في البيع ، فبانتفاء أحدهما يثبت جواز بيعه ، وحيث عرفت(2)وستعرف(3)عدم اعتبار المالية فيه فيحكم بجواز بيعه في هذه الصورة. على أنّه لو تمّ ذلك لمنع عن بيعه وضعاً فقط كما هو واضح .
وأمّا الجهة الثانية : ففي التذكرة : لا نعرف خلافاً بين العلماء في فساد بيع الملاقيح ، للجهالة وعدم القدرة على التسليم(4).
ولكن التحقيق أن يقال : إنّه إن قلنا بتبعية النماء للحيوان - كما هو الحقّ - فبمجرد وقوع المني في الرحم يصير ملكاً لمالك الحيوان بالتبعية، لكونه جزءاً منه كما كان قبل ذلك جزءاً من الفحل وملكاً لمالكه بالتبع ، وعلى هذا فلا يجوز بيعه لا من صاحب الأُنثى ولا من غيره . وإن قلنا بعدم الجزئية والتبعية ، بل بكونه كالبذر المغروس في أرض الغير ، فالظاهر جواز بيعه مطلقاً ، سواء كان من صاحب الأُنثى أو من غيره ، حتّى بناء على اعتبار المالية في العوضين ، لكونه مالاً في هذه الصورة
فتجوز المعاوضة عليه .
وأمّا منع جواز بيعه حينئذ لنجاسته كما في المتن فمن العجائب ، كيف فإنّها منتفية قطعاً إذا خرج من الباطن إلى الباطن . على أنّها لو كانت مانعة لمنعت عن بيعه لأجل المنافع التي تتوقّف على عدمها لا مطلقاً، على أنّك عرفت(1)عدم مانعيتها عن البيع ، وستعرف(2)اعتراف المصنّف بذلك في بيع الميتة ، فإنّه قال : فمجرد النجاسة لا تصلح علّة لمنع البيع لولا الإجماع على حرمة بيع الميتة.
وأمّا الجهالة وعدم القدرة على التسليم فلا تكونان مانعتين عن بيع الملاقيح لأنّها لا تختلف قيمتها باختلاف الكم والكيف ، وأنّ تسليم كل شيء بحسب حاله وهو في المني وقوعه في الرحم ، فهو حاصل على الفرض . وبعبارة أُخرى : أنّ الجهالة وعدم القدرة على التسليم إنّما تمنعان عن البيع لأجل الغرر المنهي عنه في البيع كما يأتي في البيع الغرري(3)، ففي بيع الملاقيح ليس غرر لا من ناحية الجهالة ولا من ناحية عدم القدرة على التسليم .
ولكن الذي يسهل الخطب أنّ السيرة القطعية من العقلاء والمتشرّعة قائمة على تبعية النتاج للأُمّهات في الحيوانات ، وقد أمضاها الشارع ، فلا يمكن التخطّي عنها ، كما أنّ الولد للفراش في الإنسان بالنصّ (4)والإجماع القطعيين ، ومن هنا يعاملون مع نتاج الحيوانات معاملة الملك حتّى مع العلم بأنّ اللقاح حصل من فحل شخص آخر ، وإلّا فكان اللازم عليهم إمّا ردّ النتاج إلى صاحب الفحل إن ك--ان
معلوماً ، أو المعاملة معه معاملة مجهول المالك إن كان المالك مجهولاً ، وهذا شيء لا يتفوّه به ذو مسكة. وأمّا دعوى الإجماع التعبدّي على البطلان فدعوى جزافية بعد العلم ولا أقل من الاحتمال بكونه مستنداً إلى الوجوه المذكورة لبطلان بيع الملاقيح وقياس ذلك بالبذر المغروس في أرض الغير باطل بعد قيام الدليل على الفرق .
وأمّا الجهة الثالثة : فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في حرمة بيع عسيب الفحل قال في التذكرة بعد كلامه المتقدّم في الجهة الثانية : يحرم بيع عسيب الفحل وهو نطفته لأنّه غير متقوّم ولا معلوم ولا مقدور عليه، ولا نعلم فيه خلافاً. وقال في الخلاف(1): إجارة الفحل للضراب مكروه وليس بمحظور ، وعقد الإجارة عليه غير فاسد . ثم ادّعى الإجماع على الكراهة . وفي المستند حك-م بك-راه-ة أُجرة الضراب ، وحمل عليها الأخبار الناهية عنها ، للإجماع(2). وهكذا وقع الخلاف في ذلك بين العامّة(3)
وفي الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 113 - 114 عن الحنفية : وأمّا الأعيان التي لا يصح استئجارها باتّفاق فمنها نزو الذكور من الحيوانات على إنائها ، فلا يحل لأحد أن يؤجر ثوره ليحبل بقرة غيره ، ولا يؤجر حماره ليحبل حمارة الغير ، وهكذا ، لأن إحبال الحيوان غير مقدور عليه ، فلا يصح تأجيره . وفي ص 130 عن الحنابلة : ومن الأشياء التي لا تصح إجارتها ذكور الحيوانات التي تستأجر لإحبال إنتاها ، فلا يحل استئجار ثور ليحبل بقرة ولا جمل ليحبل ناقة ، وهكذا ، لأنّ المقصود من ذلك إنما هو منيّه ، وهو محرم لا قيمة له ، فلايصح الاستئجار عليه .
و في سبل السلام للصنعاني 3 : 23 / ذيل ح747 وعن ابن عمر قال : « نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن عسب الفحل » . وفيه وفيها قبله دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب، والأُجرة حرام ، وذهبت جماعة من السلف إلى أنّه يجوز ذلك ، إلّا أنّه يستأجره للضراب مدّة معلومة أو تكون الضرابات معلومة ، وحملوا النهي على التنزيه ، وهو خلاف أصله .
وفي المبسوط لمحمّد الشيباني 15 : 83 : والمراد بعسب التيس أخذ المال على الضراب ، وهو إنزاء الفحول على الإناث ، وذلك حرام .
وفي 16 : 41 : وإذا استأجر فحلاً لينزيه لم يجز .
ثم إنّ تحقيق هذه الجهة يقع في مقامين : الأوّل : من حيث القواعد ، والثاني : بحسب الروايات .
أمّا الأول : فقد استدلّ على بطلان المعاملة على عسيب الفحل بالبيع أو بالإجارة بوجوه :
الأول : بجهالته . وفيه : أنه لم يرد نص ولا انعقد إجماع على اعتبار العلم بعوضي المعاملة ليلزم من جهالتهما بطلانها، بل إنّما نعتبر ذلك فيها من جهة الغرر المرتفع بالعلم بالطروقة والاجتماع ، فإنّ الغرض من المعاملة على عسيب الفحل هو ذلك .
الثاني : بعدم القدرة على التسليم ، بدعوى أنّ إحبال الحيوان غير مقدور عليه ، فلا تصح الإجارة عليه ، لأنّ ذلك ليس في وسعه . والموجود في أصلاب الفحول أيضاً غير مقدور على تسليمه ، فلا يصح بيعه . وفيه : أنّ اعتبار ذلك في المعاملة أيضاً من جهة الغرر ، فحيث كان النظر في ذلك إلى الطروقة والاجتماع فيترفع الغرر عنها ، فإنّ تسليم كل شيء بحسبه كما عرفت في الجهة الثانية .
الثالث : بعدم كون ما في أصلاب الفحول مالاً ، لكونه ماء مهيناً لا قيمة له فيكون العقد عليه باطلاً . وفيه : مضافاً إلى عدم اعتبار المالية في عوضي المعاملة أنّ قوامها إنّما هو باعتبار العقلاء ورغبتهم ، فلا شبهة في ترتّب الغرض المهم على ما في أصلاب الفحول .
على أنّه لو تم شيء من تلك الوجوه لدلّ على الحرمة الوضعية دون التكليفية وأمّا توهّم مانعية النجاسة عنها هنا لتكون دليلاً على الحرمة التكليفية فممّا لا يصغى إليه ، فإنّه مع تسليم مانعيتها عن المعاملة فلا دليل على نجاسة ما في الأصلاب .
وأمّا المقام الثاني : فالروايات الواردة هنا على طائفتين :
الأُولى : تدلّ على حرمة بيع عسيب الدابة وإكرائها على الضراب ، وأنّ ثمن ذلك سحت(1)ويدلّ عليه بعض الروايات من طرق العامّة أيضاً (2).
1) في حديث : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن خصال تسعة : عن عسيب الدابة يعني كسب الفحل -وعن خاتم الذهب ، وعن لبوس ثياب القسي وهي ثياب تنسج بالشام » . وهي ضعيفة بأبي الخطاب راشد المنقري وأبي عروبة . الوسائل 17 : 95 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 13 ، 14 ، والبحار 100 : 43 / 8 . الصدوق قال : « نهى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)عن عسيب الفحل ، وهو أجر الضراب » وهي مرسلة . راجع الوسائل 17 : 111 / أبواب ما يكتسب به ب 12 ح 3 ، والوافي 17 : 194 / 11 ، والفقيه 3: 105 / 433 . وفي المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 عن الجعفريات : 299 / 1235 عن علي (عليه السلام) قال : « من السحت ثمن اللقاح وجلود السباع وعسب الفحل » وهي موثّقة . وفي المصدر المتقدّم ح 5 عن دعائم الإسلام [ 2 : 18 / 22 ] : « إنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) نهى عن عسب الفحل » .
2) ابن عمر قال : « نهى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن عسب الفحل » ، راج-ع ص-حيح البخاري 3 : 123 باب عسب الفحل من الإجارات ، وفي سبل السلام 3 : 22 / ذيل ح 746 عن جابر قال : « نهانا رسول الله(صلّى الله عليه و آله وسلم) عن بيع ضراب الجمل » وفي المبسوط للشيباني 15 : 83 عن أبي نعيم عن بعض أصحاب النبي(صلّى الله عليه و آله وسلم) إنّ رسول الله نهى عن عسب التيس » . وفي السنن الكبرى للبيهقي 6 : 6 عن أبي هريرة « نهى عن عسب الفحل » .
الثانية : تدلّ على جواز إكراء التيوس ونفي البأس عن أخذ أُجورها(1)
ومعاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال « قلت له : أجر التيوس ؟ قال : إن كانت العرب لتعاير به ، ولا بأس » وهي موثّقة . راجع الوسائل 17 : 111 / أبواب ما يكتسب به ب12 ح 1 ، 2 . والوافي 17 : 191 / 2 ، 5 . والكافي 5 : 115 / 2 ، 5 والتهذيب 6 : 354 / 1009 / 1012 .
.ومقتضى الجمع بينهما هو حمل الطائفة الأُولى المانعة على الكراهة، ولا يمنع عن ذلك إطلاق السحت على ثمن عسيب الفحل في رواية الجعفريات (2)، فإنّك قد عرفت في بيع العذرة(3)إطلاقه على الكراهة الاصطلاحية في مواضع شتّى .
لا يقال : إنّ النبوي ورواية الجعفريات بنفسهما ظاهرتان في الكراهة المصطلحة، لاشتمالهما على ما ليس بمحرّم قطعاً ، فإنّه ذكر المنع في الجعفريات عن بيع جلود السباع وأجر القاري مع أنّهما ليسا بمحرّمين جزماً ، وفي النبوي نهى عن لبس ثياب ينسج بالشام مع عدم ثبوت حرمته، على أنّ النبوي كمرسلة الصدوق
ودعائم الإسلام والمنقول من طرق العامّة ضعيفة السند.
فإنّه يقال : إنّ ثبوت الترخيص في بعض الأُمور المذكورة فيهما بدليل خارجي لايوجب ثبوته في غيره، كيف وقد ثبت في الشريعة المقدّسة استحباب بعض الأغسال - كغسل الجمعة والعيدين وغيرهما - مع أنّها ذكرت في جملة م--ن الروايات(1)في عداد الأغسال الواجبة كغسل الجنابة والميّت ومسّ الميّت ، نعم لم تثبت من تلك الروايات المانعة إلّا وثاقة رواية الجعفريات.
على أنّ النهي عن بيع عسيب الفحل في النبوي لا يوجب حرمة المعاملة وضعاً ، بل التكسّب به حرام تكليفاً ، والشاهد على ذلك أنّ في الرواية نهياً عمّا هو حرام بذاته مثل ثمن الكلب وما هو حرام بالعرض مثل خاتم الذهب ، فإنّه ليس بذاته من المحرّمات ، بل لبسه والتختمّ به حرام .
ثم لا وجه لحمل الطائفة المانعة على التقيّة ، لما عرفت من كون المسألة محل الخلاف بين العامّة أيضاً .
جواز الانتفاع بالميتة وحرمة بيعها
قوله : تحرم المعاوضة على الميتة(2).
أقول : تحرير هذه المسألة في مقامين ، وقد خلط المصنّف بينهما ، الأول : في جواز الانتفاع بالميتة ، والثاني : في حرمة بيعها ، وتقديم الأول للبحث عنه أولى من
تقديم الثاني وإن عكسه المصنّف .
أمّا المقام الأوّل : فإنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو جواز الانتفاع بالميتة إلّا أنّ المشهور إنّما هو حرمة الانتفاع بها ، ففي النهاية : بيع الميتة والتصرف فيها والتكسّب بها حرام(1)، وفي المراسم : التصرّف في الميتة ببيع وغيره حرام(2)، وفي الجواهر : لايجوز الانتفاع بشيء من الميتة ممّا تحلّه الحياة فضلاً عن التكسّب(3)، وعليه فتاوى أكثر العامة(4)
و في سبل السلام 3 : 7 نسب إلى الأكثر أنه لا ينتفع من الميتة بشيء إلّا بجلدها إذا دبغ ، ثمّ حكم بحرمة بيعها لتحريمها
.ثم إنّ المهم هنا صرف عنان الكلام إلى الروايات الخاصّة الواردة في ذلك وهي على طائفتين : الأُولى تدلّ على حرمة الانتفاع بالميتة ، والثانية على جواز الانتفاع بها .
أمّا الطائفة الأُولى فهى متظافرة ، منها : مكاتبة قاسم الصيقل(5)فإنّه سأل
1) النهاية : 364 .
2) المراسم : 170
3) الجواهر 22 : 17 .
4) في شرح فتح القدير 6: 63 منع عن بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ لأنها غير منتفع بها وتمسّك في ذلك بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لا تنتفعوا من الميتة باهاب » .
5) قال : « كتبت إلى الرضا (عليه السلام) : إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي ، فأُصلّي فيها ؟ فكتب (عليه السلام) إليّ : اتّخذ ثوباً لصلاتك . فكتبت إلى أبي جعفر الثاني ( عليه السلام) إلخ ، فكتب (عليه السلام) . ... فإن كان ما تعمل وحشياً ذكيّاً فلا بأس » . وهي ضعيفة بالقاسم ومعلّى البصري . راجع الوسائل 3 : 489 / أبواب النجاسات ب 49 ح 1، 462 : ب 34 ح 4 ، والكافي 3 : 407 / 16 ، والوافي 6 : 206 / 16 .
الإمام (عليه السلام) عن جواز جعل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة ، فكتب (عليه السلام) : « فإن كان ما تعمل وحشياً ذكيّاً فلا بأس » فإنّ مفهومها يدلّ على حرمة الانتفاع بجلود غير الذكي .
وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها ، أنّ مناط المنع فيها عن عمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة ليس إلّا من جهة إصابتها الثوب الذي يصلّي فيه السائل و من هنا أمره الرضا (عليه السلام) بأن يتّخذ ثوباً لصلاته ، وأمّا أصل الانتفاع بها بعمل الأغماد منها فهو مسكوت عنه ، فيبقى تحت أصالة الإباحة .
بل يمكن أن يقال : إنّ الرواية تدلّ على جواز الانتفاع بالميتة ، وذلك لأنّ السؤال فيها إنّما وقع عن أمرين ، أحدهما : عمل الأغماد من جلود الحمر الميتة والثاني : إصابتها الثوب . وجوابه (عليه السلام) عن الثاني دون الأول ليس إلّا تقريراً لجواز الانتفاع بالميتة ، وإلّا فكان سكوته عنه مع كونه في مقام البيان مخ--لّاً بالمقصود . ومن هنا يعلم الوجه في قول أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : « فإن كان ما تعمل وحشياً ذكيّاً فلا بأس » . إذن فلابدّ من جعلها من جملة ما يدلّ على جواز الانتفاع بها دون العكس.
ومنها : رواية الوشاء (1)فإنّه (عليه السلام) قد منع فيها عن استصباح الأليات
1) الحسن الوشاء قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت : جعلت فداك ، إنّ أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها ، فقال : حرام هي (في الوافي : حرام هي ميت) فقلت : جعلت فداك ، فنصطبح بها ؟ فقال : أما علمت أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام » وهي ضعيفة بالمعلّى البصري . المراد بالحرام الأول هو الحرام الاصطلاحي . راجع الوسائل 25 : 178 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 32 ح 1 ، والكافي 5 : 255 / 3 ، والتهذيب 9 : 77 / 329 ، والوافي 19 : 107 / 3 .
المبانة من الغنم الحى ، لأنّه يستلزم إصابتها اليد والثوب وهو حرام .
وفيه : أنه لمّا لم يكن إصابة اليد والثوب للميتة وسائر النجاسات بل تلويث تمام البدن بهما حراماً قطعاً ، فلابدّ إمّا من أخذ التحريم في قوله (عليه السلام) : « وهو حرام » إرشاداً إلى النجاسة كما في الحدائق(1)أو إلى المانعية عن الصلاة ، أو إلى صورة المعاملة معها معاملة المذكّى ، بل عدم تعرّضه (عليه السلام) لحكم الانتفاع بها بالاستصباح المسؤول عنه ، وتصدّيه لبيان نجاستها أو مانعيتها عن الصلاة أدل دليل على جواز الانتفاع بها دون العكس .
سلّمنا ذلك ولكن لابدّ من الاقتصار فيها على موردها أعني صورة إصابتها اليد والثوب ، إلّا أن يتمسّك في غير موردها بعدم القول بالفصل .
نعم في دلالة الروايات المروية عن الكاهلي(2)وعلي بن المغيرة(3)والجرجاني(4).
1) الحدائق 18 : 79
2) « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وكنت عنده يوماً عن قطع أليات الغنم ، إلى أن قال (عليه السلام) : إنّ في كتاب علي (عليه السلام) أنّ ما قطع منها ميّت لا ينتفع به » وهي ضعيفة بسهل بن زياد . راجع الوسائل 24 : 71 / أبواب الذبائح ب 30 ح 1 ، والفقيه 3 : 209 / 967 ، والتهذيب 9 : 78 / 330 ، والكافي 6 : 254 / 1 ، والوافي 19 : 107 / 1 .
3) قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : جعلت فداك ، الميتة ينتفع منها بشيء ؟ فقال : لا » الخبر وهي موثقة . راجع الكافي 3 : 398 / 6، 6 : 259 / 7 ، والوسائل 3 : 502 / أبواب النجاسات ب 61 - 2 ، 24 : 184 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 34 ح 1 ، والوافي 19 : 101/ 9.
4) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكياً ، فكتب (عليه السلام) : لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب » الخبر . وهي ضعيفة بالمختار بن محمّد بن المختار ، راجع الوسائل 24 : 181 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب33 ح 7 والوافي 19 : 101 / 8 ، والكافي 6 : 258 / 6 . وفي القاموس [ 1 : 37 مادة الأهبة ] الإهاب ككتاب الجلد أو ما لم يدبغ ، جمع آهبة ، وفيه أيضاً [ 1 : 104 - 105 ، مادّة العَصَب ] : العصب محرّكة أطناب المفاصل ، وعَصِب اللحم - كفَرِح - كثر عصبه .
وعن دعائم الإسلام [ 1 : 126 ] عن علي (عليه السلام) قال : « سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)يقول : لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عظم ولا عصب » .
على حرمة الانتفاع بالميتة غنى وكفاية ، وقد ذكر ذلك في أحاديث أهل السنّة(3)أيضاً .وأمّا الطائفة الثانية : فهى أيضاً كثيرة مستفيضة ، منها : روايتي الصيقل والوشاء المتقدّمتين . ومنها : رواية أبي القاسم الصيقل وولده(4)، وقد ظهر وجه
1) قال : « سألته عن جلود السباع أينتفع بها ؟ فقال : إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده ، وأمّا الميتة فلا » وهي موثّقة . راجع التهذيب :9 : 79 / 339 . والوسائل 24 : 185 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 34 ح 4 ، 3 : 489 / أبواب النجاسات ب 49 ح 2 ، والوافي 19 : 106 / 19 .
2) في المستدرك 16 : 191 / أبواب الأطعمة والأشربة ب 25 ح 1 عن عوالي اللتالي [ 1 : 42 / 48 ] : صح عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : « لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب » وهي مرسلة .
3) عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)أن « لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب » . وفي رواية أخرى : « أن لا تستمتعوا » ، راجع السنن الكبرى للبيهقي 1 : 14 ، 15 وأخرج أيضاً أحاديث أخر تدلّ على جواز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدبغ ، وذلك لذهابهم إلى طهارتها به .
4) قال : « كتبوا إلى الرجل(عليه السلام)جعلنا الله فداك ، إنا قوم نعمل السيوف وليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ، ونحن مضطرون إليها، وإنّما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير الأهلية ، لايجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومتها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلّي في ثيابنا ، ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة ياسيدنا لضرورتنا إليها ، فكتب ( عليه السلام ) : اجعلوا ثوباً للصلاة » وهي مجهولة بأبي القاسم الصيقل . راجع التهذيب 6 : 376 / 1100 ، والوافي 17 : 282 / 19 .
الاستدلال بها من رواية الصيقل المتقدّمة ، على أنّ إصرار السائل في هذه الرواية على الجواب بقوله : « ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة ياسيدنا لضرورتنا إليها » أدل دليل على جواز الانتفاع بالميتة ، فإنّ سكوته (عليه السلام) عن حك-م المسألة مع إصرار السائل على الجواب تقرير على ذلك بلا ارتياب .
ومنها : رواية البزنطي(1)
راجع الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح6 .
التي تدل على جواز الاستصباح بما قطع من أليات الغنم .ومنها(2): ما روي من أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الف--رو
1) محمد بن إدريس في آخر السرائر [ 3 : 573 ] نقلاً عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من ألياتها وهي أحياء ، أيصلح له أن ينتفع بما قطع ؟ قال : نعم يذيبها ويسرج بها ، ولا يأكلها ولا يبيعها » وهي موثّقة.
2) عن أبي بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء ، فقال : كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلاً صرداً لا تدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغتها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلهم بالفرو فيلبسه ، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي تحته الذي يليه ، فكان يسأل عن ذلك فقال : إنّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميتة ، ويزعمون أنّ دباغه ذكاته » وهي ضعيفة بمحمد بن سليمان الديلمي . راجع الكافي 3 : 1397 / 2 ، والتهذيب :2 : 203 / 796 ، والوسائل 3 : 502 / أب--واب النجاسات ب 61 ح 3 ، والوافي 7 : 416 / 4 . وفي القاموس [ 1 : 307 مادّة الصَّرد ]صرد كفرح وجد البرد سريعاً ، وفيه أيضاً [ 1 : 14 مادّة الدفء ] : الدفء بالكسر- ويحرّك - نقيض حدّة البرد ، وأدفأه ألبسه الدفاء ، وفيه أيضاً [ 2 : 397 مادّة القَرَظ ]: القرظ محرّكة ورق السلم ، وأديم مقروظ دبغ به .
المجلوب من العراق وينزعه وقت الصلاة ، ففعله هذا يدل على جواز الانتفاع بالميتة إلّا فيما يكون مشروطاً بالطهارة ، والوجه في كون ذلك الفرو العراقي من جلود الميتة هو نزعه في الصلاة .
إلّا أن يقال : إنّ لبسه (سلام الله عليه) إنّما كان في مورد الأخذ من يد المسلم ومعه يحكم بالتذكية وعدم كون الجلد من الميتة . إذن فلا مانع من الصلاة فيه فضلاً عن لبسه في غيرها ، فلا مناص من حمل فعله ( عليه السلام) على الاحتياط من جهة عدم اقتران صلاته التي هي معراج المؤمن بلبس الميتة الواقعية . وعليه فلا تبقى للرواية دلالة على جواز الانتفاع بالميتة في نفسها ، إلّا أن يقال : إنّ الاحتياط إنّما يجري في حق من كان جاهلاً بالأحكام الواقعية والموضوعات الخارجية ، وأمّا العالمين بالواقعيات بل بحقائق الأشياء والأُمور الكائنة والعوالم الكونية ، فلا يجري الاحتياط في حقهم كالأئمّة المعصومين (عليهم السلام) .
على أنّ العمل بالاحتياط يقتضي أن لا يلبسه في غير حال الصلاة أيضاً، فإنّ الانتفاع بالميتة لو كان حراماً فإنّما هو حرام واقعي تكليفي، فلا يختص بحال الصلاة فقط، نعم إنّ ما يختص بالصلاة هو الحرمة الوضعية وأنّها تبطل إذا وقعت في الميتة إلّا أن يتوهّم أنّ عمدة غرضه(عليه السلام) من ذلك الاحتياط هو انحفاظ صلاته عن احتمال البطلان ، وأمّا الاحتياط في غير حال الصلاة فليس بمحط لنظره (عليه
السلام). ولكنّه ممّا لا يمكن التفوّه به في حق الملتزم بالشرع من غير المعصومين فكيف ممّن كان معدن العصمة. إلّا أنّ الذي يسهّل الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند فلا تكون قابلة للبحث عن دلالتها على المطلوب وعدمها .
ومنها : رواية سماعة (1)
راجع الوسائل 24 : 186 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 34 ح8 ، والوافي 19 : 105 / 16 والتهذیب 9 : 78 / 333 .
فإنها تدلّ على جواز الانتفاع بالكيمخت ، وهو جلد الميتة إذا كان مملوحاً .إذا عرفت هاتين الطائفتين المانعة عن جواز الانتفاع بالميتة والمج--وّزة له فتعرف وقوع المعارضة بينهما ،وبما أنّ هذه الروايات المجوّزة لذلك صريحة في جواز الانتفاع بها في غير ما اشترطت فيه التذكية ، فنرفع اليد بها عن ظهور تلك الروايات المانعة ، فتقيّد بغير ذلك وبصورة الانتفاع بها مثل المذكّى ، أو تحمل الطائفة المانعة على الكراهة كما هو مقتضى الجمع العرفي بين الدليلين المتنافيين .
ويدلّ على الوجه الأول من الطائفة المرخّصة خبر أبي القاسم الصيقل ، فإنّ فيه قرّر الإمام (عليه السلام) جواز الانتفاع بجلود الميتة في غير الصلاة ، حيث أمر السائل باتّخاذ الثوب لصلاته . وأمّا دعوى اختصاص موارد الطائفة المجوّزة بالجلود والأليات فهي دعوى جزافية ، لعدم القول بالفصل في أجزاء الميتة قطعاً .
تلويح : قد توهّم بعضهم حملها على التقيّة ، لتخيّل ذهاب العامّة إلى جواز الانتفاع بها .
وفيه : أنّك عرفت في أوّل المسألة تصريح بعضهم بذهاب أكثرهم إلى حرمة الانتفاع بالميتة حتى بجلودها قبل الدبغ ، وقد ورد ذلك في أخبارهم أيضاً كما عرفت
1) قال : « سألته عن جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت ، فرخّص فيه » الخبر . وهي موثّقة .
عند التعرّض للطائفة المانعة ، ومن هنا منعوا عن بيع الميتة وجلودها قبل الدبغ وأيضاً علّلوا(1)حرمة بيع الميتة بانعدام ركن البيع فيه الذي هو مبادلة مال بمال بدعوى أنّها لا تعدّ مالاً عند من له دين سماوي . فلو كان الانتفاع بها جائزاً عندهم لما تفوّهوا بذلك التعليل العليل ، لدوران مالية الأشياء وجوداً وعدماً مدار جواز الانتفاع بها وحرمته .
تلویح آخر : قال المحقّق الإيرواني (رحمه الله) : وأحسن جمع بينها وبين الطائفة المانعة عن الانتفاع حمل المانعة على صورة التلويث(2).
وفيه : أنّك قد عرفت عند التكلّم في رواية الوشاء أنّ تلويث اليد بل تلويث جميع البدن بالنجاسات ليس من المحرّمات، إذن فلا وجه لحمل الطائفة المانعة على صورة التلويث .
وأمّا ما تخيّله بعضهم من تخصيص المجوّزة بالأجزاء التي لا تحلّها الحياة كالصوف والقرن والإنفحة والناب والحافر وغيرها من كل شيء يفصل من الشاة والدابة ، فهو ذكي ، وحمل المانعة على غيرها ، فهو تخيّل فاسد ، وذلك لأنّ صدق الميتة عليها ممنوع جدّاً . على أنّ هذا الجمع منافٍ لصراحة ما يدل على جواز الانتفاع بها كما عرفت .
حرمة بيع الميتة
وأمّا المقام الثاني : فالمشهور بل المجمع عليه بين الخاصّة والعامّة هو حرمة بيع الميتة وضعاً وتكليفاً ، قال في المستند : حرمة بيعها وشرائها والتكسّب بها
إجماعي(1)وكذلك في التذكرة(2)بل في رهن الخلاف أنّها لا تملك(3)، وقد تقدّم في المقام الأول تحريم بيعها من النهاية والمراسم والجواهر وشرح فتح القدير وسبل و السلام . وفي الفقه على المذاهب(4)المالكية قالوا : لا يصح بيع النجس كعظم الميتة وجلدها ولو دبغ ، لأنّه لا يطهر بالدبغ . والحنابلة قالوا : لا يصح بيع الميتة ولا بيع شيء منها ، وكذلك عند الشافعية والحنفية .
والذي استدل أو يمكن الاستدلال به على هذا الرأي وجوه :
الأول : قيام الإجماع على ذلك كما سمعته عن بعضهم .
وفيه : لو سلّمنا قيام الإجماع المحصّل في المقام أو حجّية المنقول منه فلا نسلّم كونه تعبّدياً محضاً وكاشفاً عن رأي الحجّة ( عليه السلام) أو عن دليل معتبر ، للاحتمال بل الاطمئنان بأنّ مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة لعدم جواز بيعها وبيع ك--ل نجس كما عرفت في المسائل المتقدّمة .
الثاني : دعوى حرمة الانتفاع بها ، فإنّها تستلزم سلب المالية عنها المعتبرة في العوضين بالإجماع ، إذن فتدخل المعاملة عليها تحت عموم النهي عن أكل المال بالباطل .
وفيه : أنه بعدما أثبتنا في المقام الأول جواز الانتفاع بها ، وعرفت في بيع الأبوال(5)وستعرف في أوّل البيع(6)عدم اعتبار المالية في العوضين ، وكفاية
الأغراض الشخصية العقلائية في صدق المالية على تقدير اعتبارها ، لكون تلك الأغراض موجبة لخروج المعاملة من السفهائية ، مع عدم الدليل على بطلانها ، فلا وجه لهذا التوهّم . وأمّا عموم آية النهى عن أكل المال بالباطل(1)فغير شامل لشرائط العوضين لكونها ناظرة إلى بيان أسباب التجارة كما تقدّم في بيع الأبوال(2).
الثالث : أنّه قامت الضرورة من المسلمين على نجاسة ميتة ما له نفس سائلة وبيع النجس محظور .
وفيه : أنّها وإن ذكرت في رواية تحف العقول(3)، ولكن مضافاً إلى ما تقدّم فيها من الوهن ، أنّها لا تدل إلّا على حرمة بيع الميتة النجسة ، والمدّعى أعمّ من ذلك وقد اعترف المصنّف هنا بعدم مانعية النجاسة عن البيع على خلاف ما تكرّر منه سابقاً من جعلها مانعة عنه ، وقال : فمجرد النجاسة لا تصلح علّة لمنع البيع لولا الإجماع على حرمة بيع الميتة .
الرابع : الروايات العامّة المتقدّمة (4). وفيه : أنّها وإن كانت تدل على حرمة بيعها ، ولكنّها لمكان ضعف أسانيدها لا تفي بالمقصود كما عرفت .
الخامس : الروايات الخاصّة الواردة في المسألة :
منها : رواية البزنطي المذكورة في المقام الأول(5)فإنّ الإمام (عليه السلام) وإن رخّص فيها الانتفاع بالمينة ، ولكنّه(عليه السلام) منع فيها أيضاً عن بيعها بقوله :
« ولا يبيعها » .
ومنها : روايات السكوني(1)والصدوق(2)والجعفريات(3)فإنّ جميعها تدل على أنّ ثمن الميتة من السحت ، فيكون بيعها فاسداً .
ومنها : رواية علي بن جعفر(4)حيث سأل أخاه (عليه السلام) عن بيع جلود ميتة الماشية ولبسها فقال ( عليه السلام) : « لا ، ولو لبسها فلا يصلّ فيها » فإنّ الظاهر أنّ المنع فيها راجع إلى البيع واللبس ، ولكنّه ( عليه السلام) بيّن المانعية عن الصلاة
1) علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : السحت ثمن الميتة » الخبر . وهي ضعيفة بالنوفلي . راجع الوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 5 ، والبحار 100 : 42 / 1 ، والكافي 5 : 126 / 2 ، والتهذيب 6 : 368 /1061.
2) قال ( علیه السلام) : « ثمن الميتة سحت » وهي مرسلة . وباسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) « قال : ياعلي من السحت ثمن الميتة » . قال المحدّث النوري في المستدرك 22) (الخاتمة 4) : 267 : رجال سند هذه الوصية مجاهيل ، لا طريق إلى الحكم بصحتها واعتبارها من جهته، راجع الباب المتقدّم من الوسائل ح 8، 9 . الفقيه 3 : 105 / 435، 4 : 262 / 824 .
3) عن علي (عليه السلام) قال : « من السحت ثمن الميتة » الحديث . وهي موثّقة . راجع المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 ، ثم الظاهر أنّ هذه الروايات الأربع كلّها روايات واحدة مروية عن علي (عليه السلام) بطرق متعدّدة .
4) قال : « سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها ، يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها ؟ قال : لا ، ولو لبسها فلا يصلّ فيها » وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن . راجع الباب المتقدم من الوسائل ح 17 .
زائداً على المنع في نفسه ، وقد ورد النهي عن بيع الميتة في بعض روايات العامّة(1)أيضاً .
وفيه : أنّ هذه الروايات وإن كانت ظاهرة في المنع عن بيعها ، ولكنّها معارضة مع ما هو صريح في الجواز كمكاتبة الصيقل المتقدّمة ، فإنّ فيها قرّر الإمام أسئلتهم عن جواز عن جواز بيع الميتة من جلود الحمير والبغال وشرائها ومسّها ، فلولا جوازها لكان تقريره (عليه السلام) لتلك الأسئلة وسكوته عن بيان حكمها إغراء بالجهل وتأخيراً للبيان عن وقت الحاجة ، وبضميمة عدم القول بالفصل بين مورد المكاتبة وغيره يتم المطلوب. ويؤيّد ذلك فعل علي بن الحسين (عليه السلام) حيث كان يبعث إلى العراق ويجلب الفرو منهم ، فإنّ الظاهر أنّه (عليه السلام) كان يأخذ ذلك منهم بالشراء ، إلّا أن يقال : إنّ مقتضى السوق ويد المسلم هو التذكية .
وكيف كان ، فلابدّ في رفع المعارضة بينهما إمّا من طرح المانعة لموافقتها مع العامّة ، لاتفاقهم على بطلان بيع الميتة كما عرفت في أوّل المسألة ، وإمّا من حملها على الكراهة برفع اليد عن ظهورها بما هو صريح في الجواز ، أو على صورة البيع ليعامل معها معاملة المذكّى إذا بيعت بغير إعلام. وإن أبيت عن هذه المحامل كلّها فلابدّ من الحكم إمّا بالتخيير فنختار ما يدلّ على الجواز، وإمّا بالتساقط فيرجع إلى العمومات والإطلاقات ويحكم بصحّة بيعها .
لا يقال : إنّ تقرير الإمام (عليه السلام) أسئلتهم عن الأُمور المذكورة وإن كان لا ينكر ، إلّا أنّه لأجل اضطرارهم إلى جعل أغماد السيوف من جلود الميتة من
1) في سنن البيهقي 6 : 12 ، والبخاري 3 : 110 / باب بيع الميتة عن جابر سمع رسول الله يقول عام الفتح وهو بمكّة : « إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة » الحديث
الحمير والبغال مع عدم وجود معيشة لهم من غير ذلك العمل كما يصرّح بذلك ما في سؤالهم « لا يجوز في أعمالنا غيرها» ، ولا ريب أنّ الضرورات تبيح المحظورات . إذن فلا دلالة في المكاتبة على جواز بيعها في غير حال الاضطرار .
فإنّه يقال : لا منشأ لهذا الكلام إلّا توهّم إرجاع ضمير « غيرها » في قول السائل : « لا يجوز في أعمالنا غيرها » إلى جلود الميتة ، ولكنّه فاسد ، إذ لا خصوصية لها حتّى لا يمكن جعل الأغماد من غيرها ، بل مرجع الضمير إنّم-ا ه-ي جلود الحمير والبغال ، سواء كانت من الميتة أم من الذكي ، ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية القاسم الصيقل : « فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس » إذ لو كانت لجلود الحمر الميتة خصوصية في جعل الأغماد منها لكان هذا الجواب لغواً .
نقد ودفع : قد أشكل المصنّف على الرواية بوجهين :
الأول : أنّ الجواب لا ظهور فيه فى الجواز إلّا من حيث التقرير ، غير الظاهر في الرضا، خصوصاً في المكاتبات المحتملة للتقية .
وفيه أولاً : أنّ التقية في المكاتبات وإن كانت كثيرة لكونها معرضاً لها م--ن جهة البقاء ، ولكنّها في خصوص هذه الرواية غير محتملة ، لورودها على غير جهة التقية ، لذهاب أهل السنّة بأجمعهم إلى بطلان بيع الميتة كما عرفت . وأعجب من ذلك تشكيكه في كاشفية التقرير عن الرضا، وفي كونه من الحجج الشرعية ، مع أنه كسائر الأمارات مشمول لأدلّة الحجّية .
وثانياً : أنّ فعلية النقية إنّما هي بفعلية موضوعها ، وأمّا مجرد الاحتمال فغير قابل لأن يكون موضوعاً لها وسبباً لرفع اليد عن الأدلّة الشرعية ، نعم إذا صارت فعلية وجب رفع اليد عمّا يخالفها ، مكاتبة كان أم غيرها.
الثاني : أنّ مورد السؤال فيها عمل السيوف وبيعها وشراؤها ، لا خصوص الغلاف مستقلاً ولا في ضمن السيف على أن يكون جزء من الثمن في مقابل ع--ي-ن الجلد ، فغاية ما يدل عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله عمداً للسيف ، وه-و لا ينا في عدم جواز معاوضته بالمال . وقد تبعه بعض وقال : لكن مع احتمال كون المبيع هو السيف والغلاف تابع له بنحو الشرط.
وفيه : أنّ هذا من الغرائب ، فإنّ منشأ ذلك حسبان أنّ الضمائر في قول السائل : « فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا » إلى السيوف .ولكنّه فاسد ، فإنّه لا وجه لأن يشتري السيّاف سيوفاً من غيره ، كما لا وجه لسؤاله عن مسّها وإصراره بالجواب عن كل ما سأله ، بل هذه الضمائر إنّما ترجع إلى جلود الحمر والبغال ، ميتة كانت أم غيرها، كما يظهر ذلك لمن يلاحظ الرواية . مع أنّ من المستبعد جدّاً بل من المستحيل عادة أن يجدوا جلود الميتة من الحمير والبغال بمقدار يكون وافياً بشغلهم بلا شرائها من الغير. على أنّ مقتضى ذلك هو حرمة بيع الغلاف مستقلاً ، مع أنّه فاسد ، إذ ربما تكون قيمة الغلاف أكثر من السيف ، فكيف يحكم بالتبعية دائماً ، نعم تبعية مثل الجل والمسامير للفرس والجدران في بيع الفرس والدار من الوضوح بمكان .
وربما ترمى الرواية بالتقية ، لذهاب العامّة إلى جواز بيع جلود الميتة بعد الدبغ ، لطهارتها به(1)وأمّا قبل الديغ فلا تصلح للأغماد .
1) في سنن البيهقي 1 : 17 : ابن عبّاس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم ) في جلد الميتة قال : « إنّ دباغه قد ذهب بخبثه أو رجسه أو نجسه » وفي رواية أخرى : « دباغها طهورها » ، ، وفي ص 16 في أحاديث كثيرة : « فدبغوه فانتفعوا به » أي بجلد الميتة.
وفيه أوّلاً : أنّ أمره ( عليه السلام) بأن يجعلوا ثوباً لصلاتهم على خلاف التقية .
وثانياً : لو كانت الرواية مورداً للتقية لكان الأليق أن يجاب بحرمة البيع والشراء ، ويدفع محذور التقية عند الابتلاء بها بإرادة حرمة بيعها قبل الدبغ ، فإنّ فيه بيان الحكم الواقعي مع ملاحظة التقية .
وثالثاً : أنّ الرواية خالية عن كون البيع أو الشراء بعد الدبغ لتحمل عليه و مجرد عدم صلاحية الجلود للغلاف قبل الدبغ لا يوجب تقييدها ، لإمكان دبغها عند جعلها عمداً . إذن فالرواية أيضاً على خلاف التقية .
وأمّا توهّم أنّ الأخبار المانعة تشتمل على كلمة السحت التي تأبى عن حملها على الكراهة فهو توهّم فاسد ، لما مرّ في بيع العذرة(1)من أنّ إطلاق السحت على المكروه في الروايات واللغة كثير جدّاً .
هذا كلّه مع قصر النظر على المكاتبة ، ولكنّها ضعيفة السند ، فلا تقاوم الروايات المانعة ، لأنّ فيها رواية الجعفريات(2)وهي موثّقة . إذن فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة وأجزائها التي تحلّها الحياة ، إلّا أن يتمسّك في تجويز بيعها بحسنة الحلبي وصحيحته(3)الواردتين في بيع الميتة المختلطة بالمذكّى ممّن يستحلّها فإنّهما بعد إلغاء خصوصيتي الاختلاط والمستحل تدلّان على جواز بيعها مطلقاً . إلّا أنّ الجزم بذلك مشكل جدّاً ، فلا مناص من اختصاص جواز البيع بالمستحل ك--ما سيأتي .
حكم بيع المذكّى المختلط بالميتة
قوله : إنّه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة كذلك لا يجوز بيعها منضمّة إلى المذكّى .
أقول : تارةً تمتاز الميتة من المذكّى ، وأُخرى لا تمتاز .
أمّا الصورة الأُولى : فلا إشكال في جواز البيع وصحّته بالنسبة إلى غير الميتة سواء كانت ممتازة عند المتبايعين أم عند المشتري فقط ، لعدم ترتّب الأثر على علم البائع وجهله . وأمّا بالنسبة إلى الميتة فيجري فيها جميع ما تقدّم في بيعها منفردة لأنّ انضمام الميتة إلى المذكّى لا يغيّر حكمها ، نعم بناء على حرمة بيعها يكون المقام من مصاديق بيع ما يجوز وما لا يجوز ، فيقسط الثمن بالنسبة إليهما ، ويحكم بالصحة فيما يجوز وبالفساد فيما لا يجوز ، ولا خيار للمشتري بالنسبة إلى ما يجوز لأجل تبعّض الصفقة ، لعلمه بالحال كما هو المفروض .
وأمّا الصورة الثانية : فهي محل الكلام ومورد النقض والإبرام ، وتحقيقها في مقامين :
الأول : من حيث القواعد العامّة ، والثاني : من حيث الروايات الخاصّة الواردة في خصوص ذلك .
أمّا المقام الأول : فإن كان المدرك في حرمة بيع الميتة منفردة هي النصوص والإجماعات فلا شبهة في أنّهما لا تشملان صورة الاختلاط ، لأنّه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكّى حتى مع تسليمها إلى المشتري لكونه مقدّمة لإقباض المبيع ، وعلى هذا فلا وجه لما ذهب إليه المصنّف من المنع على الإطلاق بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين ، نعم لا يجوز أن ينتفع بهما فيما كان مشروطاً بالطهارة والتذكية .
وإن كان المدرك في المنع هو حرمة الانتفاع بالميتة لكونها في نظر الشارع
مسلوب المالية نظير الخمر والخنزير ، وقلنا بتنجيز العلم الإجمالي ، فغاية ما يترتّب عليه هو عدم جواز بيعهما من شخص واحد ، للعلم الإجمالي بوجود ما لا يجوز الانتفاع به فيهما ، فإنّ العلم الإجمالي يوجب وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين . إذن فيجري هنا ما جرى في الميتة المعلومة تفصيلاً من الأحكام التكليفية والوضعية . وأمّا بيعهما من شخصين فلا بأس فيه ، لأنّ حرمة الانتفاع لم تثبت إلّا على الميتة المعلومة إمّا إجمالاً أو تفصيلاً على سبيل منع الخلو، وإذا انتفى أحد العلمين انتفت حرمة الانتفاع أيضاً ، فلم يبق في البين إلّا الاحتمال فيندفع بالأصل، فإنّ هذا نظير انعدام أحد المشتبهين أو خروجه عن محل الابتلاء الموجب لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير .
قوله : فأكل المال بازائه أكل المال بالباطل .
أقول : قد عرفت ما فيه في بيع الأبوال(1).
قوله : وجوّز بعضهم البيع بقصد بيع المذكّى .
أقول : : قد عرفت أنّ هذا هو الصحيح بناء على أنّ المانع عن بيع الميتة هو الإجماع أو النص ، فيبيعها بقصد المذكّى ثم يسلّمها إلى المشتري فينتفع بهما في غير ما يشترط فيه التذكية ، نعم لو كان المانع هي حرمة الانتفاع فيجري فيه ما ذكرناه .
قوله : وجواز ارتكاب أحدهما .
أقول : لا دخل للقول بجواز ارتكاب أحدهما في جواز البيع بقصد المذكّى فإنّه بناء على هذا المنهج يجوز بيع أحدهما معيّناً أيضاً لو كان المانع عن البيع عدم جواز انتفاع المشتري ، إذ المفروض حينئذ جواز انتفاع كل شخص بما يشتريه ، نعم
1) في ص 52 ، 60 .
بناء على كون المانع من بيع الميتة هو النصّ أو الإجماع لا يصح البيع إلّا بقصد المذكّى كما عرفت .
قوله : لكن لا ينبغي القول به في المقام .
أقول : قد منع المصنّف عن جواز بيع أحد المختلطين حتى مع القول بأنّه يجوز ارتكاب أحد المشتبهين وعدم تنجيز العلم الإجمالي ، وذلك لأصالة عدم التذكية الجارية في اللحوم ، فإنّها أصل موضوعي حاكم على سائر الأُصول من أصالتي الحل والطهارة. وفيه : أنّ أصالة عدم التذكية لاتثبت الميتة التي هي أمر وجودي إلّا على القول بالأُصول المثبتة .
لا يقال : إنّ الميتة عبارة عمّا لم تلحقه الذكاة كما في القاموس(1)، إذن فلا شبهة في ثبوتها بالأصل بلا أن يلزم منه المحذور المذكور .
فإنه يقال : إنّ الأصل المذكور وإن كان متكفّلاً لإثبات ذلك العنوان ، إلّا أنّه أمر يغاير الميتة ويلازمها، وليس متّحداً معها ، لأنّها في عرف الشرع واللغة (2)
وفي مفردات الراغب [ 782 مادّة موت ] : والميتة من الحيوان ما زال روحه بغير تذكية .
إمّا عبارة عمّا مات حتف أنفه ، وإمّا عبارة عمّا فارقته الروح بغير ذكاة شرعية وعلى هيئة غير مشروعة إمّا في الفاعل أو في المفعول ، فلا يثبت شيء منها بأصالة عدم التذكية إلّا على القول بحجّية الأصل المثبت ، فالمحذور في محلّه . وأمّا ما في القاموس1) القاموس المحيط 1 : 158 مادّة مات .
2) في تاج العروس 1 : 587 [ مادّة مات ] عن أبي عمرو : والميتة ما لم تدرك تذكيته ، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : قال أهل اللغة والفقهاء : الميتة ما فارقته الروح بغير ذكاة وفي المصباح : المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف أنفه ، أو قتل على هيئة غير مشروعه ، إما في الفاعل أو في المفعول .
فأمر لم تثبت صحّته ، وكذلك ما عن أبي عمرو من أنّها ما لم تدرك تذكيته .
وأمّا المقام الثاني : فالروايات الواردة هنا على طائفتين :
أمّا الطائفة الأُولى : فتدلّ على حرمة بيع المذكّى المختلط بالميتة ، وحرمة الانتفاع بهما ، بل يرمى بهما إلى الكلاب(1).
وفيه أوّلاً : أنّ الرمي بهما إلى الكلاب كناية عن حرمة الانتفاع بهما على نحو الانتفاع بالمذكّى ، كما حملنا على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية الوشاء المتقدّمة(2):« أما علمت أنه يصيب اليد والثوب ، وهو حرام » وإلّا فلا مناص من الالتزام بالوجوب النفسي للرمي ، وهو بديهي البطلان ، إذ عمدة ما يكون محطّ النظر ومورد الرغبة من الميتة هو جلدها ، وليس هذا ممّا تأكله الكلاب ، وهذا نظير ما سيأتي(3)في بيع الدراهم المغشوشة من أمره (عليه السلام) بكسر درهم من طبقتين طبقة من نحاس وطبقة من فضّة ، فإنّ المراد بذلك ليس إلّا إعدام الهيئة الدرهمية لئلّا يعامل عليها معاملة الدراهم الرائجة ، وإلّا فكسر الدرهم المغشوش ليس من الواجبات النفسية كالصوم والصلاة ، ومن هذا القبيل أيضاً أمره (عليه السلام) باراقة الإناء ين المشتبهين ، وباراقة المرق المتنجّس كما سيأتي(4)في الانتفاع بالمتنجّس .
وثانياً : أنّ حرمة الانتفاع بهما بحسب أنفسهما لا ينافي جواز بيعهما ممّن هو في حكم الكلب أو أضل سبيلاً ، ويؤيّده ما ورد في بعض الروايات من إطعام المرق المتنجّس أهل الذمّة أو الكلاب(1)فإنه (عليه السلام) قد جعل سبيلهما واحداً ، وأمّا غير الذمي فهو مثله بل أولى .
وثالثاً : لو أغمضنا عن جميع ما ذكرناه فغاية ما يستفاد من الرواية ليس إلّا حرمة الانتفاع بكلا المختلطين لوجود الميتة فيهما ، فتكون ممّا تدلّ على حرمة الانتفاع بهما ، وقد تقدّم الكلام في ذلك(2).
وأمّا الطائفة الثانية : فهي تدلّ على جواز بيع المذكّى المختلط بالميتة ممّ-ن يستحلّها(3)وبهما(4)نرفع اليد عن ظاهر رواية الجعفريات لو سلّم لها ظهور في
1) زكريا بن آدم قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ، قال : يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب » الحديث . وهي مهملة بالحسن بن المبارك . راجع الوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب 38 ح 8 ، والتهذيب 1 : 279 / 820 ، والوافي 20 : 685 / 1 .
2) في ص 95 وما بعدها .
3) وهو ما رواه الحلبي ، قال : « سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول : إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه » وهي موثقة . وعنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ، ويعزل الميتة ، ثم إن الميتة والذكي اختلطا ، كيف يصنع ؟ قال : يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه فإنّه لا بأس به » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الوسائل 17 : 99 / أب--واب م-ا يكتسب به ب 7 ح 1 ، 2 ، والوافي 19 : 289 / 2 ، 1 ، والكافي 6 : 260 / 2 ، 1 . والتهذيب 9:48/199 ،198.
4) [ أي بروايتي الطائفة الثانية المذكورتين في الهامش ] .
حرمة البيع على الإطلاق ، بل يمكن أن يقال : إنّ تخصيص الحكم بالمستحل ليس إلّا لعدم رغبة غيره إليهما، فيكونان مسلوبي المالية، خصوصاً إذا لم يك-ن الم--راد بالمستحل إلّا مستحل الأكل فقط كما هو الظاهر ، دون مستحل البيع وإن كان يحرم أكله ، وأمّا إذا وجد من يرغب إليهما وينتفع بهما في غير ما اعتبرت فيه التذكية والطهارة كمن يشتريهما لينتفع بهما في مثل التسميد أو سد الساقية ، أو يصرفهما في أكل السباع والطيور ، أو كان المشتري ممّن لا يبالي بأكل الميتة كفسّاق المسلمين فيجوز بيعهما من غير المستحل أيضاً . إلّا أنّ الجزم بذلك مشكل جدّاً ، فلا مناص من تخصيص جواز البيع بالمستحل . نعم لا يبعد القول بجواز بيع الميتة منفردة ومع التميّز من المستحل أيضاً ، ضرورة أنّ الاختلاط والاشتباه لا دخل له في الجواز وعليه فيخصّص بهاتين الروايتين ما دلّ على حرمة بيع الميتة على الإطلاق .
قوله : وعن العلّامة(1)حمل الخبرين على جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه .
أقول : يرد عليه أولاً : أن النسبة بين الكافر المستحل وبين ما يجوز استنقاذ ماله عموم من وجه ، فإنّه قد يكون المستحل ممّن لا يجوز استنقاذ ماله إلّا بالأسباب الشرعية كالذمّي ، وقد يكون غير المستحل ممّن يجوز استنقاذ ماله .
وثانياً : أنّه لم يكن في مكان صدور تلك الأخبار وزمانه كافر حربي يجوز استنقاذ ماله ، فإنّها إنّما صدرت من الصادق (عليه السلام) في الكوفة ، وكانت هي ونواحيها في ذلك الوقت خالية عن الحربيين ، لدخول غير المسلمين فيها بأجمعهم تحت الذمّة والأمان .
1) المختلف 8 : 337
قوله : ويمكن حملهما على صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التي لا تحلّها الحياة .
أقول: الظاهر أنّ هذا الرأي إنّما نشأ من عدم ملاحظة الروايتين، فإنه مضافاً إلى إطلاقهما وعدم وجود ما يصلح لتقييدهما، أنّ الحسنة إنّما اشتملت على اختلاط المذكّى بالميتة من الغنم والبقر ، وبديهي أنه ليس في البقر من الأجزاء التي لا تحلّها الحياة شيء ليمكن الانتفاع به حتى يتوهّم حمل الروايتين على ذلك.
قوله : والرواية(1)شاذّة .
أقول : لا يضرّ شذوذها بحجّيتها بعد فرض صحّتها . والإجماع المحصّل على حرمة التصرف في الميتة غير ثابت، والمنقول منه مع تصريح جماعة من الفقهاء بالجواز غير حجّة . وأمّا دعوى معارضتها بما دلّ على المنع فقد عرفت الحال فيها(2).
قوله : يرجع إلى عموم ما دل على المنع عن الانتفاع بالميتة .
أقول : قد تقدّم(3)حمل الروايات المانعة على صورة الانتفاع بها كالمذكّى بقرينة الروايات المجوّزة ، أو على الكراهة .
إزاحة وهم : ربما يتخيّل الغافل أنه بناء على تكليف الكفّار بالفروع كتكليفهم بالأُصول- كما هو الحق والمشهور - يكون بيع المذكّى المختلط بالميتة إعانة على الإثم وهي محرّمة .
وفيه : مضافاً إلى منع كون المقام من صغريات الإعانة على الإثم ، ومنع قيام الدليل على حرمتها لو كان منها ، وإنّما هو كبيع العنب والتمر وعصيرهما ممّن يعلم أنّه
يجعلها خمراً ، الذي لا شبهة في جوازه كما سيأتي(1)أنّه لا ريب في جواز مثل هذا النحو من الإعانة على الإثم ، وإلّا لم يجز سقي الكافر أيضاً ، لتنجّس الم-اء بمجرد مباشرته إيّاه ببشرته ، فيحرم عليه شربه ، فيكون سقيه إعانة عليه ، مع أنّه لم يقل أحد بحرمته من جهة الإعانة على الإثم ، كيف وقد ورد جواز إبراد الكبد الح--رى وجواز تصدّق غير النسك والزكاة على أهل الذمّة ، وجواز سقي النصراني(2)
وعن مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أفضل الصدقة إبراد كبد حرى » . وهي ضعيفة بعبد الله . وفي رواية أُخرى أمر (عليه السلام) بسقي نصراني من قبيلة الفراسين عند ضعفه من العطش . راجع الكافي 4 : 58 / 2،6، 4 .
وعن إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه « أنّ علياً ( عليه السلام) كان يقول : ولا تصدّقوا بشيء من نسككم إلّا على المسلمين ، وتصدّقوا بما سواه غير الزكاة على أهل الذمّة » وهي موثّقة ، راجع الوسائل 9 : 410 / أبواب الصدقة ب 19 ح6 .
وأيضاً مقتضى ذلك التوهّم تحريم بيع المأكولات والمشروبات من الكفّار. ولا يلزم من تكليف الكفّار بالاجتناب عن المأكولات والمشروبات لتنجّسها بالمباشرة تكليف بما لا يطاق، فإنّ الامتناع بالاختيار لا ينا في الاختيار .خلاف بداهة : عن أوّل الشهيدين في الدروس(3)احتمال الرجوع في المقام إلى ما ورد في اللحم غير المعلوم كونه ذكياً أو ميتاً ، من أنّه يطرح على النار ، فكل ما
انقبض فهو ذكي ، وكل ما انبسط فهو ميّت(1)
وإذا وجدت لحماً ولم تعلم أذكي هو أم ميتة فألق قطعة منه على النار ، فإن انقبض فهو ذكي وإن استرخى على النار فهو ميتة »وهي مرسلة .
.وفيه : مضافاً إلى ضعف السند فيه ، أنّ ذلك على خلاف البداهة من الوجدان فإنّ من المقطوع أنّه لا تأثير لانقباض اللحم ولا لانبساطه إذا طرح على النار في وقوع الذكاة عليه وعدم وقوعها ، إذن فردّ علمه إلى أهله طريق الاحتياط وسبيل النجاة ، وإن ادّعى الشهيد (رحمه الله) قيام الشهرة القريبة من الإجماع على العمل به في مورده .
جواز بیع ميتة ما ليس له دم سائل
قوله : الثاني : أنّ الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها.
أقول : المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة ، بل الإجماع على جواز المعاوضة على ميتة غير ذي النفس السائلة ، وقد ذهب إلى ذلك أكثر العامة وإن كان قد يظهر من بعضهم الآخر خلافه(2). وما ذهب إليه المشهور هو الوجيه ، فإنّ
1) إسماعيل بن عمر عن شعيب عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في رجل دخل قرية فأصاب بها لحماً ، لم يدر أذكي هو أم ميت ، قال : يطرحه على النار ، فكلّ ما انقبض فهو ذكي ، وكلّ ما انبسط فهو ميّت » وهي ضعيفة باسماعيل . راجع الوافي 19 : 90 / 3 ، والكافي 6 : 261 / 1 ، والتهذيب 9 : 48 / 200 ، والوسائل 24 : 188 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 37 ح 1 وفي هذا الباب من الوسائل : محمد بن علي بن الحسين قال « قال الصادق (عليه السلام) : ...
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 12 الشافعية قالوا بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة إلّا ميتة الجراد ، وفي 2 : 208 إنّ كل نجس لا يصح بيعه ، فلا . يصح بيعها عندهم عندهم ، وأمّا غير الشافعية ففي 1 : 13 ذهبوا إلى طهارة ميتة الحيوان الذي ليس له دم سائل يسيل عند جرحه وقيّدوا في 2 : 208 - 209 الميتة التي لا يصح بيعها بالنجاسة ، فيصح بيعها عندهم [لاحظ رأي الحنفية حيث لم يصرّحوا بقيد النجاسة ] .
المقتضي لجواز بيعها - أعني الانتفاع بها بالمنافع المحلّلة - موجود، خصوصاً في بعض أقسامها كالسمك ، فإنّ دهنه من المنافع المهمّة المقصودة للعقلاء ، والمانع عنه مفقود لعدم ما يصلح للمانعية عن المعاوضة على الميتة الطاهرة وضعاً وتكليفاً . إذن فلا مانع من التمسّك بالعمومات لإثبات صحتها ، بل يمكن التمسّك بها حتى مع الشك في وجود المنافع فيها ، لما عرفته مراراً وستعرفه من عدم اعتبار المالية في المعاوضات .
وتوهّم أنّ بيعها ممّن يعلم البائع أنّه يأكلها إعانة على الإثم فيكون حراماً توهّم فاسد، فإنّها كبيع التمر والعنب والعصير ممّن يجعلها خمراً، وسيأتي (1)جوازه وورود الأخبار عليه وإن صدق عليه عنوان الإعانة على الإثم .
وأمّا الروايات الخاصّة التي تدلّ على حرمة بيع الميتة فلا ريب في ظهورها بل صراحة بعضها في الميتة النجسة ، وأمّا الروايات العامة المتقدّمة (2)فمضافاً إلى ما تقدّم فيها ، أنّ الشهرة بل الإجماع على خلافها هنا ، فلا يكون ضعفها منجبراً بعمل الأصحاب .
حرمة التكسّب بالكلب الهراش
قوله : يحرم التكسّب بالكلب الهراش والخنزير البريين إجماعاً .
أقول : وجه التقييد بالبريين هو أنّ المشهور والمختار عنده طهارة البحريين
منهما ، واستدلّ على ذلك في كتاب الطهارة في مسألة نجاسة الكلب(1)بصحيحة ابن الحجّاج(2)بل الظاهر أنّهما من أقسام السمك غير المأكول ، فيكونان خارجين عمّا نحن فيه تخصّصاً .
ثم إنّ تحرير البحث هنا يقع في جهتين :
الجهة الأُولى : في بيع الكلب الهراش(3). الظاهر بل المجمع عليه بين أصحابنا حرمة بيعه وكون ثمنه سحتاً ، قال في التذكرة : الكلب إن كان عقوراً حرم بيعه عند علمائنا (4)، بل عند أكثر العامة لايصح بيع الكلب مطلقاً ولو كان كلب صيد(5).
وتدل على حرمة بيعه الروايات المتظافرة(6)
وفي التهذيب عن جرّاح المدائني قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « ونهى عن ثمن الكلب » وهي ضعيفة بالقاسم بن سليمان .
وفي وصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) « من السحت ثمن الكلب » وهي مجهولة .
وفي الجعفريات : 299 / 1235 عن علي (عليه السلام) : « من السحت ثمن الكلب » وهي موثّقة .
وفي دعائم الإسلام [ 2 : 19 / 27] عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « أنّه نهى عن ثمن الكلب العقور » وهي مرسلة ، إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المتفرّقة من الكتب العديدة ، راجع الكافي 5 : 126 / 2 5 : 126 / 2 ، 120 / 4 ، والتهذيب 6 : 368 / 1061 1019 ، 7 : 136 / 600 ، والوافي 17 : 280 / 13 ، والوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 5 ، 9 ، 118 / ب 14 ح 2 ، 4 ، والمستدرك 13 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 12 ح 1 ، 2 .
إلّا أنّ أكثرها ضعيفة السند1) كتاب الطهارة : 347 السطر 13
2) قال : « سأل أبا عبدالله (عليه السلام) رجل وأنا عنده عن جلود الخزّ ، فقال : ليس بها بأس ، فقال الرجل : جعلت فداك ، إنّها في بلادي ، وإنّما هي كلاب تخرج من الماء ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء ؟ فقال الرجل : لا قال : لا بأس » وهي موثّقة . راجع الكافي 6 : 3/451 ، والوافي 20 : 725 / 21 والوسائل 4 : 362 / أبواب لباس المصلّي ب 10 ح1 .
3) في القاموس [ 2 : 293 مادّة هَرَش ] هرش - كفرح - ساء خلقه ، والتهريش التحريش بين الكلاب والإفساد بين الناس
4) التذكرة 10 : 26 .
5) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن المالكية : لا يصح بيع الكلب مع كونه طاهراً سواء كان كلب صيد أو حراسة أو غيرهما . وعن الحنابلة لا يصح بیعه مطلقاً ، وكذلك عن الشافعية ، وأمّا عن الحنفية : ويصح بيع كلب الصيد والحراسة . وفي ص 7 عن بعض المالكية يكره أكل الكلب
6) ففي الكافي والتهذيب عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب » وهي ضعيفة بالنوفلي . وفيهما عن الحسن الوشّاء عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال : « وثمن الكلب سحت » وهي ضعيفة بسهل بن زياد .
وجملة منها وإن كانت مطلقة تشمل جميع أقسام الكلاب ولكنّها مقيّدة بالأخبار الآتية في جواز بيع كلب الصيد التي هي صريحة في جواز بيع الصيود منها ، وعلى هذا المنوال روايات العامّة(1)على كثرتها .
وعليه فدعوى الإجماع التعبّدي على حرمة بيعه في غير محلّه ، لأنّه إن كان المراد بالحرمة هي الحرمة الوضعية فهى وإن كانت مسلّمة ولكن المدرك لها ليس إلّا تلك الأخبار المتكثّرة ، فيحكم بفساد بيعها لأجلها ، لا للإجماع التعبّدي . وإن كان
1) ففي البخاري 3 : 110 / آخر البيوع : « أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ثمن الكلب » . وفي سنن البيهقي 6 : 6 عن أبي هريرة « نهى عن ثمن الكلب إلّا كلب صيد » .
المراد بها هي الحرمة التكليفية ، ففيه أنّ الظاهر هو انحصار معقد الإجماع بالحرمة الوضعية ، بل يكفينا الشك في ذلك ، لكونه دليلاً لبّياً لا يؤخذ منه إلّا المقدار المتيقّن .
حرمة التكسّب بالخنزير
والجهة الثانية : في بيع الخنزير المشهور ب-ل المجمع عليه بين الخاصة والعامّة(1)هو عدم جواز بيعه ، قال في التذكرة : ولو باع نجس العين كالخنزير لم يصح إجماعاً (2).
ثم إنّ الروايات الواردة في هذه المسألة على طائفتين :
الأُولى : ما دلّ على حرمة بيعه وضعاً وتكليفاً ، منها : قوله (عليه السلام) في رواية قرب الإسناد(3)في نصرانيين باع أحدهما الخنزير إلى أجل ثم أسلما : « إنّما له الثمن ، فلا بأس أن يأخذه » فإنّ مفهومه أنّ غير أخذ الثمن لا يجوز له بعد الإسلام وعليه فيستفاد من الرواية أمران : الأول : حرمة بيع الخنزير بعد الإسلام ، وإلّا لكان الحصر فيها لغواً . والثاني : صحّة المعاملة عليه قبل الإسلام ، وإلّا لكان أخذ ثمنه بعد الإسلام حراماً وأكلاً للمال بالباطل.
1) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 - 209 حكى عن المذاهب الأربعة إجماعهم على بطلان بيع الخنزير . وفي شرح فتح القدير 6 : 45 بيع الخنزير فاسد.
2) التذكرة 10 : 25 .
3) علي بن جعفر عن أخيه ، قال : « سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجل ، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن ، هل يحل لهما ثمنه بعد الإسلام ؟ قال : إنّما له الثمن ، فلا بأس أن يأخذه » . وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن . ورواه علي بن جعفر في كتابه [ 134 / 130 ] ، إذن فهي موثّقة . راجع الوسائل 17 : 234 / باب ما يكتسب به ب 61 ح1 وقرب الإسناد : 267 / 1065 ، والبحار 100 : 72 / 1 .
ومنها : روايتا الجعفريات ودعائم الإسلام(1)حيث جعل الإمام (عليه السلام) ثمن الخنزير فيهما من السحت .
ومنها : جملة من الروايات الدالة على حرمة بيعه(2)
إسماعيل بن مرار عن يونس : « في مجوسي باع خمراً أو خنازير إلى أجل مسمى ، ثمّ أسلم قبل أن يحلّ المال ، قال : له دراهمه ، وقال : إن أسلم رجل وله خمر وخنازير ثم مات وهي في ملكه وعليه دين ، قال : يبيع ديّانه أو ولي له غير مسلم خمره وخنازيره ويقضي دينه وليس له أن يبيعه وهو حي ولا يمسكه » ولا يمسكه » وهي مجهولة بإسماعيل . راجع الوسائل 17 : 226 / أبواب ما يكتسب به ب57 ح 1 ، 2 ، والكافي 5 : 231 / 5 ، 14 ، 13 ، والوافي 17 : 251 / 5 ، 6 ، 15 ، والتهذيب 7 : 138 / 612 .
، بل في بعضها نهى عن إمساكه . وقد ذكر ذلك في أحاديث أهل السنّة أيضاً (3).والثانية : ما دلّ على صحّة بيع الخنزير وضعاً (4)
وفي الكافي عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) : « في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمراً وخنزيراً ثم يقضي عنها (منها) ، قال : لا بأس ، أو قال : خذها » وهي حسنة بإبراهيم .
وفي التهذيب عن الخثعمي قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون لن-ا عليه الدَين فيبيع الخمر والخنازير فيقضينا ، فقال : لا بأس به ، ليس عليك ذلك من شيء » وهي مجهولة بالقاسم بن محمد.
وفي التهذيب عن أبي بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل مال فيبيع بين يديه خمراً وخنازير ، يأخذ ثمنه ؟ قال : لا بأس به » وهي ضعيفة بعبد الله بن بحر . راجع الكافي 5 : 231 / 9 ، 11 ، والوسائل 17 : 232 / أبواب ما يكتسب به ب 60 - 2 - 5، 18: 370 / أبواب الدين والقرض ب 28 ح 1 ، والتهذيب 7 : 137 / ح 607 ، 608 ، والوافي 17 : 1252 / 10 ، 13 ، 19 ، 20 .
، بدعوى أنّها صريحة في1) راجع المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 ، الجعفريات : 299 / 1235 [لم نعثر عليه في الدعائم ] .
2) معاوية بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) قال : « سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين ، هل يبيع خمره وخنازيره فيقضي دَينه ؟ فقال : لا » . وهي ضعيفة بمعاوية . ومثلها رواية ابن أبي عمير عن الرضا (عليه السلام) إلّا أنّها مرسلة .
3) جابر عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ الله حرّم بيع الخنزير » . وأبو هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ الله حرّم الخنزير وثمنه » . راجع سنن البيهقي 6 : 12 والبخاري 3 : 110 / باب بيع الميتة .
4) ففي الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : « في رجل كانت له على رجل دراهم ، فباع خمراً أو خنازير وهو ينظر فقضاه ، فقال : لا بأس به ، أمّا للمقتضي فحلال ، وأمّا للبائع فحرام » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . وفي التهذيب 6 : 195 / 429 عن داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثله بطريق صحيح .
جواز استيفاء الدَين من ثمن الخنزير ، فلازم ذلك هو نفوذ بيعه وضعاً وإن كان للبائع حراماً تكليفاً ، وإلّا فيلزم استيفاء الدين من مال الغير وهو حرام لكونه أكلاً للمال بالباطل .
ومن هنا يظهر الوجه في دلالة قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم :« أمّا للمقتضي فحلال ، وأمّا للبائع فحرام » على صحة بيع الخنزير وضعاً وحرمته تكليفاً .
وجمع بينهما في الوسائل بحمل المجوّزة على فرض كون البائع ذمّياً ، واستشهد عليه بموثّقة منصور(1)لدلالتها على جواز خصوص بيع الذمّي الخنزير ، فتكون
1) قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : لي على رجل ذمّي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر ، فيحل لي أخذها ؟ فقال : إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك » وه-ي موثّقة . راجع الأبواب المتقدّمة من الوسائل والكافي والوافي .
مقيّدة لما يدل على جواز بيعه مطلقاً .
وفيه : أنّ حمل المطلق على المقيّد وإن كان من المسلّمات ، إلّا أنّه فيما كان بينهما تنافٍ وتعاند ، نظير أعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة ، ولو لم يكن بينهما تنافٍ كما في المقام فلا وجه لذلك الحمل .
والصحيح أن يقال : إنّ الظاهر من خبر منصور ، ومن قوله (عليه السلام) في رواية قرب الإسناد : « إنّما له الثمن ، فلا بأس أن يأخذه » ومن رواية عمّار ب--ن موسی(1)هو جواز بيع الذمّي الخنزير قبل الإسلام ، فيقيّد بها ما يدل على حرمة بیعه مطلقاً . إذن فتنقلب النسبة وتصير المانعة أخص من المجوّزة ومقيّدة لها ، وعليه فلا يجوز لغير الذمّي بيع الخنزير. وقد اتّضح ممّا ذكرناه حكم بيع الخمر أيضاً ، لأنّها مذكورة في الأخبار المتقدّمة مع الخنزير.
ثم إنّه استدل غير واحد من الأعاظم على حرمة بيعه بالأخبار العامّة المذكورة في أول الكتاب ، وقد عرفت ما فيها من ضعف السند والدلالة . ثم لا الخنزير ينقضي العجب من المصنّف حيث اقتصر في الاستدلال على حرمة بيع الخنزير بالإجماع فقط ، ولم يتعرّض للروايات ، وهو أعرف بالحال .
قوله : وكذلك أجزاؤهما .
أقول : ظاهر النصوص والإجماعات إنّما تمنعان عن بيع الكلب والخنزير
1) عن أبي عبدالله (عليه السلام) « أنّه سئل عن رجلين نصرانيين باع أحدهما من صاحبه خمراً أو خنازير ثم أسلما قبل أن يقبض الدراهم ، هل تحل له الدراهم ؟ قال : لا بأس » وهي موثّقة . راجع الوافي 17 : 255 / 22 ، والتهذيب 9 : 116 / 502 .
بوصفهما العنواني وبصورتهما النوعية التي بها شيئية الأشياء في دار تحقّقها وصقع تكوّنها ، وبما أنّ الأحكام الشرعية إنّما تترتّب على الموضوعات العرفية فلا مانع من شمول المنع للميتة منهما، لصدق عنوان الكلب والخنزير عليها ولو بالمسامحة العرفية . إذن فتكون المعاملة عليها أيضاً حراماً.
وأمّا أجزاؤهما فلا شبهة في أنه لا يصدق عليها عنوان الكلب والخنزير ، لا بالدقة العقلية ولا بالمسامحة العرفية ، وعليه فإن كانت ممّا تحلّه الحياة شملتها أدلّة حرمة بيع الميتة لصدقها عليها ، وإن جاز الانتفاع بها في غير ما هو مشروط بالطهارة والتذكية ، وإن كانت ممّا لا تحلّه الحياة كالشعر ونحوه فحرمة البيع والانتفاع هنا متوقّفة على مانعية النجاسة عنها ، إذ من الواضح جدّاً أنّ نجاسة الكلب والخنزير لا تختص بما تحلّه الحياة فقط ، وحيث علمت أنها لا تصلح للمانعية عن البيع ولا عن الانتفاع ، فلا مانع عن بيعها للعمومات ، ولا عن الانتفاع بها بالمنافع المحلّلة لأصالة الإباحة ، ومن هنا أفتى بعضهم بجواز بيع شعر الخنزير والانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة ، وإن منع عن بيعه بعض فقهاء العامّة (1)لأنّه نجس العين فلا يجوز بيعه إهانة له ، نعم بناء على طهارة الخنزير كما ذهب إليه مالك(2)يجوز بيع شعره ، لعدم نجاسته المانعة عنه .
على أنّه ورد في جملة من الأحاديث جواز الانتفاع بشعر الخنزير في غير ما
هو مشروط بالطهارة(1)
وعن برد الإسكاف قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل ب-ه فقال : خذ منه فاغسله (فاغله) بالماء حتّى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ، ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة ، فان جمد فلا تعمل به ، وإن لم يجمد فليس له دسم فاعمل به ، واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة » وهي ضعيفة ببرد . في القاموس [ 2 : 108 مادة الفخر ] الفخارة كجبانة الجرّة ، الجمع الفخار .
وروى برد الإسكاف قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّي رجل خزاز ، ولا يستقيم عملنا إلّا بشعر الخنزير ، نخرز به ؟ قال : خذ منه وبرة فاجعلها في فخارة ثم أوقد تحتها حتى يذهب دسمها ، ثم اعمل به » وهي ضعيفة ببرد . راجع التهذيب 6 : 382 / 1129، 1130 والوسائل 17 : 227 / أبواب ما يكتسب به ب58 ح 1 - 3 .
، وعلى هذا فهو من الأموال عند الشارع أيضاً.قوله : يحرم التكسّب بالخمر وكل مسكر مائع والفقاع إجماعاً نصّاً وفتوى(2).
أقول : قد قامت الضرورة من المسلمين(3)
وفي 1 : 17 ومن الأعيان النجسة المسكر المائع ، سواء كان مأخوذاً من عصير العنب أو كان نقيع زبيب أو نقيع تمر أو غير ذلك ، لأنّ الله تعالى قد سمّى الخمر رجساً ، والرجس في العرف النجس ، أّمّا كون كل مسكر مائع خمراً فلما رواه مسلم من قوله (عليه السلام) «كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام »وفي 2 : 208 نقل اتفاق المذاهب الأربعة على حرمة بيع الخمر وأنّ كل نجس لا يصح بيعه . إذن فكل مسكر مائع وإن أُخذ من اللبن لا يصح بيعه عند العامة كما لا يجوز شربه .
نعم في تاج العروس 3: 186 [ مادّة خَمَرَ ] والخمر ما أسكر من عصير العنب خاصة ، وهو مذهب أبي حنيفة .
وفي التذكرة 10 : 34 من البيع : الفقّاع عندنا نجس إجماعاً ، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ، لأنّه كالخمر على ما تقدّم ، خلافاً للجمهور كافّة .
وقد علمت أنّ ظاهر كلماتهم على خلاف ما نسبه العلامة (رحمه الله) إليهم .
روايات الخاصّة : روى في الكافي عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً ، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثم باعه قال : لا يصلح ثمنه ، ثم قال : إنّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) راويتين من خمر فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاهر يقتا وقال : إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
وعن زيد بن علي عن آبائه(عليهم السلام) قال : « لعن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) الخمر وعاصرها »الحديث . وهي ضعيفة بالحسين بن علوان .
وفي التهذيب عن جرّاح المدائني قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : من أكل السحت ثمن الخمر » وهي ضعيفة بالقاسم بن سليمان ، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة . راجع الكافي 230:5 / 2، 6 : 1398 / 10 ، والوافي 17 : 29 / 13 وغيره ، والوسائل 17 : 223 / أبواب ما يكتسب به ب 55 ح 1 ، 3 ، 7، 92 / ب 5 ، والمستدرك 13 : 182 / أبواب ما يكتسب به ب 47 ، والبحار :76 : 125 / باب حرمة شرب الخمر ، 100: 9،3/43 وغيرهما .
روايات العامّة : في البخاري :3 : 108 / باب تحريم التجارة في الخمر آخر البيوع عن عائشة قال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم):« حرمت التجارة في الخمر » ، وفي سنن البيهقي 6 : 12 عن أبي هريرة إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)قال : « إنّ الله حرم الخمر وثمنها » ، وفي رواية أخرى : « السحت ثمن الخمر » ، وفي 8 : 286 عن ابن عباس قال : بلغ عمر أنّ رجلاً باع خمراً ، قال : قاتل الله فلاناً ، باع الخمر ، الحديث . وفي ص 287 عن ثابت بن يزيد قال : لقيت عبدالله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر ، فقال : إنّ رسول الله قال : « إنّ الله لعن الخمر وعاصرها » . الحديث، إلى غير ذلك من رواياتهم المتظافرة .
وأطبقت الروايات من الفريقين1) ففي التهذيب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له : إنّ رجلاً من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير ، قال : إذا فرغ فليغسل يده » وهي موثّقة .
2) المكاسب 42:1 .
3) أمّا عند الخاصّة فواضح ، وأمّا عند العامة ففي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 10 الخمر ما خامر العقل أي خالطه فأسكره وغيّبه ، فكل ما غيّب العقل من الخمر والنبيذ وغيرهما من أقسام المسكرات فهو حرام ، سواء كان مأخوذاً من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير ، بل ولو من اللبن والطعام أو غير ذلك [ نقل اختلاف يسير ] .
.......
على حرمة بيع الخمر وكل مسكر مائع ممّا يصدق عليه عنوان الخ-مر م-ن النبيذ والفقّاع وغيرهما ، أمّا الخمر فشربها من أعظم الكبائر وأشدّ الجرائم في نظر الشارع المقدّس ، لما فيه من المضار الدينية والخلقية والبدنية والاجتماعية ، ويدلّ على حرمة جميع شؤونها الخبر المشهور بين الخاصّة والعامة من أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها و حاملها والمحمولة إليه(1).
وأمّا النبيذ المسكر فيدلّ على حرمة بيعه كل ما دلّ على حرمة بيع الخمر وضعاً وتكليفاً ، لكونه خمراً واقعاً ، لقوله (عليه السلام) : « فما فعل فعل الخمر فهو خمر » ولقوله (عليه السلام) : « فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر »(2)ومن البديهي
1) الوسائل 17 : 224 / أبواب ما يكتسب به ب 55 ح3 .
2) علي بن يقطين عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال : «إنّ الله لم يحرّم الخمر لاسمها ، ولكن حرّمها لعاقبتها ، فما فعل فعل الخمر فهو خمر » وهي ضعيفة بسهل بن زياد .وعنه عن أبي الحسن الماضي ( عليه السلام) قال : « إنّ الله لم يحرّم الخمر لاسمها ، ولكنّه حرمها لعاقبتها ، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر » وهي موثّقة . راجع الكافي 6 : 412 / 1، 2 ، التهذيب 9 : 112 / 486 ، والوافي 20 : 631 / 1، 2 ، والوسائل 25 : 343 / أبواب الأشربة المحرّمة ب19 ح 2 ، 1 .
أنّ النبيذ يفعل ما تفعله الخمر ويسكر كاسكار الخمر . إذن فيكون مثلها في جميع الأحكام ، ومن هنا ورد في بعض الروايات : « شه شه ، تلك الخمرة المنتنة »(1)أي النبيذ المسكر . على أنه جعل الإمام (عليه السلام) من أقسام السحت ثمن النبيذ المسكر في رواية عمّار الآتية (2)، وهذه الرواية وإن لم يكن فيها دلالة على حرمة البيع تكليفاً ، لظهورها في الحكم الوضعي فقط، إلّا أنّ في غيرها كفاية ، فإنّه بعد ما صدقت الخمر عليه حقيقة فيترتّب عليه جميع أحكامها التي منها حرمة البيع وهكذا الفقّاع ، لكونه خمراً مجهولاً استصغرها الناس ، وقد نزل ذلك منزلة الخمر في عدّة من الروايات (3)
وعن الوشاء قال : « كتبت إليه - يعني الرضا ( عليه السلام) - أسأله عن الفقّاع ، قال فكتب : حرام ، وهو خمر ، ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر ، قال : وقال أبو الحسن الأخير (عليه السلام) : لو أنّ الدار داري لقتلت بائعه والجلدت شاربه ، وحدّه حدّ شارب الخمر ، وهي خمرة استصغرها الناس » وهي موثّقة . راجع الكافي 6 : 1/422، 3 ، 9 . والتهذيب 9 : 124 / 539 ، 543 ، 540. والوافي 20 : 659 / 1 ، 3 ، 9 . والوسائل 25 : 365 / أبواب الأشربة المحرمة ب 28 ح2 ، 1 ، 361 / ب 27 ح6 .
بل في بعضها ما يدلّ على مبغوضية بيعه ، كقوله (عليه السلام) :1) الكلبي النسّابة قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن النبيذ ، فقال : حلال ، قلت : إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ، فقال (عليه السلام) : شه شه - كلمة تقبيح -تلك الخمرة المنتنة » الحديث . وهي ضعيفة بالمعلّى بن محمد البصري أو سهل بن زياد ، راجع الكافي 6 : 3/416 ، والوافي :20 : 646 / 3 ، والوسائل 1 : 203 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2 ، والتهذيب 1 : 220 / 629 .
2) في ص 133 .
3) ففي الكافي عن الجعفري قال : « سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الفقّاع ، فقال : هو خمر مجهول ، فلا تشربه ، ياسلمان لو كان الدار لي أو الحكم لقتلت بائعه والجلدت شاربه » وهي ضعيفة بسهل ، ومحمد بن إسماعيل الرازي .وعن الحسين القلانسي قال : « كتبت إلى أبي الحسن الماضي (عليه السلام) أسأله عنالفقّاع فقال : لا تقربه ، فإنّه من الخمر » وهي ضعيفة بمحمد بن سنان ، والقلانسي .
« لو أنّ الدار داري لقتلت بائعه » .
تذكرة : هل تختص حرمة البيع بالمائعات المسكرة كما يظهر من المصنّف أم تعم جميع المسكرات ولو كانت من الجوامد ؟ خلاف ، ربما يقال بالثاني لوجوه :
الأول : أنّ المستفاد من كلام بعض اللغويين(1)هو أنّ الخمر ما يخامر العقل ويخالطه ، فتشمل المسكرات الجامدة أيضاً .
وفيه : أنه لا نسلّم اعتبار قول اللغوي خصوصاً في مثل المقام ، من جهة العلم بعدم صحة صدق الخمر على الجامد . على أنّ الظاهر من كلام تاج العروس(2)هو
1) في تاج العروس 3 : 187 واختلف في وجه تسميته ، فقيل : لأنّها تخمر العقل وتستره ، أو لأنّها تخامر العقل أي تخالطه كما في الحديث ، وفي المصباح : الخمر اسم لكل مسكر خامر العقل [ ولكن في المصباح : 182 مادّة (خمر) لم يجعل (خامر العقل) من تتمة تعريف الخمر ] . وفي مفردات الراغب [ 299 مادّة خمر ] والخمر سميت لكونها خامرة لمقرّ العقل ، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر ، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر .
2) تاج العروس 3 : 186 [ مادّة خمر ] الخمر : ما أسكر من عصير العنب خاصة ، أو عام أي ما أسكر من عصير كل شيء ، والعموم أصح .
ذلك أيضاً ، فإنه ذكر الخلاف في اختصاص الخمر بما أسكر من عصير العنب خاصة وفي عمومه المسكر من عصير كل شيء ، وأمّا المسكر الجامد فخارج ع-ن مح-لّ الخلاف .
الثاني : أنّ الظاهر من التنزيل في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « كل مسكر خمر »(1)ترتّب جميع آثار الخمر أو آثارها الظاهرة عليه التي منها حرمة البيع .
وفيه : أنّ الرواية ضعيفة السند ، وغير منجبرة بعمل المشهور وإن قلنا بالانجبار في موارد عمل المشهور ، فإنّ مقتضى العمل بعموم التنزيل الحكم بنجاسة المسكر الجامد ، مع أنّه لم يقل به أحد . وأمّا التزام الفقهاء (رضوان الله عليهم) باجراء جميع أحكام الخمر على كل مسكر مائع فهو ليس لأجل الأخذ بعموم التنزيل ، بل للروايات الخاصّة كما عرفت(2).
الثالث : رواية عمّار بن مروان(3)
وفي التهذيب عنه ( عليه السلام) : « والسحت أنواع كثيرة ، منها ثمن النبيذ والمسكر » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم [ لكن الشيخ يرويها في التهذيب بسنده عن الحسن بن محبوب وسنده هذا صحيح لا يشتمل على إبراهيم فلاحظ ] . راجع الكافي 5 : 126 / 1 ، وا : 126 1 والتهذيب
6 : 368 / 1062 ، والوافي 17 : 280 / 14 ، 15 ، والوسائل 17 : 92 / أب--واب م-ا يكتسب به ب 5 ح 1 .
فإنّها تدّل على أنّ ثمن المسكر من السحت1) وهي ضعيفة بعبدالرحمن بن زيد ، وأبيه ، وأحمد بن الحسن الميثمي ، وعطاء بن يس--ار راجع الكافي 6 : 3/408 ، والتهذيب 9 : 111 / 482 ، والوافي 20 : 3/624 والوسائل 25 : 326 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 5 .
2) في ص 130 وما بعدها .
3) قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول ، قال : كل شيء غل من الإمام فهو سحت ، والسحت أنواع كثيرة ، منها ثمن النبيذ المسكر » وهي ضعيفة بسهل بن زياد .
إلّا أنّها ظاهرة في الحكم الوضعي .
وفيه : أنّ الاستدلال بها متوقّف على أن تكون الرواية كما نقله التهذيب المطبوع وبعض نسخ الوسائل ، بأن يكون لفظ المسكر معطوفاً على النبيذ ، وأمّا إذا كان وصفاً له باسقاط الواو بينهما كما في غير نسخة التهذيب وبعض نسخ الوسائل فهي لا محالة تسقط عن الدلالة . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه وإن كان لفظ المسكر معطوفاً على النبيذ في رواية التهذيب ، إلّا أنّها مذكورة في الوافي والكافي بدون العطف بل بالتوصيف ، فترجيحهما على نسخة التهذيب من الوضوح بمكان ولو مع دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة ، ويؤيّد ذلك ما في رواية الخصال(1)على ما في الوسائل من جعل لفظ المسكر وصفاً للنبيذ .
تبصرة : لا يخفى عليك أنّه لا يبعد اختصاص الروايات بما كان المطلوب منه الشرب والإسكار ، وأمّا لو كان الغرض منه شيء آخر ولم يكن معدّاً للإسكار عند العرف ولو كان من أعلى مراتب المسكرات، كالمائع المتّخذ من الخشب أو غيره المسمّى بلفظ (ألكل) لأجل المصالح النوعية والأغراض العقلائية ، فلا يحرم بيعه لانصراف أدلّة حرمة بيع الخمر عنه وضعاً وتكليفاً ، كانصراف أدلّة عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه عن الإنسان .
قوله : وفي بعض الأخبار : يكون لي على الرجل دراهم .
أقول : قد ورد في جملة من الروايات جواز تخليل الخمر بمعالجتها بالملح ونحوه وعليه تحمل رواية ابن أبي عمير(2)
ثم لا يخفى أنّ نسبة التفسير إلى ابن أبي عمير كما في المتن ناشئ من سهو القلم .
الظاهرة في جواز أخذ الخ-م-ر م-ن الغ-ريم1) الخصال : 329 / 26 راجع أيضاً الباب المتقدّم في الوسائل ح12 ، والبحار 100 : 5/43 .
2) ابن أبي عمير وعلي بن حديد عن جميل قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمراً ، فقال : خذها ثم أفسدها ، قال علي - حديد - : واجعلها خلاً » وهي موثّقة . راجع التهذيب :9 : 118 / 508 ، والوافي 20 : 676 / 4 ، والوسائل 25 : 371 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 31 ح6 ، وفي الوافي بعد ما نقل الرواية قال : زاد علي بن حديد في حديثه قوله : « واجعلها خلاً » وربما يوجد في بعض النسخ - نسخة التهذيب - لفظة ( عليه السلام) بعد علي ، وكأنّه من غلط الناسخ وذه-اب وهمه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) .
لاستيفاء الدَين منه وإفسادها بعد الأخذ ، ويؤيّد ذلك الحمل تفسير علي بن حديد الإفساد فيها بالتخليل.
قوله : والمراد به إمّا أخذ الخمر مجّاناً .
أقول : حمل الرواية بنحو المانعة الخلو إمّا على أخذ الخمر مجاناً ثم تخليلها ، أو أخذها وتخليلها لصاحبها ثم أخذ الخل وفاء عن الدراهم ، لا يستقيم . أّمّا الوجه الأول : فلأنّ أخذها مجاناً ثم تخليلها لا يوجب سقوط الدَين عن الغريم ، وه-ي صريحة في حصول الوفاء بمجرد الأخذ . وأمّا الوجه الثاني : فهو خلاف ظاهر الرواية ، فإنّ الموجود فيها ليس إلّا أكون استيفاء الدَين بالخمر نفسها . على أنّ المالك لم يعط الخل وفاءً عن الدراهم ، وإنّما أعطى الخمر فقط . إذن فيحتاج أخذ الخ---ل كذلك إلى إذن جديد من المالك ، والرواية صريحة في خلافه .
لا يتوهّم أنّ الرواية ظاهرة في جواز اشتراء الخمر بقصد التخليل ، فنرفع اليد بها عن ظهور ما يدل على حرمة بيعها مطلقاً وضعاً وتكليفاً ، وعليه فتختصّ حرمة بيع الخمر بغير هذه الصورة. فإنّ هذا التوهّم فاسد ، لكونها أجنبية عن قضية البيع والشراء ، وإنّما هي راجعة إلى جواز أخذ الخمر من المديون مسلماً كان أو كافراً
وفاءً عن الدَين إذا كان الأخذ بقصد التخليل والإفساد ، نعم لو التزمنا بما التزم به المصنّف فما تقدّم(1)من أنّ معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل والانتقال بقصد ترتّب الأثر وأنّ ظاهر أدلّة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرّمة ، أمّا لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة ، لتوجّه القول بجواز بيع الخمر وشرائها بقصد التخليل ، ولكنّك عرفت ما فيه من الوهن .
تنبيه : قد تقدّم في بيع الخنزير(2)ظهور رواية منصور وغيرها في صحّة بيع الذمّي خمره وخنازيره من ذمّي آخر ، فيقيّد بها ما يدل على حرمة بيع الخمر وكون ثمنها سحتاً ، وعليه فتنقلب النسبة ويكون ما يدل على المنع أخص ممّا يدلّ على الجواز مطلقاً كروايتي محمد بن مسلم وزرارة المتقدّمتين في ذلك البحث(3). إذن فنحمل المطلق على المقيّد فتصير النتيجة أنّه يجوز للذمّي أن يبيع خمره من ذمّي آخر .
قوله : يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجّسة الغير القابلة للطهارة(4).
أقول : المشهور بين الخاصّة والعامة(5)حرمة المعاوضة على الأعيان
1) في ص 44 .
2) في ص 126 .
3) في ص 124 ، 125 .
4) المكاسب 1: 43 .
5) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 - 209 عن المالكية لا يصح بيع المتنجّس الذي لايمكن تطهيره على المشهور ، أمّا الذي يمكن تطهيره فإنّه يجوز بيعه مع الإعلام بالنجاسة وإلّا فللمشتري حقّ الخيار . وعن الحنابلة : لا يصح بيع الدهن المتنجّس ، أمّا النجس الذي يمكن تطهيره فإنّ بيعه يصح . وعن الحنفية : يصح بيع المتنجّس والانتفاع به في غير الأكل
المتنجّسة غير القابلة للتطهير ، قال في التذكرة : ما عرضت له النجاسة إن قبل التطهير صحّ بيعه ويجب إعلام المشتري بحاله ، وإن لم يقبله كان كنجس العين(1).
وقال في المبسوط ما حاصله : إن كان المتنجّس جامداً وكانت النجاسة العارضة رقيقة وغير مانعة عن النظر إليه جاز بيعه ، وإلّا فلا يجوز ، وإن كان مائعاً فإن قبل التطهير صحّ بيعه ، وإلّا فلا يصح(2). بل في بعض الحواشي : إنّ هذا الحكم ممّا لا خلاف فيه ، بل هو ممّا قام عليه الإجماع . ولا إشكال في كونه مجمعاً عليه .
ثم إنّ محصّل كلام المصنّف : أنّ المتنجّس إذا توقّف الانتفاع به بالمنافع المحلّلة على الطهارة نظير المائعات المتنجّسة المعدّة للشرب والمأكولات المتنجّسة المعدّة للأكل ، فإنّ بيعه لا يجوز ، للأخبار العامّة المتقدّمة (3)لظهورها في أنّ حرمة الشيء تستلزم حرمة بيعه وثمنه ، ومن هذا القبيل المتنجّس . وإن لم يتوقّف الانتفاع به على الطهارة أو كان قابلاً للتطهير مع توقّف الانتفاع به عليها فإنّ بيعه يجوز ، نعم لا يجوز الاستدلال بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « أو شيء يكون فيه وجه من وجوه النجس » على حرمة بيعه ، لأنّ الظاهر من وجوه النجس العنوانات النجسة فإنّ وجه الشيء إنّما هو عنوانه ، فلا يشمل الأعيان المتنجّسة ، فإنّ النجاسة فيها ليست إلّا أمراً عرضياً ، فلا تكون وجهاً وعنواناً لها .
وفيه : مضافاً إلى ما تقدّم في تلك الروايات من ضعف السند والدلالة وعدم انجبارهما بشيء ، أنّه إن كان المراد بالحرمة فيها هي الحرمة الذاتية فلا تشمل المتنجّس ، بداهة أنّها مختصّة بالأعيان النجسة ، إذن فيكون المتنجّس خارجاً عنها بالتخصّص . وإن كان المراد بها ما يعمّ الحرمة الذاتية والحرمة العرضية فيلزم على المصنّف أن لا يفرّق حينئذ بين ما يقبل التطهير وما لا يقبله ، فإنّ موضوع حرمة البيع على هذا التقدير ما يتّصف بالنجاسة ، سواء كانت ذاتية أم عرضية ، فإمكان التطهير لا يؤثّر في زوال الحرمة الفعلية عن موضوعها الفعلي .
ومع الإغضاء عمّا ذكرناه لا دلالة فيها على حرمة بيع المتنجّس ، لأنّه إن كان المراد بالحرمة فيها حرمة جميع منافع الشيء أو منافعه الظاهرة فلا تشمل المتنجّس ضرورة جواز الانتفاع به في غير ما يتوقّف على الطهارة ، كإطعامه الصبي لو قلنا بجوازه ، أو البهائم ، أو ينتفع به في غير ذلك من الانتفاعات المحلّلة . وإن كان المراد بها حرمة الأكل والشرب فقط فإنّها لا تستلزم حرمة البيع ، لما عرفت مراراً من أنّه لا ملازمة بين حرمة الأكل والشرب وبين حرمة البيع ، فإنّ كثيراً من الأشياء يحرم أكلها وشربها ومع ذلك يجوز بيعها . وأمّا دعوى الإجماع التعبّدي على ذلك فجزافية فإنّ مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة على حرمة بيع المتنجّس .
جواز بيع السباع والمسوخ إلّا القرد
قوله : قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها .
أقول : أمّا المسوخ فالمشهور بين أصحابنا وبين العامّة(1)حرمة بيعها ، بل في
1) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 - 209 عن الحنابلة يجوز بيع سباع البهائم كالفيل والسبع ونحوهما ، وكذلك عن الحنفية ، وفي الخلاف للشيخ 3 : 184 عن الشافعية : كل ما ينتفع به يجوز بيعه مثل القرد والفيل وغير ذلك .
المبسوط ادّعى الاجماع عليها وعلى حرمة الانتفاع بها(1)، وفي الخلاف : دليلنا على حرمة بيعها إجماع الفرقة وقوله(صلّی الله علیه وآله وسلم): « إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه »(2)وهي محرّمة الأكل فيحرم ثمنها(3). وعن بعض فقهائنا : أنّه لايجوز بيعها لنجاستها. فالمتحصّل من كلماتهم : أنّه لا يجوز بيع المسوخ ، لحرمة لحمها ، وعدم وجود النفع فيها ، ونجاستها ، وقيام الإجماع على حرمة التكسّب بها .
والكل ضعيف ، أمّا الحرمة فلا ملازمة بينها وبين حرمة البيع كما تقدّم(4)وأمّا النجاسة فأيضاً كذلك لو سلّمنا نجاسة جميع أفراد المسوخ ، وأمّا عدم النفع فيها ففيه - مضافاً إلى عدم اعتبار المالية في العوضين وكفاية الأغراض الشخصية في خروجها عن السفهية - أنّه لا شبهة في جواز الانتفاع بها منفعة محلّلة .
وأمّا الإجماع فنمنع كونه تعبّدياً وكاشفاً عن رأي الحجّة (عليه السلام) بل هو كسائر الإجماعات المنقولة في المسائل المتقدّمة في استناده إلى المدارك المعلومة ، ويؤيّد ذلك ما ورد في بعض الروايات من جواز بيع عظام الفيل(5).
1) المبسوط 2 : 165 – 166 .
2) عوالي اللثالي 2 : 110 / 301 ، سنن الدارقطني 3 : 7 / 20 .
3) الخلاف 3 : 184
4) في ص 50 .
5) عبدالحميد بن سعيد قال : « سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل يحلّ بيعه أو شراؤه الذي يجعل منه الأمشاط ؟ فقال : لا بأس ، قد كان لأبي منه مشط ، أو أمشاط » وهي مجهولة بعبد الحميد . راجع الكافي 5 : 226 / 1 ، والتهذيب 6 : 373 / 1083 ، والوافي 17 : 275 / 1 ، والوسائل 17 : 171 / أبواب ما يكتسب به ب 37 ح 2 .
نعم ورد النهي عن بيع القرد وكون ثمنه سحتاً(1)
الجعفريات : 299 / 1235 « من السحت ثمن القرد » وهي موثّقة.
، فإن ثبت عدم الفصل فهو وإلّا فلابدّ من الحكم بعدم الجواز في خصوص القرد .وأمّا السباع فلا شبهة في جواز بيعها ، لجواز الانتفاع بها بالاصطياد ونحوه وكذلك الانتفاع بجلودها على ما ورد في جملة من الروايات(2)بل في حديث جواز بيغ الفهود(3)وفي آخر جواز بيع الهر(4)، وفي ثالث جواز بيع جلود النمر(5)وفي رواية علي بن جعفر جواز بيع جلود السباع والانتفاع بها مطلقاً(6).
1) مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم) نهى عن القرد أن تشترى أو تباع »وهي ضعيفة بسهل ومحمّد بن الحسن بن شمون . راجع الأبواب المتقدّمة من الكتب المذكورة ، وفي المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 عن
2) منها موثّقة سماعة المتقدّمة في ص 99 الهامش رقم (1) .
3) وهو ما رواه عيص بن القاسم ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفهود وسباع الطير هل يلتمس التجارة فيها ؟ قال : نعم » . وهي موثّقة . راجع الأبواب المزبورة م--ن الكافي والتهذيب والوافي والوسائل .
4) ففي موثّقة عبدالرحمن [ ومحّد بن مسلم ] : « لا بأس بثمن الهر » وسنذكرها في بيع كلاب الصيد في ص 147 .
5) وهو ما رواه أبو مخلد السرّاج قال : كنت عند أبي عبدالله(عليه السلام) - ف-دخل رجلان - فقال أحدهما : إنّي رجل سرّاج أبيع جلود النمر ، فقال : مدبوغة هي ؟ قال : نعم قال : ليس به بأس » . وهي . ضعيفة بأبي مخلد . راجع الوسائل 17 : 172 / أبواب ما يكتسب به ب 38 ح 1 ، والأبواب المذكورة من التهذيب والكافي والوافي .
6) علي بن جعفر في كتابه [ 189 / 382 ] عن أخيه قال : « سألته عن جلود السباع وبيعها وركوبها أيصلح ذلك ؟ قال : لا بأس ما لم يسجد عليها » . وهي موثّقة . راجع الوسائل :17 172 / أبواب ما يكتسب به ب37 ح5 .
وبهذا نحمل ما يدل على حرمة بيع جلود السباع(1)على الكراهة ، نعم ذكر في بعض روايات العامّة أنّه لا يجوز بيع السنور(2)، ومن هنا وقع الخلاف بينهم في ذلك.
جواز بيع العبد الكافر
قوله : يجوز بيع المملوك الكافر أصلياً كان أم مرتدّاً ملّياً(3).
أقول : إنّ المماليك من الكفّار على أقسام ثلاثة ، فإنّ كفرهم إمّا أصلي أو عرضي ، وعلى الثاني فإمّا أن يعرضهم الكفر بارتدادهم عن الملّة وإمّا أن يعرضهم ذلك بارتدادهم عن الفطرة .
أمّا الكافر الأصلي والمرتدّ الملّي فيجوز بيعهما بلا إشكال ، بل في المتن : بلا خلاف ظاهر ، بل ادّعي عليه الإجماع ، وليس ببعيد . ولا يتوجّه الإشكال على هذا الرأي من ناحية الأخبار العامّة المتقدّمة(4)لما عرفت من وهنها ، ولا من ناحية النجاسة فإنّ الكافر وإن كان من الأعيان النجسة ويشمله قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « أو شيء من وجوه النجس » إلّا أنّ جميع منافعه غير متوقّفة
1) ففي المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 عن الجعفريات : 299 / 1235 : «من السحت ثمن جلود السباع » وهي موثّقة . وفي ص 120 / ب 31 ح 2 عن دعائم الإسلام 1 : 126 عن علي (عليه السلام) قال : « من السحت ثمن جلود السباع » وهي مرسلة .
2) راجع سنن البيهقي 6 : 10 / باب ما جاء في ثمن السنور ، وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن الحنابلة : وهل يصح بيع الهر ؟ خلاف ، والمختار أنّه لا يجوز .
3) المكاسب 1 : 47 .
4) في أوّل الكتاب .
على الطهارة ، بل يجوز الانتفاع به في غير ما اعتبرت فيه الطهارة ، والرواية لضعف سندها لا تصلح للمانعية .
وتوهّم قيام الإجماع على عدم الجواز ، إنّما هو توهّم فاسد ، إذ مع كثرة المخالف ودعوى انعقاد الإجماع على الجواز لا يبقى مجال لهذا التخيّل ، بل من القريب جدّاً أن يكون مدرك توهّم الإجماع تلك الأخبار العامّة .
إذن فتكون المعاوضة على المملوك الكافر الأصلي والمرتدّ الملّي مشمولة للعمومات ، هذا مضافاً إلى ما يظهر من جملة من الروايات جواز ب-ي-ع المملوك الكافر(1)
وإسماعيل بن الفضل قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن شراء مملوكي أهل الذمّة إذا أقرّوا لهم بذلك ، فقال : إذا أقرّوا لهم بذلك فاشتر وانكح » وهي مرسلة.
ورفاعة النخاس قال« قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إنّ الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان ، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجّار ، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنّهم قد سرقوا وإنّما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال : لا بأس ، إنّما أخرجوهم من الشرك إلى دار الإسلام» وهي ضعيفة بسهل بن زياد . الصقالبة بالسين والصاد جيل من الناس حمر الألوان كانوا بين بلغر وقسطنطنية .
وزكريا بن آدم قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن قوم من العدو ، إلى أن قال : وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض ويغير المسلمون عليهم بلا إمام ، أيحلّ شراؤهم ؟ قال : إذا أقرّوا بالعبودية فلا بأس بشرائهم » وهي مجهولة بمحمد بن سهل . راجع الكافي 5 :210 / 6 ، 7 ،8 ،9 ،والتهذيب :7 : 170 / 299 ، 327 ، 6 : 162 / 297 . والوافي 17 : 257 / باب بيع الرقيق ، والوسائل 18 : 243 / أبواب بيع الحيوان ب1 ح 2 ، ب2 ح 2 ، 1 ، 3 ، 243 / ب 1 ح 2 [ في الوافي والتهذيب أنّ رفاعة روى عن أبي الحسن موسى (علیه السلام) ] .
.1) منها ما رواه إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن ( عليه السلام) في شراء الروميات قال : «اشترهنّ وبعهنّ » وهي موثّقة .
وأمّا المرتدّ الفطري ففي التذكرة : المرتدّ إن كان عن فطرة ففي صحة بيعه نظر ينشأ من تضادّ الحكمين ومن بقاء الملك ، فإنّ كسبه لمولاه(1). ومراده أنّ الحكم بالقتل والحكم بوجوب الوفاء بالعقد متضادّان .
والتحقيق : أنّ ما يظهر من مطاوي كلمات الأصحاب تصريحاً أو تلويحاً في منشأ الإشكال هنا وجهان ، الأول : من جهة نجاسته ، والثاني : من جهة عدم صدق المال عليه .
أمّا الوجه الأول : فهو يظهر من بعض الأساطين في شرحه على القواعد(2)حيث بنى جواز بيع المرتدّ على قبول توبته ، بل بنی جواز بيع مطلق الكافر على قبوله للظهر بالإسلام .
وفيه : مضافاً إلى منع مانعية النجاسة عن البيع ، أنّه لو كان جواز بيعه مبنياً على زوال نجاسته بالتوبة لما كان فرق بين أقسام الكفّار في ذلك ، سواء كان كفرهم أصلياً أم عرضياً ، وسواء كان عروضه بالارتداد عن الملّة أم عن الفطرة ، وسواء تقبل توبتهم أم لم تقبل ، وذلك لما عرفت في بيع المتنجّس(3)أنّ فعلية الحكم إنّما هي بفعلية موضوعه ، فإذا قلنا بمانعية النجاسة عن البيع كانت مانعة عنه بوجودها الفعلي
سواء كانت قابلة للزوال أم لا ، كيف فإنّه بعد صيرورة الموضوع فعلياً من جميع الجهات فتلك القابلية لا تؤثّر في انفكاك الحكم عنه.
على أنّ إمكان طهره بالتوبة لا يستلزم تحقّق الطهارة ، لاحتمال أن لا يتوب ولا يخرج الإمكان الاستقبالي من القابلية إلى الفعلية . إذن فلا تمنع النجاسة عن بيع العبد إذا ارتدّ عن الفطرة .
وأمّا الوجه الثاني : فربما يقال بأنّ النجاسة وإن لم تكن مانعة عن البيع إلّا أنّ العبد بارتداده عن الفطرة يخرج عن المالية ، لوجوب قتله وإن تاب ، إذن فيكون في معرض التلف . وكذلك المرتد الملّي إذا لم يتب ، ومن هنا استشكل غير واحد من أعاظم الأصحاب فى رهن الفطري بدعوى أنّ الغرض من الرهانة هي الوثاقة وهي منتفية فيه .
وفيه : أنّ عدم سقوط القتل عنه لا يخرجه عن حدود المالية ، فإنّ الانتفاع به بالعتق بمكان من الإمكان ، ولذا لو قتله غير الحاكم بدون إذنه لضمنه ، كيف فإنّه من هذه الجهة ليس إلّا كالمملوك المريض المشرف على الموت ، فهل يتوهّم أحد سقوطه بذلك عن المالية بحيث لا يوجب إتلافه الضمان . ومع الغمض عن جميع المذكورات فإنّ هذا الوجه إنّما يصلح للمانعية إذا حصل الجزم بالقتل لبسط يد الحاكم الشرعي عليه وعلى إجراء الحدود ، لا مطلقاً . إذن فيكون الدليل أخصّ من المدّعى .
جواز بيع كلب الصيد
قوله : يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة بلا خلاف ظاهر .
أقول : حيث لم يكن غير كلب الهراش من أقسام الكلاب على إطلاقه ممّا قام الإجماع على جواز بيعه ، فجعل المصنّف الجواز المقيّد بالإجمال مورداً لعدم الخلاف .فإنّك ستعرف وقوع الخلاف في بيع كلب الماشية والحائط والزرع .
ثم إنّ تحقيق هذه المسألة في ضمن جهات :
الجهة الأُولى : الظاهر أنّه لا خلاف بين الإمامية في جواز بيع كلب الصيد الذي اتّصف بملكة الاصطياد ، ويطلق عليه الصيود بالحمل الشائع . ففي الخلاف: دليلنا إجماع الفرقة(1)، بل دعوى الإجماع المحصّل عليه فضلاً عن الإجماع المنقول غير جزافية ، إلّا ما نسب إلى ابن أبي عقيل(2)من المنع عن بيع الكلب على إطلاقه استناداً إلى العمومات ، وما يظهر من النهاية من قصر جواز التكسّب ب-ه ع-لى السلوقي والماشية والزرع(3). إلّا أنّك قد عرفت في بيع الكلب الهراش(4)أنّ المطلقات وإن كانت متظافرة ولكنّها قيّدت بالروايات الخاصّة التي تدلّ على جواز بيع الصيود من الكلاب ، سلوقياً كان أم غير سلوقي ، وسنذكرها في الجهة الثانية نعم. عن أكثر العامّة أنّه لا يجوز بيع الكلب ولو كان كلب صيد كما تقدّم(5). وقد ورد النص من طرقهم عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)على خلافه(6).
وربما يتوهّم تخصيص روايات الجواز بالسلوقي ، بدعوى أنّه هو المنساق منها ، لانصراف كلب الصيد إليه ، لكثرة وقوع الاصطياد به في الخارج ، أو أنه لا يتبادر ولا ينساق غيره من تلك الروايات ، فيبقى غير السلوقي تحت مطلقات المنع عن التكسّب بالكلاب .
وفيه : مضافاً إلى كون الروايات خالية عن ذكر السلوقي ، وكثرة الاصطياد بغيره وإنّ كان أقل بالنسبة إليه ، وأنّ المراد بالسلوقي هو مطلق كلب الصيد وإن كان من غير جنسه كما صرّح به غير واحد من الأعاظم ، أنه يرد عليه ما في المتن من عدم الغلبة المعتدّ بها على فرض تسليم كون مجرد غلبة الوجود من دون غلبة الاستعمال منشأ للانصراف . وعليه فلا مجال لتخصيص جواز البيع بالسلوقي فقط.
ثم أجاب عنه المصنّف ثانياً وقال : مع أنه لا يصح في مثل قوله : « ثمن الكلب الذي لا يصيد » أو « ليس بكلب الصيد »، لأنّ مرجع التقييد إلى إرادة ما يصح عنه سلب صفة الاصطياد .
وحاصل كلامه : أنّ الكلب وإن كان طبيعة واحدة تعمّ جميع أفراد الكلاب وتصدق عليها صدق الكلّي على جزئياته والطبيعى على أفراده ، إلّا أنّ لحاظ تلك الطبيعة عند جعلها مورداً للحكم مع وصف الاصطياد تارة وبدونه أُخرى يستلزم انقسامها إلى قسمين متضادّين ، وعلى هذا فيتقابل كلب الصيد وكلب الهراش تقابل التضادّ ، كما هو الشأن في كل ماهية ملحوظة مع الأوصاف الخارجية المشخّصة تارةً وبدونها أُخرى . إذن فلا يصغى إلى دعوى الانصراف بوجه ، لاستلزامه اتّح-اد المتضادّين ووحدة المتقابلين ، وهو محال.
وفيه : أنّ كلامه هذا إنّما يصح في أمثال قوله ( عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم(1): « ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت » فإنّ ظاهر التوصيف أنّ وصف الاصطياد قد أُخذ قيداً للموضوع ، إلّا أنّه لا يتم في قوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه : « ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت »(2)فإنّ من القريب جدّاً أن لا
يصدق كلب الصيد ولو بحسب نوعه على غير السلوقي . ولكن المرسلة ضعيفة السند . ثم إنّ سلوق قرية في ناحية اليمن نسبت إليها كلاب الصيد ، إمّا لأجل أخذ أصلها منها ، أو لكون كلابها صيوداً .
الجهة الثانية : أنّك قد عرفت أنّ مورد الروايات ومعقد الإجماعات إنّما هو الكلب المتّصف بملكة الاصطياد وصار صيوداً بالفعل ، وحيث إنّ تلك الملكة التي هي مناط صحة بيع الكلاب وملاكها لم تصر فعلية في الجرو القابل للتعليم من السلوقي والكبير غير المعلّم منه فيشكل الحكم بجواز بيعهما .
وربما يقال في وجه الصحة فيهما بأنّ الأخبار الواردة في بيع الكلاب على ثلاث طوائف :
أمّا الطائفة الأُولى : فتدل على حرمة بيع الكلاب على وجه الإطلاق كالمطلقات ، وقد تقدّمت جملة منها في بيع الكلب الهراش(1)، وسمعت أنّ أكثرها ضعيفة السند .
وأمّا الطائفة الثانية : فتدل على جواز بيع ما كان صيوداً بالفعل(2)
وفي التهذيب عن محمد بن مسلم [ وعبد الرحمن بن أبي عبدالله ] عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت ، ثم قال : ولا بأس بثمن الهر » وهي موثّقة [وسيأتي في ص 305 التعبير عنها بالصحيحة ] .
وعن ليث قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الكلب الصيود ، يباع ؟ فقال : نعم ويؤكل ثمنه » وهي موثّقة [ لكن في سندها أبو جميلة المفضّل بن صالح ولم يوثّقه في المعجم 19 : 311 / 12607 ] . وعن أبي بصير عن أبي عبدالله (علیه السلام) : « قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): وثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت » وهي ضعيفة بالقاسم ابن محمد . راجع الكافي 5 : 126 / باب السحت ، والتهذيب 6 : 356/ 1017، 9 : 80 / 343 ، 7 : 135 / 599 ، والوافي 17 : 275 / باب أنواع السحت ، 254 / 16 ، والوسائل 17 : 118 / أبواب ما يكتسب به ب 14 ح 1 ، 3، 6 ، 23 : 399 / أبواب الصيد ب 45 ح 4 .
ومتّصفاًبملكة الاصطياد ، سواء كان سلوقياً أم غير سلوقي .
وأمّا الطائفة الثالثة : فتدل على جواز بيع كلب الصيد كمرسلة الصدوق وغيرها(1)
والصدوق قال « قال عليه السلام) : وثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت » وهي مرسلة . راجع التهذيب 6 : 356 / 1016 ، والوافي 17 : 2792 / 8 ، 9 ، والوسائل 17 : 119 / أبواب ما يكتسب به ب 14 ح 5 ، 94 / ب 5 ح 8 ، الفقيه 3: 105 / 435 .
وفي دعائم الإسلام [ 2 : 19 / 28 ] عن علي (عليه السلام) أنّه قال : « لا بأس بثمن كلب الصيد » وفي فقه الرضا : 253 : « وثمن الكلب سحت إلّا كلب الصيد » راجع المستدرك 13 : 89 / أبواب ما يكتسب به ب 12 ح2 ، 4 .
والمحتمل في الطائفة الأخيرة منها ثلاثة :الأول : أن يكون المراد بكلب الصيد ما كان صيوداً بالفعل وكلب صيد بشخصه وواجداً لملكة الاصطياد بنفسه ، فيكون الغرض من المركّب هي إضافة الشخص إلى وصفه ، وحينئذ فترجع هذه الطائفة إلى الطائفة الثانية ، ويجري فيها الإشكال المتقدّم أيضاً من دعوى انصرافها إلى السلوقي مع جوابها ، وعليه فنقيّد بها وبالطائفة الثانية الطائفة الأُولى ، فتصير النتيجة : أنّ غير الصيود من الكلاب لا
1) روى أبو بصير ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد ، قال : لا بأس بثمنه ، والآخر لا يحلّ ثمنه » وهي ضعيفة بالقاسم بن محمّد .
يجوز بيعه .
الثاني : أن يراد به نوع كلب الصيد وإن لم يتّصف بعض أفراده بملكة الاصطياد ، وعليه فتختص هذه الطائفة الأخيرة بالسلوقي فقط ، فتكون النسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم من وجه ، إذ قد يكون الكلب صيوداً ولا يكون من أفراد الكلاب السلوقية ، وقد يكون من أفرادها ولا يكون صيوداً بالفعل كغير المعلّم من السلوقي ، وقد يجتمعان . وحينئذ فيجوز تخصيص العمومات بك-ل م-ن الطائفة الثانية والثالثة بناء على ما نقّحناه في الأُصول(1)من جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم من وجه ، كما إذا ورد أكرم العلماء ثم ورد لا تكرم الفسّاق منهم ولا تكرم النحويين منهم ، فإنّه جاز تخصيص أكرم العلماء بكلا الخاصين وإن كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه ، وعليه فيجوز بيع الصيود من غير السلوقي وبيع غير الصيود من السلوقي .
الثالث : أن یراد به ما يكون بينه وبين الصيد نسبة وعلاقة ، بدعوى كفاية أدنى ملابسة في صحة الإضافة كما هو الظاهر والموافق للاستعمالات الدائرة بين المحاورين ، ضرورة أنّ جملة كلب الصيد في اللغة العربية لم توضع لمعنى خاص ، بل أُطلقت على حصة من الكلاب بوجه من المناسبة وبعلاقة الملابسة ، كيف فإنّها ترادف في اللغة الفارسية بلفظ (سگ شکاري ) ولا يعتبرون في صحة ذلك الإطلاق أزيد من تلك المناسبة الإجمالية ، وعليه فالنسبة بينها وبين الطائفة الثانية هو العموم المطلق ، فإنه على هذا يصح إطلاق كلب الصيد على الصيود مطلقاً ، سلوقياً كان أم غيره ، وعلى السلوقي كذلك صيوداً كان أم غيره ، وعلى ذلك أيضاً فيجوز تخصيص العمومات بهما بناء على جواز تخصيص العام بالخاصين بينهما عموم مطلق كما هو
1) مصباح الأُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 471 .
الظاهر على ما حقّقناه في محلّه(1).
وأظهر المحتملات الثلاثة هو الاحتمال الأخير، لما عرفت من كفاية أدنى ملابسة في صحة الإضافة ، ثم الثاني لكثرة إضافة الموصوف إلى وصف نوعه ، وبهذا صح جعله موضوعاً للأحكام الشرعية . وأمّا الاحتمال الأول فغير سديد جزماً فإنّ من المستبعد جدّاً اعتبار الاتّصاف الفعلي في صحة إضافة الموصوف إلى الصفة وأن لا يكتفى فيها بأدنى مناسبة ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في جواز بيع السلوقي على الإطلاق .
ولكنّه فاسد ، إذ العمل بما ذكرناه على كلا الاحتمالين إّنما يجوز فيا إذا لم يكن كل من الخاصين مقيّداً بقيد به يوافق العام ويسانخه ، وإلّا فينفي ذلك القيد بمفهومه أو منطوقه ما اختص به الخاص الآخر من مادّة الافتراق ، فيكونان من أفراد الدليلين المتعارضين فيسقطان للتعارض .
وفي المقام إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام)في الطائفة الثانية : « ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت »« فأمّا الصيود فلا بأس »هو أنّ غير الصيود من الكلاب يحرم بيعه وإن كان سلوقياً ، فيشارك العام بمقتضى اشتماله القيد العدمي، كما أنّ الظاهر من قولهم(عليهم السلام) في الطائفة الثالثة: ولا بأس بثمن كلب الصيد والآخر لا يحل ثمنه . هو أنه كلّ ما كان كلب صيد بنوعه جاز بيعه ، صيوداً كان أم لم يكن ، وأمّا غير كلب الصيد فلا يجوز بيعه وإن كان صيوداً ، فيتعارضان في الصغير والكبير غير المعلّمين من السلوقي على الاحتمال الثالث من دعوى العموم المطلق بين الخاصين ، وفي الصيود من غير السلوقي أيضاً على الاحتمال الثاني من دعوى العموم من وجه بينهما ، فصارت النتيجة على الاحتمال الثالث أنّ غير الصيود من الكلاب لا
1) مصباح الأُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 473 .
يجوز بيعه وإن كان سلوقياً ، وعلى الثاني فالصيود من غير السلوقي أيضاً لا يجوز بیعه .
هذا كلّه مع الإغضاء عن سند الطائفة الثالثة ، وإلّا فهى لا تقاوم الطائفة الثانية ، لضعف سندها وعدم وعدم انجبارها بعمل المشهور ، وحينئذ فينحصر المخصّص لتلك العمومات في الطائفة الثانية ، فترتفع الغائلة من أصلها .
حرمة بيع كلب الحراسة
قوله : الثالث : كلب الماشية .
أقول : هذه هي الجهة الثالثة من الكلام. الظاهر أنّه لا شبهة في حرمة بيع الكلاب الثلاثة ، أي كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع ، ويسمّى كل واحد منها بالكلب الحارس ، وهذا هو المشهور بين القدماء ، وقد دلّت عليه العمومات المتقدّمة(1).
كما أنّ المشهور بين الشيخ (رحمه الله) ومن تأخّر عنه الجواز ، وقد استدل عليه بوجوه :
الوجه الأول : دعوى الإجماع عليه كما يظهر من العلّامة في التذكرة على ما حكاه المصنّف( رحمه الله) قال : يجوز بيع هذه الكلاب عندنا . ولكنّا لم نجد ذلك في التذكرة(2). نعم ذكر الشيخ (رحمه الله) في الخلاف أنّ بيع هذه الكلاب يجوز عندنا وما يصح بيعه يصح إجارته بلا خلاف(3). والمحكي عن حواشي الشهيد : أنّ أحداً
لم يفرّق بين الكلاب الأربعة(1)وظاهر هذه العبارة عدم وجود القول بالفرق بين الكلاب الأربعة في جواز البيع وعدمه.
وفيه : أنّ ذلك معارض بدعوى الإجماع على حرمة بيعها، على أنّ دعواه في مثل هذه المسألة المختلف فيها من الصعب المستصعب، خصوصاً مع عدم كونه إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي الحجّة ، لاحتمال أنّ المجمعين قد استندوا إلى المدارك المعلومة المذكورة في المقام .
ولا ينقضي العجب من الشهيد (رحمه الله ) كيف يدّعي أنّ أحداً لم يفرّق بين الكلاب الأربعة في حرمة البيع وجوازه ، مع كثرة الاختلاف في المسألة . إلّا أن يكون نظره الشريف في ذلك إلى العامة ، فقد عرفت في بيع كلب الهراش(2)أنّ طائفة منهم كالحنابلة والشافعية وبعض فرق المالكية ذهبوا إلى أنّ بيع الكلاب مطلقاً لا يصح حتى كلب الصيد ، وطائفة أُخرى منهم كالحنفية وبعض آخ--ر م-ن المالكية ذهبوا إلى صحة بيعها مطلقاً حتى كلب الحراسة . أو يكون نظره إلى جواز الانتفاع بها مطلقاً وعدم جوازه كذلك ، فإنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) لم يفرّقوا في ذلك بين الكلاب الأربعة .
الوجه الثاني : أنّ ثبوت الدية على قاتلها في الشريعة المقدّسة يدل على جواز المعاوضة عليها ، وإلى هذا أشار العلّامة في المختلف وقال : ولأنّ لها ديّات منصوصة فتجوز المعاوضة عليها(3). وقدّرت هذه الدية في كلب الماشية بكبش أو بعشرين در هماً ، وفي كلب الحائط بعشرين درهماً ، وفي كلب الزرع بقفيز من طعام .
وفيه : أن ثبوت الدية لها في الشريعة لا يدل على ملكيتها فضلاً عن جواز المعاوضة عليها ، فقد ثبتت الدية في الحر مع أنّه غير مملوك قطعاً ، بل لا يبعد أن يكون ثبوت الدية كاشفاً عن عدم الملك مع فرض كون الشيء محترماً ، وإلّا لكان الثابت نقص القيمة ، أو تخيير المالك بينه وبين الدية كما في العبد والأمة .
الوجه الثالث : أنه لا شبهة في جواز إجارتها لحفظ الماشية والحائط والزرع اتّفاقاً كما في المتن ، فيجوز بيعها ، لوجود الملازمة بينهما ، وإلى هذا الدليل أشار العلّامة أيضاً فى المختلف وقال : ولأنّه يجوز إجارتها فيجوز بيعها(1).
وفيه : أنه لا ملازمة شرعية بين صحة الإجارة وصحة البيع ، فإنّ إجارة الحر وأُمّ الولد جائزة بالاتّفاق ولا يجوز بيعهما ، كما لا ملازمة بين صحة البيع وص-حة الإجارة، فإنّ بيع الشعير والحنطة وعصير الفواكه وسائر المأكولات والمشروبات جائز اتّفاقاً ولا تصح إجارتها، فإنّ من شرائط الإجارة أنّ العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها ، والأُمور المذكورة ليست كذلك.
وبعبارة أُخرى : أنّ جواز بيع الكلاب وعدمه من الأحكام الشرعية ، وهي أُمور توقيفية ، فلا محيص عن اتّباع أدلّتها ، فإن كان فيها ما يدل على جواز بيعها أُخذ به ، وإلّا فالعمومات الدالّة على المنع متّبعة .
الوجه الرابع : ما ذكره العلّامة أيضاً في المختلف من أنه لو جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقي الكلاب الأربعة ، والأول ثابت إجماعاً فكذا الثاني ، بيان الشرطية : أنّ المقتضي للجواز هناك كون المبيع ممّا ينتفع به وثبوت الحاجة إلى المعاوضة ، وهذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع ، فيثبت الحكم عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض
1) الموضع المتقدّم .
إذ الأصل انتفاؤه(1). وزاد عليه بعض أصحابنا : أنّ ما يترتّب على الكلاب الثلاثة من المنافع أكثر ممّا يترتّب على كلب الصيد ، فإذا جاز بيعه كان بيع تلك الكلاب الثلاثة أولى بالجواز .
وفيه : أنه قياس واضح ، فقد نهينا عن العمل به في الشريعة المقدّسة بالأدلّة القاطعة، وعليه فلا وجه لرفع اليد عن العمومات إلّا في الكلب الصيود.
الوجه الخامس : أنّ الحكم بجواز بيعها هو مقتضى الجمع بين الروايات ، لأنّا إذا لاحظنا العمومات الدالّة على المنع مع قوله( عليه السلام) في رواية تحف العقول :« وكل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته » وجدنا أنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه فإنّ العمومات تقتضي حرمة بيع الكلاب كلّها ، وإنّما خرج منها بيع كلب الصيود فقط للروايات الخاصّة ، وهذه الفقرة من رواية تحف العقول تقتضي صحة بيع كل ما كان فيه جهة صلاح ، فتشمل بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع أيضاً لجواز الانتفاع بها في الحراسة ، وبعد سقوطهما للمعارضة يرجع في إثبات الجواز التكليفي إلى أصالة الإباحة ، وفي إثبات الجواز الوضعي إلى عمومات صحة البيع والتجارة عن تراض .
وفيه أولاً : أنّا لو أغمضنا عمّا تقدّم في رواية تحف العقول ، فإنّها لا تقاوم العمومات المذكورة في خصوص المقام ، لأنّ كثرة الخلاف هنا مانعة عن انجبار ضعفها بعمل المشهور .
وثانياً : أنه لا مناص من ترجيح العمومات عليها ، إذ قد بيّنا في علم
1) الموضع المتقدّم .
الأُصول(1)أنّ من جملة المرجّحات عند معارضة الدليلين بالعموم من وجه أن يلزم من العمل بأحدهما إلغاء الآخر من أصله وإسقاط ما ذكر فيه من العنوان ع--ن الموضوعية ، وحينئذ فلابدّ من العمل بالآخر الذي لا يلزم منه المحذور المذكور ، وفي ام لو عملنا برواية تحف العقول للزم من ذلك إلغاء العمومات على كثرتها ولسقط عنوان الكلب المذكور فيها عن الموضوعية ، لخروج الكلب الصيود منها بالروايات الخاصة كما عرفت ، ولو خرجت الكلاب الثلاثة منها بالرواية المذكورة لما بقي تحتها إلّا الكلب الهراش فقط ، ويكفي في المنع عن بيعه عدم وجود النفع فيه فلا يحتاج إلى تلك العمومات المتظافرة ، فيلزم المحذور المذكور . وأمّا إذا عملنا بالعمومات ورفعنا اليد عن الرواية فإنّ المحذور لا يتوجّه أصلاً ، لأنّ ما فيه جهة صلاح من الأشياء لا ينحصر في الكلاب الثلاثة .
ونظير ذلك المعارضة بين ما ورد من الأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمد(2)وما ورد من نفى البأس عن بول الطير وخرثه(3)، فإنّا لو قدّمنا الخبر الأول وحكمنا بسببه بنجاسة خرء الطيور التي لا يؤكل لحمها لكان ذكر الطير في الخبر الثاني لغواً محضاً ، إذ لا يبقى تحته إلّا ما يؤكل لحمه من الطيور ، ويكفي في طهارة
1) لاحظ مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 478 .
2) عبدالله بن سنان قال « قال أبو عبد الله (عليه السلام) : اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب8 ح 2 ، والتهذيب 1 : 264 / 770 ، والكافي :3 : 57 / 3 ، والوافي 6: 193 / 2 .
3) أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « كل شيء يطير فلا بأس ببوله وخ--رئه » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الوسائل 3 : 412 / أبواب النجاسات ب 10 ح1 والأبواب المذكورة من الكافي والتهذيب والوافي [ ح17 ] .
ذرقها ما يدل على طهارة بول مأكول اللحم(1)، وهذا بخلاف العكس ، فإنّا إذا عملنا بالخبر الثاني لم يلزم المحذور ، لكثرة أفراد غير المأكول من غير جنس الطيور .
و من هذا القبيل أيضاً معارضة ما يدل على انفعال الماء القليل بملاقاته النجاسة(2)لما يدل على عدم انفعال الجاري بذلك(3)، فإنّ العمل بالطائفة الأُولى والحكم بانفعال الجاري بملاقاته النجاسة إذا كان قليلاً يوجب كون ذكر الجاري في الطائفة الثانية لغواً ، إذ لا يبقى فيها إلّا الكر ، ويكفي في عدم انفعاله بملاقاته النجاسة ما يدل على عدم انفعال الكر بذلك(4)على الإطلاق ، ولو انعكس الأمر لم يلزم المحذور ، لكثرة أفراد القليل من غير الجاري .
الوجه السادس : ما في المتن من حكاية رواية ذلك عن الشيخ في المبسوط قال : إنّه روي ذلك(5)يعني جواز البيع في كلب الماشية والحائط ، المنجبر قصور سنده ودلالته - لكون المنقول مضمون الرواية ، لا معناها ولا ترجمتها - باشتهاره بين المتأخّرين(6).
1) عن زرارة « أنّهما قالا : لا تغسل ثوبك من بول شيء يؤكل لحمه » وهي حسنة بإبراهيم ابن هاشم . راجع الكافي 3 : 57 / 1 ، والوافي 6 : 193 / 1 ، والوسائل 3 : 407 / أبواب النجاسات ب 9 ح 4 .
2) راجع الوسائل 1 : 150 / أبواب الماء المطلق ب8 .
3) راجع الوسائل 1: 143 / أبواب الماء المطلق ب5
4) محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) « وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب ، قال : إذا كان الماء قدر كر لم ينجّسه شيء » . راجع الكافي 1 : 2 / 2 ، والتهذيب 1 : 226 / 651 ، 107 .
5) المبسوط 2 : 166.
6) المكاسب 1 : 56 .
وفيه : أنّ الشهرة بين المتأخّرين لا تجبر ضعف الرواية ، بل ولم يعلم استنادهم إليها في فتياهم بالجواز ، فلعلّهم استندوا في ذلك إلى الوجوه المذكورة، كما يظهر ذلك ممّن يلاحظ كلماتهم. على أنه لم يثبت لنا كون المحكي عن الشيخ رواية فضلاً عن انجباره هنا بالاشتهار ، وتوضيح ذلك : أنّ ناقل الرواية تارةً ينقلها بألفاظها الصادرة عن المنقول عنه ، وأُخرى بترجمتها بلغة أُخرى غير لغة الم--روي عنه ، وثالثة بمعناها كما هو المتعارف بين الرواة خصوصاً في الأحاديث الطوال التي يعسر حفظ ألفاظها عادة ، ورابعة بمضمونها كما هو المرسوم بين الفقهاء في مرحلة الإفتاء .
أمّا غير القسم الأخير فلا شبهة في شمول أدلّة اعتبار الخبر له كما هو واضح وأمّا القسم الأخير فلا تشمله تلك الأدلّة قطعاً ، لانحصارها في الأخبار الحسّية ورأي الفقيه من الأُمور الحدسية ، فلا يكون حجّة لغيره ولغير مقلّديه كما حقّق في علم الأُصول(1).
وإذا عرفت ذلك اتّضح لك أنّ المحكي عن الشيخ (رحمه الله)لا يكون مشمولاً لأدلّة اعتبار الخبر ، لأنّ ظاهره أنه ( رحمه الله) فهم باجتهاده جواز البيع من الروايات : وأشار إليه بلفظ الإشارة ، بداهة أنّ الإمام (عليه السلام) لم يبيّن الحكم على النحو المذكور في العبارة وبلفظ الإشارة ابتداء من دون أن يكون مسبوقاً أو ملحوقاً بكلام آخر يدل عليه، وعليه فلم يثبت كون المحكي رواية حتى ينجبر ضعفها بعمل المشهور وتكون حجّة لنا في مقام الفتوى ، نعم لو كانت الرواية بأصلها واصلة إلينا وقلنا بانجبار ضعف الخبر بشيء لكان لهذه الدعوى مجال واسع .
هذا كلّه على تقدير أن يكون المنقول في المتن هو عين عبارة الشيخ (رحمه الله)
1) مصباح الأُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 157 – 158 .
ولكنّها ليست كذلك ، فإنه قال في تجارة المبسوط : وروي أنّ كلب الماشية والحائط كذلك(1). وعلى هذا فهي رواية مرسلة ، وقابلة للانجبار .
ومع ذلك لا يجوز الاستناد إليها أيضاً ، لما عرفت في البحث عن رواية تحف العقول(2)من منع انجبار ضعف الرواية بشيء صغرى وكبرى ، على أنّ من البعيد جدّاً بل من المستحيل عادةً أن تكون هناك رواية ولم يظفر بها غير الشيخ من علماء الحديث ، أو وصلوا إليها ولكنّهم لم يوردوها في أُصولهم المعدّة للرواية ، حتى هو ( رحمه الله) في تهذيبيه.
والمظنون أنّ الشيخ (رحمه الله) اطّلع عليها في كتب العامّة وأوردها في كتابه للمناسبة ، إلّا أنّ أحاديثهم عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) في النهي عن بيع الكلاب خالية أيضاً عن استثناء كلب الماشية وكلب الحائط .
لا يقال : إنّ عدم اشتهار المرسلة بين القدماء لا يمنع انجبار ضعفها بعمل المشهور من المتأخّرين ، فإنّ ظهورها إنّما كان من زمان الشيخ (رحمه الله) ، فيكون هذا عذراً لعدم عمل القدماء بها ، وإنّما يضرّ ذلك فيما إذا كانت الرواية بمرأى منهم ومسمع ثم لم يعملوا بها لإعراضهم عنها .
فإنه يقال: إنّ ضعف الرواية إنما ينجبر بالشهرة إذا عمل بها المشهور مع نقلهم إيّاها في كتبهم من دون أن يستندوا في ذلك إلى نقل شخص واحد ، وأمّا إذا انتهى سند الناقلين إلى شخص واحد فنسبتها إلى النقلة وغيرهم سيّان ، فمثل هذه الشهرة لا توجب الانجبار ، ضرورة عدم اختصاص النقلة بقرينة زائدة ليمتازوا بها على غيرهم .
إذن فنسبة المرسلة إلى العاملين والناقلين كنسبتها إلينا ، لأنّ مستندهم أجمع هو نقل الشيخ (رحمه الله ) فقط ، فلا يكون عملهم هذا جابراً لوهنها . ويضاف إلى ذلك ما قد عرفته مراراً من فساد البناء والمبنى ، وأنّ الشهرة لا تجبر ضعف الرواية صغرى وكبرى .
تذييل : المستفاد من أخبار الباب إنما هو حرمة بيع كلب الماشية وكلب الحائط وكلب الزرع ، وأمّا المعاملات الأُخرى غير البيع فلا بأس في إيقاعها عليها كاجارتها وهبتها والصلح عليها بناء على عدم جريان أحكام البيع عليه إذا كانت نتيجته المبادلة بين المالين ، فإنّ المذكور في تلك الأخبار هي حرمة ثمن غير الصيود من الكلاب ، ولا يطلق الثمن على ما يؤخذ بدلاً بغير عنوان البيع من المعاملات.
ثم لا يخفى أنّ اقتناء تلك الكلاب ولو في غير أوان الاصطياد والحراسة ممّا لا إشكال فيه ، لأنّها من الأموال ولو باعتبار الانتفاع بها في وقت الاصطياد والحراسة حرمة بيع هذه الكلاب لا يضر بجواز اقتنائها ، إذ لا ملازمة بين حرمة بيع شيء وحرمة اقتنائه والانتفاع به ، كيف وإنّ الانتفاع بها أكثر من الانتفاع بالكلب الصيود ، خصوصاً لأهل البادية وأصحاب الماشية والبساتين والزروع ونحوها ، ولم يستشكل أحد في جواز ذلك فيما نعلم ، بل ورد في أخبار الفريقين(1)
أبو الفتوح [ في 4 : 114 من تفسيره ] في تفسير قوله تعالى : «وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ» الآية رخّص النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)في اقتناء كلب الصيد وكل كلب فيه منفعة مثل كلب الماشية وكلب الحائط والزرع رخّصهم في اقتنائه، ونهى عن اقتناء ما ليس فيه نفع » الخبر . وهي مرسلة .
وفي سنن البيهقي 6 : 9 عبدالله بن عمر يقول : « سمعت رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)يقول : من اقتنى كلباً إلا كلب ضاري لصيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان » . وفي رواية أخرى : قيل لابن عمر : إنّ أبا هريرة يقول : أو كلب زرع ، فقال : إنّ لأبي هريرة
زرعاً .
أقول : في هذا الحديث إشارة إجمالية إلى مكانة أبي هريرة في وضع الأحاديث الكاذبة حسب اقتضاء أغراضه الفاسدة وآرائه الكاسدة .
جواز اقتناء1) في المستدرك 8 : 293 / أبواب أحكام الدواب ب 35 ح 1 عن عوالي اللتالي [ 1: 143 / 66 باختلاف يسير ] عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) أنّه قال : « من اقتنى كلباً إلّا كلب ماشية أو صيد أو زرع فقد انتقص من أجره كل يوم قيراط » . وهي مرسلة.
الكلاب الأربعة ، إلّا أن تلحق بالكلب الهراش .
وقد يقال بجواز بيع كلب الماشية ، لقول علي ( عليه السلام) في رواية قيس : « لا خير في الكلاب إلّا كلب صيد أو كلب ماشية »(1)فإنّ جواز البيع من الخير الثابت فيه .
وفيه : أنّ غاية ما يستفاد من الرواية هو جواز اقتنائه للانتفاع به في حراسة الماشية واتّصافه بالمالية بهذا الاعتبار، وأمّا جواز بيعه فلا يستفاد منها ، لأنّك قد عرفت عدم الملازمة بين كون الشيء مالاً وبين جواز بيعه . إذن فالرواية من جملة ما يدل على جواز اقتناء كلب الماشية .
ومن هنا اتّضح : أنّه لا وجه لقياس ما يحرم بيعه من الكلاب الثلاثة بالخمر لإثبات عدم المالية فيها ، لا وجه لذلك لأنّ الشارع قد ألغى مالية الخمر ، بخلاف الكلاب الثلاثة ، فإنّ ماليتها محفوظة في نظر الشارع وإن حرم بيعها .
1) محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا خير في الكلاب إلّا كلب صيد أو كلب ماشية » وهي صحيحة . راجع الكافي 6 : 552 / 4 والوافي 20 : 869 4 ، والوسائل 11 : 530 / أبواب أحكام الدواب ب43 ح2 .
قوله : الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه(1).
أقول : الغليان عبارة عن القلب كما في رواية حمّاد(2)، قال « قلت : أي شيء الغليان ؟ قال : القلب » . والمراد به حصول النشيش فيه بحيث يصير أعلاه أسفله .
ثم إنّ العصير إذا غلى بنفسه حكم بنجاسته بمجرد ظهور النشيش فيه عند بعض القدماء، وقد شيّد أركان هذا القول البطل البحّاثة شيخ الشريعة (رحمه الله) في رسالته العصيرية(3)، وتبعه جملة ممّن تأخّر وتبعه جملة ممن تأخّر عنه ، وعلى هذا فلا تحصل الطهارة والحلّية فيه إلّا بصيرورته خلاً . ويمكن تأييد هذا القول برواية الكلبي النسّابة المتقدّمة في بيع النبيذ ، قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن النبيذ ، فقال : حلال ، قلت : إنّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ، فقال (عليه السلام) : شه شه ، تلك الخمرة المنتنة »(4)وقد كنّا نجزم بذلك القول في سالف الأيّام ، ثم عدلنا عنه ، وتحقيق الحق في محلّه(5).
وإن كان غليانه بالنار فهو محل الكلام في المقام، ومورد النقض والإبرام من
1) المكاسب 1 : 61 .
2) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن شرب العصير ؟ قال : تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه ، قلت : أي شيء الغليان ؟ قال : القلب » راجع الوسائل 25 : 287 / أبواب الأشربة المحرّمة ب3 ح3 .
3) إفاضة القدير في أحكام العصير : 29 وما بعدها .
4) الوسائل 1 : 203 / أبواب الماء المضاف ب 2 ح 2 .
5) شرح العروة الوثقى 3 : 101 وما بعدها .
جهة طهارته وعدمها ، وجواز شربه وبيعه وعدمهما . وفصّل بعضهم بين العصير العنبي والتمري وحكم بنجاسة الأول وطهارة الثاني ، وتحقيق ذلك وتفصيله في كتاب الطهارة ، ووجهة الكلام هنا في خصوص البيع فقط ، والظاهر جوازه.
ولنمهّد لبيان ذلك مقدّمة ، وهي أنه لا إشكال في أنّ العصير العنبي سواء على أم لم يغل من الأموال المهمّة في نظر الشارع والعرف ، وعليه فلو أتلفه أحد ضمن قيمته لمالكه ، كما أنه لو أغلاه الغاصب فإنه يضمنه بنقصان قيمته إذا كان الغليان موجباً للنقص ، كأن أُخذ للتداوي في غير أوان العنب ، فإنه لا قصور في شمول دليل اليد لذلك مع قيام السيرة القطعية عليه . وإن كان غليانه لا يوجب نقصان قيمته ، أو كان سبباً لزيادتها فلا وجه للضمان ، كأن أُخذ للدبس ونحوه فغصبه الغاصب فأغلاه والوجه في ذلك هو أنّ الغاصب وإن أحدث في العصير المغصوب وصفاً جديداً، إلّا أنّ تصرّفه هذا لم يحدث عيباً في العصير ليكون موجباً للضمان ، بل صار وسيلة لازدياد القيمة.
ومن هنا ظهر لك ضعف قول المتن : لو غصب عصيراً فأغلاه حتى حرم و نجس لم يكن في حكم التالف ، بل وجب عليه ردّه ، ووجب عليه غرامة الثلثين وأُجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان(1)فقد عرفت عدم صحة ذلك على إطلاقه .
إذا علمت ذلك وقع الكلام في ناحيتين ، الناحية الأُولى : في جواز بيع العصير العنبي و عدمه بحسب القواعد ، والناحية الثانية : في جواز بیعه و عدم جوازه بحسب الروايات .
أمّا الناحية الأُولى : فقد يقال بحرمة بيعه إذا غلى من جهة النجاسة والحرمة وانتفاء المالية ، ولا يرجع شيء من هذه التعليلات إلى معنى محصّل .
1) المكاسب 1 : 61 .
أمّا النجاسة فإنّها لم تذكر إلّا في رواية تحف العقول(1)، والمراد بها النجاسات الذاتية ، فلا تشمل المتنجّسات، لأنّ نجاستها عرضية . ولو سلّمنا شمولها للمتنجّسات فالنهي عن بيعها ليس إلّا من جهة عرائها عن المنفعة المحلّلة ، ولا شبهة في أنّ العصير العنبي المغلي ليس كذلك ، لوجود المنافع المحلّلة فيه بعد ذهاب ثلثيه على أنّ مانعية النجاسة عن البيع ممنوعة كما تقدّم(2).
وأمّا الحرمة فقد يقال : إنّ الروايات العامة(3)المتقدّمة دلّت على وجود الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة بيعه . إلّا أنه فاسد ، فقد تقدّم أنّها ضعيفة السند وأشرنا أيضاً إلى عدم الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة بيعه . على أنّ المراد بالحرمة فيها ما يعرض على الشيء بعنوانه الذاتي الأوّلي ، فلا تشمل الأشياء المحرّمة بواسطة عروض أمر خارجي ، وإلّا للزم القول بحرمة بيع الأشياء المباحة إذا عرضتها النجاسة أو غيرها ممّا يوجب حرمتها العرضية.
وأمّا انتفاء المالية ففيه : أنّ العصير العنبي المغلي من الأموال الخطيرة في نظر الشارع والعرف ، ولذا لو أتلفه أحد لضمنه كما عرفته . على أنّ الظاهر أنّ المالية لا تعتبر في صحة المعاوضة على الشيء .
وأمّا الناحية الثانية : فقد استدل على حرمة بيعه بروايات :
منها : قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الهيثم(4): إنه « إذا تغيّر عن حاله
1) تقدّم مصدرها في أول الكتاب .
2) في ص 51 .
3) تقدّم مصدرها في أول الكتاب .
4) عن رجل عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته فيشر به صاحبه ؟ فقال : إذا تغيّر عن حاله وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه » وهي مرسلة . راجع الكافي 6 : 419 / 2 ، والتهذيب 9 : 120 / 517 والوافي 20 : 5/652 ، والوسائل 25 : 285 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 2 ح 7 .
وغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه » . فإنّ البيع من جملة الخير المنفي فلا يجوز . وفيه أولاً : أنّها رواية مرسلة ، فلا تصلح للاستناد إليها في الأحكام الشرعية .وثانياً : أنّها بعيدة عن حرمة البيع ، لظهور السؤال في حرمة الشرب فقط ، فلا تشمل البيع .
ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية أبي كهمس(1)
في رجال المامقاني 3 : 32 / فصل الكنى كهمس بالكاف المفتوحة والهاء الساكنة والميم المفتوحة والسين المهملة من أسماء الأسد ، قاله الليث . والرجل القبيح الوج-ه ع-ن اب-ن خالويه . والناقة الكوماء ، وهي العظيمة السنام عن ابن عبّاد ، نصّ على ذلك كلّه في التاج . وفي الصحاح أنّ الكهمس القصير ، وأبو حي من العرب ، وأبو كهمس كنية الهيثم بن عبدالله وظاهر النقد كونهما رجلين ، والظاهر الاتّحاد ، وهو كنية قاسم بن عبيد أيضاً ، انتهى .
أقول : في التهذيب :8 : 318/93 : أبي كهمس ، واسمه هيثم بن عبيد .
: « وإن غلى فلا يحل بيعه » فإنّ ظاهرها نفي الحلّية المطلقة ، تكليفية كانت أم وضعية ، فتدلّ على حرمة بيع العصير إذا غلى ولم يذهب ثلثاه .وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ ظهورها في غليان العصير بنفسه لا بالنار ، فتكون غريبة عمّا نحن فيه وراجعة إلى القسم الأول من العصير ، وقد عرفت
1) قال : « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن العصير فقال : لي كرم وأنا أعصره ك--ل سنة وأجعله في الدنان ، وأبيعه قبل أن يغلي ، قال : لا بأس به ، وإن غلى فلا يحل بيعه ، ثم قال : هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمراً » وهي مجهولة بأبي كهمس . راجع الكافي 5 : 232 / 12 ، والوافي 17 : 253 / 14 ، والوسائل 17 : 230 / أب--واب م-ا يكتسب به ب59 ح6 .
من بعض القدماء ومن شيخ الشريعة أنّ الطهارة والحلّية فيه لا تحصلان إلّا بصيرورته خلاً. على أنّ الظاهر من الحلّية فيها بقرينة الصدر والذيل هي التكليفية فقط، دون الوضعية وحدها أو ما هو أعم منها ومن التكليفية. إذن فالرواية ناظرة إلى حرمة بيع العصير للشرب، فإنّ إشراب النجس أو المتنجّس للمسلم حرام وأمّا حرمة بيعه للدبس ونحوه فلا يستفاد منها .
ثم لا يخفى أنّ قوله ( عليه السلام) في ذيل الرواية : « هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنه يصنعه خمراً » إنّما هو لدفع وسوسة السائل من تجويز الإمام (عليه السلام) بيع العصير قبل الغليان وإن كان المشتري ممّن يصنعه خمراً ، وسيأتي(1)في مبحث بيع العنب ممّن يجعله خمراً تعليل الإمام (عليه السلام) جواز البيع بقوله : « بعته حلالاً فجعله حراماً فأبعده الله »(2)وقد تكرّر ذلك في جملة من الروايات .
ومنها : ما في رواية أبي بصير من قوله (عليه السلام) : « إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس »(3)فإنّ منطوقها يدل على جواز ب-ي-ع الع-ص-ير ق-بل صيرورته خمراً ، ومفهومها يدل على عدم جواز البيع بعد حرمة العصير بالغليان .
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ راويها أبا بصير مشترك بين اثنين وكلاهما كوفي ومن أهل الثقة ، ومن المقطوع به أنّ بيع العصير العنبي لم يتعارف في الكوفة في زماننا هذا مع نقل العنب إليها من الخارج فضلاً عن زمان الراوي الذي
كان العنب فيه قليلاً جدّاً ، وعليه فالمسؤول عنه هو حكم العصير التمري الذي ذهب المشهور إلى حلّيته حتى بعد الغليان ما لم يصر خمراً ، فلا يستفاد من الرواية إلّا حرمة بيع الخمر وجواز بيع العصير التمري قبل كونه خمراً ، فتكون غريبة عن محل الكلام . وإن أبيت عن ذلك فلا إشكال أنّها غير مختصّة بالعصير العنبي ، فغاية الأمر أن تكون الرواية شاملة لكلا العصيرين ، إلّا أنه لابدّ من التخصيص بالتمري ، لأنّ ظاهر قوله (عليه السلام) : « وهو حلال » هو أنّ العصير قبل كونه خمراً حلال ولو كان مغلياً ، ومن الواضح أنّ هذا يختص بالتمري دون العنبي .
قوله : والظاهر أنه أراد بيع العصير للشرب من غير التثليث.
أقول : قد حكى المصنّف عن المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد(1): أنّه لو تنجّس العصير ونحوه فهل يجوز بيعه على من يستحلّه ؟ فيه إشكال . ثم ذكر المحقّق الثاني أنّ الأقوى العدم، لعموم «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (2)وقد استظهر المصنّف من كلامه هذا أنه أراد بيع العصير للشرب من غير التثليث.
إلّا أنّ الذي يظهر لنا منه أنه أراد من العصير مطلق المعتصرات كعصير الفواكه وغيره ، ويدل على أنّ هذا هو المراد من كلامه وجهان : الوجه الأول: عطف كلمة(نحوه)على العصير، فإنّ الظاهر أنّ المراد منها مطلق المائعات المضافة ، فلابدّ وأن يكون المراد من العصير مطلق المعتصرات ، إذ لا خصوصية للعصير العنبي في المقام . والوجه الثاني : تقييده جواز البيع بمن يستحل ، إذ لو كان مراده خصوص العصير العنبي فقط لكان ذلك التقييد لغواً ، لجواز بيعه من غير المستحل أيضاً ، فقد عرفت حلّيته وطهارته وجواز الانتفاع به على وجه الإطلاق بعد ذهاب ثلثيه .
ويؤيّد ذلك ما استدل به المحقّق الثاني على حرمة البيع من حرمة الاعانة على الاثم ، فإنّ العصير العنبي وإن كان يتنجّس ويحرم بمجرد الغليان ، إلّا أنه يطهر ويحل بذهاب ثلثيه ، فلا يكون بيعه من غير المستحل إعانة على الاثم ، ويستكشف من ذلك أنّ غرضه من العصير هو ما ذكرناه .
قوله : يجوز المعاوضة على الدهن المتنجّس(1).
أقول : المعروف بين الأصحاب هو جواز المعاوضة على الدهن المتنجّس لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة ، بل في الخلاف دعوى الإجماع على ذلك قال : يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء ، وقال أبو حنيفة(2): يجوز بیعه مطلقاً، وقال مالك والشافعي : لا يجوز بيعه بحال ، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(3). وعن الحنابلة أيضاً لا يجوز ، إلّا أنّ الظاهر من أخبار العامة (4).
1) المكاسب 1 : 65 .
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 عن الحنفية : يجوز أن يبيع دهناً متنجّساً ليستعمله في الدبغ والاستضاءة به في غير المسجد ، وفي ص 208 عن المالكية : لا يصح بيع المتنجّس الذي لا يمكن تطهيره ، كسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور ، وذهب بعضهم إلى الجواز . وعن الحنابلة : الدهن الذي سقطت فيه نجاسة فإنه لا يحل بيعه . وفي هامش سنن البيهقي 6 : 13 في قواعد ابن رشد : اختلفوا في الزيت النجس ونحوه بعد اتّفاقهم على تحريم أكله ، فمنعه مالك والشافعي ، وجوّزه أبو حنيفة وابن وهب إذا بيّن ، وفي نوادر الفقهاء : أجمع الصحابة على جواز بيع زيت ونحوه تنجّس بموت شيء فيه إذا بيّن ذلك .
3) الخلاف 3 : 187 .
4) راجع سنن البيهقي 9 : 354 / باب من أباح الاستصباح به
جواز ذلك ، لإطباقها على جواز الانتفاع به . بل في بعضها(1)ذكر جواز البيع صريحاً .
قوله : وجعل هذا من المستثنى عن بيع الأعيان النجسة .
أقول : حاصل كلامه : أنّ مسألة المعاوضة على الدهن للاستصباح إنّما يمكن جعلها من المستثنى من حرمة بيع الأعيان النجسة إذا قلنا بحرمة الانتفاع بالمتنجّس إلّا ما خرج بالدليل ، أو قلنا بحرمة بيع المتنجّس وإن جاز الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة ، وإلّا فيكون الاستثناء منقطعاً ، لعدم دخول بيع الدهن المتنجّس ولا غيره من المتنجّسات القابلة للانتفاع بها في المستثنى منه ، وقد تقدّم(2)أنّ المنع عن بيع النجس فضلاً عن المتنجّس ليس إلّا من حيث حرمة المنفعة المقصودة ، فإذا فرض حلّها فلا مانع من البيع .
وفيه أولاً : أنّه قد تقدّم مراراً عديدة أنّ النجاسة بما هي نجاسة لا تمنع ع--ن البيع إلّا إذا استلزمت حرمة الانتفاع بالنجس من جميع الجهات ، وقد اعترف المصنّف هنا وفي مسألة بيع الميتة بالحكم الأول ، وقد تقدم أيضاً (3)أنّ النجاسة لا تمنع عن الانتفاع بالنجس لو كان له نفع محلّل ، بل وستعرف(4)أنّ مقتضى الأصل إنّما هو جواز الانتفاع بالأعيان النجسة فضلاً عن المتنجّسات . إذن فلا مناص عن كون الاستثناء منقطعاً لا متصلاً.
وثانياً : أنّا لا نعرف وجهاً لابتناء كون الاستثناء متصلاً على حرمة الانتفاع بالمتنجّس ، إذ العنوان في المستثنى والمستثنى منه إنّما هو حرمة بيع النجس أو المتنجّس من حيث هما كذلك ، ولم يقيّد بحرمة الانتفاع بهما ، نعم يجوز تعلیل جواز البيع أو حرمته بجواز الانتفاع بهما أو حرمته ، وعليه فتكون حرمة الانتفاع بهما من علل التشريع لحرمة بيعهما ومن قبيل الواسطة في الثبوت لذلك ، وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ القاعدة الأولية تقتضي جواز بيع الدهن المتنجّس بلا احتياج إلى الروايات ، كما إنّها تقتضي حرمة بيعه وعدم جواز الانتفاع به لو قلنا بمانعية النجاسة عن البيع وعدم جواز الانتفاع بالمتنجّس.
وثالثاً : أنّ جعل المصنّف المعاوضة على الأعيان المتنجّسة من جملة المسائل الثمانية وإن كان يقتضي اتّصال الاستثناء وشمول المستثنى منه للنجس والمتنجّس كليهما ، إلّا أنّ تخصيصه الكلام في عنوان هذه المسائل الثمانية بالاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني يقتضي انقطاع الاستثناء، سواء قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجّس أم لم نقل ، وعليه فذكر مسألة المعاوضة على الأعيان المتنجّسة في عداد المعاوضة على الأعيان النجسة من باب الاستطراد .
تأسيس : لا يخفى أنّ الروايات الواردة في بيع الدهن المتنجّس على طوائف الأُولى : ما دل على جواز بيعه مقيّداً بإعلام المشتري(1)
أبو بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه ، فقال : إن كان جامداً فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بق ، وإن كان ذائباً فأسرج به وأعلمهم إذا بعته » وهي مجهولة بالحسن بن رباط . راجع الوسائل 17 : 98 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح 4 ، 3 ، والتهذيب :7 : 129 / 562 ، والوافي 17 : 284 / 23 ،24.
قرب الإسناد [ : 128 / 448 ] باسناده عن إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سأله سعيد الأعرج السمان وأنا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفارة فتموت ، كيف يصنع به ؟ قال : أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج » الخبر . وهي ضعيفة بمحمد بن خالد . راجع الباب المتقدّم من الوسائل ح5 .
. الثانية : ما دل على جواز1) ابن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك ؟فقال : بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » . وهي موثّقة بالحسن بن محمد بن سماعة.
البيع من غير تقييد بالإعلام ، كرواية الجعفريات الدالّة على جواز بيع الده-ن المتنجّس لجعله صابوناً(1)
أقول : قد أشرنا مراراً عديدة إلى وثاقة كتاب الأشعثيات المسمّى بالجعفريات ، ولكن تبيّن أخيراً لسيدنا الأستاذ(أدام الله أيّام إفاضاته) أنّ الوجوه التي استند إليها القائلون باعتبار الكتاب لا تخرجه عن الجهالة ، فإنّ من جملة رواته موسى بن إسماعيل ، وهو مجهول الحال في كتب الرجال ، ومهما بالغ المحدّث النوري [ في المستدرك 19 (الخاتمة (1) : 25 ] في اعتباره وتوثيق رواته ، إلّا أنّ ما أفاده لا يرجع إلى معنى محصل تركن إليه النفس ، ويطمئن ب-ه القلب .
.الثالثة : ما دلّ على عدم جواز بیعه مطلقاً(2)
الجعفريات : 47 / 121 عن علي (عليه السلام) قال : « وإن كان شيئاً مات في الإدام وفيه الدم في العسل أو في الزيت أو في السمن ... إن كان ذائباً فلا يؤكل ، يسرج ب-ه ولا يباع » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل . راجع المستدرك 13 : 71 / أبواب ما يكتسب به ب 6 ح1 .
دعائم الإسلام [ 1 : 122 ] عنهم (عليهم السلام) « إذا وقعت - الدابة - فيه - الإدام - فماتت لم يؤكل ، ولم يبع ، ولم يشتر » وهي ضعيفة . راجع الباب المتقدّم من المستدرك ح 5 .
.1) الجعفريات [ 47 / 122 ] باسناده عن علي (عليه السلام) « أنه سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت ، قال : الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابوناً » وعن الراوندي مثله . راجع المستدرك 13 : 72 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح2 ، 7 .
2) قرب الإسناد [ : 261 / 1033 ] عن علي بن جعفر عن أخيه ، قال :« سألته عن حب دهن ماتت فيه فارة ، قال : لا تدهن به ، ولا تبعه من مسلم » وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن . راجع الوسائل 17 : 100 / أبواب ما يكتسب به ب7ح 5 .
ومقتضى القاعدة تخصيص الطائفة الثالثة الدالّة على عدم الجواز بما دل على جواز البيع مع الإعلام ، وبعد التخصيص تنقلب نسبتها مع الطائفة الثانية الدالّة على جواز البيع مطلقاً فتكون مقيّدة لها لا محالة ، فيحكم بجواز بيعه مع الإعلام دون عدمه ، وعلى هذا فيجب الإعلام بالنجاسة مقدّمة لذلك.
ولا يخفى أنّ وجوب الإعلام على ما يظهر من دليله إنّما هو لأجل أن لا يقع المشتري في محذور النجاسة ، إذ قد يستعمل الدهن المتنجّس فيما هو مشروط بالطهارة لجهله بالحال، وعليه فلو باع المتنجّس الذي ليس من شأنه أن يستعمل فيما يشترط بالطهارة كاللحاف والفرش فلا يجب الإعلام فيه.
قوله : منها الصحيح عن معاوية بن وهب .
أقول : لا دلالة في الرواية على جواز البيع ولا على عدمه ، بل هي دالّة على جواز إسراج الزيت المتنجّس.
قوله : وزاد في المحكي عن التهذيب .
أقول : بعد ما نقل الشيخ (رحمه الله) رواية ابن وهب المشار إليها الدالّة على جواز إسراج الزيت المتنجّس قال : وقال في بيع ذلك الزيت : تبيعه وتبيّنه لم-ن
اشتراه ليستصبح به(1)فأشار به إلى رواية أُخرى لابن وهب ، وهي الرواي--ة المتقدّمة الدالّة على جواز بيع ذلك الزيت مع الإعلام. إذن فلا وجه لج-ع-ل ه-ذه العبارة رواية كما صنعه المصنّف ، وإنّما هي من كلام الشيخ (رحمه الله) .
قوله : ومنها الصحيح عن سعيد الأعرج .
أقول : الرواية للحلبي ، وهي أيضاً دالّة على الإسراج ، فلا إشعار فيها بحكم البيع بوجه .
عدم اشتراط الاستصباح فى صحة بيع الدهن المتنجّس
قوله : إذا عرفت هذا فالإشكال يقع في مواضع : الأول .
أقول : ما قيل أو يمكن أن يقال في حكم بيع الدهن المتنجّس وجوه ب--ل أقوال، الأول : جواز بيعه على أن يشترط على المشتري الاستصباح ، كما استظهره المصنّف من عبارة السرائر(2). الثاني : جوازه مع قصد المتبايعين الاستصباح وإن لم يستصبح به بالفعل ، كما استظهره المصنّف من الخلاف (3).الثالث : جواز بيعه بشرط أن لا يقصد المتبايعان في بيعه المنافع المحرّمة وإن كانت نادرة، سواء قصدا مع ذلك المنافع المحلّلة أم لا . الرابع : صحة بيعه مع قصد المنفعة المحلّلة إلّا إذا كانت شائعة ، فلا يعتبر في صحة البيع ذلك القصد . الخامس : جواز بيعه على وجه الإطلاق من غير اعتبار شيء من القيود المذكورة . السادس : اشتراط تحقق الاستصباح به خارجاً في
جواز بيعه ، كما استظهره المحقّق الإيرواني(1)م-ن عبارتي الخلاف والسرائر وجعلهما أجنبيتان عمّا ذكره المصنّف (رحمه الله) .
وقد اختار في المتن الوجه الرابع في مطلع كلامه ، وقال : يمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح ، واختار الوجه الثالث في آخر كلامه ، وقال : نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرّمة . والذي تقتضيه القواعد مع الإغماض عن الرواي-ات ه-و الوجه الخامس . ولنبدأ بذكر ما اختاره المصنّف ، وذكر ما يرد عليه من الإشكال وسيظهر من ذلك وجه القول المختار .
فنقول : ملخّص كلامه : أنّ مالية الأشياء عند العرف والشرع إنّما هي باعتبار منافعها المحلّلة الظاهرة المقصودة منها ، لا باعتبار مطلق الفوائد ولو كانت غير ملحوظة فى ماليتها أو كانت نادرة الحصول، ولا باعتبار المنافع الملحوظة إذا كانت محرّمة ، وعليه فإذا فرض أنّ الشيء لم تكن له فائدة محلّلة ملحوظة في ماليته ف--لا يجوز بيعه ، لا مطلقاً لانصراف الإطلاق إلى كون الثمن بازاء المنافع المقصودة منه والمفروض حرمتها ، فيكون أكلاً للمال بالباطل. ولا مع قصد الفائدة المحلّلة النادرة فإنّ قصدها لا يوجب المالية المالية مع حرمة منفعته الظاهرة ، نعم لو دل نص خارجي على جواز بيعه - كما فيما نحن فيه - لوجب حمله على ما إذا قصد المتبايعان المنفعة النادرة ، فإنّها وإن لم توجب المالية بحسب نفسها ، ولكن توجبها بحكم الشارع ، فلا يكون أكلاً للمال بالباطل . كما أنّ حكمه قد يوجب سلب المالية في بعض الأحيان كما في الخمر والخنزير ، فيكون أكل المال في مقابلهما أكلاً له بالباطل ، وهكذا لو لم تقصد المنفعة النادرة في الصورة المتقدّمة، فإنّ المال في هذه الصورة يقع في مقابل المنفعة الظاهرة المحرّمة .
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 49 .
وفيه : أنّ جميع الأدهان ولو كانت من العطور مشتركة في أنّ الاطلاء والاستصباح بها أو جعلها صابوناً من منافعها المحلّلة الظاهرة ، وأنّها دخيلة في مالية الدهن ، غاية الأمر أنّ تفوّق بعض منافعها كالأكل فيما قصد منه أكله ، والشم فيما قصد منه شمّه أوجب لها زيادة في المالية ، وأوجب إلحاق المنافع الأُخر المغفول عنها بالمنافع النادرة وإن كانت في نفسها من المنافع الظاهرة ، لأنّ اختلاف المرتبة في المنفعة بمجرده لا يجعل المرتبة النازلة من المنافع نادرة في حدّ ذاتها وإن خفيت في نظر أهل العرف ، وعليه فالمرتفع من منافع الدهن إذا تنجّس إنما هو خصوص إباحة أكله ، وأمّا ما سواها من المنافع فهو باقٍ على حاله .
وعلى الجملة : انتفاء بعض المنافع الظاهرة المعروفة عن الأشياء ، كذهاب رائحة الأدهان العطرية ، وعروض حرمة الأكل لما قصد منه أكله من الأدهان ، لا يوجب انتفاء ماليتها بالكلّية ، بل هي موجودة فيها باعتبار منافعها الأُخر الظاهرة وإن كانت غير معروفة .
ومن هنا يتوجّه الحكم بالضمان إذا غصبها غاصب أو أتلفها متلف ، للسيرة القطعية العقلائية ، ولدليل اليد ، إذن فلا وجه لجعل الاستصباح من المنافع النادرة للدهن ، بل هو كغيره من المنافع الظاهرة ، فإن اعتبر قصدها في صحة البيع اعتبر مطلقاً ، وإن لم يعتبر ذلك لم يعتبر مطلقاً.
وأمّا المنافع النادرة للشيء فإنّها لا توجب ماليته ، فكيف يقال باعتبار قصدها في صحة بيعه ، ولا نظن أنّ أحداً يلتزم بمالية الكوز المصنوع من الطين المتنجّس بلحاظ الانتفاع بخزفه في البناء، على أنه لا دليل على اعتبار أصل القصد وجوداً وعدماً في صحة البيع .
قوله : نعم يشترط عدم اشتراط المنفعة المحرّمة .
أقول : أشار به إلى الوجه الثالث . ويرد عليه : أنّ مالية الأشياء قائمة بها بما لها
من المنافع حسب رغبات العقلاء ، إذ الرغبة فيها لا تكون إلّا لأجل منافعها فالمنافع المترتّبة عليها من قبيل الجهات التعليلية ، بمعنى أنّ رغبة العقلاء فيها ليس إلّا لأجل منافعها الموجودة فيها ، وحينئذ فبذل المال إنّما هو بأزاء نفس العين فقط وعلّة ذلك البذل هي المنافع ، وعليه فلو قصد البائع المنفعة المحرّمة لم يلزم منه بطلان البيع ، فقد عرفت أنّ مالية الأشياء قائمة بذواتها، وأنّ المنافع المترتّبة عليها من قبيل العلل والدواعي ، فحرمة بعض المنافع لا توجب حرمة المعاملة على الأشياء إذا كانت حلالاً بلحاظ المنافع الأُخر ، ومثال ذلك صحة بيع العنب ممّن يجعله خمراً وسيأتي البحث فيه .
وبعبارة واضحة : الثمن إنّما يقع بازاء العين دون المنافع ، غاية الأمر أنّ ترتّب المنفعة عليها غاية للشراء وداع إليه ، فحرمة المنفعة المشروطة عليه لا توجب بطلان البيع ما لم يكن الثمن بازائها . وممّا يدّلنا على ذلك أنه إذا استو فى المشتري منافع المال الأُخرى غير هذه التي اشترطت عليه في البيع ، أو التي انصرف إليها الإطلاق لم يبطل البيع ، ولا يكون هذا التصرف منه بغير استحقاق .
و ممّا ذكرناه تجلّى أنّ أكل الثمن في مقابله ليس أكلاً للمال بالباطل كما في المتن فإنه مضافاً إلى ما تقدّم من كون الآية(1)أجنبية عن شرائط العوضين ، وإنّما هی ناظرة إلى حصر المعاملات الصحيحة بالتجارة عن تراض وناهية عن الأسباب الباطلة لها ، أنّ اشتراط المنفعة المحرّمة لا يوجب كون الثمن بازائها ، لكي يكون أكل المال في مقابلها أكلاً له بالباطل ، إذ الشروط لا تقابل بالثمن ، وسيأتي ذلك في مبحث الشروط(2)إن شاء الله .
قوله : وإلّا فسد العقد بفساد الشرط .
أقول : يرد عليه أنّ العقد لا يفسد باشتراط الشرط الفاسد فيه ، وقد اختاره المصنّف في باب الشروط(1)، والوجه فيه : أنّ الالتزام الشرطي أمر آخر وراء الالتزام العقدي ، فلا يستلزم فساده فساد العقد ، وعليه فلا وجه للالتزام ببطلان العقد في المقام باشتراط المنفعة المحرّمة فيه ، لأنّه من صغريات الكبرى المذكورة .
قوله : بل يمكن القول بالبطلان بمجرد القصد وإن لم يشترط في متن العقد.
أقول : يرد عليه ما ذكرناه سابقاً من أنّ بذل المال إنّما هو بإزاء نفس العين والمنافع المترتّبة عليها من قبيل الجهات التعليلية . ثم لنسلّم أنّا قد التزمنا ببطلان العقد باشتراط المنفعة المحرّمة . فلا مجال للالتزام بالبطلان بمجرد القصد بعد ما لم يكن مذكوراً في العقد ، إذ لا عبرة بالقصد الساذج إذا لم يكن شرطاً في ضمن العقد . وقد انجلى ممّا حقّقناه بطلان سائر الوجوه والأقوال بأجمعها . هذا كلّه بحسب ما تقتضيه القواعد .
وأمّا بحسب الروايات فقد يقال بلزوم قصد الاستصباح في بيع ذلك الدهن لقول الصادق (عليه السلام) في رواية ابن وهب : «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به .»(2). ولقوله ( عليه السلام) في رواية إسماعيل بن عبد الخالق : « أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج »فإنّهما ظاهرتان في تقييد جواز البيع بقصد الاستصباح . بل بالغ بعضهم وقال : إنّ الرواية الثانية صريحة في ذلك بدعوى حصر جواز البيع فيها بصورة الشراء للإسراج فقط.
وفيه أولاً : أنّ الرواية الثانية ضعيفة السند كما تقدّم .
وثانياً : أنّ الظهور البدوي في الروايتين وإن كان ذلك ، ولكن الذي يظهر بعد التأمّل في مدلولهما هو أنّ الاستصباح والإسراج من فوائد التبيين ومتفرّعاته ، وقد أُخذ غاية لذلك لكي لا يقع المشتري في محذور النجاسة باستعماله الدهن المتنجّس فيما هو مشروط بالطهارة كالأكل ونحوه ، إذن فلا دلالة في الروايتين على أنّ اعتبار قصد الاستصباح من شرائط البيع .
وثالثاً : أنّ التوهّم المذكور مبني على جعل الأمر بالبيان في الروايتين للإرشاد إلى الاستصباح بالدهن، وليس كذلك، لأنّ الأوامر والنواه-ي إنم-ا تح-م-ل ع-لى الإرشاد إذا اكتنفت بالقرائن الصارفة عن ظهور الأمر في الوجوب ، وعن ظهور النهي في التحريم ، سواء أكانت القرائن حالية أم مقالية ، وسواء أكانت عامة أم خاصّة ، كالأوامر والنواهى المتعلّقة بأجزاء الصلاة وشرائطها ، وكالأوامر والنواهي الواردة في أبواب المعاملات ، كقوله تعالى : «أَوْفُوا بِالْعُقُودِهِ»(1)، وكالنهي عن بيع ما ليس عندك(2)، والنهي عن بيع الغرر(3)، وسيأتي البحث عنها في مواضعها (4)، وأمّا فيما نحن فيه فلا قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الأمر بالبيان في الوجوب النفسي وحمله على الإرشاد .
قوله : كما يومئ إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية وبيعها .
أقول : وجه الإيماء دلالتها على بطلان بيع الجارية المغنية إذا كان لأجل الغناء فتكون مؤيّدة لما ذكره من كون قصد المنفعة المحرّمة موجباً لبطلان البيع وإن لم
يشترط في ضمن العقد ، وسيأتي الكلام في تلك الروايات(1).
قوله : في رواية الأعرج المتقدّمة.
أقول : ليست الرواية للأعرج، وليس متنها هو الذي ذكره المصنّف (رحمه الله) وقد عرفت ذلك في أوّل المسألة(2).
قوله : الثاني : أنّ ظاهر بعض الأخبار وجوب الإعلام .
أقول : قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن وعدم وجوبه ، وعلى الأول فهل يجب مطلقاً أو فيما إذا كان المشتري بصدد الاستعمال للدهن فيها هو مشروط بالطهارة ؟ وعلى التقديرين فهل الوجوب المذكور نفسي ، أم شرطي بمعنى اعتبار اشتراطه في صحة البيع ؟ وجوه ، المصرّح به في كلامهم هو الوجوب مطلقاً ، وقد تقدّم في عنوان المسألة نقل صاحب الحاشية على سنن البيهقي عن بعض العامّة دعوى الإجماع على ذلك ، واستشهد على ذلك أيضاً بما نقله من الرواية(3).
ثم لا يخفى أنّ موضوع البحث في الإشكال السابق يرجع إلى اشتراط البيع بالاستصباح أو بقصده ، وأمّا هنا فموضوع البحث متمحّض في بيان وجوب الإعلام وعدم وجوبه ، مطلقاً أو في الجملة ، نفسياً أو شرطياً . إذن فالنسبة بينهما هي العموم
من وجه ، لأنه قد يكون البيع للاستصباح مع جهل المشتري بالنجاسة ، وقد يبيعه لغرض آخر غير الاستصباح مع الإعلام بها ، وقد يجتمعان بأن يبيعه للاستصباح مع الإعلام بها ، وعليه فدعوى اتّحاد الشرطين مجازفة .
قوله : الذي ينبغي أن يقال : إنّه لا إشكال في وجوب الإعلام .
أقول : ظاهر كلامه أنّا إذا اعتبرنا الشرط السابق في بيع الدهن المتنجّس فلا مناص لنا عن القول بوجوب الإعلام بنجاسته ، لتوقّف قصد الاستصباح أو اشتراطه على العلم بها ، وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر . وفيه : أنّ كلاً من الأمرين مستقل بنفسه لا يرتبط بالآخر ، نعم قد يجتمعان ، لما عرفته من النسبة المذكورة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه ربما يقال بأنّ الإعلام بنجاسة الدهن واجب شرطي للبيع ، لقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير(1): « وأعلمهم إذا بعته » . وفيه : أنّ ظهور الرواية في ذلك وإن كان لا ينكر ، ولكن يجب رفع اليد عنه ، لقوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل(2): «أمّا الزيت فلا تبعه إلّا لمن تبيّن له » ولقوله (عليه السلام) في رواية ابن وهب(3): «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به » إذ الأمر بالبيان فيهما ظاهر في الوجوب النفسي ، ولا يجوز المصير إلى إرادة الوجوب الشرطي منه إلّا بالقرينة ، وهي هنا منتفية ، وهكذا الحال في مطلق الأوامر .
على أنّا وإن قلنا بظهور الأمر بالبيان في الوجوب الشرطي ابتداء ، فإنّ رواية ابن وهب ظاهرة في الوجوب النفسي لوجهين :
الأول : أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها : « بعه وبيّنه لمن اشتراه » أنّ الإعلام بالنجاسة إنّما هو بعد وقوع البيع وتحقّقه كما يقتضيه التعبير بالماضي بقوله (عليه السلام) : « لمن اشتراه » . ومن الواضح جدّاً أنّ البيان بعد البيع لا يكون من شرائطه إلّا بنحو الشرط المتأخّر ، وهو في نفسه وإن كان جائزاً كما حقّق في علم الأُصول(1)، ولكن لم يقل به أحد في المقام ، وعليه فلا محيص عن إرادة الوجوب النفسي من الأمر بالبيان في الرواية ، إذ ليس فيها احتمال ثالث .
الثاني : أنّ الاستصباح قد جعل فيها غاية للبيان وفائدة له ، وليس هذا إلّا لبيان منفعة ذلك الدهن ومورد صرفه لئلّا يستعمل فيها هو مشروط بالطهارة ، وإلّا فلا ملازمة بينهما بوجه من الوجوه الشرعية والعقلية والعادية ، وهذا المعنى كما ترى لا يناسب إلّا الوجوب النفسي ، ويختص وجوب الإعلام بصورة التسليم ، فلا يجب مع عدمه ، أو مع العلم بأنّ المشتري لا ينتفع به في غير الاستصباح ونحوه ممّا هو غير مشروط بالطهارة .
فتحصّل : أنّ بيع الدهن المتنجّس مشروط بالإعلام ، فيكون من صغريات ما ورد في الحديث(2): « إنّ شرط الله قبل شرطكم » فلا يجوز البيع بدون الإعلام .
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 (موسوعة الإمام الخوئي 44) : 135 .
2) المروي في التهذيب :: 164/51 عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال :« قضى علي (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتّخذ عليها سرية فهي طالق ، فقضى في ذلك : أنّ شرط الله قبل شرطكم ، فإن شاء وفى لها بالشرط ، وإن شاء أمسكها واتّخذ عليها ونكح عليها » .وهي موثّقة بعلي بن الحسن بن فضّال الوسائل 22 : 35 / أبواب مقدّمات الطلاق ب13 ح 2 .
قوله : ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الأخبار .
أقول : لمّا كان بيع الدهن المتنجّس من المسلم قد يوجب إلقاء له في الحرام الواقعي حكم بحرمته في الشريعة المقدّسة ، فإنّه يستفاد من مذاق الشارع حرمة إلقاء الغير في الحرام الواقعي .
ويدلّ على صدق هذه الكبرى الكلّية مضافاً إلى ما ذكرناه من وج-وب الإعلام ما ورد في الأخبار الكثيرة في مواضع شتّى ، الدالّة على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرّمات .
منها : ما دلّ على حرمة الإفتاء بغير علم ، ولحوق وزر العامل به بالمفتي(1)
وفي سنن البيهقي 10 : 116 عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من قال علي ما لم أقل فليتبوأ بيتاً في جهنّم ، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه».
أقول : قد تواترت الروايات من الفريقين على ذلك ، ولكن خالفها أهل السنّة في أُصولهم وفروعهم .
فإنّ ثبوت ذلك عليه واستحقاق العقوبة الإلهية والمهلكة الأبدية إنّما هو لوجهين :أحدهما : افتراؤه على الله ، وهو بالضرورة من المحرّمات الذاتية والمبغوضات الإلهية ، وقد توافق العقل والنقل على حرمته . وثانيهما : التغرير والتسبيب وإلقاء المسلم في الحرام الواقعي ، وهو أيضاً حرام في الشريعة المقدّسة .
ومنها : ما دلّ على ثبوت أوزار المأمومين وإثمهم على الإمام في تقصير نشأ
1) أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وزر من عمل بفتياه » وهي صحيحة . راجع الكافي 1 : 42 / 3 ، والوسائل 27 : 20 / أبواب صفات القاضي ب 4 ح 1 ، والوافي 1 : 190 / 3 ، والتهذيب 6: 223 / 531 .
من تقصير الإمام(1)، فيدل على حرمة تغرير الجاهل بالحكم وإلقائه في الحرام الواقعي .
ومنها : الروايات المتضمّنة لكراهة إطعام الأطعمة والأشربة المحرّمة للبهيمة(2)
وفي المستدرك 17 : 51 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 6 ح 1 عن دعائم الإسلام 2 : 133 / 471 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « أنّه نهى أن تسقى الأطفال والبهائم ، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) : الإثم على من سقاها » وهي ضعيفة .
1) [ففي البحار عن ] كتاب الغارات باسناده عن كتاب علي (عليه السلام) : « كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر : انظر يا محمد صلاتك كيف تصلّيها لوقتها ، فإنّه ليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاته نقص إلّا كانت عليه ، ولا ينقص ذلك م-ن صلاتهم». قال المجلسي ( رحمه الله ) : في رواية ابن أبي الحديد : « ... وانظر يامحمّد صلاتك كيف تصلّيها ، فإنّما أنت إمام ، ينبغي لك أن تتمّها وأن تخفّفها وأن تصلّيها لوقتها ، فإنّه ليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلّا كان إثم ذلك عليه ، ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئاً » . ورواه في تحف العقول هكذا : « ثم انظر صلاتك كيف هي ، فإنّك إمام وليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلّا كان عليه أوزارهم ، ولا ينقص من صلاتهم شيء ، ولا يتمّها إلّا كان له مثل أُجورهم ، ولا ينقص من أُجورهم شيء » . وهي مجهولة بالحسن بن إبراهيم وعباية وغيرهما . راجع البحار 85 : 92 / 58 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 6 : 71 . وتحف العقول : 41 ، ويظهر ذلك من جملة من رواي--ات الع--امة منها : ما عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « من أمّ الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ، ومن نقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم » . راجع سنن البيهقي 3 : 127 .
2) ففي الكافي والتهذيب عن غياث عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره أن تسقى الدواب الخمر » . وهي موثّقة بغياث بن إبراهيم . وفي التهذيب عن أبي بصير بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن البهيمة البقرة وغيرها تسقی أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه ، أيكره ذلك ؟ قال : نعم يكره ذلك » وهي ضعيفة بالحسن بن علي بن أبي حمزة . راجع التهذيب 9 : 496/114 ، 497 ، والوسائل 25 :308 / أبواب الأشربة المحرمة ب 10 ح 4 ، 5 ، والكافي 6 : 430 / 7 ، والوافي 20 : 302/685 .
فقد استشعر منها المصنّف حرمة ذلك بالنسبة إلى المكلّف(1)، فتكون مؤيّدة للمدّعى .
وفيه : أنّا إذا قلنا بالتعدّي عن مورد الروايات ثبتت الكراهة أو الكراهة المغلّظة في ذلك بالنسبة إلى المكلّف بالأولوية القطعية ، وأمّا الحرمة فلا .
ومنها : ما دلّ على ضمان الإمام صلاة المأمومين إذا صلّى بهم جنباً أو على غير طهر(2)، ومعنى الضمان هنا هو الحكم بوجوب الإعادة على الإمام دون المأمومين ، وتحمّله كل وزر يحدث على المأمومين من جهة النقص إذا كان عالماً .
ومنها : ما دل على حرمة سقي الخمر للصبي والكفّار ، وأنّ على الساقي كوزر من شربها(3)
وفي المستدرك 17 : 51 / أبواب الأشربة المحرّمة ب 6 ح 3 عن جامع الأخبار [ 427 / 26 فصل 113 ] عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنه قال في حديث في الخمر : « ألا ومن سقاها غيره يهودياً أو نصرانياً أو امرأة أو صبياً أو من كان من الناس فعليه كوزر م-ن شربها » .
، وإذا كان التسبيب والتغرير بالإضافة إلى الصبي والكفّار حراماً فهو1) المكاسب 1 : 74 .
2) عن معاوية بن وهب قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أي-ضمن الإمام صلاة الفريضة ؟ فإنّ هؤلاء يزعمون أنه يضمن ، فقال : لا يضمن ، أي شيء يضمن ؟ إلّا أن يصلّي بهم جنباً أو على غير طهر » وهي صحيحة . راجع التهذيب 3 : 277 / 813 ، والوسائل 8: 373 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح6 ، والوافي 8 : 1252 / 4 .
3) في عقاب الأعمال : 336 باسناده عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث : « ومن سقاها أي الخمر- يهودياً أو نصرانياً أو صابياً أو من كان من الناس فعليه كوزر من شربها »وهي مجهولة ، لجهالة كثير من رواتها ، کموسی بن عمران ، ويزيد بن عمر ، وغيرهما. وفي الخصال : 635 باسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال : « من سقى صبياً مسكراً وهو لا يعقل حبسه الله (عزّوجلّ) في طينة خبال » وهي ضعيفة بالقاسم بن يحيى . ومثله في سنن البيهقي 8 : 288 ، وفيه قيل : وما طينة الخبال يارسول الله ؟ قال : صديد أهل النار . راجع الوسائل 25 : 309 / أبواب الأشربة المحرمة ب 10 ح 7، 6 .
أولى بالحرمة في غير الصبي والكفّار .
ومنها : الأخبار الآمرة باهراق المائعات المتنجسة ، وسيأتي التعرّض لها في حكم الانتفاع بالمتنجّس(1).
ومنها : الأخبار الدالّة على حرمة ارتكاب المحرّمات ، فإنّه لا فرق في إيجاد المحرّم بين الإيجاد بالمباشرة أو بالتسبيب .
ويؤيّد ما ذكرناه ما ورد في جواز بيع العجين المتنجّس من مستحل الميتة(2)
1) في ص 206 .
2) في الوافي 19 : 117 / 7 عن ابن محبوب عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا قال : وما أحسبه إلّا حفص بن البختري ، قال : « قيل لأبي عبدالله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس ، كيف يصنع به ؟ قال : يباع ممّن يستحل الميتة » وهي صحيحة لو كان المراد ببعض أصحابنا هو حفص بن البختري كما هو الظاهر ، وإلّا فهي مرسلة . ثم إنّ صاحب الوسائل قد أخرجها في 1 : 242 / أبواب الأسآر ب 11 ح1 و 17 : 100 / أبواب ما يكتسب به ب37 ، ولكن المذكور في الموضع الثاني على ما هو الموجود في نسخة عين الدولة لا يخلو عن الاشتباه من حيث المتن والسند.
دون غيره ، وما ورد من الأخبار الدالّة على حرمة بيع المذكّى المختلط بالميتة ، وأنه يرمى بهما إلى الكلاب ، وقد تقدّم ذكرها في مبحث بيع الميتة(1)، وما يدل على جواز إطعام المرق المتنجّس لأهل الذمّة أو الكلاب ، وقد تقدّم ذلك أيضاً في المبحث المذكور .
قوله : ويؤيّده أنّ أكل الحرام وشربه من القبيح ولو في حقّ الجاهل .
أقول : توضيح كلامه : أنّ الأحكام الواقعية كما حقّق في محلّه(2)ليست مقيّدة بعلم المكلّفين ، وإلّا لزم التصويب المستحيل أو الباطل، فالأحكام الواقعية وملاكاتها شاملة لحالتي العلم والجهل، ثم إنّ غرض الشارع من بعث المكلّفين نحوها وتكليفهم بها ليس إلّا امتثالها بالإتيان بالواجبات وترك المحرّمات ، حتى لا يوجد ما هو مبغوض للشارع ، ولا يترك ما هو مطلوب .
ونتيجة المقدّمتين أنّ المكلّف الملتفت كما يحرم عليه مخالفة التكاليف الإلزامية من ارتكاب المحرّمات وترك الواجبات ، فكذلك يحرم عليه التسبيب إلى مخالفتها بالقاء الجاهل في الحرام الواقعي ، لأنّ مناط الحرمة في ذلك إنّما هو تفويت غرض المولى بإيجاد المفسدة وترك المصلحة الملزمتين ، وهذا المناط موجود في كلتا الصورتين . فالأدلّة الأوّلية كما تقتضي حرمة مخالفة التكاليف الإلزامية بالمباشرة فكذلك تقتضي حرمة مخالفتها بالتسبيب .
وبعبارة أُخرى : قد ذكرنا في علم الأُصول(3)في الكلام عن حديث الرفع : أنّ المرفوع عن المكلّفين عند جهلهم بالتكاليف الواقعية ليس إلّا خصوص الإلزام
الظاهري والعقاب الذي تستلزمه مخالفة الواقع ، وأمّا الأحكام الواقعية وملاكاتها فهي باقية على حالها ، وعليه فتغرير الجاهل بالأحكام الواقعية وإن لم يوجب مخالفة المغرور التكاليف الإلزامية ، إلّا أنّه يوجب تفويت غرض الشارع ، فهو حرام .
ومثال ذلك في العرف : أنّ المولى إذا نهى عبيده عن الدخول عليه في وقت خاص عيّنه لفراغه ، فإنّ نهيه هذا يشمل المباشرة والتسبيب ، ولذلك لو سبّب أحد العبيد دخول أحد على مولاه في ذلك الوقت صحٌ عقابه ، كما يصح عقابه لو دخل هو بنفسه ، لاتّحاد الملاك في كلتا الصورتين بحكم الضرورة والبديهة.
وممّا ذكرناه ظهر لك أنّ في تعبير المصنّف تسامحاً واضحاً، فإنّه أتى بلفظ القبيح بدل لفظ الحرمة، ومن الضروري أنّ القبح يرتفع عند الجهل بالتكليف ، ولا يلزمه ارتفاع الحرمة ، اللهمّ إلّا إذا أراد بالقبيح الحرمة . ولكنّه لا يرفع التسامح .
ثم إنّ الوجوه المتقدّمة إنّما تقتضي حرمة تغرير الجاهل بالأحكام الواقعية فيها إذا كان المغرور في معرض الارتكاب للحرام، وإلّا فلا موضوع للإغراء ، ويترتّب على ذلك تقييد وجوب الإعلام في بيع الدهن المتنجّس بذلك أيضاً ، فإنّه إنّما يجب فيما إذا كان المشتري في معرض الانتفاع به فيما هو مشروط بالطهارة ، وإلّا فلا دليل على وجوبه .
قوله : بل قد يقال بوجوب الإعلام وإن لم يكن منه تسبيب
أقول : قد عرفت بما لا مزيد عليه حرمة إلقاء الجاهل في الحرام الواقعي، وأمّا لو ارتكبه الجاهل بنفسه من دون تغرير ولا تسبيب من الغير فهل يجب على العالم الواقع إعلامه بالحال ؟ فيه وجهان : فعن العلّامة (رحمه الله) في أجوبة المسائل المهنّائية(1)التصريح بوجوب الإعلام ، حيث سأله السيّد المهنّا عمّن رأى في ثوب
1) أجوبة المسائل المهنّائية : 48 / مسألة 53 .
المصلّي نجاسة ، فأجاب بأنه يجب الإعلام ، لوجوب النهي عن المنكر .
ولكن يرد عليه : أنّ أدلّة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا كان صدور الفعل من الفاعل منكراً ، وفي المقام ليس كذلك ، لأنّا قد فرضنا جهل الفاعل بالواقع .
وقد يقال بعدم الوجوب في غير موارد التسبيب ، لرواية ابن بكير(1)فإنّها صريحة في عدم وجوب الإعلام بنجاسة ثوب المصلّي . وفيه : أنّ الرواية أجنبية عمّا نحن فيه ، لأنّ عدم وجوب الإعلام بالنجاسة إنّما هو لأنّ الطهارة الخبثية ليست من الشرائط الواقعية للصلاة ، وإنّما هى من الشرائط العلمية ، لأنّ تنبيه الجاهل وإعلامه ليس بواجب على العالم . ويرشدك إلى ذلك أنّ الرواية مختصة بصورة الجهل ، ولا تشمل صورة النسيان .
نعم يمكن الاستدلال عليه على وجه الإطلاق بخبرين آخرين :
الأول : خبر محمد بن مسلم(2)فإنّ الإمام (عليه السلام) نهى فيه عن الإعلام بالدم في ثوب المصلّي وقال : « لا يؤذنه حتّى ينصرف » من صلاته . ولا يرد عليه الإشكال المتقدّم في رواية ابن بكير ، فقد عرفت أنّ مورد السؤال ف-ي-ه-ا مختص
1) عن أبي عبدالله (عليه السلام) « عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه ، وهو لا يصلّي فيه فقال : لا يُعلِمه ، قلت : فإن أعلمه ؟ قال : يعيد » وهي موثّقة بعبد الله بن بكير الفطحي . راجع الوسائل 3 : 488 / أبواب النجاسات ب47 3 . ولا يخفى أنّ ذيل الرواية محمول على الإعلام قبل الصلاة ، جمعاً بينها وبين ما دلّ على عدم وجوب الإعادة فيما إذا كان بعد الصلاة .
2) عن أحدهما ( عليهما السلام) قال : « سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلّي قال : لا يؤذنه حتّى ينصرف » وهي صحيحة . راجع الكافي 3 : 406 / 8 . والوسائل الباب المتقدّم ح 1 .
بصورة الجهل بالواقع فقط ، وهذا بخلاف مورد السؤال في هذه الرواية فإنّه مطلق يشمل صورتي الجهل والنسيان ، ومن الواضح أنّ الطهارة الخبثية في صورة النسيان من الشرائط الواقعية للصلاة .
الثاني : خبر عبد الله بن سنان(1)فإنّه صريح في عدم وجوب الإعلام في صورة الجهل في غير الصلاة أيضاً، وفي هذا الخبر كفاية وإن لم يسلم الخبر السابق من الإشكال المذكور . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه فالمرجع في المقام هو أصالة البراءة ، إذ ليس هنا ما يدلّ على وجوب الإعلام لنخرج به عن حكم الأصل .
ثم إنّ هذا كلّه إذا لم يكن ما يرتكبه الجاهل من الأُمور التي اهتمّ الشارع بحفظها من كل أحد كالدماء والفروج والأحكام الكلّية الإلهية ، كما إذا اعتقد الجاهل أنّ زيداً مهدور الدم شرعاً فتصدّى لقتله وهو محترم الدم في الواقع ، أو اعتقد أنّ امرأة يجوز له نكاحها فأراد التزويج بها وكانت في الواقع محرّمة عليه ، أو غير ذلك من الموارد ، فإنّه يجب على الملتفت إعلام الجاهل في أمثال ذلك لكي لا يقع في المحذور ، بل تجب مدافعته لو شرع في العمل وإن كان فعله من غير شعور والتفات وأمّا في غير تلك الموارد فلا دليل عليه بل ربما لا يحسن ، لكونه إيذاء للمؤمن .
قوله : والحاصل : أنّ هنا أُموراً أربعة .
أقول : ملخّص كلامه : أنّ إلقاء الغير في الحرام الواقعي على أربعة أقسام :
الأول : أن يكون فعل أحد الشخصين علّة تامّة لصدور الحرام من الآخر كإكراه الغير على الحرام . وهذا ممّا لا إشكال في حرمته على المك-ره - بالكسر
1) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « اغتسل أبي من الجنابة فقيل له : قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء ، فقال له : ما كان عليك لو سكت ، ثم مسح اللمعة بيده » وهي صحيحة . راجع الكافي 3 : 45 / 15 ، والباب المتقدّم من الوسائل ح2 .
و ثبوت وزر الحرام عليه .
الثاني : أن يكون فعل أحدهما سبباً لصدور الحرام من الآخر ، كإطعام الشيء المحرّم للجاهل بحرمته . وهذا أيضاً ممّا لا إشكال في حرمته ، فإنّ استناد الفعل إلى السبب أولى من استناده إلى المباشر ، فتكون نسبة الحرام إلى السبب أولى ، كما يستقر الضمان أيضاً على السبب دون المباشر في موارد الإتلاف . ومن هذا القبيل ما نحن فيه ، أعني بيع الدهن المتنجّس ممّن لا يعلم بنجاسته من دون بيان .
الثالث : أن يكون فعل أحدهما شرطاً لصدور الحرام من الآخر ، وهذا على وجهين ، لأنّ عمل الشخص الأول تارة يكون من قبيل إيجاد الداعي للثاني على المعصية ، سواء كان بإثارة الرغبة إلى الحرام في نفس الفاعل بالتحريض والتوصيف ونحوهما ، أو بإيجاد العناد في قلبه، كسبّ آلهة الكفّار الموجب لإلقائهم في سبّ الحقّ عناداً . وأُخرى يكون من قبيل إيجاد مقدّمة من مقدّمات الحرام غير إيجاد الداعي كبيع العنب ممّن يعلم أنه يجعله خمراً .
الرابع : أن يكون من قبيل رفع المانع ، وهو أيضاً على وجهين، لأنّ حرمة العمل الصادر من الفاعل إمّا أن تكون فعلية على أي تقدير، كسكوت الشخص عن المنع من المنكر ، ولا إشكال في حرمة السكوت إذا اجتمعت شرائط النهي عن المنكر . وإمّا أن تكون غير فعلية على تقدير وجود المانع ، كسكوت الملتفت إلى الحرام عن منع الجاهل الذي يريد أن يرتكبه ، فإنّ الجاهل ما لم يلتفت إلى الحرام لا يكون ارتكابه محرّماً ليجتمع سكوت الملتفت عن المنع مع الحرمة الفعلية ، كما فيما نحن فيه ، وهذا الأخير إن كان من الأُمور المهمّة في نظر الشارع حرم السكوت ووجب رفع الحرام، وإلّا ففيه إشكال .
أقول : هذا التقسيم الذي أفاده المصنّف (رحمه الله ) لا يرجع إلى محصّل ، مضافاً إلى جريه في إطلاق العلّة والمعلول على غير ما هو المصطلح فيهما ، والمناسب في
المقام تقسيم إلقاء الغير في الحرام الواقعي على نحو يمكن تطبيقه على القواعد واستفادة حكمه من الروايات .
فنقول : إنّ الكلام قد يقع في بيان الأحكام الواقعية ، وقد يقع في إضافة فعل أحد الشخصين إلى الشخص الآخر من حيث العلّية أو السببية أو الداعوية. أمّا الأول فقد يكون الكلام في الأحكام الكلّية الإلهية ، وقد يكون في الأحكام الجزئية المترتّبة على الموضوعات الشخصية .
أمّا الأحكام الكلّية الإلهية فلا ريب في وجوب إعلام الجاهل بها ، لوجوب تبليغ الأحكام الشرعية على الناس جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة ، وقد دلّت عليه آية النفر(1)والروايات الواردة في بذل العلم وتعليمه وتعلّمه(2).
وأمّا الأحكام الجزئية المترتّبة على الموضوعات الشخصية فإن لم نقل بوجود الدليل على نفي وجوب الإعلام كالرواية المتقدّمة (3)الدالّة على صحة الصلاة في الثوب النجس جهلاً ، وأنّه لا يجب على المعير إعلام المستعير بالنجاسة - فلا ريب في عدم الدليل على وجوبه ، وعلى هذا فلو رأى أحد نجاسة في طعام الغير فإنّه لا يجب عليه إعلامه ، كما أنّه لا يجب تنبيه المصلّي إذا صلّى بالطهارة الترابية مع الغفلة عن وجود الماء عنده ، إلّا إذا كان ما ارتكبه الجاهل من الأُمور المهمّة ، فإنّه يجب إعلام الجاهل بها كما عرفت .
وأمّا الثاني : - أعني إضافة فعل أحد الشخصين إلى الشخص الآخر - فقد
1) وهي قوله تعالى في سورة التوبة 9 : 122 : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .
2) راجع الكافي 1 : 41 / باب بذل العلم ، والوافي 1 : 203 / ب 15 ، استعمال العلم .
3) في ص 187 الهامش رقم (1) .
يكون فعل أحد الشخصين سبباً لوقوع الآخر في الحرام ، وأُخرى لا يكون كذلك.
أمّا الأول : فلا شبهة في حرمته ، كإكراه الغير على الحرام ، وقد جعله المصنّف من قبيل العلّة والمعلول . والدليل على حرمته هي الأدلّة الأوّلية الدالّة على حرمة المحرّمات، فإنّ العرف لا يفرّق في إيجاد مبغوض المولى بين المباشرة والتسبيب .
وأمّا الثاني : فإن كان الفعل داعياً إلى إيجاد الحرام كان حراماً ، فإنّه نحو من إيقاع الغير في الحرام ، ومثاله تقديم الطعام المتنجّس أو النجس أو المحرّم من غير جهة النجاسة إلى الجاهل ليأكله ، أو توصيف الخمر بأوصاف مشوّقة ليشربها ، ومن هذا القبيل بيع الدهن المتنجّس من دون إعلام بالنجاسة ، وسبّ آلهة المشركين الموجب للجرأة على سبّ الإله الحقّ ، وسبّ آباء الناس الموجب لسبّ أبيه ، وقد جعل المصنّف بعض هذه الأمثلة من قبيل السبب ، وبعضها من قبيل الشرط وبعضها من قبيل الداعي ، ولكنّه لم يجر في جعله هذا على المنهج الصحيح ، وقد أُشير إلى حرمة التسبيب إلى الحرام في بعض الآيات (1)والروايات (2)
وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ رجلاً من بني تميم أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال : أوصني ، فكان ممّا أوصاه أن قال : لا تسبّوا الناس فتكسبوا العداوة منهم - بينهم - لهم » . وهي صحيحة .
.1) كقوله تعالى في سورة الأنعام 6 : 108 : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ . وفي مجمع البيان 4 : 537 قال قتادة : كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار فنهاهم الله عن ذلك ، لئلّا يسبّوا الله ، فإنّهم قوم جهلة .
2) في الكافي 2 : 360 / 4 ، 3 ، 322 / 3 ، والوافي 5 : 3/949، 4 ، 5 . والوسائل 12 : 297 / أبواب أحكام العشرة ب 158 ح 1 ، 2 عن ابن الحجاج البجلي عن أبي الحسن موسی(عليه السلام) « في رجلين يتسابّان ، فقال : البادي منهما أظلم ، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم » وهي صحيحة . وفي حسنة أخرى باختلاف في صدر السند قال (علیه السلام) : « ما لم يتعدّ المظلوم » .
وإن لم يكن الفعل داعياً إلى الحرام فامّا أن يكون مقدّمة له ، وإمّا أن لا يكون كذلك . أمّا الأول فكاعطاء العصا لمن أراد ضرب اليتيم ، فإنّ اعطاءه وإن كان مقدّمة للحرام ، إلّا أنه ليس بداع إليه ، والحكم بحرمته يتوقّف على أمرين ، الأول : كونه إعانة على الإثم ، والثاني : ثبوت حرمة الإعانة على الإثم في الشريعة المقدّسة وسيأتي الكلام على ذلك في مبحث بيع العنب ممّن يجعله خمراً(1).
وأمّا الثاني : فكمن ارتكب المحرّمات وهو بمرأى من الناس ، فإنّ رؤيتهم له عند الارتكاب ليست مقدّمة لفعل الحرام، نعم لا بأس بادخاله تحت عنوان النهي عن المنكر ، فيجب النهي عنه إذا اجتمعت شرائطه .
ولا يخفى أنّ في كلام المصنّف تهافتاً واضحاً ، حيث جعل ما نحن فيه تارة من القسم الثاني وأُخرى من القسم الرابع ، ويمكن توجيهه بوجهين :
الأول : أن يراد بالفرض الذي أدخله في القسم الثاني ه-و ف-رض الدهن المتنجّس ، فإنّ إعطاءه للغير لا يخلو عن التسبيب إلى الحرام الذي سيق هذا القسم لبيان حكمه ، وأن يراد بالفرض الذي جعله من القسم الرابع ه-و ف-رض الث-وب المتنجّس ، كما تقدّم(2)في مسألة السيد المهنّا من العلّامة عمّن رأى في ثوب المصلّي نجاسة ، فإنّ القسم الرابع لم يفرض فيه كون فعل شخص سبباً لصدور الحرام من الشخص الآخر ، بل المفروض فيه كونه من قبيل عدم المانع ، كسكوت العالم عن إعلام الجاهل ، ولا شبهة في مناسبة الثوب المتنجّس لذلك .
الوجه الثاني : أن يراد من كلامه الدهنُ المتنجّس في كلا الموردين مع الالتزام فيهما باختلاف الجهتين ، بأن يكون الملحوظ في القسم الثاني كونه تسبيباً لإيقاع الجاهل في الحرام ، والملحوظ في إلحاقه بالقسم الرابع هو الحرمة النفسية مع قطع النظر عن التسبيب .
قوله : ثم إنّ بعضهم استدلّ على وجوب الإعلام بأنّ النجاسة عيب خفي فيجب إظهارها .
أقول : أشكل عليه المصنّف (رحمه الله ) بوجهين ، الأول : أنّ وجوب الإعلام على القول به ليس مختصاً بالمعاوضات ، بل يشمل مثل الإباحة والهبة من المجانيات .
والثاني : أنّ كون النجاسة عيباً ليس إلّا لكونه منكراً واقعياً وقبيحاً ، فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة وجوب إظهار العيب ، وإلّا لم يكن عيباً فتأمّل.
أقول : إنّ ما أفاده أولاً وإن كان وجيهاً، إلّا أنّ الثاني غير وجيه ، فإنّ النجاسة لا ينكر كونها عيباً في الأعيان النجسة والمتنجّسة ، سواء كانت من القبائح الواقعية أم لم تكن ، بل ربما يوجب جهل المشتري بها تضرّره ، كما إذا اشترى الدهن المتنجّس مع جهله بنجاسته ومزجه بدهنه الطاهر ثم اطّلع عليها ، ولعلّه لذلك أمر بالتأمّل .
والذي يسهّل الخطب أنه لا دليل على وجوب إظهار العيب الخفي في المعاملات ، وإنّما الحرام هو غش المؤمن فيها كما سيأتي في البحث عن حرمة الغش(1).وعليه فالعيب الخفي إن استلزم الغش في المعاملات وجب رفع الغش وإلّا فلا دليل على وجوبه ، ومن المعلوم أنّ رفع الغش هنا لا ينحصر بإظهار العيب
1) في ص 461 وما بعدها .
الخفي ، بل يحصل بالتبرّي عن العيوب ، أو باشتراط صرفه فيما هو مشروط بالطهارة ومن هنا يعلم أنه لا وجه لتَوهّم أنّ النجاسة عيب خفي يجب إظهارها حتى لا يكون غشّاً للمسلم .
ثم إنّ وجوب الإعلام بالنجاسة فيها إذا كان المشتري مسلماً مبالياً في أمر الطهارة والنجاسة ، وأمّا إذا كان كافراً أو مسلماً غير مبال في الدين فلا يجب الإعلام ، لكونه لغواً ، وإن كان الجميع مكلّفين بالفروع كتكليفهم بالأُصول .
جواز استصباح الدهن المتنجّس تحت الظلال
قوله : الثالث : المشهور بين الأصحاب وجوب كون الاستصباح تحت السماء(1).
أقول : المشهور بين الأصحاب هو جواز الاستضاءة بالدهن المتنجّس تحت السماء ، وذهب بعضهم إلى جواز الإسراج به على وجه الإطلاق ، وذهب المشهور من العامة(2)إلى جواز الاستصباح به في غير المسجد ، ففي أطعمة السرائر : وقال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه في كتاب الأطعمة : روى أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف . وهذا يدل على أنّ دخانه نجس ، غير أنّ عندي أنّ هذا مكروه إلى أن قال : وأما ما يقطع بنجاسته فقال قوم : دخانه نجس ، وهو الذي دلّ عليه الخبر الذي قدّمناه من رواية أصحابنا ، وقال آخرون - وهو الأقوى - : إنّه ليس بنجس . وقال ابن إدريس بعده : ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال ، لأجل التعبّد ، ثم قال : ولا يجوز الادّهان به ولا استعماله في شيء من الأشياء سوى
الاستصباح به تحت السماء ، ثم قال : ما ذهب أحد من أصحابنا إلى أنّ الاستصباح به تحت الظلال مكروه ، بل محظور بغير خلاف بينهم ، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه إلّا ما ذكره هنا ، فالأخذ بقوله وقول أصحابه أولى من الأخذ بقوله المتفرّد من أقوال أصحابنا (1).
أقول : إنّ الروايات وإن استفاضت من الفريقين على جواز إسراج الدهن المتنجّس إلّا أنّها خالية عن ذكر الاستصباح به تحت السماء فقط ، وستأتي الإشارة إلى هذه الروايات المستفيضة في البحث عن جواز الانتفاع بالمتنجّس(2)، ن-ع-م استدلّ على ذلك بوجوه:
الأول : دعوى غير واحد من أعاظم الأصحاب الإجماع عليه . وفيه : أنّ دعواه في المقام مجازفة ، لمخالفة جملة من الأعاظم كالشيخ(3)والعلّامة(4)وغيرهما على أنّ الإجماع التعبّدي هنا ممنوع ، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة .
الثاني : الشهرة الفتوائية . وفيه : أنّها وإن كانت مسلّمة ، إلّا أنّها ليست بحجّة .
الثالث : مرسلة الشيخ المتقدّمة ، المنجبر ضعفها بعمل المشهور ، وهي صريحة في كون الإسراج به تحت السماء .
وفيه : أنّ من المظنون أنّها صدرت من سهو القلم ، فإنّ أصحاب الحديث لم ينقلوها في أُصولهم حتى الشيخ بنفسه في تهذيبيه ، وظاهر قوله (رحمه الله) : روی
أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء ، يقتضي كون الرواية مشهورة في المقام . فلا وثوق بوجود الرواية المذكورة ، نعم لو كانت العبارة أنه : روي أنه يستصبح به تحت السماء ، كانت حينئذ رواية مرسلة .
وإذا سلّمنا كون العبارة المذكورة رواية مرسلة ، فإنّ العمل بها لا يجوز للإرسال . وتوهّم انجبارها بعمل المشهور بها ممنوع صغرى وكبرى كما هو واضح خصوصاً مع مخالفة الشيخ (رحمه الله) فإنّه حملها على الكراهة ، ومخالفة العلّامة (رحمه الله) فإنّه أعرض عنها ، وجعل العلّة في تحريم الإسراج به تحت الظلال هي حرمة تنجيس السقف ، قال في المختلف : نعم لو كان صعود بعض الأجزاء الدهنية بواسطة الحرارة موجباً لتنجّس السقف فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال ، وإلّا فيجوز مطلقاً (1).
الرابع: ما نقلناه عن العلّامة من أنّ الاستصباح ب-ه تحت الظلال ي-وجب تنجيس السقف ، لتصاعد بعض الأجزاء الدهنية قبل إحالة النار إيّاه إلى أن تلاقي السقف ، فهو حرام .
ولكن يرد عليه أوّلاً : أنّ دخان النجس كرماده ليس بنجس ، للاستحالة ومجرد احتمال صعود الأجزاء الدهنية إلى السقف قبل الاستحالة لا يمنع عن الإسراج به تحت الظلال ، لكونه مشكوكاً .
وثانياً : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، لأنّ الدخان قد لا يؤثّر في السقف إمّا لعلوّه ، أو لقلّة الزمان ، أو لخروجه من الأطراف ، أو لعدم وجود دخان فيه . وثالثاً : إذا سلّمنا جميع ذلك فلا دليل على حرمة تنجيس السقف ، نعم لا يجوز تنجيسه في المساجد والمشاهد ، وعليه فلا وجه للمنع وجه للمنع عن الاستصباح به تحت
1) المختلف 8 : 349 .
السقف من جهة حرمة تنجيسه
قوله : لكن الأخبار المتقدّمة على كثرتها .
أقول : محصّل كلامه : أنّ المطلقات حيث كانت متظافرة وواردة في مقام البيان فهي آبية عن التقييد ، ولو سلّمنا جواز تقييدها إلّا أنه ليس في المقام ما يوجب التقييد عدا مرسلة الشيخ ، وهي غير صالحة لذلك ، لأنّ تقييد المطلقات بها يتوقّف على ورودها للتعبّد ، أو الحرمة تنجيس السقف كما فهمها الشيخ ، وك--لا الوجهين بعيد ، فلابدّ من حمل المرسلة على الإرشاد إلى عدم تنجّس السقف بالدخان .
وفيه : أنّ غاية ما يترتّب على كون المطلقات متظافرة أن تكون مقطوعة الصدور لا مقطوعة الدلالة ، إذن فلا مانع عن التقييد ، إذ هي لا تزيد على مطلقات الكتاب القابلة للتقييد حتّى بالأخبار الآحاد وأوهن من ذلك دعوى إبائها عن التقييد من جهة ورودها في مقام البيان ، فإنّ ورودها في مقام البيان مقوّم لحجّيتها ومن الواضح أنّ مرتبة التقييد متأخّرة عن مرتبة الحجّية في المطلق ، ونسبة حجّيته إلى التقييد كنسبة الموضوع إلى الحكم ، ولا يكون الموضوع مانعاً عن ترتّب الحكم عليه .
وأمّا ما ذكره من أنّ المرسلة غير صالحة لتقييد المطلقات ففيه : أنه بناء على جواز العمل بها وانجبار ضعفها بعمل المشهور لا مانع من حملها على التعبّد المحض فتصلح حينئذ لتقييد المطلقات ، ومجرد الاستبعاد لا يكون مانعاً عن ذلك ، وإنّما الإشكال في أصل وجود المرسلة كما تقدّم . وأمّا تقييد المطلقات بها من جهة أنّ المرسلة تدل على حرمة تنجيس السقف فبعيد غايته .
قوله : لكن لو سلّم الانجبار .
أقول : قد أشار به إلى أنّها غير منجبرة بشيء كما أشرنا إليه ، لأنّ الشهرة إنّما
تجبر الخبر الضعيف إذا علم استنادها إليه ، ومن المحتمل أن تكون فتوى المشهور بعدم جواز الإسراج به تحت السقف مستندة إلى ما ذهب إليه العلّامة من حرمة تنجيس السقف ، لا إلى المرسلة المذكورة .
قوله : ولو رجع إلى أصالة البراءة حينئذ لم يكن إلّا بعيداً عن الاحتياط ، وجرأة على مخالفة المشهور .
أقول : لا يكون البعد عن الاحتياط مانعاً عن الرجوع إلى البراءة في شيء من الموارد ، وأمّا الجرأة على خلاف المشهور فلا محذور فيها ، لأنّ الشهرة ليست بحجّة .
قوله : هل يجوز الانتفاع بهذا الدهن في غير الاستصباح .
أقول : حاصل كلامه : أنه حيث إنّ جواز الانتفاع بالدهن المتنجّس في غير الاستصباح لم ترد فيه إلّا رواية ضعيفة(1)في جعله صابوناً ، فلابد من الرجوع فيه إلى القواعد . ثم قرّب الجواز . . وعن الحنفية التصريح بذلك(2).
وقد يتوهّم عدم جواز استعماله في غير الاستصباح مطلقاً، استناداً إلى رواية قرب الإسناد الدالّة على عدم جواز التدهّن به(3). ولكن الرواية ضعيفة السند
1) يأتي ذكرها في ص 210 ، الهامش (2) .
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 ع-ن الحنفية : فيجوز أن يبيع ده-ن-اً متنجّساً ليستعمله في الدبغ ودهن عدد الآلات (الماكينات) ونحوها .
3) روى في قرب الإسناد : 261 / 1033 ، والوسائل 17 : 100 / أبواب ما يكتسب به ب7 ح5 عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن حبّ دهن ماتت فيه فارة ؟ قال : لا تدهن به ، ولا تبعه من مسلم » وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن .
لا يقال : إنّ هذه الرواية لا يجوز العمل بها وإن كانت صحيحة ، لأنّها غير معمول بها بين الأصحاب ، لفتواهم بجواز الانتفاع بالدهن المتنجّس في غير الاستصباح أيضاً ، فإنّه يقال : قد ذكرنا في علم الأُصول(1)أنّ إعراض المشهور عن الرواية الصحيحة لا يوجب الوهن فيها ، وقد أشرنا إليه في الكلام عن رواية تحف العقول .
لا يقال : إنّ هذه الرواية مجملة لا تفي باثبات المقصود ، فإنّه يحتمل أن يكون قوله (علیه السلام) : «لا تدهن به» من باب الافتعال بالتشديد ، فيكون دالاً على عدم جواز تنجيس البدن ، أو من باب الإفعال ، فلا يمكن الاستناد إليها في عدم جواز الاستعمال مطلقاً ، فإنّه يقال : إنّ ظاهر الرواية هو النهي ع-ن ط--ل-ي الب-دن بالدهن المتنجّس ، ومن الواضح أنّ الإدهان من الإفعال بمعنى الخدعة ، وأنّ الذي بمعنى الطلي هو من باب الافتعال .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ جواز الانتفاع بهذا الدهن في غير الموارد المنصوصة وعدم جوازه مبني على تحقيق الأصل في الانتفاع بالمتنجّس ، فهل الأصل يقتضي جواز ذلك أو حرمته حتى يخرج الخارج بالدليل ؟ فذهب جم-ع م-ن الأصحاب إلى الثاني، وقال جمع من المتأخّرين بالأول ، وهو الأقوى ، وهو مقتضى أصالة البراءة الثابتة بالأدلّة المستفيضة ، ويدل هذا الأصل على إباحة ما لم يرد فيه نهي وحلّيته ، ومن البيّن أنّ الانتفاع بالمتنجّس في غير ما هو مشروط بالطهارة من
1) مصباح الأُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 236 ، 280 .
صغریات ذلک.
قوله : وقاعدة حل الانتفاع بما في الأرض .
أقول : لا وجه لهذه القاعدة إلّا قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِ-ي الْأَرْض جَمِيعاً (1).
ولكن الآية ليست بدالّة على جواز الانتفاع بجميع ما في الأرض ليكون الانتفاع بالمتنجّس من صغرياته ، بل هي إمّا ناظرة إلى بيان أنّ الغاية القصوى من خلق الأجرام الأرضية وما فيها ليس إلّا خلق البشر وتربيته وتكريمه، وأمّا غير البشر فقد خلقه الله تعالى تبعاً لخلق الإنسان ومقدّمة له. ومن البديهي أنّ هذا المعنى لا ينافي تحليل بعض المنافع عليه دون بعض.
وإمّا ناظرة إلى أنّ خلق تلك الأجرام وتكوينها على الهيئات الخاصّة والأشكال المختلفة والأنواع المتشتّتة من الجبال والأودية والأشجار والحيوانات على أنواعها ، وأنحاء المخلوقات من النامي وغيره ، لبيان طرق الاستدلال على وجود الصانع وتوحيد ذاته وصفاته وفعاله ، وعلى اتقان فعله وعلو صنعه وكمال قدرته وسعة علمه . إذن فتكون اللام للانتفاع ، فإنه أي منفعة أعظم من تكميل البشر . ولعلّ هذا هو المقصود من قوله (عليه السلام) في دعاء الصباح : « يامن دلّ على ذاته بذاته » .
1) البقرة 2 : 29 . وفي مجمع البيان 1 : 172 : المعنى : أنّ الأرض وجميع ما فيها نعم من الله تعالى مخلوقة لكم إمّا دينية فتستدلون بها على معرفته ، وإما دنياوية فتنتفعون بها بضروب النفع عاجلاً .
الأصل جواز الانتفاع بالمتنجس
قوله : ولا حاكم عليها سوى ما يتخيّل .
أقول : قد استدلّ على حرمة الانتفاع بمطلق المتنجّس بجملة من الآي--ات والروايات .
أمّا الآيات فمنها قوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(1)فإنّ المتنجّس رجس فيجب الاجتناب عنه .
وفيه : أنّ الرجس وإن أُطلق على الأعيان النجسة كثيراً ، كما أُطلق على الكلب في صحيحة البقباق(2)إلّا أنّ الآية لا ترتبط بالمدّعى لوجوه :
الأول : أنّ الظاهر من الرجس هو الأشياء التي يحكم عليها بالنجاسة بعناوينها الأولية ، فيختص بالأعيان النجسة ، ولا يشمل الأعيان المتنجّسة ، لأنّ النجاسة فيها من الأُمور العرضية .
الثاني : أنّ الرجس في الآية لا يراد منه القذارة الظاهرية لكي ينازع في اختصاصه بالأعيان النجسة أو شموله الأعيان المتنجّسة أيضاً، بل المراد منه القذارة المعنوية ، أي الخسّة الموجودة في الأمور المذكورة في الآية ، سواء كانت قذرة
1) المائدة 5 : 90 .
2) الفضل بن عبد الملك قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن فضل الهرّة والشاة - إلى أن قال : - فلم أترك شيئاً إلّا سألت عنه ؟ فقال : لا بأس به ، حتّى انتهيت إلى الكلب فقال : رجس نجس ، لا تتوضّأ بفضله ، واصبب ذلك الماء » الخبر ، وهي صحيحة . راجع التهذيب 1 : 225 / 646 ، والوافي 6: 73/ 9 ، والوسائل 1 : 226 / أبواب الأسآر ب1 ح 4 .
بالقذارة الحسّية أيضاً أم لم تكن ، والذي يدل على ذلك من الآية إطلاق الرجس على الميسر والأنصاب والأزلام ، فإنّ من البديهي أنّ قذارة هذه الأشياء ليست ظاهرية ، ولا شبهة في صحة إطلاق الرجس في اللغة(1)على ما يشمل القذارة الباطنية أيضاً ، وعليه فالآية إنّما تدل على وجوب الاجتناب عن كل قدر بالقذارة الباطنية التي يعبّر عنها في لغة الفرس بلفظ ( پليد) فتكون المتنجّسات خارجة عنها جزماً .
الثالث : أنّ جعل المذكورات في الآية من عمل الشيطان إمّا من جهة كون الأفعال المتعلّقة بالخمر والأنصاب والأزلام رجساً من عمل الشيطان ، كما يشير إليه قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ(2)فإنّ الرجس قد يطلق على مطلق القبائح والمعاصي، وقد عرفت ذلك في الهامش من القاموس وغيره . وإمّا من جهة كون تلك الأُمور نفسها من عمل الشيطان .
1) في مجمع البيان 3 : 370 : رجس أي خبيث . وفي مفردات الراغب [ 342 مادّة رجس ] : الرجس الشيء القذر . يقال : رجل رجس ورجال أرجاس ، والرجس على أربعة أوجه : إمّا من حيث الطبع، وإمّا من جهة العقل ، وإمّا من جهة الشرع ، وإمّا من كل ذلك . وفي القاموس [ 2 : 219 مادّة رَجَسَت ] : الرجس بالكسر القذر ، والمأثم ، وكل ما استقذر من العمل ، والعمل المؤدّي إلى العذاب . وفي المنجد [ 250 مادّة رَجِس ] : رجس رجاسة عمل عملاً قبيحاً .
2) المائدة 5 : 91 . وفي مجمع البيان 3 : 371 والمعنى : يريد الشيطان إيقاع العداوة بينكم بالإغواء المزيّن لكم ذلك حتى إذا سكرتم زالت عقولكم ، وأقدمتم على القبائح على ما يمنعه منه عقولكم . قال قتادة : إنّ الرجل كان يقامر في ماله وأهله فيقمر ، ويبقی حزيناً سليباً فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء .
فعلى الأول تكون الآية دالّة على وجوب الاجتناب عن كل عمل قبيح يصدق عليه أنه رجس ، وأمّا ما لم يحرز قبحه فلا تشمله الآية .
وعلى الثاني يكون موضوع الحكم فيها كل عين من الأعيان صدق عليها أنّها من عمل الشيطان ، وعليه فكل عين محرّمة صدق هذا العنوان عليها تكون مشمولة للآية ، ومن الواضح أنّ الخمر من عمل الشيطان باعتبار صنعها ، أو بلحاظ أنّ أصل تعليمها كان من الشيطان ، وكذلك النصب بلحاظ جعلها صليباً ، والأزلام بلحاظ التقسيم ، كالحظ والنصيب في الزمن الحاضر المعبّر عنه في اللغة الفارسية بكلمة (بلیط آزمایش بخت) وأمّا ما لا يصدق عليه ذلك وإن كان من الأعيان النجسة كالكلب والخنزير فضلاً عن المتنجّسات فلا تشمله الآية .
الرابع : إذا سلّمنا شمول الآية للنجاسات والمتنجّسات فلا دلالة ف-ي-ه-ا ع-لى حرمة الانتفاع بالمتنجّس ، فإنّ الاجتناب عن الشيء إنّما يكون باجتناب ما يناسب ذلك الشيء ، فالاجتناب عن الخمر عبارة عن ترك شربها إذا لم يدل دليل آخر على حرمة الانتفاع بها مطلقاً ، والاجتناب عن النجاسات والمتنجّسات عبارة عن ترك استعمالها فيما يناسبها، ومن القمار عن ترك اللعب ، ومن الأُمّهات والبنات والأخوات والخالات وبقيّة المحارم عبارة عن ترك تزويجهن ، كما أنّ الاجتناب عن المسجد هو ترك العبادة فيه، والاجتناب عن العالم ترك السؤال منه ، والاجتناب عن التاجر ترك المعاملة معه ، والاجتناب عن أهل الفسوق ترك معاشرتهم وهكذا . وعلى الجملة : نسبة الاجتناب إلى ما يجب الاجتناب عنه تختلف باختلاف الموارد ، وليست في جميعها على نسق واحد ، وعليه فلا دلالة في الآية على حرمة الانتفاع بالمتنجّس مطلقاً ، بل الأمر في ذلك موقوف على ورود دليل خاص يدل على وجوب الاجتناب مطلقاً .
قوله : مع أنه لو عم المتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد .
أقول : لا يلزم من خروج المتنجّسات كلّها من الآية تخصيص الأكثر فضلاً عمّا إذا كان الخارج بعضها ، فإنّ الخارج منها عنوان واحد ينطبق على جميع أفراد المتنجّس انطباق الكلّي على أفراده ، نعم لو كان الخارج من عموم الآية كل فردٍ فردٍ من أفراده لزم المحذور المذكور .
ومنها قوله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(1)بناء على شمول الرجز للأعيان النجسة والمتنجّسة . وقد ظهر الجواب عنها من كلامنا على الآية السابقة . ثم إنّ نسبة الهجر إلى الأعيان الخارجية لا تصح إلّا بالعناية والمجاز ، بخلاف نسبته إلى الأعمال فإنّها على نحو الحقيقة ، وعليه فالمراد من الآية خصوص الهجر عن الأعمال القبيحة والأفعال المحرّمة ، ولا تشمل الأعيان المحرّمة .
ويحتمل أن يراد من الرجز العذاب ، كما في قوله تعالى : فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ(2)وقد صرّح بذلك بعض أهل اللغة كصاحب القاموس(3)وغيره ، وعلى هذا فالمراد من هجر العذاب هجر موجباته ، كما أُريد من المسارعة إلى المغفرة ومن الاستباق إلى الخيرات المسارعة والاستباق إلى أسبابهما في آيتيهما (4).
ومنها قوله تعالى :وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ(1)بناء على صدق الخبائث على المتنجّسات ، وحيث إنّ التحريم في الآية لم يقيّد بجهة خاصة فهي تدل على عموم تحريم الانتفاع بالمتنجّسات .
وأجاب عنها المصنّف بأنّ المراد من التحريم خصوص حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحلّية الطيّبات . وفيه : أنّ مقتضى الإطلاق هو حرمة الانتفاع بالخبائث مطلقاً ، فتدل على حرمة الانتفاع بالمتنجّس كذلك .
والحق أن يقال : إنّ متعلّق التحريم في الآية إنّما هو العمل الخبيث والف-ع-ل القبيح ، فالمتنجّس خارج عن مدلولها ، لأنّه من الأعيان .
لايقال : إذا أُريد من الخبيث العمل القبيح وجب الالتزام بالتقدير ، وه-و خلاف الظاهر من الآية .
فإنّه يقال : إنّما يلزم ذلك إذا لم يكن الخبيث بنفسه بمعنى العمل القبيح ، وقد أثبتنا في مبحث بيع الأبوال(2)صحة إطلاقه عليه بدون عناية ، وخصوصاً بقرينة قوله تعالى : وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ(3)فإنّ المراد من الخبائث فيها اللواط .
وأمّا الأخبار فهي كثيرة : منها : ما تقدّم من رواية تحف العقول ، حيث علّل النهي فيها عن بيع وجوه النجس بأنّ ذلك كله محرّم أكله وشربه وإمساكه ، وجميع التقلّب في ذلك حرام ومحرّم . فإنّ الظاهر منها أنّ جميع الانتفاعات بالمتنجّس حرام لكونه من وجوه النجس .
وفيه أولاً : ما تقدّم في أوّل الكتاب من ضعف سند الرواية ، وعدم انجباره بشيء. وثانياً : أنّ الظاهر . هر من وجوه النجس هي الأعيان النجسة ، فإنّ وجه الشيء هو عنوانه الأوّلي ، فلا تشمل المتنجّسات ، لأنّها ليست نجسة بعناوينها الأولية .
ومنها : رواية السكوني الآمرة باهراق المرق المتنجّس بموت الفارة فيه(1)فتدل على حرمة الانتفاع به، إذ لولا ذلك لجاز الانتفاع به باطعامه الصبي ونحوه وبضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب .
وأجاب عنها المصنّف بأنّ الأمر بالإهراق كناية عن خصوص حرمة الأكل وفيه : أنّ الظاهر من الأمر بالإهراق هو عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقاً إلّا أنها لا تدل على المدّعى لخصوصية المورد ، فإنّ المرق غير قابل للانتفاع به إلّا في إطعام الصبي ونحوه بناء على ما هو الظاهر من جواز ذلك ، ومن الواضح أنّ ذلك إنّما يكون عادة إذا كان المرق قليلاً ، لا بمقدار القدر ونحوه .
ومنها : الأخبار الدالّة على أنّ الفارة إذا ماتت في السمن الجامد ونحوه وجب أن تطرح الفارة وما يليها من السمن(2)
علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال : « سألته عن الفارة والكلب إذا أكلا من الجبن وشبهه أيحل أكله ؟ قال : يطرح منه ما أكل ، ويحل الباقي » وهي مجهولة بعبدالله بن الحسن . راجع الوسائل 24 : 198 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 45 ح 2.
إلى غير ذلك من الأخبار المزبورة في المواضع المتقدّمة من الوسائل 17 ، والوافي ، والتهذيب والمستدرك 16 : 194 / ب 31 ، 1 : 211 / ب ح 17 ، 2 ، 13 : 71 / ب6 ، وسنن البيهقي 9 354 باب من أباح الاستصباح به .
، لأنّه لو جاز الانتفاع بالمتنجّس لما أم--ر1) عن جعفر عن أبيه « أنّ علياً ( عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة ؟ قال : يهراق مرقها ، ويغسل اللحم ويؤكل » وهي ضعيفة بالنوفلي . راجع الكافي 6 : 261 / ، والتهذيب 9 : 365/86 ، والوافي 19 : 118 / 11 ، والوسائل 1 : 206 / أبواب الماء المضاف ب 5ح 3
2) زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه ، فإن كان جامداً فألقها وما يليها ، وكُلْ ما بقي » الخبر ، وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الكافي 6: 261 / 1 ، والتهذيب : : 85 / 360 ، والوافي 19 : 118 / 9 ، والوسائل 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 5 ح 1 ، 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح 2 ، 24 : 194 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 43 ح2 .
الإمام (عليه السلام) بطرحه ، لإمكان الانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة كتدهين السفن(1)والأجرب(2)ونحوهما ، فتدل على المدّعى بضميمة عدم القول بالفصل بين أفراد المتنجّسات.
وقد أجاب عنها المصنّف بأنّ الطرح كناية عن حرمة الأكل فقط ، فإنّ الانتفاع بالاستصباح به جائز إجماعاً . ولكن يرد عليه ما تقدّم من ظهور الأمر بالطرح في حرمة الانتفاع به مطلقاً ، وأمّا الاستصباح به فإنّما خرج بالنصوص الخاصة كما عرفت(3).
والصحيح في الجواب ما أشرنا إليه من أنّ الأمر بطرح ما يلى القارة من السمن للإرشاد إلى عدم إمكان الانتفاع به بالاستصباح ونحوه لقلّته ، فتكون الرواية غريبة عن المقام .
ومن هنا ظهر ما في رواية زكريا بن آدم التي تدل على إهراق الم--رق
المتنجّس(1)، فإنّ الأمر بالهراقة فيها إرشاد إلى ما ذكرناه من قلّة نفعه ، مضافاً إلى أنّها ضعيفة السند .
ومنها : قوله (عليه السلام) في روايتي سماعة(2)وعمّار الواردتين في الإناءين المشتبهين : « يهريقهما جميعاً ويتيمّم » فإنّ أمره (عليه السلام) بهراقة الإناءين مع إمكان الانتفاع بهما في غير ما هو مشروط بالطهارة ظاهر في حرمة الانتفاع بالماء المتنجّس ، وبضميمة عدم القول بالفصل بين أفراد المتنجّسات يتم المطلوب .
وفيه : أنّ خصوصية المورد تقتضي كون الأمر بالإهراق إرشاداً إلى مانعية النجاسة عن الوضوء ، ثم إذا سلّمنا كون الأمر فيهما للمولوية التكليفية فمن المحتمل القريب أن يكون الغرض من الأمر هو تتميم موضوع جواز التيمّم ، لأنّ جوازه في الشريعة المقدّسة مقيّد بفقدان الماء ، وقبل إراقة الإناء ين لا يتحقّق عنوان الفقدان لوجود الماء الطاهر عنده وإن لم يعرفه بعينه ، ولذلك أفتى بعض الفقهاء بعدم جواز التيمّم قبل إهراق الإناءين .
1) قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ، قال : يهراق المرق ، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب »وهي مهملة بالحسن بن المبارك ، وضعيفة بمحمد بن موسى . راجع الكافي 6 : 422 / 1 ، والتهذيب 9 : 119 / 512 ، والوافي 20 : 685 / 1 ، والوسائل 3 : 470 / أبواب النجاسات ب38 ح8.
2) قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيها ماء ، وقع في أحدهما قذر ، ولا يدري أيّهما ، وليس يقدر على ماء غيرهما ، قال : يهريقهما جميعاً ويتيمّم » وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى . ومثلها رواية عمّار الساباطي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ولكنّها موثّقة لأجله و لمصدّق بن صدقة . راجع الكافي 3 : 10 / 6 ، والتهذيب 1 : 229 / 662 713، 712 ، والوافي 6 : 60 / 17 ، 18 ، والوسائل 1 : 151 / أبواب الماء المطلق ب8 ح 2 ، 14 .
ومنها : الأخبار الواردة في إهراق الماء المتنجّس(1)
وفي موثقة سماعة [ عن أبي بصير ] : « فإن أدخلت يدك في الإناء وفيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء » . وفي موثقة أخرى له : « وإن كان أصاب - المني - يده يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه » . راجع الباب المتقدّم من الوسائل ح4 ، 10 والكافي 3 : 11 / 1 ، والوافي 6 : 64 / 26 ، 33 . وفي صحيحة البقباق المتقدّمة في ص 201 عن سؤر الكلب قال (عليه السلام) : « واصبب ذلك الماء » .
، فإنّه لولا حرمة الانتفاع به في غير ما هو مشروط بالطهارة لم يؤمر بذلك .وفيه أولاً : ما عرفت من أنّ خصوصية المورد تقتضي ذلك ، لقلّة نفعه في العادة . وثانياً : أنّ الأمر بالهراقة في تلك الأخبار إرشاد إلى عدم جواز التوضّي من ذلك الماء للنجاسة . ولا يجوز التعدّي من موردها إلى غيره من الاستعمالات ، إلّا إذا كان مشروطاً بالطهارة . إذن فلا دلالة فيها على المطلوب أيضاً .
ومنها : الأخبار المستفيضة عند الخاصة(2)والعامّة(3)الواردة في
1) أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن الجنب يجعل الركوة أو الت--ور فيدخل إصبعه فيه ؟ قال : إن كانت يده قذرة فأهرقه ( الحديث . وهي صحيحة . راجع المصادر المتقدّمة من التهذيب والوسائل والوافي [ ح 27 ] . في القاموس [ 1 : 381 مادة التور ] : التور : إناء يشرب فيه .
2) راجع الكافي 6 : 261 / 1 ، 2 ، والتهذيب 9 : 85 / 358 - 362 . والوسائل 17 : 97 / أبواب ما يكتسب به ب6 ، والمستدرك 13 : 71 / أبواب ما يكتسب به ب6 ، والوسائل 24 : 194 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 43 ، 178 / ب 32 ، 1 : 205 / أبواب الماء المضاف ب 5 ح 1 ، والمستدرك 16 : 194 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 31 ح 1 ، 3 وغيرهما ، والوافي 19 : 118 / 9 ، 10 ، 12 ، 14 ، 15 ، والمستدرك 1 : 210 / ب3 .
3) في سنن البيهقي 9 : 354 « سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الفأرة تقع في السمن أو الزيت ؟ قال : استصبحوا به ولا تأكلوه » وغير ذلك من الأحاديث .
الاستصباح بالدهن المتنجّس ، فإنّها ظاهرة في أنّ الانتفاع به منحصر في الإسراج فإنّه لو جاز الانتفاع به في غيره أيضاً لتعرّض له الإمام (عليه السلام) فيها أو في غيرها .
وفيه : أنّ وجه التخصيص أنّ النفع الظاهر للدهن هو الأكل والإسراج فقط فإذا حرم أكله للتنجّس اختص الانتفاع به بالإسراج ، فلذا لم يتعرّض الإمام (عليه السلام) لغير الاستصباح. إذن فلا دلالة فيها أيضاً على المدّعى.
على أنه قد ورد في بعض الروايات جواز الانتفاع به بغير الاستصباح ، كقوله (عليه السلام) في رواية قرب الاسناد(1): « ولكن ينتفع به بسراج ونحوه » . وكقول علي (عليه السلام) المروي عنه بطرق شتى : «الزيت خاصّة يبيعه لمن يعمله صابوناً »(2)
قال المحدّث النوري (نوّر الله مرقده) في المستدرك 19 (الخاتمة 1 / الفائدة الثانية) : 173 : كتاب النوادر ، هو تأليف السيد الإمام الكبير ضياء الدين أبي الرضا فضل الله ب-ن ع-لي الراوندي الكاشاني - حفيد الحسن المثنّى بن الحسن المجتبى (عليه السلام) - ووصفه العلّامة في إجازة بني زهرة بالسيد الإمام . وفي فهرست الشيخ منتجب الدين : علّامة زم--انه جمع مع علو النسب كمال الفضل والحسب ، وكان أستاذ أئمّة عصره . وبالجملة : إنّ-ه م-ن المشايخ وإليه تنتهي كثيراً أسانيد الإجازات ، وهو تلميذ الشيخ أبي علي بن شيخ الطائفة وله تصانيف تشهد بفضله وأدبه وجمعه بين موروث المجد ومكتسبه ، ومنه انتشرت الأدعية الجليلة المعروفة بأدعية السر ، انتهى ملخّص كلامه .
أقول : لا شبهة في علو شأنه ورفعة منزلته ومكانة علمه وثبوت وثاقته ، وقد صرّح بذلك غير واحد من المترجمين ، ولكن لم يظهر لنا اعتبار كتابه هذا ، لأنّ في سنده من لم تثبت وثاقته كعبدالواحد بن إسماعيل ، ومن هو مجهول الحال كمحمد بن الحسن التميمي البكري .
فإنّ الظاهر أنه لا خصوصية للمورد فيهما ، ونتيجة التعدّي عنه ه-و1) باسناده عن علي بن جعفر عن أخيه ، إلى أن قال : « وسألته عن فأرة أو كلب شربا من زيت أو سم سمن ، قال : إن كان جرّة أو نحوها فلا تأكله ، ولكن ينتفع ب-ه ب-س-راج ونحوه »وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن . راجع قرب الإسناد : 274 / 1090 ، الوسائل 24 : 198 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب 45 ح3 .
2) الجعفريات : 47 / 122 عن علي (عليه السلام) « سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت ، قال : الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابوناً » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل . ومثلها في دعائم الإسلام 1 : 122 ، ونوادر الراوندي : 220 / 445 . راجع المستدرك 13 : 72 / أبواب ما يكتسب به ب6 ح2 ، 7 .
جواز الانتفاع بكل متنجّس بجميع الانتفاعات المحلّلة . بل ورد في أحاديث العامة جواز الانتفاع به مطلقاً من غير تقييد بنوع خاص من المنافع(1). وقد يخطر بالبال أنّ الأمر في الروايات بخصوص الاستصباح دون غيره إنّما هو فيما لا يتمكّن الإنسان من الانتفاع به بغير الاستصباح ولو في الوجوه النادرة من المنافع ، وإلّا فلا خصوصية للتقييد بالاستصباح ، كما لا خصوصية للتقييد بجعله صابوناً ، ولذا جوّز الإمام (عليه السلام) أن ينتفع به بغيرهما أيضاً في رواية قرب الإسناد كما عرفت . ولكنّها ضعيفة السند.
وقد يقال بانعقاد الإجماع على حرمة الانتفاع بالمتنجّس مطلقاً ، فيكون مقتضى الأصل هو حرمة الانتفاع به في المقام . إلّا أنّ ذلك ممنوع ، فإنّ الإجماع المنقول ممنوع الحجيّة ، وقد حقّقناه في علم الأُصول(2)، على أنّ دعوى الإجماع في
1) في سنن البيهقي 9 : 354 في جملة من الأحاديث سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الفأرة تقع في السمن ، فقال : اطرحوها وما حولها إن كان جامداً ، فقالوا : يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فإن كان مائعاً ؟ قال : فانتفعوا به ولا تأكلوه .
2) مصباح الأُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 156 .
المسألة موهونة بكثرة المخالفين فيها . وأمّا الإجماع المحصّل على ذلك فهو ممنوع التحقّق أيضاً . ويضاف إلى ما ذكرناه كلّه أنه لا ظهور لعبارات الفقهاء المحتوية لنقله في ذلك المدّعى.
قال في الغنية بعد أن اشترط في البيع أن يكون ممّا ينتفع به منفعة محلّلة: وقيّدنا بكونها - المنفعة - مباحة تحفّظاً من المنافع المحرّمة ، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره ، إلّا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلّم للصيد والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء ، وهو إجماع الطائفة (1).
وهذه العبارة وإن كانت صريحة في نقل الإجماع ، إلّا أنّ الظاهر رجوعه إلى مطلع كلامه ، أعني حرمة بيع النجس ، فلا دلالة فيها على حرمة الانتفاع بالمتنجّس. ويحتمل قريباً أن يرجع إلى آخر كلامه ، أعني استثناء الكلب المعلّم للصيد والزيت المتنجّس للاستصباح من حرمة البيع .
وقال الشيخ في الخلاف : إذا ماتت الفارة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزرنجس كلّه ، وجاز الاستصباح به ، ولا يجوز أكله ، ولا الانتفاع به لغير الاستصباح . ثم ذكر المخالفين في المسألة من العامّة وغيرهم ، إلى أن قال : دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(2).
وفيه : أنّ محط كلامه إنّما هو الدهن المتنجّس فقط ، فلو صح ما ادّعاه من الإجماع لدل على حرمة الانتفاع به خاصة، لكونه هو المتيقّن من مورد الإجماع فلا يشمل سائر المتنجّسات .
وقد أجاب المصنّف عمّا ادّعاه الشيخ من الإجماع بأنّ معقده ما وقع الخلاف فيه بينه وبين من ذكر من المخالفين ، إذ فرق بين دعوى الإجماع على محل النزاع بعد تحريره وبين دعواه ابتداء على الأحكام المذكورات في عنوان المسألة ، فإنّ الثاني يشمل الأحكام كلّها ، والأول لا يشمل إلّا الحكم الواقع مورد الخلاف ، لأنّه الظاهر من قوله : دليلنا إجماع الفرقة .
وفيه : أنّ ما أفاده وإن كان صحيحاً بحسب الكبرى ، إلّا أنه خلاف ما يظهر من كلام الشيخ (رحمه الله) ، فإنّ ظ-اه-ره دعوى الإجماع على جميع الأحكام المذكورة . فالصحيح في الجواب هو ما ذكرناه . على أنّا لو سلّمنا قيام الإجماع على ذلك فلا نسلّم كونه إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، إذ م--ن المحتمل القريب جدّاً بل المظنون عادةً أنّ مدركه هو الوجوه المذكورة في المقام لحرمة الانتفاع بمطلق المتنجّس .
قوله : إنّ بل الصبغ والحنّاء .
أقول : الصبغ والحنّاء ليسا من محل النزاع هنا في شيء . ولم يتقدّم لهما ذكر سابق ، فلا نرى وجهاً صحيحاً لذكرهما .
قوله : ومراده بالنصّ ما ورد من المنع عن الاستصباح بالدهن المتنجّس تحت السقف .
أقول : قد عرفت عدم ورود النص بذلك
قوله : والذي أظنّ وإن كان الظنّ لا يغني لغيري شيئاً .
أقول : بل لا يغنيه أيضاً ، لعدم كونه من الظنون المعتبرة ، اللهمّ إلّا أن يكون مراده من ذلك هو الظنّ الاطمئناني ، فيكون حجّة له لا لغيره .
قوله : والرواية إشارة إلى ما عن الراوندي في كتاب النوادر .
أقول : قد عرفت(1)أنّها رواية واحدة نقلت بطرق ثلاثة ، ولم يقع السؤال عن الشحم في شيء منها ، فما نقل في المتن ناشئ عن سهو القلم .
قوله : ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن .
أقول : كما يصح الانتفاع بالمتنجّس على وجه الإطلاق ، فكذلك يصح بيعه للعمومات المقتضية لذلك من قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(2)و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(3)وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ (4)وعليه فلا نحتاج في ذلك إلى التمسك بقوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « وكل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله » كما تمسّك به المصنّف هنا .
قوله : وهذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجيس .
أقول : إذا سلّمنا جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية الإلهية ، وأغمضنا عن معارضته دائماً بأصالة عدم الجعل كما نقّحناه في الأُصول(5)، فلا نسلّم جريانه في المقام ، لأنّ محل الكلام هو الجواز الوضعي ، بمعنى نفوذ البيع على تقدير وجوده وعليه فاستصحاب الجواز بعد التنجّس يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به .
أقول : قد يتوهّم أنّ إيراد المصنّف (رحمه الله) الآيات المذكورة هنا لا يخلو من الاشتباه وسهو القلم، لأنه قد استدلّ بها فيما مضى على حرمة بالمتنجّس وكلامنا هنا مختص بجواز البيع فقط ، ولكنّه توهّم فاسد ، فإنّ ذكر الآيات هنا ليس إلّا لدفع توهّم الاستدلال بها على بطلان بيع المتنجّس ، والقرينة على ذلك قوله (رحمه الله) في مقام الجواب عنه : فقد عرفت أنّها لا تدل على حرمة الانتفاع بالمتنجّس فضلاً عن حرمة البيع .
قوله : وأمّا مثل بيع الصابون المتنجّس فلا يندفع الإشكال عنه .
أقول : وجه عدم الاندفاع هو أنّ الثوب المغسول بالصابون المتنجّس وإن كان يقبل الطهارة بالغسل ، إلّا أنّه ليس معنى ذلك أنّ الصابون رجع إلى حالة يقبل معها الطهارة ، فإنّ الأجزاء الصابونية تنفصل عن الثوب بالغسل وإن كانت في غاية النجاسة والخباثة .
الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة
قوله : بقي الكلام في حكم نجس العين .
أقول : الظاهر أنّ الأصل جواز الانتفاع بالأعيان النجسة أيضاً إلّا ما خرج بالدليل كما اختاره بعض الأعاظم ، وإن ذهب المشهور إلى حرمة الانتفاع بها ، بل ادّعي عليه الإجماع . قال في أوّل المكاسب من المراسم : التصرّف في الميتة ولحم
الخنزير وشحمه والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره حرام(1). وفي المكاسب المحظورة من النهاية : جميع النجاسات محرّم التصرّف فيها(2). وفي فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من المبسوط : نجس العين لا يجوز بيعه ، ولا إجارته ، ولا الانتفاع به ، ولا اقتناؤه بحال إجماعاً ، إلّا الكلب فإنّ فيه خلافاً(3). وعلى هذا النهج مذاهب فقهاء العامّة(4).
وكيف كان ، فقد استدل على عدم الجواز بوجوه :
منها : الآيات المتقدّمة من قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوهُ وقوله تعالى : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرُ وقد عرفت الجواب عن ذلك آنفاً .
1) المراسم : 170
2) النهاية : 364 .
3) المبسوط 2 : 165 – 166
4) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 208 عن الحنابلة : لا يصح الانتفاع بالدهن النجس في أي شيء من الأشياء، وفي ص 209 عن الحنفية : لا يحل الانتفاع بدهن الميتة ، لأنه جزء منها ، وقد حرمها الشرع فلا تكون مالاً . وفي شرح فتح القدير 6 : 64 حكم بحرّمة الانتفاع بالميتة ، ثم جعل بطلان البيع دائراً مدار حرمة الانتفاع ، وهي عدم المالية . وفي الفقه على المذاهب الأربعة في الموضع المتقدّم نقل اتّفاق المذاهب على حرمة بيع النجس ، وقد عرفت من شرح فتح القدير الملازمة بين بطلان البيع وحرمة الانتفاع . وفي شرح فتح القدير 6 : 62 نقل عن محمد أنّه لو وقع شعر الخنزير في ماء قليل لا يفسده ، لأنّ حلّ الانتفاع به دليل طهارته . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 167 عن الحنفية لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعاً . وفي شرح فتح القدير 8 : 486 نقل عن بعضهم حرمة الانتفاع بالنجس ونقضه بجواز الانتفاع بالسرقين، فإنه مع القول بنجاسته يجوز بيعه والانتفاع به بخلاف العذرة .
ومنها : قوله تعالى :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ(1)فَإِنَّ عموم التحريم فيها يقتضي حرمة الانتفاع بما ذكر فيها ، وبعدم القول بالفصل بين أفراد النجس يتم المطلوب .
وفيه : أن تحريم أي شيء إنّما هو بحسب ما يناسبه من التصرفات ، فما يناسب الميتة والدم ولحم الخنزير إنّما هو تحريم الأكل لا جميع التصرفات ، كما أنّ المناسب التحريم الأُم والبنت في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ(2)إِنّما هو تحريم النكاح فقط ، دون النظر والتكلّم.
ومنها : ما أشار إليه المصنّف بقوله : ويدل عليه أيضاً كل ما دل من الأخبار والإجماع على عدم جواز بيع نجس العين ، بناء على أنّ المنع من بيعه لا يكون إلّا مع حرمة الانتفاع به .
ولكنّا لم نجد فيما تقدّم ولا فيما يأتي ما دل من الأخبار على عدم جواز بيع النجس بعنوانه ، فضلاً عن كون المنع عن البيع من جهة عدم جواز الانتفاع به ، نعم تقدّم(3)في مبحث الميتة ما دل على حرمة الانتفاع بالميتة ، إلّا أنّك عرفت هناك بيع معارضتها بما دل على جواز الانتفاع بها ، وأنّ الترجيح للروايات المجوّزة . على أنّا إذا أخذنا بالروايات المانعة فهي أخص من المدّعى ، لأنّها مختصّة بالمينة ، وموضوع كلامنا أعم منها ومن سائر النجاسات .
نعم رواية تحف العقول صريحة في المدّعى ، فإنّ دلالة قوله (عليه السلام) فيها :
«أو شيء من وجوه النجس ، فهذا كلّه حرام محرّم ، لأنّ ذلك كلّه منهى عن منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه ، فجميع تقلّبه في ذلك حرام » صريحة لا تكاد تنكر ، ولا وجه لحملها على الإمساك والتقلّب لأجل الأكل والشرب كما في المتن ، إلّا أنّ الرواية لا يجوز الاعتماد عليها ، لضعف سندها وعدم انجباره بعمل المشهور بها .
ومنها : قوله (عليه السلام) في دعائم الإسلام : « وما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه »(1)بدعوى أنّ حرمة البيع في الرواية قد علّقت على حرمة الشيء من أصله ، فلابدّ وأن يكون الانتفاع به محرّماً مطلقاً ، إذ لو جاز الانتفاع به لجاز بيعه ، للملازمة بينهما .
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند فيها ، أنّ المراد بالحرمة في الرواية حرمة التصرفات المناسبة لذلك الشيء المحرّم ، لا حرمة جميع التصرفات ، وعليه فلا يستفاد منها حر مة جميع الانتفاعات على أنّا لو سلّمنا دلالتها على حرمة جميع التصرفات فغاية ما يستفاد منها أنّ كل ما لا يجوز الانتفاع به بوجه فلا يجوز بيعه لا أنّ كل ما لا يجوز بيعه فلا يجوز الانتفاع به كما هو المدّعى .
وممّا ذكرناه تجلّى ما في النبوي المشهور :المجعول : « إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه »(2)وبالجملة : إنّا لم نجد آية ولا رواية تدل على حرمة الانتفاع بنجس العين مطلقاً إلّا في موارد خاصة كالخمر .
ومنها : الإجماع المدّعى على حرمة الانتفاع بها ، وتقريره بوجهين :
الأوّل : دعوى الإجماع على حرمة بيعها ، وبما أنّ حرمة البيع تستلزم حرمة الانتفاع ، للملازمة بينهما - وقد عرفت ذلك في الحاشية عن بعض العامّة - فيكون الثاني أيضاً مورداً للإجماع .
وفيه : منع الملازمة بين الحرمتين ، لجواز كون النهي عن بيعه تعبّداً محضاً وعليه فإذا قام الإجماع على حرمة البيع فلا يمكن أن يستدل به على حرمة الانتفاع إلّا بالحدس الظنّي ، ومن الواضح أنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً ، بل اللازم أن يقتصر في الإجماع على مورده المتيقّن ، من دون أن يتعدّى إلى غيره .
الثاني : دعوى الإجماع على حرمة الانتفاع بها ابتداء ، كما هو الظاهر م-ن فخر الدین(1)والفاضل المقداد (2).
وفيه : أنّ دعواه في مثل هذه المسألة مع ذهاب الأكثر إلى جواز الانتفاع بها من الأُمور الصعبة ، ولو سلّمت هذه الدعوى فلا يمكن إثبات كونه إجماعاً تعبّدياً لإمكان استناد المجمعين في ذلك إلى الوجوه المذكورة .
قوله : الجابر لرواية تحف العقول . أقول : قد تقدّم في أوّل الكتاب عدم انجبار ضعف الرواية بشيء من الشهرة والإجماع وغيرهما .
قوله : مع احتمال أن يراد من جميع التقلّب جميع أنواع التعاطي لا الاستعمالات. أقول : إذا فرضنا اعتبار الرواية فلا مناص من القول بحرمة التصرف في الأعيان النجسة على وجه الإطلاق ولو بالإمساك ، ولا وجه لتقييدها بخصوص التعاطي ، كما لا وجه لتقييد النهي عن الإمساك بالإمساك على وجه محرّم .
قوله : نعم يمكن أن يقال : إنّ مثل هذه الاستعمالات .
أقول : توضيحه : أنّ النهي عن الانتفاع بشيء ينصرف إلى النهي عن الانتفاع به في منافعه الظاهرة ، لأنّ المنفعة النادرة لا تعد من المنافع عرفاً ، فهي خارجة عن حدود النهي وإن كان الإطلاق في نفسه شاملاً لها .
لا يقال : إنّ النهي عن الانتفاع بشيء يدل على تحريم جميع منافعه ، لأنّ النهي عن الطبيعة يقتضي الانزجار عن جميع أفرادها ، ولذلك كان دالاً على العموم .
فإنّه يقال : إنّ الدلالة على العموم إنّما تسلّم بمقدار ما ينصرف إليه اللفظ فقط ونظير ذلك العمومات الناهية عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فإنّه ينصرف إلى غير الإنسان ، فلا ينعقد للعموم ظهور إلّا به .
ولا يخفى أنّ القول بحرمة الانتفاع بالنجس مطلقاً لا يقتضي حرمة اقتنائه وإن كان الاقتناء لغير الغرض العقلائي ، ومن هنا ورد في جملة من الأحاديث جواز اقتناء الخمر(1)، بل أخذها للتخليل ، مع أنّها من الخبائث الشديدة . وورد أيضاً جواز اقتناء بعض الكلاب وقد تقدّم ذلك في البحث عن بيعها(2).
قوله : والعذرة للتسميد . أقول : التسميد في اللغة(3)ما يصلح به الزرع .
1) راجع الكافي 6 : 428 / باب الخمر تجعل خلاً ، والتهذيب :9 : 117 / 504 وما بعده والوافي 20 : 675 / ب 165 ، والوسائل 25 : 370 / أبواب الأشربة المحرّمة ب31.
2) في ص 159 .
3) عن المصباح [ 288 مادّة السماد ] : السماد وزان السلام : ما يصلح به الزرع م-ن ت-راب وسرجين ، سمدت الأرض تسميداً أصلحها بالسماد . وفي القاموس [ 1 : 303 مادة سَمَد ] وسمد الأرض تسميداً جعل فيها السماد ، أي السرجين برماد . وفي مجمع البحرين [ 3 : 70 مادّة سمد ] : والسماد كسلام : ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين ، وتسميد الأرض هو أن يجعل فيها السماد .
قوله : كما يدلّ عليه وقوع السؤال في بعض الروايات(1)عن الجص .
أقول : قال المحدّث الكاشاني في كتاب الوافي : لعلّ المراد بالماء الماء الممزوج بالجص ... أو ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد المجصّص بذلك الجص ، وكأنّه كان بلا سقف ، فإنّ السنّة فيه ذلك . والمراد بالنار ما يحصل من الوقود التي يستحيل أجزاء العذرة والعظام المختلطة بالجص رماداً ، فإنّها تطهر بالاستحالة ، والغرض أنه قد ورد على ذلك الجص أمران مطهّران هما النار والماء ، فلم يبق ريب في طهارته ، فلا يرد السؤال بأنّ النار إذا طهّرته أولاً فكيف يحكم بتطهير الماء له ثانياً إذ لا يلزم من ورود المطهّر الثاني تأثيره في التطهير(2).
وقال في الوسائل : تطهير النار للنجاسة باحالتها رماداً أو دخاناً ، وتطهير الماء : أعني ما يجبل به الجص يراد به حصول النظافة وزوال النفرة(3).
أقول : يمكن أن يراد من الماء ماء المطر الذي يصيب الموضع المجصّص بذلك الجص المتنجّس لكون المسجد مكشوفاً وبلا سقف كما احتمله الكاشاني ، وأن يراد من النار الشمس ، فإنّ الشمس إذا جفّفت شيئاً طهّرته . ويمكن أن يراد من التطهير
1) الحسن بن محبوب قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ، ثم يجصص به المسجد ، أيسجد عليه ؟ فكتب إليّ بخطّه : إنّ الماء والنار قد طهراه »وهي صحيحة . راجع الكافي 3 : 330/ 3 ، والتهذيب 2 : 235 / 928 ، والوافي 6: 234 / 29 ، والوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب81 ح1 .
2) الوافي 6 : 235 / ذيل ح29 .
3) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ذيل ب81 .
التنظيف مجازاً كما احتمله في المستند(1)مطلقاً ، وصاحب الوسائل في خصوص الماء.
ومع الإغماض عمّا ذكرناه فالرواية مجملة ، يرد علمها إلى أهلها ، فإنّ الثابت في الشريعة أنّ النار إنّما تطهر من النجاسات ما أحالته رماداً ، وهذا الشرط غير حاصل في الجص ، وأنّ الماء القليل إنّما يطهّر الموضع المغسول إذا ورد عليه ثم انفصلت غسالته عنه ، وكلا الأمرين منتفٍ هنا ، إلّا أن يقال بعدم انفعال الماء القليل بامتزاجه بالجص ، وعدم اشتراط انفصال الغسالة في التطهير به ، كما أشار إليه المحدّث الكاشاني في كلامه المتقدّم ، قال : لعلّ المراد بالماء الماء الممزوج بالجص. وكلا الأمرين مخدوش ، وتفصيل الكلام في محلّه(2).
وكيف كان ، فالمستفاد من الرواية أمران ، أحدهما : اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه ، وثانيهما : جواز السجود على الجص ولو كان مطبوخاً .
قوله : ثم إنّ منفعة النجس المحلّلة للأصل أو للنص قد يجعلها مالاً عرفاً ، إلّا أنّه منع الشرع عن بيعه كجلد الميتة .
أقول : قد ظهر ممّا ذكرناه أنه لا ملازمة بين حرمة بيع الأعيان النجسة وبين حرمة الانتفاع بها وسقوطها عن المالية ، بل لابدّ من ملاحظة دليل الحرمة هل يوجد فيه ما يدل على إلغاء المالية من قبل الشارع كما في الخمر والخنزير ، فإن كان فيه ما يدل على ذلك أُخذ به وحكم بعدم ترتّب آثار المالية عليها من الإرث والضمان وغيرهما ، وإلّا فلا يصح أن يحكم بحرمة الانتفاع بها لمجرد حرمة بيعها كيف وقد علمت جواز الانتفاع بالميتة والعذرة وشعر الخنزير وكلب الماشية وكلب
الحائط وكلب الزرع وغيرها من أنواع النجاسات مع ذهاب الأكثر إلى حرمة بيعها .
وعلى ذلك يجب أن تترتّب عليها جميع آثار المالية ، فإذا أتلفها أحد ضمنها لمالكها ، وإذا مات مالكها انتقلت إلى وارثه ، ولا يجوز للغير أن يزاحم الورثة في تصرفاتهم ، وكذلك تجوز إعارتها وإجارتها وهبتها ولو هبة معوّضة ، لأنّ حقيقة الهبة متقوّمة بالمجانية ، واشتراط العوض فيها أمر زائد على حقيقتها ، وفائدته جواز فسخ الواهب إيّاها إذا لم يف له المتّهب بالشرط .
لا يقال : إنّ الشيء إذا حرم بيعه حرمت سائر المعاملات ع-ليه بطريق الأولوية القطعية . فإنّه يقال : إنّ الأحكام الشرعية توقيفية محضة، فلا يجوز التعدّي عن مورد ثبت فيه التعبّد إلى غيره إلّا بدليل ، والموجود في أدلّة النهي عن بيع الأعيان النجسة في غير ما ألغى الشارع ماليته إنّما هو حرمة ثمنها ، فلا تشمل العوض في سائر المعاملات ، لعدم إطلاق الثمن عليه ، إلّا في الصلح بناء على كونه بيعاً و من قبيل المبادلة بين المالين .
قال المحقّق الإيرواني : إنّ المالية لا تدور مدار المنفعة ، فإنّ الجواهر النفيسة ومنها النقود أموال ، ولا فائدة فيها ... وفي الماء على الشط أهم المنافع ولا يعد مالاً والتراب ينتفع به أهم الانتفاع من اصطناع آجر أو خزف أو إناء وليس بمال(1).
وفيه : أنه لا شبهة في دوران المالية الشرعية مدار المنفعة المحلّلة ، ودوران المالية العرفية مدار مطلق المنافع وإن كانت محرّمة ، ولكن الانتفاع بالأشياء ليس على نسق واحد ، بل يختلف باختلاف ذي النفع ، فنفع الج-واه-ر والنقود بيعها وشراؤها وجعلها أثماناً للأمتعة والعروض ، وأمّا عدم كون الماء على الشط والتراب
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 75 .
في البر من الأموال مع الانتفاع بها أهم الانتفاع فلكون الناس في الانتفاع بهما شرعاً سواء ، ولذا لو اختصّا بشخص واحد كبعض أقسام التراب فإنّ الناس يبذلون بازائهما المال المهم . وعلى الإجمال : مالية الأشياء إنّما هي باعتبار منافعها ، فعديم المنفعة ليس من الأموال .
حقيقة حقّ الاختصاص ومنشأ ثبوته
قوله : والظاهر ثبوت حق الاختصاص في هذه الأُمور .
أقول : قد قامت السيرة القطعية الشرعية والعقلائية على ثبوت حق الاختصاص والأولوية للملّاك في أموالهم التي سقطت عن المالية للعوارض والطوارئ ، كالماء على الشط ، والحيوان المملوك إذا مات ، والأراضي المملوكة إذا جعلها الجائر بين الناس شرعاً سواء ، كالطرق والشوارع المغصوبة ، بديهة ع-دم جواز مزاحمة الأجانب عن تصرف الملاك في أمثال تلك الموارد ما لم يثبت الأعراض ، وهذا ممّا لا ريب فيه ، وإنّما الكلام في منشأ ذلك الحق ، وقد استدل عليه بوجوه :
الأول : أنّ حق الاختصاص سلطنة ثابتة في الأموال ، وهي غير الملكية ، فإذا زالت الملكية بقي الحق على حاله ، لأنّ كل واحد منهما ناشئ عن سبب خاص به .
وفيه : أنّ ذلك وإن كان ممكناً فى مقام الثبوت، إلّا أنّه ممنوع في مقام الإثبات لعدم الدليل عليه .
الثاني : أنّ حق الاختصاص مرتبة ضعيفة من الملكية ، فإذا زالت الملكية بحدّها الأقوى بقيت منها المرتبة الضعيفة التي نسمّيها بحق الاختصاص ، لعدم الملازمة بينهما في الارتفاع ، ويتّضح ذلك بملاحظة الألوان والكيفيات الخارجية .
وفيه : أنّ الملكية الحقيقية من أيّة مقولة كانت جِدَة أو إضافة ليست قابلة
للشدّة والضعف حتى تعتبر بحدّها الضعيف تارةً ، وبحدّها القوي تارةً أُخرى ، بل هي أمر بسيط ، فإذا زالت زالت بأصلها .
ولو سلّمنا كون الملكية الحقيقية ذات مراتب لم يجر ذلك في الاعتبارية ، فإنّ اعتبار كل مرتبة منها مغاير لاعتبار المرتبة الأُخرى ، وإذا زال اعتبار المرتبة القوية لم يبق بعده اعتبار آخر للمرتبة الضعيفة ، وعليه فلا يبقى هناك شيء آخر لكي يسمّى بالحق .
وهذا لا ينافي ما هو المعروف من أنّ الحق في نفسه مرتبة ضعيفة من الملك فإنّ معنى هذا الكلام أنّ الملك والحق كليهما من مقولة السلطنة ، وأنّ الملك سلطنة قوية والحق سلطنة ضعيفة ، وهو أمر آخر غير اختلاف حقيقة الملك بالشدّة والضعف والكمال والنقص نظير الألوان كما توهّم . ونظير ما نحن فيه تسمية الرجحان الضعيف في باب الأوامر بالاستحباب والرجحان الشديد بالوجوب وهو أمر وراء كون الاستحباب مرتبة ضعيفة من الوجوب .
الثالث : قد ثبت في الشريعة المقدّسة أنه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره إلّا بطيب نفسه ، وقد دلّت على ذلك السيرة القطعية وجملة من الأخبار (1)
وفي المستدرك 3 : 331 / أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 1 عن عوالي اللتالي [ 3: 473 / 1 1 : 146 / 82 ] عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « المسلم أخو المسلم ، لا يحل ماله إلا عن طيب نفسه » وهي مرسلة . وعنه (صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه » وهي مرسلة.
فإذا1) في الاحتجاج 2 : 559 / 351 عن أبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال : كان فيما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس الله روحه) في جواب مسائل إلى صاحب الزمان ، إلى أن قال (عليه السلام) : « وأمّا ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر وتقرّباً إليكم ، فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه ، فكيف يحل ذلك في مالنا ، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحل منّا ما حرم عليه ، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً ، وسيصلي سعيراً » .وعن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث : « إنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم) قال : من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها ، فإنّه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه » وهي موثقة بزرعة وسماعة الواقفيين . راجع الوسائل 5 : 120 / أبواب مكان المصلّي ب3 ح 1. وعن تحف العقول : 34 عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)أنه قال في خطبة حجة الوداع : أيها الناس إنما المؤمنون أخوة ، ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه » وهي مرسلة .
زالت الملكية وشككنا في زوال ذلك الحكم كان مقتضى الاستصحاب الحكم ببقائه .
وفيه : مضافاً إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام ، لمعارضته دائماً بأصالة عدم الجعل كما نقّحناه في علم الأُصول(1)أنّ موضوع الحكم بحرمة التصرف هو مال الغير ، فإذا سقط الشيء عن المالية سقطت عنه حرمة التصرف حتى إذا كان باقياً على صفة المملوكية ، إذ لا دليل على حرمة التصرف في ملك الغير ، فكيف إذا زالت عنه الملكية أيضاً .
الرابع : دعوى الإجماع على ذلك . وفيه : أنّ دعوى الإجماع التعبّدي في المسألة بعيدة جدّاً ، فإنّ من الممكن استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة . الخامس : دلالة المرسلة المعروفة بين الفقهاء « من حاز ملك » وقوله (صلّى الله
1) مصباح الأصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي (48) : 42 .
عليه وآله وسلم) : « من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به »(1)
وفي أول إحياء الموات من المبسوط 3 : 268 لشيخ الطائفة ، وفي المستدرك 17 : 111 / كتاب إحياء الموات ب 1 ح 4 : روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : « من سبق إلى ما لا يسبقه إليه المسلم فهو أحقّ به » .
على وجود ذلك الحق في الأشياء التي سقطت عنها المالية .وفيه : أنّ حديث الحيازة وإن اشتهر في ألسنة الفقهاء وكتبهم الاستدلالية ولكنّا لم نجده في أُصول الحديث من الخاصة والعامة ، والظاهر أنه قاعدة فقهية متصيّدة من الروايات الواردة في الأبواب المختلفة ، كإحياء الموات والتحجير وغيرهما ، كسائر القواعد الفقهية المضروبة لبيان الأحكام الجزئية .
ولو سلّمنا كون ذلك رواية أو كان بناء الفقهاء على الاستدلال بالقاعدة ، فلا دلالة فيها على ثبوت حق الاختصاص بعد زوال الملكية ، فإنّ الظاهر منها ليس إلّا ثبوت مالكية المحيز للمحاز ، وأمّا الزائد عن ذلك فلا دلالة لها عليه .
على أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء ، فإنّ الشهرة إنّما تكون جابرة لضعف سند الرواية إذا علم استناد المشهور إلى الرواية الضعيفة ، ولا ريب أنّ استناد أكثرهم هنا أو كلّهم إلى غيرها ، وإنّما ذكروها للتأييد والتأكيد . ويضاف إلى ذلك : أنّ جبر الرواية الضعيفة بالشهرة ضعيف المبنى ، وقد أشرنا إليه في أوّل الكتاب(2).
وأمّا حديث السبق ففيه أولاً : أنّه ضعيف السند ، وغير منجبر بشيء صغرى
وكبرى ، وثانياً : أنّ ما نحن فيه خارج عن حدود هذا الحديث ، فإنّ مورده الموارد المشتركة بين المسلمين ، بأن يكون لكل واحد منهم حق الانتفاع بها ، كالأوقاف العامة من المساجد والمشاهد والمدارس والرباط وغيرها ، فإذا سبق إليها أحد من الموقوف عليهم وأشغلها بالجهة التي انعقد عليها الوقف حرمت على غيره مزاحمته و ممانعته في ذلك . ولو عمّمناه إلى موارد الحيازة فإنّما يدل على ثبوت الحق الجديد للمحيز في المحاز ، ولا يدل على بقاء العلقة بين المالك وملكه بعد زوال الملكية .
ومن جميع ما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقّق الإيرواني من الوهن ، حيث قال [ تعليقاً على قول المصنّف ] : والظاهر ثبوت حق الاختصاص : أمّا في الحيازة فلعموم دليل من سبق إلى ما لم يسبقه أحد (مسلم) فهو أولى به (أحق به) وأمّا فيما إذا كان أصله ملكاً للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة (1). فقد علمت أنّ المورد ليس ممّا يجري فيه الاستصحاب . وأنّ الحديث لا يدل على المدّعى .
قوله : ثم إنه يشترط في الاختصاص بالحيازة قصد الحائز للانتفاع .
أقول : محصّل كلامه أنه يشترط في الاختصاص قصد الحائز الانتفاع بالمحاز فلو خلت حيازته ع-ن ذلك القصد لم يثبت له حق الاختصاص في المح-از وجاز لغيره مع العلم بذلك أن يزاحمه في التصرفات . ولا فرق في ذلك بين الأوقاف العامة والمباحات الأصلية ، وعليه فيشكل الأمر فيما يتعارف في أكثر البلاد من جمع العذرة وبيعها لتسميد البساتين والزروع ، فإنّ الظاهر بل المقطوع ب-ه أنه ليس للشخص قصد الانتفاع بفضلاته ، ولم يحرزها للانتفاع بها ، فيكون أخذ المال بازائها أخذاً محرّماً .
ولكن التحقيق أن يقال : إنّ المحاز قد يكون من الأمكنة المشتركة كالأوقاف
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 76 .
العامة ، وقد يكون من المباحات الأصلية .
أمّا الأول : فلا ريب في أنّ اختصاص الحائز به مشروط بقصد الانتفاع على حسب ما أوقفه أهله ، وإلّا فلا يثبت له الاختصاص، لكونه على خلاف مقصود الواقف ، ومن هنا لم يجز بيعه ولا هبته ولا إجارته ولا استملاكه .
على أنّا لو قلنا بعدم الاشتراط بذلك لجاز إشغال المساجد ومعابد المسلمين بنحو من الحيازة ولو بإلقاء السجّادة ووضع التربة ثم بيعها من المصلّين ، ومن البديهي أنّ هذا على خلاف وجهة الوقف ، نعم لو اكتفينا في ثبوت الاختصاص بمجرد قصد الحيازة ، ولم نشترط فيه قصد الانتفاع ، وقلنا بأنّ حق الاختصاص مما تجوز المعاوضة عليه ، لارتفع الإشكال .
وأمّا الثاني - كالاحتطاب والاصطياد - فالظاهر أنّ الاختصاص ب-ه غ-ي-ر روط بشيء ، بل يكفي فيه مجرد الحيازة الخارجية ، لعدم الدليل على التقييد ، ومن هنا ذهب جمع من الأصحاب ومن العامة إلى عدم الاشتراط . ويظهر ذلك لمن يلاحظ الموارد المناسبة لما نحن فيه .
قال الشيخ في الخلاف : الأرضون الموات للإمام خاصّة ، لا يملكها أحد بالإحياء إلّا أن يأذن له الإمام . وقال الشافعي : من أحياها ملكها ، أذن له الإمام أو لم يأذن . وقال أبو حنيفة : لا يملك إلّا بإذن . وهو قول مالك . دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم(1).
ولو كان لتقييد الاختصاص بقصد الانتفاع وجه لكان ذلك مورداً للخلاف كالتقييد بإذن الإمام .
ويؤيّده عموم رواية : « من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به »
1) الخلاف 3: 525 .
وقاعدة الحيازة المتقدّمتين ، بل يمكن استفادة الإطلاق من الأخبار المتظافرة الواردة في إحياء الموات من الأراضي ، كصحيحة محمد بن مسلم : « أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها ، وهي لهم » . وكحسنة زرارة - بإبرا ابن هاشم - عن أبي جعفر (عليه السلام) : « قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : من أحيا مواتاً فهو له » . وغير ذلك من الروايات من طرق الشيعة(1)ومن طرق العامّة(2).
حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة
قوله : النوع الثاني ممّا يحرم التكسّب به : ما يحرم لتحريم ما يقصد به ، وهو على أقسام :
وهي أُمور : منها : هياكل العبادة المبتدعة(3).
أقول : المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنّة(4)
أقول : قد أشار بالنهي إلى رواية جابر بن عبدالله ، حيث ذكر النهي فيها عن بيع الأصنام راجع سنن البيهقي 6 : 12 ، والبخاري 3 : 110 .
.1) راجع الكافي 5 : 279 / باب في إحياء أرض الموات، والتهذيب 7 : 147 / باب أحكام الأرضين ، والوافي 18 : 979 / باب إحياء الأرض الموات ، والوسائل 25 : 411 / كتاب إحياء الموات ب 1 ، والمستدرك 17 : 11 / كتاب إحياء الموات ب1 .
2) في سنن البيهقي 6 : 141 - 142 ، والبخاري 3 : 140 / باب من أحيا أرضاً مواتاً عن عائشة أنّه قال : « من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها » وغيرها من أحاديثهم .
3) المكاسب 1 : 109 .
4) في سبل السلام 3 : 7 وأمّا علّة تحريم بيع الأصنام فقيل لأنّها لا منفعة فيها مباحة ، وقيل : إن كانت بحيث إذا كسرت انتفع باكسارها جاز بيعها . والأولى أن يقال : لا يجوز بيعها وهي أصنام للنهي ، ويجوز بيع كسرها ، إذ هي ليست بأصنام ، ولا وجه لمنع بيع الأكسار أصلاً .
هو تحريم بيع هياكل(1)
وفي تاج العروس 8 : 170 [ مادّة هيكل ] الهيكل : الضخم من كل شيء ، والهيكل بيت للنصارى فيه صنم على صورة مريم (عليها السلام) فيما يزعمون - مشى النصارى حول بيت الهيكل - زاد في المحكم : فيه صورة مريم وعيسى عليهما السلام) ، وربما يسمّى ديرهم هيكلاً ، والهيكل البناء المشرف ، قيل : هذا هو الأصل ، ثم سمّي به بيوت الأصنام مجازاً .
العبادة المبتدعة ، وفي المتن : بلا خلاف ظاهر ، بل الظاهر الإجماع عليه.وقد استدلّ على ذلك أولاً : بما في رواية تحف العقول من قوله (عليه السلام) : « فكل أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه» ، وقوله (عليه السلام) فيها : « إنّما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً ، نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهو به والصلبان والأصنام » وقوله (عليه السلام) أيضاً فيها : « أو عمل التصاوير والأصنام » .
وفيه أولاً : أنّ رواية تحف العقول ضعيفة السند فلا يمكن الاستناد إليها في الأحكام الشرعية ، وقد تقدّم ذلك في أول الكتاب .
وثانياً : أنّ النهي فيها ظاهر في الحرمة التكليفية ، فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية ، وهذا أيضاً تقدّم في أول الكتاب(2).
وثانياً : بأنّ أكل المال بازائها أكل له بالباطل ، لآية التجارة عن تراضٍ(3).
وفيه : أنّك عرفت مراراً عديدة أنّ الآية ليست عن شرائط العوضين في شيء وإنّما هي راجعة إلى بيان أسباب المعاملات ، وستعرف ذلك أيضاً فيما يأتي(1).
وثالثاً : بقوله تعالى :فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ (2)وبقوله تعالى :إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(3)وبقوله تعالى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (4)بناء على أنّ بيع هياكل العبادة والاكتساب بها منافٍ للاجتناب المطلق ، كما أنّ المراد من الأنصاب هو الأوثان والأصنام(5)
وفي مفردات الراغب [ 807 مادّة نصب ] : والنصيب الحجارة تنصب على الشيء ، وجمعه نصائب ونصب ، وكان للعرب حجارة تعبدها ، وتذبح عليها.
وفي حديث أبي الجارود في تفسير الآية : وأمّا الأنصاب الأوثان التي يعبدها المشركون .
وسيأتي التعرّض لهذا الحديث في البحث عن بيع آلات القمار [ في ص 239 ، الهامش (1) ] .
والمراد من الرجز الرجس ، ومن الهجر الاجتناب .ورابعاً : بالنبوي المشهور المجعول «إنّ الله إذا حرّم على قوم شيئاً حرم عليهم
1) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 102 .
2) الحج 22 : 30 .
3) المائدة 5 : 90
4) المدثر 74 : 5
5) في تاج العروس 1 : 486 [ مادّة نصب ] : الأنصاب وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح لغير الله تعالى ، قاله ابن سيده . واحدها نُصب كعنق وأعناق ، أو نضب بالضم كقفل وأقفال ، قال تعالى : وَالْأَنصَابُ . وقوله : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ الأنصاب الأوثان ، وقال القتيبي . النصب صنم أو حجر ، وكانت الجاهلية تنصبه تذبح عنده فيحمر بالدم .
ثمنه »(1).
وبقوله (عليه السلام) في دعائم الإسلام : « نهى عن بيع الأصنام »(2).
وفيه : - مضافاً إلى ضعف السند فيها ، وعدم ثبوت النبوي على النحو المعروف - أنّ الظاهر من النهي في رواية الدعائم هي الحرمة التكليفية ، والمراد إثبات ما هو أعمّ منها ومن الحرمة الوضعية .
وخامساً : بأنه قد ورد المنع عن بيع الخشب ممّن يجعله صليباً أو صنماً(3)
وعن عمرو بن حريث قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع ب-ه الصليب والصنم ؟ قال : لا » . وهي صحيحة . وفي بعض النسخ : عمرو بن حريز [ وفي الكافي : جرير ] ، وعليه فالرواية ضعيفة . ولكن المشهور هو الأول . ولا يخفى : أنه ذكر في بعض نسخ الوسائل أبان بن عيسى في سند الرواية بدل أبان عن عيسى ، وهو م-ن س-ه-و القلم . راجع الكافي 5 : 2/226 ، 5 ، والتهذيب :6: 373 / 1082، 1084 ، والوافي 17 : 275 / 2 ، 3 ، والوسائل 17 : 176 / أبواب ما يكتسب به ب41 ح1، 2 .
فإذا حرم بيع الخشب لذلك فإنّ بيع الصليب والصنم أولى بالتحريم .وهذا هو الوجه الوجيه، ويؤيّده قيام السيرة القطعية المتّصلة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) على حرمة بيع هياكل العبادة ، ويؤيّده أيضاً وجوب إتلافها حسماً لمادّة الفساد ، كما أتلف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) أصنام
مكّة(1)
وفي البحار 38 / 76 عن أبي هريرة قال : قال لي جابر بن عبدالله : دخلنا مع النبي مكة وفي البيت وحوله ثلاثمائة وستّون صنماً ، فأمر بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)فأُلقيت كلّها لوجوهها ، وكان على البيت صنم طويل يقال له هبل ، فنظر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم)إلى علي وقال له : ياعلي تركب عليّ أو أركب عليك لاُلقي هبل عن ظهر الكعبة ؟ قلت : يارسول الله بل تركبني ، فلمّا جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة ، قلت : يارسول الله بل أركبك ، فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه ، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لمسكتها بيدي ، فألقيت هبل عن ظهر الكعبة ، فأنزل الله تعالى : وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ . وعن أحمد بن حنبل وأبي بكر الخطيب في كتابيهما ما يقرب من ذلك .
وعن أحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي في مسنديهما وأبي بكر الخطيب في تاريخه ، ومحمد ابن الصباح الزعفراني في الفضائل، والخطيب الخوارزمي في أربعينه في تفسير قوله تعالى : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيّاًأنه نزل في صعود علي (عليه السلام) على ظهر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) لقلع الصنم [ انتهى كلام المجلسي (رحمه الله) ] .
فإنه لو جاز بيعها لما جاز إتلافها .بحث وتتميم
إنّ كيفيات الأشياء وأوصافها محسوسة كانت أم غير محسوسة وإن كانت بحسب الدّقة الفلسفية من مقولة الأعراض ، إلّا أنّها في نظر ال-ع--رف المبني على المسامحة والمساهلة منقسمة إلى قسمين :
الأول : أن يكون النظر إلى الأشياء أنفسها بالأصالة ، وإلى أوصافها بالتبع
1) في سنن البيهقي 6 : 101 عن ابن مسعود قال : دخل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) مكّة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستّون نصباً ، فجعل يطعنها بعود بيده ويقول : جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيدجَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ورواه البخاري [ في صحيحه 5 : 188 ] ومسلم [ في صحيحه 3 : 1408 / 87 ] .
لفنائها في المعروض واندكاكها فيه ، ومثال ذلك الأعراض التي هي من لوازم الوجود كالألوان ، ومن ، ومن هذا القبيل أيضاً الليرات العثمانية التي أُلغيت عن الرواج والذهب والفضّة غير المسكوكين .
الثاني : أن يكون النظر فيها إلى الهيئة والصورة بالأصالة ، وإلى المادّة والهيولى بالتبع ، لكون الأوصاف معدودة من الصور النوعية في نظر العرف ، وذلك كالأشكال التي يكون عليها مدار التسمية والعنوان في الخارج ، كما في الكأس والكوز ونحوهما مع أنّ موادها من جنس واحد ، ومن هذا القبيل الفرش والثوب ونحوهما .
أمّا القسم الأول : فالمالية فيها من ناحية المواد ، لأنّ أوصافها خارجة عن حدود الرغبات التي هي من علل ثبوت المالية في المرغوب فيه .
وأمّا القسم الثاني : فالمالية فيها لخصوص الهيئات ، لخروج موادها عن حريم المالية وحدودها ، لكونها إمّا مرغوباً عنها كالنقود الرائجة المضروبة من القراطيس أو مغفولاً عنها في قبال الهيئة للتبعية والاندكاك ، ومن هنا اتّضح أنّ المالية إنّما تقوم بمواد الأشياء ، إمّا للرغبة فيها أنفسها ، وإمّا للميل إلى هيئاتها ، وإمّا للاشتياق إليها معاً ، ولا تضر بذلك استحالة عراء المادّة عن هيئةٍ ما كما لا يخفى .
وقد اتّضح : أنّ المراد بالصورة النوعية هنا هي العرفية دون العقلية المبحوث عنها في طبيعيات الفلسفة ، وأنّ بينهما عموماً من وجه ، إذ قد يكون الوصف م--ن الصور النوعية العرفية مع كونه في نظر العقل من الأعراض ، كالرجولة والأُنوثة فإنّهما وإن كانا عرضين للإنسان، إلّا أنّهما في نظر العرف من الصور النوعية ، فالعبد والأمة نوعان في نظر العرف وإن كانا بالنظر الدقيق صنفين من طبيعة واحدة . وقد ينعكس الأمر فيكون ما هو من الصور النوعية في نظر العقل من الأعراض في نظر العرف ، وذلك كالثوبين المنسوج أحدهما من الحرير والآخر من الفنطاز ، فإنّهما عند
العقل ماهيتان متباينتان وفي نظر العرف حقيقة واحدة لا تعدّد فيها . وقد يجتمعان كالفراشين المنسوجين بنسج واحد ومن جنس واحد ، والكأسين المصوغين بصياغة واحدة ومن فلز واحد .
إذا عرفت ما تلوناه عليك نقول : الملحوظ استقلالاً في بيع الصليب والصنم إن كانت هي الهيئات العارية عن المواد - إمّا لعدم مالية المواد كالمصنوع من الخزف ، أو لكونها مغفولاً عنها - فلا شبهة في حرمة بيعها وضعاً وتكليفاً ، لوقوع البيع في معرض الإضلال ، ولتمحّض المبيع في جهة الفساد وانحطاطه عن المالية ، لحرمة الانتفاع بهما بالهيئة الوثنية ، ولذا وجب إتلافها .
وإن كان الملحوظ في بيعهما هي المواد مجرّدة عن الصورة الوثنية إلّا باللحاظ التبعي غير المقصود فلا إشكال في صحة بيعها ، لآية التجارة(1)وسائر العمومات لأنّ البيع والمبيع لم يتّصفا بجهة من الجهات المبغوضة المنهي عنها .
وإن كان المقصود من البيع هي المواد والهيئة معاً - كما إذا كانا مصنوعين من الجواهر النفيسة أو الأشياء الثمينة - فلا إشكال في حرمة البيع وضعاً وتكليفاً كالصورة الأُولى ، لعموم أدلّة المنع عن البيع لهذا الغرض أيضاً .
لا يقال : إذا كان كل من الهيئة والمادّة ملحوظاً في البيع ك-ان الم--ورد م-ن صغريات بيع ما يملك وما لا يملك ، كبيع الخل مع الخمر ، وبيع الشاة مع الخنزير في صفقة واحدة ، وحكم ذلك أن يقسّط الثمن عليها ، وسيأتي(2)، ويثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط لفوات الانضمام ، وعلى ذلك فلا وجه للحكم بالبطلان .
فإنه يقال : إنّ الانحلال والتقسيط وإن كانا بحسب الكبرى موافقين للتحقيق
إلّا أنّ الإشكال في صحة الصغرى ، لأنّ الهيئة الوثنية في الصليب والصنم كالصورة النوعية للمادّة في نظر العرف ، فلا تكونان في الخارج إلّا شيئاً واحداً ، فلا موضع هنا للانحلال والتقسيط ، كما لا موضع لهما في المادّة والصورة العقليتين عند التخلّف بأن يحكم بالصحة في المادّة السيّالة المسماة بالهيولى الأُولى لأنّها محفوظة في جميع الأشياء وإن تبادلت عليها الصور، وبالبطلان في الهيئة ، لأنّ المقصود منها غير واقع والواقع منها غير مقصود ، ويتبع ذلك تقسيط الثمن عليها بالنسبة .
ووجه الفساد : أنّ المادّة والهيئة ليستا من الأجزاء الخارجية لكي تنحل المعاملة الواحدة إلى معاملات متكثّرة حسب تكثّر أجزاء المبيع ، فالمعاملة عليهما واحدة ، لاتّحاد متعلّقها خارجاً ، والكثرة إنّما هي تحليلية عقلية ، ولازم ذلك أنّ المعاملة إذا بطلت في جزء بطلت في الجميع ، فلا منشأ للانحلال والتقسيط ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الصورة عقلية أو عرفية .
لا يقال : إنّ بيع المادّة مع قصد الصورة الوثنية وإن كان موجباً للبطلان ، إلّا أنّ اشتراط إعدام الهيئة وفنائها يوجب صحة البيع وترتّب الأثر عليه ، لجواز الانتفاع بأجزائها بعد الكسر ، لأنّها ليست بأصنام.
فإنه يقال : إذا تحقّق موضوع الحرمة وترتّب عليه الحكم لم يؤثّر هذا الاشتراط في الجواز ، لأنّ الشيء لا ينقلب عمّا هو عليه .
ثم لا يخفى أنه لو اتّصف شيء من آلات الصنائع كالمكائن ونحوها بصورة الوثنية لكان داخلاً في الأعيان ذات المنافع المحلّلة والمحرّمة ، وسيأتي الكلام عنها(1). ولو قلنا بجواز بيعها باعتبار منافعها المحلّلة فإنما هو فيما إذا أوجبت هذه المنافع ماليتها مع قطع النظر عن المنافع الأُخرى المحرّمة وعن لحاظ الجهة الوثنية
1) [ لعلّه أراد مثل العنب والخشب والسلاح ] .
وإلّا فلا وجه لتوهّم جواز البيع .
قوله : لو أتلف الغاصب لهذه الأُمور ضمن موادها .
أقول : قد عرفت أنه يجب إعدام الصورة الوثنية ، وعليه فإن كانت لأبعاضها المكسورة قيمة كما إذا كانت مصوغة من الذهب أو الفضّة فلا يجوز إتلافها بموادّها بل يجب إتلافها بهيئتها فقط ، ولو أُتلفت بموادها ضمنها المتلف لمالكها ، إلّا أن يتوقّف إتلاف الهيئة على إتلاف المادّة . وإن لم تكن لرضاضها قيمة فلا مانع من إتلاف المادّة أيضاً مع الهيئة .
لا يقال : إنّ توقّف إتلاف الهيئة على إتلاف المادّة لا ينافي ضمان المادّة إذا كانت لها قيمة ، كما أنّ جواز أكل طعام الغير بدون إذنه في المجاعة والمخمصة لا ينافي ضمان ذلك الطعام .
فإنه يقال : الفرق واضح بين المقامين ، إذ الباعث إلى أكل طعام الغير في المخمصة إنّما هو الاضطرار الموجب لإذن الشارع في ذلك ، وأمّا هياكل العبادة فإنّ الباعث إلى إتلافها ليس إلّا خصوص أمر الشارع بالإتلاف ، فلا يستتبع ضماناً .
حرمة بيع آلات القمار
قوله : ومنها آلات القمار .
أقول : قد اتّفقت كلمات الأصحاب على حرمة بيع آلات القمار ، بل في المستند دعوى الإجماع عليها محقّقاً بعد أن نفى عنها الخلاف أولاً(1). ثم إنّ مورد البحث هنا - سواء كان من حيث حرمة البيع أم من حيث وجوب الإتلاف - م--ا يكون معدّاً للمقامرة والمراهنة كالنرد والشطرنج ونحوهما ممّا يعدّ آلة قمار بالحمل
1) المستند 14 : 88
الشائع ، وإلّا فلا وجه لحرمة بيعه وإن اتّفقت المقامرة به في بعض الأحيان كالجوز والبيض ونحوهما ، كما لا يجوز إتلافه ، لكونه تصرّفاً في مال الغير بغير إذن منه ولا من الشارع ، نعم يجب نهي المقامرين بذلك عن المقامرة إذا اجتمعت فيه شرائط النهي عن المنكر .
ويظهر حكم هذه المسألة ممّا أسّسناه في المسألة السابقة من الضابطة الكلّية في حرمة بيع ما قصدت منه الجهة المحرّمة ، فلا يحتاج إلى التكرار . على أنّ حرمة البيع هنا قد دلّت عليها جملة من الأخبار منها رواية أبي الجارود الدالّة على حرمة بيع آلات القمار وحرمة الانتفاع بها(1)
وفي رجال المامقاني 1 : 459 - 460 في رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) إنّه من الكذّابين والمكذّبين والكفّار ، ثم لعن عليهم . وهو زيدي المذهب ، وكان أعمى القلب والبصر ويسمّى سرحوب وهو اسم الشيطان .
، ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير :« بيع الشطرنج حرام ، وأكل ثمنه سحت »(2)ومنها : ما في حديث المناهي : « نهى1) ففي الوسائل 17 : 321 / أبواب ما يكتسب به ب 102 ح 12 ، والبحار 76 : 228 / 1 و 100 : 190 / 3 عن علي بن إبراهيم في تفسيره [ 1 : 180 ] عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) « في قول الله عزّوجلّ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الخ ، أمّا الخمر فكل مسكر من الشراب - إلى أن قال : - وأمّا الميسر فالنرد والشطرنج ، وكل قمار ميسر ،وأمّا الأنصاب فالأوثان التي كانت تعبدها المشركون ، وأمّا الأزلام فالأقداح التي كانت تستقسم بها المشركون من العرب في الجاهلية، كل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشيء من هذا حرام من الله محرّم ، وهو رجس من عمل الشيطان ، وقَرن الله الخمر والميسر مع الأوثان » . وهي ضعيفة بأبي الجارود وهو زياد بن منذر ، يكنّى بأبي النجم أيضاً .
2) ففي الوسائل 17 : 323 / أبواب ما يكتسب به ب 103 ح 4 عن محمد بن إدريس في آخر السرائر [ 3 : 577 ] نقلاً عن جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « بيع الشطرنج حرام ، وأكل ثمنه سحت ، واتّخاذها كفر ، واللعب بها شرك والسلام على اللاهي بها معصية وكبيرة موبقة » . وهي صحيحة .
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن بيع النرد »(1)
وفي البحار 100 : 44 / 9 باب حرمة بيع الشطرنج ، أضاف إليه الشطرنج .
وفي المستدرك 22 (الخاتمة (4) : 360 الفائدة الخامسة من الخاتمة في شرح مشيخة الفقيه : فالخبر ضعيف على المشهور ، لجهالة بعض رواته . ولكن تلوح من متنه آثار الصدق ، وليس فيه من آثار الوضع علامة ، والله العالم .
. ومورد الخبرين الأخيرين وإن كان خصوص بعض الآلات ، ولكن يتم المقصود بعدم القول بالفصل بين آلات القمار المعدة لذلك .ثم إنه قد ورد في جملة من أحاديث العامة(2)الأمر بكسر النرد وإحراقها . فتدل على حرمة بيعها ، لأنّ ما لا يجوز الانتفاع به لا يجوز بيعه عندهم(3). وقد تقدّم ذلك في البحث عن جواز الانتفاع بالنجس (4)، وسيأتي التعرّض له في المسألة الآتية .
قوله : وفي المسالك : إنه لو كان لمكسورها قيمة .
أقول : قال في التذكرة : ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه ، كآلات
1) فعن الصدوق باسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال : « ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع النرد » . الوسائل 17 : 325 / أبواب ما يكتسب به ب 104 ح6 ، الفقيه 4 : 1/4 .
2) راجع سنن البيهقي 10 : 216 / باب كراهة اللعب بالنرد .
3) الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 149 - 153 .
4) في ص 216 الهامش (4) .
الملاهي وهياكل العبادة المبتدعة كالصليب والصنم، وآلات القمار كالنرد والشطرنج إن كان رضاضها لا يعدّ مالاً ، وبه قال الشافعي ، وإن عدّ مالاً فالأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرّمة(1).
وذكر المصنّف : إن أراد بزوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الاشكال في الجواز ، ولا ينبغي جعله محلاً للخلاف بين العلّامة والأكثر . وفي حاشية السيد : لعلّه أراد بزوال الصفة عدم مقامرة الناس به وتركهم له بحيث خرج عن كونه آلة القمار وإن كانت الهيئة باقية(2).
ويرد على التوجيهين : أنّ ظاهر عبارة العلّامة أنّ الحرمة الفعلية لبيع الأُمور المذكورة تدور مدار عدم صدق المالية على أكسارها ، وتوجيهها بما ذكره المصنّف أو بما ذكره السيد (رحمهما الله) بعيد عن مساق كلامه جدّاً ، نعم يحتمل وقوع التحريف في كلامه بالتقديم والتأخير ، بأن تكون العبارة : وإن عدّ مالاً مع زوال الصفة المحرّمة فالأقوى عندي الجواز . فيكون ملخّص كلامه جواز البيع إذا كانت المادّة من الأموال ، أو يوجّه بتقدير المضاف بين كلمة (مع) وكلمة (زوال) بأن يكون التقدير : فالأقوى عندي الجواز مع اشتراط زوال الصفة المحرّمة .
وكيف كان ، فهو أعرف بمرامه ، ولا ندري ما الذي فهم منه المسالك(3)حتى استحسنه .
قوله : ثم إنّ المراد بالقمار مطلق المراهنة بعوض .
أقول : في مجمع البحرين(4): أصل القمار الرهن على اللعب بشيء ، وربم-ا
أُطلق على اللعب بالخاتم والجوز . وسيأتي التعرّض لحقيقة القمار والميسر والأزلام والتعرّض لبيان أنّ المحرّم هو مطلق المراهنة والمغالبة أو المغالبة مع العوض في مسألة حرمة القمار(1).
حرمة بيع آلات الملاهي
قوله : ومنها آلات اللهو على اختلاف أصنافها .
أقول : اتفق فقهاؤنا بل الفقهاء كافة ظاهراً(2)
أقول : لا شبهة في ظهور كلمات هؤلاء ، بل صراحة بعضها في حرمة بيع آلات الملاهي ، فإنّ الانتفاع بها حرام في الشريعة المقدّسة بالاتفاق ، ولا ينافي ذلك ما سيأتي في البحث ع--ن حرمة الغناء [ في ص 469 الهامش (3) ] من ذهاب العامّة إلى جواز الغناء في نفسه .
على حرمة بيع آلات الملاهيوضعاً وتكليفاً ، بل في المستند دعوى الاجماع على ذلك محققاً(3).
وقد يستدل على ذلك بالروايات العامة المتقدّمة في أول الكتاب ، ولكنّه فاسد ، لما فيها من ضعف السند والدلالة ، وظهورها في الحرمة التكليفية كما عرفت(4)
1) في ص 569 - 570 ، 579 وغيرها .
2) في شرح فتح القدير 6: 43 إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرّماً فالبيع فاسد . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 150 عن الشافعية : أنّ من شرائط المعقود عليه أن يكون منتفعاً به شرعاً . وفي ص 151 : عن الحنفية : لا ينعقد بيع كل ما لا يباح الانتفاع به شرعاً . وفي ص 153 عن المالكية : من شرائط المعقود عليه أن يكون منتفعاً به شرعاً ، فلا يصح بيع آلة اللهو . وفي 3 : 118 تحرم إجارة آلات الطرب وثمنها .
3) المستند 14 : 88 .
4) في ص 11، 27 ، 33، 36 .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الروايات(1)قد تواترت من طرقنا ومن طرق العامة على حرمة الانتفاع بآلة اللهو في الملاهي والمعازف ، وأنّ الاشتغال بها والاستماع إليها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة ، وأنّ ضربها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة ، ويتسلّط عليه شيطان ينزع منه الحياء ، وأنه من عمل قوم لوط . وفي سنن البيهقي : « يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير » . بل من الوظائف اللازمة كسرها وإتلافها حسماً لمادّة الفساد ، وليس في ذلك ضمان بالضرورة . وفي بعض أحاديث العامّة(2)إنّ رجلاً كسر طنبوراً لرجل فرفعه إلى شريح فلم يضمنه .
إذن فالمسألة من صغريات الضابطة الكلّية التي ذكرناها في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة ، وعليه فالحق هو حرمة بيع آلات اللهو وضعاً وتكليفاً على أنه ورد في الحديث ما يدل على حرمة بيع آلات الملاهي وشرائها وحرمة ثمنها والتجارة فيها(3). ولكنّه ضعيف السند.
لا يخفى أنّ موضوع الحرمة هنا هي آلة اللهو ، وقد حقّق في محلّه أنّ المضاف إليه خارج عن حدود المضاف ، فلا يعدّ جزءاً له ، إلّا أنه داخل فيه بنحو الاشتراط
1) سنتعرّض لهذه الأخبار المنقولة من الفريقين في البحث عن حرمة الغناء في ص 473
2) راجع سنن البيهقي 6 : 101
3) ففي المستدرك 13 : 219 / أبواب ما يكتسب به ب 79 ح16 عن الشيخ أبي الفتوح في تفسيره عن أبي أمامة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « إنّ الله بعثني ه--دى ورحمة للعالمين ، وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والأوتار والأوثان وأُمور الجاهلية - إلى أن قال- : إنّ آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام » وهي مرسلة
والتقييد ، وحيث إنّ معرفة الحكم فرع معرفة الموضوع بقيوده وشؤونه فلابدّ هنا من العلم بحقيقة اللهو ، وسيأتي التعرّض له في محلّه(1)، ومن أوضح مصاديقه م-ا ه-و مرسوم اليوم من تغنّي أهل الفسوق ولهوهم بالراديوات وغيرها من آلات الملاهي .
حكم بيع آنية الذهب والفضّة
قوله : ومنها أواني الذهب والفضّة .
أقول : مفهوم الإناء أمر معلوم ، لكونه من المفاهيم العرفية ، وهو ما يكون معدّاً للأكل والشرب ، جمعه آنية وأوان ، والظرف أعمّ منه . ومجمل القول هنا : أنّ النهي عن آنية الذهب والفضّة إن كان مختصّاً بالأكل أو الشرب فيها ، وكانت محرّمة الاستعمال في خصوصها ، كما اتّفق عليه الفقهاء كافة (2)
وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 19 فيحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة ، فلا يحل لرجل أو امرأة أن يأكل أو يشرب فيها ، وكذلك لا يحل التطيب منها أو الإدهان أو غير ذلك وكما يحرم استعمالها يحرم اقتناؤها بدون استعمال . وغير ذلك من كلمات العامّة .
واستفاضت الروايات بينهم من الفريقين(3)فلا شبهة في جواز بيعها لسائر الجهات المحلّلة ، ومنها اقتناؤها لأنحاء1) لاحظ ص 641 وما بعدها
2) قال صاحب الجواهر في أواخر كتاب الطهارة [ 6 : 328 ] : لا يجوز الأكل والشرب في آنية من ذهب أو فضة إجماعاً منّا . وعلى هذا النهج كثير من الأصحاب .
3) راجع الكافي 6 : 267 / باب الأكل والشرب في آنية الذهب والفضّة ، والتهذيب 9: 90 / 384 - 391 ، والوافي 20 : 493 / باب 118 ، والوسائل 3 : 505 / أبواب النجاسات ب 65 ، والمستدرك 2 : 596 / أبواب النجاسات والأواني ب 42 ، والبحار 63 : 527 / باب الأكل والشرب في آنية الذهب والفضّة
الاستعمالات وأقسام التزيينات غير الأكل والشرب فيها . وهكذا الحكم لو ك--ان المستفاد من الروايات هو حرمة استعمالها على وجه الإطلاق ، كما ادّعي عليه الإجماع أيضاً وذكر النهي عنه في بعض الأحاديث(1)إذ لا . يعم ذلك مثل التزيين لعدم صدق الاستعمال عليه ، فيجوز بيعها لذلك.
وإن كان المستفاد حرمة جميع منافعها وجميع أنحاء التقلّب والتصرّف فيها حتى التزيين بها فلا ريب في حرمة المعاوضة عليها مطلقاً ، لكونها ممّا يجيء منها الفساد محضاً ، وتكون من صغريات الكبرى المتقدّمة(2)في البحث عن حرمة بيع هياكل العبادة المبتدعة .
وقد استدلّ على هذا الاحتمال الأخير بقوله ( عليه السلام) : « آنية الذهب والفضّة متاع الذين لا يوقنون»(3).
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند في الرواية ، أنّها ناظرة إلى الجهة الأخلاقية فلا تكون مدركاً في الأحكام الفرعية ، وتفصيل الكلام في كتاب الطهارة (4).
1) ففي المستدرك / الباب المتقدّم ح 9 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « أن-ّه نه-ى ع-ن استعمال أواني الذهب والفضّة » وهي مرسلة
2) في ص 236
3) في الباب 65 المذكور من الوسائل ح4 من طريقي الكافي [ 6 : 268 / 7 ] والمحاسن [ 2 : 411 / 64 ] عن موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « آنية الذهب والفضة » الخ . ولكن ما في الكافي ضعيف بسهل ، وما في المحاسن ضعيف بعبدالله بن المغيرة .
4) شرح العروة الوثقى 4 : 278 .
حكم بيع الدراهم المغشوشة
قوله : ومنها الدراهم الخارجة المعمولة لأجل غش الناس .
أقول : لا شبهة في حرمة غش المؤمن في البيع والشراء وضعاً وتكليفاً وسنذكر ذلك عند التعرّض لحرمة الغش(1)وإنّما الكلام هنا يقع في ناحيتين : الأُولى : جواز الانتفاع بها في التزيين وفي دفعه إلى العشّار في المكوس والگمارك وإلى الظالم ، وعدم جوازه . الثانية : جواز المعاوضة عليها وعدم جوازها .
أمّا الناحية الأُولى : فقد استدل على الحرمة بروايات :
منها : ما في رواية الجعفي من الأمر بكسر الدرهم المغشوش ، وأنه لا يحل بيعه ولا إنفاقه(2)
قال في الوافي : الستوق بالضم والفتح معاً ، وتشديد التاء ، وتستوق بضم التاء : الزيف البهرج الملبس بالفضة ، طبقتين فضة . الصواب طبقة من فضة ، وكأنّه ممّا صحفه النساخ ، وحمل منع انفاقه في التهذيبين على ما إذا لم يبيّن أنه كذلك ، فيظن الآخذ أنه جيد .
.وفيه : أنّ الأمر فيها ليس تكليفياً ليجب كسره ويحرم تركه ، بل هو إرشاد إلى عدم صحة المعاوضة عليها وعدم جواز أداء الحقوق الواجبة منها ، ويدل على ذلك من الرواية تعليل الإمام (عليه السلام) الأمر بالكسر بأنه لا يحل بيعه ولا إنفاقه ، إذ من البديهي أنّ الصدّ عن بيعه وإنفاقه في الخارج لا ينحصر في الكسر ، بل يحصل
1) في ص 461 وما بعدها .
2) ففي التهذيب 7 : 109 / 466 ، والوافي 18 : 647 / 8 ، والوسائل 18 : 186 / أبواب الصرف ب 10 ح 5 عن المفضل بن عمر الجعني قال : « كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فألقي بين يديه دراهم ، فألقی إلىّ درهماً منها فقال : أيش هذا ؟ فقلت : ستوق ، فقال : وما الستوق ؟ فقلت : طبقتين فضّة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة ، فقال : اكسرها ، فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه » وهي ضعيفة بعلي بن الحسن الصيرفي .
بغيره أيضاً .
ومنها : ما في رواية موسى بن بكر(1)من أنّ الإمام (عليه السلام) قطع الدينار المغشوش بنصفين وأمره بالقائه في البالوعة حتى لا يباع ما فيه غش ، إذ لو جاز الانتفاع به في وجه لما قطعه بنصفين .
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء . وثانياً : أنّ فعله (عليه السلام) وإن كان حجّة كسائر الأمارات الشرعية كما حقّق في محلّه ، إلّا أنّ ذلك فيما تكون وجهة الفعل معلومة ، وعليه فلا يستفاد من الرواية أكثر من الجواز الشرعى، ويكون مؤدّاها الإرشاد إلى عدم نفوذ المعاملة عليه ، لوجود الغش فيه والشاهد على ذلك من الرواية قوله ( عليه السلام) : « حتى لا يباع شيء فيه غش » بل الظاهر أنه كان غشاً محضاً ، وإلّا لما أمر الإمام (عليه السلام) بالقائه في البالوعة لكون هذا الفعل من أعلى مراتب الإسراف والتبذير . ومن هنا ظهر ما في رواية دعائم الإسلام(2)من حكمه (عليه السلام) بقطع الدرهم المغشوش .
وأمّا الناحية الثانية : فتوضيح الكلام فيها : أنّ للدراهم المغشوشة حالتين الأُولى : أن تكون رائجة بين الناس حتى مع العلم بالغش ، كالدراهم الرائجة في
1) في الكافي 5 : 160 / 3 ، والتهذيب 7 : 12 / 50 ، والوافي 17 : 466 / 3 ، والوسائل 17 : 280 / أبواب ما يكتسب به ب86 ح 5 عن موسى بن بكر قال : « كنّا عند أبي الحسن (عليه السلام) فإذا دنانير مصبوبة بين يديه ، فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه بنصفين ثم قال لي : ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش »وهي ضعيفة بالإرسال ، وبالحسن ابن علي بن أبي عثمان [ ولقبه سجادة ] .
2) في المستدرك 13 : 350 / أبواب الصرف ب 6 ح 1 ، دعائم الإسلام 2 : 29 / 59 عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال في الستوق وهو المطبق عليه الفضة وداخله نحاس : « يقطع ولا يحل أن ينفق » وهي مرسلة .
زماننا . والثانية : أن لا تكون رائجة بينهم .
أمّا الحالة الأُولى : فلا شبهة في جواز المعاوضة على الدراهم المذكورة ، لأنّ الغرض الأصيل منها - أعني الرواج - غير تابع لخلوص المواد ونقائها من الغش بل هو تابع لاعتبار سلطان الوقت لها وجريان القانون الحكومي عليه ، من غير فرق بين اغتشاش المادة وخلوصها ، نعم إذا سقطت عن الاعتبار فلا تجوز المعاوضة عليها من دون إعلام .
وأمّا الحالة الثانية : فإنّ المعاوضة قد تقع على الدرهم الكلّي ثم يدفع البائع الدرهم المغشوش عند الإقباض ، وقد تقع على شخص الدره-م الخ-ارج-ي
المغشوش .
فعلى الأول : لا وجه للبطلان أيضاً ، ولا خيار للمشتري ، بل يجبر البائع على التبديل ، فإن حصل التبديل فيها ، وإلّا كان للمشتري الخيار .
وعلى الثاني : فقد يكون المتعاملان كلاهما عالمين بالغش ، وقد يكونان جاهلين به ، وقد يكونان مختلفين .
أمّا الصورة الأُولى : فلا ريب في إباحة البيع تكليفاً ونفوذه وضعاً للعمومات .
ودعوى أنّ الغش مانع عن صحة البيع للأخبار المتظافرة الآتية في البحث عن حرمة الغش دعوى جزافية، ضرورة خروج هذه الصورة عن موردها خروجاً تخصصيّاً ، إذ الغش إنما يتقوّم بعلم الغار وجهل المغرور ، وقد فرضنا علم المتبايعين بالحال . والتمسّك لذلك بروايتي الجعفي وموسى بن بكر المتقدّمتين بدعوى ظهورهما في حرمة بيع الدراهم والدنانير المغشوشة توهّم فاسد ، فإنّ الروايتين وإن كانتا ظاهرتين في ذلك ولكن يجب حملها على الكراهة ، لصراحة ما دل من
الروايات(1)
والتهذيب [ 7 : 110 / 476 ] عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمن بن الحجاج قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : اشتري الشيء بالدراهم فأعطي الناقص الحبّة والحبتين ؟ قال : لا ، حتى تبينه » الحديث . قال المحدّث النوري في المستدرك 24 (الخاتمة : 6 / الفائدة السادسة) : 267 عند التعرّض لمشيخة التهذيب : وإلى محمّد بن أبي عمير ثلاث طرق حسنات في المشيخة والفهرست . وعليه فالرواية المذكورة حسنة .
على جواز البيع مع علم المتبايعين بالحال .وأمّا الصورة الثانية : فالتحقيق فيها أنّ الكلام تارةً يقع في الحرمة التكليفية وأُخرى في الحرمة الوضعية ، أمّا الحرمة التكليفية فمنفية جزماً ، لف--ق-د م-وض-وعها -وهو الغش - مع جهل المتبايعين .
وأمّا الحرمة الوضعية بمعنى عدم نفوذ البيع فتوضيح الحال فيها يتوقّف على مقدّمة قد أوضحناها في البحث عن بيع هياكل العبادة(2)وتعرّض المصنّف لها في خيار تخلّف الشرط(3)، ولا بأس هنا بالإشارة إليها إجمالاً ، وملخّصها : أنّ القيود في المبيع - سواء كانت من قبيل الأوصاف أو الشروط - إمّا صور نوعية عرفية ، أو جهات كمالية .
فإن كانت من القبيل الأول فلا ريب في بطلان البيع مع التخلّف ، كما إذا اشترى جارية على أنها شابة جميلة فظهرت عبداً شائباً كريه الوجه ، أو اشترى
1) ففي التهذيب 7 : 109 / 467 ، والوافي 18 : 2/645 ، والوسائل 18 : 185 / أبواب الصرف ب 10 ح 2 عن محمد بن مسلم قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الرجل يعمل الدراهم ، يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها ؟ قال : إذا بين ذلك فلا بأس » وهي صحيحة .
2) راجع ص 234 وما بعدها .
3) [ لعلّه يشير إلى ما يذكره في الجزء السابع من هذا الكتاب : 396 ] .
صندوقاً فظهر أنه طبل .
ووجه البطلان : أنّ ما جرى عليه العقد غير واقع ، وما هو واقع لم يجر عليه العقد ، فإنّ ما تعلّقت به المعاملة وإن اتّحد في الحقيقة مع ما تسلّمه المشتري ، إلّا أنّهما في نظر العرف متباينان ، ولا يتقسّط الثمن على المادّة والهيئة لتبطل المعاملة فيما قابل الهيئة وتنفذ فيما قابل المادّة ، كما يتجزّأ فيما إذا باع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة كالشاة مع الخنزير ، وذلك لما عرفت من فساد الانحلال والتقسيط فيما إذا كانت الكثرة تحليلية عقلية.
وإن كانت من القبيل الثاني فلا وجه للبطلان ، بل يثبت خيار تخلّف الشرط كما إذا باع عبداً على أنه كاتب فبان أنه غير كاتب ، أو باع كبشاً فظهر أنه نعجة . والوجه في ذلك هو أنّ الفائت ليس إلّا من الأوصاف الكمالية ، فلا يوجب تخلّفه إلّا الخيار .
ففي المقام إذا باع درهماً على أنه مسكوك بسكّة السلطان فبان أنه مسكوك بسكّة التاجر بطل البيع ، لكون الاختلاف بينهما من الاختلاف في الصور النوعية . وأمّا لو باع درهماً على أنه طازج فبان أنه عتيق فإنّ البيع صحيح ، وإنّما يثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط .
ومن هنا ظهر ما في كلام المصنّف من الوهن ، حيث أثبت خيار التدليس مع تفاوت السكّة ، ووجه الوهن هو أنّ الملحوظ إن كان هي المادّة المجرّدة فلا بطلان ولا خيار ، وإن كان هي مع الهيئة أو الهيئة المحضة فلا مناص عن البطلان ، نعم لو كان الملحوظ هي المادّة المجرّدة وكان التفاوت بكثرة الخليط وقلّته ثبت خيار العيب إلّا أنه غير مفروض المصنّف .
وأمّا الصورة الثالثة : فتارة يفرض علم البائع بالغش دون المشتري ، وأُخرى بالعكس . أمّا الأُولى فهي من أوضح مصاديق الغش في المعاملة ، ويجري فيها جميع
ما ذكرناه في الصورة الثانية . وأمّا الثانية فلا مانع من نفوذ البيع فيها وضعاً وإباحته تكليفاً ، للعمومات . وتوهّم أنّ الغش مانع عن النفوذ مندفع بما ذكرناه من تقوّمه بعلم البائع وجهل المشتري ، والمفروض عكسه .
قوله : وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات .
أقول : أراد بذلك إبداء الفرق بين بيع آلات اللهو والقمار آلات اللهو والقمار وبيع الدراهم المغشوشة ، بدعوى استحالة صحته في الآلات ، لأنّ المادّة والهيئة أجزاء تحليلية عقلية ، فلا تقابل المادّة بجزء من الثمن والهيئة بجزء آخر منه ليحكم بصحة البيع المادة وبفساده في الهيئة ، بل إذا بطل في جزء بطل في الجميع ، وإذا صح في جزء صح في الجميع . والتقسيط إنّما يكون في الأجزاء الخارجية ، كتقسيط الثم--ن ع-لى الخ--ل والخمر إذا بيعا صفقة واحدة ، وهذا بخلاف الدراهم المغشوشة، لنفوذ المعاملة فيها مع الخيار إلّا إذا وقع عنوان المعاوضة على الدراهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك بسكّة السلطان ، فإنّ البيع حينئذ يبطل إذا بان الخلاف .
وفيه : أنّ التزامه بالانحلال والتقسيط في الأجزاء الخارجية إذا ظهر الخلاف وعدم التزامه بهما في آلات اللهو والقمار وسائر ما كان التعدّد فيه بالتحليل العقلي متين ، ومن الوضوح بمكان ، إلّا أنّ الحال في الدراهم أيضاً كذلك ، فإذا كان الاختلاف من جهة السكّة لا يمكن التصحيح من جهة المادّة والإبطال من جهة الهيئة وأمّا الصورة الأُخرى التي يصح البيع فيها مع الخيار أو مع عدمه فلا جامع بينها وبين آلات القمار ليحتاج إلى إبداء الفارق بينهما ، ومن المحتمل أنّ هذه العبارة قد حرّرها النسّاخ في غير موضعها اشتباهاً ، والله العالم .
قوله : وهذا الكلام مطّرد في كل قيد فاسد .
أقول : الشروط سواء كانت صحيحة أم فاسدة لا تقابل بجزء من الثمن كما
سيأتي بيان ذلك في بابها(1)، وعليه فتخلّفها لا يوجب إلّا الخيار حتى على مسلك المصنّف ، ودعوى الخصوصية في المورد جزافية .
حكم بيع العنب على أن يعمل خمراً
قوله : القسم الثاني : ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرّمة(2).
أقول : أراد به تقسيم ما يقصد من بيعه الحرام إلى ثلاثة أقسام ، وبيان حكم كل منها على حدة، ومنشأ القسمة هو أنّ المنفعة المحرّمة التي يقصدها المتعاملان إمّا أن تكون تمام الموضوع في المعاوضة بحيث يرجع مفادها إلى بذل المال بازاء تلك المنفعة المحرّمة لا غير ، كالمعاوضة على العنب بشرط التخمير فقط ، وعلى الخشب بشرط صنعه صنماً فحسب . وإمّا أن تكون بنحو الداعي إلى المعاوضة من دون اشتراط فيها ، كالمعاملة على العنب ليجعله خمراً من غير اشتراط لذلك في المعاوضة. وإمّا أن تكون جزء الموضوع بحيث يرجع مفاد المعاوضة إلى ضمّ الغاية المحرّمة للغاية المحلّلة وبذل المال بازائهما ، كبيع الجارية المغنية إذا لوحظ بعض الثمن بإزاء صفة الغناء . فهنا مسائل ثلاث .
ثم إنّ الوجوه المذكورة جارية في الإجارة أيضاً ، بل هي تزيد على البيع بوجه رابع ، وهو أن يؤجر نفسه لفعل الحرام كالزنا والنميمة والغيبة والقتل والافتراء ومن هذا القبيل إجارة الجارية المغنية للتغنّي .
قوله : الأُولى : بيع العنب على أن يعمل خمراً والخشب على أن يعمل صنماً .
أقول : ادّعى في المستند(1)وفي متاجر الجواهر(2)وغيرهما عدم الخلاف بل الإجماع على حرمة الإجارة والبيع ، بل كل معاملة وتكسب للمحرّم ، سواء اشترطاه في العقد أم حصل اتّفاق المتبايعين عليه ، كاجارة المساكن والحمولات للخمر وركوب الظلمة وإسكانهم للظلم ، وبيع العنب والتمر وغيرهما ممّا يتّخذ منه المسكر ليعمل خمراً ، أو الخشب ليعمل صنماً أو بربطاً ، وإلى هذا القول ذهب بعض أهل الخلاف(3)بل هو ظاهر جميعهم ، لنصّهم على حرمة الإجارة للأُمور المحرّمة وسيأتي(4)، ولا فرق في ذلك بين الإجارة وسائر المعاملات .
وكيف كان ، فالكلام يقع في ناحيتين : الأُولى : في جواز بيع المباح على أن يجعل حراماً وعدم جوازه . والثانية : في بيان أقسام ما يقصد من إجارته الحرام وذكر أحكامه .
أمّا الناحية الأُولى : فالذي يمكن الاستدلال به على حرمة البيع وجوه :
الوجه الأول : أنّ بيع الأشياء المباحة على أن تصرف في الحرام كبيع العنب للتخمير ، وبيع الخشب لجعله صنماً أو آلة لهو - إعانة على الإثم ، بل في المستند إنه معاونة على الإثم المحرّم كتاباً وسنّة وإجماعاً (5).
وفيه أولاً : أنّ الكبرى ممنوعة إلّا في موارد خاصة كما سيأتي(1).
وثانياً : أنّك علمت في بعض المباحث أنّ بين عنوان البيع وعنوان الإعانة على الإثم عموماً من وجه ، لتقوّم مفهوم الاعانة بالإقباض والتسليط الخارجي على العين ولو بغير عنوان البيع مع العلم بصرفها في الحرام ، وإن كان ينطبق عنوان الإعانة على البيع في بعض الأحيان ، وعليه فلا تستلزم حرمة الإعانة على الإثم حرمة البيع في جميع الموارد .
وثالثاً : أنّ حرمة المعاوضة لو سلّمت لا تدل على فساد المعاملة وضعاً ، لأنّها حرمة تكليفية محضة .
ورابعاً : لو قلنا بدلالة النهي التكليفي على فساد المعاملة فإنّ ذلك فيما إذا كانت بعنوانها المعاملة الأوّلي مورداً للنهي كبيع الخمر ، لا بعنوانها العرضي كما في المقام وهذا لا ينافي ما سلكناه في بعض المباحث(2)وأشرنا إليه فيما سبق(3)من كون النواهي في باب المعاملات إرشاداً إلى الفساد كالنهي عن البيع الغرري ، كما أنّها في أبواب الصلاة إرشاد إلى المانعية ، فإنّ ذلك فيما لم تقصد المولوية التكليفية من النهي كالنهي عن بيع الخمر.
وخامساً : أنّ تخلّف الشروط الصحيحة إنّما يوجب الخيار للمشترط ، لأنّ الشروط لا تقابل بجزء من الثمن ، وقد حقّقناه في محلّه(4)، والتزم به المصنّف في باب
الشروط(1)ومن الواضح أنّ الشروط الفاسدة لا تزيد على الصحيحة في ذلك ، فلا يسري فساد الشرط إلى العقد .ودعوى امتياز المورد عن بقية الشروط الفاسدة موهونة جدّاً.
ولو سلّمنا أنّ للشروط حصة من الثمن فيقسّط عليها وعلى المشروط فإنّما هو في الشروط التي تجعل على البائع ، كأن يشترط المشتري عليه في ضمن العقد خياطة ثوبه أو بناء داره أو نجارة بابه ونحوها ممّا يوجب زيادة الثمن ، وأمّا الشروط التي تجعل على المشتري كأن يشترط البائع عليه صرف المبيع في جهة خاصة سواء أكانت محرّمة أم محلّلة ، فلا تقابل بشيء من الثمن . إذن فاشتراط البائع على المشتري صرف المبيع في الحرام لا يوجب فساد البيع حتى على القول بالتقسيط .
الوجه الثاني : أنّ ذلك أكل للمال بالباطل فهو حرام ، لآية التجارة(2).
وفيه أولاً : ما عرفته مراراً وستعرفه(3)من أنّ الآية الشريفة مسوقة لبيان الضابطة الكلّية في الأسباب الصحيحة والأسباب الفاسدة للمعاملات ، وأنّ شرائط العوضين خارجة عن حدودها . وثانياً : ما عرفته مراراً أيضاً من أنّ الشروط لا تقابل بجزء من الثمن ليلزم من فسادها أكل المال بالباطل ، وإنّما هي مجرد التزامات لا يترتّب على مخالفتها إلّا الخيار .
الوجه الثالث : دعوى الإجماع على الحرمة . وفيه : - مضافاً إلى عدم حجّية الإجماع المنقول - أنّ دعوى الإجماع التعبّدي في المقام موهونة جدّاً ، لإمكان استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة .
الوجه الرابع : ما ذكره في المستند(1)من كونه بنفسه فعلاً محرّماً ، لما بيّنا في موضعه من أنّ فعل المباح بقصد التوصّل به إلى الحرام محرّم .
وفيه : أنّا لو قلنا بحرمة مقدّمة الحرام فإنّما ذلك في المقدّمات التي لا يمكن التفكيك بينها وبين ذي المقدّمة ، بحيث لا يتمكّن المكلّف بعد إيجاد المقدّمة من ترك ذي المقدّمة ، فيعاقب على ذلك . ومن الضروري أنّ بيع المباح بقصد التوصّل به إلى الحرام أو بشرط صرفه فيه ليس علّة لإيجاده ، وإنّما هو من الدواعي ، والتخلّف فيها ليس بعزيز .
الوجه الخامس : ما توهّم من شمول أدلّة النهي عن المنكر للمقام ، بدعوى أنه إذا وجب النهي عن المنكر لرفعه فإنّ النهي عنه لدفعه أولى بالوجوب . وفيه : أنّا لو استفدنا من الأدلّة وجوب النهي عن المنكر لدفعه لأمكن الالتزام بوجوب النهي عنه لرفعه بالفحوى ، وأمّا العكس فلا . ولو أغمضنا عن ذلك فهو إنّما يتم إذا علم البائع بأنّ المشتري يصرف المبيع في الحرام على حسب الاشتراط ، وإلّا فلا مقتضي للوجوب ، على أنّ مقتضاه إنّم-ا ه-و مجرد التكليف والنهي التكليفي في المعاملات لا يقتضي الفساد .
قوله : خبر جابر .
أقول : لا وجه لذكره في المقام إلّا من جهة اتّحاد حكم البيع والإجارة فيما نحن فيه ، وإلّا فهو أجنبي عن البيع ، وصريح في حرمة الإجارة للغاية المحرّمة كما سيأتي .
1) المستند 14 : 95-96 .
وأمّا الناحية الثانية : فقد علمت(1)أنّ ما يقصد من إجارته الحرام يكون على أربعة أقسام :
الأول : أن يكون متعلّق الإجارة من الأُمور المحرّمة ، كأن يؤجر نفسه للعمل الحرام ، وهذا لا شبهة في حرمته من حيث الوضع والتكليف ، بل لا نعرف فيه خلافاً من الشيعة والسنّة(2)
وفي الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 117 - 118 المالكية قالوا : من جملة الإجارات الممتنعة الإجارة على تعليم الغناء ، فإنّها لا تصح ، وكل ما لا يباح لا يصح تأجيره ، ومن ذلك أجرة آلات الطرب .
وفي ص 114 : لا يصح الاستئجار على المعاصي مثل الغناء والنوح والملاهي ، كاستئجار بعض الفارغين من الشبان ليقوموا بأناشيد سخيفة ويتبادلون في مجلسهم المخمور والمحرّمات فإنّ استئجارهم كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها .
وفي الهداية 3 : 240 ولا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي ، لأنه استئجار على المعصية ، والمعصية لا تستحق بالعقد.
إلّا ما يظهر ممّا نسب إلى أبي حنيفة في بعض الفروع(3)وقد1) في ص 252 .
2) في المبسوط للسرخسي 16 : 37 - 38 ولا تجوز الإجارة على شيء من الغناء والنوح والمزامير والطبل وشيء من اللهو ، لأنه معصية ، والاستئجار على المعاصي باطل ، فإنّ بعقد الإجارة يستحق تسليم المعقود عليه شرعاً ، ولا يجوز أن يستحق على المرء فعل به يكون عاصياً شرعاً .
3) في أحكام القرآن للجصاص 3 : 95 [ باب المتعة ] في تسمية الله المهر أجراً دليل على صحة قول أبي حنيفة في من استأجر امرأة فزنا بها أنّه لا حدّ عليه ، لأنّ الله تعالى قد سمّى المهر أجراً ، فهو كمن قال : أمهرك كذا ، وقد روي نحوه عن عمر بن الخطّاب ، ومثل هذا يكون نكاحاً فاسداً ، لأنّه بغير شهود .
عرفت(1)في معنى حرمة البيع أنّ نفس أدلّة المحرّمات كافية في حرمة هذا القسم من الإجارة ، إذ هي تقتضي الانزجار عنها ، ومقتضى العمومات هو وجوب الوفاء بالعقد ، وهما لا يجتمعان . ولعلّ المقصود من خبر جابر الآتي هو هذا القسم أيضاً .
الثاني : أن يشترط المؤجر على المستأجر أن ينتفع بالعين المستأجرة بالمنافع المحرّمة من دون أن يكون أصل الإيجار للحرام ، كاستئجار الثياب والحلي والأمتعة والخيام والسيارات وسائر الحمولة بشرط الانتفاع بها بالجهات المحرّمة . المشهور بيننا وبين العامة(2)
وفي الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 118 إجارة الدكّان ليباع فيه الخمر ونحوها ممّا يفسد العقل أو يضرّ بالبدن فإنّها لا تصح ، وكذلك إجارة المنازل للدعارة والفسق .
وفي شرح فتح القدير 8: 494 وقد صرّح محمد في الجامع الصغير بأنه لا بأس عند أبي حنيفة أن تؤاجر بيتك ليتّخذ فيه بيت نار أو كنيسة أو بيعة أو يباع الخمر فيه بالسواد .
عدم جواز ذلك ، إلّا أنّ الظاهر أنّ المسألة من صغريات الشرط الفاسد ، وبما أنّك علمت إجمالاً وستعلم تفصيلاً أنّ فساد الشرط لا يستلزم فساد العقد ولا يسري إليه ، فلا موجب لفساد الإجارة من ناحية الشرط المذكور .وقد يستدل على الفساد برواية جابر(3)حيث حكم الإمام (عليه السلام) فيها
1) في ص 37
2) في المبسوط للسرخسي 16 : 38 : إذا استأجر الذمّي من المسلم بيتاً ليبيع فيه الخمر لم يجز لأنه معصية ، فلا ينعقد العقد عليه ولا أجر له . وعند أبي حنيفة والشافعي يجوز هذا العقد لعدم ورود العقد على بيع الخمر ، بل على منفعة البيت ، فله أن يبيع فيه شيئاً آخر . [ نقل بالمضمون ] .
3) عن جابر (وفي التهذيب صابر بدل جابر ) قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) ع-ن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر ، قال : حرام أجره » وهي مجهولة بجابر . وعلى نسخة التهذيب حسنة ، فإنّ صابر من الحسان . راجع الكافي 5 : 227 / 8 ، والتهذيب 6 : 371 / 1077 ، والوافي 17 : 179 / 2 ، والوسائل 17 : 174 / أبواب ما يكتسب ب-ه ب 39 ح 1 .
بحرمة الأُجرة في رجل آجر بيته فيباع فيه الخمر .
وفيه : - مضافاً إلى ضعف السند فيها - أولاً : أنّها أجنبية عن اشتراط الانتفاع بالعين المستأجرة في الحرام ، إذ لا داعي للمسلم أن يؤاجر بيته ويشترط على المستأجر أن ينتفع منها بالمنافع المحرّمة ، بل موردها فرض العلم بالانتفاع المحرّم من غير شرط.
وثانياً : أنّها محمولة على الكراهة ، لمعارضتها بحسنة ابن أُذينة(1)الدالّة على جواز إيجار الحمولة لحمل الخمر والخنازير .
وجمع المصنّف(2)بينهما بأنّ رواية ابن أُذينة محمولة على ما إذا اتّفق الحمل من غير أن يؤخذ ركناً أو شرطاً في العقد ، بتقريب : أنّ خبر جابر نصّ فيما نحن فيه وظاهر في هذا ، وأنّ حسنة ابن أُذينة بالعكس ، فيطرح ظاهر ك--ل م-نهم-ا ب-ن-ص الآخر .
وفيه : أنه قد تقدّم في البحث عن بيع العذرة (3)أنّ المتيقّن الخارج عن مقام التخاطب من الدليلين لا يصحح الجمع الدلالي بينهما ما لم يساعده شاهد من النقل والاعتبار ، وإنّما هو تبرّعي محض .
ومن هنا اندفع ما في التهذيب من أنه : إنّما حرم إجارة البيت لمن يبيع الخمرلأنّ بيع الخمر حرام ، وأجاز إجارة السفينة يحمل فيها الخمر لأنّ حملها ليس بحرام لأنه يجوز أن يحمل ليجعل خلاً ، وعلى هذا لا تنافي بين الخبرين(1). على أنه ذكر في الحسنة جواز حمل الخمر والخنازير . وما ذكره من التوجيه في حمل الخمر لا يجري في حمل الخنازير .
وقد يتوهّم عدم نفوذ الإجارة وضعاً وحرمتها تكليفاً ، لرواية دعائم الإسلام(2)الظاهرة فيهما . ولكنّه توهّم فاسد، لأنّ هذه الرواية ضعيفة السند وغير منجبرة بشيء ، فلا تفي لإثبات المقصود . على أنها معارضة بالحسنة المذكورة فتحمل على الكراهة .
ثم إنه بفحوى ما ذكرناه ظهر حكم القسم الثالث والرابع ، أعني صورة العلم بترتّب الحرام على الإجارة من غير أن يجعل شرطاً في العقد أو داعياً إليها ، وصورة أن يكون ترتّب الحرام داعياً لإنشاء المعاملة . ويتّضح ذلك وضوحاً من المسألة الثانية والرابعة .
قوله : بل الأظهر فساده وإن لم نقل بافساد الشرط الفاسد.
أقول : قد سمعت كون المسألة من صغريات الشرط الفاسد ، ودع-وى الخصوصية فيها وامتيازها عن سائر الشروط الفاسدة مجازفة .
1) التهذيب 6 : 372 / ذيل ح 1078 .
2) عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال : « من اكترى دابة أو سفينة فحمل عليها المكتري خمراً أو خنازير أو ما يحرم لم يكن على صاحب الدابة شيء ، وإن تعاقدا على حمل ذلك فالعقد فاسد ، والكراء على ذلك حرام » وهي مرسلة . راجع دعائم الإسلام 2 : 78 / 229 والمستدرك 13 : 121 / أبواب ما يكتسب به ب 32 ح 1 .
قوله : مع أنّ الجزء أقبل للتفكيك بينه وبين الجزء الآخر من الشرط والمشروط .
أقول : جواز الانحلال والتقسيط في الأجزاء الخارجية وإن كان صحيحاً كما أشرنا إليه ، وسيأتي تفصيله في بيع ما يملك وما لا يملك(1)، إلّا أنه غير صحيح في الأجزاء التحليلية العقلية ، فإنّ الانحلال في ذلك باطل جزماً ، ومن ذلك يظهر أنّ بطلان بيع الآلات اللهوية لا يستلزم بطلان البيع فيما إذا كان الشرط حراماً ، فإنّ الثمن في باب الشرط إنّما جعل بازاء نفس المال فقط ، وليس للشرط حصّة من الثمن ليقاس ببيع الآلات المحرّمة .
قوله : المسألة الثانية : يحرم المعاوضة على الجارية المغنّية (2).
أقول : محصّل كلامه أنّ الصفات سواء كانت محلّلة أم محرّمة قد تكون داعية إلى المعاوضة ، ولا دخل لها في المعاوضة بأكثر من ذلك ، وقد تكون دخيلة في ازدياد الثمن فيها ، وقد تكون أجنبية عنها أصلاً . أمّا الأول والثالث فلا ريب في صحة المعاوضة فيهما ، لأنّ المفروض أنّ الصفة المحرّمة لم توجب زيادة في الثمن وكذا الثاني لو كانت الصفة الموجبة لازدياد الثمن هي الصفة المحلّلة ، وأمّا لو كان الموجب للزيادة هي الصفة المحرّمة فلا شبهة في فساد المعاوضة حينئذ ، كملاحظة صفة التغنّي في بيع الجارية المغنّية ، والمهارة في القمار ، والسرقة واللهو في بيع العبد . ووجه الفساد : أنّ بذل شيء من الثمن بملاحظة الصفة المحرّمة أكل للمال بالباطل .
وأمّا التفكيك بين القيد والمقيّد فيحكم بصحة العقد في المقيّد وبطلانه في القيد بما قابله من الثمن فتوهّم فاسد ، لأنّ القيد أمر معنوي لايوزّع عليه شيء من المال .
أقول : تحقيق المسألة في جهتين ، الأُولى : من حيث القواعد ، والثانية : من حيث الروايات .
أمّا الجهة الأُولى : فالقاعدة تقتضي صحّة المعاوضة في جميع الوجوه المذكورة لوجهين :
الوجه الأول : أنّ بعض الأعمال كالخياطة ونحوها وإن صح أن تقع عليه المعاوضة وأن يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال ، إلّا أنّه إذا لوحظ وصفاً في ضمن المعاوضة فإنه لا يقابل بشيء من الثمن ، وإن كان بذل المال بملاحظة وجودها . وعليه فحرمة الصفة لا تستلزم حرمة المعاوضة في الموصوف ، وإنما هي كالشروط الفاسدة لا توجب إلّا الخيار .
الوجه الثاني : لو سلّمنا أنّ الأوصاف تقابل بجزء من الثم-ن ف-إنّ ذلك لا يستلزم بطلان المعاملة ، إذ الحرام إنّما هي الأفعال الخارجية من التغنّي والق--ار والزنا ، دون القدرة عليها التي هي خارجة عن اختيار البشر .
على أنّه قد ورد في الآيات والأحاديث(1)أنّ قدرة الإنسان على المحرّمات قد توجب كونه أعلى منزلة من الملائكة ، فإنّ الإنسان يحتوي على القوّة القدسية التي تبعث إلى الطاعة ، والقوّة الشهوية التي تبعث إلى المعصية ، فإذا ترك مقتضى الثانية وانبعث بمقتضى الأُولى فقد حصل على أرقى مراتب العبودية . وهذا بخلاف الملك ، فإنّه لاختصاصه بالقوّة الروحية والملكة القدسية الباعثة إلى الطاعة والرادعة عن المعصية ، ولعرائه عن القوّة الأُخرى - الشهوية - لا يعصي الله ، فيكون
1) راجع البحار 57 : 5/299، 7،6، 16، 18.
الإنسان الكامل أفضل من الملك ، وتفصيل الكلام في محلّه .
وأمّا الجهة الثانية : فقد استفاضت الروايات من الشيعة(1)
ومحمد الطاهري عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات فقال : شراؤهنّ وبيعهنّ حرام ، وتعليمهنّ كفر ، واستماعهنّ نفاق » وهي ضعيفة بالطاهري وسهل وغيرهما .
وإبراهيم بن أبي البلاد قال : « أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيّات أن نبيعهنّ ونحمل ثمنهنّ إلى أبي الحسن (عليه السلام) قال إبراهيم : فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم وحملت الثمن إليه ، فقلت : إنّ مولى لك يقال له إسحاق بن عمر قد أوصى عند موته ببيع جوار له مغنّيات وحمل الثمن إليك ، وقد بعتهنّ وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم ، فقال : لا حاجة لي فيه ، إنّ هذا سحت ، وتعليمهنّ كفر ، والاستماع منهنّ نفاق ، وثمنهنّ سحت » وهي مرسلة . راجع الكافي 5 : 5،4/120 ، 7 ، والتهذيب :6 : 357 / 1019 ، 1018، 1021 والوافي 17 : 207 / 4، 5 ، 8 ، والوسائل 17 : 124 / أبواب ما يكتسب به ب16 ح6 7،5.
وفي الباب المذكور من الوسائل ح4 ، والبحار :76: 242 / 10 عن قرب الإسناد [ 305 / 1195 ] عن إبراهيم بن أبي البلاد قال« قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام) : جعلت فداك ، إنّ رجلاً من مواليك عنده جوار مغنّيات ، قيمتهنّ أربعة عشر ألف دينار ، وقد جعل لك ثلثها ، فقال : لا حاجة لي فيها ، إنّ ثمن الكلب والمغنّية سحت » وهي صحيحة . وفي هذا الباب من الوسائل ح3 عن إسحاق بن يعقوب في التوقيعات ، إلى أن قال (عليه السلام) : «وثمن المغنّية حرام » وهي مجهولة بمحمد بن عصام الكليني .وفي المستدرك 13 : 92 / أبواب ما يكتسب به ب 14 ح 3، 4 عن القطب الراوندي عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال : « لا يحل بيع المغنّيات ولا شراؤهنّ ، وثمنهنّ حرام » وهي مرسلة .
وعن عوالي اللئالي [ 1 : 244 / 170 ] عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)« أنّه نهى عن بيع المغنيّات وشرائهنّ والتجارة فيهنّ وأكل ثمنهنّ » . وهي مرسلة .
1) روى الوشاء قال : « سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنّية ، فقال : ق--د تكون للرجل الجارية تلهيه ، وما ثمنها إلّا ثمن كلب ، وثمن الكلب سحت ، والسحت في النار » وهي ضعيفة بسهل بن زياد وغيره .
والسنّة(1)
وفي10 : 225 عن مجاهد في تفسير الآية : هو اشتراؤه المغنّي والمغنّية بالمال الكثير. والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل.
على حرمة بيع الجواري المغنّيات وكون ثمنهنّ سحتاً كثمن الكلب ، وأكثر هذه الروايات وإن كان ضعيف السند ولكن فى المعتبر منها غنى وكفاية .وقد يتوهّم وقوع المعارضة بينها وبين ما دل على جواز البيع والشراء للتذكير بالجنّة وطلب الرزق ، كروايتي الدينوري والصدوق(2)
أقول : في رجال المامقاني [ 2 : 177 / 6810 ] أنّه : لم أقف فيه إلّا على رواية الشيخ في باب المكاسب من التهذيب عن البرقي عن أبي الحسن (عليه السلام) .
وفي الباب المذكور من الوسائل ح 2 عن الصدوق قال : « سأل رجل علي بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت ، فقال : ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة » يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء ، فأمّا الغناء فمحظور . وهي مرسلة راجع الفقيه 4 : 42 / 139 .
.1) في سنن البيهقي 6 : 14 عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « لا تبتاعوا المغنيّات ولا تشتروهنّ ، ولا تعلموهنّ ، ولا خير في تجارة فيهنّ ، وثمنهنّ حرام » . وفي مثل هذا الحديث نزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ الآية .
2) ففي التهذيب 6 : 387 / 1151 ، والوافي 17 : 217 / 34 ، والوسائل 17 : 122 / أبواب ما يكتسب به ب16 ح 1 عن عبدالله بن الحسن الدينوري قال « قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : ... جعلت فداك ، فأشتري المغنّية أو الجارية تحسن أن تغنّي ، أُريد بها الرزق ، لا سوى ذلك ؟ قال : اشتر وبع » وهي مجهولة بالدينوري .
وفيه أولاً : أنّهما ضعيفتا السند ، وغير منجبرتين بشيء .
وثانياً : أنّ رواية الصدوق خارجة عن محل الكلام أصلاً ، فإنّ المفروض فيها شراء الجارية التي لها صوت ، ومورد البحث هنا بيع الجارية المغنّية ، وبينهما ب--ون بعيد .
وأمّا رواية الدينوري فهي راجعة إلى البيع والشراء لطلب الرزق وتحصيله فقط لا سوی ذلك ، فلا يكون حراماً. على أنّ المحرّم إنّما هو التغنّي الخارجي ، وأمّا مجرد القدرة عليه فليس بحرام جزماً .
ثم الظاهر من الأخبار المانعة هو أنّ الحرام إنّما هو بيع الجواري المغنّيات المعدّة للتلهّي والتغنّي كالمطربات اللاتي يتخذن الرقص حرفة لهن ويدخلن على الرجال ، إذ من الواضح جدّاً أنّ القدرة على التغنّي كالقدرة على بقية المحرّمات ليست بمبغوضة ما لم يصدر الحرام في الخارج كما عرفت ، على أنّ نفعها لا ينحصر بالتغنّي ، لجواز الانتفاع بها بالخدمة وغيرها .
ومع الإغضاء عن جميع ذلك أنّ بيعها بقصد الجهة المحرّمة لا يكون سبباً لوقوع الحرام ، لبقاء المشتري بعد على اختياره في أن ينتفع بها بالمنافع المحرّمة إن شاء أو بالمنافع المحلّلة ، وعليه فلا موجب لحرمة البيع إلّا من جهة الإعانة على الإثم و بنفسها لا تصلح للمانعية .
قال السيد (رحمه الله) في حاشيته على المتن : ويمكن الاستدلال بقوله (عليه السلام) في حديث تحف العقول : « أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد » خصوصاً بقرينة تمثيله بالبيع بالربا ، وذلك لأنّ المبيع في بيع الربا ليس ممّا لا يجوز
بيعه ، بل الوجه في المنع هو خصوصية قصد الربا ، ففي المقام أيضاً الجارية من حيث هي ليست ممّا لا يجوز بيعها ، لكن لو قصد بها الغناء يصدق أنّ في بيعها وجه الفساد (1).
وفيه : - مضافاً إلى وهن الحديث من حيث السند - أنّه لا مورد للقياس ، لأنّ البيع الزبوي حرام لذاته ، وبيع الجارية لو كان حراماً فإنّما هو حرام لأجل ق-ص-د التغنّي ، فالحرمة عرضية ، والقياس مع الفارق .
لا بأس بالإشارة إلى حكم كسب المغنّية وإن لم يتعرّض له المصنّف ، فنقول : إنه ورد في جملة من الروايات عدم جواز كسب المغنّية ، وأنّها ملعونة ، وملعون من أكل من كسبها (2)
وعنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها : وهي مجهولة بحكم الحناط .
وعنه قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) أجر المغنّية التي تزف العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال » وهي صحيحة .
النصر بن قابوس قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : المغنّية ملعونة ، ملعون من أكل كسبها » وهي حسنة بإسحاق بن إبراهيم . راجع الكافي 5 : 119 / 1 - 3، 6 . والتهذيب 6 : 358 / 1024 ، 1023 ، 1022 ، 1020 ، والوافي 17 : 205 / 1، 3، 6 والوسائل 17 : 120 / أبواب ما يكتسب به ب 15 ح 1 - 4 .
وفي المستدرك 13 : 91 / أبواب ما يكتسب به ب 13 ح 1 عن فقه الرضا : 253 « وكسب المغنّية حرام » وهي ضعيفة . وكذلك عن المقنع : 362 مرسلاً .
، فيدل ذلك على حرمة كسبها وضعاً وتكليفاً ، على أنه يكفي في1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 6 ، السطر 27
2) أبو بصير قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن كسب المغنّيات ؟ فقال : التي يدخل عليها الرجال حرام ، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزّوجلّ :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِوهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة بن سالم البطائني .
الحرمة جعلهنّ الأفعال المحرّمة مورداً للتكسّب ، كالتغنّي والدخول على الرجال وغيرهما ، لما علمت سابقاً (1)من أنّ أدلّة صحة العقود ووجوب الوفاء بها مختصة بما إذا كان العمل سائغاً في نفسه ، فلا وجه لرفع اليد بها عن دليل حرمة العمل في نفسه ، نعم لو دعين لزفّ العرائس ولم يفعلن شيئاً من الأفعال المحرّمة فلا بأس بكسبهنّ ، وقد ورد ذلك في رواية أبي بصير ، وذكرناها في الهامش . ومن جميع ما ذكرناه ظهر حكم الرجل المغنّي أيضاً .
قوله : المسألة الثالثة : يحرم بيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله الخ(2).
أقول : قد وقع الخلاف بين الفقهاء في جواز بيع الأشياء المباحة ممّن يعلم البائع أنه يصرفه في الحرام وعدم جوازه ، ففي المختلف : إذا كان البائع يعلم أنّ المشتري يعمل الخشب صنماً أو شيئاً من الملاهي حرم بيعه وإن لم يشترط في العقد ذلك ، لنا أنه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرّماً ، لأنه إعانة على المنكر . ونقل
عن ابن إدريس جواز ذلك ، لأنّ الوزر على من يجعله كذلك ، لا على البائع(1). وفصّل المصنّف (رحمه الله) بين ما لم يقصد منه الحرام فحكم بجواز بيعه ، وبين ما يقصد منه الحرام فحكم بحرمته ، لكونه إعانة على الإثم ، فتكون محرّمة بلا خلاف . وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامّة أيضاً(2)
وفي شرح فتح القدير 8: 493 ولا بأس ببيع العصير ممّن يعلم أنه يتّخذه خمراً ، لأنّ المعصية لا تقام بعينه بل بعد تغييره . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 50 عن الحنابلة : كلّ ما أفضى إلى محرّم فهو حرام .
.أمّا ما ذكره المصنّف (رحمه الله) من التفصيل فيرد عليه أولاً : أنّ مفهوم الإعانة على الإثم والعدوان كمفهوم الإعانة على البرّ والتقوى أمر واقعي لا يتبدّل بالقصد ولا يختلف بالوجوه والاعتبار.
وثانياً : لا دليل على حرمة الإعانة على الإثم ما لم يكن التسبيب والتسبّب في البين كما سيأتي(3).
وثالثاً : أنّا إذا سلّمنا حرمة البيع مع قصد الغاية المحرّمة لصدق الإعانة على الإثم عليه فلابدّ من الالتزام بحرمة البيع مع العلم بترتّب الحرام أيضاً ، لصدق الإعانة على الإثم عليه أيضاً . وإن قلنا بالجواز في الثاني من جهة الأخبار المجوّزة
1) المختلف 5: 53 .
2) في سنن البيهقي 5 : 327 أفتى بكراهة بيع العصير ممّن يعصر الخمر والسيف ممّن يعصي الله عزّوجل ، وفي المبسوط للسرخسي 24 : 26 ولا بأس ببيع العصير ممّن يجعله خمراً ، لأنّ العصير مشروب طاهر حلال فيجوز بيعه وأكل ثمنه ، ولا فساد في قصد البائع ، إنّما الفساد في قصد المشتري ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وكره ذلك أبو يوسف ومحمد استحساناً ، لكونه إعانة على المعصية ، وذلك حرام .
3) راجع ص 283 .
فلابدّ من القول بالجواز في الأول أيضاً ، لعدم اختصاص الجواز الذي دلّت عليه الأخبار بفرض عدم القصد.
ورابعاً : أنّا لم نستوضح الفرق بين القسمين، فإنّ القصد بمعنى الإرادة والاختيار يستحيل أن يتعلّق بالغاية المحرّمة في محل الكلام ، لأنّها من فعل المشتري إذ هو الذي يجعل العنب خمراً والخشب صنماً ، فلا معنى لفرض تعلّق القصد بالغاية المحرّمة . وأمّا القصد بمعنى العلم والالتفات فهو مفروض الوجود في القسمين ، فلا وجه للتفصيل بينهما ، نعم يمكن أن يكون الداعي إلى بيع البائع هو ترتّب الغاية المحرّمة تارة وغير ذلك تارةً أُخرى ، مع العلم بترتّبها في الخارج ، ولكن هذا لا يكون سبباً في اختلاف صدق الإعانة عليهما ، لأنّ دعوة الحرام إلى الفعل ليست شرطاً في صدق الإعانة على الإثم ، وهو واضح . إذن فلا وجه للتفصيل المذكور في كلام المصنّف .
ثم إنّ تحقيق هذه المسألة يقع تارةً من حيث الروايات، وأُخرى من حيث القواعد ، أمّا الصورة الأُولى : فالكلام فيها من جهتين ، الأُولى : في الحرمة الوضعية والثانية : في الحرمة التكليفية .
أمّا الجهة الأُولى : فربما يقال بفساد المعاوضة مع العلم بصرف المبيع أو الانتفاع بالعين المستأجرة في الجهة المحرّمة ، لخبر جابر المتقدّم : « عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر ؟ قال حرام أُجرته »(1)، فإنه لا وجه لحرمة الأُجرة إذا كانت المعاملة صحيحة ، وبعدم القول بالفصل بين الإجارة والبيع يتم المقصود .
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند فيه ، واختصاصه بالاجارة ، أنه لابدّ من حمله
1) الوسائل 17 : 174 / أبواب ما يكتسب به ب 39 ح 1 ، وقد تقدّم في ص 258 .
على الكراهة ، لمعارضته بحسنة ابن أُذينة المتقدّمة(1)التي دلّت على جواز إجارة الحمولة لحمل الخمر والخنازير.
وأمّا الجهة الثانية : فقد يقال بحرمة البيع تكليفاً ، لما دلّ من الأخبار ع--ل-ى حرمة بيع الخشب ممّن يتّخذه صلباناً ، وقد تقدّم ذكرها في البحث ع--ن ب-ي-ع آلة اللهو(2)، وبعدم القول بالفصل بين موردها وغيره يتم المطلوب.
ولكن يعارضها ما ورد من الأخبار المتظافرة الدالّة على جواز بيع العنب والتمر وعصيرهما ممّن يجعلها خمراً(3)
وعن محمد الحلبي قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراماً ؟ فقال : لا بأس به ، تبيعه حلالاً فيجعله حراماً ، أبعده الله وأسحقه » وهي صحيحة .
وعن ابن أُذينة قال : « كتبت إلى أبي عبدالله أسأله عن رجل له كرم ، أيبيع العنب والتمر ممّن يعلم أنه يجعله خمراً أو سكراً ؟ فقال : إنّما باعه حلالاً في الأبان الذي يحل شربه أو أكله ، فلا بأس ببيعه » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
في القاموس [ 2 : 50 مادة سَكِر ] السكر - محرّكة - الخمر ونبيذ يتّخذ من التمر ، وفيه أيضاً [ 4 : 194 مادّة أبَنَه ] : إبان الشيء بالكسر والتشديد : حينه أو أوّله [ لا توجد في المصدر : والتشديد ] .
وعن رفاعة قال : « سئل أبو عبدالله (عليه السلام) وأنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمّره ؟ فقال : حلال ، ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً » وهي صحيحة .
وعن يزيد بن خليفة الحارثي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سأله رجل وأنا حاضر قال : إنّ لي الكرم ؟ قال : تبيعه عنباً ، قال : فإنّه يشتريه من يجعله خمراً ؟ قال : بعه إذن عصيراً ، قال : إنّه يشتريه منّي عصيراً فيجعله خمراً في قربتي (وفي الوافي : قريتي ، بدل قربتي) قال : بعته حلالاً فجعله حراماً فأبعده الله ، ثم سكت هنيئة ثم قال : لا تذرنّ ثمنه عليه حتى يصيّره خمراً فتكون تأخذ ثمن الخمر ) وهي ضعيفة بيزيد المذكور .
وفي الكافي بسند ضعيف بسهل ، والتهذيب بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمراً قبل أن يقبض الثمن؟ قال فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم أنه يجعله حراماً لم يكن بذلك بأس ، فأمّا إذا كان عصيراً فلا يباع إلّا بالنقد ».
وفي رواية أبي كهمس المتقدّمة [ في ص 164 ] في البحث عن بيع العصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) « هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنه يصنعه خمراً » وهي مجهولة بأبي كهمس.
وعن أبي المعزى قال : « سأل يعقوب الأحمر أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال : أصلحك الله ، إنّه كان لي أخ وهلك وترك في حجري يتيماً ، ولي أخ يلي ضيعة لنا ، وهو يبيع العصير ممّن يصنعه خمراً ، إلى أن قال (عليه السلام) : أما بيع العصير ممن يصنعه خمراً فليس به بأس ، خذ نصيب اليتيم منه » وهي صحيحة .
أقول : أبو المعزى هو حميد بن المثنى العجلي الكوفي الثقة ، والمعزى بكسر الميم وسكون العين وفتح الزاء المعجمة بمعنى المعز ، وهو خلاف الضأن ، وقد وقع الخلاف في كتابته أن-ّه ب-المد كحمراء ، أو بالقصر كحبلى ، فذهب إلى كل فريق، ولكن الظاهر من كتب اللغة هو الثاني .
وإلى غير ذلك من الروايات . راجع الكافي 5 : 230 / باب بيع العصير والخمر ، والتهذيب 7 : 136 / 602 ، 604 ،603 ، 610 ، 611 ، 196 / 866 . والوافي 17 : 249 / باب 39 بيع الخمر والعصير والوسائل 17 : 229 / أبواب ما يكتسب به ب 59 ح 2 ، 4 ، 5 ، 8 ، 10 ، 1 ، 6 ، 7. وفي المستدرك 13 : 185 / أبواب ما يكتسب به ب 50 ح 1 عن دعائم الإسلام [ 2 : 19 / 26 ] عن أبي عبدالله (عليه السلام) « جوّز بيع العصير ونحوه ممن يصنعه خمراً».
، بدعوى عدم الخصوصية في مواردها ، لعدم.........
القول بالفصل بين هذه الموارد وبين غيرها ، إذ لو قيل بالجواز قي-ل ب-ه مطلقاً وإلّا فلا .
وقد يوجّه ما ذكر في روايتي رفاعة وأبي كهمس - المذكورتين في الحاشية - من بيعهم (عليهم السلام) تمرهم ممّن يجعله خمراً بأن يراد من لفظ الخمر فيهما العصير المغلي الذي لم يذهب ثلثاه ، فإنّ ظاهر غير واحدة من الروايات أنّ شربه كان متعارفاً في زمان الصادق (عليه السلام)(1)، إذ من المستبعد جدّاً أنّهم (عليهم السلام) يبيعون تمرهم في كل سنة ممّن يصنعه خمراً .
وفيه : أنّ استعمال الخمر في العصير المغلي مجازاً وإن صح ، إلّا أنّه لا يمكن الالتزام به مع عراء الكلام عن القرينة المجوّزة . على أنّ هذا الحمل إنّما يصح على القول بنجاسة عصير التمر أو بحرمته بعد غليانه ، ولم يثبت شيء منهما ، بل الظاهر طهارته وإباحته ما لم يكن مسكراً ، وعليه فلا مجوّز لإطلاق لفظ الخمر أو الشراب الخبيث عليه .
قال المصنّف : فالأولى حمل الأخبار المانعة على الكراهة ، لشهادة غير واحد من الأخبار على الكراهة ، كما أفتى به جماعة ، ويشهد له رواية رفاعة (2)« عن بيع
العصير ممّن يصنعه خمراً قال : بعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلاً أحب إليّ ولا أرى به (بالأول) بأساً».
وفيه أولاً : أنه معارض بما في بعض الروايات من بيعهم (عليهم السلام) تمرهم ممّن يجعله شراباً خبيثاً على ما أشرنا إليه ، لبعد صدور الفعل المكروه منهم (عليهم السلام دفعة واحدة فضلاً عن الدفعات، وبما في بعض روايات الباب من تعليل جواز البيع بأنه قد وقع على العنب الحلال ، وإنما المشتري جعله حراماً أبعده الله وأسحقه ، فلا تزر وازرة وزر أُخرى . وقد ذكرنا الروايات في الحاشية .
وثانياً : أنّ كون بيع العصير ممّن يجعله خلاً أحب إلى الإمام (عليه السلام) لا يدل على كراهة بيعه ممّن يجعله خمراً ، خصوصاً مع تصريحه (عليه السلام) فيها بالجواز بقوله : « ولا أرى بالأول بأساً » نعم لو كان لفظ الرواية : إنّي لا أحب ب-یعه ممّن يجعله خمراً . لكان دالاً على كراهة البيع .
ثم إنه لم نجد رواية تدل على الكراهة غير رواية الحلبي التي نسبها المصنّف إلى رفاعة ، وقد عرفت عدم دلالتها على ذلك . إذن فلا وجه لقول المصنّف : الشهادة غير واحد من الأخبار على الكراهة .
قال السيد في حاشيته ما ملخّصه : أنّه يمكن الجمع بحمل الأخبار المجوّزة على صورة العلم بأنّ ذلك عمل المشتري وإن لم يعلم بصرف هذا المبيع الخاص في المحرّم وحمل الأخبار المانعة على صورة العلم بصرفه في الحرام. ويمكن الجمع أيضاً بحمل المانعة على العلم بقصد المشتري صرفه في الحرام، وحمل المجوّزة على العلم بالتخمير
مع عدم العلم بأنّ قصده ذلك(1).
ويرد على الوجهين : أنّهما من الجموع التبرّعية ، فلا شاهد لهما .
وفي المتن : وقد يجمع بينهما وبين الأخبار المجوّزة بحمل المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليباً أو صنماً أو تواطئهما عليه .
وفيه : مضافاً إلى إطلاق الروايات المانعة وعدم تقيّدها بصورة الاشتراط وإطلاق الروايات المجوّزة وعدم تقيّدها بصورة عدم الاشتراط أنه يرد عليه أولاً : ما في المتن من أنه لا داعي للمسلم إلى هذا النحو من البيع ثم سؤاله عن حكمه .
وثانياً : أنّ ذكر جواز بيع الخشب ممّن يجعله برابط ، وعدم جواز بیعه ممّن يجعله صلباناً في روايتي ابن أُذينة والمقنع(2)
وفي المستدرك 13 : 122 / أبواب ما يكتسب به ب 34 ح 1 عن المقنع : 390 « ولا بأس ببيع الخشب ممّن يتخذه برابط ، ولا يجوز بيعه لمن يتخذه صلباناً » وهي مرسلة .
لا يلائم هذا الجمع ، ضرورة أنّ حمل رواية واحدة على جهتين متنافيتين من غير تقييدٍ شبيه بالجمع بينهما ، فإنّ السؤال إن كان عن جواز البيع مع اشتراط الصرف في جهة الحرام فلا يلائمه الجواب بجواز البيع فيما يجعله برابط ، وإن كان السؤال عن الجواز مع عدم الاشتراط فلا يلائمه الجواب بعدم الجواز فيما يجعله أصناماً أو صلباناً .والذي ينبغي أن يقال : إنه إذا تم عدم الفصل بين موارد الروايات المجوّزة والمانعة كان من قبيل تعارض الدليلين ، فيؤخذ بالطائفة المجوّزة ، لموافقتها لعمومات
الكتاب ، كقوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1)و أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(2)وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ(3). وإن لم يثبت عدم الفصل بين مواردها كما احتمله المصنّف - وجب أن يقتصر في كل طائفة على موردها ، ولا تصل النوبة إلى التعارض بينهما والعمل بقواعده ، وهذا هو الظاهر من الروايات ، وتشهد له أيضاً رواية ابن أُذينة المفصّلة بين الأصنام والبرابط .
ويقرّبه : أنّ شرب الخمر وصنعها أو صنع البرابط وضربها وإن كانت من المعاصي الكبيرة والجرائم الموبقة ، إلّا أنّها ليست كالشرك بالله العظيم ، لأنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ، وعليه فيمكن اختلاف مقدّمة الحرام من حيث الجواز وعدمه باختلاف ذي المقدّمة من حيث الشدّة والضعف . ودع-وى الإجماع على عدم الفصل دعوى جزافية ، لذهاب صاحبي الوسائل(4)والمستدرك(5)في عناوين الأبواب من كتابيهما إلى التفصيل ، مضافاً إلى عدم حجّية الإجماع المنقول في نفسه . هذا كلّه بحسب الروايات .
وحاصل جميع ما ذكرناه : أنه ليس في الروايات ما يدل على حرمة بيع المباح ممّن يجعله حراماً .
وأمّا الصورة الثانية : - أعني التكلّم في حكم المسألة من حيث الق-واع-د - فالكلام فيها من نواحٍ شتّى ، الأُولى : في تحقيق مفهوم الإعانة وبيان ما يعتبر فيه
الثانية : في حكم الإعانة على الإثم ، الثالثة : أنه على القول بحرمة الإعانة على الإثم فهل هي كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار ولا تقبل التخصيص والتقييد أو هی كحرمة الكذب التي تختلف بذلك ، وعليه فتتصف بالأحكام الخمسة .
ما حقيقة الإعانة ومفهومها ؟ الظاهر أنّ مفهوم الإعانة كسائر المفاهيم التي لا يمكن تحديدها إلّا بنحو التقريب . فمفهوم الماء مثلاً مع كونه من أوضح المفاهيم ربما يشك في صدقه على بعض المصاديق على ما اعترف به المصنّف في أول كتاب الطهارة(1).
وقد وقع الخلاف في بيان حقيقة الإعانة على وجوه :
الأول : ما استظهره المصنّف من الأكثر ، وهو أنه يكفي في تحقّقها مجرد إيجاد مقدّمة من مقدّمات فعل الغير وإن لم يكن عن قصد .
الثاني : ما أشار إليه في مطلع كلامه من أنّ الإعانة هي فعل بعض مقدّمات فعل الغير بقصد حصوله منه لا مطلقاً ، ثم نسبه إلى المحقّق الثاني(2)وصاحب الكفاية(3).
الثالث : ما نسبه إلى بعض معاصريه(4)من أنه يعتبر في تحقق مفهومها وراء القصد المذكور وقوع الفعل المعان عليه في الخارج .
الرابع : ما نسبه إلى المحقّق الأردبيلي(1)من تعليقه صدق الإعانة على القصد أو الصدق العرفي ، بداهة أنّ الإعانة قد تصدق عرفاً في موارد عدم وجود القصد مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه إيّاها ، أو يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه إيّاه ، ونحو ذلك ممّا يعد معونة عرفاً .
الخامس : الفرق بين الإعانة في المقدّمات القريبة فتحرم ، وبين المقدّمات البعيدة فلا تحرم .
السادس : عدم اعتبار شيء في صدق الإعانة إلّا وقوع المعان عليه في الخارج .
وأوجهها هو الوجه الأخير ، وتحقيق ذلك ببيان أمرين : الأول : في بيان عدم اعتبار العلم والقصد في مفهوم الإعانة ، والثاني : في بيان اعتبار وقوع المعان عليه في صدقها .
أمّا الأمر الأول : فإنّ صحة استعمال كلمة الإعانة وما اقتطع منها في فعل غير القاصد بل وغير الشاعر بلا عناية وعلاقة تقتضي عدم اعتبار القصد والإرادة في صدقها لغة ، كقوله (عليه السلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي : « وأعانني عليها شقوتي » وقوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ(2)). وفي بعض الروايات أن المراد بالصبر هو الصوم(3). وفي أحاديث الفريقين : « من أكل الطين فمات فقد أعان على
نفسه »(1)
وفي سنن البيهقي 10 : 11 عن ابن عباس « أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : من انهمك في أكل الطين فقد أعان على نفسه » وفي حديث آخر : « من أكل الطين فكأنّما أعان على قتل نفسه » .
ومن البديهي أنّ أكل الطين لم يقصد موته بذلك ، بل يرى أنّ حياته فيه . وفي رواية أبي بصير : « فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد» (2)وفي الوافي 5 : 650 / 5 في رواية ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) « فأع-ي-ن-وا ب--ورع واجتهاد » .
ومن المعلوم أنّ المعين على ذلك بالورع والاجتهاد لا يقصد الإعانة عليه في جميع الأحيان . وكذلك ما في بعض الأحاديث من قوله (عليه السلام) : « من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة »(3)وكذلك قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من تبسّم على وجه مبدع فقد أعان1) في الكافي 6 : 266 / 8 ، 5 . والتهذيب 9 : 89 / 376 ، 381 . والوافي 19 : 133 / 6 7 ، 4 وغيرها ، والوسائل 24 : 222 / أبواب الأطعمة المحرّمة ب58 ح7، 6 ، عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم): من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه » وهي ضعيفة بالنوفلي . وفي رواية أُخرى « فإن أكلته ومت كنت قد أعنت على نفسك » وهي ضعيفة بسهل .
2) في الوسائل 1 : 88 / أبواب مقدّمة العبادات ب 20 ح 11 ، 8 عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّ أباه قال الجماعة من الشيعة : « والله إنّي لأُحب ريحكم وأرواحكم فأعينوا على ذلك بورع واجتهاد » . وفي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام)«فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد» .
3) في الوسائل 12 : 304 / أبواب أحكام العشرة ب 163 ح 2 ، 29 : 18 / أبواب القصاص في النفس ب 2 ح 4 ، وسنن البيهقي 8 : 22 « من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله وبين عينيه مكتوب : آيس من رحمة الله » [ نقل بالمضمون ] .
على هدم الإسلام »(1). وفي رواية أبي هاشم الجعفري : « ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة »(2). وفي الصحيفة السّجادية في دعائه ( عليه السلام) في طلب الحوائج «واجعل ذلك عوناً لي »(3)وأيضاً يقال : الصوم عون للفقير ، والث-وب ع-ون للإنسان وسرت في الماء وأعانني الماء والريح على السير ، وأعانتني العصا على المشي وكتبت باستعانة القلم ، إلى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة الصحيحة . ودعوى كونها مجازات جزافيةٌ ، لعدم القرينة عليها .
ونتيجة جميع ذلك : أنه لا يعتبر في تحقّق مفهوم الإعانة علم المعين بها ، ولا اعتبار الداعي إلى تحقّقها ، لبديهة صدق الإعانة على الإثم على إعطاء العصا لمن يريد ضرب اليتيم وإن لم يعلم بذلك ، أو علم ولم يكن إعطاؤه بداعي وقوع الحرام كما لا يخفى .
ويدل على ما ذكرناه ما تقدّمت(4)الإشارة إليه من أنّ القصد سواء كان بمعنى الإرادة والاختيار أم بمعنى الالتفات لا يعتبر في مفهوم الإعانة .
وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً صحيحاً لاعتبار القصد بأي معنى ك-ان في صدق الإعانة ، ومن هنا لا نظنّ أنّ أحداً ينكر تحقّق الإعانة باعطاء السيف أو العصا لمن يريد الظلم أو القتل ، ولو كان المعطي غير ملتفت إلى ضمير مريد الظلم أو القتل أو كان غافلاً عنه ، نعم لو نسب ذلك إلى الفاعل المختار انصرف إلى صورة العلم والالتفات .
وأمّا الأمر الثاني : فالذي يوافقه الاعتبار ويساعد عليه الاستعمال هو تقييد مفهوم الإعانة بحسب الوضع بوقوع المعان عليه في الخارج ، ومنع صدقها بدونه.
ومن هنا لو أراد شخص قتل غيره بزعم أنه مصون الدم، وهيّأ له ثالث ، جميع مقدّمات القتل ، ثم أعرض عنه مريد القتل، أو قتله ثم بان أنه مهدور الدم ، فإنه لا يقال إنّ الثالث أعان على الإثم بتهيئة مقدّمات القتل . كما لا تصدق الإعانة على التقوى إذا لم يتحقّق المعان عليه في الخارج ، كما إذا رأى شبحاً يغرق فتوهّم أن--ه شخص مؤمن فأنقذه إعانة منه له على التقوى فبان أنه خشبة .
وقد يمنع من اعتبار وقوع المعان عليه في الخارج في مفهوم الإعانة وصدقها بدعوى أنه لو أراد رجلان التهجّم على بيضة الإسلام أو على قتل النفوس المحترمة فهيّأ لهما آخران جميع مقدّمات القتال ، فمضى أحدهما وندم الآخر ، فإنه لا شبهة في استحقاق كل من المهيئين الذم واللوم من جهة الإعانة على الإثم وإن تحقّق الفعل المعان عليه في أحدهما ولم يتحقق في الآخر ، فلو كان ذلك شرطاً في صدق الإعانة لم يتوجّه الدم إلّا على الأول .
وفيه : أنّ الصادر من النادم ليس إلّا التجرّي ، وهو على تقدير الالتزام بقبحه واستحقاق العقاب عليه لا يصدق عليه الإثم لتكون الإعانة عليه إعانة على الإثم وأمّا إذا قلنا بعدم استحقاق العقاب عليه فإنّ الأمر أوضح .
مع أنه لا مضايقة في صحة ذم معينه ، بل في صحة عقابه أيضاً بناء على حرمة الإعانة على الإثم وصحة العقاب على التجرّي، فإنّ المعين حينئذ يرى نفسه عاصياً لتخيله أنه معين على الإثم ، فهو متجرٍ في فعله ، والمفروض أنّ التجرّي يوجب استحقاق العقاب .
وقد تجلّى من جميع ما ذكرناه ما في بقية الوجوه والأقوال المتقدّمة من الوهن والخلل ، كما اتّضح ضعف ما أورده المصنّف على بعض معاصريه من : أنّ حقيقة
الإعانة على الشيء هو الفعل بقصد حصول الشيء، سواء حصل - في الخارج - أم لا ومن اشتغل ببعض مقدّمات الحرام الصادر عن الغير بقصد التوصّل إليه فهو داخل في الإعانة على الإثم(1).
ثم لا يخفى أنّ عنوان الإعانة كما يتوقّف على تحقّق الف-ع-ل الم--ع-ان عليه في الخارج فكذلك يتوقّف على تحقّق المعين والمعان ، بأن يكونا مفروضي الوجود مع قطع النظر عن تحقّق الإعانة في الخارج، ليقع فعل المعين في سلسلة مقدّمات فعل المعان، فيكون عنوان الإعانة بهذا الاعتبار من الأُمور الإضافية . وعليه فإيجاد موضوع الإعانة كتوليد المعين مثلاً - خارج عن حدودها ، وإلّا لحرم التناكح والتناسل، للعلم العادي بأنّ في نسل الإنسان في نظام الوجود من يرتكب المعاصي وتصدر منه القبائح .
وأمّا مسير الحاج ومتاجرة التاجر مع العلم بأخذ المكوس والگمارك وهكذا عدم التحفّظ على المال مع العلم بحصول السرقة فكلّها داخل في عنوان الإعانة ، فإنه لا وجه لجعل أمثالها من قبيل الموضوع للإعانة وخروجها عن عنوانها كما زعمه شيخنا الأُستاذ(2)والمحقّق الإيرواني(3). كما لا وجه لما ذهب إليه المصنّف (رحمه الله )(4)من إخراجها عن عنوان الإعانة من حيث إنّ التاجر والحاج غير قاصدين لتحقّق المعان عليه ، لما عرفت من عدم اعتبار القصد في صدقها .
وقد ظهر من مطاوي جميع ما ذكرناه : أنّ المدار في عنوان الإعانة هو الصدق
العرفي ، وعليه فلا يفرق في ذلك بين المقدّمات القريبة والمقدّمات البعيدة ، ولذلك صح إطلاق المعين على من تسبّب في قضاء حوائج الغير ولو بوسائط بعيدة .
ما حكم الإعانة على الإثم ؟ الظاهر جواز ذلك ، لأنه مقتضى الأصل الأوّلي ولا دليل يثبت حرمة الإعانة على الإثم وإن ذهب المشهور وبعض العامة (1)إلى الحرمة ، وعليه فالحكم هو جواز الإعانة عليه إلّا ما خرج بالدليل ، كإعانة الظالمين وإعانة أعوانهم وتهيئة مقدّمات ظلمهم ، لاستفاضة الروايات على حرمة إعانتهم وتقويتهم وتعظيم شوكتهم ولو بمدة قلم أو بكتابة رقعة أو بجباية خراج ونحوها وستأتي هذه الروايات في البحث عن معونة الظالمين (2)، بل الحرمة في هذا النحو من الإعانة ممّا استقل به العقل ، وقامت عليه ضرورة العقلاء ، بل قال في العروة في مسألة 29 من صلاة المسافر إنّه لو كانت تبعية التابع إعانة للجائر في جوره وجب عليه التمام وإن كان سفر الجائر طاعة ، فإنّ التابع حينئذ يتم مع أنّ المتبوع يقصّر(3).
1) في المبسوط للسرخسي 24 : 26 عن أبي يوسف ومحمد : إنّ بيع العصير والعنب ممّن يتّخذه خمراً إعانة على المعصية وتمكين منها ، وذلك حرام ، وإذا امتنع البائع من البيع يتعذّر على المشتري اتّخاذ الخمر ، فكان في البيع منه تهيج الفتنة ، وفي الامتناع تسكينها . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 50 عن الحنابلة : كل ما أفضى إلى محرّم فهو حرام . وفي الهداية 4 : 94 : ويكره بيع السلاح في أيّام الفتنة ، لأنه تسبيب إلى المعصية .
2) في ص 650 .
3) العروة الوثقى 1 : 688 [ 2260 ] .
قوله : بعموم النهي عن التعاون على الإثم والعدوان .
أقول : استدلّوا على حرمة الإعانة على الإثم بوجوه :
الوجه الأول : قوله تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (1)فإنّ ظاهرها حرمة المعاونة على الإثم والعدوان مطلقاً.
وفيه : أنّ التعاون عبارة عن اجتماع عدّة من الأشخاص لإيجاد أمر من الخير أو الشرّ ليكون صادراً من جميعهم ، كنهب الأموال وقتل النفوس وبناء المساجد والقناطر ، وهذا بخلاف الإعانة فإنّها من الأفعال ، وهي عبارة عن تهيئة مقدّمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير فى فعله ، وعليه فالنهي عن المعاونة على الإثم لا يستلزم النهي عن الإعانة على الإثم . فلو عصى أحد فأعانه الآخر فإنه لا يصدق عليه التعاون بوجه ، فإنّ باب التفاعل يقتضي صدور المادّة من كلا الشخصين ومن الظاهر عدم تحقّق ذلك في محل الكلام .
نعم قد عرفت فيما سبق(2)حرمة التسبيب إلى الحرام وجعل الداعي إليه لكن حرمة ذلك لا تستلزم الحرمة في المقام .
الوجه الثاني : ادّعاء الإجماع على ذلك . وفيه : أنّها دعوى جزافية ، لاحتمال كون مدرك المجمعين هي الوجوه المذكورة في المسألة ، فلا يكون إجماعاً تعبّدياً . مضافاً إلى عدم حجّية الإجماع المنقول في نفسه .
الوجه الثالث : أنّ ترك الإعانة على الإثم دفع للمنكر ، ودفع المنكر واجب كرفعه . وإليه أشار المحقّق الأردبيلي(3)في محكي كلامه ، حيث استدل على حرمة بيع
العنب في المسألة بأدلة النهي عن المنكر ، واستشهد له المصنّف برواية علي بن أبي حمزة عن أبي عبدالله (عليه السلام) من أنه لولا أنّ بني أُمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ، ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبوا حقّنا(1).
وفيه أولاً : أنّ الاستدلال بدفع المنكر هنا إنّما يتّجه إذا علم المعين بانحصار دفع الإثم بتركه الإعانة عليه ، وأمّا مع الجهل بالحال أو العلم بوقوع الإثم بإعانة الغير عليه فلا يتحقّق مفهوم الدفع .
وثانياً : أنّ دفع المنكر إنّما يجب إذا كان المنكر ممّا اهتمّ الشارع بعدم وقوعه كقتل النفوس المحترمة ، وهتك الأعراض المحترمة ، ونهب الأموال المحترمة وهدم أساس الدين ، وكسر شوكة المسلمين ، وترويج بدع المضلّين ونحو ذلك ، فإنّ دفع المنكر في هذه الأمثلة ونحوها واجب بضرورة العقل واتّفاق المسلمين ، وقد ورد الاهتمام به في بعض الأحاديث(2)وأمّا في غير ما يهتم الشارع بعدمه م--ن الأُمور فلا دليل على وجوب دفع المنكر ، وعلى كلا الوجهين فالدليل أخصّ م--ن المدّعى.
وأمّا النهي عن المنكر فإنه وإن كان سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء وفريضة
1) هذه الرواية ضعيفة بإبراهيم بن إسحاق الأحمري . راجع الوسائل 17 : 199 / أبواب ما يكتسب به ب47 ح1 .
2) في التهذيب 10 : 219 / 863 ، والوسائل 29 : 50 / أبواب القصاص في النفس ب17 ح عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) « إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام) واحد منهم أمسك رجلاً ، وأقبل الآخر فقتله ، والآخر يراهم ، فقضى في الرؤية وفي بعض النسخ الرديئة) أن تسمل عيناه ، وفي الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه ، وقضى في الذي قتل أن يقتل » وهي ضعيفة بالنوفلي.
عظيمة بها تقام الفرائض وتحل المكاسب وترد المظالم ، إلّا أنه لا يدل على وجوب دفع المنكر ، فإنّ معنى دفع المنكر هو تعجيز فاعله عن الإتيان به وإيجاده في الخارج سواء ارتدع عنه باختياره أم لم يرتدع ، والنهي عن المنكر ليس إلّا ردع الفاعل وزجره عنه على مراتبه المقرّرة في الشريعة المقدّسة . وعلى الإجمال : أنه لا وج--ه لقياس دفع المنكر على رفعه .
وأمّا رواية علي بن أبي حمزة فمضافاً إلى ضعف السند فيها أنّها أجنبية عن رفع المنكر فضلاً عن دفعه ، لاختصاصها بحرمة إعانة الظلمة .
قال المحقّق الإيرواني : الرفع هنا ليس إلّا الدفع ، فمن شرع بشرب الخمر فبالنسبة إلى جرعة شربٍ لا معنى للنهي عنه ، وبالنسبة إلى ما لم يشرب كان النهي دفعاً عنه(1).
وفيه : أنّ مرجع الرفع وإن كان إلى الدفع بالتحليل والتدقيق ، إلّا أنّ الأحكام الشرعية وموضوعاتها لا تبتني على التدقيقات العقلية ، ولا شبهة في صدق رفع المنكر في العرف والشرع على منع العاصي عن إتمام المعصية التي ارتكبها بخلاف الدفع .
قوله : وتوهم أنّ البيع حرام على كل أحد فلا يسوغ لهذا الشخص فعله معتذراً بأنه لو تركه لفعله غيره .
أقول : محصّل الإشكال ما ذكره المحقّق الإيرواني(2)من أنّ النهي عن الطبيعة ينحل إلى نواءٍ متعدّدة حسب تعدّد أفراد تلك الطبيعة على سبيل العموم الاستغراقي فكان كل فرد تحت نهي مستقل ، وعلى هذا فترك بيع فرد من العنب دفع لتخمير هذا
الفرد وإن علم أنّ عنباً آخر يباع ويخمّر لو لم يبع هو هذا ، فإذا تراكمت التروك بترك هذا للبيع وترك ذاك له وهكذا ، حصل ترك التخمير رأساً ، وكان كل ترك مقدّمة لترك فرد من الحرام ، لا أنّ مجموع التروك يكون مقدّمة لترك حرام واحد .
وفيه : أنّ النهي إنما ينحل إلى أفراد الطبيعة لأنّ معنى النهي عن الشيء عبارة عن الزجر عنه لما فيه من المفسدة الإلزامية ، فإذا توجّه النهي إلى طبيعةٍ ما وكان كل واحد من أفرادها مشتملاً على المفسدة الإلزامية فلا محالة ينحل ذلك النهي إلى نواهٍ عديدة حسب تعدّد الأفراد، وأمّا في مثل المقام فإنّ منشأ النهى فيه هو أن لا يتحقّق الإثم في الخارج ، فالغرض منه إنّما هو الوصول إلى ذلك ، فإذا علم صدور الإثم في الخارج ولو مع ترك الإعانة من شخص خاص فلا موجب لحرمتها ، وهذا كما إذا نهى المولى عبيده عن الدخول عليه في ساعة عيّنها لفراغه ، فإنّ غرضه يفوت إذا دخل عليه واحد منهم ، فترتفع المبغوضية عن دخول غيره .
ويدلّنا على ذلك ما في الروايات المتقدّمة(1)من تجويزهم (عليهم السلام) بيع العنب والتمر وعصيرهما ممّن يصنعها خمراً ، إذ لو لم تدل تلك الروايات على عدم حرمة الإعانة على الإثم مطلقاً فلا أقل من دلالتها على عدم الحرمة فيما إذا علم المعين تحقّق الحرام في الخارج على كل حال . إذن فما نحن فيه من قبيل رفع الحجر الثقيل الذي لا يرفعه إلّا جماعة من الناس ، فإنّ الوجوب يرتفع عن الجماعة بمخالفة شخص واحد منهم ، وهكذا ما نحن فيه ، لأنّ عدم تحقّق المعصية من مشترى العنب يتوقّف على ترك كل أرباب العنب للبيع، لأنّ ترك المجموع واحد لترك المعصية ، كما أنّ بيع أي واحد منهم على البدل شرط لتحقّق المعصية من المشتري .
1) في ص 270 .
تتميم وفيه تأسيس
قد عرفت فيما تقدّم أنّ جواز الإعانة على الإثم هو مقتضى الأصل ، لعدم الدليل على التحريم ، ويمكن الاستدلال عليه مضافاً إلى ذلك بأُمور :
الأول : أنّه لو لم تجز الإعانة على الإثم لما جاز سقي الكافر ، لكونه إعانة على الإثم ، لتنجّس الماء بمباشرته إيّاه فيحرم عليه شربه، لكن السقي جائز ، لقوله (عليه السلام)(1): « إنّ الله يحبّ إبراد الكبد الحرّاء » على ما تقدّم تفصيله في البحث عن بيع الميتة المختلطة مع المذكّى(2)فتجوز الإعانة على الإثم . والاعتذار عن ذلك بعدم قدرتهم على شرب الماء الطاهر في حال الكفر اعتذار غير موجّه ، إذ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
الثاني : أنّك علمت سابقاً (3)استفاضة الروايات على جواز بيع العنب والتمر وعصيرهما ممّن يجعلها خمراً، وجواز بيع الخشب ممّن يجعله برابط ، ومن الواضح جدّاً كون هذا البيع إعانة على الإثم ، ومن أنكره فإنّما أنكره بلسانه أو هو مكابر لوجدانه ، وبعدم القول بالفصل يثبت الجواز في غير موارد الروايات.
على أنّ في بعضها إشعاراً إلى كلّية الحكم وعدم اختصاصه بالأُمور المذكورة فيها، كقول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي بصير : « إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال ، فلا بأس به » وفي رواية الحلبي « عن بيع العصير ممّن يجعله حراماً فقال : لا بأس به ، تبيعه حلالاً فيجعله حراماً ، أبعده الله وأسحقه » وفي رواية ابن أُذينة عن بيع العنب والتمر ممّن يعلم أنه يجعله خمراً ، فقال : « إنّما باعه حلالاً في
الأبان الذي يحلّ شربه أو أكله ، فلا بأس ببيعه » فإنّ الظاهر من هذه الروايات أنّ المناط في صحة البيع هي حلّية المبيع للبائع حين البيع وإن كان بيعه هذا إعانة على المحرّم ، ومثل هذه الروايات غيرها أيضاً .
الثالث : قيام السيرة القطعية على الجواز ، ضرورة جواز المعاملة مع الكفّار وغير المبالين في أمر الدين من المسلمين ببيع الطعام منهم ولو كان متنجّساً كاللحم وإعارة الأواني إيّاهم للطبخ وغيره ، مع أنه إعانة على أكل الطعام المتنجّس بمباشرتهم إيّاه ،و وجوب تمكين الزوجة للزوج وإن علمت بعدم اغتساله عن الجنابة فيكون التمكين إعانة على الإثم ، وأيضاً قامت السيرة القطعية على جواز تجارة التاجر ومسير الحاج والزوّار وإعطائهم الضريبة المعينة للظلمة ، مع أنّه من أظهر مصاديق الإعانة على الإثم.
وأيضاً قضت الضرورة بجواز إجارة الدواب والسفن والسيارات والطيارات من المسافرين مع العلم إجمالاً بأنّ فيهم من يقصد في ركوبه معصية وأيضاً قامت السيرة القطعية على جواز عقد الأندية والمجالس لتبليغ الأحكام وإقامة شعائر الأفراح والأحزان ، بل على وجوبها في بعض الأحيان إذا توقّف عليها إحياء الدين وتعظيم الشعائر ، مع العلم بوقوع بعض المعاصي فيها من الغيبة والاستهزاء والكذب والافتراء ونظر كل من الرجال والنساء إلى من لا يجوز النظر إليه وغيرها من المعاصي .
قوله : ثم إنه يمكن التفصيل في شروط الحرام المعان عليها بين ما ينحصر فائدته ومنفعته عرفاً في المشروط المحرّم .
أقول : قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الميزان في حرمة المقدّمة هو كونها سبباً لوقوع ذي المقدّمة، وإلّا فلا وجه للتحريم وإن انحصرت فائدته في الحرام.
قوله : وإنّما الثابت من النقل والعقل القاضي بوجوب اللطف وجوب ردع من همّ بها .
أقول : إن كان المنكر مثل قتل النفس ونحوه ممّا يهتم الشارع بعدم تحقّقه فلا ریب في وجوب رفعه ، بل دفعه شرعاً وعقلاً كما تقدّم(1)، وأمّا في غير الموارد التي يهتم الشارع بعدم تحقّقها فلا وجه لدعوى الوجوب العقلي فيها وإن ادّعاه المشهور مطلقاً ، لمنع استقلال العقل بذلك في جميع الموارد ، ولذا ذهب جمع من المحقّقين(2)إلى الوجوب الشرعي .
حرمة الإعانة على الإثم كحرمة الكذب تقبل التخصيص
إنّ حرمة الإعانة على الإثم على فرض ثبوتها هل تقبل التخصيص والتقييد أم لا ؟ قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ حرمة ذلك على فرض ثبوتها إنّما هی كحرمة الكذب تقبل التخصيص والتقييد ، وتختلف بالوجوه والاعتبار ، وليست هي كحرمة الظلم التي لا تختلف بذلك .
قال شيخنا الأُستاذ : لا إشكال في عدم إمكان تخصيصها بعد تحقّق موضوعها لأنّ هذه من العناوين الغير قابلة للتخصيص ، فإنّها كنفس المعصية وكالظلم فإنه كما لا يمكن أن يكون معصية خاصة مباحة فكذلك لا يمكن أن تكون الإعانة
1) في ص 284 .
2) قال الحكيم الطوسي ( رحمه الله) في آخر التجريد [ 309 - 310 ] : الأمر بالمعروف الواجب واجب ، وكذا النهي عن المنكر ، وبالمندوب مندوب سمعاً ، وإلّا لزم ما هو خلاف الواقع ، والإخلال بحكمته تعالى. وتبعه في هذا الرأي شرّاح التجريد كالعلّامة [ في كشف المراد : 428 ] والقوشجي [ في شرح تجريد العقائد : 394 ] وغيرهما .
على المعصية مباحة ، فما عن الحدائق - بعد ما حكى عن الأردبيلي (رحمه الله) م--ن القول بالحرمة في مسألتنا من جهة كونها إعانة على الإثم - من أنه جيد في حدّ ذاته لو سلم من المعارضة بأخبار الجواز ، لا وجه له ، لأنه لو كان بيع العنب ممّن يعلم بأنه يعمله خمراً داخلاً في عنوان الإعانة فلا يمكن أن يدل دليل على جوازه ، فمع ورود الدليل على الجواز نستكشف بأنه ليس داخلاً في هذا العنوان(1).
ولكن الوجوه المتقدّمة الدالّة على الجواز حجّة عليه ، ومن هنا لو أكره الجائر أحداً على الإعانة على الإثم أو اضطر إليها فإنه لا شبهة حينئذ في جوازها، ولو كانت حرمتها كحرمة الظلم لا تختلف بالوجوه والاعتبار ولا تقبل التخصيص والتقييد لما كانت جائزة في صورتي الإكراه والاضطرار أيضاً.
قوله : وقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ فعل ما هو من قبيل الشرط لتحقّق المعصية من الغير من دون قصد توصّل الغير به إلى المعصية غير محرّم .
أقول : بعد ما علمت أنه لا دليل على حرمة الإعانة على الإثم ، ولا على اعتبار القصد في مفهوم الإعانة ولا في حكمها ، فلا وجه لما ذهب إليه المصنّف وأتعب به نفسه من التطويل والتقسيم . ثم على القول بحرمة الإعانة على الإثم فلا وجه للحكم بحرمة البيع في شيء من الشقوق التي ذكرها المصنّف ، إذ الإعانة على الإثم إنما تتحقّق بالتسليم والتسلّم في الخارج ، ومن الواضح أنّ بينهما وبين البيع عموماً من وجه .
قوله : وإن علم أو ظن عدم قيام الغير سقط عنه وجوب الترك .
أقول : إذا كان البيع على تقدير ترك الآخرين محرّماً فلا إشكال في ارتفاع الحرمة عند العلم ببيع غيره، وأمّا مع الشك فيه فلا مانع من استصحاب تركه
1) منية الطالب 1 : 36 .
والحكم بحرمة البيع ، وأمّا الظن ببيع الغير فما لم تثبت حجّيته لا يغني من الحق شيئاً .
قوله : ثم كل مورد حكم فيه بحرمة البيع من هذه الموارد الخمسة فالظاهر عدم فساد البيع .
أقول : توضيح كلامه : أنه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية والحرمة الوضعية في المعاملات ، فالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة مثلاً صحيح وإن كان محرّماً بالاتفاق .
ولو سلّمنا الملازمة بينهما فلا تسلّمها فيها إذا تعلّق النهي بعنوان عرضي ينطبق على البيع ، كتعلّقه بعنوان الإعانة في بيع العنب ممّن يعلم أنه يجعله خمراً ، إذ بين عنوان الإعانة على الإثم وبين البيع عموم من وجه.
وعلى القول بالفساد مطلقاً أو في الجملة فلا يفرق في ذلك بين علم المتبايعين بالحال وبين علم أحدهما مع جهل الآخر ، فإنّ حقيقة البيع عبارة عن المبادلة بين العوض والمعوّض في جهة الإضافة ، فإذا بطل من أحد الطرفين بطل من الطرف الآخر أيضاً ، إذ لا يعقل التبعيض من حيث الصحة والفساد في بيع واحد كما ه-م واضح .
حرمة بيع السلاح من أعداء الدين
قوله : القسم الثالث : ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً ، بمعنى أنّ من شأنه أن يقصد منه الحرام(1).
أقول : هذا العنوان يعم جميع الأشياء ولو كانت مباحة ، إذ ما من شيء إلّا وله شأنية الانتفاع به بالمنافع المحرّمة ، فلا يصح أن يجعل عنواناً للبحث ، ولابدّ من
1) المكاسب 1 : 147 .
تخصيصه بالموارد المنصوصة ، ولذا خصّه الفقهاء ببيع السلاح من أعداء الدين .
ثم إنّ تحقيق هذه المسألة يقع في ناحيتين :
الناحية الأُولى : في حرمة بيعه وجوازه في الجملة أو مطلقاً ، والأقوال في ذلك وإن كانت كثيرة قد أنهاها السيد في حاشيته(1)
(اليزدي): 10 ، السطر 32 .
إلى ثمانية إلّا أنّ الأظهر منها هي حرمة بيعه من الكفّار مطلقاً و من المخالفين عند محاربتهم مع الشيعة الناجية ، وذهب بعض العامّة إلى حرمة بيعه في حال الفتنة(2)وفي سنن البيهقي 5 : 327 عن عمران بن حصين قال : « نهى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)عن بيع السلاح في الفتنة » .
.وفصّل المصنّف (رحمه الله) بين حالتي الحرب والصلح ، فذهب إلى الحرمة في الأُولى وإلى الجواز في الثانية، وملخّص كلامه : أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف ، الأُولى : ما دل على جواز بيعه من أعداء الدين في حال الهدنة(3).
1) حاشية المكاسب
2) في الهداية 4 : 94 : ويكره بيع السلاح في أيّام الفتنة ممّن يعرف أنه من أهل الفتنة ، لأنه تسبيب إلى المعصية . وفي 2 : 139 : ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهّز إليهم ، لأنّ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم ولأنّ فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك ، وكذا الكراع لما بينا ، وكذلك الحديد لأنه أصل السلاح ، وكذا بعد الموادعة .
3) في الكافي 5 : 122 / 1 ، 2 ، 4 . والتهذيب 6 : 354 / 1005 ، 1004 ، 1007 . والوافي 17 : 173 / باب بيع السلاح منهم . والوسائل 17 : 101 / أبواب ما يكتسب به ب8 ح 1 2، 4 عن الحضرمي قال : « دخلنا على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال له حكم السراج : ما ترى فيما يحمل إلى الشام من السروج وأداتها ؟ فقال : لا بأس ، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب
الثانية : ما دل على جواز بيعه منهم مطلقاً(1)الثالثة : ما دل على حرمة بيعه منهم
رسول الله ، إنّكم في هدنة ، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج والسلاح » وهي ضعيفة بالحضرمي .
وعن هند السراج قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أصلحك الله ، إنّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم ، فلمّا أن عرّفني الله هذا الأمر ضقت بذلك وقلت لا أحمل إلى أعداء الله ، فقال لي : احمل إليهم ، فإنّ الله عزّوجلّ يدفع بهم عدوّنا وعدوّكم - يعني الروم - وبعهم ، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا ، فمن حمل إلى عدوّنا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك » وهي مجهولة بأبي سارة .
أقول : قد كثر من الرواة خطاب الأئمّة ( عليهم السلام) بكلمة أصلحك الله ، والمراد بذلك هو مطالبة إصلاح الشؤون الدنيوية ، لا الأُمور الأُخروية وتغيير حال الجور والظلم إلى حال العدل والإنصاف لكي يلزم منه جهل القائل بمقامهم ، وإلّا لم يقدر أحد على خطاب سلاطين الجور بذلك مع أنه كان مرسوماً في الزمن السابق .
وعن السراد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له : إنّي أبيع السلاح ، قال : لا تبعه في فتنة » .
أقول : إن كان المراد بالسراد هو ابن محبوب المعروف فهو لا يروي عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ، وإن كان المراد منه غيره فلابدّ وأن يبحث في حاله ، هذا على نسخة الكافي والتهذيب ، وفي الاستبصار [ 3 : 57 / 186] عن السراد عن رجل ، وعليه فلا شبهة في ضعف الرواية . وفي الوسائل - نسخة عين الدولة - عن السراج ، وهو غلط جزماً لاتّفاق جميع النسخ على خلافه .
1) في التهذيب 6 : 1382 / 1128 ، والباب المتقدّم من الوافي والوسائل ح5 عن أبي القاسم الصيقل قال : « كتبت إليه : إنّي رجل صيقل أشتري السيوف وأبيعها من السلطان ، أجائز لي بيعها ؟ فكتب (عليه السلام) : لا بأس به » وهي مجهولة بأبي القاسم .
كذلك(1)
وعن الصدوق [ في الفقيه 4 : 257 / 821 ] فيما أوصى به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ياعلي كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة : (1) القتات (2) والساحر ، (3) والديوث (4) وناكح المرأة حراماً في دبرها ، (5) وناكح البهيمة ، (6) ومن نكح ذات محرم م-ن-ه (7) والساعي في الفتنة ، (8) وبائع السلاح من أهل الحرب ، (9) ومانع الزكاة ، (10) ومن وجد سعة فمات ولم يحج » وهي مجهولة بحماد بن عمرو ، وأنس بن محمد ، وأبيه .
. ويمكن الجمع بينها بحمل الطائفة المانعة على صورة قيام الحرب بينهم وبين المسلمين ، وحمل الطائفة المجوّزة على صورة الهدنة في مقابل المباينة والمنازعة وشاهد الجمع الطائفة الأُولى المفصّلة بين الحالتين : الهدنة والمنازعة .وعن الشهيد في حواشيه (2)أنه لا يجوز مطلقاً ، لأنّ فيه تقوية الكافر على المسلم ، فلا يجوز على كل حال .
ويرد عليه أولاً : أنه لا يمكن المساعدة على دليله ، لأنّ بيع السلاح عليهم قد لا يوجب تقويتهم على المسلمين ، لإمكان كونه في حال الصلح ، أو عند حربهم مع الكفّار الآخرين ، أو كان مشروطاً بأن لا يسلّمه إيّاهم إلّا بعد الحرب .
وثانياً : أنّ رأيه هذا شبه اجتهاد في مقابل النص ، فإنه أخذ بظهور المطلقات الدالّة على المنع ، وترك العمل بالمقيّد الذي هو نص في مفهومه ، وهو وإن لم يكن اجتهاداً في مقابل النص ، ولكنّه شبيه بذلك . انتهى حاصل كلام المصنّف.
ولكن الظاهر: أنّ ما ذهب إليه الشهيد (رحمه الله) وجيه جدّاً ، ولا يرد عليه شيء ممّا ذكره المصنّف لوجوه :
الأول : أنّ ما جعله وجهاً للجمع بين المطلقات لا يصلح لذلك ، فإنّ مورده هم الجائرون من سلاطين الإسلام كما دلّ عليه السؤال في روايتي الحضرمي وهند السرّاج عن حمل السلاح إلى أهل الشام - وقد ذكرناهما في الهامش - إذ لا شبهة في إسلامهم في ذلك الزمان وإن كانوا مخالفين ، فتكون الطائفة الأُولى المفصّلة بين الهدنة وقيام الحرب مختصّة بغير الكفّار من المخالفين ، فلا يجوز بيعه منهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة . وأمّا في غير تلك الحالة فلا شبهة في جوازه خصوصاً عند حربهم مع الكفّار ، لأنّ الله يدفع بهم أعداءه . وأمّا المطلقات فأجنبية عن الطائفة المفصّلة لاختصاصها بالمحاربين من الكفّار والمشركين .
الثاني : أنه لا وجه لرد كلام الشهيد تارةً برميه إلى شبه الاجتهاد في مقابل النص ، وأُخرى بتضعيف دليله . أمّا الأول فلأنّه لا مناص هنا من العمل بالمطلقات لما عرفت من عدم صلاحية الطائفة المفصّلة للتقييد ، فلا يكون ترك العمل بها والأخذ بالمطلقات شبه اجتهاد في مقابل النص . وأمّا الثاني فلأنّ تقوية شخص الكافر بالسقي ونحوه وإن كان جائزاً ، إلّا أنّ تقويته لجهة كفره غير جائزة قطعاً ومن الواضح أنّ تمكين المشركين والمحاربين من السلاح يوجب تقويته-م ع-ل-ى المسلمين ، بل ربما يستقل العقل بقبح ذلك ، لأنّ تقويتهم تؤدّي إلى قتل النفوس المحترمة .
ثم إنّ هذا كلّه لو تقارن البيع مع التسليم والتسلّم الخارجي ، وإلّا فلا شبهة في جوازه ، لما عرفت من أنّ بين البيع وعنوان الإعانة عموماً من وجه ، فلا يلزم من البيع المجرّد تقوية للكافر على المسلم .
الثالث : أنه قد أُمر في الآية الشريفة(1)بجمع الأسلحة وغيرها للاستعداد
1) قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ الأنفال 8 : 60 .
والتهيئة إلى إرهاب الكفّار وقتالهم ، فبيعها منهم ولو في حال الهدنة نقض للغرض فلا يجوز .
وأمّا ما دل على الجواز فإنه لضعف سنده لا يقاوم الروايات المانعة ، ويضاف إليه أنه ظاهر في سلاطين الجور من أهل الخلاف .
ثم إنّ السيد ( رحمه الله) في حاشيته(1)احتمل دخول هذا القسم الذي ه-و مورد بحثنا تحت الإعانة على الإثم ، بناء على عدم اعتبار القصد فيها وكون المدار فيها هو الصدق العرفي ، لحصول الصدق في المقام ، وحينئذ فيتعدّى إلى كل ما كان كذلك ، ويؤيّده قوله ( عليه السلام)(2): « يستعينون به علينا » .
وفيه : أنّ الإعانة على الإثم وإن لم يعتبر في مفهومها القصد ، إلّا أنّك قد عرفت أنّها ليست محرّمة في نفسها ، وعلى القول بحرمتها فبينها وبين ما نح--ن ف-ي-ه عموم من وجه كما هو واضح ، وأمّا قوله (عليه السلام) في رواية هند السراج المتقدّمة في الهامش : « فمن حمل إلى عدوّنا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك » فخارج عن حدود الإعانة على الإثم ، وإنّما يدل على حرمة إعانة الظلمة ، ولا سيّما إذا كانت على المعصومين (عليهم السلام) الموجبة لزوال حقوقهم .
قوله : بل يكفي مظنّة ذلك بحسب غلبة ذلك مع قيام الحرب .
أقول : قد علمت أنّ الروايات المانعة تقتضي حرمة بيع السلاح من أعداء الدين ولو مع العلم بعدم صرفه في محاربة المسلمين ، أو عدم حصول التقوّي له-م بالبيع ، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنّف من تقييد حرم تقييد حرمة البيع بوجود المظنّة بصرف السلاح في الحرب لغلبة ذلك عند قيامها بحيث يصدق حصول التقوّي لهم بالبيع .
الناحية الثانية : الظاهر شمول التحريم لمطلق آلة الحرب وحديدتها ، سواء كانت ممّا يدافع به في الحرب أم ممّا يقاتل ، وذلك لوجوه :
الأول : أنّ السلاح في اللغة(1)
وفي مجمع البحرين [ 2 : 373 ، مادة سلح ] قوله تعالى : وَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ هي جمع سلاح بالكسر ، وهو ما يقاتل به في الحرب ويدافع ، والتذكير فيه أغلب من التأنيث ، ويجمع في التذكير على أسلحة ، وعلى التأنيث سلاحات.
اسم المطلق ما يكن ، فيشمل مثل المجن(2): والدرع والمغفر(3)وسائر ما يكن(4)به في الحرب .الثاني : أنه تعالى أمر في الآية المتقدّمة بالتهيئة والاستعداد إلى قتال الكفّار وإرهابهم ، فبيع السلاح منهم ولو بمثل المغفر والدرع نقض لغرضه تعالى.
الثالث : أنّ تمكين الكفّار من مطلق ما يكن به في الحرب تقوية لهم ، فهو محرّم
1) في تاج العروس 2 : 165 | مادّة السلاح ] : السلاح بالكسر والسلح كعنب والسلحان بالضم : آلة الحرب ، وفي المصباح : ما يقاتل به في الحرب ويدافع . أو حديدتها ، أي ما كان من الحديد ، كذا خصّه بعضهم ، يذكّر ويؤنّث ، والتذكير أعلى ، لأنه يجمع على أسلحة ، وهو جمع المذكّر ، مثل حمار وأحمرة ، ورداء وأردية ... والسلاح القوس بلا وتر ، والعصا تسمّى سلاحاً .
2) في القاموس [ 4 : 210 مادّة جنّة ] : المجن والمجنة - بكسر هما - الترس ، والجنة - بالضم - كل ما وقى .
3) في القاموس [ 2 : 103 مادّة غَفَره ] : المغفر كمنبر : زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنّع بها المتسلّح .
4) في تاج العروس 9 : 323 مادّة كنّ : الكن - بالكسر - وقاء كل شيء وستره ، وكن أمره عنه أخفاه . وقال بعضهم : أكن الشيء ستره ، وفي التنزيل العزيز : أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ أي أخفيتم .
عقلاً وشرعاً كما علمت .
الرابع : أنه يحرم حمل السروج وأداتها إلى أهل الشام وبيعها منهم وإعانتهم عند قيام الحرب بينهم وبين الشيعة ، لروايتي الحضرمي وهند السراج (1)، فبيعها من الكفّار أولى بالتحريم . ولكن هذا الوجه يختص بحال الحرب ، على أنّ كلتا الروايتين ضعيفة السند.
وهم ودفع : قد يتوهّم أنّ المراد بالسروج المذكورة في رواية الحضرمي هي السيوف السريجية ، فلا تكون لها دلالة ولو بالفحوى على حرمة بيع ما يكن من أعداء الدين .
ولكن هذا التوهّم فاسد ، فإنه مضافاً إلى أنّ الظاهر من كون السائل سرّاجاً أنّ سؤاله متصل بصنعته - وهي عمل السروج ونقلها - فلا ربط له بالسيوف وبيعها أنّ حمل السروج - بالواو - على السيوف السريجية لا تساعده القواعد اللغوية ، لأنّ السريجي يجمع على سريجيات لا على سروج ، وإنّما السروج جمع سرج . على أنه لا يساعده صدر الرواية ، لاشتماله على كلمة الأداة ، وليست للسيف أدوات ، بخلاف السرج . وحملها على أدوات السيف من الغمد ونحوه بعيد جدّاً .
قوله : بمقتضى أنّ التفصيل قاطع للشركة .
أقول : قد يقال بجواز بيع ما يكن من الكفّار ، لصحيحة محمد بن قيس(2)عن
1) المتقدّمتين في ص 292 ، 293 .
2) في الكافي 5: 113 / 3 ، والتهذيب 6 : 354 / 1006 ، والوافي 17 : 174 / 3 والوسائل 17 : 102 / أبواب ما يكتسب به ب8 ح 3 قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل ، أبيعهما السلاح ؟ فقال : بعهما ما يكنهما الدرع والخفّين ونحو هذا » وهي صحيحة . في القاموس [ 4 : 372 - 373 مادّة الفَأْو ] : الفئة كعِدَة الجماعة ، الجمع فئون وفئات .
بيع السلاح من فئتين تلتقيان من أهل الباطل ؟ فقال : بعهما ما يكنهما .
وفيه : ما ذكره المصنّف من عدم دلالتها على المطلوب ، وتوضيح ذلك : أنّ الإمام (عليه السلام) فصّل بين السلاح وبين ما يكن ، فلابدّ وأن يكون بيع السلاح حراماً بعد ما جوّز الإمام بيع الثاني، لأنّ التفصيل قاطع للشركة في الحكم، وإلّا لكان التفصيل لغواً ، وعليه فترفع اليد عن ظهور الصحيحة ، وتحمل على فريقين محقوني الدماء من أهل الخلاف ، إذ لو كان كلاهما أو أحدهما مهدور الدم لم يكن وجه لمنع بيع السلاح منهم ، وحينئذ فيجب أن يباع منها ما يكن ليتحفّظ كل منهما عن صاحبه، ويتترّس به عنه، بل لو لم يشتروا وجب إعطاؤهم إيّاه مجاناً ، فإنّ اضمحلالهم يوجب اضمحلال وجهة الإسلام في الجملة ، ولذا سكت علي (عليه السلام) عن مطالبة حقه مطالبة حقّه من الطغاة خوفاً من انهدام حوزة الإسلام ، و ومن هنا أفتى بعض الأعاظم في سالف الأيّام بوجوب الجهاد مع الكفّار حفظاً للدولة العثمانية .
قوله : ثم إنّ مقتضى الاقتصار على مورد النص عدم التعدّي إلى غير أعداء الدين كقطّاع الطريق .
أقول : بيع السلاح من السَرَقة وقطّاع الطريق ونحوهم خارج عن حريم بحثنا وإنّما هي من صغريات المسألة المتقدّمة، فإن قلنا بحرمة الإعانة على الإثم فلا يجوز بيعه منهم ، وإلّا جاز ، كما هو الظاهر .
قوله : إلّا أنّ المستفاد من رواية تحف العقول إناطة الحكم بتقوّي الباطل ووهن الحق .
أقول : لم يذكر ذلك في رواية تحف العقول ، بل المذكور فيها هي حرمة وهن
الحق وتقوية الكفر ، وعليه فلا يمكن التمسّك بها على حرمة بيع السلاح من قطّاع الطريق ونحوهم ، نعم يجوز الاستدلال على ذلك بقوله (عليه السلام) فيها : « أو شيء فيه وجه من وجوه الفساد » . إلّا أنّك علمت في أوّل الكتاب أنّ الرواية ضعيفة السند .
قوله : ثم إنّ النهي في هذه الأخبار لا يدل على الفساد .
أقول : لا شبهة في أنّ الحرمة الوضعية متقوّمة بكون النهي إرشادياً إلى الفساد ولا نظر له إلى مبغوضية المتعلّق . كما أنّ قوام الحرمة التكليفية بكون النهي مولوياً تكليفياً ناظراً إلى مبغوضية متعلّقه ، ولا نظر له إلى فساده وعدم تأثيره ، فهما لا يجتمعان في استعمال واحد .
وأيضاً النهي من حيث هو تحريم بحت لا يقتضي الفساد لا شرعاً ولا عرفاً ولا عقلاً ، سواء تعلّق بذات المعاملة أو بوصفها أو بأمر خارج منطبق عليها . إذن فلا ملازمة بين الحرمة الوضعية والحرمة التكليفية على ما عرفت مراراً عديدة .
وعليه فإن كان المراد بالنهى المتوجّه إلى المعاملة هو النهي التكليفي المولوي كما هو الظاهر منه بحسب الوضع واللغة - دلّ على خصوص الحرمة التكليفية كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، إذ ليس الغرض منه إلّا بيان مبغوضية البيع .
وإن لم تُرد منه المولوية التكليفية كان إرشاداً إلى الفساد كالنهي المتوجّه إلى سائر المعاملات ، أو إلى المانعية كالنهي المتوجّه إلى أجزاء الصلاة .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ النهي عن بيع السلاح من أعداء الدين ليس إلّا لأجل مبغوضية ذات البيع في نظر الشارع ، فيحرم تكليفاً فقط ، ولا يكون دالاً على الفساد ، ويتّضح ذلك جلياً لو كان النهي عنه لأجل حرمة تقوية الكفر ، لعدم تعلّق النهي به ، بل بأمر خارج يتّحد معه .
قوله : النوع الثالث ممّا يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محلّلة معتداً بها عند العقلاء(1)
أقول : البحث في هذا النوع ليس على نسق البحث في الأنواع السابقة لتمحّضه هنا لبيان الحرمة الوضعية ، بخلافه فى المسألة السابقة فإنّ البحث فيها كان ناظراً إلى الحرمة التكليفية ، ومن ذلك يعلم أنه لا وجه لهذا البحث هنا إلّا استطراداً فإنّ المناسب لهذا ذكره في شرائط العوضين .
والعجب من المصنّف(رحمه الله) حيث ذكر عدم جواز بيع المصحف المصحف من الكافر في شروط الصحّة ، مع أنه أولى بالذكر هنا ، لإمكان دعوى كونه حراماً تكليفاً .
ثم إنّ ما لا نفع فيه تارة يكون لقلّته كحبّة من الشعير والحنطة وغيرهما ، فإنّ هذه الأُمور وإن كانت تعد عند العرف والشرع من الأموال بل من مهمّاتها، إلّا أنّ قلّتها أخرجتها عن حدودها وحدود إمكان الانتفاع بها. وأُخرى يكون لخسّته ورداءته، كحشرات الأرض من العقارب والحيّات والخنافس والجعلان والضفادع والديدان ، وكبعض أقسام الطيور من بغاثها(2)والنسر والغربان والرخم(3)ونحوها .
تحقیق و تكميل : قد تطابقت كلمات الأصحاب على فساد المعاملة على ما لا
نفع فيه نفعاً يعتدّ به ، قال الشيخ في المبسوط : وإن كان ممّا لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف ، مثل الأسد والذئب وسائر الحشرات(1).
و فى التذكرة منع عن بيع تلك الأُمور لخسّتها ، وعدم التفات نظر الشرع إلى مثلها في التقويم ، ولا تثبت الملكية لأحد عليها . ولا اعتبار بما يورد في الخواص من منافعها ، فإنّها مع ذلك لا تعد مالاً . وكذا عند الشافعي(2).
وفي الجواهر ادّعى الإجماع محصّلاً ومنقولاً على حرمة بيع ما لا ينتفع به نفعاً مجوّزاً للتكسّب به على وجه ير يرفع السفه عن ذلك(3). وعلى هذا المنهج فقهاء العامّة أيضاً ، وإن جوّز بعضهم بيع الحشرات والهوام إذا كانت ممّا ينتفع بها(4).
إذا عرفت ذلك فنقول : المتحصّل من كلمات الفقهاء لفساد بيع ما لا نفع فيه وجوه :
الوجه الأول : أنّ حقيقة البيع كما عن المصباح عبارة عن مبادلة مال بمال(5)فلا يصح بيع ما ليس بمال .
وفيه أولاً : أنه لا يعتبر في مفهوم البيع وصدقه لغة وعرفاً عنوان المبادلة بين المالين ، ومن هنا ذكر في القاموس : أنّ كل من ترك شيئاً وتمسّك بغيره فقد
1) المبسوط 2 : 166 .
2) التذكرة 10 : 35 .
3) الجواهر 22 : 34 .
4) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 [ عن الحنفية ] : يصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب إذا كان ينتفع بها . وعن الحنابلة لا يصح بيع الحشرات . وفي ص 213 : فإذا لم يكن من شأنه الانتفاع به كحبّة من الحنطة فلا يجوز بيعه .
5) المصباح المنير : 69 مادّة باعه .
اشتراه(1)، ومن الواضح جدّاً عدم تحقّق الاشتراء بدون البيع ، للملازمة بينهما ، ولذا قال الراغب الإصفهاني : الشراء والبيع يتلازمان ، بل كثر في الكتاب العزيز استعمال البيع والشراء في غير المبادلة المالية(2).
وأمّا ما عن المصباح فمضافاً إلى عدم حجّية قوله ، أنه كسائر التعاريف ليس تعريفاً حقيقياً ، بل لمجرّد شرح الاسم. فلا يبحث فيه طرداً وعكساً ، نقضاً وإيراماً .
وثانياً : أنه لو ثبت ذلك فغاية ما يلزم منه أنه لا يمكن تصحيح البيع بالعمومات الدالّة على صحة البيع ، وهو لا يمنع عن التمسّك بالعمومات الدالّة على صحة العقد والتجارة عن تراض ، بداهة صدقها على تبديل ما لا نفع فيه بمثله ، أو بما هو مال .
الوجه الثاني : ما عن الإيضاح من أنّ المعاملة على ما ليس له نفع محلّل أكل للمال بالباطل ، فتكون فاسدة(3).
وفيه : ما سمعته مراراً من أنّ الآية(4)أجنبية عن بيان شرائط العوضين ، بل ناظرة إلى تمييز الأسباب الصحيحة للمعاملة عن الأسباب الفاسدة لها ، وعليه فلا يكون الأكل في محل الكلام من أكل المال بالباطل بعد كون سببه تجارة ع--ن
1) القاموس المحيط 4 : 348 مادّة شراه .
2) في مفردات الراغب [ 453 مادّة شرى ] : شريت بمعنى بعت أكثر ، وابتعت بمعنى اشتريت أكثر . قال الله تعالى :وَشَرَؤهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي باعوه ، وكذلك قوله : ﴿ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) وتُجوز بالشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شيء ، نحو : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ) اشْتَرَوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا اشْتَرَوا الضَّلَالَةَ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فمعنى يشري يبيع .
3) إيضاح الفوائد 1 : 401 .
4) النساء 4 : 29 .
تراض .
الوجه الثالث : أنّ بيع ما لا نفع فيه من المعاملات السفهية فهي فاسدة .
وفيه : أنه ممنوع صغرى وكبرى ، أمّا الوجه في منع الصغرى فهو أنّ المعاملة إنّما تكون سفهية إذا انتفت عنها الأغراض النوعية والشخصية كلتاهما ، وليس المقام كذلك ، إذ ربما تتعلّق الأغراض الشخصية باشتراء ما لا نفع فيه من الحشرات وغيرها ، وهي كافية في خروج المعاملة عن السفهية . وأمّا الوجه في منع الكبرى فلأنّه لا دليل على فساد المعاملة السفهية بعد أن شملتها العمومات كما أشرنا إلى ذلك مراراً ، نعم قام الدليل على فساد معاملة السفيه ، لكونه محجوراً عن التصرف والمعاملة السفهية غير معاملة السفيه .
الوجه الرابع : ما استدل به المصنّف (رحمه الله) من قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « وكل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فذلك كلّه حلال بيعه وشراؤه » إذ لا يراد منه مجرّد المنفعة وإلّا لعمّ الأشياء كلّها . وقوله (عليه السلام) في آخرها « إنّما حرّم الله الصناعة التي يجيء منها الفساد محضاً » نظير كذا وكذا - إلى آخر ما ذكره - فإنّ كثيراً من الأمثلة المذكورة هناك لها منافع محلّلة فالأشربة المحرّمة مثلاً كثيراً ما ينتفع بها في معالجة الدواب بل المرضى ، فجعلها ممّا يجيء منه الفساد محضاً باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح لندرتها.
وفيه : أنّ هاتين القطعتين من الرواية إنما سيقتا لبيان حكم الأشياء التي تمحّضت للصلاح أو للفساد ، أو تساوت فيها الجهتان ، أو غلبت إحداهم-ا ع-لى الأُخرى ، فيحكم بصحة بيعها أو فساده حسب ما اقتضته تلك الجهة التعليلية المكنونة فيها ، وأمّا الأشياء التي لها نفع محلّل نادر فخارجة عن حدود الرواية ، إذ ليس فيها تعرّض لذلك بوجه ، لا من حيث صحة البيع ولا من حيث فساده ، وعليه فلا مانع من صحة المعاملة عليها للعمومات .
على أنّها لو تمّت فإنما تدل على فساد بيع ما لا نفع فيه لخسّته ، لكونه ممّا يجيء منه الفساد محضاً ،ولا تشمل ما لا نفع فيه لقلّته كحبّة من الحنطة ، إذ ليست فيه جهة فساد أصلاً .
ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي مختصة بالحرمة التكليفية على ما تقدّم في أول الكتاب(1)فلا تشمل الحرمة الوضعية ، ويضاف إلى ما ذكرناه كلّه أنّه--ا ضعيفة السند ، فلا يصح الاستدلال بها .
الوجه الخامس : دعوى غير واحد من الأعاظم الإجماع على ذلك .
وفيه : أنّ المحصّل منه غير حاصل ، والمنقول منه ليس بحجّة ، على أنّا لا نطمئن بوجود الإجماع التعبّدي الكاشف عن الحجّة المعتبرة ، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه المذكورة في المسألة .
وربما يؤيد القول بالجواز بصحيحة محمد بن مسلم الصريحة في جواز بيع الهر(2)، مع أنه ممّا لا نفع فيه ، بل كثيراً ما يضر الناس . وفي التذكرة : لا بأس ببيع الهر عند علمائنا ، وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحمّاد والثوري ومالك والشافعي(3)
أقول : الظاهر أنّ القائلين بحرمة بيع الهر قد استندوا إلى جملة من الأحاديث المروية عن النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم)، وقد أخرجها البيهقي في سننه 6 : 11 ، منها ما عن جابر قال :« نهى رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)عن ثمن الكلب والسنّور » . ومنها ما عن عبدالرزاق باسناده عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)« نهى عن ثمن الهر » . ومنها ما عن جابر أيضاً : « نهى رسول الله عن أكل الهر وأكل ثمنه » .
.1) في ص 11 .
2) قد تقدّمت الرواية في ص 147 . وفي المستدرك 13 : 90 / أبواب ما يكتسب به ب 12 ح3 عن دعائم الإسلام 2 : 20 / 30 عن علي (عليه السلام) « أنه رأى رجلاً يحمل هرّة فقال : ما تصنع ؟ قال : أبيعها ، فلا حاجة لي بها ، قال : تصدّق بثمنها » وهي مرسلة .
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 209 عن الحنفية : يصح بيع الحنفية : يصح بيع الحيوانات بأجمعها سوى الخنزير . وعن الحنابلة أنه هل يصح بيع الهر ؟ خلاف ، والمختار أنه لا يجوز .
وإسحاق وأصحاب الرأي(1).
والعجب من المصنّف حيث منع عن بيع القرد لكون المصلحة المقصودة منه- أعني حفظ المتاع- نادرة بخلاف الهرّة ، لورود غير واحد من الروايات على جواز بيعها . ووجه العجب أنّ منافع القرد المحلّلة ليست بنادرة ، بل هي من مهمّات المنافع . وإنّما الوجه في المنع عن بيع القرد هو الروايات التي تقدّمت في بيع المسوخ (2).
قوله : ولو فرض الشك في صدق المال على مثل هذه الأشياء المستلزم للشك في صدق البيع .
أقول : العلم بعدم صدق المال على شيء لا يمنع عن وقوع البيع عليه فضلاً عن الشك في صدقه عليه . إذن فلا وجه لرفع اليد عن عموم ما دل على صحة البيع والتمسّك بعمومات التجارة والصلح والعقود والهبة المعوّضة وغيرها كما صنعه المصنّف .
قوله : لأنّ ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها المتعارفة .
أقول : هذا ينافي ما تقدّم منه في بيع الأبوال(3)من حمل النبوي على ك--ون
الشحوم محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات .
قوله : ومنه يظهر أنّ الأقوى جواز بيع السباع بناء على وقوع التذكية عليها .
أقول : يجوز بيع جلود السباع والانتفاع بها على وجه الإطلاق ، لجملة من الأخبار التي ذكرناها(1)في بيع المسوخ والسباع ، وعليه فلا وجه لدعوى أنّ النصّ إنّما ورد ببعضها فقط فيجب تقييد جواز البيع به كما في المتن .
ثم إنّ السباع ممّا يقبل التذكية كما هو المشهور ، بل عن السرائر الإجماع عليه(2)وتدلّ عليه موثّقة سماعة - التي تقدّمت في مبحث جواز الانتفاع بالميتة (3)- عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال (عليه السلام) : « إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده » . إلّا أنه لا وجه لتعليق جواز بيعها على قبول التذكية إلّا على القول بحرمة الانتفاع بالميتة ، وإلّا فلا مانع من بيعها في حال الحياة للانتفاع بجلودها بعد الموت .
قوله : ولو غصبه غاصب كان عليه مثله إن كان مثلياً .
أقول : الدليل على الضمان إنّما هو السيرة القطعية من العقلاء والمتشرّعة . وعليه فلابدّ وأن يخرج من عهدة الضمان إما بردّ عينه أو مثله، ومع فقدهما لا يمكن الخروج منها بأداء القيمة ، بل أصبح الغاصب مشغول الذمّة لصاحب العين إلى يوم القيامة مثل المفلّس ، إذ الانتقال إلى القيمة إنّما هو فيما إذا كان التالف من الأموال . فلا ينتقل إليها إذا لم يكن التالف مالاً.
وربما يتمسّك للقول بالضمان بقاعدة ضمان اليد ، لشمولها لمطلق المأخوذ بالغصب ، سواء كان من الأموال أو من غيرها .
وفيه : أنّ القاعدة وإن ذكرت في بعض الأحاديث (1)واستند إليها المشهور في موارد الضمان ، ولكنّها ضعيفة السند وغير منجبرة بشيء كما سيأتي التعرّض لها في المقبوض بالعقد الفاسد(2).
وقد يتمسّك للضمان بقاعدة الإتلاف - من أتلف مال الغير فهو له ضامن - ولكنّه واضح الفساد ، لاختصاص موردها بالأموال ، فلا تشمل غيرها . نعم لو انفصلت كلمة (ما ) عن اللام وأُريد من الأول الموصول ومن الثاني حرف الجر بحيث تكون العبارة هكذا: من أتلف ما للغير الخ ، لشملت هذه القاعدة صورة إتلاف المال وغيره ، إلّا أنه بعيد جدّاً . على أنّ القاعدة المذكورة متصيّدة وليست بمتن رواية . وكيف كان ، فموردها خصوص الإتلاف ، فلا تدل على الضمان عند عدمه . فلا دليل على الضمان إلّا السيرة كما عرفت .
قوله : خلافاً للتذكرة فلم يوجب شيئاً كغير المثلي .
أقول : ضعّفه بعضهم(3)بأنّ اللازم حينئذ عدم الغرامة فيما لو غصب صبرة
1) ففي مستدرك الوسائل 14 : 7 / أبواب الوديعة ب 1 ح 12 ، وكنز العمال للمتّقي الهندي 10 : 360 / 29811 ، ومسند أحمد 5 : 632 / 19582 ، وسنن أبي داود السجستاني 3 : 296 / 3561 ، وسنن البيهقي 6 : 90 ، ونيل الأوطار للشوكاني 6 : 3/40 عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم): « على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» الحديث . وفي شرح النهج لابن أبي الحديد 4: 77 - 79 [ ما ملخّصه ] : أنّ سمرة هو الذي كان يحرّض الناس لحرب الحسين (عليه السلام) ، وكان نائباً عن ابن زياد في البصرة عند مجيئه إلى الكوفة ، وهو صاحب النخلة في بستان الأنصاري ، ومن المنحرفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) .
2) الجزء الثالث من هذا الكتاب : 87 - 88 .
3) وهو المحقق الكركي في جامع المقاصد 4: 90 .
تدريجاً . ويرد عليه : أنّ نظر العلّامة (رحمه الله)(1)ليس عدم الضمان مطلقاً ، بل فيما إذا لم يكن المغصوب مقداراً يصدق عليه عنوان المال ، ومن البديهي أنّ كل حبة من الصبرة وإن لم تكن مالاً بشرط لا ومجرّدة عن الانضمام إلى حبّة أُّخرى ، إلّا أنها إذا انضمت إلى غيرها من الحبّات صارت مالاً ، فتشملها أدلّة الضمان .
فرع : لو حاز ما لا نفع له كالحشرات ثبت له الاختصاص به ، فيكون أولى به من غيره ، فليس لأحد أن يزاحمه في تصرفاته فيه ، للسيرة القطعية . على أنّ أخذ المحاز من المحيز قهراً عليه ،ظلم ، فهو حرام عقلاً وشرعاً . وأمّا حديث « من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد من المسلمين فهو أحق به » فقد تقدّم(2)أنه ضعيف السند وغير منجبر بشيء .
حكم تدليس الماشطة
قوله : النوع الرابع :
أقول : قد جرت عادة الأصحاب بالبحث عن جملة من الأعمال المحرّمة في مقدّمة أبحاث التجارة ، وتبعهم المصنّف بذكر أكثرها في مسائل شتّى بترتيب حروف أوائل عنواناتها ، ونحن أيضاً نقتفي أثرهم.
ثم إنّك قد علمت(3)في البحث عن معنى حرمة البيع تكليفاً أنه يكفي في عدم جواز المعاملة على الأعمال المحرّمة ما دلّ على حرمتها من الأدلّة الأولية ، إذ مقتضى أدلّة صحة العقود لزوم الوفاء بها، ومقتضى أدلّة المحرّمات حرمة الإتيان بها ، وهما
لا يجتمعان . وعليه فلا موجب للبحث في كل مسألة من المسائل الآتية عن صحة المعاملة عليها وفسادها ، بل في جهات أُخرى .
وأمّا ما في حاشية السيد من عدم جواز أخذ الأُجرة على العمل المحرّم لقوله(صلّی الله علیه وآله وسلم): « إنّ الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه »(1)فإنّ المراد من الثمن مطلق العوض(2)، فهو فاسد ، فإنه مضافاً إلى ضعف سند هذا الحديث ، أنّا نمنع صدق الثمن على مطلق العوض .
قوله : المسألة الأُولى : تدليس الماشطة المرأة التي يراد تزويجها أو الأمة التي يراد بيعها حرام(3).
أقول : الماشطة والمشّاطة : التي تحسن المشط ، وتتّخذ ذلك حرفة لنفسها . والظاهر أنه لا خلاف في حرمة تدليسها إذا أظهرت في المرأة التي يراد تزويجها ، أو الأمة التي يراد بيعها ما ليس فيها من المحاسن ، بل ادّعي عليه الإجماع كما في الرياض(4)وغيره . قال في تجارة المقنع : ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها(5). وفي المكاسب المحظورة من النهاية : كسب المواشط حلال إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن فیصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس ، ويوثمن الخدود ، ويستعملن ما لا
يجوز في شريعة الإسلام(1). وفي فتاوي العامّة أنه لا يجوز وصل شعر الإنسان بشعر المرأة(2)
وفي سنن البيهقي 2 : 426 في عدّة من الأحاديث : « لعن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم) الواصلة والمستوصلة » .
.و تحقيق هذه المسألة في ثلاث جهات :
الجهة الأُولى: في تدليس الماشطة. الظاهر أنه لادليل على حرمة التدليس والغش من حيث هما تدليس وغش، إلّا في بيع أو شراء أو تزويج، للرواي--ات الخاصّة التي سنتعرّض لها في البحث عن حرمة الغش(3)، بل ربما يكونان مطلوبين للعقلاء ، كتزيين الدور والألبسة والأمتعة لإظهار العظمة والشوكة وحفظ الكيان وإراءة أنّها جديدة ، نعم لو قلنا بحرمة الإعانة على الإثم لكان تزيين المرأة التي في معرض التزويج أو الأمتعة التي في معرض البيع حراماً ، لكونه مقدّمة للغش المحرّم .
وقد أجاد المحقّق الإيرواني حيث قال : إنّ الماشطة لا ينطبق على فعلها غش ولا تدليس ، وإنّما الغش يكون بفعل من يعرض المغشوش والمدلس فيه على البيع نعم الماشطة أعدّت المرأة لأن يغش بها ، وحالها كحال الحائك الذي بفعله ت-عد العمامة لأن يدلس بلبسها ، وكفعل صانع السبحة لأن يدلس بالتسبيح به-ا ري-اء
1) النهاية : 366 .
2) في شرح فتح القدير 6: 63 منع عن وصل شعر الإنسان بشعر المرأة ، لحديث : « لعن الله الواصلة والمستوصلة » ، وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 215 عن الحنفية : ومن البيوع الباطلة بيع شعر الإنسان ، لأنّه لا يجوز الانتفاع به ، لحديث : « لعن الله » الخ ، وقد رخّص في الشعر المأخوذ من الوبر ليزيد في ضفائر النساء .
3) في ص 461 .
وأمّا نفس التمشيط فلا دليل يدل على المنع عنه بقول مطلق ، بل الأخبار رخّصت فيه(1).
الجهة الثانية : في تمشيط الماشطة . الظاهر أنه لا دليل على المنع عنه بقول مطلق وإن ورد النهي عن خصوص وصل الشعر بالشعر ، بل يتجلّى من الأخبار(2)
أقول : : تقيين الجواري تزيينها . وعن الصحاح [ 6 : 2186 مادّة قين ] : اقتان الرجل إذا حسن ، واقتانت الروضة أخذت زخرفها ، ومنه قيل للماشطة : مقينة ، وقد قيَّنت العروس تقييناً زيّنتها [ في المصدر : اقتان النبت ... ] .
وعن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) « قال : دخلت ماشطة على رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)فقال لها : هل تركت عملك أو أقمت عليه ؟ فقالت : يارسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)أنا أعمله إلّا أن تنهاني عنه فأنتهي عنه ، فقال : افعلي ، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة، فإنه يذهب بماء الوجه ، ولا تصلي الشعر بالشعر » . وهي ضعيفة بابن أشيم ومرسلة . وزاد في المتن : وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة . وهو من سهو القلم .وعن سعد الإسكاف قال : « سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهنّ ؟ فقال : لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها ، قال فقلت : بلغنا أنّ رسول الله لعن الواصلة والموصولة ؟ فقال : ليس هنالك ، إنّما لعن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم) الواصلة التي تزني في شبابها فلمّا كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة والموصولة » وهي ضعيفة بسعد المذكور .
أقول : القرمل كزبرج : ما تشد المرأة في شعرها من شعر أو صوف أو إبريسم ، ويقال له في لغة الفرس « گيسوبند » وفي لغة الترك « صاج باغي ». وعن القاسم بن محمد عن علي قال : « سألته عن امرأة مسلمة تمشّط العرائس ، ليس لها معيشة غير ذلك ، وقد دخلها ضيق ، قال : لا بأس ، ولكن لا تصل الشعر بالشعر » وهي ضعيفة بالقاسم المذكور .
وفي الوسائل 20 : 188 / أبواب مقدّمات النكاح ب 101 ح 4 عن مكارم الأخلاق 1 : 194 / 575 عن عمّار الساباطي قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ الناس يروون أن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم) لعن الواصلة والموصولة ، قال فقال : نعم ، قلت : التي تتمشّط وتجعل في الشعر القرامل ؟ قال فقال لي : ليس بهذا بأس ، قلت : فما الواصلة والموصولة ؟ قال : الفاجرة والقوّادة » وهي مرسلة .
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 117 .
2) في الكافي 5 : 118 / 1 ، 2 ، 3 . والتهذيب 6 : 360 / 1035 ، 1031 ، 1032 1030 . والوافي 17 : 201 / باب كسب الماشطة والخافضة . والوسائل 17 : 131 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح 1 ، 2 ، 3 ، 4 عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث أم حبيب الخافضة قال : « وكانت لأُم حبيب أُخت يقال لها أُم عطية ، وكانت مقينة -يعني ماشطة - فلمّا انصرفت أُم حبيب إلى أُختها فأخبرتها بما قال لها رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم)فأقبلت أُم عطية إلى النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)فأخبرته بما قالت لها أُختها ، فقال لها : ادني منّي يا أُم عطية ، إذا أنت قينت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة ، فإنّ الخرقة تذهب بماء الوجه » وفي نسخة أُخرى : « تشرب ماء الوجه » وهي صحيحة .
الكثيرة جوازه مطلقاً ، سواء اشترطت فيه الأُجرة أم لم تشترط ، بل في رواية قاسم ابن محمد صرّح بجواز تعيّش الماشطة بالتمشيط إذا لم تصل الشعر بالشعر .
وقد يقال بتقييدها بمفهوم مرسلة الفقيه وفقه الرضا(1)
وفي المستدرك 13 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب17 ح 1 ع-ن فقه الرضا (عليه السلام) : 252 : « ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بغير شعرها ، وأمّا شعر المعز فلا بأس » . وهي ضعيفة .
فإنّهما تدلّان على1) الفقيه 3 : 98 / 378 ، والوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح6 عن الصدوق قال : « قال (عليه السلام) : لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، وأما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة » وهي مرسلة .
جواز کسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ، إذ مفهومها يدل على حرمة كسبها مع انتفاء القيدين أو أحدهما ، فتقيّد به المطلقات ، وعليه فالنتيجة أنه لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الأُجرة وقبلت ما تعطى ، وإلّا فيحرم كسبها .
وفيه أولاً : أنّهما ضعيفتا السند ، فلا يجوز الاستدلال بهما على الحرمة ، نعم لا بأس بالاستدلال بهما على الكراهة ، بناء على شمول أخبار من بلغ(1)للمكروهات .
وما ذكره المصنّف من أنّ المراد بقوله ( عليه السلام) : « إذا قبلت ما تعطى » البناء على ذلك حين العمل وإلّا فلا يلحق العمل بعد وقوعه ما يوجب كراهته . بيّن الخلل ، فإنه لا موجب لهذا التوجيه بعد إمكان الشرط المتأخّر ووقوعه . فلا غرو في تأثير عدم القبول بعد العمل في كراهة ذلك العمل ، كتأثير الأغسال الليلية في صحة الصوم على القول به.
وثانياً : ما ذكره المصنّف (رحمه الله) ومخلّص كلامه : أنّ الوجه في أولوية قبول ما تعطى وعدم مطالبتها بالزيادة إنّما هو أحد أمرين على سبيل منع الخلو :
الأول : أنّ ما يعطى للماشطة والحجّام والختّان والحلّاق وأمثالهم لا ينقص غالباً عن أُجرة مثل عملهم ، إلّا أنهم لكثرة حرصهم ودناءة طباعهم يتوقّعون الزيادة ، خصوصاً من أُولي المروّة والثروة ، بل لو مُنِعوا عمّا يطلبونه بادروا إلى السبّ وهتك العرض ، ولذا أُمروا في الشريعة المقدّسة بالقناعة بما يعطون وترك
1) الوسائل 1 : 80 / أبواب مقدّمة العبادات ب18 .
المطالبة بالزائد عنه.
الثاني : أنّ المشارطة والمماكسة في مثل تلك الأُمور لا تناسب المحترمين من ذوي المجد والفخامة ، كما أنّ المسامحة فيها ربما توجب المطالبة بأضعاف أُجرة المثل فلذلك أمر الشارع أصحاب هذه الأعمال بترك المشارطة والرضا بما يعطى له-م وهذا كلّه لا ينافي جواز المطالبة بالزائد والامتناع عن قبول ما يعطى إذا اتّفق كونه أقل من أُجرة المثل ، إذ لا يجوز إعطاء أقل من ذلك ، لاحترام عملهم .
قوله : أو لأنّ الأولى في حق العامل قصد التبرّع .
أقول : المرسلة إنّما دلّت على عدم المشارطة ، المستلزم لعدم تحقّق الإجارة المعتبر فيها تعيين الأُجرة ، وهذا لا يستلزم قصد التبرّع ، لجواز أن يكون إيجاد العمل بأمر الآمر ، فيكون أمره هذا موجباً للضمان بأُجرة المثل ، كما هو متعارف في السوق كثيراً .
قوله : فلا ينافي ذلك ما ورد .
أقول : إن تم ما ذكره المصنّف من حمل المرسلة على أنّ الأولى بالعامل أن يقصد التبرّع كانت المرسلة خارجة عن حدود الإجارة موضوعاً ، وإن لم يتم ذلك فلابدّ وأن يلتزم بتخصيص ما دل على اعتبار تعيين الأُجرة قبل العمل(1)
وما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستعملن أجيراً حتى يعلمه ما أجره » وهي ضعيفة بمسعدة . راجع الكافي 5 : 288 / 1 ، 4 . والتهذيب :7 : 212 / 1932 ، 931 . والوافي 18 : 945 / ب 153 ح1، 4 والوسائل 19 : 104 / كتاب الإجارة ب3 ح 1 ، 2 .
بواسطة1) كما في صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري: إنّ الرضا ( عليه السلام) أقبل على غلمانه يضربهم بالسوط لعدم مقاطعتهم على أجرة الأجير قبل العمل .
المرسلة إذا كانت حجّة ، وإلّا فيرد علمها إلى أهلها .
الجهة الثالثة : قد ورد في بعض الأخبار(1)
قال الصدوق : قال علي بن غراب : النامصة التي تنتف الشعر ، والمنتمصة التي يفعل ذلك بها والواشمة التي تشم وشماً في يد المرأة وفي شيء من بدنها ، وهو أن تغرز يديها أو ظهر كفّيها أو شيئاً من بدنها بابرة حتى تؤثّر فيه ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة فتخضر ، والمستوشمة التي يفعل ذلك بها . والواشرة التي تشر أسنان المرأة وتفلجها وتحدّدها ، والموتشرة التي يفعل ذلك بها . والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، والمستوصلة التي يفعل ذلك بها .
وقد ورد اللعن أيضاً من طرق العامّة على الواصلة والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة والواشرة والموتشرة ، والنامصة والمنتمصة . راجع سنن البيهقي 2 : 426 ، و 7: 312 .
لعن الماشطة على خصال أربع : الوصل ، والنمص ، والوشم ، والوشر . أمّا الوصل فإن كان المراد به ما هو المذكور في روايتي سعد الإسكاف والمكارم المتقدّمتين - في الحاشية-(2)من تفسير الواصلة بالفاجرة والقوّادة فحرمته من ضروريات الإسلام ، وسيأتي التعرّض لذلك في البحث عن حرمة القيادة(3).وإن كان المراد به ما في تفسير علي بن غراب من أنّ الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، فقد يقال بحرمته أيضاً ، لظهور اللعن فيها .
ولكن یرد عليه أولاً : أنه لا حجّية في تفسير ابن غراب ، لعدم كونه من
1) في الوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب19 ح 7 عن معاني الأخبار [ 249 / 1 ] باسناده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال : « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم )النامصة والمنتمصة والواشرة والموتشرة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة » . وهي ضعيفة بعلي بن غراب وغيره من رجال الحديث .
2) في ص 313
3) في ص 582 - 583 .
المعصوم ، مع ورود الرد عليه في روايتي سعد الإسكاف والمكارم وتفسير الواصلة والموصولة فيهما بمعنى آخر . ويحتمل قريباً أنه أخذ هذا التفسير من العامة ، فإنّ مضمونه مذكور في سنن البيهقي(1).
وثانياً : لو سلّمنا اعتباره فإنه لابدّ وأن يحمل على الكراهة كما هو مقتضى الجمع بين الروايات ، وتوضيح ذلك : أنّ الروايات الواردة في وصل الشعر بشعر امرأة على ثلاث طوائف :
الأُولى : ما دل على الجواز مطلقاً ، كرواية سعد الإسكاف المتقدّمة : « عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصلنه بشعورهن ؟ فقال : لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها » وكرواية مكارم الأخلاق(2).
الثانية : ما دل على التفصيل بين شعر المرأة وشعر غيرها ، وجوّز الوصل في الثاني دون الأول ، كقوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه المتقدّمة(3): « لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى ، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها ، وأما شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة » .
الثالثة : ما تظهر منه الحرمة في مطلق وصل الشعر بالشعر ، كجملة من الروايات المتقدّمة (4)من الفريقين ، وكروايتي عبدالله بن الحسن (5)وثابت بن أبي
1) سنن البيهقي 7 : 312 / باب ما لا يجوز للمرأة أن تتزيّن به .
2) في الوسائل 20 : 189 / أبواب مقدّمات النكاح ب 101 ح 5 عن أبي بصير قال : « سألته عن قصّة النواصي تريد المرأة الزينة لزوجها ، وعن الحفّ والقرامل والصوف وما أشبه ذلك ؟ قال : لا بأس بذلك كلّه . وهي مرسلة ، راجع مكارم الأخلاق 1 : 194 / 576 .
3) في ص 313 ، الهامش رقم (1) .
4) في ص 311 - 314 .
5) قال : « سألته عن القرامل ؟ قال : وما القرامل ؟ قلت : صوف تجعله النساء في رؤوسهن فقال : إن كان صوفاً فلا بأس به ، وإن كان شعراً فلا خير فيه من الواصلة والموصولة » وهي مجهولة بيحيى بن مهران وعبد الله بن الحسن . راجع التهذيب 6 : 361 / 1036 والوافي 17 : 204 / 17 ، 22 : 857 / 8 ، والوسائل 17 : 132 / أبواب ما يكتسب به ب 19 ح 5 .
سعيد(1). وهاتان الروايتان تدلّان أيضاً على جواز وصل الصوف بالشعر .
ومقتضى الجمع بينها أن يلتزم بجواز وصل شعر المعز بشعر المرأة بلا كراهة وبجواز وصل شعر المرأة بشعر امرأة أُخرى مع الكراهة ، فإنّ ما دلّ على المنع مطلقاً يقيّد بما دل على جواز الوصل بشعر المعز ، وما دل على حرمة وصل شعر المرأة بشعر امرأة أُخرى يحمل على الكراهة ، لما دل على جواز تزيّن المرأة لزوجها مطلقاً ، فإنّ رواية سعد الاسكاف وإن كانت بصراحتها تدفع توهّم السائل من حيث الموضوع وهو إرادة وصل الشعر بالشعر من الواصلة والموصولة ، ولكنّها ظاهرة أيضاً في جواز وصل الشعر بالشعر مطلقاً ، إذ لو لم يكن جائزاً لكان على الإمام (عليه السلام) أن يدفع توهّم السائل من حيث الحكم ، فيقول له مثلاً : إنّ وصل شعر المرأة بشعر امرأة أُخرى حرام . على أنّ روايتي عبدالله بن الحسن وثابت غير ظاهرتين في الحرمة كما هو واضح لمن يلاحظهما .
بقى هنا أمران :
الأول : أنّ رواية سعد مختصة بزينة المرأة لزوجها ، فلا تدل على جواز الوصل
1) قال : « سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن النساء يجعلن في رؤوسهن الق--رام--ل ، قال : يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة نفسها ، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرّ » وهي مجهولة بثابت . وعن مكارم الأخلاق 1 : 194 / 574 مثله مرسلاً ومضمراً . راجع الكافي 5 : 220 / 3 ، والوافي 22 : 856 / 6 ، والوسائل 20 : 187 / أبواب مقدّمات النكاح ب 101 ح1 .
مطلقاً .
وفيه : أنّها وإن كانت واردة في ذلك ، إلّا أنّ من المقطوع به أنّ جواز تزيّن المرأة لزوجها لا يسوّغ التزيّن بالمحرّم كما تقدّم، فيعلم من ذلك أنّ وصل الشعر بالشعر ولو بشعر امرأة كان من الأُمور السائغة في نفسها .
الثاني : أنّ رواية سعد مطلقة ، تدل على جواز وصل الشعر بالشعر مطلقاً ولو كان شعر امرأة أخرى ، فتقيّد بما اشتمل على النهي عن وصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها .
وفيه : أنّ رواية سعد وإن كانت مطلقة ولكنّ السؤال فيها كان عن خصوص وصل الشعر بالشع، فلو كان في بعض أفراده فرد محرّم لوجب على الإمام (عليه السلام) أن يتعرّض لبيان حرمته في مقام الجواب ، فيعلم من ذلك أنه ليس بحرام .
هكذا كلّه مع صحّة الروايات ، ولكنّها جميعاً ضعيفة السند . إذن فمقتضى الأصل هو الجواز مطلقاً .
وربما يقال : إنّ لعن الواصلة في النبوي صريح في الحرمة ، فلا يجوز حمله على الكراهة . وفيه : مضافاً إلى ضعف سنده ، واستعمال اللعن في الأُمور المكروهة في بعض الأحاديث(1)
(عليه السلام) قال : « يا علي لعن الله ثلاثة : آكل زاده وحده ، وراكب الفلاة وحده ، والنائم في بيت وحده » . راجع الوسائل 24 : 416 / أبواب آداب المائدة ب 101 ح 1 ، والبحار 74 : 3/51 .
وفي الاحتجاج 2 : 557 / 350 ، والوسائل 4 : 201 / أبواب المواقيت ب 21 ح 7 ع--ن الكليني رفعه عن الزهري في التوقيع : « ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم ، ملعون ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم » . [ في الاحتجاج : إلى أن تنفض النجوم ] .
وفي الوسائل 16 : 280 / أبواب الأمر والنهي ب 42 ح 7 عن كنز الفوائد 1 : 150 : ملعون ملعون من وهب الله له مالاً فلم يتصدّق منه بشيء ، أما سمعت أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)قال : صدقة درهم أفضل من صلاة عشر ليال » .
أنّ اللعن ليس بصريح في الحرمة حتى لا يجوز حمله على1) عن الصدوق باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)لعلي
الكراهة ، وإنّما هو دعاء بالإبعاد المطلق الشامل للكراهة أيضاً ، نظير الرجحان المطلق الشامل للوجوب والاستحباب كليهما، غاية الأمر أن يدعى كونه ظاهراً في التحريم ، لكنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهوره وحمله على الكراهة إذا تعارض مع ما يدل على الجواز كما عرفت .
ومن هنا ظهر جواز بقية الأُمور المذكورة في النبوي كالنمص والوشم والوشر وإن كانت مكروهة ، بل ربما يشكل الحكم بالكراهة أيضاً ، لضعف الرواية ، إلّا أن يتمسّك في ذلك بقاعدة التسامح في أدلة السنن ، بناء على شمولها للمكروهات أيضاً بل ورد جواز النمص - أعني حف الشعر من الوجه - في الخبر(1)
وفي الوسائل 20 : 189 / أبواب مقدّمات النكاح ب 101 ح6 عن علي بن جعفر مثلها ولكنّه صحيح .
.ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب أيضاً عن رواية عبدالله بن سنان(2)
1) في الوسائل 17 : 133 / أبواب ما يكتسب به ب 19 ح 8 عن قرب الإسناد [ 226 / 883 ] باسناده عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) « عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها ؟ قال : لا بأس » وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن .
2) في الكافي 5: 559 / 13 ، والوافي :22 : 9/858 ، والوسائل 20 : 239 / أبواب
المشتملة على اللعن على الواشمة والموتشمة .
وقد يتوهّم أنه ثبت بالأخبار المستفيضة المذكورة في أبواب النكاح وبالسيرة القطعية جواز تزيّن المرأة لزوجها، بل كونه من الأُمور المستحبّة و مقتضى ما دل على حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر هو عدم جواز التزيّن بها، سواء كان ذلك للزوج أو لغيره، فيتعارضان فيما كان التزين بالأُمور المذكورة للزوج ، ويتساقطان ، فيرجع إلى الأُصول العملية .
وفيه : أنه لو تم ما دلّ على حرمة الأُمور المزبورة فالنسبة بينه وبين ما دل على جواز التزيّن هي العموم المطلق. فيحكم بجواز التزيّن مطلقاً إلّا بالأشياء المذكورة ، بيان ذلك : أنّ المذكور فى الروايات وإن كان هو جواز تزيّن الزوجة لزوجها فقط ، ولكنّا نقطع بعدم مدخلية الزوجية في الحكم بحيث لولاها لك--ان التزيّن للنساء حراماً ، بل هو أمر مشروع للنساء كلّها كما عليه السيرة القطعية . إذن فلابدّ من تخصيص الحكم بما دلّ على حرمة الأُمور المذكورة في النبوي .
قوله : خصوصاً مع صرف الإمام للنبوي الوارد في الواصلة عن ظاهره .
أقول : صرف النبوي عن ظاهره بالتصرف في معنى الواصلة والمستوصلة بإرادة القيادة من الواصلة يقتضي حرمة الوصل والنمص والوشم والوشر المذكورة في النبوي ، لاتّحاد السياق ، دون الكراهة ، نعم لو كان معنى اللعن في الرواية ه-و مطلق الإبعاد الذي يجتمع مع الكراهة لصار مؤيّداً لحمل ما عدا الوصل على
الكراهة .
قوله : نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال من حيث إنه إيذاء له-م ب-غير مصلحة .
أقول : لا شبهة أنّ الوشم لا يلازم الإيذاء دائماً ، بل بينهما عموم من وج-ه فإنه قد يتحقّق الإيذاء حيث يتحقّق الوشم كما هو الكثير ، وقد يتحقّق الوشم حيث لا يتحقّق الإيذاء ، لأجل استعمال بعض المخدّرات المعروفة اليوم ، وقد يجتمعان .
وعلى تقدير الملازمة بينهما فالسيرة القطعية قائمة على جواز الإيذاء إذا كان لمصلحة التزيّن ، كما في ثقب الآذان والآناف .
قوله : ثم إنّ التدليس بما ذكرنا إنّما يحصل بمجرد رغبة الخاطب أو المشتري .
أقول : التدليس فى اللغة(1)عبارة عن تلبيس الأمر على الغير ، أو كتمان ، السلعة عن المشتري وإخفائه عليه بإظهار كمال ليس فيها ، وأمّا ما يوجب رغبة المشتري والخاطب فليس بتدليس ما لم يستلزم كتمان عيب ، أو إظهار ما ليس فيه من الكمال ، وإلّا لحرم تزيين السلعة ، لكون ذلك سبباً لرغبة المشتري ، و لحرم أيضاً لبس المرأة الثياب الحمر والخضر الموجبة لظهور بياض البدن وصفائه ، بداهة كونه سبباً لرغبة الخاطبين ، ولا نظنّ أن يلتزم بذلك فقيه أو متفقّه .
1) في القاموس [ 2 : 341 مادة الدلس ] : التدليس كتمان عيب السلعة عن المشتري . وفي المنجد [ 222 مادّة دلس ] : دلَّسَ البائع كتم عيب ما يبيعه عن المشتري .
قوله : المسألة الثانية : تزيين الرجل بما يحرم عليه من لبس الحرير والذهب حرام(1).
أقول : اتّفق فقهاؤنا وفقهاء العامة(2)
وفي ص 15 الحنفية قالوا : يحرم على الرجال لبس الحرير إلّا لضرورة. وفي ص 16 المالكية قالوا : يحرم على الذكور البالغين لبس الحرير ، وفي الصغار خلاف . وفي ص 17 يحرم على الرجل والمرأة استعمال الذهب والفضّة .
واستفاضت الأخبار من طرقنا(3)ومن طرق السنّة(4)على حرمة لبس الرجل الحرير والذهب إلّا في موارد خاصة ولكن الأخبار خالية عن حرمة تزيّن الرجال بهما ، فعقد المسألة بهذا العنوان كما صنعه المصنّف(رحمه الله) فيه مسامحة واضحة ، نعم ورد في بعض الأحاديث : « لا تختم بالذهب ، فإنه زينتك في الآخرة »(5): وفي بعضها الآخر : « جعل الله الذهب في1) المكاسب 1 : 173 .
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2: 13 الشافعية قالوا : يحرم على الرجال لباس الحرير ... فلا يجوز للرجال أن يجلسوا على الحرير ولا أن يسندوا إليه من غير حائل ، ويحرم ستر الجدران به في أيام الفرح والزينة إلّا لعذر . والحنابلة قالوا بحرمة استعمال الحرير مطلقاً ولو كان بطانة لغيره ، ومثل الرجل الخنثى ، وكذلك الصبي والمجنون ، فيحرم إلباسها الحرير.
3) راجع الكافي 3 : 399 / 10 ، 12 ، 27 ، 6: 453 / باب لبس الحرير ، 468 / 5، 7،6 والوافي 20 : 162 / 5 - 75 / 22 وما بعده من الأحاديث ، والوسائل 4 : 367 / أبواب لباس المصلّي ب11 ، 30 .
4) راجع سنن البيهقي 2 : 422 / باب نهي الرجال عن ثياب الحرير ، و 424 / باب نهي الرجال عن لبس الذهب.
5) وهي ضعيفة بغالب بن عثمان . راجع المصادر المتقدّمة من الكافي والوافي والوسائل .
الدنيا زينة النساء ، فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه »(1). ولكن مضافاً إلى ضعف السند فيهما ، أنّهما لا تدلان على حرمة تزيّن الرجل بالذهب حتى يشمل النهى غير صورة اللبس أيضاً ، بل تفريعه (عليه السلام) في الرواية الثانية حرمة لبس الذهب على كونه زينة النساء فى الدنيا لا يخلو عن الإشعار بجواز تزيّن الرجل بالذهب ما لم يصدق عليه عنوان اللبس .
وقد يقال : إنّ عنوان التزيّن بالذهب والحرير وإن لم يذكر في الأخبار ، إلّا أنّ لبس الحرير والذهب يلازم التزيّن بهما ، فالنهي عن لبسهما يلازم النهي عن التزيّن بهما.
وفيه : أنّها دعوى جزافية ، لمنع الملازمة ، بل بين العنوانين عموم من وجه فإنّ التزيّن قد يصدق حيث لا يصدق اللبس ، كما إذا جعلت أزرار الثوب من الذهب أو من الحرير ، وكما إذا خيط بهما الثوب، كما تتعارف خياطة الفراء بالحرير والديباج ، وكما إذا صاغ الإنسان أسنانه من الذهب . وقد يصدق اللبس ولا يصدق التزيّن ، كلبس الحرير والذهب تحت سائر الألبسة ، وتختّم الرجل بالذهب للتجربة والامتحان . وقد يجتمع العنوانان . وتفصيل الكلام في البحث عن لباس المصلّي في كتاب الصلاة(2).
ومن هنا ظهر أنه لا وجه لما ذهب إليه في العروة في المسألة 23 من مسائل لباس المصلّي(3)قال : نعم إذا كان زنجير الساعة وعلّقه على رقبته أو من الذهب و وضعه في جيبه لكن علّق رأس الزنجير يحرم ، لأنه تزيين بالذهب ، ولا تصحّ الصلاة فيه أيضاً .
هل يجوز تشبّه الرجل بالمرأة وبالعكس ، أو لا ، بأن يلبس الرجل ما يختص بالنساء من الألبسة ، وتلبس المرأة ما يختص بالرجل منها كالمنطقة والعمامة ونحوهما ؟ ولا ريب أنّ ذلك يختلف باختلاف العادات .
فنقول : إنه ورد النهي عن التشبّه في الأخبار المتظافرة(1)
وفي المستدرك 13 : 203 / أبواب ما يكتسب به ب 70 ح 2 عن الطبرسي في مجمع البيان [ 7 : 220 ] عن أبي أمامة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : « أربع لعنهم الله من فوق عرشه وأمّنت عليه الملائكة : الرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه الله ذكراً ، والمرأة تتشبّه بالرجال وقد خلقها الله أُنثى » وهي مرسلة.
وفي المستدرك 3 : 346 / أبواب أحكام الملابس ب 9 ح 1 ، 3 ، 4 ، 2 عن الصدوق عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يقول : لا يجوز للمرأة أن تتشبّه بالرجال » وهي ضعيفة بجعفر بن محمد بن عمارة وأبيه .
وعن المفيد عن عروة بن عبيدالله بن بشير الجعني قال : « دخلت على فاطمة بنت علي بن أبي طالب وهي عجوزة كبيرة وفي عنقها خرز ، وفي يدها مسكتان ، فقالت : يكره للنساء أن يتشبهن بالرجال » الخبر . وهو مجهول بعروة وبغيره .
وعن دعائم الإسلام [ 2 : 162 / 580 ] عن جعفر بن محمد (عليه السلام) : « أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)نهى النساء أن يكنّ متعطّلات من الحلي ، أن يتشبهنّ بالرجال ولعن من فعل ذلك منهنّ » وهي مرسلة .
وعن فقه الرضا (علیه السلام) [ 252 ] : « قد لعن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) سبعة : ... والمتشبّه من النساء بالرجال والرجال بالنساء » . وهي ضعيفة .
ولعن الله ورسوله1) ففي الوسائل 17 : 284 / أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 1 عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث : لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء والمشتبّهات من النساء بالرجال » الحديث . وهي ضعيفة بعمرو بن شمر .
المتشبّهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال .
ولكن هذه الأخبار كلّها ضعيفة السند ، فلا تصلح دليلاً للقول بالحرمة . ومع الإغضاء عن ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبّه في اللباس ، لأنّ التشبّه فيها إمّا يراد به مطلق التشبّه ، أو التشبّه في الطبيعة كتأنّث الرجل وتذكّر المرأة ، أو التشبّه الجامع بين التشبّه في الطبيعة والتشبّه في اللباس.
أمّا الأول فبديهي البطلان ، فإنّ لازمه حرمة اشتغال الرجل بأعمال المرأة كالغزل وغسل الثوب وتنظيف البيت والكنس ونحوها من الأُمور التي تعملها المرأة في العادة ، وحرمة اشتغال المرأة بشغل الرجل ، كالاحتطاب والاصطياد والسقي والزرع والحصد ونحوها ، مع أنه لم يلتزم به أحد ، بل ولا يمكن الالتزام به .
وأمّا الثالث فلا يمكن أخذه كذلك ، إذ لا جامع بين التشبّه في اللباس والتشبّه في الطبيعة ، فلا يكون أمراً مضبوطاً .
فيتعيّن الثاني ، ويكون المراد من تشبّه كل منهما بالآخر هو تأنّت الرجل باللواط ، وتذكّر المرأة بالسحق ، وهو الظاهر من لفظ التشبّه في المقام .
ويؤيّد ما ذكرناه تطبيق الإمام (عليه السلام) النبوي على المخنّثين والمساحقات في جملة روايات من الخاصّة (1)
وفي حديث آخر : « اخرجوهم من بيوتكم فإنّهم أقذر شيء » وهي مرسلة .
وفي سنن البيهقي 8 : 224 عن ابن عباس : « أخرجوهم من بيوتكم » .
وبهذا الإسناد [ الوارد في العلل ] عن علي (عليه السلام) قال : «كنت مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)جالساً في المسجد حتى أتاه رجل به تأنيث فسلّم عليه فرد عليه ، ثم أكبّ رسول الله إلى الأرض يسترجع ، ثم قال : مثل هؤلاء في أُمّتي ! إنه لم يكن مثل هؤلاء في أُمّة إلّا عذّبت قبل الساعة » وهي ضعيفة بالحسين بن علوان .
وفي المستدرك 13 : 202 / أبواب ما يكتسب به ب 70 ح 1 عن الجعفريات : 242 / 976 عن أبي هريرة قال : « لعن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)مخنّثين الرجال المتشبّهين بالنساء والمترجّلات من النساء المتشبّهات بالرجال » الحديث . وهو ضعيف بأبي هريرة وغيره .
وفي الكافي 5 : 550 / 4 ،والوسائل 20 : 346 / أبواب النكاح المحرّم ب 24 ح6 ،والوافي 15 : 229 / 5 عن أبي خديجة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : « لعن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) المتشبّهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال ، قال : وهم المخنّثون واللاتي ينكحن بعضهنّ بعضاً » وهي مجهولة بأبي خديجة وغيره . وقال في الوسائل بعد نقل الرواية : ورواه البرقي في المحاسن 1 : 202 / 347 وعليه فلا بأس بالعمل بها .
وفي الكافي 5 : 552 / 4 ، والوافي 15 : 235 / 4 ، والباب المذكور من الوسائل ح 5 عن أبي عبد الله في الراكبة والمركوبة قال : « وفيهنّ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): لعن الله المتشبّهات بالرجال من النساء ، ولعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء » ، وهي مجهولة بالحسين بن زياد ، ويعقوب بن جعفر .
1) ففي الوسائل 17 : 284 / أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 2 ، 3 ، 4 ، 20 : 337 / أبواب النكاح المحرّم ب 18 ح 9 ، 10 ، 11 عن الصدوق في العلل [ 602 / 63 - 65 ] عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) « أنه رأى رجلاً به تأنيث في مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال : اخرج من مسجد رسول الله يا من لعنه رسول الله ، ثم قال علي (عليه السلام) : سمعت رسول الله يقول : لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء ، والمتشبّهات من النساء بالرجال » وهي ضعيفة بالحسين بن علوان .
وطرق العامة(1). ولكنّها ضعيفة السند .
1) في سنن البيهقي 8 : 224 عن أبي هريرة : أُتي بمخنّث قد خ-ض-ب ي-ديه ورجليه بالحناء فقال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم): ما بال هذا ؟ فقيل : يارسول الله يتشبّه بالنساء ، فأمر به فنني إلى النقيع .
وقد اتّضح ممّا تلوناه بطلان ما ادّعاه المحقّق الإيرواني من : أنّ إطلاق التشبّه يشمل التشبّه في كل شيء ، ودعوى انصرافه إلى التشبّه فيما هو من مقتضيات طبع صاحبه لا ما هو مختص به بالجعل كاللباس ، في حيّز المنع ، بل كون المساحقة من تشبه الأُنثى بالذكر ممنوع ... بل التخنّث أيضاً ليس تشبّهاً بالأُنثى(1).
وكذلك ما في حاشية السيد من : عدم اختصاص النبوي بالتشبّه في التأنّث والتذكّر ، لإمكان شموله للتشبّه في اللباس أيضاً(2).
والعجب من المحقّق الإيرواني حيث قال في توجيه رواية العلل : لعلّ الرجل الذي أخرجه علي (عليه السلام) من المسجد كان متزيّناً بزينة النساء ، كما هو الشائع في شبّان عصرنا ، وكان هو المراد من التأنّث ، لا التخنّث(3). وهو أعرف بمقاله .
ثم إنه قد ورد في بعض الأحاديث النهي عن التشبّه في اللباس(4)
وعن أبي عبدالله عن آبائه (عليهم السلام) قال : « كان رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء ، وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها » وهي مرسلة .
، كرواية سماعة : « في الرجل يجرّ ثيابه ، قال : إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء » . وفي رواية أُخرى : كان رسول الله ينهى المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها . فإنه يستفاد منهما تحريم النشبّه في اللباس.وفيه : أنه ليس المراد من التشبّه في الروايتين مجرد لبس ك-ل م-ن الرج-ل
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 122 .
2) حاشية المكاسب( اليزدي) : 16 ، السطر 20 .
3) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 122 .
4) ففي الوسائل 5 : 25 / أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 1 ، 2 ع-ن الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق [ 1 : 256 / 767 ، 768 ] عن سماعة عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام) « في الرجل يجر ثيابه ؟ قال : إنّي لأكره أن يتشبه بالنساء » وهي مرسلة .
والمرأة لباس الآخر ، وإلّا لحرم لبس أحد الزوجين لباس الآخر لبعض الدواعي كبرد ونحوه ، بل الظاهر من التشبّه في اللباس المذكور في الروايتين هو أن يتزيّا كل من الرجل والمرأة بزي الآخر ، كالمطربات اللاتي أخذن زي الرجال ، والمطربين الذين أخذوا زي النساء ، ومن البديهي أنه من المحرّمات في الشريعة ، بل من أخبث الخبائث وأشد الجرائم وأكبر الكبائر . على أنّ المراد في الرواية الأُولى هو الكراهة إذ من المقطوع به أنّ جرّ الثوب ليس من المحرّمات في الشريعة المقدّسة .
وقد تجلّى ممّا ذكرناه : أنه لا شك في جواز لبس الرجل لباس المرأة لإظهار الحزن ، وتجسّم قضية الطف ، وإقامة التعزية لسيد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) . وتوهّم حرمته لأخبار النهي عن التشبّه ناشئ من الوساوس الشيطانية ، فإنّك قد عرفت عدم دلالتها على حرمة التشبّه .
وقد علم ممّا تقدّم أيضاً : أنه لا وجه لاعتبار القصد في مفهوم التشبّه وصدقه بل المناط في صدقه وقوع وجه الشبه في الخارج مع العلم والالتفات كاعتبار وقوع المعان عليه في صدق الإعانة . على أنه قد أطلق التشبّه في الأخبار على جر الثوب والتخنّث والمساحقة ، مع أنه لا يصدر شيء منها بقصد التشبّه .ودعوى أنّ التشبّه من التفعّل الذى لا يتحقّق إلّا بالقصد دعوى جزافية ، لصدقه بدون القصد كثيراً .
قوله : وفيها (وفيهما) خصوصاً الأُولى بقرينة المورد ظهور في الكراهة .
أقول : قد علم ممّا ذكرناه أنه لا وجه لحمل ما ورد في التشبّه في اللباس على الكراهة بدعوى ظهوره فيها ، إذ لا نعرف منشأ لهذه الدعوى إلا قوله (عليه السلام) في رواية سماعة في رجل يجر ثيابه : « إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء » ومن الواضح جدّاً أنّ الكراهة المذكورة في الروايات أعم من الكراهة الاصطلاحية.
على أنّ رواية الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه
و آله وسلم) أنه « كان يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء ، وينهى المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها » كالصريحة في الحرمة ، لعدم إطلاق الزجر في موارد الكراهة الاصطلاحية .
قوله : ثم الخنثى يجب عليها ترك الزينتين الخ .
أقول : اختلفوا في الخنثى هل هو من صنف الرجال، أو من صنف الإناث ، أو هو طبيعة ثالثة تقابل كلاً من الصنفين على أقوال قد ذكرت في محلّها (1). وما ذكره المصنّف (رحمه الله) من أنه : يجب عليها ترك الزينتين المختصتين بكل من الرجل والمرأة ، مبني على كونه داخلاً تحت أحد العنوانين : الذكر والأُنثى ، وإلّا فأصالة البراءة بالنسبة إلى التكاليف المختصّة بهما محكمة.
قوله : ويشكل بناء على كون مدرك الحكم حرمة التشبّه بأنّ الظاهر عن (من) التشبّه صورة علم المتشبّه.
أقول : لا إشكال في اعتبار العلم بصدور الفعل في تحقّق عنوان التشبه ، إلّا أنه لا يختص بالعلم التفصيلي ، بل يكفي في ذلك العلم الإجمالي أيضاً ، فهو موجود في الخنثى.
قوله : المسألة الثالثة : التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة - وهي كما في جامع المقاصد ذكر محاسنها وإظهار (شدّة) حبّها بالشعر - حرام(2). أقول : لا شبهة في حرمة ذكر الأجنبيات والتشبيب بهنّ كحرمة ذكر الغلمان
والتشبيب بهم ، بالشعر وغيره ، إذا كان التشبيب لتمنّي الحرام وترجّي الوصول إلى المعاصي والفواحش كالزنا واللواط ونحوهما ، فإنّ ذلك هتك لأحكام الشارع وجرأة على معصيته ، ومن هنا حرم طلب الحرام من الله بالدعاء . ولا يفرق في ذلك بين كون المذكورة مؤمنة أو كافرة . وعلى كل حال فحرمة ذلك ليس من جهة التشبيب .
وأمّا التشبيب بالمعنى الذي ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد(1)مع القيود التي اعتبرها المصنّف ففي حرمته خلاف ، فذهب جم-ع م-ن الأكابر إلى الحرمة وذهب بعض آخر إلى الجواز ، وذهب جمع من العامة إلى حرمة مطلق التشبيب(2)
وفي ص 43 عن الغزالي [ أنّ الشافعي قال : ] لا أعلم أحداً من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان في الأوصاف . وعن الحنفية : التغني المحرّم ما كان مشتملاً على ألفاظ لا تحل كوصف الغلمان والمرأة المعيّنة التي على قيد الحياة .
.وقد استدل القائلون بالحرمة بوجوه :
الوجه الأول : أنّ التشبيب هتك للمشبّب بها وإهانة لها ، فيكون حراماً . وفيه أولاً : لو سلّمنا كون التشبيب هتكاً لها فإنّ ذلك لا يختص بالشعر ، كما لا يختص بالمؤمنة المعروفة المحترمة ، فإنه لا فرق في حرمة الهتك بين أفراد الناس من
المحرم وغير المحرم ، والزوجة وغير الزوجة ، والمخطوبة وغير المخطوبة ، فإنّ هتك جميعها حرام عقلاً وشرعاً ، وأيضاً لا فرق في الشعر بين الإنشاء والإنشاد.
وثانياً : أنّ النسبة بين عنواني الإهانة والتشبيب هي العموم من وجه ، فإنّ الشاعر أو غيره قد يذكر محاسن امرأة أجنبية في حال الخلوة بحيث لا يطّلع عليه أحد ليلزم منه الهتك ، أو يكون التوصيف وإظهار محاسنها وذكر جمالها مطلوباً سواء كان ذلك بالنظم أم بغيره ، كما إذا سأل سائل عن بنات أحد الأعاظم والملوك ليخطب منهنّ واحدة ، فهل يتوهّم أحد أنّ توصيفها بالجمال والكمال والأدب والأخلاق حرام ؟ وكثيراً ما يتحقّق عنوان الهتك من دون تحقّق التشبيب ، وقد يجتمعان ، وعليه فلا ملازمة بينهما دائماً .
وثالثاً : أنّ كلامنا في المقام في حرمة التشبيب بعنوانه الأوّلي ، فإثبات حرمته لعنوان آخر عرضي - كعنوان الهتك أو الإهانة أو غيرهما - خروج عن محل الكلام .
الوجه الثاني : أنه إيذاء للمشبّب بها ، وهو حرام .
وفيه : أنه لا دليل على حرمة فعل يترتّب عليه أذى الغير قهراً إذا كان الفعل سائغاً في نفسه ، ولم يقصد العامل أذية الغير من فعله . وإلّا لزم القول بحرمة كل فعل يترتّب عليه أذى الغير وإن كان الفعل في نفسه مباحاً أو مستحباً أو واجباً ، كتأذّي بعض الناس من اشتغال بعض آخر بالتجارة والتعليم والتعلّم والعبادة ونحوها وكثيراً ما يتأذّى بعض التجّار باستيراد البعض الآخر مال التجارة ، ويتأذّى الجار بعلو جدار جاره أو من كثرة أمواله ، مع أنّ أحداً لا يتفوّه بحرمة ذلك .
على أنّ النسبة بين التشبيب والإيذاء أيضاً عموم من وجه ، إذ قد يتحقّق التشبيب ولا يتحقّق الإيذاء كالتشبيب بالمتبرّجات ، وقد يتحقّق الإيذاء حيث لا يتحقّق التشبيب ، وهو واضح ، وقد يجتمعان .
ما استدل به على حرمة التشبيب والجواب عنه
قوله : ويمكن أن يستدل عليه بما سيجيء .
أقول : بعد أن أشكل المصنّف على الوجوه المتقدّمة ، واعترف بعدم نهوضها لإثبات حرمة التشبيب أخذ بالاستدلال عليه بوجوه أضعف من الوجوه الماضية:
الوجه الأول : أنّ التشبيب من اللهو والباطل فيكون حراماً ، لما سيأتي(1)من دلالة جملة من الآيات والروايات على حرمتها.
وفيه : أنّ هذه الدعوى ممنوعة صغرى وكبرى ، أمّا الوجه في منع الصغرى فلأنّه لا دليل على كون التشبيب من اللهو والباطل ، إذ قد يشتمل الكلام الذي يشبّب به على المطالب الراقية والمدائح العالية المطلوبة للعقلاء ، خصوصاً إذا كان شعراً كما هو مورد البحث .
وأمّا الوجه في منع الكبرى فلعدم العمل بها مطلقاً ، لأنّ اللهو والباطل لو كانا على إطلاقهما من المحرّمات لزم القول بحرمة كل ما في العالم ، فإنّ كل ما أشغل عن ذكر الله وذكر الرسول وذكر القيامة وذكر النار والجنّة والحور والقصور لهو وباطل وقد نطق بذلك القرآن الكريم أيضاً في آيات عديدة(2). وسيأتي من المصنّف(3)الاعتراف بعدم حرمة اللهو إلّا على نحو الموجبة الجزئية .
1) في ص 641 وما بعدها .
2) كقوله تعالى في سورة الأنعام 6 : 32 وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وقوله تعالى في سورة العنكبوت 29 : 64 وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وقوله في سورة محمد 47 : 36 إِنّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وفي سورة الحديد 57 : 20 اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ.
3) المكاسب 2 : 47 .
الوجه الثاني : أنه ورد النهي في الكتاب العزيز ع---ن الفحشاء والمنكر(1)ومنهما التشبيب ، فيكون حراماً .
وفيه : أنّا نمنع كون التشبيب من الفحشاء والمنكر ، على أنّ هذا الوجه مع الوجه السابق وسائر الوجوه الآتية لو دلّت على الحرمة لدلّت عليها مطلقاً ، سواء أكان بالشعر أم بغيره ، وسواء أكان التشبيب بأُنثى أم بذكر ، وسواء أكانت الأُنثى مؤمنة أم غير مؤمنة ، فلا وجه لتخصيص الحرمة بالشعر .
ويضاف إلى ذلك أنّ النسبة بين التشبيب وبين تلك العناوين المحرّمة هي العموم من وجه، فلا تدل حرمتها على حرمة التشبيب دائماً . مع أنّ الكلام في التشبيب بعنوانه الأوّلي ، فحرمته بعنوان اللهو أو الفحشاء أو غيرهما من العناوين المحرّمة خارج عن حدود البحث ومحل النزاع .
الوجه الثالث : أنه منافٍ للعفاف الذي اعتبر في العدالة بمقتضى بعض الروايات(2)وحيث إنّ العفاف واجب فيحرم الإخلال به .
وفيه : أنّا نمنع اعتبار أي عفاف في العدالة ، وإنّما المعتبر فيها الع-ف-اف ع--ن المحرّمات ، وكون التشبيب منها أوّل الكلام .
الوجه الرابع : الأخبار الدالّة على حرمة ما يثير الشهوة إلى غير الحليلة حتى بالأسباب البعيدة ، وهي كثيرة قد ذكرت في مواضع شتّى :
1) وهو قوله تعالى في سورة النحل 16 : 90 : وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ وغيرها : من الآيات .
2) ففي الوسائل 27 : 391 / كتاب الشهادات ب 41 ح 1 عن ابن أبي يعفور قال « قلت لأبي عبدالله : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟ فقال : أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان » الخبر . وهو صحيح .
منها : ما دل على النهى عن النظر إلى الأجنبية لأنه. سهم مسموم من سهام إبليس(1)
وعن ابن أبي نجران عمّن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، ويزيد بن حمّاد وغيره عن أبي جميلة عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) قالا : « ما من أحد إلّا وهو يصيب حظاً من الزنا ، فزنا العينين النظر » الخبر . السند الأول مرسل ، والثاني ضعيف بأبي جميلة راجع المصادر المزبورة في خبر عقبة .
وفي البابين المذكورين من الوافي والوسائل عن الفقيه [ 4 : 11 / 2 ] عن عقبة بن خالد قال« قال أبو عبدالله (عليه السلام) : النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، من تركها الله لا لغيره أعقبه الله إيماناً يجد طعمه » ضعيفة بعقبة .
وهي وعن الكاهلي قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة » .
وفي الباب 135 المذكور من الوافي [ 12/861 ] عن بعض أصحابنا قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) إيّاكم والنظر فإنه سهم من سهام إبليس » وهي مرسلة .
وفي المستدرك 14 : 269 / أبواب مقدّمات النكاح ب 81 ح 8، 11 عن مصباح الشريعة : 10 قال الصادق (عليه السلام) : « إيّاكم والنظر إلى المحذورات فإنه بذر الشهوات » وهي مرسلة .
وعن القطب الراوندي عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم): « النظر إلى محاسن النساء سهم من سهام إبليس » . وهي مرسلة ، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالة على حرمة النظر إلى الأجنبية . وعلى هذا المنهج أحاديث العامّة . راجع سنن البيهقي 7 : 89 / باب تحريم النظر إلى الأجنبيات .
والنكتة في إطلاق لفظ السهم على النظر هي تأثيره في قلب الناظر وإيمانه1) ففي الكافي 5: 559 / 12 ، 11 . والوافي :22 : 3/859 . والوسائل 20 : 190 / أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 1، 2 ، 5 ، 6 عن عقبة بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة » وهي ضعيفة بعقبة.
كتأثير السهم الخارجي في الغرض ، ومن هنا أُطلق عليه زنا العين كما في رواية أبي جميلة . ووجه دلالة هذه الأخبار على حرمة التشبيب هو أنّ النظر إلى الأجنبيات إذا كان سهماً مسموماً مؤثّراً في هدم الإيمان وقلعه عن قلوب الناظرين ، فالتشبيب أولى بالتحريم ، فإنّ تأثير الكلام أشد من تأثير النظر .
وفيه : أنّك قد عرفت عدم عرفت عدم الملازمة بين التشبيب وبين سائر العناوين المحرّمة وكذلك في المقام ، إذ قد يكون التشبيب مهيجاً للقوّة الشهوية فلا يكون حراماً كالتشبيب بالزوجة ، وقد يكون التشبيب غير مهيّج للشهوة كما إذا شبّب بإحدى محارمه ، وقد يجتمعان ، فلا ملازمة بينهما.
ومنها : الأخبار الدالّة على المنع عن الخلوة بالأجنبية(1)
قال في الوافي : الاحتباء الجمع بين الظهر والساقين بعامة ونحوها .
وفي الباب 99 المزبور من الوسائل ح 2 ، 3 عن موسى بن إبراهيم عن موسى بن جعفر (علیه السلام) عن آبائه ( عليهم السلام) عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم » وهي ضعيفة بموسى بن إبراهيم .
وعن الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق [ 1: 497 / 1726 ] عن 49 / 1726 ] ع-ن الصادق (عليه السلام) قال : « أخذ رسول الله على النساء أن لا ينحن ولا يخمشن ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » وهي مرسلة .
خَمَشَ الوجهَ خدشه ولطمه وضربه وقطع عضواً منه .
وفي الوسائل 19 : 154 / كتاب الإجارة ب 31 ح 1 . والفقيه 3 : 159 / 700 ، والوافي 22 : 871 / 6 عن محمد بن الطيار حيث استأجر داراً وفيها باب إلى بيت امرأة أجنبية عن أبي عبدالله فقال : « تحوّل منه ، فإنّ الرجل والمرأة إذا خليا في ب-ي-ت ك-ان فسأل ذلك عن ثالثهما الشيطان » وهي مرسلة .
وفي المستدرك 14 : 264 / أبواب مقدّمات النكاح ب 78 ح 1 ،2، 3 عن الجعفريات : 164 / 619 عن علي(عليه السلام) قال :« ثلاثة من حفظهنّ كان معصوماً من الشيطان الرجيم ومن كل بلية : من لم يخل بامرأة لا يملك منها شيئاً » الخ . وهي مجهولة بموسى ب-ن إسماعيل .
وعن دعائم الإسلام [ 2 : 214 / 788 ]عن علي(عليه السلام) أنه قال : « لا يخلونّ بامرأة رجل ، فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما » وهي مرسلة . وفي الدعائم [ 1 : 226 ] عنه ( عليه السلام) أنه قال : « أخذ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)البيعة على النساء أن لا ينحن ، ولا يخمشن ، ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » وهي مرسلة .
وعن الصدوق في الخصال [ 132 / 140 ] عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لمّا دعا نوح ربّه على قومه أتاه إبليس فقال : يانوح إنّ لك عندي يداً أريد أن أكافئك عليها ، إلى أن قال : واذكرني إذا كنت مع امرأة خالياً وليس معكما أحد » وهي ضعيفة بعمرو بن شمر .
وعن القطب الراوندي « روي أنّ إبليس قال : لا أغيب عن العبد في ثلاث مواضع : إذا همّ بصدقة ، وإذا خلا بامرأة ، وعند الموت » وهي مرسلة . وعنه مرسلاً : قال إبليس لموسى : لاتخلونّ بامرأة غير محرّم .
وعن المفيد في أماليه [ 156 / 7] باسناده عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال إبليس لموسى بن عمران : أوصيك بثلاث خصال : ياموسى لا تخل بامرأة ولا تخل بك ، فإنه لا يخلو رجل بامرأة ولا تخلو به إلا كنت صاحبه من دون أصحابي. وهي مجهولة بسعدان بن مسلم .
وعن الشيخ أبي الفتوح في تفسيره عن رسول الله أنه قال : « لا يخلونّ رجل بامرأة فإنّ ثالثهما الشيطان » وهي مرسلة.
وفي المستدرك 12 : 311 / أبواب الأمر والنهي ب 36 ح 4 عن الشيخ المفيد عن رسول الله :« أربعة مفسدة للقلوب : الخلوة بالنساء ، والاستماع منهنّ ، والأخذ برأيهنّ ، ومجالسة الموتى » وهي مجهولة ، لجهالة أكثر رواتها .
، وهي كثيرة ، منها :1) ففي الكافي 5: 519 / 6 ، والوافي :22 : 855 / 1 ، والوسائل 20 : 185 / أبواب مقدّمات النكاح ب99 ح 1 عن مسمع عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « فيما أخذ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)من البيعة على النساء أن لا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » وهي ضعيفة بسهل ، ومحمد بن الحسن بن شمون .
.........
منها قوله (عليه السلام) في رواية مسمع في قضية أخذ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلم)البيعة على النساء : « ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء » وهكذا في رواية مكارم الأخلاق . ومنها : ما في رواية موسى بن إبراهيم من قوله (عليه السلام) : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيت في موضع يسمع نفس امرأة ليست له بمحرم »ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الطيار :« فإنّ الرجل والمرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان » إلى غير ذلك من الروايات التي دلّت على حرمة الخلوة مع الأجنبية ، ففي بعضها : « لا يخلونّ رجل بامرأة فإنّ ثالثهما الشيطان » ، وفي بعضها إنّ الشيطان لا يغيب عن الإنسان في موضع خلوّ الرجل مع امرأة أجنبية . وعلى هذا النهج أحاديث العامّة(1)فيستفاد من جميعها حرمة خلو الرجل مع امرأة أجنبية ، لأنّ الشيطان لا يغيب عنه في هذه الحالة، فيهيج قوّته الشهوية ليلقيه إلى
1) راجع سنن البيهقي :7 : 90 / باب لا يخلو رجل بامرأة أجنبية .
المهلكة والمضلّة ، وبما أنّ التشبيب بالمرأة الأجنبية يهيّج الشهوة أزيد ممّا تهيّجه الخلوة بها فيكون أولى بالتحريم .
وفيه : أنه لا دلالة في شيء من تلك الأخبار على حرمة الخلوة مع الأجنبية فضلاً عن دلالتها على حرمة التشبيب .
أمّا روايتا مسمع ومكارم الأخلاق فالمستفاد منها حرمة قعود الرجل مع المرأة في بيت الخلاء، فقد كان من المتعارف في زمان الجاهلية أنّهم يهيّئون مكاناً لقضاء الحاجة ويسمّونه بيت الخلاء ، ويقعد فيه الرجال والنساء والصبيان ، ولا يستتر بعضهم عن بعض ، كبعض أهل البادية في الزمن الحاضر ،ولم-ّا ب-ع-ث ن-بي الرحمة نهى عن ذلك، وأخذ البيعة على النساء أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء . على أنّ الخلوة مع الأجنبية إذا كانت محرّمة فلا تختص بحالة القعود ، بل هي محرّمة مطلقاً وإن كانت بغير قعود . ويؤيّد ما ذكرناه من المعنى أنّ النهي في الروايتين قد تعلّق بقعود الرجال مع النساء في الخلاء مطلقاً وإن كن من المحارم، ومن الواضح أنه لا مانع من خلوة الرجل مع محارمه .
وإن لم يكن للروايتين ظهور فيها ادّعيناه فلا ظهور لهما في حرمة الخلوة أيضاً ولا أقل من الشك ، فتسقطان عن الحجّية .
على أنّ من جملة ما أخذ رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم) البيعة به على النساء أن لا يزنين ، ولعلّ أخذ البيعة عليهنّ أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء من جهة عدم تحقّق الزنا ، فإنّ حالة الخلوة مظنّة الوقوع في الزنا ، وعليه فلا موضوعية لعنوان الخلوة بوجه ، والغرض المهم هو النهي عن الزنا ، وإنما تعلّق بالخلوة لكونه-ا م-ن المقدّمات القريبة له .
ويدل على ما ذكرناه أيضاً ما ورد في جملة من الروايات من تعليل النهي عن
الخلوة بأنّ الثالث هو الشيطان ، فإنّ الظاهر منها هو أنّه لو خلا الرجل مع المرأة الأجنبية فإنّ الشيطان يكاد أن يوقعهما في البغي والزنا. . ومن هنا ظهر أنه لا يجوز الاستدلال أيضاً بهذه الروايات المشتملة على التعليل المذكور . وقد ذكرنا جميع هذه الروايات في الحاشية .
وأمّا رواية موسى بن إبراهيم فهي خارجة عمّا نحن فيه ، فإنّها دلّت على حرمة نوم الرجل في موضع يسمع نفس الامرأة الأجنبية ، ولا ملازمة بين سماع النفس والخلوة دائماً ، بل بينهما عموم من وجه ، كما أنّ النهي عن نوم الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد كما في بعض الأحاديث(1)لا يدل على حرمة عنوان الخلوة .
ويمكن أن يكون نهي الرجل عن النوم في مكان يسمع نفس الامرأة الأجنبية من جهة كون سماع نفس المرأة من المقدّمات القريبة للزنا ، كما أنّ النهي عن النوم تحت لحاف واحد كذلك ، فإنّ سماع النفس في الأشخاص العاديين لا يكون إلّا مع نومهم في محل واحد ، ومن القريب جدّاً أنّ هذا يوجب الزنا كثيراً .
بل يمكن أن يقال : إنه لو ورد نص صريح في النهي عن الخلوة مع الأجنبية فلا موضوعية لها أيضاً ، وإنّما نهى عنها لكونها من المقدّمات القريبة للزنا ، فإنّ أهمية حفظ الأعراض في نظر الشارع المقدّس تقتضي النهي عن الزنا وعن كل ما يؤدّي إليه عرفاً .
وأمّا الروايات المشتملة على أنّ إبليس لا يغيب عن الإنسان في مواضع منها موضع خلوة الرجل مع امرأة أجنبية ، فإنّ المستفاد منها أنّ الشيطان يقظان في تلك
1) راجع الوسائل 20 : 324 / أبواب النكاح المحرّم ب 13 ح 1 ، والكافي 7: 181 / 1 والوافي 15 : 303 / ب 45 (المجردين وجدا في لحاف واحد) .
المواضع ، يجر الناس إلى الحرام . فلا دلالة فيها على المدّعى .
وعلى الجملة : فلا دليل على حرمة الخلوة بما هي خلوة، وإنّما النهى عنها للمقدّمية فقط. ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ الروايات الواردة في النهي عن الخلوة بالأجنبية كلّها ضعيفة السند وغير منجبرة بشيء . ولو سلّمنا وجود الدليل على ذلك فإنّه لا ملازمة بين حرمة الخلوة وحرمة التشبيب ولو بالفحوى ، إذ لا طريق لنا إلى العلم بأنّ ملاك الحرمة في الخلوة هو إثارة القوّة الشهوية حتّى يقاس عليها كل ما يوجب تهيّجها . ومن هنا علم أنه لا وجه لقياس التشبيب على شيء يوجب تهيّج القوّة الشهوية .
قوله : وكراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان .
أقول : استدل المصنّف على حرمة التشبيب بفحوى أُمور مكروهة : منها : ما ورد في كراهة الجلوس في مجلس المرأة حتى يبرد المكان(1)، ومنها : ما ورد في رجحان تستّر المرأة عن نساء أهل الذمّة (2)ومنها : ما ورد في التستر عن الصبي
1) ففي الكافي 5 : 564 / 38 ، والوافي 22 : 872 / 7 ، والفقيه 3 : 361 / 1716 والوسائل 20 : 248 / أبواب مقدّمات النكاح ب 145 ح1 عن السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : إذا جلست المرأة مجلساً فقامت عنه فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد » وهي ضعيفة بالنوفلي [ لا يخفى أنّ الصدوق رواها في الفقيه مرسلة مع اختلاف في ألفاظها ] .
2) ففي الكافي 5 : 519 / 5 ، والوافي :22 : 816 / 11 ، والوسائل 20 : 184 / أبواب مقدّمات النكاح ب 98 ح 1 عن حفص بن البختري عنأبي عبدالله (عليه السلام) قال :« لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية ، فإنّهن يصفن ذلك لأزواجهنّ » وهي صحيحة .
المميّز(1)إلى غير ذلك من الموارد التي نهى الشارع عنها تنزيهاً ، لكونه-ا م-وجبة لتهيّج الشهوة ، فتدل بالفحوى على حرمة التشبيب ، لكونه أقوى في إثارة الشهوة .
ولكنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً لهذا الاستدلال ، إذ لا معنى لإثبات الحرمة لموضوع لثبوت الكراهة لموضوع آخر حتى بناء على العمل بالقياس . على أن-ّا لانعلم أنّ مناط الكراهة في تلك الأُمور هو تهيّج الشهوة حتى يلتزم بالحرمة فيما إذا كان التهيّج أشد وأقوى، وقد تقدّم نظير ذلك من المصنّف في البحث عن حرمة إلقاء الغير في الحرام الواقعي(2)، حيث استدل على الحرمة بكراهة إطعام النجس للبهيمة .
على أنّ رجحان التستّر عن نساء أهل الذمّة إنّما هو لئلّا يُطْلِعن رجالهنّ على محاسن نساء المسلمين ، ورجحان التستّر عن الصبي المميّز إنّما هو لكونه مميّزاً في نفسه كما يظهر من الرواية الدالّة على ذلك .
قوله : والنهي في الكتاب العزيز .
أقول : قد ورد النهي في الكتاب الشريف عن خضوع النساء بالقول لئلّا يطمع الذي في قلبه مرض(3)، وعن أن يضربن بأرجلهنّ ليعلم م-ا يخ-ف-ي-ن م-ن زينتهنّ (4).
إلّا أنّه لا دلالة في شيء من ذلك على حرمة التشبيب ، كما لا دلالة عليها في
حرمة التعريض بالخطبة لذات البعل ولذات العدّة الرجعية. والتعريض هو الإتيان بلفظ يحتمل الرغبة في النكاح مع كونه ظاهراً في النكاح، كأن يقول: ربّ راغب فيك ، وحريص عليك ، أو إنّي راغب فيك ، أو أنت علىّ كريمة ، أو عزيزة ، أو إنّ الله لسائق إليك خيراً ، أو رزقاً ، أو نحو ذلك .
قوله : سواء علم السامع إجمالاً بقصد معيّنة أم لا ففيه إشكال .
أقول : إذا ثبتت حرمة التشبيب وحرمة سماعه فلا يحرم سماعه إذا كان المشبَّب بها امرأة غير معيّنة ، لعدم علم السامع بها حتى يترتّب عليه ما تقدّم من الأمور .
قوله : وفيه إشكال من جهة اختلاف الوجوه المتقدّمة للتحريم .
أقول : قد عرفت عدم دلالة شيء من الوجوه المتقدّمة على حرمة التشبيب ولو سلّم ذلك فلا دلالة فيها على حرمة التشبيب بامرأة مبهمة أو خيالية ، إلّا إذا كان مرجعه إلى تمنّي الحرام، وقد عرفت(1)أنه خارج عمّا نحن فيه .
قوله : أمّا التشبيب بالغلام فهو محرّم على كل حال .
أقول : التشبيب بالغلام إن كان داخلاً في عنوان تمنّي الحرام فلا ريب في حرمته ، لكونه جرأة على حرمات المولى كما تقدّم ، وإلّا فلا وجه لحرمته فضلاً عن كونه حراماً على كل حال . بل ربما يكون التشبيب به مطلوباً، ولذا يج--وز م-دح الأبطال والشجعان ومدح الشبّان بتشبيههم بالقمر والنجوم ، ولا شبهة في صدق التشبيب عليه لغة (2)وعرفاً.
قوله : لأنه فحش محض .
أقول : لا شبهة في حرمة الفحش والسب كما سيأتي ، إلّا أنه لا يرتبط ذلك بالتشبيب بعنوانه الأوّلي الذي هو محل الكلام في المقام .
قوله : المسألة الرابعة : تصوير صور ذوات الأرواح حرام- إذا كانت الصورة مجسّمة - بلا خلاف .
أقول : لا خلاف بين الشيعة والسنّة(1)
وعن الشافعية : يجوز تصوير غير الحيوان ، وأمّا الحيوان فإنّه لا يحل تصويره . وبعد التصوير إن كانت الصورة مجسّدة فلا يحل التفرّج عليها إلّا إذا كانت ناقصة ، وغير المجسّدة لا يح--ل التفرّج عليها إذا كان مرفوعاً على الجدار . ويجوز التفرّج على خيال الظل (السينما) ويستثنى من المذكورات لعب البنات [ نقل بالمضمون ] .
وعن الحنابلة : يجوز تصوير غير الحيوان ، وأمّا تصوير الحيوان فإنه لا يحل إلّا إذا كان موضوعاً على ثوب يفرش .
وعن الحنفية : تصوير غير الحيوان جائز ، أمّا تصوير الحيوان فإنه لا يحل إلّا إذا كان على بساط مفروش أو كانت الصورة ناقصة .
في حرمة التصوير في الجملة .ففي المستند ادّعى الإجماع على حرمة عمل الصور لذوات الأرواح إذا كانت
1) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 40 عن المالكية : إنّما يحرم التصوير بشروط أربعة : أحدها : أن تكون الصورة لحيوان . ثانيها : أن تكون مجسّدة ، وقيّدها بعضهم بكونها من مادّة تبقى ، وإلّا فلا تحرم ، وفي غير المجسّدة خلاف ، فذهب بعضهم إلى الإباحة مطلقاً وبعضهم يرى إباحتها إذا كانت على الثياب والبسط . ثالثها : أن تكون كاملة الأعضاء . رابعها : أن يكون لها ظل .
الصورة مجسّمة ، وذكر الخلاف في غير هذا القسم(1).
وفي المختلف : مسألة : قال ابن البراج : يحرم التماثيل المجسّمة وغير المجسّمة وقال ابن إدريس : وسائر التماثيل والصور ذوات الأرواح مجسّمة كانت أو غيرها وأبو الصلاح قال : يحرم التماثيل وأطلق(2).
وعن المحقّق الثاني أنّه قسّم التصوير إلى أربعة أقسام ، وقال : أحدها محرّم إجماعاً ، وهو عمل الصور المجسّمة لذوات الأرواح ، وباقي الأقسام مختلف فيها (3).
فالمتحصّل من كلمات الأصحاب أنّ الأقوال في حرمة التصوير أربعة :
الأول : أنّ التصوير حرام إذا كانت الصورة مجسّمة لذي روح ، وهذا ممّا لا خلاف في حرمته بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع .
الثاني : أنّ تصوير ذوات الأرواح حرام ، سواء كانت الصورة مجسّمة أم غير مجسّمة ، وقد اختاره المصنّف وفاقاً لما ذهب إليه الحلّي(4)والقاضي(5)وغيرهما من الأصحاب .
الثالث : حرمة التصاوير مطلقاً إذا كانت مجسّمة .
الرابع : القول بحرمتها على وجه الإطلاق ، سواء كانت مجسّمة أم غيرها وسواء كانت لذوات الأرواح أم غيرها . والقولان الأخيران وإن كانا أيضاً مورد الخلاف بين الفقهاء كما أشار إليه النراقي والمحقّق الثاني ، إلّا أنّا لم نجد قائلاً بهما عدا ما
يستفاد من ظاهر بعض العبائر .
وكيف كان ، فالمهم في المقام هو التكلّم في مدرك الأقوال فنقول : الظاهر من بعض المطلقات المنقولة من طرق الشيعة(1)
وعن الحضرمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) جعل من أكل السحت تصوير التماثيل . وهي ضعيفة بعبد الله بن طلحة ، ولأنّ كتاب الحضرمي لم يثبت اعتباره .
وعن القطب الراوندي : « من صور التماثيل فقد ضاد الله » وهي مرسلة .
وعن الشهيد في المنية : 281) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة مصوّر يصوّر التماثيل » وهي مرسلة .
وفي الكافي 6 : 526 / 1، والوافي ،20 : 1/797 ، والوسائل 5: 303 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح 1 عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : أتاني جبرئيل وقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام وينهى عن تزويق البيوت ، قال أبو بصير فقلت : وما تزويق البيوت ؟ فقال : تصاوير التماثيل » وهي ضعيفة بالقاسم بن محمد الجوهري ، وعلي بن أبي حمزة . التزويق : التزيين والتحسين.
وفي التهذيب 1 : 459 / 1497 ، والوافي 25 : 534 / 37 . والوسائل 5 : 306 / أبواب أحكام المساكن ب 3 ح 10 عن الأصبغ بن نباتة قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من جدّد قبراً أو مثل مثالاً فقد خرج عن الإسلام » وهي ضعيفة بأبي الجارود ، إلى غير ذلك من المطلقات .
قال في التهذيب ما حاصله : إنه اختلف أصحابنا في رواية هذا الخبر وتأويله على وجوه : فقال محمد بن الحسن الصفّار : من جدّد بالجيم ، لا غير ، فمعناه : أنه لا يجوز تجديد القبر بعد الاندراس وإن جاز تعميره أولاً . وقال سعد بن عبدالله : من حدّد قبراً بالحاء غير المعجمة يعني به من سنم قبراً . وقال أحمد البرقي : إنّما هو من جدث قبراً بالجيم والثاء ، ولم يفسر ما معناه . إلّا أنه يمكن أن يراد منه جعل القبر - الذي دفن فيه الميّت - قبراً لإنسان آخر، لأنّ الجدث هو القبر . وقال محمد بن علي بن الحسين : إنّ معنى التجديد هو ما اختاره سعد بن عبدالله في معنى التحديد ، إلّا أنّ جميع المعاني المذكورة داخل في معنى الحديث.
وكان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان (رحمه الله ) يقول : إنّ الخبر بالخاء والدالين ، وذلك مأخوذ من الخد بمعنى الشقی ، يقال : خدت الأرض خدّاً : أي شققتها [ لاحظ التهذيب ] .
وفي الوافي عن الفقيه : والذي أقوله في قوله ( عليه السلام) : « من مثّل مثالاً » إنّه يعني من أبدع بدعة ودعا إليها ، أو وضع ديناً فقد خرج عن الإسلام .
1) ففي المستدرك 13 : 210 / أبواب ما يكتسب به ب 75 ح3،2،1، 4 عن محمد بن مسلم عن علي (عليه السلام) قال : « إيّاكم وعمل الصور » الخ . وهي ضعيفة بالقاسم بن يحيى.
ومن طرق العامّة(1)حرمة التصاوير مطلقاً ولو كانت لغير ذوات الأرواح ولم تكن مجسّمة ، كقول علي (عليه السلام) : « إيّاكم وعمل الصور فإنّكم تسألون عنها يوم القيامة » وكالنبوي المذكور في سنن البيهقي : « إنّ أشد الناس عذاباً الله يوم القيامة المصوّرون » .
ولكن لابدّ من تقييد هذه المطلقات بما دل على جواز التصوير لغير ذوات الأرواح(2)
وفي الباب المزبور من أبواب ما يكتسب به ح 2 ، 3 عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا بأس بتماثيل الشجر » وهي صحيحة . وعن محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ، فقال : لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان » وهي صحيحة . أقول : يحتمل قريباً أن يكون السؤال في هذه الرواية عن اقتناء الصور وإبقائها ، وسيأتي التعرّض لذلك في ص 371 .
وفي أحاديث العامّة أيضاً ما يدلّ على جواز التصوير لغير ذوات الأرواح . راجع سنن البيهقي 270 :7 .
وعليه فتحمل المطلقات على تصوير ذوات الأرواح ، ويحكم بجواز1) راجع سنن البيهقي 7 : 268 .
2) ففي الكافي 6 : 527 / 7 ،والوافي 20 : 800 / 11 ،والوسائل 17 : 295 / أبواب ما يكسب به ب 94 ح 1 ، 5 : 304 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح 4 عن أبي العباس البقباق عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ :يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ فقال : « والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ، ولكنّها الشجر وشبهه » وهي موثّقة بأبان بن عثمان .
التصوير لغيرها ، سواء كانت الصورة مجسّمة أم غير مجسّمة ، وهو الموافق للأصل والإطلاقات والعمومات من الآيات والروايات الواردة في طلب الرزق وجواز الاكتساب بأي كيفية كان إلّا ما خرج بالدليل. ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ المطلقات المذكورة بأجمعها ضعيفة السند وغير منجبرة بشيء .
على أنّ مقتضى السيرة القطعية المستمرّة من زمان المعصوم (عليه السلام) جواز التصوير لغير ذوات الأرواح ، ولم نر ولم نسمع من أنك-ر ج-واز تصوير الأشجار والفواكه والجبال والبحار والشطوط والحدائق ، بل السيرة المذكورة ثابتة في تعلّم بعض الأشياء ، خصوصاً في بعض العلوم الرياضية حيث يعملون الصور لتسهيل التفهيم .
ويؤيّد ما ذكرناه ما ورد في بعض الأحاديث(1)من أنّ رسول الله (صلّى الله
1) ففي الكافي 6 : 528 / 11 ، 14 ، والباب المتقدّم من الوسائل ح 7، 8 ، والوافي 20 : 800 / 10 ، 9 ، والبحار 76 : 286 / 3 ، 2 عن عبد الله بن ميمون الأسود القدّاح عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : بعثني رسول الله في هدم القبور وكسر الصور » . وهي ضعيفة بسهل . [ في البحار : أنّ علياً ( عليه السلام) قال : أرسلني الخ وليس في سندها في المصدر المذكور سهل ] .عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : بعثني رسول الله إلى المدينة فقال : لا تدع صورة إلّا محوتها ، ولا قبراً إلّا سوّيته ، ولا كلباً إلّا قتلته » .وهي ضعيفة بالنوفلي .
عليه وآله وسلم) بعث علياً (عليه السلام) في هدم القبور وكسر الصور ، وأيضاً قال له : « لا تدع صورة إلّا محوتها » فإنه ليس من المعهود أنّ علياً (عليه السلام) كسر الصور التي لغير ذوات الأرواح ، وأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)أمره أيضاً بذلك .
ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ الصورة في اللغة(1)وإن كانت مساوقة للشكل وشاملة لصور ذوات الأرواح وغيرها ، إلّا أنّ المراد بها في المقام صور ذوات الأرواح فقط ، لما ورد في جملة من الروايات التي سنذكرها - أنّ « من صوّر صورة كلّفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ » . ومن الواضح أنّ الأمر بالنفخ ولو كان تعجيزاً إنّما يمكن إذا كان المورد قابلاً لذلك ، ولا شبهة أنّ نفس الأشجار والأحجار والبحار والشطوط ونحوها غير قابلة للنفخ فضلاً عن صورها فإنّ عدم القدرة على النفخ فيها ليس من جهة عجز الفاعل فقط ، بل لعدم قابلية المورد .
وأمّا القول الثاني - أعني حرمة تصوير الصور لذي الروح ، سواء كانت الصورة مجسّمة أم غير مجسّمة - فتدل عليه الأخبار المستفيضة من الفريقين
وفي الباب المذكور من الوسائل ح 12 عن سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام) : « إنّ الذين يؤذون الله ورسوله هم المصوّرون ، ويكلّفون يوم القيامة أن ينفخوا فيها الروح » وهي ضعيفة بسعد ، وأبي جميلة المفضّل بن صالح الأسدي .
وفي الوسائل 17 : 297 / أبواب ما يكتسب به ب 94 ح 6 ، 9 ، 7 في حديث المناهي قال :« نهى رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) عن التصاوير وقال : من صور صورة كلّفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ ، إلى أن قال : ونهى أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم » وهي ضعيفة بشعيب بن واقد.
وعن الخصال [ 109 / 77 ] عن ابن عباس قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : من صوّر صورة عذب ، وكلّف أن ينفخ فيها ، وليس بفاعل » . وهي مجهولة بعكرمة وغيره . وفي رواية أخرى [ في الخصال : 76/108 ] عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « من صوّر صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها ، وليس بنافخ فيها » وهي مجهولة بمحمد بن مروان الكلبي .
وعلى هذا النهج أحاديث العامة . راجع سنن البيهقي 7 : 269 / باب التشديد في المنع عن التصوير .
التي1) في أقرب الموارد [ 1 : 606 مادّة شكل ] : شكل الشيء صوره . وفيه [ ص 669 مادّة ] أيضاً : صوّره تصويراً جعل له صورة وشكلاً . وهكذا في المنجد [ 440 مادّة صار ] صور وغيره .
2) ففي الكافي 6 : 527 / 4 ، 10 ، والوافي 20 : 7/1799، 8 ، والباب 3 المزبور من الوسائل ح2 ، 5 : عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من مثّل تمثالاً كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح » وهي مرسلة . وعن الحسين بن المنذر قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ثلاثة معذّبون يوم القيامة ، إلى أن قال : ورجل صوّر تماثيل يكلّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ » وهي ضعيفة بالحسين .
تقدّمت الإشارة إليها ، فإنه قد ذكر فيها أنّ من صوّر صورة يعذّب يوم القيامة ويكلّف أن ينفخ فيها وليس بنافخ ، وفي بعضها : « أحيوا ما خلقتم » (1).
ولكنّها مع كثرتها ضعيفة السند وغير منجبرة بشيء، فلا تكون صالحة للاستناد إليها في الحكم الشرعي .
1) راجع المستدرك 13 : 211 / أبواب ما يكتسب به ب 75 ح 5 وغيره ، وسنن البيهقي 7 : 268 .
ويضاف إلى ما ذكرناه ما تقدّم في الحاشية من الروايات الدالّة على حرمة خصوص التصوير لذوات الأرواح ، كصحيحة البقباق عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في قول الله :يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ فقال : والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ، ولكنّها الشجر وشبهه ». فإنّ ذكر الرجال والنساء فيها من باب المثال ، ويدل على ذلك من الرواية قوله ( عليه السلام) : « ولكنّها الشجر وشبهه » وغيرها من الروايات المعتبرة .
وقد يقال : إنّ التحريم مختص بالصور المجسّمة ، لوجوه قد أشار إلى جملة منها في متاجر الجواهر(1):
الوجه الأول : أنّ الأخبار المشتملة على نفخ الروح ظاهرة في ذلك ، فإنّ الظاهر منها أنّ الصورة التي صنعها المصوّر جامعة لجميع ما يحتاج إليه الحيوان سوى الروح ، وهذا إنّما يكون في الصورة إذا كانت مجسّمة ، وواجدة للجثّة والهيكل ومشتملة على الأبعاد الثلاثة ، إذ يستحيل الأمر بنفخ الروح في النقوش الخالية عن الجسم ، فإنّ الأمر بالنفخ لا يكون إلّا في محل قابل له ، والصور المنقوشة على الألواح والأوراق ونحوهما غير قابلة لذلك ، لاستحالة انقلاب العرض إلى الجوهر . ودعوى إرادة تجسيم النقش مقدّمة للنفخ ثم النفخ فيه خلاف الظاهر من الروايات .
وأجاب عنه المصنّف بوجهين ، الأول : أنّ النفخ يمكن تصوّره في النقش بملاحظة محلّه ، بل بدونها ، كما في أمر الإمام (عليه السلام) الأسد المنقوش على
1) الجواهر 22 : 42 .
البساط بأخذ الساحر في مجلس الخليفة(1).
وفيه : أنّ هذا خلاف ظواهر الأخبار ، فإنّ الظاهر منها أنّ التكليف إنّما هو بإحياء نفس الصور دون محلّها . وأمّا أمر الإمام (عليه السلام) الأسد المنقوش على البساط بأخذ الساحر فسيأتي الجواب عنه .
الثاني : أنّ النفخ إنّما هو بملاحظة لون النقش الذي هو في الحقيقة أجزاء لطيفة من الصبغ ، والحاصل : أنّ مثل هذا لا يعد قرينة عرفاً على تخصيص الصورة بالمجسّمة .
وهذا الجواب متين ، وبيان ذلك : أنه إذا كان المقصود من النفخ هو النفخ في النقوش الخالية عن الجسم التي هي ليست إلّا أعراضاً صرفة ، فإنه لا مناص عن الإشكال المذكور ، وهو واضح . وإذا كان المقصود من النفخ فيها بملاحظة لون النقش وأجزاء الصبغ اللطيفة فهو متين ، إذ النفخ حينئذ إنّما هو في الأجزاء الصغار ولا ريب في قابليتها للنفخ لتكون حيواناً ، ولا يلزم منه انقلاب العرض إلى الجوهر بل هو من قبيل تبدّل جوهر بجوهر آخر . وعليه فلا يتوجّه الإشكال المذكور على شمول الروايات المتقدّمة - أعني الأخبار المشتملة على نفخ الروح - لصور ذي
1) في البحار 48 : 41 / 17 عن علي بن يقطين قال : استدعى الرشيد رجلاً يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ويقطعه ويخجله في المجلس ، فانتدب له رجل معزم فلمّا أُحضرت المائدة عمل ناموساً على الخبز فكان كلّما رام خادم أبي الحسن (عليه السلام) تناول رغيفاً من الخبز طار من بين يديه ، واستفز هارون الفرح والضحك لذلك ، فلم يلبث أبو الحسن أن رفع رأسه إلى أسد مصوّر على بعض الستور فقال : يا أسد الله خذ عدو الله فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترست ذلك المعزم ، فخرّ هارون وندماؤه على وجوههم مغشياً عليهم ، وطارت عقولهم خوفاً من هول ما رأوه ، الخبر.
الروح مطلقاً وإن كانت غير مجسّمة . ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند.
ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه ففيما دلّ على حرمة تصوير الصور لذوات الأرواح مطلقاً غنى وكفاية كما عرفت . ويضاف إلى ذلك كلّه ما تقدّم من المطلقات التي دلّت على حرمة التصوير ، فإنّ الخارج منها ليس إلّا تصوير الصور لغير ذي الروح ، فيبقى الباقي تحتها . ولكن قد عرفت أنّ تلك المطلقات ضعيفة السند.
ومن هنا يعلم أنه لا استحالة في صيرورة الصورة الأسدية المنقوشة على البساط أسداً حقيقياً وحيواناً مفترساً بأمر الإمام (عليه السلام) غاية الأمر أنه من الأُمور الخارقة للعادة ، لكونه إعجازاً منه ( عليه السلام) ، وقد حقّقنا في مبحث الإعجاز من مقدّمة التفسير(1)أنّ الإعجاز لابدّ وأن يكون خارجاً عن النواميس الطبيعية وخارقاً للعادة .
وتوضيح ذلك : أنّ الخلق والإيجاد على قسمين :
الأول : أن يكون بحسب المقدّمات الإعدادية والنواميس الطبيعية ، فإنه تعالى وإن كان قادراً على خلق العوالم بمجرد الإرادة التكوينية ، إلّا أنّ حكمته قد جرت على أن يخلقها بالسير الطبيعي ، وطي المراتب المختلفة بلبس الصور وخلعها حتى تصل إلى المقصد الأقصى والغاية القصوى ، مثلاً إذا تعلّقت المشيئة الإلهية بخلق الإنسان بحسب المقدّمات الإعدادية والسير الطبيعي جعل الله مواده الأصلية في کمون الأغذية ، فيأكلها البشر ، فتحلّلها القوى المكنونة فيه إلى أن تصل إلى حد المنوية ، ثمّ يستقر المني في الرحم ، فيكون دماً ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظماً ثم لحماً ثم إنساناً ، وهذا ، وهذا هو الخلق بالنواميس الطبيعية . وكذلك الحال في سائر المخلوقات .
الثاني : أن يكون الخلق غير جارٍ على النواميس الطبيعية ، بل أمراً دفعياً
1) البيان في تفسير القرآن (موسوعة الإمام الخوئي 50) : 35 .
وخارقاً للعادة ، وتكون المقدّمات الطبيعية كلّها مطوية فيه، كجعل الحبوب أشجاراً وزروعاً، والأحجار لؤلؤاً ويواقيت دفعة واحدة ، ويسمّى ذلك بالإعجاز ، وهذا من المواهب الإلهية التي خصّ الله بها أنبياءه ورسله (صلوات الله عليهم) والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) . وصيرورة الصورة الأسدية حيواناً مفترساً بأمر الإمام (علیه السلام) من القبيل الثاني .
الوجه الثاني : ما ذكره في متاجر الجواهر ، وهو أنّ في بعض النصوص التي تقدّمت في كتاب الصلاة من أنه لابأس إذا غيّر رؤوسها(1)وفي آخر قطعت(2)وفي ثالث كسرت(3)، نوع إشعار بالتجسّم .
وفيه أوّلاً : أنه لا إشعار في شيء من هذه الروايات بكون الصور المنهي عنها مجسّمة إلّا في رواية قرب الإسناد « تكسر رؤوس التماثيل ، وتلطّخ رؤوس
1) ففي الوسائل 5 : 308 / أبواب أحكام المساكن ب 4 ح 3 ، والوافي 20 : 801 / 13 والكافي 6 : 527 / 8 عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
2) ففي الوسائل 5 : 171 / أبواب مكان المصلّي ب 32 ح 5 ، والكافي 6 : 527 / 9 ، والوافي : 463 / 21 عن علي بن جعفر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « سألته عن الدار والحجرة فيها التماثيل ، أيصلّى فيها ؟ فقال : لا تصلّ فيها وفيها شيء يستقبلك ، إلّا أن لا تجد بدّاً فتقطع رؤوسها ، وإلّا فلا تصل فيها » وهي صحيحة.
3) ففي الباب 32 المزبور من الوسائل ح10 عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير وتماثيل ، يصلّى فيه ؟ فقال : تكسر رؤوس التماثيل ، وتلطّخ رؤوس التصاوير ، ويصلّى فيه ولا بأس » وه-ي مجهولة بعبد الله بن الحسن .
التصاوير » وهي ضعيفة السند . والوجه في عدم إشعار غيرها بذلك هو أنّ قطع الرأس أو تغييره كما يصدق في الصور المجسّمة ، فكذلك يصدق في غيرها .
وثانياً : أنّ الكلام في المقام في عمل الصور ، وهو لا يرتبط بالصلاة في بيت فيه تماثيل ، بل الصلاة فيه كالصلاة في الموارد المكروهة .
الوجه الثالث : ما في الجواهر أيضاً من أنه يظهر من مقابلة النقش للصورة في خبر المناهي(1)ذلك أيضاً ، أي كون الصور المحرّمة مجسّمة .
وفيه أولاً : أنّ خبر المناهي ضعيف السند ومجهول الراوي ، كما عرفت مراراً .
وثانياً : ما ذكره السيد في حاشيته(2)وهو أنّ ما اشتمل على كلمة النقش خبر آخر عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)نقله الإمام (عليه السلام) ، فلا مقابلة في كلام النبي والإمام أراد أن ينقل اللفظ الصادر عنه(صلّی الله علیه وآله وسلم).
فروع مهمة
الأول : هل يلحق الجن والملك بالحيوان فيحرم تصويرهما ، أو لا ؟ فيه قولان وقد يقال بالثاني كما في الجواهر(3)، وحكاه عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد(4).
والوجه فيه : أنّ المطلقات المتقدّمة(1)وإن اقتضت حرمة التصوير مطلقاً ، إلّا أنّك قد عرفت أنّها مقيّدة بالروايات المعتبرة كصحيحة محمد بن مسلم : « لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان »(2)وغيرها ، وقد عرفت ذلك آنفاً ، وعليه فنفى البأس عن تصوير غير الحيوان يقتضي اندراج الملك والجن تحت الحكم بالجواز ، فإنّ من الواضح أنّهما ليسا من جنس الحيوان .
وفيه : أنّ المراد من الحيوان هنا ما هو المعروف في مصطلح أهل المعقول من كونه جسماً حسّاساً متحرّكاً بالإرادة ، ومن البديهي أنّ هذا المفهوم يصدق على كل مادّة ذات روح ، سواء كانت من عالم العناصر أم من عالم آخر هو فوقه ، وعليه فلا قصور في شمول صحيحة محمد بن مسلم للملك والجنّ والشيطان ، فيحكم بحرمة تصویر هم .
ودعوى أنّ الملك من عالم المجرّدات فليس له مادّة - كما اشتهر في ألسنة الفلاسفة - دعوى جزافية ، فإنه مع الخدشة في أدلّة القول بعالم المجرّدات ما سوى الله كما حقّق في محلّه ، أنه مخالف لظاهر الشرع ، ومن هنا حكم المجلسي (رحمه الله)(3)في اعتقاداته بكفر من أنكر جسمية الملك . وتفصيل الكلام في محلّه .
وإن أبيت إلّا إرادة المفهوم العرفي من الحيوان فاللازم هو القول بانصرافه عن الإنسان أيضاً ، كانصرافه عن الملك والجن ، ولذا قلنا : إنّ العمومات الدالّة على حرمة الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه منصرفة عن الإنسان قطعاً، مع أنه لم يقل أحد هنا بالانصراف ، فتحصّل : أنه لا يجوز تصوير الملك والجن .
وفي حاشية السيد (رحمه الله)(1)ما ملخّصه : أنّ كلاً من صحيحة ابن مسلم وما في خبر تحف العقول « وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني » مشتمل على عقدين ، عقد ترخيصي وعقد تحريمي ، فلا يكونان من الأعم والأخص المطلقين ، لوجود التعارض بين منطوق الصحيحة وبين مفهوم الخبر بالعموم من وجه في الملك والجن ، فإنّ مقتضى الصحيحة هو جواز تصويرهما ، ومقتضى مفهوم رواية تحف العقول هو حرمة تصوير هما ، وحيث إنّ الترجيح بحسب الدلالة غير موجود ، والمرجّح السندي مع الصحيحة ، فلابدّ من ترجيح ما هو أقوى من حيث السند .
وفيه أولاً : أنّ خبر تحف العقول ضعيف السند ، ومضطرب الدلالة ، فلا يجوز العمل به في نفسه ، فضلاً عمّا إذا كان معارضاً لخبر صحيح ، وقد تقدّم ذلك .
وثانياً : أنّا سلّمنا جواز العمل به ، ولكنّا قد حقّقنا في باب التعادل والترجيح من الأُصول(2)أنّ أقوائية السند لا تكون مرجّحة في التعارض بالعموم من وجه بل لابدّ من الرجوع إلى المرجّحات الأُخر، وحيث لا ترجيح لكل منهما على الآخر فيحكم بالتساقط ويرجع إلى المطلقات الدالّة على حرمة التصوير مطلقاً ، وعليه فيحرم تصویر الملك والجن لهذه المطلقات ، إلّا أنّك قد عرفت آنفاً أنّ المطلقات بأجمعها ضعيفة السند ، فلا تكون مرجعاً في المقام ، فلابدّ وأن يرجع إلى البراءة وسيأتي أنّ صحيحة محمد بن مسلم غريبة عن حرمة التصوير .
اللهم إلّا أن يقال : إنّ المتعارف من تصوير الملك والجن ما يكون بشكل أحد الحيوانات ، فيحرم من هذه الجهة . ولكن يرد عليه أنّ من يصوّر صورة الملك والجنّ
إنّما يقصد صورتهما ، لا صورة الحيوان ولا ما هو أعمّ منهما ومن الحيوان ، إلّا أن يكونا معدودين من أفراد الحيوان كما عرفت .
نعم يمكن استفادة الحرمة من صحيحة البقباق المتقدّمة(1)بدعوى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها : « والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ، ولكنّها الشجر وشبهه » هو المقابلة بين ذي الروح وغيره من حيث جواز التصوير وعدمه ، وذكر الأُمور المذكورة فيها إنّما هو من باب المثال ، والله العالم .
الفرع الثاني: ما ذكره المصنّف وحاصله : أنّا إذا عمّمنا الحكم لغير الحيوان مطلقاً أو مع التجسيم فالظاهر أنّ المراد به ما كان مخلوقاً لله سبحانه على هيئة خاصّة معجبة للناظر ، وإلّا فلا وجه للحرمة ، وعلى هذا فلا يحرم تصوير الصور لما هو من صنع البشر وإن كان على هيئة معجبة ، كالسيوف والأبنية والقصور والسيارات والطيارات والدبابات وغيرها . وكذلك لا يحرم تصوير الصور لما هو مخلوق الله ولكن لا بهيئة معجبة ، كالخشب والقصب والشطوط والبحار والأودية والعرصات ونحوها .
ومن هنا ظهر الإشكال فيما حكاه المصنّف عن كاشف اللثام في مسألة كراهة الصلاة في الثوب المشتمل على التماثيل من : أنه لو عمّت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيرها كرهت الثياب ذوات الأعلام ، لشبه الأعلام بالأخشاب والقصبات ونحوها ، والثياب المحشوة لشبه طرائقها المحيطة بها ، بل الثياب قاطبة لشبه خيوطها
1) في ص 347 .
الأخشاب ونحوها(1).
وفيه أولاً : أنّ ما دل على حرمة التصوير لم يقيّد بكون الصورة أو ذي الصورة معجبة ، فلا وجه لجعل الإعجاب شرطاً في حرمة التصوير .
وثانياً : ما ذكره المحقّق الإيرواني من : أنّ الإعجاب الحاصل عند مشاهدة الصورة إنّما هو من نفس الصورة ، لكشفها عن كمال مهارة النقاش ولو كانت صورة نمل أو دود ، ولذا لا يحصل ذلك الإعجاب من مشاهدة ذي الصورة(2).
وأمّا ما حكاه عن كاشف اللثام فيرد عليه أولاً : أنّ مورد البحث هنا إنّما هو الشبه الخاص ، بحيث يقال في العرف إنّ هذا صورة ذاك ، ومن البديهي أنّ مجرد كون الأعلام والطرائق والخيوط في الثياب على هيئة الأخشاب والقصب لا يحقّق الشبه المذكور ، وإلّا فلا محيص عن الإشكال حتى بناء على اختصاص الحكم بذوات الأرواح ، لشبه أعلام الثياب وطرائقها المخيطة بالحيات والديدان ونحوهما .
وثانياً : أنه يعتبر في حرمة التصوير قصد الحكاية كما سيأتي في الفرع الآتي فصانع الثوب لم يقصد شباهته بشيء من ذوات الأرواح وغيرها ، بل غرضه نسج الثوب فقط ، وعليه فلا بأس بشباهته بشيء من الحيوانات وغيرها شباهة اتّفاقية .
نعم إذا قلنا بتعميم الحكم لغير الحيوان مطلقاً أو في الجملة فلا مناص م--ن الالتزام بانصراف الأدلّة عمّا هو مصنوع للعباد ، بديهة أنّ إيجاد نفس ذي الصورة جائز ، فإيجاد صورته أولى بالجواز .
الفرع الثالث : ما ذكره المصنّف بقوله : هذا كلّه مع قصد الحكاية والتمثيل ، فلو دعت الحاجة إلى عمل شيء يكون شبيهاً بشيء من خلق الله - ولو كان حيواناً - من غير قصد الحكاية فلا بأس قطعاً .
وتوضيح كلامه : أنّه لا شبهة في اعتبار قصد حكاية ذي الصورة في حرمة التصوير ، لأنّ المذكور في الروايات النهي عن التصوير والتمثيل ، ولا يصدق ذلك إذا حصل التشابه بالمصادفة والاتّفاق من غير قصد للحكاية ، وهذا نظير اعتبار قصد الحكاية في صحة استعمال الألفاظ في معانيها ، وبدون ذلك ليس هناك استعمال وعليه فإذا احتاج أحد إلى عمل شيء من المكائن أو آلاتها أو غيرهما من الأشياء اللازمة على صورة حيوان فلا يكون ذلك حراماً ، لعدم صدق التصوير عليه بوجه .
والمثال الواضح لذلك الطائرات المصنوعة في زماننا، فإنّها شبيهة بالطيور ومع ذلك لم يفعل صانعها فعلاً محرّماً، ولا يتوهّم أحد حتى الصبيان أنّ صانع الطائرة يصوّر صورة الطير، بل إنّما غرضه صنع شيء آخر للمصلحة العامة ، وكونه على هيئة الطير إنّما هو اتّفاقي .
ومن هنا لا وجه لما توهّمه كاشف اللثام على ما عرفت من : أنه لو عمّت الكراهة لتماثيل ذي الروح وغيرها كرهت الثياب ذوات الأعلام ، لشبه الأعلام بالأخشاب . فإنّ النساج لم يقصد الحكاية في فعله .
وتوهّم بعضهم أنّ مراد المصنّف من كلامه في هذا الفرع هو أن يكون الداعي إلى التصوير هو الاكتساب دون التمثيل ، بأن يكون غرض المصوّر نظر الناس إلى الصور والتماثيل وإعطاء شيء بازاء ذلك . وفيه : أنه من العجائب ، لكونه غريباً عن كلام المصنّف، على أنه من أوضح أفراد التصوير المحرّم ، فكيف يحمل كلام المصنّف عليه .
الفرع الرابع : ما ذكره المصنّف أيضاً وهو : أنّ المرجع في الصورة إلى العرف فلا يقدح في الحرمة نقص بعض الأعضاء . وتوضيح ذلك : أنه يعتبر في تحقّق الصورة في الخارج الصدق العرفي ، فإنّ الأدلّة المتقدّمة التي دلّت على حرمة التصوير إنّما تقتضي حرمة الصورة العرفية التامّة الأعضاء والجوارح ، بحيث يصدق عليها أنّها مثال بالحمل الشائع .
وعليه فإذا صوّر أحد نصف حيوان من رأسه إلى وسطه أو بعض أجزائه فإن قدّر الباقي موجوداً فهو حرام ، كما إذا صوّر إنساناً جالساً لا يتبيّن نصف بدنه ، أو كان بعض أجزائه ظاهراً وبعضه مقدّراً ، بأن صوّر إنساناً وراء جدار أو فرس ، أو يسبح في الماء ورأسه ظاهر . وإن قصد النصف فقط فلا يكون حراماً ، فإنّ الحيوان لا يصدق على بعض أجزائه كرجله ويده ورأسه ، نعم إذا صدق الحيوان على هذا النصف كان تصويره حراماً ، وعلى هذا فإذا صوّر صورة حيوان متفرّق الأجزاء فلا يكون ذلك حراماً ، فإذا ركّبها كان حراماً لصدق التصوير على التركيب ، وإذا كان الغرض تصوير بعض الأجزاء فقط ثم بدا له الإكمال حرم الإتمام فقط ، فإنه مع قطع النظر عن الإتمام ليس تصويراً لذي روح .
و ممّا ذكرناه ظهر بطلان قول المحقّق الإيرواني : إنّ من المحتمل قريباً حرمة كل جزء جزء أو حرمة ما يعم الجزء والكل ، فنقش كل جزء حرام مستقل إذا لم ينضم إليه نقش بقية الأجزاء ، وإلّا كان الكل مصداقاً واحداً للحرام - إلى أن قال : ويحتمل أن يكون كلٌ فاعلاً - للحرام كما إذا اجتمع جمع على قتل واحد ، فإنّ الهيئة تحصل بفعل الجميع ، فلولا نقش السابق للأجزاء السابقة لم تتحصّل الهيئة بفعل
اللاحق(1).
على أنّ المقام لا يقاس باجتماع جمع على قتل واحد ، فإنّ الإعانة على القتل حرام بالروايات المستفيضة بل المتواترة ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ التصوير المحرم إنما يتحقّق بفعل اللاحق ، وتحصل الهيئة المحرّمة بذلك ، غاية الأمر أنّ نقش السابق للأجزاء السابقة يكون إعانة على الإثم ، وهي ليست بحرام كما عرفت فيما سبق(2).
جواز أخذ العكس المتعارف
الفرع الخامس : الظاهر من الأدلّة المتقدّمة الناهية عن التصوير والتمثيل هو النهي عن إيجاد الصورة ، كما أنّ النهي عن سائر الأفعال المحرّمة نهي عن إيجادها في الخارج ، وعليه فلا يفرق في حرمة التصوير بين أن يكون باليد أو بالطبع أو بالصياغة أو بالنسج ، سواء أكان ذلك أمراً دفعياً كما إذا كان بالآلة الطابعة أم تدريجياً.
وعلى هذا المنهج فلا يحرم أخذ العكس المتعارف في زماننا ، لعدم كونه إيجاداً للصورة المحرّمة ، وإنّما هو أخذ للظل وإبقاء له بواسطة الدواء ، فإنّ الإنسان إذا وقف في مقابل المكينة العكاسة كان حائلاً بينها وبين النور ، فيقع ظلّه على المكينة ، ويثبت فيها لأجل الدواء ، فيكون صورة لذي ظل ، وأين هذا من التصوير المحرّم ؟
وهذا من قبيل وضع شيء من الأدوية على الجدران أو الأجسام الصيقلية لتثبت فيها الأظلال والصور المرتسمة ، فهل يتوهّم أحد حرمته من جهة حرمة
التصوير ، وإلّا لزمه القول بحرمة النظر إلى المرآة ، إذ لا يفرق في حرمة التصوير بين بقاء الصورة مدّة قليلة أو مدّة مديدة . وقد اشتهر انطباع صور الأشياء في شجرة الجوز في بعض الأحيان ، ولا نحتمل أن يتفوّه أحد بحرمة الوقوف في مقابلها في ذلك الوقت بدعوى كونه تصويراً محرّماً .
وعلى الإجمال : لا نتصوّر حرمة أخذ العكس المتعارف ، لا من جهة الوقوف في مقابل المكينة العكاسة ، ولا من جهة إبقاء الظل فيها كما هو واضح .
الفرع السادس : قد عرفت آنفاً أنّ المناط في حرمة التصوير حرمة التصوير قصد الحكاية والصدق العرفي، وعليه فيحرم تصوير الصورة للحيوانات مطلقاً، سواء ما كان منها فرداً لنوع من الحيوانات الموجودة وما لم يكن كذلك ، كالعنقاء ونحوه من الحيوانات الخيالية ، وذلك لإطلاق الأدلّة .
الفرع السابع : إذا صوّر صورة مشتركة بين الحيوان وغيره لم يكن ذلك حراماً ، إلّا إذا قصد الحكاية عن الحيوان .
ثم إذا اشترك أشخاص عديدون في صنعة صورة محرّمة ، فإن قصد كل واحد منهم التصوير المحرّم فهو حرام ، وإلّا فلا يحرم غير تركيب الأجزاء المتشتّتة .
الفرع الثامن : قد عرفت في البحث عن حرمة تغرير الجاهل(1)أنّ إلقاء الغير في الحرام الواقعي حرام ، وعليه فلا فرق في حرمة التصوير بين المباشرة والتسبيب. بل قد عرفت في المبحث المذكور أنّ نفس الأدلّة الأولية تقتضي عدم الفرق بين المباشرة والتسبيب في إيجاد المحرّمات ، وعلى هذا فلا نحتاج في استفادة التعميم إلى
1) في ص 181 وما بعدها .
القرينة وملاحظة المناط كما في حاشية السيد (رحمه الله)(1).
قوله : بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرم عمله من الصور .
أقول : هل يجوز اقتناء الصور المحرّمة أو لا ؟ فيه قولان ، فالمحكي عن شرح الإرشاد للمحقّق الأردبيلي(2)، وعن جامع المقاصد للمحقّق الثاني(3)هو الجواز إلّا أنّ المعروف بين القدماء حرمة بيع التماثيل وابتياعها والتكسّب بها ، بل حرمة اقتنائها .
وقد استدل على حرمة اقتنائها بوجوه :
الوجه الأول : أنّ الوجود والإيجاد في الحقيقة شيء واحد ، وإنّما يختلفان بالاعتبار ، فإنّ الصادر من الفاعل بالنسبة إليه إيجاد ، وبالنسبة إلى القابل وجود فإذا حرم الإيجاد حرم الوجود .
وفيه : أنّ حرمة الإيجاد وإن كان ملازماً لحرمة الوجود ، إلّا أنّ الكلام هنا ليس في الوجود الأول الذي هو عين الإيجاد أو لازمه ، بل في الوجود في الآن الثاني الذي هو عبارة عن البقاء ، ومن البديهي أنه لا ملازمة بين الحدوث والبقاء لا حكماً لا موضوعاً ، وعليه فما يدل على حرمة الإيجاد لا يدل على حرمة الوجود بقاء سواء كان صدوره من الفاعل عصياناً أم نسياناً أم غفلة ، إلّا إذا قامت قرينة على
ذلك ، كدلالة حرمة تنجيس المسجد على وجوب إزالة النجاسة عنه . بل ربما يجب إبقاء النتيجة وإن كان الفعل حراماً ، كما إذا كتب القرآن على ورق مغصوب أو بحبر مغصوب ، أو كتبه العبد بدون إذن مولاه ، أو بنى مسجداً بدون إذنه ، أو تولّد أحد من الزنا ، فإنّ في ذلك كلّه يجب حفظ النتيجة وإن كانت المقدّمة محرّمة .
وعلى الجملة : ما هو متّحد مع الإيجاد ليس مورداً للبحث ، وما هو م-ورد للبحث لا دليل على اتّحاده مع الإيجاد .
لا يقال : إنّ النهي عن الإيجاد كاشف عن مبغوضية الوجود المستمر في عمود الزمان ، كما أنّ النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر حدوثاً يكشف ع-ن ح--رمة ملكيته له بقاء .
فإنه يقال : إنّ النهي عن بيع العبد المسلم من الكافر إن تم فهو يدل على وجوب إزالة علاقة الكافر عنه كما سيأتي بيان ذلك في محلّه(1)ولا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء ، بخلاف ما نحن فيه ، إذ قد عرفت أنّ مجرد وجود الدليل على حرمة الإيجاد لا يدل على حرمة الإبقاء إلّا إذا كان محفوفاً بالقرائن المذكورة .
على أنّا إذا سلّمنا الملازمة بين مبغوضية الإيجاد وبين مبغوضية الوجود جود فإنّما يتم بالنسبة إلى الفاعل فقط ، فيجب عليه إتلافه دون غيره ، مع أنّ المدّعى وجوب إتلافه على كل أحد . فالدليل أخص منه .
الوجه الثاني : أنّ صنعة التصاوير لذوات الأرواح من المحرّمات الشرعية وقد دلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول : « وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الروحاني »(2)وكل صنعة يجيء منها الفساد مح-ض-اً م-ن دون أن
يكون فيها وجه من وجوه الصلاح فهي محرّمة ، وقد دلّ على ذلك ما في رواية تحف العقول من الحصر : « إنّما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً ... ولا يكون منه وفيه شيء من وجوه الصلاح » وكل ما يجيء منه الفساد محضاً يحرم جميع التقلّب فيه ، ومنه الاقتناء والبيع ، وقد دلّ عليه قوله (عليه السلام) فيها : « وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها » وقوله (عليه السلام) فيها أيضاً : « فكل أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه ، إلى أن قال : فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه ».
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، فلا يجوز الاستناد إليها في شيء من المسائل الشرعية كما عرفته في أوّل الكتاب .
وثانياً : قد عرفت أنه لا ملازمة بين حرمة عمل شيء وبين حرمة بيعه واقتنائه والتصرف فيه والتكسّب به ، ومن هنا نقول بحرمة الزنا ولا نقول بحرمة تربية أولاد الزنا ، بل يجب حفظهم لكونهم محقوني الدماء .
وثالثاً : لا نسلّم أنّ عمل التصاوير ممّا يجيء منه الفساد محضاً ، فإنه كثيراً ما تترتّب عليه المنافع المحلّلة من التعليم والتعلّم وحفظ صور بعض الأعاظم ونحو ذلك من المنافع المباحة .
الوجه الثالث : قوله(صلّی الله علیه وآله وسلم)في الخبر المتقدّم :« لا تدع صورة إلّا محوتها»(1).
وفيه أولاً : أنه ضعيف السند . وثانياً : ما ذكره المحقّق الإيرواني من أنه وارد في موضوع شخصي ، فلعلّ تصاوير المدينة كانت أصناماً ، وك-لاب-ه-ا م-ؤذيات
1) الوسائل 5 : 306 / أبواب أحكام المساكن ب3 ح 8.
وقبورها مسنمات(1).
الوجه الرابع : ما دل على عدم صلاحية اللعب بالتماثيل(2)
وفي الوسائل17 : 298 / أبواب ما يكتسب به ب 94 ح 10 علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها ؟ قال : لا » . وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن .
.وفيه أولاً : أنه ضعيف السند . وثانياً : أنّ عدم الصلاحية أعم من الحرمة ، فلا يدل عليها . وثالثاً : لو سلّمنا دلالته على حرمة اللعب بها فلا ملازمة بين حرمته وحرمة اقتنائها ، فإنّ حرمة اللعب أعم من حرمة الاقتناء .
ورابعاً : أنه غريب عمّا نحن فيه ، إذ من المحتمل القريب أن يراد من التماثيل في هذه الطائفة من الرواية الشطرنج ، والوجه في صحة إطلاق التماثيل عليه هو أنّ القطع التي يلعب بها في الشطرنج على ستّة أصناف ، وكل صنف على صورة ، كالشاة والفرزان(3)والفيل والفرس والرخ(4)والبيذق(5)وقد صوّر هذه القطع في كتاب المنجد فراجع .
ويؤيّد ما ذكرناه من إرادة الشطرنج من التماثيل أنّا لا نتصوّر معنى لحرمة
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 134 .
2) ففي الوسائل 5 : 307 / أبواب أحكام المساكن ب 3 ح 16 عن مثنى رفعه قال : « التماثيل لا يصلح أن يلعب بها » وهي مرسلة، ومرفوعة ، ومجهولة بالمثنّى .
3) الفرزان بضم الفاء وسكون الراء المهملة : الملكة في لعبة الشطرنج، الجمع فرازين بفتح الفاء والكلمة من الدخيل .
4) الرخ بضم الراء المهملة والخاء المعجمة : طائر وهمي كبير ، الواحدة رخة ، قطعة من قطع الشطرنج ، الجمع رخاخ ورخخة بكسر الراء .
5) البيذق بفتح الباء وسكون الياء : الماشي راجلاً ، ومنه بيذق الشطرنج ، الجمع بياذق .
اللعب بالتصاوير المتعارفة كما هو واضح ، وعليه فما دل على حرمة اللعب بها إنّما هو من أدلّة حرمة اللعب بالشطرنج ، ولا أقل من الاحتمال ، فلا يبقى له ظهور في إرادة الصور المتعارفة .
الوجه الخامس : صحيحة البقباق - المتقدّمة عند الاستدلال على حرمة التصوير-(1)عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في قول الله تعالى : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ(2)فقال : والله ما هى تماثيل الرجال والنساء ولكنّها الشجر وشبهه » بدعوى أنّ ظاهر الرواية أنّ الإمام (عليه السلام) أنكر مشيئة سليمان (عليه السلام) هذا الصنف من التماثيل ، فتكون دالّة على مبغوضية وجود التماثيل وحرمة اقتنائها .
وفيه : أنّ الظاهر من الرواية رجوع الإنكار إلى كون التصاوير المعمولة لسليمان (علیه السلام) تصاویر الرجال والنساء ، فلا تدل الرواية على مبغوضية العمل فضلاً عن مبغوضية المعمول ، والوجه فيه هو أنّ عمل تصاوير الرجال والنساء واقتناءها من الأمور اللاهية غير اللائقة بمنصب الأعاظم والمراج-ع م-ن الع-ل-ماء والروحانيين ، فضلاً عن مقام النبوّة ، فإنّ النبي ( عليه السلام) لابدّ وأن يكون راغباً عن الدنيا وزخرفها ، وأمّا عمل الصور وجمعها فمن لعب الصبيان وشغل المجانين والسفهاء ، فلا يليق بمنصب النبوّة ، بخلاف تصاوير الشجر وشبهه فإنّها غير منافية لذلك.
وقد يقال : إنّ الصانعين للتماثيل هم الجن ، وإنّما يتم الاستدلال بالرواية على
حرمة اقتناء الصور إذا قلنا بحرمة التصوير على الجن كحرمته على الإنس ، وهو أوّل الكلام .
وفيه : أنّ الكلام ليس في عمل الصور ، بل في اقتنائها ، ومن الواضح أنه يعود إلى سليمان .
الوجه السادس : حسنة زرارة المتقدّمة في الحاشية(1)« لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك » فإنّها بمفهومها دالّة على ثبوت البأس إذا لم يغيّر الرأس.
وفيه : ما ذكره المصنّف من حمل البأس فيها على الكراهة للصلاة ، وعليه فتدل الرواية على جواز اقتناء الصور مع قطع النظر عن الصلاة . ويؤيّده ما في رواية قرب الاسناد من ليس عليه فيما لا يعلم شيء ، فإذا علم فلينزع الستر وليكسر رؤوس التماثيل »(2)فإنّ الظاهر أنّ الأمر بكسر رؤوس التصاوير لأجل كون البيت معدّاً للصلاة . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه وتسليم أنّ البأس ظاهر في المنع فالرواية معارضة بما دلّ على جواز الاقتناء كما سيأتي ، ويضاف إلى جميع ذلك أنّها ضعيفة السند ومجهولة الراوي .
الوجه السابع : ما دل على كراهة علي (عليه السلام) وجود الصور في البيوت(3)، فإنّه بضميمة ما دل على أنّ علياً (عليه السلام) لم يكن يكره الحلال(4)
1) في ص 354 ، الهامش رقم (1) .
2) وهي مجهولة بعبد الله بن الحسن . راجع قرب الإسناد : 186 / 692 ، والوسائل 4 : 441 / أبواب لباس المصلي ب 45 ح 20 .
3) ففي الوسائل 5 : 307 / أبواب أحكام المساكن ب 3 ح 14 عن حاتم بن إسماعيل ع-ن جعفر عن أبيه « أنّ علياً كان يكره الصورة في البيوت » وهي مجهولة بحاتم .
4) ففي الكافي 5 : 188/ 7 ، والتهذيب :7 : 96 / 412 ، والوافي :18 : 583 / 19 ، والوسائل 18 : 151 / أبواب الرباب 15 ح 1 في صحيحة أبي بصير : « ولم يكن علي يكره الحلال » .
يدل على حرمة اقتناء الصور في البيوت .
وفيه : أنّ المراد من الحلال الذي كان علي (عليه السلام) لا يكرهه المباح المتساوي طرفاه، لا ما يقابل الحرمة، لأنّ علياً ( عليه السلام) كان يكره المكروه أيضاً .ومن هنا يظهر أنّ الكراهة المذكورة في الرواية الأُولى أعم من الحرمة والكراهة المصطلحة .
إذن فلا دلالة فيها أيضاً على حرمة اقتناء الصور .
الوجه الثامن : رواية الحلبي(1)
الطنفسة بالمثلّثة في الطاء والفاء : البساط والحصير والثوب ، الجمع طنافس . والكلمة من الدخيل .
فقد أمر الإمام (عليه السلام) فيها بتغيير رأس الصورة وجعلها كهيئة الشجر ، فتدل على حرمة إبقاء الصور من غير تغيير فيها .وفيه : أنّ أمر الإمام(عليه السلام) بتغيير الصورة في الطنفسة التي أُهديت إليه ليس إلّا كفعله بنفسه، ومن الواضح أنّ فعل الإمام (عليه السلام) لا يدل على الوجوب ، ولا يقاس ذلك بسائر الأوامر الصادرة منه (عليه السلام) الدالّة على الوجوب ، وقد تقدّم(2)نظير ذلك في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة من أمره (عليه السلام) بكسر الدرهم المغشوش وإلقائه في البالوعة . على أنّ الرواية مرسلة فلا يجوز الاستناد إليها .
الوجه التاسع : صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة(1)« عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ، فقال : لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان » فإنّها ظاهرة في حرمة اقتناء الصور المحرّمة ، فإنّ التماثيل جمع تَمثال بالفتح ، ويجمع على تمثالات وعليه فالسؤال عن التماثيل إنّما هو سؤال عن الصور الموجودة في الخارج ، فلابدّ وأن يحمل على الأُمور المناسبة لها من البيع والشراء والاقتناء والتزيين ونحوها ، لا على نفس عمل الصور ، كما أنّ السؤال عن بقية الأشياء الخارجية - من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمنكوحات ونحوها - سؤال عن الأفعال المناسبة لها والطارئة عليها بعد كونها موجودة في الخارج . إذن فالصحيحة دالّة على حرمة اقتناء الصور المحرّمة وبيعها وشرائها والتزيين بها كما هو واضح .
قال المحقّق الإيرواني : والجواب أمّا عن الصحيحة فبعد تسليم أنّ السؤال فيها عن حكم الاقتناء وكون اقتنائها من منافعها ، أنّ غاية ما يستفاد منها ثبوت البأس ، وهو أعمّ من التحريم(2).
وفيه : أنّ كلمة البأس ظاهرة في المنع ما لم يثبت الترخيص من القرائن الحالية أو المقالية ، كما أنّ مقابلها - أعني كلمة لا بأس - ظاهر في الجواز المطلق.
فالإنصاف : أنّها ظاهرة في التحريم ، إلّا أنّها معارضة بما دلّ على جواز اقتناء الصور(3)
وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا بأس أن تصلّي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك » وهي صحيحة .
وعنه قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يصلّي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل فقال : لا بأس بذلك » وهي صحيحة .
وعن حمّاد بن عثمان قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلّي الرجل وهي معه ؟ فقال : لا بأس بذلك إذا كانت مواراة » وهي صحيحة . وأخرجها في الكافي 3 : 402 / 20 ، ولكن لم يذكر كلمة « بذلك » .
وتدل على ذلك رواية ليث المرادي ، ولكنّها ضعيفة السند بمحمد بن سنان . راجع التهذيب 2 : 363 / 1505 ، 1507 ، 1508 ، 1504 . والوافي 7 : 464 / 24 ، 429 / 4، 1 . 150 والوسائل 4 : 439 / أبواب لباس المصلي ب 45 ح 10، 9 ، 8 ، 11 .
وفي هذه المصادر من التهذيب والوافي [ 465 / 26 ] والوسائل ، والكافي 3 : 392 / 22 عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) « سألته عن التمثال تكون في البساط فتقع عينك عليه وأنت تصلّي ؟ قال : إن كان بعين واحدة فلا بأس ، وإن كان له عينان فلا » وهي مرسلة.
أقول : قد اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ مرسلات ابن أبي عمير من الأمارات المعتبرة التي يجب العمل بها كسائر الأمارات المعتبرة . ولكن يرد عليه أولاً : أنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان أنّ في مسندات ابن أبي رجالاً ضعفاء، كما يتّضح ذلك جلياً لمن يلاحظ أُصول الحديث وكتب الرجال ، فنستكشف من ذلك أنّ مرسلاته أيضاً على هذا النهج . ودعوى أنه لم يرسل إلّا عن الثقة دعوى جزافية إذ لم يثبت لنا ذلك من العقل والنقل .
وثانياً : لو سلّمنا أنه لم يرسل إلّا عن الثقة ، ولكن ثبوت الصحة عنده لا يوجب ثبوتها عندنا ، لاحتمال اكتفائه في تصحيح الرواية بما لا نكتفي به نحن ، ولعلّنا نعتبر شيئاً في رواة الحديث لم يعتبره ابن أبي عمير في هؤلاء. ولا يقاس ذلك بتوثيق النجاشي وأمثاله ، وهو واضح. [لايخفى عدم ورود الإشكال الثاني ، فإنّ الشروط المعتبرة في الرواة إنّما تعتبر في حجّية الرواية لا في معنى الوثاقة ]
5: ح6 وفي الوسائل 5 : 309 / أبواب أحكام المساكن ب 4 ح 6 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال« قال له رجل : رحمك الله ما هذه التماثيل التي أراها في بيوتكم ؟ فقال : هذا للنساء أو بيوت النساء » وهي صحيحة .
وفي رواية جعفر بن بشير : « كانت لعلي بن الحسين (عليه السلام) وسائد وأنماط فيها تماثيل يجلس عليها » وهي مرسلة . إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المزبورة وغيرها .
، فلابدّ من حملها على الكراهة ، كغيرها من الأخبار المتقدّمة لو سلّمت1) في ص 348 .
2) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 135 .
3) عن الحلبي قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ربما قمت فأصلّي وبين يدي الوسادة وفيها تماثيل طير ، فجعلت عليها ثوباً » وهي صحيحة وعن محمّد بن مسلم قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أُصلّي والتماثيل قدّامي وأنا أنظر إليها ، قال : لا ، اطرح عليها ثوباً ، لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك ، وإن كانت في القبلة فألق عليها ثوباً وصلّ » وهي صحيحة . وأخرجها في الكافي 3 : 391 / 20 بتفاوت يسير . راجع التهذيب 2 : 226 / 892 ، 891 والوافي 7 : 464 / 22 ،20 ، والوسائل 5 : 170 / أبواب مكان المصلّي ب 32 ح 2 ، 1.
.........
دلالتها على الحرمة ، بل الظاهر من بعضها أنّ النهي عن اقتناء الصور في البيوت إنّما هو من جهة كراهة الصلاة إليها ، وعليه فلا يكره الاقتناء في غير بيوت الصلاة . وقد ذكر المصنّف هنا جملة من الروايات(1)
قوله : ورواية أُخرى لأبي بصير قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّا نبسط عندنا الوسائد...».
أقول : وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني . راجع الوافي 20 : 9/806 .
قوله : ورواية علي بن جعفر عن أخيه عن الخاتم الخ ، وقوله : وعنه عن أخيه (عليه السلام) عن البيت الخ ، وقوله : وعن قرب الإسناد عن علي بن جعفر الخ .
أقول : كلّها مجهولة بعبدالله بن الحسن . راجع الوسائل 4 : 442 / أبواب لباس المصلّي ب 45 ح 23 ، 18 ، 20 ، قرب الإسناد : 211 / 827 ، 186 / 690 ، 692 .
ولكنّها ضعيفة السند .1) قوله : ورواية أبي بصير قال :« سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن الوسادة ... »أقول هي ضعيفة بعثمان بن عيسى . راجع الكافي 6 : 527 / 6 ، والوافي 20 : 7/805 ، والوسائل 5 : 308 / أبواب أحكام المساكن ب 4 2 .
ثم إنّ مقتضى العمومات الدالّة على حلّية البيع ونفوذه هو جواز بيع الصور وإن كان عملها حراماً ، لعدم الدليل على حرمة بيعها وضعاً وتكليفاً ، بل الظاهر من بعض الأحاديث الدالّة على جواز إبقاء الصور هو جواز بيعها ، فإنّ المذكور فيها جواز اقتناء الثياب والبسط والوسائد التي فيها الصور ، ومن الواضح جدّاً أنه-ا تبتاع من السوق غالباً ، وقد ذكرنا جملة منها في الحاشية .
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ المحرّم هو خصوص تصوير الصور لذوات الأرواح فقط ، وأمّا اقتناؤها وتزيين البيوت بها وبيعها وشراؤها فلا إشكال في جوازها .
قوله : ويؤيّد الكراهة الجمع بين اقتناء الصور والتماثيل في البيت .
أقول : قد عرفت أنه لا دليل على حرمة اقتناء الصور المحرّمة ، وأنّ مقتضى الجمع بين ما دلّ على جواز الاقتناء وبين ما دلّ على الحرمة هو حمل الثاني على الكراهة .
ويؤيّد ذلك أيضاً الأخبار المستفيضة(1)
وفي رواية عمرو بن خالد : « إنّا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان » وهي مرسلة . ورواها في الكافي 3 : 393 / 26 بطريق آخر ضعيف بمعلّى بن محمد . ورواها في الموضع المتقدّم من الوسائل عن المحاسن [ 2 : 454 / 40 ] بطريق معتبر .
وفي الكافي 6 : 528 / 13 ، والوافي 20 : 799 / 5 ، والوسائل5: 309 / أبواب أحكام 5 المساكن ب 4 ح 5 عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم) « قال جبرئيل : إنّا لا ندخل بيتاً فيه تمثال لا يوطاً » الحديث مختصر . وهو ضعيف بعمرو بن شمر ، وعبد الله بن يحيى وأبيه . وغير ذلك من الروايات الكثيرة .
المصرّحة بأنّ الملائكة لا تدخل بيتاً1) ففي الكافي 6 : 526 / 2 ، 12 ، والتهذيب 2 : 1377 / 1570 ، 1569 ، والوافي 20 : 797 / 2 ، 3 ، والوسائل 5 : 174 / أبواب مكان المصلّي ب 5 ح 1، 3 عن ابن مروان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم): إن جبرئيل أتاني فقال : إنّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه كلب ، ولا تمثال جسد ، ولا إناء يبال فيه » وهي مجهولة بابن مروان .
فيه صورة أو كلب أو إناء يبال فيه ، وفي بعض أحاديث الع--امّة(1): « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة تماثيل ». وفي بعض أحاديثنا(2)إضافة الجنب إلى الأُمور المذكورة .
ووجه التأييد : أنّ وجود الجنب والكلب والإناء الذي يبال فيه في البيوت ليس من الأُمور المحرّمة في الشريعة المقدّسة ، بل هو مكروه ، واتّحاد السياق يقتضي كون اقتناء الصور فيها أيضاً مكروهاً .
ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه من جواز اقتناء الصور وبيعها وشرائها بين كونها مجسّمة وغير مجسّمة ، لاتّحاد الأدلّة نفياً وإثباتاً كما عرفت .
1) راجع سنن البيهقي 7 : 268
2) ففي الوسائل 5 : 176 / أبواب مكان المصلّي ب 33 ح6 عن المحاسن [ 2: 454 / 2568 ] عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)في حديث : « إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال : إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا جنب ولا تمثال يوطاً » [ في المحاسن : لا يوطأ ] وهي ضعيفة بعمرو بن شمر ، وعبد الله بن يحيى ، وأبيه . الظاهر أنّ النسخة الصحيحة : ولا تمثال لا يوطاً .
قوله : الخامسة : التطفيف حرام(1).
أقول : التطفيف(2)
وفي مفردات الراغب [ 521 مادة طف] : طفّف الكيل قلّل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه . وعن المصباح [ 374 ، مادّة الطفيف ] : طفّفه فهو مطفّف ، إذا كال أو وزن ولم يوف .
مثل التقليل وزناً ،ومعنى ، والمراد به هنا أن يجعل الإنسان نفسه كيّالاً أو وزّاناً ، فيقلّل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه على وجه الخيانة . والبخس(3)نقص الشيء عن الحدّ الذي يوجبه الحقّ على سبيل الظلم .وكيف كان ، فلا إشكال في حرمتهما عند المسلمين قاطبة ، وتدلّ على ذلك الأدلّة الأربعة .
أمّا الكتاب فقوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (4)وقوله تعالى : وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ(5)
1) المكاسب 1 : 199.
2) في تفسير التبيان للشيخ الطوسي 10 : 295 : المطفف : المقلّل حق صاحبه بنقصانه ع--ن الحق في كيل أو وزن ، والتطفيف : التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن .
3) في مفردات الراغب [ 110 ، مادّة بخس ] : البخس : نقص الشيء على سبيل الظلم . وفي القاموس [ 2 : 317 مادّة البخس ] : البخس : النقص والظلم . وفي المنجد [ 27 ، مادّة بخس ] : بخسه بخساً نقصه وظلمه.
4) المطففين 83 : 1. في تفسير التبيان 10 : 295 ، وسنن البيهقي 6 : 32 عن ابن عباس : لما قدم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً ، فأنزل الله وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك [ مع تفاوت يسير عما في تفسير التبيان ] .
5) الأعراف 7 : 85 ، وهود 11 : 85 . والشعراء 26 : 183 .
وقوله تعالى : وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ(1).
وأمّا السنّة فقد ورد النهي عن البخس والتطفيف في جملة من الروايات(2)
وفي الوسائل 15 : 329 / أبواب جهاد النفس ب 46 - 33 عن عيون الأخبار [ 2 : 127 ] عن الرضا ( عليه السلام) فإنه ( عليه السلام جعل البخس في المكيال والميزان من الكبائر .
أقول : في الوسائل 30 (الخاتمة / الفائدة الأُولى) : 121 [ ت ] : ومن ذلك طريقه إلى الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون ، وقد رواه في عيون الأخبار بالسند الأول والثاني جميعاً ، ورواه أيضاً عن حمزة بن محمد العلوي .
أقول : أمّا الطريق الأول فهو مجهول بعبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري ، وعلي بن قتيبة النيسابوري . وأمّا الثاني فهو مجهول بالحاكم أبي محمد جعفر بن نعيم محمد جعفر بن نعيم ، وأمّا الثالث فهو مجهول بحمزة بن محمد العلوي .
وفي المستدرك 12 : 334 / أبواب الأمر والنهي ب 39 ح 5 عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال : « إذا ظهر الزنا في أمّتي كثر موت الفجأة فيهم ، وإذا طفّفت المكيال أخذهم بالسنين والنقص » وهي مرسلة .
وفي الوسائل 16 : 273/ / أبواب الأمر والنهي ب 41 ح 2 ، 6 عن الكافي [ 2 : 374 / 2 ] باسناده عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « وجدنا في كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة ، وإذا طفف الميزان والمكيال أخذهم الله بالسنين والنقص » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
وفي رواية حمران عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث طويل عدّ جملة من الأوصاف المحرّمة إلى أن قال : « ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان »وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم ، وحمران [ رواها في الكافي أيضاً 7/40:8] .
1) هود 11 : 84 .
2) في الكافي 5 : 150 / 1 ، والتهذيب 7 : 6 / 16 ، والوافي 17 : 435 / 1 ، والوسائل 17 : 381 / أبواب آداب التجارة ب 1 ح 1 عن الأصبغ بن نباتة قال : « سمعت أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول على المنبر : يا معشر التّجار الفقه ثم المتجر- ثلاثاً - إلى أن قال : التاجر فاجر ، والفاجر في النار ، إلّا من أخذ الحق وأعطى الحق » وهي ضعيفة بأبي الجارود وعثمان ابن عيسى . وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المزبورة ، والمستدرك 13 : 249 / أبواب آداب التجارة ب3.
وأمّا الإجماع فإنّه وإن كان قائماً على حرمة التطفيف والبخس ، إلّا أنه ليس إجماعاً تعبّدياً ، بل من المحتمل القريب أن يكون مدركه الكتاب والسنّة .
وأمّا العقل فلأنّ تنقيص حقّ الناس وعدم الوفاء به ظلم ، وقد استقلّ العقل بحرمته .
و ممّا ذكرناه ظهر ما في كلام المحقّق الإيرواني من الوهن حيث قال : الظاهر بل المقطوع به أنّ التطفيف بنفسه ليس عنواناً من العناوين المحرّمة ، أعني الكيل بالمكيال الناقص ، وكذا البخس في الميزان مع وفاء الحق كاملاً(1).
ووجه الوهن : أنّ التطفيف قد أُخذ فيه عدم الوفاء بالحق ، والبخس هو نقص الشيء على سبيل الظلم ، وهما بنفسهما من المحرّمات الشرعية والعقلية . على أنه قد ثبت الذم في الآية الشريفة على نفس عنوان التطفيف ، فإنّ الويل كلمة موضوعة للوعيد والتهديد ، وتقال لمن وقع في هلاك وعقاب ، وكذلك نهي في الآيات المتعدّدة عن البخس كما عرفت آنفاً ، وظاهر ذلك كون التطفيف والبخس بنفسهما من المحرّمات الإلهية .
قوله : ثم إنّ البخس في العدّ والذرع يلحق به حكماً وإن خرج عن موضوعه .
أقول : قد : قد عرفت أنّ التطفيف والبخس مطلق التقليل والنقص على سبيل
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 137
الخيانة والظلم في إيفاء الحق واستيفائه ، وعليه فذكر الكيل والوزن في الآية وغيرها إنّما هو هو من جهة الغلبة ، فلا وجه لإخراج النقص في العدد والذرع عن البخس والتطفيف موضوعاً وإلحاقها بهما حكماً.
قوله : ولو وازن الربوي بجنسه فطفّف في أحدهما فإن جرت المعاوضة الخ .
أقول : قد عرفت أنه لا إشكال في حرمة التطفيف تكليفاً ، فاجارة نفسه عليه- كإجارة نفسه على سائر الأفعال المحرّمة - محرّمة وضعاً وتكليفاً كما عرفت مراراً .وأمّا الكلام في صحّة المعاملة المطفّف فيها وفسادها فنقول : إنّ المعاملة قد تقع على الكلّي في الذمّة ، وقد تقع على الكلّي في المعيّن الخارجي ، وقد تقع على الشخص المعيّن الموجود في الخارج المشار إليه بالإشارة الحسّية .
أمّا على الصورتين الأوّلتين فلا إشكال في صحة المعاملة وعدم فسادها بالتطفيف الخارجي ، فإنّ المعاملة قد انعقدت صحيحة ، ولكن البائع أو من يباشر الإقباض والتسليم طفّف في الكيل والوزن أو في الذرع والعدد ، وهو لا يوجب فسادها ، بل يكون الدافع مشغول الذمّة بما نقص عن الحق ، ولا يفرق في ذلك بين كون المعاملة ربوية أو غير ربوية كما هو واضح ، وعلى الجملة : إنّ هاتين الصورتين خارجتان عمّا نحن فيه .
وأمّا على الصورة الثالثة فربما يقال ببطلان المعاملة إذا وقعت على المتاع الخارجي بما أنه مقدّر بمقدار كذا فظهر عدم انطباق العنوان الملحوظ في البيع على المشار إليه الخارجي ، ووجه البطلان : أنّ ما هو معنون بعنوان كذا غير موجود في الخارج، وما هو موجود في الخارج غير معنون بذلك العنوان ، وتوهّم إلغاء الإشارة
أو الوصف فاسد ، فإنّ اللازم هو الأخذ بكليهما ، لتعلّق قصد المتبايعين بهما .
وفيه : أنه لا وجه للبطلان إذا تخلّف العنوان ، فإنه ليس من العناوين المقوّمة بل هو إمّا أن يكون مأخوذاً على نحو الشرطية أو على نحو الجزئية كما سيجيء . ولا يقاس ذلك بتخلّف العناوين التي تعدّ من الصور النوعية عند العرف ، كما إذا ب-اع صندوقاً فظهر أنه طبل ، أو باع ذهباً فظهر أنه مذهّب ، أو باع بغلاً فظهر أنه حمار فإنّ البطلان في أمثالها ليس من انفكاك العنوان عن الإشارة ، بل من جهة عدم وجود المبيع أصلاً ، وقد تقدّم ذلك في البحث عن بيع هياكل العبادة وع--ن ب-ي-ع الدراهم المغشوشة(1).
وربما يقال : إنّ المورد من صغريات تعارض الإشارة والعنوان ، وتقديم أحدهما على الآخر يختلف بحسب اختلاف الموارد .
وفيه : أنّ الكبرى وإن كانت مذكورة في كتب الشيعة والسنّة(2)إلّا أنّها لا تنطبق على ما نحن فيه ، فإنّ البيع من الأُمور القصدية ، فلا معنى لتردّد المتبايعين فيا قصداه ، نعم قد يقع التردّد منهما في مقام الإثبات من جهة اشتباه ما هو المقصود بالذات .
والذي ينبغي أن يقال : إنّ الصور المتصوّرة في المقام ثلاث :
1) راجع ص 234 ، 249 .
2) في شرح فتح القدير 3 : 238 في المهر : إنّ الإشارة والتسمية إذا اجتمعا والمشار إليه من خلاف جنس المسمّى فالعبرة للتسمية ، لأنّها تعرف الماهية والإشارة تعرف الصورة ، فكان اعتبار التسمية أولى ، لأنّ المعاني أحق بالاعتبار . وإن كان المشار إليه من جنس المسمّى إلّا أنّهما اختلفا وصفاً فالعبرة للإشارة ، لأنّ المسمّى موجود في المشار إليه ذاتاً والوصف يتبعه إلى أن قال : والشأن في التخريج على هذا الأصل .
الأُولى : أن يكون إنشاء البيع معلّقاً على كون المبيع متّصفاً بصفة خاصة، بأن يقول : بعتك هذا المتاع الخارجي على أن يكون منّاً فظهر الخلاف . وهذا لا إشكال في بطلانه، لا من جهة التطفيف ، ولا من جهة تخلّف الوصف، بل لقيام الإجماع على بطلان التعليق في الإنشاء .
الثانية : أن ينشأ البيع منجزاً على المتاع الخارجي بشرط كونه كذا مقدار ثم ظهر الخلاف . وهذا لا إشكال في صحته ، فإنّ تخلّف الأوصاف غير المقوّمة للصورة النوعية لا يوجب بطلان المعاملة ، غاية الأمر أنه يوجب الخيار للمشتري .
الثالثة : أن يكون مقصود البائع من قوله : بعتك هذا المتاع الخارجي بدينارين على أن يكون كذا مقدار ، بيعَ الموجود الخارجي فقط ، وكان غرضه من الاشتراط الإشارة إلى تعيين مقدار العوضين ، ووقوع كل منهما في مقابل الآخ---ر بحيث يقسّط الثمن على أجزاء المثمن ، وعليه فإذا ظهر الخلاف صح البيع في المقدار الموجود وبطل في غيره ، نظير بيع ما يملك وما لا يملك ، كالخنزير مع الشاة والخمر مع الخل .
والظاهر هو الصورة الأخيرة ، فإنّ مقصود البائع من الاشتراط المذكور ليس إلّا بيان مقدار المبيع فقط ، من غير تعليق في الإنشاء ، ولا اعتبار شرط في المعاملة كما هو واضح .
هذا كلّه إذا لم يكن البيع ربوياً ، وأمّا إذا كان ربوياً ، فإن كان من قبيل الصورة الأُولى بطل البيع للتعليق ، مع قطع النظر عن التخلّف وكون المعاملة ربوية .وإن كان من قبيل الصورة الثانية بطل البيع ، لكونه ربوياً ، مع قطع النظر عن تخلّف الشرط . وإن كان من قبيل الصورة الثالثة قسّط الثمن على الأجزاء ، وصح البيع في المقدار الموجود وبطل في غيره .
قوله : السادسة : التنجيم(1)حرام ، وهو كما في جامع المقاصد الإخبار عن أحكام النجوم(2).
أقول : تحقيق المرام يبتني على مقدّمتين :
المقدّمة الأُولى : في بيان أمرين :
الأمر الأول : أنّ أُصول الإسلام أربعة :
الأول : الإيمان بالله، والإقرار بوجوده ، وكونه صانعاً للعالم وبجميع ما يحدث فيه من غرائب الصنع وآثار الرحمة وعجائب الخلق ، واختلاف الموجودات م--ن الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والجبال والبحار والأشجار والأثمار واختلاف الليل والنهار . فمن أنكر ذلك كان كافراً ، كالدهرية القائلين بكون الأُمور كلّها تحت سلطان الدهر ، بلا احتياج إلى الصانع . وكفره ثابت بالضرورة م--ن المسلمين ، بل ومن جميع الملّيين ، وقد دلّت الآيات الكثيرة على أنّ من لم يؤمن بالله وأنكره فهو كافر .
الثاني : الإقرار بتوحيده تعالى ، ويقابله الشرك والقول بأنّ للعالم أكثر من صانع واحد ، كما يقوله الثنوية وغيرهم . وكفر منكر التوحيد ثابت بكثير من الآيات ، كقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (3)والروايات .
الثالث : الإيمان بنبوّة محمّد(صلّی الله علیه وآله وسلم)والاعتراف بكونه نبيّاً مرسلاً
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1)ومن أنكر ذلك - كاليهود والنصارى وأشباههم كان كافراً بحكم الضرورة من المسلمين ، وقد دلّت عليه جملة من الآيات والروايات . وأمّا الإقرار بالأنبياء السابقين فهو داخل في الإقرار بما جاء به النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)، فانكاره يوجب الكفر من جهة تكذيب النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم). الرابع : الإيمان بالمعاد الجسماني ، والإقرار بيوم القيامة والحشر والنشر ، وجمع العظام البالية ، وإرجاع الأرواح فيها ، فمن أنكر المعاد أو أنكر كونه جسمانياً فهو كافر بالضرورة .
ولا بدّ وأن يعلم أنّ الإقرار بهذه الأُمور الأربعة له موضوعية في التلبّس بحلية الإسلام ، وإنكار أي واحد منها في حد نفسه موجب للكفر ، سواء أكان مستنداً إ العناد واللجاج أم كان مستنداً إلى الغفلة وعدم الالتفات الناشئ عن التقصير أو القصور ، وقد دلّت الآيات الكثيرة أيضاً على كفر منكر المعاد .
الأمر الثاني : أنه يجب على العباد الاعتراف بفرائض الله وسنن رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلم)وبماء جاء به النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) فمن تركها جاحداً وهو عالم بأنّ إنكاره هذا يستلزم تكذيب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)فهو كافر ، وإلّا فلا ملازمة بين الإنكار وبين الكفر ،ومن هنا لا يحكم بكفر المخالفين في الظاهر مع إنكارهم الولاية .
وقد دلّت الآيات وروايات الفريقين على اعتبار الأُمور المذكورة في الإسلام ، وحقن الدماء، وحفظ الأموال، ففي موثّقة سماعة : « الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله والتصديق برسول الله ، به حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث
1) النجم 53: 3 - 4 .
وعلى ظاهره جماعة الناس »(1). وفي رواية داود بن كثير الرقي : « إنّ الله تعالى فرض فرائض موجبات على العباد ، فمن ترك فريضة من الموجبات وجحدها كان كافراً (2). ومن طرق العامة عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): « أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم»(3).
المقدّمة الثانية : أنه لا إشكال في اختلاف الأجرام العلوية والكيفيات الخاصّة الحاصلة بين الفلكيات بعضها مع بعض ، وتأثيرها في الأوضاع الأرضية والأجسام العنصرية ، كتأثير قرب الشمس من خط الاستواء وبعدها عنه عنه في اختلاف الفصول ، وكزيادة الرطوبة في الأبدان بزيادة نور القمر ونقصانها بنقصانه وزيادة أدمغة الحيوانات وألبانها بزيادة نوره ونقصانها بنقصانه ، وزيادة البقول والثمار نمواً ونضجاً احمراراً واخضراراً عند زيادة نور القمر ، بل ذكر المحقّق البهائي في الحديقة الهلالية(4)أنّ المزاولين لها يسمعون صوتاً من القتاء والفرع والبطيخ عند تمدّده وقت زيادة النور ، وكزيادة المياه في البحار والشطوط والينابيع في كل يوم من النصف الأول من الشهر ونقصانها يوماً فيوماً في النصف الأخير منه ، إلى غير ذلك من الآثار الواضحة التي يجوز الاعتقاد بها والإخبار عنها ، من دون أن يترتّب عليه محذور شرعاً .
وأيضاً لا إشكال في جواز النظر إلى أوضاع الكواكب وسيرها ، وملاحظة
اقتران بعضها مع بعض ، والإذعان بها والإخبار عنها ، كالإخبار عن سير الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب في يوم وليلة ، التي بها يتحقّق طلوعها وغروبها ، ويتحقّق الليل والنهار كما حقّق في الهيئة القديمة ، وكالإخبار عن الخسوف والكسوف ، وعن ممازجات الكواكب ومقارناتها ، واختفائها واحتراقها ، ونحوها من الأُمور الواضحة المقرّرة في علم معرفة التقويم وعلم الهيئة ، فإنّ الإخبار عنها- نظير الإخبار عن طلوع الشمس في أول اليوم وعن غروبها في آخره - مبني على التجربة والامتحان والحساب الصحيح الذي لا يتخلّف غالباً ، ومن الواضح جداً أنه لا يرتبط شيء منها بما نحن فيه ، بل هي خارجة عن علم النجوم .
نعم إذا استند المخبر عن تلك الأُمور إلى الظنون غير المعتبرة عقلاً ، وكان كلامه ظاهراً في الإخبار الجزمي ، كان الإخبار حراماً من جهة الكذب ، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنّف من تجويز الإخبار عن سير الكواكب مع الاستناد إلى الأمارات الظنّية .
إذا عرفت هاتين المقدّمتين فنقول : قد اختلفت الأقوال في جواز تعلّم النجوم وتعليمها والنظر فيها مع عدم اعتقاد تأثيرها أصلاً وعدم جوازه ، وتنقيح المسألة وتهذيبها يقع في أُمور :
الأول : قال جمع من الفلاسفة : إنّ للأفلاك نفوساً ترتسم فيها صور المقدّرات ويقال لها لوح المحو والإثبات، وإنّ الأفلاك متحرّكة على الاستدارة والدوام حركة إرادية اختيارية ، للشبه بعالم العقول، والوصول إلى المقصد الأقصى ، وإنّها مؤثّرة فيما يحدث في عالم العناصر من الموت والمرض والصحة والفقر والغنى ، وإنّ نظام الكل بشخصيته هو الإنسان الكبير، والعقول والنفوس بمنزلة القوى العاقلة والعاملة التي هي مبادئ الإدراكات والتحريكات ، والنفوس المنطبعة بمنزلة الروح الحيواني. وعلى الجملة : التزموا بأنّ الموجودات الممكنة برمتها مفوّضة إلى النفوس الفلكية
والعقول الطولية ، وأنّ الله تعالى بعد خلقه العقل الأول منعزل عن التصرّف في مخلوقه .
وفيه : أنه على خلاف ضرورة الدين وإجماع المسلمين ، والاعتقاد به كفر وزندقة ، لكونه إنكاراً للصانع ، فإنّ الأدلّة العقلية والسمعية من الآيات والروايات مطبقة على إثبات الصانع ، وإثبات القدرة المطلقة له تعالى ، وأنّ أزمّة المخلوقات كلّها في قبضة قدرته ، يفعل فيها ما يشاء ، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون . إلّا أن يكون مراد الفلاسفة أنّ الفياض على الإطلاق في جميع الحالات هو البارئ تعالى ولكن إفاضة الوجود بواسطة النفوس الفلكية ، وهى طرق لوصول الفيض ، وليست مؤثّرة في عالم العناصر ليلزم منه إنكار الصانع . ويظهر هذا من كلام جماعة منهم .
على أنّ الظاهر من الآيات والروايات أنّ حركة الأفلاك إنّما هي حركة قسرية ، وبمباشرة الملائكة ، فالاعتقاد على خلافه مخالف للشرع ، وتكذيب للنبي الصادق(صلّی الله علیه وآله وسلم)في إخباره ، فيكون كفراً . وإرادة النفوس الفلكية م--ن الملائكة من تأويلات الملاحدة ، كما صرّح به المجلسي (رحمه الله) في اع- اعتقاداته(1).
ثم إنّ الاعتقاد بالأُمور المذكورة إنّما يوجب الكفر إذا علم المعتقد بالملازمة بينها وبين إنكار الصانع أو تكذيب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) وإلّا فلا محذور فيه كما عرفت في المقدّمة الثانية(2).
الأمر الثاني : أن يلتزم بتأثير الأوضاع الفلكية والكيفيات الكوكبية بنفسها في حوادث العوالم السفلية ، كتوسعة الرزق ، وأُنوثة الولد ورجولته ، وصحّة المزاج وسقمه ، وازدياد الأموال ونقصانها ، وغيرها من الخيرات والشرور ، سواء قلنا
بالنفوس الفلكية أم لم نقل .
وهو على وجهين ؛ الأول : أن يكون ذلك علّة تامة لحدوث الحوادث . والثاني : أن يكون شريكاً للعلّة في الأُمور المذكورة .
وكلا الوجهين باطل ، لأنه إنكار للصانع أو لتوحيده جلّ وعلا ، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك بين الشيعة والسنّة(1)
وفي سنن البيهقي 3 : 358 في حديث زيد الجهني قال الشافعي : وأمّا من قال : مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أن أمطره نوء كذا ، فذلك كفر .
وفي الموضع المزبور عن الجهني عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال الله : أصبح من عبادي مؤمن وكافر ، فأمّا من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأمّا من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب . ورواه العلّامة (رحمه الله) مرسلاً في التذكرة 4 : 223 في صلاة الاستسقاء . ورواه صاحب الوسائل أيضاً مرسلاً في 11 : 374 / أبواب آداب السفر ب 14 ح 10 .
وفي لسان العرب[ 1 : 176] مادة نواً : قال أبو عبيد : الأنواء ثمانية وعشرون نجماً معروفة المطالع في أزمنة السنة ... وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا : لابدّ من أن يكون عند ذلك مطر أو رياح ، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم فيقولون مُطِرْنا بنوء الثريا... وإنّما سمّي نوءاً لأنّه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ، أي نهض وطلع .
بل قامت الضرورة بين المسلمين على كفر من اعتقد بذلك . قال العلّامة المجلسي في مرآة العقول : إنّ القول باستقلال النجوم في تأثيرها كفر وخلاف لضرورة الدين ، وأنّ القول بالتأثير الناقص إمّا كفر أو1) عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6 : 212 إنّ المعلوم ضرورة من الدين إبطال حكم النجوم ، وتحريم الاعتقاد بها ، والزجر عن تصديق المنجمين .
فسق(1). وقال المحقّق البهائي في الحديقة الهلالية : إنّ الالتزام بأنّ تلك الأجرام هي العلّة المؤثّرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنّها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده ، وعلم النجوم المبتني على هذا كفر(2). إلى غير ذلك من كلمات الأعاظم الصريحة فيها ذكرناه(3).
الأمر الثالث : أن يلتزم بكون أوضاع الكواكب - من التقارن والتباعد والاتّصال والتربيع والاختفاء وغيرها من الحالات - علامة على ح-وادث ع-الم العناصر التي تحدث بقدرة الله وإرادته ، بأن يجعل الوضع الفلاني علامة رجولة الولد والوضع الفلاني علامة أُنوثته وهكذا ، كما أنّ سرعة حركة النبض علامة على الحمى واختلاج بعض الأعضاء علامة على بعض الحوادث المستقبلة ، ونصب العلم علامة على التعزية والرثاء .
وهذا الوجه قد اختاره السيد ابن طاووس في محك-ي ك-لامه في رسالته النجومية(4)، ووافقه عليه جمع من الأعاظم ، كالمحقّق البهائي في الحديقة الهلالية(5)والسيد الجزائري في شرح الصحيفة السجّادية(6). والمحدّث النوري في المستدرك(7)وغيرهم ، وحملوا عليه ما روي من صحة علم النجوم وجواز تعلّمه .
الأمر الرابع : أن يلتزم بأنّ الله تعالى قد أودع في طبائع أوضاع الكواكب خصوصيات تقتضي حدوث بعض الحوادث ، من غير أن يكون لها استقلال في التأثير ولو بنحو الشركة ، وتلك الخصوصيات كالحرارة والبرودة المقتضيتين للإحراق والتبريد .
وهذان الوجهان وإن لم يكن الاعتقاد بهما موجباً للكفر بنفسيهما ، إلّا أنّهما باطلان لوجوه :
الأول : أنه لا طريق لنا إلى كشف هذا المعنى في مقام الإثبات ، وإن كان ممكناً في مقام الثبوت .
الثاني : أنّ ذلك منافٍ لإطلاق الروايات الدالّة على حرمة العمل بعلم النجوم وجعلها علامة على الحوادث(1)
وفي الباب المزبور من الوسائل ح6 عن معاني الأخبار [ 270 / 2 ] عن الكابلي قال : «سمعت زين العابدين - إلى أن قال : والذنوب التي تظلم الهواء السحر ، والكهانة ، والإيمان بالنجوم » وهي ضعيفة بأحمد بن يحيى بن زكريا ، وبكر بن عبدالله بن حبيب ، وغيرهما . وفي مرآة العقول 26 : 478 . والوافي 26 : 521 / 5 ، والوسائل 11 : 370 / أبواب آداب السفر ب 14 ح 1 عن عبدالملك بن أعين قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّي ق-د ابتليت بهذا العلم فأُريد الحاجة ، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشرّ جلست ولم أذهب فيها ، وإذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة ، فقال لي : تقضي ؟ قلت : نعم ، قال : احرق كتبك » وهي حسنة بعبدالملك .
وفي الوسائل 17: 143 / أبواب ما يكتسب به ب 24 ح 10 ، والمستدرك 8 : 123 / أبواب آداب السفر ب 11 ح3 . ومرآة العقول 26 : 470 . والاحتجاج للطبرسي 2 : 242 في حديث احتجاج الصادق (علیه السلام) على الزنديق « قال : فما تقول في علم النجوم ؟ قال (عليه السلام) : هو علم قلّت منافعه ، وكثرت مضرّاته، لأنه لا يدفع به المقدور ، ولا يتّقى به المحذور ، إن أخبر المنجّم بالبلاء لم ينجه التحرّز من القضاء ، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله ، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه ، والمنجّم يضاد الله في علمه بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه » وهي مرسلة .
وفي الباب المذكور من الوسائل عن المحقّق في المعتبر [ 2 : 688 ] والعلّامة في التذكرة [ 1 : 271 ] والشهيدين [ الثاني منهما في المسالك 2 : 53 ] قالوا : « من صدّق كاهناً أو منجّماً فهو كافر بما أُنزل على محمد(صلّی الله علیه وآله وسلم)» . وهي مرسلة .
، وظاهر جملة من الروايات أنّ لعلم النجوم حقيقة1) منها ما في الوسائل 11 : 371 / أبواب آداب السفر ب 14 ح 4 ، ومرآة العقول 26 : 464 عن عبدالله بن عوف بن الأحمر قال : « لمّا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) المسير إلى النهروان أتاه منجّم فقال له : يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة ، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار ، فقال (عليه السلام) : ولم ذاك ؟ قال : لأنّك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضرّ شديد ، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وظهرت وأصبت كل ما طلبت ، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم أنثى ؟ قال : إن حسبت علمت ، قال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : م--ن صدّقك على هذا القول كذّب بالقرآن إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ مَا كان محمد (صلّی الله علیه وآله وسلم)يدّعي ما ادعيت ، أتزعم أنّك تهتدي إلى الساعة التي من سار فيها حاق به الضر. من صدّق بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوج-ه وأحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه ، وينبغي له أن يوليك الحمد دون ربّه . فمن آمن لك بهذا فقد اتّخذك من دون الله ندّاً وضدّاً ، ثم قال ( عليه السلام) : اللهم لا طير إلّا طيرك ، ولا ضير إلّا ضيرك ، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك . بل نكذّبك ونخالفك ونسير في الساعة التي نهيت عنها » . وهي ضعيفة بعبد الله بن عوف ، وعمر بن سعد ، ومحمد ابن علي القرشي، وغيرهم ، ولكن آثار الصدق منها ظاهرة . وقريب منه ما نقله السيد في نهج البلاغة : 96 مرسلاً : أعني الخطبة 76 من خطبه (علیه السلام) . قوله : « ح--اق ب-ه الضرّ» أي أحاط به .
........
واقعية ، ولكن لا يحيط بها غير علّام الغيوب ومن ارتضاه لغيبه ، فلا يجوز لغيره أن يجعلها علامة على الحوادث(1)
وفي الاحتجاج 2 : 250 / 224 والموضع المذكور من مرآة العقول [ ص 468 ] عن أبان بن تغلب قال : «كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن ، إلى أن قال (عليه السلام) : ما صناعتك ياسعد ؟ فقال : جعلت فداك أنا من أهل بيت ننظر في النجوم لا يقال إنّ باليمن أحداً أعلم بالنجوم منّا ، إلى أن ذكر أبو عبدالله (عليه السلام) أُموراً فقال له اليماني : ما ظننت أن أحداً يعلم هذا وما يدري ما كنهه » وهي مرسلة.
وفي الكافي :8 : 351 / 549 ، والوافي 26 : 516 / 2 ، والوسائل 17 : 141 / أبواب ما يكتسب به ب 24 ح 2 عن هشام الخفّاف قال « قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : كيف بصرك بالنجوم ؟ قال قلت : ما خلّفت بالعراق أبصر بالنجوم منّي ، إلى أن قال (عليه السلام) : إنّ أصل الحساب حق ، ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلّهم » وهي مجهولة بحمّاد الأزدي .
وفي الكافي 8 : 195 / 233 ، والوافي 26 : 513 / 1 ، والوسائل 17 : 141 / أبواب ما يكتسب به ب 24 ح 1 عن عبدالرحمن بن سيابة عن أبي عبدالله (عليه السلام) بعد أن جوّز النظر إلى النجوم قال : « إنّكم تنظرون في شيء منها كثيره لا يدرك ، وقليله لا ينتفع به » وهي ضعيفة بعبدالرحمن بن سيابة ، ومجهولة بالحسن بن أسباط .
وفي الوافي 26 : 522 / 6 ، والكافي 8 : 306 / 474 عن سليمان بن خالد قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحرّ والبرد ممّا يكونان ؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بما حاصله : أنّ المريخ كوكب حار ، وزحل كوكب بارد ، فكلّما ارتفع المريخ درجة انحطّ زحل درجة ، فلذلك يشتد الحرّ في الصيف ، وإذا انعكس الأمر اشتدّ البرد كما في الشتاء ، وشدّة البرد في الصيف أحياناً مستندة إلى القمر ، وشدّة الحرّ في الشتاء أحياناً مستندة إلى الشمس » . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المتقدّمة وغيرها ، وأكثرها مذكورة في مرآة العقول 26 : 464 - 480 [ مع تفاوت عمّا في الوافي ] .
.1) في مرآة العقول 26 : 466 عن قيس بن سعد قال : « كنت كثيراً أُساير أمير المؤمنين (علیه السلام) إذا سار إلى وجه من الوجوه ، فلمّا قصد النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسايراً له إذ خرج إليه قوم من أهل المدائن ، إلى أن قال : وكان في من تلقّاه دهقان ، وكانت الفرس تحكم برأيه في النجوم ، فجرى بينه وبين علي (عليه السلام) بعض الأسئلة ، فقال الدهقان : لا أدري ، ثم قال علي (عليه السلام) : لو علمت ذلك لعلمت أنّك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة . ومضى أمير المؤمنين فهزم أهل النهروان فقتلهم وعاد بالغنيمة والظفر فقال الدهقان : ليس هذا العلم بما في أيدي أهل زماننا ، هذا علم مادّته من السماء » وهي ضعيفة بأبي الجارود زياد بن المنذر .
ومن هنا قال الشهيد في محكي قواعده : وأمّا ما يقال من أنّ استناد الأفعال إليها كاستناد الإحراق إلى النار ، وغيرها من العاديات ، إلى أن قال : فهذا لا يكفر معتقده ، ولكنّه مخطئ أيضاً(1).
الثالث : أنّ ذلك منافٍ للأخبار المتواترة الواردة في الحثّ على الدعاء والصدقات وسائر وجوه البرّ، والدالّة على أنّها تردّ القضاء الذي نزل من السماء وأُبرم إبراماً ، وأنّها تردّ البلاء المبرم ، ومن الواضح جدّاً أنّ الالتزام بالوجهين المذكورين إنكار لذلك ، وهو مستلزم للكفر ، من حيث إنّه تكذيب النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)، ولا يفرق في ذلك بين كون الالتزام بأنّ أوضاع الكواكب مجرّد علامة
1) القواعد والفوائد 2 : 35 - 36 .
على الحوادث ، أو مؤثرة فيها ولو بغير شعور واختيار نظير الحرارة والبرودة .
لا يقال : قد ورد في بعض الأحاديث أنه يكره التزويج في بعض الأيّام والساعات لنحوستها ، كمحاق الشهر ، وعند كون القمر في برج العقرب(1)
وفي الوسائل 11 : 367 / أبواب آداب السفر ب 11 ح 1 عن الكليني [ في الكافي 8: 275 / 416 ] والصدوق [ في الفقيه 2 : 174 / 778 ] والمحاسن [ 2 : 84 / 20 ] عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « من سافر أو تزوّج والقمر في العقرب لم ير الحسنى » .
فيستفاد من ذلك أنّ سير الكواكب وأوضاعها علامة على بعض الحوادث .فإنّ ذلك لا ينا في ما قدّمنا بعد أن كان المبيّن له هو الشارع على ألسنة أُمنائه وقد عرفت دلالة بعض الأخبار على أنّ لعلم النجوم حقيقة ولكن لا يعلم بها غير علّام الغيوب ومن ارتضاه لغيبه .
على أنّ ذلك أجنبي عمّا نحن فيه ، فإنّ كراهة التزويج في تلك الأوقات ككراهة الصلاة في المواضع المكروهة ، وكراهة الجماع في الأوقات المخصوصة ، فلا دلالة في ذلك على المطلوب.
الأمر الخامس : هل يجوز تعلّم علم النجوم في حدّ ذاته من غير إذعان بتأثير الكواكب أم لا ؟ نسب الشهيد في محكي الدروس الق--ول ب-الحرمة إلى بعض الأصحاب(2). ولكن الظاهر من بعض الأحاديث(3)هو الجواز إذا كان ذلك لمجرّد
1) كما في التهذيب : 461 / 1844 ، والوسائل 20 : 114 / أبواب مقدّمات النكاح ب 54 ح 1 عن محمد بن حمران عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « من تزوّج امرأة والقمر في العقرب لم یر الحسنى » وعن الصدوق « روي أنه يكره التزويج في محاق الشهر » .
2) الدروس 3: 165 .
3) في مرآة العقول 26 : 478 عن ابن أبي عمير أنه قال : «كنت أنظر في النجوم وأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك شيء ، فشكوت ذلك إلى أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) فقال : إذا وقع في نفسك شيء فتصدّق على أوّل مسكين ثم امض ، فإنّ الله يدفع عنك » . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . وقد تقدّم [ في ص 390 ، 392 ] في رواية عبدالملك بن أعين ورواية عبدالرحمن بن سيابة ما يدلّ على ذلك .
معرفة سير الكواكب وأوضاعها الخاصّة ، وفاقاً لجمع من الأعاظم (رضوان الله عليهم) . وأمّا ما يوهم حرمة تعلّم النجوم من أحاديث الشيعة(1)والسنّة(2)فمحمول على غير هذه الصورة ، والله العالم .
قوله : السابعة : حفظ كتب الضلال حرام في الجملة بلا خلاف(3).
أقول : قال الشيخ في غنائم المبسوط : إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها - إلى أن قال - وإن كانت كتباً لا يحلّ إمساكه كالكفر والزندقة وما أشبه ذلك لا يجوز بيعه. ثم حكم بوجوب تمزيقها وإتلافها ، وحكم بكون التوراة والإنجيل من هذا القبيل ، لوقوع التحريف فيهما(4). ونحوه العلّامة في غنائم التذكرة(5).
ثم إنّ المراد بكتب الضلال كل ما وضع لغرض الإضلال وإغواء الناس وأوجب الضلالة والغواية في الاعتقادات أو الفروع ، فيشمل كتب الفحش والهجو والسخرية ، وكتب القصص والحكايات والجرائد المشتملة على الضلالة
حفظ كتب الضلال
وبعض كتب الحكمة والعرفان والسحر والكهانة ونحوها ممّا يوجب الإضلال .
وقد استدلّ على حرمة الحفظ بوجوه :
الأول : حكم العقل بوجوب قلع مادّة الفساد.
وفيه : أنّ مدرك حكمه إن كان هو حسن العدل وقبح الظلم ، بدعوى أنّ قلع مادّة الفساد حسن ، وحفظها ظلم وهتك للشارع ، فيرد عليه أنه لا دليل على وجوب دفع الظلم في جميع الموارد ، وإلّا لوجب على الله وعلى الأنبياء والأوصياء الممانعة عن الظلم تكويناً ، مع أنه تعالى هو الذي أقدر الإنسان على فعل الخير والشرّ، وهداه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً .
وإن كان مدرك حكمه وجوب الإطاعة وحرمة المعصية لأمره تعالى بقلع مادّة الفساد ، فلا دليل على ذلك إلّا في موارد خاصّة ، كما في كسر الأصنام والصلبان وسائر هياكل العبادة . وأمّا التمسّك برواية تحف العقول في استفادة كلّية الحكم فسيأتي الكلام فيه .
نعم إذا كان الفساد موجباً لوهن الحقّ وسدّ بابه ، وإحياء الباطل وتشييد كلمته، وجب دفعه ، لأهميّة حفظ الشريعة المقدّسة . ولكنّه أيضاً وجوب شرعي في مورد خاص ، فلا يرتبط بحكم العقل بقلع مادّة الفساد .
الوجه الثاني : قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ(1). فقد قيل(2)في تفسير الآية : أن يشتري كتاباً فيه لهو الحديث
فتشمل حفظ كتب الضلال أيضاً .
وفيه أولاً : أنّ المذموم في ظاهر الآية هو اشتراء لهو الحديث للإضلال ، ومن الواضح أنّ هذا المعنى أجنبي عن حفظ كتب الضلال ، لعدم العلم بترتّب الغاية المحرّمة عليه ، غاية الأمر احتمال ترتّب الإضلال على الحفظ .
وثانياً : أنّا إذا سلّمنا ذلك فالمستفاد من الآية حرمة اشتراء كتب الضلال ، ولا دلالة فيها على حرمة إبقائها وحفظها بعد الشراء، كما أنّ التصوير حرام وأمّا اقتناؤه فليس بحرام ، والزنا حرام وتربية أولاد الزنا ليس بحرام ، وقد تقدّم ذلك في البحث عن جواز اقتناء الصور المحرّمة(1).
وثالثاً : أنه قيل(2): إنّ الآية قد نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة ، فإنه كان يشتري كتباً فيها أحاديث الفرس من حديث رستم واسفنديار ، وكان يلهي الناس بذلك ، ويظرف به ليصدّهم عن سماع القرآن و تدبّر ما فيه ، نظير الج--رائ--د المعروفة في هذا الزمان ، فإنّها مشتملة على الأُمور اللاهية التي تصدّ الناس عن الحقّ .
ورابعاً : ما ذكره المحقّق الإيرواني من : أنّ المراد من الاشتراء هو التعاطي وهو كناية عن التحدّث به، وهذا داخل في الإضلال عن سبيل الله بسبب التحدّث بلهو الحديث ،ولا إشكال في حرمة الإضلال، وذلك غير ما نحن فيه من إعدام ما يوجب الإضلال(3).
الوجه الثالث : قوله تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(1).
وفيه : أنّ قول الزور قد فسّر بالكذب(2)وسيأتي في مبحث حرمة الغناء(3)تفسير قول الزور بالغناء في جملة من الروايات ، ولا منافاة بين التفسيرين ، فإنّ كلاً منهما لبيان المصداق ، وقد ذكرنا في مبحث التفسير(4)أنّ القرآن لا يختص بطائفة ولا بمصداق ، وإلّا لنفد بنفاد تلك الطائفة وانعدام ذلك المصداق ، بل القرآن يجري مجرى الشمس والقمر ، كما في عدّة من الروايات ، وقد ذكرنا جملة منها في مقدّمات التفسير ، وجمعها في مرآة الأنوار المعروف بمقدّمة تفسير البرهان(5)، وكيف كان فالآية غريبة عمّا نحن فيه .
لا يقال : إنّ الآية تدلّ على إعدام كتب الضلال ، لكونها من أظهر مصاديق الكذب ، بل هي كذب على الله ورسوله .
فإنه يقال : غاية ما يستفاد من الآية وجوب الاجتناب عن التكلّم بالكذب وأمّا إعدامه فلا ، وإلّا لوجب إعدام جميع ما فيه كذب ، كأكثر التواريخ ونحوها ، ولم یلتزم به أحد من المحصّلين فضلاً عن الفقهاء.
الوجه الرابع : أنّ جملة من فقرات رواية تحف العقول تدلّ على حرمة حفظ كتب الضلال ، منها : قوله (عليه السلام) : « إنّما حرّم الله الصناعة التي يجيء منها
الفساد محضاً » بدعوى أنّ مفهوم الحصر يقتضي حرمة الصناعة المحرّمة بجميع منافعها ، ومنها الحفظ.
وفيه : أنّ حرمة الصناعة لا تلازم حرمة إبقاء المصنوع كما تقدّم في مبحث إبقاء الصور المحرّمة . فغاية ما تدل عليه الرواية أنّ تأليف كتب الضلال أو استنساخها من المحرّمات ، لصدق الصناعة عليهما ، ولا تدلّ على حرمة الإبقاء .
ومنها : قوله (عليه السلام) : « وما يكون منه وفيه الفساد محضاً - إلى قوله (عليه السلام) : - وجميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها » .
وفيه : أنّ صدق التقلّب على الحفظ ممنوع ، خصوصاً إذا كان غرض الحافظ عدم وقوع كتب الضلال في أيدي الناس لتوجب إضلالهم .
ومنها : قوله (عليه السلام) : « أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجو المعاصي، أو باب يوهن به الحق ، فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه » .
وفيه : أنّ الكبرى وإن كانت مسلّمة ، ولكن للمناقشة في الصغرى مجالاً واسعاً ، لمنع كون الحفظ تقوية للكفر وإهانة للحق كما هو واضح ، إلّا أن يكون بهذا الداعي .
ويضاف إلى جميع ما ذكرناه من الأجوبة أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء كما تقدّم ، فلا تصلح أن تكون مستنداً لشيء من الأحكام الشرعية.
الوجه الخامس : حسنة عبدالملك بن أعين التي تقدّمت في مبحث التنجيم(1)حيث سأل عن ابتلائه بالنجوم « فقال لي : تقضي ؟ قلت : نعم ، قال : احرق كتبك » .
وفيه : أنّ مقتضى التفصيل فيها القاطع للشركة هو جواز الح-فظ م-ع ع-دم الحكم.
1) في ص 390 .
الوجه السادس : الإجماع . وفيه أولاً : أنّا لا نسلّم تحقّقه على المطلوب ، ولذا قال في الحدائق(1)ما حاصله : أنه لا دليل على حرمة حفظ كتب الضلال . وأم--ّا الوجوه التي أقاموها على حرمته فهي تخمينية اعتبارية لا يجوز الاعتماد عليها في الأحكام الشرعية .
وثانياً : لو سلّمنا تحقّقه على المطلوب فليس إجماعاً تعبّدياً، لاحتمال استناده إلى الوجوه المذكورة في المسألة . ولو سلّمنا جميع ذلك فالمتيقّن من الإجماع ما يترتّب عليه الإضلال خارجاً ، ولا ريب أنّ حرمة إضلال الناس عن الحقّ من الضروريات بين المسلمين ، فلا يحتاج في إثباتها إلى الإجماع.
ثم لو سلّمنا حرمة حفظ كتب الضلال فإنّه لا بأس بحفظها لردّها ، أو إظهار ما فيها من العقائد الخرافية والقصص المضحكة والأحكام الواهية.
وممّا ذكرناه ظهر حكم المعاملة عليها وضعاً وتكليفاً ، وكذلك ظهر حكم كتب المخالفين المدوّنة في الفقه والعقائد والأخبار وغيرها .
ولا بأس بالتعرّض لحرمة حلق اللحية إجابة لالتماس بعض الأفاضل فنقول : المشهور بل المجمع عليه بين الشيعة والسنّة(2)
وفي سنن البيهقي 1 : 52 باب سنّة المضمضة : عن عائشة قالت « قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)عشرة من الفطرة : قصّ الشوارب ، وإعفاء اللحية » الحديث .
وفي ص 149 : عن ابن عمر عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « اعفوا اللحى ، واحفوا الشوارب » وفي ص 150 عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « جزّوا الشوارب ، وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس » .
وفي سنن البيهقي 7 : 311 عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)« نهى عن نتف الشيب ، وقال : إنه من نور الإسلام » وعنه(صلّی الله علیه وآله وسلم): « لا تنزعوا الشيب » الحديث .
هو حرمة حلق اللحية ، وقد استدلّعليها بوجوه :
الوجه الأول : قوله تعالى في التحدّث عن قول الشيطان : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ(1)بدعوى أنّ حلق اللحية من تغيير الخلقة ، وكل ما يكون تغييراً لها فهو حرام .
وفيه : أنه إن كان المراد بالتغيير في الآية المباركة تغييراً خاصاً فلا شبهة في حرمته على إجماله ، ولكن لا دليل على كون المراد به ما يعمّ حلق اللحية . وإن كان المراد به مطلق التغيير فالكبرى ممنوعة ، ضرورة عدم الدليل على حرمة تغيير الخلقة على وجه الإطلاق ، وإلّا لزم القول بحرمة التصرف في مصنوعاته تعالى حتى بمثل جري الأنهار وغرس الأشجار وحفر الآبار وقطع الأخشاب وقلم الأظفار ، وغيرها من التغييرات فى مخلوقاته سبحانه .
والظاهر أنّ المراد به تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه ، وفاقاً للشيخ
1) النساء 4 : 119 .
الطوسي (رحمه الله) في تفسيره(1)ويدلّ عليه قوله تعالى : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (2)وقد نقل الشيخ (رحمه الله) في تفسير الآية أقوالاً شتّى ، وليس منها ما يعمّ حلق اللحية .
الوجه الثاني : ما في جملة من الروايات من الأمر باعفاء اللحى وحفّ الشوارب ، والنهي عن التشبّه باليهود والمجوس(3)
قال « وقال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم): إنّ المجوس جزّوا لحاهم ، ووفّروا شواربهم وأما نحن نجزّ الشوارب ونعني اللحى ، وهي الفطرة » وهي مرسلة .
وفي الباب المزبور من الوسائل عن معاني الأخبار [ 291 / 1 ] باسناده عن علي بن غراب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): ح-فّ-وا الشوارب واعفوا اللحى ، ولا تشبهوا بالمجوس » وهي ضعيفة بالحسين بن إبراهيم ، وموسى
ابن عمران النخعي، والحسين بن يزيد ، وعلي بن غراب .
.1) في تفسير التبيان 3 : 334 وقوله تعالى : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِاختلفوا في معناه فعن ابن عباس فليغيرن دین الله ، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام). وقال مجاهد : كذب عكرمة في قوله : إنه الإخصاء، وإنّما هو تغيير دين الله الذي فطر الناس عليه في قوله : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وقال قوم : هو الوشم. وقال عبد الله : لعن الله الواشمات والموتشمات والمتفلّجات المغيرات خلق الله . وأقوى الأقوال قول من قال : فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ بمعنى دين الله ، بدلالة قوله : فِطْرَةَ اللهِ الآية ، ويدخل في ذلك جميع ما قاله المفسّرون ، لأنه إذا كان ذلك خلاف الدين فالآية تتناوله انتهى كلامه بأدنى تفاوت .
2) الروم 30 : 30 .
3) ففي الوسائل 2 : 116 / أبواب آداب الحمّام ب 67 ح 1 ، 2 ، 3 والوافي 6 : 657 / 8، 9 باب جزّ اللحية : عن الصدوق قال قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم) : حفّوا الشوارب واعفوا اللحى ، ولا تتشبّهوا باليهود » وهي مرسلة .
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّها لا تدل على الوجوب ، فإنّ من الواضح جدّاً أنّ إعفاء اللحى ليس واجباً ، بل الزائد عن القبضة الواحدة مذموم نعم غاية الأمر أنّه يستفاد منها الاستحباب .
أقول : الظاهر أنّ الأمر بالإعفاء عقيب الإحفاء ثم النهي عن التشبّه باليهود ما ذكره المحدّث الكاشاني (رحمه الله) بعد نقل الحديث من : أنّ اليهود لا يأخذون من لحاهم بل يطيلونها ، وذكر الإعفاء عقيب الإحفاء ثم النهي عن التشبّه باليهود دليل على أنّ المراد بالإعفاء أن لا يستأصل ، ويؤخذ منها من دون استقصاء ، بل مع توفير وإبقاء بحيث لا يتجاوز القبضة فتستحق النار .
وعلى هذا فلا دلالة في ذلك على حرمة حلق اللحية، لأنّ المأمور به حينئذ هو الإعفاء وإبقاء اللحية بما لا يزيد على القبضة ، وهو ليس بواجب قطعاً . وأمّا النهي عن التشبّه بالمجوس عقيب الإعفاء والإحفاء فالمراد به أن لا تحلق اللحية ، وتترك الشوارب كما يصنعون ، قال رسول الله : « إنّ المجوس جزّوا لحاهم ووفروا شواربهم ، وأمّا نحن نجزّ الشوارب ونعني اللحى ، وهي الفطرة » .
وعليه فلا يدل هذا النهي على حرمة حلق اللحية وترك الشوارب معاً ، فإنّ نفي التشبّه يحصل بفعل أي منهما .
وأمّا ما يقال : من أنّ الروايات لا تدل على وجوب الإعفاء ، لاشتمالها على قصّ الشوارب ، وهو مستحب اتّفاقاً . ففيه : أنّ ظهور الأمر في الوجوب إنّما ترفع اليد عنه بمقدار ما ثبت فيه الترخيص ، وقد حقّقنا ذلك في موضعه(1).
الوجه الثالث : رواية الجعفريات الدالّة على أنّ « حلق اللحية من المثلة ، ومن
1) محاضرات في أصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 483 .
مثّل فعليه لعنة الله »(1)
وفيه : أولاً : أنّها مجهولة السند .
وثانياً : أنّ المثلة هو التنكيل بالغير بقصد هتكه وإهانته ، بحيث تظهر آث--ار فعل الفاعل بالمنكّل به ، وعليه فتكون الرواية دالّة على حرمة هتك الغير بإزالة لحيته ، لكون ذلك مثلة والمثلة محرّمة ، فلا ترتبط بحلق اللحية بالاختيار ، سواء أكان ذلك بمباشرة نفسه أم بمباشرة غيره .
وثالثاً : أنّ اللعن كما يجتمع مع الحرمة فكذلك يجتمع مع الكراهة أيضاً فترجیح أحدهما على الآخر يحتاج إلى القرينة المعيّنة . ويدل على هذا ورود اللعن على فعل المكروه في موارد عديدة ، وقد تقدّمت في مسألة الوصل والنمص(2). ومن تلك الموارد ما في وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) قال : « يا علي لعن الله ثلاثة : آكل زاده وحده ، وراكب الفلاة وحده ، والنائم في بيت وحده »(3).
ومن ذلك يظهر بطلان الفرق بين اللعن المطلق وبين كون اللعن من الله أو من رسوله ، بتوهّم أنّ الأول يجتمع مع الكراهة لكونه ظاهراً في البعد المطلق ، بخلاف الثاني فإنّه يختص بالحرمة ، لكونه ظاهراً في إنشاء الحرمة . اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الرواية المذكورة ضعيفة السند ، ولم نجد في غيرها ورود اللعن من الله ع-ل-ى ف-عل
المثلة
المكروه، وعليه فلا بأس في ظهور ذلك في الحرمة.
الوجه الرابع : ما دل على عدم جواز السلوك مسلك أعداء الدين(1)، ومن شعارهم حلق اللحية .
وفيه : أولاً : أنّه ضعيف السند . وثانياً : أنّ السلوك مسلك أعداء الدين عبارة عن اتّخاذ سيرتهم شعاراً وزيّاً، وهذا لا يتحقّق بمجرد الاتّصاف بوصف من أوصافهم.
الوجه الخامس : قوله(صلّی الله علیه وآله وسلم)لرسولي كسرى : « ويلكما من أمركما بهذا ؟ قالا : أمرنا بهذا ربّنا - يعنیان کسری - فقال رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم): لكن ربّي أمرني باعفاء لحيتي وقصّ شواربي»(2).
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : ما تقدّم من أنّ المأمور به إنّما هو الإعفاء ، وهو ليس بواجب قطعاً .
الوجه السادس : قوله ( عليه السلام) : « أقوام حلقوا اللحى وقتلوا الشوارب فمسخوا »(3)
قال في مرآة العقول [ 4 : 78 - 79 ] : الوالبية نسبة إلى والبة ، موضع بالبادية من اليمن . وفي النهاية : الشرطة أوّل طائفة من الجيش تشهد الوقعة ، والخميس - ومنهم من يشدّد ولعلّه تصحيف - الجيش ، سمّي به لانّه مقسوم بخمسة أقسام : المقدّمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب . وقيل : لأنّه تخمّس فيه الغنائم ، انتهى .
والدرّة بكسر الدال وتشديد الراء السوط . والسبابة بالتخفيف رأس السوط . والج--ري- بكسر الجيم وتشديد الراء والياء - نوع من السمك لا فلوس له ، وكذا المارماهي بفتح الراء ، وكذا الزمّار بكسر الزاء وتشديد الميم.
والمسوخ بضم الميم والسين جمع المسخ بالفتح ، وإنّما سمّوا بالمسوخ لكونها على خلقتها وليست من أولادها ، لأنّهم ماتوا بعد ثلاثة أيّام كما ورد في الخبر . وجند بني مروان ق--وم كانوا في الأُمم السالفة . انتهى كلام المجلسي .
. وفيه : أنّ الرواية وإن كانت ظاهرة في الحرمة ، إلّا أنّها ضعيفة السند.1) ففي الوسائل 4 : 385 / أبواب لباس المصلّي ب 19 ح 8 عن الفقيه [ 1 : 163 / 769 ] باسناده عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : قل للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي ، ولا تطعموا مطاعم أعدائي ، ولا تسلكوا مسالك أعدائي ، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي » . وهي ضعيفة بالنوفلي .
2) راجع المستدرك 1 : 407 / أبواب آداب الحمّام ب 40 ح 2 .
3) ففي الكافي 1 : 346 / 3 ، والوافي 2 / 143 / 3 ، والوسائل 2 : 116 / أبواب آداب الحمّام ب 67 ح 4 عن حبّابة الوالبية قالت : « رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرطة الخميس ومعه درّة لها سبّابتان يضرب بها بياعي الجري والمارماهي والزمّار ويقول لهم :يا بيّاعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان ، فقام إليه فرات بن أحنف فقال : يا أمير المؤمنين وما جند بني مروان ؟ قال فقال له : أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمسخوا » الخ . وهي مجهولة بمحمّد بن إسماعيل ، وعبد الله بن أيّوب ، وعبد الله بن هاشم وغيرهم .
الوجه السابع - وهو العمدة - : صحيحة البزنطي الدالّة على حرمة حلق اللحية وأخذها ولو بالنتف ونحوه(1). وتدل على ذلك أيضاً السيرة القطعية بين المتديّنين المتّصلة إلى زمان النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)، فإنّهم ملتزمون بحفظ اللحية ويذمّون حالقها ، بل يعاملونه معاملة الفسّاق في الأُمور التي تعتبر فيها العدالة .
ويؤيّد ما ذكرناه دعوى الإجماع عليه كما في كلمات جملة من الأعلام ، وعدم نقلهم
1) ففي الوسائل 2 : 111 / أبواب آداب الحمّام ب 63 ح 5 عن محمد بن إدريس في آخ-ر السرائر [ 3 : 574 ] نقلاً عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال : « وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته ؟ قال : أمّا من عارضيه فلا بأس ، وأمّا من مقدّمها فلا » . وهي صحيحة . ورواها علي بن جعفر في كتابه [ 139 / 103 ] ، إلّا أنّه قال في آخرها : فلا يأخذ .
الخلاف في المقام من الشيعة والسنّة ، كما هو كذلك ، والله العالم .
وموضوع حرمة حلق اللحية هو إعدامها ، وعليه فلا يفرق في ذلك بين الحلق والنتف وغيرهما ممّا يوجب إزالة الشعر عن اللحية . أمّا مقدار اللحية في جانب القلّة فلم يرد في تحديده نص خاصّ ، فالمدار في ذلك هو الصدق العرفي ، وعلى هذا فإذا أُخذت بمثل المكينة والمقراض أو غيرهما بحيث لم تصدق اللحية على الباقي ك--ان حراماً .
قوله : الثامنة : الرشوة حرام(1).
أقول : لم نجد نصّاً من طرق الخاصّة ومن طرق العامّة يحقّق موضوع الرشوة ويبيّن حقيقتها ، غير أنه ورد في بعض الروايات أنّها تكون في الأحكام ، ولكنّها لم توضّح أنّ الرشوة هل هي بذل المال على مطلق الحكم ، أو على الحكم بالباطل ، بل لا يفهم منها الاختصاص بالأحكام ، وإلّا لما صحّ إطلاقها في غيرها . وكيف كان فلابدّ في تحقيق مفهومها من الرجوع إلى العرف واللغة وكلمات الأصحاب .
ففي المستند أنّ مقتضى كلام الأكثر والمتفاهم في العرف أنّ الرشوة عامّة لكل ما يدفع من المال للحاكم، سواء أكان الحق أم كان لباطل . وحكى ذلك عن تصريح والده ، ثم قال : وهو الظاهر من القاموس والكنز ومجمع البحرين . ويدل عليه استعمالها فيما أعطى للحق في الصحيح : « عن الرجل يرشو الرجل على أن يتحوّل عن منزله فيسكنه ؟ قال : لا بأس به »(2)فإنّ الأصل في الاستعمال إذا لم يعلم
الاستعمال في غيره الحقيقة كما حقّق في موضعه(1)انتهى ملخّص كلامه ، وسنذكر الرواية في البحث عن حكم الرشوة في غير الأحكام .
وعن حاشية الإرشاد أنّ الرشوة ما يبذله المتحاكمان(2). وفي كلمات جماعة أنّ الرشوة ما يبذله المحقّ ليحكم له بحقّ بحيث لو لم يبذله لأبطل حقّه ، ولحكم عليه بالباطل . إلى غير ذلك من كلمات الأصحاب بمضامين مختلفة .
والمتحصّل من كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) ومن أهل العرف واللغة(3)مع ضمّ بعضها إلى بعض أنّ الرشوة ما يعطيه أحد الشخصين للآخر لإحقاق حقّ ، أو تمشية باطل ، أو للتملّق ، أو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، أو في عمل لا يقابل بالأُجرة والجعل عند العرف والعقلاء وإن كان محطّاً لغرضهم ومورداً لنظرهم ، بل
1) المستند 17 : 71.
2) حياة المحقّق الكركي وآثاره 9 (حاشية إرشاد الأذهان) : 320 .
3) في مجمع البحرين [ 1 : 184 ، مادّة رشا ] : رشا ، في الحديث « لعن رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) الراشي والمرتشي والرائش » يعني المعطي للرشوة والآخذ لها والساعي بينهما يزيد لهذا وينقص لهذا ، وهو الرائش . والرشوة بالكسر ما يعطيه الشخصُ الحاكمَ وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد ... وقلّمها تستعمل إلّا فيما يتوصّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل . وكذلك ما عن المصباح [ 228 ، مادّة الرِشوة ] . وفي القاموس [ 4 : 334 مادة الرُشْوَة ] : الرشوة - مثلّثة - الجعل ، الجمع رَشى بالفتح ، ورِشى بالكسر . وفي المنجد [ 262 ، مادّة رشا ] : الرشوة - مثلّثة - ما يعطى لإبطال حقّ أو إحقاق باطل . وفي أقرب الموارد [ 1 : 406 مادّة رشو ] راشاه مراشاة صانعه ، والرشوة - مثلّثة - ما يعطى لإبطال حقّ أو إحقاق باطل ، وما يعطى للتملّق . وعن النهاية [ 2 : 226 مادّة رشا ] : الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة ، فالراشي من يعطي الذي يعينه ، فأمّا ما يعطى توصّلاً إلى أخذ حقّ أو دفع ظلم فغير داخل فيه .
يفعلون ذلك العمل للتعاون والتعاضد فيما بينهم، كإحقاق الحقّ، وإبطال الباطل وترك الظلم والإيذاء أو دفعهما، وتسليم الأوقاف من المدارس والمساجد والمعابد ونحوها ، إلى غيره ، كأن يرشو الرجل على أن يتحوّل عن منزله فيسكنه غيره ، أو يتحوّل عن مكان في المساجد فيجلس فيه غيره ، إلى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف أخذ الأُجرة عليها .
نعم ما ذكره في القاموس من تفسير الرشوة بمطلق الجعل محمول على التفسير بالأعم ، كما هو شأن اللغوي أحياناً ، وإلّا لشمل الجعل في مثل قول القائل : من ردّ عبدي فله ألف درهم ، مع أنه لا يقول به أحد .
ما حكم الرشوة ؟ الظاهر بل الواقع لا خلاف بين الشيعة والسنّة (1)
وفي شرح فتح القدير 6 : 371 : يحرم قبول الهدية عند الخصومة.
حرمتها في الجملة للآخذ والمعطي ، بل عن جامع المقاصد أجمع أهل الإسلام على تحريم الرشا في الحكم ، سواء أكان الحكم لحقّ أم لباطل ، وسواء أكان للباذل أم عليه(2). وفي تجارة المسالك : على تحريمه إجماع المسلمين(3).وتدل على حرمتها في الجملة الروايات المتظافرة - وسنذكرها في الحاشية - وقوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ(1). ووجه الدلالة : أنه تعالى نهى عن الإدلاء بالمال إلى الحكّام لإبطال الحق وإقامة الباطل حتّى يأكلوا بذلك فريقاً من أموال الناس بالإثم والعدوان ، وهذا هو معنى الرشوة ، وإذا حرم الإعطاء حرم الأخذ أيضاً ، للملازمة بينهما .
لا يقال : إنّ الآية إنّما نزلت في خصوص أموال اليتامى والوديعة والمال المتنازع فيه ، وقد نهى الله تعالى فيها عن إعطاء مقدار من تلك الأموال للقضاة والحكّام لأكل البقية بالإثم والعدوان ، وعلى هذا فهي أجنبية عن الرشوة .
فإنّه يقال : نعم قد فسّرت الآية الشريفة بكل واحد من الأُمور المذكورة(2)
وفي مجمع البحرين [ 1 : 145 ، مادّة دلا ] عن الصحاح : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ يعني الرشوة .
إلّا أنّ هذه التفاسير من قبيل بيان المصداق ، والقرآن لا يختص بطائفة ولا بمصداق بل يجري كجري الشمس والقمر كما دلّت عليه جملة من الروايات ، وقد ذكرناها في مقدّمة التفسير(3). على أنّ في مجمع البحرين عن الصحاح أنّ قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ يعني الرشوة .وقد يتوهّم أنّ الآية ليست لها تعرّض لحكم الرشوة ، فإنّ قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ظاهر في أنّ المحرّم هو الإدلاء بأموال الناس إلى الحكّام
1) البقرة 2 : 188 .
2) ففي تفسير التبيان 2 : 138 قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ وقيل في معناه قولان أحدهما : قال ابن عبّاس والحسن وقتادة : إنّه الوديعة وما تقوم به بيّنة . الثاني : قال الجبائي في مال اليتيم الذي في يد الأوصياء .
3) البيان في تفسير القرآن (موسوعة الإمام الخوئي 50) : 22 .
ليستعين بهؤلاء على أكل فريق آخر من أموال الناس بالإثم ، ومن المعلوم أنّ الرشوة هي ما يعطيها الراشي من مال نفسه لإبطال حقّ أو إحقاق باطل .
وفيه أولاً : أنّ الرشوة في العرف واللغة أعم من ذلك كما تقدّم ، فلا وج-ه للتخصيص بقسم خاص .
وثانياً : أنّه لا ظهور في الآية المباركة في كون المدفوع إلى الحكّام مال الغير بل هي أعم من ذلك ، أو ظاهرة في كون المدفوع مال المعطي.
ومجمل القول : أنّ حرمة الرشوة في الجملة من ضروريات الدين ، وممّا قام عليه إجماع المسلمين ، فلا حاجة إلى الاستدلال عليها .
ثم إنّ تفصيل الكلام في أحكام الرشوة أنّ القاضي قد يأخذ الرشوة م--ن شخص ليحكم له بالباطل مع العلم ببطلان الحكم ، وقد يأخذها ليحكم للباذل مع جهله ، سواء طابق حكمه الواقع أم لم يطابق ، وقد يأخذها ليحكم له بالحق مع العلم والهدى من الله تعالى .
أمّا الصورتان الأُوليان : فلا شبهة في حرمتهما ، فإنّ الحكم بالباطل والإفتاء والقضاء مع الجهل بالمطابقة للواقع محرّمان بضرورة الدين وإجماع المسلمين ، بل هما من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة . ويدلّ على حرمتهما أيضاً العقل والكتاب(1)والسنّة (2).
1) كقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ المائدة 5 : 44 ، وقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ الأنعام 6 : 116 ، وقوله تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يونس 36:10 ، النجم 53 : 28 ، وقوله تعالى :قُلْ أَ اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ يونس 10 : 59 ، وقوله تعالى : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌالإسراء 36:17.
2) راجع الوسائل 27 : 35 / أبواب صفات القاضي ب6 ، والكافي 7 : 407 / باب من حكم بغير ما أنزل الله ، والوافي 16 : 887 / ب 121 (خطر الحكومة) ، 1 : 189 / ب13 (النهي عن القول بغير علم) . والمستدرك 17 : 252 / أبواب صفات القاضي ب6 .
وعلى هذا فمقتضى القاعدة حرمة الرشوة في كلتا الصورتين ، لما عرفت في أوائل الكتاب(1)من حرمة المعاملة على الأعمال المحرّمة وضعاً وتكليفاً ، على أنّ الروايات من الشيعة(2)
وعن الطبرسي في مجمع البيان [ 3 : 303 ] عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم): « إنّ السحت هو الرشوة في الحكم » وعن أبي عبد الله - إلى أن قال : « فأمّا الرشا في الحكم ف فهو الكفر بالله » وهي مرسلة .
وفي الوسائل : المصدر المتقدّم ح 1 ، والكافي 5 : 126 / 1 ، والوافي 17 : 280 / 14 عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « فأما الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم جلّ اسمه وبرسوله » وهي ضعيفة بسهل . ورواها الشيخ في التهذيب 6 : 1062/368 بسند صحيح . وفي التهذيب 6 : 222 / 526 ، والكافي :7 : 409 / 2 ، والوسائل 27 : 222 / أبواب آداب القاضي ب 8 ح 3 عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « الرشا في الحكم هو الكفر بالله » وهي موثّقة بزرعة وسماعة .
إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدّمة والمستدرك 13 : 70 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 4 ، والبحار 100: 53 / 19 ، وغير ذلك من المواضع .
.1) في ص 37
2) ففي الوسائل 17 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 9 ، 12 ، 15 ، 16 عن الصدوق في وصية النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)قال : « ياعلي من السحت ثمن الميتة ... والرشوة في الحكم » أقول : رجال سند هذه الوصية مجاهيل ، لا طريق إلى الحكم بصحّتها واعتبارها من جهته . وعن الخصال [ 265 / 26 ] باسناده عن عمّار بن مروان قال قال أبو عبدالله (علیه السلام) : فأمّا الرشا ياعمّار في الأحكام فإنّ ذلك الكفر بالله العظيم وبرسوله(صلّی الله علیه وآله وسلم)» وهي صحيحة .
والسنّة (1)قد أطبقت على حرمة الرشا في الحكم.
وأمّا الصورة الثالثة : فمقتضى القاعدة فيها جواز أخذ المال على القضاء والإفتاء ، فإنّ عمل المسلم محترم فلا يذهب هدراً . وأمّا الآية المتقدّمة فلا تشمل المقام ، لاختصاصها بالحكم بالباطل كما عرفت ، نعم الحرمة فيها هي مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة الدالّة على ذلك ، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع ، فإنّ القضاء من المناصب الإلهية التي جعلها الله للرسول ، فلا ينبغي لمن يتفضّل عليه الله بهذا المنصب الرفيع أن يأخذ عليه الأُجرة .
ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه ففي الروايات الدالّة على حرمة أخ-ذ الأُجرة على القضاء غنى وكفاية - وسنتعرّض لهذه الروايات في البحث عن حكم أخذ الأُجرة على القضاء(2)- إذ الظاهر من الأُجرة فيها الجعل المأخوذ للقضاء دون الأجر المقرّر من قبل السلطان ولو كان جائراً ، فإنه لا شبهة في جواز أخذه إذا كان الدخول فيه بوجه محلّل كعلي بن يقطين والنجاشي وأمثالهما .
لا يقال : إنّ الرشوة في اللغة ما يؤخذ لإبطال حق أو إحقاق باطل ، فلا تصدق على ما يؤخذ للقضاء بما يحق.
فإنّه يقال : إنّ مفهوم الرشوة أعم من ذلك كما عرفت ، فلا وجه للحصر وتقييد المطلقات . على أنّ الأُمور التي يكون وضعها على المجّانية فإنّ أخذ الأُجرة عليها يعدّ رشوة في نظر العرف ، ومن هذا القبيل القضاوة والإفتاء ، نعم لو فرضنا قصور الأدلّة المتقدّمة عن إثبات الحرمة كان مقتضى أصالة الحل هو الإباحة ، بل هو مقتضى عمومات صحّة المعاملات ، كأوفوا بالعقود ، وتجارة عن تراضٍ ، وأحلّ الله
البيع ، وغيرها .
قوله : وظاهر رواية حمزة بن حمران .
أقول : ربما يقال بجواز أخذ الأُجرة على القضاوة الحقّة ، لقوله (عليه السلام) فی رواية حمزة بن حمران(1)عن المستأكلين بعلمهم : « إنّما ذلك الذي يفتي الناس بغير علم ولا هدى من الله ، ليبطل به الحقوق طمعاً فى حطام الدنيا » فإنّ الظاهر منها حصر الاستيكال المذموم فيما كان لأجل الحكم بالباطل ، أو مع عدم معر فة الحق فيجوز الاستيكال مع العلم بالحق .
وقد يدعى كون الحصر إضافياً بالنسبة إلى الفرد الذي ذكره السائل ، ف-لا يدل إلّا على عدم الذم على هذا الفرد المخصوص دون سائر الأفراد التي لا تدخل في الحصر . إلّا أنّ هذه الدعوى خلاف الظاهر.
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند. وثانياً : أنّها مسوقة لدفع توهّم السائل أنّ من تحمّل علوم الأئمّة وبثّها فى شيعتهم ووصل إليه منهم البرّ والإحسان بغير مطالبة كان من المستأكلين بعلمه ، فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّ هذا ليس من الاستيكال المذموم ، وإنّما المستأكلون الذين يفتون بغير علم لإبطال الحقوق ، وعلى هذا فمفهوم الحصر هو العقد السلبي المذكور في الرواية صريحاً ، وليس فيها تعرّض
1) المروية في الوسائل 27 : 141 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 12 ، والوافي 1 : 215 / ذيل ب 16 (المستأكل بعلمه) عن معاني الأخبار [ 181 / 1 ، بتفاوت يسير ] عن ابن حمران قال : « سمعت أبا عبدالله (علیه السلام) يقول : من استأكل بعلمه افتقر ، قلت : إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومكم ويبثّونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البرّ والصلة والإكرام ؟ فقال : ليس أُولئك بمستأكلين ، إنّما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل ب-ه الحقوق طمعاً في حطام الدنيا ، وهي ضعيفة بمحمّد بن سنان ، وتميم بن بهلول ، وأبيه .
لأخذ الأُجرة على الحكم بالحق ، لا مفهوماً ولا منطوقاً .
وأمّا ما ذكره أخيراً من كون الحصر ليس إضافياً فهو متين ، ولكن لا م--ن جهة كونه خلاف الظاهر ، بل من جهة أنه لا معنى للحصر الإضافي في قبال الحصر الحقيقي ، غاية الأمر أنّ دائرة الحصر تختلف سعة وضيقاً ، وقد تقدّم ذلك في أوّل الكتاب(1).
وقال العلّامة في المختلف : إن تعيّن القضاء عليه إمّا بتعيين الإمام (عليه السلام) أو بعقد غيره أو بكونه الأفضل ، وكان متمكّناً لم يجز الأجر عليه ، وإن لم يتعيّن أو كان محتاجاً فالأقرب الكراهة . لنا الأصل الإباحة على التقدير الثاني ، ولأنّه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجر عليه . أمّا مع التعيين فلانّه يؤدّي واجباً ، فلا يجوز أخذ الأُجرة عليه ، كغيره من العبادات الواجبة(2).
وفيه : أنه لا وجه لذكر هذا التفصيل في المقام ، فإنّ حرمة الأُجرة على القضاء لكونه واجباً عينياً أو كفائياً من صغريات البحث عن أخذ الأُجرة على الواجب الذي سيأتي الكلام فيه(3)، وكلامنا هنا في حكم أخذ الرشوة على القضاء من حيث هي رشوة، لا من جهات أُخر، وعليه فمقتضى الإطلاقات الدالّة على حرمة أخذ الأُجرة على الحكم هو عدم الفرق بين صورتي الاحتياج إلى أخذ الأُجرة والانحصار وبين عدمهما ، كما هو واضح . ومن هنا ظهر أنه لا وجه لقول المصنّف : وأمّا اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص أدلّة المنع بصورة الاستغناء .
ثم الظاهر أنه لا يجوز أخذ الأُجرة والرشوة على تبليغ الأحكام الشرعية
وتعليم المسائل الدينية ، فقد عرفت فيما تقدّم أنّ منصب القضاءة والافتاء والتبليغ يقتضي المجّانية .
ويدلّ على الحرمة أيضاً ما في رواية يوسف بن جابر(1)من أنّه « لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) رجلاً احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة » . ولكن الرواية ضعيفة السند ، والعمدة في المقام التمسّك بالإطلاقات المتقدّمة الناهية عن أخذ الرشوة على الحكم .
جواز ارتزاق القاضي من بيت المال
قوله : وأمّا الارتزاق من بيت المال فلا إشكال في جوازه للقاضي .
أقول : الفرق بين الأُجرة والارتزاق أنّ الأُجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض وضبط المدّة ، وأمّا الارتزاق من بيت المال فمنوط بنظر الحاكم من غير أن يقدّر بقدر خاص .
ولا إشكال في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال في الجملة كما هو المشهور لأنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين والقضاء من مهمّاتها ، ولما كتبه علي أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر في عهد طويل ، فقد ذكر (عليه السلام) ف--يه صفات القاضي ثم قال : « وافسح له في البذل ما يزيل علّته وتقلّ معه حاجته إلى الناس »(2)
1) قال « قال أبو جعفر (عليه السلام) : لعن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) رجلا احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة» وهي مجهولة بعبدالرحمن ، ويوسف بن جابر . راجع الوسائل 27 : 223 / أبواب آداب القاضي ب 8 ح 5 ، التهذيب 6 : 224 / 534 .
2) راجع نهج البلاغة : 460 في العهد 53 الذي كتبه للأشتر النخعي . والوسائل 27 : 223 / أبواب آداب القاضي ب 8 ح 9 ، والمستدرك 13 : 165 / أبواب ما يكتسب به ب 42 ح2 .
والعهد وإن نقل مرسلاً إلّا أنّ آثار الصدق منه لائحة كما لا يخفى للناظر إليه . ويدل على ذلك أيضاً بعض الفقرات من مرسلة حمّاد الطويلة(1).
ثم إنّ القاضي قد يكون جامعاً لشرائط القضاوة على النحو المقرّر في الشريعة ومنصوباً من قبل الإمام (عليه السلام) خاصّاً أو عاماً . وقد يكون جامعاً لشرائط القضاء ولكنّه كان منصوباً من قبل سلطان الجور ، ولم يكن له غرض في قبولها إلّا التوادد والتحبّب إلى فقراء الشيعة وقضاء حوائجهم وإنفاذ أُمورهم وإنقاذهم من المهلكة والشدّة . وقد لا يكون جامعاً للشرائط ، سواء كان منصوباً من قبل الجائر أم لا .
أمّا الأولان فلا شبهة في جواز ارتزاقهم من بيت المال ، لما عرفت من أنه معدّ لمصالح المسلمين والقضاء من مهمّاتها ، ولا مجال في هاتين الصورتين للبحث عن خصوصيات المسألة من أنه يجوز مطلقاً أو مع الاحتياج وعدم التعيين ، لأنّ الفرض أن القاضي أعرف بموارد مصرف بيت المال، وعدالته المفروضة تمنعه عن الحيف .
وأمّا الثالث فيحرم ارتزاقه من بيت المال ، لعدم قابليته لمنصب القضاوة كخلفاء الجور ، فلا يكون من موارد المصرف لبيت المال .
وقد يستدل على حرمة ارتزاق القاضي بحسنة عبدالله بن سنان : « عن قاضٍ
1) في الكافي 1 : 541 / 4 ، والوافي 10 : 293 / 1 ، والوسائل 27 : 221 / أبواب آداب القاضي ب 8 ح 2 عن حمّاد عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح ، إلى أن قال : « فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله ، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد ، وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة ، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير » وهي مرسلة .
بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق ؟ فقال : ذلك السحت »(1).
وفيه : أنّ الرواية محمولة على الصورة الثالثة من عدم كونه قابلاً للقضاوة لأنه إذا كان جامعاً للشرائط لا يحرم ارتزاقه من بيت المال أو من جوائز السلطان وهو واضح . ويمكن حملها على كون الرزق أُجرة على القضاء ، وقد عرفت أنّ أخذ الأُجرة على القضاء حرام .
قوله : وأمّا الهدية وهي ما يبذله على وجه الهبة .
أقول : قد عرفت حكم الرشوة والأُجرة على الحكم والقضاء ، وأمّا الهدية ففي حرمتها خلاف ، وهي- كما عن المصباح - العطية على سبيل الملاطفة (2).
ثم إنّها قد تكون للملاطفة والتودّد فقط ، بحيث لا مساس له-ا للدواع-ي الأُخرى . وقد تكون على وجه الهبة لتورث المودّة التي توجب الحكم له حقاً كان أم باطلاً ، إذا علم المبذول له أنّ ذلك من قصد الباذل وإن لم يقصد هو إلّا الحكم بالحق .
وقد تكون لأجل الحكم للباذل ولو باطلاً ، ولكن المبذول له لم يكن ملتفتاً إلى ذلك وإلّا لكان رشوة محرّمة . وقد تكون متأخّرة عن الفعل المحرّم ولكنّها بداعي المجازاة وأداء الشكر .
ومقتضى القاعدة جواز أخذها للقاضي في جميع الصور وإن حرم الدفع على المعطي إذا كان غرضه الحكم له ، وقد استدل على حرمة الأخذ بوجوه :
الأول : قوله (عليه السلام) في رواية الأصبغ : « وإن أخذ هدية ك-ان غلولاً »(1).
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند .
وثانياً : أنّها واردة في هدايا الولاة دون القضاة ، فتكون أجنبية عن المقام وبما أنّ الهدية إلى الولاة جائزة فلابدّ من حمل الرواية على غير ذلك من
الوجوه الممكنة :
الأول : أن تحمل على الكراهة ، لأنّ إهداء الهدية إلى الوالي قد يحبّب إليه أخذ الرشوة المحرّمة .
الثاني : أن تحمل على ظاهرها ولكن يقيّد الإعطاء بكونه لدفع الظلم ، أو إنقاذ الحقّ ، أو لأجل أن يظلم غيره ، فإنّها في هذه الصور كلّها محرّمة على الوالي وفي الصورة الأخيرة محرّمة على المعطي أيضاً .
الثالث : أن تحمل على كون ولا يتهم من قبل السلطان مشروطة بعدم أخذ شيء من الرعية ، لأنّهم يرتزقون منه . وعلى الجملة : لا يمكن الاستدلال بها على المطلوب .
الوجه الثاني : ما ورد من أنّ هدايا العمّال أو الأُمراء غلول أو سحت(2)
وفي آداب القاضي من المبسوط للطوسي [ 8 : 151 ] عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)أنه قال : « هدية العمال غلول » وفي بعضها : « هدية العمال سحت » وهي مرسلة .
.1) ففي الوسائل 17 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 10 عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « أيّما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه وإن أخذ هدية كان غلولاً ، وإن أخذ الأُجرة فهو مشرك » وهي ضعيفة بأبي الجارود وسعد الإسكاف .
2) في سنن البيهقي 10 : 138 عن أبي حميد الساعدي قال «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : هدايا الأُمراء غلول » .
وفيه أولاً : أنه ضعيف السند .
وثانياً : أنه أجنبي عمّا نحن فيه ، لوروده في هدايا العمّال ، وهم غير القضاة . ووجه كونها محرّمة قد علم من الوجوه المتقدّمة .
وثالثاً : أنه يمكن أن يراد من إضافة الهدايا إلى العمّال إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول ، بمعنى أنّ الهدايا التي تصل إلى الرعية من عمّال سلاطين الجور غلول ، فتكون الرواية راجعة إلى جوائز السلطان وعمّاله ، وسنتكلّم عنها .
وهذا الوجه الأخير وإن كان في نفسه جيداً ، إلّا أنّه إنّما يتم فيا إذا علم كون الهدية من الأموال المحرّمة ، وإلّا فلا وجه لكونها .غلولاً . على أنه بعيد عن ظاهر الرواية .
الوجه الثالث : ما استدلّ به في المستند(1)على حرمة أخذ القاضي للهدية من أنّ النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)زجر عمّال الصدقة عن أخذهم الهدايا .
1) عن أبي حميد الأنصاري ثم الساعدي أنه أخبره : « أنّ رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم)استعمل عاملاً على الصدقة فجاءه العامل حين فرغ من عمله فقال : يارسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) هذا الذي لكم وهذا الذي أهدي إليّ ، إلى أن قام فصعد المنبر ثم قال : أمّا بعد ، فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول : هذا من عملكم وهذا الذي أهدي لي ، فهلّا قعد في بيت أبيه وأُمّه فنظر هل يهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يقبل أحد منكم منها شيئاً إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه » وهو نبوي ضعيف . راجع المستند 17 : 73 ، والمبسوط للشيخ الطوسي 8 : 151 [ مع اختلاف واضح ] ، وسنن البيهقي لأبي بكر الشافعي 10 : 138.
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، لكونها منقولة من طرق العامّة . وثانياً : أنّها وردت في عمّال الصدقة فلا ترتبط بما نحن فيه ، ولعلّ حرمتها عليهم من جهة الوجوه التي ذكرناها في حرمتها على الولاة .
الوجه الرابع : ما تقدّم فيما سبق(1)عن الرضا عن آبائه عن علي (عليه السلام) «في قوله تعالى : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(2)قال : هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته » .
وفيه أولاً : أنّ الرواية مجهولة . وثانياً : أنّها وردت في خصوص الهدية بعد قضاء حاجة المؤمن ، ولم يقل أحد بحرمتها هناك ، لما دلّ على جواز قبول الهدية من المؤمن بل من الكافر ، ولما دل على استحباب الإهداء إلى المسلم . إذن فلابدّ من حمل الرواية على الكراهة ، ورجحان التجنّب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلّا يقع يوماً في الرشوة .
الوجه الخامس : أنّ المناط في حرمة الرشوة للقاضي هو صرفه عن الحك-م بالحقّ إلى الحكم بالباطل ، وهو موجود في الهدية أيضاً ، فتكون محرّمة. وفيه : أنّ غاية ما يحصل من تنقيح المناط هو الظنّ بذلك ، والظن لا يغني من الحقّ شيئاً .
قوله : وهل تحرم الرشوة في غير الحكم .
أقول : الرشوة في غير الأحكام قد تكون لإتمام أمر محرّم ، وقد تكون
لإصلاح أمر مباح ، وقد تكون لإنهاء أمر مشترك الجهة بين المحلّل والمحرّم .
أمّا الأول : فلا شبهة في حرمته من غير احتياج إلى أدلّة حرمة الرشوة ، لما عرفت من حرمة أخذ المال على عمل محرّم(1).
وأمّا الثاني : فلا شبهة في جوازه ، لعدم الدليل على الحرمة مع كون العمل سائغاً في نفسه وصالحاً لأن يقابل بالمال ، وإن كان كثيرون يفعلونه للتعاضد والتعاون ، ولا يأخذون عليه مالاً .
وأمّا الثالث : فإن قصدت به الجهة المحرّمة فهو حرام ، وإن قصدت به الجهة المحلّلة فهو حلال ، وإن بذل المال على إصلاح أمره حلالاً أم حراماً فقد استظهر المصنّف حرمته لوجهين :
الوجه الأول : أنّه أكل للمال بالباطل ، فيكون حراماً .
وفيه : أنّ أخذ المال على الجهة المشتركة بين المحلّل والمحرّم ليس من أكل المال بالباطل ، فإنّ أكل المال إنّما يكون باطلاً إذا كان بالأسباب التي علم بطلانها في الشريعة ، كالقمار والغزو ونحوهما ، ولم يعلم بطلان أخذ المال على العمل المشترك بين الحلال والحرام ، فلا يكون من مصاديق أكل المال بالباطل .
الوجه الثاني : إطلاق فحوى ما تقدّم في هدية الولاة والعمّال .
وفيه أولاً : أنّ الروايات المتقدّمة(2)في هدية الولاة والعمّال ضعيفة السند وقد عرفت ذلك آنفاً . وثانياً : أنّ حرمة الهدية لهما إنّما تقتضي حرمة إعطاء الرشوة لهما ، ولا دلالة لهما على حرمة الرشوة لغيرهما من الناس .
وقد يقال بحرمة الرشوة مطلقاً حتى في غير الأحكام ، لإطلاق بعض
الروايات المتقدّمة في الحاشية من طرق الخاصة ومن طرق العامّة .
وفيه :أولاً : أنّها ضعيفة السند ، وقد عرفت ذلك آنفاً . وثانياً : أنّها منصرفة إلى الرشا في الحكم كما في المتن . وثالثاً : أنّها مقيّدة بما دلّ على جواز الرشوة لأمر مباح(1)
أقول : القرب بكسر القاف جمع القربة ، وهي ما يستقى فيه الماء . الأداوى جمع الإداوة ، وهي إناء صغير من جلد ، وتسمّى المطهرة . ثم إنّه نقل المصنّف الرواية عن أبي الحسن (عليه السلام) وذكر الأداوة بدل الأداوى ، وكلاهما من سهو القلم ، ولعلّه تبع في ذلك صاحب الوسائل .
وللتحوّل عن المنزل المشترك ، كالأوقاف العامّة(2).وقد يتوهّم أن موضوع الرشوة مختص بالأحكام ، لما ورد في جملة من الروايات الماضية من أنّ الرشا في الحكم حرام ، أو كفر ، أو سحت .
وفيه أولاً : أنّ المستفاد منها ليس إلّا حرمة الرشوة في الحكم ، لا اختصاص موضوعها به ، وهو واضح ، بل قد يدّعى أنّها مشعرة بعموم مفهوم الرشوة لغير
1) کرواية حكم بن حكيم الصيرفي قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) وسأله حفص الأعور فقال : إنّ السلطان يشترون منا القرب والأداوى فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منّا ونرشوه حتى لا يظلمنا ، فقال : لا بأس ما تصلح به مالك ، ثم سكت ساعة ثم قال : أرأيت إذا أنت رشوته يأخذ أقل من الشرط ؟ قال : نعم ، قال : فسدت رشوتك » وهي ضعيفة بإسماعيل بن أبي سمّاك (سمال) . راجع الوافي 17 : 86 / 21 ، والوسائل 18 : 96 / أبواب أحكام العقود ب37 ح 1 .
2) ففي الوسائل 17 : 278 / أبواب ما يكتسب به ب 85 ح 2 والموضع المزبور من الوافي عن محمد بن مسلم قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يرشو الرشوة على أن يتحوّله عن (من) منزله فيسكنه ؟ قال : لا بأس » وهي صحيحة .
الأحكام ، وإلّا للزم إلغاء التقييد في قوله (عليه السلام)(1): « وأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم».
وثانياً : أنّ مفهوم الرشوة في اللغة(2)غير مختص بما يؤخذ في الحكم ، بل هو أعم من ذلك .
من الرشوة في الحكم المعاملة المحاباتية مع القاضي
قوله : وممّا يعدّ من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة .
أقول : الكلام في المعاملة المشتملة على المحاباة بعينه هو الكلام فيما تقدّم من الرشوة ، فإذا باع من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم كان الناقص م-ن الرشا المحرّم ، وإن كان غرضه من ذلك تعظيم القاضي أو التودّد المحض أو التقرّب إلى الله فلا وجه للحرمة .
ثم إنّ في حكم بذل العين له بذل المنافع كسكني الدار وركوب المراكب ونحوهما من المنافع كما لا يخفى، وأمّا ما يرجع إلى الأقوال كمدح القاضي والثناء عليه فلا يعد رشوة ، فضلاً عن كونه محرّماً لذلك ، نعم لو كان ذلك إعانة على الظلم كان حراماً من هذه الجهة .
قوله : وفي فساد المعاملة المحابي فيها وجه قوي .
أقول : لا وجه لفساد المعاملة المشتملة على المحاباة المحرّمة ، إلّا إذا كان الحكم للمحابي شرطاً فيها وقلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد للعقد ، فيحكم بالبطلان .
فائدة : الظاهر من الأخبار المتقدّمة أنّ منزلة الرشوة منزلة الربا ، فكما أنّ
الربا حرام على كل من المعطي والآخذ والساعي بينهما فكذلك الرشوة ، فإنّها محرّمة على الراشي والمرتشي والرائش ، أي الساعي بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لذاك.
نعم لا بأس باعطائها إذا كان الراشي محقّاً في دعواه ، ولا يمكن له الوصول إلى حقّه إلّا بالرشوة ، كما استحسنه في المستند(1)لمعارضة إطلاقات تحريمها مع أدلّة نفي الضرر ، فيرجع إلى الأصل لو لم يرجح الثاني . بل يتعيّن ترجيحه ، الحكومة أدلّة نفي الضرر على أدلّة الأحكام بعناوينها الأوّلية كما هو واضح .
قوله : ثم إنّ كل ما حكم بحرمة أخذه وجب على الآخذ ردّه وردّ بدله مع التلف.
أقول : قد ذكرنا أنّ الباذل قد يعطي الرشوة للقاضي أو غيره ليحكم له على خصمه ، وقد يحابيه في معاملة ليحكم له في الخصومات والدعاوي ، وقد يرسل إليه هدية بداعي الحكم له .
أمّا الأول : فلا شبهة في ضمان القابض المال الذي أخذه من الدافع بعنوان الرشوة ، كما لا شبهة في الحرمة عليهما تكليفاً ، فيجب على الآخذ ردّ المال أو ردّ بدله من المثل أو القيمة مع التلف .
قال في الجواهر : لا خلاف ولا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك ، كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) : إنّها سحت ، وغيره من النصوص الدالّة على ذلك -إلى أن قال- : فإذا أخذ ما لم ينتقل إليه من مال غيره كان ضامناً(2).
ووجه الضمان : أنّ الرشوة في هذه الصورة إنّما وقعت في مقابل الحكم ، فتكون
في الحقيقة إجارة فاسدة أو شبيهة بها ، فيحكم بالضمان ، لكونها من صغريات كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، وهذه القاعدة وإن لم يرد عليها نص بالخصوص ، ولكنّها متصيّدة من الأخبار الواردة في موارد الضمان ، فتكون حجّة وسيأتي ذكرها في محلّها(1). ومن هنا ظهر بطلان القول بعدم الضمان إذا علم الدافع بالحرمة ، لكون التسليط حينئذ مجانياً .
وأمّا الثاني : فهو كالأول من حيث الحرمة التكليفية ، ولكن لا وجه للضمان لما نقص من القيمة ، فإنّ غاية الأمر أنّ المعاملة كانت مشروطة بالشرط الفاسد ، وقد عرفت إجمالاً وستعرف تفصيلاً (2)أنّ الشروط مطلقاً لا تقابل بجزء من الثمن ، وأنّ الفاسد منها لا يوجب فساد المعاملة ، وإنّما يثبت الخيار فقط للمشروط له .
وأمّا الثالث : فالظاهر أنه لا ضمان فيه أيضاً ، لأنّ الدافع لم يقصد المقابلة بين الحكم والمال المبذول للقاضي ، وإنّما أعطاه مجّاناً ليحكم له ، فيكون مرجعه إلى هبة مجانية فاسدة ، لأنّ الداعي ليس قابلاً للعوضية ، ولا مؤثّراً في الحكم الشرعي وضعاً ولا تكليفاً ، وعليه فيكون المورد من صغريات الضابطة الكلّية : كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده .
وقد يقال بالضمان لقاعدة الضمان باليد . وفيه : أنّ عموم على اليد مختص بغير اليد المتفرّعة على التسليط المجّاني ، ولذا لا يضمن بالهبة الفاسدة في غير هذا المقام .
قوله : وفي كلام بعض المعاصرين أنّ احتمال عدم الضمان في الرشوة مطلقاً غير بعيد .
أقول : علّله القائل في محكى كلامه بوجهين ، الأول : أنّ المالك قد سلّطه عليها
تسليطاً مجانياً ، فلا موجب للضمان . والثاني : أن~ها تشبه المعاوضة ، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده .
أمّا الأول : فيرد عليه أنّ التسليط في المقام ليس بمجاني ، بل هو في مقابل الحكم للباذل كما عرفت .
وأمّا الثاني : فيرد عليه أنّ عملهم هذا إمّا إجارة فاسدة أو شبيهة بها ، وعلى أي حال يكون موجباً للضمان ، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده .
اختلاف الدافع والقابض
قوله : فروع في اختلاف الدافع والقابض .
أقول : ذكر المصنّف هنا فروعاً ثلاثة ، وتعرّض لحكمها . وتحقيق الكلام في مسألة المترافعين في الدفع والقبض وبيان الضابطة الكلّية فيها أنّ الصور المتصوّرة فيها أربع ، كلّها تنطبق على المقام غير الصورة الرابعة . ولعلّ المصنّف لذلك أهملها .
الصورة الأُولى : أن يتوافق المترافعان على فساد الأخذ والإعطاء ، ولكن الدافع يدعي كون المدفوع رشوة على سبيل الإجارة والجعالة ، فتكون موجبة للضمان ، لأنّ الإجارة الصحيحة توجب الضمان فكذلك الإجارة الفاسدة ، والقابض يدّعي أنّه على سبيل الهدية إلّا أنّها فاسدة ، فلا تكون موجبة للضمان ، لأنّ الهبة الصحيحة لاضمان فيها فكذا الهبة الفاسدة .
وقد رجّح المصنّف القول الأوّل قائلاً : لأنّ عموم خبر « على اليد »(1)يقضي بالضمان ، إلّا مع تسليط المالك مجّاناً ، والأصل عدم تحقّقه ، وهذا حاكم على أصالة عدم سبب الضمان ، فافهم .
1) المستدرك 14 : 7 / كتاب الوديعة ب 1 ح 12 .
وفيه : أنّ موضوع قاعدة الضمان باليد إنّما هو التسليط غير المجّاني، والتسليط هنا محرز بالوجدان، وعدم كونه مجانياً محرز بالأصل ، فيلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل ، ويترتّب عليه الحكم ، ولا يلزم المحذور المذكور . نعم يرد عليه أنّ خبر « على اليد » ضعيف السند ، وغير منجبر بشيء ، فلا يجوز الاستناد إلي-ه وقد عرفته فيما سبق(1)ويأتي التعرّض له في أحكام الضمان(2).
والتحقيق : أنه ثبت في الشريعة المقدّسة عدم جواز التصرف في مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه - وقد تقدّمت الإشارة إليه فيما سبق(3)- وثبت فيها أيضاً أنّ وضع اليد على مال الغير بدون رضى مالكه موجب للضمان ، للسيرة القطعية ، ومن الواضح جدّاً أنّ وضع اليد على مال الغير في المقام محرز بالوجدان ، فإذا ضممنا إليه أصالة عدم رضى المالك بالتصرف المجّاني تألّف الموضوع من الوجدان والأصل وحكم بالضمان ، ولا يلزم شيء من المحاذير . وليس المراد من الأصل المذكور استصحاب العدم الأزلي ليرد عليه ما أوردوه في علم الأُصول ، بل المراد به استصحاب العدم المحمولي ، وهو واضح ، وإن قلنا بحجّية الأول أيضاً .
الصورة الثانية : أن يتسالم المترافعان على شيء واحد ، ولكن القابض يدّعي صحّته على وجه لا يمكن معه الرجوع ، ويدّعي الباذل فساده ، كما إذا ادّعى الباذل كون المبذول هدية على سبيل الرشوة ، وادّعى القابض كونها هبة صحيحة لازمة .
وهذا النزاع إنّما يكون له أثر فيما إذا كانت الدعوى قبل تلف العين ، مع كون الهبة لذي رحم أو على وجه قربي ، فإنّه يترتّب على النزاع حينئذ استرجاع العين
من الموهوب له .
وأّمّا إذا كان النزاع بعد التلف فلا أثر له بوجه ، فإنه لا ضمان للهبة بعد التلف سواء أكانت فاسدة أم صحيحة ، وعليه فلا وجه لما ذكره المصنّف
(رحمه الله) م--ن قوله : ولأصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف .
وقد يقال هنا بالضمان ، لعموم قاعدة على اليد ، لأنّ وضع القابض يده على مال الدافع محرز بالوجدان ، وعدم كونه بالهبة الصحيحة الناقلة محرز بالأصل فيلتئم الموضوع منهما ، ويترتّب عليه الحكم بالضمان . ولا يعارض ذلك الأصل بأصالة عدم الهبة الفاسدة . لأنّها لا أثر لها .
والتحقيق هو القول بعدم الضمان ، لأنّ أصالة الصحة في العقود تتقدّم على جميع الأُصول الموضوعية ، وعليه اتّفاق كافة العلماء وبناء العقلاء .
لا يقال : الدافع إنّما يدّعى ما لا يعلم إلّا من قبله فيقدّم قوله في دعواه ، لأنه أعرف بضميره .
فإنه يقال : لا دليل على ثبوت هذه القاعدة في غير الموارد الخاصّة ، كإخبار المرأة عن الحمل أو الحيض أو الطهر ، فلا يجوز التعدّي إلى غيرها . الصورة الثالثة : أن يكون مصبّ الدعوى أمراً مختلفاً ، كما إذا ادّعى الباذل أنّها رشوة محرّمة أو أُجرة على الحرام ، وادّعى القابض كونها هبة صحيحة . والظاهر هنا تقديم قول الدافع ، لأصالة عدم تحقّق الهبة الصحيحة الناقلة ، فإنّها أمر وجودي وموضوع للأثر ، والأصل عدمها . ولا تعارضها أصالة عدم تحقّق الرشوة المحرّمة أو الإجارة الفاسدة ، لأنّهما لا أثر لهما ، وإنّما الأثر مترتب على عدم تحقّق السبب الناقل سواء تحقّق معه شيء من الأسباب الفاسدة أم لم يتحقّق .
وربما يقال بتقديم أصالة الصحّة على الأُصول الموضوعية ، لحكومتها عليها في باب المعاملات على حذو ما تقدّم .
وفيه : أنّ مدرك أصالة الصحة هو الإجماع وبناء العقلاء كما عرفت ، وهما من الأدلّة اللبّية ، فلابدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن ، وهو ما كان مصبّ الدعوى أمراً واحداً معلوماً للمترافعين وكان الاختلاف في الخصوصيات ، وقد فرضنا أنّ المقام ليس كذلك.
الصورة الرابعة : أن يدّعي كل منهما عنواناً صحيحاً غير ما يدّعيه الآخر كأن يدّعى الباذل كونه بيعاً ليتحقّق فيه الضمان ، ويدّعي القابض كونه هبة مجّانية لكي لا يتحقّق فيه الضمان ، فإن أقام أحدهما بيّنة أو حلف مع نكول الآخر حكم له وإلّا وجب التحالف ، وينفسخ العقد ، وعليه فيجب على القابض ردّ العين مع البقاء أو بدلها مع التلف . وهذه الصورة لا تنطبق على ما نحن فيه .
قوله : التاسعة : سبّ المؤمنين حرام في الجملة بالأدلّة الأربعة(1).
أقول : قد استقلّ العقل بحرمة سبّ المؤمن في الجملة ، لكونه ظلماً وإيذاء وعلى ذلك إجماع المسلمين من غير نكير ، وقد تعرّض الغزالي لذلك في إحياء العلوم (2).
وقد استفاضت الروايات من طرقنا(3)
وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّ رجلاً من بني تميم أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال : أوصني فكان ممّا أوصاه أن قال : لا تسبّوا الناس فتكسبوا الع--داوة منهم - بينهم - لهم » وهي صحيحة .
وفي رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) « فإيّاكم والطعن على المؤمنين » . وهي ضعيفة بعمرو بن شمر .
وعن السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة » وهي ضعيفة بالنوفلي.
وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر ، وأكل لحمه معصية ، وحرمة ماله كحرمة دمه » وهي موثّقة بعبد الله بن بكير .
وروى أبو حمزة الثمالي قال : « سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إنّ اللعنة إذا خرجت من فيّ صاحبها تردّدت بينهما ، فإن وجدت مساغاً وإلّا رجعت على صاحبها » وهي موثّقة بالحسن بن علي بن فضّال .
وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة وفي المصدر المتقدّم من الوسائل ب 159 ، 160 ، 16 : 31 / أبواب جهاد النفس ب 71 ، 72 ، والمستدرك 9 : 136 / أبواب أحكام العشرة ب 138 ، 12 : 80 / أبواب جهاد النفس ب 71 ، والوافي 5 : 953 / ب 161 (البذاء) . والكافي :2 : 323 / باب البذاء . وغير ذلك من الموارد .
1) المكاسب 1 : 253 .
2) إحياء العلوم 3 : 123 ، 125 . ولا ينقضي العجب من الغزالي حيث جوّز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والمجوس والخوارج ، ومنع عن لعن يزيد !! .
3) ففي الكافي 2 : 360 / باب السباب ، 322/ 3 ، والوافي 5 : 949 / 3 - 6 ، 11 ، 10 7. والوسائل 12 : 297 / أبواب أحكام العشرة ب 158 عن ابن الحجاج البجلي عن أبي الحسن موسی (عليه السلام) في رجلين يتسابّان ؟ فقال : البادي منهما أظلم ، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم » وهي صحيحة . وفي رواية أُخرى باختلاف في صدر السند : « ما لم يتعد المظلوم » . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
ومن طرق العامّة(1)
وفي رواية عياض بن حمار عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم): « المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان » الخ . وفي رواية أخرى جعل الشتم من الكبائر .
وفي ص 209 : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » . وغير ذلك من أحاديث العامّة .
على حرمته . نعم المراد هنا من المؤمن في رواياتنا غير ما هو1) ففي سنن البيهقي 10 : 235 / باب شهادة أهل العصبية : عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): « المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم».
المراد في روايات العامّة ، ومن هنا منعوا عن سبّ أبي حنيفة(1)وأشباهه .
ويدلّ على الحرمة أيضاً قوله تعالى :وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (2)فإنّ سبّ المؤمن من أوضح مصاديق قول الزور ، ولا ينا في ذلك ما ورد من تطبيق الآية على الكذب كما سيأتي(3).
قوله : وفي رواية ابن الحجّاج عن أبي الحسن « في رجلين يتسابّان قال : البادي منهما أظلم ، ووزره على صاحبه ما لم يعتذر إلى المظلوم» وفي مرجع الضمائر اغتشاش ، ويمكن الخطأ من الراوي .
أقول : محصّل كلامه : أنّ الظاهر وقوع الاغتشاش في مرج-ع الضمائر في الرواية بحسب المعنى ، فإنّه إذا رجع الضميران المجروران في قوله (عليه السلام) : «ووزره على صاحبه » إلى الرادّ لزم كون الوزرين كليهما على البادي ، وليس على الرادّ شيء . ويمكن أن يكون لفظ الرواية (مثل وزره على صاحبه) فتكون دالّة على أنّ البادي يستحقّ وزرين : أحدهما للمباشرة ، والثاني للتسبيب ، من غير أن يخفّف عن الرادّ شيء ، ولكن الراوي أخطأ فحذف كلمة (مثل) .
وعليه فشأن الرواية شأن ما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « أيّما عبد من
عباد الله سنّ سنّة هدى كان له مثل أجر من عمل بذلك ، من غير أن ينقص من أُجورهم شيء ، وأيّما عبد من عباد الله سنّ سنّة ضلال كان عليه مثل وزر من فعل ذلك ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » وغير ذلك من الروايات المستفيضة الواردة بهذا المضمون(1).
ولكن ما أفاده المصنّف على خلاف الظاهر من الرواية ، فإنّ الظاهر منها أنّ الضمير المضاف إليه في كلمة « وزره » يرجع إلى السب المستفاد من قوله (عليه السلام) : « يتسابّان » نظير قوله تعالى :اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(2)فالمعنى أَنّ وزر كل سب على فاعله ، ولا يرتفع عنه إلّا بالاعتذار من المسبوب ، لهتك كل من المتسابيّن صاحبه وظلمه إيّاه ، وعلى هذا فلا اغتشاش في الضمائر .
ولكن الذي يسهل الخطب أنّا لم نجد الرواية على النحو الذي نقله المصنّف، بل هي مروية هكذا :« ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتذر إلى المظلوم » وفي رواية أُخرى : « ما لم يتعد المظلوم » أي ما لم يتجاوز عن الاعتداء بالمثل . وقد ذكرناهما في الحاشية آنفاً .
أمّا الأُولى : فتدل على أنّ البادي منها يستحق وزرين : أحدهما بالأصالة والآخر بالتسبيب وإلقاء غيره في الحرام الواقعي ، وقد عرفت(3)في البحث ع--ن حرمة تغرير الجاهل أنّ التسبيب إلى الحرام حرام بالأدلّة الأوّلية ، مع قطع النظر عن الروايات الخاصّة .
وأمّا الثانية : فتدلّ على جواز الاعتداء بالمثل ، وكون وزر الاعتداء على
البادي ، من دون أن يكون على المظلوم شيء من الوزر ما لم يتجاوز ، وإذا تجاوز كان هو البادي في القدر الزائد .
وقد ذهب إلى ذلك جمع من الأكابر ، قال العلّامة المجلسي : إنّ إثم سباب المتسابّين على البادي ، أمّا إثم ابتدائه فلأنّ السبّ حرام وفسق ، لحديث « سباب المؤمن فسق وقتاله كفر » وأمّا إثم سبّ الراد فلأنّ البادي هو الحامل له على الردّ- إلى أن قال : - لكن الصادر منه هو سبّ يترتّب عليه الإثم ، إلّا أنّ الشرع أسقط عنه المؤاخذة ، وجعلها على البادي، للعلّة المتقدّمة ، وإنّما أسقطها عنه ما لم يتعدّ فإن تعدّى كان هو البادي في القدر الزائد(1).
وعن المحقّق الأردبيلي في آيات الأحكام بعد ذكر بعض الآيات الظاهرة في الاعتداء بالمثل قال : هما تدلّان على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح بل جواز التعويض مطلقاً . حتى ضرب المضروب وشتم المشتوم بمثل فعلهما - إلى أن قال : - والأخيرة تدل على عدم التجاوز عمّا فعل به وتحريم الظلم والتعدّي(2).
ومن هنا ظهر أنّ هذا الرأى لا بعد فيه ، خلافاً لما استظهرناه في الدورة السابقة . وقد وقع التصريح بذلك في جملة من أحاديث العامّة ، وتقدّم بعضها في الهامش .
قوله : ثم إنّ المرجع في السب إلى العرف .
أقول : الظاهر من العرف واللغة (3)
وعن المصباح [ 262 مادّة سبّه ] : السُبة العار . وفي مفردات الراغب [ 391 مادّة سبب]السبّ : الشتم الوجيع ، والسبابة سمّيت للإشارة بها عند السبّ ، وتسميتها بذلك كتسميتها بالمسبّحة لتحريكها بالتسبيح .
اعتبار الإهانة والتعيير في مفهوم السبّوكونه تنقيصاً وازراءً على المسبوب، وأنّه متّحد مع الشتم ، وعلى هذا فيدخل فيه كل ما يوجب إهانة المسبوب وهتكه كالقذف والتوصيف بالوضيع واللاشيء والحمار والكلب والخنزير والكافر والمرتدّ والأبرص والأجذم والأعور وغير ذلك من الألفاظ الموجبة للنقص والإهانة ، وعليه فلا يتحقّق مفهومه إلّا بقصد الهتك .وأمّا مواجهة المسبوب فلا تعتبر فيه
قوله : فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه .
أقول : ذكر المصنّف في البحث عن مستثنيات الغيبة ما هذا نصّ عبارته : نعم لو تأذّى من ذمّه بذلك دون ظهوره لم يقدح في الجواز ، ولذا جاز سبّه بما لا يكون كذباً ، وهذا هو الفارق بين السبّ والغيبة ، حيث إنّ مناط الأول المذمّة والتنقيص فيجوز ، ومناط الثاني إظهار عيوبه فلا يجوز إلّا بمقدار الرخصة(1).
والتحقيق : أنّ النسبة بينهما هي ! من وجه ، فإنّه قد يتحقّق السبّ ولا يتّصف بعنوان الغيبة ، كأن يخاطب المسبوب بصفة مشهورة مع قصد الإهانة والإذلال ، فإنّ ذلك ليس إظهاراً لما ستره الله . وقد تتحقّق الغيبة حيث لا يتحقّق السبّ ، كأن يتكلّم بكلام يظهر به ما ستره الله من غير قصد للتنقيص والإهانة . وقد يجتمعان ، ويتعدّد العقاب في مورد الاجتماع ، لكون كل من العن-وان-ي-ن م-وضوعاً للعقاب ، فلا وجه للتداخل ، ولعلّ هذا مراد المصنّف هنا وفي مبحث الغيبة .
1) المكاسب 1 : 347 .
وقال المحقّق الإيرواني(1)إنّ النسبة بين السبّ والغيبة هو التباين ، فإنّ السبّ هو ما كان بقصد الإنشاء ، وأمّا الغيبة فجملة خبرية .
وفيه : أنه لا دليل على هذه التفرقة ، فإنّ كلاً منهما يتحقّق بكل من الإنشاء والإخبار .
قوله : ثم إنه يستثنى من المؤمن المظاهر بالفسق .
أقول : يجوز سبّ المتجاهر بالفسق بالمعصية التي تجاهر فيها ، لزوال احترامه بالتظاهر بالمنكرات ، كما في بعض الأحاديث ، وسيأتي ذكره في البحث عن مستثنيات الغيبة(2)، وأمّا المعاصي التي ارتكبها العاصي ولكن لم يتجاهر فيها فلا يجوز السبّ بها ، وأمّا السبّ بما ليس في المسبوب فافتراء عليه ، فيحرم من جهتين .
قوله : ويستثنى منه المبتدع أيضاً .
أقول : قد دلّت الروايات المتظافرة على جواز سبّ المبدع في الدين ووجوب البراءة منه واتّهامه(3)، ولكن الظاهر أنه لا وجه لجعله من المستثنيات باستقلاله فإنّه إن كان المراد به المبدع في الأحكام الشرعية فهو متجاهر بالفسق ، وإن ك--ان
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 167 .
2) في ص 518 .
3) ففي الوسائل 16 : 267 / أبواب الأمر والنهي ب 39 ح 1 ، والوافي 1 : 245 / 5 ، والكافي 2 : 375 / 4 عن داود بن سرحان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم ، والقول فيهم والوقيعة ، وباهتوهم ، كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم ، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ، ويرفع لكم ب-ه الدرجات في الآخرة » وهي صحيحة ، وغير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المزبورة . الوقيعة : الغيبة .
المراد به المبدع في العقائد والأُصول الدينية فهو كافر بالله العظيم ، فيكون خارجاً عن المقام موضوعاً ، لعدم كونه متّصفاً بالإيمان .
قوله : ويمكن أن يستثنى من ذلك ما إذا لم يتأثّر المسبوب عرفاً .
أقول : مقتضى الإطلاقات المتقدّمة أنّ سبّ المؤمن حرام مطلقاً ، سواء تأثّر أم لم يتأثّر ، نعم إذا لم يوجب إهانة المسبوب في نظر العرف كان خارجاً عن عنوان السبّ موضوعاً ، لما عرفت من اعتبار الإهانة والاستنقاص في مفهوم السبّ .
وعليه فلا وجه لاستثناء بعض الأمثلة عن مورد البحث ، كسبّ الوالد ولده وسبّ المعلّم متعلّمه ، وسبّ المولى عبده ، لأنّه إن كان موجباً لإهانتهم فلا مجوّز للاستثناء ، وإن لم يكن موجباً لذلك فهو خارج عن السبّ موضوعاً .
وقد ظهر أيضاً فساد ما يقال من أنّ السبّ في الأمثلة المذكورة فخر للمسبوب وتأديب له فلا يحرم . ووجه الفساد : أنّ مفهوم السبّ ينا في مفهوم الفخر والتأديب ، فلا يجتمعان في مورد واحد . وأضعف من جميع ذلك دعوى السيرة على الجواز في الموارد المزبورة ، فإنّا لو سلّمنا تحقّق السيرة من المتديّنين فإنّما هي في غير موارد الهتك والظلم ، فلا تكون إلّا على جواز التأديب دون السبّ .
قوله : وأمّا الوالد فيمكن استفادة الجواز في حقّه ممّا ورد من مثل قولهم (علیهم السلام) : « أنت ومالك لأبيك »
أقول : قد وردت هذه الجملة المباركة في الروايات المتظافرة(1)الصحيحة وغيرها ، ولكنّها راجعة إلى الجهات الأخلاقية الناشئة من الجهات التكوينية ، فإنّ الولد بحسب التكوين من المواهب الإلهية للوالد ، فلا يناسبه أن يعارض أباه في تصرّفاته .
1) راجع الوسائل 17 : 262 / أبواب ما يكتسب به ب78 .
ويؤيّد ذلك المعنى ما في رواية محمد بن سنان الضعيف ، من تعليل حلّية مال الولد لأبيه بأنّ الولد موهب للوالد في قوله تعالى :يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(1)وعليه فليس لفظ اللام فى قوله (عليه السلام) : « أنت ومالك لأبيك » إلّا للاختصاص فقط، الناشئ من المحبّة الجبلّية والعطوفة الغريزية ، المنافية للإيذاء والإذلال ولو بالسبّ والشتم .
نعم ، لو دلّت هذه الروايات على الملكية حقيقية كانت أم تنزيلية ، أو على الولاية المطلقة والسلطنة التامّة كان لكلام المصنّف وجه . ولكن كلا الاحتمالين بديهي البطلان .
أمّا الأول : فلانّه لو تم لجاز للأب أن يتصرّف فيما يرجع إلى أولاده ويتصرّف في شؤونهم تصرّف الموالي في عبيدهم وأُمورهم ، مع أنه لم يلتزم به أحد . على أنه مخالف للروايات(2)المعتبرة الصريحة في أنّ للأب أن يستقرض من مال ابنه ويقوّم جاريته بقيمة عادلة ويتصرّف فيها بالملك ، فإنّ من الواضح أنه لو كان الابن وماله للأب لما احتاج في جواز التصرّف في ماله وجاريته إلى الاستقراض والتقويم .
وأمّا الثاني : فأيضاً فاسد ، لأنّ مورد بعضها الولد الكبير ، ومن المقطوع به أنه لا ولاية للأب عليه . ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه فهي معارضة بما دلّ على حرمة سبّ المؤمن بالعموم من وجه ، ففي مورد التعارض يرجع إلى عمومات ما دلّ على حرمة الظلم ، وهو واضح .
قوله : العاشرة : السحر حرام في الجملة بلا خلاف(1).
أقول : لا خلاف في حرمة السحر في الجملة ، بل هي من ضروريات الدين وممّا قام عليه إجماع المسلمين ، وقد استفاضت بها الروايات من طرقنا(2)
وفي الوسائل 17 : 143 / أبواب ما يكتسب به ب 24 ح7 . ومرآة العقول 26 : 471 عن الصدوق في رواية نصر (نضر ) : « والساحر ملعون » وهي ضعيفة بالحسن بن علي الكوفي وإسحاق بن إبراهيم .
وقال « قال (عليه السلام) : المنجّم كالكاهن » إلى آخر ما تقدّم من النهج . وهي مرسلة .
وفي الكافي 7 : 260 / 1 ، والوسائل 28 : 365 / أبواب بقية الحدود ب 1 ح1 ، والوافي 15 : 477 / 2 ، والتهذيب 10 : 147 / 583 عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفّار لا يقتل ، قيل : يا رسول الله ولِمَ لا يقتل ساحر الكفّار ؟ فقال : لأنّ الكفر أعظم من السحر ، ولأنّ السحر والشرك مقرونان » . وهي ضعيفة بالنوفلي . وفي المستدرك 13 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب 22 ح 4 ، 18 : 191 / أبواب بقية الحدود والتعزيرات ب 1 ح 1 عن الجعفريات : 215 / 821 مثله بتفاوت يسير . وهو مجهول بموسى بن إسماعيل .
وفي المصادر المتقدّمة من الكافي والتهذيب والوافي والوسائل 28 : 367 / ب3 عن زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه » وهي مجهولة بحبيب بن الحسن ، وبشّار .
وفي رواية أُخرى قال : « سئل رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم)عن الساحر فقال : إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حلّ دمه » وهي ضعيفة بالحسين بن علوان العامي .
وعن إسحاق بن عمّار : « إنّ علياً ( عليه السلام) كان يقول : من تعلّم من السحر شيئاً كان آخر عهده بربّه ، وحدّه القتل ، إلّا أن يتوب » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
وفي الوسائل 17 : 148 / أبواب ما يكتسب به ب 25 ح 7 عن قرب الإسناد [ 152 / 554 بتفاوت يسير ] مثله . وهي ضعيفة بأبي البختري .
وعن الخصال [ 179 / 243 ] : ثلاثة لا يدخلون الجنّة ، وعدّ منهم مدمن السحر . وهي مجهولة لجهالة أكثر رواتها .
وفي قصّة هاروت وماروت ما يدلّ على حرمة السحر وكفر الساحر ، ولكنّها ضعيفة السند[ راجع الوسائل : المصدر المتقدّم ح 4 ] .
وفي الكافي :2 : 285 / 24 ، والوافي 5 : 1054 / 10 ، والوسائل 15 : 318 / أبواب جهاد النفس ب 46 ح 2 في صحيحة عبدالعظيم الحسني عدّ السحر من الكبائر .
وفي المستدرك 13 : 106 / أبواب ما يكتسب به ب 22 ح 3 عن الجعفريات [ لاحظ ص 299 : 1235 ] عن علي (عليه السلام) أنه قال : « من السحت ثمن الميتة - إلى أن 1235 قال : - وأجر الساحر » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل.
وفي المستدرك 18 : 191 / أبواب بقية الحدود ب 1 ح 2 عن الجعفريات : 215 / 822 : إن ابن أعصم سحر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) فقتله » وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل وغير ذلك من الروايات الكثيرة الصريحة في حرمة السحر ، وقد ذكرت هذه الأخبار الكثيرة في المصادر المزبورة وغيرها .
وم-نطرق العامّة(1)وهذا لا شبهة فيه ، وإنّما الكلام في تحقيق موضوع السحر وبيان
1) ففي سنن البيهقي 8 : 135 - 136 عن رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم): « من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد » .وفي رواية أُخرى : كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ، وفي ثالثة : حدّ الساحر ضربة بالسيف، وغيرها من الأحاديث من طرق العامّة .
حقيقته .
وقد اختلفت كلمات أهل اللغة في ذلك(1)
وقال يونس : تقول العرب للرجل : ما سحرك عن وجه كذا وكذا ؟ أي ما صرفك عنه .
وفي أقرب الموارد [ 1 : 499 مادّة سحر ] : سحره سحراً عمل له السحر وخدعه . وسحر فلاناً عن الأُمور صرفه ، ويقال : سحرت الفضّة إذا طليتها بالذهب ، وقيل : السحر والتمويه يجريان مجرى واحداً .
وفي مجمع البحرين [ 3 : 324 مادة سحر ] : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي فكيف تخدعون عن توحيده ويموّه لكم . وسمّي السحر سحراً لأنّه صرف عن جهته .
وفي مفردات الراغب [ 401 مادّة سحر ] : نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي مصروفون عن معرفتنا بالسحر .
وفي المنجد [ 323 مادّة سحر ] : سحره خدعه . وسحره عن كذا صرفه وأبعده . وسحر الفضّة طلاها بالذهب .
وعن الطبرسي [ في مجمع البيان 1: 331 ] عن صاحب العين : السحر عمل يقرّب إلى الشياطين . ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظنّ أنّ الأمر كاترى وليس الأمر کاتری، فالسحر عمل خفي الخفاء سببه ، يصوّر الشيء بخلاف صورته ، ويقلبه عن جنسه في الظاهر ، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى .
، فذكر بعضهم أنّه الخدعة والتمويه1) في لسان العرب [ 4 : 348 ، مادة سحر ] : ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظنّ أنّ الأمر كما يرى ، وليس الأصل على ما يرى . والسحر : الأخذة ، وكل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر ... قال الأزهري : وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأنّ الساحر لمّا أرى الباطل في صورة الحقّ وخيّل الشيء على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه، أي صرفه . وقال الفراء في قوله تعالى : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ معناه : فأنّي تصرفون ...
وقال بعضهم : إنّه إظهار الباطل بصورة الحق ، وقيل : هو الأخذة في العين ، وفي القاموس(1): إنّه ما لطف مأخذه ودقّ ، وقال بعضهم : إنّه صرف الشيء عن وجهه إلى غير حقيقته بالأسباب الخفيّة على سبيل الخدعة والتمويه ، إلى غير ذلك من التعاريف .
وقد وقع الخلاف بين الأصحاب في ذلك أيضاً ، فعن العلّامة في القواعد أنّه كلام يتكلّم به أو يكتبه ، أو رقية ، أو يعمل شيئاً يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة(2).
وعن المنتهى(3)أنّه زاد : أو عقد ، وفي المسالك(4)أنّه زاد : أو أقسام وعزائم يحدث بسببها ضرر على الغير ، وعن الدروس(5)أن-ّ-ه زاد : الدخنة والتصوير والنفث وتصفية النفس، إلى غير ذلك من كلماتهم .
والتحقيق : أنّ المتبادر عند أهل العرف من كلمة السحر - والظاهر من استقراء موارد استعمالها وما اشتقّ منها عند أهل اللسان ، والمتصيّد من مجموع كلمات اللغويين في تحديد معناها - هو صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه ، بحيث إنّ الساحر يلبس الباطل لباس الحقّ ، ويظهره بصورة الواقع ، فيري
الناس الهياكل الغريبة والأشكال المعجبة المخوفة .
والوجه في ذلك : أنّ السحر عمل خفي يحصل بالأسباب الخفية ، ويصوّر الشيء على خلاف صورته الواقعية ، ويصرفه عن وجهه بالخدعة والتمويه ، ويقلبه من جنسه في الظاهر لا في الحقيقة ، بحيث إنّ الساحر يسحر الناظرين حتّى يتخيّلوا أنه يتصرّف في الأُمور التكوينية ، ويغيّرها عن حقيقتها إلى حقيقة أُخرى ، فيريهم البرّ بحراً عجاجاً تجري فيه السفن وتتلاطم فيه الأمواج ، من غير أن يلتفتوا إلى كونه خدعة وتمويهاً ، وإظهاراً للباطل بصورة الحقّ .
وقصّة السحرة مع موسى (عليه السلام) مذكورة في القرآن حين ألقوا [ حبالهم ]فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (1).
لا يقال : قد تكون للسحر حقيقة واقعية كالتصرّف في عقل المسحور أو بدنه أو ما يرجع إليه ، وعليه فلا يتم تعريفه المذكور .
فإنّه يقال : ليست للسحر حقيقة واقعية ، ولكن قد يترتّب عليه أمر واقعي فقد يظهر الساحر للمسحور شيئاً مهولاً فيخاف هذا ويصبح مجنوناً ، أو يريه بحراً وفيه سفينة جارية فيحاول المسحور أن يركبها فيقع من شاهق ويموت ، فإنّ الجنون والموت وإن كانا من الأُمور الواقعية ، إلّا أنّهما ترتّبا على الأمر التخيّلي الذي هو السحر. ويقرب ما ذكرناه ما عن صاحب العين من أنّه يقلب الشيء من جنسه في الظاهر ، ولا يقلبه عن جنسه في الحقيقة (2). وقد أُشير إلى ما ذكرناه في خ--بر الاحتجاج حيث سئل الإمام (عليه السلام) عن الساحر أيقلب الواقع إلى واق-ع
آخر ؟ فقال (علیه السلام) : هو أضعف من ذلك(1)
وعلى ما ذكرناه من المعنى قد استعملت كلمة السحر في مواضع شتّى من الكتاب العزيز(2)وأطلق المشركون صفة الساحر على النبي الصادق المصدّق ، فقد زعموا أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) يظهر الباطل بصورة الحقّ بكلمات فصيحة وخطب بليغة حتّى يسحر بها أعين الناظرين وقلوبهم ، ومن هنا أيضاً أُطلق السحر على البيان الجيّد(3)
وفي البحار 56 : 278 ذكر الحديث ثم قال ما حاصله : وسمّى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعض البيان سحراً لوجهين :
الأول : أنّه لدقّته ولطفه يستميل القلوب إلى المتكلّم .
والثاني : أنّ المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً ، وتقبيح ما يكون حسناً ، فذلك يشبه السحر من هذا الوجه .
بلحاظ المدح والذمّ ، فإنّه يصرف حواسّ الحاضرين و آذان1) في الاحتجاج 2 : 221 ، والبحار 60 : 21 / 14 في احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق قال (لعنه الله ) : أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب أو الحمار أو غير ذلك ؟ قال (عليه السلام) : « هو أعجز من ذلك ، وأضعف من أن يغيّر خلق الله ، إنّ من أبطل ما ركّبه الله وصوّره وغيّره فهو شريك الله في خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم والآفة » الحديث . وهو مرسل .
2) في مفردات الراغب [ 401 مادّة سحر ]نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ أي مصروفون . وفي لسان العرب [ 4 : 348 ، مادّة سحر ] فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي تصرفون . وفي مجمع البحرين [ 3 : 324 مادّة سحر ] :إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً أي مصروفاً عن الحقّ . وغير ذلك من الموارد .
3) في لسان العرب [ 4 : 348 ، مادّة سحر ] : السحر البيان في فطنة ، كما جاء في الحديث إلى أن قال : إنّ من البيان لسحراً . قال أبو عبيد : كأنّ المعنى أنّه يبلغ من ثنائه أنّه ثنائه أنه يمدح الإنسان فيصدق فيه حتّى يصرف القلوب إلى قوله ، ثم يذمّه فيصدق فيه حتّى يصرف القلوب إلى قوله الآخر ، فكأنّه قد سحرالسامعين بذلك .
السامعين إلى المتكلّم . وبهذا الاعتبار أيضاً أُطلق السحر على تمويه الفضّة بالذهب .
وعلى الجملة : إنّ الناظر إلى كلمات أهل اللغة وموارد الاستعمال يقطع بأنّ السحر ليست له حقيقة واقعية ، وإنّما هو ما ذكرناه .
ومن جميع ما تقدّم ظهر ما هو المراد من الأخبار المتظافرة الدالّة على حرمة السحر ، وقد ذكرنا بعضها في الهامش .
وأمّا ما ذكره في القاموس من أنّ السحر ما لطف مأخذه ودقّ ، فإنّه وإن انطبق على ما ذكرناه ، لأنّ صرف الشيء عن وجهه على سبيل التمويه له مأخذ دقيق جداً ، إلّا أنه تعريف بالأعم ، فإنّ الأُمور التي يلطف مأخذها - وهي ليست من السحر في شيء كثيرة جدّاً ، كالقوى الكهربائية ، والراديوات ، والطائرات وبعض أقسام أدوات الحرب ، وغير ذلك ممّا لا يعرفه أكثر الناس ، خصوصاً الصناعات المستحدثة .
وقد ظهر ممّا ذكرناه الفرق بين السحر وبين المعجزة والشعوذة ، فإنّك قد عرفت في البحث عن حرمة التصوير(1)إجمالاً أنّ الإعجاز أمر حقيقي له واقعية إلّا أنّه غير جارٍ على السير الطبيعي ، بل هو أمر دفعي خارق للعادة ، وأمّا المقدّمات الطبيعية فكلّها مطوية فيه ، كجعل الحبوب أشجاراً وزروعاً ، والأحجار لؤلؤاً ويواقيت دفعة واحدة ، ومنه صيرورة عصا موسى (عليه السلام) ثعباناً ، وصيرورة الأسد المنقوش على البساط حيواناً مفترساً بأمر الإمام (عليه السلام) في مجلس الخليفة ، وقد تقدّم ذلك في المبحث المذكور ، وأمّا السحر فقد عرفت أنه ليست له
1) في ص 353 .
حقيقة واقعية أصلاً .
وأمّا الشعوذة فسيأتي(1)أنّها عبارة عن الخفّة في اليد والسرعة في الحركة المعبّر عنها في اللغة الفارسية بكلمة (تردستي وتندكاري)فإنّ المشعوذ الحاذق يفعل الأُمور العادية والأفعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل أذهان الناظرين بأشياء ويأخذ حواسّهم إليها، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ، ويتعجّبون منه ، ولكن الصادر منه أمر واقعي ، كأخذ الأشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامّة حتّى يتخيّل الناظر إليها أنّها انتقلت بنفسها ، فالنقل والانتقال أمر حقيقي ، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل وهذا بخلاف السحر ، فإنّه أمر خيالي محض كما عرفت التنبيه عليه . ومن هنا اتضح الفرق بين الشعوذة والمعجزة أيضاً .
وأمّا ما ذكره الأصحاب من بيان حقيقة السحر وأسبابه وأقسامه فك-لّها تقريبية، فإن انطبق على ما ذكرناه فهو ، وإلّا فيرد إلى قائله ، وهو أعرف بمقاله.
ولا بأس بالتعرّض لما ذكره الأصحاب من أقسام السحر ، ليعلم هل أنّها مشمولة لما دلّ على حرمة السحر أم لا ، وقد تكلّم عنها العلّامة المجلسي في البحار(2)وأطال الكلام فيها موضوعاً وحكماً ، نقضاً وإبراماً .
وحاصل كلامه في تحقيق أقسام السحر : أنه على أنواع شتّى :
النوع الأول : سحر الكذّابين - أو الكلدانيين - الذين كانوا من قديم الدهر
و هم قوم يعبدون الكواكب ، ويزعمون كونها مدبّرة للعالم السفلي ، ومبادئ لصدور الخيرات والشرور ، وقد بعث الله إبراهيم(عليه السلام)مبطلاً لمقالتهم وهدم أساس مذهبهم وهم على فرق ثلاث : فإنّ منهم من يزعم أنّ الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم ومنهم من يزعم أنّها قديمة لقدم العلّة المؤثّرة فيها ، ومنهم من يزعم أنّها حادثة مخلوقة ، ولكنّها فعّالة مختارة فوّض خالقها أمر العالم إليها .
والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعّالة، بسائطها ومركّباتها ، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي وحوادثه ، ويعرف معدّات هذه الحوادث ليعدها ، وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية ، فيكون متمكّناً من استحداث ما يخرق العادة . انتهى ملخّص كلام المجلسي في النوع الأول .
أقول : قد عرفت أنّ السحر هو صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه ، من دون أن يكون له واقعية ، فاستحداث الأُمور الخارقة للعادة ليس من السحر ، ولو تمكّن أحد من إحداث الأُمور الغريبة بواسطة القوّة النفسانية الحاصلة بالرياضة أو بصرف المقدّمات فلا يقال له إنّه ساحر ، بل لا دليل على حرمته ، فإنّ هذا شعار أهل الكرامة .
نعم لا شبهة في كفر الفرق المذكورة كما اعترف به المجلسي (رحمه الله) ح--تّى الفرقة الثالثة القائلة بتفويض أمر العالم إلى الكواكب ، فإن قولهم هذا مخالف لضرورة الدين ، فإنّ الله هو الذي يحيي ويميت ، ويهب لمن يشاء ذكوراً ، ويهب لمن يشاء إناثاً ، ويصوّر في الأرحام كيف يشاء.
النوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، فقد ثبت بالوجوه العديدة إمكان تسلّط النفوس على جوارح الغير وأعضائه فتسخّره للقيام بحركات وتأدية أعمال على غير إرادة منه ، ومن دون وساطة شيء آخر . وهذه النفوس قد تكون لرياضاتها قوية صافية عن الكدورات البدنية ، فتستغني في تأثيرها ع--ن
الاستعانة بأدوات من خارجها ، وتصدر عنها الأُمور الغريبة الخارقة للعادة ، وقد تكون ضعيفة وممزوجة بأوساخ المواد ، فتحتاج في إتمام تأثيرها إلى الاستعانة بأدوات سحرية أُخرى ، انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني.
أقول : لا شبهة أنّ بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثّر في الأُمور التكوينية ، وتصرفها عن وجهها صرفاً حقيقيّاً ، كإيقاف الماشي عن المشي ، والمياه الجارية عن الجريان ، بل قيل إنّ هذا المعنى مكنون في الأسد بحسب الغريزة والطبيعة ، فإنّه إذا نظر إلى حيوان أوقفه عن المشي والحركة . إلّا أنه لا دليل على حرمته بعنوانه الأوّلي ما لم يترتّب عليه شيء من العناوين المحرّمة ، بل نمنع ع--ن صدق السحر عليه ، وإنّما هو نحو من الكرامة إن كان بطريق حقّ ، ومن الكفر أو الفسق إن كان بطريق الباطل .
ولا نظن أن يتوهّم أحد أنّ تصفية النفس بالرياضات الحقّة حتّى تصير مؤثّرة في الأُمور التكوينية من المحرّمات ، بل هو مطلوب في الشريعة المقدّسة إذا كان بالإطاعة والتقوى ، ومن المعروف المشهور أنّ سلمان (رضي الله عنه) قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه إلى حد أن انقادت الأُمور التكوينية لإرادته ، والتزمت فرض طاعته .
النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، واعلم أنّ القول بوجود الجنّ ممّا أنكره بعض المتأخّرين من الفلاسفة والمعتزلة، وأمّا أكابر الفلاسفة فإنّهم لم ينكروا القول بوجود الجنّ ، ولكنّهم سمّوها بالأرواح الأرضية . وهي بأنفسها مختلفة الأصناف ، فإنّ منها خيّرة ، ومنها شريرة ، وقد شاهد أهل الصنعة والتجربة أنّ الاتّصال بها يحصل بأُمور خفيفة وبأفعال سهلة لا مشقّة في إيجادها کالرقّ والدخن والتجريد ، وقد سمّوا هذا النوع بالعزائم وعمل تسخير الجنّ ، انتهى حاصل كلام المجلسي في النوع الثالث .
أقول : لا ريب في خروج هذا النوع أيضاً من السحر موضوعاً وحكماً تعليماً وتعلّماً ، بل لا دليل على حرمته في نفسه إلّا إذا ترتّب عليه عنوان محرّم من إيذاء إنسان والإضرار به، أو كانت مقدّماتها محرّمة ، فيحرم الاشتغال بها وإلّا فلا يحرم استخدام الجنّ وكشف الغائبات بواسطتهم ، بل لا دليل على حرمة إيذاهم .
النوع الرابع ممّا ذكره المجلسي (رحمه الله) من أقسام السحر : التخيّلات والأخذ بالعيون ، وهذا النوع يتّضح بأُمور :
الأول : وقوع الأغلاط في البصر كثيراً ، فإنّ الساكن قد يُرى متحرّكاً وبالعكس ، كما أنّ راكب السفينة إذا نظر إلى البحر يرى السفينة ساكنة ويرى الماء متحرّكاً ، والقطرة النازلة من السماء ترى خطّاً مستقيماً ، والشعلة الجوّالة ترى دائرة من النار ، والأشياء الصغيرة ترى في الماء كبيرة ، وغير ذلك من أغلاط البصر .
الثاني : أنّ المحسوسات قد يختلط بعضها ببعض إذا كانت مدركة بسرعة النظر لأنّ القوّة الباصرة إذا وقفت على محسوس وقوفاً تامّاً في زمان معتدّ به أدركته على نحو لا يشتبه بغيره كثيراً ، وأمّا إذا أدركته في زمان قليل ثم أدركت محسوساً آخر وهكذا فإنّه يختلط بعضه ببعض .
الثالث : أنه قد تشغل النفس بشيء فلا تشعر حينئذ بشيء وإن كان حاضراً عند الإنسان ، كالوارد على السلطان ، فإنّه قد يلقاه شخص فيتكلّم معه ولكن لا يلتفت إليه ، والناظر في المرآة يرى القذارة في عينيه ولا يرى أكبر منها .
إذا عرفت هذه الأُمور اتّضح لك تصوير هذا النوع من السحر ، فإنّ المشعبذ الحاذق يشغل أذهان الناظرين بأُمور ، ويأخذ بأبصارهم ، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة ، فيظهر لهم غير ما انتظروه ، فيتعجّبون منه.
أقول : هذا النوع هو المعروف بالشعوذة ، فلا يتربط بالسحر ، وسيأتي(1)أنه لا دليل على حرمتها ، فإنّها ليست إلّا الحركة السريعة في الأعضاء ، فلا معنى لحرمتها في نفسها ، إلّا إذا اقترنت بعناوين محرّمة . نعم أُطلق عليها السحر في خبر الاحتجاج - المتقدّم في الحاشية(2)فإنّه قد ذكر الإمام(عليه السلام)فيه : « ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة» إلّا أنّه على سبيل المجازية ، فقد عرفت(3)الفرق بين السحر والشعوذة ، وعدم صدق كل منهما على الآخر .
النوع الخامس الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات على النسب الهندسية ، كراقص يرقص ، وكفارسين يقتتلان ، وكراكب على فرسه وفي يده بوق كلّما مضى ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسّه أحد ، ومن هذا القبيل الصور المصنوعة لأهل الروم والهند بحيث يراها الناظر إليها إنساناً على كيفيات مختلفة ضاحكة وباكية حتّى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت ، فهذه الوجوه كلّها من لطائف التخاييل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب.
ومن ذلك أيضاً تركيب صندوق الساعات ، وعلم جرّ الأثقال والأجسام العظيمة بآلات خفيفة ، وهذا النوع في الحقيقة لا ينبغي أن يعدّ من السحر ، فإنّ لها أسباباً معلومة معيّنة ، ومن اطّلع عليها قدر على إيجادها ، وحيث لم يصل إليها إلّا الفرد النادر لصعوبتها عدّها أهل الظاهر من السحر ، انتهى ملخّص كلامه .
أقول : إنّ إيجاد الصنائع المعجبة وتركيب الأُمور الغريبة - كما هو المعروف
كثيراً في العصر الحاضر، كالطائرات والقطارات والسيارات وسائر أدوات النقل والآلات العجيبة المعدّة للحرب - ليس من المحرّمات بعناوينها الأوّلية ، إلّا إذا انطبقت عليه عناوين محرّمة اُخرى ، وليس من مقولة السحر كما اعترف به المجلسي ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل .
النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية ، مثل أن تجعل في الطعام بعض الأدوية المبلدة ، أو المزيلة للعقل ، أو الدخن المسكر (البخور ) أو عصارة البنج المجعول في الملبس . وهذا ممّا لا سبيل إلى إنكاره ، فإنّ أثر المقناطيس شاهد . انتهى ملخّص كلام المجلسي .
أقول : هذا النوع أيضاً خارج عن السحر موضوعاً وحكماً ، وإنّما هي أسرار يكتشفها علم الكيمياء ، وقد يستعان بها في علم الطب ، ولو كانت الاستعانة بالأدوية محرّمة للزم القول بحرمة علم الطب ، ولم يلتزم به أحد ، بل وجوبه من الضروريات عند الملل وعقلاء العالم.
النوع السابع من السحر : تعليق القلب ، وهو أن يدّعي الساحر علم الكيمياء وعلم الليميا والاسم الأعظم ، ويدّعي أنّ الجنّ يطيعونه ، فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد بذلك وتعلّق قلبه به ، ويلزم ذلك أن يحصل فيه الرعب والخوف ، ويفعل فيه الساحر ما يشاء ، مع أنّ تلك الدعاوي ليس لها أصل ، ومن جرّب هذا المعنى وأهله علم أنّ لتعليق القلب أثراً عظيماً من حيث الخوف والرجاء كليهما .
وفيه : أنه لا وجه لجعله من أقسام السحر ، وإنّما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع ، على أنّ تعليق القلب لو كان سحراً لكانت الاستمالة بمطلقها سحراً محرّماً ، سواء كانت بالاُمور الواقعية أم بغيرها.
النوع الثامن : السعى بالنميمة . وفيه : أنّها وإن كانت محرّمة بالضرورة عند
الفريقين ، بل عند العقلاء ، إلّا أنّها أجنبية عن السحر وعن مورد الأخبار الدالّة على كفر الساحر ووجوب قتله(1)، فإنّ من البديهي أنّ النّمام ليس بكافر ، ولا يجوز قتله .
وعلى الجملة : لم يتحصّل لنا من الأقسام المذكورة ما يكون سحراً ومحرّماً بعنوانه ، فانحصر السحر المحرّم بما ذكرناه ، أعني صرف الشيء عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه . وقد تقدّم أنّ هذا هو المورد للأخبار الدالّة على حرمة السحر .
ثم إنّه ورد في جملة من الروايات المتقدّمة ما دلّ على كفر الساحر ، وفي الروايات الاُخرى المتقدّمة في الحاشية أنه يقتل .
أمّا الحكم بالكفر فلا يمكن أن يراد به الكفر المصطلح في الشريعة المقدّسة ضرورة عدم جريان أحكام الكفر عليه - من قسمة الأموال وبينونة زوجته والحكم بنجاسته - فيشمله ما دلّ على إسلام من أقرّ بالشهادتين والمعاد . على أنّا لم نر ولم نسمع من يعامل الساحر معاملة الكافر حتّى في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة.
ويؤيّد ما ذكرناه ما سيأتي(2)في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر من قوله (عليه السلام) للساحر الذي أخذ السحر صناعة لنفسه : « حل ولا تعقد » فلو كان السحر موجباً للكفر لحكم أبو عبد الله (عليه السلام) بكفره، ولكن الرواية مجهولة .
وكيف كان ، فما دلّ على كفر الساحر لابدّ من حمله إمّا على مستحل السحر وإمّا على من يعارض به القرآن والنبوّة ، ويدّعي به الرسالة أو الإمامة ، أو يدّعى ما لا يقدر عليه إلّا الله . ويدلّ على الأخير ما في رواية العسكري (عليه السلام) في قصّة
هاروت وماروت من قوله ( عليه السلام) : « فلا تكفر باستعمال هذا السحر ، وطلب الإضرار به، ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنّك تحيي وتميت ، وتفعل ما لا يقدر عليه إلّا الله ، فإنّ ذلك كفر »(1). ولكن الرواية ضعيفة السند ، وسنتعرّض لها في البحث عن جواز دفع السحر بالسحر .
وأمّا الحكم بقتله فهو المشهور بين الأصحاب ، بل في كلمات غير واحد منهم دعوى الإجماع عليه ، من دون فرق بين المستحل وغيره .
وفي حدود الرياض : يقتل الساحر إذا كان مسلماً ، ويعزّر إذا كان كافراً ، بلا خلاف فتوى ونصّاً ، ثم قال : إنّ مقتضى إطلاق النصّ والفتوى بقتله عدم الفرق فيه بين كونه مستحلاً أم لا ، وبه صرّح بعض الأصحاب ، وحكى آخر من متأخّري المتأخّرين قولاً بتقييده بالأول ، ووجهه غير واضح(2).
أقول : قد ورد في الروايات العديدة المتقدّمة في أوّل المسألة أنّ حدّ الساحر هو القتل ، إلّا أنّها روايات ضعيفة(3)، وغير منجبرة بالشهرة الفتوائية ، فقد عرفت مراراً أنّها لا تجبر ضعف الرواية . وعليه فإن تمّ الإجماع والتسالم على ذلك أُخذ به وإلّا فعمومات ما دلّ على حرمة قتل النفس محكمة.
نعم إذا كان الساحر مستحلاً للسحر ، أو كان يعارض به بعض المناصب الإلهية وجب قتله ، إلّا أنّ القتل لم يجب عليه بما أنّه ساحر ، بل بما أنّه منكر لما هو من ضروريات الإسلام .
قوله : وبعضها قد ذكر فيما ذكره في الاحتجاج . أقول : قد ظهر ممّا تقدّم أنّ
إطلاق السحر على بعض الأُمور المذكورة في خبر الاحتجاج - كالسرعة والخفّة والنميمة - إنّما هو بنحو من العناية والمجاز ، على أنّ الرواية ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء .
قوله : أمّا الأقسام الأربعة المتقدّمة من الإيضاح الخ .
أقول : قال في محكي الإيضاح : إنّ استحداث الخوارق إمّا بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر ، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب ، أو بتمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية وهي الطلسمات ، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة وهي العزائم ، ويدخل فيه النير نجات ، والكل حرام في شريعة الإسلام ، ومستحلّه كافر(1).
وتبعه المصنّف في ذلك لوجهين :
الأول : شهادة المجلسي (رحمه الله) في البحار بدخولها في السحر عند أه--ل الشرع ، فتشملها الإطلاقات .
الثاني : دعوى فخر الدين في الإيضاح كون حرمتها من ضروريات الدين وهذا الوجه يوجب الاطمئنان بالحكم ، وباتّفاق العلماء عليه في جميع الأعصار . أمّا الوجه الأول : فيرد عليه أولاً : أنه لا حجّية في شهادة المجلسي ، لاستناده إلى اجتهاده ، وقد اعترف به المصنّف أيضاً فيما سيأتي ، فقد قال : لكن الظاهر استناد شهادتهم إلى الاجتهاد(2).
وثانياً : أنّا لم نجد في كلام المجلسي شهادة على كون الأقسام المذكورة م--ن السحر عند عرف الشارع ، فإنّه قال : إنّ لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل
أمر مخفي سببه ، ويتخيّل على غير حقيقته ، ويجري مجرى التمويه والخداع(1). ثم ذكر الأنواع المتقدّمة، وأي شهادة في ذلك على مقصود المصنّف !
وثالثاً : أنّك قد عرفت خروج كثير من الأقسام المزبورة بل كلّها عن حقيقة السحر ، بل يكفي الشك في منع شمول الإطلاقات لها ، لعدم جواز التمسّك بها عند الشك فى الصدق .
ورابعاً : ما ذكره المصنّف فيما سيأتي من معارضة شهادة المجلسي بم-ا ذك-ره الفخر(2)من إخراج علمي الخواص والحيل من السحر، وبما ذكره صاحب المسالك(3)وغيره من تخصيصهم السحر بما يحدث ضرراً ، وبما ذكره العلّامة(4)من تخصيصه السحر بما يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله ، وهذه الشهادات م--ن هؤلاء الأعيان تكشف عن عدم العموم في لفظ السحر لجميع ما تقدّم ، وعن كون الإطلاق في جملة منها مجازاً .
ومن هنا ظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضاً ، على أنّ الدعوى المذكورة لا توجب الاطمئنان بالحكم إلّا في المورد المتيقّن ، كالإضرار بالمسحور في عقله أو بدنه أو ماله أو ما يرجع إليه من شؤونه ، وأمّا في غير الموارد المتيقّنة فإنّه لا دليل على حرمة الاستعانة بالأُمور المتقدّمة ، بل ربما تكون مطلوبة لإبطال سحر مدّعي النبوّة والإمامة ، ومع الشكّ فيه فأصالة البراءة محكمة .
هل تختص حرمة السحر بالمضرّ منه أو تعم غير المضرّ أيضاً ؟ فيه خلاف فالمحكي عن الشهيدين في الدروس(1)والمسالك(2)أنّ المعتبر في السحر الإضرار . وعن شارح النخبة(3)أنّ ما كان من الطلسمات مشتملاً على إضرار أو تمويه على المسلمين أو الاستهانة بشيء من حرمات الله فهو حرام ، سواء عدّ من السحر أم لا. وعن جملة من الأكابر أنّه حرام مطلقاً ، سواء أكان مضرّاً أم لا ، تمسّكاً بظاهر الإطلاقات المتقدّمة ، ومن هنا ظهر أنه لا وجه لتقييد السحر بما كان مؤثّراً في بدن المسحور أو عقله أو قلبه من غير مباشرة ، كما عرفته عن العلّامة في القواعد.
وقد يستدل على اختصاص حرمة السحر بالمضرّ منه ببعض الروايات الواردة في قصة هاروت وماروت ، وسيأتي ذكرها .
وفيه أولاً : أنّ هذه الروايات ضعيفة السند . وثانياً : أنه لا تنافي بينها وبين المطلقات الدالّة على حرمة السحر مطلقاً .
قوله : فمثل إحداث حبّ مفرط في الشخص يعدّ سحراً .
أقول : الوجه فيه ما ورد في بعض الأحاديث(4)
أقول : المسح - بكسر الميم - البلاس يقعد عليه ، والكساء من شعر ، وما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفاً وقهراً ، الجمع أمساح ومسوح [ راجع المنجد : 760 مادّة مسح ] .
من تشديد النبي (صلّى الله1) الدروس 3 : 164
2) المسالك 3 : 128 .
3) وهو السيد عبد الله حفيد السيّد نعمة الله الجزائري . لم نعثر على الشرح .
4) ففي الوسائل 20 : 247 / أبواب مقدّمات النكاح ب 144 ح1 ، عن الصدوق باسناده عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لامرأة سألته إنّ لي زوجاً وبه عليّ غلظة ، وإنِّي صنعت شيئاً لأعطفه عليّ ، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : أُفّ لك ، كدّرت البحار ، وكدّرت الطين ، ولعنتك الملائكة الأخيار ، وملائكة السماوات والأرض ، قال : فصامت المرأة نهارها ، وقامت ليلها ، وحلقت رأسها ، ولبست المسوح ، فبلغ ذلك النبي (صلّى الله عليه و آله وسلم) فقال : إنّ ذلك لا يقبل منها » وهي ضعيفة بالنوفلي . وقريب منها ما في المستدرك 13 : 105 / أبواب ما يكتسب به ب 22 ح 2 . وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل.
عليه وآله وسلم) على المرأة التي صنعت ذلك لزوجها ، واستقباله إيّاها باللعن والتوبيخ وحكمه عليها بعدم قبول التوبة .
وفيه أولاً : أنه ليس في الرواية ما يدلّ على كون المصنوع سحراً .
وثانياً : أنّ العمل بها يقتضي حرمة إدخال الزوجة حبّها في قلب الزوج وإن كان ذلك بالأخلاق الحسنة والأفعال المرضية ، مع أنّه مطلوب في الشريعة المقدّسة وقد أُمر به في الأخبار المتظافرة ، بل المتواترة المذكورة في أبواب مقدّمات النكاح وعليه فلابدّ من حمل الرواية على كون المصنوع أمراً غير مشروع يوجب تكدّر البحار والطين ، واستحقاق المرأة اللعن .
وثالثاً : أنّ الرواية مخالفة للقواعد، فإنّها مشتملة على عدم قبول التوبة من المرأة التي صنعت لزوجها شيئاً يوجب المحبّة والعطف ، مع المحبّة والعطف ، مع أنّ الثابت في الإسلام جواز توبة المرأة المرتدّة ، سواء أكانت فطرية أم ملّية ، ومن المقطوع به أنّ سحرها لا يزيد على الارتداد ، ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ الرواية ضعيفة السند .
قوله : بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر . أقول : وقد يستدلّ على
الجواز بالروايات الواردة في قصّة هاروت وماروت وغيرها(1)
أقول : ظاهر الرواية أنّ الحل والعقد كليهما بالسحر ، فحمل الحل على ما كان بغير السحر من الأدعية ونحوها بعيد عنها .
وفي البحار 60 : 21 / 14 والاحتجاج 2 : 221 في قصّة الملكين ما يدلّ على جواز دفع ضرر السحر بالسحر ، ولكن الرواية مرسلة .
وفي الوسائل 17 : 147 / أبواب ما يكتسب به ب 25 ح 4 عن العيون [ 1 : 266 / 1 ] في رواية العسكري (عليه السلام) ما يدلّ على ذلك . ولكنّها مجهولة.
وفي رواية علي بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال : « وأمّا هاروت وماروت فكانا ملكين ، علّما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة ويبطلوا به كيدهم » الحديث .
وهو مجهول . راجع المصدر المتقدّم ح 5 .
، فإنّها تدل ع--ل-ى جواز دفع ضرر السحر بالسحر .وفيه : أنّها وإن كانت ظاهرة الدلالة على ذلك ، ولكنّها ضعيفة السند ، فلا يمكن الاستناد إليها .
نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصّة هاروت وماروت(2)بتقريب : أنّ السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتّى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه أصلاً ، فجواز التعليم يدلّ على جواز العمل به في الجملة ، والقدر المتيقّن منه هو
1) ففي التهذيب 6 : 364 / 1043 / والكافي 5 : 115 / 7 ، والوافي 17 : 184 / 8 علي عن أبيه قال : « حدّثني شيخ من أصحابنا قال : دخل عيسى بن سيفي (وفي نسخة الكافي : شفقي) على أبي عبدالله (عليه السلام) وكان ساحراً - يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر وسأله عن ذلك - قال ( عليه السلام) : حل ولا تعقد ». وهي مرسلة .
2) وهي قوله تعالى : وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ البقرة 2 : 102 .
صورة دفع ضرر الساحر .
وكيف كان ، فلا ريب في أنّه قد يجب إذا توقّفت عليه مصلحة ملزمة ، كما إذا ادّعى الساحر منصباً من المناصب الإلهية ، كالنبوّة والإمامة .
التسخير ليس من السحر
وقد يقال بأنّ من السحر التسخيرات بأقسامها حتّى تسخير الحيوانات بدعوى أنّ تعاريف السحر صادقة عليها ، حتّى أنّ الشهيدين(1)مع أخذهما الإضرار في تحريم السحر ذكرا أنّ استخدام الملائكة والجن من السحر ، وعليه فتشملها الإطلاقات المتقدّمة الدالّة على حرمة السحر بجميع شؤونه .
وفيه : أنّك قد عرفت(2)خروج الاستعانة بالأرواح الأرضية واستخدام الجن من السحر موضوعاً وحكماً ، وحينئذ فإن انطبق على ذلك شيء من العناوين المحرّمة حكم عليه بالحرّمة لتلك الجهة المحرّمة ، لا لكونه سحراً ، كما إذا اشتملت التسخيرات على المقدّمات المحرّمة ، أو كان المسخَّر - بالكسر - لعمله ذلك معرضاً للتضرّر أو التلف أو الجنون ، أو لارتكاب شيء آخر من الأُمور غير المشروعة ، أو كان المسخَّر - بالفتح - مؤمناً من الإنس أو مَلَكاً ، وكان التسخير ظلماً عليهم . ومع انتفاء العناوين المحرّمة فلا وجه للحرمة ، كتسخير الكفّار من الإنس والجنّ ، وإن اشتمل ذلك على إيذائهم ، وإلّا لما جاز قتل الكفّار ، وأخذ الجزية منهم وهم صاغرون .
وكذلك يجوز تسخير الحيوانات مطلقاً ، خصوصاً المؤذيات منها كالعقارب
والحيّات والسباع ، وإلّا لما جاز استخدام الحمولة ، وقتل المؤذيات منها . وقد أجاد المحقّق الإيرواني حيث قال : فالأمر في تسخير الحيوانات أوضح ، فهل يمكن الالتزام بجواز تسخير الحيوانات بالقهر والغلبة والضرب ، ومع ذلك لا يجوز تسخيرها بما يوجب دخولها تحت الخدمة طوعاً (1).
قوله : الحادية عشرة : الشعبذة حرام بلا خلاف(2).
أقول : الشعوذة(3)
وعن المصباح [ 314 مادّة شَعْوَذ ] : شعوذ الرجل شعوذة ، ومنهم من يقول : شعبده شعبذة وهو بالذال معجمة ، وليس من كلام أهل البادية ، وهي لَعِبٌ يرِي الإنسانُ ما ليس له حقيقة كالسحر . وفي أقرب الموارد [ 1 : 593 مادّة شعب ] : الشعبذة كشعوذة زنةً ومعنىٌ . وفيه [ ص 597 ] أيضاً : الشعوذة : وهي خفّة في اليد وأخذ كالسحر ، تُرِي الشيءَ في رأي العين بغير ما عليه أصله .
وفي المنجد [ 390 مادّة شَعْبَذ ] : الشعبذة كشعوذة زِنَةً ومعنىً . وفيه أيضاً [ في ص 393 مادة شعوذ ] : الشعوذة : خفّة في اليد وأعمال كالسحر ، تُري الشيءَ في العين بغير ما هو عليه .
وفي مجمع البحرين [ 3 : 183 ، مادّة شعبذ ] : الشعبذة هي الحركة الخفيفة .
هي اللعبة المعروفة - أعني الخفّة في الحركة - المعبّر عنها في لغة الفرس بكلمة (تردستي) وأمّا الذي يترتّب على الشعوذة فهو أمر واقعي ، فإنّ المشعوذ يفعل ما يفعله سائر الناس من الأُمور العادية ، إلّا أنّه يشغل أذهانالناظرين بسرعة حركته وخفّة يده بحيث يتعجّبون من أفعاله ، من غير أن تكون تلك الأفعال الصادرة منه خيالية محضة كما في السحر ، أو غير جارية على السير الطبيعي كما في المعجزات، على ما عرفت من التفرقة بينها وبين السحر والمعجزة في . المسألة السابقة(1). ويمكن أن تكون الشعوذة أعم من السحر ، ويظهر ذلك من ملاحظة ما ذكره بعض اللغويين مع ملاحظة ما ذكرناه في معنى الشعوذة بحسب المتفاهم العرفي . ولكن الظاهر هو ما ذكرناه من المباينة بينهما .
وقد استدلّ المصنّف (رحمه الله) على حرمة الشعوذة باُمور :
الأول : الإجماع . وفيه : أنّه ليس هنا إجماع تعبّدي ، لاحتمال استناده إلى سائر الوجوه المذكورة في المسألة .
الثاني : أنّه من اللهو والباطل . وفيه : أنه ممنوع صغرى وكبرى ، أمّا الوجه في منع الصغرى فلانّا لا نسلّم كونها من اللهو والباطل إذا ترتّب عليها غرض عقلائي وأمّا الوجه في منع الكبرى فلأنّه لا دليل على حرمتها على الإطلاق ، بل الحرام منها هو القسم الخاص.
الثالث : قوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج : « ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة » . وفيه أولاً : أنّه ضعيف السند ، وغير منجبر بشيء ، وقد تقدّم ذلك آنفاً(2). وأمّا جبره بالإجماع المحكي فإنّ الإجماع إن كان حجّة في نفسه لزم اتّباعه لذلك ، وإلّا فإنّ ضمّ غير الحجّة إلى مثله لا يفيد الاعتبار .
الرابع : صدق بعض تعاريف السحر على الشعوذة ، فتكون مشمولة لما دلّ
على حرمة السحر . وفيه : أنّك قد عرفت(1)خروجها عن حدود السحر موضوعاً وعدم صدقه عليها .
قوله : الثانية عشرة : الغشّ حرام بلا خلاف(2).
أقول : لا شبهة في حرمة غشّ المسلم في الجملة ، بلا خلاف بين الشيعة وأهل السنّة(3)لتواتر الروايات من طرقنا(4)
وبهذا الإسناد عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لرجل يبيع التمر : يافلان أما علمت أنّه ليس من المسلمين من غشّهم » وهي صحيحة .
وعن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « دخل عليه رجل يبيع الدقيق ، فقال : إيّاك والغش ، فإنّ من غَشّ غُشّ في ماله ، فإن لم يكن له مال غُشّ في أهله » وهي مرسلة .
وعن السكوني عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن أن يشاب اللبن بالماء للبيع » وهي ضعيفة بالنوفلي .
وعن هشام بن الحكم قال : «كنت أبيع السابري في الظلال ، فمرّ بي أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي : ياهشام إنّ البيع في الظلال غشّ ، والغشّ لا يحل » وه-ي حس-نة بإبراهيم بن هاشم . أقول : السابري ثوب رقيق جيّد .
وفي الموضعين المتقدّمين من الوافي والوسائل وفي الكافي 8 : 153 / 143 في رواية زينب العطّارة الحولاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « إذا بعتِ فأحسني ولا تغشّي ، فإنّه أتق الله وأبقى للمال » وهي حسنة بالحسين بن زيد.
وفي الباب المزبور من الوسائل ح 10 في حديث المناهي عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) أنّه قال : « ومن غشّ مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا ، ويحشر يوم القيامة مع اليهود لأنّهم أغشّ الخلق للمسلمين » . وهي مجهولة بشعيب بن واقد .
وفي الكافي 5 : 183 / 2 ، والتهذيب :7 : 34 / 140 ، والمصدر المتقدّم من الوافي ح9 والوسائل 18 : 112 / أبواب أحكام العيوب ب 9 ح 2 عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد وسعرهما شتّى وأحدهما خير من الآخر، فيخلطهما جميعاً ثم يبيعهما بسعر واحد ؟ فقال : لا يصلح له أن يفعل ذلك يغش به المسلمين حتّى يبيّنه » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدّمة . وفي المستدرك 13 : 327 / أبواب أحكام العيوب ب 6 . والبحار 72 : 284 وما بعدها .
1) في ص 445 ، 459 .
2) المكاسب 1 : 275 .
3) ففي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 255 : نهى عن الغشّ والتدليس ومدح السلعة بما ليس فيها ، وكتم ما بها من عيب ونحو ذلك .
4) ففي الكافي 5 : 160 / باب الغش ، والتهذيب 7 : 12 / 48 - 54 ، والوافي 17 : 465 / ب 71 ، والوسائل 17 : 279 / أبواب ما يكتسب به ب 86 عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « ليس منا من غشّنا » وهي صحيحة .
ومن طرق العامّة(1)بل هي من ضروريات مذهب المسلمين .
والعجب من المحقّق الإيرواني(2)حيث ألغى عنوان الغشّ عن الموضوعية والتزم بحرمته للعناوين الثانوية من الكذب وأكل أموال الناس بلا رضى منهم . ولا ريب أنّ الروايات حجّة عليه ، لظهورها في حرمة الغشّ في نفسه ، فإذا تحقّق موضوعه في مورد ترتّب عليه حكمه ، كسائر القضايا الحقيقية ، وسيأتي أنّ موضوع الغشّ أمر عرفي .
وقد ظهر أنه لا وجه لما ارتكبه المحقّق المذكور من السبر والتقسيم في نفي موضوعية الغشّ بدعوى أنّه لا دليل على حرمة شوب اللبن بالماء ولا على حرمة عرض المشوب للبيع ، ولا على حرمة مجرّد الإنشاء ، فتعيّن أن يكون الغشّ المحرّم أخذ قيمة غير المغشوش بازاء المغشوش .
لا شكّ في أنّ الغشّ ليست له حقيقة شرعية ولا متشرعية ، بل المراد به ما جرى عليه العرف واللغة(1)
وفي مجمع البحرين [ 4 : 145 ، مادّة غشش ] : المغشوش غير الخالص .
المنجد [ 552 مادّة غش ] : غشّه أظهر له خلاف ما أضمره ، وخدعه . الغشّ -بالكسر - اسم من الغش - بالفتح - الخيانة . المغشوش : غير الخالص .
من كونه بمعنى الكدر والخديعة والخيانة ، ويعبّر عنه في لغة الفرس بكلمة (گول زدن) ولا يتحقّق ذلك إلّا بعلم الغاش وجهل المغشوش فإذا كان كلاهما عالمين بالواقع ، أو جاهلين به ، أو كان الغاشّ جاهلاً والمغشوش عالماً انتفى مفهوم الغشّ .ثم إنّه لا يعتبر في مفهوم الغشّ انحصار معرفته بالغاش ، فإنّ أكثر أفراد الغشّ يعرفه نوع الناس بإمعان النظر ، خصوصاً من كان من أهل الفطانة والتجربة ، ومن كان شغله الغش ، فإنّه لا شبهة أنّ من الغش جعل الجيّد من الحبوب على ظاهر الصبرة ورديّه في باطنها ، وبيع الأمتعة في الظلال ، ومن الواضح أنّ نوع الناس
1) في لسان العرب [ 6 : 323 ، مادّة غشش ] : الغِشّ : نقيض النصح ، وهو مأخوذ م-ن الغشش المشرب الكدر ، أنشد ابن الأعرابي : ومنهل تروى به غير غشش . أي غير كدر ولا قليل ، قال : ومن هذا الغشّ في البياعات .
يلتفتون إلى الغشّ فى أمثال ذلك بتدقيق النظر ، ولو اختصّ مفهوم الغشّ بما انحصر طريق معرفته بالغاشّ لم يبق له إلّا مورد نادر .
نعم قد تنحصر معرفته بالغاشّ كمزج اللبن بالماء ، وخلط الدهن الج-یّد بالدهن الرديء ، ووضع الحرير ونحوه في مكان بارد ليكتسب ثقلاً ، وبيع الحيوان مسموماً لا يبقى أزيد من يوم ويومين، وغير ذلك من الموارد التي لا يطلع على الغشّ إلّا خصوص الغاشّ فقط ، ولكن هذا لايوجب اختصاص الغشّ بتلك الموارد ، وعدم تحقّق مفهومه في غيرها .
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الغش لا يصدق لغة ولا عرفاً على الخلط الظاهر الذي لا تحتاج معرفته إلى إمعان النظر ، فإذا مزج الرديء بالجيّد مزجاً يعرفه أي ناظر إليه من الناس - بغير تدقيق النظر ، وجعل الرديء في ظاهر الصبرة والجيّد في باطنها - فإنّ ذلك لا يكون غشّاً ، ويدلّ على ذلك بعض الأحاديث(1).
تذييل : إنّ ظاهر المطلقات المتقدّمة هو حرمة الغشّ على وجه الإطلاق سواء أكان في المعاملة أم في غيرها ، إلّا أنّه لابدّ من صرفها إلى خصوص المعاملات في الجملة ، بداهة أنّه لا بأس بتزيين الدور والألبسة والأمتعة لإراءة أنّها جديدة مع أنّها عتيقة ، وكذلك لا بأس بإطعام الطعام المغشوش وسقي اللبن الممزوج للضيف وغيره ، وبذل الأموال المغشوشة للفقراء . بل يمكن دعوى عدم صدق الغشّ في هذه الموارد أو في بعضها ، نعم لو أخبر بموافقة الظاهر في ذلك للواقع كان حراماً من جهة
1) ففي المصادر المتقدّمة من الكافي والوافي والوسائل والتهذيب عن محمد بن مسلم عن أحدهما ( عليها السلام) « أنّه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض وبعضه أجود من بعض ؟ قال : إذا رؤيا جميعاً فلا بأس ما لم يغط الجيّد الرديء » وهي صحيحة . ويظهر ذلك من بعض الروايات المتقدّمة الدالّة على حرمة الغشّ.
الكذب ، سواء كان إخباره قولياً أم فعلياً ، وهو أجنبي عمّا نحن فيه .
قوله : ويمكن أن يمنع صدق الأخبار المذكورة إلّا على ما إذا قصد التلبيس .
أقول : ظاهر المصنّف أنّه يعتبر في حقيقة الغشّ قصد مفهومه من التلبيس والخديعة ، وأمّا ما يكون ملتبساً في نفسه فلا يجب عليه الإعلام به .وفيه : أنه لا دليل على اعتبار القصد بمعنى الداعى في مفهوم الغشّ ، بداهة كونه من الاُمور الواقعية ، وهي لا تختلف باختلاف الدواعي كالاُمور القصدية وإنّما المعتبر فيه علم البائع بالخلط مع جهل المشتري إيّاه ، وعليه فإذا اختلط الجيّد بالرديء أو امتزج اللبن بالماء بغير اختيار من المالك ولا رضى ، وباعهما بدون التنبيه كان ذلك أيضاً غشّاً محرّماً ، لإطلاق الروايات ، وعدم دلالة شيء منها على اعتبار القصد في تحقّق الغشّ .
و ممّا ذكرناه ظهر بطلان ما في الرياض من قوله : ثم لو غشّ لكن لا بقصده بل بقصد إصلاح المال لم يحرم للأصل واختصاص م-ا م-رّ م-ن الن-صّ بحكم التبادر بصورة القصد(1).
قوله : ثم إنّ في جامع المقاصد ذكر في الغشّ بما يخفى - بعد تمثيله له بمزج اللبن بالماء - وجهين في صحّة المعاملة وفسادها .
أقول : ضابط الصحّة والفساد في المقام هو ما حقّقناه اه في البحث ع--ن ب-ي-ع
1) الرياض 8: 172 .
الدراهم المغشوشة وغيره(1)، وإجماله : أنّ المبيع إمّا أن يكون كلّياً ويكون الغشّ في الفرد المقبوض ، كما إذا باع منّاً من الحنطة الجيّدة ودفع عنها حنطة مغشوشة ، فإنّه لا شبهة في صحّة البيع في هذه الصورة ، لعدم كون الغشّ في البيع ، وإنّما هو في تطبيق المبيع الكلّي على الفرد الخارجي ، فللمشتري تبديله بغيره .
وإمّا أن يكون المبيع شخصياً ، وهو على أقسام ، لأنّ الأوصاف المأخوذة في المبيع قد تكون من قبيل الصور النوعية في نظر العرف ، ولا شبهة في بطلان البيع في هذه الصورة إذا ظهر المبيع مغشوشاً ، كما إذا باع فلزاً على أنّه ذهب فبان مذهباً . ووجه البطلان أنّ ما وقع عليه العقد ليس بموجود ، وما هو موجود لم يقع عليه العقد .
وقد تكون الأوصاف المأخوذة فيه من قبيل وصف الكمال أو الصحّة ، كما إذا باع عبداً على أنه كاتب أو نجّار أو بصير فبان أنّه لا يحسن الكتابة والنجارة أو أنّه أعمى ، وحينئذ فإن كان العقد معلّقاً على الوصف بحيث ينتفي البيع مع انتفاء الوصف فهو باطل ، للتعليق المجمع على كونه مبطلاً للعقد ، وإن كان مشروطاً بالوصف حكم بالصحّة .
وعليه فإذا كان التخلّف فى الأوصاف الكمالية ثبت خيار تخلّف الشرط للمشتري ، وإذا كان التخلّف في وصف الصحّة كان المشتري مخيّراً بين الاُمور الثلاثة : الفسخ ، أو الإمضاء بدون الأرش ، أو الإمضاء معه .
وقد يكون المبيع المجموع المركّب من جزأين ، أو من أجزاء ، وهو على قسمين :
أحدهما : أن يكون للهيئة الاجتماعية دخل في ازدياد الثمن ، بأن كانت واسطة
1) في ص 248 ، 379 .
في زيادة مالية المبيع وإن لم يقابلها بنفسها جزء من الثمن ، كما هو الشأن في عامّة الأوصاف حتّى ما كان من قبيل الصور النوعية .
وعليه فلا شبهة في بطلان البيع في الجزء الفائت وكون المشتري مخيّراً في الباقي بين الفسخ والإمضاء ، ومثاله أن يبيع دورة البحار فيظهر أنّ أحد الأجزاء التي وقع عليها البيع كتاب لغة ، أو يبيع مصراعي الباب فيتبيّن أنّه مصراع واحد ، أو يبيع زوج الخفّ فيتبيّن أنه فرد واحد ، أو يبيع عدلي الغرارة - أي الجوالق - فيتبيّن أنّه عدل واحد . وغير ذلك من الأمثلة ، فإنّه لا شبهة في دخل الهيئة الاجتماعية في زيادة المالية في الاُمور المذكورة ، فيترتّب عليها الحكم المزبور .
وثانيها : أن لا يكون للهيئة الاجتماعية مساس في زيادة مالية المبيع أصلاً بل كان الانضمام كوضع الحجر في جنب الإنسان ، وعليه فلا شبهة في صحّة البيع ولزومه بالنسبة إلى الجزء الموجود ، من دون أن يثبت للمشتري خيار تخلّف الوصف ، كما إذا باع صبرة حنطة بدينارين على أنّها وزنتان فوجد نصفها تراباً فيصحّ البيع في الوزنة الموجودة ، ويبطل في الأُخرى ، فإنّ مرجع ذلك إلى بيع كل وزنة من هذه الحنطة بدينار . ومن هنا ظهر ما في كلام المصنّف من أنّ الغشّ إن كان من قبيل التراب الكثير في الحنطة كان له حكم تبعّض الصفقة، ونقص الثمن بمقدار التراب الزائد .
ومن جميع ما ذكرناه يظهر ضعف كلام الشهيد حيث قال في شرائط الاقتداء من الذكرى الثالث يشترط القصد إلى إمام معيّن ، إلى أن قال : ولو نوى الاقتداء بالحاضر على أنّه زيد فبان عمراً ففي ترجيح الإشارة على الاسم فيصحّ ، أو بالعكس فيبطل نظر ، نظير أن يقول المطلّق لزوجة اسمها عمرة : هذه زينب طالق
أو يشير البائع إلى حمار ، فيقول : بعتك هذا الفرس(1). ومنشأ التردّد في ذلك تغليب الإشارة أو الوصف.
ويضاف إلى ما ذكرناه أنّك قد عرفت في مبحث التطفيف(2)أنّ البيع من الاُمور القصدية ، فلا معنى لتردّد المتبايعين فيما قصداه .
وكذلك ظهر بطلان ما استدلّ به القائلون بالفساد مطلقاً من أنّ العقد لم يتعلّق بذات المبيع بأي عنوان اتّفق ، بل تعلّق بالمبيع بعنوان أنه غير مغشوش ، فإذا ظهر الغشّ فقد ظهر أنّ ما هو المبيع غير موجود ، وما هو موجود غير المبيع .
ووجه البطلان : أنّه إنّما يتم فيا إذا كانت الأوصاف المتخلّفة من قبيل الصور النوعية ، لا مطلقاً ، وقد أوضحنا ذلك فيما تقدّم .
وقد يستدل على الفساد بوجوه اُخر قد أشار إليها المصنّف :
الأول : النهي الوارد عن بيع المغشوش ، فإنّه يدلّ على فساده . وفيه : أنّا لم نجد ما يدلّ على النهي عن بيع المغشوش في نفسه غير خبر موسى بن بكر ، وخبر الجعفي ، وسيجيء الكلام عليهما .
الثاني : النهي عن الغشّ الوارد في الروايات الكثيرة - وقد تقدّم ذكرها في الحاشية - ومن الواضح أنّ الغشّ متّحد مع البيع ، كما تدلّ عليه رواية هشام المتقدمة : « أنّ البيع في الظلال غشّ » فيدل على الفساد .
وفيه : أنّ النهي إنّما تعلّق بالغشّ ، وهو أمر خارج عن البيع ، والنهي إذا تعلّق بأمر خارج عن الشيء لا يدلّ على فساد ذلك الشيء ، وقد حقّق ذلك في محلّه(3).
وأمّا رواية هشام فهي لا تدلّ على أزيد من ذلك ، خصوصاً بعد ملاحظة قوله (عليه السلام) في ذيلها : « والغشّ لا يحل » فإنّه ظاهر في الحكم التكليفي.
فقط الثالث : خبر موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) فإنّه أخذ ديناراً من الدنانير المصبوبة بين يديه فقطعه بنصفين ، ثم قال : « ألقه في البالوعة حتّى لا يباع شيء فيه غشّ » فإنّ تعليله (عليه السلام) ذلك بأن لا يقع بيع على شيء فيه غشّ يدلّ على فساد هذه المعاملة .
ونظير ذلك خبر الجعفي، وقد تقدّم الكلام عليهما في البحث عن بيع الدراهم المغشوشة(1)مع أنهما ضعيفا السند كما تقدّم في المبحث المذكور .
قوله : الثالثة عشرة : الغناء ، لا خلاف في حرمته في الجملة(2).
أقول : لا خلاف في حرمة الغناء في الجملة بين الشيعة ، وأمّا العامّة فقد التزموا بحرمته لجهات خارجية(3)، وإلّا فهو بنفسه أمر مباح عندهم .
1) في ص 246 - 247
2) المكاسب 1 : 285 .
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 41:2 : فالتغنّي من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه ، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراماً أو مكروهاً . وعلى هذا المنهج تفصيل المذاهب الأربعة . ثم قال [ في الهامش ]: فما عن أبي حنيفة من أنّه يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب فهو محمول على النوع المحرّم منه . وفي ص 42 نقل الغزالي في الإحياء عن الشافعي : لا أعلم أحداً من علماء الحجاز كره السماع . وقد استدلّ الغزالي على الجواز برقص الحبشة والزنوج في المسجد النبوي يوم عيد، وأقرّهم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) . ثم ذكر أنّ حرمة الغناء من جهة المحرّمات الخارجية [ المذكور في المصدر هو الاستدلال على جواز الرقص ، فلاحظ ] . أقول : قد تظافرت الأحاديث من طرقهم حول الغناء إثباتاً ونفياً . راجع سنن البيهقي 10 : 221 - 230 .
قال في المستند بعد أن ذكر موضوع الغناء : فلا خلاف في حرمة ما ذكرنا أنّه غناء قطعاً ... ولعلّ عدم الخلاف بل الإجماع عليه مستفيض ، بل هو إجماع محقّق قطعاً ، بل ضرورة دينية(1).
وفي متاجر الرياض : بل عليه إجماع العلماء ، كما حكاه بعض الأجلّاء ، وهو الحجّة(2)وغير ذلك من كلمات الأصحاب المشتملة على دعوى الإجماع والضرورة على حرمة الغناء .
ويدلّ على حرمته وجوه :
الوجه الأول : قيام الإجماع عليها محصّلاً ومنقولاً .
وفيه : أنّ دعوى الإجماع على الحرمة في الجملة وإن لم تكن جزافية ، بل في كلمات غير واحد من الأعلام دعوى الضرورة عليها ، إلّا أنّه ليس إجماعاً تعبّدياً فإنّ من المحتمل القريب استناد المجمعين إلى الآيات والروايات الدالّة على حرمة الغناء .
الوجه الثاني : جملة من الآيات الكريمة ولو بضميمة الروايات :
منها : قوله تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(3)ومنه الغناء ، للرواي--ات(4)
وفي الباب المزبور من الوسائل ح 2 في رواية زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قول الزور الغناء » وهي ضعيفة بدرست بن منصور . وعن ابن أبي عمير مثله مرسلاً ، راجع الوسائل : الباب المذكور ح 8 .
وعن معاني الأخبار [ 349 / 1 ] : « قول الزور الغناء » . وهو ضعيف بمظفّر العلوي . وعن تفسير علي بن إبراهيم [ 2 : 84 ] مثله . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . والوسائل : الباب المتقدّم ح 26 .
وفي المستدرك 13 : 214 / أبواب ما يكتسب به ب 78 ح 133 ، 16 عن الصدوق مثله مرسلاً .
الواردة في تطبيقه عليه . ولا فرق في هذه النتيجة بين كون الغناء نفسه من مقولة الكلام أو هو كيفية مسموعة تقوم به ، مسموعة تقوم به ، لاتّحادهما في الخارج على كل حال ، فلا وجه للخدشة في الروايات الواردة في تفسير الآية بأنّ مقتضاها أنّ الغناء من مقولة الكلام ، مع أنّه كيفية تقوم به .
ومنها : قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ(1)فقد ذكرت عدّة من الروايات(2)
وعن مهران بن محمّد عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « سمعته يقول : الغناء ممّا قال الله : وَمِنَ النَّاسِ الآية . وهي مجهولة بمهران .وعن الوشّاء قال :« سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن الغناء ؟ فقال : هو قول الله : وَمِنَ النَّاسِ الآية » وهي ضعيفة بسهل .
وفي سنن البيهقي 10 : 223 عن ابن مسعود قال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي الآية ، قال : هو والله الغناء .
وفي المستدرك 13 : 212 / أبواب ما يكتسب به ب 78 أخرج جملة من الروايات في تطبيق الآية على الغناء [ وهي ح 2 ، 9 ، 16 ، 18 ] ولكنّها ضعيفة السند .
أنّ الغناء من مصاديق لهو الحديث الذيحرّمته الآية الكريمة ، بل نسبه الطبرسي(1)إلى أكثر المفسّرين . ولفظ الاشتراء في الآية يجري على ضرب من المجاز ، أو على بعض التعاريف التي يذكرها فريق من اللغويين ، وقد تقدّم ذلك فيما سبق(2)، فلا ضير في أن يتعلّق بلهو الحديث وبالغناء كما ذكرته الروايات ، وإن لم يكونا من الأعيان .
ومنها : قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)بضميمة ما في تفسير القمّي من تطبيق الآية على الغناء(4).
ومنها : قوله تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (5)فإنّه قد ورد في بعض الأحاديث تفسير الزور في الآية بالغناء(6)
وفي تفسير القمّي 2 : 117 طبّق الآية على الغناء .
، ويؤيّده ما تقدّم من الروايات في قوله1) مجمع البيان 8: 490 .
2) في ص 303 .
3) المؤمنون 23 : 3 .
4) في تفسير القمّي 2 : 88 :وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ يعني الغناء والملاهي .
5) الفرقان 25 : 72
6) في المواضع المتقدّمة من الكافي والوافي والوسائل [ 3 ] عن أبي الصباح عن أبي عبدالله (علیه السلام) » في قول الله تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : الغناء » وهي صحيحة . وفي رواية أُخرى [ ح 5] عنه مثلها ، ولكنّها حسنة بإبراهيم .
تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . والروايات المذكورة في تفسير الآيات المزبورة وإن كان أكثرها ضعيف السند إلّا أنّ في المعتبر منها غنىً وكفاية . وقد أورد في المستند على دلالة الآيات على حرمة الغناء بأنّ الروايات الواردة في تفسيرها بالغناء معارضة بما ورد في تفسيرها بغيره(1).
وفيه : أنّ الأحاديث المذكورة في تفسير القرآن كلّها مسوقة لتنقيح الصغرى وبيان المصداق ، فلا تدل على الانحصار بوجه حتّى تقع المعارضة بينهما ، وقد أشرنا إلى هذا فيما سبق مراراً ، وتكلّمنا عنه في البحث عن مقدّمات التفسير(2)مفصّلاً .
الثالث : الروايات(3)الدالّة على حرمة الغناء وحرمة تعليمه وتعلّمه وحرمة التكسب به واستماعه ، وأنّه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة . وأنّه يورث الفقر والقساوة وينزع الحياء . وأن-ّه رقية الزنا ، ويرفع البركة وينزل البلاء كما نزل البلاء على المغنّين من بني إسرائيل . وأنّه ممّا وعد الله عليه النار وبئس المصير . وأنّه عشّ النفاق ، وأنّ الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله ، وأنّ استماع الغناء نفاق وتعلّمه كفر ، وأنّ صاحب الغناء يحشر من قبره أعمى وأخرس وأبكم وأنّ من ضرب في بيته شيئاً من الملاهي أربعين يوماً فقد باء بغضب من الله فإن
مات في أربعين مات فاجراً فاسقاً مأواه النار وبئس المصير ، وأنّ من أصغى إلى ناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، وأنّ الغناء أخبث ما خلق الله وشرّ ما خلق الله ، وأنّه يورث الفقر والنفاق ، وأنّ من استمع إلى الغناء يذاب في اُذنه الإفك . وغير ذلك من المضامين المدهشة التي اشتملت عليها الأخبار المتواترة .
والروايات الواردة في حرمة الغناء وإن كان أكثرها ضعيف السند ، ولكن في المعتبر منها غنىً وكفاية . والعجب من المحقّق الأردبيلي حيث قال في محكي شرح الإرشاد : ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم(1). وهو أعرف بمقاله .
رأي المحدّث الكاشانى فى حرمة الغناء والجواب عنه
قال في الوافي ما حاصله : الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء هو اختصاص حرمته وحرمة التكسّب به وحرمة تعليمه وتعلّمه واستماعه بما كان متعارفاً زمن بني اُمية وبني العباس ، من دخول الرجال على النساء ، وتكلّمهنّ بالأباطيل ، ولعبهنّ بالملاهي على أقسامها ، وأمّا غير ذلك فلا محذور فيه ، وعليه فلا بأس بسماع الغناء بما يتضمّن ذكر الجنّة والنار ، والتشويق إلى دار القرار ، والترغيب إلى الله وإلى عبادته وطاعته(2)ثم حمل على هذا كلام الشيخ في الاستبصار(3).
وقد استشهد على رأيه هذا بوجوه :
الأول : مرسلة الفقيه « سأل رجل علي بن الحسين (عليه السلام) ع--ن ش-راء
جارية لها صوت ؟ فقال : ما عليك ، لو اشتريتها فذكّرتك الجنّة »(1).
الثاني : رواية أبي بصير قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس ، وليست بالتي يدخل عليها الرجال »(2). الثالث : الروايات(3)المشتملة على مدح الصوت الحسن ، وعلى استحباب قراءة القرآن به وبألحان العرب ، وأنّ لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن وأنّ الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن(4). فإنّ المستفاد من جميعها جواز الغناء في نفسه ، بل استحبابه في خصوص القرآن ، وأنّ حرمته إنّما تكون للاُمور الخارجية التي قد تقارنه في الوجود .
أقول :يرد عليه اُمور :
الأول : أنّ الظاهر من الروايات المتظافرة، بل المتواترة - من حيث المعنى - الناهية عن الغناء ، وعن جميع ما يتعلّق به هو تحريمه بنفسه مع قطع النظر عن اقترانه بسائر العناوين المحرّمة، وقد عرفت جملة منها في الهامش ، وعرفت مصادرها فراجع .
الثاني : أنّه إذا كان تحريم الغناء إنّما هو للعوارض المحرّمة كان الاهتمام بالمنع عنه في هذه الروايات لغواً محضاً ، لورود النهي عن سائر المحرّمات بأنفسها .
الثالث : أنّ ما استشهد به على مقصده لا يفي بمراده ، أمّا مرسلة الفقيه فمضافاً إلى ضعف السند فيها ، أنّها أجنبية عن الغناء نفياً وإثباتاً ، كما تقدّم في بيع الجارية
المغنّية(1).
وأمّا رواية أبي بصير فإنّها وإن كانت صحيحة ، إلّا أنّها لا دلالة فيها على مقصد المحدّث المذكور ، فإنّ غاية ما يستفاد منها ومن رواية اُخرى لأبي بصير(2)أنّه لا بأس بأجر المغنّية التي تدعى إلى العرائس ولا يدخل عليها الرجال ، وأم-ّ-ا الغناء في غير زفٌ العرائس فلا تعرّض في الروايتين لحكمه .
وأمّا الروايات الواردة في قراءة القرآن بصوت حسن فلا صلة لها بالمقام ، إذ لا ملازمة بين حسن الصوت وبين الغناء ، بل بينهما عموم من وجه ، فيقع التعارض في مورد الاجتماع، وتحمل الطائفة المجوّزة على التقيّة ، لما عرفت من ذهاب العامّة إلى جواز الغناء في نفسه . على أنّ هذه الروايات ضعيفة السند ، وستأتي الإشارة إلى ذلك .
ويضاف إلى ذلك كلّه أنّ ما ذهب إليه المحدّث المذكور مخالف للإجماع ، بل الضرورة من مذهب الشيعة ، وقد عرفت ذلك في أوّل المسألة .
ثم إنّ هذا القول نسب إلى صاحب الكفاية(3)، ولكنّه بعيد ، فإنّ المتأخّرين عنه نسبوا إليه استثناء الغناء في القرآن ، ومن الواضح أنّ ذلك فرع الالتزام بحرمة الغناء .
وقد يستدل على ما ذهب إليه الكاشاني برواية قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه قال : « سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح ؟
قال : لا بأس به ما لم يعص به »(1)وهي وإن كانت مجهولة بعبد الله بن الحسن ، ولكن رواها علي بن جعفر في كتابه ، إلّا أنّه قال : « ما لم يزمر به »(2)وعليه فهي صحيحة فتدلّ على جواز الغناء في نفسه ، وحرمته إذا اقترن بالمعاصي الخارجية .
وفيه : أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : « ما لم يزمر به » أنّ الصوت بنفسه صوت مزماري ، ولحن رقصي ، كألحان أهل الفسوق ، ويعبّر عنها في الفارسية بكلمة (پسته وسرود و دو بیت و آوازه خواندن)لا أنّه صوت يكون في المزمار وإلّا لقال ما لم يكن في المزمار أو بالنفخ في المزمار ، وعليه فتدل الرواية على تحقّق الغناء بالصوت المزماري ، واللحن الرقصي لا مطلقاً ، وسيأتي ، وعلى هذا يحمل قوله (عليه السلام) : « ما لم يعص به » في رواية قرب الإسناد على تقدير صدورها من المعصوم .
وأمّا إطلاق الغناء على غير هذا القسم في هاتين الروايتين في قول السائل :«سألته عن الغناء » ، وتقرير الإمام (عليه السلام) صحّة الإطلاق بالجواب عن حكمه بقوله : « لا بأس به » فهو كاطلاق نوع أهل اللغة لفظ الغناء على المعنى الأعمّ.
قوله : وإن اختلفت فيه عبارات الفقهاء واللغويين .
أقول : عرّفوا الغناء بتعاريف مختلفة(3)
وفي مجمع البحرين [ 1 : 321 مادّة غنا ] : الغناء - ككساء - الصوت المشتمل على الترجيع المطرب ، أو ما يسمّى في العرف غناء وإن لم يطرب ، سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما .
وفي المنجد [ 561 مادّة غنّى ] الغناء من الصوت ما طرب به . وعن الصحاح [ 6 : 2449 مادّة غنى ] : الغناء من السماع .
وعن المصباح أنّه مدُّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب [ لاحظ المصباح : 455 مادّة غنن ، ثمّ أنّ المصنّف أسند التعريف المذكور إلى مشهور الفقهاء ، راجع المكاسب 1 : 291 ]. وعن الشافعي : إنّه تحسين الصوت وترقيقه . وفي الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 41 إنّه ترديد الصوت بالألحان.
وفي ص 43 عن الحنابلة : إنّه تحسين الصوت والترنّم .
وفي المستند 14 : 124 أشار إلى جميع ما قيل في معنى الغناء ، وقال : إنّ كلمات العلماء من اللغويين والأُدباء والفقهاء مختلفة في تفسير الغناء ، 1 - فسّره بعضهم بالصوت المطرب 2 - وآخ--ر بالصوت المشتمل على الترجيع ، 3 - بالصوت المشتمل على الترجيع والإطراب معاً 4 - بالترجيع ، 5 - بالتطريب ، 6 - بالترجيع مع التطريب ، 7 - برفع الصوت مع الترجيع 8 - بمدّ الصوت ، 9 - بمدّه مع أحد الوصفين أو كليهما ، 10 - بتحسين الصوت ، 11 - بمدّ الصوت وموالاته ، 12 - بالصوت الموزون المفهم المحرّك للقلب ، ذكره الغزالي .
إلّا أنّها ليست تعاريف حقيقية ، لعدمالاطّراد والانعكاس ، بل هي بين إفراط وتفريط ، فقد عرّفه في المصباح بأنّه م-دّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب ، وعلى قوله هذا يخرج أكثر أفراد الغناء ممّا لم يحتو على القيدين المذكورين ، فإنّ من أظهر أفراده الألحان التي يستعملها أهل الفسوق ، وهي لا توجب الطرب إلّا أحياناً ، ولذا التجأ الطريحي في المجمع وبعض آخر في غيره إلى توسعة التعريف المذكور بقولهم : أو ما يسمّى في العرف غناء . نعم قد يحصل الطرب لحسن الصوت وإن لم يشتمل على ترجيع . وعرّفه آخرون بأنّه
مجرّد مدّ الصوت ، أو رفعه مع الترجيع أو بدونه ، وبأنّه تحسين الصوت فقط ، أو ترجيعه كذلك .
ويلزم من هذه التعاريف أن يدخل في الغناء ما ليس من أفراده قطعاً ، كرفع الصوت لنداء أحد من البعيد ، ورفع الصوت أو تحسينه لقراءة القرآن والمراثي والمدائح والخطب ، بل التكلّم العنيف ، مع أنّ الشارع قد ندب إلى قراءة القرآن بصوت حسن ، وبألحان العرب ، بل في بعضها كان علي بن الحسين (عليه السلام) أحسن الناس صوتاً بالقرآن »(1)وفي بعضها : أنّه « كان يقرأ القرآن فربما مرّ ب-ه المار فصعق من حسن صوته » وفي بعضها : « ورجّع بالقرآن صوتك ، فإنّ الله تعالى يحبّ الصوت الحسن يرجع به ترجيعاً » وستأتي الإشارة إلى هذه الروايات(2)فإنّ جميع هذه الأفراد ممّا يصدق عليه الغناء على التفاسير المذكورة ، وهي ليست منه قطعاً.
وأيضاً ثبت في الشريعة المقدّسة استحباب رفع الصوت بالأذان ، ولم يتوهّم أحد أنّه غناء . وقد ورد أنّه « ما بعث الله نبيّاً إلا حسن الصوت(3)ومن الواضح جدّاً أنّ حسن الصوت لا يعلم إلّا بالمدّ والرفع والترجيع .
وقد دلّت السيرة القطعية المتّصلة إلى زمان المعصوم (علیه السلام) على جواز رفع الصوت بقراءة المرائي ، بل ورد الحثّ على قراءة الرثاء للأئمّة وأولادهم ، ودلّت الروايات على مدح بعض الراثين كدعبل وغيره ، فلو كان مجرد رفع الصوت غناء
لما جاز ذلك كلّه . وتوهّم خروج جميع المذكورات بالتخصيص تكلّف في تكلّف .
والتحقيق : أنّ المستفاد من مجموع الروايات بعد ضمّ بعضها إلى بعض هو ما ذكره المصنّف من حيث الكبرى ، وتوضيح ذلك : أنّ الغناء المحرّم عبارة عن الصوت المرجّع فيه على سبيل اللهو والباطل والإضلال عن الحقّ ، سواء تحقّق في كلام باطل أم في كلام حقّ ، وسمّاه في الصحاح ،بالسماع ، ويعبّر عنه في لغة الفرس بكلمة (دو بيت و سرود و پسته و آوازه خواندن) . ويصدق عليه في العرف أنه قول زور وصوت لهوي . فإنّ اللهو المحرّم قد يكون بآلة اللهو من غير صوت كضرب الأوتار ، وقد يكون بالصوت المجرّد ، وقد يكون بالصوت في آلة اللهو كالنفخ في المزمار والقصب
وقد يكون بالحركات المجرّدة كالرقص ، وقد يكون بغيرها من موجبات اللهو .
وعلى هذا فكل صوت كان صوتاً لهوياً ومعدوداً في الخارج من ألحان أهل الفسوق والمعاصي فهو غناء محرّم ، ومن أظهر مصاديقه الأغاني الشائعة بين الناس الراديوات ونحوها ، وما لم يدخل في المعيار المذكور فلا دليل على كونه غناء فضلاً عن حرمته ، وإن صدق عليه بعض التعاريف المتقدّمة.
ثم إنّ الضابطة المذكورة إنّما تتحقّق بأحد أمرين على سبيل مانعة الخلو :
الأول : أن تكون الأصوات المتّصفة بصفة الغناء مقترنة بكلام لا ي--ع-دّ ع-ن-د العقلاء إلّا باطلاً ، لعدم اشتماله على المعاني الصحيحة ، بحيث يكون لكل واحد من اللحن وبطلان المادّة مدخل في تحقّق معنى السماع والغناء .
ومثاله الألفاظ المصوغة على هيئة خاصّة المشتملة على الأوزان والسجع والقافية ، والمعاني المهيّجة للشهوة الباطلة والعشق الحيواني ، من دون أن تشتمل على غرض عقلائي ، بل قد لا تكون كلماتها متناسبة ، كما تداول ذلك كثيراً بين شبّان العصر وشابّاته ، وقد يقترن بالتصفيق وضرب الأوتار وشرب الخمور وهتك الناس وغيرها من الاُمور المحرّمة .
وعليه فلو وجد اللحن المذكور في كلام له معنى صحيح عند العقلاء لما كان غناء . ومثاله قراءة القرآن والأدعية والخطب ، والأشعار المشتملة على الحكم والمواعظ ، ومدائح الأنبياء والأوصياء وأعاظم الدين ومصائبهم ورثائهم .
نعم قد يتوهّم صدق الغناء على رفع الصوت وترجيعه بالاُمور المذكورة لجملة من التعاريف المتقدّمة ، فيكون مشمولاً لإطلاقات حرمة الغناء . ولكنّك قد عرفت أنّها تعاريف لفظية ، وإنّما سيقت لمجرد شرح الاسم فقط وإن كان بلفظ أعمّ فلا تكون مطردة ولا منعكسة . وعليه فلا وجه لما ذكره بعضهم من عدّ المراثي من المستثنيات من حرمة الغناء ، فإنّها خارجة عنه موضوعاً كما عرفت ، وإذا ثبت كونها غناء فلا دليل على الاستثناء الذي يدّعيه هؤلاء القائلون ، وسيأتي بيانه إن شاء الله .
الثاني : أن يكون الصوت بنفسه مصداقاً للغناء وقول الزور واللهو المحرّم كألحان أهل الفسوق والكبائر التي لا تصلح إلّا للرقص والطرب ، سواء تحقّقت بكلمات باطلة أم تحقّقت بكلمات مشتملة على المعاني الراقية ، كالقرآن ونهج البلاغة والأدعية . نعم هي في هذه الاُمور المعظّمة وما أشبهها أبغض ، لكونها هتكاً للدين بل قد ينجر إلى الكفر والزندقة ، ومن هنا نهي في بعض الأحاديث عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق والكبائر (1)، أو بألحان أهل الكتابين كما في بعض
1) الكافي 6 : 3/614 ، والوافي 9 : 1742 / 12 ، والوسائل 6 : 210 / أبواب قراءة القرآن ب 24 ح 1 عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها ، وإيّاكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر ، فإنّه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية » وهي ضعيفة بإبراهيم الأحمر .
الأحاديث(1)، ويريدون بأهل الكتابين اليهود والنصارى .
ومن هذا القبيل ما ذكر في غناء جواري الأنصار : « جئناكم جئناكم ، حيّونا حيّونا ، نحييكم »(2)
والإنكار في هذه الرواية إشارة إلى ما في مصابيح السنّة للبغوي 2 : 418 / 2346 باب إعلان النكاح والخطبة عن عائشة : « إنّ جارية من الأنصار زوّجت ، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) : ألا أرسلتم معهم من يقول : أتيناكم أتيناكم فحيّانا وحيّاكم » .
ومنه أيضاً الرجز الذي يشبه ما جاء في غناء جواري الأنصار(3)، فإنّ التكلّم العادي بذلك ليس من المحرّمات في الشريعة المقدّسة ، بل هو مطلوب ، لكونه مصداقاً للتحيّة والإكرام ، وإنّما يكون حراماً إذا تكيّف في الخارج بكيفية لهوية ، وظهر في صورة السماع والغناء .وعلى الجملة : لا ريب أنّ للصوت تأثيراً في النفوس ، فإن كان إيجاده للحزن والبكاء وذكر الجنّة والنار بقراءة القرآن ونحوه لم يكن غناء ليحكم بحرمته ، بل يكون القارئ مأجوراً عند الله ، وإن كان ذلك للرقص والتلهّي كان غناءً وسماعاً ومشمولاً للروايات المتواترة الدالّة على حرمة الغناء ، والله العالم .
1) راجع المستدرك 4 : 272 / أبواب قراءة القرآن ب 20 ح3 .
2) ففي الكافي 6: 433 / 12 ، والوافي 17 : 213 / 21 ، والوسائل 17 : 307 / أبواب ما يكتسب به ب99 ح 15 عن عبد الأعلى قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الغناء وقلت : إنّهم يزعمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) رخّص في أن يقال : جئناكم ، إلى أن قال (عليه السلام) : كذبوا ) الحديث . وهو مجهول بعبد الأعلى .
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 43 : أتيناكم أتيناكم فحيّونا نحييكم . ولولا الحبّة السمراء لم نحلل بواديكم .
منها : رثاء الحسين وسائر المعصومين (عليهم السلام) ، قال المحقّق الأردبيلي (رحمه الله) في محكي شرح الإرشاد : وقد استثني مراثي الحسين
(عليه السلام) أيضاً ودليله أيضاً غير واضح(1). ثم قرّب الجواز ، لعدم الدليل على حرمة الغناء مطلقاً ثم قال : ويؤيّده أنّ البكاء والتفجّع عليه (عليه السلام) مطلوب ومرغوب ، وفيه ثواب عظيم ، والغناء معين على ذلك ، وأنّه متعارف دائماً في بلاد المسلمين من زمن المشايخ إلى زماننا هذا من غير نكير ، وهو يدل على الجواز غالباً . ثم أيّد رأيه هذا بما دل على جواز النياحة في الشريعة المقدّسة ، وبأنّ التحريم إنّما هو للطرب ، وليس في المراثي طرب ، بل ليس فيها إلّا الحزن . واستدلّ بعض متأخّر المتأخّرين على ذلك بعمومات أدلّة البكاء والرثاء .
أقول : قد عرفت آنفاً أنّ المراثي خارجة عن الغناء موضوعاً ، فلا وج--ه لذكرها من مستثنيات حرمة الغناء ، ولو سلّمنا إطلاق الغناء عليها لشملتها إطلاقات حرمة الغناء المتقدّمة، ولا دليل على الاستثناء ، ووجود السيرة على الرثاء وإقامة التعزية على المعصومين (عليهم السلام) في بلاد المسلمين وإن كان مسلّماً ، ولكنّها لا تدل على جواز الغناء فيها الذي ثبت تحريمه بالآيات والروايات .
وأمّا ما دلّ على ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام) أو ما دل على جواز النوح على الميّت ، فلا يعارض ما دل على حرمة الغناء ، وسيأتي .
وأمّا ما ذكره الأردبيلي من أنّه معين على البكاء فهو ممنوع ، فإنّ الغناء على ما
1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 61 - 63
حقّقنا من مفهومه لا يجتمع مع البكاء والتفجّع . وأمّا ما ذكره من أنّ التحريم إنّما هو للطرب وليس في المراثي طرب ، فهو يدلّ على خروج الغناء عن المراثي موضوعاً لا حكماً .
ومنها : الحداء لسوق الإبل ، وقد اشتهر فيه استثناء الغناء ، ولكنّه ممنوع لعدم الدليل عليه ، نعم ذكر في جملة من النبويات المنقولة من طرق العامّة (1)جواز ذلك . ولكنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء . ولو سلّمنا انجبارها فلا دلالة فيها على كون الحداء الذي جوّزه النبي(صلّى الله عليه وآلهوسلم) غناء ، فإنّ القضية التي ذكرت لم يعلم وقوعها بأي كيفية ، نعم الظاهر خروجه من مفهوم الغناء موضوعاً ، وقد مال إليه صاحب الجواهر ، قال : بل ربما ادّعي أنّ الحداء قسيم للغناء بشهادة العرف وحينئذ يكون خارجاً عن الموضوع ، لا عن الحكم ، ولا بأس به (2).
ومنها : غناء المغنّية في زفّ العرائس ، وقد استثناه جمع كثير من أعاظم الأصحاب ، وهو كذلك ، للروايات الدالّة على الجواز ، كصحيحة أبي بصير ، قال« قال أبو عبدالله (عليه السلام) أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس ، وليست بالتي يدخل عليها الرجال » وغيرها من الروايات المتقدّمة في البحث عن بيع
الجارية المغنّية(1).
ثم إنّ هذا فيما لم يطرأ عليه عنوان آخر محرّم ، وإلّا كان حراماً ، كالتكلّم بالأباطيل والكذب وضرب الأوتار ودخول الرجال عليهنّ وغيرها من الاُمور المحرّمة ، وقد صرّح بذلك المحقّق الأردبيلي في محكي شرح الإرشاد(2).
لا يقال : إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : « وليست بالتي يدخل عليها الرجال » أنّ الغناء إنّما يكون حراماً للمحرّمات الخارجية ، كما ذهب إليه المحدّث الكاشاني (رحمه الله) ولذا جوّزه الإمام (عليه السلام) في زفاف العرائس مع عدم اقترانه بها .
فإنّه يقال : الظاهر من هذه الرواية ، ومن قوله (عليه السلام) في رواية اُخرى : لا بأس بمن تدعى إلى العرائس . أنّ الغناء على قسمين ، أحدهما : ما يختلط فيه الرجال والنساء . والثاني : ما يختصّ بالنساء . أمّا الأول فهو حرام مطلقاً ، وأمّا الثاني فهو أيضاً حرام إلّا في زفّ العرائس .
ومنها : الغناء في قراءة القرآن ، وقد اشتهر بين المتأخّرين نسبة استثناء الغناء في قراءة القرآن إلى صاحب الكفاية ، قال في تجارة الكفاية : لكن غير واحد م--ن الأخبار(3)يدل على جوازه بل استحبابه في القرآن بناءً على دلالة الروايات على
1) ص 264 - 266 .
2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 59 .
3) ففي الكافي 2 : 616 / 13 ، والوافي 9 : 1740 / 3 ، والوسائل 6 : 211 / أبواب قراءة القرآن ب 24 ح 5 عن أبي بصير قال « قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان فقال : إنّما ترائي بهذا أهلك والناس ؟ قال : يا أبا محمّد اقرأ قراءة ما بين القراءتين ، تسمع أهلك ، ورجّع بالقرآن صوتك ، فإن الله (عزّوجلّ) يحبّ الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعاً » وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة . إلى غير ذلك م-ن الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة وفي المستدرك 4 : 272 / أبواب قراءة القرآن ب 20. ولكن كلّها ضعيفة السند ، نعم كثرتها توجب الاطمئنان بصدور بعضها عن المعصوم .
حسن الصوت والتحزين والترجيع في القرآن بل استحبابه ، والظاهر أنّ شيئاً منها لا يوجد بدون الغناء على ما استفيد من كلام أهل اللغة وغيرهم ، على ما فصّلنا في بعض رسائلنا(1).
وفيه : أنّ مفاد هذه الروايات خارج عن الغناء موضوعاً كما عرفت ، ف-لا دلالة في شيء منها على جواز الغناء في القرآن ، بل بعضها صريح في النهي عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق والكبائر الذين يرجعون القرآن ترجيع الغناء ، وقد ذكرنا هذه الرواية في البحث عن موضوع الغناء(2).
وعلى الجملة : إنّ قراءة القرآن بالصوت الحسن وإن كان مطلوباً للشارع ولكنّها محدودة بما إذا لم تنجر إلى الغناء ، وإلّا كانت محرّمة ، نعم لا شبهة في صدق الغناء عليه على تعاريف بعض أهل اللغة ، ولكنّك قد عرفت أنّها ليست بجامعة ولا مانعة .
ولقد أجاد صاحب الكفاية في الوجه الأول من الوجهين اللذين جمع بهما بين الأخبار ، قال : أحدهما : تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن وحمل ما يدل على ذمّ التغنيّ بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه
الفسّاق . ثم أيّده برواية عبدالله بن سنان(1)الناهية عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق .
وقد يقال بجواز الغناء في القرآن ، بدعوى أنّ أخبار الغناء معارضة بالأخبار الكثيرة المتواترة الدالّة على فضل قراءة القرآن والأدعية والأذكار بالعموم من وجه وبعد التساقط في مورد الاجتماع يرجع إلى أصالة الإباحة ، وقد ذكر المصنّف(2)هذا الوجه في خلال كلام صاحب الكفاية ، ولكن ليس في تجارة الكفاية من ذلك عين ولا أثر ، ولا لما نسبه إليه المصنّف من جملة من العبارات ، ولا تأييد مذهبه برواية علي بن جعفر .
وقد أشكل عليه المصنّف بما حاصله : أنّ أدلّة الأحكام غير الإلزامية لا تقاوم أدلّة الأحكام الإلزامية ، والوجه في ذلك: أنّ الفعل إنّما يتّصف بالحكم غير الإلزامي إذا خلا في طبعه عمّا يقتضي الوجوب أو الحرمة . ومثاله : أنّ إجابة دعوة المؤمن وقضاء حاجته وإدخال السرور في قلبه وكشف كربته من الاُمور المستحبّة في نفسها ولكن إذا استلزم امتثالها ترك واجب كالصوم والصلاة ، أو إيجاد حرام كالزنا واللواط تخرج عن الاستحباب ، وتكون محرّمة .
وفيه : أنّ ما ذكره لا يرتبط بكلام المستدل ، وتحقيق ذلك : أنّ ملاحظة اجتماع الأحكام الإلزامية مع الأحكام غير الإلزامية يتصوّر على وجوه : الأول : أن تقع المزاحمة بين الطائفتين في مرحلة الامتثال ، من دون أن ترتبط إحداهما بالاُخرى في مقام الجعل والإنشاء ، كالمزاحمة الواقعة بين الإتيان بالواجب وبين الإتيان بالاُمور المستحبّة ، فانّه لا شبهة حينئذ في تقديم أدلّة الأحكام
الإلزامية على غيرها ، وكونها معجزة عنه ، كما ذكره المصنّف .
الثاني : أن يكون الموضوع فيهما واحداً ، من دون أن يكون بينهما تماس في مرحلتي الثبوت والإثبات ، ولا يقع بينهما تزاحم وتعارض أصلاً ، كما إذا حك-م الشارع بجواز شيء في نفسه وطبعه ، وبحرمته بلحاظ ما يطرأ عليه من من العناوين الثانوية .
ومثال ذلك إباحة الشارع أكل لحم الضأن مثلاً في حدّ نفسه ، وحكمه بحرمته إذا كان الحيوان جلالاً أو موطوءاً ، فإنه لا تنافي بين الحكمين ثبوتاً وإثباتاً ، إذ لا إطلاق لدليل الحكم غير الإلزامي حتّى بالنسبة إلى العناوين الثانوية لتقع المعارضة بينهما .
الثالث : أن يتّحد موضوع الحكمين أيضاً ، ولكن يقيّد الحكم غير الإلزامي بعدم المخالفة للحكم الإلزامي . مثاله : أنّ قضاء حاجة المؤمن وإجابة دعوته وإدخال السرور في قلبه وتفريج غمّه من الاُمور المرغوبة في الشريعة المقدّسة ، إلّا أنّها مقيّدة بعدم ترك الواجب وفعل الحرام ، لما ورد من أنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق(1). فتقديم دليل الوجوب أو الحرمة في هذه الصورة على أدلّة الاُمور المذكورة وإن كان مسلّماً ، إلّا أنه لدليل خارجي ، لا لما ذكره المصنّف . فهذه الصور الثلاثة كلّها غريبة عن كلام المستدل .
نعم لو صحّت رواية عبدالله بن سنان المتقدّمة - التي دلّت على استحباب قراءة القرآن بألحان العرب ، وحرمة قراءته بألحان أهل الفسوق والكبائر - لوجب تقييد ما دلّ على استحباب قراءة القرآن بصوت حسن بغير الغناء . ولكنّ الرواية
1) راجع الوسائل 16 : 152 / أبواب الأمر والنهي ب 11 ، والمستدرك 12 : 207 / أبواب الأمر والنهي ب 10 .
ضعيفة السند .
الرابع : أن يكون الحكم متّحداً في مقام الثبوت ، ولكن الأدلّة متعارضة في إثبات كونه إلزامياً أو غير إلزامي.
الخامس : أن يكون الحكمان الإلزامي وغير الإلزامي في مرحلة جعلهما مطلقين ، بحيث لا يرتبط أحدهما بالآخر ، ولكنّهما قد يتصادقان على مورد في الخارج، ويتعارضان بالعموم من وجه ، لا بنحو التباين .
وفي هاتين الصورتين لا وجه لدعوى أنّ أدلّة الأحكام غير الإلزامية لا تقاوم أدلّة الأحكام الإلزامية ، بل لابدّ من ملاحظة المرجّحات في تقديم إحداهما على الاُخرى ، وقد حقّق ذلك في محلّه(1).
وما ذكره المستدل إنّما هو من قبيل الصورة الرابعة ، وعليه فلا وجه للحكم بالتساقط والرجوع إلى أصالة الإباحة ، بل يقدّم ما دلّ على حرمة الغناء ، لكونه مخالفاً للعامّة ، ويترك ما دلّ على الجواز لموافقته لهم ، ونتيجة ذلك : أنه لا دليل على استثناء الغناء في القرآن والأدعية والأذكار .
تنبيه : هل يجوز تعلّم الغناء وتعليمه أو لا ؟ قد يكون ذلك بالتغنّي واستماعه وقد يكون بالتوصيف والسؤال عن قواعده أمّا الأول فلا شبهة في حرمته فإنّ التغنّي والاستماع إليه كلاهما حرام. وأمّا الثاني فقد ذكر تحريمه في بعض الروايات(2)ولكنّها ضعيفة السند . فمقتضى الأصل هو الجواز ، إلّا أن يطرأ عليه
عنوان محرّم .
قوله : الرابعة عشرة : الغيبة حرام بالأدلّة الأربعة(1).
أقول : لا إشكال في حرمة الغيبة في الجملة ، للآية والروايات المتظافرة المتواترة من طرق الشيعة (2)ومن طرق العامّة(3)وأكثر هذه الروايات وإن كان ضعيف السند ، ولكن فى المعتبر منها غنىً وكفاية . على أنّها متواترة معنى . بل حرمتها من ضروريات الدين ، وممّا قام عليه إجماع المسلمين . وقد حكم العقل بحرمتها أيضاً ، لكونها ظلماً للمغتاب - بالفتح - وهتكاً له .
ويكفي في إثبات الحرمة قوله تعالى : وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ(4)فإنَّه تعالى بعد نهيه عن الغيبة صريحاً أراد بیان كونها من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة ، فشبّه المغتاب - بالكسر - بآكل الميتة إمّا لأنّه يأكل الجيف في الآخرة كما في بعض الروايات(5)أو لتشبيهه بالسباع
1) المكاسب 1 : 315 .
2) راجع الكافي 2 : 356 / باب الغيبة والبهت ، والوافي 5 : 977 / ب167 (الغيبة) والوسائل 12 : 278 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ، والمستدرك 9 : 113 / أبواب أحكام العشرة ب 132 ، والبحار 72 : 220 باب الغيبة .
3) راجع سنن البيهقي 10 : 245 - 247 . وإحياء العلوم للغزالي 3 : 141
4) الحجرات 49 : 12 .
5) في المصدر المتقدّم من المستدرك ح43 عن القطب الراوندي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)« إنّه نظر في النار ليلة الإسراء فإذا قوم يأكلون الجيف ، فقال : ياجبرئيل مَن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس » وهي مرسلة .
والكلاب ، أو لكون حرمة الغيبة كحرمة أكل الميتة ، بل أعظم كما في رواية العسكري (علیه السلام)(1).
وقد شبّه عرض المؤمن باللحم ، فإنّه ينتقص بالهتك ، كما ينتقص اللحم بالأكل . وشبّه الاغتياب بالأكل ، لحصول الالتذاذ بهما . ووصف المؤمن بأنّه أخ فإنّ المؤمنين إخوة ، ومن طبيعة الأُخوّة أن يكون بينهم تحابب وتوادد . وشبّه المغتاب - بالفتح - بالميّت ، لعدم حضوره في أكثر حالات الاغتياب .
وصدّر سبحانه وتعالى الجملة بالاستفهام الإنكاري ، إشعاراً للفاعل بأنّ هذا العمل يقبح أن يصدر من أحد ، إذ كما لا يحبّ أحد أن يأكل لحم أخيه الميّت لاشمئزاز طبعه عنه وشدّة رأفته به ، كذلك لابدّ وأن يشمئز عقله عن الغيبة ، لكونها هتكاً لعرض أخيه المؤمن .
وقد استدلّ على حرمة الغيبة بآيات اُخر ، ولكن لا دلالة في شيء منها على ذلك إلّا بالقرائن الخارجية ، فلا يكون الاستدلال عليها بالآيات ، بل بتلك الاُمور الخارجية.
منها : قوله تعالى :لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ(2). وفيه أولاً : أَنّه ليس في الآية ما يدلّ على أن الغيبة من الجهر بالسوء ، إلّا بالقرائن الخارجية .
وثانياً : لا يستفاد منها التحريم ، فإنّ عدم المحبوبية أعم منه ومن الكراهة المصطلحة .
ومنها : قوله تعالى : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1). وفيه : أنّ الهمزة واللمزة بمعنى كثرة الطعن على غيره بغير حق، سواء كان في الغياب أم في الحضور ، وسواء كان باللسان أم بغيره ، وسيأتي أنّ الغيبة عبارة عن إظهار ما ستره الله ، وب-ي-ن العنوانين عموم من وجه .
ومنها : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (2). وفيه : أنّ الآية تدل على أنّ حبّ شيوع الفاحشة من المحرّمات وقد أوعد الله عليه النار ، والغيبة إخبار عن الفاحشة والعيب المستور ، وهما متباينان . إلّا أن يكون الإخبار عن العيوب المستورة بنفسه من الفواحش ، كما هو مقتضى الروايات الدالّة على حرمة الغيبة ، بل في بعض الروايات عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أُذناه فهو من الذين قال الله (عزّوجلّ) : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الآية »(3).
ويرد عليه أولاً : أنّه خروج عن الاستدلال بالآية إلى الرواية .
وثانياً : أنه أخص من المدّعى ، فإنّ الآية لا يندرج فيها حينئذ إلّا نشر الغيبة ، لا مطلقاً . ويضاف إلى ذلك أنّ الرواية ضعيفة السند
قوله : ثم ظاهر هذه الأخبار كون الغيبة من الكبائر .
أقول : وجه الظهور ما ذكره في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة(1)، وأنّ عدّ المعصية كبيرة يثبت باُمور ، قال : الثاني : النص المعتبر على أنّها ممّا أوجب الله عليها النار ، سواء أوعد في الكتاب ، أو أخبر النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)أو الإمام بأنه ممّا يوجب النار ، لدلالة الصحاح المروية في الكافي وغيرها على أنّها ما أوجب الله عليه النار(2)ومن الواضح أنّ الغيبة كذلك .
وتوضيح المسألة على نحو الإجمال : أنه اشتهر بين الفقهاء التفصيل بين الكبيرة والصغيرة حكماً وموضوعاً ، واختلفت كلماتهم في تفسيرهما على نحو لا يمكن الجمع بينها ، فقيل : إنّ الكبيرة كل ذنب توعّد الله عليه بالعذاب في كتابه العزيز ، بل ربما نسب هذا القول إلى المشهور . وقيل : إنّها كل ذنب رتّب الشارع المقدّس عليه حدّاً أو صرّح فيه بالوعيد ، وقيل : إنّها كل معصية تؤذن بقلّة اعتناء فاعلها بالدين .
وقيل : كل ما علمت حرمته بدليل قاطع فهو من الكبائر . وقيل : كل ما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب أو السنّة فهو من الكبائر ، إلى غير ذلك من التفاسير . ثم قالوا : إنّ الكبائر تنافي العدالة دون الصغائر .
والتحقيق : ما ذكرناه في مبحث العدالة من كتاب الصلاة(3)من أنّ المعاصي كلّها كبيرة ، وإن كان بعضها أكبر من بعضها الآخر، كالشرك بالله العظيم فإنه من أعظم المعاصي ، وقتل النفوس المحترمة فإنّه أعظم من بقية الذنوب ، وهكذا . وإنّما
اُطلقت الكبيرة عليها بالتشكيك على اختلاف مراتبها شدّة وضعفاً ، وعليه فلا وجه للنزاع في أنّ الغيبة من الكبائر أم من الصغائر .
وقد اختار هذا الرأي جمع من الأصحاب ، بل ظاهر ابن إدريس في كتاب الشهادة من السرائر دعوى الإجماع عليه ، فإنه بعد ما نقل كلام الشيخ في المبسوط(1)الظاهر في أنّ الذنوب على قسمين : صغائر وكبائر ، قال : وهذا القول لم يذهب إليه (رحمه الله) إلّا في هذا الكتاب - أعني المبسوط - ولا ذهب إليه أحد من الأصحاب ، لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلّا بالإضافة إلى غيرها(2).
ومن هنا يتّضح أنّ الأخبار الواردة في عدّ الكبائر إنّما هي مسوقة لبيان عظمها بين سائر الذنوب لا لحصر المعاصي الكبيرة بالاُمور المذكورة ، وعليه يحمل قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ(3).
ومع الإغضاء عمّا ذكرناه فلا ثمرة للنزاع في الفرق بين الكبائر والصغائر ، فإنّ الذنوب كلّها تضرّ بالعدالة وتنافيها ، فإنّ العدالة هي الاعتدال في الدين والاستقامة على طريقة سيّد المرسلين ، وارتكاب أيّة معصية وإن كانت صغيرة يوجب الانحراف في الدين ، والخروج عن الصراط المستقيم، لكون ذلك هتكاً للمولى وجرأة عليه ، كما أنّ الخروج عن الطرق التكوينية انحراف عنها .
ولو سلّمنا أنّ الصغائر لا تنافي العدالة إلّا أنّ الغيبة من الكبائر ، فإنّ الكبيرة ليست لها حقيقة شرعية لنبحث فيها، بل المراد بها هو معناها اللغوي ، وهو الذنب العظيم عند الشارع . ويعرف عظمه تارة بالنصّ على كونه من الكبائر كالشرك
والزنا وقتل النفس المحترمة وغيرها من الكبائر المنصوصة ، واُخرى بالتوعّد عليه في الكتاب أو السنّة المعتبرة ، وثالثة بترتيب آثار الكبيرة عليه ، ورابعة بالقياس إلى ما ثبت كونه من الكبائر الموبقة ، كقوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ(1)وق--د ثبت في السنّة المعتبرة التوعيد على الغيبة ، فتكون من الكبائر .
وتدل على ذلك أيضاً الروايات الدالّة على أنّ الخيانة من الكبائر ، وبديهي أن الغيبة من أعظم الخيانات . ويدل على كون الغيبة من الخيانة قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)في وصيته لأبي ذرّ : « يا أبا ذرّ المجالس بالأمانة ، وإفشاء سرّ أخيك خيانة فاجتنب ذلك ، واجتنب مجلس العشرة » ولكنها ضعيفة السند(2).
وقد يستدل أيضاً على كون الغيبة كبيرة بالروايات الدالّة على أنّ الغيبة أشدّ من الزنا(3)
وهذه الرواية وإن نقلها غير واحد من حملة الحديث مسنداً ومرسلاً ، ولكنّ الظاهر أنّها رواية واحدة مأخوذة من وصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذرّ (رحمه الله) . وذك--ر الرواية الغزالي في الإحياء 3 : 141 .
، وهو من الكبائر ، فالغيبة أولى منه بأن تكون كبيرة .1) البقرة 2 : 191 .
2) بأبي المفضل ، ورجاء بن يحيى ، ومحمد بن الحسن بن ميمون ، وغيرهم . راجع مكارم الأخلاق 2 : 379 ، والوافي 26 : 198 .
3) في الوافي 26 : 198 ، ومكارم الأخلاق 2 : 378 ، والوسائل 12 : 280 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 9 عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في وصيته لأبي ذرّ قال : « يا أبا ذرّ إيّاك والغيبة ، فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا ، قلت : يارسول الله ولِمَ ذاك بأبي أنت وأمّي ؟ قال : لأنّ الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه ، والغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها »وهي ضعيفة بأبي المفضل ، ورجاء ، وابن ميمون . راجع المستدرك 9: 114 / أبواب أحكام العشرة ب 132 ح 8 .
ولكن يرد عليه أولاً : أنّ ما ورد بهذا المضمون كلّه ضعيف السند . وثانياً : أنّ هذه الروايات علّلت ذلك بأنّ الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها ، بخلاف بعض أقسام الزنا .
ويؤيّد ما ذكرناه أنّ كل واحد من الذنوب فيه جهة من المبغوضية لا توجد في غيره من المعاصي، فلا عجب في كونه أشدّ من غيره في هذه الخصوصية ، وإن كان غيره أشدّ منه من جهات شتّى ، واختلافها في ذلك كاختلاف المعاصي في الآثار . نعم هذه الأخبار صالحة لتأييد ذلك .
ويصلح لتأييده أيضاً ما روي مرسلاً : أنّ أربى الرب--ا ع--رض المؤمن(1)
وفي سنن البيهقي 10 : 241 عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ » .
فيكون تناول عرضه بالغيبة كبيرة ، فإنه ثبت في الشريعة المقدّسة أن الرب--ا م-ن الذنوب الكبيرة ، بل في جملة من الروايات أنه أشدّ من ثلاثين أو سبعين زنية كلّها بذات محرم(2).حرمة الغيبة مشروطة بالإيمان
قوله : ثم إنّ ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن .
أقول : المراد من المؤمن هنا من آمن بالله وبرسوله وبالمعاد وبالأئمّة الاثني
عشر (عليهم السلام) أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم القائم الحجّة المنتظر عجّل الله فرجه ، وجعلنا من أعوانه وأنصاره . ومن أنكر واحداً منهم جازت غیبته ، لوجوه :
الوجه الأول : أنه ثبت في الروايات(1)والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين ، ووجوب البراءة منهم ، وإكثار السبّ عليهم ، واتّهامهم ، والوقيعة فيهم -أي غيبتهم - لأنّهم من أهل البدع والريب(2)بل لا شبهة في كفرهم ، لأنّ إنكار الولاية والأئمّة حتّى الواحد منهم ، والاعتقاد بخلافة غيرهم ، وبالعقائد الخرافية كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة ، وتدلّ عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية ، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة وما يشبهها من الضلالات(3).
ويدلّ عليه أيضاً قوله (عليه السلام) في الزيارة الجامعة : « ومن جحدكم كافر » وقوله (عليه السلام) فيها أيضاً : « ومن وحّده قبل عنكم » فإنّه ينتج بعكس النقيض أنّ من لم يقبل عنكم لم يوحّده، بل هو مشرك بالله العظيم.
وفي بعض الأحاديث الواردة في عدم وجوب قضاء الصلاة على المستبصر
1) لاحظ الوافي 1 : 243 / ب 22) (البدع والرأي والمقاييس) والكافي 1 : 54 / باب البدع والوسائل 16 : 267 / أبواب الأمر والنهي ب 39 .
2) مورد البحث هنا عنوان المخالفين ، ومن الواضح أنّ ترتّب الأحكام المذكورة عليه لا يرتبط بالأشخاص على ما ذكره الغزالي ( في إحياء العلوم 3 : 123) فإنه جوّز لعن الروافض كتجويزه لعن اليهود والنصارى والخوارج والقدرية بزعم أنه على الوصف الأعم . [ لاحظ ذلك ] .
3) راجع الوسائل 28 : 339 / أبواب حدّ المرتدّ ب 10 .
«إنّ الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة »(1).
وفي جملة من الروايات(2)الناصب لنا أهل البيت شرّ من اليهود والنصارى وأهون من الكلب ، وأنه تعالى لم يخلق خلقاً أنجس من الكلب ، وأنّ الناصب لن--ا أهل البيت لأنجس منه . ومن البديهي أنّ جواز غيبتهم أهون من الاُمور المذكورة . بل قد عرفت جواز الوقيعة في أهل البدع والضلال ، والوقيعة هي الغيبة . نعم ق--د ثبت حكم الإسلام على بعضهم في بعض الأحكام فقط تسهيلاً للأمر ، وحقناً للدماء .
الوجه الثاني : أنّ المخالفين بأجمعهم متجاهرون بالفسق ، لبطلان عملهم رأساً كما في الروايات المتظافرة(3)، بل التزموا بما هو أعظم من الفسق كما عرفته وسيجيء أنّ المتجاهر بالفسق تجوز غيبته .
الوجه الثالث : أنّ المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن ومن البديهى أنه لا اُخوّة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين . وهذا هو المراد أيضاً من مطلقات أخبار الغيبة ، لا من جهة حمل المطلق على المقيّد ، لعدم التنافي بينهما بل لأجل مناسبة الحكم والموضوع .
على أنّ الظاهر من الأخبار الواردة في تفسير الغيبة هو اختصاص حرمتها بالمؤمن فقط ، وسيأتي ، فتكون هذه الروايات مقيّدة للمطلقات ، فافهم .
قد حكي عن المحقّق الأردبيلي تحريم غيبة المخالفين(4). ولكنّه لم يأت بشيء
تركن إليه النفس .
الوجه الرابع : قيام السيرة المستمرّة بين عوام الشيعة وعلمائهم على غيبة المخالفين، بل سبّهم ولعنهم في جميع الأعصار والأمصار ، بل في الجواهر أنّ جواز ذلك من الضروريات(1).
قوله : ثم الظاهر دخول الصبي المميّز المتأثّر بالغيبة لو سمعها .
أقول : لم يشترط في حرمة الغيبة كون المغتاب - بالفتح - مكلّفاً ، بل المستفاد من الروايات المتقدّمة وغيرها أنّ المناط في حرمة الغيبة صدق المؤمن على المغتاب- بالفتح- كما أنّ الظاهر من معنى الغيبة هي كشف أمر قد ستره الله ، وسيأتي .
ومن الضروري أنّ الصبي المميّز ممّن يصدق عليه عنوان المؤمن إذا أقرّ بما يعتبر في الإيمان ، بل قد يكون أكمل إيماناً من أكثر البالغين .
وأيضاً لا شبهة أنّ الله قد ستر عيوب الناس حتّى الصبيان المميّزين ، فذكرهم بالمساوئ الموجودة فيهم كشف لما ستره الله عليهم ، نعم لا بأس بذكر الاُمور التي هى من مقتضيات الصباوة بحيث لا تعدّ من العيوب والمساوئ ، كاللعب بالجوز والكعاب والكرة ونحوها .
أمّا الصبيان أو المجانين غير المميّزين فلا شبهة في جواز اغتيابهم ، لأنّ الاُمور الصادرة منهم لا تعدّ عيباً حتّى يكون ذكرها كشفاً لما ستره الله عليهم
1) الجواهر 22 : 62 .
قوله : بقي الكلام في اُمور ، الأول : الغيبة اسم مصدر لاغتاب(1).
أقول : وقع الخلاف في تحديد مفهوم الغيبة وبيان حقيقتها ، فالمروي م-ن الخاصّة(2)والعامّة(3)، والمعروف بيننا وبين السنّة(4)وبعض أهل اللغة أنّ الغيبة ذكر الإنسان بما يكرهه وهو حقّ ، بل حكى المصنّف عن بعض من قارب عصره أنّ الإجماع والأخبار متطابقان على أنّ حقيقة الغيبة ذكر غيره بما يكرهه لو سمعه .
ولكن هذا التعريف لايرجع إلى معنى محصّل، فإنّ المراد من الموصول فيه إن كان هو الذكر بحيث يكون حاصله أنّ الغيبة ذكر غيره بذكر لا يرضى به لو سمعه دخل في التعريف ما ليس بغيبة قطعاً إذا كره المقول فيه ، كذكره بفعل بعض المباحات بل وبعض المستحبّات من المواظبة على الأدعية والأذكار، والقيام بالنوافل والعبادات، والالتزام بالزيارات وإعطاء الصدقات، وعليه فالتعريف المذكور تعريف بالأعم. كما أنّ تعريف المصباح بقوله : اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من العيوب
1) المكاسب 1 : 321 .
2) في مكارم الأخلاق 2 : 378 - 379 ، والوافي 26 : 198 . ومرآة العقول 10 : 408 [ فلاحظ ] . والوسائل 12 : 280 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 9 عن أبي ذرّ في وصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) له قال « قلت : يارسول الله وما الغيبة ؟ قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قلت : يارسول الله فإن كان فيه ذاك الذي يذكر به ؟ قال : اعلم أنّك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته ، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته » وهي ضعيفة بأبي المفضل ، وابن ميمون أو شمون ، ورجاء بن يحيى ، وغيرهم .
3) ففي سنن البيهقي 10 : 247 عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : « أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره » الحديث .
4) راجع إحياء العلوم للغزالي 3: 143 .
وهو حق والاسم الغيبة(1)يكون تعريفاً بالأخص .
وإن كان المراد من الموصول في التعريف الأوصاف المذمومة والأفعال القبيحة الصادرة من المقول فيه - ويقربه التعريف المتقدّم من المصباح - خرج عن الغيبة ما لا يشك أحد كونه منها ، كذكر الغير بالأُمور المحرّمة التي ارتكبها عن رغبة وشهوة من غير أن يشمئز منها ومن ذكرها ، وعليه فلا يكون التعريف المذكور جامعاً للأفراد .
والتحقيق أن يقال : إنه لم يرد نصّ صحيح في تحديد مفهوم الغيبة ، ولا تعريف من أهل اللغة كي يكون جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار ، وعلى هذا فلابدّ من أخذ المتيقّن من مفهوم الغيبة وترتيب الحكم عليه ، وهو أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه ، وأما في المقدار الزائد فيرجع إلى الاُصول العملية . وقد ذكر هذا في جملة من الروايات(2)
وعن داود بن سرحان قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الغيبة ، قال : هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل ، وتثبت عليه أمراً قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد » وهي ضعيفة بمعلّى بن محمد . راجع الكافي 2 : 358/ 7 ، 3 ، والوافي 5 : 978 / 5، 6 والوسائل 12 : 282 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 14 ، 288 / ب 154 ح 2 ، 1 .
وهي وإن كانت ضعيفة السند ، ولكن مفهومها موافق للذوق السليم والفهم العرفي .ويؤيّده ما في لسان العرب وغيره من أنّ الغيبة أن يتكلّم خلف إنسان
مستور بسوء أو بما يغمّه لو سمعه(1)، بل ينطبق عليه جميع تعاريف الفقهاء وأه--ل اللغة ، لكونه المقدار المتيقّن من مفهوم الغيبة كما عرفت ، وقد اُشير إليه في بعض أحاديث العامّة(2).
و توضيح ما ذكرناه من المعنى : أنّ ذكر الناس والتعرّض لأوصافهم لا يخلو عن صور ثلاث :
الصورة الاُولى : ذكر الإنسان بما يوجب تعظيمه وترفيعه بين الناس ، كأن يقول : إنّ فلاناً عالم زاهد مجتهد ، يصلّي النوافل ، ويعطي الفقراء ، ويهتم بأُمور المسلمين وحوائجهم ، ونحو ذلك من المدائح . ولا نظنّ أن يعد أحد هذه الصورة من الغیبة .
نعم في لسان العرب وتاج العروس عن ابن الأعرابي : غاب إذا ذكر إنساناً بخير أو شرّ(3)إلّا أنه أجنبي عن المقام، فإنه غير الاغتياب . والوجه في خروج هذه الصورة عن مفهوم الغيبة أنّ هذه المذكورات ليست من السوء ، سواء كره ذكرها المقول فيه أم لا .
الصورة الثانية : أن يذكر إنساناً بشيء من صفاته العادية المتعارفة التي لا توصف بالمدح أو الذم ، ولا ريب في عدم اندراج هذه الصورة أيضاً تحت الغيبة فإنّ الأُمور العادية ليست ممّا سترها الله على المقول فيه ، وذكرها لا يوجب نقصه وافتضاحه، سواء أكان كارهاً لها أم لا.
الصورة الثالثة : أن يذكر إنساناً بالأوصاف الذميمة والأفعال القبيحة الموجودة فيه ، التي قد سترها الله عليه ، وموضوع الغيبة هو هذه الصورة . وما ذكرناه من الصور يشمل ما لو نفى عن المقول فيه بعض الأوصاف .
ولابدّ من التنبيه على اُمور :
الأول : أنه لا يفرق في صدق الغيبة بين أن يكون المقول نقصاً في دين المقول فيه ، أو بدنه ، أو نسبه ، أو أخلاقه ، أو فعله ، أو قوله ، أو عشيرته ، أو ثوبه ، أو داره ، أو دابته ، أو خادمه ، أو تعيشه ، أو في أي شأن من شؤونه .
إلّا أنّ الظاهر من رواية داود بن سرحان المتقدّمة في الحاشية أنّ الغيبة ذكر الإنسان بما يكون نقصاً في دينه فقط.
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، وقد عرفت . وثانياً : أنّ رواية ابن سيابة المتقدّمة في البحث عن معنى الغيبة صرّحت بأنّ الغيبة قولك في أخيك ما ستره الله عليه ، وهذا الإطلاق يشمل ما إذا كان المقول نقصاً دينياً وغير ديني .
وتوهّم حمل المطلق على المقيّد هنا فاسد ، لعدم التنافي بينهما ، على أنّ رواية ابن سيابة فصلت بين ذكر الاُمور المستورة والاُمور الظاهرة ، وصرّحت بخروج الثانية عن حدود الغيبة ، ومن الواضح أنّ مقتضى التفصيل القاطع للشركة هو عموم مفهوم الغيبة بذكر مطلق العيوب غير الاُمور الظاهرة . ولكنّك عرفت أنّ هذه الرواية أيضاً ضعيفة السند .
وقد يتوهّم اعتبار قصد الانتقاص في موضوع الغيبة . ولكنّه توهّم فاسد ، إذ لا دليل عليه ، فإنّ صدق عنوان العيب على المقول أمر عرفي لا يرتبط بالقصد ، ولا يقاس هذا بالتعظيم والهتك المتقوّمين بالقصد .
الثاني : أنّ ذكر أحد بالأوصاف العادية أو نفيها عنه إنّما لا يكون غيبة إذا لم يستلزم نقصاً في الجهات المزبورة في التنبيه السابق ، وإلّا فلا شبهة في كونه غيبة كنفي العدالة عنه ، فإنه يدل بالملازمة على ارتكابه المعاصي . وكقوله إنّ فلاناً يقرأ علم النحو منذ ثلاثين سنة ، فإنه يدل بالملازمة على بلادة المقول فيه وبلاهته ، أو مماطلته وبطالته .
الثالث : أنّ مقتضى ما ذكرناه من التعريف بل المتيقّن من مفهوم الغيبة ومورد الروايات الدالّة على حرمة الغيبة ، أن يكون المقول أمراً قد ستره الله على المقول فيه وأمّا ذكر الاُمور الظاهرة فليس من الغيبة ، وقد ذكره الأصحاب في مستثنياتها وسيأتي ذكره . وتدل على ذلك رواية ابن سيابة المتقدّمة ، ورواية الأزرق(1)، إلّا أنّهما ضعيفتا السند .
نعم في إحياء العلوم عن عائشة أنه « دخلت علينا امرأة فلمّا ولّت أومأت بيدي أنّها قصيرة ، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) : اغتبتيها »(2)فإنّ الظاهر منها تحقّق الغيبة بحكاية الاُمور الظاهرة . ولكنّها ضعيفة السند.
نعم قد يكون ذكر الاُمور الظاهرة حراماً ، لانطباق شيء من العناوين المحرّمة عليه ، كالتعيير والهجاء والسبّ والهتك والظلم ونحوها ، وعليه فيكون حراماً من غير جهة الغيبة .
1) قال « قال لي أبو الحسن (عليه السلام) : من ذكر رجلاً من خلفه بما هو فيه ممّ-ا ع-رفه الناس لم يغتبه ، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه ، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته » وهي مجهولة بيحيى الأزرق . راجع الكافي 2 : 358 / 6 ، والوافي 5 : 978 / 4 ، والوسائل 12 : 289 / أبواب أحكام العشرة ب 154 ح3 .
2) راجع إحياء العلوم 3 : 144 / باب الغيبة .
الرابع : قد تتحقّق الغيبة بالتعريض والإشارة قولاً ، كأن يقول : الحمد لله الذي لم يبتلني بالسلطان وبالميل إلى الحكّام . أو فعلاً ، كأن يحكي مشية الغائب ، بل هو أشدّ من الذكر باللسان ، لكونه أعظم في الانتقاص . أو كتابة ، فقد قيل : إنّ القلم أحد اللسانين ، فإنّ المناط فى تحقّق الغيبة كشف ما ستره الله ، ولا خصوصية للكاشف .
الخامس : لابدّ في صدق الغيبة من وجود أحد يقصد بالتفهيم ، فقد عرفت أنّها إظهار ما ستره الله ، وهو لا يتحقّق بمجرّد حديث النفس ، فإنه لا يزيد على الصور العلمية والملكات النفسانية . ومن هنا علم عدم تحقّق الغيبة أيضاً بذكر الإنسان بعيوب يعلمها المخاطب، نعم قد يحرم ذلك من جهة اُخرى .
السادس : لا تتحقّق الغيبة إلّا بكون المغتاب- بالفتح - معلوماً بالتفصيل عند المخاطبين، فلو كان مردّداً عندهم بين أشخاص - سواء كانوا محصورين أم غير محصورين - فذكره بالنقائص والمعائب المستورة لا يكون غيبة ، فإنه ليس كشفاً لما ستره الله . ومثاله أن تقول : رأيت اليوم رجلاً بخيلاً ، أو جاءني اليوم شارب الخمر أو تارك الحجّ ، أو عاقّ الوالدين ، أو من يعيش معيشة ضنكاً ، فكل ذلك لا يكون من الغيبة في شيء ، ولا يكون حراماً إلّا إذا انطبق عليه عنوان محرّم آخر.
ولا يفرق في ذلك بين أن يكون كل واحد من المحصورين كارهاً لذلك الذكر أم لا ، لما عرفت من أنّ كراهة المقول فيه ليست شرطاً في تحقّق الغيبة . نعم لو عرّفنا الغيبة بأنّها ذكر الغير بما يكرهه -كما عليه المشهور- كان ذلك من الغيبة ، وشملته أدلّة تحريمها . ولكنّك قد عرفت ضعفه فما سبق(1).
ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من اشتراط العلم التفصيلي بالمغتاب في مفهوم الغيبة
1) في ص 500
إنّما هو بالإضافة إلى الأفراد ، أمّا إذا كان المذكور نقصاً للعنوان الكلّي ، وكشفاً لما ستره الله على النوع ، بحيث يكون المصداق المردّد إنّما ذكر من باب تطبيق الكلّي على الفرد ، كان ذلك غيبة لجميع أفراد الكلّي الموجودة في الخارج ، لانحلاله إليها كسائر القضايا الحقيقية ، بل بالنسبة إلى الأفراد الماضية أيضاً ، بل ربما يكون ذلك بالنسبة إلى بعض الأفراد بهتاناً . ومثاله أن يذكر إنساناً بالسوء المستور لكونه عجمياً أو عربياً أو بقّالاً ، أو لكونه من أهل البلد الفلاني أو من الصنف الفلاني ، وهكذا .
السابع : قد عرفت أنه ليس في المسألة ما يعتمد عليه في تعريف الغيبة وتفسيرها إلّا بعض الروايات الضعيفة ، وعليه فكلّما شككنا في تحقّق موضوع الغيبة للشك في اعتبار قيد في المفهوم أو شرط في تحقّقه يرجع إلى أصالة العدم .
الثامن : أنّ مقتضى ما ذكره المشهور من أنّ الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه لو سمعه عدم صدق الغيبة مع حضور المغتاب - بالفتح - بل هذا حضور المغتاب - بالفتح - بل هذا هو الظاهر من الآية فإنّ تشبيه المغتاب بالميتة إنّما هو لعدم شعوره بما قيل فيه . وأمّا على ما ذكرناه في تعريف الغيبة فلا فرق في انطباقها بين حضور المغتاب وعدمه ما دام يصدق على القول أنّه إظهار لما ستره الله .
قوله : نظير ما إذا نفى عنه الاجتهاد . أقول : نفي الاجتهاد ليس نقصاً في حقّ أحد كما ذكره المصنّف، ولكنه فيما إذا لم يستلزم تعريضاً بغباوة المنفي ع--ن-ه لط--ول اشتغاله بالتحصيل ، وإلّا فلا شبهة في كونه غيبة .
قوله : لعموم ما دلّ على حرمة إيذاء المؤمن . أقول : قد دلّت الروايات المتواترة(1)على حرمة إيذاء المؤمن وإهانته وسبّه ، وعلى حرمة التنابز بالألقاب وعلى حرمة تعيير المؤمن بصدور معصية منه فضلاً عن غير المعصية . إلّا أنّها
1) راجع الوسائل 12 : 264 / أبواب أحكام العشرة ب 145 وما بعده من الأبواب .
خارجة عن المقام كما ذكره المصنّف ، فإنّ النسبة بين ما نحن فيه وبين المذكورات هي العموم من وجه ، وقد أشرنا إلى ذلك في البحث عن حرمة سبّ المؤمن(1).
قوله : ثم إنّ دواعي الغيبة كثيرة .
أقول : الأسباب التي ذكروها باعثة للغيبة عشرة ، وقد اُشير إليها فيما روي عن الصادق (عليه السلام) في مصباح الشريعة(2)ولكن الرواية ضعيفة السند . وتكلّم عليها الشهيد الثاني (رضوان الله عليه) في كشف الريبة(3)بما لا مزيد عليه . ونذكر منها اثنين ، فإنّ لها مأخذاً دقيقاً لا يلتفت إليه نوع الناس ، فيقعون في الغيبة من حيث لا يشعرون .
الأول : أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، بأن يقول : فلان ضعيف الرأي ، وركيك الفهم ، وما ذكره بديهي البطلان ، ونحوها من الكلمات المشعرة بالذم ، وأكثر من يبتلى به هم المزاولون للبحث والتدريس والتأليف فيما إذا أخذهم الغرور والعجب .
الثاني : أن يغتمّ لأجل ما يبتلى به أحد فيظهر غمّه للناس ويذكر سبب غمّه وهو شيء ستره الله على أخيه ، فيقع في الغيبة من حيث إنه يقصد الاهتمام بشأن--ه فإنّ اغتمامه له رحمة ، ولكن ذكره سبب ذلك عليه شرّ . وقد يتصنّع ذلك بعض المنافقين ، ويتخذه وسيلة لهتك أعراض الناس وكشف عوراتهم ، بأن يظهر الاغتمام
والتحسّر لابتلاء شخص محترم ، ثم يذكر فيه ما يوجب افتضاحه في الأنظار وانحطاطه عن درجة الاعتبار. فيلقي نفسه في جهنّم وبئس المصير ، وبذلك يكون إداماً لكلاب النار كما في بعض الأحاديث(1)أستعيذ بالله من الحقد والحسد وغيظ القلوب
قوله : الثاني : في كفّارة الغيبة الماحية لها (2).
أقول : الذي قيل أو يمكن أن يقال في بيان كفّارة الغيبة وجوه ، الأول : الاستحلال من المغتاب - بالفتح-. الثاني : الاستغفار له فقط . الثالث : كلا الأمرين معاً . الرابع : أحدهما على سبيل التخيير . الخامس : التفصيل بين وصول الغيبة إلى المغتاب فكفّارتها الاستحلال منه ، وبين عدم وصولها إليه فكفّارتها الاستغفار له فقط . السادس : التفصيل بين إمكان الاستحلال منه ، وبين عدمه لموت ، أو بعد مكان ، أو كون الاعتذار موجباً لإثارة الفتنة والإهانة ، فعلى الأول يجب الاستحلال منه ، وعلى الثاني يجب الاستغفار له السابع : عدم وجوب شيء منهما في جميع الصور ، بل الواجب على المغتاب - بالكسر - الاستغفار لنفسه والتوبة من ذنبه .
أقول : قبل التكلّم في الوجوه المذكورة لابدّ وأن يعلم أنه إذا شك في وجوب
شيء منها فإنّ أصالة البراءة محكّمة ، للشك في ثبوت التكليف المقتضي للامتثال .
وقال المصنّف (رحمه الله) : إنّ أصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب - بالفتح - على المغتاب - بالكسر - تقتضي عدم الخروج منه إلّا بالاستحلال خاصّة . وفيه : أنه لم يثبت هنا للمقول فيه حقّ حتّى يستصحب بقاؤه ويجب الخروج عن عهدته ، فإنّ من حقّ المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه ، وإذا اغتابه لم يحفظ حقّه فلم يبق موضوع للاستصحاب ، ولم يثبت بذلك حقّ آخر للمغتاب حتّى يستصحب . وعليه فلا وجه لما أفاده المحقّق الإيرواني (1)من أنّ الأصل في المسألة هو الاحتياط والإتيان بكل ما احتمل دخله في رفع العقاب من الاستحلال والتوبة والاستغفار للمغتاب - بالفتح - وغير ذلك .
إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا الاستحلال من المغتاب مطلقاً فذهب إلى وجوبه جمع من الأصحاب ، قال الشهيد في كشف الريبة : اعلم أنّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب على ما فعله ليخرج من حقّ الله سبحانه وتعالى ، ثم يستحل المغتاب ليحلّه فيخرج عن مظلمته(2).
ويمكن الاستدلال على ذلك بأنّ الغيبة من حقوق الناس ، وحقوق الناس لا ترتفع إلّا باسقاط ذي الحقّ منهم .
أمّا الوجه في الصغرى فلأنّها ظلم للمغتاب ، ولما ورد في الأخبار الكثيرة من أن حقّ المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه(3).
وأمّا الوجه في الكبرى فهو جملة من الروايات :
منها : ما دلّ على أنّ الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها ، وقد تقدّمت هذه الرواية فى البحث عن أنّها صغيرة أو كبيرة(1). وفيه : أنّها وإن كانت واضحة الدلالة على المقصود ، ولكنّها ضعيفة السند .
ومنها : ما عن الكراجكي عن علي (عليه السلام) في رواية قال فيها : إنّ للمؤمن على المؤمن ثلاثين حقّاً ، وذكرها على التفصيل ، ثم قال(عليه السلام): « سمعت رسول الله يقول : إنّ أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالبه يوم القيامة فيقضى له و علیه »(2).
وفيه أولاً : أنها ضعيفة السند . وثانياً : أنّها لا تدل على وجوب الاستحلال لاشتمالها على حقوق لا قائل بوجوب أدائها ، كعيادة المريض ، وحضور الميّت وقضاء الحاجة ، وغيرها . ولم يتوهّم أحد ولا يتوهّم أنّ من لم يعمل بالحقوق المذكورة في هذه الرواية وغيرها من الروايات المتواترة الواردة في حقوق الإخوان وجب عليه أن يستحل من ذي الحقّ مع التّمكن ، ومن وليّه مع عدمه ، نظير الحقوق المالية ، وإنّما هي حقوق أخلاقية ينبغي للإنسان أن يراعيها ، ويواظب عليها لكونها مقوّمة لاجتماعهم ، بل هي في الجملة من مقتضيات طبع البشر والعقلاء مع قطع النظر عن الشريعة . وعليه فالمراد من القضاء بموجبها يوم القيامة هو ما ذكره المصنّف من المعاملة معه معاملة من لم يراع حقوق المؤمن ، لا العقاب عليها .
ومنها : النبوي : « من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال
فليستحلها »(1). وفيه : أنّه ضعيف السند ، ولا بأس بحمله على الاستحباب للتسامح في أدلّة السنن. نعم قد ثبت بالأدلّة القطعية الضمان في الحقوق المالية فقط .
ومنها : ما عن عائشة أنّها قالت لامرأة قالت لاُخرى إنّها طويلة الذيل : قد اغتبتيها فاستحليها(2). وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ ما ذكر فيها ليس من الغيبة ، لأنّه من الاُمور الظاهرة . وثالثاً : أنه لا حجّية في قول عائشة .
ومنها : ما دلّ على أنّ من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة إلّا أن يغفر له صاحبه(3).
وفيه أولاً : أنّه ضعيف السند. وثانياً : أنه لابدّ من حمل نظائر هذه الأخبار على الأحكام الأخلاقية ، فإنه لم يتفوّه أحد ببطلان عبادة المغتاب - بالكسر - ووجوب القضاء عليه بعد التوبة .
ومنها : ما دل على انتقال الأعمال الصالحة باغتياب الناس إلى المغتاب بالفتح - فإذا استحلّ منه رجعت إلى صاحبها(4). وفيه : مضافاً إلى كونه ضعيف السند ، أنّه لا دلالة له على وجوب الاستحلال.
وقد ذكر المصنّف أنّ في الدعاء التاسع والثلاثين من أدعية الصحيفة
1) راجع سنن البيهقي 6 : 83 / باب الاعتراف بالحقوق والخروج عن المظالم ، وكشف الريبة : 105 ، ومرآة العقول 10 : 433 ، وإحياء العلوم 3: 153 .
2) راجع إحياء العلوم 3 : 154 .
3) كرواية جامع الأخبار [ 412 / فصل 109 ، ح 7 ] . وهي مرسلة ، راجع المستدرك 9 : 122 / أبواب أحكام العشرة ب 132 ح 34 .
4) كرواية جامع الأخبار [ 412 / فصل 109 / 10] وهي مرسلة. راجع المصدر المتقدم من المستدرك ح 30 [لا يخفى عدم دلالتها على المطلوب ] .
السجّادية(1)ودعاء يوم الاثنين (2)من ملحقاتها ما يدلّ على هذا المعنى أيضاً .
وفيه : أنّ ما فيهما أجنبي عمّا نحن فيه ، أمّا الأول : فهو مسوق لطلب العفو والرحمة لذي الحقّ والمظلمة في حال عدم التمكّن من استحلاله ، ولا تعرض ف-ي-ه لوجوب الاستحلال منه أصلاً . وأمّا الثاني : فيدلّ على طلب المغفرة له مع عدم التمكّن من التحلّل والرد ،من غير تعرّض لوجوب الاستحلال كما سيأتي .
وأمّا الاستغفار للمغتاب - بالفتح - فذهب إلى وجوبه غير واح-د م-ن الأصحاب ، ويمكن الاستدلال عليه باُمور :
الأول : ما تقدّم من دعاء السجّاد(عليه السلام)في طلب العفو والرحمة لذوي الحقوق والمظلمة ، وفيه : أنّ الفعل الصادر من المعصوم (عليه السلام) لا يدلّ على الوجوب لكونه أعمّ منه ومن الاستحباب .
الثاني : رواية حفص بن عمر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :« سئل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ما كفّارة الاغتياب ؟ قال : تستغفر الله لمن اغتبته كلّما ذكرته »(3).
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ مقتضى العمل بها هو وجوب الاستغفار للمغتاب - بالفتح- كلّما ذكره ، أو كل وقت ذكر الاغتياب ، ومن الواضح أنّ هذا خلاف الضرورة ، ولم يلتزم به فقيه فيما نعلم ، وإن ذكره بعض أهل الأخلاق
1) وهو قوله (عليه السلام) : « اللهمّ وأيّما عبدٍ من عبيدك أدركه منّي درك أو مسّه من ناحيتي أذىّ أو لحقه بي...» .
2) الآتي في ص 515 الهامش رقم (4) .
3) وهي مجهولة بحفص بن عمر . راجع الكافي 2 : 3572 / 4 ، والوافي 5 : 979 / 7 والوسائل 17 : 290 / أبواب أحكام العشرة ب 155 ح 1 . أقول : قد نسب المصنّف هذه الرواية إلى السكوني ، وهو من سهو القلم [ راجع المكاسب 1 : 338 ] .
وعليه فتحمل الرواية على الجهات الأخلاقية. نعم بناءً على كون النسخة « ك-م-ا ذكرته » بدل « كلّما ذكرته » على ما ذكره المجلسي في مرآة العقول(1)لا يتوجّه عليها الإشكال الثاني .
الثالث : ما في رواية السكوني من قول الإمام (عليه السلام) : « من ظلم أحداً ففاته فليستغفر الله له ، فإنّه كفّارة له(2)بدعوى أنّ الضمير المنصوب في كلمة « فاته » يرجع إلى الظلم المفهوم من كلمة « ظلم » نظير قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(3)ومن الواضح أنّ الغيبة من الظلم ، فيجب على من اغتاب أحداً أن يستغفر له .
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ الظاهر منها رجوع الضمير إلى المظلوم كما جزم به المجلسي (رحمه الله) في مرآة العقول(4). فالمعنى أنّ من لم يدرك المظلوم ليطلب منه براءة الذمّة ويسترضيه عن المظلمة فليستغفر الله له ، وعليه فتدلّ الرواية على وجوب طلب المغفرة للمظلوم مع عدم التمكّن من الوصول إليه ، لا مطلقاً .
و ممّا ذكرناه في الرواية الثانية والثالثة ظهر الجواب عن روايتي الجعفريات(5)
1) مرآة العقول 10 : 431 .
2) وهي ضعيفة بالنوفلي . راجع الكافي 2 : 334 / 20 ، والوافي :5 : 970 / 21 ، والوسائل 16: 53 / أبواب جهاد النفس ب 78 ح 5 .
3) المائدة 5: 8 .
4) مرآة العقول 10 : 308 .
5) في المستدرك 9: 130 / أبواب أحكام العشرة ب 135 ح 1 عن النبي (صلّى الله عليه و آله وسلم) : « من ظلم أحداً فعابه فليستغفر الله له كما ذكره ، فإنّه كفّارة له » . وهي مجهولة بموسى وفي 12 : 103 / أبواب جهاد النفس ب 78 ح 1 عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من ظلم أحداً ففاته فليستغفر الله كلّما ذكره ، فإنّه كفّارة له » . وهي مجهولة بموسى [ لاحظ الجعفريات : 373 / 1499 ، فإنّ المذكور فيها الرواية الأُولى ] .
أيضاً .
ومن جميع ما حقّقناه في عدم وجوب الاستحلال والاستغفار تكليفاً ظهر الجواب عن القول بوجوب كلا الأمرين تعييناً أو تخييراً ، وعلم أيضاً أنه لا وجه لما نقله المامقاني(1)عن بعض مشايخه من العمل بطائفتي الأخبار الدالّة إحداهما على الاستغفار والأٌخرى منهما على الاستحلال ، فيلزم المغتاب - بالكسر - الجمع بينهما بأن يستغفر للمقول فيه ويستحل منه .
وأمّا التفصيل بين وصول الغيبة للمقول فيه وبين عدم وصولها إليه فيجب الاستحلال منه في الصورة الاُولى ويجب الاستغفار له في الصورة الثانية ، فقد ذهب إليه جمع من أعاظم الأصحاب كالشهيد الثاني(2)والمجلسي(3)وغيرهما .
قال المحقّق الطوسي في مبحث التوبة من التجريد : ويجب الاعتذار ع-ن المغتاب مع بلوغه(4). وتبعه العلّامة (5)والقوشجي(6)في شرحها على التجريد .
ويدلّ على هذا التفصيل ما عن مصباح الشريعة ، وهو قوله (عليه السلام) :
ابن إسماعيل .
«إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحلّ منه ، فإن لم تبلغه ولم تلحقه فاستغفر الله له »(1).
وفيه أولاً : أنّه ضعيف السند . وثانياً : أنّ الغيبة إن كانت من حقوق الناس وجب الاستحلال من المقول فيه، سواء علم بذلك أم لا، وإلّا بقي المغتاب بالكسر - مشغول الذمّة إلى الأبد ، ويكون شأن الغيبة في ذلك شأن الحقوق المالية .
وإن لم تكن من حقوق الناس فلا وجه لوجوب الاستحلال من المقول فيه وإن بلغته الغيبة . وعلى كل حال ، فلا وجه للتفصيل المذكور ، ولابدّ إمّا من حمل الرواية على الجهات الأخلاقية ، أو ردّ علمها إلى قائلها.
وممّا ذكرناه ظهر ما في كلامي الشهيد في كشف الريبة(2)والمجلسي في مرآة العقول(3)من الضعف ، حيث جعلا التفصيل المذكور وجه الجمع بين الروايات .
وأمّا التفصيل بين إمكان الاستحلال وعدمه فألحقه الشهيد في كشف الريبة بالتفصيل المتقدّم حكماً ، وقال : وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة .
ويمكن الاستدلال عليه بما في دعاء السجّاد (عليه السلام) يوم الاثنين(4)من طلب العفو والمغفرة لذوي الحقوق والمظلمة مع عدم إمكان الخروج عنها .
1) وهي مرسلة . راجع المستدرك 9 : 117 / أبواب أحكام العشرة ب132 ح 19 ، مصباح الشريعة : 205 .
2) كشف الريبة : 105
3) مرآة العقول 10 : 432 .
4) قال (عليه السلام) : « فأيّما عبد من عبيدك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إيّاه في نفسه أو في عرضه أو في ماله أو في أهله وولده أو غيبة اغتبته بها - إلى أن قال : - فقصرت يدي وضاق وسعي عن ردّها إليه والتحلّل منه فأسألك - إلى أن قال : - وأن ترضيه عنّي بما شئت » .
وفيه أولاً : أنّ الأدعية الواردة في أيّام الاسبوع لم يثبت ك-ون-ه-ا م-ن زي--ن العابدين (عليه السلام) ولذا عدّوها من الملحقات للصحيفة المعروفة . وثانياً: أنّ فعل المعصوم وإن كان حجّة كسائر الأمارات المعتبرة ، إلّا أنّه مجمل لا يدلّ على الوجوب ، كما عرفته آنفاً .
وأمّا الاكتفاء بالتوبة في محو تبعات الغيبة ، كما يكتفى بها في محو تبعات سائر المعاصي فهو المتعيّن ، لقيام الضرورة ، ودلالة الآيات المتظافرة(1)،والروايات(2)المتواترة من الفريقين على أنّ التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له .
وفي إحياء العلوم عن مجاهد : إنّ كفّارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير(3). وفيه : أنه وإن كان حكماً أخلاقياً ، ولكن قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّه لا دليل عليه .
وكذلك لا وجه لما حكاه عن عطا من أنّه سئل عن التوبة من الغيبة ؟ قال : أن تمشي إلى صاحبك فتقول له : كذبت فيها قلت ، وظلمتك ، وأسأتُ ، وإن شئتَ أخذتَ بحقّك ، وإن شئت عفوت . وهذا هو الأصح .
على أنّ ما ذكره في طريق الاعتذار من أن يقول المغتاب - بالكسر - لصاحبه : كذبتُ فيها قلت . كذب محرّم، لما عرفت من أنّ الغيبة كشف العيوب
المستورة الموجودة في المقول فيه ، فلا يكون الاغتياب من الأكاذيب .
قوله : والإنصاف أنّ الأخبار الواردة في هذا الباب كلّها غير نقيّة السند.
أقول : ربما قيل : إنّه لا لمناقشة المصنّف فى اعتبار الروايات ، فإنّه قد
اعترف بكونها مستفيضة . على أنّه (رحمه الله) جعل من أدلّة وجوب الاستحلال الدعاء التاسع والثلاثين من الصحيفة ، ومن البديهي أنّ الصحيفة وصلت إلينا بسند معتبر عن الإمام الرابع ، عليه وعلى آبائه ألف تحية وسلام .
وفيه : أنّ مراد المصنّف من الأخبار التي ناقش في اعتبارها غير الدعاء المزبور كما هو الظاهر ، وإنّما لم يلتزم بوجوب الاستحلال لأنّ الدعاء غ-ي-ر ت--امّ الدلالة عليه . وأمّا الاستفاضة فهي لا تنافي عدم الاعتبار ، فإنّ الخبر المستفيض قسم من الأخبار الآحاد كما حقّق في محلّه ، ولذا يجعلونه في مقابل المتواتر .
قوله : الثالث : فيما استثني من الغيبة وحكم بجوازها بالمعنى الأعمّ(1).
أقول : ذكر المصنّف تبعاً لجامع المقاصد(2)أنّ المستفاد من الأخبار أنّ الغيبة المحرّمة هى ما كان الغرض منها انتقاص المؤمن وهتك عرضه ، أو التفكّه به ، أو إضحاك الناس منه . وأمّا إذا كان الاغتياب لغرض صحيح راجع إلى المغتاب- بالكسر أو الفتح - أو إلى ثالث بحيث يكون هذا الغرض الصحيح أعظم مصلحة من احترام المؤمن وجب العمل على طبق أقوى المصلحتين ، وهذا كنصح المستشير والتظلّم ونحوهما، وعليه فموارد الاستثناء لا تنحصر بعدد معين ، بل المدار فيها وجود مصلحة أهم من مصلحة احترام المؤمن . وعلى هذا المنهج جميع موارد التزاحم في الواجبات والمحرّمات ، سواء كانت من حقوق الله أم من حقوق الناس.
أقول : مقتضى الأدلّة المتقدّمة هو تحريم الغيبة بعنوانها الأوّلي ، سواء انطبقت
عليها سائر العناوين المحرّمة أم لا، وعليه فلا وجه لجعل حرمة الغيبة تابعة لقصد هتك المؤمن، أو التفكّه به، أو انطباق غيرهما من العناوين المحرّمة. نعم ما ذكره المصنّف تبعاً لجامع المقاصد في ضابطة ترجيح الأهم على المهم فهو في غاية المتانة والجودة على ما نقّحناه في علم الأُصول(1)، ولا تحصى ثمراته في علم الفقه ، إلّا أنّه لا وجه لذكر هذه الضابطة في المقام، فإنّ الكلام هنا متمحّض لبيان مستثنيات الغيبة بحسب التعبّد بالأدلّة الخاصّة ، فلا مساس له بلحاظ المناط والعمل بطبق أقوى الملاكين . وكيف كان ، فقد عدّوا من مستثنيات الغيبة اُموراً :
الأول : المتجاهر بالفسق ، فإنّه يجوز اغتيابه بلا خلاف بين الشيعة والسنّة(2)وتدلّ على جواز غيبته جملة من الروايات :
منها : رواية هارون بن الجهم عن الصادق (عليه السلام) قال : « إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة .»(3)وفيه : أنّ الرواية وإن كانت ظاهرة الدلالة على المدّعى ، ولكنّها ضعيفة السند .
ومنها : النبوي : « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له »(4). أقول : ليس المراد في الحديث من ألقى جلباب الحياء بينه وبين ربّه حتّى قام في صفّ المتمردّين عليه وإلّا لدلّ الخبر على جواز اغتياب كل مذنب ، لهتكهم الستر المرخى بينهم وبين
1) محاضرات في أُصول الفقه 3 (موسوعة الإمام الخوئي 45) : 76 .
2) راجع إحياء العلوم 3: 153
3) وهي ضعيفة بأحمد بن هارون . راجع الوسائل 12 : 289 / أبواب أحكام العشرة ب 154 ح 4 ، والبحار 72 : 253 / 32 .
4) راجع المستدرك 9 : 129 / أبواب أحكام العشرة ب 132 ح 3 ، وسنن البيهقي 10 : 210 وإحياء العلوم 3: 153 .
ربّهم . وليس المراد به أيضاً من لا يبالي بارتكاب الاُمور العادية غير المناسبة لنوع الناس ، كالأكل في السوق ، والجلوس في المقاهي ، والاعتياد على الأكل في الضيافة زائداً على المتعارف ، بل المراد منه هو الفاسق المعلن بفسقه غير المبالي بالتمرّد على الشارع والجرأة على مخالفته بالإقدام على القبائح والمعاصي علناً ، فيدلّ على المقصود . إلّا أنّه ضعيف السند.
ومنها : الروايات الدالّة على أنّ الفاسق المعلن بفسقه لا غيبة له ولا حرمة(1)
وفي المستدرك 9 : 128 / أبواب أحكام العشرة ب 134 ح 1، 2 عن القطب عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لا غيبة لثلاثة : سلطان جائر ، وفاسق معلن ، وصاحب بدعة » وهي مرسلة .
وعن السيّد فضل الله الراوندي [ في النوادر : 133 / 171 ] : « أربعة ليس غيبتهم غيبة : الفاسق المعلن بفسقه » وهي مرسلة .
وفي ح6 عن عوالي اللئالي [ 1 : 1438 / 153 ] عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : « لا غيبة لفاسق أو في فاسق » وهي مرسلة .
إلّا أنّها ضعيفة السند .ومنها : ما روي عنه ( عليه السلام) بطرق عديدة : « من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدّثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، كان ممّن حرمت غيبته وكملت مروّته ، وظهر عدله ، ووجبت اُخوّته »(2)فهذه الرواية دلّت بمفهومها على
1) ففي الوسائل 12 : 289 / أبواب أحكام العشرة ب 154 ح 5 عن قرب الإسناد [ 176 / 645 ] قال (عليه السلام) : « ثلاثة ليس لهم حرمة : صاحب هوى مبتدع ، والإمام الجائر والفاسق المعلن بالفسق » وهي ضعيفة بأبي البختري . ورواها الغزالي في إحياء العلوم 3 : 153 عن الحسن .
2) وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى . راجع مرآة العقول 9 : 273 / 28 . والوافي 5 : 569 / 4 والوسائل 12 : 278 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 2 . وفي الوسائل 27 : 396 / كتاب الشهادات ب 41 ح 15 نقل هذا الحديث عن الخصال [ 208 / 28 ] والعيون [ 30 / 34 بتفاوت يسير ] ولكن ما عن الخصال ضعيف بزيد بن محمد وعبدالله بن أحمد الطائي وأبيه . وأمّا ما عن العيون فرواه الصدوق عن الرضا (عليه السلام) بطرق ثلاثة وكلّها مجهولة .وفي المستدرك 17 : 440 / كتاب الشهادات ب 35 ح 9 رواه بطريقين مجهولين ب-داود ب-ن سليمان وأحمد بن عامر الطائي وغيرهما . إذن فلا يجوز الاستناد إلى ذلك الحديث ، والله العالم .
أنّ من ارتكب الاُمور المذكورة فهو جائز الغيبة ، ومن الواضح أنّ من ظلم الناس في معاملاتهم وكذبهم في حديثهم كان متجاهراً بالفسق .
ولكن الرواية بجميع طرقها ضعيفة السند . على أنّ الظاهر من هذه الرواية ومن صحيحة ابن أبي يعفور ورواية علقمة الآتيتين اعتبار العدالة في حرمة الغيبة ولم يلتزم به أحد .
ومنها : صحيحة ابن أبي يعفور(1)فقد دلّت على أنّ حرمة التفتيش ع--ن أحوال الناس مترتّبة على الستر والعفاف منهم ، ومقتضى ذلك أنّ حرمة التفتيش تنتفي إذا انتفت الاُمور المذكورة .
وفيه : أنّ التفتيش غير الغيبة ، وحرمة أحدهما لا تستلزم حرمة الآخر ، نعم قد يجتمعان . ثم لو سلّمنا اتّحادهما فإنّ مقتضى ذلك اعتبار العدالة في حرمة الغيبة .
ومنها : ما في رواية علقمة عن الصادق (عليه السلام) وهو قوله : « فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً ، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان ، فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة ، وإن كان في نفسه مذنباً . ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية
1) راجع المصدر المتقدّم من الوسائل ح1 .
الله ، وداخل في ولاية الشيطان»(1).
قال المصنّف : دلّ على ترتّب حرمة الاغتياب وقبول الشهادة على كونه من أهل الستر وكونه من أهل العدالة - على طريق اللفّ والنشر - أو على اشتراط الكل بكون الرجل غير مرئي منه المعصية ، ولا مشهوداً عليه بها ، ومقتضى المفهوم جواز الاغتياب مع عدم الشرط ، خرج منه غير المتجاهر (2).
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند .
وثانياً : أنّ ظاهرها اعتبار العدالة في حرمة الغيبة ، وهو بديهي البطلان كما عرفت آنفاً .
وثالثاً : أن ظاهر مفهومها هو أنّ غيبة الرجل جائزة لمن يشاهد صدور المعصية منه ، أو إذا شهد عليه بها شاهدان ، وعليه فتنحصر موارد الأدلّة الدالّة على حرمة الغيبة بالعيوب البدنية والأخلاقية ، فإنّ المغتاب - بالكسر - لابدّ له من العلم حين يغتاب ، وإلّا كان من البهتان لا من الغيبة ، وهذا خلاف صراحة غير واحد من الروايات الدالّة على حرمتها ، على أنّه لم يلتزم به أحد. نعم لو أُريد من الخطاب في قوله (عليه السلام) : « فمن لم تره بعينك» العنوان الكلّي والقضية الحقيقية - وكان معناه أنّ صدور المعصية منه بمرأى من الناس ومسمع منهم ، بحيث يرى الناس ویرونه وهو يوقع المعصية - لسلم عن هذا الإشكال .
ومنها : ما في رواية ابن أبي يعفور من قوله ( عليه السلام) : « وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : لا غيبة إلّا لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا ، ومن رغب عن
جماعة المسلمين وجبت على المسلمين غيبته »(1)فإنّه يدلّ على جواز غيبة من رغب عن الجماعة ، بل على وجوبها .
وفيه أولاً : أنّ أصل الرواية وإن كانت صحيحة كما عرفت إلّا أنّ هذه القطعة قد زيدت عليها في رواية الشيخ(2)، وهي مشتملة على ضعف في السند .
وثانياً : أنّها مختصّة بمن رغب عن الجماعة ، فلا تعمّ غيره .
وثالثاً : أنّ ظاهر الرواية هو دوران الغيبة والعدالة إثباتاً ونفياً مدار حضور الجماعة والرغبة عنها ، ويدلّ على هذا من الرواية أيضاً قوله (عليه السلام) بعد القطعة المذكورة : « وسقطت بينهم عدالته ، ووجب هجرانه، وإذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره ، فإن حضر جماعة المسلمين وإلّا أحرق عليه بيته ، ومن لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته ، وثبتت عدالته بينهم » .
وحاصل ما تقدّم : أنّه لم يدل دليل معتبر على جواز غيبة المتجاهر بالفسق ليكون مقيّداً للإطلاقات الدالّة على حرمة الغيبة مطلقاً . نعم قد ذكرنا في معنى الغيبة أنّها عبارة عن كشف ما ستره الله على العباد ، وأيّدناه ببعض الروايات فيكون المتجاهر بالفسق خارجاً عن حدود الغيبة تخصّصاً وموضوعاً ، لأنّه قد كشف ستره بنفسه قبل أن يكشفه المغتاب - بالكسر - .
الأول : هل يعتبر في جواز غيبة المتجاهر بالفسق قصد الغرض الصحيح من
النهي عن المنكر وردعه عن المعاصي ، أو لا ؟ مقتضى العمل بالإطلاقات المتقدّمة الدالّة على نفي الغيبة عن المتجاهر بالفسق هو الثاني ، إذ لم تقيّد بالقصد المذكور ، كما أنّ ذلك أيضاً مقتضى ما ذكرنا من خروج ذكر المتجاهر بالفسق عن تعريف الغيبة موضوعاً ، إذ لم يتقيّد عنوان الغيبة بأكثر من كونها كشفاً لما ستره الله.
الثاني : هل تجوز غيبة المتجاهر في جميع ما ارتكبه من المعاصي وإن لم يتجاهر إلّا في بعضها كما عن الحدائق(1)، أو لا تجوز إلّا فيما تجاهر فيه كما عن الشهيد الثاني (رحمه الله)(2)؟
وفصّل المصنّف بين المعاصي التي هي دون ما تجاهر فيه في القبح وبين غيرها فيجوز اغتيابه في الأول ، ولا يجوز اغتيابه في الثاني . ومثاله : من تجاهر باللواط جاز اغتيابه بالتعرّض للأجنبيات ، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة ومن تجاهر بكونه جلّاد سلطان الجور - يقتل الناس ، ويمثل بهم ، وينكل - ج--از اغتيابه بشرب الخمر والزنا واللواط ، ومن تجاهر بنفس المعصية جاز اغتيابه في مقدّماتها ، ومن تجاهر بالمعاصي الكبيرة جاز اغتيابه بالتعرّض لجميع القبائح . ولعلّ هذا هو المراد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له »(3)لا من تجاهر بمعصية خاصّة وعدّ مستوراً في غيرها ، كبعض عمّال الظلمة . انتهى ملخّص كلامه .
أقول : أمّا القول بالتفصيل المذكور فلا دليل عليه بوجه ، فإنّ بعض الناس قد يتجاهر بالذنوب الكبيرة ، كقتل النفوس المحترمة ، وشرب الخمور ، وأكل أموال
الناس ، ومع ذلك يتستّر فيا هو دونها ، كإيذاء الجار ، والنظر إلى الأجنبيات ، وترك العبادات الواجبة .
نعم إذا تجاهر في معصية جاز اغتيابه بها وبلوازمها ، فإذا تجاهر بشرب الخمر جاز اغتيابه بتهيئة مقدّمات الشرب من الشراء والحمل أو الصنع ، فإنّ الالتزام بالشيء التزام بلوازمه . ومن ألقى جلباب الحياء في معصية ألقى جلبابه في لوازم---ه أيضاً . وعليه فيدور الأمر بين القول بالجواز مطلقاً ، وبين القول بعدم الجواز كذلك .
وقد يقال : إنّ الظاهر هو جواز اغتياب المتجاهر مطلقاً ، كما عن الحدائق . بل استظهره من كلام جملة من الأعلام ، بل ذكر المصنّف تصريح بعض الأساطين(1)بذلك . والوجه فيه : هو إطلاق الروايات المتقدّمة، فإنّه دالّ على جواز غيبة المتجاهر بالفسق حتّى بذكر المعاصي التي لم يتجاهر فيها . فكأنّ تج-اه-ره بمعصية واحدة أسقط احترامه في نظر الشارع بحيث صار مهدور الحرمة ، كما أنّ المرتدّ بارتداده يصبح مهدور الدم.
ولكنّك قد عرفت ضعف الروايات المذكورة، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها وعليه فالاقتصار على المقدار المتيقّن يقتضي عدم جواز غيبة المتجاهر بغير ما تجاهر فيه وفي لوازمه .
الثالث : ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنه يعتبر في صدق التجاهر بالفسق أن يكون المتجاهر به ممّا يوجب الفسق والخروج عن العدالة ، فلو ارتكب أحد الحرام الواقعي لشبهة حكمية أو موضوعية فإنه ليس بمذنب ، فضلاً عن كونه متجاهراً بالفسق .
أمّا الشبهة الحكمية فكما إذا شرب العصير التمري المغلي قبل ذهاب ثلثيه ، أو
1) شرح القواعد 1 : 228 .
أكل لحم الارنب لأنّه يعتقد إباحتها بحسب اجتهاده أو اجتهاد من يقلّده، فإنّه يكون معذوراً في هذا الارتكاب إذا تمّت له أو لمقلّده مقدمات الاجتهاد. وأمّا الشبهة الموضوعية فكشرب الخمر باعتقاد أنّها ماء ، وكوطى امرأة أجنبية باعتقاد أنّها زوجته ، وكقتل المؤمن باعتقاد أنه مهدور الدم ، فإنّه أيضاً معذور في هذه الأعمال ، إلّا إذا كان مقصراً فيها .
الرابع : قد عرفت أنّ مقتضى العمل بالمطلقات هو جواز غيبة المتجاهر مطلقاً بمجرّد تجاهره بمعصية من المعاصي ، فيكون التجاهر ولو في معصية واحدة علّة تامّة لجواز الغيبة ، وعليه فلا يفرق في ذلك بين أن يكون معروفاً بالتجاهر في الفسق بين جميع الناس وفي جميع س وفي جميع الأمكنة والأصقاع ، أو بين بعضهم وفي بعض البلاد والقرى .
وعلى هذا فلا وجه لما استشكله المصنّف من : دعوى ظهور روايات الرخصة في من لا يستنكف عن الإطّلاع على عمله مطلقاً ، فرب متجاهر في بلد ، متستّر في بلاد الغربة أو في طريق الحجّ والزيارة ، لئلّا يقع عن عيون الناس.
نعم لو تجاهر بذلك بين جماعة هم أصحاب سرّه ورفقائه في العمل فإنّه لا يعدّ متجاهراً بالفسق .
ولكن قد عرفت ضعف المطلقات المذكورة، فلا يمكن الاستناد إليها في تجويز هتك عرض المؤمن وافتضاحه بين الناس، ولا تصلح لتقييد المطلقات الدالّة على حرمة الغيبة . إذن فلا تجوز غيبة المتجاهر إلا لمن تجاهر بالمعصية عنده ، لا من جهة الروايات، بل لعدم تحقّق مفهوم الغيبة مع التجاهر ، على ما ذكرناه في تفسيرها والله العالم .
ولقد أجاد المصنّف حيث قال : وبالجملة ، فحيث كان الأصل في المؤمن الاحترام على الإطلاق ، وجب الاقتصار على ما تيقّن خروجه .
قوله : وهذا هو الفارق بين السبّ والغيبة .
أقول : قد تقدّم توضيح ذلك في البحث عن حرمة سباب المؤمن ، وقلنا : إنّ النسبة بين الغيبة وسبّ المؤمن هي العموم من وجه(1).
قوله : الثاني : تظلّم المظلوم وإظهار ما فعل به الظالم وإن كان متستّراً به(2).
أقول : ذكر الشيعة والسنّة(3)من مستثنيات حرمة الغيبة تظلّم المظلوم وإظهار ما أصابه من الظالم وإن كان متستّراً في ظلمه إيّاه ، كما إذا ضربه أو شتمه أو أخذ ماله أو هجم على داره في مكان لا يراهما أحد أو لا يراهما من يتظلّم إليه ، فإنه يجوز للمظلوم أن يتظلّم بها إلى الناس .
ويدلّ عليه قوله تعالى : لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ(4)فقد ثبت من الخارج أنّ الغيبة من الجهر بالسوء ، فإنّها إظهار ما ستره الله من العيوب الموجبة لهتك المقول فيه وإهانته كما عرفت ، وعليه فتنطبق الآية على ما نحن فيه ، وتكون النتيجة أنّ الله لا يحبّ الاغتياب إلّا للمظلوم ، فإنّ له أن يتظلّم إلى الناس بذكر مساوئ الظالم وإن لم يرج ارتداعه عن ظلمه إيّاه .
وأمّا الرواية المفسّرة للجهر بالسوء بأنّ المراد به الشتم(5)فمضافاً إلى ضعف
السند فيها ، أنّ انطباقه على ذلك لا ينا في انطباقه على الغيبة أيضاً ، لما عرفت مراراً من أنّ الروايات الواردة في تفسير القرآن كلّها لبيان المصداق وتنقيح الصغرى .
وقيّد الشهيد في كشف الريبة(1)وجمع ممّن تأخّر عنه جواز الغيبة هنا بكونها عند من يرجو منه إزالة الظلم عنه ، اقتصاراً في مخالفة الأصل الثابت بالعقل والنقل على المتيقّن ، إذ لا عموم في الآية ليتمسّك به في إثبات الإباحة مطلقاً . وما ورد في تفسير الآية من الأخبار لا ينهض للحجّية ، مع أنّ المروي عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها المحكي عن مجمع البيان : أنّه لا يحبّ الشتم في الانتصار إلّا من ظلم .
وفيه : أنّ الآية وإن لم تشتمل على شيء من ألفاظ العموم وأدواته إلّا أنّ قوله : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ مطلق ، فبمقتضى مقدّمات الحكمة فيه يفيد العموم ، وعليه فيجوز للمظلوم اغتياب الظالم سواء احتمل ارتداعه أم لا .
ويدلّ على الحكم المذكور ما في تفسير القمّي من الرخصة للمظلوم في معارضة الظالم(2)، وكذلك يدلّ عليه ما ورد في تطبيق الآية على ذكر الضيف إساءة المضيف إيّاه(3). ولكن جميع ذلك ضعيف السند .
ثم إنّ المراد من إساءة الضيافة هو هتك الضيف وعدم القيام بما يليق بشأنه وبما تقتضيه وظائف الضيافة والمعاشرة المقرّرة في الشريعة المقدّسة ، ويسمّى ذلك في لغة الفرس بكلمة (پذیرائى) وليس المراد بها ترك ما يشتهيه الضيف ويتمنّاه زائداً
على المقدار المتعارف .
وبعبارة اُخرى : حقّ الضيف على المضيف أن يكرمه ويحترمه بالحدّ الأوسط ، فلا تجوز له مطالبته بالحدّ الأعلى، ولا يجوز للمضيف أن يعامل ضيفه بالحدّ الأدنى ، وإلّا لجاز لأي منهما أن يذكر ما فعله الآخر معه من المساءة ، لأنّه نوع من التظلّم ، فيكون مشمولاً للآية من دون احتياج إلى الرواية ، وحينئذ فيكون تطبيق الآية على إساءة الضيافة مؤيّداً لما ذكرناه .
وقد يستدل على الجواز هنا باُمور غير ناهضة للدلالة على المقصود :
الأول: قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْنُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (1)وقوله تعالى : وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ(2)بدعوى أنّ ذكر المظلوم ما فعله الظالم معه من السوء نحو من الانتصار ، فيكون مشمولاً للآيتين .
وفيه : أنّ الآيتين أجنبيتان عمّا نحن فيه ، بل هما راجعتان إلى جواز الاعتداء والانتقام بالمثل ، نظير قوله تعالى :فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (3). وقد ذهب إلى هذا جمع من الأكابر ، حتّى صرّح الأردبيلي(4)في محكي كلامه بجواز اعتداء المضروب بالضرب والمشتوم بالشتم كما عرفته إجمالاً في البحث عن حرمة السبّ(5). ويدلّ على ما ذكرناه من حمل الآيتين على الانتقام بالمثل قوله تعالى بينهما : وَجَزَاءُ سَيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا .
ودعوى أنّ الغيبة نحو من الاعتداء دعوى جزافية ، فإنه لا إطلاق للآيتين
بالنسبة إلى المجازاة بالمحرّمات، وإلّا لجاز الاعتداء بالزنا ونحوه ، ولم يلتزم به أحد بل هو ضروري البطلان .
الثاني : أنّ في منع المظلوم من التظلّم حرجاً عظيماً ، بل ربما لا يتحمّله إلّا الأوحدي من الناس .
وفيه : أنّ هذا لا يتم في جميع الموارد ، فرب شخص يتحمّل ما لا يحصى من المصائب الشديدة والنوائب العسرة حتّى من الأشخاص الدنيّة بغير حرج ومشقّة. على أنّ في شمول دليل الحرج للمقام إشكالاً بل منعاً ، لأنّه مناف للامتنان في حقّ المغتاب - بالفتح - وقد حقّقنا في معنى أدلّة الحرج والضرر (1)أنّها أدلّة امتنانية وإنّما تجري إذا لم يلزم من جريانها خلاف الامتنان في حقّ الآخرين .
الثالث : أنّ في تشريع الجواز مظنّة ردع الظالم ، وهي مصلحة خالية ع-ن المفسدة ، فتوجب الجواز ، فإنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد على مسلك العدلية .
وفيه : أنّ الأحكام الشرعية وإن كانت تابعة للملاكات الواقعية ، إلّا أنّ المصلحة المظنونة لا تقاوم المفسدة المقطوعة ، لأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً . على أنه ربما لا يرتدع الظالم باغتيابه ، بل قد لا يرتدع بما هو أعظم من الاغتياب ، على أنّ لازم هذا الوجه هو جواز اغتيابه حتّى من غير المظلوم ، فإنّ الظنّ بالارتداع موجود فيهما ، بل قد يكون ذكر غير المظلوم آكد في ردع الظالم .
الرابع : ما في رواية قرب الإسناد المتقدّمة في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق(2)وهو قوله (عليه السلام) : « ثلاثة ليس لهم حرمة : صاحب هوى مبتدع
والإمام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق » بدعوى أنّ عدم احترام الإمام الجائر إنّما هو لجوره، لا لتجاهره بالفسق ، وإلّا لم يكن قسيماً للفاسق المعلن بفسقه.
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند كما عرفته في المبحث المذكور . وثانياً : يمكن أن يراد من الإمام الجائر من يتقمّص بقميص الخلافة على غير استحقاق ، ويشغل منصب الإمامة بغير رضى هدى من الله ورسوله . ويمكن أن يراد به مطلق القاعد الذي يجور على الناس ويظلمهم، سواء ادّعى الخلافة مع ذلك أم لا ، ويعبّر عنه في لغة الفرس بلفظ (زمامدار) وعليه فيدخل فيه من يقضي بين الناس أو يفتيهم على غير الله ورسوله . وعلى كل حال ، فلا دلالة في توصيف الإمام بالجور على علّيته لجواز الغيبة ، فإنّ عطف الفاسق عليه من قبيل عطف العام على الخاص .
على أنّ الرواية المذكورة مروية عن النبي بسند آخر(1)وهي تشتمل على توصيف الإمام بالكذّاب . على أنّ هذا الوجه لو دلّ على الجواز لم يختصّ بخصوص المظلوم ، فإنّ الإمام الجائر يجوز اغتيابه لكل أحد ، فعموم العلّة - أعني الج--ور - يقتضي عموم الحكم .
الخامس : قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « فإنّ لصاحب الحقّ مقالاً »(2)
وفي إحياء العلوم 3 : 152 ذكر هذه الجملة : « إنّ لصاحب الحقّ مقالاً » في مسوغات الغيبة ، ولم يذكر المصدر .
.1) وهي مجهولة بموسى بن إسماعيل . راجع المستدرك 9 : 128 / أبواب أحكام العشرة ب 134 ح 2 .
2) في مرآة العقول 10 : 419 . وسنن البيهقي 6 : 52 / باب ما جاء في التقاضي . وصحيح البخاري 2 : 37 / باب الوكالة في قضاء الدَين عن أبي هريرة : « أنّ أعرابياً تقاضى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ديناً كان له عليه فأغلظ له، فهمّ به أصحاب النبي (صلّى الله عليه و آله وسلم) فقال النبي : دعوه ، فإنّ لصاحب الحقّ مقالاً ، ثم قال : اقضوه ، فقالوا : لا نجد إلّا سنّاً أفضل من سنّه ، قال : اشتروه واعطوه ، فإنّ خيركم أحسنكم قضاء » .
وفيه أولاً : أنّه ضعيف السند، وغير منجبر بشيء . وثانياً : أنّه لا دليل إلّا على ثبوت المقال لصاحب الحقّ من حيث الكبرى، أي في موارد ثبوت الحقّ له بالفعل ، وأمّا إحراز الصغرى فلابدّ وأن يكون بأدلّة اُخرى .
ومعنى الحديث أنّ كل من ثبت له حق فعلي على أحد من الحقوق المالية والعرضية والبدنية وغيرها فله مقال في المطالبة به ، والمرافعة عليه . وعلى هذا فلا تشمل المظلوم الذي اُضيع حقّه ، وفات بالظلم عليه ، إذ ليس له حق فعليّ ح--تّى يكون له مقال فى المطالبة به ، والمرافعة عليه .
ويحتمل اختصاصه بالدَين فقط ، فيكون مساوقاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) :«ليّ الواجد بالدَين يحلّ عرضه وعقوبته ما لم يكن دَينه فيا يكره الله عزّوجلّ»(1).
عدم جواز الغيبة في ترك الأولى
لا يجوز للمظلوم أن يغتاب الظالم بترك الأولى ، لعدم الدَليل عليه . وق--د يستدل على الجواز بروايتين :
الاُولى : رواية حمّاد بن عثمان الواردة في استقضاء الدين(2)، فإنّها ظاهرة في
1) وهي ضعيفة بهارون . راجع الوسائل 18 : 333 / أبواب الدين والقرض ب8 ح 4 . وفي سنن البيهقي 6 : 51 روى هذه الجملة : « ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته » في أحاديث شتّى . وفي المستدرك 13 : 397 / أبواب الدَين والقرض ب 8 ح 5 روى هذه الجملة : « لیّ الواجد يحلّ عقوبته » عن عوالي اللئالي [ 4 : 72 / 44 ] مرسلاً .
2) ففي الكافي 5 : 100 / 1 ، والوافي 18 : 7/801 ، والوسائل 18 : 348 / أبواب الدَين والقرض ب 16 ح 1 عن حمّاد قال : « دخل رجل على أبي عبدالله (عليه السلام) فشكي إليه رجلاً من أصحابه ، فلم يلبث أن جاء المشكو ، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) ما لفلان يشكوك ؟ فقال له : يشكوني أنّي استقضيت منه حقّي ، قال : فجلس أبو عبدالله مغضباً ثم قال : كأنّك إذا استقضيت حقّك لم تسئ ، أرأيت ما حكى الله عزّوجلّ فقال : وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ أترى أنّهم خافوا الله أن يجور عليهم ، لا والله ما خافوا إلّا الاستقضاء ، فسمآه الله سوء الحساب ، فمن استقضى فقد أساء » وهي ضعيفة بمعلّى بن محمد .ورواها في التهذيب 6 : 194 / 425 بسند فيه جهالة بمحمّد بن يحيى الصيرفي ، وفي المستدرك 13 : 406 / أبواب الدَين والقرض ب 16 - 3 عن العياشي [ في التفسير 2 : 210 / 41 ] مرسلاً .
جواز الشكوى من الدائن لتركه الأولى ، لأنّ الإمهال في قضاء الدَين من الاُمور المستحبّة .وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ ظاهر الفرض في الرواية أنّ الدائن قد تعدّى على المديون ، فطلب منه أداء الدَين مع عدم وجوب الأداء عليه لعسر أو لغيره ، ولا شبهة أنّ ذلك ظلم تباح معه الغيبة .ويؤيّد ذلك أنّ الإمام (عليه السلام لم يوجب على المديون أداء الدَين ، ولو كان واجداً ولم يكن له عذر لكان أداء الدَين واجباً عليه بلا ريب ، لما ورد « أنّ ليَّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته » وقد عرفت ذلك آنفاً .)هذا كلّه على النسخة المعروفة التي تبعها صاحب الوسائل والمصنّف في النقل وأمّا على نسختي الوافي والمستدرك وما ذكره المجلسي(1عن بعض النسخ القديمة من تبديل الضاد المعجمة في « استقضيت » في الموضعين بالصاد المهملة فالرواية تكاد تكون نصّاً فيما ذكرناه ، فإنّ معنى الاستقصاء في الحقّ البلوغ إلى الغاية)
1) راجع مرآة العقول 19 : 54 / باب آداب اقتضاء الدَين ح1 .
في المطالبة . ومن الواضح أنّ ذلك قد يؤدّي إلى الهتك والظلم ، فيكون حراماً . وعليه فتكون الرواية من جملة ما دلّ على جواز اغتياب الظالم من قبل المظلوم بذكر أوصافه المحرمة كما تقدّم .ومن تأمّل الرواية وتشديد الإمام (عليه السلام فيها على المشكو عليه واستشهاده بالآية يطمئن بصحة نسخة الوافي . على أنّ المحدّث الكاشاني دقيق في نقله . ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه وتسليم عدم ظهور الرواية فيما نقول فليس لها ظهور فيما ذكره المصنّف أيضاً ، فتكون مجملة.)الثانية : مرسلة ثعلبة بن ميمون(1، قال : « كان عنده قوم يحدّثهم إذ ذكر رجل منهم رجلاً فوقع فيه وشكاه ، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): وأنّى لك بأخيك كلّه ، وأي الرجال المهذّب »فإنّ الظاهر من الجواب أنّ الشكوى إنّما كانت من ترك الأولى الذي لا يليق بالأخ الكامل المهذّب.)وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ جواب الإمام (عليه السلام ظاهر في أنّ الصنع الذي شكى منه الرجل أمر يرتكبه جميع الناس ، وليس يوجد من لا يرتكبه إلّا الأوحدي ، وعليه فيخرج هذا عن موضوع الغيبة ، فقد عرفت أنّه-ا كشف ما ستره الله .)وقد يستدل على جواز الغيبة بترك الأولى بما ورد في ذكر الضيف مساوئ ضيافة المضيف ، فإنّ ذلك ليس إلّا من ترك الأولى .
1) عمّن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « كان عنده قوم يحدّثهم إذ ذكر رجل منهم رجلاً فوقع فيه وشكاه ، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام) : وأنّى لك بأخيك كلّه ، وأي الرجال المهذّب » وهي مرسلة . راجع الوافي 5 : 574 / 10 ، والوسائل 12 : 85 / أبواب أحكام العشرة ب 56 ح1 .
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند فيه ، أنّك قد عرفت(1أنّ المراد من إساءة الضيافة في الرواية هو الهتك والظلم والإهانة ، وإلّا لما صّ-ح تطبيق الآي-ة ع-ل-ى الموارد . وأمّا ما في حاشية الإيرواني(2)من دعوى أنّ ترك الأولى نوع من الظلم فلا وجه له .)نصح المستشيرقوله : فيبقى من موارد الرخصة لمزاحمة الغرض الأهم صورٌ تعرّضوا لها منها : نصح المستشير .أقول : مستثنيات الغيبة التي ذكروها تندرج في واحد من ثلاثة عناوين :الأول : ما كان خارجاً عنها موضوعاً ، كذكر المتجاهر بالفسق ، إذا خصّصنا الجواز بذكر ما تجاهر فيه من المعاصي ، وقد تكلّمنا فيه مفصّلاً. ومن هذا القبيل ذكر الأشخاص بالأوصاف الظاهرة، كالأعمش والأحول والأعرج ونحوها ، بل من المتعارف في كل زمان ذكر الناس بالأوصاف الواضحة ، كما هو كذلك في كثير من الرواة . والوجه في ذلك هو ما تقدّم في معنى الغيبة من كونها إظهاراً لما ستره الله على المقول فيه ، فذكر الاُمور الظاهرة ليس منها في شيء .الثاني : أن تكون في الغيبة مصلحة تزاحم المفسدة في تركها ، كما إذا توقّف حفظ النفس المحترمة أو الأموال الخطيرة أو صيانة العرض عن الخيانة على الغيبة. ولابدّ حينئذ من ملاحظة قواعد التزاحم ، والعمل على طبق أقوى الملاكين . وعليه فتتّصف الغيبة بالأحكام الخمسة كما هو واضح .
الثالث : ما كان خارجاً عن الغيبة بالتخصيص ، وهو على قسمين ، الأول : أن يكون الخروج بدليل مختص بالغيبة ، كتظلّم المظلوم ، وقد تقدّم الكلام فيه . الثاني : أن : ن يكون الخروج بدليل عام جارٍ في أبواب الفقه ، ولا يختص بالغيبة فقط ، كأدلّة نفي الحرج والضرر .هذا كلّه بحسب الكبرى ، وأمّا بحسب الصغرى فقد ذكروا لها موارد عديدة :### نصح المستشيرالأول : نصح المستشير ، قال المصنّف : فإنّ النصيحة واجبة للمستشير ، فإنّ خيانته قد تكون أقوى مفسدة من الوقوع في المغتاب ، وكذلك النصح م-ن غ-ير استشارة .وعليه فالنسبة بينه وبين الغيبة عموم من وجه ، لأنّ الغيبة قد تتحقّق بإظهار العيوب المستورة حيث لا يتحقّق النصح ، كما هو الكثير . وقد يتحقّق النصح حيث لا تتحقّق الغيبة ، كما إذا لم يتوقّف على ذكر أحد بالسوء . وقد يجتمعان ، كما إذا استشاره أحد في التزوّج بامرأة معلومة ، وهو يعلم أنّها فاجرة ومتبرّجة ، أو استشاره في مصاحبة رجل في السفر أو التجارة أو المجالسة ، وهو يعلم أنّه خائن وسيء الخُلق وشارب الخمر ومرتكب الفجور وآكل أموال الناس بالظلم والعدوان ، أو استشاره في التلمذة عند شخص وهو يعلم أنه سيء العقيدة أو سيء العمل ، فإنّ النصح في الموارد المذكورة يتوقّف على الغيبة . وعلى هذا فإن كان دليل وجوب النصح ودليل حرمة الغيبة من قبيل المتعارضين تساقطا معاً في مادّة الاجتماع ، وكان المرجع إلى أصالة الإباحة . وإن كانا من قبيل تزاحم المقتضيين فلابدّ في ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة أقوى الملاكين.ولكن الظاهر أنّ ما نحن فيه من صغريات باب التزاحم ، لا التعارض ، فإنّ الغيبة في موارد الاجتماع مأخوذة في مقدّمات النصح ، وأنه يتولّد منها ويتوقّف عليها ، نظير توقّف إنقاذ الغريق والإتيان بالصلاة على التصرف في ملك غيره .
وعليه فيتّصف كل من النصح والغيبة بالأحكام الخمسة حسب اختلاف الموارد بقوّة الملاك وضعفه على ما تقدّمت الإشارة إليه، فإن تساوى الملاكان كان النصح والغيبة مباحين ، وإن زاد أحدهما على الآخر كان الزائد متّصفاً بالوجوب أو الاستحباب بقدر ما فيه من زيادة الملاك ، وكان الناقص محرّماً أو مكروهاً بمقدار ما فيه من نقصه ، هذا كلّه مع تسليم وجوب النصح .ولكن بعد التأمّل في الأخبار الموهمة لوجوب النصح لم نجد فيها ما يدلّ على الوجوب ، فإنها على أربع طوائف :الاُولى : ما دلّ على حرمة خيانة المؤمن لأخيه(1. ومن المعلوم أنّها أجنبية عمّا نحن فيه ، لعدم الملازمة بين الخيانة وترك النصيحة حتى مع الاستشارة ، لإمكان ردّه إلى غيره ، سواء كان ذلك الغير أعرف منه بحال المسؤول عنه أم لا ، ومن الواضح أنّه لو كان النصح واجباً لما جاز ردّه .)
1) ففي الوافي 5 : 560 / 8 ، والوسائل 12 : 207 / أبواب أحكام العشرة ب 122 ح 10 في رواية أبي المأمون الحارثي عن أبي عبدالله « من حقّ المؤمن على المؤمن أن لا يخونه » وهي مجهولة بالحارثي .)وفي الباب المزبور من الوسائل ح 2 ، والوافي 5 : 548/ 5 عن أبي المعزا عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه » وهي صحيحة .)و في الموضع المتقدّم من الوسائل ح6 ، والوافي 5: 7/553 عن علي بن عقبة عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « إنّ المؤمن أخو المؤمن ، عينه ودليله ، لا يخونه » وهي صحيحة .)وفي رواية الحارث عن أبي عبدالله (عليه السلام ( المسلم أخو المسلم - لا يخونه »وهي ضعيفة بسهل، ومجهولة بالمثنّى الحنّاط . إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المزبورة والمستدرك 9 : 39 / أبواب أحكام العشرة ب 105 .
الثانية : الأخبار الدالّة على وجوب نصح المؤمن ابتداءً(1بدون سبق استشارة واستهداء ، وهي وإن كانت كثيرة ومعتبرة ، ولكنّها راجعة إلى الجهات الأخلاقية ، فتحمل على الاستحباب .)والوجه في ذلك : هو لزوم العسر الأكيد والحرج الشديد من القول بوجوب النصح على وجه الإطلاق . وتقييده بمورد الابتلاء أو بمن يفي بحقوق الاُخوّة من غير أن يضيع منها شيئاً وإن كان يرفع العسر والحرج ، ولكن قامت الضرورة على عدم وجوبه هنا أيضاً.الثالثة : الأخبار الواردة في خصوص نصح المستشير ، وقد ادّعى غير واحد من المحدّثين وغيرهم ظهورها في الوجوب . منها : قوله (عليه السلام في رواية ابن عمر عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي)
1) ففي الوافي 5 : 335 / 4 ، والكافي :2 : 163 / 2 ، والوسائل 16 : 340 / أبواب فعل المعروف ب 21 عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) : « أنسك الناس نسكاً أنصحهم جيباً »وهي ضعيفة بالنوفلي .)وفي الوافي 5 : 681 / 1 ، 2 ، والوسائل 16 : 381 / أبواب فعل المعروف ب 35 ح1، 2 والكافي 2 : 208 / 1 ، 2 عن عيسى عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه » وهي صحيحة . وعن ابن وهب عنه (عليه السلام) قال : « يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب » وهي صحيحة . وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المتقدّمة ، وفي الوافي 5 : 985 / ب 170 (ترك مناصحة المؤمن) ، والمصدر المتقدّم من الوسائل ب 36 ، والكافي 2 : 362 / باب من لم يناصح أخاه المؤمن ، والمستدرك 9 : 39 / أبواب أحكام العشرة ب 105، 12 : 429 / أبواب فعل المعروف ب 35، 36 .
سلبه الله عزّوجلّ رأيه »(1ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية النوفلي : « من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبّه»(2).)وفيه : أنّ التوعيد في هاتين الروايتين بالعقوبة الدنيوية من سلب اللبّ والرأي لا يدلّ على أزيد من الاستحباب ورجحان العمل ، فإنّ العقل من أعظم النعم الإلهية ، وقد منّ به سبحانه على عباده لهدايتهم ، فصرفه إلى غير ما خلق لأجله يوجب الزوال ، وهو من النقمات الشديدة . كما أنّ صرفه إلى ما خلق لأجله يوجب المزيّة والاستكمال ، ولا شبهة في رجحانه .ومن هنا ظهر أن قوله (عليه السلام في رواية عباية : « وانصح لمن استشارك»(3)إرشاد إلى ما ذكرناه ، فيكون محمولاً على الاستحباب . على أنّ الروايات المذكورة كلّها مجهولة الرواة .)ويدلّ على عدم الوجوب أيضاً ما أشرنا إليه سابقاً من جواز إرجاع المستشير إلى غيره ، فإنّه ينافي وجوب النصح .الرابعة : الروايات الآمرة بإعانة المؤمن وكشف كربته وقضاء حاجته(4ومن الواضح أنّ نصح المؤمن نوع منها ، فيكون واجباً .)
1) وهي مجهولة بالحسين بن حازم ، والحسين بن عمر . راجع الوسائل 12 : 44 / أبواب أحكام العشرة ب 23 ح 2 .
2) وهي مجهولة بعبد الله بن سليمان النوفلي . راجع المستدرك 8: 346 / أبواب أحكام العشرة ب 22 ح 1 .
3) وهي مجهولة بيحيى ، ومالك ، وعباية . راجع الباب المذكور من المستدرك ح 2 .
4) راجع مصادقة الإخوان للصدوق [ 173 / ب 30 ، 19 ، 35 وغيرها ]. والوافي 5 : 535 / ب 35 وما بعده من الأبواب ، والوسائل 12 / أبواب أحكام العشرة .
وفيه : أنّ جميع ما ورد في حقوق الإخوان محمول على الجهات الأخلاقية فيحمل على الاستحباب ، إلّا ما ثبت وجوبه في الشريعة ، كردّ السلام ونحوه ضرورة أنّه لم يلتزم أحد فيها بالوجوب ، بل قامت الضرورة على عدم الوجوب فتكون الضرورة قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الوجوب .وحاصل جميع ما قدّمناه : أنّه لا دليل على وجوب النصح بعنوانه الأوّلي مطلقاً ، إلّا إذا كان تركه موجباً لتلف النفس ، وهتك العرض ، وذهاب المال الخطير فإنّه يجب حينئذ ، لأهمية الاُمور المذكورة .### الاغتياب في مواضع الاستفتاءالثاني : الاستفتاء إذا توقّف على ذكر الظالم بالخصوص ، بأن يقول للمفتي : ظلمني فلان في حقّي فكيف طريقي في الخلاص .والذي تقتضيه القاعدة هو الجواز إذا كان السؤال مورداً للابتلاء مع ع-دم تمكّن السائل منه بغير تسمية المغتاب ، والوجه في ذلك : هو قيام الأدلّة النقلية والعقلية وضرورة المذهب على وجوب تعلّم الأحكام الشرعية التي تكون في معرض الابتلاء بها ، وعليه فإذا توقّف ذلك على ترك واجب أو ارتكاب حرام فإنّ العمل حينئذ يكون على طبق أقوى الملاكين، ومن الواضح أنّ التعلّم أهم من ترك الغيبة ، فإنّ ترك التعلّم ينجرّ إلى اضمحلال الدين .وأمّا بحسب الروايات فقد استدلّ على الجواز بروايتين .الاُولى : شكاية هند زوجة أبي سفيان إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم حيث قالت : إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي ، ولم يزجرها النبي)
(صلّى الله عليه وآله وسلم عن قولها(1).)وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ القضية شخصية ، فيحتمل أن يكون عدم الردع لفسق أبي سفيان ونفاقه، أو المعروفيته بالبخل ، حتّى قيل إنّه كان مضرب المثل في البخل . على أنّ مورد الرواية من صغريات تظلّم المظلوم ، فقد عرفت جواز ذکر الظالم فيه ، فلا تدل على جواز الغيبة في مورد الاستفتاء مطلقاً . ومن هنا ظهر الجواب عمّا ورد في قصّة بيعة النساء من أنّ هند رمت هند رمت زوجها أب--ا سفيان بأنّه رجل ممسك ، ولم يردعها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم(2).)الثانية : صحيحة ابن سنان المشتملة على ذكر الرجل أمّه بأنّها لا تدفع ي--د لامس ، ولم يردعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم(3)، فتدلّ على جواز الغيبة عند الاستفتاء .)وفيه أولاً : أنّه لم يظهر لنا من الرواية كون المرأة معروفة عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم ، وقد عرفت فيما سبق اعتبار العلم بالمغتاب - بالفتح - في تحقّق الغيبة .)
1) ففي المستدرك 9 : 129 / أبواب أحكام العشرة ب 134 ح 4 . وإحياء العلوم 3 : 152 عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) « إنّه قال لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين قالت : إنّ أبا سفیان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني ، فقال لها : خذي لك ولولدك بالمعروف » وهي مرسلة.
2) راجع مجمع البيان 9 : 414 .
3) ففي الفقيه 4 : 51 / 184 ، والوافي 15 : 551 / 15 ، والوسائل 28 : 150 / أبواب حدّ الزنا ب 48 ح 1 عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) فقال : إنّ أُمّي لا تدفع يد لامس ، قال : فاحبسها ، قال : قد فعلت ، قال : فامنع من يدخل عليها ، قال : قد فعلت ، قال : فقيدها ، فإنّك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها من محارم الله عزّوجلّ » وهي صحيحة .
وذكرها بعنوان الاُمومة لا يستلزم التعيين ، ويتّفق نظير ذلك كثيراً لل--م-راج-ع والمجتهدين .وثانياً : أنّ المذكور في الرواية قضية شخصية ، وخصوصياتها مجهولة لنا فيحتمل أن تكون الاُمّ متجاهرة بالزنا كما هو الظاهر من قول ابنها : « إنّ اُمّي لا تدفع يد لامس » الخ ، وعلى هذا فلا مجال لاستصحاب عدم التجاهر كما صنعه المصنّف ، على أنّه لا يترتّب عليه أثر إلّا على القول بالأصل المثبت.### الاغتياب لردع المغتاب عن المنكرالثالث : قصد ردع المغتاب - بالفتح - عن المنكر الذي يفعله ، وقد استدلّ المصنّف على الجواز هنا بوجهين :الأول : أنّ الغيبة هنا إحسان في حقّه ، فإنّها وإن اشتملت على هتكه وإهانته إلّا أنّه توجب إنقاذه من المهلكة الأبدية والعقوبة الاُخروية.الثاني : أنّ عمومات النهي عن المنكر شاملة لذلك .أمّا الوجه الأول ففيه أولاً : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ ربما لا يرتدع المقول فيه عن فعل المنكر .وثانياً : أنّ الغيبة محرّمة على المغتاب - بالكسر - ولا يجوز الإحسان بالأمر المحرّم ، فإنّه إنّما يتقبّل الله من المتّقين . وهل يتوهّم أحد جواز الإحسان بالمال المغصوب والمسروق إلّا إذا كان أعمى البصيرة ، كبعض المنحرفين عن الصراط المستقيم . ودعوى رضى المقول فيه حينئذٍ بالغيبة جزافية ، فإنّها مضافاً إلى بعدها أنّ رضاه لا يرفع الحرمة التكليفية .وأمّا الوجه الثاني : ففيه أنّه لا يجوز ردع المنكر بالمنكر ، لانصراف أدلّته عن ذلك ، وإلّا لجاز ردع الزناة بالزنا بأعراضهم ، وردع السرّاق بسرقة أموالهم .
نعم قد ثبت جواز دفع المنكر بالمنكر في موارد خاصّة كما يتّضح ذلك لمن يلاحظ أبواب النهي عن المنكر وأبواب الحدود ، وقد تقدّم في البحث عن حرمة السبّ(1جواز شتم المبدع والوقيعة فيه ، والبهت عليه ، بل وجوبها كما يظهر من بعض الروايات المتقدّمة فى المبحث المذكور .)هذا كلّه فيما إذا لم يكن ردع ذلك المنكر مطلوباً من كل أحد ، وإلّا وجب ردعه على كل من اطّلع عليه بأي نحو اتّفق، كمن تصدّى لقتل النفوس المصونة وهتك الأعراض المحترمة ، وأخذ الأموال الخطيرة ، فإنّ منعه واجب بما هو أعظم من الغيبة فضلاً عنها ، لأنّ حفظ الأُمور المذكورة أهم في نظر الشارع من ترك الغيبة ونحوها ، وقد تقدّمت الإشارة إلى حكم مزاحمة ترك الغيبة بما هو أهمّ منه(2.)### جواز الاغتياب لحسم مادّة الفسادالرابع : قصد حسم مادّة الفساد عن الناس ، كاغتياب المبدع في الدين الذي يخاف إضلاله للناس ، وقوده إيّاهم إلى الطريقة الباطلة ، ويدلّ على جواز الغيبة هنا اُمور :الأول : أنّ مصلحة دفع فتنته عن الناس أولى من الستر عليه ، بل ربما يجب هتكه وحطّه عن الأنظار إذا لم يرتدع بالغيبة وحدها ، فإنّ حرمة الدين في نظر الشارع أهم من حرمة هذا المبدع في الدين .الثاني : قوله ( عليه السلام في صحيحة داود بن سرحان المتقدّمة(3)في البحث)
عن حرمة سبّ المؤمن « إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة - الغيبة - وباهتو هم كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام » .الثالث : ما تقدّم(1في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق « ثلاثة ليس لهم حرمة : صاحب هوى مبتدع ...»ولكنّه ضعيف السند .)### جرح الشهودالخامس : جرح الشهود ، وقد اتّفق الأصحاب على جواز جرحهم وإظهار فسقهم ، بل إقامة البيّنة على ذلك ، صوناً لأموال الناس وأعراضهم وأنفسهم ، إذ لولا ذلك لبغى الفسّاق في الأرض، وأظهروا فيها الفساد ، فيدّعي الواحد منهم على غيره حقّاً مالياً أو عرضياً أو بدنياً ، أو يدّعى زوجية امرأة أجنبية لنفسه، أو يدّعي نسباً كاذباً ليرث من ميّت ، ثمّ يقيم الشهود على دعواه من أشباه الهمج الرعاع فيصيب من أموال الناس وأعراضهم ودمائهم ما يشاء .وأولى بالجواز من ذلك جرح الرواة الضعفاء ، إذ يتوقّف عليه حفظ الدين وصيانة شريعة سيّد المرسلين ، وقد جرى عليه ديدن الأصحاب في جميع الأمصار والأعصار ، ودوّنوا في ذلك كتباً مفصّلة لتمييز الموثّق منهم عن غيره ، بل على هذا سيرة الأئمّة (عليهم السلام .)ويومئ إلى هذا قوله تعالى : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَةٍ فَتَبَيَّنُوا(2)فإنّ التبيّن عن حال الفاسق الحامل للخبر لايخلو عن الجرح غالباً.
ومن هنا يظهر حكم الشهادة على الناس بالقتل والزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر ونحوها ، لإقامة الحدّ عليهم ، وقد ثبت جواز الشهادة ، بل وجوبها بالكتاب والسنّة المعتبرة ، كما يظهر ذلك لمن يراجع أبواب الشهادات .
السادس : جواز الاغتياب لدفع الضرر عن المغتاب -- بالفتح - كما إذا أراد أحد أن يقتله أو يهتك عرضه ، أو يأخذ أمواله ، أو يضرّه بما يرجع إليه ، فإنّ غيبته جائزة لدفع الاُمور المذكورة عنه ، فإنّ حفظها أهم في الشريعة المقدّسة من ستر ما فيه من العيوب ، بل لو اطّلع عليها المقول فيه لرضي بالاغتياب طوعاً.
وقد حمل المصنّف على هذا ما ورد في ذمّ زرارة بن أعين (رحمه الله) م--ن الأحاديث المذكورة في كتب الرجال(1)، واستوضح ذلك من صحيحة الكشي(2)الصريحة في تنزيه زرارة وتقديسه عن المطاعن والمعائب ، وأنّ ذمّ الإمام (عليه السلام) إيّاه في بعض الأحيان إنّما هو كتعييب الخضر (عليه السلام) سفينة المساكين لئلّا يأخذها الغاصب من ورائهم ، بل تبقى صالحة لأهلها . وقد أورد الكشي (رحمه الله) في رجاله روايات عديدة مشتملة على اعتذار الإمام عليه السلام) من قدح زرارة وذمّه والتبرّي منه لكي يصان زرارة عن كيد الخائنين ، ولا تصيبنّه فتنة المعاندين .
ولكن الظاهر أنه لا دلالة في شيء من الروايات المذكورة على مقصود المصنّف من جواز الغيبة لدفع الضرر عن المقول فيه ، فإنّك قد عرفت أنّ الغيبة إظهار ما ستره الله عليه ، ومن الواضح أنّه لم يكن في زرارة عيب ديني ليكون ذكره
غيبة ، وإنّما ذمّه الإمام (عليه السلام) وتبرّأ منه لحفظ دمه وشؤونه عن الأخطار ، كما عرفت التصريح بذلك فيما أشرنا إليه من الأخبار المتقدّمة . بل الظاهر منها أنّ قدح الإمام (عليه السلام) فيه يدلّ على رفعة شأنه وعظم مقامه وجلالة مرتبته ، بحيث لا يرضى الإمام (عليه السلام) أن تمسّه أيدي الظالمين .
السابع : أن يكون الإنسان معروفاً بوصف يدلّ على عيب ، كالأعمش والأعرج والأشتر والأحول والأصم ، فإنّه لا محذور في ذكر المقول فيه بالأوصاف المذكورة وما يجري مجراها
فقد كثر بين الفقهاء وعلماء الرجال ذكر الرواة وحملة الأحاديث بالأوصاف الظاهرة المعربة عن العيوب ، بل وعليه السيرة القطعية من حديث الأيّام وقديمها بل وكان هذا مرسوماً بين الأئمّة ( عليهم السلام) أيضاً ، كما يومئ إليه بعض الأحاديث(1)الواردة في توثيق بعض الرواة ، وفي بعض الأحاديث « جاءت زينب العطّارة الحولاء إلى نساء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) » وقد تقدّم ذلك في البحث عن حرمة الغش(2).
والوجه في جواز ذلك أنّ ذكر الأوصاف الظاهرة خارج عن تعريف الغيبة
كما تقدّم (1)، لأنّها ليست ممّا ستره الله ، إلّا إذا كان ذكرها بقصد التنقيص والتعيير فإنّه حرام من غير جهة الاغتياب .
الثامن : قال الشهيد في كشف الريبة : قيل : إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز ، لأنّه لا يؤثّر ع-ن-د السامع شيئاً . ثم قال : الأولى تنزيه النفس عن ذلك لغير غرض صحيح ، خصوصاً مع احتمال النسيان(2). ولكن الظاهر خروج هذا القسم عن الغيبة موضوعاً ، وهو واضح .
التاسع : ردّ من ادّعى نسباً ليس له ، وقد استدلّ عليه المصنّف بأنّ مصلحة حفظ الأنساب أولى من مراعاة حرمة المغتاب .
أقول : أهمية حفظ الأنساب ثابتة فيما إذا ترتّب على النسب أثر شرعي من التوارث والنظر إلى النساء ونحوهما ، وأمّا إذا لم يترتّب عليه أثر شرعي، أو ترتّب الأثر على دعوى النسب ، كأن ادّعاه لصيانة نفسه أو عرضه أو ماله من إصابة الظالم إيّاها ، فلا تجوز الغيبة بردّ هذه الدعوى . ومع الشكّ في مورد يرجع إلى المطلقات الدالّة على حرمة الغيبة على وجه الإطلاق ، لأنّ الشبهة وإن كانت مصداقية ، إلّا أنّ التخصيص من جهة المزاحمة ، فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن .
العاشر : القدح في مقالة باطلة ، فإنّ وجوب حفظ الحقّ وإضاعة الباطل أهم من احترام المقول فيه . وأمّا ما وقع من بعض المتجاهرين بالنسبة إلى الأعاظم أحياء كانوا أم أمواتاً من الجهر بالسوء كإطلاق الغبي والبله ونحوهما من الألفاظ القبيحة فلا شبهة في حرمته ، لكونه من الفحش والشتم ، كما تقدّمت الإشارة إليه في
البحث عن حرمة السبّ .
قوله : ثم إنّهم ذكروا موارد للاستثناء لا حاجة إلى ذكرها .
أقول : منها تفضيل بعض العلماء على بعضهم وإن استلزم انتقاص الآخر ، ولا ريب في جوازه ، لتوقّف الغرض الأهم عليه ، وقد جرى على هذا ديدن الأصحاب في جميع الأزمان والأقطار ، خصوصاً في تعيين مراجع التقليد . ولكن هذه مرحلة كم زلّت فيها الأقدام ، عصمنا الله من الزلل .
قال المصنّف (رحمه الله) : يحرم استماع الغيبة بلا خلاف ، فقد ورد « أنّ السامع للغيبة أحد المغتابين » والأخبار في حرمته كثيرة ، إلّا أنّ ما يدلّ على كونه من الكبائر- كالرواية المذكورة ونحوها - ضعيفة السند(1).
أقول : الظاهر أنه لا خلاف بين الشيعة والسنّة(2)في حرمة استماع الغيبة ولكنّا لم نجد دليلاً صحيحاً يدلّ عليها بحيث يكون استماع الغيبة من المحرّمات فضلاً عن كونه من الكبائر ، إذ ما ورد في حرمته من طرق الخاصّة(3)
وعن الشيخ أبي الفتوح [ 10 : 258 ] عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : «السامع للغيبة أحد المغتابين » وهي مرسلة .
وعن القطب الراوندي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : « من سمع الغيبة ولم يغيّر كان كمن اغتاب » وهي مرسلة .
ومن طرقالعامّة(1)كلّه لا يخلو عن الإرسال وضعف السند ، فلا يكون قابلاً للاستناد إليه .
نعم قال في كتاب الاختصاص : « نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى رجل يغتاب رجلاً عند الحسن ابنه (عليه السلام) فقال : يابني نزّه سمعك عن مثل هذا ، فإنّه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك »(2)فإنّه ربما يدّعى ك--ون-ه رواي--ة مسندة ، قد أرسلها صاحب الاختصاص للاختصار ، فيدلّ ذلك على وثاقة رواتها المحذوفين عنده ، إذ فرق بين كلمة (روي عنه كذا )وبين كلمة (قال فلان كذا) فإنّ القول الأول ظاهر في كون المنقول مرسلاً، دون الثاني ، وعليه فهي رواية معتبرة تدلّ على حرمة استماع الغيبة .
ولكن يرد عليه : أنّ ثبوت الاعتبار عنده لا يستلزم ثبوته عندنا ، إذ لعلّه يعتمد على ما لا نعتمده .
وقد يستدل على الحرمة مطلقاً بحديث المناهي ، فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « نهى عن الغيبة والاستماع إليها ، ونهى عن النميمة والاستماع إليها »(3).
وفيه أولاً : أنّه ضعيف السند كما عرفته مراراً . وثانياً : أنّ صدره وإن كان ظاهراً في الحرمة مطلقاً ، إلّا أنّ ذيله قرينة على حرمة الاستماع مع عدم الردّ فقط
1) في إحياء العلوم 3 : 146 قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « المستمع أحد المغتابين » وغير ذلك من الأحاديث .
2) راجع المصدر المتقدّم من المستدرك ح 5 ، الاختصاص (مصنّفات الشيخ المفيد12) : 225 .
3) وهي مجهولة بشعيب بن واقد . راجع الوسائل 12 : 282 / أبواب أحكام العشرة ب152 ح 13 ، ومكارم الأخلاق 2 : 308 .
وهو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « ومن تطوّع على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردّها عنه ردّ الله عنه ألف باب من الشرّ في الدنيا والآخرة ، فإن هو لم يردّها وهو قادر على ردّها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرّة » . وحملها على السماع القهري خلاف الظاهر منها ، على أنّه أمر نادر .
وقد يجاب عن حديث المناهي بعدم ظهوره في الحرمة التكليفية ، فإنّ النهى فيه عن استماع الغيبة نهي تنزيهي ، وإرشاد إلى الجهات الأخلاقية ، ويدلّ عليه من الحديث ذكر الاُمور الأخلاقية فيه من آثار الغيبة ، ككونها موجبة لبطلان الوضوء والصوم(1).
وفيه : أنّ ما ثبت كونه راجعاً إلى الأخلاقيات ترفع اليد فيه عن ظهور النهي في الحرمة ، وأمّا غيره فيؤخذ بظهوره لا محالة كما حقّق في محلّه (2).
ومع الإغضاء عن جميع ما ذكرناه وتسليم صحّة الروايات المتقدّمة الظاهرة في حرمة استماع الغيبة مطلقاً ، فلابدّ من تقييدها بالروايات المتكثّرة(3)
وعن أبي الورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والآخرة ، ومن لم ينصره ولم يعنه ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه إلّا خفضه الله في الدنيا والآخرة » وهي حسنة بأبي الورد .
وعن عقاب الأعمال [ : 335 ] عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في خطبة له : « ومن ردّ على أخيه غيبة سمعها في مجلس ردّ الله عنه ألف باب من الشرّ في الدنيا والآخرة ، فإن لم يرد عنه وأعجبه كان عليه كوزر من اغتاب » وهي ضعيفة بموسى بن عمران ، والحسين ابن يزيد النوفلي ، وأبي هريرة وغيرهم .
وفي الموضع المزبور من الوسائل ح 8 ، والوافي 26 : 198 ، ومكارم الأخلاق 2 : 379 عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في وصية له قال : « يا أبا ذرّ من ذبّ عن أخيه المؤمن الغيبة كان حقّاً على الله أن يعتقه من النار ، يا أبا ذرّ من اغتيب عنده أخوه المؤمن وهو يستطيع نصره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة ، فإن خذله وهو يستطيع نصره خذله الله في الدنيا والآخرة » وهي ضعيفة بأبي المفضل ، ورجاء ، وابن ميمون - أو شموّن .. وغير ذلك من الروايات الدالّة على وجوب ردّ الاغتياب ، المذكورة في الباب المزبور من الوسائل ، والمستدرك 9 : 131 / أبواب أحكام
العشرة ب 136 ، والبحار 72 : 253 / 34 ، 35 ، 38 ، 51 ، 64 ، 69 . وغيرها من المصادر .
الظاهرة في1) راجع مكارم الأخلاق 2 : 315 .
2) محاضرات في أُصول الفقه 3 ، 1 (موسوعة الإمام الخوئي 45 ، 43) : 274 ، 483
3) ففي الوسائل 12 : 291 / أبواب أحكام العشرة ب 156 ح 1 ، 2 ، 5 في وصية النبي (صلّى الله عليه و آله وسلم) لعلي (عليه السلام) : « يا علي من اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والآخرة » رجال سند هذه الوصية مجاهيل ، لا طريق إلى الحكم بصحتها .
جواز استماعها لردّها عن المقول فيه . وتخصيصها بصورة السماع القهري قد تقدّم الجواب عنه انفا ، وعليه فإنّما يحرم استماع الغيبة مع عدم الردّ .
وقد يقال : إنّ النسبة بين الأخبار الواردة في سماع الغيبة للردّ وبين المطلقات المتقدّمة الدالّة على حرمة سماع الغيبة هي العموم من وجه ، فإنّ الطائفة الاُولى أعمّ من الثانية من حيث شمولها للسماع القهري الاتّفاقي ، وأخ--ص م-نه-ا م-ن ح-ي-ث اختصاصها بصورة الاستماع للردّ فقط . والطائفة الثانية أعمّ من حيث شمولها للاستماع بغير داعي الردّ ، وأخصّ من حيث اختصاصها بالاستماع الاختياري فيقع التعارض بينهما في مورد الاجتماع ، ويؤخذ بالطائفة الاُولى ، لكونها صحيحة السند ، دون الطائفة الثانية ، بناء على أنّ صحّة السند من المرجّحات ، كما هو المشهور بين المتأخّرين .
ولكن يرد عليه : أنّ مجرّد صحّة السند لا يكون من المرجّحات في معارضة
الدليلين ، وقد حقّقناه في علم الاُصول(1)وعليه فتسقطان للمعارضة ، ويرجع إلى عمومات ما دلّ على رجحان إعانة المؤمن ، وإلّا فيرجع إلى البراءة .
على أنّك قد عرفت أنّ الطائفة الثانية ضعيفة السند ، فلا تعارض الطائفة الاُولى فضلاً عن وصول النوبة إلى الترجيح .
وعلى ما ذكرناه من عدم الدليل الصحيح على حرمة استماع الغيبة فإنّما يلتزم بالجواز إذا لم يرض السامع بالغيبة ، أو لم يكن سكوته إمضاء لها أو تشجيعاً للمتكلّم عليها ، أو تسبيباً للاغتياب من آخر ، وإلّا كان حراماً من هذه الجهات . وقد ورد في أحاديث عديدة أنّ الراضي بفعل قوم كالداخل معهم(2). وتقدّم(3)في البحث عن بيع المتنجّس حرمة التسبيب لوقوع الجاهل في الحرام الواقعي . بل تحرم مجالسته للأخبار المتظافرة الدالّة على حرمة المجالسة مع أهل المعاصي - وسنشير إلى مصادرها (4)كما تحرم مجالسة من يكفر بآيات الله ، للآية(5).
وقد يستدل على حرمة الاستماع بأدلّة حرمة الغيبة ، بدعوى عدم تحقّقها إلّا بالمستمع .
1) مصباح الأُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 496 - 497 .
2) راجع الوافي 15 : 18 / ب 24 حدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوسائل 16 : 137 / أبواب الأمر والنهي به ، والمستدرك 12 : 193 / أبواب الأمر والنهي ب 4 . وفي شرح النهج لمحمد عبده : 696 / 154 قال علي (عليه السلام) : « الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى كل داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، وإثم الرضا به ».
3) في ص 181 .
4) في ص 562 ، الهامش رقم (2) .
5) وهي قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ الآية . النساء 4 : 140 .
وفيه : أنّ حرمة الغيبة لا تلازم حرمة الاستماع ، وإن كان بينهما تلازم خارجاً فإنّ التلازم في الخارج لا يستدعي التلازم في الحكم . وقد جاز سماع الغيبة للردّ جزماً .
حرمة الغيبة لا تلازم حرمة استماعها
قوله : ثم المحرّم سماع الغيبة المحرّمة دون ما علم حلّيتها .
أقول : إذا سلّمنا حرمة سماع الغيبة بالإرادة والاختيار ، فهل هو حرام مطلقاً حتّى مع جواز الاغتياب كما في الموارد المتقدّمة ، أو أنّه يحرم مع حرمة الاغتياب فقط ، أو يفصّل بين علم السامع بالحلّية فيلتزم بالجواز ، وبين جهله بها فيلتزم بالحرمة ؟
ظاهر المصنّف جواز الاستماع ما لم يعلم السامع حرمة الغيبة ، لأنّه قول غير منكر ، فلا يحرم الإصغاء إليه ، للأصل . وأمّا حديث « السامع للغيبة أحد المغتابين »(1)فمع تسليم صحّته يدلّ على أنّ السامع لغيبة كالمتكلّم بتلك الغيبة في الحرمة والحلّية ، فيكون دليلاً على الجواز هنا . إلّا أن يقال : إنّ الحديث ينزّل السامع للغيبة منزلة المتكلّم بها ، فإذا جاز للسامع التكلّم بالغيبة جاز له سماعها ، وإلّا فلا . ولكنّه خلاف الظاهر من الحديث.
والتحقيق : أنّ جواز الغيبة قد يكون حكماً واقعياً ، وقد يكون حكماً ظاهرياً.
أمّا الجواز الواقعي فلا ملازمة فيه بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها ، لأنّه يتصوّر على أنحاء ثلاثة :
1) المستدرك 9 : 133 / أبواب أحكام العشرة ب136 ح7.
الأول : أن يكون المقول فيه جائز الغيبة عند الناس من غير اختصاص بشخص دون شخص ، بأن كان متجاهراً في الفسق ومتظاهراً في مخالفة المولى ، فإنّ مثل هذا تجوز غيبته واقعاً لكل أحد ، إمّا مطلقاً أو في خصوص ما تجاهر فيه من الذنوب ، على الخلاف المتقدّم(1)بل قد عرفت خروجه عن موضوع الغيبة رأساً وعليه فالاستماع إليها أولى بالجواز . وكذلك الكلام في غيبة المبدع في الدين والإمام الجائر .
الثاني : أن يكون جواز الغيبة الواقعي مختصّاً بالمغتاب - بالكسر - كالصبي المميّز ، والمكرَه على اغتياب الناس ، وعليه فلا يجوز استماعها مطلقاً لمن يحرم عليه الاغتياب ، لعدم الملازمة بينهما ، فإنّ ارتفاع الحكم عن أحدهما لا يستلزم ارتفاعه عن الآخر . وعلى الجملة : جواز السماع يدور مدار الردّ عن المغتاب - بالفتح - ومع عدمه كان حراماً وإن لم يكن المغتاب - بالكسر - مكلّفاً .
فتحصّل : أنّ الاغتياب جائز والاستماع حرام ، كما أنّه قد يكون السماع جائزاً والاستماع حراماً ، نظير ما إذا كان المغتاب - بالكسر - ممّن لا يمكن ردّه ولا الفرار منه ، كالسلطان الجائر ونحوه، ولذا سكت الإمام المجتبى (عليه السلام) عند سبّ أبيه . ونظير ذلك ما إذا تصدّى أحد لقتل شخص محقون الدم بزعم أنّه كافر حربي، ونحن نعلم أنّه محقون الدم ، فإنّه يحرم علينا السكوت، وإن جاز له القتل. ونظائره كثيرة في باب الرشوة وغيره .
الثالث : أن تكون هنا ملازمة عرفية بين جواز الغيبة وجواز الاستماع إليها كتظلّم المظلوم ، فإنّ مناط جواز الغيبة هنا هو ظهور ظلامته ، واشتهارها بين الناس وهذا المعنى لا يتحقّق في نظر العرف إلّا بسماع التظلّم منه ، وكذلك الشأن في سماع
1) في ص 523 وما بعدها .
الغيبة في موارد الاستفتاء .
وعلى الجملة : فجواز الغيبة واقعاً لا يلازم جواز السماع ملازمة دائمية ، بل النسبة بينهما عموم من وجه ، فقد تحرم الغيبة دون الاستماع كالمكره على السماع ، وقد يحرم الاستماع دون الغيبة ، كما إذا كان القائل معذوراً في ذلك دون السامع ، وق--د يجتمعان .
وأمّا الجواز الظاهري للغيبة فهل يلازم جواز استماعها أم لا ، كما إذا احتمل السامع أو صرّح القائل بأنّ المقول فيه مستحق للغيبة . ففي كشف الريبة عند ذكر مستثنيات الغيبة أنّه : إذا سمع أحد مغتاباً لآخر ، وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه ، قيل : لا يجب نهي القائل ، لإمكان استحقاق المقول عنه ، فيحمل فعل القائل على الصحّة ما لم يعلم فساده ، لأنّ ردعه يستلزم انتهاك حرمته ، وهو أحد المحرّمين(1).
وأجاب الشهيد (رحمه الله) عن ذلك في الكتاب المذكور بأنّ : الأولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقّق المخرج منه ، لعموم الأدلّة ، وترك الاستفصال فيها ، وه-و دليل إرادة العموم ، حذراً من الإغراء بالجهل ، ولأنّ ذلك لو تم لتمشّى في من يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع ، لاحتمال إطلّاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله ، وهو يهدم قاعدة النهي عن الغيبة .
وردّه المصنّف بأنّ في ذلك خلطاً بين ردّ الغيبة والنهي عنها ، والذي نفاه القائل بعدم وجوب النهي هو الثاني الذي هو من صغريات النهي عن المنكر ، دون الأول .
و تحقيق مراد المصنّف : أنّ النسبة بين وجوب ردّ الغيبة ووجوب النهي عنها
1) كشف الريبة : 76 .
عموم من وجه ، فإنّه قد يجب النهي عن الغيبة لوجوب النهي عن المنكر حيث لا يجب ردّها ولو من جهة كون المقول فيه جائز الغيبة عند السامع ، مع كونه مستوراً عند القائل ، ومع ذلك يجب نهي القائل عنها من باب وجوب النهي عن المنكر . وقد يجب ردّ الغيبة حيث لا مورد للنهي عن المنكر ، كما إذا كان المغتاب - بالكسر - صبيّاً فإنّ فعله ليس بمنكر لكي يجب النهي عنه ، إلّا أنّه يجب على السامع حينئذ ردّ الغيبة حفظاً لاحترام أخيه المؤمن . وقد يجتمعان ، كما إذا علم السامع بكون الاغتياب حراماً ، فإنّه من حيث كونه من المنكرات في الشريعة يجب النهي عنه ، ومن حيث كونه هتكاً للمؤمن وكشفاً لعورته يجب ردّه .
وإذا شكّ في استحقاق المقول فيه الغيبة وعدم استحقاقه حرم سماعها على القول بحرمته ، ووجب ردّها على النحو الذي تقدّم من توجيه فعل المقول فيه على نحو يخرجه عن المعصية ، ومع هذا لا يجب نهي القائل ، بل لا يجوز ، لإمكان استحقاق المقول فيه ، فيحمل فعل القائل على الصحّة ما لم يعلم فساده ، فإنّ ردعه يستلزم انتهاك حرمته ، وهو حرام . على أنّ إثبات وجوب الردع بأدلّة النهي عن المنكر تمسّك بالعام في الشبهات المصداقية ، وهو لا يجوز .
لا يقال : كما لا يجب نهي القائل عن الغيبة فكذلك لا الغيبة فكذلك لا يجب ردّها ، لاحتمال كون المقول فيه مستحقّاً للغيبة عند القائل ، ومسلوب الاحترام في عقيدته ، وعليه فاثبات وجوب الردّ في الفرد المشكوك بالأدلّة الدالّة على وجوب احترام المؤمن ووجوب ردّ غيبته تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية .
فإنّه يقال أولاً : أنّه لا شبهة في كون المقول فيه مؤمناً وجداناً ، وعدم وجود المجوّز لاغتيا به محرز بأصالة العدم، فإنّ المقول فيه كان في زمان ولم يكن فيه ما يجوّز
غيبته ، والأصل بقاؤه في تلك الحالة . وقد ذكرنا في محلّه(1)أنّ عنوان المخصّص إذا كان أمراً وجودياً فإنّه ينفى بالأصل الموضوعي في مورد الشك ، وينقّح به موضوع التمسّك بالعام ، ولا يلزم منه التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية ، وكذلك في المقام إذا شككنا أنّ المقول فيه جائز الغيبة عند القائل أم لا ، نستصحب عدمه ، وينقّح به موضوع التمسّك بعموم ما دلّ على حرمة استماع الغيبة على تقدير ثبوته ، وبعموم ما دلّ على وجوب ردّ الغيبة .
وثانياً : أنّ المتعارف من أفراد الغيبة هو أنّ السامع لا يعلم نوعاً بحال المقول فيه ، والظاهر من الروايات الدالّة على وجوب ردّ الغيبة أنّ ذلك هو المراد ، إذ لو حملناها على خصوص ما إذا علم السامع بكون المقول فيه غير جائز الغيبة كان ذلك حملاً لها على المورد النادر .
قوله : والظاهر أنّ الردّ غير النهي عن الغيبة .
أقول : الغرض من ردّ الغيبة هو نصرة المغتاب ، وتنزيهه عن تلك الوقيعة وإن أفاد النهي عن المنكر أيضاً . وأمّا النهي عن الغيبة فهو من صغريات النهي عن المنكر ، فيجري عليه حكمه ، سواء قلنا بوجوب ردّ الغيبة أم لا .
ثم إنّ نصرة الغائب بردّ الغيبة عنه تختلف باختلاف المعائب ، فإن كان العيب راجعاً إلى الاُمور الدنيوية فنصرته بأن يقول مثلاً : العيب ليس إلّا ما عابه الله من المعاصي ، وإن كان راجعاً إلى الاُمور الدينية وجّهه بما يخرجه عن كونه معصية ، وإذا لم يقبل التوجيه ردّه بأنّ المؤمن قد يبتلى بالذنوب ، فإنّه ليس بمعصوم . وهكذا ينصره في ذكر سائر العيوب .
1) محاضرات في أُصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 360 .
قوله : ثم إنّه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممّن يمدح المغتاب في حضوره .
أقول : توضيح كلامه أنّه إذا كان للإنسان لسان مدح في الحضور ، ولسان ذم في الغياب ، استحقّ بذلك عقابين : أحدهما للاغتياب ، والثاني : لكونه ذا لسانين ويسمّى هذا منافقاً أيضاً . وإذا مدح المقول فيه في حضوره بما ليس فيه عوقب بثلاث عقوبات : للاغتياب ، والكذب ، والنفاق .
ثم إنّ المدح في الحضور بالأوصاف المباحة وإن كان جائزاً في نفسه ، بل ربما يكون مطلوباً للعقلاء ، ولكنّه إذا كان مسبوقاً بالذمّ أو ملحوقاً به كان من الجرائم الموبقة والكبائر المهلكة ، وقد ورد في الأخبار المستفيضة أنّ ذا اللسانين يجيء يوم القيامة وله لسانان من النار(1)، فإنّ لسانه المدح في الحضور وإن لم يكن لساناً من النار ، إلّا أنّه إذا تعقّبه أو تقدّمه لسان الذمّ في الغياب صار كذلك .
ثم إنّ النسبة بين المغتاب - بالكسر - وبين ذي اللسانين هي العموم من وجه فإنّه قد توجد الغيبة ولا يوجد النفاق ، وقد يوجد النفاق حيث لا توجد الغيبة ، كأن يمدح المقول فيه حضوراً ، ويذمّه بالسبّ والبهتان غياباً ، وقد يجتمعان كما عرفت .
قوله : قد يطلق الاغتياب على البهتان .
أقول : قد عرفت أنّ الغيبة هي أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه ، وأمّا
1) راجع الوافي 5 : 937 / ب 157) (مخالفة السرّ والعلن) ، والوسائل 12 : 256 / أبواب أحكام العشرة ب 143 ، والمستدرك 9 : 96 / أبواب أحكام العشرة ب 123 .
البهتان فهو على ما تقدّم(1)في بعض أخبار الغيبة ذكرك أخاك بما ليس فيه ، فهما متباينان مفهوماً ومصداقاً ، نعم بناءً على مقالة المشهور من أنّ الغيبة ذكرك أخاك بما يكرهه يمكن اجتماعهما في بعض الموارد .
وأمّا إطلاق الغيبة على البهتان في رواية علقمة(2)فبنحو من المسامحة والتجوّز ، على أنّها ضعيفة السند . وأمّا كون عقاب التهمة أشدّ من الغيبة فلاشتمالها على الفرية والهتك معاً .
قوله : خاتمة : في بعض ما ورد من حقوق المسلم على أخيه .
أقول : قد ورد في الروايات المتظافرة ، بل المتواترة أنّ للمسلم على أخيه حقوقاً كثيرة(3)، وفي رواية الكراجكي أنّ للمؤمن على أخيه ثلاثين حقّاً ، وعدّها واحداً بعد واحد ، ثمّ قال (عليه السلام) : « سمعت رسول الله يقول : إنّ أحدكم ليدع
1) في ص 500 - 501 .
2) عن الصادق ( عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله علیه و آله وسلم) قال : « من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنّة أبداً ، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما ، وكان المغتاب في النار خالداً فيها وبئس المصير » الحديث . وهو ضعيف بعلقمة بن محمد ، وصالح بن عقبة ، وغيرهما . راجع الوسائل 12 : 285 / أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 20 .
3) راجع مصادقة الإخوان للصدوق [ 140 / ب 7 وغيره ] ، والكافي 2 : 169 / باب حقّ المؤمن على أخيه ، والوافي 5 : 557 / ب 80 حقوق الأُخوة ، ب 81 صفة الأخ . والوسائل 12 : 203 / أبواب أحكام العشرة ب 122 ، والبحار 71 / 221 / باب حقوق الإخوان والمستدرك 9 : 39 / أبواب أحكام العشرة ب 105 ، وغير ذلك من الأبواب من الكتب المذكورة وغيرها .
من حقوق أخيه شيئاً فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له وعليه » . وقد عرفت(1)ي البحث عن كفّارة الغيبة أنّها ضعيفة السند .
وفي صحيحة مرازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حقّ المؤمن(2).
وقد خصّ المصنّف هذه الأخبار بالأخ العارف بهذه الحقوق المؤدّي له-ا بحسب اليسر ، أمّا المؤمن المضيّع لها فالظاهر عدم تأكّد مراعاة هذه الحقوق بالنسبة إليه ، ولا يوجب إهمالها مطالبته يوم القيامة ، لتحقّق المقاصة ، فإنّ التهاتر يقع في الحقوق كما يقع في الأموال .
واستشهد المصنّف (رحمه الله) على رأيه هذا بعدّة روايات قاصرة الدلالة عليه .
منها : ما رواه الصدوق والكليني عن أبي جعفر (عليه السلام)(3)
ورواها الصدوق في مصادقة الإخوان [ 131 / 1] مرسلاً ، وفي الخصال [ 49 / 56 ] بسند فيه ضعف بعبد الله بن أحمد الرازي ، وبكر بن صالح ، ومحمّد بن حفص ، وغيرهم .
الكشر : التبسّم . كاشره : كشف له أنيابه .
وقد ذكر فيها1) في ص 510 .
2) راجع المصدر المتقدّم من الوسائل ح1 .
3) ففي الوافي 5: 569 / 5 ، والكافي :2 : 193 / 3 ، والوسائل 12 : 13 / أبواب أحكام العشرة ب3 عن أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « قام رجل بالبصرة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الإخوان ؟ فقال : الإخوان صنفان : إخوان الثقة ، وإخوان المكاشرة . فأمّا إخوان الثقة فهم الكفّ والجناح والأهل والمال فإذا كنت من أخيك على حدّ الثقة فابذل له مالك وبدنك ، وصاف من صافاه وعاد من عاداه ، واكتم سرّه وعيبه ، وأظهر منه الحسن ، واعلم أيّها السائل أنّهم أقل من الكبريت الأحمر . وأمّا إخوان المكاشرة فإنّك تصيب لذّتك منهم ، فلا تقطعنّ ذلك منهم ، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك عن ضميرهم ، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان » . وهي صحيحة .
إخوان الثقة وإخوان المكاشرة وقال في إخوان المكاشرة : « وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان ».
وفيه : أنّ هذه الرواية غريبة عمّا ذكره المصنّف ، فإنّها مسوقة لبيان وظيفة العمل بحقوق الإخوان على حسب مراتب الإخوة ، فإنّ منهم من هو في أرقى مراتب الاُخوة في أداء حقوقها حتّى يطمئن به الإنسان على عرضه وماله وسائر شؤونه وهذا الأخ كالكفّ والجناح ، فيبذل له المال واليد ، ويعادي من عاداه ويصافي من صافاه . ومنهم إخوان الاُنس والفرح والمجالسة والمفاكهة ، فلا يبذل لهم إلّا م--ا يبذلون من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان، ولا يطمئن إليهم في الاُمور المذكورة .
ومنها : رواية عبيد الله الحلبي(1)فإنّها تدلّ على أنّ للصداقة حدوداً ، ولا يليق بها إلّا من كانت فيه هذه الحدود . ووجه الاستدلال : هو ما ذكره المصنّف من أنّه إذا لم تكن الصداقة لم تكن الاُخوة ، فلا بأس بترك الحقوق المذكورة بالنسبة
1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « لا تكون الصداقة إلّا بحدودها ، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ، ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة فأوّلها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة ، والثانية : أن يرى زينك زينه وشينك شينه والثالثة : أن لا تغيّره عليك ولاية ولا مال ، والرابعة : أن لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته والخامسة : - وهي تجمع هذه الخصال - أن لا يسلمك عند النكبات » وهي ضعيفة بعبيد الله الدهقان . الإسلام : الخذلان . راجع الوافي 5 : 8/573 ، والوسائل 12 : 25 / أبواب أحكام العشرة ب13 ح1 .
إليه .
وفيه : أنّ الصداقة المنفية عمّن لا يفي بحدودها غير الاُخوة الثابتة بين المؤمنين بنصّ الآية(1)والروايات ، ومن الواضح أنّ الحقوق المذكورة إنّما ثبتت للاُخوة المحضة ، سواء أكانت معها صداقة أم لا . وعليه فنفي الصداقة في مورد لا يدلّ على نفي الاُخوة ، لأنّ الصداقة فوق الأُخوة ، ونفي المرتبة الشديدة لا يدلّ على نفي المرتبة الضعيفة . على أنّ الرواية ضعيفة السند .
ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بما في نهج البلاغة(2)من نفي الصداقة عمّن لا يحفظ أخاه في ثلاث . مع أنّه ضعيف للإرسال .
ومنها : ما دلّ على سلب الاُخوة عمّن لا يلبس المؤمن العاري ، كروايتي الوصافي وابن أبي عمير(3)
وعن خلاد السندي رفعه قال : « أبطأ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) رجل فقال : ما أبطأ بك ؟ فقال : العرى يارسول الله ، فقال : أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما ؟قال: بلى يارسول الله(صلّى الله عليه و آله وسلم) فقال: ما هذا لك بأخ » وهي مرفوعة، ومجهولة بخلّاد .
.1) وهي قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ الحجرات 10:49 .
2) في شرح النهج لمحمد عبده 689 / 135 قال (عليه السلام) : « لا يكون الصديق صديقاً حتّى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته ، وغيبته ، ووفاته » وهي مرسلة .
3) في مصادقة الإخوان للصدوق : 137 / باب مواساة الإخوان ح1، 4 . والوسائل 12 : 26 / أبواب أحكام العشرة ب 14 ح 1 ، 3 عن علي بن عقبة عن الوصافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قال لي : يا أبا إسماعيل أرأيت من قبلكم إذا كان الرجل ليس له رداء وعند بعض إخوانه فضل رداء يطرح عليه حتّى يصيب رداءً ؟ قال قلت : لا ، قال : فإذا كان ليس عنده إزار يوصل إليه بعض إخوانه فضل إزار حتّى يصيب إزاراً ؟ قلت : لا ، فضرب بيده على فخذه ثم قال : ما هؤلاء باخوة » وهي مرسلة .
وفيه : أنّ المراد من سلب الاُخوة في الروايتين كناية ع-ن س-ل-ب الاُخوة الكاملة ، فقد تعارف بين المتحاورين نفي المحمول بلسان الموضوع لأجل المبالغة في التعبير ، كما يقال يا أشباه الرجال ولا رجال ، ولا صلاة لجار المسجد إلّا فيه ، ولا شكٍّ لكثير الشكّ ، ويقال لمن لا يعمل بعلمه إنّه ليس بعالم ، إلى غير من ذلك الإطلاقات الفصيحة . وعليه فلا دلالة في الروايتين على نفي الاُخوة حقيقة الذي هو مفاد ليس التامّة .
ويدلّ على ما ذكرناه أنّه لو أُريد من السلب نفي الاُخوة حقيقة لزم القول بعدم وجوب مراعاة سائر الحقوق الثابتة ، من ردّ الاغتياب ونحوه ، وهو بديهي البطلان . ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ الروايتين ضعيفتا السند.
ومنها : رواية يونس بن ظبيان الدالّة على اختبار الإخوان باتيانهم بالصلاة في وقتها ، وبرّهم في الإخوان ، وإذا لم يحفظوهما فاعزبوا عنهم(1).
وفيه : أنّ ظاهر الرواية كونها راجعة إلى ترك العشرة والمجالسة مع من لا يهتمّ بالإتيان بالصلاة في أوقاتها ، والإحسان للإخوان في اليسر والعسر ، فإنّ المجالسة مؤثّرة كتأثير النار في الحطب، ولذا نهي عن المجالسة مع العصاة والفسّاق(2).
1) ففي الوافي 5 : 574 / 9 ، والوسائل 12: 148 / أبواب أحكام العشرة ب 103 ح 1 عن المفضّل ابن عمر ويونس بن ظبيان ، قالا « قال أبو عبدالله (علیه السلام) : اختبروا إخوانكم بخصلتين ، فإن كانتا فيهم وإلّا فاعزب ثمّ اعزب ثمّ اعزب: المحافظة على الصلاة في مواقيتها والبرّ بالإخوان في العسر واليسر » وهي مجهولة بعمر بن عبدالعزيز . أقول : العزوب بالعين المهملة والزاء : البعد والغيبة.
2) راجع الوسائل 16 : 255 / أبواب الأمر والنهي ب 37، 38، 12: 32 / أبواب أحكام العشرة ب 17 .
وأُمر بمجالسة العلماء(1)والصلحاء ، وعليه فلا دلالة فيها على نفي الاُخوة عمّن لا يقوم بحقوق الإخوان . على أنّ الرواية مجهولة .
وعلى الجملة : فلا وجه لتقييد المطلقات الواردة في حقوق الإخوان بصورة قيامهم بذلك . ولا يخفى أنّ الميزان في تأدية حقوق الإخوة هو الميزان في الامتثال في بقية الأعمال المستحبّة ، من أنّ الإتيان بجميعها تكليف بما لا يطاق ، فتقع المزاحمة بينها في مرحلة الامتثال ، فيؤتى بالأهم فالأهم .
قوله : الخامسة عشرة : القمار حرام إجماعاً(2).
أقول : تحقيق الكلام في حرمة القمار يقع في جهتين ، الاُولى : في حرمة بيع الآلات المعدّة للقمار وضعاً وتكليفاً ، وقد تقدّم الكلام فيه تفصيلاً في النوع الثاني(3). الثانية : في حرمة اللعب بها ، وتنقيح الكلام هنا في ضمن مسائل أربع :
المسألة الاُولى : أنّه لا خلاف بين الفقهاء من الشيعة والسنّة(4)في حرمة اللعب بالآلات المعدّة للقمار مع المراهنة، ومن هذا القبيل الحظّ والنصيب المعروف في هذا الزمان المعبّر عنه في الفارسية بلفظ (بلیط آزمایش بخت) نظير اللعب
بالأقداح في زمن الجاهلية - وسنتعرّض لتفسير اللعب بالأقداح في الهامش - ب--ل على حرمة القمار ضرورة مذهب الإسلام .
وتدلّ عليها الآيات المتظافرة(1)والروايات المتواترة من طرقنا(2)ومن طرق السنّة(3)وقد أُشير إلى حكمة التحريم في قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(4)فإنّ أخذ مال الناس بغير تجارة ومشقّة موجب لإلقاء العداوة والبغضاء ، والاشتغال بلعب القمار يصدّ عن ذكر الله ، وعن امتثال الأحكام الإلهية .
المسألة الثانية : في اللعب بالآلات المعدّة للقمار بدون الرهن ، بأن كان
1) منها قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ المائدة 5 : 90 .
2) راجع الكافي 5 : 122 / باب القمار ، 6 : 435 / باب النرد والشطرنج ، والتهذيب 6 : 370 / 1069 ، 1070 ، 1075 ، والوافي 17 : 225 / ب 35 ، والوسائل 17 : 164 / أبواب ما يكتسب به ب 35 ، والمستدرك 13 : 118 / أبواب ما يكتسب به ب29 ، 83 . وفي التهذيب : 83 / 354 ، والوافي 19 : 13 / 2 ، والوسائل 24 : 217 / أبواب الأطعمة المحرمة ب 57 ح 1 في رواية عبد العظيم الحسني : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ يعني حراماً .
3) راجع سنن البيهقي 10 : 213 / باب ما يدلّ على ردّ شهادة من قامر بالحمام أو بالشطرنج أو غيرهما .
4) المائدة 5 : 91 .
الغرض منه مجرّد الاُنس والفرح ، كما هو المرسوم كثيراً بين الاُمراء والسلاطين . وهذا أيضاً لا إشكال في حرمته ، بل في المستند : بل لا خلاف فيه(1). وقد وقع الخلاف في ذلك بين العامّة(2)
وفي شرح فتح القدير 8 : 498 حكم بحرمة اللعب بالشطرنج ، ثمّ حكى عن بعض الناس إباحة ذلك ، لما فيه من تشحيذ الخواطر ، وهو محكي عن الشافعي .
.وكيف كان ، فقد استدلّ المصنّف على حرمته بوجهين :
الأول : قوله ( عليه السلام) في رواية تحف العقول : إنّ ما يجيء منه الفساد محضاً لا يجوز التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات .
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند ، وقد تقدّم . وثانياً : أنّها لا تدلّ إلّا على صدق الكبرى من حرمة التقلّب والتصرّف في كل ما يجيء منه الفساد محضاً ، وأمّا إحراز الصغرى فلابدّ وأن يثبت من الخارج ، ومن الواضح أنّ كون الآلات المعدّة للقمار كذلك أوّل الكلام ، إذ لو كان اللعب بها بدون مراهنة جائزاً لم تكن كذلك ، فلا يمكن إثبات الحرمة به ، فإنّه دور ظاهر .
الثاني : ما في رواية أبي الجارود(3)من تفسير الميسر بالنرد والشطرنج وبكل قمار ، إلى أن قال (عليه السلام) : « كل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشيء من هذا
1) المستند 14 : 105 .
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 50 عن المالكية : يحرم اللعب بالنرد والشطرنج ولو بغير عوض . وعن الشافعية : يحلّ اللعب بالشطرنج والكرة وحمل الأثقال والمشابكة بالأصابع . وعن الحنفية : تحلّ المسابقة بدون عوض في كل ما ذكر عند الشافعية إلّا الشطرنج . وع--ن الحنابلة : يكره اللعب بالشطرنج ، وكل ما أفضى إلى محرّم فهو حرام .
3) وهي مرسلة وضعيفة بأبي الجارود . راجع الوسائل 17 : 321 / أبواب ما يكتسب به ب 102 ح 12 .
حرام من الله محرّم » فإنّها تشمل بإطلاقها اللعب بالآلات المعدّة للقمار بدون الرهن .
وقد يقال : إنّ المراد بالقمار المذكور في الرواية هو المعنى المصدري - أعني العمل الخارجي - وعليه فتكون الرواية منصرفة إلى اللعب بالآلات المذكورة مع الرهن ، كما أنّ المطلقات منصرفة إليه أيضاً . ولكنّها دعوى جزافية ، فإنّ المراد من القمار فيها هو نفس الآلات . ويدلّ عليه من الرواية قوله (عليه السلام) : « بيعه وشراؤه» وقوله ( عليه السلام) : « وأمّا الميسر فالنرد والشطرنج ».
وفيه : أنّ الرواية وإن كانت صريحة الدلالة على المقصود ، ولكنّها ضعيفة السند .
ثم إنّ المصنّف (رحمه الله) ذكر جملة من الروايات للتأييد ، وادّعى عدم انصرافها إلى اللعب الخارجي :
منها : ما عن مجالس المفيد الثاني ولد الشيخ الطوسي (رحمه الله) وهو قوله (عليه السلام) :« كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر»(1).
وفيه أولاً : أنّ هذه الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّها محمولة على الكراهة فإنّ كثيراً من الأُمور يلهي عن ذكر الله وليس بميسر ولا بحرام ، وإلّا لزم الالتزام بحرمة كثير من الأُمور الدنيوية ، لقوله تعالى : إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ(2).
بل قد أُطلق اللهو على بعض الاُمور المستحبّة في جملة من الروايات(3)
1) وهي ضعيفة بابن الصلت وغيره . راجع أمالي الطوسي 336 / 681 ، الوسائل 17 : 315 / أبواب ما يكتسب به ب100 ح 15
2) محمد 47 : 36 .
3) ففي الوسائل 19 : 250 / كتاب السبق والرماية ب 1 ح 5 ، والكافي 5 : 13/50 ، والوافي 15: 150 / 6 في حديث قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) : «كل لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث : في تأديبه الفرس ، ورميه عن قوسه ، وملاعبته امرأته ، فإنّهنّ حقّ » وهي مرفوعة . ورواها الشيخ [ في التهذيب 6 : 175 / 348 ] بسند فيه ضعف بعبدالله بن عبدالرحمن ورواها البيهقي الشافعي في سننه الكبرى 10 : 14 . وفي البحار 73 : 59 / 5 عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لهو المؤمن في ثلاثة أشياء : التمتّع بالنساء ، ومفاكهة الإخوان ، والصلاة بالليل » .
كسباق الخيل ، ومفاكهة الإخوان ، وملاعبة الرجل أهله ، ومتعة النساء ، فإنّها من الأشياء المندوبة في الشريعة ، ومع ذلك أُطلق عليها اللهو . وتوهّم أنّ الملاهي غير المحرّمة خارجة عن الحديث توهّم فاسد ، فإنّه مستلزم لتخصيص الأكثر، وهو مستهجن .
ومنها : رواية الفضيل عن النرد والشطرنج وغيرهما من آلات القمار التي يلعب بها ، فقال (عليه السلام) : « إذا ميّز الله بين الحقّ والباطل في أيّهما يكون ؟ قلت : مع الباطل ؟ قال (عليه السلام) فما لك والباطل »(1).
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّه لا ملازمة بين البطلان والحرمة .
ومنها : رواية زرارة عن لعبة بعض أقسام القمار فقال (عليه السلام) : « أرأيتك إذا ميّز الله الحقّ والباطل مع أيّهما تكون ؟ قال (قلت) : مع الباطل ؟ قال (عليه السلام) : فلا خير فيه »(2). وفيه : أنّ نفي الخير أعم من الحرمة والكراهة .
ومنها : رواية عبدالواحد بن المختار : إنّه سأل الإمام (عليه السلام) عن اللعب
بالشطرنج ، قال (عليه السلام) : « إنّ المؤمن لمشغول عن اللعب »(1)فإنّ إناطة الحكم باللعب تقتضي عدم اعتبار الرهن في حرمة اللعب بالآلات المزبورة .
وفيه : أنّ الرواية غريبة عمّا نحن فيه ، فإنّ الظاهر منها أخذ عنوان المؤمن موضوعاً للاجتناب عن اللعب المطلق ، وبما أنّه لا دليل على حرمته ع-ل-ى وج-ه الإطلاق حتّى اللعب باليد والأصابع واللحية والسبحة ونحوها ، فتكون الرواية إرشاداً إلى بيان شأن المؤمن من أنّه لا يناسبه الاشتغال بالاُمور اللاغية ، فإنّها غير مفيدة له في دينه ودنياه .
وقد استدلّ على حرمة القمار بدون الرهن بالمطلقات الناهية عن الميسر والقمار من الآيات والروايات ، وقد أشرنا إلى مصادرها في الهامش.
وأجاب عنه المصنّف بوجهين :
الأول : أنّ المطلقات منصرفة إلى الفرد الغالب، وهو اللعب بالآلات المذكورة مع الرهن .
وفيه أولاً : أنّ اللعب بآلات القمار من غير رهن كثير في نفسه لو لم يكن أكثر من اللعب بها مع المراهنة ، أو مساوياً له في الكثرة.
وثانياً : أنّ مجرد غلبة الوجود في الخارج لا توجب الانصراف ، نعم إنّ دعوى الانصراف إنّما تصح إذا كان لها منشأ صحيح ، كأن يكون الفرد النادر أو غير الغالب على نحو لا يراه العرف فرداً للعمومات والمطلقات ، كانصراف الحيوان عن الإنسان في نظر العرف ، مع أنّه من أكمل أفراده، ولذا قلنا بانصراف الروايات
1) وهي ضعيفة بسهل ، ومجهولة بابن المختار وغيره . راجع الوسائل 17 : 320 / أبواب ما يكتسب به ب102 ح 11 .
المانعة عن الصلاة في غير المأكول عن الإنسان . والوجه في ذلك أنّ العرف يرى الإنسان مبايناً للحيوان حتّى أنّه لو خوطب أحد بالحيوان فإنّ العرف يعدّ ذلك من السباب .
الثاني : ما أشار إليه بقوله : وفي صدق القمار عليه نظر لما عرفت . وتوضيح ذلك : أنّ المستفاد من كلمات أهل العرف واللغة(1)
وفي القاموس [ 2 : 163 / مادّة اليَسْر ] وتاج العروس [ 3 : 627 ] ، ولسان العرب [لاحظ 5 : 298 ] وأقرب الموارد [ 2 : 1498 ] وغيرها في مادّة يسر : الميسر كمنزل ومجلس اللعب بالقداح ، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها ، وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ، ونحروه قبل أن ييسروا ، وقسّموه ثمانية وعشرين قسماً ، أو عشرة أقسام ، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر ف-وز م-ن خرج لهم ذوات الانصباء وغرم من خرج له الغفل . أو هو النرد ، أو كل قمار .
وفي مجمع البحرين [ 6: 80] مادّة زلم : والمراد بها في المشهور ودلالة الرواية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) هو أنّ الأزلام القداح العشرة المعروفة فيما بينهم في الجاهلية ، والقصّة في ذلك : أنّه كان يجتمع العشرة من الرجال ، فيشترون بعيراً ، وينحرونه ، ويقسّمونه عشرة أجزاء ، وكان لهم عشرة قداح لها أسماء ، وهي الفذّ ، له سهم ، والتوأم ، وله سهمان ، والرقيب ، وله ثلاثة والحلس - بكسر الحاء وسكون اللام - وله أربعة ، والنافس ، وله خمسة ، والمسبل -کمحسن - وله ستّة ، والمعلى - بضمّ الميم وسكون العين وفتح اللام - وله سبعة ، وثلاثة لا انصباء لها : وهي المنيح والسفيح والوغد .
أقول : إنّ ما ذكره في المجمع من تقسيم البعير إلى العشرة لا يمكن تصديقه ، ضرورة استحالة كونها مخرجاً لتلك السهام ، فإنّ المخرج لها لا يكون أقلّ من ثمانية وعشرين ، كما عرفته من القاموس وغيره . نعم تنقسم العشرة بغير القسمة المذكورة .
أنّ القمار وكذلك الميسر موضوع1) في القاموس [ 2 : 121 ، مادّة القمرة ] ولسان العرب [ لاحظ 5 : 115 ، مادّة قمر ] : تقمره راهنه فغلبه . وفي مجمع البحرين [ 3: 463 مادّة قمر ] : القمار بالكسر اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف أنواعها ، وأصل القمار الرهن على اللعب بالشيء في هذه الأشياء ، وربما أُطلق على اللعب بالخاتم والجوز . وفي أقرب الموارد [ 2 : 1036 ] : قمر الرج-ل ق--راً راه-ن ولعب بالقمار . وفي المنجد [ 653 مادّة قمر ] قمر قمراً راهن ولعب في القمار .
للعب بأي شيء مع الرهان ، ويعبّر عنه في اللغة الفارسية بكلمة (برد و باخت) وعليه فاللعب بالآلات بدون الرهن خارج عن المطلقات موضوعاً وتخصّصاً.
نعم في الجواهر : عن ظاهر الصحاح والمصباح والتكملة والذيل أنّه قد يطلق على اللعب بها مطلقاً ، مع الرهن ودونه(1). والظاهر أنّه من باب المجاز ، لعلاقة المشابهة والمشاكلة . ولا أقل من الشكّ في صدق مفهوم القمار عليه ، ومن المعلوم أنه مع الشكّ في الصدق لا يجوز التمسّك بالمطلقات .
وكذلك لا يجوز التمسّك بقوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (2)فإنّ العداوة إنّما تتحقّق مع الرهان ، لا بدونه .
والتحقيق : أن يستدلّ على الحرمة بالمطلقات الكثيرة الناهية عن اللعب بالنرد والشطرنج وبكل ما يكون معدّاً للتقامر(3)، فإنّه لا شبهة أنّ اللعب بالأُمور المذكورة يعمّ ما كان مع المراهنة أو بدونها .
وقد ناقش المصنّف في ذلك بانصراف المطلقات المذكورة إلى صورة اللعب
بآلات القمار مع الرهن ، وقد عرفت جوابه . والعجب منه (رحمه الله) أنّه استبعد الانصراف في رواية أبي الربيع الشامي(1)الناهية عن الاقتراب من النرد والشطرنج ، ثم التزم به في المطلقات المذكورة ، مع أنّهما من باب واحد ، فإنّ النهي عن الاقتراب من النرد والشطرنج كناية عن حرمة اللعب بهما . فشأن رواية أبي الربيع شأن المطلقات في الانصراف وعدمه ، ولكن الرواية ضعيفة السند .
حرمة المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار مع الرهن
المسألة الثالثة : المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار ، كالمراهنة على حمل الحجر الثقيل ، وعلى المصارعة ، ونطاح الكباش ، وصراع البقر ، ومهارشة الديكة ومضاربتها ، والمراهنة على الطيور ، وعلى الطفرة ، ونحو ذلك ممّا عدّوها في باب السبق والرماية من غير الأفراد التي نصّ على جوازها.
والظاهر أنّه لا خلاف في الجملة بين الشيعة وأكثر العامّة(2)في حرمة المراهنة على اللعب مطلقاً ، وإن كان بغير الآلات المعدّة للقمار .
نعم يظهر من الجواهر(3)اختصاص الحرمة بما إذا كان اللعب بالآلات المعدّة له ، وأمّا مطلق الرهان والمغالبة بغيرها فلا حرمة فيه . نعم تفسد المعاملة عليه ، ولا
1) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سئل عن الشطرنج والنرد ؟ فقال : لا تقربوهما » وهي مجهولة بأبي الربيع . راجع الوسائل 17 : 320 / أبواب ما يكتسب به ب 102 ح 10 .
2) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 49 لا تصحّ المسابقة بجعل (رهان) في غير الخيل والجمال والرمي إلّا عن الشافعية ، فإنّهم قالوا : تصحّ المسابقة بالرهان أيضاً على البغال والحمير والفيلة .
3) الجواهر 22 : 109 .
يملك الراهن الجعل ، فيحرم عليه التصرّف فيه .
وذكر المصنّف (رحمه الله) أنّ الظاهر إلحاقه بالقمار في الحرمة والفساد ، ب-ل صرّح العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) في مصابيحه(1)بعدم الخلاف في ذلك ، ثم قال المصنّف : وهو ظاهر كل من نفى الخلاف في تحريم المسابقة فيما عدا المنصوص مع العوض وجعل محلّ الخلاف فيها بدون العوض.
وتوضيح كلامه : أنّ الخلاف في حكم المسابقة بدون الرهن في غير الموارد المنصوصة لا معنى له إلّا في الحرمة التكليفية ، فإنّ الحرمة الوضعية عبارة عن فساد المعاملة وعدم انتقال المال إلى غير مالكه ، والمفروض أنّه ليس هنا رهن ليقع الاختلاف في انتقاله إلى غير مالكه وعدم انتقاله ، فتعيّن أن يكون الخلاف في هذه الصورة في الحرمة التكليفية فقط دون الحرمة الوضعية . وعليه فمقابلة مورد الوفاق -أعني حرمة المسابقة مع الرهن في غير الموارد المنصوصة - بمورد الخلاف تقتضي أن يكون مورد الوفاق هو خصوص الحرمة التكليفية ، أو الأعم منها ومن الحرمة الوضعية . وأمّا تخصيص مورد الوفاق بخصوص الحرمة الوضعية كما عرفته م-ن ظاهر الجواهر فلا يلائم كلماتهم .
وكيف كان ، فقد استدلّ القائلون بالحرمة والفساد بوجوه :
الأول : الإجماع . وفيه : أنّ دعواه في المقام على الحرمة وإن لم تكن جزافية كما عرفت ، ولكنّا لا نطمئن بكونه إجماعاً تعبديّاً ، بل من المحتمل القريب استناده إلى سائر الوجوه المذكورة في المسألة .
الثاني : صدق مفهوم القمار عليه بغير عناية وعلاقة ، فقد عرفت أنّ الظاهر من أهل العرف واللغة أنّ القمار هو الرهن على اللعب بأي شيء كان . وتفسيره
1) مخطوط ، لم نقف عليه .
باللعب بالآلات المعدّة للقمار دور ظاهر .
ويدلّ على ما ذكرناه ترادف كلمة القمار في لغة الفرس لكلمة (برد وباخت)بأي نحو تحقّق ، ومن أوضح أفراده في هذا الزمان الحظّ والنصيب المعبّر عن ذلك في الفارسية بلفظ( بلیط آزمایش بخت) وإذا صدق عليه مفهوم القمار شملته المطلقات الدالّة على حرمة مة القمار والميسر والأزلام ، وحرمة ما اُصيب به من الأموال ، غاية الأمر أنّ الموارد المنصوصة في باب السبق والرماية قد خرجت عن هذه المطلقات .
الوجه الثالث : الروايات الكثيرة الظاهرة في حرمة الرهان على المسابقة في غير الموارد المنصوصة :
منها : ما دلّ على نفار الملائكة عند الرهان ولعنها صاحبه ما خلا الحافر والخفّ والريش والنصل(1)
وفي الوافي 15 : 5/149 ، والوسائل 19 : 251 / كتاب السبق والرماية ب 1 ح 6 عن الصدوق قال « قال الصادق ( عليه السلام ) : إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر والخفّ والريش والنصل » وهي مرسلة.
وفي الوسائل 19 : 253 / كتاب السبق والرماية ب 3 ح 3 في رواية العلاء بن سيابة [ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ] عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « إنّ الملائكة تحضر الرهان في الخفّ والحافر والريش ، وما سوى ذلك فهو قمار » وهي ضعيفة بابن سيابة .
وفي المستدرك 14 : 79 / كتاب السبق والرماية ب 3 ح 1 في رواية زيد الفرسي « تنفر الملائكة - عند الرهان ، وإيّاكم والرهان إلّا رهان الخفّ » إلخ . وهي مجهولة بالنرسي بل ربما يناقش في انتساب الأصل المعروف إليه .
.1) في الكافي 5 : 554 / 1 ، والوافي 15 : 149 / 4 ، والوسائل 19 : 251 / كتاب السبق والرماية ب 2 ح 1 عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « ليس شيء تحضره الملائكة إلّا الرهان وملاعبة الرجل أهله» وهي مجهولة بسعدان بن مسلم .
ولكن جميعه ضعيف السند .
ومنها : ما عن تفسير العياشي(1)من أنّ الميس-ر ه-و الث-ق-ل الخ--ارج ب-ين المتراهنين ، فيدلّ على الحرمة وضعاً وتكليفاً ، وعليه فلا وجه لحمله على الحرمة الوضعية فقط كما صنعه المحقق الإيرواني(2). ولكنّه ضعيف السند .
ومنها : ما دلّ على أنّ كل ما قومر به فهو من الميسر حتّى اللعب بالجوز واللوز والكعاب(3)
وفي الكافي 5 : 122 / 2 ، والوافي :17 : 225 / 2 ، والتهذيب :6 : 371 / 1075 ، والوسائل 17: 165 / أبواب ما يكتسب به ب 35 ح 4 عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: « لمّا أنزل الله على رسولهإِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلخ ، قيل : يارسول الله ما الميسر ؟ فقال : كل ما تقومر به حتّى الكعاب والجوز » وهي ضعيفة بعمرو بن شمر .
و في المستدرك 13 : 224 / أبواب ما يكتسب به ب 83 ح 2 عن فقه الرضا (عليه السلام) [ 284] ما يدلّ على ذلك ، ولكنّه ضعيف .
، ومعنى المقامرة هو المراهنة على اللعب كما عرفته في الهامش آنفاً .1) عن ياسر الخادم عن الرضا ( عليه السلام) قال : « سألته عن الميسر ، قال : الثقل من كل شيء قال : والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم » وهي مجهولة بياسر ، على أنّ التفسير المزبور لم يثبت اعتباره عندنا . راجع تفسير العياشي 1 : 341/ 187 ، الوسائل 17 : 325 / أبواب ما يكتسب به ب 104 ح9 .
2) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 220 .
3) ففي الباب المذكور من الوسائل ح 1 ، والكافي 6 : 1/435 ، والوافي 17 : 227 / 10 عن معمر بن خلّاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : « الفرد والشطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة ، وكل ما قومر عليه فهو ميسر » وهي صحيحة .
ومنها : رواية إسحاق بن عمّار(1)
أقول : من جملة رجال السند في هذه الرواية محمّد بن أحمد النهدي ، وقد رماه النجاشي [ في رجاله : 341 / 914 ] بالاضطراب ، وضعّفه ابن الغضائري [ كما حكاه عنه العلّامة في خلاصة الأقوال : 255 / 871 ] ، ووثّقه الكشي [ 530 / 1014 ] ، وعليه فلابدّ من التوقّف كما عليه العلّامة
الصريحة في حرمة المقامرة بالجوز والبيض وحرمة أكلها ، فإنّها دلّت على تحقّق القمار باللعب بغير الآلات المعدّة له .وتدلّ على هذا أيضاً الرواية المشتملة على قيء الإمام (عليه السلام) البيض الذي قامر به الغلام . وسيأتي الكلام في هذه الرواية وبيان أنّها ضعيفة السند(2).
والحاصل : أنّ الرهن على اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار حرام وضعاً وتكليفاً ، فلا وجه لإنكار الحرمة التكليفية والالتزام بخصوص الفساد كما صنعه صاحب الجواهر.
وقد يستدل على ما ذهب إليه صاحب الجواهر بما في صحيحة محمّد بن قيس(3)الواردة في مؤاكلة الشاة من أنه (عليه السلام) قال : « لا شيء في المؤاكلة من
1) الواردة في الكافي 5 : 124 / 10 ، والوافي 17 : 226 / 4 ، والتهذيب 6 : 370 / 1069 والوسائل 17 : 166 / أبواب ما يكتسب به ب 35 ح 7 قال « قلت لأبي عبدالله (ع-ل-ي-ه السلام) : الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون ، فقال : لا تأكل منه فإنّه حرام » .
2) في ص 578 .
3) في الكافي 7: 428 / 11 ، والتهذيب 6 : 290 / 803 ، والوافي 16 : 1120 / 47 عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل آكل وأصحاب له شاة فقال : إن أكلتموها فهي لكم ، وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا ، فقضى فيه أنّ ذلك باطل ، لا شيء في المؤاكلة من الطعام ما قلّ منه وما كثر ، ومنع غرامة فيه » وهي صحيحة .
الطعام ما قلّ منه أو كثر، ومنع غرامة فيه » بدعوى أنّ الإمام (عليه السلام) لم يتعرّض فيها لغير فساد المراهنة في الطعام، وأنّه ليس لها أثر يترتّب عليها ، ولو كانت المراهنة المزبورة محرّمة تكليفاً لردع عنها أيضاً .
وأجاب المصنّف عن ذلك بأنّ هذا وارد على تقدير القول بالبطلان وعدم التحريم ، لأنّ التصرّف في هذا المال مع فساد المعاملة حرام أيضاً ، فتأمّل . وتوضيح کلامه : أنّ سكوت الإمام (عليه السلام) عن بيان الحرمة في جهة لا يستلزم ثبوت الجواز فيها ، وإلّا لكانت الرواية دالّة على جواز التصرّف في مال الغير بناءً على فساد هذه المعاملة ، لأنّ الإمام (عليه السلام) قد سكت عن بيان حرمته أيضاً .
أقول : الظاهر أنّ الرواية أجنبية عن المقام ، وإنّما هي مسوقة لبيان حكم عقد المؤاكلة في الطعام ، فإنّ مالك الشاة قد أباحها لأشخاص معيّنين بشرط متأخّر وهو قوله : إن أكلتموها فهي لكم . واشترط عليهم الضمان إذا تخلّف الشرط المذكور وقال : وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا . وقد حكم الإمام (عليه السلام) بفساد هذه المعاملة ، وعدم ترتّب الأثر عليها بقوله : « لا شيء في المؤاكلة » . وأنّها ليست من المعاملات التي أمضاها الشارع كما أمضى المزارعة والمضاربة والمساقاة وغيرها .
وعلى هذا فمفاد الرواية ينحلّ إلى قضيتين : إحداهما موجبة ، وهي إباحة الشاة بشرط متأخّر إباحةً مالكية . والثانية سالبة ، وهي عدم تحقّق الإباحة المالكية مع تخلّف الشرط المذكور . وحكم القضية الاُولى هو الجواز وضعاً وتكليفاً من غير غرامة على الأكلين . وحكم القضية الثانية هو عدم الجواز وضعاً ، لا تكليفاً . فتثبت عليه غرامة الأكل ، لكونه مشمولاً لعمومات أدلّة الضمان ، لا لأنّها معاملة خاصّة توجب الضمان بنفسها .
ويدلّ على ذلك من الرواية أمران ، أحدهما : قوله (عليه السلام) : « لا شيء في المؤاكلة » . فإنّ ظاهره أنّ الصادر بين مالك الشاة وأصحابه إنّما هو عقد المؤاكلة في
الشاة .
وثانيها : قول المالك : « إن أكلتموها فهي لكم ، وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا» ، فإنّ ظاهره أنّ هذا القول من المالك صيغة لعقد المؤاكلة ، وأنّ المتعاملين بها يحاولون إيجاد معاملة خاصّة كسائر المعاملات المقرّرة في الشريعة المقدّسة .
وقد علم من الوجهين المذكورين أنّ كلمة «آكل» في قول السائل :« في رجل آكل وأصحاب له شاة » إنّما هو فعل ماض من باب المفاعلة ، وليس باسم فاعل من الثلاثي المجرّد ، ولا فعل ماضٍ منه كما هو واضح . ونظير هذه المعاملة كثير الوقوع بين أهل العرف ، فيقول أحدهم لصاحبه : إن أكلت كذا مقداراً من الثمرة ، أو إن سكنت في هذه الدار سنة واحدة ، فليس عليك شيء ، وإلّا فعليك كذا وكذا .
قوله : ثم إنّ حكم العوض من حيث الفساد حكم سائر المأخوذ بالمعاملات الفاسدة .
أقول : حكم المأخوذ بالقمار وكذلك حكم المأخوذ بسائر المعاملات الفاسدة هو وجوب ردّ عينه مع البقاء ، وردّ بدله من المثل أو القيمة مع التلف ، ويأتي الكلام إن شاء الله عن هذا في البحث عن المقبوض بالعقد الفاسد(1).
قوله : وما ورد من قيء الإمام عليه السلام) البيض الذي قامر به الغلام(2).
أقول : لم يتوهّم أحد ولا موقع للتوهّم أيضاً أنّ القيء من جهة ردّ البيض إلى
1) الجزء الثالث من هذا الكتاب : 150 .
2) في الكافي 5 : 123 / 3 ، والوافي 17 : 227 / 6 ، والوسائل 17 : 165 / أبواب ما يكتسب به ب 35 ح 2 عن عبد الحميد بن سعيد قال : « بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاماً يشتري له بيضاً فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها ، فلمّا أتى به أكله ، فقال له مولى له : إنّ فيه من القمار ، قال : فدعا بطشت فتقيّأ فقاءه » وهي مجهولة بعبدالحميد ، وضعيفة بسهل .
المالك ، فإنّ آكل الحرام لا يجب عليه ردّ عينه ولو كان عالماً عامداً، فضلاً عمّا إذا تناوله جاهلاً ، لأنّ الطعام بعد المضغ يعدّ في العرف تالفاً، خصوصاً بعد وصوله إلى المعدة ، أمّا بعد القيء فإنّه يعدّ من القذارات العرفية ، وإنّما الوجه في ذلك هو تنزّه الإمام (عليه السلام) وأن لا يصير الحرام الواقعي جزءاً من بدنه، بل الظاهر م--ن الرواية أنّ البيض قد اشتراه الغلام للإمام (عليه السلام) ولكنّه قامر به في الطريق ، فلا موضوع هنا للضمان.
ولو سلّمنا أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن مالكاً للبيض فيمكن أن يقال إنّ الأموال كلّها للإمام (عليه السلام) ، لأنّه أولى بالناس من أنفسهم ، ويؤيّده ما دلّ على أنّ الأرض وما يخرج منها له (عليه السلام)(1).
وعلى هذين الوجهين فقيء الإمام البيض إنّما هو لئلّا يكون ما اُصيب بالقمار جزءاً من بدنه .
وكيف كان ، فقد أورد المصنّف على الرواية : بأنّ ما كان تأثيره كذلك يشكل أكل المعصوم له جهلاً ، بناءً على عدم إقدامه على المحرّمات الواقعية غير المتبدّلة بالعلم ، لا جهلاً ولا غفلة ، لأنّ ما دلّ على عدم جواز الغفلة عليه في ترك الواجب وفعل الحرام دلّ على عدم جواز الجهل عليه في ذلك .
ويمكن أن يقال : إنّ الاعتراض على الرواية مبني على كون علم الأئمّة بالموضوعات حاضراً عندهم من غير توقّف على الإرادة ، وقد دلّت عليه جملة من الروايات(2)، كما أنّ علمهم بالأحكام كذلك .
وأمّا بناءً على أنّ علمهم بالموضوعات تابع لإرادتهم واختيارهم كما دلّت
عليه جملة اُخرى من الروايات(1)فلا يتوجّه الإشكال على الرواية ، لإمكان صدور الفعل عنهم (عليهم السلام) جهلاً قبل الإرادة .
ولكن الذي يسهل الخطب أنّ البحث في علم الإمام من المباحث الغامضة والأولى ردّ علم ذلك إلى أهله ، كما ذكره المصنّف (رحمه الله) . على أنّ الرواية المذكورة ضعيفة السند .
حكم المسابقة بغير رهان فيما عدا الموارد المنصوصة
قوله : الرابعة : المغالبة بغير عوض في غير ما نص على جواز المسابقة فيه .
أقول : المشهور بين الأصحاب هو عدم جواز المسابقة بغير رهان فيما عدا الموارد المنصوصة ، كالمصارعة وحمل الأثقال والجري على الأقدام ، وكالمسابقة على السفن والبقر والكلاب والطيور ، والمكث في الماء ، وحفظ الأخبار والأشعار ورمي البنادق ، والوقوف على رجل واحدة وغيرها . وقد ذهب بعض الأصحاب وجمع من العامّة(2)إلى الجواز .
ويمكن الاستدلال على الحرمة بوجوه :
الأول : دعوى الإجماع عليها ، وقد ادّعاه غير واحد من الأصحاب .
وفيه : أنّ من المحتمل القريب استناده إلى الوجوه الآتية ، فليس هنا إجماع تعبّدي ، ومن هنا علّله بعض الأعاظم من الأصحاب بعموم النهي عن المسابقة إلّا
في ثلاثة .
الثاني : ما ورد في جملة من الأحاديث من نفي السبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل(1)
وفي المستدرك 14 : 80 / كتاب السبق والرماية ب 3 ح 3 عن دعائم الإسلام [ 1 : 345 ] : « لا سبق إلّا في ثلاث : في خفّ أو حافر أو نصل » وهي مرسلة . وعن الشهيد الثاني [ في شرح البداية في علم الدراية : 59 ] إضافة الجناح .
بدعوى أنّ السبق - بالسكون - مصدر لكلمة سبقه إلى كذا ، أي تقدّمه وخلفه وغلبه على كذا ، فيراد من نفيه نفي مشروعية المسابقة والمغالبة وإن لم يكن فيها رهان ، فيكون مفاده كمفاد لا رهبانية ولا نجش في الإسلام .وفيه : أنّ ذلك إنّما يتم لو كان المذكور هو السبْق بسكون الباء ، ولم يثبت ذلك ، بل في المسالك أنّ قراءة الفتح هي المشهور(2)، والسبَق - بالفتح - هو العوض الذي يتراهن عليه المتسابقون ، وعليه فلا تدلّ الرواية إلّا على تحريم المراهنة فقط. بل قال المصنّف : إنّها غير ظاهرة في التحريم أيضاً ، لاحتمال إرادة فسادها ، بل هو الأظهر، لأنّ نفي العوض ظاهر في نفي استحقاقه ، وإرادة نفي جواز العقد عليه في غاية البعد.
ومع الإغضاء عن ثبوت قراءة الفتح فالرواية مجملة ، فلا يجوز التمسّك بها إلّا في الموارد المتيّقنة ، على أنّها ضعيفة السند
إنّه أورد المصنّف - على قراءة السكون - بأنّه على تقدير السكون فكما
1) ففي الكافي 5: 6/48 ، والوافي 15 : 152 / 12 ، والوسائل 19: 253 / كتاب السبق والرماية ب 3 ح 2 عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل ، يعني النضال » وهي ضعيفة بمعلّى بن محمد . وقد ذكرت هذه الرواية في جملة من أحاديث العامّة . راجع سنن البيهقي 10 : 16 .
2) المسالك 6 : 69 - 70 .
يحتمل نفي الجواز التكليفي يحتمل نفي الصحّة ، لوروده مورد الغالب من اشتمال المسابقة على العوض .
وفيه أولاً : أنّ المسابقة بدون المراهنة كثيرة في نفسها . وثانياً : أنّ غلبة الوجود بمجرّدها لا توجب الانصراف.
الثالث : أنّ مفهوم القمار صادق على مطلق المغالبة ولو بدون العوض ، كما يدلّ عليه ما تقدّم(1)في بعض الروايات من تسمية اللعب بالشطرنج بدون المراهنة قماراً ، وعليه فتشمله الإطلاقات الدالّة على حرمة القمار .
وفيه : أنّك قد عرفت فيما سبق آنفاً أنّ الرهان مأخوذ في مفهوم القمار ، سواء كان اللعب بالآلات المعدّة له أم لا ، فالمسابقة بغير المراهنة خارجة عن القمار موضوعاً . وإطلاق القمار عليها أحياناً لا يدلّ على الحقيقة ، فإنّه أعم من الحقيقة والمجاز . وحرمة اللعب بالنرد والشطرنج من جهة الأدلّة الخاصّة ، لا من جهة صدق مفهوم القمار عليه .
ولو سلّمنا أنّ إطلاق القمار على المسابقة الخالية عن العوض على سبيل الحقيقة فإنّ السيرة القطعية قائمة على جوازها ، كالسباحة والمصارعة والمكاتبة والمشاعرة وغيرها ، خصوصاً إذا كان الفعل أمراً قريباً ، كبناء المساجد والقناطر والمدارس ، فإنّ في ذلك فليتنافس المتنافسون .
الرابع : أنه قد علّل تحريم اللعب بالنرد والشطرنج في بعض الأخبار المتقدّمة(2)بأنّه من اللهو والباطل ، وهو جارٍ فيا نحن فيه أيضاً ، بل ورد من طرق
الخاصّة والعامّة أنّ كل لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث - وقد تقدّم في الحاشية(1)وهو بإطلاقه شامل للمقام ، وقد تقدّم أيضاً أنّ «كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر » ومن الواضح أنّ المسابقة وإن كانت بغير عوض تلهي عن ذكر الله .
وفيه : أنّه لا دليل على حرمة مطلق اللهو كما عرفت وستعرفه في البحث عن حرمة اللهو(2)فإنّ كثيراً من الاُمور لهو وهو ليس بحرام ، كاللعب بالأحجار والأشجار والسبحة واللحية وأزرار الثوب ونحوها . على أنّه لا ملازمة بين ما نحن فيه وبين اللهو ، فإنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه ، إذ كثيراً ما تكون المسابقة للأغراض العقلائية من تربية البدن ومعالجته والتنزّه والتفريح كما هو واضح .
قوله : السادسة عشرة : القيادة حرام(3).
أقول : وهي في اللغة(4)السعي بين الشخصين لجمعهما على الوطي المحرّم ، وقد يعبّر عنها بكلمة الدياثة . ولا شبهة في حرمتها وضعاً وتكليفاً ، بل ذلك من ضروريات الإسلام ، وهي من الكبائر الموبقة والجرائم المهلكة .
وفي مرسلة الشيخ الورّام عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) « عن جبرئيل قال : اطّلعت على النار فرأيت في جهنّم وادياً يغلي ، فقلت : يامالك لمن هذا ؟ فقال :
لثلاثة : المحتكرين ، والمدمنين للخمر ، والقوّادين »(1).
وقد تقدّم في رواية سعد الإسكاف وغيرها(2)تفسير الواصلة والمستوصلة بذلك .
وفي رواية ابن سنان عن حدّ القوّاد ؟ قال (عليه السلام) : « يضرب ثلاثة أرباع حدّ الزاني خمسة وسبعين سوطاً ، وينفى من المصر الذي هو فيه» (3).
وفي بعض الأحاديث : « لا يدخل الجنّة عاق ، ولا منّان ، ولا ديّوث »(4).
وفي عيون الأخبار : « وأمّا التي كانت تحرق وجهها وبدنها وهي تجر أمعاءها فإنّها كانت قوادة »(5). وقد ورد اللعن والتوعيد على القوّاد في بعض الأحاديث(6).
1) راجع الوسائل 17 : 426 / أبواب آداب التجارة ب 27 ح 11 [ لم يعثر عليها في تنبيه الخواطر للشيخ ورّام ] .
2) في ص 313 .
3) راجع الوسائل 28 : 171 / أبواب حدّ السحق والقيادة ب 5 ح1 .
4) راجع المستدرك 13 : 111 / أبواب ما يكتسب به ب23 ح 7 .
5) عيون أخبار الرضا ( عليه السلام) 2 : 10 / 24 ، الوسائل 20 : 213 / أبواب مقدّمات النكاح ب 117 ح 7.
6) في الوسائل 20: 351 / أبواب النكاح المحرّم ب 27 ح 1 ، 2 عن إبراهيم بن زياد الكرخي قال : «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لعن الله الواصلة والمستوصلة ، يعني الزانية والقوّادة » . وعن عقاب الأعمال [ : 337] عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث قال : « ومن قاد بين امرأة ورجل حراماً حرّم الله عليه الجنّة ، ومأواه جهنّم وساءت مصيراً ، ولم يزل في سخط الله حتّى يموت » .
حرمة إتيان القائف وترتيب الأثر على قوله
قوله : السابعة عشرة : القيافة حرام في الجملة(1).
أقول : القيافة في اللغة(2)معرفة الآثار ، وشبه الرجل بأخيه وأبيه . والظاهر أنّه لا شبهة في جواز تحصيل العلم أو الظنّ بأنساب الأشخاص بعلم القيافة وبقول القافة ، ولم يرد في الشريعة المقدّسة ما يدلّ على حرمة ذلك . وما ورد في حرمة إتيان العرّاف والقائف لا مساس له بهذه الصورة ، وإنّما المراد منه حرمة العمل بقول القافة وترتيب الأثر عليه كما سيأتي . ومع الشكّ في الحرمة والجواز في هذه الصورة يرجع إلى الأُصول العملية.
ثم إنّه لا شبهة في حرمة الرجوع إلى القائف وترتيب الآثار على قوله ، وفي الكفاية لا أعرف فيها الخلاف (3). وفي المنتهى الإجماع على ذلك(4). خلافاً لأكثر العامّة(5)
وإن ألحقه القائف بأحدهما لحق ، وإلّا ترك الولد حتّى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما . وإن ألحقه القائف بهما فإنّ مذهب عمر بن الخطّاب ومالك والشافعي يترك حتّى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه . وقال أبو ثور : يكون ابناً لهما . وقال الماجشون ومحمّد بن مسلمة المالكيان : يلحق بأكثرهما شبهاً .
وفي هامش سنن البيهقي 10 : 264 عن أبي ثور قال : إذا قال القافة الولد منهما لحق بهما وورثهما وورثاه .
فإنّهم جوّزوا العمل بقول القافة ، استناداً إلى جملة من الروايات الواردة1) المكاسب 2 : 7
2) في تاج العروس 6 : 228 [ مادّة قاف ] : والقائف من يعرف الآثار ، الجمع قافة . وقال ابن الأثير : القائف الذي يتبع الآثار ، ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه . ومنه الحديث : إنّ محرزاً كان قائفاً .
3) الكفاية : 87 ، السطر 30
4) لاحظ المنتهى 2 : 1013 - 1014 .
5) في إكمال إكمال المعلّم 5 : 150 شرح صحيح مسلم : أثبت العمل بالقافة الشافعي ، ونفاه أبو حنيفة، والمشهور عن مالك في الإماء دون الحرائر ، وروى عنه ابن وهب إثباته في الحرائر ... ولا خلاف عند القائلين بالقافة أنّها إنّما تكون فيها أشكل من فراشين ثابتين ، كأمة يطؤها البائع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطىء البائع ، فتأتي بولد لأكثر من ستّة أشهر من وطىء المشتري ، وأقل من أقصى الحمل من وطىء البائع .
من طرقهم ، وسنشير إليها .
وتدلّ على حرمة العمل بقول القافة الآيات الدالّة على حرمة العمل بغير علم وعلى حرمة اتّباع الظنون ، وأنّها لا تغني من الحقّ شيئاً - وقد تقدّمت هذه الآيات(1)- فإنّ نفي النسب عن شخص أو إلحاقه به بالاستحسانات الحاصلة من ملاحظة أعضاء البدن على النحو الذي تقرّر في علم القيافة لا يتّفق والق-واع-د الشرعية ، فإنّه هدم لأحكام الإرث المترتّبة على التوالد الشرعي ، وأيضاً قد ثبت في الشريعة أنّ الولد للفراش ، بل هو من القواعد المسلّمة بين الفريقين ، والعمل بالقيافة ينافيها في كثير من الموارد .
ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ النسب إذا لم تقم على ثبوته أمارة شرعية فإنّ الاستصحاب يقتضي نفيه ، ولا يجوز رفع اليد عنه إلّا بالأمارات المعتبرة شرعاً وليست القيافة منها .
1) في البحث عن حرمة الرشوة ص 410 ، الهامش رقم (1) .
وأمّا ما ورد في أحاديث العامّة(1)
راجع سنن البيهقي 10 : 262 كتاب الدعوى والبيّنات ، وصحيح البخاري 8: 195 / آخر كتاب الفرائض (باب القائف) . وصحيح مسلم 2 : 1082 / 39 آخر الرضاع . وسنن أبي داود 2 : 280 / كتاب الطلاق . وسنن النسائي 6 : 184 / كتاب اللعان (باب القافة) . وجامع الترمذي مع شرح ابن العربي : 290 / آخر باب الولاء والهبة والوصايا . أسارير : الخطوط التي تكون بالجبهة [ فلاحظ ] .
وفي إرشاد الساري في شرح البخاري :9 : 446 : مجزّز بضمّ الميم وفتح الجيم وكسر الزاء الأُولى المشدّدة وآخره زاء معجمة ، سمّي بذلك لأنّه كان يجزّ ناصية الأسير في الجاهلية ويطلقه . وقال العسقلاني في فتح الباري 12 : 44 : ... لكني لم أر من ذكر اسمه .
من العمل بقول القافة فلا يصلح أن يكون رافعاً للاستصحاب ، فإنّه مضافاً إلى ضعف السند فيها أنّه منافٍ لما ورد في المنع عن العمل بعلم القيافة في بعض أحاديث الشيعة(2). وفي رواية الجعفريات(3)جعل من السحت أجر القافي .وقد استشهد المصنّف (رحمه الله) على حرمة العمل بقول القافة برواية زكريا
1) منها ما عن عائشة « أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) دخل عليها وهو مسرور تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تسمعي ما قال مجزّز المدلجي ورأى أُسامة وزيداً نائمين وقد خرجت أقدامهما ، فقال : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض » .
2) روى في الوسائل 17 : 149 / أبواب ما يكتسب به ب 26 ح 2 عن الخصال [ 19 / 68 بتفاوت يسير ] عن أبي بصير عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : قلت : فالقيافة ؟ قال : ما أحبّ أن تأتيهم إلى أن قال (عليه السلام) : القيافة فضلة من النبوّة ذهبت في الناس حين بعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)».
3) الجعفريات [ 299 : 1235 ] المستدرك 13 : 110 / أبواب ما يكتسب به ب23 ح 1 .
ابن يحيى(1)الواردة في قصّة أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وإثبات بنوّة ابنه الجواد (عليه السلام) وإمامته بالرجوع إلى القافة ، حيث زعموا ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون .
ولكن لم نجد في الرواية ما يستشهد به لذلك ، بل الظاهر منها أنّ الشيعة أيضاً كانوا يعتقدون بقضاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بقول القافة ، وأنّ الرضا (عليه السلام) لم ينكر عليهم ذلك . نعم يرد على الرواية وجوه :
الأول : أنّها ضعيفة السند .
الثاني : أنّها مخالفة لضرورة المذهب ، فإنّها اشتملت على عرض أخ-وات الإمام وعمّاته على القافة ، وهو حرام لا يصدر من الإمام (عليه السلام) . وتوهّم أنّ ذلك من جهة الاضطرار وهو يبيح المحظورات توهّم فاسد ، إذ لم تتوقّف معرفة بنوّة الجواد للرضا ( عليه السلام) على إحضار النساء .
الثالث : أنّ الجماعة الذين بغوا على الرضا (عليه السلام) لينفوا بنوّة الجواد (عليه السلام عنه لو كانوا معتقدين بإمامة الرضا (عليه السلام) لما احتاجوا إلى القافة بعد إخباره بالبنوّة .
1) جاء إخوة الرضا (عليه السلام) إليه فقالوا له : « ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون ، فقال لهم الرضا (عليه السلام) : هو ابني ، قالوا : فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قضى بالقافة ، فبيننا وبينك القافة ، قال : ابعثوا أنتم إليهم ، وأمّا أنا فلا ، ولا تعلموهم لما دعوتموهم -إلى أن قال : - ثم جاؤوا بأبي جعفر (عليه السلام) فقالوا : ألحقوا هذا الغلام بأبيه ، فقالوا : ليس ههنا أب ، ولكن هذا عمّ أبيه وهذا عمّه وهذا عمّه وهذه عمّته ، وإن يكن له ههنا أب فهو صاحب البستان ، فإنّ قدميه وقدميه واحدة ، فلمّا رجع أبو الحسن (عليه السلام) قالوا : هذا أبوه » وهي مجهولة بزكريا بن يحيى .
قوله : الثامنة عشرة : الكذب حرام بضرورة العقول والأديان ، ويدلّ عليه الأدلّة الأربعة(1).
أقول : لا شبهة في حرمة الكذب ، فإنّه من قبائح الذنوب ، وفواحش العيوب بل هو مفتاح الشرور ، ورأس الفجور ، ومن أشدّ الجرائم ، وأكبر الكبائر . وحرمته من ضروريات مذهب الإسلام ، بل جميع الأديان ، وقد استدلّ عليها المصنّف بالأدلّة الأربعة .
أمّا الكتاب والسنّة الواردة لدى الخاصّة(2)والعامّة(3)في ذلك فذكرهما ممّا لا يحصى. وأمّا الإجماع فمن المحتمل القريب بل المقطوع به أنه مستند إلى الكتاب والسنّة ، فلا يكون هنا إجماع تعبّدي ، كما هو واضح .
وأمّا العقل فإنّه لا يحكم بحرمة الكذب بعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن ترتّب المفسدة والمضرّة عليه، وكيف يحكم العقل بقبح الإخبار بالأخبار الكاذبة التي لا تترتّب عليها مفسدة دنيوية أو أُخروية، نعم إذا ترتّب عليه شيء من تلك المفاسد، كقتل النفوس المحترمة، وهتك الأعراض المحترمة، ونهب الأموال، أو إيذاء الناس وظلمهم، ونحوها من العناوين المحرّمة، فإنّ ذلك محرّم بضرورة العقل ولكنّه لا يختصّ بالكذب، بل يجري في كل ما استلزم شيئاً من الاُمور المذكورة ولوكان صدقاً.
قوله : أحدهما : في أنّه من الكبائر .
أقول : قد عرفت في مبحث الغيبة(1)تحقيق الحال في كون معصية كبيرة . وقد استدلّ المصنّف على كون الكذب من الكبائر في الجملة بعدّة من الروايات :
منها : روايتا الأعمش وعيون الأخبار(2)حيث جعل الإمام (عليه السلام) الكذب من الكبائر في هاتين الروايتين . وفيه : أنّهما وإن كانتا ظاهرتين في المقصود ولكنّهما ضعيفتا السند (3).
ومنها : قوله (عليه السلام) في رواية عثمان بن عيسى : « إنّ الله جعل للشر أقفالاً ، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب ، والكذب شرّ من الشراب »(4).
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّها مخالفة للضرورة ، إذ لا يلتزم فقيه بل ولا متفقّه بأنّ جميع أفراد الكذب شرّ من شرب الخمر ، فإذا دار الأمر في مقام الاضطرار بين ارتكاب طبيعي الكذب - ولو بأن يقول المكرَه (بالفتح) : إنّ عمر فلان مائة سنة مع أنّه ابن خمسين - وبين شرب الخمر فلا يحتمل أحد ترجيح شرب
1) في ص 493 .
2) راجع الوسائل 15 : 331 / أبواب جهاد النفس ب 46 - 36 ، 33 ، عيون أخبار الرضا (علیه السلام) 2 : 127 / 1
3) أمّا رواية العيون فلما تقدّم في ص.370. وأمّا رواية الأعمش فبأحمد بن يحيى بن زكريا وغيره.
4) وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى . راجع الكافي :2 : 3/338 ، والوافي 5 : 3/927، والوسائل 12: 244 / أبواب أحكام العشرة ب138 ح3 .
الخمر على الكذب .
وممّا ذكرناه ظهر الجواب عمّا دلّ على أنّ المؤمن إذا كذب بغير عذر كتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع أُمّه(1). ومن الواضح أنّ الزنا بالأُمّ من أكبر الكبائر ، فكذلك الكذب. على أنّ هذه الرواية أيضاً ضعيفة السند.
ويضاف إلى ذلك ما ذكرناه في مبحث الغيبة(2)، وهو أنّ كل واح-د م-ن الذنوب مشتمل غالباً على خصوصية لا توجد في غيره ، وكونه أشدّ من غيره في هذه الخصوصية لا يستلزم كونه أشدّ منه في جميع الجهات .
نعم قد يكون بعض أفراد الكذب أشدّ من شرب الخمر والزنا ، كالكذب على الله ، وعلى رسوله ، وكالكذب لقتل النفس المحترمة ، ولإثارة الفتنة ونحوها ، ولا مضايقة في جعله حينئذ من الكبائر .
ومنها : ما عن العسكري (عليه السلام) فإنّه قال : « جعلت الخبائث كلّها في بيت وجعل مفتاحها الكذب»(3)بدعوى أنّ ما يكون مفتاحاً للخبائث كلّها لابدّ وأن يكون كبيرة .
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : لا ملازمة بين كون الشيء مفتاحاً للخبائث وبين كونه معصية ، فضلاً عن كونه من الكبائر ، فإنّه قد يكون الشيء غير محرّم ومع ذلك يكون مفتاحاً للحرام ، كالشبهات ومقدّمات الحرام وعليه فشأن هذه الرواية شأن الروايات الآمرة بالاجتناب عن الشبهات ، فهي غير دالّة على حرمة الكذب فضلاً عن كونه من الكبائر .
قوله : ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بقوله تعالى : إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ(1).
أقول : وجه الدلالة أنّه تعالى جعل الكاذب غير مؤمن بآيات الله كافراً بها .
وفيه : أنّ الآية وإن كانت ظاهرة الدلالة على كون الكذب المذكور فيها من الكبائر ، ولكنّ الظاهر من ملاحظة الآية وما قبلها أنّ المراد بالكاذبين في الآية الشريفة هم الذين يفترون على الله وعلى رسوله في آيات الله ، كاليهود والمشركين لزعمهم أنّ ما جاء به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كلّه من تلقاء نفسه ومفتريات شخصه وقد ردّ الله كلامهم عليهم بقوله عزّ من قائل :إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَوعلى هذا فالكذّابون المذكورون في الآية لم يؤمنوا بالله وبرسوله وبالمعاد من الأول ، لا أنّ الكذب أوجب خروجهم عن الإيمان لكي تدلّ الآية على مقصد المصنّف.
قوله : كونه من الكبائر من غير فرق بين أن يترتّب على الخبر الكاذب مفسدة أن لا يترتّب عليه شيء أصلاً .
أقول : ذهب المصنّف تبعاً لظاهر الفاضلين(2)والشهيد الثاني(3)إلى أنّ الكذب مطلقاً من الكبائر ، سواء ترتّبت عليه مفسدة أم لا ، واستند في رأيه هذا إلى الإطلاقات المتقدّمة التي استدلّ بها على كون الكذب من الكبائر ، ثم أيّده بقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في وصيته وصيته لأبي ذرّ (رضوان الله عليه) : « ويل للذي يحدّث
فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ، ويل له ، ويل له »(1)بدعوى أنّ الأكاذيب المضحكة لا يترتّب عليها الإلقاء في المفسدة إلّا نادراً .
والوجه في جعلها من المؤيّدات ما ذكره المصنّف في مبحث الكبائر من رسالته في العدالة(2)وهو أنّ من الموازين التي تعدّ به الخطيئة كبيرة ورود النصّ المعتبر على أنها ممّا أوجب الله عليها النار . ومن الواضح أنّ الوصية المذكورة ضعيفة السند .
أقول : قد عرفت أنّ الإطلاقات المتقدّمة لا تنهض لإثبات المطلوب ، إمّا لضعف السند فيها ، أو لضعف الدلالة ، وكذلك الشأن في رواية أبي ذرّ ، فهي وإن كانت ظاهرة فى المقصود ، ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند .
والتحقيق : أنّه لا دليل على جعل الكذب مطلقاً من الكبائر ، بل المذكور في رواية أبي خديجة : « الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأوصياء (صلّى الله عليهم) من الكبائر »(3)
و في الوافي 5 : 9/929 ، والكافي 2 : 239 / 5 ، والوسائل 12 : 248 / أبواب أحكام العشرة ب 139 ح 3 بسند آخر عن أبي خديجة عن أبي عبدالله (عليه السلام) « الكذب على الله وعلى رسوله من الكبائر » وهي ضعيفة .
فإنّ الظاهر منها أنّها مسوقة مسوقة للتحديد ، وبيان أنّ الكذب الذي يعدّ كبيرة إنّما هو الكذب الخاص ، وعليه فتقيّد بها المطلقات المتقدّمة الظاهرة في كون الكذب بمطلقه من الكبائر، بناءً على صحّتها من حيث السند والدلالة . ولكن رواية أبي خديجة المذكورة ضعيفة السند.وفي مرسلة الفقيه : « من قال عليّ ما لم أقله فليتبوّأ مقعده من النار »(1)فإنّ الظاهر منها أنّ الكذب على الرسول من الكبائر ، بناءً على تفسير الكبيرة بما أوعد الله عليه النار في الكتاب العزيز أو في السنّة المعتبرة . وعليه فيدخل فيه الكذب على الله وعلى أوصيائه (عليهم السلام) الملازمتهما للكذب على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) . ولكن الرواية ضعيفة السند .
وفي بعض الأحاديث أنّ شهادة الزور واليمين الغموس الكاذبة التي يتعمّدها صاحبها من الكبائر(2).
وممّا يؤيّد أنّ الكذب ليس مطلقاً من الكبائر ما ورد في مرسلة سيف بن عميرة من التحذير عن الكذب الصغير والكبير(3)، فإنّ انقسام الكذب إلى الصغير والكبير يدلّ على عدم كونه مطلقاً من الكبائر . إلّا أنّ الرواية مرسلة .
وفي رواية ابن الحجّاج ما يشعر بعدم كون الكذب مطلقاً من الكبائر(4)
أقول : المطبوع على الكذب : المجبول عليه ، بحيث صار عادة له ، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذّاب ، الذي هو من صيغ المبالغة ، وهو واضح .
.ولكن الذي يهوّن الخطب ما تقدّمت الإشارة إليه في مبحث الغيبة من أنّه لا أثر لهذه المباحث ، فإنّ الذنوب كلّها كبيرة وإن كان بعضها أكبر من بعض ، ولذا
1) راجع الفقيه 3 : 372 / 1756 ، والباب 46 المتقدّم من الوسائل ح26 .
2) راجع الباب 46 المتقدّم من الوسائل ح2 ، 36 .
3) راجع الكافي :2 : 338/ 2 ، والوافي 5 : 2/927 ، والوسائل 12: 250 / أبواب أحكام العشرة ب 140 ح1 .
4) قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : الكذّاب هو الذي يكذب في الشيء ؟ قال : لا ، ما من أحد إلّا يكون ذلك منه ، ولكن المطبوع على الكذب » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الكافي 2 : 340 / 12 . والوسائل 12 : 245 / أبواب أحكام العشرة ب138 ح 9 .
اختلفت الأخبار في تعدادها . ولو سلّمنا انقسامها إلى الصغيرة والكبيرة فإنّ جميعها مضرّة بالعدالة ، فإنّ العدالة هي الاستقامة والاعتدال ، فأيّ ذنب ارتكبه المكلّف فإنّه يوجب الخروج عنها .
هل يحرم الكذب مطلقاً وإن كان صادراً بعنوان الهزل ، أو تختصّ حرمته بالكذب الجدّي ؟ فنقول : إنّ الكذب المسوق للهزل على قسمين : فإنّه قد يكون الهازل بكذبه مخبراً عن الواقع ، ولكن بداعي المزاح والهزل ، من دون أن يكون إخباره مطابقاً للواقع ، كأن يخبر أحداً بقدوم مسافر له أو حدوث حادث أو وصول حاجة ليغترّ المخاطب بقوله ، فيرتّب عليه الأثر ، فيضحك منه الناس . وهذا لا شبهة في كونه من الكذب ، فإنّه عبارة عن الخبر غير الموافق للواقع . واختلاف الدواعي لا يخرجه عن واقعه وحقيقته . إذن فيكون مشمولاً لما دلّ على حرمة الكذب.
وقد يكون الكلام بنفسه مصداقاً للهزل ، بحيث يقصد المتكلّم إنشاء بعض المعاني بداعي الهزل المحض ، من غير أن يقصد الحكاية عن واقع ليكون إخباراً، ولا يستند إلى داع آخر من دواعي الإنشاء. ومثاله أن ينشئ المتكلّم وصفاً لأحد من حضّار مجلسه بداعي الهزل ، كإطلاق البطل على الجبان ، والذكي على الأبله ، والعالم على الجاهل .
وهذا لا دليل على حرمته مع نصب القرينة عليه كما استقر به المصنّف . والوجه في ذلك : هو أنّ الصدق والكذب إنّما يتّصف بهما الخبر الذي يحكي عن المخبر به ، وقد عرفت أنّ الصادر عن الهازل في المقام ليس إلّا الإنشاء المحض ، فيخرج عن حدود الخبر .
وقد يقال بالحرمة هنا أيضاً ، لإطلاق جملة من الروايات ، منها : مرسلة سيف
المتقدّمة ، فإنّها ظاهرة في وجوب الاتّقاء عن صغير الكذب وكبيره، في الجدّ والهزل على وجه الإطلاق .
وفيه : مضافاً إلى كونها ضعيفة السند ، أنّ إنشاء الهزل خارج عن الكذب موضوعاً كما عرفت ، فلا يشمله ما دلّ على حرمة الكذب .
ومن هنا ظهر الجواب عن التمسّك برواية أبي ذرّ المتقدّمة من إثبات الويل لمطلق الكاذب ، كما ظهر الجواب عن رواية الحارث الأعور(1)، على أنّ كلمة « لايصلح » فيها ظاهرة في الكراهة المصطلحة دون الحرمة ، كما أنّ قوله (عليه السلام) في رواية الأصبغ : « لا يجد العبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه(2)لا : يستفاد منه أزيد من الكراهة ، فإنّ المكروهات مانعة أيضاً عن وجدان المؤمن طعم إيمانه . وكذلك ظهر الجواب عن رواية الخصال(3).
قوله : وكيف كان ، فالظاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب .
أقول : لا بأس بتوضيح حقيقة الوعد ، وبيان حكم الخلف فيه . أمّا حقيقة
1) عن علي (عليه السلام) قال : « لا يصلح من الكذب جدّ وهزل » وهي ضعيفة بأبي وكيع . راجع الوسائل 12 : 250 / أبواب أحكام العشرة ب 140 ح3 .
2) وهي مجهولة بالقاسم بن عروة . راجع الكافي :2 : 340 / 11 ، والوافي 5 : 927 / 1 ، والباب المتقدّم من الوسائل ح2 .
3) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال : « أنا زعيم بيت في ربض الجنّة وبيت في وسط الجنّة وبيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء وإن كان محقّاً ، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلاً ، ولمن حسن خُلقه »وهي مجهولة . راجع الخصال 1 : 144 / 170 ، والبحار 69 : 261 / 32 .
الوعد فإنّه يتحقّق بأحد اُمور ثلاثة :
الأول : أن يخبر المتكلّم عن عزمه على الوفاء بشيء ، كأن يقول لواحد : إنّي عازم على أن أعطيك درهماً ، أو إنّي ملتزم بالمجيء إلى ضيافتك ، أو على إعظامك وإكرامك. ولا شبهة في كون هذا من أفراد الخبر ، غاية الأمر أنّ المخبَر به من الأفعال النفسانية، أعني العزم على الفعل الخارجي ، نظير الإخب-ار ع-ن س-ائر الاُمور النفسانية من العلم والظنّ والشكّ والوهم . وعليه فإن كان حين الإخبار عازماً فهو صادق، وإلّا فهو كاذب، فتشمله أدلّة حرمة الكذب ، ويكون خارجاً عن المقام .
الثاني : أن ينشئ المتكلّم ما التزمه بنفس العلّة التي تكلّم بها بأن يقول : لك عليّ كذا درهماً أو ديناراً أو ثوباً ، ونظيره صيغ النذر والعهد كقولك : الله عليَّ أن أفعل كذا . ولا ريب أنّ مثل هذه الجمل إنشائية محضة ، فلا تتّصف بالصدق ولا بالكذب بالمعنى المتعارف ، بل الصدق والكذب في ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام وعدم الوفاء به .
الثالث : أن يخبر المتكلّم عن الوفاء بأمر مستقبل ، كقوله : أجيئك غداً ، أو اُعطيك درهماً بعد ساعة ، أو أدعوك إلى ضيافتي بعد شهر . وهذه جم--ل خ-برية بالحمل الشائع ، ولكنّها مخبرة عن أمور مستقبلة ، كسائر الجمل الخبرية الحاكية عن الحوادث الآتية ، كالإخبار عن قدوم المسافر غداً ، وعن نزول الضيف يوم الجمعة وعن وقوع الحرب بين السلاطين بعد شهر . ولا شبهة في اتّصاف هذا القسم من الوعد بالصدق والكذب ، فإنّها عبارة عن موافقة الخبر للواقع وعدم موافقته له من غير فرق بين أنواع الخبر ، وهو واضح .
وأمّا حرمة الكذب هنا فإنّ تنجّزها يتوقّف على عدم إحراز تحقّق المخبَر به في ظرفه ، فيكون النهي عنه منجّزاً حينئذ . وأمّا لو أحرز حين الإخبار تحقّق الوفاء بوعده في ظرفه ، ولكن بدا له ، أو حصل له المانع من باب الاتّفاق ، وأصبح مسلوب
الاختيار عن الإتمام والإنهاء ، لم تكن الحرمة منجّزة، وإن كان إخباره هذا في الواقع كذباً . وأمّا حكم المقام من حيث خلف الوعد فسيأتي التكلّم فيه.
من هنا اتّضح أنّ النسبة بين حرمة الكذب وبين خلف الوعد هي العموم من وجه ، فإنّه قد يتحقّق الكذب المحرّم حيث لا مورد لخلف الوعد ، وقد يوجد خلف الوعد حيث لا يوجد الكذب المحرّم ، وقد يجتمعان .
وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ الإخبار إذا كان عن الاُمور المستقبلة كان صدق الخبر وكذبه منوطين بتحقّق المخبر به في ظرفه على نحو الشرط المتأخّر وعدم تحقّقه فيه . وعليه فإذا كان عازماً على الوفاء بوعده حين الإخبار فهل يجب عليه البقاء على عزمه هذا ما لم يطرأ عليه العجز ، صوناً لكلامه عن الاتّصاف بالكذب أو لا يجب عليه ذلك ؟ الظاهر هو الثاني ، فإنّه لا دليل على وجوب إتمام العزم وعلى حرمة العدول عنه لكي لا يتّصف كلامه السابق بالكذب ، ونظير ذلك الإخبار عن عزمه على إيجاد فعل في الخارج، كإرادة السفر ونحوه ، ولم يتوهّم أحد وجوب البقاء على عزمه السابق لئلّا يتّصف كلامه بالكذب على نحو الشرط المتأخّر . وأمّا الأدلّة الناهية عن الكذب فهي مختصّة بالكذب الفعلي ، فلا تشمل غيره كما سيأتي .
قد عرفت أنّ حقيقة الوعد إنّما تتحقّق بأحد اُمور ثلاثة ، وأمّا المراد من خلفه فهو نقض ما التزم به ، وترك ما وعده وعدم إنهائه وإتمامه ، فهل هذا حرام أم لا ؟ قد يقال بالحرمة ، بدعوى أنّه من أفراد الكذب ، فيكون مشمولاً لعموم ما دلّ على حرمته .
ولكنّها دعوى جزافية ، فإنّ ما دلّ على حرمة الكذب يختص بالكذب الفعلي
الابتدائي ، فلا يشمل الكذب في مرحلة البقاء ، وإن شئت قلت : المحرّم إنّما هو إيجاد الكلام الكاذب ، لا إيجاد صفة الكذب في كلام سابق .
ونظير ذلك ما حقّقناه في كتاب الصلاة(1)في البحث عن معنى الزيادة في المكتوبة ، وقلنا : إنّ المراد بها هو الزيادة الابتدائية ، أي الشيء الذي لا يطابق المأمور به حين صدوره من الفاعل ، بحيث إذا وجد لم يوجد إلّا بعنوان الزيادة وعليه فإذا أوجد المصلّي شيئاً في صلاته بعنوان الجزئية أو الشرطية ، ثم بدا له ما أخرجه عن عنوا انه الأوّلي وألحقه بالزيادة لم يكن محكوماً بحكم الزيادة في الفريضة فلا يشمله قوله (عليه السلام) : « من زاد في صلاته فعليه الإعادة »(2).
وكذلك في المقام ، فإنّ ما دلّ على حرمة الكذب مختصّ بالكذب الابتدائي الفعلي المعنون بعنوان الكذب حين صدوره من المتكلّم ، أمّا إذا وجد كلام في الخارج وهو غير متّصف بالكذب ، ولكن عرض له ما ألحقه بالكذب بعد ذلك فلا يكون حراماً ، لانصراف ما دلّ على حرمة الكذب عنه ، وإن صدق عليه مفهوم الكذب حقيقة من حيث مخالفة المتكلّم لوعده وعدم جريه على وفق عهده ، ولذا يطلق عليه وعد كاذب ووعد مكذوب ، كما يطلق على الوفاء به وعد صادق ووعد غير مكذوب .
وقد استدلّ على حرمة مخالفة الوعد على وجه الإطلاق بالأخبار الكثيرة الدالّة على وجوب الوفاء به(3)
وعن شعيب العقرقوفي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد » وهي حسنة بإبراهيم .
وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصدر المذكور من الوسائل والمستدرك 8 : 458 أبواب أحكام العشرة ب 92 ، 9 : 39 / ب 105 . والوسائل 12 : 203 / أبواب أحكام العشرة ب 122 ح6 وغيره .
.1) شرح العروة الوثقى 14 : 430 - 486 .
2) راجع الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب19 ح2 .
3) ففي الكافي 2 : 363 / 1 ، 2 ، والوافي 5 : 924 / 6 ، والوسائل 12 : 165 / أبواب أحكام العشرة ب109 ح 3 ، 2 عن هشام بن سالم قال :« سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : عِدة المؤمن أخاه نذر لا كفّارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ ، ولمقته تعرّض وذلك قوله تعالى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ الخ . وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . المقت الغضب.
أقول : الروايات الواردة في هذا المقام كثيرة جدّاً، وكلّها ظاهرة في وجوب الوفاء بالوعد ، وحرمة مخالفته، ولم نجد منها ما يكون ظاهراً في الاستحباب . ولكن خلف الوعد حيث كان تعمّ به البلوى جميع الطبقات في جميع الأزمان ، فلو كان حراماً لاشتهر بين الفقهاء كاشتهار سائر المحرّمات بينهم ، مع ما عرفت من كثرة الروايات في ذلك ، وكونها بمرأى منهم ومسمع ، ومع ذلك كلّه فقد أفتوا باستحباب الوفاء به وكراهة مخالفته ، حتّى المحدّثين منهم كصاحبي الوسائل(1)والمستدرك(2)وغيرهما مع جمودهم على ظهور الروايات ، وذلك يدلّنا على أنّهم اطّلعوا في هذه الروايات على قرينة الاستحباب ، فأعرضوا عن ظاهرها .
ولكنّا قد حقّقنا في علم الاُصول(3)أنّ إعراض المشهور عن العمل بالرواية الصحيحة لا يوجب وهنها ، كما أنّ عملهم بالرواية الضعيفة لا يوجب اعتبارها ، إلّا
إذا رجع إعراضهم إلى تضعيف الرواية ، ورجع عملهم إلى توثيقها . إذن فلا وجه لرفع اليد عن ظهور الروايات المذكورة على كثرتها ، وحملها على الاستحباب .
ولكن الذي يسهل الخطب أنّ السيرة القطعيّة بين المتشرّعة قائمة على جواز خلف الوعد ، وعلى عدم معاملة أخلف بوعده معاملة الفسّاق . ولم نعهد من أعاظم الأصحاب أن ينكروا على مخالفة الوعد كانكارهم على مخالفة الواجب وارتكاب الحرام، فهذه السيرة القطعية تكون قرينة على حمل الأخبار المذكورة على استحباب الوفاء بالوعد ، وكراهة مخالفته . نعم الوفاء به والجري على طبقه من مهمّات الجهات الأخلاقية ، بل ربما توجب مخالفته سقوط الشخص عن الاعتبار في الأنظار ، لحكم العقل والعقلاء على مرجوحيته .
ومع ذلك كلّه فرفع اليد عن ظهور الروايات ، وحملها على الاستحباب يحتاج إلى الجرأة . والأوفق بالاحتياط هو الوفاء بالوعد .
وقد يستدلّ على الحرمة أيضاً بقوله تعالى :لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(1). حيث قيل(2): كبر أن تعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله . وقد استشهد الإمام (عليه السلام) بهذه الآية أيضاً على ذلك في بعض الروايات المتقدّمة في الحاشية .
وفيه : أنّ الآية أجنبية عن حرمة مخالفة الوعد ، فإنّها راجعة إلى ذمّ القول بغير العمل ، وعليه فموردها أحد الأمرين على سبيل مانعة الخلو .
الأول : أن يتكلّم الإنسان بالأقاويل الكاذبة ، بأن يخبر عن أشياء مع علمه بكذبها وعدم موافقتها للواقع ونفس الأمر ، فإنّ هذا حرام بضرورة الإسلام كما
تقدم .
الثاني : موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بأن يأمر الناس بالمعروف ويتركه هو ، وينهاهم عن المنكر ويرتكبه ، وهذا هو الظاهر من الآية ، ومن الطبرسي في تفسيرها(1).
وعليه فشأن الآية شأن قوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ(2). وهذا أيضاً حرام بالضرورة ، بل هو أقوى من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف بالقول ، لكونه ترويجاً للباطل بالعمل ، ومن البديهي أنّ تأثيره في الترويج أقوى من تأثير القول فيه .
وأمّا الوعيد فمن حيث القاعدة يجري فيه ما جرى في الوعد إنشاء وإخباراً وأمّا من حيث الروايات فلا تشمله الأحاديث المتقدّمة في الحاشية الظاهرة في الوجوب ، بداهة أنّه لا يجب الوفاء بالوعيد قطعاً ، بل قد يحرم ذلك في بعض الموارد جزماً .
قوله : ثم إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ المبالغة في الادّعاء وإن بلغت ما بلغت ليست من الكذب .
أقول : إذا كانت المبالغة بالزيادة على الواقع كانت كذباً حقيقة ، كما إذا أعطى زيداً درهماً . فيقول : أعطيته عشرة دراهم ، أو إذا زار الحسين (عليه السلام) أو بقيّة المشاهد المشرّفة أو الكعبة المكرّمة مرّة واحدة فيقول : زرت عشرين مرّة . ومن
هذا القبيل تأدية المعنى بلفظ واحد موضوع للكثرة والمبالغة ، كإطلاق الضراب على الضارب ، فإنّه إخبار عن الكثرة بالهيئة . نعم لو قامت قرينة خارجية على إرادة الواقع ، وكون استعمال اللفظ فيه لأجل المبالغة فقط لما كان كذباً .
ومثله ما هو متعارف بين المتحاورين من استعمال بعض الفصول من الأعداد في مقام التكثير والاهتمام ، كلفظ سبع أو سبعين أو ألف ، فيقول المولى لعبده مثلاً : لو اعتذرت منّي ألف مرّة لما قبلت عذرك ، ومن ذلك قوله تعالى :إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ(1)كما ذكره الطبرسي(2)، فإنّ الغرض من الآية هو نفي الغفران رأساً .
وتجوز المبالغة أيضاً بالتشبيه والاستعارة ، كتشبيه الرجل العالم بالبحر الموّاج وتشبيه الوجه الحسن بفلقة القمر، وكالكناية عن الجود بكثرة الرماد ، وهزال الفصيل وجبن الكلب ، واستعارة الأسد والسيف البتّار للرجل الشجاع . ولا يعدّ شيء منها كذباً ، كيف والقرآن الكريم وخطب الأئمّة وكلمات الفصحاء مشحونة بذلك ، بل ربما تكون هذه الخصوصيات وأمثالها موجبة لقوّة الكلام ، ووصوله إلى حدّ الإعجاز أو ما يقرب منه .
والوجه في خروج المبالغة بأقسامها عن الكذب هو أنّ المتكلّم إنّما قصد الإخبار عن لبّ الواقع فقط، إلّا أنّه بالغ في كيفية الأداء ، فتخرج عن الكذب موضوعاً ، نعم إذا انتفى ما هو ملاك المبالغة من وجه الشبه ونحوه كان الكلام كاذباً .
خروج التورية عن الكذب
قوله : وأمّا التورية وهو أن يريد بلفظ معنى مطابقاً للواقع .
أقول : المعروف بين أهل اللغة(1)وغيرهم أنّ الكذب نقيض الصدق ، فصدق الكلام بالمطابقة ، وكذبه بعدم المطابقة ، وإنّما الكلام في بيان معنى المطابق (بالكسر)- وأنّه عبارة عمّا يظهر من كلام المتكلّم ، أو عبارة عن مراده منه - وبيان المطابق (بالفتح) وأنّه عبارة عن الواقع والنسبة الخارجية ، أو عن اعتقاد المخبر ، أو عن كليهما.
فذهب المشهور إلى أنّ صدق الخبر مطابقته بظهوره للواقع ، وكذبه ع-دم مطابقته للواقع ، بدعوى أنّ هيئة الجملة الخبرية إنّما وضعت لتحقّق النسبة في الخارج سواء كانت النسبة ثبوتية أو سلبية ، كما أنّ ألفاظ أجزائها موضوعة للمعاني التصوّرية من الموضوع والمحمول ومتعلّقاتها ، فمطابقة الخبر لتلك النسبة الخارجية الواقعية صدق ، وعدمها كذب . فإذا قيل : زيد قائم ، فإنّ هذا القول يدلّ على تحقّق النسبة الخبرية في الخارج ، أعني اتّصاف زيد بالقيام ، فإن طابقها كان صادقاً ، وإن خالفها كان كاذباً .
وفيه أولاً : أنّه قد لا تكون للنسبة خارجية أصلاً ، كقولنا شريك الباري ممتنع واجتماع النقيضين محال ، والدور أو التسلسل باطل ، وما سوى الله ممكن ، إذ لا وجود للامتناع والإمكان والبطلان في الخارج . إلّا أن يقال : إنّ المراد بالخارج ما هو أعمّ منه ومن نفس الأمر ، ومن البيّن أنّ الأمثلة المذكورة مطابقة للنسبة في نفس الأمر ، وتفسير الخارج بذلك ظاهر المحقّق التفتازاني حيث قال في المطوّل بعد تفسيره الصدق بمطابقة الخبر للواقع ، والكذب بعدم مطابقته للواقع : وهذا معنى
1) المصباح المنير : 528 ، المنجد : 678 مادّة كذب
مطابقة الكلام للواقع والخارج وما في نفس الأمر(1).
وثانياً : أنّ الالتزام المذكور لا يتفق مع تعريف القضية بأنّها تحتمل الصدق والكذب ، فإنّ دلالة الجملة على وقوع النسبة في الخارج تقتضي الجزم بالوقوع ومقتضى التعريف المذكور هو الشكّ في ذلك ، وهما لا يجتمعان .
وثالثاً : لو كانت الجمل الخبرية بهيئاتها موضوعة للنسبة الخارجية لكانت دلالتها عليها قطعية ، كما أنّ دلالة الألفاظ المفردة على معانيها التصوريّة قطعية ، فإنّ الشكّ لا يتطرّق إلى الدلالة بعد العلم بالموضوع له وإرادة اللافظ ، مع أنّه لا يحصل للمخاطب بعد سماع الجمل الخبرية غير احتمال وقوع النسبة في الخارج ، وقد كان هذا الاحتمال حاصلاً قبل سماعها .
لا يقال : قد يحصل العلم بوقوع النسبة في الخارج من إخبار المتكلّم ، لقوّة الوثوق به . فإنّه يقال : ليس موضع بحثنا إذا اشتملت الجملة الخبرية على ق-رائ--ن خارجية تدلّ على صدقها ، بل مورد الكلام هو نفس الخبر العاري عن القرائن . على أنّه لا يتم إلّا مع الوثوق بالمتكلّم ، ومورد البحث أعمّ من ذلك .
لا يقال : إنّ المخاطب يحصل له من سماع الخبر ما لم يحصل قبله من العلوم فكيف يسوغ القول بأنّ استماع الخبر لم يفده غير ما كان يعرفه أولاً .
فإنّه يقال : إنّ ما يحصل للمخاطب من المعاني التصوّرية وغيرها فيما سنذكره غير مقصود للقائل بوضع الجمل الخبرية للنسب الخارجية ، وما هو مقصوده لا يحصل من ذلك .
وعن النظّام(2)ومن تابعه : أنّ صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ، وكذبه
عدمها وإن كان الاعتقاد خطأ ، واستدلّ عليه بآية المنافقين(1)بدعوى أنّ الله سجّل عليهم بأنّهم لكاذبون في قولهم إنّك لرسول الله ، لعدم اعتقادهم بالرسالة المحمّدية وإن كان قولهم مطابقاً للواقع .
وأجابوا عنه بأنّ المنافقين لكاذبون في شهادتهم بالرسالة ، لعدم كونها ع-ن خلوص الاعتقاد . وتوضيح ذلك يحتاج إلى مقدّمتين :
الأُولى : أنّ الشهادة في العرف واللغة(2)بمعنى الحضور ، سواء كان حضوراً خارجياً - كقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(3)وكقول المسافر : شاهدت البلدة الفلانية وأقمت فيها - أم حضوراً ذهنياً ، كحضور الواقعة في ذهن الشاهد.
الثانية : أنّ المخبَر به قد يكون أمراً خارجياً ، وقد يكون أمراً اعتبارياً ، وقد يكون أمراً ذهنياً ، كالإخبار عن الصور النفسانية .
فيتجلّى من هاتين المقدّمتين أنّ الإخبار عن الشهادة بالرسالة مبني على حضور المخبَر به والمشهود به في صقع الذهن ، لأنّ الشهادة ليست من الأعيان الخارجية ، وحيث إنّ المنافقين غير معتقدين بالرسالة ، ولم يكن المخبَر به وهو الاعتقاد بالنبوّة موجوداً في أذهانهم فرماهم الله إلى الكذب والفرية . فلا دلالة في الآية على مقصود النظام .
ويضاف إلى ذلك أنّه لو أخبر أحد عن قضية لم يعتقد بوقوعها في الخارج و هي واقعة فيه ، فإنّه على مسلك النظام خبر كاذب ، مع أنه صادق بالضرورة .
وعن الجاحظ(1)أنّ صدق الخبر مطابقته للواقع والاعتقاد معاً ، وكذبه عدم مطابقته لهما معاً ، وغير ذلك لا صدق ولا كذب ، واستدلّ على رأيه هذا بقوله تعالى : أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ(2)فإنّ الإخبار حال الجنّة غير الكذب لأنّهم جعلوه قسيماً للافتراء وغير الصدق ، لعدم مطابقته للواقع في عقيدتهم .
وفيه : أنّا نرى بالعيان ، ونشاهد بالوجدان وبحكم الضرورة انحصار الخبر بالصدق والكذب ، وعدم الواسطة بينهما . وأمّا الآية المذكورة فهي غريبة عن مقصود الجاحظ ، لأنّ الظاهر منها أنّ المشركين نسبوا إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى الافتراء الذي هو كذب خاصّ ، أو إلى الإخبار حال الجنّة الذي لا أثر له عند العقلاء .
والتحقيق : أنّ الجمل بأجمعها خبرية كانت أم إنشائية قد وضعت بهيئاتها النوعية لإبراز الصور الذهنية، وإظهار الدعاوي النفسانية - ما شئت فعبّر - فإنّ الواضع أيّ شخص كان إنّما تعهّد - وتابعه بقية الناس - بأنّه متى أراد أن يبرز شيئاً من دعاويه ومقاصده أن يتكلّم بجملة مشتملة على هيئة خاصّة تفي بمراده وأداء دعواه في مقام المحادثة والمحاورة ، وهذه الجهة - أعني إبراز المقاصد النفسانية بمظهر - إنّما هي في مرحلة دلالة اللفظ على معناه الموضوع له ، فيشترك فيها جميع الجمل خبرية كانت أم إنشائية ، بل يشترك فيها جميع الألفاظ الموضوعة ، مفردة كانت أم مركّبة .
والوجه فيه : أنّ دلالة اللفظ على معناه بحسب العلقة الوضعية أمر ضروري فلا يعقل الانفكاك بينهما في مرحلة الاستعمال ، إلّا بانسلاخ اللفظ عن معناه بالقرائن
الخارجية .
وهذه الدعاوي النفسانية على قسمين :
الأول : أن تكون أمراً اعتبارياً محضاً وقائماً بنفس المعتبر، بأن يعتبر في نفسه شيئاً ثم يظهره في الخارج بمبرز من لفظ أو غيره ، من دون قصد للحكاية عن شيء وهذا يسمّى إنشاء ، ولا يتّصف بالصدق والكذب بوجه ، لأنّه شيء يقوم بالاعتبار الساذج كما عرفت .
الثاني : أن تكون حاكية عن شيء آخر ، سواء كان هذا المحكي من القضايا الخارجية كقيام زيد في الخارج، أم من الأوصاف النفسانية كالعلم والشجاعة والسخاوة ونحوها ، وهذه الحكاية إن طابقت الواقع المحكي اتّصفت الدعاوي المذكورة بالصدق ، وإلّا فهي كاذبة. وأمّا اتّصاف الجمل الخبرية بهما فمن قبيل اتّصاف الشيء بحال متعلّقه ، كرجل منيع جاره ، ومؤدّب خدّامه ، ورحب فناؤه .
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ المراد من المطابق - بالكسر - هو مراد المتكلّم أي الدعاوي النفسانية ، لا ظهور كلامه كما توهمّ ، وأنّ المراد من المطابق - بالفتح - هو الواقع ونفس الأمر المحكي بالدعاوي النفسانية .
إذا عرفت ما تلوناه عليك فنقول : لا شبهة في خروج التورية عن الكذب موضوعاً ، فإنّها في اللغة(1)بمعنى الستر ، فكأنّ المتكلّم وارى مراده عن المخاطب بإظهار غيره ، وخيّل إليه أنّه أراد ظاهر كلامه ، وقد عرفت آنفاً أنّ الكذب ه-و مخالفة الدعاوي النفسانية للواقع ، لا مخالفة ظاهر الكلام له ، ويتفرّع على هذا أنّ جواز التورية لا يختصّ بمورد الاضطرار ونحوه ، لأنّها ليست من مستثنيات الكذب
1) في مجمع البحرين [ 1 : 436 مادّة ورا ] : وريت الخبر - بالتشديد- تورية إذا سترته وأظهرت غيره ، حيث يكون للفظ معنيان ، أحدهما أشيع من الآخر وتنطق به وتريد الخفي .
بل هي خارجة عنه موضوعاً ، ومن هنا ذهب الأصحاب - فيما سيأتي من جواز الكذب عند الضرورة - إلى وجوب التورية مع التمكّن منها ، وعلّلوا ذلك بتمكّن المتكلّم ممّا يخرج به كلامه عن الكذب .
ثم إنّ الكلام الذي يورّى به قد يكون ظاهراً في بيان مراد المتكلّم ، ولكن المخاطب لغباوته وقصور فهمه لا يلتفت إليه ، وهذا خارج عن التورية ، بل هو كسائر الخطابات الصادرة من المتكلّم في مقام المحادثة والمحاورة ، ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض الأجلّة أنّ شخصاً اقترح عليه أن يعطيه شيئاً من الدراهم ، وكان يراه غير مستحقّ لذلك ، فألق السبحة من يده ، وقال : والله إنّ يدي خالية ، وتخيّل السائل من كلامه أنّه غير متمكّن من ذلك .
وقد يكون الكلام ظاهراً في غير ما أراده المتكلّم ، وهو مورد التورية ، كما إذا أراد أحد أن ينكر مقالته الصادرة منه فيقول : علم الله ما قلته ، ويُظهر كلمة الموصول على صورة أداة النفي ، ويخيّل إلى السامع أنه ينكر كلامه .
و من هذا القبيل ما ذكره سلطان المحقّقين في حاشية المعالم(1)في البحث عن المجمل من أنّه سئل أحد العلماء عن علي (عليه السلام) وأبي بكر أيّهما خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال : من بنته في بيته ، ومنه قول عقيل (عليه السلام) أم--رني معاوية أن ألعن علياً ألا فالعنوه . ومن هذا القبيل أيضاً ما سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء فقال : أربعة أربعة أربعة . وإنّما قصد منها الأئمّة الاثني عشر ، وزعم السائل أنّه أراد الخلفاء الأربعة .
وممّا يدلّ على جواز التورية وخروجها عن الكذب اُمور :
1) معالم الدين وملاذ المجتهدين : 157 .
الأول : نقل ابن إدريس في آخر السرائر من كتاب عبدالله بن بكير عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في الرجل يُستأذن عليه فيقول للجارية : قولي ليس هو ههنا ؟ قال : لا بأس ، ليس بكذب .»(1).
الثاني : روى سويد بن حنظلة : « قال : خرجنا ومعنا وابل بن حجر يريد النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) فأخذه أعداء له فخرج القوم أن يحلفوا وحلفت بالله أن-ّه أخي فخلّى عنه العدو ، فذكرت ذلك للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال : صدقت ، المسلم أخو المسلم »(2). وهي وإن كانت ظاهرة الدلالة على جواز التورية ، وعدم كونّها من الكذب ، ولكنّها ضعيفة السند .
الثالث : ما ورد(3)
وعن عطاء عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال «قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) : لا كذب على مصلح ، ثمّ تلا : أَيَّتُهَا الْعِيرُ ، ثمّ قال : والله ما سرقوا وما كذب ، ثمّ تلا بَلْ فَعَلَهُ الخ ، ثمّ قال : والله ما فعلوه وما كذب » وهي مجهولة بمعمّر بن عمرو و وعطاء .
وفي الوافي [ المصدر المتقدّم ح 19 ] في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : ولقد قال براهيم (عليه السلام) : إِنِّي سَقِيمٌ وما كان سقيماً وما كذب ، ولقد قال إبراهيم (عليه السلام) :﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)وما فعله وما كذب ، ولقد قال يوسف (عليه السلام)أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ والله ما كانوا سارقين وما كذب » . وهي ضعيفة بمعلّى بن محمد . وغير ذلك من الروايات المذكورة في المستدرك :9 95 / أبواب أحكام العشرة ب 122 [ أي ح 6 ] وسيأتي في رواية الاحتجاج ما يدلّ على ذلك .
من نفي الكذب عن قول إبراهيم (عليه السلام) :بَلْ فَعَلَهُ1) راجع الوسائل 12 : 254 / أبواب أحكام العشرة ب 141 ح8 ، السرائر 3 : 632 .
2) وهي مرسلة وضعيفة بسويد . راجع الخلاف 4 : 490 / باب الحيل آخر الطلاق ، والمبسوط 5 : 95 / باب الحيل آخر الطلاق .
3) في الكافي 2 : 341 / 17 ، 22 ، والوافي 5 : 934 / 20 ، 18 ، والوسائل 12 : 253 / أبواب أحكام العشرة ب 141 ح 4 ، 7 عن الحسن الصيقل قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّا قد روينا عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه السلام) :أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قال : والله ما سرقوا وما كذب . وقال إبراهيم (عليه السلام) : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فقال : والله ما فعلوا وما كذب - إلى أن قال أبو عبدالله (عليه السلام) : - إنّ إبراهيم (عليه السلام) إنّما قال :بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إرادة الإصلاح ... وقال يوسف عليه السلام) إرادة الإصلاح » . وهي مجهولة بالحسن الصيقل.
كَبِيرُهُمْ هَذَامع أنّ كبيرهم لم يفعله ، وعن قوله (عليه السلام) : إِنِّي سَقِيمٌ وما كان سقيماً ، وعن قول يوسفأَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ وما كانوا سرّاقاً ، فيدلّ ذلك كلّه على كون الأقوال المذكورة من التورية ، وأنّ التورية خارجة عن الكذب موضوعاً. نعم يمكن أن يقال : إنّ نفي الكذب عن قول إبراهيم ويوسف (عليها السلام) إنّما هو بلحاظ نفي الحكم ، وأنّهما قد ارتكبا الكذب لإرادة الإصلاح. ويدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية الصيقل : « إنّ إبراهيم إنّما قال :بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إرادة الإصلاح، وقال يوسف إرادة الإصلاح ». وقوله (عليه السلام) في رواية عطاء : « لا كذب على مصلح ، ثمّ تلا :أَيَّتُهَا الْعِيرُ الخ . وقد ذكرت الروايتان في الحاشية.
ويؤيّده ما في بعض أحاديث العامّة(1): « إنّ إبراهيم كذب ثلاث كذبات قوله : إنّي سقيم ، وقوله : بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله في سارة : إنّها أُختي».
ولكن الروايات المذكورة كلّها ضعيفة السند ، كما أنّ بقية الأحاديث التي اطّلعت عليها في القصص المزبورة مشتملة على ضعف السند أيضاً وجهالة في
1) راجع سنن البيهقي 10 : 198 . ومجمع البيان 7 : 86 .
الراوي ، فلا يمكن الاستناد إليها بوجه .
رفع غشاوة
قد يتوهّم أنّه لا محيص أن تكون أقوال إبراهيم ويوسف المذكورة كاذبة غاية الأمر أنّها من الأكاذيب الجائزة ، أمّا قول إبراهيم (عليه السلام) : إِنِّي سَقِيمٌ وقول يوسف (عليه السلام) :أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ فصدق الكذب عليهما واضح .
وأمّا قول إبراهيم (عليه السلام) : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فلأن الشرط فيه إمّا أن يرجع إلى السؤال المذكور فيه ، وإمّا أن يرجع إلى الفعل . فإن كان راجعاً إلى السؤال انحلّت الآية الكريمة إلى قضيتين : إحداهما حملية وهي قوله تعالى : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا والثانية إنشائية مشروطة ، وهي قوله تعالى : فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ أمّا القضية الأُولى فهي كاذبة ، لكونها غير مطابقة للواقع . وأمّا القضية الثانية فهي إنشائية لا تتّصف بالصدق والكذب .
وإن كان راجعاً إلى الفعل الذي نسبه إلى كبيرهم كانت الآية مسوقة لبيان قضية شرطية ، تاليها قوله تعالى : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَاومقدّمها قوله تعالى :كَانُوا يَنطِقُونَفقد دخلت عليها أداة الشرط ، وجعلتها قضيّة واحدة شرطية ومن البديهي أنّها أيضاً كاذبة ، فإنّ الصدق والكذب في القضايا الشرطية يدوران مدار صحّة الملازمة وفسادها ، ولا شبهة أنّها منتفية في المقام ، بداهة أنّه لا ملازمة بين نطق كبير الأصنام وبين صدور الفعل منه ، بل الفعل قد صدر من إبراهيم على كل تقدير ، سواء نطق كبيرهم أم لم ينطق.
أقول : أمّا رمي قول إبراهيم : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَابالكذب فجوابه أنّا قد
حقّقنا في مبحث الواجب المشروط من علم الاُصول(1)أنّ الشروط في الواجبات المشروطة إمّا أن ترجع إلى الإنشاء ، أعني به إبراز الاعتبار النفساني . وإمّا أن ترجع إلى متعلّق الوجوب ، أي المادّة المحضة ، كما في الواجب المعلّق على ما نسب إلى المصنّف في التقريرات(2). وإمّا أن ترجع إلى المنشأ ، وهو ما اعتبره في النفس ثمّ أبرزه بالإنشاء ، فيكون مرجع القيد في قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، هو وجوب الإكرام ، فيصير مقيّداً بمجيء زيد .
أمّا الأول فهو محال ، لأنّ الإنشاء من الاُمور التكوينية التي يدور أمرها بين الوجود والعدم ، فإذا أوجده المتكلّم استحال أن يتوقّف وجوده على شيء آخر لاستحالة انقلاب الشيء عمّا هو عليه.
وأمّا الثاني فهو وإن كان ممكناً في مرحلة الثبوت ، ولكنّه خلاف ظاهر الأدلّة في مقام الإثبات ، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة . إذن فيتعيّن الاحتمال الثالث .
وهذا الكلام بعينه جارٍ في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية أيضاً ، فإنّ إرجاع القيد فيها إلى نفس الإخبار- أي الألفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية - غير معقول ، لتحقّقه بمجرد التكلّم بالقضية الشرطية ، ولا يعقل بعد ذلك أن تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط.
وأمّا إرجاعه إلى متعلّق الخبر وهو وإن كان سائغاً في نفسه ، ولكنّه خلاف ظاهر القضايا الشرطية . وحينئذ فيتعيّن إرجاعه إلى المخبر به ، وهو الدعاوي النفسانية . مثلاً إذا قال أحد : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ، فإنّ معناه أنّ
دعوى تحقّق النهار مقيّدة بطلوع الشمس ، ومع عدم طلوعها فالدعوى منتفية.
وعليه فتقدير الآية : بل فعله كبيرهم إن نطقوا فاسألوهم . فقد علّقت الدعوى على نطقهم ، ولمّا استحال نطقهم انتفت الدعوى ، فلا تكون كاذبة . ونظير ذلك قولك : فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء ، وكقولك أيضاً : لا أعتقد إلهاً إن كان له شريك ، ولا أعتقد خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) إن لم يكن منصوباً من الله . هذا فاغتنم .
ويؤيّد ما ذكرناه خبر الاحتجاج(1)عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك ؟ فقال : إنّما قال إبراهيم : إن كانوا ينطقون ، فإن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً ، فما نطقوا وما كذب إبراهيم » . وقد ذكر المفسّرون وجوهاً لتفسير الآية (2)فراجع .
وأمّا رمي قول إبراهيم : « إنّي سقيم » بالكذب فجوابه أنّ المراد به كونه سقيماً في دينه ، أي مرتاداً وطالباً في دينه . ويؤيّده ما في خبر الاحتجاج المتقدّم عن الصادق (علیه السلام) من قوله « ما كان إبراهيم سقيماً ، وما كذب ، وإنّما عنى سقيماً في دينه ، أي مرتاداً » . ومعنى المرتاد في اللغة (3)هو الطلب والميل ، أي أنّي طالب في ديني ومجدّ لتحصيل الاعتقاد بالمبدأ والمعاد ، فقد خيّل بذلك إلى عبدة الأصنام والنجوم أنّه مريض لا يقدر على التكلّم ، فتولّوا عنه مدبرين ، وأخّروا المحاكمة إلى وقت آخر . وللعلماء فيه وجوه اُخرى قد ذكرها المفسّرون في تفاسيرهم.
وأمّا رمي قول يوسف (عليه السلام) : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ بالكذب
فقد ذكروا في الجواب عنه وجوهاً : أظهرها أنّ المؤذّن لم يقل : أيّتها العير إنّكم لسرقتم صواع الملك ، بل قال : إنّكم لسارقون . ولعلّ مراده أنّكم سرقتم يوسف من أبيه ، ألا ترى أنّهم لمّا سألوا : ماذا تفقدون ؟ قالوا لهم : نفقد صواع الملك ، ولم يقولوا : سرقتم ذلك .
ويؤيّده ما في خبر الاحتجاج المتقدّم عن الصادق (عليه السلام) من قوله : « إنّهم سرقوا يوسف من أبيه ، ألا ترى » إلخ .
جواز الكذب لدفع الضرورة
قوله : فاعلم أنّه يسوع الكذب لوجهين ، أحدهما : الضرورة إليه ، فيسوغ معها بالأدلّة الأربعة .
أقول : لا شبهة في كون الكذب حراماً في نفسه ومبغوضاً بعينه ، لظاهر الأدلّة المتقدّمة المطبقة على حرمته . وعلى هذا فلا وجه لما زعمه الغزالي من أنّ الكذب ليس حراماً لعينه ، بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره ، فإنّ أقلّ درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلاً ، وقد يتعلّق به ضرر غيره(1).
نعم الظاهر أنّ حرمة الكذب ليست ذاتية كحرمة الظلم ، ولذا يختلف حكمه بالوجوه والاعتبارات ، وعليه فإذا توقّف الواجب على الكذب وانحصرت ب-ه المقدّمة وقعت المزاحمة بين حرمة الكذب وبين ذلك الواجب في مقام الامتثال وجرت عليهما أحكام المتزاحمين . مثلاً إذا توقّف إنجاء المؤمن ودفع الهلكة عنه على
1) راجع إحياء العلوم 3 : 137 / بيان ما رخّص فيه من الكذب .
الكذب كان واجباً .
وقد استدلّ المصنّف على جواز الكذب في مورد الاضطرار بالأدلّة الأربعة .
أمّا الإجماع فهو وإن كان محقّقاً ، ولكنّه ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم ، فإنّ الظاهر أنّ المجمعين قد استندوا في فتياهم بالجواز إلى الكتاب والسنّة فلا وجه لجعله دليلاً مستقلاً في المسألة ، وقد مرّ نظير ذلك مراراً .
وأمّا العقل فهو وإن كان حاكماً بجواز الكذب لدفع الضرورات في الجملة كحفظ النفس المحترمة ونحوه ، إلّا أنّه لا يحكم بذلك في جميع الموارد ، فلو توقّف على الكذب حفظ مال يسير لا يضرّ ذهابه بالمالك فإنّ العقل لا يحكم بجواز الكذب حينئذ .
وأمّا الكتاب فقد ذكر المصنّف منه آيتين، الأُولى : قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(1). وتقرير الاستدلال : أنّ الآية الشريفة تدلّ بالمطابقة على جواز التكلّم بكلمة الكفر والارتداد عن الإسلام عند الإكراه والاضطرار ، بشرط أن يكون المتكلّم معتقداً بالله ومطمئناً بالإيمان ، فتدلّ على جواز الكذب في غير ذلك للمكره بطريق أولى.
الثانية : قوله تعالى :لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً(2)أي لا يجوز للمؤمنين أن يتّخذوا الكافرين أولياء لأنفسهم يستعينون بهم ، ويلتجؤون إليهم ويظهرون المحبّة والمودّة لهم ، إلّا أنّ يتقوا منهم تقاة ، فإنّه حينئذ يجوز إظهار مودّتهم
تقيّة منهم . فتدلّ هذه الآية أيضاً على جواز الكذب في سائر موارد التقية بالأولى .
ولكن لا دلالة في الآيتين على جواز الكذب في جميع موارد الاضطرار غير مورد الخوف والتقيّة .
وأمّا الأخبار المجوّزة للكذب في موارد الخوف والتقيّة فهي أكثر من أن تحصى وقد استفاضت بل تواترت على جواز الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه ، وستأتي الإشارة إلى جملة منها .
قوله : إنّما الإشكال والخلاف في أنّه هل يجب حينئذ التورية لمن يقدر عليها أم لا .
أقول : قد وقع الخلاف بين الأعلام في أنّ جواز الكذب هل هو مقيّد بعدم التمكّن من التورية أم لا. فنسب المصنّف القول الأوّل إلى ظاهر المشهور ، ولكن العبارات التي نقلها عنهم إمّا غير ظاهرة في مقصوده ، وإمّا ظاهرة في خلافه.
أمّا الأول : فكالمحكي عن الغنية(1)والسرائر(2)والشرائع(3)والقواعد(4)واللمعة وشرحها (5)وجامع المقاصد(6)وغيرها من الكتب ، فإنّ مفروض الكلام فيها إنّما هو اشتراط جواز الحلف الكاذب بعدم التمكّن من التورية ، وأم-ّا ج-واز مطلق الكذب فهو خارج عن مورد كلامهم ، فإنّهم قالوا في مسألة جواز الحلف
لدفع الظالم عن الوديعة : إنّه يجوز الحلف كاذباً إذا لم يحسن التورية ، وإلّا فيورّي بما يخرجه عن الكذب .
وأمّا الثاني : فكالمحكي عن المقنعة حيث قال : : من كانت عنده أمانة فطالبها ظالم فليجحد ، وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف ، ويورّي في نفسه بما يخرجه عن- الكذب - إلى أن قال : فإن لم يحسن التورية وكانت نيّته حفظ الأمانة أجزأته النيّة وكان مأجوراً (1). أمّا أنّ هذه العبارة ظاهرة في خلاف مقصود المصنّف فلأنّ المذكور فيها أمران :
الأول : إذا طلب الظالم الوديعة من الودعى جاز له إنكارها مطلقاً ، سواء تمكّن من التورية أم لا .
الثاني : إذا استحلف الظالم الودعي على إنكار الوديعة جاز له الحلف مع عدم التمكّن من التورية . ولو كان نظر صاحب المقنعة إلى اعتبار التمكّن من التورية في جواز مطلق الكذب لم يفصل بين الحلف وغيره .
وعلى الإجمال فلا دلالة في شيء من هذه العبارات المنقولة عن الأصحاب على مقصود المصنّف . ثمّ إنّ المصنّف وجّه ما نسبه إلى المشهور بوجهين ، وسنتعرّض لهما فيما بعد إن شاء الله .
قوله : إلّا أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الترخيص في الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه عدم اعتبار ذلك.
أقول : بعد ما نسب المصنّف القول المذكور إلى ظاهر المشهور ووجّهه بوجهين آتيين ، حاول استفادة حكم المسألة من الأخبار ، وجعل اعتبار عدم التمكّن من التورية في جواز الحلف كاذباً موافقاً للأخبار ، وذكر جملة منها وترك جملة أُخرى
1) المقنعة : 556 .
وأحال بعضها إلى ما يأتي من جواز الكذب في الإصلاح . وهي بأجمعها(1)
وعن الصدوق قال « وقال الصادق ( عليه السلام) : اليمين على وجهين إلى أن قال : فأمّا الذي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذباً ولم تلزمه الكفّارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم ، أو خلاص ماله من متعدّ يتعدّى عليه من لص أو غيره » .
وعن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له : إنّا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقد أدّينا زكاتها ، فقال : يازرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤوا » وهي موثّقة بابن بكير . وفي الوسائل 12 : 25 / أبواب أحكام العشرة ب 141 ح 10 في كتاب مصادقة الإخوان 181 : 2 عن الرضا (عليه السلام) : « وإنّ الرجل يكذب على أخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقاً ».
ظاهرة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه على وجه الإطلاق ، وليست مقيّدة بعدم التمكّن من التورية ، وهي تدلّ بطريق الأولوية على جواز الكذب بغير حلف لدفع الضرر .وقد استحسن المصنّف عدم اعتبار القيد المزبور ، لأنّ إيجاب التورية على القادر لا يخلو عن الإلزام بالعسر والحرج ، حيث قال : فلو قيل بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب فيا نحن فيه وإن قدر على التورية كان حسناً .
ثم إنّه (رحمه الله) احتاط في المسألة ، ورجع إلى ما نسبه إلى ظاهر المشهور
1) ففي الوسائل 23 : 224 / كتاب الأيمان ب 12 ح 1 ، 4 ، 9 ، 14 عن إسماعيل عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام) في حديث قال : « سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف ؟ قال : لا جناح عليه . وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه ؟ قال : لاجناح عليه . وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله ؟ قال : نعم ». وعن السكوني عن رسول الله(صلّى الله علیه و آله وسلم) : « احلف بالله كاذباً ونج أخاك من القتل » . وهي ضعيفة بالنوفلي.
وجعله مطابقاً للقاعدة ، وقال : إلّا أنّ الاحتياط في خلافه ، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات ، لأنّ النسبة بين هذه المطلقات وبين ما دلّ کالرواية الأخيرة وغيرها على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقاً عموم من وجه ، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب ، فتأمّل .ومراده من التقييد ما ذكره قبيل هذا بقوله : يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية . ومراده من المطلقات ما ذكره من الأخبار الواردة في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه ، وما يأتي من الأخبار الواردة في جواز الكذب للإصلاح .
و توضيح مرامه : أنّه إذا قطعنا النظر عن استبعاد التقييد في هذه المطلقات فإنّ ما ذهب إليه المشهور هو الموافق للاحتياط والمطابق للقواعد ، لأنّ النسبة بين المطلقات المزبورة وبين رواية سماعة(1)وما في معناها (2)هي العموم من وجه ، فإنّ بعض المطلقات ظاهرة في جواز الكذب لمجرد إرادة الإصلاح ، وبعضها ظاهر في جواز الحلف الكاذب لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو عن أخيه ، سواء بلغ ذلك حدّ الاضطرار أم لا، ورواية سماعة وما يساويها في المضمون ظاهرة في اختصاص جواز الحلف كاذباً بصورة الخوف والاضطرار والإكراه ، فتدلّ بمفهومها على حرمته في غير الموارد المذكورة ، وحينئذ فتقع المعارضة بين مفهوم رواية سماعة
1) في الوسائل 23 : 228 / كتاب الأيمان ب 12 ح 18 عن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « إذا حلف الرجل تقيّة لم يضرّه إذا هو أكره واضطر إليه ، وقال : ليس شيء ممّا حرّم الله إلّا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه » وهي مرسلة .
2) في المصدر المذكور في موثّقة ابن بكير المتقدّمة : فقال (عليه السلام) : « يازرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤوا » وغير ذلك من الروايات .
وبين مطلقات الحلف الكاذب في غير الموارد المذكورة ، كما تقع المعارضة بينها وبين مطلقات الكذب لإرادة الإصلاح في غير الموارد المذكورة أيضاً ، فيتساقطان في مورد الاجتماع ، ويرجع إلى عمومات حرمة الكذب .
ولا بعد في تقييد المطلقات ، فإنّها واردة بلحاظ حال عامّة الناس الذين لا يلتفتون إلى التورية ليقصدوها ، ويلتجئوا إليها عند الخوف والتقية ، وعليه فلا بأس بتقييدها بمن لا يتمكّن من التورية .
وقد أورد المحقّق الإيرواني(1)على المصنّف بوجهين :
الوجه الأول : أنّه لا مفهوم لرواية سماعة ، فإنّها ناظرة إلى جواز الكذب لأجل الإكراه والاضطرار ، وأمّا جوازه في غير مورد الضرورة أو حرمته فيه
فخارج عن الرواية .
وفيه : أنّ الظاهر من المحقّق المذكور أنّه إنّما نفى المفهوم عن الرواية لأنّه لم ينظر إلّا إلى ذيلها ، وهو مسوق لضرب قاعدة كلّية ليس لها مفهوم ، ومن المعلوم أنّ المصنّف إنّما أثبت المفهوم للرواية نظراً إلى صدرها ، ولا شبهة أنّه قضية شرطية مشتملة على عقد شرطي إيجابي وهو المنطوق ، وعلى عقد شرطي سلبي وه-و المفهوم .
الوجه الثاني : أنّا لو سلّمنا المعارضة المذكورة التي أبداها المصنّف بين مفهوم رواية سماعة وبين المطلقات المزبورة ، فإنّه لا وجه للرجوع إلى مطلقات حرمة الكذب ، إذ النسبة بين الإطلاقين هي العموم من وجه ، وبعد تعارضهما في مادّة الاجتماع وتساقطها فيها يرجع إلى أصالة الحل .
وفيه : أنّه لم يظهر لنا مراده من هذا الإشكال ، فإنّ النسبة بين الإطلاقين هي
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 236 .
العموم المطلق ، لأنّ ما دلّ على جواز الكذب أخص ممّا دلّ على حرمته . إذن فلا مناص عن تقييد مطلقات حرمة الكذب بما دلّ على جوازه في موارد خاصّة .
والتحقيق : أنّه لا وجه لرفع اليد عن المطلقات الدالّة على جواز الحلف كاذباً لإنجاء النفس المحترمة من الهلكة، ولحفظ مال نفسه أو مال أخيه التلف ، فقد ذكرنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاُصول أنّ من المرجّحات في الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه أن يلزم من تقديم أحدهما إلغاء العنوان المأخوذ في الدليل الآخر على سبيل الموضوعية بخلاف العكس ، وقد مثّلنا له في بعض المباحث السابقة(1)بأمثلة متعدّدة ، وواضح أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ المطلقات المذكورة دلّت على جواز الحلف كاذباً لإنجاء النفس المحترمة ، ولحفظ مال نفسه أو مال أخيه ، وهي مشتركة مع رواية سماعة وما في معناها في تجويز الحلف كاذباً للإكراه والاضطرار ، وإنّما تمتاز المطلقات عن رواية سماعة وما يساويها في المضمون باشتمالها على جواز الحلف الكاذب في غير موارد الخوف والاضطرار أيضاً .
وعليه فلو قدّمنا رواية سماعة وما في مضمونها على المطلقات المزبورة وحكمنا لذلك بحرمة الحلف كاذباً في غير موارد الإكراه والاضطرار لكانت العناوين المأخوذة في تلك المطلقات - أعني حفظ النفس والمال لنفسه أو لأخيه - كلّها لاغية . وأمّا لو قدّمنا المطلقات وحفظنا العناوين المذكورة فيها فإنّه لا يلزم منه إلّا إلغاء المفهوم فقط عن رواية سماعة وما في معناها . ونتيجة ذلك : أنّه يجوز الحلف كاذباً لإنجاء النفس المحترمة ، و لحفظ مال نفسه أو مال أخيه على وجه الإطلاق فيقيد بها ما دلّ على حرمة الكذب على وجه الإطلاق .
لا يقال : إنّ حرمة الكذب ذاتية، لاستقلال العقل بقبحه ، فليست قابلة
1) في ص 155 - 156 .
للتخصيص ، وأمّا ارتكابه في موارد الضرورة فلأنّ العقل يستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين .
فإنّه يقال : قد عرفت آنفاً أنّ العقل لايستقل بقبح الكذب في نفسه إلّا إذا ترتّبت عليه المفسدة ، فلا تكون حرمته ذاتية لا تقبل التخصيص ، فيكشف من تجويز الشارع الكذب في بعض الموارد أنّه ليس بقبيح ، لا أنّه من باب حكم العقل بارتكاب أقل القبيحين .
وقد وجّه المصنّف كلام المشهور بوجهين ، الأول : أنّ الكذب حرام ، ومع التمكّن من التورية لا يحصل الاضطرار إليه ، فيدخل تحت العمومات . الثاني : أنّ قبح الكذب عقلي ، فلا يسوغ إلّا مع عروض عنوان حسن عليه يغلب على قبحه ، وهذا لا يتحقّق إلّا مع العجز عن التورية .
ولكن قد ظهر لك ممّا قدّمناه آنفاً ضعف الوجهين المذكورين .
وأمّا المطلقات الدالّة على جواز الكذب للإصلاح فلا معارضة بينها وبين رواية سماعة وما في معناها ذلك : أنّ تلك المطلقات إنّما دلّت على جواز الكذب للإصلاح ، ورواية سماعة وما في مضمونها إنّما دلّت على حرمة الحلف كاذباً في غير موارد الإكراه والاضطرار والخوف ، فلا وجه لوقوع المعارضة بينهما كما يرومه المصنّف .
لا يقال : إنّ ما دلّ على جواز الحلف كاذباً لحفظ النفس والمال دلّ على جواز الكذب لهما بطريق الأولوية كما أشرنا إليه سابقاً ، وعليه فتقع المعارضة بينها وبين رواية سماعة وما في مضمونها في مطلق الكذب أيضاً .
فإنّه يقال : لا منافاة بين جواز الكذب لحفظ النفس والمال وبين مفهوم رواية سماعة من تخصيص حرمة الحلف كاذباً بغير موارد الإكراه والاضطرار .
قوله : ثم إنّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة على التورية ، الخ .
أقول : حاصل كلامه : أنّ أكثر الأصحاب قيّدوا جواز الكذب بعدم التمكّن من التورية ، ومع ذلك فقد أطلقوا القول بفساد م--ا أُك--ره ع-ل-ي-ه م-ن العقود والإيقاعات، ولم يقيّدوا ذلك بعدم القدرة على التورية ، وصرّح الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة والمسالك في باب الطلاق(1)بعدم اعتبار العجز عنها ، بل في كلام بعضهم دعوى الاتّفاق عليه .
وقد أورد المصنّف على ذلك بأنّ المكرَه على البيع إنّما أُكره على التلفّظ بصيغة البيع ، ولم يكره على حقيقته ، فالإكراه على البيع الحقيقي يختص بغير القادر على التورية ، كما أنّ الاضطرار إلى الكذب مختص بالعاجز عنها ، وعليه فإذا أُكره على البيع فلم يورِّ مع قدرته على التورية فقد أوجد البيع بإرادته واختياره ، فيكون صحيحاً .
وأجاب عن هذا الإيراد بوجود الفارق بين المقامين ، وحاصله : أنّ ما أُكره عليه في باب المعاملات إنّما هو نفس المعاملة وواقعها ، والأخبار الدالّة على رفع ما استكره عليه كحديث الرفع(2)ونحوه لم تقيّد ذلك بعدم القدرة على التورية ، فإذا أوجد المكره المعاملة فقد أوجد نفس ما أُكره عليه ، ويرتفع أثره بالإكراه . وهذا بخلاف الكذب ، فإنّه لا يجوز إلّا في مورد الاضطرار ، ومن المعلوم أنّ الاضطرار لا يتحقّق مع التمكّن من التورية .
وفيه أولاً : أنّه لا فارق بين الإكراه والاضطرار ، لأنّ الإكراه في اللغة(1)حمل المكره على أمر وإجباره عليه من غير رضى منه ، ولا شبهة في أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إذا أمكن التفصّي ، كما هو الحال في الاضطرار .
وثانياً : أنّا لو لم نعتبر في مفهوم الإكراه أن لا يتمكّن المكرَه من التفصّي ، فإنّ لازم ذلك جواز ارتكاب المحرّمات إذا أُكره عليها وإن كان قادراً على التخلّص ، كما إذا أكرهه أحد على شرب الخمر وكان متمكّناً من هراقتها على جيبه . وكما إذا أكرهه جائر على أخذ أموال الناس بالظلم والعدوان وكان متمكّناً من أن يدفع مال الظالم إليه ، ويوهمه أنّه إنّما يعطيه من مال غيره . ولا شبهة في حرمة الارتكاب في أمثال هذه الصور . هذا كلّه بناءً على المشهور ، كما نسبه المصنّف إلى ظاهرهم من تقييد جواز الكذب بعدم القدرة على التورية .
والتحقيق : أن يفصّل بين الأحكام التكليفية وبين الأحكام الوضعية في باب المعاملات ، العقود منها والإيقاعات .
أمّا الأحكام التكليفية وجوبية كانت أم تحريمية فإنّ تنجّزها على المكلّفين ووصولها إلى مرتبة الفعلية لتبعثهم على الإطاعة والامتثال مشروطة بالقدرة العقلية والشرعية ، واختلاف الدواعي في ترك الواجبات وارتكاب المحرّمات لا يؤثّر في تبديلها أو في رفعها بوجه . ومثال ذلك : أنّ شرب الخمر مع التمكّن من تركه حرام وإن كان شربه بداعي رفع العطش أو غيره من الدواعي عدا الإسكار ، كما أنّ المناط في رفع الأحكام التكليفية هو عدم القدرة على الامتثال ولو بالتورية ونحوها . مثلاً إذا أكره الجائر أحداً على شرب الخمر ولم يتمكّن المجبور من تركه بالتورية أو بطريق آخر ، فإنّ الحرمة ترتفع بحديث الرفع ونحوه ، وأمّا إذا تمكّن من
1) المصباح المنير : 532 ، المنجد : 682 مادّة كَرُةَ .
موافقة التكليف بالتورية أو بجهة اُخرى فلا موجب لسقوط الحرمة .
نعم ظاهر جملة من الروايات الماضية ، وجملة أُخرى من الروايات الآتية هو جواز الكذب والحلف الكاذب في موارد خاصّة على وجه الإطلاق ، حتّى مع التمكّن من التورية ، وعليه فيمتاز حكم الكذب بذلك عن بقية الأحكام التكليفية . ومن هنا ظهر ضعف قول المصنّف : إنّ الضرر المسوغ للكذب ه-و المسوغ لسائر المحرّمات .
وأمّا الأحكام الوضعية في المعاملات - كصحّة العقود والإيقاعات أو فسادهما - فهي تدور من حيث الوجود والعدم مدار أمرين :
الأول : كون المتعاملين قادرين على المعاملة بالقدرة التي هي من الشرائط العامّة المعتبرة في جميع الأحكام .
الثاني : صدور إنشاء المعاملة عن الرضى وطيب النفس ، لآية التجارة عن تراض(1)، والروايات الدالّة على حرمة التصرّف في مال غيره إلّا بطيب النفس والرضى(2)، فإذا انتفى أحد الأمرين فسدت المعاملة ، ولم تترتّب عليها الآثار .
وعليه فلو أكره الظالم أحداً على بيع أمواله فباعها بغير رضى وطيب نفس كان البيع فاسداً ، سواء تمكّن المكرَه في دفع الإكراه من التورية أم لم يتمكّن . وإذا باعها عن طيب نفس كان البيع صحيحاً . وعلى الإجمال : فالمناط في صحّة المعاملات صدورها عن طيب النفس والرضى .
تذييل : لا شبهة في عدم ثبوت أحكام المكرَه على المضطرّ في باب المعاملات ووجه ذلك : أنّ حديث الرفع إنّما ورد في مقام الامتنان على الأُمّة ، وعلى هذا فلو
اضطرّ أحد إلى بيع أمواله لأداء دَينه ، أو لمعالجة مريضه ، أو لغيرهما من حاجاته فإنّ الحكم بفساد البيع حينئذ مناف للامتنان ، وأمّا الإكراه فليس كذلك كما عرفت .
قوله : نعم يستحبّ تحمّل الضرر المالي الذي لا يجحف .
أقول : حاصل كلامه : أنّه يستحبّ تحمّل الضرر المالي الذي لا يجحف والتجنّب عن الكذب في موارد جوازه لحفظ المال ، وحمل عليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة : « علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك »(1).
وفيه : أنّه لا دليل على ثبوت هذا الاستحباب ، فإنّ الضرر المالي إن بلغ إلى مرتبة يعدّ في العرف ضرراً جاز الكذب لدفعه ، وإلّا فهو حرام ، لانصراف الأدلّة المجوّزة عن ذلك ، فلا دليل على وجوب الواسطة بينهما لكي تكون مستحبّة . وأمّا قوله (عليه السلام) في نهج البلاغة فأجنبي عن الكذب الجائز الذي هو مورد كلامنا بل هو راجع إلى الكذب المحرّم، وأن يتّخذه الإنسان وسيلة لانتفاعه، ومن الواضح جداً أنّ ترك ذلك من علائم الإيمان.
ويؤيّد ما ذكرناه تقابل الصدق المضرّ مع الكذب النافع فيه ، لأنّ الظاهر من الكذب النافع هو ما يكون وسيلة لتحصيل المنافع ، ويكون المراد من الصدق المضرّ حينئذ عدم النفع ، لكثرة إطلاق الضرر عليه في العرف .
وعليه فشأن الحديث شأن ما ورد من أنّه « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن »(2).
نعم يمكن الاستدلال على الاستحباب بناءً على التسامح في أدلّة السنن بقوله (عليه السلام): « اجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة ، فإنّ فيه الهلكة »(1). ولكن مفاد الحديث أعم ممّا ذكره المصنّف .
لا خلاف بين المسلمين ، بل بين عقلاء العالم في جواز الكذب لإنجاء النفس المحترمة . قال الغزالي : فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم فالكذب فيه واجب(2). وقد تقدّمت(3)دلالة جملة من الآيات والروايات على هذا ، بل هو من المستقلّات العقلية ، ومن الضروريات الدينية التي لا خلاف فيها بين المسلمين . وعلى ذلك فمن أنكره كان منكراً لإحدى ضروريات الدين ، ولحقه حك-م م-نكر الضروري من الكفر ، ووجوب القتل ، وبينونة الزوجة ، وقسمة الأموال .
إذا عرفت ذلك فقد اتّضح لك الحال في الأقوال الصادرة عن الأئمّة (عليهم السلام) في مقام التقيّة ، فإنّا لو حملناها على الكذب السائغ لحفظ أنفسهم وأصحابهم لم يكن بذلك بأس، مع أنّه يمكن حملها على التورية أيضاً كما سيأتي .
وبذلك يتجلّى لك افتضاح الناصبي المتعصّب إمام المشكّكين ، حيث لهج بما لم يلهج به البشر ، وقال في خاتمة محصّل الأفكار حاكياً عن الزنديق سليمان بن جرير :
إنّ أئمّة الرافضة وضعوا القول بالتقيّة لئلّا يظفر معها أحد عليهم ، فإنّهم كلّما أرادوا شيئاً تكلّموا به ، فإذا قيل لهم هذا خطأ أو ظهر لهم بطلانه قالوا : إنّما قلناه تقية(1).
على أنّ التفوّه بذلك افتراء على الأئمّة الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، قال الله تعالى : إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بآيَاتِ اللهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ(2).
قوله : الأقوال الصادرة عن أئمتنا في مقام التقيّة .
أقول : حاصل مراده : أنّ ما صدر عن الأئمّة (عليهم السلام) تقيّة في بيان الأحكام وإن جاز حمله على الكذب الجائز حفظاً لأنفسهم وأصحابهم عن الهلاك ولكن المناسب لكلامهم لكلامهم والأليق بشأنهم حمله على إرادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة على المراد الجدّي ، كأن يراد من قولهم : لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر(3)جواز الصلاة في الثوب المذكور مع تعذّر غسله والاضطرار إلى لبسه . ويؤيّده تصريحهم (عليهم السلام) بإرادة المحامل البعيدة في بعض المقامات ، ففي رواية عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « فقال له رجل : ما تقول في النوافل ؟ قال : فريضة ، قال : ففزعنا وفزع الرجل ، فقال أبو عبدالله : إنّما أعني صلاة الليل على رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلم) »(4).
وفيه : أنّك قد : أنك قد عرفت آنفاً عدم استقلال العقل بقبح الكذب في جميع الموارد وإنّما هو تابع للدليل الشرعي ، وعليه فمهما حرّمه الشارع يكشف منه أنّه قبيح
ومهما ورد الدليل على جوازه يكشف منه أنّه ليس بقبيح ، وحينئذ فالكذب الجائز والتورية سواء في الإباحة ، ولا ترجيح لحمل الأخبار الموافقة للتقية على الثاني .
قوله : ومن هنا يعلم أنّه إذا دار الأمر في بعض المواضع إلخ .
أقول : ملخّص كلامه : أنّه إذا ورد عن الأئمّة (عليهم السلام) أمر وتردّدنا بين أن نحمله على الوجوب بداعي التقيّة أو على الاستحباب بداعي بيان الواقع تعيّن الحمل على الثاني ، بأن يراد من الأمر معناه المجازي - أعني الاستحباب - من دون نصب قرينة ظاهرة .
ومثاله أن يرد أمر بالوضوء عقيب ما يعدّه العامّة حدثاً وناقضاً للوضوء كالمذي والودي ومسّ الفرج والأُنثيين ، وغيرها من الأُمور التي يراه-ا الع--امّة أحداثاً ناقضة للوضوء(1)فإنّه يدور الأمر حينئذ بين حمله على الوجوب بداعي التقيّة ، وبين حمله على الاستحباب بداعي بيان الواقع ، ومن المعلوم أنّ الحمل على الثاني أولى ، إذ لم يثبت من مذهب الشيعة عدم استحباب الوضوء عقيب الاُمور المذكورة ، ولكن ثبت عندهم أنّها لا تنقض الوضوء جزماً ، وعليه فتتأدّى التقيّة بإرادة المجاز وإخفاء القرينة .
أقول : لله درّ المصنّف حيث أشار بكلامه هذا إلى قاعدة كلّية وضابطة شريفة تتفرّع عنها فروع كثيرة ، ومن شأنها أن يبحث عنها في علم الاُصول في فصل من فصول أبحاث الأوامر. وتحقيق الكلام فيها : أنّ ما يدور أمره بين الحمل على التقيّة وبين الحمل على الاستحباب على ثلاثة أقسام :
الأول : أن يكون ظهوره في بيان الحكم الوضعي المحض ، كما إذا ورد عنهم (عليهم السلام) أنّ الرعاف أو الحجامة مثلاً من النواقض للوضوء ، فإنّه لا ريب في
1) راجع سنن البيهقي 1 : 115 ، 116 ، 123 ، 128 ، 132 ، 137 ، 138 .
حمل هذا القسم على التقيّة ، بأن يكون المراد أنّها ناقضة حقيقة للوضوء ، ولكن صدور هذا الحكم بداعي التقيّة ، لا بداعي الإرادة الجدّية .
الثاني : أن يدلّ بظهوره على الحكم التكليفي المولوي المحض ، كما إذا فرضنا أنّ قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة عند العامة ومستحبّة عندنا ، ووردت رواية من أئمّتنا (عليهم السلام) ظاهرة في الوجوب ، فإنّ الأمر حينئذ يدور بين حمل هذه الرواية على الوجوب بداعي التقيّة وبين حملها على الاستحباب بداعي الجدّ غاية الأمر أنّ الإمام (عليه السلام) لم ينصب قرينة على مراده الجدّي .
وعلى هذا فبناءً على مسلك المصنّف من كون الأمر حقيقة في الوجوب ومجازاً في غيره يدور الأمر بين حمله على التقيّة في بيان الحكم ، ورفع اليد عن المراد الجدّي أعني الاستحباب . أو حمله على الوجوب الخاص أعني الوجوب حال التقيّة ، ورفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب المطلق ، بأن يكون المراد أنّ قراءة الدعاء عند رؤية الهلال واجبة حال التقيّة . أو حمله على الاستحباب ورفع اليد عن ظهور الكلام في الوجوب من دون نصب قرينة على ذلك . وحيث لا مرجّح لأحد الاُمور الثلاثة بعينه ، فيكون الكلام مجملاً .
وأمّا بناءً على ما حقّقناه في محله(1)من أنّ الأمر موضوع لواقع الطلب ، أعني إظهار الاعتبار النفساني على ذمّة المكلّف ، فما لم يثبت الترخيص من الخارج فإنّ العقل يحكم بالوجوب ، وإذا ثبت الترخيص فيه من القرائن الخارجية حمل على الاستحباب ، وعليه فلا مانع من حمل الأمر بقراءة الدعاء عند رؤية الهلال على الاستحباب ، للقطع الخارجي بعدم وجوبها عند رؤية الهلال ، فيتعيّن الاستحباب إذ ليس هنا احتمال آخر غيره لكي يلزم الإجمال .
1) محاضرات في أُصول الفقه 1 (موسوعة الإمام الخوئي 43) : 483 .
الثالث : أن يكون الكلام الصادر عن الإمام (عليه السلام) ظاهراً في بيان الحكم التكليفي ، إلّا أنّه في الواقع بيان للحكم الوضعي الصرف ، كما إذا ورد الأمر بالوضوء عقيب المذي والودي ومسّ الفرج والأُنثيين أو غيرها من الأُمور التي يراها العامّة أحداثاً ناقضة للوضوء ، فإنّ الأمر في هذه الموارد إرشاد إلى ناقضية الأُمور المذكورة للوضوء ، كما أنّ الأمر بالوضوء عقيب البول والنوم إرشاد إلى ذلك أيضاً ، وحينئذ فيدور الأمر بين حمله على ظاهره من الناقضية بداعي التقية لا الجدّ وبين حمله على الاستحباب .
والظاهر هو الأول ، فإنّ حمله على الثاني يستلزم مخالفة الظاهر من جهتين الأُولى : حمل ما هو ظاهر في الإرشاد إلى الناقضية على خلاف ظاهره من إرادة الحكم التكليفي . الثانية : حمل ما هو ظاهر في الوجوب على الاستحباب . وأمّا لو حملناه على التقيّة فلا يلزم منه إلّا مخالفة الظاهر في جهة واحدة ، وهي حمل الكلام على غير ظاهره من المراد الجدّي .
جواز الكذب لإرادة الإصلاح
قوله : الثاني من مسوّغات الكذب : إرادة الإصلاح .
أقول : لا شبهة في جواز الكذب للإصلاح بين المتخاصمين في الجملة عند الفريقين نصّاً(1)
وعن معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «المصلح ليس بكذّاب » وهي صحيحة. وغير ذلك من الروايات المذكورة في المصادر المذكورة وفي المستدرك 9 : 94 / أبواب أحكام العشرة ب 122 ، والبحار 69 : 251 / 19، 5 .
وفي سنن البيهقي 108 : 197 : « ليس الكاذب من أصلح بين الناس ، فقال : خيراً أو نمي خيراً» وغير ذلك من أحاديث العامّة .
وفتوى ، وتفصيل ذلك : أنّ النزاع والبغضاء بين المتخاصمين تارةً1) ففي الكافي :2 : 341 / 16 ، 18 ، 19 ، والوافي 5 : 1931 / 17 ، 21 ، 22 ، والوسائل 12: 254 / أبواب أحكام العشرة ب 141 ح 6 ، 5 ، 3 عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام قال : « الكلام ثلاثة : صدق ، وكذب ، وإصلاح بين الناس » الحديث . وهو مرسل .وعن عيسى بن حسّان قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً ، إلّا كذباً في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه ، ، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الإصلاح فيما بينهما ، أو رجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتمّ لهم » وهي مجهولة بعيسى بن حسّان .
يكون من كلا الطرفين ، بأن يكون كل منهما حرباً للآخر ، وقاصداً لإيقاع الضرر به . وأُخرى يكون الحقد والنفاق من طرف واحد ، كأن وشى إليه نمّام على أخيه كاذباً فحقد عليه . وكلا القسمين مشمولان لإطلاق ما دلّ على جواز الكذب في مورد الإصلاح .
ويمكن الاستدلال على جواز الكذب للإصلاح بقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ(1)أي أصلحوا بين المؤمنين إذا تخاصموا وتقاتلوا وَاتَّقُوا اللهَ في ترك العدل والإصلاح لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَإِنَّ إطلاق الآية يشمل الإصلاح بالكذب أيضاً . وحينئذ فتكون الآية معارضة لعموم ما دلّ على حرمة الكذب بالعموم من وجه ، وبعد تساقطهما في مادّة الاجتماع- أعني الكذب للإصلاح - يرجع إلى البراءة ، أو إلى عموم المصلح ليس بكذّاب » فإنّه ينفي الكذب عن المصلح على سبيل الحكومة .
1) الحجرات 49: 10 .
ولا فرق في جواز الكذب للإصلاح بين أن يكون المصلح أحد المتخاصمين أو غيرهما ، ويدلّ على تأكّد الحكم في الأول بعض الأحاديث الواردة في حرمة هجران المؤمن فوق ثلاثة أيّام ، كقوله ( عليه السلام) في رواية حمران : « م--ا م-ن مؤمنين اهتجرا فوق ثلاث إلّا برئت منهما في الثالثة ، قيل : هذا حال الظالم فما بال المظلوم ؟ فقال : ما بال المظلوم لا يصير إلى الظالم فيقول : أنا الظالم ، حتّى يصطلحا »(1).
ومن الواضح جدّاً أنّ قول المظلوم « أنا الظالم » كذب ، وقد ذمّه الإمام (عليه السلام) على تركه ، فيكون مستحبّاً مؤكّداً .
قوله : ورد في أخبار كثيرة جواز الوعد الكاذب مع الزوجة ، بل مطلق الأهل .
أقول : إن كان الوعد على سبيل الإنشاء فهو خارج عن الكذب موضوعاً على ما عرفته سابقاً(2)، وإن كان على سبيل الإخبار ولم يحرز المتكلّم تحقّق المخبَر به في ظرفه فهو كذب محرّم على صورة الوعد ، كما عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد .
ولكن ظاهر جملة من الروايات التي تقدّم بعضها في البحث عن جواز الكذب للإصلاح هو جواز الوعد الكاذب للزوجة ، بل لمطلق الأهل ، وعليه فيقيّد بها ما دلّ على حرمة الكذب ، كما يقيّد بها أيضاً ما دلّ على وجوب الوفاء بالوعد لو قلنا به - والله العالم - إلّا أن يقال بعدم صلاحية ذلك للتقييد ، لضعف السند .
قوله : التاسعة عشرة : الكهانة .
أقول : ما هي الكهانة ؟ وما حكم الرجوع إلى الكاهن ؟ وما حكم الإخبار عن الاُمور المستقبلة ؟
أمّا الكهانة فهي في اللغة(1)
وفي مجمع البحرين [ 6 : 305 مادة كهن ] : أنّ الكهانة كانت في العرب قبل البعث ، فلمّا بعث النبي (صلّى الله عليه و آله وسلم) حرست السماء وبطلت الكهانة . وعمل الكهانة قريب من السحر أو أخصّ منه . [ نقل بالمضمون ] .
الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ، وقيل هي عمل يوجب طاعة الجانّ للكاهن ، ومن هنا قيل : إنّ الكاهن من كان له رأي من الجنّ يأتيه بالأخبار ، وهي قريبة من السحر أو أخصّ منه . والعرّاف (2)وفي مفردات الراغب [ 562 مادّة عرف ] : العرّاف كالكاهن ، إلّا أنّ العرّاف يختصّ بمن يخبر بالأحوال المستقبلة ، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية .
. المنجّم والكاهن ، وقيل : العرّاف كالكاهن ، إلّا أنّ العراف يختصّ بمن يخبر عن الأحوال المستقبلة ، والكاهن بمن يخبر عن الأحوال الماضية .1) في تاج العروس [ 9 : 326 مادّة كهن ] : كهن له قضى بالغيب، وفي التوشيح : الكهانة- بالفتح ويجوز الكسر - ادّعاء علم الغيب ، قال ابن الأثير : الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ، ويدّعي معرفة الأسرار . فمنهم من يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورئياً يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأُمور بمقدّمات وأسباب يستدلّ بها على مواقعها ، وهذا يخصّونه باسم العرّاف، كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها .
2) في تاج العروس [ 6 : 193 ، مادّة عرف ]: العرّاف كشدّاد : الكاهن ، قال ابن الأثير : العرّاف المنجّم ، أو الذي يدّعي علم الغيب .
وكيف كان ، فالكهانة على قسمين :
الأول : أن يخبر الكاهن عن الحوادث المستقبلة ، لاتّصاله بالشياطين القاعدين مقاعد استراق السمع من السماء، فيطّلعون على أسرارها ، ثمّ يرجعون إلى أوليائهم لكي يؤدّوها إليهم .
الثاني : أن يخبر الكاهن عن الكائنات الأرضية والحوادث السفلية ، لاتّصاله بطائفة من الجنّ والشياطين التي تلقي إليه الأخبار الراجعة إلى الحوادث الأرضية فقط ، لأنّ الشياطين قد منعت عن الاطّلاع إلى السماء وأخبارها بعد بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) .
و في خبر الاحتجاج(1)أُطلق لفظ الكاهن على كلا القسمين ، أمّا إطلاقه على القسم الأول فهو صريح جملة من فقراته ، وأمّا إطلاقه على القسم الثاني فقد وقع منه في فقرتين :
الاُولى : قوله (عليه السلام) : « لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشياطين ، ويؤدّيه إلى الكاهن ، ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف » .
الثانية : قوله ( عليه السلام) بعد ما ذكر أنّ الشياطين كانوا يسترقون أخبار السماء ، ويقذفونها إلى الكاهن :« فمنذ منعت الشيطان عن استراق السمع انقطعت الكهانة ، واليوم إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهّانها أخباراً للناس ممّا يتحدّثون به - إلى أن قال : - ما يحدث في البعد من الحوادث » . فقد أُطلق الكاهن في هاتين الفقرتين على المخبر عن الكائنات السفلية بواسطة الشياطين . ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : «انقطعت الكهانة » فإنّ المراد منها هو الكهانة الكاملة ، أعني القسم الأول .
1) الاحتجاج 2 : 219 فيا احتجّ الصادق (عليه السلام على الزنديق . وهو مرسل .
وتدلّ على حرمة كلا القسمين مضافاً إلى خبر الاحتجاج المتقدّم جملة من الروايات من طرق الخاصّة(1)
وعن الخصال [ 68/19] عن الصادق ( عليه السلام) من تَكهّن أو تُكهّن له فقد برئ من دين محمّد (صلّى الله عليه و آله وسلم) » وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة . وغير ذلك من الروايات المذكورة في المستدرك 13 : 110 / أبواب ما يكتسب به ب23 .
وفي الكافي 5 : 126 / 2 ، والوافي 17 : 280 / 12 ، والوسائل 17 : 93 / أب--واب م--ا يكتسب به ب 5 ح 5 عن السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) جعل من السحت أجر الكاهن . وهي ضعيفة بالنوفلي .
وفي الوسائل 12 : 309 / أبواب أحكام العشرة ب 164 ح 11 عن المجالس [ أي أمالي الصدوق : 663/489 ] عن الصادق (عليه السلام) : « أربعة لا يدخلون الجنّة : الكاهن » إلخ . وهي ضعيفة بأبي سعيد هاشم .
ومن طرق العامّة(2)وقد تقدّم بعضها في البحث عن حرمة التنجيم والسحر(3).وأمّا الرجوع إلى الكاهن والعمل بقوله ، وترتيب الأثر عليه في الاُمور الدينية ، والاستناد إليه في إثبات أمر أو نفيه ، فلا شبهة في حرمته ، بل لا خلاف فيها بين المسلمين ، لكونه افتراء على الله ، وعملاً بالظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً .
1) ففي الوسائل 17 : 149 / أبواب ما يكتسب به ب 26 ح 1 ، 2 في حديث المناهي « أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) نهى عن إتيان العرّاف ، وقال : من أتاه وصدّقه فقد برئ ممّا أنزل الله على محمّد (صلّى الله عليه و آله وسلم) » . وهي ضعيفة بشعيب بن واقد.
2) راجع سنن البيهقي :8 : 138 / باب ما جاء في النهي عن الكهانة .
3) في ص 389 - 391 ، 438 - 439 .
وتدلّ على الحرمة أيضاً جملة من روايات الفريقين الناهية عن إتيان الكاهن والعرّاف ، فإنّ الإتيان إليهم كناية عن تصديقهم والعمل بقولهم ، كما في تاج العروس قال : من أتى كاهناً أو عرّافاً إلخ : أي صدّقهم . وقد عرفت أنّ العرّاف يصدق عليه الكاهن .
وفي رواية الخصال أنّ « من تكهّن أو تُكهّن له فقد برئ من دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) » أي من جاء إلى الكاهن وأخذ منه الرأي فليس بمسلم . وقد تقدّمت الإشارة إلى هذه الروايات في الحاشية .
وأمّا الإخبار عن الاُمور المستقبلة جزماً فيقع البحث عن حكمه تارةً م--ن حيث القاعدة ، واُخرى من حيث الرواية .
أمّا الأول : فقد يكون المخبر عن الحوادث الآتية شاكّاً في وقوعها في مستقبل الكذب الزمان ، وقد يكون جازماً بذلك . أمّا الأول فلا شبهة في حرمته ، لكونه من المحرّم ، ومن القول بغير علم ، وقد عرفت في البحث عن حكم خلف الوعد(1)أنّ المخبر ما لم يكن جازماً بوقوع المخبر به في الخارج فهو كاذب في إخباره ، نعم لو صادف الواقع في هذا الحال كان حراماً من جهة التجرّي .
وأمّا الثاني فلا وجه لحرمته ، فإنّه خارج عن الكذب وعن القول بغير علم موضوعاً وحكماً ، ولكن المصنّف التزم بحرمته لاُمور :
الأول : خبر الهيثم ، قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ عندنا بالجزيرة رجلاً ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يسرق أو شبه ذلك ، فنسأله ؟ فقال قال
1) في ص 596 .
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذّاب يصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب »(1)بدعوى أنّ الإخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرّم مطلقاً ، سواء أكان بالكهانة أم بغيرها ، لأنّه (عليه السلام) حصر المخبر بالشيء الغائب بالساحر والكاهن والكذّاب ، وجعل الكل حراماً .
وفيه أولاً : أنّ الرواية بقرينة السؤال ظاهرة في الإخبار عن الاُمور الماضية من السرقة والضالّة ونحوها ، ولا إشكال في جواز الإخبار عن الاُمور الماضية إذا كان المخبر جازماً بوقوعها ، وإنّما الكلام في الإخبار على سبيل الجزم عن الحوادث الآتية . فمورد الرواية أجنبي عن محلّ الكلام .
وثانياً : لا دلالة في الرواية على انحصار المخبر عن الاُمور المغيّبة بالكاهن والساحر والكذّاب ، بل الظاهر منها أنّ الإخبار المحرّم منحصر بإخبار ه-ذه
الطوائف الثلاث ، فالإمام (عليه السلام) بيّن ضابطة حرمة الإخبار عن الغائبات ونظيره ما إذا سئل أحد عن حرمة شرب العصير التمري فأجاب بأنّ الحرام من المشروبات إنّما هو الخمر والنبيذ والعصير العنبي إذا غلى ، فإنّ هذا الجواب لا يدلّ على حصر جميع المشروبات بالمحرّم ، وإنّما يدلّ حصر المشروبات المحرّمة بالاُمور المذكورة . إذن فلا دلالة في الرواية على حرمة مطلق الإخبار عن الاُمور المستقبلة ولو من غير الكاهن والساحر والكذّاب.
وثالثاً : أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية أنّ تصديق المخبر في إخباره حرام ، لأنّه غير حجّة ، وأمّا حرمة إخبار المخبر فلا تدلّ الرواية على حرمته ، كما هو مته ، كما هو الحال في إخبار الفاسق وغيره فيما لا يكون قوله حجّة .
الثاني : قوله (عليه السلام) في حديث المناهي - المتقدّم في الهامش - : إنّه نهى
1) وهي صحيحة . راجع الوسائل 17 : 150 / أبواب ما يكتسب به ب26 ح3 .
عن إتيان العرّاف وقال : « من أتاه وصدّقه فقد برئ ممّا أنزل الله على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) » بدعوى أنّ المخبر عن الغائبات في المستقبل كاهن ويختصّ باسم العرّاف .
وفيه أوّلاً : أنّه ضعيف السند . وثانياً : أنّ إتيان العرّاف كناية عن العمل بقوله ، وترتيب الأثر عليه ، كما عرفته آنفاً ، فلا دلالة فيه على حرمة الإخبار عن الاُمور المستقبلة بأيّ نحو كان .
الثالث : قوله (عليه السلام) : في بعض الأحاديث : « لئلّا يقع في الأرض يشاكل الوحي »(1)إلخ ، فإنّ الإخبار عن الغائبات والكائنات في مستقبل الزمان من الاُمور تشاكل الوحي ، ومن المقطوع به أنّه مبغوض للشارع .
وفيه : أنّ الممنوع في الرواية هو الإخبار عن السماء بوساطة الشياطين، فإنّهم كانوا يقعدون مقاعد استراق السمع من السماء ، ويطلعون على مستقبل الاُمور ويحملونها إلى الكهنة ، ويبثّونها فيهم ، وقد منعوا عن ذلك بالشهاب الثاقب لئلّا يقع في الأرض ما يشاكل الوحي. وأمّا مجرد الإخبار عن الاُمور الآتية بأيّ سبب كان فلا يرتبط بالكهانة .
قوله : فتبيّن من ذلك إلخ .
أقول : حاصل كلامه : أنّ المتحصّل ممّا ذكرناه هو حرمة الإخبار عن الغائبات من غير نظر في بعض ما صحّ اعتباره ، كنبذ من الرمل والجفر .
وفيه : أنّ المناط في جواز الإخبار عن الغائبات في مستقبل الزمان إنّما هو حصول الاطمئنان بوقوع المخبَر به كما عرفت ، وعليه فلا فرق بين الرمل والجفر وغيرهما من موجبات الاطمئنان .
ثمّ إنّ ظاهر عبارة المصنّف هو اعتبار بعض أقسام الرمل والجفر . ولكنّه
1) وهو مرسل . راجع الاحتجاج 2 : 219 فيما احتجّ به الصادق (عليه السلام) على الزنديق .
عجيب منه (رحمه الله) ، إذ لم يقم دليل على اعتبارهما في الشريعة المقدّسة ، غاية الأمر أنّهما يفيدان الظنّ ، وهو لا يغني من الحقّ شيئاً .
قوله : العشرون : اللهو حرام(1).
أقول : لا خلاف بين المسلمين قاطبة في حرمة اللهو في الجملة ، بل هي من ضروريات الإسلام ، وإنّما الكلام في حرمته على وجه الإطلاق . فظاهر جملة من الأصحاب ، بل صريح بعضهم وظاهر بعض العامّة أنّ اللهو حرام مطلقاً ، فعن المحقّق في المعتبر : قال علماؤنا : اللاهى بسفره كالمتنزّه بصيده بطراً لا يترخصّ ... لنا أنّ اللهو حرام ، فالسفر له معصية (2).
وقال العلّامة : حرّم الحلبي الرمي عن قوس الجلاهق ، والإطلاق ليس بجيّد بل ينبغي التقييد بطلب اللهو والبطر(3).
وفي كلمات غير واحد من الأصحاب : أنّ من سفر المعصية طلب الصيد للهو والبطر .
وفي الرياض قد استدلّ على حرمة المسابقة في غير الموارد المنصوصة بما دلّ على حرمة مطلق اللهو(4).
وعن المالكية : إن كان الغرض من المسابقة المغالبة والتلّهي فيكون
حراماً(1).
وقد استظهر المصنّف من الأخبار الكثيرة حرمة اللهو على وجه الإطلاق، ثمّ قال : ولكن الإشكال في معنى اللهو، فإن أُريد به مطلق اللهو- كما يظهر من الصحاح والقاموس - فالظاهر أنّ القول بحرمته شاد مخالف للمشهور والسيرة ، فإنّ اللعب هي الحركة لا لغرض عقلائي ، ولا خلاف ظاهراً في عدم حرمته على الإطلاق ، نعم لو خصّ اللهو بما يكون من بطرٍ وفسّر بشدة الفرح كان الأقوى تحريمه .
ولكن الأخبار لا دلالة لها على حرمة اللهو على وجه الإطلاق ، فإنّها على أربع طوائف :
الأولى : هي الروايات الدالّة على وجوب الإتمام على المسافر إذا كان سفره للصيد اللهوي(2)، فقد يقال : إنّ هذه الطائفة تدلّ بالالتزام على حرمة اللهو أيضاً إذ لا نعرف وجهاً لإتمام الصلاة هنا إلّا كون السفر معصية للصيد اللهوي.
ولكنّه ضعيف ، إذ غاية ما يستفاد من هذه الأخبار أنّ السفر للصيد اللهوي لا يوجب القصر ، فلا دلالة فيها على كون السفر معصية ، إذ لا ملازمة بين وجوب الإتمام في السفر وبين كونه معصية ، بل هو أعمّ من ذلك . وإلى هذا ذهب المحقّق البغدادی (رحمه الله)(3).
الثانية : ما دلّ على أنّ اللهو من الكبائر ، كما في حديث شرائع الدين عن
الأعمش(1)قال المصنّف : حيث عدّ في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصدّ عن ذكر الله ، كالغناء وضرب الأوتار ، فإنّ الملاهي جمع الملهى مصدراً أو الملهي وصفاً لا الملهاة آلة ، لأنّه لا يناسب التمثيل بالغناء.
ولكن يرد عليه أولاً : أنّ هذه الرواية ضعيفة السند .
وثانياً : لا دلالة فيها على حرمة اللهو المطلق ، بل الظاهر منها أنّ الحرام هو اللهو الذي يصدّ عن ذكر الله ، كالغناء وضرب الأوتار ونحوهما .
وثالثاً : أنّ الظاهر من اللغة أنّ الملاهي اسم الآلات ، فالأمر يدور بين رفع اليد عن ظهوره وحملها على الفعل ، وبين رفع اليد عن ظهور الغناء وحمله على الغناء في آلة اللهو ، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر ، فتكون الرواية مجملة . بل ربما يرجّح رفع اليد عن ظهور الغناء ، كما يدلّ عليه عطف ضرب الأوتار على الغناء .
ثمّ إنّ رواية الأعمش لم يذكر فيها إلّا عدّ الملاهي التي تصدّ عن ذكر الله من الكبائر . وأمّا زيادة كلمة (الاشتغال ) قبل كلمة الملاهي فهي من سهو قلم المصنّف (رحمه الله)، ولو كانت النسخة كما ذكره لما كان له حمل الملاهي على نفس الفعل ، فإنّ الاشتغال بالملاهي من أظهر مصاديق الغناء(2).
الثالثة : الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالّة على حرمة استعمال الملاهي والمعازف ، وفي رواية العيون عدّ الاشتغال بها من الكبائر(3). وفي رواية عنبسة :
1) وهي ضعيفة ببكر بن عبدالله بن حبيب . ومجهولة بأحمد بن يحيى بن زكريا القطان ، وغيره من رجال السند . راجع الوسائل 15 : 331 / أبواب جهاد النفس ب46 ح36 .
2) [ ولعلّ المراد : فإنّ الاشتغال بالملاهي يمكن أن يكون الاشتغال بآلة اللهو ، ومن أظهر مصاديقه الغناء في آلة اللهو ] .
3) وهي ضعيفة كما تقدّم في ص 377 . راجع المصدر المزبور من الوسائل ح33 .
«استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع » . وقد تقدّمت الإشارة إلى جملة منها ، وإلى مصادرها في مبحث حرمة الغناء(1).
وفيه : أنّ هذه الروايات إنّما تدلّ على حرمة قسم خاصّ من اللهو ، أعني الاشتغال بالملاهي والمعازف واستعمالها ، ولا نزاع في ذلك ، بل حرمة هذا القسم من ضروريات الدين ، بحيث يعدّ منكرها خارجاً عن زمرة المسلمين ، وإنّما الكلام في حرمة اللهو على وجه الإطلاق ، وواضح أنّ هذه الأخبار لا تدلّ على ذلك .
الرابعة : الأخبار الظاهرة ظهوراً بدويّاً في حرمة اللهو مطلقاً ، كقوله (عليه السلام) في خبر العيّاشي : « كل ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر » وفي بعض روايات المسابقة : «كلّ لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث »(2)وفي رواية أبي عباد : إنّ السماع في حيّز الباطل واللهو ، وسنذكرها . وفي رواية عبد الأعلى(3)في ردّ من زعم أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) رخّص في أن يقال : جئناكم إلخ : « كذبوا ، إنّ الله يقول : وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهُوا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إلخ . وفي جملة من روايات الغناء أيضاً ما يدلّ على أنّ اللهو من الباطل ، فإذا ضممنا ذلك إلى ما يظهر من الأدلّة من حرمة الباطل ، كجملة من الروايات الدالّة على حرمة الغناء(4)كانت النتيجة حرمة اللهو مطلقاً .
ويرد عليه : أنّ الضرورة دلّت على جواز اللهو في الجملة ، وكونه من الاُمور المباحة ، كاللعب بالسبحة أو اللحية أو الحبل أو الأحجار ونحوها ، فلا يمكن العمل
بإطلاق هذه الروايات على تقدير صحّتها ، وقد أشرنا إليه في مبحث حرمة القمار(1)وعليه فلابدّ من حملها على قسم خاصّ من اللهو - أعني الغناء ونحوه - ك--ا ه-و الظاهر ، أو حملها على وصول الاشتغال بالأُمور اللاهية إلى مرتبة يصدّ فاعله عن ذكر الله ، فإنّه حينئذ يكون من المحرّمات الإلهية .
والحاصل : أنّه لا دليل على حرمة اللهو على وجه الإطلاق .
وممّا ذكرناه ظهر أيضاً أنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المصنّف (رحمه الله) من تقوية حرمة الفرح الشديد .
قوله : واعلم أنّ هنا عنوانين .
أقول : قد فرّق جمع من أهل الفروق بين اللهو واللعب ، ولا يهمّنا التعرّض لذلك ، وإنّما المهم هو التعرّض لحكمهما ، وقد عرفت أنّه لا دليل على حرمة مطلق اللهو ، وأمّا اللعب فإن كان متّحداً في المفهوم مع اللهو فحكمه هو ذلك ، وإن ك--انا مختلفين مفهوماً فلابدّ من ملاحظة الأدلّة الشرعية ، فإن كان فيها ما يدلّ على حرمة اللعب أُخذ به، وإلّا فيرجع إلى الاُصول العملية .
وأمّا اللغو فذكر المصنّف(رحمه الله) أنّه إن أُريد به ما يرادف اللهو كما يظهر من بعض الأخبار(2)
ويقرب من ذلك ما في الوسائل 17 : 316 / أبواب ما يكتسب به ب 101 ح 2 عن أبي أيّوب الخزاز . وهو ضعيف بسهل .
كان في حكمه ، وإن اُريد به مطلق الحركات اللاغية فالأقوى فيها1) في ص 566 ، 567 .
2) ففي الوسائل 17 : 308 / أبواب ما يكتسب به ب 99 ح 19 في رواية محمّد بن أبي عبّاد وكان مشتهراً بالسماع ويشرب النبيذ قال : « سألت الرضا (عليه السلام) عن السماع ؟ فقال : لأهل الحجاز فيه رأي، وهو في حيّز الباطل واللهو ، أما سمعت الله يقول : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً وهي ضعيفة بابن أبي عبّاد وغيره .
الكراهة .
أقول : لا دليل على حرمة مطلق اللغو ، سواء قلنا بكونه مرادفاً للهو والباطل كما هو الظاهر من أهل اللغة(1)أم لا ، لما عرفت من عدم الدليل على حرمة اللهو على وجه الإطلاق . وأمّا ما ذكره من ظهور الروايات في مرادفة اللغو مع اللهو ففيه : أنّ الروايات المذكورة ناظرة إلى اتّحاد قسم خاص من اللغو مع قسم خاص من اللهو ، وهو القسم المحرّم ، فلا دلالة فيها على اتّحاد مفهومها مطلقاً . على أنّها ضعيفة السند .
وقد يقال بحرمة اللغو على وجه الإطلاق ، لرواية الكابلي(2)فإنّ الإمام (عليه السلام) جعل فيها اللغو المضحك من جملة الذنوب التي تهتك العصم . وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند ، ومجهولة الرواة . وثانياً : أنّ موضوع التحريم فيها هو اللغو الذي يكون موجباً لهتك عصم الناس وأعراضهم ، م-ن الاستهزاء
1) راجع مجمع البحرين 1 : 375 ، لسان العرب 15 : 250 مادّة لغا .
2) في الوسائل 16 : 281 / أبواب الأمر والنهي ب 41 ح 8 عن زين العابدين (عليه السلام)« والذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر ، واللعب بالقمار ، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح » وهي مجهولة بأحمد بن الحسن القطّان وأحمد بن يحيى ، وضعيفة ببكر ب-ن عبدالله بن حبيب .
والسخرية والتعيير والهجاء ونحوها من العناوين المحرّمة . على أنّه لا دليل على حرمة إضحاك الناس وإدخال السرور في قلوبهم بالاُمور المباحة والجهات السائغة بل هو من المستحبّات الشرعية والأخلاق المرضية ، فضلاً عن كونه موجباً لهتك العصم ، وإثارة للعداوة والبغضاء .
وقد ذكر ابن أبي الحديد في مقدّمة شرح النهج في علي بن أبي طالب (عليه السلام) : وأمّا سجاحة الأخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيّا والتبسّم فهو المضروب به المثل فيه ، حتّى عابه بذلك أعداؤه(1). وكان الأصل في هذا التعييب عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص .
وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يمكن الاستدلال على حرمة اللغو مطلقاً بوصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذرّ(2).
ثمّ إنّ رواية الكابلي عدّت شرب الخمر واللعب بالقمار من جملة الذنوب التي تهتك العصم . أمّا الأول فلأنّه يجرّ إلى التعرّض لأعراض الناس ، بل نفوسهم ، فإنّ شارب الخمر في حال سكره كالمجنون الذي لا يبالي في أفعاله وحركاته . وأمّا اللعب بالقمار فلأنّه يورث العداوة بين الناس ، حيث تؤخذ ب-ه أم--وال-ه-م ب-غ-ير ع-وض واستحقاق . وقد أُشير إلى كلا الأمرين في الآية(3).
قوله : الحادية والعشرون : مدح من لا يستحقّ المدح أو يستحق الذمّ(1).
أقول : حكى المصنّف أنّ العلامة(2)عدّ مدح من لا يستحقّ المدح أو يستحقّ الذمّ في عداد المكاسب المحرّمة ، ثمّ وجّه كلامه بوجوه : الأول : حكم العقل بقبح ذلك . الثاني : قوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(3). الثالث : ما رواه الصدوق عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من عظم صاحب دن--ي-اً وأحبّه لطمع دنياه سخط الله عليه ، وكان في درجة مع قارون في التابوت الأسفل من النار »(4). الرابع : ما في حديث المناهي من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « من مدح سلطاناً جائراً أو تحفّف أو تضعضع له طمعاً فيه كان قرينه في النار»(5).
ولكن الظاهر أنّ الوجوه المذكورة لا تدلّ على مقصود المصنّف . أمّا العقل فإنّه لا يحكم بقبح مدح من لا يستحق المدح بعنوانه الأوّلي ما لم ينطبق عليه عنوان آخر ممّا يستقلّ العقل بقبحه ، كتقوية الظالم ، وإهانة المظلوم ونحوهما .
وأمّا الآية فهي تدلّ على حرمة الركون إلى الظالم والميل إليه ، فلا ربط له-ا
1) المكاسب 2 : 51 .
2) التذكرة 12 : 144 ، التحرير 2 : 260 .
3) هود 11 : 113 .
4) راجع الوسائل 17 : 181 / أبواب ما يكتسب به ب 42 ح 14 ، وعقاب الأعمال: مجهولة بموسى بن عمران النخعي النوفلي ، وعمّه الحسين بن يزيد ، ومبشّر [ في المصدر : ميسرة ] ، وأبي عائشة ، ويزيد بن عمر وغيرهم .
5) وهي مجهولة بشعيب بن واقد . راجع الوسائل 17 : 183 / أبواب ما يكتسب به ب43 ح 1 . والوافي 5 : 1073 / 8 . أقول : الحفف بالحاء المهملة : الضيق وقلّة المعيشة والحفوف : الاعتناء بالشيء ومدحه . التضعضع : الخضوع .
بالمقام . وسيأتي الاستدلال بها على حرمة معونة الظالمين .
وأمّا النبوي الذي رواه الصدوق فإنّه يدلّ على حرمة تعظيم صاحب المال وإجلاله طمعاً في ماله ، فهو بعيد عمّا نحن فيه .
وأمّا حديث المناهي ففيه أولاً : أنّه ضعيف السند . وثانياً : أنّه دالّ على حرمة مدح السلطان الجائر، وحرمة تعظيمه طمعاً في ماله ، أو تحصيلاً لرضاه .
وعلى الجملة : إنّ الوجوه التي ذكرها المصنّف لا تدلّ على حرمة مدح من لا يستحقّ المدح في نفسه ، فإنّ النسبة بينه وبين العناوين المحرّمة المذكورة هي العموم من وجه ، وعليه فلا وجه لجعل العنوان المذكور من المكاسب المحرّمة كما صنعه العلّامة وتبعه غيره .
ثمّ إنّ مدح من لا يستحقّ المدح قد يكون بالجملة الخبرية، وقد يكون بالجملة الإنشائية . أمّا الأول فهو كذب محرّم ، إلّا إذا قامت قرينة على إرادة المبالغة . وأمّا الثاني فلا محذور فيه ما لم ينطبق عليه شيء من العناوين المحرّمة المذكورة ، أو كان المدح لمن وجبت البراءة منه ، كالمبدع في الدين ، وقد تقدّم ذلك في مبحث الغيبة ومبحث حرمة سبّ المؤمن(1).
ولا يخفى أنّ حرمة مدح من لا يستحقّ المدح على وجه الإطلاق أو فيما انطبق عليه عنوان محرّم إنّما هي فيما إذا لم يلتجئ إلى المدح لدفع خوف أو ضرر بدني أو مالي أو عرضي ، وإلّا فلا شبهة في الجواز. ويدلّ عليه قولهم (عليهم السلام) في عدّة روايات : إنّ « شرّ الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتّقاء شرّهم(2)
وفي سنن البيهقي 10 : 245 : « إن شر الناس منزلة يوم القيامة من ودعه ودعه أو تركه الناس اتّقاء فحشه ».
.وكذلك تدلّ عليه أخبار التقيّة، فإنّها تدلّ على جوازها في كل ضرورة وخوف .
قوله : الثانية والعشرون : معونة الظالمين في ظلمهم حرام بالأدلّة الأربعة وهو من الكبائر(1).
أقول : ما هو حكم معونة الظالمين ؟ وما هو حكم أعوان الظلمة ؟ وما هو حكم إعانتهم في غير جهة الظلم من الاُمور السائغة ، كالبناية والنجارة والخياطة ونحوها ؟
أمّا معونة الظالمين في ظلمهم فالظاهر أنّها غير جائزة بلا خلاف بين المسلمين قاطبة ، بل بين عقلاء العالم ، بل التزم جمع كثير من الخاصّة والعامّة (2)بحرمة الإعانة على مطلق الحرام ، وحرمة مقدّماته .
ويدلّ على حرمتها العقل ، والإجماع المستند إلى الوجوه المذكورة في المسألة وقوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الذَّينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (3)فَإِنّ الركون المحرّم هو الميل إليهم ، فيدلّ على حرمة إعانتهم بطريق الأولوية . أو المراد من الركون المحرّم هو الدخول معهم في ظلمهم .
وأمّا الاستدلال على حرمتها بقوله تعالى :وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (1)كما في المستند(2)وغيره فقد تقدّم جوابه في البحث عن حكم الإعانة على الإثم(3)، وقلنا : إنّ التعاون غير الإعانة، فإنّ الأول من باب الإفعال، والثاني من باب التفاعل، فحرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر.
وتدلّ على حرمة معونة الظالمين أيضاً الروايات المستفيضة ، بل المتواترة(4)
وفي البابين المذكورين من الوافي والوسائل : 180/ 9 ، التهذيب :6 : 329 / 913 عن ابن بنت الوليد « من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً » وهي مجهولة بابن بنت الوليد .
وفي الباب المتقدّم من الوسائل : 177 / 1 ، 16 : 260 / أبواب الأمر والنهي ب 38 ح 3 عن الكافي [ 8: 2/16 ] عن أبي حمزة عن السجّاد (عليه السلام) قال : « إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ، ومجاورة الفاسقين ، احذروا فتنتهم ، وتباعدوا عن ساحتهم » وهي صحيحة . وغير ذلك من الروايات الكثيرة المذكورة في المصادر المتقدّمة ، وفي المستدرك 13 : 122/ أبواب ما يكتسب به ب 35، والوسائل 17: 185/ أبواب ما يكتسب به ب 44، 45 . والوسائل 16 : 55 / أبواب جهاد النفس ب 80 ح 1 ، 2 ، والوافي 5 : 969 / 17، 19 والكافي :2 : 333 / 16 ، 18 [ في الوسائل والكافي : من عذر ظالماً ... ] عن طلحة عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال : « العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم» وهي ضعيفة بطلحة ومحمد بن سنان . وفي رواية ابن سنان عنه (عليه السلام) : « من أعان ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه » وهي مجهولة بأبي نهشل .
.1) المائدة 5 : 2 .
2) المستند 14 : 152.
3) في ص 283 .
4) ففي الكافي 5 : 106 / 5 ، والوافي 17 : 154 / 5 ، والوسائل 17 : 179 / أبواب ما يكتسب به ب 42 ح 5 عن أبي بصير قال : « سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمالهم ؟ فقال لي : يا أبا محمّد لا ، ولا مدّة بقلم ، إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلّا أصابوا من دينه مثله » وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم .
وأمّا دخول الإنسان في أعوان الظلمة فلا شبهة أيضاً في حرمته ، ويدلّ عليها جميع ما دلّ على حرمة معونة الظالمين في ظلمهم ، وغير ذلك من الأخبار الناهية عن الدخول في حزبهم وتسويد الاسم في دي--وانهم . وقد أشرنا إلى مصادرها في الهامش .
وأمّا إعانة الظالمين في غير جهة ظلمهم بالاُمور السائغة ، كالبناية والخبازة ونحوهما فلا بأس بها، سواء أكان ذلك مع الأُجرة أم بدونها ، بشرط أن لا يعدّ بذلك من أعوان الظلمة عرفاً ، وإلّا كانت محرّمة كما عرفت .
وقد يستدلّ على حرمتها بروايات :
منها : رواية محمّد بن عذافر عن أبيه(1)الظاهرة في حرمة المعاملة مع الظلمة .
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّ قوله (عليه السلام) :
«یا عذافر نبئّت أنّك تعامل تعامل أبا أيّوب والربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة » ظاهر في أنّ عذافر كان يدأب على المعاملة مع الظلمة ، بحيث ألحقه بأعوانهم ، وعليه فورد الرواية أجنبي عن المقام .
1) وهي ضعيفة بسهل . راجع الكافي 5 : 105 / 1 ، والوافي 17 : 151 / 1 ، والوسائل 17 : 178 / أبواب ما يكتسب به ب 42 ح3 .
ومنها : رواية ابن أبي يعفور(1)الظاهرة في ردع السائل عن إعانة الظالمين في الجهات السائغة .
وفيه : أنّ الظاهر من قول السائل : « ربما أصاب الرجل منّا الضيق أو الشدّة فيدعى إلى البناء » إلخ ، أنّ الرجل منهم تصيبه الشدّة فيلتجئ إلى الظالمين ، ويتدرّج به الأمر حتّى يكون من أعوان الظلمة ، بحيث يكون ارتزاقه من قبلهم ، ولذلك طبّق الإمام (عليه السلام) عليهم قوله :« إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم الله بين العباد » . فهذه الرواية أيضاً خارجة عن مورد الكلام ، على أنّها ضعيفة السند .
ومع الإغضاء عن ذلك فقوله (عليه السلام) : « ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة » إلخ لو لم يكن ظاهراً في الكراهة فلا ظهور له في الحرمة ، فتكون الرواية مجملة.
ومنها : رواية العياشي الدالّة على أنّ السعي في حوائج الظالمين عديل الكفر والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحقّ بها النار(2).
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ الظاهر من إضافة الحوائج إلى الظالمين ولو بمناسبة الحكم والموضوع كون السعي في حوائجهم المتعلّقة بالظلم .
ومن هنا ظهر الجواب عن رواية السكوني عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) « قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين أعوان الظلمة ، ومن لاق لهم دواة أو ربط كيساً أو مدّ لهم مدّة قلم فاحشر وهم معهم »(3). وكذلك ظهر الجواب عن رواية أبي
حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال : « إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين » وقد تقدّمت هذه الرواية في الحاشية .
ومنها : رواية الشيخ عن ابن أبي عمير عن يونس بن يعقوب قال « قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : لا تعنهم على بناء مسجد»(1).
وفيه : أنّ إعانتهم على بناء المسجد لهم نحو من تعظيم شوكتهم ، فيكون كمسجد ضرار الذي ذكره الله في الكتاب(2)وتبعد الرواية عمّا نحن بصدده .
ومنها : رواية صفوان الظاهرة في ردعه عن إكراء الجمال من هارون الرشيد(3).
وفيه أولاً : أنّها ضعيفة السند . وثانياً : أنّ الرواية أدلّ على الجواز ، فإنّ الإمام (عليه السلام) إنّما ردعه عن محبّة بقائهم ، ويدلّ على هذا من الرواية قوله (عليه السلام): «أتحبّ بقاءهم حتّى يخرج كراؤك ؟ قلت : نعم ، قال : من أحبّ بقاءهم فهو منهم ، ومن كان منهم منهم كان وروده إلى النار » .
ومع الإغضاء عن جميع ذلك ، وتسليم دلالة الروايات المذكورة على الحرمة فالسيرة القطعية قائمة على جواز إعانة الظالمين بالاُمور المباحة في غير جهة ظلمهم فتكون هذه السيرة قرينة لحمل الروايات على غير هذه الصورة .
والحاصل : أنّ المحرّم من العمل للظلمة قسمان ، الأول : إعانتهم على الظلم .
1) طريقه إلى ابن أبي عمير ثلاثة طرق حسنات في المشيخة [ من التهذيب 10 : 79 ] والفهرست [ 142 / 617 ] . راجع الباب المتقدّم في الوسائل ح 8 ، والتهذيب 6 : 338 / 941 ، والوافي 17 : 160 / 17.
2) وهو قوله تعالى في سورة التوبة 9 : 107 : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً .
3) وهي مجهولة بمحمد بن إسماعيل الرازي . راجع الباب المتقدّم من الوسائل ح17 .
والثاني : صيرورة الإنسان من أعوانهم ، بحيث يعدّ في العرف من المنسوبين إليهم بأن يقال : هذا كاتب الظالم ، وهذا معماره ، وذاك خازنه . وقد عرفت حرمة ك--لا القسمين بالأدلّة المتقدّمة، وأمّا غير ذلك فلا دليل على حرمته .
ثمّ إنّ المراد من الظالم المبحوث عن حكم إعانته ليس هو مطلق العاصي الظالم لنفسه ، بل المراد به هو الظالم للغير ، كما هو ظاهر جملة من الروايات التي تقدّم بعضها ، بل هو صريح جملة أُخرى منها ، وعليه فمورد الحرمة يختصّ بالثاني .
على أنّه قد تقدّم في البحث عن حكم الإعانة على الإثم(1)أنّه لا دليل على حرمتها على وجه الإطلاق ما لم يكن في البين تسبيب ، وقلنا في المبحث المذكور : إنّ الإعانة على الظلم حرام للأدلّة الخاصّة ، فلا ربط لها بمطلق الإعانة على الإثم.
قوله : الثالثة والعشرون : النجش - بالنون المفتوحة والجيم الساكنة أو المفتوحة - حرام(2).
أقول : الظاهر أنّه لا خلاف بين الشيعة والسنّة(3)في حرمة النجش في الجملة
1) في ص 283 .
2) المكاسب 2 : 61 .
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 2 : 245 من البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها ب-ي-ع النجش ، وهو حرام نهى عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) . وفي شرح فتح القدير 6 : 106 : نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن النجش . وفي سنن البيهقي 5 : 343 و 344 في جملة من الأحاديث نهي عن النجش والتناجش .
وقد فسّروه بوجهين كما يظهر من أهل اللغة(1)
وعن المصباح [ 594 مادّة نجَشَ ] : نجش الرجل إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها ، وليس قصده أن يشتريها ، بل ليغرّ غيره فيوقعه فيه.
:الأول : أن يزيد الرجل في البيع ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ، ولكن ليسمعه غيره ، فيزيد بزيادته . وهذا هو المروي عن الأكثر .
الثاني : أن تمدح سلعة غيرك وتروّجها ليبيعها ، أو تذمّها لئلّا تنفق عنه. وظاهر الوجهين هو تحقّق النجش بهما ، سواء أكان ذلك عن مواطاة مع البائع أم لا .
أمّا الوجه الأول : فإن كان غرض الناجش غشّ المشتري وتغريره في المعاملة فإنّ مقتضى القاعدة حينئذ هو حرمة الغش مع تحقّق المعاملة في الخارج . وقد عرفت في البحث عن حرمة الغشّ(2)أنّ غشّ المؤمن في المعاملة حرام ، لاستفاضة الروايات عليه . وإن لم تقع المعاملة في الخارج أو وقعت فيه بغير غشّ وتغرير فلا دليل على حرمته ، إلّا من حيث التجرّي .
وقد يقال بحرمة النجش بهذا المعنى ، لكونه إضراراً للمشتري ، وهو حرام .
وفيه أولاً : أنّ المشتري إنّما أقدم على الضرر بإرادته واختياره ، وإن كان
1) في تاج العروس [ 4 : 354 مادّة نجش ] : النجش أن تواطئ رجلاً إذا أراد بيعاً أن تمدحه ، أو هو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها . وقال أبو عبيد : النجش في البيع أن يزيد الرجل ثمن السلعة ، وهو لا يريد شراءها ، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته . وقال ابن شميل : النجش أن تمدح سلعة غيرك ليبيعها ، أو تذمّها لئلا تنفق عنه . وقال الجوهري : النجش أن تزايد في المبيع ليقع غيرك ، وليس من حاجتك . وقال إبراهيم الحربي : النجش أن تزيد في ثمن مبيع أو تمدحه فيرى ذلك غيرك فيغترّ بك . والأصل فيه إثارة الصيد من مكان إلى مكان ، أو البحث عن الشيء .
2) في ص 461 وما بعدها .
الدافع له على الإقدام هو الناجش .
وثانياً : أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، فإنّ الناجش إنّما يوقع المشتري في الضرر إذا كان الشراء بأزيد من القيمة السوقية ، وأمّا إذا وقعت المعاملة على السلعة بأقل من القيمة السوقية أو بما يساويها فإنّ النجش لا يوجب إضراراً للمشتري .
إلّا أن يمنع من صدق مفهوم النجش على ذلك كما يظهر من غير واحد من أهل اللغة كالمصباح وتاج العروس وغيرهما ، وقد تقدّمت كلماتهم في الهامش .
وقد يستدلّ على حرمة النجش في هذه الصورة بقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « لعن الناجش والمنجوش له »(1). وبقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : « ولا تناجشوا»(2)
وفي المستدرك 13 : 286 / أبواب آداب التجارة ب 37 ح 2 : نهى عن النجش . وهو مرسل .
.وفيه أولاً : أنّ هذين النبويين ضعيفا السند . ودعوى انجبارهما بالإجماع المنقول - كما في المتن - دعوى غير صحيحة ، فإنّه إن كان حجّة وجب الأخذ به في نفسه ، وإلّا فإن ضمّ غير الحجّة إلى مثله لا يفيد الحجّية.
وثانياً : أنّهما مختصّان بصورة مواطاة الناجش مع البائع على النجش ، كما هو الظاهر من لعن المنجوش له في النبوي الأول ، والنهي عن التناجش في النبوي الثاني وكلامنا أعمّ من ذلك .
وأمّا الوجه الثاني : - أعني مدح السلعة لترغيب الناس فيها : فإن كان المدح بما ليس فيها من الأوصاف كان حراماً من جهة الكذب ، وإن كان مدحه للسلعة بما
فيها من الأوصاف ولكن بالغ في مدحها مع قيام القرينة على إرادة المبالغة فلا بأس به ، فقد ذكرنا في مبحث حرمة الكذب(1)أنّ المبالغة جائزة في مقام المحاورة والمحادثة ما لم تجر إلى الكذب.
وأمّا الروايتان المتقدّمتان فمضافاً إلى ضعف السند فيهما كما عرفت ، أنّهما راجعتان إلى الصورة الأُولى ، إذ لا وجه لحرمة مدح السلعة إلّا إذا انطبق عليه عنوان محرّم من الكذب أو الغش أو غيرهما من العناوين المحرّمة ، فيكون محرّماً من تلك الجهة ، لا من جهة كونه مدحاً للسلعة .
والحاصل : أنّه لا دليل على حرمة النجش في نفسه ، إلّا إذا انطبق عليه عنوان آخر محرّم ، فإنه يكون حراماً من هذه الجهة .
(2) قوله : الرابعة والعشرون : النميمة محرّمة بالأدلّة الأربعة(3).
أقول : لا خلاف بين المسلمين في حرمتها ، بل هي من ضروريات الإسلام وهي من الكبائر المهلكة ، وقد تواترت الروايات من طرق الشيعة(4)ومن طرق
1) في ص 601 .
2) فسّروا النميمة في اللغة بأنّها نقل الحديث من قوم إلى قوم على وجهة الإفساد والشرّ ، بأن يقول : تكلّم فلان فيك بكذا . وهي مأخوذة من ثمَّ الحديث ، بمعنى السعي لإيقاع الفتنة وإثارة الفساد .
3) المكاسب 2 : 63 .
4) ففي صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال « قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) :ألا أُنبئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : المشّاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبّة » . راجع الكافي 2 : 369 / 1 ، والوافي 5 : 981 / 1 ، والوسائل 12: 306 / أبواب أحكام العشرة ب 164 ح 1 ، والمستدرك 9 : 149 / أبواب أحكام العشرة ب 144 ح 1 وغيره .
العامّة(1)على حرمتها ، وعلى كونها من الكبائر ، بل يدلّ على حرمتها جميع ما دلّ على حرمة الغيبة . وقد استقلّ العقل بحرمتها ، لكونها قبيحة في نظره .
وأمّا الإجماع فهو بقسميه وإن كان منعقداً على حرمتها ، ولكنّ الظاهر أنّ مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة في المسألة ، وليس إجماعاً تعبّدياً ، وقد تقدّم نظيره مراراً .
وقد يستدلّ على حرمتها بجملة من الآيات : منها قوله تعالى : وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أَوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(2)بدعوى أنّ النّمام قاطع لما أمر الله بصلته ، ويفسد في الأرض فساداً كبيراً ، فتلحق له اللعنة وسوء الدار .
وفيه : أنّ الظاهر من الآية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو توجّه الذمّ إلى الذين اُمروا بالصلة والتوادد فأعرضوا عن ذلك . ومن هنا قيل(3): إنّ معنى الآية أنّهم اُمروا بصلة النبي والمؤمنين فقطعوهم ، وقيل : أُمروا بصلة الرحم والق--راب--ة فقطعوها ، وقيل : اُمروا بالإيمان بجميع الأنبياء والكتب ففرّقوا وقطعوا ذلك ، وقيل : اُمروا أن يصلوا القول بالعمل ففرّقوا بينها .
وقيل : معنى الآية أنّهم اُمروا بوصل كل من أمر الله بصلته من أوليائه والقطع والبراءة من أعدائه ، وهو الأقوى ، لأنّه أعم ، ويدخل فيه جميع المعاني . وعلى كل حال فالنّمام لم يؤمر بالقاء الصلة والتوادد بين الناس لكي يحرم عليه قطع ذلك . فالآية غريبة عنه .
وأمّا الاستدلال على الحرمة بقوله تعالى : وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ إِلخ ، فَإِنَّه وإن كان صحيحاً في الجملة ، كما إذا كانت النميمة بين العشائر والسلاطين ، فإنّها كثيراً ما تترتّب عليها مفسدة مهمّة ، ولكن الاستدلال بها أخصّ من المدّعى ، إذ لا تكون النميمة فساداً في الأرض في جميع الموارد ، وإن أوجبت الع--داوة والبغضاء غالباً .
ومن هنا ظهر الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ(1)فإنّ النميمة قد تجرّ إلى قتل النفوس المحترمة وهتك الأعراض ونهب الأموال ، ولكنّها ليست كذلك في جميع الأحوال ، بل المراد من الفتنة هو الشرك-كما ذكره الطبرسي - وإنّما سمّي الشرك فتنة لأنّه يؤدّي إلى الهلاك ، كما أنّ الفتنة تؤدّي إلى الهلاك(2).
ثمّ إنّ النسبة بين النميمة والغيبة هي العموم من وجه ، ويشتدّ العقاب في مورد الاجتماع . وقد تزاحم حرمةَ النميمة عنوانٌ آخر مهم في نظر الشارع ، فتجري فيها قواعد التزاحم المعروفة ، فقد تصبح جائزة إذا كان المزاحم أهم منها ، وقد تكون واجبة إذا كانت أهميته شديدة ، ويتّضح ذلك بملاحظة ما تقدّم(3).
قوله : الخامسة والعشرون : النوح بالباطل(4).
أقول : اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة على ثلاثة أقوال ، الأول :
القول بحرمة النوح مطلقاً ، وقد ذهب إليه جمع من الأصحاب . الثاني : الق--ول بالكراهة مطلقاً ، وهو المحكي عن مفتاح الكرامة(1)الثالث : القول بالتفصيل بين النوح بالباطل فيحرم ، والنوح بالحقّ فيجوز ، وقد اختاره المصنّف .
ثمّ إنّه اختلف أصحاب القول بالتفصيل فذهب بعضهم إلى جواز النوح بالحقّ من غير كراهة ، وذهب بعضهم إلى جواز ذلك على كراهة ، وذهب بعضهم إلى أنّ النوح بالحقّ إذا اشترطت فيه الاُجرة كان مكروهاً ، وإلّا فلا بأس به .
والتحقيق : أنّ الأخبار الواردة في مسألة النياحة على طوائف شتّى :
الاُولى : ما دلّ على المنع من النياحة مطلقاً (2)
وفي رواية الخصال [ 226 / 60 ، وفي سندها سليمان بن حفص البصري ] : « إنّ النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال قطران » . وهي مجهولة بسليمان بن جعفر البصري [راجع ح 12 من الباب المتقدّم ] .
وفي حديث المناهي : « نهي عن النياحة » وهي مجهولة بشعيب بن واقد . [ الباب المتقدّم ح 11 ] . وفي المستدرك 13 : 94 / أبواب ما يكتسب به ب 15 ح 6 : « لعن رسول الله النائحة » وهي مرسلة .
وفي سنن البيهقي 10 : 246 ما يدلّ على كفر النياحة على الميّت .
، سواء كانت بالباطل أم بالحقّ .الثانية : ما دلّ على جوازها وجواز أخذ الاُجرة عليها كذلك مطلقاً(3)
راجع الكافي :5 : 117 / 1 ، 2 ، والوافي :17 : 197 / 1 ، 2 ، 5 ، والتهذيب 6 : 358 / 1025 1027 ، 1028 ، والوسائل 17 : 125 / أبواب ما يكتسب به ب17 ح 1 ، 2 ، 7 .
.1) مفتاح الكرامة 8 : 96 .
2) ففي الوسائل 17 : 127 / أبواب ما يكتسب به ب 17 ح 5 عن الزعفراني عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « ومن أُصيب بمصيبته فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها » . وهي ضعيفة بسلمة ابن الخطّاب .
3) كصحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال « قال لي أبي : يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيّام منى» وكصحيحة الثمالي . وفي جملة من الروايات :« لا بأس بأجر النائحة ».
الثالثة : ما دلّ على جواز كسب النائحة إذا قالت صدقاً ، وعدم جوازه إذا قالت كذباً (1).
الرابعة : ما يدلّ بظاهره على الكراهة وهي روايتان(2)
وفي الباب المزبور من الوسائل ح13 : عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : « سألته عن النوح على الميت أيصلح ؟ قال : يكره » . وهي صحيحة .
تضمّنت إحداهما أنّ السائل سأل عن النياحة ، والأُخرى عن كسب النائحة ، فكرههما الإمام (عليه السلام) . على أنّهما غير ظاهرتين في الكراهة المصطلحة ، فكثيراً ما يراد بالكراهة في الأخبار التحريم ، وحينئذ فتكون هاتان الروايتان من الطائفة الاُولى الدالّة على المنع مطلقاً .ومقتضى الجمع بينها حمل الأخبار المانعة على النوح بالباطل ، وحمل الأخبار المجوّزة وما هو ظاهر في الكراهة على النوح بالصدق ، وعليه فالنتيجة هي جواز النياحة بالصدق على كراهة محتملة .
وبتقريب آخر : أنّ قوله (عليه السلام) : « لا بأس بكسب النائحة إذا قالت
1) في المصدرين المزبورين من الوافي [ 7 ] والوسائل [ 128 / 9 ] عن الفقيه [ 3 : 98 / 378 ] قال « قال (علیه السلام) : لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً » وهو مرسل .
2) في الأبواب المذكورة من التهذيب [ 395 / 1029 ] والوافي [ 17 : 2 / 12 ] والوسائل [128 / 8 ] عن سماعة قال : « سألته عن كسب المغنّية والنائحة ، فكرهه » . وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى .
صدقاً » وما في معناه يدلّ بالالتزام على جواز نفس النوح بالحق ، فيقيّد به إطلاق الروايات المانعة ، وبعد تقييدها تنقلب نسبتها إلى الروايات الدالّة بإطلاقها على الجواز ، فتكون مخصّصة لها ، فيكون النوح بالباطل حراماً ، والنوح بالحقّ جائزاً على الكراهة المحتملة . هذا ما يرجع إلى حكم النياحة .
وقد يقال بأنّها حينئذ معارضة بما دلّ على حرمة الكذب ، وحرمة الغناء وحرمة إسماع المرأة صوتها للأجانب ، وحرمة النوح في آلات اللهو ، والمعارضة بينها بنحو العموم من وجه .
ولكنّها دعوى جزافية ، فإنّ هذه الروايات تدلّ على جواز النوح بعنوان--ه الأوّلي ، مع قطع النظر عن انطباق العناوين المحرّمة عليه ، فلا تكون معارضة له-ا بوجه.
وأمّا كسب النائحة فما دلّ على جوازه مطلقاً مقيّد بمفهوم ما دلّ على جوازه إذا كان النياح بالحقّ . ولكنّ هذه الرواية الظاهرة في تقييد ما دلّ على جواز کسب النائحة مطلقاً ضعيفة السند . نعم يكفي في التقييد ما تقدّم مراراً من أنّ حرمة العمل بنفسه تكفي في حرمة الكسب ، مع قطع النظر عن
الأدلّة الخارجية .
وقد يقال بتقييد المطلقات بقوله (عليه السلام) في رواية حنّان بن سدير : « لا تشارط ، وتقبل ما أُعطيت »(1)وعليه فالنتيجة أنّ كسب النائحة جائز إذا قالت حقّاً، ولم تشارط .
وفيه : أنّه قد تقدّم في البحث عن كسب الماشطة(2)أنّ النهي عن الاشتراط
في أمثال هذه الصنائع ، والأمر بقبول ما يعطى صاحبها إنّما هو إرشاد إلى أنّ الاشتراط فيها لا يناسب شؤون نوع الناس، وأنّ المبذول لهؤلاء لايقلّ عن اُجرة المثل ، وهذا لا ينافي جواز ردّ المبذول إذا كان أقلّ من اُجرة المثل . وعلى هذا فلا دلالة فيها على التقييد.
هذا كلّه مع الإغضاء عن أسانيد الروايات وصونها عن الطرح ، وإلّا فإنّ جميعها ضعيف السند ، غير ما هو ظاهر في جواز النياح على وجه الإطلاق ، وما هو ظاهر في الكراهة ، وما هو ظاهر في جواز كسب النائحة إذا لم تشارط ، كرواي--ة حنّان المتقدّمة ، إذن فتبقى هذه الرواية سليمة عن المعارض.
قوله : السادسة والعشرون : الولاية من قبل الجائر ، وهي صيرورته والياً على قوم منصوباً من قبله محرّمة(1).
أقول : الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في حرمة الولاية من قبل الجائر في الجملة ، وتدلّ عليها الأخبار المستفيضة ، بل المتواترة(2)وقد تقدّم بعضها(3)في البحث عن حرمة معونة الظالمين ، كقوله (عليه السلام) : « من سوّد اسمه في ديوان ولد سابع (مقلوب عباس) حشره الله يوم القيامة خنزيراً » وغير ذلك من الروايات .
ويدلّ على الحرمة أيضاً ما في رواية تحف العقول من قوله (عليه السلام) : « إنّ في ولاية الوالي الجائر دروس(1)الحقّ كلّه ، وإحياء الباطل كلّه ، وإظهار الظلم والجور والفساد ، وإبطال الكتب ، وقتل الأنبياء ، وهدم المساجد ، وتبديل سنّة الله وشرائعه ، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم ، إلّا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة » . وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند كما تقدّم الكلام عليها في أوّل الكتاب - إلّا أنّ تلك التعليلات المذكورة فيها تعليلات صحيحة فلا بأس بالتمسّك بها .
ثمّ إنّ ظاهر جملة من الروايات كون الولاية من قبل الجائر بنفسها محرّمة وهي أخذ المنصب منه ، وتسويد الاسم في ديوانه ، وإن لم ينضم إليها القيام بمعصية عملية اُخرى من الظلم ، وقتل النفوس المحترمة ، وإصابة أموال الناس وأعراضهم وغيرها من شؤون الولاية المحرّمة . فأيّ والٍ من ولاة الجور ارتكب شيئاً من تلك العناوين المحرّمة يعاقب بعقابين ، أحدهما من جهة الولاية المحرّمة وثانيهما من جهة ما ارتكبه من المعاصي الخارجية .
وعليه فالنسبة بين عنوان الولاية من قبل الجائر وبين تحقّق هذه الأعمال المحرّمة هي العموم من وجه ، فقد يكون أحد والياً من قبل الجائر ولكنّه لا يعمل شيئاً من الأعمال المحرّمة ، وإن كانت الولاية من الجائر لا تنفك عن المعصية غالباً . وقد يرتكب غير الوالي شيئاً من هذه المظالم الراجعة إلى شؤون الولاة تزلّفاً إليهم وطلباً للمنزلة عندهم . وقد يجتمعان ، بأن يتصدّى الوالي نفسه لأخذ الأموال وقتل النفوس وارتكاب المظالم .
1) في نسخة تحف العقول : 332 : دوس الحقّ : أي وطؤه برجله .
ما استثنى من حرمة الولاية
أخذها للقيام بمصالح العباد
قوله : ثم إنّه يسوّغ الولاية المذكورة أمران ، أحدهما : القيام بمصالح العباد بلا خلاف الخ .
أقول : قد استثني من الولاية المحرّمة أمران ، الأول : أن يتولّاها للقيام بمصالح العباد . الثاني : أن يتولاها مكرهاً على قبولها والعمل بأعمالها .
أمّا الأمر الأول : فقد استدلّ المصنّف عليه بوجوه :
الأول : أنّ الولاية إن كانت محرّمة لذاتها كان ارتكابها لأجل المصالح ودفع المفاسد التي هي أهم من مفسدة انسلاك الشخص في أعوان الظلمة بحسب الظاهر وإن كانت لاستلزامها الظلم على الغير فالمفروض عدم تحقّقه هنا .
وفيه : إن كان المراد من المصالح حفظ النفوس والأعراض ونحوهما فالمدّعى أعم من ذلك، وإن كان المراد منها أنّ القيام باُمور المسلمين ، والإقدام على قضاء حوائجهم ، وبذل الجهد في كشف كرباتهم من الاُمور المستحبّة ، والجهات المرغوب بها في نظر الشارع المقدّس ، فلا شبهة أنّ مجرّد ذلك لا يقاوم الجهة المحرّمة ، فإنّ المفروض أنّ الولاية من قبل الجائر حرام في نفسها ، وكيف ترتفع حرمتها لعروض بعض العناوين المستحبّة عليها .
على أنّه ( رحمه الله) قد اعترف آنفاً بأنّ الولاية عن الجائر لا تنفك عن المعصية وعليه فلا يجوز الإقدام على المعصية لرعاية الاُمور المستحبّة . وقد اعترف أيضاً في البحث عن جواز الغناء في قراءة القرآن(1)بأنّ أدلّة الأحكام الإلزامية لا تزاحم بأدلّة الأحكام الترخيصية ، وقد أوضحنا المراد في المبحث المذكور .
1) في ص 487 .
الثاني : الإجماع . وفيه : أنّه وإن كان موجوداً في المقام ، ولكنّه ليس بتعبّدي .
الثالث - وهو العمدة - : الأخبار المتظافرة الظاهرة في جواز الولاية من الجائر للوصول إلى قضاء حوائج المؤمنين(1)
وفي خبر آخر : « أُولئك عتقاء الله من النار » . وغير ذلك من الروايات الكثيرة .
راجع الوافي 17 : 165 / ب 27 ، والتهذيب 6 : 330 / 916 ، 923 وما بعده ، والوسائل 17 : 192 / أبواب ما يكتسب به ب 46، 45 ، والكافي 5: 109 / باب شرط من أُذن له في أعمالهم والمستدرك 13 : 130 / أبواب ما يكتسب به ب39، 38 .
. وبعضها وإن كان ضعيف السند ولكن في المعتبر منها غنى وكفاية ، وبهذه الأخبار نقيّد المطلقات الظاهرة في حرمة الولاية من قبل الجائر على وجه الإطلاق .لا يقال : إنّ الولاية عن الجائر محرّمة لذاتها كالظلم ونحوه ، فلا تقبل التخصيص بوجه ، ولا ترفع اليد عنها إلّا في موارد الضرورة.
فإنّه يقال : إنّ غاية ما يستفاد من الأدلّة هي كون الولاية بنفسها محرّمة ، وأمّا الحرمة الذاتية فلم يدلّ عليها دليل من العقل أو النقل ، وإن ذهب إليه العلامّة الطباطبائي في محكي الجواهر(2).
وقد يستدلّ على جواز الولاية عن الجائر في الجملة بقوله تعالى حاكياً عن يوسف (عليه السلام):اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(3).
وفيه أولاً : أنّه لم يظهر لنا وجه الاستدلال بهذه الآية على المطلوب.
وثانياً : أن يوسف (عليه السلام) كان مستحقّاً للسلطنة ، وإنّما طلب منه حقّه
فلا يكون والياً من قبل الجائر.
إذا جازت الولاية عن الجائر فهل تتّصف بالكراهة والرجحان أم هي مباحة ؟ فنقول : قد عرفت أنّه لا إشكال في جواز الولاية عن الجائر إذا كان الغرض منه الوصول إلى قضاء حوائج المؤمنين ، فشأنها حينئذ شأن الكذب للإصلاح على ما تقدّم الكلام عليه(1)، وإنّما الكلام في اتصافها بالرجحان تارةً ، وبالمرجوحية اُخرى .
الذي ظهر لنا من الأخبار أنّ الولاية الجائزة قد تكون مباحة ، وقد تكون مكروهة ، وقد تكون مستحبّة ، وقد تكون واجبة .
أمّا المباح فهو ما يظهر من بعض الروايات(2)المسوّغة للولاية عن الجائر في بعض الأحوال ، كما ذكره المصنّف .
وأمّا المكروه فيستفاد من رواية أبي نصر(3)الدالة على أنّ الوالي عن الجائر
1) في ص 631 وما بعدها .
2) ففي التهذيب 6 : 338 / 944 ، والوافي 17 : 162 / 24 ، والوسائل 17 : 201 / أبواب ما يكتسب به ب 48 ح 2 عن الحلبي قال : « سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن رجل مسلم وهو في دیوان هؤلاء ، وهو يحبّ آل محمّد (عليهم السلام) ويخرج مع هؤلاء فيقتل تحت رايتهم ؟ قال : يبعثه الله على نيّته » . وهي صحيحة . وفي غير واحد من الروايات ما يدلّ على إباحة الولاية عن الجائر مع المواساة والإحسان إلى الإخوان .
3) ففي الكافي 5 : 111 / 5 ، والتهذيب 6 : 336 / 929 ، والوافي 17 : 167 / 5 ، والوسائل 17 : 186 / أبواب ما يكتسب به ب 4 4 - 4 عن [ مهران بن محمد بن ] أبي نصر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : ما من جبّار إلّا ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين ، وهو أقلهم حظّاً في الآخرة » يعني أقلّ المؤمنين حظّاً لصحبة الجبّار . وهي مجهولة بمهران بن محمد ابن أبي نصر . وفي نسخة الوافي [ وكذا التهذيب ] : عن مهران بن محمّد عن أبي بصير . وهو من سهو القلم .
الذي يدفع الله به عن المؤمنين أقلّ حظّاً منهم يوم القيامة ، فإنّ الظاهر منها أنّ الولاية الجائزة عن الجائر مكروهة مطلقاً .
وأمّا المستحبّ فتدلّ عليه جملة من الروايات ، إذ الظاهر من رواية محمّد بن إسماعيل(1)وغيرها أنّ الولاية الجائزة عن الجائر مستحبّة على وجه الإطلاق . فيقع التنافي بينها وبين ما تقدّم من دليل الكراهة .
وجمعهما المصنّف (رحمه الله) بحمل رواية أبي نصر على من تولّى لهم لنظام معاشه قاصداً للإحسان في خلال ذلك إلى المؤمنين ودفع الضرر عنهم ، وحمل ما هو ظاهر في الاستحباب على من لم يقصد بدخوله إلّا الإحسان إلى المؤمنين . إلّا أنّه لم يذكر وجهه .
والتحقيق : أنّ رواية أبي نصر ظاهرة في مرجوحية الولاية الجائزة مطلقاً
1) في البحار 72 : 350/ 58 عن رجال النجاشي [330 / 893 ] : حكى بعض أصحابنا عن ابن الوليد قال : وفي رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع قال أبو الحسن الرضا (ع-ل-ي-ه السلام) : « إنّ الله تعالى بأبواب الظالمين من نوّره الله وأخذ له البرهان ، ومكّن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه ، ويصلح به اُمور المسلمين ، إليهم يلجأ المؤمن من الضرّ ، وإليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا ، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة ، أُولئك المؤمنون حقّاً أُولئك اُمناء الله في أرضه ، أُولئك نور الله في رعيّتهم يوم القيامة ، وي-زه-ر ن-وره-م لأه-ل السماوات كما تزهر الكواكب الدريّة لأهل الأرض ، أُولئك من نورهم يوم (نور) القيامة تضيء منهم القيامة ، خلقوا والله للجنّة ، وخلقت الجنّة لهم » الحديث . وهو مرسل .
سواء كانت لنظام المعاش مع قصد الإحسان إلى المؤمنين ، أم كانت لخصوص إصلاح شؤونهم . ورواية محمد بن إسماعيل ظاهرة في محبوبية الولاية عن الجائر إذا كانت لأجل إدخال السرور على المؤمنين من الشيعة ، ويدلّ على ذلك من الرواية قوله (عليه السلام) : « فهنيئاً لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كلّه ، قال : قلت : بماذا جعلني الله فداك ؟ قال : تكون معهم فتسرّنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا ، فكن معهم يا محمّد » .
وعليه فتقيّد هذه الرواية رواية أبي نصر ، وحينئذ فتختصّ الكراهة بما إذا قصد بالولاية عن الجائر حفظ معاشه ، وكان قصد الإحسان إلى الشيعة ضمناً في خلال ذلك ، إذن فتنقلب النسبة ، وتصبح رواية أبي نصر مقيّدة لما هو ظاهر في رجحان الولاية الجائزة ، سواء كانت لحفظ المعاش أم لدفع الضرر عن المؤمنين من الشيعة ، كروايتي المفضّل وهشام بن سالم(1)
وعن المفضّل قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : ما من سلطان إلّا ومعه من يدفع الله به عن المؤمنين ، أُولئك أوفر حظّاً في الآخرة » وهو مرسل ، وغير ذلك من الأحاديث .
وتكون النتيجة أنّ الولاية من قبل الجائر إن كانت لحفظ المعاش مع قصد الإحسان إلى المؤمنين فهي مكروهة ، وإن كانت للإحسان إليهم فقط فهي مستحبّة ، هذا .ولكن رواية أبي نصر لضعف سندها قاصرة عن إثبات الكراهة ، إلّا على القول بشمول قاعدة التسامح لأدلّة الكراهة . وأمّا روايتا المفضّل وهشام فإنّهما وإن كانتا ضعيفتي السند ، إلّا أنّهما لا تقصران عن إثبات الاستحباب على وجه الإطلاق
1) المرويتين في المستدرك 13 : 136 / أبواب ما يكتسب به ب 39 - 16، 17 عن هشام بن سالم قال « قال أبو عبدالله (علیه السلام) إنّ لله مع ولاة الجور أولياء يدفع بهم عن أوليائه ، أُولئك هم المؤمنون حقّاً » وهو مر مرسل .
بناء على قاعدة التسامح في أدلّة السنن المعروفة .
وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ما في كلام المحقّق الإيرواني(1)حيث حمل الروايات - الدالّة على أنّ في أبواب السلاطين والجائرين من يدفع الله بهم عن المؤمنين - على غير الولاة من وجوه البلد وأعيانه الذين يختلفون إليه لأجل قضاء حوائج الناس . وأعجب من ذلك دعواه أنّ العمّال في الغالب لا يستطيعون التخطّي عمّا نصبوا لأجله وفوّض إليهم من شؤون الولاية !!
ووجه العجب : أنّه لا شبهة في تمكّنهم من الشفاعات ، واقتداره-م ع--لى المسامحة في المجازاة ، واطلاعهم على طريق الإغماض عن الخطيئات ، ولا سيما من كان من ذوي المناصب العالية .
وأمّا الواجب من الولاية فهو على ما ذكره المصنّف ما يتوقّف عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان ، فإنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به واجب مع القدرة . ثمّ استظهر من كلمات جماعة عدم الوجوب في هذه الصورة أيضاً ، بل في الجواهر(2)إنّه لم يحك عن أحد التعبير بالوجوب إلّا عن الحلّي في سرائره(3).
والذي يهمّنا في المقام هو بيان مدرك الحكم بالوجوب ، والكلام يقع فيه تارةً من حيث القواعد ، واُخرى من حيث الروايات :
أمّا الناحية الاُولى : ففي الجواهر يمكن أن يقال ولو بمعونة كلام الأصحاب بناءً على حرمة الولاية في نفسها إنّه تعارض ما دلّ على الأمر بالمعروف وما دلّ على حرمة الولاية من الجائر ولو من وجه ، فيجمع بينهما بالتخيير المقتضي للجواز
رفعاً لقيد المنع من الترك ممّا دلّ على الوجوب ، والمنع من الفعل ممّا دلّ على الحرمة .
وفيه : أنّ ملاك التعارض بين الدليلين هو ورود النفي والإثبات على مورد واحد ، بحيث يقتضي كل منهما نفي الآخر عن موضوعه ، ومثاله أن يرد دليلان على موضوع واحد ، فيحكم أحدهما بوجوبه وآخر بحرمته ، وحيث إنّه لا يعقل اجتماع الحكمين المتضادّين في محل واحد ، فيقع بينهما التعارض ، ويرجع إلى قواعده .
ومن المقطوع به أنّ الملاك المذكور ليس بموجود في المقام ، والوجه فيه : أنّ موضوع الوجوب هو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، وموضوع الحرمة ه-و الولاية من قبل الجائر، وكل من الموضوعين لا مساس له بالآخر بحسب طبعه الأوّلي ، فلا شيء من أفراد أحد الموضوعين فرد للآخر .
نعم المقام من قبيل توقّف الواجب على مقدّمة محرّمة ، وعليه فيقع التزاحم بين الحرمة المتعلّقة بالمقدّمة وبين الوجوب المتعلّق بذي المقدّمة ، نظير الدخول إلى الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق ، أو انجاء الحريق ، ويرجع إلى قواعد باب التزاحم المقررة في محلّه . وعلى هذا فقد تكون ناحية الوجوب أهم فيؤخذ بها ، وقد تكون ناحية الحرمة أهم فيؤخذ بها ، وقد تكون إحدى الناحيتين بخصوصها محتمل الأهمية فيتعيّن الأخذ بها كذلك ، وقد يتساويان في الملاك فيتخيّر المكلّف في اختيار أي منهما شاء ، هذا ما تقتضيه القاعدة. إلّا أنّ كشف أهمية الملاك والعلم بوصوله إلى حدّ الإلزام في غاية الصعوبة .
وأمّا الكلام في الناحية الثانية : فقد دلّت الآيات المتظافرة والروايات المتواترة من الفريقين على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك دلّت الروايات المستفيضة بل المتواترة على أنّه لا بأس بالولاية من قبل الجائر إذا كانت لإصلاح اُمور المؤمنين من الشيعة ، وقد تقدّم بعضها ، وبها قيدنا ما دلّ على حرمة الولاية عن الجائر مطلقاً ، ومن الواضح أنّ الاُمور الجائزة إذا وقعت مقدّمة للواجب
كانت واجبة شرعاً كما هو معروف بين الأُصوليين ، أو عقلاً كما هو المختار ، وعليه فلا مانع من اتّصاف الولاية الجائزة بالوجوب المقدّمي إذا توقّف عليها الواجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
على أنّه إذا جازت الولاية عن الجائر لإصلاح اُمور المؤمنين جازت أيضاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إمّا بالفحوى ، أو لأنّ ذلك من جملة إصلاح اُمورهم ، وقد أشار المحقّق الإيرواني إلى هذا(1). وقد اتّضح أنّ المقام من صغريات باب التزاحم دون التعارض ، كما يظهر من صاحب الجواهر بعد كلامه المتقدّم .
ثم إنّ الظاهر من بعض الروايات أنّ الدخول في الولاية غير جائز ابتداءً ، إلّا أنّ الإحسان إلى المؤمنين يكون كفّارة له ، وممّا يدلّ على ذلك قوله (عليه السلام)في مرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السلام) قال : «كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان»(2)وقوله (عليه السلام) في رواية زياد بن أبي سلمة : « فإن وليت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك ، فواحدة بواحدة »(3).
ولكن هذا الرأي على إطلاقه ممنوع ، فإنّ الظاهر من هاتين الروايتين ومن غيرهما من الأخبار هو اختصاص ذلك بما إذا كان الدخول في الولاية حراماً ابتداءً ثمّ أصبح جائزاً بعد ذلك ، ثمّ تبدّل قصده إلى إصلاح اُمور المؤمنين والإحسان إلى إخوانه في الدين ، كيف وقد عرفت إطباق الروايات على استحباب الولاية عن
1) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 257 .
2) راجع الفقيه 3 : 108 / 453 ، الوسائل 17 : 192 / أبواب ما يكتسب به ب46 ح3 .
3) وهي ضعيفة بزياد بن أبي سلمة ، وصالح بن أبي حمّاد ، ومجهولة بالحسين بن الحسن الهاشمي . راجع المصدر المزبور من الوسائل ح 9 ، والكافي 5: 109 / 1 ، والتهذيب 6 : 333 / 924 ، والوافي 17 : 165 / 1 .
الجائر لقضاء حوائج المؤمنين وإصلاح شؤونهم . على أنّ الروايتين ضعيفتا السند .
ولا يخفى أنّ كلمات الأصحاب هنا في غاية الاختلاف ، حيث ذهب بعضهم إلى الوجوب ، وبعضهم إلى الاستحباب ، وبعضهم إلى مطلق الجواز ، وقد جمع المصنف (رحمه الله) بين شتات آرائهم بأنّ من عبّر بالجواز مع التمكن من الأمر بالمعروف إنّما أراد به الجواز بالمعنى الأعم ، فلا ينافي الوجوب . ومن عبّر بالاستحباب إنّما أراد به الاستحباب التعييني ، وهو لا ينا في الوجوب الكفائي ، نظير قولهم : يستحب تولّي القضاء لمن يثق بنفسه ، مع أنّه واجب كفائي . واجب كفائي . أو كان مرادهم ما إذا لم يكن هنا معروف متروك أو منكر مفعول لتجب الولاية مقدّمة للأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر . وعلى الجملة : لا شبهة في وجوب الولاية عن الجائر إذا توقّف عليها الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر الواجبان .
قبول الولاية من قبل الجائر مكرهاً
وأمّا الأمر الثاني - وهو قبول الولاية من قبل الجائر مكرهاً - : فلا خلاف فيه ولا شبهة في أنّ هذه المسألة من المسائل المهمّة التي يبتلى بها أكثر الناس ، ويتفرّع عنها فروع كثيرة ، وهي من صغريات جواز مخالفة التكليف بالإكراه أو الاضطرار بحيث يشقّ على المكره أو المضطرّ أن يتحمّل الضرر المتوعّد به ، سواء كان مالياً أم عرضياً أم نفسياً أم اعتبارياً ، وسواء تعلّق بنفسه أم بعشيرته الأقربين .
وهذه الكبرى ممّا لا خلاف فيها بين الفريقين نصّاً وفتوىً ، ويدلّ على صدقها في الجملة قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً(1)وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
1) آل عمران 3 : 28 .
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ(1)وقد تقدّم الكلام عليهما في البحث عن جواز الك--ذب لدفع الضرورة (2). أمّا الصغرى فتدلّ عليها جملة من الروايات الخاصّة الواردة في قبول الولاية عن الجائر مكرهاً(3).
قوله : وينبغي التنبيه على اُمور : الأول .
أقول : قد عرفت أنّه لا شبهة في أنّ الإكراه يسوّغ الدخول في الولاية من قبل الجائر ، وكذلك لا شبهة في جواز العمل للمكره بما يأمره الجائر من المحرّمات ما عدا هراقة الدم ، فإنّ التقيّة إنّما شرعت لتحقن بها الدماء ، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة فيه . وإنّما الإشكال في أنّه هل يجوز الإضرار بالناس إذا اُكره على الإضرار بهم ، كنهب أموالهم ، وهتك أعراضهم ، وإيقاع النقص في شؤونهم وعظائم اُمورهم ، سواء كان الضرر الذي توعد به المكره أقلّ من الضرر الذي يوجّهه إلى الغير أم أكثر ، أو لا بدّ من الإقدام على أقل الضررين وترجيحه على الآخر .
ذكر المصنّف (رحمه الله) أنّه قد يقال بالأول ، استناداً إلى أدلّة الإكراه ، ولأنّ الضرورات تبيح المحظورات ، وقد يقال بالثاني : إذ المستفاد من أدلّة الإكراه أنّ تشریح ذلك إنّما هو لدفع الضرر ، وواضح أنّه لا يجوز لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره حتّى فيما إذا كان ضرر الغير أقل، فضلاً عمّا إذا كان أعظم.
والوجه في ذلك : أنّ حديث رفع الإكراه والاضطرار مسوق للامتنان على الأُمّة ، ومن المعلوم أنّ دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره على خلاف الامتنان فلا يكون مشمولاً للحديث ، ثم إنّه (رحمه الله) اختار الوجه الأول ، واستدلّ عليه بوجوه سنذكرها .
وتحقيق المقام يقع في ثلاث نواحٍ :
الناحية الاُولى : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى أحد من غير أن يكون لفعل الآخر مدخل فيه ، كتوجّه السيل إلى داره أو بستانه، وكتوجّه الظلمة أو السرّاق إلى نهب أمواله أو هتك أعراضه . ولا شبهة في أنّ هذا القسم من الضرر لا يجوز دفعه بالإضرار بغيره تمسّكاً بأدلّة نفي الإكراه والضرر والحرج ، بداهة أنّها مسوقة للامتنان على جنس الاُمّة ، وبديهي أنّ دفع الضرر المتوجّه إلى أح--د ب-الإضرار بغيره خلاف الامتنان على الاُمّة ، فلا يكون مشمولاً للأدلّة المذكورة .
على أنّه لو جاز لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه ولو بالإضرار بالغير لجاز للآخر ذلك أيضاً ، لشمول الأدلّة لهما معاً ، فيقع التعارض في مضمونها ، وحينئذ فالتمسّك بها لدفع الضرر عن أحد الطرفين بالإضرار بالآخر ترجيح بلا م-رج-ّح وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع ، ويرجع فيه إلى أدلّة حرمة التصرّف في أموال الناس وأعراضهم وشؤونهم.
نعم إذا كان الضرر المتوجّه إلى الشخص ممّا يجب دفعه على كل أحد ، كقتل النفس المحترمة وما يشبهه ، وأمكن دفعه بالإضرار بالغير ، كان المقام حينئذ من صغريات باب التزاحم ، فيرجع إلى قواعده .
الناحية الثانية : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى الغير، على عكس الصورة السابقة . وقد ظهر حكم ذلك من الناحية الاُولى كما هو واضح .
الناحية الثالثة : أن يتوجّه الضرر إلى الغير ابتداءً ، وإلى المكرَه على تقدير
مخالفته لما أمر به الجائر ، وكان الضرر الذي توعّده المكره - بالكسر - أمراً مباحاً في نفسه ، كما إذا أكرهه الظالم على نهب مال غيره وجلبه إليه ، وإلّا فيحمل أموال نفسه إليه . وفي هذه الصورة لابدّ للمكرَه من تحمّل الضرر بترك النهب ، ومن الواضح أنّ دفع المكرَه أمواله للجائر مباح في نفسه حتّى في غير حال الإكراه ، ونهب أموال الناس وجلبه إلى الجائر حرام في نفسه ، ولا يجوز رفع اليد عن المباح بالإقدام على الحرام .
وقد استدلّ المصنّف ( رحمه الله) على عدم وجوب تحمّل الضرر بوجوه :
الأول : أنّ دليل نفي الإكراه يعمّ جميع المحرّمات حتّى الإضرار بالغير ما لم يجر إلى إراقة الدم .
الثاني : أنّ تحمّل الضرر حرج عظيم ، وهو مرفوع في الشريعة المقدّسة . وجواب الوجهين يتّضح مما قدّمناه في الجهة الاُولى .
الثالث : الأخبار الدالّة على أنّ التقيّة إنما جعلت لتحقن بها الدماء ، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة(1)
وعن الثمالي قال « قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » وهي موثّقة بابن فضّال .
راجع الوافي 5 : 23/695 ، والكافي 2 : 220 / 16 ، والوسائل 16 : 234 / أبواب الأمر والنهي ب 31 ح 1 ، 2 ، والبحار 72 : 399 / 36، 61 ، 79 ، 80 ، 96 .
وفي المستدرك 12 : 274 / كتاب الأمر بالمعروف ب 29 ح 1 عن الصدوق في الهداي--ة [ : 52 ] مرسلاً : « والتقيّة في كل شيء حتّى يبلغ الدم ، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة » .
، فإنّ ظاهرها جواز التقيّة في غير الدماء بلغت ما بلغت .وفيه : أنّ الظاهر من هذه الأخبار أنّ التقيّة إنّما شرعت لحفظ بعض الجهات
1) عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » وهي صحيحة .
المهمّة ، كالنفوس وما أشبهها ، فإذا أدّت إلى إتلاف ما شرعت لأجله فلا تقية ، لأنّ ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال ، وليس مفاد الروايات المذكورة هو جواز التقية في غير تلف النفس لكي يترتّب عليه جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن نفسه. والغرض من تشريع التقية قد يكون حفظ النفس ، وقد يكون حفظ العرض ، وقد يكون حفظ المال ونحوه ، وحينئذ فلا يشرع بها هتك الأعراض ونهب الأموال لانتهاء آمادها بالوصول إلى هذه المراتب . وبعبارة اُخرى : المستفاد من الروايات المذكورة أنّ الغرض من التقية هو حفظ الدماء ، وإن توقّف ذلك على ارتكاب بعض المعاصي ، ما لم يصل إلى مرتبة قتل النفس .
على أنّه لو جازت التقيّة بنهب مال الغير وجلبه إلى الظالم لدفع الضرر عن نفسه لجاز للآخر ذلك أيضاً ، لشمول أدلّة التقيّة لهما معاً ، فيقع التعارض في مضمونها وحينئذ فلا يجوز الاستناد إليها في دفع الضرر عن أحد الطرفين بإيقاع النقص بالطرف الآخر ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح ، وعليه فنرفع اليد عن إطلاقها في م-ورد الاجتماع ، ويرجع فيه إلى عموم حرمة التصرّف في مال الغير وشؤونه .
الرابع : ما ذكره من الفرق بين الإكراه والاضطرار ، حيث التزم بحرمة دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره في مورد الاضطرار، دون الإكراه . وحاصل كلامه : أنّ الضرر في موارد الاضطرار قد توجّه ابتداءً إلى الشخص نفسه- كما إذا توجّه السيل إلى داره - فلا يجوز له دفعه بالإضرار بغيره ، لأنّ دفع الضرر عن النفس بالإضرار بالغير قبيح . ولا يصحّ التمسّك بعموم رفع ما اضطرّوا إليه ، فإنّ حديث الرفع قد ورد في مورد الامتنان، ولا شبهة أنّ صرف الضرر عن نفسه إلى غيره منافٍ له ، فيختصّ الحديث بغير الإضرار بالغير من المحرّمات .
وأمّا في موارد الإكراه فإنّ الضرر قد توجّه إلى الغير ابتداءً بحسب إلزام الظالم وإكراهه ، ومن المعلوم أنّ مباشرة المكرَه - بالفتح - لإيقاع الضرر بالغير ليست مباشرة استقلالية ليترتّب عليها الضمان كما يترتّب على بقية الأفعال التوليدية
بل هي مباشرة تبعية ، وفاعلها بمنزلة الآلة ، فلا ينسب إليه الضرر ، نعم لو تحمّل الضرر ولم يضرّ بالغير فقد صرف الضرر عن الغير إلى نفسه عرفاً ، ولكنّ الشارع لم يوجب هذا .
ولكن ما أفاده المصنّف غير تام صغرى وكبرى ، أمّا عدم صحّة الصغرى فلأنّ الضرر في كلا الموردين إنّما توجّه إلى الشخص نفسه ابتداءً ، فإنّ الإكراه لا يسلب الاختيار عن المكرَه ليكون بمنزلة الآلة المحضة ، بل الفعل يصدر منه بإرادته واختياره ، ويكون فعله كالجزء الأخير من العلّة التامّة لنهب مال الغير مثلاً ، حتّى أنّه لو لم يأخذه ولم يجلبه إلى الظالم لكان المال مصوناً ، وإن توجّه الضرر حينئذ إلى نفسه . فمباشرته للإضرار بالغير لدفع الضرر المتوعّد به عن نفسه مباشرة اختيارية فتترتّب عليها الأحكام الوضعية والتكليفية .
وبعبارة اُخرى : أنّ مرجع الإكراه إلى تخيير المكرَه بين نهب مال الغير وبين تحمّل الضرر في نفسه على فرض المخالفة ، وحيث كان الأوّل حراماً وضعاً وتكليفاً فتعيّن عليه الثاني . نعم لو كان الضرر متوجّهاً إلى الغير ابتداءً ، ولم يكن له مساس بالواسطة أصلاً، فلا يجب عليه دفعه عن الغير بإضرار نفسه . ومن هنا ظهر الجواب عمّا ذكره المصنّف أخيراً من أنّ الفارق بين المقامين هو أدلّة الحرج.
وأمّا عدم صحّة الكبرى فلأنّه لا وجه للمنع عن وجوب دفع الضرر ع-ن الغير بإيقاعه بنفسه ، بل قد يجب ذلك فيما إذا أو عده الظالم بأمر مباح في نفسه وكان ما أكرهه عليه من إضرار الغير حراماً ، فإنّه حينئذ يجب دفع الضرر ع-ن غ-يره بالإضرار بنفسه كما عرفته آنفاً ، لأنّه بعد سقوط أدلّة نفي الضرر والإكراه والحرج فأدلّة حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه محكمة .
الخامس : ما أفاده المصنّف أيضاً من أنّ أدلّة نفي الحرج كافية في الفرق بين المقامين ، فإنّ الضرر إذا توجه إلى المكلّف ابتداءً ، ولم يرخّص الشارع في دفعه عن نفسه بتوجيهه إلى غيره فإنّ هذا الحكم لا يكون حرجيّاً ، أمّا إذا توجّه الضرر إلى
الغير ابتداءً فإنّ إلزام الشارع بتحمّل الضرر لدفعه عن الغير حرجي قطعاً ، فيرتفع بأدلّة نفى الحرج .
وفيه : أنّه ظهر جوابه ممّا ذكرناه من المناقشة في الصغرى ، ووجه الظهور هو عدم الفارق بين توجّه الضرر إلى الغير ابتداءً وعدمه .
الناحية الرابعة : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى الغير ، وإلى المكرَه على تقدير مخالفته حكم الظالم ، كما إذا أكرهه على أن يلجئ شخصاً آخر إلى فعل محرّم كالزنا وإلّا أجبره على ارتكابه بنفسه ، وحينئذ فلا موضع لأدلّة نفي الإكراه والاضطرار والحرج والضرر ، بداهة أنّ الإضرار بأحد الطرفين ممّا لابدّ منه جزماً ، فدفعه عن أحدهما بالإضرار بالآخر ترجيح بلا مرجّح . إذن فتقع المزاحمة ، ويرجع إلى قواعد باب التزاحم .
الناحية الخامسة : أن يتوجّه الضرر إلى أحد شخصين ابتداءً ، وإلى المك-رَه على فرض مخالفته الظالم ، ولكن فيما إذا كان الضرر المتوعّد به أعظم ممّا يترتّب على غيره ، كما إذا أكرهه على أن يأخذ له ألف دينار إمّا من زيد وإمّا من عمرو ، وإلّا أجبره على إراقة دم محترم مثلاً . وفي هذه الصورة يجب على المكرَه أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بأحد الشخصين ، فإنّ حفظ النفس المحترمة واجب على ك--ل أحد ، ويدور الأمر بين الإضرار بأحد الشخصين ، ويرجع في ذلك إلى قواعد باب التزاحم .
قوله : الثاني : أنّ الإكراه يتحقّق بالتوعّد بالضرر .
أقول : الكراهة في اللغة(1)هي ضدّ الحبّ ، والإكراه هو حمل الرجل على ما
1) المصباح المنير : 532 ، المنجد : 682 مادّة كره .
يكرهه، وهذا المعنى يتحقّق بحمل الشخص على كل ما يكرهه بحيث يترتّب على تركه ضرر عليه ، أو على عشيرته ، أو على الأجانب من المؤمنين ، وإذا انتفى التوعدّ بما يكرهه انتفى الإكراه ، وعليه فلا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المصنّف م-ن تخصيص الإكراه ببعض ما ذكرناه ، قال : إنّ الإكراه يتحقّق بالتوعّد بالضرر على ترك المكره عليه ضرراً متعلّقاً بنفسه ، أو ماله ، أو عرضه ، أو بأهله ممّن يكون ضرره راجعاً إلى تضرّره وتألّمه . وأمّا إذا لم يترتّب على ترك المكره عليه إلّا الضرر على بعض المؤمنين ممّن يعدّ أجنبياً من المكرَه - بالفتح - فالظاهر أنّه لا يعدّ ذلك إكراهاً عرفاً ، إذ لا خوف له يحمله على فعل ما أُمر به .
نعم يختلف موضوع الكراهة باختلاف الأشخاص والحالات ، فإنّ بعض الأشخاص يكره مخالفة أي حكم من الأحكام الإلهية في جميع الحالات ، وبعضهم يكره ذلك في الجهر دون الخفاء ، وبعضهم يكره مخالفة التكاليف المحرّمة دون الواجبات ، وبعضهم بالعكس ، وبعضهم لا يكره شيئاً من مخالفة التكاليف حتّى قتل النفوس فضلاً عن غيره .
ثمّ إنّ الفارق بين الأمرين أنّ الضرر المتوعّد به متوجّه إلى المكرَه - بالفتح - في الأول ، وإلى غيره من الأجانب في الثاني ، الذي أنكر المصنّف (رحمه الله) تحقّق مفهوم الإكراه فيه .
و تحقيق الكلام هنا في جهات ثلاث، كلّها مشتركة في عدم ترتّب الضرر على المكرَه لو ترك ما أُكره عليه ، ولايةً أم غيرها .
الجهة الاُولى : أن يخشى من توجّه الضرر إلى بعض المؤمنين ، ويتوقّف دفعه على قبول الولاية من الجائرين ، والدخول في أعمالهم ، والحشر في زمرتهم للتقيّة فقط، من دون دون أن يكون هناك إكراه على قبول الولاية ، ولا ضرر يتوجّه إليه لو لم يقبلها ، ومن دون أن يتوقّف دفع الضرر عن المؤمنين على ارتكاب أمر محرّم .
والظاهر أنّه لا شبهة في جواز الولاية عن الجائر حينئذ تقية ، فإنّ التقيّة شرعت لحفظ المؤمنين عن المهالك والمضرّات، بل تعدّ التقيّة في مواردها من جملة العبادات التي يترتّب عليها الثواب ، ولا ريب أنّ تلك الغاية حاصلة في المقام . وممّا يدلّ على جواز الولاية هنا لأجل التقيّة الروايات الكثيرة (1)الآمرة بالتقيّة صوناً لنفوس المؤمنين وأعراضهم وأموالهم عن التلف ، بل ورد في عدّة من الروايات(2)جواز التقيّة بالتبرّي عن الأئمّة (عليهم السلام) لساناً إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان . و ممّا يدلّ على ذلك أيضاً تجويز الأئمّة (عليهم السلام) في جملة من الأحاديث(3)لعلي ابن يقطين وغيره أن يتقبلوا الولاية عن الجائر تقيّة لإصلاح اُمور المؤمنين ودفع الضرر عنهم .
ويضاف إلى ذلك كلّه أنّ ظاهر غير واحدة من الروايات مشروعية التقيّة لمطلق التوادد والتحبّب وإن لم يترتّب عليها دفع الضرر عن نفسه أو ع-ن غ-ي-ره فيدلّ بطريق الأولوية على جواز الولاية عن الجائر تقيّة لدفع الضرر عن المؤمنين .
قوله : لكن لا يخفى أنّه لا يباح بهذا النحو من التقية الإضرار بالغير .
أقول : الوجه فيه هو ما تقدّم آنفاً من كون الأدلّة الواردة في نفي الإكراه وشبهه واردة في مقام الامتنان على الاُمّة بعمومها ، فلا يصحّ التمسك بها لدفع الضرر عن أحد بتوجيه الضرر إلى غيره ، لأنّ ذلك على خلاف الامتنان في حقّ ذلك الغير . وليس الوجه فيه هو ما ذكره المصنّف من عدم تحقّق الإكراه إذا لم يتوجّه
الضرر على المكرَه ، فقد عرفت أنّ مفهوم الإكراه أوسع من ذلك .
الجهة الثانية : أن يكون قبول الولاية من الجائر عاصماً عن توجّه الضرر إلى المؤمنين ، وسبباً لنجاح المكروبين منهم ، من دون أن يلحق المكرَه ضرر لو لم يقبلها . ومثاله ما لو أكره الجائر على قبول الولاية من قبله ، وأوعده على تركها بإضرار المؤمنين وهتكهم والتنكيل بهم وما أشبه ذلك ، ولا شبهة هنا أيضاً في جواز الولاية عن الجائر لدفع الضرر عن المؤمنين .
وتدلّ على ذلك الروايات المتقدّمة الدالّة على جواز الولاية عن الجائر لإصلاح أُمور المؤمنين ، بل دلالتها على الجواز هنا أولى من وجهين ، الأول : وجود الإكراه. والثاني : القطع بتوجّه الضرر على المؤمنين مع ردّ الولاية.
الجهة الثالثة : أن يكره الظالم أحداً على ارتكاب شيء من المحرّمات الإلهية الولاية أم غيرها من غير أن يترتّب عليه في تركها ضرر أصلاً
سواء كانت هي ولكن الظالم أو عده على ترك ذلك العمل بإجبار غيره على معصية من حرمات الله . ومرجع ذلك في الحقيقة إلى دوران الأمر بين إقدام المكرَه - بالفتح - على معصية لا يتضرّر بتركها ، وبين إقدام شخص آخر عليها . ومثاله ما إذا أكرهه الجائر على شرب الخمر ، وإلّا أكره غيره عليه .
والظاهر أنّه لا ريب في حرمة ارتكاب المعصية في هذه الصورة ، فإنّه لا مجوّز للإقدام عليها من الأدلّة العقلية والنقلية ، إلّا أن يترتّب على ارتكاب المعصية حفظ ما هو أهمّ منها ، كصيانة النفس عن التلف وما أشبه ذلك ، وحينئذ يكون المقام من صغريات باب التزاحم ، فتجري فيه قواعده .
قوله : وكيف كان فهنا عنوانان : الإكراه ودفع الضرر المخوف إلخ .
أقول : توضيح كلامه : أنّ الشارع المقدّس قد جعل الإكراه موضوعاً لرفع
كل محرّم عدا إتلاف النفوس المحترمة كما تقدّم ، بخلاف دفع الضرر المخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين ، فإنّه من صغريات باب التزاحم ، ولكنّك قد عرفت أنّ دليل الإكراه لا يسوغ دفع الضرر عن النفس بالإضرار بغيره، وعليه فكلا العنوانين من صغريات باب التزاحم . وعلى كل حال فتجوز الولاية عن الجائر في كلا المقامين لدفع الضرر عن نفسه وعن سائر المؤمنين .
وأمّا إحراز ملاكات الأحكام وكشف أهمية بعضها من بعض فيحتاج إلى الإطّلاع على أبواب الفقه ، والإحاطة بفروعه وأدلّته ، وقد تعرّض الفقهاء (رضوان الله عليهم) لعدّة من فروع المزاحمة في الموارد المناسبة ، ولا يناسب المقام ذكره .
قوله : الثالث : أنّه قد ذكر بعض مشايخنا المعاصرين إلخ .
أقول : حاصل كلامه : أنّ بعض المعاصرين استظهر من كلمات الأصحاب في اعتبار العجز عن التخلّص أنّ لهم في ذلك أقوالاً ثلاثة ، ثالثها التفصيل بين الإكراه على الولاية فلا يعتبر فيه العجز عن التخلّص ، وبين غيرها من المحرّمات فيعتبر فيه ذلك . ولعلّ منشأ الخلاف ما ذكره في المسالك(1)في شرح قول المحقّق : إذا أكرهه الجائر على الولاية جاز له الدخول ، والعمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصّي.
وحاصل ما ذكره في المسالك : أنّه يمكن أن يكون غرض المحقّق هو تعدّد الشرط والمشروط ، بأن تكون الولاية عن الجائر بنفسها مشروطة بالإكراه فقط ويكون العمل بما يأمره الجائر بانفراده مشروطاً بعدم قدرة المأمور على التفصّي.
ويرد عليه : أنّه لا وجه لاشتراط الولاية مطلقاً بالإكراه ، فإنّ جواز قبولها لا
1) المسالك 3 : 139 - 140 .
يتوقّف على الإكراه إذا انفردت عن العمل بما يأمره الجائر ، ولذا قد تكون مباحة وقد تكون مستحبّة ، وقد تكون مكروهة ، وقد تكون واجبة . وأمّا العمل بما يأمر به الجائر فقد صرّح الأصحاب في كتبهم أنّه مشروط بالإكراه خاصّة ، ولا يشترط فيه الإلجاء إليه بحيث لا يقدر على خلافه .
ويمكن أن يكون المشروط في كلام المحقّق أمراً وحدانياً مركباً من أمرين : الولاية ، والعمل بما يأمره الجائر ، ويكون مشروطاً بشرطين : الإكراه ، وعدم القدرة على التفصّي.
ويرد عليه أنّه يكفي الإكراه بانفراده في امتثال أمر الجائر مع خوف الضرر حتّى في فرض التمكّن من التخلّص ، فلا وجه للشرط الثاني .
وقد تجلّى من ذلك أنّ مرجع ما ذكره في المسالك إلى ثلاثة محتملات : الأول : أنّ الولاية عن الجائر غير مشروطة بالإكراه ، وإنّما المشروط به هو العمل بما يأمره الجائر ، الثاني : أنّ المجموع المركّب من الأمرين مشروط بالإكراه فقط ، دون العجز عن التخلّص بحيث لا يقدر على خلافه . الثالث : التفصيل بين الولاية وبين العمل بما يأمره الجائر ، فيقيّد الأول بالإكراه ، والثاني بالإلجاء إليه والعجز عن التخلّص . وكأنّ المتوهّم جعل كل محتمل قولاً برأسه.
أقول : يرد على هذا المتوهّم أوّلاً : أن مجرّد الاحتمال لا يستلزم وجود القائل .به . وثانياً : أنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً للقول بالتفصيل ، فإنّ الظاهر من كلمات الفقهاء (رضوان الله عليهم) في باب الإكراه أنّه لا خلاف بينهم في اعتبار العجز عن التفصّي في ترتّب أحكام الإكراء ، أمّا إذا أمكن التفصّي فلا تترتّب تلك الأحكام إلّا إذا كان التفصّي حرجيّاً . ولم يفرّقوا في ذلك بين الولاية المحرّمة ، وبين العمل بما يأمره الجائر من الأعمال المحرّمة المترتّبة على الولاية ، وبين بقيّة المحرمات ، فإنّ أدلّة
المحرّمات محكمة، ولا نحتمل أن يجوّز أحد شرب الخمر بمجرد الإكراه حتّى مع القدرة على التخلّص .
وكذلك لا خلاف بين الفقهاء أيضاً في أنّه لا يعتبر في باب الإكراه العجز عن التفصّي إذا كان في التفصي ضرر كثير على المكره ، كما أنّهم لم يشترطوا في ترتّب الأحكام أن يلجأ إلى المكره عليه بحيث لا يقدر على خلافه كما صرّح به في المسالك فإنّ مرجع ذلك إلى العجز العقلي ، ولم يعتبره أحد في الإكراه جزماً .
نعم قد تترتّب على المعصية التي اُكره عليها مصلحة هي أهم منها ، ولا يعتبر في هذه الصورة العجز عن التفصّي، ومثاله ما إذا أكره الجائر أحداً على معصية وكان المجبور متمكّناً من التخلّص منها بخروجه عن المكان الذي يعصي الله فيه ، إلّا أنّ ارتكابه لتلك المعصية مع الظالم يتيح له الدخول في أمر يترتّب عليه حفظ الإسلام ، أو النفس المحترمة ، أو ما أشبه ذلك .
قوله : الرابع : أنّ قبول الولاية مع الضرر المالي الذي لا يضرّ بالحال رخصة لا عزيمة .
أقول : إذا أجبر الجائر أحداً على الولاية من قبله ، أو على عمل محرّم ، وكان المجبور متمكّناً من التخلّص ولو بتحمّل الضرر المالي وإن بلغ ما بلغ ، جاز له ذلك فإنّ أدلّة نفى الإكراه إنّما هي مسوقة لرفع الإلزام فقط عن مورد الإكراه ، وليست ناظرة إلى بيان حكم المورد .
وعليه فلابدّ من تعيين حكمه من الرجوع إلى القواعد الاُخر ، فقد يكون المكره عليه من قبيل قتل النفس وما يشبهه فيحرم الإقدام عليه ، وقد يكون من
قبيل الضرر المالي على نفسه فيجوز تحمّله ، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم(1). ومن هنا يعلم أنّ تقييد الضرر المالي بعدم إضراره بالحال كما في المتن لا يخلو عن مسامحة.
وبعبارة أُخرى : أنّ أدلّة الإكراه لا تشمل المقام ، وعليه فإن كان المورد كقتل النفوس ونحوه ممّا اهتمّ الشارع بحفظه فيحرم الإقدام عليه ، بل يجب دفعه . وإن كان من قبيل الضرر المالي فيجوز التحمّل به لدليل السلطنة .
لا يقال : إنّ بذل المال للجائر دفعاً للولاية المحرمة إعانة على الإثم .
فإنّه يقال : لا وجه له صغرى وكبرى ، أمّا الاُولى فلأنّ ذلك من قبيل مسير الحاج والزوّار وتجارة التجّار مع إعطاء المكوس والكمارك والضرائب ، ولا يصدق على شيء منها عنوان الإعانة على الإثم . وأمّا الثانية فقد تقدّم في البحث عن بيع العنب ممّن يجعله خمراً(2)أنّه لا دليل على حرمة الإعانة على الإثم .
قوله : الخامس : لا يباح بالإكراه قتل المؤمن ولو توعّد على تركه بالقتل إجماعاً .
أقول : هل يشرع بالتقيّة أو بالإكراه قتل النفوس المحترمة أو لا ؟ أمّا النقيّة فهي في اللغة(3)اسم لاتقى يتّقي ، بمعنى الخوف والتحذير والتجنّب ، والمراد بها هنا التحفّظ عن ضرر الظالم بموافقته في فعل أو قول مخالف للحقّ .
والظاهر أنّه لا خلاف في جوازها لحفظ الجهات المهمّة الشرعية ، بل قد عرفت في مبحث الكذب عند البحث عن أقوال الأئمّة الصادرة تقية(1)إجماع الفريقين وضرورة العقلاء وتظافر الآيات والروايات على جواز الكذب لإنجاء النفس المحترمة .
على أنّه ورد في بعض الأحاديث : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة »(2)فإنّ الظاهر من ذلك أنّه إذا توقّف حفظ النفس على ارتكاب أي محرّم فإنّه يصبح مباحاً مقدّمة لصيانة النفس المحترمة عن التلف ، إلّا أنّ التقيّة إذا اقتضت إراقة دم محترم لحفظ دم آخر فإنّها لا تشرع حينئذ ، لما عرفت آنفاً أنّ كلاً من الشخصين مشمول للحديث ، فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح ب--لا مرجّح .
بل قد عرفت سابقاً أنّ الغرض الأقصى من جعل التقيّة في الشريعة المقدّسة إنّما هو حفظ أموال المؤمنين وأعراضهم ونفوسهم وما أشبه ذلك من شؤونهم ، فإذا توقّف حفظ شيء منها على إتلاف عديله من شخص آخر ارتفعت التقية حينئذ لارتفاع الغاية منها . ومثاله ما إذا اقتضت التقية إتلاف مال شخص لحفظ مال شخص آخر ، فإنّه لا يجوز إتلافه تقية .
والوجه فيه : أنّ شمول أخبار التقية لها على حدّ سواء ، إذن فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح كما عرفت ، فيرجع في ذلك إلى الأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه ، وهكذا الحال في جميع موارد التقية ، غاية
الأمر أنّ ما دلّ على أن التقيّة إنّما شرعت ليحقن به الدم ناظر إلى بيان المرتبة العليا من التقية ، وليس فيه ظهور في اختصاص الحكم بهذه المرتبة فقط.
ومن هنا ظهر ما في كلام المحقّق الإيرواني ، حيث قال : ويقرب عندي أنّ المراد من هذه الأحاديث أمر وجداني يدركه العقل ، وهو أنّ التقيّة لمّا شرع عت لغاية حفظ النفس فإذا لم تكن هذه الغاية موجودة ، بل كان الشخص مقتولاً لا محالة اتّقی أو لم يتقّ فلا تقية ، لانتفاء ما هو الغرض من تشريع التقية(1).
ومع الإغضاء عمّا ذكرناه فإنّ ما أفاده إنّما يلائم قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » فإنّه يمكن أن يتوهّم منها أنّ الغاية من التقية هي حفظ الدم ، وإذا كان لابدّ للظالم من إراقة الدم فلا موضوع للنقية .
ولكن يباينه قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة الثمالي : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة »(2)فإنّ هذه الرواية ظاهرة بل صريحة في أنّ التقيّة إذا توقّفت على إراقة الدم فلا تقية ، فتكون هذه الرواية قرينة لبيان المراد من الرواية الاُولى أيضاً .
ثم إنّه لا فرق بين أفراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر ، ولا م-ن ح-ي-ث الرجولة والاُنوثة ، ولا من حيث العلم والجهل ، ولا من حيث الحرّية والعبودية لإطلاق قوله (عليه السلام) « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » .
وأمّا الإكراه - وقد تقدّم معناه في الأمر الثاني - فهو لا يسوّغ قتل النفس المحترمة بلا خلاف بين الفريقين ، والوجه فيه هو ما تقدّم من أنّ الأدلّة الدالّة على نفي الإكراه والضرر والحرج واردة في مقام الامتنان ، ومن الواضح أنّ الإضرار بالغير منافٍ للامتنان ، فلا يكون مشمولاً لها ، فتبقى الأدلّة الدالّة على حرمة قتل النفس المحترمة سليمة عن المزاحم .
نعم إذا أجبر الظالم أحداً على قتل أحد شخصين محقوني الدم ، أو اضطرّ إليه نفسه ، كما إذا وقع من شاهق ، وكان لابدّ له من الوقوع على رأس أحدهما ، فلابدّ حينئذ من الرجوع إلى قواعد التزاحم ، ويتّضح ذلك بلحاظ ما حقّقناه في دوران الأمر بين إنقاذ أحد الغريقين(1)، فإنّه لم يستشكل أحد في وجوب المبادرة لإنقاذ الأهم منهما وترك الآخر . وهذا نظير الإكراه على إيقاع الضرر المالي على أحد الشخصين ، وقد تقدّم الكلام فيه .
لا يقال : قد نطق القرآن الكريم في آية محكمة(2)بالتكافؤ بين الدماء المحترمة ومعه فأي معنى لملاحظة الأهم والمهم في ذلك ، وقد ورد ذلك في الأخبار المستفيضة المذكورة في أبواب القصاص(3).
فإنّه يقال : نعم ، ولكن مورد التكافؤ الذي دلّت عليه الآية والروايات إنّما هو القصاص فقط ، فلا مساس له بما نحن فيه .
ومن هنا اتّضح حكم ما لو أكره الجائر أحداً إما على قتل نفسه وإمّا على قتل
غيره .
وقد انجلى الصبح ، وانكشف الظلام، وظهر الفارق بين التقيّة والإكراه موضوعاً وحكماً ، والله العالم بالحقائق والأسرار .
قوله : وأمّا المستحقّ للقتل قصاصاً فهو محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم .
أقول : مستحقّ القتل قد يكون مهدور الدم لكل أحد ، لكونه مسلوب الاحترام ، كالنواصب الذين يظهرون العداوة والبغضاء لآل محمّد (صلّى الله عليه
وآله وسلم) . وقد يكون مهدور الدم بالنسبة إلى جميع الناس ، ولكن بإجازة حاكم الشرع كمن ثبت عليه الحدّ الشرعى الموجب للقتل . وقد يكون مهدور الدم لفريق معيّن كمن قتل مؤمناً عن عمد واختيار .
أمّا الأول : فلا شبهة في خروجه عن حدّ النفوس المحترمة قطعاً، لأنّ الشارع المقدّس سلب احترام دمه عند كل من اطّلع على خبثه ورذالته ، فيكون مهدور الدم لجميع الناس ، ولا يكون مشمولاً لقوله (عليه السلام)(1): « فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة » . وعليه فلو اقتضت التقية أو الإكراه قتل ناصبي فلا محذور في الإقدام عليه لثبوت جوازه قبل التقيّة والإكراه ، فمعهما يكون أولى بالجواز ، إلّا أنّ تترتّب الفتنة على قتله ، فإنّه لا يجوز حينئذ الإقدام على قتله ، لوجوب سدّ أبواب الفتن .
1) المتقدّم في ص 676 .
وأمّا الثاني : فحكمه حكم بقيّة النفوس المحترمة ، فلا يجوز قتله بدون إذن الحاكم الشرعي حتّى مع التقيّة والإكراه ، لكونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الحاكم الشرعي.
ومن هنا يعلم حكم الثالث أيضاً ، فإنّ الكتاب العزيز(1)إنّما أثبت السلطنة على دم القاتل لولي المقتول ، فلا يسوغ لغيره الإقدام عليه في حال من الحالات ، إلّا مع الإذن الشرعي .
وقد انجلى ممّا ذكرناه ما في كلام المحقّق الإيرواني(2)فإنّه (رحمه الله) استظهر من الروايات أنّ المراد من محقون الدم ما يكون محقوناً بقول مطلق ، ويرجع في غيره إلى عموم رفع ما استكرهوا عليه(3).
قوله : وممّا ذكرنا ظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف.
أقول : قد أشرنا آنفاً(4)إلى أنّ الغرض الأقصى من التقية هو حفظ دماء الشيعة ، وأنّ حدّها بلوغ التقية إلى الدم ، وحينئذ فما دلّ على عدم جريان التقية في الدماء المحترمة ساكت عن حكم التقية فيما إذا أدّت إلى قتل غير الشيعة من أي فرق المسلمين ، وعليه فحكم قتل المخالفين بالتقية أو بالإكراه حكم سائر المحرّمات التي ترتفع حرمتها بهما .
قوله : بقي الكلام في أنّ الدم يشمل الجرح وقطع الأعضاء ، أو يختص بالقتل ؟ وجهان .
أقول : إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام)(1): « إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم» وإن كان هو الدم الذي كان علّة لبقاء الحياة ، إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن الحكم بجواز جرح الغير أو قطع أعضائه للتقية ، فإنّ دليل جواز التقية كدليل رفع المستكره عليه إنّما ورد في مقام الامتنان ، فلا يشمل ما إذا كان شموله منافياً له ، وعليه فيجري في موردها ما ذكرناه في مورد الإكراه ، فراجع .
قوله : فيما ينبغي للوالي العمل به في نفسه وفي رعيته . أقول : قد ورد في الروايات الكثيرة(2)حكم الوالي في نفسه ، وحكمه مع رعيته ، فلابدّ وأن يلاحظها المتقمّص لمنصب الولاية لكي لا يكون في عداد الظالمين ، بل يتصدّى لأعمال الولاية بالقسط والعدل .
قوله : السابعة والعشرون : هجاء المؤمن حرام بالأدلّة الأربعة (3).
أقول : الهجو في اللغة(4)عدّ معائب الشخص ، والوقيعة فيه ، وشتمه . ولا خلاف بين المسلمين في حرمة هجاء المؤمن، وإن اختلفت الشيعة مع غيرهم فيما
يراد بكلمة المؤمن ، بل في كلام بعض العامّة(1)تعمیم الحرمة إلى هجاء أهل الذمّة أيضاً .
وقد استدلّ المصنّف على حرمته بالأدلّة الأربعة ، بدعوى أنّه ينطبق عليه عنوان الهمز واللمز وأكل اللحم والتعيير وإذاعة السر ، وكل ذلك كبيرة موبقة وجريمة مهلكة بالكتاب والسنّة والعقل والإجماع .
وتحقيق المقام : أنّ الهجو قد يكون بالجملة الإنشائية ، وقد يكون بالجملة الخبرية . أمّا الأول فلا شبهة في حرمته ، لكونه من اللمز والهمز ، والإهانة والهتك وقد دلّت الروايات المتواترة على حرمة هتك المؤمن وإهانته(2)، ونطق القرآن الكريم بحرمة الهمز واللمز(3).
وأمّا الثاني فإن كان الخبر مطابقاً للواقع - كهجو المؤمن بما فيه من المعائب - كان حراماً من جهة الغيبة والهتك والإهانة والتعيير والهمز ، وإن كان الخبر مخالفاً للواقع كان حراماً أيضاً من نواحٍ شتّى ، لكونه كذباً وبهتاً ، وإهانة وظلماً ، وهمزاً ولمزاً .
ولا فارق في أفراد المؤمن بين العادل والفاسق غير المعلن ، وقد تقدّم الكلام عنه في مبحث الغيبة(4)، بل يمكن أن يقال بحرمة هجو الفاسق المعلن بفسقه ، فقد
تقدّم في البحث عن مستثنيات الغيبة(1)أنّ عمدة الدليل على جواز غيبة المتجاهر في الفسق خروج ذلك عن دائرة الغيبة موضوعاً ، فإنّها أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه ، وما ارتكبه الفاسق المتجاهر من المعائب والمعاصي ليس ممّا ستره الله عليه ولكن لا قصور في شمول ما دلّ على حرمة الهجو لانتقاص المتجاهر وذكره بما فيه من العيوب عدا ما دلّ على حرمته من حيث كونه غيبة .
نعم يجوز هجو الفاسق المتجاهر بالفسق إذا ترتّبت على هجوه مصلحة أهم من مصلحة احترامه ، أو كان ممّن لا يبالي بما قيل فيه ، وبذلك يحمل ما ذكره المصنّف من الخبر « محّصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين »(2).
وأمّا هجو المخالفين أو المبدعين في الدين فلا شبهة في جوازه ، لأنّه قد تقدّم في مبحث الغيبة(3)أنّ المراد بالمؤمن هو القائل بإمامة الأئمّة الاثني عشر ، وكونهم مفترضي الطاعة .
ومن الواضح أنّ ما دلّ على حرمة الهجو مختصّ بالمؤمن من الشيعة ، فيخرج غيرهم عن حدود حرمة الهجو موضوعاً ، وقد تقدّم في المبحث المذكور ما يرضيك في المقام ، ويقنعك بتخصيص حرمة الهجو بما ذكرناه .
وهل يجوز هجو المبدع في الدين أو المخالفين بما ليس فيهم من المعائب ، أو لا بد من الاقتصار فيه على ذكر العيوب الموجودة فيهم ؟ هجوهم بذكر المعائب غير الموجودة فيهم من الأقاويل الكاذبة ، وهي محرّمة بالكتاب والسنّة ، وقد تقدّم ذلك
في مبحث حرمة الكذب(1)، إلّا أنّه قد تقتضي المصلحة الملزمة جواز بهتهم والإزراء عليهم، وذكرهم بما ليس فيهم ، افتضاحاً لهم ، والمصلحة في ذلك هي استبانة شؤونهم لضعفاء المؤمنين حتّى لا يغتّروا بآرائهم الخبيثة وأغراضهم المرجفة وبذلك يحمل قوله (عليه السلام) : « وباهتوهم كي لا يطمعوا في الإسلام »(2)وكل ذلك فيما إذا لم تترتّب على هجوهم مفسدة وفتنة ، وإلّا فيحرم هجوهم حتّى بالمعائب الموجودة فيهم .
وقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّ هجو المخالفين قد يكون مباحاً ، وقد يكون مستحبّاً ، وقد يكون واجباً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون حراماً ، وبهذا الأخير يحمل قوله (عليه السلام) في رواية أبي حمزة عن قذف المخالفين : « الكفّ عنهم أجمل»(3).
قوله : الثامنة والعشرون : الهُجر .
أقول : الهجر بالضم هو الفحش ، والقبيح من القول . ولا خلاف بين المسلمين
1) [ لم نعثر عليه ] .
2) قد تقدّمت هذه الرواية في البحث عن حرمة سبّ المؤمن ص 435 ، وفي البحث عن جواز الاغتياب لحسم مادّة الفساد ص 543 .
3) في الكافي 8 : 285 / 431 والوافي 10 : 331 / 5 من باب تحليل الخمس للشيعة م-ن أبواب الخمس عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال « قلت له : إنّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم ، فقال لي : الكفّ عنهم أجمل » الحديث . وهي مجهولة بالحسن ابن عبدالرحمن ، وضعيفة بعلي بن العبّاس .
بل بين العقلاء في مبغوضيته وحرمته ، وقد ورد في الروايات المتواترة(1)أنّ البذاء والفحش على المؤمن حرام ، وفي رواية سليم بن قيس : « إنّ الله حرّم الجنّة على كلّ فحاش بذيء ، قليل الحياء ، لا يبالي ما قال ولا ما قيل له » وفي صحيحة عبدالله بن سنان « ومن خاف الناس لسانه فهو في النار » وفي صحيحة أبي عبيدة « البذاء من الجفاء ، والجفاء في النار » وفي موثّقة ابن فضّال « من علامات شرك الشيطان الذي لا شكّ فيه أن يكون فحّاشاً ، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه » وفي بعض الأحاديث : « من فحش على أخيه المسلم نزع الله منه بركة رزقه ، ووكله إلى نفسه وأفسد عليه معيشته » .
وفي اُصول الكافي بسند صحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « كان في بنى إسرائيل رجل فدعا الله أن يرزقه غلاماً ثلاث سنين ، فلمّا رأى أنّ الله لا يجيبه فقال : ياربّ أبعيد أنا منك فلا تسمعني ، أم قريب أنت منّي فلا تجيبني ؟ قال : فأتاه آت في منامه فقال : إنّك تدعو الله منذ ثلاث سنين بلسان بذيء وق-ل-ب ع--ات- الجبّار المتجاوز عن حدّه في الاستكبار - غير تقي ، ونيّة غير صادقة ، فاقلع عن بذائك ، وليتّق الله قلبك ، ولتحسن نيّتك ، قال : ففعل الرجل ذلك ، ثمّ دعا الله فولد له غلام » .
وفي وصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) قال : « يا علي أفضل الجهاد من أصبح لا يهمّ بظلم أحد ، يا علي من خاف الناس لسانه فهو من أهل النار يا على شرّ الناس من أكرمه الناس اتّقاء شرّه وأذى فحشه ، ياعلي شرّ الناس من باع آخرته بدنياه ، وشرّ منه من باع آخرته بدنيا غيره .»
1) راجع الوافي 5 : 953 / ب 161 (البذاء) . والوسائل 16 : 29 / أبواب جهاد النفس ب 70 71، 72 . والمستدرك 12 : 77 / أبواب جهاد النفس ب 70، 71، 72 ، والكافي 2 : 322 / بابي السفه والبذاء .
قوله : الخامس ممّا يحرم التكسّب به : ما يجب على الإنسان فعله ، عيناً أو كفاية ، تعبّداً أو توصّلاً على المشهور(1).
أقول : اختلفت كلمات الأصحاب في هذه المسألة على أقوال :
الأول : ما ذكره المصنّف من المنع مطلقاً .
الثاني : ما حكاه المصنّف عن المصابيح(2)عن فخر المحقّقين من التفصيل بين التعبّدي فلا يجوز ، وبين التوصّلي فيجوز .
الثالث : ما نقله المصنّف عن فخر المحقّقين في الإيضاح(3)من التفصيل بين الكفائي التوصّلي فيجوز ، وبين غيره فلا يجوز.
الرابع : ما ذكره في متاجر الرياض(4)من التفصيل بين الواجبات التي تجب على الأجير عيناً أو كفاية وجوباً ذاتياً فلا يجوز ، وبين الواجبات الكفائية التوصّلية فيجوز ، كالصناعات الواجبة كفاية لانتظام المعاش.
الخامس : ما نسب إلى السيّد المرتضى من القول بالجواز في الكفائي كتهجيز الميّت ، وهذه النسبة موهونة بما ذكره المصنّف من أنّ السيد مخالف في وجوب تجهيز الميّت على غير الولي، لا في حرمة أخذ الاُجرة على تقدير الوجوب عليه ، فهو مخالف في الموضوع ، لا في الحكم .
السادس : التفصيل بين ما كان الغرض الأهم منه الآخرة فلا يجوز ، وبين ما
كان الغرض الأهم منه الدنيا فيجوز ، وقد ذهب إليه مفتاح الكرامة(1).
السابع : ما حكاه في البلغة (2)عن جدّه في المصابيح من التفصيل بين التعبّدي منه والتوصّلي ، فمنع في الأول مطلقاً ، وفصّل في الثاني بين الكفائي منه والعيني فجوزّ في الأول مطلقاً ، وفصّل في الثاني بين ما كان وجوبه للضرورة أو لحفظ النظام وغيره ، فجوّز في الأول ، ومنع في الثاني مطلقاً، سواء كان الواجب ذاتياً أم غيرياً .
الثامن : ما يظهر من المصنّف من التفصيل بين العيني التعييني والكفائي التعبّدي فلا يجوز ، وبين الكفائي التوصّلي والتخييري فيجوز ، ويظهر منه التردّد في التخييري التعبّدي .
التاسع : ما هو المختار عندنا من جواز أخذ الاُجرة على الواجب مطلقاً .
وقد وقع الخلاف أيضاً في هذه المسألة بين فقهاء العامّة(3).
ولا يخف أنّ غير واحد من أرباب الأقوال المذكورة قد ادّعى الإجماع على
1) مفتاح الكرامة 8 : 161 .
2) بلغة الفقيه 2 : 12 .
3) في الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 114 عن الحنفية : لا يصحّ الاستئجار على كل طاعة يختصّ بها المسلم ، ولكن المتأخّرين منهم جوّزوا أخذ الأُجرة على الأذان وتعليم القرآن والإمامة والوعظ . وفي ص 118 عن المالكية : لا يصح الاستئجار على طاعة مطلوبة من الأجير طلب عين إذا لم تقبل النيابة كالصلاة وإلّا فيصحّ ، وأمّا الأعمال المطلوبة كفاية فتجوز الإجارة عليها بلا خلاف . وفي ص 122 التزموا بجواز أخذ الأُجرة على الإمامة مع الأذان . وفي ص 125 - 126 عن الشافعية : لا تصحّ الإجارة على الطاعات ، وقد استثنى منها الإجارة على بعض الأُمور المستحبّة ، كالإمامة والتدريس والأذان وتعليم القرآن والفقه والحديث [ فلاحظ ] . وفي ص 130 عن الحنابلة : لا تصحّ الإجارة على فعل قربي كالصلاة والأذان وغيرهما ، نعم يصحّ أخذ الجعل عليها بعنوان الجعالة .
رأيه ، ولكنّه ليس من الإجماع التعبّدي، فإنّ من المحتمل القريب أنّ المجمعين ق--د استندوا في فتياهم بالحرمة إلى غير الإجماع من الوجوه المقرّرة في المسألة .
على أنّه يصعب على الفقيه دعوى الإجماع على نحو الموجبة الكلّية ، مع ما اطّلعت عليه من الاختلافات والتفاصيل ، نعم قد نُقل الإجماع تلويحاً أو تصريحاً في بعض الموارد الجزئية ، كالقضاء والشهادة وتعليم صيغة النكاح أو إلقائها على المتعاقدين .
مقدّمة نافعة في بيان موضوع أخذ الأُجرة على الواجب
قبل التعرّض لحكم المسألة ، وبيان الحقيقة فيها نقدّم أمراً لبيان موضوعها وإجماله : أنّ موضوع البحث في المقام إنّما هو جهة العبادة وجهة الوجوب فقط ومانعيتهما عن صحّة الإجارة وعدمها ، بعد الفراغ عن سائر الجهات والحيثيات التي اعتبرها الشارع المقدّس في عقد الإجارة ، كأن لا يكون العمل المستأجر عليه ممّا اعتبرت المجّانية فيه عند الشارع .
وهذا لا يختصّ بالواجب ، بل يجري في المستحبّات أيضاً ، كاستئجار المؤذّن للأذان ، واستئجار المعلّم للتدريس، واستئجار الفقيه للإفتاء ، واستئجار القارئ لقراءة القرآن . وقد يجري في المكروهات أيضاً ، كاستئجار فحل الضراب للطروقة . وهذه الأمثلة مبنية على تعلّق غرض الشارع بمجانية الاُمور المذكورة وحرمة أخذ الاُجرة عليها أو كراهته .
ثم إنّ بعضهم ذكر أنّ من شرائط الإجارة أن تكون منفعة العين المستأجرة عائدة إلى المستأجر ، ورتّب عليه بطلان إجارة المكلّف لامتثال فرائضه من الصلاة والصوم والحجّ وغيرها ، وبطلان الإجارة للإتيان بالمستحبّات لنفسه ، كالنوافل اليومية والليلية ، وغير ذلك من الموارد التي يكون النفع فيها راجعاً إلى الأجير أو إلى شخص آخر غير المستأجر .
والوجه في ذلك : أنّ حقيقة الإجارة هي تبديل منفعة معلومة بعوض معلوم فلابدّ من وصول المنفعة إلى المستأجر ، لأنّه الدافع للعوض المعلوم ، وإلّا انتفت حقيقة الإجارة ، إذ يعتبر في التبديل أن يقوم كل من العوض والمعوّض مكان الآخر بحيث يدخل كل منهما في المكان الذي خرج منه الآخر ، وسيأتي اعتبار ذلك أيضاً في حقيقة البيع .
وفي البلغة أنّ الإجارة بدون هذا الشرط سفهية ، وأكل للمال بالباطل ، ولذا لا تصحّ الإجارة على الأفعال العبثية ، وإبداء الحركات اللاغية ، كالذهاب إلى الأمكنة الموحشة ، ورفع الأحجار الثقيلة(1)، انتهى ملخصّ كلامه .
والتحقيق أن يقال : إنّ حقيقة الإجارة لا تقتضي إلّا دخول العمل في ملك المستأجر قضاءً لقانون المبادلة ، وأمّا كون المنفعة راجعة إليه فلا موجب له.
وأمّا حديث سفهية المعاملة فيرد عليه أولاً : أنّك قد عرفت مراراً ، وستعرف في مبحث البيع إن شاء الله(2)أنّه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، وإنّما الدليل على بطلان معاملة السفيه ، والدليل هو كونه محجور التصرّف في أمواله .
وثانياً : قد تقدّم في البحث عن بيع الأبوال(3)وغيره - وسنعود إليه في مبحث البيع(4)- أنّ آية التجارة (5)غريبة عن شرائط العوضين ، بل هي راجعة إلى حصر أسباب المعاملة في الصحيح والباطل. هذا مع أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، فإنّ
المستأجر قد ينتفع بعود النفع إلى غيره ، كما إذا استأجر شخصاً على امتثال فرائض نفسه لكي يتعلّم المستأجر منه أحكام فرائضه ، أو كان المستأجر من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وأراد باستئجار المكلّفين على امتثال فرائضهم إظهار عظمة الإسلام وإخضاع المتمرّدين والعاصين .
وعلى الجملة : إنّ البحث هنا يتمحّض لبيان أنّ صفة الوجوب أو صفة العبادية مانعة عن انعقاد الإجارة أم لا ، بعد الانتهاء عن سائر النواحي التي اعتبرت في عقد الإجارة .
مقتضى القاعدة جواز أخذ الاُجرة على مطلق العبادات ، سواء أكان الأخذ بعنوان الإجارة أم بعنوان الجعالة ، إذا تمّ سائر الشروط المعتبرة فيهما ، ولا شبهة أنّ صفة العبادية لا تنافي الإجارة والجعالة . إذن فعمومات صحّة المعاملات محكمة .
وقد أُورد على هذا الرأي بوجوه :
الوجه الأول : أنّ العبادات لابدّ وأن تؤتى بقصد القربة ، وأخذ الاُجرة عليها ينا في القربة والإخلاص ، والوجه فيه : أنّ عقد الإجارة يوجب انقلاب داعي الإخلاص في العمل المستأجر عليه إلى داعي أخذ الاُجرة ، ومن الواضح أنّ قيد الإخلاص مأخوذ في العمل المستأجر عليه ، فيلزم من صحّة الإجارة فسادها .
وفيه : أنّ هذا الوجه لا يرجع عند التحقيق إلى محصّل ، وتوضيح ذلك : أنّه يدّعى تارةً أنّ العمل الخارجي إنّما يؤتى به بداعي تملّك الاُجرة وهو ينا في قصد الإخلاص ، وأُخرى يدّعى أنّه يؤتى به بداعي تسلّم الأُجرة خارجاً ، وثالثة يدّعى أنّه يؤتى به بداعي استحقاق مطالبتها .
أمّا الدعوى الاُولى : فهى واضحة البطلان ، ضرورة أن تملّك الاُجرة إنّما
يكون بنفس الإيجار ، لا بالعمل الخارجي ، فالعمل أجنبي عنه بالمرّة .
وأمّا الدعوى الثانية : فهي أيضاً كذلك ، ضرورة أنّه يتمكّن الأجير من التسلّم بغير العمل في بعض الموارد ، وبالعمل الخالي من قصد القربة في جميعها ، فلا يكون الداعي إلى العمل بما هو عبادي غير قصد القربة ، ولو من جهة خوفه من العذاب لأجل عدم تسليمه العمل إلى مالكه.
وأمّا الدعوى الثالثة : فهي وإن كانت صحيحة في بعض الموارد ، وهو ما إذا امتنع المستأجر من التسليم قبل العمل ، إلّا أنّ الإتيان به لأجل ذلك - أي لأجل أن يستحقّ المطالبة شرعاً - لا ينفك عن قصد القربة في العمل ، وذلك من جهة تمكّن المكلّف من الإتيان به بغير قصد القربة وإلزامه المستأجر تسليم الاُجرة . فإتيانه بالعمل لأجل الاستحقاق شرعاً لا ينفك عن قصد القربة .
وعلى الجملة : بعد ما كان الأجير متمكّناً من المطالبة وتسلّم الاُجرة بغير العمل الصحيح ، فلا يكون داعيه إلى الإتيان بالعمل الصحيح غير قصد القربة . ولعلّه إلى ذلك نظر من أجاب عن الإشكال المزبور بأنّ دعوة أخذ الاُجرة في طول دعوة الأمر لغو من باب الداعي إلى الداعي .
الوجه الثاني : أنّه يعتبر في دواعي امتثال العبادات كونها جهات ق-ربية بحيث تنتهى سلسلة العلل والدواعي فيها بجميع حلقاتها إلى الله تعالى ، ومتى كان فيها داعٍ غير قربي خرج العمل عن العبادية وعن تمحضّه الله ، وإن لم يكن الداعي غير القربي في عرض الداعي الإلهي .
وفيه : أنّا قد حقّقنا في مبحث النيّة من كتاب الصلاة(1)أنّه يشذّ في العباد من
1) راجع شرح العروة الوثقى 14 : 42 - 43 ، نعم ذكره مفصّلاً في بحث الوضوء في الشرح المذكور 217:5
يأتي بالعبادة بجميع مقدماتها ومقارناتها ومؤخّراتها ودواعيها خالصة لوجه الله الكريم ، وطلباً لرضاه ، وكونه أهلاً للعبادة والإطاعة ، بل يقصد غالب الناس في عباداتهم الجهات الراجعة إليهم من المنافع الدنيوية والاُخروية ، ولا تنافي هذه الدواعي الراجعة إليه عبادية العبادة ، إلّا إذا دلّ دليل على إبطال بعضها للعبادة كما في الرياء ، فقد ورد في الأخبار المتظافرة أنّ الرياء لا يدخل عملاً إلّا وأفسده(1).
وتوضيح الجواب إجمالاً : أنّ الغاية القصوى من العبادة قد تكون هي الله ،فقط من دون أن يشوبها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الجهات الاُخروية ، وضروري أنّ هذا النمط من الامتثال منحصر في الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) والأنبياء المرسلين (صلوات الله عليهم) . فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :« ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنّتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»(2).
وقد تكون الغاية من العبادة هي الله ، ولكن بداعي التملّق والخضوع لحفظ الجهات الدنيوية ، بأن يجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة والعزّة ، وسبباً لارتفاع الشأن والمنزلة ، وترساً لدفع النقمة والهلكة . وقد اُشير إلى هذا في الكتاب بقوله تعالى : وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(3).
وقد تكون الغاية من العبادة هي الله بداعي الخشية من غضبه ، والخوف من ناره التي اُعدّت للعاصين ، وبداعي التعرّض لرحمته الواسعة ، والوصول إلى الحور
والقصور ، والجنّة التي عرضها كعرض السماوات والأرض ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية . وقد أشار إلى هذا بقوله تعالى : وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً(1)وبقوله تعالى : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً(2). وقد ورد في كثير من الأدعية كدعاء أبي حمزة الثمالي وغيره تعليل الإيمان بالله والعبادة له بالخوف والخشية والطمع ، وهذا واضح لا غبار عليه .
وقد تكون الغاية من العبادة هي والتقرّب إلى الله، وتحصيل رضاه ، من غير أن يقترن بها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الاُخروية ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية والثالثة ، وهي مختصّة بالعارفين بالله والسالكين إليه ، ولا ينالها إلّا القليل من الموحّدين ، كسلمان والمقداد وأبي ذرّ وفريق من الأكابر .
وقد اتّضح ممّا ذكرنا أنّ الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الأخيرة هو انتفاع العبد ، حتّى في الدرجة الأخيرة - أعني المرتبة الرابعة - فإنّ مآل تحصيل رضى الله والتقرّب إليه هو صيرورة العبد محبوباً لدى الله ، لكي يجيب دعوته ويدفع شدّته ويقضي حوائجه .
وعلى هذه المناهج المذكورة في السير إلى الله والتوجّه إلى رحمته وغ-ف-ران--ه والفوز بنعمه ورضوانه لا تخلو عبادة إلّا وقد قصد العبد فيها أن يصل إليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الأغراض ، وقد عرفتها . نعم الدرجة الاُولى -وهي عبادة الأئمة - خالية عن هذا القصد ، ولكنّها مختصّة بهم (عليهم السلام) .
وقد انجلى أنّ رجوع شيء من دواعي العبادة لغير الله لا ينا في الإخلاص فيها والتقرّب إلى الله بها .
ويشير إلى ما ذكرناه ما رواه الكليني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «العباد ثلاثة : قوم عبدوا الله عزّوجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأُجراء ، وقوم عبدوا الله حبّاً له فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة . »(1). ومن هنا اتّضح بطلان ما ذهب إليه بعضهم من فساد العبادة المأتي بها لأجل الثواب ودفع العقاب(2).
الوجه الثالث : أنّ دليل صحّة الإجارة هو عموم أوفوا بالعقود ، ويستحيل شموله للمقام ، لأنّ الوفاء بالشيء عبارة عن إتمامه وإنهائه ، فالوفاء بعقد الإجارة هو الإتيان بالعمل المستأجر عليه أداء لحقّ المستأجر ، وواضح أنّ هذا لا يجتمع مع الإتيان به أداء لحقّ الله وامتثالاً لأمره. إذن فلابدّ من قصد أحد الأمرين : إمّا الوفاء بالعقد ، أو الامتثال لأمر المولى ، وحيث لا يعقل اجتماعهما في محلّ واحد فلابدّ من رفع اليد من الأمر بالوفاء ، فتصبح الإجارة بلا دليل على الصحّة .
وفيه أولاً : أنّ الوفاء بالعقد وإن كان عبارة عن إتمامه وإنهائه ، إلّا أنّ هذا المعنى لا يتوقّف على عنوان خاصّ ، بل يكفي فيه إيجاد متعلّق العقد فقط في الخارج بأي نحو اتّفق ، وعليه فلا مانع في كون العمل الواحد الذي تعلّقت به الإجارة
1) وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم . راجع الكافي 2 : 5/84 ، والوافي 4 : 366 / 4 والوسائل 1 : 62 / أبواب مقدّمة العبادات ب9 ح1 .
2) ففي البحار 67 : 234 عن الفخر الرازي في تفسيره الكبير أنه نقل اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لأجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته ، أورده عند تفسير قوله تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً . وعن المحقّق البهائي أنّه ذهب كثير من العلماء الخاصّة والعامّة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب وقالوا إنّهذا منافٍ للإخلاص .
مصداقاً لعنواني العبادة والعمل المستأجر عليه معاً ، نعم لو كان الظاهر من دلي--ل وجوب الوفاء بالعقد هو إيجاد العمل المستأجر عليه في الخارج بداعي اختصاصه بالمستأجر من جميع الجهات ، لاستحال اجتماع قصد الوفاء بالعقد مع قصد التقرّب إلى الله ، ولكنّه دعوى جزافية .
وثانياً : أنّ دليل صحّة الإجارة لا ينحصر بآية الوفاء بالعقد لكي يلزم من عدم شمولها للمقام بقاؤه خالياً عن دليل الصحّة ، بل في آية التجارة عن تراضٍ غنى وكفاية .
فإن قيل : إنّ الأمر الإجاري المتعلّق بالفعل المستأجر عليه توصّلى ، والأمر العبادي المتعلّق به عبادي ، وعليه فيلزم أن يكون فعل واحد مأموراً ب-ه بأمرين متخالفين ، وهو محال .
قلنا : إنّ الأمر الإجاري المتعلّق بالعبادة أيضاً أمر عبادي ، فإنّ وجوب تسليم العمل المستأجر عليه إلى مالكه حكم كلّي انحلالي ، من غير أن يكون له شأن من التعبديّة أو التوصّلية ، بل يتّصف بها بلحاظ وصف متعلّقه ، وعليه فإن كان متعلّق الأمر الإجاري توصّلياً فهو توصّلي ، وإن كان تعبّدياً فهو تعبّدي ، وعلى هذا فإذا تعلّقت الإجارة بعبادة كان الأمر الناشئ منها عبادياً أيضاً ، فأصبح مؤكّداً للأمر العبادي المتعلّق بها في نفسها مع قطع النظر عن الإيجار ، كما ذهب إليه كاشف الغطاء(1)وتلميذه صاحب الجواهر(2).
وتوضيح ذلك : أنّا قد ذكرنا في البحث عن التعبّدي والتوصّلي م-ن ع-لم
الاُصول(1)أنّ قصد القربة مأخوذ في متعلّق الأمر الأول على ما قوّيناه ، وفي متعلّق الأمر الثاني على ما اختاره شيخنا الاُستاذ(2)، وعلى كل حال فالأمر قد تعلّق بامتثال العمل بقصد القربة ، ومن الواضح أنّ الأمر الإجارى قد تعلّق بهذا أيضاً ، إذ المفروض كون العمل المذكور مورداً للإجارة ، فمتعلّق الأمرين شيء واحد ، ف-لا محالة يندكّ أحدهما في الآخر، ويكون الوجوب مؤكّداً كما في غير المقام .
وقد اتّضح ممّا ذكرناه أنّه لا وجه لما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين(3)م--ن استحالة التأكّد حتّى في النذر ونحوه ، وحاصل ما ذكره : أنّ الأمر الصلاتي متعلّق بذات العمل ، والأمر الإجاري أو النذري أو نحوهما متعلّق بالعمل الواجب المقيّد بقصد القربة والامتثال ، ومن الواضح أنّه لا يعقل التأكّد في ذلك -- الذي معناه خروج الطلب في موضوعه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الشدّة - لأنّ الالتزام به يستلزم تعلّق الأمر بالوفاء بما هو غير وفاء ، بداهة أنّه لا يعقل أن يكون الأمر الإجاري بمنزلة صلّ ، بل هو بمنزلة صلّ عن قصد القربة ، فيكون توصّلياً دائماً .
ويدلّ على ما اخترناه من صحّة تعلّق الإجارة بالعبادة اُمور :
الأول : أنّ المؤجر - كما عرفت - إنّما يملك الاُجرة بعقد الإجارة ، من غير أن يتوقّف ذلك على إيجاد العمل المستأجر عليه في الخارج ، وإنّما اشتغلت ذمّة الأجير بإيجاد متعلّق الإجارة . ولو كان الغرض في الإتيان بالعمل المستأجر عليه هو تملّك الأُجرة فقط ، لكان إيجاد العمل لأجل ذلك تحصيلاً للحاصل .
وعليه فالداعي إلى الإتيان بما اشتغلت به ذمّة الأجير من العبادة ليس إلّا
أمر المولى والخوف الإلهي ، دون تملّك الاُجرة . ولا يفرق في ذلك بين مراقبة المستأجر الأجيرَ للإتيان بالعمل وعدم مراقبته إيّاه ، فإنّ شأن العبادات ليس شأن الأفعال الخارجية المحضة ، كالخبازة والبناية والنجارة ونحوها ، لكي يكون حضور المستأجر دخيلاً في تحقّق العمل واتقانه ، بل العبادات مشروطة بالنيّة ، وهي أم--ر قلبي لا يطلع عليها في اُفق النفس إلّا علّام الغيوب ، أو من ارتضاه لغيبه .
الثاني : أنّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر أو العهد أو اليمين بالنوافل وصيرورتها لازمة بذلك ، كما لا شبهة في صحة اشتراطها في العقود اللازمة وكونها واجبة بذلك ، ولم يستشكل أحد في كون هذه الأوامر الطارئة عليها منافية للإخلاص المعتبر فيها ، وواضح أنّه لا فارق بين ذلك وبين ما نحن فيه.
الثالث : قد ورد في الأخبار المستفيضة بل المتواترة الترغيب إلى العبادات بذكر فوائدها ومثوباتها، والترهيب عن تركها بذكر مستتبعاتها من الهلكة والعقوبة ويتجلّى لك من هذه الأخبار أنّه لا بأس بامتثال العبادات لجلب المنافع المترتّبة على فعلها ، ودفع المضرّات المترتّبة على تركها ، ولا فرق في هذه الجهة بين المقام وبينها .
ومن هذا القبيل ما وردت في الشريعة المقدّسة من عبادات من الأدعية والنوافل لشتّى الأغراض الدنيوية ، كسعة الرزق ، وقضاء الحوائج ، وأداء الدَين وارتزاق الولد ، ودفع الشرور ، وعلاج المصاب ، وغيرها من الجهات الدنيوية . ولم يتوهّم أحد منافاتها للإخلاص ، مع أنّها من المنافع الدنيوية . والظاهر أنّه لا فارق بينها وبين المقام .
وقد أشكل عليه المصنّف (رحمه الله) بأنّه فرق بين الغرض الدنيوي المطلوب من الخالق الذي يتقرّب إليه بالعمل ، وبين الغرض الحاصل من غيره، وهو استحقاق الاُجرة ، فإنّ طلب الحاجة من الله سبحانه ولو كانت دنيوية محبوب عند الله ، فلا يقدح في العبادة ، بل ربما يؤكّدها . وقد سجّل هذا الإشكال غير واحد من
الأعاظم كصاحب البلغة (1)وغيره .
وفيه : أنّ غرض المكلّف من الإتيان بالصلاة مثلاً قد يكون سعة الرزق وغيرها ، بحيث لا يتوسّط التقرّب في البين أصلاً ، ولا شبهة في بطلان هذا النحو من العبادة ، من غير فرق بين ما نحن فيه وبين العبادات ذات النتائج الدنيوية ، كصلاة جعفر (عليه السلام) وغيرها . وقد تكون غاية المكلّف غاية من العبادة والتقرّب من الله ، بحيث يكون طالباً لها بعبادته وتقرّبه من المولى ، وهذا لا ينافي العبادية ، وما نحن فيه من هذا القبيل، وعليه فلا فارق بين المقامين .
وقد يتوهّم أنّ قصد التقرّب إنّما يتمشّى في خصوص الإجارة لأنّك قد عرفت أنّ الاُجرة فيها تملك بمجرد العقد ، وأنّ امتثال العبادات المستأجر عليها يستند إلى أمر المولى . إلّا أنّ ذلك لا يجري في الجعالة ، إذ العامل فيها لا يستحقّ الجعل ، ولا يملكه إلّا باتمام العمل ، فيستند امتثال العبادة إلى داعي تحصيل الجعل ، وهو منافٍ للإخلاص فيها .
وجوابه يظهر ممّا تقدّم ، فإنّ تحصيل الجعل وإن كان داعياً إلى الامتثال ولكن الداعي إلى الإتيان بالعبادة على وجهها الصحيح هو أمر الشارع ، والخوف الإلهي ، إذ لولا ذلك فإنّ العامل يمكنه أن يأتي بالعمل خالياً عن بعض الشرائط التي لا يطلع عليها غير علّام الغيوب ، ويخيّل إلى الجاعل أنّه امتثله على وجه صحيح .
وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً صحيحاً لبطلان العبادات التي تنتهي بالأخرة إلى استحقاق الاُجرة ، ولا نرى فيها جهة مخالفة للإخلاص والتقرّب .
1) بلغة الفقيه 2 : 23 .
ينقسم الواجب إلى تخييري ، وكفائي ، وعيني ، فإن وقع أحد القسمين الأوّلين موضوعاً للإجارة أو الجعالة ، وكان مصبّ الإجارة أو الجعالة هو مصبّ الوجوب ، كان المقام من صغريات أخذ الاُجرة على الواجب ، وسيتّضح لك حكمه . وإن كان مصبّ الإجارة أو الجعالة هو خصوص الفرد ، بحيث يعيّن فرد من أفراد التخييري أو شخص من أشخاص المكلّفين للامتثال ، فإنّه لا شبهة في جواز أخذ الاُجرة والجعل عليه ، بل هو خارج عن موضوع أخذ الأُجرة على الواجب .
والوجه في ذلك : أنّ ما تعلّق به الوجوب في الواجبين التخييري والكفائي إنّما هو الجامع ، أعني عنوان أحد الأفراد في الأول ، وعنوان أحد المكلّفين في الثاني ومن الواضح أنّ إيقاع الإجارة أو الجعالة على الإتيان بفرد خاصّ أو على مباشرة شخص معيّن، وأخذ الاُجرة أو الجعل على تلك الخصوصية ليس من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب ، فإنّ ما أُخذت عليه الاُجرة ليس بواجب ، وما هو واجب لم تؤخذ عليه الاُجرة .
وبما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا انحصر الواجب الكفائي في شخص أو الواجب التخييري في نوع ، فإنّهما وإن تعيّنا في ذلك النوع أو على ذلك الشخص حينئذ ولكن الواجب على المكلّف هو طبيعى الدفن مثلاً في الكفائي ، وطبيعي العتق مثلاً في التخييري ، بحيث له أن يدفن الميّت في أي مكان يريد ، وله أن يعتق أي فرد من أفراد الرقاب ، فإذا وقعت الإجارة أو الجعالة على تعيين فرد خاصّ منه-ما ص-حّ ذلك ، ولم يكن أخذ الاُجرة عليه من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب .
ثم إنّه لا فارق فيما ذكرناه بين كونهما تعبدّيين وكونها توصّليين ، وقد اتّضح من ذلك كله أنه لا جدوى لتطويل الكلام في تحقيق الواجبين التخييري والكفائي
كما فعله بعض مشايخنا المحقّقين(1)وغيره .
وقد يقال : إنّ الخصوصيات الفردية وإن لم تكن واجبة بالأصالة على الفرض إلّا أنّها واجبة بوجوب تبعي مقدّمي ، فيكون أخذ الاُجرة عليها من قبيل أخذ الاُجرة على الواجب .
وفيه : أنّا قد حقّقنا في علم الاُصول(2)أنّ وجوب المقدّمة إنّما هو وج-وب عقلي ، فلا يقاس بالوجوب الشرعي ، ويضاف إلى ذلك أنّ مقدّمية الفرد للكلّي لیست من المقدّمية المصطلحة كما هو واضح .
وأمّا الواجب العيني : فإن كان مصبّ الإجارة أو الجعالة فيه الخصوصية الفردية صحّ ذلك بلا شبهة ، وقد تقدّم نظيره في الواجبين التخييري والكفائي . وإن كان مصبّهما مصبّ الوجوب فقد علمت اختلاف فقهائنا وفقهاء العامّة في حكم أخذ الأُجرة على الواجب ، فمقتضى القاعدة هو الجواز مطلقاً ، للعمومات الدالّة على صحّة العقود والمعاملات.
ولكن أُشكل عليه بوجوه :
الأول : أنّ عمل الحرّ في حدّ ذاته ليس بمال ، وإنّما يقابل بالمال لاحترام عمل المسلم ، ومع الوجوب يسقط عن الاحترام .
ولكنّك قد عرفت في أوّل الكتاب(3)أنّ أعمال كل شخص مملوكة له ملكية ذاتية تكوينية ، وله واجدية له فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية ، ودون مرتبة الواجدية الحقيقية لمكوّن الموجودات ، وعليه فدعوى أن عمل الحرّ ليس بملك
دعوى جزافية ، ولا شبهة أنّ هذه الأعمال المضافة إلى الحرّ موضع لرغبات العقلاء ومنافساتهم ، فتكون أموالاً في نفسها ، وتجوز مقابلتها بالمال .
ومع الإغضاء عن ذلك فإنّها تكون أموالاً بمجرّد وقوع المعاملة عليها وشأنها حينئذ شأن الكلّي ، إذ الكلّي قبل إضافته إلى شخص خاصّ لا يتصف بالمملوكية والمالية كلتيهما ، وإذا اُضيف إليه ولو حين قوله بعتك منّاً من الحنطة مثلاً اتّصف الكلّي بالمالية والملكية ، ومن هنا يجوز بيع الكلّي في الذمّة ، ويحكم بضمان عمل الحرّ إذا فوّته أحد بعد أن ملكه الغير بالإجارة وغيرها .
الثاني : ما ذكره المصنّف من أنّ عمل الحرّ وإن كان مالاً ، ولكن الإنسان إذا تكلّف بذلك العمل من قبل الشارع فقد زال احترامه ، لأنّ عامله مقهور على إيجاده فيكون أخذ الاُجرة عليه أكلاً للمال بالباطل .
وفيه أولاً : أنّ آية النهى عن أكل المال بالباطل غريبة عن شرائط العوضين وقد تقدّم بيان ذلك مراراً عديدة .
وثانياً : أنّ المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجباً بأمره لا تنافي المقهورية عليه من قبل الإجارة أيضاً ، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين ، وهذا نظير شرط امتثال الواجب في ضمن العقد . وتظهر الثمرة فيا إذا خالف الأجير أمر ربّه ولم يمتثل الواجب ، ولم يمكن إجباره على الامتثال من ناحية الأمر بالمعروف فإنّه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال ولو بمراجعة المحاكم المختصّة .
الثالث : ما أفاده شيخنا الاُستاذ(1)من أنّ الإجارة والجعالة قد اعتبر فيهما أن لا يكون العامل أو الأجير مسلوب الاختيار بإيجاب أو تحريم شرعي ، بل لابدّ من أن يكون الفعل أو الترك تحت سلطنته واختياره ، وإلّا فلا يكون مالاً في نظر
1) منية الطالب 1 : 45 .
العرف .
ولكنّك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع(1)أنّه لا تجوز المعاملة على الأفعال المحرّمة ، كالكذب والغيبة والزنا وغيرها ، فإنّ الأدلّة الدالّة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالّة على صحّة المعاملات ولزومها ، فإنّ مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الأفعال المحرّمة ولزومها ، وأدلّة المحرّمات تقتضي المنع عن إيجادها في الخارج، فهما متناقضان . ومع الإغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف .
وهذا المحذور لا يجري في الواجبات ، فإنّه لا تنافي بينها وبين العمومات المذكورة ، كما لا منافاة بينها وبين الأوامر العبادية ، وقد أوضحنا ذلك آنفاً ، وعليه فالتكاليف التحريمية وإن كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلّف ، ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها ، بل تساعدها وتضاعفها .
وقد يتوهّم أنّه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلّق الإجارة بالمحرّمات والواجبات ، فإنّ المكلّف في كليهما يكون عاجزاً شرعاً عن إيجاد متعلّق التكليف ، إذ القدرة لابدّ وأن تكون متساوية النسبة إلى الطرفين : الفعل أو الترك .
وفيه : أنّ اعتبار القدرة على التسليم إن كان مدركه الإجماع فإنّ المتيقّن منه- على فرض تحقّقه -إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر ، فلا يدلّ على اشتراط كونه تحت اختيار الأجير فعلاً وتركاً . وإن كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل ، فقد عرفت أنّ الوجوب لا ينافيه ، بل يتأكّد كلّ منهما بالآخر . وإن كان مدركه النبوي المشهور « نهى النبي عن بيع الغرر» (2). ففيه
أولاً : أنّ الاستدلال به غير تام من حيث السند والدلالة ، وسيأتي بيان ذلك في البحث عن بيع الغرر(1).
وثانياً : أنّه لا غرر في المقام ، لأنّ العمل ممكن الوصول إلى المستأجر ، ولا دليل على اعتبار القدرة على التسليم أزيد من ذلك .
الرابع : ما نسب إلى شيخ المشايخ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد(2)من أنّ التنافي بين صفة الوجوب وأخذ العوض على الواجب ذاتي ، لأنّ العمل الواجب مملوك الله ، كالعمل المملوك للغير ، فلا يصحّ أن يكون مورداً للإجارة ، لأنّ تمليك المملوك ثانياً غير معقول ، ولذا لا يجوز أخذ الاُجرة على عمل خاصّ قد وقعت عليه الإجارة قبل ذلك .
وفيه : أنّا لو سلّمنا استحالة توارد الملكين على مملوك واحد فإنّما هي في الملكيتين العرضيتين ، بأن يكون شيء واحد مملوكاً لاثنين في زمان واحد على نحو الاستقلال ، ولا تجري هذه الاستحالة في الملكيتين الطوليتين ، بأن تكون سلطنة أحد الشخصين في طول سلطنة الآخر ، فإنّ هذا لا محذور فيه ، بل هو واقع في الشريعة المقدّسة ، كسلطنة الأولياء والأوصياء والوكلاء على التصرّف في مال المولّى عليهم والصغار والموكّلين ، فإنّ ملكية هؤلاء في طول ملكية الملاك . ومن هذا القبيل مالكية العبيد لأموالهم بناء على جواز تملّك العبد ، فإنّ مالكيتهم في طول مالكية مواليهم .
وكذلك في المقام ، فإنّ مالكية المستأجر للعمل المستأجر عليه في طول مالكيته تعالى لها ، بل مالكية الملاك لأموالهم في طول مالكيته تعالى لها ، فإنّه تعالى
مالك لجميع الموجودات ملكية تكوينية إيجادية، وهي المعبّر عنها في اصطلاح الفلاسفة بالإضافة الإشراقية، وقد سلّط الإنسان على سائر الموجودات ، وجعله مالكاً لها ، إمّا مالكية ذاتية كملك الشخص لأعماله وذمّته ، وإمّا مالكية اعتبارية كما لكيته لأمواله . ولعلّ إلى ما ذكرناه يرجع ما أفاده المصنّف (رحمه الله) من أنّه : ليس استحقاق الشارع للفعل وتملّكه المنتزع من طلبه من قبيل استحقاق الآدمي وتملّكه الذي ينا في تملّك الغير واستحقاقه .
الخامس : ما نسب إلى الشيخ الكبير(1)أيضاً ، وهو أنّ من لوازم الإجارة أن يملك المستأجر العمل المستأجر عليه ، بحيث يكون له الإبراء والإقالة والتأجيل لدليل السلطنة ، وكل ذلك منافٍ لوجوب العمل المستأجر عليه .
وفيه : أنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه أنّ للواجب المستأجر عليه ناحيتين ، إحداهما : حيثية وجوبه من قبل الله بأمر مولوي تكليفی ، وثانيتهما: حيثية تعلّق الأمر الإجاري به ، ومن المقطوع به أنّ عدم صحّة الإقالة والإب--راء والتأجيل في الواجب إنّما هو من ناحيته الأُولى ، ولا ينا في ذلك أن تجري فيه تلك الاُمور من ناحيته الثانية .
السادس : ما ذكره شيخنا الأُستاذ(2)ثانياً من أنّ الإجارة أو الجعالة الواقعة على الواجب العيني من المعاملات السفهية ، فتكون باطلة من هذه الجهة ، فإنّ من شرائط الإجارة أو الجعالة أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر ، وفي الواجب العيني ليس كذلك .
ولكنّك قد عرفت مراراً أنّه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، فتكون
العمومات محكمة ، على أنّه لا شبهة في إمكان الانتفاع بالواجب المستأجر عليه . إذن فتخرج المعاملة عن السفهية، وقد تقدّم بيان ذلك في المقدّمة التي مهّدناها للبحث عن أخذ الاُجرة على الواجب .
السابع : : ما احتمله بعض مشايخنا المحقّقين(1)ونسبه إلى أُستاذه في مبحث القضاء ، وهو أنّ بذل العوض بازاء ما تعيّن فعله على الأجير لغو محض ، فلا يكون مشمولاً للعمومات .
الثامن : ما نسبه إلى بعض الأعلام(2)من أنّ الإيجاب ينبعث عن مصلحة تعود إلى المكلّف ، وأخذ الاُجرة على ما يعود نفعه إليه أكل للمال بالباطل . وقد ظهر جواب هذين الوجهين من الأجوبة المتقدّمة .
وقد تجلّى ممّا حقّقناه أنّ الإشكالات المذكورة لا ترجع إلى معنى محصّل تركن إليه النفس . والعجب من هؤلاء الأعلام ، فإنّهم ناقشوا في جواز أخذ الاُجرة على الواجب ، وأضافوا إليه شبهة بعد شبهة ونقداً بعد نقد حتّى تكوّنت منها أمواج متراكمة ، يندهش منها الناقد البصير في نظرته الاُولىفَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ .
وقد ظهر من جميع ما ذكرناه سقوط جميع الأقوال المتقدّمة غير ما بنينا عليه من القول بالجواز على وجه الإطلاق ، والله العالم .
قوله : ثمّ إن صلح ذلك الفعل المقابل بالاُجرة لامتثال الإيجاب المذكور أو إسقاطه به أو عنده سقط الوجوب مع استحقاق الاُجرة ، وإن لم يصلح استحقّ الاُجرة ، وبقي الواجب في ذمّته لو بقي وقته ، وإلّا عوقب على تركه .
أقول : لا يخفى ما في هذه العبارة من القلق والاضطراب ، وحاصل مرامه : أنّ الإتيان بالواجب المستأجر عليه قد يترتّب عليه امتثال أمر المولى واستحقاق الاُجرة كلاهما ، كما إذا استأجر أحداً لتطهير المسجد فطهّره بقصد امتثال أمر المولى ، فإنّه حينئذ يستحقّ الاُجرة ، ويعدّ ممتثلاً ، وكذلك الحال في الواجبات التعبّدية على مسلكنا ، إذ قد عرفت أنّ أخذ الاُجرة عليها لا ينا في جهة عباديتها .
وقد يكون الإتيان بالواجب المستأجر عليه موجباً لاستحقاق الاُجرة وسقوط الوجوب بغير امتثال ، كتطهير المسجد وإنقاذ الغريق والجهاد وغيرها من الواجبات التوصّلية ، فإنّ الأجير حينما يأتي بها بغير داعي الأمر يستحق الاُجرة . ولا يكون عمله هذا امتثالاً للواجب على الفرض ، نعم يسقط عنه الواجب ، لفرض كونه توصّلياً ، كما أنّه يسقط عن بقيّة المكلّفين إذا كان الواجب كفائياً .
وقد يكون الإتيان بذلك العمل موجباً لاستحقاق الاُجرة وسقوط الوجوب لا من جهة الإتيان بالواجب ، بل لارتفاع موضوع الوجوب ، كما إذا أوجب الشارع عملاً بعنوان المجّانية فأتى به العبد مع الاُجرة ، وهذا كدفن الميّت بناء على أنّه واجب على المكلّفين مجّاناً . فلو أتى به لا مجّاناً لم يتحقّق الواجب ، فلا يكون مصداقاً للواجب في الخارج ، لأنّ المفروض أنّه مقيّد بالمجّانية ، وقد أتى به مع الأُجرة ، إلّا أنّ الوجوب يسقط عند ذلك ، لارتفاع موضوعه . ففي جميع هذه الصور يتحقّق سقوط الوجوب ، واستحقاق الأُجرة .
وهناك صورة رابعة لا يسقط الوجوب بالإتيان بالعمل المستأجر عليه فيها وإن كان الآتي بالعمل مستحقّاً لأخذ الاُجرة على عمله لكونه محترماً ، وهذا كالعبادات الواجبة على المكلّفين عيناً ، فإنّه إذا أتى بها المكلّف بازاء الاُجرة وقلنا بمنافاتها لقصد القربة والإخلاص - كما عليه المصنّف وجمع آخر - لم يمتثل الواجب وإن كان يستحقّ الاُجرة لاحترام عمله ، وعليه فإن بقي وقت الواجب وجبت عليه
الإعادة ، وإلّا عوقب على تركه إذا لم يدلّ دليل على تداركه بالقضاء .
قد ذكرنا في مبحث التعبّدي والتوصّلي من علم الاُصول(1)أنّ الأُصول اللفظية والعملية تقتضي عدم سقوط التكاليف العبادية عن كل مكلّف باتيان غيره بها ، فلابدّ لكل مكلّف أن يمتثل تكاليفه العبادية بالمباشرة ، وعليه فنيابة الشخص عن غيره في امتثال عباداته مع التقرّب والإخلاص تحتاج إلى الدليل ، وإن ثبت إمكانها في مقام الثبوت .
ولا شبهة في وقوع النيابة في العبادات الواجبة والمستحبّة بضرورة الفقه نصّاً وفتوى ، ولا بأس بالتعرّض للبحث عن تصوير إمكانها في ذلك ، دفعاً لما توهّمه بعض الأجلّة من استحالة التقرّب من النائب وحصول القرب للمنوب عنه ، نظراً إلى أنّ التقرّب المعنوي كالتقرّب الحسّي المكاني لا يقبل النيابة . وقد ذكر غير واحد من الأعلام وجوهاً في تصوير النيابة عن الغير في امتثال وظائفه بقصد التقرّب والإخلاص :
الأول : ما ذكره المصنّف(2)، وحاصله : أنّ الأجير يجعل نفسه بدلاً عن الميّت في الإتيان بتكاليفه متقرّباً بها إلى الله تعالى، فالمنوب عنه يتقرّب إليه تعالى بفعل نائبه . وتقرّبه ، ولا شبهة أنّ هذا التنزيل في نفسه مستحبّ ، وإنّما يصير واجباً بالإجارة وجوباً توصّلياً ، من غير أن يعتبر فيه قصد القربة في ذاته ، بل اعتباره فيه من جهة اعتباره في وظيفة المنوب عنه ، لأنّ الأجير لا يخرج عن عهدة التكليف إلّا
بالإتيان بالعمل المستأجر عليه بقصد الإخلاص .
فالأجير يجعل نفسه نائباً عن الغير في امتثال وظائفه متقرّباً بها إلى الله ، وإنّما يأخذ الاُجرة للنيابة فقط ، دون الإتيان بالعبادات، فإنّ للنائب حينما يأتي بالعمل فعلين ، أحدهما : قلبي من أفعال الجوانح ، وهو النيابة . وثانيهما : خارجي من أفعال الجوارح ، وهو العمل المنوب فيه كالصلاة مثلاً ، وإذا تعدّد الفعل ذاتاً ووجوداً فإنّه لا بأس بتعدّد الغاية المترتبة عليهما ، ولا تنافي بين أخذ الاُجرة على النيابة وبين الإتيان بالعبادات متقرّباً بها إلى الله تعالى .
وفيه : أنّ أخذ الاُجرة إمّا لتنزيل نفسه منزلة الميّت ونيابته عنه في الإتيان بوظائفه ، وإما للإتيان بالعمل في الخارج ، فعلى الأول يلزم استحقاق الاُجرة بمجرد النيابة القلبي ، سواء أتى بالعمل في الخارج أم لا ، وهو بديهي البطلان . وعلى الثاني فيعود المحذور ، وهو أخذ الاُجرة على الأمر العبادي ، فإنّ الموجود في الخارج ليس إلّا نفس العبادة .
الثاني : ما ذكره المصنّف في رسالة القضاء من أنّ النيّة مشتملة على قيود منها : كون الفعل خالصاً الله سبحانه . ومنها : كونه أداء وقضاء ، عن نفسه أو عن الغير ، بأُجرة أو بغيرها . وكل من هذه القيود غير مناف لقصد الإخلاص والاُجرة فيما نحن فيه إنّما وقعت أولاً وبالذات بازاء القيد الثاني ، أعني النيابة عن زيد ، بمعنى أنّه مستأجر على النيابة عن زيد بالإتيان بهذه الفريضة المتقرّب بها وقيد القربة في محلّه على حاله ، لا تعلّق للإجارة به إلّا من حيث كونه قيداً للفعل المستأجر عليه ، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرّب زيادة على التقرّب المشروط في صحّة العبادة اتّجه منافاة الاُجرة لذلك ، إلّا أنّه ليس بشرط إجماعاً (1).
1) رسالة في القضاء عن الميت (ضمن رسائل فقهية) : 246 .
وفيه أولاً : أنّ أخذ الاُجرة في مقابل العمل المقيّد بقصد القربة يستلزم وقوع الاُجرة بازاء نفس العمل أيضاً ، وعليه فيعود المحذور المذكور .
وثانياً : ما ذكره بعض مشايخنا المحقّقين(1)من أنّ الفعل القلبي والفعل الخارجي وإن كانا متغايرين ماهية ووجوداً ، ولكل منهما غاية خاصّة ، إلّا أنّه لا شك في أنه لولا الفعل القلبي بما له من الغاية - وهي استحقاق الاُجرة - لم يصدر الفعل الخارجي بما له من الغاية ، وهي القربة . فالإخلاص الطولي غير محفوظ بمجرّد تعدّد الفعل مع ترتّب الفعل الخارجي بغايته على الفعل القلبي بغايته .
الثالث : ما ذكره شيخنا الأُستاذ (2)توجيهاً لكلام المصنّف في المكاسب وملخّصه : أنّه لا شبهة في عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه، بل جاز للغير الإتيان بالفعل عنه نيابة ، ويجوز التبرّع عنه في ذلك ، من دون أن يعتبر قصد القربة في الأمر التبرّعي ، بل اعتباره في فعل النائب لأجل اعتباره في المنوب فيه .
ثم إنّه لا ريب في أنّ هذا الأمر التبرّعي يصبح واجباً إذا وقعت عليه الإجارة ، وحينئذ لا يخرج النائب عن عهدته بامتثاله بقصد القربة والإخلاص وواضح أنّه لا تنافي بين اعتبار التقرّب فيه وبين جواز أخذ الأُجرة للنيابة ، فإنّ الاُجرة إنّما هي بازاء قصد النائب النيابة في عمله عن المنوب عنه ، لا على نفس العمل ، بحيث إذا قصد النائب الإتيان بذات العمل المستأجر عليه للاُجرة ، أو قصد الإتيان به بداعي أمره سبحانه بازاء الاُجرة كان عمله باطلاً .
ولكن يرد عليه أولاً : ما ذكرناه في جواب المصنّف .
وثانياً : أنّ الأوامر المتوجّهة إلى شخص غريبة عن شخص آخر ، وعليه فلا
معنى لسقوطها عن المنوب عنه بامتثال النائب ، كما أنه لا معنى لاعتبار قصد التقرّب في الأمر المتوجّه إلى النائب بلحاظ اعتباره في الأمر المتوجّه إلى الم-ن-وب ع-ن-ه . والتوجيه المذكور أشبه شيء بدعوى سقوط الأمر بالصوم بامتثال الأمر المتعلّق بالصلاة ، وأشبه شيء أيضاً بدعوى اعتبار قصد التقرّب في الأمر بغس-ل الث-وب بلحاظ الأمر العبادي المتعلّق بالحجّ.
وثالثاً : أنّا لو سلّمنا صحّة ذلك ، ولكنّه إنّما يجري في النيابة عن الأحياء ، فإنّ الأوامر المتوجّهة إلى الأموات في حياتهم قد انقطعت بالموت ، فلا يبقى هنا أمر لكي يقصده النائب في امتثال العمل المنوب فيه ويأتي به بقصد التقرّب والإخلاص وهذا لا ينافي اشتغال ذمّة الميّت بالعبادات الفائتة كما هو واضح .
ورابعاً : أنّا لو أغمضنا عن ذلك أيضاً، ولكنّه إنّما يتمّ مع توجّه الأمر إلى المنوب عنه ، مع أنّا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان صحّة النيابة عنه حتّى فيما لم يتوجّه إليه أمر أصلاً ، كنيابة أشخاص غير محصورين عن الميّت أو عن غيره في جهات مستحبّة ، كالطواف ونحوه ، بداهة انتفاء الأمر حينئذ عن المنوب عنه ، فإنّ توجّهه إليه مشروط بالقدرة ، وواضح أنّ المنوب عنه لا يقدر على الإتيان باُمور غير محصورة ، وكذلك تجوز النيابة في الحجّ عمّن لا يقدر عليه ، مع أنّه لا أمر حينئذ للمنوب عنه أصلاً .
والتحقيق : أنّ الأمر الاستحبابي(1)متوجّه إلى جميع الناس للنيابة في العبادة عن الميّت ، بل الحي في بعض الموارد ، ولا شبهة أنّ هذا الأمر الاستحبابي المتوجّه إلى كل أحد أمر عبادي ، فيعتبر فيه قصد التقرّب والإخلاص ، وقد يكون واجباً إذا تعلّقت به الإجارة ، وقد تقدّم بيان ذلك آنفاً ، وعليه فالنائب عن الغير في امتثال
1) راجع الوسائل :8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب12 .
عباداته إنّما يتقرّب إلى الله تعالى بالأمر المتوجّه إلى نفسه ، من دون أن يكون له مساس بالأمر العبادي المتوجّه إلى المنوب عنه ، بل لا يعقل أن يقصد النائب تقرّب المنوب عنه ويمتثل أمره ، أو يتقرّب إلى الله بأمر المنوب عنه ويمتثله ، وعلى ما ذكرناه فمورد الإجارة هو الواجبات أو العبادات المنوب فيها ، وقد تقدّم أنّ صفة الوجوب أو صفة العبادة لا تنافي الإجارة .
قوله : وأمّا المستحبّ .
أقول : العمل المستأجر عليه قد يكون حراماً ، وقد يكون واجباً ، وقد يكون مكروهاً ، وقد يكون مباحاً ، وقد يكون مستحبّاً . أمّا الحرام والواجب فقد تقدّم
الكلام عنهما ، وأمّا المكروه والمباح فلم يستشكل أحد في صحّة الإجارة لهما .
وأمّا المستحبّ فالمعروف بين الشيعة والسنّة(1)هو جواز أخذ الاُجرة عليه بل هو مقتضى القاعدة الأوّلية ، إذ لا نرى مانعاً عن شمول العمومات الدالّة على صحّة المعاملات لذلك ، فقد عرفت آنفاً أنّ صفة العبادية وكذا صفة الوجوب لا تنا في الإجارة أو الجعالة ، وكذلك صفة الاستحباب ، فإنّها لا تنافيهما بطريق الأولوية .
وعلى هذا فلا وجه لتطويل الكلام في تصوير النيابة في المستحبّات ، كما لا
1) في الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 122 عن المالكية جوّزوا أخذ الاُجرة على بعض الاُمور المستحبّة . وفي ص 126 عن الشافعية : تصحّ الإجارة على كل مسنون كالأذان والإقامة وعلى ذكر الله كالتهاليل . وفي ص 130 عن الحنابلة : لا تصحّ الإجارة على كل فعل قربي . وقد تقدّم رأي الحنفية في الإجارة على الطاعة في ص 698 .
وجه للفرق فيها بين ما يتوقّف ترتّب الثواب على قصد التقرّب والإخلاص كالإتيان بالنوافل والزيارات ، وبين ما لا يتوقّف ترتّب الثواب على ذلك كبناء المساجد والقناطر ونحوهما .
من كان أجيراً لغيره في الطواف لم يجز له أن يقصده لنفسه
قوله : فلو استؤجر لإطافة صبي أو مغمى عليه فلا يجوز الاحتساب في طواف نفسه .
أقول : قد ذكر الأصحاب هنا وجوهاً ، بل أقوالاً :
الأول : جواز الاحتساب مطلقاً ، ، وقد استظهره المصنّف من الشرائع(1)والقواعد(2)على إشكال في الثاني .
الثاني : عدم جواز الاحتساب مطلقاً حتّى في صورة التبرّع ، وقد حك--اه بعض الأعاظم عن بعض الشافعية (3).
الثالث : عدم جواز الاحتساب عن نفسه فيا إذا استؤجر للإطافة بغيره ، أو لحمله في الطواف . وقد نسبه المصنّف إلى جماعة منهم الإسكا في(4).
الرابع : ما ذكره العلّامة في المختلف(5)من الفرق بين الاستئجار للطواف به
وبين الاستئجار لحمله في الطواف ، فإنّه منع عن احتساب ذلك لنفسه في الأول دون الثاني .
الخامس : ما ذكره في المسالك(1)من أنّه إذا كان الحامل متبرّعاً أو حاملاً بجعالة أو كان مستأجراً للحمل في طوافه أمكن أن يحتسب كل منهما طوافه عن نفسه وأمّا لو كان مستأجراً للحمل مطلقاً لم يحتسب ، لأنّ الحركة المخصوصة قد صارت مستحقّة عليه لغيره ، فلا يجوز صرفها إلى نفسه .
والتحقيق : أنّ المؤجر قد يكون أجيراً عن الغير في الطواف ونائباً عنه في إيجاد العمل المعيّن في الخارج، وقد يكون أجيراً للإطافة به ، وقد يكون أجيراً لحمله في الطواف .
أمّا الصورة الاُولى فإنّه لا يجوز للأجير أن يقصد الطواف لنفسه حينما يأتي بالعمل المستأجر عليه ، لأنّ الإجارة تقتضي اختصاص العمل المستأجر عليه بالمستأجر ، ولذا لو فوّته أحد يضمنه له . والأمر بالطواف المتوجّه إلى الأجير يقتضي الإتيان به عن نفسه، وعدم إجزائه عن غيره كما هو مقتضى القاعدة في جميع الأوامر المسوقة لبيان الأحكام التكليفية .
وبعبارة اُخرى : أنّ المستأجر إنّما يستحق الحركات المخصوصة على الأجير لكونها مملوكة له ، فلا يجوز للأجير أن يحتسبها عن نفسه . ولعلّه إلى هذا أشار في المسالك في عبارته المتقدّمة .
وأمّا إذا كان أجيراً لحمل غيره في الطواف أو للإطافة به ، فهل يجوز له أن يقصد الطواف لنفسه حينما يحمل المستأجر للطواف ، أم لا ؟ قد يقال بالثاني ، لأنّ الحركات المخصوصة الصادرة من الأجير مملوكة للمستأجر ، فلا تقع عن الأجير
1) المسالك 2 : 177 .
نظير الصورة السابقة .
ولكن الظاهر هو الجواز ، تبعاً لجمّ غفير من الأصحاب ، وقد تقدّم رأيهم . والوجه في ذلك أنّ ما يستحقّه المستأجر على الأجير إنّما هو الحمل فقط ، ومن الواضح أنّه حاصل على كل حال ، لأنّ شأن الأجير في هذه الصورة شأن الدابة التي يركبها العاجز عن المشي للطواف ، وعليه فلا تنافي بين كون شخص أجيراً لحمل غيره في الطواف ، وبين أن يقصد الطواف لنفسه في هذه الحالة.
والذي يدلّنا على ذلك أمران ، الأول : أنّه إذا لم يتّصف الحامل في هذه الصورة بما اعتبر في الطائف من الشرائط - كالمشي على القهقرى مثلاً - لم يضرّ بطواف المحمول إذا كان واجداً لشرائط الطواف ، ومن المقطوع به أنّه لو كان مصبّ الإجارة هو الطواف عن الغير بعنوان النيابة لما حصل العمل المستأجر عليه في الخارج .
الثاني : أنّه ورد في جملة من الأخبار(1)
وعن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) « في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به ، هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي ؟ قال : نعم » وهي حسنة بإبراهيم [ لا يخفى خلو سند الكليني في الأُولى والشيخ في الثانية من علي بن إبراهيم ، فلاحظ ] .
راجع الوافي 13 : 897 / 1 ، 4 ، والوسائل 13 : 396 / أبواب الطواف ب 50 ح 4 ، 3 .
جواز حمل الغير في الطواف مع العجز عنه ، وهي بإطلاقها تدلّ على ما ذكرناه ، على أنّه لو كان مورد هذه الأخبار غير الإجارة فإنّها تدلّ أيضاً على صحّة ذلك ، لأنّها ظاهرة في أنّ حمل غيره في الطواف1) عن هيثم التميمي قال « قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : رجل كانت معه صاحبته ، لا تستطيع القيام على رجلها ، فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت وبالصفا والمروة ، أيجزيه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها ؟ قال : ايها الله إذا » . وهي حسنة بإبراهيم ابن هاشم . قوله : « ايها إلخ » معناه : إي والله يكون ذا ، فالهاء عوض عن واو القسم ، كما ذكره جمع من النحاة .
لا ينافي قصد الحامل الطواف لنفسه ، لكون كل منهما بعيداً عن الآخر .
قوله : لا يجوز أخذ الاُجرة على أذان المكلّف لصلاة نفسه .
أقول : المعروف بين الأصحاب حرمة أخذ الأُجرة على الأذان ، بل في المستند(1)حكى الإجماع عليها ، وعلى هذا النهج بعض فقهاء العامّة(2). والتحقيق : أنّ مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاُجرة على الواجبات وعلى المستحبّات ، تعبّدية كانت أم توصّلية ، لكونها من الأعمال المحترمة التي تقابل بالمال فتكون المعاملة عليها مشمولة للعمومات ، وأنّ صفة الوجوب أو صفة العبادية أو اقتران العمل العبادي بالدواعي غير القربية لا تنافي التقرّب والإخلاص ، إلّا مع الدليل الخارجي ، كامتثال العبادات بداعي الرياء ، وقد عرفت ذلك كلّه آنفاً .
ومن هنا يتجلّى لك جواز أخذ الاُجرة على الأذان وعلى الإمامة إذا كانا ممّا يرجع نفع من ذلك إلى الغير، بحيث يصحّ لأجله الاستئجار ، كالإعلام بدخول الوقت ، أو الاجتزاء به في الصلاة ، والاقتداء بالإمام .
ولكن قد سمعت في مقدّمة البحث عن أخذ الاُجرة على الواجب أنّ مورد الكلام فيما إذا كان العمل المستأجر عليه حاوياً لشرائط الاستئجار مع قطع النظر عن كونه واجباً أو مستحبّاً ، وعن كونه تعبّدياً أو توصّلياً ، وعليه فلو منع الشارع عن أخذ الاُجرة على عمل خاصّ ، وتعلّق غرضه بكونه مجانياً ، فإنّه خارج عن حريم البحث ، ولا يختصّ ذلك بالعبادات ، ولا بالواجبات والمستحبّات ، ومن
الواضح جداً أنّه ثبت في الشريعة المقدّسة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) حرمة أخذ الاُجرة على الأذان وعلى الإمامة(1)
وفي الوسائل 16 : 279 / أبواب الأمر والنهي ب 41 ح6 في حسنة حمران - بابن هاشم - الواردة في فساد الدنيا واضمحلال الدين : « ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر».
وفي 17 : 157 / أبواب ما يكتسب به ب 30 ح 1 عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) « أنه أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين والله إنِّي أحبّك الله ، فقال له :لكنّي أبغضك الله ؛ قال : ولِمَ ؟ قال : لأنّك تبغي في الأذان وتأخذ على تعليم القرآن أجراً »وهي ضعيفة بعبد الله بن منبه ، والحسين بن علوان . ورواها الصدوق [ في الفقيه 3 : 109 / 461 ] مرسلاً إلّا أنّه قال : « تبتغي في الأذان كسباً » .
وفي الوسائل 27 : 378 / كتاب الشهادات ب 32 - 6 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « لا تصلّ خلف من يبغي على الأذان والصلاة بالناس أجراً ، ولا تقبل شهادته » وهي صحيحة .
وفي المستدرك 4 : 51 / أبواب الأذان والإقامة ب 30 ما يدلّ على ذلك .
.قوله : وعلى الأشبه كما في الروضة . أقول : هذا سهو من قلمه الشريف ، فإنّه ذكر الشهيد (رحمه الله) في الروضة : والاُجرة على الأذان والإقامة على أشهر القولين(2).
قوله : ثمّ إنّ من الواجبات التي يحرم أخذ الاُجرة عليه عند المشهور تحمل الشهادة بناءً على وجوبه .
أقول : ذهب المشهور من فقهائنا وفقهاء العامّة إلى وجوب الشهادة تحمّلاً وأداءً ، كما يظهر لمن يراجع كلماتهم في مواردها ، وهذا هو الظاهر من الكتاب الكريم (1)ومن الروايات المذكورة في أبواب الشهادات ، وعليه فأخذ الاُجرة على الشهادة من صغريات أخذ الاُجرة على الواجب ، وقد عرفت سابقاً(2)ذهاب المشهور إلى حرمة أخذها عليه .
ولكن قد علمت فيما تقدّم(3)أنّ مقتضى القاعدة هو جواز أخذ الاُجرة على الواجبات مطلقاً ما لم يثبت منع من الخارج، ومن المعلوم أنّا لم نجد في أدلّة وجوب الشهادة ما يمنع عن ذلك.
بل الظاهر من بعض الروايات الواردة في قوله تعالى : وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا أنّ المنفي في الآية هو أن يقول المدعو إلى الشهادة : لا أشه-د ع-لى الواقعة(4)، وواضح أنّ هذا لا ينا في جواز أخذ الاُجرة على الشهادة . نعم لو امتنع المشهود له عن إعطاء الاُجرة وجب على الشاهد أن يشهد بالواقعة مجّاناً. هذا كلّه إذا كان تحمّل الشهادة أو أداؤها واجباً عينياً ، وأمّا إذا كان كل منهما
واجباً كفائياً فقد تقدّم(1)أنّ أخذ الاُجرة على الواجب الكفائي مع عدم الانحصار خارج عن محل الكلام ، فإنّه واجب على جميع المكلّفين ، لا على شخص واح---د معيّن . ثمّ إنّه لا يستفاد من أدلّة وجوب الشهادة إلّا كونها واجبة على نهج بقية الأحكام التكليفية الكفائية أو العينية ، من غير أن يستفاد منها كون التحمّل أو الأداء حقّاً للمشهود له .
ثمّ إنّه قد يقال بحرمة أخذ الاُجرة على مطلق التعليم أو على تعليم القرآن ولكنّه فاسد ، فقد ثبت جواز ذلك في جملة من الأخبار(2)
وفي رواية الفضل عنه ( عليه السلام) «إنّ هؤلاء يقولون : إنّ كسب المعلّم سحت ؟ فقال : كذبوا أعداء الله » الحديث . وهو ضعيف بفضل . وقد تقدمت الرواية في ص 73 .
وفي المصدر المزبور من الوسائل ح 8 عن الصدوق [ في الفقيه 3 : 109 / 461 ] قال (عليه السلام) : « من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظّه يوم القيامة » وهو مرسل .
وفي المستدرك 13 : 116 / أبواب ما يكتسب به ب26 ما يدلّ على حرمة الأُجرة على تعليم القرآن ، ولكنّه ضعيف السند .
وقد أخرج البيهقي في سننه 6 : 124 أحاديث تدلّ على جواز أخذ المعلّم الأُجرة للتعليم وأحاديث أُخرى تدلّ على كراهة أخذها لتعليم القرآن .
وفي بعضها وقع الإزراء على القائلين بالحرمة ، ورميهم إلى الكذب وعداوة الحقّ . نعم لا نضايق من القول بالكراهة ، لورود النهي عن ذلك في بعض الأخبار المحمول على الكراهةوعلى هذا المنهج المشهور من العامّة(1)على أنّ الروايات الواردة في حرمة كسب المعلّم وجوازه ضعيفة السند ، فيرجع إلى عمومات ما دلّ على جواز الكسب .
ثمّ إنّه لا يجوز أخذ الاُجرة على القضاء للروايات الخاصّة(2)
وفي المستدرك 13 : 69 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 1 عن الجعفريات [ 299 / 1235 ] عن علي (عليه السلام) إنّه جعل من السحت أجر القاضي .
وفي حسنة ابن سنان بابن هاشم سئل أبو عبدالله (عليه السلام) « عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق ؟ فقال : ذلك السحت » . وقد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص 417 .
وأنّ الظاهر من آية النفر(3)الآمرة بالتفقّه في الدين ، وإنذار القوم عند الرجوع إليهم أنّ الإفتاء أمر مجاني في الشريعة المقدّسة ، فيحرم أخذ الاُجرة عليه . ويؤيّده قوله تعالى :قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (4).قوله : بقي الكلام في شيء إلخ(5).
أقول: حاصل كلامه : أنّ معظم الأصحاب قد صرّحوا بجواز الارتزاق من بيت المال لكل من يحرم عليه أخذ الاُجرة على الإتيان بالواجبات ، كالقضاء
والإفتاء وتجهيز الميّت ، أو الإتيان بالمستحبّات كالأذان ونحوه ، والوجه في ذلك : أنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين ، وهذه الموارد من جملتها ، لعود النفع إليهم ، فإنّ أي شخص إذا أتى بأي شيء يرجع إلى الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين- كالاُمور المذكورة وغيرها - جاز لولي الأمر أن يدرّ عليه من بيت المال ما يرفع به حاجته .
ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المقدار المقرّر لهم أقل من أُجرة المثل أو مساوياً لها أو أكثر منها ، ولا بين أن يكون تعيين ذلك قبل قيام هؤلاء بالوظائف المقرّرة عليهم أو بعده ، بل يجوز لولي المسلمين أن يقول لأحد منهم : اقض في البلد أو أذّن وأنا أكفيك مؤونتك من بيت المال ، ولا يكون ذلك إجارة ولا جعالة .
نعم يشترط في جواز الارتزاق من بيت المال أن يكون المتصدّي للمناصب المذكورة والوظائف المقرّرة من ناحية الشرع محتاجاً إليه ، بحيث لا يقدر على قوت نفسه وعياله ولو بالتكسّب ، وإلّا فلا يجوز له الارتزاق من بيت المال ، فإنّه تضييع لحقوق المسلمين .
أقول : لو قلنا بحرمة أخذ الاُجرة على الواجبات أو المستحبّات فإن الأدلّة الدالّة على الحرمة مختصّة بعنوان الاُجرة و الجعل فقط ، فلا تشمل بقيّة العناوين المنطبقة على المتصدّين لتلك الوظائف ، كالارتزاق من بيت المال ، فإنّه معدّ لمصالح المسلمين ، فيجوز صرفه في أي جهة ترجع إليهم وتمسّ بهم ، بل يجوز لهؤلاء المتصدّين للجهات المزبورة أن يمتنعوا عن القيام بها بدون الارتزاق من بيت المال إذا كان العمل من الاُمور المستحبّة ، وعليه فلا وجه لاعتبار الفقر والاحتياج في المرتزقة كما ذهب إليه جمع كثير من أعاظم الأصحاب .
لا يقال : إذا صار القضاء وأمثاله من الواجبات العينية كان شأن ذلك شأن الواجبات العينية الثابتة على ذمم أشخاص المكلّفين ، كالصلاة والصوم والحجّ
ونحوها ، ومن الواضح جدّاً أنّه لا يجوز الارتزاق من بيت المال بازائها .
فإنّه يقال : إنّ القضاوة ونحوها وإن كانت من الواجبات العينية فيا إذا انحصر القاضي بشخص واحد . ولكنّها ممّا يقوم به نظام الدين ، فتكون من الجهات الراجعة إلى مصالح المسلمين ، وقد عرفت أنّ مصرف بيت المال إنّما هو تلك المصالح . ف--لا يقاس القضاء وأمثاله بالواجبات العينية ابتداءً ، خصوصاً إذا أراد القاضي أن ينتقل من بلده إلى بلد آخر ، بل الأمر كذلك في جميع الواجبات العينية إذا توقّف على الإتيان بها ترويج الدين ومصلحة المسلمين .
قوله : خاتمة تشتمل على مسائل ، الأُولى : صرّح جماعة ...
أقول : ذهب المشهور من أكابر أصحابنا إلى حرمة بيع المصحف ، وذهب جمع آخر كصاحب الجواهر(1)وغيره إلى الجواز . والمراد بالمصحف الأوراق المشتملة على الخطوط كبقيّة الكتب ، دون الخطّ فقط كما اختاره المصنّف (رحمه الله) تبعاً للدروس(2)، فإنّ الخطّ بما هو خطّ غير قابل للبيع ، لكونه عرضاً محضاً تابعاً لمعروضه ، فلا يمكن انفكاكه عنه حتّى يبحث فيه بأنّه يقابل بالثمن أم لا . وعلى تقدير كونه من قبيل الجواهر ، كالخطوط المخطوطة بالحبر ونحوه ، فإنّه لا يقبل النقل والانتقال .
وكيف كان ، فلا وجه للبحث عن جواز بيع الخط الخالي عن الأوراق وعدم جوازه ، نعم شأن الخطوط بالنسبة إلى الأوراق شأن الصور النوعية العرفية التي
يلزم من انتفائها انتفاء المبيع رأساً كما سيأتي .
وأمّا حسن الخطّ وجودته فذلك من قبيل الأوصاف الكمالية ، فتوجب زيادة في الثمن ، ولا يلزم من انتفائها انتفاء المبيع لكي يترتّب عليه بطلان البيع ، بل يثبت الخيار للمشروط له ، إلّا إذا كان الخط بمرتبة من الجودة صار مبايناً لسائر الخطوط في نظر العرف- كخط المير المعروف - وحينئذ فتكون صفة الحسن أيضاً من الصور النوعية العرفية ، ويلزم من انتفائها انتفاء المبيع ، فيحكم ببطلان البيع . ونظير ذلك ما إذا باع فراشاً على أنّه منسوج بنسج كاشان فبان أنّه منسوج بنسج آخ--ر فإنّ الأول لجودة نساجته يعدّ في نظر العرف مبايناً للثاني ، فيبطل البيع ، لأنّ ما جرى عليه العقد غير واقع ، وما هو واقع غير ما جرى عليه العقد.
وعلى الجملة : متعلّق البحث في بيع المصحف إمّا الأوراق المجرّدة عن الخطوط أو العكس ، أو هما معاً ، وحيث لا سبيل إلى الأول والثاني فيتعيّن الثالث .
ثمّ إنّ الروايات الواردة في بيع المصحف على طائفتين :
الاُولى : ما دلّ على حرمة بيعه(1)
وعن سماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، قال : لا تشتر كتاب الله (عزّوجلّ) ولكن اشتر الحديد والورق والدّفتين وقل : اشتريت منك هذا بكذا وكذا » وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى . ورواها الشيخ في التهذيب بأدنى تفاوت .
وفي التهذيب عن جرّاح المدائني عن أبي عبدالله (عليه السلام) « في بيع المصاحف ، قال : لا تبع الكتاب ، ولا تشتره ، وبع الأديم والورق والحديد » . وهي ضعيفة بالقاسم بن سليمان وجراح .
وعن سماعة قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : لا تبيعوا المصاحف ، فإنّ بيعها حرام ، قلت : فما تقول في شرائها ؟ قال : اشتر منه الدفّتين والحديد والغلاف ، وإيّاك أن تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب ، فيكون عليك حراماً وعلى مَن باعه حراماً » وهي ضعيفة بعبد الله الرازي وابن أبي حمزة البطائني . راجع الكافي 5 : 121 / 1، 2 ، والوافي 17 : 243 / 1، 2 ، 7، 9 والتهذيب 6 : 365 / 1049 ، 1051 ، 7 : 231 / 1007.
والوسائل 17 : 158 / أبواب ما يكتسب به ب 31 ح 1 - 3 ، 7، 11.
، أي الأوراق المقيّدة بالخطوط ، وتدلّ هذه1) ففي الكافي عن عبدالرحمن بن سليمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : إنّ المصاحف لن تشترى ، فإذا اشتريت فقل : إنّما أشتري منك الورق وما فيه من الأدم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا » . وهي مجهولة بعبد الرحمن .
الطائفة على جواز بيع غلافه وحديدته وحليته .
الثانية : ما دلّ على جواز بيعه(1)
وفي الكافي والتهذيب عن روح بن عبدالرحيم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن شراء المصاحف وبيعها ، قال : إنّما كان يوضع الورق عند المنبر ، وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمرّ الشاة أو رجل منحرف ، قال : فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك ، ثمّ إنّهم اشتروا بعد ذلك قلت : فما ترى في ذلك ؟ قال : أشتري أحبّ إليّ من أن أبيعه ، قلت : فما ترى أن أعطي على كتابه أجراً ؟ قال : لا بأس ، ولكن كذلك كانوا يصنعون » . وهي ضعيفة بغالب بن عثمان .
وفي التهذيب عن أبي بصير قال : « سألت أبا عبدالله عن بيع المصاحف وشرائها ، فقال (عليه السلام) : إنّما كان يوضع عند القامة والمنبر ، إلى أن قال (عليه السلام) : أشتريه أحب إليّ من أن أبيعه » . وهي صحيحة . راجع المصادر المتقدّمة .
، فتقع المعارضة بينهما .وقد جمع المصنّف بينهما بأنّ الطائفة المجوّزة وإن كانت ظاهرة في جواز البيع ولكنّها لم تتعرّض لبيان كيفيته ، فلا تعارض ما دلّ على حرمة بيعه المتضمّن للبيان .
1) ففي الكافي عن عنبسة الورّاق قال : « سألت أبا عبد الله فقلت : أنا رجل أبيع المصاحف ، فإن نهيتني لم أبعها ؟ فقال : ألست تشتري ورقاً وتكتب فيه ؟ قلت : بلى وأُعالجها ، قال : لا بأس به » وهي مجهولة بعنبسة .
واحتمل في الجواهر(1)حمل الأخبار المجوّزة على إرادة شراء الورق قبل أن يكتب فيها على أن يكتبها ، فيكون العقد في الحقيقة متضمّناً لمورد البيع ومورد الإجارة ، بقرينة قوله (عليه السلام) : وما عملته يدك بكذا . ضرورة عدم صلاحية العمل مورداً للبيع ، فلابدّ من تنزيله على الإجارة .
ويرد على الوجهين أنّ كلاً من النفي والإثبات في الروايات الواردة في بيع المصاحف إنّما ورد على مورد واحد ، وعليه فلا ترتفع المعارضة بين الطائفتين بشيء من الوجهين ، لأنّهما من الجمع التبرّعي المحض ، ولا شاهد لها من العقل والنقل .
ويرد على خصوص ما في الجواهر أنّه لا وجه لجعل العقد الواحد متضمّناً لموردي الإجارة والبيع معاً تمسّكاً برواية عبدالرحمن بن سليمان المذكورة في الحاشية فإنّه مضافاً إلى كونها ضعيفة السند ، أنّه لا دلالة فيها على مقصود صاحب الجواهر إذ الظاهر من عمل اليد في قوله (عليه السلام) : « فقل إنّما أشتري منك الورق وما فيه من الأدم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا » هو الأثر الحاصل من العمل لا نفس الفعل ، فإنّه لا وجه لكون العمل بعد وقوعه متعلّقاً للإجارة .
والتحقيق : أن تحمل الطائفة المانعة من الروايات على الكراهة ، بدعوى أنّ الغاية القصوى من النهي عن بيع المصحف إنّما هو التأدّب والاحترام لكلام الله ( عزّوجلّ) فإنّه أجلّ من أن يجعل مورداً للبيع كسائر الكتب والأمتعة ، وأرفع من أن يقابل بثمن بخس دراهم معدودة ، إذ الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، فكيف يمكن أن يقع جزء من ذلك ثمناً للقرآن الذي اشتمل على جميع ما في العالم ويدور عليه مدار الإسلام . ومن هنا تعارف من قديم الأيّام أنّ المسلمين يعاملون على المصاحف معاملة الهدايا ، ويسمّون ثمن القرآن هدية ، وعليه فيحمل
1) الجواهر 22 : 126 .
النهي الوارد عن بيعه على الكراهة ، لإرشاده إلى ما ذكرناه .
ويدلّنا على ذلك قوله (عليه السلام) في رواية روح بن عبدالرحيم : « أشتري أحبّ إليّ من أن أبيعه » وقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير : « أشتريه أحبّ إليّ من أن أبيعه » - وقد ذكرناهما في الهامش - فإنّ كون الشراء أحبّ عند الإمام من البيع يدلّ على كراهة البيع ، وكونه منافياً لعظمة القرآن ، ولو كان النهي تكليفياً لم يفرق فيه بين البيع والشراء .
ولو سلّمنا دلالة الروايات المانعة على الحرمة ، لكنّها ظاهرة في الحرمة التكليفية ، فلا دلالة فيها على الحرمة الوضعية ، أعني فساد البيع وعدم نفوذه ، لعدم الملازمة بينهما ، وقد تقدّم ذلك مراراً . ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ الطائفة المانعة كلّها ضعيفة السند، وغير منجبرة بشيء ، فلا يجوز الاستناد إليها .
لا يقال : إنّ ما دلّ على جواز بيع الورق أيضاً معارض بما دلّ على عدم جواز بيعه ، كرواية سماعة المتقدّمة في الحاشية المصرّحة بحرمة بيع الورق الذي فيه القرآن فإنّه يرد عليه - مضافاً إلى ضعف السند في رواية سماعة - أنّها صريحة في المنع عن بیع الورق الذي فيه القرآن ، لا الورق المجرد ، فلا معارضة بينهما .
ثمّ إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته للروايات المتقدّمة فإنّه لا إشعار فيها بأنّ القرآن لا يملك ، وأنّه لا يقبل النقل والانتقال مطلقاً ، وعليه فمقتضى القاعدة أنّه كسائر الأموال يجري عليه حكمها من أنحاء النقل والانتقال - حتّى الهبة المعوّضة لوقوع العوض في مقابل الهبة دون المصحف - إلّا البيع فقط .
ويدلّ على ما ذكرناه جريان السيرة القطعية على معاملة المصاحف معاملة بقيّة الأموال ، وتدلّ على ذلك أيضاً الروايات الدالّة على أنّ المصحف من الحبوة ينتقل إلى الولد الأكبر بموت الوالد ، وإذا لم يكن للميّت ولد أكبر ينتقل إلى سائر
الورثة(1). فلو لم يكن المصحف مملوكاً ، أو لم يكن قابلاً للانتقال لم تصحّ الأحكام المذكورة . ويدلّ على ما ذكرناه أيضاً أنّه لو أتلف أحد مصحف غيره ، أو أحدث فيه نقصاً ضمن ذلك لصاحبه ، ومن الواضح أنّه لو لم يكن مملوكاً فإنّه لا وجه للحكم بالضمان .
و ممّا تقدّم يظهر ضعف ما قاله المحقّق الإيرواني من أنّ : مورد الأخبار المانعة هو البيع ، ويمكن جعلها كناية عن مطلق النواقل الاختيارية ، بل إشارة إلى عدم قبوله للنقل ولو بالأسباب الغير الاختيارية كالإرث(2).
ثم إنّه على القول بحرمة بيع المصحف أو بكراهته فلا يجري ذلك في مبادلة مصحف بمصحف آخر ، لا لانصراف أدلّة المنع عن هذه الصورة كما ذكره السيّد (رحمه الله)(3)لإمكان منعه بإطلاق الأدلّة على أنّه لا منشأ للانصراف المذكور . بل لما عرفت سابقاً من أنّ المنع عن بيع القرآن إنّما هو لعظمته ، وأنّه يفوت عن الإنسان متاع ثمين بإزاء ثمن بخس ، فإذا كانت المبادلة بين المصحفين لم يجر ذلك المحذور موضوعاً .
ثمّ إنّه لا ملازمة بين بيع المصحف وبين أخذ الأُجرة على كتابته ، فلا يلزم من حرمة الأول أو كراهته حرمة الثاني أو كراهته ، بل مقتضى مة الثاني أو كراهته ، بل مقتضى القاعدة ه-و الإباحة وتدلّ عليه جملة من الروايات(4).
1) راجع الكافي :7 : 85 / باب ما يرث الكبير من الولد والوافي 25 : 1/725، 3، 4 . والوسائل 26 : 97 / أبواب ميراث الأبوين والأولاد ب3 ح 1 - 3
2) حاشية المكاسب (الإيرواني) 1 : 303 .
3) حاشية المكاسب (اليزدي) : 31 ، السطر 9 .
4) ففي الوسائل 17 : 161 / أبواب ما يكتسب به ب 31 ح13 عن علي بن جعفر قال : « وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يكتب المصحف بالأجر ؟ قال : لا بأس » وهو صحيح . ورواه ابن إدريس في آخر السرائر :[ 3 : 573 ] نقلاً عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) وقريب منه خبر قرب الإسناد [ 295 / 1164 وفيه : بالأحمر بدل (بالأجر ) ] . وتقدّم في رواية روح بن عبدالرحمن [ في ص 734 ] ما يدلّ على ذلك .
قوله : بقي الكلام في المراد من حرمة البيع والشراء .
أقول : حاصل كلامه : أنّه لا شبهة في أنّ القرآن يملك ولو بكتابته في الأوراق المملوكة ، وعليه فامّا أن تكون النقوش من الأعيان المملوكة ، أو لا ، وعلى الثاني فلا حاجة إلى النهي عن بيع الخط ، إذ لم يقع بازائه جزء من الثمن ليكون ذلك بيعاً . وعلى الأول فامّا أن يبقى الخطّ في ملك البائع أو ينتقل إلى المشتري ، وعلى الأول فيلزم أن يكون المصحف مشتركاً بين البائع والمشتري ، وهو بديهي البطلان ومخالف للاتّفاق . وعلى الثاني فإن انتقلت هذه النقوش إلى المشتري في مقابل جزء من الثمن فهو البيع المنهي عنه ، وإن انتقلت إليه تبعاً لغيره كسائر ما يدخل في المبيع قهراً من الأوصاف التي تتفاوت قيمته بوجودها وعدمها - فهو خلاف مفروض المتبايعين .
والتحقيق : أنّ نقوش القرآن وخطوطه من قبيل الصور النوعية العرفية وهي مملوكة لمالك الأوراق ملكية تبعية ، ودخيلة في مالية الورق كبقية الأوصاف التي هي من الصور النوعية في نظر العرف ، وعليه فمورد الحرمة أو الكراهة هو بيع الورق الذي كتب فيه كلام الله.
وتوضيح ذلك : أنّك قد عرفت في بعض المباحث السابقة(1)وستعرف إن
1) في ص 234 .
شاء الله تعالى في مبحث الشروط(1)أنّ كيفيات الأشياء وإن كانت بحسب الدقّة الفلسفية من مقولة الأعراض ، ولكنّها تختلف في نظر أهل العرف ، فقد يكون نظرهم إلى الأشياء أنفسها بالأصالة وإلى أوصافها بالتبع ، كالأوصاف التي هي من لوازم الوجود . وقد يكون نظرهم فيها إلى الهيئة بالأصالة وإلى المادّة بالتبع ، لكون الهيئة من الصور النوعية في نظرهم ، كما في الكأس والكوز المصنوعين من الخزف ، فإنّهما في نظر العرف نوعان متباينان ، وإن كانا من مادّة واحدة . وقد يكون نظرهم إلى كلتيهما ، كالفراش المنسوج من الصوف ، فإنّ الاعتبار في نظر أهل العرف بمادّته وهيئته ، فهو مباين في نظرهم مع العباءة المنسوجة من الصوف ، ومع الفراش المنسوج من القطن .
أمّا القسم الأول فالمالية فيه من ناحية المواد ، لخروج أوصافها ع--ن الرغبات .
وأمّا القسم الثاني فالمالية فيه لخصوص الهيئات ، لكون المادّة ملحوظة بالتبع .
وأمّا القسم الثالث فالمالية فيه للهيئة والمادّة معاً ، فإنّ النظر فيه إلى كل منهما وعليه فإذا تخلّفت أوصاف المبيع فإن كانت من الصور النوعية بطل البيع ، كما إذا باع كوزاً فبان كأساً ، أو باع فراشاً فظهر عباءة ، ووجه البطلان هو أنّ الواقع غير مقصود ، والمقصود غير واقع . وإن كانت من الأوصاف الكمالية فإن كان لوجودها دخل في زيادة الثمن ثبت عند تخلّفها الخيار ، وإلّا فلا يترتّب عليه شيء نعم لا يجوز للبائع تغيير الهيئة ، لكونه تصرّفاً في مال الغير بدون إذنه ، وهو حرام إلّا إذا كانت الهيئة مبغوضة ، كهياكل العبادة الباطلة .
1) [ لعلّه يشير إلى ما يذكر في الجزء السابع من هذا الكتاب : 396 ] .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ النقوش في المصاحف ، سواء كانت من الأعراض الصرفة أم من الجواهر وإن لم تكن مالاً ولا مملوكة بنفسها ، ولكنّها دخيلة في مالية الأوراق ، فإنّ هذه النقوش في نظر أهل العرف من الصور النوعية التي يدور عليها مدار التسمية ، بحيث لو باع أحد مجموع ما بين الدّفتين على أنّه مصحف فبان أوراقاً خالية عن الخطوط ، أو كتاباً آخر بطل البيع ، لعدم وجود المبيع في نظر ال-ع--رف فالمصحف وكتاب المفاتيح مثلاً نوعان ، والجواهر والبحار متباينان .
وقد ظهر من جميع ما ذكرناه أنّ مورد الحرمة أو الكراهة في بيع المصحف هو الورق المنقوش الذي يسمّى مصحفاً ، ويؤيّد ذلك ما في رواية سماعة من قوله (عليه السلام) : « وإيّاك أن تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب »(1).
ثمّ إذا قلنا بحرمة بيع المصحف فيمكن توجيه المعاملات الواقعة عليه في الخارج بأحد وجهين ، وهما اللذان يمكن استفادتهما من الروايات المانعة : الأول : أن يكون المبيع هو الجلد والغلاف والحديد والحلية ، ولكن يشترط المشتري على البائع في ضمن العقد أن يملّكه الأوراق - التي كتب فيه القرآن - مجّاناً ولا يلزم التصريح بذلك الشرط، فإنّه بعد البناء على حرمة بيعه فالقرينة القطعية قائمة على اعتبار ذلك الشرط في العقد ، بداهة أنّ غرض المشتري ليس هو شراء الأديم والحديد والغلاف فقط، وإلّا لاشترى غيرها ، بل غرضه تملّك المصحف .
الثاني : أن يكون المبيع بالأصالة هو الاُمور المذكورة ، ولكن تنتقل الخطوط إلى المشتري تبعاً وقهراً ، فتكون مملوكة له ملكية تبعية ، إذ لا يعقل انفكاك الصورة عن المادّة لكي تبقى الهيئة في ملك البائع وتنتقل المادّة إلى المشتري .
لا يقال : إذا كان المبيع هو الاُمور المذكورة لزم القول بصحّة بیع المصحف
1) تقدّمت في ص 734 .
ولزومه على وجه الإطلاق ، حتّى إذا ظهر عيب في النقوش الموجودة في الأوراق .
فإنّه يقال : لا بأس بالالتزام بذلك ، إلّا إذا اشترط المشتري على البائع صحّة الخطوط ، فيثبت للمشتري حينئذ خيار تخلّف الشرط .
إذا قلنا بحرمة بيع المصحف أو بكراهته فهل يختصّ الحكم بمجموع م--ا ب--ين الدفّتين ، أو يسري إلى الأبعاض أيضاً ؟ ربما قيل بالثاني ، لقوله (عليه السلام) في رواية سماعة المتقدّمة : « وإيّاك أن تشتري الورق وفيه القرآن مكتوب ، فيكون عليك حراماً وعلى من باعه حراماً » فإنّ هذه الرواية ظاهرة في شمول الحكم لأي ورق كتب فيه القرآن ، وعليه فيشمل الحكم لكتب التفسير ، ولكل كتاب رقم فيه بعض الآيات للاستشهاد والاستدلال ، ككتب الفقه واللغة والنحو وغيرها ، أو ذكرت فيه لمناسبة الأبواب ، كبعض كتب الحديث .
ولكن الذي يستهل الخطب أنّ السيرة القطعية قائمة على جواز بيع الكتب المزبورة وشرائها ، من غير نكير حتّى من المتورّعين في أفعالهم ومعاملاتهم ، بل لم نر ولم نسمع من متفقّه أنّه أفتى فيها بكراهة البيع فضلاً عن الفقيه . إذن فلا بأس بالالتزام بجواز بيع كل كتاب مشتمل على الآيات القرآنية ، كالكتب المزبورة وغيرها .
بل قد يقال : إنّه إذا جاز بيع كتاب مشتمل على أبعاض القرآن ج--از ب-ي-ع أبعاض القرآن بنفسها ، لاتّحاد الملاك فيهما ، بل يجوز بيع مجموع القرآن حينئذ ، فإنّ دليل المنع - أعني به رواية سماعة - لم يفرق فيه بين مجموع القرآن وأبعاضه ، وحيث قامت السيرة القطعية على جواز البيع في الأبعاض كان ذلك كاشفاً عن جواز بيع المجموع ، ويكون ذلك وجهاً آخر لحمل الأخبار المانعة على الكراهة .
ولكن الذي يعظم الخطب أنّ السيرة دليل لبّي ، فيؤخذ منها بالمقدار المتيقّن فلو تمّت الأدلّة المانعة عن بيع المصحف لم يجز الخروج عنها إلّا بمقدار ما قامت عليه السيرة ، أعني به الكتب المشتملة على الآيات القرآنية ، ولا يمكن التعدّي منها إلى الأبعاض المأخوذة من المصحف ، فضلاً عن التعدّي إلى مجموع ما بين الدفّتين والحكم بجواز بيعه .
قوله : ثمّ إنّ المشهور بين العلّامة ( رحمه الله) ومن تأخّر عنه عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم .
أقول : تحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين :
الأُولى : جواز تملّك الكافر للمصحف وعدم جوازه .
الثانية : أنّه بناءً على جواز بيعه من المسلم فهل يجوز بيعه من الكافر ، أو لا ؟ وأمّا على القول بحرمة بيعه منه فيحرم بيعه من الكافر بالأولوية القطعية .
أمّا الناحية الأُولى : فالظاهر هو الجواز ، للأصل ، فإنّ مقتضاه جواز تملّك كل شخص لأي شيء إلّا ما خرج بالدليل ، ومن الواضح جداً أنّا لم نجد ما يدلّ على حرمة تملّك الكافر للمصحف ، بل الظاهر ممّا ذكرناه آنفاً هو جواز ذلك لأي أحد من الناس .
ويلوح ذلك أيضاً من كلام الشيخ (رحمه الله) في فصل ما يغنم وما لا يغنم من المبسوط أنّ ما يوجد في دار الحرب من المصاحف والكتب التي ليست بكتب الزندقة والكفر داخل في الغنيمة ، ويجوز بيعها(1). إذ م-ع ع-دم تملّك الكافر
1) المبسوط 2 : 30 .
للمصاحف فلا وجه لدخولها في الغنيمة ، بل تكون من قبيل مجهول المالك.
وأمّا الوجوه المذكورة لحرمة بيع المصحف من الكافر فلا دلالة فيها على عدم تملّكه إيّاه ، كما سيأتي .
وأمّا الناحية الثانية : فقد استدلّ المصنّف على حرمة بيع المصحف من الكافر بوجوه :
الأول : فحوى ما دلّ على عدم تملّك الكافر للمسلم .
وفيه أولاً : أنه لا دليل على ذلك ، بل ما دلّ على وجوب بيعه يدلّ بالالتزام على تملّكه إيَّاه ، إذ لا بيع إلّا في ملك . وأيضاً ذكر الفقهاء أنّه لو اشترى الكافر أحد عموديه المسلم فإنّه ينعتق عليه ، مع أنّه لا عتق إلّا في ملك ، وسيأتي تفصيل ذلك في البحث عن شرائط العوضين(1).
وثانياً : لو سلّمنا ثبوت الحكم في العبد المسلم فلا نسلّم قياس المصحف عليه فإنّه مضافاً إلى بطلان القياس في نفسه، أنّ في تملّك الكافر لل-مسلم ذلاً عليه بخلاف تملّكه للمصحف ، فإنّه ربما يزيد في احترامه ، كما إذا جعله في مكتبة نظيفة للاطّلاع على آياته وبراهينه ، بل قد تترتب على ذلك هدايته إلى الإسلام .
الثاني : النبوي المعروف « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(2)بدعوى أنّ تملّك الكافر للمصحف يوجب الاستعلاء على الإسلام فلا يجوز .
وفيه أولاً : أنّ النبوي المذكور ضعيف السند . وثانياً : أنّه مجمل ، فلا يجوز الاستدلال به على المطلوب ، إذ يمكن أن يراد به أنّ الإسلام يغلب على بقية الأديان
في العالم ، ويمكن أن يراد به أنّ الإسلام أشرف من سائر المذاهب ، ويمكن أن يراد به علو حجّته وسموّ برهانه ، لأنّ حقيقة الإسلام مستندة إلى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة ، بحيث يفهمها كل عاقل مميّز حتّى الصبيان ، ويتّضح ذلك جليّاً لمن يلاحظ الآيات القرآنية ، وكيفية استدلاله تعالى على المبدأ والمعاد وغيرهما ببيان واضح يفهمه أي أحد ، بلا احتياج إلى مقدّمات بعيدة ، بخلاف سائر الأديان فإنّها تبتني على خيالات واهية ، وتوهّمات باردة تشبه بأضغاث الأحلام .
الثالث : أنّ بيع المصحف من الكافر يوجب هتکه ، لعدم مبالاته بهتك حرمات الله .
وفيه : أنّ بين هتك القرآن وبين بيعه من الكافر عموماً من وجه ، فقد لا يوجب بيعه من الكافر هتكاً له ، كما إذا اشتراه وجعله في مكتبة نظيفة ، واحترمه فوق ما يحترمه نوع المسلمين . وقد يتحقّق الهتك حيث لا يتحقّق بيعه من الكافر كما إذا كان تحت يد مسلم لا يبالي بهتك حرمات الله ، فيجعله في مكان لا يناسبه ويعامله معاملة المجلّات والقراطيس الباطلة . وقد يجتمعان ، كما إذا اشتراه الكافر ونبذه وراء ظهره .
على أنّ الهتك إنّما يترتّب على تسليط الكافر على المصحف خارجاً ، لا على مجرّد بيعه منه ، وعليه فإذا وكلّ مسلماً في بيعه وشرائه والتصرّف فيه والانتفاع به فإنّه لا يترتّب عليه الهتك من ناحية تملّك الكافر إيّاه .
الرابع : أنّ بيع المصحف من الكافر يستلزم تنجّسه ، للعلم العادي بمسّ الكافر إيّاه بالرطوبة ، فيكون حراماً من هذه الجهة .
وفيه أولاً : أنّ بيعه منه لا يلازم تنجّسه ، فإنّ بينهما عموماً من وجه ، كما هو واضح . وثانياً : أنّ ذلك من صغريات الإعانة على الإثم ، وقد علمت في البحث عن
بيع العنب ممّن يجعله خمراً(1)أنّه لا دليل على حرمتها إلّا في موارد خاصة .
ويضاف إلى جميع ما ذكرناه أنّ المستفاد من الوجوه المذكورة هو حرمة البيع تكليفاً ، وقد تقدّم مراراً أنّه لا ملازمة بينها وبين الحرمة الوضعية .
ثمّ إنّ الوجوه المذكورة لو تمّت دلالتها على حرمة بيع المصحف من الكافر فإنّها تقتضي حرمة بيع الأدعية والروايات منه أيضاً ، خصوصاً إذا كانت مشتملة على أسماء الله وأسماء الأنبياء والأئمّة .
ثمّ إنّ المصنّف (رحمه الله) ذكر : أنّ أبعاض المصحف في حكم الكل إذا ك--ان مستقلاً ، وأمّا المتفرّقة في تضاعيف غير التفاسير من الكتب للاستشهاد بلفظه أو معناه فلا يبعد عدم اللحوق ، لعدم تحقّق الإهانة والعلو .
ويرد عليه : أنّ لازم ذلك جواز بيع المصحف منه تماماً إذا كان جزءاً من کتاب آخر ، والمفروض حرمته .
جواز أخذ المال منه مع الشكّ في وجود الحرام في أمواله
قوله : الثانية : جوائز السلطان وعماله ، بل مطلق المال المأخوذ منهم مجاناً أو عوضاً .
أقول : إنّ مورد البحث هنا كل مال أُخذ من أي شخص يأكل فريقاً من أموال الناس بالظلم والعدوان ، وتخصيص الكلام بجوائز السلطان وعمّاله إنّما هو من جهة الغلبة ، وعليه فيعمّ البحث المال المأخوذ منهم بعنوان المعاملة ، والمال المأخوذ ممّن يأخذ أموال الناس بالسرقة أو الغصب .
1) في ص 282 .
ثمّ إنّ المال المأخوذ من الجائر لا يخلو من أربعة أقسام ، لأنّ الآخذ إمّا أن لا يعلم - ولو إجمالاً - بوجود مال محرّم في أموال الجائر ، أو هو يعلم بذلك . وعلى الثاني فإمّا أن لا يعلم بوجود الحرام في خصوص المال المأخوذ ، أو هو يعلم بذلك . وعلى الثاني فإمّا أن يعلم بوجود الحرام فيه تفصيلاً أو إجمالاً ، فهنا أربع صور :
الصورة الاُولى : أن يأخذ المال من الظالم مع الشكّ في وجود الحرام في أمواله ولا شبهة في جواز ذلك ، لعموم قاعدة اليد ، المتصيّدة من الأخبار الكثيرة الواردة في موارد عديدة ، وللروايات الخاصّة الواردة في خصوص المقام(1)
وعن أبي المعزا قال : « سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا عنده فقال : أصلحك الله ، أمرّ بالعامل فيجيزني بالدراهم ، آخذها ؟ قال : نعم ، قلت : وأحجّ بها ؟ قال : نعم » وهي صحيحة .
وعن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) « إنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يقبلان جوائز معاوية » . وهي مجهولة بيحيى .
وعن محمد بن مسلم وزرارة قالا : « سمعناه يقول : جوائز العمّال ليس بها بأس » . وهي مضمرة ومجهولة بعلي بن السندي . وغير ذلك من الروايات . راجع التهذيب 6 : 338 / 940 ، 942 1935 ، 931 . والوافي 17 : 161 / 21 ، 22 ، 20 ، 19 ، والوسائل 17 : 213 / أبواب ما يكتسب به ب 51 ح1، 2، 4، 5.
.وقد استدلّ المصنّف (رحمه الله) على ذلك مضافاً إلى الروايات الخاصّة بالأصل والإجماع . أمّا الإجماع فيحتمل قريباً أن يكون مستنده قاعدة اليد ، والأخبار الخاصّة الواردة في المقام ، فلا يكون إجماعاً تعبّدياً .
1) ففي التهذيب عن أبي ولّاد قال « قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلّا من أعمالهم ، وأنا أمرّ به فأنزل عليه فيضيّفني ويحسن إليّ وربما أمر لي بالدراهم والكسوة ، وقد ضاق صدري من ذلك ؟ فقال لي : كل ، وخذ منه فلك المهنا ، وعليه الوزر » . وهي صحيحة .
وأمّا الأصل فإن كان المراد به قاعدة اليد - وإنّما عبّر عنها بالأصل للمساهلة والمسامحة - فهو متين ، لأنّها من القواعد المسلّمة بين الفقهاء ، فحال الجائر في هذه الصورة حال بقيّة الناس ، فإنّ الاحتمال المذكور موجود حتّى في أموال العدول من المسلمين ، بل يمكن شمول قاعدة اليد للكفّار أيضاً . وإن أراد بالأصل غير قاعدة اليد فلا نعلم له وجهاً صحيحاً .
وقد يقال : إنّ المراد به أصالة الصحّة ، فإنّ القاعدة تقتضي حمل فعل المسلم على الصحّة ، والمفروض أنّ الجائر من المسلمين ، فيعامل معاملة بقيّة المسلمين .
ولكن يرد عليه أنّه لم يقم دليل لفظي على اعتبار أصالة الصحّة ، لكي يتمسّك بإطلاقه في كل مورد يشكّ فيه ، ودليلها إنّما هو السيرة ، وهي من الأدلّة اللبّية فيؤخذ بالمقدار المتيقّن منها ، وهو نفس العقود والإيقاعات مع إحراز أهلّية المتصرّف للتصرّف ، وعليه فإذا شكّ في أنّ العقد الفلاني تحقّق صحيحاً أو فاسداً لخلل في إيجابه أو قبوله فإنه يحمل على الصحّة ، وأمّا إذا شكّ فيه من جهة اُخرى فلا دليل على حمل فعل المسلم على الصحّة .
ومن هنا لو أشار أحد إلى دار معيّنة وقال بعتك هذه الدار بكذا ، فإنّه لا يمكن الحكم بصحّة هذه المعاملة ، اعتماداً على أصالة الصحّة إذا انتفت قاعدة اليد ، أو إذا قطعنا النظر عنها .
ومن هنا أيضاً لو شكّ في أنّ البائع أصيل أو فضولي فإنّه لا وجه لحمله على الأول بمقتضى أصالة الصحّة .
وقد يقال : إنّ المراد بالأصل هو أصالة الإباحة الثابتة بالأدلّة العقلية والنقلية .
وفيه : أنّ أصالة الإباحة إنّما تجري في الأموال إذا لم تكن مسبوقة بيد أُخرى كالمباحات الأصلية التي ملكها الجائر بالحيازة . وأمّا إذا كانت مسبوقة بيد أُخرى
فإنّ أصالة الإباحة محكومة بأصل آخر ، وهو عدم انتقال الأموال المذكورة إلى الجائر من مالكها السابق ، فيحرم تناول تلك الأموال من الجائر ، إذ ليس هنا أصل موضوعي يثبت مالكيته لما في يده إلّا قاعدة اليد ، والمفروض أنّها لا تجري في المقام .
وقد احتمل المصنّف (رحمه الله) أنّه لا يجوز أخذ الجوائز من الجائر إلّا مع العلم باشتمال أمواله على مال حلال ، لكى يحتمل أن يكون المال المأخوذ من المال الحلال وقد استند في ذلك إلى رواية الحميري(1).
ويرد عليه أولاً : أنّ الرواية مرسلة فلا يجوز الاستناد إليها . وثانياً : أنّها غريبة عن محلّ البحث ، فإنّ مورد كلامنا هي الصورة الاُولى ، وهي ما إذا لم يعلم باشتمال أموال الجائر على مال محرّم ، ومفروض الرواية عكس ذلك ، فتكون راجعة إلى الصورة الآتية . ولعلّ ذلك اشتباه من الناسخ فكتبها في غير موضعها ، وقد وقع نظيره في كتب الشيخ ، والله العالم .
جواز أخذ المال من الجائر
مع العلم الإجمالي بوجود الحرام في أمواله
الصورة الثانية : أن يعلم الآخذ إجمالاً باشتمال أموال السلطان على الح---رام
1) عن الحميري أنّه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلاً لما في يده ، ولا يرع عن أخذ ماله ، ربما نزلت في قرية وهو فيها ، أو أدخل منزله وقد حضر طعامه إلخ . الجواب : « إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل برّه ، وإلّا فلا » . وهي مرسلة . راجع كتاب الاحتجاج للطبرسي 2 : 572 ، والوسائل 17 : 217 / أبواب ما يكتسب به ب51 ح 15 .
ولكن لا يعلم باشتمال الجائزة عليه ، فيقع الكلام هنا في ناحيتين :
الأولى : أن لا تكون الاُصول والأمارات معارضة في أطراف العلم الإجمالي ، والثانية : أن تقع المعارضة بينهما في ذلك .
أمّا الناحية الاُولى : فذكر المصنّف أنّ التصرّف في المال المأخوذ من السلطان الجائر في هذه الصورة جائز بأحد شرطين على سبيل مانعة الخلو ، الأول : أن تكون الشبهة في أطراف العلم الإجمالي غير محصورة . والثاني : أن يكون أحد الأطراف خارجاً عن محل الابتلاء وإن كانت الشبهة محصورة ، كما إذا دفع الجائر إلى أحدٍ جارية ، وعلم المدفوع إليه بأنّ إحدى الجاريتين مغصوبة إمّا هذه الجارية وإمّا الجارية الأُخرى التي اختصّ بها الجائر ، بحيث أصبحت اُمّ ولد له ومن خواص نسائه ، ومن الواضح أنّ اُمّ ولد الجائر خارجة عن محل ابتلاء غيره ، فلا يكون العلم الإجمالي منجزّاً في أمثال ذلك.
وقد استدلّ على هذا الرأي في فرائده (1)بوجوه شتّى ، وأشار هنا إلى واحد منها ، وحاصله : أنّ العلم الإجمالي إنّما يوجب التنجيز إذا كان التكليف المتعلّق بالواقع فعلياً على كل تقدير ، من غير أن يكون مشروطاً بالابتلاء في بعض الأطراف ، وإلّا فتكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى ما هو في معرض الابتلاء .
ويرد عليه : ما ذكرناه مفصّلاً في علم الأُصول(2)، وحاصله : أنّ كون الشبهة محصورة أو غير محصورة ، أو خروج بعض أطرافها عن محل الابتلاء ليس مناطاً في تنجيز العلم الإجمالي ، لعدم الدليل عليه من العقل أو النقل ، بل الحجر الأساسي في تنجيزه أن يكون ارتكاب كل فرد من أطراف الشبهة مقدوراً للمكلّف بالقدرة
العقلية ، وإلّا فهو لا يوجب التنجيز ، لقبح التكليف بأمر غير مقدور للمكلّف وعليه فإن كان جميع أطراف الشبهة هنا مقدوراً للمكلّف كان العلم الإجمالي منجزّاً للتكليف ، وإلّا فلا ، سواء أكانت الشبهة محصورة أم غير محصورة ، وسواء أكان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء أم لا ، وعلى هذا فلا وجه لتفصيل المصنّف في المقام .
والتحقيق : أنّه لا مانع من التصرّف في هذه الصورة أيضاً ، سواء كان أخذ المال من الجائر مجّاناً أم مع العوض ، وذلك من جهة الاعتماد على قاعدة اليد ، فإنّ من المحتمل أن يكون الحرام منطبقاً على ما بيد الجائر دون ما أعطاه للغير ، ولا فرق فيما ذكرناه بين ما كان المناط في تنجيز العلم الإجمالي نفس العلم أو تعارض الأُصول . والوجه في ذلك : أنّ جريان قاعدة اليد في المال المأخوذ لا مانع عنه، وأمّا المال الآخر الباقي تحت يد الجائر فهو غير مشمول للقاعدة ، للعلم بحرمة التصرّف فيه على كل من تقديري كونه غصباً وعدمه ، وسيجيء بيان ذلك قريباً .
ومن هنا ظهر أنّه لو كان للجائر مركوبان ، وكان أحدهما غصباً ، فأب--اح أحدهما لشخص وأبقى الآخر في يده ، فإنّه جاز للمباح له أن يتصرّف في ذلك ، وأمّا لو أباح أحدهما وملّكه الآخر ببيع ونحوه فإنّه يحرم عليه التصرّف في كليهما .
قوله : ثمّ إنّه صرّح جماعة بكراهة الأخذ .
أقول : كره جماعة أخذ الجائزة من الجائر مع قيام الحجّة على الجواز واستدلوّا عليه بوجوه :
الأول : أنّه يحتمل أن يكون المأخوذ منه حراماً واقعاً ، لكن قام الدليل على جواز تناوله ظاهراً ، فيكون مكروهاً .
وفيه : أنّه لو كان الاحتمال موجباً لكراهة التصرّف في المأخوذ من الجائر لوجب الالتزام بكراهة التصرّف فيما اُخذ من أي أحد من الناس حتّى المتورّعين في اُمورهم ، لوجود الاحتمال المذكور في أموالهم، مع أنّه لم يلتزم بها أحد في غير جوائز السلطان .
الوجه الثاني : الأخبار الكثيرة الدالّة على حسن الاحتياط(1)، كقوله (عليه السلام) : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقولهم (عليهم السلام) : « فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات » وكقوله (عليه السلام) : « الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة » وكقول علي (عليه السلام) لكميل بن زياد : « أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت » . وفي الحديث : « إنّ لكل ملك حمى ، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه » وغير ذلك من الروايات .
وفيه : أنّه إن كان المراد بالريب أو الشبهة التي جعلت موضوعاً للحكم في هذه الأخبار الريب في الحكم الظاهري - بأن كانت واقعة خاصة مشتبهة في حكمها الظاهري - فهو ممنوع في المقام ، لارتفاعه بقاعدة اليد التي ثبت اعتبارها في الشريعة المقدّسة .
وإن كان المراد به الريب في الحكم الواقعي فالأموال كلّها - إلّا ما شذّ وندر - مشتبهة من حيث الحكم الواقعي ، حتّى الأموال المشتبهة في أيدي عدول المؤمنين
1) راجع الوسائل 27 : 167 / أبواب صفات القاضي ب 12 ح 43 ، 9 ، 13، 46، 44 وغيرها من أحاديث الباب .
لوجود احتمال الحرمة الواقعية في جميع ذلك ، ولازم ذلك أن يحكم بكراهة التصرّف في جميع الأموال غير ما أُخذ من المباحات الأصلية ، وعلى هذا فطريق التخلّص من الكراهة أن يعامل بها معاملة مجهول المالك ، كما كان ذلك دأب بعض الأعلام من السادة . نعم يختلف الاحتياط من حيث الشدّة والضعف بحسب الموارد فالاحتياط في أموال الجائرين أشدّ من الاحتياط في أموال بقيّة الناس .
وعلى الجملة : لا طريق لنا إلى إثبات الكراهة في جوائز السلطان ، لأنّه إن كان المراد بالكراهة الكراهة الشرعية فالأخبار المذكورة غريبة عنها ، وإن كان المراد بها الكراهة الإرشادية الناشئة من حسن الاحتياط فلا اختصاص لها بالمقام .
الوجه الثالث : أنّ أخذ المال منهم يوجب محبّتهم ، فإنّ القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها ، وقد نهي في الأخبار المتواترة عن موادّتهم ومعاشرتهم، وقد أشرنا إليها في البحث عن حرمة معونة الظالمين(1).
وفيه : أنّه لا شبهة في ورود النهي- إمّا تحريمياً كما في جملة من الأخبار، أو تنزيهياً كما في جملة أُخرى منها- عن صحبة الظالمين وموادّتهم ومجالستهم ، ولكن بين ذلك وبين أخذ جوائزهم عموماً من وجه ، إذ قد يكون أحد محبّاً للظلمة وأعوانهم من دون أن يأخذ شيئاً منهم ، كالذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله حتّى صاروا من أولياء الظلمة ومحبّيهم . وقد يأخذ أحد جوائزهم وأموالهم وهو لا يحبّهم ، بل ربما أوجب ذلك بغضهم وعداءهم ، كما إذا كان أجيراً للظالم وأعطاه أقلّ من أُجرة المثل . ودعوى كون الإجارة خارجة عن مورد الب-حث دعوى جزافية ، فقد عرفت أنّ مورد البحث أعمّ من أن يكون الأخذ مجّاناً أو مع
1) في ص 650 وما بعدها
العوض .
الوجه الرابع : قوله (عليه السلام) في رواية الفضل : « والله لولا أنّني أرى من أزوّجه بها من عزّاب بني أبي طالب لئلّا ينقطع نسله ما قبلتها أبداً »(1)فإنّ هذه الرواية صريحة في أنّ الإمام (عليه السلام) إنّما قبل هدية الرشيد ليزوّج بها العزّاب من آل أبي طالب ، لئلّا ينقطع نسله ، ولولا هذه الناحية المهمة لكان الردّ أولى فتدلّ على الكراهة ما لم تكن في الأخذ مصلحة راجحة .
ولكن يرد عليه : أنّ اشمئزاز الإمام (عليه السلام) عن قبول هدية الرشيد ليس من جهة كونها من أموال الظلمة ، بل لاستلزامها المنّة ، فإنّ من أشقّ الأحوال أن يغصب أحد حقّ غيره ، ثمّ يهدي إليه هديّة بعنوان التفضّل وإظهار العظمة .
والوجه فيما ذكرناه : أنّ ما أعطاه الرشيد للإمام (عليه السلام) لا يخلو إمّا أن يكون من أموال من أمواله الشخصية ، أو من بيت المال ، أو من مجهول المالك ، أو من معروف المالك . فإنّ كان من الأول فلا شبهة في جواز أخذه ، وهو واضح . وكذلك إن كان من الثاني أو الثالث ، فإنّ ولاية بيت المال ومجهول المالك للإمام (عليه السلام) . وإن كان من الرابع فللإمام (عليه السلام) أن يأخذه ويوصله إلى مالكه ، وله أن لا يأخذه أصلاً. أمّا أن يأخذه ويزوّج به عزّاب بني أبي طالب فذلك غير جائز ، اللهمّ إلّا أن يقال إنّه من جهة كون الإمام (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم . ولكن هذا بعيد عن مراد الإمام (عليه السلام) في الرواية.
1) وهي مجهولة بمحمّد بن الحسن المدني وعبد الله بن الفضل . راجع الوسائل 17 : 216 / أبواب ما يكتسب به ب51 ح11 .
قوله : ثمّ إنّهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأُمور : منها : إخبار المجيز .
أقول : ذكر الفقهاء (رضوان الله عليهم) موارد لارتفاع الكراهة بناءً على ثبوتها في جوائز الظالمين .
منها : إخبار الظالم بحلّية الجائزة وكونها من أمواله الشخصية، كأن يقول : هذه الجائزة من تجارتي ، أو من زراعتي ، أو نحو ذلك ممّا يحلّ للآخذ التصرّف فيه .
ويرد عليه : أنّ ارتفاع الكراهة بذلك بناء على ثبوتها وإن كان مشهوراً بين الأصحاب ، بل ممّا لا خلاف فيه على ما حكاه المصنّف عن ظاهر الرياض(1)تبعاً لظاهر الحدائق(2)، إلّا أنّا لم نجد له مستنداً صحيحاً ، وقد اعترف بذلك صاحب المناهل(3).
وقد يتوهّم أنّ المستند في رفع الكراهة هنا ما دلّ على حجّية قول ذي اليد فيكون إخباره بذلك كسائر الأمارات المعتبرة شرعاً .
وفيه : أنّ إخباره بحلّية ماله لا يزيد على يده ، فكما أنّ إخباره يدلّ على الملكية الظاهرية فكذلك يده . واحتمال مخالفة الواقع متحقّق في كليهما ، وعليه فحسن الاحتياط يقتضي الاجتناب في كلا الموردين ، ولكنّه لا تثبت به الكراهة المصطلحة الناشئة من الحزازة في الفعل .
الثاني : إخراج الخمس ، نقل المصنّف حكايته عن المنتهى(1)والمحقّق الأردبيلي(2)، بل عن ظاهر الرياض عدم الخلاف فيه . وقد استدلّ على كونه رافعاً للكراهة عن الجوائز بوجوه :
الوجه الأول : فتوى النهاية(3)والسرائر(4)باستحباب الخمس في الجوائز بدعوى أنّ أخبار من بلغ تشمل ما كان بلوغه بفتوى الفقيه ، بل ذكر المصنّف أنّ فتوى النهاية والسرائر كالرواية ، وعليه فلا نحتاج إلى ذلك التعميم .
وفيه : أن استحباب الخمس فيها لا يلازم رفع الكراهة عن التصرّف في البقية .
الوجه الثاني : ما حكاه المصنّف عن المنتهى من أنّ المال الذي اختلط بالحرام قطعاً يطهر بالتخميس ، فما احتمل وجود الحرام فيه يطهر به بالأولوية القطعية .
ويرد عليه أولاً : ما ذكره المصنّف من أنّ إخراج الخمس من المال المختلط بالحرام بمنزلة البدل عن الحرام الواقعي ، فيكون ذلك نظير المصالحة في نظر الشارع فيرتفع به أثر الحرام ، أعني به وجوب الاجتناب . وأمّا المال الذي يحتمل أن يكون حراماً كلّه وقذراً في ذاته فلا معنى لتطهّره بإخراج خمسه ، فإنّه لو كان المال بمجموعه حراماً في الواقع لم يصحّ أن يكون الخمس بدلاً عنه ، لكي يكون ذلك بمنزلة المصالحة في نظر الشارع.
وثانياً : أنّ مقتضى القياس هو وجوب الخمس فيما يشكّ في حرمته وحليته
من الأموال ، لا استحبابه ، فإنّ اتّحاد الملاك في الموردين يقتضي اتّحاد الحكم فيهما وعليه فتوهّم وجوب الخمس في مورد واستحبابه في مورد آخر مع فرض وحدة الملاك فيهما شبيه بالمتناقضين .
وثالثاً : أنّ هذا الوجه قياس ، لا يفيد إلّا الظنّ بالواقع ، وهو لا يغني من الحقّ شيئاً .
ورابعاً : لو سلّمنا جميع ذلك فإنّما يدلّ على طهارة المال باخراج الخمس، ولا منافاة بين ذلك ، وبين كراهة التصرّف في الباقي .
الوجه الثالث : الأخبار الدالّة على وجوب الخمس في مطلق الجوائز، وحيث إنّ المشهور لم يلتزموا بوجوب الخمس فيها فتحمل تلك الأخبار على الاستحباب .
وفيه أولاً : أنّ إعراض المشهور عن الرواية المعتبرة لا يوجب رفع اليد عنها ، وعليه فمقتضى العمل بتلك الروايات إنّما هو وجوب الخمس في الجائزة ، لا استحبابه .
وثانياً : أنّ الظاهر من هذه الأخبار إنّما هو وجوب الخمس في الهدايا ، لكونها من الغنائم والفوائد والأرباح التي تحصل للإنسان يوماً فيوماً ، فشأنها شأن أرباح المكاسب التي يجب فيها الخمس بعد إخراج المؤونة ومضي السنة ، ولازم ذلك أن نقول بوجوب الخمس أو باستحبابه في الجائزة بعنوانها ، لا من حيث اندراجها في الأرباح ، فلابدّ من الالتزام بثبوته فيها مرّتين ، ولم يلتزم بذلك فقيه .
على أنّ إخراج الخمس عن الجوائز لا يرفع احتمال الحرمة عن الباقي ، إلّا مع الالتزام بكون التخميس بمنزلة المصالحة في نظر الشارع ، وقد عرفت جوابه آنفاً .
ويضاف إلى ما ذكرناه : أنّا لم نجد في الروايات ما يدلّ على وجوب الخمس في الجائزة بعنوانها حتّى نحمله على الاستحباب ، نعم ذكرت الجائزة والهدية في بعض
الأحاديث(1)
وفي الباب المذكور من الوسائل [7] وفي الكافي 1 : 545 / 12 ، والوافي 309:10 / 2 عن يزيد قال : « كتبت : جعلت لك الفداء ، تعلمني ما الفائدة ، وما حدّها ؟ رأيك ؟ أبقاك الله أن تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لا أكون مقيماً على حرام لا صلاة لي ولا صوم ، فكتب : الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارة من ربحها ، وحرث بعد الغرام ، أو جائزة » وهي ضعيفة بيزيد .
ولكن لا على نحو الموضوعية ، بل لكونهما من أفراد الغنائم والفوائد ومن الأرباح الحاصلة يوماً فيوماً ، ومن جميع ما ذكرناه ظهر الجواب عن الموثّقة(2)الدالّة على وجوب الخمس فيما حصل للإنسان من خصوص عمل السلطان .الوجه الرابع : ما ذكره المصنّف من أنّ المستفاد ممّا تقدّم - من اعتذار الكاظم (عليه السلام) في قبول الجائزة بتزويج عزّاب الطالبيين لئلّا ينقطع نسلهم - ومن غيره أنّ الكراهة ترتفع بكل مصلحة هي أهم في نظر الشارع من الاجتناب عن الشبهة . وقد تقدّم أنّ الوجه في إبائه (عليه السلام) عن قبول هدية الرشيد لزوم المنّة ، وإلّا فلا شبهة في جواز أخذ الإمام (عليه السلام) إيّاها.
ثم إنّا لو سلّمنا كراهة أخذ الجائزة من الجائر فلا رافع لها إلّا معاملتها معاملة مجهول المالك ، كما هو كذلك في جميع الأموال التي لم تثبت حلّيتها بالعلم الوجداني
1) ففي الوسائل 9: 501 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 8 ح 5 في صحيحة علي بن مهزيار قال :« كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة، إلى أن قال ( عليه السلام) : قال الله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية ، والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء ، والفائدة يفيدها ، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر » .
2) المروية في الوسائل 9 : 506 / أبواب ما يجب فيه الخمس ب 10 ح 2 ، والوافي 17 : 171 / 12 عن عمّار عن أبي عبد الله ( عليه السلام) « أنّه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل ؟ قال : لا ؟ إلّا أن لا يقدر على شيء ولا يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة ، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت » . وهي موثّقة بعمّار ومصدّق وغيرهما .
وقد كان ذلك دأب بعض الأعاظم من السادة (رحمه الله) .
وأمّا الناحية الثانية - وهي ما كانت الاُصول معارضة في أطراف الشبهة - فتفصيل الكلام فيها يقع تارةً من حيث القواعد ، وأُخرى من حيث الروايات.
أمّا من حيث القواعد : فإنّ الجائر قد يجيز التصرّف في شيء معيّن من أمواله أو يعطيه لأحد مجّاناً أو مع العوض ، وقد يجيز التصرّف في جميع أمواله على نحو العموم الاستيعابي ، وقد يجيز التصرّف في شيء منها على نحو العموم البدلي .
أمّا القسم الأول : فلا شبهة في انحلال العلم الإجمالي فيه إلى شكّ بدوي وعلم تفصيلي ، لأنّ الآخذ يعلم تفصيلاً بحرمة التصرّف في بقيّة أموال الجائر ، إمّا لكونها مغصوبة ، أو لأنّه لم يُجِز التصرّف فيها . وأمّا خصوص ما أخذه من الجائر فيجوز له التصرّف فيه ، استناداً إلى يد الجائر التي هي أمارة الملكية ، ولا تكون معارضة بيده في الطرف الآخر ، لما عرفت من حرمة التصرّف فيه على كل تقدير . ومع الإغضاء عن الاستناد إلى قاعدة اليد فلابدّ من التفصيل بين الأموال التي كانت مسبوقة بيد أُخرى ، وبين الأموال التي أُخذت من المباحات الأصلية ، فإنّ أصالة عدم الانتقال في الأول حاكمة على أصالة الحل.
وأمّا القسم الثاني : فلا ريب في تنجيز العلم الإجمالي فيه ، لتعارض الاُصول وتساقطها في أطرافه ، وكون التكليف منجزّاً على كل تقدير ، كما إذا كان للجائر عشرون ديناراً ، فأجاز لأحد أن يتصرّف في جميعها ، وكان المجاز يعلم أنّ أحد هذه الدنانير حرام ، فإنّه يحرم عليه التصرّف في جميعها .
وأمّا القسم الثالث : فقد يتوهم فيه انحلال العلم الإجمالي إلى شكّ بدوي وعلم تفصيلي على التقريب المتقدّم في القسم الأول ، ومثاله إذا أعطى الجائر كيسه لشخص ، وقال له : خذ منه ديناراً ، وكان الآخذ يعلم إجمالاً باشتمال الكيس على دينار محرّم ، فإنّ اختياره ديناراً خاصّاً إنّما يعيّن متعلّق إذن الجائر ، فكأنّه من الأول
إنّما أذن في التصرّف في ذلك الدينار المعيّن ، فيجري في هذا القسم جميع ما ذكرناه في القسم الأول .
ولكن التحقيق أنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين القسم الثاني والثالث والوجه في ذلك ما فصّلناه في علم الاُصول(1)، ومجمله : أنّ العلم الإجمالي بالتكليف الثابت بين الأطراف المعيّنة التي هي بأجمعها في معرض الابتلاء يقتضي الاجتناب عن الجميع ، وعليه فالترخيص في ارتكاب ما يختاره المكلّف ترخيص في مخالفة الحكم المنجّز ، من غير وجود مؤمّن في البين . وأصالة عدم كون ما يختاره المجاز حراماً معارضة بأصالة عدم كون الباقي حراماً ، إذن فيجب الاجتناب عن الجميع .
وبعبارة اُخرى : أنّ المناط في تنجيز العلم الإجمالي إنّما هو تعارض الاُصول في أطرافه ، سواء أكان المكلّف مع ذلك متمكّناً من ارتكابها على نحو العموم الشمولي ، أو على نحو العموم البدلي بأن لا يتمكّن من ارتكاب المجموع ، كما إذا قال المولى لعبده : يحرم عليك السكنى في الدار المعيّنة عند طلوع الفجر ، فاشتبه عليه متعلّق التكليف بين دارين ، فإنّه يجب عليه الاجتناب عن كلتا الدارين ، مع أنّه غير متمكّن من السكنى فيهما معاً عند طلوع الفجر ، فإنّ عدم تمكّن المكلّف من ارتكاب مجموع الأطراف لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي إذا تمكّن من ارتكابها على البدل .
وقد يقال بانحلال العلم الإجمالي أيضاً في هذا القسم ، لوجوه :
الأول : قاعدة اليد . وفيه : أنّ قاعدة اليد إنّما توجب الانحلال إذا أجاز الجائر التصرّف في مال معيّن كما تقدّم في القسم الأول ، وأمّا إذا أذن في التصرّف في مال غير معيّن على نحو العموم البدلي فإنّ قاعدة اليد في أي فرد اختاره المجاز معارضة لها في الطرف الآخر ، فلا توجب انحلال العلم الإجمالي .
1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي 47) : 421 .
الثاني : قاعدة من ادّعى شيئاً ولم يعارضه أحد في دعواه يحكم بكون الشيء ملكاً له .
وفيه : أنّ القاعدة المذكورة وإن وردت في بعض الأحاديث(1)ولكنّها غريبة عن المقام ، للعلم بوجود الحرام فيما بيد الجائر. على أنّ الرواية واردة في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّي منها إلى غيرها ، للجهل بخصوصياتها .
الثالث : أنّ حمل فعل المسلم على الصحّة يقتضي معاملة ما بيد الجائر معاملة الملكية .
وفيه : مضافاً إلى ما أوردناه على الوجه الأول ، أنّه قد يراد من أصالة الصحّة حمل فعل المسلم على الصحيح فيا إذا كان ذا وجهين - الحلال والحرام - ولا شبهة أنّ حمله على الوجه الحلال لا يوجب ترتّب آثاره عليه ، كما إذا تكلّم المسلم بكلام احتملنا أنّه سلام أو سباب ، فحمل فعله على الصحّة يقتضي أن لا يكون سباباً ولكن ذلك لا يثبت كونه سلاماً فيجب ردّ جوابه . فإذا حملنا فعل الجائر على الصحّة بهذا المعنى لم يفد ذلك شيئاً ، ولم تترتّب عليه آثار الصحّة ، من الحكم بملكية المأخوذ وجواز التصرّف فيه .
وقد يراد بها أصالة الصحّة فى العقود ، ولا ريب أنّها لا تثبت كون العوضين ملكاً للمتبايعين ، وإنّما تثبت بها صحّة العقود إذا شكّ فيها لأمر يرجع إلى الصيغة
1) عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال « قلت : عشرة كانوا جلوساً ، وسطهم كيس فيه ألف درهم ، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلّهم : لا ، وقال واحد منهم : هو لي ، فلمن هو ؟ قال : للذي ادّعاه » . وهي مرسلة . راجع الوسائل 27 : 273 / أبواب كيفية الحكم ب 17 ح 1 [ لكن رواها الشيخ في التهذيب 6 : 292 / 810 - كما ذكره أيضاً صاحب الوسائل - مسندة ] .
لعدم الدليل على أزيد من ذلك . فأصالة الصحّة إمّا أن لا تكون جارية ، أو لا تثبت بها لوازمها .
وأمّا من حيث الروايات : فقد استدلّ على جواز التصرّف في المأخوذ إذا علم إجمالاً باشتمال مال الجائر على الحرام بطوائف من الروايات :
الاُولى : الأخبار الواردة في باب الربا (1)الدالّة على وجوب ردّ الزائد عن رأس المال إلى مالكه إذا كان معلوماً ، وأمّا إذا كان المالك مجهولاً فهو حلال للآخذ . وقد استدلّ بها السيّد في حاشيته(2)على جواز التصرّف في الجائزة ولو مع العلم إجمالاً باشتمالها على الحرام .
وفيه : أنّ هذه الأخبار غريبة عمّا نحن فيه ، لأنّها راجعة إلى حلّية الربا بعد التوبة ، ودالّة على عفو الله عن ذلك تسهيلاً للمكلّفين وترغيباً في التوبة ، وعليه فالتوبة شرط متأخّر لحلّية الربا مع الجهل بصاحبه . وقد ورد في تفسير قوله تعالى : فَلَهُ مَا سَلَفَ(3)ما يدلّ على العفو عن الربا وضعاً وتكليفاً بعد التوبة (4). وحينئذ فشأن الربا شأن الموارد التي أذن الشارع في التصرّف في أموال الناس بدون إذنهم كأكل طعام الغير في المجاعة ، والتصرّف في اللقطة بعد التعريف ، وفي الأراضي المتسعة والأنهار الكبار ، وكالتصرّف في الأراضي المغصوبة لإنقاذ الغريق ، إلى غير ذلك من الموارد .
الطائفة الثانية : الأخبار الدالّة على حلّية الأشياء ما لم تثبت حرمتها(1)فإنّها تدلّ بإطلاقها على جواز التصرّف فيما أُخذ من الظالم ما لم تعلم حرمته تفصيلاً .
ولكن يرد عليها أنّ العمل بإطلاقها يقتضي الحكم بجواز ارتكاب جميع الشبهات ، سواء كانت مقرونة بالعلم الإجمالي أم لا ، وسواء كانت الشبهة محصورة أم لا ، ومن الضروري أنّ هذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، وعليه فلابدّ من حمل تلك الأخبار على فرض كون الشبهة بدوية .
وبعبارة اُخرى : أنّ تلك الأخبار منصرفة عن موارد العلم الإجمالي إذا كانت في معرض الابتلاء ، فإنّ شمولها لجميع الأطراف يستلزم المخالفة القطعية ولأحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح ، وعنوان أحدهما م-ن غ-ير تعيين ليس له مصداق غير الأفراد الخارجية ، والفرد المردّد لا وجود له حتّى في علم الله . على أنّ القائلين بجواز أخذ الجائزة من الجائر كالشهيدين(2)والمحقّق(3)وغيرهم لم يقولوا بجواز المخالفة القطعية في أطراف العلم الإجمالي .
قوله : وقد تقرّر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك . أقول : العجب من المصنّف ، فإنّه قد أسّس المباني الأُصولية ، وشيّد أساس تقديم أدلّة البراءة على أدلّة
الاحتياط ، ومع ذلك التزم هنا بحكومة قاعدة الاحتياط على البراءة .
قوله : على أنّ اليد لا تؤثّر فيه . أقول : الوجه في ذلك ما تقدّم من أنّ جريان قاعدة اليد في بعض الأطراف معارض بجريانها في الطرف الآخر ، للعلم بمخالفتها للواقع في أحد الطرفين.
قوله : فهو على طرف النقيض ممّا تقدّم عن المسالك . أقول : الوجه فيه : أنّ القول بعدم وجوب الاحتياط يناقض القول بوجوبه ، كما أنّ القول بخروج جوائز الظالم عن مورد الشبهة المحصورة تخصّصاً يناقض الق-ول بخروجها عن ذلك تخصيصاً .
الطائفة الثالثة : الأخبار الدالّة على جواز أخذ الجوائز من الجائر ، سواء كان الأخذ مع العوض أم بدونه ، وقد تقدّمت جملة من هذه الروايات(1).
وفيه : أنّ المستدلّ بهذه الأخبار إمّا أن يدّعى ظهورها في الحلّية الواقعية ، أو يدّعي ظهورها في الحلية الظاهرية . أمّا الدعوى الأُولى فحاصلها : أنّ الشارع قد حكم بأنّ أخذ المال من الجائر يوجب حلّيته واقعاً ، نظير تخميس المال المختلط بالحرام ، بناءً على كونه مطهّراً للمال المذكور واقعاً . وهذه الدعوى وإن كانت لا غرابة فيها في نفسها، لأنّ الشارع قد أباح التصرّف في مال الغير بدون إذنه إباحة واقعية في موارد كثيرة ، كأكل طعام الغير في المجاعة ، والتصرّف في أرضه لإنجاء الغريق ، وأكل المارّة من ثمرته ، وأكل اللقطة بعد التعريف المقرّر في الشريعة والتصرّف في الأراضي المتّسعة والأنهار الكبار ، وكالتصرّف فيما يؤخذ ممّن لا يعتقد الخمس ، فإنّ الأئمّة قد جعلوا شيعتهم في حلّ من ذلك واقعاً ليطيب نسلهم . ولكن لا
1) في البحث عن أخذ المال من الجائر مع الشك في وجود الحرام في أمواله ص 746 وم-ا بعدها .
يمكن الذهاب إلى ذلك في مقام الإثبات ، إلّا فيما دلّ الدليل عليه ، كما في الموارد المذكورة . نعم يظهر ذلك من إطلاق جملة من الروايات ، كقوله (عليه السلام) في رواية أبي ولّاد المتقدّمة(1): « فلك المهنا وعليه الوزر » وغير ذلك من الأخبار . ولكن العمل بإطلاقها يقتضي إباحة أخذ الجائزة من الجائر حتّى مع العلم التفصيلي باشتمالها على الحرام ، ولم يتفوّه به أحد ، وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقها وحمله على الشبهات البدوية ، أو المقرونة بالعلم الإجمالي الذي لا يوجب التنجيز .
ولنا أن نمنع دلالة تلك الروايات على جواز أخذ الجائزة من الجائر مطلقاً فإنّ السؤال فيها من جهة ما هو مرتكز في أذهان الناس من أنّ الجائر لا يبالي بالحرام، وحينئذ فتكون أمواله مشتبهة بالحرام ، إذ ليست أموال الجائرين مقطوعة الحرمة ليكون ذلك احتمالاً موهوناً في حقّهم . ويلوح هذا المعنى م-ن ب-عض تلك الروايات ، كصحيحة أبي ولّاد التي تقدّمت ، بل الظاهر من بعضها تقييد الحك-م بصورة الشكّ فقط ، كرواية إسحاق بن عمّار(2).
وأمّا الدعوى الثانية فحاصلها : أنّ المال المأخوذ من الجائر على تقدير كونه حراماً فهو باقٍ على حرمته الواقعية ، ولكنّه حلال في الظاهر بترخيص الشارع كبقية الأحكام الظاهرية .
ويرد على ذلك أنّ تلك الأخبار لا يمكن شمولها لجميع الأطراف ، فإنّه ترخيص في مخالفة حكم الشارع وهو حرام ، ولبعضها دون بعض ترجیح بلا
مرجّح . إذن فتخرج موارد العلم الإجمالي الذي يوجب التنجيز عن حدود ت-لك الأخبار تخصّصاً.
فيما علم تفصيلاً كون الجائزة محرّمة
الصورة الثالثة : وهي ما علم تفصيلاً بكون الجائزة محرّمة ، وقد ظهر حكمها من الصورة السابقة ، فلا نحتاج إلى الإعادة ،وإنّما المهم هو التعرّض للاُمور التي ذكرها المصنّف في ذيل هذه الصورة .
الأمر الأول : ما هو حكم الجائزة إذا علم الآخذ تفصيلاً بأنّها مغصوبة ؟ أقول : إنّ علم الآخذ بحرمة الجائزة ، تارةً يكون قبل استقرارها في يده ، وأُخرى بعده .
أمّا الجهة الاُولى فيحرم عليه أخذها اختياراً بقصد التملّك ، للعلم بكونها مال الغير وأنّه يحرم التصرّف في مال الغير بدون إذن صاحبه ، بل يحرم التّصرف حتّى مع قصد إرضاء مالكه بعده ، فإنّ التصرّف في مال الغير إنّما يجوز إذا كان المالك راضياً به حال التصرّف ، وأمّا الرضا المتأخّر فلا يؤثّر في مشروعية التصرّف المتقدّم فيكون الآخذ ضامناً للمالك مع التلف ، لأنّ يده يد عدوان . نعم يجوز أخذه لإيصاله إلى مالكه إذا كان معلوماً ، أو ليطبق عليه حكم مجهول المالك إذا كان المالك مجهولاً. هذا كلّه إذا لم يخش ضرراً من الجائر لعدم أخذه ، وإلّا فلا شبهة في جوازه ، للأخبار الدالّة على مشروعية التقية عند كل ضرورة(1).
ثمّ إنّه هل يجوز أخذ الجائزة عند التقيّة مطلقاً ، أم لا يجوز أخذها إلا بنيّة الردّ إلى مالكها ؟ ذهب المصنّف إلى الثاني ، بدعوى أنّ أخذه بغير نيّة الردّ تصرّف في
1) قد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص 676 .
مال الغير بدون إذنه ، وأمّا التقيّة فلا ريب أنّها تتأدّى بقصد الردّ .
وتوضيح مرامه : أنّ عدم المندوحة وإن لم يعتبر في التقية بالنسبة إلى أصل العمل ، ولكن لا شبهة في اعتباره حال العمل . مثلاً إذا اقتضت التقيّة أن يكفّر في صلاته مع سعة الوقت ، وتمكّن المكلّف من الإتيان بها بغير تكفير في بيت مظلم لا يراه أحد صحّت صلاته ، لإطلاق الروايات الدالّة على مشروعية التقيّة ، فإنّ موضوعها متحقّق حين الإتيان بالعمل على وجه التقيّة .
وأمّا إذا كانت له مندوحة حال العمل ، فتمكّن من إيقاعه على غير وجه التقيّة ، فلا شبهة في فساد عمله إذا أوقعه على وجه التقية ، فإذا تمكّن المصلّي مثلاً من السجود على الأرض وعلى الفراش كليهما فلا ريب في وجوب السجود على الأرض ، وعدم كفاية السجود على الفراش ، وكذلك إذا تمكّن المتوضّي من المسح على الرجل وعلى الخفّ كليهما ، بأن كانت عنده فرقتان من العامّة ، فرقة تجّوز المسح على الخفّ ، وفرقة لا تجوّزه عليه ، فإنّه لا ريب في وجوب المسح على الرجل لوجود المندوحة . والوجه في ذلك أنّه لا يكون مشمولاً لأخبار التقيّة ، لعدم تحقّق موضوعها إذا وجدت المندوحة حال العمل .
وأمّا الإكراه على أخذ الجائزة من الجائر فقد تقدّم(1)في البحث عن الإكراه على الولاية من الجائر أنّ الإكراه لا يتحقّق مع وجود المندوحة ، فإذا أكره الجائر شخصاً على شرب أحد إناء ين ، أحدهما خل والآخر خمر ، فإنّه لا يجوز للمكرَه بالفتح - أن يشرب الخمر بتوهّم أنّه مكره عليه ، إذ الإكراه إنّما هو على الجامع لا على الفرد الخاصّ ، ومن هنا ظهر حكم الاضطرار أيضاً .
وعلى هذا فإذا اقتضت التقيّة أو الإكراه والاضطرار أخذ الجائزة من الجائر
1) في ص 684 - 685 .
مع العلم التفصيلي بكونها مغصوبة جاز أخذها ، بل وجب في بعض الأحيان ، ولكن التقية وأمثالها تتأدّى بأخذها بنيّة الردّ إلى مالكها ، فلا يسوغ أخذها بغير هذه النيّة .
ثمّ إذا أخذت لا بنيّة الردّ ضمن الآخذ ما أخذه ، ووجب عليه عند التلف أداء مثلها أو قيمتها لمالكها ، لأنّ يده مشمولة لقاعدة اليد الحاكمة بضمان ما أخذت .
وأمّا إذا كان الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك فهو لا يخلو عن إحدى ثلاث صور لأنّ الآخذ قد يكون عالماً بعدم رضا المالك بأخذ ماله بعدم رضا المالك بأخذ ماله من الجائر ، وقد يكون عالماً برضاه بذلك ، وقد يكون شاكّاً فيه .
فعلى الأوّل لا يجوز أخذ المال من الجائر ، فإنّ دليل سلطنة الن-اس ع-ل-ى أموالهم يقتضي كون زمام المال بيد مالكه ، وليس لغيره أن يعارضه في سلطنته على ماله . مثلاً إذا أطلق أحدٌ عنان فرسه ليذهب إلى البيداء لغرض عقلائي ، ولم يرض برده ، فإنّه لا يجوز ز لأحد أن يأخذه ويحفظه لمالكه بزعم أنّه إحسان إليه ، لأنّه تصرّف في مال الغير بدون إذنه ، فهو حرام . وعلى هذا فلو أخذه أحد وجب عليه أن يردّه إلى صاحبه ، لقاعدة ضمان اليد .
وعلى الثاني لا شبهة في جواز الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك ، ولا يكون الأخذ حينئذ منافياً لسلطنته ، ويكون المال المأخوذ أمانة مالكية ، لا شرعية كما يظهر من المصنّف . والوجه في ذلك : أنّ أخذ المال من الجائر مع العلم برضا المالك يكون شأنه شأن الوديعة المأخوذة من نفس المالك .
ثم لا يخفى أنّه ليس لقصد الردّ إلى المالك وعدمه موضوعية لعنواني الإحسان والظلم ، كسائر الموارد التي يكون القصد موضوعاً للحكم ، وليس مأخوذاً على نحو الطريقية كما هو واضح .
وعلى الثالث لا ريب في جواز الأخذ بنيّة الردّ إلى صاحبه ، لكونه عدلاً
وإحساناً . ويكون المأخوذ حينئذ أمانة شرعية عند الآخذ ، فلا يضمنه مع التلف بغير تفريط ، لأنّه محسن ، وما على المحسنين من سبيل . ولا يكون المورد مشمولاً لقاعدة ضمان اليد ، لا من جهة اعتبار التعدّي في مفهوم الأخذ كما ذهب إليه شيخنا الأُستاذ(1)، لكون مفهوم الأخذ أوسع من ذلك ، بل من جهة تخصيص القاعدة بالروايات الدالّة على عدم الضمان في الأمانة ، نعم لو أخذه بغير قصد الردّ إلى المالك فتلف عند الآخذ ضمن للمالك ، لأنّ الأخذ حينئذ تعدٍ على مال الغير ، ومعارضة لسلطانه ، فهو حرام وضعاً وتكليفاً .
وقد يقال بحرمة التصرّف فيما أخذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ، سواء كان الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك أم لا ، لقوله : « لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفس منه » ولقوله (عليه السلام) : « فلا يحل لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه »(2)فإنّ الأخذ تصرّف في مال الغير مع عدم إحراز إذنه فيه ، فهو حرام وظلم ، لا عدل وإحسان . ونظير ذلك ما إذا أراد المالك بيع متاعه من شخص بخمسة دنانير ، وأراد غيره بيع ذلك المتاع من شخص آخر بثمانية دنانير مع عدم رضا المالك ، فإنّ ذلك لا يجوز بزعم أنّه إحسان إليه .
وهو ضعيف ، أمّا الرواية الاُولى فإنّ الحلّية والحرمة فيها حكمان لموضوع واحد ، وسبب الاختلاف إنّما هو إذن المالك وعدمه ، ومن الواضح أنّ الموضوع المذكور إنّما هو منافع المال التي تعود إلى المتصرّف من الأكل والشرب والبيع والهبة ونحوها ، فوضع اليد على مال الغير بنيّة الردّ إلى المالك خارج عن حدود الرواية فإنّه ليس من المنافع العائدة إلى الآخذ ، بل هو من المنافع التي تعود إلى المالك
وليس للآخذ منها إلّا العناء والكلفة .
وأمّا الرواية الثانية فأنّا نمنع صدق التصرّف على مجرّد الأخذ بنيّة الردّ إلى المالك ، إذ التصرّف عبارة عن التقليب والتقلّب ، ولا نسلّم صدقه على ذلك ، وإذا سلّمنا صدقه عليه لغة فإنّه منصرف عنه عرفاً ، فيكون المأخوذ أمانة شرعية عند الآخذ ، فتترتّب عليه أحكامها الوضعية والتكليفية .
وعلى الجملة : إنّ وضع اليد على مال الغير لحفظه وإيصاله إلى مالكه خارج عن الروايتين موضوعاً وحكماً ، وهذا معنى يحك-م ب-ه الوجدان وأه-ل الع--رف ويؤيّده ما في موثّقة أبي بصير(1)من أنّ حرمة مال المؤمن كحرمة دمه . نعم إذا منع المالك عن وضع اليد على ماله حتّى بقصد الردّ إليه كان ذلك حراماً أيضاً ، كما أنّ دقّ أبواب الناس جائز للسيرة القطعية ، فإذا منع المالك عنه كان حراماً . وأمّا قياس المقام ببيع مال الغير بدون إذنه فواضح البطلان .
وأمّا الجهة الثانية - وهي ما إذا أخذ المال من الجائر ثمّ علم بعد ذلك بكونه مغصوباً - : فظاهر المصنّف وصريح السيّد في حاشيته(2)أنّ هنا مسألتين ، الأُولى : هل الأخذ من الجائر بنيّة التملّك مع الجهل بكون المأخوذ من أموال الغير موجباً للضمان أم لا ؟ الثانية : إذا حكمنا بالضمان بذلك فهل يبقى هذا الحكم حتّى إذا نوى الآخذ حفظ المال وإيصاله إلى مالكه بعد العلم بالحال ، أم لا يبقى ذلك الحكم ، بل يتغيّر بتغيّر العنوان ؟
أمّا المسألة الأُولى : فالظاهر أنّ القول بالضمان هو المشهور بين الأصحاب
وظاهر المسالك(1)عدم الضمان مع القبض جاهلاً ، قال: لأنّه يد أمانة فيستصحب. إلّا أنّه لا نفهم وجهاً صحيحاً لهذا الاستصحاب ، إذ ليس ذلك مسبوقاً بيد الأمانة حتّى نستصحبها . ويمكن توجيه كلامه بأحد وجهين :
الأول : أنّ معنى الضمان عندنا عبارة عن انتقال القيمة أو المثل إلى ذمّة الضامن ، ومن الضروري أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلّا بالتلف ، وحيث إنّ يد الآخذ كانت يد أمانة لا توجب الضمان ، لكونه جاهلاً بالحال ، فإذا شكّ في تغيّر الحكم بعد حصول العلم كان مقتضى القاعدة هو الاستصحاب .
وهذا التوجيه بديهي البطلان ، ولا يناسب مقام الشهيد ، بداهة أنّ الضمان يتحقّق بالاستيلاء على مال الغير بدون سبب شرعي ، من غير فرق بين العلم والجهل ، وبين كون المستولي كبيراً أو صغيراً ، عاقلاً أو مجنوناً ، نعم تنتقل العين إلى المثل أو القيمة حين التلف ، ولكن هذا الانتقال أجنبي عن أصل الضمان ، ولم يثبت في المقام كون اليد يد أمانة حتّى تستصحب .
الوجه الثاني : أنّ الشارع قد رخّص في أخذ الجائزة عند الجهل بكونها مغصوبة ، فتكون يد الآخذيد أمانة شرعية ، فإذا شكّ في ضمان العين بعد تلفها كان المرجع هو استصحاب يد الأمانة .
ولكن يرد عليه أنّ ترخيص الشارع في ذلك ترخيص ظاهري في ظرف الجهل ، لا ترخيص واقعي، أمّا حكم الشارع بالضمان فهو حكم واقعي ثابت في حالتي العلم والجهل ، ولا منافاة بين الحكمين على ما حقّقناه في علم الاُصول(2)وعليه فوضع اليد على مال الغير بنيّة التملّك الضمان . فإذا انكشف الواقع فإن
كانت العين باقية فلابد من ردّها إلى مالكها ، وإلّا فلابدّ من ردّ مثلها أو قيمتها إليه . ويدلّ على ما ذكرناه حكمهم بالضمان في مسألة تعاقب الأيدي على المال المغصوب مع الجهل بالحال ، ولم يقل أحد فيها بعدم الضمان حتّى صاحب المسالك (رحمه الله) .
وأمّا المسألة الثانية وهي أنّه إذا كان وضع اليد على المال موجباً للضمان ، فهل يرتفع هذا الحكم بنيّة الردّ إلى المالك بعد العلم بالحال أم لا ؟ فيه وجهان ، الضمان كما ذهب إليه المصنّف (رحمه الله) ، وعدمه كما ذهب إليه السيّد في حاشيته(1).
وقد استدلّ المصنّف (رحمه الله) على الضمان بما حاصله : أنّ أخذ الجائزة من الجائر بنيّة التملّك وإن كان جائزاً بمقتضى الحكم الظاهري ، إلّا أنّه يوجب الضمان واقعاً ، لقاعدة ضمان اليد ، فإذا انكشف الخلاف ، وتبدّل قصد الآخذ ، وبنى على حفظ المال للمالك وردّه إليه ، شككنا في ارتفاع الضمان الثابت بقاعدة ضمان اليد وعدمه ، فنستصحب بقاءه .
وأشكل عليه السيّد بأنّ علّة الضمان وإن كانت هي الأخذ العدواني ، إلّا أنّها قد زالت بنيّة الردّ إلى المالك في مسألتنا وأمثالها ، لأنّ اليد قد انقلبت من العدوان والخيانة إلى الإحسان والأمانة ، فيكون المال أمانة شرعية عند الآخذ ، فلا يترتّب عليه الضمان عند التلف ، لأنّ قاعدة ضمان اليد مخصّصة بما دلّ على عدم الضمان في الأمانة ، وبأنّ الودعي محسن ، وما على المحسنين من سبيل ، وعليه فلا مجال لاستصحاب الضمان ، لعدم بقاء موضوعه.
والتحقيق هو ما ذكره المصنّف ( رحمه الله) من الضمان ، وليس الوجه فيه هو الاستصحاب ، لما بنينا عليه من عدم جريانه في الشبهات الحكمية ، بل الوجه في ذلك أن وضع اليد على مال الغير بقصد التملّك علّة لحدوث الضمان وبقائه ، سواء
1) حاشية المكاسب( اليزدي) : 35 ، السطر 3 .
تبدلّت بعد ذلك بيد الأمانة أم لا ، لأنّ ضمان اليد لا يرتفع إلّا بحصول غايته وهي الأداء ، فما لم تتحقّق الغاية لم يسقط الضمان . وعليه فكون اليد الفعلية الحادثة ي--د أمانة لا تزاحم اليد السابقة المقتضية للضمان بقاء ، فإنّ يد الأمين لا تقتضي الضمان لا أنّها تقتضي عدم الضمان ، ومن البديهي أنّ ما لا اقتضاء له لا يزاح--م م-ا له الاقتضاء ، ومجرّد نيّة الردّ إلى المالك لا يرفع الضمان الثابت باليد ابتداء ، كما أنّ الأحكام الثابتة على الأشياء بعناوينها الأوّلية لا تنافي الأحكام الثابتة عليها بعناوينها الثانوية .
الأمر الثاني : في ردّ ما أُخذ من الجائر إلى أهله ، وتحقيق الكلام هنا يقع في ناحيتين : الأُولى : أن يكون المأخوذ من الجائر معلوم المالك . والثانية : أن يكون مجهول المالك .
أمّا الناحية الأُولى : فلا شبهة في وجوب ردّ المأخوذ منه إلى مالكه المعلوم لكونه أمانة في يد الآخذ ، وقد دلّت الآية(1)على وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها ولا يفرق في ذلك بين أن يكون علم الآخذ بالحال قبل وقوع المال في يده أو بعده وإنّما الكلام في معنى الأداء ، فهل هو مجرّد إعلام المالك بذلك والتخلية بينه وبين ماله أم حمله إليه وإقباضه منه ؟
قد يستظهر الثاني من الآية ، فإنّ الظاهر من ردّ الأمانات إلى أهلها هو الردّ الحقيقي ، أي حملها إليهم وإقباضها منهم . ولكن المرتكز في أذهان عامّة أه-ل العرف ، والظاهر من ملاحظة موارد الأمانات أنّ المراد بأداء الأمانة إنّما هو التخلية
1) وهي قوله تعالى : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا النساء 4 : 58 .
بينها وبين صاحبها ، كما عليه أكثر الفقهاء .
ويؤيّد ما ذكرناه ، بل يدلّ عليه أنّ المودع إذا طلب من الودعي حمل الوديعة إليه ذمّه العقلاء ، خصوصاً إذا بُعد موضع أحدهما عن الآخر ، واحتاج النقل إلى المؤونة ، بل ربما يستلزم الحمل الحرج والضرر ، وهما منفيان في الشريعة المقدّسة فافهم .
نعم لو نقلها الودعي من بلد الإيداع إلى بلد آخر بغير داعي الحفظ وبدون إذن المالك وجب عليه ردّها إلى بلد الوديعة .
وأمّا الناحية الثانية - أعني ما إذا كان المالك مجهولاً - : فيقع الكلام فيها من جهات شتّى :
الجهة الأُولى : هل يجب الفحص عن المالك أم لا ؟ قد يقال بعدم الوجوب كما احتمله المصنّف ، فيجوز التصدّق بمجهول المالك بغير فحص عن مالكه ، استناداً إلى إطلاق جملة من الروايات(1)
وما روي في الكافي والتهذيب عن علي بن ميمون الصائغ قال : « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عمّا يكنس من التراب فأبيعه ، فما أصنع به ؟ قال : تصدّق به ، فإمّا لك وإمّا لأهله » الحديث . وهو ضعيف بعلي الصائغ .
والتهذيب عنه ، قال : « سألته عن تراب الصواغين وإنّا نبيعه ؟ قال : أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه ؟ قال قلت : لا ، إذا أخبرته اتّهمني ، قال : بعه ، قلت : فبأي شيء نبيعه ؟ قال : بطعام ، قلت : فأي شيء أصنع به ؟ قال : تصدّق به ، إمّا لك وإمّا لأهله » الخبر . وه-و ضعيف بالصائغ المذكور ، ومضمر . راجع الوافي 18 : 627 / 1، 2 . والكافي 5 : 250 / 24 ، والوسائل 18 : 202 / أبواب الصرف ب 16 ح 1 ، 2 . والتهذيب 6: 383 / 1131 . وفي الوسائل 17 : 364 / أبواب عقد البيع ب 17 ح 1 عن أبي علي بن راشد قال : « سألت أبا الحسن (علیه السلام) قلت : جعلت فداك ، اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم ، فلمّا وفّيت المال خبّرت أن الأرض وقف ، فقال (عليه السلام) : لا يجوز شراء الوقف ، ولا تدخل الغلّة في مالك ، وادفعها إلى من وقفت عليه ، قلت : لا أعرف لها ربّاً ، قال تصدّق بغلتها » وهي مهملة بمحمّد بن جعفر الرزّاز .
وفي الوسائل 17 : 223 / أبواب ما يكتسب به ب 55 ح 1 عن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً ، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثمّ باعه ؟ قال : لا يصلح ثمنه - إلى أن قال (عليه السلام) : - إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها» وهي حسنة بإبراهيم . وهكذا في رواية أُخرى . وفي المستدرك 12 : 105 / أبواب جهاد النفس ب 78 ح 5 ما يدلّ على ذلك .
.1) منها ما روي في الكافي والتهذيب عن علي بن أبي حمزة قال : « كان لي صديق من كتّاب بني أُميّة ، فقال لي : استأذن لي على أبي عبدالله ، فاستأذنت له عليه فأذن له ، فلمّا أن دخل سلّم وجلس ، ثمّ قال : جعلت فداك ، إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً وأغمضت في مطالبه ... فقال الفتى : جعلت فداك ، فهل لي مخرج منه ؟ قال : إن قلت لك تفعل ؟ قال : أفعل ، قال له : فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم ، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف تصدّقت له ، وأنا أضمن لك على الله الجنّة » الخبر . وهو ضعيف بإبراهيم بن إسحاق ، وعلي بن أبي حمزة البطائني . راجع الوسائل 17 : 199 / أبواب ما يكتسب به ب47 ح 1 ، والوافي 17 : 153 / 4 ، والكافي 5 : 106 / 4 ، والتهذيب 920/331:6.
وقد يقال بوجوب الفحص لوجهين :
الوجه الأول : الأخبار الدالّة على وجوب الفحص عن المالك ، فإنّ مقتضى القاعدة تقييد المطلقات بهذه الأخبار .
فمنها : ما ورد في إيداع اللص دراهم أو متاعاً عند مسلم(1)، فإنّه دلّ على أنّ الوديعة بمنزلة اللقطة ، فيعرفها الودعي حولاً ، فإن أصاب صاحبها ردّها إليه وإلّا تصدّق بها عنه .
ومنها : ما دلّ على وجوب الفحص عن الأجير لإيصال حقّه إليه(2). ومنها : الأخبار الواردة في وجوب تعريف اللقطة(3). ومنها : ما دلّ على وجوب الفحص عن رجل كان له على رجل حقّ ففقده الرجل المديون(4)
وفي الوافي عن الفقيه [ 241:4 / 770] : وقد روى في هذا خبر آخر «إن لم تجد له وارثاً وعرف الله منك الجهد فتصدّق بها » وهي مرسلة .
.1) ففي الوسائل 25 : 463 / كتاب اللقطة ب 18 ح 1 ، والتهذيب 6: 396 / 1191 عن حفص بن غیاث قال : « سألت أبا عبدالله (علیه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً ، واللص مسلم، هل يرد عليه ؟ فقال : لا يردّه ، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل ، وإلّا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولاً ، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه ، وإلّا تصدّق بها ، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم ، فإن اختار الأجر فله الأجر ، وإن اختار الغرم غرم له ، وكان الأجر له » . وهي ضعيفة بقاسم بن محمد وحفص بن غياث .
2) فعن هشام بن سالم قال : « سأل حفص الأعور أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا عنده جالس قال : إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه ، وله عندنا دراهم ، وليس له وارث ، فقال أبو عبدالله (علیه السلام) : تطلب له وارثاً فإن وجدت له وارثاً ، وإلّا فهو كسبيل مالك ، ثمّ قال : ما عسى أن يصنع بها ؟ ثم قال : توصي بها ، فإن جاء لها طالب ، وإلّا فهي كسبيل مالك » . وهي موثّقة بابن سماعة وغيره . إلى غير ذلك من الروايات . راجع الكافي 7 : 153 / 1 ، والوافي 17 : 364 / 12 ، والوسائل 18 : 362 / أبواب الدَين والقرض ب 22 ح 3 ، 26 : 296 / أبواب ميراث الخنثى ب6 ح1 .
3) راجع الوافي 17 : 331 / ب 51 ، اللقطة) . والكافي 5 : 137 / باب اللقطة والضالة والوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب 2 ، والتهذيب 6 : 389 / باب اللقطة والضالّة .
4) ففي الوسائل 26 : 297 / أبواب ميراث الخنثى ب 6 ح 2 ، والوافي 17 : 359 / 1 عن ابن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) : « في رجل كان له على رجل حقّ ففقده ، ولا يدري أين يطلبه ، ولا يدري أحي هو أم ميّت ، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً ؟ قال : اطلبه ، قال : إنّ ذلك طال فأتصدّق به ؟ قال : اطلبه » . وهي صحيحة .
ومنها : رواية يونس بن عبدالرحمن ، قال : « سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وأنا حاضر ، إلى أن قال فقال : رفيق كان لنا بمكّة ، فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا ، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا ، فأي شيء نصنع به ؟ قال : تحملونه حتّى تحملوه إلى الكوفة ، قال : لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع ؟ قال : إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه ، قال له : على من جعلت فداك ؟ قال : على أهل الولاية .»(1). فإنّ قوله (عليه السلام) : « إذا كان كذا فبعه وتصدّق بثمنه » مترتّب على اليأس من الوصول إلى المالك ، ويدلّ مفهومه على عدم جواز التصدّق به قبل اليأس .
وهذه الروايات وإن كانت خاصّة بحسب الموارد ، إلّا أنّ الملاك فيها هو عدم إمكان إيصال المال إلى مالكه، فيتعدّى منها إلى مطلق مجهول المالك. ولكن الظاهر أنّها بعيدة عمّا نحن فيه ، أمّا ما ورد في قضية إيداع اللص ففيه أولاً : أنّه ضعيف السند ، ودعوى انجباره بعمل المشهور كما في الجواهر (2)دعوى
غير صحيحة ، لما حقّقناه في علم الاُصول(1)، وأشرنا إليه مراراً فيا تقدّم من أنّ الشهرة الفتوائية لا تجبر ضعف الرواية. وثانياً : أنّه وارد في قضيّة خاصّة ، فلا وجه للتعدّي منها إلى غيرها. وأمّا ما ورد في تعريف اللقطة حولاً والتصدّق بها بعده فهو مخصوص باللقطة ، ولا يعمّ غيرها .
وأمّا بقيّة الروايات فهي واردة في معلوم المالك الذي يتعذّر الوصول إلي-ه ومورد بحثنا إنّما هو مجهول المالك . وعلى الجملة : لا نعرف وجهاً للتعدّي عن مورد الروايات إلى غيره . ودعوى اتّحاد الملاك بين مواردها وبين مجهول المالك - وهو عدم الوصول إلى المالك - دعوى جزافية ، إذ لا طريق لنا إلى كشف ذلك .
الوجه الثاني : أنّ الآية المتقدّمة في أوّل المسألة تقتضي وجوب الفحص عن المالك مقدّمة للردّ الواجب ، سواء أكانت الأمانة مالكية كالوديعة والعارية ونحوهما أم شرعية كاللقطة ومجهول المالك ومال السرقة والخيانة والغصب ، والمال المأخوذ من الجائر مع العلم بكونه مغصوباً ، ولكنّه مقيّد بالتمكّن العقلي من الأداء والفحص لقبح التكليف بغير المقدور ، وعليه فلا يجب الفحص مع عدم التمكّن منه . والمطلقات المتقدّمة ظاهرة في وجوب التصدّق بمجهول المالك على وجه الإطلاق حتّى مع التمكّن من الفحص . إذن فالنسبة بينهما هي العموم من وجه ، العموم من وجه ، فإنّ الآية أع--مّ م--ن حيث المورد ، لشمولها الأمانات المالكية والشرعية ، وأخصّ من حيث وجوب الفحص ، لاختصاصها بصورة التمكّن منه ، والمطلقات المتقدّمة أعم من جهة الفحص ، لشمولها صورتي التمكّن من الفحص وعدمه ، وأخصّ من حيث الم--ورد لاختصاصها بمجهول المالك ، فتقع المعارضة بينهما في مجهول المالك مع التمكّن من الفحص ، فمقتضى الآية هو وجوب الفحص عن المالك مع التمكّن منه ، ومقتضى
1) مصباح الاُصول 2 (موسوعة الإمام الخوئي47) : 235 ، 279 .
الروايات هو جواز التصدّق به قبل الفحص عنه ، سواء تمكّن منه أم لا ، وقد حقّقنا في مبحث التعادل والترجيح من علم الاُصول(1)أنّه إذا تعارض الخبر مع الكتاب معارضة العموم من وجه ترفع اليد عن الخبر ، ويؤخذ بعموم الكتاب أو باطلاقه وعليه فلابدّ من الأخذ بإطلاق الآية ، والحكم بوجوب الفحص مع التمكّن منه ورفع اليد عن المطلقات الظاهرة في عدم وجوبه . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه والحكم بالتساقط يرجع إلى ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه .
لا يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدّعيه إلا بعد الثبوت شرعاً
الجهة الثانية : هل يجوز أو يجب إعطاء مجهول المالك لمن يدّعيه بعد الفحص عن مالكه واليأس من العلم به ، استناداً إلى ما دلّ على سماع قول المدّعي إذا لم يعارضه أحد في دعواه . أو لا يجوز إعطاؤه إلّا مع التوصيف ، إلحاقاً له باللقطة . أو يعتبر الثبوت الشرعي ، لبطلان الوجهين المتقدّمين ، فإنّه بعد وضع اليد على مال لا يجوز دفعه إلّا إلى مالكه الواقعي ، أو إلى مالكه الشرعي ، والوجهان المذكوران لا يفيدان ذلك .
أما الوجه الأول : فيردّه أنّ ترتيب الأثر على دعوى المدّعي إذا كانت بلا معارض إنّما هو فيا لم تثبت يد على المال ، أمّا إذا ثبتت على المال يد فلا تسمع دعوى أحد عليه إلّا بالطرق الشرعية ، ضرورة أنّ ذا اليد قد اشتغلت ذمّته بالمال بمجرّد وضع يده عليه ، فلا يخرج من عهدته إلّا بإيصاله إلى مالكه أو صرفه فيما قرّره الشارع ، وعلى هذا جرت السيرة القطعية . على أنه لا دليل على هذه القاعدة إلّا
1) لاحظ مصباح الأُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 516 .
رواية منصور(1)وقد تقدّم الإشكال فيها .
وأمّا الوجه الثاني : فيردّه أنّ التوصيف ليس له موضوعية لإعطاء اللقطة لمن يدّعيها . بل هو الحصول الاطمئنان بصدق المدّعي في دعواه . وأمّا الاكتفاء بالتوصيف أو بالدعوى المجرّدة وإن لم تقارن بالتوصيف فلا دليل عليه ، وحينئذ فلا يترتّب الأثر على توصيف المدّعي إلّا بعد حصول الاطمئنان بصدق دعواه .
وأمّا حمل فعل المسلم على الصحّة فغاية ما يفيده أن لا يعامل المدّعي معاملة الكاذب ، لا أن تترتب على دعواه آثار الواقع .
وأمّا الوجه الأخير : فهو الموافق للتحقيق ، لاشتغال ذمّة ذي اليد بمجرّد وضع يده على مال الغير ، فلا تبرأ ذمّته إلّا بإيصاله إلى مالكه الواقعي أو الشرعي ، وقد عرفت ذلك كلّه آنفاً .
الجهة الثالثة : في مقدار الفحص عن المالك ، وبيان كيفيته . أمّا مقدار الفحص فهل يكفي فيه طبيعي الفحص عن المالك ، أو يجب ذلك بمقدار يقطع الواج-د أو يطمئن بعدم إمكان الوصول إليه ، أو يجب الفحص عنه سنة كاملة ؟
أمّا الوجه الأول فهو وإن كان غير بعيد في نفسه ، لكفاية الإتيان بصرف الوجود من الطبيعة في امتثال الأمر ، ولكنّه بعيد عن المتفاهم العرفي والمرتكز الشرعي . على أنّ الأمر قد ورد بتكرار الطلب عن المالك في رواية ابن وهب المتقدّمة(2).
وأمّا تقدير الفحص بالسنّة أو بالأقل فلا موجب له بعد وجود الإطلاقات الواردة في جواز التصدّق بمجهول المالك أو وجوبه ، على أنّ تقديره بزمان خاص دون غيره ترجیح بلا مرجّح ، نعم ورد تحديد التعريف بالسنّة في جملة من روايات اللقطة(1)وفي رواية حفص المتقدّمة(2).
إلّا أنّها غريبة عن مطلق مجهول المالك ، أمّا روايات اللقطة فهي مختصّة بها فلا يجوز التعدّي منها إلى غيرها. وأمّا رواية حفص بن غياث ففيها
أولاً : أنّها ضعيفة السند ، وغير منجبرة بشيء كما تقدّم . وثانياً : أنّها واردة في خصوص إيداع اللصّ ، فلا يتعدّى إلى غيره. وإن سلّمنا عدم اختصاصها بموردها فإنّه لا يجوز التعدّي عنه إلّا إلى خصوص إيداع الغاصب ، أو إلى كل ما يؤخذ منه ولو بغير عنوان الوديعة ، وأمّا التعدّي عن موردها إلى مطلق مجهول المالك فلا وجه له أصلاً .
تنبيه : قد ذكرنا أنّه ورد في جملة من روايات اللقطة وجوب التعريف بها سنة كاملة ، وقد اُفيدت ههنا أُمور ثلاثة :
الأول : ما ذكره السيّد في حاشيته (3)من أنّ تحديد الفحص بالسنة تحديد للمنتهى ، بمعنى أنه لا يجب الفحص أكثر من سنة وإن لم يحصل اليأس من وجدان المالك ، وعليه فلو حصل اليأس من الأول ، أو في أثناء التعريف لم يجب الفحص .
الثاني : أنّ المناط في تعريف اللقطة إنّما هو حصول اليأس عن الوصول إلى المالك ، وأمّا التحديد بالسنة فمحمول على الغالب ، لحصول اليأس عن الوصول إلى المالك بعد السنة غالباً .
الثالث : أنّ التحديد بالسنة أمر تعبّدى ، فلابدّ من العمل به ، سواء حصل اليأس عن الظفر بالمالك قبل مضي السنة أم بعده .
أمّا الأول والثاني فلا وجه لهما ، إذ لا مجوّز لرفع اليد عن الرواية الظاهرة في اعتبار السنة في تعريف اللقطة . إذن فيتعيّن الوجه الثالث ، سواء حصل الاطمئنان باليأس عن الظفر بالمالك قبل مضي السنة أم بعده ، فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائية فيما إذا لم تقم أمارة شرعية على خلافه . وقد عرفت أنّ الشارع قد اعتبر السنة في وجوب الفحص عن مالك اللقطة .
ثم إنّه قد ذكر في بعض الروايات أنّ اللقطة يعرف بها ثلاثة أيّام(1)، وظاهره المعارضة مع الروايات الدالّة على اعتبار السنة ، ولكن لا بدّ من حمله إمّا على صورة اليأس عن . المالك ، أو على جواز التصدّق به مع الالتزام بالمال ووجوب التعريف به إلى سنة ، فإذا مضت السنة ولم يجد المالك سقط الضمان عنه . ويمكن أن يقال : إنّ تعريفها ثلاثة أيّام مقدّمة للتصدّق ، ووجوب التعريف إلى سنة كاملة مقدّمة لجواز التملّك . على أنّ ما دلّ على كفاية ثلاثة أيّام في التعريف ضعيف السند .
إنّ أُجرة الفحص عن المالك هل هي على ذي اليد أو على المالك
الجهة الرابعة : إذا احتاج الفحص عن المالك إلى بذل اُجرة فهل هي على من وضع يده على مجهول المالك ، أو على المالك ؟ قال المصنّف : لو احتاج الفحص إلى بذل مالٍ كاُجرة دلّال صايح عليه فالظاهر عدم وجوبه على الآخذ ، بل يتولّاه
1) كرواية أبان بن تغلب ، ولكنّها ضعيفة السند بمحمد بن موسى الهمداني ، راجع الوافي 17 : 350 / 37 ، والوسائل 25 : 443 / كتاب اللقطة ب 2 ح7 .
الحاكم ولاية عن صاحبه ، ويخرج عن العين اُجرة الدلّال ، ثمّ يتصدّق بالباقي إن لم يوجد صاحبه . ويحتمل وجوبه عليه ، لتوقّف الواجب عليه .
وتحقيق المسألة : أنّ الاستيلاء على مجهول المالك قد يستند إلى أسباب غير شرعية ، بأن يأخذ أحد أموال الناس بغير سبب شرعي ، كالغصب والسرقة والخيانة ونحوها ثمّ يندم ، ولكن لا يقدر على إيصاله إلى ملاكه . وقد يستند إلى وجه شرعي ، كأخذ المال من السارق أو الجائر ، أو الصبي الذي لا يعرف له ولي ، وكأخذ المال المشرف على التلف ، وكاللقطة ونحوها ، فإنّ أخذ المال في جميع هذه الموارد - لحفظه لمالكه وإيصاله إليه - جائز من جهة الحسبة .
أمّا الصورة الاُولى : فلا شبهة في أنّ مؤونة الفحص على الغاصب ، لوجوب ردّ المغصوب إلى مالكه وإن توقّف ذلك على بذل الاُجرة . ودعوى أنّ إيجاب اُجرة الفحص على ذي اليد ضرر عليه وهو منفي في الشريعة دعوى جزافية ، لأنّ حديث نفی الضرر إنّما ورد في مقام الامتنان ، ومن الضروري أنّ كون مؤونة الفحص على المالك على خلاف الامتنان ، فلا يكون مشمولاً للحديث . وحيث إنّ الغاصب وضع يده على مال الغير بسوء اختياره على سبيل الظلم والعدوان ، فإنّ الشارع يلزمه رغماً لأنفه بردّ المغصوب إلى مالكه حتّى مع الاحتياج إلى بذل الاُجرة ، وقد ورد في بعض الروايات أنّه لو غصب أحد حجراً ووضعه في أساس البناء فإنّه يجب عليه ردّه إلى مالكه ، وإن توقّف ذلك على عدم البناء وتضرّر الغاصب(1). ومن هنا اشتهر أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال .
1) ففي الوسائل 25 : 386 / كتاب الغصب ب 1 ح 5 عن نهج البلاغة [ 541 / 240 ] قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « الحجر الغصب (الغصيب) في الدار رهن على خرابها » وهي مرسلة .
وأمّا الصورة الثانية - وهي أن يستند الاستيلاء على مجهول المالك إلى سبب شرعي - : فالظاهر أنّ مؤونة الفحص على المالك ، بمعنى أنّ الواجد يصرفها من كيسه عن المالك ، فإذا وجده أخذها منه ، وإلّا فمن المال الذي في يده . والوجه فيه : أنّ يده يد أمانة وإحسان ، وما على المحسنين من سبيل . على أنّ كون أُجرة الفحص على الواجد ضرر عليه ، وهو منفى . ولا يقاس ذلك بالصورة الاُولى ، فإنّ اليد فيها كانت يد عدوان ، لا يد أمانة وإحسان كما عرفت .
لا يقال : إنّ الفحص عن المالك واجب على الواجد ، ومن الواضح أنّ إعطاء الاُجرة من مقدّماته ، فتحسب عليه .
فإنّه يقال : الفحص واجب على الواجد ، ومقدّمته طبيعي بذل المال ، سواء كان من كيسه أم من كيس المالك . إذن فلا يتعيّن البذل على الواجد إلّا بدليل خاصّ ، وهو منفي في المقام ، وعليه فإذا بذل الواجد اُجرة الفحص من كيسه رجع على المالك مع الإمكان ، وإلّا أخذها من المال الذي هو تحت يده ، وإن امتنع الواجد من بذل اُجرة الفحص رجع إلى الحاكم الشرعي ، فيعطيها من بيت المال ، أو من مجهول المالك .
هذا مع أنّ دليل المقدّمية المذكور لو تمّ فإنّما يتمّ فيما لو كان الفحص يتوقّف دائماً على بذل المال ، مع أنّه ليس كذلك ، بل هو أمر قد يكون وقد لا يكون ، وعليه فإذا توقّف الفحص على بذل المال ارتفع وجوبه عن الواج-د ب-دليل نفي الضرر كسائر التكاليف الضررية التي ترتفع به.
هذا كلّه إذا لم تقم قرينة على عدم رضا المالك بأخذ ماله وحفظه له ، وإلّا فلا يجوز لأحد أن يضع يده عليه ويحفظه لمالكه ، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم .
الأمر الثالث : ما هو مصرف مجهول المالك ؟ فهل يتصدّق به ، أو يحفظه الواجد ما دام حيّاً لمالكه ويوصي به بعد مماته ، أو يتملّكه ، أو يعطيه للحاكم الشرعى ، أو هو للإمام (عليه السلام) ؟ وجوه :
الأول : أن يكون ذلك للإمام ، لقوله (عليه السلام) في رواية ابن أبي يزيد : «والله ما له صاحب غيري »(1).
وفيه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند . وثانياً : أنّها وردت في قضية شخصية فلا تكون مستنداً لكبرى كلّية ، إذ من المحتمل أن يكون المال في تلك الواقعة مفقوداً من الإمام نفسه ، فيكون حلفه (عليه السلام) في محلّه ، لكون المال له واقعاً . وأمّا أمره (عليه السلام) بتقسيم ذلك المال فلعلّه دفع للتهمة عن نفسه ، أو إحسان منه إلى الفقراء . ويحتمل أن يكون حلفه على أنّ المال له لعلمه بموت مالكه ، وأنّه لم يترك وارثاً غير الإمام . ويحتمل أن يكون المال المذكور من صفو دار الحرب الذي هو خاصّ للإمام (عليه السلام) ، ومن الواضح أنّه مع هذه الاحتمالات لا يبقی مجال للاستدلال بهذه الرواية على المقصود .
الوجه الثاني : أن يكون مجهول المالك لمن وضع يده عليه ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن مهزيار التي تبيّن موارد الخمس : « ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب »(2). وقد استظهر هذا الرأي من الرواية المذكورة المحقّق الهمداني(3)، بل
ذكر المحقّق الإيرواني(1)أنّ هذه الصحيحة صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج الخمس .
وفيه أولاً : أنّ هذه الرواية واردة في بيان موارد الخمس على نحو القضية الحقيقية ، فيكون مفادها أنّه كلّما تحقّق شيء من تلك الموارد وجب فيه الخمس .وعليه فلا دلالة فيها على جواز تملّك مجهول المالك لكي يتمسّك بإطلاقها ، نعم لا تنكر دلالتها على وجوب إخراج الخمس فيها جاز فيه تملّك مجهول المالك ، كباب اللقطة ، فقد دلّت الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب اللقطة (2)على أنّ واجدها مخيّر بين تملّكها ، وبين التصدّق بها عن مالكها بعد أن يعرّف بها سنة واحدة .
ومن هذا القبيل ما ورد في بعض الروايات(3)من أنّه إذا وجد المشتري مالاً في بطن حيوان اشتراه من شخص فإنّه يرجع في ذلك المال إلى البائع ، وإذا لم يدّعه لنفسه تملّكه المشتري ، وأعطى خمسه . وكذلك ما ورد في جملة من الأحاديث(4)من أنّه إذا وجد مالاً في بطن سمك اشتراه من الصيّاد فإنه يتملّكه ، ويعطي خمسه ، من غير مراجعة إلى المالك.
وثانياً : أنّ لو سلّمنا كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً ، فلا نسلّم كونها صريحة في جواز تملّك مجهول المالك بعد إخراج خمسه ، وإنّما هي مطلقة بالنسبة إليه ، فتقيّد بالروايات الدالّة على لزوم التصدّق بمجهول المالك .
الوجه الثالث : أنّه يجوز للواجد أن يعمل في مجهول المالك ، ويخرجه صدقة قليلاً قليلاً حتى يخرج ، ويدل عليه بعض الأحاديث(1).
وفيه : أنّه لا دلالة في هذه الرواية على جريان الحكم المذكور في مجهول المالك فمن المحتمل أنّ صاحب المال قد مات ولم يترك وارثاً غير الإمام ، فانتقل ميراثه إليه وأنّه (عليه السلام) بما هو وارث ومالك أجاز لصاحب الخان أن يتصرّف في ذلك المال، ويتصدّق به قليلاً قليلاً حتّى يخرج . واحتمال وجود وارث له غير الأب والأُمّ مدفوع بالأصل . وجريانه في الشبهات الموضوعية غير محتاج إلى فحص . وأم--ّا احتمال وجود الأب والأُم فلعله كان مقطوع العدم لمضي مدّة لا يحتمل بقاؤهما فيها ولذا لم يأمر الإمام (عليه السلام) بالفحص عنهما . ويؤيّد ما ذكرناه قول السائل في هذه الرواية : « ولم أعرف له ورثة » فإنّ ظاهر هذه العبارة أنّه تفحّص عن الوارث ولم يجده ، فافهم . ومع الإغضاء عمّا ذكرناه وتسليم دلالتها على المقصود فالنسبة بينها وبين الروايات الدالّة على التصدّق بمجهول المالك هي العموم المطلق ، فلابدّ من تقييدها بهذه الروايات .
لا يقال : إنّ هذه الرواية تنافي رواية الهيثم(2)صاحب الفندق الدالّة على عدم
1) ففي الكافي عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان قال : « كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) قد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم ، وأنا صاحب فندق ، ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة ، فرأيك في إعلامي حالها وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً ؟ فكتب : اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتى تخرج » وهي مجهولة بنصر . راجع الكافي 7 : 153 / 3 والوافي 17 : 360 / 3 . والوسائل 26 : 297 / أبواب ميراث الخنثى ب6 ح3.
2) في المصادر المذكورة عن الهيثم أبي روح صاحب الخان قال : « كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام) : إني أتقبّل الفنادق ، فينزل عندي رجل فيموت فجأة ، لا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته ، فيبقى المال عندي ، كيف أصنع به ؟ ولمن ذلك المال ؟ فكتب (عليه السلام) : اتركه على حاله » . وهي مجهولة بهيثم .
جواز التصرّف في مال مات عنه صاحبه .
فإنّه يقال : لا منافاة بينهما ، فإنّ الظاهر من هذه الرواية أنّ صاحب الفندق لم يفحص عن ورثة الميّت ، وهذا بخلاف الرواية الأُولى ، فإنّك قد عرفت ظهورها في أن السائل تفحّص عن الورثة ولم يصل إليهم ، فمورد كل من الخبرين غير مورد الآخر . والذي يسمّل الخطب أنّ كلتا الروايتين مجهولة.
الوجه الرابع : أنّه يجب حفظ مجهول المالك لمالكه ، والإيصاء به عند الوفاة للروايات الواردة في مستأجر فقد أجيره ، ولم يقدر على إيصال حقّه إليه (1).
ويرد عليه أولاً : أنّ هذه الروايات إنّما وردت في معلوم المالك الذي لا يمكن الوصول إليه ، فلا صلة لها بمجهول المالك . ودعوى أنّ الملاك بين الموردين واحد- وهو تعذّر إيصال المال إلى مالكه - دعوى جزافية ، فإنّه لا طريق لنا إلى كشف هذا الملاك كما عرفت .
وثانياً : أنّها وردت في الحقّ الكلّي الثابت في الذمّة ، وهو ليس في معرض التلف لكي يخاف عليه من بقائه ، وكلامنا في العين الخارجية.
وثالثاً : أنّها وردت في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّي عن موردها إلى غيرها . إذن فلا دلالة فيها على وجوب حفظ مجهول المالك لصاحبه ولو بالإيصاء به نعم لا بأس بالالتزام بذلك قبل اليأس عن الوصول إلى المالك .
لا يقال : إنّ التصرّف في مال الغير حرام مطلقاً ، فيكون الأمر بالتصدّق بمجهول المالك قد وقع بعد الحظر ، فلا يدلّ على الوجوب . وعليه فلا مانع من كون
1) قد تقدّمت الإشارة إلى مصادرها في ص 775 ، الهامش رقم (2)
الواجد مخيّراً بين التصدّق به وبين حفظه لصاحبه ولو بالإيصاء به عند الموت.
فإنّه يقال : الميزان في ورود الأمر مورد توهّم الحظر هو أن يتعلّق الأمر بعنوان تعلّق به النهي، أو كان معرضاً له ، كالصيد الذي نهي عنه في الإحرام ، وأُمر به بعد الإحلال . وما نحن فيه ليس كذلك ، فإنّ النهي قد تعلّق بالتصرّف في أموال الناس بدون إذنهم ، والأمر قد تعلّق بالتصدّق بمجهول المالك بعد الفحص واليأس من الظفر بصاحبه ، فلا يتربط أحد الأمرين بالآخر .
ولئن سلّمنا ذلك في الروايات التي وقع السؤال فيها ابتداء عن الصدقة ، فهو لا يجري في رواية ابن أبي حمزة(1)التي وردت في قصّة الفتى الذي كان من كتّاب بني أُميّة ، فإنّها صريحة في عدم ورود الأمر بالتصدّق في مقام توهّم الحظر ، إذ الفتى إنّما طلب التخلّص عمّا اشتغلت به ذمّته من أموال الناس ، فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله : « فاخرج من جميع ما اكتسبت من ديوانهم ، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف تصدّقت به » . ولكن قد عرفت أنّها ضعيفة السند .
الوجه الخامس : وجوب التصدّق بمجهول المالك . وهذا الوجه هو الموافق للتحقيق ، وتدلّ عليه المطلقات المتقدّمة ، بل الروايات الخاصّة الواردة في موارد عديدة التي تقدّمت الإشارة إليها آنفاً ، لأنّها وإن وردت في المال المفقود صاحبه إلّا أنّها تدلّ على ثبوت التصدّق بمجهول المالك بالأولوية القطعية . ولابدّ من تقييدها باليأس عن الوصول إلى المالك ، فقد عرفت فيما سبق(2)أنّ مقتضى الآية وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها مع التمكّن منه ، وأمّا صورة اليأس عن الظفر بالمالك فلا تكون مشمولة للآية ، بل تبقى تحت الروايات المذكورة .
الوجه السادس : وجوب دفعه إلى الحاكم ، فإنّه ولي الغائب . وقد استقر به المصنّف (رحمه الله) ولكن قد عرفت أنّ الروايات المتقدّمة ظاهرة في أنّ من وضع يده على مجهول المالك ابتداء وجب عليه التصدّق به ، وإذا تصرّف فيه تصرّفاً آخر ولو بدفعه إلى الحاكم ضمنه . ودعوى أنّ الحاكم ولي الغائب دعوى غير صحيحة ، لأنّ ولايته على الغائب إنّما هى من جهة الحسبة ، فلابدّ من الاقتصار فيها على المورد المتيقّن ، وهو ما إذا لم يكن له ولي آخر غير الحاكم ، وقد عرفت أنّ الروايات المتقدّمة قد أثبتت ولاية مجهول المالك لمن وضع يده عليه ، فلا تصل النوبة إلى غيره كما أنّه لا تثبت للحاكم ولاية على اليتيم مع وجود الجدّ له .
لا يقال : يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم ، من حيث إنّ مصرفه الفقراء والمساكين ، ومن الواضح أنّ الحاكم وليّهم ، أو من حيث إنّه أعرف بموارده ممّن وضع يده عليه .
فإنّه يقال : أمّا الاحتمال الأول فلا دليل عليه ، خصوصاً مع ما عرفت من دلالة الروايات هنا على ثبوت الولاية للواجد . وأمّا الاحتمال الثاني فإن كان المراد أنّ الحاكم أعرف بمصرف مجهول المالك من حيث الشبهة الحكمية ، فهو مسلّم ، لأنّ ذلك وظيفة العالم . إلّا أنّ ذلك لا يدلّ على وجوب دفعه إليه ، بل الواجب على العامي أن يسأل العالم عن حكم الواقعة ، ويعمل على طبق ما أفتى به . وإن كان المراد كونه أعرف من حيث الشبهة الموضوعية فهو ممنوع ، إذ قد يكون الواجد أعرف به لكثرة معاشرته للفقراء ، وإطلاعه على أحوالهم .
وكما لا يجب دفع مجهول المالك إلى الحاكم ، فكذلك لا يجب تحصيل الإجازة منه في إيصاله إلى موارده ، لإطلاق الروايات المتقدّمة ، نعم الأولى اختيار أحد الأمرين ، لوجود القائل بوجوبه . لكن لابدّ وأن يكون الدفع إلى الحاكم بعنوان أنّه يوصله إلى موارده ، وإلّا ضمنهم الواجد كما عرفت .
وقد يتوهّم وجود الفرق بين الحقّ الكلّي فيجب إمّا دفعه إلى الحاكم ، وإمّا تحصيل الإذن منه في التصدّق به عن المالك ، لأنّ الكلّي لا يتعيّن إلّا بإذن المالك أو وليّه . وبين الحقّ الشخصي ، فلا يجب فيه ذلك لتعيّنه في نفسه .
ولكنّه توهّم فاسد ، لأنّ مقتضى الإطلاقات المتقدّمة هو عدم الفرق بينهما وأنّ الولاية لمن عليه الحقّ على وجه الإطلاق .
قوله : ثم إن حكم تعذّر الإيصال إلى المالك .
أقول : المال الذي لا يمكن إيصاله إلى صاحبه قد يكون مجهول المالك م--ن جميع الجهات ، وهو ، وهو مورد المطلقات المتقدّمة (1). وقد يكون معلوم المالك مع كونه مشتبهاً بين أفراد غير محصورين ، وهو أيضاً مورد روايات أُخرى قد تقدّمت(2)وحكم كلا القسمين قد تقدّم مفصّلاً . وقد يكون المالك معلوماً من جميع الجهات ولكن يتعذّر إيصال المال إليه لمانع خارجي ، كأن يكون المالك في سجن ، أو مكان بعيد يتعذّر الوصول إليه ، ويجري عليه حكم القسم الثاني ، للروايات المتقدّمة أيضاً ، لأنّ المستفاد منها أنّ المناط فى ذلك إنّما هو تعذّر إيصال المال إلى مالكه .
قوله : ثمّ إنّ مستحقّ هذه الصدقة هو الفقير .
أقول : حكي عن صاحب الجواهر(3)جواز التصدّق بمجهول المالك على الفقراء وغيرهم ، عملاً بإطلاق الروايات المتقدّمة، وبهذا المناط جوّز إعطاء مال الإمام (عليه السلام) للفقراء والأغنياء ، بدعوى أنّ الإمام وإن كان معلوماً إلّا أنّه يتعذّر إيصال ماله إليه للعوارض الخارجية ، وقد عرفت أنّ حكمه حكم مجهول المالك .
وفيه أولاً : أنّ المتبادر من مفهوم الصدقة وإطلاق الأمر بها أنّه لا يجوز إعطاؤها للأغنياء ، كما ذهب إليه المصنّف .
وثانياً : أن قوله تعالى :إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ(1)قد بيّن مصرف الصدقات ، ولم يجعل الغني من ذلك ، فيكون خارجاً عن ح--دود أخبار التصدّق موضوعاً .
ثمّ إنّ وجوب التصدّق بمجهول المالك إنّما هو مع عدم التمكّن من تحصيل رضا المالك بصرف ماله في مورد خاصّ ، وإلّا فلا تصل النوبة إلى التصدّق به . وعليه فلا وجه لقياس مال الإمام (عليه السلام) بمجهول المالك ، لانّا نقطع برضا الإمام باعطاء ماله لأهل العلم والجهات التي توجب ترويج الدين ، ومع ذلك لا يمكن صرفه فيما نشكّ في رضاه .
قوله : وفي جواز إعطائها للهاشمي قولان :
أقول : لا دليل على حرمة مطلق الصدقات على الهاشميين ، وإنّما تحرم عليهم الصدقة الخاصّة ، أعني زكاة المال والبدن . ولا يبعد أن تحرم عليهم أيضاً الصدقات التي تعطى لدفع البلاء وردّ القضاء ، فإنّ في ذلك مذلّة ذلك مذلّة ومهانة لا تناسب الذرّية الطاهرة . ومن هنا كانت زينب الكبرى
(عليها السلام) تأخذ الطعام من أطفال أبي عبدالله (عليه السلام) وترميه إلى أهل الكوفة وتقول : ويلكم يا أهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام . وعليه فلا بأس بالتصدّق بمجهول المالك على الهاشميين ، لكونه خارجاً عن القسمين المذكورين. ويضاف إلى ما ذكرناه أنّ قوله (عليه السلام) في رواية ابن أبي يزيد المتقدّمة(2)« فاقسمه في إخوانك » يقتضي عدم الفرق بين
الهاشمي وغيره . وأمّا الصدقة التي تحرم على بني هاشم فهي الصدقة الخاصّة ، أعني بها الزكاة المفروضة .
التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان
قوله : ثمّ إنّ في الضمان لو ظهر المالك .
أقول : هل يضمن مجهول المالك لصاحبه إذا ظهر بعد التصدّق به أم لا ؟ فيه وجوه ، ثالثها : التفصيل بين ما إذا طلب المالك ماله من المتصدّق فيضمن له ، وبين ما إذا لم يطلبه فلا ضمان . ورابعها : التفصيل بين ما يكون المال مسبوقاً باليد العادية فيحكم بالضمان ، وبين عدمه فيحكم بعدمه.
وقبل التعرّض للوجوه المذكورة لا بأس بالإشارة إلى الفرق بين اللقطة ومجهول المالك ، فنقول : الفارق بين مجهول المالك واللقطة من جهات كثيرة ، ونحن نشير هنا إلى جهتين منها :
الاُولى : أنّه يجوز للملتقط أن يقصد حين الالتقاط تملّك المال بعد انتهاء مدّة الفحص عن المالك ، وقد دلّت الروايات الكثيرة المذكورة في أبواب اللقطة(1)على أنّ آخذ اللقطة يعرّفها سنة ، فإن جاء لها طالب ، وإلّا فهي كسبيل ماله . ولا يجوز ذلك في مجهول المالك ، فقد عرفت أنّه لا يجوز أخذه ابتداءً إلّا بنيّة الإحسان إلى المالك بحفظه له وإيصاله إليه ، ثم يتصدّق به عن مالكه بعد التعريف . ومن هنا يتجلّى لك أنّه لا يجوز أخذ المغصوب من الغاصب إلّا بنيّة الردّ إلى المالك .
الثانية : أنّ اللاقط إذا تملّك اللقطة بعد التعريف أو تصدّق بها عن مالكها ضمنها له مع المطالبة بها للروايات الكثيرة المذكورة أيضاً في أبواب اللقطة الدالّة
1) الوسائل 25 : 441 / كتاب اللقطة ب 2 .
على ذلك(1)، أمّا مجهول المالك فقد عرفت أنّ فيه وجوهاً شتّى تقدّمت الإشارة إليها(2).
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام هنا يقع في مقامين ، الأول : أن تكون اليد الموضوعة على مجهول المالك ابتداء يد أمانة . الثاني : أن تكون هذه اليد مسبوقة بالضمان ، ثمّ تنقلب إلى يد أمانة وإحسان ، كمن أخذه بنيّة التملّك ، ثمّ نوى بعد ذلك حفظه لمالكه . وكمن غصبه من المالك ثمّ تاب وعزم على إيصاله إليه ، ولم يتمكّن من ذلك لفقد المالك ، أو لكونه مجهولاً بين أشخاص غير محصورين .
أمّا المقام الأول : فالظاهر هو عدم الضمان فيها ، وليس ذلك من جهة أنّ الشارع قد أذن في التصدّق بمجهول المالك وهو ينا في الحكم بالضمان ، لأنّ إذن الشارع في التصرّف بمال الغير يرفع حرمته التكليفية ، ولا ينافي ذلك ضمانه . بل من جهة أنّ دليل الضمان هو أحد الاُمور الثلاثة : إمّا قاعدة ضمان اليد ، وإمّا قاعدة الاتلاف ، وإمّا قيام دليل خاصّ عليه .
أمّا الاُولى : فهي منتفية هنا قطعاً ، إذ المفروض أنّ الي-د ك-ان-ت ي-د أم-انة وإحسان ، وما على المحسنين من سبيل .
وأمّا قاعدة الإتلاف : فهي مردودة لوجوه عديدة ، الأول : أنّها ليست برواية لكي يتمسّك بها ، وإنّما هي قاعدة متصيّدة من موارد شتّى ، فلا يمكن التمسّك بها في غير الموارد المسلّمة . الثاني: أنّ الإتلاف إنّما يقتضي الضمان إذا لم يكن التصرّف لنفع المالك ، وإلّا فلا يوجب الضمان ، ومن هنا إذا أشرف أحد على الهلكة، وتوقّف إنجاؤه منها على بذل مقدار من ماله فإنّ ذلك يكون واجباً من غير ضمان .
الثالث : أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان ببدله لكان البدل أيضاً مجهول المالك ، ومشمولاً لما دلّ على وجوب التصدّق به ، وهكذا ، فيلزم التسلسل . ومن الضروري أنّ ذلك مقطوع العدم .
وأمّا الدليل الخاص : فلم نجد في المقام ما يدل على الضمان إلّا رواية حفص المتقدّمة(1)الواردة في إيداع اللص ، فإنّها ظاهرة في أنّ التصدّق بالوديعة - التي هي بمنزلة اللقطة - يوجب الضمان مع مطالبة المالك . إلّا أنّها ضعيفة السند ، وواردة في قضية شخصية ، فلا يمكن التعدّى منها إلى غيرها ، كما عرفته سابقاً .
والحاصل : أنّ التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان ، على أنّ الإطلاقات الدالّة على وجوب التصدّق به بعد التعريف تقتضي عدم الضمان ، ومع الشكّ في الإطلاق يرجع إلى البراءة .
وأمّا المقام الثاني - أعني ما إذا كانت يد الأمانة مسبوقة بالضمان - : ف-ق-د يقال : إنّ اليد الموضوعة ابتداء على مجهول المالك حيث كانت يد ضمان - كما هو المفروض - فتكون موجبة للضمان بقاء أيضاً ما لم تؤدِ ، لما ذكرناه سابقاً من أنّ الشارع قد جعل ضمان اليد منوطاً بالأداء ، فما لم تتحقّق الغاية لم يسقط الضمان . وعرفت أيضاً أنّ نيّة الردّ إلى المالك وإن كانت توجب صيرورة اليد يد أمانة ، إلّا أنّ هذه اليد لا توجب ضماناً ، لا أنّها لا تقتضي عدم الضمان ، وواضح أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء .
ولكن يرد عليه أولاً : ما عرفته آنفاً من أنّ التصدّق بمجهول المالك لو كان موجباً للضمان للزم منه التسلسل ، فيكون ذلك تخصيصاً عقليّاً لقاعدة ضمان اليد .
1) في ص 775 .
وثانياً : أنّ رواية ابن أبي حمزة المتقدّمة(1)كالصريحة في عدم الضمان ، فإنّ الفتى قد طلب المخرج عمّا أخذه من أموال الناس ، فأجابه الإمام (عليه السلام) بالتصدّق بجميع ما تحت يده ، وضمن له بذلك الجنّة . ولو كان التصدّق به موجباً للضمان لما جعله الإمام مخرجاً له عن ظلامته ، وقد جعل الله التصدّق بمجهول المالك وسيلة للتوبة ، وسبباً لفراغ الذمّة ، تسهيلاً للأمر على الغاصبين التائبين . ولكن الرواي--ة ضعيفة السند.
ويدلّ على عدم الضمان أيضاً إطلاق الروايات المتقدّمة - كرواية ابن أبي حمزة وغيرها - الآمرة بالتصدّق بمجهول المالك . ولا فرق في ذلك بين ما كان مجهول المالك عيناً خارجية أو دَيناً ثابتاً في الذمّة ، فإنّ الدَين وإن كان كلّياً في الذمّة إلّا أنّه يتشخّص بالتصدّق ، وتبرأ به ذمّة المديون ، وتوهّم أنّ نفوذ التصدّق يتوقّف على إذن المالك ، توهّم فاسد ، لإطلاق تلك الروايات المتقدّمة .
ثمّ إنّه لا يجوز للمالك أن يرجع على الفقير لو كانت العين باقية عنده ، لأنّ آخذ الصدقة هو الله ، وما كان الله لا يرجع .
وعلى الجملة : لا يجري على مجهول المالك حكم اللقطة ، لعدم الدليل عليه ، إلّا في إيداع اللص ، وقد عرفت أنّ النص الوارد فيه ضعيف السند ، ووارد في قضية شخصية .
ومن جميع ما ذكرناه ظهر ضعف ما ذهب إليه المصنّف من أنّ الأوجه ه-و الضمان مطلقاً ، إمّا تحكيماً للاستصحاب حيث يعارض البراءة ولو بضميمة ع-دم القول بالفصل ، وإمّا للمرسلة المتقدّمة عن السرائر(2)- وهي ما روي من أنّه بمنزلة
اللقطة - وإمّا لاستفادة ذلك من خبر الوديعة(1).
ووجه الضعف : أنّه لا موضوع للأصل بعد أمر الشارع بالتصدّق بمجهول المالك ، وأنّك قد عرفت أنّه لا دليل على الضمان فيما كانت اليد مسبوقة به ، فضلاً عن إثباته في مطلق مجهول المالك بعدم القول بالفصل . وأمّا استفادة حكم المسألة ممّا ورد في إيداع اللص فقد عرفت جوابه . وأمّا مرسلة السرائر فهي غير قابلة للاعتماد عليها . على أنّ من المظنون أنّها بعينها رواية حفص الواردة في إيداع اللص فيتوجّه عليها ما وجّهناه على الاستدلال بهذه الرواية .
قوله : ثمّ الضمان هل يثبت بمجرد التصدّق .
أقول : قد ظهر ممّا تقدّم أنّ التصدّق بمجهول المالك لا يوجب الضمان ، فإذا أغمضنا النظر عن ذلك وقلنا بالضمان ، أو ثبت ذلك بدليل خاص كما في اللقطة - فهل يحكم بثبوته من حين الأخذ ، أو من حين التصدّق ، أو من حين مطالبة المالك بماله وعدم رضاه بالتصدّق ؟ وجوه .
والتحقيق أن يقال : إنّ الحكم بالضمان إن كان لقاعدة الضمان بالإتلاف فاللازم هو الحكم بثبوته من حين التصدّق . إلّا أنّك قد عرفت آنفاً أنّ القاعدة لا تشمل المقام . وإن كان مدرك الضمان هو ما ورد في اللقطة من أنّ المالك إذا جاء وطلب ماله فله الغرم أو الرضا بالأجر ، فاللازم هو ثبوته من حين مطالبة المالك . وإن كان مدرك الضمان هو قاعدة ضمان اليد ، فاللازم ثبوته من حين الأخذ إذا كانت اليد الموضوعة عليه يد ضمان.
قوله : ولو مات المالك .
أقول : توضيح المقام : أنّ الكلام قد يقع في موت المالك ، وقد يقع في موت
1) المكاسب 2 : 195 .
المتصدّق .
وعلى الأول : فقد يكون موت المالك بعد التصدّق ، وقد يكون قبل التصدّق فإذا كان التصدّق بعد موت المالك فإذا جاء الوارث ولم يرض بالتصدّق خيّره المتصدّق بين الغرم والأجر ، لقوله (عليه السلام) في رواية حفص المتقدّمة في البحث عن ردّ المأخوذ من الظالم إلى أهله : « فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم » . وإن كان التصدّق قبل موت المالك فإنّه لا شيء للورثة ، إذ المالك لم يبق حيّاً بعد التصدّق حتّى يتخيّر بين الغرم والأجر ، والورثة ليسوا بملاك حتّى يجري فيهم هذا الحكم .
لا يقال : إذا وجد المالك بعد التصدّق كان مخيّراً بين الغرم والأجر ، فيكون هذا حقاً من حقوقه ، فإذا مات انتقل إلى الورثة ، لأنّ ما تركه الميت لوارثه .
فإنّه يقال : لا دليل على أنّ كل حقّ يقبل النقل والانتقال أو الإسقاط ، إلّا في موارد خاصّة ، ومع الشكّ في ذلك فالأصل عدمه .
وأمّا إذا مات المتصدّق ثمّ وجد المالك فالظاهر من قوله (عليه السلام) : « خيّره بين الأجر والغرم » أنّه لا شيء للمالك حينئذ ، إذ لا وجود للمتصدّق حتّى يخيّر المالك بين الأمرين . نعم يمكن أن يقال بخروج الغرامة من تركته ، لأنّ ضمان الصدقة من الحقوق المالية اللازمة عليه بفعله ، ولا غرابة في ذلك ، فقد ثبت نظيره في الفقه كثيراً ، كما إذا رمى أحد رجلاً بحجر ومات الرامي قبل وصول الحجر ، ثمّ أصاب الحجر الرجل فقتله ، فإنّ ديّة المقتول تؤخذ من تركة القاتل ، لاستناد القتل إليه ، بل قد يملك الميّت من جهة إيجاده سبب الملك قبل موته ، كما إذا نصب شبكة ووقع فيها السمك بعد موته ، فإنّه يكون من تركته .
قوله : ولو دفعه إلى الحاكم فتصدّق به بعد اليأس .
أقول : ظاهر كلام المصنّف أنّ دفع المال إلى الحاكم إن كان بعنوان كونه وكيل
الغائب أو وليّه فلا ضمان على الدافع ، لأنّ دفعه إلى الولي أو الوكيل كدفعه إلى نفس الأصيل . وإن كان دفعه إليه بعنوان أنّه كبقيّة الناس فلا تبرأ ذمّته بذلك.
وتحقيق الكلام هنا يكون في جهتين، الاُولى : هل للحاكم ولاية على الغائب لا ؟ . الثانية : إذا ثبت للحاكم ولاية على الغائب فهل يعتبر قصد هذا العنوان في دفع مال الغائب إليه ، أم لا ؟
أمّا الجهة الاُولى : فهي ممنوعة صغرى وكبرى ، أمّا الصغرى فلأنّه لم يحرز كون المالك غائباً ، بل يحتمل كونه حاضراً عند الواجد ، وإن لم يعرفه بعينه . ويتّفق كثيراً أنّ الملتقط يتفحّص عن المالك وهو ينادي يا صاحب المال ويسمعه المالك ولا يلتفت إلى كون اللقطة له .
وأمّا الكبرى فلعدم الدليل اللفظى على ولاية الحاكم على الغائب لكي يتمسّك بإطلاقه ، وإنّما هي ثابتة بالحسبة ، فلابدّ من الاقتصار على المقدار المتيّقن وهو أخذ مال الغائب لحفظه وإيصاله إليه ، ولا يجوز إتلافه ولو بالتصدّق عنه .
وإن سلّمنا ولاية الحاكم على الغائب مطلقاً فإنّما هي فيما لم يكن للغائب ولي خاصّ ، والظاهر من الروايات(1)أنّ من وضع يده على اللقطة له الولاي--ة ع--لى مالكها في التصدّق بها .
وأمّا الجهة الثانية : فإذا سلّمنا ثبوت ولاية الحاكم على الغائب فإنّه لا دليل على دخل قصد الولاية في دفع اللقطة إلى الحاكم ، فإنّ اعتبار القصد في ذلك كاعتبار قصد المالك في دفع ماله إليه ، ولا نحتمل أن يلتزم بذلك أحد . ويتّضح ما ذكرناه بمراجعة الوجدان ، وبالنظر إلى سيرة العقلاء ، فإنّهم لا يعتبرون القصد المذكور في دفع أموال الموكّلين والمولّى عليهم إليهم أو إلى وكلائهم وأوليائهم .
1) الوسائل 25 : 450 / كتاب اللقطة ب7 .
ثمّ إنّه إذا جاز دفع اللقطة إلى الحاكم كان الحاكم مكلّفاً بجميع أحكامها من وجوب الفحص وغيره ، وإذا ظهر مالكها بعد التصدّق أعطى بدلها من بيت المال فقد ثبت في الشريعة أنّ ما أخطأته القضاة فهو من بيت المال ، وما نحن ف-ي-ه م-ن صغرياته .
فيما علم إجمالاً اشتمال الجائزة على الحرام
الصورة الرابعة : ما علم إجمالاً اشتمال الجائزة على الحرام . قد ذكر المصنّف هنا أنّ ما علم إجمالاً اشتمال الجائزة على الحرام يقع على وجوه ، لأنّ الاشتباه إمّا أن يكون موجباً للشركة والإشاعة ، كخلط الخل بالخل والسمن بالسمن والحنطة بالحنطة ، وإمّا أن لا يكون موجباً لذلك ، كما إذا اشترى فراشاً وغصب فراشاً آخر واشتبه أحدهما بالآخر ، وعلى الأول فامّا أن يكون المالك ومقدار المال معلومين وإمّا أن يكونا مجهولين ، وإمّا أن يكونا مختلفين . فإذا كانا معلومين فلا شبهة في وجوب ردّ المال إلى صاحبه ، وإن كانا مجهولين فالمورد من صغريات المال الحلال المختلط بالحرام فيجب فيه الخمس ، وإن كانا مختلفين فإن كان القدر معلوماً والمالك مجهولاً فقد تقدّم تفصيله في الصورة السابقة . وإن كان القدر مجهولاً والمالك معلوماً وجب التخلّص عن اشتغال الذمّة بالمصالحة مع المالك . وعلى الثاني - - وهو ما لا يوجب الاشتباه الشركة : فلابدّ من الرجوع إلى القرعة ، لأنّها لكل أمر مشكل . أو يباع المأخوذ من الجائر ويشترك في ثمنه . ثمّ ذكر أنّ تفصيل ذلك كلّه في كتاب الخمس .
أقول : في كلامه نظر من وجهين :
الأول : أنّه لا وجه للرجوع إلى المصالحة مطلقاً فيما إذا كان المالك معلوماً والقدر مجهولاً ، لأنّ المال المذكور قد يكون في يد أحد ، وقد لا يكون كذلك . وعلى
الأول فالمقدار الذي يعلم صاحبه يردّ إليه ، والمقدار الذي لا يعلم صاحبه فهو لذي اليد ، لأنّها أمارة الملكية . وعلى الثاني فما هو معلوم المالك أيضاً يردّ إلى صاحبه وفي المقدار المشتبه يرجع إلى القرعة . ويحتمل الحكم بالتنصيف ، للمصالحة القهرية . ويستأنس حكم ذلك ممّا ورد في الودعي(1). ولكن الظاهر أنّ الرواية غير نقيّة السند.
الثاني : أنّ ظاهر كلام المصنّف عدم جريان التقسيم المذكور في القسم الثاني- أعني ما لا يكون الاشتباه موجباً للشركة والإشاعة - ولذا اكتفى فيه بالرجوع إلى القرعة ، أو بيع المال المشتبه والاشتراك في ثمنه .
ولكن الظاهر أنّ الأقسام المذكورة كلّها جارية في القسم الثاني أيضاً . وتقريبه : أنّ المأخوذ من الجائر إذا كان مشتبهاً بالحرام مع عدم كونه موجباً للشركة فامّا أن يكون المالك والقدر كلاهما معلومين ، فلابدّ من ردّ المال إلى صاحبه . وإمّا أن يكون القدر معلوماً والمالك مجهولاً ، وقد تقدّم حكمه في الصورة الثالثة . وإمّا أن يكون القدر مجهولاً والمالك معلوماً ، فيرجع إلى القرعة ، أو يباع ويشترك في ثمنه كما ذكره المصنّف . وإمّا أن يكون القدر والمالك كلاهما مجهولين ، فيجب فيه الخمس على المشهور ، وذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الخمس(2)، وظاهر المصنّف عدم وجوبه هنا . ولكنّه مدفوع بإطلاق ما دلّ على وجوب الخمس في المال المختلط بالحرام(3)على القول به ، ودعوی اختصاصه بصورة الإشاعة لا شاهد له .
فرع : قال السيّد (رحمه الله) في حاشيته : مقتضى إطلاق أخبار الخمس عدم
الفرق بين ما لو شكّ في كون الحرام بمقدار الخمس أو أقل أو أكثر ، وما لو علم بنقصانه عنه أو زيادته عليه مع عدم العلم بمقداره ، وهو الأقوى ، وفاقاً لسيّد المناهل على ما نقل . وذهب بعضهم إلى الاختصاص بالصورة الأُولى ، وأنّه لو علم النقص لا يجب إعطاء الخمس ، ولو علم الزيادة لا يكفي ، بل يجب دفع الأزيد(1).
ولكن الظاهر هو ما ذهب إليه ذلك البعض ، لأنّ مورد ما دلّ على ثبوت الخمس في المختلط بالحرام إنّما هو ما لم يعلم كون الحرام زائداً على مقدار الخمس ، أو ناقصاً عنه . أمّا في صورة العلم بالنقصان فلأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في رواية الحسن بن زياد : « فإنّ الله تعالى قد رضي من ذلك المال بالخمس »(2)أنّ الرضا بالخمس للامتنان على العباد ، والتسهيل عليهم ، ومن الواضح أنّه لا امتنان إلّا مع احتمال زيادة الحرام على الخمس .ويضاف إلى ذلك أنّه لا قائل بوجوب الخمس في هذه الصورة، ذكر ذلك المحقّق الهمداني (قدّس سرّه)(3).
وأمّا في صورة العلم بزيادة الحرام عنه فإنّ الجزء الزائد كبقية المحرّمات ، فلا ترتفع الحرمة عنه ، وإلّا كان ذلك حيلة لأكل أموال الناس . ويضاف إلى ذلك عدم القول بالفصل بين صورتي العلم بالزيادة والعلم بالنقيصة ، وحيث عرفت ع-دم وجوب الخمس مع العلم بالنقيصة فلابدّ من القول بعدم وجوبه أي-ض-اً م-ع الع-ل-م بالزيادة .
وعلى الجملة : إنّ ظاهر الرواية وقوع المصالحة الشرعية بين الحرام والخمس ولا يجري ذلك إلّا مع احتمال كونه بمقدار الحرام .
أخذ المال من الجائر ليس له بنفسه حكم من الأحكام الخمسة
قوله : واعلم أنّ أخذ ما في يد الظالم ينقسم باعتبار نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة .
أقول : حاصل كلامه : أنّ أخذ المال من الجائر ينقسم بلحاظ نفس الأخذ إلى الأحكام الخمسة، وبلحاظ نفس المال إلى المحرّم والمكروه والواجب . فالمحرّم ما علم أنه مال الغير مع عدم رضاه بأخذه ، والمكروه هو المال المشتبه ، والواجب هو ما يجب استنقاذه من يد الجائر من حقوق الناس ، وحقوق السادة والفقراء ، ولو كان ذلك بعنوان المقاصّة .
أقول : الظاهر أنّ الأخذ بنفسه لا يتّصف بشيء من الأحكام الخمسة حتّى بالإباحة ، بل شأنه شأن سائر الأفعال التي لا تتّصف بها إلّا باعتبار العوارض والطوارئ ، فإنّ الأخذ قد يتّصف بالحرمة ، كأخذ مال الغير بدون إذنه . وقد يتّصف بالوجوب ، كأخذ حقوق الناس من الجائر. وقد يتّصف بالكراهة ، كأخذ المال المشتبه منه ، بناءً على كراهته كما ذهب إليه بعض الأصحاب ، وقد تقدّم ذلك في البحث عن كراهة أخذ الجائزة من الجائر مع اشتمال أمواله على الحرام(1). وقد يتّصف بالاستحباب ، كأخذ المال منه مع عدم العلم بحرمته لزيارة المشاهد والتوسعة على العيال ، ونحو ذلك من الغايات المستحبّة . وقد يتّصف بالإباحة كأخذ المال منه لغير الدواعي المذكورة .
1) في ص 750 .
قوله : وكيف كان فالظاهر أنّه لا إشكال في كون ما في ذمته من قيم المتلفات غصباً من جملة ديونه .
قد فصّلنا الكلام في حكم أخذ المال من الجائر ، وأمّا وظيفته في نفسه ف--لا شبهة فى اشتغال ذمّته بما أتلفه من أموال الناس ، لقاعدة الضمان بالإتلاف ، فيجب عليه أن يخرج من عهدته . ولا شبهة أيضاً في أنّ ما أخذه من الناس بالظلم يجب عليه ردّه إليهم ، لقاعدة ضمان اليد ، هذا إذا كان الجائر حيّاً ، وأمّا إذا مات كانت الأموال المذكورة من جملة ديونه ، فتخرج من أصل التركة ، لقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ(1)وللروايات الواردة في هذه المسألة .
وقد خالف في ذلك الشيخ الكبير كاشف الغطاء (رحمه الله)(2)فحكم بكونه من الثلث مع الإيصاء به ، ومنع كونه من الديون ، واستدلّ على رأيه هذا بعدم المقتضي وبوجود المانع . أمّا الأول فبأنّ ذمّة الظالم وإن اشتغلت بالحقوق ، ووجب عليه الخروج من عهدتها ، إلّا أنّ الدين الذي يخرج من أصل التركة منصرف إلى الديون المتعارفة ، فلا يكون مورد البحث مشمولاً للآية وما معناها .
وأمّا المانع فلأنّ الآية الشريفة وإن دلّت على إخراج ديون الميّت من أصل التركة ، وبها خصّص ما دلّ على أنّ ما تركه الميّت ينتقل إلى وارثه ، ولكن السيرة القطعية قائمة على أنّ الضمانات الثابتة بقاعدة ضمان اليد لا تخرج من أصل التركة ، بل تخرج من الثلث مع الإيصاء به ، وإلّا بقي الميّت مشغول الذمّة به إلى يوم القيامة
وعليه فالآية قد خصّصت بالسيرة .
أقول : أمّا منع المقتضي فقد أشكل عليه المصنّف بوجوه :
الأول : منع الانصراف ، فإنّا لا نجد بعد مراجعة العرف فرقاً بين ما أتلفه هذا الظالم عدواناً ، وبين ما أتلفه شخص آخر من غير الظلمة . فكما أنّ الثاني يخرج من أصل التركة فكذا الأول .
الثاني : أنّه لا إشكال في جريان أحكام الدَين عليه في حال حياته ، م--ن جواز المقاصّة من ماله كما هو المنصوص(1)وعدم تعلّق الخمس والاستطاعة وغير ذلك .
الثالث : أنّه لو تمّ الانصراف لزم إهمال الأحكام المنوطة بالدَين وجوداً وعدماً من غير فرق بين حياته وموته .
ودعوى إطلاق الغني عليه عرفاً لا شاهد عليها ، لأنّ أهل العرف ليسوا مشرّعين لكي تكون إطلاقاتهم حجّة شرعية ، كما أنّهم يرون القمار وبيع المنابذة والحصاة والمعاملة الربوية من المعاملات الصحيحة ، وقد نهى الشارع عنها وأزرى عليهم بها .
وأمّا وجود المانع فأشكل عليه المصنّف أيضاً بأنّ السيرة المذكورة ناشئة من قلّة مبالاة الناس ، كما هو ديدنهم في أكثر السير التي استمرّوا عليها ، ولذا لا يفرقون في ذلك بين الظلمة وغيرهم ممّن علموا باشتغال ذممهم بحقوق الناس من جهة حقّ السادة والفقراء أو من جهة العلم بفساد أكثر معاملاته . وغيرها من حقوق الناس فلا يمكن رفع اليد عن القواعد المنصوصة المجمع عليها في الشريعة المقدّسة بمثل هذه
1) راجع الوسائل 17 : 272 / أبواب ما يكتسب به ب 83 ، والتهذيب 6 : 347 / 978 وما بعده من الأحاديث .
السير الواهية ، بل سيرة المتدينين على عكس السيرة المذكورة ، فإنّهم لا يفرقون في الديون بين المظالم وغيرها .
ما يأخذه الجائر من الناس يجوز احتسابه من الزكاة
قوله : الثالثة : ما يأخذه السلطان المستحلّ لأخذ الخراج .
أقول : الحقوق الشرعية الثابتة في أموال الناس أو في ذممهم أربعة : الخمس والزكاة ، والخراج ، والمقاسمة. ولا بأس بجعل الأخيرين قسماً واحداً . إذن فهي ثلاثة . أمّا الخمس فقد أسقطه عمر بن الخطاب، وتبعه قومه . وذكر بعض المفسّرين من العامّة أنّ عمر قد أسقط الخمس في شريعة الإسلام وتبعه أصحابه فصارت المسألة إجماعية ، وعلى ذلك فلا جدوى في البحث عن الخمس ، لعدم اعتقاد الجائر به لكي يأخذه من الناس حتّى نبحث في أحكامه ، فيختصّ الك--لام ببقيّة الحقوق .
ثمّ لا يخفى أنّ مورد تلك الحقوق الثلاثة هي الغلّات الأربع والأنعام الثلاثة وأراضي المسلمين ، وأمّا الأراضي التي أحياها العامل فلا شيء عليه ، وإن ك--ان المحيي من غير المسلمين على ما ذهب إليه بعض الأصحاب .
ثمّ إنّ الكلام هنا يقع في ثلاث نواحٍ :
الناحية الأُولى : إذا أخذ الجائر الحقوق المذكورة من المسلمين فهل تبرأ ذممهم عنها ، أم لا ؟ مقتضى القاعدة الأوّلية هو العدم، فإنّ الشارع قد حكم بثبوت تلك الحقوق في ذمم هؤلاء ، فلا تبرأ عنها إلّا بصرفها فيما عيّنه الشارع ، وواضح أنّ الجائر خارج عنه . على أنها لا تتعيّن في خصوص ما يأخذه الجائر حتى تسقط عن ذممهم . إلّا أنّ الظاهر من الروايات الآتية في الناحية الثالثة ه-و ج-واز أخذ الصدقات والمقاسمات من الجائر ، بل الظاهر من السؤال في رواية الحذاء الآتية أنّ
ذلك من المسلّمات ، فتدلّ تلك الروايات بالملازمة على أنّ الأموال التي يأخذها الجائر من الناس يجوز احتسابها من الصدقات والمقاسمات ، وإلّا لكان على الآخذ أن يردّه إلى صاحبه . فيدلّ ذلك على تنزيل يد الجائر في زمان الغيبة منزلة ي-د السلطان العادل .
ويضاف إلى ما ذكرناه ما في جملة من الروايات(1)
وعن عيص بن قاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الزكاة قال : « ما أخذوا منكم بنو أميّة فاحتسبوا به ، ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم ، فإنّ المال لا يبقى على هذا أن يزكّيه مرّتين » وهي صحيحة ، وغير ذلك من الروايات . راجع الكافي 3: 543 / 2 ، 4 . والوافي 10 : 144 / 3 ، 2 . والوسائل 9 : 251 / أبواب المستحقّين للزكاة ب 20 ح 1 ، 2 .
من أنّ العشور التي تؤخذ من الرجل يجوز احتسابها من الزكاة إلّا إذا استطاع الرجل دفع الظالم ، كما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في رواية عيص بقوله : « لا تعطوهم شيئاً ما استطعتم » . وأمّا ما ورد في صحيحة أبي أُسامة زيد الشحّام(2)من منع الاحتساب لأنّهم قوم غصبوا ذلك ، فيمكن حمله على استحباب الإعادة ، كما صنعه الشيخ في التهذيب(3).الناحية الثانية : هل يجوز للجائر أخذ الصدقة والخراج والمقاسمة من الناس أم لا ؟ وعلى القول بالجواز فهل تبرأ ذمّته إذا أعطاها لغير أهلها ، أم لا ؟ قد يقال : إنّ الولاية في زمان الغيبة وإن كانت راجعة إلى السلطان العادل الذي وجبت على
الناس طاعته ، وحرمت عليهم معصيته ، فإذا غصبها غاصب وتقمّصها متقمّص كان عاصياً وآثماً ، إلّا أنّ هذه الولاية الجائرة تترتّب عليها الأحكام الشرعية المترتّبة على الولاية الحقّة من حفظ حوزة الإسلام ، وجمع الحقوق الثابتة في أموال الناس ، وصرفها في محلّها ، وغير ذلك ، لأنّ موضوع تلك الأحك-ام ه-و م-طلق السلطنة ، سواء أكانت حقّة أم باطلة ، كما إذا وقف أحد أرضاً وجعل توليتها لسلطان الوقت .
وعلى الجملة : إنّ المحرّم إنّما هو تصدّي الجائر لمنصب السلطنة ، لا الأحكام المترتّبة عليها ، فإنّها لا تحرم عليه بعد غصبه الخلافة وتقمّصها ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في جواز تصدّي الجائر للأُمور العامّة .
ولكن يرد عليه : أنّ هذا الاحتمال وإن كان ممكناً في مقام الثبوت ، إلّا أنّه لا دليل عليه ، وعلى هذا فالجائر مشغول الذمّة بما يأخذه من حقوق المسلمين ما لم يخرج من عهدتها .
وذهب السيّد في حاشيته(1)إلى براءة ذمّة الجائر لوجه آخر ، وحاصله : أن الأئمّة (عليهم السلام) - وهم الولاة الشرعيّون - قد أذنوا لشيعتهم في شراء الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر ، ويكون تصرّفه في هذه الحقوق الثلاثة كتصرّف الفضولي في مال الغير إذا انضمّ إليه إذن المالك ، وحينئذ فيترتّب عليه أمران أحدهما : براءة ذمّة الزارع بما دفع إلى الجائر من الحقوق المذكورة . وثانيها : براءة ذمّة الجائر من الضمان وإن ترتّب عليه الإثم من جهة العصيان والعدوان ، ونظير ذلك ما إذا غصب الغاصب مال غيره فوهبه لآخر ، وأجازه المالك .
1) حاشية المكاسب (اليزدي) : 44 ، السطر 15 .
ويرد عليه أولاً (1): أنّ إذن الشارع في أخذ الحقوق المذكورة من الجائر إنّما هو لتسهيل الأمر على الشيعة لئلّا يقعوا في المضيقة والشدّة ، فإنّهم يأخذون الأموال المذكورة من الجائر . وأنّ إذنه هذا وإن كان يدلّ بالالتزام على براءة ذمة الزارع وإلّا لزم منه العسر والحرج المرفوعين في الشريعة ، إلّا أنّه لا إشعار فيه ببراءة ذمّة الجائر ، فضلاً عن الدلالة عليها ، وعلى هذا فتصدّيه لأخذ تلك الحقوق ظلم وعدوان ، فتشمله قاعدة ضمان اليد ، وتلحقه جميع تبعات الغصب وضعاً وتكليفاً .
وأمّا تنظير المقام بهبة الغاصب المال المغصوب مع لحوق إجازة المالك فهو قياس مع الفارق ، إذ المفروض أنّ الجائر لم يعط الحقوق المذكورة لأهلها حتّى تبرأ ذمّته ، بل أعطاها لغيرهم إمّا مجّاناً ، أو مع العوض . وعلى الأول فقد أتلف الم--ال فيكون ضامناً له ، وإن جاز للآخذ التصرّف فيه ، وعليه فالعوض يكون للآخذ وينتقل المال إلى ذمّة الجائر. وعلى الثاني فالمعاملة وإن صحّت على الفرض ، إلّا أنّ ما يأخذه الجائر بدلاً عن الصدقة يكون صدقة ، ويضمنه الجائر لا محالة .
ونظير ذلك أنّ الأئمّة قد أذنوا لشيعتهم في أخذ ما تعلّق به الخمس أو الزكاة ممّن لا يعطيهما أو لا يعتقد بهما ، مع أنّ ذلك يحرم على المعطي وضعاً وتكليفاً .
الناحية الثالثة : هل يجوز أخذ مال الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر المستحلّ لذلك ، أم لا يجوز ؟ وعلى القول بالجواز فهل يملكها الآخذ أم لا ؟ المشهور بل المجمع عليه بين الأصحاب هو الأول ، وعن المسالك أنّه أطبق عليه علماؤنا ، لا
1) [ لم يذكر إيراداً ثانياً ، نعم لعلّه أراد ذلك بقوله : وأمّا تنظير ... ] .
نعلم فيه مخالفاً (1). وعن المفاتيح أنّه لا خلاف فيه(2)2). وفي الرياض أنّه استفاض نقل الإجماع عليه(3). وقد خالف في ذلك الفاضل القطيفي(4)والمحقّق الأردبيلي(5).
ولكن التحقيق يقتضي الأول ، لإطلاق الروايات الكثيرة الدالّة على إباحة أخذ الجوائز من الجائر ، وقد تقدّمت الإشارة إليها في البحث عن جوائز السلطان(6)، وتدلّ عليه أيضاً الروايات الخاصّة الواردة في خصوص المقام :
منها : رواية الحذاء(7)وهي تدلّ على المقصود بثلاث فقرات :
الفقرة الأولى : أنّ السائل جعل جواز أخذ الصدقات من السلطان الجائر مفروغاً عنه ، وإنّما سأل عمّا إذا أخذ الجائر من الناس أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم ، فقال الإمام (عليه السلام) : « لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه » .
وقد أورد عليه المحقّق الأردبيلي في محكي كلامه بأنّ قوله (عليه السلام) : « لا بأس به حتّى تعرف الحرام بعينه » لا يدلّ إلّا على جواز شراء ما كان حلالاً ، بل مشتبهاً ، وعدم جواز ما كان معروفاً أنّه حرام بعينه ، ولا تدلّ على جواز شراء الزكاة بعينها صريحاً . نعم ظاهرها ذلك . لكن لا ينبغي الحمل عليه ، لمنافاته العقل والنقل . ويمكن أن يكون سبب الإجمال منه التقيّة .
ويرد عليه أولاً : أنّ الرواية صريحة في المطلوب ، فإنّ الضمير في قوله (عليه السلام) : « لا بأس به » يرجع إلى شراء إبل الصدقة وغيرها ، فلا وجه لإنكار الأردبيلي صراحة هذه الفقرة في المقصود .
وثانياً : أنّ حكم العقل بقبح التصرّف في مال الغير بدون إذنه وإن كان ممّا لا ريب فيه ، وكذا لا شبهة في دلالة جملة من الروايات على حرمته(1)، إلّا أنّ إذن الشارع فيه أحياناً يوجب ارتفاع القبح ، وتخصيص العمومات ، وعليه فجواز أخذ الصدقات من الجائر لا ينا في حكم العقل والنقل ، لأنّ أخذ الجائر هذه الحقوق من المسلمين وإن كان على وجه الظلم والعدوان ، إلّا أنّ الشارع أجاز لغير الجائر أن يأخذها منه ، ومن منه ، ومن هنا لم يتوهّم أحد أنّ إذن الشارع في التصرّف في الأراضي المتّسعة والأنهار الكبار وغيرهما ينافي حكم العقل والنقل .
وثالثاً : أنّه لا وجه لإنكاره صراحة هذه الفقرة في المطلوب ، ودع--واه ظهورها فيه ، ثمّ إنكاره الظهور أيضاً لمنافاته العقل والنقل . نعم له إنكار حجّيتها من الأول ، سواء كانت صريحة في المطلوب أم ظاهرة فيه ، كما هو كذلك في كل دليل ينا في العقل والنقل .
ورابعاً : أنّه لا وجه لاحتمال النقيّة في الرواية وجعلها سبب الإجمال فيها ، لأنّ مجرد معارضة الرواية لعموم آية أو رواية أو إطلاقها لا يسوّع حملها على التقيّة ، بل يلتزم بالتخصيص أو التقييد.
لا يقال : لا وجه لحمل لفظ السلطان الوارد في الرواية على السلطان الجائر ولماذا لا يحمل على السلطان العادل، فتبعد الرواية عمّا نحن فيه .
فإنّه يقال : ظاهر قول السائل : « وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ
1) قد تقدّم التعرّض لها في ص 225 .
الذي يجب عليهم » أنّه فرض الكلام في الجائر ، لأنّ العادل لا يعمل ذلك . ويضاف إلى ما ذكرناه أنّا لم نسمع بوجود السلطان العادل في زمان السائل وما يقاربه .
الفقرة الثانية : أنّ السائل قد احتمل حرمة شراء الإنسان صدقات نفسه من الجائر فسأل الإمام (عليه السلام) عنها ، فقال (عليه السلام) : « إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس » . فهذه الفقرة أيضاً صريحة في المطلوب . وإنّما قيّد الإمام (عليه السلام جواز شراء الصدقات بالأخذ والعزل معاً ولم يكتف بالعزل فقط ، لأنّ الصدقات لا تتعيّن بأمر الجائر بالعزل ، فإذا اشتراها قبل الأخذ والعزل فقد اشترى مال نفسه ، وهو بديهي البطلان ، فإنّ البيع تبديل المالين في طرفي الإضافة غير معقول في شراء الإنسان مال نفسه . وسنتعرّض لذلك في أوائل البيع إن شاء الله(1).
وقد يقال : إنّ المراد من المصدّق في قول السائل : « فما ترى في مصدّق يجيئنا » إلخ . هو العامل من قبل السلطان العادل ، ووجه السؤال هو احتمال أن لا يكون العامل وكيلاً في بيعها ، فتكون الرواية أجنبية عن المقام . ويرده : أنّ الرواية واردة في الجائر ، وقد تقدّم ما يدلّ على ذلك .
الفقرة الثالثة : أنّ السائل قد احتمل عدم كفاية الكيل السابق في الشراء فسأل الإمام (عليه السلام) عن ذلك فقال : « إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل » لأنّ الكيل إنّما اعتبر طريقاً إلى تعيين مقدار المكيل بأي نحو اتّفق ، ولا دليل على اعتباره عند البيع . فهذه الفقرة أيضاً صريحة في جواز شراء الصدقات من الجائر .
لا يقال : المراد من القاسم المذكور في السؤال هو المزارع أو وكيله ، فلا
1) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 23 .
مدخل للرواية فيما نحن فيه .
فإنّه يقال : اتّحاد السياق يقتضي أن يراد من القاسم عامل الصدقة ، لا المزارع أو وكيله . على أنّ الظاهر من إطلاق لفظ القاسم - الذي هو من المشتقّات - هو من كانت القسمة حرفة له ، ولا يطلق ذلك على المزارع للأرض بقسمة حاصله.
وقد يتوهّم أنّ الرواية إنّما تعرّضت لحكم الصدقة فقط ، فلا تشمل الخراج والمقاسمة . ولكن يرد عليه أولاً : أنّ مقابلة القاسم بالمصدّق في الرواية تدلّ على إرادة كل من المقاسمة المصطلحة والصدقات . وثانياً : أنّ إطلاق لفظ القاسم يشمل الخراج والمقاسمة الزكاتية ، فلا وجه لصرفه إلى الثاني . وثالثاً : يكفينا تعرّض الرواية لخصوص الصدقات ، فيثبت الحكم في غيرها بعدم القول بالفصل ، لأنّ كل من قال بجواز أخذ الصدقات من الجائر قال بجواز أخذ الخراج والمقاسمة منه .
ومنها : رواية إسحاق بن عمّار قال : « سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم ، قال : يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً »(1)فإنّ ظاهر الشراء من العامل هو شراء الحقوق المذكورة منه ، فتدلّ هذه الرواية أيضاً على المطلوب .
وأشكل عليها الفاضل القطيفي(2)بأنّ المراد من العامل هو عامل الظلمة وقد عرفت فيما سبق أنّه لا مانع من أخذ أموالهم ما لم يعلم أنّها من الحرام فتكون الرواية بعيدة عن المقام . وفيه : أنّ هذه الدعوى وإن لم تكن بعيدة في نفسها ولكن يدفعها إطلاق الرواية ، وعدم تفصيل الإمام (عليه السلام) بين المقامين .
ومنها : رواية أبي بكر الحضرمي(3)فإنّها ظاهرة في حلّ ما يعطيه الجائر
1) قد ذكرنا هذه الرواية في ص 764
2) السراج الوهّاج (ضمن الخراجيات) : 107 - 108 .
3) قال : « دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) وعنده إسماعيل ابنه ، فقال : ما يمنع ابن أبي شمال أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس ؟ ثمّ قال لي : لِمَ تركت عطاءك ؟ قال قلت : مخافة على ديني ، قال : ما منع ابن أبي شمال أنّ يبعث إليك بعطائك ، أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً » . وهي مجهولة بعبد الله بن محمّد الحضرمي . في نسخة الوسائل : سمال ، وفي التهذيب سماك . راجع الوافي 17 : 163 / 25 ، والوسائل 17 : 214 / أبواب ما يكتسب به ب 51 ح 6 ، والتهذيب 6 : 336 / 933 .
للناس من بيت المال ، سواء كان ذلك بعنوان البذل ، أم الأُجرة على عمل . وقد ذكر المحقّق الكركي أنّ هذا الخبر نصّ في الباب(1). وقد تعجّب منه الأردبيلي وقال : أنا ما فهمت منه دلالة ما ، وذلك لأنّ غايتها ما ذكر ، وذلك قد يكون شيء من بيت مال يجوز أخذه وإعطاؤه للسمتحقّين ، بأن يكون منذوراً ، أو وصية لهم ، ويعطيهم ابن أبي شمال أو غير ذلك(2).
ولكن يرد عليه : أنّه إذا تحقّق للرواية ظهور فإنّ مجرد الاحتمال على خلافه لا يسوغ رفع اليد عنه ، وإلّا لانسدّ باب الاجتهاد ، فإنّ كل ظاهر يحتمل خلافه . نعم لا يجوز الاستدلال بالرواية المذكورة على المقصود من جهة أُخرى ، وهي أنّ الإمام (عليه السلام) قد علّل التعريض بابن أبي شمال بأنّه لم يبعث إلى أبي بكر الحضرمي بعطائه ، حيث قال : « أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً » وظاهر هذا التعليل أنّ جواز الأخذ من جهة ثبوت الحقّ في بيت المال، فيجوز له الأخذ بمقدار حقّه . إلّا أنّه لا دلالة فيها على جواز أخذ الحقوق الثلاثة من الجائر مطلقاً ، لكون الدليل أخصّ من المدّعى .
ومنها : الأخبار(3)
وفي الوافي 18 : 672 / 16 ، والوسائل 17 : 355 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 4 عن الهاشمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « سألته عن الرجل يتقبّل خراج الرجال وجزية رؤوسهم وخراج النخل والشجر والآجام والمصائد والسمك والطير ، وهو لا يدري لعلّ هذا لا يكون أبداً أو يكون ، أيشتريه ؟ وفي أي زمان يشتريه ويتقبّل به منه ؟ فقال : إذا علمت أنّ من ذلك شيئاً واحداً قد أدرك فاشتره » . وهي موثّقة بأبان بن عثمان .
ورواها الكليني باختلاف يسير في الكافي 5 : 195 / 12 ، إلّا أنّ في طريقه عبدالله بن محمّد ابن عيسى ، وهو مهمل .
الواردة في جواز تقبّل الأراضي الخراجية ، وتقبّل1) قاطعة اللجاج (ضمن رسائل المحقّق الكركي) 1 : 272 .
2) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 104 (مع اختلاف يسير) .
3) راجع الوافي 18 : 1019 / ب 165 قبالة الأرضين) 1041 / ب167 (الرجل يستأجر الأرض فيؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها) . والوسائل 15 : 155 / أبواب جهاد العدو ب 71 ، 72 . والكافي 5 : 282 / باب شراء أرض الخراج من السلطان. 271 / باب الرجل يستأجر الأرض ... . 269 / باب قبالة أرض أهل الذمّة .
خراجها ، وخراج الرجال والرؤوس من الجائر ، فإنّها تدلّ بالملازمة على جواز شراء الخراج والمقاسمة والصدقة منه .
وتوضيح الدلالة : أنّ التقبّل قد يتعلّق بالأرض ، وقد يتعلّق بالخراج . أمّا الأول فتشهد به جملة من الروايات . ولعلّ الوجه في تجويز الشارع ذلك أن لا تبقى الأرض معطّلة ، ولا شبهة أنّ هذه الجهة لا ترتبط بما نحن فيه . وأمّا تقبّل الخراج فتدلّ عليه جملة أُخرى من الروايات ، ولا ريب فى دلالة هذه الجملة على المطلوب إذ لا فارق بين شراء الحقوق المذكورة من الجائر أو أخذها منه مجاناً ، وبين تقبّلها فإنّ الغرض هو مطلق الأخذ ، ولذا نوّهنا في صدر المسألة بأنّ الأخذ أعمّ من أن يكون مع العوض أو بدونه .
وينبغي التنبيه على اُمور :
الأول : هل يجوز للجائر إقطاع شخص خاص شيئاً من الأراضي الخراجية وتخصيصها به أم لا ؟ الظاهر هو الثاني ، لدلالة الأخبار الكثيرة على أنّ الأراضي الخراجية للمسلمين(1)، فلا يجوز لأحد أن يتولّى التصرّف عنهم إلّا الإمام (عليه السلام) أو من كان مأذوناً من قبله . وعليه فإن قلنا بكون الجائر ولي الأمر في زمان الغيبة ، أو قلنا بكونه مأذوناً من قبل الإمام (عليه السلام) في التصدّي للأُمور العامّة فلا بأس بتصرّفه في تلك الأراضي من قبل المسلمين على أي نحو شاء ، وإن لم نقل بهما - كما هو الظاهر - لعدم الدليل عليهما فيحرم عليه التصرّف فيها وضعاً وتكليفاً .
الأمر الثاني : هل يجوز شراء الصدقات من الجائر قبل أخذه إيّاها من الناس أم لا يجوز ذلك إلّا بعد الأخذ ؟ ظاهر عبارات الأكثر بل الكل أنّ الحكم مختص بما يأخذه السلطان من المسلمين ، فلا يجوز شراء ما في ذمّة مستعمل الأراضي الخراجية أو الحوالة عليه . وصريح جماعة جواز ذلك ، للأخبار الواردة في تقبّل الأراضي الخراجية وتقبّل خراجها ، وجزية الرؤوس من الجائر قبل أخذه إيّاها - وقد تقدّمت الإشارة إليها آنفاً - فإنّ تقبّل الخراج من الجائر ليس إلّا شراؤه منه . وأمّا اختصاص عبارات الفقهاء بصورة الشراء بعد الأخذ فمبني على الغالب .
1) راجع الوافي 18 : 989 / ب 159 حكم أرض الخراج وأرض أهل الذمّة ، والوسائل 15 : 155 / أبواب جهاد العدو ب71.
لا يقال : إنّ قوله (عليه السلام) في رواية الحذاء المتقدّمة(1): « إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس » يدلّ على حرمة الشراء قبل الأخذ والعزل ، ولا
اختصاص لذلك بالصدقات ، لعدم القول بالفصل بينها وبين الخراج والمقاسمة .
فإنّه يقال : إنّ الرواية وإن كانت ظاهرة في ذلك ، إلّا أنّه ظهور بدوي يزول بالتأمّل فيها ، فإنّها بعيدة عمّا نحن فيه ، لأنّ الظاهر من قول السائل : « فما ترى في مصدّق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول : بعناها» إلخ ، أنّ الجابي هو العامل من قبل الجائر ، إذ لم يتعارف تصدّي الجائر لذلك بنفسه ، وعلى هذا فكل ما أخذه العامل من حقوق المسلمين جاز شراؤه منه ، لقاعدة اليد المقتضية لحمل معاملاته على الصحّة ، فإنّه من المحتمل أن يكون العامل مأذوناً في البيع كما هو مأذون في الجباية .
ولكن ذلك لا يجري فيما قبل الأخذ ، لأنّ حمل فعل المسلم على الصحّة في المعاملات إنّما هو في الشرائط العائدة إلى العقد فقط ، وأم-ّا ش-رائ-ط الع--وض-ين وأشباهها فلابدّ من إحرازها بدليل آخر من قاعدة اليد ونحوها ، وهي منتفية في هذه الصورة ، فإذا باع أحد شيئاً ، ولم تحرز مالكيته له ، أو كونه وكيلاً مفوّضاً في البيع ، فإنّ الأثر لا يترتّب على بيعه ، وقد ظهر ممّا تقدّم أنّ الرواية إنّما وردت على طبق القواعد . ويضاف إلى ذلك ما تقدّم سابقاً من أنّ الرواية ناظرة إلى عدم جواز الشراء قبل الأخذ ، لأنّ الصدقات لا تتعيّن بأمر الجائر بالعزل ، فإذا اشتراها قبل الأخذ فقد اشترى مال نفسه ، وهو واضح البطلان .
1) في ص 809 .
الأمر الثالث : لا شبهة في أنّ الأراضي الخراجية ملك لجميع المسلمين - ك-م--ا عرفت في الأمر الأول - فلابدّ من صرف أُجرتها في مصالحهم العامّة ، كما لا شبهة في أنّ أمر التصرّف فيها وفي خراجها إلى الإمام (عليه السلام) ، وإنّما الإشكال في حكمها حال الغيبة . وقد اختلفوا في ذلك على أقوال قد تعرّض لها السيد في حاشيته(1)، ولا يهمّنا ذكرها ، والذي يهمّنا أمره أنّه لم يستشكل أحد من الأصحاب في أنّ السلطان الجائر غاصب للخلافة . وقائم في صفّ المعاندة الله ، إلّا أنّه ذهب جمع منهم إلى حرمة التصرّف في تلك الأراضي وفي خراجها بدون إذنه ، بتوهّم أنّه ولي الأمر في ذلك بعد غصبه الخلافة ، لأنّ موضوع التصرّف فيها هو السلطنة وإن كانت باطلة ، فإذا تحقّقت يترتّب عليها حكمها .
إلّا أنّك قد عرفت سابقاً(2)عدم الدليل على ذلك ، بل غاية ما ثبت لنا من الأخبار الكثيرة - التي تقدّم بعضها - هو نفوذ تصرّفات الجائر فيها أخذه من الناس باسم الخراج والمقاسمة والصدقة ، بمعنى أنّ الشارع قد حكم بجواز أخذها منه وببراءة ذمّة الدافع منها ، وإن بقي الجائر مشغول الذمّة بها ما لم يؤدّها إلى أهلها وقد عرفت ذلك فيما سبق .
وتقدّم أيضاً أنّ حكم الشارع بنفوذ معاملة الجائر على النحو المذكور إنّما هو لتسهيل الأمر على الشيعة ، لكي لا يقعوا في العسر والحرج في معاملاتهم وأُم--ور معاشهم ، ولم يدلّ دليل على أزيد من ذلك ، حتّى أنّه لو أمكن إنقاذ الحقوق المذكورة من الجائر - ولو بالسرقة والخيانة - وإيصالها إلى أهلها وجب ذلك ، فضلاً عن أن
تردّ إليه .
ثمّ لا يخفى أنّ المستفاد من بعض الأخبار(1)إنّما هو حرمة دفع الصدقات إلى الجائر اختياراً ، وبعدم القول بالفصل بينها وبين الخراج والمقاسمة نحكم بحرمة دفعهما إليه أيضاً اختياراً ، بل يمكن استئناس التعميم من رواية علي بن يقطين(2)حيث إنّه كان يأخذ أموال الشيعة علانية ، ويردّها إليهم سرّاً . وأيضاً يمكن استئناس التعميم من صحيحة زرارة (3)فإنّها تدلّ على أنّه اشترى ضريس من هبيرة أُرزاً بثلاثمائة ألف ، وأدّى المال إلى بنى اُميّة ، وعضّ الإمام (عليه السلام) إصبعه على ذلك ، لأنّ أمرهم كان في شرف الانقضاء ، وكان أداء المال إليهم بغير إكراه منهم ، بل كان ذلك باختيار ضريس . فيستفاد من ذلك أنّه لا يجوز دفع الخراج إلى الجائر مع الاختيار . وقال المصنّف : فإنّ أوضح محامل هذا الخبر أن يكون الأُرز من المقاسمة .
الأمر الرابع : هل يختصّ جواز شراء الخراج والمقاسمة بما أخذه الجائر من الأراضي الخراجية ، أو يعمّ مطلق ما أخذه من الأراضي باسم الخراج والمقاسمة وإن لم تكن الأرض خراجية . وتوضيح ذلك : أنّ الأرض قد تكون خراجية كالأراضي التي فتحت عنوة أو صلحاً ، فهي لجميع المسلمين . وقد تكون شخصية كالأراضي الحياة ، فإنّها ملك للمحيي ، وكالأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ، فإنّها
لمالكها الأول . وقد تكون من الأنفال ، كالجبال وبطون الأودية ونحوها .
أمّا القسم الأول : فلا ريب في كونه مشمولاً للأخبار المتقدّمة الدالّة على جواز شراء الحقوق الثلاثة من الجائر على النحو الذي عرفته آنفاً .
وأمّا القسم الثاني : فهو خارج عن حدود تلك الأخبار قطعاً ، ولم يقل أحد بثبوت الخراج فيها ، وعليه فإذا أخذ الجائر منه الخراج كان غاصباً جزماً ، ولا يجوز شراؤه منه .
وأمّا القسم الثالث : فهو وإن لم يكن من الأراضي الخراجية ، إلّا أنّ ما يأخذه الجائر من هذه الأراضي لا يبعد أن يكون محكوماً بحكم الخراج المصطلح ، ومشمولاً للروايات الدالّة على جواز شراء الخراج من الجائر بعد ما كان أخذ الجائر إي-ّ-اه بعنوان الخراج ، ولو كان ذلك بجعل نفسه.
ويرد عليه : أنّ هذا القسم خارج عن موضوع الأخبار المذكورة ، فإنّها مسوقة لبيان جواز المعاملة على الحقوق الثلاثة من التقبّل والشراء ونحوهما ، وليس فيها تعرّض لموارد ثبوت الخراج وكيفيته ومقداره ، بل لا بدّ في ذلك كلّه من التماس دليل آخر ، ولا دليل على إمضاء ما جعله الجائر خراجاً وإن لم يكن من الخراج في الشريعة المقدّسة.
الأمر الخامس : ذكر المصنّف أنّ ظاهر الأخبار ومنصرف كلمات الأصحاب الاختصاص بالسلطان المدّعي للرئاسة العامّة وعمّاله ، فلا يشمل من تسلّط على قرية أو بلدة خروجاً على سلطان الوقت ، فيأخذ منهم حقوق المسلمين(1)فلا
1) المكاسب 2 : 227
يكون ذلك مشمولاً للأخبار المتقدّمة ، ولا يجوز شراؤها منه . والوجه في ذلك : أنّ الأخبار المذكورة لم ترد على سبيل القضايا الحقيقية ، فليس مفادها أنّ كل متصدّ لمنصب الخلافة والسلطنة تترتّب على دعواه الأحكام المزبورة ، بل موردها القضايا الخارجية ، أعني السلاطين الذين يرون أنفسهم أولياء الأُمور للمسلمين ، بحيث لا يمكن التخلّص عن مكرهم ، ويدعون عليهم الولاية العامّة في الظاهر ، وإن كانت عقيدتهم على خلاف دعواهم ، كجملة من الخلفاء السابقين . ومن الواضح أنّ المسؤول عنه في تلك الروايات إنّما هو تصرّفات هؤلاء الخلفاء في الحقوق الثابتة على المسلمين .
وعليه فليس في تلك الروايات عموم ولا إطلاق لكي يتمسّك به في الموارد المشكوكة وفي كل متزعّم أطلق عليه لفظ السلطان ، وحينئذ فلابدّ من الاقتصار في الأحكام المذكورة على المقدار المتيقّن ، وهي القضايا الشخصية الخارجية ، ولا يجوز التعدّي منها إلّا إلى ما شاكلها في الخصوصيات . ومن هنا يظهر عدم شمول الأخبار المزبورة لسلاطين الشيعة الذين اتّصفوا بأوصاف المخالفين ، فضلاً عن شمولها لم--ن تسلّط على قرية أو بلدة خروجاً على سلطان الوقت ، وأخذ من أهلها أموالهم باسم الخراج والمقاسمة والصدقة ، فلا تبرأ بذلك ذمم الزارعين ، ولا يجوز شراؤه--ا م-ن هؤلاء الظالمين ، لأنّ ذلك يدخل فيا أُخذ على سبيل الظلم والعدوان .
وقد يقال بشمول الأحكام المتقدّمة لكل من يدّعي الرئاسة ومنصب الخلافة ولو على قرية أو بلدة لقاعدة نفي العسر والحرج.
ولكن يرد عليه : أنّه قد يراد بذلك لزوم الحرج على الذين يأخذون الأموال المذكورة من هؤلاء الظلمة المدّعين للخلافة ، وهو واضح البطلان ، وأي حرج في ترك شراء ما في يد السرّاق والغصّاب مع العلم بكونه غصباً وسرقة . على أنّ ذلك لو صحّ الجاز أخذ الأموال المحرّمة من أي شخص كان ، وهو بديهي البطلان .
وقد يراد بذلك لزوم الحرج على الزارعين وأولياء الأراضي إذا وجب عليهم أداء تلك الحقوق ثانياً ، فيرتفع بدليل نفي الحرج. ولكنّه أيضاً بيّن الخلل ، فإنّ لازم ذلك أنّ الإنسان إذا أجبره سارق أو غاصب على إعطاء حقوق الله أو حقوق الناس أن تبرأ ذمّته بالدفع إليه ، لتلك القاعدة ، ولم يلتزم بذلك فقيه ، ولا متفقّه .
عدم اختصاص الحكم بمن يعتقد كون الجائر ولى الأمر
الأمر السادس : قد عرفت أنّه لا شبهة في جواز أخذ الصدقة والخراج م--ن الجائر ، فهل يختصّ ذلك بالحقوق التي أخذها من المعتقدين بخلافته وولايته ، أم يعمّ غيرها ؟ الظاهر أنّه لا فارق بينهما ، لإطلاق الروايات المتقدّمة ، بل ورد بعضها فيما كان المأخوذ منه مؤمناً كروايتي الحذاء وإسحاق بن عمّار(1)، وبعض ما ورد في تقبّل الأرض - وقد تقدّمت الإشارة إلى هذه الروايات أنفا(2)- ومن الواضح أنّ المؤمن لا يعتقد بخلافة الجائر وكونه ولي أمر المسلمين.
تقدير الخراج منوط برضى المؤجر والمستأجر
الأمر السابع : ليس للخراج قدر معيّن ، بل المناط فيه ما رضي به السلطان ومستعمل الأرض ، بحيث لا يكون فيه ضرر على مستعمل الأرض ، فإنّ الخراج هو أُجرة الأرض ، فيناط تقديره برضى المؤجر والمستأجر ، كالنصف والثلث والربع ونحوها ، فإن زاد على ذلك فالزائد غصب يحرم أخذه من الجائر .
ويدلّ على ما ذكرناه قوله (عليه السلام) في مرسلة حمّاد الطويلة « والأرضون التي أُخذت عنوة بخيل ورجال فهي موقوفة متروكة في يد م-ن ي-عمرها ويحييها ويقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ : النصف والثلث والثلثين ، وعلى قدر ما يكون صالحاً ولا يضرّهم »(1).
الأمر الثامن : المستفاد من الروايات المتقدّمة هو جواز شراء الصدقة والخراج والمقاسمة من الجائر على وجه الإطلاق ، سواء كان المأخوذ بقدر الكفاف والاستحقاق ، أم أزيد . وأمّا الأخذ المجّانى فيحرم من أصله إن كان الآخذ غير مستحقّ لذلك ، وإلّا يحرم الزائد على قدر الاستحقاق ، ويشعر بما ذكرناه قوله (عليه السلام) في رواية الحضرمي : « أما علم أنّ لك في بيت المال نصيباً ، وقد تعرّضنا لها سابقاً(2)ورميناها بالجهالة .
نعم لا بأس بأخذها للاستنقاذ ، وحينئذ فلابدّ من إيصالها إلى الحاكم الشرعي مع التمكّن منه ، وإلّا أوصلها إلى المستحقّين .
وقد يتوهّم جواز الأخذ مطلقاً ، للأخبار الدالّة على حلّية أخذ الجوائز من السلطان . وقد تقدّمت جملة منها في البحث عن ذلك(3). ولكن هذا التوهّم فاسد فإنّ تلك الأخبار غير متعرّضة لحكم الحقوق الثلاثة نفياً وإثباتاً.
الأمر التاسع : الأراضي الخراجية إنّما تثبت بشرائط ثلاثة :
الشرط الأول : أن تكون الأرض مفتوحة عنوة أو صلحاً ، أو تكون من الأنفال على الاحتمال المتقدّم(1)ويثبت ذلك بالشياع المفيد للعلم ، وبشهادة العدلين ، وكذا يثبت بالشياع المفيد للظنّ المتاخم للعلم إذا قلنا بكفايته في كل ما تعسّرت إقامة البيّنة عليه ، كالنسب والوقف والملك المطلق ونحوها ، وبقول العدل الواحد إذا قلنا بحجّيته في الموضوعات. وهذه الأمارات حاكمة على أصالة عدم كون الأرض مفتوحة عنوة .
وقد يقال بثبوت الفتح عنوة بالسيرة ، وبحمل فعل الجائر على الصحّة ، فإنّ أصالة الصحّة لا تختصّ بفعل العادل .
أمّا السيرة فإن كان المراد بها سيرة الجائرين فهي مقطوعة البطلان ، لأنّهم لا يلتزمون بالأحكام الشرعية ، بل يرتكبون الأفعال الشنيعة ، ولا يفرقون بين الحلال والحرام ، فكيف يبقى مع ذلك اطمئنان بالسيرة الدائرة بينهم ، ويزداد ذلك وضوحاً بمراجعة التواريخ ، وملاحظة أحوال الخلفاء السابقين وأفعالهم .
وإن كان المراد بها سيرة الفقهاء على معاملة جملة من الأراضي - كمعاملة الأراضي الخراجية - فهو متين ، ولكن الإشكال في الصغرى ، فأيّ أرض ثبت كونها مفتوحة عنوة أو صلحاً لكي يحكم بكونها خراجية ؟
ومن هنا يتّضح أنّ البحث في ذلك خالٍ عن الفائدة ، فإنّ الجائرين في يومنا هذا لا يأخذون الخراج بعنوان الولاية والاستحقاق ، بل لا يعتقدون بذلك ، ومعه يأخذون فريقاً من أموال الناس باسم الخراج ، كالمكوس والگمارك وغيرهما.
1) في ص 819.
وأمّا حمل فعل الجائر على الصحة فسيأتي التعرّض له عند بيان الضابطة للأراضي .
والتحقيق : أنّ تحرير البحث في المقام يقع في ثلاث نواحٍ :
الناحية الأُولى : أنّ الأرض التي تكون بيد الزارع قد توجد فيها علامة تدلّ على كونها مسبوقة باليد ، وقد لا تكون كذلك . وعلى الأول فقد تمضي مدّة يطمئن الزارع بعدم بقاء المالك عادةً ، وقد لا يكون كذلك .
فعلى الأول : تكون الأرض وخراجها للإمام (عليه السلام) لأنّه وارث من لا وارث له ، ومع الشكّ في وجود الوارث فالأصل عدمه إذا كان هنا علم عادي بموت الأبوين .
وعلى الثاني : تعامل الأراضي وخراجها معاملة مجهول المالك و من هنا يتّضح ما في كلام المصنّف من إثبات عدم الفتح عنوة وعدم تملّك المسلمين وغيرهم بأصالة العدم، ووجه الضعف هو أنّ كون الأرض معلمة بما يدلّ على أنّها مسبوقة باليد مانع عن الرجوع إلى الأصل .
وعلى الثالث - وهو ما إذا لم تكن في الأرض علامة تدلّ على كونها مسبوقة باليد -: فإن ثبت كونها خراجية فلا كلام لنا فيه ، وإن لم يثبت ذلك فهل يمكن إثبات ذلك بحمل فعل الجائر على الصحّة أم لا ؟ الظاهر هو الثاني ، فقد عرفت فيما سبق(1)أنّ معنى حمل فعل المسلم على الصحّة في غير المعاملات هو أن لا يعامل معاملة الكاذب ، ومن المعلوم أنّه لا دلالة في ذلك على ترتيب آثار الصدق عليه . على أنّ الحمل على الصحّة إنّما هو فيما إذا كان الفاعل على الصلاح والسداد ، وإلّا فلا موجب
1) في ص 760 .
له ، كما في الخبر(1)ولكنّه ضعيف السند .
وقد يقال بحمل فعل الجائر على الصحّة من ناحية وضع يده عليها وأخذه الخراج منها ، ولكن يرد عليه : أنّ وضع اليد إنّما يحمل على الصحّة فيما إذا احتملت صحّته ، وأحرز واضع اليد جواز ذلك ، ومن المعلوم جزماً أنّ الجائر لم يحرز كون الأراضي التي هي تحت تصرّفه خراجية ، فتكون يده عليها يد غصب وعدوان . وعلى هذا فمقتضى القاعدة أنّ الأرض ملك للزارع ، لأنّ من أحيا أرضاً فهي له .
الناحية الثانية : أنّ الأرض التي بيد الزارع إمّا أن تكون معمورة قبل أخذها من الجائر ، أو مواتاً. وعلى الثاني فهي لمن أحياها ، للأخبار الدالّة على أنّ من أحيا أرضاً فهى له - وقد ذكرت هذه الأخبار في كتاب إحياء الموات(2)وعلى الأول فامّا أن يحتمل بقاء المالك ، أو لا . وعلى الأول تكون الأرض من مجهول المالك وعلى الثاني فهي ملك للإمام ، لأنّه وارث من لا وارث له . واحتمال وجود وارث غيره مدفوع بالأصل ، إلّا إذا احتمل بقاء العمودين فتكون الأرض أيضاً من مجهول المالك .
الناحية الثالثة : أخذ الخراج ممّن أخذه من الجائر حكمه حكم أخذه من نفس الجائر ، فإن احتمل في حقّه أنّه يعرف الأراضي الخراجية ، ويعلم أنّ ما أخذه الجائر من تلك الأراضي حمل فعله على الصحّة ، وعومل معاملة المالك ، وإلّا كان المقام من
1) عن الجلّاب قال : « سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : إذا كان الجور أغلب من الحقّ لم يحل لأحد أن يظنّ بأحد خيراً حتّى يعرف ذلك منه » . وهو ضعيف بسهل ، ومحمّد بن الحسن بن شمّون ، ومجهول بالجلّاب . راجع الكافي 5 : 2/298 ، والوسائل 19 : 87 / كتاب الوديعة ب 9 ح2.
2) الوسائل 25 : 411 / كتاب إحياء الموات ب1 .
قبيل تعاقب الأيدي على المال المغصوب .
الشرط الثاني : أن يكون الفتح بإذن الإمام (عليه السلام) . واعتبار هذا الشرط هو المشهور بين الفقهاء ، وذهب صاحب المستند(1)وبعض آخر إلى عدم اعتباره في كون الأرض خراجية .
و تحقيق ذلك : أنّ الكلام قد يقع في الشبهة الحكمية ، بمعنى أنّه هل يعتبر إذن الإمام (عليه السلام) في الفتح أم لا . وقد يقع في الشبهة الموضوعية ، وأنّه بعد اعتبار إذن الإمام في ذلك فبأيّ طريق يثبت كون الأرض خراجية عند الشك في ذلك.
أمّا اعتبار إذن الإمام (عليه السلام) في الفتح فتدلّ عليه رواية الورّاق(2).
ويرد عليه أولاً : أنّ الرواية مرسلة لا يصح الاعتماد عليها . وثانياً : أنّ النسبة بينها وبين الروايات الدالة على أنّ الأرض الخراجية التي فتحت بالسيوف للمسلمين(3)هي العموم من وجه ، لأنّ المرسلة أعم من حيث شمولها للمنقولات وتلك الروايات أعم لإطلاقها من ناحية إذن الإمام(عليه السلام)، فتقع المعارضة بينهما في الأراضي التي أُخذت بغير إذن الإمام ، فتكون بمقتضى المرسلة ملكاً للإمام (عليه السلام) وبمقتضى تلك الروايات ملكاً للمسلمين ، فيحكم بالتساقط ، ويرجع إلى عموم قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ(4).
والحاصل : أنّه لا دليل على اعتبار الشرط الثاني في كون الأراضي المفتوحة للمسلمين .
ويضاف إلى ذلك خبر محمد بن مسلم(1)فإنّ ظاهره أنّ الأراضي المفتوحة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)حكمها حكم أرض العراق ، وأنّها ملك للمسلمين .
وأمّا الكلام من حيث الشبهة الموضوعية : فمقتضى الأصل هو عدم كون الفتح بإذن الإمام (عليه السلام) . ولا يكون هذا مثبتاً ، فإنّ الفتح محرز بالوجدان ، وعدم كونه بإذن الإمام محرز بالأصل ، فيترتّب الأثر على الموضوع المركّب .
نعم لو قلنا بأنّ الأثر - أعني كون المفتوح ملكاً للمسلمين - يترتّب على الفتح المستند إلى إذن الإمام (عليه السلام) كان الأصل مثبتاً ، ونتمسّك مع ذلك بالعدم الأزلي ، ونقول : إنّ الأصل عدم الاستناد .
وقد ذكرت وجوه للخروج عن الأصل المذكور .
الوجه الأول : أنّ الفتوحات الإسلامية كلّها كانت بإذن الإمام (عليه السلام) وتدلّ على ذلك رواية الخصال(2)الدالّة على أنّ عمر كان يشاور أمير المؤمنين (عليه
1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ؟ فقال : إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سار في أهل العراق بسيرة ، فهي إمام لسائر الأرضين » الخبر . وهو صحيح . راجع الوسائل 15 : 153 / أبواب جهاد العدو ب 69 ح 2 ، والوافي 10: 353 / 13 .
2) عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه « أتى يهودي أمير المؤمنين (عليه السلام) في منصرفه عن وقعة نهروان ، فسأله عن المواطن الممتحن بها بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وفيها يقول (عليه السلام) : وأمّا الرابعة يا أخا اليهود فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأُمور ، فيصدرها عن أمري ، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي ، لا اعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري ، ولا يطمع في الأمر بعده سواي ، فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله » الحديث . وهي ضعيفة ، راجع الخصال للصدوق (رحم--ه الله ) : 374 / أبواب السبعة .
السلام) في غوامض الأُمور ، ومن الواضح أنّ الخروج إلى الكفّار ودع--اءهم إلى الإسلام من أعظم تلك الأُمور ، بل لا أعظم منه .
ويرد على هذا الوجه أولاً : أنّ الرواية ضعيفة السند ، فلا يصحّ الاعتماد عليها . وثانياً : أنّ عمر كان مستقلاً في رأيه ، ولم يشاور الإمام في كثير من الأُمور المهمّة ، بل في جميعها الراجعة إلى الدين . وثالثاً : أنّ هذا الوجه إنّما يجري في الأراضي التي فتحت في خلافة عمر ، ولا يجري في غيرها .
الوجه الثاني : أنّ الأئمّة ( عليهم السلام) راضون بالفتوحات الواقعة في زم--ن خلفاء الجور ، لكونها موجبة لقوّة الإسلام وعظمته .
وفيه : أنّ هذه الدعوى وإن كانت ممكنة في نفسها ، إذ المناط في ذلك هو الكشف عن رضا المعصوم (عليه السلام) بأي طريق كان ، ولا موضوعية للإذن الصريح، ولكنّها أخصّ من المدّعى ، فإنّه ليس كل فتح مرضياً للأئمّة حتّى ما كان من الفتوح موجباً لكسر الإسلام وضعفه .
الوجه الثالث : ما ذكره المصنّف من أنّه يمكن أن يقال بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد على وجه الصحيح ، وهو كونه بأمر الإمام.
وفيه : مضافاً إلى أنّ مورد حمل فعل المسلم على الصحّة ما إذا كان الفعل ذا وجهين : الصلاح والفساد ، ودار الأمر بين حمله على الصحيح أو الفاسد ، فإنّه يحمل على الأول ، للقاعدة المذكورة . وأمّا إذا كان كلا وجهي الفعل صحيحاً - كما في
المقام - فلا مورد لها أصلاً ، فإنّ الغزوات الواقعة إن كانت بإذن الإمام (عليه السلام) فالغنائم للمسلمين ، وإلّا فهي للإمام . ولا شبهة أنّ كلا الوجهين صحيح ، فلا مورد لنفي أحدهما وإثبات الآخر بتلك القاعدة .
الشرط الثالث : أن تكون الأراضي المفتوحة محياة حال الفتح لتدخل في الغنائم ، ويخرج منها الخمس أولاً على المشهور ، ويبقى الباقي للمسلمين . وإن كانت مواتاً حين الفتح فهي للإمام (عليه السلام) ، وقد أباحها للمسلمين .
ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الشهرات والإجماعات المنقولة أمران :
الأول : أنّه ورد في الشريعة المقدّسة أنّ أموال الكفّار الحربيين من الغنائم فيخرج منها الخمس ويبقى الباقي للمسلمين ، ولا شبهة أنّ هذا الحكم لا يشمل أموال المسلمين المودعة عند الكفّار أو المعارة لهم أو المغصوبة عندهم ، لأنّها ليست من أموالهم . وقد ثبت أيضاً أنّ الأراضي الموات للإمام (عليه السلام) ، وقد أباحها للمسلمين أو لمن أحياها ولو كان كافراً . ونتيجة المقدّمتين أنّ الأراضي المفتوحة إنّما تكون ملكاً للمسلمين إذا كانت محياة حال الفتح ، وإلّا فهي للإمام (عليه السلام) .
الأمر الثاني : أنّ الأراضي كلّها كانت بيد الكفّار ، وقد أخذها المسلمون بالحرب ونحوه ، فلو لم تكن الموات من تلك الأراضي ملكاً للإمام (عليه السلام) لم يبق مورد للروايات الدالّة على أنّ موات الأرض للإمام ، فتكون ملغاة . وقد ذكرت هذه الأخبار في أبواب الأنفال(1).
1) الوسائل 9 : 523 / أبواب الأنفال ب 1 ح 1 ، 4 وغيرهما .
قوله : نعم لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقاؤها على ملك المسلمين .
أقول : الأراضي الموات على ثلاثة أقسام ، الأول : ما كانت مواتاً في الأصل بحيث لم تكن محياة في وقت ما الثاني : ما كانت محياة حال الفتح ، ثمّ ماتت بعد ولم يحيها أحد . الثالث : ما كانت مواتاً حال الفتح ، ثمّ أحياها أحد المسلمين ، ثمّ تركها فصارت مواتاً .
والظاهر أنّ هذه الأقسام كلّها مشمولة للأخبار الدالّة على أنّ الأراضي الموات كلّها للإمام ، ضرورة صدق الميّت بالفعل عليها ، من غير فرق بين ما كان ميّتاً بالأصل أو بالعرض.
لا يقال : الأراضي التي كانت محياة حال الفتح باقية في ملك المسلمين ، سواء عرضها الموت بعد ذلك أم لا ، كما أنّ كل أرض كانت مواتاً حال الفتح ثمّ أحياها أحد فهي باقية في ملك من أحياها ، وإن عرضها الموت بعد ذلك ، لأنّ خروجها بالموت عن ملكه يحتاج إلى دليل ، ومع الإغضاء عن ذلك يرجع إلى الاستصحاب .
فإنّه يقال : الأحكام المجعولة على الموضوعات المقدّرة إنّما تكون فعلية بفعلية موضوعاتها ، فإذا انتفى الموضوع سقط الحكم عن الفعلية ، كما ينعدم المعلول بانعدام علته . ومن الواضح أنّ موضوع الملكية الفعلية حدوثاً وبقاء فيما دلّ على أنّ من أحيا أرضاً فهي له إنّما هو الأرض مع قيد الحياة ، فإذا زالت الحياة زالت الملكية أيضاً فلا يشمل إطلاق ذلك لما بعد الموت أيضاً. وأمّا الاستصحاب فهو محكوم بالإطلاقات الدالّة على أنّ كل أرض ميت فهي للإمام (عليه السلام) مع أنّه لا يجري في الشبهات الحكمية كما حقّقناه في علم الأُصول(1).
1) مصباح الأُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 42 .
على أنّ شمول بعض الروايات - الدالّة على أن موات الأرض للإمام(1)- للأراضي التي كانت محياة ثمّ ماتت بالعموم ، وشمول الروايات - الدالّة على أنّ من أحيا أرضاً فهى له(2)لذلك بالإطلاق ، فيتعارضان بالعموم من وجه ، فيقدّم ما كانت دلالته بالعموم على ما كانت دلالته بالإطلاق ، وقد حقّقنا ذلك في علم الأُصول(3).
ثمّ إنّ الأُمور التي تثبت بها الحياة حال الفتح - من الشياع المفيد للعلم وغيره ممّا قدّمناه آنفاً - يثبت بها الفتح عنوة . ومع الشكّ في ذلك يرجع إلى الأصل . ثمّ إذا علم إجمالاً باشتمال الأراضي التي بيد أحد المسلمين على أرض محياة حال الفتح ، بأن كانت لأحد أراض متعدّدة في نقاط العراق ، كالبصرة والكوفة وكربلاء ، وعلم إجمالاً باشتمالها على أرض محياة حال الفتح - فإن ادّعى من بيده الأراضي ملكية جميعها مع احتمال كونها له عومل معاملة المالك ، إذ يحتمل أنّ المحياة حال الفتح ماتت بعد ذلك ، ثمّ طرأت عليها الحياة ثانياً . وإن لم يدّع ملكية كلّها أو بعضها رجع فيها إلى حكّام الشرع . إلّا أنّه لا يوجد لهذه الصورة مصداق في الخارج .
ثمّ إذا أحرزنا كون أرض مفتوحة عنوة بإذن الإمام (عليه السلام) وكانت محياة حال الفتح ، فإنّه لا يمكن الحكم أيضاً بكونها أرض خراج وملكاً للمسلمين مع ثبوت اليد عليها ، لأنّا نحتمل خروجها عن ملكهم بالشراء ونحوه . وعلى هذا فلا
فائدة لتطويل البحث في المقام ، إذ لا يترتّب عليه أثر مهم .
وقد تمّ الجزء الأول من كتاب مصباح الفقاهة في المعاملات بعون الله بعون الله وحسن توفيقه ، ويتلوه الجزء الثاني إن شاء الله . والحمد لله أولاً وآخراً ، وظاهراً وباطناً وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين . وكان الفراغ من ذلك صبيحة يوم الثلاثاء 16 ربيع الأول سنة 1373ه-.
المقدّمة...3
رواية تحف العقول ....6
المناقشة في حجّية روايات تحف العقول...7
أنحاء الإضافة بين المال ومالكه ....13
رواية الفقه الرضوي....18
البحث في صحّة نسبة الكتاب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)....19
دلالة الرواية على المطلوب ....25
رواية دعائم الإسلام....27
البحث في كتاب الدعائم ومؤلّفه القاضي النعمان...27
نقد لبعض ما ورد في كتاب الدعائم....31
النبوي المشهور ....33
البحث في سند النبوي....33
البحث في دلالته ....35
المعاملة على الأعمال المحرّمة ...37
تقسيم المكاسب بالإضافة إلى الحكم التكليفي...38
معنى حرمة الاكتساب تكليفاً ....42
معنى حرمة الاكتساب وضعاً ....47
المعاوضة على أبوال ما لا يؤكل لحمه ....48
أدلّة المصنّف على حرمة المعاوضة ومناقشتها...50
دليل المحقّق الإيرواني والجواب عنه...53
شرب أبوال ما يؤكل لحمه ...56
الاستدلال بآية تحريم الخبائث ومناقشته ...58
بيع شحوم ما لا يؤكل لحمه....63
بيع العذرة .....64
مقتضى القواعد والإجماعات والروايات العامّة ...65
مقتضى الروايات الخاصّة ....65
وجوه الجمع بين الروايات...66
استعمال لفظ السحت في الكراهة ....70
المختار في علاج التعارض ....75
بيع الأرواث الطاهرة....79
المعاوضة على الدم....82
بيع المني....87
الدليل على حرمة بيعه إذا وقع خارج الرحم...88
بيعه بعد وقوعه في الرحم ....89
بيعه وهو في أصلاب الفحول ....91
الانتفاع بالميتة ....96
الروايات الدالّة على حرمة الانتفاع بها...96
الروايات الدالّة على جواز الانتفاع بها...99
مقتضى الجمع بين الروايات ....102
بيع الميتة .....103
أدلّة حرمة بيعها....104
الجمع بين أدلّة الحرمة والجواز ....107
بيع المذكّى المختلط بالميتة.....111
الروايات الواردة في المقام ...114
مقتضى الجمع بين الروايات ....116
ميتة ما لا نفس سائلة له ....119
التكسّب بالكلب الهراش ....120
التكسّب بالخنزير ...123
الجمع بين الروايات المانعة والمجوّزة...125
بيع أجزاء الكلب والخنزير ....127
حرمة الاكتساب بالخمر وسائر المسكرات والفقّاع ....127
اختصاص الحكم بالمسكرات المائعة ...132
جواز بيع الكحول الصناعي....134
المعاوضة على المتنجّس ....136
بيع المسوخ ...138
بيع السباع....140
بيع العبد الكافر الأصلي والمرتدّ الملّي...141
بيع المرتدّ الفطري....143
المعاوضة على كلب الصيد ....144
الروايات الواردة في بيع الكلاب....147
بيع كلب الماشية والحائط والزرع ....151
الوجوه المستدّل بها على الجواز ....151
حكم المعاملات الأُخرى غير البيع....159
اقتناء الكلاب المتقدّمة في غير أوان الاصطياد والحراسة...159
بيع العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه....161
الاستدلال على حرمة بيعه بالنجاسة والحرمة وانتفاء المالية ...162
الاستدلال على الحرمة بالروايات الخاصّة ....163
المعاوضة على الدهن المتنجّس...167
الروايات الواردة في بيع الدهن المتنجّس....169
اشتراط الاستصباح في صحّة بیعه...172
هل تقتضي الروايات لزوم قصد الاستصباح ؟...176
وجوب الإعلام بنجاسة الدهن عند البيع...178
حرمة تغرير الجاهل وإلقائه في الحرام الواقعي ....181
تنبيه الجاهل في غير موارد التسبيب والتغرير...186
الأقسام الأربعة لإلقاء الغير في الحرام الواقعي...188
الاستصباح بالدهن المتنجّس تحت السقف...194
الانتفاع بالدهن المتنجّس في غير الاستصباح ...198
الانتفاع بالمتنجّسات ....201
الاستدلال على حرمة الانتفاع والجواب عنه ...201
الانتفاع بالأعيان النجسة ....215
ما استدل به على الحرمة ومناقشته ....216
حق الاختصاص ومنشأ ثبوته ....224
ما يحرم التكسب به لتحريم ما يقصد به ....230
الأول : ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلّا الحرام ....230
التكسّب بهياكل العبادة المبتدعة...230
مناشئ مالية الأشياء ....234
بيع آلات القمار ...238
بيع آلات الملاهي....242
بيع أواني الذهب والفضّة....244
الدراهم المغشوشة...246
الانتفاع بها في التزيين والدفع إلى الظالم ...246
المعاوضة عليها مع العلم بالغش والجهل به ...247
الثاني : ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرّمة...252
بيع العنب على أن يعمل خمراً...252
أقسام ما يقصد من إجارته الحرام ...257
المعاوضة على الجارية المغنّية ....261
البحث فيما تقتضيه القواعد ...262
البحث في الروايات الخاصّة ...263
حرمة كسب المغنّية...266
بيع العنب ممن يجعله خمراً بقصد أن يعمله...267
مقتضى الروايات بلحاظ الحرمة الوضعية...269
مقتضى الروايات بلحاظ الحرمة التكليفية ....270
مقتضى القواعد في المقام ...275
حقيقة الإعانة ومفومها....276
حكم الإعانة على الإثم ...282
الاستدلال على حرمة الإعانة والجواب عنه...283
الاستدلال على جوازها ...287
هل تقبل حرمة الإعانة على الإثم التخصيص ...289
الثالث : ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً...291
بيع السلاح من أعداء الدين....291
تفصيل المصنّف بين حالتي الحرب والصلح ...292
الروايات الواردة في المقام وكيفية الجمع بينها...292
شمول التحريم المطلق آلات الحرب ...297
هل الحرمة في المقام تكليفية فقط أو وضعية أيضاً ؟ ...300
ما يحرم الاكتساب به لعدم وجود منفعة محلّلة معتد بها ....301
بيع ما لا نفع فيه ...301
الاستدلال على فساد بيعه والجواب عنه ...302
ضمان ما لا نفع فيه لو غصب ...307
ما يحرم الاكتساب به لكونه عملاً محرّماً في نفسه ...309
تدليس الماشطة ...310
هل يحرم التدليس في المقام ؟ ...311
حكم تمشيط الماشطة ...312
البحث فيما ورد من لعن الماشطة على الوصل والنمص ...316
الجمع بين الروايات الواردة في وصل الشعر بشعر امرأة...317
حكم وشم الأطفال ....322
معنى التدليس ...322
تزيين الرجل بما يحرم عليه ...323
تشبّه الرجل بالمرأة وبالعكس ....325
التشبّه في اللباس...328
التشبيب بالمرأة الأجنبية ...330
الاستدلال على حرمة ذلك والجواب عنه...331
دليل المصنّف على الحرمة ومناقشته...333
الأخبار الناهية عن النظر إلى الأجنبية ...335
الأخبار الناهية عن الخلوة بالأجنبية ...336
التشبيب بالغلام. ..343
حرمة التصوير....344
الأقوال في حرمته ...345
هل يحرم التصوير مطلقاً ؟...346
الدليل على حرمة تصوير ذوات الأرواح ...349
ما استدل به على اختصاص الحرمة بالصور المجسّمة ....351
تصوير الجنّ والمَلَك ...355
هل تختصّ الحرمة بما إذا كانت الصورة معجبة ...358
اعتبار قصد الحكاية في حرمة التصوير ...360
اعتبار الصدق العرفي في الحرمة ...361
حكم التصوير الفوتوغرافي ...362
عموم الحرمة لتصوير الحيوان مطلقاً ولو كان خيالياً ...363
الصورة المشتركة بين الحيوان وغيره ...363
لا فرق في الحرمة بين المباشرة والتسبيب...363
الاستدلال على حرمة اقتناء الصور المحرّمة والجواب عنه....364
مقتضى الجمع بين الروايات هو كراهة الاقتناء ...371
جواز بيع الصور المحرّمة ...374
التطفيف والبخس ...376
أدلّة حرمتهما ...376
التنجيم...382
صحّة المعاملة المطفّف فيها وفسادها ...379
أُصول الإسلام أربعة ...382
تأثير الكيفيات الخاصّة بين الفلكيات في الأوضاع الأرضية...384
رأي الفلاسفة في النفوس الفلكية ...385
تأثير الأوضاع الفلكية بنفسها في الحوادث....386
علامية أوضاع الكواكب على الحوادث الأرضية...388
الالتزام بأنه تعالى أودع فيها ما يقتضي حدوث بعض الحوادث ...389
تعلم علم النجوم ...393
حفظ كتب الضلال ...394
أدلة الحرمة والجواب عنها...395
حرمة حلق اللحية ...399
أدلة الحرمة وما يرد عليها ...400
الرشوة.... 406
موضوع الرشوة...406
أدلّة حرمة الرشوة...408
حكم ما يأخذه القاضي من الرشوة ...410
حكم الأُجرة والرشوة على تبليغ الأحكام....414
ارتزاق القاضي من بيت المال ....415
جواز أخذ القاضي للهديّة...417
الرشوة في غير الأحكام ...420
المعاملة المحاباتية مع القاضي...423
حكم الرشوة وضعاً...424
فروع في اختلاف الدافع والقابض ...426
حرمة سبّ المؤمن ....429
النسبة بين السبّ والغيبة...434
مستثنيات حرمة السبّ ....435
حرمة السحر ...438
موضوع السحر ....440
الفرق بين المعجزة والسحر والشعوذة ...444
أقسام السحر ....445
الروايات الدالّة على كفر الساحر والمراد منها ...451
ما هو حدّ الساحر ؟ ...452
عدم اختصاص الحرمة بالمضرّ من السحر...455
دفع ضرر السحر بالسحر....456
هل التسخير من السحر ....458
الشعوذة....459
حرمة الغشّ..461
موضوع الغش...463
هل يعتبر في صدق الغشّ قصد التلبيس ...465
حكم المعاملة المشتملة على الغشّ ...465
حرمة الغناء ...469
الوجوه المستدلّ بها على الحرمة ...470
رأي المحدّث الكاشاني والجواب عنه...474
تحقيق موضوع الغناء ...477
مستثنيات حرمة الغناء....483
رثاء الحسين (عليه السلام)...483
الحداء لسوق الإبل ...484
غناء المغنّية في زفّ العرائس...484
الغناء في قراءة القرآن...485
تعلّم الغناء وتعليمه...489
حرمة الغيبة....490
النصوص الدالّة على الحرمة...490
الغيبة من الذنوب الكبيرة ...493
تحقيق المراد من الكبيرة ...493
اختصاص الحرمة بالمؤمن....496
غيبة الصبي المميّز...499
موضوع الغيبة ...500
تنبيهات موضوع الغيبة ...503
دواعي الغيبة. ...507
كفّارة الغيبة ...508
الروايات الدالّة على أنّ حقوق الناس لا ترتفع إلّا بإسقاط ذي الحقّ منهم...510
أدلّة وجوب الاستغفار للمغتاب...512
التفصيل بين وصول الغيبة للمقول فيه فيجب الاستحلال منه وعدم وصولها فيجب الاستغفار ....514
التفصيل بين إمكان الاستحلال وعدمه ....515
المختار في كفّارة الغيبة ...516
مستثنيات الغيبة ...517
المتجاهر بالفسق ...518
فروع المسألة ...522
تظلّم المظلوم ...526
حرمة اغتياب الظالم بترك الأولى...531
نصح المستشير ...535
الاغتياب في مواضع الاستفتاء ...539
الاغتياب لردع المغتاب عن المنكر...541
جواز الغيبة لحسم مادّة الفساد ...542
جرح الشهود...543
الاغتياب لدفع الضرر عن المغتاب...544
الاغتياب بذكر الأوصاف الظاهرة ...545
الاغتياب عند من يعلم بمعصية المغتاب...546
ردّ من ادّعى نسباً ليس له ...546
القدح في مقالة باطلة ...546
حرمة استماع الغيبة ...547
هل يحرم الاستماع مطلقاً حتّى مع جواز الغيبة ؟...552
حرمة كون الإنسان ذا لسانين...557
حقوق الإخوان ...558
حرمة القمار....563
اللعب بالآلات المعدّة للقمار مع المراهنة...563
اللعب بالآلات المعدّة للقمار بدون الرهن ...564
موضوع القمار...569
اللعب بغير الآلات المعدّة للقمار مع الرهن...571
ما ورد ورد في قيء الإمام (عليه السلام) البيض المقامر به ...577
المسابقة بغير رهن ...579
حرمة القيادة ...582
حرمة القيافة ...584
الكذب وحرمته بالأدلّة الأربعة....588
هل الكذب من الكبائر ؟ ....589
حرمة الكذب في الجدّ والهزل...594
حقيقة الوعد وأقسامه ....595
خلف الوعد ...597
خروج المبالغة عن الكذب موضوعاً ....601
هل التورية من الكذب ؟ ...603
لا كذب في قول إبراهيم ويوسف (عليها السلام)...611
مسوغات الكذب...614
1 - الضرورة إليه....614
هل تجب التورية في حالة الضرورة لمن يتمكّن منها ؟...616
الأقوال الصادرة عن الأئمّة (عليهم السلام) تقية ...627
دوران الأمر بين الحمل على الوجوب تقيّة والاستحباب...629
2 - إرادة الإصلاح ...631
حرمة الكهانة ...634
موضوع الكهانة وأقسامها ....634
الرجوع إلى الكاهن ...636
الإخبار عن الأُمور المستقبلة ...637
اللهو وأدلّة حرمته في الجملة ...640
اللعب واللغو. ..644
مدح من لا يستحقّ المدح...647
معونة الظالمين ...649
إعانة الظالمين في غير جهة الظلم ...651
النجش وما استدل به على الحرمة....654
النميمة وحرمتها بالأدلة الأربعة...657
النياحة والأقوال فيها ...659
كسب النائحة ...662
الولاية من قبل الجائر....663
مستثنيات الولاية ...665
الأول : القيام بمصالح العباد...665
أقسام الولاية من قبل الجائر ...667
الثاني : الإكراه على القبول ...673
تنبيهات
1 - حكم الإضرار بالناس مع الإكرام...674
2 - قبول الولاية لدفع الضرر عن الغير...679
3 - اعتبار العجز عن التفصي في الإكراه...683
4- جواز الولاية مع الضرر المالي رخصة لا غريمة ...685
5 - حرمة قتل المؤمن بالإكراه أو تقيّة ...686
المستحق للقتل قصاصاً محقون الدم لغير الولي ...690
حكم التقية والإكراه في قتل المخالفين ...691
هجاء المؤمن ...692
حرمة الهجر ...695
أخذ الأجرة على الواجبات...697
موضوع أخذ الأُجرة ...699
صفة العبادية لا تنافي الإجارة...701
أدلّة صحة الإجارة على العبادة...707
صفة الوجوب لا تنافي الإجارة ...710
حقيقة النيابة في العبادات ...718
أخذ الأُجرة على المستحبّات...722
الأجير للطواف واحتسابه لنفسه أيضاً ...723
أخذ الأُجرة على الأذان ....726
أخذ الأُجرة على الشهادة ...728
أخذ الأُجرة على القضاء ....730
الارتزاق من بيت المال ...30
بيع المصحف ...732
الروايات الواردة في المقام والجمع بينها...733
معنى حرمة بيع المصحف وشرائه...738
بيع أبعاض المصحف...741
بيع المصحف من الكافر...742
جوائز السلطان ...745
أقسام المال المأخوذ من الجائر ...746
القسم الأول : أن يشكّ في وجود الحرام في أمواله ...746
القسم الثاني : أن يعلم إجمالاً باشتمال أمواله على الحرام ولكن لا يعلم اشتمال المأخوذ عليه...748
أ- فيما إذا لم تكن الأصول والأمارات متعارضة في أطراف العلم الإجمالي... 749
الاستدلال على كراهة الأخذ مع العلم بوجود الحرام والجواب عنه ...750
ما استدل به على رفع الكراهة عن الجوائز والجواب عنه ...754
ب - فيما إذا كانت الأصول والأمارات متعارضة ومقتضى القواعد...758
مقتضى الروايات ...761
القسم الثالث : أن يعلم تفصيلاً بحرمة المال المأخوذ ...765
علم الآخذ تفصيلاً بغصبية المال ...765
رد ما أخذ من الجائر إلى أهله...772
أ - أن يكون المأخوذ معلوم المالك ...772
ب - أن يكون المأخوذ مجهول المالك ...773
وجوب الفحص عن المالك ...774
هل يجوز إعطاء مجهول المالك لمن يدّعيه ؟ ...778
مقدار الفحص عن المالك وكيفيته ...779
وجوب تعريف اللقطة سنة ...780
أُجرة الفحص عن المالك ...781
مصرف مجهول المالك ...784
هل يجوز دفعه للهاشمي ؟...791
ضمان المتصدّق بمجهول المالك ...792
الفرق بين مجهول المالك واللقطة ...792
حكم ما لو دفعه إلى الحاكم فتصدّق به بعد اليأس...797
القسم الرابع : أن يعلم إجمالاً اشتمال المأخوذ على الحرام ...799
حكم المال المأخوذ من الجائر تكليفاً ...802
وظيفة الجائر بالنسبة إلى ما أخذه من الأموال ...803
احتساب ما يأخذه الجائر من الزكاة ....805
حرمة أخذ الجائر الصدقات والمقاسمات من الناس ...806
جواز أخذ الصدقات ونحوها من الجائر المستحل...808
هل يجوز للجائر إقطاع شخص أرضاً خراجية ؟ ...815
شراء الصدقات من الجائر قبل أخذه إيّاها من الناس ...815
حكم الأراضي الخراجية زمن الغيبة...817
شراء ما يأخذه الجائر من غير الأراضي الخراجية...818
اختصاص الحكم بالسلطان المدّعي للرئاسة العامّة ...819
هل يختصّ جواز الأخذ من الجائر بما أخذه من المعتقدين ولايته ؟...821
إناطة مقدار الخراج برضا المؤجر والمستأجر...821
جواز شراء الصدقة من الجائر وإن كان المأخوذ أزيد من الواجب...822
شرائط الأراضي الخراجية....823
الأول : أن تكون الأرض مفتوحة عنوة أو صلحاً....823
طرق ثبوت الفتح عنوة ...823
الثاني : أن يكون الفتح بإذن الإمام (عليه السلام) ....826
ما إذا شك في كون الفتح باذنه (عليه السلام)...827
الثالث : أن تكون الأرض محياة حال الفتح ...829
حكم ما لو ماتت المحياة حال الفتح ...830
الفهرس ...833
الصفحة... السطر... الخطأ... الصواب
9...1....السائل إلى العمري ...السائل فيها إلى العمري
35...20.....و أما في كتب ....و أما ما في كتب
99....3.....روايتي.... روايتا
99...4....المتقدمتين ....المتقدمتان
101....10....العالمين ...العالمون
279...2.....و في الصحيفة السجادية.... و في الصحيفة الكاملة السجادية
284....20.....الرديئة ...الربيئة
314....20.....و مخلّص ....و ملخص
319...11....هكذا ...هذا
338....1....منها قوله... قوله
367....15....علي بن جعفر ....عن علي بن جعفر
493....6....ما أوجب .... مما أوجب
550.........12ردّ على أخيه.... ردّ عن أخيه
562....2....بلسان الموضوع... بلسان نفي الموضوع
569....8.....بالشئ في هذه .....بالشئ من هذه
594....20....الخبر ....الخبر موضوعا
610....14....ضعف السند.... ضعف في السند
626....10......وجوب ....وجود
638....14.....يدل حصر ....يدل على حصر
660...16...سربال قطران ...سربال من قطران
663.....8.......الرواية ...الروايات
680...18...ولاية أم غيرها ...ولاية كانت أم غيرها
703...4...إليه ...إليهم
776...16....روی ...روي
780...1 و 3 ....بالسنّة ...بالسنة
782...17....عدم ...هدم
788...6....يتربط ...يرتبط
808....4....المرفوعين ....المرفوعان
813....4.....للسمتحقين ....للمستحقين