موسوعة الإمام الخوئی جلد 30

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1422 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-7336-21-7

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الإجارة

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الثلاثون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

7 - 21 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام علی خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين.

كتاب الإجارة

اشارة

كتاب الإجارة

وهي تمليك عمل أو منفعة بعوض (1).


(1) هذا التعريف ناظر إلى فعل المؤجر ، فإنّ كلمة الإجارة كغيرها من ألفاظ العقود مثل البيع والنكاح ونحوهما قد تستعمل في العقد المركّب من الإيجاب والقبول فيقال مثلاً : كتاب البيع ، كتاب الإجارة ، ولا يبعد أن يكون منه قوله تعالى ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1)فيراد حلّيّة هذه المعاملة الخاصّة الأعمّ من البيع والشراء لا خصوص فعل البائع.

وهكذا ما ورد في الأخبار من قوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «النكاح سنّتي» (2)، فإنّه لا يراد خصوص الإيجاب ، بل عقد الزواج القائم بالطرفين.

وإلى هذا الاستعمال ينظر تعريف العلّامة ، حيث فسّر الإجارة بأنّها : عقد ثمرته نقل المنفعة (3). وهو صحيح بهذا الاعتبار وبالنظر إلى هذا الإطلاق.


1) البقرة 2 : 275.

2) جامع الأخبار : 271.

3) قواعد الأحكام 2 : 281.

.................................................................................................


واخرى تطلق على خصوص فعل المؤجر وما يصدر منه من الإيجاب ، وإلى هذا الإطلاق ينظر التعريف المذكور في المتن ، كما هو الحال فيما ذكروه في تعريف البيع من أنّه : تمليك عين بعوض. يعنون به الفعل الصادر من الموجب فقط.

وعلى كلّ حال ، فهذا التعريف هو المعروف والمشهور.

ومن الواضح جدّاً أنّ الإجارة بمفهومها الإجمالي الارتكازي معلوم لدى كلّ أحد حتى الصبيان المميّزين من غير فرق بين المسلمين وغيرهم ، كما هو الحال في سائر المفاهيم المستعملة في مقام المحاورات.

وإنّما نشأ الإشكال من التدقيق والتحقيق في تحديد المفهوم بعد وضوحه إجمالاً ، كما وقع نظيره في تحقيق المعنى الحرفي ، حيث إنّ الحروف يستعملها كلّ أحد من أيّ لغة على حسب طبعه وارتكازه ، ومع ذلك فقد وقع ذاك الخلاف العظيم في تحديد مفهومه وبيان ماهيّته.

وكيفما كان ، فالظاهر أنّ ما ذكره المشهور في تعريف الإجارة هو الصحيح ، وإن كان التعريف الآخر أيضاً صحيحاً بذاك الاعتبار حسبما عرفت.

بيان ذلك : أنّ من كان مالكاً لشي‌ء فكما أنّه مالك لعينه مالك لمنافعه أيضاً بتبع ملكيّته للعين ، فهناك ملكيّتان مستقلّتان عرضيّتان وإن كانت إحداهما مسبّبة عن الأُخرى وتابعة لها.

ومن ثمّ لا كلام في ضمان المنافع المستوفاة وإن وقع الخلاف في غير المستوفاة منها ، فلو غصب دابّة وركبها أو داراً فسكنها فكما يجب عليه ردّ العين يجب دفع اجرة ما استوفاه من المنافع بلا كلام ولا إشكال. فمن هنا يستكشف أنّ هناك ملكيّة اخرى غير الملكيّة المتعلّقة بذات العين ، وهي ملكيّة المنفعة حسبما عرفت.

ثمّ إنّه في مقام النقل والتمليك قد تنتقل الملكيّتان معاً كما في البيع والإرث

.................................................................................................


ونحوهما من النواقل الاختياريّة وغيرها ، فيقوم المشتري أو الوارث مقام البائع أو المورّث في الاتّصاف بكلتا الملكيّتين.

وقد تفترق إحداهما عن الأُخرى ، وحينئذٍ فقد يختصّ الانتقال بالعين مع إبقاء المالك المنفعة لنفسه كما في بيع العين مسلوبة المنفعة سنةً مثلاً وأُخرى ينعكس فيتحفّظ المالك على مالكيّته للعين وينقل المنفعة خاصّةً بإزاء أُجرة معيّنة ، وهذا هو المعبّر عنه بالإجارة التي هي معاملة دارجة بين عامّة الناس ، ويعرفها بهذه الجهة الفارقة والمميّزة لها عمّا سواها من المعاملات كلّ أحد بحسب طبعه وارتكازه.

ولكنّه مع ذلك ربّما يستشكل في هذا التعريف من وجوه :

أحدها : أنّ الإجارة لا تتعلّق إلّا بالعين ، فيقال : آجرتك الدار ، ولا يقال : آجرتك منفعة الدار ، مع أنّ مقتضى التعريف المزبور تعلّقها بالمنفعة وصحّة الإطلاق المذكور.

قال سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) : وأظنّ أن هذا الإشكال ضعيفٌ غاية الضعف ، بداهة أنّ تمليك المنفعة لا بدّ وأن يتعلّق بالعين ، فإنّا لا ندّعي أنّ مفهوم الإجارة هو التمليك المطلق ، بل حصّة خاصّة منه وهي المتعلّقة بالمنفعة ، فالتقيّد بها مأخوذ في مدلول الإجارة ومشروب في مفهومها ، وما هذا شأنه لا مناص من تعلّقه بالعين ، ولا معنى لتعلّقه بالمنفعة ، وإلّا لرجع إلى قولنا : إنّ الإجارة هي تمليك منفعة المنفعة ، ولا محصّل له ، فالتمليك المتعلّق بالمنفعة متعلّق بالعين بطبيعة الحال. فيقال : آجرتك الدار ، لا منفعة الدار.

وعلى الجملة : فالتمليك وإن كان متعلّقاً بالمنفعة إلّا أنّ تمليك المنفعة متعلّق بالعين بالضرورة ، فإنّ قولك : آجرتك الدار ، بمنزلة قولك : ملّكتك منفعة الدار ، الذي لا بدّ من تعلّقه بالعين ، فلا ينافي ذلك كون الإجارة بمعنى تمليك المنفعة كما

.................................................................................................


هو أوضح من أن يخفى.

ثانيها : أنّ المنفعة كسكنى الدار عرض قائم بالمستأجر ومن الصفات المتعلّقة به وأجنبيّة عن المالك ، فكيف يملّكها وينقلها إلى المستأجر؟! وهذا الإشكال يتلو سابقه في الضعف ، بداهة أنّ المالك يملّك المستأجر المنفعة القائمة بالعين لا بالمستأجر ، فإنّ سكنى الدار تتقوّم بحيثيّتين : المسكونيّة والساكنيّة ، والإجارة إنّما تتعلّق بالحيثيّة الأُولى التي لا كلام في كونها من أعراض العين المستأجرة.

وبعبارة اخرى : ينقل المالك إلى المستأجر ما كان يملكه فيما لو باع العين مسلوبة المنفعة ، وهو قابليّته للسكنى ، فإنّ هذه المنفعة القائمة بالعين أعني : المسكونيّة هي التي تكون مختصّة بالمالك وليس لأحد غيره أن يستوفيها ، لا سكنى المستأجر والعرض القائم به ، وهذا واضح.

ويزيدك وضوحاً ملاحظة ما استقرّ عليه النصّ والفتوى بل قام عليه بناء العقلاء من أنّ الغاصب لو تصرّف في العين المغصوبة بركوبٍ أو سكنى ونحوهما ثمّ ردّها إلى المالك كان ضامناً لتلك التصرّفات بلا خلاف ولا إشكال.

وحينئذٍ أفهل ترى ضمانه لعمل نفسه والعرض القائم بشخصه؟ كلّا ، بل الضمان إنّما هو باعتبار إتلافه تلك المنفعة القائمة بالعين أعني : حيثيّة المسكونيّة كما عرفت فهذا الذي يترتّب عليه الضمان لو كان المتصرّف غاصباً هو الذي يملّكه المالك للمستأجر.

ثالثها : وهو العمدة أنّ الإجارة قد تتحقّق ولم يكن في موردها تمليكٌ للمنفعة أصلاً ، لعدم وجود مالك لها ، كما في استئجار وليّ الوقف أو الزكاة داراً لأن يكون محرزاً للغلّة ، أو مخزناً لادّخار نماء الوقف ، حيث إنّ منفعة الدار لم تكن وقتئذٍ مملوكة لأحد وإنّما هي تصرف في سبيل صرف الزكاة أو الوقف ،

.................................................................................................


فيستكشف من ذلك عدم أخذ تمليك المنفعة في مفهوم الإجارة وأنّها أوسع من ذلك.

ويندفع أوّلاً : بالنقض بالبيع والقرض ، فإنّ الأوّل تمليك عين بعوض ، كما أنّ الثاني تمليك بالضمان ، فقد أُخذ التمليك في كلا الموردين ، ولا ينبغي الشكّ في جواز الشراء أو الاقتراض لنماء الزكاة أو الوقف فيما إذا دعت الحاجة إليهما على ما صرّح به الفقهاء من جواز ذلك لوليّ الأمر لو اقتضته المصلحة ، كأن يشتري دابّة أو يقترض مالاً لمصلحتهما ، فإذا لم تكن ثمّة ملكيّة فلمن يقع الاقتراض أو البيع ، ومن هو المالك للعين؟! وثانياً : بالحلّ ، وهو أنّ الوقف على ضربين :

فتارةً : يتضمّن التمليك كالوقف على البطون والذراري الشخصيّة ، أو الوقف على العناوين العامّة كالعلماء أو الفقراء أو الزوّار ، أو الطلّاب ، ونحو ذلك ممّا يكون المالك عنواناً عامّاً ، بل يمكن جعل الملكيّة لجهة خاصّة وإن لم تكن تلك الجهة من العناوين العامّة على ما هو التحقيق من إمكان فرض الملكيّة للجهة ، لعدم كونها أي الملكيّة من المقولات المتأصّلة والأعراض الخارجيّة لتفتقر إلى موضوع خارجي ، وإنّما هي أمر اعتباري ، والاعتباريّات خفيفة المئونة يمكن تعلّقها بجهة من الجهات أو هيئة من الهيئات ، بل يمكن تعلّقها بالجوامد كأن تفرض الملكيّة للمسجد.

واخرى : لا يتضمّن التمليك بوجه ، وإنّما هو وقف للصرف في جهة من الجهات ، كما لو وقف مزرعة لأن يصرف غلّتها في سبيل اللّه ، أو لتعزية سيّد الشهداء (عليه السلام) ، ونحو ذلك ممّا كان الموقوف عليه هو الصرف لا الملك.

وهكذا الحال في باب الزكاة ، فإنّه قد يلتزم بأنّها ملك للفقراء ، كما لعلّه المشهور ، ويقتضيه قوله (عليه السلام) : «إنّ اللّه أشرك بين الأغنياء والفقراء في

.................................................................................................


الأموال» إلخ (1)، كما أنّ الخمس ملك للسادة.

واخرى : يلتزم بأنّها غير مملوكة لأحد ، وإنّما الموارد الثمانية مصارف للزكاة كما تقدّم البحث حول ذلك مستقصًى في كتاب الزكاة (2).

فبناءً على القول بالملكيّة كان حال الزكاة حال القسم الأوّل من الوقف في جواز استئجار الوليّ أو شرائه أو اقتراضه من غير أيّ إشكال بعد فرض تحقّق الملكيّة كما هو واضح ، فيستأجر مثلاً بمقتضى ولايته للفقراء أو للموقوف عليهم ، أو يقترض وبعد ذلك يؤدّيه من النماء ، نظير ما لو اقترض الولي أو استأجر للصبي وبعد ذلك يؤدّي القرض من مال الصبي بحسب ولايته.

وأمّا على القول بعدم الملكيّة في الزكاة ، أو فرضنا الكلام في القسم الثاني من الوقف أي الوقف على الصرف كالصرف في الإطعام أو لتسبيل الماء ونحو ذلك ممّا لا مالك للنماء ، وإنّما له مصرف خاصّ فحسب ، فيمكن دفع الإشكال حينئذٍ بأنّ الولي هو الذي يشتري أو يستأجر أو يستقرض ، لكن لا بشخصه بحيث لو مات يؤدّى من تركته أو ينتقل إلى ورثته ، بل بعنوان أنّه ولي ، فيكون المدين أو المالك للعين أو للمنفعة هو الولي بما هو ولي وبوصفه العنواني لا بشخصه وذاته بحيث يكون إرثاً أو يبيعه بعد ذلك لنفسه.

وعليه ، فيكون التعريف المزبور جامعاً ومنطبقاً على هذا المورد أيضاً ، فلا ينبغي التأمّل في استقامته طرداً وعكساً وسلامته عن الإشكالات المتقدّمة ، بل وموافقته للمرتكزات العرفيّة التي يدركها حتى الصبيان المميّزون ، فإنّهم لا يرتابون في أنّ المالك في مقام الإجارة يُبقي العين لنفسه ويملّك المنفعة.

وعلى هذا يترتّب ما هو المقرّر عند العقلاء والمتشرّعة من أنّ الغاصب لو


1) الوسائل 9 : 215 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 4.

2) شرح العروة (الزكاة 2) : 95 من المخطوط.

ويمكن أن يقال : إنّ حقيقتها التسليط (1) على عين للانتفاع بها بعوض ، وفيه فصول :


غصب العين المستأجرة بعد ما قبضها المستأجر الذي يكون بقبضه هذا قابضاً للمنفعة أيضاً كان ضامناً للمنافع للمستأجر لا للمالك ، فهو الذي يطالب الغاصب بأُجرة المثل للمنافع المستوفاة في تلك المدّة التي ربّما تزيد على الأُجرة المسمّاة بكثير ، باعتبار تعلّق الغصب بملكه ، فهو المضمون له دون مالك العين ، فلو ردّها إليه لا يضمن له شيئاً بتاتاً. وهذا ممّا يكشف عن صحّة التعريف المزبور الذي عليه المشهور.

(1) غير خفي أنّ التسليط من آثار الإجارة والأحكام المترتّبة عليها بعد انعقادها حيث يجب على المؤجر تسليم العين للمستأجر لينتفع بها لا أنّه مساوق لمفهومها. فهذا التعريف لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

على أنّه يختصّ بما إذا توقّف استيفاء المنفعة على الاستيلاء على العين والسلطنة عليها دون ما لم يتوقّف ، كما في الإجارة على الأعمال من الخياطة ، أو الصلاة عن الميّت ، ونحو ذلك ممّا كان تسليم العمل بالإتيان به خارجاً من غير أيّ تسليط في البين كما هو واضح.

وأمّا الإيراد بعدم الاطّراد بالنسبة إلى الإذن في التصرّف بشرط العوض مع ضرورة خروجه عن الإجارة.

فغير قابل للإصغاء ، لعدم كون الشرط عوضاً واقعاً بإزاء التسليط.

وهذا نظير النقض على تعريف البيع بالهبة المشروطة بعوض. والجواب هو الجواب.

فصل في أركانها

وهي ثلاثة :

الأوّل : الإيجاب والقبول ، ويكفي فيهما كلّ لفظ دالّ على المعنى المذكور ، والصريح منه : آجرتك أو أكريتك الدار مثلاً فيقول : قبلت ، أو استأجرت أو استكريت. ويجري فيها المعاطاة كسائر العقود (1). ويجوز أن يكون الإيجاب بالقول والقبول بالفعل ،


(1) الكلام في جريان المعاطاة في الإجارة هو الكلام في جريانها في البيع ، إذ لا خصوصيّة فيه ، فإنّ البحث المذكور هناك سارٍ في كافّة المعاملات من العقود والإيقاعات بمناطٍ واحد.

وملخّصه : أنّه إن ثبت في مورد بدليل خاصّ اعتبار اللفظ أو اللفظ الخاصّ في تحقّق الإنشاء كما في الطلاق حيث يعتبر فيها لفظ «طالق» بعد ذكر المرأة اسماً أو وصفاً ، وكما في النذر والعهد واليمين حيث يعتبر فيها ذكر لفظ الجلالة ، وكما في الزواج الذي تسالم الفقهاء على اعتبار لفظٍ ما وإلّا خرج عن النكاح إلى السفاح فهو المتّبع ، ولا سبيل معه إلى جريان المعاطاة فيه بوجه.

وأمّا ما لم يثبت فيه ذلك فمقتضى الإطلاقات العامّة كوجوب الوفاء بالعقود

.................................................................................................


وكذا إطلاقات نفوذ البيع مثل قوله تعالى ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1)وغيره من أدلة العقود من الإجارة وغيرها هو الحكم بالصحّة وإن لم يتحقّق العقد باللفظ بل بالفعل المعبّر عنه بالمعاطاة.

وليس بإزاء ذلك ما عدا الشهرة الفتوائيّة المتيقّنة القائمة على أنّ المعاطاة لا يترتّب عليها إلّا الإباحة دون الملك وإن حمل المحقّق الثاني الإباحة المذكورة في كلماتهم على الملكيّة (2).

وكيفما كان ، فالشهرة بعد عدم حجّيّتها لا يعوّل عليها في إثبات أيّ حكم شرعي ، فلا تقاوم الأدلّة الخالية عن التقييد ، ولا تنهض لتقييد المطلقات.

وقد ذكر شيخنا الأنصاري (قدس سره) في كتاب البيع من المكاسب أنّ مخالفة المشهور مشكل ومخالفة الأدلّة أشكل (3).

ولا ينبغي التأمّل في أنّه لدى الدوران بين ترجيح الشهرة على الأدلّة أو العكس كان المتعيّن هو الثاني.

وليس في البين أيّة رواية تدلّ على اعتبار اللفظ إلّا ما قيل من دلالة قوله (عليه السلام) : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» أو : «إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» (4)عليه.

وهذه الجملة أعني : «إنّما يحرّم الكلام» خاصّة خالية عن تلك الضميمة قد وردت في عدّة روايات من روايات باب المزارعة لا بأس بأسنادها ، بل بعضها صحيحة السند كصحيحة الحلبي ، قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)


1) البقرة 2 : 275.

2) جامع المقاصد 4 : 58.

3) المكاسب 3 : 50 - 51.

4) الوسائل 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4.

.................................................................................................


عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً ، وللبقر ثلثاً «قال : لا ينبغي أن يسمّي شيئاً ، فإنّما يحرّم الكلام» (1)، ونحوها ممّا دلّ على أنّ الاشتراط في المزارعة بنحو الثلث والثلثين لا مانع منه ، وإنّما الممنوع تسمية البذر والبقر وأنّ ثلثاً لهذا وثلثاً لذاك ، فإنّ النتيجة وإن كانت واحدة إلّا أنّ خصوص هذا التعبير ممنوع وأنّه إنّما يحرّم الكلام.

ومعلوم أنّ هذا المطلب أجنبي عمّا نحن بصدده بالكلّية ولا مساس له باعتبار اللفظ في مقام الإنشاء بتاتاً ، وإنّما النظر معطوف على كيفيّة الإبراز وأنّه لا يجوز بخصوص هذا التعبير ، وقد حملها جماعة منهم الماتن في كتاب المزارعة (2)على الكراهة ، وحينئذٍ فكونها أجنبيّة عن بحث المعاطاة أظهر.

وأمّا هذه الجملة مقرونة بتلك الضميمة أعني : مجموع قوله : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» فلم ترد إلّا في رواية واحدة ، وهي ما رواه الكليني والشيخ بسندهما عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجّاج وهو ثقة عن خالد بن نجيح على ما في الكافي ، وخالد بن الحجّاج على ما في التهذيب ، وقد كتب الأوّل على بعض نسخ الثاني والثاني على بعض نسخ الأوّل على سبيل : بدل النسخة. وما في الوسائل من جعل : يحيى بن نجيح ، بدلاً عن نسخة : يحيى ابن الحجّاج ، غلط (3)، وصحيحه ما عرفت.

قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يجي‌ء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا «قال : أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟» قلت : بلى


1) الوسائل 19 : 41 / أحكام المزارعة والمساقاة ب 8 ح 4.

2) العروة الوثقى 2 : 505.

3) في الوسائل المحقّق حديثاً لم ترد الإشارة إلى نسخة بدل ، انظر ج 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4.

.................................................................................................


«قال : لا بأس به ، إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام» كذا في التهذيب ، وفي الكافي ذكر بدل «يحلّ» : «يحلّل» (1).

ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :

أمّا السند : فلعدم ثبوت وثاقة الراوي ، سواء أكان هو خالد بن نجيح أم خالد بن الحجاج. نعم ، قيل بوثاقة الأوّل ، لوجوه مزيّفة كرواية صفوان عنه ، أو أنّ للشيخ الصدوق طريقاً إليه ، ونحو ذلك ممّا لا يرجع إلى محصّل. على أنّها لو تمّت لا تكاد تنفع ، لما عرفت من التردّد بينه وبين ابن الحجّاج الذي لم تثبت وثاقته جزماً.

وأمّا الدلالة : فلوضوح عدم كونها في مقام بيان حصر المحلّل والمحرّم في الكلام لتدلّ على اعتبار اللفظ في تحقّق الإنشاء وعدم الاجتزاء بالمعاطاة ، إذ مضافاً إلى أنّ هذا أجنبي عن السؤال كما لا يخفى مقطوع البطلان ، لعدم انحصار المحلّلات والمحرّمات في الشريعة المقدّسة بباب الألفاظ بالضرورة ، بل الحصر المزبور مسوق لبيان أنّ جميع الكلمات لم تكن على حدّ سواء ، بل هي مختلفة ، فإنّ الكلام الصادر من الرجل من قول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا ، إن كان بعنوان الوعد بحيث لم يكن ملزماً بالوفاء فلا بأس به ، وإن كان بعنوان البيع ولا يمكنه التخلّف منه حرم ، لاندراجه حينئذٍ في كبرى بيع شي‌ء قبل أن يملكه ، فلا يكون الكلّ على نسق واحد. وأمّا أنّ المحلّل منحصر في الكلام ولا يقع بالفعل الخارجي فالرواية أجنبيّة عن إفادة ذلك.

إذن فليس لدينا ما يدلّ على اعتبار الصيغة لا في البيع ولا في الإجارة ولا غيرهما من أنواع العقود والإيقاعات ، إلّا ما دلّ الدليل على اعتبار اللفظ ، أو


1) الوسائل 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4 ، الكافي 5 : 201 / 6 ، التهذيب 7 : 50 / 216.

.................................................................................................


اللفظ الخاصّ حسبما عرفت ، ومن ثمّ تجري المعاطاة في الإجارة كغيرها.

نعم ، خصّها شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة بإجارة الأموال فكتب ما لفظه : يعني في منافع الأموال لا مطلقاً. فيظهر منه المنع عن الجريان في إجارة الأعمال فيما إذا كان الأجير حرّا ، من خياطة ، أو بناء دار ، أو الصلاة عن الميّت ، ونحو ذلك ، نظراً إلى أنّه لا تعاطي من قبل الأجير إلّا بتسليم نفس العمل الذي هو وفاء بالعقد المترتّب على الإنشاء ، فكيف يكون إنشاءً له لتتحقّق به المعاطاة؟! وغير خفي أنّ هذا لو تمّ فإنّما يتّجه فيما لو اعتبرنا في المعاطاة التعاطي من الطرفين.

وأمّا بناءً على ما هو الصحيح عندنا وعنده أيضاً من أنّ المعاطاة وإن كانت من باب المفاعلة إلّا أنّ المراد بها إنشاء العقد بالفعل والعطاء الخارجي ولو كان ذلك من جانب واحد إذا كان بقصد تحقّق المعاملة وإنشائها من بيع أو إجارة ونحوهما ، لوحدة المناط ، المقتضي للصحّة بينه وبين ما إذا كان التعاطي من الجانبين. فلا إشكال حينئذٍ بوجه ، فيعطي المستأجر عين الأُجرة بقصد الاستئجار ويأخذها الأجير بقصد القبول ، وبذلك تتحقّق المعاطاة.

على انّه لا يتمّ في نفسه ، لأنّا لو سلّمنا اعتبار التعاطي من الطرفين فلا ينحصر ذلك بعطاء نفس ما يراد تعلّق العقد به أعني : العمل المستأجر عليه بنفسه بل يكتفي بكلّ فعل يكون مبرزاً لهذا القصد عرفاً ، كالاشتغال بالمقدّمات من الإتيان بلوازم البناية والخياطة بقصد إنشاء الإجارة كما هو المتعارف خارجاً ، ويكون إعطاء الأُجرة بمنزلة القبول ، أو أنّ الأجير يأتي بالدابّة على باب الدار معلناً تهيّؤه لنقل المتاع ونحو ذلك من مقدّمات العمل.

ولا يصحّ أن يقول في الإيجاب : بعتك (1)الدار مثلاً وإن قصد الإجارة. نعم ، لو قال : بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار مثلاً بكذا ، لا يبعد صحّته إذا قصد الإجارة (1).


(1) فرّق (قدس سره) بين هذين التعبيرين ، فلم يستبعد الصحّة في الثاني بعد أن حكم ببطلان الأوّل.

بل قد استشكل فيها أيضاً شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة ، بل مال إلى البطلان فقال ما لفظه : صحّة هذا وأشباهه مبني على جواز التجوّز في صيغ العقود وصحّة إنشاء كلّ واحد منها بلفظ الآخر ، وهو في غاية الإشكال ، بل لا يبعد بطلانه (2).

وينبغي التكلّم تارةً في الصغرى وأنّ المقام هل هو من مصاديق إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر أو لا؟ وأُخرى في الكبرى وأنّ الإنشاء المزبور على تقدير تحقّقه هل يستوجب البطلان أو لا؟

أمّا من حيث الصغرى فالظاهر عدم اندراج المثال الثاني تحت هذه الكبرى ، لعدم استعمال لفظ البيع فيه في الإجارة ، كيف؟! ولا تتعلّق الإجارة إلّا بالعين ، فيقال : آجرتك الدار ، ولا يقال : آجرتك منفعة الدار ، كما تقدّم ، حيث عرفت أنّ مفهوم الإجارة مساوق لتمليك المنفعة ، فلا تضاف إلى المنفعة ، إذ ليست للمنفعة منفعة كما هو واضح ، فلو كان لفظ البيع في المثال المزبور مستعملاً عوضاً عن الإجارة لرجع إلى قولك : ملّكتك منفعة منفعة الدار ، ولا محصّل له ، فلم يستعمل اللفظ في معنى الإجارة ليكون من قبيل إنشاء عقد بلفظ العقد الآخر.


1) (*) لا تبعد الصحّة إذا نصب قرينة عرفيّة على إرادة الإجارة من لفظ البيع.

2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 9 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


وإنّما استعمل في مطلق التمليك وطبيعيّة لا خصوص المتعلّق بالعين ، فيرجع قولك : بعتك منفعة الدار ، إلى قولك : ملّكتك منفعة الدار ، ولا مانع من تجريد البيع عن خصوصيّة التعلّق بالعين واستعماله في مطلق التمليك مع نصب القرينة ، كما قد يجرّد عن خصوصيّة التمليك بعوض ، ويستعمل في مطلق التمليك القابل للانطباق على المجّاني المساوق للهبة مع نصب القرينة في مثل قولك : بعتك بلا عوض ، على ما قيل بذلك.

وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في عدم اندراج هذا المثال تحت الكبرى المذكورة ، فالصغرى هنا ممنوعة.

وأمّا المثال الأوّل فيمكن منع الصغرى فيه أيضاً ، نظراً إلى أنّ لفظ البيع كما يمكن أن يكون مستعملاً في الإجارة فيكون من قبيل استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر ، كذلك يمكن أن يكون مستعملاً في مطلق التمليك كما عرفته في المثال الثاني ، ولكن مع تقدير المضاف بأن يراد من الدار منفعتها ، فيلتزم بالتصرّف في كلا اللفظين بإرادة التمليك من البيع والمنفعة من الدار ، ليرجع قولك : بعتك الدار إلى سنة مثلاً إلى قولك : ملّكتك منفعة الدار إلى سنة ، ولا ضير فيه بعد مساعدة القرينة.

وكيفما كان ، فينبغي عطف عنان الكلام إلى تحقيق حال الكبرى وأنّه هل يصحّ استعمال لفظ عقد مكان عقد آخر أو لا؟ وقد بنى الماتن على الثاني ، ويظهر ذلك من كلمات غيره أيضاً.

فنقول : إذا بنينا على تفسير الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ وكونه آلة لتحقّقه في وعاء الاعتبار كما عليه المشهور ، فلِما ذكروه حينئذٍ وجه ، بأن يقال : إنّ الآليّة لا تتّسع دائرتها لكلّ لفظ ولأيّ معنى ، بل هي موكولة إلى نظر العقلاء

.................................................................................................


والصدق العرفي ، فكلّ ما كان مصداقاً للآلة ومتّصفاً بكونه موجداً للمعنى في عرف العقلاء فهو مشمول لدليل الوفاء بالعقد وغيره من أدلّة النفوذ ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا دليل على صحّته ، ومجرّد جعل شخص لفظاً آلة لإيجاد المعنى لا يغني بعد أن لم يكن مشمولاً لدليل الإمضاء.

ولكنّا أشرنا في جملة من الموارد سيّما في المباحث الأُصوليّة عند التكلّم حول تحقيق مفهوم الخبر والإنشاء (1)إلى فساد هذا المبنى بالرغم من اشتهاره وانتشاره ، وأنّه لدى التفتيش والتحليل ليس لإيجاد المعنى باللفظ عند التصدّي للإنشاء عين ولا أثر.

أمّا الأُمور التكوينيّة : فعدم كون اللفظ من أسباب وجودها وعلل تحقّقها واضح.

وأمّا الاعتباريّة : فاعتبار الشخص ملكيّة شي‌ء مثلاً ببيع أو شراء ونحوهما قائمٌ بنفسه ولو لم يكن أحد في العالم ما عدا حوّاء وآدم مثلاً وليس للّفظ أي سببيّة وعلّيّة في ذلك. وأمّا اعتبار العقلاء أو الشرع فهو أيضاً قائم بهما وأجنبي عن هذا الشخص ، غايته أنّه يوجد ببيعه مثلاً موضوع الاعتبار من غير أن يكون اللفظ علّة لتحقّقه.

فدعوى كون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ لا أساس لها من الصحّة بتاتاً.

بل التحقيق مشاركة الإنشاء مع الإخبار في أنّ كلّاً منهما مبرز لأمر نفساني ، غايته أنّ المبرز في الثاني قصد الحكاية عن ثبوت شي‌ء لشي‌ء ، أو عدم ثبوته ، الذي قد يطابق الواقع وأُخرى لا ، وبهذا الاعتبار يتّصف بالصدق والكذب. وفي الأوّل اعتبار من الاعتبارات من الملكيّة أو الزوجيّة ، أو التمنّي أو الترجّي ، ونحو ذلك ممّا هو مقصور على أُفق النفس ومحدود بدائرتها ولا يتعدّى إلى


1) محاضرات في أُصول الفقه 1 : 85 - 89.

.................................................................................................


الخارجيّات لكي يطابقها أو لا يطابقها ، ويصحّ تقسيمها إلى الصدق والكذب.

وبعد أن تحقّق هذا الاعتبار يبرزه المعتبر باللفظ فيقول مثلاً - : بعت ، فليس اللفظ آلة ولا يكون موجداً لأيّ شي‌ء ، وإنّما

شأنه الإبراز فحسب.

وعلى هذا ، فكلّ لفظ اتّصف بكونه مبرزاً للمقصود بحسب الفهم العرفي صدق عليه طبعاً عنوان البيع أو الإجارة ونحوهما ، فتشمله إذن عمومات نفوذ العقد ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الإبراز على سبيل استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي ، بقرينة حاليّة أو مقاليّة ، وبلا فرق أيضاً في المجاز بين القريب أو البعيد الركيك ، والضابط : كلّ ما كان اللفظ ظاهراً فيه عرفاً ومصداقاً للإبراز ولم يكن معدوداً من الأغلاط ، سواء أكان الاستعمال بحسب الوضع الشخصي أم النوعي ، بناءً على ثبوته في المجازات.

ومن هنا تعرف أنّه لا يبعد صحّة كلا المثالين المذكورين في المتن.

أمّا المثال الثاني : فظاهر ، لما عرفت من أن لفظ البيع حقيقة في تمليك العين ، فيجرّد عن هذه الخصوصية ويستعمل في مطلق التمليك القابل للإسناد إلى المنفعة ، فيقول : بعتك منفعة الدار إلى أجل كذا ، مريداً به تمليك منفعتها ، ويكون قوله : إلى أجل كذا ، قرينة عليه. فإنّ هذا النوع من الاستعمال لا يعدّ من الأغلاط بالضرورة ، إذ الاستعمال الغلط هو الذي يستبشعه العرف ويستنكره ، ولا يكون اللفظ ظاهراً فيه حتى مجازاً ، نظير أن يقول : «أكلت الرمان» ، مريداً به بيعه.

وعلى الجملة : فلا ضير في الاستعمال المزبور ، غايته أنّه استعمال مجازي غير متعارف لا أنّه غلط ، أو أنّ اللفظ غير ظاهر فيه ولو بمعونة القرينة.

ومنه يظهر الحال في المثال الأوّل ، فإنّ الكلام هو الكلام ، إذ لم تستعمل كلمة البيع في الإيجار حتى يقال : إنّه غلط ، مثل استعمال النكاح في مقام البيع ،

الثاني : المتعاقدان ، ويشترط فيهما البلوغ ، والعقل والاختيار ، وعدم الحجر لفلس أو سفه أو رقّيّة (1).


بل في مطلق التمليك بعد كون المراد من الدار منفعتها ، فيرجع قوله : بعتك الدار إلى أجل كذا بكذا ، إلى قوله : ملّكتك الدار منفعتها ، إلخ ، بنحوٍ تكون المنفعة بدلاً عن الدار ، فإنّ استعمال الدار في منفعتها استعمال دارج ، كما يقال : أوكلت أمر هذه الدار إلى زيد ، مريداً به الإيكال بالإضافة إلى المنافع خاصّة دون رقبة العين ، ولا يعدّ هذا غلطاً بعد نصب قرينة حاليّة أو مقاليّة كما في المقام.

وعلى الجملة : فالظاهر صحّة الإجارة في كلا المثالين وإن كانت الصحّة في الثاني أظهر. فلا وجه للاستشكال فيهما بزعم أنّهما من إنشاء عقد بلفظ عقد آخر ، لمنعه صغرى وكبرى حسبما عرفت.

(1) اعتبار هذه الأُمور في الجملة في المتعاقدين ممّا لا شبهة فيه ، وإنّما الإشكال في بعض الخصوصيّات.

أمّا العقل : فلا كلام في اعتباره في العاقد ، إذ لا أثر لعبارة المجنون بعد أن كان فاقداً للقصد المعتبر في العقد ، سواء أكان العقد لنفسه أم لغيره ، بإجازة الولي أو بدونها ، لاتّحاد المناط كما هو واضح.

وأمّا عدم الحجر من جهة الرقّيّة : فالحجر المحكوم به العبد مختصّ بمال نفسه ، أمّا بالنسبة إلى مال مولاه فهو أجنبي عنه كسائر الأجانب كما هو ظاهر ، فلو آجر نفسه أو ماله بناءً على أنّه يملك كما هو الصحيح فلا أثر لعقده ، لأنّه مملوك لا يقدر على شي‌ء فهو محجور عليه.

وأمّا بالإضافة إلى مال الغير فيما إذا كان وكيلاً في الإجارة عنه : فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال بل إشكال في الصحّة إذا كان ذلك بإذن المولى. بل الظاهر

.................................................................................................


جوازه حتى بدون الإذن ، لأنّ هذا العقد إنّما هو عقد للموكّل حقيقةً وهو المأمور بالوفاء ، وأمّا العبد فهو مجرّد آلة لإجراء الصيغة فحسب ، ولم يدلّ أيّ دليل على ممنوعيّة العبد حتى من التصرّف في لسانه بحيث يحتاج في تكلّمه مع غيره أو في ذكره ودعائه وقرآنه إلى الاستئذان من مولاه ، إذ لا يعدّ مثل ذلك تصرّفاً في ملك الغير حتى يكون منوطاً بالإذن ، فكما لا يحتاج في سائر تكلّماته إلى الإذن فكذا في إجراء العقد بمناط واحد.

وبالجملة : دليل الحجر خاصّ بالتصرّف في مال نفسه أو أعماله ، ومنصرف عن مثل إجراء العقد وكالةً عن الغير.

بل يمكن أن يقال بالصحّة حتى مع نهي المولى ، إذ غايته العصيان لا البطلان.

وأمّا عدم الحجر من جهة الفلس : فلا ريب أنّ المفلس ممنوع من التصرّف في ماله بعد الحجر عليه ، فليس له التصرّف في شي‌ء منها ببيع أو إجارة ونحوهما.

وأمّا بالنسبة إلى إجارة نفسه : فلم يدلّ أيّ دليل على المنع ، لوضوح اختصاص الحجر الصادر من الحاكم بأمواله الموجودة حال تعلّق الحجر ، أمّا بدنه فلم يتعلّق حجر بالنسبة إليه لكي يكون ممنوعاً عن التكسّب بعمله وصيرورته أجيراً لغيره في قراءة قرآن أو صلاة أو صيام ونحو ذلك من أنحاء تحصيل المال ، فإنّ حقّ الغرماء متعلّق بأمواله وأجنبي عن أعماله كما هو ظاهر.

هذا بالنسبة إلى مال نفسه.

وأمّا بالإضافة إلى مال الغير : فلا ينبغي التأمّل في نفوذ إجارته وكالةً عنه ، لعدم كونه محجوراً في ذلك بوجه. فاعتبار عدم الحجر خاصّ بماله دون عمله ودون أموال أشخاص آخرين.

وأمّا عدمه من جهة السفه : فلا ريب في أنّ السفيه ممنوع من التصرّف في ماله بمقتضى الروايات وقبلها الآية المباركة المانعة من دفع أموال السفهاء إليهم

.................................................................................................


قبل أن يستأنس منهم الرشد.

وأمّا بالنسبة إلى نفسه بأن يكون أجيراً لغيره : ففي جوازه كلام وإشكال ، ولا يبعد المنع ، وسيأتي تفصيله في المسألة الثانية.

وأمّا إجراؤه العقد وكالةً عن غيره : فلا ينبغي الاستشكال فيه ، إذ لم يدلّ دليل على كونه مسلوب العبارة حتى يكون عقده كلا عقد.

وأمّا الاختيار : فلا شكّ في عدم نفوذ عقد المكره فيما يرجع إلى نفسه من ماله أو عمله ، لحديث الرفع وغيره ممّا هو مذكور في محلّه.

وأمّا لو كان مكرهاً في إجراء العقد على مال الغير وكالةً ، فهل يحكم ببطلانه؟

الظاهر : لا ، ضرورة عدم ترتّب أيّ أثر على هذا العقد بالنسبة إلى العاقد المكره لكي يدّعى ارتفاعه بحديث الرفع ، وإنّما الأثر مترتّب على من يقع العقد له وهو الأصيل ، وهذا مجرّد آلة محضة والمفروض أنّ الأصيل غير مكره عليه.

وبعبارة اخرى : هذا العقد من حيث انتسابه إلى المباشر ليس له أيّ أثر ليرتفع بالإكراه ، ومن حيث انتسابه إلى المكره لم يرتفع أثره بعد أن عقد باختياره ، ولم يكن مكرهاً ، فالمكرَه بالفتح لا أثر له ، ومن له الأثر لم يكن مكرهاً ، فلا مقتضي للبطلان بوجه.

وأمّا اعتبار البلوغ الذي هو المهم في المقام : فلا ينبغي التأمّل في عدم نفوذ تصرّفات الصبي في أمواله على سبيل الاستقلال بحيث يكون هو البائع أو المؤجر ونحوهما ولو كان ذلك بإذن الولي فضلاً عن عدم الإذن ، لقوله سبحانه ( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) (1)، دلّت على أنّ دفع المال مشروط بأمرين : البلوغ والرشد ، فلا يدفع لغير البالغ


1) النساء 4 : 6.

.................................................................................................


ماله وإن كان رشيداً ، كما لا يدفع لغير الرشيد أي السفيه وإن كان بالغاً ، ومعلوم أنّه لا بدّ من اختباره قبل البلوغ ، لإحراز الرشد منه كي لا يمنع عن ماله بعد ما بلغ حتى آناً ما.

ويستفاد ذلك أيضاً من عدّة أخبار دلّت على أنّ الصبي لا يؤخذ بشي‌ء من أعماله وأقواله ، فإذا لم يكن مؤاخذاً فطبعاً يكون عقده كلا عقد.

وتدلّ عليه أيضاً رواية عبد اللّه بن سنان التي أوردها شيخنا الأنصاري (قدس سره) في المكاسب واستدلّ بها (1)عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم ، متى يجوز أمره؟ قال : «حتى يبلغ أشدّه» قال : وما أشدّه؟ «قال : احتلامه» (2).

وهي واضحة الدلالة على أنّ نفوذ أمره الذي منه عقده متوقّف على البلوغ ، فلا ينفذ قبله وإن أذن الولي بمقتضى الإطلاق.

وأمّا من حيث السند فقد رواها الصدوق في الخصال بسنده المعتبر ، عن أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن الصادق (عليه السلام) ، وقد سقطت كلمة «عبد اللّه بن سنان» في نسخة الوسائل.

هذا ، ولم يعنون أبو الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ بهذا العنوان في كتب الرجال ، فبطبيعة الحال يكون مجهولاً كما قيل.

ولكن الظاهر أنّه هو آدم بن المتوكّل الثقة الذي روى بعنوان آدم بن المتوكّل بيّاع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان في غير هذا الموضع. فالظاهر أنّ الرواية معتبرة.


1) المكاسب 3 : 277.

2) الوسائل 18 : 412 / كتاب الحجر ب 2 ح 5 ، الخصال : 495 / 3.

.................................................................................................


هذا كلّه في تصرّف الصبي مستقلا.

وأمّا تصدّيه لمجرّد إجراء الصيغة إمّا في ماله أو في مال الغير وكالةً عنه فليس في الآية ولا الرواية ما يدلّ على عدم نفوذه :

أمّا الآية المباركة : فهي ناظرة إلى دفع المال إليه وعدمه ، ولا تعرّض فيها لعقده الصادر منه على نحوٍ لا شأن له عدا مجرّد إجراء الصيغة.

وهكذا الرواية ، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام الظاهر في الاستقلال ، لا ما إذا كان التصرّف منسوباً إلى الولي والصبي مجرٍ للصيغة فقط.

ولكنّه مع ذلك قد نسب إلى المشهور عدم الجواز ، تمسّكاً بحديث رفع القلم عن الصبي ، وبما ورد في صحيح ابن مسلم من أنّ «عمد الصبي وخطؤه واحد» (1)فكما أنّ أحداً لو تلفّظ خطأً بكلمة «بعت» مثلاً لا يكون نافذاً لعدم القصد ، فكذا الصبي ، لأنّ عمده بمنزلة خطأ غيره ، فلا أثر لقصده بمقتضى هذه الصحيحة.

والجواب : أمّا عن الحديث فظاهر ، إذ هو ناظر إلى رفع ما على الصبي من الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة أيضاً كما اخترناه ، فلا يلزم الصبي بشي‌ء من أعماله من كلتا الناحيتين. وأمّا العقد في محلّ البحث فليس فيه أيّ شي‌ء على الصبي من تكليف أو وضع ، ولم يؤاخذ بعبارته بتاتاً لكي يرفع عنه ، وإنّما هو راجع إلى غيره أو إلى الولي ، وهذا مجرّد مجرٍ للصيغة وآلة محضة ، فحديث الرفع أجنبي عن الدلالة على إلغاء إنشاء الصبي وفرضه كأن لم يكن كما لعلّه واضح جدّاً.

وأمّا الصحيحة : فهي وإن كانت مطلقة في ظاهر النصّ ولم تقيّد بمورد الجناية كما قيّدت به موثّقة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام)


1) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 2.

.................................................................................................


«أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول : عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (1)، ومعلوم أنّه لا تنافي بين الدليلين بعد كونهما مثبتين لكي يتصدّى لعمليّة الإطلاق والتقييد ، فمن الجائز مساواة عمده مع الخطأ في غير الجنايات أيضاً من العقود والإيقاعات ، ونتيجتها اعتبار البلوغ في العاقد كما يقتضيه إطلاق الصحيحة.

إلّا أنّ الظاهر أنّها في نفسها قاصرة الشمول لمثل ذلك ، فلم ينعقد لها الإطلاق من الأوّل بالإضافة إلى غير مورد الجنايات ، لا أنّ الإطلاق موجود ويقيّد حتى يعترض بعدم المجال للتقييد حسبما عرفت.

والوجه فيه : أنّ الوارد في الصحيحة لو كان هكذا : عمد الصبي كلا عمد ، لتمّ الاستدلال ، لدلالتها حينئذٍ على أنّ الفعل الصادر منه عن عمد بمثابة عدم العمد وكأنّه لم يقصد فلا يترتّب عليه الأثر ، لكن المذكور فيها هكذا : «عمد الصبي وخطؤه واحد» فتضمّنت تنزيل العمد منزلة الخطأ لا منزلة عدم العمد. وظاهر هذا التعبير مشاركة هذين العنوانين فيما يترتّب عليهما من الأحكام وأنّ كلّ حكم يترتّب على الخطأ في غير الصبي ، فهو مترتّب على العمد بالإضافة إلى الصبي ، إذ التنزيل في مثل ذلك إنّما هو بلحاظ الحكم.

وهذا يقتضي فرض الكلام في موردٍ يكون كلّ من عنواني العمد والخطأ بحياله موضوعاً لحكم مستقلّ بإزاء الآخر وهو خاصّ بباب الجنايات ، حيث إنّ في صورة العمد يثبت القصاص أو الدية حسب اختلاف الموارد ، وفي صورة الخطأ تكون الدية على العاقلة. هذا في البالغين ، فيراد من التنزيل المزبور أنّ عمد الصبي بمثابة خطأ البالغ فلا تترتّب عليه إلّا الدية على العاقلة على ما نطقت به موثّقة إسحاق المتقدّمة.


1) الوسائل 29 : 400 / أبواب العاقلة ب 11 ح 3.

.................................................................................................


وأمّا في غير باب الجنايات كالعقود والإيقاعات فلم يترتّب ثَمّة أيّ أثر على الخطأ ، وإنّما الأثر خاصّ بالعمد ، ومع عدمه يرتفع طبعاً ، لا لأجل الخطإ ، بل لانتفاء موضوع الأثر وهو العمد. فلو أراد بيع داره فتلفّظ خطأً بالفرس بدلاً عن الدار ، لم يقع بيع الفرس ، لعدم القصد إليه وانتفاء العمد ، لا لخصوصيّة في الخطأ ، بل وجوده وعدمه سيّان من هذه الجهة.

وممّا يرشدك إلى عدم إمكان الأخذ بإطلاق الصحيحة : أنّ لازم ذلك الحكم بعدم بطلان صوم الصبي بالإفطار العمدي ولا صلاته بالتكلّم العمدي. وكلاهما كما ترى. فلا مناص من الاختصاص بباب الجنايات وما يلحق بها ممّا يكون لكلّ من عمده وخطئه حكم مستقلّ كبعض كفّارات الحجّ على ما قيل ، ولا يكاد يشمل مثل العقود والإيقاعات بوجه.

إذن فالظاهر جواز تصدّي الصبي لإجراء صيغة العقد كآلة لها في ماله أو مال الغير من غير حاجة إلى إجازة الولي.

وأمّا استقلاله في معاملة لم تتعلّق بماله ، كما لو كان وكيلاً عن شخص آخر في بيع أو شراء له على وجه الاستقلال لا مجرّد آلة في إجراء الصيغة ، كما لعلّ السيرة جارية عليه خارجاً ، حيث إنّ البقّال أو العطّار يجعل مكانه صبيّاً فطناً يبيع له ويشتري في غيابه. فظاهر كلمات الفقهاء على ما نسب إليهم عدم الجواز هنا أيضاً.

ولكنّه أيضاً غير واضح ، لعدم نهوض دليل يعوّل عليه :

أمّا الآية الكريمة : فالنظر فيها معطوف إلى مال الصبي نفسه ، ولا تعرّض لها بالإضافة إلى مال الغير بوجه كما هو ظاهر.

وأمّا صحيحة ابن سنان المتقدّمة : فكذلك ، إذ السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام ، وهذه المعاملة لو تمّت فهي مرتبطة بشخص آخر هو العاقد في الحقيقة

الثالث : العوضان ، ويشترط فيها أُمور (1):

الأوّل : المعلوميّة ، وهي في كلّ شي‌ء بحسبه بحيث لا يكون هناك غرر (1) ، فلو آجره داراً أو حماراً من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل ، وكذا لو جعل العوض شيئاً مجهولاً.


أعني : الموكّل ولا علاقة لها بالغلام لتعدّ نفوذاً لأمره.

وبعبارة أُخرى : الصحيحة مسوقة سؤالاً وجواباً لبيان النفوذ بالإضافة إلى الصبي لا بالإضافة إلى شخص آخر. ومن الواضح أنّ هذه المعاملة باعتبار توكيل المالك مضافة إليه ، فهو البائع حقيقةً ، وهذا واسطة في تحقّقه ، فلا يشمله قوله : متى يجوز أمره ، إذ ليس هذا من أمر الغلام بعد أن لم يكن يلزم بشي‌ء لا تكليفاً ولا وضعاً ، وإنّما هو من أمر شخص آخر هو البائع ، فكأنّ السائل بعد ما يرى أنّ بقيّة الناس يبيعون ويتّجرون يسأل عن أنّ الغلام متى يجوز له ذلك حتى يكون حاله كحالهم ، ولم ينقدح في ذهنه السؤال عن معاملته في مال شخص آخر وكالةً عنه ، فهي منصرفة عن مثل ذلك البتّة ، وقد عرفت جريان السيرة على ذلك في الكسبة فيقيمون أبناءهم المميّزين مقامهم لدى استئناس الرشد منهم ، ويبعد جدّاً أن تكون السيرة مستحدثة ، بل الظاهر اتّصالها بزمن المعصومين (عليهم السلام).

وعليه ، فالظاهر الصحّة هنا وإن لم يلتزم بها المشهور.

(1) فلا تضرّ الجهالة إلّا ما أدّت منها إلى الغرر ، ولا يعتبر الأزيد من ذلك ،


1) بعض هذه الشروط راجع إلى الصحّة وبعضها راجع إلى النفوذ فيتوقّف نفوذ العقد الفاقد للشرط على إجازة من له الإجازة.

.................................................................................................


ويختلف حسب اختلاف الموارد كما ذكره (قدس سره) ، فقد يكون ارتفاع الغرر بالكيل ، وأُخرى بالوزن ، وثالثة بالعدّ ، ورابعة بالمشاهدة. هذا في الأُجرة. وأمّا المنفعة فبتحديدها بحسب الزمان ونحوه ، وفي العمل ببيان نوعه وهكذا.

وكيفما كان ، فيستدلّ لهذا الشرط الذي عليه المشهور :

تارةً : بما ورد من نهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر (1).

وأُخرى : بالنبوي الذي رواه الصدوق من أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن الغرر (2).

أمّا الثانية : فلم توجد لا في كتبنا ولا في كتب العامّة ، وقد تتبّعنا وفحصنا عنها في مظانّها فلم نعثر عليها ، فلا أساس لهذه المرسلة التي تفرّد بنقلها الصدوق ، ومعه لا يحتمل استناد المشهور إليها ليدّعى الانجبار.

وأمّا الأُولى : فهي وإن رويت بعدّة طرق وقد رواها الصدوق بأسانيد متعدّدة ، إلّا أنّها بأجمعها ضعاف ، غير أنّها منجبرة بعمل المشهور لو سلّمنا كبرى الانجبار فيمكن القول بذلك في البيع خاصّة ، إلّا أن يدّعى القطع بعدم الفرق.

هذا ، ولا يبعد أن يقال : إنّ أساس المعاملات العقلائيّة من البيع والإجارة ونحوهما مبني على التحفّظ على أُصول الأموال والتبدّل في أنواعها ، فلدى التصدّي لتبديل عين أو منفعة بعوض يرون التساوي بين ماليّة العوضين كشرط أساسي مرتكز قد بنى عليه العقد بمثابة يغني وضوحه عن التصريح به في متنه. وعلى هذا الشرط الارتكازي يبتني خيار الغبن كما هو موضح في محلّه.

وعليه ، فالمعاملة على المجهول المتضمّنة للغرر ، كبيع جسم أصفر مردّد بين


1) مسند أحمد 2 : 144.

2) الوسائل 17 : 358 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 13 ، معاني الأخبار : 278.

.................................................................................................


الذهب وغيره ، أو جعله اجرة ، خارج عن حدود المعاملات الدارجة بين العقلاء ، وما هذا شأنه لا يكون مشمولاً لدليل النفوذ والإمضاء من وجوب الوفاء بالعقود وحلّيّة البيع ونحو ذلك ، فإنّ دعوى انصراف هذه الأدلّة عن مثل ذلك غير بعيدة كما لا يخفى.

وكيفما كان ، فإن تمّت هذه الدعوى والظاهر أنّها تامّة عمّ مناطها الإجارة ، إذ لا فرق بينها وبين البيع إلّا في كون أحد طرفي المعاوضة فيها هي المنفعة وقد تكون كليهما ، وهذا لا يستوجب فرقاً من الجهة المزبورة بالضرورة ، وإلّا فيكفينا الاتّفاق والتسالم على اعتبار هذا الشرط في الإجارة والبيع معاً ، المعتضد بما ورد في البيع من اعتبار الكيل والوزن بعد وضوح أنّه لا خصوصيّة لهما وإنّما اعتبرا بمناط رفع الجهالة والضرر.

ويمكن الاستدلال على ذلك في خصوص الإجارة بما رواه الشيخ بإسناده عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبّلها ، فأيّ وجوه القبالة أحل؟ «قال : يتقبّل الأرض من أربابها بشي‌ء معلوم إلى سنين مسمّاة فيعمّر ويؤدّي الخراج» إلخ (1).

فإنّ قوله : «بشي‌ء معلوم» قرينة على إرادة الإجارة من القبالة ، دون المزارعة ، إذ لا معلوميّة فيها ، وإنّما يكون تقبّل الأرض فيها بإزاء الكسر المشاع من النماء ، وقد دلّت على اعتبار معلوميّة المدّة كمعلوميّة الأُجرة ، فهي واضحة الدلالة على اعتبار العلم بهما في صحّة الإجارة.

وإنّما الكلام في السند ، والظاهر أنّه معتبر ، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا الراوي الأخير أعني : أبا الربيع الشامي حيث إنّه لم يوثّق في كتب الرجال ،


1) الوسائل 19 : 60 / كتاب المزارعة ب 18 ح 5 ، التهذيب 7 : 201 / 887.

.................................................................................................


إلّا أنّه مذكور في إسناد تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة كلّ من وقع في هذا السند.

نعم ، المذكور فيه أبو الربيع من غير تقييد بالشامي ، ولأجله قد يحتمل أنّ المراد به شخص آخر.

ولكنّه يندفع بأنّه لم يذكر في شي‌ء من الروايات الواردة في الكتب الأربعة من يكون معروفاً بهذه الكنية ما عدا الشامي المزبور الذي هو معروف مشهور له روايات كثيرة ، وله كتاب ذكره النجاشي (1)وغيره ، ولم يوجد مكنّى بهذه الكنية غيره إلّا في رواية واحدة أوردها في الكافي بعنوان أبي الربيع القزّاز (2)، فإن كان هو هذا الشخص فلا كلام ، وإلّا فهو رجل مجهول غير معروف ، ولا شكّ أنّ اللفظ ينصرف عند الإطلاق إلى المعروف الذي له كتاب وروايات كثيرة.

وممّا يؤكّد ذلك ويدلّ عليه : أنّ الصدوق حينما يذكر طريقه إليه في المشيخة بعنوان أبي الربيع الشامي (3)وهو طريق صحيح تراه قد أطلقه في الفقيه ولم يقيّده بالشامي ، فقد روى عنه في موارد ومنها مواضع ثلاثة متتالية من كتاب الإجارة (4)ولم يقيّده به. وهذا دليل قاطع على الانصراف الذي ذكرناه.

ثمّ إنّ الصدوق رواها بطريق آخر صحيح عن خالد بن جرير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بلا واسطة (5)، وعليه تكون الرواية صحيحة بلا إشكال ، لكنّها


1) رجال النجاشي : 455 / 1233.

2) الكافي 1 : 340 / 4.

3) الفقيه 4 : 98.

4) لاحظ الفقيه 3 : 156 ، 157 / 687 - 689.

5) الفقيه 3 : 156 / 687.

.................................................................................................


لم تثبت ، فإنّ طريق الصدوق يشترك مع طريق الشيخ في روايتهما عن ابن محبوب عن خالد بن جرير ، وإنّما يفترقان في أنّ الشيخ ذكر السائل الذي هو الواسطة بينه وبين الإمام (عليه السلام) ، والصدوق لم يذكره ، بل اقتصر على قوله : سُئل. ولا يحتمل أنّ ابن جرير سمع الجواب عن الإمام مرّة بلا وساطة ابن أبي الربيع وأُخرى بواسطته ونقله بالنحوين لابن محبوب فهو موجود في سند الحديث لا محالة ، ولا أقلّ من الاحتمال المسقط لها عن درجة الاعتبار وصلاحيّة الاستدلال لولا ثبوت وثاقة أبي الربيع الشامي.

وكيفما كان ، فالمسألة ممّا لا إشكال فيها.

نعم ، إنّ المقدار الثابت من هذه الرواية المعتبرة وممّا عرفت من الاتّفاق والتسالم هو ما ذكره في المتن من اعتبار المعلوميّة بمقدارٍ يرتفع به الغرر الذي قد يتوقّف على الكيل أو الوزن أو العدّ ، سيّما في مثل الذهب المبني أمره على التدقيق ، وأُخرى يكتفى بمجرّد المشاهدة حسب اختلاف الموارد ، فلا دليل على اعتبار المعلوميّة بعد اندفاع الغرر بشي‌ء من ذلك وإن كان مقتضى الجمود على ظاهر المعتبرة هو ذلك كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هناك جملة من الروايات قد يستفاد منها جواز الإجارة مع الجهالة ، وهي ما وردت في قبالة الأرض بخراجها الذي ربّما يزيد وربّما ينقص ، حيث حكم (عليه السلام) بالجواز الكاشف عن عدم اعتبار معلوميّة الأُجرة.

ويندفع بأنّها على طائفتين :

إحداهما : ما وردت في تقبيل الأرض بإزاء شي‌ء معيّن كمائتي درهم في السنة مشروطاً بأداء الخراج ، كصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم وربّما زاد وربّما نقص ، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة

.................................................................................................


«قال : لا بأس» (1).

وهذه كما ترى لا دلالة فيها على ما ذكر بوجه ، لوضوح أنّ جعل الخراج على المستأجر إنّما هو من باب الشرط ، وأمّا الأُجرة فهي المبلغ المعيّن أعني : مائتي درهم ولا ضير في زيادة هذا الشرط أي الخراج ونقيصته أحياناً بعد أن كانت له كمّيّة متعارفة مضبوطة غالباً. وهذا نظير إجارة الدار بأُجرة معيّنة مشروطاً بأن تكون الضريبة التي لها حدّ متعارف على المستأجر وإن كانت قد تزيد عليه بشي‌ء وقد تنقص ، فإنّ هذه الجهالة غير العائدة إلى الأُجرة غير قادحة في شي‌ء من الموردين كما لا يخفى.

الثانية : ما ورد في التقبيل لا بعنوان الإيجار ، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي بردة بن رجاء ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون : كلها وأدِّ خراجها «قال : لا بأس به إذا شاءوا أن يأخذوها أخذوها» (2).

وعدم الدلالة في هذه أوضح ، فإنّها خارجة عن محلّ الكلام ، لعدم افتراض الإجارة بتاتاً ، وإنّما هي إباحة مشروطة بأداء الخراج ، كما يكشف عنه تذييل نفي البأس بقوله : «إذا شاءوا» إلخ ، الذي هو بمثابة التعليل ، إيعازاً إلى أنّها إباحة جائزة لا إجارة لازمة فلا تقدح الجهالة.

وهناك رواية أُخرى رواها الكليني ، وكذا الكشّي في رجاله ، عن الفيض بن المختار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك ، ما تقول في أرض أتقبّلها من السلطان ثمّ أُؤاجرها أكرتي على أنّ ما أخرج اللّه منها من شي‌ء كان


1) الوسائل 19 : 57 / كتاب المزارعة ب 17 ح 1.

2) الوسائل 19 : 58 / كتاب المزارعة ب 17 ح 3 ، التهذيب 7 : 209 / 918.

الثاني : أن يكونا مقدوري التسليم (1) ، فلا تصحّ إجارة العبد الآبق ،


لي من ذلك النصف أو الثالث بعد حقّ السلطان «قال : لا بأس به ، كذلك أُعامل أكرتي» (1).

فيستفاد منها جواز الجهل بالأُجرة ، لعدم انضباط الكمّيّة التي يخرجها اللّه من الأرض.

ولكنّها مضافاً إلى ضعف سندها ب : أبي نجيح ، فإنّه مجهول قاصرة الدلالة ، لخروجها عن باب الإجارة وإن تضمّنت لفظها ، ضرورة لزوم كون الأُجرة شيئاً مملوكاً بالفعل للمستأجر ليتمكّن من تمليكها للمؤجّر إزاء تملّك المنفعة منه ، وما يستخرجه اللّه من الأرض لا وجود له الآن ليملكه المستأجر فكيف يملّكه للمؤجّر ويجعله اجرة؟! فمن المقطوع به أنّها ناظرة إلى باب المزارعة وأجنبيّة عن محلّ الكلام ، وقد ورد في أخبار باب المزارعة ما عبّر فيه بالإجارة ، لما بينهما من المشابهة في التسلط على العين والانتفاع منها.

فتحصّل : أنّه ليست لدينا رواية تدلّ على عدم قدح الجهالة في باب الإجارة ، بل أنّ معتبرة أبي الربيع دالّة على القدح حسبما عرفت.

(1) لا إشكال في اعتبار هذا الشرط في باب البيع ، لدلالة النصّ مضافاً إلى الوجوه الأُخر المذكورة في محلّها.

وأمّا في باب الإجارة فالأمر فيه أوضح بحيث ينبغي الجزم به حتى لو فرضنا إنكاره في البيع ، نظراً إلى أنّ المنفعة كسكنى الدار مثلاً لم تكن من الأُمور القارّة الباقية وإنّما هي أمر تدريجي الحصول توجد وتنصرم كنفس


1) الوسائل 19 : 52 / كتاب المزارعة ب 15 ح 3 ، الكافي 5 : 269 / 2 ، رجال الكشي : 354 / 663.

.................................................................................................


الزمان ، فهي تتلف شيئاً فشيئاً حسب مرور الزمان ، سواء استوفاها مالكها أم لا.

وعليه ، فإذا كان المالك مسيطراً عليها صحّ اعتبار ملكيته لها ، وأمّا إذا لم تكن قابلة للاستيفاء خارجاً لإباقٍ أو مرض ونحوهما فهي آناً فآناً تنعدم ، ومعه كيف يكون المالك مالكاً لهذه المنفعة التي تتلف بنفسها حتى يملّكها للآخر؟! فإنّ العقلاء لا يعتبرون الملكيّة بالإضافة إلى تلك المنافع ، فليست هي مملوكة لمالك العين فكيف يملّكها للغير بالإجارة؟! وعلى الجملة : تعذّر التسليم مانع عن صدق عنوان التمليك المتعلّق بالمنفعة المأخوذ في مفهوم الإجارة ، فلا محيص من اعتبار القدرة عليه تمهيداً لتحقّق العنوان المزبور.

وهكذا الحال في إجارة الأعمال ، فإنّها كما في الأموال بمناط واحد ، بل الأمر فيها أوضح كما لا يخفى ، فمن كان عاجزاً عن عمل فليس هو مسلّطاً عليه ومالكاً له حتى يملّكه للغير.

هذا ، وقد يستدلّ للمقام بما رواه الصدوق من نهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن الغرر ، نظراً إلى أنّ استئجار متعذّر التسليم معاملة غرريّة.

ويجاب بعدم ورود الرواية هكذا لا من طرقنا ولا من طرق العامّة ، وإنّما الوارد نهيه (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر ، ويحتاج التعدّي من البيع إلى غيره إلى الدليل.

أقول : أمّا حديث نهيه (صلّى اللّه عليه وآله) عن بيع الغرر فقد ورد من طرقنا ومن طرق العامّة ، حيث رووه في أكثر الصحاح وغيرها ، كما أنّ الصدوق رواه بأسانيد غير أنّها بأجمعها ضعاف كما مرّت الإشارة إليه ، فيبتني التصحيح على القول بانجبار الضعيف بعمل المشهور ، وحيث إنّ الأظهر عدم الجبر

.................................................................................................


فيحتاج إثبات الحكم حتى في البيع إلى التمسّك بدليل آخر ، وقد مرّت الإشارة إليه قريباً (1).

وأمّا حديث نهيه (صلّى اللّه عليه وآله) عن الغرر الذي ذكره الشهيد وكذا الشيخ في الخلاف في كتاب الشركة (2)فيمكن أن يكون نظرهما في ذلك إلى روايتين :

إحداهما : وردت من طرق العامّة ، وهي التي رواها أحمد في مسنده (3)من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن بيع السمك في الماء لأنّه غرر.

حيث يظهر من التعليل أنّ النهي قد تعلّق بالغرر على سبيل الإطلاق ، وأنّ التطبيق على البيع من باب تطبيق الكبرى على الصغرى ، فيصحّ أن يقال : إنّه (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن الغرر مطلقاً وإن كان مورده هو البيع.

والثانية : وردت من طرقنا ، وهي التي رواها الصدوق في معاني الأخبار بإسناد متّصل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه نهى عن المنابذة والملامسة وبيع الحصاة إلى أن قال : وهذه بيوع كان أهل الجاهليّة يتبايعونها فنهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عنها لأنّها غرر كلّها (4).

لدلالة التعليل عليه بالتقريب المتقدّم.

وعلى الجملة : فتصحّ مقالة الشهيد من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) نهى عن الغرر استناداً إلى هاتين الروايتين ، غير أنّ سنديهما ضعيف فلا يمكن التعويل


1) في ص 27 - 28.

2) غاية المراد 2 : 355 ، الخلاف 3 : 330.

3) مسند أحمد 1 : 388.

4) الوسائل 17 : 358 / أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 13 ولها ذيل يدلّ على المطلوب أيضاً مذكور في ص 352 ب 10 ح 2 ، معاني الأخبار : 278.

.................................................................................................


على شي‌ء منهما. والعمدة في الاستدلال ما عرفت.

هذا كلّه في متعذّر التسليم المقطوع به.

وأمّا المشكوك فيه : فإن وقعت الإجارة مطلقة من غير تقييد بالقدرة على الاستيفاء خارجاً فلا ينبغي الشكّ في فسادها حينئذٍ ، إذ ما لم تثبت القدرة على التسليم لم ينتزع عنوان الملكيّة بالإضافة إلى المنفعة الواقعة في حيّز الإجارة حسبما تقدّم فطبعاً يكون مورد الإجارة مردّداً بين المال وما لا ماليّة له ، المستلزم لوقوع الأُجرة حينئذٍ بلا عوض ، وما هذا شأنه محكوم بالفساد ، لعدم إحراز المبادلة والمعاوضة المعتبرة في مفهوم الإجارة.

وأمّا تخصيص الصحّة بفرض القدرة بمعنى : أنّ الإجارة وإن أُنشئت مطلقة إلّا أنّ صحّتها مراعى بإمكان الاستيفاء فإن تمكّن من استيفاء المنفعة خارجاً صحّت وإلّا فلا فهو وإن كان ممكناً ثبوتاً إلّا أنّ الدليل على الصحّة قاصر إثباتاً ، نظراً إلى أنّ أدلّة النفوذ والإمضاء تتبع كيفيّة الإنشاء سعةً وضيقاً بمناط تبعيّة العقود للقصود ، والمفروض في المقام تعلّق الإنشاء بالإجارة على صفة الإطلاق ومن غير تقييد بالقدرة ، فما قصده المتعاملان غير قابل للإمضاء والنفوذ ، وما هو قابل غير مقصود. فلا مناص من الالتزام حينئذٍ بالفساد حسبما عرفت.

وإن وقعت مقيّدة بالقدرة على التسليم فقال مثلاً - : آجرتك هذا إن أمكن حصول المنفعة خارجاً ، فقد يقال حينئذٍ بالفساد من وجهين :

أحدهما : أنّه غرر ، حيث لم يعلم وجود المنفعة خارجاً.

وفيه : أنّ الغرر هو الخطر لا مجرد الجهل ، ولا خطر في المقام بوجه ، لاستلام المنفعة على تقدير حصولها واسترداد الأُجرة على التقدير الآخر ، فلا مخاطرة بتاتاً ، غايته الجهل ولا دليل على قدحه ، بل لا يبعد صحّة ذلك في البيع أيضاً.

وفي كفاية ضمّ الضميمة هنا كما في البيع إشكال (1).


فلو كان الموكّل شاكّاً في بيع الوكيل فباع ماله على تقدير عدم خروجه عن ملكه ببيع الوكيل صحّ فيما لو انكشف عدم البيع.

ثانيهما : من جهة التعليق المجمع على بطلانه في العقود وإن حصل المعلّق عليه خارجاً.

ويندفع بأنّ مورد الإجماع إنّما هو التعليق على أمر أجنبي عن العقد أو الإيقاع كنزول المطر والقدوم من السفر ، أمّا التعليق على ما يتوقّف عليه العقد سواء علّق أم لم يعلّق كقوله : بعتك هذا إن كان ملكي ، أو أنت طالق إن كنت زوجتي فلا يكون مثله قادحاً.

والمقام من هذا القبيل ، لما عرفت من دخل القدرة على التسليم في تحقّق الملكيّة ، فمرجع التعليق في المقام إلى قوله : آجرتك إن كانت المنفعة ملكاً لي ، فلا يضرّ مثل هذا التعليق.

والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الدخيل في الصحّة إنّما هو واقع القدرة على التسليم لا إحرازها ، فلا مانع من الإجارة في صورة الشكّ لو صادفت حصول القدرة خارجاً.

(1) نظراً إلى اختصاص دليل الكفاية وهو موثّق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله «قال : لا يصح إلّا أن يشتري معه شيئاً آخر ، ويقول : أشتري منك هذا الشي‌ء وعبدك بكذا وكذا ، فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه» (1)بالبيع.


1) الوسائل 17 : 353 / أبواب عقد البيع ب 11 ح 2.

الثالث : أن يكونا مملوكين ، فلا تصحّ إجارة مال الغير (1) ولا الإجارة بمال الغير إلّا مع الإجازة من المالك.

الرابع : أن تكون العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقائها ، فلا تصحّ إجارة الخبز للأكل مثلاً - (2) ولا الحطب للإشعال ، وهكذا.


وليس قوله (عليه السلام) : «فان لم يقدر» إلخ ، تعليلاً ليتعدّى إلى غيره ، وإنّما هو تفريع محض مترتّب على تقدير عدم القدرة على العبد ، فهو بيان لحكم تعذّر الآبق لا لعلّة الحكم ومناطه ، وبما أنّ الحكم مخالف للقاعدة لتعلّق الإنشاء بوقوع الثمن بإزاء المجموع فتخصيصه في فرض عدم القدرة بالبعض تعبّد محض ، فلا جرم يقتصر على مورد قيام النصّ وهو بيع العبد الآبق ، فلا يتعدّى إلى بيع غيره كالفرس الشارد فضلاً عن التعدّي إلى غير البيع كالإجارة ، للزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على مورد الدليل.

(1) هذا واضح ، وذلك لعدم المقتضي للصحّة أوّلاً ، ضرورة أنّ كلّ أحد مخاطب بوجوب الوفاء بالعقد الواقع على مال نفسه أو بمال نفسه لا مال الغير ، فلا نفوذ بالإضافة إليه لا من ناحية العقلاء ولا الشارع.

ولوجود المانع ثانياً ، وهو ما دلّ على المنع من التصرّف في مال الغير وعدم حلّيّته إلّا بإذنه.

وأمّا صحّة هذه الإجارة الفضوليّة بإجازة المالك أو إذنه السابق ووقوعها له فهو أمر آخر ، وسيجي‌ء منه التعرّض له فيما بعد إن شاء اللّه تعالى (1).

(2) أو الماء للشرب ، أو الدرهم للصرف ، ونحو ذلك ممّا يتوقّف الانتفاع


1) في ص 46 - 48.

الخامس : أن تكون المنفعة مباحة (1) ، فلا تصحّ إجارة المساكن لإحراز المحرّمات ، أو الدكاكين لبيعها ، أو الدوابّ لحملها ، أو الجارية للغناء ، أو العبد لكتابة الكفر ، ونحو ذلك ، وتحرم الأُجرة عليها.


على إعدام العين وإفنائها ، لخروج ذلك عن حقيقة الإجارة ، لما تقدّم من تقوّم مفهومها بتمليك المنفعة المنوط بإبقاء العين والمحافظة عليها لكي تستوفى منها المنافع ، التي هي حيثيّات وشؤون للعين تدريجاً ، ومن الواضح أنّ مثل الخبز فاقد لهذا الشأن ، فإنّ أكله إتلافه لا أنّه استيفاء شأن من شؤونه. ففي الحقيقة يعدّ هذا الأمر من مقوّمات الإجارة لا من شرائطها.

(1) فلا تتعلّق الإجارة بالمنافع المحرّمة كالأمثلة المذكورة في المتن. ويستدلّ لهذا الاشتراط :

تارةً : بما ذكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) من أنّ المنفعة المحرّمة غير مملوكة ، فلا يملكها مالك العين حتى يملّكها بالإجارة المتقوّمة بتمليك المنفعة وتملّكها. قال (قدس سره) في تعليقته الأنيقة ما لفظه : إنّ اشتراط مملوكيّة المنفعة يغني عن هذا الشرط ، فإنّ المنفعة المحرّمة غير مملوكة (1).

فالملكيّة حسب الاعتبار الشرعي تختصّ بالمنافع المحلّلة التي يمكن أن يستوفيها المالك بنفسه فيملّكها للغير بالإيجار ، دون المحرّمة التي لا سلطنة له عليها ، ومن ثمّ كان اشتراط الملكيّة مغنياً عن هذا الشرط.

ويندفع : بأنّ هذا إنّما يتّجه بالإضافة إلى إجارة الأعمال ، فلو آجر نفسه لعمل محرّم من قتل أو ضرب أو كذب أو نقل الخمر من مكان إلى آخر ونحو


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 11 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


ذلك من المحرّمات الإلهيّة لم يصحّ ، نظراً إلى عدم السلطنة له على هذه الأعمال بعد النهي الشرعي ، فلا تعتبر ملكيّته لما هو ممنوع عنه ، ولم يكن تحت اختياره ، فليس له إذن التمليك للغير كما أفاده (قدس سره).

وأمّا بالنسبة إلى إجارة الأعيان فكلّا ، إذ المحرّم إنّما هو فعل المستأجر من إحراز المسكر أو بيع الخمر ونحو ذلك ، لا الحيثيّة القائمة بالمال التي هي مناط صحّة الإيجار حسبما مرّ.

حيث قد عرفت عند التكلّم حول مفهوم الإجارة أنّ العين المستأجرة كالدار للسكنى تتضمّن حيثيّتين : إحداهما قائمة بالعين وهي قابليتها للانتفاع وكونها معرضاً للسكنى ، أي حيثيّة المسكونيّة. والأُخرى قائمة بالمستأجر ومن إعراضه ، وهي حيثيّة الساكنيّة. ومناط صحّة الإجارة إنّما هي الحيثيّة الأُولى التي هي ملك للمؤجّر وتحت اختياره وسلطانه ، دون الثانية التي هي من أفعال المستأجر وليست مملوكة للمؤجّر حتى يملكها المستأجر.

ومن الواضح أنّ المحكوم بالحرمة إنّما هي الثانية دون الأُولى ، فإنّ الحرام هو إحراز الخمر أو بيعه أو حمله على الدابّة ونحو ذلك ممّا هو فعل المستأجر ، لا قابليّة الدار أو الدكّان أو الدابّة لهذه الأُمور ، فإنّ هذه القابليّة المملوكة لمالك العين نسبتها إلى المحلّلات والمحرّمات على حدٍّ سواء في عدم معنى محصّل لاتّصافها بالحرمة ، فما هو قابل للتحريم غير مملوك للمؤجّر ، وما هو مملوك له غير قابل للتحريم.

وعليه ، فلا يغني اشتراط الملكيّة عن هذا الشرط بالنسبة إلى المنافع وإن تمّ ذلك بالإضافة إلى الأعمال حسبما عرفت.

وممّا يرشدك إلى أنّ تلك القابليّة مملوكة حتى فيما لو صرفت في الحرام أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ من غصب داراً فأحرز فيها الخمر ، أو دكّاناً فباعها فيه ،

.................................................................................................


أو دابّة فحملها عليها من مكان إلى آخر ، فإنّه يضمن لمالك العين اجرة المثل ، لما استوفاها من المنافع جزماً ، ولا سبيل إلى القول بعدم الضمان بدعوى عدم ماليّتها بعد كونها محرّمة.

وهذا بخلاف ما لو أجبر حرّا على عمل محرّم من كذب أو ضرب أو حمل الخمر ونحو ذلك ، فإنّه لا يضمن هذه المنافع ، إذ الحرام لا ماليّة له في شريعة الإسلام ، فلا يكون الحرّ مالكاً لذاك العمل حتى يكون الغاصب ضامناً لما أتلفه.

ويستدلّ له اخرى بعدم القدرة على التسليم بعد أن كان الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً ، وقد تقدّم أنّ القدرة عليه من شرائط الصحّة.

وفيه : ما تقدّم من أنّ القدرة المزبورة لم تكن شرطاً بعنوانها ، وإنّما اعتبرت بمناط أنّ المنفعة التي يتعذّر تسليمها بما أنّها تنعدم وتتلف شيئاً فشيئاً فلا يمكن انتزاع عنوان الملكيّة بالإضافة إليها لكي تقع مورداً للإجارة المتقوّمة بالتمليك للغير. ومن الضروري أنّ المنع الشرعي لا يستوجب سلب اعتبار الملكيّة بالإضافة إلى تلك المنفعة القائمة بالعين ، فهي بهذه الحيثيّة التي هي مناط صحّة الإجارة كما مرّ مملوكة للمالك وإن حرم عليه تسليمها ، لعدم التنافي بين المملوكيّة وبين الحرمة الشرعيّة ، ولذا ذكرنا أنّ الغاصب لو انتفع من العين تلك المنفعة المحرّمة كما لو حمّل الدابّة المغصوبة خمراً ضمن للمالك مقدار اجرة المثل.

وبالجملة : الممنوع شرعاً إنّما يكون كالممتنع عقلاً بالإضافة إلى تسليم المنفعة المحرّمة لا إلى ملكيّتها ، لعدم المضادّة بين ممنوعيّة التسليم شرعاً وبين الملكيّة. وهذا بخلاف ممنوعيّته تكويناً وعدم القدرة عليه عقلاً ، فإنّه منافٍ لاعتبار الملكيّة وقتئذٍ كما عرفت.

.................................................................................................


والصحيح في وجه الاشتراط أن يقال : إنّ أدلّة صحّة العقود ووجوب الوفاء بها قاصرة عن الشمول للمقام ، إذ لا يراد من صحّة العقد مجرّد الحكم بالملكيّة ، بل التي تستتبع الوفاء ويترتّب عليها الأثر من التسليم والتسلّم الخارجي ، فإذا كان الوفاء محرّماً والتسليم ممنوعاً فأيّ معنى بعد هذا للحكم بالصحّة؟! أفهل تعاقدا على أنّ المنفعة تتلف بنفسها من غير أن يستوفيها المستأجر ، أم هل ترى جواز الحكم بملكيّة منفعة لا بدّ من تفويتها وإعدامها وليس للمؤجّر تسليمها للمستأجر لينتفع بها؟!

وعلى الجملة : صحّة العقد ملازمة للوفاء بمقتضى قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم بطبيعة الحال ، فأدلّة الوفاء ونفوذ العقود لا تعمّ المقام ، ومعه لا مناص من الحكم بالبطلان.

هذا ما تقتضيه القاعدة.

ويدلّ عليه من الروايات : ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد المؤمن ، عن صابر (جابر) ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه (فيها) الخمر «قال : حرام أجره» (2).

أمّا من حيث السند فالظاهر أنّها معتبرة ، إذ المذكور في الوسائل وإن كان «صابر» ولم يوثّق ، ولكن المذكور في موضع من التهذيب مع لفظة «صابر» كلمة «جابر» بعنوان النسخة ، وهو جابر الجعفي الذي أدرك الصادق (عليه السلام) ، لا جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، فإنّه لم يدركه (عليه السلام) والأوّل هو جابر ابن يزيد الجعفي الذي هو ثقة ومن أصحاب الصادق (عليه السلام) وله عنه


1) المائدة 5 : 1.

2) الوسائل 17 : 174 / أبواب ما يكتسب به ب 39 ح 1 ، الكافي 5 : 227 / 8 ، التهذيب 7 : 134 / 593 و 6 : 371 / 1077 ، الاستبصار 3 : 55 / 179.

.................................................................................................


(عليه السلام) روايات.

والمذكور في موضع آخر من التهذيب والاستبصار وكذا الكافي هو «جابر» من دون ضمّ «صابر» حتى بعنوان النسخة. فمن ثمّ يُطمأنّ أنّ الراوي إنّما هو جابر ، وأنّ كلمة «صابر» غلط من النسّاخ ، ولعلّهم لم يقدروا على قراءة الكلمة فضبطوها بالكيفيّتين.

وكيفما كان ، فلا شكّ أنّ الكافي أضبط سيّما مع اعتضاده بالاستبصار وبموضع آخر من التهذيب ، ولا ندري لماذا اقتصر

في الوسائل على ضبط «صابر»؟! وكان ينبغي عليه ضمّ جابر ولو بعنوان النسخة ، ولعلّها مذكورة في بعض نسخها الأُخر.

وعلى أيّ تقدير فالسند معتبر.

وأمّا الدلالة : فقد رويت في الكافي والاستبصار وموضع من التهذيب هكذا : يؤاجر بيته يباع فيه الخمر. الظاهر في وقوع الإجارة لهذه الغاية وبعنوان المنفعة المحرّمة ، وقد دلّت على الحرمة الملازمة للبطلان ، فتكون حينئذٍ مطابقة لمقتضى القاعدة حسبما عرفت.

ولكنّها رويت في موضع آخر من التهذيب كما في الوسائل بلفظة : فيباع ، إلخ ، مع «الفاء» الظاهر في أنّ بيع الخمر أمر اتّفاقي ، لا أنّ الإجارة وقعت عليه.

ولا إشكال في الصحّة حينئذٍ كما نطقت به صحيحة ابن أُذينة ، قال : كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابّته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير «قال : لا بأس» (1).

فيكون حال ذلك حال بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً ، الذي


1) الوسائل 17 : 174 / أبواب ما يكتسب به ب 39 ح 2.

السادس : أن تكون العين ممّا يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها (1) ، فلا تصلح إجارة أرض للزراعة إذا لم يمكن إيصال الماء إليها مع عدم إمكان الزراعة بماء السماء أو عدم كفايته.

السابع : أن يتمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة ، فلا تصحّ إجارة الحائض لكنس المسجد مثلاً (2).


لا إشكال في جوازه بمقتضى القاعدة المعتضدة بالنصّ والفتوى.

لكن النسخة الأُولى المطابقة للكافي أرجح ، لأنّها أضبط ، فتتمّ الدلالة كالسند. ومن الواضح جدّاً عدم خصوصيّة للخمر ولا للبيع ، فيستفاد منها بطلان الإجارة أيضاً لمطلق المنافع المحرّمة ، فلاحظ.

(1) لعدم تعلّق الملكيّة بمنفعة غير قابلة للتحقّق خارجاً حتى تقع مورداً للتمليك المعتبر في مفهوم الإجارة ، ففي الحقيقة يعدّ هذا من مقوّمات الإجارة لا من شرائطها.

(2) أي في زمان حيضها.

وفي تعليقة شيخنا الأُستاذ (قدس سره) : أنّ هذا المثال قد خرج باشتراط مملوكيّة المنفعة وإباحتها (1).

وفيه : أنّ الكنس بما هو لا حرمة فيه ، وإنّما الحرام مقدّمته وهو المكث المتوقّف عليه الكنس ، ومن الضروري انّ حرمة المقدّمة لا تسري إلى ذيها ، وإن وقع الكلام في عكسه وأنّ حرمة ذي المقدّمة هل تستوجب تحريم المقدّمة أو لا ، أو أنّ فيه تفصيلاً حسبما هو مذكور في محلّه؟ فالكنس في نفسه منفعة


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 11 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


محلّلة مملوكة ، ومن ثمّ لو أُجبرت الحائض عليه ضَمِنَ المكرِه اجرة المثل بلا إشكال ، لأنّه استوفى منها عملاً محترماً وإن حرمت مقدّمته ، فلو كان حراماً في نفسه لم يكن ضامناً ، لعدم ضمان الأعمال المحرّمة كما سبق.

وبالجملة : فالشرط السابق أعني الإباحة أو المملوكيّة لا يكاد يغني عن هذا الشرط ، لعدم رجوعه إليه بوجه.

وقد يقال في وجه اعتبار هذا الشرط : إنّ عدم التمكّن من الانتفاع لمانع شرعي كالحيض يجعل المنفعة متعذّرة التسليم ، إذ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، وقد تقدّم اعتبار القدرة على التسليم في صحّة الإجارة التي لا فرق فيها بين القدرة التكوينيّة والتشريعيّة.

ويندفع : بأنّ هذا إنّما يتّجه لو كانت القدرة على التسليم بعنوانها شرطاً ، وليس كذلك ، بل المستند فيه : إمّا الغرر كما عن غير واحد حسبما مرّ ، أو ما ذكرناه من أنّ المنافع إذا كانت متعذّرة التسليم وهي تتلف شيئاً فشيئاً فالعقلاء لا يعتبرون الملكيّة بالإضافة إليها كي يصحّ تمليكها بالإجارة. وشي‌ء من الوجهين غير جارٍ في المقام :

أمّا الغرر : فواضح ، لجواز فرض الحائض غير مبالية بأمر الدين ، فأيّ غرر بعد عدم امتناعها من دخول المسجد؟! وأمّا تلف المنافع شيئاً فشيئاً : فهو مختصّ بالتعذّر التكويني ولا يجري في التشريعي. فلو فرضناها غير مبالية بالدين فدخلت المسجد وكنست فلما ذا لا تكون هذه المنفعة مملوكة بعد أن كانت محلّلة ومقدورة التسليم تكويناً؟! وهذا المقدار كافٍ في صحّة الإجارة. إذن فلا بدّ في الحكم بالبطلان من التماس دليل آخر.

والصحيح في وجه هذا الاشتراط ما تقدّم في نظيره في الشرط الخامس من

.................................................................................................


عدم قبول هذه المعاملة للإمضاء بالأدلّة العامّة ، لأنّها إن كانت ممضاة على النحو الذي أُنشئت أي بصفة الإطلاق المستلزم لتجويز دخول الحائض المسجد لزم منه الترخيص في المعصية وفاءً بالعقد. وهو كما ترى.

وإن كان الإمضاء مترتّباً على الدخول فكانت الصحّة معلّقة على المعصية كما في موارد الترتّب في التكليفيّات فهذا وإن كان ممكناً في نفسه إذا ساعده الدليل في مورد كما في بيع الصرف والسلف حيث خصّ الشارع الصحّة بصورة القبض خاصّة وإن كانت المعاملة مطلقة ، إلّا أنّ الكلام في الإمضاء المستند إلى الإطلاقات والأدلّة العامّة ، مثل ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)ونحو ذلك ممّا وردت بعنوان الإمضاء لا التأسيس ، فهي تدلّ على إمضاء المعاملة على النهج الذي وقعت عليه ، والمفروض أنّها أُنشئت بصفة الإطلاق ، فكيف تختصّ الصحّة والإمضاء بتقديرٍ دون آخر؟! فالدليل قاصر في مرحلة الإثبات.

هذا إذا كانت الإجارة مطلقة.

وأمّا إذا كان إنشاؤها معلّقاً على تقدير العصيان ودخول المسجد لزم منه التعليق المجمع على بطلانه في العقود.

والحاصل : أنّ صحّة العقد تستلزم الوفاء به ، إذ لا معنى للحكم بصحّة الإجارة في المقام ، ومع ذلك تمنع عن دخول المسجد إلى أن تتلف المنفعة شيئاً فشيئاً ، فإنّ هذا ممّا لا محصّل له ، فانتفاء اللازم يكشف طبعاً عن انتفاء الملزوم ، والحكم بالوفاء هنا مطلقاً غير ممكن ، ومقيّداً لا دليل عليه ، ومعلّقاً مبطل حسبما عرفت.


1) المائدة 5 : 1.

[3258] مسألة 1 : لا تصحّ الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرهاً عليها (1) ، إلّا مع الإجازة اللاحقة (2) ، بل الأحوط عدم الاكتفاء بها ، بل تجديد العقد إذا رضيا.


(1) لا لحديث رفع التسعة (1)التي منها : ما استكرهوا عليه ، لضعف سنده وإن وصفه شيخنا الأنصاري في الرسالة بالصحّة (2)، نظراً إلى أنّ أحمد بن محمّد ابن يحيى الذي هو شيخ الصدوق ويروي عنه لم يوثّق.

نعم ، في الخصال رواها عن محمّد بن يحيى (3)نفسه بلا وساطة ولده أحمد ، ولكن فيه سقطاً جزماً ، لعدم إمكان رواية الصدوق عنه ، فإنّ ابن يحيى هو شيخ الكليني ، والفصل بينه وبين الصدوق كثير بمثابة لا يمكن روايته عنه بلا واسطة ، فهو يروي عنه بواسطة ابنه أحمد ، وقد عرفت أنّه لم يوثق.

بل لروايات اخرى معتبرة (4)

ووجه الاعتبار : أنّ كتاب نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى الذي هو مصدر هذه الأحاديث من الكتب المعتمدة ، كما نصّ عليه صاحب الوسائل في ج 30 ص 162 / 19.

دلّت على رفع ما استكرهوا عليه ، ومقتضاها أنّ العقد الواقع عن كره لا أثر له وفي حكم العدم ، فلا جرم يحكم ببطلانه.

(2) لا ريب في لزوم حصول بعض الشرائط حال العقد كمعلوميّة العوضين ، فلا يكفي ارتفاع الجهالة بعده ، فهل الرضا أيضاً كذلك ، أو أنّه يكتفى بالإجازة


1) الوسائل 15 : 369 / أبواب جهاد النفس ب 56 ح 1.

2) فرائد الأُصول 2 : 27.

3) الخصال : 417 / 9.

4) الوسائل 23 : 237 / أبواب الأيمان ب 16 ح 3 ، 4 ، 5 ، 6.

.................................................................................................


اللاحقة؟

تبتني هذه المسألة على التكلّم في كبرى كلّيّة ، وهي أنّ صحّة الفضولي هل هي على طبق القاعدة من غير حاجة إلى قيام دليل عليها بالخصوص ، أو أنّها مخالفة لها يقتصر على مقدار قيام الدليل؟

فعلى الأوّل يحكم بالصحّة في الإجارة أيضاً ، بخلافه على الثاني ، لاختصاص الأدلّة بالبيع ، فتحتاج صحّة الإجارة إلى عقد جديد.

هذا ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ الأظهر هو الأوّل ، نظراً إلى أنّ الرضا لا يقاس بسائر الشروط ، إذ هو كما يتعلّق بالأمر الحالي كذلك يتعلّق بالاستقبالي والأمر الماضي بنمط واحد ، ولا يعتبر في صحّة العقد ما عدا وجوده وكونه عن رضا المالك ، وأمّا لزوم حصول الرضا حال صدور العقد فلم يدلّ عليه أيّ دليل.

وعليه ، فمتى تحقّق الرضا وصدرت الإجازة من المالك صحّ انتساب العقد السابق إليه فعلاً ، فيقال : إنّ زيداً باع ماله أو وهبه ، وإن كان البيع أو الهبة واقعاً في الزمن السابق ، فإذا كان العقد السابق قابلاً للانتساب إليه فعلاً فلا جرم تشمله إطلاقات أدلّة الصحة والنفوذ ووجوب الوفاء بالعقود ، فإنّها وإن لم تشمله قبل الرضا لعدم كون العقد عقده إلّا أنّه بعد لحوق الرضا الموجب لصحّة الإسناد والانتساب يندرج تحت الإطلاق بطبيعة الحال ، فيحكم بصحّته من دون فرق بين موارده من البيع أو الإجارة ونحوهما ، لاتّحاد المناط في الكلّ ، فمن ثمّ كانت صحّة العقد الفضولي مطابقة لمقتضى القاعدة كما فصّلنا البحث حوله بنطاق واسع في مبحث العقد الفضولي من كتاب البيع (1).

وكما يجري هذا في العقد الصادر من الغير أعني : الفضولي فكذا يجري في العقد الصادر من نفس المالك إذا كان فاقداً للرضا لإكراهٍ من الغير وتوعيده ،


1) مصباح الفقاهة 2 : 607.

نعم ، تصحّ مع الاضطرار (1) كما إذا طلب منه ظالم مالاً فاضطرّ إلى إجارة دار سكناه لذلك فإنّها تصحّ حينئذٍ ، كما أنّه إذا اضطرّ إلى بيعها صحّ.

[3259] مسألة 2 : لا تصحّ إجارة المفلس بعد الحجر عليه (2) داره أو عقاره. نعم ، تصحّ إجارته نفسه لعمل أو خدمة ،


فما دام مكرهاً لا أثر له ، ومتى ارتفع الإكراه وانقلب إلى الرضا صحّ إسناد العقد السابق إليه فتشمله الإطلاقات.

(1) سواء أكان اضطراراً محضاً مستنداً إلى قضاء اللّه تعالى ، كما لو ألجأته الضرورة إلى إجارة الدار وصرف الأُجرة في معالجة مريضه مثلاً أم كان الاضطرار مستنداً إلى إكراه الغير وإجباره في دفع مقدار معيّن من المال لا يسعه تحصيله إلّا بإيجار الدار.

فإنّ التمسّك بحديث رفع الإكراه لا موقع له حينئذٍ ، أمّا في الفرض الأوّل فواضح ، وكذا الثاني ، إذ لم يتعلّق الإكراه بنفس العقد لكي يرتفع أثره ويحكم بفساده ، بل بأمر آخر وهو مطالبة المبلغ الكذائي. وأمّا الإجارة فقد صدرت طوع رغبته واختياره لكي يتوصّل بتسليم الأُجرة إلى دفع شرّ الظالم وتوعيده.

وأمّا التمسّك بحديث رفع الاضطرار فهو أيضاً لا موقع له ، فإنّ عقد الإيجار وإن كان مورداً للاضطرار إلّا أنّ شمول الحديث له مخالف للامتنان ، للزوم الوقوع في الضيق لو حكم بفساد العقد وعدم ترتّب أثر عليه ، وإنّما يرتفع به الأثر الموافق رفعه للامتنان كما لو اضطرّ إلى الكذب أو شرب النجس ونحو ذلك فيحكم بجوازه حينئذٍ وارتفاع حرمته.

(2) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المفلس محجور بالنسبة إلى أمواله الموجودة حال الحكم عليه بالحجر ، فليس له التصرّف فيها ببيعٍ أو إجارة

.................................................................................................


ونحوهما ، بل المسألة إجماعيّة ، ويستفاد ذلك من بعض الروايات أيضاً.

وأمّا الأموال التي يكتسبها بعد الحكم عليه بالتفليس ففي محجوريّته عنها لكونها أيضاً مورداً لحقّ الغرماء وعدمها خلافٌ وإشكال ، ولسنا الآن بصدد البحث عن ذلك.

وإنّما الكلام في إجارته نفسه لعمل أو خدمة وأنّها هل هي محكومة بالصحّة ، أو أنّ إجارته بالنسبة إلى الأعمال تلحق بإجارة الأموال في المحجوريّة والتوقّف على إجازة الغرماء حيث إنّها أيضاً مال يبذل بإزائها مال كنفس الأموال الخارجيّة؟ فيه خلاف وإشكال.

والمعروف والمشهور هو الأوّل ، وهو الصحيح ، نظراً إلى اختصاص تعلّق الحجر بما يعدّ مالاً له وهي أمواله الخارجيّة ، وأمّا الأعمال فهي وإن كانت متّصفة بالماليّة ومن ثمّ يبذل بإزائها المال كما ذكر إلّا أنّها لا تعدّ مالاً له ولا يعدّ هو مالكاً لها بالفعل. ومن هنا حكموا بأنّ من حبس حرّا ولا سيّما إذا لم يكن كسوباً لم يكن ضامناً لأعماله باعتبار أنّها ليست مملوكة له بالفعل ليكون قد أتلفها بحبسه.

والظاهر إطباق الفقهاء على عدم صدق المستطيع على من لم يكن له مال بالفعل وإن كان متمكّناً من تحصيله بإجارة نفسه ، فلو كانت أعماله أموالاً له بالفعل وهو مالك لها فكيف لا يكون مستطيعاً؟! فإنّ من الواضح أنّه لا يعتبر في صدق الاستطاعة أن يكون مالكاً للدرهم والدينار ، بل تكفي ملكيّته لمالٍ يستطيع معه من الزاد والراحلة ، والحرّ القادر على الإيجار قادرٌ عليه ، مع أنّ ذلك لا يجب عليه قطعاً كما عرفت ، لكونه من تحصيل الاستطاعة غير الواجب عليه بالضرورة.

وعليه ، فتعلّق الحجر بالأموال لا يستدعي تعلّقه بالأعمال ، لعدم احتسابها

.................................................................................................


مالاً له ، وليس هو مالكاً لها في اعتبار العقلاء وإن كانت هي في نفسها مالاً يبذل بإزائه المال.

ونظير ذلك بيع شي‌ء كمَنّ من الحنطة في ذمّته ، فإنّ هذا وإن كان مالاً عرفاً ، ومن ثمّ صحّ تمليكه إلى الغير ويدفع بإزائه المال بلا إشكال ، ولكن لا يعدّ ذلك مالاً له ، ولا يصدق عرفاً أنّه مالك لما في ذمّته ، فإنّ الذي يعتبر في صحّة البيع أن يكون المبيع مالاً ، وأن يكون أمره بيده ، وأمّا كونه مالكاً له فغير معتبر في الصحّة.

وعلى الجملة : فإجارة الأعمال من قبيل بيع ما في الذمّة ، فإنّ كلّاً من العمل وما في الذمّة مالٌ عرفاً ومع ذلك لا يعدّان مالاً له ، ولا يعتبر هو مالكاً لهما قطعاً وإن كانت له السلطنة المطلقة عليهما. إذن فدليل حجر المفلس لأمواله لا يعمّ أعماله بوجه.

نعم ، قد يقال باستفادة حجر الأعمال كالأموال ومشاركتهما في تعلّق حقّ الغرماء من موثّقة السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه (عليه السلام) «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يحبس في الدين ، ثمّ ينظر : فإن كان له مال أعطى الغرماء ، وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم : اصنعوا به ما شئتم ، إن شئتم وأجروه ، وإن شئتم استعملوه» (1).

وفيه أوّلاً : أنّها معارضة بمعتبرة غياث بن إبراهيم ، عن جعفر ، عن أبيه «إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يحبس في الدين ، فإذا تبيّن له حاجة وإفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالاً» (2). وكأنّه عملاً بقوله تعالى ( فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) (3).


1) الوسائل 18 : 418 / كتاب الحجر ب 7 ح 3.

2) الوسائل 18 : 418 / كتاب الحجر ب 7 ح 1.

3) البقرة 2 : 280.

وأمّا السفيه فهل هو كذلك (1) أي تصحّ إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجوراً عن إجارة داره مثلاً أو لا؟ وجهان (1): من كونه من التصرّف المالي وهو محجور ، ومن أنّه ليس تصرّفاً في ماله الموجود ، بل هو تحصيل للمال ، ولا تعدّ منافعه من أمواله خصوصاً إذا لم يكن كسوباً ،


وثانياً : أنّها أجنبيّة عن التفليس الذي هو محلّ الكلام ، إذ لم يذكر فيها الحكم بالحجر ، بل قد فرض أنّه لا مال له ، فلتحمل بعد وضوح وجوب إنظار المعسر على مدين يتمكّن من الاكتساب بإجارة نفسه وهو مناسب لشأنه ويطالبه الدائن ، فإنّه يجب عليه وقتئذٍ إجارة نفسه تمهيداً لأداء دينه ، ولو امتنع أجبره الحاكم ، فالحكم مطابق للقاعدة. وأين هذا من المفلس الذي حكم على أمواله بالحجر ، وأنّه يمنع من التصرّف في الأعمال كما هو ممنوع عن الأموال؟! فإنّ الرواية أجنبيّة عن ذلك بالكلّيّة.

إذن فما ذكره الماتن وغيره من الفقهاء من اختصاص حجر المفلس بالأموال وعدم السراية إلى الأعمال هو الصحيح ، فلو آجر نفسه صحّت إجارته وإن كان في استقلاله في التصرّف في الأُجرة أو كونه منوطاً بإجازة الغرماء بحثٌ موكول إلى محلّه ، لخروجه عمّا نحن بصدده حسبما عرفت.

(1) لا خلاف كما لا إشكال في محجوريّة السفيه بالنسبة إلى تصرّفاته الماليّة كما يقتضيه قوله تعالى ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) (2)، وكذا جملة من الروايات.


1) (*) لا يبعد أن يكون الوجه الأوّل هو الأوجه.

2) النساء 4 : 6.

.................................................................................................


وهل الحال كذلك بالنسبة إلى إعماله فليس له أن يؤاجر نفسه بغير إذن الولي حتى مع دفع الأُجرة إلى وليّه ، أو أنّ الإجارة صحيحة ولا يعمّ الحجر عمله وإن لزم دفع المال إلى وليّه؟

ذكر الماتن (قدس سره) أنّ فيه وجهين ولم يرجّح أحدهما على الآخر ، والأظهر هو الأوّل ، فهو محجور عن الأعمال كالأموال على خلاف ما عرفته في المفلس ، نظراً إلى أنّ العمل وإن لم يصدق عليه أنّه مالٌ له في شي‌ء من الموردين حسبما بيّناه إلّا أنّ الفرق أنّ المنع من التصرّف في المفلس لم ينشأ عن قصور في الفاعل وإنّما استند إلى حكم الحاكم عليه بالتفليس رعايةً لحقّ الغرماء ، الذي عرفت اختصاص تعلّقه بالأموال وعدم السراية إلى الأعمال.

وأمّا السفيه فمحجوريّته نشأت عن قصور في ذاته من أجل سفاهته وخفّة عقله وضعف إدراكه ، الموجب لتلف المال وتبذيره وصرفه في غير محلّه جهلاً منه بالمصلحة والمفسدة ، فربّما يبيع ما يسوي خمسين بدرهم واحد ، وهذه العلّة كما ترى تشترك فيها الأموال والأعمال ، إذ كما يبيع ماله على النحو الذي ذكر كذلك ربّما يؤاجر نفسه بإزاء درهم لعمل اجرة مثله خمسون درهماً ، فلا فرق بين المال والعمل في العلّة المقتضية للحجر ، وكما أنّ حفظ مصالحه في أمواله أمواله يستدعي نصب الولي فكذا في أعماله بمناط واحد.

وتدلّنا عليه مضافاً إلى العلم بملاك جعل الولاية عليه في الأموال وجريانه في الأعمال حسبما عرفت جملة من الروايات الظاهرة بمقتضى الإطلاق في عدم الفرق في المحجوريّة بين ماله وعمله :

منها : معتبرة أبي الحسين الخادم بيّاع اللؤلؤ ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره إلى أن قال : «إذا بلغ وكتب عليه الشي‌ء (ونبت عليه الشعر) جاز عليه

ومن هنا يظهر النظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها (1) بدعوى أنّ منفعة البضع مال ، فإنّه أيضاً محلّ إشكال (1)


أمره إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» (2).

وقد تقدّم في ص 22 أنّ المراد بالخادم هو آدم بن المتوكّل الذي هو ثقة وليس بمجهول. وقد دلّت بوضوح على أنّ البالغ إذا كان سفيهاً لا يجوز أمره ، الشامل بمقتضى الإطلاق الأمر المتعلّق بالأموال والأعمال ، فإنّ كلّاً منهما يعدّ أمراً له.

ومنها : معتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّ وجلّ ( حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) «قال : الاحتلام» قال : فقال : يحتلم في ستّ عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها «فقال : لا ، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيِّئات ، وجاز أمره ، إلّا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً» إلخ (3).

فإنّ جواز الأمر مطلق يشمل المال والعمل كما مرّ. ونحوهما غيرهما.

(1) ينبغي (4)أنّ يعدّ هذا من غرائب ما صدر منه (قدس سره) مع تضلّعه


1) (*) لا وجه للإشكال بعد ورود النصّ على عدم الجواز.

2) الوسائل 18 : 412 / كتاب الحجر ب 2 ح 5.

3) الوسائل 19 : 363 / كتاب الوصايا ب 44 ح 8 ، والآية من الأحقاف 46 : 15.

4) لا يبعد أن يكون إشكال الماتن في الدليل الذي ذكره ذلك البعض من كون منفعة البضع مالاً لا في المدّعى ، كيف؟! وقد أفتى هو (قدس سره) بنفسه بحجر السفيه عن النكاح وتوقّفه على إجازة الولي في مسألة 14 من فصل العقد وأحكامه من كتاب النكاح ، فلاحظ.

.................................................................................................


وكثرة اطّلاعه على الروايات ، إذ لو فرضنا أنّ القاعدة اقتضت اختصاص محجوريّة السفيه بأمواله فقط دون أعماله وبنينا مثلاً على صحّة إجارته نفسه ، إلّا أنّ خصوص النكاح مستثنى من تلك الأعمال وخارج عن مقتضى القاعدة ، من أجل ورود النصّ الخاصّ فيه ، وهو روايتان :

إحداهما : صحيحة الفضلاء لصحّة طريق الصدوق إلى بعض هؤلاء عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : المرأة التي قد ملّكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير وليّ جائز» (1).

حيث تضمّنت تقييد المرأة التي ملّكت نفسها بكونها غير سفيهة.

وقد ذكرنا في بحث الأُصول (2): أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح أعني : الانتفاء عند الانتفاء كما في مفهوم الشرط لكن لا مناص من الإذعان بدلالته على عدم اشتراك الفاقد للقيد مع الواجد في الحكم المترتّب عليه ، بحيث يكون موضوع الحكم هو الطبيعي الجامع بينهما ، وإلّا لأصبح ذكر القيد لغواً محضاً ، فلو كانت السفيهة مشاركة مع غيرها في استقلالها في التزويج لكان التقييد بغير السفيهة في الصحيحة من اللغو الظاهر. فلا جرم يستفاد منها اختصاص الحكم بغير السفيهة ، أمّا هي فتحتاج في نكاحها إلى إجازة الولي.

ثانيتهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إسماعيل الميثمي ، عن فضالة ابن أيّوب ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت فإنّ أمرها جائز ، تزوّج إن شاءت بغير إذن وليّها ، وإن لم تكن كذلك


1) الوسائل 20 : 267 / أبواب عقد النكاح ب 3 ح 1.

2) محاضرات في أصول الفقه 5 : 129 - 133.

[3260] مسألة 3 : لا يجوز للعبد أن يؤاجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلّا بإذنه أو إجازته (1).


فلا يجوز تزويجها إلّا بأمر وليّها» (1).

وقد دلّت بوضوح على أنّها إذا لم تكن مالكة أمرها والسفيهة كذلك طبعاً فلا تتزوّج إلّا بأمر الولي. غير أنّ سندها لا يخلو عن الخدش وإن عبّر عنها بالموثّقة في بعض الكلمات (2)، نظراً إلى أنّ عليّ بن إسماعيل وإن كان من وجوه المتكلّمين وقد كتب في الإمامة كتاباً على ما نصّ عليه الشيخ والنجاشي (3)، إلّا أنّه لم يرد فيه أيّ مدح أو توثيق ما عدا رواية صفوان عنه الذي هو من أصحاب الإجماع ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ رواية هؤلاء عن أحد لا تدلّ على توثيقه بوجه.

على أنّه مع الغضّ وتسليم وثاقة الرجل فطريق الشيخ إليه مجهول ، لعدم تعرّضه إليه لا في المشيخة ولا الفهرست. فهي ضعيفة قطعاً.

والعمدة ما عرفت من صحيحة الفضلاء ، فعلى تقدير تسليم اختصاص حجر السفيهة بالأموال وقد عرفت منعه لا يجوز نكاحها بغير إذن وليّها ، استناداً إلى هذه الصحيحة.

(1) لمحجوريّته عن التصرّف بقول مطلق ، بعد أن كان عبداً مملوكاً لا يقدر على شي‌ء ، وقد دلّت عليه بعض الروايات ، كما أنّه مورد للتسالم من غير خلاف


1) الوسائل 20 : 285 / أبواب عقد النكاح ب 9 ح 6 ، التهذيب 7 : 378 / 1530 ، الاستبصار 3 : 234 / 842.

2) كما في تعليقة السيّد البروجردي (قدس سره) وغيره على المتن.

3) الفهرست : 87 / 375 ، رجال النجاشي : 251 / 661.

[3261] مسألة 4 : لا بدّ من تعيين العين المستأجرة ، فلو آجره أحد هذين العبدين أو إحدى هاتين الدارين لم يصحّ (1)(1) ،


فيه ولا إشكال.

(1) تعيين العين لا موضوعيّة له ، وإنّما هو من أجل أنّ الجهل به يستلزم الجهل بالمنفعة ، وقد تقدّم لزوم معلوميّة العوضين (2)، فالتعيين المزبور مقدّمة لتشخيص العمل أو المنفعة الواقعين مورداً للإجارة.

على أنّه لا يستقيم على إطلاقه ، وإنّما يتّجه فيما إذا كان اختلاف بين العينين في الذات أو الصفات ، الموجب لاختلاف الرغبات ، المؤدّي طبعاً إلى جهالة المنفعة كإجارة واحد من العبد ، أو الجارية ، أو من الفرس أو السيّارة ، أو إحدى الدارين الكبيرة أو الصغيرة ، وهكذا.

أمّا إذا اتّحدا من جميع الجهات وتساويا في تمام الخصوصيّات الدخيلة في اختلاف الرغبات إلّا ما شذّ ممّا لا يُعبأ به عند العقلاء ، كأحد هذين العبدين ، أو إحدى هاتين الدابّتين ، أو هاتين السيارتين المشاركتين في تمام الصفات ، فلم تر بأساً حينئذٍ في صحّة مثل هذا الإيجار.

لا بمعنى إيجار الفرد المردّد حتى يقال : إنّه لا وجود له خارجاً حتى في علم اللّه سبحانه ، إذ كلّ ما في الخارج فهو معيّن لا تردّد فيه ، والشي‌ء ما لم يتشخّص لم يوجد ، فلو فرضنا أنّه مات أحد العبدين ، أو انهدمت إحدى الدارين ، فما هي تلك المنفعة التي يتملّكها المستأجر وقتئذٍ؟!


1) (*) لا تبعد الصحّة في المتساويين في الأوصاف.

2) في ص 26 - 32.

ولا بدّ أيضاً من تعيين نوع المنفعة إذا كانت للعين منافع متعدّدة (1). نعم ، تصحّ إجارتها بجميع منافعها مع التعدّد فيكون المستأجر مخيّراً بينها (2).


بل بمعنى كونه من قبيل إجارة الكلّي في المعيّن ، نظير بيع الصاع من الصبرة على هذا الوجه ، فكما أنّ المبيع هناك هو الكلّي الطبيعي في إطار معيّن ملغاة عنه الخصوصيّات الفرديّة ، بل هي باقية على ملك المالك ومن ثمّ كان اختيار التطبيق بيد البائع ، فكذا العين المستأجرة في المقام بمناط واحد ، فيؤجّره مثلاً إحدى دورات الجواهر من الطبعة الكذائيّة التي لا امتياز لبعضها على بعض إلّا بما لا ماليّة له ككون جلده أسود أو أحمر ، ويكون اختيار التسليم بيد المؤجر ، كما ربّما يبيعه ويكون الاختيار المزبور بيد البائع قاصداً به الكلّي في المعيّن في كلا الموردين.

وبالجملة : فإطلاق كلام الماتن كغيره من الفقهاء لا بدّ من حمله على غير هذا المورد ، وإلّا فالإجارة في هذا المورد قد وقعت على شي‌ء معيّن معلوم وهو الكلّي منعزلاً عن الخصوصيّات من غير تردّد فيه حسبما عرفت.

(1) وهذا ظاهر بعد البناء على لزوم معلوميّة العوضين ومعرفة المنفعة التي تقع مورداً للإجارة التي من أجلها حكمنا بلزوم تعيين العين المستأجرة كما سبق.

(2) كما كان هذا التخيير ثابتاً لنفس المالك. وهذا الذي أفاده (قدس سره) وجيه ، بناءً على ما اختاره وهو الصحيح من ملكيّة المالك لكافة المنافع وإن كانت متضادّة لا يمكن استيفاء جميعها في الخارج في عرض واحد ، وأنّ ذلك التضاد لا يسري إلى الملكيّة نفسها على ما سيجي‌ء منه (قدس سره) في مسألة ما لو وقعت الإجارة على منفعة خاصّة فاستوفى المستأجر من العين

.................................................................................................


منفعة أُخرى بدلاً عنها (1)، كما لو استأجر العبد للكتابة فاستعمله في الخياطة أو الدابّة لحمل المتاع إلى مكان خاصّ فركبها إلى مكان آخر ، وهكذا حيث إنّ المسألة ذات أقوال :

فمنهم من ذهب إلى أنّه يضمن للمالك الأُجرة المسمّاة لا غير.

ومنهم من حكم بضمانه لأغلى الأُجرتين من المسمّاة ومن اجرة المثل لما استوفاه.

واختار جمع ومنهم الماتن أنّه ضامن لكلتا الأُجرتين ، أمّا المسمّاة فبعقد الإجارة المفروض وقوعها صحيحة وإن فوّت المستأجر المنفعة على نفسه ، وأمّا اجرة المثل فلما استوفاها من المنفعة من دون إجازة المالك ، فحيث تصاحب كلتا المنفعتين وهما ملك لمالك العين ضمنهما وإن كانتا متضادّتين ، لعدم سراية المضادّة من المنفعة إلى نفس الملكيّة ، فلا مانع من كون المالك مالكاً لهذه المنفعة في عرض كونه مالكاً للمنفعة الأُخرى المضادّة لها ، ولا يلازم أحد التضادّين التضادّ الآخر.

وهذا هو الصحيح على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى ، نظراً إلى أنّ الملكيّة اعتبار شرعي عقلائي لم يكن ثمّة أيّ محذور في تعلّقها بكلّ من المتضادّين مستقلا وفي عرض الآخر لا على سبيل البدل.

فإنّ هذا الحكم الوضعي نظير القدرة ونظير بعض الأحكام الشرعيّة القابلة لأن تكون كذلك مثل الإباحة والاستحباب ، حيث إنّ طائفة من الأفعال الخارجيّة متضادّة ، كالحركة والسكون ، والأكل والنوم في زمان واحد ، ومع ذلك لا يكاد يسري هذا التضادّ إلى نفس الإباحة ، بل كلّ منهما مباح في عرض الحكم بإباحة الآخر بالضرورة ، لا أنّ المباح هو أحدهما على البدل ، فلا


1) في ص 310.

.................................................................................................


محذور في الجمع بين الإباحتين ، وإنّما الممتنع الجمع بين الوجوبين.

وهكذا الحال في الاستحباب ، فإنّ زيارة الحسين (عليه السلام) وزيارة مسلم (عليه السلام) وإن لم يمكن الجمع بينهما في زمان واحد ، إلّا أنّ هذه المضادّة لا تستوجب سقوط الاستحباب عن كلّ واحد لينتهي الأمر إلى استحباب واحد منهما على البدل ، بل كلّ منهما مستحبّ في عرض استحباب الآخر. فلا مانع من الجمع بين الاستحبابين وإن امتنع الجمع بين المستحبّين. فالتضادّ الخارجي لا يكاد يسري إلى الحكم الشرعي بوجه.

نعم ، لا مناص من الإذعان بالسراية في الأحكام الإلزاميّة ، إذ نتيجة الجمع بين الإلزامين المتعلّقين بالمتضادّين هو الإلزام بالجمع بين الضدّين ، فإنّه إذا كان الفعلان متضادّين كان الإلزامان أيضاً متضادّين بالعرض ، فهو في حكم الإلزام بالجمع.

وتتلو الإباحة والاستحباب القدرة التكوينيّة ، فإنّها أيضاً تتعلّق بالمتضادّين ، بمعنى : أنّ كلّاً منهما مقدور في عرض القدرة على الآخر ، والذي يتّصف بأنّه غير مقدور إنّما هو الجمع بين نفس المتضادّين ، أمّا الجمع بين القدرتين فلا مانع منه ، فكلاهما مقدور ، لا أنّ المقدور هو الواحد منهما على البدل.

وهذا الذي ذكرناه في الحكم التكليفي يجري في الحكم الوضعي أيضاً بمناط واحد ، فإنّ اعتبار الملكيّة كاعتبار الإباحة والاستحباب لا مانع من تعلّقه بالمنفعتين المتضادّتين ، اللتين كلاهما من شؤون العين ، حيث إنّها مملوكة لمالكها بجميع شؤونها ومنافعها ، فكلّ منفعة قائمة بالعين مملوكة للمالك في عرض ملكيّته للمنفعة الأُخرى وإن كانت مضادّة للأُولى ، فإنّه وإن لم يمكن الجمع بينهما خارجاً إلّا أنّ مجرّد إمكان وجود كلّ منهما في الخارج مصحّح لاعتبار الملكيّة كما لا يخفى.

.................................................................................................


وعلى هذا فيصحّ ما ذكره (قدس سره) من ضمان المستأجر لكلتا المنفعتين وإن كانتا متضادّتين ، لكونهما معاً مملوكتين لمالك العين.

فان قلت : لازم ما ذكرت ضمان الغاصب لجميع المنافع التي يمكن أن يستوفيها من العين ، ولربّما تزيد على قيمة نفس العين. وهو كما ترى ، فيكشف ذلك عن عدم ملكيّة المالك لجميعها.

قلت : كلّا ، فإنّ الضمان يتبع مقدار التلف الذي حصل تحت يد الغاصب ، فيقدّر التالف بقيمته ، فإذا امتنع تحقّق المنافع جميعاً كما هو المفروض فلم يحصل تلف بالنسبة إليها تحت يده ليكون ضامناً ، فإنّه إنّما يضمن القيمة ، ولا تلاحظ القيمة للمنافع بأجمعها بعد عدم صدق التلف كما عرفت.

وبعبارة اخرى : لو فرضنا أنّ المالك بناءً على ملكيّته لجميع المنافع أراد أنّ يؤاجر عبده مثلاً بجميع منافعه ، فالأُجرة التي يعتبرها العرف لمثل هذا العبد هي التي قد أتلفها الغاصب ، فيضمن بهذا المقدار لا غير.

ومن الواضح جدّاً أنّه لا يلاحظ لدى التصدّي لتقدير هذه الأُجرة كلّ منفعة بحيالها بأن تراعى أُجرة الخياطة مثلاً ثمّ تضاف إليها اجرة الكتابة ، ثمّ تضاف اجرة البناية ، وهكذا.

والوجه فيه : أنّه بعد ما لم يمكن استيفاء المنافع برمّتها فطبعاً لا تلاحظ القيمة بالإضافة إلى الجميع ، بل لمثل هذا العبد اجرة مقرّرة زائدة على أُجرة الأجير لمنفعة معيّنة باعتبار اختيار المستأجر في استيفاء أيّ منفعة شاء ، فيضمن الغاصب بهذا المقدار فحسب كما عرفت.

وكيفما كان ، فلا نرى أيّ مانع من الجمع بين الملكيّتين وإن كانت المنفعتان متضادّتين.

فعلى هذا المبنى وهو الصحيح لا مانع من إجارة العين بجميع منافعها

[3262] مسألة 5 : معلوميّة المنفعة إمّا بتقدير المدّة كسكنى الدار شهراً والخياطة يوماً أو منفعة ركوب الدابّة إلى زمان كذا ، وإمّا بتقدير العمل (1) كخياطة الثوب المعلوم طوله وعرضه ورقّته وغلظته ، فارسيّة أو روميّة من غير تعرّض للزمان.

نعم ، يلزم تعيين الزمان الواقع فيه هذا العمل كأن يقول : إلى يوم الجمعة مثلاً وإن أطلق اقتضى التعجيل (2) على الوجه العرفي ، وفي مثل استئجار


ويكون الخيار في الاستيفاء للمستأجر كما كان ثابتاً للمؤجّر حسبما عرفت.

وأمّا لو أنكرنا هذا المبنى والتزمنا بأنّ المالك إنّما يملك إحدى تلك المنافع على سبيل البدل لا جميعها ، إذن لا يصحّ مثل هذه الإجارة ، لأنّها إن رجعت إلى تمليك جميع المنافع فهو تمليك لما لا يملكه المالك حسب الفرض ، وإن رجعت إلى تمليك إحدى المنافع على البدل فلازمه عدم تعيين المنفعة ، وقد مرّ اعتبار معلوميّتها. ومن ثمّ صرّح قبل ذلك بعدم صحّة إجارة أحد هذين العبدين ، أو إحدى هاتين الدارين. فكيف تصحّ إجارة إحدى تلك المنافع؟! وبالجملة : فصحّة هذه الإجارة تتوقّف على القول بملكيّة جميع المنافع ملكيّة عرضيّة وهو الصحيح. وبناءً عليه تقع الإجارة على منفعة معلومة ، وهي جميع المنافع ، وتبطل على القول الآخر حسبما عرفت.

(1) فإنّ معلوميّة العوضين المعتبرة في صحّة الإجارة تتحقّق بالنسبة إلى المنفعة بأحد هذين النحوين : إمّا بتقدير الزمان ، أو بتقدير العمل حسبما ذكره (قدس سره).

(2) فإنّ العمل إذا كان مقيّداً بزمان خاصّ كوقوعه خلال الأُسبوع مثلاً -

الفحل للضراب يعيّن بالمرّة والمرّتين ، ولو قدّر المدّة والعمل على وجه التطبيق (1) فإن علم سعة الزمان له صحّ ، وإن علم عدمها بطل ، وإن احتمل الأمران ففيه قولان.


وجبت رعايته وفاءً بالعقد ، وأمّا إذا أطلق ولم يعيّن ثبت طبيعيّ العمل في ذمّة الأجير ووجب تسليم هذا المال إلى مالكه في أقرب فرصة ممكنة ، كما يجب على الآخر أيضاً تسليم العوض ، ولا يسوغ لأيّ منهما التأخير إلّا إذا كان الآخر ممتنعاً ، كما هو الحال في البيع أيضاً ، فإنّه يجب التسليم من الطرفين ، عملاً بالمعاوضة المتحقّقة في البين ، ولا يناط ذلك بالمطالبة.

(1) قد يفرض أنّ المقصود من التقدير المزبور مجرّد الظرفيّة ووقوع العمل في هذا الزمان من غير أيّ غرض عقلائي في التطبيق من ناحية المبدأ والمنتهى ، بل هو في مقابل الوقوع في خارجه.

فهنا يجري ما ذكره في المتن من الصحّة مع العلم بالسعة ، والبطلان مع العلم بالعدم ، والقولين مع احتمال الأمرين.

وأُخرى يفرض تعلّق النظر بتطبيق العمل على الزمن المقرّر شروعاً واختتاماً. وقد نسب إلى بعضهم البطلان حينئذٍ مطلقاً ، نظراً إلى تعذّر حصول مثل هذا العمل غالباً ولو اتّفق أحياناً فهو نادر جدّاً.

ولكنّك خبير بعدم وضوح وجه للبطلان ، بل هو كالفرض السابق في جواز وقوع تمام العمل في تمام الزمان ، ولعلّ للمستأجر غرضاً خاصّاً في هذا التطبيق ، والمفروض أنّ المؤجر بمقتضى قبوله يرى قدرته على ذلك خارجاً بحسب عادته ، أو نوعيّة العمل ، كما لو استأجره للاستنساخ أو للكنس على أن يكون الشروع أوّل الطلوع والفراغ مقارناً للغروب باستثناء ضروريّاته.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فتارةً : يعلم سعة الزمان للعمل ، ولا ينبغي الشكّ في الصحّة حينئذٍ بعد فرض القدرة وعدم وجود ما يستوجب الفساد.

واخرى : يعلم عدم السعة ، كما لو استؤجر على ختم القرآن في ساعتين مثلاً ولا ينبغي الشكّ أيضاً في البطلان ، لعدم كون المؤجر مالكاً لمثل هذا العمل الممتنع وقوعه خارجاً حتى يملّكه للغير ، فهو نظير الإجارة على الأمر المستحيل كالجمع بين الضدّين.

وثالثة : يشكّ في السعة الموجب للشكّ في القدرة ، كما لو استؤجر على ختم القرآن في عشر ساعات ولا يدري هل في وسعه تلاوة ثلاثة أجزاء في كلّ ساعة أو لا. فبالنتيجة يشكّ في ملكيّته لهذه المنفعة كي يتمكّن من تمليكها للغير.

ففي الصحّة والبطلان حينئذٍ قولان كما أشار في المتن من غير ترجيح ، وربّما يرجع الثاني ، نظراً إلى الغرر الناشئ من الشكّ في القدرة على التسليم.

والتحقيق : هو التفصيل بين إنشاء الإجارة على سبيل الإطلاق ، وبين إنشائها معلّقة على القدرة.

فيحكم بالبطلان في الصورة الاولى ، لا من جهة الغرر ، بل من أجل عدم السبيل إلى التمليك المطلق لما لا يدري أنّه يملكه أم لا ، ضرورة أنّ الحكم بالصحّة حينئذٍ مطلقاً أي على النحو الذي أنشأه غير ممكن ، إذ على تقدير عدم القدرة لم يقع شي‌ء بإزاء الأُجرة ، فيكون تملّكها وقتئذٍ أكلاً للمال بالباطل ، فكيف يكون مثله مورداً للإمضاء؟! وأمّا الحكم بالصحّة في تقدير القدرة خاصّة فهو أمر ممكن إذا ساعده الدليل ، كما وقع نظيره في مثل بيع الصرف والسلم ، حيث قام الدليل على

.................................................................................................


اختصاص الصحّة بصورة القبض وإن أنشأ العقد مطلقاً ، إلّا أنّه لا دليل عليه في المقام ، لانحصاره في الأدلّة العامّة مثل وجوب الوفاء بالعقود ونحوه ، ومن المعلوم أنّها أدلّة إمضائيّة لا تأسيسيّة ، والإمضاء تابع لكيفيّة الإنشاء ، والمفروض أنّه أنشأ العقد مطلقاً فكيف يتعلّق الإمضاء بالمقيّد؟! فإنّ ما أنشأ لم يمض حينئذٍ ، وما أمضاه الشارع لم يكن مورداً للإنشاء.

وأمّا في الصورة الثانية : فلا يبعد الحكم بالصحّة ، نظراً إلى أنّ توهّم البطلان إمّا أن يستند إلى التعليق ، أو إلى الغرر ، ولا ثالث ، وكلاهما ليسا بشي‌ء :

أمّا الأوّل : فلما هو المقرّر في محلّه من اختصاص التعليق المجمع على بطلانه في العقود بما إذا لم يكن العقد معلّقاً عليه في نفسه كنزول المطر والقدوم من السفر ، وإلّا فالتصريح في متن العقد بما هو معلّق عليه على كلّ حال لا ضير فيه ، كقوله : إن كان هذا ملكي فقد بعته ، وإن كنت زوجتي فأنتِ طالق ، والمقام من هذا القبيل ، لاختصاص ملكيّة المنفعة بصورة القدرة ، فتمليكها معلّقاً عليها في قوّة التمليك بشرط كونه مالكاً المعلّق عليه صحّة العقد في نفسه ، فلا مانع إذن من الإيجار معلّقاً ، ودليل الإمضاء يرد على هذا الإيجار المعلّق.

وأمّا الثاني : فلوضوح عدم وجود أيّ غرر في البين بعد عدم كونه ملزماً بهذا العمل المشكوك قدرته عليه بمقتضى فرض تعليقه وعدم تحكيم العقد وإبرامه ، فيحاول ويشرع ، فإن تمكّن فنعم المطلوب ، وكشف وقتئذٍ عن صحّة العقد واستحقاق الأُجرة ، وإلّا وقع عمله هدراً وتعبه سُدى ، ولا ضير فيه بعد أن حصل بإرادته واختياره لا بإلزامٍ من الغير وإيقاعه في الغرور ، كيف؟! وله الانصراف قبل أن يشرع معلّلاً بالشكّ في القدرة وعدم الاطمئنان بالنتيجة ، وإنّما يتحقّق الغرر فيما إذا كان ثمّة إلزام بالعمل. فالمقام نظير من يذهب باختياره إلى الصيد ولا يدري هل يصيب أو يرجع صفر الكفّ. إذن فيقوى الحكم بالصحّة في الصورة الثانية دون الاولى ، ويكون التفصيل هو الأوجه حسبما عرفت.

[3263] مسألة 6 : إذا استأجر دابّة للحمل عليها لا بدّ من تعيين ما يحمل عليها بحسب الجنس (1) إن كان يختلف الأغراض باختلافه ، وبحسب الوزن ولو بالمشاهدة والتخمين إن ارتفع به الغرر ، وكذا بالنسبة إلى الركوب لا بدّ من مشاهدة الراكب أو وصفه ، كما لا بدّ من مشاهدة الدابّة أو وصفها حتى الذكوريّة والأُنوثيّة إن اختلفت الأغراض بحسبهما. والحاصل : أنّه يعتبر تعيين الحمل والمحمول عليه والراكب والمركوب عليه من كلّ جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها.

[3264] مسألة 7 : إذا استأجر الدابّة لحرث جريب معلوم فلا بدّ من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجهٍ يرتفع الغرر.

[3265] مسألة 8 : إذا استأجر دابّة للسفر مسافةً ، لا بدّ من بيان زمان السير من ليل أو نهار ، إلّا إذا كان هناك عادة متّبعة.

[3266] مسألة 9 : إذا كانت الأُجرة ممّا يكال أو يوزن لا بدّ من تعيين كيلها أو وزنها ولا تكفي المشاهدة ، وإن كانت ممّا يعدّ لا بدّ من تعيين عددها ، وتكفي المشاهدة فيما يكون اعتباره بها.


(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة وما بعدها إلى المسألة العاشرة لعدّة فروع تتعلّق بمعرفة العوضين وتتفرّع على ما سبق من لزوم تعيّنها على وجه يرتفع الغرر والجهالة ، فلاحظها. ولا حاجة إلى التعرّض إلى كلّ منها بالخصوص فإنّ حكمها يظهر ممّا تقدّم.

[3267] مسألة 10 : ما كان معلوميته بتقدير المدّة لا بدّ من تعيينها شهراً أو سنة أو نحو ذلك ، ولو قال : آجرتك إلى شهر أو شهرين ، بطل (1). ولو قال آجرتك كلّ شهر بدرهم مثلاً - (2) ففي صحّته مطلقاً أو بطلانه مطلقاً أو صحّته في شهر وبطلانه في الزيادة فإن سكن فاجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول : آجرتك شهراً بدرهم ، فإن زدت فبحسابه بالبطلان في الأوّل والصحّة في شهر في الثاني ، أقوال أقواها : الثاني (1)، وذلك لعدم تعيين المدّة الموجب لجهالة الأُجرة ، بل جهالة المنفعة أيضاً ، من غير فرق بين أنّ يعين المبدأ أو لا ، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أُخرى ، إلّا أن يقال : إنّه حينئذٍ ينصرف إلى المتّصل بالعقد. هذا إذا كان بعنوان الإجارة ،


(1) لجهالة المنفعة بعد فرض التردّد ولو كانت الأُجرة معلومة.

(2) اختلفوا في حكم هذه الإجارة على أقوال أربعة :

فنسب إلى جماعة منهم الشيخ (2)الصحّة مطلقاً.

وإلى آخرين منهم الماتن وصاحب الجواهر (3)البطلان مطلقاً ، بل في الجواهر : لعلّه المشهور بين المتأخّرين.

وفصّل المحقّق في الشرائع بين الشهر الأوّل فيصحّ دون ما زاد عليه (4).


1) (*) لا يبعد أن يكون أقواها الثالث ، ولا سيّما إذا كان الإنشاء بالتعبير الثاني.

2) الخلاف 3 : 490.

3) الجواهر 27 : 234 - 235.

4) الشرائع 2 : 212.

.................................................................................................


وقيل بالتفصيل بين مثل هذا التعبير فيبطل مطلقاً ، وبين ما لو قال : آجرتك شهراً بدرهم فان زدت فبحسابه بالصحّة في الشهر الأوّل خاصّة.

وقد استند القائل بالصحّة إلى أنّ المانع عنها إنّما هو الغرر. ولا غرر في مثل هذه الإجارة ، لأنّه كلّما يسكن فهو يعطي

بإزاء كلّ شهر درهماً ، فليس في البين أيّ مخاطرة لا بالنسبة إلى المؤجر ولا المستأجر.

كما أنّ القائل بالبطلان يستند إلى أنّ الجهالة بنفسها قادحة ولو من دون أيّ غرر كما هو الصحيح - (1)لاعتبار معلوميّة المنفعة كالأُجرة حسبما مرّ ، والعوضان مجهولان في المقام.

وأمّا المفصّل فهو يرى حصول التعيين في الشهر الأوّل ، والجهالة في بقية الشهور إمّا مطلقاً أو في خصوص أحد التعبيرين المتقدّمين.

وتفصيل الكلام في المقام : أنّه قد تفرض معلوميّة المدّة التي تقع فيها الإجارة ، ككون السكنى سنة واحدة مثلاً كلّ شهر بدرهم ، وهذا ممّا لا إشكال في صحّته ولم يستشكل فيه أحد ، بل هو خارج عن محلّ الكلام ، وإنّما ذكرناه استقصاءً للأقسام واستيفاءً للبحث ، إذ المنفعة عندئذٍ معلومة كالأُجرة ، لأنّه في قوّة أن يقول : آجرتك سنة باثني عشر درهماً ، فهي إجارة واحدة في الحقيقة قد حلّلها ووزّعها إلى إجارات عديدة بحساب الشهور ، نظير بيع صبرة معيّنة خارجيّة معلومة الكمّيّة وأنّها مائة مَنّ مثلاً كلّ مَنّ بدرهم ، الذي لا إشكال في صحّته ، لمعلوميّة العوضين من دون أيّ غرر أو جهالة في البين. وهذا واضح.


1) ومنه تعرف أنّه لم يتّضح وجه اختيار الماتن البطلان هنا مطلقاً مع بنائه (قدس سره) فيما تقدّم من الشرط الأوّل من شرائط العوضين على اختصاص المنع بصورة الغرر.

.................................................................................................


واخرى : يفرض الجهل بالمدّة وعدم معلوميّة الأشهر ، وحينئذٍ :

فتارةً : تقع الإجارة على سبيل الإطلاق ، كما لو آجر الدار إلى آخر زمان يمكن الانتفاع بها كلّ شهر بدرهم ، أو العبد ما دام حيّاً كلّ يوم بدرهم ، بحيث كان زمان الإيجار هو تمام أزمنة بقاء العين صالحة للانتفاع بها على وجه الإطلاق والاستيعاب المعلوم عددها عند اللّه وإن كانت مجهولة عند المتعاملين.

وهاهنا حيث لا غرر بوجه وإنّما هناك مجرّد الجهالة المتعلّقة بالمنفعة ويتبعها بالأُجرة ، فإن كان المانع عن الصحّة منحصراً في الغرر كما ذهب إليه بعضهم لم يكن عندئذٍ وجه للبطلان ، وأمّا إذا بنينا على قادحيّة الجهالة بعنوانها وإن كانت عارية عن الغرر كما هو الأظهر استناداً إلى معتبرة أبي الربيع الشامي كما مرّ (1)فلا جرم يحكم ببطلان الإجارة لمكان الجهالة.

كما أنّ هذا هو الحال في البيع بعينه فيما لو باع الصبرة المجهولة الكمّيّة كلّ مَنّ بدرهم ، فإنّه ليس في البين ما عدا مجرّد الجهالة من دون أيّ غرر ، فإن كانت الجهالة بعنوانها قادحة بطل البيع ، وإلّا وقع صحيحاً.

وأُخرى : تقع على سبيل الإهمال ، فلا تعيين كما في الصورة الأُولى ، ولا إطلاق كما في الصورة الثانية.

وغير خفي أنّ هذا بالنسبة إلى الملتفت إلى الزمان مجرّد فرض محض يمتنع وقوعه خارجاً حتى يحكم بصحّته أو بفساده ، لما ذكرناه في الأُصول (2)من أنّ الإهمال في الواقعيّات أمر غير معقول ، فإنّ الملتفت إلى خصوصيّةٍ ما وإلى انقسام الطبيعة بلحاظها إلى قسمين إذا أراد إنشاء حكم وضعي أو تكليفي فإمّا أن يلاحظ الدخل فمقيّد أو عدمه فمطلق ، ولا يمكن الخلوّ عن هذين في مقام


1) في ص 28.

2) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 177.

.................................................................................................


الثبوت بحيث لا يلاحظ الدخل ولا عدمه ، فإنّه من ارتفاع النقيضين. نعم ، في مقام الإثبات يمكن أن لا يذكر شي‌ء من الخصوصيّتين.

وأمّا بالنسبة إلى غير الملتفت الغافل عن لحاظ خصوصيّة الزمان في مقام الإيجار ، فالإهمال منه وإن كان أمراً ممكناً إلّا أنّ ما أنشأه لم يكن له أيّ وجود خارجي على صفة الإهمال حتى في علم اللّه سبحانه ، ضرورة أنّ الطبيعة الموجودة إمّا أن توجد مطلقة أو مقيّدة بحصّة خاصّة ، وأمّا الجامع بين المطلق والمقيّد المعبّر عنه باللابشرط المقسمي فليس له أيّ تقرّر وتعيّن واقعي ، فكيف يمكن أن يكون ملكاً للمستأجر؟! فلا جرم يحكم ببطلان مثل هذه الإجارة.

إذن فيفرّق بين هذه الأقسام ، ففي القسم الأوّل يحكم بالصحّة بلا كلام ، وفي الثاني يبتني على أنّ المانع خصوص الغرر أو مطلق الجهالة ، وفي الثالث يحكم بالبطلان من جهة الإهمال وانتفاء التعيّن الواقعي.

هذا كلّه فيما إذا لوحظ التحديد بالقياس إلى الزمان.

وأمّا إذا لوحظ بالنسبة إلى الزماني ، كما لو حدّدت المنفعة في عقد الإجارة بمقدار السكونة فآجره كلّ شهر بدرهم ما دام يسكن الدار خارجاً ، فحينئذٍ :

قد يفرض التفاته إلى أنّ هذه السكنى محدودة بحدّ خاصّ وزمان معلوم ومعيّن واقعاً ، فيؤجر المنفعة المعلومة كمّيّتها عند اللّه والمعيّنة في صقع الواقع وإن كانت مجهولة عندهما ، وحكمه الصحّة أيضاً إن كان المانع الغرر فقط ، لانتفائه ، والبطلان إن كانت الجهالة بنفسها مانعة.

وأُخرى : لا يلتفتان إلى ذلك بوجه ، بل ينشئان عقد الإيجار على المنفعة على تقدير السكنى خارجاً كما هو الظاهر من مثل جملة : آجرتك كلّ شهر بدرهم. أي إذا سكنت هذه الدار أيّ مقدار من الشهور فقد آجرتكها كلّ شهر بكذا ، بحيث يكون الإيجار بمقدار السكنى ولا إجارة بدونها.

.................................................................................................


وهذا حكمه البطلان ، لمكان التعليق مضافاً إلى الجهالة إذ قد أناط الإجارة وعلّقها على السكونة الخارجيّة حسب الفرض ، والتعليق في العقود موجب للبطلان إجماعاً.

وقد اتّضح من جميع ما تقدّم بطلان الإجارة بالنسبة إلى ما عدا الشهر الأوّل ، إمّا للجهالة أو للتعليق ، أو لعدم التعيّن الواقعي.

وأمّا بالنسبة إلى الشهر الأوّل فيقع الكلام :

تارةً : فيما إذا تعدّد الإنشاء وإن كان أحدهما متّصلاً بالآخر ، كما إذا قال : آجرتك في الشهر الأوّل بدرهم وبعده بحسابه ، بحيث انحلّ في الحقيقة إلى إجارتين.

واخرى : فيما إذا لم يكن في البين ما عدا إنشاء واحد ، كما لو قال : آجرتك كل شهر بدرهم.

أمّا في الصورة الاولى : فلا ينبغي الشكّ في الصحّة في الشهر الأوّل ، ضرورة أنّ البطلان في البقيّة لأجل الجهالة أو الغرر أو التعليق لا يكاد يسري إلى الأوّل بعد أن أُنشئا بإنشاءين وكانت إحدى الإجارتين منعزلة عن الأُخرى. فالبطلان في إحداهما لا يستوجب البطلان في الأُخرى بعد سلامتها عن سببه وموجبه ، كما هو الحال في البيع ، مثل ما لو قال : بعتك هذه الشاة بدينار ومثلها هذا الخنزير ، فإنّ بطلان البيع الثاني لا يستوجب بطلان الأوّل بوجه وإن كان أحدهما مقروناً بالآخر ومنضمّاً به كما هو واضح جدّاً.

وعليه ، فلا ينبغي التأمّل في أنّ مثل قوله : آجرتك شهراً بدرهم فإن زدت فبحسابه ، المنحلّ إلى إجارتين بإنشاءين وإن كانتا منضمّتين ، يحكم بصحّة الأُولى ، أي في الشهر الأوّل ، والبطلان في البقيّة ، للجهالة مضافاً إلى التعليق.

وأمّا في الصورة الثانية : فقد يقال بالبطلان حتى في الشهر الأوّل ، نظراً إلى

.................................................................................................


أنّ الإنشاء الواحد لا يتبعض من حيث الصحّة والفساد ، وبما أنّ الإجارة في بقيّة الشهور باطلة ولا أقلّ من جهة الجهالة فكذا في الشهر الأوّل.

ويندفع : بأنّ الإنشاء وإن كان واحداً إلّا أنّ المنشأ متعدّد ، ولا تنافي بين وحدة الإبراز وتعدّد المبرز ، ومن المعلوم أنّ العبرة بنفس المبرز لا بكيفيّة الإبراز ومرحلة الإثبات. فلا ضير إذن في التفكيك بعد البناء على الانحلال في أمثال المقام ، وكم له من نظير ، كبيع ما يملك وما لا يملك كالشاة والخنزير أو ما يملكه وما لا يملكه صفقة واحدة المحكوم بصحّة أحد البيعين بعد الانحلال ، غايته ثبوت الخيار للمشتري ، وكطلاق زوجتين بطلاق واحد ، فإنّه يحكم بصحّة أحدهما فيما لو كانت الأُخرى فاقدة للشرائط ، وهكذا.

وعلى الجملة : فالتفكيك والتبعيض موافق للموازين ، ومطابق لمقتضى القاعدة ، بعد أن كانت العبرة بمقام الثبوت وتعدّد الاعتبار لا بمقام الإثبات. فلا مانع إذن من التفصيل والحكم بصحّة الإجارة في الشهر الأوّل ، لتماميّة أركانها فيه ، وفسادها في البقيّة ، لخللٍ فيها من الجهالة أو التعليق حسبما عرفت.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر لك أنّ الأظهر ما اختاره المحقّق في الشرائع من التفصيل المزبور من غير فرق بين التعبيرين المتقدّمين ، وإن كان الأمر في مثل التعبير الثاني أظهر من أجل وضوح الانحلال بعد تعدّد الإنشاء كالمنشأ.

هذا كلّه فيما إذا كان المقصود من ذينك التعبيرين الإجارة مطلقاً كما هو المفروض.

وأمّا إذا قصد الإجارة في الشهر الأوّل خاصّة ، والاشتراط في بقيّة الشهور بأن يشترط على المستأجر أنّه إن سكن الدار زائداً على شهر واحد يدفع أُجرة الزائد على غرار الشهر الأوّل من دون أن يكون تمليك فعلي للمنفعة بالإضافة إلى بقيّة الشهور ، كما لا يبعد أن يكون هذا هو الظاهر من ثاني التعبيرين ، أعني

وأمّا إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه (1)(1) ، لأنّه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة ،


قوله : آجرتك شهراً بدرهم فإن زدت فبحسابه. فالظاهر أنّه لا مانع منه وإن كان الشرط مجهولاً ولم يعلم بمقدار السكونة الزائدة ، إذ لا دليل على قدح مثل هذا الجهل في الشرط ما لم يستوجب غرراً في المعاملة كما هو المفروض ، فيجب الوفاء به عملاً بأدلّة الشروط.

بل لا يبعد أن يكون هذا الاشتراط هو المتعارف بين الناس في أمثال هذه الإجارات ، فيعقدون الإجارة لمدّة معيّنة مشروطة بأنّه إن زاد فبحسابه ، ولا يبالون بمثل تلك الجهالة بعد سلامتها عن أيّ غرر وخطر ، فتكون الصحّة مطابقة لمقتضى القاعدة.

على أنّه يمكن استفادتها من صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يكتري الدابّة فيقول : اكتريتها منك إلى مكان كذا وكذا فإن جاوزته فلك كذا وكذا زيادة ، ويسمّي ذلك «قال : لا بأس به كلّه» (2).

فإنّه إذا صحّت الإجارة مع الجهل بكمّيّة الزيادة فمع التحديد والتعيين كما في المقام حيث إنّ الزائد بحساب أنّ كلّ شهر بدرهم بطريق أولى.

وبالجملة : فمحلّ الكلام بين الأعلام في المقام هو خصوص صورة الإجارة ، وأمّا على نحو الاشتراط فلا ينبغي الاستشكال في الصحّة حسبما عرفت.

(1) قال في الجواهر ما لفظه : أمّا لو فرض بوجهٍ يكون كالجعالة بأن يقول


1) بأن يجعل منفعة الدار لمن أعطاه درهماً مثلاً.

2) الوسائل 19 : 111 / كتاب الإجارة ب 8 ح 1.

.................................................................................................


الساكن مثلاً : جعلت لك علي كلّ شهر أسكنه درهماً ، لم يبعد الصحّة (1). ففرض (قدس سره) الجعالة من جانب المستأجر ، وأنّه يجعل للمالك على نفسه كذا على تقدير السكنى.

وهذا كما ترى لا ينطبق على ما هو المعهود من عنوان الجعالة ، حيث إنّها عبارة عن جعل الجاعل شيئاً على نفسه للفاعل بإزاء ما يصدر منه من عمل محترم. وهنا قد جعل المستأجر شيئاً على نفسه للمالك بإزاء السكنى التي هي عمل يصدر من نفس الجاعل دون المجعول له.

نعم ، يمكن تصحيحه بأن يكون الجعل بإزاء الإذن من مالك الدار الذي لا ينبغي الإشكال في أنّه عمل محترم صادر منه ، فهو بإزاء الإسكان الذي هو عمل قائم بالمالك ، لا السكنى التي هي فعل قائم بالمستأجر ، فاختلف العامل عن الجاعل.

وما عن شيخنا المحقّق في إجارته (2)من أنّ الإسكان لا ماليّة له ، بل متعلّق بما له الماليّة وهي سكنى الدار.

غريب جدّاً ، بل لم يكن مترقّباً من مثله (قدس سره).

وكيفما كان ، فما ذكره في الجواهر من افتراض الجعالة من جانب المستأجر لا يمكن تطبيقه على القاعدة وإن أمكن تصويره على النحو الذي عرفت.

هذا ، والظاهر من عبارة الماتن افتراض الجعالة من جانب المؤجر لا المستأجر ، فيجعل على المستأجر شيئاً بإزاء سكناه. والكلام في تصوير ذلك من هذا الجانب :

فقد علّق شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في المقام بما نصّه : حيث لا خفاء في


1) الجواهر 27 : 235.

2) ص 69.

.................................................................................................


تقوّم الجعالة بأن يكون تعيين الجعل والالتزام به ممّن يبذله دون الطرف الآخر ، وأن يكون بإزاء عمل محترم دون منافع الأموال ، فكون المعاملة المذكورة أجنبيّة عنها ظاهر (1).

وملخّصه : أنّه يعتبر في الجعالة كما مرّ فرض عمل محترم من العامل وأن يلتزم الجاعل بشي‌ء على نفسه إزاء هذا العمل ، وفي المقام لم يجعل المؤجر شيئاً على نفسه لتتحقّق الجعالة من قبله ، بل جعل لنفسه شيئاً على غيره قبال ما يستوفيه الغير من المنافع ، فهو يأخذ الأُجرة بإزاء ما يعطيه من المنفعة ، وأين هذا من الجعالة؟! وبالجملة : تتقوّم الجعالة بأمرين : فرض عمل محترم من شخص ، وجعل الباذل شيئاً على نفسه بإزاء هذا العمل ، فيقول : من ردّ عليّ ضالّتي فله علي كذا. وفي المقام لا يتحقّق ذلك ، بل الذي يتحقّق هو أخذ المؤجر شيئاً بإزاء ما يستوفيه المستأجر من المنافع.

أقول : الظاهر أنّ الماتن (قدس سره) يريد بذلك أنّ المالك يجعل شيئاً على نفسه وهو المنفعة لمن يعمل له عملاً وهو بذل الدرهم مثلاً فيجعل منفعة الدار لمن أعطاه الدرهم ، فالذي يلتزم به الجاعل وهو المؤجر تسليم المنفعة ، والذي يصدر من العامل هو دفع الدرهم ، فالعمل هو إعطاء الدرهم ، والجعل هو منفعة الدار ، ولا ريب أنّ الإعطاء المزبور عمل محترم ، فلاحظ وتدبّر (2).


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 18 (تحقيق جماعة المدرسين).

2) فإنّ هذا وإن أمكن ثبوتاً إلّا أنّ استفادته من تلك العبارة التي هي محلّ كلام الماتن ومورد اعتراض المعلّق أعني قوله : آجرتك كلّ شهر بدرهم في غاية الإشكال. وقد أجاب دام ظلّه بأنّ الكلام في مقام الثبوت أوّلاً ويمكن استفادته من تلك العبارة أيضاً ثانياً ، فتدبّر جيّداً.

وكذا إذا كان بعنوان الإباحة بالعوض (1).


السلطنة تخصيص الإباحة بمن يبذل له عوضاً معيّناً فيبيح السكونة في الدار لخصوص من يعطي عن كلّ شهر درهماً مثلاً.

ولكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ناقش فيه في الهامش بما لفظه : إنّ عوضيّة المسمّى تتوقّف على عقد معاوضة صحيحة ، وإلّا كان ما أباحه المالك بعوضه مضموناً بالمثل أو القيمة دون المسمّى (1).

(1) وحاصله : أنّه ما لم يفرض وقوع عقد صحيح لا يتعيّن المسمّى في العوضيّة ، بل يكون ما أباحه مضموناً بالمثل أو القيمة ، فيضمن الساكن في المقام اجرة المثل لا ما عيّنه من المسمّى.

وفيه : أنّ هذا إنّما يتّجه لو أُريد عوضيّة المسمّى على نحو الملكيّة بأنّ يكون الطرف المبيح مالكاً لهذا العوض ومطالباً إيّاه الطرف الآخر على حدّ مطالبة الملّاك أموالهم في باب المعاوضات ، فإنّ هذه المالكيّة لا تكاد تتحقّق إلّا بعد افتراض وقوع عقد صحيح كما أفاده (قدس سره).

إلّا أنّ الكلام لم يكن في ذلك ، بل في تصحيح هذه المعاملة على وجهٍ يصحّ للطرف الآخر السكنى منوطاً بدفع المسمى ، وهذا المقدار لا يتوقّف على ما ذكره (قدس سره) من فرض العقد الصحيح ، بل يكفي فيه ما عرفته في تفسير الإباحة من أنّ المبيح بمقتضى عموم سلطنة الناس على أموالهم ربّما لا يبيح المنفعة لكلّ أحد أو لهذا الشخص على سبيل الإطلاق ، بل لطائفة خاصّة وهم


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 18 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


الذين يبذلون هذا العوض الخاصّ ، أو لهذا الشخص في تقدير دفع العوض المعيّن وهو عن كلّ شهر درهم بحيث لا يرضى بالتصرّف في تقدير عدم دفع هذا المبلغ المعيّن ، بل يكون غاصباً وقتئذٍ ضامناً للقيمة لا محالة.

ومن الواضح أنّ الإباحة بالعوض بهذا المعنى واقع في الخارج كثيراً ، كما في الحمّامي ، حيث إنّه يبيح البقاء وصرف الماء على الوجه المتعارف لكلّ داخل باذل لمبلغ معيّن بحيث تكون الإباحة مشروطة به ، فلو أعطى هذا المقدار الخاصّ كشف عن الإذن من الأوّل ، وإلّا فعن عدمه كذلك ، وبطبيعة الحال يكون عندئذٍ غاصباً ضامناً لُاجرة المثل.

وكما في الماء الذي يوضع في المسجد مباحاً تصرّفه لخصوص من يصلّي جماعة أو يصلّي في المسجد.

والحاصل : أنّ المالك مسلّط على ماله له الإباحة المطلقة ، أو لطائفة خاصّة بمقتضى القاعدة ، فله أن يبيح سكنى الدار مشروطاً بدفع هذا المقدار ، ولا يسوغ التخطّي عمّا سمّاه ، للزوم الجري على طبق إذنه ورضاه.

نعم ، في صورة الإباحة وكذا ما تقدّم من الجعالة ليس في البين أيّ إلزام أو التزام من أيّ من الطرفين ، فليس للمالك أن يجبر الساكن بالسكنى ، كما ليس للساكن إلزام المالك بذلك ، بل لكلّ منهما رفع اليد ، فلا يقاسان بالإيجار الذي يملّك فيه أحدهما شيئاً على الآخر يستوجب مطالبته إيّاه وإلزامه بالدفع كما هو واضح.

[3268] مسألة 11 : إذا قال : إن خطت هذا الثوب فارسياً أي بدرز فلك درهم ، وإن خطته روميّاً أي بدرزين فلك درهمان ، فإن كان بعنوان الإجارة بطل (1)(1) ، لما مرّ من الجهالة (2)


(1) لا لما ذكره (قدس سره) من الجهالة ، لعدم اطّرادها في تمام الفروض كما لا يخفى.

بل لامتناع تحقّقها في المقام على نحو يملك المستأجر العمل والمؤجّر البدل ، وتجوز لكلّ منهما مطالبة الآخر على ما هو الحال في بقيّة الإجارات الصحيحة.

وذلك لأجل أنّ هذه الإجارة قد يفرض انحلالها إلى إجارتين متقارنتين على عملين باجرتين كلّ منهما في عرض الأُخرى ، فيستأجر الخيّاط لخياطة هذا الثوب في هذا اليوم خياطة فارسيّة بدرهم ، وفي عين الوقت يستأجره لخياطته فيه روميّة بدرهمين.

ولا ينبغي الشكّ حينئذٍ في بطلان كلتا الإجارتين ، لعدم قدرة الأجير على الجمع بين هاتين المنفعتين المتضادّتين في وقت واحد ، فوجوب الوفاء بهما متعذّر ، ومعه لا يمكن الحكم بصحّتهما معاً. وحيث إنّ ترجيح إحداهما على الأُخرى بلا مرجّح فلا مناص من الالتزام ببطلانهما معاً.


1) (*) هذا في المتباينين ، وأما في الأقل والأكثر كما هو مفروض المثال فيمكن تصحيح الإجارة بالإضافة إلى الأقل ، ويشترط الزيادة بالنسبة إلى الأكثر.

2) (**) إذا كانت الإجارة واحدة وكان متعلقها مردداً بين أمرين فالبطلان من جهة إبهام المتعلق وعدم تعينه حتى في الواقز. وأما إذا كانت متعددة وكان متعلق كل منهما معلوماً فلا جهالة ، ولكنها مع ذلك باطلة لاستحالة صحّتهما معاً وترجيح إحداهما على الأُخرى بلا مرجح. ،

.................................................................................................


ونظيره ما لو آجر نفسه لخياطة هذا الثوب في يوم معيّن وآجره وكيله في نفس الوقت لخياطة ثوب آخر في نفس ذلك اليوم بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، أو زوّجت المرأة نفسها من زيد وزوّجها في نفس الوقت وكيلها من عمرو ، أو باع ماله من زيد وباعه وكيله من عمرو. وهكذا الحال في كلّ عقدين متضادّين متقارنين ، فإنّهما محكومان بالبطلان بمناط واحد ، وهو امتناع الجمع وبطلان الترجيح من غير مرجّح ، وهذا واضح.

وأُخرى : يفرض تعلّقها بأحد هذين العملين مردّداً بينهما ، والظاهر بطلانه أيضاً ، لا لأجل الجهالة ، بل لأجل أنّ أحدهما المردّد لا تعيّن له حتى في صقع الواقع ، فلا يملكه الأجير حتى يملّكه للمستأجر ، فإنّ ما يقع في الخارج إمّا هذا معيّناً أو ذاك ، إمّا بصفة الترديد فلا تحقّق له في وعاء الخارج بتاتاً.

والتصدّي للتصحيح بإعطاء لون من التعيين ولو بالإشارة الإجماليّة بأن تقع الإجارة على أحدهما المردّد عندهما المعلوم في علم اللّه أنّ الأجير سيختاره خارجاً ، ضرورة أنّ ذاك الفرد الخاصّ متعيّن فعلاً في غامض علم اللّه وإن كان مجهولاً عند المتعاملين ، فلدى تحقّقه خارجاً ينكشف أنّ هذا الفرد كان هو مورد الإجارة ومصبّها ولم يكن ثمّة أيّ غرر بعد تقرّر أُجرة معيّنة لمثل هذا العمل حال العقد حسب الفرض.

غيرُ نافع وإن أمكن تصوير التعيين بما ذكر ، إذ فيه مضافاً إلى الجهالة القادحة بعنوانها وإن كانت عارية عن الغرر كما مرّ ، ضرورة أنّ المنفعة بالآخرة مجهولة فعلاً كالأُجرة - : أنّ العمل المستأجر عليه لا تعيّن له لدى التحليل حتى بحسب الواقع وفي علم اللّه سبحانه ، وذلك لأنّ من الجائز أنّ الخيّاط لا يخيط هذا الثوب أصلاً ولم يصدر منه العمل في الخارج بتاتاً ، فعندئذٍ لا خياطة رأساً لكي يعلم بها اللّه سبحانه ، فإنّ علمه تابع للواقع ، وإذ لا خياطة فلا واقع ،

.................................................................................................


ومعه لا موضوع لعلم اللّه سبحانه حتى يتحقّق به التعيّن الإجمالي المصحّح للعقد ، فما الذي يملكه المستأجر وقتئذٍ؟!

وعليه ، فصحّة هذا العقد تتوقّف على فرض وقوع الخياطة خارجاً حتى تخرج حينئذٍ عن الإبهام والترديد إلى التعيين وتكون مملوكة للمستأجر ، ومن الواضح البديهي أنّ هذا المعنى منافٍ لصحّة الإجارة ، ضرورة أنّ الصحّة هي التي تستوجب إلزام الأجير بالعمل وفاءً بالعقد ، فكيف يكون العمل كاشفاً عنها؟! ومن المعلوم أنّه لا سبيل إلى الإلزام في المقام نحو أيّ من العملين ، فليس للمستأجر أن يلزم الأجير بالخياطة الفارسيّة بخصوصها لعدم وقوعها خارجاً حتى يستكشف ملكيّته لها ، وكذا الروميّة ، والإلزام بالجامع فرع الصحّة المتوقّفة على العمل خارجاً حسبما عرفت ، فليس له مطالبة الأجير بأيّ شي‌ء.

وملخّص الكلام : أنّه إذا كانت الإجارة واحدة فلا بدّ وأن تكون المنفعة معلومة ، وليس في المقام ما يستوجب معلوميّتها ولو في علم اللّه. ومعه لا مناص من الحكم بالبطلان.

لكن هذا يختصّ بما إذا كان العملان المتضادّان متباينين ، كما لو قال صاحب البستان : إن سقيت البستان اليوم فلك درهم ، وإن بنيت جداره فلك درهمان. ولا يتمكّن الأجير من الجمع بينهما ، فإنّه يجري فيه حينئذٍ جميع ما عرفت.

وأمّا إذا كان من قبيل الأقلّ والأكثر ، كالمثال المذكور في المتن من الخياطة المردّدة بين الدرز والدرزين ، فيمكن تصحيحه بتعلّق الإجارة بالأقلّ (1)متعيّناً ويشترط عليه أنّه إن زاد فله درهم آخر لتلك الزيادة ، كما قد يتّفق ذلك


1) كما يمكن دعوى التعلّق بالأكثر متعيّناً واشتراط نقص الأُجرة إن كانت الخياطة فارسيّة.

وإن كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر (1) العبارة صحّ ، وكذا الحال إذا قال : إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان وإن عملته في الغد فلك درهم ،


بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة ، فيقول الأجير : إن كنست هذه الغرفة فلك درهم وإن كنست الأُخرى فلك درهم آخر. فإنّ مرجعه إلى الإيجار على كنس غرفة واحدة بدرهم وشرط درهم آخر على تقدير الزيادة ، أو أن يكون ذلك على نحو الجعالة ، نظير ما مرّ من قوله : آجرتك شهراً بدرهم وإن زدت فبحسابه.

وبالجملة : فالظاهر أنّ المثال المذكور في المتن لا ينطبق على الكبرى الكلّيّة من الإيجار على إحدى المنفعتين المتضادّتين ، وإنّما ينطبق عليها مورد التباين لا الأقلّ مع الأكثر حسبما عرفت ، فإنّ الإيجار يقع حينئذٍ على الأقلّ قهراً ويكون الأكثر على سبيل الاشتراط.

(1) بل لا يبعد أن يكون الظاهر من مثل تلك العبارة الدائرة بين الأقلّ والأكثر الوقوع بعنوان الإجارة على طبيعيّ العمل المنطبق قهراً على الأقلّ ، ولحاظ الأكثر على سبيل الاشتراط حسبما مرّ.

وكيفما كان ، فلا إشكال في الصحّة لو كان المقصود عنوان الجعالة بجعل جعلين على عملين وإنشاء جعالتين مقارنتين والعامل بعمله الخارجي يختار أحدهما فيستحقّ بعدئذٍ الأُجرة ، ولا تضرّ الجهالة في باب الجعالة كما هو واضح.

وقد عرفت الصحّة بعنوان الإجارة أيضاً في خصوص ما إذا كانا من قبيل الأقلّ والأكثر كالمثال المزبور ، لا ما إذا كانا متباينين ، كما لو قال : إن خطت هذا جبّة فدرهمان ، وإن خطته قباءً فدرهم واحد. فإنّه لا مناص في مثله من

والقول بالصحّة إجارة في الفرضين ضعيف ، وأضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحّة في الثاني دون الأوّل (1).


الحكم بالبطلان إجارة.

وعلى أيّ حال ، فجميع ما ذكر في هذا المثال جارٍ في المثال الآخر المذكور في المتن أعني قوله : إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان ، وإن عملته في الغد فلك درهم بمناطٍ واحد صحّةً وفساداً كما لا يخفى.

(1) لم نعثر على هذا القائل ، كما لم يتّضح مستنده. والمعروف بينهم ما عرفت من اتّحاد الفرضين قولاً وقائلاً ودليلاً ، ولا يبعد أن تكون العبارة سهواً من قلمه الشريف ، وصحيحها عكس ذلك بأن يلتزم بالصحّة في الأوّل دون الثاني.

إذ قد نسب إلى جماعة منهم الشيخ وصاحب الكفاية (1)التردّد في الثاني مع بنائهم على الصحّة في الأوّل ، ففرّقوا بينهما ولو على سبيل الترديد.

ولعلّ وجه الترديد ما عرفت من اختصاص الصحّة بعنوان الإجارة بموارد الأقلّ والأكثر المنطبق على الفرض الأوّل ، أعني : الخياطة بدرز أو درزين بوضوح.

وأمّا انطباقه على الفرض الثاني فلا يخلو عن نوع من الخفاء ، نظراً إلى أنّ الزمان بالنسبة إلى العمل يعدّ كالمقوّم في نظر العرف ، ومن ثمّ كانت الخياطة المقيّدة بالوقوع في هذا اليوم مباينة مع الخياطة في الغد ، كالصلاة الواقعة ما بين الطلوعين بالإضافة إلى صلاة المغرب ، وكالصوم في شهر رمضان بالنسبة إلى


1) الخلاف 3 : 509 ، وانظر الكفاية : 125 ونسبه صاحب الجواهر 27 : 236 - 237.

.................................................................................................


الصوم في شعبان ، فالزمان بالنسبة إلى الأعمال والأفعال مقدّر ومعدّد وموجب لامتياز فرد عن فرد آخر ، ولأجله كانت الخياطة في اليومين من الفردين المتباينين المحكوم فيهما ببطلان الإجارة ، لا من قبيل الأقلّ والأكثر.

ويندفع برجوع هذا المثال أيضاً إلى الأقلّ والأكثر ، غايته بحسب التحليل العقلي لا التركيب الخارجي كما في المثال الأوّل ، فيكون الفرق بينهما كالفرق بين الأجزاء والشرائط في جريان البراءة في الأقلّ والأكثر ، حيث إنّ الأكثر يشتمل على الأقلّ وزيادة بحسب الوجود العيني في المركّبات الخارجيّة ، وبحسب التحليل العقلي في المركّبات التحليليّة كالمطلق والمشروط ، فإنّ الرقبة المؤمنة تحتوي على مطلق الرقبة بزيادة التقيد بالإيمان ، فالمطلق موجود في ضمن المقيّد لدى التحليل ، فإذا دار الأمر بينهما كان من قبيل الدوران بين الأقلّ والأكثر.

وفي المقام أيضاً كذلك ، حيث جعل درهم بإزاء طبيعيّ الخياطة الجامعة ما بين اليوم والغد ودرهم آخر بإزاء خصوصيّة الإيقاع في هذا اليوم ، فيرجع الأمر إلى جعل الدرهم بإزاء الخياطة على كلّ تقدير ، وأنّه إن أضفت إليها هذه الخصوصيّة فلك درهم آخر.

ولا يبعد أن يكون هذا هو المتعارف في أمثال المقام ، فيعطيه مثلاً رسالة ليوصلها إلى كربلاء بدرهم ، ويقول له : إن أوصلتها في هذا اليوم فلك درهم آخر. فيكون طبعاً من قبيل الأقلّ والأكثر ، وإن كان الأمر في المثال الأوّل أظهر ، لسلامته عن تطرّق هذه الخدشة التي من أجلها تأمّل في المثال الثاني مَن لم يتأمّل في المثال الأوّل حسبما عرفت.

وعلى ما ذكرناه من البطلان فعلى تقدير العمل يستحقّ اجرة المثل ، (1)وكذا في المسألة السابقة إذا سكن الدار شهراً أو أقلّ أو أكثر (1).


(1) فيستحقّ صاحب الدار اجرة المثل للمنفعة التي استوفاها المستأجر كما يستحقّ العامل اجرة مثل عمله ، إذ بعد أن لم يمض الشارع الأُجرة المسمّاة بمقتضى افتراض فساد الإجارة فوجودها كالعدم وكأنّ العقد لم يكن ، وبما أنّ عمل العامل كمال المالك محترم لا يذهب هدراً وقد وقع بأمر المستأجر وهو الذي استوفاه وأتلفه ، فلا جرم يضمن لصاحبه اجرة المثل.

هكذا ذكره الماتن وغيره من الفقهاء مرسلين له إرسال المسلّمات. ولكن للنظر في إطلاقه مجال واسع.

والوجه فيه : أنّ احترام المال وإن استوجب الضمان لكنّه مراعى بعدم كون المالك بنفسه مقدماً على إلغائه وإسقاطه وسلب احترامه. ومن ثمّ لو أمر زيداً أن يعمل له العمل مجّاناً ففعل لم يكن له بعدئذٍ مطالبة الآمر بالأُجرة ، إذ هو بنفسه ألغى الاحترام وأقدم على المجّان ، فمال المسلم وإن كان محترماً في نفسه إلّا أنّه مخصوص بعدم الإقدام على الإلغاء إمّا كلّاً أو بعضاً ، فلو أقدم على إلغائه بتمامه لم يضمن الطرف الآخر شيئاً ، كما أنّه لو أقدم على إلغاء بعضه لم يضمن بمقدار ما أقدم.

وعليه ، فلو آجر داره كلّ شهر بعشرة دنانير بإجارة فاسدة سواء علم بالفساد أم لا ، وأُجرة مثلها كلّ شهر بخمسين ، لم تكن له المطالبة بالتفاوت ، إذ


1) (*) هذا إذا لم تكن اجرة المثل أزيد من وجه الإجارة ، وإلّا لم يستحقّ الزائد فيما إذا كان المؤجر عالماً بالغبن أو كان مقدماً على الإجارة مطلقاً.

.................................................................................................


هو بنفسه ألغى احترام ماله وسلّط المستأجر على داره إزاء تلك الأُجرة الضئيلة ، فلأجل أنّه هو المقدم لإسقاط الاحترام بالنسبة إلى هذه الزيادة لم يكن له حقّ المطالبة.

ومن المظنون بل المطمأنّ به أنّ الأمر كذلك حتى في عرف العقلاء بحسب القوانين الدارجة بينهم ، فإنّهم أيضاً لا يلتزمون بالضمان في أمثال هذه الموارد زائداً على ما أقدم عليه المالك ، فلا يطالبون المستأجر بأزيد ممّا عيّن له.

نعم ، لو انعكس الأمر فكانت اجرة المثل أقلّ من المسمّاة لم يكن للمالك وقتئذٍ مطالبة الزائد ، لعدم الملزم لدفعه إلّا الإجارة المفروض فسادها ، فلا مقتضي لضمان المستأجر بأكثر من اجرة المثل (1).

ومنه تعرف أنّه لا يضمن للمالك أو العامل إلّا أقلّ الأُجرتين من المثل أو المسمّاة ، وإن كان الظاهر أنّ كلّ من تعرّض للمسألة خصّ الضمان بأُجرة المثل ، ولا وجه له حسبما عرفت.

ولا فرق فيما ذكرناه بين صورة علم المالك أو العامل بكون المسمّى أقلّ من اجرة المثل وجهله ، لاشتراكهما في صدق الإقدام على إلغاء الاحترام.

نعم ، يفترقان في اختصاص صورة الجهل بما إذا لم يكن التفاوت فاحشاً بحيث كان موجباً لخيار الغبن لو كانت الإجارة صحيحة ، لكون الإقدام المزبور منوطاً ومعلّقاً بمقتضى الشرط الارتكازي على عدم مثل هذه الزيادة ، وإلّا فلا إقدام له من الأوّل ، ويكون المقتضي للإلغاء قاصراً وقتئذٍ.


1) نعم ، يصحّ القول بضمانه للأكثر لو كانت الأُجرة عيناً شخصيّة قد استوفاها وأتلفها الطرف الآخر ، لعين ما ذكر من التسليط والإقدام وإلغاء الاحترام.

[3269] مسألة 12 : إذا استأجره أو دابّته ليحمله أو يحمل متاعه إلى مكان معيّن في وقت معيّن بأُجرة معيّنة كأن استأجر منه دابّة لإيصاله إلى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان ولم يوصله فإن كان ذلك لعدم سعة الوقت وعدم إمكان الإيصال فالإجارة باطلة (1)(1) ، وإن كان الزمان واسعاً ومع هذا قصّر ولم يوصله (2)


(1) لعدم القدرة على التسليم بعد انكشاف عدم قابليّة الوقت لوقوع العمل فيه ، وقد مرّ اعتبار القدرة عليه في صحّة الإجارة (2).

(2) فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين ما إذا كان أخذ الزمان على وجه القيديّة فلا يستحقّ شيئاً من الأُجرة ، وبين ما إذا كان على سبيل الشرطيّة فيستحقّ إلّا أنّ للمستأجر خيار تخلّف الشرط ، فإذا فسخ يسترجع الأُجرة المسمّاة ويستحقّ الأجير اجرة المثل.

أقول : ينبغي بسط الكلام حول تحقيق معنى الشرط وما به يمتاز عن القيد وموارد اختلاف أحدهما عن الآخر حسبما يسعه المجال ويقتضيه المقام.

فنقول : إنّ للشرط إطلاقات :

أحدها : ما هو المصطلح عند أهل الفلسفة المعدود لديهم من أجزاء العلّة التامّة وهو الدخيل في تأثير المقتضي لدى ترتّب المقتضي عليه. إمّا من جهة الدخل في قابليّة القابل ، أو في فاعليّة الفاعل.


1) (*) إذا كان متعلّق الإجارة هو الدابّة وكان الإيصال شرطاً فهو من اشتراط أمر غير مقدور ، والصحيح فيه صحّة العقد وإلغاء الشرط.

2) في ص 32 - 33.

.................................................................................................


فالأوّل : كالمماسّة ويبوسة المحلّ بالإضافة إلى تأثير النار في الإحراق ، فإنّ من الواضح أنّ المقتضي للإحراق وما ينشأ منه الأثر إنّما هو النار لا مثل المماسّة وإنّما هي أو اليبوسيّة شرط في تأثير المقتضي في ترتّب الأثر عليه.

والثاني : كالقدرة في تحقّق الفعل الاختياري في الخارج ، فإنّها لم تكن علّة لوجوده ، بل الفعل يستند إلى فاعله وينبعث عن إرادته ، غير أنّ تأثير الإرادة مشروط بالقدرة ، وإلّا فالفاعل قاصر والإرادة غير مؤثّرة.

فالشرط بهذا المعنى يطلق في مقابل المقتضي في اصطلاح الفلسفي.

ثانيها : ما يطلق في باب الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة ، كالوجوب والحرمة ، أو الملكيّة والزوجيّة ، ونحوها. فيقال : إنّ دلوك الشمس مثلاً شرط في وجوب الصلاة ، أو السفر شرط في وجوب القصر ، أو بلوغ العاقد شرط في حصول الملكيّة ، أو الصيغة الخاصّة شرط في تحقّق الزوجيّة ، إلى ما شاكل ذلك ممّا يعدّ من شرائط الأحكام.

فإنّه لا شبهة ولا كلام في عدم كون هذا الإطلاق من سنخ الإطلاق الأوّل ، ضرورة عدم تأثير لمثل الدلوك في وجوب الصلاة لا في فاعليّة الفاعل ولا في قابليّة القابل ، فإنّ الحكم الشرعي أو غيره فعل اختياري يصدر ممّن بيده الحكم وينشأ عن إرادته المستقلّة من غير إناطة بالدلوك الخارجي بتاتاً.

بل المراد من الاشتراط في أمثال المقام الأخذ في الموضوع وجعله مفروض الوجود عند تعلّق الحكم وأنّه لم ينشأ على سبيل الإطلاق ، بل في هذا التقدير الخاصّ ، ففي الحقيقة يرجع الشرط هنا إلى الموضوع كما أنّ الموضوع يرجع إلى الشرط ، فكما أنّ قولنا : الخمر حرام ، يرجع إلى قولنا : إن كان هذا المائع خمراً فهو حرام ، فكذلك جملة إن استطعت فحجّ ، يرجع إلى قولك : المستطيع يحجّ ، فيعبّر عن هذا المؤدّي تارةً بالجملة الحمليّة ، وأُخرى بالجملة الشرطيّة ،

.................................................................................................


وكلتاهما بمعنى واحد.

وعلى الجملة : فالشروط في باب الأحكام برمّتها قيود ملحوظة في جانب الموضوع أُخذت مفروضة الوجود وإن عبّر عنها بالشرط حسبما عرفت.

ثالثها : ما يطلق في باب متعلّقات الأحكام لا نفس الأحكام من الصلاة والصيام ونحوهما من الواجبات وغيرها كالطهارة والستر والاستقبال بالنسبة إلى الصلاة ونحوها من سائر شرائط المأمور به ، حيث إنّ هذا الإطلاق أيضاً يغاير ما سبق ، فإنّ الشروط هناك قيود في الموضوع ، وهنا في متعلّق التكليف ، فيراد أنّ المأمور به ليس هو الصلاة مثلاً بنحو الإطلاق ، بل حصّة خاصّة من تلك الطبيعة وهي المقترنة بهذه الخصوصيّة ، فهي قيود في المأمور به على نحوٍ يكون التقيّد بها جزءاً فيه ، غايته جزءاً تحليليّاً لا خارجيّاً ، وبهذا امتازت المقيّدات عن المركّبات.

رابعها : ما يطلق في باب العقود والإيقاعات ، أعني : الشروط المجعولة من قبل نفس المتعاقدين لا المعتبرة من ناحية الشرع أو العقلاء ، كاشتراط البائع على المشتري شيئاً ، أو المؤجر على المستأجر ، ونحو ذلك ممّا يشترط في متن عقدٍ أو إيقاع.

فإنّ للشرط هنا معنى آخر مغايراً لجميع ما مرّ ، فقد ذكر الفقهاء في تفسيره : أنّه التزام في ضمن التزام. ومن الظاهر جدّاً أنّهم لا يريدون بهذه العبارة مجرّد الظرفيّة والمقارنة ، ضرورة أنّها بمجرّدها لم تكن موضوعاً لأيّ حكم شرعي ، إذ لنفرض أنّه باع وفي ضمنه أو مقارناً معه وعده بكذا وكذا ، فإنّ التقارن الحاصل بين هذين الالتزامين بما هو وفي حدّ ذاته لا يستوجب الإلزام المستتبع لوجوب الوفاء ما لم تتحقّق بينهما علقة ربطيّة تعقد أحدهما بالآخر.

.................................................................................................


والكلام في تحليل المراد من هذا الربط المعبّر عنه بالشرط في المقام وأنّه ما معنى الربط هنا ، والشارط يربط أيّ شي‌ء بأيّ شي‌ء؟

الظاهر أنّه يرجع إلى أحد معنيين على سبيل منع الخلوّ ، وربّما يجتمعان :

أحدهما : تعليق الالتزام بالعقد على تقديرٍ خاصّ خارج غالباً عن اختيار المتعاملين ، فهو ينشئ العقد مطلقاً ومن غير أيّ تعليق فيه نفسه ، إلّا أنّه يجعل التزامه بهذا العقد وإنهائه له منوطاً ومعلّقاً على تحقّق أمر أو وصف معيّن ، كما لو باع العبد بشرط أن يكون كاتباً ، فإنّا لو فتّشنا كيفيّة ارتباط البيع بكتابة العبد التي هي أمر اتّفاقي خارجي قد تكون وقد لا تكون نرى أنّ البائع لا يعلّق أصل البيع على الكتابة ولا يجعل الإنشاء البيعي منوطاً بها ، كيف؟! والتعليق في العقود باطل بالإجماع ، كما أنّه ليس بمراد له خارجاً قطعاً. وإنّما يعلّق التزامه بهذا البيع المفروض وقوعه وتحقّقه على كلّ تقدير على وجود تلك الصفة بحيث لولاها لم يكن ملتزماً بهذا البيع وله الحقّ في أن يرفع اليد عنه. وهذا كما ترى مرجعه إلى جعل الخيار على تقدير عدم الكتابة ، ومن المعلوم أنّ التعليق في الالتزام ليس فيه أيّ محذور أو شائبة إشكال.

ثانيهما : تعليق نفس العقد أو الإيقاع على التزام الطرف المقابل بشي‌ء ، فإن التزم وإلّا فلا عقد ولا إيقاع ، وكأنّما لم يصدر منه أيّ إنشاء ، وهذا ظاهر جدّاً في العقود الآبية عن الفسخ والتقايل كالنكاح على المشهور المتصور بل المتسالم عليه ، وإن ناقش فيه في الجواهر واحتمل قبوله للفسخ (1)، ولكنّه غير واضح ، فإنّ الزوجيّة لا ترتفع إلّا بالطلاق أو بالفسخ بعيوب خاصّة دلّ النصّ عليها.

والأمر في الإيقاع كالطلاق أظهر وأوضح ، لعدم قبوله للفسخ قولاً واحداً. فلو زوّجت نفسها شريطة الاستقلال في السكنى ، أو طلّق زوجته بشرط أن


1) الجواهر 29 : 150 - 151.

.................................................................................................


تفعل كذا وقد قبلت الشرط والتزمت به ، فإنّ معنى الشرط هنا لا يتّحد معه في القسم الأوّل ، لعدم تطرّق الفسخ فيه لكي يؤول إلى جعل الخيار كما آل إليه هناك حسبما عرفت.

فليس معنى الشرط هنا : تعليق الالتزام بالنكاح أو الطلاق على تحقّق ذلك الشي‌ء الذي التزم به الطرف الآخر خارجاً.

بل معناه : أنّ أصل الطلاق أو النكاح معلّق لكن لا على تحقّق ذلك الشي‌ء في الخارج ليكون من التعليق المبطل ، بل على نفس الالتزام به من الطرف المقابل الذي لا ضير في مثل هذا التعليق جزماً.

فإنّه إن لم يلتزم به فعلاً فلا موضوع ولم ينعقد إنشاء من أصله ، إذ قد كان منوطاً في تكوّنه بوجود هذا التقدير ، حيث إنّه قد أنشأ الحصّة الخاصّة المقرونة بفعليّة هذا التقدير حسب الفرض.

وإن التزم به حالاً التزاماً هو بمثابة الموضوع لهذا الإنشاء فقد تحقّق المعلّق والمعلّق عليه معاً في آنٍ واحد. فهذه الإناطة وإن كانت تعليقاً في المنشأ لكنّه تعليق على أمر حالي موجود بالفعل ، ومثله لا يقدح في العقد والإيقاع.

ونتيجة هذا النوع من الاشتراط : أنّه بعد ما التزم بالشرط وتمّ الإيقاع أو العقد كان للشارط مطالبة المشروط عليه وإلزامه بالوفاء ، عملاً بعموم : «المؤمنون عند شروطهم». فلا يتضمّن هذا الشرط إلّا التكليف المحض دون الوضع.

وعلى الجملة : فالشرط في باب المعاملات يرجع إلى أحد الأمرين المزبورين : إمّا تعليق العقد على الالتزام ، وإمّا تعليق الالتزام به على وجود الملتزم به خارجاً ، وثمرته على الأوّل : الإلزام بالوفاء ، وعلى الثاني : جعل الخيار.

وربّما يجتمعان ، كما لو كان الملتزم به فعلاً اختياريّاً في عقدٍ قابل للفسخ ،

.................................................................................................


مثل ما لو باع بشرط الخياطة ، فقد اشتمل هذا على تعليق البيع على الالتزام بالخياطة ، فمن ثمّ كانت له المطالبة بها كما اشتمل على تعليق الالتزام به على تحقّقها خارجاً ، ولأجله كان له الفسخ لو تخلّف الشرط ولم تتحقّق الخياطة في الخارج. هذا كلّه ما يرجع إلى الشرط.

وقد اتّضح أنّ مفهومه في الكلّ بمعنى واحد وهو الربط ، ومنه إطلاقه على شريط المساحة ، أو على الخيط الذي يكون بين جدارين أو شجرتين باعتبار كونه رابطاً بين الطرفين ، فليس هو من قبيل الاشتراك اللفظي ، بل في الجميع بمعنى واحد ، غايته أنّ كيفيّة الارتباط ومصاديقه تختلف باختلاف الإطلاقات والموارد حسبما عرفت.

وأمّا القيد فتارةً يكون مورده العين الخارجيّة ، وأُخرى يلاحظ في الكلّي ، وثالثة في الأعمال.

أمّا الأعيان كما لو قال : بعتك هذه العين الشخصيّة بشرط كذا أو آجرتكها على كذا فالشرط المزبور يتصوّر على وجوه ثلاثة :

أحدها : أن يكون من مقوّمات الموضوع باعتبار أنّ له تمام الدخل في ماليّته ، بل في قوامه وعنوانه ، كما لو باعه هذا الجسم الأصفر على أن يكون ذهباً ، أو الحيوان على أن يكون شاة ، ونحو ذلك من التعليق على ما به شيئيّة الشي‌ء وتتقوّم به صورته النوعيّة.

ولا شكّ أنّ مثل هذا يعدّ قيداً مأخوذاً في المبيع ويرجع الشرط إلى التقييد ، أي إلى تعليق البيع بهذا العنوان ، فلا يبيع ولا يشتري إلّا المتّصف بهذا الوصف العنواني ، ولا ضير في مثل هذا التعليق ، ضرورة أنّ ماليّة الشي‌ء إنّما هي بصورته وعنوانه ، فالتعليق على ما يكون عنواناً للمبيع يرجع في الحقيقة إلى ورود البيع على هذا العنوان ، فقوله : بعتك هذا على أن يكون ذهباً ، بمنزلة قوله : بعتك هذا

.................................................................................................


الذهب ، فمع تخلّفه ينكشف عدم وقوع البيع من أصله ، فهو قيد مأخوذ في الموضوع وإن عبّر عنه بلسان الشرط.

ثانيها : أن يكون من أعراض المبيع وأوصافه ، كما لو باع العبد بشرط أن يكون كاتباً ، وحيث إنّ العين الشخصيّة جزئي حقيقي ومثله لا سعة فيه ولا إطلاق حتى يكون قابلاً للتقييد ، فيمتنع إذن رجوع الشرط إلى القيد ، إلّا إذا كان على نحو التعليق بحيث يكون البيع معلّقاً على الاتّصاف بالكتابة المستلزم للبطلان حينئذٍ ، لقيام الإجماع على اعتبار التنجيز في العقود وبطلان التعليق فيها.

وبهذا افترق عن القسم السابق ، إذ التقييد فيه وإن رجع أيضاً إلى التعليق حسبما عرفت إلّا أنّ التعليق هناك لم يكن ضائراً بعد كون المعلّق عليه من مقوّمات الموضوع الدخيلة في صورته النوعيّة لا من الصفات الخارجة عن مقام الذات كما في المقام ، لرجوع ذاك التعليق إلى تحقيق موضوع العقد ، وهنا إلى أنّ العقد على موضوعه نافذ في تقدير دون تقدير ، ومن ثمّ كان الثاني باطلاً دون الأوّل كما مرّ.

وممّا ذكرناه يظهر الحال في :

ثالث الوجوه ، أعني : ما إذا كان الشرط أمراً خارجيّاً مفارقاً ولم يكن من قبيل الصفات والأعراض كالبيع بشرط الخياطة ، فإنّ التقييد هنا أيضاً لا معنى له إلّا أن يرجع إلى التعليق المستوجب للبطلان.

فبعد امتناع التقييد في هذين الموردين لا محيص من إرادة الشرط بالمعنى الذي تقدّم أعني : تعليق الالتزام بالعقد على وجود الوصف خارجاً الراجع إلى جعل الخيار كما في المورد السابق ، أو هو مع تعليق العقد على الالتزام ، الذي نتيجته جواز المطالبة والإلزام بالوفاء كما في هذا المورد.

.................................................................................................


فتحصّل : أنّ التقييد في العين الخارجيّة ينحصر فيما إذا كان القيد من الصفات المقوّمة ، أمّا إذا كان من الأعراض المفارقة أو الأُمور الخارجيّة فهو راجع إلى الشرط ، سواء أكان التعبير بصورة الاشتراط أم بنحو التقييد ، فلا فرق إذن بين أن يقول : بعتك هذا العبد الكاتب ، أو بشرط أن يكون كاتباً ، أو على أن يكون كاتباً ، إذ لا أثر لمقام الإثبات وكيفيّة الإبراز ، وإنّما الاعتبار بلحاظ الواقع ومقام الثبوت. وقد عرفت أنّ التقييد غير متصوّر في المقام ، إذ الموجود الخارجي لا ينقسم إلى قسمين حتى يقيّد بقسم دون قسم ، إلّا أن يرجع إلى التعليق وهو موجب للبطلان حسبما عرفت ، فهو شرط لا محالة ، سواء عبّر بلفظه أم بلفظ التقييد.

هذا كلّه في العين الخارجيّة.

وأمّا في الكلّي ، كما لو باعه منّاً من الحنطة على أن تكون من المزرعة الفلانيّة :

أمّا عنوان نفس المبيع وهو كونه حنطة : فلا كلام ولا إشكال في كونه ملحوظاً على وجه التقييد ، فلو سلّمه شعيراً مثلاً فهو غير المبيع جزماً ، وهذا ظاهر.

وأمّا بالنسبة إلى الأوصاف المعدودة من عوارض هذا الكلّي والموجبة لتقسيمه إلى قسمين وتنويعه إلى نوعين ككونه من

هذه المزرعة تارةً ومن تلك اخرى : فالظاهر من التوصيف بحسب المتفاهم العرفي رجوعه إلى التقييد أيضاً لا إلى الاشتراط ، بمعنى : أنّ المبيع صنف خاصّ من هذا الكلّي وحصّة مخصوصة وهي المعنونة بكونها من المزرعة الفلانيّة ، بحيث لو سلّمه من مزرعة أُخرى فليس له إجبار المشتري على القبول ولو بأن يكون له خيار التخلّف ، بل له الامتناع وإلزام البائع بدفع تلك الحصّة التي وقع العقد عليها ، مدّعياً أنّ هذا الفرد غير

.................................................................................................


المبيع ، لا أنّه هو وقد فقد وصفه ليثبت له الخيار.

وهكذا الحال لو باعه عبداً كلّيّاً موصوفاً بالكتابة أو كتاباً كذلك على أن يكون من المطبعة الكذائيّة ، فإنّ المتفاهم العرفي أمثال ذلك كلّه دخل الوصف في عنوان المبيع على سبيل التقييد وتخصيص الكلّي بحصّة معيّنة ، لا الرجوع إلى الاشتراط ، فله المطالبة بنفس تلك الحصّة لو سلّمه حصّة أُخرى ، إلّا أن يقع بينهما تصالح وتراضٍ جديد ، وذاك أمر آخر.

وأمّا بالنسبة إلى الأُمور الخارجيّة ، كما لو باعه منّاً من الحنطة على أن يخيط له ثوباً ، فمن الواضح أنّها لا تكون قيداً في المبيع ، لضرورة أنّ مثل الخياطة لا يكون من أوصاف الحنطة بحيث تنقسم بلحاظها إلى قسمين مع الخياطة وبدونها ، فلا معنى للتقييد هنا إلّا الاشتراط ، بمعنى : أنّه يبيع الحنطة لكن التزامه بالبيع منوط بتحقّق الخياطة ومعلّق عليها ولا التزام بدونها ، الراجع كما عرفت إلى جعل الخيار ، فليس للمشتري الامتناع من القبول كما في سابقه بل غايته الخيار لو تخلّف.

وبالجملة : فبالنسبة إلى الأُمور المفارقة التي لا تعدّ من العوارض لا معنى للتقييد ، ولا مناص فيها من ارادة الاشتراط.

وبهذا يظهر الحال في الأعمال ، فإنّها أيضاً من هذا القبيل ، فلو آجره على عمل مشروطاً بشي‌ء ، فإن كان ذلك الشي‌ء من صفات العمل وعوارضه القائمة به بحيث ينقسم العمل بلحاظه إلى قسمين ويتحصّص بحصّتين ، كما لو آجر نفسه للصلاة عن لميّت بشرط وقوعها في الحرم العلوي الشريف ، رجع ذلك إلى التقييد وتنويع الطبيعة بهذا النوع الخاصّ ، فلو صلّى في مكان آخر لم يستحقّ شيئاً ، إذ لم يأت بالعمل المستأجر عليه بتاتاً.

وإن كان من الأُمور الخارجيّة المفارقة غير المعدودة من عوارض هذا العمل

.................................................................................................


وصفاته ، كما لو اشترط في المثال أن يصلّي المستأجر أيضاً عن والد الأجير أو يزور عنه مثلاً حيث إنّ ذاك عمل آخر لا يرتبط بهذا العمل ولا يعدّ من عوارضه ولا يكاد ينقسم بلحاظه إلى قسمين ، فعندئذٍ لا محيص من رجوعه إلى الاشتراط ، ولا سبيل في مثله إلى التقييد ، من غير فرق في ذلك كلّه بين أنحاء التعبير وكيفيّة الإبراز من كونه بصورة التقييد أو على سبيل الاشتراط.

ومن جميع ما ذكرناه يتّضح افتراق التقييد عن الاشتراط مفهوماً ومورداً ، وأنّهما لا يكادان يردان على مورد واحد ، وأنّ المورد الذي يصحّ فيه الاشتراط لا يمكن فيه التقييد وبالعكس ، من غير خصوصيّة للّفظ واختلاف التعبير في مقام الإثبات ، فإنّ الاعتبار بمقام الثبوت ، وعرفت أنّ الاشتراط في غير العين الخارجيّة يرجع إلى التقييد إن كان من قبيل الأوصاف للمبيع أو المستأجر عليه ، كما أنّ التقييد يرجع إلى الاشتراط إن كان من قبيل الأُمور الخارجيّة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

وعلى ضوء هذا الضابط يتّضح لك جليّا حال المثال المذكور في المتن ، فإنّ المستأجر عليه قد يكون هو العمل ، أي الإيصال الخاصّ وهو إلى كربلاء في النصف من شعبان ، وعندئذٍ يرجع الشرط إلى التقييد لا محالة ، لأنّه يعدّ من عوارض هذا العمل وأوصافه ، ضرورة أنّ الإيصال قد يكون قبل النصف وأُخرى بعده ، فيتحصّص بلحاظ هذا الوصف إلى حصّتين ، وقد وقعت الإجارة على الحصّة الأُولى ، فإذا أوصله بعد النصف فلم يسلّمه الحصّة المستأجر عليها ، ولأجله لا يستحقّ شيئاً من الأُجرة.

وقد يكون مصبّ الإجارة ومتعلّقها هو الدابّة لا العمل ، فتتعلّق الإجارة بمنفعة الدابّة وهي الركوب مشروطاً بأن يوصله قبل النصف ، بحيث يكون الإيصال شرطاً في الإيجار لا متعلّقاً له. ومن الواضح أنّ مثل هذا يرجع إلى

فإن كان ذلك على وجه العنوانيّة والتقييد (1) لم يستحقّ شيئاً من الأُجرة (1)، لعدم العمل بمقتضى الإجارة أصلاً ، نظير ما إذا استأجره ليصوم يوم الجمعة


الاشتراط ، ضرورة أنّ الإيصال لا يكون قيداً في الدابّة وعرضاً قائماً بها.

ثمّ إنّ ما ذكره في المتن من البطلان في فرض عدم سعة الوقت إنّما يتّجه فيما إذا وقعت الإجارة على النحو الأوّل ، أعني : العمل وهو الإيصال ، لعدم كونه مقدوراً ، فلا يملكه ليملّكه بالإيجار كما سبق ، نظير أن يؤاجر نفسه على أن يطير أو يجمع بين الضدّين.

وأمّا إذا وقعت على النحو الثاني فآجره الدابّة واشترط الإيصال في وقتٍ لا يسعه فغايته فساد الشرط ، ويبتني بطلان العقد حينئذٍ على كون الشرط الفاسد مفسداً ، الذي هو خلاف التحقيق ، بل خلاف ما عليه المحقّقون ومنهم الماتن نفسه (قدس سره).

وبالجملة : فهذا الشرط من أجل عدم مقدوريّته يفسد ولا يكون مشمولاً لأدلّة نفوذ الشرط ، فهو كاشتراط ارتكاب الحرام في الفساد ، فيندرج حينئذٍ تحت كبرى أنّ الشرط الفاسد هل يكون مفسداً أو لا؟ فلا يصحّ إطلاق القول ببطلان الإجارة.

(1) فصّل (قدس سره) في صورة سعة الوقت بين ما إذا كان الأخذ على وجه التقييد ، كما لو وقعت الإجارة على العمل أعني : الإيصال الخاصّ فلم يوصل ، فإنّه لم يستحقّ شيئاً من الأُجرة ، لعدم العمل بمقتضى الإجارة ، فهو كما لو استأجره لصوم يوم الجمعة فصام يوم السبت ، فبالنتيجة يحكم بانفساخ الإجارة.


1) (*) الظاهر أنّه يستحق الأُجرة المسمّاة ، ولكنه يضمن للمستأجر أُجرة المثل ، نعم لا يستحق عليه المطالبة ما لم يدفعها ، وللمستأجر أن يفسخ المعاملة لتعذر التسليم.

فاشتبه وصام يوم السبت. وإن كان ذلك على وجه الشرطيّة بأن يكون متعلّق الإجارة الإيصال إلى كربلاء (1)ولكن اشترط عليه الإيصال في ذلك الوقت فالإجارة صحيحة والأُجرة المعيّنة لازمة ، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلّف الشرط ، ومعه يرجع إلى أُجرة المثل.


وبين ما إذا كان على وجه الاشتراط بأن وقعت الإجارة على الدابّة مشروطاً بالإيصال الخاصّ ، فالإجارة صحيحة حينئذٍ ، غايته ثبوت الخيار من أجل تخلّف الشرط فله الفسخ ، ومعه يرجع إلى أُجرة المثل دون المسمّاة.

أقول : ما أفاده (قدس سره) في الشقّ الثاني ظاهر كما ذكر ، وأمّا في الشقّ الأوّل فلا يمكن المساعدة عليه وإن كان ذلك هو المعروف بين الفقهاء ظاهراً.

والوجه فيه : أنّ صحّة الإجارة غير مشروطة بوقوع العمل المستأجر عليه خارجاً ، بل هي بعد استجماعها لشرائط الصحّة التي منها القدرة على العمل كما هو المفروض محكومة بالصحّة الفعليّة ، سواء وفى الأجير بالعقد وأتى بالعمل خارجاً أم لا ، لعدم نهوض أيّ دليل على إناطة الصحّة وتوقّفها على التعقّب بالعمل الخارجي بحيث لو تركه الأجير باختياره وإرادته يستكشف البطلان وعدم الانعقاد من الأوّل.

وعليه ، فمنذ وقوع الإجارة واتّصافها بالصحّة تملّك المستأجر العمل في ذمّة الأجير ، كما أنّه تملّك الأُجرة في ذمّة المستأجر إن كانت كلّيّة ، وإلّا فنفس العين الشخصيّة ، ولا يناط ذلك بالأداء الخارجي في شي‌ء من الجانبين.


1) (*) إذا كان متعلق الإجارة هو العمل كان الاشتراط بمنزلة التقييد ، فإنّه يرجع إليه لباً وإنّما الاختلاف في اللفظ ، نعم يصح ما ذكر فيما إذا كان متعلق الإجارة الدابة وكان الإيصال أخذ شرطاً.

.................................................................................................


ونتيجة ذلك : أنّ الأجير إذا خالف في مقام العمل وأتى بفرد آخر غير ما وقعت الإجارة عليه ، كما لو استؤجر للصوم يوم الجمعة فصام يوم السبت ، فإنّه لا يستحق أيّة اجرة على ما أتى به من الصوم يوم السبت ، لأنّه قد أتى به من تلقاء نفسه لا بأمر من المستأجر ليضمن له.

وأمّا الفرد الآخر ، أعني : العمل الذي وقعت الإجارة عليه المملوك للمستأجر في ذمّة الأجير ، أعني : الصوم يوم الجمعة في المثال ، فقد أتلفه الأجير بتعجيز نفسه اختياراً عن الإتيان به خارجاً حتى مضى وقته وامتنع تداركه ، فللمستأجر وقتئذٍ مطالبته بالقيمة ، كما أنّ للأجير مطالبته بالأُجرة أعني : الأُجرة المسمّاة فلكلٍّ مطالبة ما يملكه على الآخر بمقتضى افتراض وقوع الإجارة الصحيحة ، غير أنّ في العمل ينتقل إلى البدل بعد تعذّر تسليمه بالإتلاف.

وهذا ربّما يستوجب الفرق الكثير ، كما لو استؤجر لنيابة الحجّ بأُجرة ضئيلة في سنة معيّنة فرضي الأجير بالقليل ، ولكنّه لم يأت بالحجّ خارجاً ، فإنّ للمستأجر المطالبة بقيمة هذا العمل التي ربّما تكون أضعاف الأُجرة المسمّاة.

وهذا الذي ذكرناه يطّرد في الأعيان كالأعمال ، فلو باع عيناً شخصيّة فأتلفها قبل أن يسلّمها إلى المشتري ضمن له القيمة ، لا أنّ العقد ينفسخ بذلك.

ومن الواضح أنّ قاعدة : تلف المبيع قبل القبض من مال البائع ، خاص بالتلف ولا يعمّ الإتلاف المبحوث عنه في المقام.

نعم ، للمشتري أو للمستأجر أن يفسخ من أجل عدم التسليم خارجاً ، لا أنّه ينفسخ بنفسه ، فله أن لا يفسخ ويطالب بالقيمة.

وعلى الجملة : فالقاعدة تقتضي ما ذكرناه ، والأعيان والأعمال بل المنافع في ذلك كلّه شرع سواء ، لوحدة المناط ، ولم نجد في شي‌ء من النصوص ما يدلّ

ولو قال : وإن لم توصلني في وقت كذا فالأُجرة كذا ، أقلّ ممّا عيّن أوّلاً ، فهذا أيضاً قسمان (1) : قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين من الإيصال في ذلك الوقت وعدم الإيصال فيه مورداً للإجارة ، فيرجع إلى قوله : آجرتك بأُجرة كذا إن أوصلتك في الوقت الفلاني ، وبأُجرة كذا إن لم اوصلك في ذلك الوقت ، وهذا باطل للجهالة (1)، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من البطلان إن قال : إن عملت في هذا اليوم فلك درهمان ، إلخ.


على خلاف هذه القاعدة.

وعليه ، فالظاهر في المقام أنّ الأجير يستحقّ الأُجرة المسمّاة ، ولكنّه يضمن للمستأجر قيمة الإيصال إلى كربلاء في النصف من شعبان الذي أتلفه خارجاً أعني : أُجرة المثل وإن لم يستحقّ مطالبة المسمّاة ما لم يدفع المثل ، كما أشار إليه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.

(1) أمّا البطلان في القسم الأوّل الراجع إلى الإيجار باجرتين لعملين متباينين نظير ما تقدّم من الاستئجار لخياطة القماش قباءً بدرهم أو جبّة بدرهمين ، فظاهر ، لامتناع الجمع بعد افتراض التضادّ وبطلان الترجيح ، والإجارة المبهمة المردّدة بينهما محكومة بالبطلان كما تقدّم (2).

فالإجارة في المقام على الإيصال في زمان كذا بكذا درهماً وفي زمان كذا بكذا باطل جزماً.

وأمّا في القسم الثاني بأن تقع الإجارة على شي‌ء معيّن وهو الإيصال في


1) (*) مرّ وجه البطلان في المسألة السابقة.

2) في ص 80 - 81.

وقد يكون مورد الإجارة هو الإيصال (1)في ذلك الوقت ويشترط عليه أن ينقص من الأُجرة كذا على فرض عدم الإيصال ، والظاهر الصحّة في هذه الصورة ، لعموم : «المؤمنون عند شروطهم» وغيره ، مضافاً إلى صحيحة محمّد الحلبي.


وقت كذا مشروطاً بأنّه لو لم يوصله فيه ينقص من الأُجرة كذا ، فقد حكم في المتن بصحّته بمقتضى القاعدة ، وبمقتضى النصّ الخاصّ الوارد في المقام.

وهي صحيحة محمّد الحلبي ، قال : كنت قاعداً إلى قاض وعنده أبو جعفر (عليه السلام) جالس فجاءه رجلان فقال أحدهما : إنّي تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً إلى بعض المعادن فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا لأنّها سوق أخاف أن يفوتني ، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكلّ يوم احتبسته كذا وكذا ، وأنّه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوماً ، فقال القاضي : هذا شرط فاسد وفّهِ كراه ، فلمّا قام الرجل أقبل إليّ أبو جعفر (عليه السلام) فقال : «شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه» (2).

فإنّها صريحة الدلالة على جواز الشرط المزبور ونفوذه ما لم يستوعب النقص المشترط تمام الأُجرة بكاملها.

أقول : يقع الكلام :


1) (*) إذا كان مورد الإجارة هو الإيصال فمع عدمه لا يستحق المؤجر شيئاً على ما اختاره (قدس سره) فلا معنى لاشتراط النقص ، وأما النص فمورده هو إيجار الدابة واشتراط النقص على تقدير عدم الإيصال ، وهو غير مفروض الكلام ، نعم على ما اخترناه يصح هذا الاشتراط على القاعدة.

2) الوسائل 19 : 116 / كتاب الإجارة ب 13 ح 2.

.................................................................................................


تارةً : فيما إذا لوحظ الإيصال في وقت كذا شرطاً في متعلّق الإجارة ، كما لو آجره الدابّة للركوب إلى كربلاء بكذا مشروطاً بأن يكون الإيصال في وقت كذا وإلّا نقص من الأُجرة كذا.

وأُخرى : فيما إذا كان بنفسه مورداً لها فوقع الإيجار على نفس الإيصال ، كما هو صريح عبارة المتن حيث قال (قدس سره) : وقد يكون مورد الإجارة هو الإيصال في ذلك الوقت ، إلخ. وشرط عليه نقص الأُجرة إن لم يوصل.

أمّا في المورد الأوّل : فالأمر كما ذكره (قدس سره) ، إذ مقتضى اشتراط الإيصال المزبور ثبوت خيار التخلّف لو لم يوصل ، فللمستأجر وقتئذٍ فسخ الإجارة واسترداد الأُجرة ، ومرجع اشتراط النقص لو لم يوصل إلى اشتراط عدم إعمال الفسخ والاقتناع بدلاً عنه بانتقاص الأُجرة كذا وكذا ، وهذا شرط سائغ في نفسه مشمول لعموم : «المؤمنون عند شروطهم» ، فصحّته مطابقة لمقتضى القاعدة.

والنصّ أيضاً قد ورد في هذا المورد ، إذ قد فرض فيها وقوع الإجارة على نفس الإبل لحمل المتاع إلى كذا مشروطاً بأن يكون الإيصال في وقت كذا ، فاعتبر الإيصال شرطاً في متعلّق الإجارة لا مورداً لها. ونتيجة التخلف وإن كان هو الخيار لكنّهما يلتزمان بعدم إعماله وإبداله بنقص الأُجرة كلّ يوم كذا. ولا ضير فيه حسبما عرفت.

وأمّا المورد الثاني الذي عرفت أنّه صريح عبارة المتن - : فهو خارج عن مورد النصّ ، لأنّ مورده كما عرفت إجارة الإبل لحمل المتاع لا إجارتها للإيصال في الوقت المعيّن.

وبعبارة اخرى : مورد الصحيحة تخلّف الشرط لا عدم الإتيان بمتعلّق الإجارة ، فلا تشمل ما إذا وردت الإجارة على الإيصال ولم يتحقّق ، فلا بدّ إذن

ولو قال : إن لم توصلني فلا اجرة لك (1) : فإن كان على وجه


من الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد.

وحينئذٍ فبناءً على ما تقدّم من الماتن من أنّ الإيجار لو كان واقعاً على العنوان وهو الإيصال ولم يأت به خارجاً لا يستحقّ شيئاً من الأُجرة (1)، المساوق للقول بانفساخ الإجارة وبطلانها ، فلا موقع حينئذٍ لهذا الاشتراط ، إذ لا أثر للشرط مع فساد العقد ، فإنّه لا يستحق شيئاً من الأُجرة حسب الفرض ، فما معنى اشتراط النقص؟! فإنّه سالبة بانتفاء الموضوع.

وأمّا على ما ذكرناه من صحّة المعاملة وقتئذٍ وعدم انفساخها ، غاية الأمر ثبوت الخيار للمستأجر من جهة عدم التسليم فله أن يفسخ ، كما أنّ له أن يطالب بقيمة العمل وهي اجرة المثل ويدفع للأجير الأُجرة المسمّاة. فعلى هذا المبنى وهو التحقيق كما سبق (2)صحّ الشرط المزبور بمقتضى القاعدة وإن لم يكن مشمولاً للنصّ ، نظراً إلى أنّ مرجع هذا الاشتراط إلى عدم إعمال الفسخ ولا مطالبة القيمة ، بل القناعة بدلاً عن ذلك بنقص شي‌ء معيّن من الأُجرة من ثلث أو نصف ونحو ذلك. وهذا كما ترى شرط سائغ تشمله عمومات النفوذ ، فلا مانع من البناء على صحّته بعد فرض صحّة العقد.

وعلى الجملة : فاستشهاد الماتن في مفروض عبارته بالنصّ لا موقع له ، كما أنّ تمسّكه بالقاعدة أيضاً لا يتمّ على مبناه وإنّما يتمّ على مسلكنا فحسب.

(1) تقدّم الكلام حول ما إذا كان الشرط نقص الأُجرة لو لم يوصل (3).


1) في ص 95.

2) في ص 97 - 98.

3) في ص 98 - 99.

الشرطيّة بأن يكون متعلّق الإجارة هو الإيصال الكذائي فقط واشترط عليه عدم الأُجرة على تقدير المخالفة صحّ ويكون الشرط المذكور مؤكّداً لمقتضى العقد (1)،


وأمّا لو اشترط سقوطها حينئذٍ بكاملها فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّ هذا صحيح ومؤكّد لمقتضى العقد.

أقول : هنا أيضاً يقع الكلام :

تارةً : فيما إذا لوحظ الإيصال شرطاً.

وأُخرى : فيما إذا كان بنفسه مورداً ومتعلّقاً للإجارة.

أمّا في المورد الأوّل بأن آجر دابّته للركوب إلى كربلاء بكذا ، واشترط عليه الإيصال في وقت كذا ، وأنّه إن لم يوصله فلا اجرة بتاتاً ، فمن الواضح أنّ تخلّف هذا الشرط وعدم تحقّق الإيصال خارجاً لا يستوجب إلّا الخيار ، وإلّا فالعقد في نفسه صحيح ، عمل بمقتضاه خارجاً أم لا ، لعدم إناطة الصحّة بالوفاء الخارجي الذي هو حكم مترتّب عليها ، فافتراض صحّة العقد مساوق لافتراض استحقاق الأُجرة على التقديرين.

وعليه ، فاشتراط عدم الاستحقاق لو لم يوصل شرط مخالف لمقتضى العقد ، ضرورة منافاة السالبة الجزئيّة مع الموجبة الكلّيّة ، فهو إذن منافٍ لمقتضى العقد فيكون فاسداً بل ومفسداً للعقد ، للزوم التهافت والتناقض في الإنشاء ، فلا يبتني على كون الشرط الفاسد مفسداً ، لسراية الفساد هنا إلى العقد من غير خلاف ولا إشكال.


1) (*) بل هو مخالف لمقتضاه ، فإن مقتضاه انتقال المنفعة إلى المستأجر والعوض إلى المؤجر سواء أتى الأجير بالعمل أم لا ، وعليه يحمل ما في ذيل الصحيحة.

.................................................................................................


والمظنون أنّ المشهور الذين نسب إليهم البطلان في فرض اشتراط عدم الأُجرة يريدون به هذه الصورة ، لما عرفت من أنّ مقتضى العقد ملكيّة الأُجرة على كلّ تقدير ، أي سواء عمل بالشرط أم لا ، فاشتراط عدم الأُجرة لو لم يعمل منافٍ لمقتضاه ، فيكون باطلاً لا محالة ومبطلاً للعقد.

ويمكن الاستدلال لذلك بمفهوم صحيحة الحلبي المتقدّمة (1)، حيث تضمّنت إناطة الجواز بعدم إحاطة الكراء بتمامها ، فلا يجوز الشرط مع الاستيعاب لتمام الأُجرة.

وعليه ، فكلام المشهور صحيح بمقتضى النصّ والقاعدة بعد استظهار كونهم ناظرين إلى هذه الصورة خاصّة حسبما عرفت.

وأمّا في المورد الثاني : فعلى مسلكه (قدس سره) من عدم الاستحقاق لو لم يتحقّق الإيصال الواقع مورداً ومتعلّقاً للإيجار ، يتّجه ما أفاده (قدس سره) من كون الشرط حينئذٍ مؤكّداً لمقتضى العقد ، لكون الحكم كذلك سواء صرّح بالشرط أم لا.

وأمّا على ما ذكرناه من ثبوت الاستحقاق على التقديرين وعدم إناطة صحّة العقد بالعمل بمقتضاه ، فالشرط المزبور منافٍ لمقتضى العقد أيضاً كما في المورد السابق ، فإنّ اشتراط عدم استحقاق الأُجرة لو لم يعمل منافٍ لما يقتضيه العقد من استحقاقها عمل أو لم يعمل ، فيكون فاسداً بل ومفسداً أيضاً حسبما عرفت.

وتظهر الثمرة بين المسلكين فيما لو وفى بالعقد وأتى بمتعلّق الإيجار وهو الإيصال خارجاً ، فإنّه يستحق الأُجرة المسمّاة على مسلكه ، لفرض صحّة العقد وكون الشرط مؤكّداً لمقتضاه. وأمّا على المسلك المختار فلا يستحقّها ،


1) في ص 99.

وإن كان على وجه القيديّة بأن جعل كلتا الصورتين مورداً للإجارة إلّا أنّ في الصورة الثانية بلا اجرة (1) يكون باطلاً ، ولعلّ هذه الصورة مراد المشهور القائلين بالبطلان دون الاولى ، حيث قالوا : ولو شرط سقوط الأُجرة إن لم يوصله لم يجز.


لفرض فساد العقد بفساد شرطه ، بل ينتهي الأمر حينئذٍ إلى استحقاق اجرة المثل ، بناءً على ما هو الصحيح من الانتهاء إليه في الإجارة الفاسدة ، بل في مطلق العقود الضمانيّة لدى الحكم بفسادها.

وأمّا لو لم يف بالعقد ولم يعمل بمقتضاه فلا يستحقّ المسمّاة على التقديرين ، ولا ثمرة حينئذٍ بين القولين كما لا يخفى.

(1) ففي الحقيقة تعدّدت الإجارة وانحلّت إلى إجارتين عرضيّتين : إحداهما على العمل الموصل بأُجرة كذا ، والأُخرى على العمل غير الموصل بلا اجرة ، وقد حكم (قدس سره) حينئذٍ بالبطلان كما في سائر موارد الجهالة والترديد مثل الخياطة الفارسيّة والروميّة حسبما تقدّم (1)، وحمل كلام المشهور القائلين بالبطلان على هذه الصورة.

أقول : حمل كلام المشهور على فرض الإجارتين بعيدٌ غايته ، فإنّ كلامهم في الاشتراط وأنّه لو آجر واشترط نقص الأُجرة لو خالف لا بأس به ، ولو اشترط عدمها أصلاً بطل ، فمحطّ كلامهم الإجارة المشروطة لا المقرونة بإجارة أُخرى.

وقد عرفت توجيه كلامهم وأنّ نظرهم في البطلان إلى منافاة الشرط


1) في ص 77.

.................................................................................................


لمقتضى العقد المستوجبة للفساد والإفساد ، وأنّ هذا الحكم منهم صحيح وفي محلّه حسبما تقدّم (1).

وأمّا حكم هذه الصورة نفسها فقد أشرنا فيما سبق إلى أنّ الإجارة :

تارةً : تقع على أحدهما المردّد المبهم الذي لا تعيّن له حتى في صقع الواقع ونفس الأمر ، فيؤجّره على أحد الأمرين من الخياطة : إمّا جبّةً بدرهمين ، أو قباءً بدرهم واحد ، ولم يعلم به لا المؤجر ولا المستأجر ولا غيرهما ، إذ لا وجود ولا واقع له وإنّما هو مجرّد مفهوم محض ، ولا شكّ في البطلان حينئذٍ ، لا لأجل الجهالة ، إذ مقتضاها أنّ هناك واقعاً محفوظاً لا يدريان به ، وقد عرفت منعه ، بل لأجل أنّ ما لا واقع له لا يعقل أن يكون مورداً للتمليك والتملّك كما هو واضح.

وأُخرى : يفرض أنّ هناك إجارة منضمّة إلى إجارة ، لا أنّها إجارة واحدة واردة على العنوان المبهم ، بل إجارتان في عرض واحد ، غايته امتناع الجمع ، لما بينهما من التضاد والتزاحم ، فيستأجره لخياطة هذا القماش جبّة بدرهمين ، ولخياطته قباءً بدرهم ، فإنّه ليست في البين أيّة جهالة أو ترديد ، لمعلوميّة الأُجرتين كالعملين ، فلا يستند البطلان إلى ذلك ، بل إلى عدم القدرة على الجمع بعد فرض المزاحمة ، فلا يمكن الحكم بصحّتهما معاً ، وأحدهما معيّناً ترجيح بلا مرجّح ، ولا بعينه لا واقع له حسبما عرفت ، فلا مناص إذن من الحكم بالبطلان كما يطّرد هذا البرهان في كافّة موارد امتناع الجمع بين عقدين من أجل المزاحمة ، كما لو باع داره من زيد وباعها وكيله في نفس الوقت من عمرو ، أو زوّجت نفسها من شخص وزوّجها وكيلها في الوقت نفسه من شخص آخر ، وهكذا ، فإنّه يحكم بالبطلان في الجميع بمناط واحد.


1) في ص 102.

[3270] مسألة 13 : إذا استأجر منه دابّة لزيارة النصف من شعبان مثلاً ولكن لم يشترط على المؤجر ذلك ولم يكن على وجه العنوانيّة أيضاً واتّفق أنّه لم يوصله لم يكن له خيار الفسخ وعليه تمام المسمّى من الأُجرة (1) ، وإن لم يوصله إلى كربلاء أصلاً سقط من المسمّى بحساب ما بقي (1)واستحقّ بمقدار ما مضى (2). والفرق بين هذه المسألة وما مرّ في المسألة السابقة : أنّ الإيصال هنا غرض وداعٍ ، وفيما مرّ قيد أو شرط.


ولكن هذا البيان يختصّ بما إذا كان كلّ من العقدين جامعاً لشرائط الصحّة لولا المزاحمة فكان كلّ واحد صحيحاً في نفسه ، وإلّا فمع الاختلاف ، كما لو زوّجها الوكيل في المثال بمن يحرم عليه نكاحها وهو لا يدري ، تعيّن الآخر في الصحّة ، لارتفاع المزاحمة حينئذٍ وكون الترجيح مع المرجّح.

ومقامنا من هذا القبيل ، لبطلان إحدى الإجارتين وهي الإجارة على العمل غير الموصل بلا اجرة في نفسها ، لفساد الإجارة بلا اجرة كالبيع بلا ثمن ، فإذن تكون الإجارة الأُخرى محكومة بالصحّة بعد سلامتها عن المزاحم.

(1) إذ لا أثر لتخلّف الدواعي والأغراض في صحّة المعاملة بعد أن لم يكن الإيصال ملحوظاً لا على وجه الشرطيّة ولا القيديّة ، وإنّما كان داعياً وغاية محضة كما هو ظاهر.

(2) فتقسط الأُجرة على المسافة وتستردّ منها ما يقع بإزاء الباقي ، فلو كانت


1) (*) هذا إذا كان عدم الوصول لعدم إمكانه بموت الدابة ونحوه ، ومع ذلك فللمستأجر الخيار ، فإن فسخ استحقّ المؤجر أُجرة المثل لما مضى ، وأما إذا كان عدم الوصول من قبل المؤجر فللمستأجر أن يفسخ ويعطي اجرة المثل لما مضى ، وله أن يطالب بأُجرة المثل لما بقي ويعطي تمام الأُجرة المسمّاة.

.................................................................................................


الأُجرة عشرة والمسافة عشرة فراسخ وقد مضى منها تسعة استردّ درهماً واحداً.

وهذا إنّما يتّجه فيما إذا لم يستند عدم الوصول إلى المؤجر نفسه ، بل كان لأمر خارجي وعائق غير اختياري من قضاء وقدر ، كموت الدابّة مثلاً فيما إذا كان مورد الإجارة دابّة شخصيّة ، إذ الإجارة عندئذٍ تنحلّ بطبيعة الحال ، وينكشف أنّ الباقي لم يكن يستحقّه المستأجر من الأوّل ، إذ لم يكن المؤجر مالكاً له ليملّكه ، فيستكشف بطلانها في المقدار الباقي ، ولكن الإجارة بما أنّها كانت واقعة على مجموع المسافة المرتبطة أجزاؤها بعضها ببعض وقد تبعّضت فلا جرم يثبت للمستأجر خيار الفسخ ، نظير خيار تبعّض الصفقة في البيع ، فله أن يفسخ العقد من أصله ويضمن اجرة المثل لما مضى ، لأنّه عمل محترم قد وقع بأمره ، كما له الإمضاء والإسقاط من الأُجرة المسمّاة بحساب ما بقي. فهو إذن مخيّر بين الأمرين ولم يكن ملزماً بخصوص الثاني.

وأمّا إذا استند إلى اختيار المؤجر نفسه فالإجارة عندئذٍ محكومة بالصحّة في تمام الأُجرة ، لما تقدّم من عدم إناطة الصحّة بالوفاء بالعقد والعمل بمقتضاه (1). وعليه ، فلا مقتضي للتقسيط ، لتفرّعه على البطلان في بعض الأُجرة ، والمفروض عدمه ، بل المستأجر مخيّر حينئذٍ بين الفسخ وإعطاء اجرة المثل لما مضى كما في الفرض السابق ، وبين الإمضاء وإعطاء تمام الأُجرة المسمّاة ومطالبة الأجير بأُجرة المثل لما بقي ، إذ هو مال الغير قد أتلفه الأجير فيضمن لمالكه وهو المستأجر بالقيمة.

وعلى الجملة : فما ذكره في المتن من التقسيط لا يستقيم على إطلاقه.


1) في ص 96.

فصل [في أحكام عقد الإجارة]

الإجارة من العقود اللازمة (1) ، لا تنفسخ إلّا بالتقايل أو شرط الخيار لأحدهما أو كليهما (2) إذا اختار الفسخ. نعم ، الإجارة المعاطاتيّة جائزة (1)(3) يجوز لكلّ منهما الفسخ ما لم تلزم بتصرّفهما أو تصرّف أحدهما فيما انتقل إليه.


(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وتقتضيه العمومات والنصوص الخاصّة.

(2) أو لثالث ، أو بحصول سبب الخيار من الغبن ، أو تخلّف الشرط ونحوهما ، حيث إنّ اللزوم في مثل الإجارة لزوم حقّي لا حكمي.

(3) وفاقاً لما هو المشهور بين الفقهاء ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات بعضهم كما هو الحال في البيع من اختصاص اللزوم بما إذا كان الإيجاب باللفظ ، أمّا بغيره فهو محكوم بالجواز ما لم يطرأ عليه اللزوم.

والمشهور أنّ الملزم إمّا التلف أو التصرّف المغيّر للعين لا مطلقاً كما يقتضيه إطلاق عبارة المتن ، بحيث لو سكن في الدار المستأجرة يوماً أو يومين من غير حدوث تغيير في العين لم يكن له الفسخ ، إلّا أن يقال : إنّ ذلك يستوجب إتلاف


1) (*) الأظهر أنّها أيضاً لازمة.

.................................................................................................


مقدار من المنفعة بطبيعة الحال ، وقد عرفت أنّ الإتلاف بنفسه موجب للّزوم.

ولكنّه لا يطّرد فيما لو حصل التصرّف المزبور في جانب الأُجرة ، كما لو كانت ثوباً مثلاً فلبسه يوماً من غير أن يحدث في العين شيئاً ، فإنّ مثل هذا التصرّف لأجل عدم كونه مغيّراً لا يستوجب اللزوم عند المشهور ، مع أنّ مقتضى إطلاق كلام الماتن حصوله به.

وكيفما كان ، فما عليه القوم من جواز المعاطاة لا تمكن المساعدة عليه ، بل مقتضى الصناعة لزومها وأنّ كلّ عقد لفظي أو فعلي متى ما تحقّق وترتّب عليه الملك وحصل به النقل كما هو المفروض فالردّ بالفسخ يحتاج إلى الدليل ، وإلّا فمقتضى القاعدة اللزوم :

أمّا أوّلاً : فللسيرة العقلائيّة القائمة على نفوذ المعاملة بعد تحقّق العقد العرفي بأيّ سبب كان ، وأنّه ليس لأحد المتعاملين الرجوع بعد تماميّة العقد بفسخه ، ولا شكّ أنّ السيرة المزبورة متّبعة ما لم يردع عنها الشارع ، ولم يرد هنا أيّ رادع ومانع.

وثانياً : مع الغضّ عنها يدلّ عليه الأمر بالوفاء في قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ، إذ الوفاء هو الإنهاء والإتمام والبقاء على الالتزام وعدم رفع اليد عنه بالفسخ وهو معنى اللزوم ، ومن المعلوم أنّ العقد بمفهومه العرفي يعمّ القولي والفعلي.

وثالثاً : ما ورد في عدّة من الأخبار من أنّ : «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا ، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (1)، حيث دلّت بوضوح على أنّ مبنى البيع على اللزوم بعد الافتراق ، ولا ينبغي الشكّ في صدق البيع على المعاطاة ،


1) الوسائل 18 : 6 / أبواب الخيار ب 1 ح 3.

.................................................................................................


فيقال من غير أيّة عناية : إنّه باع داره مثلاً إذ لا يعتبر اللفظ في صدق هذا العنوان بمفهومه العرفي قطعاً ، فتدلّ هذه الأخبار على اللزوم بالافتراق وإن لم يكن ثمّة لفظ بمقتضى الإطلاق.

وعليه ، فإذا ثبت اللزوم في البيع المعاطاتي ففي الإجارة المعاطاتيّة أيضاً كذلك ، إمّا للأولويّة نظراً إلى أنّ البيع يتضمّن نقل الأعيان التي هي أولى بالاهتمام من الإجارة التي ليس في موردها ما عدا نقل المنافع فحسب ، ولذلك ترى أنّ بعضهم يرى قدح الغرر في البيع ، وتأمّل في الإجارة ممّا يكشف عن المداقّة ومزيد العناية بالبيع. أو للقطع بعدم القول بالفصل بينهما في ذلك.

وكيفما كان ، فمقتضى هذه الأدلّة الالتزام باللزوم في مطلق العقود وإن كان الإنشاء بالمعاطاة لا باللفظ.

وليس شي‌ء بإزائها ما عدا الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد على عدم اللزوم ، وأنّ في مورد المعاطاة لم يكن إلّا الملك المتزلزل ، فإن تحقّق ذلك لم يكن بدّ من رفع اليد عن مقتضى القاعدة بالمقدار المتيقّن خروجه منها ، وإلّا فالمتّبع هي تلك الأدلّة.

والظاهر عدم التحقّق.

والوجه فيه : أنّ المنقول من كلمات المتقدّمين من الفقهاء وجملة من المتأخّرين وإن كان هو عدم اللزوم إلّا أنّ ذلك مبني على ما يرتؤونه من أنّ المعاطاة لا تفيد إلّا الإباحة ، فلا ملكيّة حتى يقال : إنّها لازمة أو جائزة ، فعدم اللزوم من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

نعم ، حاول المحقّق الكركي حمل الإباحة في كلماتهم على إرادة الملك المتزلزل ، وأقام بعض الشواهد (1).


1) جامع المقاصد 4 : 58.

[3271] مسألة 1 : يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الإجارة (1) ، ولا تنفسخ الإجارة به فتنتقل إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدّة الإجارة.


ولكنّه في غاية البعد ، بل كاد أن يكون مخالفاً لصريح بعض الكلمات كما أشار إليه الشيخ (قدس سره) (1).

فلا شهرة في كلمات الفقهاء على الجواز أي الملك المتزلزل فضلاً عن الإجماع.

نعم ، المشهور من بعد المحقّق الكركي هو ذلك. إذن فلا يمكن دعوى الإجماع على عدم اللزوم ممّن يلتزم بالملكيّة في مورد المعاطاة لكي يرفع اليد بها عن مقتضى القاعدة.

فالظاهر أنّ الإجارة المعاطاتيّة لازمة كالبيع وإن كان الاحتياط بترتيب كلّ منهما الأثر على فسخ الآخر حذراً عن مخالفة المشهور أولى وأحسن.

(1) فلا تمنع الإجارة عن صحّة البيع كما لا يستوجب البيع انفساخ الإجارة ، وكلّ ذلك بمقتضى القاعدة ، لما تقدّم سابقاً من أنّ ملكيّة العين وملكيّة المنفعة ملكيّتان مستقلّتان عرضيّتان (2)لا ملازمة بينهما في الثبوت والسقوط ، ومن ثمّ تنفك إحداهما عن الأُخرى ، كما في الإيجار ، حيث إنّ المؤجر يبقي ملكيّة العين لنفسه وينقل إلى المستأجر ملكيّة المنفعة ، فهذه الملكيّة التي أبقاها لنفسه يمكن نقلها أيضاً إلى المشتري من غير أيّ تنافٍ بين التمليكين ، غايته أنّ العين تنتقل


1) المكاسب 3 : 25 ، 26.

2) في ص 4.

نعم ، للمشتري مع جهله بالإجارة خيار فسخ البيع (1) ، لأنّ نقص المنفعة عيب ، ولكن ليس كسائر العيوب ممّا يكون المشتري معه مخيّراً بين الردّ والأرش ، فليس له أن لا يفسخ ويطالب بالأرش ، فإنّ العيب الموجب للأرش ما كان نقصاً في الشي‌ء في حدّ نفسه مثل العمى والعرج وكونه مقطوع اليد أو نحو ذلك ، لا مثل المقام الذي العين في حدّ نفسها لا عيب فيها.

وأمّا لو علم المشتري أنّها مستأجرة ومع ذلك أقدم على الشراء فليس له الفسخ أيضاً.


إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدّة الإجارة ، كما تنتقل كذلك بسبب آخر غير البيع كالنواقل غير الاختياريّة مثل الإرث ، حيث إنّ المالك لو مات أثناء مدّة الإجارة انتقلت العين مسلوبة المنفعة إلى الوارث بلا خلاف فيه ولا إشكال ، ولا يتوقّف الإرث على انقضاء مدّة الإيجار ، فكما تنتقل هناك بسبب غير اختياري فكذا في البيع بسبب اختياري. فالحكم مطابق لمقتضى القاعدة.

مضافاً إلى جملة من النصوص قد دلّت على ذلك صريحاً وإن كان أكثرها ضعيفة السند ، فلاحظ الباب الرابع والعشرين من أبواب أحكام الإجارة.

(1) بعد الفراغ عن جواز بيع العين المستأجرة وأنّ غايته أنّها تكون مسلوبة المنفعة ، فقد يكون المشتري عالماً بالحال ، وأُخرى جاهلاً.

أمّا مع العلم فلم يثبت له أيّ شي‌ء ، لأنّه بنفسه أقدم على شرائها كذلك.

وأمّا مع الجهل فلا إشكال في ثبوت الخيار له ، وإنّما الكلام في نوعيّته ، فقد وصفه الماتن بأنّه خيار العيب لكن لا كسائر العيوب ، نظراً إلى عدم كون نقص المنفعة وصفاً مخالفاً للخلقة الأصليّة كالعمى والعرج ونحوهما لتثبت له المطالبة

.................................................................................................


بالأرش. فمن ثمّ لم يكن له إلّا الخيار بين الفسخ أو الإمضاء من دون أرش ، ولكنّه كما ترى ، فإنّ عدم المنفعة إن كان عيباً ونقصاً في الخلقة فلا بدّ وأن يثبت معه الأرش ، وإلّا فما هو الموجب للخيار من أصله؟!

وبعبارة اخرى : العيب بوصفه العنواني قد ثبت فيه الخيار بين الردّ والأرش ، وبمعنى آخر المعبّر عنه في بعض الكلمات بالعيب الحكمي أي غير النقص في العين لم يقع موضوعاً لأيّ حكم في شي‌ء من الأدلّة ، فتعليل الخيار بالعيب في غير محلّه.

فالأولى : تعليله بتخلّف الشرط الارتكازي ، نظراً إلى استقرار بناء العقلاء في مقام البيع على اتّصاف المبيع بكونه مرسلاً ومطلقاً بحيث يتمكّن المشتري من التصرّف فيه والانتفاع منه كيفما شاء وأيّ وقت شاء من دون أيّ مانع ورادع. وهذا يعدّ لديهم من الشرط الضمني المبني عليه العقد الذي أغنى وضوحه عن التصريح به في متنه. ومن ثمّ استوجب تخلّفه الخيار ، كما كان هذا هو المناط في ثبوته لدى تخلّف وصف الصحّة ، وظهور كون المبيع معيباً ، من غير حاجة إلى قيام نصّ خاصّ ، فإنّ نفس السيرة العقلائيّة الراجعة إلى البناء على الشرط الارتكازي كافٍ في ثبوت خيار العيب. نعم ، المطالبة بالأرش أمر زائد على البناء المزبور قد أثبته الدليل.

كما أنّ هذا هو الأساس أيضاً في ثبوت خيار الغبن ، لاستقرار بنائهم بمقتضى الارتكاز على المساواة بين العوضين في الماليّة ، فكان كشرط مبني عليه العقد ، ولأجله اقتضى تخلّفه الخيار من دون أرش ، لعدم كونه من مقتضيات الخيار المزبور الناشئ من تخلّف الشرط ، ولم يقم عليه دليل خاصّ كما قام في خيار العيب على ثبوته زائداً على أصل الخيار حسبما عرفت.

نعم ، لو اعتقد كون مدّة الإجارة كذا مقداراً فبان أنّها أزيد (1) له الخيار أيضاً ، ولو فسخ المستأجر الإجارة رجعت المنفعة في بقيّة المدّة إلى البائع لا إلى المشتري (2).


وعلى الجملة : أساس المعاوضات والمبادلات لدى العقلاء مبنيّ على أن يكون لكلّ من الطرفين تمام التصرّف فيما انتقل إليه كما كان له تمام التصرّف فيما انتقل عنه ، بحيث يكون مطلق العنان فيما يتلقّاه من الطرف الآخر يتصرّف فيه تصرّف الملّاك في أملاكهم حيثما شاءوا ، فإذا تخلّف ذلك ولم يتمكّن من التصرّف كذلك باعتبار كونه مسلوب المنفعة مدّة معيّنة لكونه متعلّقاً لإجارة صحيحة حسب الفرض فلا جرم قد تخلّف الشرط الارتكازي المستتبع لثبوت الخيار بين الفسخ والإمضاء.

(1) فإن كان التفاوت يسيراً كساعة أو ساعتين ، أو يوم أو يومين ، ونحو ذلك ممّا لا يعتدّ به عند العقلاء ، فلا أثر له ، لعدم تخلّف الشرط وقتئذٍ ، كما هو الحال في مورد خيار الغبن.

وأمّا إذا كان كثيراً بحيث يعتنى به ، كما لو اعتقد كون المدّة شهراً فبان أنّها شهران ، ثبت الخيار هنا أيضاً بعين المناط المتقدّم ، إذ حاله بالإضافة إلى هذه الزيادة كحاله في الجهل بأصل الإجارة في تخلّف الشرط الارتكازي من غير إقدام منه ، المستوجب لتعلّق الخيار.

(2) قد يستشكل بعدم المقتضي لرجوعها إلى البائع ، بل مقتضى قانون تبعيّة المنافع للعين رجوعها إلى المشتري ، لأنّه الذي يملك العين فعلاً ، ومن الواضح عدم كون الفسخ بنفسه مملّكاً ، بل هو حلّ للعقد وفرضه كأن لم يكن ، فترجع

.................................................................................................


المنفعة وقتئذٍ إلى مالك العين ، وحيث إنّ البائع بعد صدور البيع أجنبي عن العين بالكلّيّة فبطبيعة الحال تعود المنافع إلى المشتري الذي هو المالك الفعلي.

ويندفع : بأنّ الأمر وإن كان كما ذكر من عدم كون الفسخ مملّكاً وإنّما هو حل للعقد ورجوع كلّ عوض إلى ما كان عليه ، وأنّ المنفعة تعود بمقتضى التبعيّة إلى مالك العين ، إلّا أنّ مقتضى ذلك أن تعود إلى المالك حال الفسخ ، أي المالك حال الإجارة وقبل تحقّق البيع ، لا المالك الفعلي لينطبق على المشتري ، لعدم أيّ موجب لذلك كما لا يخفى ، فلا يرجع إلى مطلق المالك أيّاً من كان.

وبعبارة اخرى : المالك قبل أن يؤاجر وقبل أن يبيع كان مالكاً للعين وللمنفعة على ما تقدّم من ثبوت ملكيّتين مستقلّتين عرضيّتين وإن كانت إحداهما تابعة للأُخرى (1)، وأنّهما قابلتان للتفكيك ، فقد يخرج العين عن ملكه ويبقى المنفعة لنفسه ، وقد ينعكس كما هو المفروض في المقام ، حيث إنّ البائع آجر العين أوّلاً فنقل المنفعة وأبقى العين مسلوبة المنفعة عنده ، ثمّ بعد ذلك نقل العين على الحالة التي هو مالك لها أعني : كونها مسلوبة المنفعة إلى شخص آخر بالبيع ، فإذا انفسخ العقد الأوّل فبما أنّ معناه الانحلال وإرجاع كلّ شي‌ء إلى موضعه السابق فبطبيعة الحال ترجع المنفعة إلى مكانها الأوّل ، وبما أنّها خرجت عن ملك البائع فلا جرم تعود إليه ، فإنّه هو الذي كان مالكاً لها حال الإيجار وقبل البيع ، ولا مقتضي لرجوعها إلى مالك العين بعد الإيجار. ولعلّ هذا ظاهر جدّاً.

ولا ينبغي الشكّ في أنّ بناء العقلاء أيضاً على ذلك ، فليس للمشتري أن يطالب بالمنفعة بعد ما كان عالماً لدى التصدّي للشراء بأنّها مسلوبة المنفعة ، أو لو كان جاهلاً فقد رضي وأمضى العقد ولم يفسخ كما هو المفروض.


1) في ص 4.

نعم ، لو اعتقد البائع والمشتري بقاء مدّة الإجارة وأنّ العين مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا وتبيّن أنّ المدّة منقضية (1) ، فهل منفعة تلك المدّة للبائع حيث إنّه كأنه شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا ، أو للمشتري لأنّها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل إلى الغير أو بالاستثناء والمفروض عدمها؟ وجهان ،


(1) أو أنّها لم تكن مستأجرة من أصلها وأنّ اعتقاد الإجارة كان خيالاً محضاً ، فتوافقا على بيعها مسلوبة المنفعة باعتقاد كونها مستأجرة ، اعتقاداً مخالفاً للواقع.

فهل تعود منفعة تلك المدّة إلى البائع ، نظراً إلى أنّ الاعتقاد المزبور بمنزلة الاستثناء وكأنّه باعها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا؟

أو إلى المشتري ، باعتبار أنّ المدار على الواقع ومجرّد الاعتقاد لا أثر له ، فبعد ما انكشف أنّ المنفعة لم تكن ملكاً للغير فهي بطبيعة الحال تتبع العين ، وبما أنّها منتقلة إلى المشتري فلا جرم كانت المنفعة أيضاً كذلك ولو لم يكن يعلم به المشتري ولا البائع؟

فيه وجهان ، وقد اختار الماتن (قدس سره) الوجه الثاني ، بدعوى أنّ الخروج عن قانون التبعيّة لا يكون إلّا في موردين : إمّا الإفراز وتعيين كونها لشخص خاصّ كما لو كانت العين مستأجرة قبل بيعها ، أو الاستثناء والإبقاء لنفسه. وشي‌ء منهما غير متحقّق في المقام ، لانكشاف عدم الإجارة ، والمفروض عدم الاستثناء لنفسه ، ومعه لم يكن بدّ من انتقالها إلى المشتري بتبع العين.

هذا ، وللمناقشة فيه مجال واسع ، ضرورة أنّ هذه الكبرى الكلّيّة وهي دعوى تبعيّة المنافع للعين في الملكيّة لم تثبت بآية ولا رواية ، وإنّما الوجه فيها

.................................................................................................


أنّ السبب المقتضي لملكيّة العين بنفسه يستوجب ملكيّة المنفعة المستتبعة لها بمناط واحد.

والسبب في بادئ الأمر هو الاستيلاء والحيازة ، أو الاستخراج من المعدن الذي هو أيضاً نوع من الاستيلاء ، أو التولّد في الملك ، ونحو ذلك من الأسباب المملّكة ، فلو صاد حيواناً أو أخرج معدناً أو أحرز مكاناً فأحياه فكما أنّه وضع يده على نفس العين فكذلك قد وضع يده على منافعها بتبع وضع اليد على العين ، فحصلت ملكيّة المنفعة بنفس السبب المملّك للعين وهو الاستيلاء ، الذي تنتهي الأسباب بالآخرة كلّها إليه ، وهو السبب الأوّل المحقّق لملكّية العين وبتبعها ملكيّة المنفعة ، وبعد ذلك فينتقل إلى غيره ، إمّا بسبب غير اختياري كالإرث ، أو بسبب اختياري كالبيع والهبة ونحوهما.

وعلى الجملة : فتبعيّة المنافع في الملك إنّما يكون بسببٍ لا محالة ، ولا تكون جزافاً ، وهو السبب الذي أوجد الملكيّة للعين حسبما عرفت ، أعني : الاستيلاء وما يلحق به من البيع ونحوه.

هذا فيما إذا كان السبب مقتضياً للتعميم.

وأمّا إذا فرضنا اختصاصه بالعين وعدم شموله للمنفعة كما هو المفروض في المقام ، حيث إنّ البائع ولو لأجل اعتقاده غلطاً كون المنفعة للغير لم ينشئ الملكيّة والنقل من الأوّل إلّا بالإضافة إلى العين خاصّة ، ولم يعتبرها ولو تبعاً بالنسبة إلى المنفعة بوجه. فبأيّ ميزان يحكم وقتئذٍ بانتقال المنفعة إلى المشتري مع عدم تحقّق أيّ سبب للنقل بالإضافة إليها لا أصالةً ولا تبعاً؟! وقد عرفت افتقار الملكيّة في تحقّقها إلى سببٍ ما ولو بالتبع ، إذ لا دليل على الملكيّة بلا سبب.

اللّهمّ إلّا إذا ثبت بدليل خاصّ وتعبّد شرعي : أنّ من ملك عيناً ملك

والأقوى الثاني. (1)نعم ، لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدّة كان لما ذكر وجه (1).


منفعتها بالتبع ، حتى يقال بشمول عموم دليل التبعيّة للمقام ، وقد عرفت عدم ثبوته بوجه ، بل أنّ المقتضي لملكيّة العين إن كان مقتضياً لملكيّة المنافع فهي أيضاً مملوكة بتبع العين كما في الأمثلة المذكورة ، وأمّا إذا كان المقتضي مختصّاً بالعين ومنحصراً فيها لاختصاص اعتبار الملكيّة وإبرازها المعبّر عنه بالإنشاء بالعين فقط وعدم التعلّق بالمنفعة حتى تبعاً فلا مقتضي حينئذٍ لانتقالها إلى المشتري ، بل هي باقية على ملك البائع.

وعلى الجملة : فالمقتضي في المقام لنقل المنفعة قاصر في حدّ نفسه ، ولا دليل على التبعيّة بقولٍ مطلق بنحوٍ يشمل ما نحن فيه.

إذن فالأوجه أنّ المنافع ترجع إلى البائع دون المشتري ، فإنّه وإن لم يكن هنا استثناء بذاك المعنى أي الإبقاء لنفسه صريحاً إلّا أنّ نفس عدم المقتضي للانتقال إلى المشتري كافٍ في البقاء على ملكيّة المالك بعد انكشاف أنّ العين لم تكن متعلّقة للإجارة أو كانت المدّة منقضية.

(1) في تعليقة شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ما لفظه : لكنّه غير موجّه ، إذ الشرط في المقام بمنزلة التوصيف لا الاستثناء ، فلا أثر له (2).

وتوضيحه : أنّ الاستثناء إمّا أن يراد به الإبقاء في الملك ، أو يراد به كون المنفعة مفروزة وأنّها من شخص آخر لإجارة ونحوها ، وشي‌ء منهما لا يتمّ في المقام.


1) (*) لا يبعد أن يكون الأوّل هو الأقوى.

2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 27 (تحقيق جماعة المدرسين).

ثمّ بناءً على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة إلى المشتري فهل للبائع الخيار أو لا؟ وجهان ، لا يخلو أوّلهما من قوّة (1)، خصوصاً إذا أوجب ذلك له الغبن (1) ،


أمّا الأوّل : فظاهر ، إذ كيف يستثني لنفسه ويبقى المنفعة في ملكه مع اعتقاد كونها للغير وتخيّل أنّ العين مستأجرة كما هو المفروض؟! وكذا الثاني ، إذ لا إفراز بعد انكشاف عدم الإجارة أو كون المدّة منقضية.

وعليه ، فليس الاشتراط في المقام من قبيل الاستثناء في شي‌ء ، فلا أثر له ، وبمقتضى تبعيّة المنفعة للعين ترجع إلى المشتري في هذه الصورة أيضاً.

ويندفع : برجوع الاشتراط المزبور إلى التصريح بعدم التمليك وأنّه باع العين بشرط كونها مسلوبة المنفعة ، وإن كان الداعي على هذا التصريح والاشتراط اعتقاد كونها مستأجرة وأنّ المنفعة للغير ، فغايته أنّ الداعي قد تخلّف ولم يكن الأمر كما تخيّل ، ومن الضروري أنّ تخلّفه لا يقدح ، إذ هو بالآخرة قد شرط وصرّح وخصّ النقل بالعين المجرّدة ، ولم يملّك المنفعة صريحاً ، فعلى فرض تسليم التبعيّة لن نسلّمها لدى التصريح بخلافها في متن العقد كما هو المفروض ، ولا مجال لقاعدة التبعيّة في هذه الحالة بوجه.

فما ذكره في المتن من رجوع المنفعة حينئذٍ إلى البائع هو الموجّه ، بل قد عرفت البقاء على ملكه وعدم الانتقال إلى المشتري حتى بدون الاشتراط فضلاً عن صورة الاشتراط ، لأنّه قد باع العين المجرّدة عن المنفعة حسبما تقدّم.

(1) أمّا مع فرض الغبن فلا إشكال في ثبوت خيار الغبن كما هو واضح.


1) (*) بل الأقوى هو الثاني إلّا إذا كان ذلك موجباً للغبن.

أمّا لو بيعت عليه ففي انفساخ الإجارة وجهان ، أقواهما العدم (1). ويتفرّع على ذلك أُمور :


وأمّا مع فرض عدمه فالظاهر ثبوت الخيار أيضاً كما قوّاه في المتن بناءً على مبناه من رجوع المنفعة إلى المشتري والوجه فيه : أنّ المتبايعين بعد أن كانا معتقدين بقاء مدّة الإجارة وأنّ العين مسلوبة المنفعة كما هو المفروض فهما بطبيعة الحال قد أوقعا العقد (1)مبنيّاً على هذا الوصف ، فكان ذلك في قوّة الاشتراط من ناحية البائع بكون المنتقل إلى المشتري هي العين المجرّدة الموصوفة بكونها مسلوبة المنفعة ، وقد تخلّف هذا الشرط وانكشف أنّها ذات منفعة فعليّة ، فلا جرم يثبت للبائع خيار تخلّف الوصف بعين المناط الذي كان يثبت للمشتري فيما لو كان الشرط من ناحيته ، فكما أنّ المشتري لو اشترى العبد المقيّد بكونه كاتباً يثبت له الخيار لو تخلّف الشرط ، فكذا لو باع مقيّداً بعدم كونه كاتباً فإنّه يثبت له أيضاً خيار تخلّف الشرط لو انكشف كونه كاتباً ، لوحدة المناط من الجانبين وكونهما بملاك واحد ، فعين ما كان يوجب الخيار للمشتري عند تخلف الوصف يجرى من ناحية البائع أيضاً.

وبالجملة : فما ذكره الماتن (قدس سره) من ثبوت الخيار على التقديرين وجيه على مبناه من رجوع المنفعة إلى المشتري ، لكن المبنى غير تامّ حسبما عرفت.

(1) لعدم ثبوت أيّ موجب للانفساخ ، غايته أنّ المبيع يكون عيناً مسلوبة المنفعة ، فلا تجري هنا قاعدة تبعيّة المنفعة للعين ، إذ المشتري قد تملّكها أوّلاً


1) كون المقام من قبيل العقد المبني على الوصف بمجرّد الاعتقاد المزبور لا يخلو عن نوع من الغموض ، ولعلّه لأجله خصّ المحقّق النائيني وجملة من أعلام المحشّين الخيار بصورة الغبن خاصّة ، فلاحظ.

منها : اجتماع الثمن والأُجرة عليه حينئذٍ (1).

ومنها : بقاء ملكه للمنفعة في مدّة تلك الإجارة لو فسخ البيع (2) بأحد أسبابه ، بخلاف ما لو قيل بانفساخ الإجارة.

ومنها : إرث الزوجة من المنفعة في تلك المدّة (3) لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه لتلك العين وإن كانت ممّا لا ترث الزوجة منه ، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرّد البيع.


بسبب سابق على البيع وهو الإجارة ، فلا جرم يكون المنتقل إليه بسبب البيع العين المجرّدة ، فلا تتبدّل الملكيّة بملكيّة اخرى ، وإنّما هي ملكيّة واحدة متعلّقة بالمنفعة على النهج الذي عرفت. إذن لا موجب لبطلان الإجارة ، بل تبقى على حالها.

(1) فيلزمه دفع الثمن بإزاء العين والأُجرة بإزاء المنفعة إلى البائع الذي هو المؤجر أيضاً ، بخلاف ما لو قلنا بالانفساخ ، فإنّه ليس عليه إلّا دفع الثمن ، أمّا الأُجرة فهو يرجع بها على المؤجر ويستردّها منه من زمن الانفساخ وهو زمان وقوع البيع.

(2) لأنّ كلّاً من الإجارة والبيع عقد مستقلّ ، فانفساخ أحدهما لا يسري إلى الآخر بوجه ، ولكلٍّ حكمه كما هو واضح أيضاً كسابقه.

(3) إذ عدم إرثها من الأراضي لا يمنع من إرث المنفعة لو كانت مملوكة بالأصالة بسبب الإجارة بعد أن كانت هي بنفسها مالاً مستقلا قد تركه الميّت ، وإنّما هي تمنع عن إرث المنفعة التي كانت مملوكة للمورث بالتبعيّة للعين ، فإنّها بعد أن لم ترث العين فبطبيعة الحال لا ترث المنفعة التي هي تابعة لها ، فعلى الانفساخ لا ترث المنفعة ، وعلى عدمه ترث حسبما عرفت.

ومنها : رجوع المشتري بالأُجرة لو تلفت العين بعد قبضها وقبل انقضاء مدّة الإجارة (1) ، فإنّ تعذّر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الإجارة ويوجب الرجوع بالعوض وإن كان تلف العين عليه.

[3272] مسألة 2 : لو وقع البيع والإجارة في زمان واحد (2) ، كما لو باع العين مالكها على شخص وآجرها وكيله على شخص آخر واتّفق وقوعهما في زمان واحد ، فهل يصحّان معاً ويملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الإجارة ، أو يبطلان معاً للتزاحم في ملكيّة المنفعة ، أو يبطلان معاً بالنسبة إلى تمليك المنفعة فيصحّ البيع على أنّها مسلوبة المنفعة تلك المدّة فتبقى المنفعة على ملك البائع؟ وجوه ، أقواها الأوّل ، لعدم التزاحم ،


(1) أمّا العين فلأجل كونها تالفة بعد القبض فهي مضمونة على المشتري.

وأمّا المنفعة فالإجارة بالإضافة إلى منافع ما بعد التلف منفسخة ، لكشفه عن عدم كون المؤجر مالكاً لها ليملكها وإن كانت صحيحة بالإضافة إلى ما مضى. إذن يثبت للمستأجر خيار التبعيض فله الإمضاء والتقسيط ، فيستردّ من الأُجرة ما بإزاء الباقي وله الفسخ واسترداد تمام الأُجرة ، ويضمن للمؤجّر اجرة المثل لما مضى.

وأمّا على القول بالانفساخ فالإجارة منفسخة من حين البيع ، ويستردّ الأُجرة من المؤجر كما علم ذلك من الثمرة الاولى.

ومن المعلوم أنّ تلف المنافع التابعة للعين مضمونة على المشتري كنفس العين فلا يرجع بشي‌ء منها إلى البائع كما هو واضح.

(2) مفروض الكلام بيع العين على ما هي عليه ، أي بمنافعها ، أمّا بيعها

فإنّ البائع لا يملك المنفعة ، وإنّما يملك العين ، وملكيّة العين توجب ملكيّة المنفعة ، للتبعيّة ، وهي متأخّرة عن الإجارة.


مسلوبة المنفعة فلا إشكال فيه وهو خارج عن محلّ الكلام.

والمحتملات في المسألة ثلاثة حسبما أشار إليها في المتن :

صحّتهما معاً ، فينتقل المبيع إلى المشتري مسلوب المنفعة ، غايته ثبوت الخيار للمشتري ، لمكان تخلّف الوصف ، كما إذا كانت الإجارة سابقة.

وبطلانهما معاً ، نظراً إلى التزاحم المانع عن صحّتهما معاً ، وترجيح أحدهما بلا مرجّح ، كما هو الحال فيما لو باعه من شخص وباعه وكيله من شخص آخر في نفس الوقت.

وبطلانهما في خصوص تمليك المنفعة ، باعتبار أنّ هذا هو مورد المزاحمة فتعود المنفعة إلى البائع ويصحّ البيع مسلوب المنفعة في تلك المدّة.

أقول : أمّا القول ببطلانهما معاً فهو المتعيّن لو لم يتمّ أحد القولين الآخرين بحيث استقرّت المزاحمة بين العقدين ، وإلّا فلا تصل النوبة إلى التزاحم ليلتزم بالبطلان فيهما.

وأمّا القول الأوّل الذي اختاره الماتن فقد ذكر في وجهه : أنّ شأن البيع تمليك العين ، كما أنّ شأن الإجارة تمليك المنفعة ، فهما في عرض واحد ولا تزاحم بينهما بما هما كذلك ، وإنّما تنشأ المزاحمة من تمليك المنفعة المتحقّق في مورد البيع أيضاً ، وحيث إنّه بمناط التبعيّة فلا جرم كان في مرتبة متأخّرة من تمليك العين ، فإذا كان كذلك فبطبيعة الحال تؤثّر الإجارة الواقعة في مرتبة تمليك العين وفي عرض البيع أثرها ، ولا تبقي مجالاً للملكيّة التبعيّة الواقعة في مرتبة متأخّرة ، فإنّها إنّما تؤثّر فيها إذا كان البائع مالكاً للمنفعة ، والمفروض خروجها بالإجارة الواقعة في مرتبة سابقة ، المعدمة لموضوع التبعيّة.

.................................................................................................


وبعبارة اخرى : المنافع إنّما تكون تابعة للعين فيما إذا لم تكن منتقلة إلى الغير قبل ذلك ، وقد انتقلت في رتبة سابقة بسبب سليم وقتئذٍ عن المزاحم ، وهو الإجارة ، فلا يبقى بعد هذا مجال للانتقال إلى المشتري ، لانتفاء الموضوع وانعدامه.

هذا محصّل كلامه وتوضيح مرامه زيد في علوّ مقامه. ولكنّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه :

أمّا أوّلاً : فلما هو المحقّق في محلّه من أنّ التقدّم والتأخّر بأقسامهما من الزماني والرتبي ونحوهما لا بدّ وأن يكون بملاك ، ولا يكون جزافاً ، فأحد البديلين إذا كان مقدّماً على ثالث بمناطٍ كالعلّيّة مثلاً لا يلزمه تقدّم البديل الآخر أيضاً عليه بعد كونه فاقداً لذاك المناط.

نعم ، في التقدّم الزماني يشترك البديلان في المناط بطبيعة الحال ، فكما أنّ الجدّ مقدّم على الولد بحسب عمود الزمان ، فكذا كلّ من قارن الجدّ في الزمان كأخيه مثلاً فإنّه أيضاً مقدّم على الولد زماناً ، للاشتراك مع الجدّ في ملاك التقدّم كما هو واضح.

وأمّا إذا لم يكونا مشتركين في الملاك فمجرّد كونهما بديلين وفي عرض واحد لأجل عدم وجود سبب لتقدّم أحدهما على الآخر فكانا طبعاً في مرتبة واحدة لا يستوجب الاشتراك في التقدّم على ثالث فيما إذا كان أحدهما واجداً لملاك التقدّم دون الآخر ، فتقدّم النار مثلاً على الحرارة في المرتبة بمناط العلّيّة لا يستدعي تقدّم ما في مرتبة العلّة كالتراب حيث إنّ التراب والنار في عرض واحد ومرتبة واحدة بعد أن لم يكن مقتضٍ لتقدّم أحدهما على الآخر على الحرارة أيضاً بعد أن كان فاقداً لمناط التقدّم ، بل التراب كما أنّه في عرض النار كذلك هو في عرض الحرارة وفي مرتبة واحدة.

وعلى الجملة : يحتاج الحكم بالتقدّم والتأخّر إلى مناط وملاك ، فليس كلّ

.................................................................................................


شيئين قد تقدّم أحدهما على ثالث لجهةٍ من الجهات يحكم بتقدّم الآخر عليه أيضاً بعد أن كان فاقداً لتلك الجهة والعلّة كما هو ظاهر إجمالاً وموضح في محلّه تفصيلاً. إذن فدعوى أنّ تأخر تمليك المنفعة عن تمليك العين لأجل التبعيّة يستلزم تأخّره عن الإجارة الواقعة في مرتبة البيع ساقطة ، بل هما في مرتبة واحدة بعد وضوح اختصاص مناط التأخّر بالأوّل وعدم سريانه في الثاني.

وأمّا ثانياً : فلأنا لو سلّمنا تأخّره عن الإجارة في المرتبة فلا يكاد ينفع في دفع المزاحمة ، حيث إنّها منوطة بتقارن العقدين زماناً واجتماعهما خارجاً في آن واحد ، سواء أكان بينهما سبق ولحوق رتبي أم لا ، فإنّ ذلك إنّما ينفع ويترتّب عليه الأثر في الفلسفة والأُمور العقليّة ، وأمّا الأحكام الشرعيّة فهي متوقّفة على وجود موضوعاتها خارجاً ، والمفروض وقوع البيع والإجارة في آنٍ واحد ، ففي الزمان الذي يحكم فيه بملكيّة المنفعة للمستأجر بمقتضى الإجارة يحكم فيه أيضاً بملكيّتها للمشتري بتبع ملكيّته للعين بمقتضى البيع ، وحيث يمتنع الجمع فلا جرم يتزاحمان ، وحديث التقدّم الرتبي لا يكاد يجدي في حلّ هذه المشكلة ورفع المعضلة شيئاً.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر لك : أنّ المتعيّن إنّما هو اختيار الوجه الثالث ، لتزاحم العقدين في تمليك المنفعة ، فيتساقطان بالإضافة إلى هذا الأثر بعد امتناع الجمع وبطلان الترجيح من غير مرجّح ، فبطبيعة الحال تكون المنفعة في مدّة الإجارة باقية في ملك البائع ، لعدم المخرج بعد الابتلاء بالمزاحم ، وأمّا تمليك العين المجرّدة عن المنفعة فلا مزاحم له ، ومن ثمّ يحكم بصحّة بيعها وانتقالها إلى المشتري مسلوبة المنفعة ، غايته ثبوت الخيار للمشتري لأجل هذا النقص ، فلا تصل النوبة إلى مزاحمة الإجارة للبيع كي يحكم بفسادهما ، وإنّما التزاحم في تمليك المنفعة دون العين ، ونتيجته ما عرفت من صحّة البيع بالنسبة إلى العين فقط وبطلان الإجارة.

[3273] مسألة 3 : لا تبطل الإجارة بموت المؤجر ولا بموت المستأجر على الأقوى (1).


(1) نسب إلى المشهور بين القدماء بطلان الإجارة بالموت مطلقاً ، ونسب إلى جماعة بطلانها بموت المستأجر دون المؤجر.

ولم يعرف مستند لشي‌ء من هذين القولين سيّما الثاني منهما ، فإنّ مقتضى القاعدة مع الغضّ عن النصّ : ملكيّة كلّ من المؤجر والمستأجر لما انتقل إليه إزاء ما انتقل عنه ملكيّة مطلقة غير مقيّدة بحياته ، فإذا مات انتقل إلى وارثه ، فالحكم بالبطلان بالموت يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، بل مقتضى الإطلاق في أدلّة صحّة العقود ولزومها الاستمرار إلى ما بعد الموت.

وأمّا بحسب النصّ فبالنسبة إلى موت المستأجر لم يرد أيّ نصّ ولو ضعيفاً يدلّ عليه ، فتفصيل بعضهم بالبطلان بموته دون موت المؤجر لم يتّضح وجهه ، وهو أعرف بما قال.

وأمّا بالنسبة إلى موت المؤجر فقد وردت رواية واحدة بطرق عديدة قد يقال بدلالتها على البطلان بموته ، وإن ذكر بعضهم أيضاً أنّها صريحة الدلالة على الصحّة.

وهي ما رواه الكليني بطريقيه عن إبراهيم بن محمّد الهمداني ، قال : كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) وسألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطي الإجارة (الأُجرة خ ل) في كلّ سنة عند انقضائها ، لا يقدّم لها شي‌ء من الإجارة (الأُجرة خ ل) ما لم يمض الوقت ، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها ، هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت ، أم تكون الإجارة

.................................................................................................


منقضية بموت المرأة؟ فكتب : «إن كان لها وقت مسمّى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة ، فإن لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه أو نصفه أو شيئاً منه فتعطي ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّه» (1).

ورواها الشيخ عنه أيضاً تارةً ، وعن الأبهري أُخرى.

والكلام فيها يقع من حيث السند تارةً ، ومن ناحية الدلالة اخرى :

أمّا من حيث السند : فالظاهر أنّها ضعيفة بشتّى طرقها :

أمّا طريق الشيخ : فالمذكور في الوسائل في كلا طريقيه محمّد بن علي بن محبوب وهو سهو من قلمه الشريف ، وصحيحه محمّد بن أحمد بن يحيى كما في التهذيب.

والطريق صحيح إلى أحمد بن إسحاق الأبهري ، أمّا هو فمجهول لم يرد فيه مدح ولا قدح ، وله روايتان في مجموع الكتب الأربعة : هذه إحداهما ، والأُخرى رواية مضمرة.

نعم ، من الجائز أن تكون النسخ كلّها مغلوطة وصحيحها : أحمد بن إسحاق الأشعري ، بدل : أحمد بن إسحاق الأبهري ، فإن كان الأمر كذلك فالرواية لا بأس بها حينئذٍ ، لكنّه مجرّد احتمال غير مصحوب بدليل أو قرينة تشهد عليه.

وأمّا الطريق الآخر للشيخ وكذا طريق الكليني فهو أيضاً ضعيف بإبراهيم ابن محمّد الهمداني ، حيث لم يرد فيه مدح ولا توثيق.

فهي إذن ضعيفة بطرقها لا يعوّل عليها ، سواء أدلّت على الفساد أم لا.


1) الوسائل 19 : 136 / كتاب الإجارة ب 25 ح 1 ، الكافي 5 : 270 / 2 ، التهذيب 7 : 207 / 912 و 208 / 913.

.................................................................................................


وأمّا الدلالة : فمبنيّة على تفسير المراد من قوله : «فلورثتها تلك الإجارة» وأنّ الظاهر من هذه العبارة هل هو الانفساخ من حين الموت وأنّ زمام أمر الإجارة بعدئذٍ بيد الورثة فلهم أن يؤاجروا أو لا يؤاجروا؟

وأمّا الدلالة : فمبنيّة على تفسير المراد من قوله : «فلورثتها تلك الإجارة» وأنّ الظاهر من هذه العبارة هل هو الانفساخ من حين الموت وأنّ زمام أمر الإجارة بعدئذٍ بيد الورثة فلهم أن يؤاجروا أو لا يؤاجروا؟

أو أنّ المراد انتقال الأمر من المرأة إلى ورثتها وقيامهم مقامها في استحقاق الأُجرة المسمّاة وتسلّمها من المستأجر ، فتدلّ حينئذٍ على صحّة الإجارة وعدم بطلانها بموت المؤجر كما ادّعاه جماعة؟

وكيفما كان ، فلا يهمّنا البحث حول ذلك ، فإنّه قليل الجدوى بعد ضعف السند المانع عن التعويل عليها ، على أنّ الدلالة غير خالية عن المناقشة كما لا يخفى.

فالصحيح أنّ الإجارة لا تبطل لا بموت المؤجر ولا المستأجر ، بل هي محكومة بالصحّة بمقتضى القاعدة حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا كان المؤجر مالكاً للمنفعة ملكيّة مرسلة مطلقة شاملة لما بعد الموت أيضاً ، حيث إنّ من ملك شيئاً فقد ملك منافعه مؤبّداً كنفس العين من غير توقيت بزمان خاصّ ، فإذا استوفى المنفعة بتمليكها إلى الغير فلا جرم تنتقل إليه مؤبّداً أيضاً.

وأمّا إذا كانت الملكيّة محدودة ومؤقّتة بزمان الحياة ، كما في العين الموقوفة على البطون ، فهذا ما تعرّض له الماتن (قدس سره) بقوله : نعم ، في إجارة العين الموقوفة ، إلخ.

نعم ، في إجارة العين الموقوفة إذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال إلى البطن اللاحق ، لأنّ الملكيّة محدودة (1) ، ومثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للمؤجّر ما دام حيّاً (2) ، بخلاف ما إذا كان المؤجر هو المتولّي للوقف وآجر لمصلحة البطون إلى مدّة ، فإنّها لا تبطل بموته ولا بموت البطن الموجود حال الإجارة (3) ،


(1) فإنّ ملكيّة كلّ بطن للعين المذكورة محدودة بحياته كملكيّة منافعها ، فالإجارة في مثلها تبطل بالموت لا محالة ، لانتهاء أمد الملكيّة ، فلو آجر البطن السابق بطلت الإجارة بموته والانتقال إلى البطن اللاحق ، بمعنى : أنّ الإجارة تعدّ بقاءً من الإجارة الفضوليّة ، فيتوقّف نفوذها على إجازة البطن اللاحق ، فالمراد من البطلان هنا هو المراد من بطلان البيع الفضولي ، أي التوقّف على الإجازة.

(2) حيث إنّه ينكشف بالموت عدم كونه بعدئذٍ مالكاً للمنفعة ، فلا جرم تبطل الإجارة بقاءً ، أي تتوقّف على إجازة من بيده الإجازة كما عرفت.

(3) أمّا عدم البطلان بموت البطن الموجود فظاهر ، لوقوع الإجارة بين المؤجر وهو المتولّي وبين المستأجر ، والبطن الموقوف عليه أجنبي عن هذا العقد القائم بين ذينك الطرفين ، فلا موجب لبطلان العقد بموت من هو أجنبي عنه.

وأمّا عدمه بموت المتولّي فكذلك ، نظراً إلى أنّ ولايته وإن كانت محدودة بزمان حياته ، وتنتقل بموته إلى شخص آخر لا محالة ، إلّا أنّ متعلّق هذه الولاية غير متقيّد بزمان خاصّ ، فكما يسوغ له بيع العين الموقوفة إذا اقتضته المصلحة وتبديلها بعين أُخرى ، أو الصرف على الموقوف عليهم ، فكذا له الإجارة مدّة طويلة ، فكلّما تحقّقت المصلحة ثبتت الولاية من غير فرق بين نقل العين

وكذا تبطل إذا آجر نفسه (1)للعمل بنفسه (1) من خدمة أو غيرها ، فإنّه إذا مات لا يبقى محلّ للإجارة ، وكذا إذا مات المستأجر الذي هو محلّ العمل من خدمة أو عمل آخر متعلّق به بنفسه ، ولو جعل العمل في ذمّته لا تبطل الإجارة بموته ، بل يستوفي من تركته ، وكذا بالنسبة إلى المستأجر إذا لم يكن محلّاً للعمل ، بل كان مالكاً له على المؤجر ، كما إذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له ، فإنّه إذا مات تنتقل إلى وارثه ، فهم يملكون عليه ذلك العمل ،


أو المنفعة في مدّة قصيرة أو طويلة. فإذا كان تصرّفه سائغاً ونافذاً لم يكن أيّ موجب للبطلان بموته كما هو واضح.

(1) فكان المستأجر عليه العمل القائم بشخص الأجير بالمباشرة أو العمل الذي محلّه شخص المستأجر ، كما لو آجره لحلق الرأس الصادر من خصوص الأجير أو الواقع على خصوص المستأجر فمات الأوّل في الأوّل أو الثاني في الفرض الثاني ، فإنّ طروّ الموت المانع عن تحقّق العمل في الخارج كاشف عن عدم القدرة وعدم بقاء محلّ للإجارة ، الملازم لبطلانها وانفساخها بطبيعة الحال.

وما أفاده (قدس سره) وإن كان وجيهاً في الجملة إلّا أنّه لا يتمّ على إطلاقه.

وتحقيق المقام : أنّه قد يفرض تقييد متعلّق الإجارة بمدّة معيّنة ووقت محدود فاتّفق موت المؤجر أو المستأجر قبل حلول تلك المدّة أو في أثنائها ، أو يفرض وقوعها مطلقة من غير تقييد بزمان خاصّ إلّا أنّه اتّفق الموت بعد الإجارة


1) (*) البطلان في هذه الصورة وفي الصورة الثانية إنّما هو فيما إذا كان متعلّق الإجارة مقيّداً بزمانٍ قد تحقّق الموت قبله أو في أثنائه أو كان الموت واقعاً قبل مضي زمان يسع متعلّق الإجارة.

.................................................................................................


بلا فصل ، أو مع فصل زمان لا يسع متعلّق الإجارة ولا يمكن وقوع العمل فيه بحيث انكشف عدم قدرته على إيجاد العمل في الخارج بتاتاً ، ففي مثله لا مناص من الالتزام بالبطلان ، لكشف الموت عن عدم كون المؤجر مالكاً لهذه المنفعة كي يملّكها للمستأجر ، فبطبيعة الحال يحكم بالفساد والانفساخ.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الإجارة كانت مطلقة أو كانت مقيّدة بزمان بعيد الأمد طويل الأجل ، فطرأ الموت بعد مضيّ زمانٍ كان يمكنه الإتيان بالعمل المستأجر عليه خارجاً إلّا أنّه أخّره باختياره اعتماداً على سعة الوقت ، كما لو استؤجر للصلاة أو الصيام شهراً في خلال سنة فاتّفق موته في الشهر الثالث مثلاً. ففي مثله لا مقتضي للالتزام بالبطلان ، لعدم كشف هذا النوع من العجز عن أيّ خلل في أركان الإجارة لدى انعقادها كما كان كاشفاً في الفرض السابق ، فإنّ المفروض هنا قدرته على إيجاد العمل غير أنّه بنفسه سوّف وأخّر ، فهذا من العجز الطارئ غير المانع عن صحّة الإجارة بوجه بعد استجماعها لشرائط الصحّة في ظرفها ، وقد ملك بموجبها كلّ من المؤجر والمستأجر ما انتقل إليه من الآخر ، فملك الأجير الأُجرة ، كما ملك المستأجر العمل في الذمّة ، فكانت ذمّة الأجير مشغولة طبعاً ومديناً له بهذا العمل ، وحيث تعذّر الأداء بعروض الموت فلا جرم ينتقل إلى البدل فتخرج قيمته ، أعني أُجرة المثل من تركته.

كما أنّ هذا هو الحال في البيع فيما لو كان قادراً على التسليم فلم يسلّم إلى أن طرأ العجز ، فإنّ ذلك يستوجب الانتقال إلى البدل ، ولا يستلزم البطلان بوجه بعد عدم كون البيع فاقداً لأيّ شرط من شرائط الصحّة.

نعم ، بما أنّ عدم التسليم من موجبات الخيار فللمستأجر أو المشتري فسخ العقد واسترجاع الأُجرة المسمّاة ، إذ قد تكون اجرة المثل أقلّ منها ، وهذا مطلب آخر.

.................................................................................................


فالصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان الموت كاشفاً عن عدم القدرة من الأوّل فيحكم حينئذٍ بالبطلان ، وبين ما لم يكشف لكون العجز طارئاً وعارضاً بعد العقد فيحكم بالصحّة مع ثبوت الخيار للمستأجر ، فإن لم يفسخ طالب الأجير بأُجرة المثل للعمل المتعذّر الذي تملّكه عليه.

ثمّ إنّ في تعليقة شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في المقام ما لفظه : يختصّ البطلان بما إذا كان متعلّق الإجارة هو منفعة نفسه ، ولو كان المتعلّق هو الخدمة ونحوها كلّيّاً وشرط المباشرة بنفسه فللمستأجر الخيار ، إلخ (1).

ففصّل (قدس سره) بين لحاظ المباشرة على وجه القيديّة ، وبين اعتبارها شرطاً في المتعلّق الكلّي ، فإنّه لدى الموت يحكم بالبطلان في الأوّل وبالخيار في الثاني.

أقول : ما أفاده (قدس سره) في الشقّ الثاني وإن أمكن فرضه على وجه الندرة والشذوذ ، إلّا أنّه على خلاف الارتكاز العرفي ، لما أشرنا إليه سابقاً (2)وقد صرّح هو (قدس سره) أيضاً بأنّ الشروط في باب الأعمال والكلّيّات راجعة إلى التقييد وإن كانت بلسان الشرط ، فلو آجر نفسه لخدمة واشترط المباشرة رجع في الحقيقة إلى جعل متعلّق الإجارة هو خدمة نفسه ، وهذا هو موضوع الكلام في المقام ، وأمّا الإيجار على الخدمة الكلّيّة سواء أكانت منه أم من غيره ، واشتراط المباشرة على سبيل الالتزام في الالتزام ، فهو أمر ممكن وقابل للتصوّر لكنّه خارج عن المرتكز العرفي.

فالصحيح في موضوع الكلام هو التفصيل على النحو الذي عرفت.


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 30 (تحقيق جماعة المدرسين).

2) في ص 92 - 93.

وإذا آجر الدار واشترط على المستأجر سكناه بنفسه (1) لا تبطل بموته ويكون للمؤجّر خيار الفسخ (1). نعم ، إذا اعتبر سكناه على وجه القيديّة تبطل بموته (2).


(1) قد يفرض لحاظ المباشرة على الوجه القيديّة بأن يكون المستأجر عليه خصوص السكنى الصادرة من شخص المستأجر ، ولا ريب في البطلان حينئذٍ بالموت ، لكشفه عن عدم كون هذه المنفعة مملوكة من الأوّل بعد كونها غير مقدورة وممنوعة التحقّق خارجاً. وهذا واضح.

وأُخرى : يفرض لحاظها على وجه الشرطيّة ، بأن كان معقد الإجارة ومصبّها هي الدار لا المنفعة الخاصّة ولكن مشروطاً بأن يسكنها بنفسه ، وهذا على نحوين :

إذ تارةً يفرض تعلّق الغرض بسكونة شخص المستأجر بحيث لا يرضى المؤجر ببقاء الدار فارغة وخليّة عن الساكن ، كما لا يرضى بسكونة غير هذا الشخص ، وحينئذٍ فعروض مانع عن سكونته بنفسه من موت أو حبس أو سفر قهري ونحوها يكشف عن عدم مقدوريّة الشرط من الأوّل الملازم لبطلانه وعدم انعقاده ، فلا تشمله أدلّة نفوذ الشرط وإن تخيّل المؤجر صحّته ، فيصحّ العقد ويلغى الشرط بناءً على ما هو الصحيح من عدم كون الشرط الفاسد مفسداً لا أنّه يثبت له الخيار.

واخرى : يراد بالاشتراط المزبور ما هو المتعارف المرتكز من تعلّق الغرض بالعقد السلبي لا الإيجابي ، فيكون المقصود أن لا يسكنها غيره ، سواء أسكنها


1) هذا إذا تخلّفت الورثة عن العمل بالشرط.

2) فيه إشكال بل منع.

[3274] مسألة 4 : إذا آجر الوليّ أو الوصيّ الصبي المولّى عليه مدّة تزيد على زمان بلوغه ورشده (1) بطلت في المتيقّن بلوغه فيه ، بمعنى : أنّها موقوفة على إجازته ، وصحّت واقعاً وظاهراً بالنسبة إلى المتيقّن صغره ، وظاهراً بالنسبة إلى المحتمل ، فإذا بلغ له أن يفسخ على الأقوى ، أي لا يجيز ، خلافاً لبعضهم فحكم بلزومها عليه ، لوقوعها من أهلها في محلّها في وقتٍ لم يعلم لها مناف. وهو كما ترى.

نعم ، لو اقتضت المصلحة اللازمة المراعاة إجارته مدّة زائدة على زمان البلوغ بحيث تكون إجارته أقلّ من تلك المدّة خلاف مصلحته تكون لازمة (1)ليس له فسخها بعد بلوغه ، وكذا الكلام في إجارة أملاكه.


هو أم تركها خالية ، أم جعلها محرزاً ومخزناً. وهذا الشرط كما ترى أمر مقدور التحقّق حتى بعد الموت بأن يسكن الدار عائلته كما كانوا يسكنون في زمان حياته ، أو أن تجعل محرزاً أو تترك فارغة تحت يد الورثة ، فهو إذن شرط نافذ قبل الموت وبعده ، فلا مقتضي لبطلانه ولا لثبوت الخيار للمؤجّر بمجرّد موت المستأجر كما هو ظاهر عبارة المتن ، وإنّما يثبت له الخيار في خصوص ما لو سكنها شخص أجنبي ، لصدق تخلّف الشرط حينئذٍ ، الموجب لتعلّق الخيار في هذه الصورة خاصّة دون ما عداها. فعبارته (قدس سره) لا تستقيم على إطلاقها.

(1) إذا آجر الوليّ أو الوصيّ أموال الصبي أو نفسه مدّة تستوعب البلوغ مع مراعاة المصلحة والغبطة ، فهل تكون الإجارة نافذة بالإضافة إلى ما بعد زمان


1) (*) فيه إشكال ، نعم هي كذلك في إجارة الأملاك.

.................................................................................................


البلوغ ، أو لا ، أو أنّ فيه تفصيلاً؟

أمّا بالنسبة إلى الأموال : فلا ينبغي الإشكال في النفوذ وأنّه ليس للصبي الفسخ عند ما بلغ ، وذلك للإطلاق في أدلّة الولاية ، فإنّها وإن كانت مقيّدة بحال الصغر ، فلا ولاية للولي بعد ما بلغ الصبي ، إلّا أنّ متعلّق هذه الولاية مطلق يشمل حال ما بعد البلوغ كما قبله بمناط واحد ، وهو رعاية الغبطة وملاحظة المصلحة ، والولي إنّما جُعِلَ وليّاً لذلك ، فكما أنّ له البيع وإخراج المال عيناً ومنفعةً عن ملكه إلى الأبد إذا اقتضته المصلحة ، فكذلك له أن يبقي العين ويخرج المنفعة خاصّة لمدّة قصيرة أو طويلة حسبما يجده من المصلحة وإن عمّت ما بعد البلوغ.

فإذا اقتضت الغبطة والمصلحة اللازمة المراعاة إيجارها عشرين سنة مثلاً صحّت الإجارة ، عملاً بإطلاق أدلّة الولاية ، ولا تبطل بموت المؤجر أعني : الولي كما تقدّم نظيره في إجارة الوقف الخاصّ (1)، فتصحّ الإجارة المتعلّقة بالملفّق من عهدي البلوغ والصبا ، بل تصحّ المتعلّقة بعهد البلوغ خاصّة إذا اقتضتها المصلحة ، باعتبار أنّ الصبي كما أنّه مالكٌ للعين مالكٌ فعلاً لمنافعها الأبديّة أيضاً ، فللولي أن يملك شيئاً من هذه المنافع بإجارة أو صلح ونحوهما إمّا مستقلا أو منضمّاً بشي‌ء من منافع عهد الصبا حسبما يراه من المصلحة ، عملاً بإطلاق أدلّة الولاية.

وأمّا بالنسبة إلى الصبي نفسه : فلم يدلّ أيّ دليل على ولاية الولي حتى بالإضافة إلى ما بعد البلوغ.

نعم ، في خصوص النكاح قام الدليل على الولاية على تزويج الصبي أو الصبيّة ولو كان الزواج دائماً ، وأمّا في غيره فلم تثبت له هذه الولاية بحيث


1) في ص 7 - 8.

.................................................................................................


يتمكّن من إيجاره للخدمة عشرين سنة مثلاً ولو تضمّن الغبطة والمصلحة. فلو آجره كذلك كانت الإجارة فيما زاد على البلوغ فضوليّة منوطة بإجازته بعد ما بلغ ، فإنّ مجرّد عدم الدليل على الولاية كافٍ في عدم النفوذ والافتقار إلى الإجازة.

وقد استثنى الماتن عن ذلك صورة واحدة ، وهي ما إذا كان ذلك هو مقتضى المصلحة اللازمة المراعاة بحيث كانت إجارته مقتصرة على عهد الصغر خالية عن المصلحة ، بل ومتضمّنة للمفسدة ، وأمّا مع ضمّ شي‌ء من زمان البلوغ ففيه المصلحة الملزمة ، فحينئذٍ تكون الإجارة نافذة ولازمة ليس له فسخها بعد البلوغ.

ولكنّه غير واضح ، نظراً إلى أنّ مجرّد وجود المصلحة ولو كانت بالغة حدّ اللزوم غير كافية في ثبوت الولاية ما لم يقم عليها دليل من الخارج ، والمفروض قصور الدليل وعدم شموله لما بعد انقضاء عهد الصبا.

وبالجملة : مجرّد اقتضاء المصلحة اللازمة لو كان مسوّغاً لضمّ شي‌ء من زمان البلوغ ومرخّصاً للتصرّف في ملك الغير وسلطنته بدون إذنه لكان مسوّغاً لضمّ بالغ آخر ، فيؤجر الصغير منضمّاً إلى الكبير لو اقتضته المصلحة الملزمة ، لوحدة المناط وهو الاشتمال على المصلحة وعدم الولاية على الكبير في الموردين وهو كما ترى. فيظهر من ذلك أنّ المصلحة بمجرّدها لا تجوّز التصرّف في سلطان الغير ما لم تثبت الولاية عليه بدليل ، والمفروض انتفاؤه.

نعم ، لو بلغت المصلحة الملزمة حدّ الوجوب كما هو المفروض في المتن ، مثل ما لو توقّف حفظ حياة الصبي على إجارته مدّة تزيد على زمان بلوغه بحيث لولاه لكان معرّضاً للهلاك ، اندرج ذلك في أُمور الحسبيّة ، ورجعت الولاية حينئذٍ إلى الحاكم الشرعي لا إلى الوليّ أو الوصيّ ، من غير فرق في ذلك بين الصغير والكبير.

[3275] مسألة 5 : إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدّة معيّنة فتزوّجت قبل انقضائها لم تبطل الإجارة وإن كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج (1).

[3276] مسألة 6 : إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمّ أعتقه (2) لا تبطل الإجارة بالعتق ، وليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقيّة


فلو فرضنا أنّ كبيراً توقّف حفظ نفسه على إجارته مدّة من أحدٍ وهو ممتنع من ذلك أجبره الحاكم الشرعي الذي هو وليّ الممتنع على ذلك وقايةً لنفسه المحترمة عن الهلاك ، فلا تثبت بذلك الولاية لوليّ الصغير كما أخذه (قدس سره) في عنوان كلامه ، فإنّها تحتاج إلى الدليل حتى في موارد الضرورة واقتضاء المصلحة اللازمة المراعاة حسبما عرفت.

(1) لأنّ المرأة حينما آجرت نفسها كانت مالكة لمنافعها آن ذاك ، وقد ملّكتها من شخص آخر في وقتٍ كانت لها السلطنة على التمليك ، فأصبحت المنافع ملكاً للمستأجر في مدّة معيّنة بإجارة جامعة لشرائط الصحّة حسب الفرض ، والزوج قد عقد عليها فاقدة لتلك الخدمة ومسلوبة المنفعة من هذه الجهة ، فلا سبيل له إلى تفويت حقّ الغير المنتقل إليه بسبب سابق ، وإنّما يتمتّع بما يرجع أمره إلى الزوجة نفسها ويكون تحت استيلائها ، فيشبه المقام بيع العين مسلوبة المنفعة كما لا يخفى.

وعليه ، فالمقتضي للاستمتاع قاصر من الأوّل ، لاختصاصه بغير ما هو متعلّق لحقّ الغير ، ولأجله تتقدّم الإجارة ولا يزاحمها استمتاع الزوج وإن كانت منافية له.

(2) لا إشكال في صحّة كلّ من العتق والإجارة بعد عدم المزاحمة ، كما

المدّة ، لأنّه كان مالكاً لمنافعه أبداً وقد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدّة ، فدعوى أنّه فوّت على العبد ما كان له حال حرّيّته كما ترى.

نعم ، يبقى الكلام في نفقته في بقيّة المدّة إن لم يكن شرط كونها على المستأجر ، وفي المسألة وجوه :

أحدها : كونها على المولى ، لأنّه حيث استوفى بالإجارة منافعه فكأنّه باقٍ على ملكه.

الثاني : أنّه في كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة ، وإن لم يمكن فمن بيت المال ، وإن لم يكن فعلى المسلمين كفاية.

الثالث : أنّه إن لم يمكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه وإن كان منافياً للخدمة.

الرابع : أنّه من كسبه ، ويتعلّق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمّته.

الخامس : أنّه من بيت المال من الأوّل.

ولا يبعد قوّة الوجه الأوّل (1).


لا إشكال في أنّ العبد لم تكن له المطالبة بعوض المنافع التي استوفاها المولى بالإيجار ، وإن نُسب ذلك إلى بعض الشافعيّة (2)، إذ هو إنّما استوفى ملكه ، فإنّ منافع العبد مملوكة لمولاه كنفس العين وقد تسلّمها بأخذ الأُجرة بإزائها فأعتقه مسلوب المنفعة ، فليس في البين أيّ موجب للرجوع والمطالبة بعوض تلك المنافع. وهذا ظاهر.


1) (*) بل الأقوى هو الوجه الثاني.

2) مغني المحتاج 2 : 359.

.................................................................................................


وإنّما الكلام في نفقته خلال الفترة المتخلّلة ما بين العتق وبين انقضاء مدّة الإجارة وأنّه مَن المسئول عنها والقائم بها؟

ولا بدّ من فرض الكلام فيما إذا لم يشترط كونها على المستأجر كما صرّح به في المتن ، وإلّا فالحكم ظاهر. كما لا بدّ أيضاً من فرض الكلام فيما إذا كانت الإجارة مستوعبة لتمام الوقت بحيث لم يبق مجال يتمكّن العبد فيه من الكسب لنفسه وتأمين معيشته. أمّا لو لم تكن مستغرقة ، كما لو استؤجر كلّ يوم ساعة أو ساعتين وأمكنه صرف الباقي في سبيل تحصيل المعاش ، فينبغي أن يكون هذا خارجاً عن محلّ الكلام ، فإنّه حرّ كسائر الأحرار يتمكّن من الكسب لنفسه ، ولا موجب لتحميل نفقته على غيره. فلا وجه لأخذه قيّداً في القول الثاني كما صنعه في المتن كما لا يخفى.

فهاتان الصورتان خارجتان عن محلّ الكلام ، وقد ذكر (قدس سره) حينئذٍ في المسألة وجوهاً :

أحدها : ما اختاره من كون نفقته على مولاه ، نظراً إلى أنّه حيث استوفى منافع زمان الحرّيّة بالإجارة فكأنه بعدُ مملوك له ، فكان المعتق هنا بمنزلة المالك فتجب طبعاً نفقته عليه.

الثاني : أنّه لمّا كان فقيراً عاجزاً عن التكسّب فنفقته على بيت المال المتكفّل لأُمور المسلمين ، كما هو شأن كل عاجز عن الكسب فإنّ نفقته على الإمام الذي هو وليّ المسلمين ينفق عليه من بيت المال ، وعلى تقدير عدمه فحاله حال بقيّة الفقراء في أنّه يجب على كافّة المسلمين كفاية الإنفاق عليهم حفظاً للنفس المحترمة عن الهلكة.

الثالث : أنّه لمّا كان حفظ النفس المحترمة مقدّماً على كلّ واجب وهو متوقّف على الكسب فإذن يكسب لنفسه بمقدار الضرورة ويستثنى ذلك عن الخدمة الواجبة من غير أيّ ضمان عليه.

.................................................................................................


الرابع : عين هذا الوجه لكن مع الضمان كما في الأكل عند المخمصة من مال الغير ، حيث إنّه يجوز ومع ذلك يضمن باعتبار أنّ الضرورة إنّما ترفع الحكم التكليفي أعني : الحرمة أمّا الوضعي وهو الضمان فلا مقتضي لارتفاعه بعد تحقّق سببه وهو الإتلاف. إذن فمقدار ما يفوت من الخدمة من المستأجر يثبت في ذمّة الأجير لا بدّ من أدائه والخروج عن عهدته متى ما استطاع.

وأمّا الوجه الخامس المذكور في المتن : فقد عرفت رجوعه إلى الوجه الثاني ، باعتبار أنّ التمكّن من الكسب خارج عن محلّ الكلام حسبما عرفت. وسيتّضح لك أنّ الأقوى إنّما هو الوجه الثاني.

أمّا القول الأوّل الذي اختاره الماتن تبعاً للعلّامة (1): فلا يبعد أن يعدّ من الغرائب ، فإنّه أشبه باستدلالات العامّة المبنيّة على الاستحسانات العقليّة ، ضرورة أنّه بعد أن خرج عن الملك بالعتق فما هو الدليل على تنزيله منزلة المملوك لكي تجب نفقته على المعتق؟! ومجرّد استيفاء المنافع حال الرقّيّة وعروض العتق عليه وهو مسلوب المنفعة لا يصحّح التنزيل المزبور ، ولا يكون حجّة شرعيّة عليه بوجه. فهذا القول ساقط جزماً.

وأمّا القول بكونها في كسبه إمّا مع الضمان أو بدونه : فهو وإن كان وجيهاً باعتبار أنّ حفظ النفس مقدّم على كلّ شي‌ء ، إلّا أنّه يختصّ بما إذا توقّف الحفظ عليه ولم يتيسّر من طريق آخر ، بحيث استأصل المسكين واضطرّ إلى التصرّف في متعلّق حقّ الغير ، وإلّا فمع وجود الإمام والتمكّن من القيام بمصارفه والإنفاق عليه من بيت المال فلا توقّف ولا اضطرار. ومن المعلوم أنّ بيت المال معدّ لإدارة شؤون المسلمين إمّا المصالح العامّة أو الموارد الشخصيّة التي لا يوجد مصرف لما يجب فيه الصرف ولا يمكن تداركه من محلّ آخر ، فإنّه يؤخذ من


1) انظر إرشاد الأذهان 1 : 425.

.................................................................................................


بيت المال بلا إشكال ، كما لو هرب القاتل فإنّ الدية تؤخذ حينئذٍ من أقاربه كما في النصّ (1)، وإن لم يمكن فمن بيت المال ، كيلا يذهب دم المسلم هدراً ، كما نطق به النصّ أيضاً. (2)، وكالسرقة في المرّة الثالثة بعد أن قطعت يده ورجله في المرّتين الأُوليين ، فإنّه يحبس ويصرف عليه من بيت المال ، وكما لو قطع الحاكم يد أحدٍ لسرقة أو قصاص فاحتاج إلى العلاج كي لا يموت فإنّ مصرف المعالجة على عاتق الحاكم يبذله من بيت المال.

وقد ورد فيمن استمنى بيده : أنّ علياً (عليه السلام) بعد أن ضربه وأدّبه زوّجه من بيت المال (3)، وهكذا غيره من الموارد المتفرّقة ممّا لا تخفى على المتتبّع ، التي يظهر منها بوضوح عدم اختصاص مصارف بيت مال المسلمين بالمصالح العامّة بل تعمّ غيرها ممّا عرفت. وضابطه كلّ مصرف مالي ضروري نوعي أو شخصي لم يمكن تداركه من محلّ آخر.

ومن البيّن أنّ المقام من أبرز مصاديق هذه الكبرى ، فإنّ العبد المعتق فقير مسلم لا بدّ من حفظ نفسه المحترمة من الهلكة ، فيعطى من بيت المال بطبيعة الحال.

وإن لم يمكن فيجب على المسلمين كفايةً بعين المناط. إذن فلا يتوقّف حفظ النفس على الكسب حتى يقال بوجوبه عليه.

نعم ، لو فرضنا عدم التمكّن من ذلك أيضاً ، كما لو كان في برّ أو كان في غير بلاد المسلمين بحيث لم يجد بدّاً من الكسب محافظةً للبقاء على نفسه فلا إشكال في وجوبه حينئذٍ وإن استلزم التصرّف في مال الغير ، كما في الأكل عند المخمصة.


1) الوسائل 29 : 395 / أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

2) الوسائل 29 : 395 / أبواب العاقلة ب 4 ح 1.

3) الوسائل 20 : 352 / أبواب النكاح المحرم ب 28 ح 3.

.................................................................................................


إلّا أنّ الكلام في أنّه هل يضمن للمستأجر في ذمّته بمقدار ما يفوت منه من الخدمة ، كما هو الحال في المثال ، نظراً إلى أنّ غاية ما يترتّب على الاضطرار هو ارتفاع الحكم التكليفي وهو الإثم ، أمّا الوضعي كي يتّصف تصرّفه بالمجّانيّة ويلتزم بالتخصيص في دليل الضمان الناشئ من إتلاف مال الغير فهذا شي‌ء لا تقتضيه الضرورة المزبورة بوجه؟

أو لا يضمن ، لمكان الفرق بين ما نحن فيه وبين المثال المذكور ، أعني : الأكل عند المخمصة؟

لا يبعد المصير إلى الثاني ، وذلك لأجل أنّه إذا بلغ الأمر إلى هذا الحدّ بحيث حرمت عليه الخدمة ووجب الكسب مقدّمةً لحفظ النفس فلا جرم كشف ذلك عن بطلان الإجارة بالإضافة إلى هذه المنفعة غير القابلة للتسليم من الأوّل ، ضرورة عدم سلطنة المولى على تمليك منفعة لا يجب بل لا يجوز تسليمها إلى المستأجر لأدائه إلى تلفه وهلاكه. وقد تقدّم في شرائط الإجارة اعتبار تمكّن المستأجر من استيفاء المنفعة (1)، والمنفعة في المقام بعد الاتّصاف بما عرفت غير قابلة للاستيفاء ، فلم يكن للمالك تمليكها من الأوّل ، فطبعاً تنفسخ الإجارة في خصوص هذه الخدمة ، فللمستأجر أن يراجع المؤجر وهو المالك ويطالبه باسترجاع ما يعادل هذه المنفعة من الأُجرة.

وبعبارة اخرى : بعد أن لم يكن للمالك تمليك هذه المنفعة الموقعة للعبد في الهلكة فهي لم تدخل في ملك المستأجر من الأوّل ، وحيث إنّها لا تتعلّق الآن بالمولى لفرض الانعتاق والخروج عن ملكه بجميع منافعه عدا ما ملّكه للمستأجر ، وليس هذا منه كما عرفت فلا جرم تكون مملوكة لنفس العبد المعتق يصرفها في إعاشة نفسه حفظاً عن الهلاك.


1) في ص 43 - 45.

[3277] مسألة 7 : إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً سابقاً على العقد وكان جاهلاً به (1) : فإن كان ممّا تنقص به


(1) قسّم (قدس سره) العيب المفروض إلى قسمين :

فإنّ العيب في العين قد يسري إلى المنفعة ويستوجب نقصاً فيها ، كما لو استأجر داراً للسكنى فتبيّن أن غرفها مرطوبة تصعب فيها السكونة ، ولا تتيسّر المنفعة المرغوبة بكاملها.

واخرى لا يسري ، كما لو تبيّن كون الدابّة مقطوعة الإذن أو الذنب التي لا تؤثّر بوجه في النفع المطلوب من الحمل أو الركوب.

أمّا في القسم الأوّل : فلا شكّ في ثبوت الخيار بعين المناط الذي يثبت به في البيع ولو مع الغضّ عن النصّ الشرعي ، وهو تخلّف الشرط الارتكازي ، لاستقرار بناء العقلاء في مقام المعاوضات والمبادلات من غير فرق بين الأعيان والمنافع على كون العين قابلة للانتفاع منفعةً مطلوبة مرغوبة سليمة عن أيّ نقص وعيب ، وقد تخلّف هذا الشرط الضمني الارتكازي العقلائي حسب الفرض ، ونتيجته ثبوت الخيار بطبيعة الحال بين الفسخ والإمضاء من غير حاجة في هذا المقدار إلى نهوض أيّ دليل شرعي خاصّ لا في البيع ولا الإجارة ، فيتخيّر بين الإمضاء مجّاناً ، وبين فسخ العقد واسترداد الأُجرة المسمّاة في المقام.

وعلى الجملة : فالوجه في ثبوت الخيار مضافاً إلى عدم الخلاف أنّ وصف الصحّة في العين أو المنفعة شرط ضمني مبني عليه العقد في المعاملات العرفيّة ، فلا جرم يثبت الخيار بتخلّفه وظهور العيب المستوجب لاختلاف القيمة.

وأمّا التمسّك لذلك بحديث نفي الضرر فقد تعرّضنا له مستقصى في مباحث

المنفعة فلا إشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ والإبقاء ،


الخيار من كتاب المكاسب ولا سيّما في خيار الغبن (1).

وملخّصه : قصور الحديث عن إثبات الخيار في المقام ، إذ مفاده إنّما هو نفي أيّ جعل تشريعي ينشأ منه الضرر ، ومن المعلوم أنّ الضرر في المقام لم ينشأ من ناحية الشارع وإنّما حصل من نفس البيع الصادر من المتبايعين ، إذ الضرر إنّما هو النقص في المال ، وهذا قد يتحقّق بمجرّد البيع وما أقدما عليه من المعاوضة بين المالين ، ولا علاقة ولا ارتباط له بساحة الشرع المقدّسة.

نعم ، بعد أن أقدما على هذا الضرر حكم الشارع بلزوم العقد بمقتضى عمومات اللزوم ، إلّا أنّ من الواضح أنّ هذا اللزوم لم يسبّب ضرراً جديداً لكي يرتفع بالحديث ، وإنّما هو إلزام بما أقدم عليه المغبون من الضرر.

غاية ما هناك أنّ للشارع معالجة الضرر الحاصل بالبيع وتداركه بجعل الخيار ، وهذا أمر آخر يحتاج إلى دليل آخر ولا يكاد يتكفّله الحديث بوجه ، إذ هو ناظر إلى نفي جعل الضرر ، لا إلى جعل ما يتدارك به الضرر ، وهذا واضح.

ولأجله استندنا في ثبوت الخيار لدى ظهور الغبن إلى تخلّف الشرط الضمني الارتكازي المقرّر بين العقلاء على مساواة العوضين في الماليّة ، لا إلى حديث نفي الضرر ، وكذلك الحال في المقام بمناط واحد.

على أنّه قد لا يتحقّق ضرر مالي في المقام كي يتدارك بالخيار ، كما لو استأجر العين بأُجرة زهيدة بحيث تسوى بهذه القيمة حتى مع كونها معيبة ، بل بأكثر منها ، كما لو كانت الأُجرة السوقيّة للصحيح دينارين وللمعيب ديناراً


1) مصباح الفقاهة 6 : 295 - 306.

والظاهر عدم جواز مطالبته الأرش (1) فله الفسخ أو الرضا بها مجّاناً.


فآجرها بنصف دينار ، فإنّه لم يتحقّق في هذه المعاملة أيّ ضرر مالي كي يندفع بحديث نفي الضرر. فالصغرى أيضاً غير مسلّمة ، أي لم تكن مطّردة.

وكيفما كان ، فالعمدة في وجه الخيار تخلّف الشرط الضمني حسبما عرفت.

(1) فإنّ ذلك حكم تعبّدي خاصّ بالبيع ولا يسرى إلى المقام.

والوجه فيه : أنّ صفة الصحّة كالأوصاف الكماليّة لا تقابل بالمال ، ولا يقع بإزائها جزء من الثمن أو الأُجرة ، وإنّما هي تستوجب زيادة بذل المال بإزاء العين فتؤثّر في ازدياد الرغبة إلى العين الباعث على دفع القيمة الزائدة بإزائها من دون أن تقابل بنفسها بشي‌ء. إذن فلا مقتضي للمطالبة بالتفاوت بين القيمتين.

ولو سلّمنا المقابلة كان لازمها تقسيط الأُجرة لا المطالبة بالأرش.

وتوضيحه : أنّ الأرش الثابت في باب خيار العيب ليس معناه استرداد جزء من الثمن الواقع بإزاء وصف الصحّة بحيث يبقى البائع مشغول الذمّة بسبب تخلّف هذا الوصف ، وإنّما يثبت الأرش ويضمن البائع بنفس مطالبة المشتري لا بفقد ذاك الوصف ، بحيث لو فرضنا أنّ المشتري لم يطالب ولو لأجل أنّه لم يعلم بالعيب إلى أن مات لم تكن ذمّة البائع مشغولة بشي‌ء ، لما عرفت من عدم مقابلة هذا الوصف بجزء من الثمن.

فضمان التفاوت بين الصحيح والمعيب المعبّر عنه بالأرش حكم جديد يثبت بنفس المطالبة ، وبها تشتغل الذمّة ، ومن ثمّ لم يختصّ بجزء من الثمن ، بل عليه الخروج عن عهدة هذا الضمان من أيّ مال كان ، فلو كان المناط في هذا الضمان المقابلة المزعومة المزبورة لزم استرداد جزء من نفس الثمن ، طالب المشتري أم

نعم ، لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار فالظاهر تقسيط الأُجرة (1)(1) لأنّه يكون حينئذٍ من قبيل تبعض الصفقة.


لا ، علم بالعيب أم لا ، لأنّ هذا المقدار من المال لم يملكه البائع من الأوّل. وهذا كما ترى لم يلتزم به أحد جزماً ، لتطابق النصّ والفتوى على إناطة الضمان بالمطالبة وجواز الدفع من أيّ مال كان ، فلا جرم كان هذا حكماً تعبّديّاً مختصّاً بمورده وهو البيع ولا ينسحب إلى غيره.

وبالجملة : فهذا الضمان نظير الضمان الثابت في باب اللقطة ، حيث إنّ الملتقط لو تصدّق بها بعد الفحص واليأس لم تكن ذمّته مشغولة بشي‌ء كي يخرج ما يعادلها من تركته إذا مات باعتبار أنّه أتلف مال الغير بالتصدّق ، فلا ضمان عندئذٍ بوجه ، وإنّما يضمن فيما لو وجد المالك وطالب ، فينشأ الضمان من نفس المطالبة لا أنّه كان ضامناً من الأوّل.

والمقام من هذا القبيل ، فيملك البائع تمام الثمن وإن كانت العين معيبة ، ولا تكون ذمّته مشغولة بجزء منه معادل لوصف الصحّة بحيث يخرج من تركته لو مات ، غايته ثبوت الخيار للمشتري بين الفسخ والإمضاء مجّاناً أو مع مطالبة الأرش ، فيضمن التفاوت حينئذٍ بنفس هذه المطالبة لا أنّه كان ضامناً من الأوّل.

وهذا كما ترى حكم تعبّدي مخالف للقاعدة قد ثبت في خصوص البيع بالنصّ الخاصّ ، فاللازم الاقتصار عليه ولا موجب للتعدّي عن مورده بعد عدم الدليل عليه.

(1) فيستردّ من نفسها ما يقابل المنفعة الفائتة بنسبة الأُجرة. فلو كانت


1) في إطلاقه إشكال.

ولو كان العيب ممّا لا تنقص معه المنفعة كما إذا تبيّن كون الدابّة مقطوعة الإذن أو الذنب (1) فربّما يستشكل في ثبوت الخيار معه ، لكن الأقوى ثبوته إذا كان ممّا يختلف به الرغبات وتتفاوت به الأُجرة.


البيوت خمسة والأُجرة خمسة وقد كانت واحدة منها خربة استردّ خمس الأُجرة ، لانكشاف بطلان الإجارة بالإضافة إلى هذه الحصّة. وهذا أمر آخر غير الأرش المصطلح في باب خيار العيب حسبما عرفت ، ونتيجته ثبوت الخيار للمستأجر في الباقي كما في سائر موارد تبعّض الصفقة.

وما ذكره (قدس سره) وإن كان وجيهاً إلّا أنّه لا يستقيم على إطلاقه ولعلّه (قدس سره) لا يريده أيضاً وإنّما يتّجه فيما إذا لوحظت البيوت على وجه الجزئيّة بحيث يقابل كلّ بيت بجزء من الأُجرة ، كما هو الحال في الدور المعدّة للإيجار بالإضافة إلى الزوّار ، فيصحّ التقسيط حينئذٍ لدى تخلّف البعض حسبما ذكر.

وأمّا إذا كان لحاظها على وجه الشرطيّة ، كما لعلّه الغالب في إجارة الدور المتعارفة بين الناس ، حيث تقع الإجارة بإزاء ما صدق عليه اسم الدار ، ويراعى بعنوان الاشتراط في متن العقد اتّصافها بالاشتمال على خمس غرف مثلاً كالاشتمال على السرداب أو سائر المرافق الصحّيّة ، فإنّ التخلّف في مثل ذلك لا يترتّب عليه إلّا الخيار بين الفسخ والإمضاء من أجل تخلّف الشرط ، ولا مجال حينئذٍ للتقسيط بوجه كما هو ظاهر جدّاً.

(1) وأمّا في القسم الثاني أعني : ما لا يستوجب العيب نقصاً في المنفعة - : فالمتعيّن حينئذٍ ما ذكره في المتن من التفصيل :

بين ما إذا كان العيب المزبور ممّا تختلف به الرغبات ، المستلزم بطبيعة الحال

.................................................................................................


لتفاوت الأُجرة ، إذ كلّما كثرت الرغبة فلا جرم تزداد الأُجرة ، كالمثال المذكور في المتن ، حيث إنّ الدابّة السليمة أشدّ رغبة من المقطوعة المستتبع لكونها أكثر قيمة وإن كانت المنفعة المرغوبة مشتركة وعلى حدٍّ سواء. ففي مثله يثبت الخيار بعين المناط الذي يثبت في القسم السابق أعني : تخلف الشرط الضمني الارتكازي إذ لا مدخل لنقص المنفعة في هذا المناط ، فإنّ مبناه على وقوع الإجارة على العين السليمة الواجدة لجميع الصفات التي تؤثّر في الرغبة وفي القيمة عند العقلاء ، والمفروض أنّ العين فاقدة لهذا الوصف ، فقد تخلّف الشرط الارتكازي ، ونتيجته ثبوت الخيار ، من غير فرق في ذلك بين نقص المنفعة وعدمه ، إذ لم يكن المدرك لهذا الخيار دليل نفي الضرر حتى يقال باختصاصه بصورة النقص ، بل مستنده تخلّف الشرط المشترك بين الصورتين حسبما عرفت.

وبين ما إذا لم تختلف الرغبة ولم تتفاوت الأُجرة ، كما لو استأجر دابّة أو جارية للخدمة فبان أنّها عقيمة ، أو عبداً للكتابة فبان أنّه خصي ، فإنّ العقم أو الخصاء وإن كان عيباً في العين لدى الشراء ولذا تختلف الرغبة والقيمة في هذه المرحلة ، إلّا أنّ هذا العيب في مقام الإجارة غير ملتفت إليه بتاتاً ، إذ لا تأثير له بوجه في اختلاف الرغبة بالإضافة إلى المنفعة المقصودة من الإجارة أعني : الخدمة أو الكتابة فلم يتخلّف الشرط الارتكازي ، فمن ثمّ لم يثبت لأجله الخيار في الإيجار وإن ثبت في البيع بلا إشكال ، والسرّ أنّ المنتقل إليه في البيع إنّما هو العين وهي معيبة بالضرورة ، وفي الإجارة المنفعة ، والعين بلحاظ المنفعة المقصودة لا تعدّ معيبة حسبما عرفت.

وبالجملة : فالخيار يدور مدار تخلّف الشرط ، فكلّما تخلّف ثبت وإلّا فلا وإن كانت العين معيبة ، إذ لا دخل لذلك بالإجارة الواقعة على المنفعة ، كما لا مدخل لنقص المنفعة وعدمه في هذا المناط كما عرفت.

وكذا له الخيار إذا حدث فيها عيب بعد العقد وقبل القبض (1) ، بل بعد القبض أيضاً وإن كان استوفى بعض المنفعة ومضيّ بعض المدّة. هذا إذا كانت العين شخصيّة.


(1) لا إشكال في أنّ هذا العيب موجب للخيار في البيع ، لإطلاق الأخبار المتضمّنة لثبوته فيمن اشترى عيناً فوجد فيها عيباً ، فإنّها تشمل العيب الحادث قبل العقد وبعده. كما لا إشكال في أنّه لا يوجبه فيه فيما إذا حدث بعد القبض ، لخروج العين بالتسليم عن عهدة البائع ، وكون الغرامة حينئذٍ كالغنيمة في ملك المشتري.

فهل الإجارة أيضاً كذلك ، أو لا؟

اختار الثاني في المتن ، وأنّ الخيار يثبت بحدوث العيب مطلقاً ، سواء أكان قبل العقد أم بعده ، قبل القبض أم بعده ، حتى إذا استوفى بعض المنفعة ومضى بعض المدّة (1)، كما لو استأجر الدار سنة فحدث فيها عيب بعد ستّة أشهر.

والظاهر أنّ ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح. والوجه فيه : انّ العين في باب الإجارة باقية على ملك المؤجر ، والذي ينتقل إلى المستأجر إنّما هي المنافع خاصّة ، وقد عرفت أنّ متعلّق عقد الإجارة بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي إنّما هي العين الصحيحة القابلة للانتفاع بها منفعةً مطلوبة مرغوبة ، إذ المنتقل إليه إنّما هي منفعة العين الصحيحة لا كيفما اتّفق ، وهذه المنافع وإن كان قبضها


1) في تعليقة المحقّق النائيني (قدس سره) على المقام ما لفظه : هذه المسألة مشكلة غاية الإشكال [تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 34 (تحقيق جماعة المدرسين)]. ولم يتّضح وجهه ، بل على ما أفاده سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه ينبغي أن يقال : إنّها واضحة غاية الوضوح.

وأمّا إذا كانت كلّيّة وكان الفرد المقبوض معيباً فليس له فسخ العقد (1) ، بل له مطالبة البدل. نعم ، لو تعذّر البدل كان له الخيار في أصل العقد.


بقبض نفس العين إلّا أنّها لمّا كانت تدريجيّة الحصول ولم تكن مجتمعة في الوجود فلا جرم كان وصف الصحّة ملحوظاً ومشروطاً في العين المستأجرة حدوثاً وبقاءً بمناط واحد ، فإنّ العلّة المقتضية لاعتباره حدوثاً بعينها تقتضي اعتباره بقاءً أيضاً وهي بناء العقلاء بمقتضى الشرط الارتكازي على صلاحيّة العين للانتفاع بها منفعةً صحيحة ، حيث إنّ لازمه اعتبار بقائها على صفة الصحّة إلى نهاية المدّة ، بحيث لو حدث العيب أثناءها أو بعد القبض قبل الاستيفاء فضلاً عمّا قبل القبض فقد تخلّف الشرط ، لسقوط العين عن الصلاحيّة لتلك المنفعة المطلوبة في بقيّة المدّة ، كما لو استأجر عبداً للكتابة يوماً فمرض أثناء النهار بحيث أصبحت كتابته بطيئة أو رديئة ، أو دابّة للركوب فحدث فيها عيب أثناء الطريق بحيث أوجب نقصاً في المنفعة.

وعلى الجملة : فلأجل تخلّف الشرط يثبت الخيار في جميع هذه الفروض ، ولا حاجة فيما إذا حدث قبل القبض إلى التمسّك بعموم قوله (صلّى اللّه عليه وآله) على ما نسب إليه : «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» (1)بدعوى إلحاق الإجارة بالبيع والتعدّي منه إليها ، فإنّا في غنى عن هذا التكلّف بعد تخلّف الشرط الارتكازي المزبور المستوجب للخيار حتى بعد القبض فضلاً عمّا قبله حسبما عرفت.

(1) إذ الفرد لا يصير بالتسليم متعلّقاً للعقد الواقع على الكلّي كي يجري فيه خيار العيب ، فما هو متعلّق العقد لا عيب فيه ، وما فيه العيب لم يكن متعلّقاً


1) عوالي اللآلي 3 : 212.

[3278] مسألة 8 : إذا وجد المؤجر عيباً سابقاً في الأُجرة (1) ولم يكن عالماً به كان له فسخ العقد وله الرضا به ، وهل له مطالبة الأرش معه؟ لا يبعد ذلك (1)، بل ربّما يدّعى عدم الخلاف فيه ، لكن هذا إذا لم تكن الأُجرة منفعة عين ، وإلّا فلا أرش فيه مثل ما مرّ في المسألة السابقة من كون العين المستأجرة معيبة. هذا إذا كانت الأُجرة عيناً شخصيّة. وأمّا إذا كانت كلّيّة فله مطالبة البدل لا فسخ أصل العقد ، إلّا مع تعذّر البدل على حذو ما مرّ في المسألة السابقة.


للعقد ، فلا مقتضي لثبوت الخيار بوجه ، بل غايته الامتناع عن القبول ومطالبة البدل ، أي الفرد الصحيح الذي وقع العقد عليه بمقتضى الشرط الارتكازي ، وإلّا فبمجرّد الدفع المزبور لم يتخلّف الشرط لكي يثبت الخيار. نعم ، لو تعذّر البدل يثبت الخيار من أجل تعذّر التسليم ، وذاك أمر آخر.

(1) قسّم (قدس سره) العيب السابق في الأُجرة أيضاً إلى صور :

إذ قد تكون الأُجرة منفعة ، وحكمه ما مرّ في وجدان العيب في العين المستأجرة من ثبوت الخيار فقط دون الأرش ، لوحدة المناط كما هو واضح.

واخرى : تكون عيناً كلّيّة وقد سلّمه الفرد المعيب ، ولا خيار هنا من أصله فضلاً عن الأرش ، إذ ما فيه العيب لم يتعلّق به العقد ، وما تعلّق به لا عيب فيه. نعم ، له المطالبة بالبدل ، فإن تعذّر ثبت الخيار من جهة تعذّر التسليم كما تقدّم.

وثالثة : تكون عيناً شخصيّة ، وقد اختار الماتن الخيار والأرش معاً كما لعلّه المشهور.


1) (*) فيه إشكال.

[3279] مسألة 9 : إذا أفلس المستأجر بالأُجرة كان للمؤجّر الخيار بين الفسخ واسترداد العين وبين الضرب مع الغرماء (1) ، نظير ما إذا أفلس المشتري بالثمن حيث إنّ للبائع الخيار إذا وجد عين ماله.


أمّا الخيار : ففي محلّه ، نظراً إلى تخلّف الشرط الارتكازي على ما سبق.

وأمّا الأرش : فقد عرفت أنّه يثبت بالمطالبة لا بنفس العقد ، فهو حكم مخالف للقاعدة ثبت بدليل خاصّ يقتصر على مورده وهو البيع المتضمّن لنقل العين ، ولا يعمّ نقل المنفعة ، ولأجله لا يتعدّى إلى الإجارة.

إنّما الكلام في أنّه هل يتعدّى إلى مطلق نقل الأعيان ولو في ضمن غير البيع كما في المقام ، حيث إنّ الأُجرة عين خارجيّة معيبة بدعوى إلغاء خصوصيّة المورد وأنّ موضوع الأرش كلّ عين معيبة منقولة بعوض ، كما لعلّ المشهور فهموا ذلك؟

أو أنّه يقتصر في الحكم المخالف للقاعدة على مورد النصّ وهو البيع كما اختاره بعضهم.

وحيث إنّه لا إجماع في البين على التعدّي كما لا دليل عليه تركن النفس إليه إذن فالتعدّي مشكل جدّاً.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في ثبوت هذا الخيار فيما إذا كانت العين الموجودة عند المفلس منتقلة إليه ببيع أو صلح (1)ونحوهما ، وقد دلّت عليه جملة من الأخبار وبعضها نقيّ السند.


1) ولا تلحق بهما الهبة المعوّضة ، لعدم اشتغال الذمّة بالعوض كي يكون مديناً للواهب فيضرب مع الغرماء ، ومن ثمّ لو مات قبل أن يهب العوض لا يخرج عن تركته وإنّما هو تكليف محض.

.................................................................................................


وهل يجري هذا الحكم في العين المستأجرة التي أفلس المستأجر بالأُجرة واشتغلت ذمّته بها كسائر ديونه فيتخيّر المؤجر بين الفسخ والضرب مع الغرماء؟

الظاهر أنّه لم ينقل الخلاف في المسألة في الإلحاق وأنّه لا خصوصيّة للبيع وإن كان هو مورداً لجملة من الأخبار ، حيث لم يفهم الأصحاب خصوصيّة له ، بل العبرة بوجود عين المال عنده ، سواء أكان بعنوان البيع أم الإجارة أو غيرهما.

ولا يخفى أنّا لو كنّا نحن والروايات المختصّة بالبيع لأشكل التعدّي عن موردها بعد جهلنا بمناطات الأحكام الواقعيّة وملاكاتها النفس الأمريّة ، ومن الجائز وجود خصوصيّة في البيع غير منسحبة إلى غيره ، ولم ينهض دليل على التعدّي ما عدا دعوى عدم الخلاف في المسألة ، التي من المعلوم عدم بلوغها حدّ الإجماع التعبّدي بحيث يقطع معه بالحكم الشرعي.

ولكن يمكن أن يقال باستفادة الحكم من نفس الأخبار ، ولعلّ المشهور أيضاً استندوا إليها لا أنّهم عوّلوا على التعبّد المحض أو الدعوى المجرّدة ، وهي صحيحة عمر بن يزيد عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه «قال : لا يحاصه الغرماء» (1).

فإنّ دعوى شمولها للمقام غير بعيدة باعتبار أنّ وجدان المتاع عنده مطلق يشمل ما لو كان ذلك بعنوان البيع أو الإجارة ، وكونه مالكاً لمنافعه لا لعينه ، إذ لم يتقيّد ذلك بصورة البيع.

إذن فلا بأس بالتعدّي استناداً إلى هذه الصحيحة ، التي إطلاقها غير قاصر الشمول للمقام ، مضافاً إلى عدم الخلاف في المسألة كما عرفت.


1) الوسائل 18 : 415 / كتاب الحجر ب 5 ح 2.

[3280] مسألة 10 : إذا تبيّن غبن المؤجر أو المستأجر فله الخيار إذا لم يكن عالماً به حال العقد (1) ، إلّا إذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد.

[3281] مسألة 11 : ليس في الإجارة خيار المجلس ولا خيار الحيوان ، بل ولا خيار التأخير على الوجه المذكور في البيع (2) ، ويجري فيها خيار


(1) لا لأجل الإجماع كي يعترض بأنّ كثيراً من الأصحاب أهملوا ذكره في المقام.

ولا لحديث نفي الضرر ، إذ لا يثبت به الخيار كما ذكرناه مبسوطاً في مبحث خيار الغبن (1)، ومرّت الإشارة إليه قريباً (2).

بل لأجل تخلّف الشرط الضمني الارتكازي ، نظراً إلى استقرار بناء العقلاء لدى التصدّي للمعاملات والمعاوضات من غير فرق بين الأعيان والمنافع على المبادلة في ذوات الأشخاص مع المحافظة على أُصول الأموال كشرط ارتكازي مبنيّ عليه العقد بحيث أغنى وضوحه عن التصريح به في متنه ، فلدى ظهور الغبن من أيّ من الطرفين فقد تخلّف الشرط طبعاً ، فلا جرم يتدارك بثبوت الخيار.

وبالجملة : فخيار الغبن مطابق لمقتضى القاعدة وحكم مطّرد في كافّة المعاملات بلا حاجة إلى التشبّث بذيل الإجماع أو أيّ دليل آخر.

(2) توضيح المقام : أنّ الخيار الثابت في البيع قد يستند إلى التعبّد الشرعي من غير إناطة بجعل المتعاملين ، وأُخرى من أجل أنّه مقتضى الشرط الضمني


1) مصباح الفقاهة 6 : 303 وما بعدها.

2) في ص 144.

الشرط حتى للأجنبي وخيار العيب والغبن كما ذكرنا ، بل يجري فيها سائر الخيارات ، كخيار الاشتراط وتبعض الصفقة وتعذّر التسليم والتفليس والتدليس والشركة ،


الارتكازي المبنيّ عليه العقد الذي لا يختصّ مناطه بعقد دون عقد ، أو أنّه ثبت بدليل آخر يشمل مفاده البيع وغيره.

ففي القسم الأوّل : يختصّ الخيار بمورد التعبّد وهو البيع ، ولا مقتضي للتعدّي إلى غيره من إجارة ونحوها ، وهذا كما في خياري المجلس والحيوان ، حيث إنّ الدليل المتكفّل لإثباتهما خاصّ بالبيع ، بل وكذا خيار التأخير ، نظراً إلى أنّ التأخير في تسليم الثمن بل مطلق العوض عن الوقت المتعارف تسليمه فيه لمّا كان تخلّفاً عن الشرط الضمني الارتكازي المبني عليه العقد ، حيث إنّ بناء العقلاء في باب المعاوضات قائم على التمليك إلى الطرف الآخر مشروطاً بتسليم كلّ منهما ما انتقل عنه بإزاء تسلّم المنتقل إليه بمثابةٍ يعدّ ذلك كمتمّم للعقد في نظرهم ، فلا جرم يثبت به خيار تخلّف الشرط ، فالخيار بهذا المقدار ثابت في كافّة العقود بمقتضى القاعدة.

إلّا أنّ خيار التأخير الثابت في البيع الذي هو في الحقيقة قسم من هذا الخيار أضيق دائرةً من ذلك ، حيث إنّه محدود بثلاثة أيّام ، فلا خيار إلّا بعد انقضائها. وهذا كما ترى حكم على خلاف القاعدة يقتصر على مورد قيام النصّ وهو البيع ولا يتعدّى إلى غيره.

وبالجملة : ففي كلّ مورد ثبت الخيار بالتعبّد اختصّ بمورده ولا يتعدّى عنه.

وأمّا في القسم الثاني : فيجري في البيع وغيره ، للاشتراك في المناط الذي من أجله ثبت الخيار في البيع ، كما لو استندنا في ثبوت خيار الغبن إلى دليل نفي

وما يفسد ليومه (1)(1) وخيار شرط ردّ العوض نظير شرط ردّ الثمن في البيع.


الضرر ، فإنّ هذا وإن كان ممنوعاً لدينا كما سبق (2)إلّا أنّا لو فرضنا كون اللزوم ضرريّاً في مورد كما ستعرف ومن أجله ثبت الخيار ، فهذا الملاك عام يشمل البيع وغيره.

وكما في تخلّف الشرط الضمني الارتكازي الذي تبتني عليه جملة من الخيارات ، كخيار الغبن على الأصحّ والعيب وتبعّض الصفقة والشركة وغيرها ، أو تخلّف الشرط الصريح في متن العقد كخيار الاشتراط ، أي تخلّف الوصف المشروط ككون العبد كاتباً ، أو خيار الشرط ، أي جعل الخيار لأحدهما أو للأجنبي ، حيث إنّ الخيار في جميع ذلك مستند إلى عموم دليل نفوذ الشرط.

والضابط في المقام : أنّ في كلّ مورد ثبت الخيار بدليل عام كدليل نفي الضرر أو دليل نفوذ الشرط جرى في البيع وغيره ، وفي كلّ مورد ثبت بالتعبّد اقتصر على مورده حسبما عرفت.

(1) إن كان المستند في هذا الخيار هو النصّ الخاصّ الوارد فيه كان حاله حال ما تقدّم من خيار المجلس والحيوان في لزوم الاقتصار على مورده وعدم التعدّي إلى الإجارة ، فلا خيار فيما لو جعل الأُجرة عيناً شخصيّة تفسد ليومها كبطّيخة ونحوها من الخضروات وغيرها.


1) (*) في جريان الخيار فيه إشكال.

2) في ص 144.

[3282] مسألة 12 : إذا آجر عبده أو داره مثلاً ثمّ باعه من المستأجر لم تبطل الإجارة (1) ، فيكون للمشتري منفعة العبد مثلاً من جهة الإجارة قبل انقضاء مدّتها لا من جهة تبعيّة العين ، ولو فسخت الإجارة رجعت إلى البائع ، ولو مات بعد القبض رجع المشتري المستأجر على البائع بما يقابل بقيّة المدّة من الأُجرة وإن كان تلف العين عليه ، واللّه العالم.


وأمّا إذا كان المستند دليل نفي الضرر كما ذكره الشيخ (قدس سره) في المكاسب (1)، فحينئذٍ يجري في الإجارة أيضاً ، بناءً على القول بعدم اختصاص قاعدة التلف قبل القبض بالبيع ، بدعوى أنّ موردها وإن كان هو البيع إلّا أنّه لا خصوصيّة له ، بل تطّرد في كلّ ما يوجب انتقال المال ، فإنّ متمّم التمليك هو القبض والتسليم الخارجي ، فما لم يقبض يكون ضمانه على من عنده المال.

فإنّ هذا المبنى وإن كان محلّ كلام وإشكال إلّا أنّه بناءً عليه يثبت الخيار في المقام أيضاً ، نظراً إلى نشوء الضرر حينئذٍ من لزوم العقد لا من أصله كما في خيار الغبن ، فلو استأجر الدابّة ببطّيخة شخصيّة مثلاً وقد بقيت عنده إلى الليل ولم يجي‌ء المؤجر ليتسلّمها ، فبما أنّ تلفها عليه أي على المستأجر حسب الفرض ، وقد نشأ هذا الضرر من لزوم العقد فيرتفع بدليل نفي الضرر ، ونتيجته ثبوت الخيار كما في البيع بمناط واحد.

(1) بل يملك المشتري المنفعة بالإجارة كما أنّه يملك العين المجرّدة عنها بالبيع ، ويترتّب على ذلك أمران :


1) المكاسب 5 : 241.

.................................................................................................


أحدهما : أنّ الإجارة لو انفسخت بسببٍ ما رجعت المنفعة إلى البائع ، ولا تكون وقتئذٍ تابعة للعين ، لأنّها كانت مملوكة له.

الثاني : أنّ العين المذكورة لو تلفت بعد القبض فبالنسبة إلى البيع لا انفساخ ، لكون التلف بعد القبض. وأمّا بالإضافة إلى الإجارة فهي لا محالة تنفسخ في بقيّة المدّة ، ولازمه أنّ المستأجر وهو المشتري يرجع إلى المؤجر في بقيّة المنفعة وله خيار التبعّض بالإضافة إلى ما مضى.

وقد تقدّم البحث حول هذه المسألة بنطاق واسع ومرّ منّا ما يناسب المقام ، فراجع ولاحظ (1).


1) في ص 111 - 128.

فصل [في أحكام العوضين]

يملك المستأجر المنفعة في إجارة الأعيان ، والعمل في الإجارة على الأعمال بنفس العقد (1) من غير توقّف على شي‌ء كما هو مقتضى سببيّة العقود ، كما أنّ المؤجر يملك الأُجرة ملكيّة متزلزلة (1)به كذلك ، ولكن لا يستحقّ المؤجر مطالبة الأُجرة إلّا بتسليم العين أو العمل ، كما لا يستحقّ المستأجر مطالبتهما إلّا بتسليم الأُجرة كما هو مقتضى المعاوضة ، وتستقر ملكيّة الأُجرة باستيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه ، فأصل الملكيّة للطرفين موقوف على تماميّة العقد ، وجواز المطالبة موقوف على التسليم ،


(1) تقدّم أنّ الإجارة من العقود اللازمة لا تنفسخ بالفسخ من أيّ من الجانبين ما لم يكن هناك موجب للخيار.

ونتيجة ذلك : أنّ المستأجر يملك المنافع أو العمل المستأجر عليه ملكيّة فعليّة من غير توقّف على أيّ شي‌ء ، فإنّ العقد بنفسه سبب أي موضوع -


1) (*) لا فرق في ملكيّة الأُجرة وملكيّة المنفعة في أنّ كلتيهما مستقرّة من جهة العقد ومتزلزلة من جهة احتمال الانفساخ.

واستقرار ملكيّة الأُجرة موقوف على استيفاء المنفعة أو إتمام العمل أو ما بحكمهما ، فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو عن العمل تنفسخ الإجارة كما سيأتي تفصيله.


للملكيّة بمقتضى قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)، وكذا الأدلّة الخاصّة الواردة في الإجارة ، كما أنّ المؤجر أيضاً يملك الأُجرة بنفس العقد من غير إناطة بأيّ شي‌ء.

هذا ، وقد ذكر الماتن (قدس سره) هاهنا أمرين :

أحدهما : أنّ الملكيّة وإن كانت قد تحقّقت لكلّ من الطرفين بنفس العقد كما عرفت ، إلّا أنّه لا يجب على أيّ منهما التسليم إلّا في ظرف تسليم الآخر ، كما أنّه ما لم يسلّم ما عليه ليس له مطالبة الآخر بالعوض. وهذا واضح ، لاعتبار التسليم من الجانبين في كافّة العقود المعاوضيّة ومنها الإجارة بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي ، بل أنّ مفهوم المعاوضة المعبّر عنها بالفارسيّة ب : (داد وستد) أي الأخذ والإعطاء متقوّم بذلك ، أي بالاقتران بالتسليم والتسلّم الخارجي ، ولا يكفي فيها مجرّد التمليك والتملّك العاريّين عن القبض والإقباض. إذن فليس لأحدهما مع امتناعه عن التسليم مطالبة الآخر. وهذا ظاهر لا غبار عليه.

ثانيهما : أنّ الملكيّة في طرف الأُجرة ملكيّة متزلزلة يتوقّف استقرارها على استيفاء المنفعة ، أو مضيّ زمان يمكن فيه الاستيفاء. ثمّ ذكر (قدس سره) في توجيه ذلك : أنّه إذا وجد بعدئذٍ مانع عن استيفاء المنفعة أو عن العمل خارجاً


1) المائدة 5 : 1.

.................................................................................................


انفسخت الإجارة ورجعت الأُجرة إلى المستأجر. فمن ثمّ كانت الملكيّة متزلزلة لا مستقرة.

أقول : الظاهر أنّ في كلامه (قدس سره) مسامحة واضحة ، فإنّ ظاهر العبارة التفكيك بين الأُجرة والمنفعة في التزلزل وعدمه ، وأنّ الملكيّة المتزلزلة خاصّة بالأُجرة. ولا محصّل له.

فإنّ التزلزل قد يطلق في العقود الجائزة التي لم تكن مبنيّة على اللزوم ويجوز للمملك الرجوع من الأوّل ، فلم تكن مستقرّة في طبعها ، كما في الهبة غير المعوضة.

ومن الواضح عدم كون المقام من هذا القبيل ، بعد البناء على كون الإجارة من العقود اللازمة كما تقدّم ، وأنّه لا يجوز لأيّ من المؤجر والمستأجر الفسخ والتراجع في الأُجرة ولا في المنفعة ، فهما سيّان من هذه الجهة والعقد لازم من الطرفين.

وقد يطلق في العقود اللازمة لأجل عروض ما يمنع عن اللزوم ، وحينئذٍ فقد يفرض أنّ حدوث المانع عن الاستيفاء كاشف عن بطلان الإجارة من الأوّل ، كما لو حدث المانع بعد العقد وقبل أن يستوفي المستأجر المنفعة ، أو قبل أن يتصدّى الأجير للعمل ، بحيث كشف عن عدم التمكّن بتاتاً ، المستلزم للكشف عن أنّه لم يكن مالكاً ليملّك. ونتيجته : عدم ملكيّة المؤجر للأُجرة ولا المستأجر للمنفعة ، وأنّ تأثير العقد كان مجرّد خيال محض ، فلا ملكيّة رأساً من أيّ من الطرفين ، لا أنّها كانت ولم تكن مستقرّة.

وأُخرى : يفرض حدوثه في الأثناء ، كما لو استأجر الدار سنة فانهدمت بعد ستّة أشهر ، إمّا بقضاء اللّه وقدره ، أو بظلم ظالم ، كالوقوع في الشارع بحيث لم يمكن الانتفاع في المدّة الباقية ، فإنّ الإجارة تنفسخ لا محالة بلحاظ هذه المدّة ،

[3283] مسألة 1 : لو استأجر داراً مثلاً وتسلّمها ومضت مدّة الإجارة استقرّت الأُجرة عليه ، سواء سكنها أم لم يسكنها لاختياره (1) ، وكذا إذا استأجر دابّة للركوب أو لحمل المتاع إلى مكان كذا ومضى زمان يمكن له ذلك وجب عليه الأُجرة واستقرّت وإن لم يركب أو لم يحمل بشرط أن يكون مقدّراً بالزمان المتّصل بالعقد ، وأمّا إذا عيّنا وقتاً فبعد مضيّ ذلك الوقت. هذا إذا كانت الإجارة واقعة على عين معيّنة شخصيّة في وقت معيّن (2).


فلم تنتقل هذه المنافع من الأوّل إلى المستأجر كما لم ينتقل ما بإزائها من الأُجرة إلى المؤجر ، فحالها من هذه الجهة حال الفرض السابق.

وأمّا بلحا المدّة الماضية فبطبيعة الحال يثبت للمستأجر خيار التبعّض ، فإذا فسخ العقد رجع كلّ من العوضين إلى صاحبه ، وتفرض الإجارة كأنّها لم تكن ، فيرجع تمام الأُجرة إلى المستأجر ، وبما أنّه لا يمكن إرجاع المنفعة ، فلا جرم ينتهي الأمر إلى أُجرة المثل.

فالنتيجة : أنّ استقرار الأُجرة بالنسبة إلى هذا المقدار مشروط بعدم حدوث موجب للفسخ فيما بعد ، وإلّا فلا استقرار للملكيّة ، بلا فرق في ذلك بين الأُجرة والمنفعة. فما يظهر من كلامه (قدس سره) من انتقال المنفعة بملكيّة مستقرّة وانتقال الأُجرة بملكيّة متزلزلة لا تعرف له وجهاً محصّلاً ، بل هما سيّان حدوثاً وبقاءً ، صحّةً وفساداً ، لزوماً وجوازاً ، حسبما عرفت.

(1) إذ المؤجر قد أدّى ما كان عليه من التسليم ، والمستأجر هو الذي فوّت على نفسه المنفعة ، ومعه لا مناص من استقرار الأُجرة.

(2) لا تخلو العبارة في هذه المسألة عن نوع من التشويش ، ولم يتّضح المراد ،

وأمّا إن وقعت على كلّي وعين في فرد وتسلّمه فالأقوى أنّه كذلك مع تعيين الوقت وانقضائه. نعم ، مع عدم تعيين الوقت فالظاهر عدم استقرار الأُجرة المسمّاة (1)وبقاء الإجارة وإن كان ضامناً لُاجرة المثل لتلك المدّة من جهة تفويته المنفعة على المؤجر.


فإنّ الظاهر من صدر العبارة أنّه (قدس سره) بصدد التفصيل بين تعيين الوقت وعدمه من غير فرق بين كون العين شخصيّة أو كلّيّة ، حيث إنّه (قدس سره) اختار إلحاق الكلّي بالشخصي مع تعيين الوقت.

والظاهر من الذيل أعني قوله (قدس سره) : نعم ، مع عدم تعيين الوقت ، إلخ الاختصاص بالكلّي وعدم الجريان في العين الشخصيّة. والحاصل : أنّه لم يتّضح أنّ الاستدراك بقوله (قدس سره) : نعم ، هل هو عن خصوص الكلّي ، أو الأعمّ منه ومن الشخصي؟

وعلى كلّ تقدير ، فإن أراد (قدس سره) أنّه مع عدم تعيين الوقت ومضيّ زمان يمكن فيه الاستيفاء سواء أكانت العين المستأجرة شخصيّة أم كلّيّة فالإجارة باقية ولا يستحقّ الأُجرة المسمّاة.

فهذا ينافي ما سيأتي منه (قدس سره) في المسألة الثالثة من الحكم بالاستقرار فيما لو استؤجر لقلع الضرس ومضت المدّة التي يمكن إيقاعه فيها وكان باذلاً نفسه.


1) (*) بل الظاهر استقرارها ، وقد التزم (قدس سره) باستقرارها في العين الشخصيّة إذ لا فرق بين الشخصيّة والكلّيّة بعد ما كان التعيين بيد المؤجر.

.................................................................................................


وإن أراد التفصيل بين العين الشخصيّة والكلّيّة بالاستقرار في الأُولى دون الثانية ومن ثمّ فصّل بين المقام وبين المسألة الآتية.

فلم يتّضح أي وجه صحيح لهذه التفرقة ، إذ في الكلّي أيضاً قد سلّم العين المستأجرة بتسليم الفرد ، فإنّ الفرد هو الكلّي مع الزيادة ، حيث إنّ المستأجر إنّما تملّك الكلّي بلا خصوصيّة ، فللمؤجّر تطبيقه على أيّ فرد شاء ، كما هو الحال في البيع أيضاً ، فلو اشترى منه صاعاً من الصبرة فالمبيع وإن كان كلّيّاً إلّا أنّه لدى تسليم فرد من تلك الأصوع وتطبيق الكلّي عليه فقد سلّمه المبيع ، لوجود الكلّي الطبيعي بوجود فرده ومصداقه.

وعليه ، ففي المقام قد تحقّق تسليم العين المستأجرة بإقباض الفرد كما في العين الشخصيّة بلا فرق بينهما ، فالأقوى استقرار الأُجرة المسمّاة في كلتا الصورتين.

هذا ، ولمزيد التوضيح نقول : إنّ ما ذكره في المتن من استقرار الأُجرة لدى تسليم العين ومضيّ مدّة الإجارة سواء انتفع المستأجر خارجاً أم لا ، مطابقٌ لمقتضى القاعدة ، نظراً إلى تحقّق التسليم من قبل المؤجر وأدائه ما في عهدته ، والمستأجر هو الذي فوّت المنفعة على نفسه ، فمقتضى إطلاقات الأدلّة صحّة الإجارة ، مضافاً إلى النصّ الخاصّ الناطق باستقرار الأُجرة فيمن استأجر أرضاً للزراعة ولم يزرعها (1)، فلو استأجر داراً ولم يسكنها ، أو دابّة لحمل المتاع ولم يحمل عليها حتى انقضت المدّة وانتهى الزمان الذي يمكن الانتفاع فيه سواء أكان متّصلاً بالعقد أم منفصلاً ، لم يقدح ذلك في صحّة الإجارة ولم يمنع عن استقرار الأُجرة حسبما عرفت.


1) الوسائل 19 : 123 / كتاب الإجارة ب 18 ح 1.

.................................................................................................


وهذا في الإجارة الواقعة على العين الشخصيّة ظاهر.

وكذا في الكلّي مع تعيين الوقت ومضيّه ، كما لو آجره دابّة كلّيّة للركوب في هذا اليوم فسلّمه فرداً ولم يركب.

وأمّا إذا لم تكن ثمّة مدّة معيّنة لا متّصلة بالعقد ولا منفصلة حيث عرفت عدم اعتبار تعيين الزمان فيما لم يتوقّف تعيين المنفعة عليه ، كالإجارة على الخياطة ، أو على حمل المتاع ، لا مثل سكنى الدار ونحوها فقد حكم في المتن بعدم الاستقرار ، وقد عرفت أنّ عبارته مشوّشة ولم يتّضح مراده تحقيقاً ، وأنّه يريد التفصيل بين العين الكلّيّة والشخصيّة ، أو بين كون المدّة معيّنة أو غير معيّنة ، للتردّد في أنّ قوله : نعم ، مع عدم ، إلخ ، استدراك عن خصوص الكلّي أو الأعمّ منه ومن الشخصي.

وكيفما كان ، فإن أراد التفصيل بين المؤقّت وغيره وأنّه يحكم بالاستقرار في الأوّل وبضمان اجرة المثل في الثاني.

ففيه مضافاً إلى ما عرفت من منافاته لما سيجي‌ء منه (قدس سره) في المسألة الثالثة ، إذ لا فرق عدا كون الإجارة في المقام على العين وهناك على العمل الذي لا يصلح فارقاً بين الموردين بالضرورة - :

أنّه لم يتّضح أيّ وجه لهذا التفصيل ، إذ كيف يمكن القول بعدم الاستقرار بعد تسليم العين وتسلّمها؟! وهل يعتبر في صحّة الإجارة شي‌ء آخر وراء ذلك؟! ومن البديهي أنّ عدم انتفاع المستأجر بعد تسلّم العين تفويتٌ لمال نفسه باختياره ، لا لمال الغير حتى يضمن ، فلا موقع لحكمه بضمان اجرة المثل لتلك المدّة من جهة تفويته المنفعة على المؤجر.

وإن أراد التفصيل بين العين الشخصيّة والكلّيّة واختصاص الاستقرار بالأُولى ،

.................................................................................................


نظراً إلى صدق تسليم المنفعة بتسليم العين الشخصيّة بخلاف أداء الفرد من الكلّي ، لعدم تعلّق الإجارة به ، فما وقعت عليه الإجارة لم يتعلّق به التسليم ، وما كان مورداً للتسليم لم تتعلّق به الإجارة.

ففيه ما لا يخفى ، بل هو واضح الفساد ، ضرورة أنّ الشخصي يتضمّن الكلّي وزيادة ، فلا جرم كان تسليمه تسليمه بعد أن كان اختيار التطبيق بيد المؤجر ، فله دفع أيّ فرد شاء وفاءً عن الكلّي كما هو الحال في البيع. وعليه ، فقد تسلّم المستأجر المنفعة بتسلّم العين ، ومعه كيف يمكن القول بعدم استقرار الأُجرة؟! نعم ، لو لم يكن التسليم بعنوان الوفاء بل كانت العين في الإجارة الشخصيّة أو الكلّيّة مدفوعة إلى المستأجر بعنوان الأمانة باعتبار أنّ المنفعة لمّا لم تكن مؤقّتة بوقت خاصّ حسب الفرض ، وإنّما آجر الدابّة مثلاً لحمل متاعه خلال يوم من هذا الأُسبوع حسبما يختاره المستأجر ، فجعلها أمانة عنده لكي يستوفي المنفعة حيثما شاء. فحينئذٍ لا مقتضي للاستقرار بمضيّ زمان يمكن فيه الاستيفاء كما هو واضح ، إلّا أنّه لا مقتضي أيضاً لضمان اجرة المثل ، إذ المؤجر هو الذي فوّت المنفعة على نفسه بدفع العين أمانة وتسليط المستأجر عليها.

والحاصل : أنّ ما صنعه في المتن من الجمع بين الحكمين أعني : عدم استقرار الأُجرة والضمان لُاجرة المثل متعذّر ، لعدم ورودهما في مورد واحد.

فإنّ الدفع المزبور إن كان بعنوان الوفاء لعقد الإيجار لم يكن وجه لعدم الاستقرار ، ولا لضمان اجرة المثل ، وإن كان بعنوان الأمانة فعدم استقرار الأُجرة بمضيّ زمان يمكن فيه الاستيفاء وإن كان وجيهاً إلّا أنّه لا مقتضي عندئذٍ للحكم بضمان اجرة المثل. فهذان الحكمان لا يكاد يجتمعان في مورد واحد ، كما لعلّه واضح ، فلاحظ.

[3284] مسألة 2 : إذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر ولم يتسلّم حتى انقضت المدّة استقرّت عليه الأُجرة (1) ، وكذا إذا استأجره ليخيط له ثوباً معيّناً مثلاً في وقتٍ معيّن وامتنع من دفع الثوب إليه حتى مضى ذلك الوقت ، فإنّه يجب عليه دفع الأُجرة ، سواء اشتغل في ذلك الوقت مع امتناع المستأجر من دفع الثوب إليه بشغل آخر لنفسه أو لغيره أو جلس فارغاً.

[3285] مسألة 3 : إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدّة التي يمكن إيقاع ذلك فيها وكان المؤجر باذلاً نفسه استقرّت الأُجرة (2) ، سواء أكان المؤجر حرّا أو عبداً بإذن مولاه.


(1) إذ التمكّن من التسلّم في حكم التسلّم الخارجي فيما هو المناط في استقرار العقد ولزومه من بذل المؤجر للعين وتمكين المستأجر من التصرّف فيها ، بحيث استند عدم الانتفاع إلى امتناع المستأجر باختياره من غير أيّ قصور من ناحية المؤجر ، إذ لا دليل على اعتبار شي‌ء آخر أزيد من ذلك.

ومنه يظهر الحال في إجارة الأعمال التي ذكرها بعد ذلك.

هذا فيما إذا كان العمل مؤقّتاً بوقت.

وأمّا إذا لم يكن له وقت معيّن فسيتعرّض له في المسألة الآتية.

(2) تفترق هذه المسألة عن سابقتها بأنّ المفروض هنا انقضاء المدّة التي يمكن إيقاع العمل فيها من غير أيّ توقيت في البين ، وفيما مرّ انقضاء الوقت المقرّر بكامله.

وكيفما كان ، فهما يشتركان في مناط الاستقرار من تمكين الأجير وبذله نفسه للعمل في الوقت الذي له اختيار التطبيق فيه بعد أن لم يكن المستأجر مالكاً إلّا

واحتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الأوّل (1) لأنّ منافع الحرّ لا تضمن إلّا بالاستيفاء ، لا وجه له ، لأنّ منافعه بعد العقد عليها صارت مالاً للمستحقّ ، فإذا بذلها ولم يقبل كان تلفها منه ، مع أنّا لا نسلّم أنّ منافعه لا تضمن إلّا بالاستيفاء ، بل تضمن بالتفويت أيضاً (1)إذا صدق ذلك ، كما إذا حبسه وكان كسوباً فإنّه يصدق في العرف أنّه فوّت عليه كذا مقداراً. هذا ،


لكلّي العمل من غير التحديد بوقت خاصّ بمقتضى افتراض إطلاق الإجارة من ناحية الزمان. وعليه ، فقد أدّى الأجير ما عليه من التمكين المزبور ، وكان الامتناع مستنداً إلى المستأجر نفسه ، ومثله لا يكون مانعاً عن الاستقرار.

وملخّص الكلام في جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : أنّه بعد ما عرفت من أنّ المنفعة والأُجرة تملكان بنفس العقد ، فكلّما كان التفويت مستنداً إلى المستأجر من غير أيّ تقصير من ناحية المؤجر أو الأجير كما هو المفروض في الفروض المتقدّمة لم يمنع ذلك عن حقّ المطالبة ، بل كانت الأُجرة مستقرّة إمّا لأجل مضيّ الوقت أو لأجل مضيّ زمانٍ قابل لوقوع العمل فيه حسبما عرفت.

(1) فصّل بعضهم في المسألة بين ما إذا كان المؤجر حرّا ، أو عبداً مأذوناً ، فخصّ الاستقرار بالثاني ، لصدق الإتلاف والتفويت حسبما مرّ ، بخلاف الأوّل ، نظراً إلى أنّ منافع الحرّ قبل الاستيفاء لم تكن مملوكة له ، فليست هي من الأموال حتى يصدق الإتلاف المستوجب للضمان.

نعم ، يصحّ العقد عليها ، إلّا أنّ ذلك لا يصحّح إطلاق اسم المال ، ففي مثله لا يستحقّ الأجير الأُجرة ، لعدم كون عمله مملوكاً له.


1) (*) التفويت في نفسه ليس من أسباب الضمان ، وعليه فلا ضمان على الأقوى.

ولو استأجره لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد لم تثبت الأُجرة ،


وقد أجاب عنه الماتن أوّلاً : بأنّ عمل الحرّ وإن لم يكن مملوكاً قبل الإجارة إلّا أنّه مملوك بعدها لا محالة ، فإنّ المستأجر يملكه بعد العقد بالضرورة ، فالمالك وإن لم يكن مالكاً لعمل نفسه بالملكيّة الاعتباريّة إلّا أنّه مالك له بالملكيّة الحقيقيّة ، أي أنّ الحرّ له السلطنة على تمليك عمله ، فيكون عمله طبعاً مملوكاً للغير بسبب الإيجار. وعليه ، فإذا وقعت الإجارة صحيحة فلا جرم كان العمل ملكاً للمستأجر وقد فوّته على نفسه حسب الفرض بعدم الاستيفاء. ومعه كيف لا تستقرّ الأُجرة ولا يكون للمؤجّر حقّ المطالبة؟! وهذا واضح.

وعليه ، فلا فرق بين الحرّ والعبد من هذه الجهة بعد فرض وقوع الإجارة وإن افترقا قبل ذلك.

وأجاب (قدس سره) ثانياً : بالمنع عن عدم ضمان منافعه إلّا بالاستيفاء ، بل هو كالعبد في كون عمله مملوكاً.

وما يقال من أنّ حبس الحرّ لا يستوجب الضمان ، لعدم كون عمله مملوكاً له.

لا أساس له من الصحّة ، بل نلتزم بأنّ تفويت عمل الحرّ كالعبد موجب للضمان أيضاً كما إذا كان كسوباً ، فإنّ الاعتبار في الضمان بصدق التفويت ، فإذا فرضنا حرّا كسوباً يكسب كلّ يوم كذا مقداراً من المال فحبسه الحابس يصدق عرفاً أنّه فوّت عليه هذا المقدار من المال ، فيكون ضامناً له بطبيعة الحال.

وهذا الجواب كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لقصور أدلّة الضمان عن الشمول للمقام ، فإنّ سببه إمّا وضع اليد على مال الغير عدواناً أو إتلافه ، بمقتضى أنّ : من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، الذي هو عبارة متصيّدة من الأخبار وإن لم يرد بهذا اللفظ ، مضافاً إلى السيرة العمليّة القائمة على أنّ إتلاف

لانفساخ الإجارة حينئذٍ (1)(1).


المال موجب للضمان.

ومن الواضح عدم انطباق شي‌ء من ذلك على عمل الحرّ ، إذ لا يصدق عليه وضع اليد كما هو واضح ولا الإتلاف ، لأنّه متفرّع على أن يكون له مال موجود ليرد الإتلاف عليه ، ولا وجود له حسب الفرض.

نعم ، يصدق التفويت باعتبار أنّ الحابس بحبسه سدّ على الكسوب باب تحصيل المنفعة ، فهو بمنعه عن الاكتساب فوّت

المال عليه ، إلّا أنّ التفويت شي‌ء والإتلاف شي‌ء آخر ، والموجب للضمان إنّما هو الثاني المتوقّف على واجديّته لمال فعلي كما عرفت ، دون الأوّل.

ومن ثمّ لم يجب الحجّ على الحرّ القادر على الكسب وتحصيل الزاد والراحلة قولاً واحداً ، إذ لا يقال : إنّ عنده كذا مقداراً من المال ، فلو كان عمله ملكاً له وكانت أعماله أموالاً فعليّة فكيف لم يجب عليه الحجّ؟! وبالجملة : فرقٌ بين أن يكون له المال وبين أن يقدر على تحصيل المال ، والحرّ الكسوب ليس له مال فعلي وإن كان قادراً على تحصيله ، فلو تصدّى أحد لصيد غزال في البرّ فحبسه ظالم وصدّه عن المسير إليه لا يقال : إنّه أتلف ماله وإن صدق عليه التفويت وإنّه سدّ عليه باب المنفعة ومنعه عن التمليك. وعليه ، فلا مقتضي للمصير إلى الضمان في المقام. والصحيح إنّما هو الجواب الأوّل حسبما عرفت.

(1) لم يتّضح وجهٌ للانفساخ بقولٍ مطلق ، فإنّ زوال الألم لا يستوجب البطلان فيما إذا احتمل عوده ثانياً كما هو الغالب من تكرّر العود إلى أن يقلع ،


1) (*) في إطلاقه منع ظاهر ، بل الظاهر عدم الانفساخ مطلقاً.

[3286] مسألة 4 : إذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض المستأجر بطلت الإجارة ، وكذا إذا تلفت عقيب قبضها بلا فصل ، وأمّا إذا تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدّة فتبطل بالنسبة إلى بقيّة المدّة ، فيرجع من الأُجرة (1)بما قابل المتخلّف من المدّة إن نصفاً فنصف وإن ثلثاً فثلث مع تساوي الأجزاء بحسب الأوقات ،


فالزوال المزبور لا يكشف عن الانفساخ فيما إذا كان الضرس في معرض الألم بحيث لا ينتفع به بعدئذٍ. فلا تستقيم العبارة على إطلاقها.

بل يمكن أن يقال بصحّة الإجارة حتى مع العلم بعدم العود ، لعدم أيّ مقتضٍ للبطلان بعد أن لم يكن قلع الضرس بعنوانه محرّماً حتى إذا كان لغرض سفهائي فضلاً عن داعٍ عقلائي ، فغايته أنّ صاحب الضرس إذا امتنع استقرّت عليه الأُجرة ، لا أنّ الإجارة تكون باطلة.

نعم ، لو فرض عروض عنوان ثانوي محرّم ، كما لو استلزم القلع المزبور نزيفاً يشرف صاحبه على التهلكة ويوقعه في الخطر ، كشف لا محالة عن بطلان الإجارة وانفساخها ، لصيرورة المنفعة حينئذٍ محرّمة ، والمنفعة المحرّمة لا تصحّ الإجارة عليها. لكن الفرض نادر والغالب خلافه ، فالظاهر صحّة الإجارة في الفروض الغالبة ، سواء أكان الألم مرجوّ العود أم لا.


1) (*) هذا إذا لم يفسخ الإجارة من أصلها ، وإلّا فيرجع إلى المؤجر بتمام الأُجرة ويجب عليه دفع اجرة المثل بالإضافة إلى ما مضى.

ومع التفاوت تلاحظ النسبة (1).


(1) ما ذكره (قدس سره) من البطلان في التلف قبل القبض أو بعده بلا فصل وكذا البطلان بالنسبة لو اتّفق التلف أثناء المدّة هو المعروف والمشهور.

ويستدلّ له :

تارةً : بما ورد من أنّ تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه ، بدعوى عدم خصوصيّة للبيع ، وعموم المناط لكافّة المعاوضات ، فيتعدّى إلى الإجارة وغيرها.

واخرى : بمطابقة الحكم المزبور لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى نهوض دليل بالخصوص ، نظراً إلى أنّ التسليم والتسلّم والقبض والإقباض الخارجيّين وإن لم يكونا شرطاً في صحّة العقد شرعاً في غير بيعي الصرف والسلم ، إلّا أنّهما يعدّان كمتمّمين للعقد في نظر العقلاء ، بحيث يرون من بيده المال ضامناً له حتى يوصله إلى الطرف الآخر ، فلم تكن المعاوضة عندهم مجرّد اعتبار الملكيّة محضاً ، بل هي متقوّمة بالتقابض خارجاً ، وقبله يكون من عنده المال محكوماً بالضمان ، وهو معنى البطلان.

وكلا هذين الوجهين كما ترى :

فإنّ التعدّي عن مورد البيع وإن قيل به إلّا أنّه يحتاج إلى القطع بعدم الفرق ليدّعى إلغاء خصوصيّة البيع الذي هو مورد النصّ ، وأنّى لنا به ولم يقم عليه أيّ دليل؟!

وأمّا الدعوى الثانية فهي أيضاً غير ثابتة ، بل الظاهر أنّ المال بعد أن انتقل إلى الآخر بعقدٍ صحيح وأصبح ملكاً له كما هو المفروض فلا جرم كان أمانة شرعيّة بيد من عنده المال حتى يوصله إلى صاحبه ، ولازمه كون التلف على

.................................................................................................


مالكه بطبيعة الحال ، ولم تتحقّق أيّ سيرة عقلائية قائمة على الضمان المدّعى في المقام.

على أنّ هاتين الدعويين لو تمّتا فغايتهما البطلان في التلف قبل القبض لا ما بعده بلا فصل فضلاً عن التلف أثناء المدّة ، كما لا يحكم به في البيع بلا إشكال.

والصحيح في وجه ذلك أن يقال : إنّ ملكيّة المنافع كما مرّ غير مرّة لم تكن ملكيّة مستقلّة وإنّما هي بتبع ملكيّة العين ، فمتى كانت العين مملوكة كانت المنافع مملوكة بتبعها ، ومتى خرجت عن الملك خرجت هي أيضاً ، ومقتضى هذه التبعيّة أنّ العين لو سقطت عن القابليّة ولم تتّصف بالملكيّة العقلائيّة كانت المنافع أيضاً كذلك.

ومن ثمّ لا ينبغي الشكّ بل لم يشكّ أحد في عدم جواز إجارة العين في أزيد من عمرها العادي وما تستعدّ فيه للبقاء ، كإجارة العبد مائة سنة ، أو الدار ألف سنة ، أو الدابّة عشرين ، وهكذا ، لعدم اعتبار العقلاء ملكيّة العين بعد تلك المدّة المديدة ، فلا تكون هي قابلة للملكيّة وقتئذٍ فكذا منافعها ، فحيث لا يعتبرونه مالكاً لتلك المنافع فلا جرم تبطل الإجارة عليها.

وعليه ، فملكيّة المالك للمنافع محدودة طبعاً ببقاء العين وإمكان الانتفاع بها ، وأمّا المنافع بعد التلف فلم تكن مملوكة له من الأوّل ، فلو آجر عبده أو دابّته أو داره فتلفت أو انهدمت قبل التسليم كشف ذلك عن أنّ تلك المنفعة لم تكن مملوكة للمالك من الأوّل حتى يسوغ له تمليكها ، فإنّ العبد الميّت أو الدابّة التالفة فاقدة للمنفعة القابلة للملكيّة ، إذ الملكيّة وإن كانت من الأُمور الاعتباريّة القابلة للتعلّق حتى بالمعدوم ، بل قد يكون المالك أيضاً معدوماً ، إلّا أنّه خاصّ بما إذا كان قابلاً للملكيّة العقلائيّة وللانتفاع في ظرفه ، ومن ثمّ لا يسوغ إجارة العبد أو الدابّة بعد الموت ابتداءً ، لعدم قيام منفعة بهما وقتئذٍ ليملكهما المؤجر فيملّكهما للمستأجر.

.................................................................................................


إذن فالتلف قبل القبض بل بعد القبض بلا فصل أي قبل مضيّ زمان يمكن الانتفاع يكشف عن فساد الإجارة من الأوّل لا محالة. والتعبير بالانفساخ الواقع في بعض الكلمات المشعر بالفساد من الآن مسامحةٌ في التعبير يعنون به الصحّة ظاهراً إلى الآن ، وعند عروض التلف يستكشف البطلان من الأوّل كما لا يخفى.

هذا كلّه في التلف قبل القبض أو بعده بلا فصل.

وأمّا التلف أثناء المدّة فلا يكشف عن البطلان إلّا بالإضافة إلى المدّة الباقية ، لاختصاص انتفاء المنفعة المملوكة بها ، فيكون حالها حال التلف قبل القبض دون المدّة الماضية ، سواء استوفاها المستأجر خارجاً أم لا.

إذن فيفرق بين المدّتين من حيث الصحّة والفساد بمقتضى الانحلال المطابق لمقتضى القاعدة ، نظير بيع ما يملك وما لا يملك إذا لم يجز المالك أو ما يملك وما لا يملك كالخلّ والخمر ، فإنّ بذل الثمن بإزاء المجموع يستدعي أن يكون لكلّ جزء من المثمن جزء من الثمن فتقسّط الأُجرة بطبيعة الحال بالإضافة إلى ما مضى وما بقي بالنسبة.

هذا إذا كانت الأجزاء متساوية في القيمة.

وأمّا إذا كانت مختلفة فلا بدّ من رعاية الاختلاف ولحاظ الأُجرة من هذه الجهة أيضاً ، فقد تكون الأُجرة في أيّام الشتاء أزيد منها في أيّام الصيف ، وبالنسبة إلى الأماكن المقدّسة ربّما تكون الأُجرة في أيّام الزيارات أغلى قيمةً من غيرها ، فلا بدّ من لحاظ ذلك في مقام التقويم والتقسيط كما هو واضح. ولكنّه مع ذلك يثبت الخيار للمستأجر وإن لم يتعرّض له الماتن ، باعتبار أنّ المستأجر استأجر العين في تمام المدّة بإجارة واحدة ، وهي وإن كانت منحلّة إلّا أنّ كلّ جزء مرتبط بالآخر بمقتضى فرض وحدة الإجارة ، وحيث صحّت

[3287] مسألة 5 : إذا حصل الفسخ في أثناء المدّة بأحد أسبابه تثبت الأُجرة المسمّاة بالنسبة إلى ما مضى ويرجع منها بالنسبة إلى ما بقي كما ذكرنا في البطلان على المشهور (1) ، ويحتمل قريباً أن يرجع تمام المسمّى (1)ويكون للمؤجّر اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى ، لأنّ المفروض أنّه يفسخ العقد الواقع أوّلاً ، ومقتضى الفسخ عود كلّ عوض إلى مالكه ،


الإجارة في البعض دون الآخر فلا جرم تبعّضت عليه الصفقة ، فمن أجله يثبت له خيار التبعّض من أجل تخلّف الشرط الضمني ، فله حينئذٍ فسخ العقد من أصله وفرضه كأن لم يكن ، فيرجع بتمام الأُجرة المسمّاة ، ويدفع للمؤجّر اجرة المثل لما مضى ، كي لا يذهب المال المحترم هدراً بعد امتناع استرداده ، كما أنّ له الإمضاء والتقسيط حسبما عرفت.

(1) هذا الحكم المنسوب إلى المشهور أعني : الصحّة فيما مضى المستتبعة لاستحقاق المسمّى واختصاص الفسخ بما بقي مبنى على القول بأنّ الفسخ إنّما يؤثّر من حينه.

وهذا وإن كان صحيحاً في الجملة ، بمعنى : أنّ الانفساخ إنّما يحكم به من حين تحقّق الفسخ وإنشائه خارجاً ، فلا أثر قبل حدوثه ، فإنّه سالبة بانتفاء الموضوع.

إلّا أنّ الكلام في أنّ تأثيره هل هو من الآن فيترتّب عليه انحلال العقد من حين صدور الفسخ ، أو أنّه من الأصل وبدأ انعقاد العقد ، بحيث يفرض العقد الواقع كأنه لم يكن ونتيجته استرجاع تمام الأُجرة المسمّاة؟


1) (*) هذا الاحتمال هو المتعيّن إلّا أن يكون الخيار ثابتاً بالاشتراط الظاهر عرفاً في تقسيط الأُجرة المسمّاة.

.................................................................................................


وهذا هو الأظهر ، لما عرفت فيما مرّ من أنّ مرجع جعل الخيار إمّا مطلقاً أو مشروطاً بحصول شي‌ء إلى أنّ التزامه بأصل العقد منوط ومعلّق على عدم الفسخ ، أمّا معه فلا يلتزم به من الأوّل. وعليه ، فإذا فرضنا حصول سبب الفسخ وقد فسخ المستأجر خارجاً فمعناه : أنّه لم يكن ملتزماً بالعقد الموجود بينهما من لدن حدوثه. فالإنشاء وإن كان من الآن إلّا أنّ أثره من الأوّل ، فالتأخّر إنّما هو في إنشاء الفسخ وإبراز حلّ العقد.

وهذا نظير الإجازة في العقد الفضولي ، فإنّ الإمضاء وإن كان متأخّراً إلّا أنّ متعلّقه هو البيع السابق ، فمن الآن يحكم بصحّة ما وقع في ظرفه ، فلا جرم يترتّب الأثر عليه من الأوّل.

وعليه ، فبعد الفسخ بفرض العقد كأن لم يكن ، ونتيجته استرجاع تمام الأُجرة المسمّاة كما عرفت ، ولزوم ردّ المستأجر أُجرة المثل للمنافع السابقة بعد امتناع استردادها بأنفسها وعدم ذهاب مال المسلم هدراً.

فمثلاً : لو كان المستأجر مغبوناً ففسخ من أجل تخلّف الشرط الضمني الارتكازي الذي هو المستند الصحيح في ثبوت هذا الخيار ، لا قاعدة نفي الضرر وغيرها ممّا هي مخدوشة برمّتها حسبما ذكر في محلّه ، فالفسخ المزبور على القول المشهور إنّما يؤثّر في استرجاع الأُجرة في المدّة الباقية. فلو استأجر الدار سنة كلّ شهر بمائة ، فتبيّن بعد ستّة أشهر أنّ قيمتها العادلة كلّ شهر بخمسين ، يسترجع بعد فسخه اجرة الستّة أشهر الباقية.

وأمّا على المختار فيفسخ العقد من أصله ويسترجع تمام الأُجرة المسمّاة بكاملها ويردّ إلى المؤجر أُجرة المثل للستّة أشهر الماضية ، فإنّ هذا هو مقتضى فرض العقد المزبور في عالم الاعتبار كأنه لم يقع بينهما.

ومنه تعرف أنّ ما ذكره في المتن من قوله (قدس سره) : ويحتمل قريباً إلخ ،

بل يحتمل أن يكون الأمر كذلك في صورة البطلان أيضاً ، لكنّه بعيد (1).


هو المتعيّن الذي لا ينبغي التردّد فيه.

نعم ، في خصوص شرط الخيار فيما لو استأجر داراً مثلاً وشرط لنفسه الخيار متى شاء ، لا يبعد قيام الارتكاز العرفي على إرادة اختصاص الفسخ بالمدّة الباقية دون ما مضى ، فإنّ الفسخ من الأصل على خلاف البناء العرفي والديدن الجاري بينهم في هذا الخيار خاصّة كما لا يخفى ، إذ العقد سنة مثلاً ينحلّ في الحقيقة إلى عقود في شهور. وشرط الخيار الناشئ غالباً من التردّد في الاستمرار لاحتمال سفرٍ أو شراء دار ونحو ذلك من دواعي جعل الخيار ناظرٌ بحسب فهم العرف بمقتضى مرتكزاتهم إلى التمكّن من الفسخ في بقيّة المدّة مع البناء منهم على إمضاء ما مضى كما مضى.

وأمّا في غير هذا النوع من الخيار مثل ما تقدّم من خيار الغبن (1)فالظاهر أنّ مقتضى الفسخ انحلال العقد من أصله حسبما عرفت.

(1) بل غير محتمل ، إذ لا موجب للانفساخ بالنسبة إلى ما مضى بعد اختصاص سبب البطلان كتلف العين في الأثناء بالمنافع الباقية ، فإنّ العقد وإن كان واحداً صورةً إلّا أنّك عرفت انحلاله في الحقيقة إلى عقود عديدة بتعدّد الشهور مثلاً والبطلانُ في المدّة الباقية من أجل استكشاف أنّ المؤجر لم يكن مالكاً للمنفعة ليملّك لا يستوجبُ البطلان في المدّة الماضية الفاقدة لهذه العلّة بوجه كما هو ظاهر جدّاً.

نعم ، قد عرفت ثبوت خيار التبعّض للمستأجر حيث لم تسلّم له تمام الصفقة


1) في ص 143 - 144.

[3288] مسألة 6 : إذا تلف بعض العين المستأجرة تبطل بنسبته ويجي‌ء خيار تبعّض الصفقة (1).

[3289] مسألة 7 : ظاهر كلمات العلماء أنّ الأُجرة من حين العقد مملوكة للمؤجّر بتمامها (2) ، وبالتلف قبل القبض أو بعده أو في أثناء المدّة ترجع إلى المستأجر كلّاً أو بعضاً من حين البطلان ، كما هو الحال عندهم في تلف المبيع قبل القبض ، لا أن يكون كاشفاً عن عدم ملكيّتها من الأوّل ، وهو مشكل ، لأنّ مع التلف ينكشف عدم كون المؤجر مالكاً للمنفعة إلى تمام المدّة فلم ينتقل ما يقابل المتخلّف من الأوّل إليه ، وفرقٌ واضح بين


الواقعة بكاملها مورداً للعقد ، فإنّ وحدته المفروضة تستوجب اشتراط انضمام الأجزاء التحليليّة بطبيعة الحال ، وقد تخلّف هذا الشرط المستتبع لتعلّق الخيار قهراً ، لكن الخيار بهذا العنوان أمر آخر خارج عن محلّ الكلام ، فإنّ محلّ البحث متمحّض فيما تقتضيه حيثيّة البطلان ، وقد عرفت أنّ البطلان في الأثناء من حيث هو لا يستوجب الانفساخ إلّا بلحاظ المدّة الباقية دون الماضية ، لسلامتها عن العلّة المقتضية للبطلان والانفساخ حسبما عرفت من الانحلال المزبور ، وعدم التلازم بين الصحّة والفساد.

(1) كما عرفت آنفاً.

(2) قد عرفت اقتضاء التلف قبل القبض أو بعده بلا فصل بطلان الإجارة ، لكشفه عن عدم ملكيّة المعوّض بعد كون المنافع تابعة للعين ، فلم يكن المؤجر مالكاً للمنفعة لكي يملّكها. وهكذا الحال في التلف في الأثناء ، فإنّ الإجارة تبطل في المدّة الباقية ، لانكشاف عدم المنفعة وإن صحّت في الماضية. وعرفت ثبوت الخيار للتبعّض.

تلف المبيع قبل القبض وتلف العين هنا ، لأنّ المبيع حين بيعه كان مالاً موجوداً قوبل بالعوض ، وأمّا المنفعة في المقام فلم تكن موجودة حين العقد ولا في علم اللّه إلّا بمقدار بقاء العين ، وعلى هذا فإذا تصرّف في الأُجرة يكون تصرّفه بالنسبة إلى ما يقابل المتخلّف فضوليّاً. ومن هذا يظهر أنّ وجه البطلان في صورة التلف كلّاً أو بعضاً انكشاف عدم الملكيّة للمعوّض.


وهذا أعني : بطلان الإجارة المستتبع لرجوع الأُجرة كلّاً أو بعضاً إلى المستأجر هو الذي تقتضيه القاعدة.

وإنّما الكلام في أنّ الرجوع المزبور هل هو من حين الحكم بالبطلان بحيث كانت مملوكة منذ العقد إلى الآن للمؤجّر حتى واقعاً ، كما هو كذلك في باب البيع بلا كلام ، حيث إنّ تلف المبيع قبل القبض موجب للانفساخ من الآن مع كونه ملكاً للمشتري كالثمن للبائع قبل هذا ، حتى في الواقع ونفس الأمر؟

أو أنّ التلف كاشف عن عدم كون الأُجرة مملوكة له أي للمؤجّر من أوّل الأمر وإن تخيّل كونه مالكاً بحيث لو تصرّف فيها كان تصرّفه فضوليّاً منوطاً بإجازة المستأجر؟

ظاهر كلمات المشهور كما في المتن هو الأوّل ، حيث عبّروا كما في الشرائع (1)بانفساخ الإجارة كما عبّروا بانفساخ البيع الظاهر في صحّتها إلى الآن ، وأنّها إنّما تنفسخ من حين التلف ، والأُجرة ملك للمؤجّر قبل الانفساخ ، وتصرّفه فيها تصرّف صحيح ، لأنّه من تصرّف المالك في ملكه ، غاية الأمر أنّه بعد الانفساخ إذا لم يمكن الردّ ينتقل إلى البدل كما في البيع.


1) الشرائع 2 : 215.

[3290] مسألة 8 : إذا آجر دابّة كلّيّة ودفع فرداً منها فتلف لا تنفسخ الإجارة ، بل ينفسخ الوفاء (1) فعليه دفع فرد آخر.


ولكن الماتن أشكل عليهم بما هو في محلّه. وحاصل ما ذكره (قدس سره) : ثبوت الفرق الواضح بين الموردين ، فإنّ الحكم المزبور مطابق لمقتضى القاعدة في باب البيع ، نظراً إلى تعلّق الملكيّة فيه بنفس العين وبما أنّها موجودة حال البيع ، فلا جرم كان المشتري مالكاً لها بعد العقد. فلو عرض التلف بعدئذٍ كان مقتضى القاعدة الأوّلية أن يكون في مال المشتري ، لأنّه طرأ في ملكه ولكنّه من أجل السيرة العقلائيّة مضافاً إلى النصّ الناطق بالضمان والانفساخ يلتزم برجوعه آناً ما إلى البائع وكون التلف في ملكه ، ولو لا ذلك لم يكن أيّ مقتضٍ لكون التلف منه ، بل كان من المشتري ، لعروض التلف في ملكه حسبما عرفت.

وهذا بخلاف الإجارة ، فإنّ الملكيّة فيها تتعلّق بالمنفعة دون العين ، والمفروض أنّ المنافع لا وجود لها في المدّة المضروبة لمكان تلف العين وقتئذٍ ، فهي طبعاً لم تكن منتقلة إلى المشتري من الأوّل ، لأنّها بعد افتراض انعدامها لم تكن مملوكة للمؤجّر لكي يتمكّن من تمليكها للمستأجر ، لعدم قابليّة مثلها لتعلّق الملكيّة بها.

فالفرق إذن بين الموردين في غاية الوضوح. وعليه ، فلو تصرّف المؤجر في الأُجرة قبل التلف كان تصرّفه فضوليّاً لا محالة ، لكونه تصرّفاً في ملك المستأجر واقعاً وإن تخيّل أنّه تصرّف في ملكه.

(1) لعدم ورود التلف على ما وقعت الإجارة عليه لتنفسخ ، لأنّ موردها المنفعة الكلّيّة القائمة بالعين الكلّيّة وهي باقية على حالها ، فما وقعت الإجارة

[3291] مسألة 9 : إذا آجره داراً فانهدمت (1) فإن خرجت عن الانتفاع بالمرّة بطلت ، فإن كان قبل القبض أو بعده قبل أن يسكن فيها أصلاً رجعت الأُجرة بتمامها ، وإلّا فبالنسبة ، ويحتمل تمامها في هذه الصورة أيضاً ويضمن اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى ، لكنّه بعيد (1)، وإن أمكن الانتفاع بها مع ذلك كان للمستأجر الخيار بين الإبقاء والفسخ ، وإذا فسخ كان حكم الأُجرة ما ذكرنا. ويقوى هنا رجوع تمام المسمّى مطلقاً ودفع اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى ، لأنّ هذا هو مقتضى فسخ العقد كما مرّ سابقاً. وإن انهدم بعض بيوتها بقيت الإجارة بالنسبة إلى البقيّة وكان للمستأجر خيار تبعّض الصفقة.


عليه لم يتلف ، وما تلف خارجاً لم تقع الإجارة عليه ، وإنّما كان أداؤه بعنوان الوفاء بتخيّل كونه مصداقاً للكلّي فبان خلافه ، فطبعاً يلزم المؤجر بالتطبيق على فرد آخر وفاءً بعقده بعد أن لم يكن الفرد التالف صالحاً لانطباق الكلّي عليه ، من دون أن يكون في البين أيّ مقتضٍ للبطلان أو الانفساخ أو الخيار كما هو ظاهر.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لأحد مصاديق كبرى تلف العين المستأجرة التي تقدّم حكمها ، وإنّما عنونه مستقلا لمزيّة لم تسبق الإشارة إليها وستعرفها.

فذكر (قدس سره) أنّه إذا آجره داراً فانهدمت بحيث خرجت عن قابليّة


1) (*) نعم ، إلّا أنّ للمستأجر حينئذٍ خيار تبعّض الصفقة وعلى تقدير الفسخ يرجع بتمام الأُجرة ويضمن اجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى.

ولو بادر المؤجر إلى تعميرها بحيث لم يفت الانتفاع أصلاً ليس للمستأجر الفسخ حينئذٍ على الأقوى ، خلافاً للثانيين.


الانتفاع بتاتاً فإنّه تجري حينئذٍ الأحكام المتقدّمة من أنّ الانهدام إن كان قبل القبض أو بعده بلا فصل يحكم بالبطلان ، لانكشاف عدم المنفعة ، وإن كان في أثناء المدّة بطلت الإجارة في المدّة الباقية ، لما ذكر ، وصحّت فيما بقي مع خيار التبعّض ، فيرجع مع الفسخ إلى تمام الأُجرة المسمّاة ويدفع اجرة المثل.

وأمّا إذا لم يستوجب الانهدام السقوط عن القابليّة بالمرّة ، غايته أنّ الدار قد تعيّبت فلم تمكن الاستفادة المرغوبة منها بكاملها ، سواء أكان ذلك قبل القبض أم بعده أو أثناء المدّة ، فحينئذٍ لا موجب للانفساخ ، بل يثبت للمستأجر خيار العيب ، لتخلّف صفة الصحّة المشروطة ارتكازاً في تمام العين حدوثاً وبقاءً ، فله الفسخ على النهج الذي عرفت.

وأمّا إذا اختصّ الانهدام ببعض بيوت الدار اختصّ البطلان به ، لكشف انتفاء المنفعة بالإضافة إليه ، وصحّت الإجارة فيما عداه مع خيار التبعّض كما سبق كل ذلك.

والمزيّة التي ذكرها في المقام هي ما أشار إليه بقوله : ولو بادر المؤجر ، إلخ ، أي فتدارك الخراب على نحوٍ لم يتضرّر المستأجر بوجه ، لعدم فوات شي‌ء من الانتفاع أصلاً ، كما لو خربت جدران السطح أو قسم من السرداب في وقتٍ لا ينتفع عادةً بشي‌ء منهما كفصل الشتاء ، فبادر إلى التعمير بصورةٍ لا يشغل الفضاء إشغالاً يزاحم المستأجر في سائر انتفاعاته من الدار. ففي مثله لا يبعد عدم ثبوت الخيار أيضاً ، إذ الخراب أو الانهدام لم يكن بعنوانه موضوعاً للحكم ،

[3292] مسألة 10 : إذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه (1) ، وإن لم يمكن إجباره للمستأجر فسخ الإجارة (1)والرجوع بالأُجرة ، وله الإبقاء ومطالبة عوض المنفعة الفائتة ،


وإنّما الاعتبار بعدم إمكان انتفاع المستأجر بتلك المنفعة المرغوبة بكاملها ، فمع إمكان الانتفاع وعدم ورود أيّ نقص فيه كما هو المفروض لم يكن ثمّة أيّ مقتضٍ لثبوت الخيار.

وعلى الجملة : فالعبرة بالكبرى الكلّيّة ، وهي أنّ الخراب إن أوجب نقصاً لم يتيسّر معه الانتفاع المرغوب ثبت الخيار ، وإلّا فلا.

(1) إذ المنفعة ملك للمستأجر قد ملكها بالعقد ، فلا بدّ للمؤجّر من تسليمها بتسليم العين ، وليس له الامتناع عن تسليم ملك الغير لصاحبه ، بل لذلك الغير حقّ الإجبار ، ومع الامتناع يثبت له الخيار ، فله الفسخ واسترداد الأُجرة كما له الإمضاء ومطالبة المؤجر بعوض المنفعة الفائتة تحت يده. وهذا كلّه ظاهر لا غبار عليه.

إلّا أنّ الذي ينبغي الإيعاز إليه أنّ ثبوت الخيار غير منوط بالعجز عن الإجبار ، وإن كان هذا هو ظاهر كلام الشيخ (قدس سره) ، بل صريحه في كتاب الخيارات (2).

فإنّ الخيار المزبور قد تعرّض له القوم في البيع أيضاً وأنّه إذا امتنع البائع عن


1) (*) لا يبعد ثبوت الخيار مع التمكّن من الإجبار أيضاً.

2) المكاسب 6 : 261 - 265.

وكذا إن أخذها منه بعد التسليم بلا فصل أو في أثناء المدّة (1) ،


التسليم أجبره المشتري إن أمكن ، وإلّا ثبت له الخيار. وقد ذكره الشيخ في باب تخلّف الشرط وأنّ الشارط يجبر المشروط عليه لدى التخلّف على العمل بالشرط ، فإن لم يمكن ثبت له الخيار ، حيث إنّ المقام أيضاً من مصاديق تلك الكبرى باعتبار أنّ التسليم شرط ضمني ارتكازي قد بنيت عليه كافّة العقود المعاوضيّة ، وقد تخلّف حسب الفرض (1).

ولكن الظاهر عدم اعتبار العجز المزبور في ثبوت هذا الخيار ، فيثبت في كلا الموردين أي البيع والإجارة حتى مع التمكّن من الإجبار ، وبمجرّد الامتناع عن التسليم.

والوجه فيه : أنّ مرجع الاشتراط إلى أنّ التزام الشارط بالعقد منوط ومتوقّف على العمل بالشرط ، وإلّا فهو غير ملتزم به من الأوّل.

وعليه ، فمع امتناع البائع أو المؤجر عن التسليم قد تخلّف الشرط ولم يعمل به خارجاً ، فلا جرم يكشف عن عدم الالتزام بالعقد من أوّل الأمر المساوق لثبوت الخيار ، فهو حكم مطابق للقاعدة ، سواء أكان متمكّناً من الإجبار أم لا ، إذ لا علاقة لذلك في ثبوت الخيار وعدمه بوجه ، لوضوح تحقّق التخلّف الذي هو المناط في تعلّق الخيار حتى مع التمكّن من الإجبار ، فلا موجب لإناطة الحكم بالعجز عنه أبداً.

(1) لوضوح أنّ الشرط الضمني المزبور لم يكن هو التسليم آناً ما ، بل مقتضى المعاوضة بقاء العين تحت يد المستأجر إلى نهاية المدّة بأن يخلّي المؤجر


1) الخلاف 3 : 151 / 239 و 240.

ومع الفسخ في الأثناء يرجع بما يقابل المتخلّف من الأُجرة ، ويحتمل قويّاً (1)رجوع تمام الأُجرة ودفع اجرة المثل لما مضى كما مرّ نظيره سابقاً ، لأنّ مقتضى فسخ العقد عود تمام كلّ من العوضين إلى مالكهما الأوّل ، لكن هذا الاحتمال خلاف فتوى المشهور.


بين المستأجر وبين العين في تمام الأجل المضروب ، لكي يتمكّن من استيفاء تمام المنفعة التي وقعت الإجارة عليها ، فمع الأخذ منه بعد القبض أو في الأثناء فقد تخلّف الشرط ، ولأجله يثبت الخيار حسبما عرفت.

إلّا أنّ الكلام في أنّه إذا استردّ العين أثناء المدّة وفسخ المستأجر ، فهل يسترجع من الأُجرة المسمّاة بمقدار ما بقي وتصحّ الإجارة فيما مضى ، أو أنّ العقد ينفسخ من أصله فيستردّ تمام المسمّاة ويدفع اجرة المثل لما مضى؟

المنسوب إلى المشهور هو الأوّل. ولكن الماتن قوّى الثاني ، وهو الأظهر ، لما تقدّم من أنّ المنفعة في تمام المدّة مورد لعقد وحداني قد اشترط الالتزام به بالتسليم الخارجي في تمام تلك المدّة ، وإلّا فلا التزام. ومعناه : أنّ له حلّ هذا العقد على النهج الذي وقع وأنّه لم يكن ملتزماً به من الأوّل. ومقتضاه رجوع كلّ من العوضين إلى ملك صاحبه كأن لم يكن بينهما عقد أصلاً ، وحيث إنّه قد تصرّف في ملك الغير ولم يذهب ماله هدراً فلا جرم يتداركه بأُجرة المثل لما استوفاه من المدّة ، وهذا هو مقتضى القاعدة.

وعليه ، فاحتمال اختصاص الانفساخ بالمدّة الباقية لا بتمام العقد خلاف ظاهر الاشتراط ، ومخالف لمقتضى القاعدة كما لا يخفى.


1) (*) مرّ أنّ هذا الاحتمال هو الأظهر.

[3293] مسألة 11 : إذا منعه ظالم عن الانتفاع بالعين قبل القبض (1) تخيّر بين الفسخ والرجوع بالأُجرة وبين الرجوع على الظالم بعوض ما فات ، ويحتمل قويّاً تعيّن الثاني (1)،


(1) فلم يكن منع من قبل المؤجر ، بل خلّى هو بين العين وبين المستأجر ، ولكن الظالم كان حائلاً ومانعاً عن الانتفاع.

وقد حكم (قدس سره) حينئذٍ بالتخيير بين الرجوع إلى المؤجر واسترداد الأُجرة المسمّاة فتنفسخ الإجارة ، وبين الرجوع إلى الظالم ومطالبته مع التمكّن بعوض ما فات من المنفعة التي كان هو السبب في تفويتها.

ثمّ احتمل (قدس سره) تعيّن الثاني وأنّه ليس له إلّا مراجعة الظالم فقط دون المؤجر.

أقول : لا يبعد التفصيل (2)بين ما إذا كان منع الظالم متوجّهاً إلى خصوص المستأجر ، أو إلى الأعمّ منه ومن غيره ، كما إذا آجره دابّة للسفر إلى كربلاء فمنع الظالم ركوب أيّ شخص عليها والخروج إلى كربلاء.

ففي الثاني لا يبعد صحّة ما ذكره الماتن أوّلاً ، باعتبار أنّ المستأجر مالك للمنفعة وبما أنّه لا يتمكّن من الانتفاع فله أن يرجع إلى الظالم لأنّه المانع ، فلو فرضنا أنّ للظالم عنده مالاً وهو لا يعلم به يجوز له أن يأخذه تقاصّاً من دون أن يفسخ العقد ، كما أنّ له أن لا يرضى بالعقد ويفسخ ، نظراً إلى أنّه مع فرض


1) (*) هذا الاحتمال هو المتعيّن فيما إذا كان منع الظالم متوجّهاً إلى المستأجر في انتفاعه ، لا إلى المؤجر في تسليمه.

2) وهو المراد ممّا في تعليقته الأنيقة دام ظلّه من التفصيل بين توجّه الظلم إلى المستأجر في انتفاعه أو إلى المؤجر في تسليمه.

وإن كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض يتعيّن الوجه الثاني (1) ، فليس له الفسخ حينئذٍ ، سواء كان بعد القبض في ابتداء المدّة أو في أثنائها ، ثمّ لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدّة إلى المستأجر فالخيار باقٍ (2) ، لكن ليس له الفسخ إلّا في الجميع ، وربّما يحتمل جواز الفسخ بالنسبة إلى ما مضى


ظلم الظالم لم يتحقّق التسليم والتسلّم ، ومن المعلوم أنّ تعذّر التسليم ولو لمنع الظالم موجب للخيار.

وأمّا في الفرض الأوّل فحيث إنّه لم يكن أيّ مانع من المؤجر في تسليمه وإنّما المنع متوجّه إلى خصوص المستأجر في تسلّمه ، فلا موجب حينئذٍ للخيار ، لعدم التخلّف في الشرط بوجه ، إذ لم يكن الشرط الارتكازي إلّا هذا المقدار - ، أعني : تمكين المؤجر من التسليم ، لا تسلّم المستأجر وقد فعل فكانت العين قابلة للانتفاع لأيّ شخص كان ، وإنّما الممنوع خصوص هذا الشخص ، فيتعيّن حينئذٍ الاحتمال الثاني.

ولعلّ هذه الصورة هي مفروض كلامه (قدس سره) ، لأنّه أخذ في عنوانه منع الظالم عن الانتفاع ، فمنع الظالم متوجّه إلى هذا الشخص ، وفي مثله لا موجب لثبوت الخيار.

(1) إذ الخيار إنّما ثبت من أجل تخلّف الشرط كما مرّ ، وهنا لم يتخلّف ، ضرورة أنّ الشرط لم يكن إلّا تسليم العين وجعلها تحت قبض المستأجر ، وقد تحقّق حسب الفرض. وأمّا الزائد على ذلك بأن يتعهّد المؤجر بدفع ظلم الظالم عن المستأجر بعد قبضه أو أثناء مدّة الإجارة ، فليس هو ممّا يقتضيه الارتكاز ، ولا ملحوظاً في الشرط الضمني بوجه.

(2) لا لأجل الاستصحاب ، بل لأجل أنّ العلّة المقتضية لثبوت الخيار

من المدّة في يد الغاصب والرجوع بقسطه من المسمّى واستيفاء باقي المنفعة ، وهو ضعيف ، للزوم التبعيض في العقد ، وإن كان يشكل الفرق بينه وبين ما ذكر من مذهب المشهور من إبقاء العقد فيما مضى وفسخه فيما بقي ، إذ إشكال تبعيض العقد مشترك بينهما.

[3294] مسألة 12 : لو حدث للمستأجر عذر (1) في الاستيفاء ،


وهو تخلّف الشرط لم ترتفع بإعادة العين في الأثناء ليزول الخيار ، فإنّ الشرط كان هو التسليم في تمام المدّة ولم يتحقّق ولو للتعذّر في النصف الأوّل من المدّة مثلاً فلا جرم يثبت الخيار ، فإنّ التعذّر كما يوجب الخيار فيما إذا كان في تمام المدّة كذلك يوجبه في بعضها.

وبالجملة : قد تحقّق موجب الخيار وهو التعذّر في بعض المدّة ، والإعادة في البعض الآخر لا تنفع في زواله ، فإذا فسخ فحينئذٍ يعود الكلام السابق وأنّ الفسخ هل يؤثّر بالنسبة إلى ما مضى ويبقى فيما بقي صحيحاً ، أو أنّه يوجب الانفساخ من الأصل فيطالب بتمام الأُجرة وليس له حقّ التصرّف بعد ذلك؟

وقد عرفت أنّ الأظهر هو الثاني ، إذ الالتزام بالعقد من الأوّل كان مشروطاً بالتسليم الخارجي ولم يتحقّق حسب الفرض ، فإذا فسخ كان العقد في حكم العدم فيرجع بتمام الأُجرة ، ويكون التصرّف في الباقي منوطاً بالتراضي أو بإجارة جديدة ، فلاحظ.

(1) قد يفرض أنّ العذر عامّ لا يختصّ بالمستأجر ، كما لو اتّفق حادث في الطريق لا يتمكّن معه أحد من المسير من سيلٍ أو نحوه من الآفات السماويّة ، فهذا يكشف لا محالة عن بطلان الإجارة ، إذ مثل هذه المنفعة بعد أن لم تكن قابلة للتحقّق خارجاً فهي من الأوّل لم تكن مملوكة للمؤجّر ليملّكها المستأجر ،

كما لو استأجر دابّة لتحمله إلى بلد فمرض المستأجر ولم يقدر ، فالظاهر البطلان إن اشترط المباشرة على وجه القيديّة ، وكذا لو حصل له عذر آخر ، ويحتمل عدم البطلان (1). نعم ، لو كان هناك عذر عام بطلت قطعاً ، لعدم قابليّة العين للاستيفاء حينئذٍ.


وهذا ظاهر.

واخرى : يفرض عذراً خاصّاً بالمستأجر من مرضٍ ونحوه ، وحينئذٍ فإن كانت المباشرة ملحوظة على وجه الشرطيّة بأن كانت الإجارة واقعة على جامع المنفعة كمطلق الركوب أو السكنى مشروطاً بكون المتصدّي لها خصوص المستأجر على سبيل الالتزام في ضمن الالتزام ، فحيث إنّ الشرط المزبور متعذّر الحصول حسب الفرض فلا جرم يدخل المقام تحت كبرى الشرط الفاسد ، والصحيح في مثله بطلان الشرط وصحّة العقد وإن قيل بالإفساد أيضاً. وعلى أيّ حال ، فيجري عليه حكم تلك المسألة.

وإن كانت ملحوظة على وجه القيديّة بأن كان مصبّ الإجارة هذه المنفعة الخاصّة على نحو وحدة المطلوب ، فقد حكم الماتن (قدس سره) حينئذٍ بالبطلان ، ولعلّه لتعذّر المنفعة المانع عن صحّة الإجارة كما في العذر العام.

ولكنّه محلّ تأمّل ، بل منع يظهر وجهه ممّا سبق ، حيث عرفت فيما مرّ أنّ المصحّح للإجارة إنّما هي الحيثيّة القائمة بالعين كمسكونيّة الدار ومركوبيّة الدابّة ونحوهما ، فإنّها التي يملكها المؤجر وتكون تحت تصرّفه وسلطانه. وأمّا الحيثيّة القائمة بالمستأجر والمنتزعة من فعله الخارجي كالساكنيّة والراكبيّة فلا مساس


1) (*) هذا الاحتمال هو الأظهر.

[3295] مسألة 13 : التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحلّ العمل موجب للبطلان (1) ، ومنه إتلاف الحيوانات ، وإتلاف المستأجر (2) بمنزلة القبض ،


لها بالمؤجر ، فلا تصلح لأن تقع مورداً للأُجرة ، والمتعذّر في المقام إنّما هي الحيثيّة الثانية دون الاولى ، فما هو مورد للإجارة أعني : القابليّة للسكنى لا تعذّر فيه ، وما فيه التعذّر لم يقع مورداً للإجارة ، ولا يقاس المقام بالعذر العام ، ضرورة أنّ عموميّة العذر تستوجب سقوط العين عن قابليّة الانتفاع كما عرفت ، وليس العذر الخاصّ كذلك بالضرورة.

فما احتمله في المتن من عدم البطلان هنا هو الأظهر ، فإنّ المناط في الصحّة كون المنفعة في نفسها قابلة للتملّك وهو متحقّق في المقام ، فلا يستوجب العذر المزبور عدم الصحّة ، كما لا يستوجب ثبوت الخيار كما لا يخفى.

(1) كما لو تلفت الدابّة أو انهدمت الدار الواقعتان مورداً للإيجار ، أو احترق الثوب مثلاً الذي هو محلّ عمل الأجير أعني : الخيّاط وقد ذكر (قدس سره) للتلف المزبور شقوقاً :

إذ تارةً : يكون سماويّاً ولو بإتلاف الحيوانات ، ولا ريب في بطلان الإجارة حينئذٍ ، لانكشاف انتفاء موضوعها وأنّ الأجير أو مالك العين لم يكن مالكاً لهذه المنفعة لكي يتمكّن من تمليكها ، وهذا واضح.

وأُخرى : يستند إلى فعل أحد ، وهذا الشخص المتلف قد يكون هو المستأجر ، وأُخرى المؤجر ، وثالثة الأجنبي.

(2) فإن كان الأوّل فالظاهر الصحّة واستحقاق المؤجر للأُجرة ، فإنّ الإتلاف من المستأجر يعدّ في اعتبار العقلاء بمثابة القبض وتسلّم المنفعة ، فلا يقيسونه

وإتلاف المؤجر (1) موجب للتخيير بين ضمانه والفسخ ، وإتلاف الأجنبي (2) موجب لضمانه (1)


بالتلف السماوي الكاشف عن عدم وجود المنفعة بعد كونها تابعة لوجود العين ، إذ بعد أن كان هو السبب في التلف فكأنه استوفاها بفعله الاختياري. ومراجعة العرف والعقلاء بعد إمعان النظر أقوى شاهد على صدق هذه التفرقة كما لا يخفى ، فإنّهم لا يرون المؤجر مالكاً للمنفعة من الأوّل في التلف دون الإتلاف ، ومن ثمّ يكون المستأجر ضامناً للعين مسلوبة المنفعة ، إذ المنفعة قد تملّكها بالعقد وقد أتلف بفعله الاختياري ملك نفسه ، كما أتلف ملك الغير أعني : ذات العين فيكون ضامناً للمؤجّر قيمة العين مسلوبة المنفعة ، كما يضمن له الأُجرة المسمّاة الواقعة بإزاء تلك المنفعة.

(1) وإن كان الثاني تخيّر المستأجر بين الفسخ والرجوع إلى الأُجرة المسمّاة وبين الإمضاء ومطالبة بدل المنفعة الفائتة ، ويظهر وجهه ممّا مرّ ، حيث إنّ إتلاف المؤجر العين التي هي ملك له والمنفعة التي هي ملك المستأجر لا يلحق عند العقلاء بالتلف السماوي ، بل يرونه قد أتلف مال نفسه ومال غيره.

إذن فللمستأجر أن يفسخ ، نظراً إلى أنّ تسليم العين وإبقاءها عند المستأجر شرطٌ ارتكازي في ضمن العقد وقد تخلّف بالإتلاف المزبور فيستتبع الخيار لا محالة ، كما أنّ له المطالبة ببدل المنفعة التي ملكها بالعقد ، إذ قد أتلفها المؤجر ، والإتلاف موجب للضمان ، وربّما تختلف قيمته عن الأُجرة المسمّاة.

(2) وإن كان الثالث فقد حكم في المتن بضمان الأجنبي للمنفعة من دون أن


1) (*) لكنّه إذا كان قبل القبض جاز للمستأجر الفسخ ، هذا بالإضافة إلى العين المستأجرة ، وأمّا بالإضافة إلى إتلاف محلّ العمل فالظاهر هو البطلان.

.................................................................................................


يكون في البين أيّ موجب للخيار بعد عدم استناد الإتلاف إلى المؤجر.

ولكن هذا إنّما يستقيم في الإجارة الواقعة على الأعيان ، وفيما إذا كان الإتلاف حاصلاً بعد القبض ، حيث إنّ الإتلاف حينئذٍ لا يستوجب الخيار قطعاً ، ضرورة وفاء المؤجر بما كان ملتزماً به من التسليم وخروجه عن مسؤوليّته ، وإتلاف الأجنبي بعدئذٍ خارج عن عهدته ولا يرتبط به بوجه ، فلم يكن ثمّة أيّ موجب للخيار ، وإنّما الأجنبي ضامن لبدل العين للمؤجّر ولبدل المنفعة للمستأجر.

وأمّا إذا كان الإتلاف المزبور قبل القبض فلا ينحصر الأمر حينئذٍ بالضمان ، بل يجري هنا أيضاً التخيير بينه وبين الفسخ كما في الصورة السابقة.

والوجه فيه ظاهر ، أمّا الضمان فلما عرفت ، وأمّا الفسخ فلأجل عدم تحقّق التسليم المشروط به العقد ولو كان تعذّره من أجل إتلاف الأجنبي ، إذ بالآخرة لم يتحقّق التسليم المزبور ، وقد عرفت أنّ تخلّفه موجب للخيار.

وعلى الجملة : فالحكم هنا بخصوص الضمان على ما يقتضيه إطلاق عبارة المتن غير ظاهر ، بل يجري فيه التخيير المزبور.

نعم ، إنّ الأجنبي ضامن لكلّ من العين والمنفعة على أيّ تقدير ، سواء أكان إتلافه قبل القبض أم بعده ، إلّا أنّه فيما بعد القبض وكذا ما قبله إذا لم يقع الفسخ يضمن العين مسلوبة المنفعة للمؤجّر والمنفعة للمستأجر ، وأمّا مع الفسخ فيضمن لخصوص المؤجر العين ذات المنفعة.

وكيفما كان ، فمحلّ الكلام ما إذا وقعت الإجارة على العين الشخصيّة.

وأمّا في الأعيان الكلّيّة فلو هيّأ المؤجر فرداً ليدفعه وفاءً عن الكلّي فأتلفه الأجنبي قبل الإقباض ، فبما أنّ التلف لم يقع حينئذٍ على ما تعلّقت به الإجارة فللمستأجر المطالبة بفرد آخر ، وهو خارج عن محلّ الكلام كما هو واضح.

والعذر العامّ بمنزلة التلف (1) ،


هذا كلّه في الإجارة الواقعة على الأعيان.

أمّا الواقعة على الأعمال ، كما لو أعطاه ثوباً ليخيطه فأتلفه الأجنبي قبل أن يخيطه ، فلا مقتضي عندئذٍ للضمان وإن كان مقتضى إطلاق عبارة المتن ثبوته في هذه الصورة أيضاً ، وذلك لعدم صدق أيّ إتلاف بالإضافة إلى العمل ، غايته أنّ الأجنبي بإتلاف العين أعدم موضوع العمل وجعله متعذّر الحصول خارجاً ، لا أنّه أتلف نفس العمل ليضمنه ، ضرورة عدم كونه من منافع العين ليكون قد أتلفه بإتلاف العين ، وإنّما هو من منافع الأجير وهو الخيّاط.

وعليه ، فإذا تلف محلّ العمل كشف لا محالة عن أنّ الأجير لم يكن متمكّناً في علم اللّه من تسليمه باعتبار لزوم وقوعه في هذا الثوب المعيّن والخياطة فيه متعذّرة حسب الفرض ، فلم يكن الأجير مالكاً لهذه المنفعة ليملّكها للغير ، فطبعاً يحكم ببطلان الإجارة كما في التلف السماوي الوارد على العين المستأجرة بمناط واحد.

إذن فالظاهر انفساخ الإجارة في هذه الصورة ، ويكون المتلف ضامناً لقيمة العين خالية عن العمل.

والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الأظهر هو التفصيل بين الإجارة الواقعة على الأعيان الشخصيّة فيضمن الأجنبي للمستأجر لو أتلف بعد القبض كما يتخيّر المستأجر لو كان الإتلاف قبله ، وبين الواقعة على الأعمال فلا ضمان للعمل بإتلاف المحلّ وإن كان ظاهر المتن هو الضمان حسبما عرفت.

(1) كما سبق ، حيث إنّ المنفعة بعد أن لم تكن قابلة للاستيفاء لأيّ أحد فلا تعدّ هي من منافع العين المملوكة للمؤجّر ليملّكها للمستأجر ، فتبطل الإجارة لا محالة كما في التلف السماوي.

وأمّا العذر الخاصّ بالمستأجر كما إذا استأجر دابّة لركوبه بنفسه فمرض ولم يقدر على المسافرة (1)أو رجلاً لقلع سنّه فزال ألمه أو نحو ذلك ففيه إشكال (1) ، ولا يبعد أن يقال : إنّه يوجب البطلان إذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصحّ معه العقد (2).


(1) وقد تقدّم منه (قدس سره) في المسألة السابقة استظهار البطلان.

وكيفما كان ، فقد عرفت أنّ حدوث المرض أو زوال الألم ونحوهما من الأعذار الخاصّة لا تستوجب البطلان ، ولا سيّما إذا كان عود الألم متوقّعاً كما هو الغالب في المبتلين بوجع الضرس.

نعم ، الكبرى التي ذكرها في المتن من إناطة البطلان بكلّ ما لو كان قبل العقد لأبطل وجيهة (3)

ويندفع بالالتزام بصحّة العقد في الفرض المزبور ، فإنّ الباطل إنّما هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهائيّة على ما حقّقه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في محلّه.

، لكنّها غير منطبقة على المورد ، لجواز الاستئجار لقلع الضرس وإن لم يكن الألم موجوداً من الأوّل ، وإنّما كان في مظانّ عروضه لحركة الضرس عن مقرّه ونحو ذلك ، إذ لا مانع من صحّة هذه الإجارة الناشئة عن داعٍ من الدواعي بعد أن كان العمل في نفسه سائغاً ومحترماً.

1) (*) تقدّم أنّ الأظهر في أمثاله عدم البطلان.

2) (**) إنّ الأمر وإن كان كذلك إلّا أن بطلان الإجارة على قلع الضرس والزائل عنه الألم لا يخلو عن إشكال بل منع كما مرّ.

3) أورد عليها بعض أعلام العصر في تعليقته بالنقض بما لو كان مريضاً قبل العقد واستأجر الدابّة لركوبه بنفسه ، فإنّ الإجارة غير صحيحة ، لكونها سفهيّة. وهذا المعنى غير موجود في المرض المتأخّر.

[3296] مسألة 14 : إذا آجرت الزوجة نفسها بدون إذن الزوج (1) فيما ينافي حقّ الاستمتاع وقفت على إجازة الزوج ، بخلاف ما إذا لم يكن منافياً فإنّها صحيحة ، وإذا اتّفق إرادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها.


(1) قسّم (قدس سره) مفروض المسألة إلى قسمين :

إذ تارةً : تتعلّق الإجارة بما ينافي حقّ استمتاع الزوج ، وهذا لا ينبغي الشكّ في عدم صحّته ما لم يجز الزوج ، لعدم جواز صدور مثله منها ، ويعتبر في صحّة الإجارة تعلّقها بعمل سائغ يجوز فعله شرعاً دون ما لا يجوز. أمّا مع الإجازة فلا مانع من الصحّة ، نظير تزويج العبد نفسه المتعقّب بإجازة المولى ، حيث علّل الإمام (عليه السلام) صحّته بأنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز (1)، فإنّه يعلم من ذلك كبرى كلّيّة ، وهي أنّ في كلّ مورد كان المنع الشرعي مبنيّاً على مراعاة حقّ الغير فإنّه يرتفع المنع بإجازة ذلك الغير ، فالإجارة في المقام لا تكون مشمولة لعموم دليل وجوب الوفاء بالعقد ما لم يجز الزوج ، أمّا مع الإجازة فلا مانع من الشمول.

وتارةً أُخرى : تتعلّق بعملٍ لم يكن منافياً لحقّ الزوج ، كما لو آجرت نفسها لأن تصوم نيابةً عن الغير ولكن من باب الاتّفاق طالبها زوجها بحقّه أثناء النهار. وقد حكم (قدس سره) بالبطلان هنا أيضاً ، وهو الصحيح ، لكشف المطالبة المتأخّرة عن عدم الصحّة من الأوّل ، لكون المتعلّق منافياً للحقّ وإن كانت هي جاهلة بذلك ومتخيّلة عدم المنافاة ، فإنّ الاعتبار بالواقع ونفس الأمر لا بما تخيّله الأجير.


1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 24 ح 1.

[3297] مسألة 15 : قد ذكر سابقاً أنّ كلّاً من المؤجر والمستأجر يملك ما انتقل إليه بالإجارة بنفس العقد ، ولكن لا يجب تسليم أحدهما إلّا بتسليم الآخر (1) ، وتسليم المنفعة بتسليم العين ، وتسليم الأُجرة بإقباضها ، إلّا إذا كانت منفعة أيضاً فبتسليم العين التي تستوفى منها ، ولا يجب على واحد منهما الابتداء بالتسليم ، ولو تعاسرا أجبرهما الحاكم ، ولو كان أحدهما باذلاً دون الآخر ولم يمكن جبره كان للأوّل الحبس إلى أن يسلّم الآخر.

هذا كلّه إذا لم يشترط في العقد تأجيل التسليم في أحدهما ، وإلّا كان هو المتّبع.


(1) لأنّ باب المعاوضات برمّتها من بيع أو إجارة ونحوهما مبني عند العقلاء على التسليم والتسلّم من الطرفين ، فليس لأحدهما أن يحبس مال الآخر عنده ويطالبه بماله عنده معتذراً بأنّ لي محذوراً في التسليم أو يقول : إنِّي امتنع عنه عصياناً ، أمّا أنت فورع تقي لا عذر لك فادفع مالي عندك. فإنّ مثل هذه المقالة غير مسموعة منه بوجه ، فلا يكاد يجبر أحدهما على التسليم ابتداءً إلّا مع شرط خارجي ، أو عادة متّبعة في التقديم ، بل يجب التسليم على كلّ منهما على تقدير تسليم الآخر ، كما له الامتناع على تقدير امتناع الآخر ، ولو امتنعا وتعاسرا أجبرهما الحاكم.

وهذه الكبرى ممّا لا ينبغي الشكّ فيها في كافّة المعاوضات ، لاستقرار بناء العقلاء عليها من غير نكير.

هذا ، وأمّا تسليم العمل (1) فإن كان مثل الصلاة والصوم والحجّ والزيارة ونحوها فبإتمامه ، فقبله لا يستحقّ المؤجر المطالبة ، وبعده لا يجوز للمستأجر المماطلة ، إلّا أن يكون هناك شرط أو عادة في تقديم الأُجرة فيتّبع ، وإلّا فلا يستحقّ حتى لو لم يمكن له العمل إلّا بعد أخذ الأُجرة كما في الحجّ الاستئجاري إذا كان المؤجر معسراً ، وكذا في مثل بناء جدار داره أو حفر بئر في داره أو نحو ذلك (2) ، فإنّ إتمام العمل تسليم ولا يحتاج إلى شي‌ء آخر.


(1) وإنّما الكلام فيما به يتحقّق التسليم في باب الأعمال بعد وضوح ذلك بالإضافة إلى المنافع وأنّها بتسليم الأعيان كنفسها.

وقد فرّق في المتن بين الإجارة الواقعة على العمل المجرّد من دون أن يكون له تعلّق بشي‌ء خارجي ، وبين ما له تعلّق والمتعلّق موجود عند المستأجر أو موجود عند الأجير ، فهناك فروض ثلاثة :

فإن كان الأوّل ، كما لو استؤجر للصلاة أو الصيام أو الزيارة ونحوها من العبادات ، فالتسليم فيها إنّما يتحقّق بمجرّد الفراغ من العمل ، إذ لا يتصوّر فيه شي‌ء آخر زائداً على ذلك ، أي على نفس تحقّق العمل خارجاً ، حيث إنّه لم يكن ملتزماً بأكثر من ذلك وقد فعل ، فله المطالبة بالأُجرة بعد ذلك.

(2) وإن كان الثاني فكذلك ، فلو كان متعلّق العمل موجوداً عند المستأجر ، كما لو استأجره لحفر بئر في داره ، أو بنيان جدار في بيته الذي يسكن فيه ، فإنّ التسليم يتحقّق بمجرّد الفراغ من العمل ، لعين ما مرّ من عدم تصوّر تسليم زائد على الانتهاء من العمل والفراغ عنه خارجاً.

وأمّا في مثل الثوب الذي أعطاه ليخيطه أو الكتاب الذي يكتبه أو نحو ذلك ممّا كان العمل في شي‌ء بيد المؤجر (1) ، فهل يكفي إتمامه في التسليم ، فبمجرّد الإتمام يستحقّ المطالبة أو لا؟ إلّا بعد تسليم مورد العمل فقبل أن يسلّم الثوب مثلاً لا يستحقّ مطالبة الأُجرة؟ قولان ، أقواهما الأوّل (1)، لأنّ المستأجر عليه نفس العمل والمفروض أنّه قد حصل ، لا الصفة الحادثة في الثوب مثلاً وهي المخيطيّة حتى يقال : إنّها في الثوب وتسليمها بتسليمه.

وعلى ما ذكرنا فلو تلف الثوب مثلاً بعد تمام الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحقّ اجرة العمل ، بخلافه على القول الآخر ، ولو تلف مع ضمانه أو تلفه وجب عليه قيمته مع وصف المخيطيّة لا قيمته قبلها وله الأُجرة المسمّاة ، بخلافه على القول الآخر فإنّه لا يستحقّ الأُجرة وعليه قيمته غير مخيط. وأمّا احتمال عدم استحقاقه الأُجرة مع ضمانه القيمة مع الوصف فبعيد وإن كان له وجه ،


(1) وإنّما الكلام في القسم الثالث أعني : ما كان المتعلّق موجوداً عند الأجير كما لو أعطى الخيّاط ثوباً ليخيطه ، أو الصائغ فضّة ليصوغها خاتماً ، ونحو ذلك من الإجارة الواقعة على الأعمال المتعلّقة بالأعيان الموجودة عند المؤجر ، ففي مثل ذلك هل يتحقّق التسليم بمجرّد الفراغ عن العمل أيضاً فله


1) (*) بل أقواهما الثاني ، ولكنّه مع ذلك إذا تلف الثوب بعد تمام الخياطة مثلاً في يد المؤجر بلا ضمان استحقّ اجرة العمل ، لأنّه ليس من التلف قبل القبض ، ولو تلف مع ضمانه وجبت عليه قيمته مخيطاً واستحقّ الأُجرة المسمّاة ، لأنّ العين ملك للمستأجر ولا يشاركه المؤجر فيها.

.................................................................................................


حقّ المطالبة حينئذٍ وإن لم يكن قد ردّ العين إلى المستأجر ، أو أنّ الحق إنّما يتحقّق بعد الردّ وتسليم العين المخيطة أو المصوغة مثلاً إليه فليس له المطالبة قبل ذلك؟ ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجهين ، بل قولين.

وقد اختار هو (قدس سره) القول الأوّل ، معلّلاً بما في المتن من أنّ المستأجر عليه إنّما هو نفس العمل وقد حصل حسب الفرض دون الوصف الحاصل بالعمل ، فمتعلّق الإجارة إنّما هو نفس الخياطة التي هي توجد وتنعدم كسائر الأعمال ، لا المخيطيّة التي هي صفة حادثة في الثوب كي يكون تسليمها بتسليمه. إذن فاستحقاق الأُجرة يثبت بنفس الخياطة من دون توقّف على شي‌ء.

ولكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) قوّى القول الثاني فذكر في تعليقته الأنيقة ما لفظه :

بل الثاني ، وضابط ذلك هو أنّه لو كانت ماليّة العمل باعتبار نفس صدوره من العامل كالعبادات مثلاً وحفر البئر وبناء الجدار وحمل المتاع ونحوه من مكان إلى آخر فالفراغ عن العمل تسليمه وإن كان الأثر المتولّد منه هو مناط ماليّته كالخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك ، فذلك الأثر يملك تبعاً لتملّك العمل ، ويتوقّف تسليم ما آجر نفسه له على تسليمه بتسليم مورده على الأقوى ، ولو تلف قبل ذلك بعد الفراغ عن العمل المستأجر له كالخياطة مثلاً كان بالنسبة إلى متعلّق الإجارة من التلف قبل القبض الموجب لانفساخها ، ولو أتلفه المؤجر أو الأجنبي يتخيّر المالك في فسخ الإجارة ، إلخ (1).

وحاصله : إنّ ماليّة العمل قد تكون بلحاظ نفسه وبما هو عمل كالصلاة أو الصيام ونحوهما ممّا يكون المطلوب نفس حصول العمل خارجاً ، ففي مثله يستحقّ المطالبة بمجرّد الفراغ عن العمل.


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 54 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


واخرى : يكون المطلوب الأثر الحاصل من العمل ، وماليّته إنّما هي باعتبار هذا الأثر ، كخياطة الثوب ونسج الصوف واستنساخ الكتاب وما أشبه ذلك ممّا يكون مناط ماليّة العمل هو الأثر المترتّب عليه ، ككون الثوب مخيطاً والصوف منسوجاً والكتابة مستنسخة وهكذا غيرها من الآثار المترتّبة على الأعمال ، فإنّ مملوكيّة العمل بالإجارة في أمثال هذه الموارد تستتبع مملوكيّة ذاك الأثر والوصف ، فالمستأجر كما يملك على الأجير العمل كذلك يملك بتبعه الأثر المترتّب عليه ، نظراً إلى أنّ هذا الأثر هو مناط اعتبار الماليّة حسبما عرفت.

وعليه ، فلا محيص من تسليم هذا الأثر المملوك لصاحبه في استحقاق المطالبة بعوضه بتسليم مورده وهو العين ، وإلّا فهو لم يسلّم ما ملكه فلا تسعه مطالبة الأُجرة ، ولو تلف كان من التلف قبل القبض ، إذ لم يقبضه ما ملكه ، ونتيجته الانفساخ فيما إذا كان التلف بغير ضمان.

أقول : ينبغي التكلّم في جهات :

الاولى : في أنّ المملوك في باب الإجارة في مثل هذه الأعمال التي تكون ماليّتها بلحاظ الأثر المترتّب عليها هل هو العمل فقط ، أو مع ذاك الأثر المترتّب عليه؟

وبعبارة أُخرى : هل الوصف الذي يكون في العين بعد العمل يكون مملوكاً للمستأجر بتبع ملكيّته للعمل المستأجر عليه كما اختاره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ، أو أنّ المملوك إنّما هو نفس العمل لا غير؟

الظاهر أنّ الأوصاف مطلقاً في المقام وغيره غير قابلة للملكيّة ، فإنّها إنّما تتعلّق بالأعيان أو بمنافعها التي منها الأعمال حيث إنّ المنفعة تارةً تكون من قبيل سكنى الدار وركوب الدابّة ، وأُخرى عمل شخص من حرّ أو عبد فالملكيّة إنّما تتحقّق في أحد هذين الموردين.

.................................................................................................


وأمّا الأوصاف القائمة بالعين من كونها مخيطة أو منسوجة أو مصوغة وما أشبهها فهي غير قابلة للملكيّة أبداً ، ومن ثمّ ليس لأحد أن يملّك غيره بهبة ونحوها صفة من صفات العين ، فيهب لغيره مخيطيّة هذا الثوب مثلاً ضرورة أنّ شأن الصفات برمّتها إنّما هي زيادة قيمة العين أو نقصها من غير أن تقابل هي بأنفسها بالمال ، فالعبد الكاتب يسوي بقيمة ، والفاقد للكتابة يسوي بقيمة أقل ، فصفة الكتابة أوجبت زيادة الرغبة بالإضافة إلى العين المستتبعة لزيادة القيمة وبذل المال الأكثر بإزائها من دون أن تعتبر الملكيّة لها بوجه في اعتبار العقلاء.

والذي يكشف عمّا ذكرناه كشفاً قطعيّاً أنّه لو أُكره أحدٌ على عمل مستتبع لإيجاد صفة في العين كخياطة الثوب أو نسج الصوف أو بناء الجدار ، فلازم القول بمملوكيّة الصفة اشتراك المكرَه مع المكرِه في العين الموصوفة ، لبقاء الصفة على ملك المكرَه وعدم خروجها إلى ملك مالك العين بناقل شرعي ، فتكون الهيئة للمكرَه خاصّة والمادة للمكرِه خاصّة ويحكم باشتراكهما في العين.

وهذا كما ترى باطل جزماً ، بل العين للمكرِه خاصة ، وهو يضمن للمكرَه الأُجرة بالضرورة.

وعليه ، فالأجير إنّما يملك المستأجر عمله فقط ، وهو لا يملك عليه إلّا ذلك ، ولم تتعلّق الملكيّة بالصفة والأثر الحاصل من العمل لا استقلالاً ولا تبعاً حسبما عرفت.

الجهة الثانية : بعد ما عرفت من صحّة ما ذكره في المتن من وقوع الأُجرة بإزاء نفس العمل دون الصفة وأنّ المستأجر عليه هو الخياطة مثلاً لا المخيطيّة ، فهل للأجير مطالبة الأُجرة قبل تسليم العين كما اختاره في المتن باعتبار أنّه قد عمل بوظيفته وادّى ما عليه كما هو الحال في الإجارة على مثل الصلاة والصيام ، أو أنّه ليس له ذلك ما لم يسلّم؟

.................................................................................................


الظاهر هو الثاني ، ولا تنافي بين الأمرين ، أعني : وقوع الأُجرة بإزاء نفس العمل ، وعدم جواز المطالبة قبل التسليم.

والوجه فيه : أنّ التسليم والتسلّم وإن لم يكن دخيلاً في الملكيّة في أكثر المعاوضات ما عدا اليسير منها كبيع الصرف والسلم والهبة والوقف الخاصّ ، إلّا أنّه مع ذلك لا يجب على أحدهما التسليم ما لم يسلّم الآخر ، لما تقدّم من الشرط الضمني الارتكازي الثابت ببناء العقلاء في كافّة المعاوضات ما لم تقم قرينة على الخلاف من اشتراطٍ ونحوه.

ولا ينبغي الشكّ في أنّ هذا الشرط الارتكازي موجود في المقام أيضاً ، فإنّه غير شاذّ عن تلك الضابطة ولا خارج عن تلك القاعدة السارية لدى العرف والعقلاء ، فإنّهم لا يشكّون في أنّ الخيّاط المزبور ليس له مطالبة الأُجرة بمجرّد الفراغ عن العمل بأن يقول للمستأجر : إنِّي قد فرغت عن خياطة ثوبك وهو موجود في الدكّان ولكنّي اطالبك بالأُجرة. فإنّ مثل هذه المطالبة تعدّ في نظر العقلاء في غير محلّها ، بل مضحكة للثكلى ، وإنّما تصحّ منه المطالبة بعد تسليم المخيط لصاحبه ، كما أنّ العكس أيضاً كذلك ، حيث لا يسوغ للمستأجر المطالبة أيضاً قبل دفع الأُجرة ، فيجوز للأجير حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفيها ، وكلاهما بمناط واحد ، وهو الشرط الارتكازي المزبور القائم على عدم استحقاق المطالبة قبل تسليم ما للآخر عليه تسليماً لا يكون في مثل المقام بنظر العرف إلّا بتسليم مورد العمل.

فكما أنّه لو اشترط ذلك صريحاً في متن العقد فقال : لن أدفع الأُجرة ما لم تسلّم الثوب مخيطاً ، لم تكن له المطالبة حينئذٍ قبل التسليم بالضرورة ، فكذا في الشرط الارتكازي الذي هو بعد فرض نفوذه في قوّة التصريح به في متن العقد.

وعلى الجملة : فلا منافاة بين أن نلتزم بما التزم به الماتن من أنّ الأُجرة بإزاء العمل لا الصفة ، ومع ذلك يكون القول الثاني هو الأظهر بلحاظ الشرط

.................................................................................................


الضمني الارتكازي ، وبذلك نجمع بين الأمرين حسبما عرفت.

الجهة الثالثة : في حكم إتلاف العين ، أو تلفها مع الضمان أو بدونه عند الأجير عند انتهائه عن العمل وقبل أن يسلّمها إلى المستأجر.

أمّا في التلف بلا ضمان كما في التلف السماوي فلا ينبغي التأمّل في استحقاق الأُجرة ، إذ بعد ما عرفت من أنّها واقعة بإزاء نفس العمل والمفروض أنّه قد تحقّق ولم تكن العين مضمونة عليه وإنّما هي أمانة عنده ، فلم يكن في العين ضمان ولا إتلاف ، فأيّ مانع بعد هذا عن استحقاق الأُجرة؟! ودعوى عدم الاستحقاق نظراً إلى أنّه من التلف قبل القبض الذي هو مضمون على من حصل التلف عنده وهو الأجير في المقام كما صرّح به شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته المتقدّمة (1)ورتّبه الماتن على القول الآخر في المسألة.

لا تمكن المساعدة عليها ، إذ كيف يكون هذا من التلف قبل القبض بعد أن لم تكن العين وهو الثوب ولا صفتها وهي المخيطيّة مورداً للإجارة؟! وإنّما هي تعلّقت كما عرفت بذات العمل أعني : الخياطة وقد تحقّقت ، ولا معنى لقبض العمل نفسه إلّا الفراغ والانتهاء منه وهو حاصل حسب الفرض.

وعلى الجملة : الصفة الخارجية لم تكن متعلّقة للإجارة ليقال بأنّه ما لم يسلّمها بتسليم العين يكون التلف الوارد عليها من التلف قبل القبض ، وإنّما الأُجرة واقعة بإزاء نفس العمل وقد صدر وادّى الأجير ما كان عليه ووفى به ، ومعلوم أنّه لم يكن ملتزماً بعدم تلف العين.

نعم ، كان هو ملتزماً بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي كما تقدّم بتسليم


1) في ص 199.

.................................................................................................


العين وما لم يسلّم لم يستحقّ المطالبة بالأُجرة ، ولكنّه منوط ومعلّق طبعاً على تقدير وجود العين ، ضرورة أنّه لم يكن ملتزماً بعدم عروض تلف سماوي خارج عن اختياره عليها ، فلا جرم يكون مورد الشرط الارتكازي مقيّداً بصورة بقاء العين ، فلا شرط أيضاً مع التلف ، فلا يكون ذلك من التلف قبل القبض بوجه.

وإن شئت قلت : إنّ ما ورد عليه التلف قبل إقباضه وهي العين الموصوفة بصفة المخيطيّة مثلاً لم يكن مورداً للإجارة ليحكم بانفساخها ، وما هو مورد لها أعني : ذات العمل قد تحقّق خارجاً وانصرم بنفسه ولا معنى لقبضه إلّا هذا ، فلم يكن تلفه من التلف قبل القبض. على أنّ حديث التلف قبل القبض خاصّ بالبيع ، لورود النصّ فيه ، ولا دليل على التعدّي منه إلى غيره.

إذن فلا محيص من الإذعان باستحقاق الأُجرة في هذه الصورة كما اختاره في المتن.

وأمّا في التلف مع الضمان أو في الإتلاف ، فبناءً على ما ذكرناه من أنّ الوصف بنفسه لا يقابل بالمال وإنّما شأنه زيادة قيمة العين ، والأُجرة إنّما تقع بإزاء العمل فقط ، كان التالف عن المالك وهو المستأجر حينئذٍ هي العين المتّصفة بصفة المخيطيّة مثلاً فلا جرم كانت هي مضمونة على المؤجر بوصفها العنواني ، فلا بدّ من الخروج عن عهدتها متّصفة بتلك الصفة ، إذ هي بهذا الوصف ملك للمستأجر كما عرفت ، وهذا واضح.

وإنّما الكلام في أنّ المؤجر هل له المطالبة حينئذٍ بالأُجرة؟

قد يقال بعدم الاستحقاق كما أشار إليه في المتن وذكر أنّ له وجهاً.

ولعلّ الوجه فيه : أنّ المؤجر لم يسلّم ما وقعت الأُجرة بإزائه ، فلأجله لم يستحقّ شيئاً.

وكذا يتفرّع على ما ذكر (1) أنّه لا يجوز حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفي الأُجرة ، فإنّها بيده أمانة ، إذ ليست هي ولا الصفة التي فيها مورداً للمعاوضة ، فلو حبسها ضمن ، بخلافه على القول الآخر.


ويندفع : بما عرفت من أنّ الأُجرة لم تقع إلّا بإزاء العمل خاصّة وقد وفى وأدّى ما عليه ، وتسليمه ليس إلّا بإتمامه وقد حصل. نعم ، كان ملتزماً بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي بتسليم مورده أعني : العين المتّصفة وقد سلّمه أيضاً بدفع البدل وبذل قيمته الفعليّة ، فقد سلّم العمل وما أنتجه من الأثر المتعلّق بالعين كنفسها إمّا مِثلاً أو قيمةً ، فلم يفت عن المستأجر أيّ شي‌ء. ومعه كيف يقال بعدم الاستحقاق استناداً إلى عدم التسليم؟! وبعبارة اخرى : إن كان عدم التسليم باعتبار نفس العمل فالمفروض أنّه سلّم ، إذ لم يكن تسليمه بما هو إلّا بإيجاده خارجاً وقد أوجده كملاً.

وإن كان باعتبار مورده أعني : العين بصفتها الفعليّة التالفة فالمفروض تسليمه أيضاً ، لكن لا بعينه ، بل ببدله ، فلم يفت عن المستأجر إلّا شخصيّة ماله. ومن المعلوم أنّ الشخصيّة لا تضمن بشي‌ء ، فإنّ الضمان إنّما يتعلّق بالماليّة ولا يقتضي إلّا دفع المثل أو القيمة.

إذن فالصحيح استحقاقه الأُجرة مع ضمان العين متّصفة بوصف المخيطيّة حسبما ذكره في المتن.

(1) ظهر الحال في ذلك ممّا قدّمناه في الجهة الثانية ، فلاحظ.

[3298] مسألة 16 : إذا تبيّن بطلان الإجارة رجعت الأُجرة إلى المستأجر (1) واستحقّ المؤجر أُجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة ، أو فاتت تحت يده إذا كان جاهلاً بالبطلان ،


(1) بلا إشكال فيه ، لكشف الفساد عن عدم الانتقال ، وبقاء الأُجرة على ملك مالكها الأوّل وهو المستأجر ، فإن لم يكن أدّاها فهو ، وإلّا استرجعها من المؤجر وهو معنى الفساد ، ولكنّه يضمن المنفعة للمؤجّر ويلزمه دفع اجرة المثل ، سواء استوفاها من العين أم فاتت تحت يده.

وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه أيضاً.

وإنّما الكلام في مستنده :

أمّا في صورة الاستيفاء : فدليله قاعدة الإتلاف ، المستفادة من الموارد المتفرّقة والملخّصة في العبارة المعروفة : من أتلف مال الغير فهو له ضامن. فإنّها وإن لم ترد بهذا اللفظ في أيّ رواية غير أنّ النصوص العديدة نطقت بأنّ إتلاف مال المسلم موجب للضمان ، وأنّه لا يحلّ ماله إلّا بطيبة نفسه.

بل لا خلاف في المسألة ظاهراً ، ولا إشكال فيما إذا كان المؤجر جاهلاً بالحال.

وأمّا في صورة التلف تحت يده وإن لم يستوفها فالمشهور هنا أيضاً هو الضمان وإن خالف فيه بعضهم.

والصحيح ما عليه المشهور ، لقاعدة اليد التي هي بنفسها مقتضية للضمان على ما ورد من أنّه : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1).


1) المستدرك 17 : 88 / كتاب الغصب ب 1 ح 4.

خصوصاً مع علم المستأجر (1) ،


نعم ، الرواية غير نقيّة السند ، لكن السيرة العقلائيّة قائمة على ذلك من غير حاجة إلى ورود نصّ خاصّ ، إذ لا ينبغي الشكّ في أنّ من أخذ مالاً من أحد ولم يكن له فيه حقّ فهو مسؤول عنه ومؤاخذ به ، فهي قاعدة عقلائيّة سارية لدى العرف من غير نكير ، وممضاة لدى الشرع ولو بعدم الردع.

مضافاً إلى ما يستفاد من بعض النصوص من أنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه.

وعلى الجملة : فمن راجع السيرة العقلائيّة لا يكاد يشكّ في استقرارها على مفاد قاعدة اليد ، وأنّ من استولى على مال أحد من عين أو منفعة بغير حقّ فهو مطالب به لو تلف ، سواء انتفع به أم لا.

فحال الإجارة الباطلة حال الغصب ، ولا فرق إلّا من جهة العذر الشرعي وعدمه فيما إذا كان جاهلاً بالبطلان.

وعلى هذا الأساس تبتني القاعدة المعروفة من أنّ : ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، كما لا يخفى.

(1) لا خصوصيّة لعلم المستأجر فيما هو (قدس سره) بصدد بيانه أعني : الضمان فإنّ المناط فيه إمّا الإتلاف أو قاعدة اليد ، والعلم والجهل في ذلك شرع سواء.

نعم ، يختلف الحال بالإضافة إلى الحكم التكليفي ، لحرمة التصرّف مع العلم دون الجهل عن عذرٍ وقصور ، فإنّه لا يكون حينئذٍ آثماً ، كما لا يكون تصرّفه مبغوضاً عليه ظاهراً.

وأمّا بلحاظ الحكم الوضعي أعني : الفساد والضمان فالملاك فيهما واحد حسبما عرفت.

وأمّا إذا كان عالماً فيشكل ضمان المستأجر (1) ،


هذا كلّه مع جهل المؤجر ، وستعرف الحال مع علمه.

(1) وإن كان المشهور هو الضمان ، لقاعدة اليد ، ومن ثمّ حكموا بأنّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، فجعلوا هذه الكبرى مبنيّة على تلك القاعدة السارية في صورتي علم الدافع وجهله بمناط واحد.

والصحيح ما عليه المشهور ، لما عرفت من السيرة العقلائيّة القائمة على الضمان باليد ، ما خلا صورة واحدة ، وهي التي أقدم المالك فيها على المجّانيّة وعدم ضمان الآخذ ، التي هي الموضوع في كبرى : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ومن الواضح جدّاً عدم اندراج المقام في تلك الصورة ، بداهة عدم إقدام المؤجر على التمليك المجّاني والتسليم بلا عوض ، كما أنّ القابض وهو المستأجر أيضاً لم يقبض كذلك ، بل كانت المعاملة مبنيّة على أن يكون التلف من كيسه أي كيس المستأجر وهو معنى الضمان ، ومن ثمّ ربّما تقع المداقّة في تعيين الأُجرة وتحديدها ، ولا يغضّ البصر عن النزر اليسير منها.

وبعد هذا فكيف يصحّ القول كما في المتن بأنّه أقدم على هتك حرمة ماله وإلغاء احترامه؟! نعم ، ربّما يعلم المؤجر بفساد المعاملة وعدم إمضائها شرعاً ، إلّا أنّ العلم بالفساد الشرعي شي‌ء والإقدام على المجّانيّة وهتك الحرمة شي‌ء آخر لا علاقة بينهما بوجه ، فإنّ المعاملات إنشاءات عرفيّة مطّردة بين جميع أهل الملل ممّن يعتنق الدين ومن لا يعتنق ، وهي عند الكلّ بمعنى واحد ، سواء أكان المتعاملان مسلمين ، أم كافرين ، أم مختلفين ، فهي اعتبارات عقلائيّة أجنبيّة عن عالم الشرع بالكلّيّة ، فيبرز المؤجر مثلاً اعتباره بما أنّه من العقلاء ، وهذا الاعتبار قد

.................................................................................................


يقترن بالإمضاء الشرعي وأُخرى لا ، وذاك مطلب آخر لا مساس له بالعمليّة الصادرة من المتعاملين بما هما متعاملان.

وعليه ، فعلم المؤجر أحياناً بعدم كون اعتباره مورداً للإمضاء الشرعي لا ينافي تحفّظه على احترام ماله وعدم كون تسليط المستأجر عليه عارياً عن العوض وكونه مضموناً عليه ، فإنّ الذي يخرجه عن الضمان إنّما هو الإقدام على الإتلاف مجّاناً باعتبار اندراجه عندئذٍ تحت الكبرى الثانية أعني : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده فيصحّ حينئذٍ أن يقال : إنّ المالك هو الذي ألغى احترام ماله وهتك حرمته. وأمّا إذا أعطاه بعنوان الضمان ولم يقدم إلّا على أن يكون تلفه من القابض كما هو المفروض في المقام فأيّ هتك أو إلغاء بعد هذا؟! والعلم بالفساد الشرعي لا يستوجبه بوجه.

كيف؟! ولو صحّ ذلك لاقتضى عدم الضمان في شي‌ء من المعاملات الفاسدة ، فيسوغ لبائع الخمر أو الكلب التصرّف في الثمن مع علم المشتري بالفساد ، وهكذا الحال في أجر الزانية ، مع صراحة الروايات في أنّ ثمن الخمر وكذا الكلب سحت (1)، وهكذا ما ورد من أنّ أجر الزانية (2)أو أجر القضاة سحت (3)، إذ كيف يكون سحتاً مع أنّ المالك هو الذي أقدم على الإتلاف وألغى احترام المال كما ادّعي؟! وارتكاب التخصيص في هاتيك النصوص بالحمل على غير صورة العلم ، كما ترى.

وعلى الجملة : فالظاهر أنّه اختلط الأمر في المقام بين الاعتبار العقلائي وبين


1) الوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 5.

2) الوسائل 17 : 93 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 6.

3) الوسائل 17 : 95 / أبواب ما يكتسب به ب 5 ح 12.

خصوصاً إذا كان جاهلاً (1)(1) ، لأنّه بتسليمه العين إليه قد هتك حرمة ماله ، خصوصاً إذا كان البطلان من جهة جعل الأُجرة ما لا يتموّل شرعاً أو عرفاً أو إذا كان آجره (2)بلا عوض (2).

ودعوى أنّ إقدامه وإذنه في الاستيفاء إنّما هو بعنوان الإجارة والمفروض عدم تحقّقها ، فإذنه مقيّد بما لم يتحقّق.

مدفوعة بأنّه إن كان المراد كونه مقيّداً بالتحقّق شرعاً فممنوع ، إذ مع فرض العلم بعدم الصحّة شرعاً لا يعقل قصد تحقّقه إلّا على وجه التشريع المعلوم عدمه ، وإن كان المراد تقييده بتحقّقها الإنشائي فهو حاصل.


الإمضاء الشرعي ، فإنّ الذي يعلم به المؤجر هو أنّ الشارع لم يمضه ، وهذا أجنبي عن تحقّق المعاملة في نفسها.

(1) لا خصوصيّة لجهل المستأجر بعد البناء على أنّ المؤجر هو الذي ألغى احترام ماله وأقدم على المجّانيّة ، لعدم الفرق حينئذٍ بين علم المستأجر بالفساد وجهله ، فلم يتّضح وجهٌ للخصوصيّة في كلّ من الموردين.

والصحيح ما عرفت من عدم الإقدام على إلغاء الاحترام ، فلا مخرج عن ضمان المنفعة التالفة تحت يد المستأجر في شي‌ء من الصورتين حسبما عرفت.

(2) يصحّ ما ذكره (قدس سره) في خصوص الفرض الأخير ، أعني : ما لو


1) (*) الظاهر الضمان إلّا فيما إذا أقدم المؤجر أو الأجير على عدمه ، وكذا الحال في ضمان المؤجر أو الأجير الأُجرة ، ثمّ إنّه لم يظهر وجه للخصوصيّة في شي‌ء من الموردين.

2) [1] ضبط الكلمة : اجرة ، كما في كثير من النسخ غلط كما لا يخفى ، والصحيح هكذا : آجره. وفي بعض النسخ : إجارة ، بدل : اجرة.

ومن هنا يظهر حال الأُجرة أيضاً ، فإنّها لو تلفت في يد المؤجر يضمن عوضها ، إلّا إذا كان المستأجر عالماً ببطلان الإجارة ومع ذلك دفعها إليه.

نعم ، إذا كانت موجودة له أن يستردّها.


كان الفساد من أجل كون الإجارة بلا عوض إذ في الحقيقة لا إجارة ولا معاوضة وقتئذٍ ، بل من الأوّل أقدم على المجّانيّة وعلى إلغاء الاحترام كما ذكره ، فلا ضمان حينئذٍ حتى مع الإتلاف فضلاً عن التلف ، والسيرة العقلائيّة قائمة على ذلك حتى في الأعيان ، فلا ضمان فيما لو قال : ألق مالي في البحر. لأنّ المالك هو الذي سلّط القابض على إتلاف العين أو المنفعة مجّاناً.

فالفرض المزبور مصداق بارز لكبرى : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده ، لأنّ هذه المعاملة لو كانت صحيحة لم يكن فيها ضمان لعدم الإقدام عليه لا من الدافع ولا من القابض فكذا في فاسدها. فليس للمؤجّر أن يطالبه بعد ذلك بالبدل ، وهذا ظاهر.

وأمّا في الفرض الأوّل أعني : ما لو كانت الأُجرة ما لا يتموّل شرعاً كالخمر أو الكلب غير الصيود أو الميتة ونحوها ممّا لا تصحّ المعاوضة عليها فيجري فيها الكلام المتقدّم من عدم الإقدام على المجّانيّة ، غايته جعل العوض شيئاً لم يمضه الشارع ، فيكون حاله حال غير الخمر في عدم جواز التصرّف في شي‌ء من الموردين ، ولا يقاس ذلك بالفرض السابق ، لما عرفت من كون الإقدام على الإتلاف هناك مجّانيّا دون المقام.

وإنّما الكلام في الفرض المتوسّط أعني : ما لو كانت الأُجرة ما لا يتموّل عرفاً كالخنفساء فهل هو يلحق بالفرض الأوّل أو الأخير؟

.................................................................................................


اختار شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة الثاني (1)، نظراً إلى رجوعه في الحقيقة إلى التسليم بغير عوض بعد أن لم يصلح ما جعل عوضاً للعوضيّة عرفاً ، لعدم كونه مالاً ، فهو في قوّة التسليط على العين مجّاناً.

أقول : يقع الكلام :

تارةً : في صحّة هذه المعاملة في نفسها.

واخرى : في أنّه على تقدير الفساد ولو من بقيّة الجهات كجهالة المدّة مثلاً فهل يضمن المستأجر أُجرة المثل ، أو أنّها تلحق بالإجارة بلا اجرة في عدم الضمان؟

أمّا الجهة الأُولى : فقد ذهب جمع بل نسب إلى المشهور اعتبار الماليّة في العوضين من بيع أو غيره ، فما لا ماليّة له لا تصحّ المعاملة عليه.

ولكنّه غير ظاهر الوجه.

نعم ، عُرِّف البيع بمبادلة مالٍ بمال ، كما عن المصباح (2)، ولكنّه من الواضح أنّه تعريف لفظي كما هو شأن اللغوي ، فلا يستوجب التخصيص بعد أن كان المفهوم العرفي أوسع من ذلك ، لشموله لمطلق التمليك بعوض ، سواء أكان العوض مالاً عرفاً أم ملكاً بحتاً ، في مقابل التمليك بلا عوض المعبّر عنه بالهبة ، كما يعبّر عن الأوّل بالبيع ، بل ربّما يستعمل في أُمور أُخر مثل بيع الآخرة بالدنيا ، أو الضلالة بالهدي ، فإنّها ليست باستعمالات مجازيّة كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فلم يظهر اختصاص البيع بالمال ، لعدم نهوض دليل يعوّل عليه ، بل يعمّ غيره ويصدق البيع عليه بمناط واحد ، فكما يصحّ تمليك المملوك


1) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 57 (تحقيق جماعة المدرسين).

2) المصباح المنير 1 : 69.

.................................................................................................


الذي لا ماليّة له تمليكاً مجّانيّا وبلا عوض بلا تأمّل ولا إشكال ، فكذا يسوغ تمليكه مع العوض ، والأوّل يسمّى هبة والثاني بيعاً.

وهكذا الحال في الإجارة وغيرها من سائر المعاوضات ، فإنّ العبرة بمجرّد المملوكيّة ، ولا دليل على اعتبار الماليّة زائداً عليها.

وربّما يعلّل الفساد فيما لا ماليّة له بأنّها معاملة سفهيّة فيحكم بالبطلان لهذه الجهة وإن لم يكن البيع أو الإجارة بالمفهوم العرفي مقتضياً لاعتبار ماليّة العوض.

ويندفع : بعدم نهوض أيّ دليل على بطلان المعاملة السفهيّة ، كبيع ما يسوي عشرة آلاف بدينار واحد مثلاً أو إيجاره بدرهم سنويّاً ، وإنّما الثابت بطلان معاملة السفيه وأنّه محجور عن التصرّف إلّا بإذن الولي ، كما في المجنون والصبي ، لا بطلان المعاملة السفهائيّة وإن صدرت عن غير السفيه.

فإن قلت : أفلا يكشف صدور مثلها عن سفاهة فاعلها؟

قلت : كلّا ، فإنّ السفيه من لا يدرك الحسن والقبح ، ولا يميّز الأصلح ، لا من يدرك ويعقل كما هو المفروض في المقام ، وإلّا لحكم بالسفاهة على جميع الفسقة كما لا يخفى ، وهو كما ترى.

نعم ، لو تكرّر صدور مثل تلك المعاملة لا تصف فاعلها بالسفاهة ، أمّا المرّة أو المرّتان فلا يصحّ إطلاق السفيه عليه عرفاً بالضرورة. هذا أوّلاً.

وثانياً : سلّمنا بطلان المعاملة السفهائيّة ، إلّا أنّ ذلك لا يتمّ على الإطلاق ، إذ قد يكون هناك داعٍ عقلائي يخرج المعاملة عن السفاهة ، كما لو وجد ورقة عند أحد حاوية على خطّ والده وهو مشتاق إلى اقتنائه والمحافظة عليه ، وذلك الشخص لا يرضى ببيعها إلّا بأغلى الثمن ، مع أنّ الورقة ربّما لا تسوي فلساً واحداً ، أو احتاج في جوف الليل إلى عودة واحدة من الشخّاط لا سبيل إلى

هذا ، وكذا في الإجارة على الأعمال (1) إذا كانت باطلة يستحقّ العامل اجرة المثل لعمله دون المسمّاة إذا كان جاهلاً بالبطلان ، وأمّا إذا كان عالماً فيكون هو المتبرّع بعمله ، سواء كان بأمر من المستأجر أو لا ، فيجب عليه ردّ الأُجرة المسمّاة أو عوضها ولا يستحقّ اجرة المثل ، وإذا كان المستأجر أيضاً عالماً فليس له مطالبة الأُجرة مع تلفها ولو مع عدم العمل من المؤجر.


تحصيلها إلّا بالشراء من زيد بدينار مع أنّها لا مالية لها عند العرف ، فإنّه لا ينبغي التأمّل في صحّة المعاملة في أمثال هذه الموارد بعد أن كانت منبعثة عن غرضٍ عقلائي وداعٍ صحيح مخرج لها عن الاتّصاف بالسفاهة.

فتحصّل : أنّه لم يتّضح أيّ مدرك لاعتبار الماليّة العرفيّة في صحّة المعاملة.

وأمّا الجهة الثانية أعني : ما لو فرضنا فساد الإجارة المزبورة ، إمّا لهذه العلّة ، أو لجهة أُخرى كجهالة المدّة ونحوها - : فهل هي مضمونة بأُجرة المثل ، أو لا ضمان كما في الإجارة بلا اجرة؟

الظاهر هو الأوّل ، لما عرفت من عدم الإقدام على المجّانيّة بعد فرض جعل العوض أيّاً ما كان كما أنّ القابض أيضاً لم يقبضه كذلك ، بل المعاملة مبنيّة على التضمين ، فتندرج حينئذٍ تحت كبرى : ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، ضرورة أنّ هذه الإجارة لو كانت صحيحة لانتقل العوض وإن كان ممّا لا يتموّل إلى الطرف الآخر ، فإذا كان الإقدام مبنيّاً على الضمان ففاسدها أيضاً كذلك. وعليه ، فيجب على المستأجر الخروج عن عهدته بدفع اجرة المثل.

(1) فإنّه من جميع ما ذكرناه في إجارة الأعيان واستيفاء المنفعة أو تلفها يظهر الحال في الإجارة على الأعمال ، فإنّ الكلام هو الكلام ، فلو استؤجر على عملٍ بإجارة فاسدة فهو بعمله الصادر عن أمر الآمر يستحقّ الأُجرة ولو كانت

[3299] مسألة 17 : يجوز إجارة المشاع (1) كما يجوز بيعه وصلحه وهبته ، ولكن لا يجوز تسليمه إلّا بإذن الشريك إذا كان مشتركاً.

نعم ، إذا كان المستأجر جاهلاً بكونه مشتركاً كان له خيار الفسخ للشركة ، وذلك كما إذا آجره دار فتبيّن أنّ نصفها للغير ولم يجز ذلك الغير (2) ، فإنّ له خيار الشركة ،


الإجارة فاسدة ، لعدم الإقدام عليه إلّا مع الضمان ، وعلمه بالفساد شرعاً لا يوجب اتّصاف الإقدام بالمجّانيّة بعد وقوع العمل عن أمر الغير واستيفائه خارجاً ، الذي لا يكون إلّا بإتمامه والفراغ عنه كما مرّ ، فإذا كانت فاسدة رجع إلى أُجرة المثل بعين المناط المتقدّم ، كما اتّضح الحال أيضاً في الأُجرة ، فلو سلّمها المستأجر ولو مع علمه بالفساد إلى المؤجر وجب عليه ردّها إلى مالكها ، ومع التلف أو الإتلاف ضمنها ، لعدم الإقدام على المجّانيّة وإن ادّعاه في المتن ، فإنّه لا يتمّ ما ذكره (قدس سره) لا في طرف المؤجر ولا في طرف المستأجر.

(1) بلا خلافٍ ولا إشكال ، لإطلاقات أدلّة الإجارة ، الشاملة لإجارة العين بتمامها ، أو الحصّة المشاعة منها من نصف أو ثلث وهكذا.

ولكن صحّة الإجارة لا تلازم جواز التسليم فيما إذا كانت العين المستأجرة مشتركة بين اثنين أو أكثر من دون استئذان من الشريك ، لعدم جواز التصرّف بدون إذنه ، كما أنّه لو سلّم نسياناً أو عصياناً لا يسوغ للمستأجر أيضاً التصرّف من دون الاستئذان المزبور ، لكونه وقتئذٍ بمثابة المؤجر قبل الإيجار في كون المنفعة مشتركة بينه وبين الشريك الأوّل ، المحكومة بعدم جواز التصرّف من أحد الشريكين من دون إذن الآخر كما هو واضح.

(2) أمّا مع إجازته فلا إشكال في الصحّة ، وأمّا مع عدمها فطبعاً تفسد

بل وخيار التبعّض ، ولو آجره نصف الدار مشاعاً وكان المستأجر معتقداً أنّ تمام الدار له فيكون شريكاً معه في منفعتها فتبيّن أنّ النصف الآخر مال الغير ، فالشركة مع ذلك الغير ، ففي ثبوت الخيار له حينئذٍ وجهان ، لا يبعد ذلك (1)إذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له (1).


الإجارة في حصّة الغير ، وتصحّ في حصّة المؤجر ، وبما أنّ هذا التفكيك أوجب انثلام الوحدة بعد أن كان متعلّق العقد تمام المنفعة فلا جرم يثبت للمستأجر خيار التبعّض.

كما أنّه من أجل اقتضائه تخلّف وصف الاستقلال المبني عليه العقد لعدم كونه مقدماً على الشركة وقد أصبح ذا شريك في المنفعة يثبت له خيار الشركة أيضاً.

(1) عرفاً ، كما لو كان المستأجر شريفاً والشريك وضيعاً سافلاً.

ولكنّه غير واضح ، ضرورة أنّ هذه من قبيل الدواعي المتخلّفة والأُمور الخارجة عن حريم المعاملة ، بعد أن لم تكن مشترطة في متن العقد ولا العقد مبنيّاً عليها ، غايته أنّه كان يتخيّل أنّ شريكه زيد فبان أنّه عمرو بحيث لو علم به من الأوّل لما أقدم ، ومثله لا يوجب الخيار.

نعم ، قد تبلغ الشركة من المهانة حدّا تستوجب عيباً في نفس العين لا مجرّد منقصة للمستأجر كما افترضه (قدس سره) كما لو كان الشريك مقامراً ، أو فاحشةً ، أو خمّاراً ، أو صاحب مقهى أو فندق مورد لنزول المسافرين أو الزائرين ونحوهم ممّن لا يرغب في المشاركة معهم نوعاً ، لا خصوص هذا


1) (*) بل هو بعيد ، إلّا فيما إذا عدّت العين معيبة مع تلك الشركة.

[3300] مسألة 18 : لا بأس باستئجار اثنين داراً على الإشاعة (1) ثمّ يقتسمان مساكنها بالتراضي أو بالقرعة (2) ، وكذا يجوز استئجار اثنين دابّة للركوب على التناوب ثمّ يتّفقان على قرار بينهما بالتعيين بفرسخٍ فرسخ أو غير ذلك ، وإذا اختلفا في المبتدئ يرجعان إلى القرعة ، وكذا يجوز استئجار


المستأجر بحيث يعدّ ذلك عرفاً منقصةً وعيباً في المال بالإضافة إلى عامّة الناس ، فإنّه لا يبعد حينئذٍ ثبوت الخيار من أجل تخلّف الشرط الضمني الارتكازي ، كما في سائر موارد خيار العيب الموجب للنقص النوعي. وقد تقدّم جريان خيار العيب في غير البيع أيضاً من الإجارة ونحوها بمناط واحد ، فلاحظ (1).

(1) لرجوعه في الحقيقة إلى إيجار كلّ منهما النصف المشاع من الدار ، وقد عرفت في المسألة السابقة جواز إجارة الحصّة المشاعة بمقتضى إطلاقات الأدلّة.

(2) كما هو الحال فيما لو حصلت الشركة في المنفعة بسبب غير اختياري كالإرث.

هذا فيما إذا كانت المنفعة المشاعة قابلة لاستفادة الشريكين في عرض واحد كسكنى الدار.

وكذا الحال فيما إذا لم تقبل إلّا على سبيل التناوب ، كركوب الدابّة ، فتصحّ الإجارة كذلك ، ويوكل التعيين إلى ما يتّفقان عليه ، ومع الاختلاف في البادي يرجع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل ، وذلك لإطلاق الأدلّة.


1) في ص 143.

اثنين دابّة مثلاً لا على وجه الإشاعة ، بل نوباً معيّنة بالمدّة أو بالفراسخ (1) ، وكذا يجوز إجارة اثنين نفسهما على عمل معيّن على وجه الشركة كحمل شي‌ء معيّن لا يمكن إلّا بالمتعدّد.

[3301] مسألة 19 : لا يشترط اتّصال مدّة الإجارة بالعقد على الأقوى ، فيجوز أن يؤاجره داره شهراً متأخّراً عن العقد (2) بشهر أو سنة ، سواء كانت مستأجرة في ذلك الشهر الفاصل أو لا.

ودعوى البطلان من جهة عدم القدرة على التسليم (3) كما ترى ، إذ التسليم لازم في زمان الاستحقاق لا قبله (4).

هذا ، ولو آجره داره شهراً وأطلق انصرف إلى الاتّصال بالعقد (5). نعم ، لو لم يكن انصراف بطل.


(1) لما عرفت من الإطلاق ، وكذا فيما بعده.

(2) فإنّ التأخّر إنّما هو في ذات المنفعة لا في تمليكها المنشأ بالإجارة ، فهو من الآن يملك المنفعة المتأخّرة ، فلم يلزم تفكيك الإنشاء عن المنشأ ، بل هما معاً فعليّان ، والمتأخّر إنّما هو متعلّق المنشأ أعني : نفس المملوك ومن المعلوم أنّ المالك كما أنّه مالك للمنفعة الفعليّة كذلك هو مالك بالفعل للمنفعة المتأخّرة.

(3) لامتناع تسليم المنفعة المتأخّرة حال الإجارة.

(4) والمفروض قدرته آن ذاك فلا يضرّه العجز الفعلي.

(5) إن كان هناك انصراف كما هو الظاهر ، لأنّه عندئذٍ بمثابة التعيين ، وإلّا فبما أنّ المنفعة مبهمة والمبهم لا واقع له حتى في علم اللّه فلا جرم يحكم بالبطلان.

فصل [الضمان في الإجارة] العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة ، فلا يضمن تلفها أو تعيّبها إلّا بالتعدّي أو التفريط (1).


(1) بلا خلافٍ فيه عند الفقهاء ، بل عليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر (1).

ويستدلّ له بعد الإجماع بجملة من الروايات الواردة في ضمان المستأجر مع التعدّي والتفريط ، حيث قد دلّت بالمفهوم على عدم الضمان مع عدمه.

بل قد دلّت عليه صريحاً وبالدلالة المنطوقيّة صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث - : ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابّة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة» (2).

وأمّا ما دلّ عليه بالمفهوم فهي صحاح :

1 - أبي ولّاد الحنّاط المعروفة ، التي باحث حولها شيخنا الأنصاري في كتاب المكاسب مستقصًى (3)، قال فيها : ... فقلت له : أرأيت لو عطب البغل


1) الجواهر 27 : 215.

2) الوسائل 19 : 155 / كتاب الإجارة ب 32 ح 1.

3) المكاسب 3 : 245 وما يليها.

.................................................................................................


ونفق أليس كان يلزمني؟ «قال : نعم ، قيمة بغل يوم خالفته» إلخ (1)، حيث دلّت على الضمان على تقدير التعدّي والمخالفة.

2 - والحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تكارى دابّة إلى مكان معلوم فنفقت الدابّة «قال : إن كان جاز الشرط فهو ضامن ، وإن دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامن ، وإن سقطت في بئر فهو ضامن ، لأنّه لم يستوثق منها» (2).

3 - وعلي بن جعفر في كتابه عن أخيه ، قال : سألته عن رجل اكترى دابّة إلى مكان فجاز ذلك المكان فنفقت ، ما عليه؟ «فقال : إذا كان جاز المكان الذي استأجر إليه فهو ضامن» (3)، ونحوها غيرها.

فقد دلّت هذه النصوص الصحيحة بمفهومها على عدم الضمان مع عدم التفريط والتعدّي.

وتدلّ عليه أيضاً الروايات الكثيرة الناطقة بعدم ضمان الأمين الواردة في الحمّال والجمّال والقصّار وصاحب السفينة التي تحمل الأموال ، ونحو ذلك ممّا يستفاد منه أنّ المؤتمن على الشي‌ء لا يضمن ، ومنه العين المستأجرة ، حيث إنّ المالك أودعها عند المستأجر ليستوفي منها المنفعة ويردّها بعدئذٍ إلى المالك ، فهو طبعاً أمين من قبل المالك ، اي مجاز في إبقاء المال عنده مجّاناً إذ الأُجرة إنّما هي بإزاء المنفعة لا ذات العين ولا نعني بالأمانة إلّا هذا.

منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : صاحب الوديعة


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1.

2) الوسائل 19 : 121 / كتاب الإجارة ب 17 ح 3.

3) الوسائل 19 : 122 / كتاب الإجارة ب 17 ح 6.

.................................................................................................


والبضاعة مؤتمنان. وقال : ليس على مستعير عارية ضمان ، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن» (1).

دلّت على أنّ من ائتمن شخصاً فأعطاه ماله ليبقى عنده مدّة ثمّ يستردّه منه الشامل لمورد الإجارة فهو مؤتمن لا ضمان عليه لو تلف من غير تعدٍّ وتفريط.

هذا ، ولكن الاستدلال بهاتين الطائفتين من الروايات وإن صحّ كما عرفت إلّا أنّنا في غنى عنه ، لتوقّفه على أن يكون هناك مقتضٍ للضمان لكي يستدلّ للخروج عنه بهذه النصوص وتعتبر بمثابة التخصيص.

مع أنّه ليس في البين أيّ مقتضٍ له عدا ما يتوهّم من التمسّك بعموم ما ورد من أنّ : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (2).

ولكنّه في غير محلّه ، لقصوره سنداً ، حيث إنّ الرواية نبويّة ولم تثبت من طرقنا.

ودلالةً ، لظهور لفظ «الأخذ» في القهر والغلبة ، كما يفصح عنه ملاحظة موارد استعمالاته مثل قوله تعالى ( فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) (3)، وقوله تعالى ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) (4)، ونحو ذلك (5).


1) الوسائل 19 : 93 / كتاب العارية ب 1 ح 6.

2) المستدرك 17 : 88 / كتاب الغصب ب 1 ح 4.

3) القمر 54 : 42.

4) البقرة 2 : 255.

5) لكنّه قد يظهر من بعض الآيات الشريفة خلافها ، نحو قوله تعالى «فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ» [البقرة 2 : 260] ، وقوله سبحانه «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» [الأعراف 7 : 199] ، وقوله عزّ من قائل «وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ» [النساء 4 : 102] ، وغير ذلك.

ولو شرط المؤجر عليه ضمانها بدونهما فالمشهور عدم الصحّة (1)، لكن الأقوى صحّته (1) ،


بل يكفينا مجرّد الاحتمال وإن لم يتمّ الاستظهار ، إذ غايته الإجمال المسقط له عن صلاحيّة الاستدلال ، فإنّ دعوى الظهور في مطلق الاستيلاء غير ثابتة وعهدتها على مدّعيها ، فهي إمّا ظاهرة في خصوص الغلبة ، أو لا أقلّ من أنّها مجملة.

والعمدة في مستند الضمان في غير مورد الائتمان إنّما هي السيرة العقلائيّة الممضاة بعدم الردع ، حيث إنّها قائمة على أنّ من أخذ مالاً من أحد بغير رضاه أو مع الرضا والالتزام بالضمان كما في موارد العقود الباطلة فإنّ يده ضامنة.

ومن الواضح عدم ثبوت السيرة في موارد الإجارة ، بل قد استقرّ بناؤهم على عدم تضمين المستأجر لو تلفت العين المستأجرة تحت يده من غير تفريط.

إذن فلا حاجة إلى الاستدلال بهذه الروايات ، لقصور المقتضي للضمان في حدّ نفسه.

(1) قد عرفت عدم ضمان المستأجر للعين المستأجرة.

وهل الحكم كذلك حتى فيما إذا اشترط الضمان فلا أثر للشرط ، أو أنّه ينفذ ومعه يحكم بالضمان؟

فيه كلام بين الأعلام :

فالمشهور بينهم شهرة عظيمة هو الأوّل وأنّه يحكم بفساد الشرط.


1) (*) وهو الصحيح. نعم ، لا بأس باشتراط التدارك من ماله ، كما أنّه لا بأس باشتراط أداء مقدار مخصوص من ماله على التقدير التلف أو التعقيب.

.................................................................................................


ونسب الخلاف إلى السيّد المرتضى والأردبيلي والسبزواري وصاحب الرياض ، فحكموا بصحّته (1)، وتبعهم السيّد الماتن (قدس سره).

ويستدلّ للقول المشهور بوجوه :

أحدها : إطلاقات نصوص عدم الضمان ، حيث إنّها تشمل صورتي الاشتراط وعدمه ، فإنّ النسبة بينها وبين دليل نفوذ الشرط وإن كانت عموماً من وجه ، لشمول الأوّل لمورد الاشتراط وعدمه ، والثاني لشرط الضمان وغيره ، وبالنتيجة يتعارضان في مورد الاجتماع أعني : اشتراط الضمان في عقد الإيجار لكن الترجيح مع الأوّل ، لمطابقته مع فتوى المشهور.

وهذا الاستدلال في غاية الضعف والسقوط :

أمّا أوّلاً : فلما هو المقرّر في محلّه من أنّ مقتضى القاعدة في موارد تعارض الإطلاقين بالعموم من وجه هو التساقط والرجوع إلى أصل أو دليل آخر من عموم أو إطلاق ، ولا تصل النوبة إلى الترجيح بالشهرة الفتوائيّة ، فإنّها لا تصلح لترجيح أحد الإطلاقين. وتمام الكلام في محلّه.

وثانياً : إنّ دليل نفوذ الشرط كسائر الأدلّة المثبتة للأحكام بالعناوين الثانوية تتقدّم على الإطلاقات المتكفّلة لها بعناوينها الأوّلية ، لحكومتها عليها بعد كونها ناظرة إليها ، فلا تصل النوبة إلى المعارضة ليتصدّى للمعالجة.

ثانيها : إنّ الشرط المزبور مخالف لمقتضى العقد.

وهذا كما ترى لم يظهر له أيّ وجه قابل للذكر بعد وضوح عدم كون عدم الضمان ممّا يقتضيه حاقّ العقد وطبعه ، وإنّما تتحقّق المخالفة في مثل ما لو كان الشرط عدم ملكيّة المنفعة ، حيث إنّ مقتضى الإجارة ومدلولها هو


1) الانتصار : 467 ، مجمع الفائدة والبرهان 10 : 69 ، كفاية الأحكام : 124 ، رياض المسائل 9 : 200.

.................................................................................................


ملكيّتها ، فلا جرم كان اشتراط العدم مخالفاً لمقتضى العقد. وأمّا شرط الضمان فلم يكن منافياً بل لم يكن مرتبطاً بمفاد عقد الإيجار ومقتضاه بتاتاً لكي يكون موافقاً أو مخالفاً كما هو أظهر من أن يخفى.

اللّهُمَّ إلّا أن يريد هذا القائل من المخالفة المزبورة المخالفة للأحكام المترتّبة على العقد ، حيث إنّه محكوم شرعاً بعدم الضمان كما مرّ ، فيراد المخالفة للعقد ولو مع الواسطة الراجعة في الحقيقة إلى كون الشرط مخالفاً للسنّة وإن عبّر عنها بمخالفة مقتضى العقد مسامحةً ، فيفسد الشرط لهذه العلّة.

وهذا بظاهره لا بأس به ، إلّا أنّ تماميّة الاستدلال تتوقّف على دلالة النصوص على كون عدم الضمان من آثار العقد ، بحيث تكون الإجارة مقتضية لعدم الضمان ، إذ معه يصحّ القول بأنّ اشتراط الضمان مخالف ومنافٍ لهذا الاقتضاء بعد البناء على كون عدمه من آثار الأمانة والإجارة.

وأمّا لو أنكرنا هذه الدلالة وبنينا كما هو الأصحّ على أنّه لا يستفاد من هاتيك النصوص ما عدا أنّ عقد الإيجار لا يقتضي الضمان لا أنّه يقتضي العدم ، فالعقد المزبور بالإضافة إلى الضمان من قبيل عدم المقتضي لا المقتضي للعدم. فعليه ، لا يكون الشرط المذكور مخالفاً ومنافياً بوجهٍ كما لا يخفى.

ويرشدك إلى ذلك ما دلّ على صحّة شرط الضمان في العارية ، فإنّ فيه دلالة واضحة على عدم كون هذا الشرط مخالفاً للسنّة ، نظراً إلى عدم كون الأمانة المتحقّقة في مورد العارية كالإجارة مقتضية لعدم الضمان ، إذ لو كان مقتضياً فلا جرم كان الشرط المزبور مخالفاً ، ولازم البناء على نفوذه : ارتكاب التخصيص في دليل عدم نفوذ الشرط المخالف ، مع إباء لسانه عن التخصيص ، إذ كيف يمكن القول بأنّ الشرط المخالف لكتاب اللّه باطل إلّا في العارية؟! فيستكشف من ذلك كلّه أنّ اليد الأمينة لم تكن مقتضية للضمان لا أنّها مقتضية للعدم ، ومن ثمّ لا مانع من اشتراط الضمان في العارية ، ولا يكون مثله

.................................................................................................


مخالفاً للكتاب والسنّة ، فلا مانع إذن من الالتزام بنفوذ هذا الشرط في المقام.

ولو تنازلنا عن ذلك ولم يتّضح لدينا أنّ الأمانة مقتضية للعدم ، أم أنّها غير مقتضية ، وأنّ عدم الضمان في مورد الإجارة هل هو لعدم المقتضي ، أو لمقتضى العدم؟ فبما أنّه يشكّ وقتئذٍ في مخالفة الشرط المزبور للكتاب والسنّة فلا مانع من التمسّك بأصالة عدم المخالفة ولو بنحو العدم الأزلي ، إذ الخارج عن عموم : «المؤمنون عند شروطهم» عنوان وجودي وهو الشرط المخالف ، كخروج عنوان القرشيّة عن عموم تحيّض المرأة إلى خمسين ، فالمستثنى هو الشرط المتّصف بالمخالفة ، وأمّا المستثنى منه فلم يؤخذ فيه أيّ عنوان إلّا عدم هذا العنوان ، فيتمسّك بعموم العام بعد نفي العنوان المخصّص بأصالة العدم الأزلي ، وتكون النتيجة نفوذ الشرط. فهذا الوجه يتلو سابقه في الضعف.

والعمدة إنّما هو :

الوجه الثالث : وهو المنع عن تحقّق مفهوم الشرط في المقام.

وتوضيحه : أنّ الشرط حسبما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح يرجع إلى أحد أمرين : إمّا تعليق الالتزام بالعقد بتحقّق وصف أو أمر خارجي ككتابة العبد ، ومعلوم أنّ المقام ليس من هذا القبيل. أو تعليق أصل العقد على الالتزام بشي‌ء فيجب الوفاء به بمقتضى عموم المؤمنون. وعليه ، فيعتبر في مورد الشرط أن يكون شيئاً قابلاً لتعلّق الالتزام به بأن يكون داخلاً تحت قدرة المشروط عليه واختياره.

وأمّا الأحكام الشرعيّة أو العقلائيّة التي يكون أمر رفعها ووضعها بيد الشارع أو العقلاء فبما أنّها خارجة عن عهدة المتعاقدين فلا معنى لوقوعها مورداً للشرط في ضمن العقد.

ومن الواضح أنّ الضمان الذي معناه : كون التلف في عهدة الشخص وكون الذمّة مشغولة بمثل التالف أو قيمته حكم شرعي أو عقلائي مجعول بأسباب

.................................................................................................


خاصّة ، ولا يكاد يتحقّق بجعل الشارط ولا بالتزام المشروط عليه ، لخروجه عن اختيار المتعاقدين وقيام اعتباره بمعتبر آخر ، فلا معنى لالتزام المشروط عليه بكون ذمّته مشغولة شرعاً أو عقلائيّاً بالمثل أو القيمة.

وهكذا الحال في غير الضمان من سائر الأحكام الوضعيّة التي يكون اختيارها بيد الشارع ، كالإرث ، فإنّه لا ينبغي التأمّل في عدم صحّة اشتراطه في متن العقد في غير ما قام عليه الدليل كعقد الانقطاع فإنّه اعتبار شرعي مخصوص بطبقات خاصّة من الورّاث خارج عن عهدة المتعاقدين.

والذي يرشدك إلى ما ذكرناه أنّا لا نعرف متفقّهاً فضلاً عن فقيه يلتزم بنفوذ شرط الضمان في غير مورد العقد ، كان يبيع داره ويشترط عليه ضمان داره الأُخرى بحيث يثبت الضمان بنفس هذا الشرط ، فإنّ نفوذه بالإضافة إلى العين المستأجرة وإن ذهب إليه جمع منهم الماتن إلّا أنّه بالإضافة إلى غير مورد العقد لم يلتزم به أحد من الفقهاء ، والسرّ ما عرفت من أنّ الضمان حكم شرعي له أسباب معيّنة ، وليس الشرط من أحد أسبابه ، فلم يكن اختياره بيد المكلف بعد أن لم يكن الشرط مشرّعاً ، ومن ثمّ يحكم بفساده في المقام.

وملخّص الكلام : أنّ الشرط في ضمن العقد لا يترتّب عليه الأثر إلّا إذا كان أمره بيد المشروط عليه له أن يفعل وأن لا يفعل ، فيجب عليه بعد الشرط أن يفعل بمقتضى قوله (عليه السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» الراجع إلى أنّ الإيمان ملازم للوفاء بالشرط ، وأنّ المؤمن لا يتخلّف عن شرطه ، وهذا معنى : «عند» ، أي بين المؤمن والعمل بشرطه ملازمة في اعتبار الشارع.

وعليه ، ففي كلّ مورد يكون أمر متعلّق الشرط بيد المؤمن مثل الكتابة والخياطة ونحوها من الأُمور الاختياريّة فهو طبعاً ملزم بالوفاء.

وأمّا ما هو خارج عن اختياره وراجع إلى الشارع والمقنّن كالمجعولات الشرعيّة التي منها الضمان فليس للشارط تغيير القانون وتبديله ، ولا يكاد

.................................................................................................


يشمله عموم المؤمنون بوجه ، لعدم كون الشرط مشرّعاً ولا موجداً لحكم لم يكن مشروعاً في حدّ نفسه.

ويجري هذا الكلام في غير باب الضمان من سائر الأحكام الوضعيّة المعبّر عنها في كلماتهم بشرط النتيجة ، إلّا فيما ثبت كون اختياره بيد المشروط عليه ولم يعتبر في تحقّقه سبب خاصّ كالملكيّة والوكالة ونحوهما ممّا يكفي إبرازه بأيّ مبرز كان. فلا مانع من أن يبيع داره مشروطاً بأن يكون أثاث البيت مثلاً أو المزرعة الفلانيّة أيضاً ملكاً للمشتري ، أو أن يكون وكيلاً عنه في المعاملة الكذائية بحيث تثبت الملكيّة أو الوكالة بنفس هذا الاشتراط ، فإنّ زمام هذا الاعتبار بيد المكلّف نفسه ، وله الإبراز بأيّ مبرز كان ، والشرط من أحد المبرزات.

فكلّما كانت الشرائط من هذا القبيل صحّ اشتراطها في متن العقد وشملها دليل نفوذ الشرط.

وأمّا ما اعتبر فيه سبب خاصّ كالنكاح والطلاق والظهار ونحوها ، أو لم يكن اختياره بيد المكلّف ولم يكن له إيجاده بالفعل حتى بغير الشرط كاعتبار الوراثة للأجنبي ، أو الملكيّة لشخص بعد شهر مثلاً المحكوم بالبطلان لمكان التعليق المبطل ، فلا يصحّ اشتراطه في العقد على سبيل شرط النتيجة ، فلا يسوغ البيع بشرط الإرث ، ولا بشرط أن يملك الشي‌ء الفلاني بعد شهر.

وعلى الجملة : فالعبرة في نفوذ الشرط في شرائط النتيجة بتحقّق أمرين :

أحدهما : كون تلك النتيجة تحت اختيار المشروط عليه ، بحيث يكون قادراً على إيجادها فعلاً ولو من غير اشتراط.

والثاني : عدم اعتبار لفظ خاصّ في تحقّقها ، وبما أنّ الضمان فاقد للشرط الأوّل فمن ثمّ لا يصحّ اشتراطه في الإجارة كما عليه المشهور.

وأمّا العارية فحالها حال الإجارة في مناط المنع وعدم الصحّة بمقتضى القاعدة حسبما عرفت ، إلّا أنّ النصّ الخاصّ قد دلّ على صحّة اشتراطه فيها ،

وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء (1) مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان.


وأنّ الشارع الذي بيده أمر الرفع والوضع قد منح المكلّف اختيار هذا الحكم وجعل أمره بيده. وهذا هو الفارق بين البابين بعد وضوح كون الحكم قابلاً للتخصيص.

ونظير ذلك إرث المنقطعة ، فإنّ الأخبار وإن دلّت على اختصاص الإرث بالزواج الدائم وأمّا المنقطعات فهنّ مستأجرات ولا ميراث لهنّ ، إلّا أنّ الدليل الخاصّ قد دلّ على تحقّق الوراثة مع اشتراطها في متن العقد ، ولا ضير في الالتزام به بعد كون المنع المزبور قابلاً للتخصيص.

نعم ، لا يحكم بصحّة الشرط في غير موارد قيام الدليل ، ومن ثمّ لا يسوغ اشتراط الإرث في البيع ونحوه ، وإلّا فلو كان الدليل قائماً على أنّ للمالك تعيين وارثه وأنّ اختيار تمام المال بيده كما قام الدليل على أنّ اختيار الثلث بيده صحّ وقوعه مورداً للشرط ، وشملة عموم : «المؤمنون عند شروطهم» ، ولكنّه لم يقم عليه أيّ دليل ، بل قام الدليل على عدمه ، وأنّ الوارث ينحصر في طبقات معيّنة ، إلّا مع الاشتراط في خصوص المتعة فيكون ذلك تخصيصاً في دليل المنع لا محالة.

وقد تلخّص من جميع ما مرّ : عدم صحّة شرط الضمان في عقد الإجارة.

هذا كلّه فيما لو كان الشرط المزبور من قبيل شرط النتيجة ، بمعنى : أن يراد بالضمان اشتغال ذمّة المستأجر بقيمة العين أو مثلها حسب اختلاف الموارد ، كما هو الحال في غير المقام.

وأمّا لو كان من قبيل شرط الفعل فسيأتي.

(1) أي على سبيل شرط الفعل الراجع إلى اشتراط المؤجر على المستأجر

والظاهر عدم الفرق في عدم الضمان مع عدم الأمرين بين أن يكون التلف في أثناء المدّة أو بعدها (1) إذا لم يحصل منه منع للمؤجّر عن عين ماله إذا طلبها ، بل خلّى بينه وبينها ولم يتصرّف بعد ذلك فيها. ثمّ هذا إذا كانت الإجارة صحيحة.


أن يدفع مقداراً معيّناً من المال على تقدير تلف العين من غير أن تشتغل ذمّته بشي‌ء ، بل على أن يكون هذا الدفع تكليفاً محضاً كسائر الأفعال الخارجيّة من اشتراط الخياطة ونحوها بحيث لو تلفت ومات المستأجر قبل الدفع لم تخرج القيمة عن تركته ، لعدم كونه مديناً ولا ذمّته مشغولة بضمان مالي. فإنّ مثل هذا الشرط بما أنّه عمل سائغ في نفسه وله التصدّي له تبرّعاً لكونه إرفاقاً وإحساناً في حقّ الغير ، فلا مانع إذن من أن يكون مشمولاً لعموم نفوذ الشرط ، فيكون الدفع المزبور السائغ في نفسه واجباً بعنوان الوفاء بالشرط ، كما هو الشأن في كلّ عمل سائغ واقع في حيّز الاشتراط من غير مانع.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشروط دفع ما يساوي قيمة العين المستأجرة أو أقلّ منها أو أكثر ، لوحدة المناط بعد أن لم يكن المدفوع بعنوان الضمان لكي تراعى القيمة ، وإنّما هو شرط فعل خارجي سائغ ، والاختلاف والتساوي في هذه المرحلة شرع سواء.

وعلى الجملة : فهذا النوع من الاشتراط لا ينبغي الاستشكال في صحّته ، والذي هو محلّ الكلام إنّما هو اشتراط الضمان الاصطلاحي ، أي على سبيل شرط النتيجة ، وقد عرفت أنّ الأقوى هو المنع وعدم النفوذ كما عليه المشهور.

(1) لوحدة المناط في الموردين من كون العين أمانة تحت يد المستأجر بعد أن كان قد خلّى بينها وبين المؤجر لدى انقضاء مدّة الإجارة ولم يتسلّمها

وأمّا إذا كانت باطلة ففي ضمانها وجهان ، أقواهما العدم (1) ، خصوصاً إذا كان المؤجر عالماً بالبطلان حين الإقباض دون المستأجر (2).


بنفسه حتى تلفت. وقد عرفت أنّه لا ضمان في الأمانة ، إمّا لعدم المقتضي ، أو لوجود المانع.

(1) للكبرى الكلّيّة التي ذكرها الفقهاء من أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، وحيث لا ضمان في صحيح الإجارة كما سبق فكذا في فاسدها.

والوجه فيه ظاهر ، فإنّ دليل الضمان إمّا أنّه قاصر الشمول للمقام من أصله كما ذكرناه ، أو أنّه على تقدير الشمول فهو مخصّص بما دلّ على عدم ضمان الأمين بعد فرض تحقّق الأمانة في الإجارة الفاسدة كالصحيحة بمناط واحد ، ضرورة أنّ المؤجر لم يسلّم العين على أن تكون مضمونة ، كما أنّ المستأجر لم يقدم على أخذها كذلك ، فلم يقدم على الضمان بإزاء العين ، بل بإزاء المنافع خاصّة ، فلم يقدما إلّا على أن تكون العين باقية على ملك المؤجر أمانة بيد المستأجر يردّها بعد استيفاء المنفعة منها ، غايته أنّ ضمان المنافع بأُجرة المسمّى قد يمضيها الشارع فتكون الذمّة مشغولة بها ، وأُخرى لا ، فتكون مضمونة بأُجرة المثل ، ولا فرق بين الصحيحة والفاسدة إلّا من هذه الناحية. إذن فلا ضمان من ناحية وضع اليد على العين في كلا الموردين بعد كونها أمانة.

وأمّا الضمان من ناحية الشرط فغير خفي أنّ هذا الشرط لا أثر له حتى على القول بالضمان مع الشرط في الإجارة الصحيحة ، ضرورة أنّ الشرط إنّما يحكم بنفوذه في فرض صحّة العقد ، وأمّا مع فساده فهو في حكم العدم ، إذ الشرط في ضمن العقد الفاسد بمثابة الشرط الابتدائي في عدم الدليل على نفوذه بوجه.

(2) لأنّ الدفع والإقباض مع هذا العلم يجعله كأنه هو المفوّت لمال نفسه.

[3302] مسألة 1 : العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفسه لعمل فيها (1) كالثوب آجر نفسه ليخيطه أمانة ، فلا يضمن تلفها أو نقصها إلّا بالتعدّي أو التفريط أو اشتراط ضمانها على حذو ما مرّ في العين (1)المستأجرة.


(1) قد يفرض أنّ العين للمؤجّر بيد المستأجر فتتلف ، وهو الذي تكلّمنا فيه لحدّ الآن. وأُخرى يفرض عكس ذلك وأنّها للمستأجر بيد المؤجر ، وهذا كما في إجارة الأعمال ، مثل ما لو أعطى الثوب للخيّاط ليخطئه ، أو للقصّار ليغسله ، أو للحمّال ليحمله فعرض التلف عند الأجير.

وهنا أيضاً يجري ما تقدّم من أنّ العين أمانة عند من بيده ، ولا يضمن الأمين لو تلفت عنده من غير تفريط.

نعم ، فيما إذا كان متّهماً فيه كلام من حيث الاستحلاف أو التضمين حتى يقيم البيّنة ، وذاك بحث آخر أجنبي عمّا نحن بصدده ، ففي محلّ الكلام أعني : ما لو تلفت العين من غير تفريط ولا اتّهام لا يكون ضمان جزماً ، لما عرفت من أنّ اليد يد أمانة ، وقد دلّت جملة من الأخبار على عدم ضمان المؤتمن ، مضافاً إلى ما عرفت من قصور المقتضي للضمان سنداً ودلالةً كما تقدّم (2)، وهذا واضح.

وإنّما الكلام فيما لو اشترط الضمان ، فهل يصحّ الشرط هنا ، أو أنّه لا يصحّ كما لم يصحّ في المسألة السابقة؟

مقتضى كلام المحقّق في الشرائع عدم الضمان إلّا مع التفريط ، سواء أشرط أم لا ، وأنّ المسألتين من وادٍ واحد ، ولم يتعرّض في الجواهر إلى خلافٍ في المقام


1) الحال فيه كما تقدّم آنفاً.

2) في ص 221.

.................................................................................................


غير الخلاف المتقدّم في العين المستأجرة التي هي للمؤجّر عند المستأجر (1).

فإنّ المحقّق قد تعرّض في أوائل كتاب الإجارة للمسألة الأُولى ، وبعد أن حكم بأنّ العين التي هي ملك للمؤجّر أمانة بيد المستأجر لا تضمن لو تلفت بغير تفريط ، تعرّض لصورة الاشتراط وذكر أنّ الأظهر عدم الضمان أيضاً كما عليه المشهور (2).

ثمّ تعرّض (قدس سره) قريباً من أواخر الكتاب للمسألة الثانية التي هي عكس الاولى ، وحكم أيضاً بعدم الضمان إلّا مع التفريط (3)، من دون أن يتعرّض هنا لحكم الاشتراط ، بحيث يظهر منه (قدس سره) أنّ حال هذه المسألة حال المسألة السابقة ، ولكنّه قيل : إنّ المشهور هنا هو الضمان على خلاف المسألة السابقة ، حيث كان المشهور هناك عدمه ، ولم يتّضح لدينا مستند هذه الشهرة.

وكيفما كان ، فيظهر من صاحب الوسائل نفوذ شرط الضمان في المقام ، حيث أخذه في عنوان الباب الثلاثين من أحكام الإجارة ، الظاهر في التزامه به ، مستدلّاً عليه بما رواه في الكافي والتهذيب مسنداً عن موسى بن بكر ، عن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل استأجر سفينة من ملّاح فحمّلها طعاماً واشترط عليه إن نقص الطعام فعليه «قال : جائز» قلت : إنّه ربّما زاد الطعام؟ قال : «فقال يدّعي الملّاح أنّه زاد فيه شيئاً؟» قلت : لا ، «قال : هو لصاحب الطعام الزيادة ، وعليه النقصان إذا كان قد اشترط ذلك» (4).


1) الجواهر 27 : 215 - 217.

2) الشرائع 2 : 210.

3) الشرائع 2 : 223.

4) الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 5 ، الكافي 5 : 244 / 4 ، التهذيب 7 : 217 / 949.

.................................................................................................


نظراً إلى أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) : «وعليه النقصان إذا كان قد اشترط» عدم الضمان من دون الاشتراط ، وإلّا لم يكن وجهٌ للتفصيل بين الشرط وعدمه ، فلا بدّ إذن من فرض الكلام في صورة عدم التعدّي ، لثبوت الضمان معه مطلقاً ، أي سواء اشترط أم لا.

أقول : يقع الكلام تارةً في سند الرواية ، وأُخرى في دلالتها.

أمّا السند : فالظاهر أنّه معتبر وإن عبّر عنها في الجواهر (1)وغيره بالخبر ، المشعر بالضعف ، فإنّ موسى بن بكر وإن لم يرد فيه توثيق في الكتب الرجاليّة ولكنّا تعرّضنا له في المعجم وذكرنا أنّ الأظهر وثاقته من جهات ، فلاحظ (2).

وأمّا علي بن الحكم الواقع في السند فهو علي بن الحكم بن مسكين الذي لا إشكال في وثاقته ، فلا مجال للنقاش في السند.

وأمّا الدلالة : فهي قابلة للخدش ، نظراً إلى عدم ظهورها في إرادة الضمان بالمعنى المصطلح بحيث تكون ذمّة الملّاح مشغولة بما نقص حتى لو طرأ التلف بآفة سماويّة من غرق السفينة أو حرقها ، بل المنسبق إلى الذهن من اشتراط كون النقصان عليه في أمثال المقام بحسب الاستعمالات الخارجيّة المتعارفة أنّ المراد لزوم تدارك النقص وجبره وتكميل الناقص على سبيل شرط الفعل لا شرط النتيجة.

فالغاية من الاشتراط الاهتمام بحفظ كمّيّة الطعام ، والعناية بعدم النقص لدى الاستلام ، إذ لو حمّلها ألف كيس مثلاً وعند التسلّم كانت ألفاً إلّا خمسين فالناقص إمّا عند الملّاح أو عند أحد أعوانه بعد وضوح عدم نقصه من عند


1) الجواهر 27 : 217.

2) المعجم 20 : 31 - 34 / 12767.

ولو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الأجنبي قبل العمل أو في الأثناء (1) بطلت الإجارة (1)ورجعت الأُجرة بتمامها أو بعضها إلى المستأجر ، بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضاً. نعم ، لو كانت الإجارة واقعة على منفعة


نفسه ، فالشرط لا محالة ناظر إلى الفعل الخارجي ، أعني : التكميل لدى التسلّم.

وإن شئت فقل : إنّ النقص وكذا النقصان مصدر فلا معنى لاشتراط كونه عليه ، فلا مناص من تقدير فعل ، أي عليه جبر النقص وتكميله.

وعليه ، فيكون ناظراً إلى شرط الفعل لا إلى شرط النتيجة ليدلّ على الضمان ، وإلّا لعبّر بقوله : عليه ما نقص ، بدلاً عن قوله : «عليه النقصان» ، على حذو قوله : «على اليد ما أخذت» ليدلّ على كون نفس المال في عهدته ويساوق الضمان.

إذن فيكون نفوذ الشرط المزبور مطابقاً لمقتضى القاعدة ، فلا تكون الرواية منافية لما ذكرناه من عدم نفوذ شرط الضمان بالمعنى الذي هو محلّ الكلام. فالمسألتان إذن من وادٍ واحد ، فيصحّ الشرط بمعنى ولا يصحّ بمعنى آخر من غير فرق بينهما بوجه.

(1) حكم (قدس سره) بانفساخ الإجارة ورجوع الأُجرة كلّاً أو بعضاً إلى المستأجر فيما إذا تلفت العين التي هي ملك للمستأجر قبل العمل أو في أثنائه ، بلا فرق بين ما إذا كان بآفة سماويّة ومن ذلك إتلاف الحيوانات وبين ما إذا


1) (*) مرّ التفصيل بين التلف السماوي وغيره في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق ، وما ذكره (قدس سره) هنا يناقض ما تقدّم منه فيها ، وقد تقدّم أيضاً أنّ إتلاف المستأجر بمنزلة قبضه.

المؤجر بأن يملك منفعته الخياطي في يوم كذا يكون إتلافه لمتعلّق العمل بمنزلة استيفائه ، لأنّه بإتلافه إيّاه فوّت على نفسه المنفعة ، ففرقٌ بين أن يكون العمل في ذمّته ، أو أن يكون منفعته الكذائيّة للمستأجر ، ففي الصورة الأُولى التلف قبل العمل موجب للبطلان ورجوع الأُجرة إلى المستأجر وإن كان هو المتلف ، وفي الصورة الثانية إتلافه بمنزلة الاستيفاء ، وحيث إنّه مالك لمنفعة المؤجر وقد فوّتها على نفسه فالأُجرة ثابتة عليه.


كان بإتلاف المؤجر أو الأجنبي بل المستأجر أيضاً.

نعم ، فصّل (قدس سره) في إتلاف المستأجر بين أن تكون الإجارة على العمل في الذمّة ، وبين ما إذا كانت على المنفعة الخاصّة كمنفعة الخياطة في هذا اليوم فأتلف العين التي هي محلّ العمل ، فخصّ الانفساخ حينئذٍ بالأوّل دون الثاني ، نظراً إلى أنّ الإتلاف في الصورة الثانية يعدّ بمثابة الاستيفاء للخياطة التي وقعت الأُجرة بإزائها.

أقول : تقدّم البحث حول هذا الفرع في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق ، وتكلّمنا عنه ثمّة بنطاق واسع ، وما أفاده (قدس سره) في المقام مناقض صريحٌ لما ذكره هناك.

فإنّه (قدس سره) أفاد في تلك المسألة أنّ التلف إذا كان سماويّاً أوجب الانفساخ ، لكشفه عن عدم القدرة المستوجب لعدم ملكيّة العمل أو المنفعة من الأوّل حتى يملك.

وأمّا إذا كان بإتلاف المؤجر فهذا موجب لضمانه ، ومعه يتخيّر المستأجر بين تضمينه والمطالبة بالقيمة وبين فسخ العقد ، باعتبار أنّه هو الذي أتلف ما يملكه المستأجر وأعدمه.

.................................................................................................


وإذا كان بإتلاف الأجنبي فهو موجب لضمانه أيضاً.

وأمّا إذا كان المتلف هو المستأجر فإتلافه بمنزلة استيفاء العمل أو المنفعة وقبضهما ، حيث إنّه بنفسه قد أتلف مال نفسه ، فلا انفساخ إلّا في صورة واحدة كما عرفت.

وعليه ، فحكمه (قدس سره) في المقام بالانفساخ في جميع هاتيك الصور ما عدا صورة واحدة مناقضٌ صريح لما سبق منه.

والصحيح ما أفاده (قدس سره) هناك كما باحثنا حوله مشبعاً مع بعض التعاليق ، فراجع إن شئت ، ولا حاجة إلى الإعادة (1).

وأمّا ما ذكره (قدس سره) في المقام من التفصيل فلم يتّضح له أيّ وجه ، بل الإتلاف بمثابة الاستيفاء في كلتا الصورتين ، ولا مناص من الحكم بالصحّة فيهما معاً.

والوجه فيه : أنّ المستأجر قد ملك العمل في ذمّة الأجير في الصورة الأُولى بسبب الإجارة ، كما ملك المنفعة الكذائيّة في الصورة الثانية ، والمفروض أنّ الأجير باذلٌ للعمل وأنّ الخيّاط مثلاً قد هيّأ نفسه للخياطة في المدّة المقرّرة من دون أيّ قصور منه أو تقصير ، والمستأجر هو الذي أعدم موضوع هذه المنفعة المملوكة له بإتلافه محلّ العمل ، فبالنتيجة ينتهي تعذّر تحقّقه خارجاً إلى اختياره وإرادته ، فهذا نظير ما ذكروه من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، إذ هو باختياره فوّت المنفعة على نفسه بعد ما كان قادراً على التسليم والتسلّم خارجاً ، وأعدم المملوك وأسقطه عن قابليّة الوجود ، فكان ذلك بمثابة القبض والاستيفاء منه في كلتا الصورتين بمناطٍ واحد من غير فرق بينهما أصلاً ،


1) في ص 190 - 193.

[3303] مسألة 2 : المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء (1)في القيميّات (1) لا يوم التلف ولا أعلى القيم على الأقوى.


ومعه لا مقتضي للحكم بالانفساخ في شي‌ء منهما.

(1) على ما هو مقتضى القاعدة كما ستعرف. وهذا هو أحد الأقوال في المسألة.

وقيل : إنّ العبرة بقيمة يوم التلف ، وقيل : بالقيمة يوم الضمان ، وقيل : بأعلى القيم من يوم الضمان إلى يوم التلف ، أو إلى زمان الأداء.

أمّا القول بيوم التلف فمستنده : أنّ هذا هو اليوم الذي ينتقل فيه الضمان إلى القيمة بعد أن كان خاطباً بأداء نفس العين بمقتضى قوله : «على اليد ما أخذت» إلخ ، فكان الواجب قبل هذا اليوم أداء نفس العين الخارجيّة التي أخذتها اليد ، إذ لا وجه وقتئذٍ لملاحظة القيمة بعد أن كانت العين موجودة ، وإنّما تلاحظ بعد تلفها ، فلا جرم كانت العبرة بمراعاة القيمة في هذا اليوم الذي هو زمان انتقال الضمان من العين إليها.

ويندفع : بأنّ الانتقال إلى القيمة في اليوم المزبور وإن كان حقّا لا ارتياب فيه ولكنّه خاصّ بالحكم التكليفي فلا يخاطب بعدئذٍ بأداء العين ، لمكان التعذّر وقبح التكليف بغير المقدور. وأمّا بحسب الحكم الوضعي أعني : الضمان فغير واضح ، بمعنى : أنّه لا تكليف من الآن بأداء العين ، وأمّا أنّ الثابت في العهدة والذي تشغل به الذمّة هل هو نفس العين ، أو قيمة هذا اليوم ، أو يوم الضمان ،


1) (*) لا يبعد أن يكون المدار على قيمة يوم الضمان ، والأحوط الرجوع إلى المصالحة عند اختلاف القيمتين.

.................................................................................................


أو أعلى القيم؟ فكلّ ذلك لا دليل عليه ، وإنّما الثابت هو أنّ هذا اليوم هو يوم الانتقال إلى القيمة ، تكليفاً بمناط التعذّر وامتناع تسليم العين ، فطبعاً ينتهي التكليف إلى أداء القيمة من غير أن يقتضي هذا تعيين الحكم الوضعي بوجه حسبما عرفت.

وأمّا القول باعتبار أعلى القيم فالوجه فيه : أنّ ضمان العين لا يختصّ بوقت معيّن بل كلّ يوم هو يوم الضمان ما لم تؤدّ العين أو بدلها ، ففي كلّ يوم ارتفعت القيمة كانت القيمة مضمونة لا محالة ، وإذا ارتفعت في اليوم الآخر فكذلك ، وهكذا ، ونتيجته اعتبار أعلى القيم من زمان حدوث الضمان إلى يوم التلف ، بل الأداء كما لا يخفى.

وفيه : أنّ التكليف متعلّق بأداء نفس العين إلى زمان التلف ، فلا وجه لملاحظة القيمة إلى هذا الوقت. نعم ، ينقلب التكليف بعده إلى أداء القيمة كما عرفت ، إلّا أنّ تعلّقه وقتئذٍ بأداء القيمة حتى حال وجود العين فلا دليل عليه بوجه ، بل أنّ الثابت في العهدة إنّما هو نفس العين المأخوذة بمقتضى قوله : «على اليد ما أخذت» ، ولا دليل على الانتقال إلى القيمة في الحكم الوضعي أي الضمان حتى حين التلف فضلاً عمّا قبله ، وإنّما الانتقال والانقلاب في الحكم التكليفي المحض حسبما عرفت. إذن فلحاظ أعلى القيم بالنسبة إلى العين لا نعرف له أيّ وجه.

وأمّا القول الثالث الذي اختاره الماتن من اعتبار قيمة يوم الأداء فهو حسن لولا قيام الدليل على خلافه ، فإنّه المطابق لمقتضى القاعدة. وقد ظهر وجهه ممّا ذكر ، حيث قد عرفت أنّ الذمّة مشغولة بنفس العين حتى بعد عروض التلف ، فهي المضمونة والثابتة في العهدة ما لم تفرغ الذمّة عنها بالتلبّس بالأداء الخارجي ، ولا تأثير للتلف إلّا في انقلاب الحكم التكليفي صرفاً بمناط

.................................................................................................


تعذّر التكليف بأداء العين في هذه الحالة ، فيقال : أدّ قيمة العين التي في عهدتك ، ففي كلّ حال تصدّي للأداء تراعى قيمة تلك الحالة بطبيعة الحال ، وأمّا الحكم الوضعي فهو باقٍ على حاله.

وهذا نظير ما لو باعه منّاً من الحنطة أو من غيرها من القيميّات أو استقرضه ، حيث إنّ الثابت في الذمّة إنّما هو نفس المبيع ، ولا يكاد ينتقل إلى القيمة في أيّ زمان ولو بقي في الذمّة ما بقي ، ولكنّه في مقام الأداء حيث إنّه لا يتمكّن من أداء نفس العين التي استقرضها وأتلفها فلا جرم ينتقل إلى القيمة. فالتبديل في المقام إنّما يكون يوم الأداء ، وأمّا قبله فلا تبديل لا في يوم التلف ، ولا قبله ، ولا بعده ، بل الثابت في الذمّة هي العين نفسها بمقتضى حديث : «على اليد ...» ، أو السيرة العقلائيّة ، فيكون ضامناً لنفس ما أخذ ، فإذا لم يمكن أداؤه والخروج عن عهدته فطبعاً ينتقل إلى البدل.

وعلى الجملة : فالقاعدة تقتضي أن تكون العبرة بقيمة يوم الأداء كما ذكره (قدس سره).

إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن دليل على الخلاف ، والظاهر قيام الدليل عليه ، فإنّ صحيحة أبي ولّاد لا قصور في دلالتها ، على أنّ العبرة بقيمة يوم الضمان المعبّر عنه فيها بيوم المخالفة.

قال فيها : ... فقلت له : أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ «قال : نعم ، قيمة بغل يوم خالفته» إلخ (1).

فإنّ الظرف لا بدّ من تعلّقه إمّا بالفعل المقدّر أعني : يلزمك المدلول عليه في الكلام لتكون النتيجة أنّ الانتقال إلى القيمة إنّما هو في يوم المخالفة من غير تعرّض لأداء قيمة أيّ يوم ، أو بالقيمة المضافة إلى البغل ، وبما أنّ الثاني


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1.

[3304] مسألة 3 : إذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطاً (1) واستحقّ الأُجرة المسمّاة ، وكذا لو حمل متاعاً إلى مكان معيّن ثمّ تلف مضموناً أو أتلفه فإنّه يضمن قيمته في ذلك المكان ، لا أن يكون المالك مخيّراً بين تضمينه غير مخيط بلا اجرة أو مخيطاً مع الأُجرة ، وكذا لا أن يكون في المتاع مخيّراً بين قيمته غير محمول في مكانه الأوّل بلا اجرة أو في ذلك المكان مع الأُجرة كما قد يقال.


أقرب وهو يمنع عن الأبعد فهو أظهر ، ولا ريب أنّ الظرف قابل لتعلّقه بنفس القيمة ، لأنّ مفهومها قابل لأن يتقيّد بالزمان أو المكان ، فيقال : قيمة هذا الشي‌ء في هذا الزمان ، أو في هذا المكان كذا ، وفي زمان أو مكان آخر كذا.

فإذا كان قابلاً للتقييد وهو أقرب فلا جرم كان القيد راجعاً إليه ، فيكون المستفاد أنّه : يلزمك قيمة بغل ، لكن لا مطلقاً بل قيمة يوم المخالفة.

وهذا الاستعمال أي أن يكون المضاف إلى شي‌ء بقيد أنّه مضاف مقيّداً بشي‌ء آخر شائع متعارف كما يقال : زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة تعادل كذا وكذا حجّة ، أو أنّ ضربه علي (عليه السلام) يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ، حيث إنّ الظرف قيد للزيارة أو للضربة لكن لا مطلقاً ، بل الزيارة المضافة إلى الحسين ، أو الضربة المضافة إلى علي (عليه السلام). ويكون المتحصّل : أنّ هذه الحصّة الخاصّة المستفادة من الإضافة مقيّدة بهذا القيد.

وعليه ، فيكون الاعتبار في ضمان القيميّات بقيمة يوم الضمان بمقتضى النصّ الخاصّ وإن كان على خلاف مقتضى القاعدة ، سواء أزادت القيمة بعد ذلك أم لا.

(1) هذه المسألة تكرار لما سبق التعرّض له في المسألة الخامسة عشر من الفصل السابق وتكلّمنا حوله بنطاق واسع ، وملخّصه : أنّ المحتملات في المسألة

.................................................................................................


ثلاثة :

أحدها : ما ذكره الماتن وهو الصحيح من ضمان قيمة الثوب الذي أتلفه مخيطاً واستحقاق الأُجرة المسمّاة.

والوجه فيه : ما تقدّم من أنّ الأُجرة إنّما هي بإزاء نفس العمل الصادر من الأجير الذي تسليمه وإقباضه بمجرّد الفراغ عنه ، لا بإزاء الأثر المترتّب على عمله كوصف المخيطيّة ، إذ الأوصاف لا تقابل بجزء من المال ، ولا يكون العامل شريكاً مع المالك ، وليس لها أيّ شأن ما عدا أنّها تستوجب زيادة قيمة العين ، فصياغة الذهب مثلاً توجب زيادة قيمة المصوغ ، لا أنّ للصياغة ماليّة بإزاء العين.

وعليه ، فإذا عمل الأجير فقد أدّى ما عليه ، وبذلك استحقّ الأُجرة ، لأنّها كما عرفت بإزاء نفس العمل لا الوصف ليكون من التلف قبل القبض حتى يكون من مال المؤجر.

وعلى هذا ، فإذا تلفت العين فإن كان بغير ضمان فلا شي‌ء على العامل كما هو واضح ، وأمّا إذا كان مع الضمان بأن كان هو المتلف فطبعاً يضمن للمالك قيمة الثوب المتّصف بصفة المخيطيّة بعد أن كان ملكاً للمالك بهذا الوصف حسبما عرفت.

ثانيها : أن يكون ضامناً لقيمة الثوب غير مخيط ولا تكون له اجرة ، باعتبار أنّه من التلف قبل القبض. وقد عرفت فساده وأنّ الأُجرة إنّما هي بإزاء نفس العمل الذي إقباضه بإيجاده وإصداره خارجاً وقد صدر حسب الفرض.

ثالثها : ما احتمله (قدس سره) هنا من التخيير بين الأمرين ، أعني : تضمينه الثوب مخيطاً وإعطاء الأُجرة ، أو تضمينه غير مخيط وعدم إعطائها.

[3305] مسألة 4 : إذا أفسد الأجير للخياطة أو القِصارة أو لتفصيل الثوب ضمن ، وكذا الحجّام إذا جنى في حجامته أو الختّان في ختانه ، وكذا الكحّال أو البيطار ، وكلّ من آجر نفسه (1) لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامناً إذا تجاوز عن الحدّ المأذون فيه وإن كان بغير قصده ، لعموم : «من أتلف» ، وللصحيح عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يعطى الثوب ليصبغه «فقال : كلّ عامل أعطيته أجراً على أن يصلح فأفسد فهو ضامن» ،


وهذا أيضاً لا وجه له كما ظهر ممّا مرّ ، إذ بعد أن لم يكن من التلف قبل القبض المستوجب للانفساخ فما هو الموجب لسقوط الأُجرة ، وما هو المقتضي للتخيير بعد أن كانت العين مملوكة للمالك مع وصف الخياطة؟! وقد عرفت أنّ الوصف تابع للعين وموجب لازدياد قيمته ولا يقابل بالمال ، ولا يكون الضمان إلّا بإزاء العين المتّصفة لا نفس الصفة.

ومن هذا القبيل ما ذكره في المتن من مثال حمل المتاع إلى مكان آخر ثمّ الإتلاف أو التلف مضموناً ، فإنّ الكلام فيه هو الكلام ، فإنّه يضمن قيمته في ذلك المكان ، للزوم مراعاة جميع الصفات المستوجبة لازدياد القيمة حتى صفة المكانيّة.

(1) يدلّنا على ما ذكره (قدس سره) من الكبرى الكلّيّة ، أعني : ضمان الأجير في كلّ مورد أفسد مع تجاوزه عن الحدّ المأذون فيه ما أشار (قدس سره) إليه من قاعدة الإتلاف أوّلاً ، حيث إنّ الإفساد مصداق بارز لإتلاف المال كلّاً أو بعضاً ولو بورود النقص عليه.

وصحيحة الحلبي ثانياً ، التي رواها في الوسائل (1)على النهج المذكور في المتن


1) الوسائل 19 : 147 / كتاب الإجارة ب 29 ح 19.

بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحدّ المأذون فيه (1) ، ولكنّه مشكل (1)، فلو مات الولد بسبب الختان مع كون الختّان حاذقاً من غير أن يتعدّى عن محلّ القطع بأن كان أصل الختان مضرّاً به ، في ضمانه إشكال.


بإضافة كلمة : فيفسده ، بعد قوله : ليصبغه ، التي سقطت عن نسخ العروة لدى طبعها.

والمراد ب : حمّاد الراوي عن الحلبي : هو ابن عثمان لا ابن عيسى وإن كان هو ثقة أيضاً ، إذ لم ترو رواية لحمّاد بن عيسى عن الحلبي بعنوانه وإن كان قد روى عن عمران الحلبي ، وقد روى ابن عثمان عن الحلبي في غير مورد.

وكيفما كان فالرواية صحيحة على كلّ تقدير ، كما أنّها ظاهرة الدلالة على الكبرى الكلّيّة وإن كان السؤال عن مورد خاصّ فالحكم ثابت بلا إشكال.

(1) فكان ترتّب الفساد من باب الصدفة والاتّفاق ، نظراً إلى إطلاق القول بضمان الأجير في كلماتهم ، حيث لم يقيّدوه بالتجاوز عن الحدّ المأذون فيه.

ولكن توقّف فيه جماعة منهم الماتن ، بل صرّح بعضهم بعدم الضمان.

ورتّب عليه في المتن الاستشكال في الضمان فيما لو مات الولد بسبب الختان مع حذاقة الختّان وعدم التعدّي عن محلّ القطع ، وإنّما كان أصل الختان مضرّاً به.

هذا ، والظاهر عدم الضمان فيما إذا كان العمل صادراً بإجازة المالك نفسه بحيث استند الفساد إليه عرفاً ، كما لو أعطاه الثوب وقال له : فصّله كذا وكذا ،


1) بل الأقوى عدم الضمان ، ومع ذلك الظاهر هو الضمان في مسألة الختان ، إلّا إذا كان المقتول به هو الذي سلّم نفسه له مع استجماعه شرائط التكليف.

[3306] مسألة 5 : الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن وإن كان حاذقاً (1) ، وأمّا إذا لم يكن مباشراً بل كان آمراً ففي ضمانه إشكال ، إلّا أن


فتبيّن أنّ هذا التفصيل عليل ، أو أنّه عريض أو طويل بحيث سقط الثوب عن صلاحيّة الانتفاع ، أو أعطى خشباً معيّناً للبناء لبنائه السقف وأمره بأن يضع عليه كذا مقداراً من الجصّ والآجر والقير ونحو ذلك فانهدم من أجل عدم تحمّل تلك الأخشاب لهذه الأثقال ، ونحو ذلك ممّا يستند الفساد إلى إجازة المالك وأمره وأنّه هو الذي ألغى احترام ماله. ففي مثل ذلك لا مقتضي لضمان الأجير الذي هو وقتئذٍ بمثابة الآلة المحضة كما هو واضح.

ومن الضروري أنّ صحيح الحلبي المتقدّم منصرف عن مثل هذا الفرض ، لظهوره فيمن لم يعمل ما كان مأذوناً فيه فكان أجيراً على أن يصلح فأفسد ، لا أنّه أتى ما أُمر به وترتّب عليه الفساد خارجاً.

نعم ، فيما إذا بلغ الفساد حدّ الدم كالموت المترتّب على الختان في المثال المذكور في المتن فالظاهر حينئذٍ هو الضمان ، لأنّ دم المسلم لا يذهب هدراً كما نطق به النصّ ، وهذا القتل بالآخرة يستند إلى الختان ، غايته أنّه كان مشتبهاً لا عامداً وإن كان اشتباهه في أصل الختان لا في كيفيّته ، فيجري عليه حكم القتل الخطئي من ترتّب الدية عليه ، بلا فرق بين أن يكون المختون صغيراً وإن أبرأ وليّه ، إذ ليس له حقّ البراءة بعد أن لم تثبت له هذه الولاية ، وبين أن يكون كبيراً لكن لم يسلّم نفسه لحدّ الموت ، وأمّا مع التسليم الراجع إلى براءة الختّان فلا ضمان كما ستعرفه في الطبيب المعالج.

(1) لقاعدة الإتلاف ، مضافاً إلى ما رواه النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من تطبّب أو

يكون سبباً وكان أقوى من المباشر ، وأشكل منه إذا كان واصفاً للدواء من دون أن يكون آمراً كأن يقول : إنّ دواءك كذا وكذا ، بل الأقوى فيه عدم الضمان ، وإن قال : الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ضمانه ، فلا وجه لما عن بعضهم من التأمّل فيه ، وكذا لو قال : لو كنت مريضاً بمثل هذا لمرض لشربت الدواء الفلاني.


تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه ، وإلّا فهو له ضامن» (1).

فإنّها معتبرة من حيث السند ، لوثاقة السكوني كما نصّ عليه الشيخ في العدّة (2)، وكذا النوفلي من أجل وقوعه في اسناد كامل الزيارات.

كما أنّها واضحة الدلالة على ضمان الطبيب المباشر ما لم يتبرّأ.

ونسب الخلاف إلى بعضهم بدعوى أنّ هذا كان بإذنٍ من المريض أو الوليّ فلا ضمان.

وهو واضح الفساد ، ضرورة أنّ الإذن كان في العلاج لا في الفساد ، فلا ينبغي الشكّ في الضمان.

هذا فيما إذا كان الطبيب مباشراً للعمل.

وأمّا إذا لم يباشره وإنّما كان آمراً إمّا لشخص المريض أو لممرّضه ومنه الآمر لثالث بالتزريق المتداول في هذا الزمان :

فإن كان السبب أقوى من المباشر بحيث يسند الفعل إليه عرفاً والمباشر بمثابة آلة محضة ، كما لو كان صبياً غير مميّز أو مجنوناً ، فهذا حاله حال الطبيب المباشر في ثبوت الضمان.


1) الوسائل 29 : 260 / أبواب موجبات الضمان ب 24 ح 1.

2) العدّة : 56.

.................................................................................................


وأمّا إذا كان المباشر مستقلا في تصرّفه بأن كان بالغاً عاقلاً مختاراً فقد يقال بالضمان أيضاً.

إمّا لأجل أنّه السبب في التلف والسبب هنا أيضاً أقوى من المباشر.

وفيه ما لا يخفى ، إذ لا شأن للأمر المزبور ما عدا كونه داعياً لصدور الفعل عن الفاعل المختار فهو يصدر عنه باختياره ، فكيف يستند إلى الآمر؟! ومن ثمّ ذكروا في محلّه أنّ الآمر بالقتل لا يقتصّ منه وإن كان يحبس لأمره ، وإنّما يختصّ القصاص أو الدية بالمباشر.

وإمّا لدعوى اندراجه في إطلاق موثّق السكوني المتقدّم.

ويندفع بوضوح انصرافه عن المقام ، فإنّ قوله : «تطبّب» كتكسّب من باب التفعّل يدلّ على مطاوعة الفعل وقبوله ، فهو مساوق لقوله : عالج ، الظاهر في مباشرة العلاج والطبابة خارجاً ، فلا يشمل الأمر المجرّد عن التصدّي ولا سيّما بقرينة اقترانه بقوله : «تبيطر» الظاهر في معالجة الحيوانات مباشرةً.

نعم ، للتطبّب معنى آخر كالتفقّه ، أي أخذ الطبّ شغلاً له مع عدم كونه طبيباً. ولكنّه أجنبي عن محلّ الكلام ، ولا يناسب إرادته في المقام كما لا يخفى.

وعلى أيّ حال ، فلا ينبغي التأمّل في عدم ضمان الآمر.

وأوضح حالاً توصيف الدواء من دون أمر ، كأن يقول : دواؤك كذا وكذا ، لعدم استناد الفعل إلى الواصف غير الآمر بوجه.

وأوضح منه ما إذا لم يعيّن الشخص ، بل قال على سبيل الكبرى الكلّيّة : إنّ مرض كذا دواؤه كذا ، فطبّقه المريض على نفسه باختياره واجتهاده.

وأوضح من الكلّ ما لو قال : لو كنت مريضاً بمثل هذا المرض لشربت الدواء الكذائي ، من غير تعرّض للحكم الكلّي أو لحكم شخص المريض.

والحاصل : أنّ الضمان إنّما يثبت في فرض خاصّ ، وهو ما إذا استند الفعل

[3307] مسألة 6 : إذا تبرّأ الطبيب من الضمان وقبل المريض أو وليّه ولم يقصّر في الاجتهاد والاحتياط برئ على الأقوى (1).

[3308] مسألة 7 : إذا عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره مثلاً ضمن ، لقاعدة الإتلاف (1)(2).


إلى الطبيب أو البيطار ، وهذا يتحقّق في أحد موردين : إمّا العلاج المباشري ، أو فيما إذا كان السبب أقوى. وأمّا إذا لم يكن استناد غايته أنّ قوله كان داعياً للعمل لم يكن عليه أيّ ضمان.

(1) لموثّق السكوني المتقدّم ، حيث علّق الضمان فيه على عدم البراءة من الولي ، أي ممّن بيده الأمر ، الذي يختلف مصداقه حسب اختلاف الموارد ، ففي البيطرة الولي هو مالك الدابّة ، وفي الطبابة هو المريض إن كان بالغاً عاقلاً ، وإلّا فوليّه. ففي جميع ذلك متى أخذ البراءة فلا ضمان.

ولا موقع للاستشكال بأنّه من قبيل إسقاط ما لم يجب ، حيث إنّ الضمان إنّما يكون بعد الإفساد فقبله لا موضوع للبراءة.

إذ فيه : أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان الحكم مستنداً إلى القاعدة والموازين العامّة ، وأمّا مع الاستناد إلى الرواية الخاصّة الناطقة بذلك حسبما عرفت فلا وجه له.

(2) يقع الكلام تارةً : فيما تقتضيه القواعد العامّة ، وأُخرى : بالنظر إلى النصّ الخاصّ الوارد في المقام ، فهنا جهتان :

أمّا الجهة الأُولى : فالتمسّك بقاعدة الإتلاف كما صنعه في المتن في غاية الإشكال ، بل الظاهر عدم صدق الإتلاف في أمثال هذه الموارد ، لتقوّم صدقه


1) (*) الظاهر أنّه لا يصدق الإتلاف إذا لم يفرّط في مشيه ، وعليه فلا ضمان عليه.

.................................................................................................


باستناد الفعل إلى هذا الشخص عرفاً ، بحيث يعدّ فعله وإن لم يكن اختياريّاً كما لو أصابت يده حال النوم إناء زيد فكسره ، فإنّ هذا الكسر مستند إلى النائم ويعدّ من أفعاله ، غايته أنّ الفعل قد يكون اختياريّاً ، وأُخرى غير اختياري ، وعلى التقديرين فالاستناد والانتساب متحقّق في البين.

وأمّا إذا لم يصدق الاستناد بوجه ، بل كان الشخص المزبور كآلة محضة والفعل مستند إلى سبب آخر ، كما لو كان على سطح بيت فوقعت زلزلة أو هبّت ريح عاصف فسقط من الشاهق على إناء زيد فكسره ، بل على نفسه فقتله ، حيث لا يعدّ هذا فعله وعمله عرفاً حتى غير الاختياري منه ، ولا يرونه قاتلاً حتى خطأً. ففي مثله لا إتلاف ولا ضمان ، وإنّما يعدّ ذلك من التلف بآفة سماويّة أو أرضيّة.

وعليه ، فلو كنّا نحن ومقتضى القاعدة لحكمنا في المقام بعدم الضمان ، باعتبار أنّ الحمّال إذا عثر بغير اختياره فوقع ما على رأسه أو انهدمت بالوعة كانت في الطريق فوقع فيها وتلف ما على ظهره من المتاع بحيث لم يكن مقصّراً ولا مفرّطاً ولا متعدّياً ، فهذه العثرة تحسب عرفاً كآفة سماويّة ، ولا يسند التلف إليه بوجه ، فلا إتلاف أبداً حتى يستوجب الضمان.

ويؤكّده ما ورد في جملة من الصحاح فيما إذا سقط شخص على آخر فمات : أنّ الساقط لا يضمن شيئاً. والظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها ، فلا دية بمقتضى هذه النصوص كما لا قصاص كما هو واضح. فإذا كان هذا هو الحال في النفوس فعدم الضمان في تلف الأموال بطريق أولى كما لا يخفى.

وأمّا الجهة الثانية : فربّما يستدلّ للضمان بما رواه داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل حمل متاعاً على رأسه فأصاب إنساناً فمات

.................................................................................................


أو انكسر منه شي‌ء فهو ضامن (1).

بدعوى أنّ العثرة مثل الإصابة فتشملها الرواية.

أقول : ينبغي التكلّم أوّلاً في نفس هذه المسألة التي هي مورد الرواية وأنّ من يحمل على رأسه مالاً فينكسر منه شي‌ء بغير تعدٍّ ولا تفريط ، أو أنّه يصيب إنساناً فيقتله فماذا حكمه؟ ثمّ الانتقال منه إلى محلّ الكلام وأنّه هل يشمل العثرة المبحوث عنها في المقام ، أو أنّ بينهما فرقاً؟

أمّا بالنسبة إلى مورد الرواية فقد رواها الصدوق في الفقيه (2)، وكذا الشيخ في التهذيب بسند فيه سهل بن زياد (3)، ولأجله ناقش الشهيد الثاني في المسالك وتبعه الأردبيلي في هذه الرواية سنداً ودلالةً (4).

أمّا السند : فبما ذكر.

وأمّا الدلالة : فلأنّ الموت المستند إلى الإصابة المفروضة فيها يعد من القتل الخطئي جزماً ، لعدم قصد الحمّال له وإنّما كانت الإصابة اتّفاقيّة ، ومن الواضح أنّ الدية حينئذٍ على العاقلة لا الحمّال ، فكيف يحكم عليه بالضمان؟! ولكنّك خبير بضعف كلا الإشكالين :

أمّا الدلالة : فلأنّ ما ذكر من وجوب الدية على العاقلة في القتل الخطئي وإن كان صحيحاً إلّا أنّ ذلك تكليف محض ، وأمّا من حيث الوضع فالدية إنّما تثبت في عهدة القاتل وتشتغل به ذمّته بنفسه من غير فرق فيه بين العامد والخاطئ ،


1) الوسائل 19 : 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 11.

2) الفقيه 3 : 163 / 719.

3) التهذيب 10 : 230 / 909.

4) المسالك 15 : 331 ، مجمع الفائدة والبرهان 14 : 234.

.................................................................................................


غاية الأمر أنّ في مورد القتل الخطئي يجب على العاقلة تفريغ ذمّة القاتل من غير أن تشتغل ذمّتهم بالضمان ، ومن ثمّ لو عصوا لا تخرج عن تركتهم ، بل لا تزال ذمّة القاتل مشغولة بها.

فلا منافاة إذن بين وجوب الدّية على العاقلة وبين كون القاتل بنفسه ضامناً لها ، وتمام الكلام في محلّه من كتاب الدّيات (1).

وأمّا السند : فالمناقشة المزبورة ولا سيّما من مثل الشهيد والأردبيلي لعلّها تعدّ من الغرائب ، بداهة أنّها رويت في كلّ من الفقيه والتهذيب بطريقين في موضعين :

ذكر أحدهما صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب موجبات الضمان (2)، وهو الطريق الضعيف المشتمل على سهل بن زياد ، كما نقلها حينئذٍ عن الكليني عنه أيضاً.

وذكر ثانيهما في أبواب أحكام الإجارة (3)، وهو طريق صحيح خالٍ عن أيّة شبهة ، لصحّة طريق كلّ منهما إلى ابن أبي نصر (4)، فهي مرويّة بطريق صحيح وإن رويت بطريق آخر ضعيف.

فلا سبيل للنقاش في السند بتاتاً ، كما لم يكن سبيل للنقاش في الدلالة إلّا بما ستعرف.


1) مباني تكملة المنهاج 2 : 448 - 450.

2) الوسائل 29 : 244 / أبواب موجبات الضمان ب 10 ح 1 ، الكافي 7 : 350 / 5 ، التهذيب 10 : 230 / 909.

3) الوسائل 19 : 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 11 ، التهذيب 7 : 222 / 973.

4) وقد أشار صاحب الوسائل إلى هذا الطريق في الموضع الأوّل أيضاً ، فلاحظ.

.................................................................................................


نعم ، هي معارضة برواية الصدوق لها عن داود بن سرحان أيضاً ، إلّا انّه قال : «مأمون» (1)بدل قوله : «ضامن» ، فتدلّ وقتئذٍ على عدم الضمان ، باعتبار أنّه ليس على الأمين ضمان ، فتسقط إذن عن الحجّيّة ، لمكان المعارضة ، ويكون المرجع بعدئذٍ إطلاق الروايات المتقدّمة الناطقة بنفي الضمان عن العامل الأمين من أجيرٍ أو غيره.

وعليه ، فلا ضمان في مورد الرواية فضلاً عن أن يتعدّى منه إلى محلّ الكلام ، أعني : عثرة الحمّال.

وممّا يؤكّد عدم الضمان صحيحة أبي بصير : ... في رجل استأجر حمّالاً فيكسر الذي يحمل أو يهريقه «فقال : على نحو من العامل إن كان مأموناً فليس عليه شي‌ء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (2).

وقد ذكر فيها في موضعين من الوسائل : «جمّالاً» بالجيم المعجمة ، ولكنّه من غلط النسخة ، والصواب : «حمّالاً» بالحاء المهملة كما في الفقيه والتهذيب.

وكيفما كان ، فهي صريحة في عدم الضمان مع أمانة الحمّال التي هي محلّ الكلام ، بل ينبغي الاقتصار على هذه الصحيحة في مقام الاستدلال ، لكون صحيحة ابن سرحان المتقدّمة قاصرة الدلالة حتى مع الغضّ عن المعارضة ، لتوقّفها على عود الضمير في قوله : أو انكسر منه ، إلى المتاع ، كما نبّه عليه في الجواهر بعد أن استدلّ بها (3).


1) الفقيه 4 : 82 / 263.

2) الوسائل 19 : 144 / كتاب الإجارة ب 29 ح 11 ، الفقيه 3 : 163 / 715 ، التهذيب 7 : 218 / 951 ، وانظر الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 7.

3) الجواهر 27 : 326.

.................................................................................................


ولكنّه غير واضح ، بل الظاهر عوده إلى الإنسان الذي هو أقرب ، ورجوع الضمير إليه أنسب ، نظراً إلى أنّ إصابة الإنسان كأنه مفروغ عنها ، غايته أنّ هذه الإصابة قد تؤدّي إلى موته ، وأُخرى إلى كسر عضوٍ منه ، وعليه ، فتكون الصحيحة أجنبيّة عن محلّ الكلام ، لكونها ناظرة إلى تلف الشخص أو كسره ، ولا نظر فيها إلى تلف المال بتاتاً. وهذا الاستظهار لو لم يكن متعيّناً فلا أقلّ من تطرّق احتماله الموجب للإجمال والمسقط لها عن صلاحيّة الاستدلال.

ويظهر من صاحب الوافي أيضاً استظهار هذا المعنى من الرواية ، حيث عقد باباً لضمان الأموال ، وباباً آخر لضمان الديات ، فذكر صحيحة أبي بصير المتقدّمة في الباب الأوّل ، وصحيحة ابن سرحان في الباب الثاني (1)، فيعلم من ذلك أنّه استظهر منها كونها ناظرة إلى الكسر في نفس الإنسان لا في ماله.

وربّما يعضد هذا الاستظهار ويؤكّده عدم افتراض كون الحامل للمتاع حمّالاً ، إذ لا ذكر منه في الصحيحة ، ومن الجائز أن يكون حاملاً لمتاع نفسه قد ذكره السائل كسبب لما عرضه من الإصابة ، ومن الواضح عدم كون الإنسان ضامناً لمتاع نفسه.

إذن فتكون الصحيحة أجنبيّة عن محلّ البحث بالكلّيّة ، وإنّما هي ناظرة إلى الضمان في القتل أو الجرح أو الكسر الخطئي الذي عرفت عدم منافاته مع ثبوت الدية على العاقلة ، ولا نظر في جهة السؤال إلى الضمان بالنسبة إلى المتاع بتاتاً. فاحتمال عود الضمير إلى المتاع ليحكم عليه بالضمان أو بعدمه بعيدٌ غايته. وما صنعه الوافي من ذكرها في باب ضمان الديات هو المتعيّن.

نعم ، هي معارضة مع رواية الصدوق المشتملة على كلمة : «مأمون» بدل


1) الوافي 18 : 911 / 18570 وج 16 : 822 / 16195.

[3309] مسألة 8 : إذا قال للخيّاط مثلاً : إن كان هذا يكفيني قميصاً فاقطعه ، فقطعه فلم يكف ضمن في وجه (1). ومثله لو قال : هل يكفي قميصاً؟ فقال : نعم ، فقال : اقطعه ، فلم يكفه.


قوله : «ضامن» كما عرفت ، فلو تمّت هذه النسخة ولم تكن مغلوطة فلا جرم تقع بينهما المعارضة ، والمرجع بعد التساقط إطلاقات نصوص الدية السليمة عن المعارض ، الناطقة بأنّها في القتل والكسر الخطئي على العاقلة تكليفاً وعلى الفاعل وضعاً.

ثمّ إنّه على تقدير القول بالضمان في الحمّال في مورد الرواية فقد ظهر أنّه لا موقع للتعدّي منه إلى العثرة التي هي محلّ الكلام ، ضرورة صدور الفعل من القتل أو الكسر من نفس الحمّال في مورد الرواية ، لصحة إسناده إليه عرفاً ، غايته أنّه فعل غير اختياري له ، لحصول الإصابة منه اتّفاقاً ومن غير قصد لها. وأمّا في العثرة فلا يستند الفعل إلى العاثر بوجه ، بل هو كآلة محضة والتلف سماوي وليس من الإتلاف في شي‌ء.

فالصحيح أنّه لا ضمان في العثرة ، بل ولا في مسألة الحمّال حسبما عرفت.

(1) ملخّص ما ذكره (قدس سره) : أنّ الأقوال في مفروض المسألة ثلاثة :

الضمان مطلقاً ، وهو الذي اختاره (قدس سره) أوّلاً وإن ذكر في آخر كلامه أنّ الأولى تعليق الضمان على التقييد وعدمه أو على صدق الغرور وعدمه.

وعدم الضمان مطلقاً ، باعتبار أنّ صاحب المال قد أذن في قطع الثوب وفصّله في كلا الفرضين الآتيين.

وقولٌ بالتفصيل بين ما إذا قيّد القطع وعلّقه على الكفاية فقال : إن كان هذا

وربّما يفرّق بينهما (1)فيحكم بالضمان في الأوّل دون الثاني ، بدعوى عدم الإذن في الأوّل دون الثاني.

وفيه : أنّ في الأوّل أيضاً الإذن حاصل.

وربّما يقال بعدم الضمان فيهما للإذن فيهما.

وفيه : أنّه مقيّد بالكفاية إلّا أن يقال : إنّه مقيّد باعتقاد الكفاية وهو حاصل.

والأولى الفرق بين الموارد والأشخاص بحسب صدق الغرور وعدمه ، أو تقيّد الإذن وعدمه ، والأحوط مراعاة الاحتياط.


يكفيني قميصاً فاقطعه ، ففيه الضمان ، لعدم صدور القطع عن الإذن في فرض عدم الكفاية. وبين ما إذا كان إخبار الخيّاط بالكفاية داعياً للأمر من غير تقييد وتعليق ، فلا ضمان لصدوره حينئذٍ عن الأمر والإذن.

وهذا التفصيل هو الأقوى ، إذ لا ينبغي الشكّ في أنّه في صورة الاشتراط وتعليق الإذن على الكفاية فقطعه الخياط باعتقاد الكفاية فضلاً عمّا إذا لم يكن معتقداً كان ضامناً ، لأنّه أتلف مال الغير أو أورد النقص عليه ، غايته أنّه لم يكن مقصّراً من أجل اعتقاد الكفاية. وعلى أيّ حال ، فلم يقع هذا القطع بإذن من المالك بعد أن كان مقيّداً بالكفاية وقد انكشف خلافها.

ودعوى الماتن (قدس سره) وجود الإذن ، عهدتها عليه ، إذ كيف يكون موجوداً وقد كان معلّقاً على الكفاية والمفروض عدمها؟!


1) (*) الظاهر أنّ الفرق هو الصحيح ، فإنّ الإذن في الأوّل مقيّد بالكفاية دون الثاني.

.................................................................................................


نعم ، تتّجه هذه الدعوى فيما لو كان المعلّق عليه اعتقاد الكفاية ، كما لو قال : اقطعه إن كنت واثقاً بالكفاية ، فقطع مبنيّاً على هذا الاعتقاد ، لحصول الإذن حينئذٍ بحصول شرطه ، لكن المفروض في كلامه (قدس سره) التعليق على نفس الكفاية لا على اعتقادها.

إذن فلا ينبغي التردّد في الضمان ، للاندراج في كبرى : إنّ من استؤجر للإصلاح فأفسد فهو ضامن.

وأمّا لو أذن في القطع مطلقاً ومن غير تقييد بالكفاية وإن كان هذا الإذن المطلق ناشئاً عن اعتقاد الكفاية الحاصل من إخبار الخيّاط بها بعد السؤال عنها ، فالظاهر حينئذٍ عدم الضمان ، لعدم كون الإذن معلّقاً ومشروطاً بشي‌ء لم يحصل ، غايته انكشاف الخطأ في الاعتقاد الباعث على الإذن والاشتباه في التطبيق من نفس الآذن. ومثله غير ضائر في حصول الإذن الفعلي المطلق ، كما هو الحال في سائر موارد التخلّف في الداعي وعدم مطابقته مع الواقع.

نعم ، فيما إذا كان الخيّاط عالماً بعدم الكفاية وهو جاهل بحيث صدق معه الغرور في إذنه المطلق ، يحتمل الضمان ، لقاعدة الغرور.

ولكن هذه القاعدة غير ثابتة على إطلاقها بحيث إنّ في كلّ مورد صدق الغرور تحقّق معه الضمان والرجوع إلى الغارّ لعدم الدليل عليه ، لا من بناء العقلاء ولا بحسب الروايات الخاصّة ، كما باحثنا حوله في مباحث المكاسب مشبعاً وبناطقٍ واسع (1).

وممّا يؤكّده في المقام : أنّا لو فرضنا أنّ صاحب الثوب بنفسه تصدّى للقطع


1) مصباح الفقاهة 5 : 256 وما بعدها.

[3310] مسألة 9 : إذا آجر عبده لعملٍ فأفسد (1) ففي كون الضمان عليه أو على العبد يتبع به بعد عتقه أو في كسبه إذا


اعتماداً على إخبار الخيّاط بالكفاية لا أنّه أمر بالقطع أو أنّه أعطاه لخيّاط آخر فقطعه اعتماداً على إخبار الخيّاط الأوّل ، فإنّه لا يظنّ وقتئذٍ أن يلتزم فقيه بالضمان مع اشتراك هذه الفروض في صدق الغرور.

ونظيره ما لو أخبره بأنّ قيمة البضاعة الكذائيّة في البلد الفلاني راقية ، فحمل متاعه إلى ذلك البلد ليبيع ويستفيد فرأى أنّه على خلاف الواقع ، فهل يحتمل رجوعه إلى المخبر الغارّ وتضمينه مصارف الحمل؟ وعلى الجملة : فالضمان لا بدّ في تحقّقه من أحد أمرين : إمّا الإتلاف ، أو التلف الموجب للضمان من يد أو شرط ، وإلّا فالتغرير بمجرّده لا يستوجب الضمان ، وقاعدة الغرور ممّا لا أساس لها بقولٍ مطلق.

فتحصّل : أنّ الأظهر هو التفصيل في المسألة بين الصورتين لحصول الإذن في إحداهما دون الأُخرى ، غايته أنّ الإذن الحاصل كان ناشئاً عن اعتقاد مخالف للواقع حسبما عرفت.

(1) أو أنّه أبق العبد. والأقوال في المسألة من حيث الضمان وعدمه أربعة :

فذهب جماعة إلى عدم ضمان المولى بوجه ، وإنّما هو في عهدة العبد يتبع به بعد عتقه.

وهذا القول هو المطابق لمقتضى القاعدة بعد أن كان العبد هو المتلف وعدم كون المولى ملزماً بما يضمنه العبد ويتلفه.

كان من غير تفريط وفي ذمّته يتبع به بعد العتق إذا كان بتفريط أو في كسبه مطلقاً ، وجوهٌ وأقوال ، أقواها الأخير (1)، للنصّ الصحيح.


وقيل : يكون الضمان على المولى ، استناداً إلى رواية معتبرة كما ستعرف.

واختار صاحب المسالك التفصيل بين صورتي تفريط العبد فعلى ذمّته بمقتضى القاعدة ، وعدمه فعلى المولى ، لوقوع العمل بإذنه فيخرج من كسبه (2).

واختار الماتن كون الضمان في كسبه مطلقاً ، تبعاً لجماعة من الفقهاء ، واستناداً إلى النصّ الصحيح الوارد في المقام بعد حمل المعتبرة عليه وتقييدها به.

أقول : لو لم يرد نصّ في المسألة كان مقتضى القاعدة تعلّق الضمان بالعبد نفسه يتبع به بعد عتقه في جميع الفروض ، لكون المولى أجنبيّا عمّا يفعله العبد باختياره من إتلافٍ ونحوه ، وعدم كونه ملزماً بشي‌ء منها كما عرفت ، فلا مقتضي لضمانه ، بل هو في عهدة العبد كما ثبت ذلك في جملة من الموارد التي منها : ما لو اعترف بشي‌ء على نفسه فإنّه يتبع به بعد عتقه بلا كلام.

وأمّا بالنظر إلى النصّ الخاصّ الوارد في المقام فقد وردت في المسألة روايتان معتبرتان :

إحداهما : ما رواه زرارة وأبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل كان له غلام فاستأجره منه صائغ أو غيره ، قال : إن كان ضيّع شيئاً أو أبق منه فمواليه ضامنون» (3)، ورواها


1) (*) هذا فيما إذا استهلك العبد أموالاً أُخر غير مورد الإجارة ، وأمّا الإفساد في مورد الإجارة فالأقوى فيه القول الأوّل.

2) المسالك 5 : 225.

3) الوسائل 29 : 254 / أبواب موجبات الضمان ب 12 ح 1.

.................................................................................................


أيضاً في باب 11 من أحكام الإجارة حديث 2 ، ولكن بلفظ «صانع» حسبما هو موجود في الطبعة الحديثة من الوسائل (1)، والصحيح هو الأوّل.

ثانيتهما : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل استأجر مملوكاً فيستهلك مالاً كثيراً «فقال : ليس على مولاه شي‌ء ، وليس لهم أن يبيعوه ، ولكنّه يستسعى ، وإن عجز عنه فليس على مولاه شي‌ء ، ولا على العبد شي‌ء» (2).

وقد اختار الماتن تبعاً لغيره العمل بهذه الصحيحة بعد حمل الرواية الأُولى عليها ، نظراً إلى أنّ الضمان المذكور فيها مطلق من حيث كونه في ذمّة المولى أو في ماله المعيّن ، أو في كسب عبده الذي هو أيضاً من أموال المولى ، ومقتضى صناعة الإطلاق والتقييد حمل الضمان على إرادة كونه في خصوص الكسب وأنّه لا ضمان مع العجز كما تضمّنه النصّ.

وهذا الاستدلال موقوف على حمل السؤال في الرواية الثانية على المثال لمطلق ما يتلفه العبد ولو كان هو العمل الذي استؤجر عليه ، كما لو أفسد العين التي هي محلّ العمل ، فالسؤال ناظر إلى الجهة العامّة وعن مطلق ما يفسد من غير خصوصيّة للمورد ، والاستهلاك من أحد مصاديقه ، فعليه يتّجه ما أُفيد من حمل المطلق على المقيّد ، لاتّحاد مورد الروايتين حينئذٍ ، فيكون الحكم المطلق الوارد في إحداهما منزّلاً على المقيّد الوارد في الأُخرى.

ولكنّه غير واضح ، فإنّ إثباته مشكل جدّاً ، ومن الجائز الفرق بين ما يتلفه العبد في عملٍ مأذون فيه من قبل المولى الذي هو مورد الرواية الأُولى ، وبين ما يتلفه ويستهلكه من أموال أُخر من غير استناد إلى المولى بوجه كما هو مورد


1) الوسائل 19 : 114.

2) الوسائل 19 : 114 / كتاب الإجارة ب 11 ح 3.

.................................................................................................


الرواية الثانية.

ففي الأوّل بما أنّ الإتلاف ومنه الإباق قيد وقع في العمل المستأجر عليه والمأذون فيه من قبل المولى فكأنه بالآخرة ينتهي إليه ، فلأجل هذه المناسبة صحّ تشريع الضمان عليه.

وهذا بخلاف الثاني ، إذ بعد فرض وقوع الإفساد فيما لا علاقة له ولا ارتباط بالمولى بتاتاً وإنّما هو تصرّف خارجي أجنبي عن مورد الإذن الصادر منه كما افترضه في الرواية من استهلاك أموال كثيرة ، فبهذه العناية كان الأنسب جعل الضمان في كسب العبد.

والحاصل : أنّه لا ملازمة بين الموردين بعد أن كان كلّ من الحكمين تعبّديّاً وعلى خلاف مقتضى القاعدة ، حيث عرفت أنّ مقتضاها عدم ضمان المولى حتى في كسب العبد فضلاً عن غيره ، لعدم كونه مسؤولاً عمّا يصدر من غيره ، ولكن الدليل التعبدي قد دلّ على ضمانه ، فلا محيص عن الالتزام به والخروج عن مقتضى القاعدة ، وعندئذٍ فلا مانع من الاقتصار على كلّ منهما في مورده من دون أيّ مقتضٍ لحمل أحدهما على الآخر ، بعد اختلاف الموردين في كون الإفساد في أحدهما في العمل المأذون فيه من قبل المولى ، وفي الآخر فيما لا يرتبط به ، المستتبع لصحّة التفصيل من كون الضمان على المولى تارةً ، وعلى العبد في كسبه اخرى حسبما تضمّنه النصّان.

ولعلّ التفصيل بهذا النحو هو الأصحّ والأقرب ، فيلتزم بالفرق بين الإفساد في مورد الإجارة فالضمان على المولى ، والإفساد في غيره فعلى العبد في كسبه حسبما عرفت مستوفى.

هذا في غير الجناية على نفس أو طرف ، وإلّا فيتعلّق برقبته وللمولى فداؤه (1)بأقلّ الأمرين من الأرش والقيمة (1).


(1) ولا يلزمه الفداء بأكثر من قيمته لو كانت أقلّ من الأرش ، إذ لا يغرّم أهل العبد وراء نفسه شيئاً على ما في صحيحة محمّد بن قيس (2)، كما ذكروا في باب العاقلة أيضاً مثل ذلك وأنّ العبد لا عاقلة له ولا يتحمّل أحد جنايته وإنّما جنايته في نفسه ، كما نطق به النصّ المزبور أيضاً من غير خلاف في المسألة.

إلّا أنّ عبارة المتن لا تستقيم على إطلاقها ، لاختصاص الحكم المزبور بالجناية الخطئيّة على النفس أو الطرف ، فلو قتل العبد خطأ أو قطع يداً مثلاً كذلك كان المولى مخيّراً بين الأمرين كما ذكر ، فله إعطاء الدّية ، أو تسليم العبد ، ليستوفي الحقّ منه حسبما عرفت.

وأمّا في الجناية العمديّة كما لعلّها الظاهر من سياق كلامه (قدس سره) باعتبار أنّ ما سبقه كان في إتلاف العبد وإفساده الذي لو لم يكن ظاهراً في العمد فلا أقلّ من الإطلاق ، ولم يكن مختصّاً بالخطإ قطعاً فلا اختيار حينئذٍ للمولى بوجه ، بل الاختيار إنّما هو بيد وليّ المقتول أو بيد المجنيّ عليه ، فلو قتل عبداً أو حرّا فللوليّ القصاص ابتداءً ، كما له الاسترقاق بلا حاجة إلى رضا المولى بذلك ، وإذا كانت الجناية على الطرف ساغ للمجنيّ عليه استرقاقه فيما إذا كانت الجناية مستوعبة للقيمة ، فكانت هي أي القيمة بمقدار الدّية أو أقلّ.


1) (*) هذا فيما إذا كان القتل أو الجناية خطأ ، وأمّا في فرض العمد فلا خيار للمولى بل لولي المقتول الخيار بين الاقتصاص والاسترقاق ، وكذلك المجني عليه إذا كانت الجناية تحيط برقبة العبد.

2) الوسائل 29 : 213 / أبواب ديات النفس ب 10 ح 2.

[3311] مسألة 10 : إذا آجر دابّة لحمل متاع فعثرت وتلف أو نقص لا ضمان على صاحبها (1) ، إلّا إذا كان هو السبب بنخس أو ضرب.

[3312] مسألة 11 : إذا استأجر سفينة أو دابّة لحمل متاع فنقص أو سرق لم يضمن صاحبها (2). نعم ، لو اشترط عليه الضمان صحّ (1)، لعموم دليل الشرط وللنصّ (3).


نعم ، إذا كانت أكثر توقّف ذلك على التراضي مع المولى ، فإن أعطاه الدية فهو ، وإلّا فيسترقّه بمقدار ما يستحقّه ، فيكون العبد وقتئذٍ مشتركاً بينهما فيباع ويقسّم.

وعلى الجملة : فإطلاق كلام الماتن في غير محلّه ، بل الحكم خاصّ بالخطإ ، وأمّا في العمد فلا خيرة للمولى ، بل التخيير لوليّ المقتول أو المجنيّ عليه على تفصيلٍ مذكور في محلّه حسبما أشرنا إليه.

(1) لعدم استناده إليه بعد أن لم يكن هو السبب في العثرة ، فلا إتلاف في البين ليستوجب الضمان ، بل هو من التلف غير المضمون كآفة سماويّة ، بل قد عرفت في المسألة السابعة أنّ عثرة الحمّال أيضاً كذلك ، فلا يصدق الإتلاف عرفاً إذا لم يكن عن تعدٍّ وتفريط وإن ادّعى الماتن صدقه هناك ، فلاحظ.

(2) لعدم المقتضي له بعد كونه أميناً.

(3) تقدّم في أوّل الفصل عدم نفوذ هذا الشرط ، لقصور دليله عن الشمول له بعد أن كان الضمان وعدمه من أفعال المولى وخارجاً عن عهدة المشروط عليه ، فلم يكن تحت اختياره ، ولا يكاد يكون الشرط مشرّعاً. وأمّا النص


1) (*) على تفصيل تقدّم آنفاً.

[3313] مسألة 12 : إذا حمل الدابّة لمستأجره أزيد من المشترط أو المقدار المتعارف مع الإطلاق ضمن تلفها أو عوارها (1) ، والظاهر ثبوت اجرة المثل لا المسمّى مع عدم التلف ، لأنّ العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل. نعم ، لو لم يكن ذلك على وجه التقييد (1)ثبت عليه المسمّاة وأُجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة.


المشار إليه وهو موثق موسى بن بكر المتقدم في المسألة الأُولى ص 232 فقد عرفت أنّه محمول على شرط الفعل لا شرط النتيجة الذي هو محلّ الكلام ، وهذه المسألة في الحقيقة تكرار لما سبق ، فلاحظ.

(1) لكونه متعدّياً بعد تجاوزه عن الحدّ المشترط عليه ، أو المنصرف إليه الإطلاق الذي هو أيضاً في قوّة الاشتراط ، فلا تكون اليد يد أمانة حينئذٍ ، بل يد عدوان وضمان ، فلا جرم كان تلفها أو عوارها عليه.

هذا بالنسبة إلى حكم التلف أو العوار من عيب أو نقص.

وأمّا بالنسبة إلى الأُجرة التي يستحقّها المؤجر فقد فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين ما إذا كان التحديد المزبور ملحوظاً بنحو الاشتراط ، وبين ما كان على سبيل التقييد.

ففي الأوّل : يستحقّ الأُجرة المسمّاة تجاه المنفعة المقرّرة وأُجرة المثل بالنسبة إلى ما حصل من الزيادة.

وفي الثاني : يستحقّ اجرة المثل لمجموع ما استوفاه من المنفعة ، دون أن


1) (*) المرتكز العرفي هو الاشتراط دون التقييد ، ولو فرض التقييد بنصب القرينة عليه فالظاهر ثبوت الأُجرتين كما سيأتي.

.................................................................................................


يستحقّ شيئاً من الأُجرة المسمّاة ، لعدم حصول ما وقع بإزائها.

أقول : ما أفاده في الفرض الأوّل صحيح ومطابق للقاعدة في كلتا الأُجرتين ، أمّا المسمّاة فلفرض صحّة العقد واستيفاء المنفعة المقرّرة ، وأمّا المثل فلأجل أنّ الزائد لم يكن مورداً للإيجار ، فهو تصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، ولا يذهب مال المسلم هدراً ، فلا جرم يضمن قيمته الواقعيّة ، ونتيجته استحقاق اجرة المثل ، وهذا واضح.

وأمّا الفرض الثاني : الذي هو على خلاف التفاهم العرفي ومرتكزاتهم ، لبعده عن أذهان عامّة الناس في أمثال المقام ، لجريان العادة على لحاظ التحديد المزبور على سبيل الاشتراط كما لا يخفى ، ولكن لو فرضنا حصول الفرض خارجاً بحيث لوحظ الحدّ بنحو التقييد وبشرط لا ، وليفرض التصريح به وأنّه آجره الدابّة في المنفعة الخاصّة وهي حمل عشرة أمنان مثلاً المقيّدة بعدم الزيادة وقد حمّلها المستأجر خمسة عشر منّاً مثلاً فاستوفى منفعة مغايرة لما وقعت الإجارة عليه ومباينة له ، لتضادّ الطبيعة بشرط لا مع الطبيعة بشرط شي‌ء.

فحينئذٍ لا نعرف وجهاً صحيحاً لما أفاده (قدس سره) من سقوط المسمّاة والانتقال إلى المثل ، إذ ما هو المسقط بعد فرض صحّة العقد ، وتمكين المستأجر من العين ليستوفى المنفعة منها؟! غاية الأمر أنّه باختياره فوّت المنفعة على نفسه وأبدلها بمنفعة أُخرى ، فالتفويت مستند إليه لا إلى المؤجر. بل الظاهر استحقاق كلتا الأُجرتين ، أمّا المسمّاة فلما عرفت ، وأمّا المثل فلتصرّفه في المنفعة الأُخرى من غير إذن المالك الذي حرمة ماله كحرمة دمه ولا يذهب هدراً.

وسيصرّح الماتن بذلك في المسألة السادسة من الفصل الآتي المنعقدة للعين المشتملة على المنفعتين المتضادّتين اللتين وقعت الإجارة على إحداهما فاستوفى المستأجر الأُخرى ، كما لو آجره العبد في مدّة معيّنة ليستعمله في الخياطة

[3314] مسألة 13 : إذا اكترى دابّة فسار عليها زيادةً عن المشترط ضمن (1) ، والظاهر ثبوت الأُجرة المسمّاة بالنسبة إلى المقدار المشترط ، وأُجرة المثل بالنسبة إلى الزائد.

[3315] مسألة 14 : يجوز لمن استأجر دابّة للركوب أو الحمل أن يضربها إذا وقفت على المتعارف أو يكبحها باللجام أو نحو ذلك على المتعارف ، إلّا مع منع المالك عن ذلك (2) ، أو كونه معها وكان المتعارف


فاستعمله في الكتابة مثلاً فإنّ لازم اختياره الأُجرتين هناك وهو الصحيح حسبما عرفت اختيارهما في المقام أيضاً بعد اندراجه في تلك الكبرى وكونه من مصاديق تلك المسألة.

فإنّه يستحقّ المسمّاة بمقتضى افتراض صحّة العقد وأُجرة المثل للمنفعة التي استوفاها. وستعرف إن شاء اللّه تفصيل البحث في تلك المسألة.

(1) كما لو استأجرها للسير إلى كربلاء فسار إلى بغداد ، وقد دلّت على الضمان جملة من الروايات التي منها صحيحة أبي ولّاد (1)وغيرها ممّا تضمّن أنّ كلّ من تصرّف في مال أحد من عين أو منفعة ضمن بدله ، فلدى استيفاء المنفعة الزائدة لا بدّ من دفع اجرة المثل زائداً على الأُجرة المسمّاة بإزاء المقدار المشترط كما هو ظاهر.

(2) أي منعاً رافعاً للجواز ، كما لو كان مشروطاً في ضمن العقد ، لوضوح عدم حقّ له في المنع عمّا هو المتعارف بدون ذلك ، أو لقيام قرينة عرفيّة على عدم الجواز كمصاحبة المالك وقيام التعارف على كونه هو السابق. فكلّ ما لم


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1.

سوقه هو ، ولو تعدّى (1) عن المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها ، أمّا في صورة الجواز ففي ضمانه مع عدم التعدّي إشكال ، بل الأقوى العدم ، لأنّه مأذون فيه.

[3316] مسألة 15 : إذا استؤجر لحفظ متاع فسرق لم يضمن إلّا مع التقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه (1)أو مع اشتراط الضمان (2)(2)


يكن قرينة ولا شرط جاز الضرب بمقتضى الإطلاق المنزل على حسب المتعارف.

(1) وهل يضمن لو ترتّب عيب أو عوار على الضرب المزبور؟

فصّل (قدس سره) بين موارد الجواز وعدمه ، ففي الثاني يضمن ، لكونه تعدّياً وتفريطاً وتصرّفاً في مال الغير بغير إذنه ، دون الأوّل ، إذ بعد أن كان مأذوناً من قبل المالك بمقتضى التعارف الخارجي ولم يكن متعدّياً ولا مفرّطاً كما هو المفروض فما يترتّب عليه من الضرر بما أنّه ينتهي إلى المالك فهو صادر بالآخرة عن إذنه وإلغائه احترام ماله ، فلا يكون فيه ضمان. وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح.

(2) أمّا الضمان في مورد التقصير في الحفظ من تعدٍّ أو تفريط فممّا لا إشكال فيه ، إلّا أنّ عدّ غلبة النوم من مصاديق التقصير المزبور لا يستقيم على إطلاقه ، وإنّما يتّجه فيما لو نام بعد الغلبة اختياراً دون ما لو كان مدافعاً ومكافحاً فغلبه النوم قهراً من غير إرادة منه واختيار.

وأمّا استثناء شرط الضمان فوجيه لو كان على سبيل شرط الفعل لا شرط


1) (*) في كونها من التقصير في الحفظ مطلقاً إشكال بل منع.

2) (**) بمعنى التدارك كما تقدّم.

.................................................................................................


النتيجة واشتغال الذمّة حسبما سبق مستوفى ، فلاحظ (1).

ثمّ إنّ الظاهر من كلام صاحب الجواهر الذاكر لهذه المسألة في ذيل المسألة الآتية أعني : مسألة الحمّامي عدم الخلاف فيها وأنّ الأجير على الحفظ من دون تعدٍّ ولا اشتراط لا يكون ضامناً (2).

غير أنّه (قدس سره) ذكر أنّه يستفاد من بعض الأخبار الضمان ، وهو مضافاً إلى مخالفته لما دلّ من الروايات الكثيرة على عدم ضمان الأمين معارَض بصحيحة الحلبي الناطقة بعدم الضمان ، والمرجع بعد التساقط عمومات عدم ضمان الأمين.

أمّا ما دلّ على الضمان فهو موثّق إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه : «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب من الثياب ، لأنّه إنّما أخذ الجعل على الحمّام ولم يأخذ على الثياب» (3).

ونحوها رواية أبي البختري وهب بن وهب وإن كانت ضعيفة جدّاً ، بل قيل : إنّه أكذب البريّة (4).

فذكر (قدس سره) أنّ التعليل الوارد في الموثّق يدلّ بالمفهوم على الضمان فيما إذا كان الجعل بإزاء الثياب بحيث كان الأجير مأموراً بحفظها.

وأمّا ما دلّ على عدمه فهو صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : ... عن رجل استأجر أجيراً فأقعده على متاعه فسرق «قال : هو مؤتمن» (5).


1) في ص 226 - 234.

2) الجواهر 27 : 331.

3) الوسائل 19 : 140 / كتاب الإجارة ب 28 ح 3.

4) الوسائل 19 : 140 / كتاب الإجارة ب 28 ح 2.

5) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 3 ، التهذيب 7 : 218 / 952.

.................................................................................................


حيث إنّ ظاهرها أنّ الإجارة كانت بإزاء الحفظ والقعود ، بقرينة فاء التفريع الظاهر في كون القعود المزبور مترتّباً على الاستئجار رعايةً للحفظ المستأجر عليه.

هذا ، والمذكور في موضعين من الوسائل : فسرقه ، وهو من غلط النسخة جزماً وكذلك الطبعة القديمة من التهذيب ، وصحيحه : فسرق ، كما في التهذيب الطبعة الحديثة منه.

وكيفما كان ، فبعد تعارض النصّين يرجع إلى عمومات عدم ضمان الأمين كما عرفت.

أقول : ما ذكره (قدس سره) حسن لو فسّرنا الموثّقة بما عرفت من الضمان فيما إذا كانت الأُجرة بإزاء حفظ الثياب ، وعدمه لو كانت بإزاء دخول الحمّام ، مع كون السرقة من باب الصدفة من غير تعدٍّ من الحمّامي أو تفريط ، للزوم حملها على هذه الصورة بطبيعة الحال كما لا يخفى.

ولكن من المحتمل تفسيرها بوجهٍ آخر يجعلها أجنبيّة عن محلّ الكلام بالكلّيّة ، بأن تكون ناظرة إلى نوع من الحمّامات التي كانت متداولة في العهد القديم ولا سيّما في القرى وقد شاهدنا بعضها من عدم تعهد الحمّامي بحفظ الثياب رأساً ، بل قد لا يكون موجوداً أصلاً ، فيدخل من يدخل ويغتسل ويخرج من دون أن يدع ثيابه عند أحد اعتماداً على وثوقه بسلامتها.

فلعلّه (عليه السلام) يشير إلى قضيّة خارجية متعارفة من عدم كون صاحب الحمّام ملتزماً ولا مسؤولاً عن الثياب حتى لو كان تلفها مستنداً إلى تفريطه وعدم اهتمامه بالحفظ ، لعدم كونه مأموراً بذلك بوجه ، لكي يكون تلفها محسوباً عليه ، وإنّما يأخذ الأُجرة بإزاء محض الدخول فحسب. فغايته أن تدلّ بالمفهوم على الضمان فيما لو كان مأموراً بالحفظ وقد تعدّى وفرّط فيه لا حتى من غير تقصير الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.

وهل يستحقّ الأُجرة مع السرقة؟ الظاهر : لا ، لعدم حصول العمل المستأجر عليه (1) ، إلّا أن يكون متعلّق الإجارة الجلوس عنده وكان الغرض هو الحفظ لا أن يكون هو المستأجر عليه.

[3317] مسألة 16 : صاحب الحمّام لا يضمن الثياب (2) إلّا إذا أُودع وفرّط أو تعدّى ، وحينئذٍ يشكل صحّة اشتراط الضمان أيضاً لأنّه أمين


فإن تمّ ما ذكرناه ، وإلّا فهي معارضة بالصحيحة ، والمرجع عمومات عدم ضمان الأمين حسبما ذكره (قدس سره).

والمتحصّل ممّا تقدّم : أنّ من استؤجر على حفظ مال ولم يتعدّ ولم يفرّط ولم يشترط عليه الضمان بالمعنى الذي عرفت لا يكون ضامناً له لدى تلفه أو سرقته.

(1) إذ المفروض وقوع الإجارة بإزاء منفعة الحفظ بزعم القدرة عليه بالقدرة على مقدّمته ، فانكشف عدم تمكّنه منه بحسب الواقع ، فلم تكن له هذه المنفعة ليملكها وإن تخيّل أنّها له ، فلا جرم تنفسخ الإجارة فلا يستحقّ الأُجرة (1).

(2) هذه المسألة يمكن تصويرها على وجوه كما تظهر من مطاوي المتن أيضاً :

أحدها : أن يكون صاحب الحمّام أجيراً على حفظ المتاع بحيث يقع الحفظ مورداً للإجارة ، فيدفع الأُجرة بإزاء الدخول والحفظ معاً ، وهذا داخل في المسألة السابقة ، بل هو من أحد مصاديقها ، وقد عرفت عدم ضمانه إلّا مع


1) وبهذا البيان يتّضح الجواب عن تعليقة السيّد البروجردي (قدس سره) في المقام ، فلاحظ.

محض (1)، فإنّه إنّما أخذ الأُجرة على الحمّام ولم يأخذ على الثياب. نعم ، لو استؤجر مع ذلك للحفظ أيضاً ضمن مع التعدّي أو التفريط ومع اشتراط الضمان أيضاً ، لأنّه حينئذٍ يأخذ الأُجرة على الثياب أيضاً فلا يكون أميناً محضاً.


التفريط أو التعدّي كما عرفت حال اشتراط الضمان ، فإنّه عين تلك المسألة فلا نعيد.

ثانيها : أن تقع الأُجرة بإزاء الدخول فقط من غير أن تكون الثياب في عهدة الحمّامي بتاتاً حتى على سبيل الاستيداع ، فهو أجنبي عن الحفظ رأساً كما في جملة من الحمّامات الدارجة في القرى.

وقد عرفت في المسألة السابقة عدم الضمان في هذه الصورة حتى مع التقصير والتفريط في الحفظ ، لعدم كونه مأموراً به بعد فرض خروجه عن عهدته ، وهذا أيضاً واضح.

ثالثها : عين الثانية مع فرض كون الثياب وديعة عنده ، ولا إشكال حينئذٍ في الضمان مع التعدّي أو التقصير ، لكونه خيانة في الأمانة المأمور بحفظها بمقتضى الاستيداع.

وهل يضمن مع الاشتراط؟

استشكل فيه في المتن ، باعتبار أنّه أمين محض ، والأمين محسن ، ومثله لا يضمن حتى مع الشرط.

وفيه : أنّ الأمانة المحضة إنّما تنافي الضمان بمعنى اشتغال الذمّة لا مجرّد التدارك


1) (*) إذا كان الضمان بمعنى التدارك فاشتراطه لا ينافي كونه أميناً.

.................................................................................................


الخارجي ، فلا مانع من اشتراطه ووجوب الوفاء به بمقتضى عموم : «المؤمنون عند شروطهم» ، الشامل للشروط في كافّة العقود التي منها عقد الوديعة.

وبعبارة اخرى : مفهوم الائتمان وإن كان آبياً عن الضمان إلّا أنّه لا شبهة في جواز تصدّي الودعي للتدارك الخارجي من خالص ماله برضاه واختياره ، فإذا كان سائغاً في نفسه فلا مانع من اشتراطه ووجوب الوفاء به بمقتضى عموم دليله.

فالذي لا يمكن الالتزام به في المقام هو الضمان بمعنى الكون في العهدة واشتغال الذمّة ، إذ لا معنى لتضمين المحسن الأمين ، لا الضمان بمعنى التدارك الخارجي. فالظاهر جواز الاشتراط بهذا المعنى في المقام وفي كلّ وديعة.

فصل [في الإجارة الثانية]

يكفي في صحّة الإجارة كون المؤجر مالكاً للمنفعة أو وكيلاً عن المالك لها أو وليّاً عليه (1) وإن كانت العين للغير ، كما إذا كانت مملوكة بالوصيّة أو بالصلح أو بالإجارة فيجوز للمستأجر أن يؤجرها من المؤجر أو من غيره ، لكن في جواز تسليمه العين إلى المستأجر الثاني بدون إذن المؤجر إشكال (1). فلو استأجر دابّة للركوب أو لحمل المتاع مدّة معيّنة فآجرها في تلك المدّة أو في بعضها من آخر ، يجوز ، ولكن لا يسلّمها إليه ، بل يكون هو معها ، وإن ركبها ذلك الآخر أو حمّلها متاعه فجواز الإجارة لا يلازم تسليم العين بيده ، فإن سلّمها بدون إذن المالك ضمن. هذا إذا كانت الإجارة الأُولى مطلقة.


(1) والضابط أن يكون أمر المنفعة بيده ومالكاً للتصرّف فيها ، إمّا لملكيّتها أو لما في حكمها من الوكالة أو الولاية ، وإلّا كان تصرّفه فضوليّاً منوطاً بإجازة المالك.


1) (*) لا يبعد الجواز إذا كان المستأجر الثاني أميناً مع إطلاق العقد كما هو المفروض ، ومع ذلك للمالك مطالبة العين من المستأجر الأوّل بعد انقضاء المدّة ، وبذلك يظهر عدم ضمانه بالتسليم إلى المستأجر الثاني.

.................................................................................................


وأمّا ملكيّة العين فغير معتبرة في صحّة الإجارة ، بل قد تكون لشخصٍ آخر ، ولا يكون المؤجر إلّا مالكاً للمنفعة فقط ، كما لو انتقلت إلى المؤجر بإرث ، أو وصيّة ، أو صلح ، أو مهر ، أو إجارة ، فله نقل هذه المنفعة إلى غيره بالإيجار وإن لم يكن مالكاً للعين ، لعدم دخل هذه الملكيّة في صحّة الإجارة بوجه.

وحينئذٍ فلو استأجر داراً للسكنى أو دابّة للركوب من غير تقييد بالمباشرة ساغ له إيجارها من شخص آخر.

غير أنّه (قدس سره) استشكل في جواز تسليم العين إلى المستأجر الثاني من دون إذن المؤجر ، بل حكم (قدس سره) بعدم جوازه باعتبار أنّ ملكيّة المنفعة لا تستلزم الاستيلاء على العين ، لجواز كون المستولي هو المستأجر الأوّل وإن كان الراكب غيره ، فلو سلّم من دون الإذن فتلفت عند المستأجر الثاني كان ضامناً ، حيث إنّه هو الذي سلّط الغير على العين من دون إجازة المالك. وعلى الجملة : فصحّة الإجارة الثانية لا تلازم تسليم العين.

وفيه : أنّ لازم الإجارة المتضمّنة لتمليك المنفعة مع توقّف استيفائها على الاستيلاء على العين عادةً هو جواز تسليمها.

والذي يرشدك إلى ذلك عدم التأمّل من أحد في أنّ المستأجر لو مات فانتقلت المنفعة إلى وارثه ساغ له الانتفاع من غير حاجة إلى الاستئذان من مالك العين ، والوجه فيه ظاهر ، فإنّ المنفعة تنتقل إلى الوارث على النحو الذي كانت للمورث ، فكما كان له استيفاؤها الملازم للاستيلاء على العين فكذلك الوارث الذي هو قائم مقامه ويتلقّاها منه على النحو الذي كانت له ، ومعه لا مقتضي للاستجازة من المالك.

فإذا كان الأمر في الوارث ذلك ففي الإجارة أيضاً كذلك بمناط واحد ، فينقل المستأجر الأوّل إلى الثاني نفس ما كان له من الحقّ ، أعني : استيفاء المنفعة من

.................................................................................................


العين مع كونها تحت يده.

وبعبارة أُخرى : ترخيص المالك في استيلاء المستأجر على العين إنّما هو بلحاظ وصفه العنواني ، فهو ثابت لمالك المنفعة بما هو مالك المنفعة مقدّمةً لاستيفائها لا لشخصه وذاته ، ومقتضى ذلك تعلّق هذه السلطة والسيطرة لكلّ من كان مالكاً للمنفعة ، فحيثما انتقلت انتقل الحقّ معها بطبيعة الحال ، سواء أكان الانتقال بسبب غير اختياري كالإرث أو اختياري من صلح أو إجارة ونحوهما. والظاهر استقرار بناء العقلاء أيضاً على ذلك.

نعم ، بما أنّ العين أمانة عند المستأجر الأوّل فلا بدّ له من المحافظة عليها ، ولا يسوغ تعريضها للخطر ، فلا يجوز له إجارتها من جائر خائن لا يؤمن منه على العين ، كما لا يجوز إعطاؤها له للانتفاع مجّاناً ومن غير إجارة.

وعلى الجملة : فالدفع إلى الغير تبرّعاً أو إجارة وإن كان سائغاً من غير حاجة إلى إجازة المالك حسبما عرفت ، إلّا أنّه لا بدّ من مراعاة الأمانة والسلامة عن المخاطرة.

ويترتّب على ذلك أنّ العين لو تلفت عند المستأجر الثاني بآفة سماويّة لم يضمن وإن سلّمها إليه بدون الإذن خلافاً للماتن (قدس سره) إذ التسليم بعد إن كان سائغاً وعن حقّ فليس هنا أيّ موجب للضمان ، إلّا إذا كان مفرّطاً في الحفظ ، وهو أمر آخر.

نعم ، بما أنّ المالك سلّم العين إلى المستأجر الأوّل فله مطالبتها منه بعد انقضاء المدّة ، وليس له الامتناع والإحالة إلى المستأجر الثاني ، لأنّ الحقّ المزبور كان محدوداً بزمان الإجارة ولا حقّ له في الزائد عليه ، بل لا بدّ بعد الانقضاء من ردّ الأمانة إلى أهلها.

وعلى الجملة : فالإجارة الثانية صحيحة ، ولا يكون المستأجر الأوّل ضامناً

وأمّا إذا كانت مقيّدة ، كأن استأجر الدابّة لركوبه نفسه (1) ، فلا يجوز إجارتها من آخر (1)(2)


ما لم يكن مفرّطاً ، ويجب عليه الردّ بنفسه إلى المالك بعد انقضاء المدّة.

هذا ما تقتضيه القاعدة ، بل عليه السيرة العقلائيّة ، وتؤكّده عدّة أخبار دلّت بإطلاقها على ما ذكرناه وردت في الدابّة المستأجرة ، كما في صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل استأجر دابّة فأعطاها غيره فنفقت ، ما عليه؟ «قال : إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها ، وإن لم يسمّ فليس عليه شي‌ء» (2)، دلّت على الضمان مع التفريط ، فبدونه لا ضمان ، لكونه مالكاً للمنفعة ، فله إركاب أيّ شخص أراد ، فإذا كان الإركاب جائزاً فلا يفرق فيه مع الأُجرة أو بدونها بمقتضى الإطلاق.

ووردت أيضاً في إجارة الأرض للزراعة وأنّه يجوز للمستأجر أن يؤجرها لغيره ، فإنّ من الواضح أنّ إجارتها للزراعة لا تكون غالباً إلّا بتسليم العين ، وإلّا ففرض بقائها عند المؤجر لعلّه نادر جدّاً.

(1) بحيث كان مورد الإجارة هي المنفعة الخاصّة ، وهذه هي الصورة الاولى من الصور الأربع المشار إليها في المتن.

(2) تكليفاً ، بل ولا وضعاً ، فتبطل كما صرّح به في ذيل كلامه ، معلّلاً بعدم كونه مالكاً إلّا ركوب نفسه ولا يملك غيره ليملّكه.


1) (*) التقييد لا ينافي جواز الإجارة من آخر ، وذلك كما إذا استأجرت المرأة داراً لسكناها مقيّدة ثمّ تزوّجت ، فإنّه يجوز لها أن تؤجرها من زوجها لسكناها ، وبذلك يظهر ما في الحكم بالبطلان على الإطلاق بُعَيد ذلك.

2) الوسائل 19 : 118 / كتاب الإجارة ب 16 ح 1.

كما أنّه إذا اشترط المؤجر عدم إجارتها من غيره (1)


وهو وجيه فيما لو كان المتصدّي للانتفاع والمستوفى للمنفعة المستأجرة في الإجارة الثانية هو ذلك الغير ، أمّا لو كان هو المستأجر الأوّل بشخصه فلا ضير فيه لا تكليفاً ولا وضعاً ، فإنّ العبرة في ملاحظة التقييد المزبور بالاستيفاء الخارجي لا بالملكيّة ، فمتى كان المستوفي هو المستأجر المذكور فقد روعي التقييد وإن كان المالك للمنفعة غيره.

نعم ، ظاهر عبارة المتن إرادة الفرض الأوّل كما لا يخفى.

ويتصوّر هذا الفرض فيما لو استأجرت المرأة داراً على أن تسكنها بنفسها على سبيل التقييد فتزوّجت بعدئذٍ وأصبح سكناها على زوجها ، فآجرت الدار لزوجها على أن يسكنها فيها ، فإنّ الإجارة الثانية لا تنافي التقييد المزبور ، إذ المتصدّي للسكونة كان بالآخرة هي الزوجة ، غايته أنّ الملكيّة كانت لها أيضاً فصارت لغيرها ولا ضير فيه بوجه.

ونحوه ما لو استأجرت دابّة لركوبها أو حمل متاعها بشخصها إلى كربلاء ذهاباً وإياباً ، ثمّ تزوّجت في كربلاء وآجرت الدابّة لزوجها من أجل حملها أو حمل متاعها إلى النجف.

(1) فكانت المنفعة المطلقة مورداً للإجارة ولكن مشروطاً بعدم الإيجار من شخص آخر. وهذه هي الصورة الثانية.

وقد حكم (قدس سره) بعدم جواز الإيجار حينئذٍ من الغير تكليفاً ، وذكر في ذيل كلامه (قدس سره) أنّ في عدم الجواز وضعاً أعني : البطلان وعدمه وجهين مبنيّين على أنّ الشرط هل يوجب قصر سلطنة المشروط عليه ليحكم بالفساد ، أو لا؟

.................................................................................................


أقول : أمّا عدم الجواز تكليفاً فواضح بعد ملاحظة وجوب الوفاء بالشرط.

وأمّا عدمه وضعاً فيما لو خالف وآجر عامداً أو غافلاً وأنّ الإجارة الثانية هل تبطل أو أنّها محكومة بالصحّة وغايته الخيار للمشترط وهو المؤجر الأوّل باعتبار تخلّف الشرط ، ففيه كلام طويل الذيل مبنيّ على ما ذكره (قدس سره) من أنّ الشرط هل يستوجب قصر سلطنة المشروط عليه ، أو لا يترتّب عليه عدا وجوب الوفاء تكليفاً وتعلّق الخيار وضعاً؟

والمحقّق لدينا إنّما هو الثاني ، لما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح لدى تحليل مفهوم الشرط من أنّه إمّا أن يرجع إلى تعليق الالتزام بالعقد على تحقّق وصف خارج عن الاختيار ككتابة العبد ، أو إلى تعليق نفس العقد على الالتزام بشي‌ء كما لو كان الشرط فعلاً كالخياطة ونحوها ومنها عدم الإيجار في المقام ، ونتيجته أمّا الإلزام بالوفاء أو جعل الخيار على سبيل منع الخلوّ وإن كان هذا الخيار قابلاً للإسقاط أيضاً كما في سائر الخيارات.

ولم يظهر من شي‌ء ممّا دلّ على نفوذ الشرط عدا ما عرفت من الإلزام أو الخيار الذي هو من شؤون الوفاء بالعقد المشتمل عليه ، فللمشروط له إلزامه ، كما أنّ له إعمال الخيار أو إسقاطه ، وأمّا قصر سلطنته الوضعيّة بحيث لم ينفذ تصرّفه لو خالف فلا يكاد يظهر من شي‌ء من الأدلّة.

وهذا الكلام مطّرد في كافّة الموارد التي شرط فيها عدم إيقاع شي‌ء من المعاملات حتى في مثل النكاح أو الطلاق ، فإنّه لم يقم أيّ دليل على تحديد السلطنة وقصرها لدى تعلّق الشرط ونفوذه ، بحيث لم تكن تلك المعاملة نافذة لو أوقعها.

إذن فالظاهر هو الجواز وضعاً ، ولو كان ناسياً أو غافلاً فتكليفاً أيضاً ، إذ لا عصيان مع النسيان ، وغايته ثبوت خيار التخلّف للمؤجّر الأوّل ، فلو اختار

أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه (1) كذلك أيضاً ، أي لا يجوز إجارتها من الغير ،


الفسخ له المطالبة بأُجرة المثل. ومن المعلوم أنّ حرمة الإيجار مع الالتفات لا تستوجب البطلان ، لعدم اقتضاء النهي للفساد في باب المعاملات.

(1) وهي الصورة الثالثة ، ولكن الظاهر رجوعها إلى الصورة الأُولى إمّا حقيقةً أو حكماً ، فإنّ هذا الاشتراط إذا بنينا على رجوعه إلى التقييد كما استظهرناه سابقاً (1)، حيث عرفت أنّ القيود العائدة إلى الأعمال أو المنافع كأن يقول : آجرتك للخياطة بشرط أن تكون بالكيفيّة الكذائيّة ، أو في الزمان أو المكان الكذائي ، فهي في الحقيقة ترجع إلى التقييد في متعلّق الإجارة وإن أُبرزت بلسان شرط ، فكان من الأوّل مورد الإيجار ومصبّه هو المنفعة الخاصّة والأُجرة واقعة بإزاء تلك الخياطة المخصوصة مثلاً وفي المقام بإزاء تلك السكنى أو الركوب الخاصّ.

فعلى ذلك تكون هذه الصورة هي صورة التقييد المتقدّمة بعينها ويجري فيها ما ذكرناه من صحّة الإجارة الثانية فيما لو كان المستوفي للمنفعة والمباشر لها هو المؤجر بنفسه ، وبطلانها لو كان المتصدّي للانتفاع غيره حسبما مرّ ، فلاحظ.

وأمّا لو أنكرنا ذلك وبنينا على كونه من باب الشرط حقيقةً ، أي الالتزام في ضمن الالتزام من غير أن يرجع إلى التقييد بوجه ، فكان المملوك المنفعة المطلقة بشرط استيفائها بنفسه لنفسه ، فهذا يلحق أيضاً بالتقييد بحسب النتيجة وإن لم يكن منه حقيقةً ، فإنّ الإجارة الثانية لا تسوّغ تكليفاً من جهة الاشتراط كما هو واضح ولا وضعاً ، لمنافاته مع وجوب الوفاء بالشرط ، لامتناع الجمع بين


1) في ص 89 - 94.

.................................................................................................


وجوب الوفاء بعقد الإجارة الثانية وبين وجوب الوفاء بالشرط الواقع في ضمن الإجارة الأُولى ، فإنّ مقتضى الثاني مباشرته بنفسه ، ومقتضى الأوّل مباشرة غيره ، وهما متضادّان ، والحكمان غير قابلين للامتثال معاً خارجاً.

وحيث إنّ المفروض صحّة الشرط فلا يبقى بعدئذٍ مجال للوفاء بالعقد ليتّصف بالصحّة ، فلا جرم يحكم بفساده.

ونظيره ما تقدّم في كتاب الحجّ من أنّ المستطيع لا يصحّ منه إيجار نفسه للنيابة في عام الاستطاعة ، لأنّ وجوب الحجّ لنفسه لا يجتمع مع وجوب الوفاء بعقد الإجارة في حجّ النيابة ، والترتّب لا يجري في أمثال المقام بأن يؤمر بالحجّ لنفسه أوّلاً وعلى تقدير المخالفة فبالوفاء بعقد الإجارة ، لاستلزامه التعليق في العقد المبطل له إجماعاً. نعم ، لا مانع من تصحيح نفس الحجّ النيابي بالترتّب والحكم بفراغ ذمّة المنوب عنه وإن كان النائب عاصياً مع الالتفات واستحقاق اجرة المثل. وأمّا صحّة الإجارة لكي يستحقّ الأُجرة المسمّاة فلا سبيل إليها حتى بنحو الترتّب. وتمام الكلام في محلّه (1).

وعلى الجملة : فهذه الصورة ترجع إلى الصورة الاولى إمّا موضوعاً أو لا أقلّ حكماً ، فلا تجوز الإجارة الثانية لا تكليفاً ولا وضعاً حسبما عرفت ، إلّا إذا كان المستوفي للمنفعة في الإجارة الثانية هو نفس المؤجر.

فإن قلت : مقتضى ما ذكرت هو الالتزام بالبطلان في الصورة الثانية أيضاً أعني : ما إذا كان الشرط عدم الإيجار من الغير إذ يجري فيها أيضاً ما سبق من التنافي بين الوفاء بكلّ من الشرط والعقد.

قلت : كلّا ، إذ الشرط هناك هو نفس عدم الإيجار ، فمتى آجر فقد خالف الشرط وارتكب الحرام ، ولا نظر للشرط إلى ما بعد الارتكاب والمخالفة ، فلا


1) شرح العروة 27 : 10.

نعم ، لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه ولم يشترط كونها لنفسه جاز أيضاً إجارتها من الغير (1) بشرط أن يكون هو المباشرة للاستيفاء لذلك الغير ، ثمّ لو خالف وآجر في هذه الصور ففي الصورة الاولى وهي ما إذا استأجر الدابّة لركوبه نفسه بطلت ، لعدم كونه مالكاً إلّا ركوبه نفسه فيكون المستأجر الثاني ضامناً لُاجرة المثل للمالك إن استوفى المنفعة ، وفي الصورة الثانية والثالثة في بطلان الإجارة وعدمه وجهان (1)مبنيّان على أنّ التصرّف المخالف للشرط باطل ، لكونه مفوّتاً لحقّ الشرط ، أو لا بل حرام وموجب


مانع من الحكم بصحّة الإجارة الصادرة بعد افتراض وقوعها خارجاً. وهذا بخلاف المقام ، فإنّ الشرط هنا هو المباشرة ، وكيف يمكن الحكم بوجوبها وفي عين الحال يحكم بصحّة الإجارة الثانية ووجوب الوفاء بها المستلزم لعدم المباشرة؟! فلا مناص هنا من الحكم بالبطلان حسبما عرفت.

وهذا البيان مطّرد في كلّ مورد وجب شي‌ء وكان الوفاء بالعقد منافياً له ، فإنّ دليل وجوب الوفاء لا يكاد يشمل ذلك العقد ، لأنّ شموله له على سبيل الإطلاق منافٍ لذاك الواجب ولا يجتمعان معاً حسب الفرض ، وعلى سبيل الترتّب يستلزم التعليق المبطل للعقد ، فلا مجال لتصحيح العقود بالترتّب في أمثال المقام.

(1) هذه هي الصورة الرابعة في كلامه ، والوجه في الجواز هنا ظاهر ، لعدم التنافي بين الشرط المزبور وبين الوفاء بالإجارة الثانية ، بأن يكون هو المتصدّي والمباشر للاستيفاء لذلك الغير ، كما لو استأجر الدابّة أو السيّارة لحمل


1) (*) أظهرهما الثاني في الصورة الثانية ، وأمّا الصورة الثالثة فهي إن لم تكن الصورة الأُولى بعينها فمتّحدة معها حكماً غير أنّه لا يجوز فيها الإجارة من الغير مطلقاً.

للخيار ، وكذا في الصورة الرابعة (1)إذا لم يستوف هو بل سلّمها إلى ذلك الغير.


المتاع مشروطاً بأن يكون هو السائق مباشرةً فآجرها من غيره لحمل متاعه وكان هو السائق نفسه. وهذا واضح.

وإنّما الكلام فيما لو خالف فلم يستوف هو ، بل سلّمها إلى ذلك الغير ، فقد احتمل البطلان في المتن.

ولم يتّضح له أيّ وجه صحيح ، إذ لا مقتضي له بعد ما عرفت من عدم التنافي بين العمل بكلّ من الشرط والوفاء بالعقد أي الإجارة الثانية غايته أنّه بسوء اختياره خالف الشرط وارتكب الحرام بتسليم العين للغير. وهذا كما ترى أجنبي عن صحّة العقد المزبور ولا يترتّب عليه عدا الإثم ، وخيار التخلّف للمؤجّر الأوّل من دون أن يستتبع البطلان في الإجارة الثانية بوجه.

نعم ، لو اشترط على المؤجر في الإجارة الثانية تسليم العين فبما أنّ هذا الشرط فاسد إذ لا حقّ له في هذا التسليم بعد منع المالك بمقتضى اشتراط المباشرة في الإجارة الأُولى فطبعاً يندرج المقام في كبرى أنّ الشرط الفاسد هل يفسد العقد أو لا؟ فتفسد الإجارة المزبورة بناءً على القول بالإفساد. ولكن الأظهر كما هو المحرّر في محلّه عدمه ، إذ الشرط التزام آخر في ضمن الالتزام ، ولم يكن العقد معلّقاً عليه لكي يسري فساده إليه ، فوجوده بعد عدم نفوذه في حكم العدم ، فلا جرم يحكم في المقام بصحّة الإجارة.


1) الظاهر عدم بطلان الإجارة في هذه الصورة ، فإنّ حرمة التسليم لا تلازم بطلان الإجارة ، بل الظاهر عدم البطلان مع اشتراط التسليم أيضاً ، فإنّ بطلان الشرط لا يوجب بطلان العقد الواقع فيه الشرط على الأظهر.

[3318] مسألة 1 : يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة وما بمعناها أن يؤاجر العين المستأجرة بأقلّ ممّا استأجر وبالمساوي له مطلقاً (1) أيّ شي‌ء كانت ، بل بأكثر منه أيضاً إذا أحدث فيها حدثاً (2) أو كانت الأُجرة من غير جنس الأُجرة السابقة (3) ، بل مع عدم الشرطين أيضاً


(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وهو المطابق لمقتضى القاعدة بعد افتراض كون المستأجر مالكاً للمنفعة المطلقة غير المقيّدة بالمباشرة ، واختصاص ما سيجي‌ء من دليل المنع بغير المقام.

(2) كتبييض الغرفة ، أو إصلاح الدرج ، أو توسيع المسلك ، ونحوها ممّا يصدق معه أنّه عمل عملاً وأحدث حدثاً ، ولا إشكال في الجواز حينئذٍ أيضاً ، لكون الروايات الآتية المانعة مقيّدة بعدم ذلك ، مضافاً إلى عمومات الصحّة وإطلاقاتها بعد سلامتها عن التقييد.

(3) كما لو كانت في إحداهما نقداً وفي الأُخرى عروضاً ، أو عملاً.

والوجه فيه أي في لزوم اتّحاد الجنس - : ظاهر ، فإنّ الممنوع في الأخبار إنّما هو الإيجار بالأكثر ، الظاهر في التفضيل في نفس الأُجرة ، بأن تكون الأكثريّة صفة للأُجرة نفسها لا لقيمتها ، بحيث تكون النسبة بين الأُجرتين نسبة الأقلّ والأكثر ، وهذا يستلزم المشاركة في ذات الجنس والاختلاف بحسب الكمّ لكي يصدق أنّ إحداهما أكثر من الأُخرى ، وإلّا فمع الاختلاف في الجنس وافتراضهما متباينين كالدابّة والفرس لا يصدق أنّ إحداهما أكثر من الأُخرى ، إذ لا معنى لكون الفرس أكثر من الدابّة إلّا بعناية القيمة ورعايتها ، وقد عرفت ظهور الأدلّة في كون الأكثريّة صفة لنفس الأُجرة لا لقيمتها ، فمثل ذلك غير مشمول للأخبار.

.................................................................................................


ولكن هذا البيان إنّما يستقيم بالإضافة إلى الأموال التي تقوم بالقيمة ، بحيث تكون القيمة شيئاً آخر وراء نفس المال ، كما في الحنطة والفرس ونحوهما من أنواع السلع ممّا تقوم بمثل الدرهم أو الدينار.

وأمّا إذا كانت الأُجرة نفس الدرهم والدينار أو الريال والدولار ونحوها من الأوراق النقديّة الدارجة المتمحّضة في الثمنيّة والتي لا شأن ولا حيثيّة لها غالباً ما عدا الصرف في الأثمان من دون نظر إلى ذوات الأعيان وخصوصيّاتها ، فاختلاف الأجناس في مثل ذلك غير مانع عن صدق عنوان الأكثر في نظر العرف.

والسرّ فيه : ما أشرنا إليه بالمناسبة في بعض المباحث السابقة من اختلاف البائع والمشتري في وجهة النظر لدى التصدّي للمعاملة ، حيث إنّ المشتري نظراً إلى حاجته إلى السلعة يدقّق النظر في الخصوصيّة مضافاً إلى ملاحظة القيمة ، وأمّا البائع فقصارى همّته الاسترباح والمحافظة على الماليّة ، ومن ثمّ لا يعطف نظره إلى خصوصيّات الثمن ولا إلى جنسه وماهيّته ، بل إلى ربحه وماليّته.

وعليه ، فلو استأجر الدار بعشرة دنانير ثمّ آجرها بخمسين دولاراً أو مائة ريال سعودي وفرضنا أنّ الماليّة في الإجارة الثانية أوفر ، فضلاً عمّا لو استأجرها بمائة درهم المعادلة لخمسة دنانير ثمّ آجرها بعشرة دنانير ، يصحّ القول حينئذٍ من دون أيّة عناية بأنّه آجرها بالأكثر وإن كانت الاجرتان متباينتين وتعدّان من جنسين متغايرين ، لما عرفت من أنّ كلّاً من الدينار أو الدولار إنّما يلاحظان بما أنّهما مال لا بما أنّهما مال خاصّ ، فلا جرم تشمله الأخبار ويحكم بعدم صحّة الإيجار.

فيما عدا البيت والدار والدكّان والأجير ، وأمّا فيها فإشكال (1) ، فلا يترك الاحتياط بترك إجارتها بالأكثر (1)،


(1) لا يخفى أنّ المسألة وإن لم تكن إجماعيّة وقد نقل الخلاف عن بعضهم ، إلّا أنّ الظاهر أنّه ليس في البين وجه صحيح للاستشكال بعد صراحة الأخبار المعتبرة في عدم الجواز من غير أيّ معارض حتى رواية ضعيفة ، فإنّ رفع اليد عنها مع هذه الحالة والحمل على الكراهة مخالف لمقتضى الصناعة جدّاً كما لا يخفى.

أمّا البيت والأجير فقد دلّت على عدم الجواز فيهما ما رواه المشايخ بسند معتبر عن أبي الربيع الشامي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يتقبّل الأرض من الدهاقين ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا تقبّلها به ويقوم فيها بحظ السلطان «فقال : لا بأس به ، إنّ الأرض ليست مثل الأجير ولا مثل البيت ، إنّ فضل الأجير والبيت حرام» (2).

ولا خدش في السند إلّا من ناحية أبي الربيع نفسه ، ولكن الأظهر وثاقته ، لوجوده في اسناد تفسير علي بن إبراهيم.

وتؤيّدها رواية ابن ميمون الواردة بهذا المضمون وإن لم تكن نقيّة السند (3).

ويمكن استفادة عدم الجواز في البيت من إطلاق الأخبار المانعة الآتية


1) (*) بل الأظهر ذلك كما أنّ الأظهر ترك إجارتها بغير الجنس أيضاً إذا كانت الأُجرة من النقود أو ما بحكمها.

2) الوسائل 19 : 125 / كتاب الإجارة ب 20 ح 3 ، الكافي 5 : 271 / 1 ، الفقيه 3 : 157 / 688 ، التهذيب 7 : 203 / 894 ، الاستبصار 3 : 129 / 463.

3) الوسائل 19 : 126 / كتاب الإجارة ب 20 ح 5.

.................................................................................................


الواردة في الدار ، إذ قد لا يكون لها إلّا بيت واحد ، فيرجع في الحقيقة إلى إجارة البيت فيشمله إطلاق تلك الأخبار ، فتدبّر.

وأمّا الحانوت فتدلّ عليه معتبرة أبي المغراء ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يؤاجر الأرض ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها «قال : لا بأس ، إنّ هذا ليس كالحانوت ولا الأجير ، إنّ فضل الحانوت والأجير حرام» (1).

وأمّا الدار فقد دلّت على عدم الجواز فيها عدّة من الأخبار :

منها : موثّقة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) : «أنّ أباه كان يقول : لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً» (2). دلّت بالمفهوم على ثبوت البأس إذا لم يصلح.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لو أنّ رجلاً استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس ، ولا يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إلّا أن يحدث فيها شيئاً» (3).

ومنها : صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يستأجر الدار ثمّ يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به «قال : لا يصلح ذلك إلّا أن يحدث فيها شيئاً» (4).

فالأظهر عدم جواز الإيجار بالأكثر في هذه الموارد الأربعة ، لهذه النصوص المعتبرة السليمة عن المعارضة من دون أيّ مقتضٍ للحمل على الكراهة حسبما


1) الوسائل 19 : 125 / كتاب الإجارة ب 20 ح 4.

2) الوسائل 19 : 129 / كتاب الإجارة ب 22 ح 2.

3) الوسائل 19 : 129 / كتاب الإجارة ب 22 ح 3.

4) الوسائل 19 : 130 / كتاب الإجارة ب 22 ح 4.

بل الأحوط إلحاق الرَّحَى (1)(1)


سمعت ، فيحكم ببطلان الإجارة.

وأمّا غيرها فقد وقع الكلام في إلحاق الأرض والسفينة والرَّحَى ، وستعرف الحال فيها.

(1) فقد وردت في روايتين :

إحداهما : صحيحة سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّي لأكره أن استأجر الرَّحَى وحدها ثمّ أُؤاجرها بأكثر ممّا استأجرتها ، إلّا أن أحدث فيها حدثاً أو أغرم فيها غرماً» (2).

الثانية : موثّقة سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّي لأكره أن استأجر رحى وحدها ثمّ أُؤاجرها بأكثر ممّا استأجرتها به ، إلّا أن يحدث فيها حَدَثاً أو يغرم فيها غرامة» (3).

هكذا في الوسائل ، والظاهر أنّ النسخة غلط ، والصواب كما في الكافي ونسخة من التهذيب : «حَدَثٌ» بالرفع وبناء الفعلين على المجهول ، لعدم سبق ذكر من غير المتكلّم حتى يرجع الضمير إليه كما لا يخفى.

وكيفما كان ، فهاتان الروايتان اللتان رواهما المشايخ الثلاثة وإن كانتا معتبرتي السند إلّا أنّ الدلالة فيهما قاصرة ، لعدم دلالة الكراهة على الحرمة


1) لا بأس بترك الاحتياط فيه.

2) الوسائل 19 : 124 / كتاب الإجارة ب 20 ح 1 ، الفقيه 3 : 149 / 653.

3) الوسائل 19 : 130 / كتاب الإجارة ب 22 ح 5 ، الكافي 5 : 273 / 9 ، التهذيب 7 : 204 / 900 ، وفي الفقيه 3 : 149 / 653 ، عن سليمان بن خالد مثله.

والسفينة (1) بها أيضاً في ذلك.


الشرعيّة بوجه ، وإن كانت ربّما تجتمع معها في لسان الأخبار فيطلق المكروه على الحرام ، إلّا أنّه أعمّ فلا يدلّ عليه.

(1) يدلّ على المنع فيها مفهوم موثّقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة ، ولكن قد يناقش بأنّ اقترانها فيها بالأرض بعد البناء على الجواز فيها كما ستعرف يكشف عن أنّ البأس المدلول عليه بالمفهوم أعمّ من الكراهة ، فلا يدلّ على الحرمة.

ويندفع : بما أوضحناه في الأُصول (1)من أنّ الأمر والنهي لم يوضعا إلّا لإبراز اعتبار البعث أو الزجر ، ولم يكن الوجوب أو الاستحباب ولا الحرمة أو الكراهة مدلولاً للفظ ، وإنّما هي بحكومة العقل بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة تنتزع من اقتران الأمر أو النهي بالترخيص في الترك أو الفعل وعدمه ، فمتى ثبت الاقتران كشف عن كون الاعتبار المزبور مجعولاً على سبيل الاستحباب أو الكراهة ، وإلّا استقلّ العقل بالوجوب أو الحرمة خروجاً عن عهدة الطلب المولوي العاري عن الترخيص بعد قضائه بأنّه لو عاقب المولى وقتئذٍ كان عقابه مع البيان ، فالمستعمل فيه اللفظ دائماً معنى واحد لا معنيان لتكون المقارنة المدّعاة في المقام قرينة على الاستعمال في الأعمّ.

وعلى هذا الأساس أنكرنا قرينيّة اتّحاد السياق فيما لو ورد الأمر بجملة أُمور ثبت استحباب بعضها من الخارج ، كما في مثل قوله : اغتسل للجمعة والجنابة ، بناءً على استحباب غسل الجمعة ، فإنّ اقتران الأمر فيه بالترخيص في الترك


1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 86 - 89.

والأقوى جواز ذلك مع عدم الشرطين في الأرض على كراهة (1) وإن كان الأحوط الترك فيها أيضاً ، بل الأحوط الترك في مطلق الأعيان إلّا مع إحداث حدث فيها.


الثابت من الخارج لا يكشف عن استعمال الأمر في الجامع بين الوجوب والاستحباب لتضعف دلالته على الوجوب في الجنابة.

وهذه الكبرى منطبقة على المقام ، فإنّ قيام القرينة الخارجيّة على إرادة الكراهة من البأس المتعلّق بالثلاثة في الموثّقة بالإضافة إلى خصوص الأرض لا يكشف عن الاستعمال في الأعمّ ، بل البأس في السفينة ثابت والترخيص غير ثابت ، فلا جرم يستقلّ العقل بالحرمة حسبما عرفت.

إذن فالقول بالحرمة لو لم يكن أظهر فلا ريب أنّه مقتضى الاحتياط الوجوبي كما صنعه في المتن.

(1) جمعاً بين طائفتين مختلفتين من الأخبار الواردة في الأرض ، حيث يظهر من جملة منها الجواز ، وعمدتها معتبرتا أبي الربيع الشامي وأبي المغراء المتقدّمتان.

وبإزائها جملة أُخرى دلّت على عدم الجواز :

منها : صحيحة الحلبي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أتقبّل الأرض بالثلث أو الربع فأُقبّلها بالنصف «قال : لا بأس به» قلت : فأتقبّلها بألف درهم ، وأُقبّلها بألفين «قال : لا يجوز» قلت : لِمَ؟ «قال : لأنّ هذا مضمون وذلك غير مضمون» (1).


1) الوسائل 19 : 126 / كتاب الإجارة ب 21 ح 1.

.................................................................................................


حيث تضمّنت التفصيل في التقبيل بين الكسر المشاع وبين العدد الصحيح ، وأنّه يجوز أخذ الفضل في الأوّل وهو ما زاد على النصف بعد دفع الثلث مثلاً إلى المؤجر الأوّل ، أعني : السدس معلّلاً بعدم كونه مضموناً ومأموناً عن الزيادة والنقصان ، لجواز تلف الحاصل أو قلّته أو كثرته ، فلم يكن شيئاً منضبطاً ، بخلاف الثاني. فلا يجوز إيجار ما استأجره ألفاً بألفين.

وموثّقة إسحاق بن عمّار : «إذا تقبّلت أرضاً بذهب أو فضّة فلا تقبّلها بأكثر ممّا تقبّلتها به ، وإن تقبّلتها بالنصف والثلث فلك أن تقبّلها بأكثر ممّا تقبّلتها به ، لأنّ الذهب والفضّة مضمونان» (1).

وموثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إذا تقبّلت أرضاً بذهب أو فضّة فلا تقبّلها بأكثر ممّا قبّلتها به ، لأنّ الذهب والفضّة مصمتان ، أي لا يزيدان» (2).

فيرفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية في المنع فيما لو كانت الأُجرة من الذهب والفضّة وما بحكمهما من العدد الصحيح بصراحة الاولى في الجواز وتحمل على الكراهة جمعاً.

وقد يقال بأنّ الطائفة الأُولى مطلقة ، والثانية مقيّدة بما إذا كانت الأُجرة من الذهب والفضّة ونحوهما ممّا هو مضمون ، ومقتضى الصناعة حمل المطلق على المقيد لا الحمل على الكراهة.

ويندفع : بأنّ النسبة بين الطائفتين هو التباين لا العموم والخصوص المطلق لكي تعالج المعارضة بارتكاب التقييد.


1) الوسائل 19 : 127 / كتاب الإجارة ب 21 ح 2.

2) الوسائل 19 : 128 / كتاب الإجارة ب 21 ح 6.

هذا ، وكذا لا يجوز أن يؤاجر بعض أحد الأربعة المذكورة بأزيد من الأُجرة (1) كما إذا استأجر داراً بعشرة دنانير وسكن بعضها وآجر البعض الآخر بأزيد من العشرة فإنّه لا يجوز بدون إحداث حدث ، وأمّا لو آجر بأقلّ من العشرة فلا إشكال ، والأقوى الجواز بالعشرة أيضاً وإن كان الأحوط تركه.


والوجه فيه : أنّ التقبيل الوارد في لسان الأخبار يطلق تارةً في مورد المزارعة ، وأُخرى في موارد الإجارة ، فهو اسم لمفهوم جامع بين البابين ، ولا شكّ في بطلان الإجارة بالثلث أو الربع من حاصل الأرض ، بل حتى إذا عيّنت بمثل عشرة أمنان من حاصلها بلا إشكال فيه على ما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى (1)، وإنّما يصحّ ذلك في باب المزارعة ، حيث تعيّن الحصّة عندئذٍ بمثل الثلث أو الربع ونحوهما من أنواع الكسر المشاع ، إذن فتقبيل الأرض بالثلث أو الربع الذي تضمّنته الطائفة الثانية المفصّلة ناظر إلى باب المزارعة وأجنبي عن الإجارة بالكلّيّة ، فيكون حاصل مفادها : التفصيل في التقبيل بين ما كان على سبيل المزارعة فيجوز التفضيل ، وما كان من قبيل الإجارة فلا يجوز.

وعلى هذا ففي مورد الإجارة تكون هذه معارضة مع الطائفة الأُولى المجوّزة والواردة في مورد الإجارة صريحاً بالتباين ، ومعه لا موقع للتقييد ، فلا مناص من الجمع بالحمل على الكراهة كما هو المشهور.

(1) لا يخفى أنّ مقتضى الجمود على ظواهر النصوص أنّ مورد المنع عن الإيجار بالأكثر ما إذا تعلّقت الإجارة الثانية بنفس ما تعلّقت به الإجارة الاولى


1) في ص 333.

.................................................................................................


من حيث العين المستأجرة ومن حيث مدّة الإجارة ، فلو تعلّقت بأبعاض تلك العين من الثلث أو الربع بنفس الأُجرة أو أكثر أو بتمام العين في بعض المدّة كذلك فالنصوص المانعة ساكتة عن التعرّض لحكم ذلك بعد خروجه عن موردها ، ومن المعلوم أنّ الانحلال خلاف المتفاهم العرفي في أمثال المقام كما لا يخفى. إذن فلا مناص من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة.

ومقتضاها وإن كان هو الجواز حتى بالأكثر عملاً بإطلاقات صحّة الإجارة ، إلّا أنّ الأولويّة القطعيّة تمنعنا عن الالتزام به ، ضرورة أنّ إيجار تمام العين بأكثر من الأُجرة لو كان ممنوعاً بصريح تلك النصوص فإيجار بعضها بالأكثر بطريقٍ أولى.

ولكن مورد الأولويّة إنّما هو الإيجار بالأكثر ، وأمّا بمماثل الأُجرة فضلاً عن الأقلّ ، وكذا إيجار تمام العين في بعض المدّة بالمماثل ، فلا أولويّة ، وقد عرفت سكوت النصوص المزبورة وعدم التعرّض لها ، فلا مانع إذن من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من الجواز.

إذن فلو استأجر داراً سنة بمائة دينار يجوز له أن يؤاجر نصفها أو ثلثها بنفس المائة ، كما يجوز أن يؤاجر تمامها بها في ستّة أشهر.

وقد نطق بمضمون ما تقتضيه القاعدة صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لو أنّ رجلاً استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس» إلخ (1)، ونحوها معتبرة أبي الربيع الشامي على رواية الصدوق (2).


1) الوسائل 19 : 129 / كتاب الإجارة ب 22 ح 3.

2) الوسائل 19 : 125 / كتاب الإجارة ب 20 ح 3 ، الفقيه 3 : 157 / 688.

[3319] مسألة 2 : إذا تقبّل عملاً من غير اشتراط المباشرة ولا مع الانصراف إليها يجوز أن يوكّله إلى عبده أو صانعه أو أجنبي (1) ، ولكن الأحوط عدم تسليم متعلّق العمل كالثوب ونحوه إلى غيره من دون إذن المالك ، وإلّا ضمن ، وجواز الإيكال لا يستلزم جواز الدفع كما مرّ نظيره (1)في العين المستأجرة ، فيجوز له استئجار غيره لذلك العمل بمساوي الأُجرة التي قرّرها في إجارته أو أكثر ،


فما تقتضيه القاعدة يستفاد من هاتين الروايتين أيضاً.

فالنتيجة : أنّ الممنوع إنّما هو إيجار تمام العين أو بعضها في تمام المدّة أو بعضها بالأكثر إمّا للنصّ أو للأولويّة وأمّا بالنسبة إلى المساوي فضلاً عن الأقلّ فالأخبار المانعة لا تشمله ، ومقتضى القاعدة المعتضدة بالروايتين المعتبرتين هو الجواز وإن كان الاحتياط الاستحبابي بالامتناع عن المساوي كما صنعه في المتن حسناً وفي محلّه.

(1) لا ريب في عدم جواز الإيكال مع الأُجرة أو بدونها في فرض اعتبار المباشرة ، لافتراض تعلّق الإجارة بعمل نفسه خاصّة ، فلا يجزئ عنه غيره. وهذا واضح.

كما لا ريب في جوازه مع عدم اعتبار المباشرة لا شرطاً ولا انصرافاً ، كما لعلّه الغالب في مثل الصائغ والقصّار ونحوهما ممّن كان المطلوب منه حصول العمل المستأجر عليه خارجاً من غير نظر إلى المباشر الخاصّ.


1) (*) ما ذكرناه في العين المستأجرة يجري هنا بعينه.

وفي جواز استئجار الغير بأقلّ من الأُجرة إشكال (1)(1) ، إلّا أن


وهل يجوز تسليم العين التي هي محلّ العمل إلى الشخص الآخر من غير إذن المالك؟

اختار (قدس سره) عدم الجواز ، بل حكم بالضمان لو علم ، نظراً إلى أنّ جواز الإيكال لا يلازم جواز الدفع على حذو ما تقدّم منه (قدس سره) في العين المستأجرة (2).

ولكنّه يظهر لك ممّا مرّ أنّ الأظهر هو الجواز في كلا الموردين بمناط واحد ، باعتبار أنّ الإجارة إذا كانت مطلقة وغير مقيّدة بالمباشرة وكان العمل ممّا يستلزم عادةً تسليم العين فهذا إذن ضمني من المالك ثابت بمقتضى العقد حسب المتفاهم العرفي.

مضافاً إلى صحيحة الصفّار الواردة في القصّار والناطقة بعدم الضمان إذا كان الأجير ثقة مأموناً (3).

(1) لا وجه للإشكال لا هنا ولا في المسألة السابقة بعد صراحة النصوص المعتبرة غير المعرض عنها في المنع عن الأقلّ هنا وعن الأكثر هناك من غير أيّ معارض ، بل لا ينبغي التأمّل في عدم الجواز في كلا الموردين ، ولم يتّضح أيّ وجه للاستشكال في شي‌ء من الموردين ، فلاحظ روايات المقام (4).


1) (*) أظهره عدم الجوار. ولا يكفي إحداث الحدث هنا في جوازه.

2) في ص 271.

3) الوسائل 19 : 146 / كتاب الإجارة ب 29 ح 18.

4) الوسائل 19 : 132 / كتاب الإجارة ب 23.

يحدث حدثاً أو يأتي ببعض (1) ، فلو آجر نفسه لخياطة ثوب بدرهم يشكل استئجار غيره لها بأقلّ منه ، إلّا أن يفصّله أو يخيط شيئاً منه ولو قليلاً ،


(1) أمّا مع الإتيان ببعض العمل فلا ينبغي الإشكال في جواز الاستئجار بالأقلّ ، لتبقى له الزيادة بإزاء عمله ، كما نطقت به النصوص صريحاً ، وفي بعضها : أنّ الصائغ لو أذاب ثمّ أعطى لغيره بالأقلّ جاز له ذلك ، لأنّ الإذابة عمل (1)، فالخيّاط لو فصّل ثمّ استأجر غيره بالأقلّ ساغ وكانت الزيادة بإزاء تفصيله ، وهكذا. وهذا ظاهر.

وأمّا إحداث الحدث من غير أن يعمل عملاً فلم يتّضح أيّ وجه لكونه مسوّغاً للاستئجار بالأقلّ.

ولا يقاس المقام بما تقدّم في المسألة السابقة ، للفرق الواضح بينهما ، ضرورة أنّ الإجارة هناك كانت واقعة على العين ، فإذا أحدث فيها حدثاً كتبييض الدار المستأجرة فلا جرم تقع الإجارة الثانية على غير ما وقعت عليه الإجارة الأُولى ، لأنّ هذا الحدث أوجب تغييراً وتبديلاً في متعلّق الإجارة ، ولأجله لا مانع من الزيادة ، لاختصاص مورد المنع بما إذا تعلّقت الثانية بعين ما تعلّقت به الاولى كما تقدّم.

وأمّا في المقام فالإجارة واقعة على العمل كالخياطة ، وأمّا العين الخارجيّة كالثوب فهي محلّ للعمل ومورده لا أنّها بنفسها متعلّق للإجارة ، وحينئذٍ فإن أتى بشي‌ء من العمل كتفصيل الثوب فلا بأس باستئجاره ثانياً بالأقلّ ، لاختلاف العمل المستأجر عليه في الموردين.


1) الوسائل 19 : 134 / كتاب الإجارة ب 23 ح 7.

بل يكفي أن يشتري الخيط أو الإبرة (1)في جواز الأقلّ (1) ، وكذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشر دراهم مثلاً في صورة عدم اعتبار المباشرة يشكل استئجار غيره (2)بتسعة مثلاً إلّا أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد مثلاً.


وأمّا إذا لم يأت بشي‌ء منه كما هو المفروض فمجرّد إحداث الحدث في العين ، كما لو صبغ الثوب ولوّنه بلون مرغوب فيه ، لم يكن له أيّ أثر في اختلاف متعلّق الإجارة كي يكون مسوّغاً للاستئجار بالأقلّ ، إذ الإحداث المزبور إنّما كان في محلّ العمل لا في العمل نفسه الذي هو مورد الإجارة ومتعلّقها ، وقد صرّح في الروايات بأنّه متى ما لم يعمل في العين فليس له الاستئجار بالأقلّ.

(1) بشرط أن يكون الشراء بماله لكي تحصل المغايرة وقتئذٍ بين متعلّقي الإجارتين ، حيث إنّ الاولى تعلّقت بالخياطة بموادّها ، والثانية بها بدونها ، وبذلك يندرج في عقد الاستثناء الوارد في النصوص المانعة ، أعني : قوله (عليه السلام) في مثل صحيح ابن مسلم : «... لا ، إلّا أن يكون قد عمل فيه شيئاً» (3).

وأمّا إذا كان بمال الأجير الثاني ولم يكن على الأوّل سوى الشراء المحض الذي هو من مقدّمات الخياطة وعمل خارجي أجنبي عن موردها ، ففي كفايته إشكال ، بل منع ، إذ الظاهر من الظرف في قوله (عليه السلام) في الاستثناء المزبور : «قد عمل فيه» حصول العمل في نفس ما تعلّقت به الإجارة الأُولى


1) (*) هذا إذا اشتراه بماله ، وأمّا إذا اشتراه بمال الأجير ففي كفايته إشكال بل منع.

2) (**) مرّ أنّ عدم الجواز هو الأظهر.

3) الوسائل 19 : 132 / كتاب الإجارة ب 23 ح 1.

[3320] مسألة 3 : إذا استؤجر لعمل في ذمّته لا بشرط المباشرة يجوز تبرّع الغير عنه (1) وتفرغ ذمّته بذلك ويستحقّ الأُجرة المسمّاة. نعم ، لو أتى بذلك العمل المعيّن غيره لا بقصد التبرّع


لا في مقدّماته كما لا يخفى.

وعلى الجملة : مورد النصوص المانعة تعلّق الإجارة الثانية بعين ما تعلّقت به الاولى ، ومن ثمّ استثنى العمل فيه لكونه موجباً للمغايرة ، فكلّ عمل أوجب التغاير بين المتعلّقين ومنه التعهّد بالمواد مثل الإبرة والخيط ساغ معه الاستئجار بالأقلّ ، لوقوع الزيادة حينئذٍ بإزاء ما عمل. ومن هذا القبيل : الاستئجار للبناء على النهج الدارج في العصر الحاضر المعبّر عنه ب : القنطرات ، حيث إنّ الأوّل يؤاجر نفسه لبناء الدار مع ما تحتاج إليه من المواد والآلات ثمّ هو يستأجر عاملاً آخر لمجرّد البناء وتكون الأُجرة حينئذٍ أقلّ بطبيعة الحال.

وأمّا إذا لم يستوجب التغاير في ذات العمل المستأجر عليه وإن حصل فرق فيما هو خارج عنه ومعدود عرفاً من المقدّمات كالتعهّد بمجرّد الشراء مع كون العمل بمواده في عهدة الأجير الثاني كما كان في عهدة الأجير الأوّل ، فيشكل كفايته في جواز الإجارة بالأقلّ ، بل مقتضى إطلاق الروايات المانعة ما لم يعمل فيه عملاً الظاهر في العمل في مورد الإجارة نفسه كما مرّ عدم الكفاية.

(1) قد عرفت أنّ المباشرة إذا لم تكن ملحوظة في الإجارة لا قيداً ولا شرطاً ساغ للأجير الإيكال إلى الغير بأُجرة أو بدونها وتفرغ ذمّته عن العمل المستأجر عليه الذي هو طبعاً أعمّ من المباشرة والتسبيب بفعل الغير. وهذا واضح.

وأمّا إذا تبرّع الغير من تلقاء نفسه من دون إيكال وتسبيب فقد يأتي به بقصد التبرّع عن الأجير وتفريغ ذمّته ، وأُخرى لا بهذا القصد.

.................................................................................................


لا شكّ في استحقاق الأُجرة المسمّاة في الصورة الأُولى ، لفراغ الذمّة ولو بفعل الغير ، الموجب لحصول العمل المستأجر عليه.

والوجه فيه : أنّ العمل بعد افتراض صحّة الإجارة يعدّ كدين في عهدة الأجير ، وقد استقرّت السيرة العقلائيّة الممضاة لدى الشرع بعدم الردع على جواز تفريغ ذمّة الغير عمّا اشتغلت به من عين أو عمل ولو من دون إذن منه أو اطّلاع من غير خلاف فيه ولا إشكال.

ويمكن استفادته من الأخبار الواردة في الموارد المتفرّقة كأداء دين الأب أو أحد من الأرحام أو غيرهم من غير حاجة إلى إذن المدين.

فلو كان مديناً لزيد بدينار وأدّاه عمرو بعنوان التفريغ برئت ذمّته.

ولعلّ الوجه فيه بعد ما عرفت من استقرار السيرة والإمضاء الشرعي : أنّ الذمّة لم تكن مشغولة من بادئ الأمر بأكثر من هذا المقدار ، أعني : الدفع بقصد الوفاء وأمّا كونه من خالص ماله أو بتسبيبه فضلاً عن مباشرته فلم يدلّ عليه أيّ دليل ، فإذا أدّى الغير هذا الكلّي المستقرّ في الذمّة فقد برئت وحصل الفراغ.

إذن فالمستأجر عليه في المقام هو العمل الكلّي الجامع بين صدوره منه مباشرةً أو تسبيباً أو من غيره من قبله ، فإنّ هذا الكلّي الاعتباري صالح لتعلّق الإجارة به عند العقلاء بعد ملاحظة أنّ الجامع بين المقدور وغيره مقدور.

وأمّا في الصورة الثانية فلا إشكال في عدم استحقاق الأُجرة المسمّاة ، لعدم تحقّق العمل المستأجر عليه بوصفه العنواني بتاتاً لا من الأجير ولا من غيره عنه ، كما هو الحال في غير العمل من سائر الديون ، فإذا كان مديناً لزيد بدرهم فأعطاه عمرو لا بقصد التفريغ كان هبة مستقلّة من دون أن يستتبع براءة الذمّة بوجه كما هو واضح.

عنه لا يستحقّ الأُجرة المسمّاة وتنفسخ (1) الإجارة (1)حينئذٍ ، لفوات المحل ، نظير ما مرّ سابقاً من الإجارة على قلع السنّ فزال ألمه ، أو لخياطة ثوب فسرق أو حرق.


(1) وهل تنفسخ الإجارة حينئذٍ؟

اختاره في المتن معلّلاً بفوات المحلّ وانتفاء موضوع العمل المستأجر عليه ، فلو آجر نفسه لخياطة الثوب فبادر زيد وخاطه تبرّعاً لم يبق بعدئذٍ مورد للإجارة فتنفسخ لا محالة ، كما مرّ نظيره فيمن استؤجر لقلع السنّ فزال الألم.

أقول : أمّا الكلام في مورد التنظير فقد سبق مستقصًى في محلّه ولا نعيد (2).

وأمّا في المقام : فلا يستقيم الانفساخ على إطلاقه ، بل ينبغي التفصيل بين حصول التبرّع قبل مضيّ زمان قابل لصدور العمل من الأجير ، وبين حصوله بعده ، سواء أكانت الإجارة مطلقة أم محدودة بزمان خاصّ موسّع كالخياطة خلال الأُسبوع.

فيتّجه القول بالانفساخ في الفرض الأوّل ، لكشف التبرّع المزبور عن عدم قدرة الأجير على العمل من الأوّل وأنّه لم يكن مالكاً لهذه المنفعة ليملكها ، فتبطل الإجارة ، لانتفاء موضوعها.

وأمّا في الفرض الثاني الذي هو من سنخ العجز الطارئ : فلم يكن أيّ


1) (*) لا موجب للانفساخ إذا كان عمل غيره بعد مضي زمان كان الأجير متمكّناً من الإتيان به فيه ، فإنّه يدخل حينئذٍ تحت عنوان التعذّر الطارئ ، وهو يوجب الخيار لا الانفساخ ، وقد تقدّم الكلام في الإجارة على قلع الضرس إذا زال ألمه [في المسألة 3285].

2) في ص 170.

[3321] مسألة 4 : الأجير الخاصّ وهو من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه للمستأجر في مدّة معيّنة (1) ، أو على وجه تكون منفعته الخاصّة كالخياطة مثلاً له ، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدّة معيّنة ، أو كان اعتبار المباشرة أو كونها في تلك المدّة أو كليهما على وجه الشرطيّة لا القيديّة لا يجوز له أن يعمل في تلك المدّة لنفسه أو لغيره بالإجارة أو الجعالة أو التبرّع عملاً ينافي حقّ المستأجر إلّا مع إذنه ، ومثل تعيين المدّة تعيين


مقتضٍ للانفساخ بعد أن كان العمل مقدوراً بعد العقد وقابلاً للوقوع خارجاً ، وإنّما أخّره الأجير استناداً إلى سعة الوقت وعدم الملزم للبدار ، والمفروض صحّة العقد واستجماعه لسائر الشرائط ، كما هو الحال في سائر موارد العذر الطارئ بعد مضيّ زمان صالح للعمل ، مثل : ما لو فرض أنّ الثوب حرق أو سرق أو أنّ الأجير مات ونحو ذلك ممّا لا يكشف عن بطلان الإجارة وانفساخها بوجه ، بل أنّ الأجير مدين بالعمل كما أنّ المستأجر مدين بالأُجرة ، غايته ثبوت الخيار له من أجل تعذّر التسليم ، فإن اختار الفسخ وإلّا طالب الأجير بأُجرة المثل بدلاً عن استلام العمل المستأجر عليه.

(1) لا ريب في أنّ من آجر نفسه لعمل ساغ له أن يأتي بعمل آخر لنفسه أو لغيره بإجارة أو تبرّع فيما إذا لم يكن العمل الثاني منافياً للعمل المستأجر عليه ، فلو آجر نفسه للخياطة جاز له أن يؤجرها لقراءة القرآن في نفس الزمان ، لعدم التنافي ، أو لخياطة اخرى ليلاً فيما إذا لم تكن موجبة للضعف المانع عن الوفاء بالأُولى المفروض وقوعها في النهار.

وأمّا إذا كان منافياً فلا يجوز ذلك بلا إشكال ، للزوم الوفاء بالعقد المستتبع لوجوب تسليم العمل إلى المستأجر ، فلا يجوز تفويت حقّ الغير وارتكاب أيّ

أوّل زمان العمل بحيث لا يتوانى فيه إلى الفراغ. نعم ، لا بأس بغير المنافي ، كما إذا عمل البناء لنفسه أو لغيره في الليل فإنّه لا مانع منه إذا لم يكن موجباً لضعفه في النهار. ومثل إجراء عقد أو إيقاع أو تعليم أو تعلّم في أثناء الخياطة ونحوها ، لانصراف المنافع عن مثلها. هذا ، ولو خالف (1) وأتى بعمل


عمل منافٍ له ، سواء أكان لنفسه أو لغيره ، بتبرّع أم إجارة أم جعالة. وهذا واضح.

(1) إنّما الكلام فيما إذا خالف وعمل لغيره ، فقد ذكر له صوراً ووجوهاً أربعة :

إذ تارةً : يؤاجر نفسه بلحاظ جميع منافعه بالأسر في مدّة معيّنة ، فيؤجر نفسه في جميع المنافع المترقّبة في المدّة المقرّرة ، وبذلك يتملّك المستأجر جميع منافع الأجير.

واخرى : تقع الإجارة بلحاظ منفعة خاصّة كالخياطة من غير أن تشتغل الذمّة بشي‌ء ، كما لم تكن مشغولة في الصورة الأُولى أيضاً.

وثالثةً : تقع الإجارة على العمل في الذمّة لا على العين بلحاظ المنفعة الخارجية كما في الصورتين السابقتين - :

وهنا قد تلاحظ المباشرة على سبيل القيديّة بحيث ترد الإجارة على الحصّة الخاصّة القائمة به.

واخرى وهي الصورة الرابعة تلاحظ هي أو المدّة المعيّنة أو كلتاهما على وجه الشرطيّة ، بناءً على تصوير الشرطيّة في أمثال المقام. وقد تقدّم أنّه خلاف الارتكاز وأنّ الشرائط في باب الأعمال كلّها ترجع إلى التقييد وإن كانت بصورة الاشتراط.

وقد ذكر (قدس سره) في الصورة الأُولى أنّه تارةً يعمل الأجير لنفسه ،

منافٍ لحقّ المستأجر : فإن كانت الإجارة على الوجه الأوّل بأن يكون جميع منافعه للمستأجر وعمل لنفسه في تمام المدّة أو بعضها فللمستأجر أن يفسخ ويسترجع تمام الأُجرة المسمّاة أو بعضها (1)أو يبقيها ويطالب عوض الفائت من المنفعة بعضاً أو كلّاً ، وكذا إن عمل للغير تبرّعاً (1) ،


واخرى لغيره تبرّعاً ، وثالثةً له بإجارة أو جعالة ، فهنا فروض ثلاثة :

أمّا في الفرض الأوّل : فبما أنّ الأجير فوّت على المالك وهو المستأجر ملكه فلا جرم يضمن ويثبت له خيار تعذّر التسليم ، فله الفسخ واسترجاع تمام الأُجرة المسمّاة ، كما أنّ له الإمضاء والمطالبة بأُجرة المثل عوضاً عن المنفعة الفائتة كلّاً أو بعضاً.

هذا ، وقد حكم في المتن فيما لو كان الفائت بعض المنفعة باسترجاع بعض الأُجرة المسمّاة لدى اختيار الفسخ.

ويندفع : بعدم تبعّض العقد من ناحية الفسخ في أجزاء الزمان ، كما لا يتبعض في أجزاء المبيع ، فلا يتحمّل العقد الواحد إلّا إمضاءً أو فسخاً واحداً في تمام مؤدّاه ، فلو اختار الفسخ استرجع تمام المسمّاة وعليه عوض البعض الذي استوفاه ، كما أنّه على تقدير الإمضاء يطالبه بعوض ما فاته من أبعاض المنفعة حسبما عرفت ، وأمّا التفكيك بإمضاء البعض وفسخ الباقي فلا سبيل إليه بوجه.

(1) وأمّا في الفرض الثاني : فيجري فيه أيضاً ما عرفت من ضمان الأجير ومطالبة المالك إيّاه بعوض ما فوّته عليه ، وليس له مطالبة المتبرّع له حتى لو


1) (*) مرّ أنّ الفسخ إنّما يتعلّق بعقد الإجارة بتمامه ، وعليه فلا وجه لاسترجاع بعض الأُجرة.

ولا يجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرّع له بالعوض ، سواء أكان جاهلاً بالحال أو عالماً ، لأنّ المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير وإن كان ذلك الغير آمراً له بالعمل ، إلّا إذا فرض على وجه يتحقّق معه صدق الغرور (1)(1) ،


كان هو الآمر بالعمل له ، إذ المتلف إنّما هو الأجير نفسه ، فلا موجب لضمان غيره بعد أن كان موجبه منحصراً في الإتلاف أو التلف تحت اليد المضمونة غير الصادق شي‌ء منها على المتبرّع له. وأمّا الأمر بالإتلاف فليس هو بنفسه من موجبات الضمان ، فلو أمر زيداً أن يتلف مال عمرو فأتلفه باختياره لم يكن الآمر ضامناً بلا إشكال.

نعم ، الأمر مع الاستيفاء فيما إذا كان المال للمتلف نفسه وإن استوجب الضمان بالسيرة العقلائيّة كما لو آمره بإتلاف مال نفسه بالإعطاء لأحد أو بالإلقاء في البحر لغايةٍ ما كالمحافظة على السفينة من الغرق ، إلّا أنّه خاصّ بما إذا لم يأمره بالإتلاف مجّاناً وبقصد التبرّع ، أمّا الأمر به بهذا العنوان كما لو أمر الخبّاز أن يدفع رغيفاً للفقير تبرّعاً وتصدّقاً فلا شبهة في عدم اقتضائه للضمان.

والمفروض في المقام أنّ الآمر أمر العامل بالعمل له تبرّعاً وبلا عوض ، ولم يقصد الأجير اجرةً من عمله المتبرّع فيه ، فلم يكن في البين أيّ موجب لضمانه.

(1) استثنى (قدس سره) من عدم ضمان الآمر المتبرّع له ما إذا كان غارّاً


1) (*) ليس للمستأجر الرجوع على الآمر حتى مع صدق الغرور ، فإنّ المغرور هو الأجير دون المستأجر والأجير أيضاً لا يرجع إليه إذا كان متبرّعاً بعمله كما هو المفروض. نعم ، إذا لم يكن متبرّعاً كما إذا غرّه الآمر وادّعى أنّ المستأجر قد أذن بالعمل له فعمل له كان للأجير أن يرجع إليه بأُجرة المثل.

.................................................................................................


فيتّجه عندئذٍ رجوع المستأجر إليه بقاعدة الغرور.

وفيه بعد الغضّ عن عدم تماميّة هذه القاعدة في حدّ نفسها ، وعدم أساس لها بقول مطلق وإن تداولت على ألسنة الفقهاء كما تقدّم البحث حولها قريباً (1)، وبعد تصوير الغرور وتحقّقه في المقام كما ستعرف - : أنّ مقتضاها رجوع المغرور إلى الغارّ ، لا أنّ كلّ أحد تلف ماله يرجع إليه ، ومن المعلوم أنّ المغرور في المقام إنّما هو الأجير لا المستأجر ، فلا مقتضي لرجوعه إليه. فلو فرضنا أنّ زيداً غرّ عمرواً في إتلافه مال بكر فإنّ بكراً لا يرجع ابتداءً إلى زيد الغارّ ، وإنّما يرجع إلى المتلف وهو عمرو ، غايته أنّ عموراً يرجع بعدئذٍ إلى الغارّ بمقتضى قاعدة الغرور لو قلنا بها.

وعلى ذلك فلا موجب لرجوع المستأجر إلى الآمر بوجه لا من جهة الاستيفاء ولا من ناحية الغرور ، بل لو صحّ الرجوع فإنّما يتّجه بالإضافة إلى الأجير فحسب كما عرفت.

وأمّا تطبيق الغرور على المقام فيمكن تصويره بأحد وجهين :

أحدهما : فرضه على نحو لا ينافي اتّصاف الأجير بكونه متبرّعاً بقولٍ مطلق ، غير أنّ التلبّس بهذا الوصف كان مستنداً إلى الإغراء فكان مغروراً في تبرّعه ، كما لو قال له : تبرّع لي لعلي ارضي المالك بعد ذلك ، أو أنّه لا مانع من تبرّعك شرعاً وإن لم يكن المالك راضياً ، ونحو ذلك من التعابير الحاوية لحثّ الأجير وترغيبه في إقدامه على التبرّع وإلغائه احترام ماله ، أي ماله الطبيعي وإلّا فهو لغيره حسب الفرض.

وفي هذا الفرض لا نرى أيّ موجب لضمانه ورجوع المغرور إليه بعد أن لم يكن عمله محترماً بمقتضى إقدامه على التبرّع وعدم مطالبته بشي‌ء.


1) في ص 256.

.................................................................................................


ثانيهما : ما إذا لم يقدم على التبرّع من كيسه وإن أقدم على أن لا يأخذ منه اجرة فكان تبرّعاً إضافيّاً لا حقيقيّا ، كما لو غرّه الآمر فأخبره كذباً بأنّ المالك هو الذي رخّصك في أن تعمل لي هذا العمل تبرّعاً.

وحينئذٍ لا ينبغي الشكّ في الضمان ، إذ بعد انكشاف الحال وتغريم المالك الأجير وخروجه أي الأجير عن عهدة الضمان بأداء البدل يتّصف ذاك العمل المتبرّع فيه بكونه ملكاً للأجير ومحسوباً له ، والمفروض أنّه لم يأت به مجّاناً وملغياً لاحترامه وقد صدر بأمر الغارّ حسب الفرض واستوفى هذه المنفعة ، فلا جرم يكون ضامناً ، لا لأجل قاعدة الغرور ، بل لأجل استيفائه منفعة لم يعملها العامل مجّاناً ، بل سلّمها بتخيّل صدور الإذن ممّن بيده الإذن.

نظير ما لو كان مال زيد عند عمرو فقال له بكر : إنّ صاحب المال أذن لك في إتلافه أو إلقائه في البحر ، ففعل استناداً إلى إخبار هذا الكاذب الغارّ ، فإنّه بعد تغريم المالك إيّاه وخروجه عن عهدة الضمان وأداء البدل يفرض مالكاً لذلك المال المعدوم في اعتبار العقلاء ، فإذا كان مالكاً وقد أتلفه بأمر هذا الكاذب لا مجّاناً فلا جرم كان الآمر ضامناً. فإذا كان هذا هو الحال في الأموال ففي الأعمال أيضاً كذلك بمناط واحد ، وهما من هذه الجهة شرع سواء.

وعلى الجملة : فيفرق بين فرضي الغرور ، أي بين ما إذا أتلفه المتلف مجّاناً وملغياً لاحترام ماله دون أن يطالب المتبرّع له بشي‌ء فلا يكون هناك ضمان حتى مع الأمر ، وبين ما إذا لم يتبرّع على سبيل الإطلاق بل سلّمه بعنوان أداء مال الغير إليه فكان تبرّعاً إضافيّاً ، أي لا يطالبه بشي‌ء باعتبار أنّه سلّمه مال المالك الذي اعتقد أنّه أذن بذلك ، فإنّه بعد أن خرج عن عهدة الضمان فبما أنّ مال المسلم محترم لا يذهب هدراً صحّ له مراجعة الآمر المستوفي الضامن لذلك حسبما عرفت.

وإلّا فالمفروض أنّ المباشر للإتلاف هو المؤجر ، وإن كان عمل للغير بعنوان الإجارة أو الجعالة (1) فللمستأجر أن يجيز ذلك ويكون له الأُجرة المسمّاة في تلك الإجارة أو الجعالة ، كما أنّ له الفسخ والرجوع إلى الأُجرة المسمّاة ، وله الإبقاء ومطالبة عوض المقدار الذي فات فيتخيّر بين الأُمور الثلاثة.


(1) هذا هو ثالث الفروض المتقدّمة.

وبما أنّ الإجارة الثانية قد وقعت على ما وقعت عليه الإجارة الاولى فلا جرم قد وردت على ملك المستأجر فتكون صحّتها منوطة بإجازته ، فإن أجازها استحقّ الأُجرة المسمّاة في تلك الأُجرة ، وإن ردّها بطلت وكان بالخيار بين فسخ الإجارة الأُولى واسترجاع المسمّاة فيها ، وبين الإمضاء والمطالبة بأُجرة المثل للمنفعة الفائتة.

فهو إذن مخيّر بين الأُمور الثلاثة. وبذلك افترق هذا عن الفرض السابق ، حيث كان التخيير هناك بين الأخيرين فحسب كما تقدّم.

ثمّ إن موضوع كلامه (قدس سره) وقوع الإجارة الثانية على ما وقعت عليه الإجارة الأُولى كما عرفت.

وأمّا إذا وقعت على ما في الذمّة المغاير لمورد الإجارة السابقة حيث إنّها تعلّقت بالمنافع الخارجيّة وهذه بعمل مقرّر في الذمّة كما فرض في كلمات بعضهم فكان المملوك في إحدى الإجارتين غير ما هو المملوك في الإجارة الأُخرى.

ففي مثل ذلك قد يقال بأنّ الإجارة الثانية وإن لم تقع على مال الغير إلّا أنّها

وإن كانت الإجارة على الوجه الثاني وهو كون منفعته الخاصّة للمستأجر فحاله كالوجه الأوّل (1) ، إلّا إذا كان العمل للغير على وجه الإجارة أو الجعالة ولم يكن من نوع العمل المستأجر عليه كأن تكون الإجارة واقعة على منفعة


باعتبار وقوعها على ما ينافي حقّ الغير كانت صحّتها منوطة بإجازته ، فإذا أجاز صحّت الإجارة الثانية للمستأجر الثاني دون الأوّل المجيز كما لا يخفى.

ولكن الظاهر بطلان الإجارة المزبورة وعدم قبولها للصحّة حتى بالإجازة ، وليس للمستأجر إلّا فسخ الإجارة الأُولى أو إمضاءها.

والوجه فيه : أنّ الأجير بعد ما آجر نفسه بجميع منافعه كما هو المفروض فلا يعتبره العقلاء وقتئذٍ مالكاً لشي‌ء في ذمّته كي يتمكّن من تمليكه بالإجارة ، لحرمانه عن تطبيق ما في ذمته في الخارج ، وعدم السبيل لصرف منافعه في غير ما استؤجر له أوّلاً.

وإن شئت فقل : كل ما يمكن صدوره من الأجير ممّا هو قابل للملك فهو مملوك للمستأجر بمقتضى الإجارة الأُولى المفروض صحّتها ، فعمله للغير محرّم ، لكونه تصرّفاً في ملك الغير. إذن فلا يسعه تمليك ما في ذمّته لشخص آخر ، لعجزه عن التسليم خارجاً بعد أن لم يكن له أيّ عمل مباح ، فهو في إجارته الثانية قد ملّك ما ليس له حق التمليك ، فلا جرم تقع باطلة في نفسها بمثابةٍ لا تنفع الإجازة في تصحيحها ، ضرورة أنّها لا توجب قلب ما وقع عمّا وقع ولا تخرجه عن كونه إجارة لما يتعذّر تسليمه ولا يمكنه تمليكه المحكوم بالفساد من أوّل الأمر حسبما عرفت ، فكيف يمكن تصحيح مثل هذه الإجارة بالإجازة؟!

(1) فيجري فيه جميع ما مرّ في الوجه الأوّل من الفروض المتقدّمة بأحكامها

الخياطي فآجر نفسه للغير لكتابة أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة فإنّه ليس للمستأجر إجازة ذلك ، لأنّ المفروض أنّه مالك لمنفعة الخياطي فليس له إجازة العقد الواقع على الكتابة ، فيكون مخيّراً بين الأمرين من الفسخ واسترجاع الأُجرة المسمّاة والإبقاء ومطالبة عوض الفائت.


ما عدا الفرض الأخير ، أعني : ما لو عمل لغيره بإجارة أو جعالة وكان مغايراً لسنخ العمل المستأجر عليه كما لو استؤجر لمنفعة الخياطة فآجر نفسه لمنفعة الكتابة ، فيفترق الوجهان في أنّ المستأجر ليست له الإجازة هنا ، وإن كانت له هناك كما مرّ لكونه أجنبياً عن الإجارة الثانية بعد اختصاص ملكيّته بغير موردها.

بل هي محكومة بالبطلان ولا تنفعها الإجازة بوجه ، نظراً إلى أنّها لمّا كانت في ظرفها مفوّتة لحقّ الغير لمكان المزاحمة فقد وقعت على وجه غير مشروع ، إذ هو وإن كان مالكاً لتلك المنفعة المضادّة إلّا أنّه من أجل كونه محكوماً بوجوب الوفاء بالإجارة الأُولى فهو بطبيعة الحال ممنوع شرعاً من تسليم هذه المنفعة ، فكان ما صدر منه من العمل على طبق الإجارة الثانية محرّماً في ظرفه لا محالة ، وهو مانع عن كونه مشمولاً لدليل وجوب الوفاء آن ذاك ، ومن الضروري أنّ الإجازة اللاحقة لا تستوجب قلب ما وقع عمّا وقع ولا تغيّره عمّا هو عليه بوجه.

بل لنفرض أنّه من الآن أسقط حقّه وأبرأ الأجير عن ضمان ما ارتكبه ، إلّا أنّ هذا كلّه لا يجدي في قلب الواقع ، ولا يجعل ما وقع في ظرفه على وجه غير مشروع متّصفاً بالمشروعيّة ليشمله دليل الوفاء بالعقد.

اللّهمّ إلّا أن يصدر منه الإذن قبل صدور العمل ، وإلّا فالإجازة اللاحقة لا تنفع في تصحيح العمل الصادر على طبق الإجارة السابقة الفاسدة كما لا يخفى.

وإن كانت على الوجه الثالث فكالثاني ، إلّا أنّه لا فرق فيه في عدم صحّة الإجازة بين ما إذا كانت الإجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر عليه أو على غيره (1) ، إذ ليست منفعة الخياطة مثلاً مملوكة للمستأجر حتى يمكنه إجازة العقد الواقع عليها ، بل يملك عمل الخياطة في ذمّة المؤجر. وإن كانت على الوجه الرابع وهو كون اعتبار المباشرة أو المدّة المعيّنة على وجه الشرطيّة (2) لا القيديّة ففيه وجهان (1)، يمكن أن يقال بصحّة العمل للغير بعنوان الإجارة أو الجعالة من غير حاجة إلى الإجازة وإن لم يكن جائزاً من حيث كونه مخالفة للشرط الواجب العمل ، غاية ما يكون أنّ للمستأجر


(1) لتغاير مورد الإجارتين على التقديرين :

أمّا على الثاني فظاهر.

وكذا على الأوّل ، لأنّ مورد كلّ إجارة حصّة مغايرة مع الحصّة الأُخرى وإن اشتركتا في السنخ ، فلا أثر لإجازة المستأجر الأوّل بعد كونه أجنبيّا عن مورد الإجارة الثانية على التقديرين ، بل هو مخيّر بين فسخ الإجارة الأُولى واسترجاع المسمّاة أو الإمضاء والمطالبة بعوض المنفعة الفائتة حسبما عرفت.

(2) أي الالتزام في ضمن الالتزام ، الذي عرفت منعه في المقام ، وأنّه ليس إلّا قيداً بصورة الشرط.


1) (*) الأوجه الثاني.

خيار تخلّف الشرط. ويمكن أن يقال بالحاجة إلى الإجازة ، لأنّ الإجارة أو الجعالة منافية لحقّ الشرط ، فتكون باطلة بدون الإجازة.


ولكن على تقدير التصوير فقد أفاد (قدس سره) أنّ في صحّة العمل حينئذٍ للغير بعنوان الإجارة أو الجعالة وجهين ، وقد ذكرهما في المتن.

وقد اتّضح ممّا أسلفناك أنّ الأظهر بطلان الإجارة الثانية ، فإنّ الشرط وإن لم يترتّب على مخالفته ما عدا الخيار إلّا أنّ مفاده في المقام لمّا كان وجوب المباشرة فالأمر بالوفاء به لا يجامع الأمر بالوفاء بالإجارة الثانية المقتضية لعدم المباشرة ، فالتضادّ الواقع بين المدلولين يمنع عن الالتزام بالجمع بين نفوذ كلّ من الشرط والعقد ، وحيث إنّ الأوّل وقع في ظرفه صحيحاً وشملة دليل نفوذ الشرط بلا مزاحم فلا يبقى معه مجال لشمول دليل وجوب الوفاء بالعقد للإجارة الثانية. اللّهمّ إلّا إذا أذن المستأجر الأوّل من الأوّل بأن أسقط حقّه وألغى شرطه ، وهذا معنى الإجازة ، فتصحّ الإجارة الثانية وقتئذٍ ، لارتفاع المانع وانتفاء المزاحم ، فلا مانع حينئذٍ من الحكم بصحّة الإجارة الثانية ، وإلّا فالإجازة المتأخّرة لا تكاد تنفع في تصحيح الإجارة السابقة المعمول بها في ظرفها ، لعدم قلب الواقع عمّا وقع عليه بسبب الإجازة حسبما تقدّم.

فما ذكره في المتن من الوجه الثاني هو الصحيح بعد تفسير الإجازة بما عرفت.

وعلى الجملة : فبما أنّ الإجارة الثانية غير مشروعة ما لم يأذن المستأجر بها لكونها مفوّتة لحقّ الغير ، فمع فرض الحكم بصحّة الشرط كيف يمكن الحكم بصحّتها؟! ومن البديهي أنّ مجرّد ثبوت الخيار للشارط لا يسوّغ الإجارة الثانية ، فلا مناص من الحكم ببطلانها.

[3322] مسألة 5 : إذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدّة ، أو من غير تعيين المدّة ولو مع اعتبار المباشرة ، جاز عمله للغير ولو على وجه الإجارة قبل الإتيان بالمستأجر عليه (1) ، لعدم منافاته من حيث إمكان تحصيله لا بالمباشرة أو بعد العمل للغير ، لأنّ المفروض عدم تعيين المباشرة أو عدم تعيين المدّة ، ودعوى أنّ إطلاق العقد من حيث الزمان يقتضي وجوب التعجيل ممنوعة (1)(2) ، مع أنّ لنا أن نفرض الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم إرادة التعجيل.


(1) إذ على التقديرين لا تنافي بين الإجارتين كما هو واضح.

(2) قد يقال بأنّ هذا المنع ينافي ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الخامسة من الفصل الأوّل من الاعتراف باقتضاء الإطلاق للتعجيل (2).

ويمكن الذبّ عنه بأنّ المعترف به هو التعجيل العرفي كما صرّح (قدس سره) به هناك ، والذي يحاول إنكاره في المقام إنّما هو التعجيل الحقيقي على ما تقتضيه ظاهر عبارته ، فلا تناقض.

وبالجملة : مقتضى إطلاق العقد ما لم يصرّح بالخلاف هو البدار إلى الوفاء بمقدار لا يتحقّق معه التواني والتسامح المعبّر عنه بالاستعجال العرفي ، لعدم الدليل على الحقيقي منه بوجه ، فله المكث بضع ساعات لاستراحته أو قضاء


1) (*) لعلّه أراد من التعجيل التعجيل الحقيقي لا العرفي ، فإنّ دعوى وجوبه لا تكون ممنوعة ، وإلّا لكان العقد غرريّاً ، وعليه فلا يكون منافياً لما تقدّم منه (قدس سره) من أنّ إطلاق العقد يقتضي التعجيل العرفي.

2) في ص 61.

[3323] مسألة 6 : لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن شخصي أو كلّي على وجه التقييد فحمّلها غير ذلك المتاع أو استعملها في الركوب لزمه الأُجرة المسمّاة وأُجرة المثل لحمل المتاع الآخر أو للركوب (1) ، وكذا لو استأجر عبداً للخياطة فاستعمله في الكتابة ،


بعض حوائجه الضروريّة ، فلو أنشأ خلال هذه الفترة اليسيرة عقداً آخر ووفى به بحيث لم يكن مصادماً لصدق التعجيل العرفي بالإضافة إلى الوفاء بالعقد الأوّل لم يكن به بأس أبداً.

(1) ومن هذا القبيل : ما لو استأجر الدابّة للركوب إلى مكان خاصّ كالذهاب إلى كربلاء فخالف وركبها إلى الحلّة.

والضابط : أن تتعلّق الإجارة بمنفعة خاصّة فتستوفي من العين منفعة أُخرى بدلاً عمّا وقعت الإجارة عليه.

والوجه في استحقاق الأُجرتين : أنّ الأُجرة المسمّاة قد استحقّها المؤجر بنفس العقد المفروض وقوعه صحيحاً ، ومن البيّن أنّ تفويت المستأجر تلك المنفعة بعدم استيفائها خارجاً لا يستوجب السقوط بعد أن أدّى المؤجر ما عليه من تسليم العين.

وأمّا استحقاقه لُاجرة المثل فلأجل استيفاء المنفعة الأُخرى التي هي أيضاً مال محترم للمؤجّر ، ولا يذهب مال المسلم هدراً ولا سيّما إذا كانت الأُجرة الثانية أزيد من الاولى ، فلا مناص إذن من دفع الأُجرتين معاً : إحداهما بنفس العقد ، والأُخرى بسبب الاستيفاء الخارجي.

إلّا أنّه ربّما يشكل عليه بما أشار إليه في المتن من أنّ العين الواحدة لا تتحمّل

.................................................................................................


في زمان واحد أكثر من منفعة واحدة ، لامتناع قيام منفعتين متضادّتين بها في عرض واحد ، إذن فلا يعقل أن يكون المالك مالكاً لكلتا المنفعتين كي يستحقّ الأُجرتين ، ومن الواضح أنّ الجمع بين الضمانين متفرّع على إمكان اجتماع الملكيّتين في عرض واحد.

وممّا يكشف عن ذلك وضوح أنّ غاصب العين لا يكون ضامناً لتمام المنافع ، فلو كانت كلّها مملوكة لكانت كلّها مضمونة بطبيعة الحال ، وحيث لا ضمان جمعاً فلا ملكيّة عرضاً ، وإنّما المملوك من هاتيك المنافع المتضادّة هو الجامع القابل للانطباق على أيّ منفعة شاءها المالك ، ففي الحقيقة لا يملك إلّا منفعة واحدة على البدل مخيّراً في التطبيق على أيّ فرد شاء.

ولكن التحقيق إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة في عرض واحد.

والوجه فيه : أنّ مركز التضادّ إنّما هو ذات المنافع بأنفسها ، فلا تجتمع منفعة الركوب مع منفعة الحمل ، ولا كتابة العبد حال خياطته ، ولا سير الدابّة شرقيّاً حال سيرها غربيّاً ، ونحوها من المنافع المتضادّة الممتنع اجتماعها في حالة واحدة.

وأمّا الملكيّة المتعلّقة بها : فبما أنّها أمر اعتباري والاعتبار خفيف المئونة وقوامه بيد المعتبر ، فلا تضادّ بين ملكيّة وأُخرى ، فيعتبر من بيده الاعتبار ملكيّة أحدٍ لمنفعة ويعتبره في عين الحال مالكاً لمنفعة أُخرى مضادّة لها ، إذ لا مانع من الجمع بين هذين الاعتبارين بعد عدم وجود أيّ مقتضٍ لسراية التضادّ إليهما من المتعلّقين ، أعني : نفس المنفعتين.

وعلى الجملة : التضادّ الحاصل بين المنفعتين لملاكٍ في البين لا يكاد يسري إلى التضادّ بين الاعتبارين ، فلا مانع من اجتماعهما على صعيد واحد.

ودعوى أنّ الاعتبار لا بدّ من تعلّقه بأمر مقدور ، وإلّا لأصبح لغواً محضاً ، ولا قدرة على المنافع المتضادّة.

.................................................................................................


مدفوعة بأنّ الملكيّة الاعتباريّة انحلاليّة ، فكلّ ملكيّة تستدعي في مقام اعتبارها مقدورية متعلّقها بنفسه لا بضميمة متعلّق ملكيّة اخرى. ولا شك في أنّ كلّ واحدة من هاتيك المنافع المتعلّقة للاعتبارات مقدورة في حدّ أنفسها ، وما هو موصوف بعدم القدرة إنّما هو الجمع بينها. ومن الضروري عدم اعتبار الملكيّة لمجموع تلك المنافع حتى يقال بأنّ المجموع غير قابل للوقوع خارجاً ، بل الملكيّة إنّما تعلّقت بكلّ واحدة واحدة ممّا هو مقدور في نفسه كما عرفت.

وإن شئت مزيد التوضيح فأمعن النظر في الإباحة الشرعيّة ، ثمّ أعطف عليها الملكيّة الاعتبارية فإنّهما من وادٍ واحد وبمناطٍ فأرد.

فإنّ الإباحة المزبورة كغيرها من الأحكام الخمسة لا تكاد تتعلّق إلّا بأمر مقدور ، ضرورة عدم موقع لتعلّق الحكم الشرعي من التكليفي أو الترخيصي نحو أمر غير مقدور.

ولا شكّ أنّ المتضادّين ولا سيّما فيما لا ثالث له كالحركة والسكون كلّ منهما محكوم بالإباحة الشرعيّة ، فتستباح الحركة كما يستباح السكون. ومن المعلوم أنّ الإباحة إنّما تتعلّق بكلّ منهما بخصوصه. وأمّا الجامع بينهما أو بين أحد الأضداد فيما له ثالث فهو ضروري التحقّق ، فلا معنى لكونه مورداً لأيّ حكم شرعي ، كما أنّ الجمع بينهما مستحيل التحقّق ، لعدم القدرة عليه ، فلا معنى لإباحته أيضاً ، بل كلّ منهما مباح في حدّ نفسه ، والجمع بين الإباحتين لا يستلزم إباحة الجمع بين المتضادّين بالضرورة.

وعلى الجملة : فرق واضح بين كون الجمع متعلّقاً بالإباحة أو متعلّقاً لها ، وإن شئت فقل : بين تعلّق الجمع بالإباحة أو تعلّق الإباحة بالجمع ، فإنّ الممتنع إنّما هو الثاني الذي هو أمر غير مقدور ، وأمّا الأوّل الذي هو جمع بين الإباحتين فلا ضير فيه ، لعدم التضادّ بين إباحة وإباحة ، فهناك إباحتان مجتمعتان ، والاجتماع

.................................................................................................


وصف لنفس الإباحة ، لا أنّ الإباحة متعلّقة بالمجتمع وعلى صفة الانضمام.

نظير ما ذكرناه في بحث الترتّب من أنّ الأمرين مجتمعان معاً ، لا أنّ الأمر متعلّق بالجمع ، فهو جمع في الأمر لا أمر بالجمع.

وإذ قد عرفت الحال في الإباحة فالملكيّة تجري على ضوئها وتحذو حذوها ، لاشتراكهما في امتناع التعلّق نحو أمر غير مقدور كالمتضادّين ، فكما أنّ هذا الامتناع لا يقدح في اتّصاف كلّ منهما بالإباحة حسبما عرفت فكذلك لا يقدح في الاتّصاف بالمملوكيّة.

والسرّ : تعلق كلّ من الاعتبارين أعني : الإباحة والملكيّة بكلّ واحد من الضدّين بحياله ومنعزلاً عن غيره ، لا بصفة الاجتماع والانضمام ليتوهّم امتناعه من أجل التعلّق بغير المقدور فكم فرق بين الجمع بين الاعتبارين والجمع بين المعتبرين ، والممتنع إنّما هو الثاني دون الأوّل ، إذ لا مضادّة بين اعتبار واعتبار آخر وإن تعلّق بضدّه ، لعدم المقتضي لسراية التضادّ من المعتبر إلى الاعتبار بوجه.

إذن فعدم إمكان استيفاء المنفعتين المتضادّتين معاً خارجاً لا يقتضي عدم إمكان اعتبار الملكيّة لكلّ واحدة منهما بحيالها ، ضرورة أنّ كلّ واحدة منهما قابلة في نفسها للتحقّق في الخارج ، فهي قابلة لأن تتعلّق بها الملكيّة.

فإن قلت : ما هي الفائدة في الجمع بين هذين الاعتبارين بعد امتناع الجمع بين المعتبرين المتضادّين ، وهل هذا إلّا من اللغو الممتنع صدوره من الحكيم؟

قلت : كلّا ، فإنّ المالك وإن لم يكن قادراً على الجمع ، ولا يمكنه استيفاء تمام المنافع المتضادّة ، إلّا أنّ ثمرة اعتبار ملكيّته لكلّ منهما تظهر في مثل المقام ، حيث إنّه بعد أن ملك واحدة منها للغير وأخرجها عن ملكه بالإجارة فخروجها لا يستلزم خروج الباقي ، فلو تمكّن الغير من التصرّف فيه ولو لأجل أنّ

.................................................................................................


المستأجر لم يصرف العين فيما استؤجرت له سواء أكان هو المستأجر أم شخص غيره ، ضمن اجرة المثل لمالك العين ، لكونه من التصرّف في المنفعة التي هي ملك الغير. وكفى هذا المقدار فائدة لاعتبار الملكيّة للمنافع المتضادّة وإن لم يتمكّن المالك من استيفائها بتمامها حسبما عرفت ، بل لم يكن له هذا التصرّف كما لا يخفى.

وقد اتّضح لك أنّ إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة مطابق لمقتضى القاعدة ولا حاجة إلى ما ذكره (قدس سره) في المتن من أنّ : المستأجر بتفويته واستعماله في غير ما يستحقّ كأنه حصل له منفعة أُخرى. الذي لا محصّل له ، بل هو بالخطابة أشبه كما لا يخفى ، فإنّ المنفعة الأُخرى كانت مملوكة للمالك من الأوّل لا أنّها حصلت بالتفويت ، وإلّا فكيف صارت ملكاً له بعد ذلك؟! ومن هنا لو فرضنا أنّ المتصرّف كان شخصاً آخر غير المستأجر كان ضامناً للمالك ، باعتبار أنّه استوفى منفعة للغير بغير إذنه.

وبعد البناء على الإمكان المزبور فما ذكره في المتن من استحقاق الأُجرتين معاً هو الصحيح الحقيق بالقبول.

وغير بعيد أن يكون هذا هو المرتكز في أذهان العقلاء ، فإنّ احتمال ضمان المستأجر لخصوص المنفعة المستوفاة كما نسب إلى جماعة بعيد جدّاً ، إذ ما هو الموجب للانفساخ ليلتزم بسقوط الأُجرة المسمّاة؟! وهل ترى أنّ الاستيفاء المزبور من أسباب السقوط؟ فلو فرضنا أنّه لم يستوفها كما لم يستوف المنفعة المستأجرة إلى أن انقضت المدّة فإنّه لا ريب في ضمانه حينئذٍ للمسمّاة ، باعتبار أنّه هو الذي فوّت المنفعة على نفسه بعد أن تسلّم العين من المؤجر ، فإذا كان التفويت من دون أن يستفيد موجباً لضمان الأُجرة المسمّاة فهل يحتمل أن يكون استيفاء منفعة أُخرى موجباً لسقوطها؟! كما أنّ احتمال اشتغال ذمّته بخصوص الأُجرة المسمّاة وعدم ضمانه للمنفعة

.................................................................................................


المستوفاة ولا سيّما إذا كانت أُجرتها أكثر لا وجه له أيضاً ، وكيف يذهب مال المسلم هدراً؟! فلا مناص إذن من الالتزام بكلتا الأُجرتين ، جمعاً بين الحقّين.

ويمكن أن يستأنس لما ذكرناه من مقتضى القاعدة بصحيحة أبي ولّاد (1)وجعلها مؤكّدة لها ومعاضدة ، حيث إنّه صرّح فيها بالضمان بالنسبة إلى المنافع المستوفاة التي هي خارجة عن مورد الإجارة على خلاف فتوى أبي حنيفة (2)ساكتة عن التعرض للأُجرة المسمّاة سؤالاً وجواباً ، بحيث يظهر أنّ استحقاقها كأنه أمر مفروغ عنه لم يحتج إلى النزاع والجدال ، ولم يقع مورداً للسؤال ، سيّما ولعلّ المتعارف دفعها إلى المؤجر المكاري من أوّل الأمر ، ولم ينكر ذلك أبو حنيفة ولا غيره من الأطراف المعيّنة ، فالإعراض عن ذكرها ولو كانت ساقطة لكانت حريّة بالتعرّض جدّاً يورث قوّة ظهور لها في ثبوتها ، وقد عرفت صراحتها في ثبوت الأُجرة الأُخرى أيضاً ، فهي مطابقة إذن لمقتضى القاعدة في الدلالة على استحقاق كلتا الأُجرتين حسبما عرفت.

وربّما يقال : إنّ الالتزام بملكيّة المنافع المتضادّة يقتضي المصير إلى ضمان الغاصب لجميع هاتيك المنافع ، التي ربّما تزيد على قيمة العين ، وهذا شي‌ء لا يمكن الالتزام به ، بل هو مقطوع البطلان.

ويندفع : بمنع الاقتضاء ، فإنّ الضمان حكم شرعي يستند إلى سبب خاصّ ، ولا يكون جزافاً ، وسببه منحصر في أحد أُمور ثلاثة : إمّا الاستيفاء ، أو التلف تحت اليد العادية ، أو الإتلاف. وشي‌ء منها غير متحقّق في المقام.

ضرورة أنّ الغاصب لا يستوفي في وقت واحد إلّا منفعة واحدة ، فلا مقتضي


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1.

2) حكاه عنه في المغني 6 : 89.

.................................................................................................


لضمان الباقي من ناحية الاستيفاء.

وأمّا من ناحية التلف أو الإتلاف فكذلك ، بداهة عدم صدق شي‌ء منها بعد عدم قبول تلك المنافع للوجود خارجاً على صفة الاجتماع فلم يتلف على المالك ما عدا منفعة واحدة ، أمّا البقيّة المتضادّة فهي غير قابلة للتحقّق عرضاً في حدّ أنفسها ، سواء أكانت تحت يد الغاصب أم المالك ، فكيف يصحّ إطلاق التلف أو الإتلاف عليها؟! بل هي تالفة في طبعها وذاتها ، سواء أغصبها الغاصب أم لا.

وبالجملة : الغصب وعدمه بالإضافة إلى عدم وجود بقيّة المنافع على حدٍّ سواء ، فكيف يصحّ إسناد عدمها إلى الغاصب ليكون ضامناً؟! وإنّما يتّجه ضمانه بالنسبة إلى خصوص ما استوفاه أو ما أتلفه وإن لم يستوفه ، كما لو كانت الدابّة المغصوبة مستعدّة للإيجار لحمل متاع أُجرته كذا فإنّه يصحّ عرفاً أن يقال : إنّ الغاصب أتلف هذه المنفعة ولو لم يستوفها ، سواء أصرف الدابّة في اجرة زهيدة أم لم يستفد منها شيئاً أبداً ، فإنّه على التقديرين صحّ القول بأنّه أتلفها باعتبار قابليّتها للوجود فيكون ضامناً لها لا محالة. وأمّا جميع المنافع فلم يتلفها الغاصب ، فلا موجب لضمانه لها.

وأين هذا من محلّ الكلام؟! الذي فرض فيه أنّ المستأجر ملك منفعة خاصّة واستحقّ المؤجر عليه المسمّاة بمقتضى الإجارة الصحيحة ولكنّه لم يستوفها واستوفى بدلها منفعة أُخرى مضادّة هي ملك للمالك ، فإنّ مثله طبعاً يضمن ضمانين : أحدهما بالعقد ، والآخر بالاستيفاء حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

هذا كلّه بناءً على ما هو التحقيق من إمكان ملكيّة المنافع المتضادّة.

وأمّا بناءً على عدم الإمكان كما لعلّه المعروف والمشهور ، فيدور الأمر وقتئذٍ بين وجوه ثلاثة :

أحدها : الالتزام بأنّ المالك إنّما يملك المنفعة الكلّيّة أعني : الجامع بين تلك

.................................................................................................


المنافع المتضادّة مخيّراً في التطبيق على أيّ فرد منها شاء ، فإذا طبّقه على منفعة خاصّة ، كما لو آجر الدابّة للحمل مثلاً فلم يبق له في مدّة الإجارة أيّ ملك في الدابّة ما عدا ذات العين.

وعليه ، فلو استعملها المستأجر في جهة أُخرى فبما أنّ تلك الجهة لم تكن مملوكة فطبعاً لم يكن هو ضامناً لأيّ أحد. ونتيجة ذلك هو القول بعدم ضمان المستأجر لما عدا الأُجرة المسمّاة.

ولكن هذا شي‌ء لا يمكن الالتزام به قطعاً ، وذلك لأنّ مقتضاه جواز استيفاء المنفعة العظمى بدلاً عمّا وقعت عليه الإجارة من المنفعة الضئيلة بإزاء أُجرة زهيدة ، كما لو استعمل العبد الذي استأجره للكتابة أو الدابّة المستأجرة لإدارة الرَّحَى في حمل صخرة كبرى ونحو ذلك من الأعمال الشاقّة التي ربّما تعادل أُجرتها أضعاف الأُجرة المسمّاة. وهذا شي‌ء لا يمكن الإفتاء به من متفقّة فضلاً عن فقيه ، وإنّما يشبه فتاوى أبي حنيفة وأضرابه ، مضافاً إلى مخالفته لصحيحة أبي ولّاد الصريحة في ضمان المنافع المستوفاة.

ثانيها : الالتزام بأنّ المستأجر لمّا لم يستوف المنفعة المستأجرة واستوفى بدلها منفعة أُخرى مضادّة ، اقتضى ذلك انفساخ عقد الإجارة وفساده ، ومن ثمّ لم يضمن ما عدا اجرة المثل بالنسبة إلى ما استوفاه ويفرض العقد كأن لم يكن ، نسب ذلك إلى العلّامة (1)وغيره.

وقد يقال : إنّ هذا هو المستفاد من صحيحة أبي ولّاد ، بدعوى أنّ الاقتصار على التعرّض لُاجرة المنافع المستوفاة والسكوت عن دفع الأُجرة المسمّاة يكشف عن أنّ الواجب إنّما هو اجرة المثل فحسب.


1) انظر القواعد 2 : 304.

.................................................................................................


وفيه أوّلاً : أنّه لم يتّضح أيّ موجب للانفساخ وسقوط الأُجرة المسمّاة ، فإنّا لو فرضنا أنّ المستأجر أبقى العين عنده معطّلة حتى انقضت المدّة ولم يستوف منها أيّة منفعة ، أفلا يكون ضامناً للأُجرة المسمّاة؟ وحينئذٍ أفهل ترى أنّ انتفاعه منفعة أُخرى يستوجب السقوط وبطلان الإجارة الاولى ، لا ينطبق ذلك على أيّة قاعدة فقهيّة أو رواية ولو ضعيفة.

وأمّا الصحيحة المزبورة فقد مرّ البحث حولها قريباً ، فلاحظ ولا نعيد (1).

وثانياً : إنّ لازم ذلك براءة ذمّة المستأجر عمّا اشتغلت به حين العقد من غير أيّ مقتضٍ لها فيما لو استوفى بدلاً عن المنفعة المستأجرة منفعة أُخرى ضئيلة أُجرتها يسيرة ، كما لو استأجر الدابّة إلى كربلاء بدينار فاستعملها في إدارة الرّحَى التي أُجرتها نصف دينار مثلاً فإنّ مقتضى هذا الوجه براءة ذمّة المستأجر عن الفرق بين الأُجرتين ، الذي كان ثابتاً في ذمّته بمقتضى عقد الإيجار من غير أيّ سبب لها. وهذا كما ترى شي‌ء لا يمكن الالتزام به جزماً.

هذا ، ولأجل وضوح فساد الوجهين المزبورين ذهب جماعة منهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (2)إلى اختيار :

ثالث الوجوه : وهو التفصيل بين ما إذا كانت أُجرة المنفعة المستوفاة مساوية للأُجرة المسمّاة أو أقلّ ، وبين ما إذا كانت أكثر ، فعلى الأوّل لا يستحقّ إلّا المسمّاة ، وعلى الثاني يستحقّها بضميمة الزيادة ، فيجب حينئذٍ دفع الفرق بين الأُجرتين زائداً على دفع الأُجرة المسمّاة.

وفيه : أنّ المنفعة المستوفاة إن كانت ملكاً لمالك العين استحقّ حينئذٍ على المستوفي تمام اجرة المثل زائداً على الأُجرة المسمّاة كما ذكرناه لا خصوص


1) في ص 315.

2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 87 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


الفرق بين الأُجرتين ، وإن لم تكن ملكاً له كما هو مبنى القول بعدم ملكيّة المنفعتين المتضادّتين لم يستحقّ شيئاً زائداً على المسمّاة حتى المقدار الفارق ، إذ بماذا يستحقّ الزائد بعد أن لم تكن المنفعة المستوفاة مملوكة له؟! وما هو الموجب لضمان ما به التفاوت ولم يطرأ تلف أو تصرّف في ملكه؟! فهذا الوجه يتلو سابقيه في الضعف بعد عرائه عن أيّ مستند صحيح.

إذن لا محيص عن المصير إلى ما اخترناه تبعاً للمتن من استحقاق كلتا الأُجرتين ، خلافاً لأبي حنيفة المنكر لضمان المنفعة المستوفاة ، زعماً منه أنّ الخراج بالضمان (1)، كما يظهر من صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة.

نعم ، ما ذكروه في الوجه الثالث من ضمان الزيادة يتّجه فيما إذا كانت النسبة بين المنفعتين نسبة الأقلّ إلى الأكثر ، لا نسبة التضادّ التي هي محلّ الكلام ، كما لو استأجر دابّة لحمل بضاعة وزنها خمسون كيلو غراماً فحمّلها ما يعادل ستّين ، فإنّ المستأجر يضمن لا محالة لهذه الزيادة إضافةً على ضمانه للأُجرة المسمّاة ، إذ لا موجب لذهاب تلك المنفعة التي هي باقية على ملك المالك هدراً ، وقد كانت قابلة لأن يستوفيها المالك من الأوّل بأن يؤاجر الدابّة لحمل الستّين بدلاً عن الخمسين.

والظاهر أنّه لا خلاف هنا في ضمان اجرة المثل لتلك الزيادة ، ولا يقاس ذلك بالمنافع المتضادّة ، لعدم كونه منها حسبما عرفت.

ولكن أبا حنيفة خالف في هذه المسألة أيضاً على ما في الفقه على المذاهب الأربعة (2)، بدعوى أنّ المستأجر غاصب في تلك الزيادة ، والغاصب لا يضمن المنافع.


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب الإجارة ب 17 ح 1.

2) الفقه على المذاهب الأربعة 3 : 124.

بل وكذا لو استأجر حرّا لعمل معيّن في زمان معيّن وحمله على غير ذلك العمل مع تعمّده وغفلة ذلك الحرّ (1)(1) واعتقاده أنّه العمل المستأجر عليه.

ودعوى أنّ ليس للدابّة في زمان واحد منفعتان متضادّتان ، وكذا ليس للعبد في زمان واحد إلّا أحد المنفعتين من الكتابة أو الخياطة فكيف يستحقّ أُجرتين؟!

مدفوعة بأنّ المستأجر بتفويته على نفسه (2)واستعماله في غير ما يستحقّ كأنه حصل له منفعة أُخرى.


وكيفما كان ، فلا ينبغي الشكّ عندنا في الضمان قولاً واحداً حسبما بيّناه.

(1) ما أفاده (قدس سره) من مشاركة استئجار الحرّ مع المملوك من عبد أو دابّة في استحقاق الأُجرتين وإن كان وجيهاً لوحدة المناط المتقدّم ، إلّا أنّ تخصيصه الحكم بجهل الحرّ وعلم المستأجر الآمر بلا مخصّص ، بل ينسحب الحكم في عكسه أيضاً أعني : علم الحرّ وجهل المستأجر بمناط واحد ، وضابطه : أنّه في كلّ مورد صدر الأمر من الآمر لا بقصد التبرّع والعمل من العامل لا بعنوان المجّان فإنّه يستوجب الضمان ، سواء أكانا عالمين أم جاهلين أم مختلفين ، فتثبت اجرة المثل لأجل العمل المحترم الصادر بموجب الأمر ، والأُجرة المسمّاة بسبب العقد حسبما تقدّم.


1) (*) بل الأمر كذلك مع التفات الحرّ وغفلة المستأجر إذا لم يكن الأجير قاصداً للإتيان بالعمل مجّاناً.

2) (**) بل مدفوعة بعدم المانع من ملكيّة المنفعتين المتضادّتين على ما حقّقناه في محلّه.

[3324] مسألة 7 : لو آجر نفسه للخياطة مثلاً في زمان معيّن فاشتغل بالكتابة للمستأجر مع علمه بأنّه غير العمل المستأجر عليه (2) لم يستحقّ شيئاً ، أمّا الأُجرة المسمّاة فلتفويتها على نفسه (1)بترك الخياطة ، وأمّا أُجرة المثل للكتابة مثلاً فلعدم كونها مستأجراً عليها فيكون كالمتبرّع بها ، بل يمكن أن يقال بعدم استحقاقه لها ولو كان مشتبهاً غير متعمّد ، خصوصاً مع جهل المستأجر بالحال.


(1) ما أفاده (قدس سره) من عدم استحقاق الأجير حينئذٍ شيئاً من الأُجرتين سواء أكان عالماً بالحال أم جاهلاً ومن المعلوم عدم وجوب الإخبار على المستأجر العالم لا يتمّ على إطلاقه ، فإنّ تعليله (قدس سره) لعدم استحقاق الأُجرة المسمّاة بتفويتها على نفسه بترك الخياطة غير وجيه ، ضرورة ثبوت الاستحقاق بمجرّد انعقاد العقد الصحيح من غير إناطة له بالوفاء الخارجي ، غايته ثبوت الخيار لدى التخلّف وعدم التعقّب بالتسليم ، فمع فسخه لا يستحقّ ، ومع الإمضاء يلزمه بعد تسلّم الأُجرة المسمّاة دفع اجرة المثل للعمل الفائت المستأجر عليه.

فالصحيح أن يقال : إنّ الأجير إذا عمل غير العمل المستأجر عليه فليس له مطالبة أُجرة المثل بعد أن لم يكن صدوره بأمر المستأجر.

وأمّا بالنسبة إلى الأُجرة المسمّاة فإن فسخ المستأجر لم يستحقّها أيضاً ، وإلّا استحقّها وكان عليه دفع اجرة المثل بدلاً عمّا فوّته من العمل المستأجر عليه.


1) (*) مرّ أنّ التفويت لا يوجب بطلان الإجارة بل المستأجر مخيّر بين الفسخ ومطالبة قيمة العمل المستأجر عليه ، وبه يظهر الحال في المسألة الآتية.

[3325] مسألة 8 : لو آجر دابّته لحمل متاع زيد من مكان إلى آخر فاشتبه (1) وحمّلها متاع عمرو لم يستحقّ الأُجرة على زيد ولا على عمرو.

[3326] مسألة 9 : لو آجر دابّته من زيد مثلاً فشردت قبل التسليم إليه أو بعده في أثناء المدّة بطلت الإجارة (1)، وكذا لو آجر عبده فأبق (2) ، ولو غصبهما غاصب (3) : فإن كان قبل التسليم فكذلك ، وإن كان بعده يرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة ، ويحتمل


(1) وكذا لو تعمّد. ويجري هنا أيضاً ما عرفته آنفاً من اختصاص عدم استحقاق الأُجرة المسمّاة بصورة اختيار الفسخ ، أمّا مع الإمضاء فيستحقّها وله مطالبة الأجير بعوض العمل الفائت. فإطلاق عدم الاستحقاق بالإضافة إلى المسمّاة في غير محلّه.

(2) إذ يعتبر في صحّة الإجارة أن تكون المنفعة قابلة التسليم وممكنة التحقّق خارجاً ، وإلّا فغير الممكن لم تكن مملوكة للمالك من الأوّل حتى يملّكها ، فلا تصحّ الإجارة عليها. إذن فمنفعة العبد والدابّة حالة الشرد والإباق لم يملكها المالك من أصلها ومعه لا موقع لتمليكها بالإجارة.

وعليه ، فإن كان ذلك قبل التسليم بطلت الإجارة رأساً ، وإن طرأ أثناء المدّة بطلت في الباقي ، لفوات المنفعة وتعذّرها بالإضافة إليه ، وحينئذٍ فللمستأجر خيار التبعّض بالنسبة إلى ما مضى ، ومع فسخه يسترجع تمام الأُجرة المسمّاة ويؤدّي اجرة المثل لما مضى.

(3) أمّا إذا كان الغصب بعد التسليم فالحكم واضح ، ضرورة عدم التزام


1) (*) بالإضافة إلى المدّة الباقية ، وللمستأجر الخيار بالإضافة إلى ما مضى.

التخيير (1)بين الرجوع على الغاصب وبين الفسخ في الصورة الأُولى وهو ما إذا كان الغصب قبل التسليم.


المؤجر بحفظ المال عند المستأجر وسلامته عن الغصب ، لخروجه عن عهدته ، فلا يكون الغصب المتأخّر في يد المستأجر محسوباً عليه ليرجع إليه ، وإنّما الرجوع إلى الغصب ليس إلّا ، فيطالبه المستأجر بأُجرة المثل لما فات في يده من المنافع.

وأمّا إذا كان قبل التسليم فقد احتمل الماتن التخيير بين مراجعة الغاصب وبين الفسخ بعد أن احتمل البطلان أوّلاً.

ولكن الظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) أخيراً هو الصحيح ، إذ لم يوجد أيّ مقتضٍ للبطلان بعد أن كانت المنفعة في نفسها قابلة للاستيفاء وممكنة التحقّق خارجاً ، غاية الأمر أنّ الظالم حال دون فعليّة الاستفادة وصدّ عن الانتفاع ، فالذي حدث نتيجةً للغصب إنّما هو تعذّر التسليم لا سقوط العين عن صلاحيّة الانتفاع كما كان كذلك في صورة الإباق والشرد كما مرّ وبما أنّ التسليم شرط ارتكازي في صحّة كلّ عقد معاوضي فلا يوجب تخلّفه إلّا الخيار ، فمع اختيار الفسخ يسترجع الأُجرة المسمّاة عن المؤجر ، وإلّا فيطالب الغاصب بعوض المنفعة الفائتة تحت يده إن تمكن.

وعلى الجملة : لا قصور في التمليك والتملّك ، وإنّما القصور في التسليم والتسلّم ، ومثله لا يستوجب إلّا الخيار دون البطلان حسبما عرفت (2)

ومراده من بعض تلك الصور ما إذا كان منع الظالم متوجّهاً إلى المستأجر في انتفاعه لا إلى المؤجر في تسليمه ، كما صرّح به في تعليقته المتقدّمة على المسألة الحادية عشرة من الفصل الثالث.

والفارق بين الموردين كما صرّح (دام ظلّه) به : هو أنّ منع الظالم في المورد المزبور لا يستوجب قصوراً في التسليم المعتبر من ناحية المؤجر ، فلا مقتضي للفسخ والرجوع إليه بالأُجرة. وهذا بخلاف المقام ، إذ المفروض هنا غصب الغاصب لا منع الظالم المأخوذ في موضوع تلك المسألة ومن المعلوم أنّ الغصب بالإضافة إلى المؤجر والمستأجر على حدٍّ سواء ، فهو كما يمنع المستأجر عن التسلّم يمنع المؤجر عن التسليم. ومن ثمّ كان مخيّراً بين مراجعة الغاصب نظراً إلى أنّه بمنعه عن التسلّم فوّت عليه المنفعة ، وبين الفسخ ومراجعة المؤجر لعدم تحقّق التسليم الموجب تخلّفه لثبوت الخيار.

وممّا ذكرنا يظهر ما في جملة من التعاليق من دعوى التنافي في كلام السيّد الماتن بين الموردين ، فلاحظ.

.

1) (*) هذا هو المتعيّن ، والفرق بين المقام وما تقدّم من تعيّن الرجوع على الظالم في بعض الصور منعه يظهر بالتأمّل.

2) في تعليقة سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) على المقام ما نصّه : والفرق بين المقام وما تقدّم من تعيين الرجوع على الظالم في بعض صور منعه يظهر بالتأمّل.

[3327] مسألة 10 : إذا آجر سفينته لحمل الخلّ مثلاً من بلد إلى بلد فحمّلها المستأجر خمراً لم يستحقّ المؤجر إلّا الأُجرة المسمّاة ، ولا يستحقّ اجرة المثل لحمل الخمر ، لأنّ أخذ الأُجرة عليه حرام (1) ، فليست هذه المسألة مثل مسألة إجارة العبد للخياطة فاستعمله المستأجر في الكتابة.


(1) فلم تقابل تلك المنفعة المحرّمة المستوفاة بالمال ليترتّب الضمان ، إذ هي بعد الحكم عليها بالحرمة في حكم المنفعة غير المملوكة ، فلا يقاس المقام بما تقدّم في المنفعتين المتضادّتين من استحقاق كلتا الأُجرتين (1)، لأنّهما كانتا محلّلتين ، بخلاف ما نحن فيه. ومن ثمّ لم يستحقّ هنا إلّا الأُجرة المسمّاة الواقعة بإزاء المنفعة المحلّلة.


1) في ص 310 وما بعدها.

لا يُقال : فعلى هذا إذا غصب السفينة وحمّلها خمراً كان اللازم عدم استحقاق المالك اجرة المثل ، لأنّ اجرة حمل الخمر حرام.

لأنّا نقول : إنّما يستحقّ المالك اجرة المثل للمنافع المحلّلة الفائتة في هذه المدّة ، وفي المسألة المفروضة لم يفوّت على المؤجر منفعة ، لأنّه أعطاه الأُجرة المسمّاة لحمل الخلّ بالفرض.

[3328] مسألة 11 : لو استأجر دابّة معيّنة من زيد للركوب إلى مكان فاشتبه وركب دابّة أُخرى له (1) لزمه الأُجرة المسمّاة للأُولى وأُجرة المثل للثانية ، كما إذا اشتبه فركب دابّة عمرو فإنّه يلزمه اجرة المثل لدابّة عمرو ، والمسمّاة لدابّة زيد ، حيث فوّت منفعتها على نفسه.


ثمّ أشكل على نفسه بأنّ مقتضى ذلك عدم استحقاق المالك اجرة المثل لدى غصب السفينة وحملها خمراً. وهو كما ترى.

وأجاب (قدس سره) باستحقاقه لها بإزاء ما فوّته عليه من المنافع المحلّلة في هذه المدّة لا بإزاء ما استوفاه من المنفعة المحرّمة ، ومن ثمّ لو لم يستوفها أيضاً بل بقيت العين معطّلة حتى انقضت المدّة كان ضامناً لتلك المنافع ، لمكان التفويت المزبور.

وأمّا في المقام فلا تفويت ، إذ بعد أن طبّق المالك ما يختاره من المنافع على مورد الإجارة فقد استوفاها باستيفاء الأُجرة ، والبقيّة تتلف بطبعها بعد أن لم يتمكّن المالك من استيفائها خلال مدّة الإجارة ، فلا تفويت كما لا ضمان إلّا بإزاء المسمّاة.

وما أفاده (قدس سره) وجيهٌ وصحيح.

(1) وكذا لو تعمّد ، فيلزم بكلتا الأُجرتين حسبما قرّره في المتن.

[3329] مسألة 12 : لو آجر نفسه لصوم يومٍ معيّن عن زيد مثلاً ثمّ آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو (1) لم تصحّ الإجارة الثانية ، ولو فسخ الاولى بخيار أو إقالة قبل ذلك اليوم لم ينفع في صحّتها ، بل ولو أجازها ثانياً ، بل لا بدّ له من تجديد العقد ، لأنّ الإجازة كاشفة ولا يمكن الكشف هنا ، لوجود


(1) فوقعت الإجارة الثانية على عين ما وقعت عليه الإجارة الأُولى. ولا إشكال حينئذٍ في بطلان الثانية ، لوضوح عدم قبول يوم واحد للصوم عن شخصين ، وبما أنّه ملّكه للمستأجر الأوّل في الإجارة الأُولى فلم يبق له عمل آخر مملوك ليملّكه للغير. وهذا واضح.

وإنّما الكلام في أنّه لو فسخت الإجارة الأُولى بخيارٍ أو إقالة فهل تصحّ الثانية مع الإجازة أو بدونها نظراً إلى ارتفاع المانع؟

اختار في المتن عدم الصحّة حتى مع الإجازة ، استناداً إلى أنّها كاشفة لا ناقلة ، ولا سبيل إلى الكشف في المقام بعد فرض كون العمل مملوكاً للمستأجر الأوّل حالة وقوع الإجارة الثانية ، لوضوح امتناع كونه في هذا الحال مملوكاً للمستأجر الثاني أيضاً ، فلم يكن المؤجر وقت انعقاد الإجارة الثانية مالكاً للصوم ليستكشف تمليكه للغير ويحكم بصحّتها بالإجازة ، وإنّما يملّكه بعد ذلك بسبب الفسخ اللاحق ، فيندرج حينئذٍ فيما يشبه كبرى : مَن باع ثمّ ملك ، والمعروف فيها البطلان حتى مع الإجازة.

بل ذكر (قدس سره) أنّ المقام أشكل.

المانع حين الإجارة ، فيكون نظير من باع شيئاً ثمّ ملك ، بل أشكل (1)(1).


(1) والوجه في ذلك : أنّ في مورد تلك الكبرى يمكن تصحيح البيع في ظرف وقوعه بالإجازة ، غايته بإجازة من مالك العين لا من البائع ، فهو في نفسه قابل للصحّة بإجازة المالك ، فيبحث عن أنّ اختلاف المالك حال الإجازة عن المالك حال البيع هل يستوجب فرقاً في تأثير الإجازة أو لا؟ وفيه خلاف معروف.

وأمّا في المقام فالإجارة الثانية غير قابلة للإجازة من أيّ أحد حال انعقادها لا من المؤجر ولا من المستأجر الأوّل الذي هو مالك للعمل. أمّا المؤجر فلعدم كونه مالكاً آن ذاك على الفرض ، وأمّا المستأجر فلكونه أجنبيّا عن هذا العقد ، ضرورة أنّه إنّما يملك حصّة خاصّة من الصوم ، وهو الصوم عن زيد مثلاً لا طبيعيّ الصوم ، فالصوم عن عمرو الذي هو مورد الإجارة الثانية أجنبي عن المستأجر الأوّل بالكلّيّة ولا يرتبط به بوجه ، فليس له حقّ في الإجازة أبداً ، فلأجل هذه العلّة كانت الصحّة هنا أشكل.

أقول : هذا وجيه جدّاً ، بناءً على القول بامتناع ملكيّة المنافع المتضادّة ، إذ عليه لم يكن المؤجر مالكاً لهذه المنفعة التي ملّكها للمستأجر الثاني حال تمليكها ، وإنّما يملكها بعد ذلك فيندرج في كبرى : من باع ثمّ ملك ، بل يكون


1) (*) وجه الإشكال أنّ المعاملة في مسألة من باع شيئاً ثمّ ملك قابلة للإجازة من المالك الواقعي حين حدوثها ، وفي المقام الإجارة الثانية غير قابلة للإجازة من أحد حين وقوعها ، هذا ولكن الصحيح بناءً على ما ذكرناه سابقاً من انّ المنافع المتضادة مملوكة جميعاً فالمقتضي لصحة الإجارة الثانية موجود ، وهو ملك المؤجر المنفعة المستأجر عليها في الإجارة الثانية ، ولكن المانع وهو المزاحمة وعدم إمكان استيفاء كلتا المنفعتين متوفر ، فإذا افترضنا رفع المانع بالإقالة أو الفسخ فلا مانع من الحكم بصحة الإجارة المزبورة من دون حاجة إلى الإجازة ، فيكون المقام نظير نكاح العبد بدون إذن مولاه.

.................................................................................................


المقام أشكل كما أُفيد.

وأمّا بناءً على ما اختاره وقوّيناه من القول بالجواز فالمنفعة الواقعة مورداً للإجارة الثانية مملوكة للمالك في نفس تلك الحالة ، غاية الأمر أنّه لم يكن له تمليكها من أجل المضادّة للمنفعة الأُخرى الواقعة مورداً للإجارة الأُولى ومنافاته لحقّ الغير ، فعدم السبيل إلى تمليك المنفعة المضادّة لا يستند إلى قصور في المقتضي أعني : عدم ملكيّته لها وإنّما هو لوجود المانع وهو مزاحمته لحقّ الغير ، فإذا أُزيل المانع بقاءً وسقط حقّ الغير بفسخٍ ونحوه فلا مانع إذن من الحكم بصحّته ، فإنّه عقد صدر من أهله ووقع في محلّه ، بل لا حاجة حينئذٍ إلى الإجازة كما لا يخفى.

فالمقام أشبه شي‌ء بنكاح العبد فيما إذا أجاز المولى بعد ذلك ، باعتبار أنّ النكاح في نفسه كان سائغاً في ظرفه وإنّما كان المانع مراعاة حقّ المولى ، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) : «إنّه لم يعص اللّه تعالى وإنّما عصى سيّده» (1)فإذا أجاز جاز.

إذن فلا يبعد القول بصحّة الإجارة الثانية بعد فسخ الاولى حتى من دون الإجازة فضلاً عمّا لو أجاز ، فإنّ ذلك هو مقتضى القاعدة بناءً على ملكيّة المنافع المتضادّة حسبما عرفت.


1) الوسائل 21 : 114 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 24 ح 1.

فصل [في مسائل متفرّقة]

لا يجوز إجارة الأرض لزرع الحنطة أو الشعير بما يحصل منها من الحنطة أو الشعير (1) ، لا لما قيل من عدم كون مال الإجارة موجوداً (1)حينئذٍ لا في الخارج ولا في الذمّة ، ومن هنا يظهر عدم جواز إجارتها بما يحصل منها ولو من غير الحنطة والشعير ، بل عدم جوازها بما يحصل من أرض أُخرى أيضاً ، لمنع ذلك ، فإنّهما في نظر العرف واعتباره بمنزلة الموجود كنفس المنفعة ، وهذا المقدار كافٍ في الصحّة ، نظير بيع الثمار سنتين أو مع ضم الضميمة ، فإنّها


(1) أي بمقدار معيّن كمنّ أو منّين من الحنطة أو الشعير الحاصلين منها.

والظاهر أنّ هذا الحكم ممّا لا خلاف فيه ومورد لاتّفاق الكلّ ، إلّا أنّ الكلام في مستنده وأنّه هل هو الروايات الخاصّة الواردة في المقام كما اختاره في المتن أو أنّه مطابق لمقتضى القاعدة ولو لم يرد أيّ نصّ في البين.


1) (*) الظاهر صحّة هذا القول ، لأنّ الأُجرة لا بدّ من كونها مملوكة أو في حكم المملوكة ، كما إذا كانت من الأعمال أو شيئاً في الذمة ، والمفروض في المقام عدم ذلك ، وعليه فالإجارة باطلة ، بلا فرق بين كون الحاصل من الحنطة والشعير وكونه من غيرهما ، كما أنّه لا فرق بين كون الحاصل من تلك الأرض وكونه من غيرها ، وقياسه بمنفعة العين قياس مع الفارق ، فإنّها من شؤون العين ومملوكة بتبعها فعلاً ، بخلاف الحاصل من الأرض الذي هو معدوم حال العقد.

لا تجعل غير الموجود موجوداً مع أنّ البيع وقع على المجموع.

بل للأخبار الخاصّة (1)(1).


وتظهر الثمرة في الإجارة بما يحصل منها من غير الحنطة أو الشعير كالعدس والحمّص ونحوهما من سائر الحبوبات ، أو بالحنطة أو الشعير الحاصلين من أرضٍ أُخرى غير هذه الأرض.

فعلى الأوّل : لا بدّ من الاقتصار في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد النصّ ، وبناءً على أنّ المستفاد من النصوص خصوص الحنطة والشعير الحاصلين من نفس الأرض كما اختاره في المتن لم يكن بأس بالإجارة بغيرهما أخذاً بعمومات صحّة الإجارة.

وعلى الثاني : يعمّ المنع مطلق الحبوب من مطلق الأرض ، بل يعمّ ما لو كانت العين المستأجرة غير الأرض من دار أو فرس ونحوهما بمناط واحد ، إذ الجميع شرع سواء أمام مقتضى القاعدة كما ستعرف.

والأظهر هو القول الثاني وأنّ بطلان الإجارة مطابق لمقتضى القاعدة ، بل لو أغضينا النظر عنها وكنّا نحن والنصوص الخاصّة لم يمكن التعويل عليها في الحكم بالبطلان ، إذ هي برمّتها بين ضعيف السند وبين ما لا دلالة له على عدم الجواز في محلّ الكلام.

وإليك عرض النصوص :

(1) فمنها : رواية الفضيل بن يسار ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن


1) (*) الأخبار بين ما هو ضعيف السند وما لا دلالة فيه ، وأما صحيح الحلبي فهو مع اختصاصه بإجارة الأرض بالحنطة غير ظاهر في النهي الوضعي ، وعليه فلا بدّ من حمله على الكراهة أي كراهة إجارة الأرض بالحنطة ثمّ زرعها حنطة.

.................................................................................................


إجارة الأرض بالطعام «قال : إن كان من طعامها فلا خير فيه» (1).

وهي وإن لم يكن بأس بدلالتها ، نظراً إلى أنّ نفي الخير في قوّة التعبير بالفساد ، وإلّا فكيف لا يكون خير في معاملة صحيحة حاوية على مبادلة مال بمال سيّما مع الاسترباح؟! إلّا أنّ السند ضعيف بصالح بن السندي ، إذ لم يرد فيه أيّ توثيق أو مدح.

نعم ، ورد في اسناد كامل الزيارات صالح بن السندي الجمّال ، لكن الرجل البالغة رواياته في مجموع الكتب الأربعة ثمانين رواية والذي يروي عنه علي بن إبراهيم وغيره لم يلقّب في شي‌ء منها بالجمّال ، بل ذكر مطلقاً ، فلم يعلم أنّ المراد بمَن في الكامل هو هذا الرجل ، وإلّا لوُصِف به ولو في مورد واحد ، فيُظَنّ أذن أنّه غيره ، بل يكفينا مجرّد الشكّ وتطرّق الاحتمال لعدم إحراز الوثاقة على كلّ حال ، فتسقط الرواية عن صلاحيّة الاستدلال.

ومنها : رواية أبي بردة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن إجارة الأرض المحدودة بالدراهم المعلومة «قال : لا بأس» قال : وسألته عن إجارتها بالطعام «فقال : إن كان من طعامها فلا خير فيه» (2).

وهي أيضاً ظاهرة الدلالة كسابقتها ، غير أنّها ضعيفة السند بأبي بردة ، فإنّه مجهول.

وهاتان الروايتان هما العمدة في المقام لولا الخلل في السند.

وأمّا بقيّة الروايات فلا تدلّ على عدم الجواز في محلّ الكلام.


1) الوسائل 19 : 55 / كتاب المزارعة ب 16 ح 5.

2) الوسائل 19 : 56 / كتاب المزارعة ب 16 ح 9.

.................................................................................................


فمنها : موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا تؤاجر الأرض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالأربعاء ولا بالنطاف ، ولكن بالذهب والفضّة ، لأنّ الذهب والفضّة مضمون ، وهذا ليس بمضمون» (1).

وقد رويت عن أبي بصير بسند آخر ، وفيها : ... قلت : وما الأربعاء؟ «قال : الشرب ، والنطاف : فضل الماء» إلخ (2).

وقد وصف الذهب والفضّة في بعض النصوص بأنّهما مصمتان مفسّراً ذلك في نفس الرواية بأنّهما لا يزيدان ولا ينقصان (3)، ولا يبعد أن يكون المراد بالمضمون في هذه الموثقة أيضاً ذلك على خلاف غيرهما من بقيّة الأجناس التي تختلف قيمتها زيادةً ونقيصةً فلا تكون مضمونة.

وكيفما كان ، فلا كلام لنا في التعليل ، وإنّما الكلام في الحكم المذكور في الموثّقة ، وهو كما ترى أجنبي عن محلّ الكلام أعني : الإيجار بما يحصل من الأرض بل موضوع النهي فيها هو الإيجار بمطلق الطعام ، سواء أكان من نفس الأرض أم من غيرها ولو في الذمّة ، في مقابل الإيجار بما هو مضمون ، أي الذهب والفضّة.

ويؤكّده عطف «الأربعاء» و «النطاف» الكاشف عن أنّ موضوع الحكم هو مطلق ما ليس بمضمون لا خصوص الحاصل من الأرض ، فهي إذن أجنبيّة عن محلّ الكلام.

وحيث لا شكّ في جواز إجارة الأرض بمطلق الطعام كما لعلّه يفصح عنه غير واحد من الأخبار فلا جرم تحمل هذه على الكراهة كما احتمله في المتن.


1) الوسائل 19 : 54 / كتاب المزارعة ب 16 ح 2.

2) الوسائل 19 : 138 / كتاب الإجارة ب 26 ح 1.

3) الوسائل 19 : 128 / كتاب الإجارة ب 21 ح 6.

.................................................................................................


ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن أبي المغراء ، قال : سأل يعقوب الأحمر أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر فقال : أصلحك اللّه ، أنّه كان لي أخ قد هلك وترك في حجري يتيماً ، ولي أخ يلي ضيعة لنا ، وهو يبيع العصير ممّن يصنعه خمراً ويؤاجر الأرض بالطعام ، فأمّا ما يصيبني فقد تنزّهت ، فكيف أصنع بنصيب اليتيم؟ «فقال : أمّا إجارة الأرض بالطعام فلا تأخذ نصيب اليتيم منه إلّا أن تؤاجرها بالربع والثلث والنصف» (1).

وهذه أيضاً قاصرة الدلالة ، فإنّها وإن تضمّنت لفظ الإجارة لكن المراد بها هي المزارعة يقيناً ، بقرينة حكمه (عليه السلام) في الذيل بالجواز فيما إذا كان بالثلث أو الربع ، الذي هو من مختصّات المزارعة ، فكأنّ الأُجرة في مفروض السؤال كانت مقداراً معيّناً من الطعام ، فكان البطلان مستنداً إلى فقدان شرط المزارعة وهو وقوعها على الحصّة المشاعة ، ومن ثمّ حكم (عليه السلام) أخيراً بالصحّة مع مراعاة هذا الشرط ، فيعلم من ذلك أنّ جعل الأُجرة الطعام لا بأس به في نفسه ، وإنّما الذي فيه بأس أن لا تكون الحصّة مشاعة.

وكيفما كان ، فالرواية أجنبيّة عن باب الإجارة وناظرة إلى باب المزارعة ، فهي خارجة عن محلّ الكلام بتاتاً.

ومنها : ما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن يونس بن عبد الرّحمن ، عن غير واحد ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) : أنّهما سُئلا ما العلّة التي من أجلها لا يجوز أن تؤاجر الأرض بالطعام ، وتؤاجرها بالذهب والفضّة؟ «قال : العلّة في ذلك أنّ الذي يخرج منها حنطة وشعير ، ولا تجوز إجارة حنطة


1) الوسائل 19 : 55 / كتاب المزارعة ب 16 ح 7 ، التهذيب 7 : 196 / 866.

.................................................................................................


بحنطة ولا شعير بشعير» (1).

وقد اشتمل السند على إسماعيل بن مرار الذي لم يرد فيه توثيق صريح ، فإن ناقشنا فيه سقطت الرواية عن الحجّيّة ، وإن حكمنا بوثاقته كما هو الأظهر من أجل وقوعه في اسناد تفسير علي بن إبراهيم فالسند تام.

إلّا أنّ الدلالة قاصرة ، نظراً إلى أنّ مورد السؤال هو مطلق الطعام في مقابل الذهب والفضّة لا خصوص الشعير والحنطة ، إذن فذكرهما في الجواب إنّما هو من باب المثال لا لخصوصيّة فيهما ، إيعازاً إلى بيان الفرق بين الطعام والذهب وأنّ الخارج من الأرض ربّما يكون حنطة فجعلها اجرة يشبه إجارة الحنطة بالحنطة ، بخلاف ما إذا كانت الأُجرة ذهباً.

فهي إذن من جملة الأخبار الناهية عن إجارة الأرض بمطلق الطعام ولو في الذمّة ، أو من أرض أُخرى ، المحمولة على الكراهة كما سبق ، وأجنبيّة عن محلّ الكلام.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا تستأجر الأرض بالحنطة ثمّ تزرعها حنطة» (2).

وفيه مضافاً إلى اختصاصها بالحنطة فقط دون الشعير - : أنّ الظاهر منها اختصاص النهي بصورة زرع الحنطة خارجاً ، فلا نهي لو لم يزرعها أو زرع غيرها من سائر الحبوب كالشعير. فهي إذن تدلّ على جواز إجارة الأرض بالحنطة مطلقاً ، ما عدا صورة واحدة وهي التعقّب بزرع الحنطة خارجاً ، وحيث لا تأمّل في أنّ الزراعة المزبورة الواقعة بعد ذلك ليست من المحرّمات ولا المبطلات بلا إشكال فيه فالنهي الوارد فيها ظاهر في التكليفي ومحمول على


1) الوسائل 19 : 56 / كتاب المزارعة ب 16 ح 11 ، العلل : 518 / 1.

2) الوسائل 19 : 54 / كتاب المزارعة ب 16 ح 3.

.................................................................................................


الكراهة لا محالة ، لأجل مشابهته بإجارة الحنطة بالحنطة كما في الرواية السابقة.

إذن فلم ينهض لدينا دليل من الأخبار على عدم جواز إجارة الأرض بما يحصل منها من الحنطة أو الشعير أو غيرهما ، لضعفها بأجمعها سنداً أو دلالةً حسبما عرفت.

والمتحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) من دلالة الأخبار على عدم جواز إجارة الأرض بما يحصل منها من الحنطة والشعير لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّها مطلقة تشمل غيرهما أيضاً ، سيّما مع التصريح في بعضها بالتمر والأربعاء ، كما أنّها تشمل الحاصل من غير الأرض ، ويعلم من التعليل بالمضمون أنّ الحكم عامّ لجميع الحبوب ولم يذكر الحنطة والشعير إلّا في رواية الصدوق في العلل عن يونس ، وعرفت أنّ الحكم فيها أيضاً عامّ لمطلق الطعام ، وذكرهما إنّما هو من باب المثال.

نعم ، ذكرت الحنطة صريحاً في صحيح الحلبي ولم تذكر في غيرها ، ولكن النهي الوارد فيها مقيّد بزرعها خارجاً ، المحمول حينئذٍ على الكراهة بلا إشكال بعد ظهوره في النهي التكليفي كما عرفت ، بل عرفت حمل النهي عن مطلق الطعام الوارد في غيرها على الكراهة أيضاً.

نعم ، يظهر من التعبير ب : «لا خير فيه» في روايتين : الفساد ، وظاهرهما حاصل نفس الأرض ، ولكن الموضوع فيهما الطعام الشامل لمطلق الحبوب لا خصوص الحنطة والشعير ، على أنّهما ضعيفتا السند.

فما أفاده (قدس سره) لا يتمّ بحسب الأخبار ، سواء أكانت الأُجرة نفس الحاصل ، أم المقرّر في الذمّة بشرط الأداء من الأرض المستأجرة.

وأمّا بحسب القواعد فقد ذكر في المتن أنّ مقتضى القاعدة هو الجواز.

وأنّ ما يقال في تقرير المنع من عدم وجود حاصل الأرض فعلاً لا في الذمّة

.................................................................................................


ولا خارجاً فلا يكون قابلاً للتمليك.

مندفعٌ بأنّه كالموجود بالفعل في اعتبار العرف نظير منافع العين ، فكما لا يقدح في مملوكيّتها الفعليّة تأخّرها بحسب الوجود الخارجي فكذا حاصل الأرض ، وبهذا الاعتبار صحّ بيع الثمار سنتين أو مع الضميمة ، إذ لو لم تكن قابلة للتمليك فكيف ساغ بيعها مع الضميمة؟! أقول : هذا الجواب حسن جدّاً لو كان المانع يدّعي عدم المعقوليّة ، لوضوح عدم اندفاع هذا المحذور بالضميمة ، فإنّها لا تجعل الممتنع ممكناً ، وما لا يقبل الملكيّة مملوكاً كما أُفيد.

وأمّا لو كانت الدعوى بعد الإذعان بالإمكان عدم مساعدة الدليل على صحّة التمليك في مثل المقام لا من الشرع ولا العرف ، فالجواب المزبور لا ينفع في الذبّ عنه.

وتوضيحه : أنّ الذي جرت عليه السيرة العقلائيّة وقامت على صحّته الأدلّة الشرعيّة في العقود المعاوضيّة من بيع أو إجارة ونحوهما ممّا يتقوّم بمبادلة مال بمال من عين أو منفعة : لزوم كون مورد المبادلة ملكاً فعليّاً ، أو ما في حكم الملك كالأعمال ، أو شيئاً في الذمّة ، حيث إنّها وإن لم تكن مملوكة بالملكيّة الاعتباريّة ، إذ لا يكون الإنسان مالكاً لما في ذمّته ولا لعمله كما لا يخفى ، إلّا أنّها مورد للسلطنة المطلقة ، إذ له أن يملّك عمله للغير بإجارة ونحوها ، أو أنّ يبيعه شيئاً في الذمّة ، فله سلطنة التمليك ، وبهذا الاعتبار أصبح في قوّة المملوك ، فالقابل للمبادلة ما كان مملوكاً بالفعل أو في حكم المملوك.

وأمّا ما لا يكون مملوكاً بالفعل بوجه لعدم وجوده في أيّ صقع لا الخارج ولا الذمّة وإنّما هو يوجد ويملك فيما بعد ، فلا تصحّ المعاملة عليه لا بالسيرة العقلائيّة ولا بحسب الأدلّة الشرعيّة ، ومن ثمّ لا يسوغ أن يبيع من الآن ما

.................................................................................................


سيولد من الدابّة فيما بعد أو الدجاجة التي ستتكون بعد تحويل البيض الموجود إليها ، ونحوها الغزال قبل أن يصيدها ، أو سمكة البحر قبل أن يتملّكها ولو مع القطع بتمكّنه من ذلك ، فإنّه لا يصحّ بيع شي‌ء من ذلك جزماً ومن غير أيّ إشكال ، لعدم كونه مالكاً لهذه الأُمور بأيّ نحو من الاعتبار العقلائي ، وإنّما سيملكها فيما بعد.

ومن هذا القبيل ما هو المبحوث عنه في المقام من المعاملة على حاصل الأرض قبل وجوده يجعله اجرة ، لوحدة المناط.

ومنه تعرف أنّ قياس الحاصل بمنافع العين المتأخّرة قياسٌ مع الفارق الظاهر ، ضرورة أنّ المنافع من شؤون العين وحيثيّتها الفعليّة القائمة بها ، فإنّ قابليّة الدار مثلاً للسكنى أو الدابّة للركوب التي هي المناط في صحّة الإجارة موجودة بالفعل بوجود العين ، فالملكيّة فعليّة وإن كان زمان المملوك متأخّراً ، فإنّ كلّ ما يعدّ من منافع العين فهي مملوكة بالفعل ، وإنّما التأخّر في ذات المملوك ، لا أنّ المملّكيّة أيضاً متأخّرة.

وعليه ، فلو آجر منافع السنين الآتية فقد ملك ما يملكه بالفعل وإن تأخّر ظرف المملوك.

وهذا بخلاف ما يحصل من الأرض فيما بعد ، فإنّه لا ملكيّة فعليّة له بتاتاً ، وإنّما هي متأخّرة كذات المملوك ، فلا تسوغ المعاملة عليه بوجه ، ومن ثمّ لم يصحّ بيع الدجاج الحاصل من البيض كما عرفت ولو مع الضميمة ، لانتفاء الملكيّة بانتفاء الوجود.

وما ورد من جواز بيع الثمر قبل وجوده بشرط الضميمة فهو حكم تعبّدي ثبت في مورده بالدليل الخاصّ ، فلا يتعدّى إلى غيره ، نظير ما ورد من جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة ، فإنّه لا يتعدّى منه إلى الفرس الآبق حتى مع الضميمة.

وأمّا إذا آجرها بالحنطة أو الشعير في الذمّة لكن بشرط الأداء منها (1) ففي جوازه إشكال ، والأحوط العدم (1)، لما يظهر من بعض الأخبار وإن كان يمكن حمله على الصورة الأُولى. ولو آجرها بالحنطة أو الشعير من غير اشتراط كونهما منها فالأقوى جوازه. نعم ، لا يبعد كراهته.


وعلى الجملة : فالحكم التعبّدي يقتصر على مورده ، جموداً في الحكم المخالف لمقتضى القاعدة على مورد قيام النصّ ، ولا يتعدّى منه إلى غيره بوجه.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ إجارة الأرض بما يحصل منها باطلة بمقتضى القاعدة ، لعدم ملكيّة الحاصل قبل وجوده كي يملّك ، ولم يرد تعبّد خاصّ في المقام على خلاف ما تقتضيه القاعدة.

وهذا من غير فرق فيه بين الحنطة والشعير وغيرهما من سائر الحبوب ولا بين الحاصل من هذه الأرض أو من أرض أُخرى ، لوحدة المناط في الجميع حسبما عرفت ، كما لا يستفاد خصوصيّة من الروايات للحنطة ولا للعشير ، فإن قلنا بالجواز ففي الكلّ ، وإن قلنا بعدمه كما هو الصحيح ففي الكلّ أيضاً.

والاختصاص بهما المذكور في عبارة الماتن لا يبعد أن يكون من مختصّاته ، وإلّا فعبارة جملة من الفقهاء مطلقة بل مصرّحة بالتعميم والشمول لمطلق الحبوب. وكذا عنوان صاحب الوسائل في باب 26 من أبواب أحكام الإجارة ، فلاحظ (2).

(1) قد عرفت الحال حول ما إذا كانت الأُجرة نفس الحاصل ، وأمّا إذا


1) (*) وإن كان الأظهر الجوار. وقد عرفت ما في الأخبار.

2) الوسائل 19 : 138.

.................................................................................................


كانت طعاماً في الذمّة فقد يشترط الأداء من الأرض المستأجرة ، وأُخرى : لا.

أمّا إذا كان بدون الشرط فلا ينبغي الإشكال في جوازه ، غايته أنّه مكروه ، لما عرفت من دلالة الأخبار على النهي المحمول على الكراهة عن جعل الأُجرة طعاماً ، بل غيره كالأربعاء والنطاف من مطلق ما ليس بمضمون ، أعني : الذهب والفضّة المصمتين.

وأمّا مع الشرط : فبناءً على ما عرفت من أنّ عدم الجواز مطابق لمقتضى القاعدة فالأمر واضح ، فإن مقتضاها هو الجواز هنا ، لأنّ ما في الذمّة في حكم المملوك كما مرّ وهذا شرط خارجي فلا مانع من صحّة العقد بوجه.

وأمّا بناءً على استفادة المنع من الأخبار كما ذكره (قدس سره) فقد استشكل فيه ، نظراً إلى ما يظهر من بعض الأخبار من شمول المنع له أيضاً ، ولكنّا لم نعثر على رواية يمكن استظهار ذلك منها ليكون منشأ للإشكال ، فإنّ العمدة منها هما الروايتان الأولتان (1)، وموضوع السؤال فيهما وكذا في غيرهما من سائر الأخبار إنّما هو إجارة الأرض بالطعام ، فبناءً على أنّ المستفاد منها إجارة الأرض بطعامها كما هو المفروض وقد صرّح بذلك في الجواب في هاتين الروايتين فالممنوع إنّما هو خصوص ذلك ، أمّا الطعام في الذمّة المشترط أداؤه من نفس الأرض فهو طبعاً غير مشمول لهذه الأخبار ، لعدم كون الأُجرة حينئذٍ نفس الطعام كما هو واضح ، ولم نجد رواية يتوهّم شمولها لما في الذمّة ولو مشروطاً. فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في جوازه.


1) المتقدّمتان في ص 331.

وأمّا إجارتها بغير الحنطة والشعير من الحبوب فلا إشكال فيه (1)(1) ، خصوصاً إذا كان في الذمّة مع اشتراط كونه منها أو لا.

[3330] مسألة 1 : لا بأس بإجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة (2) ، كما لا بأس بإجارة حصّة منها على وجه الكلّي في المعيّن مع مشاهدتها على وجه يرتفع به الغرر ، وأمّا إجارتها على وجه الكلّي في الذمّة فمحلّ إشكال. بل قد يقال بعدم جوازها ،


(1) قد عرفت اتّحاد الكلّ في مناط الإشكال من حيث القاعدة والنصّ والفتوى ، فلاحظ.

(2) فيكون المستأجر مشتركاً مع المالك في المنفعة بالنسبة وإن كانت العين بتمامها للمالك وتجري عليهما أحكام الشركة ، كما تجوز بنحو الكلّي في المعيّن فيكون التعيين بعدئذٍ بيد المالك ، وهذا ظاهر.

وكما تصحّ أيضاً بنحو الكلّي في الذمّة ويكون الفرد المدفوع وفاءً عمّا في الذمّة ، إذ لا فرق بين البيع والإجارة من هذه الجهة ، غير أنّ اللازم في كلا الموردين تعيين الحدود والخصوصيّات الموجبة لاختلاف الرغبات ، حسماً لمادّة الغرر ، كقرب الأرض من الماء ، أو كونها وعرة ، ونحو ذلك ممّا تختلف القيمة باختلافها.

وعلى الجملة : مجرّد الكلّيّة غير قادحة لا في البيع ولا في الإجارة بعد اتّضاح الخصوصيّات الرافعة للغرر والجهالة ، كما هو الحال في غير الأرض كالدابّة أو السيّارة الكلّيّة ، فإنّه لا مانع من إيجارها بعد بيان الأوصاف التي


1) (*) مرّ أنّه لا فرق بين الحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب.

لعدم ارتفاع الغرر بالوصف ، ولذا لا يصحّ السلم فيها. وفيه : أنّه يمكن وصفها على وجهٍ يرتفع ، فلا مانع منها إذا كان كذلك.

[3331] مسألة 2 : يجوز استئجار الأرض لتعمل مسجداً (1)، لأنّه منفعة محلّلة (1) وهل تثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث ودخول الجنب والحائض ونحو ذلك؟ قولان ، أقواهما العدم. نعم ، إذا كان قصده عنوان المسجديّة لا مجرّد الصلاة فيه وكانت المدّة طويلة كمائة سنة أو أزيد لا يبعد ذلك ، لصدق المسجد عليه حينئذ.


يرتفع بها الغرر ، فكما يجوز في العين الخارجيّة يجوز في الكلّي أيضاً بمناطٍ واحد. فلا موقع للاستشكال في ذلك.

(1) ينبغي التكلّم :

تارة : فيما لو كان المقصود من الاستئجار المزبور مجرّد كون الأرض معبداً ومحلّاً للصلاة من غير قصد كونه مسجداً.

وأُخرى : مع قصد التلبّس والاتّصاف بهذا العنوان.

أمّا الأوّل : فلا ينبغي الشكّ في صحّة الإجارة وجواز العمل المذكور ، لأنّه كما ذكره من المنافع المحلّلة ، كما يجوز أن يجعل ملك نفسه كذلك أي معبداً ومصلّى ، أو مسكناً للزوّار ، أو لغير ذلك من وجوه البرّ والخير كما هو واضح.

كما لا ينبغي الإشكال في عدم جريان أحكام المسجد حينئذٍ عليه ، لأنّه مجرّد معبد محض ، وليس بمسجد حسب الفرض ، فلا موقع لتوهّم جريان تلك


1) (*) فيه إشكال بل منر. نعم يجوز استئجارها مدّة معيّنة لجعلها مصلّى أو معبداً ، ولا تجري عليها أحكام المسجد بذلك.

.................................................................................................


الأحكام الخاصّة التي موضوعها عنوان المسجد ، لا كلّ ما يمكن أن يتقرّب فيه إلى اللّه تعالى ، فلا مجال للتردّد في ذلك أبداً ، بل ينبغي القطع بالعدم.

وأمّا الثاني : فعلى تقدير صحّة الإجارة وجواز جعل الأرض المستأجرة مسجداً مدّة الإجارة فلا ينبغي الشكّ في جريان أحكام المسجد حينئذٍ ، لعدم قصور في شمول الإطلاقات ، فإنّ هذا مسجد حسب الفرض ولا يجوز تنجيس المسجد ولا دخول الجنب وهكذا ، فبعد ضمّ الصغرى إلى الكبرى تترتّب الأحكام بلا كلام.

إلّا أنّ الإشكال في صحّة مثل هذا الإيجار وجواز الجعل المزبور ، والظاهر العدم ، نظراً إلى أنّ عنوان المسجد المساوق لعنوان كون هذا المكان لله وبيتاً من بيوته سبحانه ليس كبقيّة الأوقاف التي قد تكون ملكاً لجهة أو لجماعة ، بل هو عنوان التحرير ، نظير العتق في الإنسان ، وهذا شي‌ء يعتبر فيه الدوام والتأييد ولا يكاد يجتمع مع التوقيت الملحوظ في مورد الإجارة ، ولذلك لا تزول الوقفيّة بخراب المسجد ، بخلاف بقيّة الأوقاف المعنونة بعناوين خاصّة ، فإنّها تزول بزوال العنوان وترجع الرقبة إلى ملك الواقف.

وهذا مضافاً إلى كونه أمراً مغروساً ومرتكزاً في أذهان عامّة المتشرّعة يمكن استفادته من بعض الأدلّة الأُخرى أيضاً. ففي الآية المباركة ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ) (1)، وظاهره أنّ المسجد مختصّ به تعالى وبيت من بيوته ، فإذا كان ملكاً له سبحانه فلا يكون بعد ذلك ملكاً لأحد ، إذ لا يكون مؤقّتاً بوقت ولا محدوداً بحدّ.

وقد روى الحميري في قرب الإسناد بسند معتبر عن الحسين بن علوان ،


1) الجنّ 72 : 18.

.................................................................................................


عن جعفر ، عن أبيه «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : من تصدّق بصدقة فردّت عليه فلا يجوز له أكلها ، ولا يجوز له إلّا إنفاقها ، إنّما منزلتها بمنزلة العتق لله ، فلو أنّ رجلاً أعتق عبداً لله فردّ ذلك العبد لم يرجع في الأمر الذي جعله لله ، فكذلك لا يرجع في الصدقة» (1).

ونحوها ما رواه الشيخ بسنده الصحيح عن طلحة بن زيد ، عن جعفر ، عن أبيه (عليه السلام) «قال : من تصدّق بصدقة ثمّ ردّت عليه فلا يأكلها ، لأنّه لا شريك لله عزّ وجلّ في شي‌ء ممّا جعل له ، إنّما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردّها بعد ما يعتق» (2).

وهما كما ترى واضحتا الدلالة على أنّ ما جعل لله فليس فيه رجوع ، ولا ريب أنّ من أبرز مصاديقه جعل المكان مسجداً ، فالمسجديّة لا بدّ وأن تكون أبديّة ، ولا يجرى فيها التوقيت كما لا يجوز فيها التخصيص بجماعة كعشيرته دون أُخرى ، إذ المساجد لله ، فلا تختصّ بأحد ، ولعلّ هذا هو المتسالم عليه بينهم كما عرفت.

ولا يفرق الحال في ذلك بين كون الزمان المؤقّت فيه قليلاً كيوم أو يومين ، أو كثيراً كمائة سنة المذكورة في المتن ، فإنّ عنوان المسجد إن كان قد أُخذ فيه الدوام والتأييد كما هو الظاهر ممّا دلّ على أنّ المساجد لله وأنّ ما كان لله لا رجوع فيه ، وأنّ حاله حال العتق مضافاً إلى الارتكاز حسبما عرفت فلا يجوز التوقيت حينئذٍ من غير فرق بين طول الزمان وقصره بمناط واحد.

وإن لم يؤخذ فيه ذلك وبنينا على أنّ عنوان المسجد كعنوان المعبد قابل


1) الوسائل 9 : 422 / أبواب الصدقة ب 24 ح 1.

2) الوسائل 19 : 205 / كتاب الوقوف والصدقات ب 11 ح 3 ، التهذيب 9 : 152 / 622.

[3332] مسألة 3 : يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة أو لحفظ الاعتبار أو غير ذلك من الفوائد التي لا تنافي بقاء العين (1).


للتوقيت لم يكن فرق أيضاً بين الأمرين ، فتفصيل الماتن بينهما لم يعرف له وجه صحيح.

وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأوّل المتسالم عليه بينهم ظاهراً حسبما هو مذكور في أحكام المساجد من كتاب الطهارة (1).

وعليه ، فتكون مثل هذه الإجارة باطلة ، لعدم قابليّة الأرض لتلك المنفعة المؤقّتة.

(1) لكون العبرة في الصحّة باشتمال العين المستأجرة على المنفعة المحلّلة القابلة للاستيفاء خارجاً ، المنطبق عليهما بلحاظ ما ذكر من المنفعتين ونحوهما.

هذا ، وقد ذكر جماعة بطلان وقف الدرهم والدينار ، كما ذكر جماعة أُخرى عدم ضمان الغاصب لهما للمنافع وأنّه لا يجب عليه ما عدا ردّ العين ، فربّما يتخيّل منافاة ذلك لصحّة الإجارة بلحاظ ما ذكر من المنفعتين.

ويندفع : بابتناء الوقف على اشتمال العين على المنافع الغالبة المتعارفة بحيث يتحقّق معها تحبيس العين وتسبيل المنفعة ، ولا شكّ أنّ الدرهم والدينار فاقدان لمثل ذلك ، لتوقّف الانتفاع بهما غالباً على الصرف والإعدام خارجاً. كما أنّ ضمان المنافع أيضاً كذلك ، فإنّ العبرة فيها بالمنافع العاديّة المتعارفة العقلائيّة بحيث يصدق عرفاً أنّها تلف تحت اليد ، أو أنّ الغاصب أتلفها على المالك.

وأمّا المنافع النادرة الاتّفاقيّة التي ربّما تمسّ الحاجة إليها أحياناً كالمنفعتين


1) شرح العروة 6 : 334 ، 335.

[3333] مسألة 4 : يجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال ونحوه (1) كربط الدابّة به أو نشر الثياب عليه.


المزبورتين أعني : التزيين وحفظ الاعتبار فليست هي مناطاً لا للضمان ولا للوقف ، فمن ثمّ لا يجريان في مثل الدرهم والدينار كما أُفيد.

وأمّا الإجارة فمناط صحّتها الاشتمال على المنفعة المحلّلة ولو كانت نادرة وغير متعارفة ، أخذاً بإطلاق الأدلّة.

إذن فعدم صحّة الوقف أو عدم ضمان المنافع أجنبي عن محلّ الكلام ، ولا موجب لقياس المقام بهما بعد اختلاف المناطين.

ومن ثمّ لو فرض قيام التعارف في قطر أو بلد على التزيين بهما أو الاقتناء لحفظ الاعتبار لم يكن مانع ثمّة من الالتزام بصحّة الوقف ، بل الحكم بالضمان أيضاً ، كما هو الحال في المصوغ منهما ممّا يتعارف لبسه للنساء كالحليّ ، حيث يحكم حينئذٍ بضمان المنافع بعد أن كانت العين مشتملة على المنفعة المحلّلة المتعارفة.

وعلى الجملة : فصحّة الإجارة لا يعتبر فيها إلّا وجود منفعة قابلة للاستيفاء ولو لحاجة شخصيّة ، وحيث فرض وجودها في المقام كما ربّما يتّفق في زماننا أيضاً بالنسبة إلى المسافرين في بعض الأوقات فلا مانع من الالتزام بصحّة الإجارة.

(1) لكونها من المنافع المحلّلة القابلة للتمليك بعوض ، ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية.

فإن قلت : كيف تصحّ الإجارة بناءً على جواز الاستظلال بشجر الغير أو حائطه بدون إذنه؟

قلت : يمكن فرض المسألة فيما لو بادر المالك في الاستظلال بحيث لم يبق

[3334] مسألة 5 : يجوز استئجار البستان لفائدة التنزّه (1) ، لأنّه منفعة محلّلة عقلائيّة.

[3335] مسألة 6 : يجوز الاستئجار لحيازة المباحات كالاحتطاب والاحتشاش والاستقاء (2) ، فلو استأجر من يحمل الماء له من الشطّ مثلاً ملك ذلك الماء بمجرّد حيازة (3) السقاء ،


مجال لاستظلال غيره وهو بحاجة إليه في تلك الساعة ، أو لو أراد المالك قطع الشجرة فطالب منه المستأجر عدم القطع لكي يستظلّ بها ، فيصحّ ما في المتن ولو في الجملة وبنحو الموجبة الجزئيّة.

(1) كما عرفت آنفاً.

(2) ونحوها الاصطياد وغيره ممّا يتحقّق به الاستيلاء على شي‌ء من المباحات الأصليّة.

ورتّب عليه ، أنّه إذا حاز الأجير كان المحوز ملكاً للمستأجر بحيث لو أتلفه متلف بعد الحيازة وقبل الإيصال ضمن قيمته للمستأجر.

هذا ، واستقصاء الكلام في المقام يستدعي التكلّم في جهات :

(3) الجهة الاولى : في صحّة مثل هذه الإجارة في نفسها ، وأنّ الحيازة هل تملّك بالإجارة كي يترتّب عليه ما ذكره من أنّ المتلف لو أتلفه يكون ضامناً للمستأجر دون الحائز؟

استشكل فيها جماعة ، ولم نجد أيّ مقتضٍ للاستشكال عدا دعوى أنّ الحيازة سبب قهري لملكيّة الحائز المباشر ، سواء أقصد التملّك لنفسه أم لغيره أم لم يقصد. وعليه ، فلا أثر للحيازة بالنسبة إلى المستأجر ولا ينتفع منها بوجه ،

.................................................................................................


فاعتبار ملكيّتها له بالإجارة لغو محض ، فإنّه أشبه شي‌ء بأن يستأجر أحداً لكي يأكل أو ينام أو يشتري لنفسه شيئاً وغير ذلك ممّا لا يعود فيه أيّ نفع للمستأجر ويكون هو أجنبيّا عن المنفعة بالكلّيّة.

ولكنّك خبير بأنّ دعوى السببيّة القهريّة بحيث يتملّك الحائز حتى مع مملوكيّة الحيازة للغير بمراحل عن الواقع.

فإنّا لم نعثر بعد الفحص التامّ على رواية تدلّ على الملكيّة في حيازة المباحات الأصليّة ما عدا (1)رواية واحدة ، وهي معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : للعين ما رأت ، ولليد ما أخذت» (2).

فالعمدة هي هذه الرواية ، مضافاً إلى السيرة العقلائيّة القائمة على ذلك إلى زماننا هذا ، من غير فرق بين المتشرّعة وغيرهم ، فإنّهم لا يزالون يستملكون المباحات بعد الاستيلاء عليها من غير رادع ولا منازع.

غير أنّ من الواضح الضروري أنّ مورد هذه السيرة بل الرواية ما إذا كانت الحيازة لنفس الحائز. وأمّا إذا كانت عمليّة الحيازة مملوكة للغير فكان الأخذ لذلك الغير كما هو أمر شائع متعارف بين الناس ولا سيّما في مثل الاستئجار لصيد الأسماك فإنّ بناء العرف والعقلاء مستقرّ وقتئذٍ على اعتبار ملكيّة المحوز لمالك الحيازة لا للحائز المباشر ، فيعتبرون المستأجر مالك السمكة دون صائدها.


1) احتمل (دام ظلّه) جواز الاستدلال له بقوله تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) [البقرة 2 : 29] على تأمّل فيه ، فليتأمّل.

2) الوسائل 23 : 391 / أبواب الصيد ب 38 ح 1.

فلو أتلفه متلف قبل الإيصال إلى المستأجر ضمن قيمته (1) له (1)،


وكذلك الاستئجار للاستقاء من الشطّ أو لأخذ التراب والأحجار وحملها من البرّ.

وعلى الجملة : لم تجر السيرة العقلائيّة على ملكيّة الحائز للمحوز مطلقاً ، بل في خصوص ما إذا كانت الحيازة له دون ما إذا كانت لغيره.

وكذلك الحال في الرواية المتقدّمة (2)، فإنّها ظاهرة في تبعيّة الملكيّة للآخذ وسببيّته لها ، وأنّ الآخذ بوصف أنّه آخذ هو المالك لا بذاته ، وحيث إنّ الأخذ في مورد الاستئجار ملك للمستأجر فلا جرم كان هو الآخذ في الحقيقة وكان المباشر بمثابة آلة محضة.

ومن ثمّ لم يشكّ أحد في أنّ ما يحوزه العبد فهو لمولاه لا لنفسه حتى على القول بأنّ العبد يملك ، نظراً إلى أنّ أفعاله ومنها الأخذ والحيازة مملوكة لمولاه.

وعليه ، فإذا لم يكن المأخوذ ملكاً للمباشر في مثل هذه الصورة المساوق لإنكار السببيّة القهريّة للحيازة لم يكن أيّ مانع من الالتزام بصحّة الإجارة بعد أن كانت للأجير منفعة محلّلة قابلة للاستيفاء حسبما عرفت.

فلا ينبغي الإشكال في صحّة الإجارة والحكم بأنّ المحوز ملك للمستأجر ، ويترتّب عليه ما ذكره في المتن من ضمان المتلف له لو أتلفه قبل الإيصال إليه ، لعدم اعتبار القبض في ملكيّته وتحقّقها بمجرّد الحيازة.

(1) لعلّه سهو من قلمه الشريف ، ضرورة أنّ الماء مثلي لا قيمي ، وإنّما يتّجه


1) (*) الظاهر أنّ ضمان الماء التالف بالمثل لا بالقيمة.

2) على تأمّل في دلالتها يأتي التعرّض إليه في الجهة الثالثة.

وكذا في حيازة الحطب والحشيش. نعم ، لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه (1) فيحتمل القول بكونه له ويكون ضامناً للمستأجر عوض ما فوّته عليه من المنفعة ، خصوصاً إذا كان المؤجر آجر نفسه على وجهٍ يكون تمام منافعه في اليوم الفلاني للمستأجر ، أو تكون منفعته من حيث الحيازة له ، وذلك لاعتبار النيّة في التملّك بالحيازة ، والمفروض أنّه لم يقصد كونه للمستأجر بل قصد نفسه ، ويحتمل القول بكونه للمستأجر ، لأنّ المفروض أنّ منفعته من طرف الحيازة له ، فيكون نيّة كونه لنفسه لغواً ، والمسألة مبنيّة على أنّ الحيازة من الأسباب القهريّة لتملّك الحائز ولو قصد الغير ، ولازمه عدم صحّة الاستئجار لها ، أو يعتبر فيها نيّة التملّك ودائرة مدارها ، ولازمه صحّة الإجارة وكون المحوز لنفسه إذا قصد نفسه وإن كان أجيراً للغير ، وأيضاً لازمه عدم حصول الملكيّة له إذا قصد كونه للغير من دون أن يكون أجيراً له أو وكيلاً عنه وبقاؤه على الإباحة ،


ضمان القيمة في مثل الحطب والحشيش ونحوهما.

(1) الجهة الثانية : بعد ما عرفت من صحّة الإجارة فلو كان أجيراً في عامّة المنافع أو خصوص منفعة الحيازة فخالف وحاز لنفسه ، فهل يكون المحوز له ، ويضمن للمستأجر قيمة ما أتلفه عليه من منفعة الحيازة المملوكة له نظراً إلى أنّه يعتبر في التملّك بالحيازة قصد التملّك وحيث لم يقصد إلّا نفسه فلا جرم كان المحوز له؟

أو أنّه يكون للمستأجر باعتبار أنّه هو المالك للحيازة بمقتضى الإجارة فيلغو نيّة كونه للحائز نفسه؟

إلّا إذا قصد بعد ذلك كونه له ، بناءً على عدم جريان التبرّع في حيازة المباحات والسبق إلى المشتركات وإن كان لا يبعد جريانه ، أو أنّها من الأسباب القهريّة لمن له تلك المنفعة ، فإن لم يكن أجيراً يكون له وإن قصد الغير فضولاً ، فيملك بمجرّد قصد الحيازة ، وإن كان أجيراً للغير يكون لذلك الغير قهراً وإن قصد نفسه أو قصد غير ذلك الغير ، والظاهر عدم كونها من الأسباب القهريّة مطلقاً. فالوجه الأوّل غير صحيح ، ويبقى الإشكال في ترجيح (1)أحد الأخيرين ، ولا بدّ من التأمّل.


فيه وجهان ، وقد توقّف الماتن ولم يرجّح أحدهما على الآخر.

أقول : يقع الكلام تارةً في اعتبار قصد التملّك في حدّ نفسه ، وأُخرى في أنّه على تقدير الاعتبار فهل يعتبر أيضاً قصد من تكون الملكيّة له؟ أو أنّه يكفي في الحيازة قصد التملّك في الجملة في مقابل عدم القصد رأساً.

ربّما يقال باعتبار قصد التملّك في حيازة المباحات فلا ملكيّة بدونه ، ويستدلّ له بما ثبت بالنصّ والفتوى من أنّ من اشترى سمكة فأخرج من جوفها درّة فهي للمشتري دون البائع (2).

قالوا : إنّ في ذلك دلالة واضحة على اعتبار القصد المزبور ، وإلّا لكانت للبائع ، فإنّه الذي استخرج السمكة وحازها كيف يكون ما في جوفها للمشتري؟ بَيْدَ أنّه لمّا لم يقصد تملّك الدرّة لدى اصطياد السمكة لأجل غفلته عن وجودها وقد تملّكها المشتري المستولي عليها ، فمن ثمّ كانت ملكاً له دون البائع ، فيستكشف


1) (*) لا يبعد أن يكون الوجه الأخير هو الأرجح.

2) الوسائل 25 : 453 / كتاب اللقطة ب 10 ح 2.

.................................................................................................


من ذلك اعتبار قصد التملّك في ملكيّة المباحات لدى حيازتها.

وربّما يجاب عن ذلك : بأنّ البائع قد ملك الدرّة بحيازة السمكة ولكنّه ببيعه نقل إلى المشتري تمام ما جاز وإن أخطأ في التطبيق وتخيّل أنّ تمامه هي السمكة وحدها ، فملكيّة المشتري لها لا يكشف عن اعتبار القصد المزبور بوجه.

ولكنّك خبير بما في هذا الجواب ، ضرورة أنّ البائع بعد أن لم يكن ملتفتاً إلى وجود الدرّة كيف يصحّ القول بأنّه قصد بيعها ولو تبعاً؟! بل أنّه لم يقصد إلّا بيع السمكة وحدها سيّما بعد وضوح أنّ ما في الجوف من المجهول المطلق الذي لم يعلم وجوده ولا ماهيته ، فكيف يمكن القول بأنّه ملّك المشتري تمام ما حازه؟! كما أنّ المشتري لم يشتر إلّا السمكة خاصّة ، فلم يتعلّق قصد للمعاملة بالإضافة إلى ما في الجوف لا من ناحية البائع ولا المشتري.

فالمقام نظير ما لو ورث من أبيه صندوقاً فيه جوهرة ثمينة لم يعلم بها فباع الصندوق بزعم أنّها فارغة ، أفهل يمكن القول بانتقال الظرف والمظروف معاً إلى المشتري بدعوى أنّه باع تمام ما ورثه مع عدم تعلّق القصد ببيع المظروف بوجه من الوجوه؟! بل الصحيح في الجواب أن يقال : إنّ النصّ المشار إليه لا دلالة فيه على اعتبار قصد التملّك ، بل قصارى ما يدلّ على اعتبار قصد الحيازة ، وبما أنّ الصائد البائع لم يعلم بما في الجوف فهو طبعاً لم يقصد حيازته ، ولا بدّ من قصد الحيازة في تملّك المباحات ، فلو استولى على مباح حال نومه فحازه لم يكف في تملّكه قطعاً ، وذاك بحث آخر غير مسألة اعتبار قصد التملّك الذي نحن بصدده.

ففرقٌ بين أن تكون الحيازة مقصودة وأن يكون التملّك مقصوداً ، وكلامنا في الثاني ، أمّا الأوّل فلعلّه لا ينبغي الاستشكال فيه وهو أجنبي عن محلّ الكلام.

وعليه ، فلا مقتضي لردّ المشتري الدرّة إلى البائع ، لعدم كونه مالكاً لها بعد

.................................................................................................


أن لم يكن قاصداً لحيازتها ولو لأجل غفلته عن تحقّقها ، فهي باقية بعد على إباحتها الأصليّة ، وبما أنّ المشتري استولى عليها وحازها فلا جرم كان هو المالك لها.

إذن فالظاهر عدم الدليل على اعتبار قصد التملّك في ملكيّة المباحات بالحيازة ، بل هي بنفسها بعد القصد إليها سبب قهري ولو من دون القصد المزبور.

ويرشدك إلى ذلك مضافاً إلى إطلاق معتبرة السكوني المتقدّمة (1)ملاحظة السيرة العقلائيّة ، فلو شاهد أحدٌ صيداً من طير أو غزال فتخيّل أنّه ملك زيد قد طار من وكره أو هرب من مقرّه فأخذه بقصد الردّ إلى صاحبه فظهر خطؤه وأنّه مباح لم يسبقه إليه أحد ، أفهل يحتمل التردّد في استقرار السيرة على ملكيّته له بشبهة أنّه لم يأخذه بقصد التملّك بل بقصد الردّ إلى صاحبه؟

ونحوه ما لو أخذ في طريقه شيئاً من أغصان الأشجار المباحة لا بقصد التملّك ، بل لأجل قضاء حاجته الوقتيّة في سفره من جعلها سريراً لمنامه مثلاً ثمّ طرحها في البيداء ، أفهل يمكن القول بعدم ملكيّته لها لمجرّد عدم قصد التملّك؟ فلو أخذها منه غيره لم يكن به بأس ، لبقائها على إباحتها الأصليّة ، ليس الأمر كذلك قطعاً ، بل من الضروري قيام السيرة العقلائيّة على ملكيّته لها قهراً بمجرّد قصد الاستيلاء عليها وأن تكون تحت سلطانه ولو مؤقّتاً ، سواء أقصد التملّك أيضاً أم لا.

ثمّ إنّا لو تنازلنا وسلمنا اعتبار قصد التملّك فغايته اعتبار أصل القصد في مقابل عدمه وأمّا خصوصيّة من قصد له التملّك فلا مدخل لها ولم يقم أيّ دليل على اعتبارها ، فلو حاز بقصد التملّك لابنه أو جاره أو صديقه كان ملكاً لنفس الحائز المباشر وإن لم يقصد نفسه آخذاً ، بإطلاق المعتبرة كإطلاق السيرة ،


1) في ص 347.

.................................................................................................


فإنّهما يقتضيان عدم اعتبار ذلك كما لا يخفى.

فالمقام أشبه شي‌ء بما ذكرناه تبعاً للشيخ في بحث المكاسب (1)من أنّ البيع متقوّم بمبادلة مال بمال ولا يعتبر في مفهومه قصد من يقع البيع له ، بل ينتقل الثمن إلى ملك من ينتقل عنه المثمن أيّاً من كان ، فقصد البائع أن يكون البيع لفلان أو عن نفسه أجنبي عن حريم صحّة البيع بتاتاً.

ومن ثمّ يحكم بصحّة بيع الغاصب عند تعقّبه بالإجازة من المالك ، وأنّ قصد الغاصب البيع عن نفسه لا أثر له ولا مدخل له في الصحّة ، بل هو لغو محض ، وإنّما الإجازة تتعلّق بنفس البيع.

والملكيّة في المقام شبيهة بما ذكر ، حيث إنّها تترتّب على نفس الحيازة ، أي الأخذ بقصد التملّك ، وأمّا خصوصيّة مَن قصد له فلا مدخل لها في سببيّة الحيازة ، بل مقتضى إطلاق المعتبرة والسيرة سببيّتها لملكيّة الآخذ الحائز وإن قصد غيره فإنّ هذا القصد يلغى ولا أثر له.

ونتيجة ذلك : أنّه في محلّ الكلام لا أثر لقصد من استؤجر للحيازة التملّك لنفسه ، إذ بعد أن كانت الحيازة ملكاً للمستأجر بمقتضى صحّة الإجارة فلا جرم كان هو الآخذ والحائز ، وإنّما الأجير كآلة محضة على ما سبق ، وقد عرفت تبعيّة الملكيّة للحيازة ، وبما أنّ المستأجر هو الحائز فطبعاً يكون هو المالك للمحوز ، وقصد الأجير عن نفسه يصبح لغواً محضاً.

ثمّ إنّ محلّ الكلام على ما يظهر من جملة من عباراته (قدس سره) ما إذا كان المستأجر مالكاً للحيازة الخارجيّة ، إمّا بأن يكون مورد الإجارة جميع المنافع ، أو خصوص منفعة الحيازة ، فيملك على الأجير شخص المنفعة الصادرة منه خارجاً من صيد أو احتطاب أو استقاء ونحوها كما هو المتعارف في مثل الإجارة


1) المكاسب 3 : 7 وما بعدها.

.................................................................................................


على البناية ، فيستأجره على نفس هذه المنفعة الخاصّة القائمة به في هذا اليوم مثلاً.

وأمّا لو آجر نفسه على كلّي في الذمّة ، كأن يستقي في هذا اليوم خمسين دلواً من البئر الفلانيّة ، أو يأتي بقربتين من الشطّ ، أو حملين من الحطب ، وهكذا ممّا هو كلّي طبيعي مستقرّ في الذمّة قابل للانطباق على أفراد عديدة ، فلا ينبغي الشكّ حينئذٍ في دخالة القصد في تعيين مالك المحوز ، لكون أمر التطبيق بيد الحائز المباشر بعد أن لم تكن عمليّة الحيازة مملوكة لغيره ، فله الاستقاء مثلاً لغيره وفاءً عمّا في ذمّته ، المترتّب عليه كون الماء المحوز ملكاً حينئذٍ للمستأجر ، كما أنّ له الاستقاء لنفسه قبل تفريغ ذمّته ، المترتّب عليه كون المحوز له ، وبعد ذلك إن استقى للمستأجر فهو ، وإلّا كان ضامناً من أجل تفويت مورد الإجارة ، أو أنّه يحكم ببطلانها على الخلاف المتقدّم.

وعلى الجملة : فموضوع البحث في المقام ومفروض الكلام ما إذا كانت الحيازة الخارجيّة بذاتها ملكاً للمستأجر وقد قصد الحائز التملّك لنفسه. وهذا هو الذي قلنا فيه : إنّ قصده يلغى ولا أثر له ، باعتبار أنّ الحيازة لمّا كانت ملكاً للمستأجر فما يترتّب عليه أيضاً ملك له بالسيرة العقلائيّة ، وقصد الخلاف لا قيمة له.

أمّا إذا كانت الإجارة واقعة على كلّي الحيازة الذي موطنه الذمّة ولم يقصد بفعله التطبيق ، فهو مشغول الذمّة له بالكلّي ، وأمّا هذا الفرد الخاصّ من الحيازة فهو ملك للحائز ، وما يترتّب عليه من الملك أيضاً ملك له بلا إشكال ، وليس هذا مبنيّاً على اعتبار قصد الملكيّة في الحيازة كما لا يخفى.

الجهة الثالثة : قد عرفت صحّة الاستئجار لحيازة المباحات والعمدة ، في مستندها قيام السيرة العقلائيّة حسبما تقدّم.

.................................................................................................


وأمّا معتبرة السكوني : «للعين ما رأت ولليد ما أخذت» (1)فالاستدلال بها وإن سبق منّا أيضاً لكنّه قابل للخدش ، نظراً إلى أنّها مسوقة لبيان تشخيص المالك من حيث تردّده بين من أبصر ومن أخذ ، لا من حيث تردّده بين من تقوم به الحيازة ومن تكون له ، فإنّها ليست بصدد البيان من هذه الجهة ، فلا ينعقد لها إطلاق نافع للمقام ليدلّ على أنّه المالك الآخذ وإن لم يكن مباشراً.

وبعبارة واضحة : المتعارف الخارجي في مورد الرواية تردّد الطير المتنازع فيه بين كونه لمن أبصر أو لمن أخذ ، الظاهر ولو بحكم الانصراف فيما إذا كان المباشر قد أخذه لنفسه ، فإطلاقها لما إذا كان الآخذ مملوكاً للغير بالاستئجار لتدلّ على كون المأخوذ لمالك الآخذ لا لمن يقوم به الأخذ على خلاف منصرفها كما لا يخفى.

وكيفما كان ، فتكفينا السيرة العقلائيّة سواء تمّت دلالة الرواية أيضاً أم لا ، ومقتضاها صحّة الإجارة حسبما عرفت.

الجهة الرابعة : في حكم الوكالة أو النيابة في الحيازة أو الجعالة عليها أو الأمر بها فهل يصحّ شي‌ء من ذلك كما صحّت الإجارة ويكون المحوز ملكاً للموكّل أو المنوب عنه ، أو الجاعل أو الآمر كما كان ملكاً للمستأجر ، أو لا؟

أمّا الوكالة فقد تقدّم غير مرّة أنّها لا تجري إلّا في الأُمور الاعتباريّة وما يلحق بها من القبض والإقباض.

فإنّ معنى الوكالة جعل الوكيل بمثابة الموكّل بحيث إنّ الفعل الصادر منه مستند إليه حقيقةً ومن دون أيّة عناية ، غاية الأمر أنّه صادر منه بالتسبيب لا بالمباشرة ، وهذا مطّرد في كافّة الأُمور الاعتباريّة ، فيقال لزيد الذي وكّل عمرواً


1) المتقدمة في ص 347.

.................................................................................................


في بيع داره أو طلاق زوجته : إنّ زيداً هو الذي باع داره أو طلّق زوجته وإن كان الإنشاء قائماً بغيره ، إذ لا تعتبر المباشرة في الأُمور الاعتباريّة.

وكذلك الحال في القبض والإقباض الملحقين بها ببناء العقلاء ، ومن ثمّ تفرغ ذمّة المدين بمجرّد الإقباض لوكيل الدائن ، حيث إنّ قبضه قبض الموكّل حقيقةً ومن غير أيّ مسامحة.

وأمّا غير ذلك من سائر الأُمور الخارجيّة التكوينيّة من النوم والأكل والشرب ونحوها ومنها الحيازة فلا تجري الوكالة في شي‌ء منها ، إذ لا يستند الفعل التكويني إلى غير فاعله بالمباشرة وإن قصد غيره ، فلا يقال : إنّ الموكّل هو الذي نام أو أكل ، وهكذا.

وعليه ، فالتوكيل في الصيد أو الاحتطاب وغيرهما من سائر أقسام الحيازة غير صحيح ، لعدم قبولها للوكالة.

وأمّا النيابة : فقد سبق التعرّض للفرق بينها وبين الوكالة في كتاب الزكاة (1)، حيث قلنا بأنّ العمل في مورد النيابة قائم بنفس النائب ولا يستند إلى المنوب عنه ، فلا يقال : إنّ زيداً المنوب عنه صلّى أو حجّ حتى بنحو التسبيب ، كما كان كذلك في مورد الوكالة حسبما مرّ وبهذه العناية كانت النسبة بينهما التباين غاية الأمر أنّ نتيجة العمل ترجع إليه فتفرغ ذمّته باعتبار أنّ النائب يأتي بعمل المنوب عنه إمّا بتنزيل نفسه منزلته كما لعلّه المشهور ، أو بقصده امتثال الأمر النفسي الاستحبابي المتعلّق بتفريغ ذمّة الغير.

وعلى أيّ تقدير فالعمل قائم بالنائب والأثر عائد إلى المنوب عنه ، نظير أداء دين الغير ، ولا شكّ أنّ هذا على خلاف مقتضى القاعدة ، يفتقر الإذعان به إلى قيام دليل قاطع ، ولم ينهض عليه أيّ دليل في مثل المقام لا من الشرع ولا


1) شرح العروة (كتاب الزكاة 2) : 276 - 277 من المخطوط.

[3336] مسألة 7 : يجوز استئجار المرأة للإرضاع (1) ، بل للرضاع بمعنى


من بناء العقلاء ، بل لم يقم دليل على جواز النيابة عن الأحياء في غير باب الحجّ.

وعليه ، فلو صاد سمكة أو حاز عرصة نيابةً عن غيره لم تقع له ، إذ لا دليل على صحّة هذه النيابة ، فلا جرم تقع عن نفسه باعتبار أنّه هو الذي استولى على المباح وأخذه.

وأمّا الجعالة بأن قرّر جعلاً لمن حاز له مباحاً ، أو الأمر بالحيازة على نحوٍ يستتبع الضمان بأن لم يقصد به المجّان وإلّا فمع قصده رجع إلى استدعاء النيابة تبرّعاً ، وقد عرفت الحال فيها آنفاً فالظاهر أنّ حكمهما حكم الإجارة.

والوجه فيه : أنّ الجاعل أو الآمر وإن لم يملك على المأمور أو المجعول له شيئاً قبل تصدّيه للعمل ، إلّا أنّه بعد التصدّي والإتيان به خارجاً المستوجب لاستحقاق العامل الجعل أو اجرة المثل فالعمل المزبور يقع وقتئذٍ ملكاً له أي للجاعل أو الآمر لا محالة ، وينتج نتيجة الإجارة ، غايته أنّ الملكيّة فيها تسبّبت عن نفس العقد ، وهنا عن العمل الخارجي ، فإذا كان العمل ملكاً له كانت نتيجة العمل وما يترتّب عليه أعني : نفس المحوز ملكاً له أيضاً كما في الإجارة.

وعلى الجملة : إذا صحّت الإجارة على عمليّة الحيازة بالسيرة العقلائيّة صحّت الجعالة والأمر بمناط واحد ، ويكون ما يترتّب على هذا العمل ملكاً للجاعل أو الآمر كما كان ملكاً للمستأجر حسبما تقدّم.

(1) يقع الكلام :

تارةً : في إجارة المرأة نفسها للإرضاع. ولا ينبغي الشكّ في صحّتها ، فإنّ الإرضاع عمل محترم مرغوب فيه عند العقلاء يبذل بإزائه المال ، فتكفينا

الانتفاع بلبنها وإن لم يكن منها فعل مدّة معيّنة. ولا بدّ من مشاهدة الصبي الذي استؤجرت لإرضاعه ، لاختلاف الصبيان ، ويكفي وصفه على وجهٍ يرتفع الغرر. وكذا لا بدّ من تعيين المرضعة شخصاً أو وصفاً على وجهٍ يرتفع الغرر. نعم ، لو استؤجرت على وجهٍ يستحقّ منافعها أجمع التي منها الرضاع لا يعتبر حينئذٍ مشاهدة الصبي أو وصفه. وإن اختلفت الأغراض بالنسبة إلى مكان الإرضاع ، لاختلافه من حيث السهولة والصعوبة والوثاقة وعدمها ، لا بدّ من تعيينه أيضاً.


العمومات مضافاً إلى التصريح في الكتاب العزيز ، قال سبحانه في المطلّقات ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1).

واخرى : في استئجارها للرضاع ، وهذا يتصوّر على قسمين :

فتارةً : تؤجر نفسها للانتفاع بلبنها على سبيل الارتضاع وإن لم يصدر منها أيّ فعل خارجي ، وربّما يرتضع الصبي وهي نائمة فتقع هي مورداً للإجارة بلحاظ منفعة الارتضاع ، كوقوع الدار مورداً للإيجار بلحاظ منفعة السكنى.

ولا ينبغي الشكّ في صحّتها أيضاً ، فإنّ حيثية كون المرأة قابلة للارتضاع كحيثيّة كون الدار قابلة للسكنى منفعة محلّلة قابلة لأن تملك بالإيجار كما هو واضح.

وتارةً أُخرى : تؤجر نفسها للانتفاع بلبنها ولو بغير الارتضاع بأن يحلب اللبن فيشربه المريض أو الصبي ، نظير استئجار الأشجار للانتفاع بأثمارها والشاة بلبنها والآبار للاستقاء ونزح مياهها ونحو ذلك ممّا تكون مصاديق المنفعة أعياناً


1) الطلاق 65 : 6.

.................................................................................................


خارجيّة.

وقد وقع الكلام في صحّة الإجارة في أمثال هذه الموارد حسبما سيشير إليه الماتن في المسألة الثانية عشرة الآتية.

فربّما يقال بالبطلان في جميعها ، نظراً إلى تقوّم الإجارة بتعلّق الملكيّة فيها بالمنفعة ، وبذلك تفترق عن البيع وهي قد تعلّقت في هذه الموارد بالأعيان ، فلا ينطبق عليها العنوان ، وبما أنّها غير موجودة ، بل غير معلومة كمّاً وكيفاً ، فلا يصحّ بيعها أيضاً.

أضف إلى ذلك : أنّ الانتفاع في هذه الموارد إنّما هو بإتلاف الأعيان ، ولا بدّ في الإجارة من أن تكون العين باقية ، فهي مخالفة لما استقرّ عليه وضع الإيجار.

أقول : قد ذكرنا في أوّل كتاب الإجارة (1): أنّ ملكيّة الأعيان تستتبع ملكيّة المنافع القائمة بها وإن تأخّرت واستمرّت ، من غير فرق بين الملكيّة الأصليّة الأوّلية الناشئة من حيازة المباحات التي تنتهي إليها كافّة الأملاك ، أو الثانويّة المسبوقة بمثلها الحاصلة من سبب ناقل اختياري أو غيره من بيع أو إرث أو توالد ونحو ذلك. فكلّ من ملك عيناً فهو يملك منفعتها بتبع هذه الملكيّة. ثمّ إنّه قد يبقي العين لنفسه ويملّك المنفعة لغيره ، وقد يعكس ، وربّما يملّكهما معاً على نحو ما ملك. ومن ذلك ينتزع البيع والإجارة والبيع مسلوب المنفعة.

وكيفما كان ، فكما أنّ المنافع تتبع الأعيان في الملكيّة على ما هو الشائع الذائع ، فكذلك ربّما تنعكس فتكون ملكيّة العين تابعة لملكيّة المنفعة كما في الموارد المتقدّمة.

فإنّ من منافع الشاة مثلاً حيثيّة كونها قابلة للحلب ، كما أنّ من منافع


1) في ص 4.

.................................................................................................


الأشجار حيثيّة استعدادها للإثمار ، وكذا الآبار لنزح المياه وهكذا ، وهذه الحيثيّات التي هي أعراض قائمة بذوات الأعيان المستأجرة من الشاة والشجر والبئر ونحوها تستتبع لدى استيفائها وخروجها عن القوّة والاستعداد إلى مرحلة الفعليّة أعياناً أُخر كاللبن والثمر ، ولا شكّ أنّها مملوكة لمن يملك المنفعة بتبع ملكيّته للمنفعة ، فالثمر مثلاً مملوك تبعاً لمن يملك حيثيّة أثمار الشجر الذي قد يكون هو مالك العين الاولى أعني : ذات الشجر كما في مورد البيع ونحوه ، وقد يكون غيره كما في مورد الإيجار ، فيكون الثمر حينئذٍ ملكاً للمستأجر لا المؤجر بتبع ملكيّته للمنفعة.

وهكذا الحال في سائر الأمثلة التي من جملتها الآلات المعدّة للصيد ، كما هو المتعارف من جعل الشبكة ووضعها بمثابةٍ تصلح لصيد السمكة ، فإنّ مالك الشبكة مالك لهذه المنفعة أعني : حيثيّة قابليّتها لأن يصاد بها السمك فإذا وقعت بعدئذٍ سمكة فيها فلا جرم كانت مملوكة تبعاً لمالك تلك الحيثيّة الذي ربّما يكون شخصاً آخر غير مالك ذات الشبكة ، كما لو كانت مستأجرة حسبما عرفت.

وعلى الجملة : الذي يعتبر في مورد الإجارة ويتقوّم بها مفهومها تعلّق الملكيّة بالمنفعة لا بالعين الواقعة مورداً للإجارة ، بل هي باقية تحت ملكيّة المؤجر.

ولا منافاة بين هذا وبين ملكيّة المستأجر لعين اخرى غير ما وقعت عليه الإجارة ستوجد فيما بعد ويملكها المستأجر بتبع ملكيّته للمنفعة كما كان يملكها نفس مالك العين قبل الإيجار وحينما كان مالكاً للمنفعة ، حيث عرفت أنّ هذه العين مملوكة تبعاً لمن يملك الحيثيّة القائمة بالعين ، أعني : استعدادها للحلب أو الإثمار مثلاً التي هي قابلة للنقل إلى الغير بالإجارة ، كما يمكن العكس فيبقى المالك هذه الحيثيّة لنفسه ويبيع العين مسلوبة المنفعة ، المستلزم لكون الثمر أو اللبن له حينئذٍ لا للمشتري.

.................................................................................................


فهذه الأعيان المستجدّة وإن كانت مملوكة للمستأجر في هذه الموارد ، لكن ملكيّتها لم تنشأ في عقد الإيجار ليتنافى مع مفهوم الإجارة كما توهّم ، بل المنشأ ليس إلّا ملكيّة المنفعة فحسب ، وإنّما هذه تملك بتبع ملكيّة المنفعة. وعلى ذلك جرت السيرة العقلائية في أمثال هذه الإجارات ، بل أنّ إجارة البساتين بل مطلق الأراضي والدور لا تنفكّ عن ذلك ، لعدم خلوّها غالباً عن الآبار للزراعة أو الشرب سيّما في الأزمنة السابقة ، فيكون الماء المستقي منها مملوكاً للمستأجر مع أنّ الإجارة لم تتعلّق إلّا بالبئر أو الأرض ، والسرّ ما عرفت من تبعيّته للمنفعة في الملكيّة.

فالذي ينافي مفهوم الإجارة تعلّق التمليك بالعين ابتداءً ، وأمّا بتبع ملكيّة المنفعة فلا ضير ولا محذور فيه أبداً.

هذا ، وربّما (1)يفصّل في الصحّة في هذه الموارد بين ما كان من قبيل إجارة الشاة للحلب ، وبين إجارة الشجر لأجل الثمر ، فيلتزم بالصحّة في الأوّل دون الثاني ، نظراً إلى صدق التبعيّة في الأوّل لما يرتكبه المستأجر من عمليّة الحلب ، فتكون العين تابعة لانتفاع المستأجر بمثل الحلب أو النزح ونحوهما ، وأمّا في الثمر فليس ثمّة أيّ عمل من ناحية المستأجر وإنّما الشجر يثمر بنفسه.

ولكنّك خبير بصدق التبعيّة في كلا الموردين من غير إناطة بصدور عمل منه كما تقدّم من التمثيل بشبكة الصيّاد ، فلو استأجر الشبكة المعدّة للصيد وبعدئذٍ وقعت فيها سمكة من دون أيّ عمل من المستأجر ملكها بالتبع ، فالعين تابعة لملكيّة المنفعة لا للتصدّي للانتفاع.

وعلى الجملة : فكلّ من كان مالكاً لمنفعة الشبكة أو الشجرة ، أي قابليّتها


1) كما عن المحقّق الأصفهاني في بحوث في الفقه (الإجارة) : 178 - 181.

[3337] مسألة 8 : إذا كانت الامرأة المستأجرة مزوجة (1)


للاصطياد أو الإثمار ، فطبعاً كان مالك القابليّة مالكاً للفعليّة أيضاً بالتبعيّة ، فإنّ خروج الثمر مثلاً فعليّةٌ لذاك الاستعداد ، وتحقّقٌ عيني لتلك القابليّة ، وخروجٌ من القوّة إلى مرحلة الفعليّة من غير توقّف على صدور أيّ عمل منه.

فتحصّل : أنّ الأظهر صحّة الإجارة في جميع تلك الموارد كما سيذكره الماتن في المسألة المشار إليها ، وإن كان تعليله بكون تلك الأعيان تعدّ من منافع العين المستأجرة في نظر العرف لا يخلو من المسامحة ، بل هو تطويل لا حاجة إليه أبداً.

والصحيح ما عرفت من كونها مملوكة بتبع ملكيّة الحيثيّة القائمة بالعين المطّردة في جميع تلك الأمثلة حسبما تقدّم.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم استئجار المرأة المزوجة وفي المسألة الآتية لحكم عكسها ، أعني : ما لو كانت خليّة فاستؤجرت للإرضاع ثمّ تزوّجت.

فذكر (قدس سره) هنا أنّه لا مانع من ذلك فيما إذا لم تكن هناك مزاحمة لحقّ الاستمتاع الثابت للزوج من دون حاجة إلى الاستئذان منه ، بل نصّ بعضهم على جوازه حينئذٍ حتى مع منع الزوج ، إذ ليس له منعها عمّا لا ينافي حقّه مكاناً ولا زماناً بعد أن كانت هي حرّة مالكة لأمرها ومسلّطة على منافعها من الخدمات التي منها الإرضاع ، ولذلك جاز لها أخذ الأُجرة من زوجها على إرضاعها لولده ، سواء أكان منها أو من غيرها ، فلا يجب عليها الإرضاع مجّاناً بعد أن لم يكن اللبن له ، ومن البيّن أنّ الإطاعة الواجبة عليها خاصّة بما يعود إلى الاستمتاع والتمكين فحسب.

وعلى الجملة : فلا تأمّل في صحّة الإجارة في صورة عدم المزاحمة حتى مع منعه فضلاً عن الحاجة إلى إذنه. وهذا واضح لا غبار عليه.

لا يعتبر في صحّة استئجارها إذنه ما لم يناف ذلك لحقّ استمتاعه ، لأنّ اللبن ليس له فيجوز لها الإرضاع من غير رضاه ، ولذا يجوز لها أخذ الأُجرة من الزوج على إرضاعها لولده ، سواء كان منها أو من غيرها. نعم ، لو نافى ذلك حقّه (1) لم يجز إلّا بإذنه ، ولو كان غائباً فآجرت نفسها للإرضاع فحضر في أثناء المدّة وكان على وجه ينافي حقّه انفسخت الإجارة بالنسبة (1)إلى بقيّة المدّة.


(1) وأمّا في صورة المنافاة والمزاحمة فلا إشكال أيضاً فيما لو أذن في الإجارة أو أجازها بعد وقوعها ، إذ لا تفويت لحقّ الغير بعد إسقاطه بنفسه.

وأمّا إذا لم يأذن بحيث استقرّت المنافاة بين الأمرين أعني : الإرضاع والقيام بحقّ الزوج فالمعروف والمشهور حينئذٍ بطلان الإجارة ، بل لعلّه لم يستشكل فيه أحد عدا ما يظهر من بعض مشايخنا المحقّقين في رسالته المدوّنة في الإجارة من عدم الدليل على البطلان وإن كان هو موافقاً للاحتياط.

والصحيح ما عليه المشهور. والوجه فيه : ما ذكرناه في كتاب الحجّ عند التعرّض لنظير هذه المسألة (2)أعني : استئجار المستطيع للنيابة عن الغير من عدم السبيل إلى تصحيح الإجارة المزاحمة مع واجب آخر أهمّ وهو الحجّ عن نفسه ، أو إطاعة الزوج في المقام ، إلّا من ناحية الالتزام بالخطاب الترتّبي بأن يؤمر بالوفاء بالإجارة على تقدير عصيان الأهمّ.


1) (*) على تقدير عدم الإجازة من الزوج.

2) شرح العروة 27 : 11.

.................................................................................................


والترتّب وإن صحّحناه في محلّه ، بل ذكرنا أنّ إمكانه مساوق لوقوعه على ما أشبعنا البحث حوله في الأُصول (1)، إلّا أنّه خاصّ بالأحكام التكليفيّة ولا ينسحب إلى الوضعيّة كما في محلّ الكلام.

فإنّ ملخّص الوجه فيه : أنّ القدرة شرط في التكليف ، وأهمّيّة أحد الواجبين المتزاحمين تستدعي صرف القدرة في امتثاله ، ومعه كان عاجزاً عن الآخر ، فلا يكون التكليف به فعليّاً ، لامتناع التكليف بالمتضادّين معاً ، وأمّا مع عدم الصرف فهو قادر على المهمّ في هذا التقدير ، فلا مانع من تعلّق الخطاب به ، ومع عدم المانع كان إمكانه مساوقاً لوقوعه.

وبعبارة اخرى : المزاحمة لا تستدعي إلّا سقوط إطلاق الخطاب بالمهمّ لا أصله ، فالتكليف به مقيّداً بظرف عدم الإتيان بالأهمّ لا مقتضي لسقوطه ، فإنّ المقتضي إنّما هو العجز وهو خاصّ بصورة الإتيان بالأهمّ ، وأمّا مع عصيانه فكلّا. وهذا التقدير كما ترى خاصّ بباب التكليف.

وأمّا الوضع أعني : الصحّة في باب العقود والإيقاعات فإن قام دليل عليه من الخارج فهو ، وإلّا فالقاعدة لا تقتضي الصحّة من باب الترتّب.

وتوضيحه : أنّه إذا زاحم الوفاء بالعقد واجب آخر أهمّ كالحجّ عن نفسه أو تمكين الزوج كما في المقام فإمّا أن يحكم بصحّة العقد مطلقاً ، أو على تقدير عصيان الأهمّ لا سبيل إلى الأوّل ، فإنّه من التكليف بالضدّين في مرتبة واحدة وزمان واحد كما هو واضح.

وأمّا الثاني : فهو وإن كان ممكناً بأن يُقال : حجّ عن نفسك ، أو أطيعي زوجك


1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 134.

.................................................................................................


وإلّا فيجب الوفاء بعقد الإيجار ، إلّا أنّه لا دليل عليه ، ضرورة أنّ أدلّة صحّة العقود لم تكن تأسيسيّة ابتدائيّة وإنّما هي إمضاء لما ينشؤه المتعاقدان ، ومن الواضح أنّ المُنشأ إنّما هو العقد بقول مطلق لا معلّقاً على تقدير ، وقد عرفت عدم قبوله للصحّة ، فما هو قابل للإمضاء لم يكن مُنشأ ، وما هو المُنشأ غير قابل للإمضاء.

ولو فرضنا أحياناً أنّ الإنشاء من الأوّل كان مقيّداً ومعلّقاً على العصيان فآجرت نفسها للإرضاع مثلاً معلّقاً على مخالفة الزوج بطل أيضاً ، لكونه من التعليق في العقود المبطل لها بلا كلام.

فلا يقاس الوضع بالتكليف كي يجري الترتب فيه بمقتضى القاعدة ، بل كلّ عقد أو إيقاع كان الوفاء به مزاحماً لواجب آخر حكم ببطلانه ما لم يقم دليل آخر على صحّته.

إذن فما ذكره المشهور من بطلان إجارة المزوجة على الإرضاع لدى المنافاة لحقّ الزوج ما لم يأذن هو الصحيح الذي لا ينبغي التردّد فيه.

هذا كلّه فيما إذا كانت المنافاة حين الإيجار.

وأمّا لو حدثت بعد ذلك ، كما لو كان الزوج غائباً آن ذاك ثمّ حضر أثناء المدّة ، فقد حكم في المتن بالانفساخ بالنسبة إلى بقيّة المدّة.

وعبارته (قدس سره) وإن كانت مطلقة إلّا أنّ الظاهر أنّه يريد صورة الردّ وعدم الإجارة ، إذ لا مقتضي للانفساخ معها ، بل قد عرفت صحّة الإجارة بإذنه مع التنافي من الأوّل فضلاً عن حدوث المنافاة في الأثناء.

[3338] مسألة 9 : لو كانت الامرأة خليّة فآجرت نفسها للإرضاع أو غيره من الأعمال ثمّ تزوّجت قدّم حقّ المستأجر على حقّ الزوج في صورة المعارضة (1) حتى أنّه إذا كان وطؤه لها مضرّاً بالولد مُنِعَ منه.


(1) لأنّها حينما كانت خليّة كان لها تمليك منفعتها إلى الغير بإجارة ونحوها ، فإذا ملكها المستأجر بإجارة صحيحة فليس لها ولا لزوجها تفويت هذا الحقّ ، فلا جرم يتمحّض حقّ الزوج في غير هذه المنفعة ويكون ذلك نظير بيع العين مسلوبة المنفعة ، وهذا واضح لا سترة عليه.

غير أنّه (قدس سره) ترقّى في ذيل العبارة عن ذلك بقوله : حتى أنّه إذا كان وطؤه لها مضرّاً ، إلخ. ولم يتّضح وجهه ، بل لم يعرف مقصوده.

فإنّه (قدس سره) إن أراد كون الوطء منافياً لحقّ المستأجر بحيث يستلزم تفويت ما يملكه الغير فلا ريب في عدم جوازه ، سواء أكان مضرّاً بحال الولد أم لا ، فلا خصوصيّة للإضرار في تعلّق هذا الحكم.

وإن أراد كون الوطء مضرّاً بحال الولد لجهةٍ من الجهات من دون أن يكون منافياً لحقّ المستأجر ، كما لو استؤجرت للإرضاع ليلاً فأراد وطأها في النهار ، فذاك مطلب آخر أجنبي عمّا نحن بصدده ولا يرتبط بمحلّ الكلام كي يصحّ الترقّي منه إليه ، بل يندرج تحت كبرى أُخرى مقرّرة في محلّها ذات بحث طويل الذيل ، وهي أنّ التصرّف في الملك لو استلزم تضرّر الغير كأن يبني جداراً عالياً في داره يضرّ بحال جاره ، أو يطأ زوجته فيتصرّف في حقّه كما في المقام ولكنّه يستتبع ضرراً بحال الولد المرتضع منها سواء أكانت مستأجرة أم لا فهل يسوغ مثل هذا التصرّف أو لا؟ والمسألة كما عرفت خلافيّة ، ولا شكّ في

[3339] مسألة 10 : يجوز للمولى إجبار أمته على الإرضاع (1) إجارةً أو تبرّعاً ، قنّة كانت أو مدبرة أو أُمّ ولد ، وأمّا المكاتبة المطلقة فلا يجوز له إجبارها ، بل وكذا المشروطة ، كما لا يجوز في المبعّضة ، ولا فرق بين كونها ذات ولد يحتاج إلى اللبن أو لا ، لإمكان إرضاعه من لبن غيرها.


عدم الجواز فيما إذا كان الضرر مؤدّياً إلى الهلاك أو ما يشبهه ممّا يعلم بعدم رضا الشارع بوقوعه ، وأمّا غير البالغ هذا الحدّ ففيه كلام مذكور في محلّه لا يسعه المجال. وعلى أيّ حال ، فهي جهة أُخرى أجنبيّة عمّا نحن بصدده من المزاحمة لحقّ الغير.

(1) إذ له السلطنة الكاملة على مملوكه في جميع شؤونه التي منها الإرضاع ، وحاله حال سائر أمواله من حيوان أو غيره في أنّ له الانتفاع كيفما شاء من دون توقّف على رضا المملوك نفسه الذي هو عاجز لا يقدر على شي‌ء ، من غير فرق في ذلك بين أقسام الأمة كعدم الفرق بين كونها ذات ولد محتاج إلى اللبن وعدمه بعد إمكان الإرضاع من لبن غيرها.

نعم ، تستثني من ذلك المبعّضة ، لقصور سلطنة المولى وقتئذٍ بعد أن كان بعضها حرّا.

وكذلك المكاتبة مطلقة كانت أو مشروطة ، إذ بعد تحقّق الكتابة التي هي في قوّة شراء نفسها من المولى بشي‌ء في ذمّتها تسعى في تحصيله فقد أصبحت كالمالكة أمر نفسها وخرجت عن تلك السلطنة المطلقة ، بل انقطعت سلطنة المولى عن مال المكاتب إلّا من ناحية استيفاء مال الكتابة كما هو محرّر في محلّه.

[3340] مسألة 11 : لا فرق في المرتضع بين أن يكون معيّناً أو كلّيّاً (1) ، ولا في المستأجرة بين تعيين مباشرتها للإرضاع أو جعله في ذمّتها ، فلو مات الصبي في صورة التعيين أو الامرأة في صورة تعيين المباشرة انفسخت الإجارة ، بخلاف ما لو كان الولد كلّيّاً (2) أو جعل في ذمّتها فإنّه لا تبطل بموته أو موتها إلّا مع تعذّر الغير من صبي أو مرضعة.


(1) لا فرق في صحّة استئجار المرأة للإرضاع بين أن يكون المرتضع صبيّاً خاصّاً معيّناً أو عنواناً كلّيّاً ، كما لا فرق في المرأة المستأجرة بين استئجارها للتصدّي لعمليّة الإرضاع مباشرةً أو لجعله في ذمّتها ولو كان على سبيل التسبيب. كلّ ذلك لعمومات الصحّة.

نعم ، في فرض الاختصاص أو التقييد بالمباشرة تنفسخ الإجارة بموت الصبي في الأوّل ، أو المرأة في الثاني.

أمّا الأخير : فظاهر ، لكشف الموت عن عدم كونها مالكة لمنفعة الإرضاع كي تملّكه كما هو الحال في غيره من الأعمال كالخياطة ونحوها ممّا تؤجر نفسها لها فتموت قبل مضيّ زمان صالح للقيام بها ، لعدم كونها مالكة لمنافعها ما بعد الموت.

وكذلك الأوّل ، إذ الصبي الميّت غير قابل للرضاع ، فيكشف موته عن عدم كون المرأة قادرة على إرضاعه فلا ملكيّة من الأوّل ، فلا جرم يحكم بالبطلان. وهذا واضح.

(2) وهل تنفسخ الإجارة بموت أحدهما أيضاً فيما إذا كان الولد كلّيّاً أو لم تقيّد المرأة بالمباشرة؟

لا ينبغي الإشكال بل لم يستشكل أحد في عدم الانفساخ في الأوّل بموت

.................................................................................................


الصبي المعيّن ، إذ لا مقتضي له بعد عدم كونه بخصوصه مورداً للإجارة ، فلترضع صبيّاً آخر بعد أن كان الكلّي المستأجر عليه قابلاً للانطباق عليه.

وهذا كما لو استأجر دابّة لمطلق الركوب أو الحمل ، فإنّ تعذّر فرد لا يمنع عن الاستيفاء ضمن فرد آخر.

نعم ، يتّجه الانفساخ لو كان الكلّي منحصراً في هذا الفرد الذي عرضه الموت ، لامتناع الرضاع حينئذٍ ، فإنّ الموجود منه قد مات وغيره غير موجود حسب الفرض ، فيلحق هذا بالصورة السابقة.

وأمّا في الثاني أعني : ما لو ماتت المرأة وقد كانت الإجارة واقعة على الأعمّ من التسبيب - : فربّما يقال بالبطلان وانفساخ الإجارة ، نظراً إلى عدم قابليّة المرأة بعد موتها للإرضاع لا مباشرة ولا تسبيباً ، فلم تكن مالكة لهذه المنفعة لتملّك بعد أن لم تكن قادرة عليها.

ويندفع : بقدرتها عليه بالتسبيب إليه قبل الموت ، إمّا بالاستئجار أو بالإيصاء والإخراج من تركتها ، فالإرضاع مقدور لها بفرديه حال الحياة ، وبخصوص التسبيب الحاصل من ذي قبل بلحاظ ما بعد الموت ، فإذا ماتت ولم تأت بشي‌ء من الفردين كان العمل طبعاً ديناً في ذمّتها يخرج من تركتها قبل الإرث ، فيجب على الوصي أو الوارث استئجار امرأة أُخرى ولا موجب للحكم بالانفساخ ، اللّهمّ إلّا أن يفرض انحصار المرضعة بها وعدم وجود ما سواها فيتّجه الانفساخ حينئذٍ كما لا يخفى.

هذا ، وقد نُسِبَ إلى العلّامة إخراج قيمة الإرضاع من التركة والإعطاء إلى المستأجر (1).


1) القواعد 2 : 292.

.................................................................................................


ولم يتّضح وجهه ، بداهة أنّه مع التمكّن من دفع نفس العمل المشتغلة به الذمّة باستئجار الغير فكيف ينتقل إلى بدله وهو القيمة كما هو الحال في سائر الأعمال المستأجر عليها؟! فلو آجر نفسه للخياطة الأعمّ من المباشرة والتسبيب فمات قبل الوفاء بقي العمل ديناً في ذمّته يخرج من تركته قبل الإرث ، فلا بدّ وأن يستأجر أحد لها ، إلّا أن يتراضيا بإقالة ونحوها ، وإلّا فالواجب أوّلاً إعطاء نفس الدين ، والدين هو العمل لا القيمة.

فالنتيجة : أنّه لا موجب للانفساخ بالموت ، بل العمل ثابت في ذمّته لا بدّ من أدائه بنفسه.

ومن هذا القبيل ما لو استؤجر للصلاة عن الميّت سنة مثلاً فعرضه الموت بعد مضيّ زمان صالح لوقوع العمل فيه ، فإنّه لا موجب حينئذٍ لانفساخ الإجارة ، بل يبقى العمل ديناً في ذمّته يجب على الوارث تفريغها عنه ، فيؤدّي نفس العمل باستئجار شخص آخر لو كان المستأجر عليه أعمّ من المباشرة والتسبيب كما يؤدّي قيمته الفعليّة لا السابقة لو كان مقيّداً بالمباشرة ، لأنّ العمل المباشري بعد أن كان متعذّر التسليم بعد الموت ينتقل إلى بدله ، وأمّا الأعمّ من التسبيب فهو ممكن التسليم بنفسه حسبما عرفت. ففي كلّ مورد كانت الإجارة صحيحة وضابطه مضيّ زمان صالح لوقوع العمل فيه فكان العمل ثابتاً في الذمّة لا بدّ من الخروج عن عهدته ولو بعد الموت إمّا بأداء نفسه أو بدله حسب الاختلاف بين موردي التقييد بالمباشرة وعدمه ، ولا موجب للانفساخ بعروض الموت.

[3341] مسألة 12 : يجوز استئجار الشاة للبنها والأشجار للانتفاع بأثمارها والآبار للاستقاء ونحو ذلك ، ولا يضرّ كون الانتفاع فيها بإتلاف الأعيان ، لأنّ المناط في المنفعة هو العرف (1) ، وعندهم يعدّ اللبن منفعةً للشاة ، والثمر منفعةً للشجر ، وهكذا ، ولذا قلنا بصحّة استئجار المرأة للرضاع وإن لم يكن منها فعل بأن انتفع بلبنها في حال نومها أو بوضع الولد في حجرها وجعل ثديها في فم الولد من دون مباشرتها لذلك. فما عن بعض العلماء من إشكال الإجارة في المذكورات لأنّ الانتفاع فيها بإتلاف الأعيان ، وهو خلاف وضع الإجارة لا وجه له (1).


(1) قدّمنا شطراً من الكلام حول هذه المسألة في المسألة السابعة.

وقد تصدّى (قدس سره) هاهنا لدفع الإشكال عن صحّة الإجارة في أمثال هذه الموارد ممّا تكون المنفعة عيناً خارجيّة كاللبن والثمر والماء في استئجار الشاة أو الشجر أو البئر للانتفاع بهاتيك الأعيان.

وملخّص الإشكال : أنّ شأن الإجارة إنّما هو تمليك المنفعة في مقابل البيع الذي هو لتمليك العين ، فالالتزام بملكيّة العين في هذه الموارد مخالف لما استقرّ عليه وضع الإجارة ومنافٍ للأثر المرغوب منها ، فكيف ينطبق عليها عنوان الإيجار؟! فعالج المشكلة بأنّ العبرة في تشخيص المنفعة إنّما هو بالصدق العرفي ، ولا شكّ أنّ هذه الأعيان تعدّ لديهم منافع لتلك الأعيان المستأجرة ، فيرون اللبن


1) (*) بل له وجه وجيه بالنسبة إلى الأعيان الموجودة من المنافر. نعم ، لا بأس بالإجارة بالإضافة إلى ما يتكوّن منها فيما بعد.

.................................................................................................


منفعة للشاة ، والثمر للشجر ، وهكذا ، فلا يقدح كونها عيناً بعد عدّها من المنافع عرفاً.

وهذا الجواب كما ترى محطّ نظر ، بل منع ، فإنّ للمنفعة إطلاقين كلاهما عرفيّان :

أحدهما : ما يقابل الخسران ويرادف الربح وما يستفيده الإنسان في تجارة ونحوها ، وبهذا الاعتبار ينطبق على الأعيان ، فلو باع داره وربح كذا يقال : إنّ الألف ديناراً مثلاً منفعة هذا البيع ، أو إنّ الألف منافعه في هذه السنة.

ومنه إطلاق المنفعة على الأعيان المزبورة أعني : اللبن والثمر والماء ونحوها فإنّه متّخذ من هذا الإطلاق ، وهو صحيح لا يعتريه الإنكار.

ثانيهما : ما يقابل العين ، وهو المراد من تفسيرهم الإجارة بتمليك المنفعة في قبال تفسير البيع بتمليك العين ، فالمنفعة لدى وقوعها في مقابلة العين يراد بها الأعمال أو ما يكون من قبيل العوارض كالسكنى والركوب ونحوهما ممّا لا يكون من قبيل الأجسام والأعيان الخارجيّة.

إذن فلا تصحّ إجارة الشجر بلحاظ ما عليه من الثمر ، لعدم كونه منفعة له بهذا المعنى وإن كان نفعاً بمقتضى الإطلاق الأوّل الأجنبي عمّا نحن بصدده ، فلو أُريد نقل الثمر الموجود على الشجر لم يكن بدّ من التصدّي لعقد آخر من بيع أو صلح ونحوهما ، وإلّا فالإجارة غير وافية بهذا الهدف بعد أن لم تكن صادقة على المقام.

إذن فالإشكال المزبور وجيه جدّاً ، بل لا مدفع عنه ولا محيص عن الإذعان به بالنسبة إلى الأعيان الموجودة من المنافع حال العقد ، كإجارة الشجر للثمر الموجود فيه ، أو الشاة للّبن المحتلب خارجاً ، وهكذا ، فإنّ هذا من تمليك العين وبمعزل عن عنوان الإجارة كما ذكر.

[3342] مسألة 13 : لا يجوز الإجارة لإتيان الواجبات (1)العينيّة كالصلوات الخمس (1) ،


نعم ، لا بأس بالإجارة بلحاظ ما سيتكوّن فيها فيما بعد أعني : تمليك حيثيّة الاستعداد وقابليّة الإنتاج فإنّ للشجر مثلاً حيثيّتين : إحداهما ذاتيّة وهي كونه جسماً من الأجسام ، والأُخرى عرضيّة وهي صلاحيّته لأن يخرج منه الثمر ، ولمالك الشجر تمليك هذه الحيثيّة للغير بالإيجار ، فإنّها منفعة قائمة بالعين وليست بنفسها من الأعيان ، غير أنّ هذه الملكيّة تستتبع ملكيّة عين أُخرى لدى تحقّقها وتكوّنها أعني : الثمر فالمؤجر لم يملك الثمر ، بل هو أيضاً لم يكن مالكاً له قبل وجوده ، وإنّما ملك الحيثيّة القائمة بالشجر التي من شأنها أنّ من يملكها فهو يملك بالتبع العين المستخرجة منها والمتحصّلة بسببها ، كما مثّلنا له بإيجار آلة الصيد كالشبكة المنصوبة لصيد السمك مثلاً التي من شأنها ملكيّة كلّ سمكة تقع فيها ، فالمملوك بالإجارة إنّما هو هذه الحيثيّة لا الثمر ولا اللبن ولا السمك ، فلم تتعلّق الملكيّة إلّا بالمنفعة ، وملكيّة العين تابعة لهذه الملكيّة ، فلا إشكال.

وبالجملة : يفصّل بين الأعيان الموجودة وغير الموجودة حال العقد ، وتصحّ الإجارة بلحاظ الثاني دون الأوّل ، فلا تغفل.

(1) ينبغي أوّلاً تحرير محلّ النزاع :

فنقول : إنّ محلّ الكلام في المقام ما إذا لم يثبت من الخارج بناء العمل على


1) (*) وجوب الشي‌ء كفائيّاً عينيّاً لا ينافي جواز أخذ الأُجرة عليه ما لم يثبت من الخارج لزوم الإتيان به مجّاناً ، كما ثبت في كثير من المذكورات في المتن ، بل في جميعها على الأحوط.

والكفائيّة كتغسيل الأموات وتكفينهم والصلاة عليهم ، وكتعليم القدر الواجب من أُصول الدين وفروعه ، والقدر الواجب من تعليم القرآن كالحمد وسورة منه ، وكالقضاء والفتوى ونحو ذلك ، ولا يجوز الإجارة على الأذان. نعم ، لا بأس بارتزاق القاضي والمفتي والمؤذّن من بيت المال ، ويجوز الإجارة لتعليم الفقه والحديث والعلوم الأدبيّة وتعليم القرآن ما عدا المقدار الواجب ونحو ذلك.


صدوره على صفة المجّانيّة ، وإلّا فلا كلام في عدم جواز أخذ الأُجرة عليه ، وهذا كما في الأذان على ما سبق البحث عنه في محلّه ، وكذلك تجهيز الميت من غسله وكفنه ودفنه ، فإنّ دعوى كونه من هذا القبيل غير بعيدة ، وأنّه يعلم من الخارج ومن بعض الروايات أنّ هذا حقّ من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن اعتبره الشارع مجّاناً وألغى ماليّته.

وبالجملة : فما أُحرز لزوم حصوله مجّاناً سواء أكان واجباً كالتجهيز أم مستحبّاً كالأذان لم يجز أخذ الأُجرة عليه البتّة ، ومثله خارج عن محلّ الكلام.

كما أنّ محلّ الكلام ما إذا كان العمل المستأجر عليه ذا منفعة عائدة إلى المستأجر لتتّصف الإجارة بكونها عقلائيّة وتندرج تحت أدلّة الوفاء بالعقد مع الغضّ عن كونه واجباً وإلّا لأصبح من اللغو العبث اعتبار ملكيّة المستأجر لما لا يستفيد منه أبداً ، سواء أكان واجباً عباديّاً أم لا ، كأن يستأجره لأن يأكل أو ينام ونحو ذلك ممّا لا ينتفع منه المستأجر ولا يرتبط به بوجه ، فإنّ مثل هذه المعاملة باطلة في حدّ ذاتها.

وبالجملة : فلا بدّ من فرض استجماع شرائط الصحّة من سائر الجهات ما عدا حيثيّة وجوبه أو عباديّته ، ليتمحّض البحث في المقام في التكلّم من هذه

.................................................................................................


الناحية فحسب.

إذا عرفت هذا فنقول : يقع الكلام :

تارةً : في أخذ الأُجرة على الواجب من جهة وجوبه ، وأنّ هذه الحيثيّة هل تمنع عن أخذ الأُجرة ، أو لا؟

وأُخرى : من جهة اعتبار قصد القربة فيه ، وأنّ حيثيّة العباديّة سواء أكان العمل العبادي واجباً أم مستحبّاً هل تجتمع مع أخذ الأُجرة ، أم أنّها تضادّه وتنافيه؟ فلو ثبت التضادّ لم يكن إذن فرق بين الواجب والمستحبّ وشملهما الحكم بمناط واحد.

فالكلام يقع في مقامين :

المقام الأوّل : في أخذ الأُجرة على الواجب بما هو واجب مع الغضّ عن عباديّته.

وقد نُسِبَ إلى المحقّق الثاني دعوى الإجماع على عدم الجواز (1)، مستشكلاً على فخر المحقّقين حيث إنّه نسب إلى الأصحاب التفصيل بين الواجب العيني والكفائي (2)، حسبما نقل شيخنا الأنصاري (قدس سره) عبارته في كتاب المكاسب معترضاً عليه بأنّ الفخر أعرف بكلمات الأصحاب ومقاصدهم (3).

وكيفما كان ، فالظاهر عدم ثبوت الإجماع في المقام ، وعلى تقدير ثبوته فلم يكن إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) بعد وضوح مدرك المسألة وما استند إليه القوم ممّا ستعرف ، كما نصّ عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) أيضاً ، فالتعويل على الإجماع والحالة هذه كما ترى.


1) جامع المقاصد 7 : 181 - 182.

2) إيضاح الفوائد 2 : 263 - 264.

3) المكاسب 2 : 134.

.................................................................................................


إذن فلا بدّ من اتّباع دليل آخر ، وقد استُدلّ بعدّة (1)وجوه بعضها واضح الدفع وغير قابل للتعرّض ، والعمدة منها وجوه ثلاثة :

أحدها : ما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنّ إيجاب العمل يستوجب صيرورته ملكاً لله سبحانه ، وما كان مملوكاً للغير ولو كان هو اللّه سبحانه لا يجوز تمليكه من شخص آخر ، إذ المملوك الواحد لا يملكه على سبيل الاستقلال إلّا مالك واحد كما هو ظاهر (2).

ويندفع : بأنّه إن أُريد من ملكيّته سبحانه إلزامه بالعمل واستحقاق العقاب على مخالفته فمنافاته مع التمليك من شخص آخر بحيث تكون له المطالبة أيضاً بما أنّه مالك أوّل الدعوى ، فهذه مصادرة واضحة.

بل لا ينبغي التأمّل في أنّ وجوب الشي‌ء من حيث هو لا يمنع عن تعلّق حقّ الغير به بحيث يستحقّ المطالبة أيضاً.

ومن ثمّ لم يستشكل أحد من الفقهاء فيما نعلم في جواز جعل الواجب شرطاً في ضمن العقد وإلزام المشروط عليه بالوفاء به ، فلا تنافي بين الوجوب وبين المملوكيّة للغير.

وإن أُريد به الملكيّة التكوينيّة أعني : إحاطته التامّة لعامّة الأشياء وأنّه مالك لكلّ موجود فمن البديهي عدم التنافي بين هذه الملكيّة وبين الملكيّة الاعتباريّة المجعولة لشخص آخر ، فإنّ المباحات أيضاً وكلّ ما يفرض في العالم من الممكنات فهي تحت قدرته وسلطنته ، وهو مالك الملوك ، فلا فرق بين الواجبات وغيرها من هذه الجهة.

وإن أُريد به الملكيّة الاعتباريّة فهي غير قابلة للذكر وواضحة الاندفاع.


1) أنهاها شيخنا المحقّق في كتاب الإجارة ص 175 إلى وجوهٍ سبعة.

2) المكاسب 2 : 130.

.................................................................................................


ثانيها : ما ذكره الشيخ (قدس سره) أيضاً من أنّ العمل إذا كان واجباً على الأجير جاز مطالبته ، بل إلزامه وإجباره بإيقاعه ولو من غير رضاه حتى قبل وقوعه مورداً للإجارة ، لفرض وجوبه عليه شرعاً ، ومعه كيف تصحّ الإجارة وما هي فائدتها والأثر المترتّب عليها من هذه الجهة لكي يعتبر المستأجر مالكاً للعمل (1)؟! وأنت خبير بأنّ هذا الوجه واضح الاندفاع وإن ذكره الشيخ (قدس سره) ، فإنّ الإجبار من الأوّل وإن كان ثابتاً فيما إذا كان العمل واجباً عيناً وتعييناً ، إلّا أنّه حقّ نوعي من باب الأمر بالمعروف ثابت لعامّة المكلّفين لدى استجماع الشرائط ، لا حقّ شخصي من باب المطالبة بالملك القابل لعرضه على المحاكم الشرعيّة والقانونيّة ، فالمطالبة بما أنّه مالك لا بما أنّه آمر بالمعروف لا تثبت إلّا بالإجارة.

ثالثها : ما ذكره شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ، وحاصله : أنّه لا ريب في اعتبار القدرة في متعلّق الإجارة ، وبما أنّها متقوّمة بالطرفين أي له أن يفعل وأن لا يفعل فكما أنّ التحريم الشرعي سالب لها من ناحية الفعل ومن ثمّ لا تصحّ الإجارة على المحرّمات ، فكذلك الإيجاب الشرعي سالب لها من ناحية الترك ، فلا تصحّ الإجارة على الواجبات أيضاً بعين المناط ، لما عرفت من تقوّم القدرة وتعلّقها بالطرفين ، فلا الحرام مقدور شرعاً الذي هو في قوّة الممنوع عقلاً ، ولا الواجب بملاك واحد ، فإذا كان الأجير مسلوب القدرة فلا جرم كانت الإجارة باطلة.

ويندفع : بأنّ القدرة المفسّرة بتساوي الطرفين لم ينهض أيّ دليل على اعتبارها في صحّة الإجارة.


1) المكاسب 2 : 131 - 135.

.................................................................................................


ومن ثمّ ساغ جعل الواجب شرطاً في ضمن العقد مع أنّ القدرة معتبرة في الشروط أيضاً ، وكذلك النذر والعهد واليمين فإنّها تتعلّق بالواجبات مع اعتبار القدرة في متعلّقاتها بلا إشكال ، ولم يحتمل أحدٌ بطلان النذر المتعلّق بالواجب.

وإنّما المعتبر في صحّة الإجارة : القدرة بمعنى التمكّن من التسليم خارجاً عقلاً وشرعاً ، فإذا لم يتمكّن عقلاً بطلت ، لعدم اعتبار الملكيّة العقلائيّة بالإضافة إلى غير المقدور ، وكذلك شرعاً فيما إذا كان حراماً ، لعجزه عن التسليم حينئذٍ ، بخلاف ما إذا كان واجباً ، لقدرته عندئذٍ على التسليم عقلاً كما هو واضح ، وكذا شرعاً فإنّه بأمره يؤكّد التسليم والإتيان خارجاً لا أنّه يمنع عنه.

نعم ، القدرة بالمعنى المتقدّم أعني : تساوي الطرفين مفقودة ، لكن لا دليل على اعتبارها بهذا المعنى حسبما عرفت.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : عدم استقامة شي‌ء من الوجوه التي استدلّ بها على عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات.

وعلى تقدير التنازل وتسليم دلالة شي‌ء منها أو جميعها ، أو الإذعان بقيام الإجماع التعبّدي ، فإنّما يستقيم البطلان فيما إذا كان العمل المستأجر عليه واجباً تعيينيّاً على الأجير ، فلا مانع من صحّة الإيجار المتعلّق بأحد الفردين فيما إذا كان الواجب تخييريّاً ، لوضوح تغاير المتعلّقين ، فإنّ الواجب إنّما هو الجامع بين الفردين ، ومورد الإجارة خصوص أحدهما المباح اختياره للمكلّف ، فلم يكن من أخذ الأُجرة على الواجب ولا ينسحب إليه شي‌ء من وجوه المنع المتقدّمة كما لا يخفى.

كما لا مانع من صحّته فيما إذا كان الواجب كفائيّاً ، لأنّ موضوع الوجوب إنّما هو طبيعي المكلّف كما أنّ متعلّقه هو الطبيعي في الواجب التخييري لا

.................................................................................................


خصوص هذا الفرد ، ومن ثمّ يسقط التكليف بامتثال واحد وإن أثم الكلّ بترك الجميع ، فالشخص بما هو شخص لا يجب عليه شي‌ء ، فلا مانع له من أخذ الأُجرة.

كما لا مانع من صحّته أيضاً في الواجب العيني التعييني فيما إذا كانت له أفراد طوليّة أو عرضيّة وقد وقعت الإجارة على اختيار صنف خاصّ منها ، لما عرفت من تعلّق الوجوب بالجامع ، وكون المكلّف مخيّراً في التطبيق على أيّ منها شاء بالتخيير العقلي لا الشرعي والمفروض تعلّق الإجارة بحصّة خاصّة ، فحصل التغاير بين المتعلّقين ولم يجتمعا في مورد واحد ، فينحصر مورد الإشكال بما إذا كان الواجب عينيّاً تعيينيّاً وكان متعلّق الإجارة هو متعلّق الوجوب على سعته ، أو بما إذا لم يكن له فرد إلّا ما تعلّقت به الإجارة. وهذا نادر التحقّق جدّاً ، بل هو نادر في نادر.

فالصحيح أنّه في كلّ مورد علم من مذاق الشرع لزوم صدور العمل على صفة المجّانيّة كما عرفت في الأذان ولا يبعد في التجهيز ، بل هو كذلك في الإفتاء والقضاء ، حيث إنّ الظاهر أنّهما من شؤون تبليغ الرسالة وقد قال اللّه تعالى ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) (1)إلخ ، فلا يجوز أخذ الأُجرة عليه ، وإلّا ساغ عملاً بعمومات صحّة الإجارة السليمة عمّا يصلح للتخصيص حسبما عرفت.

المقام الثاني : في منافاة أخذ الأُجرة لقصد القربة وحيثيّة العبادة ، سواء أكان العمل المستأجر عليه واجباً أم مستحبّاً.

قد يقال بذلك ، نظراً إلى أنّ حيثيّة العباديّة والاتّصاف بالمقرّبيّة يستدعي الانبعاث عن أمر إلهي ومحرّك قربي وبداعي الامتثال عن نيّة خالصة ، فالإتيان بداعي أخذ المال واستحقاق الأُجرة يضادّ عنوان العبادة وينافيه كما في سائر


1) الأنعام 6 : 90.

.................................................................................................


الدواعي المنضمّة إلى قصد الأمر.

وبالجملة : يعتبر في العبادة أن يكون المحرّك نحو العمل هو الداعي الإلهي على سبيل الاستقلال ، ولا يصحّ ضمّ داعٍ آخر فضلاً عن أن يكون مستقلا في الدعوة في عرض داعي القربة ، لمنافاته للخلوص المعتبر في صحّة العبادة.

والجواب عن هذا لعلّه ظاهر ، إذ لا ينبغي التأمّل في أنّ استحقاق الأُجرة أو جواز أخذها وكذا التصرّف فيها كلّ ذلك من آثار الملكيّة المتحقّقة بنفس العقد من دون مدخليّة لصدور العمل الخارجي في ترتيب شي‌ء من هذه الآثار ، فإنّ عقد الإجارة بعد ما افترض وقوعه صحيحاً استحقّ كلّ من الطرفين ما ملّكه للآخر من اجرة أو عمل ، وساغ له الأخذ لو أعطاه ، كما جاز تصرّفه فيه ، فإنّه من تصرّف المالك في ملكه ، ولا يناط شي‌ء من هذه الأحكام بتحقّق العمل المستأجر عليه خارجاً ، غاية الأمر أنّ للمستأجر الفسخ لو لم يتحقّق.

إذن فلا يكون الداعي على إيجاد العمل والباعث على إتيانه استحقاق الأُجرة لثبوته في مرتبة سابقة ، وإنّما الداعي والمحرّك هو وجوب الوفاء بالعقد وتسليم ما يملكه الغير إلى مالكه ، ودفع مال الغير إلى صاحبه ، ونتيجة ذلك : أنّ العبادة الواقعة مورداً للإجارة تعرضها صفة الوجوب لو لم تكن واجبة في نفسها ، وإلّا فيتأكّد وجوبها التعبّدي بالوجوب التوصّلي الناشئ من قبل الإجارة من غير أن يعارضها الوقوع في حيّز الإجارة لو لم يكن معاضداً لها.

وبالجملة : توهّم التنافي نشأ من تخيّل أنّ الداعي على العمل هو أخذ المال ، وليس كذلك ، لجواز أخذه بل ومطالبته ولو من غير حقّ من دون أن يعمل أصلاً ، بأن يخبر كذباً أنّه قد فعل أو يعمل باطلاً حتى إذا كان بمرأى من المستأجر ومسمع ، بأن يأتي بصورة الصوم أو الصلاة أو الحجّ من دون نيّة ، أو أن ينوي قضاءً عن نفسه أو عن أبيه ، لعدم السبيل لاستعلام الضمير وما ينويه

.................................................................................................


الأجير في باطن قلبه ، فلولا تقاة وخوفه من اللّه وإذعانه بيومي الحساب والعقاب لم ير نفسه ملزماً بالعمل ولكانت له المندوحة والمفرّ.

وعليه ، فالأمر الإجاري مؤكّد للواجب العبادي ، لا أنّه منافٍ له ، نظير نذر العبادة أو الحلف عليها ، حيث إنّ الوجوب التوصّلي الناشئ من قبل النذر أو الحلف يؤكّد وجوب العبادة لو كانت في نفسها واجبة ويحدث فيها صفة الوجوب لو كانت مستحبّة من دون شائبة للمنافاة بينهما بوجه.

نعم ، لتوهّم المنافاة مجال فيما إذا لوحظت الأُجرة على سبيل الجعالة لا الإجارة ، نظراً إلى عدم تملّك الجعل قبل العمل ، وبذلك افترق عن الأُجرة التي هي تملّك بنفس عقد الإجارة كما عرفت.

فمن ثمّ يمكن أن يقال كما قيل بأنّ الباعث على الإتيان بالعمل إنّما هو استحقاق الجعل واكتساب المال وهو مناف لكونه عبادة.

ولكنّه أيضاً بمراحل عن الواقع ، فإنّ الضميمة الملحوظة مع قصد الأمر قد تكون داعية إلى ذات العمل في عرض القصد المزبور ، كقصد التبريد في الوضوء بحيث ينبعث صبّ الماء عن داعٍ قربي وغيره على سبيل التشريك ، وهنا يحكم البطلان لو لم تكن إرادة التبريد تبعيّة.

وقد تكون داعية على العمل لا بما هو ، بل بوصف كونه عبادة ، فيأتي بذات العمل بداعٍ قربي من غير أن تشترك في هذه المرحلة وفي عرض هذه الدعوة دعوة اخرى ، ولكن الداعي على إتيان العمل بهذا الداعي شي‌ء آخر وغاية أُخرى في طول الغاية الأُولى ، حيث إنّ كلّ فاعل مختار لدى تصدّيه لأيّ عمل اختياري حتى العبادي بوصفه العنواني لا بدّ وأن ينبعث عن غاية ومحرّك يدعوه نحو هذا العمل.

إمّا أُخرويّة ، كالخوف من الجحيم ، أو الطمع في النعيم اللذين لا تنفكّ العبادة

.................................................................................................


الصادرة عن الأشخاص العاديّين لغاية أُخرويّة عن أحدهما ، ولا يتيسّر صدورها لأجل أنّه تعالى أهل للعبادة ، إلّا عن الأوحدي مثل : مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين.

أو دنيويّة ، كسعة الرزق المترتّبة على المواظبة على صلاة الليل ، أو قضاء الحاجة المترتّب على صلاة جعفر (عليه السلام) ، ونحو ذلك من الآثار الكثيرة المترتّبة على العبادات في غير واحد من الأخبار.

فإذا أتى بالعبادة بداعي النيل إلى شي‌ء من هذه الغايات من عزّ أُخروي أو دنيوي فأتى بصلاة الليل مثلاً بداعي الزيادة في الرزق أو طول في العمر ، أفهل يحتمل بطلانها بزعم فقد الخلوص وضمّ داعٍ آخر غير قربي؟

وعلى الجملة : فالذي يعتبر في العبادة أن يؤتى بذات العمل بداعي التقرّب ، وأن لا يكون له في هذه المرحلة داعٍ آخر ، وأمّا الإتيان به بوصف كونه عبادة لأجل غاية أُخرى فلا ضير فيه أبداً ، بل لا تخلو عنه أيّة عبادة من أيّ شخص عادي حسبما عرفت.

وعليه ، فالجعل المفروض في المقام إن كان مقرّراً بإزاء ذات الحركات والسكنات الصلاتيّة مثلاً فأتى العامل بها لهذه الغاية ولغاية التقرّب بطلت العبادة وقتئذٍ لانتفاء الخلوص كما أُفيد.

وأمّا إذا كان بإزاء عنوان العبادة فأتى العامل بالعمل بداعي العبادة مراعياً لوصفه العنواني إذ لا يستحقّ الجعل بدونه وكان الداعي على إتيان العمل بهذا الداعي استحقاق الجعل واستلامه على سبيل الطوليّة لا العرضيّة ، فلا مانع منه ، إذ لا يكون منافياً للعباديّة بوجه بعد أن كانت الدواعي من قبيل الداعي على الداعي لا الداعيين العرضيّين.

فالصحيح جواز أخذ الأُجرة على الواجبات ، لعدم المانع منه ، لا من حيث

[3343] مسألة 14 : يجوز الإجارة لكنس المسجد والمشهد وفرشها وإشعال السراج ونحو ذلك (1).

[3344] مسألة 15 : يجوز الإجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان (2) مدّة معيّنة عن السرقة والإتلاف ، واشتراط الضمان (1)لو حصلت السرقة أو الإتلاف ولو من غير تقصير (3) ، فلا بأس بما هو المتداول من اشتراط الضمان على الناطور إذا ضاع مال ، لكن لا بدّ من تعيين العمل والمدّة والأُجرة على شرائط الإجارة.


الوجوب ، ولا من ناحية العباديّة حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) بلا إشكال فيه ، فإنّه عمل محترم ذو منفعة عامّة قابلة للتمليك ، فلا مانع من وقوعه مورداً للإجارة ، نظير الاستئجار لبناء المساجد والمدارس ، أو لتعبيد طريق المسلمين ، ونحو ذلك ممّا يرجع إلى الجهات العامّة ، وهكذا كنس الحسينيّات وفرشها كما هو ظاهر.

(2) فإنّه أيضاً عمل محترم ذو منفعة محلّلة قابلة للتمليك بالإجارة ، فلا مانع من صحّتها بعد استجماع سائر الشرائط.

ولو اتّفق التلف من غير تفريط لم يضمن ، إذ الأجير أمين ولا ضمان على الأمين ما لم يفرّط كما تقدّم سابقاً (2).

(3) تقدّم قريباً أنّ اشتراط الضمان بمعناه المعهود أعني : اشتغال الذمّة ،


1) (*) على تفصيل مرّ اشتراطه في العين المستأجرة [في فصل العين المستأجرة أمانة].

2) في ص 219.

[3345] مسألة 16 : لا يجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميّت واحد (1)في وقت واحد ، لمنافاته للترتيب المعتبر في القضاء (1) ، بخلاف الصوم فإنّه لا يعتبر فيه الترتيب ، وكذا لا يجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحجّ الواجب عن اثنين (2) ،


الراجع إلى اشتراط النتيجة لا دليل على صحّته (2)، لقصور أدلّة الشروط عن الشمول له ، فإنّها إنّما توجب الوفاء بعمل سائغ في نفسه ولا تكون مشرّعاً ، ولم يثبت الضمان المزبور في الشريعة المقدّسة إلّا بأسباب خاصّة من يد أو إتلاف ونحوهما كضمان الدين ، وبدون تلك الأسباب لم يكن الضمان مشروعاً في نفسه ، فلا يسوّغه الشرط ، سيّما بعد قيام الدليل على عدم ضمان الأمين.

نعم ، الضمان بمعنى آخر أعني : تدارك الخسارة من دون شغل الذمّة لكي يكون الشرط من قبيل شرط الفعل لا شرط النتيجة لا مانع من اشتراطه ، فيجب الوفاء به ، عملاً بعموم نفوذ الشروط.

(1) بناءً على اعتباره في القضاء حتى في غير المترتّبتين كالظهر من يومٍ والعصر من يومٍ آخر ، وقد تقدّم في كتاب الصلاة أنّه لا دليل عليه (3)، فلا مانع إذن من استئجار الاثنين في وقتٍ واحد ، كما في الصوم عن شخص واحد ، حيث لا ترتيب في قضاء أيّام الصوم بلا إشكال.

(2) حيّين أو ميّتين أو مختلفين ، لوضوح أنّ الواجب على كلٍّ منهما هو الحجّ


1) (*) الظاهر جوازه ، لما مرّ من عدم وجوب الترتيب في القضاء على تفصيلٍ تقدّم [في المسألة 1792].

2) في ص 228.

3) شرح العروة (كتاب الصلاة 5) : 74 - 78 وص 178.

ويجوز ذلك في الحجّ المندوب (1) ، وكذا في الزيارات ، كما يجوز النيابة عن المتعدّد تبرّعاً في الحجّ والزيارات (2) ،


الكامل وعلى صفة الاستقلال ، فالاجتزاء بحجٍّ واحد عنهما بصفة التشريك مخالفٌ للقاعدة ، يحتاج إلى نهوض دليله عليه ، ولا دليل كما هو واضح.

(1) للروايات الكثيرة الناطقة بجواز التشريك في الحجّ المستحبّ ، التي منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : أُشرك أبوي في حجّتي؟ «قال : نعم» قال : قلت : أُشرك إخوتي في حجّتي؟ «قال : نعم ، إنّ اللّه عزّ وجلّ جاعلٌ لك حجّا ولهم حجّا ، ولك أجر لصلتك إيّاهم» (1).

وإذا ثبتت مشروعيّة النيابة بهذه الأخبار جازت الإجارة عليها بمقتضى العمومات.

بل لا يبعد أن يقال : إنّ الحكم مطابق لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى التمسّك بالروايات ، لقيام السيرة العقلائيّة في باب الزيارات والحجّ أيضاً مصداقٌ لزيارة بيت اللّه على جريان النيابة فيها عن الواحد والكثيرين ، فيبعث القوم ممثّلاً عنهم لزيارة شخصيّة بارزة من ملك أو غيره ، أو يبعث الملك من يمثّله ، كما أنّ الممثّل قد يكون وفداً ، وهكذا الحال في عيادة المرضى.

(2) قد عرفت الحال في الحجّ.

وأمّا في باب الزيارات : فلم نظفر لحدّ الآن على رواية معتبرة تدلّ على جواز النيابة باستئجار أو تبرّع عن الواحد فضلاً عن الكثيرين في زيارة أحد من المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، فإنّ النصوص الواردة على كثرتها بين ضعيف أو مرسل على سبيل منع الخلو.


1) الوسائل 11 : 202 / أبواب النيابة في الحجّ ب 28 ح 2.

ويجوز الإتيان بها لا بعنوان النيابة ، بل بقصد إهداء الثواب لواحد أو متعدّد (1).


غير أنّ المسألة متسالم عليها من غير شائبة خلاف أو إشكال.

ومن الجائز أن يكون المستند فيها ما أشرنا إليه آنفاً من قيام السيرة العقلائيّة على جواز النيابة في باب الزيارات بعد ملاحظة أنّ المعصومين والأئمّة الطاهرين أرواح العالمين لهم الفداء أحياءٌ عند ربّهم يرزقون يرون مقامنا ويسمعون كلامنا وإن كنّا لا نرى ولا نسمع.

وكيفما كان ، فالمسألة ممّا لا ينبغي الاستشكال فيها وإن لم نعثر على رواية صحيحة تدلّ عليها.

نعم ، إنّ مورد السيرة المزبورة إنّما هو الاستنابة وبعث الممثّل دون التبرّع بالنيابة والتصدّي للزيارة عن الغير ابتداءً ، فإنّ السيرة غير جارية في هذا المورد كما لا يخفى.

ويمكن الاستدلال له حينئذٍ بصحيحة داود الصرمي ، قال : قلت له يعني أبا الحسن العسكري (عليه السلام) - : إنّي زرت أباك وجعلت ذلك لك «فقال : لك بذلك من اللّه ثواب وأجر عظيم ، ومنا المحمدة» (1).

فإنّها صريحة الدلالة على المطلوب ، وإذا جازت النيابة عن الحيّ جازت عن الميّت بطريقٍ أولى ، كما أنّه إذا صحّ التبرّع فيها صحّت الإجارة عليها.

(1) كما دلّت عليه معتبرة الحارث بن المغيرة والتعبير عنها بالخبر المشعر بالضعف كما في المستمسك (2)في غير محلّه قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)


1) الوسائل 14 : 593 / أبواب المزار ب 103 ح 1.

2) مستمسك العروة 12 : 137.

[3346] مسألة 17 : لا يجوز الإجارة للنيابة عن الحيّ (1) في الصلاة ولو في الصلوات المستحبّة. نعم ، يجوز ذلك في الزيارات والحجّ المندوب ، وإتيان صلاة الزيارة ليس بعنوان النيابة ،


وأنا بالمدينة بعد ما رجعت من مكّة : إنّي أردت أن أحجّ عن ابنتي «قال : فاجعل ذلك لها الآن» (1).

المؤيّدة بمرسلة الصدوق ، قال : قال رجل للصادق (عليه السلام) : جعلت فداك ، إنّي كنت نويت أن ادخل في حجّتي العام أبي (أُمّي) أو بعض أهلي فنسيت «فقال : الآن فأشركها» (2).

فإنّ نيّة النيابة لمّا كان ظرفها قبل العمل لا بعده ، إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع ، فلا جرم كان المنسبق منهما إرادة إهداء الثواب كما فهمه صاحب الوسائل ، فلاحظ (3).

(1) أمّا عن الميّت : فقد تقدّم البحث حوله مستقصًى في كتاب الصلاة (4)، فلا نعيد.

وأمّا عن الحيّ : فالمعروف والمشهور بين الفقهاء عدم الجواز في مطلق


1) الوسائل 11 : 204 / أبواب النيابة في الحج ب 29 ح 1.

2) الوسائل 11 : 204 / أبواب النيابة في الحج ب 29 ح 2 ، الفقيه 2 : 279 / 1370.

3) لا مانع عند سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) من العدول بعد العمل تعبّداً إذا ساعده الدليل كما التزم (دام ظلّه) به في مثل قوله : أربع مكان أربع ، فليكن المقام من هذا القبيل ، إلّا أن يقال : إنّه متى دار الأمر بينه وبين إهداء الثواب فالثاني أقرب إلى الفهم العرفي والدوران حاصل في المقام دون المورد المزبور كما لا يخفى.

4) شرح العروة (الصلاة 5) : 131 وما بعدها.

.................................................................................................


العبادات من الصلاة والصيام والحجّ ونحوها ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، نظراً إلى أنّ العبادات توقيفيّة تتوقّف مشروعيّتها على قيام الدليل ، ومقتضى إطلاق الأوامر المتعلّقة بها اعتبار المباشرة ممّن خوطب بها ، وعدم السقوط بفعل الغير. وحيث لم ينهض دليل على صحّة النيابة عن الحيّ والتصدّي لتفريغ ذمّته فلا جرم يحكم بفسادها.

نعم ، قد يستدلّ على الصحّة بروايتين :

إحداهما : ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن محمّد بن علي ، عن الحكم بن مسكين ، عن محمّد بن مروان ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين ، يصلّي عنهما ، ويتصدّق عنهما ، ويحجّ عنهما ، ويصوم عنهما ، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده اللّه عزّ وجلّ ببرّه وصلته خيراً كثيراً» (1).

ولكنّك خبير بأنّ للمناقشة في دلالتها مجالاً واسعاً ، لجواز عود الفقرات أعني : قوله «يصلّي عنهما» إلخ إلى خصوص قوله (عليه السلام) : «ميّتين» ، باعتبار أنّ البرّ بالوالدين وهما حيّان معلوم الكيفيّة يعرفها كلّ أحد بأن يخدمهما ويطيعهما ويحسن معاشرتهما فيكون بذلك بارّاً ، وهذا أمر ظاهر لدى كلّ إنسان غني عن التعرّض والبيان.

وأمّا البرّ بهما وهما ميّتان فكيفيّته مجهولة وبعيدة عن أذهان العامّة كما لا يخفى ، فاحتيجت إذن إلى البيان والتعريف ، ولأجله ذكر (عليه السلام) أنّها تتحقّق بالصلاة والتصدّق والحجّ عنهما.

وعلى الجملة : دعوى اختصاص المذكورات بالميّتين وعدم الشمول للحيّين


1) الوسائل 8 : 276 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 1 ، الكافي 2 : 127 / 7.

.................................................................................................


غير بعيدة. فالدلالة إذن قاصرة.

وعلى تقدير الدلالة وتسليم الظهور في جواز النيابة عن الحيّ فالسند ضعيف لا يمكن إثبات حكم شرعي بها إلّا على سبيل الرجاء.

فإنّ محمّد بن علي الواقع في السند الذي يروي عنه أحمد بن محمّد بن خالد وهو يروي عن الحكم بن مسكين في غير مورد لا يبعد بل هو الظاهر أنّ المراد به الصيرفي المعروف الملقّب بأبي سمينة ، بل في رواية في الكافي التصريح بالصيرفي (1)، وهو كما كتب في حقّه كذّاب ضعيف لا يعتنى بما يرويه ، وقد أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم ومنعه عن الرواية.

وإن أُريد به شخص آخر فهو مجهول ، فالرجل مردّد بين الضعيف والمجهول ، فلا يمكن التعويل على مثل هذه الرواية بوجه.

الثانية : ما رواه السيّد ابن طاوس عن الحسين بن أبي الحسن العلوي الكوكبي في كتاب المنسك ، عن علي بن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : أحجّ وأُصلّي وأتصدّق عن الأحياء والأموات من قرابتي وأصحابي؟ «قال : نعم ، تصدّق عنه ، وصلّ عنه ، ولك أجر بصلتك إيّاه» (2).

وهي كما ترى صريحة الدلالة في جواز النيابة عن الحيّ على سبيل الإطلاق ، ولا مجال للحمل على ما ثبتت فيه صحّة النيابة من الخارج كما فعله ابن طاوس ، إذ لا مقتضي له بعد إطلاق الرواية.

إلّا أنّها ضعيفة السند من جهات ، لجهالة طريق ابن طاوس إلى كتاب المنسك كجهالة مؤلّفه وهو العلوي الكوكبي ، وجهالة طريق المؤلّف إلى علي بن


1) الكافي 4 : 54 / 12.

2) الوسائل 8 : 278 / أبواب قضاء الصلوات ب 12 ح 9.

بل من باب سببيّة الزيارة لاستحباب الصلاة بعدها ركعتين (1) ، ويحتمل جواز قصد النيابة فيها ، لأنّها تابعة للزيارة ، والأحوط إتيانها بقصد ما في الواقع.


أبي حمزة ، أضف إلى ذلك أنّ هذا الرجل أي علي بن أبي حمزة كذّاب على ما ذكره الشيخ (1). إذن فالرواية ضعيفة جدّاً ، فكيف يمكن الاستناد إليها سيّما بعد أن لم يعمل بها المشهور لكي يتوهّم الانجبار؟! فالصحيح ما ذكره في المتن من عدم جواز النيابة عن الحيّ في مطلق العبادات ما لم يقم عليه دليل بالخصوص.

(1) فتقع الصلاة عن النائب نفسه لا عن المنوب عنه ، باعتبار أنّ تحقّق الزيارة خارجاً يستوجب استحباب الصلاة ركعتين للزائر بما هو زائر ، أصيلاً كان أو نائباً عند المزور.

ولكن الأظهر ما ذكره (قدس سره) من الاحتمال الثاني من جواز قصد النيابة ، نظراً إلى أنّ هذه الصلاة تعدّ من مكمّلات الزيارة وتوابعها وشؤونها المستوجبة لمزيد الأجر والمثوبة عليها ، وليست عملاً مستقلا في قبالها ، نظير الصلاة المشتملة على الأذان والإقامة بالقياس إلى الفاقدة لهما ، فلا تحتاج مشروعيّة النيابة فيها عن الحيّ إلى دليل آخر غير ما دلّ على مشروعيّة النيابة في الزيارة ، بل نفس هذا الدليل بعد ملاحظة استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) مثلاً وأنّها تعدل حجّة وعمرة وما ورد من أنّ الصلاة مكمّلة للأجر كافٍ في المطلوب.


1) الغيبة : 69 - 70.

[3347] مسألة 18 : إذا عمل للغير لا بأمره ولا إذنه لا يستحقّ عليه العوض (1) وإن كان بتخيّل أنّه مأجور عليه فبان خلافه.

[3348 [مسألة 19 : إذا أمر بإتيان عمل فعمل المأمور ذلك (2) ، فإن كان بقصد التبرّع لا يستحقّ عليه اجرة وإن كان من قصد الآمر إعطاء


فحال هذه الصلاة حال ركعتي الطواف في الحجّ في أنّ دليل تشريع النيابة فيه عن الحيّ يستوجب مشروعيّتها في الركعتين أيضاً ، لكونهما معدودتين من شؤون الحجّ وأجزائه وإن لم تشرّع النيابة عن الأحياء في الصلوات ، فإنّ موضوعها الصلوات المستقلّة لا التابعة.

(1) لعدم الموجب للضمان بعد وضوح أنّ احترام عمل المسلم لا يقتضيه ، إذ معنى الاحترام عدم جواز إجباره باستيفاء عمل أو أخذ مال منه قهراً عليه ، وأمّا لو عمل باختياره وتلقاء نفسه عملاً تعود منفعته إلى الغير كغسل ثوبه أو خياطته أو بناء حائطه من غير أمر أو إذن من الغير فمجرّد الاحترام لا يستوجب الضمان ودفع العوض بوجه ، كما لعلّه ظاهر ، بل لم يستشكل فيه أحد.

(2) قد عرفت آنفاً حكم العمل للغير بغير أمره.

وأمّا لو عمل له مع الأمر فلا ينبغي الإشكال في عدم استحقاق الأُجرة فيما إذا قصد العامل التبرّع والمجّانيّة وإن كان الآمر قاصداً لدفع الأُجرة ، إذ العامل بقصده المزبور أقدم بنفسه على إلغاء احترام ماله ، ومن المعلوم أنّ قصد الأُجرة من الآمر بمجرّده لا يستوجب الضمان ما لم يقع العمل بوصف الضمان ، أي لا على سبيل المجّان.

وعلى الجملة : لا يستحقّ العامل على الآمر شيئاً بعد أن ألغى بنفسه احترام ماله ، وهذا واضح.

الأُجرة ، وإن قصد الأُجرة وكان ذلك العمل ممّا له اجرة استحقّ وإن كان من قصد الآمر إتيانه تبرّعاً (1)، سواء كان العامل ممّن شأنه أخذ الأُجرة ومعدّاً نفسه لذلك أو لا ، بل وكذلك إن لم يقصد التبرّع ولا أخذ الأُجرة ، فإنّ عمل المسلم محترم. ولو تنازعا بعد ذلك في أنّه قصد التبرّع أو لا ، قدّم قول


كما لا ينبغي الإشكال في عدم استحقاقها أيضاً فيما إذا كانت ثمّة قرينة خارجيّة على أنّ الآمر أراد المجّانيّة كما يشير إليه الماتن (قدس سره) في آخر كلامه وإن كان العامل قاصداً لأخذ الأُجرة ، لأنّ ما أتى به أعني : العمل بقصده الأُجرة لم يكن مأموراً به ، وما تعلّق به الأمر لم يكن متّصفاً بالضمان ، فهذا مثل ما لو صرّح الآمر بإرادة المجّان في أنّه في قوّة العمل من دون الأمر في انتفاء الضمان حسبما تقدّم في المسألة السابقة.

فهاتان الصورتان ممّا لا ينبغي الاستشكال فيهما.

وإنّما الكلام فيما إذا لم تقم قرينة على المجّانيّة ، ولم يقصد العامل التبرّع ، سواء أقصد الأُجرة أم كان غافلاً عن ذلك وقد أمره الآمر بعملٍ له اجرة عند العرف ، سواء أكان قد أعدّ نفسه لذلك مثل البناء والكنّاس أم لا ، فوقع العمل خارجاً بأمره واقتضائه. والمعروف والمشهور حينئذٍ هو الضمان ، بل لم ينقل فيه الخلاف وأنّه يلزمه دفع اجرة المثل.

وقد استدلّ له بقاعدة الاحترام وأنّ حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا يذهب هدراً.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ معنى الاحترام عدم كون مال المسلم بمثابة المباحات


1) (*) هذا إذا لم تكن قرينة موجبة لظهور الأمر في المجّانيّة.

العامل ، لأصالة عدم قصد التبرّع (1) بعد كون عمل المسلم محترماً ، بل اقتضاء احترام عمل المسلم ذلك وإن أغمضنا عن جريان أصالة عدم


الأصليّة بحيث لا حرمة لها ويسوغ لأيّ أحد أن يستولي عليها ويستوفيها عن قهر وجبر ، وأنّه لو أجبره على عملٍ استحقّ المجبور بدله ولزمه الخروج عن عهدته.

وأمّا لو استوفاه منه باختياره ورضاه ولم يكن من الآمر ما عدا الأمر والاستدعاء فعنوان الاحترام لا يستدعي بذل البدل في هذه الصورة ، لبعده عن مفهومه ومدلوله كما لا يخفى. إذن فإثبات الضمان بقاعدة الاحترام في مثل المقام مشكل جدّاً.

والأولى التمسّك ببناء العقلاء وسيرتهم غير المردوعة ، فإنّها قد استقرّت على الضمان في موارد الأمر من غير نكير ، كما هو المشاهد كثيراً في مثل الحمّال والحلّاق وأضرابهما من أرباب المهن والأعمال وكذا غيرهم ، بل قد ورد في الحجّام (1)كراهة تعيين الأُجرة من الأوّل وأنّ الأولى أن يأمره ثمّ يدفع إليه اجرة المثل.

والمتحصّل : أنّ ما عليه المشهور من ثبوت الضمان في موارد الأمر هو الصحيح ما لم تقم قرينة على المجّانيّة ولم يكن العامل قاصداً للتبرّع.

(1) لما عرفت من قيام السيرة على الضمان ، إلّا إذا قصد التبرّع ، فالخارج عنوان وجودي. فكلّما لم يثبت هذا العنوان ولو بأصالة العدم يحكم بالضمان بعد


1) الوسائل 17 : 104 / أبواب ما يكتسب به ب 9 ح 9.

التبرّع (1)(1). ولا فرق في ذلك بين أن يكون العامل ممّن شأنه وشغله أخذ الأُجرة وغيره ، إلّا أن يكون هناك انصراف أو قرينة على كونه بقصد التبرّع أو على اشتراطه.


ضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّ العمل للغير متحقّق بالوجدان ، والتبرّع منفي بالأصل ، فيحرز به موضوع الضمان ، أعني : صدور العمل لا عن تبرّع.

(1) لعلّ ما أفتى به من الضمان حتى مع الإغماض عن أصالة عدم التبرّع بدعوى أنّ ذلك هو مقتضى احترام عمل المسلم مبني على ما نسب إليه في عدّة من موارد هذا الكتاب من القول بجواز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة ، وإلّا فكبرى الاحترام لو سلّم الاستدلال بها في المقام لا تقتضي ثبوت الضمان بعد فرض خروج قسم منها ، وهو ما قصد به التبرّع ، واحتمال انطباقه على الفرد المشكوك ، ومعه كيف يمكن التمسّك بالعموم مع احتمال كون هذا الفرد من أفراد المخصّص؟! ومن المعلوم أنّ الشبهة موضوعيّة.

وبالجملة : إن أجرينا الأصل وأثبتنا أنّ هذا ليس من أفراد المخصّص بل باقٍ تحت العام فهو ، وإلّا فمع الإغماض عنه كان المرجع أصالة البراءة عن الضمان ، إذ لا سبيل للتمسّك بالعامّ في موارد الشبهات المصداقيّة على ما حُقّق في الأُصول.


1) (*) لا وجه للضمان مع هذا الإغماض ، لأصالة البراءة عنه ، والشبهة مصداقيّة لا يتمسّك فيها بالعموم.

[3349] مسألة 20 : كلّ ما يمكن الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز إجارته ، وكذا كلّ عمل محلّل مقصود للعقلاء عدا ما استثني يجوز الإجارة عليه ولو كان تعلّق القصد والغرض به نادراً لكن في صورة تحقّق ذلك النادر (1) ، بل الأمر في باب المعاوضات الواقعة على الأعيان أيضاً كذلك ، فمثل حبّة الحنطة لا يجوز بيعها لكن إذا حصل مورد يكون متعلّقاً لغرض العقلاء (1)ويبذلون المال في قبالها يجوز بيعها.


(1) ما أفاده (قدس سره) من اعتبار كون مورد المعاملة من بيع أو إجارة متعلّقاً لغرض العقلاء ومقصوداً لهم نوعاً ولو نادراً ، مبني على أحد أمرين :

أحدهما : اعتبار الماليّة في العوضين. ومن البيّن تقوّم الماليّة بما يكون مورداً لأغراض العقلاء ومتعلّقاً لرغباتهم ولو في الجملة ، وإلّا فالعاري عن الغرض العقلائي بتاتاً لا يستحقّ إطلاق اسم المال عليه ، فلا تصحّ المعاوضة لديه.

ويندفع : بعدم نهوض دليل يعوّل عليه على اعتبار الماليّة في باب المعاوضات.

ولا شهادة في قول صاحب المصباح من أنّ البيع مبادلة مال بمال (2)، ضرورة أنّ التفسير اللغوي شرحٌ اسمي وتعريف إجمالي وليس ناظراً إلى جميع ما يعتبر في المعنى نفياً وإثباتاً طرداً وعكساً ، فلا يكون قول مَن هذا شأنه حجّة على اعتبار الماليّة في تحقّق البيع.

ومن ثمّ ربّما يصدق على ما لا ينطبق عليه مفهوم المال ، لعدم رغبة أيّ أحد فيه ، كما لو وجد خطّ أبيه عند أحد في ورقة مندرسة بخطّ ردي‌ء ومطلب تافه


1) (*) الظاهر أنّه يكفي في صحّة البيع تعلّق الغرض الشخصي به.

2) المصباح المنير 1 : 69.

.................................................................................................


بحيث لا يرغب فيه أيّ إنسان ولا يبذل بإزائه في سوق العقلاء حتى فلس واحد ، ولكن الولد لشفقته وفرط علاقته بأبيه يرغب في شرائه واقتنائه ، فإنّه لا ينبغي الشكّ وقتئذٍ في صدق البيع عليه مع عدم كونه مصداقاً لمبادلة مال بمال بالضرورة ، فليس البيع إلّا مبادلة ملك بملك ومعاوضة لا مجّانيّة من دون اعتبار الماليّة في شي‌ء من العوضين.

ودعوى : أنّ المبادلة حينئذٍ تكون من أكل المال بالباطل.

غير مسموعة ، فإنّ الآية المباركة ناظرة إلى بيان السبب المجوّز للأكل وأنّه منحصر في التجارة الناشئة عن تراضٍ من الطرفين في مقابل السبب الباطل من النهب والقمار ونحوهما ، وأجنبيّة عن الدلالة على اعتبار الماليّة وتعلّق الأغراض العقلائيّة بالكلّيّة ، بل النظر مقصور على التنويع في الأسباب فقط حسبما عرفت.

ثانيهما : أنّ المعاملة الواقعة على ما لا ماليّة له عند العقلاء ولم يكن مورداً لأغراضهم ومقاصدهم سيّما بثمن أو اجرة خطيرة تعدّ من المعاملة السفهائيّة المحكومة بالبطلان.

وفيه أوّلاً : ما عرفت آنفاً من منع الصغرى ، وأنّه قد يتّفق غرض شخصي يخرجه عن السفاهة ، كما تقدّم من مثال خطّ الأب ، بحيث إنّ العقلاء أيضاً لا يلومونه على هذا الشراء.

وثانياً : أنّ المعاملة وإن عدّت سفهائيّة كما لو احتاج إلى عود من الشخّاط وهو مبتذل في الأسواق بسعر زهيد ويمكنه الشراء من غير أيّة مشقّة أو كلفة ولو بأن يأمر خادمه بالشراء من السوق المجاور لداره القريب المسافة ، ولكنّه مع ذلك يشتري هذا العود الواحد بدينار واحد فإنّه لا شكّ في أنّ هذه المعاملة تعدّ عند العقلاء معاملة سفهائيّة ، سيّما إذا كانت القيمة خطيرة ، إلّا أنّ الكبرى ممنوعة ، فإنّ الباطل إنّما هي المعاملة الصادرة من السفيه ، أي من

[3350] مسألة 21 : في الاستئجار للحجّ المستحبّي أو الزيارة لا يشترط أن يكون الإتيان بها بقصد النيابة (1) ، بل يجوز أن يستأجره لإتيانها بقصد إهداء الثواب إلى المستأجر أو إلى ميّتة ، ويجوز أن يكون لا بعنوان النيابة ولا إهداء الثواب ،


لا يدرك صلاحه وفساده ولا يتمكّن من إدارة شؤونه ، كما يشير إليه قوله تعالى ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) إلخ (1)، لا المعاملة السفهائيّة الصادرة ممّن يدرك ومع ذلك أقدم وفعل لغايةٍ هو أدرى بها. ومن البيّن عدم إطلاق اسم السفيه على من تصدر منه مثل هذه المعاملة السفهائيّة مرّة أو مرّتين ، بل مقتضى عموم : «الناس مسلّطون» إلخ ، صحّة هذه المعاملة الحاوية لغرض شخصي وإن كانت فاقدة لغرض نوعي عقلائي.

وحيث لم يتمّ شي‌ء من الأمرين فالظاهر أنّه يكفي في صحّة الإجارة كالبيع مجرّد تعلّق غرض شخصي مصحّح لاعتبار الملكيّة ، سواء أكان الغرض عقلائيّاً ولو نادراً أم لا حسبما عرفت.

(1) ذكر (قدس سره) وجوهاً ثلاثة لكيفيّة الاستئجار للحجّ المندوب والزيارة :

أحدها : ما هو المتداول من الإتيان بها بقصد النيابة.

ثانيها : الإتيان بقصد إهداء الثواب.

ثالثها : لا هذا ولا ذاك ، بل مقصود المستأجر مجرّد إيجادها في الخارج ولو كان عن الأجير نفسه ، أو نيابةً عمّن يريد ، نظراً إلى أنّه عمل محبوب لله فيريد


1) النساء 4 : 6.

بل يكون المقصود إيجادها في الخارج من حيث إنّها من الأعمال الراجحة فيأتي بها لنفسه ولمن يريد نيابةً أو إهداءً.


المستأجر تحقّقه خارجاً كيفما اتّفق وإن لم ينتفع هو بشخصه ، كما في الإجارة على كنس المسجد وإن لم يصلّ المستأجر فيه ، فيستأجر أحداً للحجّ أو لزيارة الحسين (عليه السلام) رغبةً منه في تكثير الحجّاج أو زوّار الحسين (عليه السلام).

ولا ينبغي الشكّ في صحّة الإجارة بكلّ من الوجوه الثلاثة ، عملاً بإطلاق الأدلّة كما أفاده في المتن.

غير أنّه ربّما يستشكل في الوجه الثاني بجهالة ترتّب الثواب ، لجواز اقتران العمل بموانع القبول ، فلم يحرز استحقاق المثوبة ، ومع الجهل به يشكّ في التمكّن من الإهداء ، للشكّ في تحقّق موضوعه. ومثله لا يصلح طرفاً للمعاوضة كما لا يخفى.

ويندفع : بعدم كون الثواب مملوكاً لأحد لكي يهديه حتى مع العلم بصحّة العمل ، وعدم اقترانه بموانع القبول ، فإنّ الثواب إنّما ثبت بوعد اللّه سبحانه وتفضّله ، لا باستحقاق من العبد وتملّكه ، بل وظيفته العبوديّة والمثول بين يديه من دون أن يملك جزاءً من ربّه ، فليس الثواب تحت حيطته وسلطته في أيّ مورد حتى يقال بأنّه مع الشكّ فيه كيف تصحّ الإجارة على الإهداء؟! بل معنى إهداء الثواب أحد أمرين :

إمّا جعل العمل له بأن ينوي بقاءً وقوعه عنه بدلاً عن النيابة عنه حدوثاً ومن أوّل الأمر ، كما لعلّه المتراءى من قوله (عليه السلام) في معتبرة ابن المغيرة : «... فاجعل ذلك لها الآن» (1)، ولا ضير في تأخير النيّة في الأُمور الاعتبارية


1) الوسائل 11 : 204 / أبواب النيابة في الحج ب 29 ح 1.

[3351] مسألة 22 : في كون ما يتوقّف عليه استيفاء المنفعة كالمداد للكتابة والإبرة والخيط للخياطة مثلاً على المؤجر أو المستأجر ، قولان (1) ، والأقوى وجوب التعيين ، إلّا إذا كان هناك عادة ينصرف إليها الإطلاق ، وإن كان القول بكونه مع عدم التعيين وعدم العادة على المستأجر لا يخلو عن وجه أيضاً (1)، لأنّ اللازم على المؤجر ليس إلّا العمل.


بعد مساعدة الدليل ، ومن المعلوم أنّ الإهداء بمعنى الجعل أمر اختياري له أن يجعل وأن لا يجعل.

أو بمعنى الطلب من اللّه والدعاء والابتهال إليه بأن يتفضّل فيعطي الثواب إلى شخص آخر ، كما قد يظهر ممّا ورد في بعض الزيارات من قول : اللّهمّ اجعل ثواب هذا ، إلخ. وهذا أيضاً فعل اختياري كسابقه.

وعلى التقديرين فمورد الإجارة فعل اختياري صادر من الأجير له أن يفعل وأن لا يفعل.

وأمّا بحسب النتيجة هل يترتّب الثواب أو لا؟

فالأجير أجنبي عن ذلك ، فإنّه إنّما يأخذ الأُجرة بإزاء عمله المملوك له وهو الإهداء بأحد المعنيين ، وأمّا ترتّب الثواب خارجاً فلا يرتبط به وخارج عن مورد الإجارة ، والمصحّح للإهداء المزبور هو مجرّد احتمال ترتّب الثواب كما لا يخفى.

(1) فعن جماعة : أنّها بأجمعها على الأجير ، لوجوب العمل عليه بمقتضى


1) (*) والأفضل التفصيل بين ما يبقى للمستأجر بعد العمل كالخيط وما لا يبقى له كالإبرة وإنّما هو من معدّات العمل ، فما كان من قبيل الأوّل فعلى المستأجر ، وما كان من قبيل الثاني فعلى المؤجر.

.................................................................................................


عقد الإيجار ، فيجب ما يتوقّف العمل عليه أيضاً ، لأنّ مقدّمة الواجب واجبة.

وعن آخرين : أنّها على المستأجر ، إذ ليس في عهدة الأجير ما عدا العمل المحض ، وأمّا الأعيان فهي خارجة عن مفهوم الإجارة.

واختار الماتن وجوب التعيين فيما إذا لم تقم قرينة عليه من الخارج أو عادة ينصرف إليها الإطلاق عند العقد ، لرفع الجهالة المعتبر في صحّة الإجارة ، وإن مال أخيراً إلى الوجه الثاني ، لما عرفت.

والصحيح في المقام أنّ يقال : إنّه إن كانت هناك قرينة داخليّة أو خارجيّة دالّة على التعيين فهو ، وإلّا فلا بدّ من التفصيل بين مقدّمة العمل وموضوعه ، أو فقل بين ما يبقى للمستأجر بعد العمل وما لا يبقى.

بيان ذلك : أنّ العمل المستأجر عليه على ضربين :

فتارةً : لا يحتاج في تحقّقه إلى أيّ موضوع مفروض الوجود خارجاً ، وإنّما هو عمل بحت قائم بشخص الأجير ، غاية الأمر أنّ لهذا العمل كسائر الأعمال مقدّمات وجوديّة يتوقّف تحقّقه على تحصيلها.

وفي مثله لم يكن بدّ للأجير نفسه من التصدّي لتحصيلها مقدّمةً لإيجاد ما يتوقّف عليها ، الذي وجب عليه الخروج عن عهدته بمقتضى عقد الإيجار.

وهذا كما لو استؤجر لأداء الحجّ أو الصلاة عن الميّت ، فإنّ للحجّ مقدّمات ماليّة من الزاد والراحلة وثوبي الإحرام ، وكذلك الصلاة من تحصيل ماء للطهور ولباس للستر وهكذا من سائر المقدّمات الوجوديّة ، فإنّ اللازم على الأجير تحصيلها برمّتها كما عرفت وليس له مطالبة المستأجر بشي‌ء منها ، لأنّه قد استؤجر على الإتيان بصلاة صحيحة أو حجّ كذلك ، فهو المسئول عن الصحّة والإتيان بمقدّماتها.

وتارةً اخرى : يكون للعمل موضوع في الخارج وقد وقعت الإجارة على

.................................................................................................


إيجاد هيئة من الهيئات في هذا الموضوع ، كما في إجارة شخص للبناية أو الخياطة أو الكتابة أو الصباغة ونحوها من الأعمال القائمة بالموضوع والحادثة في محلّ مخصوص ، فإنّ إحضار الموضوع وما هو معروض للعمل في عهدة المستأجر وخارج عن شؤون الأجير بما هو أجير.

فتحصيل مواد البناية مثلاً من الجصّ والطابوق والحديد ونحوها من وظائف المستأجر ، إذ ليس المطلوب من الأجير إلّا إيجاد هيئة لهذه المواد يعبّر عنها بالدار مثلاً وعملية البناية المستأجر عليها عبارة عن نفس إيجاد هذه الهيئة فحسب.

وهكذا الخيّاط ، فإنّ وظيفته تفصيل الثوب وإدخال الخيوط فيه على نهج مخصوص تحدث منه هيئة خاصّة ، يعبّر عن هذه العملية بالخياطة ، وأمّا إيجاد الموضوع الذي توجد فيه هذه الهيئة من الثوب والخيوط فهو أجنبي عنه ومن وظائف المستأجر نفسه.

وهكذا الحال في الأجير على الكتابة ، فإنّ تحصيل المداد غير واجب عليه ، وإنّما الواجب جعل المداد على القرطاس على نحوٍ خاصّ.

وهكذا الصبّاغ ، فإنّ وظيفته تلوين المحلّ بالصبغ لا تحصيل نفس الصبغ.

وبالجملة : فينبغي التفصيل بين ما يعدّ مقدمة للعمل ولا يبقى منه فيه أثر ، كإجارة الدابّة المتوقّف عليها الحجّ ، وشراء الماء لوضوء الصلاة ، فعلى عاتق الأجير. وبين ما هو معروض العمل وموضوعه ويبقى أثره بعد العمل ، كالخيوط في الثوب ، والحبر في القرطاس ، والصبغ في الباب ، والجصّ في الدار ، حيث إنّ هذه الآثار تبقى للمستأجر بعد الانتهاء من العمل ، فتحصيل هذه المواد من وظائف المستأجر وليس في عهدة الأجير ما عدا إحداث الهيئات فيها حسبما عرفت.

[3352] مسألة 23 : يجوز الجمع بين الإجارة والبيع مثلاً بعقد واحد (1) ، كأن يقول : بعتك داري وآجرتك حماري بكذا ، وحينئذٍ يوزّع العوض عليهما بالنسبة ويلحق كلّاً منهما حكمه ، فلو قال : آجرتك هذه الدار وبعتك هذا الدينار بعشرة دنانير ، فلا بدّ من قبض العوضين بالنسبة إلى البيع في المجلس ، وإذا كان في مقابل الدينار بعد ملاحظة النسبة أزيد من دينار أو أقلّ منه بطل بالنسبة إليه ،


ومنه تعرف أنّ تحصيل الإبرة في الخياطة وكذا القلم في الكتابة في عهدة الأجير ، لأنّهما من مقدّمات العمل لا موضوعاته ، فإنّ الإبرة مقدّمة لإدخال الخيط كالقلم لجرّ الحبر ، فهما نظير الدابّة في سفر الحجّ ، ومن المعلوم عدم بقاء أثرهما بعد العمل.

والضابط : أنّ كلّ ما كان من قبيل الموضوع لا يجب تحصيله ، وما كان من قبيل المقدّمة يجب كلّ ذلك بشرط عدم وجود قرينة على التعيين حسبما عرفت.

(1) عملاً بعمومات الصحّة.

نعم ، قد يناقش تارةً : بخروج مثله عن العقود المتعارفة ، لانصراف دليل الصحّة إلى ما كان عقداً مستقلا بحياله ، فلا يشمل الملفّق من عقدين ، الذي هو أمر غير متعارف.

ويندفع : بمنع الصغرى أوّلاً ، فإنّ هذا النوع من العقد وإن كان قليل التحقّق إلّا أنّه على قلّته لم يكن خارجاً عن حدود التعارف بمثابةٍ ينصرف عنه الإطلاق كما لا يخفى ، فلا مانع لدى العرف من أن يؤاجر داره سنة ويبيعه جميع أثاث البيت بمبلغ كذا.

ومنع الكبرى ثانياً ، لعدم الدليل على اختصاص أدلّة الصحّة بالعقود المتعارفة ،

للزوم الربا (1). ولو قال : آجرتك هذه الدار


بل كل ما صدق عليه عنوان التجارة عن تراضٍ ولم يكن الأكل فيه عن سبب باطل فهو محكوم بالصحّة ومشمول للإطلاقات ، سواء أكان متعارفاً أم لا ، ولا شكّ في صدق هذا العنوان على المقام.

بل في الحقيقة ينحلّ ذلك إلى بيع وإجارة وإن أُبرزا وأُنشئا بإنشاء واحد فكأنّ المبرز لدى التحليل أمران : تمليك عين ، وتمليك منفعة عين اخرى ، قد جمع بينهما في مقام الإبراز. فلا جرم يقسط العوض إلى ثمن وأُجرة بالنسبة ، ويجري على كلّ منهما حكمه حسبما ذكره في المتن.

وقد يناقش اخرى : بجهالة كلّ من الثمن والأُجرة ، لعدم العلم بمقدار كلّ واحد منهما ، فيبطل البيع والإجارة من أجل الجهالة.

ويندفع : بعدم قدح مثل هذا الجهل ، لعدم كون المعاملة غرريّة بعد أن كان المجموع معلوماً ، نظير ما لو باع شيئين بثمن واحد ، فإنّه لا إشكال في الصحّة وإن لم يعلم بأنّ كلّ واحد منهما قوبل بأيّ مقدار من الثمن ، فإنّه لا غرر ولا خطر في مثل ذلك بعد معرفة المجموع ، ولا يضرّ الجهل بسائر الخصوصيّات.

وبالجملة : فلا موقع لأمثال هذه المناقشة ولا ينبغي التأمّل في صحّة هذه المعاملة وانحلالها بعد توزيع العوض بالنسبة كما عرفت إلى بيع وإجارة ، فيلحق كلّاً منهما حكمه.

ويترتّب عليه ما ذكره في المتن من أنّ أحدهما لو كان من بيع الدينار بالدينار لزم فيه قبض العوضين في مجلس البيع ، للزوم التقابض في بيع الصرف ، كما يعتبر فيه أيضاً عدم التفاضل حذراً عن الربا.

(1) قد يقال بالصحّة ، نظراً إلى وجود الضميمة المانعة عن تحقّق الربا نصّاً

.................................................................................................


وفتوى. فقد ورد في غير واحد من الأخبار أنّ الدراهم كانت مختلفة القيمة في زمانهم ، بل ربّما كان الدرهم من جنس يسوى درهمين من جنس آخر ، لخصوصية لا نعرفها ، كما هو المشاهد عندنا في الأوراق النقديّة الدارجة في العصر الحاضر ، حيث إنّ الدينار العراقي يختلف في السعر عن الكويتي وهما عن قسم آخر وهكذا.

فمن ثمّ سُئِل الإمام (عليه السلام) في بعض النصوص عن بيع ألف درهم بألفين فأجاب (عليه السلام) بالمنع إلّا مع ضم شي‌ء إلى المبيع ، حتى أنّ السائل اعترض بأنّ الضميمة لا تسوى بألف وأنّ هذا هو الفرار ، فأجاب (عليه السلام) : نِعْمَ الفرار من الحرام إلى الحلال (1).

فيقال : إنّ مقتضى هذه الروايات الجواز في المقام أيضاً ، لصدق الضميمة وتحقّقها فيما نحن فيه.

ولكنّه بمراحل عن الواقع ، إذ الضميمة النافعة حسبما يستفاد من هذه الأدلّة يراد بها ضمّ شي‌ء إلى المبيع بحيث يكون المبيع شيئين ، فيكون من ضمّ مال بمال ، لا ضمّ عقد بعقد كما في المقام ، فالمبيع هنا هو الدينار فقط من غير أن يقترن معه بما هو مبيع شي‌ء ، غاية ما هناك ضمّ معاملة أُخرى مع البيع ، ومثل هذه الضميمة لا تجدي في حلّ مشكلة الربا ، ولا تعدّ من الفرار بمقتضى هذه الأخبار.

ويزيدك وضوحاً ما لو افترضنا تعدّد المالك فكان المؤجر شخصاً والبائع شخصاً آخر ، كما لو كان وكيلاً عن زيد في إجارة داره وعن عمرو في بيع ديناره ، فآجر الدار وباع الدينار بعشرة دنانير ، فإنّه لا ينبغي التأمّل في عدم صدق الضميمة وقتئذٍ وخروجه عن مورد تلك النصوص.


1) الوسائل 18 : 178 / أبواب الصرف ب 6 ح 1.

وصالحتك على هذا الدينار بعشرة دنانير مثلاً - (1) ، فإن قلنا بجريان (1)حكم الصرف من وجوب القبض في المجلس وحكم الربا في الصلح فالحال كالبيع ، وإلّا فيصحّ بالنسبة إلى المصالحة أيضاً.


(1) فهل يجري على هذا الصلح حكم الصرف من وجوب التقابض في المجلس ، وكذا حكم الربا كما كان جارياً لو أنشأ بصيغة البيع بدلاً عن الصلح حسبما تقدّم؟

فيه كلام طويل بدليل مذكور في محلّه.

والصحيح هو التفصيل بين أحكام الصرف والربا فتجري الثانية دون الاولى ، نظراً إلى أنّ أكثر النصوص المعتبرة الواردة في الربا خالية عن ذكر البيع ، بل موضوعها مجرّد الزيادة والمفاضلة الظاهرة في مطلق المبادلة وإن كانت بعنوان المصالحة.

ففي معتبرة عبد الرّحمن قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ «فقال : لا يجوز إلّا مثلاً بمثل. ثمّ قال : إنّ الشعير من الحنطة» (2).

وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الحنطة والشعير رأساً برأس ، لا يزاد واحد منهما على الآخر» (3)، ونحوهما غيرهما.

بل لعلّ مفهوم الربا الذي هو بمعنى الزيادة يعمّ المقام ، إذ لم يؤخذ في مفهومه البيع ، فالممنوع مطلق إعطاء الزيادة وأخذ الناقص.


1) (*) الظاهر أنّه لا يجري فيه حكم الصرف ويجري فيه الربا.

2) الوسائل 18 : 138 / أبواب الربا ب 8 ح 2.

3) الوسائل 18 : 138 / أبواب الربا ب 8 ح 3.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فيكفينا إطلاق الروايات الشاملة للمصالحة.

فلا يدور الحكم مدار صدق البيع ، بل يعمّ الصلح المعاوضي الواقع في مكيل أو موزون ، وهذا بخلاف روايات باب الصرف المتضمّنة لشرط التقابض ، فإنّها بأجمعها خاصّة بالبيع ولم ترد رواية مطلقة كما في الربا ليتعدّى منه إلى الصلح ، فلاحظ الباب الثاني من أبواب الصرف من الوسائل.

فلا مناص إذن من الاقتصار على موردها والرجوع فيما عداه إلى إطلاقات الصحّة.

فالمتّجه هو التفصيل بين البابين ، لاختلاف نصوص الطرفين حسبما عرفت.

نعم ، قد يقال بأنّ صحيحة ابن مسلم تدلّ بإطلاقها على جواز المصالحة حتى مع العلم بالمفاضلة فلا يجري الربا في الصلح.

فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه ، ولا يدري كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه ، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي «فقال : لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما» (1).

دلّت على جواز المصالحة بين الطعامين لدى جهل كلّ من الطرفين بمقدار ماله عند الآخر ، الشامل بمقتضى الإطلاق لصورة العلم بأصل الزيادة ، كما لعلّه الغالب ، فيفارق الصلح للبيع في جواز الربا فيه ، وتكون هذه الصحيحة مقيّدة لإطلاقات عدم الجواز.

ويندفع : بقصورها عن الشمول لصورة العلم ، لظهور الجهل المفروض فيها في الجهل بالكمّيّة بقولٍ مطلق ، فلا يدري أيّ منهما أنّ ماله عند الآخر هل هو


1) الوسائل 18 : 445 / كتاب الصلح ب 5 ح 1.

[3353] مسألة 24 : يجوز استئجار من يقوم بكلّ ما يأمره من حوائجه فيكون له جميع منافعه (1) ، والأقوى أنّ نفقته على نفسه لا على المستأجر إلّا مع الشرط أو الانصراف من جهة العادة ، وعلى الأوّل لا بدّ من تعيينها كمّاً وكيفاً إلّا أن يكون متعارفاً ، وعلى الثاني على ما هو المعتاد المتعارف ،


أكثر ممّا للآخر عنده أو أقلّ أو أنّهما متساويان؟ ففرض العلم بالزيادة خارج عن منصرف الصحيحة ، كيف؟! وهو حينئذٍ عالم في الجملة ، فلا يكون ممّن لا يدري ، الظاهر في الجهل المطلق كما عرفت.

نعم ، لا يضايق من ظهورها في جواز المصالحة مع احتمال الزيادة ، ولعلّ عنوان التصالح والتسالم مبني على ذلك ، فبهذا المقدار يلتزم بالصحّة لأجل هذه الصحيحة ويخرج عن المطلقات ، وأمّا مع العلم بها فكلّا.

فبحسب النتيجة يفصّل في الصلح المعاوضي الطارئ عن المكيل أو الموزون بين صورتي العلم بالزيادة فلا يجوز ، واحتمالها فيجوز ، ولا يعتبر إحراز التساوي. وأمّا في البيع فلا مناص من إحراز المساواة ، إذ لا يجوز إلّا مثلاً بمثل كما نطقت به النصوص وقد مرّ بعضها ، فلاحظ.

(1) المقدورة له والمتعارفة من مثله ، كما هو الشائع المتعارف في استئجار الخدم ، وحيث لا محذور فيه فهو مشمول لإطلاقات الصحّة. وهذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه.

وإنّما الكلام في نفقة الأجير وأنّها هل هي عليه نفسه أو أنّها على المستأجر؟

اختار الثاني في الشرائع (1)، ونُسب إلى العلّامة في بعض كتبه وإلى الشيخ في


1) الشرائع 2 : 223 - 224.

.................................................................................................


النهاية (1)وبعض آخر ، بل نسبه في اللمعة إلى المشهور (2)، إلّا أنّ صاحب الجواهر (قدس سره) ناقش فيه بأنّا لم نتحقّقه ، بل المشهور خلافه كما نصّ (قدس سره) على جماعة ذهبوا إلى القول الأوّل (3).

وكيفما كان ، فلا يهمّنا أنّ المشهور أيّ من القولين ، والمتّبع هو الدليل.

ومحلّ الكلام ما إذا لم تكن قرينة خارجيّة مثل جريان العادة ونحوه على كون النفقة على المستأجر ، كما لعلّها موجودة في كثير من الموارد ، سيّما الأجير للخدمة في سفر الحجّ ، أو على كونها على الأجير نفسه ، كما ربّما يتّفق في بعض الخدم ممّن له دار وأهل يقوم بشؤونهم ويعيش معهم وإنّما استخدم في ساعات معيّنة ، وإلّا فلا شبهة في لزوم اتّباع القرينة التي هي في قوّة التحديد اللفظي والتصريح في متن العقد ، وهو خارج عن محلّ الكلام.

ولا ينبغي الشكّ حينئذٍ في أنّ مقتضى القاعدة كونها على نفس الأجير ، لعدم المقتضي لإلزام المستأجر بها بعد أن لم يكن مدلول العقد ما عدا المبادلة بين المنفعة والأُجرة المسمّاة ، فإلزام الزائد على المفاد من دون انصراف ولا اشتراط كما هو المفروض لا دليل عليه.

نعم ، ربّما يستدلّ له برواية واحدة فيدّعى من أجلها ثبوت الحكم تعبّداً وعلى خلاف القاعدة.

وهي ما رواه الكليني بإسناده عن سليمان بن سالم ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل استأجر رجلاً بنفقة ودراهم مسمّاة على أن يبعثه إلى أرض ، فلمّا أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر والشهرين


1) إرشاد الأذهان 1 : 425 ، النهاية : 447.

2) اللمعة 4 : 357.

3) الجواهر 27 : 328.

.................................................................................................


فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر ، فنظر الأجير إلى ما كان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه فكافأه به الذي يدعوه ، فمن مال من تلك المكافأة ، أمن مال الأجير أو من مال المستأجر؟ «قال : إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله ، وإلّا فهو على الأجير» وعن رجل استأجر رجلاً بنفقة مسمّاة ولم يفسّر (يعيّن. يب) شيئاً على أن يبعثه إلى أرض أُخرى ، فما كان من مئونة الأجير من غسل الثياب والحمّام فعلى من؟ «قال : على المستأجر» (1).

أمّا فقه الحديث : فهو أنّ الأجير بعد أن بلغ الأرض المبعوث إليها وافاه رجل فدعاه إلى ضيافته وبعد انتهاء مدّة الضيافة تصدّى لمكافأة المضيف فدفع إليه مقدار ما ينفق عليه لولا الدعوة والضيافة ، فسُئل الإمام (عليه السلام) عن أنّ هذا المقدار المدفوع هل يحسب من النفقة فيكون في عهدة المستأجر ، أو أنّه يخرج من كيس الأجير؟ ففصّل (عليه السلام) في الجواب بين ما إذا كانت الضيافة لصلة وصداقة بين المضيف والمستأجر فكان الإكرام لأجل كونه مبعوثاً من قبل المستأجر وفي الحقيقة كان الإنفاق له المستتبع طبعاً لكون المكافأة بصلاحه ، وبين ما إذا كانت لصداقة بينه وبين الأجير نفسه المستلزم لكونها في صالح الأجير.

ففي الأوّل جاز الاحتساب من النفقة ، لعود مصلحته إلى المستأجر كما ذكر ، بخلاف الثاني ، إذ لا مقتضي وقتئذٍ للاحتساب ، فإنّ المستأجر إنّما تعهّد النفقة لدى الحاجة بطبيعة الحال ولا حاجة مع وجود الباذل ، والمفروض عدم عود مصلحة التكافؤ إلى المستأجر ، ومصلحة الأجير لا ترتبط به.

ثمّ سُئِل ثانياً عن تفسير النفقة لدى الإطلاق وأنّها هل تشمل غسل الثياب والحمّام؟ فأجاب (عليه السلام) بالشمول وأنّها على المستأجر.


1) الوسائل 19 : 112 / كتاب الإجارة ب 10 ح 1 ، الكافي 5 : 287 / 2.

ولو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرّع يستحقّ مطالبة عوضها على الأوّل (1)(1) ، بل وكذا على الثاني ، لأنّ الانصراف بمنزلة الشرط.


ووجه الاستدلال : أنّه يظهر من الصدر والذيل بوضوح المفروغيّة عن كون النفقة على المستأجر ، ومن ثمّ حكم (عليه السلام) بكون المكافأة عليه لو كانت بصالحه ، وبشمولها لغسل الثياب والحمّام.

والجواب : أنّ المفروض فيها اشتراط كون النفقة على المستأجر ، ومحلّ الكلام كما مرّ فرض الخلوّ عن الشرط والقرينة ، فهي إذن خارجة عمّا نحن فيه ، وإنّما السؤال فيها عن أنّ النفقة هل تشمل الحمّام أو لا؟ وعلى تقدير أن يكون المنفق شخصاً آخر فهل تجوز المكافأة من هذه النفقة أو لا؟ وذلك مطلب آخر أجنبي عمّا نحن بصدده. هذا أوّلاً.

وثانياً : أنّ سند الرواية ضعيف جدّاً ، فإنّها وإن كانت صحيحة إلى سليمان ابن سالم ولكن الرجل بنفسه لم يوثّق في شي‌ء من كتب الرجال ، بل لم تُرو عنه رواية في شي‌ء من الكتب الأربعة ما عدا اثنتين هذه إحداهما ، فالرجل قليل الرواية ومجهول ولم يكن من المعاريف ، فلا يمكن التعويل على روايته بوجه ، ولو سلّمنا كونها تامّة الدلالة فلا مخرج إذن عمّا تقتضيه القاعدة من لزوم كون النفقة على الأجير نفسه حسبما عرفت.

(1) أي في صورة الاشتراط ، ولا بدّ وأن يكون محلّ الكلام ما إذا لم يكن الإنفاق من نفسه مبنيّاً على إسقاط الشرط ، ولا إنفاق المتبرّع بعنوان النيابة عن المستأجر ، وإلّا فلا ينبغي الشكّ في عدم استحقاق المطالبة كما لا يخفى.

وقد حكم (قدس سره) حينئذٍ بالاستحقاق ، عملاً بالشرط وما في حكمه


1) (*) الظاهر أنّه لا يستحقّها ، إذ المفروض أنّ النفقة أُخذت على وجه الشرطيّة دون الجزئيّة.

.................................................................................................


من الانصراف المستوجب لثبوت الحقّ بعد عدم اقترانه بالمسقط كما هو المفروض.

ويندفع : بعدم اقتضاء نفوذ الشرط ما عدا التكليف المحض دون الاستحقاق الوضعي بحيث تكون ذمّة المشروط عليه مشغولة للشارط ومديناً له بالنفقة لكي يطلب منه ما يملكه عليه ، كما هو الحال في سائر الشروط المذكورة في ضمن العقود ، كشرط الكتابة والخياطة ونحوهما ، فإنّها لا تستوجب شيئاً أكثر من مجرّد التكليف بوجوب الوفاء ، من غير أن يملك الشارط شيئاً في ذمّة الآخر.

فاشتراط النفقة في المقام نظير وجوب الإنفاق على الأقارب من العمودين أو الأولاد لدى غناه وفقرهم في أنّه لا يتضمّن إلّا حكماً تكليفيّاً محضاً ، غاية الأمر أنّ الوجوب هنا ثبت بسبب الشرط وجعله من المتعاقدين وهناك في أصل التشريع ، فكما لا استحقاق لمطالبة العوض هناك مع وجود الباذل ، فكذا في المقام بمناط واحد ، وهو انتفاء موضوع الإنفاق بعد افتراض وجود الباذل المتبرّع ، فلا مقتضي بعدئذٍ لبقاء الوجوب ، فلا مجال لمطالبة العوض في شي‌ء من الموردين.

نعم ، يتّجه ذلك فيما إذا كانت النفقة الواجبة مملوكة أيضاً ، كما في نفقة الزوجة ، حيث إنّها تملكها على زوجها فلها المطالبة بالعوض حتى مع وجود الباذل ، لكونه مديناً لها بما تملكه عليه.

وعلى الجملة : إنّما يجب على المستأجر الإنفاق وفاءً بشرطه ما دام الموضوع باقياً ، فإذا ارتفع لقيام شخص آخر بالنفقة فلا يحتاج الأجير إليها ، ومعه لا مقتضي لمطالبة عوضها إلّا إذا كان مالكاً للنفقة ، وقد عرفت انتفاء الملكيّة في المقام.

[3354] مسألة 25 : يجوز أن يستعمل الأجير مع عدم تعيين الأُجرة وعدم إجراء صيغة الإجارة (1) فيرجع إلى أُجرة المثل ، لكنّه مكروه ، ولا يكون حينئذٍ من الإجارة المعاطاتيّة كما قد يُتخيّل ، لأنّه يعتبر في المعاملة المعاطاتيّة اشتمالها على جميع شرائط تلك المعاملة عدا الصيغة ، والمفروض عدم تعيين الأُجرة في المقام ،


(1) الظاهر أنّ الجواب المزبور ممّا لا إشكال ولا خلاف فيه بين الفقهاء ، ولا بدّ وأن يكون كذلك ، إذ لا موجب لعدم الجواز بوجه ، فإنّ الاستعمال أي أمر شخص آخر بعمل محلّل ليس بنفسه من المحرّمات ، سواء أكان ممّا له عوض أم لا ، وسواء أكان على سبيل المجّان الراجع إلى استدعاء التبرّع أم مع بذل العوض. كما أنّ عمل الشخص الآخر أيضاً لا شبهة في جوازه بعد أن كان الناس مسلّطين على أموالهم وأعمالهم ، فله الاختيار في أن يعمل مجّاناً أو بعوض أو أن لا يعمل ، فلا مقتضي لتوهّم الحرمة في المقام أصلاً.

عدا ما ربّما يتوهّم من دلالة رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يستعملنّ أجيراً حتى يعلم ما أجره» (1).

ولكنّها محمولة على الكراهة ، لورود مثل هذا التعبير فيما لا يحتمل حرمته ، كقوله (عليه السلام) : «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» كما في صحيحة زرارة (2)، فلا يكشف هذا اللسان إلّا عن مزيد العناية وشدّة الاهتمام من غير أن يكون الوتر واجباً ، ولا الاستعمال في المقام حراماً.


1) الوسائل 19 : 105 / كتاب الإجارة ب 3 ح 2.

2) الوسائل 4 : 94 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 29 ح 1.

.................................................................................................


وممّا يرشدك إلى عدم الحرمة ولزوم حمل الرواية على الكراهة أوّلاً : ما عرفت من التسالم وعدم الخلاف ، إذ لا تأمّل في أنّ هذه من المسائل العامّة البلوى الكثيرة الدوران ، فلو كانت الحرمة في مثلها ثابتة لكانت واضحة وشائعة ذائعة ، مع أنّه لم يوجد خلاف في عدمها ولم يُنسَب القول بها إلى أيّ أحد كما سمعت.

وثانياً : معتبرة سليمان بن جعفر الجعفري ، قال : كنت مع الرضا (عليه السلام) في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي فقال لي : «انصرف معي فبت عندي الليلة» فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أواري الدواب وغير ذلك ، وإذا معهم أسود ليس منهم «فقال : ما هذا الرجل معكم؟» قالوا : يعاوننا ونعطيه شيئاً «قال : قاطعتموه على أُجرته؟» قالوا : لا ، هو يرضى منّا بما نعطيه ، فأقبل عليهم يضربهم بالسوط وغضب لذلك غضباً شديداً ، فقلت : جعلت فداك ، لِمَ تدخل على نفسك؟ «فقال : إنّي قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد (أجير. يب) حتى يقاطعوه على أُجرته ، واعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثمّ زدته لذلك الشي‌ء ثلاثة أضعاف على أُجرته إلّا ظنّ أنّك قد نقصته أُجرته ، وإذا قاطعته ثمّ أعطيته أُجرته حمدك على الوفاء ، فإن زدته حبّة عرف ذلك لك ورأى أنّك قد زدته» (1).

فإنّ الاستئجار من غير المقاطعة لو كان حراماً لم يكن وجه لتعجّب الراوي عن غضبه (عليه السلام) وسؤاله عن منشئه ، فيعلم أنّ الفعل في نفسه لم يكن محرّماً في الشريعة ، وإنّما غضب (عليه السلام) لمخالفتهم لنهيه الشخصي المبني


1) الوسائل 19 : 104 / كتاب الإجارة ب 3 ح 1. والإرية : الاخية ، وهي عروة تربط إلى وتد مدقوق وتشدّ فيها الدابّة ، وربّما قيل للمعلف المصباح المنير : 8.

بل عدم قصد الإنشاء منهما ولا فعل من المستأجر (1) ، بل يكون من باب العمل بالضمان ، نظير الإباحة بالضمان ، كما إذا أذن في أكل طعامه بضمان العوض ، ونظير التمليك بالضمان كما في


على الحكمة التي أشار (عليه السلام) إليها من تخيّل الأجير عدم دفع تمام الأُجرة مع ترك المقاطعة ولو كان دافعاً أضعافها ، وعرفانه الزيادة مع المقاطعة ولو كانت حبّة ، وهذه الحكمة ظاهرة الدلالة على الكراهة كما لا يخفى.

(1) يعني : ولا بدّ في الإجارة المعاطاتيّة من الإنشاء وصدور فعل منهما ، من أحدهما الإيجاب ومن الآخر القبول.

وتوضيح مراده (قدس سره) : أنّ المعاملة المعاوضيّة من إجارة ونحوها متقوّمة بإنشاء المعاوضة من الطرفين ، سواء أكان المبرز له لفظاً مركّباً من إيجاب وقبول أم كان فعلاً وهو المعبّر عنه بالمعاطاة.

وهذه الضابطة غير منطبقة على المقام ، إذ الصادر من الأجير ليس إلّا العمل الخارجي من خياطة ونحوها غير قاصد به أيّ شي‌ء ما عدا وقوعه للآمر ، كما أنّ المستأجر لم يصدر منه إلّا الطلب فقط ، فلم يصدر من أيّ منهما قول أو فعل يقصد به التمليك المعاوضي ، ولا شكّ أنّ مقتضى الإجارة المتحقّقة بقول أو فعل ملكيّة المستأجر للعمل ، وكذا الأجير للأُجرة قبل صدور العمل خارجاً ، فيكون كلّ منهما قد قصد التمليك وأنشأه إزاء ما ينشئه الآخر ، ويكون العمل الخارجي وفاءً بهذا الإنشاء ، ولم يتحقّق في المقام ما عدا طلب وعمل كما مرّ من غير أيّ قصد لإنشاء التمليك المعاوضي ولا إبرازه بمبرز ، ومعه كيف تتحقّق الإجارة المعاطاتيّة؟! بل الصحيح ما أفاده (قدس سره) من خروج الاستعمال المزبور عن باب

القرض على الأقوى من عدم كونه معاوضة. فهذه الأُمور عناوين مستقلّة غير المعاوضة ، والدليل عليها السيرة ، بل الأخبار أيضاً (1) ، وأمّا الكراهة فللأخبار أيضاً (2).

[3355] مسألة 26 : لو استأجر أرضاً مدّة معيّنة فغرس فيها أو زرع ما لا يدرك في تلك المدّة فبعد انقضائها للمالك أن يأمره


المعاملة والمعاوضة ، لعدم تعلّق القصد بإنشاء المعاوضة من أيّ منهما ، وإنّما هو مندرج في باب العمل بالضمان في مقابل العمل المجّان ، نظير الإباحة بعوض أو التمليك بالضمان ، كما في القرض ، حيث ذكرنا في بحث البيع (1)تبعاً للشيخ (2)في مقام الفرق بينه وبين البيع : أنّ القرض لا يتضمّن أيّ معاوضة وإنّما هو تمليك على سبيل الضمان ، أي نقل للعين إلى الذمّة على وجه يتمكّن الآخذ في مقام الأداء من ردّ نفس هذا المال ، كما هو الحال في سائر موارد الضمان ، غايته أنّ السبب هنا اختياري وهو فعل المقرض.

وكيفما كان ، فالاستعمال في المقام بمثابة القرض ، غير أنّ مورد التمليك هو العمل لا العين ، فيطلب الآمر العمل من العامل مضموناً عليه لا مجّاناً وهو يجيبه إلى ذلك. وهذا أمر عقلائي قد جرت عليه السيرة ، وليس ذاك من باب الإجارة المعاطاتيّة في شي‌ء ، وهو محكوم بالجواز وإن كان مكروهاً ، والتعبير عنه بالصحّة أيضاً لا وجه له كما لا يخفى.

(1) وهي في المقام الروايتان المتقدّمتان.

(2) كما عرفت.


1) مصباح الفقاهة 2 : 69.

2) المكاسب 3 : 15.

بقلعها (1) ، بل وكذا لو استأجر لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع ، وليس له الإبقاء ولو مع الأُجرة ولا مطالبة الأرش مع القلع ، لأنّ التقصير من قبله. نعم ، لو استأجرها مدّة يبلغ الزرع فاتّفق التأخير لتغيّر الهواء أو غيره أمكن أن يقال (1)بوجوب الصبر على المالك مع الأُجرة ، للزوم الضرر ، إلّا أن يكون موجباً لتضرّر المالك.


(1) فصّل (قدس سره) فيمن غرس أو زرع في أرض مستأجرة لخصوص هذه المنفعة أو للأعمّ بين ما لا يدرك ولا يبلغ الحاصل في المدّة المقرّرة في الإجارة ، وبين ما يدرك عادةً ، وإنّما حصل التأخير من باب الاتّفاق لاشتداد البرد أو انقطاع المطر ونحو ذلك من الآفات والعوارض.

فحكم (قدس سره) في الأوّل بجواز القلع للمالك بعد انتهاء المدّة ولا أرش عليه ، ولا يحقّ للمستأجر إجباره على الإبقاء ولو مع الأُجرة ، لأنّه باختياره فرّط فكان التقصير مستنداً إليه.

وهذا بخلاف الثاني ، فيجب فيه الصبر ، ولا يسوغ القلع ، لأنّه ضرر لم يقدم عليه المستأجر ، غايته أخذ الأُجرة عليه رعايةً لاحترام المال ، إلّا إذا تضرّر المالك أيضاً بالصبر ، فيتعارض الضرران ، ولا مانع حينئذٍ من القلع من دون أن يضمن الأرش.

وملخّص ما أفاده (قدس سره) في الفرق بين المسألتين : أنّ مقتضى قاعدة لا ضرر عدم جواز إلزام الغارس أو الزارع بالقلع إلّا في صورتين :

إحداهما : أن يكون الإقدام على الضرر من قبل الغارس نفسه ، فإنّ مثله


1) (*) ولكنّه بعيد.

.................................................................................................


غير مشمول لحديث نفي الضرر.

ثانيتهما : أن يكون الضرر المزبور مزاحماً بتضرّر المالك ، فعورض ضرر القلع بضرر الصبر ، وبعد تعارض الضررين من غير ترجيح في البين المانع حينئذٍ من التمسّك بالقاعدة يرجع إلى قاعدة السلطنة التي مفادها جواز إلزام الغارس بالتخلية.

أقول : تفصيل الكلام على نحوٍ تتّضح صور الضرر في المقام يستدعي التكلّم في جهات :

الاولى : لا ينبغي التأمّل في أنّه لا يسوغ لأحد أن يكون في مقام الإضرار بالغير وبصدد ورود النقص عليه ، ولعلّ هذا يستفاد من عدّة أخبار مضافاً إلى عدم الخلاف فيه :

منها قوله (عليه السلام) : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ، فإنّ «ضرار» مصدر باب المفاعلة كقتال ، وهذا الباب يدلّ على الأظهر على قيام الشخص مقام إيجاد المادّة في الخارج سواء أوجدت أم لا ، فإنّ معنى قولك : قاتلت زيداً أو كاتبته ، أنّك تصدّيت لقتله أو الكتابة إليه ، وقمت في هذا المقام سواء أوقع القتل أو وصل الكتاب إليه خارجاً أم لا.

ويستفاد هذا بوضوح من قوله تعالى ( يُخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ ) (1)إلخ ، فإنّ المخادعة معناها : القيام مع الغير مقام الخديعة ، وأمّا أنّها هل تقع خارجاً أو لا؟ فهو أمر آخر ، ومن ثمّ قال تعالى ( وَما يَخْدَعُونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ ) .

وعلى هذا فلا تكرار في قوله (عليه السلام) : «لا ضرر ولا ضرار» ، فإنّ


1) البقرة 2 : 9.

.................................................................................................


المراد بالثاني كما يفصح عنه مورد الحديث أعني : قصّة سمرة الذي أراد الإضرار بالأنصاري عدم جواز القيام مقام إضرار الغير الذي هو غير نفي الضرر كما لا يخفى.

الجهة الثانية : من يعمل عملاً يترتّب عليه ضرر الغير قهراً ومن دون قصد الإضرار به يتصوّر على قسمين :

أحدهما : أن يكون ذلك الضرر تلفاً في عين ماله أو في وصفه أو كيفيّته المستوجب طبعاً نقصاً في ماليّته ، كما لو ترتّب على حفر البئر أو البالوعة تضرّر الجار من نقص ماء بئره أو رطوبة سردابه ونحو ذلك.

وهذا أيضاً غير جائز ، لا لدليل نفي الضرر ، بل لدلالة النصوص الخاصّة ، التي منها المعتبرة الواردة فيمن جعل رحاه على نهر غيره بإذنه ، وبعدئذٍ أراد صاحب النهر تغيير مسيره الموجب طبعاً لسقوط الرحى عن حيّز الانتفاع ، فمنعه (عليه السلام) عن ذلك (1).

وما ورد في العيون والآبار من عدم جواز الحفر أخفض ممّا للجار بحيث يستوجب نقصان الماء أو نضوبه.

والظاهر عدم الفرق في المنع بين ما لو تضرّر من عدم الحفر أو لا ، إذ ليس مستنده حديث نفي الضرر ليدّعى تعارض الضررين ، بل المستند النصوص الشامل إطلاقها لكلتا الصورتين.

وربّما يتوهّم شمول الحديث للمقام ، نظراً إلى أنّ الإضرار بالجار وإن كان محرّماً في نفسه لكن الحرمة لمّا كانت ضرريّة فهي مرفوعة بالحديث.

وفيه ما لا يخفى ، لوضوح ورود الحديث في مقام الامتنان ، فلا يشمل ما إذا


1) الوسائل 25 : 431 / كتاب إحياء الموات ب 15 ح 1.

.................................................................................................


استلزم نفي الضرر عن أحدٍ إيراد الضرر على شخص آخر.

وبالجملة : لا مسرح لحديث لا ضرر في المقام ، ومقتضى إطلاق النصوص الخاصّة قصر السلطنة وعدم جواز التصرّف في ماله متى ما ترتّب عليه تضرّر الغير ، فلو تصرّف وترتّب الضرر كان ضامناً لما أتلف.

ثانيهما : أن يترتّب الضرر من غير أن يستوجب تلفاً في عين ماله أو نقصاً في وصفه أو كيفيّته ، كمن استورد مالاً للاتّجار أو بنى داراً للإيجار أو طبع كتاباً ففعل غيره مثله لا بقصد الإضرار وإن تضرّر من فعله بطبيعة الحال.

وهذا النوع من الإضرار لا دليل على حرمته ، فإنّ الروايات المشار إليها قاصرة الشمول له ، لاختصاص مواردها بالضرر المتضمّن لإيراد تلف أو نقص في العين ، فهي منصرفة عن الضرر من جهة أُخرى بلا نقص في نفس العين أصلاً كما لا يخفى ، ولا دليل آخر على حرمته.

الجهة الثالثة : مقتضى إطلاق حديث لا ضرر الحاكم على الأدلّة الأوّلية والموجب لاختصاصها بموارد عدم الضرر عدمُ الفرق بين الضرر الحاصل من باب الاتّفاق وبين ما لو كان المكلّف بنفسه هو السبب في تحقّقه ، كما لو شرب دواءً أو خرج باختياره إلى مكان بارد جدّاً بحيث يمرض لو توضّأ حينئذٍ أو اغتسل ، فإنّه لا سبيل إلى إلزامه بالطهارة المائيّة بزعم أنّه هو الذي أوقع نفسه في الضرر ، وإن ورد به نصّ في الغسل وأنّه إذا أجنب نفسه يغتسل وإن ترتّب عليه ما ترتّب.

وعلى الجملة : فأيّ حكم إلزامي تضمّن امتثاله الضرر ولو كان المكلّف هو السبب في ترتّبه فهو مرفوع في الشريعة المقدّسة بمقتضى إطلاق الحديث ، الذي هو كدليل نفي الحرج ناظرٌ إلى الأحكام التكليفيّة وحاكم عليها وموجب لارتفاع تلك الأحكام إذا ترتّب على امتثالها ضرر أو حرج.

.................................................................................................


الجهة الرابعة : بعد ما عرفت كبرى أقسام الضرر وأحكامها فاعلم أنّ مفاد دليل نفي الضرر نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر حسبما عرفت ، لا تشريع حكم يتدارك به الضرر الموجود أو المتوقّع حصوله ، كما في خيار الغبن ، حيث استند جماعة في ثبوته إلى دليل نفي الضرر بدعوى أنّ لزوم العقد ضرري فيرتفع بالحديث ويلزمه ثبوت الخيار ، وهو كما ترى ، لعدم نشوء الضرر من اللزوم ، وإنّما حصل بنفس العقد الذي أقدم إليه المغبون وأمضاه الشارع ، فإنّ الضرر هو النقص في المال وقد تحقّق بنفس افتراض صحّة العقد قبل أن يحكم عليه باللزوم ، غاية الأمر أنّ للشارع تدارك هذا الضرر وجبر الخسران بجعل الخيار ، وقد عرفت أنّ حديث لا ضرر لا ينهض لتدارك الضرر المفروض ، بل مفاده نفي حكم ينشأ منه الضرر لا غير.

والمقام من هذا القبيل ، فإنّا إذا فرضنا أنّ المدّة كانت وافية وحصل التأخير من باب الاتّفاق فضلاً عمّا إذا لم تكن وافية من الأوّل ، فبعد انقضاء المدّة كان الغرس أو الزرع في معرض القلع ، فالمستأجر متضرّر وقتئذٍ لا محالة ، غير أنّ هذا الضرر قابل للتدارك بإلزام المالك بالصبر ، لولا أنّ الحديث ناظر إلى نفي الضرر لا إلى تدارك الضرر الموجود كما عرفت ، فلا يجب على المالك إمهال المستأجر ، لعدم الدليل عليه.

وربّما يتوهّم عدم كون المقام من باب التدارك ، بل هو من قبيل نفي الحكم الضرري ، نظراً إلى أنّ إبقاء المستأجر غرسه أو زرعه في أرض الغير بغير إذنه محرّم ، وحيث إنّ هذه الحرمة من أجل ترتّب الفساد على القلع ضرريّة فهي مرفوعة بحديث نفي الضرر ، فالصبر وإن لم يجب على المالك لما ذكر من عدم لزوم التدارك إلّا أنّ المستأجر لو تمكّن من إجبار المالك على الإبقاء ساغ له ذلك شرعاً ، لعدم حرمة التصرّف في ملك الغير في حقّه بمقتضى الحديث.

.................................................................................................


ويندفع : بأنّ مفاد الحديث قاعدة امتنانيّة ، ولا شكّ أنّ الإبقاء المزبور منافٍ لسلطنة المالك ولا سيّما لو تضرّر بذلك ، فهو مخالف للامتنان بالإضافة إليه ، ومعه لا سبيل للتمسّك بالحديث لتجويز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، سواء أتضرّر ذلك الغير أم لا ، ومع الضرر أوضح ، ولو صحّ ذلك لساغ التصرّف في غير مورد الإيجار أيضاً بمناطٍ واحد ، فلو فرضنا أنّ له بذراً لو لم يزرعه في أرض الغير يتلف أو أنّ له مالاً لو لم يضعه في دار الغير يسرق ، فهل ترى جواز التصرّف حينئذٍ في ملك الغير بغير إذنه استناداً إلى دليل لا ضرر وإن تضمّن خلاف الامتنان بالإضافة إلى الآخر؟! والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : عدم جواز الإبقاء من غير رضا المالك وعدم وجوب الصبر عليه وإن احتمله في المتن. ولكنّه بعيد جدّاً ، بل لا بدّ من الاستئذان من المالك ، فإن رضي مجّاناً أو مع الأُجرة فهو ، وإلّا وجب القلع وإن تضرّر.

هذا فيما إذا كانت المدّة وافية.

وأمّا إذا لم تكن وافية من الأوّل فبطريقٍ أولى كما لا يخفى.

فصل في التنازع

[3356] مسألة 1 : إذا تنازعا في أصل الإجارة قُدّم قول منكرها مع اليمين (1)(1) ، فإن كان هو المالك استحقّ اجرة المثل دون ما يقوله المدّعى ، ولو زاد عنها لم يستحقّ تلك الزيادة وإن وجب على المدّعى المتصرّف إيصالها إليه ، وإن كان المنكر هو المتصرّف فكذلك لم يستحقّ المالك إلّا اجرة المثل ، ولكن لو زادت عمّا يدّعيه من المسمّى لم يستحقّ الزيادة ، لاعترافه بعدم استحقاقها ، ويجب على المتصرّف (2)إيصالها إليه. هذا إذا كان النزاع بعد استيفاء المنفعة. وإن كان قبله رجع كلّ مال إلى صاحبه.


(1) قد يفرض ذلك قبل استيفاء المنفعة ، وحكمه حينئذٍ ظاهر ، فإنّه إن كانت للمدّعي سواء أكان هو المالك أم المستأجر بيّنة قُدّم قوله ، وإلّا حلف المنكر بقانون : أنّ البيّنة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه ، فيرجع كلّ مال


1) (*) هذا فيما إذا ادّعى المالك الإجارة بأكثر من اجرة المثل أو ادّعى المتصرّف الإجارة بأقلّ منها ، وأمّا إذا انعكس الأمر فهو من تعارض الإقرارين ولا مقتضي فيه لتوجّه اليمين على المالك أو المتصرّف.

2) (**) إذا علم بصحّة دعواه لا لمجرّد إقراره.

.................................................................................................


إلى صاحبه فكانت المنفعة للمالك والأُجرة للمستأجر.

واخرى : يفرض بعد الاستيفاء ، فيدّعي أحدهما تحقّق الإجارة واستقرار الأُجرة المسمّاة ، وينكرها الآخر وأنّ عليه اجرة المثل.

وحينئذٍ فقد يكون المدّعى هو المالك ، وأُخرى هو المتصرّف ، وعلى التقديرين فقد ذكر في المتن : أنّ القول قول منكر الإجارة مع اليمين ، فلا يستحقّ المالك إلّا اجرة المثل ، ولكنّه لا يستقيم على إطلاقه.

وتوضيحه :

أمّا في الصورة الأُولى : فإنّما يتّجه ما ذكره (قدس سره) فيما إذا ادّعى المالك أُجرة زائدة على اجرة المثل ، كما إذا كانت مائة ، والمالك يدّعي المائتين ، فإنّ هذه الزيادة التي ينكرها الآخر تحتاج إلى الإثبات ، فإذا لم تثبت كما هو المفروض سقطت الدعوى ، فلا يستحقّ إلّا ما يعترف به المنكر من كونه مأذوناً في التصرّف مع الضمان المنطبق على اجرة المثل.

وأمّا إذا ادّعى أُجرة أقلّ منها ، كخمسين ديناراً في المثال المزبور وإن كان الفرض نادراً جدّاً ، فلا يتمّ ما أفاده (قدس سره) من يمين المنكر في هذه الصورة ، ضرورة أنّ المنكر وهو المتصرّف لا يدّعي عليه المالك شيئاً حتى يحتاج في ردّه وإسقاطه إلى اليمين ، كيف؟! وهو معترف بما يدّعيه المالك وزيادة ، فإذن يحلف على أيّ شي‌ء؟! ولا يمين إلّا لإسقاط حقّ أو مال يدّعى عليه.

وبالجملة : لم يتحصّل معنى للحلف على عدم الإجارة في هذه الصورة ، بل الصحيح خروجها عن باب المدّعى والمنكر رأساً ، فإنّ المدّعى على ما سيجي‌ء تفسيره ببيان أوسع هو من يلزم غيره بحقّ أو مال أو غيرهما كالزوجيّة مثلاً بحيث يكون هو المسئول عن إتيانه والمطالب ببرهانه ، أو من يعترف بحقّ أو مال لغيره عليه ولكنّه يدّعي الأداء والوفاء والخروج عن عهدته وفراغ

.................................................................................................


ذمّته عنه ، وهو أيضاً لا بدّ له من الإثبات تجاه المنكر لذلك.

وهذا الضابط كما ترى غير منطبق على المقام بوجه ، إذ بعد اعتراف المتصرّف بأنّ عليه شيئاً أكثر ممّا يقوله المالك وهو بصدد الخروج عن عهدته فكيف يصحّ إطلاق المدّعى على أحدهما والمنكر على الآخر؟! بل أنّ مرجع التنازع وقتئذٍ إلى اعترافين متضادّين ، فيعترف المالك بعدم استحقاقه على المتصرّف أزيد من الخمسين ، ويعارضه اعتراف المتصرّف باستحقاق المالك عليه تمام المائة ، فكلّ منهما يعترف على نفسه شيئاً ، لا أنّه يدّعي على الآخر شيئاً ليحتاج إلى الإثبات ويكون من باب التداعي ويطالبا ببيّنة أو يمين ، فهذا خارج عن مورد الدعوى وداخل في عنوان الاعتراف ، وفي مثله ليس لأيّ منهما الأخذ بما يعترف به الآخر ، لمنافاته لاعتراف نفسه ، كما ليس للحاكم الشرعي تنفيذ أيّ من الاعترافين بعد ابتلائه بالمعارض.

نعم ، لو علم المتصرّف بخطإ المالك أو كذبه وأنّ ذمّته مشغولة بالزائد لزمه العمل بمقتضى علمه ، إذ لا أثر لاعتراف المالك في سقوط ما يقطع باستحقاقه ، كما لو علم بأنّه مدين لزيد بكذا وزيد يعترف أنّه لا دين له عليه ، فإنّ ذلك لا يستوجب سقوط الدين فيجب عليه الإيصال كيفما اتّفق.

فما ذكره في المتن من وجوب إيصال الزيادة صحيح ، لكن لا (1)لإقراره كما هو ظاهر كلامه (قدس سره) ، لمعارضته بإقرار آخر كما عرفت وتساقطهما ، بل لعلمه بالاشتغال من غير مسقط وحكم العقل بلزوم الخروج عنه.

وكيفما كان ، فما أفاده (قدس سره) من إجراء أحكام الدعوى هنا ووصول النوبة إلى اليمين والحلف لا أساس له من الصحّة.


1) التعليل في المتن بالاعتراف راجع إلى عدم استحقاق المالك للزيادة لا إلى وجوب الإيصال على المتصرّف.

[3357] مسألة 2 : لو اتّفقا على أنّه إذن للمتصرّف في استيفاء المنفعة ولكن المالك يدّعي أنّه على وجه الإجارة بكذا أو الإذن بالضمان والمتصرّف يدّعي أنّه على وجه العارية (1) ، ففي تقديم أيّهما وجهان بل قولان : من أصالة البراءة بعد فرض كون التصرّف جائزاً ، ومن أصالة احترام مال المسلم الذي لا يحلّ إلّا بالإباحة والأصل عدمها فتثبت اجرة المثل بعد التحالف ، ولا يبعد ترجيح الثاني (1)، وجواز التصرّف أعمّ من الإباحة.


ومن ذلك كلّه يظهر حكم عكس المسألة. أعني :

الصورة الثانية : وهي ما إذا كان الدّعي هو المتصرّف ، فإنّ ما أفاده في المتن من تقديم قول المنكر بيمينه إنّما يتّجه فيما إذا تعلّقت الدعوى بالإجارة بالأقلّ من اجرة المثل كما هو الغالب ، فادّعى الإجارة بالخمسين وأُجرة المثل مائة مثلاً لا فيما إذا تعلّقت بالأكثر كالمائتين ، فإنّه يجري فيه الكلام المتقدّم بعينه من عدم كونه من موارد الدعوى ، بل من باب تعارض الاعترافين ، فلاحظ.

(1) قد يفرض هنا أيضاً كالمسألة السابقة أن مدّعي الإجارة هو المالك ، وأُخرى أنّه المتصرّف ، والكلام فعلاً في الفرض الأوّل مع تحقّق الاستيفاء خارجاً.

والمحتملات في المسألة على ما ذكروها ثلاثة :

أحدها : أنّ مدّعي الإجارة هو المدّعى وعليه الإثبات ، وبدونه يتوجّه


1) (*) والأظهر هو ترجيح الأوّل ، وذلك لعدم الموجب للضمان إلّا أحد أمرين ، الأوّل : الاستيلاء على مال الغير بدون إذنه. الثاني : الالتزام بالضمان العقدي. والأوّل في المقام مفروض الانتفاء ، والثاني لم يثبت.

.................................................................................................


اليمين إلى الطرف الآخر ، لأنّه ينفي اشتغال ذمّته بالأُجرة ، والأصل هو البراءة.

ثانيها : عكس ذلك وأنّ مدّعي العارية هو المكلّف بالإثبات ، والطرف الآخر منكر ليس عليه إلّا اليمين.

ثالثها : ما هو ظاهر عبارة المتن ونُسب إلى غيره أيضاً من أنّهما يتحالفان باعتبار أنّ المقام من موارد التداعي ، لأنّ كلّاً منهما يدّعي شيئاً من الإجارة أو العارية وينكره الآخر.

هذا ، ولم يرد فيما عثرنا عليه من روايات باب القضاء صحيحها وسقيمها من تفسير المدّعى والمنكر عين ولا أثر ، وإنّما الوارد فيها التعرّض لأحكامهما من كون البيّنة على المدّعى واليمين على المنكر ، أو على المدّعى عليه ، على اختلاف التعابير ، ونحو ذلك ، معرضاً عن تحقيق المراد من نفس الموضوع.

ومن ثمّ اختلفت كلماتهم في تفسير هاتين الكلمتين ، فقيل في معناهما أُمور من أنّ المدّعى مَن لو تَرك تُرك ، أو من خالف قوله الأصل أو الظاهر ، وغير ذلك من الوجوه التي لا يمكن التعويل على شي‌ء منها بعد عدم كونها بيّنة ولا مبيّنة ، بل المرجع في تشخيص الموضوع كما في سائر المقامات هو العرف وبناء العقلاء ، فكلّ من يدّعي شيئاً ويكون في اعتبار العقلاء هو الملزم بإثباته ومطالباً بدليله وبرهانه فهو المدّعى ، ويقابله المنكر غير المكلّف بإقامة الدليل ، وطريقة الإثبات هي ما ذكر في الأخبار من قوله (عليه السلام) : «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات» (1)فيطالب المدّعى بالبيّنة ، ومع العدم يكلّف المنكر باليمين ، سواء ادّعى شيئاً أم لا ، فإنّه غير ملزم بإثبات دعواه ، بل يكفيه نفي الدعوى القائمة عليه.


1) الوسائل 27 : 232 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 2 ح 1.

.................................................................................................


وهذه الدعوى التي يطالَب المدّعى بإثباتها تتحقّق في أحد موردين :

أحدهما : من يلزم غيره بحقّ أو مال أو شبه ذلك من زوجيّة أو شرط ضمن عقد أو دين أو نحوها ، فإنّ العقلاء يرون أنّ المدّعى لهذه الأُمور هو المسئول عن الدليل وعهدة إثباتها عليه ، دون الطرف الآخر المنكر لها ، فإنّه غير ملزم بشي‌ء فلا يطالب من يدّعى عليه الدين بإثبات عدم الاستدانة ، بل يطالب المدّعى بإثبات أصل الدين.

ثانيهما : دعوى من يعترف بالحقّ بأدائه والخروج عن عهدته وفراغ ذمّته عنه ، فإنّ العقلاء يلزمون هذا المعترف بإقامة الدليل لإثبات الأداء الذي ينكره خصمه ويرونه هو المدّعى في هذا النزاع وإن كان الضابط الذي ذكروه لتشخيصه من أنّه من لو تَرك تُرك منطبقاً على خصمه ، إذ لا أساس لهذه الضابطة ، ولا شكّ أنّ العقلاء لا يطالبون الخصم بالدليل وإنّما يطلبونه من المعترف فحسب كما عرفت.

فهذا هو الميزان والضابط العامّ لتشخيص المدّعى من المنكر ، وبقيّة ما ذكر من الوجوه لا أساس لها ، فأيّ من المتخاصمين طولب بإقامة الدليل وكان هو الملزم بالإثبات دون الطرف الآخر كان هو المدّعى وكان الآخر منكراً.

ومنه تعرف أنّه لو كان كلّ من الطرفين ملزماً بالإثبات لعدم ترجيح في البين ، كما لو ادّعى كلّ منهما مالاً تحت يد ثالث يعترف أنّه أمانة لم يعلم صاحبها ، خرج ذلك عن باب المدّعى والمنكر واندرج في باب التداعي ، فإن أقام أحدهما بيّنة وإلّا تحالفا.

فالتحالف من أحكام التداعي وإلزام كلّ منهما بالإثبات.

وأمّا لو أُلزم أحدهما فقط دون الآخر فلا معنى للتحالف.

ومن هنا يظهر أنّه لا موقع للتحالف في محلّ الكلام ، فإنّ مدّعي العارية

.................................................................................................


لا يدّعي على المالك شيئاً وإنّما يدفع الأُجرة التي يدّعيها المالك عن نفسه ، فلا تداعي لينتهي الأمر إلى التحالف ، بل هي دعوى واحدة من جانب المالك وهو الملزم بإثباتها ، ولا حلف إلّا على الآخر.

وإذا عرفت ما ذكرناه فتفصيل الكلام في المقام : أنّ المدّعى للإجارة قد يكون هو المالك ، وأُخرى هو المتصرّف ، وعلى التقديرين فقد تكون الدعوى قبل استيفاء المنفعة ، وأُخرى بعدها ، ولو كانت في الأثناء فيجري بالنسبة إلى ما مضى حكم ما بعد الاستيفاء وبالإضافة إلى ما بقي حكم ما قبله.

فإن كانت قبل الاستيفاء وكان المدّعى هو المالك فعليه الإثبات ، لأنّه يلزم المتصرّف بشي‌ء هو ينكره وهو الأُجرة ، فإذا لم يثبت ولم يرض بالبقاء على سبيل العارية استردّ ماله ولم يستحقّ على القابض شيئاً.

وهكذا الحال لو كان المدّعى هو المتصرّف ، حيث إنّه يدّعي ملكيّة المنفعة بالإجارة والمالك ينكرها ، فإذا لم تثبت استردّ ماله. وهذا واضح.

وأمّا إذا كانت بعد الاستيفاء : فإن كان المدّعى هو المتصرّف خرج ذلك عن باب الدعوى واندرج في باب تعارض الإقرارين ، إذ لا يدّعي أيّ منهما حينئذٍ شيئاً على الآخر ، بل يعترف كلّ منهما بشي‌ء على نفسه ، فيعترف المتصرّف باشتغال ذمّته بالأُجرة ، كما يعترف المالك بأنّه لا يستحقّ على المتصرّف شيئاً ، وقد مرّ حكم التعارض المزبور قريباً ، فلاحظ (1).

وإن كان هو المالك كما هو الغالب فيدّعي اجرة على المتصرّف ، وهو يدّعي أنّه سكن الدار عارية ، فلا شي‌ء عليه.

ففي مثله بعد ما عرفت أنّه لا موقع للتحالف كما تقدّم فهل المدّعى من يدّعي


1) في ص 424.

.................................................................................................


الإجارة وهو المالك ولا بدّ له من الإثبات وإلّا فالقول قول مدّعي العارية ، أو أنّ الأمر بالعكس والملزم بالإثبات إنّما هو مدّعي العارية؟

فيه خلاف ، وقد اختار الماتن بعد ما ذكر التخالف أنّ مدّعي العارية هو الملزم بالإثبات ، نظراً إلى قاعدة احترام مال المسلم ، فإنّها تستوجب ضمان المتصرّف المستوفي للمنفعة ما لم تثبت المجّانيّة.

ويندفع بأنّ الضمان بالاستيفاء أو التلف ينحصر موجبه في أحد أمرين :

إمّا اليد والاستيلاء على مال الغير الذي هو معنى الأخذ في قوله : «على اليد ما أخذت» إلخ ، وقد استقرّت عليه السيرة العقلائيّة مشروطاً بعدم الإذن ، كما يفصح عنه التعبير بالأخذ المشروب فيه القهر والغلبة والاستيلاء من غير إذن.

أو الالتزام العقدي من إجارة أو غيرها ، حيث يلزم الطرف الآخر أن يكون الضمان من كيسه ، وهو معنى قولهم ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

ولا شكّ أنّ الأوّل غير محتمل في المقام بعد فرض صدور الإذن من المالك جزماً ، سواء أكان مع العوض أم بدونه ، فالضمان باليد مقطوع العدم.

وأمّا الضمان بالعقد الذي يدّعيه المالك فغير ثابت على الفرض وهو الملزم بإثباته.

وبالجملة : فالمالك يدّعي الضمان بالعقد لا باليد ولا بدّ له من إثبات ذلك.

وأمّا قاعدة الاحترام فإن قلنا باختصاصها بالحكم التكليفي وأنّ مفادها مجرّد عدم جواز التصرّف في مال المسلم بغير إذنه ، فعدم ثبوت الضمان بها حينئذٍ واضح.

وإن عمّمناها للحكم الوضعي بحيث شملت الضمان فهو أيضاً مقيّد بعدم الإذن ، ضرورة عدم اقتضاء احترام المال ضمانه في صورة الإذن ، والمفروض أنّ التصرّف في المقام كان بإذن من المالك وإجازته ، سواء أكان على سبيل الإجارة

[3358] مسألة 3 : إذا تنازعا في قدر المستأجر عليه قُدّم قول مدّعي الأقلّ (1).


أو العارية ، فلم يكن منافياً لاحترام ماله ليستوجب الضمان ، غايته أنّ المالك يدّعي اشتغال الذمّة بالأُجرة ، وهذا أمر آخر يحتاج إلى الإثبات.

فتحصّل : أنّ الأظهر عدم موجب للضمان وأنّه يقدّم قول مدّعي العارية بيمينه ما لم تثبت الإجارة بطريق شرعي.

(1) هذا على نحوين :

إذ قد يكون مدّعي الأقلّ هو المستأجر وإن كان الفرض نادراً كأن يقول : استأجرت نصف الدار بدينار ، وقال المؤجر : بل آجرتك تمام الدار بدينار ، وهذا من تعارض الاعترافين وليس من باب المدّعى والمنكر ، وقد تقدّم حكمه (1).

وقد يكون مدّعيه هو المؤجر كما هو الغالب فيطالب المستأجر منفعة زائدة على ما يعترف به المؤجر ، فإنّ عليه الإثبات ، وبدونه يُقدَّم قول مدّعي الأقلّ المنكر للزيادة.

هذا ، ونسب إلى بعضهم التحالف ، نظراً إلى أنّ الإجارة أمر وجودي يدّعي كلّ منهما تحقّقها ضمن حدٍّ معيّن وفي كمّيّة خاصّة ، فيندرج في باب التداعي المحكوم بالتحالف.

وفيه ما لا يخفى ، لاتّفاقهما على ملكيّة المؤجر للأُجرة ، وملكيّة المستأجر للمقدار الأقلّ من المنفعة أو العمل ، وإنّما الخلاف في ملكيّته للزائد على هذا المقدار فيدّعيها المستأجر وينكرها المؤجر ، فالإلزام ليس إلّا من طرف واحد ،


1) في ص 423 - 424.

[3359] مسألة 4 : إذا تنازعا في ردّ العين المستأجرة (1) قُدّم قول المالك.

[3360] مسألة 5 : إذا ادّعى الصائغ أو الملّاح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدٍّ ولا تفريط وأنكر المالك التلف أو ادّعى التفريط أو التعدّي قُدّم قولهم مع اليمين (1)على الأقوى (2).


ومعه لا موقع لعدّه من باب التداعي لينتهي إلى التحالف ، ومن البيّن أنّ الدعوى لا بدّ وأن تتضمّن أثراً وبدونه لا معنى لجعله مدّعياً ، وأثر الدعوى في المقام ملكيّة المنفعة الزائدة التي ينكرها الخصم ، ولا أثر للدعوى من الجانب الآخر.

(1) فمن هو المدّعى منهما والمنكر؟

الظاهر أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ مدّعي الردّ هو الذي يُلزَم بالإثبات ، لاعترافه بأنّ مال الغير كان عنده وكان عليه الردّ ، فيدّعي فراغ ذمّته عمّا كانت مشغولة به من ردّ العين ، إذن فعليه الإثبات ، وبدونه قُدّم قول المالك المنكر للردّ.

نعم ، وقع الخلاف في باب الوديعة في أنّ الودعي لو ادّعى الردّ وأنكره المستودع فمن المقدّم قوله منهما؟ وقد ذهب جماعة إلى تقديم قول الودعي بالإجماع ، ولكنّه لم يثبت بل الحال فيه كالمقام في الحاجة إلى الإثبات ، وعلى تقدير التسليم فالتعدّي عن مورد الإجماع على فرض تحقّقه إلى ما نحن فيه لا دليل عليه.

(2) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ العين التي تُدفَع إلى الأجير ليعمل فيها من خياطة أو قصارة أو صياغة ونحوها أمانة عنده ، فلو تلفت تحت يده من غير تفريط أو تعدٍّ لا ضمان عليه ، كما دلّت عليه جملة من الروايات الناطقة بأنّه مؤتمن ولا ضمان على الأمين.


1) (*) هذا فيما إذا يكونوا متهمين ، وإلّا فالقول قول المالك وهم مطالبون بالإثبات شرعاً.

.................................................................................................


كما لا خلاف ولا إشكال في ضمانه مع التعدّي أو التفريط ، لانقلاب يده وقتئذٍ عن الائتمان إلى العدوان.

وإنّما الكلام فيما إذا لم يعلم بالحال فادّعى العامل التلف من غير تعدٍّ وأنكر المالك إمّا أصل التلف أو الاستناد إلى عدم التعدّي فوقع بينهما التنازع والترافع ، فأيّ منهما مكلّف بإقامة البيّنة؟

نُسِب إلى المشهور بل ادّعي عليه الإجماع : أنّ المكلّف بها هو المالك المدّعى للضمان ، وليس على العامل إلّا اليمين.

كما نُسِب إلى المشهور خلافه أيضاً وأنّ البيّنة تُطلَب من العامل ، والناسب هو الشهيد الثاني في المسالك (1)، ولكن في ثبوت الشهرة إشكالاً. وعلى كلّ حال ، فلا شكّ أنّ كلّاً من الاحتمالين له قائل قلّ أو كثر والمتّبع هو الدليل.

فنقول : لو كنّا نحن والروايات العامّة ولم ترد في المقام رواية خاصّة لم يكن شكّ في أنّ المكلّف بالإثبات إنّما هو المالك ، إذ بعد فرض اتّصاف يد العامل بالأمانة بمقتضى تلك الروايات فانقلابها إلى اليد العادية يحتاج إلى الإثبات ، وإلّا فالعامل أمين وليس عليه إلّا اليمين ، فمقتضى القاعدة مطالبة المالك بالبيّنة.

وأمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة فهي على طوائف ثلاث :

إحداها : ما دلّ على ضمان العامل مطلقاً ، أي بلا فرق بين المتّهم وغيره ، وبطبيعة الحال يجب عليه الإثبات لدفع الضمان عن نفسه ، وهي عدّة روايات وأكثرها معتبرة.

الثانية : ما دلّ على عدم الضمان مطلقاً.

الثالثة : ما تضمّن التفصيل بين المتّهم وغيره بضمان الأوّل دون الثاني.


1) المسالك 5 : 233 - 234.

.................................................................................................


وبما أنّ نسبة الأخيرة إلى كلّ من الأُوليين المتباينتين تماماً نسبة الخاصّ إلى العامّ فتخصّص هي كلّاً منهما وتصلح أن تكون شاهدة جمع بينهما ، فتُحمَل الاولى على مورد الاتّهام ، والثانية على مورد الوثوق والائتمان ، وتكون نتيجة الجمع ضمان العامل إذا كان متّهماً ، وعدم ضمانه فيما إذا كان مأموناً.

ولنذكر من كلّ من الطوائف الثلاث نبذاً من الأخبار.

فمن الطائفة الأُولى :

1 - صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال في الغسّال والصبّاغ : «ما سرق منهم من شي‌ء فلم يخرج منه على أمر بين أنّه قد سرق وكلّ قليل له أو كثير فإن فعل فليس عليه شي‌ء ، وإن لم يقم البيّنة وزعم أنّه قد ذهب الذي ادّعى عليه فقد ضمنه إذ لم تكن له بيّنة على قوله» (1).

2 - وصحيحة أبي بصير بطريقي الشيخ والصدوق عن ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أنّه سرق من بين متاعه «قال : فعليه أن يقيم البيّنة أنّه سرق من بين متاعه وليس عليه شي‌ء ، فإن سرق متاعه كلّه فليس عليه شي‌ء» (2).

3 - ومعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن الصبّاغ والقصّار والصائغ احتياطاً على أمتعة الناس» (3).

4 - وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سُئل عن رجل جمال استكرى منه إبلاً (إبل. خ ل) وبعث معه بزيت إلى أرض فزعم أنّ بعض


1) الوسائل 19 : 141 / كتاب الإجارة ب 29 ح 2.

2) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 5 ، الفقيه 3 : 162 / 712 ، التهذيب 7 : 218 / 953.

3) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 6.

.................................................................................................


زقاق الزيت انخرق فأهراق ما فيه «فقال : إن شاء أخذ الزيت ، وقال : إنّه انخرق ولكنّه لا يصدّق إلّا ببيّنة عادلة» (1).

5 - وصحيحته الثانية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل حمل مع رجل في سفينته طعاماً فنقص «قال : هو ضامن» إلخ (2)، ونحوها غيرها.

ومن الطائفة الثانية :

1 - معتبرة يونس ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن القصّار والصائغ أيضمنون؟ «قال : لا يصلح إلّا أن يضمنوا» إلخ (3).

وفي سندها إسماعيل بن مرار ، وهو ثقة على الأصحّ ، لوجوده في تفسير علي ابن إبراهيم ، وقد دلّت على عدم تضمين العامل إلّا أن يشترط عليه الضمان في العقد.

2 - وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصبّاغ والقصّار «فقال : ليس يضمنان» (4).

ومن الطائفة الثالثة :

1 - صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضمن القصّار والصائغ احتياطاً للناس ، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً» (5)، دلّت بالمفهوم على التضمين إن لم يكن مأموناً.


1) الوسائل 19 : 148 / كتاب الإجارة ب 30 ح 1.

2) الوسائل 19 : 149 / كتاب الإجارة ب 30 ح 2.

3) الوسائل 19 : 144 / كتاب الإجارة ب 29 ح 9.

4) الوسائل 19 : 145 / كتاب الإجارة ب 29 ح 14.

5) الوسائل 19 : 142 / كتاب الإجارة ب 29 ح 4.

.................................................................................................


2 - ومعتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان علي (عليه السلام) يضمن القصّار والصائغ يحتاط به على أموال الناس ، وكان أبو جعفر (عليه السلام) يتفضّل عليه إذا كان مأموناً» (1).

3 - وصحيحة جعفر بن عثمان وهو الرواسي الثقة قال : حمل أبي متاعاً إلى الشام مع جمّال فذكر أنّ حملاً منه ضاع فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) «فقال : أتتهمه؟» قلت : لا «قال : فلا تضمنه» (2).

4 - ومعتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه «قال : إن كان مأموناً فليس عليه شي‌ء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (3). ومن البيّن أنّ المراد هو التلف ، وإلّا فلا فرق في ضمان المتلف بين المأمون وغيره.

دلّت هذه الروايات على عدم ضمان المأمون.

وتؤيّدها رواية خالد بن الحجّاج كما في الكافي أو الحجّال كما في التهذيب قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الملّاح أُحمّله الطعام ثمّ أقبضه منه فينقص «قال : إن كان مأموناً فلا تضمنه» (4).

غير أنّ السند ضعيف ، فإنّ خالد بن الحجّال لا وجود له في كتب الرجال ، ولا في كتب الحديث ما عدا هذا المورد في كتاب التهذيب الذي يظنّ أنّه تحريف ، وصحيحه على ما في الكافي الذي هو أضبط : خالد بن الحجّاج ، ولكنّه لم يوثّق ،


1) الوسائل 19 : 145 / كتاب الإجارة ب 29 ح 12.

2) الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 6.

3) الوسائل 19 : 150 / كتاب الإجارة ب 30 ح 7.

4) الوسائل 19 : 149 / كتاب الإجارة ب 30 ح 3 ، الكافي 5 : 243 / 2 ، التهذيب 7 : 217 / 947.

.................................................................................................


فلأجله لا تصلح الرواية إلّا للتأييد ، والعمدة ما عرفت.

فالنتيجة لحدّ الآن : أنّ هذه الروايات قد دلّت على التفصيل الذي عرفت من أنّ العامل إذا كان مأموناً لا يضمن ، فإذا ادّعى المالك عليه التفريط لزمه الإثبات ، وأمّا إذا كان متّهماً فينعكس الأمر ، حيث إنّه يضمن إلّا أن يثبت عدم التفريط ، فهو المطالب حينئذٍ بإقامة البيّنة.

هذا هو المتحصّل من الجمع بين هذه الأخبار.

إلّا أنّ بإزاء ذلك ما دلّ على أنّ وظيفة العامل لدى الاتّهام هو الحلف ولا يكلّف بالبيّنة.

وقد ورد هذا فيما رواه الشيخ بإسناده عن بكر بن حبيب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أعطيت جبّة إلى القصّار فذهبت بزعمه «قال : إن اتّهمته فاستحلفه ، وإن لم تتّهمه فليس عليه شي‌ء» (1).

وروايته الأُخرى عنه (عليه السلام) «قال : لا تضمّن القصّار إلّا ما جنت يده ، وإن اتّهمته أحلفته» (2).

ونسب هذا إلى المشهور ، واختاره في المتن ، ولكن الروايتين ضعيفتان ، لإهمال الراوي في كتب الرجال ، فلا يمكن التعويل عليهما.

نعم ، إنّ هناك رواية معتبرة ربّما يستدلّ بها على ذلك ، وهي :

صحيحة أبي بصير يعني المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا يضمن الصائغ ولا القصّار ولا الحائك إلّا أن يكونوا متّهمين فيخوّف بالبيّنة ويستحلف لعلّه يستخرج منه شيئاً» وفي رجل استأجر جمّالاً فيكسر الذي


1) الوسائل 19 : 146 / كتاب الإجارة ب 29 ح 16 ، التهذيب 7 : 221 / 966.

2) الوسائل 19 : 146 / كتاب الإجارة ب 29 ح 17.

.................................................................................................


يحمل أو يهريقه «فقال : على نحو من العامل إن كان مأموناً فليس عليه شي‌ء ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن» (1).

حيث استظهر من ذكر الاستحلاف أنّ وظيفة العامل هو الحلف.

ولكن الظاهر أنّ الدلالة قاصرة ، والاستظهار المزبور في غير محلّه ، والوجه فيه أنّه (عليه السلام) قد حكم صريحاً بالضمان في صورة الاتّهام بقوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكونوا متّهمين» ، ومن المعلوم أنّ المتّهم المطالب بالخروج عن عهدة الضمان لا سبيل لذبّ الضمان عن نفسه إلّا بإقامة البيّنة على خلافه ولا ينفعه الحلف بوجه. إذن فالاستحلاف المذكور فيها بقرينة التخويف وبيان الغاية بقوله : «لعلّه» إلخ ، ناظر إلى ما قبل الترافع ، وقبل أن تصل النوبة إلى المحاكمة ، فيخوّف وقتئذٍ ويقال له : إمّا أن تقيم البيّنة ، أو تحلف رجاء أن يستخرج منه ، ولا ينتهي الأمر إلى المرافعة عند الحاكم وقضائه عليه ، فلا دلالة فيها على حكم ما بعد الترافع ، بل أنّ قوله : «إلّا أن يكونوا» إلخ ، ظاهر في الضمان حينئذٍ كما عرفت.

ويعضده ذيل الصحيحة أعني قوله : وفي رجل استأجر ، إلخ ، حيث حكم (عليه السلام) بالضمان لدى عدم الائتمان في مطلق العامل بصورة عامّة ، الراجع إلى جواز مطالبته بالمال إلّا أن يقيم بيّنة على الخلاف.

وبالجملة : فلا دلالة في الصحيحة على أنّ الوظيفة بعد الترافع وتصدّي الحاكم للقضاء الذي هو محلّ الكلام هو الحلف.

هذا ، ولو أغمضنا النظر عن ذلك وأغمضنا عن ضعف روايتي بكر بن حبيب وافترضناهما معتبرتين فلا معارضة بينهما وبين الروايات المتقدّمة الدالّة على الضمان ومطالبة العامل بالبيّنة ، إذ غايته الدلالة على جواز الاكتفاء


1) الوسائل 19 : 144 / كتاب الإجارة ب 29 ح 11.

.................................................................................................


بالاستحلاف بدلاً عن المطالبة بالبيّنة ، ونتيجته تخيير المالك بين الأمرين.

وإنّما تستقيم المعارضة لو دلّت على عدم جواز المطالبة بها ، ولا دلالة فيها على ذلك بوجه ، فلا معارضة بين الطائفتين بتاتاً.

وقد يقال : انّ نصوص الضمان بالرغم من صحّة أسانيدها ساقطة عن درجة الاعتبار ، من أجل إعراض الأصحاب عنها ، حيث إنّ المشهور ذهبوا إلى الاستحلاف المطابق لمضمون الطائفة الأخيرة. إذن فيكون المرجع بعد وضوح أنّ العامل في المقام هو المنكر الإطلاقات الناطقة بأنّ اليمين على المنكر المعتضدة في المقام بهذه الروايات.

ويندفع أوّلاً : بمنع تحقّق الشهرة بمعناها المعروف ، أعني : الاشتهار بين الأصحاب كالمتسالم عليه ، بحيث يكون القول الآخر شاذّاً وفي حكم العدم لم يذهب إليه إلّا مثل ابن الجنيد ونحوه ، كيف؟! وقد سمعت من الشهيد الثاني نسبة القول بالضمان إلى المشهور (1)، فغايته أن يكون القول الآخر أشهر والقائل به أكثر ، لا أن يكون مشهوراً بحيث يكون القول الآخر شاذّاً لكي يدّعى من أجله الإعراض.

وثانياً : على تقدير التنازل فلم يعلم إعراض الأصحاب عنها ، ولعلّهم عاملوا مع الطائفتين معاملة المتعارضتين فقدّموا نصوص الحلف من أجل موافقتها للإطلاقات والعمومات الناطقة بأنّ اليمين على المنكر ، فكان العمل بها من باب الترجيح لا من باب الإعراض عمّا بإزائها من نصوص الضمان لتسقط عن الحجّيّة.

وثالثاً : أنّ الكبرى ممنوعة ولا يسقط الصحيح بالإعراض عن الحجّيّة كما مرّ غير مرّة.


1) المسالك 5 : 233.

[3361] مسألة 6 : يكره تضمين (1)الأجير في مورد ضمانه (1) من قيام البيّنة على إتلافه أو تفريطه في الحفظ أو تعدّيه أو نكوله عن اليمين أو نحو ذلك.


فتحصّل : أنّ ما نُسِب إلى جماعة ونَسَبه الشهيد إلى المشهور من مطالبة العامل بالبيّنة إذا كان متّهماً وعدم استحلافه هو الصحيح ، وإنّما تطلب البيّنة من المالك فيما إذا كان العامل أميناً ، فيفصّل في العامل بين الموثّق وغيره حسبما عرفت.

(1) لم نقف على مدرك لكراهة التضمين أو استحباب عدمه في مفروض المسألة أعني : مورد كون الأجير محكوماً بالضمان ومن المعلوم أنّ فعل الباقر (عليه السلام) من تطوّله وتفضّله الواردين في الروايتين المتقدّمتين كان مخصوصاً بالعامل المأمون الذي لا موجب لضمانه ، فلم يكن ممّا نحن فيه.

وربّما يستدلّ له برواية حذيفة بن المنصور ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحمل المتاع بالأجر فيضيع المتاع فتطيب نفسه أن يغرمه لأهله ، أيأخذونه؟ قال : فقال لي : «أمين هو؟» قلت : نعم «قال : فلا يأخذ منه شيئاً» (2).

وفيه : أنّها قاصرة الدلالة ، إذ المفروض ائتمان الأجير ، ومعه لا موضوع للضمان وإن أحبّ تدارك الخسارة من تلقاء نفسه تحفّظاً على كرامته ولكيلا يتّهم كما ذكر ذلك في رواية أُخرى.

وبالجملة : مورد الرواية هو الأمين ، ومعه لا ضمان على العامل ، فهي أجنبيّة


1) لم يظهر مستند الحكم بالكراهة.

2) الوسائل 19 : 152 / كتاب الإجارة ب 30 ح 12 ، التهذيب 7 : 222 / 975.

[3362] مسألة 7 : إذا تنازعا في مقدار الأُجرة قُدّم قول المستأجر (1).


عن محلّ الكلام بالكلّيّة.

أضف إلى ذلك : ضعف السند بالحسن بن الحسين اللؤلؤي أوّلاً ، فإنّه وإن وثّقه النجاشي (1)ولكنّه معارض بتضعيف ابن الوليد وابن نوح والصدوق ، حيث استثنوا من رواية محمّد بن أحمد بن يحيى ما تفرّد به اللؤلؤي. فلا دليل إذن على وثاقته.

وبابن سنان ثانياً ، إذ المراد به بقرينة الراوي والمروي عنه هو محمّد بن سنان جزماً ، لا عبد اللّه ، لعدم روايته عن حذيفة ، ولا رواية اللؤلؤي عنه ، فبحسب الطبقة لا يراد به إلّا محمّد الذي روى عن حذيفة ، وروى عنه اللؤلؤي في غير مورد.

على أنّ الشيخ رواها في موضع آخر من التهذيب وهو باب الغرر والمجازفة من التجارات مع نوع اختلاف في المتن والمضمون واحد كما نقله معلّق الوسائل مصرّحاً بمحمّد بن سنان (2).

فتحصّل : أنّ الكراهة لا دليل عليها في محلّ الكلام.

نعم ، لا بأس بالالتزام باستحباب ترك التضمين ورفع اليد عن الحقّ من باب أنّه إحسان في حقّ الغير ، وهو حسن ومندوب في كلّ حال.

(1) الكلام هنا هو الكلام في التنازع في قدر المستأجر عليه بعينه الذي تقدّم مستقصًى في المسألة الثالثة ، فراجع ولاحظ.


1) (*) رجال النجاشي : 40 / 83.

2) التهذيب 7 : 129 / 565.

[3363] مسألة 8 : إذا تنازعا في أنّه آجره بغلاً أو حماراً (1) أو آجره هذا الحمار مثلاً أو ذاك فالمرجع التحالف ، وكذا لو اختلفا في الأُجرة أنّها عشرة دراهم أو دينار.


(1) إذا اتّفقا في أصل الإجارة وفي مقدار الأُجرة واختلفا في العين المستأجرة فادّعى المالك أنّها حمار والمستأجر أنّها فرس مثلاً أو اختلفا في أنّها هذا الحمار أو ذاك.

أو اختلفا بعد التوافق على العين المستأجرة في تعيين الأُجرة بحيث كانت دائرة بين المتباينين ، كما لو ادّعى أحدهما أنّها دينار واحد ، والآخر أنّها عشرة دراهم ، أو قال أحدهما : أنّها من النقود ، والآخر أنّها من العروض أو الأعمال.

فالمعروف والمشهور حينئذٍ ما اختاره في المتن من التحالف ثمّ بعدئذٍ يحكم بالانفساخ من أجل عدم ثبوت شي‌ء من الدعويين ولزوم إنهاء النزاع الواقع في البين ، فكأنه لم تقع الإجارة من أصلها ، وذلك لأنّ كلّاً منهما يدّعي شيئاً والآخر ينكره.

واختار بعض الأكابر (1)(قدس سره) في حاشيته على العروة أنّ المقام من موارد المدّعى والمنكر ، دون التداعي لينتهي الأمر إلى التحالف ، نظراً إلى عدم صدور الدعوى على الآخر إلّا من أحدهما فحسب ، أمّا من الطرف الآخر فهو اعتراف على نفسه لا أنّه دعوى على غيره.

فلو اتّفقا على الأُجرة وتنازعا في العين المستأجرة فالمستأجر يدّعي بعد اعترافه بملكيّة المؤجر للأُجرة ملكيّته لمنفعة الفرس مثلاً والمالك ينكره


1) هو السيد الأصبهاني (قدس سره).

.................................................................................................


فعليه الإثبات ، وأمّا دعوى المالك وقوع الإجارة على الحمار فمرجعها إلى الاعتراف بمملوكيّة منفعة الحمار للمستأجر ، ولا تتضمّن دعوى ضدّه ، إذ لا يطالب بذلك شيئاً ينكره بعد فرض الاتّفاق منهما على استحقاق الأُجرة وعدم النزاع فيها. فهذه الدعوى منه لا أثر لها في محلّ الكلام بعد كونها فارغة عن المطالبة المقرونة بالإنكار ، فهي لا تشكّل دعوى اخرى تجاه الدعوى الاولى ليتحقّق التداعي بذلك.

وكذلك الحال فيما لو انعكس الأمر فاتّفقا على العين المستأجرة وأنّها الدار مثلاً واختلفا في الأُجرة وأنّها الدرهم أو الدينار ، فإنّ المدّعى هنا هو المالك فقط دون المستأجر ، عكس ما سبق.

إذ هو يدّعي بعد اعترافه بملكيّة المستأجر لمنفعة الدار ملكيّة الدينار ويطالب المستأجر بذلك ، وبما أنّه ينكره فعليه الإثبات ، ودعوى المستأجر وقوع الإجارة على الدرهم لا تتضمّن مطالبة المالك بشي‌ء وإقامة دعوى عليه حسبما عرفت.

هكذا أفاده (قدس سره).

واختار بعض الأعلام في مستمسكه (1)، ونسب إلى بعض المتقدّمين أيضاً.

ولكنّه غير واضح ، لصدور دعوى اخرى من الطرف الآخر في كلا الفرضين ، ويظهر وجهه ممّا تقدّم ، حيث عرفت أنّ لفظي المدّعى والمنكر لم يفسّرا في شي‌ء من الأخبار ، بل هما موكولان إلى نظر العرف ، ولا ريب أنّ العقلاء يرون أنّ من يطالب بشي‌ء من حقّ أو مال أو يدّعي الخروج عن عهدة ما يعترف به من حقّ أو مال هو الملزم بالإثبات ، فهو المدّعى وخصمه منكر له.


1) مستمسك العروة 12 : 171.

.................................................................................................


فعلى هذا الميزان الكلّي والضابط العام يتحقّق التداعي من الجانبين في المقام.

ففي الفرض الأوّل : كما أنّ المستأجر يدّعي شيئاً ينكره المالك حسبما ذكر فكذلك المالك ، إذ هو يطالب بالأُجرة ويدّعي استحقاقها بمجرّد تسليم الحمار ومن دون تسليم الفرس الذي يدّعيه المستأجر ، وهذا شي‌ء ينكره المستأجر ، فإنّه وإن اعترف بكون الأُجرة ملكاً للمؤجّر لكنّه ينكر استحقاق تسلّمها ما لم يسلّم الفرس ، فعلى المالك إثبات الاستحقاق المزبور بعد وضوح عدم وجوب تسليم أحد العوضين من كلّ من الطرفين ما لم يسلّم الطرف الآخر.

وكذا في الفرض الثاني ، إذ كما أنّ مالك الدار يدّعي الدينار وينكره المستأجر كما ذكر ، فكذلك المستأجر يطالب المالك بتسليم العين فيدّعي استحقاق منفعة الدار من دون أن يعطي الدينار ، بل بإزاء دفع الدراهم فقط ، وهذا شي‌ء ينكره المالك ، فلا جرم يحتاج إلى الإثبات وإقامة البيّنة عليه ، فإنّ المنفعة وإن كانت ملكاً له باعتراف المالك إلّا أنّه لا يجب التسليم على كلّ منهما ما لم يسلّم الآخر كما هو مقتضى مفهوم المبادلة والمعاوضة حسبما عرفت ، فيطالبه المستأجر بالتسليم من دون دفع الدينار الذي يدّعيه المالك ، وهو غير ثابت.

فإذن كلّ منهما يدّعي شيئاً ينكره الآخر ، وهذا هو معنى التداعي (1)، ومجرّد الاتّفاق على أنّ المنفعة ملك للمستأجر لا أثر له في انحصار المدّعى في المالك ، فلاحظ.

فما ذكره في المتن من عدّ المقام من موارد التحالف هو الصحيح ، ومعلوم أنّ محلّ الكلام ما إذا أقام كلّ منهما البيّنة أو لم يقمها أيّ منهما ، وإلّا فلو أقام


1) يمكن إجراء هذا البيان في المسألة الثالثة المتقدّمة أيضاً إلّا أن يفرق بأنّ الأصل فيها بلا معارض ، فلاحظ.

[3364] مسألة 9 : إذا اختلفا في أنّه شرط أحدهما على الآخر شرطاً أو لا فالقول قول منكره (1).

[3365] مسألة 10 : إذا اختلفا في المدّة أنّها شهر أو شهران مثلاً فالقول قول منكر الأزيد (2).

[3366] مسألة 11 : إذا اختلفا في الصحّة والفساد قُدِّم قول من يدّعي الصحّة (3).


أحدهما دون الآخر فالقول قوله ، ومعه لا تصل النوبة إلى التحالف.

(1) لوضوح أنّ الشرط مئونة زائدة على أصل العقد ، فمدّعي تحقّقه سواء أكان المؤجر أم المستأجر هو الملزم بالإثبات ، فهذا من موارد المدّعى والمنكر ، ولا موجب لجعله من موارد التحالف.

(2) إذ هما بعد أن اتّفقا على أصل المنفعة ومقدار الأُجرة وكان الاختلاف في المدّة فمدّعي الزيادة هو الملزم بالإثبات ، وبدونه يقدّم طبعاً قول المنكر ، بل أنّ هذا في الحقيقة داخل في التنازع في قدر المستأجر عليه الذي مرّ البحث حوله في المسألة الثالثة ، فراجع ولاحظ.

(3) هذا على إطلاقه مشكل ، بل ممنوع ، فإنّ أصالة الصحّة بالمعنى المتنازع فيه أعني ترتيب آثار الصحّة لم يثبت بدليل لفظي ليتمسّك بإطلاقه.

نعم ، الحمل على الصحيح بمعنى التنزيه عن القبيح قد دلّت عليه جملة من النصوص الناطقة بأنّه : ضع فعل أخيك على أحسنه (1)، إلّا أنّه أجنبي عمّا نحن


1) الوسائل 12 : 302 / أبواب أحكام العشرة ب 161 ح 3.

[3367] مسألة 12 : إذا حمل المؤجر متاعه إلى بلد فقال المستأجر : استأجرتك على أن تحمله إلى البلد الفلاني ، غير ذلك البلد ،


بصدده ، فلو صدر كلام مردّد بين السبّ والسلام ينزّه عن الحرام ، لا أنّه يرتّب عليه أثر الصحّة ليحكم بوجوب الجواب وردّ التحيّة الذي هو محلّ الكلام.

فالمستند في أصالة الصحّة بالمعنى المبحوث عنه في المقام ليس إلّا السيرة القطعيّة العقلائيّة الممضاة لدى الشرع بعدم الردع القائمة عليها في أبواب المعاملات وغيرها من غير حاجة إلى إقامة البيّنة عليها ، بل مدّعي الفساد هو المطالب بإقامة البيّنة. وهذا واضح وغير قابل للتشكيك كما لم يقع الخلاف فيه.

بيد أنّ السيرة بما أنّها دليل لبّي لا لسان له فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقّن من تحقّقها.

والقدر المتيقّن ما إذا أُحرز ما يعتبر في أصل العقد المعبّر عنه بالركن وكان الشكّ في الصحّة من جهة الأُمور الخارجيّة.

وبعبارة اخرى : ما إذا أُحرزت الشرائط المعتبرة في فاعليّة الفاعل أو قابليّة القابل وشكّ فيما عداهما من سائر الشرائط.

أمّا مع عدم إحراز الأهليّة إمّا من ناحية الفاعل كما لو شكّ في بلوغ البائع مع قطع النظر عن استصحاب صغره أو احتمل عدم كونه مالكاً ولا وكيلاً بحيث شكّ في قدرته على إيجاد العقد ، أو من ناحية القابل كما لو احتمل وقفيّة المبيع ، فجريان السيرة على أصالة الصحّة في مثل ذلك محلّ تأمّل ، بل منع ، وتمام الكلام في بحث الأُصول.

وتنازعا ، قُدِّم قول المستأجر (1)(1) ، فلا يستحقّ المؤجر أُجرة حمله ،


(1) استناداً إلى أصالة عدم وقوع الإجارة على ما يدّعيه الأجير ، بناءً على ما يبدو منه من عدّ المقام من موارد المدّعى والمنكر.

هذا ، ومفروض كلامه (قدس سره) في هذه المسألة ما إذا كان التنازع بعد الحمل ، لما سيصرّح به في ذيل المسألة الآتية التي هي عين هذه المسألة بتفاوت يسير كما سنبيّن من أنّ النزاع إذا كان قبل الحمل فالمرجع التحالف.

أقول : لا ينبغي الشكّ في التحالف فيما إذا كان النزاع قبل العمل من حمل أو خياطة مردّدة بين القباء والقميص ، المفروضة في المسألة الآتية.

ولا يصغي إلى ما قد يدّعى من الاندراج حينئذٍ في باب المدّعى والمنكر ، بدعوى عدم صدور الدعوى إلّا من المستأجر فحسب ، فإنّه الذي يطالب بحمل متاعه إلى المكان الذي يدّعيه وينكره الأجير ، وأمّا ما يدّعيه الأجير من ملكيّة الأُجرة وانتقالها إليه فالمستأجر معترف به ولا ينكره ليتشكّل التداعي بينهما.

وذلك لما أسلفناك قريباً من أنّ مجرّد الاعتراف المزبور لا يمنع عن تضمّن دعوى اخرى ضدّ الخصم ، فإنّ الأُجرة وإن كانت مملوكة للأجير باعتراف الطرفين إلّا أنّ استحقاق المطالبة في باب المعاوضة منوط بتسليم الطرف الآخر ، فلا استحقاق قبله إذن ، فكما أنّ المستأجر مدّعٍ كما أُفيد فكذلك الأجير ، لأنّه


1) (*) هذا إنّما يتمّ على مسلكه (قدس سره) من انفساخ الإجارة بتفويت المؤجر محلّها ، وأمّا على ما بنينا عليه من ثبوت الخيار للمستأجر فإن لم يفسخ وطالب بأُجرة المثل وكانت زائدة على الأُجرة المسمّاة أو مباينة لها لزم التحالف ، وبذلك يظهر الحال في المسألة الآتية.

.................................................................................................


أيضاً يدّعي استحقاق تسلّم الأُجرة ومطالبتها قبل تسلّم المنفعة التي يدّعيها المستأجر ، أي قبل نقل المتاع إلى المكان الذي يدّعيه ، وبعد نقله إلى ما هو يدّعى وقوع الإجارة عليه ، وهذا شي‌ء ينكره المستأجر حسب الفرض. فلا جرم يتحقّق التداعي بينهما المؤدّي إلى التحالف ، فأيّ منهما أثبت دعواه أمّا بإقامة البيّنة أو الحلف مع امتناع الآخر ثبت مدّعاه ، وإلّا فمع التحالف يحكم بانفساخ الإجارة.

وأمّا إذا وقع النزاع بعد صدور العمل وتحقّقه خارجاً ، فحمل المتاع إلى بغداد مثلاً والمستأجر يدّعي لزوم حمله إلى البصرة ، فظاهر عبارة المتن ولا سيّما بقرينة ما سيذكره في ذيل المسألة الآتية اندراج هذا النزاع في باب المدّعى والمنكر حسبما أشرنا إليه.

وهذا يبتني على أمرين :

أحدهما : فرض انقضاء المدّة المضروبة والأجل المقرّر للحمل في عقد الإيجار بحيث فات المحلّ وامتنع التدارك ، كما لو كان مؤقّتاً بوقوعه خلال الأُسبوع وقد انقضى.

ثانيهما : الالتزام بما بنى (قدس سره) عليه من انفساخ الإجارة بتفويت المؤجر محلّها وعدم استحقاقه حينئذٍ شيئاً على المستأجر. فلدى افتراض هذين الأمرين يتّجه ما أفاده (قدس سره) ، إذ لا دعوى وقتئذٍ إلّا من ناحية الأجير ، فإنّه الذي يطالب بالأُجرة بزعم الوفاء بما وقعت الإجارة عليه ، أمّا المستأجر فلا شي‌ء من قبله إلّا إنكار هذه الدعوى من غير أن يقيم عليه دعوى اخرى ، فليس عليه إلّا الحلف ، والأجير هو الملزم بإقامة البيّنة.

وأمّا مع افتقاد أحد الأمرين فالظاهر الاندراج في باب التداعي ، إذ مع بقاء المدّة وإمكان التدارك فكما أنّ الأجير يدّعي الأُجرة ويطالبها حسبما ذكر كذلك

وإن طلب منه الردّ (1) إلى المكان الأوّل وجب عليه ، وليس له ردّه إليه إذا لم يرض ، ويضمن له إن تلف أو عاب ، لعدم كونه أميناً حينئذٍ في ظاهر الشرع.


المستأجر يطالب بالحمل إلى البصرة وفاءً بالإجارة ، زعماً منه أنّ ما صدر من الحمل إلى بغداد لغو محض ، لخروج عن مصبّ الإيجار.

فحال النزاع حينئذٍ بعينه هو حاله في الصورة الاولى ، أعني : التنازع قبل صدور العمل وتحقّقه في الخارج في صدور الدعوى من كلّ من الجانبين حسبما عرفت.

كما أنّا لو أنكرنا ما بنى (قدس سره) عليه من الانفساخ بعد انقضاء المدّة وامتناع التدارك وبنينا على ما هو الحقّ من ثبوت الخيار وجواز المطالبة مع عدم الفسخ بعوض الفائت أعني أُجرة المثل ففيما إذا كانت زائدة على الأُجرة المسمّاة أو مباينة معها كما لو كانت المسمّاة عملاً أو عروضاً ، وأُجرة المثل طبعاً من النقود. فلا جرم يتحقّق التداعي بينهما أيضاً ، فإنّ الأجير يدّعي المسمّاة ، والمستأجر يدّعي اجرة المثل ، فينتهي الأمر إلى التحالف (1)

قلت : الأجير يدّعي المسمّى ويطالبها من دون دفع اجرة المثل ، وهذا شي‌ء ينكره المستأجر كما مرّ نظيره ، فلاحظ.

.

(1) إذا لم تثبت دعوى الأجير والمفروض أنّه حمل المتاع من النجف مثلاً إلى بغداد ، فسواء أكان المقام من باب التداعي أو المدّعى والمنكر فللمستأجر المطالبة بردّه إلى مكانه الأوّل ، إذ بعد عدم ثبوت الدعوى في ظاهر الشرع فما


1) فإن قلت : إمضاء العقد يستلزم الاعتراف بالمسمّاة فليست ثمّة دعوى تقابل بالإنكار إلّا من ناحية المستأجر فقط بالإضافة إلى أُجرة المثل ، فكيف يعدّ المقام من باب التداعي؟

.................................................................................................


صدر منه تصرّف من غير أهله في غير محلّه ، وحمل لمال الغير من دون إذنه وإجازته ، ومن ثمّ لو تلف أو تعيّب خلال هذا الانتقال كان ضامناً.

وحينئذٍ فإن رضي المالك ببقائه في مكانه وإن لم يذكر ذلك في كلام الماتن صريحاً إيكالاً على وضوحه فلا إشكال ، بل ليس له الإرجاع حينئذٍ ، فإنّه تصرّف في مال الغير بغير رضاه.

وأمّا إذا طالبه بردّه وجب عليه ذلك.

والدليل عليه : هي السيرة العقلائيّة التي هي المدرك الوحيد في أصل الضمان باليد بقول مطلق ، فإنّ ما اشتهر من أنّ «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1)رواية نبويّة ولم تثبت من طرقنا ، وما ورد من أخبار الضمان في الموارد المتقدّمة لا يستفاد منها حكم كلّي ، وإنّما هي جرى على طبق السيرة العقلائيّة كما لا يخفى ، فكما أنّ السيرة قاضية بأنّ اليد هي المسئولة عن تلف العين فكذلك تقضي بضمانها للصفات التي لها مدخليّة في الأغراض النوعيّة أو الشخصيّة ، وأنّه لا بدّ من أداء العين وردّها على النحو الذي أخذها واستولى عليها ، فإنّ الصفات وإن لم تقابل بالمال بحيال ذاتها إلّا أنّها من أجل تأثيرها في ازدياد قيمة العين فلا جرم كانت هي أيضاً مضمونة كما في وصف الصحّة ، ومن ثمّ لو أخذها صحيحة وردّها معيبة ضمن صفة الصحّة بلا إشكال ، مع أنّها كما عرفت لا تقابل بالمال.

ومن هذا القبيل وصف المكان ، فإنّ من استولى على مال أحد في مكان بغير إذنه وأراد الردّ إلى صاحبه في مكان آخر فله الامتناع عن الاستلام والمطالبة بالردّ إلى مكانه الأوّل بالسيرة العقلائيّة القاضية بالتحاق صفة المكان بسائر الأوصاف التي يضمنها المستولي ، ويجب عليه الخروج عن عهدتها كما


1) المستدرك 17 : 88 / كتاب الغصب ب 1 ح 4.

[3368] مسألة 13 : إذا خاط ثوبه قباءً وادّعى المستأجر أنّه أمره بأن يخيطه قميصاً فالأقوى تقديم قول المستأجر (1) ، لأصالة عدم الإذن في خياطته قباءً ، وعلى هذا فيضمن له عوض النقص الحاصل من ذلك ، ولا يجوز له نقضه إذا كان الخيط للمستأجر ، وإن كان له كان له ويضمن النقص الحاصل من ذلك ، ولا يجب عليه قبول عوضه لو طلبه المستأجر ، كما ليس عليه قبول عوض الثوب لو طلبه المؤجر. هذا ، ولو تنازعا في هذه المسألة والمسألة المتقدّمة قبل الحمل وقبل الخياطة فالمرجع التحالف.


يجب عليه الخروج عن عهدة نفس العين حسبما عرفت.

بل قد صرّح الأصحاب بمثل ذلك في باب القرض أيضاً وأنّه لو اقترض في بلد فليس له الأداء في بلد آخر ما لم يرض في المقرض ، وهو كذلك ، لاشتغال ذمّته بالمال الموصوف بكونه في ذلك البلد ، فلا بدّ من الخروج عن عهدته على النحو الذي اشتغلت به الذمّة. نعم ، لا بأس به مع التراضي.

(1) قد عرفت اتّحاد هذه المسألة مع المسألة السابقة ملاكاً وحكماً وارتضاعهما من ثدي واحد ، وأنّ النزاع المطروح بينهما معدود من باب التداعي المحكوم فيه بالتحالف من غير فرق بين حدوثه قبل العمل أو بعده.

ونتيجته : سقوط كلتا الدعويين بعد التحالف وعدم استحقاق الأجير شيئاً على ما عمله من الحمل أو الخياطة ، لعدم ثبوت صدوره عن أمر من المستأجر ، بل يضمن عوض النقص الحاصل من صنعه قباءً وقد أراده المستأجر قميصاً ، لأنّ هذا النقص إنّما طرأ من أجل فعل الخيّاط المحكوم بكونه تصرّفاً في ملك الغير بغير إذنه في ظاهر الشرع بمقتضى عدم ثبوت دعواه ، كما مرّ نظيره في الحمل (1).


1) في ص 310 وما بعدها.

.................................................................................................


وإنّما تفترق هذه المسألة عمّا تقدّمها في مزيّة ، وهي زيادة العين بعد عمليّة الخياطة من أجل اشتمالها على الخيوط التي خيط الثوب بها.

وحينئذٍ فقد يفرض أنّ تلك الخيوط ملك للمستأجر أيضاً والخيّاط أجير على مجرّد العمل.

واخرى يفرض أنّها ملك للخيّاط نفسه.

فعلى الأوّل : بما أنّ الأجير لم يكن له أيّ حقّ في هذه العين فليس له نقض الخياطة والمطالبة بإرجاع الثوب إلى حالته الأُولى ، فإنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، والمفروض ذهاب عمله هدراً بعد عدم ثبوت وقوع الإجارة عليه ، وأمّا الهيئة القائمة بالعين أعني : صفة المخيطيّة فهي وإن تحصّلت من عمل الأجير إلّا أنّه لا ماليّة لها ، فما صدر منه في العين إمّا مالٌ لا احترام له ، أو صفةٌ لا ماليّة لها ، فلا حقّ له بوجه ليستتبع المطالبة المزبورة.

ونظير ذلك ما ذكروه في باب الغصب من أنّه لو غصب ذهباً فصاغه حليّاً لم تكن له إزالة الصياغة وإعادة العين إلى ما كانت عليه وإن زادت قيمتها بها ، لأنّ الأوصاف لا تقابل بالمال ، فلا يجوز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، ولا المطالبة بقيمة الهيئة بعد أن لم تكن لها قيمة حسبما عرفت.

فليس للأجير المطالبة بنقض الخياطة في المقام بتاتاً.

وأمّا على الثاني : فله ذلك ، لعدم خروج الخيوط عن ملكه بعد بقاء عينها وإمكان الانتفاع بها بعد النقض ، فله المطالبة به تمهيداً لتسلّم ملكه.

وبالجملة : القميص الموجود مركّب من ثوب وخيوط ، والأوّل للمستأجر والثاني للأجير ، ولكلّ منهما المطالبة بعين ماله خالصاً عن مال غيره بقاعدة السلطنة ، فلا يحقّ للمستأجر إلزام الأجير بقبول قيمة الخيوط بدلاً عنها ، ولا للأجير إلزام المستأجر بدفع القيمة.

[3369] مسألة 14 : كلّ من قدّم قوله في الموارد المذكورة عليه اليمين للآخر (1).


وحينئذٍ فإن رضيا بتصدّي أحدهما أو ثالث بالنقض فهو ، وإلّا فلا بدّ من مراجعة الحاكم الشرعي للإجبار على ذلك بعد أن كان لكلّ منهما حقّ في العين يستلزم التصرّف فيه تصرّفاً في ملك الآخر.

نظير ما لو أراق أحدٌ ماءه في قدر الآخر ، فإنّ الماء لم يخرج عن ملكه بالإراقة ، كما لم يخرج القدر عن ملك مالكه ، ولكن تصرّف كلّ منهما في ماله يستلزم التصرّف في مال الآخر ، فإن رضيا بالتفريغ وإلّا أجبرهما الحاكم.

هذا ، ولو ترتّب على الإجبار ونقض الخياطة تعيّب الثوب ضمنه الأجير ، لأنّه حصل من فعله وكان هو السبب الموجب للوقوع فيه.

(1) أي (1)لنفي القول الآخر الذي يدّعيه المدّعى ، والوجه فيه ظاهر ، فإنّ القضاء وفصل النزاع لا يكون إلّا بالبيّنة أو اليمين بمقتضى قوله (عليه السلام) : «إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات» ، فيطالب المدّعى بالبيّنة أوّلاً ، فإن تمكّن وإلّا يوجّه الحلف نحو المنكر وله ردّ اليمين إلى المدّعى ، فليس معنى تقديم قول المنكر عدم الاعتناء بدعوى المدّعى وأنّها تذهب هدراً ، بل يعتنى بها ولأجله يكلّف باليمين كما سمعت.

نعم ، ربّما يطلب اليمين من المدّعى أيضاً ، حيث إنّ البيّنة المكلّف بإقامتها أعمّ من الشاهدين العادلين ومن شاهد واحد مع ضمّ اليمين في بعض الموارد على تفصيل مذكورٍ في محلّه من كتاب القضاء.


1) لعلّ المراد أنّها حقّ للآخر عليه.

خاتمة

فيها مسائل :

[3370] الأُولى : خراج الأرض المستأجرة في الأراضي الخراجيّة على مالكها (1) ، ولو شرط كونه على المستأجر صحّ على الأقوى (2) ، ولا يضرّ كونه مجهولاً من حيث القلّة والكثرة ، لاغتفار مثل هذه الجهالة عرفاً ، ولإطلاق بعض الأخبار.


(1) أي من بيده الأرض بعد أن تقبّلها من وليّ الأمر وسلطان الوقت عادلاً كان أو جائراً مدّعياً للخلافة ، فإنّها تختصّ وقتئذٍ به وله سلطنة التصرّف فيها ، ولا تسوغ لغيره معارضته.

ولا إشكال بينهم ظاهراً في تعلّق الخراج بهذا المتصرّف المعبّر عنه بالمالك ، وأنّه حقّ ثابت في عهدته دون من يستأجر الأرض عنه ، وقد دلّت عليه جملة من الأخبار الواردة في الأراضي الخراجيّة.

(2) كما لعلّه المعروف والمشهور بين الأصحاب من نفوذ هذا الشرط وعدم قدح الجهل بكمّيّة الخراج وإن ناقش فيه بعضهم للوجهين المذكورين في المتن من الاغتفار وإطلاق الأخبار.

.................................................................................................


أقول : قد يفرض تعلّق الشرط بانتقال الحقّ من ذمّة المؤجر إلى عهده المستأجر على سبيل شرط النتيجة ، كما ربّما يظهر ذلك من صاحب الجواهر ، حيث ذكر (قدس سره) أنّ الحقّ عليه أي المستأجر نظير بيع العين الزكويّة على أن تكون الزكاة عليه (1).

واخرى يفرض تعلّقه بتصدّيه للأداء خارجاً وتفريغ ذمّة المؤجر عن الخراج على سبيل شرط الفعل لا النتيجة ، نظير ما لو كان مديناً لزيد فباع متاعه من عمرو واشترط عليه القيام بأداء الدين.

أمّا الأوّل : فالظاهر فيه بطلان الشرط ، لعدم القدرة عليه ، لأنّ التقبيل معاملة بينه وبين السلطان قد استتبعت تعلّق الخراج به وثبوته في ذمّته ، وهذا حكم شرعي متوجّه إليه ، وليس له نقل الحكم التكليفي أو الوضعي إلى شخص آخر حتى بالشرط ، لخروجه عن اختياره ، إلّا إذا قام دليل خاصّ على وفاء الشرط بذلك غير الأدلّة العامّة القائمة على نفوذ الشروط ، وهكذا الحال في بيع العين الزكويّة مشروطاً بانتقال الزكاة منه إليه.

وبالجملة : نقل الحقّ المزبور ولو بمعونة الشرط يحتاج إلى نهوض دليل عليه بعد خروجه عن الاختيار ، ولا دليل عليه في المقام وأشباهه.

وأمّا الثاني : فلا بأس به كما لا يقدح الجهل بالمقدار حسبما أُشير إليه في المتن :

أوّلاً : لاغتفار مثل هذه الجهالة في نظر العرف بعد أن لم تكن متعلّقة بركني العقد أعني : العوضين بل بتوابعه الخارجة عنه ، فلا يكون مثلها مورداً للإجماع على عدم جواز الجهالة في العقد ، ولم ينهض دليل آخر على لزوم معلوميّة جميع الجهات حتى الشرط.


1) الجواهر 27 : 43 - 47.

[3371] الثانية : لا بأس بأخذ الأُجرة على قراءة تعزية سيّد الشهداء


وبالجملة : مثل هذه المعاملة على ما هي عليه من الجهالة جارية بل متداولة عند العرف والعقلاء ، كالبيع أو الإجارة مشروطاً بتقبّل الضريبة أو الحراسة ودفعها عن المالك مع عدم خلوّها غالباً عن نوع من الجهالة ولا يعبؤون بها ، ولا يحتمل عادةً قيام الإجماع على الفساد في مثل ذلك كما لا يخفى. هذا.

وثانياً : مع الغضّ عن ذلك فالروايات غير قاصرة الدلالة على عدم قدح مثل هذه الجهالة بمقتضى الإطلاق ، فإنّ جملة منها وردت في باب المزارعة التي لا يحتمل الفرق بينها وبين الإجارة من هذه الجهة من غير أن يذكر فيها معلوميّة الخراج الشامل بإطلاقها لصورة الجهل به ، كصحيحة يعقوب بن شعيب (1)وغيرها.

بل قد ورد مثل ذلك في باب الإجارة نفسها ، وهي صحيحة داود بن سرحان التي رواها المشايخ الثلاثة باختلاف يسير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل تكون له الأرض عليها خراج معلوم ، وربّما زاد وربّما نقص ، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها ويعطيه مائتي درهم في السنة «قال : لا بأس» (2).

فإنّ إطلاقها يشمل ما إذا كان الاختلاف يسيراً جدّاً كواحد في المائة ، ونحوه ممّا لا يصدق معه الجهالة حتى في الغبن ، وما إذا كان مقداراً معتدّاً به عند العقلاء ، بل ربّما يبلغ الضعف في بعض السنين بحيث يستوجب تضرّر المستأجر ، فإنّ مثل هذه الجهالة أيضاً غير قادحة بمقتضى الإطلاق ، وقد عرفت إقدام العقلاء على مثل هذه الجهالة واغتفارها لديهم في نظائر المقام كالضرائب ونحوها.


1) الوسائل 19 : 45 / كتاب المزارعة ب 10 ح 2.

2) الوسائل 19 : 57 / كتاب المزارعة ب 17 ح 1 ، الكافي 5 : 265 / 5 ، الفقيه 3 : 154 / 678 ، التهذيب 7 : 196 / 868.

وسائر الأئمّة صلوات اللّه عليهم (1) ، ولكن لو أخذها على مقدّماتها من المشي إلى المكان الذي يقرأ فيه كان أولى (2).

[3372] الثالثة : يجوز استئجار الصبي المميّز من وليّه الإجباري أو غيره كالحاكم الشرعي لقراءة القرآن والتعزية والزيارات (3) ،


فالصحيح ما ذكره في المتن ، ولا وجه لمناقشة بعض فيه بأنّ للشرط قسطاً من المالية فتسري جهالته إلى العقد ، لما عرفت من التعارف الخارجي والاغتفار لدى العرف أوّلاً ، وإطلاق النصوص ثانياً ، فلاحظ.

(1) فإنّ القراءة عمل سائغ ذو غرض عقلائي ، وقد تقدّم (1)أنّ مقتضى القاعدة جواز أخذ الأُجرة على كلّ أمر محلّل مورد لأغراض العقلاء وإن كان واجباً فضلاً عن المستحبّ ، فإن تمكّن من قصد القربة يكون مأجوراً ومثاباً أيضاً ، وإلّا فليس له إلّا ما يأخذه من الأجر الدنيوي.

والاختلاف في كيفيّة القراءة ومقدارها ومؤدّاها لا يستوجب اختلافاً في ماليّتها بعد كونه أمراً متعارفاً خارجاً ومنضبطاً ولو في الجملة ، فلا يكون الجهل بها جهلاً بالعمل المستأجر عليه كما لا يخفى ، فلا حاجة إلى جعل الإجارة بإزاء كلّي القراءة وذكر المصاب.

(2) لكونه أقرب إلى الخلوص.

(3) لا ينبغي الاستشكال في ذلك ، إذ بعد أن لم يكن العمل ممنوعاً شرعاً ، لعدم كون المؤجر هو الصبي نفسه ، بل وليّه الإجباري كالأب والجدّ ، أو الشرعي كحاكم الشرع ، وكان مورداً لغرضٍ عقلاً أو شخصي ، فالعمل محترم يجوز


1) في ص 373 وما بعدها.

بل الظاهر جوازه لنيابة الصلاة عن الأموات (1)، بناءً على الأقوى من شرعيّة عباداته (1).


الاستئجار عليه ، فيملكه المستأجر ويلزم الأجير بتسليمه كما هو واضح.

(1) تقدّم البحث غير مرّة في مطاوي هذا الشرح حول عبادات الصبي ، سواء أكانت واجبة في ذاتها أم مستحبّة ، وأنّها هل هي تمرينيّة محضة وعبادة صوريّة كي يتعوّد فلا تصعب عليه لدى بلوغه ، أو أنّها شرعيّة وعبادات حقيقيّة على حذو العبادات الصادرة من البالغين من غير فرق إلّا من ناحية الوجوب والاستحباب.

وقد عرفت أنّ الأظهر هو الثاني ، لا لإطلاقات أدلّة التشريع ، كيف؟! وقد خُصِّصت بالبالغين بمقتضى حديث رفع القلم عن الصبي ، الظاهر في رفع قلم التشريع لا خصوص رفع الإلزام كما لا يخفى ، بل بالجعل الثانوي ، وهو ما ورد من قوله (عليه السلام) : «مروا صبيانكم بالصلاة والصيام» (2)بعد وضوح أنّ الأمر بالأمر بالشي‌ء أمرٌ بذلك الشي‌ء ، ووضوح عدم فهم خصوصيّة لهاتين العبادتين بحسب الانسباق العرفي.

ثمّ إنّه لا شكّ في عدم صحّة استئجاره لنيابة الصلاة عن الميّت بناءً على القول بالتمرينيّة ، لامتناع صدور العبادة الحقيقيّة منه حسب الفرض ، ولا قيمة للصوريّة منها. ومن البيّن لزوم صدور العمل عن النائب على الوجه المطلوب


1) (*) فيه إشكال ، إذ لا ملازمة بين شرعية عبادات نفسه وجواز نيابته ليترتّب عليها فراغ ذمّة الغير.

2) لاحظ الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5 وج 10 : 234 / أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

.................................................................................................


من المنوب عنه ، أي على صفة العبادة بحيث كأنه هو الآتي بها ، لا بأن يقصد الأمر المتعلّق بالمنوب عنه الذي فيه ما لا يخفى ، بل بأن يقصد الأمر المتوجّه إليه نفسه ، حيث يستحبّ لكلّ أحد النيابة عن الميّت شرعاً ، غايته أنّ هذا الأمر الاستحبابي النفسي ينقلب بعدئذٍ إلى الوجوبي بسبب عروض الإجارة ، كانقلاب استحباب نافلة الليل إلى الوجوب بسبب النذر ، وهذا الأمر الإجاري أو النذري وإن كان توصّليّاً في نفسه إلّا أنّ متعلّقه لمّا كان عبادة فلا مناص من الإتيان به بوجه قربي ، فالتعبّديّة ناشئة من قبل هذا الأمر المتعلّق بالنائب لا الأمر المتعلّق بالمنوب عنه الساقط بموته.

وكيفما كان ، فالعبادة اللازم صدورها من النائب يمتنع صدورها عن الصبي على القول بالتمرينيّة ، فلا يجوز استئجاره كما عرفت.

وأمّا على الشرعيّة كما هو الصحيح حسبما مرّ (1)فهل تصحّ نيابته حينئذٍ عن الميّت أو الحيّ في مورد الجواز؟

الظاهر : العدم ، لعدم الملازمة بين الأمرين ، أعني : الشرعيّة والنيابة بحيث تفرغ ذمّة المنوب عنه ، إذ السقوط بفعل الغير خلاف إطلاق الخطاب وموقوف على قيام الدليل عليه ، والمتيقّن منه صورة بلوغ النائب ، أمّا غيره فلم نعثر (2)

مدفوعة بعدم وروده في مقام البيان من هذه الجهة ، فلاحظ.

لحدّ الآن على دليل يدلّ على جواز نيابة غير البالغ ، ولا إطلاق في أدلّة النيابة لكي تشمله كما لا يخفى.

ونظير ذلك ما ذكرناه في الصلاة على الميّت من أنّها وإن كانت مشروعة منه


1) شرح العروة (الصلاة 5) : 167.

2) ودعوى أنّ ما ورد من أنّ من برّ الولد لوالده أن يصلّي عنه ، إلخ ، مطلق من حيث بلوغ الولد وعدمه.

[3373] الرابعة : إذا بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة أُصول الزرع فنبتت (1) فإن لم يعرض المستأجر عنها كانت له ، وإن أعرض عنها (1)وقصد صاحب الأرض تملّكها كانت له ، ولو بادر آخر إلى تملّكها ملك وإن لم يجز له الدخول في الأرض إلّا بإذن مالكها.


لاشتراكه مع البالغ في ذلك حسب التقريب المتقدّم ، إلّا أنّها لا تجزئ في سقوط التكليف عن البالغين ، فإنّ الواجب كفائي والقدر الثابت من الأدلّة سقوطه بفعل واحد منهم ، أمّا بفعل شخص آخر لم يتعلّق به الوجوب فغير ثابت ، ومقتضى الإطلاق عدم الاكتفاء به.

فالأظهر عدم صحّة استئجار الصبي للصلاة عن الميّت كما لا يجتزأ بصلاته على الميّت حسبما عرفت.

(1) وأنتجت كما هو الغالب ، فهل الحاصل تابع للأرض فهو ملك للمؤجّر أو للحبّ فهو للمستأجر؟

المعروف والمشهور وهو الصحيح أنّه من فوائد الحبّ وتوابعه كما في الدجاج التابع للبيض فإنّه هو الذي كبر ونما ، والأرض ظرف ووعاء محض.

وحينئذٍ فإن لم يكن المستأجر معرضاً كما لو كان بانياً على الرجوع وأخذه فنسي فهو له بلا إشكال.

وأمّا إذا كان معرضاً فقد ذكر في المتن أنّه إن تملّكه صاحب الأرض كان له كما في سائر المباحات الأصليّة ، وإن سبقه غيره فتملّكه ملكه وإن كان آثماً في


1) (*) الظاهر أنّ الإعراض لا يوجب الخروج عن الملك ، وعليه فلا يملكها صاحب الأرض بقصد تملّكها. نعم ، لا بأس بالتصرّف فيها من جهة الإباحة.

.................................................................................................


استطراق الأرض إذا لم يكن بإجازة المالك.

أقول : ما ذكره (قدس سره) من زوال الملك بمجرّد الإعراض وصيرورته كالمباح بالأصل يجوز لكلّ أحد تملّكه ، هو المعروف والمشهور بينهم ظاهراً.

وأيّده في السرائر وغيره بما ورد في السفينة المغروقة من أنّ ما أُخرج منها بالغوص فهو للمخرج ، نظراً إلى ابتناء الحكم على أنّ المالك قد أعرض ، ومن ثمّ كان ملكاً للمخرج. قال ابن إدريس : وليس هذا قياساً ، لأنّ مذهبنا ترك القياس ، وإنّما هذا على جهة المثال (1).

ولكنّك خبير بأنّ الرواية المشار إليها أجنبيّة عن باب الإعراض رأساً ، فإنّها رويت بطريقين : تارةً بعنوان السكوني ، وأُخرى بعنوان الشعيري ، وكلاهما شخص واحد ، والمعتبر هو الطريق الأوّل الذي يروي عنه النوفلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «قال : وإذا غرقت السفينة وما فيها فاصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به ، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم» (2)، ونحوها بعنوان الشعيري (3).

وهي كما ترى لم يفرض فيها الإعراض أبداً ، ولعلّ المالك لم يطّلع على الغرق ، أو لم يعلم بوجود ماله في السفينة ، أو كان متوقّعاً خروجه عن البحر ولو من باب الصدفة كما قد يتّفق.

وبالجملة : لم يفرض فيها أنّ المالك أعرض عن ماله ، فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام.


1) السرائر 2 : 195.

2) الوسائل 25 : 455 / كتاب اللقطة ب 11 ح 1.

3) الوسائل 25 : 455 / كتاب اللقطة ب 11 ح 2.

.................................................................................................


وإنّما هي ناظرة إلى المال التالف عرفاً لا إلى المال المعرض عنه ، حيث إنّ المال المغروق من أجل عدم تيسّر الوصول إليه عادةً يعدّ تالفاً في نظر العرف ، إذن فما تضمّنته من كونه للمخرج حكم تعبّدي في مورد خاصّ ، نظير ما ورد في اللقطة من جواز استملاك الشاة الملتقطة في البرّ من قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام : «هي لك أو لأخيك أو للذئب» إلخ (1)، غاية الأمر أنّ الحكم هناك لما هو في معرض التلف ، وفي المقام حكم للتالف ، وكلاهما حكم تعبّدي في مورد خاصّ ولا مساس له بباب الإعراض بوجه.

وعلى الجملة : لم يرد في مسألة الإعراض نصّ يعوّل عليه بعد أن كانت خلافيّة وذات قولين ، وإن كان المشهور ما عرفت من كونه مزيلاً للملك ، إلّا أنّ جماعة أُخرى ذهبوا إلى أنّه لا يترتّب عليه إلّا إباحة التصرّف لكلّ أحد ، التي هي المدلول الالتزامي لرفع اليد عن العين من غير أن تزول الملكيّة بمجرّد الإعراض.

وليس في البين أيّ دليل يتمسّك به إلّا السيرة العقلائيّة الممضاة بعدم الردع بعد أن كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى.

والظاهر لدينا بعد مراجعة السيرة والتدقيق فيما استقرّ عليه بناء العرف والعقلاء عدم كون الإعراض مزيلاً للملك بحيث تكون الملكيّة تحت اختيار الشخص له إزالتها عن نفسه بمجرّد رفع اليد وإلقائه المال في البرّ مثلاً من دون وجود أيّ سبب شرعي مزيل ، ويكون بعدئذٍ بمثابة المباحات الأصليّة يسوغ لكلّ أحد تملّكه.

ألا ترى أنّه لو ندم عن إعراضه وعاد إليه وطالبه ممّن أخذه قبل أن


1) الوسائل 25 : 457 / كتاب اللقطة ب 13 ح 1.

.................................................................................................


يتصرّف فيه فإنّه لا ينبغي الشكّ في استقرار السيرة على أنّ الآخذ لم تكن له معارضة المالك في ذلك بدعوى أنّه مباح أصلي سبقته في الاستيلاء عليه بعد أن زال حقّه بالإعراض عنه ، بل يرونه وقتئذٍ ملزماً بالتخلية عنه وتسليمه إلى المالك بالضرورة. وهذا كاشف قطعي عن عدم زوال الملك بمجرّد رفع اليد ، وإلّا لما كان صاحبه أحقّ به ، غاية ما هناك أنّ الآخذ كان يستباح له التصرّف لولا مراجعة المالك ومطالبته ، فأقصى ما يترتّب على الإعراض هو مدلوله الالتزامي ، أعني : إباحة التصرّف لا ملكيّة المتصرّف.

ولكن هذه الإباحة لم تكن على حدّ الإباحة في باب العارية ونحوها بحيث تتّصف بالجواز المطلق ، ويكون للمالك الرجوع عن إباحته متى شاء.

بل هي شبيهة بالإباحة في باب المعاطاة التي التزم بها جماعة ، أو أنّها عينها في الاتّصاف بعد تعلّقها بعامّة التصرّفات باللزوم وعدم حقّ في الرجوع بعد أن أحدث الآخذ حدثاً في العين وتصرّف فيه نحو تصرّف ، فلو كان ثوباً ففصّله ، أو خشبة فنحتها وجعلها سريراً مثلاً بل حتى لو كان التصرّف بمثل النقل إلى مكان آخر بعيد ، كما لو أخذ أحدٌ ما أعرض عنه المسافر في الطريق وجاء به إلى بلده فإنّه ليس للمالك المراجعة والمطالبة حينئذٍ بالسيرة العقلائيّة ، فهذه سنخ إباحة يعبّر عنها بالإباحة اللازمة بالتصرّف بالمعنى الواسع لمفهوم التصرّف حسبما عرفت.

نعم ، ربّما تستتبع هذه الإباحة للملكيّة فيما لو كان التصرّف المفروض إباحته متوقّفاً عليها ، كالبيع ، حيث إنّه لا بيع إلّا في ملك ، فيلتزم بانتقاله إلى ملك الآخذ آناً ما قبل تحقّق البيع ، بعد أن كان المدلول الالتزامي للإعراض هو الترخيص في عامّة التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك.

وبعبارة أُخرى : البيع المرخّص فيه لم يكن فضوليّاً موقوفاً على إجازة المعرض.

[3374] الخامسة : إذا استأجر القصّاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي بحيث صار حراماً ضمن قيمته (1) ، بل الظاهر ذلك إذا أمره (2) بالذبح تبرّعاً ، وكذا في نظائر المسألة.


ونتيجته : ما عرفت من الالتزام بانتقال الملك إليه.

وخلاصة الكلام : أنّ ملاحظة السيرة تقضي بعدم الخروج عن الملك بمجرّد الإعراض ، ومن ثمّ ساغ له الرجوع وليس للآخذ الامتناع ما لم يتصرّف ، فلا يترتّب على الإعراض بما هو إعراض عدا الإباحة لا زوال الملك ، غاية الأمر أنّ الإباحة تتّصف باللزوم بعد التصرّف ، بل تستتبع الملك في التصرّف المتوقّف على الملك ، فلا يكون استملاك الآخذ بمناط استيلائه على المباح الأصلي ليدّعى زوال الملك بالإعراض ، بل بمناط دلالته على إباحة عامّة التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك حسبما عرفت.

(1) لما تقدّم من ضمان من استؤجر ليصلح فأفسد (1)، على ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار ، فإنّه إتلاف لمال الغير بغير إذنه بعد تغاير ما وقع عمّا وقعت الإجارة عليه ، ومن ثمّ لا يستحقّ الأُجرة أيضاً ، بل إمّا أن تنفسخ الإجارة أو يثبت الخيار والمطالبة بأُجرة المثل عوضاً عن العمل المتعذّر لو لم يفسخ ، على الخلاف المتقدّم في محلّه (2)، وقد عرفت أنّ الأظهر هو الثاني.

(2) أو بدونه مع العلم برضاه ، وذلك لقاعدة الإتلاف المستفادة من النصوص المتفرّقة وإن لم ترد بصورة : من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، في رواية معتبرة ، وإنّما هي عبارة دارجة في ألسنة الفقهاء فحسب كما تقدّم (3).


1) في ص 255.

2) في ص 240 - 247.

3) في ص 169 و 206.

[3375] السادسة : إذا آجر نفسه للصلاة عن زيد فاشتبه وأتى بها عن عمرو فإن كان من قصده النيابة (1) عمّن وقع العقد عليه وتخيّل أنّه عمرو فالظاهر الصحّة عن زيد واستحقاقه الأُجرة ، وإن كان ناوياً النيابة عن عمرو على وجه التقييد لم تفرغ ذمّة زيد ولم يستحقّ الأُجرة ، وتفرغ ذمّة عمرو إن كانت مشغولة ، ولا يستحقّ الأُجرة من تركته ، لأنّه بمنزلة التبرّع. وكذا الحال في كلّ عمل مفتقر إلى النيّة.


(1) ما ذكره (قدس سره) من التفصيل هو الصحيح.

وتوضيحه : أنّه قد يفرض أنّ الاشتباه في مجرّد الاسم ، كما لو تخيّل أنّ من استؤجر للنيابة عنه اسمه عمرو فنوى عنه وهو مسمّى بزيد ، وهذا لا إشكال فيه قطعاً ، بل هو خارج عن محلّ الكلام ، فإنّ عنوان عمرو إشارة محضة إلى من استؤجر عنه ، ومعرفة الاسم لا مدخليّة لها في الصحّة بالضرورة ، فإنّه في الحقيقة قاصد للنيابة عن والد بكر الذي وقعت الإجارة عنه ، وهو شخص واحد قد يشتبه عليه اسمه ، ولا ضير فيه أبداً.

واخرى : يفرض أنّ هناك شخصين ، فليفرض أنّ أحدهما زيد والد المستأجر ، والآخر عمرو جدّه ، وقد وقعت الإجارة للنيابة عن الأوّل ، وتخيّل الأجير وقوعها عن الثاني فنواه. وهذا هو محلّ الكلام ومورد للوجهين المذكورين في المتن من أنّه :

قد يكون ذلك من باب الاشتباه في التطبيق ، بمعنى تعلّق القصد الكامن في أُفق النفس بمن وقعت الإجارة عنه ، غير أنّه اشتبه فتخيّل أنّ مصداقه عمرو ولأجله نواه ، فهو وإن قصد النيابة عن عمرو إلّا أنّ مورد القصد لم يكن هو عمرو بعنوان أنّه عمرو ، بل بعنوان أنّه مصداق لمن وقعت الإجارة عنه ، وهذا

[3376] السابعة : يجوز أن يؤاجر داره مثلاً إلى سنة بأُجرة معيّنة ويوكّل المستأجر في تجديد الإجارة عند انقضاء المدّة (1) ، وله عزله بعد ذلك ، وإن جدّد قبل أن يبلغه خبر العزل لزم عقده ، ويجوز أن يشترط في ضمن العقد أن يكون وكيلاً عنه في التجديد بعد الانقضاء ، وفي هذه الصورة ليس له عزله.


الاشتباه الراجع إلى مقام الانطباق حيث لم يستوجب خللاً فيما يراد منه من قصد النيابة فلا ضير فيه ولا يقدح في الصحّة عن زيد واستحقاق الأُجرة.

وأُخرى : يتعلّق القصد بالنيابة عن عمرو بعنوان أنّه عمرو بحيث أخذ تمام الموضوع في مقام اللحاظ المعبّر عنه في المتن بكونه على وجه التقييد ، غير أنّ الباعث على هذا الإقدام والداعي لهذه النيابة تخيّل كونه مورداً للإجارة فبان عدمه ، فكان ذلك من باب التخلّف في الداعي لا من باب الاشتباه في التطبيق كما في الصورة الأُولى.

ولا ريب هنا في أنّ ما كان مورداً للإجارة لم يؤت به وما اتي به لم يكن مورداً للإجارة فلم تفرغ ذمّة زيد.

نعم ، تفرغ ذمّة عمرو لو كانت مشغولة ، لوقوع عمل صحيح عنه وإن صدر بداعٍ مخالف للواقع ، غير أنّه لا يستحقّ الأُجرة من تركته ، لكونه بمثابة التبرّع كما أفاده (قدس سره).

وأمّا بالنسبة إلى الأُجرة المسمّاة فيجري فيه الخلاف المتقدّم من الانفساخ أو الخيار والمطالبة لو لم يفسخ بأُجرة المثل عوضاً عن العمل المستأجر عليه لدى تعذّره ، وقد عرفت أنّ الأظهر هو الثاني.

(1) لا إشكال في صحّة التوكيل المزبور بعد صدوره من المالك كصحّة عزله

.................................................................................................


بعد الوكالة ، لكونها من العقود الجائزة ، وكذا نفوذ التجديد الحاصل قبل بلوغ خبر العزل ، إذ لا أثر للعزل الواقعي ما لم يبلغ. وهذا كلّه ظاهر.

وإنّما الكلام في اشتراط ذلك في ضمن العقد بأن يجعله وكيلاً على سبيل شرط الفعل وأن لا يعزله ، فهل له العزل بعد ما وكّل أو لا؟

فيه كلام مذكور في باب الشروط مبني على أنّ الشرط هل يستوجب قصر سلطنة المشروع عليه عن ماله فلا يكون مسلّطاً على التصرّف فيه بعد إمضاء الشارع تصرّفاً منافياً لشرطه ، أو أنّه لا يوجبه؟

والمسألة عامّة سيّالة وغير خاصّة بباب الوكالة ، فلو باع داره واشترط أن لا يؤجرها أو لا يبيعها من عمرو فخالف وباع منه أو آجر ، أو اشترطت المرأة على زوجها أن لا يطلّقها فطلّق ، فهل يكون التصرّف المزبور المخالف للشرط صحيحاً ونافذاً بعد الاتّفاق على كونه عاصياً وآثماً؟ فإنّه قد يقال بعدم النفوذ نظراً إلى ما عرفت من أنّ الشرط يلغي السلطنة على التصرّف ، فلا جرم يحكم بفساد.

ولكنّا أشرنا في محلّه إلى أنّ ما يترتّب على نفوذ الشرط ليس إلّا الحكم التكليفي المحض والخيار للشارط عند التخلّف ، وليس معنى الوفاء بالشرط المستفاد وجوبه من مثل قوله (عليه السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» أزيد من ذلك. ومن البيّن أنّ الوجوب التكليفي وحرمة المخالفة لا تنافي الصحّة الوضعيّة لو خالف ، ومن ثمّ لم يكن النهي المولوي التكليفي المتعلّق بالمعاملة موجباً لفسادها.

إذن فنفوذ الشرط لا يستوجب قصر السلطنة وزوالها ، لعدم كون ذلك من شؤون النفوذ ومقتضياته بوجه ، فلو خالف في المقام وعزل فقد صدر العزل من أهله وفي محلّه من حيث الوضع ، فلا مانع من ترتّب الأثر عليه ، وكذا في مسألة الطلاق ونظائره.

.................................................................................................


هذا كلّه في شرط الفعل.

وأمّا لو لوحظ التوكيل على سبيل شرط النتيجة بأن اشترط في متن العقد أن يكون وكيلاً عنه في التجديد فقد ذكر في المتن أنّه لا مانع منه ، وأنّ الوكالة تصبح بذلك لازمة ولا أثر بعدئذٍ لعزله. وهذا هو الصحيح.

والوجه فيه : ما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة من أنّ شرط النتيجة إنّما لا يصحّ فيما إذا كانت للنتيجة سبب خاصّ كالضمان فإنّ الشرط لا يحقّق تلك النتيجة ولا يحصّلها ما لم يقم عليه دليل آخر. وأمّا فيما لا يحتاج إلى سبب خاصّ بل يكفي مجرّد الإنشاء ممّن بيده الأمر وإبرازه كيفما كان ، فلا مانع في مثله من الالتزام بشرط النتيجة ، وهذا كما في الملكيّة ، حيث إنّها لا تختصّ بسبب معيّن ، بل قابلة للإنشاء بأيّ مبرز كان من بيع أو هبة أو مصالحة ونحوها من سائر الأسباب التي منها الشرط في ضمن العقد ، فلو باع الدار بشرط أن يكون مالكاً للدكّان أيضاً صحّ وملكه بنفس هذا الشرط ، لما عرفت من عدم احتياج الملكيّة إلى سبب خاصّ.

والوكالة أيضاً من هذا القبيل ، إذ يكتفى في تحقّقها بمجرّد الاعتبار النفساني وإبرازه بمبرزٍ ما ، والشرط من أحد أسباب الإبراز ، فكما أنّ الوكالة تتحقّق بإنشائها مستقلا فكذلك باشتراطها في ضمن العقد على سبيل شرط النتيجة ، فيشترط المستأجر أن يكون وكيلاً عن المؤجر في التجديد ، أو الزوجة أن تكون وكيلة عن الزوج في الطلاق ، وهكذا ، فيكون الشارط وكيلاً بنفس هذا الشرط.

نعم ، يفترق هذا عن الوكالة المنشأة استقلالاً في أنّه لا سبيل بعدئذٍ إلى العزل ، لأنّ هذه الوكالة إنّما تحقّقت من أجل نفوذ الشرط المحكوم باللزوم لكونه من توابع العقد اللازم ، فلزومها من شؤون لزوم العقد ومقتضياته ، نظراً إلى أنّ

[3377] الثامنة : لا يجوز للمشتري (1)ببيع الخيار بشرط ردّ الثمن للبائع أن يؤاجر المبيع أزيد من مدّة الخيار للبائع (1) ، ولا في مدّة الخيار من دون اشتراط الخيار حتى إذا فسخ البائع يمكنه أن يفسخ الإجارة ، وذلك لأنّ اشتراط الخيار من البائع في قوّة إبقاء المبيع على حاله حتى يمكنه الفسخ ، فلا يجوز تصرّف ينافي ذلك.


ما دلّ على لزوم العقد فهو كما دلّ على لزوم أصله دلّ على لزوم ما يشتمل عليه من الشرط ، فإذا كان الشرط هو الوكالة فلا جرم كانت لازمة بتبع لزوم أصل العقد ، فالوكالة وإن كانت في نفسها من العقود الجائزة إلّا أنّه لا تنافي بين الجواز الطبعي وبين اللزوم العرضي الناشئ من قبل الوقوع في ضمن عقد لازم واشتراطه فيه ، فليس للمؤجّر عزله عن الوكالة في المقام ، كما ليس للزوج عزل الزوجة عن وكالتها في الطلاق المشترطة في عقد لازم بنحو شرط النتيجة.

(1) قد ذكرنا في محلّه أنّ الخيار الثابت في العقد سواء أكان أصليّاً أم جعليّاً متعلّق بنفس العقد ولا تعلّق له بالعين الخارجيّة المتعلّق بها العقد ، فالخيار متعلّق بالعقد والعقد متعلّق بالعين من دون تعلّق للخيار بنفس العين. ونتيجة ذلك : عدم كون الخيار مانعاً عن تصرّف من عليه الخيار فيما انتقل إليه ، فيجوز لبائع الحيوان التصرّف في الثمن أثناء الثلاثة أيّام ، لأنّه تصرّف في ملكه وصادر من أهله في محلّه ، غاية الأمر أنّ من له الخيار لو فسخ ووجد العين تالفة بتلف حقيقي أو حكمي رجع إلى البدل من مثل أو قيمة.


1) (*) هذا بحسب التكليف ، ولكنّه لو آجره لا تبعد الصحّة ، ولكنّه إذا فسخ العقد في وقته أخذ من المشتري بدل التالف من المنفعة.

.................................................................................................


والظاهر أنّ هذا ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، لما عرفت من كون موضوع الخيار هو العقد دون العين.

وإنّما الكلام في الخيار المجعول للبائع المشروط بردّ الثمن المشتهر باسم بيع الخيار ، كما لو باع داره واشترط لنفسه الخيار متى ما ردّ الثمن خلال ستّة أشهر مثلاً فهل يجوز للمشتري التصرّف في المبيع أثناء هذه المدة تصرفاً منافياً لرده من بيع ونحوه؟

لا ينبغي الشكّ في جوازه فيما إذا اكتنف البيع المزبور بقرائن تشهد بعدم تعلّق النظر بشخص المبيع ، وإنّما العبرة بنوعيّته وماليّته المتحقّقة في ضمن فرد آخر ، كما لو كان بحاجة إلى الدينار العراقي فباع دنانيره الكويتيّة بأقلّ من قيمتها مشروطاً بالخيار لدى ردّ الثمن بعد شهر مثلاً فإنّ من الضروري عدم تعلّق غرض بشخص الدينار الكويتي الذي وقع مورداً للبيع ، بل الغاية من الاشتراط المزبور التمكّن من استرداد هذا النوع من الدينار وإن تحقّق في ضمن فرد آخر.

وأمّا لو تعلّق النظر بشخص المبيع وقام الغرض به بخصوصه ، كما لو باع داره المسكونة ونحوها ممّا تتعلّق العناية باسترداد عينها ، فهل يسوغ للمشتري التصرّف المنافي لذلك من بيع أو إجارة في أزيد من مدّة الخيار ، أو بمقدارها بإجارة لازمة؟

ذهب جماعة ومنهم الماتن إلى عدم الجواز ، نظراً إلى أنّ جعل الخيار في أمثال هذه الموارد بمنزلة اشتراط الاقتناء وإبقاء المبيع على حاله ليتمكّن المشتري من استرداده على النحو الذي أخذه عند استلامه ، فلو آجرها بإجارة لازمة فهي طبعاً تردّ لدى الفسخ مسلوبة المنفعة ، والمفروض لزوم الردّ كما أخذ ، فلأجل كون التصرّف المزبور منافياً للاشتراط لم يكن جائزاً ولا نافذاً.

أقول : ما أُفيد ولعلّه المشهور بينهم وجيه بالنسبة إلى الحكم التكليفي ،

[3378] التاسعة : إذا استؤجر لخياطة ثوب معيّن لا بقيد المباشرة


إذ الإبقاء وعدم التصرّف المنافي بعد أن كان مورداً للشرط ولو بالدلالة الالتزاميّة وجب الوفاء به وحرمت مخالفته بمقتضى عموم :

«المؤمنون عند شروطهم» ، فالإجارة في المقام بما أنّها مخالفة للشرط فهي غير جائزة ومحرّمة تكليفاً.

وأمّا حرمتها وضعاً ليحكم بالبطلان فيما لو عصى وارتكبها فهي مبنيّة على اقتضاء الشرط قصر سلطنة المالك على التصرّف في ماله ، وكونه بمثابة التخصيص في دليل سلطنة الناس على أموالهم.

وقد عرفت في المسألة السابقة منعه وأنّه لا يستفاد من أدلّة نفوذ الشرط شي‌ء آخر أكثر من الوجوب التكليفي والخيار لو تخلّف ، فلو خالف وتصرّف فهو تصرّف من أهله في محلّه ومحكوم بالصحّة بمقتضى الإطلاقات ، ولا أساس لقصر السلطنة.

إذن فالأوجه التفصيل بين الحكم التكليفي فلا يجوز ، وبين الوضعي فيجوز ويحكم بصحّة الإجارة ، غاية الأمر أنّه متى ما فسخ البائع في ظرفه طالب المشتري بعوض ما تلف من المنفعة.

ويطّرد ما ذكرناه في غير المقام أيضاً ، لكون المسألة سيّالة كما أشرنا إليه فيما مرّ.

فلو طلّق زوجته وليفرض الطلاق خلعيّاً ليتضمّن العوض فيكون أظهر وأشبه بالمقام واشترط عليها أن لا تتزوّج من زيد فخالفت وتزوّجت منه ، أو باع داره واشترط أن لا يبيعها أو لا يؤجرها من زيد فخالف ، وهكذا ، فإنّه عاصٍ في مخالفة الشرط بلا إشكال ، وأمّا البطلان فمبني على دلالة الشرط على

فخاطه شخص آخر (1) تبرّعاً عنه استحقّ الأُجرة المسمّاة ، وإن خاطه تبرّعاً عن المالك لم يستحقّ المستأجَر (1)شيئاً وبطلت الإجارة (2)، وكذا إن لم يقصد التبرّع عن أحدهما ولا يستحقّ على المالك اجرة ، لأنّه لم يكن مأذوناً من قبله وإن كان قاصداً لها أو معتقداً أنّ المالك أمره بذلك.


قصر السلطنة التي عرفت منعها ، فالأقوى صحّة العقد المشروط عدمه في أمثال هذه الموارد.

(1) الشخص الخائط في مفروض المسألة :

تارةً : يقصد التبرّع عن الأجير.

واخرى : عن المالك.

وثالثةً : لا هذا ولا ذاك ، بل يعمل بقصد أخذ الأُجرة من المالك إمّا لاعتقاده أنّ له ذلك ، أو تخيّل أنّه الأجير دون الآخر.

أمّا في الصورة الاولى : فلا ينبغي الشكّ في بقاء الإجارة على صحّتها واستحقاق الخيّاط للأُجرة المسمّاة ، إذ العمل المستأجر عليه بعد أن لم يكن مقيّداً بالمباشرة فهو دين ثابت في ذمّته قد وافاه غيره ، وقد دلّت السيرة العقلائيّة مضافاً إلى بعض الأخبار الواردة في باب الزكاة على جواز التصدّي لتفريغ ذمّة الغير وأداء دينه ولو من غير إذنه ورضاه ، فبعد التبرّع المزبور تصبح الذمّة فارغة ، ولأجله يستحقّ الأُجرة.

ويجري هذا في البيع أيضاً ، فلو اشترى وتبرّع غيره بالثمن ملك المبيع بعين


1) (*) المستأجَر بالفتح ، أي الأجير.

2) (**) في إطلاقه إشكال ، وقد مرّ التفصيل في نظائره.

.................................................................................................


المناط المذكور.

وأمّا في الصورة الثانية : سواء أكان المتبرّع ملتفتاً إلى الإجارة أم لا فقد حكم في المتن بعدم استحقاق الأُجرة ، لبطلان الإجارة من أجل تعذّر العمل بعد عدم قبول المحلّ لخياطة ثانية.

وهو وجيه ، بناءً على مسلكه (قدس سره) من الالتزام بالانفساخ مطلقاً في أمثال المقام ممّا تعذّر فيه العمل المستأجر عليه.

ولكنّك عرفت أنّ الأظهر التفصيل بين عروض التعذّر قبل مضيّ زمان يمكن حصول العمل فيه وبين عروضه بعده.

ففي الأوّل كما لو استؤجر للخياطة يوم الجمعة فبادر المتبرّع يوم الخميس يتّجه البطلان ، لكشف طروّ العذر وقتئذٍ عن عدم قدرته على العمل بتاتاً ، فلم يكن مالكاً له ليملكه.

وأمّا في الثاني بأن كان الوقت موسّعاً كالخياطة خلال الشهر ، فسبقه المتبرّع في اليوم العاشر فلم يتّضح أيّ وجه حينئذٍ للبطلان ، إذ العمل في ظرفه المقرّر كان مقدوراً ومملوكاً له وهو متمكّن من تسليمه وقد أخّره باختياره استناداً إلى سعة الوقت ، فما هو الموجب للانفساخ؟! بل المالك يملك العمل في ذمّة الأجير وهو يملك الأُجرة على المالك ، فله مطالبة الأجير بقيمة العمل المتعذّر بعد دفع المسمّاة ، كما أنّ له الفسخ بمقتضى تعذّر التسليم.

ومنه يظهر الحال في الصورة الثالثة وأنّه لا موجب أيضاً للانفساخ ، بل غايته الخيار حسبما عرفت ، كما لا يستحقّ العامل شيئاً على المالك بعد عدم صدور العمل بإذنه وأمره ، نظير من بنى دار زيد في غيابه بقصد أخذ الأُجرة منه ، فإنّه لا يستوجب الاستحقاق بعد أن لم يكن مضموناً عليه.

[3379] العاشرة : إذا آجره ليوصل مكتوبة إلى بلد كذا إلى زيد مثلاً في مدّة معيّنة فحصل مانع في أثناء الطريق أو بعد الوصول إلى البلد (1) ، فإن كان المستأجر عليه الإيصال وكان طيّ الطريق مقدّمة لم يستحقّ شيئاً ، وإن كان المستأجر عليه مجموع السير والإيصال استحقّ بالنسبة ، وكذا الحال في كلّ ما هو من هذا القبيل ، فالإجارة مثل الجعالة قد يكون على العمل المركّب من أجزاء ، وقد تكون على نتيجة ذلك العمل ، فمع عدم حصول تمام العمل في الصورة الأُولى يستحقّ الأُجرة بمقدار ما أتى به ، وفي الثانية لا يستحقّ شيئاً ، ومثل الصورة ما إذا جعلت الأُجرة في مقابلة مجموع العمل من حيث المجموع ، كما إذا استأجره للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الأثناء من إتمامها.


(1) فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين وقوع الإجارة على نتيجة العمل أو على المجموع من حيث المجموع ، وبين وقوعها على العمل المركّب من أجزاء ، فيستحقّ الأُجرة بمقدار ما أتى به في الأخير دون الأولين.

وتوضيح كلامه (قدس سره) : أنّ الصور المعقولة في المقام أربع :

الأُولى : انحلال الإجارة إلى إجارات عديدة بعدد أجزاء العمل من غير دخل للهيئة التركيبيّة ، فلوحظ كلّ جزء مستقلا وبحياله قد وقعت الأُجرة بإزائه ، وقد جمع بين الكلّ في إنشاء واحد بحيث تقسّط الأُجرة على الجميع بنسبة واحدة.

كما لو استؤجر لصيام شهر بثلاثين درهماً ، أو الصلاة سنة باثني عشر ديناراً ، فصام عشرة أيّام أو صلّى شهراً فعجز عن الباقي ، فإنّ متعلّق الإجارة منبثّ في الحقيقة على ذوات الأجزاء وهو أنّه كلّ يوم بدرهم أو كلّ شهر بدينار من غير لحاظ لصفة الانضمام والاتّصال. فلا جرم تقسّط الأُجرة ويستحقّ منها بمقدار

.................................................................................................


ما أتى ، وتنفسخ في الباقي. وهذا واضح ، وهو خارج عن موضوع كلامه (قدس سره) بالكلّيّة.

الثانية : وقوع الإجارة بإزاء النتيجة المترتّبة على العمل والغاية المترقّبة منه من دون نظر إلى نفس العمل إلّا كوسيلة ومقدّمة صرفة كالإيصال فيما ذكره (قدس سره) من المثال ، وكتفريغ الذمّة فيما لو استؤجر للصلاة أو الصيام ، فإنّه لو حصل مانع في أثناء الطريق فلم يصل ، أو في أثناء الصلاة أو الصيام فلم يتمّ ، لم يستحقّ أيّ شي‌ء وإن كان قد أتى ببعض المقدّمات ، لأنّ ما استؤجر عليه من الإيصال أو التفريغ لم يتحقّق حسب الفرض ، وما تحقّق خارجاً لم يكن مورداً للإيجار ، كما هو الحال في سائر المقدّمات ، مثل ما لو استؤجر للصلاة فتوضّأ ومات فإنّه لا يستحقّ أيّ أُجرة إزاء ما أتى به من الوضوء ، لعين ما ذكر.

الثالثة : أن تقع الإجارة بإزاء عنوان بسيط منتزع من العمل الخارجي لا أنّه مترتّب عليه كما في السابقة ولنعبّر عنه بالمجموع من حيث المجموع المنتزع من اتّصال الأجزاء وانضمام بعضها مع بعض ، حيث إنّ الموجود في الخارج إنّما هو ذوات الأجزاء بالأسر ولكنّها لم تكن مورداً للإيجار ، بل مورده العنوان الانتزاعي ، أي الأجزاء المتّصفة بكونها متّصلة والمتقيّدة بهذا الوصف العنواني.

وحكم هذه حكم الصورة السابقة في أنّه لو وجد مانع من تحقّق المجموع لم يستحقّ شيئاً ، لما عرفت من أنّ ما تحقّق لم تتعلّق به الإجارة ، وما تعلّقت به لم يتحقّق ، كما مثّل له في المتن بما لو استؤجر للصلاة أو الصيام فحصل في الأثناء مانع عن الإتمام.

الرابعة : أن تقع الإجارة بإزاء المجموع ، لكن لا بوصف أنّه مجموع كما في السابقة ليكون بسيطاً ، بل ذات المجموع الراجع إلى تعلّق الإجارة بإزاء كلّ

.................................................................................................


جزء من العمل مشروطاً بالتركّب والاجتماع ، فلوحظت صفة الانضمام شرطاً في كلّ جزء لا قيداً ، وهذا هو المتعارف خارجاً ، كما في بيع شيئين صفقة ، حيث إنّ المبيع هو نفس كلّ من الجزأين ، لكن لا مطلقاً ، بل بشرط الانضمام ، فلو تخلّف صحّ البيع ، لعدم وقوعه بإزاء العنوان البسيط حتى يقال : إنّ ما وقع عليه البيع لم يسلَّم للمشتري وما سُلِّم له لم يتعلّق به البيع ، بل بإزاء ذات كلّ منهما ، غاية الأمر أنّ تخلّف الشرط يستوجب تعلّق الخيار.

وهذا بعينه يجري في الإيجار ، فإنّه إذا آجر داره سنة أو استأجره ليذهب بالمكتوب إلى بلد كذا ، لا على سبيل التقسيط كما في الصورة الأُولى ولا على العنوان البسيط كما في الثالثة فإنّ مرجعه حينئذٍ إلى تعلّق الإجارة بكلّ جزء ولكن مشروطاً بالاجتماع والانضمام ، فلو تخلّف فقد تحقّق المستأجر عليه ، ومن ثمّ استحقّ الأُجرة بإزائه ، غايته ثبوت الخيار فيستحقّ اجرة المثل لو فسخ.

فما ذكره (قدس سره) في المتن من الصحّة في هذه الصورة واستحقاقه الأُجرة المسمّاة بمقدار ما أتى به حسنٌ وفي محلّه ، غير أنّه يثبت له الخيار أيضاً حسبما عرفت وإن لم يتعرّض له في المتن ، وأنّه لو فسخ حينئذٍ يرجع فيما مضى إلى أُجرة المثل دون المسمّاة.

وملخّص الكلام : أنّ الإجارة قد تقع بإزاء نفس الأجزاء من غير لحاظ وصف الانضمام لا شرطاً ولا قيداً ، كما هو المتفاهم العرفي فيما لا يكون هناك غرض في الاتّصال كالصيام شهراً أو الصلاة سنة ، ولا إشكال في مثله في الانحلال لو أتى ببعض العمل دون بعض. وهو خارج عن محلّ الكلام.

وأُخرى : بإزائها مشروطاً بالانضمام ، وحكمها الصحّة لو تخلّف مع ثبوت الخيار.

وثالثةً : بإزاء العنوان البسيط المترتّب ، كتفريغ الذمّة ، أو إيصال المكتوب ،

.................................................................................................


المترتّبين على تحقّق العمل الخارجي.

ورابعةً : بإزاء عنوان بسيط منتزع لوحظت فيه الوحدة الاعتباريّة ، ويعبّر عنه بالمجموع من حيث المجموع ، الراجع إلى لحاظ الانضمام والاتّصال قيداً فيما وقعت الإجارة عليه لا شرطاً.

وفي هاتين الصورتين لا يستحقّ الأجير شيئاً لو أتى ببعض العمل دون بعض.

أمّا الأُولى منهما : فظاهر ، لأنّ ما تعلّقت به الإجارة لم يقع ، وما وقع لم تتعلّق به الإجارة.

وكذا الثانية ، لعين ما ذكر بعد وضوح مغايرة الماهية بشرط شي‌ء مع الماهية بشرط لا ، فإنّ الانضمام بعد أن لوحظ قيداً في متعلّق الإجارة فلا جرم كان الواجد للقيد مبايناً مع الفاقد له مباينة الماهية بشرط شي‌ء معها بشرط لا. فإذن لم يكن المأتيّ به خارجاً الفاقد للقيد مورداً للإيجار ، كما أنّه لم يصدر بأمر من المستأجر ، فلا يستحقّ الأجير شيئاً عليه ، لما عرفت من عدم ورود الإجارة على ما وقع ، وعدم كون ما وقع مورداً للإجارة.

ولا فرق في ذلك بين ما إذا كانت الأجزاء الفاقدة للقيد المزبور ذات ماليّة في أنفسها عند العقلاء أو لا ، لوحدة المناط ، فكما لا يستحقّ الأجير شيئاً على ما أتى به من بعض العمل الفاقد للماليّة بالكلّيّة كركعة واحدة من الصلاة ، أو الإمساك نصف اليوم فكذا على ما كان متّصفاً بها ، كما لو استؤجر للاعتكاف عن زيد الذي هو عنوان بسيط منتزع من مجموع الصيام ثلاثة أيّام في المسجد بشرائط خاصّة ، فصام يوماً واحداً عنه ومات ، فإنّ هذا الجزء وإن كان ذا ماليّة عقلائيّة إلّا أنّه لمّا لم يقع بنفسه مورداً للإجارة والمفروض عدم صدوره بأمر من المستأجر فلا يستحقّ العامل اجرة عليه.

[3380] الحادية عشرة : إذا كان للأجير على العمل خيار الفسخ (1) فإن فسخ قبل الشروع فيه فلا إشكال ، وإن كان بعده استحقّ اجرة المثل ، وإن كان في أثنائه استحقّ بمقدار ما أتى به من المسمّى أو المثل


وبالجملة : فليس الوجه فيما ذكرناه من عدم الاستحقاق في هذه الصورة عدم الماليّة ، فإنّ هذا لازم أعمّ قد يكون وقد لا يكون ، بل الوجه عدم وقوع الإجارة عليه وعدم حصول ما وقعت الإجارة عليه حسبما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) قد يفرض الخيار للأجير وأُخرى للمستأجر ، فإن كان للأجير سواء أكان خياراً أصليّاً كخيار الغبن أم جعليّاً كشرط الخيار فلا إشكال فيما لو فسخ قبل الشروع في العمل المستأجر عليه ، فإنّه صادر من أهله في محلّه ويؤثّر أثره ، فيفرض العقد كأن لم يكن ولا يستحقّ أحدهما على الآخر شيئاً. كما لا إشكال فيما لو فسخ بعد الفراغ من العمل فترجع المسمّاة إلى المستأجر ، وحيث لا يمكن رجوع العمل الصادر بأمره إلى الأجير فلا جرم يغرم له اجرة المثل بعد بطلان الضمان بالأُجرة المسمّى بمقتضى افتراض الفسخ ، كما هو الحال في البيع فيما لو فسخ البائع وقد وجد العين تالفة تحت يد المشتري فإنّه يرجع حينئذٍ إلى ثمن المثل. وهذا كلّه واضح.

وإنّما الكلام فيما لو فسخ أثناء المدّة لانكشاف غبنه حينئذٍ مثلاً فهل يستحقّ من المسمّاة بنسبة ما وقع وأتى به في الخارج من العمل ، أو أنّه يستحقّ عليه اجرة المثل؟

تقدّم التعرّض لذلك في المسألة الخامسة من الفصل الثالث ، حيث إنّ الماتن احتمل الوجهين ، وذكرنا أنّ الأقوى هو الثاني ، نظراً إلى أنّ مقتضى الفسخ حلّ

.................................................................................................


العقد وفرضه كأن لم يكن ، المستتبع لعود كلّ عوض إلى مالكه ، وحيث لا يمكن إعادة ما تحقّق من العمل الذي قد صدر بأمر من المستأجر فلا جرم ينتقل إلى البدل وهو اجرة المثل ، كما هو الحال في فسخ البيع أيضاً بعد أن تلف شي‌ء من المبيع فإنّه ينتقل فيه إلى ثمن المثل.

ولكنّا أشرنا في تلك المسألة إلى أنّ هذا إنّما يتمّ في الخيار الثابت في أصل الشرع كخيار الغبن ونحوه ، وأمّا الخيار المجعول من أحدهما كالأجير فيما نحن فيه فإنّ الارتكاز العرفي في مثله قائم على إرادة الفسخ بالإضافة إلى ما سيأتي دون ما مضى ، فإنّه يمضى حسبما اتّفقا عليه من الأُجرة المسمّاة ، فلو آجر داره إلى سنة بكذا وجعل لنفسه الخيار عند ستّة أشهر ، فإنّ معنى ذلك حسب الفهم العرفي وما هو المتعارف بحسب الارتكاز إرادة الفسخ بالنسبة إلى الستّة أشهر الباقية وإمضاء ما مضى كما مضى والاستحقاق بنسبته من الأُجرة المسمّاة لا فسخ العقد من أصله ليرجع فيه إلى أُجرة المثل.

فإن قلت : العقد الواجد لا يتبعّض فكيف يمكن تعلّق الفسخ بالبعض من متعلّقه دون بعض؟

قلت : نعم ، إلّا أنّه لدى قيام القرينة على عدم مدخليّة لوصف الاجتماع كما تقدّم في الصورة الاولى من فروض المسألة المتقدّمة ففي الحقيقة ينحلّ العقد إلى إجارات عديدة قد جمع بينها وأُنشئ الكلّ بإنشاء واحد ، فهو من ضمّ إجارة إلى إجارة إلى مثلها بعدد أبعاض المنافع أو الأعمال وأجزائها ، فمرجع قيام التعارف على اختصاص حقّ الفسخ في أثناء المدّة بالنسبة إلى ما سيأتي إلى تعلّقه بالإجارة اللاحقة دون السابقة ، لا تعلّقه بالنصف من العقد كي يعترض بعدم قبوله للتبعيض ، فلو آجر داره إلى سنة بمائة ، أو استؤجر للصلاة عن الميّت سنة بمائة فمرجعه إلى إجارة كلّ ستّة أشهر بخمسين ، فلو فسخ بعد ستّة

على الوجهين المتقدّمين (1) إلّا إذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع (2) فلا يستحقّ شيئاً ، وإن كان العمل ممّا يجب إتمامه بعد الشروع فيه (3) ،


أشهر فهو إنّما يفسخ الإجارة الثانية المنحلّ إليها العقد ، لا أنّه يفسخ النصف الباقي من العقد ، فلا جرم يستحقّ من الأُجرة المسمّاة بالنسبة إلى ما مضى ولا يرجع إلى أُجرة المثل كما تعرّضنا لذلك كلّه بنطاق واسع في أبحاث المكاسب.

وبالجملة : فيفصّل فيما لو فسخ في الأثناء بين الخيار المجعول المشترط ثبوته في ضمن العقد وبين الثابت بنفسه كخيار الغبن ، ففي الأوّل يستحقّ لما مضى من المسمّى ، وفي الثاني من المثل حسبما عرفت.

(1) في المسألة الخامسة من الفصل الثالث من أوّل كتاب الإجارة.

(2) بحيث كان المستأجر عليه أمراً واحداً بسيطاً منتزعاً من الأجزاء كالاعتكاف وقد فسخ في الأثناء فلا يستحقّ حينئذٍ لما مضى أيّ شي‌ء ، كما لو فسخ بعد صوم يوم منه لتبيّن غبنه في الإجارة ، لأنّ ما وقع لم تتعلّق به الإجارة ، وما تعلّقت به لم يتحقّق ، فلا مقتضي للرجوع إلى المستأجر بوجه.

(3) تعرّض (قدس سره) لما إذا فسخ أثناء العمل الذي يجب إتمامه بعد الشروع فيه ، كالصلاة أو الحجّ بناءً على حرمة القطع ووجوب الإتمام ، وكالاعتكاف فيما لو فسخ بعد مضيّ يومين ، وأنّ هذا هل هو بمثابة الفسخ بعد تمام العمل فيستحقّ تمام اجرة المثل أو يجري عليه حكم الفسخ في الأثناء من عدم استحقاق أيّ شي‌ء لو لوحظ المجموع من حيث المجموع وإلّا فيستحقّ ، لما مضى من المثل أو المسمّى على الخلاف المتقدّم؟

ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجهين وأنّ الأوجه هو الأوّل ، فيستحقّ الأُجرة لتمام العمل.

كما في الصلاة بناءً على حرمة قطعها ، والحجّ بناءً على وجوب إتمامه ، فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ وجهان ، أوجههما الأوّل.


وما ذكره (قدس سره) هو الصحيح ، والوجه فيه ما ذكرناه في كتاب الحجّ (1)من أنّ باذل الزاد والراحلة لو رجع عن بذله بعد إحرام المبذول له بناءً على جواز الرجوع حينئذٍ كما هو الصحيح فإن لم يتمكّن المحرم من الإتمام كشف عن بطلان البذل وكان إحرامه كلا إحرام ، وأمّا لو تمكّن منه واستطاع على الإتيان ببقيّة الأعمال وجب عليه ذلك وإن كان الباذل قد رجع عن بذله ، لأنّه مستطيع وقتئذٍ فيجب عليه الإتمام.

ولكن هذا العمل الذي يجب إتمامه بما أنّه وقع بأمر من الباذل فلا جرم كان هو الضامن له ، إذ الأمر من موجبات الضمان بالسيرة العقلائيّة ، ويستحقّ العامل على الآمر اجرة المثل ، ولا فرق في ذلك بمقتضى عموم السيرة بين تعلّق الأمر بتمام العمل أو بالشروع في عمل لا بدّ من إتمامه إمّا تكويناً بحيث لا يمكنه رفع اليد كما لو أمره بدخول البحر أو نزول البئر لمعرفة مقدار عمقه مثلاً ، المستلزم للخروج منه قهراً وإمّا تشريعاً كالأمثلة المتقدّمة ، بعد وضوح أنّ الواجب الشرعي كالعقلي في اللابديّة ، فكما أنّ الأمر بالدخول أو النزول يستلزم الأمر بالخروج بالدلالة الالتزاميّة التبعيّة ، ومن ثمّ يكون ضامناً له أيضاً بالسيرة العقلائيّة ، فكذلك في الواجبات الشرعيّة بمناط واحد. إذن فيرجع إلى الباذل في مصارف الإتمام كما يرجع إلى الآمر في المقام.

وبالجملة : لا فرق في الضمان بالأمر بمقتضى عموم دليله وهو السيرة بين أن يعمل العمل ، وبين ما لا بدّ له أن يعمل عقلاً أو شرعاً ، فكما أنّه لو التفت


1) شرح العروة 28 : 61 - 62.

هذا إذا كان الخيار فوريّاً (1) كما في خيار الغبن إن ظهر كونه مغبوناً في أثناء العمل وقلنا : إنّ الإتمام منافٍ للفوريّة ، وإلّا فله أن لا يفسخ إلّا بعد الإتمام. وكذا الحال إذا كان الخيار للمستأجر (2) ، إلّا أنّه إذا كان المستأجر عليه المجموع


بعد خروجه إلى غبنه فيما استؤجر له من الدخول أو النزول ففسخ يستحقّ اجرة المثل لمجموع العمل ، فكذا لو التفت وهو داخل البحر أو في قعر البئر ففسخ.

فإذا كان الأمر فيما لا بدّ منه عقلاً كذلك ، ففيما لا بدّ شرعاً أيضاً كذلك بمناط واحد.

وعلى ضوء ذلك يستقيم ما أفاده (قدس سره) في المقام ، حيث إنّ الأجير إذا التفت إلى غبنه مثلاً بعد الشروع في الصلاة أو الإحرام ففسخ وقد وجب عليه الإتمام ، فبما أنّ الاقتحام في هذا العمل قد وقع بأمر من الغير ففسخه لا يمنع من الرجوع إليه بأُجرة المثل بعد الفراغ من العمل. وهذا معنى كون الفسخ في الأثناء كالفسخ بعد العمل ، باعتبار أنّ إنهاء ما لا بدّ من إنهائه يستند بالآخرة إلى أمر الآمر ، الموجب للضمان مطلقاً بمقتضى السيرة العقلائيّة. فالحكم إذن مطابق لمقتضى القاعدة.

(1) هذا تدارك لما سبق ، يعني : أنّ ما ذكرناه لحدّ الآن إنّما هو فيما إذا كان الخيار فوريّاً وكان الإتمام منافياً للفوريّة. وأمّا إذا لم يكن فوريّاً ، أو لم يكن منافياً ، فله حينئذٍ تأخير الفسخ إلى ما بعد العمل فيرتفع معه موضوع البحث ، أعني : الفسخ في الأثناء ، ويستحقّ عندئذٍ اجرة المثل لتمام العمل من غير أيّة شبهة أو إشكال.

(2) يعني : فيجري فيه جميع ما يجري فيما لو كان الخيار للأجير من الأحكام المتقدّمة من عدم استحقاق أيّ شي‌ء إذا كان الفسخ قبل العمل ، والرجوع إلى

من حيث المجموع وكان في أثناء العمل يمكن أن يقال (1): إنّ الأجير يستحقّ بمقدار ما عمل من اجرة المثل لاحترام عمل المسلم ، خصوصاً إذا لم يكن الخيار من باب الشرط.


اجرة المثل إذا كان بعد العمل ، وإليها أو إلى المسمّى بالنسبة على الخلاف إذا كان في الأثناء ، فهما يشتركان في الأحكام.

ولا فرق إلّا في صورة واحدة ، وهي ما إذا كان المستأجر عليه العنوان البسيط الانتزاعي ، أعني : المجموع من حيث المجموع كالاعتكاف وقد فسخ في الأثناء ، فإنّه يفترق عمّا مرّ في أنّ الفاسخ إن كان هو الأجير لم يستحقّ شيئاً ، لما عرفت من أنّ ما وقع لم يكن مورداً للإجارة ، وما كان مورداً لها لم يقع.

وأمّا لو كان هو المستأجر فيمكن القول باستحقاق الأجير حينئذٍ بمقدار ما عمل من اجرة المثل ، لقاعدة احترام عمل المسلم ، إذ المستأجر بفسخه ولا سيّما عن خيار أصلي كالغبن منعه عن الإتمام وألغى عمله عن الاحترام ، حيث فوّته عليه وحال دون ما يتوقّعه من استحقاق الأُجرة ، فلا جرم يضمنه رعايةً لاحترام عمل المسلم.

أقول : لم يتّضح وجه صحيح لما أفاده (قدس سره) ، فإنّ الذي تقتضيه قاعدة الاحترام عدم جواز الاستيلاء على مال الغير باستيفاء أو إتلاف ونحوهما بغير إذنه ، لا أنّ كلّ ما يتلف ويفوت منه يلزم على الآخر تداركه وإن لم يأمر به.


1) (*) لكنّه بعيد ، إذ المفروض أنّ الواقع في الخارج مغاير لما تعلّقت به الإجارة ، وقاعدة الاحترام في نفسها لا تفي بإثبات الضمان.

[3381] الثانية عشرة : كما يجوز اشتراط كون نفقة الدابّة المستأجرة أو العبد والأجير المستأجرين للخدمة أو غيرها على المستأجر إذا كانت معيّنة بحسب العادة أو عيّنّاها على وجهٍ يرتفع الغرر ، كذلك يجوز اشتراط كون نفقة المستأجر على الأجير أو المؤجر (1) بشرط التعيين أو التعيّن الرافعين للغرر ، فما هو المتعارف من إجارة الدابّة للحجّ واشتراط كون تمام النفقة ومصارف الطريق ونحوها على المؤجر لا مانع منه إذا عيّنوها على وجهٍ رافعٍ للغرر.


وفي المقام لم يتعلّق أمر بما وقع ، كما لم تقع اجرة بإزائه ، لوقوعها بإزاء المجموع ولم يتحقّق حسب الفرض ، غاية الأمر أنّ المستأجر بمقتضى الخيار الثابت له بأصل أو جعل وإعماله حقّه لم يمكّن الأجير من إتمام العمل ليستحقّ الأُجرة ، فهو بفسخه هذا أعدم موضوع الاستحقاق لا أنّه أتلف عليه المال ، ومجرّد الصدّ والحيلولة دون نيل الهدف وبلوغ المنفعة المترقّبة لا يكاد يستفاد منعه من قاعدة الاحترام ليستوجب الضمان.

وبالجملة : قاعدة الاحترام لا تقتضي ضمان ما لا مقتضي لضمانه ، والمفروض أنّ المقدار الصادر من العمل خالٍ عن اقتضاء الضمان بعد عرائه عن الأمر ، فلا تقتضي القاعدة ضمانه. إذن فالظاهر مشاركة فسخ المستأجر مع فسخ الأجير من هذه الجهة أيضاً ، لاتّحاد المناط ، وهو عدم الوقوع عن الأمر ، وعدم وقوع ما تعلّق به الأمر ، فلا مقتضي للاستحقاق في كلا الموردين.

(1) لعدم الفرق في نفوذ الشرط بين الصورتين بعد ما كان سائغاً صادراً من أهله في محلّه ، وكانت ثمّة عادة منضبطة رافعة للغرر ، كما هو المتعارف عند الحملداريّة في سفر الحجّ من تعهّدهم كافّة نفقات الحجّاج تجاه أُجرة معيّنة

[3382] الثالثة عشرة : إذا آجر داره أو دابّته من زيد إجارة صحيحة بلا خيار له ثمّ آجرها من عمرو كانت الثانية فضوليّة (1) موقوفة على إجازة زيد ، فإن أجاز صحّت له ويملك هو الأُجرة فيطلبها من عمرو ، ولا يصحّ له إجازتها على أن تكون الأُجرة للمؤجّر وإن فسخ الإجارة الأُولى بعدها ،


واختلاف ذلك باختلاف الأحوال والأطوار وعوارض السفر كمّاً وكيفاً ومدّةً لا يستوجب الغرر بعد ما كان أمراً متعارفاً قد جرت العادة على المسامحة فيها ، إذ لا يعتبر التعيين الرافع للجهالة من تمام الجهات ، فالزيادة أو النقيصة المحتملة المغتفرة عند العقلاء لا تكون قادحة بعد ما عرفت من جريان العادة وعدم الدليل على لزوم رفع الجهالة بقولٍ مطلق.

(1) لوقوعها على غير ملكه بعد انتقال المنفعة إلى زيد بالإجارة الاولى ، المفروض عدم الخيار في فسخها حتى بالإجارة الثانية لتقع في ملكه.

وبما أنّ الإجارة الثانية قد وقعت لمالك العين نفسه حسب الفرض لا للمستأجر فلا جرم تكون من قبيل بيع الغاصب لنفسه ، وفي صحّته بالإجازة كلام طويل الذيل تعرّض له شيخنا الأنصاري (قدس سره) في مكاسبه (1). وملخّصه : أنّ المعاوضة من بيع أو إجارة متقوّمة بالمبادلة بين العوضين من منفعة أو عين ، فهما الركن في انعقاد المعاملة وتحقّقها ، وأمّا خصوصيّة المالك فلا مدخليّة لها في ذلك ، فضميمة قصد مالك خاصّ والوقوع له أو عنه لغو محض ، لخروجه عن حقيقة ما يتقوّم به مفهوم الإنشاء المعاملي. إذن فقصد الغاصب وقوع البيع لنفسه وعدمه سيّان ، فإنّه كضمّ الحجر في جنب الإنسان ، غاية الأمر أنّ هذه المعاملة المنشأة بما أنّها صدرت عن غير المالك واتّصفت بالفضوليّة فلا جرم


1) المكاسب 3 : 376 وما بعدها.

لأنّه لم يكن مالكاً للمنفعة حين العقد الثاني ، وملكيّته لها حال الفسخ لا تنفع إلّا إذا جدّد الصيغة (1)، وإلّا فهو من قبيل من باع شيئاً ثمّ ملك ، ولو زادت مدّة الثانية عن الاولى لا يبعد لزومها على المؤجر في تلك الزيادة ، وأن يكون لزيد إمضاؤها بالنسبة إلى مقدار مدّة الاولى.


يتوقّف نفوذها على إجازته ، فمتى أجاز كان الثمن له قهراً وإن قصد الغاصب نفسه ، لأنّه هو المالك للمعوّض ، ولا يدخل العوض إلّا في ملك من خرج عنه المعوّض قضاءً لمفهوم المعاوضة والمبادلة.

وعليه ففي المقام إذا أجاز المالك أي مالك المنفعة وهو المستأجر الأوّل وقعت الإجارة الثانية له ، وإن قصد الغاصب وهو مالك العين وقوعها عن نفسه فإنّه لغو لا يقدح في الصحّة بعد التعقّب بالإجازة حسبما عرفت.

وممّا ذكرنا تعرف أنّه ليس في وسع المستأجر إجازة الإجارة الثانية على نحوٍ تكون الأُجرة للمؤجّر بنفس هذه الإجازة ، إذ مقتضى تأثيرها في الصحّة دخول الأُجرة في ملك من تخرج عن ملكه المنفعة وهو المستأجر نفسه لا في ملك شخص آخر ، اللّهمّ إلّا أن يملّكها له بتمليك جديد كما لا يبعد إرادته في أمثال المقام بحسب الفهم العرفي وإلّا فنتيجة الإجازة من حيث هي ليست إلّا صحّة الإجارة فحسب ، وأمّا وقوعها عن المؤجر فيحتاج إلى إنشاء آخر وتمليك جديد وأنّ الأُجرة التي يستحقّها هو بمقتضى الإجازة يتركها للمؤجّر.

نعم ، في وقوعها عنه بعد ما فسخت الإجارة الأُولى وعادت المنفعة إليه ثانياً كلامٌ آخر طويل الذيل أيضاً ، تعرّض له الشيخ (قدس سره) فيمن باع ثمّ


1) (*) بل يكفي إجازة العقد الثاني بعد فسخ العقد الأوّل بدون حاجة إلى تجديد الصيغة.

.................................................................................................


ملك (1)، وقد حكم الماتن (قدس سره) تبعاً للشيخ بالفساد ولزوم تجديد العقد باعتبار عدم كونه مالكاً للمنفعة حال وقوع الإجارة الثانية والملكيّة المتأخّرة الحاصلة حال الفسخ غير نافعة ، فلا مناص من تجديد الإجارة ، ولا تصلح المعاملة الفضوليّة للتصحيح بالإجازة في أمثال المقام ممّا لم يكن المجيز مالكاً حال العقد.

ولكن الأظهر هو الصحّة فيها أيضاً بمقتضى القاعدة كما في سائر موارد الفضولي ، إلّا إذا أنكرنا صحّتها من أصلها من جهة القاعدة واستندنا فيها إلى الأخبار الخاصّة ، حيث إنّه لم يرد في المقام نصّ خاصّ إلّا في باب الزكاة ، إذ قد ورد (2)فيمن باع العين الزكويّة بتمامها المستلزم لكون البيع فضوليّاً حينئذٍ في مقدار الزكاة عدم نفوذه في هذا المقدار ولزوم إخراجها على المشتري ورجوعه فيه إلى البائع ، إلّا إذا أخرجها البائع من مالٍ آخر فإنّه يحكم حينئذٍ بالصحّة وانتقال المال بتمامه إلى المشتري ، الكاشف عن صحّة بيع الشي‌ء قبل تملّكه. ولكنّه كما عرفت خاصّ بباب الزكاة ، ولا دليل على التعدّي إلى سائر الموارد ، مثل ما لو باع ملك أبيه ثمّ ورثه فأجاز ، أو باع مال زيد ثمّ اشتراه فأجاز ، وهكذا.

وعلى الجملة : فبناءً على ما هو الحقّ من أنّ صحّة العقد الفضولي المتعقّب بالإجازة مطابقٌ لمقتضى القاعدة لا يفرق الحال في ذلك بين المقام وبين سائر الموارد ، لاتّحاد المناط.

فإنّ العمدة في تقرير الصحّة : أنّ الإجازة اللاحقة تستوجب استناد العقد السابق إلى المجيز إسناداً حقيقيّا عرفيّاً ، فلو بيع دار زيد فضولةً فأجاز يصحّ


1) المكاسب 3 : 435 وما بعدها.

2) راجع زكاة الغلّات المسألة 33 وما بعدها.

.................................................................................................


أن يقال وقتئذٍ حقيقةً : إنّه باع داره ، فيضاف البيع إليه بعد الإجازة بعد ما كان فاقداً لهذه الإضافة ، فيندرج عندئذٍ تحت عمومات حلّ البيع والتجارة عن تراضٍ والوفاء بالعقد ، فلا جرم يكون صحيحاً ونافذاً.

وهذا التقرير كما ترى لا يعتبر فيه إلّا ملكيّة المجيز حال الإجازة ، وأمّا ملكيّته حال العقد فلا مدخليّة لها بوجه بعد أن لم يقم عليها أيّ دليل شرعي ، فإنّ المعاملة تتقوّم بالمعاوضة بين الطرفين عن تراضي المالكين إن عاجلاً أو آجلاً ، فمتى تحقّقت وقارنت أو تعقّبت بالرضا حكم بصحّتها ، سواء أكانت الملكيّة حاصلة حال العقد أم بعدها ، لتساوي الصورتين في ضابط الصحّة ومناطها.

نعم ، إنّ هناك روايات تضمّنت النهي عن بيع ما ليس عنده أو ما لا يملك ، وأنّه لا بيع إلّا في ملك ، فربّما يستدلّ بها على بطلان هذه المعاملة باعتبار أنّه لم يكن مالكاً حال البيع وإن ملك حال الإجازة فيحكم بفساده ، بل قد يستدلّ بها على البطلان في مطلق الفضولي نظراً إلى أنّه ليس بمالك لما يبيعه ، فبيعه منهي عنه فيفسد.

ولكنّا أشرنا في محلّه إلى أنّ المستفاد من هذه الروايات ولا سيّما في بعضها : «أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟» قلت : بلى «قال : لا بأس» (1)عدم نفوذ هذه المعاملة من غير المالك وعدم ترتّب الأثر ما دام كذلك ، لا عدم قابليّتها للصحّة حتى بعد الإجازة المصحّحة للإسناد والإضافة والموجبة لقلبها بقاءً من بيع غير المالك إلى بيع المالك ، فإنّها لا تكاد تدلّ على عدم الصحّة حتى في هذه الصورة بالضرورة. إذن فالأظهر كفاية الإجازة ممّن بيده الإجازة في كافّة المعاملات الفضوليّة بمقتضى القواعد الأوّلية ، فيحكم بنفوذها بعدها من غير حاجة إلى التماس دليل خاصّ.


1) الوسائل 18 : 50 / أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4.

.................................................................................................


بقي شي‌ء ، وهو أنّ التحقيق أنّ الإجازة كاشفة لا ناقلة ، غايته كشفاً حكمياً لا حقيقيّا ، لا على سبيل الانقلاب ولا الالتزام بالشرط المتأخّر على ما هو موضح في محلّه.

وهذا أعني : الكشف الحكمي غير قابل للانطباق على المقام ونظائره من موارد : من باع ثمّ ملك ، ضرورة أنّ الإجازة الصادرة من المالك الفعلي الذي لم يكن مالكاً حال العقد لا يمكن أن تكشف عن الصحّة له من لدن وقوع العقد لفرض كون المبيع ملكاً لغيره آن ذاك ، والالتزام بالصحّة من الآن خلاف ما بنى عليه من كونها كاشفة لا ناقلة. إذن فمن أيّ زمان يحكم بالصحّة؟

وهذا الإشكال قد تعرّضنا لجوابه في محلّه وأشار إليه الشيخ (قدس سره) في بعض الموارد الأُخر (1)غير المقام ومحصّله : الالتزام بالكشف عن الصحّة من أوّل زمان قابل لها ، وهو زمان انتقال الملك إليه ، المتخلّل ما بين زمان وقوع البيع خارجاً وزمان حصول الإجازة ، فإنّ صحّة إضافة البيع إلى المجيز وحسن إسناده الناشئ من ناحية الإجازة إنّما هي من هذا الزمان دون ما تقدّمه ، فلا جرم تستكشف الصحّة من هذا الزمان أيضاً.

وبالجملة : يعتبر في صحّة العقد أن يكون واجداً لتمام الشروط ، والتماميّة إنّما تتحقّق بعد انتقال الملك إليه ، ولا دليل على اعتبار الكشف من الأوّل.

هذا غيض من فيض ، وعصارة الكلام بما يسعه المقام ويطلب التفصيل ممّا باحثناه بنطاق واسع في كتاب المكاسب (2).


1) المكاسب 3 : 407 وما بعدها.

2) مصباح الفقاهة 2 : 726 وما بعدها.

[3383] الرابعة عشرة : إذا استأجر عيناً ثمّ تملّكها قبل انقضاء مدّة الإجارة بقيت الإجارة على حالها (1) ، فلو باعها والحال هذه لم يملكها المشتري إلّا مسلوبة المنفعة (1)في تلك المدّة ، فالمنفعة تكون له ولا تتبع العين. نعم ، للمشتري خيار الفسخ إذا لم يكن عالماً بالحال ، وكذا الحال إذا تملّك المنفعة بغير الإجارة في مدّة ثمّ تملّك العين ، كما إذا تملّكها بالوصيّة أو بالصلح أو نحو ذلك ، فهي تابعة للعين إذا لم تكن مفروزة ، ومجرّد كونها لمالك العين لا ينفع في الانتقال إلى المشتري. نعم ، لا يبعد تبعيّتها للعين إذا كان قاصداً لذلك حين البيع.


(1) لو استأجر داراً مثلاً ثمّ اشتراها فبطبيعة الحال تكون ملكيّة المنفعة مغايرة لملكيّة العين من ناحية السبب ، لاستناد الاولى إلى الإجارة الباقية على حالها بعد وضوح عدم المقتضي لبطلانها ، والثانية إلى البيع. وحينئذٍ فلو باع الدار كما اشتراها فلا جرم تكون مسلوبة المنفعة في تلك المدّة ويثبت الخيار للمشتري إن كان جاهلاً بالحال ، إلّا إذا كان من قصده حال البيع نقل المبيع بما له من المنفعة فتنتقل المنفعة حينئذٍ أيضاً وإن اختلف السبب ، لعدم اعتبار الاتّحاد.

هذا ملخّص كلامه (قدس سره).

ولكنّه لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم المقتضي للخيار في المقام ، فإنّ من يتملّك المنفعة بسببٍ من إجارة ونحوها ثمّ يتملّك العين بسببٍ آخر من شراءٍ ونحوه ثمّ يتصدّى للبيع.


1) (*) فيه إشكال ، بل الظاهر عدمه.

.................................................................................................


فإمّا أن يقصد البيع على النهج المتعارف بين الناس ، والمرتكز في أذهان عرف البائعين والمشترين من نقل العين بما لها من المنافع المعدودة من توابعها كما أشار (قدس سره) في آخر كلامه ، فلا مقتضي حينئذٍ للخيار بعد انتقال العين والمنفعة معاً إلى المشتري كما هو واضح.

وإمّا أن يقصد بيع ما اشتراه خاصّة أي العين مسلوبة المنفعة فحينئذٍ إن كان المشتري عالماً بالحال فلا خيار له أيضاً بعد إقدامه وموافقته على شرائها كذلك كما هو ظاهر أيضاً.

وإن كان جاهلاً فتخيّل أنّ المبيع هو العين ذات المنفعة لا المجرّدة عنها فأقدم على شرائها كذلك فالظاهر بطلان البيع حينئذٍ لا الصحّة مع الخيار لعدم المطابقة بين الإيجاب والقبول المعتبرة في صحّة العقد ، إذ الذي أنشأه البائع وتعلّق به الإيجاب هو بيع العين مسلوبة المنفعة ، والذي قبله المشتري هو شراء العين ذات المنفعة ، فما أنشأه البائع لم يقبله المشتري ، وما قبله لم ينشئه البائع ، فأين التطابق المعتبر بينهما؟! فإنّ هذا نظير ما لو أوجب البائع بيع الجزء الأوّل من كتاب شرح اللمعة فقبل المشتري شراء الجزأين ، أفهل يحتمل حينئذٍ الحكم بالصحّة مع التدارك بالخيار لتبعّض الصفقة؟ كلّا ، ضرورة أنّ مورد الخيار المزبور ما لو توارد الإيجاب والقبول على مورد واحد فتعلّق القبول بعين ما تعلّق به الإيجاب ، غاية الأمر أنّ أحد الجزأين لم يسلّم للمشتري خارجاً ، كما لو باعه جزأي الكتاب وشراهما المشتري كذلك ، فانكشف أنّ أحد الجزأين لثالث ولم يجز البيع ، فإنّ الصفقة التي ورد عليها الإيجاب والقبول معاً قد تبعّضت خارجاً ، فلا جرم يتدارك بجعل الخيار. وكما لو آجر الدار إلى سنة ثمّ باعها على النهج

.................................................................................................


المتعارف أي مع المنفعة ولم يجز مالكها أي المستأجر فإنّ المبيع هو الدار ذات المنفعة وقد شراها المشتري كذلك ، غير أنّ المنفعة لم تسلّم له ، فيتدارك بجعل الخيار باعتبار أنّه اشترى شيئين ولم يسلّما له.

أمّا في المقام فقد قصد البائع العين المجرّدة ، والمشتري العين ذات المنفعة ، فكيف يمكن الحكم بالصحّة مع عدم المطابقة؟! وهكذا الحال في بقيّة الموارد ، كما لو كانت العين والمنفعة كلتاهما ملكاً له بسبب واحد ، وفي مقام البيع قال : بعتك العين مسلوبة المنفعة ، وقال المشتري : قبلت غير مسلوبة المنفعة ، فلا جرم يحكم بالبطلان ، لعدم المطابقة بين الإيجاب والقبول ، بعد تباين الماهيّة بشرط لا معها بشرط شي‌ء.

أذن فما ذكره من ثبوت الخيار لم يعرف له أيّ وجه ، بل إمّا صحيح لا خيار له ، أو باطل من أصله ، فليتأمّل (1).

وقد عرفت أنّ ظاهر البيع من غير نصب قرينة على الخلاف وقوعه على النهج المتعارف بين الناس ، أعني : إرادة العين مع المنفعة وتعلّق الإنشاء بها بتبع العين. وعليه ، فيحكم بالصحّة من دون الخيار ، إذ العبرة بملكيّتهما معاً بأيّ سبب كان ، ولا يعتبر الاتّحاد والمفروض أنّه مالك لهما.


1) كي لا يتوهّم التنافي بين ما أفاده (دام ظلّه) في المقام وبين ما تقدّم في المسألة الاولى من الفصل الثاني في أوّل الكتاب من ثبوت الخيار للمشتري مع الجهل ، لكون المفروض هناك تعلّق البيع بالعين المستأجرة على النهج المتعارف أي بمالها من المنفعة وإن لم تنتقل إلى المشتري إلّا مسلوبة فيما إذا لم يجز المستأجر ، فلاحظ.

[3384] الخامسة عشرة : إذا استأجر أرضاً للزراعة مثلاً فحصلت آفة سماويّة أو أرضيّة توجب نقص الحاصل (1) لم تبطل ، ولا يوجب ذلك نقصاً في مال الإجارة ولا خياراً للمستأجر (2). نعم ، لو شرط على المؤجر إبراءه من ذلك (3) بمقدار ما نقص بحسب تعيين أهل الخبرة ثلثاً أو ربعاً أو نحو ذلك أو أن يهبه ذلك المقدار إذا كان مال الإجارة عيناً شخصيّة فالظاهر الصحّة ، بل الظاهر صحّة اشتراط البراءة على التقدير المذكور بنحو شرط النتيجة ، ولا يضرّه التعليق ، لمنع كونه مضرّاً في الشروط.


(1) كشدّة الحرّ أو فيضان البحر بحيث لم يستنتج من الحاصل ما كان متوقّعاً.

(2) والوجه في الكلّ ظاهر ، إذ لا مقتضي للبطلان بعد أن كانت الأرض ذات منفعة وصالحة للزراعة ، ولا للخيار بعد أن كانت الآفة لأمر خارجي. ومنه تعرف عدم نقص في الأُجرة ، لعدم نقص في المنفعة من ناحية العين المستأجرة.

(3) إذا احتمل المستأجر عروض نقص في الحاصل فيمكنه التخلّص عن ذلك بالاشتراط ، إمّا على سبيل شرط الفعل بأن يشترط إبراءه عن الأُجرة بمقدار ما نقص ، أو هبته لو كانت الأُجرة شخصيّة ، أخذاً بعموم دليل نفوذ الشرط بعد اغتفار الجهالة فيه كما لا يخفى.

أو على سبيل شرط النتيجة بأن تكون ذمّته بريئة لدى عروض النقص ، فإنّ شرط النتيجة إذا لم تكن متوقّفة على سبب خاصّ كالملكيّة والإبراء ونحوهما أمرٌ سائغ كما تقدّم ، فينشأ الإبراء في ظرفه من الآن بنفس الشرط بلا حاجة إلى إنشاء آخر ، وإنّما لا يسوغ فيما إذا كانت منوطة بسبب خاصّ

نعم ، لو شرط براءته على التقدير المذكور حين العقد بأن يكون ظهور النقص كاشفاً عن البراءة من الأوّل فالظاهر عدم صحّته (1)، لأوْله إلى الجهل بمقدار مال الإجارة حين العقد.


كالنكاح والطلاق والضمان ونحوها.

ونحوهما أمرٌ سائغ كما تقدّم ، فينشأ الإبراء في ظرفه من الآن بنفس الشرط بلا حاجة إلى إنشاء آخر ، وإنّما لا يسوغ فيما إذا كانت منوطة بسبب خاصّ كالنكاح والطلاق والضمان ونحوها.

نعم ، تبقى في المقام شبهة التعليق ، حيث إنّ الإبراء معلّق على مجي‌ء الزمان المتأخّر وعلى حصول النقص في الحاصل.

ولكنّها مندفعة بما في المتن من عدم كونه قادحاً في الشرط ، كما لو باع داره واشترط عليه معالجة المريض في شهر رجب مثلاً إذ لا دليل على البطلان به إلّا الإجماع ومورده التعليق في العقد نفسه ، كأن يبيع معلّقاً على مجي‌ء زيد من السفر. وأمّا بالنسبة إلى الشرط فلا إجماع ، ومقتضى الإطلاقات صحّته ونفوذه حتى مع التعليق.

غير أنّ الماتن (قدس سره) استثنى من ذلك صورة واحدة ، وهي ما لو رجع الشرط المزبور إلى كشف ظهور النقص عن البراءة على سبيل شرط النتيجة من الأوّل ، فحكم (قدس سره) في مثله بعدم الصحّة ، لرجوعه إلى الجهل بمقدار الأُجرة ، إذ معناه : أنّ الأُجرة على تقدير عدم النقص مائة وعلى تقدير النقص خمسون مثلاً فلأجل جهالة التقدير تكون الأُجرة أيضاً مجهولة


1) بل الظاهر صحّته ، فإنّ البراءة إنّما هي في الآن المتأخّر عن زمان الاشتغال ، فلا جهل بمقدار مال الإجارة أصلاً.

[3385] السادسة عشرة : يجوز إجارة الأرض (1)مدّة معلومة بتعميرها وإعمال عمل فيها من كري الأنهار وتنقية الآبار وغرس الأشجار (1) ونحو ذلك ، وعليه يحمل قوله (عليه السلام) (2): لا بأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أكثر فيعمرها ويؤدّي ما خرج عليها. ونحوه غيره.


فتبطل الإجارة.

ويندفع : بأنّ البراءة فرع الاشتغال ، فهي متأخّرة عنه لا محالة ، إذن فلا يستوجب اشتراطها حتى من الأوّل الجهل بكمّيّة الأُجرة ، بل هي معيّنة معلومة والذمّة بها مشغولة ، غير أنّها على تقدير النقص تبرأ آناً ما بعد اشتغالها ، كما لو أبرأه المؤجر بلا شرط فقال : آجرتك بمائة وأبرأتك من خمسين ، فإذا جاز ذلك جاز مشروطاً بشرط متأخّر وهو حصول النقص في ظرفه.

(1) لا إشكال في صحّة قبالة الأرض بأن يتقبّل الرجل من شخص أرضاً ليعمرها نحو عمارة من غرس الأشجار أو تنظيف الأنهار والآبار وما شاكل ذلك إلى مدّة معيّنة ، على أن يكون حاصل الأرض للعامل وبعد انقضاء المدّة يكون لصاحب الأرض.

وهذه العمليّة تسمّى بالتقبيل والتقبّل ، والفعل الصادر منهما يدعي بالقبالة.

وقد دلّت على جوازها وصحّتها عدّة من الأخبار وجملة منها صحاح ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّ القبالة أن تأتي الأرض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر فتعمرها


1) (*) هذا إذا كان العمل معيّناً كمّاً وكيفاً.

2) (**) الرواية منقولة بالمعنى.

.................................................................................................


وتؤدّي ما خرج عليها ، فلا بأس به» (1).

وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام) : «لا بأس بقبالة الأرض من أهلها بعشرين سنة أو أقلّ أو أكثر فيعمرها ويؤدّي خراجها ، ولا يدخل العلوج في شي‌ء من القبالة ، لأنّه لا يحلّ» (2).

ومنه تعرف أنّ الرواية المذكورة في المتن منقولة بالمعنى.

وكيفما كان ، فلا إشكال في صحّة هذه المعاملة.

وإنّما الكلام في أنّها هل هي إجارة كما عبّر بها في المتن أو لا؟ وعلى الأوّل فهل المستأجر هو العامل الذي يعمر الأرض ، والمؤجّر هو صاحب الأرض ، أو أنّ الأمر بالعكس والمؤجّر إنّما هو العامل الذي يؤاجر نفسه لعمارة الأرض ، والأُجرة هي منفعة الأرض والمستأجر صاحبها؟

ولا يخفى عدم ترتّب أثر عملي لبيان ذلك وأنّ القبالة المزبورة هل هي معاملة مستقلّة أو أنّها مندرجة تحت عنوان الإجارة أو غيرها؟ ومن هو المؤجر والمستأجر بعد قيام الدليل على صحّتها ونفوذها على كلّ تقدير حسبما عرفت؟

وقد وقع نظير ذلك في البيع لدى تشخيص البائع عن المشتري فيما لو كان الثمن والمثمن كلاهما من العروض أو كلاهما من النقود.

وقد ذكرنا في كتاب البيع ضابطة عرفيّة لتشخيص البائع عن المشتري ، حاصلها : أنّ البائع بحسب الارتكاز المغروس في أذهان العرف هو الذي يتحفّظ على ماليّة ماله من غير نظر منه إلى خصوصيّة العين ، بل همّه الاستبدال


1) الوسائل 19 : 46 / كتاب المزارعة ب 11 ح 2.

2) الوسائل 17 : 295 / أبواب ما يكتسب به ب 93 ح 3.

.................................................................................................


والاسترباح وازدياد المال. أمّا المشتري فهو ناظر إلى الخصوصيّة القائمة بالعين التي يتصدّى لشرائها ، لكونه بحاجة إلى بضاعة كذائيّة فيشتريها فهو طالب لخصوصيّة المال ولا يريد كلّ ما له مالية كيفما اتفق (1).

وبالجملة : فالبائع يطلب الماليّة ، والمشتري يطلب الخصوصيّة. ومن ثمّ يروم الأوّل العثور على النقود والأثمان ، والثاني على الأشخاص والأعيان.

وعليه ، فإذا فرضنا أن كلا طرفي المعاوضة من العروض والأعيان فاحتاج أحدهما إلى كتاب المكاسب مثلاً والآخر إلى كتاب الرسائل ، فتبادلا بجعل أحدهما عوضاً عن الآخر ، فالظاهر عدم التمييز وقتئذٍ بين البائع والمشتري حتى في نفس الأمر وصقع الواقع ، لتساوي النسبة بينهما وكونهما على حدٍّ سواء بالإضافة إلى العقد من غير ترجيح في البين بعد أن كان كلّ واحد منهما طالباً للخصوصيّة القائمة بالعين لا لمحض الماليّة ، فلا يقال : إنّ صاحب المكاسب بائع والآخر مشترٍ أو العكس.

ونحوه ما لو كان كلاهما من الأثمان.

بل الظاهر أنّ هذه مبادلة خاصّة ومعاملة برأسها خارجة عن عنوان البيع والشراء ، فإنّ البيع وإن كان هو مبادلة مال بمال إلّا أنّه ليس كلّ مبادلة مال بمال بيعاً ، بل خصوص ما إذا كان أحد المتبادلين ناظراً إلى الماليّة والآخر إلى الخصوصيّة ، غير المنطبق على المقام حسبما عرفت.

هذا ، والظاهر انسحاب الضابطة المزبورة إلى باب الإجارة أيضاً ، فالمستأجر هو الذي ينظر إلى خصوصيّة المنفعة القائمة بالعين المستأجرة ، فهو بمثابة المشتري


1) مصباح الفقاهة 2 : 11 - 12.

.................................................................................................


في البيع ، كما أنّ المؤجر هو الناظر إلى الماليّة فحسب كالبائع ، ولا فرق بين البابين من هذه الجهة ما عدا أنّ المتعلّق في أحدهما العين وفي الآخر المنفعة. وعليه ، فلو فرضنا أنّ كلّاً منهما ناظر إلى الخصوصيّة ، كما لو اتّفقا على أن يخيط أحدهما للآخر ثوباً إزاء أن يبني الآخر له حائطاً ، فوقعت المبادلة بين عملين.

أو وقعت بين منفعتين ، كما لو كانت لأحدهما دار صغيرة ولكنّها قريبة من الصحن الشريف ، وللآخر دار كبيرة ولكنّها بعيدة ، فاتّفقا على المبادلة بين سكنى الدارين إلى سنة واحدة.

أو بين منفعة وعمل ، كما لو تبادلا بين سكنى الدار شهراً وبين الخياطة ثوباً.

ففي جميع ذلك بما أنّ النسبة من كلّ من الجانبين متساوية لأنّ كلّاً منهما يطلب الخصوصيّة فلا يختصّ أحدهما باسم المستأجر أو المؤجر دون الآخر. ومن ثمّ كان الأظهر خروج ذلك عن باب الإجارة رأساً وكونها معاملة مستقلّة ومبادلة برأسها واقعة بين منفعتين ، أو عملين ، أو مختلفين كالعينين في البيع.

ومقامنا من القسم الأخير ، حيث إنّ طرف المبادلة من جانب صاحب الأرض هو منفعة العين ، ومن الجانب الآخر هو العمل ، وهي كما عرفت معاوضة خاصّة خارجة عن باب الإجارة محكومة بالصحّة بمقتضى القواعد العامّة والنصوص الخاصّة الواردة في المقام.

ثمّ إنّه كان على الماتن (قدس سره) أن ينبّه على أنّ هذه المعاملة سواء أكانت إجارة أم لا لا بدّ فيها أن يكون العمل معلوماً ، حذراً عن الجهالة المؤدّية إلى الغرر الموجب للفساد ، ولعلّه مفروغ عنه في كلامه (قدس سره).

[3386] السابعة عشرة : لا بأس بأخذ الأُجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائيّة (1) ، لأنَّها كسائر الصنائع واجبة بالعرض لانتظام نظام معايش العباد ، بل يجوز وإن وجبت عيناً لعدم من يقوم بها غيره. ويجوز اشتراط كون الدواء عليه مع التعيين الرافع للغرر (2) ، ويجوز أيضاً مقاطعته على المعالجة إلى مدّة أو مطلقاً (3) ،


(1) فإنّها وإن كانت واجبة بالعرض باعتبار توقّف بقاء النظام عليها كسائر أنواع الحرف والصناعات الدخيلة في حفظ النظام المحكومة بكونها واجبات عرضيّة كفائيّة إلّا أنّ هذا الوجوب لا يمنع عن أخذ الأُجرة ، إذ الواجب إنّما هو طبيعي الطبابة مثلاً لا بقيد المجّانيّة ، فلا مانع إذن من أخذ المال بإزائها ، بل الأمر كذلك حتى لو انقلب إلى الوجوب العيني لأجل عدم وجود من به الكفاية غيره ، لعين المناط.

(2) لعموم دليل نفوذ الشرط.

(3) فلا يعتبر ذكر المدّة إذا كان للمعالجة حدّ خاصّ معروف بحسب المتعارف الخارجي وإن كان قد يزيد أو ينقص ممّا يتسامح فيه بحيث يندفع به الغرر ، كما هو المتداول في المستشفيات في العصر الحاضر ، فيعلم أنّ المرض الكذائي يستوعب كذا مدّة من الزمان وإن كان قد يتخلّف بما يتسامح فلا يعتبر التدقيق.

وقد تقدّم (1)في أوّل كتاب الإجارة أنّ ضبط المدّة وتعيينها إنّما يعتبر فيما تختلف الماليّة من أجلها ، كما في سكنى الدار ، لا في مثل الخياطة والاستنساخ ونحوهما ممّا لم تكن المدّة ملحوظة ومنظورة عرفاً ما لم تشترط ، فلا تضرّ في


1) في ص 61 - 63.

بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البرء أو بشرطه (1) إذا كان مظنوناً بل مطلقاً (1).

وما قيل من عدم جواز ذلك ، لأنّ البرء بيد اللّه فليس اختياريّاً له ، وأنّ اللازم مع إرادة ذلك أن يكون بعنوان الجعالة لا الإجارة.


مثلها الجهالة بعد معلوميّة متعلّق الإجارة ونحوها المقاطعة مع الطبيب للمعالجة ، فلا يلزم ذكر المدّة بعد كونها متعارفة وأنّه يموت فيها أو يبرأ عادةً.

(1) قد تتعلّق الإجارة بحصّة خاصّة من المعالجة ، وهي المتّصفة بكونها موصلة إلى البرء ، والمتقيّدة بهذا الوصف العنواني. وأُخرى : تتعلّق بطبيعي المعالجة ويكون الإيصال إلى البرء شرطاً ملحوظاً في العقد لا يترتّب على فقده إلّا الخيار. وعلى التقديرين فقد حكم الماتن (قدس سره) بصحّة المقاطعة ، سواء أكان البرء مظنوناً أم مشكوكاً.

وأجاب (قدس سره) عمّا قيل بعدم الجواز استناداً إلى خروج البرء عن الاختيار فلا يصحّ أخذه شرطاً ولا قيداً في الإجارة إلّا إذا كان على سبيل الجعالة ، بكفاية كون مقدّماته العاديّة اختياريّة ، وإلّا لما صحّت الجعالة أيضاً ، لعدم صحّة الجعالة على أمر غير اختياري.

أقول : أمّا المقاطعة المزبورة على سبيل الاشتراط فالظاهر جوازها كما ذكره (قدس سره) ، لما مرّ غير مرّة من رجوع الشرط المبني عليه العقد إلى الالتزام بالفعل تارةً ، وإلى جعل الخيار على تقدير التخلّف تارةً أُخرى ، أعني : ما إذا


1) (*) يشكل الحكم بالصحّة في فرض التقييد مع الظنّ بالبرء أيضاً. نعم ، لا تبعد الصحّة مع الاطمئنان به.

فيه : أنّه يكفي كون مقدّماته العاديّة اختياريّة ولا يضرّ التخلّف في بعض الأوقات ، كيف؟! وإلّا لم يصحّ بعنوان الجعالة أيضاً (1).


كان الشرط خارجاً عن الاختيار وغير قابل لوقوعه مورداً للإلزام والالتزام ، كبيع العبد بشرط أن يكون كاتباً ، فإنّ الكتابة وإن كانت خارجة عن القدرة إلّا أنّ اشتراطها لا يضرّ بصحّة العقد ، فإنّ مرجعه إلى عدم الالتزام به على تقدير التخلّف. إذن فلا مانع من اشتراط البرء وإن كان خارجاً عن اختيار الطبيب بعد أن كان متعلّق الإجارة وهي ذات المعالجة مقدورة ، غايته ثبوت الخيار على تقدير التخلّف. وهذا ظاهر.

وأمّا المقاطعة على سبيل التقييد بأن يكون متعلّق الإجارة خصوص الحصّة الموصلة من المعالجة إلى البرء لا طبيعيّها فالظاهر عدم جوازها.

أمّا أوّلاً : فلأجل لزوم الغرر ، إذ بعد فرض عدم العلم بالإيصال وخروج البرء عن تحت الاختيار واختصاص القدرة بذات المعالجة لا هي مع النتيجة التي قد تحصل وقد لا تحصل ، فالإجارة مع هذه الحالة غرريّة لا محالة ، فتبطل.

وأمّا ثانياً : فمع الإغماض عن ذلك وتسليم عدم نهوض دليل على بطلان المعاملة الغرريّة فيما عدا البيع كما قيل فيكفي في الحكم بالبطلان لزوم التعليق المجمع على قدحه في العقود.

بيان ذلك أنّا قد ذكرنا في الأُصول في مطاوي مباحث الواجب المعلّق والمشروط (2): أنّ القيود الملحوظة في مورد التكليف على ضربين : فتارةً تكون


1) (*) الفرق بين الجعالة والإجارة من هذه الجهة ظاهر.

2) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 324 و 347 وما بعدها.

.................................................................................................


اختياريّة كالطهارة بالإضافة إلى الصلاة ، وأُخرى غير اختياريّة كالوقت بالنسبة إليها.

أمّا القيد الاختياري فهو على نحوين : إذ قد يؤخذ في متعلّق التكليف بحيث يقع التقيّد به تحت الأمر كذات المقيّد فيكون الوجوب حينئذٍ مطلقاً وإن كان الواجب مقيّداً.

وأُخرى : يؤخذ في موضوع التكليف بحيث يتوقّف التكليف عليه ، ويكون مفروض الوجود في مرتبة سابقة على تعلّق الأمر ، فلا أمر إلّا عند فرض وجوده وتحقّقه ، فلا جرم يكون الوجوب حينئذٍ مشروطاً به كنفس الواجب.

وهذان النحوان كلاهما ممكن في مقام الثبوت ، ولا بدّ في مرحلة الإثبات من اتّباع ظاهر الدليل الذي يختلف حسب الاختلاف في كيفيّة التعبير ، إذ قد يقال هكذا : إنّ تطهّرت فصلّ ، وأُخرى يقال : صلّ متطهّراً. والثاني ظاهر في أخذ الطهارة في متعلّق الأمر ، والأوّل ظاهر في أخذها في موضوعه ، وكذا مثل قوله : إن سافرت فقصّر ، وهكذا.

وأمّا القيد غير الاختياري فيمتنع فيه النحو الأوّل ، ضرورة أنّ المقيّد بقيد غير اختياري غير اختياري للمكلّف ، فكيف يمكن وقوعه تحت الطلب وصيرورته متعلّقاً للتكليف؟! فلا مناص في مثله من النحو الثاني ، ومن ثمّ لا يفرق الحال في مرحلة الإثبات ، ولا اثر للاختلاف في كيفيّة التعبير ، فسواء أقال المولى : إذا زالت الشمس فصلّ ، أم قال : صلّ عند زوال الشمس ، لا يراد من كلا التعبيرين إلّا مطلب واحد ، وهو إناطة الوجوب بالزوال وكونه مفروض الوجود لدى تعلّق التكليف بالصلاة ، لامتناع إرادة غيره حسبما عرفت.

وبالجملة : المقيّد بقيد غير اختياري إنّما يكون مقدوراً بعد فرض وجود

.................................................................................................


القيد خارجاً ، مثل قوله : صلّ إلى القبلة ، فإنّ القبلة نفسها وإن كانت غير مقدورة إلّا أنّه بعد فرض وجودها خارجاً فكما أنّ ذات المقيّد أعني : طبيعي الصلاة مقدورة فكذا تقيّدها ، فيمكن إيقاعها إلى القبلة وإلى غيرها ، وأمّا قبل فرض الوجود فيستحيل أن يقع مورداً للتكليف.

ثمّ إنّ هذا البيان كما يجري في الحكم التكليفي يجري في الحكم الوضعي أيضاً بمناط واحد ، فالعمل المقيّد بأمر غير اختياري إنّما يتمكّن الأجير من تمليكه لدى فرض وجود القيد خارجاً ، أمّا قبله فيمتنع التمليك ، ضرورة أنّ المقيّد بغير المقدور غير مقدور للأجير ، فكيف يسعه تمليكه؟! إذن فالإجارة الواقعة على المعالجة المقيّدة بالبرء الخارج عن الاختيار إنّما يصحّ إنشاؤها معلّقة على فرض وجود البرء وتحقّقه خارجاً ، لاختصاص المقدوريّة المسوّغة للتمليك بهذه الصورة ، فلا جرم يلزم التعليق المجمع على بطلانه في العقود كما ذكرنا ، فتبطل الإجارة بذلك.

ومن المعلوم عدم الفرق في بطلان التعليق للعقد بين كون المعلّق عليه فعله سبحانه كما في المقام أو فعل شخص آخر ، كقدوم زيد من السفر.

نعم ، لا بأس بالتعليق فيما يُطمأنّ بوجود المعلّق عليه ، الذي هو بمثابة العلم الوجداني ، إذ التعليق على أمر حاصل أو معلوم الحصول في الآجل كطلوع الشمس غداً لا ضير فيه وإن لم يكن القيد مقدوراً ، بل أنّ هذا في الحقيقة صورة تعليق وليس من التعليق الحقيقي في شي‌ء ، فلا يكون قادحاً.

فاتّضح أنّ ما ذكره في المتن من جواز المقاطعة حتى على سبيل التقييد مع الظنّ بل مع الشكّ أيضاً لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، وإن صحّت في صورة الاطمئنان الملحق بالعلم والرافع لواقع التعليق حينئذٍ حسبما عرفت.

[3387] الثامنة عشرة : إذا استؤجر لختم القرآن لا يجب أن يقرأه مرتّباً (1)بالشروع من الفاتحة والختم بسورة الناس (1) ، بل يجوز أن يقرأ سورة فسورة على خلاف الترتيب ، بل يجوز عدم رعاية الترتيب في آيات


وأمّا ما أفاده (قدس سره) من أنّه إذا لم تصحّ بعنوان الإجارة لم تصحّ بعنوان الجعالة ، فلعلّ هذا يعدّ من مثله (قدس سره) غريباً ، إذ الجعالة لا غرر فيها بوجه ، ولا يكون التعليق فيها مبطلاً أبداً ، إذ لا التزام فيها من الطرفين ، ولا تمليك فعلي في البين ، وإنّما هو مجرّد تعهّد بدفع جعل معيّن لكلّ من فعل كذا ، أو لهذا الشخص متى فعل كذا. ومن ثمّ تطّرد حتى في مشكوك القدرة ، كما لو وقع خاتمه في البحر فعيّن جعلاً لمن أخرجه مع احتمال امتناعه لابتلاع السمكة مثلاً أو لمن وجد ضالّته مع احتمال تلفها والعجز عن الظفر عليها ، وإنّما يتحقّق التمليك والتملّك بعد تحقّق العمل خارجاً.

وعلى الجملة : باب الجعالة باب واسع لا يقاس بباب الإجارة ، ولا يعتبر فيه إحراز القدرة ، بل ربّما يعمل العامل برجاء الإصابة المستتبع عندئذٍ لاستحقاق الجعل. أمّا الإجارة فبما أنّها تتضمّن التمليك والتملّك من الآن فيعتبر أن لا تكون غرريّة ، ولا على سبيل التعليق ، فلا جرم تكون محكومة بالبطلان في المقام.

(1) يقع الكلام تارةً في لزوم مراعاة الترتيب بين السور نفسها أو بين آياتها ، وأُخرى في حكم الغلط لو اتّفق.

أمّا الترتيب : فمن البيّن جدّاً أنّ السور لم تكن مترتّبة في عصره (صلّى اللّه عليه وآله) على النهج المألوف بيننا ، لعدم جمع القرآن يومئذٍ وإنّما حدث بعد


1) (*) فيه إشكال ، وأولى منه بالإشكال تجويزه عدم رعاية الترتيب في آيات السورة ، بل الظاهر هو الانصراف إلى القراءة المرتّبة ولا سيّما في الفرض الثاني.

السورة أيضاً ، ولهذا إذا علم بعد الإتمام (1)أنّه قرأ الآية الكذائيّة غلطاً أو نسي قراءتها يكفيه قراءتها فقط. نعم ، لو اشترط عليه الترتيب وجب مراعاته ، ولو علم إجمالاً بعد الإتمام أنّه قرأ بعض الآيات غلطاً من حيث الأعراب أو من حيث عدم أداء الحرف من مخرجه أو من حيث المادّة فلا يبعد كفايته وعدم وجوب الإعادة ، لأنّ اللازم القراءة على المتعارف والمعتاد ، ومن المعلوم وقوع ذلك من القارئين غالباً إلّا من شذّ منهم. نعم ، لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلاً لزم عليه الإعادة مع العلم به في الجملة. وكذا الكلام في الاستئجار لبعض الزيارات المأثورة أو غيرها. وكذا في الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها لا يضرّ في استحقاق الأُجرة إسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطاً.


ذلك ، ومن ثمّ ترى تأخير السور القصار لقصرها واختصارها ، مع أنّ جملة وافرة منها مكّيّة ، إلّا أنّه مع ذلك لا ينبغي التأمّل في أنّ المتعارف الخارجي في كيفيّة القراءة والتصدّي لختم القرآن مرعاة الترتيب حسبما انتظمت السور بما بين الدفّتين الشريفتين.

وحينئذٍ فإن قامت قرينة لدى الاستئجار للختم على عدم لزوم رعايته وأنّ المقصود الإتيان بتمام سور القرآن كيفما كان فلا كلام.

وأمّا إذا لم تكن قرينة ولا سيّما بالإضافة إلى عامّة الناس الذين لا يعرفون


1) (*) إذا كانت الإجارة على قراءة القرآن على النحو المتعارف كفى ذلك بلا حاجة إلى الإعادة ، وإن كانت على قراءة القرآن صحيحة كفى قراءة تلك الآية صحيحة ثانيةً ، لعدم الانصراف إلى اعتبار الترتيب في هذا الفرض.

.................................................................................................


أنّ الترتيب أمر حادث فلا يبعد القول بانصراف الاستئجار حينئذٍ إلى ما هو المتعارف الخارجي ، فلا يجزئ خلاف الترتيب هذا.

ولو فرضنا القول بجواز ذلك استناداً إلى ما عرفت من عدم كون القرآن مرتّباً في عصره (صلّى اللّه عليه وآله) فلا ينبغي الشكّ في عدم جوازه بالإضافة إلى آيات كلّ سورة ، ضرورة أنّها كانت مرتّبة حتى في عصره (صلّى اللّه عليه وآله) ، فلو خالف وقدّم النصف الأخير مثلاً من السورة فهذا وإن صدقت عليه قراءة القرآن إلّا أنّه لا يصدق الإتيان بالسورة الكذائيّة ، فلا يقال لمن شرع من آخر سورة يس وختم بأوّلها : أنّه قرأ سورة يس. ومن ثمّ لا يحتمل أن يجوّز أحدٌ قراءة سورة الحمد في الصلاة معكوسة.

وعلى الجملة : فالاستئجار للختم استئجار لقراءة هذه السور لا لطبيعي ما يصدق عليه القرآن ، ولا شكّ في عدم صدق عنوان السورة على آياتها غير المترتّبة ، وإلّا لاجتزئ بها في الصلاة أيضاً ، وهو كما ترى ، بل ربّما يختلّ بذلك المعنى كما لا يخفى. فلا ينبغي التأمّل في لزوم مراعاة الترتيب في آيات السورة ، بل وكذا نفس السور بعضها مع بعض وإن لم يكن ذاك بهذه المرتبة ، لدخل الترتيب ثمّة في التعارف الخارجي ، وهنا في مفهوم السورة وعنوانها حسبما عرفت.

وأمّا حكم الغلط الذي لا تخلو منه القراءات غالباً إمّا في مادّة الكلمة أو إعرابها إلّا القليل ممّن شمله التوفيق لتصحيح قراءته : فإن كان على النحو المتعارف ولم يتجاوز هذا الحدّ فالظاهر الاجتزاء به وعدم الحاجة إلى الإعادة ، ولا سيّما إذا كان الغلط ممّا يبتلي به الكثير من القارئين ، لخفائه عليهم ، مثل قوله تعالى ( فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ ) (1)حيث تُقرأ بكسر الدال ، وقوله


1) الحشر 59 : 17.

.................................................................................................


تعالى ( مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ ) (1)حيث يُقرأ بفتح الميم ، وقوله تعالى ( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) (2)حيث تُقرأ : إِذَا بدل : إِذْ ، ونحوها من الأغلاط التي تُخفى على عامّة الناس.

وذلك لانصراف الإجارة إلى القراءة المتعارفة ، والمفروض أنّ المتعارف منها لا يخلو من هذا المقدار من الغلط ، سيّما ما كان من هذا القبيل ، نظير ما ذكره (قدس سره) من الاستئجار للاستنساخ الذي لا يمنع اتّفاق الغلط عن استحقاق الأُجرة بعد انصرافه إلى الكتابة المتعارفة غير الخالية غالباً عن مثل ذلك.

وأمّا لو زاد على الحدّ المتعارف أو اشترط عليه القراءة الصحيحة فلا مناص حينئذٍ من إعادة الآية وتداركها ، فإنّه بمنزلة من نسيها.

وهل تجب وقتئذٍ إعادة ما بعدها إلى نهاية السورة رعايةً للترتيب؟

الظاهر : عدم الوجوب ، لانصراف اعتبار الترتيب عن مثل ذلك ، إذ لم يلتزم في عقد الإيجار إلّا مراعاته على النحو المتعارف ، ومورد التعارف إنّما هو المراعاة لدى الالتفات وعدم الإخلال به عامداً ، وأمّا الإخلال الخارج عن الاختيار لنسيانٍ ونحوه فلا تعارف على رعاية الترتيب حتى في مثل هذه الحالة ، وقد عرفت عدم التعهّد في ضمن الإيجار أكثر من ذلك ، فلا يقاس المقام بباب الصلاة ، إذ لا التزام ولا تعهّد هناك ، بل الواجب أصلي إلهي لا جعلي ، فلا مناص من الإعادة هناك محافظةً على الترتيب اللازم رعايته.


1) المعارج 70 : 11.

2) المدثر 74 : 33.

[3388] التاسعة عشرة : لا يجوز في الاستئجار للحجّ البلدي أن يستأجر شخصاً من بلد الميّت إلى النجف وشخصاً آخر من النجف إلى مكّة أو إلى الميقات ، وشخصاً آخر منها إلى مكّة (1) ، إذ اللازم أن يكون قصد المؤجر من البلد الحجّ والمفروض أنّ مقصده النجف مثلاً وهكذا ، فما أتى به من السير ليس مقدّمةً للحجّ ، وهو نظير أن يستأجر شخصاً لعمرة التمتّع وشخصاً آخر للحجّ ، ومعلوم أنّه مشكل ، بل اللازم (1)على القائل بكفايته أن يقول بكفاية استئجار شخص للركعة الاولى من الصلاة وشخص آخر للثانية وهكذا يتمّم.


(1) هذا ممّا لا ينبغي الشكّ فيه ، لما أشار (قدس سره) إليه من أنّ معنى الحجّ البلدي لزوم الخروج من البلد بقصد السير إلى الحجّ بأن تصدر المقدّمة وذوها كلاهما عن الحاجّ ويستناب لهما معاً لا خصوص الثاني ، ومن البديهي أنّ السير من البلد في مفروض المسألة أجنبي عن الحجّ الصادر خارجاً من الشخص الآخر ولا علاقة بينهما فضلاً عن أن تكون مقدّمة له وممّا يتوقّف هو عليه.

نعم ، يتّصف هذا السير بالمقدّميّة ، إلّا أنّه مقدّمة للحجّ الصادر من نفس السائر لا من شخص آخر كما هو المفروض. وليس هذا مبنيّاً على القول بالمقدّمة الموصلة وإن حسبه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة (2)، بل يتّجه حتى على إنكاره والبناء على ما عليه المشهور من أنّ الواجب هو ذات المقدّمة على إطلاقها من غير اختصاص بالحصّة الموصلة ، لما عرفت من أنّ السير المزبور


1) (*) لا يلزم ذلك.

2) تعليقة النائيني على العروة الوثقى 5 : 140 (تحقيق جماعة المدرسين).

.................................................................................................


لم يكن مقدّمةً للحجّ الصادر من شخص آخر بتاتاً ، لعدم توقّفه بل ولا ارتباطه بهذا السير بوجه ، لا أنّه مقدّمة ولم تكن موصلة ليبتني على القول المذكور كما لعلّه أظهر من أن يخفى ، كيف؟! وإلّا لكان الأحرى على الماتن أن يصفه بأنّه ليس واجباً لا أنّه ليس مقدّمة للحجّ كما عبّر بذلك.

وعلى الجملة : حجّ كلّ شخص مقدّمته سير نفسه ، سواء أكان موصلاً أم لا ، لا سير شخص آخر. وعليه ، فلو استؤجر للحجّ البلدي أي على مجموع المقدّمة وذيها فلا مناص من صدورهما معاً عنه بنفسه ، ولا سبيل إلى التفكيك والتعدّد في النائب ، إذ معه تخرج المقدّمة عن كونها مقدّمة ويزول وصفها العنواني حسبما عرفت.

ومنه تعرف ما في تنظيره (قدس سره) بحجّ التمتّع وعمرته ، إذ هما عملان مستقلّان ، غايته أنّهما ارتبطا واشتبكا في الآخر فلا يجوز التفكيك إلّا فيما قام الدليل ، كما ورد في نيابة الولد في أحدهما عن أبيه وفي الآخر عن امّه ، فلو تعدّينا عن المورد لأمكن الالتزام بجواز التعدّد في النائب ، فالتفكيك بينهما أمر قابل في حدّ نفسه.

وأمّا نقضه (قدس سره) بأنّ لازم القول بالكفاية في المقام الاكتفاء في ركعات الصلاة أيضاً بأنّ يستأجر أحداً لركعة وآخر لركعة أُخرى.

ففيه : أنّه لا يلزم ذلك ، ضرورة بطلان كلتا الركعتين بالتفكيك المزبور ، فإنّ الركعة الأُولى لا يتحلّل المصلّي من افتتاحها إلّا بالتسليم من نفس المصلّي بمقتضى الارتباطيّة الملحوظة بين الأجزاء ، فهو قد دخل في الإحرام ولم يخرج بالتسليم فتبطل ، كما أنّ الركعة الثانية فاقدة لتكبيرة الافتتاح فلم يكن الآتي بها داخلاً في الصلاة ، فهي أيضاً باطلة لا محالة. ومعه كيف يلتئم الجزءان وتتشكّل صلاة صحيحة من ركعتين باطلتين؟! فإنّ هذا نظير استئجار شخص لصوم نصف

[3389] العشرون : إذا استؤجر للصلاة عن الميّت فصلّى ونقص من صلاته (1)بعض الواجبات الغير الركنيّة سهواً (1) ، فإن لم يكن زائداً على القدر المتعارف الذي قد يتّفق أمكن أن يقال : لا ينقص من أُجرته شي‌ء ، وإن كان الناقص من الواجبات والمستحبّات المتعارفة أزيد من المقدار المتعارف ينقص من الأُجرة بمقداره ، إلّا أن يكون المستأجر عليه الصلاة الصحيحة المبرئة للذمّة ، ونظير ذلك إذا استؤجر للحجّ فمات بعد الإحرام ودخول الحرم ، حيث إنّ ذمّة الميّت تبرأ بذلك ، فإن كان المستأجر عليه ما يبرئ الذمّة استحقّ تمام الأُجرة ، وإلّا فتوزّع ويستردّ ما يقابل بقيّة الأعمال.


اليوم وشخص آخر لصوم النصف الآخر.

(1) تقدّم البحث حول هذه المسألة في مباحث صلاة الاستئجار من كتاب الصلاة بنطاقٍ واسع (2).

وملخّصه : أنّ متعلّق الإجارة قد يكون هو تفريغ الذمّة بالإتيان بصلاة صحيحة ، وأُخرى نفس الأجزاء الخارجيّة.

ففي الأوّل : لا يقدح نقص شي‌ء من الأجزاء غير الركنيّة فضلاً عن المستحبّات ، إلّا في صورة الالتفات ، إذ بعد أن كانت الغاية تفريغ الذمّة ، فالمستأجر عليه في الحقيقة هو العمل الصحيح الجامع بين ما يشتمل على الأجزاء غير الركنيّة بل المستحبّات المتعارفة بمقتضى الانصراف في صورة الذكر والالتفات ، وبين الفاقد لها لدى الغفلة والنسيان ، لصحّة العمل وفراغ الذمّة


1) (*) تقدّم الكلام فيه في صلاة الاستئجار [في المسألة 1840].

2) شرح العروة (الصلاة 5) : 186 وما بعدها.

.................................................................................................


على التقديرين ، فهذا النقص لا يقدح ، نظير ما تقدّم من عدم منع الغلط في القراءة عن استحقاق الأُجرة.

وأمّا في الثاني : فقد يلاحظ على سبيل الجزئيّة لمتعلّق الإجارة ، بمعنى : وقوع الأُجرة بإزاء تمام الأجزاء الصحيحة والمستحبّات المتعارفة على سبيل البثّ والتقسيط ، بحيث توزّع الأُجرة على تمام أجزاء العمل ، وأُخرى على سبيل الاشتراط بأن يكون المتعلّق هو العمل الصحيح مشروطاً بالاشتمال على تمام الأجزاء المتعارفة.

فعلى الأوّل : ينقص من الأُجرة بمقدار ما نقص من العمل ، لفواتها بفواته بمقتضى افتراض المقابلة وإن اتّصفت العمل بالصحّة وكان معذوراً في النقص لنسيان ونحوه.

وعلى الثاني : يثبت للمستأجر خيار تخلّف الشرط في تقدير النقص ، فله الفسخ والرجوع إلى أُجرة المثل ، وتمام الكلام في محلّه.

تتمّة


ولنختم الكلام في كتاب الإجارة بالتعرّض لحكم المسألة العامّة البلوى في العصر الحاضر المعروفة ب السرقفليّة ، فنقول :

السكنى في مكان من دار أو دكّان ونحوهما قد تكون : عن إباحة من المالك وترخيص في هذا التصرّف ، فهي عارية لا محالة ، وللمالك الرجوع عن إجازته متى شاء.

واخرى : تكون عن ملك لهذه المنفعة ليس لأحد حتى المالك مزاحمته فيها ، وله التصرّف كيفما شاء ، وهذا هو باب الإجارة التي باحثنا حولها لحدّ الآن.

وثالثةً : عن حقّ متخلّل بين الأمرين وحدّ متوسّط بين المرحلتين ، فلا هو مجرّد الإذن ليكون للآذن الرجوع عن إذنه متى شاء ، ولا هو ملك للمنفعة ليكون له التصرّف كيفما شاء تصرّف الملّاك في أموالهم ، وإنّما هو حقّ محض متعلّق بالسكنى في هذا المحل.

وهذا الحقّ كما هو قابل لتعلّق الجعل به ابتداءً وفي عقد مستقلّ كما في باب السكنى ، فيقول : أسكنتك هذه الدار مدّة كذا أو ما دمت حيّاً ، فتكون له السكونة لكن لا على نحوٍ يكون مالكاً للمنفعة ، ولذا لا يسوغ له نقلها إلى الغير بإجارةٍ ونحوها ، ولا تنتقل إلى ورثته بعد موته لو كان الحقّ له خاصّة أو لعنوان عامّ كالطلبة ، ولا على نحو يتمكّن المالك من الرجوع ، لفرض لزوم العقد ، كما في الوقف.

فكذلك يمكن جعله واشتراطه بشرط صريح أو ضمني ارتكازي في ضمن

.................................................................................................


عقد من العقود ، كما لو باع داره واشترط على المشتري أن تكون له السكنى في هذه الدار شهراً إمّا بعوض أو مجّاناً ، لا بأن يبيعها مسلوبة المنفعة في هذه المدّة ، بل قد باعها بتمام منافعها ، ولذا لا يجوز له إجارتها خلال الشهر ، لعدم كون المنفعة ملكاً له بل للمشتري ، إلّا أنّه يجعل لنفسه حقّ السكنى ، ولا ريب في نفوذ هذا الشرط عملاً بإطلاق دليله ، فليس للمالك منعه عن السكنى ولا الإيجار في هذه المدّة من شخص آخر.

وربّما يشترط هذا الحقّ في ضمن عقد الإيجار ، فيستأجر الدكّان مثلاً ويجعل لنفسه حقّ السكنى ، وهذا يكون على وجوه :

فتارةً : يكون الشرط هو سكنى نفسه فقط ، فمتى رفع اليد يرتفع الحقّ ، وللمالك إيجاره عندئذٍ من شخصٍ آخر ، إذ مورد الحقّ إنّما هو سكنى نفسه مباشرةً وقد سقط ، ومن ثمّ لم يكن له نقله لغيره ولا استرجاع المال الذي دفعه للمالك بإزائه إمّا على سبيل الزيادة على الأُجرة ، أو الزيادة في الأُجرة فإنّه قد ذهب من كيسه ولا عودة فيه.

وأُخرى : يكون الشرط أوسع من ذلك ، فيجعل الحقّ لنفسه ولمن يجعل له هذا الحقّ ، وينقله إليه بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط ، فيكون مورد الحقّ أعمّ من المباشرة ، وهذا يتصوّر بل يقع كثيراً في الخارج على قسمين :

فتارةً : يحتاج المالك إلى مال كثير كخمسة آلاف دينار مثلاً لعمارة دار أو بنائه دكّان أو فتح محلّ ونحو ذلك ليؤجرها بعدئذٍ بقيمةٍ لا يقدم عليها أحد قبل التعمير ، فيدفع له المستأجر ذلك المال بإزاء أن يكون له حقّ السكنى بالمعنى الجامع ، أي بنحو قابل للنقل بالأُجرة التي اتّفقا عليها فعلاً مشروطاً بأن لا يزيد عليها في السنين الآتية وإن ترقّت القيمة السوقيّة أضعاف ما هي عليه الآن كما هو كذلك غالباً ، فللمستأجر بعد ذلك حقّ السكنى لا مجّاناً بل

.................................................................................................


بأُجرة معيّنة لا تزيد أبداً ، قد حصل على هذا الحقّ بإزاء المبلغ الذي دفعه أوّلاً المعبّر عنه بالسرقفليّة ، وهو حقّ كسائر الحقوق له ماليّة عقلائيّة وقابل للنقل إلى الغير ببيعٍ أو إرث ونحوهما بمقتضى الاتّفاقيّة.

وإذا كان قد اشترى هذا الحقّ من أرباح سنته وجب عليه خمسه في آخر السنة بقيمته الفعليّة التي ربّما تزيد على ما اشتراه به ، وربّما تنقص ، وربّما يتساويان.

وتارةً اخرى : يشترط على المالك حقّ السكنى كي يستقرّ ولا ينتقل من محلّه إلى آخر ، ولكن كلّ سنة بقيمتها الفعليّة ، ولا يلزم حينئذٍ دفع شي‌ء إليه مسبقاً ، فلو وافق المالك على هذا الشرط ورضي بالحقّ لم يكن له بعدئذٍ إخراجه ولا زيادة الأُجرة زيادةً فاحشة أضعاف الأُجرة السوقيّة ، لكونه بمثابة منعه عن حقّ السكنى المفروض ثبوته له ، وإنّما له الزيادة بالمقدار المتعارف حسب القيمة الوقتيّة.

ثمّ إنّ هذا الحقّ إذا كان ثابتاً له بالمعنى الجامع الأعمّ من المباشرة كما هو المفروض ساغ له نقله إلى الغير وأخذ السرقفليّة منه كما في الصورة السابقة.

وأمّا إذا كان خاصّاً به بحيث لا يقبل النقل فليس له ذلك.

نعم ، له أن يأخذ حينئذٍ شيئاً بإزاء رفع اليد وإسقاطه الحقّ بإفراغ المحلّ وإخلائه كي يتمكّن المستأجر الجديد من مراجعة المالك والاستئجار منه ، إمّا مع السرقفليّة أو بدونها. وهذا شي‌ء آخر غير السرقفليّة كما لا يخفى.

هذا تمام الكلام في كتاب الإجارة.

والحمد لله أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

.................................................................................................


وقد تمّ الفراغ في جواز البقعة العلويّة على مشرّفها آلاف الثناء والتحيّة في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر ربيع المولود من سنة أربعمائة وواحدة بعد الألف من الهجرة النبويّة.

الفهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الإجارة

تعريف الإجارة... 3

وجوه الاستشكال على التعريف... 3

فصل في أركانها... 10 - 107

الأول : الإيجاب والقبول... 10

كلام في جريان المعاطاة في الإجارة... 10

القول في الإيجاب... 15

الثاني : المتعاقدان... 19

اشتراط البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر في المتعاقدين... 19

الثالث : العوضان... 26

اشتراط المعلوميّة... 26

اشتراط مقدوري التسليم... 32

اشتراط كونهما مملوكين... 37

اشتراط كون العين المستأجرة ممّا يمكن الانتفاع بها مع بقائها... 37

اشتراط كون المنفعة مباحة... 38

اشتراط كون العين ممّا يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها... 43

اشتراط تمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة... 43

هل تصحّ الإجارة إذا كان المؤجّر أو المستأجر مكرهاً عليها؟... 46

هل تصحّ إجارة المفلس بعد الحجر عليه؟... 48

حكم إجارة المفلس نفسه... 49

حكم إجارة السفيه نفسه... 51

احتياج السفيهة إلى إجازة الولي في تزويج نفسها... 54

عدم جواز إجارة العبد نفسه أو ماله أو مال مولاه إلّا بإذنه... 55

هل يلزم تعيين العين المستأجرة؟... 56

صحة إجارة العين بجميع منافعها مع التعدد... 57

معلوميّة المنفعة إمّا بتقدير الزمان أو بتقدير العمل... 61

لو استأجر دابّة للحمل عليها... 65

حكم ما لو قال : آجرتك كل شهر بدرهم... 66

لو أنشأ الإجارة بعنوان الجعالة... 72

لو أنشأ الإجارة بعنوان الإباحة بالعوض... 75

حكم الاستئجار للخياطة المردّدة بين نوعين... 77

ضمان أُجرة المثل في الإجارة الفاسدة... 83

حكم ما لو استأجره أو دابّته لعمل في وقت معيّن بأُجرة معيّنة... 85

كلام حول تحقيق معنى الشرط وإطلاقه... 85

كلام في تحليل المراد من هذا الربط المعبّر عنه بالشرط في المقام... 88

بيان الفرق بين القيد والشرط... 90

حكم ما لو خالف العنوان المستأجر عليه... 95

لو آجر بأُجرتين لعملين متباينين... 98

هل يجوز اشتراط نقص الأُجرة لو تخلّف عن الشرط؟... 99

لو اشترط عدم الأُجرة إن تخلّف عن الشرط... 102

عدم الأثر لتخلّف الدواعي والأغراض في صحّة المعاملة من غير تقييد ولا اشتراط 106

فصل في أحكام عقد الإجارة... 108 - 158

الإجارة من العقود اللازمة... 108

هل الإجارة المعاطاتيّة جائزة؟... 108

جواز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدّة الإجارة... 111

لو اعتقد كون مدّة الإجارة كذا مقدار فبان أنّها أزيد... 114

لو فسخ المستأجر الإجارة... 114

لو اعتقد البائع والمشتري بقاء مدّة الإجارة فتبيّن انقضاؤها... 116

لو شرطا كونهما مسلوبة المنفعة إلى زمانٍ معيّن فبان الخلاف... 118

فروع حول بيع العين المستأجرة... 120

لو وقع البيع والإجارة في زمان واحد... 122

هل تبطل الإجارة بموت المؤجّر أو المستأجر؟... 126

إجارة العين الموقوفة تبطل بموت البطن السابق إذا كان هو المؤجّر... 129

لو كان المؤجّر هو المتولي للوقف فمات... 129

لو آجر نفسه للعمل بنفسه فمات... 130

لو آجر الدار واشترط على المستأجر سكناه بنفسه... 133

هل تصح إجارة الوليّ أو الوصيّ أموال الصبي أو نفسه مدّة تستوعب البلوغ؟... 134

لو آجرت المرأة نفسها للخدمة مدّة معيّنة فتزوّجت قبل انقضائها... 137

لو آجر عبده أو أمته للخدمة ثمّ أعتقه... 137

وجوه في نفقة الأجير المعتق... 139

حكم وجدان العيب في العين المستأجرة... 143

تقسيط الأُجرة لو كان العيب من قبيل تبعض الصفقة... 146

حكم ما لا يستوجب العيب نقصاً في المنفعة... 147

لو حدث العيب بعد العقد وقبل القبض... 149

صور في وجدان المؤجّر عيباً سابقاً في الأُجرة... 151

لو أفلس المستأجر بالأُجرة... 152

الخيار لمن تبيّن غبنه من المؤجر أو المستأجر... 154

هل تجري كل الخيارات في الإجارة؟... 154

لو آجر عبده أو داره ثمّ باعه من المستأجر... 157

فصل في أحكام العوضين... 159 - 218

هل يملك المستأجر المنافع أو العمل المستأجر عليه ملكية فعليّة من غير توقف على أيّ شيء   159

اعتبار التسليم من الجانبين في كافّة العقود المعاوضية... 160

لو استأجر داراً وتسلّمها ومضت مدّة الإجارة ولم يسكنها... 162

لو بذل المؤجّر العين المستأجرة للمستأجر ولم يتسلّم حتّى انقضت المدّة... 166

لو استأجره لقلع ضرسه ومضت المدّة... 167

لو استأجره لقلع ضرسه فزال الألم بعد العقد... 169

بطلان الإجارة بتلف العين المستأجرة قبل قبض المستأجر لها... 171

لو تلفت العين المستأجرة أثناء مدّة الإجارة... 174

حكم الفسخ أثناء مدّة الإجارة... 175

هل تبطل الإجارة بتلف بعض العين المستأجرة؟... 178

لو تلفت الأُجرة قبل القبض أو بعده أو في أثناء المدّة... 178

لو آجر دابّة كلّيّة ودفع فرداً منها فتلف... 180

حكم ما لو آجره داراً فانهدمت... 181

لو امتنع المؤجّر من تسليم العين المستأجرة... 183

لو منعه ظالم عن الانتفاع بالعين قبل القبض... 186

حكم ما لو حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء... 188

هل التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحلّ العمل موجب للبطلان؟... 190

حكم إتلاف المؤجّر أو الأجنبي للعين المستأجرة... 191

هل العذر العالم بمنزلة التلف؟... 193

لو آجرت الزوجة نفسها بدون إذن الزوج... 195

ملكيّة كلّ من المؤجّر والمستأجر لما انتقل إليه بالإجارة بنفس العقد... 196

كلام في ما يتحقق به التسليم في باب الأعمال... 197

هل يجوز حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفي الأُجرة؟... 205

حكم ما لو تبيّن بطلان الإجارة على الأعيان... 206

حكم انكشاف بطلان الإجارة على الأعمال... 214

جواز إجارة المشاع وبيعه وصلحه وهبته... 215

لو استأجر اثنان داراً على الإشاعة... 217

عدم اشتراط اتّصال مدّة الإجارة بالعقد... 218

فصل الضمان في الإجارة... 219 - 270

هل يضمن المستأجر تلف العين المستأجرة في يده؟... 219

لو شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين... 222

لو اشترط المؤجر على المستأجر مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف لا بعنوان الضمان 228

لو اشترط الضمان في الإجارة الباطلة... 230

حكم ما لو تلفت العين التي للمستأجر بيد المؤجّر... 231

لو تلفت العين أو أتلفها المؤجّر قبل العمل أو في الأثناء... 234

المدار في ضمان القيميّات... 237

لو أتلف الثوب بعد الخياطة... 240

ضمان الأجير ما أفسده... 242

لو أفسد الطبيب المباشر للعلاج... 244

لو تبرّأ الطبيب من الضمان وقبل المريض... 247

حكم ما لو عثر الحمّال فسقط ما كان على رأسه فتلف... 247

لو قال للخيّاط : إن كان يكفيني قميصاً فاقطعه ، فقطعه فلم يكف... 253

لو آجر عبده لعملٍ فأفسد... 256

لو آجر دابّة لحمل متاع فعثرت وتلف... 261

هل يضمن صاحب السفينة أو الدابة ما عليها من المتاع؟... 262

حكم ما لو تجاوز عن الحدّ المشترط عليه أو المنصرف إليه الإطلاق في حمل الدابّة المستأجرة  263

لو اكترى دابّة فسار عليها زيادةً عن المشترط... 264

هل يجوز لمن استأجر دابّة للركوب أو الحمل أن يضربها؟... 264

هل يضمن لو ترتّب عيب أو عوار على الضرب المزبور؟... 265

حكم ما لو استؤجر لحفظِ متاعٍ فسُرِق... 265

عدم ضمان صاحب الحمّام الثياب... 268

فصل في الإجارة الثانية... 271

كفاية كون المؤجّر مالكاً للمنفعة في صحّة الإجارة وإن كانت العين للغير... 271

هل صحّة الإجارة الثانية تلازم تسليم العين؟... 272

هل التقييد ينافي جواز الإجارة من آخر؟... 274

لو اشترط المؤجّر عدم إجارتها من غيره... 275

لو اشترط المؤجّر استيفاء المنفعة بنفسه ولم يشترط كونها لنفسه... 279

جواز إيجار العين المستأجرة مع عدم اشتراط المباشرة... 281

هل يجوز إيجار بعض الموارد بأكثر من أُجرتها؟... 283

لو آجر الرحّى بأكثر من أُجرتها... 285

لو آجر السفينة بأكثر من أُجرتها... 286

لو آجر أبعاض العين المستأجرة بأكثر من أُجرتها... 289

جواز إيكال العمل إلى غيره لو تقبله من غير اشتراط المباشرة... 291

هل يجوز استئجار الغير بأقل من الأُجرة؟... 292

فراغ ذمّة الأجير بالإيكال إلى الغير أو تبرع الغير عنه من دون اعتبار المباشرة... 295

لو أتى بذلك العمل المعيّن غيره لا بقصد التبرّع عنه... 297

حكم الأجير الخاص... 298

صور ووجوه فيما إذا خالف الأجير الخاص وعمل لغيره... 299

لو عمل الأجير الخاص للغير بعنوان الإجارة أو الجعالة... 304

لو آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة... 309

لو استأجر دابّة لحمل متاع معيّن فحمّلها غير ذلك المتاع أو ركبها... 310

لو استأجر حرّاً لعمل معيّن في زمان معيّن وحمله على غير ذلك العمل... 320

حكم من آجر نفسه للخياطة في زمان معيّن فاشتغل بالكتابة للمستأجر... 321

لو آجر دابّته لحمل متاع زيد فاشتبه وحمّلها متاع عمرو... 322

لو آجر دابّته من زيد فشردت قبل التسليم إليه أو بعده في أثناء المدّة... 322

حكم ما لو آجر سفينته لحمل الخلّ فحمّلها المستأجر خمراً... 324

لو استأجر دابّة معيّنة من زيد للركوب فاشتبه وركب دابّة أُخرى له... 325

لو آجر نفسه لصيام يوم معيّن مرّتين الأُولى عن زيد والثانية عن عمرو... 326

فصل في مسائل متفرّقة... 329 - 421

عدم جواز إجارة الأرض لزرع الحنطة أو العشير بما يحصل منها... 329

نصوص في إجارة الأرض بما يحصل منها... 331

لو آجر الأرض بالحنطة أو الشعير في الذمّة... 338

جواز إجارة حصّة من أرض معيّنة مشاعة... 340

جواز استئجار الأرض لتعمل مسجداً... 341

هل يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة أو لحفظ الاعتبار؟... 344

جواز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال ونحوه... 345

جواز الاستئجار لحيازة المباحات... 346

لو خالف الأجير وحاز لنفسه... 349

هل يعتبر قصد التملّك في حيازة المباحات؟... 350

حكم الوكالة أو النيابة في الحيازة أو الجعالة عليها أو الأمر بها... 355

جواز استئجار المرأة للإرضاع... 357

لو كانت المرأة المستأجرة مزوّجة... 362

حكم استئجار الزوجة نفسها للإرضاع بدون إذن الزوج... 363

لو كانت المرأة خليّة فآجرت نفسها للإرضاع ثمّ تزوّجت... 366

جواز اجبار الأمة على الارضاع إجارةً أو تبرّعاً... 367

عدم الفرق في صحّة استئجار المرأة للإرضاع بين أن يكون المرتضع معيّناً أو كليّاً 368

هل هناك إشكال في صحّة الإجارة لو كانت المنافع أعياناً خارجية؟... 371

عدم جواز الإجارة لإتيان الواجبات العينيّة والكفائية... 373

كلام في أخذ الأُجرة على الواجب من جهة وجوبه وأُخرى من جهة اعتبار قصد القربة فيه  375

جواز الإجارة لكنس المسجد والمشهد وفرشها وإشعال السراج ونحو ذلك... 383

جواز الإجارة لحفظ المتاع مدّة معيّنة... 383

هل يجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميّت واحد في وقت واحد؟... 384

هل يجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحجّ المندوب عن اثنين؟... 385

عدم جواز الإجارة للنيابة عن الحيّ في مطلق العبادات... 387

لو عمل للغير لا بأمره ولا إذنه... 391

حكم العمل الصادر بأمر الغير... 391

لو تنازعا في العمل الصادر بأمر الغير أنّه قصد التبرّع أو لا... 393

جواز إتيان كلّ ما يمكن الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه... 395

وجوه لكيفيّة الاستئجار للحجّ المندوب والزيارة... 397

هل مقدّمات العمل في عهدة المؤجر أو المستأجر؟... 399

حكم ما لو جمع بين الإجارة والبيع بعقد واحد... 402

هل يجري على الصلح حكم الصرف والربا؟... 405

كلام في نفقة الأجير وأنّها هل هي عليه أو على المستأجر؟... 407

لو أنفق الأجير من نفسه أو أنفقه متبرّع... 410

هل يجوز استعمال الأجير مع عدم تعيين الأجرة وعدم إجراء صيغة الإجارة... 412

لو استأجر أرضاً مدّة معيّنة فغرس فيها ما لا يدرك في تلك المدّة... 415

كلام في جهات لتوضيح صور الضّرر... 417

فصل في التنازع... 422 - 452

لو تنازعا في أصل الإجارة... 422

لو تنازعا على أنّ استيفاء المنفعة على وجه الإجارة أو العارية... 425

حكم التنازع في قدر المستأجر عليه... 430

لو تنازعا في ردّ العين المستأجرة... 431

هل يضمن الأجير لو تلف المتاع من غير تعدٍّ ولا تفريط؟... 431

ثلاث طوائف من الروايات حول الضّمان... 432

وظيفة العامل لدى الاتهام الحلف ولا يكلّف بالبيّنة... 436

كراهة تضمين الأجير في مورد ضمانه... 439

لو تنازعا في مقدار الأُجرة... 440

لو اتفقا في أصل الإجارة ومقدار الأُجرة واختلفا في العين المستأجرة... 441

لو اختلفا في أنّه شرط أحدهما على الآخر شرطاً أو لا... 444

لو اختلفا في مدّة الإجارة... 444

لو اختلفا في صحّة الإجارة وفسادها... 444

حكم ما لو اختلفا في البلد الذي يحمل إليه المتاع... 446

لو طلب المستأجر من المؤجر الردّ إلى المكان الأوّل عند الاختلاف في البلد... 448

حكم ما لو اختلفا في كيفيّة العمل... 450

كلّ من قدّم قوله في حالة التنازع كان اليمين على الآخر... 452

خاتمة فيها مسائل... 453 - 513

خراج الأرض المستأجرة في الأراضي الخراجية على مالكها... 453

هل يجوز أخذ الأُجرة على قراءة تعزية سيِّد الشهداء وسائر الأئمّة (عليهم السلام)؟ 456

جواز استئجار الصبي المميّز لقراءة القرآن والتعزية والزيارات... 456

هل تصحّ عبادات الصبي المميّز نيابةً عن الأموات؟... 457

لو بقي في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدّة أُصول الزّرع فنبتت... 459

لو استأجر القصّاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي... 463

لو آجر نفسه للصلاة عن زيد فاشتبه وأتى بها عن عمرو... 464

صحّة توكيل المستأجر في تجديد الإجارة عند انقضاء المدّة... 465

الخيار الثابت في العقد متعلّق بنفس العقد ولا تعلّق له بالعين الخارجيّة المتعلّق بها العقد 468

لو استأجر لخياطة ثوب معيّن فخاطه شخص آخر تبرّعاً منه... 471

حكم ما لو آجره ليوصل مكتوبه إلى بلد معيّن في مدّة معيّنة فحصل مانع... 473

لو كان للأجير على العمل خيار الفسخ... 477

لو فسخ أثناء العمل الذي يجب إتمامه بعد الشروع فيه... 479

جواز اشتراط كون نفقة المستأجر على الأجير أو المؤجِّر... 483

لو آجر داره من زيد إجارة صحيحة بلا خيار له ثمّ آجرها من عمرو... 484

تحقيق في أنّ الإجازة كاشفة لا ناقلة... 488

لو استأجر عيناً ثمّ تملّكها قبل انقضاء مدّة الإجارة... 489

هل تبطل إجارة الأرض المستأجرة للزراعة بحصول آفة سماويّة أو أرضيّة توجب نقص الحاصل؟        492

لو احتمل المستأجر عروض نقص في الحاصل الزراعي... 492

لو شرط المستأجر براءته بمقدار ما ينقص من الحاصل بحسب تقدير أهل الخبرة حين العقد    493

صحّة قبالة الأرض... 494

جواز أخذ الأُجرة على الطبابة... 498

هل يجوز المقاطعة على المعالجة بقيد البرء أو بشرطه؟... 499

لو استؤجر لختم القرآن... 503

لو زاد عن الحدّ المتعارف من الغلط لختم القرآن... 506

عدم جواز تعدّد النائب للحج البلدي... 507

لو استؤجر للصلاة عن الميّت... 509

تتمّة... 511

كلام في السرقفليّة وأحكامها... 511

الخاتمة... 513

فهرس الموضوعات... 515 - 529

الصورة

الصورة

531-30

الصورة

532-30

الصورة

533-30

الصورة

534-30