ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: السيّد محمّد تقي الخوئي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 0
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1418 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-09-5
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمَبَانِي فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
النكاح
تأليف: حجة الإسلام والمسلمين الشهيد السيد محمد تقي الخوئي رحمه اللّه
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثاني والثلاثون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
5 - 09 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
أمامك - قارئي الكريم - بحوث تحكي جانباً من فقه العترة (عليهم السلام) حاولت بها - قدر الإمكان - بيان هذا الجانب الحساس من الحياة وما يتفرّع عليه من الآثار.
وهذه البحوث تقريرات المحاضرات ألقاها سماحة آية اللّه العظمى فقيه الأمة ومرجعها الأعلى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي - دام ظله - في هذا الموضوع - شرحاً وتعليقاً على كتاب العروة الوثقى لسماحة آية اللّه العظمى السيد الطباطبائي (قدس سره) - على طلاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
ولم يكن من قصدي حينما سجّلتُ هذه المحاضرات أن أقدمها إلى الطبع، بل كنت أتوخى من وراء ضبطها أن تكون لي الركائز العلمية الرصينة في بناء تحصيلي العلمي، لذلك بذلت غاية الوسع والجهد في الضبط والتدقيق، فإنّه - دام ظله - وإن تميّز في محاضراته بسهولة البيان وعذوبته إلّا أنّها - في الوقت نفسه - تعتمد على الرصانة في التدقيق والتحقيق.
ولكن لطف سيدنا الأستاذ الوالد - دام ظله - وفضله العميم حفزني على نشرها، حيث تفضَّل فأولاها بعضاً من وقته الغالي فراجعها بتمامها، ومن ثم أمرني بتقديمها إلى الطبع وأمره مطاع.
أما اختياري لهذا الموضوع بالذات من بين تلك البحوث التي كان لي شرف ضبطها لحضوري عند إلقائها في مجالس الدرس، فهو ما لهذا البحث من الصلة العميقة بين الأفراد في حياتهم الإجتماعية، ذلك لأن الأحكام الفقهية وإن كانت كلها قوانين إلهية تضمنتها الشريعة الإسلامية ، إلا أن بعض بحوثها يتصل بالفرد - بالمباشرة - بشكل أكثر من بقية البحوث الأخرى.
ومن هذه البحوث «النكاح» حيث يتوقف عليه تنظيم الحياة الإجتماعية ويبتني عليه أساس كيانه السليم.
وفي الختام أرفع هذه الدراسة إلى مقام سيدنا الوالد - دام ظله - لأضع بين يديه ثمار غرسه راجياً منه القبول، وسائلاً المولى عزّ وجلّ أن يطيل في عمره الشريف ذخراً للإسلام وملاذاً للمسلمين، وأن يوفقني للاستمرار في هذا النهج المبارك.
فإنه من وراء القصد، وهو الموفق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
النجف الأشرف 1 / ج 1 / 1404ه
محمد تقي الخوئي
كتاب النِّكاح
النكاح مستحب في حدّ نفسه بالإجماع ، والكتاب ، والسنّة المستفيضة بل المتواترة.
قال اللّه تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (1).
وفي النبوي المروي بين الفريقين : «النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (2).
وعن الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : «تزوَّجوا فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : من أحبَّ أن يتبع سنّتي فإنّ من سنّتي التزويج» (3).
وفي النبوي : «ما بني بناء أحب إلى اللّه تعالى من التزويج» (4).
وعن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «من تزوّج أحرز نصف دينه فليتَّق اللّه في النصف الآخر» (5).
بل يستفاد من جملة من الأخبار استحباب حبّ النساء ، ففي الخبر عن الصادق (عليه السلام) : «من أخلاق الأنبياء حبّ النساء» (6).
1) سورة النور 24 : 32.
2) المستدرك ، ج 14 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 1 ح 15.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 1 ح 14.
4) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 1 ح 4.
5) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 1 ح 12.
6) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدّمات النكاح ، ب 3 ح 2.
وفي آخر عنه (عليه السلام) : «ما أظنّ رجلاً يزداد في هذا الأمر خيراً إلّا ازداد حبّا للنساء» (1).
والمستفاد من الآية وبعض الأخبار أنّه موجب لسعة الرزق ، ففي خبر إسحاق ابن عمّار ، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الحديث الذي يرويه الناس حق أنّ رجلاً أتى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) فشكا إليه الحاجة ، فأمره بالتزويج حتى أمره ثلاث مرات ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «نعم هو حق» ثم قال (عليه السلام) : «الرزق مع النساء والعيال» (2).
ويستفاد من بعض الأخبار كراهة العزوبة ، فعن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «رذّال موتاكم العزّاب» (3).
[3633] مسألة 1 : لا فرق على الأقوى في استحباب النكاح بين من اشتاقت نفسه ومن لم تشتق ، لإطلاق الأخبار ، ولأن فائدته لا تنحصر في كسر الشهوة بل له فوائد ، منها زيادة النسل وكثرة قائل لا إله إلّا اللّه ، فعن الباقر (عليه السلام) : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً لعلّ اللّه أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلّا اللّه» (4).
[3634] مسألة 2 : الاستحباب لا يزول بالواحدة بل التعدد مستحب أيضاً ، قال اللّه تعالى ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (5). والظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالنكاح الدائم أو المنقطع ، بل المستحب أعمّ منهما ومن التسري بالإماء.
[3635] مسألة 3 : المستحب هو الطبيعة أعمّ من أن يقصد به القربة أو لا. نعم ، عباديّته وترتّب الثواب عليه موقوفة على قصد القربة.
[3636] مسألة 4 : استحباب النكاح إنّما هو بالنظر إلى نفسه وطبيعته. وأما بالطوارئ فينقسم بانقسام الأحكام الخمسة (1) : فقد يجب بالنذر ، أو العهد ، أو الحلف ، وفيما إذا كان مقدمة لواجب مطلق ، أو كان في تركه مظنة الضرر أو الوقوع في الزنا ، أو محرم آخر. وقد يحرم كما إذا أفضى إلى الإخلال بواجب من تحصيل علم واجب ، أو ترك حق من الحقوق الواجبة ، وكالزيادة على الأربع. وقد يكره كما إذا كان فعله موجباً للوقوع في مكروه. وقد يكون مباحاً كما إذا كان في تركه مصلحة معارضة لمصلحة فعله مساوية لها.
وبالنسبة إلى المنكوحة أيضاً ينقسم إلى الأقسام الخمسة : فالواجب كمن يقع في
(1) وتفصيل ذلك : أنّ النكاح ينقسم إلى محرّم وغير محرّم.
والمحرم تارة يكون محرّماً بالذات وأُخرى يكون محرّماً بالعرض ، والأخير قد يقبل الزوال وقد لا يقبله فتكون الحرمة دائمية ، فمن الأوّل حرمة نكاح العناوين السبعة أعني : الأُم والبنت والأُخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأُخت ومن الثاني أُخت الزوجة والخامسة والمطلقة ثلاثاً ، ومن الثالث أُم الزوجة وبنت الزوجة المدخول بها والمطلقة تسعاً.
وغير المحرّم ينقسم إلى مكروه ومستحب وواجب ومباح.
أما المكروه فيأتي فيه جميع الأقسام المذكورة في الحرام ، إذ قد تكون الكراهة ذاتية كالتزوج من الزنجية والتي نشأت في منبت سوء ، وقد تكون عرضية قابلة للزوال كنكاح المجنونة والمرأة التي لا تطيع زوجها ، وقد لا تكون قابلة للزوال كنكاح العقيم.
وأما النكاح في غير هذين القسمين فهو مستحب في نفسه ، إلّا أنّه قد تكون هناك خصوصية تقتضي الاستحباب زائداً على استحبابه في نفسه ، كالنكاح من البكر ، ومن المؤمنة حسنة الأخلاق ، ومن المطيعة لزوجها. كما قد تكون خصوصية تقتضي الوجوب ، كما إذا توقف حفظ نفسه من الهلاك أو الوقوع في الحرام على التزويج. وقد تفرض خصوصية في مورد تقتضي رجحان الترك بمقدار تساوي رجحان الفعل ، فيصبح التزويج مباحاً.
الضرر لو لم يتزوجها ، أو يُبتلى بالزنا معها لولا تزويجها. والمحرم نكاح المحرمات عيناً ، أو جمعاً. والمستحب المستجمع للصفات المحمودة في النساء. والمكروه النكاح المستجمع للأوصاف المذمومة في النساء ، ونكاح القابلة المربية ونحوها. والمباح ما عدا ذلك.
[3637] مسألة 5 : يستحب عند إرادة التزويج أُمور :
منها : الخطبة.
ومنها : صلاة ركعتين عند إرادة التزويج قبل تعيين المرأة وخطبتها والدعاء بعدها بالمأثور وهو : «اللّهمّ إني أُريد أن أتزوَّج ، فقدّر لي من النساء أعفَّهنّ فرجاً ، وأحفظهنّ لي في نفسها ومالي ، وأوسعهنّ رزقاً وأعظمهنّ بركة ، وقدّر لي ولداً طيّباً تجعله خلفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي». ويستحب أيضاً أن يقول : «أقررت الذي أخذ اللّه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
ومنها : الوليمة يوماً أو يومين لا أزيد فإنّه مكروه ، ودعاء المؤمنين ، والأولى كونهم فقراء ، ولا بأس بالأغنياء خصوصاً عشيرته وجيرانه وأهل حرفته ويستحب إجابتهم وأكلهم. ووقتها بعد العقد أو عند الزفاف ليلاً أو نهاراً ، وعن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «لا وليمة إلّا في خمس : عرس ، أو خرس ، أو عذار ، أو وكار ، أو ركاز». العرس التزويج ، والخرس النفاس ، والعذار الختان والوكار شراء الدار ، والركاز العود من مكة. (1)
ومنها : الخطبة أمام العقد بما يشتمل على الحمد والشهادتين والصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) والوصية بالتقوى والدعاء للزوجين ، والظاهر كفاية اشتمالها على الحمد والصلاة على النبي وآله (صلّى اللّه عليهم وسلم) ، ولا يبعد استحبابها أمام الخطبة أيضاً.
ومنها : الإشهاد في الدائم والإعلان به ، ولا يشترط في صحة العقد عندنا.
ومنها : إيقاع العقد ليلاً.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 40 ح 5.
[3638] مسألة 6 : يكره عند التزويج أُمور :
منها : إيقاع العقد والقمر في العقرب ، أي في برجها لا المنازل المنسوبة إليها وهي القلب والإكليل والزّبانا والشولة.
ومنها : إيقاعه يوم الأربعاء.
ومنها : إيقاعه في أحد الأيام المنحوسة في الشهر ، وهي الثالث ، والخامس والثالث عشر ، والسادس عشر ، والحادي والعشرون ، والرابع والعشرون والخامس والعشرون.
ومنها : إيقاعه في محاق الشهر ، وهو الليلتان أو الثلاث من آخر الشهر.
[3639] مسألة 7 : يستحب اختيار امرأة تجمع صفات بأن تكون بكراً ولوداً ، ودوداً ، عفيفة ، كريمة الأصل بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة ، أو ممّن تنال الألسن آباءها أو أُمهاتها ، أو مسهم رق أو كفر أو فسق معروف وأن تكون سمراء ، عيناء ، عجزاء ، مربوعة ، طيّبة الريح ، درمة الكعب ، جميلة ، ذات شعر ، صالحة ، تُعين زوجها على الدنيا والآخرة ، عزيزة في أهلها ، ذليلة مع بعلها متبرِّجة مع زوجها ، حصاناً مع غيره.
فعن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «إنّ خير نسائكم الولود الودود العفيفة ، العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها ، المتبرجة مع زوجها الحصان على غيره ، التي تسمع قوله وتطيع أمره ، وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها ، ولم تبذل كتبذل الرجل» (1).
ثمّ قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «ألا أُخبركم بشرار نسائكم؟ الذليلة في أهلها ، العزيزة مع بعلها ، العقيم الحقود ، التي لا تتورع من قبيح ، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها ، الحصان معه إذا حضر ، لا تسمع قوله ، ولا تطيع أمره ، وإذا خلا بها بعلها تمنعت منه كما تمنع الصعبة عن ركوبها ، لا تقبل منه عذراً ، ولا تغفر له ذنباً» (2).
ويكره اختيار العقيم ، وما تضمنه الخبر المذكور من ذات الصفات المذكورة التي يجمعها عدم كونها نجيبة ، ويكره الاقتصار على الجمال والثروة ، ويكره تزويج جملة أُخرى :
منها : القابلة وابنتها للمولود.
ومنها : تزويج ضرة كانت لُامه مع غير أبيه.
ومنها : أن يتزوج أُخت أخيه.
ومنها : المتولدة من الزنا.
ومنها : الزانية.
ومنها : المجنونة.
ومنها : المرأة الحمقاء أو العجوز.
وبالنسبة إلى الرجال يكره تزويج سيِّئ الخُلق ، والمخنّث ، والزنج ، والأكراد والخزر ، والأعرابي ، والفاسق ، وشارب الخمر.
[3640] مسألة 8 : مستحبات الدخول على الزوجة أُمور :
منها : الوليمة قبله أو بعده.
ومنها : أن يكون ليلاً ، لأنه أوفق بالستر والحياء ، ولقوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «زفوا عرائسكم ليلاً وأطعموا ضحى» (1)، بل لا يبعد استحباب الستر المكاني أيضاً.
ومنها : أن يكون على وضوء.
ومنها : أن يصلي ركعتين ، والدعاء بعد الصلاة بعد الحمد والصلاة على محمد وآله بالألفة وحسن الاجتماع بينهما ، والأوْلى المأثور وهو : «اللّهم ارزقني ألفتها وودَّها ورضاها بي وأرضني بها ، واجمع بيننا بأحسن اجتماع وأنفس ائتلاف ، فإنّك تحب الحلال وتكره الحرام».
ومنها : أمرها بالوضوء والصلاة أو أمر من يأمرها بهما.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 37 ح 2.
ومنها : أمر من كان معها بالتأمين على دعائه ودعائها.
ومنها : أن يضع يده على ناصيتها مستقبل القبلة ويقول : «اللّهمّ بأمانتك أخذتها وبكلماتك استحللتها ، فإن قضيت لي منها ولداً فاجعله مباركاً تقيّاً من شيعة آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ولا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً» أو يقول : «اللّهمّ على كتابك تزوَّجْتها ، وفي أمانتك أخذتها ، وبكلماتك استحللت فرجها ، فإن قضيت في رحمها شيئاً فاجعله مسلماً سوياً ولا تجعله شرك شيطان».
ويكره الدخول ليلة الأربعاء.
[3641] مسألة 9 : يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع الإذن ولو بشاهد الحال ، إن كان عامّاً فللعموم ، وإن كان خاصّاً فللمخصوصين. وكذا يجوز تملكه مع الإذن فيه ، أو بعد الإعراض عنه ، فيملك وليس لمالكه الرجوع فيه (1)وإن كان عينه موجوداً (1) ولكن الأحوط لهما مراعاة الاحتياط.
[3642] مسألة 10 : يستحب عند الجماع : الوضوء ، والاستعاذة والتسمية وطلب الولد الصالح السوي ، والدعاء المأثور وهو أن يقول : «بسم اللّه وباللّه اللّهمّ جنِّبني الشيطان ، وجنِّب الشيطان ما رزقني». أو يقول : «اللّهمّ بأمانتك أخذتها ...» إلى آخر الدعاء السابق. أو يقول : «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الذي لا إله إلّا هو بديع السموات والأرض ، اللّهمّ إن قضيت مني في هذه الليلة خليفة فلا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً ولا حظاً ، واجعله مؤمناً مخلصاً مصفّى من الشيطان ورجزه جل ثناؤك». وأن يكون في مكان مستور.
(1) تقدّم الكلام في عدم زوال الملك بالإعراض مفصّلاً في كتاب الإجارة ، وقد عرفت أنّ الإعراض لا يقتضي إلّا إباحة التصرف بقول مطلق في المعرض عنه. نعم لو كان التصرف متوقفاً على الملكية ثبتت له بالتصرف. وعلى هذا فللمالك حق الرجوع في العين ما دامت موجودة ، وليس للآخذ حق الامتناع.
1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يُترك.
[3643] مسألة 11 : يكره الجماع ليلة خسوف القمر ، ويوم كسوف الشمس ، وفي الليلة واليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء والصفراء والحمراء واليوم الذي فيه الزلزلة ، بل في كل يوم أو ليلة حدث فيه آية مخوفة.
وكذا يكره عند الزوال ، وعند غروب الشمس حتى يذهب الشفق ، وفي المحاق ، وبعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وفي أوّل ليلة من كل شهر إلّا في الليلة الاولى من شهر رمضان فإنّه يستحب فيها ، وفي النصف من كل شهر ، وفي السفر إذا لم يكن عنده الماء للاغتسال ، وبين الأذان والإقامة ، وفي ليلة الأضحى.
ويكره في السفينة ، ومستقبل القبلة ومستدبرها ، وعلى ظهر الطريق ، والجماع وهو عريان ، وعقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء ، والجماع وهو مختضب أو هي مختضبة ، وعلى الامتلاء ، والجماع قائماً ، وتحت الشجرة المثمرة ، وعلى سقوف البنيان ، وفي وجه الشمس إلّا مع الستر.
ويكره أن يجامع وعنده من ينظر إليه ولو الصبي الغير المميز ، وأن ينظر إلى فرج الامرأة حال الجماع ، والكلام عند الجماع إلّا بذكر اللّه تعالى ، وأن يكون معه خاتم فيه ذكر اللّه ، أو شيء من القرآن.
ويستحب الجماع ليلة الاثنين ، والثلاثاء ، والخميس ، والجمعة ، ويوم الخميس عند الزوال ، ويوم الجمعة بعد العصر. ويستحب عند ميل الزوجة إليه.
[3644] مسألة 12 : يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلاً حتى يصبح.
[3645] مسألة 13 : يستحب السعي في التزويج والشفاعة فيه بإرضاء الطرفين.
[3646] مسألة 14 : يستحب تعجيل تزويج البنت وتحصينها بالزوج عند بلوغها ، فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته» (1).
[3647] مسألة 15 : يستحب حبس المرأة في البيت فلا تخرج إلّا لضرورة ولا يدخل عليها أحد من الرجال.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 23 ح 1.
[3648] مسألة 16 : يكره تزويج الصغار وقبل البلوغ.
[3649] مسألة 17 : يستحب تخفيف مؤنة التزويج وتقليل المهر.
[3650] مسألة 18 : يستحب ملاعبة الزوجة قبل المواقعة.
[3651] مسألة 19 : يجوز للرجل تقبيل أي جزء من جسد زوجته ، ومس أي جزء من بدنه ببدنها.
[3652] مسألة 20 : يستحب اللبث وترك التعجيل عند الجماع.
[3653] مسألة 21 : تكره المجامعة تحت السماء.
[3654] مسألة 22 : يستحب إكثار الصوم وتوفير الشعر لمن لا يقدر على التزويج مع ميله وعدم طوله.
[3655] مسألة 23 : يستحب خلع خف العروس إذا دخلت البيت وغسل رجليها ، وصبّ الماء من باب الدار إلى آخرها.
[3656] مسألة 24 : يستحب منع العروس في أُسبوع العرس من الألبان والخل ، والكزبرة ، والتفاح الحامض.
[3657] مسألة 25 : يكره اتحاد خرقة الزوج والزوجة عند الفراغ من الجماع.
[3658] مسألة 26 : يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إلى وجهها وكفّيها وشعرها ومحاسنها (1).
(1) بلا إشكال ، وتدلّ عليه عدّة من الروايات الصحيحة :
منها : صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة ، أينظر إليها؟ قال : «نعم ، إنما يشتريها بأغلى الثمن» (1).
فإنّها تدل بإطلاقها على جواز النظر إلى المذكورات.
ومنها : صحيحة هشام بن سالم وحماد بن عثمان وحفص بن البختري كلهم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 36 ح 1.
.................................................................................................
يتزوّجها» (1).
فإنّها تدلّ على جواز النظر إلى الوجه بمنطوقها وبالملازمة إلى الكفّين ، إذ من الواضح أنّ النظر إلى المعاصم يستلزم النظر إلى كفّها عادة.
ومنها : ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الهيثم ابن أبي مسروق النهدي ، عن الحكم بن مسكين ، عن عبد اللّه بن سنان ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة ، أينظر إلى شعرها؟ فقال : «نعم ، إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» (2).
والرواية صحيحة غير أنّ المذكور في التهذيب الطبعة القديمة في سند هذه الرواية الهاشم بن أبي مسروق النهدي بدلاً عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي والظاهر أنّ المذكور في الوسائل الموافق للطبعة الحديثة من التهذيب (3)هو الصحيح ، فإنّ الهاشم بن أبي مسروق النهدي لا وجود له في كتب الأخبار والرجال.
ومنها : صحيحة غياث بن إبراهيم ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي (عليه السلام) في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوجها ، قال : «لا بأس ، إنما هو مستام ، فإن يقض أمر يكن» (4).
وغياث بن إبراهيم هذا الذي يروي عن جعفر عن أبيه هو الذي وثّقه النجاشي (5)وهو غير غياث بن إبراهيم البصري البتري الذي هو من أصحاب الباقر (عليه السلام) ، فإنّ حميد بن زياد وأحمد بن أبي عبد اللّه البرقي يرويان عن الأوّل بواسطة واحدة ، ومن الواضح أنّهما لا يمكنهما الرواية كذلك عمّن هو من أصحاب الباقر (عليه السلام) لكثرة الفصل ، ومثله رواية أحمد بن عيسى عنه بواسطة واحدة ، فلا يمكن القول باتحادهما ، وعلى فرض اتحادهما فلا يضرّ بعد توثيق النجاشي له.
وبالجملة : فالرواية معتبرة ، وقد دلّت على جواز النظر إلى محاسن المرأة التي يراد
.................................................................................................
التزويج بها.
وربما استدل على ذلك برواية الحسن بن السري ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة ، يتأملها وينظر إلى خلفها وإلى وجهها؟ قال : «نعم ، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ، ينظر إلى خلفها وإلى وجهها» (1)
وفيه في الموضعين : «ينظر إلى خلقها». وفي المصدر ، الكافي 5 : 365 ، كما في المتن.
.وقد عبّر عن هذه الرواية بعضهم بالصحيحة إلّا أن الأمر ليس كذلك ، فإنّ الحسن ابن السري قد ورد توثيقه عن النجاشي في كلمات ابن داود (2)والعلّامة (3)والميرزا الأسترآبادي (4)، غير أنّ السيد التفريشي قد ذكر بأنّ ذلك غير موجود في كلمات النجاشي مع أنّ لديه أربع نسخ من كتابه (قدس سره) (5)وكذلك لم نعثر عليه عند مراجعتنا للنسخة الصحيحة.
وعلى هذا فلا تثبت وثاقة الرجل ولا يمكن العمل بروايته ، إلّا أننا في غنى عنها بعد ما ذكرناه من الروايات الصحيحة الدالة على المدّعى بالصراحة ، فيكون المتحصل هو جواز نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفّيها وشعرها إذا أراد تزويجها.
هذا ولكن العلّامة (قدس سره) قد خالف في ذلك واقتصر في الجواز على الوجه والكفين ، حيث لم يذكر في الإرشاد غيرهما (6)، وأصرح من ذلك في الاقتصار كلام الشيخ الأعظم في رسالة النكاح (7).
إلّا أنّك قد عرفت مما تقدّم أنّه لا وجه لذلك ، فإنّ الشعر مما ورد النص الصحيح
.................................................................................................
في جواز النظر إليه ، فلا مبرر للقول بعدم الجواز.
ثمّ لا يخفى أنّ الماتن (قدس سره) قد جعل المحاسن في قبال الوجه والكفّين والشعر ، وظاهر ذلك أنّ المراد به غير المذكورات ، وهو مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لأنّ كلمة المحاسن قد ذكرت في روايات ثلاث :
إحداها صحيحة ، وهي رواية غياث بن إبراهيم المتقدمة ، والأُخريان ضعيفتان سنداً ، وهما :
رواية مسعدة بن اليسع الباهلي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا بأس أن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوجها ، فإنما هو مستام ، فإن يقض أمر يكن» (1).
ورواية عبد اللّه بن الفضل ، عن أبيه ، عن رجل ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : قلت : أينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها فينظر إلى شعرها ومحاسنها؟ قال : «لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذذاً» (2).
وفي جميع هذه النصوص لم تذكر كلمة المحاسن في قبال المذكورات ، إلّا في الرواية الأخيرة حيث عطفت على الشعر. وعلى هذا فيفهم أنّ المراد بالمحاسن ليس أمراً يغاير المذكورات ، وأنّ المراد بها هو ما يظهر به حسن المرأة وجمالها ، وحيث أنّ ذلك يحصل بالمذكورات فلا يبقى مجال للتعدي عنها ، ولا بدّ من تفسير المحاسن المذكورة في هذه الصحيحة بالمذكورات في باقي الصحاح.
نعم ، لا بأس بالنظر إلى الساق فإنّه من المحاسن قطعاً ، على أنّه قد ورد النص في جواز النظر إليه عند شراء الأمة (3)فإذا جاز هناك جاز فيما نحن فيه بطريق أوْلى ، لأنه «يشتريها بأغلى الثمن». ويضاف إليه المعاصم ، وهو منصوص (4)، كما تضاف الرقبة لأنّها من المواضع التي يطلب فيها حسن المرأة ، فهي داخلة في المحاسن.
بل لا يبعد (1)جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها (1) وإن كان الأحوط خلافه.
(1) ذهب إلى ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) (2)وخالفه فيه الشيخ الأعظم (قدس سره) متعجباً منه ذلك بعد توقفه (قدس سره) صاحب الجواهر في النظر إلى وجه الأجنبية ، لكونه خلاف المرتكزات (3).
واستدلّ لما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) بعدة روايات ، عمدتها هي :
صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة ، أينظر إليها؟ قال : «نعم ، إنّما يشتريها بأغلى الثمن» (4). حيث إنّها مطلقة فتشمل بإطلاقها جميع أعضاء البدن حتى العورة ، غاية الأمر أنّنا علمنا من الخارج حرمة النظر إليها ، فيبقى الإطلاق في الباقي سليماً.
والكلام في هذه الصحيحة يقع في مقامين : الأوّل في إطلاقها ، والثاني في وجود المقيد.
أمّا المقام الأوّل : فالظاهر أنّه لا إطلاق لها في حدّ نفسها ، لكونها غير ناظرة إلى ذلك. والوجه فيه وضوح التعليل في عدم كون الحكم حكماً تعبدياً ، وإنّ منشأ الحكم إنّما هو دفع الغبن الذي لا يتدارك من جانب الزوج.
فإنّ العقد بعد وقوعه لا يقبل الفسخ إذا لم يرتض الزوج زوجته ، كما أنّ الطلاق يوقعه في ضرر دفع نصف المهر ، ومن البديهي أنّه ليس للزوج أن يزوجها من غيره كي يستردّ المهر ، ففراراً من هذا المحذور الذي لا يتأتى في سائر العقود خصص تحريم النظر إلى الأجنبية ، ورُخِّص في جواز النظر إليها. ولعلّه واللّه العالم أن هذا هو المقصود من قوله (عليه السلام) : «إنّما يشتريها بأغلى الثمن».
.................................................................................................
فإذا تمّ ذلك فمن الواضح أنّ الجواز إنّما يختص بما يرتفع الغبن والضرر بالنظر إليه وذلك على ما عرفته هو المحاسن بالمعنى الذي يعمّ الساق ، وعليه فلا يجوز النظر إلى ما لا دخل له في ذلك من أعضاء البدن.
ومن هنا لم يكن تجريد الأَمة حين الشراء أمراً متعارفاً في الخارج ، إذ لا دخل لغير المذكورات منها في معرفة محاسنها.
وعليه فالمتحصل : أنّه لا إطلاق لصحيحة محمد بن مسلم يشمل جميع بدن المرأة.
وأما رواية الحسن بن السري ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة ، يتأملها وينظر إلى خلفها وإلى وجهها؟ قال : «نعم ، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ، ينظر إلى خلفها وإلى وجهها» (1)
وراجع ص 13 ه 1.
فهي من حيث الدلالة لا إطلاق فيها يشمل جميع البدن ، إذ لا ظهور فيها في كون النظر إلى خلفها بتجريدها من ثيابها ، بل الظاهر إنّه إنما يكون من وراء الثياب لمعرفة حجمها.ومن حيث السند فهي ضعيفة بالحسن بن السري الذي لم يثبت توثيقه (2).
وكذلك روايته الثانية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوجها ، قال : «نعم ، فَلِمَ يعطي ماله» (3). فإنّها من حيث الدلالة كصحيحة محمّد بن مسلم ، حيث لا إطلاق فيها يشمل جميع البدن ، على أنّها ضعيفة بالإرسال أيضاً.
نعم ، قد يستدل على ذلك بمعتبرة البزنطي عن يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يريد أن يتزوج المرأة ، يجوز له أن ينظر إليها؟ قال : «نعم ، وترقّق له الثياب لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» (4).
إلّا أنّها حتى مع غضّ النظر عن التعليل المذكور فيها لا دلالة لها على المدعى ، إذ
.................................................................................................
أن ترقيقها الثياب ليس هو بمعنى كون ما تلبسه ثوباً يحكي البشرة ، فإنّ مثل هذه الثياب لا يعلم وجودها في تلك الأزمنة ، وإنّما هو بمعنى تخفيف الثياب وعدم تعدّدها بحيث لا يعرف معه حجم البدن نظير لبس الفروة وما شابهها. ولعل في استعمال صيغة الجمع حيث عبّر (عليه السلام) : «وترقّق له الثياب» إشارة إلى ذلك ، إذ لو كان المقصود هو المعنى المذكور لكان استعمال المفرد أنسب. على أن ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم آت هنا بحذافيره.
وأمّا المقام الثاني ؛ فالظاهر أنّه حتى لو فرض للروايات السابقة أو لبعضها إطلاق فإن هناك عدّة نصوص صحاح تقيّدها.
منها : صحيحة هشام بن سالم ، وحماد بن عثمان ، وحفص بن البختري ، فإنّ المذكور فيها : «لا بأس أن ينظر إلى وجهها ومعاصمها» (1).
وتقدم منّا في مباحث الأُصول أنّ القيد لما كان ظاهراً في الاحتراز ، فهو يدلّ على عدم ثبوت الحكم للطبيعة المطلقة حتى الفاقدة له ، وهذا لا يتوقف على القول بثبوت المفهوم بل يثبت ذلك حتى مع عدم القول بالمفهوم ، إذ لو كان الحكم ثابتاً للطبيعة لكان ذكر القيد لغواً محضاً ، ففراراً من محذور اللغوية لا بدّ من الالتزام بعدم ثبوت الحكم للجامع ، وإن كنّا لا نلتزم بانتفاء الحكم عند انتفاء القيد.
ومنها : موثقة يونس بن يعقوب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة وأحبّ أن ينظر إليها ، قال : «تحتجز ثم لتقعد ، وليدخل فلينظر». قال : قلت : تقوم حتى ينظر إليها؟ قال : «نعم». قلت : فتمشي بين يديه؟ قال : «ما أحب أن تفعل» (2).
وحيث أنّ الظاهر أنّه (عليه السلام) في مقام بيان الوظيفة الشرعية ، فتدل الرواية على عدم جواز النظر إلى بدنها ، إذ لو كان ذلك أمراً جائزاً لما كانت هناك حاجة إلى أمرها بالاحتجاز.
والحاصل إنّه لو فرض للأخبار المتقدمة إطلاق ، فهاتان الروايتان تقيدانه وتخصان
ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها ورضاها (1). نعم ، يشترط أنْ لا يكون بقصد التلذّذ (2) وإنْ علم أنّه يحصل بنظرها قهراً.
ويجوز تكرار النظر (3) إذا لم يحصل الغرض وهو الاطلاع على حالها بالنظر الأوّل.
ويشترط أيضاً أن لا يكون مسبوقاً بحالها (4) وأن يحتمل اختيارها (5) وإلّا فلا يجوز.
الحكم بالموارد المذكورة ، ومن هنا يتضح أن ما اختاره الماتن (قدس سره) تبعاً لصاحب الجواهر (قدس سره) (1)مشكل جدّاً على أنّه خلاف الاحتياط.
(1) بلا خلاف في ذلك ، فإنّ عمومات حرمة النظر إلى الأجنبية مخصصة فلا تشمل المورد ، وليس هو من حقوق المرأة كي يتوقف الحلّ على رضاها.
(2) لأنّ المستفاد من الأخبار هو جواز النظر إليها مقدمة للتزوج منها. أما إذا لم يكن للنظر دخل في التزوج منها كما إذا كان ذلك بقصد التلذّذ أو غيره فلا يجوز ويدخل في ذلك ما إذا كان مطلعاً على حالها ، أو كان قاصداً التزوج منها على كل حال ، سواء كانت حسناء أم غير حسناء.
(3) لإطلاق الأدلة ، فإنّ مقتضاها جواز النظر إليها ما دام أنّه لأجل انكشاف حالها ومعرفة محاسنها.
(4) إذ لا يكون النظر حينئذ للاطلاع على حالها ومقدمة للزواج ، فلا يكون مشمولاً للنصوص.
(5) واشتراطه واضح ، فإنّه مع عدم احتمال اختيارها لا يصدق عنوان إرادة التزويج بها.
ثمّ لا يخفى أنّه كان على الماتن (قدس سره) أن يذكر في جملة ما يعتبر في جواز النظر إلى المرأة جواز التزوج بها بالفعل ، إذ لا يجوز النظر إلى التي لا يجوز نكاحها فعلاً لحرمة عرضية قابلة الزوال كما لو كان تحته أربع زوجات دائمات ، أو كانت
1) الجواهر 29 : 66.
ولا فرق بين أن يكون قاصداً لتزويجها بالخصوص ، أو كان قاصداً لمطلق
المرأة في العدّة فعلاً ، أو كانت أُختاً لزوجته لانصراف الروايات عنه ، إذ أن التعليل بأنه «يشتريها بأغلى الثمن» ظاهر في كون الرجل بصدد التزوّج منها فعلاً ، وإنّ جواز النظر مختص بذلك الفرض. وعليه فإذا لم يجز تزوجها لعارض ، لم يصدق عليه أنّه بصدد التزوّج منها ، فلا يجوز له النظر إليها.
ثم هل يجري هذا الحكم في بنت الزوجة غير المدخول بها إذا أراد التزوج بها أم لا؟ وهل إنّها كأُخت الزوجة أم لا؟
ذهب المشهور إلى الأوّل ، نظراً إلى حرمة التزوج بالبنت ما دامت الأُم في حبالته.
ولكن الظاهر أنّه مما لا دليل عليه ، إذ لم يرد بالنسبة إليهما دليل يدل على حرمة الجمع بينهما نظير ما ورد في الأُختين ، وإنما الذي ورد في الآية الكريمة والروايات هو حرمة التزوج بالبنت إذا كانت الام مدخولاً بها وحل ما وراء ذلك (1). ومعنى ذلك هو جواز التزوج بالبنت إذا كانت الام غير مدخول بها ، لأنها حينئذ تكون مشمولة بما وراء ذلك فتكون حلالاً. ونتيجة ذلك أنّه لو تزوج بالبنت حرمت عليه أُمها وانفسخ نكاحها ، لأنّها أصبحت أُم الزوجة ولا يجوز نكاحها.
وقد يتوهّم أنّ زوال زوجية الأُم إنما هو في مرحلة متأخرة عن ثبوت زوجية البنت لأنه معلول له ، ومن البديهي أنّ المعلول يتأخر عن علته رتبة. فعلى هذا ففي مرتبة سابقة على زوال زوجية الام وحرمتها ، تكون الام والبنت معاً زوجة له وهو أمر غير جائز قطعاً ، إذ لا يصح الجمع بينهما بلا خلاف.
إلّا أنّه يندفع بما ذكرناه في عدّة موارد من أنّ الأحكام الشرعية لا تدور مدار الرتب ، وإنما المدار فيها هو الزمان ، فإنّ السبق واللحوق الرتبي مما يناسب الفلسفة لا الفقه. والمفروض في مسألتنا هذه عدم اجتماع زوجية الام والبنت في زمان واحد ، فإنّ الزمان الذي كانت الام فيه زوجة له لم تكن البنت كذلك ، وفي الزمان الذي أصبحت البنت زوجة له انفسخ نكاح الام وخرجت عن الزوجية ، فلا يكونان معاً زوجة له
1) إشارة إلى الآية 24 من سورة النساء.
التزويج وكان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار ، وإن كان الأحوط الاقتصار على الأوّل (1)(1).
وأيضاً لا فرق بين أن يمكن المعرفة بحالها بوجه آخر من توكيل امرأة تنظر إليها وتخبره أوْ لا (2) وإن كان الأحوط الاقتصار على الثاني.
ولا يبعد جواز نظر المرأة (2)أيضاً إلى الرجل الذي يريد تزويجها (3) ولكن لا يترك الاحتياط بالترك.
في زمان واحد ، وعليه فلا مانع من الالتزام المذكور وإن كان ذلك خلاف المشهور جدّاً ، ومن هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة.
(1) بل هو المتعيّن ، فإنّ الظاهر من الروايات أنّ جواز النظر مترتب على إرادة التزوّج منها ، ومن هنا فلا بدّ من فرض وجود الموضوع إرادة التزوّج منها مفروغاً عنه في الخارج قبل الحكم بالجواز. وعليه فحيث إن إرادة التزوج بكل واحدة منهن غير متحققة في الخارج ، إذ لم تتعلق إرادته إلّا بالجامع ، فلا مجال للحكم بجواز النظر إليهن جميعاً.
(2) لإطلاق الروايات من هذه الجهة ، خصوصاً بملاحظة عدم إمكان الاطلاع على أوصافها بالسماع ونحوه بمثل ما يطلع عليه بالبصر.
(3) ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدس سره) مستدلّاً عليه بأنّ الرجل إذا جاز له النظر إليها لأنه يبذل لها أغلى الثمن ، جاز لها النظر إليه بطريق أولى لأنها تبذل أغلى المثمن ، خصوصاً وإنّ بإمكان الرجل التخلص من المرأة بالطلاق لو لم تكن كما يريد بخلاف العكس حيث ليس لها ذلك (3).
إلّا أنّه مما لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأجل ما ذكرناه في تفسير التعليل
وكذا يجوز النظر إلى جارية يريد شراءها (1) وإن كان بغير إذن سيِّدها. والظاهر اختصاص ذلك بالمشتري لنفسه ، فلا يشمل الوكيل والولي
المذكور في قوله (عليه السلام) : «إنّما يشتريها بأغلى الثمن» (1). إذ عرفت أنّ جواز نظره إليها كان بسبب سدّ باب ذهاب ماله هدراً ومن دون إمكان التدارك ، وحيث إنّ هذا الاحتمال لا يتأتى في حق المرأة ، إذ لا يمكن أن يذهب مالها هدراً ، باعتبار أنّها إنما تبذل بضعها بإزاء المهر فلا يتلف عليها شيء ، فالتعدي عن مورد الروايات يكون مشكلاً جدّاً.
وعليه فالظاهر هو القول بعدم الجواز.
(1) استدل عليه :
أوّلاً : بالتعليل المذكور في الروايات الدالة على جواز النظر إلى المرأة التي يريد تزويجها ، لأنه «يشتريها بأغلى الثمن» فيجوز له النظر إليها.
وفيه : أنّ التعليل إنما يختص بباب الزواج بل بالزوج خاصة على ما عرفت ، إذ الغبن الذي لا يمكن تداركه والغرر الذي لا يمكن تلافيه لا يتصور إلّا في جانب الزوج ، وليس حال المشتري كحاله ، فإنّ أقل ما يتصوّر في المشتري هو خيار الحيوان ، فله أن يفسخ العقد إلى ثلاثة أيام إذا لم تعجبه الأَمة من دون أن يفوت منه شيء.
وعليه فلا وجه للقول بشمول التعليل له أيضاً.
ثانياً : الروايات الخاصة.
فمنها : رواية أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعترض الأَمَة ليشتريها ، قال : «لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها ويمسّها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي النظر إليه» (2).
.................................................................................................
إلّا أنها ضعيفة لوجود علي بن أبي حمزة البطائني الكذاب المعروف في سندها.
ومنها : رواية عمران الجعفري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا أحب للرجل أن يقلّب إلّا جارية يريد شراءها» (1)ببيان أنّ لازم التقليب هو النظر إلى بدنها عادة.
إلّا أنها غير تامة أيضاً ، فإنّ عمران الجعفري الذي يروي عنه الحارث هذه الرواية على ما في التهذيب (2)والوسائل لم يرد له أي توثيق ، بل لم يذكر اسمه في غير هذه الرواية أصلاً. وصاحب الوافي وإن روى هذه الرواية عن الحارث بن عمران الجعفري (3)الذي وثّقه النجاشي (4)إلّا أنّه لمكان اختلاف النسخ لم تثبت صحتها فلا يمكن الاعتماد عليها.
فالعمدة في الاستدلال هو التمسك بالسيرة القطعية ، وعدم الخلاف بين الأعلام في خصوص الوجه واليدين ، فإنهن في عهدهم (عليهم السلام) كن يخدمن في المجالس ومن الواضح أنّ لازم ذلك وقوع نظر الرجال عليهن من دون أن يصدر في ذلك أي ردع منهم (عليهم السلام).
وأما في غير الوجه والكفّين من المحاسن ، فتكفينا معتبرة الحسين بن علوان عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي عليهم السلام : «إنّه كان إذا أراد أن يشتري الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها» (5).
فإنّه إذا ثبت جواز النظر إلى الساق التي هي أمر مستور عادة ، ثبت جواز النظر إلى ما ليس بمستور كذلك كالشعر والوجه واليدين بالأولوية القطعية ، فإنه لا حاجة إلى كشفها للنظر إليها.
والفضولي (1). وأما في الزوجة فالمقطوع هو الاختصاص (2).
[3659] مسألة 27 : يجوز النظر إلى نساء أهل الذمّة (3)
(1) اختار صاحب الجواهر (قدس سره) الجواز للأولين (1)مستدلّاً بأنّ الموضوع في الروايات هو المشتري وهو يصدق عليهما. نعم ، لا يجوز ذلك في الفضولي باعتبار أنّه أجنبي ولا يصدق عليه عنوان المشتري.
وفيه : أنّه على تقدير تسليم وجود إطلاق يدل على جواز النظر للمشتري ، فهو منصرف إلى من يريد الشراء لنفسه ، فلا يشمل المشتري للغير بوكالة ، أو ولاية.
وعلى تقدير عدم الانصراف فقد عرفت أنّ عمدة الدليل على الجواز هو فعل علي (عليه السلام) كما جاء في رواية الحسين المتقدمة ومن المعلوم أنّه (عليه السلام) إنما كان يشتري لنفسه ، إذ من البعيد جدّاً تصديه (عليه السلام) لشراء الإماء لغيره فلا دلالة فيه على الجواز لغير المشتري لنفسه.
إذن فلا مقتضي للقول بجواز النظر للوكيل والولي.
(2) لاختصاص موضوعه بمن يريد الزواج ، ومن الواضح اختصاصه بالزوج لا سيما بملاحظة التعليل المذكور في صحيحة محمد بن مسلم ومعتبرة البزنطي المتقدمتين (2)فإنّه هو الذي «يشتريها بأغلى الثمن» دون الوكيل والولي.
(3) ذهب إليه المحقق (قدس سره) في الشرائع ، معلِّلاً بأنّهنّ بمنزلة الإماء (3).
والظاهر أنّ مراده (قدس سره) ليس هو كونهن مماليك للمسلمين إذ لم يقم دليل على ذلك ، فإنّ الملك لا يحصل إلّا بالاسترقاق وتنزيلهنّ بتلك المنزلة يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
كما أنّه ليس مراده (قدس سره) كونهنّ مماليك للإمام (عليه السلام) ، فإنّه وإن
.................................................................................................
دلّت صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال : «إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام» الحديث (1)على ذلك ، إلّا أنّه لا ينسجم مع تعبيره (قدس سره) بأنّهن بمنزلة الإماء ، فإنّه لو كان مراده هو ذلك لكان عليه أن يقول لأنّهنّ إماء لا أنّهنّ بمنزلة الإماء.
بل الظاهر أنّ مراده (قدس سره) واللّه العالم هو كونهنّ بمنزلة الإماء في عدم الحرمة لهنّ ، إذ الأَمة تختلف عن الحرّة في هذه الجهة ، فإن الحرة لها حرمة فلا يجوز النظر إليها بخلاف الإماء ، فإنه يجوز النظر إلى شعورهنّ ووجوههنّ وأيديهنّ ، فتكون نساء أهل الذمّة بمنزلة الإماء في هذه الجهة.
ولعلّه (قدس سره) يشير بذلك إلى معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ» (2).
وعلى كلّ فهذا القول هو المتعيّن ، فإنّ أهل الذمة ليسوا بمماليك كما دلت عليه صحيحة أبي بصير وإنما هم أحرار ، ولا بدّ من حمل الصحيحة على نوع من العناية والتسامح ، إذ الالتزام بمضمونها ينافي جملة من الأحكام الثابتة لهم كالدية إذا قتل أحدهم فإنها تدفع إلى أقربائه في حين أنّه لو كان مملوكاً لما كان وجه لثبوت الدية بل المتعيّن هو دفع القيمة لا إلى أقربائه وإنما إلى مالكه كما هو واضح والإرث فإنّهم يرثون بعضهم بعضاً إذا لم يكن في الورثة مسلم يحجب الباقين ، والحال أنّ المملوك لا يرث ولا يورث.
فإن هذه الأحكام وما شابهها تدلنا على وجود نوع من العناية في إطلاق المملوك عليهم ، وإلّا فهم ليسوا بعبيد بل هم أحرار ، غاية الأمر أنّه لا حرمة لنسائهم فيجوز النظر إليهنّ ، لمعتبرة السكوني ، وصحيحة عباد بن صهيب الدالة على جواز النظر إلى نساء أهل البادية ، فإنّ التعليل المذكور فيها من «أنّهم إذا نهوا لا ينتهون» (3)
بل مطلق الكفّار (1) مع عدم التلذّذ والريبة (2) أي خوف الوقوع في الحرام -
النظر إلى نساء أهل البادية ، فإنّ التعليل المذكور فيها من «أنّهم إذا نهوا لا ينتهون» (1)يقتضي جواز النظر إلى ما جرت عادتهنّ على عدم ستره ، من دون فرق بين أهل البادية وغيرهم فيشمل أهل الذمة أيضاً.
(1) والحكم واضح إذا كان المستند في جواز النظر إلى نساء أهل الذمّة صحيحة عباد بن صهيب ، فإنها بتعليلها تعمّ سائر الكافرات أيضاً.
وأما إذا كان المستند معتبرة السكوني ، فقد يشكل الحكم باعتبار أنّ المذكور فيها نساء أهل الذمة خاصة ، وقد عرفت أنّ كل قيد يؤخذ في كلام الإمام (عليه السلام) ظاهر في الاحتراز ويدلُّ على عدم ثبوت الحكم للطبيعة المطلقة.
إلّا أنّه لا يخفى أن جعلها مستند الجواز في نساء أهل الذمة لا يمنع من الالتزام به في سائر الكافرات ، فإنه يمكن التفصي عما ذكر بأنّ ذكر الذمية في المعتبرة لدفع تخيّل أن لعرضهنّ حرمة كما هو الحال في أموالهنّ وأنفسهنّ وليس لوجود خصوصية فيهنّ. وحيث أن الكافرات لا حرمة لهنّ أبداً ، فيثبت جواز النظر إليهنّ بالأولوية القطعية.
وبعبارة أخرى : إنّ أهل الكتاب هم أقرب الأصناف إلى المسلمين ، فإنّ أموالهم وأنفسهم محترمة كمال المسلم ونفسه. فإذا لم تثبت حرمة لأعراضهم ، فعدم ثبوت ذلك في سائر الكفار يكون من باب الأوْلى.
(2) بلا خلاف في ذلك ، وتدلّ عليه الآية الكريمة ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) (2). فإنّها تدلّ على لزوم كفّ النظر الذي هو بمعنى الانصراف عن الشيء تماماً فتدل على حرمة جميع أنواع الاستمتاع من المرأة ما عدا المملوكة والزوجة. وعليه فإذا ثبت من الخارج جواز النظر إلى بعض أعضاء المرأة ، عُلم أنّ المراد من ذلك إنما هو النظر البحت لا المشوب بنوع من الاستمتاع والتلذّذ.
ولزيادة الإيضاح نقول : إنّ النظر وغضّ البصر أمران وجوديان متضادّان
.................................................................................................
وليس وجود أحدهما مقدمة لترك الآخر ، كما أنّ ترك الآخر ليس مقدمة لوجود الأول ، على ما هو الحال في جميع الأُمور المتضادة ، لا سيما إذا كان التضاد غير منحصر بفردين بل كان لهما ضد ثالث كما هو الحال في المقام. فإنّ التضاد بين غضّ البصر بمعناه الحقيقي أعني وضع جفن على جفن وإطباق الجفنين وبين النظر غير منحصر بينهما ، إذ للإنسان أن يضع حائلاً بين عينيه وبين الشيء المنظور إليه فلا يراه من دون أن يطبق جفنيه.
ومن هنا يتضح أنّه لا وجه لما قيل : من أن غضّ البصر مقدمة لترك النظر ، وحيث أنّ الأمر بالمقدمة أبلغ من الأمر بذيها كان المراد بالأمر بغضّ البصر ترك ضده الآخر ، فإنّ ذلك من الاستعمال الغريب ، ولم نعثر بحسب تتبعنا على مورد لذلك ، بل لا معنى له بحسب الاستعمالات المتعارفة لا سيما إذا لم يكن التضادّ منحصراً بفردين.
وقد يتوهّم أنّ ذلك مستعمل فيما ورد من أنّ الناس يؤمرون يوم القيامة بغضّ أبصارهم كي تجوز فاطمة (عليها السلام) بنت حبيب اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (1)بدعوى أنّ المراد من ذلك حقيقة إنما هو ترك النظر إليها.
وفيه : أنّ الظاهر من تلك الأوامر أنّ هذه الكلمة مستعملة في معناها الحقيقي أعني إطباق الجفون وجعل الإنسان نفسه كالأعمى إجلالاً وتعظيماً لمقامها (عليها السلام) ، لا ترك النظر إليها.
وعلى ضوء هذا فحيث أنّ المراد بالغضّ في الآية الكريمة ليس معناه الحقيقي يقيناً إذ لا يجب على الرجل أن يطبق جفنه كما لا يجب على المرأة أن تطبق جفنها جزماً وإرادة ترك النظر منها باعتبار أنّه ملازم له عناية يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، بل هو استعمال غريب لم يعثر عليه مطلقاً ، تعيّن أن يكون المراد به صرف النظر عن غير الزوجة والمملوكة ، وفرضها كالعدم ، وهو استعمال شائع عرفاً.
وتساعد عليه الآية الكريمة ، فإنّ كلمة «مِنْ» المذكورة فيها لا تنسجم إلّا مع هذا التفسير ، فإنّها تفيد التبعيض وهو إنما ينسجم مع تفسيرنا ، فيقال : إنّ المأمور به
1) تفسير فرات الكوفي : 437 438 ح 578.
والأحوط الاقتصار على المقدار الذي جرت عادتهن على عدم ستره (1).
ليس هو صرف النظر عن غير الزوجة والمملوكة على الإطلاق ، بل المأثور به هو حصّة خاصّة منها ، وهي صرف النظر عن غيرهما في خصوص الاستمتاعات الجنسية وما يتعلق بها من شؤون ، وفرضها في مثل هذه القضايا كالعدم.
وأما في غيرها كالبيع والشراء فلا مانع من الطمع فيهن ، فلا يقطع نظره عن معاملاتهن ، وهذا المعنى لا يتحقق على التفسير الآخر ، فإنه لو فرض أن المراد بالغضّ هو ترك النظر لما كان معنى للتبعيض فيه.
اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ المأمور به ليس هو ترك النظر إليها على الإطلاق ، بل المراد حصة خاصة منه. لكن يدفعه أنّ تلك الحصة غير معلومة ، إذ يحتمل أن تكون هي جسدها خاصة ، كما يحتمل أن تكون هي النظر إليها مع الشهوة والتلذّذ ، وبذلك تكون الآية مجملة فلا يصح الاستدلال بها على حرمة النظر.
والحاصل أنّ هذه الآية أجنبية بالمرة عن نظر الرجل إلى المرأة أو العكس ، وإنما هي واردة في مقام الأمر بقطع نظر كل من الجنسين عن الآخر وعدم الطمع فيه فيما يختص بالاستمتاعات الجنسية.
وأما بالنسبة إلى اعتبار عدم الريبة فيمكن التمسك فيه بقوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) (1). فإنّ الحفظ لما كان بمعنى الاهتمام بالشيء كي لا يقع في خلاف ما ينتظره ، كان مدلول الآية الكريمة أنّه لا بدّ من التحفظ على الفرج من الزنا ، وحيث أن النظر إليهن مع الريبة يجعل العورة في معرض الزنا كان مشمولاً للنهي.
(1) وإن كان الأظهر هو الجواز مطلقاً ، إذ قد عرفت أن مستند الحكم في نساء أهل الذمّة والكفار إنما هو عدم وجود حرمة لأعراضهن. ومن هنا فلا يختلف الحال بين
1) سورة المؤمنون 23 : 5 7.
وقد يلحق بهم نساء أهل البوادي والقرى من الأعراب وغيرهم (1) وهو مشكل (1)(2).
نعم ، الظاهر عدم حرمة التردّد في الأسواق ونحوها مع العلم بوقوع النظر عليهن ، ولا يجب غضّ البصر إذا لم يكن هناك خوف افتتان.
[3660] مسألة 28 : يجوز لكل من الرّجل والمرأة النظر إلى ما عدا العورة
ما جرت عادتهنّ على ستره وما لم تجر ، فيجوز النظر إلى شعورهنّ حتى لو جرت عادتهنّ على ستره.
(1) لصحيحة عباد بن صهيب ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج ، لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون» (2).
(2) والوجه فيه ما قيل من ضعف الرواية ب- (عباد) ، وعدم انجبارها بعمل المشهور.
والظاهر أنّ منشأ القول بضعفها هو تعبير صاحب الجواهر (قدس سره) عنها بالخبر (3). لكنه غير خفي على المتتبع أنّه (قدس سره) لا يلتزم بالاصطلاحات عند ذكر الأخبار ، إذ كثيراً ما يعبّر عن الصحيحة بالخبر ، بل يصف الرواية الواحدة في مسألة بالخبر ، وفي أخرى بالصحيحة ، وإلّا فعباد بن صهيب ثقة جزماً لتوثيق النجاشي له (4).
وعليه فلا حاجة في إثبات وثاقة الرجل إلى دعوى أنّه ممن يروي عنه ابن محبوب ، وهو لا يروي إلّا عن ثقة ، فإن هذه الدعوى غير صحيحة على ما فصّلناه في مقدّمة معجم رجال الحديث ، فراجع (5).
من مماثله شيخاً أو شابّاً ، حسن الصورة أو قبيحها (1) ما لم يكن بتلذّذ أو ريبة (2). نعم ، يكره كشف المسلمة بين يدي اليهودية والنصرانية (3)
والحاصل أنّ الرواية تامة دلالة وسنداً ، فالعمل بها متعيّن ولا وجه للاستشكال فيها.
إلّا أنّه لا يخفى أن الحكم هنا يختص بما جرت عادتهنّ على عدم ستره ، وليس الحكم فيهن كالحكم في الذميات. فإن منشأه في الذمية عدم الحرمة فلا يختص الحكم بما جرت عادتهنّ على عدم ستره ، في حين أنّ منشأه في أهل البوادي هو هتك حرمتهنّ بأيديهنّ إذ لا ينتهين إذا نهين ، فيكون الحكم في الجواز فيهنّ نظير ما ورد في الغيبة من أنّه «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» (1)فإنّ الذي كشف ما ستره اللّه ولم يجعل لنفسه حرمة فلا مانع من استغابته.
وعليه فيختص الحكم بما جرت عادتهن على عدم ستره.
(1) بلا خلاف فيه بينهم. وقد دلت عليه السيرة العملية القطعية ، مضافاً إلى ما ورد في أبواب الحمام من نهي الإمام (عليه السلام) جماعة دخلوا الحمام عراة من جهة كشفهم للعورة فقط (2)فإنّ ذلك يكشف عن عدم وجود البأس في النظر إلى سائر أعضاء بدن المماثل.
(2) لما تقدم من دلالة الآيتين الكريمتين على ذلك.
(3) استدل على ذلك :
أوّلاً : بصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية ، فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن» (3)حيث قد تقدّم أنّ كلمة (ينبغي) تستعمل في الجواز والإمكان.
وعلى هذا فتكون الرواية دالة على عدم جواز ذلك للمسلمة ، ومن ثمّ حكم صاحب الجواهر (قدس سره) بالحرمة (4).
.................................................................................................
ثانياً : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... أَوْ نِسائِهِنَّ ) (1)بدعوى أنّ المراد بالنساء هو المسلمات ، وذلك بملاحظة الإضافة إلى المسلمة.
إلّا أن كلا الاستدلالين لا يمكن المساعدة عليهما.
أمّا الأوّل : فلأن كلمة «لا ينبغي» وإن كانت ظاهرة فيما ذكر ، إلّا أن التعليل المذكور فيها يمنع من حملها على الكراهة فضلاً عن الحرمة ، إذ أن معرفة الكافر بحال المرأة المسلمة ليست من المحرمات قطعاً ، كي يكون التكشف أمراً حراماً باعتبار كونه سبباً لها ، بل لا بدّ من حملها على الإرشاد إلى أمر أخلاقي ، وهو التحفظ عن الكفار حتى في هذا المقدار.
وأمّا الثاني : فلا يخفى ان المحتمل في كلمة ( نِسائِهِنَّ ) أمور.
الأوّل : أن يراد بها الحرائر مطلقاً من دون خصوصية للمسلمة. وذلك ببيان أنّ المستثنى في الآية الكريمة حكم انحلالي بملاحظة كل امرأة بالنسبة إلى أبيها أو بعلها أو أخيها ، إلى آخر ما ذكر فيها ، إذ لا يحتمل جواز إبداء زينتهن لبعولة أو آباء أو إخوان غيرهنّ ، بل يختص الحكم بكل امرأة مستقلة بالنسبة إلى أبيها وسائر أرحامها المذكورين في الآية الكريمة بالإضافة إلى العم والخال. فإنهما وإن لم يذكرا في الآية إلّا أنّ الحكم لهما ثابت إجماعاً ، ولعل عدم ذكرهما إنما هو لوحدة النسبة بين العم وابن الأخ ، وبين الخال وابن الأُخت. فإنها كما يجوز لها إبداء زينتها لابن أخيها وابن أُختها نظراً إلى كونها عمة أو خالة لهما ، يجوز لها إبداء زينتها لعمها وخالها لوحدة النسبة.
هذا كلّه في غير ( نِسائِهِنَّ ) . وأما فيها فلا يمكن الالتزام بكون الحكم انحلالياً ، إذ لا يعقل تصوّر كونها امرأة لامرأة دون أخرى ، فيكون المراد لا محالة طبيعي النساء فيكون المعنى : لا يبدين زينتهنّ إلّا من طبيعي النساء ، وبقرينة عطف ( ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) الإماء عليهن يفهم أنّ المراد من طبيعي النساء هو الحرائر ، فيتحصل من الآية الكريمة أنّ طبيعي المرأة لا بأس بأن تبدي زينتها لطبيعي الحرائر وطبيعي الإماء.
1) سورة النور 24 : 31.
.................................................................................................
الثاني : أن يراد بها مطلق النساء ، ونسب ذلك إلى الجواهر (1)، وعليه فيتعيّن أن يراد ب ( ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) العبيد خاصة.
وفيه :
أوّلاً : إنّ الظاهر من الإضافة هو الاختصاص وإرادة طائفة خاصة بالنسبة إلى المرأة ، فحملها على طبيعي النساء بعيد جدّاً.
وثانياً : إنّ حمل ( ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) على العبيد لا مبرر له ، إذ لا وجه للتخصيص من دون قرينة عليه ، على أنّه مخالف لسياق الآية الكريمة حيث قد عرفت أنّ الحكم في النساء طبيعي لا انحلالي ، وهو مما لا يمكن الالتزام به في العبيد. فإنه بناءً على القول بجواز كشف المرأة وجهها للعبد ، فإنما يقال بذلك بالنسبة إلى خصوص عبدها لا مطلقاً. وهذا يعني أنّ الحكم في ( ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) انحلالي ، فيكون مخالفاً للسياق لا محالة.
الثالث : أن يراد بها المؤمنات خاصة ، وذهب إليه في الحدائق (2)تبعاً لابن حمزة (3).
وفيه : أنّه لا قرينة على ذلك بالمرة ، على أن لازمه الالتزام بعدم جواز إبداء المرأة المسلمة زينتها لطبيعي المرأة الكافرة حتى ولو لم تكن متزوجة ، وهو خلاف ضرورة المسلمين جزماً. فإنّ مثل هذا الحكم لو كان ثابتاً لكان من أوضح الواضحات ، ومما لا خلاف فيه أصلاً ، نظراً إلى كثرة ابتلائهن بهن ، إذ أن نساء أهل الكتاب كن يخدمن في كثير من بيوت المسلمين بما في ذلك بيوت الأئمة (عليهم السلام) ، فكيف ولم يقل به فيما نعلم أحد من الفقهاء؟! أضف إلى ذلك كلّه أنّه بناءً على هذا الوجه فما يكون المراد بقوله تعالى : ( أَوْ
.................................................................................................
ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) وهل يراد به خصوص العبيد ، أم خصوص الإماء الكافرات ، أم الجامع بينهما؟
فإنّ من غير الخفي أنّه لا مجال لأن يصار إلى الأوّل ، فإنّ لازمه السكوت عن الأَمة الكافرة ، والحال أنّه لا ينبغي الشك في جواز نظرها إليها فإنها مستثناة جزماً وعليه فلا يبقى وجه للتخصيص بالعبيد ، على أنّه يرد ما تقدم على الوجه السابق من لزوم اختلاف السياق.
والاحتمال الثاني : وإن كان ممكناً بحد ذاته ، إذ لا يلزم منه محذور اختلاف السياق إلّا أنّه لا دليل عليه.
وأمّا الاحتمال الثالث : فهو غير معقول بحدّ ذاته ، لأنّ الحكم بالنسبة إلى العبيد انحلالي وبالنسبة إلى الإماء طبيعي ، والجمع بينهما في نسبة واحدة محال حتى على القول بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، فإنّ من غير المعقول أن يلحظ مفهوم ( ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) في نسبة واحدة بلحاظين ، بأن يكون انحلالياً بالنسبة إلى بعض الأفراد ، وطبيعياً بالنسبة إلى بعضهم الآخر.
الرابع : أن يراد بها الأقرباء خاصة.
وفيه : أنّه أبعد الاحتمالات كلها ، إذ أنّ لازمه الالتزام بدلالة الآية الكريمة على حرمة إبداء المرأة زينتها لغير نساء عشيرتها ، وهو خلاف الضرورة الفقهية. على أنّه يردُ عليه ما تقدم على الوجه الثالث في المراد من قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) .
ومما تقدم يتضح أنّ المتعيّن هو الالتزام بالوجه الأوّل ، لعدم ورود شيء من الإشكالات عليه.
ثم إنّه بناءً على هذا الاحتمال يتعيّن كون المراد بقوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) خصوص الأمة ، وذلك لبطلان احتمال إرادة خصوص العبد أو الجامع بينهما كما تقدّم.
وقد نسب صاحب الوسائل (قدس سره) إلى الشيخ (قدس سره) في الخلاف أنّه قال : (روى أصحابنا في قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) أنّ المراد به الإماء دون
بل مطلق الكافرة (1) فإنّهن يصفن ذلك لأزواجهن.
العبيد الذكران) (1). وهذه الرواية وإن لم نعثر عليها إلّا أن ما ذكره (قدس سره) يكفينا كمؤيد.
نعم ، روى معاوية بن عمار في الصحيح ، قال : كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) نحواً من ثلاثين رجلاً إذ دخل عليه أبي فرحب به إلى أن قال فقال له : «هذا ابنك»؟ قال : نعم ، وهو يزعم أنّ أهل المدينة يصنعون شيئاً لا يحلّ لهم ، قال : «وما هو»؟ قال : المرأة القرشية والهاشمية تركب وتضع يدها على رأس الأسود وذراعها على عنقه ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «يا بني أما تقرأ القرآن»؟ قلت : بلى ، قال : «اقرأ هذه الآية ( لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ ) حتى بلغ ( وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) ثم قال : يا بني ، لا بأس أن يرى المملوك الشعر والساق» (2).
فإنّها تدل عموماً أو خصوصاً على دخول العبيد في قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) .
إلّا أنّه لا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها ، وذلك لأنها غير قابلة للتصديق والقبول. فإنّها دلّت على جواز مماسة المرأة للعبد ، وهي لا قائل بجوازها ولا خلاف في حرمتها ولم ترد الآية الكريمة فيها ، فهي أجنبية عن محل الكلام. على أنها لم تتضمن حكماً تعبدياً كي يقال بتخصيص الحكم بها ، وإنما استدل بظاهر القرآن الكريم ، وحيث عرفت أنّ الآية الكريمة غير ظاهرة في ذلك ، فلا بدّ من حملها على التقية وإرادة التخلص عن إظهار الجواب الحقيقي للسؤال.
(1) لعموم التعليل ، وقد علم حاله مما تقدم.
والقول بالحرمة للآية حيث قال تعالى ( أَوْ نِسائِهِنَّ ) فخص بالمسلمات ، ضعيف ، لاحتمال كون (1)المراد من «نِسائِهنَّ» الجواري والخدم لهنّ من الحرائر (1).
[3661] مسألة 29 : يجوز لكل من الزوج والزوجة النظر إلى جسد الآخر حتى العورة (2) مع التلذّذ وبدونه ، بل يجوز لكلّ منهما مسّ الآخر بكل عضو منه كل
(1) وقد عرفت بعده.
(2) وعليه اتفاق العلماء ، لدلالة الآية الكريمة بإطلاقها وكثير من الروايات عليه ، إذ أن مقتضى إطلاق استثناء الأزواج من قوله تعالى ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ) هو جواز نظر الزوجة حتى إلى عورة زوجها كما أنّ مقتضى إطلاق استثناء الزوجات من قوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ) (2)هو جواز نظر الزوج حتى إلى عورة زوجته.
نعم ، نُسب إلى ابن حمزة القول بحرمة النظر إلى عورة الزوجة حين الجماع (3)مستدلّاً برواية أبي سعيد الخدري في وصية النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) ، قال : «ولا ينظر أحد إلى فرج امرأته ، وليغض بصره عند الجماع ، فإنّ النّظر إلى الفرج يورث العمى في الولد» (4).
والظاهر أنّ النظر إلى عورة المرأة في حال الجماع أمر من الصعب تحققه ، فلا مجال للتكلّم في جوازه وعدمه ، ولعل المراد بحال الجماع حال التهيؤ له ، وعلى كل فالرواية ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها.
على أنّه لا مجال لاستفادة الكراهة منها فضلاً عن الحرمة وذلك للتعليل المذكور فيها ، فإنه يكشف عن أنّ الرواية لا تتضمّن حكماً تكليفياً ، وإنما هي بصدد الإرشاد
عضو من الآخر مع التلذّذ وبدونه (1).
[3662] مسألة 30 : الخنثى مع الأُنثى كالذّكر ، ومع الذّكر كالأُنثى (2).
إلى أثر وضعي لا أكثر.
مضافاً إلى أنّه قد ورد صريحاً في صحيحة سماعة الجواز ، حيث قال : سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة وهو يجامعها ، قال : «لا بأس به ، إلّا أنّه يورث العمى» (1).
والحاصل أنّه لا مجال للقول بكراهة النظر إلى فرج المرأة سواء في حال الجماع أم غيره فضلاً عن الحرمة.
(1) بلا خلاف في ذلك.
(2) والكلام في هذه المسألة في جواز نظر الخنثى إلى كل من الرجل والأُنثى لا العكس ، فإنه يأتي التعرض إليه في محله إن شاء اللّه تعالى.
وعلى كلّ فالأمر كما أفاده الماتن (قدس سره) ، وذلك للعلم الإجمالي بحرمة النظر إلى بدن أحدهما وهو منجز لا محالة ، فيجب عليه ترك النظر إلى كليهما.
هذا إذا كان كل منهما محلّاً لابتلائه فعلاً. وأما إذا كان أحدهما محلّاً لابتلائه فعلاً وكان الآخر محلّاً لابتلائه فيما بعد ، كان الحكم أيضاً كذلك ، إذ لا يفرق في تنجيز العلم الإجمالي بين كون جميع أطرافه محلّاً للابتلاء فعلاً ، وبين كون بعضها محلّاً للابتلاء فعلاً وبعضها الآخر محلّاً للابتلاء في المستقبل.
وهذا الحكم يجري بعينه فيما إذا كان أحد الطرفين خاصة محلّاً لابتلائه ، وذلك للعلم الإجمالي حين البلوغ بتوجه تكاليف شرعية مرددة بين تكاليف الرجل وتكاليف المرأة ، فهو يعلم إجمالاً بحرمة النظر إلى الرجل الذي هو محل ابتلائه ، أو وجوب الجهر في الصلاة. ومن الواضح أنّ مقتضى هذا العلم الإجمالي هو تنجز جميع التكاليف سواء المتوجهة للرجال والمتوجهة للنساء في حقه ، فيجب عليه امتثالها.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 59 ح 3.
[3663] مسألة 31 : لا يجوز النظر إلى الأجنبية (1) ولا للمرأة النظر إلى
(1) وهو في غير الوجه واليدين مما لا خلاف فيه ، ويدلّ عليه :
أوّلاً : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) بناء على ما ورد في عدّة من الصحاح من تفسير الزينة بمواضع الزينة (1). وعليه فالآية الكريمة تدلّ على وجوب ستر تلك المواضع وحرمة كشفها ، وحيث إنّ من الواضح عرفاً أنّه لا موضوعية لستر الزينة وإنّما هو مقدمة لعدم نظر الرجل إليها ، فتثبت حرمة نظر الرجل إلى تلك المواضع.
ثانياً : الأخبار الدالّة على حرمة النظر إلى وجه المرأة ويديها على ما سيأتي بيانها فإنّها تدل بالأولوية القطعية على حرمة النظر إلى غيرهما من أعضائها.
ثالثاً : الروايات المتقدمة الدالة على جواز النظر إلى شعر المرأة وساقها لمن يريد التزويج منها ، أو يريد شراء الأمة (2)فإنّ اختصاص الحكم فيها بمريد التزويج والشراء يدلّ بوضوح على الحرمة إذا لم يكن الرجل بصدد الزواج منها ، أو شرائها.
رابعاً : معتبرة السكوني المتقدمة الدالة على جواز النظر إلى نساء أهل الكتاب معللة ذلك بأنّهن لا حرمة لهنّ (3)فإنّها تدل على حرمة النظر إلى المسلمة ، نظراً إلى كونها محترمة من حيث العرض.
خامساً : النصوص المتقدمة الدالة على جواز النظر إلى نساء أهل البادية ، باعتبار أنّهنّ لا ينتهين إذا نهين (4)فإنّ التعليل يكشف عن حرمة النظر إلى المرأة بحد ذاته وإنّ الحكم بالجواز في أهل البادية إنّما ثبت نتيجة إلغائهن لحرمة أنفسهن ، وإلّا فالحكم الأوّلي فيهن أيضاً هو عدم الجواز.
الأجنبي (1) من غير ضرورة.
(1) ذهب إليه في الرياض ، مستدلّاً بالإجماع على الملازمة بين ثبوت الحكم في جانب الرجل وثبوته في جانب المرأة (1).
وفيه : أنّ الإجماع لو تمّ فهو ، ولكن أنّى لنا إثبات كونه إجماعاً قطعياً محصّلاً ، كيف ولم يتعرض للمسألة كثير من القدماء والمتأخرين! على أنّه يكفينا في إثبات عدم الملازمة الجزم بجواز نظرها إلى وجه الرجل ويديه حتى مع القول بحرمة نظر الرجل إلى وجهها ويديها ، فإنّ السيرة القطعية قائمة على الجواز بالنسبة إليها من عصر الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى زماننا هذا ، فإنّهن كن ينظرن إلى الرجال في حين التكلّم معهم أو غيره ولو من وراء الحجاب. ويؤيد ذلك ملاحظة أنّ نظر المرأة إلى الرجل من حيث الحكم في عصرهم (عليهم السلام) لا يخلو من حالات ثلاث :
فإمّا أن يكون واضح الحرمة.
وإمّا أن يكون واضح الجواز.
وإمّا أن يكون مشتبهاً.
والأوّل بعيد جدّاً ، إذ لا يحتمل أن تكون حرمة نظر المرأة إلى الرجل أوضح من حرمة نظر الرجل إليها ، بحيث يرد السؤال عن الثاني ولا يرد عن الأوّل.
والثالث يدفعه عدم السؤال عنه ولا في رواية واحدة ، فإنّه لو كان الحكم مشكوكاً ومشتبهاً فكيف لم يُسأل عنه المعصوم (عليه السلام)؟ وكيف لم ينبّه عليه هو بعد ما عرفت أنّ المتعارف في الخارج ذلك؟
ومن هنا يتعيّن الاحتمال الثاني ، وأنّ الحكم بالجواز كان واضحاً لدى المتشرعة في عصرهم (عليهم السلام) إلى حد لم تكن هناك حاجة للسؤال عنه.
وعليه فمثل هذا الإجماع لا يمكن الاعتماد عليه ، بل لا بدّ في القول بعدم الجواز من
1) رياض المسائل ، 2 : 73.
.................................................................................................
تتبع سائر الأدلة ، وقد استدل على ذلك بأُمور.
الأوّل : قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ) .
بدعوى أنّ الغضّ عبارة عن الترك ، فتكون الآية دالة على وجوب ترك النظر إلى الرجال.
وفيه : ما تقدّم من أنّ الغضّ ليس عبارة عن الترك ، وإنّما هو عبارة عن جعل الشيء مغفولاً عنه ، وعدم الطمع فيه بالمرة والانصراف عنه.
وعليه فلا تكون للآية دلالة على حرمة نظرهن إلى الرجال على ما تقدم بيانه تفصيلاً.
وممّا يؤيِّد ذلك أنّ الخطاب في الآية الكريمة عامّ لجميع المؤمنات ، لإفادة الجمع المحلّى بالألف واللّام ذلك ، فيشمل المبصرات منهن وغير المبصرات ، وحيث إنّ من الواضح أنّه لا معنى لتكليف غير المبصرات بترك النظر ، فيتعيّن حمل الغضّ على ما ذكرنا من الانصراف عن الرجال وعدم الطمع فيهم.
نعم ، قد يتوهّم كون الآية الكريمة ناظرة إلى النظر ، وذلك بملاحظة معتبرة سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهن ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه ، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره ، فقال : واللّه لآتين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ولأُخبرنه ، فأتاه فلما رآه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : ما هذا؟ فأخبره ، فهبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ) (1)فإنّها وردت في فرض النظر إلى المرأة ، فتكون دالّة على أنّ المراد بالغضّ هو ترك النظر.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 104 ح 4.
.................................................................................................
ولكن الظاهر أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ موردها هو صورة التلذّذ والاستمتاع بالنظر إليها ، وهي مشمولة للآية الكريمة بلا إشكال إلّا أنّها أجنبية عمّا نحن فيه حيث إنّ كلامنا في النظر المجرد عن التلذّذ لا مطلقاً.
ويؤيد ما ذكرناه أنّ نظر الشاب إليها كان من خلفها فيما عدا اللّحظات الاولى ، ومما لا إشكال فيه أنّ ذلك إذا كان مجرداً عن التلذّذ ليس بحرام قطعاً.
الثاني : رواية أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي ، قال : استأذن ابن أُم مكتوم على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعنده عائشة وحفصة ، فقال لهما : «قوما فادخلا البيت». فقالتا : إنه أعمى ، فقال : «إن لم يركما فإنكما تريانه» (1).
وفيه : أنّها ضعيفة مرسلة ، باعتبار أنّ البرقي يرويها عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من دون ذكر الواسطة ، ومن المعلوم أنّ الفصل الزمني بينهما كثير جدّاً فلا يمكن الاعتماد عليها. على أنّها قابلة للمناقشة من حيث إنّها تكفلت بيان فعل النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، وهو لا يدل على اللّزوم.
الثالث : رواية محمد بن علي بن الحسين في (عقاب الأعمال) ، قال : قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «اشتدّ غضب اللّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها ، أو غير ذي محرم منها» (2).
وفيه : أنّها ضعيفة السند جدّاً ، لوجود عدّة مجاهيل في سندها. على أنّها أخصّ من المدّعى ، لأنّ موردها ذات البعل.
الرابع : رواية الحسن الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «إنّ فاطمة قالت له في حديث «خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهنّ الرجال» (3).
وفيه : أنّها مرسلة. على أنّه لا دلالة فيها على اللّزوم.
الخامس : رواية الحسن الطبرسي أيضاً عن أُم سلمة ، قالت : كنت عند رسول اللّه
واستثنى جماعة الوجه والكفّين فقالوا بالجواز فيهما (1) مع عدم الريبة والتلذّذ.
(صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أُم مكتوم وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال : «احتجبا». فقلنا : يا رسول اللّه أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال : «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» (1).
وفيه : أنّ الكلام فيها عين الكلام في رواية البرقي.
والحاصل : أنّه ليس هناك أي رواية معتبرة تدل على حرمة نظر المرأة إلى الرجل وعليه فالحكم بالمنع مبني على الاحتياط.
(1) قد عرفت الحكم بالنسبة إلى المرأة ، وأنّه لا مانع من نظرها إلى الرجل إذا لم يكن عن تلذّذ وريبة.
وأما بالنسبة إلى الرجل فهل يستثني من حرمة نظره إلى المرأة وجهها ويداها أم لا؟
اختار المحقق (قدس سره) التفصيل بين النظرة الأُولى والثانية ، فحكم بالجواز في الأُولى وبالحرمة في الثانية (2)وذهب صاحب الجواهر (قدس سره) إلى المنع مطلقاً (3)في حين أصرّ الشيخ الأعظم (قدس سره) على الجواز كذلك (4). واستدل للقول بالجواز :
أوّلاً : بقوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) (5).
بدعوى أنّ مقتضى الاستثناء في الآية الكريمة هو جواز إبداء مواضع الزينة الظاهرة وعدم وجوب سترها ، ولازم ذلك جواز نظر الرجل إليها ، وحيث أنّ الوجه والكفّين منها جزماً ، فتدلّ الآية الكريمة على جواز النظر إليهما.
.................................................................................................
وفيه : أنّ الاستدلال بها تارة يكون بملاحظتها في حدّ نفسها ومع قطع النظر إلى النصوص الواردة في تفسيرها ، وأُخرى بملاحظتها منضمة إلى تلك النصوص.
فإن كان الأوّل ، فلا يخفى أنّه لم يثبت كون المراد بالزينة مواضعها ، بل الظاهر من الآية الكريمة إرادة نفس ما تتزين به المرأة. ويؤيد ذلك قوله عزّ وجلّ في ذيل الآية ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) فإنّ من الواضح أنّ ضرب الرجل على الأرض لا يوجب العلم بموضع الزينة ، وإنما الذي يوجبه هو العلم بنفس الزينة من الخلخال وغيره ، فإن ضرب الرجل يوجب حركتها وإيجاد الصوت فيعلم بها لا محالة.
ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا : إنّ المراد بالزينة هو مواضعها ، فلا يتمّ الاستدلال بالآية الكريمة أيضاً. وذلك فلأننا وإن قلنا : إنّ الأمر بالتستر واضح الدلالة على عدم جواز نظر الرجل إلى بدن المرأة ، إلّا أنّه لا يمكن القول بذلك في عكس القضية ، فإنّ جواز الإبداء لا يدل على جواز نظر الرجل إليها إذ لا ملازمة بينهما ، ويكفينا في إثبات ذلك ذهاب جماعة إلى حرمة نظر المرأة إلى الرجل والحال أنّه لا يجب عليه التستر.
فالحاصل أنّ الآية الكريمة على كلا التقديرين لا تدلّ على جواز نظر الرجل إلى وجه المرأة ويديها.
وإن كان الثاني ، فالروايات وإن كانت صريحة في أنّ المراد بالزينة إنما هو مواضعها ، إلّا أنّه لا بدّ من التكلّم في معنى البداء كي يعرف منه معنى الآية الكريمة فنقول :
البداء بمعنى الظهور ، كما في قوله تعالى ( بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) (1). والإبداء بمعنى الإظهار ، فإذا كان متعلقاً بشيء ولم
يكن متعدياً باللّام يكون في مقابل الستر ، وإذا كان متعلقاً (2)باللّام كان في مقابل الإخفاء بمعنى الإعلام والإراءة. كما يقال : يجب على الرجل ستر عورته وليس له إظهارها في ما إذا كان يحتمل وجود ناظر محترم
.................................................................................................
وكذلك يقال : إنّ بدن المرأة كلّه عورة ، فيراد به ذلك. وأما إذا قيل : أبديت لزيد رأيي أو مالي ، فمعناه أعلمته وأريته.
ومن هنا يظهر معنى الآية الكريمة ، فإنّ قوله عزّ وجلّ أوّلاً ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) إنما يفيد وجوب ستر البدن الذي هو موضع الزينة وحرمة كشفه ما عدا الوجه واليدين ، لأنهما من الزينة الظاهرة ، فيستفاد منه أنّ حال بدن المرأة حال عورة الرجل لا بدّ من ستره بحيث لا يطلع عليه غيرها ، باستثناء الوجه واليدين فإنهما لا يجب سترهما ، لكنك قد عرفت أنّ ذلك لا يلزم جواز نظر الرجل إليهما.
في حين إنّ قوله عزّ وجلّ ثانياً ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) ... يفيد حرمة إظهار بدنها وجعل الغير مطلعاً عليه وإراءته مطلقاً ، من دون فرق بين الوجه واليدين وغيرهما ، إلّا لزوجها والمذكورين في الآية الكريمة.
فيتحصّل من جميع ما تقدم : أنّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة في تفسير الزينة تفيد حكمين :
الأوّل : حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه ، فتفيد وجوب ستر غير الظاهرة منها دون الظاهرة التي هي الوجه واليدان.
الثاني : حكم إظهار الزينة للغير ، فتفيد حرمته مطلقاً من دون فرق بين الظاهرة والباطنة ، إلّا للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الإظهار لهم.
وحيث عرفت أنّ حرمة الإظهار ووجوب التستر تلازم حرمة النظر إليها ، فتكون الآية الكريمة أوْلى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز.
ثانياً : صحيحة علي بن سويد ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها ، فقال : «يا علي ، لا بأس إذا عرف اللّه من نيتك الصدق ، وإياك والزنا فإنه يمحق البركة ويهلك الدين» (1).
وهذه الصحيحة هي عمدة ما استند إليه الشيخ الأعظم (قدس سره) في القول بالجواز (2).
.................................................................................................
إلّا أنّه لا بدّ من حمل هذه الصحيحة كما هو ليس ببعيد على اقتضاء عمله لذلك ، وأنّ النظر إليها يكون اتفاقياً ، بمعنى أنّه يقع نظره عليها من دون قصد أو تعمّد.
وبذلك فتكون الصحيحة أجنبية عن محل الكلام ، ولا تدلّ على جواز تعمّد النظر إلى وجه المرأة ، وإلّا فلا بدّ من رد علمها إلى أهلها ، لأنّها دالّة على جواز النظر إليها حتى مع قصده التلذّذ من الأول ، كما يظهر من قوله : (فيعجبني النظر إليها) وهو مما لا يمكن الالتزام به ولم يقل به أحد منّا. على أنها غير مختصة بالوجه واليدين فتشمل الشعر أيضاً وهو مقطوع البطلان.
ومما يؤيد ما ذكرناه من حملها على عدم التعمد والقصد أنّ من البعيد جدّاً أن يفعل علي بن سويد على جلالة قدره وعظم شأنه ذلك قاصداً متلذّذاً ، ثم ينقله بكل صراحة للإمام (عليه السلام).
ثالثاً : صحيحة الفضيل ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذراعين من المرأة ، هما من الزينة التي قال اللّه ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) ؟ قال : «نعم وما دون الخمار من الزينة ، وما دون السوارين» (1).
وحيث إنّ الوجه مما لا يستره الخمار ، والكف فوق السوار لا دونه ، فتدلّ الصحيحة على جواز إبدائهما.
وفيه : ما تقدم من أنّ جواز الإبداء لا يلازم جواز النظر إليه ، فلا تدلّ هذه الصحيحة على جوازه.
على أن الصحيحة في الحرمة أظهر من الجواز ، فإنّ الظاهر أنّ المراد ب- «ما دون الخمار» هو ما يعمّ الوجه أيضاً لأنّه مما يكون على الرأس ، فيكون الوجه مما هو دونه لا محالة ، ولا مبرر لملاحظة الخمار من أسفله أعني ما يكون على الذقن كي يقال : إنّ ما دونه هو الرقبة خاصة ، بل ما دونه الوجه فما دون.
كما أنّ الظاهر بل الواضح أنّ المراد ب- «ما دون السوارين» هو ما يكون دونهما إلى أطراف الأصابع. وحمل ذلك على الفاصلة اليسيرة بينهما وبين الكفّ ، بحيث يكون
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 109 ح 1.
.................................................................................................
الكفّ خارجاً من قوله (عليه السلام) «وما دون السوارين» لا يخلو من تعسف.
إذن فالرواية تدل على أنّ الذراعين وما دونهما إلى أطراف الأصابع والخمار وما دونه مطلقاً من الزينة المحرم إبداؤها ، فلا يبقى وجه للاستدلال بها على جواز النظر إلى الوجه والكفين.
رابعاً : رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) فهي الثياب ، والكحل ، والخاتم ، وخضاب الكفّ ، والسوار. والزينة ثلاثة : زينة للناس ، وزينة للمحرم ، وزينة للزوج. فأما زينة الناس فقد ذكرنا. وأما زينة المحرم فموضع القلادة فما فوقها ، والدملج فما دونه ، والخلخال وما سفل منه. وأما زينة الزوج فالجسد كلّه» (1).
وهذه الرواية وإن كانت صريحة في الجواز في القسم الأوّل ، إلّا أنّها ضعيفة سنداً ولا يمكن الاعتماد عليها ، فإنّها مرسلة لأنّ أبا الجارود ممن يروي عن الباقر (عليه السلام) ، فالفصل بينه وبين علي بن إبراهيم كثير جدّاً فلا يمكن أن يروي عنه مباشرة.
خامساً : رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال : «الوجه ، والكف ، وموضع السوار» (2).
واستدل بهذه الرواية صاحب الجواهر (قدس سره) وذكر أنّ سندها معتبر على ما قيل (3).
وفيه : أنّها ضعيفة سنداً بعبد اللّه بن الحسن ، إذ لم يرد فيه أي توثيق أو مدح.
على أنّها واردة في المرأة التي يحرم نكاحها ، ومن الواضح أنّها ليست إلّا المحرم فلا يبقى لها ارتباط بمحل كلامنا ، أعني الأجنبية. بل يمكننا استفادة الحرمة منها ، نظراً
.................................................................................................
إلى تخصيص الجواز بالمحارم ، فمن العجيب من صاحب الجواهر (قدس سره) الاستدلال بها على الجواز.
سادساً : رواية عمرو بن شمر عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، قال : خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يريد فاطمة وأنا معه ... إلى أن قال : فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ودخلت وإذا وجه فاطمة (عليها السلام) أصفر كأنه بطن جرادة ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «ما لي أرى وجهكِ أصفر؟» قالت : «يا رسول اللّه الجوع». فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «اللّهم مشبع الجوعة ودافع الضيعة ، أشبع فاطمة بنت محمد». قال جابر : فواللّه ، لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلك اليوم (1).
ودلالتها على الجواز واضحة ، لأنّها تتضمن فعل المعصوم وإقرار النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، وكل منهما حجة على الجواز.
وفيه : أنّها ضعيفة سنداً ، فإنّ عمرو بن شمر قد ضعّفه النجاشي في موردين ، عند التعرض لترجمته وعند ترجمة جابر بن عبد اللّه ، وذكر أنّه قد أُضيف في روايات جابر من قبل عدّة ممن يروون عنه ، وخصّ بالذكر عمرو بن شمر (2)فلا مجال للاعتماد عليها.
على أنّ متنها غير قابل للتصديق ، فإنّ مقام الصديقة الزهراء (عليها السلام) يمنع من ظهورها أمام الرجل الأجنبي بحيث يراها قطعاً ، فإنّ كل امرأة شريفة تأبى ذلك فكيف بسيدة النساء (عليها السلام)؟! ومما يؤيد ما قلنا أنّ مضمون هذه الرواية من أنّها (عليها السلام) ما جاعت بعد ذلك اليوم معجزة عظيمة فكيف لم يروها غير عمرو بن شمر!! سابعاً : رواية مروك بن عبيد ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : قلت له : ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال : «الوجه
.................................................................................................
والكفان ، والقدمان» (1).
وفيه : أنّها وإن كانت واضحة الدلالة إلّا أنّها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.
وبهذا ينتهي الكلام في عمدة ما استدلّ به للقول بجواز النظر إلى وجه الأجنبية ويديها. وقد عرفت عدم تمامية شيء منها ، إلّا أنّ من غير الخفي أنّه لا حاجة في القول بالجواز إلى شيء منها إذا لم تتمّ أدلة القول بالمنع ، لأنّ مقتضى أصالة البراءة هو الجواز ، وعلى هذا فلا بدّ من التكلّم في أدلة المانعين.
وقد استدل للحرمة بوجوه :
الأوّل : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) ... (2)على ما تقدم دلالتها ، فإنّ هذه الآية الكريمة تتصدى لبيان حكمين :
حكم الظهور وعدم التستر ، المعبّر عنه بالإبداء في نفسه ، عند احتمال وجود ناظر محترم. وحكم الإظهار للغير ، المعبّر عنه بالإبداء ، عند القطع بوجود ناظر محترم أما عند القطع بعدم وجوده فيجوز الكشف كما في الحمام المنفرد عند الغسل ونحوه.
أفادت الحكم الأوّل وأنّ بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين كعورة الرجل يجب ستره في نفسه ولا يتوقف صدق عنوان البدو والإبداء على وجود الناظر ، ولذا جاء في صحيحة زرارة قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلي فيه ، فقال : «يصلي إيماءً ، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها ، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته ، ثم يجلسان فيومئان ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما ، تكون صلاتهما إيماءً برؤوسهما» (3)، فإنّه (عليه السلام) عبّر بالبدو في فرض عدم وجود ناظر محترم فيظهر من ذلك أنّ المراد به هو الإبداء في نفسه أي ظهوره.
أفادت الحكم الثاني وهو حرمة إظهار جميع البدن ومن غير استثناء اللّازمة لحرمة
.................................................................................................
النظر إليها لغير المذكورين فيها.
والذي يظهر واللّه العالم أنّ الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الكريمة تؤكد ما ذكرناه من التفصيل في الزينة بين ما يجب سترها في نفسه ، وما يحرم إبداؤها لغير الزوج ، فإنّ بعضها تسأل عن القسم الأوّل وبعضها الآخر تسأل عن القسم الثاني في الآية الكريمة.
فمن الأوّل : معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) قال : «الخاتم ، والمسكة ، وهي القلب» (1). فهي صريحة في أنّ السؤال عن القسم الأوّل من الآية الكريمة دون القسم الثاني ، فلا تدل إلّا على جواز كشف الوجه واليدين وعدم وجوب سترهما في نفسه وقد عرفت أنّ ذلك لا يلازم جواز النظر إليهما.
ومن الثاني : صحيحة الفضيل المتقدمة حيث ورد السؤال فيها عن الذراعين من المرأة ، هما من الزينة التي قال اللّه عزّ وجلّ ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) ؟ فأجاب (عليه السلام) : «نعم» (2). فدلّت على حرمة إبدائهما لغير الزوج ومن ذكر في الآية الكريمة.
فبملاحظة هذه النصوص يتضح جلياً أنّ ما تفسره معتبرة أبي بصير غير ما تفسره صحيحة الفضيل ، وأنّهما منضماً إنّما يفيدان أنّ الزينة على قسمين :
قسم منها يجب ستره في نفسه ، وهو ما عدا الوجه والكفين من البدن.
وقسم منها لا يجوز إبداؤه لغير المذكورين في الآية الكريمة مطلقاً ، وهو تمام البدن من دون استثناء.
ولعل صاحب الجواهر (قدس سره) حينما استدل بهذه الصحيحة على جواز النظر إلى الوجه والكفّين (3)تخيّل أنّها واردة في تفسير القسم الأول من الآية الكريمة ، وغفل عن كونها صريحة في النظر إلى القسم الثاني.
.................................................................................................
الثاني : الروايات الدالة على جواز النظر إلى وجه المرأة ويديها إذا أراد تزويجها على نحو القضية الشرطية ، فإنّ مفهومها هو عدم الجواز إذا لم يكن مريداً تزويجها. وحمل النظر في هذه الروايات على المقترن بالتلذّذ ، فلا تدل بمفهومها على عدم جواز النظر المجرد إذا لم يكن قاصداً تزويجها ، بعيد جدّاً ولا موجب له.
وأوضح من هذه الأخبار ما ورد في جواز النظر إلى وجه الذمية ويديها ، معلِّلاً بأنّهنّ لا حرمة لهنّ ، فإنّه كالصريح في أنّ منشأ الجواز إنّما هو عدم وجود حرمة لأعراضهنّ ، فيدل على عدم الجواز إذا كانت المرأة مسلمة وذات حرمة.
الثالث : صحيحة الفضيل المتقدمة في أدلّة القول بالجواز وذلك بالتقريب المتقدم فإنّ ظاهرها هو كون الوجه واليدين من الزينة التي لا يجوز إبداؤها إلّا للزوج ، حيث ألحق (عليه السلام) «ما دون الخمار» و «ما دون السوارين» إلى الذراعين ، فجعل المجموع من مصاديق الآية الكريمة الدالة على حرمة إبداء الزينة ، التي قلنا إنّه بمعنى حرمة إظهارها للغير الملازمة لحرمة النظر إليها على ما عرفت تفصيله.
الرابع : صحيحة محمد بن الحسن الصفار ، قال : كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم ، هل يجوز له أن يشهد عليها وهي من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها ، أو لا يجوز الشهادة عليها حتى تبرز ويثبتها بعينها؟ فوقع (عليه السلام) : «تتنقب وتظهر للشهود إن شاء اللّه» (1).
فإنّ أمره (عليه السلام) بالتنقب الذي هو عبارة عن لبس ما يستر مقداراً من فوق الأنف فما دونه عند الشهادة يدلّ بوضوح على عدم جواز النظر إلى وجه المرأة في حدّ نفسه ، وإلّا فلم يكن وجه لأمرها بالتنقب. وحمل الأمر على استحياء المرأة خارجاً مع قطع النظر عن الحكم الشرعي لا وجه له بالمرة ، فإنّ ظاهر الأمر هو بيان التكليف والوظيفة الشرعية ، فحمله على غيره يحتاج إلى القرينة والدليل.
ثم إنّ الأمر بالتنقب وإن دلّ على لزوم ستر الأنف فما دون مطلقاً ، إلّا أنّه لا يدل على جواز كشف ما فوق الأنف مطلقاً ، بل يختص ذلك بالشهادات حيث تقتضي
1) الاستبصار 3 : 19 ح 58.
وقيل بالجواز فيهما مرّة ، ولا يجوز تكرار النّظر (1) والأحوط المنع مطلقاً (1).
الضرورة للتعرّف على المرأة وذلك يحصل بالنظر إلى عينيها ، ومن هنا حكم من لا يرى جواز النظر إلى المرأة في نفسه بالجواز في مقام الشهادة.
الخامس : الأخبار الدالة على أنّ النظر إلى الأجنبية «سهم من سهام إبليس» وأنّه «زنا العين» وما شاكله (2). لكن الظاهر أنّ هذه الطائفة مما لا يصح الاستدلال بها على حرمة النظر المجرد ، فإنّ التعبير بأنّه «سهم من سهام إبليس» لا ينسجم إلّا مع كون الناظر في مقام الريبة ، فإنه في هذه الحالة قد لا يتمكن الإنسان من السيطرة على نفسه فيقع في الزنا ، وقد يتمكن من كفّ نفسه ومنعها من المحرمات فينجو من ذلك ، وحينئذ يصح تمثيله بالسهم فإنه قد يصيب الهدف وقد يخطئ. وأما إذا لم يكن في مقام الريبة فهو غير مصيب دائماً ، فلا يتلاءم مع تشبيهه بالسهم.
وكذا الحال فيما دل على أنّه زنا العين ، فإنّه ومع غض النظر عن سنده ظاهر في كون الناظر في مقام التلذّذ لا مطلقاً ، كما يظهر ذلك من قوله : «فإنّ لكل عضوٍ زنا وزنا العين النظر». فإنّ من الواضح أنّ زنا العين هو النظر متلذّذاً كما هو الحال في زنا سائر الأعضاء لا النظر المجرّد.
والمتحصل من جميع ما تقدّم : أنّه لا مجال لاستثناء الوجه والكفين من حرمة النظر إلى الأجنبية ، فإنه لا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه ، كما عرفت.
(1) اختاره المحقق (قدس سره) في الشرائع (3)والعلّامة (قدس سره) في القواعد (4)ولعلّ الوجه في ذلك هو الجمع بين الطائفتين المتقدمتين.
1) (*) وإن كان الأظهر جواز نظر المرأة إلى وجه الرّجل ويديه بل رأسه ورقبته وقدميه من غير تلذّذ وريبة ، بل حرمة نظرها إلى سائر بدنه غير العورتين من دون تلذّذ وريبة لا يخلو عن إشكال ، والاحتياط لا يُترك.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 104.
3) الشرائع 1 : 317.
4) قواعد الأحكام 2 : 3.
.................................................................................................
إلّا أنّه ضعيف جدّاً ، وذلك لأنّ هذا التفصيل وإن ورد في رواية معتبرة ، فقد روى الكاهلي عبد اللّه بن يحيى الكاهلي الممدوح إنّه قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة» (1). كما روى الصدوق مرسلاً أنه (عليه السلام) قال : «أوّل نظرة لك ، والثانية عليك ولا لك ، والثالثة فيها الهلاك» (2)، لكنّها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها.
وعلى فرض صحة الرواية سنداً فإنّ هذا التفصيل لا يمكن العمل به وذلك :
أوّلاً : إنّ الظاهر من هذه النصوص ، أنّها ليست في مقام الفرق بين النظرة الأُولى والثانية من حيث العدد ، وإنما هي بصدد الفرق بينهما من حيث إنّ الاولى اتفاقية وغير مقصودة بخلاف الثانية ، فتحرم الثانية دون الاولى ، فلا تدلّ حينئذ على جواز النظرة الأُولى حتى ولو كانت مقصودة.
ثانياً : إنّ إطلاق هذه الروايات لو سلم فلا بدّ من تقييده على كل حال ، فإنّها تدل بإطلاقها على جواز النظرة الأُولى متعمداً إلى جميع أعضاء بدن المرأة ، وهو مما لا يقول به أحد.
وحيث يدور أمر تقييدها بين التقييد بالوجه واليدين ، والتقييد بالاختيار وعدمه وكان الثاني بنظر العرف هو الأظهر تعيّن التقييد به. خصوصاً بملاحظة أنّ التفصيل بين النظرة الأُولى والثانية بلحاظ العدد ، بمعنى الالتزام بالجواز في النظرة الأُولى بما هي نظرة اولى حتى ولو كانت اختيارية وعدم الجواز في الثانية بما هي ثانية ، مما لا يقبله العقل السليم.
حيث يرد التشكيك في النظرة الاولى من حيث مدتها وفترة صدقها ، وذلك بمعنى أنّه إلى متى يجوز الاستمرار في النظرة الأُولى؟ وهل يجوز النظر لمدة خمس دقائق مستمراً في حين لا يجوز إعادة النظر ولو لأقل من دقيقة لأنّه من النظرة الثانية؟
ثم ما هي الفترة التي لا بدّ وأن تمضي لتصدق ثانياً النظرة الأُولى؟ وهل إذا نظر إلى
[3664] مسألة 32 : يجوز النظر إلى المحارم التي يحرم عليه نكاحهنّ نسباً (1)
المرأة فلا يجوز له النظر إليها ثانياً ما دام حياً لأنه من النظرة الثانية ، أو يكون المعيار في كونها من النظرة الأُولى أو الثانية باليوم الواحد فتعتبر النظرة الواقعة في الثاني النظرة الأُولى أيضاً ، أو أنه بالساعة أو الشهر أو السنة؟
إنّ كل هذه التشكيكات تدلّ بوضوح على أنّه (عليه السلام) ليس في مقام تحديد النظر من حيث العدد ، وإنّما هو في مقام التحديد من حيث الاتفاق والتعمّد ، وإنّ النظرة الاتفاقية معفو عنها ويجب عدم العود إليها.
إذن فلا يصلح ما قيل من أنّ هذا الحكم هو حصيلة الجمع بين الروايات التي استدل بها على الجواز مطلقاً ، والروايات التي دلت على الحرمة كذلك. وحيث قد عرفت عدم صلاحية الطائفة الأُولى لإثبات المدعى ، فتبقى الطائفة الثانية سليمة عن المعارض ، فيتعيّن القول بالحرمة ، ولا أقل من الاحتياط اللزومي.
(1) ويدلّ على الجواز مضافاً إلى السيرة القطعية من زمان الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى عصرنا الحاضر ، حيث لم يعهد تحجب النساء من أولادهن أو آبائهن أو أخوانهن إلى غيرهم من المحارم - :
أوّلاً : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ ) (1). فهي على ما تقدّم تدل على جواز إبداء زينتهن الذي هو بمعنى إظهار مواضعها للمذكورين فيها ، ومن الواضح أنّ جواز الإبداء بهذا المعنى يلازم جواز النظر إليها. والآية الكريمة وإن لم تتعرض لذكر العم والخال ، إلّا أنّك قد عرفت أنّ حكمهما يظهر من بيان حكم ابن الأخ وابن الأُخت ، لوحدة النسبة ، على ما تقدم بيانه مفصّلاً.
ثانياً : معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) ، قال : «لا بأس أن ينظر إلى شعر امه أو أُخته أو ابنته» (2). فإنّها وإن دلت على جواز النظر إلى
.................................................................................................
خصوص الشعر ، إلّا أنّه بملاحظة عدم القول بالفصل بينه وبين سائر أعضاء الجسد يثبت الحكم للجميع. ولا أقلّ من أنّها تنفعنا في الجملة.
ثالثاً : الروايات المتضافرة الدالة على جواز تغسيل الرجل المرأة التي يحرم نكاحها عليه وبالعكس إذا لم يحصل المماثل ، وقد تقدم الكلام فيها في مبحث الطهارة. فبملاحظة أنّ لازم التغسيل عادة هو النظر إلى جسدها حتى لو قلنا بوجوب تغسيلها من وراء الثياب كما تدل عليه بعض النصوص تتضح دلالة هذه الأخبار على المدعى.
وكيف كان ، فالحكم مقطوع ولا خلاف فيه ، وإن نُسب إلى العلّامة المنع من ذلك في الجملة (1)وإلى بعض المنع من النظر إلى الثدي حال الرضاع ، فإنه لا وجه للقولين بعد إطلاق الآية الكريمة وظهور الأخبار.
ثم إنّه وإن كان مقتضى هذه الأدلة جواز النظر إلى جميع أعضاء بدن المحارم ما عدا القُبل والدُّبر لأنهما عورة ، إلّا أنّ الظاهر من معتبرة الحسين بن علوان أنّ المراد بالعورة ما بين السرّة والركبة.
فقد روي عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ، قال : «إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها ، والعورة ما بين السرّة والركبة» (2).
فإنّها تدل بوضوح على تحديد العورة ، فلا محيص عن الالتزام بحرمة النظر إلى ما بين السرة والركبة وأنّها العورة في المرأة. وقد تقدّم الكلام في هذا الفرع في مبحث الستر والساتر من الصلاة ، وقد عرفت في محلِّه أنّه لا مجال للمناقشة في سند الرواية فإنّ الحسين بن علوان ممن وثّقه النجاشي (3).
وعليه فيتحصل من جميع ما تقدم جواز النظر إلى جميع أعضاء بدن المحارم عدا ما بين السرّة والركبة.
أو رضاعاً (1)
وأما رواية أبي الجارود في قوله : «وأما زينة المحرم : فموضع القلادة فما فوقها والدملج فما دونه ، والخلخال وما سفل منه» (1).
ورواية علي بن جعفر في قوله عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحل له ، قال : «الوجه ، والكف ، وموضع السوار» (2).
فلا تصلحان لتقييد ما ذكرناه ، لأنّهما ضعيفتان سنداً على ما مرّ بيانه فلا يمكن الاعتماد عليهما.
(1) لما دلّ على أنّ «ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع». وعليه فما يجوز النظر إليه من المحرم بالنسب ، يجوز النظر إليه من المحرم بالرضاع.
وما قيل من اختصاص الحكم بالمرضعة وصاحب اللبن والأُصول والفروع والحواشي لهما ، ولا يشمل أب المرتضع لأن دليل التنزيل قاصر عن شموله ، باعتبار أنّ التنزيل إنما هو بالنسبة إلى المرتضع وكل من المرضعة وصاحب اللبن ، وأما أبو المرتضع فلا دخل له في ذلك ، وثبوت حرمة نكاحه لأولاد المرضعة أو صاحب اللبن إنما كان ببركة دليل تعبدي ، أعني ما دل على أنّه لا ينكح أبو المرتضع في أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة ، فلا يثبت جواز النظر إليه أيضاً.
فهو مشكل جدّاً فإنّه إنما يمكن أن يقال بأنّ حرمة نكاح أب المرتضع في أولاد صاحب اللبن وأولاد المرضعة حكم تعبدي صرف ، فيما لو لم تكن الرواية الدالة عليها معلّلة. أمّا لو كان الحكم معلّلاً كما هو الحال بالنسبة إلى ما نحن فيه ، ب : أن ولدها صارت بمنزلة ولده (3). فلا مجال لما ذكر ، إذ التعليل يقتضي شمول أب المرتضع بالتنزيل أيضاً.
أو مصاهرة (1)
(1) على تفصيل فيها ، فإنّ المحرمات بالمصاهرة على قسمين :
الأوّل : ما تحرم حرمة مؤقتة قابلة للارتفاع.
الثاني : ما تحرم مؤبداً.
فإن كانت المرأة من القسم الأوّل كأُخت الزوجة والخامسة فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز النظر إليها ، فإنّها أجنبية وغير داخلة في عنوان المحارم ، فإنّ الظاهر من هذا العنوان هو إرادة من يحرم نكاحها مؤبداً. أما من ليست كذلك فلا دليل على دخولها في المحارم ، بل الدليل على خلافه ، ففي رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) : إنّها والغريبة سواء (1).
وإن كانت من القسم الثاني ، فتارة تكون الحرمة الأبدية ناشئة من العلقة الزوجية ، وأُخرى تكون ناشئة من غيرها.
فإن كانت من قبيل الأول كأُم الزوجة ، وزوجة الأب ، وزوجة الابن ، وبنت الزوجة المدخول بها فالحكم فيها واضح ، فإنّها من أوضح مصاديق المحرمات بالمصاهرة. وقد دلّت الآية الكريمة على الجواز في بعضها ، إلّا أنّه يمكننا إثبات الحكم للباقيات بعدم القول بالفصل ، فإنّهن جميعاً من المحرمات الأبدية وحرمتهنّ ناشئة من العلقة الزوجية ، فيجوز النظر إليهن جزماً. ومع غضّ النظر عن الآية الكريمة ، يمكننا إثبات الجواز بإطلاق الروايات الواردة في تغسيل المحارم (2).
وإن كانت من قبيل الثاني كالزنا بذات البعل ، واللعان ، والطلاق تسعاً فالظاهر هو عدم جواز النظر إليها فإنّها أجنبية ، ومطلق الحرمة الأبدية لا يوجب جواز النظر.
وأوضح منها في عدم جواز النظر ما إذا كانت الحرمة تكليفية محضة كاليمين والشرط في ضمن عقد لازم فإنّ أدلّة تغسيل المحارم منصرفة عن مثل هذا التحريم جزماً ، إذ أنّ ظاهرها إرادة من حرم نكاحها بكتاب اللّه أما غيرها فلا ، ولا يوجد به قائل.
ما عدا العورة (1)(1) مع عدم تلذّذ وريبة ، وكذا نظرهنّ إليه (2).
[3665] مسألة 33 : المملوكة كالزوجة بالنسبة إلى السيِّد إذا لم تكن مشركة (2)(3) أو وثنيّة (4)
(1) وقد عرفت أنّ المراد بها ما بين السرة والركبة.
(2) بلا خلاف في ذلك.
(3) المذكور في جميع النسخ (المشركة) ولكن الظاهر أنّه من سهو القلم أو غلط النساخ ، إذ لا معنى لذكرها مع ذكر الوثنية بعد كون المراد بالأخيرة مطلق من يعبد غير اللّه على ما صرّح به جماعة فالصحيح أن يقال (المشتركة). وعلى كل حال فالحكم في المشتركة واضح ، فإنّ نكاحها يستلزم التصرف في مال الغير ، وهو غير جائز.
(4) لم يظهر وجه الاشتراط بعدم كونها وثنية ، إذ لم يرد ولا في رواية واحدة ما يدل على ذلك.
نعم ، قد ورد في النصوص عدم جواز نكاحهنّ (3)إلّا أنّه أجنبي عن عدم جواز النظر إليهنّ ، فإنه لا ملازمة بينهما.
نعم ، قد ادعى العلّامة (قدس سره) في القواعد الإجماع على عدم جواز وطء الأَمة الكافرة إذا لم تكن كتابية ، أو ممن له شبهة الكتاب (4). فيما ادعى المحقق الكركي (قدس سره) إجماع المسلمين على ذلك (5).
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة على ما ذكراه. فإنّ العامة غير مجمعين على الحرمة ، بل ذكر ابن قدامة في المغني أنّ المشهور هو التحريم ، استناداً إلى الملازمة بين حرمة
.................................................................................................
نكاحها وحرمة وطئها بالملك. ثم نسب الخلاف في ذلك إلى طاوس ، وذكر أنّه ذهب إلى الجواز متمسكاً بالسيرة في زمان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من دون أن يثبت ردع منه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فإنّ المسلمين كانوا يأتون بالإماء المشركات من العرب والعجم ويعاملونهن معاملة سائر جواريهم من دون أن يستنكر ذلك أحد (1). وعلى كل فما استدل به في المغني قياس واضح وإن لم يصرّح به ، ولا نقول بحجيته.
وأما عندنا فلم يثبت لنا وجه ما ذكراه (قدس سرهما) ، فإنّ كثيراً من الأصحاب لم يتعرضوا لهذه المسألة ، بل الذي يظهر من جملة منهم هو القول بالجواز.
فقد ذكر صاحب الحدائق ثلاث روايات واردة في جواز شراء المسلم زوجة الرجل من أهل الشرك أو ابنته ويتخذها ، فقال (عليه السلام) : «لا بأس» ، وهذه الروايات هي روايتا عبد اللّه اللحام ورواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، حيث ذكر (قدس سره) أنّ المراد باتخاذها هو وطؤها (2).
كما عنون صاحب الوسائل (قدس سره) الباب الذي ذكر فيه هذه الروايات بقوله : باب جواز شراء المشركة من المشرك وإن كان أباها أو زوجها ويحل وطؤها وكذا يحل الشراء مما يسبيه المشرك والمخالف والتسري منهما (3). ومن الواضح أنّ ما يأخذه صاحب الوسائل (قدس سره) في عناوين الأبواب إنّما يمثل فتواه.
فهذه الفتاوى وغيرها إنّما تؤكد أنّ الأمر ليس كما ادعاه العلّامة (قدس سره) ووافقه عليه المحقق الكركي (قدس سره) ، حيث لا إجماع بين الأصحاب على عدم جواز وطء الأَمة المشركة بالملك.
ولعل هذا الإجماع من قبيل الإجماع الذي نقله صاحب الجواهر (قدس سره) عن السيد المرتضى (قدس سره) على حرمة الكافرة مطلقاً ، كتابية كانت أم غيرها ، نكاحاً كان أم ملك يمين (4). فإنّ من الواضح أنّه لا مستند لهذه الدعوى ، كيف وقد ذهب إلى
أو مزوّجة (1)
جواز التمتع بالكتابية جماعة! أما جواز وطئها بملك اليمين فقد التزم به المشهور.
نعم ، قد يستدل على حرمة وطئها بقوله تعالى ( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) (1)بدعوى أنّه مطلق يشمل النكاح والوطء بملك اليمين.
وفيه : أنّ المراد من الإمساك بالعصمة هو التزوج خاصة ، إذ لو كان المراد به ما يعم الوطء بالملك لكان لازم الآية الكريمة عدم جواز تملكها أيضاً ، فإنّ الإمساك بالعصمة لا يتحقق بالوطء خارجاً ، وإنما يتوقّف تحقّقه على إدخالها في حبالته ، سواء أكان ذلك بالزوجية أم بالاستملاك ، وهو باطل قطعاً بل على بطلانه ضرورة المسلمين.
ويشهد لما ذكرناه من اختصاصها بالتزوج ملاحظة صدرها ، فإنّها واردة في حل نكاح المؤمنات المهاجرات وحرمة إرجاعهن إلى الكفار ، باعتبار أنّهن لا يحللن لهم ولا هم يحلّون لهن ، فإنّ ملاحظتها تكشف عن أنّ المراد بالأمر في الآية الكريمة هو خصوص النكاح لا ما يعمّ ملك اليمين أيضاً ، ولا مجال للقول بأنّ المراد به هو النكاح والوطء خارجاً ، فإنّه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وهو وإن كان ممكناً إلّا أنّه خلاف الظاهر فيحتاج إلى القرينة وهي مفقودة.
وعليه فيتعيّن كون المراد بالإمساك بالعصمة خصوص النكاح دون الوطء بملك اليمين.
إذن تبقى إطلاقات الآيات الكريمة كقوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) والنصوص المتضافرة لا سيما التي تدل بظاهرها على الحصر كرواية مسعدة ورواية مسمع الآيتين سالمة عن المقيد ، وحيث لا دليل آخر يدل على الحرمة إطلاقاً يتعيّن القول بجوازه ، كما هو واضح.
(1) وتدلّ عليه جملة من الروايات بعضها معتبرة.
كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوج مملوكته عبده ، أتقوم عليه كما كانت تقوم فتراه منكشفاً أو يراها على
1) سورة الممتحنة 60 : 10.
.................................................................................................
تلك الحال؟ فكره ذلك (1).
ومعتبرة الحسين بن علوان المتقدمة (2)فإنّها صريحة في عدم الجواز.
ولا وجه للإيراد على الاولى بأنّ الكراهة لا تدل على التحريم. فإنّه مدفوع بأنّ الكراهة إنّما تستعمل في لسان الأدلّة في المبغوض مطلقاً ، ومقتضى القاعدة فيه عدم الجواز ما لم يرد ما يدل على الترخيص.
نعم ، ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من عدم جواز النظر حتى إلى غير العورة (3)لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم الدليل على حرمته.
ثم لا يخفى أنّه كان على الماتن (قدس سره) أن يذكر الأَمة التي في عدّة الغير ، فإنّ حالها حال الأَمة المزوجة خصوصاً إذا كانت العدّة رجعية فإنّها زوجة حقيقة ، فليس لمولاها أن ينظر إلى عورتها فضلاً عن أن ينكحها ، كما تدل عليه :
صحيحة مسمع كردين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : عشر لا يحلّ نكاحهنّ ولا غشيانهنّ ... وأمتك وقد وطئت حتى تُستبرأ بحيضة» (4).
وصحيحة مسعدة بن زياد ، قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يحرم من الإماء عشر .... ولا أمتك وهي في عدّة» (5).
فإنّهما تدلّان بوضوح على حرمة الأَمة في العدّة ، وحرمتها إنما تعني حرمة نكاحها. وبثبوت هذا الحكم يثبت حرمة النظر إلى عورتها أيضاً ، وذلك لأننا إنما خرجنا عن عمومات حرمة النظر إلى العورة فيها ، لأجل ما دلّ على جواز وطئها وعدم وجوب حفظها للفرج بالنسبة إلى المولى ، فإذا دل الدليل على حرمة نكاحها لم يبق هناك مبرر لرفع اليد عن عمومات وجوب حفظ الفرج وحرمة النظر إليها.
أو مكاتبة (1) أو مرتدة (2).
[3666] مسألة 34 : يجوز النظر إلى الزوجة المعتدّة بوطء الشبهة (3) وإن
(1) بلا خلاف فيها ، فإنّها برزخ بين الأمة والحرة ووسط بينهما ، فلا تكون تحت سلطنة مولاها ، بل يكون حالها حال الأجنبية. وقد دلت على ذلك عدّة روايات نتعرض لذكرها عند التعرض لأحكام العبيد والإماء إن شاء اللّه.
(2) والكلام فيها كالكلام في الوثنية ، فإنّه لا دليل على حرمة النظر إليها.
(3) بلا خلاف فيه فيما إذا كان المراد النظر المجرد عن التلذّذ والشهوة ، إذ لا دليل على حرمته ، بل يشملها عمومات وإطلاقات أدلّة جواز نظر الرجل إلى زوجته.
وأمّا إذا كان المراد به جواز النظر متلذّذاً على ما صرح به (قدس سره) في مبحث العدد من ملحقات العروة بدعوى أنّه ليس فيه اختلاط للمياه ، فهو مشكل جدّاً ، فإن ظاهر الأمر الوارد في الروايات الدالة على لزوم العدّة في وطء الشبهة بمفارقتها وأن لا يقربها حتى تنقضي عدتها ، هو تحريم جميع الاستمتاعات عليه.
فقد ورد في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : «وتعتدّ من الأخير ، ولا يقربها الأول حتى تنقضي عدّتها» (1). فإنّ ظاهر النهي عن مقاربتها هو لزوم الاجتناب وبقاؤه بعيداً عنها وتركها بتمام معنى الكلمة ، وهو يعني أنّه ليس له الاستمتاع بها بأي نحو كان. وحمل النهي عن المقاربة على النهي عن الجماع خاصة لا وجه له ، إذ كيف يصدق أنّه لم يقاربها وهو ينام معها على فراش واحد! ومما يؤيد ذلك ما في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «تعتدّ وترجع إلى زوجها الأوّل» (2). فإنّ العطف وإن كان بالواو إلّا أنّ الظاهر منها أنّ الرجوع إلى الأوّل إنّما يكون بعد العدّة ، فتدل على عدم جواز الاستمتاع منها قبل انقضائها.
حرم وطؤها ، وكذا الأَمة كذلك (1) وكذا إلى المطلقة الرجعية (2) ما دامت في العدّة ولو لم يكن بقصد الرجوع.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنّه ليس فيه اختلاط المياه ، فهو عجيب منه ، فإنّه حكمة لا أكثر ، وإلّا فالعدة لا تنحصر بموارد احتمال اختلاط المياه.
(1) والحكم فيها كالحكم في سابقتها.
فإن أُريد بجواز النظر جواز النظر المجرد ، فهو مسلّم ولا خلاف فيه.
وإن أُريد به النظر متلذّذاً ، فالحكم بجوازه أشكل من الحكم في سابقتها ، لصحيحتي مسمع ومسعدة المتقدمتين ، فإنّ مقتضى إطلاق حرمة بعض المذكورات في الصحيحتين قبل الأمة في العدّة كأمه هي أُخت المولى من الرضاعة أو ابنة أُخته والأَمة المزوجة هو عدم جواز النظر إليها مع التلذّذ ، فإنّ من الواضح أنّ المراد بحرمة المذكورات هو حرمة مطلق الاستمتاعات لا خصوص الوطء.
(2) وتدل عليه مضافاً إلى كونها زوجة حقيقة معتبرة وهيب بن حفص عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المطلقة : «تعتدّ في بيتها وتظهر له زينتها ( لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) (1).
فهي وغيرها من النصوص تدلّ على جواز النظر إليها ، لما عرفت من أنّ جواز إراءة الزينة ملازم لجواز النظر إليها ، ولا يتحقق بذلك الرجوع لأنّه أمر قصدي ، فلا يتحقق بمجرد النظر من دون قصد.
وهو فيما إذا كان النظر مجرداً عن التلذّذ ليس محلّاً للكلام بينهم. وأما إذا كان مقروناً به ، فالظاهر أنّه موجب لتحقّق الرجعة قهراً ، ويدلّ عليه مضافاً إلى كونه منافياً لمفهوم الطلاق ، حيث إنّ معناه قطع الصلة عن المرأة وتركها ، فينافيه النظر إليها بشهوة وتلذّذ فضلاً عن مسّها ومجامعتها النصوص الواردة في سقوط خيار المشتري إذا قبّل الجارية المشتراة أو لامسها.
ففي صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «الشرط في
1) الوسائل ، ج 22 كتاب الطلاق ، أبواب العدد ، ب 15 ح 1.
[3667] مسألة 35 : يُستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي والأجنبية
الحيوان ثلاثة أيام للمشتري ، اشترط أم لم يشترط. فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة الأيام ، فذلك رضا منه فلا شرط». قيل له : وما الحدث؟ قال : «إنْ لامس ، أو قبّل ، أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء» (1).
وصحيحته الأُخرى ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ فقال : «الخيار لمن اشترى» ... قلت له : أرأيت إنْ قبّلها المشتري أو لامس؟ قال : فقال : «إذا قبّل ، أو لامس ، أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره ، فقد انقضى الشرط ولزمته» (2).
فإنّهما واضحتا الدلالة على كون النظر بشهوة فضلاً عن الملامسة والمجامعة سبباً قهرياً في سقوط خياره ، معلّلاً ذلك بكونه رضا منه بالبيع ، ومقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بالبيع وسريانه إلى ما نحن فيه أيضاً ، فإنّ هذه الأُمور على ما يظهر منه أسباب قهرية لتحقق الرضا الذي هو بمعنى الاختيار إذ لا يكفي مجرد طيب النفس لا في سقوط الخيار ولا في تحقق الرجعة بالبيع أو الزوجية ، ورفع اليد عن الخيار أو الطلاق.
هذا ويمكن الاستدلال على الحكم في خصوص الجماع ، بما ورد في النصوص من أنّ العدّة والحد والغسل بالوطء (3). فإنّ المستفاد منها ومن غيرها أنّ الوطء الصحيح ولو واقعاً موجب لثبوت العدّة على المرأة ، وحيث إنّ الوطء في المقام صحيح واقعاً باعتبار أنّ المرأة في العدّة الرجعية زوجة حقيقة وإن جهل الزوج ذلك ، فهو موجب للعدة لا محالة.
ولما كانت العدّة لا تكون إلّا مع الطلاق كشف ذلك عن بطلان الطلاق الأول قهراً إذ لا معنى لصحته مع الحاجة في البينونة إلى طلاق آخر. ويتضح ذلك جلياً فيما لو
مواضع :
منها : مقام المعالجة (1) وما يتوقّف عليه من معرفة نبض العروق والكسر
وقع الوطء في آخر لحظات العدّة ، فإنّ خلو الوطء الصحيح من العدّة مخالف للنصوص ، وثبوت عدّة ثانية تستلزم الطلاق ، وهو يعني بطلان الطلاق الأوّل وهو المطلوب.
ومما يؤيد ذلك مضافاً إلى دعوى صاحب الجواهر تسالم الأصحاب عليه رواية محمد بن القاسم ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «من غشي امرأته بعد انقضاء العدّة جلد الحدّ ، وإنْ غشيها قبل انقضاء العدّة كان غشيانه إيّاها رجعة» (1).
وهي وإنْ كانت صريحة في المدَّعَى إلّا أنّها ضعيفة السند بمحمد بن القاسم حيث لم يرد فيه توثيق ، وإنْ عبّر عنها صاحب الجواهر (قدس سره) بالصحيحة.
(1) لصحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إما كسر وإما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه ، يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء ، أيصلح له النظر إليها؟ قال : «إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت» (2). فإنّها صريحة في جواز النظر إذا اقتضت ضرورة العلاج ذلك.
ولا يخفى أنّه لا مجال للتمسك لإثبات الحكم بقاعدة نفي الضرر ، أو قوله (عليه السلام) : «ليس شيء مما حرّم اللّه إلّا وقد أحلّه لمن اضطر إليه» (3). فإنّ من الواضح أنّ مثل هذين الدليلين لا يشملان الطبيب نفسه ، فإنّهما إنّما يرفعان الحكم عمّن يتوجه الضرر عليه نتيجة ذلك الحكم ، فلا يدلّان إلّا على جواز كشف المرأة المريضة نفسها أمام الطبيب ، أما جواز نظر الطبيب إليها فلا دلالة لهما عليه لعدم اضطراره إلى ذلك.
والجرح والفصد والحجامة ونحو ذلك إذا لم يمكن بالمماثل (1) بل يجوز المسّ واللّمس حينئذ (2).
ومنها : مقام الضرورة ، كما إذا توقّف الاستنقاذ من الغرق أو الحرق أو نحوهما عليه أو على المسّ (3).
ومنها : معارضة (4) كلّ ما هو أهمّ في نظر الشارع مراعاته من مراعاة حرمة النظر أو اللّمس.
نعم ، لو تصوّرنا توجه الضرر إلى الطبيب في صورة عدم معالجتها ، أمكن التمسك بهما لإثبات الجواز بالنسبة إليه أيضاً.
وما ذكرناه هنا لا يتنافى مع ما تقدم منّا في الملازمة بين جواز الإبداء وجواز النظر إليها ، فإنّها إنما تتمّ فيما إذا كان جواز الإبداء ثابتاً بالحكم الأوّلي ، فلا يشمل ما لو كان الجواز ثابتاً بالعنوان الثانوي ، إذ إنّ هذه العناوين إنّما ترفع الحكم فيمن يتحقق فيه ذلك العنوان أما غيره فلا.
ولذا لا يعقل الحكم بجواز النظر إلى المرأة لو أُكرهت على رفع سترها وإبداء زينتها ، وأوضح من ذلك ما لو أُكرهت المرأة على الزنا ونحوه ، أفهل يحتمل الحكم بالجواز للرجل أيضاً نظراً إلى أنّها مكرهة؟!
(1) أو المحرم ، إذ مع الإمكان بهما لا يصدق عنوان الاضطرار إلى الأجنبي.
(2) لأنّ النظر في صحيحة الثمالي مذكور في كلام السائل خاصة ، أمّا جوابه (عليه السلام) فمطلق وغير مقيّد به ، فيستفاد منه عدم البأس بالمعالجة فيما اضطرت إليه وحيث إنّ من الواضح أنّ المعالجة بطبعها تقتضي اللمس لا سيما في الكسور ، فيستفاد منها جواز ذلك أيضاً.
(3) لمزاحمة المهمّ للأهمّ ، فترفع اليد عن المهمّ طبق القاعدة.
(4) في تعبيره (قدس سره) بالمعارضة تسامح واضح ، والصحيح التعبير بالمزاحمة. والحكم واضح حيث لا يتمكن المكلف من امتثالهما معاً ، فيقدم الأهمّ بحسب نظر الشارع طبعاً.
ومنها : مقام الشهادة تحمّلاً أو أداءً (1) مع دعاء الضرورة (2).
(1) وتدلّ عليه صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) ، قال : «لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها ، ولا يجوز عندهم أنْ يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر وينظرون إليها» (1).
وصحيحة الصفار قال : كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم ، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد رجلان عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهد بهذا كلامه ، أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز ويثبتها بعينها؟ فوقع (عليه السلام) : «تتنقب وتظهر للشهادة إن شاء اللّه» (2).
وصحيحة ابن يقطين عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) ، قال : «لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها ، فأما إذا كانت لا تعرف بعينها ولا يحضر من يعرفها ، فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظرون إليها» (3).
فإنّ هذه الروايات الثلاث تدل على جواز النظر إليها عند أداء الشهادة. والمذكور في الروايتين الاولى والثالثة كلمة (تسفر) وهي تدلّ بإطلاقها على جواز النظر إلى تمام الوجه ، إلّا أنّه لا بدّ من تقييد إطلاقهما بما يظهر بعد لبس النقاب ، وذلك لأجل ما ورد في مكاتبة الصفار.
(2) وهو إنّما يتمّ لو غضضْنا النظر عن النصوص المتقدمة ، فإنّه حينئذ لا بدّ من التقييد بدعاء الضرورة ، كي يدخل المورد في باب التزاحم ، ويكون الحكم بالجواز
1) النصوص الثلاثة ساقطة في أكثر نسخ الوسائل ومنها الطبعة الحديثة إلّا نص واحد ذكر في باب 43 من أبواب الشهادات ، غير أنّه مركب من صدر النص الأوّل وذيل النص الثالث. نعم ، النصوص الثلاثة مذكورة في نسختين منه مطبوعتين بطهران ، الأُولى سنة 1288 ه ، والثانية في سنة 1313 ه ، فراجع.
2) النصوص الثلاثة ساقطة في أكثر نسخ الوسائل ومنها الطبعة الحديثة إلّا نص واحد ذكر في باب 43 من أبواب الشهادات ، غير أنّه مركب من صدر النص الأوّل وذيل النص الثالث. نعم ، النصوص الثلاثة مذكورة في نسختين منه مطبوعتين بطهران ، الأُولى سنة 1288 ه ، والثانية في سنة 1313 ه ، فراجع.
3) النصوص الثلاثة ساقطة في أكثر نسخ الوسائل ومنها الطبعة الحديثة إلّا نص واحد ذكر في باب 43 من أبواب الشهادات ، غير أنّه مركب من صدر النص الأوّل وذيل النص الثالث. نعم ، النصوص الثلاثة مذكورة في نسختين منه مطبوعتين بطهران ، الأُولى سنة 1288 ه ، والثانية في سنة 1313 ه ، فراجع.
وليس منها ما عن العلّامة من جواز النظر إلى الزانيين لتحمّل الشهادة (1) فالأقوى عدم الجواز. وكذا ليس منها النظر إلى الفرج للشهادة على الولادة ، أو الثدي للشهادة على الرضاع وإن لم يمكن إثباتها بالنساء (2) وإن استجوده الشهيد الثاني.
ومنها : القواعد من النساء (3) اللّاتي لا يرجون نكاحاً بالنسبة إلى ما هو المعتاد له (4)
لأجل تقديم الأهمّ على المهمّ. أمّا بملاحظة تلك النصوص فلا وجه للتقييد بذلك فإنّها مطلقة وغير مقيدة بالضرورة ، فيكون الحكم بالجواز في المقام من باب تخصيص عمومات عدم جواز النظر إلى الأجنبية.
(1) فإنّه لا دليل على الجواز ، إذ النصوص المتقدمة إنما تختص بالشهادة على إقرار المرأة وليس هناك حكم آخر يزاحمه ، فالمتعيّن هو القول بعدم الجواز.
(2) لما سبق.
(3) بلا خلاف في ذلك ، ويدلّ عليه قوله تعالى ( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) (1).
(4) وقع الكلام بين الأعلام في حدّ ما يجوز للقواعد إبداؤه. فنسب إلى العلّامة والشهيد (قدس سره) القول بجواز إبداء ما عدا العورة (2)في حين اختار الماتن (قدس سره) وجماعة جواز إبداء ما هو معتاد لها من الكشف خاصة.
ولعلّ مستند القول الأوّل هو إطلاق الآية الكريمة ، لا سيما بملاحظة أنّ المذكور فيها الثياب بصيغة الجمع ، فإنّ ذلك يدلّ على جواز وضع جميع ثيابهن. نعم ، لا بدّ من تقييد الإطلاق في خصوص العورة لما علم من الخارج عدم جواز إبدائها.
وعلى كلّ فلو كنّا نحن وهذه الآية الكريمة ، ولم نستظهر منها بأنّ جمع الثياب إنّما هو
.................................................................................................
بلحاظ إفراد القواعد لا بلحاظ كلّ واحدة على حدة كما هو قريب لكان هذا القول قوياً جدّاً ، إلّا أنّ في المقام عدّة نصوص تقيد على اختلاف مضمونها إطلاق الآية الكريمة وتمنع من العمل به.
ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ ( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) ما الذي يصلح لهن أن يضعن من ثيابهنّ؟ قال : «الجلباب» (1).
فهذه الصحيحة وغيرها تقيّد إطلاق الآية بالجلباب وحده.
ولكن في صحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قرأ يضعن من ثيابهنّ قال : «الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنّة» (2).
فتقيّد الآية الكريمة بالجلباب والخمار ، فتكون منافية للصحيحة الاولى ، فلا بدّ من حمل الاولى على الاستحباب ، والقول بأنّه يستحب في مقام إبداء الزينة للقواعد وضع الجلباب خاصة ، عملاً بمقتضى قاعدة تعارض الظاهر والنصّ.
هذا كلّه لو كنّا نحن وهاتين الصحيحتين ، لكن رواية أبي الصباح الكناني قد تضمنت التفصيل بين الحرة والأمة ، وأنّ الحرة لا تضع إلّا جلبابها في حين يحقّ للأمة وضْع خمارها أيضاً.
فقد روى محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القواعد من النساء ، ما الذي يصلح لهنّ أنْ يضعن من ثيابهن؟ فقال : «الجلباب ، إلّا أن تكون أَمة فليس عليها جناح أن تضع خمارها» (3).
فقد يقال إنّه لا بدّ من الجمع بين الصحيحتين المتقدمتين بالعمل بمضمون هذه الرواية ، فيتعيّن تخصيص صحيحة محمد بن مسلم بالحرة وصحيحة حريز بالأمة ، إلّا
من كشف بعض الشعر (1) والذراع ونحو ذلك ، لا مثل الثدي والبطن ونحوهما مما يعتاد سترهنّ له (2).
ومنها : غير المميز من الصبي والصبية ، فإنّه يجوز النظر إليهما بل اللّمس ، ولا يجب التستّر منهما (3) بل الظاهر جواز النظر إليهما قبل البلوغ (4) إذا لم يبلغا مبلغاً
أنّ هذه الرواية ضعيفة السند بمحمد بن الفضيل ، فإنّه مشترك بين الثقة والضعيف.
على أنّه لو تمّ سندها فلا بدّ من حملها على الأفضلية ، وذلك لصريح صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته ، فقال : «لا ، إلّا أن تكون من القواعد». قلت له : أُخت امرأته والغريبة سواء؟ قال : «نعم». قلت : فما لي من النظر إليه منها؟ فقال : «شعرها وذراعها» (1).
فهي بملاحظة أنّ الغالب والمتعارف في الزوجة وأُختها كونهما حرتين ، تدلّ بالصراحة على جواز النظر إلى شعر وذراعي القواعد من الحرائر ، وعليه فلا محيص عن حمل رواية الكناني لو تمّ سندها على الأفضلية.
ومن هنا يتّضح أنّ الصحيح في المقام هو حمل ما دلّ على وضع الجلباب فقط على الأفضلية ، عملاً بقانون تعارض الظاهر والنص.
(1) لا وجه لتخصيص الجواز ببعض الشعر ، بعد ما دلّت الأخبار الصحيحة على جواز وضع الخمار المستلزم لكشف الشعر كلّه.
(2) لما تقدّم من عدم سلامة إطلاق الآية الكريمة.
(3) كلّ ذلك لعدم المقتضي إذ لا تشملهما أدلّة المنع ، فإنّهما بحكم الحيوان ، بل يمكن القول بأنّ مقتضى السيرة القطعية هو الجواز. على أنّ ما يأتي من الدليل على الجواز في المميز يدلّ على الجواز فيما نحن فيه بالأولوية القطعية.
(4) والكلام فيه تارة في حكم النظر إلى عورتهما أو نظرهما إلى عورة الغير واخرى في حكم النظر إلى غير عورتهما أو نظرهما إلى ذلك من الغير.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 107 ح 1.
.................................................................................................
أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشك في عدم جواز النظر إلى عورتهما ، ووجوب حفظ الفرج عنهم ، لإطلاق أدلّة المنع إذ لا موجب لتخصيصها بالبالغ ، فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : «عورة المؤمن على المؤمن حرام» (1)هو حرمة النظر إلى عورة المؤمن من دون تقييد بكونه بالغاً فإنّ المميز من غير البالغين إذا أدرك وجود اللّه تبارك وتعالى وآمن به صدق عليه عنوان المؤمن ، وبذلك يصبح مشمولاً لأدلّة المنع.
وأمّا نظرهما إلى عورة الغير فلا ينبغي التأمّل في جوازه ، فإنّ حرمة النظر إلى عورة الغير مختصة بالمكلفين ، أمّا غيرهم فلا يجب عليهم الامتناع من ذلك ، كما لا يجب عليهم حفظ عورتهم والتستر عليها من الغير ، فإنّ كلّ ذلك من شؤون المكلفين والمفروض أنّهم ليسوا منهم.
نعم ، نسب الخلاف في جواز نظرهما إلى عورة الغير إلى المحقق النراقي (قدس سره) حيث ذهب إلى عدم الجواز ، مدّعياً تخصيص ما دلّ على رفع القلم من الصبي وعدم تكليفه بقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ ) (2).
فإنّ الخطاب في الآية الكريمة وإنْ كان متوجّهاً إلى المكلّفين ، إلّا أنّ الأمر بالاستئذان متوجه إلى غير المكلّفين كما هو واضح ، فيتحصل منها أنّ الصبيان مكلّفون في هذا المورد بعدم النظر إلى عورة الغير ويجب عليهم ذلك ، ويكون ذلك استثناءً وتخصيصاً لحديث رفع القلم عن الصبيان (3).
إلّا أنّ فيه : أوّلاً : ما تقدّم منّا في مباحث الأُصول من أنّ الوجوب غير مستفاد من صيغة الأمر بحدّ ذاتها ، وإنّما هو مستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة المولى حيث لم يرد
.................................................................................................
ترخيص ، وعليه فالآية الكريمة وإنْ تضمّنت الأمر بالاستئذان إلّا أنّه لا مجال لاستفادة الوجوب من ذلك ، باعتبار ثبوت الترخيص بحديث الرفع وما في معناه فلا يبقى مجال لاستفادة الوجوب.
وبعبارة اخرى نقول : إنّ ثبوت الأمر شيء وثبوت الوجوب شيء آخر ، إذ لا ملازمة بينهما أصلاً ، فقد يثبت الأمر ولا يثبت الوجوب كما هو الحال في الأوامر الاستحبابية ، بل لا بدّ في إثبات الوجوب مضافاً إلى الأمر من إثبات عدم الترخيص ، فمن دون ذلك لا مجال لإثبات الوجوب.
ومن هنا فحيث إنّ الآية الكريمة لا تتكفل إلّا الجهة الاولى أعني ثبوت الأمر فلا مجال للتمسّك بها وحدها لإثبات الوجوب ، بل لا بدّ من البحث عن وجود ما يدلّ على الترخيص ، فإنْ وجد ما يدلّ على ذلك فلا مجال للقول بالوجوب ، وإلّا فمقتضى حكم العقل بلزوم إطاعة المولى هو ذلك ، وحيث إنّ مقامنا من قبيل الأوّل حيث دلّ حديث رفع القلم على الترخيص فلا وجه للالتزام بالوجوب.
ثانياً : إنّ الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام بالمرة ، فإنّها واردة في مقام رؤية المميز للرجل والمرأة في حالة غير مناسبة ، بحيث يطلع على ما يستقبح التطلع عليه حتى لو لم يستلزم ذلك النظر إلى عورتهما ، فلا تصلح للاستدلال بها على حرمة نظر الصبي أو الصبية إلى عورة الغير كما لا يخفى.
وأمّا المقام الثاني : فلا ينبغي الشك أيضاً في جواز نظر كلّ منهما إلى بدن غير المماثل له من البالغين ، وذلك لحديث الرفع حيث تختصّ الحرمة بالمكلفين.
وأما جواز نظر كل من الرجل إلى الصبية والمرأة إلى الصبي لو قلنا بحرمة نظرها إلى الرجل فيمكن الاستدلال عليه :
أوّلاً : بعدم وجود مقتضٍ للحرمة ، نظراً لاختصاص قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا لِبُعُولَتِهِنَّ ) بالبالغات ، حيث إنّ التكليف لا يشمل غير البالغ فلا يجب على الصبية التستّر. ومن هنا فيجوز النظر إليها ، باعتبار أنّ حرمة النظر إلى المرأة إنّما استفيدت من وجوب التستّر عليها ، حيث استظهرنا من ذلك كونه مقدمة لعدم النظر إليها ، وحيث إنّ وجوب التستّر غير ثابت على الصبية فلا بأس بالنظر إليها.
يترتّب على النظر منهما أو إليهما ثوران الشهوة (1).
ثانياً : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الجارية التي لم تدرك ، متى ينبغي لها أن تغطي رأسها ممن ليس بينها وبينه محرم؟ ومتى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة؟ قال : «لا تغطّي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة» (1). فإنّها دالّة بكلّ وضوح على عدم وجوب الستر عليها ، وجواز إبدائها لشعرها ما لم تحِضْ ، وبثبوت ذلك يثبت جواز النظر إليها بالملازمة العرفية كما عرفت.
هذا كلّه بالنسبة إلى حكم الصبي ، وأمّا بالنسبة إلى المرأة فهل يجوز لها إبداء زينتها للصبي المميز أم يجب عليها التستّر منه؟
ظاهر قوله تعالى ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ) (2)هو الثاني ، باعتبار أنّ المستثنى هو غير المميز فقط ، فيبقى المميز على عموم المنع.
لكن للبزنطي صحيحتان تدلّان بالصراحة على عدم وجوب التستّر من الصبي حتى يبلغ ، فقد روى عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال : «يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين ، ولا تغطي المرأة شعرها منه حتى يحتلم» (3).
وروى أيضاً عنه (عليه السلام) قال : «لا تغطّي المرأة رأسها من الغلام حتى يبلغ الغلام» (4).
ومن الواضح أنّ مقتضى الجمع بين هاتين الصحيحتين والآية المباركة هو تقييد إطلاق الآية الكريمة بمفادهما ، فيتحصل من ذلك جواز الكشف وعدم وجوب التستّر على المرأة ما لم يبلغ الصبي الحلم.
وأخيراً فمن غير البعيد دعوى قيام السيرة على الجواز أيضاً.
(1) والحكم بعدم الجواز في الأوّل مبنيٌّ على ما تقدم في غير مورد من أن ما علم
[3668] مسألة 36 : لا بأس بتقبيل الرجل الصبية التي ليست له بمحرم ووضعها في حجره قبل أن يأتي عليها ستّ سنين (1) إذا لم يكن عن
مبغوضية وقوعه في الخارج من الشارع المقدس على كل تقدير ، بحيث لا يفرق الحال بين أن يكون مرتكبه بالغاً أو غير بالغ كالزنا ، وشرب الخمر ، واللواط ونحوها يجب على المكلفين المنع من تحقّقه وسدّ الطريق إليه وقطع السبيل على فاعله قولاً وفعلاً.
وعلى هذا فحيث إنّ من غير البعيد كون ما نحن فيه من هذا القبيل ، ولو بلحاظ انتهاء ذلك شيئاً فشيئاً إلى ما هو أعظم منه ، باعتبار أنّ ذلك يوجب الاعتياد ونتيجته الابتلاء به أو بما هو أشدّ منه بعد البلوغ ، يجب على المرأة قطع السبيل على الصبي وعدم السماح له بذلك ، وهو لا يتحقق عادة إلّا بالتستّر فيجب عليها ذلك.
هذا مضافاً إلى ما عرفت من أنّ مقتضى قوله تعالى ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ) وهو وجوب التستّر عن مطلق المميز ، سواء كان نظره بشهوة أم بغيرها. وإنما خرجنا عن الإطلاق لصحيحتي البزنطي ، وحيث إنّ من الواضح اختصاصهما بالنظر المجرد عن الشهوة ، فإنّ موردهما السؤال عن الكشف بحسب طبع الحال لا بلحاظ جهة أُخرى ، فيبقى الإبداء بلحاظ النظر مع الشهوة تحت عموم المنع كما هو واضح.
وأما الحكم في الثاني أعني عدم جواز نظر الرجل إلى الصبية المميزة مع الشهوة والتلذّذ فلما عرفت في تفسير قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) حيث تقدّم أنّ مقتضى هذه الآية وقوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ) هو حرمة جميع الاستمتاعات الجنسية على الرجل على الإطلاق بالنسبة إلى غير الزوجة والمملوكة على تفصيل قد مرّ ، فعلى ذلك لا يجوز للرجل الاستمتاع والتلذّذ بالنظر إلى الصبية.
(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب.
وأما إذا بلغت ستّ سنين ، فقد استدل على عدم جوازه برواية أبي أحمد الكاهلي
.................................................................................................
قال : سألته عن جارية ليس بيني وبينها محرم ، تغشاني فأحملها وأقبّلها ، فقال : «إذا أتى عليها ستّ سنين فلا تضعها على حجرك» (1).
فإنّ السؤال فيها عن الحمل والتقبيل ، إلّا أنّه (عليه السلام) قد أجاب بالنهي عن وضعها في الحجر إذا أتى عليها ستّ سنين ، وهو يكشف بحسب المتفاهم العرفي كما هو واضح عن أنّه (عليه السلام) إنّما أجاب عما هو أهون منهما ، فيستفاد منها أنّه لا مانع من التقبيل والحمل ما لم تبلغ الصبية ستّ سنين ، فإذا بلغت ذلك فلا يجوز وضعها في الحجر فضلاً عن حملها أو تقبيلها.
إلّا أنّ الرواية ضعيفة بأبي أحمد الكاهلي فلا مجال للاعتماد عليها.
نعم ، ذكر صاحب الوسائل (قدس سره) أنّه : رواه الصدوق بإسناده عن عبد اللّه ابن يحيى الكاهلي ، قال : سأل أحمد بن النعمان أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، وذكر نحوه.
إلّا أنّه يعدّ غريباً منه (قدس سره) ومسامحة في التعبير ، فإنّ الذي رواه الصدوق بإسناده عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ليس نحو رواية أبي أحمد الكاهلي بل هو مغاير لها ، فإنّ الموجود في الفقيه قال : سأل محمد بن النعمان أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له : جويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ستّ سنين ، قال (عليه السلام) : «لا تضعها في حجرك» (2).
وهي أجنبية عن محلّ كلامنا بالمرّة ، إذْ لم يذكر فيها الحمل ولا التقبيل ، فلا مجال للاستدلال بها.
وما ذكرناه في رواية أبي أحمد الكاهلي من استفادة الحكم فيها بالأوْلوية نظراً إلى أن الوضع في الحجر أهون منهما بحسب نظر العرف لا يتأتى هنا ، فإنّ الأولوية في تلك إنما استفيدت من إعراض الإمام (عليه السلام) عن الجواب عن المسئول عنه والإجابة ببيان حكم الوضع في الحجر ، وحيث لم يرد في هذه الرواية سؤال عن الحمل والتقبيل فلا يكون لكلامه (عليه السلام) ظهور عرفي في بيان حكمهما بالأولوية ، بل يبقى مدلول الرواية منحصراً ببيان حكم الوضع في الحجر للصبية التي
.................................................................................................
بلغت ستّ سنين.
ثم إنّ ظاهرها وإن كان حرمة ذلك ، إلّا أنّ الذي يستفاد من عدم تعرّض الفقهاء له في كلماتهم ، وعدم وروده في غير هذه الرواية مع كثرة الابتلاء به ، أنّ الحكم ليس بالزامي ، فلا بدّ من حملها على الكراهة وبيان الحكم الأخلاقي.
ومما يؤيد ذلك أنّ الحكم بالحرمة لو كان ثابتاً لكان من أوضح الواضحات لكثرة الابتلاء به كما عرفت ، فكيف والسيرة قائمة على الجواز! ثم لا يخفى أنّه لا مجال للاستدلال على المدعى بمرفوعة زكريا المؤمن ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا بلغت الجارية ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام ، والغلام لا يقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين» (1).
فإنّها ضعيفة السند باعتبار كونها مرفوعة ، فإنّ زكريا المؤمن وإن كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) وقد ذكر النجاشي أنّه يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعن أبي الحسن (عليه السلام) (2)إلّا أنّه لم يوجد له في مجموع الكتب الأربعة ولا رواية واحدة عن الصادق (عليه السلام) ، فإنّ هذه الجهة هي التي تمنعنا عن القول بأنّ الرواية ليست بمرفوعة ، وإلّا فليس هناك أي مانع غيرها ، فإنّ الرجل من أصحاب الصادق (عليه السلام) فلا محذور في أن يروي عنه مباشرة.
على أنّها قاصرة دلالة ، لأنّ موردها الغلام وهو يطلق على غير البالغ ، فهي أجنبية عما نحن فيه ، أعني تقبيل البالغ للصبية.
وما ذكرناه في هذه الرواية يجري في جميع أخبار هذا الباب ، فإنّها جميعاً لا تخلو من ضعف سندي ، أو قصور دلالي على سبيل منع الخلو ، فراجع وتأمّل.
وعلى هذا فيتحصل مما تقدم أنّه ليس في المقام ولا رواية واحدة صحيحة السند وتامّة الدلالة ، يمكن الاعتماد عليها لإثبات الحكم. وعليه فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز ما لم يكن ذلك عن شهوة وتلذّذ.
شهوة (1).
[3669] مسألة 37 : لا يجوز للمملوك النظر إلى مالكته (2) ولا للخصي
(1) لما تقدّم في المسألة السابقة.
(2) والكلام فيه في مقامين :
الأوّل : في دلالة قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) .
الثاني : في دلالة النصوص.
أمّا المقام الأول : فقد تقدم قريباً أنّه لا مجال لاستفادة الجواز منها ، حيث عرفت أنّ المراد بها هو خصوص الإماء ، لامتناع إرادة خصوص العبيد أو الجامع بينهما ، على ما تقدّم مفصّلاً.
كما عرفت أنّ صحيحة معاوية بن عمّار (1)لا يمكن تصديق مدلولها بل لا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها ، لأنها تتضمن جواز المماسة وهو مما لا يقول به أحد.
نعم ، نسب إلى الشهيد (قدس سره) في المسالك القول بأنّ الكليني قد روى أخباراً كثيرة بطرق صحيحة عن الصادق (عليه السلام) تدلّ على أنّ قوله تعالى ( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ ) شامل للمملوك مطلقاً (2). إلّا أنّه غير تامّ ، فإنّه لم يرد في الكافي ما يمكن جعله دليلاً لكلام الشهيد (قدس سره) غير صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وقد عرفت الحال فيها.
وأمّا المقام الثاني : فلا يخفى أنّ النصوص الواردة في المقام على طائفتين :
الأُولى : ما دلّ على الجواز ، كصحيحة معاوية بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : المملوك يرى شعر مولاته وساقها؟ قال : «لا بأس» (3).
وصحيحة إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أينظر المملوك إلى شعر مولاته؟ قال : «نعم ، وإلى ساقها» (4).
النظر إلى مالكته أو غيرها (1) كما لا يجوز للعنِّين والمجبوب
الثانية : ما دلّ على عدم الجواز ، كصحيحة يونس بن عمار ويونس بن يعقوب جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا يحلّ للمرأة أن ينظر عبدها إلى شيء من جسدها إلّا إلى شعرها غير متعمّد لذلك» (1).
والظاهر أنّ استثناء الشعر ليس من جهة حرمة النظر إلى سائر أعضائها حتى ولو لم يكن متعمداً ، إذ لا كلام في عدم حرمة ذلك ، بل ذلك من جهة أنّ وقوع النظر غير العمدي إلى الشعر أمر يتفق حصوله في الخارج كثيراً ، فإنّ من المتعارف كشف المرأة رأسها في المنزل بخلاف سائر أعضائها فإنّها مستورة بثيابها ، فلا يتّفق وقوع النظر غير العمدي إليها إلّا نادراً.
وحيث أنّ المعارضة بين هاتين الطائفتين مستحكمة ، إذ لا مجال للجمع بين «لا بأس» و «لا يحل» فلا بدّ من الرجوع إلى قواعد باب التعارض.
وعليه فلما كانت الطائفة الثانية هي الموافقة لكتاب اللّه ، حيث عرفت أنّ الآية الكريمة تدلّ على عدم الجواز ، فلا بدّ من العمل بها وطرح الطائفة الأُولى. على أنّ الطائفة الأُولى هي الموافقة للعامّة ، حيث يلتزمون بجواز نظر العبد إلى مولاته ، فتكون مخالفة الطائفة الثانية للعامّة مرجحاً آخر لها ، فتحمل الطائفة الأُولى على التقيّة لا محالة.
ومن هنا يتضح أنّه لا داعي لتوجيه ترجيح الثانية على الاولى بإعراض المشهور عنها ، فإنّ فيه ما قد عرفته مراراً.
(1) والكلام فيه تارة فيما يستفاد من قوله تعالى ( أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ) (2)، وأُخرى فيما يستفاد من النصوص.
أمّا المقام الأوّل : فقد استدلّ بالآية الكريمة على عدم وجوب التستّر من الخصي
.................................................................................................
وجواز إبداء الزينة له ، باعتبار أنّه من مصاديق ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) نظراً إلى أنّ معناه من لا يطمع في النساء وليس بحاجة إليهن.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ المستثنى في الآية الكريمة من حرمة الإبداء ليس مطلق ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) وإنّما خصوص التابعين ، ومن الواضح أنّ المتفاهم العرفي من التابع من لا استقلال له فيختصّ الحكم به ، كالعبد الخصي أو المجبوب أو كبير السن.
وهذا المطلب أعني كون المستثنى خصوص التابعين لم أجد من تنبّه إليه من قبل حيث لم يذكر في كلماتهم.
نعم ، استظهر العلّامة (قدس سره) الجواز في خصوص العبد الخصي (1)وتابعه على ذلك المحقق الكركي (2).
هذا كلّه لو كنّا نحن وهذه الآية المباركة فقط ، إلّا أنّه قد ورد في جملة من النصوص الصحيحة تفسير ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) بالأحمق.
ففي صحيحة زرارة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عزّ وجلّ ( أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ) قال : «الأحمق الذي لا يأتي النساء» (3).
وفي صحيحة عبد الرّحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ) قال : «الأحمق المولّى عليه الذي لا يأتي النساء» (4).
ومن الواضح أنّه بعد صراحة هاتين الصحيحتين وغيرهما ، لا مجال للتمسك بإطلاق الآية الكريمة لإثبات الحكم لمطلق التابع الذي لا رغبة له في النساء ، بل لا بدّ من الاقتصار على مدلولهما مقيدين إطلاق الآية الكريمة بذلك.
وأمّا المقام الثاني : فالنصوص الواردة على طائفتين
.................................................................................................
الأُولى : ما تدلّ على الجواز ، كصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قناع الحرائر من الخصيان ، فقال : «كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) ولا يتقنعن». قلت : فكانوا أحراراً؟ قال : «لا». قلت : فالأحرار يتقنع منهم؟ قال : «لا» (1).
الثانية : ما تدلّ على عدم الجواز ، كصحيحة عبد الملك بن عتبة النخعي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أُم الولد ، هل يصلح أن ينظر إليها خصي مولاها وهي تغتسل؟ قال : «لا يحلّ ذلك» (2).
وهي من حيث السند صحيحة ، فإنّ عبد الملك بن عتبة النخعي قد وثّقه النجاشي صريحاً في ترجمة عبد الملك بن عتبة الهاشمي ، وذكر أن الكتاب الذي نسب إليه هو للأول (3).
وأما من حيث الدلالة فلا يخفى أنّ السؤال فيها عن نظر الخصي إلى أُم الولد وهي تغتسل ، ومن الواضح أنّ كلمة (تغتسل) إن لم تكن ظاهرة في كشف تمام البدن فلا أقلّ من احتمال ذلك فيها ، وعليه فتكون الصحيحة أجنبية عن محل الكلام ولا تعارض صحيحة ابن بزيع لاختلاف موضوعها ، حيث إنّ الكلام في جواز نظره إلى الشعر خاصّة لا تمام الجسد فإنّه مقطوع العدم.
وصحيحة محمد بن إسحاق ، قال : سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت : يكون للرجل الخصي يدخل على نسائه فيناولهنّ الوضوء فيرى شعورهنّ ، قال : «لا» (4).
وهي صحيحة السند أيضاً ، فإنّ محمد بن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن عمّار الثقة كما صرح بذلك الشيخ الصدوق (قدس سره) (5)، ويشهد له رواية ابن أبي
بلا إشكال (1) بل ولا لكبير السن الذي هو شبه القواعد من النساء على الأحوط (2).
عمير عنه كثيراً.
فهذه الصحيحة تدلّ على عدم الجواز بكلّ وضوح ، فتتعارض مع صحيحة ابن بزيع لا محالة ، وحيث لا يمكن الجمع بينهما بحمل الثانية على الكراهة لما تقدّم مراراً من أنّ الملاك والميزان في الجمع العرفي هو جواز جمعهما في جملة واحدة من دون استلزام للتهافت والتناقض ، وهذا الملاك غير موجود فيما نحن فيه ، إذ لا يمكن الجمع بين «لا» وبين «كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (عليه السلام) ولا يتقنعن» فلا بدّ من إعمال قواعد باب التعارض.
ومن هنا تترجح الطائفة الثانية على الاولى حيث إنّها موافقة للكتاب العزيز ، لما تقدّم من أنّ مقتضاه حرمة إبداء الزينة لكل أحد إلّا من استثني كالزوج ، وحيث أنّ الخصي خارج عن المستثنى كما عرفت فيبقى على عموم المنع لا محالة.
على أن الحكم بالجواز موافق للعامة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) (1)كما يشهد له إعراضه (عليه السلام) عن الإجابة على ذلك في بعض الأحيان (2)فيتعيّن حمل الطائفة الأُولى على التقية.
(1) وقد ظهر الحكم فيهما مما تقدّم في الخصي ، فإنّه لا دليل فيهما على الجواز بعد تفسير الآية المباركة بالأحمق على ما ورد في النصوص.
(2) بل الأقوى لما تقدم.
وما ذكره الفاضل المقداد في كنز العرفان من أنّ المروي عن الكاظم (عليه السلام) أنّ المراد ب ( غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ) الشيوخ الذين سقطت شهوتهم وليس لهم حاجة إلى النساء (3)مرسل ، لا يصلح لتخصيص عمومات حرمة النظر.
[3670] مسألة 38 : الأعمى كالبصير في حرمة (1)نظر المرأة إليه (1).
[3671] مسألة 39 : لا بأس بسماع صوت الأجنبية (2) ما لم يكن تلذّذ
(1) وهو إنما يتمّ بناء على ما اختاره جماعة من حرمة نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي ، إذ على ذلك لا خصوصية للبصير نظراً إلى أن العبرة بنظر المرأة نفسها لا بنظر الرجل ، كما هو واضح.
وأما بناء على ما اخترناه من جواز نظرها إلى مثل الرأس والوجه والرقبة واليدين والساقين من الرجل ، لقيام السيرة القطعية على ذلك ، فلا يختلف الحال بين كون الرجل أعمى أو بصيراً أيضاً.
وأما مرفوعة أحمد بن أبي عبد اللّه ، قال : استأذن ابن أُم مكتوم على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعنده عائشة وحفصة ، فقال لهما : «قوما فادخلا البيت». فقالتا : إنّه أعمى. فقال : «إنْ لم يركما فإنّكما تريانه» (2).
ومرسلة أُمّ سلمة ، قالت : كنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أُم مكتوم وذلك بعد الأمر بالحجاب ، فقال : «احتجبا». فقلنا : يا رسول اللّه أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال : «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» (3).
فلا تصلحان للاستدلال بهما ، لضعف سندهما بالرفع في الاولى والإرسال في الثانية. على أنه لو فرض صحتهما من حيث السند ، فمن المحتمل قريباً كون الحكم أخلاقياً مختصاً بنساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فلا تدلّان على ثبوت الحكم لمطلق النساء.
(2) نسب القول بالحرمة إلى المشهور ، واستدل له :
أوّلاً : بأنّ صوت المرأة كبدنها عورة.
.................................................................................................
وثانياً : بالروايات الناهية عن ابتداء الرجل بالسلام على المرأة ، كموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا تبدؤوا النساء بالسلام ، ولا تدعوهن إلى الطعام ، فإنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : النساء عيّ وعورة ، فاستروا عيّهنّ بالسكوت ، واستروا عوراتهنّ بالبيوت» (1).
وفيه :
أمّا الأول : فهي وإنْ كانت كلمة مشهورة بينهم ، إلّا أنّها لم ترد في شيء من النصوص ، فلا وجه لجعلها دليلاً.
وأمّا الثاني : فلأنّ هذه الروايات غير ناظرة للنهي من حيث عدم جواز سماع صوتهن ، وإنّما النهي من أجل منع إظهار المودّة والمحبّة لها ، كما يشهد لذلك ما ورد من «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يسلِّم على النساء وكان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ ، ويقول : أتخوّف أن يعجبني صوتها ، فيدخل عليَّ أكثر مما طلبت من الأجر» (2).
فهذه الرواية تكشف بوضوح عن أنّ النهي عن ابتدائهن بالسلام ليس من أجل عدم جواز سماع صوتهن ، وإنّما ذلك من أجل المنع عن إظهار المحبة لهن ، وإلّا فلو كان النهي من أجل حرمة سماع صوتهن ، لكان الأَوْلى تعلّق النهي بجواب المرأة وتوجيه الخطاب إليها ، فإنّه أنسب بحرمة سماع صوتها من نهي الرجل عن ابتدائها بالسلام ، كما هو أوضح من أن يخفى.
وعلى هذا فلا تدلّ هذه الرواية على حرمة سماع صوتها والكلام معها إذا لم يكن في ذلك إظهار المحبة والمودة.
وعليه فلا مانع من الالتزام بالجواز لقصور ما استدل به للحرمة عن إثبات المدّعَى ، بل لوجود الدليل على ذلك ، وهو مضافاً إلى السيرة القطعية المتصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) حيث كانت النساء تتكلّم مع الرجال من دون تقيد بحالة
.................................................................................................
الضرورة ، كما يشهد له سكنى العوائل المتعددة من الأُسرة الواحدة أو غيرها في دار واحدة ، فإنّ ذلك يستلزم عادة تكلّم النساء مع الرجال الذين ليسوا بمحرم لها من دون أن يرد في ذلك ردع صحيحة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن على القوم ، قال : «المرأة تقول : عليكم السلام ، والرجل يقول : السلام عليكم» (1).
فإنّها تدلّ بوضوح على أنّ أصل جواز سلامها على الرجال أمر مفروغ عنه ، وأنّ السؤال إنّما هو عن الكيفية. وإلّا فلو كان صوت المرأة كبدنها عورة ، أو كان إظهار صوتها أمراً محرماً ، لكان على الإمام (عليه السلام) تنبيهه على ذلك وإلفاته إلى عدم الجواز. فتقريره (عليه السلام) للسائل على أصل المشروعية ، وتصدّيه لبيان الكيفية خير دليل على عدم الحرمة.
هذا مضافاً إلى أنّ ظاهر قوله تعالى ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) (2)أنّ المنهي عنه هو خصوص الخضوع بالقول لا مطلق التكلّم ، وإلّا لكان اللّازم توجيه النهي إليه مباشرة.
وعليه فيتحصل مما تقدّم أنّ القول بالجواز هو المتعيّن ، وذلك لقصور أدلّة الحرمة مضافاً إلى دلالة الآية الكريمة ، وصحيحة عمار ، وقيام السيرة عليه.
ثم إنّ الشهيد الأول (قدس سره) في (اللمعة) لم يتعرض لهذا الفرع في كتاب النكاح ، مع أنّه قد ذكر في كتاب الصلاة منها أنّه : لا جهر على المرأة (3). وقد علّق عليه الشهيد الثاني (قدس سره) بأنّ الحكم مختصّ بصورة سماع من يحرم استماعه صوتها ، وإلّا فهي مخيّرة بين الجهر والإخفات (4).
نعم ، قد تعرّض (قدس سره) في كتاب النكاح لعكس هذه المسألة ، فذكر أنّه : يحرم على المرأة أن تسمع صوته إلّا لضرورة (5)ولم يعلّق عليه الشهيد الثاني (قدس
ولا ريبة (1) من غير فرق بين الأعمى والبصير ، وإنْ كان الأحوط الترْك في غير مقام الضرورة. ويحرم عليها إسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع بتحسينه وترقيقه ، قال تعالى ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (2).
سره) مع أنّه من غرائب الفتاوى ، حيث لم يقل بذلك أحد بل هو مقطوع البطلان. ومن الغريب عدم انتباه المحشين عليها ، بل ولا من تأخر عنهما من الأعلام عدا صاحب المستند (1)لذلك.
ومن المظنون قوياً واللّه العالم أنّ ذلك من غلط النساخ أو سهو القلم ، والصحيح بقرينة ما ذكره (قدس سره) في كتاب الصلاة من أنّه : لا جهر على المرأة ، أن تكون العبارة هكذا : يحرم على المرأة أن تسمع صوتها إلّا لضرورة ، بتأنيث الضمير.
(1) وإلّا فيحرم بلا خلاف ، لما عرفت من دلالة الآية الكريمة على حصر الاستمتاعات الجنسية بالزوجة وما ملكت يمينه.
(2) مصدر الآية الكريمة قوله تعالى ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (2).
فهي تدلّ على حرمة إظهار المرأة صوتها للرجل الأجنبي مطلقاً من دون اختصاص لنساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم). والوجه في ذلك أنّ الآية الكريمة وإنْ وجّهت الخطاب إلى نساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلّا أنّها تكفّلت بيان مطلبين :
الأوّل : أفضلية نساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من غيرهنّ إن اتقين.
الثاني : بيان كيفية التقوى وأسبابها.
فأفادت المطلب الأوّل بقوله ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) في حين أفادت المطلب الثاني بتفريع عدّة أُمور بالفاء على ذلك ، منها عدم الخضوع بالقول والقرار في البيوت ، وعدم التبرج ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة.
[3672] مسألة 40 : لا يجوز مصافحة الأجنبية (1). نعم ، لا بأس بها من
وحيث أن من الواضح أنّ الذي يختص بنساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) هو المطلب الأول خاصة ، أما المطلب الثاني فلا اختصاص له بهن بل يشمل مطلق النساء ، كما يشهد له ذكر عدم التبرج وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في ضمنه ، فلا وجه للقول باختصاص الآية الكريمة بتمام جهاتها بنساء النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بل هي من حيث المطلب الثاني تشمل جميع النساء ، فتدلّ على حرمة خضوع المرأة بالقول الذي هو عبارة عن ترقيق الصوت وتحسينه.
(1) وتدلّ عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات
محرم؟ فقال : «لا ، إلّا من وراء الثياب» (1).
وصحيحة سماعة بن مهران ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مصافحة الرجل المرأة ، قال : «لا يحلّ للرجل أن يصافح المرأة إلّا امرأة يحرم عليه أن يتزوجها ، أُخت ، أو بنت ، أو عمة ، أو خالة ، أو بنت أُخت ، أو نحوها. وأما المرأة التي يحلّ له أن يتزوجها فلا يصافحها إلّا من وراء الثوب ، ولا يغمز كفّها» (2).
ثم إنّ الظاهر عدم اختصاص الحكم بالمصافحة ، بل يحرم مطلق ملامسة المرأة الأجنبية ، وذلك لعدم وجود خصوصية في المصافحة ، وإنما ذكرت في النصوص من جهة كونها هي الفرد الظاهر ومحل الابتلاء في الخارج.
ويؤكد ذلك ما ورد في بيعة النساء للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من أنّه : «دعا بمركنه الذي كان يتوضأ فيه فصبّ فيه ماء ثم غمس فيه يده اليمنى ، فكلما بايع واحدة منهنّ قال : اغمسي يدك ، فتغمس كما غمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فكان هذا مماسحته إيّاهن» (3). فإنّها ظاهرة في أنّ الغمس في الماء إنّما كان لأجل عدم ملامستها.
وراء الثوب ، كما لا بأس بلمس المحارم (1).
[3673] مسألة 41 : يُكره للرّجل ابتداء النساء بالسلام ، ودعاؤهنّ إلى الطّعام (2) وتتأكّد الكراهة في الشابَّة.
هذا مضافاً إلى أنّ ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) من أنّه : إذا حرم النظر حرم اللمس قطعاً (1)قريب جدّاً ، فإنّه مقتضى الأولوية القطعية التي يفهمها العرف.
(1) لدلالة النصوص المتقدمة ، وقيام السيرة القطعية على ذلك.
(2) وتدل عليه :
أوّلاً : صحيحة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه قال : «لا تسلّم على المرأة» (2).
ثانياً : صحيحة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا تبدؤوا النساء بالسلام ، ولا تدعوهن إلى الطعام ، فإن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال : النساء عيّ وعورة ، فاستروا عيّهن بالسكوت ، واستروا عوراتهن بالبيوت» (3).
وهذه الصحيحة وإنْ كانت لا تخلو من اضطراب في التعليل ، حيث لم تعرف المناسبة بين قوله (عليه السلام) «النساء عيّ» أي عاجزة عن التكلّم وبين النهي عن ابتدائهنّ بالسلام ، فإنّ هذا التعليل إنما يتناسب مع النهي عن التحدث معهن لا النهي عن ابتدائهنّ بالسلام ، إلّا أنّها بحسب صدرها تتضمن النهي عن ابتدائهن بالسلام فتكون دليلاً على المدّعَى.
وعلى كل حال فهاتان الصحيحتان بإطلاقهما تدلّان على حرمة ابتداء الرجل المرأة
.................................................................................................
السلام ، من دون فرق بين ذات المحرم وغيرها. وحيث إنّ الحكم في ذات المحرم مقطوع العدم ، لقيام السيرة القطعية على الجواز ، فلا بدّ من تقييد إطلاقهما من هذه الجهة وتخصيص الحكم بغير ذات المحرم ، فيكون ظاهرهما حرمة ذلك بالنسبة إليهن. ولكن لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر أيضاً ، لما ورد صريحاً من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والإمام عليّاً (عليه السلام) كانا يبدآن النساء بالسلام.
ففي صحيحة ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يسلّم على النساء ويرددن عليه ، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلّم على النساء ، وكان يكره أن يسلّم على الشابّة ، ويقول : أتخوّف أن يعجبني صوتها ، فيدخل عليَّ أكثر مما طلبت من الأجر» (1).
فإنّ هذه الصحيحة تدلّ على أنّ سيرة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) كانت على ابتدائهن بالسلام ، خصوصاً إنّ ملاحظة قوله (عليه السلام) : «فيدخل عليَّ أكثر مما طلبت من الأجر» تكشف عن استحباب ابتدائهن بالسلام وإن ذلك مما فيه الأجر ، كما لا يخفى.
والجواب عن ذلك بأنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أبٌ للأُمّة جمعاء ، كما يظهر من قوله تعالى ( وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) (2)ولذلك حرم التزوّج بهنّ بعده (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فلا تبقى في الرواية دلالة على جواز ابتداء الأجنبية بالسلام ، إنّما يتمّ في خصوص ما روي من فعله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فيبقى فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حجة على الجواز بل الاستحباب على ما عرفت.
وعلى هذا فيتحصل مما تقدم أنّ ابتداء المرأة بالسلام كابتداء الرجل به ، أمر مستحب ومرغوب شرعاً من دون تقييد بالمحارم أو غيرها. نعم ، في خصوص السلام على الشابّة إذا خاف الرجل أن يعجبه صوتها يلتزم بالكراهة ، لما تقدّم.
[3674] مسألة 42 : يكره الجلوس في مجلس المرأة إذا قامت عنه إلّا بعد برده (1).
[3675] مسألة 43 : لا يدخل الولد على أبيه إذا كانت عنده زوجته إلّا بعد الاستئذان (2)
(1) ففي رواية جابر بن يزيد الجعفي في حديث قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يقول : «وإذا قامت المرأة من مجلسها ، فلا يجوز للرجل أن يجلس فيه حتى يبرد» (1). إلّا أنّها ضعيفة السند بأحمد بن الحسن القطان شيخ الصدوق حيث لم يرد فيه أي توثيق.
نعم ، في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : إذا جلست المرأة مجلساً فقامت عنه ، فلا يجلس في مجلسها رجل حتى يبرد» (2).
وهي وإنْ كانت بحسب ظاهرها دالّة على الحرمة ، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورها وحملها على الكراهة ، لقيام السيرة القطعية على الجواز. فإنّ الرجال يجلسون مجالس النساء من دون تقيد بكونها من المحارم ، كما يتفق ذلك كثيراً في العوائل المتعددة الساكنة في بيت واحد لا سيما إذا كان يجمعهم نوع من العلقة والارتباط ، فإنّ الرجل يجلس في مكان زوجة أخيه أو أُخت زوجته من دون أن يثبت في ذلك ردع.
على أنّ الحكم بالتحريم لو كان ثابتاً لكان ينبغي أن يكون من أوضح الواضحات لما عرفت من كثرة الابتلاء به ، فكيف ولم ينسب القول به إلى أحد من الأصحاب!
(2) استدل على ذلك برواية محمد بن علي الحلبي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يستأذن على أبيه؟ فقال : «نعم ، قد كنت أستأذن على أبي وليست أُمي عنده ، إنّما هي امرأة أبي توفيت أُمي وأنا غلام ، وقد يكون في خلوتهما ما لا أُحب أن أفجأهما عليه ولا يحبّان ذلك منّي ، والسلام أحسن وأصوب» (3). إلّا أنّها ضعيفة
.................................................................................................
السند بأبي جميلة الذي يروي عن محمد بن علي الحلبي ، فإنّه ممن عرف بالكذب.
نعم ، في صحيحة أبي أيوب الخراز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «يستأذن الرجل إذا دخل على أبيه ، ولا يستأذن الأب على الابن» (1).
وهذه الرواية وإن كانت صحيحة سنداً إلّا أنّها غير مقيدة بما إذا كانت عنده زوجته أو كان في ساعات الخلوة ، ومن هنا يفهم أنّ الحكم أخلاقي صرف لحفظ مقام الأُبوة وكرامته ، فإنّ ذلك يقتضي عدم دخول الولد على أبيه من دون استئذان حتى لو لم يكن للأب زوجة ولم يكن في ساعات الخلوة.
وعلى هذا فتكون هذه الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، فإنّها غير ناظرة إلى وجود الزوجة عنده وعدمه ، بل تتكفل بيان ما يقتضيه الأدب واحترام الأب ، فتُحمل على الاستحباب لا محالة ، لقيام السيرة القطعية على جواز الدخول على الأب إذا لم تكن زوجته عنده من غير استئذان ، فإنّه لو كان الحكم بالوجوب ثابتاً لظهر وبان.
نعم ، في خصوص ما لو كانت زوجته معه ، أو كان في ساعات الخلوة ، يمكن استفادة لزوم الاستئذان من قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (2).
فإنّ هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم الاستئذان عند إرادة الدخول على الرجل إذا كان في ساعات الخلوة مطلقاً ، من دون تخصيص بكون المدخول عليه أباً أو ولداً أو غيرهما. فإنّ ذكر ما ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ، أمّا هو من جهة كثرة الابتلاء بدخولهم عليه ، وأمّا من جهة التصريح بعموم الحكم لهم كي لا يتوهّم
.................................................................................................
خروجهم عنه.
فإنّ هذه الساعات ساعات عورة للإنسان ، بمعنى كونها ساعات خلوة له ، فلا بدّ أن يخلى هو ونفسه ويترك بحاله ، سواء كان له زوجة أم لم تكن ، كانت زوجته عنده أم لم تكن. فإنّ المفروض ترك الرجل بحاله في هذه الساعات مطلقاً ، من دون تقييد بكونه أباً أو ولداً ، كما يشهد لذلك قوله عزّ وجلّ في ذيل الآية ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ) .
والحاصل أنّ الاستئذان في هذه الأوقات المعبَّر عنها في الآية الكريمة بالعورة ، وفي الروايات الصحيحة بساعات الخلوة ، واجب مطلقاً من دون خصوصية لكون الرجل أباً وكونه متزوِّجاً فضلاً عن كونها عنده ، فإنّه يجب حتى عند دخول الأب على الابن.
وأمّا في غيرها فإن لم يكن الرجل متزوِّجاً ، أو لم تكن زوجته عنده ، فيستحب الاستئذان للابن خاصة ، حفاظاً على مقام الأُبوة وكرامته.
وإن كان متزوِّجاً وكانت زوجته عنده وجب الاستئذان مطلقاً أيضاً ، وذلك لذيل صحيحة الخراز المتقدمة حيث ورد فيها : «ويستأذن الرجل على ابنته وأُخته إذا كانتا متزوِّجتين» (1).
فإنها بضميمة بعض الروايات المعتبرة التي دلّت على وجوب استئذان الرجل عند إرادة الدخول على المرأة مطلقاً ، والتي لا بدّ من تقييدها بما إذا كانت متزوجة لصحيحة الخراز ، تدل بمفهومها على جواز الدخول على غير المتزوجة.
وحيث إنّ من المقطوع به أنّ مجرّد التزويج لا أثر له ، وإنّما الحكم من أجل أن لا يراها في حالة غير مناسبة ، وإلّا فلا مانع من الدخول على التي زوجها في السفر ، أو التي لم تزف إليه بعد ، ينتج اختصاص الحكم بما إذا علم بوجود زوجها عندها أو احتمل ذلك.
ولما كان هذا الحكم ثابتاً في أب البنت صريحاً ثبت في الأب للولد أيضاً ، ولو من
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 120 ح 1 ، وتقدّم صدر الرواية في ص 87 ه 1.
ولا بأس بدخول الوالد على ابنه (1)بغير إذنه (1).
[3676] مسألة 44 : يفرّق بين الأطفال في المضاجع (2)إذا بلغوا عشر سنين (2)
جهة عدم جواز دخول الرجل على المرأة إذا علم أو احتمل وجود زوجها عندها إلّا مع الاستئذان.
(1) لصحيحة الخرّاز المتقدِّمة.
(2) للأمر به في صحيحة عبد اللّه بن ميمون ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه (عليهم السلام) ، قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : الصبيّ والصبيّ ، والصبيّ والصبيّة ، والصبيّة والصبيّة ، يفرّق بينهم في المضاجع لعشر سنين» (3).
ومقتضى إطلاقها وإنْ كان عدم الفرق بين نومهما عاريين ونومهما مع الملابس ، إلّا أنّه لما ورد في عدّة من الروايات النهي عن نوم رجلين أو امرأتين تحت لحاف واحد بل ورد تعزيرهما على ذلك (4)، وقد ذكرنا في باب الحدود من مباني تكملة المنهاج أنّ ذلك يختص بنومهما عاريين كما هو المتعارف عند أهل البادية ولا يشمل نومهما مع الملابس (5)فإنّه مما لا يحتمل حرمته في الرجلين ولا المرأتين ، بل ولا رجل وامرأة من محارمه ، بل السيرة القطعية قائمة على الجواز خصوصاً عند قلة الغطاء ، وحيث إنّ الحكم في المقامين من وادٍ واحد فلا بدّ من حمل هذه الصحيحة على نوم الطفلين عاريين مجرّدين عن الملابس.
ومن هنا لم يظهر لنا وجه عدم التزام الأصحاب بالوجوب وحملهم الصحيحة على الاستحباب ، بعد التزامهم في تلك المسألة بالوجوب إذا كانوا مجرّدين عن الملابس.
وفي رواية : إذا بلغوا ستّ سنين (1).
[3677] مسألة 45 : لا يجوز النظر (1)إلى العضو المبان من الأجنبي ، مثل : اليد ، والأنف ، واللسان ، ونحوها (2)
(1) وقد رواها الصدوق (قدس سره) في الفقيه (2)إلّا أنّه لا بدّ من حملها على الاستحباب ، لضعف سندها بالإرسال.
(2) واستدل له باستصحاب عدم الجواز الثابت قبل الانفصال ، حيث أنّ الاتصال والانفصال من الحالات الطارئة ، فلا يكون تبدلها مخلّاً بالموضوع ، ولذا جاز استصحاب ملكية الجزء المقطوع من المملوك ، ونجاسة الجزء المبان من الكلب.
وفيه :
أوّلاً : ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) من تعدّد الموضوع (3)، حيث كان موضوع عدم الجواز هو المرأة الأجنبية وهو غير صادق على العضو المبان ، فلا يجري فيه الاستصحاب ، ويكفينا في عدم جريانه الشك في بقاء الموضوع.
ثانياً : ما تقدم منّا في المباحث الأُصولية من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.
وعليه فالحكم على تقدير ثبوته مبني على الاحتياط.
وأما ما استشهد به من نجاسة الأجزاء المبانة من الكلب ، وملكية الأجزاء المقطوعة من المملوك ، فهو غير صحيح ، إذ ليس الحكم فيها من جهة الاستصحاب وإلّا لكان يجري فيه ما تقدم ، وإنّما هو من جهة شمول نفس الدليل الدال على النجاسة أو الملكية لهما ، إذ أن دليل النجاسة إنّما يدل على نجاسة كل جزء من الكلب ، كما أنّ دليل الملكية يدل على ملكية كلّ جزء ، لا أنه يتكفل نجاسة الكلب بما هو وبهذا
لا مثل السن والظفر والشعر ونحوها (1).
[3678] مسألة 46 : يجوز وصل شعر الغير بشعرها (2) ويجوز لزوجها النظر إليه (3) على كراهة ،
العنوان وملكية المركب من حيث المجموع ، كي يحتاج في إثبات نجاسة الأجزاء المبانة أو ملكيتها إلى الاستصحاب.
(1) لم يظهر وجه الفرق بين الشعر واليد ، فإنّه لا مجال لدعوى انصراف أدلّة عدم الجواز عنه ، وإنْ لم يكن ذلك بعيداً في مثل الظفر والسن.
وعليه فإنْ قلنا بجريان الاستصحاب في مثل اليد وغيرها من الأجزاء المبانة ، كان لازمه عدم جواز النظر إلى الشعر أيضاً ، فإنّ كونه من التوابع لا يمنع من جريانه فيه فإنّ التبعية من الحالات الطارئة وليست من مقومات الموضوع. اللّهم إلّا أن يستفاد الجواز فيه من أدلّة جواز وصل الشعر ، وسيأتي الحديث فيه في المسألة القادمة.
(2) للأصل ، ومعتبرة سعد الإسكاف الآتية.
(3) لما عرفت من جواز النظر إلى الشعر المبان مطلقاً ، لعدم الدليل على حرمته.
ثم لو قلنا بالحرمة في المسألة السابقة ، فيكفينا في إثبات الجواز هنا معتبرة سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سُئل عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهنّ يصلنه بشعورهنّ ، فقال : «لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها». قال : فقلت : بلغنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لعن الواصلة والموصولة ، فقال : «ليس هناك ، إنّما لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الواصلة والموصولة التي تزني في شبابها ، فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال ، فتلك الواصلة والموصولة» (1).
فإنّها واضحة الدلالة على الجواز ، ولا مجال لحملها على كون القرامل من الصوف إذ لو كان الأمر كذلك لما كان معنى لتطبيق السائل ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) من لعن الواصلة والموصولة على المقام ، فإنّه لا معنى للعن الحيوان الذي
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 101 ح 2.
بل الأحوط الترك (1).
[3679] مسألة 47 : لا تلازم بين جواز النظر وجواز المسّ (2). فلو قلنا بجواز النظر إلى الوجه والكفّين من الأجنبية ، لا يجوز مسّها إلّا من وراء الثوب.
يؤخذ منه الصوف ، فملاحظة هذه الجهة تدلّنا بوضوح على أنّ القرامل إنّما كانت من شعر النساء دون الصوف وما شاكله.
(1) لرواية ثابت بن سعيد ، قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن النساء تجعل في رؤوسهن القرامل ، قال : «يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة لنفسها ، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها ، فإنْ وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرّها» (1).
ورواية سليمان بن خالد ، قال : قلت له : المرأة تجعل في رأسها القرامل ، قال : «يصلح له الصوف وما كان من شعر المرأة نفسها ، وكره أن يوصل شعر المرأة من شعر غيرها ، فإن وصلت شعرها بصوف أو شعر نفسها فلا بأس به» (2).
غير أن كلتيهما ضعيفتان سنداً ، فلا تصلحان للاعتماد عليهما وإثبات الكراهة بهما. فإنّ ثابت بن سعيد على ما في رواية الشيخ (3)، أو ثابت بن أبي سعيد على ما في رواية الكليني (4)مجهول لم يرد فيه أيّ توثيق (5). كما أنّ الثانية مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها.
نعم ، لا بأس بالحكم على نحو الاحتياط الاستحبابي فقط.
(2) فإنّهما موضوعان مستقلان ولا ارتباط لأحدهما بالآخر ، فإذا ثبت الجواز في أحدهما لم يستلزم ذلك ثبوته للآخر ، كما هو واضح.
[3680] مسألة 48 : إذا توقف العلاج على النظر دون اللّمس ، أو اللّمس دون النظر ، يجب الاقتصار على ما اضطر إليه (1) فلا يجوز الآخر بجوازه.
[3681] مسألة 49 : يكره اختلاط النساء بالرجال (2) إلّا للعجائز ، ولهنّ حضور الجمعة والجماعات (3).
(1) لما تقدم.
(2) لمعتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا أهل العراق ، نبئت أنّ نساءكم يدافعن الرجال في الطريق ، أما تستحون»؟ (1).
(3) الظاهر كون هذه الجملة عطفاً على المستثنى دون المستثنى منه ، ومن هنا كان الأحرى التفريع بالفاء.
وتدلّ عليه معتبرة محمد بن شريح ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن خروج النساء في العيدين ، قال : «لا ، إلّا العجوز عليها منقلاها» يعني الخفين (2).
وهذه المعتبرة وإن كانت واردة في خصوص العيدين ، إلّا أنّه بإلغاء الخصوصية ودعوى أنهما ذكرا كمثال نظراً لكون الزحام فيهما أكثر ، يمكن التعدي عنهما إلى الجمعة ، بل مطلق الجماعة.
وأما رواية يونس بن يعقوب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن خروج النساء في العيدين والجمعة ، فقال : «لا إلّا امرأة مسنة» (3). فلا تصلح للاستدلال بها لضعف سندها وإن عبّر عنها في بعض الكلمات بالموثقة ، فإنّ محمد بن علي الذي يرويها عن يونس هو الصيرفي الكوفي ، وهو ضعيف جدّاً (4).
[3682] مسألة 50 : إذا اشتبه من يجوز النظر إليه بين من لا يجوز بالشبهة المحصورة ، وجب الاجتناب عن الجميع (1). وكذا بالنسبة إلى من يجب التستّر عنه ومن لا يجب.
وإن كانت الشبهة غير محصورة أو بدوية ، فإن شكّ في كونه مماثلاً أو لا ، أو شكّ في كونه من المحارم النسبية أو لا ، فالظاهر وجوب الاجتناب (1)، لأنّ الظاهر من آية (وجوب الغضّ) أنّ جواز النظر مشروط بأمر وجودي وهو كونه مماثلاً أو من المحارم ، فمع الشكّ يعمل بمقتضى العموم ، لا من باب التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية (2) بل لاستفادة شرطية الجواز بالمماثلة أو المحرمية أو نحو ذلك.
(1) لتنجيز العلم الإجمالي.
(2) على ما نسب إلى بعض ، بدعوى أنّ العام قبل التخصيص شامل لجميع الأفراد ، فما علم بخروجه منه بعد التخصيص فهو ، وبقي الباقي بما في ذلك الأفراد المشكوكة تحت العام حيث لم يحرز خروجها بالتخصيص. وعليه ففيما نحن فيه حيث ثبت وجوب الاجتناب وحرمة النظر مطلقاً ، ثم خصص ذلك الحكم بعناوين معينة كالزوج والأب وغيرهما من المذكورين في الآية فإذا شكّ في كون فرد من مصاديق هذه العناوين أو لا ثبت له حكم العام ، لظهور العام في شمول الحكم له قبل التخصيص وعدم إحراز كونه من مصاديق المخصص.
وفيه : إنّ ذلك لو تمّ إنّما يتمّ فيما إذا كان التخصيص بدليل منفصل ، أما لو كان التخصيص بدليل متصل فلا يتمّ للعام ظهور في شمول الحكم لجميع الأفراد ، حيث لا ينعقد للعام ظهور إلّا في غير الخاص ، كما هو أوضح من أن يخفى.
وحيث إنّ مقامنا من هذا القبيل فإنّ استثناء هذه العناوين في الآية الكريمة متصل فلا ينعقد ظهور العام في شمول الحكم لجميع الأفراد ، بل الحرمة إنّما تثبت من الأول في غير هذه العناوين المذكورة ، وعليه فلا يحرز كون الفرد المشكوك داخلاً تحت العام من الأول ، ومعه لا يكون مشمولاً للحكم حيث إنّ شمول الحكم له فرع إحراز كونه مصداقاً لذلك الموضوع.
1) (*) بل الظاهر عدمه في نظر الرّجل والمرأة إلى من يشكّ في مماثلته.
فليس التخصيص في المقام من قبيل التنويع (1)(1) حتى يكون من موارد أصل
وبعبارة اخرى : إنّه لا بدّ في ثبوت الحرمة للفرد من إحراز كونه من غير العناوين المذكورة في الآية الكريمة ، حيث إنّ الحكم إنّما ثبت لمن لم يكن مصداقاً لتلك العناوين ، فإذا لم يحرز ذلك فلا وجه للتمسك بالعام فيه. على أنّ التمسك بالعام في الشبهات المصداقية في غير محلّه حتى ولو كان التخصيص بدليل منفصل ، وذلك لما ذكرناه في محلّه من أنّ المخصص المنفصل وإن لم يكن رافعاً لظهور العام في شمول الحكم لجميع الأفراد ، إلّا أنّه إنّما يكشف عن عدم تعلّق الإرادة الواقعية بجميع الأفراد من بادئ الأمر ، وأنّ الحكم من الأوّل كان متعلقاً بحصة خاصة هي غير الخاص. وعليه فكيف يصح التمسك بالعام في الفرد المشكوك والاحتجاج به على المولى؟! وبعبارة اخرى : إنّ المخصص المنفصل وإن كان لا يرفع ظهور العام في شمول الحكم لجميع الأفراد ، إذ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه ، لكنه يرفع حجية ظهور العام في الخاص ، ويوجب قصر حجية ظهور العام بغير الخاص. وعليه ففي الفرد المشكوك وإن أحرزنا ظهور شمول العام له ، إلّا أنّه لا طريق إلى إحراز حجية ذلك الظهور ، فإنّها مختصة بغير الخاص وهذا الفرد مشكوك فلا يمكن القول بحجيته فيه.
وبالجملة فلا مجال للالتزام بالحرمة في المقام عن طريق التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ، سواء أكان المخصص متصلاً ، أم منفصلاً.
(1) تقدم الكلام في محلّه من المباحث الأُصولية أنّ كل تخصيص يوجب التحصيص والتنويع لا محالة ، سواء في ذلك الأقسام الذاتية كتقسيم المرأة إلى القرشية وغير القرشية ، أو العرضية كبلوغ الماء قدر كر وعدمه.
والوجه فيه ظاهر ، فإنّ الباقي بعد التخصيص كقولنا : كل امرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية ، وقولنا : إنّ الماء ينجس إلّا إذا بلغ الكر إما أن يثبت له الحكم على نحو الطبيعة المهملة ، أو الطبيعة المطلقة ، أو الطبيعة المقيدة.
1) (*) التخصيص يوجب التنويع لا محالة ، إمّا أن المخصص في المقام بما أنّه أمر وجودي فعند الشك يحرز عدمه بالأصل بناءً على ما حقّقناه من جريانه في الأعدام الأزلية.
البراءة ، بل من قبيل المقتضي والمانع (1).
والأوّل ممتنع ، لامتناع الحكم على الطبيعة المهملة.
والثاني غير معقول ، إذ لازمه ثبوت الحكم الأول للمستثنى منه والمستثنى معاً.
فيتعيّن أن يكون الحكم ثابتاً له على نحو الطبيعة المقيدة بغير الخاص والمستثنى لا محالة ، وهو ليس إلّا التنويع والتحصيص. فإنّ الحكم بالحيض إلى خمسين أو النجاسة يثبت لنوع وحصة من المرأة والماء ، في حين إنّ الحكم بعدم الحيض وعدم الانفعال يثبت لنوع وحصة اخرى من المرأة والماء.
(1) وفيه : أنّ هذه القاعدة غير ثابتة ، إذ لم يدلّ عليها أي دليل من الشارع أو السيرة فلا مجال للتمسك بها ، اللّهم إلّا أن يكون مرجعها إلى الاستصحاب ، وتفصيل الكلام في محلّه من الأُصول.
ومما تقدم يتضح أنّه لا مجال لإثبات الحرمة في المقام بما أفاده (قدس سره).
نعم ، ذكر شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في مجلس درسه وفي حاشيته على الكتاب وجهاً آخر لإثباتها ، حيث قال : ويدلّ نفس هذا التعليق على إناطة الرخصة والجواز بإحراز ذلك الأمر ، وعدم جواز الاقتحام عند الشكّ فيه ، ويكون من المداليل الالتزامية العرفية.
وحاصله أنّ كل أمر ترخيصي ، سواء أكان تكليفياً كجواز الكشف للمذكورين في الآية ، أم كان وضعياً كعدم انفعال الماء ، إذا كان مشروطاً بأمر وجودي فلا بدّ من إحرازه في ثبوته ، فلو لم يحرز بأن شكّ فيه ثبت فيه الإلزام لما هو المتفاهم العرفي من دليل الترخيص.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه وإن كان (قدس سره) يصرّ عليه كثيراً في مجلس بحثه وذلك لعدم مساعدة الفهم العرفي لما ذكره (قدس سره) ، وذلك لأنّ المتفاهم من دليل الأحكام أنّه لا يتكفل إلّا بيان الحكم الواقعي الذي هو في المقام حرمة كشف المرأة بدنها لغير المذكورين وجوازه لهم وأما ما هي الوظيفة عند الشكّ وعدم إحراز الموضوع فليس للدليل أي تعرض لحكمه ، بل هو ساكت عنه تماماً.
وبعبارة اخرى : إنّ أدلة الأحكام لا تتكفل إلّا بيان ما هي وظيفة المكلف وما هو
.................................................................................................
حكمه واقعاً ، من دون أن يكون لها أي نظر إلى ما هو حكمه ظاهراً عند الشكّ في الحكم الواقعي نتيجة الشكّ في المصداق.
والصحيح في توجيه الحرمة في المقام هو التمسك بأصالة العدم الأزلي ، فيقال : إنه بعد فرض ثبوت العموم وكون الاستثناء استثناءً للأمر الوجودي ، فإذا شكّ في تحقق ذلك العنوان الوجودي وحدوثه استصحب عدمه ، وحكم على ما في الخارج بأنّه غير متصف بذلك الوصف الوجودي.
وتوضيحه : أنّ المرأة حينما تشك في كون من تنظر إليه مماثلاً لها وعدمه ، أو كونه من محارمها النسبية وعدمه ، إنّما تشك في انطباق العنوان الوجودي الخارج بالدليل من عموم حرمة النظر وإبداء الزينة أعني كونه مماثلاً لها ، أو من محارمها النسبية عليه. ومقتضى استصحاب العدم الأزلي هو عدم كون المنظور إليه متصفاً بهذا الوصف ، وعليه فلا يجوز لها النظر إليه ولا إبداء زينتها له ، لأنه بمقتضى الاستصحاب إنسان غير متصف بكونه مماثلاً أو محرماً نسبياً.
وهكذا الحال في جانب الرجل حينما يشكّ في المنظور إليه ، فإنه إنّما يشكّ في حدوث العنوان الوجودي المماثلة والمحرمية الخارج بالدليل من حرمة النظر لهذا المنظور المشكوك فيه ، فيستصحب عدمه ويحكم بالحرمة لا محالة.
هذا ولكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) أصرّ على عدم جواز إجراء الأصل في الأعدام الأزلية ، وملخّص ما أفاده (قدس سره) في هذا المقام هو :
إنّ الاستثناء يوجب تعنون المستثنى منه بعنوان لا محالة ، على ما تقدم توضيحه قريباً منّا حيث قلنا أنّ المستثنى منه يستحيل أن يبقى بعد الاستثناء على إطلاقه ، بل يتقيّد بغير المستثنى قهراً. وعليه فإن كان المستثنى عنواناً وجودياً كقولنا : يحرم النظر إلى المرأة إلّا المحارم كان القيد المأخوذ في المستثنى منه عنواناً عدميا ، فيكون الموضوع للحرمة هو المرأة المتصفة بعدم كونها من محارمه. وكلما كان الموضوع مركباً من جوهر وعرض كقولنا : إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء كان العرض نعتاً ووصفاً للموضوع لا محالة ، بحيث يكون الموضوع في المثال المتقدم هو الماء المتصف بالكرية لا الماء وذات الكرية أينما كانت ، فإنه ليس موضوعاً للحكم جزماً.
.................................................................................................
وحيث إنّ حال القيد العدمي حال القيد الوجودي ، فكما أن أخذ الثاني في موضوع الحكم إنّما يكون نعتاً ووصفاً للموضوع فكذلك الأول ، فإنّه إذا أُخذ عدم الأمر الوجودي قيداً للموضوع كقولنا : المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية كان ذلك نعتاً ووصفاً للموضوع لا محالة ، فيكون المستثنى منه هي المرأة المتصفة بأنها من غير قريش ، في حين يكون المستثنى هي المرأة المتصفة بأنها من قريش.
وعليه ففي مقام الاستصحاب إن أُريد استصحاب العدم الأزلي أعني نفس عدم القرشية المعبّر عنه بالعدم المحمولي ، فهو وإن كان صحيحاً من حيث أنّ لذلك العدم حالة سابقة حيث أنّ المرأة لم تكن كما لم تكن القرشية على نحو القضية السالبة بانتفاء الموضوع ، إلّا أن هذا الاستصحاب لا يجدينا نفعاً ، باعتبار أنّه لا يثبت أنّ هذه المرأة متصفة بأنها ليست من قريش والمعبّر عنه بالعدم النعتي ، لأنّه من الأصل المثبت وهو ليس بحجة عندنا.
وإن أُريد به استصحاب العدم النعتي المأخوذ في موضوع الحكم ، فمن الواضح أنّه ليست له حالة سابقة ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه.
وبعبارة اخرى نقول : إنّ عدم المماثلة أو المحرمية لا يمكن إثباته بالاستصحاب ، لأنّ ما له حالة سابقة وهو العدم المحمولي لا أثر له ، وما له أثر أعني اتصاف الموجود الخارجي بعدم ما أُخذ في الاستثناء المعبّر عنه بالعدم النعتي لا حالة سابقة له كي يستصحب.
وفيه : إنّ ما ذكره (قدس سره) وإن كان صحيحاً فيما إذا علم من الخارج أنّ العدم مأخوذ على نحو النعتية المعبّر عنها بالعدم النعتي لظهور الدليل أو لجهة أُخرى ، فإنه حينئذ لا ينفع استصحاب العدم الأزلي في إثبات اتصافه بذلك. نظير ما لو اجري استصحاب عدم البصر في المشكوك كونه أعمى أو بصيراً ، فإنه لا يثبت كونه أعمى بل لا بدّ من إحراز الوصف المأخوذ في الموضوع لا محالة.
إلّا أن تطبيقه على المقام كسائر موارد الاستثناءات المتصلة أو المنفصلة غير تام ، وذلك لأنّ المعتبر في جانب المستثنى إنّما هو نفس العرض ، والعرض وجوده في نفسه عين وجوده لغيره ، فوجود الكرية في الماء عين اتصاف الماء بالكرية ، فإنّ سنخ
.................................................................................................
وجوده وجود قائم بالغير ، فإذا قيل : إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء ، كان الموضوع هو الماء المتصف بالكرية طبعاً.
وعلى هذا قس سائر الموارد ومنها المقام ، فإنّ وجود الأُبوة في شخص عين اتصاف ذلك الشخص بالأُبوة ، فليس هناك إلّا شيء واحد ووجود منفرد.
وهذا الكلام بقدر ما يرتبط بالمستثنى تامّ ولا إشكال فيه. وأما في جانب المستثنى منه فلا يخفى أنّ موضوع الحكم فيه ليس هو الفرد المتصف بعدم الوصف المأخوذ في المستثنى ، فإنّه يحتاج إلى العناية والتكلف ولا يقتضيه الدليل بنفسه ، إذ الاستثناء لا يقتضي إلّا خروج العنوان المذكور المستثنى من الحكم الثابت للمستثنى منه ، وأما اتصاف المستثنى منه بعنوان آخر مضاد للمستثنى فليس فيه أي اقتضاء لذلك.
وعليه فيكون الباقي تحت العام بعد الاستثناء في قولنا : كل امرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية ، هي المرأة التي لا تكون قرشية على نحو السالبة المحصلة ، بمعنى أنّ موضوع الحكم إنما هي المرأة التي لا تتصف بالقرشية ، لا المرأة المتصفة بأنها ليست قرشية ، وبين العنوانين فرق واضح.
وبعبارة اخرى : إنّ الذي يقتضيه الاستثناء إنّما هو كون الموضوع مقيداً بكونه ليس من المستثنى ، فيكون القيد المأخوذ عدميا لا محالة ، أما كونه مقيداً باتصافه بأنّه غير المستثنى بحيث يكون القيد وجودياً ، فهو بحاجة إلى عناية زائدة ولا يقتضيه الاستثناء بنفسه.
وعليه فحيث لا يعتبر في أخذ العدم قيداً للموضوع كونه على نحو الناعتية ، إذ الذي هو نعت ووجوده في نفسه عين وجوده لغيره إنّما هو وجود العرض لا عدمه فإن العدم أمر باطل وليس له وجود في الخارج كي يكون وجوده لنفسه عين وجوده لغيره ، بل يستحيل أن يكون العدم حقيقة نعتاً ووصفاً لشيء إذ لا وجود له كي يكون كذلك ، وإنّما يؤخذ على نحو من العناية ، بأن يلحظ أمر وجودي ملازم له فيكون ذلك الأمر الوجودي نعتاً ، وإلّا فالعدم غير قابل للناعتية.
فكل امرأة لم تكن متصفة بعنوان القرشية في المثال المتقدم تكون داخلة في الحكم من دون حاجة إلى أخذ قيد أو وصف ، إذ إنّ ثبوت الحكم لها لا يتوقف إلّا
.................................................................................................
على أمرين :
الأوّل : إحراز أصل الذات.
الثاني : عدم اتصافها بالقرشية على نحو السالبة المحصلة.
وحيث إنّ الأوّل محرز في الخارج وجداناً ، والثاني يمكن إحرازه بالأصل ، فيثبت الحكم لها لا محالة ، فإنها قبل أن توجد لم تكن ذاتها ولا اتصافها بالقرشية موجوداً فإذا وجدت ذاتها وشككنا في اتصافها بالقرشية أمكن نفيه بأصالة العدم ، المعبّر عنها باستصحاب عدم الوجود.
والحاصل أنّ موضوع الحكم يحرز عن طريق ضمّ الوجدان إلى الأصل ، فيضم ما هو معلوم بالوجدان إلى ما يعلم بالأصل ، فيثبت الحكم له قهراً ، حيث إنّ الموضوع ليس هو الاتصاف بالعدم وإنّما هو نفس العدم ، وهو قابل للإحراز بالاستصحاب.
وتمام الكلام قد ذكرناه في مبحث اللباس المشكوك وتعليقاتنا على تقريراتنا لبحث شيخنا الأُستاذ (قدّس سرّه) ، فراجع.
ثم إنّ لبعضهم تفصيلاً في جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، بين ما إذا كان الوصف المشكوك ثبوته من أعراض الوجود ووصفاً عرضيا نظير القرشية وغيرها من العناوين النسبية ، وبين ما إذا كان الوصف ذاتياً ومن قبيل مقومات الماهية كإنسانية الإنسان وحجرية الحجر.
حيث أنكر جريان الاستصحاب في الثاني حتى بناء على القول باستصحاب العدم الأزلي ، بدعوى أنّ ثبوت الشيء لنفسه ضروري. فإنّ الإنسان إنسان سواء وجد في الخارج أم لم يوجد ، وعليه فإذا شكّ في كون الموجود خارجاً إنساناً أم غيره فلا معنى لأن يستصحب عدم إنسانيته ، حيث لم تكن لذلك حالة سابقة فإنّ الإنسان لم يكن في زمان موصوفاً بعدم الإنسانية كي يستصحب ، وحيث إنّ الرجولية والأُنوثية من هذا القبيل ، فلا مجال عند الشكّ فيهما لاستصحاب عدمهما.
وفيه : أنّ ذلك من الخلط بين الحمل الأولي الذاتي الذي يكون الملاك فيه الاتحاد في المفهوم ، وبين الحمل الشائع الصناعي الذي يكون ملاكه الاتحاد في الوجود خارجاً.
وإذا شكّ في كونها زوجة أو لا فيجري مضافاً إلى ما ذكر من رجوعه إلى الشكّ في الشرط أصالة عدم حدوث الزوجية (1). وكذا لو شكّ في المحرمية من باب الرضاع.
نعم ، لو شكّ في كون المنظور إليه أو الناظر حيواناً أو إنساناً ، فالظاهر عدم وجوب الاحتياط (1)، لانصراف عموم وجوب الغضّ إلى خصوص الإنسان (2).
وإن كان الشكّ في كونه بالغاً أو صبياً أو طفلاً مميزاً أو غير مميز ، ففي وجوب الاحتياط وجهان (2): من العموم على الوجه الذي ذكرنا ، ومن إمكان دعوى الانصراف ، والأظهر الأوّل (3).
فإن الذي بلحاظه لا تكون للصفات الذاتية حالة سابقة إنّما هو الأوّل خاصة ، وأما بلحاظ الثاني الذي هو الملاك في الاستصحاب فهي مسبوقة بالعدم لا محالة ، فإنّ هذا الموجود في الخارج المشكوك فيه لم يكن وجوداً لرجل أو امرأة أو حجر أو غير ذلك من العناوين قبل وجوده ، فإذا وجد علم بوجود الإنسان في الخارج وبقي الشكّ في اتصافه بالرجولية عند تحققه ، فيستصحب عدمه لا محالة.
والحاصل أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب بين كون الصفة المشكوكة من قبيل الذاتيات أو كونها من العرضيات ، إذ الاستصحاب إنّما هو بلحاظ الوجود الخارجي وانقلاب العدم إلى الوجود ، لا بلحاظ الحمل الأولي الذاتي.
(1) المعبّر عنها باستصحاب العدم النعتي ، فإنّ الذات بعد وجودها لم تكن موصوفة بذلك الوصف ، فإذا شكّ في اتصافها به استصحب عدمه من دون أن تكون هناك حاجة إلى التمسك باستصحاب العدم الأزلي.
(2) فتكون الشبهة موضوعية ، ومقتضى أصالة البراءة هو الجواز.
(3) وفيه : أنّه لو سلمنا تمامية قاعدة المقتضي والمانع وأنّه لا بدّ من إحراز شرط الجواز ، إلّا أنّها لا تجري في المقام ، إذ إنّ شرط الجواز محرز بالاستصحاب. فإنّ
.................................................................................................
المنظور إليه كان غير بالغ ، وكان صبياً غير مميز ، فإذا شكّ في بلوغه أو تمييزه استصحب بقاؤه على الوصف السابق كما هو الحال في باقي موارد الشبهات الموضوعية ، كالشكّ في طلاق الزوجة.
وبالجملة فإنّ الاستصحاب يرفع موضوع القاعدة المذكورة ويثبت شرط الجواز.
هذا كلّه بناء على ثبوت عموم يقتضي حرمة النظر مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل ، على ما استفاده الماتن (قدس سره) من قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) .
وأما بناءً على ما ذكرنا من أنّ هذه الآية الكريمة غير ناظرة إلى حرمة النظر وإن استفدنا ذلك من أدلّة أُخرى كقوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) وإنّما هي ناظرة إلى صرف النظر وقطعه عن الجنس الآخر ، من دون أن يكون لها نظر إلى حرمة نظر الرجل إلى كل أحد إلّا ما استثني ، فيختلف الحال بالنسبة إلى كثير من الأُصول المتقدمة.
فإن كان الشكّ في كون المرأة المنظور إليها محرماً أو غير محرم ، فالحكم كما تقدم فلا يجوز النظر إليها ، لأنّ مقتضى استصحاب العدم الأزلي هو عدم اتصافها بالمحرمية فتكون من أفراد المستثنى منه لا محالة.
وإن كان الشكّ في كون المنظور إليه مماثلاً له وعدمه ، فالظاهر جواز النظر إليه ، إذ بعد فرض عدم وجود عموم يفيد حرمة نظر الرجل إلى كل أحد إلّا ما استثني ، يكون موضوع حرمة النظر هي المرأة خاصة ، فإذا شكّ في تحققه كان مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم تحققه. ومع قطع النظر عنه فمقتضى أصالة البراءة هو الجواز.
ويظهر من كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) التسالم على هذا الحكم ، حيث نقض به كلام المحقق الثاني (قدس سره) حين التزم بعدم جواز النظر إلى الخنثى المشكل بدعوى أنّ من المحتمل كونها امرأة فلا يجوز النظر إليها مقدمة لتحصيل فراغ الذمّة فأورد عليه (قدس سره) بأنّ الشكّ شكّ في التكليف ، فلا يكون مجرى لقاعدة الاشتغال (1). فيظهر من إيراده هذا أنّ الحكم متسالم عليه بينهم ، وإلّا فلا وجه لجعله نقضاً عليه.
1) جامع المقاصد 12 : 42.
.................................................................................................
وعلى كلّ فما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، لأنّ موضوع الحكم بحرمة النظر إليه على ما عرفت هو المرأة ، فمع الشكّ في تحققه يمكن التمسك بأصالة البراءة ، أو استصحاب العدم الأزلي.
وأولى من هذه الصورة بالجواز ما إذا كان الشكّ في أنّ المنظور إليه إنسان أو غيره فإنه ليس هناك عموم يقتضي حرمة النظر إلى كل شيء ، إذ أنّه على تقدير ثبوته فهو إنّما يقتضي حرمة النظر إلى كل إنسان إلّا ما أخرج بالدليل. وعليه فمع الشكّ في تحقق الموضوع يكون المورد مجرى البراءة ، كما يمكن إثبات عدم تحقق الموضوع بالتمسك باستصحاب العدم الأزلي.
وأما باقي الصور فحكمها لا يختلف ، نتيجة القول بعدم وجود عموم يقتضي حرمة نظر الرجل إلى كل أحد ، فإنّ مقتضى استصحاب العدم النعتي هو عدم حدوث الزوجية فيما إذا كان الشكّ فيها فلا يجوز النظر إليها ، كما أنّ مقتضاه هو عدم البلوغ أو التمييز فيما إذا كان الشكّ فيهما فيجوز النظر إليهما.
هذا كلّه بالنسبة إلى نظر الرجل أو المرأة إلى من يشكّ في جواز النظر إليه. وأما بالنسبة إلى وجوب التستّر على المرأة فيما إذا شكّت في كون الطرف مماثلاً أو من محارمها ، أو شكّت في حدوث سبب يسوغ الإبداء كالزوجية أو المصاهرة أو الرضاع أو شكّت في كونه إنساناً أو غيره ، فيختلف الحكم في ذلك.
أما في الفرضين الأولين ، فلا يخفى أنّ مقتضى استصحاب العدم الأزلي في الأوّل أعني الشكّ في المماثلة أو المحرمية هو عدم اتصاف الموجود في الخارج بعنوان المستثنى ، وعليه فيبقى تحت عنوان المستثنى منه ، ومقتضى عموم حرمة إبداء الزينة هو وجوب الستر عليها.
كما أنّ مقتضى استصحاب العدم النعتي في الثاني هو عدم حدوث السبب المسوغ للإبداء ، فيجب عليها الستر لا محالة.
وأما في الفرض الثالث ، فلا بدّ من التفصيل بين الوجه واليدين وبين سائر الأعضاء. فلا يجب التستّر في الأولين لقوله تعالى ( إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) حيث استفدنا منه عدم وجوب سترهما ، وإن حرم عليها إبداؤهما لغير ما استثني ، ومن هنا فلما لم
[3683] مسألة 51 : يجب على النساء التستّر (1) كما يحرم على الرجال النظر (2) ولا يجب على الرجال التستّر (3) وإن كان يحرم على النساء النظر (1)(4).
نعم ، حال الرجال بالنسبة إلى العورة حال النساء (5) ويجب عليهم التستّر (2)مع العلم بتعمد النساء في النظر ، من باب حرمة الإعانة على الإثم (6).
تحرز كون الناظر إليها إنساناً فلا يجب عليها التستّر بخلاف سائر أعضاء البدن ، حيث استفيد من قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّا ما ظَهَرَ مِنْها ) حرمة إظهارها مع قطع النظر عن وجود الناظر ، وإنّ حالها حال عورة الرجل فيحرم جعلها في معرض نظر الغير ويجب سترها في نفسه ، وعليه فيكفي في وجوب الستر عليها احتمال وجود الإنسان أو كون الموجود إنساناً.
(1) لقوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) على ما تقدّم بيانه مفصّلاً.
(2) لما تقدّم من أنّه مقتضى النهي عن إبداء الزينة.
(3) جزماً ، بل جوازه من الضروريات التي قامت السيرة القطعية عليه.
(4) وقد تقدّم الكلام فيه ، حيث عرفت أنّ مقتضى السيرة العملية القطعية هو الجواز فيما هو المتعارف في الخارج كالوجه واليدين والرأس والرقبة والقدمين فإنّ النساء ينظرن إلى الرجال ولو من وراء حجابهن من دون أن يثبت ردع عن ذلك.
(5) حيث يجب سترها جزماً ، للنصوص الصحيحة الدالّة عليه ، وقد تقدّم الكلام فيه مفصّلاً في بحث التخلي من كتاب الطهارة.
(6) والصحيح هو التفصيل في المقام بين ما إذا كان الرجل قاصداً بكشفه نظر المرأة إليه ، وبين ما إذا لم يكن قاصداً لذلك.
ففي الأول : يجب التستّر ويحرم عليه الكشف ، لأنّه بفعله مسبب للحرام ، ومتعاون
[3684] مسألة 52 : هل المحرّم من النظر ما يكون على وجه يتمكّن من التمييز بين الرجل والمرأة وأنّه العضو الفلاني أو غيره ، أو مطلقه؟ فلو رأى الأجنبية من بعيد بحيث لا يمكنه تمييزها وتمييز أعضائها ، أو لا يمكنه تمييز كونها رجلاً أو امرأة بل أو لا يمكنه تمييز كونها إنساناً أو حيواناً أو جماداً ، هل هو حرام أو لا؟ وجهان الأحوط الحرمة (1).
على عمل مبغوض للمولى.
وفي الثاني : فالحكم بالحرمة لا يخلو من إشكال بل منع ، لعدم صدق الإعانة أولاً.
وعلى تقدير صدقها فلا دليل على حرمة مطلق الإعانة على الإثم ، فإنّ الدليل مختص بإعانة الظالمين فلا يشمل غيرهم ، بل السيرة قائمة على الجواز في غير ذلك المورد من موارد ترتب المحرم على فعل المكلف في الخارج ، إذ لا يحتمل القول بحرمة بيع الخباز الخبز ممن يفطر به في شهر رمضان متعمداً ، وكذا صاحب السيارة أو السفينة إذا حمل من هو في سفر معصية إلى غير ذلك من الأمثلة ، بل المحرم هو التعاون على الإثم ومن الواضح أنّه غير الإعانة ، فإنّه إنّما يتحقق بالاشتراك في الإتيان بالمحرم بحيث يكون له دور القيام ببعض الأجزاء والمقدمات ، وفي غيره لا دليل على الحرمة.
(1) وهو إنّما يتمّ بناءً على ما اختاره (قدس سره) من كون مستند عدم الجواز هو قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) فإنّ مقتضى إطلاقها ثبوت الحكم ، سواء أأمكن التمييز أم لم يمكن.
وأما بناء على ما اخترناه من كون المستند قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) فلا يبعد دعوى توقّف صدق النظر إلى الزينة وإبدائها على التمييز ، إذ لا يصدق النظر إلى ذراع المرأة مثلاً إذا لم يمكنه تمييزه.
وعليه فالحكم بالحرمة فيما إذا لم يميز أعضاءها فضلاً عما إذا لم يمكنه تمييز كونها رجلاً أو امرأة ، أو لم يمكنه تمييز كونها إنساناً أو جماداً مشكل جدّاً.
نعم ، لا بأس بالاحتياط بالترك.
وفيه مسائل
[3685] مسألة 1 : الأقوى وفاقاً للمشهور جواز وطء الزوجة والمملوكة دبراً على كراهة شديدة (1)
فصل
فيما يتعلّق بأحكام الدّخول على الزّوجة وفيه مسائل
(1) والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين :
الأوّل : ما يستفاد من الآيات الكريمة.
الثاني : المستفاد من النصوص.
أمّا المقام الأول : فقد ادُّعي استفادة الجواز من قوله تعالى ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ) (1).
بدعوى أنّ كلمة «أَنَّى» مكانية ، فتدلّ على جواز إتيان النساء في أي مكان منها فتكون دليلاً على جواز وطئها دبراً.
إلّا أنّه ضعيف ، فإنّ كلمة «أَنَّى» ليست مكانية وإنّما هي زمانية صرفة ، كما يظهر ذلك من ملاحظة الآية السابقة ، حيث قال تعالى ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (2).
.................................................................................................
فإنّها تدلّ على أنّ الممنوع إنّما هو إتيان النساء زمان حيضهن وفي تلك الحالة ، وأمّا في غيرها فيجوز إتيان الزوجة في أي وقت شاء الرجل.
على أنّه لو سلمنا كونها مكانية ، فهي لا تدلّ على جواز إتيان المرأة في كل عضو وكل مكان في بدنها ، بحيث يقال بجواز إتيانها في اذنها أو فمها أو أنفها ، بل هي إنّما تدل على عدم اختصاص الجواز بمكان خارجي دون آخر ، كما هو أوضح من أن يخفى.
على أنّ كلمة ال «حَرْث» المذكورة تدلّ بوضوح على اختصاص جواز الوطء بالقبل ، فإنّه محل الحرث دون غيره ، فالأمر بإتيان الحرث أمر بإتيانهن من القبل ، كما يظهر ذلك بملاحظة الأمثلة العرفية. فإنّ المولى إذا أعطى الحب لعبده وأمره بحرثه أينما شاء ، أفهل يحتمل أن يكون مراده وضعه في أي مكان كان ولو في البحر أو النهر؟ كلّا فإنّ من الواضح اختصاص ذلك بما يقبل الحرث والزرع وليس ذلك سوى الأرض.
وعليه فيظهر أنّه لا مجال لاستفادة الجواز من هذه الآية.
وفي قبال هذا القول فقد استدلّ للحرمة بقوله تعالى ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ).
بدعوى انّها تدل على عدم جواز الوطء في الدبر ، لأنّه ليس مما أمر به اللّه سبحانه ، بل الذي أمر به على ما عرفت من قوله تعالى ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ) هو إتيانهنّ في القبل ، لأن القيد وإن لم يكن له مفهوم على ما تقرر في الأُصول إلّا أنّه لما كان ظاهراً في الاحتراز استفيد منه عدم ثبوت الحكم أعني الجواز في المقام لمطلق الإتيان والوطء ، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وهو الإتيان في غير الدّبر ، فلا يكون الإتيان في الدّبر مما أمر به اللّه سبحانه.
وأمّا المقام الثاني : فالنصوص الواردة فيه على طائفتين :
الأُولى : ما تدلّ على الجواز.
الثانية : ما تدلّ على عدم الجواز.
أمّا الطائفة الأُولى : فهي عدّة روايات إلّا أنّ أكثرها ضعيفة سنداً ، بل بعضها مقطوعة البطلان ، على ما سيأتي توضيحه.
.................................................................................................
منها : رواية يونس بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أو لأبي الحسن (عليه السلام) : إنّي ربّما أتيت الجارية من خلفها يعني دبرها ، ونذرت فجعلت على نفسي إن عدت إلى امرأة هكذا فعليَّ صدقة درهم وقد ثقل ذلك عليَّ ، فقال : «ليس عليك شيء وذلك لك» (1).
وهي مقطوعة البطلان مع قطع النظر عن سندها ، إذ لا موجب للحكم ببطلان نذره وأنّه لا شيء عليه بعد ما كان متعلّقه أمراً راجحاً ، فإن الوطء في الدّبر مرجوح بلا خلاف فيكون تركه أمراً راجحاً.
ومنها : رواية علي بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا أتى الرجل المرأة في الدّبر وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل» (2).
وهي كسابقتها في ضعف السند والبطلان ، حيث لم يقل بمضمونها أحد من المسلمين قاطبة.
ومنها : معتبرة حماد بن عثمان عن ابن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها ، قال : «لا بأس به» (3).
ومنها : معتبرة عبد اللّه بن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها ، قال : «لا بأس إذا رضيت». قلت : فأين قول اللّه عزّ وجلّ ( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ ) ؟ قال : «هذا في طلب الولد ، فاطلبوا الولد من حيث أمركم اللّه ، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ) (4).
وهذه الرواية معتبرة سنداً وإن عبّر عنها في بعض الكلمات بالخبر ، فإنّ علي بن أسباط وإن كان فطحياً إلّا أنّه ممّن وثّقه النجاشي (قدس سره) ، بل ذكر أنّه قد رجع
.................................................................................................
عن ذلك إلى مذهب الحق (1)، كما أنّ محمد بن حمران النهدي ثقة جزماً (2).
ومنها : معتبرة علي بن الحكم ، قال : سمعت صفوان يقول : قلت للرضا (عليه السلام) : إنّ رجلاً من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة فهابك واستحيا منك أن يسألك عنها ، قال : «ما هي»؟ قال : قلت : الرجل يأتي امرأة في دبرها؟ قال : «نعم ذلك له». قلت : وأنت تفعل ذلك؟ قال : «لا ، إنّا لا نفعل ذلك» (3).
الطائفة الثانية : فكمعتبرة معمر بن خلاد ، قال : قال لي أبو الحسن (عليه السلام) : «أي شيء يقولون في إتيان النساء في أعجازهن»؟ قلت : إنّه بلغني أنّ أهل المدينة لا يرون به بأساً ، فقال : «إنّ اليهود كانت تقول إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ ) من خلف أو قدام خلافاً لقول اليهود ، ولم يعن في أدبارهن» (4).
فإن إنكاره (عليه السلام) لنفي أهل المدينة البأس عنه ، وتفسيره للآية الكريمة بأنّ المراد إتيانهن من خلف أو قدّام لا وطؤهن في أدبارهن ، يكشف عن ثبوت البأس فيه كما هو واضح.
وهاتان الطائفتان متعارضتان ، ولا يمكن الجمع بينهما بحمل الثانية على الكراهة إذ قد عرفت أنّ الملاك في الجمع العرفي هو إمكان جمع الجوابين في جملة واحدة من دون تهافت أو تناقض ، وهو غير موجود فيما نحن فيه إذ لا يمكن الجمع بين «لا بأس به» و «به بأس» في كلام واحد. وعليه فلو لم يمكن جمعهما بشكل آخر ، كان اللّازم الرجوع إلى الكتاب العزيز والقول بعدم الجواز مطلقاً.
إلّا أن مقتضى معتبرة عبد اللّه بن أبي يعفور هو الجمع فيهما بحمل الاولى على صورة رضاها ، وحمل الثانية على صورة عدم رضاها ، حيث أنّها دلّت على الجواز في
بل الأحوط تركه (1)، خصوصاً مع عدم رضاها بذلك (1).
[3686] مسألة 2 : قد مرّ في باب الحيض الإشكال في وطء الحائض دبراً (2) وإن قلنا بجوازه في غير حال الحيض.
[3687] مسألة 3 : ذكر بعض الفقهاء ممن قال بالجواز ، أنّه يتحقق النشوز بعدم تمكين الزوجة من وطئها دبراً ، وهو مشكل (3) لعدم الدليل على وجوب تمكينها في كل ما هو جائز من أنواع الاستمتاعات حتى يكون تركه نشوزاً (4).
الصورة الأُولى ، فيكون مفهومها عدم الجواز في الصورة الثانية قهراً ، وبذلك تنحل مشكلة التعارض بينهما.
وعليه فلا بدّ من الالتزام بالتفصيل بين صورة رضاها وصورة عدم رضاها ، حيث يجوز في الأُولى دون الثانية. نعم ، لا بدّ من الالتزام بالكراهة في صورة الجواز ، لما ورد في الأخبار من قولهم (عليهم السلام) : «إنّا لا نفعله» فإنّ ذلك يدلّ على مبغوضية الفعل وكراهته.
(1) ظهر مما تقدّم عدم الجواز في هذه الصورة.
(2) تقدم الكلام في محلّه في باب الحيض من كتاب الطهارة ، أنّ منشأ هذا الإشكال إنّما هو صدق القرب المنهي عنه بقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) على الوطء في الدبر ، إلّا أنّك قد عرفت أنّه غير صحيح ، وأنّه لا مانع من الالتزام بجوازه لو قلنا بالجواز في غير تلك الحالة.
(3) بل ممنوع.
(4) مضافاً إلى ما ورد في معتبرة ابن أبي يعفور المتقدمة من اعتبار رضاها بالفعل. فإنّ تعليق الجواز على رضاها يكشف بوضوح عن أنّ ذلك ليس من حقوق الزوج وإنّما هو من حقوقها ، فإن رضيت فهو ، وإلّا فلا يجوز الفعل فضلاً عن عدم تحقق النشوز.
1) (*) لا يترك.
[3688] مسألة 4 : الوطء في دبر المرأة كالوطء في قبلها في وجوب الغسل والعدّة ، واستقرار المهر ، وبطلان الصوم ، وثبوت حدّ الزنا إذا كانت أجنبية وثبوت مهر المثل إذا وطِئها شبهة (1) وكون المناط فيه دخول الحشفة أو مقدارها (2) وفي حرمة البنت والام (3) وغير ذلك من أحكام المصاهرة المعلقة على الدخول.
نعم ، في كفايته في حصول تحليل المطلقة ثلاثاً إشكال ، كما أنّ في كفاية الوطء في القبل فيه بدون الإنزال أيضاً كذلك (1)، لما ورد في الأخبار من اعتبار ذوق عسيلته وعسيلتها فيه (4).
(1) كل ذلك لصدق العناوين المأخوذة موضوعاً لتلك الأحكام من قبيل الجماع والوطء وما شاكلها ، فإنّ من الواضح عدم اختصاصها بمقاربتها في القبل.
(2) تقدم في باب الغسل أنّه لا دليل على التقييد بمقدار الحشفة لمقطوعها ، وعليه فلا بدّ في ترتّب الأحكام المذكورة بالنسبة إليه من مراجعة الإطلاقات وملاحظة الصدق العرفي. فكل مورد صدق فيه الإتيان أو الوطء أو ما شاكلهما من العناوين المأخوذة موضوعاً لتلك الأحكام ، ترتبت عليه تلك الأحكام وإن كان الداخل أقلّ من مقدار الحشفة.
(3) اعتبار الدخول بالبنت في تحريم الأُم إنّما يفرض في مثل ما لو ملك الام والبنت ، فإنّه إذا وطِئ البنت ولو في دبرها حرمت عليه الام.
(4) ولا يخفى أنّه لم يرد في شيء من رواياتنا المعتبرة ما يدلّ على اعتبار ذوقها لعسيلته ، بل المذكور فيها هو اعتبار ذوقه عسيلتها (2). نعم ، هو مذكور في كتب العامّة (3)ومرسلة الشيخ في المبسوط (4).
وكذا في كفايته في الوطء الواجب في أربعة أشهر (1) ، وكذا في كفايته في حصول الفئة والرجوع في الإيلاء أيضاً (2).
[3689] مسألة 5 : إذا حلف على ترك وطء امرأته في زمان أو مكان ، يتحقّق الحنث بوطئها دبراً (3) إلّا أن يكون هناك انصراف إلى الوطء في القبل ، من حيث كون غرضه عدم انعقاد النطفة.
[3690] مسألة 6 : يجوز العزل بمعنى إخراج الآلة عند الإنزال وإفراغ المني خارج الفرج في الأَمة وإن كانت منكوحة بعقد الدوام (4)
وعلى هذا فحيث إنّ من الواضح أنّ المراد بذوقه عسيلتها هو تلذّذه بها ، بمعنى إدراك اللّذّة منها ومجامعته إياها ، وهما غير منحصرين بالقبل ، فلا مانع من الالتزام بتحقق التحليل وطئها في الدبر ، أو في القبل من دون إنزال.
(1) وذلك لأن صريح الأدلة الدالة على وجوبه هو كونه للإرفاق بها ، كما يظهر ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ تلك المدة غاية ما يمكنها من الصبر ، ومن الواضح أنّ الإرفاق بحالها إنّما يكون بوطئها في القبل وإلّا فوطؤها في الدبر ليس إرفاقاً بها ، كما أنّ تلك المدة ليست غاية ما يمكنها من الصبر من هذه الناحية.
(2) والوجه فيه ظاهر ، حيث يعتبر في الإيلاء الحلف على ترك وطئها قبلا بداعي الإضرار بحالها ، ومن الواضح عدم تحقق الفئة التي هي عبارة عن حنث اليمين إلّا بوطئها كذلك.
(3) لأنّه مصداق للوطء المحلوف تركه.
(4) وتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه سئل عن العزل ، فقال : «أما الأَمة فلا بأس ، وأما الحرة فإني أكره ذلك إلّا أن يشترط عليها حين يتزوجها» (1). فإنّ مقتضى إطلاقها هو الجواز مطلقاً ، سواء أكانت منكوحة بعقد الدوام أو الملك.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 76 ح 1.
والحرّة المتمتع بها (1) ومع إذنها وإن كانت دائمة (2) ومع اشتراط ذلك عليها في العقد (3) وفي الدبر (4) وفي حال الاضطرار (5) من ضرر أو نحوه.
وفي جوازه في الحرة المنكوحة بعقد الدوام في غير ما ذكر قولان ، الأقوى ما هو المشهور من الجواز (6) مع الكراهة (7). بل يمكن أن يقال بعدمها أو أخفيتها في العجوزة ، والعقيمة ، والسليطة ، والبذية ، والتي لا ترضع ولدها (8).
(1) وهو مشكل فيما إذا التزمنا بعدم الجواز في الحرة المنكوحة بعقد الدوام. والوجه فيه إطلاق الأدلة ، وعدم تخصيصها الحكم بالدائمة. نعم ، لا بأس بما أفاده (قدس سره) لو ثبت هناك إجماع ، إلّا أنّه في غاية الإشكال.
(2) لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ، حيث يظهر منها أنّ ذلك من حقوق الزوجة ، وعليه فلا مانع منه لو رضيت به.
(3) لصريح صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
(4) لما يظهر من بعض الأخبار أنّ المنع إنّما هو لأجل الولد (1)وعليه فحيث لا يتوقع ذلك من الوطء في الدبر ، فلا تشمله أدلّة المنع.
(5) لأدلّة نفي الاضطرار المقتضية لنفي الحرمة على تقدير ثبوتها.
(6) وذلك لأنّ صحيحة محمد بن مسلم وإن كانت تقتضي بظاهرها الحرمة لما تقدّم مراراً من أنّ التعبير بالكراهة يدلّ على عدم الجواز ما لم يثبت ما يدل على خلافه إلّا أنّه لا مجال للعمل بظاهرها في المقام ، لما ورد في عدّة روايات معتبرة من أنّ «ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء» (2)وما شاكله من التعابير.
(7) للأخبار الدالة بظاهرها على المنع ، كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
(8) لرواية يعقوب الجعفي ، قال : سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول : «لا بأس بالعزل في ستة وجوه : المرأة التي تيقنت أنّها لا تلد ، والمسنّة ، والمرأة السليطة ، والبذية والمرأة التي لا ترضع ولدها ، والأمة» (3).
والأقوى عدم وجوب دية النطفة عليه وإن قلنا بالحرمة (1). وقيل بوجوبها عليه للزوجة وهي عشرة دنانير للخبر الوارد (2) فيمن أفزع رجلاً عن عرسه فعزل عنها الماء ، من وجوب نصف خمس المائة عشرة دنانير عليه. لكنه في غير ما نحن فيه ، ولا وجه للقياس عليه مع أنّه مع الفارق (3).
إلّا أنّ هذه الرواية بهذا السند لا يمكن الاعتماد عليها ، فإنّ يعقوب الجعفي مجهول حيث لم يرد اسمه في غير هذه الرواية على الإطلاق. ومن هنا فلا تصلح هذه الرواية لنفي الكراهة عن هذه الموارد ، بعد ما دلّت صحيحة محمد بن مسلم على ثبوتها في الحرة مطلقاً.
نعم ، من القريب جدّاً دعوى وقوع التحريف في النسخة وأنّ الصحيح هو يعقوب الجعفري ، كما ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في كتابيه الخصال (1)والعيون (2)وتشهد له رواية الحسن بن راشد عنه كثيراً.
وعليه فحيث إنّ الرجل ثقة فلا مانع من العمل بهذه الرواية ، وتخصيص صحيحة محمد بن مسلم بها.
(1) لعدم الدليل عليه.
(2) وهو ما رواه الكليني (قدس سره) في الكافي بأسانيده عن كتاب ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال : وأفتى في مني الرجل يفزع عن عرسه ، فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك ، نصف خمس المائة عشرة دنانير (3).
(3) إذ الزوج مالك للماء على ما صرحت به النصوص المتقدمة فلا مجال لقياسه على الأجنبي المتعدي.
على أنّ القياس إنّما يكون له وجه لو قيل بوجوب دفع الدية إلى الزوجة ، وإلّا فلا معنى لثبوتها في المقام ، إذ لا يعقل القول بوجوب دفع الدية على من عزل لنفسه
وأمّا عزل المرأة بمعنى منعها من الإنزال في فرجها فالظاهر حرمته بدون رضا الزوج ، فإنّه منافٍ للتمكين الواجب عليها ، بل يمكن وجوب دية النطفة عليها (1).
هذا ولا فرق في جواز العزل بين الجماع الواجب وغيره حتى فيما يجب في كل أربعة أشهر (2).
[3691] مسألة 7 : لا يجوز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر (3)
وحيث إنّه لا دليل على وجوب دفع الدية إلى الزوجة حيث إنّها أجنبية عن الماء ولا حق لها فيه ، وإنّما هو ملك للزوج يضعه حيث يشاء على ما صرحت به النصوص ، فلا مجال للقول بثبوت الدية عليه في المقام وقياسه على الأجنبي.
(1) لأنّها حينئذ كالأجنبي حيث لا حقّ لها في الماء ، فيشملها حكمه لا محالة.
(2) لإطلاق أدلة جواز العزل عن الحرة ، فإنّها غير مقيدة بالوطء غير الواجب.
(3) وهو في الجملة موضع وفاق ، بل لم ينقل الخلاف فيه عن أحد.
واستدلّ له في الجواهر مضافاً إلى الإجماع ، وكونه مدة الإيلاء بصحيحة صفوان بن يحيى عن الرضا (عليه السلام) ، أنّه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابّة ، فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها ليس يريد الإضرار بها يكون لهم مصيبة ، يكون في ذلك آثماً؟ قال : «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك».
مؤيداً بنفي الحرج والإضرار ، وبالمروي عن الصادق (عليه السلام) ، قال : «من جمع من النساء ما لا ينكح فزنى منهن شيء فالإثم عليه» (1)
وصحيحة صفوان ورواية الصادق (عليه السّلام) في الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب مقدمات النكاح ، ب 71 ح 1 ، 2.
.ولكن في جميع ما استدل به (قدس سره) باستثناء صحيحة صفوان نظر.
إذ لا ينبغي الشكّ في عدم كون الإجماع تعبدياً ، فإنّه بعد ورود الصحيحة وتمسّك الأصحاب بها يكون مثل هذا الإجماع مدركياً ، فلا يمكن الاعتماد عليه لأنّه لا يكشف
1) الجواهر 29 : 115.
.................................................................................................
عن رأي المعصوم (عليه السلام).
كما أنّ كون هذه المدة هي مدة الإيلاء حيث يجب على المُؤلي الفيء أو الطلاق ، ليس فيه أي إشعار أو استشهاد للحكم بالوجوب فيما نحن فيه ، فضلاً عن أن يكون دليلاً عليه. فإنّها في الإيلاء حكم تعبدي خاص قد ثبت في خصوص ذلك المورد بدليله الخاص ، فلا مجال لأن يستفاد منه عدم جواز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر فإنّ كلّاً من الموردين أجنبي عن الآخر.
كما يدلّ عليه أنّ مبدأ الأشهر الأربعة في الإيلاء إنّما هو من حين رفع الزوجة أمرها إلى الحاكم ، ومن الواضح أنّ ذلك قد يكون بعد مرور فترة من وقوع الإيلاء بحيث قد يصبح مجموع الزمن الذي لم يجامعها فيه أكثر من سنة ، لا سيما إذا فرض عدم مجامعته لها قبل الإيلاء بفترة أيضاً ، فلا مجال لأن يستفاد من الإيلاء حكم المقام ، لأن مجرد الاتفاق في الأربعة لا يقتضي استكشاف حكم ما نحن فيه من الإيلاء بعد وضوح الفرق بينهما. فإنّ مبدأ الأربعة فيما نحن فيه من زمان ترك الوطء ، في حين إن مبدأها في الإيلاء من حين رفع أمرها إلى الحاكم ، وإلّا لكان اللّازم احتساب أربعة الإيلاء من حين ترك الوطء لا الإيلاء نفسه ، فضلاً عن رفع أمرها إلى الحاكم ، وهو لا قائل به على الإطلاق.
وأما التأييد بنفي الحرج والضرر فهو عجيب منه (قدس سره) ، إذ العبرة فيهما إنّما هي بملاحظة كل مكلّف مستقلا وعلى حدة لا الغالب والنوع ، ومعه فلا وجه لتقييد الحكم بأربعة أشهر ، فربّما تقع امرأة في الحرج والضرر بترك وطئها شهراً واحداً ، في حين لا تضرر الأُخرى بترك وطئها سنة أو أكثر.
على أنّه قد تقدم منّا في غير مورد أن دليل نفي الضرر والحرج لا يتكفّل إلّا نفي الأحكام الضررية أو الحرجية ، أما إثبات حكم آخر لرفع الضرر أو الحرج أو لدفعهما فلا نظر إليه بالمرة. ومن هنا فلا يجب على الزوج دفع الضرر أو الحرج عن زوجته بل هو غير محتمل ، وإلّا لكان اللّازم وجوب تزويج اللّاتي لا أزواج لهن مع كونهن في حرج أو ضرر من ذلك ، وهو لا يمكن القول به.
وأما المرسلة فهي مضافاً إلى ضعف سندها قاصرة الدلالة أيضاً ، فإنّها واردة
من غير فرق بين الدائمة والمتمتّع بها (1) ولا الشابّة والشائبة على الأظهر (1)(2)
في من يتزوّج امرأة لا ينكحها أبداً بل يذرها كالمعلّقة ، وهو أجنبي عن ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر وعدم جواز التأخير عنها ولو يوماً واحداً.
وممّا تقدّم يتضح أنّ الصحيح في الاستدلال على المدّعى التمسك بصحيحة صفوان ابن يحيى المتقدِّمة ، فإنّها صريحة الدلالة على عدم جواز ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر.
(1) لإطلاق صحيحة صفوان المتقدِّمة ، حيث كان موضوع الحكم فيها الزوجة من غير تقييد بالدائمة.
ومنه يظهر ما في رسالة الشيخ الأعظم (قدس سره) من الاستشكال فيه (2). وما في الجواهر من تخصيصه بالدائم ، لأنّه المتيقن حيث لا إبلاء ولا قسمة ولا نفقة في المنقطعة لأنهنّ مستأجرات (3). فإنّ إطلاق صحيحة صفوان مانع من الأخذ بالمتيقن ، مضافاً إلى ما تقدم من عدم الملازمة بين حكم الإيلاء وما نحن فيه.
(2) وهو المشهور ، بل في الجواهر إنّ : اختصاص السؤال في الصحيح بالشابّة بعد نفي الحرج وإطلاق الفتوى ومعقد الإجماع ، بل في الرياض : لا اختصاص بها إجماعاً لا ينافي التعميم وإنْ توهّمه بعض القاصرين من متأخري المتأخرين على ما حكي عنه ، فيجوز ترك الوطء في غير الشابّة تمام العمر ، لكنه كما ترى لا يستأهل أن يسطر (4).
إلّا أنّ للمناقشة فيه مجالاً واسعاً ، فإنّ الدليل على الحكم ليس على ما عرفت نفي الحرج أو الإجماع ، وإنّما هو صحيحة صفوان بن يحيى المتقدمة ، وحيث إنّ الموضوع فيها هو الشابة فالتعدّي عنها وإثبات الحرمة لغيرها يحتاج إلى الدليل إذ
والأَمة والحرّة (1) لإطلاق الخبر ، كما أنّ مقتضاه عدم الفرق بين الحاضر والمسافر (1)(2)
لا وجه لحملها على الغالب وهو مفقود.
نعم ، هجران المرأة بالمرة حرام مطلقاً ، لقوله تعالى ( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) (2)إلّا أنّه أجنبي عن محل كلامنا.
وعليه يتّضح أنّ الصحيح في المقام هو الالتزام باختصاص الحكم بالشابّة دون غيرها.
(1) قال في الجواهر : أمّا الدائمة الأَمة فلم أجد فيها تصريحاً من الأصحاب ، وربّما كان ظاهر إطلاق النص والفتوى دخولها (3). وهو الصحيح ، فإنّ مقتضى إطلاق النص ثبوت الحكم لمطلق الزوجة من غير فرق بين الحرّة والأمة.
(2) وهو في غير محلّه ، إذ لا إطلاق للنص بعد كون موضوع السؤال (من عنده المرأة) الظاهر في الحضور ، فلا يشمل المسافر إذ لا يصدق عليه أنّ المرأة عنده. ولذا ذكروا في باب الحدود أنّ الزاني لا يرجم إذا لم تكن زوجته عنده ، لأنّه ليس محصناً إذ لا يكفي فيه مجرد التزويج ، بل يعتبر كون زوجته عنده. نعم ، لو كان موضوع الحكم فيها من له زوجة ، كان تعميمه للمسافر حسناً.
وبعبارة اخرى : إنّه لا ينبغي الاستشكال في اختصاص الصحيحة بالحاضر ، وذلك لظهور قوله : (تكون عنده المرأة الشابّة) في حضور زوجته عنده وعدم كفاية مطلق التزوّج ، كما هو الظاهر في أمثال هذا التعبير ، إذ المتفاهم من قولنا : (فلان عنده السكينة) مثلاً أنّ السكينة عنده بالفعل لا أنّه مالك لها فقط.
ولو تنزلنا وسلمنا عدم ظهورها في الحاضر فلا أقلّ من احتمال ذلك ، ومعه تصبح الرواية مجملة فلا يمكن إثبات الحكم للمسافر ، لأنّه حكم تعبدي وإثباته لغير المورد المتيقّن يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
في غير سفر الواجب (1).
ثم إنّه قد استدل في الجواهر على المدّعى بما روته العامّة عن عمر ، أنّه سأل نساء أهل المدينة لما خرج أزواجهن إلى الجهاد وسمع امرأة تنشد أبياتاً من جملتها :
فوَ اللّه لولا اللّه لا شيء غيره
لزلزل من هذا السرير جوانبه
عن أكثر ما تصبر المرأة عن الجماع ، فقيل له : أربعة أشهر ، فجعل المدة المضروبة للغيبة أربعة أشهر (1).
إلّا أنها كما ترى ، لأنّها مضافاً إلى عدم ثبوتها وعدم حجيتها أجنبية عن محل الكلام ، حيث إنّ مبدأ الأربعة فيها إنّما هو من حين الخروج ، في حين إنّ كلامنا في الأربعة التي يكون مبدؤها من تاريخ آخر وطء. وبينهما فرق واضح ، فإنّه قد يفرض تأخر تأريخ الخروج عن الوطء بكثير كالحيض والمرض ونحوه ، فلا تصلح للاستدلال بها على المدعى.
ومن هنا يعلم عدم شمول الحكم للمعقودة إذا لم يدخل عليها الزوج ، فإنّه لا يجب عليه مواقعتها قبل مرور أربعة أشهر ، لأنّها خارجة عن موضوع النص.
(1) ووجهه غير ظاهر ، إذ لا فرق بين السفر الواجب وغيره لو قلنا بعموم الحكم للمسافر أيضاً ، غاية الأمر أنّ في السفر الواجب يتحقق التزاحم بينهما ، وحينئذ فلا بدّ من العمل بمقتضيات بابه وتقديم الأهمّ على المهمّ. فإذا كان السفر هو الأهمّ كسفر الحجّ في الأزمنة السابقة حيث كان يستغرق أربعة أشهر أو أكثر وجب تقديمه ، وإنْ كان هذا الحكم هو الأهمّ وجب تقديمه على السفر الواجب ، ومع تساويهما في الأهمية يكون المكلّف مخيّراً لا محالة.
والحاصل أنّ إطلاق استثناء السفر الواجب من هذا الحكم بناء على عمومه للمسافر في غير محلّه ، بل لا بدّ من تقديم الأهمّ منهما ، والتخيير عند التساوي عملاً بمقتضى قاعدة التزاحم.
1) الجواهر 29 : 116.
وفي كفاية الوطء في الدبر إشكال كما مرّ (1). وكذا في الإدخال بدون الإنزال (2) لانصراف الخبر (1)إلى الوطء المتعارف وهو مع الإنزال.
والظاهر عدم توقّف الوجوب على مطالبتها ذلك (3).
ويجوز تركه مع رضاها (4) أو اشتراط ذلك حين العقد عليها ، ومع عدم التمكن منه (5) لعدم انتشار العضو ، ومع خوف الضرر عليه (6) أو عليها (7) ومع غيبتها
(1) حيث لا إرفاق فيه للزوجة ، وقد تقدّم تفصيل الكلام في المسألة الرابعة ، فراجع.
(2) وهو مناف لصريح ذيل المسألة المتقدمة حيث التزم فيها بالجواز ، ومن الظاهر أنّ الجواز ملازم لكفايته حيث لا معنى للفصل بينهما.
وعلى كلّ فقد تقدم في المسألة السابقة أنّ الصحيح جواز العزل حتى في الوطء الواجب ، حيث لا موجب لدعوى الانصراف بعد تحقّق عنوان الواجب بذلك ، وإلّا فلو تمّ الانصراف إلى المتعارف لكان اللّازم القول بوجوب مقدِّماته أيضاً حيث لا يخلو الوطء المتعارف منها ، والحال أنّه لم يذهب إليه أحد من الأعلام.
(3) إذ لا موجب لتقييد الصحيحة بها ، بعد أن كان مقتضى إطلاقها كون الرجل آثماً بترك الوطء أكثر من أربعة أشهر من غير تقييد بالمطالبة.
(4) لأنه من قبيل الحقوق لا الأحكام ، حيث أنّ الظاهر كونه إرفاقاً بحالها. وعليه فيكون حاله حال سائر الحقوق ، يسقط بالرضا بتركه ، كما يسقط باشتراطه في ضمن العقد.
(5) لاعتبار القدرة في التكليف حيث يقبح تكليف العاجز.
(6) لحديث نفي الضرر.
(7) لما تقدم من أنّ الحكم إرفاق بحالها ، فلا يثبت في موارد الضرر عليها ، على أن الإضرار بالغير محرم. فإذا حصل التزاحم بينهما سقط الواجب إن كان الحرام هو الأهمّ ، ومع تساويهما يسقط تعيّنه لا محالة.
1) (*) لا وجه للانصراف ، وقد مرّ منه (قدس سره) ما ينافي ذلك في المسألة السابقة.
باختيارها (1) ومع نشوزها (2).
ولا يجب أزيد من الإدخال والإنزال (3) فلا بأس بترك سائر المقدمات (4) من الاستمتاعات.
ولا يجري الحكم في المملوكة غير المزوّجة (5) فيجوز ترك وطئها مطلقاً.
[3692] مسألة 8 : إذا كانت الزوجة من جهة كثرة ميلها وشبقها لا تقدر على الصبر إلى أربعة أشهر ، بحيث تقع في المعصية إذا لم يواقعها ، فالأحوط المبادرة إلى مواقعتها قبل تمام الأربعة (6) أو طلاقها وتخلية سبيلها.
(1) لأن ذلك منها إسقاط لحقّها. ومن هنا فلا يقاس سفرها بسفره لو قلنا بشمول الحكم للمسافر إذ يجب على تقدير سفره الرجوع ، في حين لا يجب عليه متابعتها في السفر حيث يكون باختيارها.
(2) لسقوط حقها بذلك حيث لا تمكّن زوجها من نفسها ، وعليه فلا يجب عليه مقاربتها. ومع التنزل عن ذلك فيكفينا في عدم وجوب مقاربتها في تلك المدة قوله تعالى ( وَاللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ ) (1)حيث يختصّ الوجوب بملاحظتها بغير الناشزة.
(3) تقدمت الإشارة إلى منافاته ، لما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة السابقة من جواز العزل في الوطء الواجب.
(4) وهو وإن كان صحيحاً في نفسه إلّا أنّه لا يتلاءم مع دعواه (قدس سره) فيما تقدم من انصراف الخبر إلى الوطء المتعارف.
(5) لظهور قوله : (عنده المرأة الشابّة) في الزوجة ، فإنّه لا يطلق على مالك الأَمة وإنّما يقال عنده الأَمة ، كما هو واضح.
(6) لم أرَ من تعرّض لذلك من الأصحاب على الإطلاق ، ولعلّ ذلك لوضوح عدم وجوب دفع المنكر مطلقاً حتى ولو بفعل ما يوجب رفع المقتضي للحرام ، ولذا لا يجب
1) سورة النساء 4 : 34.
.................................................................................................
التزوّج من المرأة التي لو لم يتزوجها لوقعت في الحرام.
لكن من غير البعيد أن يكون الحقّ في المقام مع الماتن (قدس سره) ، وذلك لقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ ) (1).
إذ المستفاد منها وجوب حفظ من يتولّاه عن الوقوع في الحرام مضافاً إلى وجوب حفظ نفسه ، فهو مكلّف بالإضافة إلى حفظ نفسه بحفظ أهله بخلاف الأجنبي حيث أنّه غير مكلف بحفظه.
وما ورد في النصوص من تفسيرها بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لا بدّ من حمله على بيان أوّل مرتبة تتحقق بها الوقاية دون التحديد ، وذلك لأنّها إنّما دلت على فراغ ذمّة المكلف بنصحهم وإرشادهم إلى ما هو الصحيح ، خاصة وإن الإثم يكون بعد ذلك على مرتكبه.
وحيث إنّ من الواضح أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختصّ حتى بالنسبة إلى غير الأهل بذلك ، بل قد يجب الضرب أو ما هو أشدّ منه في بعض الأحيان ، فلا يمكن حمل هذه النصوص على بيان الحدّ ، وأنّه لا يجب على المكلف أمر أهله بالمعروف ونهيهم عن المنكر بهذا المقدار خاصة ، إذ لا يحتمل أن يكون تكليفه بالنسبة إليهم أقلّ مما يجب عليه بالنسبة إلى غيرهم ، بل لا بدّ من حملها على بيان أقلّ مراتب تحقّق الوقاية ، فلا تكون هذه النصوص منافية لما استظهرناه.
ومع التنزّل وفرض دلالتها على الحدّ ، يمكن إثبات وجوب مواقعتها قبل أربعة أشهر بما تقدّم منّا غير مرة من أنّ حرمة الفعل إذا كانت مشدّدة ، بحيث علم كراهية وقوعه للشارع على كل تقدير حتى ولو من القاصرين كالزنا والقتل بل وشرب الخمر أيضاً وجب على المكلفين سدّ طريق تحقّقه في الخارج والمنع من وقوعه بأي طريق كان.
ومن هنا يجب على الزوج مواقعة زوجته الشبقة فيما دون الأربعة أشهر ، حفظاً لها من الوقوع في الحرام وسدّا لبابه إذا انحصر الطريق بها ، وإلّا فله أن يمنعها بكل وسيلة
1) سورة التحريم 66 : 6.
[3693] مسألة 9 : إذا ترك مواقعتها عند تمام الأربعة أشهر ، لمانع من حيض أو نحوه أو عصياناً ، لا يجب عليه القضاء (1)(1).
نعم ، الأحوط (2) إرضاؤها بوجه من الوجوه ، لأنّ الظاهر أنّ ذلك حقّ لها عليه وقد فوّته عليها.
ثم اللّازم عدم التأخير من وطء إلى وطء أزيد من الأربعة ، فمبدأ اعتبار الأربعة اللّاحقة إنّما هو الوطء المتقدِّم (3) لا حين انقضاء الأربعة المتقدِّمة (4).
ممكنة ، ولا أقلّ في المقام من الاحتياط اللّازم.
(1) لعدم الدليل عليه ، ومقتضى الأصل البراءة ، وإن كان يجب عليه الوطء فوراً ففوراً ، لتحقق ترك الوطء أربعة أشهر ، فيكون آثماً في كل آن يمر عليه وهو قادر على وطئها حتى يطأها.
(2) إذ لا دليل على اللزوم إلّا رواية واحدة قد تمسّك بها الشيخ الأعظم (قدس سره) (2). وهي رواية القاسم بن محمد بن جعفر العلوي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) ، قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً لا براءة له منها إلّا بالأداء أو العفو» ، الحديث (3). لكنها لضعف سندها غير قابلة للاعتماد عليها. وعليه فأصالة البراءة عند الشكّ محكمة.
(3) كما أنّ مبدأ الأوّل هو من الساعة التي زفّت المرأة إليه إلى أن يتمّ له أربعة أشهر.
(4) لمخالفته لظاهر النص ، حيث يصدق عليه أنّه ترك وطأها أكثر من أربعة أشهر ، فيكون آثماً لا محالة.
[3694] مسألة 1 : لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين (1) حرّة كانت أو أَمة ، دواماً كان النكاح أو متعة (2) ، بل لا يجوز وطء المملوكة (3) والمحلّلة كذلك.
فصل
(1) وهو في الجملة محلّ وفاق ، وتدلّ عليه جملة من النصوص.
منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا تزوّج الرجل الجارية وهي صغيرة ، فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين» (1).
ومنها : موثَّقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين» (2). وحيث إنّ الترديد في الحدّ أمر غير معقول فلا بدّ من حمل الحد الثاني على الأفضلية لا محالة.
ومنها : معتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) ، قال : «لا توطأ جارية لأقلّ من عشر سنين ، فإنْ فعل فعيبت فقد ضمن» (3). ولا بدّ من حملها على الأفضلية أو دخولها في العاشرة لا إتمامها لها ، فتتحد مع ما تقدم. إلى غير ذلك من النصوص.
(2) لإطلاق النصوص المتقدمة.
(3) وفي الجواهر حكاية الإجماع عليه من جماعة (4)، وهو مقتضى إطلاق بعض النصوص المتقدمة.
لكن الذي يظهر من صاحب الوسائل (قدس سره) بل هو صريح عبارته ، هو
.................................................................................................
اختصاص الحرمة بالزوجة وعدم شمولها للمملوكة ، فإنّه (قدس سره) ذكر في الوسائل باباً بعنوان : باب سقوط الاستبراء عمّن اشترى جارية صغيرة لم تبلغ وجواز وطئه إيّاها (1)، وقد استدلّ لذلك بعدة نصوص ذكرها في ذلك الباب.
إلّا أنّ الظاهر أنّ ما أفاده (قدس سره) غير تامّ ، فإنّ تلك النصوص أجنبية عن محلّ الكلام ، حيث لم يرد شيء منها في
جواز وطء الأَمة قبل بلوغها تسع سنين ، وإنّما هي واردة لفصل الموارد التي يجب فيها الاستبراء عن التي لا يجب فيها ذلك.
كما يظهر ذلك بوضوح من ملاحظة عمدة تلك النصوص ، وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في رجل ابتاع جارية ولم تطمث ، قال : «إنْ كانت صغيرة لا يتخوّف عليها الحبل فليس له عليها عدّة وليطأها إنْ شاء ، وإنْ كانت قد بلغت ولم تطمث فإنّ عليها العدّة» (2).
فإنّ هذه الصحيحة ليست بصدد بيان جواز وطء الأَمة قبل بلوغها تسع سنين ، إذ أن كلمة «صغيرة» فيها مستعملة في معناها العرفي أعني ما يقابل الكبيرة لا ما يقابل البالغة على ما يشهد له تقييدها ب- «لا يتخوّف عليها الحبل». فإنّ ظاهر القيد لما كان هو الاحتراز لم يكن معنى الإرادة ما يقابل البالغة منها ، فإنّ الصغيرة بهذا المعنى ليست إلّا قسماً واحداً لعدم قابليتها للحبل ، فلا معنى لتقسيمها إلى ما يتخوّف عليها الحبل وما لا يتخوّف ذلك ، وتخصيص الحكم بالقسم الثاني دون الأول.
وإنّما ينسجم هذا التقييد الذي يكون نتيجته التخصص لا محالة مع ما ذكرناه من إرادة ما يقابل الكبيرة منها ، فإنّها على قسمين :
منها : ما يتخوّف عليها من الحبل كابنة الأربع عشرة سنة.
ومنها : ما لا يتخوّف عليها ذلك كابنة العشر.
ومما يزيد في ذلك وضوحاً ملاحظة صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في الجارية التي لم تطمث ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل ، قال : «ليس
وأما الاستمتاع بما عدا الوطء من النظر واللّمس بشهوة والضم والتفخيذ فجائز في الجميع (1) ولو في الرضيعة.
[3695] مسألة 2 : إذا تزوج صغيرة دواماً أو متعة ، ودخل بها قبل إكمالها تسع سنين فأفضاها ، حرمت عليه أبداً على المشهور (2) وهو الأحوط وإن لم تخرج
عليها عدّة يقع عليها» (1).
فإنّها واضحة الدلالة في أنّ النظر فيها ليس إلى بلوغها من حيث السن ، وإنّما النظر إلى بلوغها من حيث الحبل ، وما يجب فيها من الاستبراء.
نعم ، رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) في حدّ الجارية الصغيرة السن الذي إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراؤها ، قال : «إذا لم تبلغ استُبرئت بشهر». قلت : وإن كانت ابنة سبع سنين أو نحوها مما لا تحمل؟ فقال : «هي صغيرة ، ولا يضرّك أن لا تستبرئها». فقلت : ما بينها وبين تسع سنين؟ فقال : «نعم تسع سنين» (2)واضحة الدلالة على جواز الوطء قبل بلوغها تسع سنين.
إلّا أنّها ضعيفة سنداً ، لوقوع جعفر بن نعيم بن شاذان (شيخ الصدوق (قدس سره)) ومحمد بن شاذان في طريقها ، وهما ممن لم يرد فيهما توثيق ، فلا يمكن الاعتماد عليها.
ومن هنا فلا تصلح هذه النصوص لمعارضة إطلاق النصوص المتقدمة ، الدالة على عدم جواز وطء الجارية قبل بلوغها تسع سنين ، فيتعيّن العمل بالإطلاق والقول بالحرمة قبل بلوغها تسع سنين ، من دون فرق بين الزوجة والمملوكة ، وفاقاً لما اختاره المشهور.
(1) لعدم الدليل على الحرمة ، بل لعمومات جواز الاستمتاع بالزوجة والمملوكة.
(2) واستدلّ له بمرسلة يعقوب بن يزيد ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين ، فُرِّق
عن زوجيته. وقيل بخروجها عن الزوجية أيضاً (1)
بينهما ولم تحل له أبداً» (1).
إلّا أنّها كما ترى قاصرة سنداً ودلالة ، فإنّها مرسلة مضافاً إلى وقوع سهل بن زياد في طريقها. على أنّها دالّة على التحريم بمجرد الدخول وإن لم يفضها وهو لا قائل به على ما سيأتي فلا تصلح للاستدلال بها على المدعى.
ودعوى أنّها من نسبة الحكم إلى السبب وإرادة المسبب ، بمعنى أنّ الرواية قد تكفّلت نسبة التحريم إلى الدخول الذي هو سبب في الإفضاء وإرادة بيان ثبوت التحريم عند الإفضاء ، كما تراه بعيد جدّاً بحاجة إلى التأويل ولا دليل عليه.
نعم ، قد يتمسك له بالإجماع ، لكن الكلام بعد ثبوته في حجيته ، حيث استند كثير من القائلين بالحرمة إلى المرسلة المتقدمة.
(1) نسب ذلك في بعض الكلمات إلى الشيخين وابن إدريس (قدس سرهم) على تأمل في النسبة (2).
وتدلّ عليه المرسلة المتقدمة ، إلّا أنّ في الاستدلال بها ما عرفت.
نعم ، قد يستدلّ لخروجها عن الزوجية بأنّ التحريم المؤبد ينافي مقتضى النكاح بحيث لا ينسجم القول بالتحريم مع بقاء الزوجية ، وعليه فإذا ثبت الأوّل كان لازمه انتفاء الثاني لا محالة.
إلّا أنّ فيه : أنّ ما يلازم بطلان الزوجية إنّما هو حرمة النكاح لا محالة ، كما لو صارت زوجته الصغيرة بنتاً له بالرضاع ، فإنّها تحرم عليه بقاءً كما كانت تحرم عليه حدوثاً لو كان الارتضاع قبل التزوج منها ، وهذا بخلاف حرمة الوطء خاصة دون سائر الاستمتاعات ، إذ لا ملازمة بينها وبين بطلان الزوجية.
هذا كلّه مضافاً إلى دلالة صحيحة حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال :
بل الأحوط حرمتها عليه بمجرد الدخول (1) وإن لم يفضها. ولكن الأقوى بقاؤها على الزوجية وإن كانت مفضاة (2) وعدم حرمتها عليه أيضاً (3) خصوصاً إذا كان جاهلاً (4) بالموضوع أو الحكم
سُئل عن رجل تزوّج جارية بكراً لم تدرك فلما دخل بها افتضها فأفضاها ، فقال : «إنْ كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه ، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين افتضها فإنّه قد أفسدها وعطّلها على الأزواج ، فعلى الإمام أن يغرمه ديتها ، وإنْ أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه» (1)صريحاً على بقاء الزوجية وعدم ارتفاعها بمجرد الإفضاء ، حيث جوّز (عليه السلام) إمساكها وعدم تطليقها.
ويؤيدها رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل افتض جارية يعني امرأته فأفضاها ، قال : «عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين» قال : «وإنْ أمسكها ولم يطلّقها فلا شيء عليه ، إن شاء أمسك وإن شاء طلّق» (2).
(1) لمرسلة يعقوب بن يزيد المتقدمة.
(2) لصحيحة حمران المتقدمة حيث دلت على ذلك صراحة.
(3) لعدم الدليل عليها ، على ما عرفت.
(4) وذلك لأنّ دليل التحريم إن كان هو الإجماع المدّعى ، فلا ينبغي الشكّ في عدم وجود إطلاق له يشمل الجاهل أيضاً ، لا سيما بملاحظة تصريح جماعة منهم بأنّ الحكم بالتحريم المؤبَّد إنّما هو عقوبة للفاعل ، فإنّها إنّما تترتّب على فعل العامد خاصة.
وإن كان الدليل هو المرسل المتقدم بحمل الدخول على الإفضاء فالحكم أيضاً كذلك ، لأنّ الحكم إنّما هو مترتّب على الإفضاء.
وقد تقدم غير مرة أنّ موضوع الحكم إذا كان عملاً من الأعمال ، فالعبرة في ترتّب
أو كان صغيراً (1) أو مجنوناً (2) أو كان بعد اندمال جرحها (3) أو طلّقها ثم عقد عليها جديداً (4).
نعم ، يجب عليه دية الإفضاء وهي دية النفس (5) ففي الحرّة نصف دية الرجل ،
الحكم عليه إنّما هو بإتيانه عمداً ، فلا يترتب على العمل الصادر عن جهالة أثر أصلاً بل يكون في حكم العدم ، على ما دلّت عليه عدّة نصوص.
(1) لأنّ مستند الحكم إن كان هو الإجماع فهو لا إطلاق له يشمله ، وإن كان هو المرسل فموضوعه إنّما هو الرجل وهو لا يصدق على الصغير.
(2) وحاله حال الصغير إذا كان المستند هو الإجماع ، وأمّا إذا كان هو المرسل فإطلاقه لا بأس به ، غير أنّ حديث الرفع مانع من العمل به إذ لا يترتب على عمله حكم.
(3) فإن كان المستند هو الإجماع فالأمر كما تقدم ، للشكّ في عموم موضوعه للمرأة بعد اندمال جرحها. ولا مجال لإثبات الحكم بالاستصحاب ، نظراً إلى أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول بحجيته. مضافاً إلى تغيّر الموضوع بنظر العرف ، حيث إنّ الحكم كان ثابتاً للمرأة بوصف كونها مفضاة ، فلا يمكن إثباته للمرأة بعد زوال الوصف.
وإن كان المستند هو المرسل فلا بأس بإثبات التحريم فيها ، تمسكاً بإطلاق قوله : «ولم تحلّ له أبداً».
(4) يجري فيه ما تقدم في الصورة السابقة حرفاً بحرف.
(5) وتدلّ عليه صحيحة سليمان بن خالد ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كسر بعصوصه فلم يملك استه ، ما فيه من الدية؟ فقال : «الدية كاملة». وسألته عن رجل وقع بجارية فأفضاها وكانت إذا نزلت بتلك المنزلة لم تلد ، فقال : «الدية كاملة» (1).
وما رواه الصدوق (قدس سره) بسنده الصحيح إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه
1) الوسائل ، ج 29 كتاب الديات ، أبواب ديات المنافع ، ب 9 ح 1.
وفي الأَمة أقلّ الأمرين من قيمتها ودية الحرّة.
السلام) : أنه قضى في امرأة أُفضيت بالدية (1).
فهاتان الصحيحتان مضافاً إلى معتبرة غياث بن إبراهيم التي تقدم ذكرها في أوّل هذا الفصل حيث ورد فيها : «فإن فعل فعيبت فقد ضمن» (2)وغيرها من الروايات المعتبرة التي دلّت على الضمان بحصول العيب تدلّان بإطلاقهما على ثبوت الدية بالإفضاء مطلقاً.
إلّا أنّه لا بدّ من تقييدها بما إذا لم يكن المفضي هو الزوج وكان الدخول بها بعد بلوغها تسع سنين ، وذلك لصريح صحيحة حمران والمؤيدة برواية بريد بن معاوية المتقدمتين حيث قال (عليه السلام) : «إن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه». ثم إنّ من ملاحظة هذه الصحاح يتّضح المراد بالضمان في معتبرة غياث بن إبراهيم وغيرها ، وأنّه هو الدية كاملة ، فإن هذه النصوص تكون مفسِّرة لها كما لا يخفى.
هذا ولكن بإزاء هذه النصوص قد دلّت معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) : «انّ رجلاً أفضى امرأة فقومها قيمة الأَمة الصحيحة وقيمتها مفضاة ، ثم نظر ما بين ذلك فجعل من ديتها وأجبر الزوج على إمساكها» (3)على الضمان بفرق قيمتها صحيحة ومفضاة ، فتكون معارضة للصحاح المتقدمة حيث دلّت على ضمانه الدية كاملة.
إلّا أنّ الذي يهوّن الخطب أنّ أحداً من الأصحاب لم يلتزم بمضمونها ، على أنّها موافقة لمذهب أكثر العامة على ما ذكره الشيخ (قدس سره) في الاستبصار (4)فتحمل على التقيّة لا محالة.
وظاهر المشهور (1) ثبوت الدية مطلقاً وإن أمسكها ولم يطلقها ، إلّا أنّ مقتضى حسنة حمران وخبر بريد المثبتين لها عدم وجوبها عليه إذا لم يطلِّقها (1)(2) والأحوط ما ذكره المشهور.
(1) وفي الجواهر : انّه لا إشكال بل لا خلاف معتد به (2).
(2) وهو الصحيح. فإنّ المسألة ليست إجماعية جزماً ، فإنّ أكثر الأصحاب من القدماء لم يتعرضوا لهذه المسألة بالمرة فلا طريق لتحصيل آرائهم ، على أنّ تخصيص الحكم بالمطلقة ظاهر عبارات جملة منهم أو صريحها.
فقد ذكر الصدوق (قدس سره) صحيحة حمران المتقدمة في كتابه (من لا يحضره الفقيه) والدالة على التفصيل من دون أن يعلّق عليها شيئاً (3)فإنّ ذلك بملاحظة ما ذكره (قدس سره) في أوّل كتابه من العمل بما يرويه (4)يدلّ على العمل بها والفتوى بمضمونها.
كما يظهر ذلك من المحقق (قدس سره) في (نكت النهاية) حيث استدلّ على التفصيل بين الدخول قبل تسع سنين وبعده بصحيحة حمران ورواية بريد (5)، فإنّ ظاهر ذلك الالتزام بمضمونهما والعمل وفقاً لهما ، بل ذلك صريح الحدائق (6).
وعليه فالمسألة ليست إجماعية. ومن هنا فلا يبقى وجه لترك العمل بصحيحة حمران الدالة على اختصاص الحكم بصورة طلاقه لها والمؤيدة برواية بريد بن معاوية.
وما في الجواهر من وجوب حملها على سقوط الدية عند الإمساك صلحاً بأن تختار المقام معه بدلاً عن الدية ، لأنّ الدية قد لزمته بالإفضاء بدلالة النص والفتوى فلا تسقط مجاناً من غير عوض (7)، فهو غريب منه (قدس سره) ، لإمكان أن يكون
ويجب عليه أيضاً نفقتها ما دامت حيّة (1) وإن طلّقها (2) بل وإن تزوّجت بعد الطلاق على الأحوط (3).
ثبوتها مشروطاً بالطلاق على نحو الشرط المتأخر ، فلا تثبت في صورة الإمساك.
والحاصل أنّ الصحيح في المقام هو الالتزام بالتفصيل وتخصيص الدية بما إذا لم يمسكها الزوج ، وإلّا فلا دية عليه لصريح صحيحة حمران المؤيدة برواية بريد بن معاوية.
(1) وهو محلّ وفاق في الجملة ، ولم ينقل فيه الخلاف عن أحد ، بل نسب إلى الشيخ في الخلاف دعوى إجماع الفرقة عليه (1).
وتدلّ عليه مضافاً إلى ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل تزوّج جارية فوقع بها فأفضاها ، قال : «عليه الإجراء عليها ما دامت حيّة» (2).
(2) خلافاً للإسكافي ، حيث التزم بسقوطها بالطلاق (3). وإطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة حجة عليه ، إذ لا موجب لتقييدها بعدم الطلاق.
(3) بل الأقوى ، لإطلاق الصحيحة المتقدمة.
ولا ينافيه وجوب نفقتها على الثاني بعد ظهور النص في الوجوب على الأوّل تعبداً وللإفضاء ، فلا يتنافى مع ثبوتها على الثاني للزوجية.
ومن هنا فمن الغريب ما صدر عن الشيخ (قدس سره) في الاستبصار من حمل هذه الصحيحة على الدخول بها بعد بلوغها تسع سنين ، جمعاً بينها وبين صحيحة حمران المؤيدة برواية بريد بن معاوية المتقدمتين الدالّتين على وجوب الدية عليه بذلك ، حيث تحملان على الدخول بها قبل تسع سنين. فيتحصل أنّ الدخول والإفضاء إن كان قبل بلوغها تسع سنين وجبت الدية خاصة ، وإن كان بعد بلوغها تسع سنين وجب الإجراء عليها ما دامت حيّة فقط (4).
[3696] مسألة 3 : لا فرق في الدخول الموجب للإفضاء بين أن يكون في القُبل أو الدُّبر (1).
ووجه الغرابة أنّه لا قائل بوجوب الإنفاق إذا كان الإفضاء بعد بلوغها تسع سنين ، وقد صرح هو (قدس سره) بذلك في الخلاف وادّعى الإجماع عليه (1)فلا وجه لحمل هذه الصحيحة عليه. على أنّه لا منافاة بين هاتين الصحيحتين كي يحتاج إلى الجمع بينهما ، فإنّ كلّاً منهما إنّما تتكفّل بيان حكم إثباتي ، ومن الواضح أنّه لا منافاة بينهما فيلتزم بثبوتهما معاً.
نعم ، صحيحة الحلبي هذه الدالة على وجوب الإنفاق بالإفضاء مطلقة من حيث زمان دخوله بها ، ولا تختصّ بما إذا كان الإفضاء نتيجة الدخول بها قبل بلوغها تسع سنين ، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها وتقييدها بالدخول بها قبل بلوغها تسع سنين.
إما للإجماع على عدم وجوبه إذا كان ذلك بعد بلوغها ذلك الحد ، حيث لم يقل أحد بوجوب الإنفاق فيه إلّا الشيخ في الاستبصار.
وإما لمعارضته لقوله (عليه السلام) في صحيحة حمران المتقدمة : «إن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه». فإنّ مقتضى وقوع النكرة في سياق النفي لما كان العموم ، كان مفاد هذه الجملة عدم وجوب شيء على الإطلاق من الدية أو النفقة في إفضاء الكبيرة ، فتكون بذلك معارضة لإطلاق صحيحة الحلبي المثبت للنفقة في الكبيرة أيضاً.
وعليه فإن قلنا بترجيح دليل النفي لأظهريته فهو المطلوب ، وإلّا فيكفينا تساقطهما ، حيث أنّ مقتضى أصالة البراءة هو عدم الوجوب.
والحاصل أنّ ما أفاده الشيخ (قدس سره) من اختصاص الإجراء بالكبيرة في قبال اختصاص الصغيرة بالدية ، زلة من قلمه الشريف ولا يمكن المساعدة عليه.
(1) لإطلاق النصوص ، حيث أنّ موضوع الحكم هو حصول الإفضاء بالدخول من دون تقييد بكونه من جهة معينة.
1) الخلاف 4 : 395.
والإفضاء أعم (1) من أن يكون باتحاد مسلكي البول والحيض ، أو مسلكي الحيض والغائط ، أو اتحاد الجميع ، وإن كان ظاهر المشهور الاختصاص بالأوّل.
[3697] مسألة 4 : لا يلحق بالزوجة في الحرمة الأبدية على القول بها ووجوب النفقة المملوكة ، والمحلّلة ، والموطوءة بشبهة أو زنا ، ولا الزوجة الكبيرة (2).
نعم ، تثبت الدية في الجميع عدا الزوجة الكبيرة (1)(3) إذا أفضاها بالدخول
(1) وهو الصحيح بعد أن لم يرد في النصوص تفسير له كي يكون ذلك المعنى حقيقة شرعية له ، ومن هنا فلا بدّ من حمله على معناه اللغوي ، وهو إيجاد الفضوة وجعل الشيء متسعاً ، على ما ذكره الزمخشري (2).
ومن الواضح أنّ ذلك يصدق على مطلق اتحاد المسلكين من دون تحديد لهما بمسلكي البول والحيض ، أو مسلكي الحيض والغائط ، أو مسلكي البول والغائط على ما قيل وإن كان تحققه في الخارج ممنوعاً ، حيث لا يتصوّر اتحاد مسلكي البول والغائط من دون اتحادهما مع مسلك الحيض أيضاً حيث أنّه يتوسطهما.
ويدلّ على ما ذكرناه التعبير بالعيب في لسان عدّة من النصوص مع الحكم بالضمان فيها (3)، ومن الواضح أنّ العيب يشمل بإطلاقه جميع الأقسام المذكورة.
كما يشهد له عدم التعرّض للسؤال عن معنى الإفضاء ، وعدم تعرّض الإمام (عليه السلام) لتفسيره مع وقوعه في ألسنة الأخبار كثيراً ، فإنّه إنْ كشف عن شيء فإنّما يكشف عن كون المتفاهم منه هو معناه اللغوي العرفي.
ومن هنا يظهر الحال في سائر الأقوال المذكورة في المسألة حيث لا دليل على شيء منها.
(2) اقتصاراً فيما خالف القاعدة على مورد النص وهو الزوجة الصغيرة ، فإنّ التعدي عنه يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
(3) لصريح صحيحة حمران المتقدمة ، حيث قال (عليه السلام) : «إن كان دخل بها
بها حتى في الزنا وإن كانت عالمة مطاوعة وكانت كبيرة (1).
وكذا لا يلحق بالدخول الإفضاء بالإصبع ونحوه (2) فلا تحرم عليه مؤبداً. نعم ، تثبت فيه الدية (3).
[3698] مسألة 5 : إذا دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولا تثبت الدية (4) كما مرّ ، ولكن الأحوط (5) الإنفاق عليها ما دامت حيّة.
ولها تسع سنين فلا شيء عليه» والمؤيدة برواية بريد بن معاوية.
وكان عليه (قدس سره) استثناء المملوكة أيضاً ، إذ لا معنى لكون مولاها ضامناً لنفسه.
(1) لإطلاق صحيحتي سليمان بن خالد والصدوق (قدس سره) المتقدمتين (1)، فإنّ مقتضى إطلاقهما عدم الفرق في ثبوت الدية بين كون المفضاة صغيرة أو كبيرة ، كان الدخول شرعياً أم زنا ، ولم يثبت ما يعارضهما أو يقيّد إطلاقهما.
(2) لعدم الدليل عليه.
(3) وذلك لأنّ الدية مترتبة على الإفضاء بما هو جناية من دون التقييد بسبب خاص ، وهو متحقق في المقام.
وذكر السبب في صحيحة سليمان بن خالد حيث قال السائل : (رجل وقع بجارية فأفضاها) لا يدل على اختصاص الحكم به وانحصار السبب فيه كما هو واضح ، إذ أنّه لا ينافي ترتب الدية على الإفضاء الحاصل بغير ذلك السبب ، بعد أن كانت الدية مترتبة عليه بما هو جناية.
(4) لصحيحة حمران المؤيدة برواية بريد المتقدمتين. وقد عرفت أنّ إطلاقها وإن كان معارضاً بإطلاق صحيحة سليمان بن خالد المثبتة للدية ، إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق الثانية ، إما لترجيح إطلاق الأُولى لأظهريتها ، أو لتساقطهما والرجوع إلى أصالة البراءة في دية الزوجة الكبيرة المفضاة.
(5) الأولى ، حيث أنّه مسبوق بالفتوى بعدم الوجوب في المسألة السابقة.
1) راجع ص 129 ه 1 ، 2.
[3699] مسألة 6 : إذا كان المفضي صغيراً أو مجنوناً ، ففي كون الدية عليهما أو على عاقلتهما إشكال ، وإن كان الوجه الثاني لا يخلو عن قوة (1).
(1) بل هو المتعيّن ، وذلك لأنّ مقتضى قوله تعالى ( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ) (1)هو ثبوت القصاص في الجنايات مطلقاً.
إلّا أننا وبفضل الأدلّة الواردة في باب الجنايات قد خرجنا عن هذا الإطلاق حيث قيّد بما إذا كان القصاص ممكناً ، وكانت الجناية عمدية. وأما في غيرها فإن كانت الجناية شبيهة بالعمد ، أو كان القصاص غير ممكن ، فالدية يتحملها الجاني نفسه. وإن كانت الجناية خطأ فالدية أيضاً إلّا أنّها يتحملها العاقلة ، بمعنى أنّه يجب عليهم فكّ ذمة الجاني تكليفاً.
وهذا هو الثابت في باب الجنايات على نحو الكلية ، إلّا أنّه قد وردت عدّة نصوص لفرض بعض الصغريات تعبداً ، نظير ما ورد في الصبي من أنّ عمده وخطأه واحد (2)وقريب منه ما ورد في المعتوه (3). وحيث أنّ هذه الأدلّة تكون حاكمة على تلك ، فلا بدّ من رفع اليد عما ثبت بنحو الكلية في باب الجنايات في هذه الموارد ، والعمل على وفق هذه الأدلّة ، فيكون الحاصل أنّ جناية الصبي والمجنون تكون على العاقلة مطلقاً.
نعم ، ذكر بعضهم أنّه لا يمكن تصوّر الإفضاء الخطائي ، فإنّه إما يقع عمداً أو شبه عمد. إلّا أنّه كما تراه في حيّز المنع ، فإنّه يتحقق فيمن يقصد التفخيذ فيدخل بها خطأ كما يتحقق فيما لو رمى المكلف سهماً فأصاب امرأة فأفضاها ، فإنّه يتحقق به الإفضاء الخطائي كما هو واضح ، وإن كان تحقّق الثاني في الخارج نادراً ، إلّا أنّ الندرة لا تؤثر شيئاً بعد أن كانت الأحكام الشرعية على نحو القضايا الحقيقية لا الخارجية.
ثم لا يخفى أنّ ثبوت الدية على العاقلة في الجناية الخطئية ليست بمعنى وجوبها
[3700] مسألة 7 : إذا حصل بالدخول قبل التسع عيب آخر غير الإفضاء ضمن أرشه (1). وكذا إذا حصل مع الإفضاء عيب آخر يوجب الأرش أو الدية ضمنه مع دية الإفضاء (2).
[3701] مسألة 8 : إذا شكّ في إكمالها تسع سنين لا يجوز له وطؤها ، لاستصحاب الحرمة (1)السابقة (3). فإن وطأها مع ذلك فأفضاها ، ولم يعلم بعد ذلك أيضاً كونها حال الوطء بالغة أو لا ، لم تحرم أبداً ولو على القول بها ، لعدم إحراز
عليهم وضعاً ، وعدم اشتغال ذمة الجاني بها أصلاً ، وإنّما هو بمعنى اشتغال ذمة الجاني بها أوّلاً وبالذات ، إلّا أنّه يجب على العاقلة تفريغ ذمته وجوباً تكليفياً ، ومن هنا فلو عصوا وتخلّفوا كان الجاني ملزماً بدفعها من ماله.
(1) ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «من وطِئ امرأته قبل تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن» (2).
وفي صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) أيضاً : «إنّ من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين فأصابها عيب فهو ضامن» (3). إلى غيرهما من الروايات المعتبرة الدالة صريحاً على الضمان بحصول العيب.
(2) لما دلّ على ثبوت الدية بالإفضاء والأرش بالعيب ، على ما تقدم بيانه.
(3) بل لاستصحاب الموضوع أعني عدم بلوغها تسع سنين فإنّه مقدم على استصحاب الحكم ، لتقدّم الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في المسبّب.
بل لا مجال للتمسك باستصحاب الحكم فيما نحن فيه ، لعدم اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة ، حيث أنّ موضوع الحكم ليس هو ذات الجارية وإنّما هو الجارية بوصف عدم بلوغها تسع سنين ، ولمّا كان هذا الوصف من مقوّمات الموضوع ، فلا يمكن استصحاب الحكم عند عدم إحرازه ، لاختلاف الموضوع بنظر العرف.
كونه قبل التسع (1)
(1) وفيه : أنّ عنوان القبلية لا يحتمل أخذه في الموضوع وصفاً بحيث يكون له دخل فيه ، وإنّما المراد به الزمان الذي لم تكن المرأة بالغة فيه ، وهو يمكن إثباته بالاستصحاب ، فإنّها قبل الشكّ لم تكن بالغة جزماً فيستصحب ذلك ، وبه يثبت الموضوع ويترتب عليه الحكم.
والوجه فيما ذكرناه أنّ القبلية والبعدية عنوانان متضايفان ، فلا يعقل تحقّق أحدهما دون تحقّق الآخر ، فكلما فرض تحقّق أحدهما تحقق الآخر قهراً ، كما أنّ استحالة أحدهما يعني استحالة الآخر أيضاً.
ومن هنا فإذا فرض كون عنوان القبلية وصفاً للموضوع ، فلا بدّ وأن يفرض تحقق عنوان البعدية في الخارج أيضاً ، للتلازم بينهما على ما عرفت. وحيث أنّ من الضروري بطلان ذلك ، إذ يمكن موتها بعد الدخول بها وقبل بلوغها تسع سنين فلا يمكن القول بأنّ القبلية مأخوذة في النص وصفاً للموضوع ، لأنّ لازم ذلك القول بعدم حرمة الفعل حينئذ ، لعدم تحقق البعدية الملازم لعدم تحقّق القبلية أيضاً ، وهو لا يمكن القول به فإنّه مقطوع البطلان.
ويظهر ذلك بوضوح من قوله (عليه السلام) : إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان إلّا أنّ هذه قبل هذه (1). فإنّه لا يحتمل أن يكون المراد بالقبلية فيها دخله في موضوع الحكم ، بحيث لو صلّى الظهر وترك العصر لحكم ببطلان صلاته لعدم تحقق البعدية فإنّه لا يمكن القول به ، بل المراد بالقبلية فيها كون صلاة الظهر في مرحلة سابقة وزمان سابق عن صلاة العصر.
ومن هنا فلا مانع من إحراز موضوع الحرمة الأبدية على القول بها بالاستصحاب ، فإنها في الزمان السابق لم تكن بالغة ، وعند الشكّ يستصحب عدم بلوغها ، وبه يثبت الحكم بالحرمة.
1) الوسائل ، ج 4 كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، ب 16 ح 24.
والأصل لا يثبت ذلك. نعم ، يجب عليه الدية (1) والنفقة عليها ما دامت حيّة (2).
[3702] مسألة 9 : يجري عليها بعد الإفضاء جميع أحكام الزوجة (3) من حرمة الخامسة ، وحرمة الأُخت ، واعتبار الإذن في نكاح بنت الأخ والأُخت ،
هذا إذا كان مستند التحريم هو مرسل يعقوب بن يزيد المتقدِّم (1). وأما إذا كان المستند هو الإجماع أو الشهرة المحققة على ما قيل ، فلا مانع من التمسك بالاستصحاب لإثبات موضوعها أيضاً. فإنّ الظاهر من كلماتهم بل المطمأنّ به أن موضوع الحرمة الأبدية إنّما هو بعينه موضوع حرمة الوطء ، حيث ذكروا أنّ الجارية الصغيرة لا يجوز وطؤها فإذا فعل حرمت عليه مؤبداً. وعليه فإذا ثبت الحكم بحرمة وطء المشكوكة لإحراز موضوعه بالاستصحاب ، ثبت الحكم بالحرمة الأبدية أيضاً ، لاتحاد موضوعهما.
(1) إذ لم يؤخذ في موضوعها على ما ورد في صحيحة حمران عنوان القبلية وإنّما الموضوع هو عدم بلوغها تسع سنين ، وهو ممكن الإحراز بالاستصحاب.
نعم ، قد أخذ عنوان القبلية في موضوعها في رواية بريد بن معاوية ، إلّا أنّها ضعيفة لا تصلح للاستناد إليها. وعلى فرض تماميتها يجري فيها ما تقدم في مرسل يعقوب بن يزيد.
(2) والأمر فيه أوضح مما تقدم. فإنّ موضوع الإجراء بحسب ما ورد في صحيحة الحلبي إنّما هو مطلق الجارية ، غاية الأمر قد خرجنا عن إطلاقها لما دلّ على أنّ الدخول إذا كان بعد بلوغها تسع سنين فلا شيء عليه. ومن هنا فإذا شكّ في اتصافها بعنوان المخصص استصحب العدم ، وبه يكون مشمولاً للعموم.
(3) والحكم بناءً على القول بعدم الحرمة الأبدية وعدم زوال الزوجية واضح ، إذ لا موجب حينئذ للشكّ في عدم ترتب أحكام الزوجية.
كما أنّه بناءً على القول بثبوت الحرمة الأبدية وزوال الزوجية واضح أيضاً ، حيث لا موجب للقول بترتب أحكام الزوجية عليها.
1) راجع ص 127 ه 1.
وسائر الأحكام ، ولو على القول بالحرمة الأبدية ، بل يلحق به الولد (1) وإن قلنا بالحرمة ، لأنّه على القول بها يكون كالحرمة حال الحيض (2).
[3703] مسألة 10 : في سقوط وجوب الإنفاق عليها ما دامت حيّة بالنشوز إشكال (3) لاحتمال كون هذه النفقة لا من باب إنفاق الزوجة ، ولذا تثبت بعد الطلاق ، بل بعد التزويج بالغير. وكذا في تقدّمها على نفقة الأقارب (4).
وأما بناءً على ما اختاره الماتن (قدس سره) من التفصيل بين الحرمة الأبدية وزوال الزوجية حيث التزم بثبوت الأوّل دون الثاني ، فالأمر كما ذكره (قدس سره) في المتن من جريان جميع أحكام الزوجية عليها ، وذلك لأن المفضاة زوجة ومقتضى إطلاق أدلة أحكام الزوجية ترتبها على هذه أيضاً.
(1) لما ورد من «أن الولد للفراش ، وللعاهر الحجر» (1)، وحيث أنّ المفضاة زوجة فهي فراش له ، ومن هنا فيحكم بكون الولد المشكوك له أيضاً.
(2) حيث لا تنافيها كون الحائض فراشاً ، والحكم بلحوق الولد المشكوك به.
(3) والأقوى هو وجوب الإنفاق وعدم سقوطه ، وذلك لأنّ النشوز إنّما يوجب سقوط وجوب الإنفاق الثابت بالزوجية ، وأما وجوب الإنفاق الثابت بالإفضاء فلا موجب لسقوطه ، بل إنّ مقتضى إطلاق دليله عدم الفرق في ثبوت الحكم بين النشوز وعدمه. ويشهد له ما ذكره (قدس سره) في المتن من ثبوت النفقة بعد الطلاق ، بل بعد التزويج من الغير أيضاً.
(4) ذكر الأعلام (قدس سرهم) في باب الإنفاق أنّ نفقة الزوجة مقدمة على نفقة سائر الأقارب ممن يجب نفقتهم عليه ، وهو وإن لم يدل عليه نص خاص إلّا أنّه متسالم عليه بينهم فلا بدّ من الالتزام به ، لأنّه من موارد دوران الأمر بين التخيير والتعيين حيث لا قائل بتقديم نفقة الأقارب على نفقتها ، ومن الواضح أنّ مقتضى القاعدة في تلك الموارد من التزاحم هو التعيين لاحتمال أهميته.
1) الكافي 5 : 492 ح 3 ، 7 : 163 ح 1 و 3 ، الفقيه 4 : 38 ح 5812.
وظاهر المشهور أنّها كما تسقط بموت الزوجة تسقط بموت الزوج أيضاً (1) لكن يحتمل بعيداً عدم سقوطها بموته.
هذا كلّه بالنسبة إلى النفقة الثابتة بالزوجية. وأما النفقة الثابتة بالإفضاء على ما هو محل كلامنا فحيث لم يثبت تسالم من الفقهاء في تقدمها على نفقة سائر الأقارب ، كما لم يثبت احتمال الأهمية والتعيين ، فيتخير لعدم الموجب للترجيح.
ودعوى أنّ الإنفاق على المفضاة مقدّم على الإنفاق على سائر الأقارب ، لأنّه دين في الذمة حيث أنّ ثبوته بالوضع ، بخلاف الإنفاق على سائر الأقارب ، فإنّه حكم تكليفي محض.
واضحة الفساد ، فإنّ مجرّد كون أحدهما تكليفاً محضاً والآخر وضعاً لا يوجب تقدم الثاني. ولذا ذكروا أنّه لو كان عليه دَين وكان يجب عليه الإنفاق على بعض أرحامه ، ولم يكن يملك من المال إلّا ما يفي بأحدهما خاصة تخير بينهما. كما التزموا بعدم وجوب تقديم نفقة الزوجة الفائتة على نفقة سائر أقربائه الحاضرة. والحال أنّ ثبوت كل من الدَّين والنفقة الفائتة بالوضع ، في حين أنّ وجوب الإنفاق على الأقرباء تكليف محض.
(1) والوجه فيه أنّه لا إطلاق لدليل وجوب الإنفاق يشمل بعد الموت أيضاً ، وذلك لأنّ كلمة «الإجراء» المذكورة في قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة : «عليه الإجراء ما دامت حيّة» (1)دالة على استمرار الحكم الثابت قبل الإفضاء فيما بعده ما دامت حيّة ، وحيث أنّ الثابت للزوجة قبل الإفضاء إنّما هو النفقة تدريجاً فيجب عليه الإنفاق عليها يوماً فيوماً ، كما يشهد له أنّه ليس لها المطالبة بنفقة عمرها دفعة.
ولما كان هذا الحكم يسقط بمجرد موت الزوج فلا يخرج لزوجته من تركته شيء بعنوان النفقة ، فيكون حال المفضاة حالها تماماً ، لأنّ كلمة «الإجراء» لا تدلّ على استمرار الحكم الثابت لها قبل الإفضاء لما بعده ، فيسقط بموته لا محالة.
1) راجع ص 132 ه 2.
والظاهر عدم سقوطها بعدم تمكّنه فتصير دَيناً عليه (1) ويحتمل بعيداً سقوطها. وكذا تصير دَيناً إذا امتنع من دفعها مع تمكنه (2) إذ كونها حكماً تكليفياً صرفاً بعيد.
هذا بالنسبة إلى ما بعد الطلاق ، وإلّا فما دامت في حباله الظاهر أنّ حكمها حكم الزوجة.
لا يجوز في العقد الدائم الزيادة على الأربع (3) حرّا كان أو عبداً ،
(1) لما تقدّم من أنّ ظاهر كلمة «الإجراء» هو استمرار الحكم الثابت لها قبل الإفضاء لما بعده ، وحيث أنّ النفقة الثابتة للزوجة قبل الإفضاء إنّما هو بالوضع ، كان الثابت لها بعده بالوضع أيضاً.
(2) لما تقدم.
فصل
(3) وعليه إجماع المسلمين قاطبة.
وتدلّ عليه مضافاً إلى قوله تعالى ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلّا تَعُولُوا ) (1). حيث أنّ الظاهر منها أنّها في مقام بيان حدّ الترخيص ، فتدلّ بالمفهوم على عدم الجواز في ما زاد على ذلك الحدّ قهراً ، وهذا ما يعبّر عنه في الكلمات بمفهوم العدد ، وهو وإن لم نقل بحجيته مطلقاً إلّا أنّه لا مناص من الالتزام بحجيته ، فيما إذا كان الدليل في مقام التحديد وبيان حدّ الحكم كما هو الحال فيما نحن فيه ، حيث تكفّلت الآية الكريمة بيان الحد للحكم بالإباحة ، فتدلّ على عدم
1) سورة النساء 4 : 3.
والزّوجة حرّة أو أَمة (1).
الجواز فيما زاد عن الحد النصوص المستفيضة حيث دلّت جملة منها وبالسنة مختلفة على عدم جواز التزوّج بأكثر من أربع بالعقد الدائم.
منها : صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوّج خمساً في عقدة ، قال : «يخلي سبيل أيتهن شاء ويمسك الأربع» (1).
ومنها : معتبرة عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مجوسي أسلم وله سبع نسوة وأسلمن معه ، كيف يصنع؟ قال : «يمسك أربعاً ويطلق ثلاثاً» (2).
ومنها : عدّة نصوص دلّت على أنّه ليس لمن كانت له أربعة نسوة فطلّق واحدة منهن أن يتزوّج اخرى ما لم تمض عدّة المطلقة ، كصحيحة زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا جمع الرجل أربعاً وطلّق إحداهن ، فلا يتزوّج الخامسة حتى تنقضي عدّة المرأة التي طلق» ، وقال : «لا يجمع ماءه في خمس» (3).
فإن هذه الروايات وغيرها ظاهرة في عدم جواز التزويج بأكثر من أربع بالعقد الدائم ، وإلّا فلا وجه للحكم بتخلية سبيل إحداهن في الأُولى والثلاث في الثانية وبطلان نكاح الأخيرة في الثالثة.
ودعوى أنّ المستفاد من أمثال صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم أنّ الممنوع إنّما هو وطء الخامسة دون التزوج بها ، حيث قال (عليه السلام) : «لا يجمع ماءه في خمس».
مدفوعة بأنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور والقول ببطلان الزواج ، لصراحة الأخبار المتقدمة في ذلك.
(1) لإطلاق النصوص المتقدمة.
وأمّا في الملك والتحليل فيجوز ولو إلى ألف (1). وكذا في العقد الانقطاعي (2).
(1) لاختصاص المنع في الأخبار المتقدمة بالزواج ، بل لاقتضاء إطلاقات الأدلة ذلك ، فإنّ مقتضى إطلاقات أدلّة التملك بالشراء وغيره ووطء المملوكة الجواز من غير تحديد بحد معيّن.
هذا مضافاً إلى صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتعة ، فقال : «الق عبد الملك بن جريح فسله عنها» إلى أن قال : وكان فيما روى لي فيها ابن جريح : «أنّه ليس فيها وقت ولا عدد ، إنّما هي بمنزلة الإماء يتزوج منهن كم شاء» (1). فإنّها صريحة في جواز نكاح أكثر من أربع إماء بملك اليمين.
(2) وتدلّ عليه مضافاً إلى صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي المتقدمة جملة من النصوص التي دلّت صريحاً على أنّها ليست من الأربعة وإنّما هي مستأجرة ، وأنّه لا مانع من التزويج بألف منهنّ (2).
إلّا أنّ بإزائها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن المتعة ، فقال : «هي أحد الأربعة» (3)حيث تدل على عدم جواز نكاح أكثر من أربعة منهنّ.
لكنها لا تصلح لمعارضة النصوص المتقدمة بعد تصريحه (عليه السلام) فيها بأنها ليست من الأربع ولا من السبعين ، ولا بدّ من حمل هذه الموثقة على الاحتياط على ما صرحت به جملة من النصوص (4)حفظاً لماله ونفسه ، إذ لا طريق لإخفاء ذلك على المخالفين إلّا بالاقتصار على الأربع حيث يتصوّرون كونهن زوجات دائمات له ، وهو بخلاف ما لو زاد على الأربع إذ لا مجال لادعاء كونهن زوجات دائمات فيظهر أمره بذلك.
ولا يجوز للحرّ أن يجمع بين أزيد من أمتين (1) ولا للعبد أن يجمع بين أزيد من حرّتين (2). وعلى هذا فيجوز للحر أن يجمع بين أربع حرائر ، أو ثلاث وأَمة أو حرّتين وأَمتين.
(1) بمعنى عدم جواز التزوّج بأَمة ثالثة لا عدم جواز التزوج بالثالثة مطلقاً ، إذ له أن يتزوج مضافاً إليهما بحرّتين على ما سيأتي تفصيله فالتحديد تحديد للزواج من الأَمة لا لأصل الزواج.
وعلى كلّ فيدلّنا على أصل الحكم مضافاً إلى تسالم الأصحاب وعدم الخلاف فيه صحيح أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل له امرأة نصرانية ، له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال : «إن أهل الكتاب مماليك للإمام ، وذلك موسع منّا عليكم خاصة ، فلا بأس أن يتزوج». قلت : فإنّه يتزوج عليها أَمة؟ قال : «لا يصلح له أن يتزوّج ثلاث إماء» (1).
وهي من حيث الدلالة كالصريحة ، لما تقدم مراراً من أنّ كلمة «لا يصلح» مرادفة لكلمة «لا يجوز» فإنّ معنى عدم الصلاحية هو عدم الجواز ، وإلّا فكل جائز صالح.
(2) وتدلّ عليه جملة من الأخبار الصحيحة.
منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : سألته عن العبد يتزوج أربع حرائر ، قال : «لا ، ولكن يتزوج حرّتين ، وإن شاء أربع إماء» (2).
ومنها : صحيحة حسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن المملوك ما يحل له من النساء ، فقال : «حرّتان ، أو أربع إماء» (3). وهذه الرواية صحيحة سنداً وإن عبّر عنها في بعض الكلمات بالخبر ، فإنّ حسن بن زياد هذا هو حسن بن زياد العطّار الثقة جزماً الذي يروي عن الصادق (عليه السلام) ، فإنّ حسن ابن زياد الصيقل من أصحاب الباقر (عليه السلام).
وللعبد أن يجمع بين أربع إماء ، أو حرّة وأَمتين (1) أو حرّتين ، ولا يجوز له أن يجمع بين أمتين وحرّتين (2) أو ثلاث حرائر ،
ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «لا يجمع العبد المملوك من النساء أكثر من حرّتين» (1).
ومن هنا يظهر أنّه لا بدّ من حمل ما ورد في بعض الروايات المعتبرة من أنّ العبد لا يتزوّج أكثر من امرأتين (2)على الحرّة ، بمعنى أنّه لا يجوز له أن يتزوج أكثر من حرّتين ، وإلّا فلا ينبغي الشكّ في جواز تزوجه أربع إماء على ما صرحت
به الأخبار الصحيحة المتقدمة ، ويظهر من تقييد المنع بأكثر من اثنتين بالحرّتين. فإنّه لو كان تزوجه بأكثر من امرأتين ممنوعاً مطلقاً ، لما كان وجه للتقييد بالحرّتين في النصوص المتقدِّمة ، فيكشف التقييد بها عن جواز الأكثر إذا لم تكن من الحرائر.
(1) وهو المعروف بين الأصحاب.
ويدلّ عليه مضافاً إلى مرسل الصدوق (قدس سره) : «يتزوّج العبد بحرّتين أو أربع إماء ، أو أمتين وحرّة» (3)تقييد منع الزيادة عن اثنتين في الصحاح المتقدمة بالحرّتين ، إذ لو كان المنع ثابتاً مطلقاً لكان هذا التقييد لغواً. وعليه فلا مانع من الالتزام بجواز جمع العبد بين أمتين وحرة ، إذ لا يشملها أخبار المنع عن الزيادة عن اثنتين.
(2) ويدل عليه مضافاً إلى صحيح زرارة المتقدم حيث قال (عليه السلام) : «لا يجمع العبد المملوك من النساء أكثر من حرّتين» صحيحتا محمد بن مسلم وحسن بن زياد المتقدمتان ، حيث قيدتا جواز جمع العبد بين أربع زوجات بكونهنّ إماء ، فإنّ ظاهر ذلك انحصار الجواز في تلك الحالة ، بحيث لو كان بينهنّ من الحرائر لما كان للعبد الجمع بينهنّ ، وإلّا لكان ذكر القيد لغواً كما هو ظاهر.
أو أربع حرائر (1) أو ثلاث إماء وحرة (2). كما لا يجوز للحرّ أيضاً أن يجمع بين ثلاث إماء وحرّة (1)(3).
[3704] مسألة 1 : إذا كان العبد مبعضاً أو الأَمة مبعضة ، ففي لحوقهما بالحر أو القنّ إشكال ، ومقتضى الاحتياط (4) أن يكون العبد المبعض كالحرّ بالنسبة إلى الإماء فلا يجوز له الزيادة على أمتين ، وكالعبد القنّ بالنسبة إلى الحرائر فلا يجوز له الزيادة على حرّتين. وأن تكون الأَمة المبعضة كالحرّة بالنسبة إلى العبد ، وكالأَمة بالنسبة إلى الحرّ.
بل يمكن أن يقال إنّه بمقتضى القاعدة ، بدعوى أنّ المبعض حرّ وعبد ، فمن حيث حرّيته لا يجوز له أزيد من أَمتين ، ومن حيث عبديته لا يجوز له أزيد من حرّتين. وكذا بالنسبة إلى الأَمة المبعضة.
إلّا أن يقال : إنّ الأخبار الدالّة على أن الحر لا يزيد على أَمتين ، والعبد لا يزيد على حرّتين ، منصرفة إلى الحر والعبد الخالصين ، وكذا في الأَمة ، فالمبعض قسم
ومما يؤيد ما اخترناه مرسلة الصدوق (قدس سره) ، قال : سُئل عن المملوك ما يحلّ له من النساء ، قال : «حرّتين أو أربع إماء» (2). وكذلك المرسل المتقدم.
(1) لما تقدّم من الأخبار الصحيحة.
(2) لما سبق في تزوجه بأمتين وحرّتين.
(3) والظاهر أنّه من سهو القلم ، حيث أنّ المنع فيه ليس من جهة انضمام الحرّة إلى الإماء على ما يظهر من قوله : كما لا يجوز للحرّ أيضاً ، وإنّما المنع من جهة أنّه ليس له الجمع بين ثلاث إماء مطلقاً ، سواء انضمت إليهن حرة أم لم تنضم. وحق العبارة أن يقال : كما لا يجوز للحر الجمع بين ثلاث إماء.
(4) فيما لو قلنا بأن حكم المبعض لا يخرج عن حكم الحر والعبد ، وأنّه محكوم
ثالث (1) خارج عن الأخبار ، فالمرجع عمومات الأدلة على جواز التزويج ، غاية الأمر عدم جواز الزيادة على الأربع ، فيجوز له نكاح أربع حرائر أو أربع إماء.
لكنه بعيد من حيث لزوم كونه أولى من الحر الخالص ، وحينئذ فلا يبعد أن يقال : إنّ المرجع الاستصحاب (2) ومقتضاه إجراء حكم العبد والأَمة عليهما ودعوى
بأحد الحكمين كما هو ليس ببعيد حيث تسقط إطلاقات الأدلة الدالة على جوار النكاح بأربع ، سواء أكانت من الحرائر أم من الإماء أم ملفّقة ، وذلك للعلم بالتخصيص وتردّده بين متباينين ، بمعنى العلم بمنع المبعض ، أما عن التزوج بأكثر من حرّتين ، وأما عن التزوج بأكثر من أَمتين.
فعند العلم بالتخصيص ودورانه بين متباينين يسقط العموم أو الإطلاق لا محالة ولا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي ، وهو يقتضي عدم نفوذ العقد في موارد الشكّ فليس له أن يتزوج بأكثر من حرتين ، ولا بأكثر من أَمتين فيما إذا كانت الثالثة أَمة أيضاً ، وهذا هو معنى الاحتياط.
وبما ذكرناه يظهر الحال في المبعضة ، فإنّ جواز النكاح بالنسبة إليها خصّص بأحد أمرين متباينين : إما بعدم جواز نكاحها من حر عنده أمتان ، أو بعدم جوازه من عبد عنده حرتان. فلا يمكن التمسك بالإطلاق ، وينتهي الأمر إلى التمسك بأصالة الفساد.
(1) على ما يحتمل احتمالاً بعيداً ، وعليه فلا مانع من التمسك بإطلاقات وعمومات ما دلّ على جواز التزويج بأربع إذ لا معارض لها ، حيث أنّ موضوع أدلة عدم جواز نكاح أكثر من حرتين هو العبد وهذا ليس بعبد ، كما أنّ موضوع أدلة عدم جواز نكاح أكثر من أَمتين هو الحر وهذا ليس بحر. إذن فلا مانع من الالتزام بصحة تزوجه بأكثر من حرتين أو أكثر من أَمتين.
(2) ولا يخفى أنّ تفريع الاستصحاب على الالتزام بكون المبعض قسماً ثالثاً غير واضح ، فإنّه لو قلنا بجريان الاستصحاب فلا بدّ من القول به حتى بناءً على شمول الأخبار له أيضاً ، إذ ينتفع به في حل العلم الإجمالي الناشئ من شمول الأخبار له ، وبه يثبت له أحكام العبد.
.................................................................................................
وعلى كل فقد يستشكل في جريان الاستصحاب بأنّه استصحاب تعليقي ، ولا نقول به لأنّه معارض بالاستصحاب التنجيزي ، حيث أنّ استصحاب ترتب أثر الزوجية على عقده على أربع إماء حال رقيته ، أو عقده إلى حال حرية بعضه ، معارض باستصحاب الحرمة وعدم ترتب الأثر على عقده فعلاً فلا يمكن الأخذ به.
ولكنه لا يمكن المساعدة عليه ، لأن الاستصحاب التعليقي إنّما يختص بما إذا كان الموضوع مركباً من جزءين ، وكان أحدهما حاصلاً بالفعل والآخر غير حاصل ، ولكن عند تحقق الجزء الثاني وحصوله يتغيّر وصف الأوّل ويزول. نظير المثال المعروف (العنب إذا غلى يحرم) فإنّه لا يمكن إثبات الحرمة للزبيب إذا غلى بالاستصحاب ، لأنّه قبل الغليان لم يكن موضوع الحرمة بتمامه متحققاً نظراً لفقدان الجزء الثاني ، وعند حصوله يزول وصف الجزء الأول ويتغيّر ، فلا مجال للتمسك بمثل هذا الاستصحاب حيث إنّه معارض بالاستصحاب التنجيزي بحلية الزبيب.
إلّا أنّ هذا أجنبي عما نحن فيه ، إذ موردنا من استصحاب الحكم الشرعي ليترتب عليه حكم شرعي آخر ، كما لو شكّ في جواز التوضؤ بالماء المعيّن ، فاستصحب جوازه فإنّه يترتب عليه جواز الصلاة به. ولا مجال لأن يقال بأنّه من الاستصحاب التعليقي ، وأنّه معارض باستصحاب عدم جواز الدخول في الصلاة ، فإنّ جواز الدخول في الصلاة من الأحكام الشرعية المترتبة على جواز الوضوء ، فإذا ثبت ذلك ثبت هذا الحكم أيضاً قهراً.
وهكذا الحال في جواز البيع بالنسبة إلى جواز التملك ، فإنّ الثاني مترتب على ثبوت الأوّل ولو كان ذلك بالاستصحاب.
ومن هنا ففيما نحن فيه تترتب آثار الزوجية بأكملها على جواز التزوج بالمرأة ، فإذا شكّ في الثاني فثبت الجواز بالاستصحاب ترتبت عليه آثار الزوجية شرعاً. ومن الواضح أنّ بين هذا أعني استصحاب الحكم الشرعي ليترتب عليه حكم شرعي آخر وبين الاستصحاب التعليقي ، بون شاسع وفرق ظاهر.
ولزيادة التوضيح نقول : إنّ ارتباط الحكم الشرعي المجعول التكليفي والوضعي -
.................................................................................................
بما يرتبط به على نحوين :
فتارة يكون ارتباطه على نحو ترتب الحكم عليه كترتب المعلول على علته في التكوينيات ، بحيث يكون ذلك الشيء في مرتبة سابقة على الحكم ، ويكون الحكم متأخراً عنه كتأخر المعلول عن علته.
وأُخرى ينعكس فيكون الحكم في مرتبة سابقة على ذلك الشيء ، بحيث يكون ذلك الشيء ناشئاً من الحكم الشرعي ومترتباً عليه.
ففي القسم الأوّل يعبّر عن ذلك الشيء بالموضوع ، فيما يعبّر عنه في القسم الثاني بالمتعلّق.
ففي مثل الحضر والسفر وزوال الشمس وغروبها يرتبط الحكم الشرعي به ، حيث يجب التمام على الحاضر فيما يجب القصر على المسافر ، وتجب العصران عند زوال الشمس والعشاءان عند غروبها. إلّا أنّ ارتباط الحكم بهذه الأُمور من قبيل القسم الأول ، حيث تكون هذه الأُمور بمنزلة العلّة للحكم ، فلا بدّ من فرض السفر في وجوب القصر ، والحضر في وجوب التمام ، وهكذا.
وفي مثل وجوب الصلاة يرتبط الحكم الشرعي أعني الوجوب به أيضاً ، إلّا أنّ ارتباطه في هذا المقام من قبيل القسم الثاني ، حيث تترتب الصلاة في الخارج على الوجوب بحيث يكون الوجوب كالعلّة في وجودها ، فإنّ الوجوب متحقق قبل تحقق الصلاة في الخارج ومع قطع النظر عن تحققها وعدمه ، فهو كالسبب في وجودها حيث يؤتى بها باعتبار كونها واجبة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ تمييز أحد القسمين عن الآخر ، وأنّ ارتباط الشيء المعيّن بالحكم من قبيل الأول أو الثاني ، إنّما يتبع ذلك الشيء الذي يرتبط الحكم به.
فإن كان أمراً خارجاً عن اختيار المكلف نظير زوال الشمس ، فهو موضوع للحكم قهراً إذ لا يعقل كونه متعلقاً له ، سواء أذكر في لسان الدليل على نحو القضية الشرطية كقولنا : (إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان) أم ذكر على نحو القيدية كقولنا : (تجب الصلاة عند زوال الشمس).
.................................................................................................
وإن كان أمراً اختيارياً فهو يختلف باختلاف لسان الدليل ، فإن أُخذ شرطاً كقولنا : (إن سافرت فقصر) أو أُخذ على نحو تكون نتيجته نتيجة الاشتراط ، كما إذا أُخذ في القضية موضوعاً كقولنا : (المسافر يجب عليه القصر) فإنّ نتيجة كون المسافر موضوعاً هو فرضه مفروغ الوجود ، بمعنى أنّه على تقدير وجوده يجب القصر ، وهو يعني كون السفر شرطاً في وجوب القصر ، لما ذكرناه غير مرة من أنّ القضية الحقيقية تنحلّ إلى القضية الشرطية فهو موضوع لا محالة.
وأما إذا أُخذ قيداً في المتعلق كقولنا : (صلّ متطهراً) كان المتفاهم منه أنّ التكليف كما هو متعلق بالصلاة متعلق بقيدها أيضاً ، بحيث يكونان معاً معلولين للتكليف.
إذا اتضح ذلك كلّه يظهر أنّ الحلّية والحرمة الثابتتين للبيع أو النكاح أو التملك أو غيرها ، إنّما هما حكمان ثابتان قبل تحقق تلك الأُمور في الخارج. فحلّية البيع أو حرمته مثلاً حكم ثابت قبل تحققه في الخارج ، لا أنّ حليته أو حرمته متوقّفة على تحققه في الخارج ، فهو حلال سواء أوقع البيع في الخارج أم لم يقع ، وكذلك الحال في التملك والنكاح.
وأما ترتب الآثار الشرعية عليها ، فهي أحكام مترتبة على هذا الحكم أعني الحلّية أو الحرمة من دون أن يكون من الاستصحاب التعليقي. فإنّه إذا كان نكاحاً حلالاً ثم شككنا في زوال الحلّية ، كان مقتضى القاعدة استصحاب بقائها ، لأنّها كانت ثابتة قبل العقد والنكاح في الخارج ولم تكن مترتبة عليه ، فلا وجه لأن يقال إنّه من الاستصحاب التعليقي فإنّ خطأ ، والصحيح أنّه من الاستصحاب التنجيزي.
ومن هنا فلا بأس بأن يقال : إنّ هذا المبعض كان يحرم عليه أن يتزوج من الحرائر بأكثر من اثنتين ، فمقتضى الاستصحاب أنّه الآن كذلك أيضاً ، وبه تجري عليه أحكام العبد. إلّا أنّ هذا كلّه لا يقتضي التزامنا بجريان الاستصحاب في المقام ، وذلك لما تقدم منّا غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية الكلّية ، حيث أنّ جريانه فيها معارض باستصحاب عدم الجعل من الأول فيسقط بالمعارضة ، بل الثاني حاكم على الأوّل ، على ما مرّ توضيحه في محلّه من المباحث الأُصولية.
تغيّر الموضوع كما ترى (1).
فتحصل أنّ الأوْلى الاحتياط الذي ذكرنا أوّلاً ، والأقوى العمل بالاستصحاب (1)وإجراء حكم العبيد والإماء عليهما.
[3705] مسألة 2 : لو كان عبد عنده ثلاث أو أربع إماء ، فأُعتق وصار حرّا لم يجز إبقاء الجميع ، لأنّ الاستدامة كالابتداء ، فلا بدّ من إطلاق الواحدة أو الاثنتين. والظاهر كونه مخيَّراً بينهما ، كما في إسلام الكافر عن أزيد من أربع (2).
ثم لو تنزّلنا وقلنا بجريانه في الأحكام التكليفية الكلّية فلا نلتزم به في المقام ، وذلك لاختلاف الموضوع بنظر العرف ، حيث يرى عنوان الحرية والرقية مقوِّماً للموضوع ، نظير ما يراه في عنوان المسافر والحاضر. وعلى هذا فلا يمكن التمسك بالاستصحاب ، لعدم اتّحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة ، فإنّ الذي لم يكن له التزوج بأكثر من حرتين إنّما كان هو هذا الشخص بما هو عبد لا ذاته بما هي ، ومن الواضح أنّه بذلك الوصف غير المبعض حيث إنّه ليس بعبد وإنّما نصفه عبد خاصة ، وهو لم يكن موضوعاً للحكم.
وعليه فحكمه يبتني على الاحتمالين السابقين ، من عدم خروج حكمه عن حكم أحد القسمين فيجب عليه الاحتياط ، ومن كونه قسماً ثالثاً فيحكم بصحة تزوجه بأربع مطلقاً ، سواء أكنّ من الحرائر أم الإماء أم ملفّقاً منهما.
(1) وفيه ما تقدم.
(2) حيث ورد في معتبرة عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مجوسي أسلم وله سبع نسوة وأسلمن معه ، كيف يصنع؟ قال : «يمسك أربعاً ويطلق ثلاثاً» (2).
فقد استدلّ بها لإثبات التخيير في المقام حيث كان الزواج كما فيما نحن فيه صحيحاً ابتداءً حيث يقر على مذهبه ما لم يسلم.
.................................................................................................
إلّا أنّه غير تامّ ومن القياس الباطل ، حيث أنّ ثبوت التخيير في ذلك المورد لا يلازم ثبوته فيما نحن فيه ، بعد أن لم يكن هناك إطلاق أو عموم أو تعليل يشمل المقام أيضاً.
ومن هنا يظهر حال الاستدلال بما ورد فيمن تزوج خمساً أو تزوج الأُختين بعقد واحد ، كصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوج أُختين في عقدة واحدة ، قال (عليه السلام) : «يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأُخرى» ، وقال في رجل تزوج خمساً في عقدة واحدة : «يخلي سبيل أيّتهن شاء» (1).
بدعوى أنّ هذا الحكم إذا كان ثابتاً ابتداءً ، كان ثابتاً استدامة بطريق أوْلى.
فإنّه ضعيف جدّاً ، فإنّ الحكم الثابت في هذين الموردين حكم تعبدي خاص ثبت بالدليل على خلاف القاعدة ، فلا مجال للتعدي عنه إلى سائر الموارد وذلك لاقتضاء القاعدة في مثله البطلان ، حيث أنّ دليل صحة العقد ونفوذه شامل لكل من العقدين أو العقود في نفسه.
إلّا أنّه لما كان الجمع بينهما غير ممكن ، وكان ترجيح أحدهما على الآخر ترجيحاً بلا مرجّح ، كان مقتضى القاعدة فيهما بطبيعة الحال هو البطلان ، على ما هو الحال في جميع موارد عدم إمكان التمسك بالدليل بالنسبة إلى كلا الفردين أو الأفراد. كما لو باع داره لشخص وباع وكيله الدار لآخر مقارناً لبيعه لها ، فإن كلا من العقدين في نفسه وإن كان مشمولاً للصحة ، إلّا أنّه لما لم يمكن الجمع بينهما. ولم يكن لأحدهما مرجح على الآخر ، حكم ببطلانهما عملاً بالقاعدة.
ومن هنا يقال بالبطلان من رأس لو تزوج العبد بثلاث حرائر بعقد واحد من دون أن يلتزم فيه بالتخيير ، وكذا الحال لو تزوج الحر بثلاث إماء في عقد واحد.
والحاصل أنّ الحكم الثابت في فرض التزوج بالأُختين أو التزوج بالخمس دفعة حكم تعبدي ثبت بالنص على خلاف القاعدة ، فلا مجال للتعدي عن موردهما إلى غيرهما من الموارد خصوصاً إلى ما نحن فيه ، حيث أنّ العقد قد وقع صحيحاً ابتداءً بمقتضى القاعدة.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 25 ح 1.
.................................................................................................
وعلى هذا فقد يلتزم بالبطلان في الجميع فيما نحن فيه حيث لا ترجيح في البين ولا يمكن الجمع بينهن ، إلّا أنّه غير صحيح إذ لا مقتضي للبطلان بعد ما كان العقد صحيحاً وكانت الزوجية ثابتة ، فإنّ الفرق بين هذه المسألة ومسألة الجمع بينهن ابتداءً واضح ، حيث كانت القاعدة كما تقدم تقتضي البطلان في الثانية بخلاف ما نحن فيه حيث وقعت العقود في وقتها صحيحة ، غاية الأمر أنّ الجمع بينهن بقاءً غير ممكن.
إلّا أنّه لما كان من الواضح أنّ الذي لا يمكن بقاؤه إنّما هو الزائد عن الاثنتين لا كل واحدة منهن ، فلا بدّ بحسب ما تقتضيه الأدلة الحكم ببطلان عقد الزائد عن الاثنتين وصحة عقدهما. ولا يقدح في ذلك كونهن لا تعيين لهنّ ، إذ لا تعيين للاثنتين المحكوم بصحة نكاحهما عن الزائد عنهما المحكوم بفساد نكاحها ، فإنّه لا مانع من الحكم بصحة نكاح اثنتين منهنّ في الواقع وفساد نكاح الأُخريين في الواقع أيضاً ، ومن دون تعيين لهنّ على نحو الجامع ، حيث لا محذور في قيام الزوجية أو عدمها فيه ، فيقال : إن اثنتين من هذه النساء زوجتان ، واثنتين منهنّ ليستا بزوجتين من دون تعيين.
وما قد يقال : من أنّ الزوجية ونحوها لا يمكن قيامها في الفرد المردد والمبهم ، فلا يمكن الحكم بقيامها باثنتين مبهمتين ومرددتين وانتفائها عن اثنتين كذلك ، فلا بدّ من الحكم بفساد نكاح جميعهن.
مدفوع بما ذكرناه في مبحث العلم الإجمالي من أنّ الفرد المردّد والمبهم وإن كان لا يمكن أن يكون متعلقاً لأي شيء حيث لا وجود له ولا ذات ، إلّا أنّ الجامع ليس منه ، حيث أنّ معنى الجامع إنّما هو إلغاء الخصوصيات والأخذ بما يجمع بين الأفراد. وعلى هذا فلا مانع من كونه متعلقاً لعرض خارجي كما هو الحال في موارد العلم الإجمالي.
كما لو علم إجمالاً بوقوع قطرة من النجاسة في أحد الإناءين ، في حين كان الواقع في علم اللّه سبحانه وقوع قطرة في كل من الإناءين من دون أن يعلم المكلف بوقوع الثانية ، بحيث أنّه لم يكن يعلم إلّا بنجاسة أحد الإناءين لا كليهما معاً ، فإنّ من الواضح حينئذ أنّ المعلوم ما تعلق به العلم للمكلف ليس إلّا الجامع ، وإلّا فكل من الإناءين
ويحتمل القرعة (1) والأحوط أن يختار هو القرعة بينهنّ (1).
ولو اعتقت أَمة أو أمتان ، فإن اختارت الفسخ حيث أن العتق موجب لخيارها
ليس بمعلوم النجاسة كما أنّه ليس هو النجس الواقعي ، لأنّه بحسب الفرض اثنان ، فلا معنى لأن يقال : إنّ علم المكلف قد تعلّق به ، فليس المعلوم إلّا الكلي والجامع كما هو واضح.
وعليه فإذا كان العلم الذي هو وصف خارجي موجود قابلاً للتعلق بالجامع بما هو ، فكيف لا يمكن أن يكون الأمر الاعتباري كالملكية والزوجية متعلقاً به؟
إذن فلا مانع من حكم الشارع بفساد نكاح اثنتين من هذه النساء ، وصحة نكاح الاثنتين الأُخريين منهنّ على نحو الكلّي.
وحينئذ فلا بدّ من معيّن للتي بقيت على الزوجية عن التي انفسخت زوجيتها وحيث لا نصّ خاص يدلّ على التعيين بالتخيير ، فلا بدّ من الرجوع إلى القرعة لا محالة إذ لا طريق آخر سواها.
(1) بل القول بها هو المتعين ، على ما تقدم.
وما قد يقال : من أنّ القرعة إنّما هي لما هو مشكل عندنا ، ومعيّن في الواقع على ما دلّت عليه بعض الأخبار (2)فلا تشمل المقام ، حيث لا واقع له بعد أن كانت النسبة في الجميع واحدة.
يندفع بأنّ القرعة على ما يظهر من نصوصها لا تختص بما ذكر ، وإنّما تجري لحل المشكلة مطلقاً ، سواء أكان لها واقع أم لم يكن ، فإنّ عمدة أدلّتها صحيحتان :
الأُولى : صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل قال : أوّل مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة ، قال : «يقرع بينهم ، فمن أصابه القرعة أعتق» ، قال : «والقرعة سنّة» (3).
بين الفسخ والبقاء فهو ، وإن اختارت البقاء يكون الزوج مخيّراً (1)(1) والأحوط اختياره القرعة كما في الصورة الأُولى.
فإنّ من الواضح أنّ موردها مما لا واقع له ، حيث أنّه التزم بعتق أوّل مملوك يملكه فورث ثلاثة. ولا مجال لدعوى اختصاص الحكم بمورده ، وذلك لما ورد في ذيلها من أنّ «القرعة سنّة» حيث اعتبرها الإمام (عليه السلام) كقاعدة كبروية ثم طبقها على المورد ، فيظهر منه عدم اختصاص القرعة بذلك المورد.
الثانية : معتبرة منصور بن حازم ، قال : سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة ، فقال : «هذه تخرج في القرعة» ثم قال : «فأي قضية أعدل من القرعة إذا فوّضوا أمرهم إلى اللّه عزّ وجلّ ، أليس اللّه يقول ( فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) » (2).
فإنّ استدلاله (عليه السلام) بالآية الكريمة يكشف عن عدم اختصاص القرعة بما إذا كان للمشكلة واقع وكان المكلف جاهلاً به ، إذ الظاهر واللّه العالم أنّ أهل السفينة لم يكونوا يعلمون أنّ الحوت إنّما يطلب شخصاً معيناً ، بل تخيلوا أنّه إنّما يطلب شخصاً من غير تعيين لسدّ جوعه أو غير ذلك من دون خصوصية فيه ، وإلّا فلو كانوا يعلمون أنّه إنّما يطلب يونس بخصوصه لأخذوه وألقوه في البحر من دون توقف أو حاجة إلى القرعة ، فرجوعهم مع ذلك إلى القرعة يكشف عن صحة التمسك بها لتعيين ما لا تعيّن له في الواقع أيضاً.
ومن هنا فتدل الآية الكريمة على عدم اختصاص القرعة بما كان له تعيّن في الواقع ، بل تعمّ ما لا تعيّن له أيضاً.
(1) في إطلاقه نظر ، ولا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّ موضوع الكلام ما إذا كان العبد متزوجاً بثلاث إماء أو أربع ثم أعتقت واحدة منها أو اثنتان.
[3706] مسألة 3 : إذا كان عنده أربع ، وشكّ في أن الجميع بالعقد الدائم ، أو البعض المعيّن أو غير المعيّن منهن بعقد الانقطاع ، ففي جواز نكاح الخامسة دواماً إشكال (1)(1).
ومن الواضح أنّ الذي ذكره (قدس سره) من الإطلاق بالتخيير أو القرعة إنّما يتمّ فيما إذا كان متزوجاً بأربع فأُعتقت واحدة أو اثنتان ، حيث لا يجوز للعبد الجمع بين الأربع إلّا إذا كان جميعهن من الإماء ، وفيما إذا كان متزوِّجاً بثلاث إماء فأُعتقت اثنتان حيث لا يجوز له التزوج بأكثر من حرتين. وأما لو كان متزوجاً بثلاث إماء فأُعتقت واحدة منهن واختارت البقاء ، فلا موجب للقول بالتخيير أو القرعة ، إذ لا مانع من جمع العبد بين أَمتين وحرة ابتداءً ، على ما تقدم التصريح منه (قدس سره) أيضاً.
(1) منشأ القول بالجواز هو عدم إحراز موضوع الحرمة ، حيث أنّ موضوعها كونها خامسة لأربع عنده بالعقد الدائم ، وهو غير محرز للشكّ في دوام نكاح بعض التي عنده ، ومن هنا فلا يحرز كون التي يريد العقد عليها خامسة ، ومعه فمقتضى الأصل هو الجواز.
ومنشأ القول بعدم الجواز أحد أُمور :
الأوّل : التمسك بالاستصحاب ، فإنّه مع الشكّ في انقضاء زوجية بعض التي عنده وزوالها بعد مرور المدة المعينة يستصحب بقاؤها ، وبه تثبت الزوجية الدائمة إلى أن تموت أو يموت هو ، وبذلك تترتب عليها أحكام الزوجية الدائمة فيحرز موضوع الحرمة ، فلا يجوز له التزوج بغيرهن دواماً ، نظير ما يذكر في باب الإرث من إحراز الدوام بالاستصحاب عند الشكّ في دوامها وعدمه.
وفيه : أنّ الاستصحاب لا يجري في أمثال المقام ، وذلك لأن الشكّ في بقاء الزوجية وعدمه بعد انقضاء الأجل مسبب عن ضيق المجعول وسعته ، بمعنى الشكّ في كون الزوجية التي أنشأها المتعاقدان زوجية محدودة إلى أمد معيّن أو مطلقة من هذه الناحية وكونها زوجية دائمة ، ومن هنا فاستصحاب عدم جعل الزوجية بعد تلك المدة من
1) (*) أظهره الجواز.
.................................................................................................
الأوّل يكون حاكماً على هذا الاستصحاب ومقدّماً عليه ، وبه يحكم بعدم كونها بعد تلك المدة المتيقنة زوجة له. نظير ما تقدم في باب الإجارة عند الشكّ في مدة استئجارها ، حيث حكمنا بفضل الاستصحاب بعد مرور المدة المتيقنة بعدم ملكية المستأجر منفعة العين.
وعلى كلّ فلا أقلّ من كون هذا الاستصحاب معارضاً للاستصحاب المتقدِّم فلا يبقى معه مجال للتمسك به.
الثاني : التمسك بما دلّ من الأخبار على أنّه إذا لم يذكر الأجل في العقد كان النكاح دائماً والعقد باتاً ، حيث أنّ المستفاد منها كون عدم ذكر الأجل موضوعاً لدوام العقد فبمجرّد عدم ذكر الأجل ينقلب العقد دائماً ، سواء أكان ذلك عن عمد أم نسيان أم غيرهما ، على ما ذكره بعضهم. وعلى هذا فيمكن فيما نحن فيه إحراز موضوع الدوام بالاستصحاب فيقال : إنّ مرجع الشكّ ، في كون عقد واحدة من الأربع الموجودات بالفعل دائماً أو منقطعاً ، إنّما هو إلى الشكّ في ذكر الأجل في عقدها وعدمه ، فيكون مقتضى استصحاب عدم ذكره كون عقدها دائماً لا محالة.
وبعبارة اخرى نقول : إنّ استصحاب عدم ذكر الأجل عند الشكّ فيه ، يحرز كون عقد كل واحدة من الأربع الموجودات بالفعل دائماً ، وبه يتمّ موضوع حرمة التزوّج بالخامسة.
وفيه : أنّ هذه الروايات وإن كانت تتضمن بعض النصوص الصحيحة سنداً ، إلّا أنّها بحسب الدلالة أجنبية عن محل كلامنا ، حيث إنّها في مقام بيان الفارق بين العقد الدائم والعقد المنقطع ، وإنّه إذا ذُكر الأجل وأُنشئ العقد مقيداً بزمان معيّن كان العقد منقطعاً ، وإن لم يذكر الأجل وأُنشئت الزوجية مطلقة كان العقد دائماً.
بمعنى أنّ العقد المنقطع إنّما هو العقد المنشأ مقيداً ، في قبال العقد الدائم الذي هو عبارة عن العقد المنشأ مطلقاً ، ومن غير تحديد بأمر خاص حتى ولو كان ذلك استحياءً على ما دلّت عليه بعض النصوص المعتبرة (1)من دون أن يكون لها نظر
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب المتعة ، ب 20.
.................................................................................................
إلى بيان حكم تعبدي ، وأنّه إذا لم يذكر الأجل انقلب العقد دائماً حتى ولو لم يكن ذلك مقصوداً للمنشئ.
والحاصل أنّه لا يستفاد من هذه الروايات حكم تعبدي ، بحيث إنّه متى لم يذكر الأجل كان العقد دائماً وإن كان ذلك لنسيان أو غفلة أو نحوهما ، بل الظاهر منها التفرقة بين العقد الدائم والعقد المنقطع ، وأنّ المجعول في الثاني إنّما هو الزوجية في وقت معيّن وأجل مسمى ، فإن لم يذكر ذلك بحيث أنشأ زوجية مطلقة ولو للاستحياء كان العقد دائماً.
وعلى هذا فلا أثر لأصالة عدم ذكر الأجل ، حيث لا يثبت بها كون المنشأ هو العقد الدائم ، فإنّ كلّاً من العقد الدائم والعقد المنقطع مشكوك فيه ، حيث لا يدرى أنّ المنشأ هل كان الأوّل أم الثاني ، فلا مجال لإحراز أحدهما بأصالة عدم ذكر الأجل في العقد.
الثالث : دعوى اتحاد العقد الدائم والعقد المنقطع حقيقة ، فإنّ كلّاً منهما إنّما يتكفل إنشاء طبيعي الزواج ، غاية الأمر أنّ المنقطع يزيد على الدائم أنّه يجعله إلى وقت معيّن يرتفع بانقضائه ، فهو أمر زائد على مقتضى أصل العقد وحقيقته ، نظير الشروط في العقود حيث تكون أصالة عدم الاشتراط فيما لو شكّ في اشتراط شيء فيه بعد إحراز أصل المبادلة محكمة.
وعليه ففي المقام يقال : أنّ العقد الدائم والعقد المنقطع لما كانا حقيقة واحدة كان المنشأ فيهما طبيعي الزواج حدوثاً ، بمعنى أنّ الزوجة إنّما تنشأ زوجيتها للرجل حدوثاً فيقبلها الرجل ، والبقاء غير منشأ للزوجة ولا للزوج وإنّما هو لاستعداد ذاتها ، فهي تبقى بطبيعة الحال ما لم يثبت رافع من موت أو طلاق أو انقضاء المدة في المنقطعة ، ومن هنا يكون جعل الرافع في العقد أمراً زائداً عن طبيعي الزوجية المُنشأة للزوجين ، فإذا شككنا فيه كان مقتضى أصالة عدم جعله هو الدوام بمقتضى طبع العقد.
وفيه : أنّ الزوجية والملكية وغيرهما ليست من الأُمور التكوينية ، كي يكون للقول بأنّ علّة حدوثها كافية في بقائها ، وأنّها إذا وجدت كان بقاؤها بطبعها ولاستعداد ذاتها وجه وإن كان ذلك غير تامّ أيضاً على ما تقدم بيانه في محلّه وإنّما
[4707] مسألة 4 : إذا كان عنده أربع فطلق واحدة منهنّ وأراد نكاح الخامسة ، فإن كان الطلاق رجعيا لا يجوز له ذلك إلّا بعد خروجها عن العدّة (1). وإن كان بائناً ففي الجواز قبل الخروج عن العدّة قولان ، المشهور على الجواز ، لانقطاع العصمة بينه وبينها.
هي من الأُمور الاعتبارية التي ليس لها وجود سوى اعتبار من بيده الاعتبار ، فلا مجال فيها بالمرة لأن يقال بكفاية علّة حدوثها في بقائها.
وعليه فحيث أن الزوجية تنقسم بطبيعة الحال إلى قسمين مؤقت وغير مؤقت ، فلا يخلو المنشئ لها من أن ينشئها مطلقة أو مقيدة بزمان معيّن ، لعدم معقولية الإهمال في الواقعيات ، على ما تقدم بيانه غير مرة.
ومن هنا فإذا دار أمر المنشأ بين الإطلاق والتقييد ، لم يكن أحدهما موافقاً للأصل والآخر مخالفاً له ، فإن كلّاً منهما حادث فلا مجال لإحراز أحدهما بالأصل.
نعم ، بلحاظ الأثر الخارجي فالمقدار المتيقن قد أُنشئ جزماً ، أما في ضمن الإطلاق أو في ضمن التقييد ، فيرجع الشكّ إلى إنشاء الزائد عن ذلك ، وقد ذكرنا أنّ الأصل إنّما هو عدم إنشاء الزوجية بالنسبة إليه.
والحاصل أنّه لما لم يكن في المقام أصل أو دليل يحرز به كون العقد المشكوك عقداً دائماً ، كان مقتضى القاعدة هو الالتزام بجواز التزويج بالتي يريد التزوج منها ، لعدم إحراز كونها خامسة بالمعنى الذي ذكرناه.
ثم إنّه لا يخفى أنّه لا منافاة بين الزوجية الدائمة وبين الطلاق حيث أنّ الطلاق إنّما هو بمنزلة الرافع ، فلا ينافي كون المنشأ هو الزوجية الأبدية ، نظير البيع بالنسبة إلى الملكية إذ لا منافاة بينهما ، فيحق للذي يملك الشيء بالملكية الأبدية أن يرفعها وينقل ذلك الشيء بالبيع أو غيره إلى غيره.
وبالجملة : فالذي يتحصل من جميع ما تقدم هو أنّ ما ورد في عبارة جملة من الأصحاب ، من أنّ الزوجية الدائمة والزوجية المنقطعة نوعان وصنفان هو الصحيح.
(1) بلا خلاف في ذلك. وتدل عليه مضافاً إلى كونه موافقاً للقاعدة حيث أن
وربّما قيل (1)بوجوب الصبر إلى انقضاء عدّتها (1) عملاً بإطلاق جملة من
المطلقة رجعية زوجة حقيقة على ما اخترناه ، أو هي في حكمها على ما ذهب إليه المشهور عدّة نصوص معتبرة :
كصحيحة محمد بن قيس ، قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في رجل كانت تحته أربع نسوة فطلق واحدة ، ثم نكح اخرى قبل أن تستكمل المطلقة العدّة قال : «فليلحقها بأهلها حتى تستكمل المطلقة أجلها» ، الحديث (2).
وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا جمع الرجل أربعاً وطلّق إحداهن ، فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدّة المرأة التي طلق» وقال : «لا يجمع ماءه في خمس» (3). إلى غيرهما من النصوص.
(1) وهو الصحيح ، لإطلاق الروايات المتقدمة ، حيث لم يرد التقييد في شيء منها بالطلاق الرجعي.
ودعوى أن التقييد مستفاد من إجماع الأصحاب على اختصاص الحكم بالطلاق رجعيا.
يدفعها أنّ ثبوته أوّل الكلام ، فقد ذهب جملة منهم كالمفيد على ما نسب إليه في الحدائق (4)، والشيخ على ما نسب إليه في كشف اللثام (5)إلى الحرمة مطلقاً.
إذن فلا يبقى موجب لرفع اليد عن إطلاق تلك النصوص ، وتقييدها بالطلاق الرجعي.
كما أن دعوى استفادة ذلك من معتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلّق امرأة أو اختلعت أو بانت ، إله أن يتزوج بأُختها؟ قال فقال : «إذا برئت
.................................................................................................
عصمتها ولم يكن عليها رجعة ، فله أن يخطب أُختها» (1)وغيرها. بتقريب : أنّ جوابه (عليه السلام) إنّما يكشف عن كون المانع من التزوج بالأُخت في الطلاق الرجعي هو بقاء العصمة ، ولما كان هذا المحذور منتفياً في الطلاق البائن فلا مانع من التزوج بأُختها ، فيفهم من ذلك أنّ الملاك في الجواز وعدمه هو بقاء العصمة وعدمه ، فلا يجوز مع الأول ويجوز مع الثاني. وعلى هذا فتكون هذه الرواية مقيدة لإطلاق الأخبار المتقدمة ، حيث تدلّ على الجواز فيما إذا انقطعت العصمة وكان الطلاق بائناً ، فيختص عدم الجواز بما إذا كان الطلاق رجعيا.
مردودة بأن مورد الرواية أجنبي عما نحن فيه بالمرة ، فإنّها إنّما تضمنت الجواز عند طلاق الأُخت طلاقاً بائناً من حيث الجمع بين الأُختين ، وإنّ الحرمة الثابتة له منتفية في هذه الحالة ، باعتبار أنّ الطلاق البائن يوجب قطع العصمة فلا يكون التزوج بأُختها من الجمع بين الأُختين ، وأين ذلك من محل كلامنا والتزوج بالخامسة في أثناء عدّة إحدى المطلقات بائناً! فإن ذلك من التعدي عن مورد الحكم التعبدي وقياس واضح.
ومثل هذا الوجه في البطلان ما قيل من تقييد قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة : «ولا يجمع ماءه في خمس» لإطلاق هذه النصوص. بدعوى أنّه عند الطلاق البائن تخرج المرأة عن الزوجية ، فلا يكون نكاح الأخيرة من جمع الماء في خمس ، إذ لم يكن للرجل عند ذلك خمس زوجات بالفعل.
والوجه في البطلان أنّ جمع الماء في خمس في حدّ نفسه لما لم يكن من المحاذير جزماً حيث يجوز ذلك في الإماء والمتعة قطعاً ، فمن غير البعيد أن تكون هذه الفقرة من النص جملة مستقلة ، تتضمن بيان حكم مستقل عما تكفلت الفقرات الاولى بيانه ، بحيث يكون الإمام (عليه السلام) بعد بيانه لحكم من طلق واحدة من أربع وأراد التزوج بأُخرى في عدّة تلك ، قد تعرض لبيان حكم الجمع بين خمس زوجات دائمات ابتداءً فأفاد (عليه السلام) بأنه أمر غير جائز. وبذلك تكون هذه الفقرة من أدلة عدم جواز
1) الوسائل ، ج 22 كتاب النكاح ، أبواب العدد ، ب 48 ح 2.
الأخبار ، والأقوى المشهور ، والأخبار محمولة على الكراهة (1).
هذا ولو كانت الخامسة أُخت المطلقة ، فلا إشكال في جواز نكاحها قبل الخروج عن العدّة البائنة ، لورود النص فيه (1)(2) معلّلاً بانقطاع العصمة.
التزوّج بأكثر من أربع نساء ، فلا تكون لها قرينية على تقييد إطلاق ما دلّت عليه الفقرات الاولى ، من عدم جواز التزوّج بالخامسة ما لم تنقضِ عدّة المطلقة بما إذا كان الطلاق رجعيا.
ولو تنزلنا عن ذلك فلا يخفى أنّه لا مجال للجمود على حاق ألفاظ الرواية والأخذ بها ، إذ أنّ جمع الماء في خمس بمعناه الحقيقي في آن واحد أمر غير معقول ، لوضوح عجزه عن مقاربة أكثر من واحدة في آن واحد ، بل لا بدّ من التصرف شيئاً ما في ظاهرها الأول وحملها على إرادة جمع مائه في رحم خمس من النساء في آن واحد حيث أنّ المفروض أنّه قد دخل بهن وإلّا لما كان للمطلقة عدّة ، فيكون ماؤه بالدخول بالخامسة موجوداً في رحم خمس نساء.
ومن هنا فلا تصلح هذه الفقرة لتقييد الحكم بعدم الجواز بما إذا كان الطلاق رجعيا ، فإنّ ما هو المحذور فيه موجود بعينه في الطلاق البائن ، بل تكون الرواية شاملة للمطلقة بائناً على حد شمولها للمطلقة رجعية ، فإن ماءه موجود في رحمها بعد الطلاق أيضاً.
والحاصل أنّ هذه الفقرة على كل تقدير لا تصلح للقرينية على تقييد إطلاق أدلّة المنع كالوجهين السابقين ، وعلى هذا فحيث بقي إطلاق الأدلة سالماً عن المقيد ، فالقول بالتعميم إن لم يكن أظهر فهو أحوط بلا كلام.
(1) لا وجه لذلك بعد ما عرفت من دلالتها على المنع مطلقاً.
(2) وهو عجيب منه (قدس سره) ، فإنّ مراده من النص إنّما هو صحيحة الحلبي
1) (*) لم يرد نص في المقام ، وإنّما ورد في جواز نكاح المرأة في عدّة أُختها إذا كان الطلاق بائناً ، وبين المسألتين بون بعيد ، وعليه فلا فرق في الخامسة بين كونها أُختاً للمطلّقة وعدمه.
كما أنّه لا ينبغي الإشكال إذا كانت العدّة لغير الطلاق (1) كالفسخ بعيب أو نحوه ، وكذا إذا ماتت الرابعة ، فلا يجب الصبر إلى أربعة أشهر وعشر ، والنص
المتقدمة ، وقد عرفت أنّها إنّما تتكفل الجواز من حيث محذور الجمع بين الأُختين ، فلا تكون لها دلالة على الجواز مطلقاً وإن ابتلي بمحذور من جهة أُخرى.
وبعبارة اخرى : إنّ الجواز من حيث الجمع بين الأُختين لا يلازم الجواز من حيث كونها خامسة لعدم انقضاء عدّة المطلقة ، فإنّ كلّاً منهما مسألة مستقلة ، فلا وجه لتسرية الحكم الثابت في إحداهما إلى الأُخرى على ما تقدم بل يبقى الإشكال في المسألة السابقة على حاله في هذا المورد أيضاً.
(1) لخروجها عن مورد النصوص المتقدمة ، فلا وجه للالتزام فيها بعدم الجواز بعد أن كان الحكم الثابت في المطلقة على خلاف القاعدة غير القياس ، وهو واضح البطلان.
ومن هنا فلا وجه للقول بعموم الحكم لمطلق موارد الطلاق ، فإنّه لا موجب له بعد أن كان مورد النص خصوص ما لو طلّق إحدى الأربع وأراد التزوج في عدّتها فلا يشمل ما لو طلّق ثانية بعد تلك بالطلاق البائن وأراد التزوج بغيرها في عدتها.
وبعبارة اخرى : إنّ الثابت بمقتضى هذه النصوص هو زوجية المطلقة بائناً في صورة خاصّة فقط ، وهي ما لو كانت المطلقة رابعة لا مطلقاً ، وعليه فلا مجال لإثبات الحكم لغيرها ، حيث لا يلزم من التزوج في عدّتها إذا لم تكن رجعية الجمع بين خمس زوجات.
ومن هنا يظهر وجه عدم شمول تلك النصوص للحر إذا طلّق إحدى الأَمتين ، أو العبد إذا طلق إحدى الحرتين ، بالطلاق البائن وأراد التزوج بغيرها في عدتها ، فإنّه لا دليل على المنع في ذلك كلّه بعد قصور النصوص عن إثبات زوجية المطلقة بائناً في هذه الصّور.
والحاصل أنّ الحكم بالمنع مختص بمورد النص ، وهو ما لو طلّق إحدى زوجاته
الوارد بوجوب الصبر (1) معارض بغيره (2) ومحمول على الكراهة.
وأمّا إذا كان الطلاق أو الفراق بالفسخ قبل الدخول ، فلا عدّة حتى يجب الصبر أو لا يجب (3).
الأربع وأراد التزوج في عدتها ، فلا مجال للقول به في غيره من الموارد.
(1) وهو معتبرة عمار ، قال : سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له أربع نسوة فتموت إحداهن ، فهل يحل له أن يتزوج اخرى مكانها؟ قال : «لا ، حتى تأتي عليها أربعة أشهر وعشر». سئل فإن طلق واحدة ، هل يحل له أن يتزوج؟ قال : «لا ، حتى تأتي عليها عدّة المطلقة» (1).
(2) وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل كانت له أربع نسوة فماتت إحداهن ، هل يصلح له أن يتزوج في عدّتها اخرى قبل أن تنقضي عدّة المتوفاة؟ فقال : «إذا ماتت فليتزوج متى أحبّ» (2).
(3) فانتفاء الحكم فيها من باب السالبة بانتفاء الموضوع.
ويؤيده خبر سنان بن طريف عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل كنّ له ثلاث نسوة ، ثم تزوج امرأة أُخرى فلم يدخل بها ، ثم أراد أن يعتق أَمة ويتزوجها ، فقال : «إن هو طلق التي لم يدخل بها فلا بأس أن يتزوج اخرى من يومه ذلك ، وإن طلق من الثلاث النسوة اللّاتي دخل بهن واحدة ، لم يكن له أن يتزوج امرأة أُخرى حتى تنقضي عدّة المطلقة» (3).
لا يجوز التزويج في عدّة الغير (1) دواماً أو متعة ، سواء كانت عدّة الطلاق بائنة ، أو رجعيّة ، أو عدّة الوفاة ، أو عدّة وطء الشبهة ، حرّة كانت المعتدّة ، أو أَمة.
فصل
(1) بلا خلاف ولا إشكال فيه. ويمكن استفادته من عدّة مواضع من الكتاب العزيز.
كقوله تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) (1). فإنّ مفهوم العدّة ليس إلّا عد أيام معينة ، والاجتناب فيها من التزوج حتى تنقضي.
وقوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (2). فإنّ الأمر بالتربص لا سيما بملاحظة قوله تعالى في ذيل الآية ( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) واضح الدلالة على عدم جواز التزوج في تلك المدة ، إذ ليس للتربص معنى معقول غير ذلك.
وقوله تعالى ( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (3). فإنّها كالسابقة تدل على وجوب التربص في فترة العدّة وعدم جواز التزوج فيها ، كما يوضح ذلك قوله عزّ وجلّ بعد ذلك ( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ ) (4)فإنّها واضحة الدلالة في أنّ المقصود من التربص في تلك الفترة
ولو تزوّجها حرمت عليه أبداً (1)
إنّما هو الامتناع عن التزوّج ، ولذلك فلا مانع منه بعد انقضائها.
هذا كلّه بالنسبة إلى دلالة الكتاب العزيز على هذا الحكم. وأما بالنسبة إلى النصوص فما دلّ منها عليه متجاوز لحد التظافر ، حيث أجمعت النصوص على لزوم التفريق بين الزوجين لو وقع العقد في أثنائها. على أن المسألة إجماعية ولا خلاف فيها بين المسلمين قاطبة.
فالحاصل أنّ الحكم مما لا إشكال فيه كتاباً وسنة وإجماعاً من المسلمين.
(1) والوجه في ذلك أنّ الأخبار الواردة في هذا المقام على طوائف :
فمنها : ما دلّ على الحرمة مطلقاً.
ومنها : ما دلّ على نفيها مطلقاً.
ومنها : ما دلّ على ثبوتها في حالة دون اخرى.
فمن القسم الأوّل : رواية أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن النضر بن سويد عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوج المرأة المطلقة قبل أن تنقضي عدّتها ، قال : «يفرق بينهما ، ولا تحل له أبداً ، ويكون لها صداقها بما استحلّ من فرجها ، أو نصفه إن لم يكن دخل بها» (1).
إلّا أنّها ضعيفة سنداً ، فإنّ من البعيد جدّاً رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن النضر بن سويد بلا واسطة ، كما يشهد بذلك أنّه لم يوجد له في الكتب الأربعة رواية عنه مباشرة ومن غير واسطة إلّا في مورد واحد من الكافي ، والحال أن أحمد بن محمد ابن عيسى كثير الرواية.
ومعتبرة محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها ، قال : «يفرق بينهما ، ولا تحل له أبداً» (2).
وهذه الرواية واضحة دلالة ، ومعتبرة سنداً ، فإنّ عبد اللّه بن بحر المذكور في السند
.................................................................................................
وإن لم يرد فيه توثيق أو مدح ، إلّا أنّه مذكور في أسناد تفسير علي بن إبراهيم (1)فلا بأس بالاعتماد على رواياته.
ومن القسم الثاني : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ، قال : سألته عن امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها ، قال : «يفرق بينها وبينه ويكون خاطباً من الخطاب» (2).
وهذه الرواية وإن عُبّر عنها في بعض الكلمات بالخبر ، نظراً لوقوع عبد اللّه بن الحسن في طريقها وهو لم يرد فيه توثيق أو مدح ، إلّا أنّ الظاهر أنّها صحيحه ، فإنّها قد وردت في كتاب علي بن جعفر وطريق الشيخ إليه صحيح ، فلا يضرّ كون طريق عبد اللّه بن جعفر إلى علي بن جعفر ضعيفاً بعبد اللّه بن الحسن.
ثم إنّ من الواضح أنّ التعارض بين هاتين الطائفتين إنّما هو على حد التباين ، حيث أنّ الطائفة الأُولى تثبت الحرمة الأبدية مطلقاً ومن غير تقييد بشيء ، في حين تثبت الطائفة الثانية عدمها مطلقاً ومن غير تقييد بشيء أيضاً. فمن هنا لا بدّ من الرجوع إلى الطائفة الثالثة ، وهي التي تثبت الحرمة في حالة دون أُخرى ، كي تكون هي وجه الجمع بين هاتين الطائفتين ، إلّا أنّ هذه الطائفة أيضاً على قسمين :
الأوّل : ما تضمن التفصيل بين حالتي العلم والجهل ، حيث تحرم أبداً في الأُولى دون الثانية.
الثاني : ما تضمن التفصيل بين الدخول بها وعدمه ، فتحرم في الأُولى دون الثانية.
أما القسم الأوّل : فكصحيحة إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : بلغنا عن أبيك أنّ الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبداً ، فقال : «هذا إذا كان عالماً ، فإذا كان جاهلاً فارقها وتعتد ثم يتزوجها نكاحاً جديداً» (3).
وصحيحته الأُخرى ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الأَمة يموت
.................................................................................................
سيدها ، قال : «تعتد عدّة المتوفى عنها زوجها». قلت : فإنّ رجلاً تزوجها قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال : فقال : «يفارقها ثم يتزوجها نكاحاً جديداً بعد انقضاء عدّتها». قلت : فأين ما بلغنا عن أبيك في الرجل إذا تزوج المرأة في عدتها لم تحل له أبداً؟ قال : «هذا جاهل» (1).
وصحيحة زرارة بن أعين وداود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه قال : «والذي يتزوج المرأة في عدّتها وهو يعلم لا تحلّ له أبداً» (2). فإن تقييد الحرمة بالعلم يكشف عن عدمها عند الجهل.
وأمّا القسم الثاني : فكصحيحة سليمان بن خالد ، قال : سألته عن رجل تزوج امرأة في عدّتها ، قال : فقال : «يفرّق بينهما ، وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويفرق بينهما فلا تحل له أبداً. وإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها» (3).
وهذان القسمان من النصوص وإن كانا بحسب النظر البدوي من المتعارضين حيث يدل القسم الأول على عدم الحرمة مع الجهل مطلقاً سواء أدخل بها أم لم يدخل ، في حين يدل القسم الثاني على ثبوتها مع الدخول مطلقاً من غير تقييد بصورة العلم إلّا أنّه قد تقدم منّا في مبحث المفاهيم من المباحث الأُصولية أنّ في هذه الموارد لا بدّ من رفع التعارض ، إمّا بتقييد منطوق كل منهما بمنطوق الآخر ، أو تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر.
وحيث أنّ الأوّل وإن احتمله بعضهم لا مبرر له ، إذ لا تعارض بين المنطوقين بالمرة كي يقيدا بما ذكر ، وإنّما المعارضة نشأت من المفهومين ودلالتهما على الحصر فلا ينسجم كل منهما مع منطوق الآخر. فيتعيّن القول بالثاني ، فيقيد ما دلّ على عدم البأس في حالة الجهل بصورة عدم الدخول ، وما دلّ على الجواز في حالة عدم الدخول بصورة الجهل وعدم العلم.
إذا كانا عالمين بالحكم والموضوع (1) أو كان أحدهما
ومع التنزّل عن ذلك يكفينا في إثبات هذا الحكم أعني كون الموجب للحرمة أحد أمرين : الدخول ، أو العلم صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا تزوج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها لم تحلّ له أبداً عالماً كان أو جاهلاً ، وإن لم يدخل بها حلّت للجاهل ولم تحلّ للآخر» (1).
فإنّها كما تراها صريحة الدلالة في أنّه يكفي في الحرمة أحد أمرين : الدخول بها ولو كان جاهلاً ، والعلم ولو مع عدم الدخول. فتكون هذه الصحيحة وجه جمع بين جميع الأخبار المتقدمة ، فإنّه بها تنحلّ مشكلة التعارض ، وبالنتيجة يتحصل منها أنّ الموجب للتحريم المؤبد إنّما هو أحد أمرين : الدخول ، أو العلم.
(1) والوجه فيه أنّ المذكور في الأخبار المتقدمة وإن كان العلم بالعدة والذي يعبّر عنه بالعلم بالموضوع إلّا أنّ الظاهر أنّ العلم بالحكم لا ينفصل عنه إلّا نادراً كموارد الغفلة ، وذلك لما تقدم من أنّ المفهوم العرفي للعدة إنّما هو عدّ أيام معينة وعدم جواز التزوج فيها ، فمن هنا لا ينفك العلم بكونها معتدة عن العلم بأنّه لا يجوز التزوج منها.
على أنّه قد ورد التصريح بالتعميم في صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدّتها بجهالة ، أهي ممن لا تحلّ له أبداً؟ فقال : «لا ، أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدّتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك». فقلت : بأي الجهالتين يعذر بجهالته أنّ ذلك محرم عليه ، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال : «إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى ، الجهالة بأنّ اللّه حرم ذلك عليه وذلك بأنّه لا يقدر على الاحتياط معها». فقلت : وهو في الأُخرى معذور؟ قال : «نعم ، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوّجها». فقلت : فإن كان أحدهما متعمداً والآخر بجهل؟ فقال : «الذي تعمد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبداً» (2).
عالماً بهما (1) مطلقاً ، سواء دخل بها أو لا. وكذا مع جهلهما بهما ، لكن بشرط الدخول بها.
ولا فرق في التزويج بين الدوام والمتعة (2) كما لا فرق في الدخول بين القُبل والدُّبر (3).
ولا يلحق بالعدّة أيام استبراء الأَمة (4) فلا يوجب التزويج فيها حرمة أبدية
فإنّها كما تراها واضحة الدلالة في اعتبار العلم بالحكم والموضوع معاً في ثبوت الحرمة الأبدية ، وعدم كفاية العلم بأحدهما خاصة.
(1) أما إذا كان الزوج هو العالم فلا إشكال في بطلان العقد ، وثبوت الحرمة الأبدية ، لأنّه مورد النصوص المتقدمة ، على ما عرفت.
وأما إذا كان الزوج جاهلاً والزوجة عالمة ، فثبوت الحرمة الأبدية فيها أيضاً يقتضيه ذيل صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج المتقدمة ، فإن الزواج أمر قائم بالطرفين فإذا حرم من أحد الطرفين حرم من الطرف الآخر لا محالة.
وعليه فيتعيّن حمل قوله (عليه السلام) : «الذي تعمد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبداً» على الحكم التكليفي الظاهري لا الحكم الوضعي الواقعي ، لامتناع التفكيك فيه.
(2) وهو متسالم عليه بين الأصحاب ، لأنّ موضوع النصوص المتقدمة هو عنوان التزوج بالمرأة في عدّتها ، من دون تقييد بكون الزواج دائماً أو منقطعاً ، فمقتضى إطلاقها من هذه الجهة هو عدم الفرق في الحكم بين كون الزواج دائماً أو منقطعاً.
(3) لإطلاق النصوص حيث لم يرد فيها تقييد الدخول بالقبل ، فيشمل الدخول بالدبر أيضاً فإنّه أحد السبيلين ، ولذا يثبت جميع أحكام الدخول إلّا ما خرج بالدليل.
(4) والوجه فيه واضح ، فإنّ الحكم لما كان ثابتاً بالدليل التعبدي على خلاف القاعدة ، فلا مجال للتعدي عن مورده والقول بشموله للاستبراء ، فإنّ عنوان العدّة غير عنوان الاستبراء على ما يظهر من أحكامهما ، حيث لا يحرم في الثاني غير الوطء فيجوز ما دونه من الاستمتاعات حتى التفخيذ على ما صرح به بعض النصوص بخلاف العدّة ، إذ لا يجوز فيها مجرد العقد فضلاً عن الاستمتاع.
ولو مع العلم والدخول ، بل لا يبعد جواز تزويجها فيها وإن حرم الوطء قبل انقضائها ، فإنّ المحرم فيها هو الوطء دون سائر الاستمتاعات.
وكذا لا يلحق بالتزويج الوطء بالملك أو التحليل (1). فلو كانت مزوجة فمات زوجها أو طلّقها ، وإن كان لا يجوز لمالكها وطؤها ولا الاستمتاع بها في أيام عدّتها ، ولا تحليلها للغير ، لكن لو وطأها أو حللها للغير فوطأها لم تحرم أبداً (2) عليه (1)، أو على ذلك الغير ، ولو مع العلم بالحكم والموضوع.
[3708] مسألة 1 : لا يلحق بالتزويج في العدّة وطء المعتدة شبهة من غير عقد (3) بل ولا زنا ، إلّا إذا كانت العدّة رجعية (4) كما سيأتي. وكذا إذا كان بعقد فاسد لعدم تمامية أركانه (5).
وأمّا إذا كان بعقد تامّ الأركان وكان فساده لتعبّد شرعي كما إذا تزوّج أُخت
(1) لاختلافهما مع عنوان التزويج المذكور في النصوص ، فلا وجه لتعميم الحكم الثابت له إليهما.
(2) في غير العدّة الرجعية. وأما فيها فلما كانت المرأة أما زوجة حقيقة كما اخترناه ، وأما في حكم الزوجة كما ذهب إليه المشهور ، كان وطؤها فيها من الزنا بذات البعل وهو موجب للحرمة الأبدية ، على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.
والحاصل أنّ الوطء بالملك أو التحليل إذا كان في أيام العدّة الرجعية كان موجباً لثبوت الحرمة الأبدية ، لكن لا لأجل إلحاق الملك أو التحليل بالتزويج ، بل من باب الزنا بذات البعل فإنّه عنوان مستقل للتحريم.
(3) لعدم الدليل على الإلحاق بعد اختصاص موضوع النصوص بالتزويج.
(4) حيث يكون من الزنا بذات البعل ، وهو سبب مستقل للتحريم الأبدي ، على ما تقدم قبل قليل ، وسيأتي إن شاء اللّه التعرض إليه مفصلاً.
(5) حيث لا يصدق معه عقد الزواج ، فلا يكون مشمولاً لأدلّة التحريم الأبدي.
1) (*) هذا في غير العدّة الرجعيّة ، وأمّا فيها فيجري عليها حكم الزِّنا بذات البعل.
زوجته في عدّتها ، أو أُمّها (1)(1) أو بنتها ، أو نحو ذلك ممّا يصدق عليه التزويج وإن كان فاسداً شرعاً ففي كونه كالتزويج الصحيح إلّا من جهة كونه في العدّة وعدمه ، لأنّ المتبادر من الأخبار التزويج الصحيح مع قطع النظر عن كونه في العدّة ، إشكال. والأحوط الإلحاق (2)في التحريم الأبدي (2) فيوجب الحرمة مع العلم مطلقاً ، ومع الدخول في صورة الجهل.
(1) وذكرها من سهو القلم أو خطأ النساخ جزماً ، حيث أنّ أُمّ الزوجة محرمة أبداً قبل العقد عليها في العدّة ، فلا معنى لجعل العقد عليها من أمثلة المقام.
(2) وربّما يقال : أنّ الحكم في المسألة مبني على النزاع في ألفاظ المعاملات ، وهل أنّها موضوعة لخصوص الصحيح منها أو للأعم؟ فلا تثبت الحرمة الأبدية على الأول لفساد العقد فلا تشمله النصوص ، في حين تثبت على الثاني لصدق التزوج بالمرأة في عدّتها.
إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّه لا يحتمل أن يكون لفظ التزوج في هذه النصوص مستعملاً في النكاح الصحيح ، إذ كيف يعقل أن يكون النكاح الصحيح موجباً للفرقة بين الزوجين والحكم بالحرمة الأبدية! نعم ، للنزاع في أن المستعمل فيه لفظ التزوج هل هو النكاح الصحيح من غير جهة وقوعه في العدّة أو الأعم وجه ، إلّا أنّه أجنبي عن النزاع المتقدم ، فإنّ الصحيح من غير جهة الوقوع في العدّة غير موضوع له لفظ النكاح أو التزوج جزماً ، بل المقصود بناءً على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح هو الصحيح مطلقاً ومن جميع الجهات.
والحاصل أنه لا وجه لبناء الحكم في هذه المسألة على النزاع في وضع ألفاظ المعاملات ، فإنّ اللفظ في المقام مستعمل في غير الصحيح جزماً ، سواء أقلنا بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو للأعمّ.
.................................................................................................
نعم ، ينبغي البحث في أنّ اللفظ في المقام هل هو مستعمل في مطلق الفاسد ، أو خصوص الفاسد من هذه الجهة بحيث لولاها لكان العقد صحيحاً؟
والذي يقتضيه التحقيق هو الثاني ، وذلك لا لما تقدم وإنّما لظاهر تفريع التفريق على وقوع العقد في العدّة وجعله جزاء لذلك الشرط ، فإنّ الظاهر منه كون ذلك هو السبب فيه بحيث لولاه لكان العقد صحيحاً ، وإلّا فلو كان العقد فاسداً من جهة أُخرى لما كان وجه لتفريع التفريق على وقوع العقد في العدّة ، فإنه حينئذ يثبت سواء أكان العقد واقعاً في أيام عدتها أم لم يكن كذلك.
إذن فالظاهر من الأدلة اختصاص الحكم بما إذا كان العقد صحيحاً في نفسه ، ومن قطع النظر عن الوقوع في العدّة.
نعم ، لو فرضنا أن سبباً آخر للبطلان والتحريم الأبدي قارن وقوع العقد في العدّة كما لو تزوج المحرم امرأة في عدتها عالماً بالحرمة لثبتت الحرمة الأبدية بالأولوية القطعية ، حيث أن كلّاً منهما على انفراده صالح لإثباتها.
وتدل عليه رواية الحكم بن عتيبة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن محرم تزوج امرأة في عدّتها ، قال : «يفرّق بينهما ولا تحلّ له أبداً» (1).
وهي وإن كانت ضعيفة سنداً ، إلّا أنّنا في غنى عنها بعد كون الحكم على ما عرفت على مقتضى القاعدة ، ولذلك نتعدى عن موردها إلى سائر الموارد ، إلّا أنّه لا بدّ هنا أيضاً من استكمال العقد لبقية الشرائط ، بحيث لو لا هاتان الجهتان لكان العقد صحيحاً.
وملخّص الكلام : أن اجتماع سببين للحرمة الأبدية لا ينافي ثبوتها في المجمع ، بل إنّما يقتضي ثبوتها فيه بالأولوية القطعية ، وهذا بخلاف ما لو قارن العقد في العدّة ما يوجب فساده في ذاته كالتعليق وما شابهه فإنّه حينئذ لا يكون المورد مشمولاً للنصوص ، حتى ولو قلنا بكون لفظ التزوج موضوعاً للأعمّ من الصحيح والفاسد ، لما عرفت من ظهور الأدلة في المقام في العقد الصحيح من غير جهة وقوعه في العدّة.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 15.
[3709] مسألة 2 : إذا زوّجه الولي في عدّة الغير مع علمه بالحكم والموضوع ، أو زوّجه الوكيل في التزويج بدون تعيين الزوجة كذلك لا يوجب الحرمة الأبديّة ، لأن المناط علم الزوج لا وليّه أو وكيله. نعم ، لو كان وكيلاً في تزويج امرأة معينة وهي في العدّة (1) فالظاهر كونه كمباشرته بنفسه (1)، لكن المدار علم الموكل لا الوكيل.
(1) الظاهر أنّ مراده (قدس سره) من التفصيل بين تعيين المرأة وعدم تعيينها ، إنّما هو الفرق بين كون متعلق الوكالة تزويج امرأة ذات عدّة ، وبين كون متعلقها تزويج امرأة مطلقاً ، ومن دون التقييد بكونها ذات عدّة وإن كان الوكيل يختار ذلك في الخارج. فيحكم في الثاني بعدم ثبوت الحرمة الأبدية ، لأنّ ظاهر التوكيل أنّه توكيل في عقد وزواج صحيح ، ومن هنا فلا تكون الوكالة شاملة لتزويجه امرأة في العدّة ، بل يكون ذلك العقد عقداً فضولياً فلا يوجب ثبوت الحرمة الأبدية. وهذا بخلاف الأول حيث تثبت الحرمة الأبدية ، نظراً لشمول الوكالة لذلك العقد ، حتى ولو انضمت إليها وكالة بتزويج امرأة خلية.
فالعبرة إنّما هي بصدق التزوج بامرأة في عدتها وعدمه. وهذا هو ما يعنيه المصنف (قدس سره) من التعبير بالإطلاق والتعيين ، حيث لا تكون الوكالة على الأول شاملة لذات العدّة ، فلا يصدق التزويج في العدّة مع علم الزوج بخلاف الثاني ، فإنه بعد شمول الوكالة لها يصدق التزوج بالمرأة في عدتها ، وبذلك تثبت الحرمة الأبدية.
إلّا أنّ للمناقشة في ثبوت الحرمة الأبدية حتى في صورة التعيين والعلم بالحكم والموضوع ، أو الجهل ولكن مع الدخول بها مجالاً ، نظراً لعدم شمول دليل التحريم له. وذلك لأنّ موضوع الحرمة في لسان الأدلة لما كان هو التزوج من امرأة ذات عدّة كان لا بدّ في ثبوت هذه الحرمة من صدق الانتساب ، إذ لولاه لما كان لثبوتها وجه.
ومن هنا فحيث أنّ الانتساب لا يتحقق إلّا بالمباشرة ، أو باعتبار من يكون اعتباره اعتباراً له كالوكيل في الأُمور الاعتبارية بحيث ينتسب الفعل إليه حقيقة
1) (*) فيه إشكال بل منع.
.................................................................................................
كان من الواضح عدم تحقق الانتساب. ومن ثم كان عدم ثبوت الحرمة الأبدية في المقام واضحاً ، فإنّ الانتساب نتيجة فعل الوكيل إنّما يكون فيما إذا كانت الوكالة صحيحة ، وأما إذا كانت باطلة فلا وجه لنسبة الفعل الصادر من فاعله إلى غيره.
ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ الوكالة باطلة نظراً لاختصاصها بما يصح صدوره من الموكل نفسه ، فما لا يصح صدوره منه لا يصح فيه التوكيل أيضاً ، وحيث أن التزويج من امرأة ذات عدّة إذا صدر من نفسه كان محكوماً بالبطلان ، فلا تصح الوكالة فيه.
وعلى هذا فلا وجه للحكم بثبوت الحرمة الأبدية ، فإن التزويج بامرأة في العدّة لم يصدر منه ولا من وكيله.
أمّا الأوّل فواضح. وأما الثاني فللسالبة بانتفاء الموضوع ، فإنه لا وكيل له حيث لم تصدر وكالة منه حقيقة في الخارج ، وإن وجدت صورة الوكالة في الخارج.
والحاصل أنّ التزويج بامرأة في العدّة لما لم يكن يصدر من نفسه ، أو من وكيله لعدم وجود الوكالة ، لم يكن موضوع الحرمة الأبدية متحققاً ، ومن هنا لم يكن للقول بثبوتها وجه.
وكذا الحال في الولي ، فإنّ الولاية تختص بما أمضاه الشارع وكان صحيحاً ، ولا تثبت في العقود الفاسدة ، فليس الولي ولياً للطفل أو المجنون حتى في التزوج بامرأة في عدّتها ، فلو فعل ذلك كان العقد فضولياً فلا تثبت الحرمة الأبدية.
ثم إنّ في فرض الوكالة لو تنزلنا وقلنا بثبوت الحرمة الأبدية فيه ، فهل تعم صورة التوكيل في تزويج امرأة لا بعينها أم لا؟
إن قلنا بانصراف الوكالة إلى التزويج المباح شرعاً كما هو ليس ببعيد فلا ينبغي الشكّ في عدم ثبوتها لهذا الفرض ، إذ لا وجه لثبوتها له بعد عدم شمول الوكالة له.
وأما إذا قلنا بعدم الانصراف ، أو كانت الوكالة صريحة في العموم ، فالظاهر هو القول بعدم ثبوتها أيضاً ، وذلك لعدم صدق علم الزوج بذلك ، فإنّ المستفاد من صحيحة الحلبي (1)ومعتبرة إسحاق بن عمّار (2)أنّ العبرة إنّما هي بعلم الزوج بوقوع
[3710] مسألة 3 : لا إشكال في جواز تزويج من في العدّة لنفسه (1) سواء كانت عدّة الطلاق ، أو الوطء شبهة ، أو عدّة المتعة ، أو الفسخ بأحد الموجبات (2) أو المجوزات له.
العقد على ذات العدّة وكونه محرماً شرعياً.
ومن هنا فالتوكيل في التزويج من إحدى بنات زيد مثلاً مع العلم بكون إحداهن في العدّة وحرمة التزوج من ذات العدّة وإن كان شاملاً لذات العدّة أيضاً ، إلّا أنّه لا مجال للقول بصدق علم الزوج بوقوع العقد على ذات العدّة ، لاحتمال وقوعه على غيرها حيث أن الوكالة متعلقة بالأعمّ ، فلا يكفي مجرد علمه بكونها في العدّة وعموم الوكالة لها في ثبوت الحرمة ، ما دام لم يكن يعلم بوقوع العقد عليها في الخارج.
وبعبارة أُخرى نقول : إنّ التزويج وإن كان تزويجاً للموكل حيث تعمّها الوكالة إلّا أنّ علم الوكيل ليس علماً للموكل ، فلا موجب للقول بثبوت الحرمة الأبدية.
ثم لو فرضنا إجازة الصبي بعد بلوغه ، أو المجنون بعد كماله ، أو مطلق من وقع العقد فضولة عنه ، مع علمه بالحكم والموضوع أو الدخول بها مع الجهل ، فهل يوجب ذلك الحرمة الأبدية أم لا؟
الظاهر هو التفصيل بين ما لو وقعت الإجازة بعد خروج العدّة ومضيها وبين ما لو وقعت قبل انقضائها ، حيث ينبغي الالتزام في الأول بعدم ثبوتها ، وذلك لعدم انتساب التزوج في العدّة إليه ، حتى بناء على القول بالكشف الحقيقي وإنْ كنّا لا نقول به فضلاً عن القول بالكشف الحكمي أو النقل ، إذ الانتساب إنّما يكون بالإجازة ومن حينها ، والمفروض أنّ المرأة في ذلك الزمان ليست بذات عدّة ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ثبوت الحرمة حينئذ. وهذا بخلاف الثاني ، حيث لا يبعد القول بثبوت الحرمة الأبدية ، لانتساب التزويج بامرأة ذات عدّة إليه قبل انقضاء العدّة.
(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، وقد دلّت على بعض مواردها نصوص خاصة.
(2) ما لم يكن موجباً لثبوت الحرمة الأبدية ، كالرضاع فإنّه موجب لها ، فلا مجال
والعقد صحيح إلّا في العدّة الرجعية ، فإن التزويج فيها باطل ، لكونها بمنزلة الزوجة (1).
وإلّا في الطلاق الثالث الذي يحتاج إلى المحلل ، فإنّه أيضاً باطل بل حرام (2) ولكن مع ذلك لا يوجب الحرمة الأبدية.
للقول بجواز تزوّجه منها في عدتها ثانياً. وكذا الكفر ، بناءً على ما اختاره المشهور من عدم ارتفاع الزوجية به في أثناء العدّة ، فإنّه لا مجال للقول بجواز تزوجه منها بعد إسلامه في العدّة ، لأنّها زوجة له. نعم ، لا بأس بالقول به بناءً على ما اخترناه من انقطاع العلقة الزوجية وارتفاعها بمجرد الارتداد.
ثم إنّه كان عليه (قدس سره) تخصيص الحكم في المقام بالموارد التي يصح التزوج فيها. أما الموارد التي لا يصح التزوّج فيها لبعض المحاذير ، كما لو أسلم النصراني عن سبع ففسخ نكاح ثلاث منهن بالقرعة أو بالاختيار ، فإنّه لا يجوز له التزوج من إحداهن وإن كانت العدّة لنفسه ، وذلك لاستلزامه الجمع بين خمس زوجات.
(1) وبذلك فيكون مجرد مطالبته لها بالزواج محققاً للرجوع ورضاء بالزوجية السابقة واعتباراً لها مع المبرز في الخارج ، وعندئذ فيكون العقد الثاني من التزوج بعد التزوج فلا يقع مؤثراً ، إذ بعد اعتباره للزوجية مع إبرازه لا مجال للتزوج بها ثانياً.
هذا كلّه بناءً على مذهب المشهور من كون المطلقة الرجعية بمنزلة الزوجة. وأما بناءً على ما اخترناه من كونها زوجة حقيقة فالأمر أوضح ، فإنّه لا مجال للتزوج من المزوَّجة ثانياً.
(2) لقوله تعالى ( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) (1).
فإنّ ظاهر التعبير ب ( فَلا تَحِلُّ ) هو حرمة الفعل تكليفاً مضافاً إلى البطلان ، وإلّا فمجرد البطلان وضعاً لا يعبّر عنه بهذا التعبير. كما يشهد له عدم صدقه في الزواج المعلّق وزواج المتعة من دون ذكر الأجل ، إلى غيرهما من الموارد التي يكون الزواج
1) سورة البقرة 2 : 230.
وإلّا في عدّة الطلاق التاسع في الصورة التي تحرم أبداً (1).
وإلّا في العدّة لوطئه زوجة الغير شبهة ، لكن لا من حيث كونها في العدّة ، بل لكونها ذات بعل (2).
وكذا في العدّة لوطئه في العدّة شبهة إذا حملت منه ، بناءً على عدم تداخل العدتين ، فإنّ عدّة وطء الشبهة حينئذ مقدمة على العدّة السابقة التي هي عدّة الطلاق أو نحوه لمكان الحمل ، وبعد وضعه تأتي بتتمة العدّة السابقة ، فلا يجوز له تزويجها في هذه العدّة أعني عدّة وطء الشبهة وإن كانت لنفسه (3).
فيها باطلاً ، فإنّه لا مجال فيها للتعبير ب ( فَلا تَحِلُّ ) وإنّما يعبّر عنها ب- (لا تصحّ) خاصّة ، وليس ذلك إلّا لكون مفاد هذا التعبير كقوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) (1)هو حرمة الفعل لا البطلان خاصّة ، بل يمكن أن يقال إنّ البطلان في المقام مترتب على الحرمة التكليفية ، بحيث تكون الحرمة هي السبب في البطلان.
والحاصل أنّ العرف لا يرى فرقاً بين التعبير بكلمة ( حُرِّمَتْ ) والتعبير بكلمة ( فَلا تَحِلُّ ) بل يرى كلّاً منهما لازماً للآخر ، فعدم الحليّة لازم للحرمة ، كما أنّ الحرمة لازمة لعدم الحلّ.
(1) وتقدّم منّا في محلّه استظهار كون الطلاق التاسع موجباً لثبوت الحرمة الأبدية على الإطلاق.
(2) إلّا أنّه خارج عن محلّ كلامنا ، نظير اعتداد المحارم عن وطئهن شبهة.
(3) ويقتضيه قوله تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) (2).
وقوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ) (3).
فلو تزوّجها فيها عالماً أو جاهلاً بطل ، ولكن في إيجابه التحريم الأبدي إشكال (1) (1).
والنصوص الدالّة على أن حلّيتها للأزواج متوقّفة على انقضاء العدّة (2). فإنّها ما دامت بعد في العدّة الأُولى ولم تخرج منها فلا يجوز التزوج منها.
(1) والأقوى ثبوتها ، وذلك لصدق التزوج بذات العدّة ، فإنّ المرأة بدخولها نتيجة للطلاق أو غيره في العدّة الاولى لا تخرج منها إلّا بانقضائها ، وحيث لم يتحقق إلّا بعد إتمامها من بعد الاعتداد بالعدّة الثانية ، كان التزوج منها في أثناء العدّة الثانية تزوّجاً منها في أثناء العدّة ، وبذلك يكون مشمولاً للنصوص الدالة على ثبوت الحرمة الأبدية بالتزوج من المرأة في العدّة.
نعم لو قلنا : بأنّها بالدخول في العدّة الثانية تخرج عن العدّة الأُولى ، وإن كانت تدخل فيها ثانية بعد انقضائها ، كان للقول بعدم ثبوت الحرمة وجه. إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّها لا تخرج بالدخول في العدّة الثانية عن العدّة الاولى ، بل إنّما تجب الثانية من باب العدّة في العدّة.
والحاصل أنّ الموضوع للحرمة الأبدية إنّما هو التزوج من امرأة دخلت في العدّة ولم تخرج منها ، وهو متحقّق في المقام.
ومما يدلّ على ما ذكرنا معتبرة إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الأَمة يموت سيدها ، قال : «تعتدّ عدّة المتوفى عنها زوجها». قلت : فإنّ رجلاً تزوّجها قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال : فقال : «يفارقها ثم يتزوجها نكاحاً جديداً بعد انقضاء عدّتها» ، الحديث (3).
فإنّها واضحة الدلالة على أنّ موضوع الحكم إنّما هو التزوج منها قبل انقضاء عدّتها ، وحيث أنّه صادق في المقام فلا بدّ من القول بثبوتها.
[3711] مسألة 4 : هل يعتبر في الدخول الذي هو شرط في الحرمة الأبدية في صورة الجهل أن يكون في العدّة ، أو يكفي كون التزويج في العدّة مع الدخول بعد انقضائها؟ قولان ، الأحوط الثاني بل لا يخلو عن قوة ، لإطلاق الأخبار (1) بعد منع الانصراف إلى الدخول في العدّة.
(1) الأخبار الواردة في المقام على طائفتين :
الأُولى : ما فرض فيها كون الدخول في العدّة وهي أكثر الأخبار ، إلّا أنّها لم تتكفل أخذ ذلك شرطاً للحكم ، وإنّما فرضت ذلك مورداً خاصاً ، كمعتبرة إسحاق بن عمار المتقدمة وغيرها.
الثانية : المطلقات من حيث الدخول ، وهي ليست إلّا روايتين معتبرتين وهما :
أ - صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا تزوج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها لم تحلّ له أبداً» (1).
فإنّها مطلقة من حيث الدخول ، إذ من البعيد جدّاً أن يقال : بأن قوله (عليه السلام) : «في عدّتها» قيد للتزوج والدخول كليهما ، بل ظاهره الرجوع إلى الأمر المتقدم عليه أعني التزوج خاصة وعليه فيبقى المتأخر أعني الدخول مطلقاً.
ودعوى عدم إمكان التمسك بالإطلاق ، لاقتران المطلق بما يصلح للقرينية من جهة المناسبات الكلامية.
غير مسموعة ، وذلك لأنّ الذي يوجب إجمال الدليل هو ما كان بحسب الفهم العرفي صالحاً للقرينية فلا يكفي فيه مجرد الاحتمال. ومن هنا فمجرد احتمال كون قوله (عليه السلام) : «في عدّتها» صالحاً للقرينية لا يكفي في رفع اليد عن إطلاق قوله : «ودخل بها».
ومما يؤيد الإطلاق في المقام ملاحظة أنّ العقد لو كان واقعاً في الجزء الأخير من العدّة مع علم الزوج بذلك ، كان ذلك موجباً لثبوت الحرمة الأبدية بلا كلام. فإنّ من الواضح أنّ هذا الموضوع بعينه هو الموضوع للحرمة في حال الجهل ، لكن بإضافة
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 3.
[3712] مسألة 5 : لو شكّ في أنّها في العدّة أم لا ، مع عدم العلم سابقاً ، جاز التزويج (1) خصوصاً إذا أخبرت بالعدم (2). وكذا إذا علم كونها في العدّة سابقاً وشكّ في بقائها إذا أخبرت بالانقضاء (3). وأما مع عدم إخبارها بالانقضاء ، فمقتضى استصحاب بقائها عدم جواز تزويجها. وهل تحرم أبداً إذا تزوّجها مع ذلك؟
الدخول إليه بدلاً من العلم. وحيث أنّ من الواضح أيضاً أنّ الدخول في الفرض إنّما يكون بعد انقضاء العدّة قهراً ، كشف ذلك عن عدم وجود خصوصية لكون الدخول في أثناء العدّة ، بل الحكم ثابت سواء أدخل بها في أثنائها أم دخل بها بعد انقضائها.
ب - معتبرة سليمان بن خالد ، قال : سألته عن رجل تزوج امرأة في عدّتها ، قال : فقال : «يفرّق بينهما ، وإن كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويفرّق بينهما فلا تحلّ له أبداً. وإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها» (1).
فإنّها أظهر دلالة من سابقتها ، فإنّ موضوع الحكمين الحرمة والمهر فيها واحد وهو الدخول ، ومن الواضح أنّ الدخول الذي يوجب المهر لا يختصّ بما إذا كان في أثناء العدّة كما هو ظاهر.
(1) لأصالة عدم كونها في العدّة.
(2) لدلالة الأخبار الصحيحة على تصديقها إذا ادعت ، على ما سيأتي بيانها.
(3) وهو المشهور والمعروف ، بل لا خلاف فيه بينهم. وتدلّ عليه روايات مستفيضة وإن كان أكثرها لا يخلو من الخدشة في السند ، إلّا أنّ فيها المعتبرات أيضاً.
ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «العدّة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت» (2).
فإنّ من الواضح أنّ المراد بها كون أمر العدّة والحيض لهن ، بمعنى الرجوع إليهن والأخذ بقولهنّ وجوداً وعدماً ، وإلّا فكون نفس عدّ الأيام المعبّر عنه بالعدّة ونفس
.................................................................................................
الدم لهنّ لا معنى له.
وفي معتبرة ميسر قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ألقى المرأة في الفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها : ألك زوج؟ فتقول : لا ، فأتزوجها؟ قال : «نعم ، هي المصدقة على نفسها».
وهي معتبرة سنداً ، وإن رواها صاحب الوسائل تبعاً للكافي في موردين ، وردت في إحداهما وساطة عمر بن أبان (1)ولم يذكر في الأُخرى (2)إلّا أنّه على ما صرح به الكافي هو الكلبي الثقة. كما لا يضر تردد اسم الراوي بين ميسر وميسرة ، فإنّه رجل واحد وهو ثقة.
وواضحة دلالة ، لظهور كون السؤال فيها عن وجود المانع من الزواج مطلقاً لا عن وجود الزوج خاصة ، وإلّا فعدم وجود الزوج فقط لا ينفع في جواز التزوج منها لو كانت ثيباً كما هو الغالب لاحتمال كونها في العدّة. ومن هنا فحيث كان السؤال عن الزوجية بتوابعها ، كانت دلالتها على قبول قولها في عدم كونها في العدّة واضحة ، إذ أنّها تدلّ على كونها مصدّقة في الزوجية وتوابعها.
وكذا معتبرة الحسين بن سعيد ، قال : كتبت إليه أسأله عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان ، فسألها لكِ زوج؟ فقالت : لا ، فتزوجها ، ثم إنّ رجلاً أتاه فقال : هي امرأتي ، فأنكرت المرأة ذلك ما يلزم الزوج؟ فقال : «هي امرأته إلّا أن يقيم البينة» (3).
فإنّ دلالتها على تصديقها في ادعاء عدم العدّة بالتقريب المتقدم في سابقتها واضحة ، فإنّها تدلّ على قبول قولها في عدم وجود الزوج بتوابعه.
والحاصل أنّه لا ينبغي الإشكال في هذا الحكم ، فإنّه بعد دلالة النصوص الصحيحة عليه لا مجال للتمسك باستصحاب بقاء العدّة.
الظاهر ذلك (1). وإذا تزوّجها باعتقاد خروجها عن العدّة ، أو من غير التفات إليها ، ثم أخبرت بأنّها كانت في العدّة ، فالظاهر قبول قولها (1)وإجراء حكم التزويج في العدّة ، فمع الدخول بها تحرم أبداً (2).
(1) لقيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعي فيما إذا أُخذ العلم موضوعاً على نحو الطريقية فإنّه محرز للموضوع ، فيكون التزوج بها مع العلم أو الدخول موجباً لثبوت الحرمة الأبدية. نعم ، لو منعنا من قيام الأمارات والأُصول التنزيلية مقام العلم الموضوعي ، أشكل إثبات الحرمة الأبدية بالاستصحاب. إلّا أنّ التحقيق خلافه على ما ذكرنا مفصّلاً في محلّه من المباحث الأُصولية.
(2) ولا بدّ من فرض الكلام فيما إذا احتمل الزوج صدق قولها ، بحيث كان قولها موجباً للشكّ الساري وزوال اعتقاده السابق ، وإلّا فلا وجه للحكم بالحرمة الأبدية جزماً ، إذ لا أثر لقولها بعد الجزم بكذبها وعدم وقوع العقد في العدّة.
وبعبارة اخرى : لا بدّ من فرض اعتقاد عدم كونها في العدّة حين العقد عليها بنحو ينسجم مع احتمال صدق قولها بعد العقد ، بحيث يكون الاحتمال موجباً لتزلزل ذلك الاعتقاد ، وإلّا فلا وجه لقبول قولها والحكم بالحرمة الأبدية.
كما أنّه لا بدّ من فرض الكلام فيما لو كان العقد في نفسه ومع قطع النظر عن إخبارها بكونه في العدّة محكوماً بالصحة ، وإلّا فلا أثر لقولها ، سواء التزمنا بحجيته أم لم نلتزم ، فإنّ العقد باطل وتتبعه الحرمة الأبدية إذا كان قد دخل بها. وذلك كما لو كانت المرأة مسبوقة بالعدة فعقد عليها مع الغفلة عن ذلك ، وبعد الدخول أخبرت المرأة بكونها في العدّة حين العقد ، فإنّ مقتضى استصحاب بقائها في العدّة هو الحكم ببطلان العقد ومن ثم ثبوت الحرمة الأبدية ، سواء أكان قولها حجه أم لم يكن.
ومما يؤيد ما ذكرناه فرض الماتن (قدس سره) للكلام في مورد الاعتقاد أو الغفلة خاصة ، فإنّه إنّما يكشف عن خروج فرض العلم السابق بكونها في العدّة عن محلّ الكلام ، وإلّا لما كان وجه لتخصيصه (قدس سره) بالذكر اعتقاد عدم كونها في العدّة
1) (*) فيه إشكال بل منر. نعم إذا أخبرت قبل الدخول بها أنّها في العدّة لزم الفحص على ما دلّت عليه صحيحة أبي بصير.
.................................................................................................
أو الغفلة. فإنّ الكلام على هذا يجري حتى فيما لو كان التزويج منها مبنياً على إخبارها بعدم كونها في العدّة ، ثم أخبرت بعد العقد بكونها حينه في العدّة ، فإنّه إذا بنينا على حجية إخبارها بالنسبة إلى حالتها السابقة أيضاً كما اختاره الماتن ، فبعد تعارض الإخبارين وسقوطهما يرجع إلى استصحاب كونها في العدّة ، فيحكم بالبطلان وثبوت الحرمة الأبدية على تقدير الدخول ، فلا يكون الحكم مختصاً بحالة الاعتقاد بعدم كونها في العدّة أو الغفلة.
وكيف كان ، فقد توقف في الحكم جماعة منهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) حيث جعله مبنياً على الاحتياط. ومنشأ التوقف التردد في مدلول صحيحة زرارة المتقدمة ، وهل إنّها تدلّ على حجية قول المرأة وإخبارها مطلقاً ، سواء أخبرت عن حالتها الفعلية أم أخبرت عن حالتها السابقة ، أو أنّها إنّما تدل على حجية إخبارها عن الفعلية خاصة؟
فمن اختار الأوّل كالماتن (قدس سره) حكم بقبول قولها ، ومن تردّد حكم بالاحتياط.
غير أنّ من المظنون قريباً من المطمأَن به هو الثاني ، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «العدّة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت» كونهما لهن بلحاظ الحالة الفعلية كما يشهد له عدم التزام الفقهاء بتصديق قولها لو ادعت كون الطلاق بعد وقوعه أو بعد موت الزوج حال الحيض ، بل حكموا بصحته عملاً بأصالة الصحة. وعلى هذا فلا أثر لأخبارها في المقام حيث لا يشمله الدليل ، فيحكم بصحة العقد لا محالة.
ولو تنزّلنا عن ذلك وسلمنا إطلاق صحيحة زرارة ، فلا نتنزّل عمّا ذكرناه من الحكم ، وذلك لصحيحة أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فقالت : أنا حبلى ، وأنا أُختك من الرضاعة ، وأنا على غير عدّة ، قال : فقال : «إن كان دخل بها وواقعها فلا يصدقها ، وإن كان لم يدخل بها ولم يواقعها فليختبر وليسأل إذا لم يكن عرفها قبل ذلك» (1).
فإنّها بتفصيلها بين الدخول وعدمه حيث يجب الاختبار والسؤال في الثاني دون
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ، ب 18 ح 1.
[3713] مسألة 6 : إذا علم أنّ التزويج كان في العدّة مع الجهل بها حكماً أو موضوعاً ، ولكن شكّ في أنّه دخل بها حتى تحرم أبداً أو لا؟ يبني على عدم الدخول (1). وكذا إذا علم بعدم الدخول بها ، وشكّ في أنّها كانت عالمة أو جاهلة فإنّه يبني على عدم علمها (2) فلا يحكم بالحرمة الأبدية.
[3714] مسألة 7 : إذا علم إجمالاً بكون إحدى الامرأتين المعينتين في العدّة ولم يعلمها بعينها ، وجب عليه ترك تزويجهما. ولو تزوج إحداهما بطل (3) ولكن لا يوجب الحرمة الأبدية ، لعدم إحراز كون هذا التزويج في العدّة (4).
الأوّل ، دلّت على صحة العقد وعدم تصديقها في دعواها على كلا التقديرين ، فتكون مقيدة لإطلاق صحيحة زرارة لو تمّ فتدلّ على اختصاص قبول قولها بما إذا كان الإخبار عن الحالة الفعلية ، وأما إذا كان الإخبار عن الحالة السابقة فلا يسمع قولها.
(1) لاستصحاب عدمه.
(2) لاستصحاب العدم أيضاً.
(3) للشكّ في جواز العقد بعد أن كان مقتضى العلم الإجمالي تنجيز المعلوم ومقتضى الاستصحاب هو عدم ترتب الأثر على ذلك العقد.
(4) ولا ينافي ذلك تنجيز العلم الإجمالي.
هذا والظاهر أنّ محلّ كلامه (قدس سره) ما إذا علم بحدوث العدّة في إحداهما ، ثم شكّ في كونها هي المعقودة أم غيرها ، فإنّه حينئذ لا يحكم بثبوت الحرمة الأبدية ، لعدم إحراز الموضوع أعني كون المعقودة بخصوصها ذات عدّة مع العلم بذلك أو الدخول بها.
وأما إذا كان الشكّ في البقاء ، كما لو علم إجمالاً بانقضاء عدّة إحداهما بعد العلم بكونهما معاً في العدّة ، ثم شكّ في كونها هي المعقودة أم غيرها ، فإنّه حينئذ يحكم مضافاً إلى البطلان بثبوت الحرمة الأبدية ، وذلك لاستصحاب بقاء كل منهما في العدّة إذ لا مانع من جريانه بعد أن لم تكن فيه مخالفة قطعية للعلم الإجمالي بانقضاء عدّة إحداهما.
نعم ، لو تزوّجهما معاً حرمتا عليه في الظاهر ، عملاً بالعلم الإجمالي (1)(1).
[3715] مسألة 8 : إذا علم أنّ هذه الامرأة المعيّنة في العدّة ، لكن لا يدري أنّها في عدّة نفسه أو في عدّة لغيره ، جاز له تزويجها ، لأصالة عدم كونها في عدّة
والسرّ فيه أنّ نقض اليقين إنّما يكون بيقين مثله خاصة ، وحيث أنّ اليقين السابق بكونهما معاً في العدّة كان يقيناً تفصيلياً ، فلا يجوز نقضه باليقين الإجمالي بانقضاء عدّة إحداهما.
وبالجملة : فالعلم الإجمالي لا يصلح لمنع جريان الاستصحاب ، ما لم تكن في جريانه مخالفة قطعية للمعلوم إجمالاً كما هو الحال في المقام فيحكم بمقتضاه بثبوت الحرمة الأبدية.
وعلى هذا الأساس كان التزامنا بنجاسة ملاقي أحد الإناءين اللذين كانا محكومين بالنجاسة ، ثم علمنا بطهارة أحدهما إجمالاً.
(1) بحدوث حرمة أبدية في إحداهما ، ومقتضاه حرمتهما معاً ظاهراً. إلّا أنّ هذا العلم الإجمالي معارض بعلم إجمالي آخر ، هو وجوب وطء إحداهما في فترة لا تزيد عن أربعة أشهر من حين العقد. ومن هنا يحصل للمكلف علم بثبوت حكم إلزامي في حقّه ، لكنه لما كان مردداً بين الوجوب والحرمة ، حيث يعلم إجمالاً إما بوجوب وطء كل منهما أو حرمتها عليه أبداً ، فلا يمكن الاحتياط فيه لدورانه بين محذورين ، فلا يمكنه وطؤهما معاً كما لا يمكنه ترك وطئهما معاً كما هو ظاهر المتن لاستلزامه المخالفة القطعية.
إذن فلا مناص إمّا من الرجوع إلى القرعة ، وإما طلاق كلتيهما ، أو الزوجة الواقعية منهما ، فإنّه بذلك يتخلص من المخالفة القطعية ، لأنّ طلاق إحداهما باطل في الواقع ، والثانية ترتفع زوجيتها بالطلاق ، فيترك حينئذٍ وطأهما معاً من دون أن يكون فيه أيّ محذور.
1) (*) إلّا أنّ هنا علماً إجماليّاً آخر وهو العلم الإجمالي بحرمة وطء كل واحدة منها أو وجوبه قبل مضي أربعة أشهر ، فيدور أمر كل منهما بين المحذورين فلا مناص عندئذ من الرجوع إلى القرعة في المقام أو إلى طلاق كلتيهما.
الغير (1) فحاله حال الشكّ البدوي.
[3716] مسألة 9 : يلحق بالتزويج في العدّة في إيجاب الحرمة الأبدية تزويج ذات البعل (2). فلو تزوجها مع العلم بأنّها ذات بعل حرمت عليه أبداً
(1) ولا تعارضها أصالة عدم كونها في عدّة نفسه ، لأنّها لا تصلح لإثبات موضوع البطلان والحرمة ، أعني كونها في عدّة غيره.
(2) لا يخفى ما في التعبير باللحوق من مسامحة واضحة ، فإنّ التزوج بذات البعل موضوع مستقل للحرمة له أدلّته الخاصّة من النصوص ، فلا وجه لجعله من لواحق التزوج في العدّة في إيجاب الحرمة الأبدية.
ولعلّ الأصل في هذا التعبير ما ورد في القواعد من أنّه : لو تزوج بذات البعل ففي إلحاقه بالمعتدة إشكال ، ينشأ من عدم التنصيص ، ومن أولوية التحريم (1)، وتبعه على ذلك جماعة منهم الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة (2)وولد العلّامة (قدس سره) في الإيضاح (3).
إلّا أنّه من غير الخفي أنّه ناشئ من غفلتهم عن النصوص الواردة في المقام ، وإلّا فلا وجه للقول بعدم وجود النص ومحاولة إثبات الحكم عن طريق إلحاقه بالتزوج من المعتدة ، لكونه أوْلى بثبوت الحرمة ، نظراً لأقوائية العلقة الزوجية في ذات البعل.
وكيف كان ، فالحكم في المسألة كما أفاده (قدس سره) وذلك لأنّ النصوص الواردة في المقام على طوائف.
منها : ما دلّ على ثبوت الحرمة الأبدية مطلقاً ، كمعتبرة أديم بن الحر ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «التي تتزوج ولها زوج يفرق بينهما ثم لا يتعاودان أبداً» (4).
ومنها : ما دلّ على جواز الرجوع فيما إذا كان الزوج جاهلاً ، كصحيحة عبد الرّحمن ابن الحجاج ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة ولها زوج
.................................................................................................
وهو لا يعلم ، فطلقها الأوّل أو مات عنها ثم علم الأخير ، أيراجعها؟ قال : «لا ، حتى تنقضي عدّتها» (1).
فإنّها واردة في الجاهل ، وقد دلّت على جواز رجوعه إليها بعد انقضاء عدتها ، من غير تفصيل بين الدخول وعدمه.
فلو كنّا نحن وهاتين المعتبرتين لكان تخصيص الاولى بما إذا كان الزوج عالماً متعيناً وبذلك كانت تنحلّ المشكلة ، إلّا أنّ بإزاء الثانية صحيحتين لزرارة دلّتا على ثبوت الحرمة الأبدية بالدخول بالمرأة حتى ولو كان الزوج جاهلاً ، وهاتان الصحيحتان هما :
أوّلاً : صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة فقد زوجها أو نعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها ، قال : «تعتد منهما جميعاً ثلاثة أشهر عدّة واحدة ، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً» (2).
ثانياً : صحيحته عنه (عليه السلام) أيضاً ، قال : «إذا نعي الرجل إلى أهله أو أخبروها أنّه قد طلقها ، فاعتدّت ثم تزوّجت فجاء زوجها الأول ، فإنّ الأوّل أحقّ بها من هذا الأخير ، دخل بها الأوّل أو لم يدخل بها ، وليس للآخر أن يتزوجها أبداً ، ولها المهر بما استحلّ من فرجها» (3).
فإنّهما واردتان في فرض الدخول بها ، كما يظهر من قوله (عليه السلام) في الأُولى : «تعتدّ منهما جميعاً» وقوله (عليه السلام) في الثانية : «ولها المهر بما استحلّ من فرجها». فإنّه لو لم يكن الدخول بها مفروضاً لم يكن وجه لاعتدادها منه أيضاً ، كما لم يكن وجه لاستحقاقها المهر بالنظر إلى ما استحلّ من فرجها ، وقد دلّتا على ثبوت الحرمة الأبدية في هذا الفرض وهو الدخول مطلقاً ، من غير تفصيل بين صورة علم الزوج بالحال وصورة جهله به.
إذن فلا بدّ من ملاحظة النسبة بين هاتين الصحيحتين وصحيحة عبد الرّحمن.
.................................................................................................
ومن هنا فإن استظهرنا من هاتين الصحيحتين جهل الزوج بأنّ للمرأة زوجاً على ما استظهره بعضهم فالنسبة بينهما إنّما هي عموم وخصوص مطلق. حيث دلّت صحيحة عبد الرّحمن على جواز التزوج منها في فرض الجهل سواء أكان قد دخل بها أم لم يكن ، في حين أنّ هاتين الصحيحتين تدلّان على ثبوت الحرمة في فرض الجهل والدخول بالمرأة. ومن هنا فتخرج هذه الصورة الجهل مع الدخول من إطلاق صحيحة عبد الرّحمن ، فتختصّ بصورة الجهل مع عدم الدخول لا محالة.
وأما إذا لم نستظهر ذلك لعدم وجود قرينة عليه ، فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه. فإنّ صحيحة عبد الرّحمن واردة في فرض الجهل لكنها مطلقة من حيث الدخول وعدمه ، في حين أنّ المفروض في صحيحتي زرارة هو الدخول ولكنهما مطلقتان من حيث الجهل وعدمه. فيكون التعارض بينهما في المجمع أعني صورة الدخول مع الجهل حيث تدلّ صحيحة عبد الرّحمن على جواز التزوج منها بعد انقضاء عدتها ، في حين أنّ هاتين الصحيحتين تدلّان على ثبوت الحرمة وعدم جواز التزوّج منها أبداً.
وحينئذ فقد يقال : بأنّ المرجع هو عمومات الحلّ ، وذلك لتساقط دليلي الجواز والحرمة بالمعارضة. إلّا أنّ إشكاله واضح ، فإنّه لا مجال للرجوع إلى عمومات الحلّ بعد أن دلّت معتبرة أديم بن الحر على الحرمة الأبدية مطلقاً ، بل مقتضى القواعد الرجوع إلى إطلاقها عند ابتلاء المخصّص بالمعارض.
ثم لا يخفى أنّ في المقام رواية أُخرى تدلّ على جواز الرجوع إليها في فرض الجهل وهي مرفوعة أحمد بن محمد : «إنّ الرجل إذا تزوج امرأة وعلم أنّ لها زوجاً فرّق بينهما ولم تحل له أبداً» (1). حيث تدلّ بمفهوم الشرط على عدم ثبوت الحرمة الأبدية ، وجواز الرجوع إليها في فرض الجهل. إلّا أنّها ضعيفة لا يمكن الاستدلال بها ، فإنّها مضافاً إلى كونها مرفوعة لم تنسب إلى المعصوم (عليه السلام).
إذن فالمتحصّل مما تقدّم أنّ الخارج من إطلاق معتبرة أديم الدالّة على عدم جواز التزوج بها ، إنّما هو فرض جهل الزوج مع عدم الدخول بها خاصة. وبذلك فيكون
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 16 ح 10.
.................................................................................................
الحال في ذات البعل كالحال في المعتدة ، حيث تحرم أبداً بالتزوج بها مع العلم أو الجهل مع الدخول.
نعم ، قد يتوهّم كون صحيحة عبد الرّحمن ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة ثم استبان له بعد ما دخل بها أنّ لها زوجاً غائباً فتركها ، ثم أنّ الزوج قدم فطلّقها أو مات عنها ، أيتزوجها بعد هذا الذي كان تزوّجها ولم يعلم أنّ لها زوجاً؟ قال : «ما أُحبّ له أن يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره» (1)معارضة لما دلّ على ثبوت الحرمة الأبدية بالتزوج بها جاهلاً مع الدخول.
وفي مقام حل المعارضة أفاد صاحب الوسائل (قدس سره) بأنّ كلمة (دخل بها) محمولة على إرادة مجرّد الخلوة بها ، وبذلك تنحلّ مشكلة التعارض حيث يكون مورد هذه الصحيحة فرض الجهل وعدم وطئه لها ، وقد عرفت أنّ مقتضى النصوص المتقدمة جواز الرجوع إليها في هذا الفرض أيضاً ، فلا يكون بينهما أي منافاة.
إلّا أنّ هذا التوجيه بعيد غايته ، فإنّه لا أثر لمجرد الخلوة بها كي يسأل عنه بخصوصه ، بل لا يحتمل أن يكون لذلك دخل في الحكم ، ومن هنا فحمل الصحيحة عليه لا يكون من الجمع العرفي.
ولكنّ الصحيح في المقام هو أن يقال : إنّه لا تعارض بينهما بالمرة ، وذلك لأنّ توهّم المعارضة إنّما ينشأ من إحدى جهتين :
الاولى : قوله (عليه السلام) : «ما أُحب» بدعوى ظهوره في الكراهة وهي تستلزم الجواز ، فتكون الرواية دالّة عليه.
وفيه : ما مرّ غير مرة من أنّه لا ظهور له في الكراهة الاصطلاحية ، بل إنّما يستعمل فيما هو أعمّ منها ومن الحرمة ، ومعه فلا يبقى لها ظهور في الجواز.
الثانية : قوله (عليه السلام) ( حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) بدعوى ظهوره في جواز التزوج منها بعد ذلك.
وفيه : أنّه واضح الاندفاع ، وذلك لأنّ كلمة «حتى» فيها ليست للتحديد جزماً ، إذ كيف يمكن أن يكون تزوجها من الغير مجوزاً لتزوجه منها ، بل ذلك إنّما يوجب عظم
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 16 ح 4.
مطلقاً سواء دخل بها أم لا ، ولو تزوجها مع الجهل لم تحرم (1)(1) إلّا مع الدخول بها ، من غير فرق بين كونها حرّة أو أَمة مزوّجة ، وبين الدوام
حالها وشدّة أمرها به حيث تصبح به ذات بعل ، إذ لم يذكر فيها كون تزوجه منها ثانياً بعد طلاق الزوج الجديد لها وانقضاء عدّتها منه.
وإنّما هذه الكلمة حتى فيها مستعملة للغاية ، وبذلك فيكون معنى الرواية : أنّه لا يتزوجها كي يتزوجها غيره. فتكون الغاية من ترك تزوجه منها هي عدم جعلها معطّلة ، بل فتح الباب لغيره كي يتزوج منها.
إذن فلا تكون في هذه الصحيحة دلالة على جواز تزوجه منها ثانياً ، بعد أن تزوج منها ولها زوج ودخل بها وهو لا يعلم. ومن هنا فلا وجه لتوهّم كونها معارضة لما دلّ على ثبوت الحرمة الأبدية في تلك الحالة.
(1) حتى ولو كانت الزوجة عالمة بالحال ، لعدم الدليل على تأثير علمها في الحرمة ، بل مقتضى إطلاق الأخبار لا سيما صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج أنّ المدار في ثبوت الحرمة الأبدية إنّما هو علم الزوج من دون أن يكون لعلم الزوجة أو جهلها دخل فيه ، فما دام الزوج جاهلاً لا تثبت الحرمة الأبدية ، كانت الزوجة عالمة أم كانت جاهلة مثله ، وبهذا يظهر الفرق بين المعتدة وذات البعل.
نعم ، قد يستدل لثبوت الحرمة الأبدية عند علم الزوجة بالموضوع أو الحكم بالأولوية القطعية ، وذلك لأنّ العلقة الزوجية في المعتدّة على ضعفها إذا كانت توجب الحرمة الأبدية عند علمها ، فهي توجب ذلك في المقام بطريق أوْلى لأقوائيتها.
إلّا أنّه مردود بأنّ غاية ما يمكن أن يقال عن هذه الأولوية أنها مظنونة وليست بقطعية ، فإنّ هذه الأحكام تعبدية محضة ، ولا يمكن كشف الملاك منها وإحراز أنّه هو العلقة الزوجية ، بل يمكن دعوى العلم بعدم كونها هي الملاك في ثبوت الحرمة في التزوج من ذات العدّة ، وذلك لثبوت الحرمة الأبدية في موارد لا يوجد فيها أي نوع من العلقة الزوجية كالتزوج من المعتدّة عدّة وطء الشبهة ، أو المعتدّة عن الطلاق
1) (*) حتى مع علم الزّوجة بالحال على الأظهر ، وبذلك يظهر الفرق بين المعتدّة وذات البعل.
والمتعة في العقد السابق واللّاحق (1). وأما تزويج أَمة الغير بدون إذنه مع عدم
التاسع ، أو المعتدّة عن فسخ النكاح لرضاع ، أو ما شابهه مع العلم بالموضوع أو الحكم فإنّها تثبت مع أنّ العلقة الزوجية فيها مفقودة بالمرة ، فإنّ ذلك يكشف عن عدم كون وجود العلقة الزوجية ملاكاً لثبوت الحرمة الأبدية.
إذن فالصحيح هو الاقتصار على مورد النص وعدم التجاوز عنه.
ثم إنّ مقتضى الأخبار الواردة في المقام اختصاص الحرمة بصورة علم الزوج بالموضوع خاصة ، حيث لم يرد في شيء منها التعرض لصورة علمه أو جهله بالحكم. إلّا أنّ الظاهر عدم اختصاصها بها وكون الملاك في المقام هو الملاك في المعتدّة ، أعني علم الزوج بالموضوع أو الحكم. ولعلّ الوجه في عدم التعرض إليه في النصوص كونه مما لا يخفى على أحد من المسلمين بل وغيرهم أيضاً ، فإنّ عدم الجواز واضح للكل إلى حدّ لا يظن خفاؤه على أحد.
وتدلّ عليه صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة ، أهي ممن لا تحلّ له أبداً؟ فقال : «لا أمّا إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها ، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك». فقلت : بأيّ الجهالتين يعذر ، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه ، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ فقال : «إحدى الجهالتين أهون من الأُخرى ، الجهالة بأنّ اللّه حرّم ذلك عليه وذلك لأنّه لا يقدر على الاحتياط معها». فقلت : وهو في الأُخرى معذور؟ قال : «نعم ، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها». فقلت : فإن كان أحدهما متعمداً والآخر بجهل؟ فقال : «الذي تعمّد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبداً» (1).
فإنّها دالة بوضوح على أنّ الجهل بالموضوع وإن كان عذراً إلّا أنّ الجهل بالحكم أعظم ، وذلك لعدم إمكان الاحتياط معه.
ومن هنا يتحصل أنّ الملاك في المقام كالملاك في التزوج بالمعتدّة ، فيدور الحكم ثبوتاً وعدماً على علم الزوج وجهله بالموضوع أو الحكم.
(1) كل ذلك لإطلاق الأدلّة ، حيث لم يرد في شيء منها التقييد بشيء مما ذكر.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 4.
كونها مزوّجة ، فلا يوجب الحرمة الأبدية (1) وإن كان مع الدخول والعلم.
[3717] مسألة 10 : إذا تزوج امرأة عليها عدّة ولم تشرع فيها كما إذا مات زوجها ولم يبلغها الخبر ، فإنّ عدّتها من حين بلوغ الخبر فهل يوجب الحرمة الأبديّة أم لا؟ قولان (2) أحوطهما الأوّل ، بل لا يخلو عن قوّة.
(1) لعدم تحقق موضوعها ، فإنه ليس من التزوج بذات البعل أو التزوج بالمعتدّة.
(2) ذهب جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره) إلى عدم ثبوتها نظراً إلى عدم كون المرأة ذات بعل أو معتدّة (1)، في حين ذهب آخرون منهم الماتن (قدس سره) إلى ثبوتها. والكلام في هذه المسألة ينبغي أن يكون في موردين :
الأوّل : في بطلان العقد وعدمه.
الثاني : في ثبوت التحريم الأبدي وعدمه.
أمّا الأول : فالحكم بالبطلان مما لا ينبغي الإشكال أو الخلاف فيه.
والوجه فيه أنّ المستفاد من الآية الكريمة والنصوص الواردة في لزوم الاعتداد أنّ التحليل إنّما يكون بعد انقضاء عدتها ، فما لم تعتدّ وتتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً أو ثلاثة قروء لم يجز للرجال للتزوج منها.
وأمّا الثاني : فالصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره) ، وذلك لأحد وجهين :
الوجه الأوّل : دعوى كونها معتدّة بالفعل ، وذلك بتقريب وجوب العدّة على كل امرأة يموت عنها زوجها من حين وفاته ، فيجب عليها من ذلك الحين الاعتداد والتربص بنفسها ، غاية الأمر أنّ مبدأ التربص بحسب النصوص إنّما هو من حين بلوغها نبأ وفاته ، وعلى هذا فتكون من حين الوفاة محكومة بحرمة التزوج منها حتى تعدّ الأيام المعلومة.
وبعبارة اخرى : إنّ التربص واجب على المرأة من حين موت زوجها فهي ذات عدّة من تلك اللحظة ، إلّا أنّ مبدأ الأربعة أشهر وعشرة أيام إنّما يكون من حين بلوغها الخبر. ومن هنا يحكم بثبوت الحرمة الأبدية فيما إذا تزوجها رجل ، وهو يعلم
1) الجواهر 29 : 436.
[3718] مسألة 11 : إذا تزوج امرأة في عدّتها ودخل بها مع الجهل ، فحملت مع كونها مدخولة للزوج الأول ، فجاءت بولد. فإن مضى من وطء الثاني أقل من ستة أشهر ، ولم يمض من وطء الزوج الأول أقصى مدّة الحمل ، لحق الولد بالأوّل (1). وإن مضى من وطء الأول أقصى المدّة ، ومن وطء الثاني ستة أشهر أو أزيد إلى ما قبل الأقصى ، فهو ملحق بالثاني (2). وإن مضى من الأوّل أقصى المدّة ،
أو لا يعلم ولكن قد دخل بها ، وذلك لكونها معتدّة حقيقة.
الوجه الثاني : أنّ الموضوع للحرمة الأبدية في النصوص ليس هو التزوج من المعتدّة ، بل الموضوع فيها ما هو أوسع من ذلك ، وهو التزوج منها قبل انقضاء عدّتها على ما دلت عليه معتبرة إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الأَمة يموت سيدها ، قال : «تعتدّ عدّة المتوفى عنها زوجها». قلت : فإنّ رجلاً تزوجها قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال : فقال : «يفارقها ثم يتزوجها نكاحاً جديداً بعد انقضاء عدّتها». قلت : فأين ما بلغنا عن أبيك في الرجل إذا تزوج المرأة في عدّتها لم تحلّ له أبداً؟ قال : «هذا جاهل» (1).
فإنها تدلّ على كون التزويج قبل انقضاء عدّة المرأة موجباً للحرمة الأبدية إذا كان ذلك عن علم ، ومن الواضح أنّ التزوج قبل انقضاء العدّة أعم من التزوج منها بعد شروعها في العدّة أو قبل ذلك. وبهذا فيشمل النص المقام ، ومقتضاه ثبوت الحرمة الأبدية ، كما هو واضح.
والحاصل أنّ الحرمة الأبدية ثابتة في المقام ، أما من جهة كونها معتدة بالفعل ، أو من جهة كون موضوعها أعمّ من التي شرعت في العدّة والتي لم تشرع فيها ، حيث يصدق على ذلك التزوج أنّه تزوج قبل انقضاء عدّتها.
(1) بلا خلاف فيه بينهم ، وتدلّ عليه قاعدة الفراش ، كما تؤيده مرسلة جميل بن صالح الآتية.
(2) بلا إشكال. ويقتضيه مضافاً إلى مرسلة جميل أنّ المنفي بحسب النصوص إنّما هو الإلحاق بالزاني خاصة وهذا ليس منه ، حيث أنّ المفروض كون الوطء شبهة
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 17 ح 5.
ومن الثاني أقلّ من ستة أشهر ، فليس ملحقاً بواحد منهما (1). وإن مضى من الأوّل ستة فما فوق ، وكذا من الثاني ، فهل يلحق بالأوّل أو الثاني ، أو يقرع؟ وجوه أو أقوال ، والأقوى لحوقه بالثاني (1)لجملة من الأخبار (2). وكذا إذا تزوّجها الثاني بعد تمام العدّة للأوّل واشتبه حال الولد.
وهو في حكم الفراش ، فيلحق به الولد لا محالة.
(1) للعلم بانتفائه عنهما معاً ، ومعه فلا مجال لانتسابه إلى أحد منهما.
(2) إلّا أنّها أمّا ضعيفة من حيث السند ، وإمّا لا دلالة فيها. وهذه الروايات هي :
أوّلاً : مرسلة جميل بن صالح عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في المرأة تزوج في عدتها ، قال : «يفرّق بينهما ، وتعتدّ عدّة واحدة منهما جميعاً ، وإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير ، وإن جاءت بولد لأقلّ من ستة أشهر فهو للأوّل» (2).
ودلالتها واضحة ، فإنّ مقتضى إطلاقها هو لحوق الولد بالثاني فيما إذا ولد لستة أشهر أو أكثر ، سواء أمكن إلحاقه بالأول أيضاً أم لم يمكن.
إلّا أن الكلام في سندها ، فإنّ الشيخ (قدس سره) قد رواها في موضعين ، اقتصر في أحدهما على ذكر اسم جميل من دون أن ينسبه إلى صالح (3)، في حين نسبه في الموضع الثاني إليه (4). وعلى كلا التقديرين فالرواية بهذا السند ضعيفة ، لأنّها مرسلة. على أنّ في طريقها علي بن حديد وهو لم يوثق.
لكنه قد يقال : بأنّها وإن كانت بهذا السند ضعيفة إلّا أن الشيخ الصدوق (قدس سره) قد روى هذا المتن بعينه عن جميل بن دراج (5)، وحيث أنّ طريق الصدوق (قدس سره) إليه صحيح تكون الرواية معتبرة سنداً.
.................................................................................................
وفيه : أنّ هذا السند لا يمكن الاعتماد عليه أيضاً ، وذلك لأنّ الصدوق (قدس سره) لم يذكر من يروي جميل بن دراج عنه ، فإنّه قال : وفي رواية جميل بن دراج ، ثم ذكر المتن المتقدِّم من دون أن يتعرّض إلى المرويّ عنه وهل هو الإمام (عليه السلام) أو غيره.
ومن هنا فمن المظنون قوياً وقوع السهو في قلم الشيخ (قدس سره) ، وأنّ الراوي لهذه الرواية إنّما هو جميل بن دراج لا جميل بن صالح. والوجه فيه أنّ علي بن حديد لم يرو ولا رواية واحدة في مجموع الكتب الأربعة عن جميل بن صالح ، في حين أنّ رواياته عن جميل بن دراج كثيرة جدّاً.
وليس وقوع هذا السهو منه (قدس سره) بغريب ، فقد روى الشيخ (قدس سره) في التهذيب (ج 7 رقم 1074) رواية عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن ضريس بن عبد الملك. إلّا أنّ الشيخ الصدوق (قدس سره) قد رواها بعينها ، ولكن ذكر فيها جميل بن دراج بدلاً عن جميل بن صالح (1)وهو الصحيح. إلّا أنّ الخطأ في هذا المورد ليس كالمورد الأوّل بقطعي ، حيث أن للحسن بن محبوب روايات عن جميل بن صالح وإن قلّت.
وعلى هذا فالمتحصّل أنّ الشيخ الصدوق (قدس سره) إنّما يشير بقوله : وفي رواية جميل بن درّاج ، إلى الرواية التي نسبها الشيخ (قدس سره) إلى جميل بن صالح ، ومن هنا فتكون هذه الرواية مرسلة أيضاً.
ولو تنزّلنا عن ذلك كلّه فطريق الصدوق (قدس سره) إلى جميل بن دراج ليس بصحيح كما قيل بل هو مجهول ، وذلك لأنه (قدس سره) يروي في كتابه (من لا يحضره الفقيه) عن محمد بن حمران في غير مورد ، كما يروي عن جميل بن دراج كثيراً ، ويروي عنهما معاً في غير مورد أيضاً. ولكنه في المشيخة اقتصر على ذكر طريقه إلى محمد بن حمران وإليهما معاً خاصة ، ولم يتعرض إلى ذكر طريقه إلى جميل ابن دراج فيما يروي عنه منفرداً ، حاله حال طريقه إلى عدّة من أرباب الكتب (2).
.................................................................................................
ومن هنا فلا يمكن الحكم بصحة الرواية ، نظراً إلى مجهولية طريق الصدوق (قدس سره) إلى جميل بن دراج.
ثانياً : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا كان للرجل منكم الجارية يطأها فيعتقها فاعتدّت ونكحت ، فإن وضعت لخمسة أشهر فإنّه لمولاها الذي أعتقها ، وإن وضعت بعد ما تزوجت لستة أشهر فإنه لزوجها الأخير» (1).
بدعوى أنّها كالمرسلة المتقدمة دالة بإطلاقها على أنّها لو وضعت لأكثر من ستة أشهر فهو ملحق بالثاني ، سواء أمكن إلحاقه بالأوّل أيضاً لعدم مضي أقصى مدّة الحمل أم لم يمكن.
إلّا أنّها واضحة الدفع ، فإنّها واردة في تزوّج الثاني منها بعد انقضاء عدّتها من الأول ، ومن الواضح أنّها بذلك تخرج عن فراش الأول بحكم الشارع وتصبح محللة للأزواج ، ومعه فكيف يمكن الحكم بلحوق الولد بالأول ، فإنه ليس إلّا إفساداً للعقد المحكوم عليه بالصحة.
وبعبارة اخرى : إنّ فراش مولاها قد زال بالاعتداد وبذلك فقد حلت للأزواج ظاهراً.
ومن هنا فإن كانت هناك قرينة على عدم خروجها من العدّة وعدم حلها للأزواج كما لو وضعت لدون ستة أشهر من زواج الثاني حكم ببطلان نكاحه ، وبذلك يكون وطؤه لها شبهة ويلحق الولد بالأول ، لظهور بقاء فراشه. وأمّا إذا لم تكن هناك قرينة على ذلك كان فراش الثاني وزواجه صحيحاً ، فيحكم بلحوق الولد به على القاعدة ومن دون حاجة إلى النص ، فإنّ علاقة الأوّل قد زالت بالاعتداد وقد أصبحت فراشاً للثاني. ولكن أين ذلك من المقام المفروض فيه كون التزوج باطلاً وكون الوطء في فراش الزوج الأول؟
ثالثاً : رواية البزنطي عمن رواه عن زرارة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل إذا طلق امرأته ، ثم نكحت وقد اعتدّت ووضعت لخمسة أشهر؟ «فهو للأوّل ، وإن كان الولد أنقص من ستة أشهر فلأُمّه ولأبيه الأوّل ، وإنْ ولدت لستة
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب أحكام الأولاد ، ب 17 ح 14.
[3719] مسألة 12 : إذا اجتمعت عدّة وطء الشبهة مع التزويج أو لا معه وعدّة الطّلاق أو الوفاة أو نحوهما ، فهل تتداخل العدّتان ، أو يجب التعدّد؟ قولان المشهور على الثاني وهو الأحوط ، وإن كان الأول لا يخلو عن قوّة (1)
أشهر فهو للأخير» (1).
إلّا أنّ الحال فيها كالحال في الصحيحة المتقدمة تماماً ، فإنها أجنبية عن محلّ الكلام ، مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال فلا مجال للاعتماد عليها.
رابعاً : مضمرة أبي العباس ، قال : قال : إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للأخير ، وإن كان لأقلّ من ستة أشهر فهو للأول (2).
وهي مخدوشة سنداً ومتناً.
أمّا الأوّل : فلأنّ كلمة (قال) إنّما هي مكررة في نسخة الوسائل خاصة ، وأمّا في التهذيب فلم تذكر إلّا مرة واحدة (3)، ومن هنا فيكون متنها فتوى لأبي العباس نفسه ، وبذلك تخرج عن كونها رواية بالمرة.
وأمّا الثاني : فلمجهولية مرجع الضمير في قوله : (جاءت) وهل هو المعتدّة عن وفاة ، أو طلاق ، أو الوطء شبهة ، أم هو الأَمة التي أعتقها مولاها ثم تزوجت من غيره بعد انقضاء العدّة. ومن هنا فلا يمكن الاستدلال بها ، لاحتمال كون مرجعه هو الأخير ، فيكون حالها حال الروايتين الأخيرتين.
والحاصل أنّ بملاحظة هذه الأخبار يتّضح أنّه لا مجال لاستفادة لحوق الولد بالزوج الأوّل أو الثاني من شيء منها. إذن ينحصر أمر تعيين لحوق الولد بأحدهما بالقرعة ، فإنها لكل أمر مشكل وهذا منه.
(1) الكلام في هذه المسألة ينبغي أن يكون في مقامين :
الأوّل : ما تقتضيه القاعدة مع غضّ النظر عن النصوص.
الثاني : ما تقتضيه النصوص الواردة في المقام.
.................................................................................................
أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي الشكّ في كون مقتضاها هو التداخل.
والوجه في ذلك واضح ، فإنّ النصوص المتضافرة قد دلت على لزوم الاعتداد من الطلاق والوفاة ووطء الشبهة والفسخ ، كما دلّت هاتيك النصوص على أنّ مبدأ العدّة إنّما هو في غير الوفاة من حين وقوع السبب ، وأما فيها فإنّما هو من حين بلوغها الخبر ، وهذا واضح ولا خلاف فيه. وعلى هذا فلو اجتمع سببان للعدّة في زمان واحد كان القول بالتداخل مما لا بدّ منه ، نظراً لعدم قابلية الزمان الواحد لاجتماعهما فيه ، فإن الزمان الواحد لا يقبل إلّا عدّة واحدة. ومن هنا فحيث إنّ جعل مبدإ إحدى العدّتين وزمانها متأخراً عن زمان الأُخرى يحتاج إلى الدليل وهو مفقود ، فلا مناص من الالتزام بالتداخل.
وليس هذا الذي ذكرناه في المقام منافياً لما ذكرناه في المباحث الأُصولية من كون التداخل على خلاف الأصل ومحتاجاً إلى الدليل ، فإنّه إنّما هو في الموارد القابلة للتعدّد ، فلا يشمل مثل المقام حيث لا قابلية للزمان لوقوع العدّتين فيه.
وأمّا المقام الثاني : فالروايات الواردة فيه على طوائف ثلاث :
الطائفة الأُولى : ما دلّت على التداخل مطلقاً ، وهي عبارة عن روايتين معتبرتين :
أُولاهما : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدّتها ، قال : «يفرّق بينهما وتعتدّ عدّة واحدة منهما جميعاً» (1).
ثانيتهما : معتبرة أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تزوج في عدّتها ، قال : «يفرّق بينهما ، وتعتد عدّة واحدة منهما جميعاً» (2).
وأما الطائفة الثانية : فهي ما دلّت على عدم التداخل مطلقاً ، وأنّه لا بدّ من الاعتداد ثانية بعد انقضاء عدتها الاولى ، وهي أيضاً روايتان معتبرتان :
الأُولى : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدّتها ، قال : «إن كان دخل بها فرّق بينهما ولن تحلّ له أبداً وأتمّت عدّتها من الأوّل وعدّة اخرى من الآخر» ، الحديث (3).
.................................................................................................
الثانية : معتبرة علي بن بشير النبال ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة في عدّتها ولم يعلم ، وكانت هي قد علمت أنّه قد بقي من عدّتها وأنّه قذفها بعد علمه بذلك ، فقال : «إن كانت علمت أنّ الذي صنعت يحرم عليها» إلى أن قال : «وتعتدّ ما بقي من عدتها الاولى ، وتعتدّ بعد ذلك عدّة كاملة» (1).
الطائفة الثالثة : ما دلّ على لزوم الاعتداد ثانية بعد الانتهاء من العدّة الاولى ، في خصوص فرض وطء المرأة المتوفى عنها زوجها شبهة وهي في العدّة ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن المرأة الحبلى يموت عنها زوجها فتضع وتزوج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر وعشراً ، فقال : «إن كان دخل بها فرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً ، واعتدت ما بقي عليها من الأوّل ، واستقبلت عدّة اخرى من الآخر ثلاثة قروء» ، الحديث (2).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : المرأة الحبلى يتوفى عنها زوجها فتضع وتزوج قبل أن تعتدّ أربعة أشهر وعشراً ، فقال : «إن كان الذي تزوجها دخل بها فرق بينهما ولم تحلّ له أبداً ، واعتدّت بما بقي عليها من عدّة الأوّل واستقبلت عدّة اخرى من الآخر ثلاثة قروء» ، الحديث (3).
إذا عرفت ذلك كلّه فاعلم أنّ مقتضى القواعد والصناعة أنّه لا تعارض بين هذه الأخبار بالمرة ، ومن هنا فلا وجه لحمل بعضها على التقية.
والوجه في ذلك أنّ النسبة بين الطائفة الأُولى والثالثة لما كانت هي الإطلاق والتقييد ، حيث دلّت الاولى على التداخل مطلقاً سواء أكانت عدّة وطء الشبهة مع عدّة الوفاة أم كانت مع غيرها ، في حين دلت الثالثة على عدم التداخل في خصوص ما إذا اجتمعت عدّة وطء الشبهة مع عدّة الوفاة. فيقيّد إطلاق الأُولى بالثالثة ، ونتيجة لذلك يتحصل أنّ المرأة الموطوءة شبهة في أثناء العدّة يجب عليها الاعتداد منهما جميعاً عدّة واحدة ما لم تكن عدّتها الاولى عدّة وفاة ، وإلّا وجب عليها إتمام الأُولى والاعتداد ثانية لوطء الشبهة.
حملاً للأخبار (1)
إحداها : تدلّ على عدم التداخل مطلقاً.
وثانيتها : تدلّ على التداخل مطلقاً.
وثالثتها : تدلّ على عدم التداخل في خصوص الموت.
وبما أنّ النسبة بين الطائفة الثالثة والطائفة الثانية عموم مطلق فتقيّة الطائفة الثالثة إطلاق الطائفة الثانية ، وبعد ذلك تنقلب النسبة بين الطائفة الثانية والطائفة الاولى فتصبح الطائفة الثانية أخصّ من الطائفة الأُولى فتقيّة إطلاقها ، فالنتيجة هي عدم التداخل في خصوص الموت والتداخل في غير الموت ، فإذن لا معارضة بين الروايات.
الدالّة على التعدّد على التقية ، بشهادة خبر زرارة (1)ومن هنا فتنقلب النسبة بين الطائفة الأُولى والطائفة الثانية إلى الإطلاق والتقييد فيقيد إطلاق الثانية بالأُولى ، وينتج من ذلك أنّ الاعتداد ثانياً وعدم التداخل إنّما هو في فرض كون العدّة الأُولى عدّة وفاة.
والحاصل أنّ الذي تقتضيه الأخبار هو التفصيل في المقام بين مجامعة عدّة وطء الشبهة لعدّة الوفاة فيلتزم فيه بعدم التداخل ولزوم استئناف عدّة جديدة للثانية بعد إتمام الأُولى ، وبين مجامعتها لعدّة غير الوفاة فيلتزم فيه بالتداخل وكفاية عدّة واحدة منهما جميعاً.
وهذا الذي استظهرناه من النصوص بناء على ما اخترناه في المباحث الأُصولية من تسليم كبرى انقلاب النسبة ، نظراً إلى كون التعارض فرع الحجية لا الدلالة ، فإذا فرض ورود مقيد لإحدى الطائفتين المتباينتين سقطت عن الحجية في ذلك المورد ومعه فلا يبقى تعارض أصلاً ، واضح.
وأما بناء على التنزل وعدم تسليم هذه الكبرى ، فالحكم في المسألة لا يختلف عنه في فرض التسليم ، وذلك لتساقط الطائفتين الاولى والثانية بالتعارض ، ومعه فلا بدّ من الرجوع إلى القاعدة فيما لا نصّ فيه ، وقد عرفت أنّ مقتضاها في المقام إنّما هو التداخل.
(1) عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت
1) (*) لا وجه للحمل على التقيّة ، والظاهر هو التفصيل بين عدّة الوفاة وغيرها بالالتزام بالتعدّد في الأُولى والتداخل في الثانية ، وذلك لأنّ الروايات على طوائف ثلاث :
وخبر يونس (1).
وتزوجت فجاء زوجها الأوّل ففارقها الآخر ، كم تعتدّ للثاني؟ قال : «ثلاثة قروء وإنّما يستبرئ رحمها بثلاثة قروء وتحلّ للناس كلّهم». قال زرارة : وذلك أنّ أُناساً قالوا تعتدّ عدّتين من كل واحد عدّة ، فأبى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) وقال : «تعتدّ ثلاثة قروء وتحلّ للرجال» (1).
هكذا وردت الرواية في التهذيب (2)إلّا أنّ في نسخة الكافي ومن لا يحضره الفقيه إضافة كلمة (وفارقها) إلى السؤال ، وذلك بعد قوله (ففارقها) مباشرة (3). والظاهر أنّه هو الصحيح بل لا ينبغي الشكّ في سقوط هذه الكلمة من نسخة الشيخ (قدس سره) ، إذ مع عدم فرض مفارقة الأوّل لها أيضاً ، لا وجه لتوهّم تعدّد العدّة ووجوب عدّتين عليها ، كي يكون الإمام (عليه السلام) في مقام ردّ ذلك الزعم.
وعلى كل فالرواية وإن كانت معتبرة سنداً إلّا أنّها لا تصلح شاهداً لما ذكره الماتن (قدس سره) ، وذلك لكون موردها أجنبياً عن محل الكلام بالمرة ، حيث إنّها واردة في وطء ذات البعل شبهة ، فلا ترتبط بوطء المعتدّة عن طلاق أو وفاة أو غيرهما شبهة ومن هنا فلا مجال للاستشهاد بها لحمل الروايات الواردة في المقام على التقية.
(1) عن بعض أصحابه ، في امرأة نعي إليها زوجها فتزوجت ثم قدم زوجها الأوّل فطلّقها وطلّقها الآخر ، فقال إبراهيم النخعي : عليها أن تعتدّ عدّتين ، فحملها زرارة إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال : «عليها عدّة واحدة» (4).
إلّا أنّها مرسلة سنداً ، وفي دلالتها ما تقدم في صحيحة زرارة المتقدمة ، فلا تصلح شاهداً لحمل الأخبار في المقام على التقية.
ومن هنا يتضح أنّ ما ذكره (قدس سره) من حمل الأخبار الدالة على التعدّد على التقيّة لا وجه له ولا شاهد يعضده ، فالصحيح هو الالتزام بالتفصيل على ما ذكرناه.
.................................................................................................
هذا كلّه فيما إذا دخلت عدّة وطء الشبهة على عدّة الطلاق أو الوفاة. وأما لو انعكس الفرض بأن دخلت عدّة الطلاق أو الوفاة على عدّة وطء الشبهة ، بأن وطئت شبهة فاعتدّت ثم طلقها زوجها أو مات ، فمقتضى صحيحة زرارة المتقدمة هو التداخل في فرض الطلاق.
وأما فرض الموت بأن دخلت عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة ، فقد ورد في رواية جميل بن صالح أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال في أُختين أُهديتا لأخوين ، فأُدخلت امرأة هذا على هذا وامرأة هذا على هذا ، قال : «لكل واحدة منهما الصداق بالغشيان» إلى أن قال : قيل : فإن مات الزوجان وهما في العدّة؟ قال : «ترثانهما ولهما نصف المهر وعليهما العدّة بعد ما تفرغان من العدّة الأُولى تعتدّان عدّة المتوفى عنها زوجها» (1).
وهي كما تراها صريحة الدلالة في عدم التداخل في فرض دخول عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة ، ولزوم الاعتداد ثانياً بعد انتهائها من العدّة الأُولى.
إلّا أنّ الكلام في سندها ، فإنّ الكليني قد روى عين هذا المتن بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب ، عن جميل بن صالح ، عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2)وهكذا رواه الشيخ عن الكليني (قدس سره) (3).
وحيث لا يحتمل أن يكون جميل بن صالح قد رواه لحسن بن محبوب مرتين ، تارة رواه عن الإمام (عليه السلام) مباشرة ومن دون واسطة ، وأُخرى رواه بواسطة مجهولة ، فمن المطمأن به أن الصدوق (قدس سره) بروايته هذه (4)إنّما يشير إلى ما رواه الكليني (قدس سره) ، وإنّما حذف جملة : بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) لعمله (قدس سره) بمرسلات جميل بن صالح على ما هو مذهبه. ومن هنا فتكون هذه الرواية مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها.
ولو تنزّلنا عن هذا الاستظهار يكفينا التردّد والشكّ ، حيث لا يبقى معه وثوق بأنّ جميل بن صالح قد رواها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، لاحتمال صحة رواية
وعلى التعدّد يقدم ما تقدم سببه (1)(1) إلّا إذا كانت إحدى العدّتين بوضع الحمل ، فتقدم وإن كان سببها متأخراً ، لعدم إمكان التأخير حينئذ (2).
ولو كانت المتقدمة عدّة وطء الشبهة ، والمتأخرة عدّة الطلاق الرجعي ، فهل يجوز الرجوع قبل مجيء زمان عدّته؟ وهل ترث الزوج إذا مات قبله في زمان عدّة وطء الشبهة؟ وجهان ، بل قولان ، لا يخلو الأوّل منهما من قوة (3).
الكليني (قدس سره).
إذن فهذه الرواية لا تصلح لإثبات عدم التداخل في المقام ، وعليه فلا بدّ من الرجوع إلى القاعدة وقد عرفت أنها إنّما تقتضي التداخل.
وبالجملة : فالذي يتحصل مما تقدم كلّه أنّ مقتضى ملاحظة النصوص والقاعدة في المقام ، هو الالتزام بالتداخل في فروض ثلاثة من فروض المسألة الأربعة ، وهي ما لو دخلت عدّة وطء الشبهة على عدّة الطلاق ، أو دخلت عدّة الطلاق على عدّة وطء الشبهة ، أو دخلت عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة ، والالتزام في فرض واحد خاصّة هو دخول عدّة وطء الشبهة على عدّة الوفاة بعدم التداخل ولزوم التعدّد.
(1) أما تقديم عدّة الوفاة على عدّة وطء الشبهة فيما إذا دخلت الثانية على الاولى فقد صرح به في بعض من النصوص المتقدمة. وأما تقديم غيرها مما تقدم سببه ، فهو وإن لم يرد فيه نص إلّا أنّ الأمر فيه واضح ، فإنّ رفع اليد عن السبب الأوّل والانتقال إلى الثاني يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
وبعبارة اخرى : إنّ المرأة بالوطء شبهة تدخل في العدّة ، فيجب عليها عدّ الأيام المعلومة وإتمامها. ومن هنا فإذا فرض تحقق سبب آخر للاعتداد ، فرفع اليد عن العدّة الأُولى التي وجب عليها إتمامها يحتاج إلى الدليل ، وبدونه يكون ذلك مما لا مبرر له.
(2) فيكون عدم إمكان التأخير بعد فرض لزوم التعدّد بنفسه دليلاً على تقديم ما سببه متأخر ، وتأخير ما سببه مقدم.
(3) وهو بناءً على ما اخترناه في الطلاق الرجعي من أنّه لا يوجب البينونة بين
1) (*) قد عرفت أنّه لا تعدّد إلّا فيما إذا كان الوطء بشبهة في عدّة الوفاة ، ولا بدّ فيه من إتمام عدّة الوفاة أوّلاً ثمّ الاعتداد بعدّة الوطء بالشبهة.
ولو كانت المتأخرة عدّة الطلاق البائن ، فهل يجوز تزويج المطلق لها في زمان عدّة الوطء قبل مجيء زمان عدّة الطلاق؟ وجهان ، لا يبعد الجواز (1)(1) بناءً على أنّ الممنوع في عدّة وطء الشبهة وطء الزوج لها لا سائر الاستمتاعات بها كما هو الأظهر (2).
ولو قلنا بعدم جواز التزويج حينئذ للمطلق ، فيحتمل كونه موجباً للحرمة
الزوج وزوجته من حين إنشاء الطلاق ، وإنّما هي مشروطة بشرط متأخر هو انقضاء العدّة ، نظير ما يذكر في اشتراط القبض في بيع الصرف واضح ، فإنّها حينئذٍ زوجة حقيقة ، فله الرجوع قبل مجيء زمان عدتها ، كما ترثه لو مات في ذلك الوقت.
وأما بناءً على ما ذهب إليه المشهور من حصول البينونة بينهما من حين الإنشاء غاية الأمر أنّ للزوج الرجوع في زمان العدّة ، نظير حق الفسخ في المعاملات فقد يتخيّل أنّه ليس للزوج الرجوع ، وأنّ المرأة لا ترثه لو مات.
إلّا أنّه باطل ، وذلك أما بالنسبة إلى جواز الرجوع فالأمر واضح ، فإنّ موضوع جواز الرجوع في النصوص إنّما هو عنوان (ما لم تنقض العدّة) ومن الواضح أنّ هذا العنوان صادق عليها ، سواء أكانت في عدّة وطء الشبهة أم في عدّة الطلاق ، فإنّها لم تنقض عدّتها بل هي معتدّة من الطلاق بالفعل وإن كان زمانها متأخراً.
وأما بالنسبة إلى الإرث فالروايات وإن دلّ بعضها على أن الموضوع فيه هو (ما دامت في العدّة) ، ومن هنا فقد يقال بعدم إرثها لعدم تحقق الموضوع ، إلّا أنّ في قبال هذه النصوص جملة من الأخبار المعتبرة على أنّ الموضوع فيه هو (ما لم تنقض عدتها) وحيث إنّ هذا العنوان متحقق في حقها ، فإنه يصدق عليها أنها لم تنقض عدّتها على ما تقدم بيانه فلا بدّ من الحكم بإرثها منه لو مات في تلك الفترة.
ومنه يتضح اتحاد موضوع جواز الرجوع والإرث.
(1) بل هو بعيد على ما سيأتي توضيحه.
(2) والوجه فيه أنّ الاعتداد بالنسبة إلى غير الزوج إنّما هو عبارة عن التربص والترقب وزجر النفس عن التزويج ، ويترتب على ذلك عدم جواز استمتاع الرجل
1) (*) بل هو بعيد ، ولا يبعد جريان حكم التزويج في العدّة عليه.
.................................................................................................
بها بأي نحو من أنحاء الاستمتاعات ، باعتبار كونها أجنبية بالقياس إليه.
وأما بالنسبة إلى الزوج فليس الاعتداد بمعنى عدم التزويج منها فإنها زوجته حقيقة بحسب الفرض فلا معنى للنهي عن التزوج بها ، وإنّما هو بمعنى الامتناع عن وطئها ومقاربتها كما هو واضح. ومن هنا فإنّ الزوج إنّما هو ممنوع بمقتضى أدلة لزوم الاعتداد من الوطء شبهة من وطئها ، أما سائر الاستمتاعات فلم يدلّ أي دليل على منعه منها ، فيجوز له الاستمتاع بها بجميع أشكاله ما عدا الوطء.
وبالجملة فإنّ العدّة بالقياس إلى الزوج تختلف عنها بالقياس إلى غيره ، فإنها بالنسبة إليه إنّما هي بمعنى لزوم ترك وطئها في تلك الفترة خاصة ، في حين إنّ معناها بالنسبة إلى غيره هو التربص بنفسها في أيام معدودة والامتناع فيها عن التزوج ، الذي يكون من آثاره عدم جواز الاستمتاع بها في تلك الفترة.
وهذا هو المتفاهم عرفاً من كلمة العدّة ، ويمكن التمسك لإثبات ذلك بصحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها : «إنّما يستبرئ رحمها بثلاثة قروء وتحلّ للناس كلّهم». فإنّ من الواضح أنّ استبراء الرحم من ماء الواطئ شبهة إنّما يتحقق بترك وطئها خاصة ، وأما سائر الاستمتاعات فلا تأثير لها في استبراء الرحم وعدمه. ومن هنا فإذا فرضنا أنّ الزوج لم يطلقها ، كان الواجب عليه الامتناع عن وطئها خاصة في تلك الفترة ، وأما سائر الاستمتاعات فلا دليل على منعه منها.
والحاصل : أنّ الذي يمنع منه الزوج عند اعتداد زوجته من الوطء شبهة إنّما هو وطؤها خاصة ، وأما سائر الاستمتاعات الجنسية من النظر واللمس وغيرهما فلا.
لكن من غير الخفي أنّ هذا كلّه لا يصلح أساساً للحكم بالجواز في المقام ، فإنّ جواز النكاح لا يتوقف على إثبات جواز الاستمتاع بالزوجة في عدّة وطء الشبهة بحيث لو لم نقل بجواز الاستمتاع بها لكان الالتزام بعدم جواز التزوج منها متعيناً على ما هو ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) بل الزواج صحيح بناءً على الالتزام به للانصراف أو غيره ، سواء أقلنا بجواز الاستمتاع بها أم لم نقل ، فإنّ صحته لا تتوقف على جواز الاستمتاع ولو بغير الوطء.
ولو فرضنا أنّا تنزلنا وقلنا باعتبار جواز استمتاعه منها شيئاً ما ، فإنّما هو بالقياس إلى جميع الأزمنة لا زمان معيّن. وعليه فلا ينافي صحة النكاح عدم جواز استمتاعه
الأبديّة أيضاً ، لصدق التزويج في عدّة الغير. لكنه بعيد ، لانصراف أخبار التحريم المؤبد عن هذه الصورة (1).
هذا ولو كانت العدّتان لشخص واحد ، كما إذا طلق زوجته بائناً ، ثم وطئها شبهة في أثناء العدّة ، فلا ينبغي الإشكال في التداخل (2) وإن كان مقتضى إطلاق بعض العلماء التعدّد في هذه الصورة أيضاً.
[3720] مسألة 13 : لا إشكال في ثبوت مهر المثل (3) في الوطء بالشبهة
منها في فترة خاصة ، فإنّ الزواج أمر اعتباري أجنبي عن جواز الاستمتاع.
إذن فالمتحصل مما تقدم أنه لا وجه لبناء جواز النكاح ثبوتاً وعدماً على جواز الاستمتاع بها وعدمه ، كما هو ظاهر المتن.
(1) دعوى الانصراف هذه لا تخلو من مجازفة ، فإنّه لم يظهر لنا وجهه بعد أن كانت نصوص الحرمة الأبدية مطلقة ، فإنها بالطلاق البائن تصبح أجنبية على حد سائر الأجنبيات ، وحيث إنّها ذات عدّة فيكون التزوج منها مشمولاً لأحكام التزوج بذات العدّة ، لصدق العنوان عليه.
ولذا فلو فرض أنه لا عدّة عليها من الطلاق كما لو كانت غير مدخول بها لم يحتمل جواز التزوج بها في عدّة وطء الشبهة ، باعتبار انصراف الأخبار عما لو كانت مسبوقة بالزوجية ، فإنّ ذلك إنما يكشف عن عدم تمامية دعوى الانصراف.
والحاصل أنّه لا فرق في صدق التزوج بذات العدّة ، الموجب لترتب الأحكام الخاصة عليه في عدّة وطء الشبهة ، بين كونها مسبوقة بالزوجية وعدمه.
إذن فالصحيح في المقام هو الالتزام بعدم جواز التزوج منها حالها حال سائر ذوات العدّة.
(2) لكونه موافقاً للقاعدة على ما عرفت فيكون عدمه محتاجاً إلى الدليل. وعلى فرض تمامية الإجماع المدعى من قبل بعضهم على عدم التداخل في العدّتين ، فهو دليل لبّي يقتصر فيه على المورد المتيقن منه ، وهو ما إذا كانت العدّتان من شخصين.
(3) وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.
المجرّدة عن التزويج إذا كانت الموطوءة مشتبهة (1) وإن كان الواطئ عالماً. وأما إذا كان بالتزويج ،
ففي صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي ، قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل ، أعليه غسل؟ قال : «كان علي (عليه السلام) يقول : إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل». قال : «وكان علي (عليه السلام) يقول : كيف لا يوجب الغسل والحدّ يجب فيه؟ وقال : يجب عليه المهر والغسل» (1).
فإنّ هذه الصحيحة بإطلاقها قد دلّت على لزوم المهر عند التقاء الختانين كلزوم الغسل سواء أكانت المرأة مزوجة بحيث كانت الشبهة ناشئة من الزواج الفاسد في الواقع أم لم تكن. ولذا يجب المهر في غير مورد الشبهة أيضاً كما لو أكرهها على ذلك فإنّ ذلك موجب لثبوت المهر نظراً لعدم كونها زانية ، فيشملها إطلاق «يجب عليه المهر والغسل» عند التقاء الختانين.
وفي هذه الصورة لا ينبغي الشكّ في كون المهر إنّما هو مهر المثل ، إذ المفروض أنّ الوطء كان مجرداً عن التزويج ، ومعه فلا مسمّى في المقام كي يحتمل إرادته.
إلى غير ما هنالك من النصوص التي دلّت بأن لها المهر بما استحلّ من فرجها.
(1) وإلّا فهي زانية ولا مهر لها ، لكن لا لما ذكر في جملة من الكلمات من الاستشهاد بالكلمة بالمعروفة من (أنه لا مهر لبغي) فإنّ هذه الكلمة لم نعثر عليها في كتب أحاديثنا ، بل ذلك لما يستفاد من جملة من الروايات :
كالتي دلّت على أنّ مهر البغي من السحت (2).
والتي تضمّنت عدّ أُجور الفواجر ومهر البغي من أنواع السحت (3).
وما ورد في معتبرة علي بن أحمد بن أشيم ، قال : كتب إليه الريان بن شبيب يعني أبا الحسن (عليه السلام) - : الرجل يتزوج المرأة متعة بمهر إلى أجل معلوم وأعطاها
ففي ثبوت المسمّى أو مهر المثل قولان ، أقواهما الثاني (1). وإذا كان التزويج مجرّداً
بعض مهرها وأخّرته بالباقي ، ثم دخل بها وعلم بعد دخوله بها قبل أن يوفيها باقي مهرها أنها زوّجته نفسها ولها زوج مقيم معها ، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز؟ فكتب : «لا يعطيها شيئاً لأنها عصت اللّه عزّ وجلّ» (1).
وما ورد في معتبرة بريد العجلي ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فزفتها إليه أختها وكانت أكبر منها ، فأدخلت منزل زوجها ليلاً فعمدت إلى ثياب امرأته فنزعتها منها ولبستها ، ثم قعدت في حجلة أُختها ونحّت امرأته وأطفأت المصباح واستحيت الجارية أن تتكلّم ، فدخل الزوج الحجلة فواقعها وهو يظن أنها امرأته التي تزوجها ، فلما أن أصبح الرجل قامت إليه امرأته فقالت : أنا امرأتك فلانة التي تزوجت ، وإنّ أُختي مكرت بي فأخذت ثيابي فلبستها وقعدت في الحجلة ونحتني ، فنظر الرجل في ذلك فوجد كما ذكر؟ فقال : «أرى أن لا مهر للتي دلّست نفسها ، وأرى أنّ عليها الحد لما فعلت حد الزاني غير محصن ، ولا يقرب الزوج امرأته التي تزوج حتى تنقضي عدة التي دلست نفسها ، فإذا انقضت عدّتها ضم إليه امرأته» (2).
فإنّ هذه النصوص وغيرها إنّما تدلّ على أنّ الزانية لا تستحق شيئاً على الواطئ سواء أكان عالماً بالحال وزانياً أم لم يكن.
(1) والوجه فيه أنّ العقد لما كان فاسداً لم يكن موجباً لثبوت المسمى ، فإنّه إنّما يلزم على تقدير صحة العقد وإمضاء الشارع له ، وحيث أنّ المفروض عدمه فلا وجه لإلزام الواطئ به ، كما هو الحال في سائر العقود الفاسدة.
نعم ، يجب مهر المثل ، للأخبار الكثيرة جدّاً الدالة على أنّ لها المهر بما استحل من فرجها.
ودعوى أنّ الظاهر من هذه الأخبار هو ثبوت المسمى ، لانصرافه إليه.
عن الوطء فلا مهر أصلاً (1).
مدفوعة بأنّ المستفاد من تلك الأخبار أنّ الموجب لثبوت المهر إنّما هو استحلاله لفرجها دون العقد ، ومن هنا يكون وجود العقد وعدمه سيان ، ومعه فلا وجه للالتزام بثبوت المهر المسمى.
(1) وذلك لعدم الموجب له ، فإنّه إما هو العقد ، وإما هو الوطء. والأوّل فاسد والثاني منتفٍ بحسب الفرض.
نعم ، دلّت صحيحة عبد اللّه بن سنان أنّ لها في فرض عدم الدخول نصف المهر ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوج المرأة المطلقة قبل أن تنقضي عدّتها ، قال : «يفرق بينهما ولا تحلّ له أبداً ، ويكون لها صداقها بما استحل من فرجها أو نصفه إن لم يكن دخل بها» (1).
وهذه الرواية كان من الممكن المناقشة في سندها ، باعتبار أنّ من البعيد رواية أحمد ابن محمد بن عيسى عن النضر بن سويد مباشرة وبلا واسطة ، حيث لم ترد له رواية عنه في مجموع الكتب الأربعة ، لو لا ثبوت رواية واحدة له عنه في الكافي ، فإنّها هي التي تمنع من المناقشة في سند هذه. وبذلك فتكون هذه الرواية صحيحة سنداً ، مضافاً إلى وضوح دلالتها.
إلّا أنّها مبتلاة بالمعارض ، ففي صحيحة سليمان بن خالد ، قال : سألته عن رجل تزوج امرأة في عدتها ، قال : فقال : «يفرّق بينهما ، وإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويفرّق بينهما فلا تحلّ له أبداً. وإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها من مهرها» (2).
وفي صحيحة أبي بصير ، قال : سألته عن رجل يتزوج امرأة في عدّتها ويعطيها المهر ثم يفرّق بينهما قبل أن يدخل بها ، قال : «يرجع عليها بما أعطاها» (3).
وفي خبر علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)
[3721] مسألة 14 : مبدأ العدّة في وطء الشبهة المجرّدة عن التزويج حين الفراغ من الوطء (1). وأما إذا كان مع التزويج ، فهل هو كذلك ، أو من حين تبين الحال؟ وجهان ، والأحوط الثاني ، بل لعلّه الظاهر من الأخبار (1)(2).
أنه قال في رجل نكح امرأة وهي في عدّتها ، قال : «يفرّق بينهما ثم تقضي عدّتها ، فإن كان دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ويفرّق بينهما ، وإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها» (2).
فإنّ هاتين المعتبرتين وتؤيدهما الرواية تدلّان بكل صراحة ووضوح على عدم استحقاقها لشيء من المهر في فرض عدم الدخول. ومن هنا فإن قدمنا هاتين المعتبرتين على صحيحة عبد اللّه بن سنان ، نظراً للإعراض القطعي عنها حيث لا يوجد قول منّا باستحقاقها المهر في الفرض فهو ، وإلّا فمقتضى التعارض هو التساقط والرجوع إلى الأصل ، وهو يقتضي عدم استحقاقها شيئاً ، كما هو واضح.
(1) بلا خلاف فيه ، والوجه فيه ظاهر ، فإنّه هو السبب لثبوتها ، ومعه لا موجب للفصل بينها وبين زمان الفراغ منه.
(2) مطلقاً ، سواء أكان هنالك عقد فاسد أم لم يكن ، على ما استظهره بعضهم وهو الصحيح ، لو لا ما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام) : «إنّما يستبرئ رحمها بثلاثة قروء ، وتحلّ للناس كلّهم» فإنه كالصريح في كون مبدإ العدّة من حين الفراغ من الوطء مباشرة ، فإنه لو كان من حين تبين الحال لما كان للتحديد بثلاثة قروء بل لأصل الاستبراء فيما لو كان الفاصل بين الوطء وتبين الحال ثلاثة أشهر ، معنى أصلاً ، إذ معه لا احتمال لوجود ماء الواطي في رحمها كي يستبرأ منه.
والحاصل أنّ هذه الصحيحة ظاهرة في كون مبدإ العدّة من حين الفراغ من الوطء ، وبذلك تكون رافعة لظهور سائر الأخبار في كون مبدئها من حين تبين الحال مطلقاً.
[3722] مسألة 15 : إذا كانت الموطوءة بالشبهة عالمة بأن كان الاشتباه من طرف الوطي فقط فلا مهر لها إذا كانت حرّة ، إذْ «لا مهر لبغي» (1). ولو كانت أَمة ، ففي كون الحكم كذلك ، أو يثبت المهر لأنّه حق السيد ، وجهان ، لا يخلو الأوّل منهما من قوة (2).
(1) هذا النص وإن لم يثبت بعينه من الطرق الصحيحة ، إلّا أنّ مضمونه يستفاد من جملة من النصوص المعتبرة.
كمعتبرة بريد العجلي في الأُخت التي دلست نفسها وجلست مكان أُختها في الحجلة حتى دخل الزوج بها وهو لا يعلم ، حيث قال (عليه السلام) : «أرى أن لا مهر للتي دلّست نفسها» (1).
ومعتبرة علي بن أحمد بن أشيم في الرجل يتزوج المرأة متعة ثم ينكشف له أنّ لها زوجاً ، حيث حكم (عليه السلام) : «لا يعطيها شيئاً» (2).
والتي وردت في تزوج العبد من غير إذن مولاه (3). إلى غيرها من النصوص الدالة على المدّعى.
(2) الروايات المتقدمة وإن كانت كلّها واردة في الحرة ، إلّا أنّ النصوص المعتبرة لا تخلو مما يعمّ الإماء أيضاً ، كالتي دلّت على أنّ مهر البغي من السحت ، فإنّها تعم الإماء ولا تختص بالحرائر ، فإنّ كلمة المهر إنّما هي بمعنى الأُجرة على ما ورد التعبير به في عدّة من النصوص المعتبرة ، كالتي دلت على أنّه لا أجر للفواجر ، ومن الواضح أنّ الحرة والأَمة سواء من هذه الجهة.
وتسمية الحرة بالمهيرة ليست من جهة اختصاصها بالمهر دون غيرها ، بل إنّما هي باعتبار انحصار حلية وطئها بالزواج الذي لازمه المهر لا محالة ، بخلاف الأَمة حيث يحل وطؤها من دون المهر أيضاً كوطئها بالملك أو التحليل.
وهذا لا كلام فيه. إنّما الكلام في وجوب شيء على الفاعل للمالك بإزاء ما فوّته من
.................................................................................................
حقه واستوفاه من منافعه المملوكة له ، حيث قد يقال بوجوب عشر قيمتها إذا كانت بكراً ، ونصفه إذا كانت ثيباً. بدعوى أنّ الأَمة وإن كانت زانية باعتبار علمها إلّا أنّ علمها إنّما يؤثر في عدم استحقاقها للمهر خاصة ، ولا يؤثر في حقوق المولى شيئاً فلا يوجب فوات شيء من حقه ، بل على الواطئ تداركه بدفع العشر أو نصفه.
والكلام في هذه الدعوى يقع في مقامين :
الأوّل : ما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عن النصوص.
الثاني : ما تقتضيه النصوص.
أمّا المقام الأوّل : فمن غير الخفي أنّ مقتضى الأخبار المتقدمة هو عدم ترتب أي أثر على البغاء مطلقاً ، وإنّ ما يؤخذ بإزاء الزنا سحت لا يملكه الآخذ ولا يجوز له التصرف فيه ، من غير فرق بين الحرة والأَمة.
وما قيل من أنّ هذا التصرف تفويت لحق مالكها فيجب تداركه ، إنّما يتم فيما إذا كان للتصرف مالية وقيمة عند العقلاء وفي الشريعة المقدسة ، فإنّه يوجب الضمان لا محالة ، ولا يتم فيما لا مالية له شرعاً كما فيما نحن فيه ، إذ لا مالية للوطء بالزنا شرعاً كاللواط. فكما أنّه لا ضمان بإزاء وطء غلام المولى باعتبار أنّه لا مالية لمثل ذلك التصرف ، فكذلك لا ضمان فيما نحن فيه لعين الملاك.
وعليه فلا يضمن الواطئ شبهة للمولى بمقتضى القاعدة شيئاً ، كما هو الحال في سائر الاستمتاعات الجنسية من اللمس والتقبيل والتفخيذ وغيرها.
ولو تنزلنا وسلمنا كون الوطء من الأموال عند العقلاء ، فلا وجه لتخصيص الحكم بالضمان بصورة جهل الواطئ بل لا بدّ من الحكم به مطلقاً ، سواء أكان الواطئ عالماً أم كان جاهلاً ، نظراً لتفويته مال المالك على التقديرين ، والحال إنّه لم يلتزم به أحد من الفقهاء.
نعم ، لو كانت الجارية بكراً وافتضها استحق مولاها العشر ، لأن الافتضاض يوجب تعقيب الجارية ، وهو أمر آخر وبه ورد النص.
وأمّا المقام الثاني : فقد استدلّ لإثبات ضمان الواطئ بصحيحتين هما :
أوّلاً : صحيحة الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في رجل تزوج
.................................................................................................
امرأة حرة فوجدها أَمة قد دلست نفسها له ، قال : «إن كان الذي زوجها إياه من غير مواليها فالنكاح فاسد». قلت : فكيف يصنع بالمهر الذي أخذت منه؟ قال : «إن وجد مما أعطاها شيئاً فليأخذه ، وإن لم يجد شيئاً فلا شيء له ، وإن كان زوجها إيّاه وليّ لها ارتجع على وليها بما أخذت منه ولمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكراً ، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحلّ من فرجها» (1). فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) : «ولمواليها عليه عشر ثمنها ...» هو عدم الفرق بين كون المرأة زانية نظراً لعلمها بالحال ، أو كونها جاهلة.
ولكن للمناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة مجال واسع ، فإنّها أجنبية عن محل الكلام بالمرة ، إذ أنّ محل الكلام فيما إذا كان الوطء شبهة أي كان من غير استحقاق واقعاً ، فلا يرتبط بمورد الرواية الذي هو الوطء بعقد صحيح وعن استحقاق ، غاية الأمر أنّ للزوج حق الفسخ باعتبار أنّه قد تزوج بها بوصف كونها حرة وقد تخلّف.
والحاصل أنّ هذه الرواية أجنبية عن محل الكلام ، فلا مجال للاستدلال بها ، سواء أكان لها إطلاق يشمل العالمة أيضاً أم لم يكن.
ثانياً : صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فيمن أحلّ جاريته لأخيه حيث ورد فيها : قلت : أرأيت إن أحلّ له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها؟ قال : «لا ينبغي له ذلك». قلت : فإن فَعَل أيكون زانياً؟ قال : «لا ، ولكن يكون خائناً ، ويغرم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكراً ، وإن لم تكن فنصف عشر قيمتها» (2). فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين علم الأَمة بالحال وجهلها.
إلّا أنّ هذه الصحيحة كسابقتها أجنبية عن محلّ الكلام ، فإنّ كلامنا فيما إذا كانت الأَمة زانية ، وهذه التي هي موضوع النص ليست منها. فإنّها إن كانت جاهلة بالحال بحيث تخيلت أنّ مولاها قد حلل حتى وطْأها للغير ، فعدم كونها زانية واضح. وإن كانت عالمة غاية الأمر أنّها عصت وطاوعت الغير في الوطء فالأمر كذلك ، فإنها لا تعتبر زانية وإنّما تعتبر خائنة فقط. والسر في ذلك هو أنّ العمل الصادر منهما
[3723] مسألة 16 : لا يتعدّد المهر بتعدّد الوطء مع استمرار الاشتباه (1). نعم ، لو كان مع تعدّد الاشتباه تعدّد (2).
إنّما هو عمل واحد ، فإذا لم يعتبر هذا العمل بالنسبة للفاعل زنا كما هو صريح الصحيحة فلا مجال لاعتباره بالنسبة إليها زنا بل حالها كحاله ، فتكون خائنة كما اعتبر هو خائناً.
إذن فهذه الصحيحة واردة في فرض أجنبي عن محل كلامنا أعني كون المرأة زانية فلا مجال للاستدلال بها على المدعى.
وبالنتيجة فيتحصل مما تقدم أنّ الصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره) من عدم ثبوت شيء على الفاعل فيما إذا كانت الأَمة عالمة وزانية ، فإنّها حينئذٍ لا تستحق شيئاً على الإطلاق لا لها ولا لسيدها.
(1) إذ لم يثبت ولا في رواية واحدة كون العبرة والملاك في ثبوت المهر هو وحدة الوطء أو تعدّده ، بل الثابت هو كون العبرة في ثبوته طبيعي الوطء مع وحدة الاشتباه ، حيث لم يتعرض إلى وحدة الوطء أو تعدّده في شيء من النصوص ، بل المفروض في جملة من الروايات المعتبرة أنّ انكشاف الحال بعد تكرار الوطء وتعدّده ومع ذلك حكم (عليه السلام) أنّ عليه المهر الظاهر في الوحدة من دون إشارة إلى لزوم تعدّده.
كالمعتبرة الواردة فيمن تزوج امرأة نعي إليها زوجها ثم جاء زوجها ، حيث حكم (عليه السلام) بأنّه يفارقها ولا تحلّ له أبداً ، ويكون زوجها الأوّل أحقّ بها ، ولها على الثاني المهر بما استحل من فرجها (1). فإنّ حمل هذه المعتبرة على وحدة الوطء بحيث يفرض أن الزوج الثاني لم يطأها إلّا مرة واحدة بعيد غايته.
(2) وذلك لأصالة عدم التداخل بعد أن كان السبب متعدّداً ، فإن الوطء الثاني الناشئ من اشتباه مستقل عما أوجب الوطء الأوّل موضوع جديد لثبوت المهر ، ومعه فالقول بالاتحاد والتداخل يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 16 ح 6.
[3724] مسألة 17 : لا بأس بتزويج المرأة الزانية غير ذات البعل (1)(1) للزاني وغيره (2). والأحوط الأَولى (2)أن يكون بعد استبراء رحمها بحيضة من
(1) وفي حكمها ذات العدّة الرجعية ، إذ الزنا بها يوجب ثبوت الحرمة الأبدية أيضاً.
(2) ولا يخفى أنّ محل الكلام بينهم إنّما هو فيما قبل توبتها ، وإلّا فلا إشكال ولا خلاف بينهم في جواز التزويج بها حتى ولو كانت مشهورة ، فإنّها تخرج بذلك عن هذه الصفة الشنيعة على ما دلّ عليه قوله تعالى ( إِلّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (3)وجملة من الروايات المعتبرة التي يستفاد منها أنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له (4)، مضافاً إلى دلالة جملة من الروايات الصحيحة صريحاً على جواز التزوج حتى بالمشهورة في فرض التوبة (5).
وهذا كلّه مما لا خلاف فيه. وإنّما الخلاف في جواز التزوج قبل توبتها وعند اتصافها بكونها زانية ، فقد ذهب جماعة إلى الجواز مطلقاً من دون فرق بين المشهورة وغيرها ، وذهب آخرون إلى عدم الجواز كذلك ، في حين فصل ثالث بين المشهورة وغيرها فالتزم بالجواز في الثانية دون الأولى.
ولمعرفة الحق في المسألة لا بدّ من التكلّم في مقامين :
الأوّل : في دلالة قوله تعالى ( الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (6).
الثاني : في دلالة النصوص الواردة في المقام.
.................................................................................................
أمّا المقام الأوّل : فقد ادعي دلالة الآية المباركة على عدم جواز تزوج المؤمن من المشركة والزانية.
إلّا أن الإشكال عليه ظاهر ، ولا يكاد يخفى فإنّ هذه الآية الكريمة أجنبية عن محل الكلام ، ولا تصلح للاستدلال بها على المدعى.
والوجه في ذلك أنّ هذه الآية غير ناظرة إلى التزوج بالمرة ، وإنّ المراد بالنكاح فيها إنّما هو نفس الفعل أعني الوطء وبذلك فتكون هذه الآية بصدد الإخبار عن الأمر الواقع دون الإنشاء والتشريع ، كما يرشدنا إلى ذلك ورود هذه الآية بعد قوله تعالى ( الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ... (1)بلا فصل.
فإنّ الظاهر من ذلك بيان أنّ الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة ، وأنّ الزانية لا يزني بها إلّا زانٍ أو مشرك ، وأنّه لا بدّ في تحقق هذا الفعل الشنيع من شخصين من سنخ واحد ، بحيث لو لم يكن هنالك زانٍ لما تحقق الزنا من الزانية أو المشركة ، كما أنّه لو لم تكن هناك زانية أو مشركة لما تحقق الزنا من الزاني ، فإنّه فعل واحد لا يتحقق إلّا من شخصين من نمط واحد ، وبذلك فيكون مدلولها مدلول المثل المعروف (إنّ الطيور على أمثالها تقع).
ومما يدلنا على أنّ الآية المباركة ليست بصدد التشريع أُمور :
الأوّل : أنّ الآية المباركة تضمنت استثناء نكاح الزاني من المشركة ونكاح الزانية من المشرك ، والحال أنّ الزواج في هذين الموردين باطل بإجماع المسلمين.
إذن فلا معنى لحمل الآية الكريمة على التشريع ، إذ لا يصح استثناء الموردين من الحرمة.
الثاني : أنّ مقتضى حمل هذه الآية على التشريع هو اعتبار أنْ لا يكون الزوج زانياً في صحة الزواج ، وهو لا قائل به على الإطلاق. فإنّ ما وقع فيه النزاع إنّما هو اعتبار عدم كون الزوجة زانية ، أما اعتبار عدم كون الزوج زانياً فلا قائل به.
وبعبارة اخرى : إنّ محل النزاع بين الأصحاب إنّما هو اعتبار عدم الزنا في جانب
1) سورة النور 24 : 2.
.................................................................................................
الزوجة ، أما اعتباره في جانب الرجل فلا خلاف في عدمه ، والحال أنّ مقتضى الآية الكريمة بناء على حملها على التشريع ذلك.
الثالث : أنّ مقتضى الآية الكريمة بناء على كونها في مقام التشريع جواز تزوج الرجل الزاني من المرأة الزانية ، والحال أنّه بناءً على عدم جواز ذلك لا يفرق الحال بين كون الرجل زانياً وعدمه ، فيكشف ذلك عن عدم كون الآية المباركة في مقام التشريع.
ومن هنا يتضح أنّ ما ورد من النصوص في تفسير الآية الكريمة بالتزوج بالفواجر (1)لا بدّ من ردّ علمه إلى أهله ، فإنه غير قابل للتصديق على ما عرفت.
وأمّا المقام الثاني : فالنصوص الواردة في المقام على طوائف ثلاث :
الطائفة الأُولى : ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً ، سواء أكانت مشهورة أم غيرها وهي روايات عديدة :
منها : معتبرة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يحلّ له أن يتزوج امرأة كان يفجر بها ، قال : «إن آنس منها رشداً فنعم ، وإلّا فليراودها على الحرام فإن تابعته فهي عليه حرام ، وإن أبت فليتزوجها» (2).
فإنّها واضحة الدلالة على عدم الجواز وحرمتها في فرض إصرارها على الزنا وعدم توبتها.
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبد اللّه (عليها السلام) قال : «لو أنّ رجلاً فجر بامرأة ثم تابا فتزوجها لم يكن عليه شيء من ذلك» (3).
حيث تدلّ بمفهومها على الحرمة في فرض عدم توبتها ، وبما أن الرجل لا يشترط فيه ذلك إجماعاً فيحمل على الكراهة بالنسبة إليه ، ويبقى ظهورها في اشتراط توبة المرأة على حاله.
ومنها : معتبرة أبي بصير ، قال : سألته عن رجل فجر بامرأة ثم أراد بعد أن يتزوجها ،
.................................................................................................
فقال : «إذا تابت حلّ له نكاحها». قلت : كيف يعرف توبتها؟ قال : «يدعوها إلى ما كانا عليه من الحرام ، فإن امتنعت فاستغفرت ربّها عرف توبتها» (1).
ومنها : معتبرة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الخبيثة ، أتزوجها؟ قال : «لا» (2).
ومنها : رواية إسحاق بن جرير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها ، هل يحلّ له ذلك؟ قال : «نعم ، إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدّتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها ، وإنّما يجوز له أن يتزوجها بعد أن يقف على توبتها» (3).
وهذه الرواية وإن كانت دالّة على المنع مطلقاً ، إلّا أنّها ضعيفة السند بالإرسال فلا مجال للاعتماد عليها.
نعم ، قد رواها الشيخ (قدس سره) في التهذيب بسند صحيح ، إلّا أنّها لا تشتمل على الذيل ، أعني قوله : «وإنّما يجوز له أن يتزوجها بعد أن يقف على توبتها» (4)فلا تكون لها دلالة على المنع مطلقاً. وبهذا الذيل تختلف رواية الشيخ (قدس سره) عن رواية الكليني (5)(قدس سره) فإنّ الثانية مشتملة عليه بخلاف الاولى. ومن هنا فما ذكره صاحب الوسائل (قدس سره) من أنّ رواية الشيخ (قدس سره) مثل رواية الكليني (قدس سره) لا يخلو من مسامحة بل غرابة.
ثم إنّ صاحب الوسائل (قدس سره) قد روى هذه الرواية عن إسحاق بن حريز (6)ولكن الموجود في الكافي والتهذيب والذي رواه صاحب الوسائل نفسه في أبواب العدد هو إسحاق بن جرير (7)والظاهر أنّه هو الصحيح.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 11 ح 7.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 14 ح 3.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 11 ح 4.
4) التهذيب 7 : 327 / 1346.
5) الكافي 5 : 356.
6) المقصود به الطبعة القديمة من الوسائل.
7) الوسائل ، ج 22 كتاب النكاح ، أبواب العدد ، ب 44 ح 1.
.................................................................................................
والحاصل أنّ هذه الرواية بسندها الصحيح لا دلالة فيها على المدعى ، وإنّما هي من أدلة القول بالجواز مطلقاً ، وبمتنها الدال ضعيفة سنداً ، فلا مجال للاعتماد عليها كدليل للقول بالحرمة مطلقاً.
وأمّا الطائفة الثانية : وهي الدالة على الجواز مطلقاً ، فهي على قسمين :
الأوّل : ما يقبل التقييد ببعد التوبة.
الثاني : ما لا يقبل التقييد بما تقدم.
أما القسم الأوّل فهو روايات عديدة :
كمعتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها ، فقال : «حلال ، أوّله سفاح وآخره نكاح ، أوّله حرام وآخره حلال» (1).
وصحيحة إسحاق بن جرير المتقدمة ، بناء على ما رواه الشيخ (قدس سره).
ومعتبرة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «أيما رجل فجر بامرأة ثم بدا له أن يتزوجها حلالاً» قال : «أوّله سفاح وآخره نكاح ، ومثله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراماً ، ثم اشتراها بعد فكانت له حلالاً» (2).
فهذه الروايات كما تراها دالّة على الجواز مطلقاً ، إلّا أنّها لما كانت صالحة للتقييد لا تكون قابلة لمعارضة الطائفة الأُولى.
وأما القسم الثاني :
فكمعتبرة موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل أعجبته امرأة فسأل عنها فإذا النثاء عليها في شيء من الفجور ، فقال : «لا بأس بأن يتزوّجها ويحصنها» (3)
والنثاء : مثل الثناء ، إلّا أنّه في الخير والشر جميعاً ، والثناء في الخير خاصة ، راجع الصحاح 6 : 2501.
..................................................................................................
فإنّ تقييدها بالتوبة قبل الزواج بعيد جدّاً ، لا سيما بملاحظة قوله (عليه السلام) : «يتزوّجها ويحصنها» فإنه ظاهر بكل وضوح في عدم تحقق التوبة منها قبل الزواج وإنّما الإحصان يكون بعده.
وأوضح منها دلالة معتبرة علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) (1).
فإنّ الظاهر من الإجابة بالإثبات على التزوج بالفواسق هو جوازه في حال كونهن كذلك بالفعل ، ومن هنا فلا مجال لحملها على توبتهن قبل الزواج ، نظراً لكونه حملاً على خلاف الظاهر.
وصحيحة علي بن رئاب قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الفاجرة يتزوجها الرجل المسلم ، قال : «نعم ، وما يمنعه ، ولكن إذا فعل فليحصن بابه مخافة الولد» (2).
فإنّها ظاهرة الدلالة على كون التزوج في حال اتصاف المرأة بالفجور وتلبّسها بذلك الوصف.
ومعتبرة إسحاق بن جرير ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ عندنا بالكوفة امرأة معروفة بالفجور ، أيحلّ أن أتزوجها متعة؟ قال : فقال : «رفعت راية»؟ قلت : لا ، لو رفعت راية أخذها السلطان ، قال : «نعم ، تزوّجْها متعة» (3).
ودلالتها على الجواز مع كونها معروفة بالفجور واضحة ، وتقييد الجواز فيها بالمتعة إنّما هو لأجل كون السؤال عنها خاصة ، وإلّا فلا إشكال في عدم الفرق بينها وبين الزواج الدائم.
وهذا القسم كما تراه لا يقبل التقييد بتوبتها قبل الزواج ، إذن يقع التعارض بينه وبين الطائفة الأُولى التي دلّت على المنع مطلقاً.
وأما الطائفة الثالثة ، فهي ما تضمنت التفصيل بين المشهورة المعلنة بالزنا وغيرها فلا يجوز التزوج بالأُولى بخلاف الثانية.
.................................................................................................
كمعتبرة الحلبي ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنا ، ولا يتزوج الرجل المعلن بالزنا ، إلّا بعد أن تعرف منهما التوبة» (1).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على عدم جواز التزوج بالمرأة المعلنة بالزنا ، وكذلك التزوج من الرجل المعلن للزنا. وظاهر النهي وإن كان هو الحرمة إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور في جانب الرجل للجزم بعدم الحرمة فيه ، لكن ذلك لا يقتضي رفع اليد عن ظهور النهي في جانب المرأة فإنه لا مبرر له على الإطلاق. ومن هنا فلا بدّ من التفصيل والالتزام بالحرمة في التزوج بالمرأة المعلنة بالزنا والكراهة في التزوج من الرجل المعلن بالزنا.
ولما كانت النسبة بين هذه المعتبرة وبين ما دلّ من النصوص على الجواز مطلقاً هي نسبة الخاص إلى العام ، خصص عموم تلك الروايات بهذه المعتبرة ، وبذلك فينتج اختصاص الجواز بما إذا لم تكن المرأة معلنة بالزنا. وبهذا التخصيص تنقلب النسبة بين هذه الطائفة وبين الطائفة التي دلّت على المنع مطلقاً إلى العموم والخصوص بعد ما كانت التعارض ، فتخصصها لا محالة.
فيكون الحاصل من ذلك كلّه اختصاص الحرمة بما إذا كانت المرأة معلنة بالزنا ومشهورة بذلك ، واختصاص الجواز بغيرها.
هذا كلّه ، ولكن قد ورد في ذيل معتبرة إسحاق بن جرير المتقدمة ما يدلّ على الجواز حتى في فرض كون المرأة معلنة بالزنا ، حيث ورد فيها : ثم أصغى إلى بعض مواليه فأسرّ إليه شيئاً ، فلقيت مولاه فقلت له : ما قال لك؟ فقال : إنّما قال لي : «ولو رفعت راية ما كان عليه في تزويجها شيء ، إنّما يخرجها من حرام إلى حلال».
وبهذا فتكون هذه المعتبرة معارضة لمعتبرة الحلبي الدالة على عدم الجواز فيما إذا كانت معلنة بالزنا ، فتتساقطان لا محالة ، وحينئذ يتعيّن الرجوع إلى عمومات الحل وتكون نتيجة ذلك هو ما اختاره الماتن (قدس سره) من القول بالجواز مطلقاً.
إلّا أنّ هذا الذيل لا يمكن الاعتماد عليه ، نظراً إلى مجهولية بعض مواليه (عليه السلام) الذي يروي عنه الحلبي ، ومعه فلا مجال لقبول خبره.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 13 ح 1.
مائه أو ماء غيره (1) إن لم تكن حاملاً.
وبذلك فيكون الصحيح في المقام هو ما ذكرناه من التفصيل بين المشهورة فلا يجوز التزوّج منها ، وغيرها حيث لا مانع من العقد عليها. بل إنّ معتبرة جرير بعد رفع اليد عن ذيلها مشعرة بالتفصيل إنْ لم نقل بظهورها فيه ، فتكون مؤكدة لصحيح الحلبي الدالّ على عدم جواز التزوّج من المعلنة.
(1) ذهب إلى وجوب الاستبراء في المقام جماعة من الأصحاب ، لعدّة من الروايات التي دلّت على أنّه إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل والعدّة والمهر (1)فإنها تدل بإطلاقها على وجوب العدّة عند التقاء الختانين حتى ولو كان ذلك حراماً. وكذلك الحال فيما دلّ على أنّ العدّة إنّما هي من الماء (2)فإنّ مقتضى إطلاقها ثبوتها في حالة الزنا أيضاً.
إلّا أنّ الظاهر أنّ الأمر ليس كذلك. والوجه فيه ما ثبت من أنّ ماء الزاني لا حرمة له «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ولأجله لم يتوقّف أحد من الأصحاب في عدم لزوم الاستبراء على الزوج فيما إذا زنت زوجته ، على ما ورد التصريح به في معتبرة عباد بن صهيب أيضاً.
ومن هنا يتضح أنّه لا تجب العدّة في مورد الزنا ، وأنّ العدّة كالمهر في هذا المورد خارج عن تلك الروايات التي دلّت على لزومهما عند التقاء الختانين.
هذا كلّه بالنسبة إلى غير الزاني. أما بالنسبة إليه فقد ورد في موثقة إسحاق بن جرير التي تقدمت في الطائفة الأُولى وجوب الاستبراء عليه ، حيث قال (عليه السلام) : «نعم ، إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدّتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها». ولما كانت هذه الموثقة غير مبتلاة بالمعارض ، فلا محالة يتعيّن العمل بها والقول بلزوم الاستبراء عليه.
ولعلّ الفرق بين الزاني نفسه وغيره حيث يجب على الأوّل الاستبراء بخلاف
وأما الحامل فلا حاجة فيها إلى الاستبراء (1) بل يجوز تزويجها ووطؤها بلا فصل.
نعم ، الأحوط (1)ترك تزويج المشهورة بالزنا (2) إلّا بعد ظهور توبتها ، بل الأحوط ذلك بالنسبة إلى الزاني بها ، وأحوط من ذلك ترك تزويج الزانية مطلقاً (3) إلّا بعد توبتها. ويظهر ذلك بدعائها إلى الفجور ، فإن أبت ظهر توبتها (4).
الثاني ، يكمن في أنّ الزاني إذا كان غير من يريد التزوج بها فلا اشتباه في أمر الولد حيث إنه وإن كان يحتمل خلقه من ماء كل منهما إلّا أنّه لما لم يكن للعاهر غير الحجر فلا أثر للعدّة ، فإنّه يلحق الولد بالزوج بلا كلام. وهذا بخلاف ما لو كان من يريد التزوج منها هو الزوج نفسه ، حيث إنّ الولد ولده على كل تقدير ، غاية الأمر إنّه لا يعلم كونه من الحلال أو الحرام ، فيكون للاعتداد أثر واضح إذ بها يميز الحلال عن الحرام.
(1) جزماً حتى ولو كان مريد التزوج منها هو الزاني ، إذ لا يحتمل حينئذ أن يكون الولد ولده شرعاً بل هو من الزنا قطعاً ، فلا فائدة في الاعتداد.
وقد دلّ على ذلك بعض الروايات ، كرواية محمد بن الحسن القمي ، قال : كتب بعض أصحابنا على يدي إلى أبي جعفر (عليه السلام) : ما تقول في رجل فجر بامرأة فحبلت ، ثم إنّه تزوجها بعد الحمل فجاءت بولد وهو أشبه خلق اللّه به ، فكتب (عليه السلام) بخطه وخاتمه : «الولد لغية لا يورث» (2).
إلّا أنّها ضعيفة السند بمحمد بن الحسن القمي ، فلا مجال للاعتماد عليها. نعم لا بأس بجعلها مؤيدة للحكم.
(2) قد عرفت أنّه على نحو الوجوب ، حيث دلّت صحيحة الحلبي عليه صريحاً.
(3) نظراً إلى النصوص التي دلّت على المنع مطلقاً.
(4) على ما دلّت عليه معتبرة أبي بصير المتقدمة.
[3725] مسألة 18 : لا تحرم الزوجة على زوجها بزناها وإن كانت مصرّة (1) على ذلك ، ولا يجب عليه أن يطلِّقها (2).
(1) على ما هو المشهور والمعروف بين الفقهاء. ويقتضيه مضافاً إلى إطلاقات الحل ، كقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) (1)- ما ورد صحيحاً من أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» وصحيحة عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ، قال : «لا بأس أن يمسك الرجل امرأته إن رآها تزني إذا كانت تزني وإن لم يقم عليها الحدّ فليس عليه من إثمها شيء» (2).
نعم ، إنّها معارضة برواية أحمد بن محمد بن عيسى ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل تزوج المرأة متعة أياماً معلومة ، فتجيئه في بعض أيامها فتقول : إنّي قد بغيت قبل مجيء إليك بساعة أو بيوم ، هل له أن يطأها وقد أقرت له ببغيها؟ قال : «لا ينبغي له أن يطأها» (3).
إلّا أنّ هذه الرواية مرسلة ، فلا تصلح لمعارضة ما تقدم من الصحاح. على أنّه لو تمّ سندها فلا بدّ من حملها على الكراهة ، نظراً لصراحة صحيحة عباد في الجواز ، في حين إنّ كلمة «لا ينبغي» الواردة في هذه الرواية لا تعدو كونها ظاهرة في الحرمة. ومن الواضح أنّ مقتضى الصناعة عند تعارض النص والظاهر ، هو رفع اليد عن الثاني وحمله على بعض المحامل الذي هو الكراهة في مقام النهي.
(2) وذلك لصحيحة عباد بن صهيب المتقدمة. نعم ، قد ورد في بعض النصوص المعتبرة وجوب التفريق بينهما في حالة واحدة ، هي ما لو زنت المرأة بعد العقد عليها وقبل أن يدخل بها الزوج.
ففي معتبرة الفضل بن يونس ، قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها فزنت ، قال : «يفرق بينهما ، وتحدّ الحد
.................................................................................................
ولا صداق لها» (1).
وفي معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) ، قال : «قال علي (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها ، قال : يفرق بينهما ولا صداق لها ، لأنّ الحدث كان من قبلها» (2).
فإنّ كلمة «يفرق بينهما» ظاهرة على ما تقدم غير مرة في بطلان العقد السابق وفساده ، أو وجوب الطلاق على ما احتمله بعض. وعلى كلٍّ فهاتان المعتبرتان تدلّان على عدم بقاء العلقة الزوجية بين الزوجين ، فتكونان معارضتين لمعتبرة عباد بن صهيب في موردهما.
لكن هاتين المعتبرتين لا مجال للعمل بهما ، وذلك لا لإعراض المشهور عنهما إذ لم يعمل بمضمونهما أحد بل ولم ينقل القول به من أحد ، لأنّك قد عرفت منّا غير مرة أنّ إعراض المشهور لا يوجب الوهن في الحجية ، بل ذلك لمعارضتهما بروايتين معتبرتين أُخريين هما :
أوّلاً : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن المرأة تلد من الزنا ولا يعلم بذلك أحد إلّا وليها ، أيصلح له أن يزوجها ويسكت على ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفاً؟ فقال : «إن لم يذكر ذلك لزوجها ثم علم بعد ذلك ، فشاء أن يأخذ صداقها من وليّها بما دلّس عليه كان ذلك على وليها ، وكان الصداق الذي أخذت لها ، لا سبيل عليها فيه بما استحل من فرجها. وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» (3).
ومورد هذه الصحيحة وإن كان هو الزنا السابق على العقد إلّا أنّه لا يؤثر شيئاً ، فإنّ الزنا إذا كان موجباً لرفع العقد بعد وقوعه وتحققه ، فكونه دافعاً له ومانعاً من تحققه يثبت بالأولوية ، وعلى هذا تكون العبرة بزناها قبل أن يدخل الزوج بها وهو مشترك بين الموردين ، فتكون معارضة لهما لا محالة.
[3726] مسألة 19 : إذا زنى بذات بعل دواماً أو متعة حرمت عليه أبداً (1)(1) فلا يجوز له نكاحها بعد موت زوجها ، أو طلاقه لها ، أو انقضاء مدتها إذا كانت متعة.
ثانياً : رواية الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن أبان ، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فعلم بعد ما تزوجها أنها كانت قد زنت ، قال : «إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها ، ولها الصداق بما استحل من فرجها. وإن شاء تركها» (2).
وهذه الرواية من حيث الدلالة كسابقتها إلّا أنها من حيث السند ضعيفة ، فإنّ قاسماً الذي يروي عن أبان ابن عثمان مشترك بين الثقة وغيره ، فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة ، غير أنّ الشيخ الكليني (قدس سره) قد روى هذا المتن بعينه بسند صحيح عن معاوية بن وهب (3)، فمن هنا لا بأس بالاستدلال بها على المدعى.
إذن فيقع التعارض بين هاتين الطائفتين ، ونتيجة لذلك تتساقطان ، فيكون المرجع هو عمومات الحلّ لا محالة ، ومقتضى ذلك صحة العقد ونفوذه من دون أن يكون للزوج أي خيار ، على ما ذهب إليه المشهور.
(1) على ما هو المشهور بين الأصحاب. وقد توقف فيه المحقق (قدس سره) (4)والظاهر أنّه في محلّه ، لعدم تمامية شيء مما استدلّ به لمذهب المشهور ، فإنه قد استدلّ له بأُمور ثلاثة :
الأول : ما ذكره الشهيد (قدس سره) في المسالك من الأولوية القطعية (5). ببيان أنّ العقد على ذات البعل مع العلم إذا كان موجباً لثبوت الحرمة الأبدية ، فثبوتها في حال زنا الرجل مع العلم يكون بطريق أولى ، فإنّ الفعل أشد وأقوى من الإنشاء المجرد. وكذلك إذا كان الدخول بذات البعل مع العقد حتى مع الجهل موجباً للحرمة الأبدية
ولا فرق على الظاهر بين كونه
فثبوتها في حال الزنا يكون بطريق أولى.
وفيه : أنّ الأولوية المدعاة غير محرزة ولا سيما بعد ما كانت الأحكام تعبدية ، فإنّ كلّاً منهما موضوع مستقل ، ومن الممكن أن يكون للتزويج موضوعية في الحكم ، فلا مجال لإثبات حكمه في المقام.
الثاني : ما ورد في الفقه الرضوي : ومن زنى بذات بعل محصناً كان أو غير محصن ثم طلقها زوجها أو مات عنها ، وأراد الذي زنى بها أن يتزوج بها لم تحلّ له أبداً (1).
وفيه : ما مرّ منّا غير مرّة من أنّ الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن كونه حجّة.
الثالث : دعوى الإجماع. والأصل فيه ما ذكره السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار : إنّ مما انفردت به الإمامية القول بأنّ من زنى بامرأة ولها بعل حرم عليه نكاحها أبداً وإن فارقها زوجها ، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ، والحجة في ذلك إجماع الطائفة (2).
وفيه : أنّ الإجماع إنّما يكون حجة فيما إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، وحيث إنّ هذا ليس من ذلك القبيل ، نظراً إلى أنّ السيد (قدس سره) كثيراً ما يدعي الإجماع وهو غير ثابت ، بل لا قائل بما ادعى الإجماع عليه غيره ، فلا تفيد دعواه هذه الظن فضلاً عن العلم برأي المعصوم (عليه السلام) ، ومن ثم فلا يكون حجة.
ومما يؤيد ذلك أنّه (قدس سره) ذكر بعد دعواه الإجماع : أنّه قد ورد من طرق الشيعة في حظر من ذكرناه أخبار معروفة ، والحال إنّه لا أثر لذلك بالمرة ، حيث لم ترد ولا رواية ضعيفة تدلّ على مدعاه. فمع ذلك كيف يمكن قبول دعواه (قدس سره) الإجماع! والظاهر أنّ ما ذكره مبني على ما تخيّله من الدليل.
حال الزنا عالماً بأنها ذات بعل أو لا (1). كما لا فرق بين كونها حرّة أو أَمة ، وزوجها حرّا أو عبداً ، كبيراً أو صغيراً (2). ولا بين كونها مدخولاً بها من زوجها أو لا (1). ولا بين أن يكون ذلك بإجراء العقد عليها وعدمه (3) بعد فرض العلم بعدم صحة
(1) كأنه لإطلاق معقد الإجماع.
(2) إذ إنّ موضوع الحكم بناءً على الحرمة هو المرأة ذات البعل ، وهو صادق في جميع الفروض.
نعم ، يشكل الحكم فيما إذا كان الزاني صغيراً ، حيث إنّ عمدة الدليل على الحرمة هو الإجماع المدعى من قبل السيد (قدس سره) وهو دليل لبي ، فلا ينفع إطلاقه شيئاً بل لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقن ، وهو ما إذا كان الزاني كبيراً.
والحاصل أنّ الحكم بالحرمة الأبدية فيما إذا كان الزاني صغيراً مشكل جدّاً ، إذ يكفينا في عدم ثبوتها احتمال اختصاصها بما إذا كان الزاني كبيراً.
(3) وذلك لصدق الزنا بذات البعل ، كما هو واضح.
(4) الظاهر أنّ هذا التعميم في غير محلّه ، وذلك فلأن الحرمة في فرض العقد عليها مع العلم بكونها ذات البعل ، أو الجهل بذلك مع الدخول على ما هو مفروض المسألة ثابتة ، بدليل من تزوج بذات البعل عالماً أو جاهلاً وقد دخل بها حرمت عليه مؤبداً وقد تقدم البحث فيه مفصَّلاً فلا حاجة لإثبات الحرمة في هذا الفرض عن طريق تعميم حكم الزنا لصورة إجراء العقد عليها.
وبعبارة اخرى : إنّ التعميم في المقام إنّما هو بلحاظ ما إذا عقد عليها جاهلاً بكونها ذات بعل ، ثم علم بذلك ودخل بها. إذ لو تزوج بها عالماً بكونها ذات بعل ولو لم يدخل بها ، أو عقد عليها جاهلاً ودخل بها ، لم تكن الحرمة من قبل الزنا في شيء ، بل كانت الحرمة ثابتة بمقتضى ما تقدم من أنّ من موجباتها هو العقد على ذات البعل عالماً أو جاهلاً مع الدخول.
ومن هنا فحيث إنّ ما بلحاظه كان التعميم أعني صورة ما إذا عقد عليها جاهلاً ثم علم ودخل بها من مصاديق القسم الثاني ، حيث يصدق عليه أنه عقد على ذات
العقد. ولا بين أن تكون الزوجة مشتبهة أو زانية أو مكرهة (1).
نعم ، لو كانت هي الزانية ، وكان الواطئ مشتبهاً ، فالأقوى عدم الحرمة الأبدية (2).
ولا يلحق بذات البعل الأَمة المستفرشة ولا المحللة (3). نعم ، لو كانت الأَمة مزوجة فوطئها سيِّدها ، لم يبعد الحرمة الأبدية عليه (4) وإن كان لا يخلو عن إشكال.
البعل جاهلاً ودخل بها ، فالحرمة فيه ثابتة بهذا اللحاظ ، فلا حاجة للتعميم كي تثبت الحرمة عن طريق كونه من مصاديق الزنا بذات البعل.
(1) كل ذلك لصدق الزنا بذات البعل في هذه الفروض.
(2) لاختصاصها بالزنا بذات البعل ، وليس منه الوطء شبهة.
نعم ، قد استشكل في ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) ، بناءً على كون المدرك في الحرمة الأبدية هو الأولوية القطعية (1)، على ما ذكره الشهيد (قدس سره) في المسالك. فإنّه لو ثبتت الحرمة الأبدية عند العقد عليها مع علم المرأة حيث تقدم كفاية علم أحد الزوجين وإن كان الآخر جاهلاً فثبوتها في وطء الشبهة يكون بطريق أولى ، إذ إنّ الفعل أقوى وأشد من صرف الإنشاء.
وما ذكره (قدس سره) في محلّه ، غير أنّك قد عرفت منّا المناقشة في المبنى حيث لم نرتض الأولوية المدعاة.
(3) لاختصاص الحكم بالزنا بذات البعل ، ولا موجب للتعدي عنه إلى الزنا بغيرها.
(4) وكأنّه لإطلاق معقد الإجماع ، حيث لم يقيد بما إذا كان الزاني غير المولى. إلّا أنّ للإشكال فيه مجالاً واسعاً ، وذلك من جهتين :
الاولى : إنّ الإطلاق في معقد الإجماع لا أثر له ، إذ إنّ الإجماع دليل لبي وليس هو كالدليل اللفظي ، فلا مجال للتمسك بإطلاقه بل لا بدّ عند الشكّ من الأخذ بالقدر
1) الجواهر 29 : 446.
.................................................................................................
المتيقن ، لعدم إحراز رأي المعصوم (عليه السلام) فيما زاد عنه ، وحيث إنّ الظاهر من الزنا بذات البعل هو فعل الأجنبي فلا يشمل الحكم زنا المولى ، ويكفينا في ذلك الشكّ.
الثانية : إنّ صدق الزنا على فعل المولى مشكل ، وذلك فلأن الزنا بحسب ما فسره الأعلام إنّما هو الوطء المحرم بالأصالة ، وحيث إنّ حرمة وطء المولى في المقام عرضية إذ المقتضي للجواز موجود ، فإنّ الأَمة أَمته ؛ غاية الأمر أنّه يحرم عليه وطؤها نظراً لكونها مزوجة من الغير ، فلا يصدق على فعله عنوان الزنا.
ومما يؤيد ذلك أنّه يجوز للمولى النظر إلى جميع بدن أَمته الزوجة باستثناء ما بين السرة والركبة على ما دلّت عليه معتبرة الحسين بن علوان (1)فإنّ هذا يكشف عن أنّ حال الأَمة بالنسبة إلى المولى ليس كحال الأجنبية إلى الأجنبي.
والحاصل أنّ صدق الزنا على وطء المولى ، بحسب ما ذكره الأعلام في تفسيره مشكل جدّاً.
نعم ، قد وردت في المقام روايتان تدلّان على أنّ المولى إذا وطئ أَمته المزوجة من الغير حدّ لذلك.
أُولاهما : ما ذكره في المقنع ، قال : روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي برجل زوّج جاريته مملوكه ثم وطئها فضربه الحدّ (2).
وهذه الرواية وإن كانت ظاهرة في أنّ المولى يحدّ حد الزنا إذا وطئ أَمته المزوجة من الغير نظراً لظهور الألف واللّام في كلمة «الحد» في العهد ، فيكون المعنى أنّه يحد الحد المعهود ، ومن الواضح أنّ الحد المعهود في المقام إنّما هو حدّ الزنا إلّا أنّها مرسلة فلا مجال للاعتماد عليها.
ثانيتهما : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل زوّج أَمته رجلاً ثم وقع عليها ، قال : «يضرب الحدّ» (3).
ولو كان الواطئ مكرهاً على الزنا ، فالظاهر لحوق الحكم (1) وإن كان لا يخلو عن إشكال أيضاً (2).
[3727] مسألة 20 : إذا زنى بامرأة في العدّة الرجعية حرمت عليه أبداً (1)(3) دون البائنة ، وعدّة الوفاة ، وعدّة المتعة ، والوطء بالشبهة ، والفسخ (4).
وهذه الرواية مضافاً إلى وضوح دلالتها معتبرة سنداً ، ولأجلها يشكل دعوى عدم صدق الزنا على فعل المولى هذا ، وإن كان الإشكال في حدّ ذاته مع قطع النظر عن هذا النص وارداً.
إذن فيقتصر في الإشكال على ما ذكره الماتن (قدس سره) من ثبوت الحرمة الأبدية بوطء المولى أَمته المزوّجة من الغير على الجهة الأُولى خاصة.
(1) والظاهر أنّه لإطلاق معقد الإجماع أيضاً.
(2) ومنشأه :
أوّلاً : الخدشة في أصل التمسك بالإطلاق في المقام ، نظراً لكون الإجماع دليلاً لبياً.
ثانياً : أنّ المحتمل قوياً بل من المطمأنِّ به كون الحرمة الأبدية عقوبة للفاعل ، وحيث إنّ المكره لا يستحق العقوبة نظراً لعدم الإرادة والإكراه ، فلا مجال للقول بثبوتها في المقام.
ثالثاً : أنّ الإكراه لما كان يقتضي رفع الآثار المترتبة على الفعل المكره عليه على ما دلّ عليه حديث الرفع وكانت الحرمة الأبدية من آثار الفعل المكره عليه ، فهي ترتفع بمقتضى حديث الرفع.
إذن فلا وجه للقول بثبوت الحرمة الأبدية فيما لو كان الواطئ مكرهاً على الزنا.
(3) وذلك لما تقدم غير مرة من أنّ المعتدّة بالعدّة الرجعية زوجة حقيقة ، فيترتب على الزنا بها جميع الأحكام المترتبة على الزنا بذات البعل حرفاً بحرف.
(4) كلّ ذلك لعدم شمول معقد الإجماع أو ما ذكر في الفقه الرضوي لها ، فتكون
1) (*) على الأحوط.
ولو شكّ في كونها في العدة أو لا ، أو في العدّة الرجعية أو البائنة ، فلا حرمة ما دام باقياً على الشكّ (1).
مشمولة لأدلّة الحلّ لا محالة.
نعم ، لصاحب الرياض (قدس سره) كلام في المقام حاصله : أنّ دليل الحرمة في الزنا بذات البعل إذا كان هو الأولوية القطعية ، لم يكن هناك محيص عن الالتزام بثبوتها في المقام أيضاً. وذلك فلأنّ مجرد العقد على ذات العدّة غير الرجعية مع العلم إذا كان موجباً لثبوت الحرمة الأبدية ، فثبوتها بالزنا بها يكون بطريق أولى قطعاً (1).
وما أفاده (قدس سره) صحيح ومتين في حدّ نفسه ، إلّا أنّك قد عرفت منّا المناقشة في أصل المبنى.
(1) ومستند الحكم ليس هو أصالة الحل ، إذ الكلام ليس في الحلية التكليفية كي يتمسك لإثباتها بها ، وإنّما الكلام في الحلية الوضعية بمعنى صحة العقد وترتب الأثر عليه ، وفيها لا مجال للتمسك بأصالة الحلّ ، كما هو واضح.
كما أنّ المستند ليس هو التمسك بعمومات الحلّ ، فإنّ الشبهة في المقام مصداقية ، باعتبار أنها ناشئة من الشكّ في كون المرأة من مصاديق العام أو الخاص ، ولا مجال فيها للتمسك بالعام.
وإنّما المستند هو الأُصول. ومن هنا فإن كان هناك أصل ينقح الموضوع ، كما لو كانت المرأة في العدّة الرجعية ثم شككنا في خروجها منها للشكّ في زمان وقوع الطلاق أو مضي الأقراء ، أو كان الشكّ في كون عدّتها رجعية أو بائنة للشكّ في كون طلاقها الثالث أو ما دونه ، كان مقتضى الاستصحاب الموضوعي في الفرض الأوّل هو بقاءها في العدّة وبه تثبت الحرمة بناءً على القول بها لا محالة ، كما أنّ مقتضى أصالة عدم كون الطلاق طلاقاً ثالثاً هو الحكم بكون العدّة رجعية فيجري عليها حكمها.
وإن لم يكن هناك أصل موضوعي ، فيما أنّ اعتداد المرأة بالعدّة الرجعية أمر حادث ومسبوق بالعدم ، فلا مانع من استصحاب عدمه ، ونتيجة لذلك فلا يترتب على الزنا بها حكم الزنا بذات العدّة الرجعية.
1) رياض المسائل 2 : 85.
نعم ، لو علم كونها في عدّة رجعية ، وشكّ في انقضائها وعدمه ، فالظاهر الحرمة (1) وخصوصاً إذا أخبرت هي بعدم الانقضاء.
ولا فرق بين أن يكون الزنا في القُبل أو الدّبر (2). وكذا في المسألة السابقة.
[3728] مسألة 21 : من لاط بغلام فأوقب ولو بعض (3) الحشفة (1)حرمت عليه امّه أبداً وإن علت ، وبنته وإن نزلت ، وأُخته (4) من غير فرق بين كونهما
(1) لاستصحاب بقائها في العدّة ، كما تقدم.
(2) وذلك لصدق الزنا على كل منهما بنحو واحد ، لأنّه على ما عرفت عبارة عن الوطء من غير استحقاق بالأصالة ، وهو صادق على الوطء في الدبر على حدّ صدقه على الوطء في القبل.
(3) وهو مشكل. فإنّ النصوص المعتبرة الواردة في المقام على ما سيأتي بيانها إنّما تضمنت عنوان الثقب ، وهو لا يتحقق بإدخال تمام الحشفة خاصّة فضلاً عن إدخال بعضها ، وذلك لأن الثقب إنّما هو عبارة عن إيجاد الفرجة في الشيء ، فلا يصدق إلّا بإدخال تمام الذكر أو ما قاربه.
نعم ، لما كان إدخال تمام الحشفة موجباً لثبوت الحرمة قطعاً ، لم يكن لنا محيص عن الالتزام بها. وأما إيجاب إدخال بعضها للحرمة فمشكل جدّاً ، ولا سيما إنّ مقتضى عمومات الحل هو الجواز.
نعم ، لو كان المستند في المقام هو مراسيل ابن أبي عمير وغيرها مما لا مجال للاعتماد عليها سنداً ، كان الالتزام بكفاية إدخال بعض الحشفة في ثبوت الحرمة في محلّه ، إذ أنها تتضمن ترتيب الحرمة على الإيقاب وهو صادق على إدخال بعضها.
(4) استدلّ لذلك في كلماتهم بعدة روايات إلّا أنّ أكثرها ضعيفة السند بالإرسال فلا مجال للاعتماد عليها وإن كان مرسلها ابن أبي عمير وأضرابه. نعم ، وردت في المقام روايتان معتبرتان :
1 - معتبرة حماد بن عثمان ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل أتى غلاماً
1) (*) الحكم بالحرمة في هذه الصورة مبنيّ على الاحتياط.
كبيرين أو صغيرين (1)(1) أو مختلفين.
أتحل له أُخته؟ قال : فقال : «إن كان ثقب فلا» (2).
2 - معتبرة إبراهيم بن عمر (عثمان) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل لعب بغلام ، هل تحل له امه؟ قال : «إن كان ثقب فلا» (3).
وهذه الرواية وإن كانت مروية بطريق الشيخ (قدس سره) بإسناده إلى علي بن الحسن بن فضال وكان الطريق ضعيفاً إلّا أنّها معتبرة ، نظراً إلى أنّ الشيخ (قدس سره) إنّما تلقى كتاب ابن فضال مع النجاشي عن شيخهما ابن عبدون وطريقه هذا ضعيف أيضاً ، إلّا أنّه بعد أن يذكر طريقه هذا يذكر أنّ له إلى هذا الكتاب طريقاً آخر معتبراً وهو ما تلقاه عن شيخه محمد بن جعفر (4).
وحيث إنّ من غير المحتمل أن يكون ما تلقاه الشيخ (قدس سره) من ابن عبدون مختلفاً عما تلقاه النجاشي (قدس سره) منه ، كان وجود طريق معتبر للنجاشي إلى كتاب ابن فضال كافياً في الحكم بصحة ما يرويه الشيخ (قدس سره) عن كتاب ابن فضال. وباقي رجال السند ثقات ، فإنّ إبراهيم بن عمر المذكور في السند هو اليماني الثقة ، وإبراهيم بن عثمان المذكور في نسخة اخرى هو أبو أيوب الخزاز الثقة أيضاً.
وعليه فالرواية معتبرة.
ثم لا يخفى أنّ هاتين المعتبرتين إنّما تكفلتا بيان حرمة أُم الموطوء وأُخته من غير تعرض لحرمة بنته ، إلّا أنّه لا ينبغي الإشكال في حرمتها أيضاً نظراً للأولوية القطعية ، حيث إنّها أقرب نسباً من الأُخت ، ولعدم القول بالفصل ، ويؤيد ما تضمنته عدّة مراسيل من الحكم بحرمتها أيضاً.
(1) الظاهر اختصاص الحكم بما إذا كان الواطئ كبيراً والموطوء صغيراً ، وذلك لأخذ عنوان الرجل في الواطئ وعنوان الغلام في الموطوء في الروايات الواردة في
ولا تحرم على الموطوء أُمّ الواطئ وبنته وأُخته على الأقوى (1).
ولو كان الموطوء خنثى حرمت أُمّها وبنتها على الواطئ ، لأنّه إمّا لواط أو زنا وهو محرم (2)
المقام ، ولا سيما المعتبرتين اللتين كانتا هما العمدة في القول بالحرمة. وحيث إنّ من الواضح أنّ عنوان الرجل لا يصدق على غير البالغ ، كما أنّ عنوان الغلام غير صادق على من بلغ من العمر ثلاثين سنة أو ما قاربها ، فلا مجال للقول بثبوتها عند وطء غير البالغ للبالغ ، بل في مطلق فرض كون الواطئ غير رجل أو الموطوء غير غلام.
ودعوى أنّ المراد من الرجل إنّما هو مطلق الذكر ، وإنّما ذكر هذا العنوان في النصوص نظراً لغلبته في جانب الواطئ ، وكذا الحال في جانب الغلام.
غير مسموعة بعد ما كان الحكم على خلاف القاعدة ، ولم يثبت إجماع على ثبوت الحرمة حتى في فرض كون الواطئ صغيراً والموطوء كبيراً ، إذن فلا بدّ من مراعاة تحقق العنوان في الحكم بالحرمة اقتصاراً على موضع النص ، والرجوع في غيره إلى عمومات الحلّ.
(1) لاختصاص النصوص بالواطئ ، فإثبات حكمه لغيره قياس. واحتمال رجوع الضمير في النصوص إلى الفاعل والمفعول معاً بحيث يكون معناها (حرِّمت على كل منهما أُم الآخر وأُخته) بعيد جدّاً ، بل لا مجال للمصير إليه بعد ما كان السؤال عن الرجل اللّاعب بالغلام ، فيكون الحكم مختصاً به لا محالة.
(2) سيأتي منّا عند تعرض الماتن (قدس سره) لهذه المسألة أنّ الزنا بالمرأة لا يوجب تحريم أُمها وبنتها إلّا في الخالة والعمة. وعليه فلا مجال لإثبات الحرمة في وطء الخنثى كما هو الحال فيما إذا كان الخنثى هو الواطئ ، وذلك لعدم إحراز ذكوريته فلا يحرز صدق اللواط على الفعل الذي صدر منه أو الذي وقع عليه.
نعم ، لو التزمنا بثبوت الحرمة بسبب الزنا بالمرأة حرمت على الواطئ أُم الموطوء بلا كلام ، إذ أنّها محرمة سواء أكان الفعل لواطاً أم كان زنا.
وأما حرمة البنت فقد يقال بعدم ثبوتها ، نظراً لعدم حصول العلم بالتحريم. وذلك لأنّ البنت التي تحرم باللواط إنّما هي التي تتولد من ماء الموطوء ، في حين إنّ البنت
إذا كان سابقاً كما مرّ (1)(1).
والأحوط حرمة المذكورات على الواطئ وإن كان ذلك بعد التزويج (2)
التي تحرم بالزنا إنّما هي التي تولدها الموطوءة من ماء غيره. إذن فلا تحرم البنت المولودة من ماء الخنثى لعدم إحراز كونها بنتاً للملوط به ، كما لا تحرم بنتها المولودة من ماء الغير لعدم إحراز كونها بنتاً للمرأة المزني بها.
نعم ، لو جمع الواطئ بينهما ثبتت الحرمة من جهة العلم الإجمالي.
إلّا أنّه مدفوع بأنّ مقتضى إطلاق دليل حرمة بنت الملوط به هو حرمتها مطلقاً حتى ولو كان الموطوء قد حمل بها من ماء غيره. وإن كان هذا الفرض لا تحقق له في الخارج ، إلّا في الخنثى المشكل التي تحمل من الغير وتحمل امرأة أُخرى منه ، إلّا أنّ ندرة الفرض لا تمنع من شمول إطلاق الدليل له ، ولا مقتضي لتقييده بما إذا كانت البنت مخلوقة من ماء الموطوء.
وعلى هذا فتحرم بنت الخنثى على الواطئ بالعلم التفصيلي ، إما لكونها بنت الملوط به ، أو كونها بنت المزني بها.
(1) وهو من سهو القلم ، والصحيح كما يأتي.
(2) الكلام في هذا الفرع يقع في مقامين :
الأوّل : في اقتضاء هذا الفعل الشنيع لرفع الحلية الفعلية وعدمه.
الثاني : في اقتضائه لرفع الحلية الشأنية الثابتة بأصل الشرع وعدمه.
أما المقام الأوّل : فلا يخفى أنّ الفرض وإن كان مشمولاً لإطلاق الحكم بالحرمة في النصوص ، إلّا أنّ هذا الإطلاق مقيد بما دلّ على أنّ الحرام لا يفسد الحلال. ففي معتبرة سعيد بن يسار : «إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (2)ومثله معتبرة هشام بن المثنى (3).
1) (*) هذا من سهو القلم والصحيح «كما يأتي» ، ثمّ إنّه يأتي ما هو المختار من أنّ الزنا بالمرأة لا يوجب تحريم أُمّها وبنتها إلّا في الخالة والعمّة ، وعليه فلا تحرم أُمّ الخنثى وبنتها على الواطئ لعدم إحراز كونه ذكراً.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 6.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 10.
.................................................................................................
فإنّ الظاهر من عدم الإفساد إنّما هو عدم ارتفاع الحلية الفعلية ، فيكون مقتضاه أنّ اللواط الواقع زمان كون المرأة زوجة لهذا الرجل وحلالاً له ، لا يوجب حرمتها عليه بالفعل وارتفاع الحلية الفعلية من حين وقوع العمل الشنيع.
وبعبارة اخرى نقول : إنّ أدلة حرمة المذكورات وإن كانت مخصصة لما دلّ على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» فكأنّ مقتضاه ثبوت الحرمة وارتفاع الحلية الفعلية بمقتضى الإطلاق في مفروض المسألة ، إلّا أنّ هذا الإطلاق غير سليم عن المعارض والمقيد ، إذ قد دلّت المعتبرتان اللتان تقدم ذكرهما على عدم ارتفاع الحلية الفعلية نتيجة لهذا الفعل الشنيع ، ومن هنا فلا محيص عن تقييد ذلك الإطلاق بهما والالتزام بعدم ارتفاع الحلية الثابتة بالفعل.
هذا ولكن قد وردت في المقام رواية تدلّ على ارتفاع الحلية الفعلية إذا ما لاط الرجل بأخي زوجته ، وهذه الرواية هي رواية ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يأتي أخا امرأته ، فقال : «إذا أوقبه حرمت عليه المرأة» (1).
ودلالتها واضحة ، إذ إنّها ظاهرة في كون الفعل في زمان كون المرأة زوجة للرجل واتصافها بذلك ، وقد حكم فيه الإمام (عليه السلام) بارتفاع الحلية الفعلية ، ومن هنا يظهر فساد حمل المرأة على كونها زوجة له في السابق.
نعم ، هذه الرواية نظراً لضعف سندها بالإرسال لا يمكن الاعتماد عليها ، وبذلك فتكون النتيجة هو ما اخترناه من عدم ارتفاع الحلية الفعلية.
وأمّا المقام الثاني : أعني اقتضاء اللواط بعد التزويج لرفع الحلية الشأنية ، بحيث لا يكون للزوج التزوج منها ثانياً فيما لو طلقها بعد الفعل ، وعدمه فقد ذهب جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره) إلى الثاني ، محتجاً باستصحاب الجواز (2).
والظاهر أنّ مراده (قدس سره) من الاستصحاب إنّما هو الاستصحاب التعليقي
خصوصاً إذا طلّقها (1)وأراد تزويجها جديداً (1).
ببيان أنّ للزوج قبل أن يرتكب هذا الفعل أن يطلق زوجته ثم يتزوج بها ثانياً ، فإذا ارتكب ذلك وشكّ في بقاء الجواز وعدمه ، كان مقتضى استصحاب الجواز الثابت قبل الفعل هو الحكم بالجواز بعد الفعل أيضاً.
إلّا أنّ ما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأنّا لا نقول بحجية الاستصحاب التعليقي ، على ما تقدم بيانه في المباحث الأُصولية مفصلاً.
على أنّه لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بحجية الاستصحاب التعليقي فلا مجال للتمسك به في المقام ، وذلك لوجود الدليل على ارتفاع الحلية ، إلا وهو إطلاق ما دلّ على ثبوت الحرمة بمجرد صدور هذا العمل الشنيع ، فإنّ مقتضاه ارتفاع الحلية مطلقاً الفعلية والشأنية غير أنّا قد رفعنا اليد عنه في الأوّل نظراً لوجود الدليل الدال على عدم ارتفاعها ، فبقي الإطلاق في الثاني محكماً إذ ليس في قباله شيء يعارضه ، سوى ما يتوهّم من قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» إلّا أنّك قد عرفت أنّه مخصص بمعتبرتي حماد بن عثمان وإبراهيم بن عمر ، الدالتين على ثبوت الحرمة في الفرض.
إذن فلا محيص من الالتزام بإيجاب اللواط للحرمة ، ورفع الحلية الشأنية الثابتة بأصل الشرع في المقام لا محالة.
والحاصل أنّه لا بدّ من التفصيل في المقام بين الحلية الفعلية والحلية الشأنية ، حيث لا ترتفع الاولى نتيجة للواط الزوج بأخي امرأته أو ابنها ، في حين ترتفع الثانية بذلك.
(1) وقد تقدم بيانه في المقام الثاني من التعليقة السابقة ، حيث عرفت أنّ لواط الزوج في أثناء الزوجية موجب لارتفاع الحلية الشأنية.
وأوضح من هذا الفرض حكماً ما لو وقع اللواط بعد الطلاق أيضاً ، حيث يحكم بالحرمة فليس له أن يتزوج بها ثانياً بلا كلام.
والوجه فيه ظاهر ، فإنّ التزويج السابق الذي كان حلالاً قد مضى وقته ولا أثر له
1) (*) لا بأس بترك الاحتياط في غير هذه الصورة.
والأُم الرضاعية كالنسبية ، وكذلك الأُخت والبنت (1).
والظاهر (1)عدم الفرق في الوطء (2) بين أن يكون عن علم وعمد واختيار أو مع
فعلاً ، وأما بعد ذلك فلا بدّ من حلية جديدة وهي غير ثابتة ، لحرمة المرأة عليه نظراً لإطلاق الدليل ، حيث لم يفرض فيه أنّ المرأة لم تكن له حلالاً في السابق.
والظاهر أنّ الحكم مما لا خلاف فيه ، فيكون هذا الإطلاق مخصصاً لقولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال».
(1) بلا خلاف في ذلك إلّا ما نسب إلى العلّامة (قدس سره) في القواعد من الاستشكال فيه (2)بدعوى ظهور الروايات في النسبية.
غير أنّه غريب منه (قدس سره) ، إذ لا ينبغي الإشكال في إرادة النسبية من النصوص ، وإنّما الحكم بحرمة الرضاعية لأجل ما دلّ على أنّه «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فإنّ هذه الأدلة حاكمة على ما تقدمت ، حيث تنزل الام الرضاعية بمنزلة الأُم النسبية ، فيثبت لها ما ثبت للنسبية.
والحاصل أنّ الحكم بحرمة الرضاعية ليس من جهة شمول أدلة التحريم لها مباشرة كي يرد ما ذكره (قدس سره) ، وإنّما هو من جهة التنزيل الثابت بأدلته.
(2) وكأنّ الوجه في ذلك هو التمسك بإطلاق دليل الحرمة ، حيث لم يقيد بالعلم والعمد والاختيار.
إلّا أنّ للمناقشة فيه مجالاً واسعاً ، وذلك فإنّ ظاهر التعبير ب- «اللعب» و «العبث» المذكور في النصوص هو صدور الفعل عن علم منه ، بحيث يكون على علم بأنّ من يلعب به غلام ومع ذلك يرتكب الفعل الشنيع ، وإلّا فلا يصدق عليه اللعب بالغلام.
على أنّا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بصدق اللعب حتى مع الجهل والاشتباه ، يكفينا حديث الرفع في عدم ثبوت الحرمة الأبدية بالنسبة إلى الخاطئ.
الاشتباه ، كما إذا تخيله امرأته ، أو كان مكرهاً ، أو كان المباشر للفعل هو المفعول (1).
ولو كان الموطوء ميتاً ، ففي التحريم إشكال (1)(2).
ولو شكّ في تحقق الإيقاب وعدمه ، بنى على العدم (3).
فعلاً ، وأما بعد ذلك فلا بدّ من حلية جديدة وهي غير ثابتة ، لحرمة المرأة عليه نظراً لإطلاق الدليل ، حيث لم يفرض فيه أنّ المرأة لم تكن له حلالاً في السابق.
ومن هنا يظهر الحال في الإكراه ، فإنّه وإن صدق على المكره أنّه لعب بالغلام وعبث به ، إلّا أنّ الحرمة الثابتة للعابث بالغلام ترتفع عن المكره بمقتضى حديث الرفع.
فالحاصل أنّ الحكم بثبوت الحرمة في صورة الجهل أو الخطأ أو الإكراه مشكل جدّاً ، بل مقتضى الأدلة هو عدم ثبوتها.
(1) فيه إشكال بل منع ، باعتبار أنّ ظاهر النصوص الواردة في المقام إنّما هو استناد الفعل إلى الفاعل ، فإنّ موضوعها هو الرجل اللّاعب بالغلام أو العابث به ، ولا يصدق هذا العنوان إلّا إذا كان المباشر للفعل هو الفاعل ، وأما في غير ذلك بأن كان المفعول هو المباشر بحيث لم يستند الفعل إلى الفاعل فلا تشمله النصوص ، ومن هنا فلا مجال للحكم بالحرمة الأبدية فيه أيضاً.
(2) أظهره عدم التحريم ، لأنّ الحكم بالحرمة على خلاف القاعدة ، حيث إنّ مقتضاها هو الحل والجواز مطلقاً ، وإنّما خرجنا عنها فيما إذا كان المفعول غلاماً للدليل ، وأما في غيره فالمرجع هو عمومات الحل. ومن هنا فحيث إنّ الغلام حقيقة في الحي خاصة ولا يطلق على الميت إلّا مجازاً ، فلا موجب للالتزام بثبوت الحرمة بوطئه.
(3) لاستصحاب عدم تحقّقه.
1) (*) أظهر عدم التحريم.
ولا تحرم من جهة هذا العمل الشنيع غير الثلاثة المذكورة (1). فلا بأس بنكاح ولد الواطئ ابنة الموطوء أو أُخته أو امه ، وإن كان الأولى (1)الترك في ابنته (2).
(1) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ، نظراً لعدم الدليل على حرمتهنّ على غير الواطئ.
(2) لرواية موسى بن سعدان عن بعض رجاله ، قال : كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل : ما ترى في شابّين كانا مصطحبين فولد لهذا غلام وللآخر جارية ، أيتزوّج ابن هذا ابنة هذا؟ قال : فقال : «نعم ، سبحان اللّه لِمَ لا يحل». فقال : إنه كان صديقاً له ، قال : فقال : «وإن كان فلا بأس». قال : فإنه كان يكون بينهما ما يكون بين الشباب فإنه كان يفعل به ، قال : فأعرض بوجهه ثم أجابه وهو مستتر بذراعه فقال : «إن كان الذي كان منه دون الإيقاب فلا بأس أن يتزوّج ، وإن كان قد أوقب فلا يحل له أن يتزوّج» (2).
إلّا أنّها ضعيفة السند بالإرسال ، وعدم ثبوت وثاقة موسى بن سعدان ، ووجود محمد بن علي الضعيف في الطريق.
كما أنّ في دلالتها تأمّلاً أيضاً ، حيث إنّ من المحتمل أن يكون مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) : «وإن كان قد أوقب فلا يحلّ له أن يتزوّج» هو الواطئ دون ابنه ، فإنّه أقرب إليه من الابن. على أنّه لم يفرض في هذا النص أنّ الذي يريد التزوّج من ابنة الآخر إنّما هو ابن الواطئ ، حيث لم يذكر فيه إلّا أنّ ابن هذا يريد التزوّج من ابنة هذا من دون تحديد لذلك.
ومن هنا فالاعتماد على هذا النص للحكم بالحرمة أو التوقف مشكل جدّاً.
لا يجوز للمحرم أن يتزوّج (1)
فصل
من المحرّمات الأبديّة التزويج حال الإحرام
(1) بلا خلاف فيه بينهم. فقد دلّت عليه جملة من النصوص ، ففي معتبرة محمد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، وعن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، جميعاً ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن المثنى ، عن زرارة بن أعين وداود ابن سرحان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
وعن عبد اللّه بن بكير ، عن أديم بياع الهروي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنّه حرام عليه لم تحلّ له أبداً» (1).
وهذه الرواية بطريقيها معتبرة ، وذلك فلأن الطريق الأوّل وإن كان في أحد طريقيه سهل بن زياد ، إلّا أنّه لا يقدح شيئاً بعد أن كان الطريق الآخر له صحيحاً ، فإنّ المثنى المذكور فيه إما هو ابن الوليد وإما هو ابن عبد السلام ، فإنّ البزنطي قد روى عنهما عن زرارة في غير هذا الموضع أيضاً ، وكلاهما ثقة ولا بأس بهما على ما ذكره الكشي عن ابن مسعود عن ابن فضال (2).
وأما الطريق الثاني فهو معتبر أيضاً ، فإنّ أديم بياع الهروي إنّما هو أديم بن الحر المعروف بالحذاء وهو ثقة.
فالنتيجة أنّ هذه الرواية على الطريقين معتبرة ، على أنّ الشيخ (قدس سره) قد روى هذا النص بطريقه المعتبر عن أديم بن الحر الخزاعي (3).
امرأة محرمة أو محلّة (1) سواء كان بالمباشرة ، أو بالتوكيل مع إجراء الوكيل العقد حال الإحرام (2) سواء كان الوكيل محرماً أو محلّاً (3) وكانت الوكالة قبل الإحرام أو حاله (4). وكذا لو كان بإجازة عقد الفضولي الواقع حال الإحرام ، أو قبله مع كونها حاله بناء على النقل ، بل على الكشف الحكمي ، بل الأحوط مطلقاً (5).
ومن هنا فلا حاجة لتصحيح الاعتماد على هذه الرواية بدعوى انجبارها بعمل المشهور على ما نسب إلى بعضهم فإنّ الرواية بحد ذاتها معتبرة ولا حاجة لها إلى الانجبار.
وفي معتبرة يونس بن يعقوب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المحرم يتزوج ، قال : «لا ، ولا يزوج المحرم المحل» (1).
وفي معتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «ليس ينبغي للمحرم أن يتزوج ولا يزوج محلّاً» (2).
فإنّ هذه النصوص المعتبرة وغيرها دالّة على عدم جواز التزوج حال الإحرام.
(1) لإطلاق النصوص المتقدمة ، حيث لم يرد في شيء منها تقييد عدم الجواز بما إذا كانت المرأة محرمة أيضاً.
(2) وذلك لاستناد العمل إليه ، وحيث إنّه في حال الإحرام فيصدق عليه أنّه قد تزوج في ذلك الحال.
(3) فإنّ العبرة إنّما هي بالموكل حيث يستند الفعل إليه.
(4) إذ لا أثر لزمان الوكالة ، بعد أن كان العقد الصادر من الوكيل والمستند إلى الموكل واقعاً في زمان إحرامه.
(5) سواء أقلنا بالنقل ، أم قلنا بالكشف الحكمي ، أم قلنا بالكشف الحقيقي ، أم قلنا بالانقلاب ، وإن كان الأخير غير معقول ، إذ الذي لم يكن موجوداً في ظرفه لا ينقلب ولا يكون موجوداً في ذلك الظرف. وهذا القول أعني ثبوت الحكم مطلقاً هو
ولا إشكال في بطلان النكاح في الصور المذكورة (1).
وإن كان مع العلم بالحرمة حرمت الزوجة عليه أبداً (2)
الصحيح ، وذلك لاستناد الفعل بالإجازة إليه ، فيصدق عليه أنّه قد تزوج حال الإحرام فيشمله النصوص المتقدمة.
وهذا الحكم بناءً على الأولين واضح ، فإنّ الكشف الحكمي نقل في الحقيقة يقتضي ثبوت الحكم من حين الإجازة ، غاية الأمر أنّه يختلف عنه في ثبوت مضمون العقد إذ أنّه على النقل يثبت من حين الإجازة ، وأما على الكشف الحكمي فيثبت من حين وقوع العقد ، ويحكم بترتيب الأثر من حين العقد. وأما بناءً على الكشف الحقيقي فلأن الزوجية وإن فرضت كونها من السابق ، إلّا أنّ استنادها إلى المجيز بحيث يقال إنّه تزوج بها إنّما يكون من حين الإجازة. وأما بناءً على الانقلاب فالأمر فيه كالأمر في الكشف الحقيقي ، حيث يكون استناد الزوجية إليه من حين الإجازة.
والحاصل أنّ استناد الزوجية إلى المجيز لما كان من حين الإمضاء والإجازة ، حكم بالبطلان وثبوت الحرمة الأبدية على التقادير الأربعة كلّها.
(1) كما تقتضيه جملة من النصوص المعتبرة ، على ما سيأتي بيانها.
(2) الروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث :
الاولى : ما دلّ على الحرمة الأبدية مطلقاً.
الثانية : ما دلّ على عدمها مطلقاً.
الثالثة : ما تضمن التفصيل بين صورتي العلم والجهل.
أما الطائفة الأُولى ، فكمعتبرة أديم بن الحر الخزاعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إنّ المحرم إذا تزوج وهو محرم فرّق بينهما ولا يتعاودان» (1).
ومثلها رواية إبراهيم بن الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إنّ المحرم إذا تزوج وهو محرم فرّق بينهما ثم لا يتعاودان أبداً» (2).
.................................................................................................
إلّا أن إبراهيم بن الحسن لما كان مجهولاً ، فلا مجال للاعتماد على روايته.
وأما الطائفة الثانية ، فكمعتبرة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحلّ فقضى أن يخلي سبيلها ولم يجعل نكاحه شيئاً حتى يحلّ ، فإذا أحلّ خطبها إن شاء ، وإن شاء أهلها زوّجوه وإن شاؤوا لم يزوّجوه» (1). ودلالتها على جواز التزوّج منها ثانياً واضحة.
وأما الطائفة الثالثة ، فكمعتبرة أديم بن الحر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : «والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنّه حرام عليه لم تحلّ له أبداً» (2).
ومن الواضح أنّ النسبة بين الطائفة الأُولى والطائفة الثانية إنّما هي التباين ، إلّا أن نسبة الطائفة الثالثة إلى الطائفة الثانية هي نسبة الخاص إلى العام ، فتكون مخصصة لعمومها لا محالة ، وبذلك فتنقلب النسبة بينهما وبين الطائفة الأُولى فيخصص الحكم بالحرمة الأبدية في الأُولى بصورة العلم ، نظراً لدلالة الطائفة الثانية بعد تخصيصها بالطائفة الثالثة على جواز التزوج منها ثانياً في صورة الجهل.
على أنّا لو فرضنا عدم وجود الطائفة الثانية ، كان القول باختصاص الحرمة الأبدية بصورة العلم متعيناً أيضاً وذلك لوجود الطائفة الثالثة ، فإنّ تقييد الحرمة في معتبرة أديم بصورة العلم يقتضي ذلك حتى وإن لم نقل بمفهوم القيد. والوجه فيه ما ذكرناه غير مرة من أن ذكر القيد إنّما يكشف عن عدم ثبوت الحكم مطلقاً ، وإلّا لكان ذكره لغواً محضاً.
بل لو فرضنا عدم وجود هذه الطائفة أيضاً ، لكان الحكم بالحرمة مختصاً بصورة العلم أيضاً ، وذلك لصحيحة عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها : «أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه» (3).
سواء دخل بها أو لا (1). وإن كان مع الجهل بها لم تحرم عليه على الأقوى (2) دخل بها أو لم يدخل (3) لكن العقد باطل على أي حال (4) بل لو كان المباشر للعقد محرماً بطل وإن كان من له العقد محلّاً (5).
ولو كان الزوج محلّاً ، وكانت الزوجة محرمة ، فلا إشكال في بطلان العقد (6). لكن هل يوجب الحرمة الأبدية؟ فيه قولان ، الأحوط الحرمة بل لا يخلو عن قوة (7).
ولا فرق في البطلان والتحريم الأبدي بين أن يكون الإحرام لحج واجب أو
فالنتيجة أنّ القول بالتفصيل بين صورة العلم والجهل على ما ذهب إليه المشهور ويقتضيه الجمع بين الأخبار هو الصحيح وإن خالف فيه المرتضى وسلار على ما في الجواهر (1).
(1) لإطلاق الأدلة ، حيث لم يرد في شيء منها التقييد بالدخول.
ولا يقاس ما نحن فيه بالتزويج بذات البعل أو ذات العدّة ، فإنّ كلّاً منهما موضوع خاص ومستقلّ عن الآخر ، فلا موجب لتعدي الحكم الثابت لأحد الموضوعين إلى الآخر.
(2) لما عرفت.
(3) لإطلاق صحيحة محمد بن قيس.
(4) لإطلاق ما دلّ على البطلان.
(5) لصحيحة يونس بن يعقوب ومعتبرة عبد اللّه بن سنان المتقدمتين.
(6) نظراً لبطلان عقد المحرم ، من غير فرق بين كونه رجلاً أو امرأة.
(7) وذلك فلأن الروايات الواردة في المقام وإن كان بعضها وارداً في قضية شخصية ، إلّا أنّ أكثرها يتضمن إثبات الحكم للعنوان الوصفي أعني المحرم وأنّه لا يتزوج ولا يزوج. ومن هنا فلا يفرق في الحكم بين كون المتصف بذلك العنوان رجلاً أو امرأة ، إذ الحكم لما كان ثابتاً لموضوع معيّن هو العنوان الوصفي ، كان الحكم
1) الجواهر 29 : 450.
.................................................................................................
ثابتاً لجميع الأفراد المتصفة بذلك العنوان ، نظير القصر والإفطار الثابتين للمسافر أو الإتمام الثابت للحاضر ، فإنّه لا يفرق في الفرد المتصف بذلك العنوان بين أن يكون رجلاً أو امرأة ، على ما هو واضح.
ولذا حكم الأصحاب ببطلان عقد المحرمة ، والحال أنّه لم يرد فيه بخصوصه ولا نص ضعيف ، فإنّه ليس ذلك إلّا لشمول لفظ المحرم لهما على حد سواء ، فإذا ثبت هذا في الحكم بالبطلان ثبتت الحرمة الأبدية أيضاً لا محالة. فإنّ موضوعهما واحد وهو عنوان المحرم ، فإن كان هو أعمّ من الرجل والمرأة لزم الحكم بثبوت الحرمة كما ثبت البطلان ، وإن كان هو مختصاً بالرجل فلا موجب للحكم ببطلان عقدها إذا كانت محرمة ، وحيث إنّ الأصحاب قد التزموا ببطلان عقدها كشف ذلك عن عموم الموضوع لهما.
ويؤيد ما ذكرناه بقاعدة الاشتراك بين الرجل والمرأة في التكليف ، فإنّ نسبة التزويج إليهما واحدة إذ أنّه من العناوين المتضايفة لا يصدق إلّا بالطرفين كالاخوة وعليه فإذا كان التزويج محرماً بالنسبة إلى الزوج كان محرماً بالنسبة إلى المرأة أيضاً.
وممّا ذكرناه يظهر فساد دعوى أنّ المحرّم على الرجل لما كان هو التزوج بالمرأة وكان هذا الأمر غير ممكن في جانب المرأة حيث إنّها لا تتزوج بالمرأة ، ونتيجة لذلك لم يتحد الموضوع ، لم يمكن التمسك فيه بقاعدة الاشتراك.
ووجه الفساد هو أنّ التزويج معنى واحد ، ونسبته إليهما على حد سواء. نعم ، هما يختلفان فيه بحسب الخصوصيات الخارجية ، فإنّ تزويج الرجل إنّما يكون بتزوجه من المرأة ، في حين إنّ تزويج المرأة إنّما يكون بتزوجها من الرجل ، إلّا أن ذلك لا يعني اختلاف معنى التزويج وكون نسبته إليهما مختلفاً.
والحاصل إنّ نسبة التزوج إلى كل من الرجل والمرأة لما كانت واحدة ، لم يكن هناك مانع من التمسك بقاعدة الاشتراك. على أنّا بعد إثبات الحكم ببيان أنّ الحكم وارد على العنوان الوصفي وهو يصدق على كل من الرجل والمرأة في غنى من التمسك بقاعدة الاشتراك.
مندوب أو لعمرة واجبة أو مندوبة (1). ولا في النكاح بين الدوام والمتعة (2).
[3729] مسألة 1 : لو تزوج في حال الإحرام مع العلم بالحكم ، لكن كان غافلاً عن كونه محرماً أو ناسياً له ، فلا إشكال في بطلانه (3) لكن في كونه محرماً أبداً إشكال (4) والأحوط ذلك (1).
[3730] مسألة 2 : لا يلحق وطء زوجته الدائمة أو المنقطعة حال الإحرام بالتزويج في التحريم الأبدي (5) فلا يوجبه وإن كان مع العلم بالحرمة والعمد.
[3731] مسألة 3 : لو تزوج في حال الإحرام ، ولكن كان باطلاً من غير
(1) لإطلاق الدليل ، حيث يتحقق الإحرام بكل ذلك.
(2) إذ يصدق التزوج في حال الإحرام بكل منهما.
(3) لإطلاق الدليل ، حيث لم يعتبر فيه العلم.
(4) والظاهر أنّه لا وجه له. والسرّ فيه أنّ موضوع الحكم بالتحريم في الأخبار ليس هو العلم بالكبرى الكلية ، وإنّما الموضوع هو العلم بالحرمة بالإضافة إليه بحيث يعلم أنّه حرام عليه ، ولما كان هذا العنوان غير متحقق في حق الغافل والناسي باعتبار أنّه يتوقف على العلم بكونه محرماً والمفروض عدمه ، فلا وجه للقول بثبوت الحرمة الأبدية عليه.
(5) لعدم الدليل عليه ، مضافاً إلى عموم ما ورد من أنّ «الحرام لا يحرم الحلال». على أنّ ما دلّ على وجوب الكفارة وفساد الحج أو العمرة ووجوبه في القابل (2)يقتضي عدم ثبوت الحرمة الأبدية ، إذ إنّها لما كانت واردة في مقام بيان وظيفة
المكلف عند صدور هذا الفعل حال الإحرام ، كان عدم تعرضها إلى بيان الحرمة دليلاً على عدم ثبوتها. بل إنّ مقتضى ما ورد في بعض الأخبار من وجوب التفريق بين الزوجين عند إتيانهما بالحج من القابل في مكان صدور الفعل منهما (3)هو بقاء الزوجية وعدم حرمة الزوجة على الزوج بما صدر منهما.
جهة الإحرام كتزويج أُخت الزوجة أو الخامسة هل يوجب التحريم أو لا؟ الظاهر ذلك (1)(1) لصدق التزويج ، فيشمله الأخبار.
(1) تقدّم الكلام في نظير هذه المسألة في المسألة الاولى من الفصل السابق ، وقد تقدّم منه (قدس سره) التوقف فيها كما تقدم منّا الحكم بعدم ثبوتها ، حيث استظهرنا من الأخبار كون البطلان والتحريم ناشئين من تلك الجهة المذكورة في النص أعني الإحرام في المقام بحيث لولاها لحكم بصحة العقد وثبوت الزوجية ، وإلّا فلو كان البطلان ناشئاً من جهة أُخرى غير وقوع العقد في حال الإحرام لما كان لوقوعه في تلك الحالة أثر.
إذن فلا بدّ في الحكم بالبطلان وثبوت الحرمة الأبدية من كون العقد صحيحاً من جميع الجهات عدا وقوعه في ذلك الحال ، ولا منافاة بين هذا الذي ذكرناه وبين الالتزام بوضع الألفاظ للأعمّ من الصحيح والفاسد ، فإنّ ما ذكرناه هنا إنّما هو للانصراف العرفي.
نعم ، لو كان الفساد مستنداً إلى أمرين كلّ منهما محرم أبدي في حدّ ذاته كما لو تزوج بالمعتدّة حال الإحرام أوجب ذلك الحرمة الأبدية قطعاً وبلا إشكال نظراً للأولوية القطعية ، فإنّ كلّاً منهما إذا كان موجباً لها مستقلا عن الآخر ، فإيجابه لها منضماً إلى الآخر يكون بطريق أولى.
ويؤيدها رواية الحكم بن عتيبة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن محرم تزوج امرأة في عدّتها ، قال : «يفرّق بينهما ولا تحلّ له أبداً» (2). فإنّها وإن كانت واضحة الدلالة ، إلّا أنّ سندها لما كان ضعيفاً فلا يمكن الاعتماد عليها. نعم ، لا بأس بجعلها مؤيدة للحكم.
نعم ، لو كان بطلانه لفقد بعض الأركان ، بحيث لا يصدق عليه التزويج ، لم يوجب (1).
[3732] مسألة 4 : لو شكّ في أنّ تزويجه هل كان في الإحرام أو قبله ، بنى على عدم كونه فيه (2) بل وكذا لو شكّ في أنّه كان في حال الإحرام أو بعده ،
ثم لا يخفى أنّ في هذا الفرض أيضاً لا بدّ من فرض صحة العقد من غير هاتين الجهتين ، وإلّا فلا يوجب العقد ثبوت الحرمة الأبدية.
(1) جزماً ، لما تقدم.
(2) لاستصحاب عدم الإحرام إلى حين العقد الواقع في الخارج ، حيث ذكرنا في محلّه من المباحث الأُصولية أنّ جريانه لا يختص بما إذا كان تاريخ أحدهما معلوماً وتاريخ الآخر مجهولاً ، بل يجري حتى ولو كان تاريخهما معاً مجهولين أيضاً ، ومقتضاه الحكم بالصحة وعدم ترتب الحرمة الأبدية عليه في المقام.
ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم وقوع العقد قبل الإحرام إذ لا أثر للثاني ، باعتبار أنّه لا يثبت تأخر التزويج عن الإحرام ووقوعه حاله إلّا بالملازمة العقلية ، فيكون من الأُصول المثبتة ولا نقول بحجيتها.
على أنّه لا أثر للاستصحاب نفياً أو إثباتاً ، فلا أثر لإثبات المعارض له وعدمه وذلك لوجود دليل حاكم عليه هو أصالة الصحة الثابتة بالسيرة القطعية ، وما ورد في بعض النصوص المعتبرة من قوله (عليه السلام) : «كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» (1)فإنّ مقتضاها الحكم بالصحة فيما إذا كان الشكّ في افتقاد العقد لشرط شرعي أو اقترانه بمانع كذلك بعد إحراز تمامية أركانه.
ومن هنا فالمتعيّن في المقام هو الحكم بالصحة وعدم ترتب الحرمة الأبدية عليه سواء أقلنا بجريان الاستصحاب مطلقاً أو في بعض الصور ، أم قلنا بعدم جريانه كذلك ، ثبت له معارض أم لم يثبت.
1) الوسائل ، ج 8 كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، ب 23 ح 3.
على إشكال (1)(1). وحينئذٍ فلو اختلف الزوجان في وقوعه حاله ، أو حال الإحلال سابقاً أو لاحقاً ، قدّم قول من يدعي الصحة (2) من غير فرق بين جهل التاريخين أو العلم بتاريخ أحدهما (3).
نعم ، لو كان محرماً ، وشكّ في أنّه أحلّ من إحرامه أم لا ، لا يجوز له التزويج فإن تزوّج مع ذلك بطل وحرمت عليه أبداً ، كما هو مقتضى استصحاب بقاء الإحرام (4).
(1) لكنه ضعيف جدّاً ، فإنّ مقتضى استصحاب بقائه محرماً إلى حين العقد مطلقاً سواء أعلم بتاريخ أحدهما أو جهل بالتاريخين معاً ، وإن كان هو الحكم بفساد العقد وترتب الحرمة الأبدية عليه باعتبار أنّه لا يعارض بأصالة عدم وقوع العقد حال الإحرام لكونه من الأُصول المثبتة ، حيث لا تثبت كون العقد في غير حال الإحرام إلّا بالملازمة العقلية ولا نقول بحجيتها إلّا أنّ هذا الاستصحاب لا أثر له ، نظراً لكونه محكوماً لأصالة الصحة ، فإنّ مقتضاها الحكم بالصحة في المقام وعدم ترتب الحرمة الأبدية عليه ، سواء أجرى الاستصحاب أم لم يجر.
والحاصل أنّه لا فرق في الحكم بين هذه الصورة والصورة السابقة ، حيث إنّ مقتضى الاستصحاب فضلاً عن أصالة الصحة فيهما هو الحكم بالصحة وعدم ترتّب الحرمة الأبدية على العقد الواقع في الخارج.
(2) لما تقدم.
(3) حيث عرفت أنّ ذلك لا يؤثر في جريان الاستصحاب ، فضلاً عن أصالة الصحة.
(4) فإنّ به يحرز موضوع الحكم أعني كون التزوج حال الإحرام فيترتب عليه الحكم لا محالة. ومن هنا يتضح أنّه لو شكّ في كونه محرماً أو محلّاً بالفعل ، جاز له التزوّج ويحكم على ذلك العقد بالصحّة ، لاستصحاب عدم كونه محرماً.
1) (*) لكنّه ضعيف.
[3733] مسألة 5 : إذا تزوّج حال الإحرام عالماً بالحكم والموضوع ، ثم انكشف فساد إحرامه ، صحّ العقد ولم يوجب الحرمة (1). نعم ، لو كان إحرامه صحيحاً ، فأفسده ثم تزوج ، ففيه وجهان (1)(2) : من أنّه قد فسد ، ومن معاملته معاملة الصحيح في جميع أحكامه.
[3734] مسألة 6 : يجوز للمحرم الرجوع في الطلاق في العدّة الرجعية (3).
(1) لأنّ الحكم مترتب على الإحرام لا على اعتقاده ذلك.
(2) أظهرهما الثاني إذا كان الإفساد بالجماع أو نحوه على ما ذهب إليه المشهور لأنّه لما كان مأموراً بإتمام الحج ، كان معنى ذلك بقاءه على إحرامه وعدم جواز ارتكاب أي محرم من محرماته إلى أن يفرغ من أعمال الحج ، وعليه فإذا تزوج في ذلك الحين حكم على العقد بالفساد وترتبت عليه الحرمة الأبدية ، لصدق التزوج في حال الإحرام عليه.
وهذا بخلاف ما إذا كان الإفساد بغير الجماع كما لو ترك بعض أركان الحج عمداً كالطواف والسعي فإنّ الأظهر فيه هو الحكم بالصحة وعدم ترتب الحرمة الأبدية عليه ، وذلك لكشفه عن بطلان الإحرام من الأوّل نظراً إلى كون الحج واجباً ارتباطياً ، فإذا لم يتعقب الإحرام سائر الأفعال حكم ببطلانه واعتبر كالعدم. ومن هنا فلا يكون التزويج الواقع في الخارج في علم اللّه سبحانه وتعالى تزويجاً في حال الإحرام وإن تخيل الزوج ذلك.
والحاصل أنّ الفساد في مورد الجماع يغاير الفساد في غيره ، إذ في الثاني ينتفي موضوع الحكم أعني وقوع العقد في حال الإحرام بخلاف الأوّل.
(3) لما عرفت غير مرة من أنّ المرأة في أيام العدّة الرجعية زوجة حقيقية وأنّ الزوجية لا ترتفع إلّا بانقضاء العدّة ، وعليه فلا يكون الرجوع إلّا إبطالاً للطلاق المنشأ وإلغاءه عن الأثر بحيث تستمر الزوجية الاولى بعينها ، ومن هنا فلا تشمله
1) (*) أظهرهما الثاني فيما إذا كان الإفساد بجماع أو نحوه ، وأمّا إذا كان بترك أعمال الحج أو العمرة بحيث لا يتمكّن من الإتيان بها بعد ذلك فالأظهر هو الأولّ.
وكذا تملك الإماء (1).
[3735] مسألة 7 : يجوز للمحرم أن يوكل محِلّاً في أن يزوجه بعد إحلاله (2).
أخبار المنع لعدم صدق عنوان التزويج عليه.
ومن هنا يتضح الحال في المقام بناءً على ما ذهب إليه المشهور من أنّ المرأة في أيام العدّة إنّما هي بحكم الزوجة ، فإنّ الرجوع لا يقتضي إلّا فسخ الطلاق المقتضي لارتفاع الزوجية وإعادة الزوجية السابقة ، فلا يصدق عليه عنوان التزوج نظير ما هو الحال في فسخ البيع حيث لا يقتضي إلّا أعاده الملكية السابقة من دون أن يصدق عليه عنوان الشراء فلا تشمله أخبار المنع.
وهذا الحكم لا يختص بما إذا كان الرجوع في العدّة الرجعية ، بل يجري بعينه في العدّة البائنة أيضاً فيما إذا جاز له الرجوع ، كما لو رجعت المرأة في البذل في الطلاق الخلعي فإنّه يجوز له حينئذ الرجوع ، فإذا رجع وهو محرم حكم بصحته من دون أن تترتب عليه الحرمة الأبدية ، نظراً إلى عدم صدق التزويج عليه باعتبار أنّه كالفسخ إعادة للزوجية السابقة.
(1) لأنّ الممنوع في النصوص إنّما هو التزويج ، وحيث إنّ التملك بكلا قسميه الاختياري والقهري أمر مغاير له ومختلف عنه ، فلا وجه لإثبات حكمه له. هذا مضافاً إلى دلالة صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) صريحاً عليه ، قال : سألته عن المحرم يشتري الجواري ويبيعها ، قال : «نعم» (1).
(2) إذ الممنوع إنّما هو التزويج حال الإحرام ، وأما التوكيل فيه حاله فلم يدل دليل على المنع.
نعم ، قد يتوهّم بطلان مثل هذه الوكالة نظراً لاعتبار سلطنة الموكل على العمل بالفعل ، وحيث إنّه ليس له ذلك لكونه ممنوعاً منه شرعاً وقعت الوكالة باطلة ، لأن من ليس له السلطنة على شيء ليس له تسليط الغير عليه.
إلّا أنّه مندفع بعدم الدليل على اعتبار سلطنة الموكل على العمل بالفعل أعني
1) الوسائل ، ج 12 كتاب الحج ، أبواب تروك الإحرام ، ب 16 ح 1.
وكذا يجوز له أن يوكل محرماً في أن يزوجه بعد إحلالهما (1).
[3736] مسألة 8 : لو زوجه فضولي في حال إحرامه ، لم يجز له إجازته في حال إحرامه (2). وهل له ذلك بعد إحلاله؟ الأحوط العدم (1)(3) ولو على القول بالنقل. هذا إذا كان الفضولي محِلّاً ، وإلّا فعقده باطل (4) لا يقبل الإجازة ولو كان
ظرف الإنشاء وإنّما المعتبر هو سلطنته على الفعل في ظرفه ، ولما كان ذلك متحققاً في المقام حيث إنّ للموكل أن يتزوج بعد إحلاله من الإحرام ، وقعت الوكالة صحيحة كما عليه سيرة العقلاء.
وبعبارة اخرى : إنّ المعتبر في الوكالة لما كان هو إمكان استناد الفعل الصادر من الوكيل إلى الموكل ، وهو يتحقق بما إذا كانت للموكل سلطنة عليه في ظرف العمل ، فلا وجه لاعتبار سلطنته حين الإنشاء.
ومما يؤيد ذلك أنّه لم يقع الإشكال بينهم على الإطلاق فيما نعلم في صحة التوكيل في الأُمور المترتبة كالشراء ثم الإيجار ، والحال أنّ الموكل غير قادر على الجزء الثاني بالفعل وحين الإنشاء.
(1) لما تقدّم.
(2) لاستناد الفعل إليه حينئذ ، فتشمله أخبار المنع على ما تقدم تفصيله في أوّل هذا الباب.
(3) إلّا أنّه ضعيف جدّاً ، فالصحيح هو القول بصحة العقد حتى بناء على الكشف والانقلاب ، فضلاً عن القول بالنقل. والوجه في ذلك هو أنّ الوارد في الأخبار إنّما هو النهي عن التزوج ، ومن الواضح أنّه عبارة عن جعل الرجل المرأة زوجة له في حال الإحرام ، فلا موجب للقول بالبطلان حتى ولو كانت الزوجية ثابتة حال الإحرام أيضاً ، إذ لا عبرة بالزوجية وإنّما العبرة بالتزوج ، وهو لا يكون إلّا عند الإمضاء وبعد الإحلال.
(4) لما ورد في غير واحد من النصوص المعتبرة من أنّ المحرم لا يتزوج ولا يزوج.
1) (*) لا بأس بتركه.
المعقود له محِلّاً (1).
وهي علاقة بين أحد الطرفين مع أقرباء الآخر تحدث بالزوجية ، أو الملك عيناً أو انتفاعاً ، بالتحليل ، أو الوطء شبهة أو زنا ، أو النظر واللمس في صورة مخصوصة.
[3737] مسألة 1 : تحرم زوجة كل من الأب والابن على الآخر (2)
فصل
في المحرّمات بالمصاهرة
(1) على ما صرحت به الأخبار.
(2) بلا خلاف فيه ، بل لا يبعد أن يكون من ضروريات الدين ، فإنّه لم ينسب إلى أحد من المسلمين القول بجوازه ، بل لم ينسب جوازه إلى غير المسلمين عدا ما نسب إلى المجوس. نعم ، كان الرجل يستحل زوجة أبيه في الجاهلية إلّا أنّه لم يكن بعنوان الدين.
وعلى كلٍّ فالحكم لوضوحه لا يحتاج إلى الدليل ، على أنّ الأدلة من الكتاب والسنّة وافرة جدّاً.
أما من الكتاب فيدلّ على حرمة تزوج الابن من زوجة الأب قوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) (1). فإنّ الظاهر من النكاح لا سيما إذا كان متعلقاً للنهي هو مطلق التزويج الشامل لمجرد العقد أيضاً ، فدعوى اختصاصه بالوطء خلاف الظاهر وبعيد جدّاً.
كما أنّ قوله تعالى ( وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) (2)يدلّ على حرمة
فصاعداً في الأوّل (1) ونازلاً في الثاني (2) نسباً أو رضاعاً (3) دواماً أو متعة (4)
تزوج الأب من زوجة الابن ، فإنّ الحليلة إن لم تكن ظاهرة فيها فلا أقلّ من كونها شاملة لها بالعموم.
وأما من السنة فالنصوص الواردة في المقام إن لم تكن متضافرة فلا أقلّ من أنّها كثيرة جدّاً.
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، أنّه قال : «لو لم تحرم على الناس أزواج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لقول اللّه عزّ وجلّ ( وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) حرمن على الحسن والحسين بقول اللّه عزّ وجلّ ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جدّه» (1)
والآية الكريمة في سورة النساء 33 : 53.
.وفي معتبرة زرارة ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث - : «وإذا تزوج الرجل امرأة تزويجاً حلالاً ، فلا تحلّ تلك المرأة لأبيه ولا لابنه» (2).
وفي معتبرة عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال ( الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) ما ظهر نكاح امرأة الأب ، وما بطن الزنا» (3)
والآية الكريمة في سورة الأعراف 7 : 33.
.إلى غيرها من النصوص الدالة صريحاً على عدم الجواز.
والحاصل أنّ الحكم مما لا إشكال فيه إجماعاً وضرورة ، كتاباً وسنة.
(1) على ما نصّت عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
(2) إجماعاً ، ولصدق الابن على الحفيد.
(3) لعموم أدلّة تنزيل من ينتسب بالرضاع منزلة من ينتسب بالنسب.
(4) لإطلاق الأدلة.
بمجرّد العقد وإن لم يكن دخل (1). ولا فرق في الزوجين والأب والابن بين الحر والمملوك (2).
[3738] مسألة 2 : لا تحرم مملوكة الأب على الابن وبالعكس مع عدم الدخول (3) وعدم اللّمس والنظر (4).
(1) على ما تقتضيه الآية الكريمة وإطلاقات النصوص.
(2) لإطلاق الأدلة.
(3) لدلالة جملة من النصوص المعتبرة عليه صريحاً.
ففي صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج وحفص بن البختري وعلي بن يقطين ، قالوا : سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الرجل تكون له الجارية ، أفتحلّ لابنه؟ فقال : «ما لم يكن جماع أو مباشرة كالجماع فلا بأس» (1).
وقد رواها الصدوق بإسناده عن عبد الرّحمن بن الحجاج وحفص بن البختري إلّا أنّه زاد : قال : «وكان لأبي جعفر (عليه السلام) جاريتان تقومان عليه فوهب لي إحداهما» (2). فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام) : «تقومان عليه» أنهما تخدمانه.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «في كتاب علي (عليه السلام) : إنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً ، ويأخذ الوالد من مال ولده ما يشاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إن لم يكن الابن وقع عليها» (3). إلى غير ذلك من النصوص.
(4) وتدلّ على اعتبار عدمهما في الجواز مضافاً إلى صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج وحفص بن البختري وعلي بن يقطين المتقدمة معتبرة عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «أدنى ما تحرم به الوليدة تكون عند الرجل على ولده إذا مسّها أو جرّدها» (4).
وتحرم مع الدخول (1) أو أحد الأمرين إذا كان بشهوة (2).
(1) وتدلّ عليها مضافاً إلى مفهوم صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج وحفص بن البختري وعلي بن يقطين وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمتين صحيحة زرارة قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث - : «إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» (1).
(2) لصحيحة محمد بن إسماعيل ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل تكون له الجارية فيقبلها ، هل تحلّ لولده؟ قال : «بشهوة»؟ قلت : نعم. قال : «ما ترك شيئاً إذا قبلها بشهوة» ، ثم قال ابتداء منه : «إن جردها ونظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه» (2).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا جرّد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحلّ لابنه» (3).
وصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية يجردها وينظر إلى جسمها نظر شهوة ، هل تحلّ لأبيه؟ وإن فعل أبوه هل تحل لابنه؟ قال : «إذا نظر إليها نظر شهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحلّ لابنه وإن فعل ذلك الابن لم تحلّ للأب» (4).
نعم ، قد وردت بإزاء هذه الصحاح روايتان معتبرتان قد يتوهّم معارضتهما لها وهما :
أوّلاً : معتبرة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : سألته عن رجل تكون له جارية فيضع أبوه يده عليها من شهوة ، أو ينظر منها إلى محرم من شهوة ، فكره أن يمسّها ابنه (5).
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 4 ح 1.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 3 ح 1.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 3 ح 4.
4) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 3 ح 6.
5) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 3 ح 2.
.................................................................................................
ووجه التوهّم أنّ الكراهة لما كانت تقتضي جواز الفعل ، كانت هذه المعتبرة معارضة لتلك الأخبار ، ومقتضى الجمع بينهما هو حمل الأخبار المانعة على المبالغة في الكراهة ، ونتيجته الالتزام بالجواز لا محالة.
وفيه : ما تقدم غير مرة من أنّ الكراهة ظاهرة في التحريم ، فإنّ المعنى المصطلح لها إنّما نشأ في العهد المتأخر عن عصر النصوص ، وإلّا فهي في النصوص مستعملة في الحرمة. ومع التنزل عن ذلك فهي إنّما تدل على المبغوضية والحزازة الأعمّ من الحرمة والكراهة الاصطلاحية ، فلا تكون فيها دلالة على الجواز. على أنّ هذه المعتبرة أجنبية عن محل الكلام ، نظراً إلى أنّها واردة في لمس الأب أو نظره بشهوة إلى أَمة ابنه ، وهذه مسألة أجنبية عن لمس المالك أو نظره بشهوة إلى مملوكته ، وسيأتي التعرض إليها في المسألة الخامسة من هذا الفصل إن شاء اللّه.
ثانياً : معتبرة علي بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام) عن الرجل يقبل الجارية يباشرها من غير جماع داخل أو خارج ، أتحلّ لابنه أو لأبيه؟ قال : «لا بأس» (1).
وهذه المعتبرة كما تراها واضحة الدلالة على الجواز ، فتكون معارضة لما تقدم من الصحاح ، ومن هنا التزم جماعة بالكراهة في المقام جمعاً بينها وبين ما تقدم.
إلّا أنّه غير تام ، لكن لا لما قيل من أنّها مطلقة من حيث الشهوة وعدمها ، فتقيد بتلك الأخبار الدالة على عدم الجواز في صورة الشهوة صريحاً ، فإنّه بعيد جدّاً ، باعتبار أنّ الظاهر من قوله : (يباشرها من غير جماع داخل أو خارج) أنّه يعاملها معاملة الرجال للنساء ، وهو ظاهر في كون الفعل عن شهوة.
وإنّما لكون هذه المعتبرة مطلقة من حيث كون الجارية مملوكة للفاعل وعدمه فتقيد بتلك الأخبار الدالة على عدم الجواز فيما إذا كانت الجارية مملوكة له ، وبذلك يرتفع التعارض بينهما.
والحاصل أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو كون النظر واللمس بشهوة في حكم الجماع في ثبوت التحريم به ، فيما إذا كانت الجارية مملوكة للفاعل.
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 77 ح 3.
.................................................................................................
نعم ، قد يقال أنّ مقتضى مفهوم رواية أحمد بن محمد بن عيسى ، عن النضر بن سويد ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية فيكشف ثوبها ويجرّدها لا يزيد على ذلك ، قال : «لا تحلّ لابنه إذا رأى فرجها» (1)هو عدم الحرمة فيما إذا كان النظر إلى غير الفرج حتى ولو كان ذلك عن شهوة ، فتكون معارضة لما دلّ على الحرمة بذلك.
إلّا أنّه مدفوع بأنّ هذه الرواية قد رويت بطريق آخر لا تشتمل على هذا الذيل وهو ما رواه الشيخ عن حميد ، عن الحسن بن سماعة ، عن محمد بن زياد ، عن عبد اللّه ابن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية فتنكشف فيراها أو يجرّدها لا يزيد على ذلك ، قال : «لا تحل لابنه» (2).
وحيث لا يحتمل أن يكون عبد اللّه بن سنان قد روى هذا النص مرتين ، حذف في إحداهما الذيل وذكره في الأُخرى ، سقطت الزيادة بالمعارضة فلا مجال للاعتماد عليها والتمسك بمفهومها.
على أنّ سند الرواية المشتملة على الزيادة وإن كان بظاهره صحيحاً ، إلّا أنّه لا يخلو من المناقشة ، فإنّ رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن النضر بن سويد بعيدة جدّاً لاختلاف طبقتهما ، وبذلك فتكون الرواية مرسلة سنداً ، ونظير ذلك في النوادر كثير جدّاً ، فإنّه يروى كثيراً عن أصحاب الصادق (عليه السلام) الذين لم يدركوا الرضا (عليه السلام) مباشرة.
هذا مضافاً إلى أن تقييد النصوص التي جعلت الجسد في مقابل الفرج بالفرج بمعنى حمله عليها بعيد جدّاً ، فتتقدم تلك على هذه لا محالة. ثم إنّ موضوع الحرمة بالنسبة إلى النظر في النصوص لما كان هو النظر إلى ما يحرم على غيره بل في بعضها تجريدها ، فلا موجب للالتزام بها عند نظر الأب أو الابن إلى وجه مملوكته حتى ولو كان ذلك عن شهوة ، نظراً إلى عدم حرمة ذلك في حدّ نفسه على غيره.
وكذا لا تحرم المحللة (1) لأحدهما على الآخر إذا لم تكن مدخولة (2).
(1) فإنّ مجرد التحليل لا يزيد عن مجرد الملكية ، وقد عرفت أنّ الثاني لا يقتضي التحريم فيكون الأمر في المقام كذلك ، وحيث لا دليل على إلحاق التحليل بالملك فتشملها عمومات الحل.
نعم ، خالف في ذلك بعض حيث اختار الحرمة فيها ، تمسكاً بإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة : «إذا جرّد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحلّ لابنه» فإنّ مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين كون الجارية مملوكة له أو محللة.
وفيه : أنّ هذه الصحيحة معارضة بموثقة علي بن يقطين المتقدمة أيضاً ، حيث دلّت على الجواز مطلقاً ومن غير تقييد بما إذا كانت الأَمة مملوكة للفاعل ، فتتعارضان لأنّ النسبة بينهما هو التباين. لكن لما قيدت موثقة علي بن يقطين بالأخبار التي دلت على ثبوت الحرمة فيما إذا كانت الجارية مملوكة له ، كان مدلولها هو الجواز فيما إذا لم تكن الجارية مملوكة له ، وبذلك تنقلب النسبة بينها وبين صحيحة محمد بن مسلم إلى المقيد والمطلق ، فتقيد إطلاق الصحيحة لا محالة ، وعندئذ يكون مدلول الصحيحة هو عدم الجواز فيما إذا كانت الجارية مملوكة له خاصة.
(2) وإلّا فتثبت الحرمة ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة : «إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» فإنّ مقتضى إطلاقه هو عدم الفرق بين كون الوطء بتزويج أو ملك يمين أو تحليل.
وأما الاستدلال على المدعى بقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) فقد عرفت ما فيه ، باعتبار أنّ كلمة النكاح ولا سيما إذا وقعت في سياق النهي ظاهرة في التزويج دون الوطء.
ثم لا يخفى أنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة : «إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» عدم اختصاص الحكم بما إذا كان الإتيان عن تزوج أو ملك يمين أو تحليل ، بل يثبت الحكم حتى ولو كان ذلك عن شبهة ، نظراً إلى صدق ذلك عليه.
[3739] مسألة 3 : تحرم على الزوج أُمّ الزوجة وإن علت ، نسباً أو رضاعاً (1) مطلقاً (2).
ودعوى أنّ الرواية واردة في الجارية وهي ظاهرة في المملوكة ، فيختص الحكم بالوطء عن ملك يمين.
يدفعها صدر الرواية ، حيث قال زرارة : قال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن زنى رجل بامرأة أبيه أو بجارية أبيه فإنّ ذلك لا يحرمها على زوجها ولا يحرم الجارية على سيدها ، إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» (1).
فإنّ ذلك إنّما يكشف عن عدم اختصاص الرواية بالجارية ، وإن ذكرها في ذيلها إنّما هو على نحو المثال فلا يختص الحكم بها ، على أنّ اختصاص الحكم بالجارية مما لا قائل به أصلاً. وعلى هذا فكما يثبت بالوطء بالزوجية وبملك اليمين وبالتحليل يثبت بالوطء شبهة.
(1) لما دلّ على تنزيل الرضاع منزلة النسب.
(2) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل عليه الإجماع عدا ما نسب إلى ابن أبي عقيل من اشتراط الدخول بالبنت في حرمتها (2).
ويدلّ عليه قوله تعالى ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) (3)فإنّه مطلق من حيث الدخول بالزوجة وعدمه.
واحتمال رجوع قوله تعالى بعد ذلك ( مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) إلى كل من ( نِسائِكُمْ ) و ( رَبائِبُكُمُ ) بعيد جدّاً. فإنّه مضافاً إلى كونه ركيكاً في نفسه حتى ولو لم يكن هناك فصل في البين باعتبار أنّه لا معنى لتكرار كلمة النساء بحيث يكون المعنى (وأُمّهات نسائكم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ) فإنّه زيادة ولا حاجة إليه ، أنّ
.................................................................................................
كلمة (مِن) إذا كانت متعلقة بالنساء كانت بيانية وإذا كانت متعلقة بالربائب كانت نشوئية ، فإذا فرض تعلقها بهما معاً كانت مستعملة في معنيين وهو أمر غير معهود ولا دليل عليه. على أنّ الفصل الموجود بين كلمة ( نِسائِكُمْ ) وكلمة ( مِنْ نِسائِكُمُ ) يوجب زيادة البعد في احتمال رجوع الثانية إلى الأُولى.
ومن هنا يظهر الحال في دعوى كون قوله تعالى ( اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) صفة لكل من ( نِسائِكُمْ ) الاولى والثانية ، بحيث يكون المعنى : وأُمّهات نسائكم اللّاتي دخلتم بهن وربائبكم اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ ، فإنّه بعيد جدّاً للفصل بين الصفة والموصوف ، بل لم يعهد ذلك في الكتاب وغيره.
فمن هنا لا ينبغي الشكّ في إطلاق ( نِسائِكُمْ ) الاولى ، ورجوع كلمة ( مِنْ نِسائِكُمُ ) إلى الربائب خاصّة ، واختصاص قوله ( اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) صفة ل- ( نِسائِكُمْ ) الثانية.
وأما النصوص الواردة في المقام فهي على طائفتين : فمنها ما هو صريح في الإطلاق وعدم الفرق بين الدخول وعدمه ، ومنها ما دلّ على اشتراط الدخول بالبنت في حرمة الأُم.
فمن الطائفة الأُولى صحيحة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه : «أنّ عليّاً (عليه السلام) قال : إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأُم ، فإذا لم يدخل بالأُم فلا بأس أن يتزوج بالابنة ، وإذا تزوج بالابنة فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الام. وقال : الربائب عليكم حرام ، كنّ في الحجر أو لم يكنّ» (1).
وصحيحة وهيب بن حفص عن أبي بصير ، قال : سألته عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، فقال : «تحلّ له ابنتها ، ولا تحلّ له أُمّها» (2).
والمذكور في نسخة الوسائل وإن كان هو وهب ، إلّا أنّ الصحيح هو وهيب (3)
.................................................................................................
الذي وثّقه النجاشي والذي له كتاب (1)، وأما وهب فلا وجود له في كتب الرجال وغيرها.
وصحيحة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه : «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : الربائب عليكم حرام من الأُمّهات اللّاتي قد دخل بهن ، هنّ في الحجور وغير الحجور سواء ، والأُمّهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهنّ ، فحرموا ، وأبهموا ما أبهم اللّه» (2).
وأما الطائفة الثانية ، فمنها صحيحة جميل بن دراج وحماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «الام والبنت سواء إذا لم يدخل بها ، يعني إذا تزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، فإنّه إن شاء تزوّج أُمّها وإن شاء ابنتها» (3).
وقد أشكل الشيخ في التهذيب على هذا الحديث بأنّه : مضطرب الإسناد ، لأن الأصل فيه جميل وحماد بن عثمان ، وهما تارة يرويانه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة ، وأُخرى يرويانه عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ثم أنّ جميلاً تارة يرويه مرسلاً عن بعض أصحابه عن أحدهما ، وهذا الاضطراب في الحديث مما يضعف الاحتجاج به (4).
إلّا أنّ ما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ ما ذكره لا يعدّ اضطراباً في الحديث ، نظراً إلى إمكان سماع جميل وحماد الحديث عن الحلبي فروياه ، ثم سمعاه من أبي عبد اللّه (عليه السلام) مباشرة فروياه بلا واسطة ، وليس في ذلك أية غرابة أو بعد. كما أنّ الإرسال في إحدى روايتي جميل لا يوجب سقوط روايته عن الاعتبار فإنّ من الممكن أن يكون جميل قد صرح في إحدى الروايتين باسم الواسطة ، في حين لم يصرح به في الأُخرى. على أنّه لو فرض ضعف هذا الطريق للإرسال ، إلّا أنّ ذلك لا يعني رفع اليد عن الطريق الآخر الصحيح ، فإنّ الإرسال في رواية وعدم ذكر
.................................................................................................
الواسطة فيها لاعتقاد ضعفها مثلاً لا يستلزم رفع اليد عن الرواية الأُخرى مع وضوح صحة سندها.
ومنها : معتبرة محمد بن إسحاق بن عمار ، قال : قلت له : رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم ماتت ، أيحلّ له أن يتزوج أُمّها؟ قال : «سبحان اللّه ، كيف تحلّ له أُمّها وقد دخل بها». قال : قلت له : فرجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها ، تحلّ له أُمّها؟ قال : «وما الذي يحرّم عليه منها ولم يدخل بها» (1).
وقد أشكل الشيخ (قدس سره) عليها في التهذيب : أنّه ليس فيه ذكر المقول له ، لأنّ محمد بن إسحاق بن عمار قال : قلت له ، ولم يذكر من هو ، ويحتمل أن يكون الذي سأله غير الإمام والذي لا يجب العمل بقوله ، وإذا احتمل ذلك سقط الاحتجاج به (2).
وفيه : أنّ ذكر الصفار (قدس سره) لذلك في كتابه بعنوان الرواية يدلّ على أنّه حديث من المعصوم (عليه السلام) ، وإلّا فكيف يمكن ذلك منه (قدس سره) على جلالة قدره ، ونظير ذلك في كتاب الصفار كثير.
ومنها : معتبرة منصور بن حازم ، قال : كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها ، أيتزوج بأُمّها؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «قد فعله رجل منّا فلم يَرَ به بأساً». فقلت له : جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلّا بقضاء علي (عليه السلام) في هذا الشمخية التي أفتاها ابن مسعود أنّه لا بأس بذلك ، ثم أتى عليّاً (عليه السلام) ، فسأله ، فقال له علي (عليه السلام) : «من أين أخذتها»؟ قال : من قول اللّه عزّ وجلّ ( وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) . فقال عليّ (عليه السلام) : «إنّ هذه مستثناة وهذه مرسلة وأُمّهات نسائكم» إلى أن قال : فقلت له : ما تقول فيها؟ فقال : «يا شيخ ، تخبرني أنّ عليّاً (عليه السلام) قضى بها وتسألني
.................................................................................................
ما تقول فيها» (1).
ونسخ الكتب في هذه الرواية مختلفة ، ففي الكافي : «فلم نَرَ به بأساً» (2)في حين أنّ في الوافي : «فلم يَرَ به بأساً» (3)وكأنّه (عليه السلام) على التقدير الثاني قد أعرض عن الجواب ونسب الحكم إلى بعضهم. وأما نسخ الإستبصار فهي مختلفة فيما بينها ، وظاهر السؤال أن نسخته مطابق للثاني ، حيث ذكر (قدس سره) : أنّ قول الرجل المذكور ليس بحجة إذ لا تعلم عصمته (4).
ومن هنا فلا يمكن الاعتماد على هذه المعتبرة لعدم ثبوت الحكم فيها. على أنّ ذيلها يدلّ على أنّ الحكم حتى ولو كان صادراً منه كان على نحو من التخلص عن الجواب الحقيقي ، إذ لا انسجام بين الحكم بالجواز وإمضاء ما نقله الشيخ عن علي (عليه السلام).
وكيفما كان ، فهذه الروايات متعارضة مع ما دلّ صريحاً على عدم الجواز ، ومن هنا فقد يقال : أنّ مقتضى الجمع العرفي هو حمل الطائفة الأُولى على الكراهة ، إلّا أنّه مدفوع بأنّ الجمع العرفي بالحمل على الكراهة إنّما يكون في مورد الأمر والنهي أو النهي والترخيص ، وأما في مثل (تحلّ ولا تحلّ) فلا مجال للحمل على الكراهة ، لأنّهما من المتباينين والمتعارضين بتمام معنى الكلمة. على أنّ الحمل على الكراهة إنّما يكون في السؤال عن الحكم التكليفي ، وحيث أنّ السؤال في المورد إنّما هو عن الحكم الوضعي أعني الصحة وعدمها فلا مجال للحمل على الكراهة إذ لا معنى لها في الحكم الوضعي.
ومن هنا فقد حمل جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره) الطائفة الثانية على التقية ، مستشهدين على ذلك بصحيحة منصور بن حازم المتقدمة (5).
وكذا ابنتها (1) وإن نزلت (2) بشرط الدخول بالأُم (3) سواء كانت في حجره أم لا (4)
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، باعتبار أنّه لم ينقل القول باعتبار الدخول بالبنت في تحريم الأُم إلّا عن شاذّ من العامّة ، وإلّا فأئمّة المذاهب وأرباب الفتوى على ثبوت الحرمة في المقام مطلقاً ، سواء أدخل بالبنت أم لم يدخل ، وإذا كان الحال هكذا فكيف يمكن حمل الطائفة الثانية على التقية! فالصحيح في المقام هو ما ذكره الشيخ (قدس سره) في التهذيب من لابدّية اطّراح الطائفة الثانية والإعراض عنها ، نظراً لمخالفتها للكتاب العزيز (1). حيث عرفت أنّ مقتضى إطلاق قوله تعالى ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) هو حرمتها بمجرد العقد على البنت ومن دون اعتبار الدخول بها.
إذن فلا بدّ من العمل بمقتضى الطائفة الأُولى وطرح الطائفة الثانية ، لموافقتها للكتاب ومخالفتها له ، فتترجح الاولى على الثانية بهذا الاعتبار ، وبذلك تنحلّ مشكلة التعارض في المقام.
(1) بلا شكّ ولا ريب ولا خلاف فيه. وقد دلّت عليه مضافاً إلى قوله تعالى ( وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) النصوص الصريحة المتقدمة.
(2) على ما يستفاد من الآية الكريمة بقرينة وحدة السياق ، إذ المراد من الأُمهات والبنات وبنات الأخ وبنات الأُخت الأعم من الصلبية وغير ذات الواسطة ومن ذات الواسطة بلا كلام ، فبهذه القرينة يستفاد إرادة الأعم من البنت في المقام أيضاً. وكذا الحال في النصوص الواردة في المقام. ومن هنا يظهر أنّه لا حاجة للتمسك في إثبات المدعى بالإجماع والتسالم وإن كان ذلك صحيحاً أيضاً.
(3) على ما صرحت به الآية الكريمة والنصوص الصحيحة المتقدمة.
(4) وذلك لأنّ الآية الكريمة وإن قيّدت الربائب ب ( اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) إلّا أنّ هذا القيد ملغى إجماعاً إلّا عن شاذّ من العامة ومحمول على الغالب ، باعتبار أنّ
1) التهذيب 7 : 275.
وإن كان تولّدها بعد خروج الام عن زوجيته (1).
المتعارف والغالب هو كونها مع أُمّها ، فتكون في حجر الزوج وتحت كفالته فيكون هو المربِّي لها.
إذن فيكون الحكم من هذه الجهة مطلقاً.
(1) قد يستدلّ عليه بقوله تعالى ( وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) بعد حمل القيد على الغالب والالتزام بحرمتها مطلقاً ، لصدق عنوان الربيبة عليها ، نظراً لتولدها من زوجته السابقة. وليس هذا الاستدلال متوقفاً على القول بكون المشتق حقيقة في الأعم من المتلبس بالمبدإ والمنقضي عنه ، فإنّ المقام ليس منه وإنّما هو من باب الإضافة ، حيث أُضيفت في الآية الكريمة إلى زوج الام ، ولما كان يكفي في الإضافة أدنى ملابسة ، صدق على البنت المولودة بعد خروج الام عن زوجيته أنّها بنت للمرأة المدخول بها.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لما تقدم في مبحث المشتق من المباحث الأُصولية أنّ النزاع في المسألة لا يختص بالمشتقات الاصطلاحية ، بل يعمّ كل ما هو موضوع لمعنى منتزع عن أمر خارج عن مقام الذات ، وحيث أنّ الإضافة من ذلك باعتبار أنّها توجب التلبس بوصف ، وكان مختارنا بل مختار المشهور ظهور العنوان في المتلبس بالمبدإ بالفعل ، فلا مجال لإثبات حكم الربيبة لبنت الزوجة المولودة بعد خروج الام عن زوجيته ، فإنّها إنّما هي بنت لمن كانت زوجته.
بل ذكرنا في محلّه أنّ الحكم في المسألة المعروفة من كانت له زوجتان إحداهما كبيرة والأُخرى صغيرة فأرضعت الكبيرةُ الصغيرة بتحريم الكبيرة مبتن على الالتزام بكون المشتق موضوعاً للأعم ، باعتبار أن الأُمية والبنتية من العناوين المتضايفة التي لا يمكن الفصل بينهما ، بمعنى أنّه لا يمكن تحقق إحداهما دون تحقق الأُخرى ، فمتى ما تمّ شرائط الرضاع تحققا معاً ، فكانت الكبيرة امّاً للصغيرة وهي بنتاً لها.
فالالتزام بحرمتهما يتوقف على كون المشتق موضوعاً للأعم ، وإلّا فلو قلنا بوضعه لخصوص المتلبس بالمبدإ فلا مجال للقول بحرمتهما ، لأن الصغيرة حين تمامية الرضاع لم تكن زوجة له كي تكون الكبيرة امّاً لزوجته ، وحيث كانت زوجة له لم تكن
.................................................................................................
الكبيرة أُمّا لها ، وكذلك الكبيرة حين تمامية الرضاع لم تكن زوجة له كي تكون الصغيرة بنتاً لزوجته. نعم ، لو كان الرضاع بلبنه حرمت الصغيرة جزماً ، لأنّها تصبح بنتاً له.
وبعبارة اخرى : إنّ الأُمية والبنتية لم تكونا عند الزوجية ، وعند تحققهما لم تكن هناك زوجية ، فلا وجه للقول بتحريمهما لو كنّا نحن والآية الكريمة ، لما عرفت من توقف الاستدلال على ظهور المشتق في الأعم وهو مما لم نرتضه.
هذا كلّه بحسب القواعد الأُصولية ، وإلّا فقد دلّ النص الصحيح على حرمتهما معاً (1).
إذن فالصحيح في الاستدلال على المدعى هو التمسك بصحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل كانت له جارية فأُعتقت فزُوجت فوَلدت ، أيصلح لمولاها الأول أن يتزوج ابنتها؟ قال : «لا ، هي حرام وهي ابنته والحرّة والمملوكة في هذا سواء» (2)فإنّها صحيحة سنداً وواضحة دلالة.
بل حتى ولو فرض عدم هذه الصحيحة أيضاً ، لأمكن إثبات الحرمة بالروايات التي دلّت على أنّ من تزوج امرأة ودخل بها حرمت عليه ابنتها ، فإنّ مقتضى إطلاقها هو عدم اختصاص الحكم ببنتها حال الزواج.
ومن هنا يثبت الحكم في عكس هذا الفرض ، كما لو تزوج طفلة صغيرة لا أُمّ لها ثم ارتضعت من امرأة فأصبحت أُمّا لها بالرضاع ، حرمت على الزوج لإطلاق قوله (عليه السلام) : «حرمت عليه أُمّها» (3).
بل يمكن تأييد هذا الحكم بقوله تعالى ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) . فإنّه بعد أن علمنا من الخارج أنّ الربيبة أعم من كونها للزوجة الفعلية والسابقة على ما دلّت عليه صحيحة محمد بن مسلم فبقرينة وحدة السياق يفهم أنّ المراد من ( نِسائِكُمْ ) الاولى في الآية الكريمة هو الأعم من الأُمّ الفعلية والتي
وكذا تحرم أُمّ المملوكة الموطوءة على الواطئ وإن علت مطلقاً ، وبنتها (1).
تكون امّاً لها بعد الزواج.
وعلى كلٍّ فالحكم في المقام متسالم عليه ، ولا خلاف فيه ولا إشكال.
(1) بلا خلاف فيه عندنا ، بل والعامّة أيضاً على ما ذكره ابن قدامة في المغني (1).
وقد نصّت عليه نصوص متضافرة. ففي معتبرة الحسين بن سعيد ، قال : كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) : رجل له أَمة يطأها فماتت أو باعها ثم أصاب بعد ذلك أُمّها هل له أن ينكحها؟ فكتب (عليه السلام) : «لا تحلّ له» (2).
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل كانت له جارية وكان يأتيها فباعها فأُعتقت وتزوجت فولدت ابنة ، هل تصلح ابنتها لمولاها الأول؟ قال : «هي عليه حرام» (3). إلى غيرهما من النصوص المعتبرة الدالة على المدعى صريحاً.
إلّا أنّ بإزاء هذه النصوص روايتين تدلّان على الجواز ، هما :
أولاً : رواية الفضيل بن يسار وربعي بن عبد اللّه ، قالا : سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كانت له مملوكة يطأها فماتت ثم أصاب بعدُ أُمّها ، قال : «لا بأس ليست بمنزلة الحرة» (4).
وقد ردّها الشيخ (قدس سره) بأنّه ليس فيه ما ينافي ما تقدم ، لأنّه ليس في ظاهر الخبر أنّه إذا أصاب بعدُ أُمّها له وطؤها ، بل تضمن أنّ له أن يصيب أُمّها ، ونحن نقول أنّه له أن يصيبها بالملك والاستخدام دون الوطء. ويكون قوله (عليه السلام) : «ليست بمنزلة الحرة» معناه أنّ هذه ليست بمنزلة الحرة ، لأنّ الحرة محرم منها الوطء وما هو
.................................................................................................
سبب لاستباحة الوطء من العقد ، وليس كذلك المملوكة ، لأن الذي يحرم منها الوطء دون الملك الذي هو سبب استباحة الوطء في حال من الأحوال ، وبهذا افترقت الحرة من الأَمة (1).
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه لكونه حملاً بعيداً جدّاً ، فإنّ الجمع بينهما في الملكية لا بأس به حتى في زمان واحد بلا خلاف فيه ، ومن هنا فلا وجه لحمل السؤال عليه لا سيما بملاحظة أنّ ظاهره أنّ للموت خصوصية يرتفع معها محذور الجمع بينهما فيسوغ بعدها تملك الام ، ومن الواضح أنّ ذلك إنّما ينسجم مع إرادة الوطء من الإصابة ، وإلّا فلا خصوصية للموت في جواز تملكها المجرد إذ أنّه جائز حتى في زمان حياتها.
فالصحيح ردّ الرواية لضعف سندها نظراً لوقوع محمد بن سنان في الطريق ، وهو ممن لم يثبت توثيقه.
ثانياً : رواية رزين بياع الأنماط عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : قلت له : تكون عندي الأَمة فأطأها ثم تموت أو تخرج من ملكي فأُصيب ابنتها ، يحل لي أن أطأها؟ قال : «نعم ، لا بأس به ، إنّما حرّم اللّه ذلك من الحرائر ، فأما الإماء فلا بأس به» (2).
وقد أورد عليها صاحب الوسائل (قدس سره) تارة بأنّها محمولة على التقية وأُخرى بأنّ من الممكن كون الضمير في (أطأها) راجعاً إلى الأُم ، يعني وإن ملك البنت تحل له الام واستدامة ملك البنت بخلاف الحرائر.
إلّا أنّه مردود ، بأنّ الحمل على التقية لا مجال له بالمرة ، بعد ما عرفت أنّ الحكم متسالم عليه حتى عند العامّة. والحمل الثاني غريب منه (قدس سره) ، إذ المفروض في الرواية أنّ الأُم قد ماتت أو خرجت عن ملكه ، ومعه كيف يمكن القول برجوع الضمير إليها! نعم ، ردّها الشيخ (قدس سره) بأنّ هذا الخبر شاذ نادر لم يروه غير بياع الأنماط
[3740] مسألة 4 : لا فرق في الدخول بين القبل والدبر (1) ويكفي الحشفة أو مقدارها (2). ولا يكفي الإنزال
وإن تكرر في الكتب ، وما يجري هذا المجرى في الشذوذ يجب طرحه ولا يعترض به على الأحاديث الكثيرة ، ثم أنّه قد روى ما ينقض هذه الرواية ويوافق ما قدمناه. فإذا كان الأمر على ما ذكرناه وجب الأخذ بروايته التي توافق الروايات الأُخر ، ويعدل عن الرواية التي تفرّد بها ، لأنّه يجوز أن يكون ذلك وهماً (1).
وما ذكره (قدس سره) صحيح ومتين ، فلا بدّ من طرح الرواية لذلك. على أنّها ضعيفة السند في حد ذاتها ، نظراً لعدم ثبوت وثاقة رزين بياع الأنماط ، فلا مجال للاعتماد عليها وجعلها معارضة للنصوص الصحيحة المتقدمة.
(1) لإطلاق الأدلة ، حيث لم يرد في شيء منها التقييد بالوطء في القبل.
(2) وذلك لتحقق الوطء بهما. نعم ، في بعض الكلمات أنّه لو لا الإجماع على اعتبار إدخال الحشفة أو مقدارها لمقطوعها ، لقيل بكفاية إدخال الأقل منها في ثبوت الحكم لصدق الدخول عليه أيضاً.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، نظراً إلى أنّ كلمة (دخل بها) ليست بمعنى إدخال شيء فيها ، كي يقال بأنّه يصدق بإدخال بعض الحشفة أيضاً ، وإنّما معناها هو دخول الرجل بها ، وحيث أنّ من الواضح أنّ المعنى الحقيقي هذا غير مقصود جزماً ، فلا بدّ من حملها على الكناية عن الإتيان والجماع والمقاربة والوطء ، ومن هنا فلا يكون فيها إطلاق يشمل إدخال بعض الحشفة.
ومما يؤيد ذلك ما ورد في بعض النصوص المعتبرة من التعبير بالإفضاء. ففي معتبرة عيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأته وقبّل غير أنّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها ، قال : «إن لم يكن أفضى إلى الأُم فلا بأس وإن كان أفضى فلا يتزوج» (2). فإنّ من الواضح أن الإفضاء لا يتحقق إلّا بالوطء
.................................................................................................
المتعارف بإدخال الحشفة أو الأكثر منها ، ولا يتحقق بإدخال الأقل منها ، فتكون هذه المعتبرة مبيّنة لمعنى الدخول المذكور في سائر النصوص.
نعم ، ناقش صاحب الجواهر (قدس سره) في هذه المعتبرة بأنّ النسخة فيها مختلفة ، حيث أنّ المذكور في بعضها (باشر امرأته) في حين أن المذكور في بعضها الآخر (باشر امرأة) ولما كانت الرواية على النسخة الثانية أجنبية عن محل الكلام ، نظراً إلى أنّها حينئذٍ إنّما تكون من روايات باب الفجور ، فلا مجال للاعتماد عليها في إثبات حرمة الربيبة بتقبيل الأُم أو لمسها (1).
إلّا أنّ هذه المناقشة قابلة للدفع ، فإنّ نسخة الرواية غير مختلفة ، وإنّما في المقام روايتان :
الاولى : ما رواه الكليني (قدس سره) في (باب الرجل يفجر بالمرأة فيتزوج أُمّها أو ابنتها أو يفجر بأُم امرأته أو ابنتها) من الكافي ، عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، جميعاً ، عن صفوان بن يحيى ، عن العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة ، الحديث (2).
وقد رواها الشيخ (قدس سره) في التهذيب في (باب الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له نكاحها) عن الكليني (قدس سره) بعين السند المتقدم (3). وكذا الحال في الاستبصار (4).
كما رواها صاحب الوسائل (قدس سره) أيضاً في (باب أنّ من زنى بامرأة حرمت عليه بنتها وأُمّها ، وإن كان منه ما دون الجماع لم تحرما) (5).
الثانية : ما رواه الشيخ (قدس سره) في (باب من أحلّ اللّه نكاحه من النساء وحرم
على فرجها من غير دخول وإن حبلت به (1). وكذا
منهنّ في شرع الإسلام) عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن صفوان ابن يحيى ، عن عيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأته ، الحديث (1).
كما رواها صاحب الوسائل (قدس سره) في (باب من تزوج امرأة ولم يدخل بها إلّا أنّه رأى منها ما يحرم على غيره كره له تزويج ابنتها) (2).
وبعد هذا كلّه كيف يمكن القول باتحاد الروايتين وأنّ الاختلاف إنّما هو في النسخ خاصة ، فإن إحداهما واردة في الزنا والأُخرى واردة في نكاح الزوجة ، ولا سيما بملاحظة ذكر كل منهما فيما يخصه من بابه ، على ما عرفت.
نعم ، روى الشيخ (قدس سره) في الاستبصار في (باب حدّ الدخول الذي يحرم معه نكاح الربيبة) بنفس السند المذكور في التهذيب هذه الرواية ، إلّا أنّ فيها (باشر امرأة) (3). لكنه من خطأ النساخ جزماً ، وذلك لما يذكره (قدس سره) تعليقاً على هذه الرواية : بأنّها مطابقة لظاهر الكتاب ، حيث قال اللّه عزّ وجلّ ( وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) (4).
فإنّ هذا الكلام ظاهر الدلالة في أنّ النسخة الصحيحة هي (امرأته) كي ينسجم ذلك مع استفادة حكم الربيبة ، وإلّا لكانت الرواية أجنبية عنها.
(1) إذ الموضوع للحكم في النصوص إنّما هو الوطء والدخول ، فلا يكون للحمل أثر بعد أن لم يذكر لا في الكتاب ولا السنّة.
لا فرق بين أن يكون في حال اليقظة أو النوم ، اختياراً أو جبراً منه أو منها (1).
[3741] مسألة 5 : لا يجوز لكل من الأب والابن وطء مملوكة الآخر من غير عقد ولا تحليل وإن لم تكن مدخولة له (2)
(1) أما من جهة المرأة فالحكم واضح ، باعتبار أنّ الموضوع له في لسان الأدلة إنّما هو دخول الأزواج بزوجاتهم ، على ما يستفاد ذلك من قوله تعالى ( اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) ومن النصوص.
وأما من جهة الرجل فقد يقال أنّ ظاهر قوله تعالى ( اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) هو أن يكون ذلك فعلاً اختيارياً له.
إلّا أنّه يندفع بأنّ ذلك وإن أمكن استفادته من الآية الكريمة ، إلّا أنّ الظاهر من جملة من النصوص المعتبرة أنّ موضوع الحكم ليس هو صدور الفعل من الفاعل واستناده إليه ، وإنّما هو صدور النتيجة وتحققها في الخارج بحيث تكون الزوجة مدخولاً بها.
ففي معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه : «أنّ عليّاً كان يقول : الربائب عليكم حرام من الأُمهات اللّاتي قد دخل بهن ، هنّ في الحجور وغير الحجور سواء» (1). فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) : «دخل بهنّ» هو عدم الفرق بين كون ذلك في حالة اليقظة أو النوم ، اختيارياً كان ذلك أم جبراً منه أو منها.
(2) بلا خلاف فيه بين الأصحاب. وتدلّ عليه جملة من النصوص على ما سيأتي بيانها ولقبح التصرف في ملك الغير.
نعم ، يستفاد من بعض الروايات جواز ذلك بالنسبة إلى الأب خاصة.
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه ، قال : «يأكل منه ما شاء من غير سرف». وقال : «في كتاب علي (عليه السلام) : أنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه ، والوالد
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 18 ح 3.
.................................................................................................
يأخذ من مال ابنه ما شاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها». وذكر أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال لرجل : «أنت ومالك لأبيك» (1).
وفي معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يكون لولده الجارية ، أيطؤها؟ قال : «إن أحبّ ، وإن كان لولده مال وأحبّ أن يأخذ منه فليأخذ» (2).
وقد تقدّم في محلِّه أن ذيل الصحيحة الأُولى محمول على بيان حكم أخلاقي محض جزماً ، إذ الولد الحر غير قابل لأن يكون مملوكاً لأحد كي يكون ماله كذلك أيضاً ، بل الأب لا ولاية له عليه فضلاً عن أن يكون مالكاً له ، فمن هنا لا محيص عن حمل هذا الذيل على بيان حكم أخلاقي فقط.
ومما يدلّ على ذلك صحيحة الحسين بن أبي العلاء ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما يحلّ للرجل من مال ولده؟ قال : «قوته بغير سرف إذا اضطرّ إليه». قال : فقلت له : فقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له : «أنت ومالك لأبيك»؟ فقال : «إنّما جاء بأبيه إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول اللّه ، هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أُمي فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه ، وقال : أنت ومالك لأبيك ، ولم يكن عند الرجل شيء أوَكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) يحبس الأب للابن»؟! (3).
فإنّها صريحة الدلالة على أنّ التعبير ب- «أنت ومالك لأبيك» إنّما هو لبيان الحكم الأخلاقي ، باعتبار أنّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لم يكن يحبس الأب للابن.
وعلى كل فالمعتبرتان تدلّان على جواز وطء الأب مملوكة ابنه إذا لم يكن قد دخل بها مطلقاً ، إلّا أنّ مقتضى جملة من النصوص تقييد الحكم بما إذا قوّمها على نفسه وأصبحت بذلك مملوكة له.
والنصوص الواردة في المقام كثيرة منها
.................................................................................................
صحيحة أبي الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يكون لبعض ولده جارية وولده صغار ، هل يصلح له أن يطأها؟ فقال : «يقوّمها قيمة عدل ثم يأخذها ويكون لولده عليه ثمنها» (1).
وصحيحة محمد بن إسماعيل ، قال : كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في جارية لابن لي صغير ، يجوز لي أن أطأها؟ فكتب : «لا ، حتى تخلصها» (2).
وصحيحة ابن سنان ، قال : سألته يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام) ماذا يحلّ للوالد من مال ولده؟ قال : «أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً ، وإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها ، إلّا أن يقوّمها قيمة تصير لولده قيمتها عليه». قال : «ويعلن ذلك». قال : وسألته عن الوالد أيرزأ من مال ولده شيئاً؟ قال : «نعم ، ولا يرزأ الولد من مال والده شيئاً إلّا بإذنه» (3).
ولا يخفى أنّ هذه الرواية مروية في التهذيب تارة عن الحسين وهو ابن سعيد جزماً بقرينة الرواية السابقة عليها عن حماد ، عن عبد اللّه بن المغيرة ، عن ابن سنان (4). وأُخرى عن الحسين بن حماد ، عن حماد ، عن عبد اللّه بن المغيرة ، عن ابن سنان (5)، وبهذا الطريق لا تكون الرواية معتبرة نظراً إلى أنّ الحسين بن حماد لم يوثق. إلّا أنّ هذه النسخة غلط جزماً ، فإنّ هذه الرواية بعينها مروية في الاستبصار أيضاً وقد صرّح الشيخ (قدس سره) فيه بالحسين بن سعيد (6). إذن فالرواية معتبرة سنداً.
وصحيحة الحسن بن محبوب ، قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إنّي كنت وهبت لابنة لي جارية حيث زوجتها ، فلم تزل عندها وفي بيت زوجها حتى مات زوجها ، فرجعت إليّ هي والجارية ، أفيحلّ لي أن أطأ الجارية؟ قال : «قوّمها
.................................................................................................
قيمة عادلة وأشهد على ذلك ، ثم إن شئت فطأها» (1).
ومعتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الوالد يحلّ له من مال ولده إذا احتاج إليه؟ قال : «نعم ، وإن كان له جارية فأراد أن ينكحها قوّمها على نفسه ويعلن ذلك». قال : «وإن كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسّها الابن» (2).
فهذه جملة من النصوص تدلّ على عدم جواز وطء كل من الأب والابن مملوكة الآخر من غير عقد ولا تحليل. نعم ، يجوز للأب تقويم جارية ولده على نفسه وإخراجها بذلك عن ملك الولد ووطؤها إلّا أنّه خروج عن محل النزاع ، وسيأتي التعرض إليه في المسألة القادمة.
وبذلك تكون هذه النصوص مقيدة لصحيحة محمد بن مسلم ومعتبرة علي بن جعفر المتقدمتين ، حيث دلّتا على الجواز بالنسبة للأب مطلقاً.
نعم ، ورد في رواية واحدة جواز وطء الأب لجارية ابنته خاصة ، وهي رواية عروة الخياط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : لِمَ يحرم على الرجل جارية ابنه وإن كان صغيراً وأُحلّ له جارية ابنته؟ قال : «لأن الابنة لا تنكح والابن ينكح ، ولا يدري لعلّه ينكحها ويخفى ذلك عن أبيه ، ويشبّ ابنه فينكحها فيكون وزره في عنق أبيه» (3).
وموضوع هذه الرواية كما تراه هو جارية الابنة وجارية الابن ، فتكون هذه الرواية دالّة على الجواز في جارية الابنة مطلقاً ، ومن دون حاجة إلى نقلها إلى ملكه بتقويمها على نفسه ، بحيث يكون وطؤه لها في حال كونها مملوكة له.
وقد التزم الشيخ الصدوق (قدس سره) بصحة هذه الرواية ، إلّا أنّه حملها على بيان أنّ الأصلح للأب أن لا يأتي جارية ابنه وإن كان صغيراً (4).
وإلّا كان زانياً (1).
[3742] مسألة 6 : يجوز للأب أن يقوّم مملوكة ابنه الصغير على نفسه ووطؤها (2).
إلّا أنّ هذه الرواية لا تصلح لمعارضة ما تقدم من النصوص المتقدمة ، الدالة على لزوم التقويم على نفسه ونقلها إلى ملكه. على أنّها ضعيفة السند بعروة الخياط ، فإنّه لم يثبت توثيقه.
(1) لكونه وطئاً بغير استحقاق أو شبهة.
(2) بلا خلاف في ذلك بين الأصحاب ، والنصوص الدالة عليه متضافرة ، إلّا أنّها كما تقدّمت الإشارة إليه في المسألة السابقة على قسمين : فمنها ما هو وارد في خصوص جارية الولد الصغير ، ومنها ما هو مطلق بالنسبة لجارية الولد الكبير أو صريح في ذلك.
أمّا القسم الأوّل : فهو عبارة عن صحيحتي أبي الصباح ومحمد بن إسماعيل المتقدِّمتين في المسألة السابقة وغيرهما من النصوص الصحيحة.
وأمّا القسم الثاني : فهو عبارة عن جملة من النصوص الصحيحة. منها : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل يكون لابنه جارية ، إله أن يطأها؟ فقال : «يقوّمها على نفسه ويشهد على نفسه بثمنها أحبّ إليّ» (1). فإنّها بإطلاقها تدلّ على عدم اختصاص الحكم بجارية الولد الصغير.
ومنها : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «في كتاب علي (عليه السلام) : أنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً ، ويأخذ الوالد من مال ولده ما يشاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إن لم يكن الابن وقع عليها» (2). فإنّها كسابقتها في الإطلاق.
ومنها : صحيحة ابن سنان المتقدمة ، حيث ورد فيها : «وإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها ، إلّا أن يقوّمها قيمة تصير لولده قيمتها عليه».
.................................................................................................
ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) المتقدمة أيضاً.
ومنها : صريح صحيحة الحسن بن محبوب المتقدمة ، حيث فرض فيها أنّها جارية لابنته المزوجة والتي رجعت إلى بيته بعد وفاة زوجها.
وأصرح من جميع ذلك صحيحة إسحاق بن عمار المتقدمة أيضاً ، حيث ورد فيها : «وإن كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسّها الابن».
ومقتضى هذه النصوص هو جواز التقويم مطلقاً ، سواء أكان الولد صغيراً أم كبيراً. ولا يعارضها ما ورد في القسم الأول ، لأنّ التقييد بالصغير إنّما ورد في كلام السائل وهو لا يقتضي اختصاص الحكم به ، بل غاية ما يفيده هو عدم ثبوت الحكم في غيره إلّا بالدليل ، وقد عرفت ما يدلّ عليه.
نعم ، ورد التقييد بالصغير في كلام الإمام (عليه السلام) في موردين هما :
1 - صحيحة ابن سنان المتقدمة ، حيث ورد في ذيلها : «فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحبّ أن يقتضها ، فليقوّمها على نفسه قيمة ثم ليصنع بها ما شاء ، إن شاء وطئ وإن شاء باع».
2 - رواية الحسن بن صدقة عن أبي الحسن (عليه السلام) ، حيث ورد فيها : فقال : «إذا اشتريت أنت لابنتك جارية أو لابنك ، وكان الابن صغيراً ولم يطأها ، حلّ لك أن تقتضها فتنكحها ، وإلّا فلا إلّا بإذنهما» (1).
إلّا أنّ ذلك لا يؤثر شيئاً فيما ذكرناه ، فإنّ الرواية الأُولى يرد عليها بأنّ مفهومها إنّما هو (إن لم يكن للرجل ولد صغار) وهو لا حجية فيه.
ولا يجري فيه ما ذكرنا في محلّه من أنّ ذكر القيد يدلّ على عدم ثبوت الحكم للطبيعي وإلّا لكان ذكره لغواً ، وذلك لإمكان حمل القيد على بيان انحصار حلية وطء جاريته بذلك إذ لا طريق لها بغير التقويم ، بخلاف الكبير حيث لا يختص جواز الوطء بذلك بل يجوز بالتحليل وغيره أيضاً ، فلا يكون ذكر القيد لغواً.
ودعوى أنّ حلّية جارية الولد الصغير لا تنحصر بالتقويم ، لإمكانها بعقد الأب
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 40 ح 5.
والظاهر إلحاق الجد بالأب (1)
عليها ، أو تحليلها لنفسه بالولاية.
مدفوعة بأنّ العقد والتحليل لما كان يشتمل بطبيعة الحال على المفسدة ، نظراً لإيجابهما تحريم الجارية على الصغير ، لم يكن للأب ولاية على ذلك ، ومن هنا فينحصر طريق الحلّية بالتقويم لا محالة.
والحاصل أنّ القيد في هذه الصحيحة لما أمكن حمله على بيان جهة وخصوصية فيه ، فلا مجال لجعل هذه الصحيحة معارضة للصحاح التي دلّت بإطلاقها على التعميم ، فضلاً عن التي دلّت على ثبوت الحكم في جارية الولد الكبير صراحة.
وأما الرواية الثانية ؛ فهي ضعيفة أولاً بسهل حيث لم تثبت وثاقته ، وثانياً بموسى ابن جعفر فإنّه ضعيف ولا اعتبار بروايته. على أنّ هذه الرواية قد تضمنت إثبات الحلّية لخصوص ما اشتراه الأب لابنه أو لابنته ، دون التي دخلت في ملك الولد أو البنت بطريق آخر كالإرث أو الشراء من مالهما وهذا منافٍ للأخبار الصحيحة المتقدمة ، ولا قائل به بين الأصحاب. ومن هنا فلا مجال للاعتماد على هذه الرواية في قبال ما تقدم من الأخبار الصحيحة.
نعم ، لا يخفى أنّ مقتضى جملة من النصوص المتقدمة هو اختصاص الحكم في جانب الكبير بمورد حاجة الأب إلى جاريته ، إذ قد ورد في عدّة من النصوص اختصاص جواز الأخذ من مال الابن بمورد حاجته إليه ، بخلاف الحكم في جانب الصغير حيث يجوز للأب تقويم جاريته وتملكه لها مطلقاً ، سواء أكان بحاجة إليها أم لم يكن ، على ما يظهر ذلك من التعبير ب- «إن أحبّ» في صحيحة ابن سنان وغيرها. وبهذا يختلف الحكم فيهما نظراً لما يظهر من النصوص.
(1) وقد خالف فيه جماعة ، مدعين اختصاص النصوص بالأب وهو ظاهر في الوالد بلا واسطة ، والتعدي عنه يحتاج إلى الدليل.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، نظراً إلى أنّ المذكور في بعض النصوص وإن كان لفظ الأب إلّا أنّه غير مذكور في عمدة النصوص المعتبرة ، وإنّما المذكور فيها «للرجل ولد صغار» على ما في صحيحة ابن سنان ، أو (الرجل يكون لبعض ولده جارية) على ما في صحيحة الكناني ، وهو عام يشمل الأب بلا واسطة والجدّ.
والبنت بالابن (1) وإن كان الأحوط خلافه. ولا يعتبر إجراء صيغة البيع أو نحوه (2) وإن كان أحوط (1). وكذا لا يعتبر كونه مصلحة للصبي (3).
ومعه كيف يمكن دعوى اختصاص النصوص بالأب بلا واسطة ، ولا سيما بعد ظهور لفظ الولد في الأعمّ من الابن بلا واسطة والابن مع الواسطة! بل من غير البعيد دعوى أنّ شمول مورد الأسئلة للجدّ أقرب من شموله للأب بلا واسطة ، وذلك نظراً للغلبة الخارجية. فإنّ فرض كون الجارية للابن الصغير أو الابنة الصغيرة إنّما يكون غالباً بموت الأب وانتقال الجارية إليهما بالإرث ، وإلّا ففرض شراء الأب الجارية لهم وإن كان ممكناً إلّا أنّه بعيد.
(1) وذلك فلأنّ عنوان الابن لم يذكر إلّا في بعض النصوص ، والمذكور في أكثرها إنّما هو عنوان الولد ، ومقتضى إطلاقه هو عدم اختصاص الحكم بالابن وعمومه للبنت أيضاً. بل يمكن استفادة التعميم من النصوص التي دلّت على أنّ الحكم بجواز تقويم الأب لجارية ابنه الصغير إرفاق في حق الأب ، إذ إنّ من الواضح أنّ الإرفاق في حقّه لا يختص بالنسبة إلى جارية ابنه الصغير خاصة ، وإنّما هو ثابت في جارية ابنته الصغيرة أيضاً.
(2) لا يخفى أنّ مقتضى النصوص هو عدم كفاية مجرد التقويم في حلّية الجارية ، إذ إنّ المذكور فيها هو التخليص ، ومن الواضح أنّه عبارة عن فكّ علاقة الجارية عن ملك الولد وإدخالها في ملكه ، وهو لا يتحقق بمجرد التقويم ومعرفة قيمتها فقط ، ومن هنا فلا بدّ من أجل ثبوت الحلّ من مملّك بعد معرفة قيمتها ، ولا أقل من إجراء المعاملة المعاطاتية.
(3) لعدم الدليل على اعتبارها ، بل إطلاقات النصوص تدلّ على عدم اعتبارها بل يمكن دعوى أنّه لا حاجة لإثبات الحكم إلى التمسك بالإطلاق ، وذلك لأنّ هذه النصوص تدلّ على وجود خصوصية للأب في هذا الحكم. فلو كانت المصلحة معتبرة لما كانت للأب خصوصية بل كان الحكم ثابتاً في جميع الأولياء ، سواء أكان الحاكم الشرعي أم كان القيّم على الصغير ، فإنّه يجوز لهم جميع أنواع التصرف في أموال الصبي
1) (*) لا يُترك الاحتياط فيه وفيما بعده.
نعم ، يعتبر عدم المفسدة (1). وكذا لا يعتبر الملاءة في الأب (2) وإن كان أحوط.
[مسألة 3743] مسألة 7 : إذا زنى الابن بمملوكة الأب حدّ (3). وأما إذا زنى الأب بمملوكة الابن ، فالمشهور عدم الحدّ عليه ، وفيه إشكال (1)(4).
بيعاً كان أو غيره إذا كان في ذلك مصلحة للصغير ، والحال أنّه لا شكّ في عدم ثبوت هذه الخصوصية في سائر الأولياء.
(1) بلا خلاف فيه بينهم. وتدلّ عليه صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) : «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال لرجل : أنت ومالك لأبيك» ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) : «ما أُحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بدّ منه إنّ ( اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) » (2).
على أنّ في النصوص التي دلّت على لزوم الإعلان والإشهاد على التقويم إشعاراً على ذلك ، إذ لو كان للأب أن يفعل كيفما شاء بحيث يجوز له تملكها حتى مع فقره وعدم تمكّنه من أداء قيمتها ، لم يكن للإعلان والإشهاد وجه.
(2) لإطلاق النصوص. إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لما ورد في النصوص من لزوم الإعلان والإشهاد ، فإنّ من الواضح أنّ فائدتهما إنّما هو معرفة ثبوت القيمة في ذمته كي لا تفوت على الصغير ، فإذا فرض أنّ الأب فقير بحيث لا يتمكن من الأداء ولا تتحمل ذمته ذلك يجوز له التملك بالتقويم ، فلا تبقى للإعلان والإشهاد فائدة وأثر. على أنّ في تقويم جارية الصغير وتملكها مع عدم الملاءة إفساداً واضحاً ، لأنّه من جعل ماله في معرض التلف ، فلا يجوز للأب ذلك.
(3) لإطلاقات الأدلة ، فيكون حال هذا الفعل حال الزنا بالأجنبية.
(4) بل الظاهر ثبوت الحد عليه ، لعدم النص على العدم ، وإن كان ظاهر المسالك وجود النص (3)، إلّا أنّه سهو منه (قدس سره).
.................................................................................................
واحتمال أن يكون المراد بالنص قوله (عليه السلام) : «أنت ومالك لأبيك» لا يمكن المساعدة عليه حتى ولو فرض حمل هذه الجملة على معناها الحقيقي ، إذ لازمه الخروج عن محل الكلام نظراً لعدم تحقق الزنا ، حيث إنّ للأب حينئذٍ أن يطأ جارية ابنه حتى من غير تقويم باعتبار كونها مملوكة للأب حقيقة. ومن هنا تكون هذه الرواية أجنبية عن حكم زنا الأب بمملوكة ابنه لو تحقق ، كما لو وطئ جارية ابنه الموطوءة من قبله.
نعم ، ظاهر الأصحاب استفادة الحكم في المقام مما دلّ على أنّ الوالد لا يقاد بابنه (1)وما ورد من أنّ الأب لا يحدّ إذا قذف ابنه (2)وما هو المشهور بين الأصحاب وهو الصحيح من أنّ الولد لا يقتصّ من أبيه إذا قتل امه ، عن طريق الأولوية القطعية. نظير استفادة عدم قطع يد الأب بالسرقة من مال ابنه ، مع أنّه لا دليل عليه بخصوصه أصلاً. وذلك بدعوى أنّ الولد إذا لم يكن له المطالبة بحدّ الأب في النفس والعرض اللذين هما من المال قطعاً ، لم يكن له المطالبة بحدّه فيما لو سرق منه أو زنى بمملوكته بطريق أولى.
إلّا أنّ ما ذكر بالنسبة إلى عدم القطع في السرقة متين وفي محلّه جدّاً ، إذ للمسروق منه العفو عن السارق قبل الإقرار أو قيام البينة إجماعاً ، وإن لم يكن له ذلك بعدهما على الأقوى وإن ذهب المشهور إلى خلافه ، فبذلك تكون في السرقة شبهة حق الناس فتلحق بالقتل والعرض. وأما بالنسبة إلى عدم الحدّ في الزنا فهو مما لا يمكن المساعدة عليه ، إذ لا وجه للتعدي مما هو من حقوق الناس كالقتل والقذف حيث ليس للحاكم إجراء الحد من دون مطالبة من له الحق إلى ما هو من حقوق اللّه تبارك وتعالى محضاً كحدّ الزنا ، فإنّه من حقوق اللّه تعالى وليس لأحد إسقاطه.
ومن هنا فحيث لا نصّ في المقام ، ولا وجه للتعدي ، ولا إجماع على ما يظهر من عبارة المسالك في المسألة الرابعة من حدّ السارق حيث حكم بالحدّ عند زنا الأب بجارية ابنه وإن كان ذلك مخالفاً لما ذكره في المقام فلا مبرر للقول بالفرق بين الأب والابن ، بل الصحيح هو الالتزام بحدّ الأب إذ زنى بجارية ابنه أيضاً.
[3744] مسألة 8 : إذا وطئ أحدهما مملوكة الآخر شبهة لم يحد (1) ولكن عليه مهر المثل (2). ولو حبلت (3) فإن كان الواطئ هو الابن عتق الولد قهراً مطلقاً (4). وإن كان الأب لم ينعتق (1)(5).
(1) بلا خلاف فيه على الإطلاق ، لاختصاصه بالزنا ودرء الحدود عند الشبهات.
(2) على طبق القاعدة. وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الأسبق.
(3) المظنون قوياً كون هذا الذيل من ملحقات المسألة السابقة ، نظراً إلى أنّ المولود من الشبهة يلحق بالواطئ بلا خلاف ، فلا وجه لما ذكره (قدس سره) من التفصيل في هذا المقام ، وإنّما ينسجم ذلك مع كون الواطئ زانياً.
فإنّ الواطئ إذا كان هو الابن انعتق الولد مطلقاً ، لأنّه حينئذ حفيد للمالك وهو لا يملك ابنه حتى ولو كان مخلوقاً من الزنا. وإن كان الواطئ هو الأب : فإن كان المولود أُنثى انعتق أيضاً لكونها أُختاً للمالك فلا يملكها ، وإن كان ذكراً فيملكه إذ لا مانع من أن يملك الرجل أخاه. ولا يشمله ما دلّ على أنّ الولد يلحق بأشرف أبويه جزماً لاختصاص الحكم بالنكاح الصحيح نصاً وفتوى.
نعم ، يرد على إلحاق هذا الذيل بالمسألة السابقة أنّه لا وجه لما يذكره (قدس سره) في خاتمة الذيل من ثبوت قيمة الولد على الأب ، فإنّه لا دليل عليه فيما إذا كان الوطء عن زنا ، لاختصاص النص بما إذا كان النكاح صحيحاً.
(4) سواء أكان ذكراً أم كان أُنثى ، لأنّه مع كون الوطء عن شبهة كما هو مفروض كلامه (قدس سره) يلحق بالابن الحر فيكون حراً ، ومع كون الوطء زنا فالمولود لمالك الأَمة ، وبما أنّه والد الزاني فلا يملك ولد ولده.
(5) وهو إنّما يتمّ في فرض كون الواطئ زانياً ، كما مرّ.
وأمّا إذا كان الوطء عن شبهة كما هو مفروض كلامه (قدس سره) فهو بالإضافة إلى منافاته لما سيأتي منه (قدس سره) في فصل نكاح العبيد والإماء ، غير
1) (*) الظاهر هو الانعتاق كما صرّح به في المسألة الثامنة من فصل نكاح العبيد والإماء.
إلّا إذا كان أُنثى. نعم ، يجب على الأب فكّه (1) إن كان ذكراً (2).
[3745] مسألة 9 : لا يجوز نكاح بنت الأخ أو الأُخت على العمّة والخالة إلّا بإذنهما (3)
صحيح في نفسه ، وذلك لأن المولود عن الوطء الصحيح سواء أكان بالتزويج أم كان بالشبهة يلحق مطلقاً بأشرف أبويه ، وحيث إنّ الأب بحسب الفرض حر فيلحق الولد به وينعتق قهراً عليه.
وهذا الحكم غير مختص بما إذا كان الواطئ هو الأب أو الابن ، بل يعمّ حتى إذا كان الواطئ رجلاً أجنبياً.
وقد دلّت على ذلك جملة من النصوص ، ففي صحيحة جميل بن دراج ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحر يتزوج الأَمة أو عبد يتزوج حرة ، قال : فقال لي : «ليس يسترقّ الولد إذا كان أحد أبويه حراً ، إنّه يلحق بالحر منهما أيّهما كان ، أباً كان أو امّاً» (1).
ومن الواضح أنّه لا خصوصية للتزويج ، وإنّما العبرة بكون النكاح صحيحاً.
(1) بدفع ثمنه يوم سقط حياً. وتدلّ عليه موثقة سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً وزعمت أنّها حرة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولداً ، ثم إنّ مولاها أتاهم فأقام عندهم البيّنة أنّها مملوكة وأقرّت الجارية بذلك ، فقال : «تدفع إلى مولاها هي وولدها ، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه» (2).
(2) ظهر مما تقدم عدم صحة التفصيل بين الذكر والأُنثى بما ذكره. فإن الوطء إذا كان زنا فإنّ التفصيل في الانعتاق بين الذكر والأُنثى صحيح ، فإنّ الابن يملك أخاه ولا يملك أُخته ، إلّا أنّ الحكم بلزوم الفكّ في الذكر بلا موجب. وإذا كان الوطء وطء شبهة كما هو مفروض كلامه (قدس سره) فالولد حر مطلقاً ، فلا وجه للتفصيل بين الذكر والأُنثى.
(3) على ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل ادعي في بعض الكلمات
.................................................................................................
الإجماع عليه ، والنصوص الدالة عليه كثيرة بل متضافرة.
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «لا تزوج ابنة الأخ ولا ابنة الأُخت على العمة ولا على الخالة إلّا بإذنهما ، وتزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأُخت بغير إذنهما» (1). وغيرها من النصوص الصحيحة الدالة على المدعى صريحاً.
نعم ، قد نسب الخلاف في ذلك إلى العماني والإسكافي والصدوق (قدس سره). حيث ذهب الأولان إلى الجواز مطلقاً (2). لقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) (3). وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن امرأة تزوج على عمتها وخالتها ، قال : «لا بأس» (4).
في حين ذهب الصدوق (قدس سره) إلى المنع مطلقاً (5)استناداً إلى صحيحة أبي عبيدة الحذاء ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «لا تنكح المرأة على عمتها ، ولا على خالتها ، ولا على أُختها من الرضاعة» (6).
ومن هنا يُعرف أنّ النصوص الواردة في المقام على طوائف ثلاث ، والطائفتان الثانية والثالثة متعارضتان ، إلّا أنّ من الواضح أنّ الطائفة الأُولى هي وجه الجمع بين هذه الأخبار. وعليه فيتعيّن حمل صحيحة علي بن جعفر على فرض الإذن ، في حين تحمل صحيحة أبي عبيدة على فرض عدمه ، وبذلك تنحلّ مشكلة التعارض.
والحاصل أنّ الصحيح في المقام هو ما ذهب إليه المشهور من تقييد الجواز بصورة الإذن.
من غير فرق بين الدوام والانقطاع (1) ولا بين علم العمّة والخالة وجهلهما (2). ويجوز العكس (3) وإن كانت العمّة والخالة جاهلتين بالحال على الأقوى (4).
(1) لإطلاق الأدلة.
(2) لإطلاق الأدلة أيضاً.
(3) وهو المعروف والمشهور ، بل لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد إلّا الصدوق (قدس سره) ، حيث منع عنه مطلقاً أيضاً ، فجعل ابنة الأخ مع العمة وابنة الأُخت مع الخالة كالاختين ، لا يجوز لأحد الجمع بينهما (1).
وكأنّ ذلك لرواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها» (2).
إلّا أنّ هذه الرواية ضعيفة السند بمحمد بن الفضيل ، فإنّه الأزدي الصيرفي بقرينة الراوي والمرويّ عنه وهو ضعيف. نعم ، أصرّ الشيخ الأردبيلي (قدس سره) على أنّه محمد بن القاسم بن فضيل الثقة ، وقد ذكر لذلك عدّة قرائن (3)وقد تعرّضنا لدفعها في كتابنا (معجم رجال الحديث) ، فراجع (4).
على أنّ هذه الرواية لا دلالة لها على المنع إلّا بالإطلاق ، وإلّا فهي غير صريحة في عدم جواز التزوج بالعمة أو الخالة على ابنة الأخ وابنة الأُخت ، وهو يقيد بصريح صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وصحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضاً ، قال : «لا تنكح ابنة الأُخت على خالتها وتنكح الخالة على ابنة أُختها ، ولا تنكح ابنة الأخ على عمتها وتنكح العمة على ابنة أخيها» (5).
(4) وفي المسالك أنّه : على تقدير جهلها بالحال ، فهل يقع العقد باطلاً ، أم يتوقف عقد الداخلة على رضاها ، أم عقدها وعقد المدخول عليها؟ أوجه ، أوجهها الوسط (6).
.................................................................................................
والمحتمل في مستنده أُمور :
الأوّل : دعوى كونه مقتضى احترام العمة والخالة ، نظير ما ورد فيمن تزوج حرة جاهلة بأنّ له زوجة أَمة ، فإنّها تتخيّر في إبطال عقدها بعد علمها بالحال ، فإنّ مقتضى اشتراك المسألتين في حكمة الحكم أعني الاحترام هو ثبوت الحكم فيما نحن فيه أيضاً.
وفيه : أنّه قياس لا نقول به. على أنّ لازم الالتزام بهذه الحكمة هو القول بتخير كل امرأة لها احترام خاص ، فيما إذا علمت بأنّ لزوجها زوجة هي دونها في الاحترام ، كما لو تزوج بمسلمة ثم علمت بأنّ له زوجة كتابية ، أو تزوج بعلوية ثم علمت بأنّ له زوجة عامية ، والحال إنّه مما لا يقول به أحد من الفقهاء.
الثاني : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : «لا تزوج الخالة والعمة على بنت الأخ وبنت الأُخت بغير إذنهما». بدعوى رجوع الضمير إلى العمة والخالة.
وفيه : أنّه لا شكّ في اشتباه الشهيد (قدس سره) في نقل هذه الرواية ، فإنّما المثبت في كتب الأحاديث أجمع هو «تزوج الخالة والعمة ...» بالإثبات (1)وأما نسخة النفي فلم نعثر عليها في غير المسالك (2). على أننا لو سلمنا النسخة فالظاهر منها هو رجوع الضمير إلى بنت الأخ وابنة الأُخت لقربهما ، فدعوى رجوعه إلى العمة والخالة بعيدة جدّاً ، وعلى هذا التقدير تكون الرواية معارضة لما دلّ على عدم اعتبار إذنهما.
الثالث : خبر أبي الصباح الكناني المتقدم ، حيث ورد فيه : «لا يحلّ للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها». فإنّ مقتضاه عدم الجواز مطلقاً سواء أذنتا أم لم تأذنا ، كان عقدهما متقدماً أم متأخراً ، غير أننا خرجنا عنه في صورة إذنهما لما دلّ على الجواز فيها ، فيبقى الباقي ومنه المقام مشمولاً للإطلاق.
وفيه : أنّ الخبر ضعيف السند بمحمد بن الفضيل على ما تقدم. على أنّها لو صحت فمن المظنون قوياً صدورها مورد التقية ، حيث ذهب العامّة إلى حرمة الجمع بين كل
[3746] مسألة 10 : الظاهر عدم الفرق (1) بين الصغيرتين والكبيرتين والمختلفتين ، ولا بين اطلاع العمّة والخالة على ذلك وعدم اطلاعهما أبداً ، ولا بين كون مدّة الانقطاع قصيرة ولو ساعة أو طويلة ، على إشكال في بعض هذه الصور ، لإمكان دعوى انصراف الأخبار (2).
امرأتين أو فرض إحداهما رجلاً حرم التناكح بينهما كالمقام ، حيث لو فرض كون ابنة الأخ رجلاً حرم عليها التزوج بعمتها ، كما لو فرض كون العمة رجلاً حرم عليها التزوج بابنة أخيها ، وهكذا لو فرض ابنة الأُخت رجلاً حرم عليها التزوج بخالتها أو فرض كون الخالة رجلاً حرم عليها التزوج بابنة أُختها (1).
وقد رووا في صحاحهم عدّة روايات عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) تدلّ على حرمة الجمع بين العمة وابنة أخيها وبين الخالة وابنة أُختها مطلقاً (2).
ولو تنزلنا عن ذلك فإطلاق النصوص الصحيحة الدالة على جواز التزويج بالعمة على ابنة الأخ والخالة على ابنة الأُخت ، المقتضي لعدم الفرق بين علم الداخلة وجهلها ، موجب لرفع اليد عن إطلاق هذه الرواية وتقييدها بما إذا كان عقد العمة أو الخالة متقدماً على عقد ابنة الأخ أو ابنة الأُخت.
على أننا لو فرضنا تساقطهما بالتعارض ، فعمومات الحلّ في المقام محكمة.
ثم إنّ ما ذكره (قدس سره) من احتمال تخيرها في عقد ابنة الأخ وابنة الأُخت لم نعرف له وجهاً بالمرة ، فإنّه بعد فرض وقوع عقدهما صحيحاً في مرحلة سابقة على عقد العمة والخالة ، لا وجه لتوقفه على إذنهما وتخيرهما فيه.
إذن فالصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره) من الالتزام بالجواز مطلقاً.
(1) كل ذلك لإطلاقات الأدلة.
(2) إلّا أنّه لا وجه له بعد ترتب جميع الآثار على ذلك العقد ، من حرمة أُمها والتزوج بأُختها وثبوت الإرث وغيرها من الأحكام.
[3747] مسألة 11 : الظاهر (1)أنّ حكم اقتران العقدين حكم سبق العمّة والخالة (1).
(1) إلّا أنّه مشكل جدّاً ، بل الظاهر عدم جريان حكم تأخر عقد ابنة الأخ وابنة الأُخت على التقارن.
والوجه في ذلك هو أنّه لو لم تكن الأدلة الخاصة والنصوص المتقدمة ، لكان مقتضى عمومات الحلّ هو جواز الجمع بين العمة وابنة الأخ والخالة وابنة الأُخت مطلقاً ، سواء أتقدم عقد العمة والخالة على عقدهما أم تأخر أم كان مقارناً لعقدهما لكننا وبمقتضى هذه النصوص قد خرجنا عن العموم وقلنا بعدم جواز إدخال ابنة الأخ وابنة الأُخت على العمة والخالة إلّا بإذنهما ، إلّا أنّ عنوان الإدخال لما لم يكن صادقاً مع الاقتران لم تكن النصوص شاملة له ، ومن هنا فتكون عمومات الحلّ محكمة فيه.
نعم ، قد يقال بأنّ الحكم بالتوقف على إجازة العمة والخالة في المقام هو مقتضى احترامهما على ما رواه الصدوق (قدس سره) في العلل (2)
علل الشرائع : 499.
، نظير الخيار الثابت للحرة إذا اقترن عقدها بعقد الأَمة.إلّا أنّه مردود بأنّ الرواية ضعيفة السند ، فلا مجال للاعتماد عليها. على أنّها لو صحت فالظاهر منها أنّها في مقام بيان حكمة الحكم لا علته وبينهما بون بعيد ، إذ لا يفهم من الأول العموم حيث لا يفهم منه أنّ الحكمة هي موضوع الحكم بخلاف الثاني. وأما تنظير المسألة بمسألة التزوج بالحرة والأَمة معاً بعقد واحد ، فهو قياس لا نقول به.
نعم ، لو فرضنا صحّة سند رواية أبي الصباح الكناني المتقدمة لكانت دليلاً على المنع في المقام أيضاً ، حيث ورد فيها النهي عن الجمع بينهما ، وهو صادق على كل من التقدّم والتأخر والاقتران ، فيكون مقتضاها الحرمة مطلقاً.
.................................................................................................
إلّا أننا قد خرجنا عن ذلك فيما إذا دخلت العمة أو الخالة على ابنة الأخ أو ابنة الأُخت ، أو دخلتا هما على العمّة والخالة لكن برضاهما ، استناداً إلى ما دلّ على ذلك فيبقى الباقي بما في ذلك صورة اقتران عقد العمة مع عقد ابنة الأخ ، وعقد الخالة مع عقد ابنة الأُخت ، من غير إذن العمة والخالة مشمولاً لإطلاق المنع. وأما مع إذنهما فالعقد صحيح بلا إشكال ، حيث لا يزيد حاله عن حال تأخّر عقد ابنة الأخ أو ابنة الأُخت عن عقد العمة أو الخالة ، وقد التزمنا فيه بالصحة.
إلّا أنّك قد عرفت أنّ الرواية لضعف سندها بمحمد بن الفضيل غير قابلة للاعتماد عليها ، وحينئذٍ فالمتعيّن هو الرجوع إلى عمومات الحلّ والالتزام بالجواز في المقام مطلقاً ، سواء أرضيت العمة أو الخالة أم لم ترضيا.
والمتحصل من جميع ما تقدم أنّ للجمع بين العمة أو الخالة وبنت الأخ أو ابنة الأُخت وبين الحرة والأَمة صوراً ثلاث :
الأُولى : تأخر عقد ابنة الأخ أو ابنة الأُخت أو الأَمة عن عقد العمة أو الخالة أو الحرة. وفيها فالحكم في كلتا المسألتين أعني الجمع بين الحرة والأَمة ، والجمع بين العمة أو الخالة وبنت الأخ أو بنت الأُخت واحد ، حيث تتوقف صحة عقد المتأخر على إذن العمة أو الخالة أو الحرة.
الثانية : تأخّر عقد العمة أو الخالة أو الحرة عن عقد ابنة الأخ أو عقد ابنة الأُخت أو عقد الأَمة. وفيها فالحكم في كلتا المسألتين في فرض العلم واحد أيضاً ، حيث يصح العقد الثاني بلا إشكال وليس لأحد الخيار في العقد المتقدم. وأما في فرض الجهل : فإن كانت الداخلة هي الحرة فالحكم فيه هو ثبوت الخيار للحرة في عقدها ، فلها البقاء مع الزوج كما أنّ لها فسخ العقد. وأما إذا كانت الداخلة هي العمة أو الخالة ، فقد عرفت أنّ صاحب المسالك (قدس سره) قد اختار ثبوت الخيار لهما في عقدهما أيضاً كالحرة ، إلّا أنّه قد تقدمت منّا المناقشة في ذلك باعتباره قياساً محضاً إذ لا نص عليه.
الثالثة : اقتران عقد الحرة مع عقد الأَمة ، أو عقد العمة مع عقد ابنة الأخ ، أو عقد الخالة مع عقد ابنة الأُخت. ففيها يختلف الحكم في المسألتين ، إذ الثابت في مسألة الحرّة والأَمة هو صحّة عقد الحرة مع تخيّرها في عقد الأَمة ، وذلك لدلالة النص الصحيح عليه. وأما في مسألة العمة وابنة الأخ أو الخالة وابنة الأُخت ، فقد عرفت أنّ
[3748] مسألة 12 : لا فرق بين المسلمتين والكافرتين والمختلفتين (1).
[3749] مسألة 13 : لا فرق في العمة والخالة بين الدنيا منهما والعليا (2).
[3750] مسألة 14 : في كفاية الرضا الباطني منهما من دون إظهاره ، وعدمها وكون اللّازم إظهاره بالإذن قولاً أو فعلاً ، وجهان (1)(3).
النصوص الواردة فيها لا تشمل صورة الاقتران ، نظراً إلى أنّ المذكور فيها هو الإدخال وهو لا يشمل الاقتران ، وعليه فيتعيّن الالتزام بصحة كلا العقدين من دون ثبوت خيار لأحد. فما ذهب إليه الماتن (قدس سره) في هذه الصورة من ثبوت الخيار لهما في غير محلّه ، باعتبار أنّه متوقف على القياس ولا نقول به.
(1) لإطلاق النصوص.
نعم ، لو كان متزوجاً بامرأة غير مسلمة ، ثم أراد التزوج بابنة أخيها أو ابنة أُختها فربّما يقال بعدم توقف عقدهما على إذنها ، نظراً إلى أنّ التوقف على إذنها إنّما هو لكونه احتراماً لها وإجلالاً لقدرها ، وحيث إنهما غير ثابتين للكافرة فلا حاجة إلى إذنها في صحة عقدهما.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لإطلاق النصوص ، وعدم ثبوت كون الاحترام هو العلّة في الحكم ، بل قد عرفت أنّ غاية ما يمكن الالتزام به هو كونه حكمة له ، ومن الواضح أنّ انتفاءها لا يستلزم انتفاءه.
(2) لإطلاق الأدلة وصدق العمة والخالة على العليا.
(3) أظهرهما الأول. والوجه فيه أنّ أكثر الروايات الواردة في المقام وإن تضمنت اعتبار الإذن وهو ظاهر في إبراز الرضا الباطني ، إلّا أنّ المذكور في معتبرة علي بن جعفر اعتبار الرضا وهو أعم من وجود المبرز وعدمه. ومقتضى الصناعة وإن كان هو حمل المطلق على المقيد ، إلّا أنّ وجود القرينة الخارجية الدالة على أنّ ذكر الإذن إنّما هو لأجل كاشفيته عن الرضا ، هو الذي جعلنا نقول بكفاية الرضا الباطني وعدم لزوم الإظهار بقول أو فعل.
1) (*) والأوجه هو الأوّل.
[مسألة 15] : إذا أذنت ثم رجعت ، ولم يبلغه الخبر فتزوج ، لم يكفه الإذن السابق (1).
[مسألة 16] : إذا رجعت عن الإذن بعد العقد لم يؤثر في البطلان (2).
[مسألة 17] : الظاهر كفاية إذنهما وإن كان عن غرور (3) بأن وعدها أن يعطيها شيئاً فرضيت ، ثم لم يف بوعده ، سواء كان بانياً على الوفاء حين العقد أم لا. نعم ، لو قيدت الإذن بإعطاء شيء ، فتزوّج ثم لم يعط ، كشف عن بطلان
ولتوضيحه نقول : إنّ الإذن والإجازة إنّما يعتبران لإسناد العقد إلى أحد طرفيه بحيث لولاهما لما أُسند العقد إلى من اعتبر إذنه ، كما هو الحال في اعتبار رضا المالك في البيع الفضولي ، حيث إنّ بإذنه يسند العقد إليه ولولاه لما كان العقد مسنداً إليه.
وأما إذا كان من اعتبر إذنه خارجاً عن طرفي العقد قبل الإذن وبعده كالمقام وكاعتبار إذن الأب في التزوج من الباكرة فلا وجه لاعتبار الإذن بمعنى اعتبار إظهار الرضا الباطني حيث لا يستند العقد إليهم بوجه ، بل الذي يفهمه العرف من اعتبار الإذن هو إحراز الرضا خاصة ، إذ لا يرى العرف أية خصوصية للإبراز. ومن هذا القبيل التصرف في مال الغير ، حيث لا يفهم العرف من اعتبار إذنه غير إحراز رضاه ، فبذلك يجوز التصرف وإن لم يبرزه بقول أو فعل.
(1) لأنّ الحكم بالجواز وعدمه دائر مدار واقع الإذن وعدمه لا علمه به وعدمه وحيث إنّ المفروض أنّه لا إذن حين وقوع العقد فلا مجال للحكم بصحته. وقياس المقام على باب الوكالة حيث لا ينعزل الوكيل إلّا بإخباره ، قياس مع الفارق ، حيث قد دلّ النص الصحيح على ذلك في الوكالة في حين لم يرد أيّ نص في المقام.
(2) لا لاستصحاب بقاء الأثر بحاله ، وإنّما لأجل أنّ العقد الذي وقع صحيحاً وقد أمضاه الشارع كما وقع يحتاج في رفعه إلى الدليل ، فإن ثبت رافعية شيء كما هو الحال في الطلاق والارتداد والموت فهو ، وإلّا فمقتضى إطلاق دليل إمضائه كما وقع هو الاستمرار.
(3) لتحقق الرضا المعتبر في صحة العقد ، ومجرد تخلف الداعي لا يضر شيئاً.
الإذن (1)(1) والعقد (2) وإن كان حين العقد بانياً على العمل به (3).
[3754] مسألة 18 : الظاهر أنّ اعتبار إذنهما من باب الحكم الشرعي (4) لا أن يكون لحقّ منهما ، فلا يسقط بالإسقاط.
[3755] مسألة 19 : إذا اشترط في عقد العمة أو الخالة إذنهما في تزويج بنت الأخ والأُخت ، ثم لم تأذنا عصياناً منهما في العمل بالشرط ، لم يصح العقد على
(1) التعبير ببطلان الإذن لا يخلو عن مسامحة ، فإنّه لا يتصف بالصحة والبطلان وإنّما يتصف بالوجود والعدم ، فالصحيح التعبير بعدم تحقق الإذن ، لعدم تحقّق المعلق عليه.
(2) لعدم تحقق الشرط المعلق عليه الإذن ، فيكون العقد من دون رضاهما ومقتضى النصوص بطلانه.
(3) إذ الشرط في الحكم بالصحة إنّما هو تحقق ما اشترط عليه في الخارج ، فلا أثر لمجرّد البناء والعزم.
(4) تقدم منّا في مباحث المكاسب في الفرق بين الحق والحكم أنّه لا يتصوّر للحق معنى شرعي يغاير معنى الحكم وإن ورد ذلك في معظم الكلمات فإنّ الحق حكم شرعي أيضاً ، غاية الأمر أنّ الحكم الشرعي على قسمين : فمنه ما يكون أمره بيد المكلف من حيث الإبقاء والإسقاط ، ومنه ما يكون أمره بيد الشارع المقدس مطلقاً بحيث لا يكون لأحد رفعه أو إسقاطه.
نعم ، ورد في كثير من الكلمات التعبير بالحق عن القسم الأول ، في حين عبّر عن القسم الثاني بالحكم ، إلّا أنّ ذلك لا يخرج القسم الأول عن كونه حكماً أيضاً. ومن هنا فلا بدّ من ملاحظة دليل الحكم لمعرفة أنّه من أيّ القسمين من الأحكام ، وحيث إنّ مقتضى إطلاق دليل اعتبار إذن العمة أو الخالة في التزوج من بنت الأخ أو بنت الأُخت هو عدم سقوط اعتبار رضاهما بالإسقاط ، فلا محيص عن اعتبار المورد من القسم الثاني ، ولازمه اعتبار رضاهما مطلقاً سواء أأسقطتا ذلك أم لا.
1) (*) لا يتّصف الإذن بالعصمة والبطلان فإنّه إمّا موجود أو معدوم ، ولعلّه يريد بذلك عدم تحقّقه باعتبار عدم تحقّق المعلّق عليه.
إحدى البنتين (1). وهل له إجبارهما في الإذن؟ وجهان (1)(2). نعم ، إذا اشترط عليهما في ضمن عقدهما أن يكون له العقد على ابنة الأخ أو الأُخت ، فالظاهر الصحّة (2)(3) وإن أظهرتا الكراهة بعد هذا.
[3756] مسألة 20 : إذا تزوجهما من غير إذن ثم أجازتا صحّ على الأقوى (4).
(1) فإنّ عصيانهما لا يوجب سقوط اعتبار إذنهما في الحكم بصحة عقد البنتين. ومن هنا فإذا تزوج منهما بغير إذنهما ، كان مقتضى النصوص الحكم ببطلان العقد لكونه عن غير إذنهما.
(2) أظهرهما الجواز ، إما لكون مقتضى العقد ذلك كما قواه الشيخ (قدس سره) في المكاسب (3)وإما من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو جائز إما حقاً أو حكماً. إلّا أنّه لا أثر للإجبار في المقام ، حيث قد عرفت أنّ المعتبر في صحة عقد البنتين إنّما هو رضا العمة أو الخالة ، ومن الواضح أنّه غير قابل للتحقق بالإجبار لتقومه بالاختيار ، فلا ينفع جواز الإخبار في الحكم بالصحة في المقام.
(3) بل الظاهر هو الفساد ، فإنّه بعد ما كان اعتبار الإذن حكماً للزوجة ، احتاج نقله إلى غيرها وجعله له إلى الدليل وهو مفقود ، فمقتضى النصوص الحكم بالبطلان في المقام.
نعم ، لو فرض أنّه قد اشترط عليها في ضمن عقدها ، أو في ضمن عقد لازم آخر أن يكون وكيلاً عنها في الإذن صح العقد وإن أظهرت الكراهة. ولا يجوز للزوجة عزله عن الوكالة ، باعتبار أنّ الوكالة وإن كانت بحد ذاتها من العقود الجائزة ، إلّا أنّها لما كانت شرطاً في ضمن عقد لازم ، كان مقتضى دليل لزوم ذلك العقد لزوم الشرط أيضاً ، لكونه من توابع العقد ومتعلقاته.
(4) خلافاً لجملة من الأصحاب حيث ذهبوا إلى البطلان ، نظراً إلى أنّ الرضا
.................................................................................................
المتأخر لا يؤثر في البطلان الثابت للعقد في حينه. نظير ما لو كان المتعاملان جاهلين بالعوضين حين العقد ثم علما بهما ، فإنّ علمهما المتأخر لا يؤثر شيئاً في العقد الذي وقع غير مستكمل للشرائط ومن ثم كان باطلاً.
ولا يقاس ما نحن فيه بالعقد الفضولي ، حيث يحكم بصحته فيما إذا لحقته الإجازة بعد ذلك ، إذ الفرق بينهما واضح. فإنّ العقد الفضولي حين استناده إلى من له الأمر وانتسابه إليه مستكمل لجميع الشرائط ، وحين فقدانه للشرائط لم يكن مستنداً إليه. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فإن العقد حين استناده إلى من له الأمر وانتسابه إليه فاقد لشرط إذن العمة والخالة ، فهو في هذا الحال محكوم بالبطلان فلا يكون لاستكمال الشرائط بعد ذلك أثر ، لأنّ انقلاب العقد من البطلان إلى الصحة يحتاج إلى الدليل وهو مفقود.
وهذا الكلام لا يختص بالمقام ، بل يشمل كل مورد يعتبر في صحته أمر غير متحقق حين العقد ثم يتحقق بعد ذلك ، كالتزوج بالبكر مع عدم رضا الأب حين العقد ثم رضاه بعد ذلك ، وكبيع الراهن العين المرتهنة قبل إجازة المرتهن ثم رضاه بعد ذلك. فإنّه يحكم في جميعها بالبطلان ، نظراً إلى أنّ العقد حين استناده إلى من له الأمر كان محكوماً بالفساد فلا يؤثر الرضا المتأخر فيه شيئاً ، لأن الانقلاب يحتاج إلى الدليل.
وهذا الذي ذكروه تام وصحيح على القاعدة ، إلّا أنّه لا محيص عن الالتزام بالصحة بالنظر إلى التعليل الوارد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده ، قال : «ذاك إلى سيده ، إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما». قلت : أصلحك اللّه ، إنّ الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون : إنّ أصل النكاح فاسد ولا تحل إجازة السيد له ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيده ، فإذا أجازه فهو له جائز» (1)
وفيه : الحكم بن عتيبة.
.فإنّ مقتضى هذا التعليل هو الالتزام بالصحة في كل مورد كان العقد حلالاً في
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، ب 24 ح 1.
[3757] مسألة 21 : إذا تزوّج العمّة وابنة الأخ ، وشكّ في سبق عقد العمة أو سبق عقد الابنة ، حكم بالصحة (1). وكذا إذا شكّ في السبق والاقتران (2) بناء على البطلان مع الاقتران.
[3758] مسألة 22 : إذا ادعت العمة أو الخالة عدم الإذن ، وادعى هو الإذن منهما ، قدّم قولهما (3). وإذا كانت الدعوى بين العمة وابنة الأخ مثلاً في الإذن
نفسه ومرخصاً فيه شرعاً ، غاية الأمر كان العقد فاقداً لإذن من يعتبر إذنه في صحته شرعاً ثم لحقه الرضا بعد ذلك ، باعتبار أنّه لم يعصِ اللّه تبارك وتعالى وإنّما عصى غيره ، فإذا أجاز جاز.
والحاصل أنّ مقتضى القاعدة في المقام وأمثاله وإن كان هو البطلان كما عرفت ، إلّا أن مقتضى التعليل المذكور في صحيحة زرارة هو الالتزام بالصحة.
(1) والوجه فيه واضح ، فإنّ الذي خرج بالدليل عن عمومات الحلّ إنّما هو دخول ابنة الأخ على العمة وابنة الأُخت على الخالة ، حيث تتوقف صحة عقدهما على إذن العمة والخالة ، ومن الواضح أنّ مقتضى الأصل عند الشكّ في ذلك هو العدم فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم كونه العمة أو الخالة زوجة له حين تزوجه من ابنة الأخ أو ابنة الأُخت.
ولا يعارض ذلك بأصالة عدم كون ابنة الأخ أو ابنة الأُخت زوجة له حين تزوجه من العمة أو الخالة ، لأنّها لا تثبت التأخر إلّا بالملازمة ، ومن هنا فيحكم بصحة العقدين معاً لا محالة.
(2) لما تقدم من استصحاب عدم كون العمة أو الخالة زوجة له حين تزوجه من ابنة الأخ أو ابنة الأُخت.
(3) وحكم بفساد العقد ، لاستصحاب عدم الإذن.
ولا مجال للتمسك بأصالة الصحة ، نظراً لما ذكرناه غير مرة من أنّ أصالة الصحة بمعنى ترتب الأثر على العقد والحكم بصحته لم تثبت بدليل لفظي ، وإنّما هي ثابتة بالسيرة القطعية في خصوص الموارد التي ثبتت فيها سلطنة العاقد على ذلك الفعل.
وعدمه ، فكذلك قدّم قول العمّة (1).
[3759] مسألة 23 : إذا تزوج ابنة الأخ أو الأُخت ، وشكّ في أنّه هل كان عن إذن من العمة أو الخالة أو لا ، حمل فعله على الصحة (2).
[3760] مسألة 24 : إذا حصل بنتيّة الأخ أو الأُخت بعد التزويج بالرضاع لم يبطل (3).
ومن هنا فلا مجال للتمسك بأصالة الصحة في الموارد التي لم تحرز فيها سلطنة العاقد على الفعل كما هو الحال في المقام ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصالة عدم نفوذ العقد للشكّ في تحقق شرطه المقتضية للحكم بالفساد ، نظير الحكم في بيع الراهن للعين المرتهنة مدعياً إذن المرتهن وإنكار المرتهن ذلك.
(1) لما تقدم.
(2) فإنّ مقتضى تصادق الزوجين على الزوجية من دون خلاف بينهما هو الحكم بالزوجية ، حتى مع الشكّ في أصل وقوع العقد فضلاً عن الشكّ في صحته ، إذ الحق لا يعدوهما.
(3) لعدم شمول أدلة المنع له ، نظراً لعدم تحقق موضوعها أعني عنوان دخول بنت الأخ أو الأُخت على العمة أو الخالة فإنّ الزوجية متحققة قبل تحقق البنتية ، وعليه فلا حاجة إلى إذنهما وإن جمع بينهما وبين البنتين.
نعم ، قد خالف في ذلك صاحب الجواهر (قدس سره) فذهب إلى اعتبار إذنهما بقاءً ، فإنْ أذنتا فهو ، وإلّا تخير الزوج بينهما وبين البنتين (1).
ولعلّ مستنده (قدس سره) في ذلك خبر أبي الصباح الكناني المتقدم ، والذي دلّ على حرمة الجمع بين العمة وابنة الأخ والخالة وابنة الأُخت ، بدعوى شمول النهي للبقاء فضلاً عن الحدوث ، وعلى هذا فلا بدّ من إذنهما بعد تحقق البنتية ، وإلّا فالزوج بالخيار بينهما.
1) الجواهر 30 : 70.
وكذا إذا جمع بينهما في حال الكفر ثم أسلم ، على وجه (1).
وفيه : أنّ الخبر على ما عرفت ضعيف السند بمحمد بن الفضيل ، فلا مجال للاعتماد عليه. وأما سائر الأخبار فهي لم تتضمن النهي عن الجمع ، وإنّما تضمنت النهي عن الإدخال ، وقد عرفت أنّه غير صادق في المقام.
ثم على تقدير التنزّل وتسليم صحة خبر الكناني ، فليس فيه دلالة على تخيّر الزوج بينهما عند عدم إذن العمة أو الخالة ، بل لم نعرف لذلك وجهاً أصلاً.
ولا مجال لقياس المقام على مسألة إسلام الكافر عن أُختين ، فإنّ القياس لا نقول بحجيته لا سيما أنّه مع الفارق ، فإنّ نسبة المنع والتحريم إلى كل من الأُختين سواء فكما لا يجوز ضمّ هذه إلى تلك لا يجوز العكس أيضاً ، ومن هنا فإذا أسلم عنهما فلم يجز له الجمع بينهما تخيّر بينهما لا محالة ، كما دلّ عليه النص الصحيح أيضاً. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ الممنوع إنّما هو ضمّ بنت الأخ أو الأُخت إلى العمة أو الخالة خاصة دون العكس ، إذ لا مانع من ضمّ العمة أو الخالة إلى بنت الأخ أو بنت الأُخت كما عرفت ، ففرق بين الجمع الممنوع في المقام والجمع الممنوع في مسألة الأُختين.
ومن هنا فلا مجال للقياس وإثبات التخيير الثابت للزوج في مسألة الأُختين لما نحن فيه ، بل الصحيح هو الالتزام ببطلان نكاح البنت لا محالة ، نظير الجمع بين الحرّة والأَمة ، حيث إنّ الحرّة إذا لم ترض بنكاح الأَمة يبطل نكاحها قهراً.
(1) وهو بناء على ما اخترناه من عدم تكليف الكفار بالفروع واضح ، فإنّه حين العقد غير مكلف بتحصيل الإذن فنكاحه في ذلك الحين صحيح ، وبعد الإسلام لم تدخل بنت الأخ أو الأُخت على العمة أو الخالة ، نظراً إلى أنّ الزوجية سابقة على الإسلام.
وأما بناء على ما ذهب إليه المشهور من تكليف الكفار بالفروع على حد تكليفهم بالأُصول ، فالأمر كذلك أيضاً لدليل الإمضاء ، فإنّ النكاح لما كان صحيحاً ونافذاً في حينه على وفق مذهبهم ، حكم بصحته بعد الإسلام أيضاً على ما كان عليه في حال الكفر إلّا ما أخرجه الدليل فلا تشمله أدلّة المنع.
.................................................................................................
وممّا يؤكد ذلك السيرة القطعية في عهد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ، فإنّ الكفار كانوا يسلمون على يديه الكريمتين وكان (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) يقرهم على نكاحهم ، مع أن أكثرهم لم يكن يعتبر الإيجاب والقبول في العقد فإنّ عدم سؤاله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن كيفية عقدهم وإقرارهم على ما كانوا عليه سابقاً ، دليل على إمضاء نكاحهم بعد الإسلام.
ومما يدل على ذلك أيضاً ما تسالم عليه الفقهاء تبعاً لورود النص من تخيّر الزوج إذا أسلم عن أُختين أو أكثر من أربع نساء ، فإنّه صريح الدلالة على إقرارهم على نكاحهم والحكم بصحته ، وإلّا فلا وجه للتخيير ، بل لا بدّ من الحكم ببطلان نكاح المتأخرة زماناً بحسب العقد من الأُختين والخامسة فصاعداً من الزوجات.
والحاصل أنّ مقتضى دليل الإمضاء وإقرار الكفار الذين أسلموا على ما صدر منهم من العقود والإيقاعات ، هو الحكم بصحة كل من عقد العمة أو الخالة وبنت الأخ أو بنت الأُخت ، من دون توقف على رضا العمة أو الخالة.
وأما ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من أنّ الإقرار لما كان بمنزلة عقد جديد وإحداث نكاح من حينه فلا بدّ من اعتبار إذنهما (1)، فهو غير واضح ، فإنّ العقد محكوم بصحته في زمان الكفر ، والإمضاء إبقاءً لما سبق وليس هو بمنزلة العقد الجديد.
ورواية الكناني مضافاً إلى ضعفها لا تشمل المقام ، للحكم بالصحة قبل الإسلام.
ومن غريب ما صدر منه (قدس سره) حكمه بتوقف عقد البنتين على إذن العمة أو الخالة ، حتى ولو كانتا هما الداخلتين على البنتين في حال الكفر (2)، فإنّه بعد الحكم بصحة العقد في حال الكفر وإقرار الإسلام له على ذلك لا وجه للتوقف على الإجازة ، لا سيما وإنّه لو كان ذلك في عهد الإسلام لما توقف عقد البنتين على إجازتهما.
[3761] مسألة 25 : إذا طلق العمة أو الخالة طلاقاً رجعيا ، لم يجز تزويج إحدى البنتين إلّا بعد خروجهما عن العدّة (1). ولو كان الطلاق بائناً جاز من حينه (2).
[3762] مسألة 26 : إذا طلق إحداهما بطلاق الخلع ، جاز له العقد على البنت ، لأنّ طلاق الخلع بائن. وإن رجعت في البذل لم يبطل العقد (3).
(1) فإنّها على المختار زوجة حقيقة فتشملها الأدلة لا محالة. وأما بناء على مذهب المشهور من كونها بحكم الزوجة فلترتيب الأصحاب جميع آثار الزوجية عليها حرفاً بحرف ، فيثبت لها هذا الحكم أيضاً.
(2) نظراً إلى أنّها ليست بزوجة له ، وحينئذ فلا يصدق على التزوّج بابنة أخيها أو ابنة أُختها عنوان الدخول على العمة أو الخالة.
(3) حتى وإن رجع بها أيضاً ، نظراً إلى أنّ هذا الرجوع يعتبر زوجية جديدة ، ومعه فلا يصدق عنوان دخول بنت الأخ أو بنت الأُخت على العمة أو الخالة ، بل الأمر بالعكس من ذلك حيث إنّ العمة أو الخالة داخلة على بنت الأخ أو بنت الأُخت ، نظراً إلى أنّ التزوّج بالبنتين كان في فترة لم تكن العمة أو الخالة زوجة له.
ودعوى أنّ الرجوع بالعمة أو الخالة بعد رجوعهما بالبذل لا يعتبر عقداً جديداً وزوجية حادثة ، وإنّما هو استمرار للزوجية السابقة ، وعليه فيصدق عنوان دخول الابنتين عليهما فتشمله أدلة المنع.
مدفوعة بأنّ المفروض حصول البينونة بين العمة أو الخالة وبين الزوج في فترة العدّة ، ففي تلك الفترة لم تكونا زوجة له ولا هو زوجاً لهما ، ومعه فكيف يكون الرجوع استمراراً للزوجية السابقة؟ بل من الواضح أنّه زوجية جديدة ونكاح مستحدث. نظير الفسخ بعد البيع ، فإنّه لا إشكال في أنّ المبيع في الفترة بين البيع والفسخ ليس بمملوك للبائع ، وإنّما هو ملك للمشتري. نعم ، يعود من جديد إلى ملك البائع بعد الفسخ.
ومن هنا فلا يصدق عنوان دخول البنتين على العمة أو الخالة ، بل الأمر كما عرفت بالعكس من ذلك تماماً ، ومعه فلا مجال للقول بتوقف عقدهما بعد الرجوع
[3763] مسألة 27 : هل يجري الحكم (1) في المملوكتين والمختلفتين؟ وجهان ،
على إذن العمّة أو الخالة.
بل الحكم كذلك حتى ولو كان التزوّج بالبنتين بعد رجوع الزوجة بالبذل ، والسرّ في ذلك أنّ الثابت عند رجوع الزوجة في البذل إنّما هو جواز رجوع الزوج بالزوجية لا رجوع الزوجية رأساً. ومن هنا فلا يكون حالها حال المعتدّة رجعية ، حيث لا يجوز للزوج التزوّج بابنة أخيها أو أُختها في فترة العدّة نظراً لكونها زوجة له حقيقة ، وإنّما حال رجوعها في البذل حال ثبوت حق الخيار ، فإنّ من الواضح أنّ مجرّد ثبوته لا يعني رجوع المال إلى ملك من له الخيار ، بل يبقى المال على ملك الطرف الآخر وخارجاً عن ملك هذا حتى يستخدم حق الخيار فيفسخ.
والحاصل أنّ رجوع الزوجة بالبذل لا يقتضي إلّا ثبوت حق الرجوع في الزوجية للزوج ، ومن دون استلزام لرجوع الزوجية بالفعل. وعلى ذلك فالمرأة قبل رجوع الزوج بالزوجية أجنبية عن الرجل بتمام معنى الكلمة ، ومعه فلا مانع من التزوّج ببنت أخيها أو أُختها حتى وإن رجعت في البذل وكرهت ذلك ، وليس في المقام إجماع على إجراء جميع أحكام العدّة الرجعية على المطلقة خلعية التي ترجع في البذل.
(1) الظاهر أنّ مراده (قدس سره) من الحكم إنّما هو عدم جواز الجمع بينهما في الوطء بالملك فيهما ، أو بالاختلاف بالملك في إحداهما والتزويج في الأُخرى ، فإنّ الفقهاء أيضاً تعرضوا لثبوت عدم الجواز الثابت في التزويج في وطء العمة وابنة أخيها أو الخالة وابنة أُختها ، ملكاً أو وطء إحداهما بالملك والأُخرى بالزوجية. وإلّا فلو كان مراده (قدس سره) من الحكم هو عدم جواز التزوّج من المملوكتين أو المختلفتين إلّا بإذن العمة أو الخالة ، فلا وجه لما ذكره (قدس سره) من أنّ الأقوى عدمه.
فإنّ في المختلفتين لا بدّ من إذن الحرّة ، سواء أكانت المملوكة هي العمة أو الخالة ، أم كانت هي بنت الأخ أو بنت الأُخت. وأما في المملوكتين فلا بدّ من إذن العمة أو الخالة ، لإطلاق النصوص حيث لم يرد في شيء منها تقييد الحكم بالحرتين ، وكذا الحال في المختلفتين ، إذا أراد إدخال بنت الأخ أو بنت الأُخت على العمة أو الخالة حرّة كانت البنت أم أَمة.
أقواهما العدم (1).
[3764] مسألة 28 : الزنا الطارئ على التزويج لا يوجب الحرمة إذا كان بعد الوطء (2) بل قبله أيضاً على الأقوى (3). فلو تزوّج امرأة ثم زنى بأُمها أو ابنتها
نعم ، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) أنّ اعتبار الإذن إنّما يناسب الحرّة خاصة ، ومن هنا فلا يعتبر إذن الأَمة ، سواء أكانت الداخلة عليها حرّة أم أَمة أيضاً (1).
إلّا أنّه استحسان محض ، لا يصلح لتقييد الإطلاقات ورفع اليد عنها.
(1) لاختصاص النصوص بالتزويج ، فيحتاج التعدِّي عنه إلى الدليل وهو مفقود وليس الحال في المقام كمسألة الأُختين حيث يحرم الجمع بينهما في الوطء نكاحاً وملكاً إذ لا دليل على حرمة الجمع بينهما ، فإنّ رواية أبي الصباح الكناني ضعيفة على أنّها واردة في التزويج أيضاً ، وإنّما دلّ الدليل على حرمة إدخال ابنة الأخ أو ابنة الأُخت تزويجاً على العمة أو الخالة ، وهو غير صادق في المقام.
(2) إجماعاً ، ولما ورد في جملة من النصوص من أنّ «الحرام لا يفسد الحلال» أو أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» وما ورد في خصوص الزنا بالعمة أو الخالة بعد التزوّج من ابنتيهما.
(3) وهو المشهور والمعروف بين الأصحاب. ويدلّ عليه إطلاق قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يفسد الحلال» أو أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» لا سيما ما ورد في بعضها من التعبير ب- «قط» فإنّه يدلّ على عدم الحرمة في المقام.
إلّا أنّ صاحب الحدائق (قدس سره) ذهب إلى ثبوت الحرمة في المقام على حد ثبوتها فيما إذا كان الزنا قبل العقد ، ونسبه إلى بعض مشايخه (2)مستدلّاً عليها بروايتين ، هما :
أوّلاً : رواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية
لم تحرم عليه امرأته ، وكذا لو زنى الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن ، وكذا لو زنى الابن بامرأة الأب لا تحرم على أبيه.
وكذا الحال في اللّواط الطارئ على التزويج (1). فلو تزوّج امرأة ولاط بأخيها أو أبيها أو ابنها ، لم تحرم عليه امرأته ،
فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد ، أو الرجل يزني بالمرأة ، هل يجوز لأبيه أن يتزوجها؟ قال : «لا ، إنّما ذلك إذا تزوجها فوطئها ثم زنى بها ابنه لم يضره ، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال ، وكذلك الجارية» (1).
ثانياً : رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا فجر الرجل بالمرأة لم تحلّ له ابنتها أبداً ، وإن كان قد تزوج ابنتها قبل ذلك ولم يدخل بها بطل تزويجه ، وإن هو تزوج ابنتها ودخل بها ثم فجر بأُمها بعد ما دخل بابنتها فليس يفسد فجوره بأُمها نكاح ابنتها إذا هو دخل بها ، وهو قول : لا يفسد الحرام الحلال إذا كان هكذا» (2).
وهاتان الروايتان وإن كانتا واضحتي الدلالة بل الثانية صريحة في مدعاه (قدس سره) ، إلّا أنّه لا مجال للاعتماد عليهما نظراً لضعف سندهما. فإنّ في طريق الاولى سهل بن زياد وقد عرفت ما فيه غير مرة ، وفي طريق الثانية محمد بن الفضيل وقد تقدم الكلام فيه قريباً.
إذن فالروايتان ضعيفتان سنداً وإن عبّر عن الاولى في بعض الكلمات بالموثقة.
ومن هنا فالمتعيّن هو اختيار عدم التحريم ، لإطلاق قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يفسد الحلال» الشامل للمقام ، حيث إنّ الحلية ثابتة في المقام بأصل العقد إذ لا يعتبر في ثبوتها الدخول ، وعدم ثبوت المقيد له.
(1) وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً في المسألة الحادية والعشرين من الفصل السابق فراجع.
إلّا أنّ الاحتياط فيه لا يترك (1)(1).
وأمّا إذا كان الزنا سابقاً على التزويج ، فإن كان بالعمة أو الخالة يوجب حرمة بنتيهما (2)(2).
(1) وقد عرفت أنّ وجه الاحتياط إنّما هو مرسلة ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يأتي أخا امرأته ، فقال : «إذا أوقبه فقد حرمت عليه المرأة» (3). إلّا أنّك عرفت أيضاً أنّها لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها لا سيما وإنّها لم يعمل بها المشهور كي يدعى انجبار ضعفها بعملهم.
ومن هنا فلا بأس بترك الاحتياط ، لإطلاق قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يفسد الحلال» ، حيث لم يثبت له مقيد.
نعم ، تقدم أيضاً أنّه لو لاط بأخي زوجته ثم طلقها وبعد ذلك أراد التزوّج منها ثانياً ، فلا يبعد شمول أدلة المنع له ، حيث إنّ أدلة عدم إفساد الحرام للحلال ناظرة إلى الزوجية الثابتة بالفعل والحلية الفعلية ، فلا تشمل الزوجية السابقة والزائلة بالفعل.
وهذا الحكم لا يختص باللواط بل يجري في ابنة العمّة وابنة الخالة أيضاً ، فإنّه لو زنى بالعمّة أو الخالة في حال كون ابنتهما زوجة له ، ثم طلقهما وبعد ذلك أراد التزوّج منهما ، فإنّ أدلّة المنع تشمله نظراً لاختصاص أدلّة عدم الإفساد بالزوجة بالفعل.
(2) على ما هو المعروف والمشهور بينهم.
وتدلّ على الحكم في الخالة صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع ، يتزوج ابنتها؟ قال : «لا». قلت : إنّه لم يكن أفضى إليها إنّما كان شيء دون شيء؟ فقال : «لا يصدق ولا كرامة» (4).
.................................................................................................
وخبر أبي أيوب عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : سأله محمد بن مسلم وأنا جالس عن رجل نال من خالته وهو شاب ثم ارتدع ، أيتزوج ابنتها؟ قال : «لا». قال : إنّه لم يكن أفضى إليها إنّما كان شيء دون ذلك؟ قال : «كذب» (1).
وقد نسب التوقف في المسألة إلى بعض الأصحاب من جهة المناقشة في متن الروايتين وسنديهما.
أمّا الأوّل : فبدعوى أنّ تكذيب الإمام (عليه السلام) للفاعل في إخباره مناقشة صغروية ، وهي لا تناسب شأنه (عليه السلام) وغير لائقة بمقامه.
وأمّا الثاني : فللتنافي بين السندين ، حيث إنّ أبا أيوب يرويها عن محمد بن مسلم في الأُولى ومحمد بن مسلم يقول سأله رجل وأنا جالس ، في حين إنّ أبا أيوب في الثانية يقول إنّ محمد بن مسلم سأل الإمام (عليه السلام) وأنا جالس ، فإنّ مثل هذا التنافي مع كون القضية واحدة جزماً يوجب ضعف الروايتين سنداً.
إلّا أنّ هاتين المناقشتين معاً قابلتان للدفع.
أمّا الاولى : فلأنّ من الممكن أن تكون المناقشة الصغروية لمصلحة عرفها الإمام (عليه السلام) ، فإنّه حينئذ لا مانع من ذلك وإن لم يكن واجباً عليه (عليه السلام).
وأمّا الثانية : فلأنّ مثل هذا الاختلاف لا يضر بصحة الرواية سنداً بعد اتفاق النصين على المضمون ، إذ ليس من المهم بعد وضوح المطلب سؤالاً وجواباً من كان هو السائل ومن كان هو السامع.
على أنّ الرواية الثانية ضعيفة سنداً وإنْ عبّر عنها في بعض الكلمات بالموثقة فلا تصلح لمعارضة الاولى الصحيحة سنداً ، وذلك لأنّ الرجال المذكورين في السند وإن كانوا جميعاً ثقات فإن الطاطري ثقة ، ومحمد بن أبي حمزة هو الثمالي الجليل القدر ، ومحمد بن زياد هو محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري ابن أبي عمير الثقة إلّا أنّ طريق الشيخ (قدس سره) إلى علي بن الحسن الطاطري ضعيف بعلي بن الزبير القرشي.
إذن فينحصر النص بالرواية الاولى من غير معارض لسندها أو متنها ، ومن هنا
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 10 ح 2.
وإن كان بغيرهما ففيه خلاف (1) والأحوط التحريم ،
فيتعيّن العمل بها.
هذا كلّه بالنسبة إلى الخالة. وأما بالنسبة إلى العمة فلم نعثر على أيّ نص يقتضي حرمة ابنتها إذا زنى ابن أخيها بها ، غير ما نسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار من الاستدلال على حرمتها بالإجماع والنصوص (1)إلّا أنّنا لم نعثر عليها.
نعم ، لو قلنا بحرمة بنت مطلق المزني بها ، لشملتها الأخبار الدالة على الحرمة بلا إشكال ، باعتبار كونها مصداقاً لها. إلّا أنّه خروج عن محل الكلام ، حيث إنّ الكلام في هذا المقام إنّما هو عن ثبوت الحرمة لبنت العمة في فرض الزنا بالعمة ، من حيث كونه زنا بالعمة وبالنظر إلى هذه الخصوصية ، بحيث لو لم نقل بثبوت الحرمة في فرض الزنا بالأجنبية لقلنا بها في المقام ، ولا يخفى على المتتبع أنّ مثل هذا النص مفقود.
ومن هنا فإن ثبت قطع بعدم القول بالفصل أو ثبتت أولوية العمة عن الخالة فهو وإلّا فالقول بالتحريم مشكل لعدم الدليل عليه. نعم ، الاحتياط في محلّه.
(1) فقد نسب إلى المشهور القول بالحرمة ، في حين إنّه نسب إلى جماعة من الأصحاب بل قيل أنّه المشهور بين القدماء القول بالعدم. ومنشأ الخلاف اختلاف النصوص الواردة في المقام : فمنها ما دلّ على التحريم ، ومنها ما دلّ على العدم.
فمن الأوّل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ، أيتزوج بابنتها؟ قال : «لا» (2).
وصحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل باشر امرأة وقبّل غير أنّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها ، فقال : «إن لم يكن أفضى إلى الأُم فلا بأس ، وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها» (3).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل فجر بامرأة
.................................................................................................
أيتزوّج أُمّها من الرضاع أو ابنتها؟ قال : «لا» (1). بدعوى أنّ السؤال عن خصوص الام الرضاعية وابنتها إنّما يكشف عن وضوح الحرمة في جانب الام والبنت النسبية لدى السائل ، وإنّما السؤال عن تنزيل الرضاعية منزلتهما.
ومثلها صحيحته الأُخرى عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : سألته عن رجل فجر بامرأة ، أيتزوج أُمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال : «لا» (2).
والظاهر اتحاد هذين النصّين ، إذ من البعيد جدّاً أن يسأل محمد بن مسلم قضية واحدة من الإمام (عليه السلام) مرتين بلفظ واحد ويرويها لعلاء مرتين كذلك ، بل الظاهر أنّ الرواية واحدة ، غاية الأمر أنّ العلاء الذي يرويها عن محمد بن مسلم قد رواها مرتين ، فتارة رواها لعلي بن الحكم ، وأُخرى رواها لابن محبوب.
وصحيحة يزيد الكناسي ، قال : إنّ رجلاً من أصحابنا تزوج امرأة قد زعم أنّه كان يلاعب أُمها ويقبّلها من غير أن يكون أفضى إليها ، قال : فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي : «كذب ، مره فليفارقها». قال : فأخبرت الرجل ، فواللّه ما دفع ذلك عن نفسه وخلى سبيلها (3).
وهذه الرواية قد رواها في الوسائل عن بريد ، إلّا أنّ الظاهر أنّ الصحيح هو يزيد الكناسي على ما في الكافي (4). ثم إنّه لا مجال للمناقشة في سند هذه الرواية بأنّ يزيد الكناسي لم يرد فيه توثيق ، وذلك لما ذكرناه في كتابنا (معجم رجال الحديث) من أنّه هو يزيد أبو خالد القماط الذي وثّقه النجاشي ، فراجع (5).
وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كان بينه وبين امرأة فجور ، هل يتزوج ابنتها؟ فقال : «إن كان من قبلة أو شبهها فليتزوّج ابنتها وليتزوّجها هي إن شاء» (6)
وفي الكافي 5 : 416 : «فليتزوج ابنتها إن شاء ، وإن كان جماعاً فلا يتزوّج ابنتها ...» ونحوه في التهذيب 7 : 330 / 1357.
.1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 7 ح 2.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 7 ح 1.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 5.
4) الكافي 5 : 416.
5) معجم رجال الحديث 21 : 111.
6) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 6 ح 3.
.................................................................................................
وقد روي هذا النص باختلاف يسير جدّاً عن منصور بن حازم بطريق صحيح أيضاً (1).
وهذه كل الروايات الواردة في المقام والمعتبرة سنداً ، وإلّا فهناك عدّة روايات أُخر تدل على المنع إلّا أنّها لا تخلو من الإشكال السندي ، كمرسلة زرارة ورواية أبي الصباح الكناني.
وبإزاء هذه النصوص الصحيحة نصوص صحيحة أُخرى دالة على الجواز ، منها :
صحيحة هاشم (هشام) بن المثنى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، إنّه سُئل عن الرجل يأتي المرأة حراماً ، أيتزوجها؟ قال : «نعم ، وأُمها وابنتها» (2)
وفي هامشه : هاشم «هامش المخطوط» وكذلك التهذيبين.
.ولا يخفى أنّ القاسم بن محمد المذكور في سند هذه الرواية ليس مردداً بين الأصفهاني الضعيف والجوهري الثقة ، وذلك فلأنّ الحسين بن سعيد لم يرو عن الأصفهاني قط ، فمن يروي عن الحسين بن سعيد هو الجوهري لا محالة. ومن هنا فالرواية معتبرة سنداً.
ثم إنّ المذكور في التهذيب هو القاسم بن حميد ، وهو من غلط النسخة جزماً ، كما تشهد له نسخة الاستبصار. على أنّ القاسم بن حميد لا وجود له لا في كتب الروايات ولا في كتب الرجال ، فالصحيح هو القاسم بن محمد.
وصحيحته الأُخرى ، قال : كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل : رجل فجر بامرأة ، أتحل له ابنتها؟ قال : «نعم ، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (3).
ولا يخفى أنّ ترديد نسخ الكتب في الراوي بين هاشم وهشام لا يضر بصحتها فإنّهما شخص واحد جزماً ، كما تدل عليه رواية الشيخ (قدس سره) في كتابيه لنص واحد ، مع إسناده إلى هاشم في أحدهما وإلى هشام في الآخر.
.................................................................................................
وصحيحة سعيد بن يسار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل فجر بامرأة ، يتزوج ابنتها؟ قال : «نعم يا سعيد ، إنّ الحرام لا يفسد الحلال» (1).
وصحيحة حنان بن سدير ، قال : كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحاً ، هل تحلّ له ابنتها؟ قال : «نعم ، إنّ الحرام لا يحرم الحلال» (2).
وصحيحة صفوان ، قال : سأله المرزبان عن رجل يفجر بالمرأة وهي جارية قوم آخرين ثم اشترى ابنتها ، أيحل له ذلك؟ قال : «لا يحرم الحرام الحلال». ورجل فجر بامرأة حراماً ، أيتزوج بابنتها؟ قال : «لا يحرم الحرام الحلال» (3).
وفي مقام حل مشكلة التعارض بين هاتين الطائفتين ، ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) : أنّ روايات الجواز قاصرة عن معارضة نصوص الحرمة سنداً وعدداً وعاملاً ودلالة ، لاحتمال إرادة مقدمات الوطء من الفجور الوارد في أدلة الجواز ، أو حمله على الزنا بعد التزويج ، أو حمل نصوص الجواز على التقية وهو أحسن المحامل (4).
إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه. أما من حيث السند فما أفاده (قدس سره) عجيب ، فإنّ رواة الطائفتين معاً ثقات وممدوحون ، فلا مجال لترجيح إحداهما على الأُخرى.
وأما من حيث العدد فإنّ عدد الروايات الصحيحة من الطائفتين متساو بتمام معنى الكلمة ، إذ أن عدد الروايات الصحيحة الدالة على المنع كعدد الروايات الصحيحة الدالة على الجواز خمسة لا غير. نعم ، لو نظرنا إلى مجموع النصوص الواردة في المنع بالقياس إلى مجموع النصوص الواردة في الجواز ، أو اقتصرنا على خصوص الصحاح منهما ولكن قلنا باتحاد روايتي هشام بن المثنى الدالتين على الجواز ، كان عدد رواية المنع أكثر من عدد روايات الجواز ، إلّا أنّ الفارق بينهما ليس إلى حد يوجب طرح
.................................................................................................
روايات الجواز ، إذ لا يصدق مع الفارق البسيط عنوان الشاذ على نصوص الجواز. هذا كلّه بالنظر إلى عدد الروايات نفسها ، وأما بالنظر إلى عدد الرواة فالأمر كذلك أيضاً ، فإنّ عدد كل من رواة الطائفتين هو أربعة فقط. وعليه فلا مجال للترجيح من هذه الجهة.
وأما من حيث العامل فلا مجال للترجيح به أيضاً ، لما عرفت غير مرة أنّ كثرة العامل أو عمل المشهور لا توجب وهن الرواية الصحيحة ورفع اليد عنها. على أنّ العامل بروايات الجواز ليس بقليل ، فقد عمل بها جملة من الأصحاب ، بل أفتى بمضمونها المشهور من القدماء ، بل ادعى السيد (قدس سره) في الناصريات الإجماع عليه (1).
وأما من حيث الدلالة ، فأما حمله للفجور على ما دون الجماع فهو خلاف الظاهر جزماً ، ولا مجال للمصير إليه ولا سيما وإنّ المذكور في بعضها هو الإتيان والتزوّج سفاحاً ، ومن الواضح أنّه لا مجال لحملهما على مقدمات الجماع.
وأما حمله على التقية فهو أبعد الكل وإن ذكر (قدس سره) أنّه أقرب المحامل ، وذلك فلأن المسألة كما هي خلافية بيننا فهي خلافية بينهم أيضاً ، فقد ذهب أكثرهم إلى المنع في حين اختار جماعة منهم الجواز ، ومعه فلا مجال للحمل على التقية. على أنّ الحمل على التقية في مقام الترجيح إنّما هو في مرحلة متأخرة عن العرض على الكتاب الكريم ، فإنّه إنّما يصار إليه بعد موافقة الطائفتين المتعارضتين أو مخالفتهما للكتاب ، وإلّا فالترجيح للموافق منهما له. ومن هنا فحيث أنّ نصوص الجواز موافقة لقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) فالترجيح لها ، ولا مجال للحمل على التقية.
ثم إنّ بعضهم قد حاول الجمع بين الأخبار بحمل أدلة المنع على الكراهة ، نظير ما يقال في كل مورد ورد فيه منع ودلّ الدليل على جوازه.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، وذلك :
أوّلاً : لما تقدم منّا غير مرة من أنّ الجمع العرفي إنّما يكون في مورد لو فرض فيه اتصال الكلامين لكان أحدهما قرينة على الآخر ، وحيث أنّ هذا غير متصوّر فيما نحن
1) الناصريات (الجوامع الفقهية) : 245.
بل لعلّه لا يخلو عن قوّة (1)(1).
وكذا الكلام في الوطء بالشبهة ، فإنّه إن كان طارئاً لا يوجب الحرمة (2) وإن كان سابقاً على التزويج أوجبها (2)(3).
فيه فلا مجال للجمع بينهما ، فإنّ «لا» المذكورة في أدلّة المنع لا تجتمع مع «نعم» المذكورة في أدلّة الجواز في كلام واحد ، فإنّهما متهافتان بتمام معنى الكلمة.
وثانياً : إنّ بعض روايات المنع قد تضمنت تعابير تأبى عن الحمل على الكراهة نظير ما ورد في معتبرة يزيد الكناسي من الأمر بمفارقتها ، فإنّ ظاهره أنّها ليست بزوجته وإنّ نكاحهما باطل ، ومن الواضح أنّه لو كان الزواج مكروهاً لم يكن لمفارقتها بهذا المعنى وجه.
وثالثاً : إنّ الجمع العرفي بالحمل على الكراهة إنّما يتصوّر في الأحكام التكليفية وأما الأحكام الوضعية كنفوذ العقد وعدمه فلا مجال فيها للحمل على الكراهة فإنّ العقد إما هو نافذ أو لا.
وبالجملة : فالمتحصل مما تقدم أنّ الأخبار الواردة في المقام متعارضة بتمام معنى الكلمة ، وأنّ المحامل التي ذكرت للجمع بينها لا تخلو من مناقشة.
إذن فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه قواعد الترجيح ، وقد عرفت في طيات البحث أنّ مقتضاها ترجيح نصوص الجواز نظراً لموافقتها للكتاب. ومع التنزل عن ذلك فمقتضى القواعد هو التساقط ، ويكون المرجع حينئذ هو عمومات الحل إذ لم يثبت لها مخصص.
(1) وقد عرفت ما فيها من الإشكال.
(2) لعدم الدليل عليها ، بعد أن كان دليل الإمضاء مقتضياً لثبوت ما أنشأه المنشئ وعدم ارتفاعه إلّا برافع.
(3) وهو مختار المشهور. واستدل عليه :
تارة بالأولوية ، ببيان أنّ الزنا المحرم إذا كان موجباً لثبوت الحرمة ، فالوطء الحلال
.................................................................................................
موجب لثبوتها بطريق أولى.
وأُخرى بالاستقراء ، بدعوى أنّ المتتبّع لكلام الأصحاب ومسائل الفقه يجد ثبوت جميع الأحكام المترتبة على النكاح الصحيح من لزوم المهر والعدّة ولحوق الولد للوطء بالشبهة ، ومن هنا فإذا كان الوطء الصحيح موجباً لحرمة البنت ، كان الوطء شبهة موجباً لها أيضاً.
وثالثة بمفهوم قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» بتقريب أنّ مقتضاه هو أنّ الحلال يحرم الحلال ، وحيث إنّ الوطء شبهة من مصاديق الحلال يكون محرماً لا محالة.
إلّا أنّ في جميع هذه الوجوه نظراً.
أمّا الأول : فلأن إثباتها في غير العمة والخالة يتوقف على القول بالتحريم عند الزنا بهنّ ، وأما على المختار من عدم ثبوت الحرمة فلا مجال للقول بالأولوية. على أنّ المناقشة في أصل الأولوية واضحة ، فإنّ من القريب جدّاً أن يكون التحريم حكماً تأديبياً للفاعل وعقوبة له على فعله الشنيع ، وحيث لا وجه للعقوبة في وطء الشبهة فلا مجال لقياسه حتى بالأولوية على الزنا.
وأمّا الثاني : فلعدم الدليل على إلحاق الوطء شبهة بالنكاح الصحيح. نعم ، ورد الدليل على إثبات جملة من آثار النكاح الصحيح كالعدّة والمهر ولحوق الولد للوطء شبهة ، وأما جميع الآثار فلم يدل دليل عليه ، بل ثبت العكس من ذلك ، فإنّه لا يجوز النظر إلى أُم الموطوءة شبهة والحال أنّه من أظهر آثار النكاح الصحيح.
وأمّا الثالث : ففيه :
أوّلاً : إنّ الوطء شبهة لا يلزم أن يكون حلالاً دائماً ، بل قد يكون حلالاً وقد يكون حراماً ، فإنّ الواطئ شبهة إنّما يعذر فيما إذا كان جهله غير ناشئ عن تقصير وأما إذا كان عن تقصير ففعله حرام وهو معاقب عليه. بل القاصر نفسه لا يكون فعله حلالاً دائماً ، فإنّه إن كان قاطعاً بحلّية المرأة من غير شكّ كان فعله حلالاً ظاهراً وواقعاً ، لأنّه كالغافل والناسي لا يكلف بشيء. وأما إذا لم يكن الأمر كذلك ، كما لو استند فعله إلى دعواها عدم وجود الزوج لها ، ففعله وإن كان حلالاً ظاهراً إلّا أنّه حرام واقعاً.
.................................................................................................
وثانياً : إنّ مفهوم هذه القضية ليس هو أنّ كل حلال يحرم الحلال كي ينفعنا في المقام ، فإنّ هذه القضية ليست بشرطية ، والوصف لا مفهوم له ؛ غاية الأمر أنّه يدل على عدم ثبوت الحكم الطبيعي وإلّا لكان ذكره لغواً ، وهذا يكفي فيه ثبوت التحريم لبعض أفراد الحلال فإنّه يرفع اللغوية.
والحاصل أنّ غاية ما يقتضيه هذا الوصف من المفهوم هو أنّ بعض الحلال يحرم ومن الواضح أنّ ذلك لا يقتضي إثبات الحرمة في المقام.
ثم إنّ الظاهر من كلام الماتن (قدس سره) أنّ زنا الأب بامرأة لا يوجب تحريمها على ابنه ، وكذا العكس ، حتى ولو كان الزنا سابقاً على العقد.
والوجه في هذا الظهور أنّه (قدس سره) قد تعرّض في صدر كلامه إلى الزنا الطارئ على العقد ، فذكر أنّ زنا الأب بامرأة الابن لا يوجب تحريمها عليه ، وكذا العكس. ثم تعرض للزنا بالعمة والخالة السابق على العقد على ابنتيهما ، واختار فيه التحريم أيضاً. ثم ذكر في آخر كلامه الوطء شبهة ، فذكر أنّه إن كان طارئاً لا يوجب التحريم ، وإن كان سابقاً أوجبها ، من دون أن يتعرّض لزنا الأب أو الابن بالأجنبية وأنّه هل يقتضي تحريمها على الآخر أم لا؟
فيظهر من ذلك أنّه (قدس سره) لم يَرَ ثبوت الحرمة في الزنا السابق على العقد ، فلا تحرم موطوءة الأب بالزنا على الابن ، كما لا تحرم موطوءة الابن كذلك على الأب. وهذا هو الصحيح إذ لا موجب للقول بالحرمة ، لا سيما بعد دلالة جملة من النصوص المعتبرة على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» ، فإنّ مقتضاها أنّ حلّية التزوّج بالمرأة الثابتة لكل من الأب والابن قبل صدور الفعل الشنيع من الآخر لا ترتفع بصدور الفعل من الآخر.
نعم ، قد وردت في المقام روايتان تدلّان على الحرمة صريحاً ، هما :
1 - صحيحة أبي بصير ، قال : سألته عن الرجل يفجر بالمرأة ، أتحلّ لابنه؟ أو يفجر بها الابن ، أتحل لأبيه؟ قال : «لا ، إن كان الأب أو الابن مسها واحد منهما فلا تحلّ» (1).
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 9 ح 1.
.................................................................................................
2 - صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل زنى بامرأة ، هل يحل لابنه أن يتزوجها؟ قال : «لا» (1).
وهاتان الروايتان معتبرتان سنداً وواضحتان دلالة ، فلو كنّا نحن وهاتين الروايتين لكان اللّازم تخصيص عموم : «الحرام لا يحرم الحلال» بهما ، حيث دلّتا على تحريم الحرام للحلال في هذا المورد.
إلّا أنّهما مبتلاتان بالمعارض ، إذ يعارضهما صحيح زرارة ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن زنا رجل بامرأة أبيه أو بجارية أبيه ، فإنّ ذلك لا يحرمها على زوجها ، ولا يحرم الجارية على سيدها. إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» (2).
ومحل الشاهد منها هو الذيل ، فإنّ مقتضى الحصر المذكور فيه ب- «إنّما» هو عدم ثبوت الحرمة في غير الإتيان حلالاً أبداً ، ومن هنا تكون معارضة للصحيحتين السابقتين.
إذن فلا بدّ من الرجوع إلى المرجحات ، وقد عرفت في الفرع السابق أنّ أوّل المرجحات هو موافقة الكتاب العزيز ، وحيث إنّ صحيحة زرارة المقتضية لعدم الحرمة في المقام هي الموافقة للكتاب وللسنة أيضاً لما تقدم من أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» كان الترجيح لها لا محالة ، وعليه فتكون النتيجة هو اختيار عدم الحرمة في زنا الأب أو الابن بامرأة بالنسبة إلى الآخر.
نعم ، قد يستدلّ للتحريم بالنسبة إلى موطوءة الأب خاصة بقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) بدعوى أنّ النكاح اسم للوطء ، ومن هنا فتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) وبذلك فيكون الترجيح لأدلة المنع بالنظر إلى أنّها الموافقة للكتاب العزيز.
إلّا أنّه لا يسلم من المناقشة ، وذلك فلأنّ كلمة النكاح ومشتقاتها قد وردت في الكتاب العزيز فيما يزيد عن عشرين مورداً ، وهي مستعملة في جميع تلك الموارد في
.................................................................................................
التزويج.
كقوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) (1).
وقوله تعالى ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (2).
وقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ) (3).
وقوله تعالى ( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (4).
وقوله تعالى ( وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ) (5). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
نعم ، هي مستعملة في مورد واحد في الوطء هو قوله تعالى ( الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) (6)وذلك على ما اختاره في محلّه ، وإلّا فقد ذهب المشهور إلى أنّها مستعملة في التزويج أيضاً.
ومن هنا فحمل النكاح في المقام على الوطء من غير قرينة خلاف الظاهر جدّاً بل الظاهر منه ولا سيما بملاحظة استعمالاته في سائر الموارد هو التزويج.
نعم ، لا يبعد دعوى اشتراك هذه الكلمة لفظاً بين التزويج والوطء ، وعلى هذا فتحتاج معرفة المراد بها في كل مورد إلى القرينة وإن كان الغالب استعمالها في التزويج. وأما احتمال كونها مشتركة معنوية بينهما بمعنى كونها موضوعة للجامع بينهما فهو بعيد جدّاً ، إذ لا جامع حقيقي بين الأمر الاعتباري والأمر الحقيقي ، والجامع الانتزاعي وإن كان ممكناً في حدّ ذاته وثابتاً في متعلقات الأوامر ، إلّا أنّه لا دليل عليه في باب الوضع بل لم يعهد ذلك في شيء من موارده.
ثم هل إنّ حكم الوطء شبهة حكم الزنا ، فلو وطئ الأب امرأة شبهة ثم أراد الابن
[3765] مسألة 29 : إذا زنى بمملوكة أبيه ، فإن كان قبل أن يطأها الأب
التزوّج منها ، أو بالعكس ، فهل يلتزم بالتحريم أم لا؟
نسب إلى جماعة القول بالحرمة. واستدلوا عليها بما تقدّم من الاستقراء ، والأولوية ومفهوم قولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» وقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) . وقد عرفت المناقشة فيها جميعاً.
نعم ، قد يتمسك لإثباتها بذيل صحيحة زرارة المتقدمة ، حيث ورد فيها : «إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال» ببيان أنّ الوطء إذا كان حلالاً اقتضى ذلك حرمة الجارية على الابن.
وفيه : ما قد عرفت من أنّه ليس كل وطء شبهة حلالاً ، فإنّه قد يكون حراماً ومعاقباً عليه.
على أنّ الرواية إنّما تضمنت إثبات الحرمة فيما إذا كانت المرأة له حلالاً وهو أجنبي عن كون الوطء حلالاً ، فإنّ البون بينهما بعيد ، فإنّ معنى حلية المرأة هو انفتاح الطريق وعدم انسداده وهو المعبّر عنه بالحلّية الأصلية ، في مقابل الحلّية العارضية فإنّها قد تتحقق حتى مع كون المرأة أجنبية ، نظير ما تقدم في لباس المصلي حيث يشترط فيه أن لا يكون من أجزاء محرّم الأكل ، إذ قلنا أنّ المراد من الحلية والحرمة ما ثبتت بالأصل دون العارض ، فلا يضرّ الصلاة في ثوب من أجزاء ما حرّم أكله لوقف وما شابهه ، كما لا تصحّ الصلاة في أجزاء ما حلّ أكله لاضطرار وما شاكله.
ومن هنا فالنص لا يشمل المقام ، باعتبار أنّ حلية الوطء إنّما ثبتت في المقام لعارض ، وإلّا فالمرأة أجنبية وهي محرمة عليه ولا يجوز له وطؤها. وعلى هذا فحيث لا دليل على حرمة موطوءة الأب شبهة على الابن أو العكس ، فلا محيص عن الالتزام بالجواز.
ولو تمّ الاستدلال بصحيحة زرارة في المقام ، لكان اللّازم القول بثبوت التحريم حتى ولو كان الوطء متأخراً عن الدخول أيضاً ، والحال أنّه مما لا قائل به على الإطلاق.
حرمت على الأب (1)(1)
(1) وتدلّ عليه روايتان :
الأُولى : رواية عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل تكون عنده الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد ، أو الرجل يزني بالمرأة ، هل يجوز لأبيه أن يتزوجها؟ قال : «لا ، إنّما ذلك إذا تزوّجها فوطئها ثم زنى بها ابنه لم يضره ، لأنّ الحرام لا يفسد الحلال ، وكذلك الجارية» (2).
إلّا أنّك قد عرفت فيما تقدم أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد. على أنّ في دلالتها توقفاً ، لأنّها تتضمن تحريم الزوجة لو زنى بها الابن قبل أن يطأها الأب ، وهو مما لم يلتزم به أحد إلّا شاذ ، ومن هنا فلا مجال للاعتماد عليها.
الثانية : معتبرة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ، قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) وأنا عنده عن رجل اشترى جارية ولم يمسها ، فأمرت امرأته ابنه وهو ابن عشر سنين أن يقع عليها فوقع عليها ، فما ترى فيه؟ فقال : «أثم الغلام وأثمت أُمه ، ولا أرى للأب إذا قربها الابن أن يقع عليها» (3).
وهي معتبرة سنداً ودلالتها على الحرمة واضحة ، فتكون هي المعتمد في المقام.
لكنها معارضة بصحيحتين تدلّان على الجواز ، وهما :
أوّلاً : صحيحة مرازم ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وسئل عن امرأة أمرت ابنها أن يقع على جارية لأبيه فوقع ، فقال : «أثمت وأثم ابنها ، وقد سألني بعض هؤلاء عن هذه المسألة فقلت له : أمسكها فإنّ الحلال لا يفسده الحرام» (4).
وهي ولا سيما بملاحظة التعليل المذكور في ذيلها ، شاملة لصورة وقوع الابن عليها قبل وطء الأب لها ، على حدّ شمولها لصورة وقوع الابن عليها بعد وطء الأب لها. فإنّه وبملاحظة التعليل لا يختلف الحال أبداً ، فإنّ الجارية في كلتا الصورتين حلال
وإن كان بعد وطئه لها لم تحرم (1).
للأب كما أنّ فعل الابن فيهما حرام. ومن هنا فتكون هذه الصحيحة كالنص في الجواز في المقام ، وعليه فلا يبقى وجه لدعوى تقييدها بمعتبرة الكاهلي.
على أنّ من المطمأنِّ به أنّ القضية واحدة ؛ غاية الأمر اختلف ما سمعه الكاهلي عما سمعه مرازم ، ومن هنا فتكون نسخة النص مختلفة. وحيث لا يعلم أنّ ما صدر من السائل هل كان السؤال عن خصوص فرض وطء الابن للجارية قبل وطء الأب لها ، أم كان السؤال عن الفرض من دون إضافة قيد قبليته عن وطء الأب ، فلا مجال للعمل بهما.
ثانياً : صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها : «إنّما يحرم ذلك منه إذا أتى الجارية وهي له حلال ، فلا تحلّ تلك الجارية لابنه ولا لأبيه» (1). فإنّ مقتضى الحصر المذكور فيها عدم ثبوت الحرمة في المقام نظراً لحرمة فعل الابن.
إذن فالنصوص الواردة في المقام متعارضة ، ومقتضى الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة أو الرجوع إلى الأدلة العامة هو العمل بمضمون نصوص الجواز. فإنّ مقتضى قوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) وقولهم (عليهم السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال» هو الجواز ، إذ لم يثبت كون المقام من المستثنى منه في الآية ، كما أنّ المقام مشمول للنص بل هو من أظهر مصاديقه ، فإنّ الجارية حلال للأب فعلاً باعتبار أنّه مالك لها ، وفعل الابن حرام جزماً فلا يقتضي فعله حرمتها على الأب.
ومن هنا فما أفاده (قدس سره) لا يخلو من إشكال بل منع.
على أنّه لا مانع من حمل معتبرة الكاهلي على الكراهة ، ولا يجري فيه ما ذكرناه من أنّه لا مجال لحمل الأحكام الوضعية على الكراهة ، وذلك فلأن السؤال فيها ولا سيما بملاحظة جوابه (عليه السلام) : «ولا أرى للأب إذا قربها الابن أن يقع عليها» ليس عن نفوذ العقد وعدمه ، وإنّما هو عن جواز الوطء وعدمه ، وفيه لا مانع من الحمل على الكراهة.
(1) بلا خلاف يعتدّ به. وتدلّ عليه مضافاً إلى بعض النصوص الصحيحة
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 4 ح 1.
وكذا الكلام إذا زنى الأب بمملوكة ابنه (1).
[3766] مسألة 30 : لا فرق في الحكم بين الزنا في القبل أو الدبر (2).
[3767] مسألة 31 : إذا شكّ في تحقق الزنا وعدمه بنى على العدم (3). وإذا شكّ في كونه سابقاً أو لا بنى على كونه لاحقاً (4).
[3768] مسألة 32 : إذا علم أنّه زنى بإحدى الامرأتين ، ولم يدر أيتهما هي ، وجب عليه الاحتياط (1)إذا كان لكل منهما أُم أو بنت (5).
المتقدِّمة أنّه المتيقن مما دلّ على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال».
(1) وهو مشكل جدّاً إذ لا دليل عليه ، فإنّ معتبرة الكاهلي واردة في الابن فالتعدي عنه إلى الأب قياس محض ولا نقول به.
اللّهمّ إلّا أن يتمسك لإثباته بقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) بدعوى أنّ النكاح ظاهر في الوطء ، إلّا أنّك قد عرفت المناقشة فيه قريباً.
أو يتمسك بصحيحتي أبي بصير وعلي بن جعفر الواردتين في تحريم المزني بها على أب الواطئ وابنه ، بدعوى شمولها لزنا الأب بجارية ابنه ، لكنه ممنوع. على أنّك قد عرفت أنَّهما معارضتان بصحيحة زرارة الدالة على الجواز.
(2) إذ لا يعتبر في مفهوم الزنا أن يكون الفعل من القبل بل يكفي الإتيان في الدبر أيضاً ، ولذا فلو أتى امرأة أجنبية من دبرها جرى عليه جميع أحكام الزنا من الحد وغيره. على أنّ بعض روايات المقام وإن تضمنت التعبير بالزنا ، إلّا أنّ المذكور في أكثرها عنوان الإفضاء أو الفجور ، وهما أعمّ من الإتيان في الدبر أو القبل جزماً. وعلى كل فالحكم مما لا إشكال فيه.
(3) لأصالة العدم.
(4) لأصالة عدم الزنا إلى حين التزويج ، فإنّ بها تثبت الحلية. ولا يعارضها أصالة عدم التزويج إلى حين الزنا ، فإنّها لا تثبت تأخر التزويج على الزنا إلّا بالملازمة ، فتكون أصلاً مثبتاً ولا نقول بحجيته.
(5) لتنجيز العلم الإجمالي ، حيث إنّ أصالة عدم الزنا ببنت التي يريد التزوّج
1) (*) في إطلاقه منع ظاهر.
.................................................................................................
منها ، معارضة بأصالة عدم الزنا في الأُخرى.
إلّا أنّ ذلك إنّما يتمّ في خصوص ما إذا كان كل من البنتين والأُمين محلّاً لابتلائه بحيث كان من الممكن له التزوّج منها. وإلّا فلو كانت إحداهما خارجة عن محل ابتلائه بحيث لا يمكنه التزوّج منها ، لعدم قدرته على ذلك ، أو بعدها عنه ، أو كونها مزوّجة بالفعل من غيره ، أو محرمة عليه من غير هذه الجهة كالرضاع وشبهه ، فلا مانع من تزوجه من الأُخرى ، لجريان أصالة عدم الزنا ببنتها أو أُمها من دون معارض ، إذ لا أثر لأصالة عدم الزنا بأُم الأُخرى أو بنتها ، ومن هنا فينحل العلم الإجمالي لا محالة.
والحاصل أنّ تنجيز العلم الإجمالي إنّما يتوقف على جريان الأصلين معاً ومعارضتهما ، وإلّا فلو لم يجر الأصل في أحد الطرفين ، لعدم القدرة عليه أو لسبب آخر ، فلا يكون العلم الإجمالي منجزاً ، ولا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر.
ثم إنّ الظاهر من كلامه (قدس سره) أنّ الزنا بالمرأة كما يوجب تحريم بنت المزنيّ بها يوجب تحريم أُمها أيضاً ، وهذا مما لم يذكره (قدس سره) سابقاً ولعلّ منشأه الغفلة ، وإلّا فمن حكم بتحريم البنت حكم بتحريم الأُم أيضاً.
وكيفما كان ، فقد عرفت فيما تقدم أنّ النصوص الواردة في المقام لم تتضمن الام باستثناء صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليها السلام) ، قال : سألته عن رجل فجر بامرأة ، أيتزوّج أُمّها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال : «لا» (1).
إلّا أنّك قد عرفت أيضاً أنّها معارضة بصحيحة هشام بن المثنى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه سئل عن الرجل يأتي المرأة حراماً ، أيتزوجها؟ قال : «نعم ، وأُمها وابنتها» (2).
وحيث أنّ الترجيح للثانية نظراً لموافقتها للكتاب ، فلا مجال للاعتماد على الاولى والحكم بمضمونها ، بل المتعيّن هو القول بعدم التحريم.
وأمّا إذا لم يكن لإحداهما أُم ولا بنت ، فالظاهر جواز نكاح الأُم أو البنت من الأُخرى (1).
[3769] مسألة 33 : لا فرق في الزِّنا بين كونه اختياريّاً ، أو إجباريّاً ، أو اضطراريّاً (1)(2). ولا بين كونه حال النوم (2)(3)
(1) لجريان أصالة عدم الزنا بأُمها في جانبها بلا معارض ، إذ لا أثر لأصالة عدم الزنا بالأُخرى.
(2) ولكن الصحيح هو التفصيل بين الأحكام المترتبة على الفاعل نفسه ، وبين الأحكام المترتبة على غيره كأبيه أو ابنه ، حيث لا تثبت الاولى لحديث الرفع ، فإنّ مقتضاه اعتبار موضوع الحكم كأنه لم يقع في الخارج ، فلا يترتب عليه أي حكم أو عقوبة ما لم يدل دليل خاص على ثبوته كالقتل.
والحاصل ان مقتضى الحديث المذكور ، فرض الفعل الصادر من المجبور أو المضطر كالعدم في عالم التشريع ، فلا يترتب عليه أثر.
ويتضح ذلك جلياً بملاحظة ما احتملناه سابقاً بل استظهرناه ، من أنّ الحكم بالتحريم عقوبة للفاعل على ما اقترفه من فعل شنيع ، فإنّ العقوبة إنّما تتناسب مع صدور الفعل منه حراماً ومبغوضاً عليه ، ولا محلّ لها فيما إذا صدر الفعل منه حلالاً.
وبالجملة إنّه بعد عدم ورود دليل خاص في المكره والمضطر في المقام ، يكون حالهما حالهما في سائر موارد الإكراه والاضطرار ، ولا يثبت عليهما شيء.
وهذا بخلاف الأحكام المترتبة على غيره ، فإنّ مقتضى إطلاق الأدلة ثبوتها ، فإنّ الفعل قد صدر من الفاعل عن قصد ، غاية الأمر أنّ قصده هذا ناشئ عن إكراه أو اضطرار ، ومن هنا يختلف الحال عنه في النائم على ما سيأتي.
(3) لا مجال للمساعدة عليه. وذلك لأنّ مفهوم الزنا والفجور متقوم بالاختيار بمعنى القصد فإنّهما عبارتان عن الوطء من غير استحقاق ، ومن الواضح أنّه متقوم
أو اليقظة. ولا بين كون الزاني بالغاً أو غير بالغ (1)
بالقصد فمن دونه لا يصدق الزنا ولا الفجور ، كما أنّ مفهوم الغصب لا يتحقق إلّا بالقصد إذ من دونه لا يكون متعدياً ، بل لا يكون وطؤه بلا قصد وطء شبهة أيضاً.
نعم ، في صحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأة وقبّل غير أنّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها ، فقال : «إن لم يكن أفضى إلى الأُم فلا بأس ، وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها» (1)اعتبار الإفضاء ، فقد يقال إنّه يتحقق بغير اختيار أيضاً.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ الظاهر اعتبار القصد في تحققه أيضاً ، إذ الإفضاء إنّما هو بمعنى الإنهاء ، وبهذا يكون معنى النص أنّ الرجل إذا أنهى عمله إلى الزنا بها فقد حرمت ابنتها ، ومن هنا فلا يبقى هناك نص يدلّ على أنّ الجماع محرم مطلقاً.
وعلى تقدير وجوده كان حال النائم حال المكره والمضطر ، فيفصل بين الأحكام المترتبة عليه وبين الأحكام المترتبة على غيره ، لا لحديث : «رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ» (2)فإنّه ضعيف السند ، بل لما دلّت عليه النصوص المعتبرة من «أنّ الأعمال بالنيّات» (3)وإنّ العمل من دون نيّة وقصد ك- (لا عمل) ولا يترتب عليه شيء ، ومن الواضح أنّ فعل النائم من أوضح مصاديقه.
والحاصل أنّ إثبات التحريم بهذا الفعل للنائم مشكل جدّاً ، بل الظاهر عدم ثبوته.
(1) وهو لا يخلو من إشكال ، إذ المذكور في النصوص عنوان الرجل أو الشاب وهما لا يصدقان على غير البالغ قطعاً ، فالتعدي عنهما إليه يحتاج إلى القرينة وهي مفقودة ، نظير ما تقدّم في مسألة اللواط.
نعم ، بناء على القول بتحريم المزني بها على أب الزاني فالنص موجود ، وهو صحيح الكاهلي المتقدم والوارد في المرأة التي أمرت ابنها وهو ابن عشر سنين أن يقع
وكذا المزني بها (1). بل لو أدخلت الامرأة ذكر الرضيع في فرجها نشر الحرمة ، على إشكال (2).
على جارية أبيه ، حيث أمر الإمام (عليه السلام) أن لا يقع الأب عليها (1)، فإنّه وارد في الصبي حيث أن ابن عشر سنين لا يكون بالغاً والحال أنّه أثبت الحرمة له. إلّا أنّك قد عرفت أنّ نسخ هذا النص مختلفة من حيث الجواز وعدمه ، فلا مجال للاعتماد عليه.
ثم لو فرضنا وجود دليل مطلق على الحرمة ، فلا بدّ من التفصيل بين الأحكام المترتبة عليه والأحكام المترتبة على غيره ، لحديث الرفع.
(1) أما بالنسبة إلى ما التزمنا به من تحريم بنت الخالة عند الزنا بالخالة وألحقنا بها العمة احتياطاً ، فيكفينا إطلاق الدليل ، فإنّ مقتضى إطلاق من زنى بخالته حرمت عليه ابنتها عدم الفرق بين البالغة وغيرها.
وأما في غير الخالة والعمة فإن التزمنا بالحرمة فيها فبالنسبة إلى زنا الابن بجارية أبيه ، فالحكم كذلك أيضاً ، لإطلاق الدليل إذ لم تقيد الجارية في شيء منها بالبالغة.
وأما بالنسبة إلى غير هذا المورد كالزنا بالأجنبية ، فإثبات الحكم للزاني بغير البالغة مشكل جدّاً ، إذ المذكور في الأدلة عنوان المرأة وهي ظاهرة في غيرها. اللّهم إلّا أن يقال : إنّ مقتضى ملاحظة مناسبة الحكم والموضوع ، حيث إنّ الحكم ثابت من حيث استناده إلى فاعله وصدوره منه محرماً ، أنّه لا خصوصية للبالغة. وهذه الدعوى غير بعيدة ، إلّا أنّ الذي يهوّن الخطب أنّا لم نلتزم بثبوت الحرمة في جميع هذه الموارد.
ومن هنا يظهر الفرق بين المقام ومسألة اللواط ، حيث ألغينا خصوصية المرأة هنا وأثبتنا الحكم للزنا بغير البالغة ، في حين لم نرتض إلغاء خصوصية الرجل في اللائط وقلنا إنّ الحكم لا يثبت في لواط الصبي بمثله أو بكبير. فإنّ الحكم لما كان يثبت من حيث استناده إلى فاعله وصدوره منه حراماً ، لم يكن لعنوان المرأة خصوصية ، بخلاف الرجل حيث لا يصدر الفعل من الصبي حراماً.
(2) قوي جدّاً ، فإنّ الرضيع كالنائم لا قصد له بالمرة ولا ينسب الفعل إليه. كما أنّ
1) راجع ص 323 ه 2.
بل لو زنى بالميتة فكذلك على إشكال (1)(1) أيضاً. وأشكل من ذلك (2) لو أدخلت ذكر الميت المتصل ، وأما لو أدخلت الذكر المقطوع فالظاهر عدم النشر (3).
[3770] مسألة 34 : إذا كان الزنا لاحقاً ، فطلقت الزوجة رجعيا ثم رجع الزوج في أثناء العدّة ، لم يعد سابقاً حتى ينشر الحرمة ، لأنّ الرجوع إعادة الزوجية الاولى (2)(4).
وأمّا إذا نكحها بعد الخروج عن العدّة ، أو طلقت بائناً فنكحها بعقد جديد ، ففي صحة النكاح وعدمها وجهان : من أنّ الزنا حين وقوعه لم يؤثر في الحرمة ، لكونه
المذكور في النصوص على ما عرفت هو الرجل والشاب ، فلا وجه للتعدي عنهما إلى الرضيع حتى ولو ارتضينا التعدي عنهما إلى غير البالغ ، وذلك لعدم صدق الزنا أو الإفضاء المذكورين في النصوص ، بل وحتى المجامعة.
(1) لظهور الزنا بالخالة أو الأجنبية في الفعل بالمرأة الحية ، وإلّا فإنّ الميتة لا يصدق عليها عنوان الخالة أو العمة أو ما شاكلهما من العناوين ، إلّا على نحو العناية والمجاز باعتبار أنهن كنّ متصفات بتلك الأوصاف.
(2) لعدم صدق الزنا ، باعتبار ظهوره في الحي ، ولعدم قصده إلى الفعل.
(3) بل هو المقطوع به.
(4) وهو لا يتمّ بناء على حصول البينونة بأصل الطلاق على ما ذهب إليه المشهور فإنّ دعوى أنّ الزوجية هذه هي الزوجية السابقة مبنية على المسامحة العرفية وإلّا فالمعدوم لا يعاد ، فإنّ الزوجية السابقة قد ارتفعت بالطلاق وما حدث فعلاً فهي زوجية جديدة. نظير ما هو ثابت في موارد الفسخ في سائر العقود ، فإنّ الملكية التي تحصل بعد الفسخ ملكية جديدة وليست هي الملكية السابقة.
نعم ، بناء على ما اخترناه من أنّ البينونة لا تحصل إلّا بالطلاق وانقضاء العدّة وإلّا فهي في فترة العدّة زوجة حقيقة ، فالحكم واضح ، فإنّ هذه الزوجية استمرار للزوجية السابقة ، ومن هنا فلا تشمله أدلّة المنع.
لاحقاً فلا أثر له بعد هذا أيضاً. ومن أنّه سابق بالنسبة إلى هذا العقد الجديد. والأحوط النشر (1).
[3771] مسألة 35 : إذا زوّجه رجل امرأة فضولاً ، فزنى بأُمها أو بنتها ثم أجاز العقد ، فإن قلنا بالكشف الحقيقي كان الزنا لاحقاً (2) وإن قلنا بالكشف الحكمي أو النقل كان سابقاً (3).
[3772] مسألة 36 : إذا كان للأب مملوكة منظورة أو ملموسة بشهوة حرمت على ابنه. وكذا العكس على الأقوى فيهما (4).
(1) بل هو الأقوى ، لانعدام الزوجية السابقة وبينونة المرأة عن الرجل ، فيكون هذا النكاح نكاحاً جديداً ، وحيث إنّه مسبوق بالزنا يكون مشمولاً لنصوص المنع لا محالة ، وقد تقدم نظير ذلك في مسألة اللواط.
(2) فإنّ الكشف الحقيقي : إما أن يكون بمعنى كون الإجازة كاشفة محضاً ، تكشف عن تحقق الفعل في ظرفه من دون أي تأثير للإجازة ، بحيث يكون العقد بنفسه هو المؤثر فقط. وإما أن يكون بمعنى كون الإجازة دخيلة في العقد السابق على نحو الشرط المتأخر ، بحيث يكون الأثر للعقد المقيد بلحوقه بالإجازة ، فجزء الموضوع هو التقيد دون القيد نفسه.
والأول مما لا يمكن الالتزام به ، نظراً لاعتبار الرضا والصدور عن اختيار وولاية على الفعل في تأثير العقد ، فما لم يكن العقد كذلك لا يمكن الحكم بصحته ، وحيث إنّ لازم هذا القول هو تأثير العقد من دون رضا من له الأمر ومن دون استناد الفعل إليه ، فلا يمكن الالتزام به. نعم ، لو قلنا به تنزلاً ، لكان لازمه كون الزنا لاحقاً ، وذلك لتحقق الزوجية قبله.
والثاني وإن كان ممكناً ، فإنّ الشرط المتأخر ممكن بل هو واقع في الخارج ، إلّا أنّ إثباته يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل عليه في المقام. لكن لو التزمنا به كانت نتيجته تأخر الزنا عن التزويج أيضاً.
(3) لتحقّق الزنا قبل تحقّق الحكم بالزوجية.
(4) وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة مفصلاً في المسألة الثانية من هذا الفصل
.................................................................................................
حيث قد عرفت أنّ عدّة من النصوص المعتبرة دلت على المنع صريحاً ، كما عرفت أنّ معتبرتي عبد اللّه بن يحيى الكاهلي وعلي بن يقطين لا تصلحان لمعارضتها. فإنّ الأُولى أجنبية عن محل الكلام ، باعتبار أنّها واردة في لمس الأب لمملوكة ابنه ، فلا تدلّ على الحكم في لمسه لجاريته هو. وأما الثانية فهي مطلقة من حيث لمسه لجاريته أو جارية ابنه ، فتقيد بأدلة المنع. وبذلك تكون النتيجة ما أفاده (قدس سره) في المتن.
ثم إنّ الماتن (قدس سره) لم يتعرض إلى عموم الحكم لصورة ما إذا كان نظره إليها ولمسه لها محرماً كما إذا كانت مزوجة من غيره ، أو في فترة العدّة وعدمه ، إلّا أنّ الذي يظهر من كلامه أنّ الحكم لا يختص بفرض حلّية النظر أو اللمس. وقد خالف في ذلك جماعة ، حيث اختاروا عدم نشر الحرمة بالفعل المحرم ، تمسكاً بما دلّ على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال» ولاختصاص نصوص التحريم بالنظر واللّمس السائغين على ما نسب إلى الجواهر (1).
لكن الصحيح هو ما يظهر من عبارة الماتن (قدس سره) أعني عدم اختصاص التحريم بالنظر واللمس السائغين إذ لا دليل على اختصاص النصوص بالفعل الحلال ، بل مقتضى إطلاق صحيحة محمد بن إسماعيل ، الواردة في الرجل إذا قبّل جاريته بشهوة حيث أجابه (عليه السلام) بأنّه : «ما ترك شيئاً» عدم الفرق بين التقبيل الحلال والحرام ، وبذلك يقيد إطلاق ما دلّ على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال».
نعم ، قد يكون مستند صاحب الجواهر (قدس سره) فيما اختاره هو معتبرة عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في الرجل تكون عنده الجارية يجرّدها وينظر إلى جسمها نظر شهوة ، هل تحلّ لأبيه؟ وإن فعل أبوه هل تحلّ لابنه؟ قال : «إذا نظر إليها نظر شهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحلّ لابنه ، وإن فعل ذلك الابن لم تحلّ للأب» (2).
فلعلّه (قدس سره) قد استظهر من قوله (عليه السلام) : «نظر منها إلى ما يحرم على غيره» أنّ النظر كان بالنسبة إليه حلالاً ، فيكون مفهومه أنّ النظر إذا كان بالنسبة
بخلاف ما إذا كان النظر أو اللمس بغير شهوة (1) كما إذا كان للاختبار أو للطبابة أو كان اتفاقياً ، بل وإن أوجب شهوة أيضاً (2).
نعم ، لو لمسها لإثارة الشهوة كما إذا مسّ فرجها أو ثديها أو ضمّها لتحريك الشهوة فالظاهر النشر (3).
[3773] مسألة 37 : لا تحرم أُمّ المملوكة الملموسة والمنظورة على اللّامس والناظر على الأقوى (4) وإن كان الأحوط الاجتناب. كما أنّ الأحوط اجتناب الربيبة الملموسة أو المنظورة أُمّها وإن كان الأقوى عدمه (5).
إليه حراماً لم تحرم لابنه. إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ مفهوم القضية المذكورة في النص ليس هو ما ذكر ، بل غاية ما يظهر منها أنّه إن نظر منها إلى ما لا يحرم على غيره لم تحرم لابنه كما هو واضح ، فلا تدلّ على التفصيل بين نظر المالك الحلال ونظره الحرام كما قيل.
(1) لعدم شمول الأدلة له.
(2) لأنّ موضوع النصوص هو النظر أو اللمس المترتبان على الشهوة دون العكس.
(3) لشمول النصوص له.
(4) لعدم الدليل عليه ، والتعدي عن الوطء إليهما قياس مع الفارق.
نعم ، قد يستدل لإثباته بما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «لا ينظر اللّه تعالى إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها» (1). وما روي عنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : «من كشف قناع امرأة حرمت عليه أُمها وبنتها» (2). إلّا أنّ ضعف سندهما يغنينا عن التكلّم في دلالتهما.
(5) لما تقدّم.
نعم ، نسب إلى صاحب الجواهر (قدس سره) إلحاق النظر واللّمس بالوطء في
بل قد يقال : إنّ اللمس والنظر يقومان مقام الوطء في كل مورد يكون الوطء ناشراً للحرمة (1) فتحرم الأجنبية الملموسة أو المنظورة شبهة أو حراماً على الأب
تحريم ابنة المعقود عليها (1).
وقد تقدم الكلام فيه ، حيث عرفت أنّ القول بثبوت التحريم بالنظر واللمس وإن كان مقتضى جملة من النصوص ، إلّا أنّها معارضة بصحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل باشر امرأته وقبّل غير أنّه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها ، قال : «إن لم يكن أفضى إلى الأُم فلا بأس ، وإن كان أفضى فلا يتزوج» (2)فإنّها صريحة الدلالة على الجواز.
ولا مجال للمناقشة فيها بأنّها مختلفة النسخة ، حيث إنّ في بعضها (باشر امرأة) وعلى هذا تكون أجنبية عن محل الكلام. فإنّك قد عرفت أنّها غير مختلفة النسخة وإنّما هي روايتان : إحداهما واردة في باب الفجور ، والأُخرى في تحريم الربيبة ، ومن هنا فلا بأس بالعمل بها.
على أنّنا لو فرضنا اختلاف نسخة الرواية إلّا أنّ ذلك لا يعني العمل بروايات التحريم ، فإنّها مخالفة للكتاب العزيز حيث إنّ ظاهره انحصار سبب تحريم البنت بالدخول بالأُم. ومن هنا فإذا كان اللمس والنظر موجبين لثبوت التحريم أيضاً لكان إناطة الحكم بالدخول لغواً ، حيث إنّ النظر يسبقه غالباً فيما يسبقه اللمس دائماً.
(1) وفيه : أنّه لا دليل عليه ، فإنّ بعض النصوص الواردة في تحريم المزنيّ بها على أب الزاني وابنه وإن تضمن حرمتها باللمس أيضاً ، إلّا أنّك قد عرفت فيما تقدم أنّ صحيحة علي بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام) عن الرجل يقبّل الجارية يباشرها من غير جماع داخل أو خارج ، أتحلّ لابنه أو لأبيه؟ قال : «لا بأس» (3)صريحة في الجواز. فإنّ بمقتضاها لا بدّ من الالتزام بعدم ثبوت التحريم عند اللمس والنظر ، حتى ولو قلنا بثبوته في فرض الزنا.
والابن ، وتحرم أُمها وبنتها حرّة كانت أو أَمة. وهو وإن كان أحوط ، إلّا أنّ الأقوى خلافه (1). وعلى ما ذكر فتنحصر الحرمة في مملوكة كل من الأب والابن على الآخر إذا كانت ملموسة أو منظورة بشهوة.
[3774] مسألة 38 : في إيجاب النظر أو اللّمس إلى الوجه والكفين إذا كان بشهوة نظر. والأقوى العدم (2) وإن كان هو الأحوط (1).
هذا كلّه بالنسبة إلى حرمة الملموسة والمنظورة لأب اللّامس وابنه. وأما بالنسبة إلى حرمة ابنتها وأُمها للفاعل فالأمر كذلك ، فإنّه حتى ولو قلنا بحرمتها عند الزنا فلا مجال للقول بها في فرض اللمس والنظر إذ لا دليل عليها. اللّهم إلّا أن يتمسك بإطلاق ما دلّ على حرمتهما عند الفجور بالمرأة ، فإنّ مقتضاه ثبوت الحرمة سواء أكان الفجور بالوطء أم القبلة أم النظر.
لكنه لو سلمناه فلا بدّ من رفع اليد عنه ، لصريح صحيحة العيص بن القاسم الواردة في باب الفجور ، وصحيحة يزيد الكناسي ، قال : إنّ رجلاً من أصحابنا تزوج امرأة قد زعم أنّه كان يلاعب أُمها ويقبّلها من غير أن يكون أفضى إليها ، قال : فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال : «كذب ، مره فليفارقها» (2).
فإنّها ظاهرة في أنّ الأمر بالمفارقة إنّما هو لكذبه ومقاربته لها ، وهذا يعني أنّ ما دون ذلك لا يوجب التحريم ، وإلّا فلو كان مثل القبلة موجباً للتحريم لما كان وجه لتكذيبه (عليه السلام) له ، بل كان اللّازم الأمر بالمفارقة رأساً حيث لا فرق بين الفرضين.
إذن فالصحيح هو القول بعدم ثبوت الحرمة في الفرض حتى وإن قلنا بها في فرض الزنا ، وإن كنّا لا نقول بها كما عرفته.
(1) لعدم الدليل عليه.
(2) وهو بالنسبة إلى النظر متين. والوجه فيه أن المذكور في نصوص التحريم هو
.................................................................................................
تجريد الأَمة والنظر إلى ما يحرم على غيره النظر إليه ، وظاهر ذلك اختصاص التحريم بالنظر بشهوة إلى ما جرت العادة بستره ، ومن هنا فلا تشمل النظر إلى ما لا يحتاج إلى التجريد والكشف كاليدين والوجه وما شاكلهما.
وأمّا بالنسبة إلى اللمس فالأقوى فيه التحريم ، وذلك لانحصار دليل تحريم اللمس بصحيحة محمد بن إسماعيل ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل تكون له الجارية فيقبّلها ، هل تحلّ لولده؟ قال : «بشهوة»؟ قلت : نعم ، قال : «ما ترك شيئاً إذا قبّلها بشهوة» (1).
وحيث إنّ التقبيل مسّ لوجهها لا محالة ، فلا محيص عن الالتزام بثبوت الحرمة عند لمس وجهها ، بل مقتضى قوله (عليه السلام) : «ما ترك شيئاً» الالتزام بتحريم كل لمس يصدق عليه ذلك ، سواء في الوجه كوضع خدّه على خدّها ، أم في اليدين كملاعبتها لآلته ، فإنّهما محرمان جزماً.
والحاصل أنّ الصحيح في المسألة هو التفصيل بين النظر واللمس ، والالتزام في الأوّل بعدم التحريم لاختصاص نصوصه بتجريدها والنظر إلى ما يحرم على غيره النظر إليه ، وفي الثاني بالحرمة لصحيحة محمد بن إسماعيل حيث لم يرد فيها التقييد بالتجريد بل موردها لمس الوجه (التقبيل).
نعم ، في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «إذا جرد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحل لابنه» (2).
ومن هنا فقد يقال باختصاص التحريم باللمس الذي يستدعي التجريد ، فلا يثبت في مثل لمس الوجه والكفين.
غير أنّ من غير الخفي أنّ هذه الصحيحة أجنبية عن محل كلامنا أعني لمس الجارية المملوكة فإنّها واردة في تجريد الرجل الجارية من غير تقييد بكونها مملوكة له ، فلا تصلح دليلاً على اختصاص التحريم في لمس المملوكة بالذي يكون في عضو يستدعي التجريد.
[3775] مسألة 39 : لا يجوز الجمع بين الأُختين في النكاح (1) دواماً أو متعة (2) سواء كانتا نَسبيّتين أو رضاعيتين (3) أو مختلفتين (1)(4). وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الملك مع وطئهما (5). وأما الجمع بينهما في مجرد الملك من غير وطء
(1) بلا خلاف فيه بين المسلمين قاطبة. ويدلّ عليه قوله تعالى ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) (2)والنصوص المتضافرة.
(2) لإطلاق الأدلة ، وصريح بعض النصوص.
(3) لما دلّ على تنزيل الرضاع منزلة النسب ، وصريح صحيحة أبي عبيدة ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها ، ولا على أُختها من الرضاعة» (3).
(4) والمراد به ما إذا كانت إحداهما أُختاً للأُخرى بالرضاعة ، بمعنى أنّها قد ارتضعت من المرأة التي ولدت الثانية ، وكانت الثانية أُختاً للأُولى بالنسب ، بمعنى أنّها مولودة من المرأة التي أرضعت الاولى.
وبعبارة اخرى : إنّ منشأ الأُختية التي هي من العناوين المتضايفة تارة يكون ولادتهما من امرأة واحدة ، فيكون منشأها الولادة محضاً. وأُخرى يكون ارتضاعهما من امرأة واحدة ، فيكون منشأها الرضاع محضاً. وثالثة يكون ولادة إحداهما من امرأة وارتضاع الأُخرى من تلك المرأة بالذات ، فيكون منشأها الرضاع والنسب معاً بمعنى أنّ الاولى تكون أُختاً للثانية باعتبار أنّها مولودة من امرأة قد أرضعتها ، وتكون الثانية أُختاً للأُولى باعتبار أنّها قد ارتضعت من امرأة قد أولدتها.
(5) بلا خلاف فيه ، وتدل عليه جملة من النصوص.
منها : معتبرة مسعدة بن زياد ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «يحرم من
فلا مانع منه (1)(1).
الإماء عشر : لا تجمع بين الام والابنة ، ولا بين الأُختين» (2). فإنّ من الواضح أنّ المراد من الجمع الممنوع بين الأُختين في الملك إنّما هو الجمع بينهما في الوطء ، وإلّا فالجمع بينهما في الملك خاصة مما لا خلاف فيه.
بل يمكن استفادة ذلك من قوله تعالى ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) فإنّ حذف المتعلق لما كان يفيد العموم كان مقتضاها حرمة الجمع بين الأُختين مطلقاً ، سواء في التزويج ، أم في الملك مع الوطء. وأما الجمع في الملك بدون وطء فلو سلم شمولها له أيضاً ، فقد خرجنا عنه بما دلّ على جواز الجمع بين الأُختين في الملك خاصة ، فيبقى الباقي تحت عموم المنع.
نعم ، قد يقال أنّ مقتضى معتبرة علي بن يقطين ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن أُختين مملوكتين وجمعهما ، قال : «مستقيم ولا أحبه لك» (3)هو الجواز ، إلّا أنّها لشذوذها وإعراض الأصحاب عنها لا مجال للاعتياد عليها.
إلّا أنّ الظاهر أنّها محمولة على الجمع بين الأُختين في الملك خاصة على ما أفاده الشيخ (قدس سره) (4)باعتبار أنّها مطلقة ، فتقيد بما دلّ على عدم جواز الجمع بينهما في الوطء.
والحاصل أنّ هذه المعتبرة غير قابلة لمعارضة ما تقدم من النصوص ، لكن لا لما قيل من سقوطها عن الحجية بإعراض الأصحاب عنها ، وإنّما لكونها مطلقة فتقيد بما دلّ على المنع من الجمع بينهما في الوطء.
(1) بلا خلاف فيه ، كما عرفت.
وتدلّ عليه مضافاً إلى النصوص الخاصة السيرة القطعية ، فإنّ المسلمين في عهد
وهل يجوز الجمع بينهما في الملك مع الاستمتاع بما دون الوطء ، بأن لم يطأهما أو وطئ إحداهما واستمتع بالأُخرى بما دون الوطء؟ فيه نظر ، مقتضى بعض النصوص (1) الجواز ، وهو الأقوى (1)، لكن الأحوط العدم (2).
النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) كانوا يملكون العبيد والإماء وكانت إماؤهم يلدن البنات المتعددة ، وكان المسلمون يملكونها من دون أن يصدر أي ردع أو نهي من قبلهم (عليهم السلام).
بل يمكن دعوى أنّ الآية المباركة غير شاملة للجمع بين الأُختين في الملك خاصّة وذلك بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع فيها. فإنّ بملاحظتها يستكشف أنّها ناظرة إلى الجمع بينهما فيما هو المطلوب من النساء من أنواع الاستمتاعات الجنسية ، لا مطلق الجمع بينهما في كل شيء حتى في مثل الجمع بينهما على مائدة واحدة ونحوها ؛ نظير ما يذكر في تحريم الام والأُخت.
ومن هنا فلو لا وضوح تلازم الوطء وسائر الاستمتاعات الجنسية مع الزواج بحيث لا يمكن انفكاكها عنه ، لقلنا بجواز الجمع بينهما في التزويج المجرد عن الوطء والاستمتاعات الجنسية أيضاً.
(1) وهو خبر عيسى بن عبد اللّه الذي ذكره العياشي في تفسيره ، قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن أُختين مملوكتين ينكح إحداهما ، أتحلّ له الأُخرى؟ فقال : «ليس ينكح الأُخرى إلّا فيما دون الفرج وإن لم يفعل فهو خير له ، نظير تلك المرأة تحيض فتحرم على زوجها أن يأتيها في فرجها ، لقول اللّه عزّ وجلّ ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) ». وقال : « ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّا ما قَدْ سَلَفَ ) يعني في النكاح ، فيستقيم للرجل أن يأتي امرأته وهي حائض فيما دون الفرج» (2).
(2) بل هو الأقوى. فإنّ النص المتقدم ضعيف السند جدّاً ، فلا مجال للاعتماد عليه.
على أنّ مقتضى الآية الكريمة بالتقريب الذي ذكرناه من أنّها بملاحظة الحكم
[3776] مسألة 40 : لو تزوّج بإحدى الأُختين وتملّك الأُخرى ، لا يجوز له وطء المملوكة (1) إلّا بعد طلاق المزوجة وخروجها عن العدّة إن كانت رجعية. فلو وطئها قبل ذلك فعل حراماً ، لكن لا تحرم عليه الزوجة بذلك (2). ولا يحدّ حدّ
والموضوع ناظرة إلى الاستمتاعات الجنسية وما يطلب من النساء هو حرمة كل ما يرتبط بالجنس والقوة الشهوية.
ولو أغمضنا النظر عن الآية الكريمة ودلالتها كفانا في إثبات المدعى موثق مسعدة ابن زياد المتقدم ، فإنّه وبكل وضوح غير ناظر إلى الجمع بينهما في التزويج ، فإنّه وارد في الإماء وناظر إلى ما يحرم منها بطبعها وبحد ذاتها ، وحيث نسبت الحرمة إلى الأَمة نفسها كان ظاهره حرمتها مطلقاً وبالنسبة إلى جميع الاستمتاعات ، كما يظهر ذلك جلياً بالنظر إلى سائر المذكورات في النص من أقسام الإماء كالتي هي مشتركة بينه وبين غيره ، أو التي هي أُخت له من الرضاعة ، وغيرهما فإنّ من الواضح أنّ المحرم منهن ليس هو خصوص الوطء ، وإنّما هو كل ما يمتّ بالجنس بصلة.
ومن هنا فيترتب على ما ذكرناه حرمة الأُخت عند استمتاع المولى بأُختها الأُخرى حتى ولو لم يطأها. نعم ، لا يترتب على فعله الأحكام الخاصة بالوطء.
(1) فإنّ وطء المملوكة لو كان جائزاً ، فوطء الزوجة إما أن يكون جائزاً أيضاً وإمّا أن يكون محرماً. وحيث أنّ الأوّل منافٍ للآية الكريمة والنص الصحيح وتسالُم الأصحاب ، فيتعيّن الثاني لا محالة. وحيث إنّه منافٍ للزوجية ، إذ قد عرفت أنّ جواز الوطء وسائر الاستمتاعات الجنسية من اللّازم غير المفارق لها ، فلا بدّ إما من الالتزام ببطلانها أو الالتزام بحرمة وطء المملوكة. وحيث لا مقتضي للأول إذ الزوجية لا ترتفع إلّا بعروض ما ثبتت رافعيته كالطلاق والفسخ والموت ، وليس منه وطء أُخت الزوجة فيتعيّن الثاني ، فلا بدّ من القول بحرمة المملوكة دون الزوجة.
(2) لأنّ وطء الأُخت إن كان بعد وطء الزوجة ، فهو من أظهر مصاديق قوله (عليه السلام) : «الحرام لا يحرم الحلال». وإن كان قبله فالأمر كذلك ، لما تقدم من أنّ حرمتها ملازمة لارتفاع الزوجية وهو يحتاج إلى الدليل.
الزِّنا بوطء المملوكة (1) بل يعزّر (2) فيكون حرمة وطئها كحرمة وطء الحائض.
[3777] مسألة 41 : لو وطئ إحدى الأُختين بالملك ثم تزوج الأُخرى ، فالأظهر بطلان التزويج (3).
وقد يقال بصحّته (4) وحرمة وطء الأُولى إلّا بعد طلاق الثانية.
[3778] مسألة 42 : لو تزوج بإحدى الأُختين ، ثم تزوج بالأُخرى ، بطل عقد الثانية (1) سواء كان بعد وطء الاولى
(1) لمّا عرفت غير مرة من أنّ الزنا ليس عبارة عن مطلق الوطء من غير استحقاق ، وإنّما هو عبارة عن الوطء من غير استحقاق بالأصالة. وحيث إنّ هذا العنوان غير متحقِّق في المقام ، فإنّ الوطء مستحق له بالأصالة ، غاية الأمر أنّه محرم عليه لعارض ، نظير وطء الصائمة أو الحائض أو في المسجد ، فلا يكون زنا.
(2) لكون الفعل من المعاصي الكبيرة.
(3) فيما إذا كان متأخراً عن وطء المملوكة ، فإنّه لو كان صحيحاً لكان لازمه غير المفارق جواز أنواع الاستمتاعات بها ، وهو مما لا يمكن الالتزام به لكونه من أظهر مصاديق الجمع بين الأُختين المحرم ، فلا بدّ من الالتزام بعدم جواز الاستمتاع المساوق لبطلان الزوجية.
نعم ، لو كانت الزوجية قبل وطء المملوكة فلا ينبغي الشكّ في صحتها وحرمة وطء المملوكة ، لعين ما ذكرناه في المسألة السابقة. فإنّ بطلان الزوجية يحتاج إلى الدليل ، والقول بالصحة من دون جواز الاستمتاع غير ممكن ، فلا بدّ من القول بالجواز وصحة التزويج ، ولازمه حرمة وطء المملوكة لا محالة.
(4) نظراً إلى أنّ الزوجية أهمّ ، إلّا أنّه استحسان محض فلا مجال للاعتماد عليه.
(5) بلا خلاف فيه ، بل التسالم عليه.
وتدلّ عليه مضافاً إلى الآية الكريمة ومعتبرة مسعدة بن زياد بالتقريب المتقدم أعني أنّه لو كان صحيحاً للزم منه جواز الوطء ، وحيث أنّه ممنوع فلا بدّ من
.................................................................................................
الالتزام بالبطلان صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل كانت عنده امرأة فزنى بأُمها أو بابنتها أو بأُختها ، فقال : «ما حرم حرام قط حلالاً ، امرأته له حلال» إلى أن قال : «وإن كان تحته امرأة فتزوج أُمها أو ابنتها أو أُختها فدخل بها ثم علم ، فارَق الأخيرة والأولى امرأته ، ولم يقرب امرأته حتى يستبرئ رحم التي فارق» (1).
وصحيحته الأُخرى ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بالعراق ثم خرج إلى الشام فتزوج امرأة أُخرى ، فإذا هي أُخت امرأته التي بالعراق؟ قال : «يفرّق بينه وبين المرأة التي تزوجها بالشام ، ولا يقرب المرأة العراقية حتى تنقضي عدّة الشامية» (2).
فإنّهما كما تراهما تدلّان وبكل وضوح على بطلان نكاح الثانية ، حيث أمر (عليه السلام) بلزوم مفارقتها.
لكن بإزائهما صحيحة أبي بكر الحضرمي ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : رجل نكح امرأة ثم أتى أرضاً فنكح أُختها ولا يعلم ، قال : «يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأُخرى» (3). فإنّها حيث دلّت على تخيّر الرجل ، كان مقتضاها صحة الزواج الثاني أيضاً وإلّا فلا وجه للتخيير ، وبذلك تكون معارضة للصحيحتين المتقدمتين.
ولكن الظاهر أنّ هذه الصحيحة غير معارضة للصحيحتين المتقدمتين ، حيث لم يصرح في هذه الصحيحة بالتزويج بل المذكور فيها النكاح ، فلا تعارض صحيحتي زرارة اللتين قد ذكر فيهما التزويج صريحاً ، بل يتعيّن حمل النكاح على الوطء بالملك فتدلّ على تخيّر المالك فيما لو وطئ أَمتين ثم بان كونهما أُختين.
ثم لو لم يتم هذا الحمل فلا بدّ من رفع اليد عن هذه الصحيحة ، لمعارضتها لصحيحتي زرارة الموافقتين للكتاب والسنّة.
أو قبله (1). ولا يحرم بذلك وطء الاولى وإن كان قد دخل بالثانية (2).
نعم ، لو دخل بها مع الجهل بأنّها أُخت الاولى ، يكره له وطء الاولى قبل خروج الثانية من العدّة ، بل قيل يحرم ، للنص الصحيح (3) وهو الأحوط (1)(4).
[3779] مسألة 43 : لو تزوّج بالأُختين ولم يعلم السابق واللّاحق ، فإنْ علم تاريخ أحد العقدين حكم بصحّته (2)(5)
ثم لو لم يتم هذا الحمل فلا بدّ من رفع اليد عن هذه الصحيحة ، لمعارضتها لصحيحتي زرارة الموافقتين للكتاب والسنة.
(1) لإطلاق النصوص.
(2) لما دلّ على أنّ «الحرام لا يحرم الحلال».
(3) وهو صحيحتا زرارة المتقدمتان.
(4) بل هو الأقوى ، إذ لا موجب لرفع اليد عن ظاهرهما وحملهما على الكراهة فإنّه لا معارض لهما. وإعراض الأصحاب على أنّه لم نقل بوهنه للحجية لم يثبت حيث ذهب إلى الحرمة كل من الشيخ (3)وابن البراج (4)وابن حمزة (5).
(5) وكأنّه لاستصحاب عدم العقد على الأُخت المجهول تاريخ عقدها إلى حين وقوع العقد على الأُخت المعلوم تاريخ عقدها ، ولا يعارض ذلك استصحاب عدم العقد على الأُخت المعلوم تاريخ عقدها إلى حين العقد على الأُخت المجهول تاريخ عقدها ، فإنّ مثل هذا الاستصحاب لا يجري إذ لا شكّ في عمود الزمان ، فإنّه لا شكّ في زمن العقد بالنسبة إلى معلوم التاريخ ، فإنّ العقد ذلك التاريخ معلوم العدم وعنده معلوم التحقّق ، فلا شكّ فيه في زمان كي يتمسك لإثباته بالاستصحاب.
دون المجهول. وإن جهل تاريخهما حرم عليه وطؤهما (1) وكذا وطء إحداهما (2) إلّا بعد طلاقهما ، أو طلاق الزوجة الواقعية منهما ، ثم تزويج من شاء منهما بعقد جديد (3) بعد خروج الأُخرى من العدّة إن كان دخل بها أو بهما.
وهل يجبر على هذا الطلاق دفعاً لضرر (4) الصبر عليهما؟ لا يبعد ذلك (1)،
إلّا أنّنا ذكرنا في محلّه من المباحث الأُصولية مفصلاً أنّ ذلك غير تام وإن ذهب إليه بعض أكابر المحققين ، فإنّ العلم بالتاريخ وإن كان يمنع من جريان الاستصحاب بالنسبة إلى عمود الزمان حيث لا شكّ فيه ، إلّا أنّه لا يمنع من جريانه بالقياس إلى حادث آخر كما هو الحال في المقام حيث يشكّ في تقدم العقد على الأُخت المجهول تاريخ عقدها على العقد على هذه وتأخره عنه ، فلا مانع من الالتزام بجريانه.
فيقال : إنّ مقتضى الاستصحاب عدم وقوع العقد على الأُخت المعلوم تاريخ عقدها إلى زمان وقوع العقد على هذه ، فإنّ اليقين بعدم كونها زوجة له سابقاً متحقّق ، والشكّ في تحققه في زمان العقد على الثانية وجداني ، فيستصحب ، وبذلك يكون معارضاً لاستصحاب عدم العقد على الأُخت المجهول تاريخ عقدها إلى حين وقوع العقد على الأُخت المعلوم تاريخ عقدها ، فيتساقطان لا محالة ، ويكون مقتضى العلم الإجمالي حينئذ حرمة الاستمتاع بهما معاً تحصيلاً للموافقة القطعية.
(1) للعلم الإجمالي بعد تساقط الاستصحابين بالتعارض.
(2) تحصيلاً للموافقة القطعية.
(3) أو يطلّق إحداهما المعينة ويصبر حتى انقضاء عدّتها ثم يتزوج الأُخرى ، فإنّها تحل له حينئذ قطعاً ، لأنّها إن كانت زوجة له من الأول فالعقد الثاني لا يقتضي تحريمها ، وإن كانت أجنبية حلّت له بهذا العقد.
(4) يظهر من هذا التعبير أنّه (قدس سره) يتمسك لإثبات وجوب الطلاق بقاعدة نفي الضرر.
إلّا أنّ فيه ، مضافاً إلى أنّ الضرر ليس في الزوجية نفسها كي يلتزم بارتفاعها وإنّما
1) (*) لا دليل عليه ، والآية الكريمة على ما فسّرت راجعة إلى النّفقة ، فإذن ينتهي الأمر إلى القرعة.
لقوله تعالى ( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) (1).
هو في الأحكام المترتبة عليها ، أنّ روايات قاعدة نفي الضرر على ما تقدم بيانه غير مرة إنّما تقتضي نفي الحكم المترتب عليه الضرر خاصة من دون أن تتكفل إثبات حكم آخر يرتفع به الضرر ، ومن هنا فلا يمكن إثبات وجوب الطلاق بدليل نفي الضرر. على أنّ إلزام الزوج بطلاقهما ودفع نصف المهر لكل منهما ، ضرر على الزوج على حدّ تضرره بإبقاء المرأتين والإنفاق عليهما ، فيحتاج إثباته إلى الدليل.
(1) وهذا المضمون قد ورد في عدّة موارد من الكتاب العزيز.
منها : قوله تعالى ( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) (1). والظاهر منها أنّ الفاء فيها للتفريع ، بمعنى أن بعد تطليق الزوجة مرتين إما أن يمسكها بمعروف فيتزوّجها ويبقيها زوجة له من غير إضرار إليها ، أو يطلقها الطلاق الثالث كما دلّت عليه موثقة الحسن بن فضال. وهي بهذا المدلول أجنبية عن محلّ الكلام ، إذ لا دلالة فيها على وجوب الطلاق على الزوج ، فيما إذا لم يمكنه القيام بالاستمتاعات الجنسية لبعض المحاذير الشرعية.
ومنها : قوله تعالى ( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) (2). وهي كما تراها ظاهرة الدلالة في أنّ الإمساك بالمعروف إنّما يكون بعد طلاقها وبلوغها الأجل ، الذي هو عبارة عن انقضاء عدّتها وخروجها منها ، فيكون مفادها أن للرجل بعد انقضاء عدّة زوجته الخيار في أن يتزوّجها من غير قصد الإضرار بها ، أو أن يغض النظر عنها كي تتزوج هي ممن شاءت.
وبهذا المضمون وردت عدة آيات أُخر ، فقد قال اللّه عزّ وجلّ ( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ
.................................................................................................
بِالْمَعْرُوفِ) (1). فإنّها واردة فيما بعد الطلاق وانقضاء العدّة بكل وضوح.
وقوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (2). فإنّها واردة في عدم جواز منعها من الزواج بعد انقضاء عدّتها.
ومن هنا فحمل الآية الكريمة على الرجوع في أثناء العدّة ، أو استفادة لزوم الطلاق منها ، بعيد جدّاً فإنّها أجنبية عن ذلك بالمرة. على أنّ في بعض الروايات تفسير هذه الآية بلزوم قيام الزوج بكسوة زوجته وشؤونها بحسب ما هو اللّائق بحالها وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة سنداً ، إلّا أنّ جملة من النصوص المعتبرة قد تضمنت هذا المضمون.
والحاصل أنّ الآية المباركة غير ناظرة إلى وجوب الطلاق على الزوج عند تركه للأُمور الجنسية والاستمتاع بزوجته ، وإنّما يجب ذلك عند تخلفه عن القيام بنفقتها على تفصيل يذكر في محلّه بل قد صرح بذلك في روايتين ، هما :
أوّلاً : رواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين ولم ينفق عليها ولم تدر أحيّ هو أم ميّت ، أيجبر وليه على أن يطلقها؟ قال : «نعم ، وإن لم يكن له وليّ طلقها السلطان». قلت : فإن قال الولي : أنا أُنفق عليها؟ قال : «فلا يجبر على طلاقها». قال : قلت : أرأيت إن قالت : أنا أُريد مثل ما تريد النساء ولا أصبر ولا أقعد كما أنا؟ قال : «ليس لها ذلك ، ولا كرامة إذا أنفق عليها» (3).
إلّا أنّها ضعيفة سنداً لورود محمد بن الفضيل فيه.
ثانياً : معتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن المفقود ، فقال : «المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي ، أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها
وربّما يقال : بعدم وجوب الطلاق عليه وعدم إجباره ، وأنّه يعيّن بالقرعة. وقد يقال : إنّ الحاكم يفسخ نكاحهما (1).
فإن لم يوجد له أثر أمر الوالي وليّه أن ينفق عليها ، فما أنفق عليها فهي امرأته». قال : قلت : فإنّها تقول : فإنّي أُريد ما تريد النساء ، قال : «ليس ذاك لها ، ولا كرامة ، فإن لم ينفق عليها وليّه أو وكيله أمره أن يطلقها ، فكان ذلك عليها طلاقاً واجباً» (1).
فإنّها صريحة الدلالة على عدم حقّ الزوجة في المطالبة بالطلاق عند تخلّف الزوج عن الأُمور الجنسية.
إذن فلا يجبر الزوج على الطلاق ، لعدم الدليل عليه. إلّا أنّه ونتيجة لذلك يقع في عدّة محاذير ، فإنّ إبقاءهما معاً والإنفاق عليهما من غير الاستمتاع حتى بواحدة منهما ضرري بالنسبة إليه ، كما أنّه يقع بين المحذورين من جهة علمه الإجمالي بلزوم مقاربته لإحداهما في كل أربعة أشهر مرّة.
على أنّ المحذور لا يختص به ، إذ يلزم كلّاً من المرأتين أن تعامل مع نفسها معاملة الزوجة مع ذلك الرجل ، باعتبار أنّ تنجيز العلم الإجمالي الحاصل للزوج إنّما يختص به ولا يعمّ الزوجات. فإنّ مقتضى استصحاب كل واحدة منهما لعدم العقد على الأُخرى إلى حين وقوع عقدها هو الحكم بصحة عقدها ، ولا يعارضه تمسك الأُخرى بالاستصحاب أيضاً ، فإنّ علمه الإجمالي لا يؤثر في حقهما شيئاً ، فلا بدّ لهما معاً من معاملته زوجاً لهما ، في حين لا يجوز له معاملتهما معاً معاملة الزوجة له ، فتنشأ من هذا الاختلاف في الحكم مشكلة اخرى تضاف إلى ما تقدّم.
بل لعلّ هذا ينافي ما ورد من أنّ المرأة لا تبقى معطلة وبلا زوج.
فلا بدّ من إيجاد حلّ لهذه المشكلة ، والظاهر أنّه منحصر في الالتزام بالقرعة ، فإنّ بها تتميز الزوجة عن غيرها ، وقد ذكرنا في كتابنا (مباني تكملة المنهاج) أنّ أدلة القرعة وافية لشمول المقام بلا محذور (2).
(1) إلّا أنّه لا دليل عليه.
ثم مقتضى العلم الإجمالي بكون إحداهما زوجة وجوب الإنفاق عليهما ما لم يطلّق (1) ومع الطلاق قبل الدخول نصف المهر لكل منهما (2) وإن كان بعد الدخول فتمامه (3). لكن ذكر بعضهم أنّه لا يجب عليه إلّا نصف المهر لهما ، فلكلّ منهما الربع في صورة عدم الدخول (4)
(1) أو يعيّن الزوجة منهما بالقرعة.
(2) إلّا أنّه محكوم بقاعدة «لا ضرر» ، فإنّها جارية في المقام. وإن كان يظهر من صاحب الكفاية (قدس سره) وغيره الالتزام بعدم جريانها في أمثال المقام (1)نظراً إلى أنّها ناظرة إلى الأحكام الشرعية خاصة دون الأحكام العقلية والتي منها الاحتياط. غير أنّه قد تقدمت غير مرة منّا الإجابة على ذلك ، باعتبار أنّ لزوم الاحتياط إنّما هو من لوازم الحكم الشرعي بدفع نصف المهر إلى الزوجة الواقعية فتشمله القاعدة وعليه فلا يجب الاحتياط بدفع نصف المهر إلى كل منهما.
(3) فيجب عليه دفع المسمّى للزوجية والمثل للوطء شبهة ، إلّا أنّه لما لم يكن يميز الموطوءة بالزوجية عن الموطوءة شبهة ، فلا مناص من الرجوع إلى القرعة لتعيين مستحق كل منهما.
(4) وكأنّه لقاعدة «العدل والإنصاف» نظير ما يذكر في جواز صرف بعض المال في مقدمات إيصاله إلى مالكه ، فيقال بجواز دفع بعض المال إلى غير مالكه مقدّمة للعلم بوصول بعضه الآخر إلى المالك.
إلّا أنّه لا مجال للاعتماد عليها ، إذ لا وجه لقياس المقدمات العلمية على المقدّمات الموجبة لتحقّق الإيصال في الخارج ، فإنّ الفرق بينهما واضح. فإنّ وصول المال في الثاني يتوقّف حقيقة على صرف بعضه وإعطائه إلى غير مالكه ، في حين أنّه في الأوّل لا يتوقّف على ذلك ، وإنّما الذي يتوقّف عليه هو خصوص العلم به ، ومن هنا فلا مجال لقياسه عليه والتعدِّي عن مورد النص.
1) كفاية الأُصول.
وتمام أحد المهرين لهما في صورة الدخول (1)(1). والمسألة محل إشكال ، كنظائرها من العلم الإجمالي في الماليات.
[3780] مسألة 44 : لو اقترن عقد الأُختين ، بأن تزوجهما بصيغة واحدة ، أو عقد على إحداهما ووكيله على الأُخرى في زمان واحد ، بطلا معاً (2). وربّما يقال : بكونه مخيّراً (2)في اختيار أيهما شاء ، لرواية (3)
إذن فلا بدّ من تعيينها بالقرعة ، لكون المقام من مصاديق الأمر المشكل.
(1) وقد عرفت الوجه فيه ومناقشته.
(2) للقاعدة ، فإنّ الجمع بينهما غير جائز ، وترجيح إحداهما على الأُخرى من غير مرجح.
(3) هي صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوج أُختين في عقدة واحدة ، قال : «يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأُخرى». وقال في رجل تزوج خمساً في عقدة واحدة ، قال : «يخلي سبيل أيتهنّ شاء» (3).
فإنّها صريحة الدلالة على المدعى. وهي صحيحة السند على ما ذكرها الصدوق (قدس سره) (4)وإن كانت مرسلة أو ضعيفة على ما رواها الكليني (5)والشيخ (قدس
1) (*) إذا فرض الدخول فيهما معاً وجب عليه تمام المهر لكل منهما ، غاية الأمر أنّ أحد المهرين مهر المثل والآخر مهر المسمّى ، وتعيّن ذلك إنّما هو بالقرعة ، وكذا الحال في فرض عدم الدخول فإنّ نصف المهر يتعيّن بالقرعة.
2) (**) لا تبعد صحّة هذا القول ، فإنّ الرواية صحيحة وظاهرة الدلالة ، وقد عمل بها جماعة من الأصحاب ، فلا وجه لحملها على خلاف ظاهرها ، هذا في الصورة الأُولى ، وأمّا الصورة الثانية فلا تبعد صحّة عقد نفسه فيها ، وبما ذكرنا يظهر ما في الحكم ببطلانهما في فرض الشك في السبق والاقتران ، وعليه فإن كان محتمل السبق عقد إحداهما معيّنة فيؤخذ به ، وإن كانت غير معيّنة فالمرجع هو القرعة لتعين السبق والاقتران.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 25 ح 1.
4) الفقيه 3 : 265 / 1260.
5) الكافي 5 : 431.
.................................................................................................
سره) (1)، إلّا أنّ هذا الضعف لا يضرّ بالسند المعتبر الذي ذكره الصدوق (قدس سره).
نعم ، قد يتوهّم أنّ الرواية لما كانت رواية واحدة في قضية واحدة جزماً فلا بدّ من الالتزام بوقوع الخطأ فيها ، إذ لا يعقل أن يكون جميل بن دراج قد رواها لابن أبي عمير مرتين ، فتارة رواها مرسلاً والأُخرى رواها عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة. وكذا ابن أبي عمير بالنسبة إلى إبراهيم بن هاشم ، وهو بالنسبة إلى ابنه وهكذا. ومن هنا تسقط الرواية عن الحجية لا محالة.
وبعبارة اخرى : إنّ رواية الصدوق (قدس سره) وإن كانت بحسب ظاهرها معتبرة سنداً إلّا أنّها ساقطة عن الحجية ، نتيجة معارضتها لرواية الكليني والشيخ (قدس سره) بعد العلم باتحادهما ووقوع الخطأ في إحداهما جزماً.
إلّا أنّه مدفوع بأنّه لا ينبغي الإشكال في وقوع الاشتباه من إبراهيم بن هاشم ، فإنّ الكليني والشيخ (قدس سره) إنّما يرويان عنه ، وهو يرويها تارة مرسلة وأُخرى مسندة. في حين إنّ رواية الصدوق (قدس سره) لا تنحصر به ، بل هو (قدس سره) إنّما يرويها بإسناده عنه وعن يعقوب بن شعيب ومحمد بن عبد الجبار وأيوب بن نوح عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة. وهذا يكشف بوضوح عن أنّ الخطأ والاشتباه إنّما كان من إبراهيم بن هاشم.
ثم إنّ هذا كلّه فيما إذا تزوج الأُختين بعقد واحد. وأما الفرض الثاني أعني ما إذا عقد هو على إحداهما ، وزوّجه وكيله من الأُخرى في زمان واحد فلا مجال للقول فيه بالخيار ، وإنْ نسب صاحب الجواهر (قدس سره) إلى القائلين به في هذا الفرض أيضاً. لكنه مشكل جدّاً ، فإنّه لا وجه للتعدي عن مورد النص بعد أن كان الحكم على خلاف القاعدة.
إذن فلا بدّ من الالتزام بالبطلان ، إلّا أنّ الظاهر أنّه يختص بعقد الوكيل دون عقده هو ، وذلك لقصور التوكيل عن شمول التزويج الفاسد الذي لا يُمضى شرعاً ، فإنّ دائرة الوكالة ضيقة ولا تشمله كما هو الحال في سائر المعاملات ، ومن هنا فلا ينسب فعل الوكيل إليه ، ويكون عقده هو بلا مزاحم فيحكم بصحته لا محالة.
1) التهذيب 7 : 285 / 1203.
محمولة على التخيير بعقد جديد (1). ولو تزوّجهما ، وشكّ في السبق والاقتران حكم ببطلانهما أيضاً (2).
(1) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (1). إلّا أنّه بعيد غايته ، إذ لا موجب له مطلقاً ، بل هو خلاف ظاهر النص ، فإنّ ظاهره ثبوت الخيار له في إمساك أيتهما شاء خارجاً ومن دون حاجة إلى عقد جديد ، كما يشهد لذلك ذيل الحديث ، فإنّ من تزوج خمساً بعقدة واحدة يبقي أربعاً منهنّ ويخلي سبيل واحدة ، من دون حاجة إلى عقد جديد على اللّاتي أمسكهنّ اتفاقاً.
(2) يفرض الكلام تارة في صورة العلم بعدم سبق أحد العقدين على الآخر ويشكّ في سبق الآخر عليه واقترانه له ، وأُخرى في صورة احتمال سبق كل منهما على الآخر وتقارنه له.
والظاهر خروج الفرض الأول عن محل كلامه (قدس سره) ، فإنّه ظاهر في احتمال السبق في الطرفين.
وعلى كل فالظاهر في الفرض الأول هو الحكم ببطلان العقد الذي علم عدم سبقه وصحة الآخر. والوجه فيه أن العقد الذي علم عدم سبقه إما مقارن للآخر أو متأخر عنه ، وعلى كلا التقديرين فهو محكوم بالبطلان ، بخلاف العقد الآخر حيث يجري فيه الاستصحاب بلا معارض ، فإنّ الطرف الآخر معلوم اللّحوق أو الاقتران ، فلا يجري فيه استصحاب عدم العقد على أُختها قبل الفراغ من عقدها.
هذا كلّه بناء على ما اختاره الماتن (قدس سره) من الحكم ببطلان العقدين المتقارنين. وأما بناء على ما اخترناه من تخير الزوج بينهما فالأمر كما تقدم أيضاً ، فإنّ الاستصحاب في الآخر جار بلا معارض ، فيحكم بصحته وبطلان عقد التي علم عدم سبق عقدها على الآخر.
وأمّا الحكم في الفرض الثاني فهو كما ذكره (قدس سره) ، بناء على ما اختاره من
1) الجواهر 29 : 384.
[3781] مسألة 45 : لو كان عنده اختان مملوكتان ، فوطئ إحداهما ، حرمت عليه الأُخرى (1) حتى تموت الأُولى ، أو يخرجها من ملكه (2) ببيع أو صلح أو هبة أو نحوهما ،
بطلان العقدين المتقارنين ، وذلك لعدم إحراز الصحة في كل منهما ، إذ إنّ استصحاب عدم العقد على أُخت هذه المرأة قبل الفراغ من عقدها معارض بمثله في الطرف الآخر ، فيحكم ببطلانهما معاً لا محالة ، ومن هنا فلا يترتب عليهما أي أثر.
هذا ولكن الحكم لا يتم على إطلاقه إلّا بناء على جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ومعلومه كما اخترناه في محلّه فإنّه حينئذ يتعارض الاستصحابان كما عرفت فيحكم ببطلانهما. غير أنّ الماتن (قدس سره) ليس من القائلين بذلك ، فإنّه ممن يرى اختصاص جريان الاستصحاب بمجهول التاريخ ، ومن هنا كان عليه (قدس سره) تقييد الحكم بما إذا كان العقدان معاً مجهولي التاريخ ، وإلّا فلو كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً لجرى الاستصحاب في مجهول التاريخ بلا معارض ، ولازمه الحكم بصحته وبطلان الآخر.
هذا كلّه بناءً على الحكم ببطلان العقدين المتقارنين ، كما ذهب إليه الماتن (قدس سره). وأما بناءً على ما اخترناه من تخيّر الزوج بينهما ، فلا موجب للحكم بالبطلان في المقام ، بل لا بدّ من الرجوع إلى القرعة لتعيين السبق والاقتران ، فإنّها لكل أمر مشكل ، والمقام منه. ومن هنا فإن خرجت القرعة بسبق أحد العقدين تعينت صاحبته للزوجية وكانت الأُخرى أجنبية ، وإن خرجت القرعة بالاقتران تخيّر بينهما.
(1) بلا خلاف فيه ، وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً.
(2) وتدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.
كصحيحة عبد اللّه بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «إذا كانت عند الرجل الأُختان المملوكتان فنكح إحداهما ، ثم بدا له في الثانية فنكحها فليس ينبغي له أن ينكح الأُخرى حتى تخرج الاولى من ملكه ، يهبها أو يبيعها فإن وهبها لولده يجزيه» (1).
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 1.
.................................................................................................
ومثلها موثقة عبد الغفار الطائي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كانت عنده أُختان فوطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأُخرى ، قال : «يخرجها عن ملكه». قلت : إلى من؟ قال : «إلى بعض أهله». قلت : فإن جهل ذلك حتى وطئها؟ قال : «حرمتا عليه كلتاهما» (1).
فإنّ هاتين الروايتين المعتبرتين وغيرهما من النصوص ، تدلّان على عدم جواز وطء الأُخت الثانية ما لم يخرج مالكهما الاولى عن ملكه.
نعم ، ربّما يستدل لكفاية مجرد اعتزال الاولى في جواز وطء الثانية بصحيحة معاوية بن عمار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كانت عنده جاريتان أُختان فوطئ إحداهما ثم بدا له في الأُخرى ، قال : «يعتزل هذه ويطأ الأُخرى». قال : قلت : فإنّه تنبعث نفسه للأُولى ، قال : «لا يقربها حتى تخرج تلك عن ملكه» (2).
وقد أورد صاحب الجواهر (قدس سره) بأنّها ليست بحجة في نفسها ، مضافاً إلى مخالفتها للإجماع والنصوص الكثيرة ، الدالة على عدم جواز وطء الثانية ما لم تخرج الاولى عن ملكه (3).
وما ذكره (قدس سره) من أنّ الرواية ليست بحجة في نفسها غير واضح ولا يمكن المساعدة عليه ، فإنّ رواتها من الثقات الأجلّاء ، وليس فيهم أحد يمكن الخدشة فيه من حيث الوثاقة.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) من كونها مخالفة للإجماع والنصوص ، فهو وإن كان صحيحاً في حدّ ذاته لو تمّت دلالتها على المدعى إلّا أنّ الظاهر أنّه لا حاجة إلى هذه المناقشة. فإنّ هذه المعتبرة ليست مغايرة للنصوص المتقدمة ، إذ الظاهر أنّ مرجع الضمير في قوله (عليه السلام) : «هذه» هو الأُخت الثانية لا الاولى ، كما يقتضيه القرب أيضاً ، وإلّا فلو كان المراد هي الأُولى لكان الأنسب بل الصحيح التعبير ب- (تلك) بدلاً عن (هذه).
ولو بأن يهبها لولده (1). والظاهر كفاية التمليك الذي له فيه الخيار (2) وإن كان الأحوط اعتبار لزومه. ولا يكفي على الأقوى ما يمنع من المقاربة مع بقاء الملكية (3) ، كالتزويج للغير ،
ومن هنا فيكون مدلول هذا النص أنّه يجب عليه اجتناب الثانية وعدم مقاربتها ويحل له وطء الأُخرى ، فإن انبعثت نفسه نحو الاولى كما في كلام الإمام (عليه السلام) التي هي الأُخت الثانية كما عرفت ، لم يجز له مقاربتها حتى تخرج تلك أي الاولى عن ملكه.
وعلى هذا فهذا النص من أدلة المنع لا الجواز ، ولا أقل من الإجمال ، فلا تكون دالّة على خلاف ما دلّت عليه النصوص المعتبرة.
ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا بدلالتها على خلاف ما دلت عليه تلك النصوص ، فلا حاجة في إسقاطها إلى القول بأنّها مخالفة للإجماع أو غيره ، فإنّ في مقام المعارضة تترجح صحيحة عبد اللّه بن سنان وغيرها لكونها الموافقة للكتاب والسنة ، فإنّ وطء الثانية مع مجرد اعتزال الاولى من الجمع بين الأُختين وهو محرم كتاباً وسنّة.
(1) كما دلّت عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان ، ومعتبرة عبد الغفار الطائي وغيرهما.
(2) لإطلاقات النصوص ، فإنّ مقتضاها كون العبرة في جواز وطء الثانية بمجرّد إخراج الأُولى عن ملكه ، وحيث إنّ هذا العنوان متحقق مع الإخراج الجائز فلا موجب للقول بعدم الجواز.
ودعوى أنّ الملاك في جواز وطء الثانية هو عدم تمكن المالك من وطء الاولى وحيث إنّه غير متحقق في المقام لإمكان جواز الرجوع فيها فلا يجوز له وطء الثانية.
غير مسموعة ، فإنّها استحسان محض ، ولا تصلح لتقييد الإطلاقات.
(3) لما تقدّم أيضاً ، فإنّ مقتضي إطلاقات أدلة المنع عدم الفرق بين جواز مقاربته للأُولى وعدمه ، بل لا يجوز له وطء الثانية ما لم تخرج الاولى عن ملكه. ودعوى كون المنع من المقاربة بمنزلة الإخراج ، استحسان محض ولا مجال للمساعدة عليه.
والرّهن (1) والكتابة ، ونذر عدم المقاربة ، ونحوها. ولو وطئها من غير إخراج للأُولى لم يكن زنا (2) فلا يحد ويلحق به الولد (3). نعم ، يعزّر (4).
[3782] مسألة 46 : إذا وطئ الثانية بعد وطء الاولى ، حرمتا عليه مع علمه بالموضوع والحكم (5).
(1) بناءً على ما ذهب إليه المشهور من عدم جواز وطء الراهن للأَمة المرهونة. وأما بناءً على ما اخترناه من الجواز لكون ما استدلّ به نبوياً مرسلاً فلا يكون الرهن من مصاديق المنع من المقاربة.
(2) لأنّه كما عرفت مراراً عبارة عن الوطء غير المستحق بالأصالة. وهو غير صادق في المقام ، فإنّ الوطء مستحق له بالأصالة ، لكونها أَمة مملوكة له وإن حرمت عليه بالعارض كالحائض.
(3) لعدم كونه زانياً.
(4) لارتكابه ما هو من الكبائر.
(5) ذكر صاحب المسالك (قدس سره) على ما نقله عنه في الجواهر أنّه يظهر من المحقق (قدس سره) وجود القائل بحرمة الاولى وحلية الثانية حينئذ ، ثم أورد عليه بأنّه لم يظهر لهذا القول قائل بل لم ينقله سوى المصنف (1). وأما المحقق نفسه فقد اختار بقاء الاولى على الحلّية والثانية على الحرمة (2)وكأنّه لِما ورد من أنّ «الحرام لا يفسد الحلال».
لكن الظاهر أنّ الصحيح في المقام هو ما اختاره الماتن (قدس سره) ، وفاقاً للأكثر. والوجه فيه :
أمّا حرمة الثانية ، فلإطلاقات أدلة المنع ، حيث إنّ مقتضاها عدم الفرق بين الوطء الأوّل وغيره ، مضافاً إلى صحيحة الحلبي الآتية.
وأمّا حرمة الاولى ، فلجملة من النصوص :
.................................................................................................
كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل يشتري الأُختين فيطأ إحداهما ثم يطأ الأُخرى بجهالة ، قال : «إذا وطئ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الاولى ، وإن وطئ الأخيرة وهو يعلم أنّها عليه حرام حرمتا عليه جميعاً» (1).
وصحيحة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كانت له اختان مملوكتان فوطئ إحداهما ثم وطئ الأُخرى ، أيرجع إلى الأُولى فيطأها؟ قال : «إذا وطئ الثانية فقد حرمت عليه الأولة حتى تموت ، أو يبيع الثانية من غير أن
يبيعها من شهوة لأجل أن يرجع إلى الأُولى» (2).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل عنده اختان مملوكتان فوطئ إحداهما ثم وطئ الأُخرى ، فقال : «إذا وطئ الأُخرى فقد حرمت عليه الاولى حتى تموت الأُخرى». قلت : أرأيت إن باعها؟ فقال : «إن كان إنّما يبيعها لحاجة ولا يخطر على باله من الأُخرى شيء فلا أرى بذلك بأساً ، وإن كان إنّما يبيعها ليرجع إلى الاولى فلا» (3).
ومثلها خبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).
وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل ملك أُختين ، أيطؤهما جميعاً؟ قال : «يطأ إحداهما ، فإذا وطئ الثانية حرمت عليه الاولى التي وطئ حتى تموت الثانية أو يفارقها ، وليس له أن يبيع الثانية من أجل الأُولى ليرجع إليها إلّا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت» (5). إلى غيرها من النصوص.
والحاصل أنّ المستفاد من مجموع هذه النصوص هو حرمة الأُختين معاً ، فيما إذا وطئ الثانية بعد وطئه للأُولى ، ومن هنا فتخصيص الحكم بالأُولى أو الثانية لا يعرف له وجه.
1) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 5.
2) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 7.
3) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 9.
4) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 9.
5) الوسائل ، ج 20 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، ب 29 ح 10.
وحينئذ فإنْ أخرج الأُولى عن ملكه حلت الثانية مطلقاً (1) وإن كان بقصد الرجوع إليها (2). وإن أخرج الثانية عن ملكه ، يشترط في حلّية الاولى أن يكون إخراجه لها لا بقصد الرجوع إلى الأُولى (3) وإلّا لم تحلّ.
وأمّا في صورة الجهل بالحرمة موضوعاً أو حكماً ، فلا يبعد بقاء الاولى على حلِّيّتها والثانية على حرمتها (4) وإن كان الأحوط عدم حلِّيّة الأُولى إلّا بإخراج الثانية (5)
(1) بلا خلاف في ذلك بينهم ، وتدلّ عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان وغيرها.
(2) لإطلاق الأدلة.
(3) لصحيحتي أبي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمتين ، وغيرهما من النصوص. فيكون الحكم ثابتاً على نحو التعبد ، وبه تقيد القواعد المقتضية للحل بمجرّد إخراج الثانية عن ملكه ، نظراً لارتفاع محذور الجمع بين الأُختين.
(4) لصحيحة الحلبي المتقدمة ، فإنّها صريحة في التفصيل بين فرض العلم والجهل وعدم حرمة الاولى فيما إذا كان وطؤه للثانية عن جهالة.
(5) اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (1)، مستنداً إلى معتبرة عبد الغفار الطائي المتقدمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل كانت عنده أُختان فوطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأُخرى ، قال : «يخرجها عن ملكه». قلت : إلى من؟ قال : «إلى بعض أهله». قلت : فإن جهل ذلك حتى وطئها؟ قال : «حرمتا عليه كلتاهما» (2).
بدعوى ظهورها في عدم الفرق في الحكم أعني حرمتهما معاً بين صورتي العلم والجهل ، إذ تثبت الحرمة في كلتا الصورتين من غير اختلاف بينهما في هذه الجهة.
نعم ، هما تختلفان في جهة أُخرى غير هذه الجهة هو المحلل ، فإنّ في فرض العلم لا تحلّ الأُولى إلّا بإخراج الثانية عن ملكه لا لغاية الرجوع إلى الأُولى ، وهذا بخلاف
.................................................................................................
فرض الجهل حيث تحل الاولى بمجرد إخراج الثانية عن ملكه حتى وإن كان ذلك لأجل الرجوع إلى الأُولى.
ومن هنا تكون هذه المعتبرة معارضة لصحيحة الحلبي.
وما قيل من تعيّن العمل بصحيحة الحلبي ، لأنّ رواية الطائي ليست بحجة في نفسها ، غير مسموع ، لما عرفت من أنّ رجال السند كلّهم ثقات أجلّاء ولا مجال للخدشة فيهم.
نعم ، ربّما يجمع بينهما بحمل معتبرة الطائي على الكراهة ، لكونها ظاهرة في ثبوت الحرمة في فرض الجهل ، في حين إنّ صحيحة الحلبي صريحة في الجواز. إلّا أنّه بعيد جدّاً ، فإنّه ليس من الجمع العرفي ، لما عرفت غير مرة أنّ النفي والإثبات إذا وردا في دليلين على عنوان واحد كان الدليلان من المتعارضين لا محالة ، وحيث إنّ المقام من هذا القبيل فلا مجال لحمل النهي فيه على الكراهة.
وكذا الحال فيما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من أنّ المراد بقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي : «لم تحرم عليه الاولى» أنّها لا تحرم في فرض الجهل بمثل ما تحرم في فرض العلم ، إذ في فرض العلم تحرم عليه الاولى ولا تحلّ عليه إلّا بإخراج الثانية عن ملكه لا لغرض الرجوع إلى الأُولى ، وهذا بخلاف فرض الجهل فإنّها تحرم عليه لكنها تحلّ بمجرد إخراج الثانية عن ملكه وإن كان ذلك لأجل الرجوع إلى الأُولى. ومن هنا فلا تكون هذه الصحيحة معارضة لمعتبرة عبد الغفار الطائي الدالة على ثبوت الحرمة (1).
فإنّه بعيد عن العبارة جدّاً وغريب منه (قدس سره).
ثم إنّه قد ذكر أنّ معتبرة عبد الغفّار الطائي تتقدم على صحيحة الحلبي عند المعارضة ، نظراً لموافقتها للإطلاقات ، حيث إنّ مقتضاها عدم الفرق في ثبوت الحرمة بين صورتي العلم والجهل (2).
وما أفاده (قدس سره) وإن كان مما لا بأس به في نفسه ، إلّا أنّ من الممكن دعوى كون الإطلاقات مقيدة في نفسها حتى مع قطع النظر عن صحيحة الحلبي ومعارضتها
ولو كان بقصد الرجوع إلى الأُولى. وأحوط من ذلك كونها كصورة العلم (1).
[3783] مسألة 47 : لو كانت الأُختان كلتاهما أو إحداهما من الزِّنا ، فالأحوط (2) لحقوق الحكم من حرمة الجمع بينهما في النِّكاح ، والوطء إذا كانتا مملوكتين.
على العمل فيما إذا صدر عن جهالة (1)فتكون مقيدة للإطلاقات.
وكيف كان ، فالذي يقتضيه التحقيق هو القول بعدم معارضة صحيحة الحلبي لمعتبرة عبد الغفار الطائي مطلقاً.
وذلك فلأنّ المراد بالجهل في صحيحة الحلبي هو الجهل بالحكم قطعاً ، وذلك قوله (عليه السلام) بعد الحكم بعدم ثبوت الحرمة في فرض الجهالة : «وإن وطئ الأخيرة وهو يعلم أنّها عليه حرام حرمتا عليه جميعاً» فإنّه يكشف بكل وضوح عن أنّ المراد بالجهل هو ما يقابل العلم بكونها عليه حرام ، المعبّر عنه بالعلم بالحكم.
وهذا بخلاف الجهل المذكور في معتبرة الطائي ، إذ الظاهر من قول السائل بعد جوابه (عليه السلام) بوجوب إخراج الأُولى عن ملكه ولو إلى بعض أهله : (فإن جهل ذلك حتى وطئها) أنّ الجهل إنّما هو في وجود المحلل للثانية بعد وطئه للأُولى وإلّا لكان يختاره ولم يكن يرتكب الحرام ، إلّا أنّ الجهل في أصل الحرمة أو في كونها أُختاً لموطوءته الاولى.
ومن هنا تكون هذه المعتبرة في عداد النصوص المطلقة ، الدالة على ثبوت الحرمة الأبدية لهما معاً عند وطئه للثانية ، من غير تقييد بصورة العلم أو الجهل ، فتقيد بصحيحة الحلبي وصحيحة عبد الصمد لا محالة ، وبذلك تنحلّ مشكلة التعارض بينهما من دون أن تصل النوبة إلى شيء مما قيل.
(1) إلّا أنّه لم يعرف لذلك قائل.
(2) بل الأقوى ذلك. والوجه فيه أنّه لم ترد حتى ولا رواية ضعيفة تنفي النسب
1) الوسائل ، ج 8 كتاب الصلاة ، أبواب الخلل ، ب 30 ح 1.
[3784] مسألة 48 : إذا تزوّج بإحدى الأُختين ثمّ طلّقها طلاقاً رجعيا ، لا يجوز له نكاح الأُخرى إلّا بعد خروج الاولى عن العدّة (1). وأما إذا كان بائناً بأن كان قبل الدخول ، أو ثالثاً ، أو كان الفراق بالفسخ لأحد العيوب ،
عن المولود بالزنا ، بل المذكور فيها نفي الإرث خاصة. وما ورد من قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ناظر إلى مقام الشكّ والخصومة وبيان الحكم الظاهري ، فلا يشمل صورة العلم والقطع بكون الولد للعاهر ، فإنّه حينئذ لا يلحق بصاحب الفراش قطعاً. ومن هنا فلا يبقى دليل يقتضي نفي المولود بالزنا عن الزاني ، بل مقتضى ما يفهم من مذاق الشارع وظاهر بعض الأدلة أنّ النسب موكول إلى العرف. وعليه فحيث إنّه يرى كون المولودتين كلتيهما أو إحداهما من الزنا أُختين ، فلا محالة لا يجوز الجمع بينهما في الوطء وفي النكاح.
ومما يؤيد كون النسب من المواضيع العرفية ، أنّه لم يقل أحد بجواز وطء الرجل للبنت المولودة منه عن الزنا ، فإنّه ليس إلّا لكونه يرى كونها بنتاً له ، وكون ذلك من الأُمور الموكولة له.
(1) وتدلّ عليه مضافاً إلى القاعدة باعتبار أنّها زوجة حقيقة فيكون التزوّج بأُختها في عدّتها من الجمع بين الأُختين جملة من النصوص الصحيحة.
كمعتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل طلق امرأته وهي حبلى أيتزوّج أُختها قبل أن تضع؟ قال : «لا يتزوجها حتى يخلو أجلها» (1). فإنّها لو لم تتم دعوى اختصاصها بالطلاق الرجعي ، فلا أقلّ من كونها شاملة له بالإطلاق.
ويؤيده خبر أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألت عن رجل اختلعت منه امرأته ، أيحلّ له أن يخطب أُختها قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال : «إذا برئت عصمتها منه ، ولم يكن له رجعة ، فقد حلّ له أن يخطب أُختها» (2).
أو بالخلع ، أو المبارأة ، جاز له نكاح الأُخرى (1). والظاهر عدم صحّة رجوع الزوجة في البذل بعد تزويج أُختها (2) كما سيأتي في باب الخلع إن شاء اللّه. نعم ، لو كان عنده إحدى الأُختين بعقد الانقطاع وانقضت المدّة ، لا يجوز له على الأحوط نكاح أُختها في عدّتها وإن كانت بائنة ، للنص الصحيح (3).
(1) وتدلّ عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل اختلعت منه امرأته ، أيحل له أن يخطب أُختها من قبل أن تنقضي عدّة المختلعة؟ قال : «نعم ، قد برئت عصمتها منه ، وليس له عليها رجعة» (1).
وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلق امرأة أو اختلعت أو بانت ، إله أن يتزوج بأُختها؟ قال : فقال : «إذا برئت عصمتها ، ولم يكن له عليها رجعة ، فله أن يخطب أُختها» (2). وغيرها من النصوص المعتبرة.
وبهذه الروايات يقيد إطلاق معتبرة زرارة المتقدمة ، فتختص بالعدّة الرجعية لا محالة.
(2) لما يذكر في محلّه من أنّ ظاهر الأدلة التلازم بين جواز رجوعها في البذل وجواز رجوعه في الطلاق ، فإذا لم يكن له الرجوع بها لم يكن لها الرجوع في البذل.
(3) وهو معتبرة يونس ، قال : قرأت كتاب رجل إلى أبي الحسن (عليه السلام) : الرجل يتزوج المرأة متعة إلى أجل مسمى فينقضي الأجل بينهما ، هل يحلّ له أن ينكح أُختها من قبل أن تنقضي عدّتها؟ فكتب : «لا يحلّ له أن يتزوجها حتى تنقضي عدّتها» (3).
وحيث إنّ هذه المعتبرة صريحة الدلالة على المنع ، فلا بدّ من القول به وتخصيص القواعد العامة المقتضية للجواز ، باعتبار أنّه لا رجوع للزوج بها في العدّة ، فلا يكون التزوّج بالأُخت من الجمع بين الأُختين.
والظاهر أنّه كذلك إذا وهب مدّتها (1) وإن كان مورد النص انقضاء المدّة.
[3785] مسألة 49 : إذا زنى بإحدى الأُختين ، جاز له نكاح الأُخرى في مدّة استبراء الاولى (2). وكذا إذا وطئها شبهة جاز له نكاح أُختها في عدّتها ، لأنّها بائنة (3). نعم ، الأحوط اعتبار الخروج عن العدّة (4)
(1) إذ لا خصوصية لانقضاء الأجل جزماً.
(2) بلا إشكال فيه ، إذ إنّ الممنوع بحسب النصوص إنّما هو التزويج بالأُخت في زمان العدّة الرجعية للأُولى ، وحيث إنّ الاستبراء ليس منها ، فلا مانع من التزويج بها في هذه العدّة.
هذا كلّه بناءً على وجوب الاستبراء من الزنا. وأما بناءً على القول بعدمه فلا مجال لتوهّم المنع ، وقد عرفت في محلّه أنّ الاستبراء إنّما يجب عليه إذا أراد أن يتزوجها بعد السفاح دون غيره.
(3) فمقتضى القاعدة فيها الجواز ، حيث لا يصدق الجمع بين الأُختين.
(4) لصحيحة بريد العجلي ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فزفتها إليه أُختها وكانت أكبر منها ، فأدخلت منزل زوجها ليلاً فعمدت إلى ثياب امرأته فنزعتها منها ولبستها ، ثم قعدت في حجلة أُختها ونحّت امرأته وأطفأت المصباح واستحيت الجارية أن تتكلّم ، فدخل الزوج الحجلة فواقعها وهو يظن أنّها امرأته التي تزوجها ، فلما أن أصبح الرجل قامت إليه امرأته فقالت : أنا امرأتك فلانة التي تزوّجت ، وإنّ أُختي مكرت بي فأخذت ثيابي فلبستها وقعدت في الحجلة ونحّتني ، فنظر الرجل في ذلك فوجد كما ذكر ، فقال : «أرى أن لا مهر للتي دلست نفسها ، وأرى أنّ عليها الحدّ لما فعلت حدّ الزاني غير محصن ، ولا يقرب الزوج امرأته التي تزوج حتى تنقضي عدّة التي دلست نفسها ، فإذا انقضت عدّتها ضمّ إليه امرأته» (1).
1) الوسائل ، ج 21 كتاب النكاح ، أبواب العيوب والتدليس ، ب 9 ح 1.
خصوصاً (1)(1) في صورة كون الشبهة من طرفه والزِّنا من طرفها ، من جهة الخبر (2)(2) الوارد في تدليس الأُخت التي نامت في فراش أُختها بعد لبسها لباسها.
[3786] مسألة 50 : الأقوى جواز الجمع بين فاطميتين ، على كراهة (3). وذهب جماعة من الإخبارية إلى الحرمة
وصحيحة زرارة بن أعين ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة بالعراق ثم خرج إلى الشام فتزوّج امرأة أُخرى فإذا هي أُخت امرأته التي بالعراق ، قال : «يفرّق بينه وبين المرأة التي تزوجها بالشام ، ولا يقرب المرأة العراقية حتى تنقضي عدّة الشامية» (3).
إلّا أنّ هاتين المعتبرتين أجنبيتان عن محلّ الكلام ، إذ أنّهما إنّما تدلّان على عدم جواز وطء الأُخت الأُولى حتى تنقضي عدّة الثانية ، وهو أجنبي عن جواز التزوّج بالأُخت الثانية في فترة عدّة الاولى وعدمه.
وعلى هذا فحيث لا دليل على المنع ، فمقتضى القاعدة هو الجواز وإن لم يجز له مقاربتها ؛ نظير ما هو ثابت في الحائض والنفساء حيث يجوز التزوّج منهن في حين لا يجوز وطؤهن.
(1) الظاهر أنّ وجه الخصوصية هو تخيّل انحصار الدليل بصحيحة بريد العجلي فإنّ موردها كون الشبهة من طرف الرجل خاصة. لكنك قد عرفت أنّ الدليل غير منحصر فيها ، ومن هنا فلا وجه للخصوصية لو سلّمنا أصل الحكم.
(2) وهو صحيح بريد العجلي المتقدم.
(3) لرواية محمد بن أبي عمير عن رجل من أصحابنا ، قال : سمعته يقول : «لا يحلّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام) ، إنّ ذلك يبلغها فيشقّ
.................................................................................................
عليها» ، قلت : يبلغها؟ قال : «إي واللّه» (1).
وهذه الرواية مروية بطريقين : فقد رواها الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن ، عن السندي بن ربيع ، عن محمد بن أبي عمير ، عن رجل من أصحابنا (2). ورواها الصدوق عن محمد بن علي ماجيلويه ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن حماد ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : ... الحديث (3).
والرواية على كلا الطريقين ضعيفة سنداً.
أما الطريق الأول فلأن فيه السندي بن الربيع ، وهو ممن لم يرد فيه توثيق إلّا في بعض نسخ رجال الشيخ (قدس سره) غير أنّه من غلط النساخ جزماً ، فإنّ أكثر نسخ الرجال خالية من التوثيق له. ويشهد لذلك أنّ العلّامة وابن داود قد ذكرا أنّه مهمل (4)والحال أنّ رجال الشيخ (قدس سره) بخطه كان عند ابن داود ، على ما صرح به غير مرّة في كتابه (5). وعلى تقدير الالتزام بوثاقة الرجل ، فالرواية مرسلة لا مجال للاعتماد عليها وإن كان مرسلها ابن أبي عمير.
وأما الطريق الثاني فكلّ من في السند من الثقات باستثناء محمد بن علي ماجيلويه ، فإنّه لم تثبت وثاقته. نعم ، هو من مشايخ الصدوق (قدس سره) ، غير أننا قد ذكرنا غير مرة أنّه لا ملازمة بين كون الشخص شيخاً للصدوق وبين وثاقته ، فإنّه (قدس سره) يروي عن النواصب أيضاً كالضبي. ومن هنا فالطريق الثاني ضعيف أيضاً.
وعليه فلا تصلح الرواية دليلاً للكراهة فضلاً عن البطلان والحرمة. نعم ، بناء على التسامح في أدلّة السنن لا بأس بجعلها دليلاً للكراهة.
والبطلان بالنسبة إلى الثانية (1) ومنهم من قال بالحرمة دون البطلان ، فالأحوط الترك. ولو جمع بينهما فالأحوط طلاق الثانية أو طلاق الاولى وتجديد العقد على الثانية بعد خروج الاولى عن العدّة ، وإن كان الأظهر على القول بالحرمة عدم البطلان ، لأنّها تكليفية ، فلا تدلّ على الفساد (2).
ثم الظاهر عدم الفرق في الحرمة أو الكراهة بين كون الجامع بينهما فاطمياً أو لا (3). كما أنّ الظاهر اختصاص الكراهة أو الحرمة بمن كانت فاطمية من طرف الأبوين أو الأب ، فلا تجري في المنتسب إليها صلوات اللّه عليها من طرف الام (4) خصوصاً إذا كان انتسابها إليها بإحدى الجدّات العاليات.
ومما يؤيد ما ذكرناه أنّه لم يتعرّض لهذه المسألة أحد من أصحابنا قبل صاحب الحدائق (قدس سره) ، على ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) (1)فإنّ ذلك إنّما يكشف عن كون المسألة مغفولة عنها ومسلّمة الجواز. كما تقتضيه السيرة أيضاً فإنّ أكثر من يتزوج بأكثر من زوجة واحدة إنّما يجمع بين اثنتين من ولد فاطمة ، ولا أقلّ من جهة الأُم في نفسها أو في أجدادها وجدّاتها ، فإنّ عنوان ولد فاطمة (عليها السلام) شامل لمثل هذه أيضاً وإن كان عنوان الفاطميتين لا يشملها ، إلّا أنّ ذلك لا يضر شيئاً لأنّ المذكور في الرواية إنّما هو الأوّل دون الثاني.
(1) اختاره صاحب الحدائق (قدس سره) (2).
(2) كما يظهر من التعليل المذكور في النص أيضاً ، إذ إنّ وقوع سيدة النساء (عليها السلام) في المشقة فرع صحة العقدين معاً ، وإلّا فلو كان العقد الثاني باطلاً لكانت الثانية أجنبية ولحرمت عليه مقاربتها ، فلا يتحقق الجمع كي تتأذى (عليها السلام) ، والحال إنّه خلاف مفروض الرواية.
(3) لإطلاق الدليل.
(4) وقد تقدم ما فيه من الإشكال بل المنع ، فإنّه إنّما يتم فيما إذا كان المذكور في
وكيف كان ، فالأقوى عدم الحرمة وإن كان النص الوارد في المنع صحيحاً (1)(1) على ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن حماد ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «لا يحلّ لأحد أن يجمع بين اثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام) إنّ ذلك يبلغها فيشقّ عليها». قلت : يبلغها؟ قال (عليه السلام) : «إي واللّه» وذلك لإعراض المشهور عنه ، مع أن تعليله ظاهر في الكراهة (2). إذ لا نسلم أنّ مطلق كون ذلك شاقّاً عليها إيذاءً لها (3) حتى يدخل في قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) : «من آذاها فقد آذاني».
النص هو المنع عن الفاطميتين ، فإنّه ظاهر في المنتسبة بالأبوين أو الأب خاصة. إلّا أنّ المذكور في النص ليس ذلك ، وإنّما هو المنع عن الجمع بين اثنتين من ولد فاطمة (عليها السلام) ، وهو شامل للمنتسبة من جهة الأُم على حدّ شموله للمنتسبة من جهة الأبوين ، كما هو أوضح من أن يخفى.
(1) قد عرفت ضعفه بمحمّد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق (قدس سره).
(2) إذ لو كان دالّاً على التحريم لكان لازمه القول بحرمة كل ما يلزم منه إيذاء سيدة النساء (عليها السلام) كطلاق الفاطمية ، أو الجمع بين الفاطمية وغيرها إذا كان نكاح غير العلوية متأخراً والحال إنّه لا يمكن لفقيه الالتزام به.
(3) بل حتى ولو فرض كونه إيذاءً لها ، فإنّه لا دليل على حرمة الفعل المباح المقتضي لإيذاء المؤمن قهراً ، على ما ذكرنا في محلّه. وحيث إنّ المقام من هذا القبيل لأنّ التزوّج بالثانية أمر مباح في حدّ نفسه ، فمجرد تأذي فاطمة (عليها السلام) لا يقتضي حرمته.
ومما يدلّ عليه أنّه لو كان حراماً لظهر وبان لابتلاء الناس به كثيراً ، فكيف ولم يتعرض له فقيه إلى زمان صاحب الحدائق (قدس سره) أو قبله بقليل!! على أنّ مقتضى قوله (عليه السلام) : «من ولد فاطمة» هو حرمة الجمع بين
1) (*) النص غير صحيح لأنّ في سنده محمّد بن علي ماجيلويه وهو لم يوثّق ، ومجرّد كونه شيخاً للصدوق لا يدلّ على وثاقته ، وعليه فالحكم بالكراهة مبنيّ على قاعدة التسامح.
[3787] مسألة 51 : الأحوط ترك تزويج الأَمة دواماً مع عدم الشرطين (1) :
الاثنتين من المنتسبات إلى فاطمة (عليها السلام) ولو من جهة الأُم خاصة ، وهو مما لم يلتزم به حتى الأخباريين فإنّهم قد خصّوا الحكم بالجمع بين الفاطميتين. فإنّ هذه الأُمور مما يدلّ على كون الحكم لو تمّ سند الرواية هو الكراهة دون الحرمة.
(1) ذهب إليه أكثر المتقدمين وجمع من المتأخرين ، في حين نسب المحقق (قدس سره) إلى الأشهر القول بالجواز مطلقاً مع الكراهة (1).
وكيف كان فليس الحكم متسالماً عليه بين الأصحاب ، لكن الظاهر أنّ الصحيح هو ما اختاره الماتن (قدس سره) ، وذلك لقوله تعالى ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (2). فإنّ هذه الآية الكريمة بصدرها تدلّ على اعتبار عدم الطول ، وبذيلها على خشية العنت ، فتكون مقيدة لقوله تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) المذكور بعد ذكر المحرمات.
ولجملة من النصوص المعتبرة سنداً ، كصحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يتزوج الأَمة ، قال : «لا ، إلّا أن يضطر إلى ذلك» (3).
ومعتبرة يونس بن عبد الرّحمن عنهم (عليهم السلام) ، قال : «لا ينبغي للمسلم الموسر أن يتزوج الأَمة إلّا أن لا يجد حرّة» (4).
من عدم التمكّن من المهر للحرّة (1) وخوف العنت
ومعتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الحر يتزوج الأَمة ، قال : «لا بأس إذا اضطرّ إليها» (1)وغيرها من الأخبار.
والحاصل أنّ مقتضى الآية الكريمة وهذه النصوص المعتبرة هو عدم جواز التزوّج من الأَمة إلّا مع عدم الطَّول وخشية العنت. وما ذكر من الإشكالات على دلالة الآية الكريمة والنصوص ، واضحة الدفع فلا حاجة للتعرض إليها.
(1) وهذا التفسير وإن ورد في رواية ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحر المملوكة اليوم ، إنّما كان ذلك حيث قال اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ) والطَّول المهر ، ومهر الحرّة اليوم مثل مهر الأَمة أو أقل» (2)
وفي الهامش ما نصه : في نسخة «لا بأس» وفي التهذيب وبعض نسخ الكافي «لا ينبغي» وفي بعضها «لا بأس» ....
.إلّا أنّه لا دليل عليه ، فإنّ هذه الرواية ضعيفة السند فلا يلتفت إليها ، وليس في غيرها ما يدلّ على ذلك. فلا بدّ من الرجوع إلى معناه العرفي ، وهو السعة والقدرة والمكنة على ما يشهد له استعماله في هذه المعاني في قوله تعالى ( وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ) (3). فإنّه ليس المراد به الأثرياء وأصحاب الأموال خاصة ، وإنّما المراد المتمكنون من الجهاد والقادرون عليه.
وقوله تعالى ( غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (4).
بمعنى : المشقة أو الوقوع في الزنا (1) بل الأحوط تركه
ومن هنا فلا خصوصية للمهر ، وإنّما العبرة بعدم القدرة على التزوّج بالحرة على الإطلاق. وعليه فلو فرضنا كون الحر قادراً من جهة المال وعاجزاً من جهة أُخرى لأجل الضعة في النسب أو العمل أو الخلق وما شاكلها ، جاز له التزوّج بالأَمة ، لصدق عدم التمكّن من التزوّج بالمحصنة.
والحاصل أنّ تقييد الطول بالمهر كما في كلام الماتن (قدس سره) وغيره لم يعرف له وجه ، والصحيح اعتبار عدم القدرة والمكنة مطلقاً ، من حيث المهر كان أم من غيره.
(1) وهذا التفسير بظاهره واضح الفساد ، فإنّ خوف العنت من الأُمور النفسانية فلا يمكن تفسيره بما هو من الأُمور الخارجية ، كالمشقة والوقوع في الزنا. إلّا أنّ الظاهر أنّ عبارته (قدس سره) لا تخلو من المسامحة ، وأنّه إنّما يريد تعريف العنت نفسه لا خوف العنت الذي هو من الأُمور النفسانية.
وكيف كان ، فإنْ كان مراده (قدس سره) أنّ العنت عبارة عن الجامع بين المشقة والوقوع في الزنا ، بحيث يصدق العنت على كل واحدة منهما ، فهو مما لم يثبت بدليل بل هو مخالف للمذكور في كتب اللغة وظاهر قوله تعالى ( وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) (1)وغيره من الآيات الكريمة. فإنّ الظاهر من هذه اللفظة إنّما هو الشدّة والمشقّة ، ومن هنا فلا يشمل خوف الوقوع في الزنا اختياراً ، فإنّ الفعل لما كان حراماً عليه كان من الواجب عليه تركه ، فلا يكون ذلك مسوغاً للتزوج من الأَمة.
فما ذكره (قدس سره) من تفسير العنت بخوف الوقوع في الزنا خلاف الظاهر وبعيد جدّاً ، وأبعد من ذلك ما صنعه صاحب مجمع البيان (قدس سره) من تخصيص العنت بخوف الوقوع في الزنا ، ناسباً إيّاه إلى أكثر المفسرين (2)، فإنّه مما لم يدلّ عليه
.................................................................................................
دليل ، وخلاف ما هو ثابت في اللغة.
فالصحيح أنّ العنت ليس اسماً للجامع بين المشقة والوقوع في الزنا ، ولا لخصوص الثاني ، وإنّما هو اسم للمشقة والشدّة ، كما يشهد له ذيل الآية المباركة أعني قوله تعالى ( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) فإنّه مما يؤيد كون المراد بالعنت هو الشدّة ، إذ الصبر إنّما هو تحمّل الشدّة والمشقة. هذا مضافاً إلى أنّ الحمل على الجامع يحتاج إلى الدليل لأنّه معنى مجازي ، إذ اللفظ غير موضوع له حتى بناء على تسليم اشتراك لفظ العنت بين الوقوع في الزنا والشدّة.
ومن هنا فمن غير البعيد أن يكون مراد الماتن (قدس سره) والعلّامة (قدس سره) من ذكر الوقوع في الزنا بعد المشقّة ، بياناً لمرتبة الشدّة والمشقّة. فيكون المعنى على هذا أنّ الشدّة إنّما تسوغ التزوّج من الأَمة فيما إذا بلغت به حداً يقع معه في الزنا وما شاكله من المحرمات كاللواط والاستمناء ما لم يتزوج من الأَمة ، حيث لا طريق له غير ذلك يمكنه دفع شهوته به.
وعلى هذا فلو تمكن من دفع شهوته بطريق محلل غير التزويج من الأَمة كما لو تمكن من وطئها بالملك أو التحليل لم يجز له التزوّج منها ، نظراً لعدم صدق خشية العنت حينئذ.
ثم لو سلمنا اشتراك العنت بين الشدّة والوقوع في الزنا كما ادعاه الماتن (قدس سره) لم يخل ذلك بما ذكرناه ، إذ الآية حينئذ تكون مجملة باعتبار أنّ حمل المشترك على أحد معنييه يحتاج إلى القرينة ، فيتعيّن الرجوع إلى النصوص لتفسيرها ، وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم مسوغية مجرد خوف الوقوع في الزنا للتزوج بالأَمة ، بل لا بدّ من تحقق الاضطرار ، فتكون النتيجة ما اخترناه.
والحاصل أنّ العنت بمعنى الشدّة والمشقة ، غير أنّ دفع هذه الشدّة والمشقّة قد ينحصر في الحرام كالزنا وما شاكله ، وقد لا ينحصر به كما لو تمكن من وطئها بالملك أو التحليل. ففي الأول يجوز له التزوّج من الأَمة نظراً لصدق خشية العنت عليه ، في حين لا يجوز له في الثاني لعدم صدق العنوان.
ثم اعلم أنّ موضوع الحكم في النصوص لما كان هو خشية العنت لا العنت نفسه ، لم
متعة أيضاً (1) وإن كان القول بالجواز فيها غير بعيد (1)(2).
يكن من الواجب على الرجل الصبر حتى يتحقق العنت والمشقة الشديدة خارجاً ، بل يجوز له التزوّج منها متى ما خاف الوقوع في هذه المرتبة من المشقة والاضطرار. ومن هنا يكون مفاد الآية الكريمة متحداً مع مفاد النصوص ، فإنّ بخوف بلوغ هذه المرتبة يتحقق خوف العنت والاضطرار معاً.
وكيف كان ، فقد قيل بالجواز مطلقاً ، بدعوى معارضة هذه الآية المباركة والنصوص الشريفة بجملة من النصوص المعتبرة التي يظهر منها المفروغية عن الجواز ، كالتي دلت على اعتبار إذن مالك الأَمة في التزوّج من الأَمة ، أو إذن الزوجة الحرّة إذا أراد إدخال الأَمة عليها. وحينئذ فلا بدّ من حمل أدلة المنع على الكراهة ولازم ذلك القول بالجواز مطلقاً.
إلّا أنّها كما تراها واضحة الدفع ، فإنّ مجرد إناطة الجواز فيها بشيء لا يقتضي عدم اعتبار شيء آخر فيه ، فلا تكون هذه النصوص معارضة لما تقدم.
إذن فالصحيح هو القول بعدم الجواز مع عدم الشرطين.
هذا وقد نسب صاحب الحدائق (قدس سره) إلى المفيد وابن البراج (قدس سره) القول بأنّ الحرمة في المقام تكليفية محضة ، فلا تنافي صحة العقد ، نظير النهي عن البيع وقت النداء. لكنه أورد عليه بأنّه بعيد جدّاً ، إذ الظاهر من النهي المتعلق بما هو ركن في العقد هو الحرمة الوضعية (2). وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، فإنّ هذا النهي كالنهي عن تزويج الأُمهات والبنات والأخوات وغيرهن من المحارم ظاهر في الوضعي ، ولا مجال لحملة على التكليفي.
(1) وهو الأقوى ، لإطلاق الأدلة.
(2) وكأنه لانصراف الآية الكريمة والنصوص إلى الدائمة. إلّا أنّه واضح الفساد فإنّ لفظ النكاح مستعمل في أصل التزوّج ، نظير استعماله في غير هذا المورد من
وأمّا مع الشرطين فلا إشكال في الجواز ، لقوله تعالى ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) ... إلى آخر الآية. ومع ذلك الصبر أفضل (1) في صورة عدم خوف الوقوع في الزِّنا.
القرآن الكريم ، كقوله تعالى ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) فإنّه لا يحتمل أن يكون المراد به حرمة التزوّج منها دواماً خاصة ، ومن هنا فلا مبرر لدعوى انصراف النكاح في الآية إلى التزوّج الدائم.
ومنه يظهر ما في دعوى انصراف الآية الكريمة إلى النكاح المنقطع ، لظهور قوله تعالى ( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) في ذلك ، باعتبار قوله (عليه السلام) في بعض الروايات : «هن مستأجرات».
فإنّ هذه الدعوى باطلة ، إذ المراد بلفظ الأجر في القرآن الكريم إنّما هو المهر لا الأُجرة المصطلحة ، كما يشهد له قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1).
إذن فلا وجه للدعويين معاً ، بل الآية المباركة مطلقة وشاملة لكلا القسمين الدائم والمنقطع على حدّ واحد.
وممّا يؤيده خبر محمد بن صدقة ، قال : سألته عن المتعة ، أليس هي بمنزلة الإماء؟ قال : «نعم ، أما تقرأ قول اللّه ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ) إلى قوله ( وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ) فكما لا يسع الرجل أن يتزوج الأَمة وهو يستطيع أن يتزوج بالحرة ، فكذلك لا يسع الرجل أن يتمتع بالأَمة وهو يستطيع أن يتزوج بالحرة» (2).
(1) لقوله تعالى ( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) .
.................................................................................................
وقد أورد عليه في المسالك بما حاصله : إنّه لا يمكن أن يكون ترك التزويج أفضل والحال أنّه مقدمة للزنا المحرم (1).
وقد أجاب عنه صاحب الجواهر (قدس سره) بأنّ ترك التزويج ليس مقدّمة الزنا ، فإنّه فعل اختياري للرجل من دون أن يكون بينهما أي نوع من أنواع المقدمية فقد يتزوج الرجل من الأَمة ويزني ، وقد لا يتزوج ولا يزني (2).
ومن هنا فقد يقال : إنّ ترك التزويج وإن لم يكن مقدمة للزنا إلّا أنّه ملازم له ، ومن الواضح أنّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم الفعلي ، فلا يمكن أن يكون أحدهما مستحباً والآخر حراماً. وعلى هذا الأساس خصّ الماتن (قدس سره) وغيره الحكم باستحباب الصبر بغير فرض خوف الوقوع في الزنا.
إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً ، إذ لا تلازم بين الأمرين أصلاً ، فإنّ من الممكن أن يتزوج الرجل ويزني ، وأن لا يتزوج ولا يزني ، وأن يتزوج ولا يزني ، وأن لا يتزوّج ويزني. وحينئذ فلا مانع من إطلاق الحكم بأفضلية ترك التزوّج من الأَمة.
غير أنّ ما يوجب الإشكال هو أنّ الآية الكريمة إنّما دلت على أفضلية الصبر ، ولم تدلّ على أفضلية ترك التزوّج ، وبينهما بون بعيد. فإنّ استحباب الصبر لا يلازم أن يكون التزويج مكروهاً كي يقال بأنّ تركه أفضل ، وذلك لأنّ الصبر والتزويج ليسا من الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، فإنّ هناك ضدّاً ثالثاً لهما هو الزنا. ومن هنا فلا يلزم من كون أحد الأضداد مستحباً كون الآخر مكروهاً كي يكون تركه مستحبّاً أيضاً فمن الممكن أن يكون أحدها مستحباً والآخر مباحاً والثالث حراماً ، كالنافلة والجلوس من دون عمل والزنا.
والحاصل أنّ المستحب إنّما هو الصبر وتحمّل المشقّة الحاصلة بترك التزوّج لا ترك التزوّج نفسه ، كي يرد عليه ما ذكر.
كما لا إشكال في جواز وطئها بالملك (1) بل وكذا بالتحليل (2) ولا فرق بين القن وغيره (3).
نعم ، الظاهر جوازه في المبعضة ، لعدم صدق الأَمة عليها (4) وإن لم يصدق الحرّة أيضاً.
[3788] مسألة 52 : لو تزوجها مع عدم الشرطين ، فالأحوط طلاقها (5). ولو حصلا بعد التزويج ، جدّد نكاحها إن أراد على الأحوط (6).
[3789] مسألة 53 : لو تحقق الشرطان فتزوجها ، ثم زالا أو زال أحدهما ، لم يبطل (7) ولا يجب الطلاق.
(1) بلا خلاف فيه بين المسلمين ، وتقتضيه جملة من النصوص المعتبرة.
(2) وهو الصحيح ، بناء على المختار من كونه من مصاديق ملك اليمين.
(3) لإطلاق الأدلة.
(4) لكونها مركبة منهما معاً ، فلا يشملها الأحكام الثابتة للحرة بعنوانها أو الأَمة كذلك ، على ما تقدم الكلام فيه مفصلاً في بعض الفروع السابقة. ومن هنا فمقتضى عمومات الحل هو جواز التزوّج منها حتى مع عدم الشرطين ، نظراً لعدم شمول دليل المنع لها.
(5) وهو إنّما يتم بناء على ما اختاره (قدس سره) من أنّ الأحوط ترك التزويج بالأَمة عند عدم الشرطين ، إذ إنّه حينئذ يحتمل صحة النكاح فلا يجوز تركها معطلة كما يحتمل الفساد فلا يجوز له مقاربتها ، فالأحوط هو الطلاق تخلصاً من المحاذير. وأما بناء على ما اخترناه من فساد العقد ، فلا حاجة في الانفصال إلى الطلاق.
(6) والوجه فيه ما تقدم ، إذ إنّ الرجل يحتمل فساد العقد وعدم تأثيره فلا يجوز له مجامعتها بعد تحقق الشرطين ، بل لا بدّ له من تجديد النكاح بعد ذلك دفعاً للاحتمال. وأما على ما ذكرناه فتجديد النكاح متعيّن ، للعلم بفساد العقد السابق.
(7) وقد ذكر في وجهه أنّ الشرطين إنّما هما شرطان في الحدوث خاصة دون الاستمرار. وعليه فإذا تحققا وصحّ العقد في ظرفه ، ثم زالا فشكّ في صحته ، جرى
[3790] مسألة 54 : لو لم يجد الطول أو خاف العنت ، ولكن أمكنه الوطء بالتحليل أو بملك اليمين ، يشكل جواز التزويج (1).
استصحاب الصحة فيه.
وقد أورد عليه في الحدائق بأنّ الفرض خال من النص نفياً أو إثباتاً ، والاستصحاب ليس بحجّة (1).
وكيف كان ، فما أفاده الماتن (قدس سره) هو الصحيح ، لكن لا لاستصحاب الصحة ، بل لدليل نفوذ العقد ، حيث أنّ مقتضاه على ما عرفت غيرة مرّة هو استمرار تأثيره وعدم ارتفاعه ، ما لم يطرأ رافع من موت أو فسخ أو طلاق وما شاكلها.
ثم إنّ ما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من عدم النص في المقام ، لا يمكن المساعدة عليه بل هو غريب منه (قدس سره) ، فإنّ مقتضى جملة كثيرة من النصوص هو صحة العقد وعدم لزوم الطلاق.
كالنصوص الواردة في جواز نكاح الحرّة على الأَمة من دون حاجة إلى إذنها ومن الواضح أنّ من يتمكن من نكاح الحرّة ، لا يتوفر فيه شرط عدم الطول.
والنصوص الواردة في القسمة ، وأنّ للأَمة قسمة واحدة وللحرّة قسمتان ، فإنّها ظاهرة في وجود الطول والقدرة على نكاح الحرّة.
بل في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : قضى في رجل نكح أَمة ثم وجد طولاً يعني استغنى ولم يشته أن يطلق الأَمة نفس فيها ، فقضى : «أنّ الحرّة تنكح على الأَمة ، ولا تنكح الأَمة على الحرّة إذا كانت الحرّة أُولاهما عنده وإذا كانت الأَمة عنده قبل نكاح الحرّة على الأَمة ، قسم للحرّة الثلثين من ماله ونفسه يعني نفقته والأَمة الثلث من ماله ونفسه» (2)التصريح بذلك.
(1) وقد تقدّم الكلام في هذا الفرع في ضمن المسألة الواحدة والخمسين ، وقد عرفت أنّ الأقوى عدم الجواز ، نظراً لعدم صدق خشية العنت.
[3791] مسألة 55 : إذا تمكن من تزويج حرّة لا يقدر على مقاربتها ، لمرض أو رتق ، أو قرن ، أو صغر ، أو نحو ذلك ، فكما لم يتمكّن (1). وكذا لو كانت عنده واحدة من هذه (2) أو كانت زوجته الحرّة غائبة.
[3792] مسألة 56 : إذا لم تكفه في صورة تحقق الشرطين أَمة واحدة ، يجوز الاثنتين (3). أما الأزيد فلا يجوز ، كما سيأتي (4).
[3793] مسألة 57 : إذا كان قادراً على مهر الحرّة ، لكنها تريد أزيد من مهر أمثالها بمقدار يعدّ ضرراً عليه ، فكصورة عدم القدرة (1)، لقاعدة نفي الضرر (5) نظير سائر المقامات. كمسألة وجوب الحج إذا كان مستطيعاً ، ولكن يتوقّف
(1) لأنّه لا يستطيع طولاً أن ينكح الحرائر ، إذ الشرط ليس هو النكاح بما هو نكاح ، وإنّما الشرط هو النكاح بما فيه من قضاء الشهوة والاستمتاع بها ، كما يظهر ذلك من الآية الكريمة. وحيث إنّ هذا الشرط غير متحقق في الفروض المذكورة ، فلا مانع من التزوّج بالأَمة.
نعم ، لو أمكنه الاستمتاع بها على نحو تندفع شهوته كالتفخيذ وغيره لم يجز له أن يتزوّج من الأَمة.
(2) لأنّها حينئذٍ بمنزلة العدم فلا تمنع من التزوّج بالأَمة ، لصدق عدم الطول على نكاح الحرّة.
(3) لإطلاق الدليل ، حيث لم يقيّد بالأَمة الاولى ، فيشمل من كان متزوجاً بالأَمة أيضاً.
(4) وقد تقدم الكلام فيه أيضاً.
(5) وفيه ما قد عرفت غير مرة من أنّ دليل «لا ضرر» ناظر إلى الأحكام الإلزامية التي يترتب عليها الضرر ، فلا يشمل مثل المقام الذي ليس فيه حكم إلزامي يترتّب عليه الضرر ، إذ الزوج مخيّر بين الصبر وتحمل الضرر بالتزويج من الحرّة.
1) (*) فيه منر. فإنّ قاعدة نفي الضّرر إنما توجب نفي الإلزام لا صحّة العقد ، والعبرة في عدم جواز العقد على الأمة إنّما هي القدرة على عقد الحرّة ، وهي موجودة هنا.
تحصيل الزاد والراحلة على بيع بعض أملاكه بأقلّ من ثمن المثل ، أو على شراء الراحلة بأزيد من ثمن المثل فإنّ الظاهر سقوط الوجوب (1) وإن كان قادراً على ذلك. والأحوط في الجميع اعتبار كون الزيادة مما يضرّ بحاله (2) لا مطلقاً.
وبعبارة اخرى : إنّ دليل «لا ضرر» لا يمكنه نفي اشتراط عدم الطول على تزويج الحرّة ، نظراً إلى أنّه إنّما يختص بالأحكام الإلزامية التي يترتب عليها الضرر ، والمقام ليس منه.
ومن هنا فما أفاده الماتن (قدس سره) من جواز التزوّج من الأَمة حينئذٍ مشكل بل ممنوع.
(1) وهو مناقض لما أفاده (قدس سره) في محلّه ، فإنّه (قدس سره) قد تعرض إلى هذه المسألة في المسألة الثامنة من مسائل الاستطاعة في كتاب الحج ، واختار صريحاً عدم سقوط الوجوب بتوقفه على شراء الزاد أو الراحلة بأزيد من ثمن المثل ، أو بيع بعض أملاكه بأقلّ منه ، وذكر أنّ ما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف.
وقد ذكرنا هناك أنّ من المحتمل أن يكون وجه ما أفاده (قدس سره) هو أنّ وجوب الحج في نفسه ضرري فلا تشمله قاعدة «نفي الضرر» وإلّا فلما كان مقتضى أدلة وجوب الحج هو الوجوب في صورة الاستطاعة على ما هو المتعارف فلا مانع من شمول قاعدة «نفي الضرر» له ، إذ أنّ طبيعة الحج لا تقتضي الزائد.
(2) بحيث يبلغ حدّ الحرج ولا يتحمل عادة ، كما لو طلبت جميع ما يملكه ، فإنّه حينئذٍ يجوز له التزوّج من الأَمة ، نظراً لعدم صدق السعة والقدرة على التزوّج من الحرّة ، كما هو واضح.
إلى هنا ينتهي الجزء الأوّل من كتاب النكاح ، وسيتلوه الجزء الثاني إن شاء اللّه تعالى مُبتدأً ب- (فصل : الأقوى جواز نكاح الأَمة على الحرّة مع إذنها).
وكان الفراغ من تسويده في اليوم العشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ألف وأربعمائة واثنين من الهجرة النبوية على مهاجرها آلاف التحية والسلام.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
الفهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
النِّكاح
أدلّة استحباب النكاح... 3
أقسام النكاح المحرم وغير المحرم... 5
الأمور المستحبة عند إرادة التزويج... 6
الأمور المكروهة عند إرادة التزويج... 7
صفات المرأة التي يراد التزويج بها... 7
الأمور المستحبة عند الدخول على الزوجة... 8
ما يستحب عند الجماع... 9
ما يكره عند الجماع... 10
ما يجوز للرجل النظر إليه من المرأة التي يريد التزوّج بها... 11
مسوغات النظر إلى جسدها... 15
جواز نظر المرأة إلى الرجل... 20
جواز النظر إلى الجارية التي يراد شراءها... 21
جواز النظر إلى نساء أهل الذمّة... 23
جواز النظر إلى نساء الكفّار... 25
ما يُراد من قوله تعالى : ( ولا يُبدينَ زِينتَهُنَّ ... أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهنَّ ) ... 30
جواز نظر الزوج والزوجة إلى جسد الآخر حتى العورة... 34
ما يجوز للخنثى النظر إليه من الرجل والمرأة... 35
ما يجوز النظر إليه من الأجنبية... 36
ما يجوز النظر إليه من الأجنبي... 37
جواز النظر إلى وجه المرأة ويداها وعدمه... 40
جواز النظر إلى المحارم النسبية... 51
جواز النظر إلى المحارم الرضاعية... 53
جواز النظر إلى المحارم الرضاعية... 53
جواز النظر إلى المحارم السببيّة... 54
جواز نظر المحارم إلى المحرم... 55
في جواز وطئ المملوكة وعدمه... 55
في جواز النظر إلى الزّوجة المعتدّة بوطء الشبهة... 59
في جواز النظر إلى الأمة المعتدّة بوطء الشبهة... 60
في جواز النظر إلى المطلقة الرجعيّة في حال العدّة... 60
فيها يستثنى من عدم جواز النظر من الأجنبي والأجنبية... 61
منها : مقام المعالجة... 62
منها : مقام الضرورة... 63
منها : معارضة الأهم للمهم... 63
منها : مقام الشهادة... 64
منها : مقام القواعد من النساء... 65
منها : غير المميز من الصبي والصبيّة... 67
جواز تقبيل الصبيّة ووضعها في الحجر وعدمه... 71
عدم جواز نظر المملوك إلى مالكته... 74
عدم جواز نظر الصبي إلى مالكته... 75
عدم جواز نظر العنين والمجبوب إلى مالكتهما... 78
عدم جواز نظر المسن إلى النساء... 78
حرمة نظر المرأة إلى الأعمى... 79
جواز سماع صوت الأجنبية وعدمه... 79
عدم جواز مصافحة الأجنبية... 83
كراهية ابتداء الرجل المرأة المرأة بالسلام... 84
كراهية الجلوس في مجلس المرأة... 86
كراهية دخول الأب على ابنه بغير إذنه... 89
لزوم تفريق الأطفال في المضاجع... 89
عدم جواز النظر إلى العضو المبان من الأجنبي... 90
لا تلازم بين جواز النظر وجواز المس... 92
وجوب الاقتصار في الجواز على ما اضطر إليه... 93
كراهية اختلاط النساء بالرجال... 93
إذا اشتبه بين من يجوز النظر إليه أو التستر عنه وبين من لا يجوز... 94
وجوب التستر على النساء وعدمه على الرجال... 104
المحرّم من النظر مع عدم التمييز... 105
فصل فيما يتعلّق بأحكام الدّخول على الزّوجة... 106 - 123
جواز وطء الزوجة أو المملوكة دبراً وعدمه... 106
الاشكال في وطء الحائض دبراً... 110
تحقق النشوز بعدم تمكين الزوجة دبراً عنه القائلين بالجواز... 110
الوطء في الدبر كالوطء في القبل من حيث الأحكام المترتبة عليه... 111
اعتبار الوطء دبراً أحد مصاديق الوطء المحلوف تركه... 112
جواز العزل في الأمة... 112
جواز العزل في الحرّة المتمتع بها... 113
جواز العزل في الحرّة المنكوحة بعقد الدوام وعدمه... 113
حرمة منع المرأة الرجل من الانزال في فرجها... 115
عدم جواز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر... 115
لزوم مواقعة الزوجة الكثيرة الشبق قبل تمام الأربعة أشهر... 121
ارضاء الزوج زوجته عند ترك مواقعتها عند تمام الأربعة أشهر لمانع... 123
فصل : عدم جواز وطء الزوجة قبل المال تسع سنين... 124 - 142
تحرم على الزوج زوجته التي أفضاها قبل إكمالها تسع سنين... 126
تحمل الزوج ديّة إفضاء زوجته تلك... 129
تحمل الزوج نفقة زوجته هذه وإن طلقها... 132
لا فرق في الدخول الموجب للإفضاء بين أن يكون في القُبل أو الدُبر... 133
اختصاص الحرمة الأبدية بالزوجة الصغيرة دون غيرها... 134
ثبوت الدية في الجميع عدا الزوجة الكبيرة... 134
الانفاق على الزوجة ما دامت حيّة التي أفضاها بعد إكمال التسع سنين... 135
إذا كان المفضي صغيراً أو مجنوناً فتتعيّن الدّية على عاقلتها... 136
ضمان الواطئ للعيب الذي يصيب الموطوءة قبل تسع سنين... 137
لا يجوز وطء من شك في اكمالها تسع سنين... 137
ترتب جميع أحكام الزوجية على المفضيان... 139
عدم سقوط وجوب الإنفاق على الناشز المفضاة... 140
سقوط الإنفاق بموت أحدهما... 141
فصل في ما يجوز من عدد الأزواج... 142 - 165
عدم جواز الزيادة على الأربع في العقد الدائم... 142
جواز الزيادة على الأربع في الملك والتحليل والعقد المنقطع... 144
لا يجوز للحرّ أن يجمع بين أزيد من أمتين... 145
لا يجوز للعبد أن يجمع بين أزيد من حرتين... 145
فيما إذا العبد مبعضاً أو الأمة مبعضة ففي لحوقهما بالحر أو القن إشكال... 147
لا يجوز للعبد إن أُعتق أن تكون عنده أكثر من أمتين... 152
عتق الأمة موجب لخيارها بينا الفسخ والبقاء... 156
إذا كان عنده أربع وشك في كونهنّ بالعقد الدائم أو غير ذلك ففي نكاح الخاصة دواماً إشكال 157
أحكام من كان عنده أربع فطلق واحدة وأراد نكاح أُخرى... 160
فصل في التزويج في العدّة... 166 - 243
لا يجوز التزويج في عدّة الغير دواماً أو متعة... 166
لا يلحق بالتزويج في العدة وطء المعتدة شبهة من غير عقد ولا زنا ولا بعقد فاسد 172
المناط في التزويج علم الزوج لا وليه أو وكيله... 175
جواز تزويج من في العدّة لنفسه... 177
اعتبار الدخول في العدّة أو بعدها أو الجهل بها وعدمه... 181
التزويج في العدّة مع الجهل بها حكماً أو موضوعاً والشك في الدخول... 186
الشك في كونها عالمة أو جاهلة بالحكم مع عدم الدخول بها... 186
ترك التزويج في حالة العلم الاجمالي بكون إحدى الأمر أئتين في العدّة... 186
جواز التزويج في حالة كونه لا يدري أنها في عدّة نفسه أو غيره... 188
إيجاب الحرمة الأبدية عند تزويج ذات البعل في العدة... 188
تزوج امرأة عليها عدّة ولم تشرع بها... 194
ولد الموطوءة شبهة في العدّة يلحق بالزوج أو الوطء... 195
حكم اجتماع عدّة وطء الشبهة وعدّة أخرى مع التزويج أو بدونه... 199
تقديم عدّة على أخرى بتقدّم السبب... 205
كون العدتان لشخص واحد... 208
ثبوت مهر المثل في الوطء بالشبهة... 208
مبدأ العدّة في وطء الشبهة... 212
حكم كون الموطوءة بالشبهة عالمة... 213
عدم تعدد المهر بتعدد الوطء بل يتعدد مع تعدد الاشتباه... 216
جواز تزويج المرأة الزانية... 217
ترك تزويج المشهور بالزنا إلّا بعد ظهور توبتها... 225
عدم حرمة الزوجة على زوجها بزناها... 226
حكم الزنى بذات بعل... 228
حكم الزنى بامرأة في العدة الرجعية وغيرها... 233
حكم من لاط بغلام فأوقب ولو بعض الحشفة... 235
حكم من لاط بخنثى... 237
عدم تقييد الوطء بالعلم والعمد والاختيار... 241
لون الموطوء ميتاً... 242
حكم الشك في تحقق الايقاب وعدمه... 242
فصل من المحرّمات الأبدية التزويج حال الإحرام... 244 - 256
حرمة زواج المحرم... 244
عدم اعتبار اختلاف جبور تزويج المحرم... 245
العلم بالحرمة موجب للحرمة الأبدية... 246
عدم الاعتداد بنوع الإحرام أو النكاح في البطلان والتحريم الأبدي... 250
حكم من كان غافلاً أو ناسياً... 250
عدم لحوق وطء الزوجة حال الإحرام بالتزويج في التحريم الأبدي... 251
حكم العقد الباطل من غير جهة الاحرام... 251
الشك في وقوع العقد في الإحرام أو قبله أو بعده... 252
حكم العقد الواقع بعد انكشاف فساد الإحرام... 254
جواز رجوع المحرم في العدّة الرجعية... 254
جواز توكيل المحرم محلاً أو محرماً في تزويجه بعد الإحلال... 255
جواز إجازة العقد الفضولي وعدمه... 256
فصل في المحرّمات بالمصاهرة... 257 - 275
حرمة زوجة الأب والابن على الآخر... 257
عدم حرمة مملوكة الأب على الابن وبالعكس مع عدم الدخول واللّمس والنظر بشهوة 260
عدم حرمة محللة أحدهما على الآخر مع عدم الدخول... 263
تحرم على الزوج أم الزوجة مطلقاً... 264
حرمة الربائب... 269
حكم البنت المتولدة بعد خروج الأم عن الزوجية... 270
حرمة أم المملوكة الموطوءة وبنتها على الواطئ... 272
كفاية دخول الحشفة في القبل أو الدبر في الحكم... 274
لا فرق في الحكم بين أن يكون الدخول في حال اليقظة أو النوم لكليهما... 277
عدم جواز وطء الأب أو الابن مملوكة الآخر من غير عقد أو تحليل... 277
جواز تقديم الأبُ لمملوكة ابنه الصغير... 281
حكم ما لو زنى الأب أو الابن بمملوكه الآخر... 285
حكم وطء الأب أو الابن مملوكة الآخر شبهة... 287
عدم جواز نكاح بنت الأخ أو الأُخت على العمة أو الخال إلّا بإذنهما... 288
جواز العكس أو جهل العمة والخالة على الأقوى... 290
حكم اقتران العقدين... 293
لا فرق بين المسلمتين وغيرهما... 295
لا فرق بين العمة والخالة... 295
في كفاية الرضا الباطني وجهان... 295
عدم كفاية الإذن السابق في التزويج... 296
رجوعها عن الإذن بعد العقد غير مؤثر في البطلان... 296
كفاية إذنها وإن كان عن غرور إلّا أن يقيد... 296
اعتبار إذنها من باب الحكم الشرعي... 297
حكم العقد على بنت الأخ أو الأخت إذا اشترط إذن العمة أو الخالة... 297
حكم اعطاء الإذن بعد التزويج... 298
حكم الشك في سبق أحد العقدين واقترانه... 300
حكم إذا ما اختلفا في الإذن وعدمه... 300
صحة التزويج في حال الشك في حصول إذن أحداهما أو لا... 301
صحة التزويج إذا حصلت البنتية بعده... 301
حكم إذا جمع بينهما في حال الكفر ثمّ أسلم... 302
حكم ما إذا طلق العمة أو الخالة وأراد التزويج بإحدى البنتين... 304
جواز العقد على البنت بعد طلاق إحداهما خلعياً... 304
الحكم في المملوكتين والمختلفتين... 305
عدم حرمة الزنا الطارئ على التزويج... 306
الزنا بالعمة أو الخالة قبل التزويج موجب لحرمة بنتيهما... 308
عدم حرمة الوطء الطارئ شبهة وحرمته إن كان سابقاً على التزويج... 315
حكم الزنا بمملوكة الأب أو الابن... 321
لا فرق في الحكم بين الزنا في القبل أو إله بر... 323
البناء على العدم إذا شك في تحقق الزنا وعدمه... 323
الشك في كونه سابقاً أو لا بنى على كونه لاحقاً... 323
وجوب الاحتياط إن لم يدر بأي الامرأتين زنى... 323
عدم الفرق كون الزنا اختيارياً أو إجبارياً أو اضطرارياً... 325
عدم الفرق كون الزنا حال النوم أو اليقظة... 325
عدم الفرق كون الزاني أو المزني بها بالغبن أو لا... 326
حكم ما لو أدخلت المرأة ذكر الرضيع في فرجها... 327
حكم الزنا بالميتة... 328
حكم ما لو زنا لاحقاً ثمّ طلق زوجته وأراد الرجوع بها... 328
حكم ما لو زنا بعد التزويج الفضولي... 329
مملوكة الأب أو الابن إذا كانت منظورة أو ملموسة بشهوة منهما حرمة على الآخر
... 329
عدم حرمة أم المملوكة الملموسة والمنظورة على اللّامس والناظر... 331
حكم النظر أو اللّمس إلى الوجه والكفين بشهوة... 333
عدم جواز الجمع بين الأختين في النكاح... 335
جواز الجمع بينهما في مجرد الملك دون الوطء... 335
حكم الجمع بينهما في الملك مع الاستمتاع دون الوطء... 337
حكم ما لو تزوّج إحداهما وتملك الأخرى... 338
حكم وطء إحداهما بالملك والتزوج بالأخرى... 339
بطلان عقد الثانية بعد التزوج بالأولى... 339
حكم ما لو تزوّج بالأختين ولم يعلم السابق واللاحق... 341
ما على الزوج من مهر في حال الطلاق... 346
حكم ما لو اقترن عقد الأختين... 347
حكم ما لو اقترن عقد الأختين... 347
حكم ما لو عنده أختان مملوكتان فوطئ إحداهما... 350
حكم ما إذا وطئ الثانية بعد وطئ الأولى وإخراج إحداهما عن ملكه... 353
حكم ما لو كانت الأختان أو إحداهما من الزنا... 357
عدّة الأولى... 358
جواز نكاح أخت المزني بها في مدّة الاستبراء... 360
حكم الجمع بين فاطميتين... 361
اعتبار الشرطين في نكاح الأمة دواماً... 365
حكم ما لو تزوجها مع عدم الشرطين... 372
حكم ما لو تحقق الشرطان فتزوجها ثمّ زالا أو زال أحدهما... 372
حكم إن أمكنه الوطء بالخليل أو بملك اليمين مع عدم الشرطين... 373
حكم ما إذا تمكن من تزويج حرة لا يقدر على مقاربتها... 374
إذا لم تكفه في صورة تحقق الشرطين أمة واحدة أيجوز الأزيد؟... 374
حكم ما إذا كان قادراً على مهر الحرّة وطلبها أزيد من مهر أمثالها... 374
الفهرست... 377
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة