موسوعة الإمام الخوئی جلد 29

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 0

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 0 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6048-16-8

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ

الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الحج

تأليف: آية اللّه الشهيد السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء التاسع والعشرون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

8 - 16 - 6084 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

شرائط الطّواف

اشارة

الطّواف هو الواجب الثاني في عمرة التمتّع ويفسد الحج بتركه عمداً ، سواء أكان عالماً بالحكم أم كان جاهلاً به أو بالموضوع (1)


(1) لا شبهة في أنّ الطّواف من أجزاء الحج والعمرة ، بل هو ركن فيهما إجماعاً وضرورة ، ولم يختلف فيه أحد من المسلمين ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى ما ذكر الآية الشريفة ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً ) إلى قوله تعالى - ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (1).

وأمّا الروايات فكثيرة جدّاً منها : الروايات الواردة في كيفية الحج (2).

ومنها : النصوص الدالّة على لزوم الإعادة إذا شكّ في عدد الأشواط (3)أو أحدث في الأثناء (4)، أو حاضت المرأة في الأثناء (5)وغير ذلك من الروايات.

ومن تركه عامداً بطل حجّه أو عمرته ، لأنّه لم يأت بالمأمور به وبما وجب عليه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى دليل خاص ، بل نفس الجزئية تقتضي البطلان إذا لم


1) الحجّ 22 : 27 - 29.

2) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

3) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33.

4) الوسائل 13 : 378 / أبواب الطّواف ب 40.

5) الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85.

ويتحقّق الترك بالتأخير إلى زمان لا يمكنه إدراك الرّكن من الوقوف بعرفات (1).


يؤت به ، من دون فرق بين كونه عالماً أو جاهلاً بالحكم أو بالموضوع كما إذا طاف في مكان آخر بتخيل أنّه البيت لأنّ العمل ناقص وهو غير مأمور به وإجزاء الناقص عن التام يحتاج إلى دليل بالخصوص ، فان لم يكن دليل على الاجزاء فالحكم بالبطلان على القاعدة ، لعدم الإتيان بالمأمور به ، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه ولا حاجة إلى الدليل على البطلان.

مضافاً إلى ذلك يدلّنا على البطلان في فرض الجهل صحيح علي بن يقطين «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة ، قال : إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد وعليه بدنة» (1)

ومن المعلوم أولوية العالم من الجاهل بالإعادة والفساد.

ويؤيّده خبر علي بن أبي حمزة «عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى يرجع إلى أهله ، قال : إن كان على وجه الجهالة أعاد الحج وعليه بدنة» (2).

ولكن موردهما الحج ولا يشمل العمرتين ، إلّا أنّ الّذي يسهل الأمر أنّ الحكم بالبطلان على القاعدة بعد القطع بجزئية الطّواف في الحج والعمرة ، فلا نحتاج إلى دليل خاص للحكم بالبطلان ، من دون فرق بين ما لو تركه عالماً أو جاهلا.

وأمّا الناسي فسيأتي حكمه.

(1) ويتحقق ترك الطّواف بعدم إدراك الوقوف بعرفات ولو آناً ما ، على الخلاف المتقدم في حدّ الضيق لمن ضاق وقته عن إتمام العمرة وإدراك الحج (3).


1) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 1.

2) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 2.

3) راجع شرح العروة 27 : 228 المسألة [3210].

ثمّ إنّه إذا بطلت العمرة بطل إحرامه أيضاً على الأظهر (1) والأحوط الأولى حينئذ العدول إلى حج الافراد ، وعلى التقديرين تجب إعادة الحج في العام القابل.


(1) فحينئذ لا حاجة إلى المحلل بعد فساد النسك بتعمد ترك الطّواف ، ضرورة بطلان الإحرام الّذي هو جزء من العمرة ببطلان الطّواف وفساده ، فانّ الإحرام إنّما يكون جزءاً للنسك إذا لحقه بقية الأجزاء ، فالإحرام الملحوق بسائر الأعمال والأجزاء جزء للنسك ، فلو انقطع ولم يأت ببقية الأعمال على وجهها ينكشف عن أنّ الجزء الأوّل لم يكن بواجب وبمأمور به أصلاً كما هو الحال في تكبيرة الإحرام ، فإنّ التكبيرة إنّما تكون جزءاً للصلاة إذا أتى المصلي ببقية الأجزاء اللّاحقة ، فجزئية التكبيرة مشروطة بإتيان الأجزاء اللّاحقة على نحو الشرط المتأخر ، وكذلك المقام ، إذ ليس مجرد قوله : لبيك يكون إحراماً ما لم يأت ببقية الأعمال ، فاذا لبى ولم يطف ولم يذهب إلى عرفات فلم يأت بالمأمور به من الأوّل ويكشف عن أنّ الإحرام الصادر منه ملغى لا يترتّب عليه أيّ أثر ، من دون فرق بين العلم والجهل ، لعدم إتيانه بالمأمور به ، وما أتى به مجرّداً عن الأجزاء اللّاحقة غير مأمور به.

وبما ذكرنا ظهر فساد ما نسب إلى المحقق الكركي من بقائه على إحرامه ومحرماته إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله وهو السنة الآتية (1).

على أنّه يسأل المحقق المذكور أن هذا الشخص يحج في السنة الآتية بالإحرام الأوّل ومن دون تجديده ، فهذا ينافي ما ذكروه من اعتبار وقوع العمرة والحج في سنة واحدة ، وإن التزم بإحرام آخر فلا معنى لبقائه على إحرامه الأوّل ، فإن تجديد الإحرام يكشف عن بطلان الإحرام الأوّل ، ولكن مع ذلك الأحوط استحباباً أن يعدل إلى الإفراد ، لعدّة من الروايات المتقدمة في تلك المسألة (2)، ولكن موردها عدم الإدراك اضطراراً والترك عن غير اختيار ، ولا تشمل مورد الترك الاختياري العمدي


1) لاحظ جامع المقاصد 3 : 201.

2) راجع شرح العروة 27 : 229 ذيل المسألة [3210].

ويعتبر في الطّواف أُمور :

الأوّل : النيّة ، فيبطل الطّواف إذا لم يقترن بقصد القربة (1).


ولا وجه للتعدي ، ولكن الاحتياط حسن ولو لمجرد الاحتمال وإن كان ضعيفاً ، وعلى التقديرين لا يجزئ عن حجه الواجب عليه لفساده وبقائه في ذمّته ، فتجب عليه إعادة الحج في العام القابل.

(1) النيّة المعتبرة تارة يراد بها قصد العمل وصدور الفعل عن اختيار ، فلا ريب في اعتبار ذلك ، لأنّ الفعل الصادر عن غير قصد ولا اختيار لم يتعلق به التكليف ، فلو صدر منه الفعل من غير قصد ولا اختيار لم يأت بالمأمور به ، وهذا من دون فرق بين كون الواجب تعبّدياً أو توصّلياً إلّا فيما إذا علم بحصول الغرض بالفعل غير الاختياري فيجتزئ به ، لا لإتيان المأمور به بل لسقوط الأمر بحصول الغرض كغسل الثوب فإنّه يجتزى به ولو كان بسبب إطارة الريح ونحو ذلك ، وقد ذكرنا تحقيق ذلك في بحث التعبدي والتوصلي من علم الأُصول (1).

وأُخرى : يراد بها قصد القربة ، وهذا أيضاً ممّا لا ريب في اعتبارها فلو طاف لغرض آخر غير التقرب كالتمشي لا يكون مجزئاً.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى الضرورة والارتكاز ، الآية الشريفة ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (2)فانّ المستفاد منها أنّ الحج لله تعالى وأنّه أمر إلهي ولا بدّ من الانتساب إليه تعالى وإضافته إليه سبحانه ، وكذلك يستفاد عباديته من السنّة كالروايات الدالّة على أنّ الإسلام بُني على خمس : الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية (3)، فان ما بُني عليه الإسلام يكون أمراً إلهياً قربياً منتسباً إليه.


1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 139.

2) آل عمران 3 : 97.

3) الوسائل 1 : 13 / أبواب مقدمة العبادات ب 1.

الثاني : الطّهارة من الحدثين الأكبر والأصغر ، فلو طاف المحدث عمداً أو جهلاً أو نسياناً لم يصح طوافه (1)


(1) لا إشكال ولا خلاف في اعتبار الطهارة من الحدثين في الطّواف الواجب ويدلُّ عليه روايات معتبرة :

منها صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور ، قال يتوضأ ويعيد طوافه» (1).

ومنها صحيح علي بن جعفر «عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطّواف ، قال : يقطع الطّواف ولا يعتد بشي‌ء مما طاف. وسألته عن رجل طاف ثمّ ذكر أنّه على غير وضوء ، قال : يقطع طوافه ولا يعتد به» (2).

وفي جملة من روايات الباب أنّ الحكم باعتبار الطهارة خاص بالطواف الواجب وأمّا الطّواف المندوب فلا يعتبر فيه الطهارة وإنّما يتوضأ لصلاته.

وهنا رواية رواها الشيخ بإسناده

عن زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل طاف بالبيت على غير وضوء ، قال : لا بأس» (3)

وإطلاقها يشمل الطّواف الواجب والمندوب ، ولكن لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها وحملها على المندوب وتقييدها به ، لصحيح محمّد بن مسلم وغيره.

مضافاً إلى ضعف الرواية سنداً ، لأن في طريق الشيخ إلى زيد الشحام أبا جميلة وهو ضعيف.


1) الوسائل 13 : 374 / أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

2) الوسائل 13 : 375 / أبواب الطّواف ب 38 ح 4.

3) الوسائل 13 : 377 / أبواب الطّواف ب 38 ح 10.

مسألة 285 : إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فللمسألة صور :

الاولى : أن يكون ذلك قبل بلوغه النصف ففي هذه الصورة يبطل طوافه وتلزمه إعادته بعد الطهارة (1).


(1) لو أحدث أثناء الطّواف فهل يبطل طوافه أو يتوضأ ويأتي بالباقي أو فيه تفصيل؟

المعروف بين الأصحاب بل لا خلاف بينهم في أنّه لو أحدث في طوافه قبل بلوغ النصف بطل طوافه ، وإن كان بعده توضأ وأتى بالباقي.

وعن المدارك أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب ، بل ادعى عليه الإجماع (1).

وعن الفقيه : أنّ الحائض تبنى مطلقاً لصحيح ابن مسلم «عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل ثمّ رأت دماً ، قال : تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى» (2).

ولا يخفى أن ما ذكره الصدوق (قدس سره) حكم خاص بالحيض ، لأنّ القاعدة تقتضي البطلان بحدوث الحيض في الأثناء ، لأن أقل الحيض ثلاثة أيّام فيتحقق الفصل الطويل بين الأشواط ، وإذا دلّ دليل خاص على الصحّة وكفاية الإتيان بالباقي نقتصر على مورد النص ولا نتعدى إلى غيره. على أن مسألة حدوث الحيض أثناء الطّواف أجنبية عن المقام بالمرة ، لأنّ الكلام في مانعية الحدث في نفسه مع قطع النظر عن مانع آخر كالفصل الطويل وعدم التوالي بين الأشواط.

وكيف كان ، فقد يستدل للمشهور بما دلّ على اعتبار الطهارة في الطّواف ، فان مقتضاه بطلانه إذا صدر الحدث أثناءه لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، وأمّا الحكم


1) المدارك 8 : 156.

2) الفقيه 2 : 241 / 1154 ، الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

.................................................................................................


بالصحّة بعد التجاوز عن النصف فلأجل دليل خاص ، وإلّا فالقاعدة الأولية تقتضي البطلان مطلقاً.

ويرد عليه : ما ذكرناه في باب الصلاة (1)من أنّ المانعية شي‌ء والقاطعية شي‌ء آخر ، ولو كنّا نحن وأدلّة اعتبار الطهارة في الصلاة كقوله : «لا صلاة إلّا بطهور» (2)فلا يستفاد منها إلّا اقتران أجزاء الصلاة بالطهارة ، وأمّا الأكوان المتخللة فلا يعتبر فيها الطهارة ، فلو صدر الحدث في الأثناء يتوضأ ويأتي بالأجزاء اللّاحقة ، فإن جميع الأجزاء تكون مقرونة بالطهارة وإن كانت الأجزاء السابقة بالطهور السابق والأجزاء اللّاحقة بالطهور اللّاحق ، ولا دليل على وقوع جميع الأجزاء عن طهور واحد ، إلّا أنّه في باب الصلاة دلّ دليل خاص على قاطعية الحدث وأنّه موجب لعدم قابلية إلحاق الأجزاء اللّاحقة بالسابقة ، ففي باب الصلاة إنّما نقول بالفساد لا لأجل اعتبار الطهارة في الصلاة ، بل لأجل أدلّة أُخرى تدل على القاطعية كالأمر بالإعادة والاستئناف.

وأمّا الطّواف الّذي هو اسم للأشواط السبعة ، فالأدلّة دلّت على اشتراط الطّواف بالطهارة ، فاللازم إيقاع الأشواط السبعة عن طهور ، وأمّا اعتبار كون الطهارة شرطاً في الأكوان المتخللة وكون الحدث قاطعاً كما في الصلاة فلا دليل عليه.

وربّما يتوهّم أنّه يدل على ذلك في باب الطّواف صحيح حمران بن أعين لقوله (عليه السلام) : «وإن كان طاف طواف النِّساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشي فقد أفسد حجّه أي طوافه وعليه بدنة ويغتسل ، ثمّ يعود فيطوف أُسبوعاً» (3)فإنّه يدل على الفساد وقاطعية الحدث في الأثناء ، وهو وإن كان وارداً في طواف النِّساء ولكن الحكم يجري في طواف الحج بالأولى ، لأنّه جزء للحج بخلاف طواف النِّساء فإنّه واجب مستقل.


1) لم نجد تصريحاً بذلك في كتاب الصّلاة.

2) الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

3) الوسائل 13 : 126 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 11 ح 1.

.................................................................................................


وفيه : أن مورد الصحيحة هو الجماع وله أحكام خاصّة في باب الحج ، وكيف يمكن التعدي منه لمطلق الحدث.

وممّا ذكرنا يظهر أن ما دلّ على الصحّة أو الفساد فيما إذا حدث الحيض في الأثناء خارج عن محل الكلام ، لأنّ حدوث الحيض في الأثناء يوجب الفصل الطويل ولا أقل بثلاثة أيّام ، فلا يمكن الاستدلال بذلك للحدث الصادر في الأثناء ، فلا دليل لمذهب المشهور إلّا مرسل ابن أبي عمير على ما رواه الكليني ، ومرسل جميل على ما رواه الشيخ عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه ، قال : يخرج ويتوضأ ، فان كان جاز النصف بنى على طوافه ، وإن كان أقل من النصف أعاد الطّواف» (1).

والمرسلة صريحة في مذهب المشهور ولكنّها ضعيفة بالإرسال ، وقد ذكرنا كثيراً أنّه لا عبرة بالمراسيل وإن كان المرسل مثل جميل أو ابن أبي عمير ، فأدلّة المشهور كلّها ضعيفة ، ولكن مع ذلك ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح والوجه في ذلك :

أن حدوث الحيض أثناء الطّواف وإن كان نادراً جدّاً ولكن مع ذلك كثر السؤال عنه في الروايات ، وأمّا صدور الحدث خصوصاً من المريض والشيخ والضعيف كثيراً ما يتحقق في الخارج لا سيما عند الزحام ، ولا سيما أنّ الطّواف يستوعب زماناً كثيراً ومع ذلك لم ينسب القول بالصحّة إلى أحد من الأصحاب ، بل تسالموا على البطلان وأرسلوه إرسال المسلمات ، وهذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الأئمة (عليهم السلام) ولو لم يكن الحكم به صادراً منهم (عليهم السلام) لخالف بعض العلماء ولو شاذاً ، فمن تسالم الأصحاب وعدم وقوع الخلاف من أحد مع أنّ المسألة مما يكثر الابتلاء به نستكشف الحكم بالبطلان ، فما هو المعروف هو الصحيح.


1) الوسائل 13 : 378 / أبواب الطّواف ب 40 ح 1 ، الكافي 4 : 414 / 2 ، التهذيب 5 : 118 / 384.

الثانية : أن يكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع ومن دون اختياره ، ففي هذه الصورة يقطع طوافه ، ويتطهر ويتمه من حيث قطعه (1).


(1) إذا صدر الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع ففيه صورتان :

الاولى : أن يصدر الحدث من دون اختياره ، ففي هذه الصورة يقطع طوافه ويتوضأ ويتمه من حيث قطعه ، للتسالم من الأصحاب على الصحّة ، ولمرسلة جميل المتقدمة (1)ولعدّة من الروايات الدالّة على الصحّة بطروء الحيض (2)فانّ الحدث أولى بالصحّة.

مضافاً إلى أنّ الأصل يقتضي الصحّة ، لاقتران الأشواط بالطهارة ولا دليل على قاطعية الحدث كما تقدم.

الثانية : أن يصدر الحدث اختياراً ، فيحتمل الحكم بالصحّة لإطلاق مرسل جميل بناءً على أن إطلاقه يشمل الحدث الاختياري أيضاً ، ويحتمل البطلان لا من جهة الحدث بل من جهة الخروج من المطاف اختياراً ، فان قطع الطّواف اختياراً إلّا في موارد خاصّة منصوص عليها موجب للبطلان ، فالأحوط هو الجمع بين أن يتم طوافه من حيث قطع ثمّ يعيده ويستأنف من جديد.

على أنّ شمول إطلاق مرسل جميل للحدث الاختياري بعيد جدّاً ، لأن بعض أفراده يوجب التعزير وبعضه الآخر يوجب القتل فكيف يصدر ذلك من المحرم ، ثمّ يسأل الإمام (عليه السلام) عن حكمه ، إلّا إذا أُريد منه النوم أو مجرّد الريح.

وكيف كان فالحكم بالصحّة بعيد جدّاً ، وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى البطلان في هذه الصورة لاستلزامها قطع الطّواف اختياراً ، فالقول بالبطلان أرجح ولا أقل من الاحتياط.


1) في الصفحة السابقة.

2) الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85.

الثالثة : أن يكون الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع ، أو يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار. والأحوط في هذين الفرضين أن يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع ثمّ يعيده ، ويجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام ، ومعنى ذلك : أن يقصد الإتيان بما تعلق في ذمّته ، سواء أكان هو مجموع الطّواف ، أم هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل ، ويكون الزائد لغواً (1).


نعم ، يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام ويكون الزائد لغواً في فرض ما إذا كان الباقي هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل.

(1) أمّا إذا صدر الحدث بعد تمام الشوط الرابع مع الاختيار فقد ذكرنا حكمه في الصورة الثانية ، والكلام فعلاً فيما لو صدر الحدث بعد النصف وقبل تمام الشوط الرابع والمحتمل في هذه الصورة أمران :

أحدهما : الحكم بالصحّة ، فيبني على طوافه ويتطهر ويأتي بالباقي.

ثانيهما : الحكم بالفساد ولزوم الاستئناف.

ومنشأ الاحتمالين أنّ المراد بالنصف في المرسلين المتقدِّمين (1)وكلام الأصحاب هل هو النصف الصحيح أو النصف الكسري؟ فانّ النصف إنّما هو باعتبار الأشواط ، ومن المعلوم أنّ السبعة ليس لها نصف صحيح إلّا النصف الكسري أي ثلاثة ونصف.

فإن أُريد به النصف الصحيح فلا محالة يراد بالتجاوز عن النصف في المرسل وكلام الأصحاب بعد الشوط الرابع وإتمامه ، وإن أُريد به النصف الحقيقي الكسري أي ثلاثة ونصف فيبعّده أنّ التعبير بالوصول إلى الركن الثالث كان أسهل وأولى ، فانّ النصف الحقيقي الكسري هو الوصول إلى الركن الثالث سواء أكانت المسافة بينه وبين الكعبة


1) في ص 8.

مسألة 286 : إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف أو في أثنائه ، فإن علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة وكان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتن بالشك وإلّا وجبت عليه الطهارة والطّواف أو استئنافه بعدها (1).


قليلة أو كثيرة ، فإنّ الطّواف حول الكعبة على نحو الدائرة والوصول إلى الركن الثالث هو النصف على كل تقدير.

فعلى الاحتمال الأوّل لا بدّ من الإعادة والاستئناف لعدم إتمام الشوط الرابع ، وعلى الاحتمال الثاني لا حاجة إلى الإعادة بل يبني على طوافه ، فمقتضى الاحتمالين وعدم ترجيح أحدهما على الآخر هو الجمع بين الأمرين بأن يتم طوافه من حيث قطع بعد الطهارة ثمّ يأتي بطواف آخر. ويجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام ، فإن كان المطلوب هو التمام فقد أتى به ولا عبرة بما تقدم منه ، وإن كان المطلوب هو الإتمام فقد حصل ويكون الزائد لغواً.

وممّا يؤيِّد أنّ العبرة في النصف بالنصف الصحيح خبر إبراهيم بن إسحاق عمن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت ، قال : تتم طوافها وليس عليها غيره ومتعتها تامّة ، ولها أن تطوف بين الصفا والمروة ، لأنّها زادت على النصف وقد قضت متعتها ، فلتستأنف بعد الحج ، وإن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» الحديث (1)فقد جعل الثلاثة مقابل الأربعة لا الثلاثة والنصف ، فيعلم أنّ النصف لوحظ باعتبار العدد الصحيح وهو الأربعة.

(1) من شكّ في الطهارة فقد يفرض أنّه مسبوق بالطهارة فلا ريب أنّه محكوم بالطهارة لاستصحابها ، لصحيح زرارة المعروف الدال على استصحاب الطهارة (2)سواء كان الشك في الأثناء أو بعده أو قبله ، وقد يفرض أنّه مسبوق بالحدث


1) الوسائل 13 : 455 / أبواب الطّواف ب 85 ح 4.

2) الوسائل 1 : 245 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 وغيره.

.................................................................................................


فاستصحاب الحدث يجري على كل تقدير ، وقد يفرض أنّه من باب توارد الحالتين ويشك في السابق واللّاحق وهذا على صور :

أحدها : أن يشك بعد الفراغ من الطّواف ففي مثله يحكم بالصحّة لقاعدة الفراغ لجريانها في جميع الموارد ولا خصوصية لها بالصلاة.

ونقل في الجواهر (1)عن كاشف اللثام (2)الحكم بالبطلان ، ولا وجه له أصلاً وهو أعرف بما قال.

ثانيها : أن يشك قبل الطّواف فحينئذ لا بدّ من الطهارة لعدم إحرازها في العمل المشترط بها ، سواء قلنا بجريان استصحابي الطهارة والحدث وتساقطهما أو قلنا بعدم جريانهما أصلاً كما عن المحقق صاحب الكفاية (3).

ثالثها : أن يشك في الأثناء ، المعروف هو البطلان لعدم إحراز الطهارة وهو الصحيح ، واحتمل في الجواهر الصحّة بالنسبة إلى الأشواط السابقة ويتطهّر لما بقي من أشواطه نظير الشك في الطهارة بين صلاتي الظهر والعصر فإنّه يحكم بصحّة الظهر وعدم الالتفات إلى الشك ويجب الوضوء للعصر مع أنّ العصر مترتب على الظهر ، وقال (قدس سره) ولكن لم أجد من احتمله في المقام (4).

ويرد عليه بالفرق بين صلاتي الظهر والعصر وبين الطّواف ، ولا يمكن إجراء قاعدة الفراغ في المقام ، ولا يقاس بباب الظهر والعصر ، والوجه أن صحّة العصر لا تتوقف على صحّة الظهر واقعاً فانّ الترتيب بينهما ذكرى ، فلو كان الظهر فاسداً واقعاً صحّ عصره فلا مانع من بطلان ظهره واقعاً وصحّة عصره واقعاً.


1) الجواهر 19 : 273.

2) كشف اللثام 5 : 411.

3) كفاية الأُصول : 421.

4) الجواهر 19 : 273.

مسألة 287 : إذا شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف لم يعتن بالشك (1) وإن كانت الإعادة أحوط ، ولكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف (2).


(1) لقاعدة الفراغ ، وقد عرفت عدم اختصاصها بالصلاة ، ولكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار إحراز الطهارة فيها.

(2) قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا : أنّه إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف ، فان علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة فهو محكوم بالطهارة لاستصحابها ، وإن علم أنّ الحالة السابقة هي الحدث فهو محكوم بالحدث لاستصحابه وتجب عليه الطهارة ، وإن كان المورد من باب توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللّاحق تجب عليه الطهارة أيضاً ، وإن شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف يحكم له بصحّة الطّواف على جميع التقادير لقاعدة الفراغ.

هذا كلّه بالنسبة إلى الطّواف ، وأمّا بالنسبة إلى صلاة الطّواف فلا يمكن الحكم بصحّتها بجريان قاعدة الفراغ في الطّواف ، وتفصيل ذلك : أنّه إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة فلا حاجة إلى طهارة جديدة بل يستصحبها ويصلّي صلاة الطّواف وإن كانت الحالة السابقة هي الحدث أو كان المورد من توارد الحالتين ولم يعلم السابق واللّاحق فلا بدّ له من الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار الطهارة فيها ولا بدّ من إحرازها ، وقاعدة الفراغ الجارية في الطّواف إنّما تثبت صحّة العمل السابق الّذي مضى ، وأمّا العمل اللّاحق فلا بدّ من إحراز شرائطه.

وبعبارة اخرى : قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان عن طهارة ، وإنّما تثبت صحّة الطّواف والعمل السابق ولا تتكفل صحّة العمل اللّاحق.

ثمّ إنّه قد يفرض أنّ المكلّف كان محدثاً بالحدث الأصغر ويشك في أنّه توضأ أم لا ، ففي مثل ذلك تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف ، ويجب عليه الوضوء للصلاة لاشتراطها بالطهارة.

.................................................................................................


وقد يفرض أنّ الحالة السابقة كانت هي الحدث الأكبر كالجنابة وطاف ثمّ بعد الطّواف يشك في أنّه اغتسل أوّلاً وطاف أم لم يغتسل ، ففي ذلك قد يفرض أنّه لم يحدث بالحدث الأصغر وإنّما الصادر منه الحدث الأكبر فقط ، فهنا لا شك في جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف ويغتسل لصلاة الطّواف بمقتضى استصحاب الجنابة مثلاً ، وقد عرفت أن قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان مع الغسل وإنّما تثبت صحّة الطّواف فقط.

وقد يفرض أنّه أحدث بالحدث الأصغر بعد الطّواف ، ففي مثل ذلك لا يمكن جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف ولا يمكن الحكم بصحّة طوافه ، بل لا بدّ له من إعادة الطّواف ، وكذا يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لصلاة الطّواف ، والوجه في ذلك :

أنّه يعلم إجمالاً إمّا بعدم صحّة جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الحدث الأكبر وإمّا بعدم جريان قاعدة الفراغ ، لأنّ المفروض أنّه أحدث بالحدث الأصغر فمقتضى جريان الاستصحاب أنّه بالفعل مجنب ولا بدّ له من الغسل ولا أمر له بالوضوء ، إلّا أنّ المفروض أنّه أحدث بالحدث الأصغر ، فإن كان في الواقع جنباً بالفعل فطوافه باطل لأنّه وقع حال الجنابة ، وإن لم يكن جنباً بالفعل فوظيفته الوضوء لا الغسل فليس له أن يغتسل ويصلّي صلاة الطّواف فاذا اغتسل وصلّى يعلم إجمالاً إمّا ببطلان الطّواف أو ببطلان الصلاة ، لأنّه على تقدير صحّة طوافه واقعاً فهو مأمور بالوضوء للصلاة فعلاً ، لأنّه قد أحدث بالحدث الأصغر ، فالجمع بين جريان الاستصحاب والاغتسال لصلاة الطّواف وبين الحكم بصحّة الطّواف السابق غير ممكن ، فإن أحدهما خلاف الواقع يقيناً ، يعني لو اغتسل وصلّى يعلم إمّا ببطلان الصلاة أو الطّواف ، لأنّه إذا كان مغتسلاً سابقاً فصلاته باطلة ، لأنّ وظيفته الوضوء لا الغسل ، وإن كانت الجنابة باقية ولم يكن مغتسلاً قبلاً فالطواف باطل فهو عالم جزماً ببطلان أحد العملين إمّا يجب عليه الوضوء للصلاة أو يجب عليه إعادة الطّواف لبطلانه ، فالجمع بين استصحاب بقاء الجنابة والاغتسال للصلاة وبين الحكم بصحّة الطّواف السابق ممّا لا يمكن ، فقاعدة الفراغ تسقط للمعارضة ، فإذا سقطت القاعدة تصل النوبة إلى قاعدة

مسألة 288 : إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء يتيمم (1) وأتى بالطواف ، وإذا لم يتمكّن من التيمم أيضاً جرى عليه حكم من لم يتمكّن من أصل الطّواف. فاذا حصل له اليأس من التمكّن لزمته الاستنابة للطواف ، والأحوط الأولى أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة.


الاشتغال ، لأنّه يشك في الامتثال ، كما أنّه يجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل لإحراز الطهارة لعدم العلم بحاله وأنّه جنب أو غير جنب ، فيعلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين ، ومن جهة لزوم إحراز الطهارة لا بدّ من الجمع بينهما ، فالشك بعد الفراغ محكوم بعدم الاعتناء في غير هذا المورد الّذي يكون معه علم إجمالي ببطلان العمل السابق أو اللّاحق ، فإنّه إذا فرضنا أنّ الجنب أحدث بالأصغر بعد الطّواف ليس له الاكتفاء بالغسل اعتماداً على استصحاب الجنابة ، ويأتي بصلاة الطّواف عن غسل ، لأنّه مستلزم للعلم بالمخالفة ، فتدبر فان هذه نكتة لم أر من تنبّه إليها.

(1) لأنّ التراب أحد الطهورين وهو بمنزلة الوضوء ، والمعتبر في الطّواف هو الطهارة ، والواجد للماء طهارته الوضوء والفاقد له طهارته التيمم ، وإذا لم يتمكن من التيمم أيضاً فهو فاقد الطهورين فهو في الحقيقة غير متمكن من الطّواف ، لأن عدم التمكن من الشرط موجب لعدم التمكن من المشروط فتصل النوبة إلى الاستنابة ، لما سيأتي (1)أنّ الطّواف تجب فيه المباشرة وإلّا فيستنب.

وبتعبير آخر : أنّ العمل بعهدة المكلف ولكن يقوم به تارة بالمباشرة وأُخرى بالتسبيب بحمله وإطافته ، وإن لم يتمكن من ذلك أيضاً يطاف عنه ، فهذه مراتب الطّواف كما في صحيحة معاوية بن عمار (2)، ولكن في المقام لا مجال للإطافة به ، لأنّ المفروض أنّه قادر على إتيان نفس العمل ولكن لا يتمكن من إتيانه مع الطهارة فينتهي الأمر إلى الاستنابة.


1) في الصفحة 97 ذيل المسألة 326.

2) الوسائل 13 : 390 / أبواب الطّواف ب 47 ح 4 ، 6.

.................................................................................................


ويحتمل بعيداً سقوط الطهارة في الطّواف كما احتمل في الصلاة بأن يصلّي بلا طهور وهكذا المقام يطوف بلا طهارة. وهذا الاحتمال ساقط جدّاً ، لأن ظاهر الأدلّة هو الاشتراط على الإطلاق للقادر والعاجز.

نعم ، لا بأس بالاحتياط بأن يطوف بلا طهارة ويستنيب فيما إذا كان الحدث حدثاً أصغر.

وحكى في الجواهر عن الفخر عن والده (قدس سره) أنّه لا يرى إجزاء التيمم فيه بدلاً عن الغسل ، لعدم مشروعية التيمم للجنب من أجل الدخول في المسجدين ولا اللّبث في سائر المساجد ، ومقتضى ذلك عدم مشروعيته للطواف لاستلزامه الدخول واللّبث في المسجد (1).

ويندفع بأنّ التيمم للطواف نفسه لا للدخول في المسجد نظير التيمم للصلاة فيكون متطهراً فيجوز له الدخول في المسجد للصلاة.

هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في باب التيمم (2)من قيام الطهارة الترابية مقام المائية فإنّ الطهارة الترابية لها نفس الخصوصية المائية الثابتة لها فلا موجب للاستنابة ، نعم هو أحوط.

وإن لم يتمكن من التيمم يتعين عليه الاستنابة لحرمة دخول الجنب في المسجد والاحتياط بالطواف من غير طهارة غير جار في المقام.

فظهر أنّ المكلف إذا كان محدثاً بالحدث الأصغر ولم يتمكن من الوضوء يتيمم ويأتي بالطواف ، وإن لم يتمكن من التيمم أيضاً يستنيب ، والأحوط استحباباً أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة ، وأمّا إذا كان محدثاً بالحدث الأكبر فيتعيّن عليه الاستنابة ولا يجوز له الدخول في المسجد ولا يحتاط بالطواف بنفسه. وهكذا الحال في الحائض والنفساء إذا تعذر الاغتسال.


1) الجواهر 19 : 270.

2) في المسألة [1148].

مسألة 289 : يجب على الحائض والنفساء بعد انقضاء أيّامهما وعلى المجنب الاغتسال للطواف ، ومع تعذر الاغتسال واليأس من التمكن منه يجب الطّواف مع التيمم والأحوط الأُولى حينئذ الاستنابة أيضاً ، ومع تعذر التيمم تتعين عليه الاستنابة (1).

مسألة 290 : إذا حاضت المرأة في عمرة التمتّع حال الإحرام أو بعده وقد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت إلى أن تطهر فتغتسل وتأتي بأعمالها ، وإن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان :

الاولى : أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الافراد ، وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكّنت منها.

الثانية : أن يكون حيضها بعد الإحرام ، ففي هذه الصورة تتخير بين الإتيان بحج الافراد كما في الصورة الأُولى ، وبين أن تأتي بأعمال عمرة التمتّع من دون طواف ، فتسعى وتقصّر ثمّ تحرم للحج ، وبعد ما ترجع إلى مكّة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج ، وفيما إذا تيقنت ببقاء حيضها وعدم تمكّنها من الطّواف حتّى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها ثمّ أتت بالسعي بنفسها. ثمّ إنّ اليوم الّذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم أيّام الحيض فيجري عليها حكمها (2).


(1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة في ضمن بيان حكم المسألة السابقة.

(2) يطرأ الحيض تارة قبل الطّواف وأُخرى في أثنائه وثالثة بعده.

ثمّ إنّه قد يفرض أنّها متمكّنة من إتيان الطّواف مع الاغتسال كما إذا حاضت المرأة في سعة الوقت ، وقد يفرض أنّها غير متمكّنة من الطّواف مع الطهارة كما إذا ضاق الوقت عن إتيان الطّواف متطهرة فهذه صور تذكر في ضمن مسائل.

.................................................................................................


الأُولى : ما إذا طرأ الحيض قبل الطّواف ، سواء حاضت حال الإحرام أو بعده وفرضنا سعة الوقت لأداء أعمالها ، فلا ريب في أنّه يجب عليها الصبر إلى أن تطهر وتغتسل وتأتي بأعمالها.

وأمّا إذا لم يسع الوقت فالمعروف والمشهور أنّها تعدل إلى حج الإفراد. وقيل بالتخيير بين العدول إلى الافراد وبين ترك الطّواف والإتيان بالسعي ، ثمّ الإتيان بأعمال الحج وقضاء طواف العمرة بعد ذلك.

وهنا أقوال أُخر ذكرناها في شرح كتاب العروة في المسألة الرابعة من فصل صورة حجّ التمتّع (1)والقول المشهور هو الصحيح في بعض الفروض فإنّ الحائض على قسمين :

أحدهما : أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم.

ثانيهما : ما إذا طرأ الحيض بعد الإحرام.

أمّا الأوّل : فوظيفتها ما ذكره المشهور من انقلاب حجّها إلى الافراد وبعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة.

وأمّا الثاني : فهي مخيّرة بين العدول إلى الافراد وتأتي بعمرة مفردة ، وبين أن تترك الطّواف وتبقى على عمرتها وتسعى وتقصر ثمّ تحرم للحج ، وبعد أداء المناسك تقضي طواف العمرة ثمّ تأتي بطواف الحج ، والوجه في هذا التفصيل ما ذكرناه مبسوطاً في شرح كتاب العروة (2)وملخّصه : أنّ الروايات الواردة في المقام على أقسام :

فمنها : ما دلّ على العدول إلى الافراد من دون تفصيل بين حدوث الحيض عند الإحرام أو طروئه بعد الإحرام ، وهي صحيحة جميل «عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية ، قال : تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة ، ثمّ تقيم حتّى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتجعلها عمرة» (3).


1) شرح العروة 27 : 242 المسألة [3211].

2) المصدر السابق.

3) الوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 2.

.................................................................................................


ومنها : ما دلّ على أن وظيفتها حجّ الافراد ولكن موردها حدوث الحيض من أوّل الإحرام ، وهي صحيحة زرارة ومعاوية بن عمار الواردتان في قضية نفاس أسماء بنت عميس حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة (1).

وهاتان الطائفتان لا معارض لهما ، فيتعيّن عليها العدول في هذا الفرض ، أي ما إذا كان الحيض قبل الإحرام.

وأمّا إذا طرأ الحيض بعد الإحرام وقبل الطّواف فالروايات مختلفة ، ففي مصححة إسحاق «عن المرأة تجي‌ء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتّى تخرج إلى عرفات قال : تصير حجّة مفردة ، قلت : عليها شي‌ء؟ قال : دم تهريقه وهي أُضحيتها» (2).

وبإزائها روايات تدل على بقائها على عمرتها وقضاء الطّواف والصلاة بعد أداء المناسك ، منها صحيحة العلاء وعجلان (3)فهاتان الطائفتان متنافيتان ولا بدّ من العلاج بينهما ، فان بنينا في أمثال هذه الموارد ممّا أُمر المكلّف بشيئين وعلمنا من الخارج بأنّ الواجب عليه أحدهما كالأمر بالقصر والتمام في مورد واحد على التعارض فاللّازم إعمال قواعد التعارض. وإن قلنا بعدم التعارض وأن لهما جمعاً عرفياً فلا بدّ من العمل بهما.

والظاهر إمكان الجمع بينهما وهو قاض بالتخيير ، لأن أصل الوجوب مستفاد من النص ولا يمكن رفع اليد عن وجوب كل منهما ، وأمّا وجوب كل منهما على سبيل التعيين فيستفاد من إطلاق كل من الخبرين ، فنرفع اليد عن إطلاق كل منهما بنص الآخر ، ونتيجة ذلك هي التخيير فيعمل بكل من الخبرين.

ولو قلنا بالتعارض فيسقطان معاً فيرجع إلى صحيح جميل الدال على العدول مطلقاً ، فليس لها الاكتفاء بإتيان بعض أعمال العمرة وتأخير الطّواف.


1) الوسائل 13 : 462 / أبواب الطّواف ب 91 ح 1 والوسائل 12 : 401 / أبواب الإحرام ب 49 ح 1.

2) الوسائل 11 : 299 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 13.

3) الوسائل 13 : 448 / أبواب الطّواف ب 84 ح 1 ، 2.

مسألة 291 : إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها فالمشهور على أن طروء الحيض إذا كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها ، وإذا كان بعده صحّ ما أتت به ووجب عليها إتمامه بعد الطّهر والاغتسال ، والأحوط في كلتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام والإتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت ، وإلّا سعت وقصّرت وأحرمت للحج ، ولزمها الإتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى وقبل طواف الحج على النحو الّذي ذكرناه (1).


هذا كلّه إذا تمكّنت من إتيان بقية أعمال العمرة من السعي والتقصير ، وأمّا إذا فرضنا أنّها لا تتمكّن من ذلك لعدم سعة الوقت للسعي وعدم صبر الرفقة فيفوت منها الوقوف ، فوظيفتها العدول إلى الافراد كما في صحيح مرازم (1)وغيره ، فان مقتضى الجمع بين الروايات أنّ المناط في العدول وعدمه درك الوقوف الاختياري لعرفة وعدمه ، وهذا من دون فرق بين الحائض وغيرها من ذوي الأعذار.

(1) هذه الصورة الثانية : وهي ما إذا طرأ الحيض أثناء الطّواف ، فقد ذهب المشهور إلى بطلان طوافها إذا طرأ الحيض قبل إتمام الشوط الرابع ، ويجب عليها الاستئناف. وذهب الصدوق إلى أنّها تعتد بما مضى وبعد الطّهر تأتي ببقية الأشواط (2)وهذه الصورة لها أقسام يظهر حكمها في ضمن مسائل :

المسألة الأُولى : ما إذا حاضت المرأة قبل إتمام الشوط الرابع وتتمكن من الإتمام أو الاستئناف.

الثانية : نفس الصورة ولكن المفروض أنّها لا تتمكن من الاستئناف أو الإتمام.

الثالثة : ما إذا حاضت بعد الأربعة.

أمّا المسألة الأُولى : كما إذا فرضنا أنّها حاضت في أوّل ذي الحجة وعادتها خمسة


1) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 14 ، والوسائل 11 : 296 / أبواب أقسام الحج ب 21.

2) الفقيه 2 : 241.

.................................................................................................


أيّام أو ستّة ، فقد ذهب المشهور إلى البطلان في هذا القسم وأن عليها الاستئناف خلافاً للصدوق (قدس سره) (1)، فإنّه ذهب إلى الصحّة وأنّها تعتد بالأشواط السابقة وعليها الإتمام بعد الطهر ، بل ذهب إلى الصحّة حتّى إذا طرأ الحيض قبل الشوط الرابع ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات ، فقد استدلّ للمشهور بعدّة روايات :

منها : ما رواه الصدوق عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط وهي معتمرة ثمّ طمثت ، قال : تتم طوافها إلى أن قال وإن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» (2).

رواه الشيخ باختلاف يسير عن إبراهيم بن أبي إسحاق عن سعيد الأعرج كما في التهذيب (3). وعن إبراهيم عن أبي إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) كما في الاستبصار (4)، فإنّها تدل على فساد الأشواط الثلاثة وعدم جواز إتمامها بالأشواط الأربعة بعد الطهر ، كما أنّ التعليل بقوله : «لأنّها زادت على النصف» تدل على البطلان قبل التجاوز من النصف.

والرواية ضعيفة على كلا الطريقين بإبراهيم الواقع في السند ، فإنّه إن كان هو النهاوندي الأحمري فهو ضعيف ، وإن كان غيره فهو مجهول ، مضافاً إلى الإرسال في طريق الصدوق ، وإلى وقوع محمّد بن سنان في طريق الشيخ.

ومنها : ما رواه الشيخ عن أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ قال «حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثمّ حاضت فمتعتها تامّة وتقضي ما فاتها من الطّواف» (5)ورواه الكليني بطريق آخر عن إسحاق بيّاع اللؤلؤ (6).


1) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

2) الوسائل 13 : 455 / أبواب الطّواف ب 85 ح 4 ، الفقيه 2 : 241 / 1155.

3) التهذيب 5 : 393 / 1371.

4) الاستبصار 2 : 313 / 1112.

5) الوسائل 13 : 456 / أبواب الطّواف ب 86 ح 2 ، التهذيب 5 : 393 / 1370.

6) الكافي 4 : 449 / 4.

.................................................................................................


والرواية بمفهومها تدل على فساد متعتها إذا كان الطّواف أقل من الأربعة. ولكنّها ضعيفة بالإرسال وبإسحاق أو بأبي إسحاق صاحب أو بيّاع اللؤلؤ.

على أن مورد الرواية ما إذا لم تتمكن الحائض من استئناف الطّواف قبل الحج وكلامنا في من تمكنت من الاستئناف.

ومنها : ما رواه الكليني عن أحمد بن محمّد عمن ذكره عن أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلت قال : إذا حاضت المرأة وهي في الطّواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الّذي بلغت ، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (1).

ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا حاضت المرأة وهي في الطّواف بالبيت وبين الصفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع ، فاذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الّذي علمته ، فإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (2).

وهما وإن كانتا واضحتي الدلالة على فساد الطّواف إذا طرأ الحيض قبل الأربعة أشواط وقبل التجاوز من النصف ، وليس موردها عدم التمكن من الاستئناف ، ولكنهما ضعيفتان سنداً ، أمّا الأُولى فبالإرسال والثانية بسلمة بن الخطاب. فاذن لا مدرك للمشهور.

وأمّا الصدوق فلم يذكر إلّا مرسلة إبراهيم بن إسحاق المتقدمة وصحيحة محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً ، فقال : تحفظ مكانها ، فاذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى» (3)ثمّ قال (قدس سره) : وبهذا الحديث افتي لأنّه رخصة ورحمة وإسناده


1) الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 2 ، الكافي 4 : 449 / 3.

2) الوسائل 13 : 453 / أبواب الطّواف ب 85 ح 1.

3) الوسائل 13 : 454 / أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

.................................................................................................


متصل ، وأمّا الحديث الأوّل أي مرسل إبراهيم بن إسحاق فإسناده منقطع (1).

فمذهب الصدوق هو الصحّة سواء حاضت المرأة بعد النصف أو قبله اعتماداً على صحيح ابن مسلم.

وقد ذكر الشيخ هذه الصحيحة وقال إنّها محمولة على النافلة (2)لما تقدّم منه (3)، أن طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استئنافه من أوّله ويجوز له في النافلة البناء عليه.

وتوضيح ما ذكره الشيخ : انّه قد تقدّم (4)انّه متى نقص طواف الفريضة عن النصف وأحدث الطائف وخرج ليتوضأ بطل طوافه.

وإذا كان بعد النصف اعتد بما مضى وبنى عليه والمسألة غير خلافية.

وذكرنا أنّ ذلك كثير الابتلاء والتحقق في الخارج فإذا بطل الطّواف بالحدث الأصغر يبطل بالحيض بالأولوية القطعية فإنّه لا يقصر عن النوم أو الريح ، على أنّ الفصل بالحيض لا يخلو من سائر الأحداث.

مضافاً إلى ذلك أنّه يكفي في البطلان عدم التوالي والفصل الكثير بين الأشواط لأنّ الحيض أقلّه ثلاثة أيّام ، فالروايات الدالّة على بطلان الطّواف بالحدث تكون قرينة على حمل هذه الصحيحة على طواف النافلة ، فما ذكره الشيخ من الحكم بالبطلان هو الصحيح.

المسألة الثانية : نفس المسألة السابقة مع عدم سعة الوقت لإتمام الطّواف أو استئنافه وهذه المسألة تدخل في المسألة الّتي تقدّمت وهي ما إذا حاضت المرأة قبل الإحرام ولا تتمكّن من الطّواف إلى أن يبلغ زمان الحج ، وظاهر كلام الصدوق هو الصحّة والاعتداد بما مضى حتّى في هذه الصورة ، فإنّ الظاهر من ذكره صحيح ابن


1) الفقيه 2 : 241.

2) التهذيب 5 : 397 / 1380.

3) في التهذيب 5 : 117 بَعد الحديث 383.

4) في ص 6.

.................................................................................................


مسلم والإفتاء بمضمونه وعدم العمل بمرسلة إسحاق هو الحكم بالإتمام والاعتداد في كلتا الصورتين ، كانت متمكنة من الإتمام أم لا.

ولكن لا يخفى أنّه لا يمكن الالتزام بما ذكره أصلاً حتّى لو فرضنا ورود صحيح ابن مسلم في طواف الفريضة ، فإن غاية ما يستفاد من الصحيحة عدم مانعية الحيض وعدم اعتبار التوالي بين الأشواط ، وأمّا جواز الإتمام حتّى بعد أعمال الحج فلا يستفاد منها ، بل ذلك يحتاج إلى دليل آخر.

وبعبارة اخرى كلامنا في مقامين : أحدهما : في مانعية الحيض. ثانيهما : في جواز التبعيض وعدم التوالي ، ولا يستفاد الثاني من صحيح ابن مسلم ، بل تدخل المسألة في مسألة عدم تمكّن الحائض من الطّواف برأسه ، فلو وافقنا الصدوق في الصورة الأُولى وهي تمكن الحائض من الإتمام لا نوافقه في هذه الصورة وهي عدم تمكنها من الإتمام.

المسألة الثالثة : ما إذا طرأ الحيض بعد أربعة أشواط.

المعروف بينهم أن عمرتها تامّة ، لأنّ الحيض حدث بعد تجاوز النصف فتأتي بالبقيّة بعد الطّهر ، واستدلّوا بالروايات المتقدمة (1)كرواية إبراهيم بن إسحاق وأحمد بن عمر الحلال ، ولكن قد عرفت أنّ الروايات كلّها ضعيفة ، فإن قلنا بالانجبار فهو ، وإلّا فتدخل المسألة في المسألة المتقدمة ، وهي ما إذا حاضت المرأة قبل الطّواف ، فنقول : إنّ الوقت إذا كان واسعاً كما لو فرضنا أنّ المرأة حاضت في شهر ذي القعدة ، فالأحوط لها أن تجمع بين الاستئناف لحصول الفصل وعدم التوالي وبين الإتمام ، ولها أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام والإتمام ، ولا تصل النوبة إلى العدول إلى الإفراد.

وأمّا إذا ضاق الوقت فالمشهور أيضاً الصحّة ، فتتم طوافها بعد أعمال الحج والرجوع إلى مكّة ، ولكنّ الأظهر هو البطلان وتدخل المسألة أيضاً في المسألة السابقة ، وهي ما إذا حاضت بعد الإحرام ولم تتمكّن من الإتيان بالعمرة قبل الحج.

والمختار عندنا فيها هو التخيير بين أن تعدل إلى الإفراد وبين أن تسعى وتقصّر


1) في ص 21 ، 22.

مسألة 292 : إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطّواف وقبل الإتيان بصلاة الطّواف صحّ طوافها وأتت بالصلاة بعد طهرها واغتسالها ، وإن ضاق الوقت سعت وقصّرت وقضت الصلاة قبل طواف الحج (1).


وتقضي الطّواف بعد أداء مناسك الحج ، والأحوط لها هو الإتمام والاستئناف على النحو الّذي مرّ.

(1) هذه هي الصورة الثالثة ، وهي طروء الحيض بعد الفراغ من الطّواف ، وقد حكم فيها بالصحّة ، إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللّاحق ، فإنّه بعد ما قيل بأن حدوث الحيض بعد أربعة أشواط لا يوجب البطلان وتكمل بقية الأشواط بعد أعمال الحج ، فجواز تأخيرها الصلاة أولى ، لأن كلّا منهما عمل مستقل ، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا فمقتضى القاعدة أيضاً عدم البطلان ، إذ لا مقتضي لبطلانه بالحيض الطارئ بعده.

نعم ، يتحقق الفصل بين الطّواف والصلاة ، ولا مانع إذا كان بأمر غير اختياري ، كما إذا عجز من الصلاة كالمريض والكسير فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض ، وإن لم يسع الوقت فتسعى وتقصّر وتأتي بالصلاة بعد أعمال الحج كما هو الحال في قضاء الطّواف.

وأمّا احتمال العدول إلى الإفراد فساقط جزماً ، لأنّ أدلّة العدول وردت في من لا يتمكّن من الطّواف لا الصلاة.

ويكفينا في الحكم المزبور صحيح زرارة قال : «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلِّي الركعتين ، فقال : ليس عليها إذا طهرت إلّا الركعتين وقد قضت الطّواف» (1).

ونحوها صحيح معاوية بن عمار (2)فان مورده وإن كان حدوث الحيض قبل السعي ولكن إطلاقه يشمل قبل الصلاة وبعدها.


1) الوسائل 13 : 458 / أبواب الطّواف ب 88 ح 1.

2) الوسائل 13 : 459 / أبواب الطّواف ب 89 ح 1.

مسألة 293 : إذا طافت المرأة وصلّت ثمّ شعرت بالحيض ولم تدر أنّه كان قبل الطّواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنّه حدث بعد الصلاة ، بنت على صحّة الطّواف والصلاة (1) وإذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة وضاق الوقت ، سعت وقصّرت وأخّرت الصلاة إلى أن تطهر وقد تمّت عمرتها.


ويؤيّدهما رواية أبي الصباح الكناني (1)والمستفاد منها أنّ الحيض غير ضائر بالاتصال ولا يوجب البطلان ، وقوله : «ليس عليها إلّا الركعتين» ظاهر في أنّ الطّواف طواف الفريضة.

بقي الكلام في أمرين :

أحدهما : أنّه لا فرق بين كون الحيض ظاهراً وبين كونه واقعياً مخفياً كأيّام الاستظهار ، فإنّ المرأة محكومة بالحيض في أيّام الاستظهار.

ثانيهما : ما ذكرناه للحائض من انقلاب حجتها إلى الإفراد أو تأخير الطّواف إلى ما بعد أعمال الحج وأداء المناسك مشروط بعدم تيقن المرأة ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة ، وأمّا إذا علمت ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة ، كما إذا حاضت في السابع من ذي الحجة وكانت عادتها عشرة أيّام وتعلم بأنّ القافلة لا تنتظرها هذا المقدار من الزمان ، فلا ريب في أنّها غير مشمولة للروايات الدالّة على تأخير الطّواف وقضائه بعد أعمال الحج أو على الانقلاب إلى الإفراد ، فإن موردها التمكن من قضاء الطّواف بعد الحج ، أو التمكن من إتيان العمرة المفردة والخروج إلى التنعيم ، فاذا علمت ببقاء الحيض إلى زمان لا يتمكّن من الطّواف ولا من الخروج إلى التنعيم للعمرة المفردة فاللّازم عليها الاستنابة ، وتدخل المرأة حينئذ في عنوان من لا يتمكّن من الطّواف برأسه كالمريض والكسير ونحوهما ، فتستنيب لجميع الطوافات الثلاثة.

(1) لقاعدة الفراغ ، لأنّها تشك في صحّة العمل السابق وعدمها ، ولو فرضنا أنّها


1) الوسائل 13 : 458 / أبواب الطّواف ب 88 ح 2.

مسألة 294 : إذا دخلت المرأة مكّة وكانت متمكنة من أعمال العمرة ولكنّها أخّرتها إلى أن حاضت حتّى ضاق الوقت مع العلم والعمد ، فالظاهر فساد عمرتها والأحوط أن تعدل إلى حجّ الافراد ولا بدّ لها من إعادة الحج في السنة القادمة (1).

مسألة 295 : الطّواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة (2) فيصح بغير طهارة ، ولكن صلاته لا تصح إلّا عن طهارة.


كانت غافلة حين العمل فالقاعدة لا تجري ، ولكن يجري استصحاب عدم الحيض.

وربّما يتوهّم معارضة استصحاب عدم الحيض باستصحاب عدم وقوع الطّواف أو الصلاة إلى زمان الحيض.

وفيه : أنّا قد ذكرنا في محله (1)أنّه لا مجال لهذا الاستصحاب ، لأن استصحاب عدم وقوع الطّواف إلى زمان الحيض لا يثبت وقوع الطّواف حال الحيض إلّا بالمثبت فلا أثر لهذا الاستصحاب ، فالاستصحاب الأوّل وهو استصحاب عدم الحيض جار بلا معارض ونحكم بالصحّة بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّ الطّواف متحقق في الخارج وجداناً والحيض مرتفع بالأصل.

(1) الظاهر فساد عمرتها في هذه الصورة ، وكذا كل من أخّر الطّواف عالماً عامداً حتّى ضاق الوقت ، وقد تقدّم (2)أن أدلّة الانقلاب وأدلّة جواز تأخير الطّواف لا تشمل التأخير العمدي ، وإنّما تختص بالتأخير العذري ، فعليه الحج من قابل ، والأحوط العدول إلى الافراد وإعادة الحج في السنة القادمة كما في المتن.

(2) للروايات المستفيضة منها : صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور ، قال : يتوضأ ويعيد طوافه ، وإن كان تطوّعاً توضأ


1) راجع مصباح الأُصول 3 : 150 التنبيه الثامن : الأصل المثبت.

2) في ص 3.

مسألة 296 : المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور والمسلوس ، أمّا المبطون فالأحوط أن يجمع مع التمكّن بين الطّواف بنفسه والاستنابة ، وأمّا المستحاضة فالأحوط لها أن تتوضأ لكل من الطّواف وصلاته إن كانت الاستحاضة قليلة وأن تغتسل غسلاً واحداً لهما وتتوضأ لكل منهما إن كانت الاستحاضة متوسطة وأمّا الكثيرة فتغتسل لكل منهما من دون حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر ، وإلّا فالأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل (1).


وصلّى ركعتين» (1)إذ لا صلاة إلّا بطهور ، ولم يرد في الطّواف ذلك ، بل يجوز للمجنب والحائض الطّواف فيما إذا كان دخولهما في المسجد أو اللبث فيه جائزاً لهما كموارد الضرورة والخوف من الخروج ، وإنّما لا يصح لهما الطّواف لحرمة الدخول عليهما ، ولو لم يكن الدخول أو اللبث محرماً لا دليل على مانعية الجنابة والحيض في الطّواف المندوب.

(1) الطهارة المعتبرة في الطّواف كالطهارة المعتبرة في الصلاة تشمل الطهارة الترابية والمائية بجميع مراتبها ، كالوضوء أو الغسل الاختياري منهما أو الجبيري مثل الكسير ونحوه.

نعم ، في خصوص المبطون كلام فقد ذكروا أنّه يستنيب في الطّواف وقال في الجواهر ولعل الفارق النص ، وإلّا فالقاعدة تقتضي جواز الاكتفاء بالطهارة الاضطرارية كسائر ذوي الأعذار (2)، ففي روايات عديدة عمدتها صحيحة معاوية بن عمار أنّ المبطون يرمي ويطاف عنه ، ويصلّى عنه (3)ولا ريب أنّ الأحوط له أن يطوف بنفسه مع الطهارة الاضطرارية ، وأن يستنيب.

ولكن الظاهر كفاية طوافه بنفسه ، لأنّ الظاهر من النصوص هو المبطون غير


1) الوسائل 13 : 374 / أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

2) الجواهر 90 : 271.

3) الوسائل 13 : 394 / أبواب الطّواف ب 49 ح 6.

.................................................................................................


القادر على الطّواف بنفسه كالمريض العاجز عن الطّواف بالمرة ، وذلك بقرينة عطف المبطون على الكسير في النص أوّلاً ، فإنّ المراد بالكسير هنا الّذي يطاف عنه ، من عجز عن الطّواف بالمرة ، ولا نحتمل أن يكون المراد به مطلق الكسير حتّى الّذي يتمكّن من الطّواف كمن كسرت يده ، وبقرينة عطف الرمي على الطّواف ثانياً مع أنّه لا يعتبر الطهارة في الرمي يعلم أنّ المراد بذلك من يعجز عن إتيان العمل ، بل ومن عطف الصلاة على الطّواف ثالثاً حيث يظهر أنّ المراد هو العاجز عن أداء الأعمال ، وإلّا فمطلق المبطون غير عاجز عن الصلاة.

ثمّ إن شيخنا الأُستاذ في مناسكه عطف المسلوس على المبطون (1)، ولم يظهر لنا وجهه ، فانّ المذكور في الروايات هو المبطون ، فالواجب على المسلوس أن يعمل بوظيفته المقررة له وطهارته العذرية كافية.

وأمّا المستحاضة فلا شك في أنّه يجب عليها الطّواف ، إذ لا مانع لها من الدخول في المسجد بعد أن تعمل بوظيفتها المقرّرة لها ، وأمّا بالنسبة إلى اعتبار الطهارة في طوافها فقد ورد في صحيح عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المستحاضة أيطؤها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ إلى أن قال وكل شي‌ء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت» (2)فانّ المستفاد منه أنّ الطهارة المعتبرة في الطّواف بعينها هي الطهارة المعتبرة في الصلاة ، وأن ما يستحل به الصلاة يستحل به الطّواف ، وأنّ الطّواف كالصلاة في الحاجة إلى الطهارة ، فلا يجوز لها الإتيان بالطواف بلا طهارة من الوضوء أو الغسل ، وحيث إنّ المستحاضة على أقسام وكيفية طهارتها مختلفة ، فاللّازم عليها إتيان ما عليها من الوظائف المقررة لها في كل قسم لأجل الطّواف وصلاته ، فان كانت قليلة فتتوضأ لكل من الطّواف والصلاة.


1) دليل الناسك (المتن) : 243.

2) الوسائل 13 : 462 / أبواب الطّواف ب 91 ح 3.

الثالث من الأُمور المعتبرة في الطّواف : الطهارة من الخبث ، فلا يصح الطّواف مع نجاسة البدن أو اللباس ، والنجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم لا تكون معفواً عنها في الطّواف على الأحوط (1).


وأمّا المتوسطة فتغتسل غسلاً واحداً لهما وتتوضأ لكل منهما ، وإن كانت كثيرة فتغتسل لكل من الطّواف والصلاة ولا حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر وإلّا فتتوضأ أيضاً بناءً على المشهور ، ولكن على المختار عندنا فلا حاجة إلى الوضوء لإغناء كل غسل عن الوضوء ، وإن كان الأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل ، فحال الطّواف حال الصلاة ، بل لو فرضنا أن هذه الرواية الصحيحة لم تكن فالأمر كما بيّنا.

بيان ذلك : أن ابتلاء النِّساء بالاستحاضة كثير ، ولا ريب أنّ الاستحاضة حدث والطّواف غير ساقط عنها ويعتبر فيه الطهارة ، ولم يذكر كيفية طهارة المستحاضة وطوافها في نصوص المقام مع كثرة الابتلاء بها ، ولا يمكن إهمالها كما لم يهملوا كيفية طواف الحائض ، فيعلم من هذه الأُمور والقرائن بعد ضم بعضها إلى بعض ، أن حكم المستحاضة ما ذكرنا ، وأن حال الطّواف حال الصلاة فتدبّر في المقام.

(1) المعروف بين الفقهاء اعتبار الطهارة من الخبث في البدن واللباس ، وعن ابن الجنيد كراهة الطّواف في ثوب أصابه الدم (1)وعن ابن حمزة كراهته مع النجاسة في ثوبه أو بدنه (2)ومال إليه في المدارك تضعيفاً للرواية الدالّة على ذلك (3).

أقول : النصوص الواردة في المقام ثلاثة :

أحدها : ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه


1) حكاه عنه في المختلف 4 : 213.

2) الوسيلة : 173.

3) المدارك 8 : 117.

.................................................................................................


السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطّواف ، قال : ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثمّ يخرج ويغسله ثمّ يعود فيتم طوافه» (1)والدلالة واضحة ولكن السند ضعيف بمحسن بن أحمد الواقع في السند ، فإنّه ممن لم يوثق.

ثانيها : ما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف ، قال : فاعرف الموضع ثمّ اخرج فاغسله ، ثمّ عد فابن على طوافك» (2)ودلالته تامّة ، وأمّا السند فمعتبر عندنا لأنّ الحكم ابن مسكين الواقع في طريق الصدوق إلى يونس وإن لم يوثق في الرجال ولكنّه من رجال كامل الزيارات فيكون ثقة فتكون الرواية معتبرة ، ولكن السيِّد صاحب المدارك حيث لا يرى وثاقته فيكون الخبر ضعيفاً عنده ، ولذا استشكل في الحكم المزبور (3).

ثالثها : مرسل البزنطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قلت له : رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله ، فطاف في ثوبه ، فقال : أجزأه الطّواف ثمّ ينزعه ويصلّي في ثوب طاهر» (4)وهو دال على عدم مانعية النجاسة وعدم اعتبار الطهارة ولكنّه غير قابل للمعارضة لضعفه بالإرسال ، فالمعتمد إنّما هو موثق يونس على طريق الصدوق.

وأمّا ما استدلّ للحكم المذكور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (5)ففيه أنّ النبوي لم يثبت من طرقنا.


1) الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 2 ، 1 ، التهذيب 5 : 126 / 415 ، الفقيه 2 : 246 / 1183.

2) الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 2 ، 1 ، التهذيب 5 : 126 / 415 ، الفقيه 2 : 246 / 1183.

3) المدارك 8 : 117.

4) الوسائل 13 : 399 / أبواب الطّواف ب 52 ح 3.

5) سنن الدارمي 2 : 44 ، سنن النِّسائي 5 : 222.

مسألة 297 : لا بأس بدم القروح والجروح فيما يشق الاجتناب عنه ، ولا تجب إزالته عن الثوب والبدن في الطّواف ، كما لا بأس بالمحمول المتنجس ، وكذلك نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه (1).

مسألة 298 : إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ علم بها بعد الفراغ من الطّواف صحّ طوافه ، فلا حاجة إلى إعادته ، وكذلك تصح صلاة الطّواف إذا لم يعلم بالنجاسة إلى أن فرغ منها (2).


(1) هذه المسألة تشتمل على أمرين :

أحدهما : لا فرق في النجاسة بين النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم وبين غير المعفو عنها ، إذ لا دليل على الاستثناء في الطّواف ، ومقتضى إطلاق الموثق عدم الفرق بين الأقل من الدرهم والأكثر منه ، كما أنّه لا دليل على استثناء دم القروح والجروح إلّا إذا كان بحيث يشق الاجتناب عنه ويشق على المكلف إزالته فإنّه يصحّ الطّواف معه لنفي الحرج ، وكذا لا مانع من المحمول المتنجس حتّى على القول بمنعه في الصلاة ، لأنّ الدليل منع عن الطّواف في الثوب النجس ولا يشمل الثوب المحمول فانّ الظاهر من قوله : رأيت في ثوبي ، الثوب الملبوس لا المحمول.

ثانيهما : هل يختص المنع بالثوب الّذي تتم فيه الصلاة كالقميص والجبّة والقباء ونحوها ، أم يعمّ الثوب الّذي لا تتم فيه الصلاة كالتكة والجورب والقلنسوة؟ وجهان.

الظاهر هو الأوّل ، وذلك لعدم صدق الثوب بصيغة المفرد المذكور في النص على مثل التكة والقلنسوة والجورب ونحوها وإن صدق عليها الثِّياب ، فانّ الثوب ينصرف إلى مثل القباء والجبّة والقميص ونحو ذلك ولا يصدق على الجورب والتكة والقلنسوة جزماً ، ولا أقلّ من الشك فيرجع إلى الأصل المقتضي لعدم الاعتبار.

(2) لا يخفى أن اعتبار الطهارة مشروطة بالعلم ، وأمّا إذا طاف وصلّى ثمّ علم بالنجاسة صحّ طوافه وصلاته ، أمّا الصلاة فواضحة ، لأنّ النجاسة إنّما تكون مانعة في

مسألة 299 : إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ تذكرها بعد طوافه صحّ طوافه على الأظهر ، وإن كانت إعادته أحوط ، وإن تذكرها بعد صلاة الطّواف أعادها (1).


الصلاة مع العلم ، لحديث لا تعاد (1)ولروايات خاصّة فارقة بين الجهل والنسيان (2).

وأمّا الطّواف فلأنّ المستفاد من موثق يونس (3)أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة ولذا أمر بالبناء على طوافه والاعتداد بما مضى فيما إذا علم بالنجاسة في الأثناء ، ولا نحتمل الفرق بين الأشواط السابقة واللّاحقة.

على أنّه يكفينا عدم الدليل على الاعتبار على الإطلاق ، لأن مقتضى النص مانعية النجاسة بشرط العلم بها ، وأمّا لو لم يعلم بها فلا مانع.

(1) ومما ذكرنا في المسألة السابقة يظهر الحال في النسيان ، فانّ الظاهر من النص مانعية النجاسة في صورة العلم بها لا المانعية مطلقاً ، فما نسب إلى جماعة منهم الشهيد في الدروس من البطلان في صورة النسيان (4)كالصلاة ضعيف ، وحمل الطّواف على الصلاة في النجاسة المنسية لا وجه له كما عرفت.

بل لا يبعد دعوى إطلاق الموثق باعتبار ترك الاستفصال للجهل والنسيان ، بخلاف الصلاة فإنّه إنّما نقول ببطلانها في النجاسة المنسية لأدلّة خاصّة في مورد النسيان.

فإذن لا فرق في الحكم بالصحّة بين الجهل والنسيان.


1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1.

2) الوسائل 3 : 474 / أبواب النجاسات ب 40 ، وص 479 ب 42.

3) المتقدِّم في ص 30.

4) الدروس 1 : 404.

مسألة 300 : إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه وعلم بها أثناء الطّواف ، أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطّواف ، فان كان معه ثوب طاهر مكانه طرح الثوب النجس وأتم طوافه في ثوب طاهر ، وإن لم يكن معه ثوب طاهر فان كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطّواف قطع طوافه ولزمه الإتيان بما بقي منه بعد إزالة النجاسة ، وإن كان العلم بالنجاسة أو طروئها عليه قبل إكمال الشوط الرابع ، قطع طوافه وأزال النجاسة ، ويأتي بطواف كامل بقصد الأعم من التمام والإتمام على الأحوط (1).


(1) لو تذكر بالنجاسة وهو في أثناء الطّواف ، فان تمكن من الإتمام في الطاهر طرح الثوب النجس وأتم طوافه في الثوب الطاهر ولا حاجة إلى الإعادة ، لما عرفت من أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة ، والطهارة إنّما هي شرط ذكرى ، والمانع إنّما هو النجاسة المعلومة حين الطّواف ، هذا مما لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال فيما إذا لم يكن له ثوب آخر وأنّه لا يتمكن من التبديل ، فقد نسب إلى جماعة منهم الشهيد (1)وتبعهم الأُستاذ النائيني (2)(قدس سره) التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه ، ففي الأوّل يزيلها ويبني ، وفي الثاني يستأنف كما هو الحال في صدور الحدث في الأثناء ، إلّا أنّه لا دليل على هذا التفصيل في النجاسة الخبثية ، والروايات إنّما وردت في الحدث والحيض ، وفي بعضها ورد التعليل بأنّها زادت على النصف ، وقد عرفت فيما تقدم أن روايات الحيض المفصّلة ضعيفة ، وأمّا في الحدث فالتفصيل صحيح للنصوص ، ولكن قياس الخبث عليه بلا موجب.

بل موثق يونس المتقدم (3)مطلق من حيث التجاوز عن النصف وعدمه ، ولكن مع ذلك الأحوط إعادة الطّواف قاصداً بها التمام والإتمام حتّى نخرج من الخلاف.


1) الدروس 1 : 405.

2) دليل الناسك (المتن) : 246.

3) في ص 30.

الرابع : الختان للرجال ، والأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي المميز أيضاً إذا أحرم بنفسه ، وأمّا إذا كان الصبي غير مميز أو كان إحرامه من وليه فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر ، وإن كان الاعتبار أحوط (1).


(1) يشترط في صحّة الطّواف واجباً كان أو مندوباً أن يكون الرجل مختوناً بلا خلاف بين الأصحاب ، ويدلُّ عليه عدّة من الروايات ، وفي بعضها التفصيل بين الرّجل والنِّساء.

فمنها : معتبرة ابن سدير «عن نصراني أسلم وحضر الحج ولم يكن اختتن أيحج قبل أن يختتن؟ قال : لا ، ولكن يبدأ بالسنة» (1).

ومنها : معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «الأغلف لا يطوف بالبيت ، ولا بأس أن تطوف المرأة» (2).

ومنها : صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة ، فأمّا الرجل فلا يطوف إلّا وهو مختتن» (3).

ومنها : رواية إبراهيم بن ميمون «في الرجل يسلم فيريد أن يحج وقد حضر الحج أيحج أم يختتن؟ قال : لا يحج حتّى يختتن» (4).

وهل يعتبر الختان في الصبي أم لا؟ فيه كلام وخلاف ، والظاهر هو التفصيل بين الصبي المميز الّذي يطوف بنفسه وبين الصبي غير المميز الّذي يطاف به فيعتبر في الأوّل دون الثاني.


1) الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 4.

2) الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 1.

3) الوسائل 13 : 271 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 3.

4) الوسائل 13 : 270 / أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 2.

مسألة 301 : إذا طاف المحرم غير مختون بالغاً كان أو صبياً مميزاً فلا يجتزئ بطوافه (1) فان لم يعده مختوناً فهو كتارك الطّواف يجري فيه ماله من الأحكام الآتية.

مسألة 302 : إذا استطاع المكلّف وهو غير مختون ، فإن أمكنه الختان والحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك ، وإلّا أخّر الحج إلى السنة القادمة ، فان لم يمكنه الختان أصلاً لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللّازم عليه الحج ، لكن الأحوط أن يطوف بنفسه في عمرته وحجّه ويستنيب أيضاً من يطوف عنه ويصلّي هو صلاة الطّواف بعد طواف النائب (2).


وذلك لأنّ الظاهر من المقابلة بين الرجل والمرأة المذكورة في الروايات وإن كان ثبوت الحكم لمطلق الذكر لا خصوص البالغين ، ويكفينا في ذلك صحيح معاوية بن عمار فانّ المذكور فيه الأغلف وهو أعم من البالغ والصبي ، ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بالتعميم والالتزام باعتباره في الصبي غير المميز ، لأن موضوع النهي في الروايات هو الشخص الّذي يطوف بنفسه ويكون مأموراً بالطواف بنفسه ، وأمّا الّذي يطاف به ولا يطوف بنفسه فلا أمر له بالطواف ، إذ المفروض أنّ التكليف بالطواف متوجه إلى الولي الّذي يطاف به ، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز.

(1) لفساده ، لفقدان المشروط بفقدان الشرط فكأنه لم يطف.

(2) إذا استطاع الأغلف يجب عليه الختان في نفس سنة الاستطاعة إن أمكن لوجوب مقدّمة الواجب عقلاً كسائر مقدمات الواجب ، وإن لم يتمكن من ذلك لضيق الوقت ونحوه يؤخّر الحج إلى السنة القادمة ، وذلك لعدم تمكنه من الحج في هذه السنة ، لأنّ الحج يجب فيه الطّواف والطّواف مشروط بالختان فهو غير متمكن منه ولا دليل على الاستنابة في خصوص هذا الفرض ، لأنّ الاستنابة إنّما تجب في فرض

الخامس : ستر العورة حال الطّواف على الأحوط (1).


الاستطاعة ، والمفروض أن هذا الشخص غير مستطيع لعدم تمكنه من مباشرة الأعمال في هذه السنة.

ويستفاد ما ذكرناه من معتبرة حنان بن سدير المتقدمة (1)فانّ المتفاهم منها أنّ الأمر دائر بين الحج والخروج مع الرفقة وبين أن يختتن ، ولكن لو اختتن لا يتمكّن من الحج في هذه السنة ، فحكم (عليه السلام) بأنّه لا يحج ويبدأ بالسنّة أي بالختان المؤيدة برواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (2).

هذا فيما إذا كان متمكناً من الختان ولو في السنين القادمة ، وأمّا إذا لم يكن متمكناً من الختان أصلاً للحرج والضرر ونحوهما ، فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الحج عنه بالمرة لعدم كونه مستطيعاً.

وفيه : أنّه لا وجه لسقوط الحج ، فإنّ الاستطاعة المالية كافية في وجوب الاستنابة نظير المريض الّذي لا يرجو زوال مرضه ، فلا وجه لسقوط الحج عنه ، فيدور الأمر بين وجوب الحج عليه والطّواف بغير اختتان لسقوط الشرط حينئذ ، وبين أن يستنيب للطواف فيدخل هذا في المرتبة الثالثة للطواف من الطّواف بنفسه أو إطافته أو الطّواف عنه ، ومن المعلوم أنّ الإطافة به أيضاً طواف صادر منه فيتعين الثالث ، لأن مقتضى الإطلاق اعتبار الختان في الطّواف فهو غير مأمور بالطواف بنفسه ، فيدخل تحت عنوان من لا يستطيع الطّواف ، والأحوط أن يطوف بنفسه غير مختون ويطاف عنه أيضاً.

(1) المعروف وجوب ستر العورة في الطّواف ، وناقش فيه بعضهم وذهب إلى العدم.

واستدلّ للمشهور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (3)ولكنّه غير ثابت


1) في ص 35.

2) في ص 35.

3) سنن الدارمي 2 : 44 ، سنن النِّسائي 5 : 222.

.................................................................................................


من طرقنا ، ولم يعلم استناد المشهور إليه حتّى يقال بالانجبار.

والعمدة في المقام الروايات الناهية عن الطّواف عرياناً (1)وهي مروية بطرق كثيرة منّا ومن العامّة (2)، ولكنها جميعاً ضعيفة السند إلّا أنّها كثيرة متظافرة لا يمكن رد جميعها ، بل عن كشف اللِّثام أنّها تقرب من التواتر من طريقنا وطريق بقيّة المذاهب (3).

ولكن لا يمكن الاستدلال بها لوجوب ستر العورة في الطّواف ، لأنّ النسبة بين العِراء وستر العورة عموم من وجه ، لأنّ المراد بالعريان من لم يكن لابساً للثوب ويمكن أن يكون الشخص غير عار ولابساً للثوب وعورته مكشوفة ، كما إذا كان في ثوبه ثقب تظهر عورته منه ، كما يمكن أن يكون الشخص مستور العورة وهو عار ، كما إذا ستر عورته بيده أو بحشيش أو طين ونحو ذلك ، وقد اعتبروا في الطّواف ستر العورة لا اللباس ، فيظهر الفرق بين الستر في باب الصلاة وفي الطّواف ، فانّ المعتبر في الصلاة هو الستر باللباس ولا يكفي مجرد ستر العورة ، والمعتبر في الطّواف هو ستر العورة بأيّ نحو كان ولو بيده أو بالحشيش ولا يعتبر اللباس قطعاً ، للإجماع على صحّة طواف الرجل عارياً مع ستر عورته ، وهذه الروايات لو فرض صحّة أسانيدها لا بدّ من حملها على الاستحباب.

وبالجملة : لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف ، وما دلّ عليه هذه الروايات الكثيرة وهو اللبس في الطّواف فهو غير واجب. وما ذهب إليه المشهور من وجوب ستر العورة لا تدل عليه هذه الروايات.

فما ذهب إليه بعضهم من عدم وجوب ستر العورة في الطّواف هو الصحيح ، وإن كان الأحوط الستر كما في المتن.


1) الوسائل 13 : 400 / أبواب الطّواف ب 53.

2) سنن الترمذي 5 : 276 ، مستدرك الحاكم 2 : 331.

3) كشف اللّثام 5 : 408.

ويعتبر في الساتر الإباحة ، والأحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي فيه (1).


(1) قد عرفت أنّه لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف ، ولكن بناءً على اعتباره لا بدّ أن يكون الساتر مباحاً وإلّا بطل طوافه ، لأنّ الستر المأمور به لا يمكن أن يكون بالمحرّم ، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب ، فاذا كان الساتر محرّماً ومغصوباً يخرج عن كونه مأموراً به.

وأمّا إذا كان غير الساتر مغصوباً ومحرّماً أو لم نعتبر الستر فهل يبطل طوافه أم لا باعتبار تصرفه فيه؟

يبتني ذلك على ما ذكرنا في الأُصول في بحث اجتماع الأمر والنهي (1)وهو أن مورد الأمر والنهي إن كان متحداً في الوجود فلا يمكن التقرب به لعدم إمكان التقرب بالحرام ، وإن كان متعدداً وإن اقترنا في الوجود الخارجي فلا تسري حرمة أحدهما إلى الآخر ، كالصلاة وغصبية اللباس فإنّ الصلاة عبارة عن الأذكار وأفعال خاصّة ، وحرمة شي‌ء خارجي وإن كان مقارناً للصلاة لا تسري إلى الأذكار والأفعال ، لعدم اتحادهما وجوداً وإن اقترنا خارجاً ، ولذا لم نستشكل في صحّة الصلاة إذا كان غير الساتر مغصوباً.

وربما يقال بحرمة الطّواف ، لأنّه مقدمة للتصرف في الثوب المغصوب ، لأنّه يتحرك بتحرك الشخص وبطوافه حول البيت.

ولكن قد ذكرنا في المباحث الأُصولية أنّ الأفعال قد تكون توليدية كالقتل والتطهير والتنجيس ونحو ذلك ، فانّ الصادر من الشخص إنّما هو الذبح ونحوه أو الغسل بالماء وإلّا فنفس القتل وزهاق الروح لا يصدر من الفاعل ، وكذلك الطهارة لا تحصل من الفاعل وإنّما المقدمات تصدر منه ، والقتل يترتب على الذبح ويتولد منه ، فاذا نهينا عن القتل فبالمتفاهم العرفي يكون إيجاد المقدمات كالذبح محرماً.


1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 4 : 165 وبعدها.

تعتبر في الطّواف أُمور سبعة :

الأوّل : الابتداء من الحجر الأسود ، والأحوط الأولى أن يمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر ، ويكفي في الاحتياط أن يقف دون الحجر بقليل فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق فيه المحاذاة واقعاً على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).


وأمّا إذا لم يكن الأفعال توليدياً ، بل كانت من باب العلة والمعلول كحركة الثوب بحركة البدن ، فإن كلّاً منهما يتحرك بالحركة الدورية حول الكعبة المعبّر عنها بالطواف فان جسم الإنسان يتحرك بدوران البدن حول البيت ، وكذلك الثوب يتحرك بحركة البدن والطّواف حوله ، فالعلة لحركة الثوب والتصرف فيه إنّما هي حركة البدن حول البيت والطّواف به ، والمحرّم إنّما هو حركة الثوب والتصرف فيه ، ولا مقتضي لحرمة حركة البدن والطّواف حول البيت ، لعدم حرمة المقدمة بحرمة ذي المقدمة كما حقق في الأُصول (1)، فالحكم بالبطلان يختص بما إذا كان الساتر مغصوباً كما عرفت.

ثمّ إن بقية شرائط الصلاة وموانعها لا تكون معتبرة في الطّواف ، وذلك لأن بعضها لا يكون معتبراً قطعاً كالتكلم والضحك والطمأنينة ، والبعض الآخر لا دليل على اعتباره كلبس غير المأكول وحمل الميتة أو لبسها ولبس الذهب وهكذا ، إذ لا دليل على اعتبار ذلك سوى النبوي المعروف الّذي عرفت ضعفه (2)، وإن كان الأحوط رعاية مثل هذه الشروط.

(1) لا ريب في وجوب البدأة بالحجر الأسود والختم به ، ولم يقع فيه خلاف بين المسلمين قاطبة ، وجرت عليه السيرة القطعية المتصلة إلى زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام).


1) في محاضرات في أُصول الفقه 2 : 439.

2) في ص 38.

الثاني : الانتهاء في كل شوط بالحجر الأسود ويحتاط في الشوط الأخير بتجاوزه عن الحجر بقليل ، على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).


ولو كان البدأة أو الانتهاء بغيره جائزاً لظهر وبان ولنقل من الأئمة (عليهم السلام) فالحكم مقطوع به ولا نقاش فيه أبداً.

ويدلُّ عليه مضافاً إلى ما تقدم : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من اختصر في الحجر الطّواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود» (1)فإنّه صريح الدلالة على اعتبار البدأة والختم بالحجر الأسود.

ثمّ إنّ المستفاد من النص والسيرة وطواف النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) راكباً هو الابتداء والانتهاء به بمقدار الصدق العرفي ، ولا يعتبر مرور جميع أجزاء بدنه بالحجر ، بأن يحاذي أقدم عضو من أعضائه للحجر كما توهّم ، ولذا اختلفوا في تعيين أوّل جزء وأقدم عضو من البدن ، وأنّه هل هو الأنف أو البطن أو إبهام الرجل ، وربما اختلف الأشخاص بالنسبة إلى ذلك ولا حاجة إلى ذلك أصلاً ، بل المعتبر صدق المحاذاة والبدأة بالحجر والختم به عرفاً ، وأن يمرّ أوّل جزء من بدنه عليه في الطّواف فلو بدأ بالطواف من الحجر الأسود ولم يكن أوّل عضو من أعضائه من مقاديم بدنه محاذياً للحجر بحيث لم يمرّ جميع أجزائه وأعضاء بدنه بالحجر صحّ طوافه ، لصدق البدأة أو الختم بالحجر بذلك عرفاً.

نعم ، الأحوط الأولى أن يمرّ بجميع أعضاء بدنه على جميع الحجر ، بأن يقف دون الحجر بقليل من باب المقدّمة العلمية فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق المحاذاة واقعاً ويكون الزائد لغواً.

(1) قد ظهر حال هذا الشرط مما تقدم في بيان الشرط الأوّل فلا موجب للإعادة.


1) الوسائل 13 : 357 / أبواب الطّواف ب 31 ح 3.

الثالث : جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطّواف ، فاذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الأركان أو لغيره ، أو ألجأه الزحام إلى استقبال الكعبة أو استدبارها ، أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من الطّواف ، والظاهر أنّ العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي كما يظهر ذلك من طواف النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) راكباً ، والأولى المداقّة في ذلك ولا سيما عند فتحي حجر إسماعيل وعند الأركان (1).


(1) هذا الاشتراط وإن لم يصرح به في الروايات ولكنّه لا خلاف فيه بين المسلمين كافّة ، وقد قامت عليه السيرة القطعية تأسياً بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) بحيث يكون خلافه أمراً منكراً عند المسلمين ، ولو كان جائزاً لظهر وشاع ، ولوقع من أحدهم ولو مرّة واحدة ، ويؤكّده عدّة من الروايات :

منها : صحيح معاوية بن عمار «إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخّر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت إلى أن قال ثمّ ائت الحجر الأسود» (1).

وفي صحيحة أُخرى له «ثمّ تطوف بالبيت سبعة أشواط إلى أن قال فاذا انتهيت إلى مؤخّر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الأرض والصق خدك وبطنك بالبيت إلى أن قال ثمّ استقبل الركن اليماني والركن الّذي فيه الحجر الأسود واختتم به» (2)وغيرهما من الروايات ، فانّ المفروض فيها جعل الكعبة على اليسار ، فانّ الترتيب المزبور في الروايات يستدعي أن يطوف على يساره دون يمينه كما هو واضح.


1) الوسائل 13 : 345 ، 347 / أبواب الطّواف ب 26 ح 4 ، 9.

2) الوسائل 13 : 345 ، 347 / أبواب الطّواف ب 26 ح 4 ، 9.

الرّابع : إدخال حجر إسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول الحجر من دون أن يدخل فيه (1).

الخامس : خروج الطائف عن الكعبة وعن الصفة الّتي في أطرافها المسماة بشاذَروان (2).


(1) هذا أيضاً أمر متسالم عليه عند المسلمين والنصوص فيه مستفيضة (1).

نعم ، وقع الكلام في أمر آخر وهو بطلان أصل الطّواف أو شرطه لو اختصر في الطّواف ودخل في الحجر ، وذلك لاختلاف الروايات ، وسنتعرض إلى ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

(2) لا ريب ولا شك في لزوم كون الطّواف حول البيت ، فلا بدّ أن يكون البيت الشريف بتمامه مطافاً ، فاللّازم أن يجعل الشاذَروان (2)داخلاً في المطاف ، لأنّ الشاذَروان أساس البيت وقاعدته ، فلا يصح الطّواف داخل الكعبة ، وكذا لو طاف من فوق الشاذَروان.

وبعبارة اخرى : لا بدّ أن يكون الطائف خارجاً من البيت ومن الشاذَروان ، فلو طاف داخل البيت أو من فوق الشاذَروان بطل طوافه برأسه ، والحكم بالنسبة إلى البيت واضح.

وأمّا بالنسبة إلى الشاذَروان فالمعروف أنّه من أساس البيت وقاعدته ومن نفس جدار الكعبة كما جاءت بذلك الآثار التاريخية ، وهو القدر الباقي من أساس الحائط بعد عمارته أخيرا.

ولو شكّ في دخول الشاذروان في البيت وعدمه فالأصل أيضاً يقتضي جعله مطافاً


1) الوسائل 13 : 353 ، 356 / أبواب الطّواف ب 30 ، 31.

2) الشاذَروان بفتح الذال من جدار البيت الحرام ، وهو الّذي ترك من عرض الأساس خارجاً ويسمّى تأزيراً لأنّه كازار للبيت. مجمع البحرين [3 : 183] والكلمة فارسية ، شادروان بالدال المهملة زير كنگرهاى عمارتها را گويند. برهان قاطع [3 : 1223].

السادس : أن يطوف بالبيت سبع مرات (1) متواليات عرفاً ولا يجزي الأقل من السبع ، ويبطل الطّواف بالزيادة على السبع عمداً كما سيأتي.


وإجراء حكم البيت عليه ، وذلك لأنّه لو أخرجه عن المطاف ولم يطف حوله لم يحرز كون الطّواف طوافاً بالبيت ، بعكس ما لو أدخله في المطاف. إذن فلا بدّ من إدخاله في البيت ليحرز كون الطّواف بالبيت من باب المقدمة العلمية لحصول الطّواف بالبيت ولذا لو فرضنا أنّ الكعبة الشريفة خربت بتمامها (لا سمح اللّه) يجب إدخال ما شك فيه من البيت في المطاف ، ولا بدّ من الطّواف في مكان يحرز كونه خارج البيت.

ودعوى كون الشاذروان من البيت وعدمه من قبيل الشك بين الأقل والأكثر والأصل يقتضي عدم دخوله في البيت ، ضعيفة بأن أصالة عدم دخول الشاذروان في البيت لا تحقق كون الطّواف طوافاً بالبيت ولا توجب إحراز ذلك.

نعم ، وقع الكلام في البطلان وعدمه فيما لو طاف من فوق الشاذروان ، وأمّا أصل الحكم وهو جعل الشاذروان مطافاً فمما لا خلاف فيه أصلا.

(1) بلا خلاف في ذلك بين المسلمين والحكم به مقطوع به عند الأصحاب ، ويمكن استفادته من عدّة من الروايات الموجودة في أبواب متفرقة والّتي لا يبعد دعوى تواترها.

منها : الأخبار البيانية لكيفية الحج (1).

ومنها : الروايات الواردة في من شكّ في عدد أشواط الطّواف بين السبعة والستّة (2).

ومنها : الروايات الآمرة بالإعادة إذا زاد شوطاً على سبعة أشواط (3).

ومنها : الروايات الواردة في القرآن بين أُسبوعين (4)وغير ذلك من الروايات الكثيرة.


1) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحجّ ب 2.

2) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33.

3) الوسائل 13 : 363 / أبواب الطّواف ب 34.

4) الوسائل 13 : 369 / أبواب الطّواف ب 36.

مسألة 303 : اعتبر المشهور في الطّواف أن يكون بين الكعبة ومقام إبراهيم (عليه السلام) ويقدّر هذا الفاصل بستّة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع ، وبما أن حجر إسماعيل داخل في المطاف فمحل الطّواف من الحجر لا يتجاوز ستّة أذرع ونصف ذراع ، ولكن الظاهر كفاية الطّواف في الزائد على هذا المقدار أيضاً ، ولا سيما لمن لا يقدر على الطّواف في الحد المذكور ، أو أنّه حرج عليه ، ورعاية الاحتياط مع التمكّن أولى (1).


وأمّا اعتبار التوالي بين الأشواط ، فلأنّ الطّواف عمل واحد مركب من أشواط سبعة ، وليس كل شوط عملاً مستقلا ، فحاله حال سائر الأعمال ، والعمل الواحد المركب من أجزاء غير متماثلة كالصلاة ، أو المركب من أجزاء متماثلة كالطواف المركب من الأشواط إذا أُمر به يفهم العرف إتيانه متوالياً من دون فصل بين الأجزاء ، وإلّا فلا يصدق العمل الواحد المأمور به على ما أتى به ، كما إذا أتى بشوط من الطّواف ثمّ بعد عشر ساعات أتى بشوط آخر ، كما هو الحال في الصلاة والأذان والإقامة ، بل حتّى العقود وغير ذلك من الأعمال المركبة ، ومما ذكرنا ظهر اعتبار التوالي في نفس الشوط الواحد وإلّا فلا يصح الطّواف.

(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب وجوب كون الطّواف بين الكعبة وبين المقام مراعياً ذلك القدر من البعد في جميع أطراف البيت حتّى جهة حجر إسماعيل ، ولذا يضيق المطاف حينئذ من تلك الجهة ويكون قريباً من ستّة أذرع ونصف ذراع ، ويقرب في سائر الجوانب بستّة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع.

ويدلُّ على مذهب المشهور ما رواه الكليني عن محمّد بن مسلم قال : «سألته عن حدّ الطّواف بالبيت الّذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت ، قال : كان الناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يطوفون بالبيت والمقام ، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت ، فكان الحد موضع المقام ، فمن جازه فليس بطائف ، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها ، فمن طاف

.................................................................................................


فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حد ولا طواف له» (1)والرواية صريحة في مذهب المشهور ولكنّها ضعيفة سنداً ، لأن في طريقها ياسين الضرير وهو غير موثق ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الانجبار مما لا أساس له عندنا.

ونسب إلى ابن الجنيد أنّه جوّز الطّواف خارج المقام ومن خلفه عند الضرورة (2)، وعن الصدوق الجواز مطلقاً ولو اختيارا (3).

ويظهر الميل إليه من المختلف (4)والتذكرة (5)والمنتهى (6)كما يظهر الميل من صاحب المدارك (7)، وهو الصحيح.

ويدل عليه صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطّواف خلف المقام ، قال : ما أُحب ذلك وما أرى به بأساً فلا تفعله إلّا أن لا تجد بدّاً» (8)وصريح الرواية الجواز على المرجوحية الّتي ترتفع عند الاضطرار ، فلا بأس بالعمل بها كما عن الصدوق الإفتاء بمضمونها.

فالمتحصل : أنّ الطّواف بالنسبة إلى البُعْد والقُرْب إلى الكعبة غير محدّد بحد ، بل العبرة بصدق الطّواف حول البيت عرفاً وإن كان خلف المقام.

نعم ، لو طاف خارج المسجد كالشوارع المحيطة بالمسجد أو نفس المسجد ولكن في مكان بعيد جدّاً عن الكعبة بحيث لا يصدق عليه الطّواف حول البيت لا يجتزأ به قطعاً.


1) الوسائل 13 : 350 / أبواب الطّواف ب 28 ح 1 ، الكافي 4 : 413 / 1.

2) حكاه عنه في المختلف 4 : 200 [مسألة 154].

3) الفقيه 2 : 249 / 1200.

4) المختلف 4 : 200 [مسألة 154].

5) التذكرة 8 : 93.

6) المنتهي 2 : 691 السطر 12.

7) المدارك 8 : 131.

8) الوسائل 13 : 351 / أبواب الطواف ب 28 ح 2.

الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج

مسألة 304 : إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه ولزمته الإعادة ، والأولى إتمام الطّواف ثمّ أعادته إذا كان الخروج بعد تجاوز النصف (1).


(1) إذا خرج الطائف عن المطاف فهل يصح طوافه أو يبطل أو فيه تفصيل؟

قد يفرض أنّ الطائف يخرج عن المطاف ويدخل في الكعبة ، وقد يفرض خروجه عن مدور المطاف إلى الخارج.

أمّا بالنسبة إلى الداخل فلا إشكال في البطلان في الجملة ويعيد ما أتى به من الأشواط ، وهل هذا حكم على الإطلاق أو يختص بما إذا لم يتجاوز النصف؟

المشهور هو التفصيل بين التجاوز عن النصف وعدمه ، فان دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف بطل طوافه وعليه إعادته من أصله ، وإن دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فيبني على طوافه ويعيد نفس الشوط الّذي أتى به داخل الكعبة.

ولكن هذا التفصيل لم يرد في شي‌ء من الروايات ، بل صحيحة ابن البختري تدل على البطلان على الإطلاق فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في من كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها ، قال : يستقبل طوافه» (1)فإنّها واضحة الدلالة على البطلان على الإطلاق ، سواء دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف أو بعده.

ولكن في صحيح الحلبي حكم بالبطلان فيما إذا دخل البيت قبل التجاوز من النصف كما جاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثمّ وجد من البيت خلوة فدخله كيف يصنع؟ قال : يعيد طوافه ، وخالف السنّة» (2). وفي مرسلة ابن مسكان قال : «حدثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة أشواط ، ثمّ وجد خلوة من البيت فدخله قال : نقض (يقضي) طوافه وخالف السنة فليعد» (3).


1) الوسائل 13 : 378 / أبواب الطّواف ب 41 ح 1.

2) الوسائل 13 : 379 / أبواب الطّواف ب 41 ح 3.

3) الوسائل 13 : 379 / أبواب الطّواف ب 41 ح 4.

مسألة 305 : إذا تجاوز عن مطافه إلى الشاذروان بطل طوافه بالنسبة إلى المقدار الخارج عن المطاف ، والأحوط إتمام الطّواف بعد تدارك ذلك المقدار ثمّ إعادته. والأحوط أن لا يمدّ يده حال طوافه من جانب الشاذروان إلى جدار الكعبة لاستلام الأركان أو غيره (1).


ولو كنّا نحن وهاتان الروايتان فمقتضاهما البطلان في خصوص صورة الدخول قبل التجاوز من النصف ، وأمّا إذا دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فالروايتان ساكتتان عن حكمه ومقتضى الأصل هو الصحّة.

إلّا أن مقتضى صحيح ابن البختري هو البطلان مطلقاً ولا مقيّد لإطلاقه.

وأمّا الروايتان ، فقد عرفت أنّهما لا تدلّان على البطلان في فرض الدخول بعد التجاوز من النصف ، فلا تدل الروايتان على البطلان ولا على الصحّة ، فالمرجع حينئذ إطلاق صحيح ابن البختري.

فالظاهر هو البطلان بالنسبة إلى الدخول إلى البيت ، سواء كان قبل التجاوز من النصف أو بعده.

(1) لا ريب في أنّه لو تسلّق على الشاذروان وطاف من فوقه لا يحسب ذلك المقدار طوافاً للبيت ، فإنّه لو ثبت كون الشاذروان من جدار الكعبة ومن أساس البيت فالأمر واضح ، فإنّه محكوم بحكم البيت نفسه ، ولو شكّ في ذلك فالشك كافٍ في الحكم بالبطلان ، لعدم إحراز الطّواف بالبيت ، وأصالة عدم كونه من البيت لا تثبت أن طوافه بالبيت.

هذا بالنسبة لهذا المقدار الّذي طاف من فوق الشاذروان ، وأمّا بالنسبة إلى أصل الطّواف فهل يحكم ببطلانه أم لا؟.

الظاهر هو الثاني ، إذ لم يثبت كون الشاذروان من البيت ، ولو شكّ في ذلك فالدخول في الشاذَروان والتسلّق عليه لا يوجب البطلان ، لعدم صدق الطّواف من داخل البيت

مسألة 306 : إذا دخل الطائف حجر إسماعيل بطل الشوط الّذي وقع ذلك فيه فلا بدّ من إعادته والأولى إعادة الطّواف بعد إتمامه ، هذا مع بقاء الموالاة ، وأمّا مع عدمها فالطواف محكوم بالبطلان وإن كان ذلك عن جهل أو نسيان ، وفي حكم دخول الحِجر التسلّق على حائطه على الأحوط ، بل الأحوط أن لا يضع الطائف يده على حائط الحِجر أيضاً (1).


عليه ، وما دلّ على المنع من الدخول في البيت حال الطّواف منصرف عن التسلّق على الشاذروان ، فالظاهر بطلان المقدار الّذي تسلّق عليه لا بطلان بقيّة الأشواط الّتي لم يكن على الشاذَروان ، فعليه تدارك ذلك المقدار الّذي تسلّق على الشاذَروان ، والأحوط إتمام الطّواف بعد تدارك ذلك المقدار ثمّ إعادته من أصله.

وهل له أن يمدّ يده حال الطّواف على الحجر الأسود أو إلى جدار الكعبة لاستلام الأركان أو غيرها أم لا؟

اختلفت كلماتهم في ذلك ، بل حصل الاختلاف من عالم واحد كالعلّامة (1).

ووجه الاشكال : أنّ الطّواف هل يلزم أن يكون بتمام بدنه أو يكفي بمعظم بدنه؟ فان اعتبرنا تمام البدن فلا يجتزئ بطوافه هذا ، لأن يده خرجت عن المطاف ، وإن قلنا بكفاية الصدق العرفي والاكتفاء بمعظم البدن فمدّ اليد إلى جدار الكعبة أو الحجر غير ضائر في الصدق المذكور.

ولا ريب أن هذا الصدق غير قابل للإنكار كما في الطّواف في غير الكعبة ، ولكن الأحوط استحباباً هو الترك.

(1) لا ريب في عدم جواز الدخول في حجر إسماعيل حال الطّواف ، وهل يبطل طوافه برأسه أو يبطل ذلك الشوط الّذي وقع فيه؟ فيه كلام ، ففي صحيحة معاوية بن عمار «من اختصر في الحِجر الطّواف فليعد طوافه» (2)وظاهرها بطلان الطّواف من


1) قال بعدم الجواز في التذكرة 8 : 92 ، وبالجواز في القواعد 1 : 428.

2) الوسائل 13 : 357 / أبواب الطّواف ب 31 ح 3.

.................................................................................................


أصله.

وفي غيرها من الروايات أنّه يعيد ذلك الشوط ، فتكون هذه الروايات قرينة على أنّ المراد بالطواف في صحيحة معاوية بن عمار هو الشوط ، حيث أُطلق الطّواف على الشوط في غير واحد من الروايات.

فالأظهر كفاية إعادة الشوط الّذي دخل فيه إلى الحِجر وإن كان الأحوط إعادة أصل الطّواف.

وأمّا التسلّق على حائط الحِجر فيظهر من الأصحاب أنّه محكوم بالحِجر وألحقوه به.

أقول : إن كان مضمون الروايات هو جعل الحِجر مطافاً فالإلحاق في محله ، لأنّه كالبيت في لزوم جعله مطافاً فلا يجوز التسلّق عليه ، ولكن المذكور في الروايات هو المنع عن الدخول في الحِجر ، وبالتسلق على حائطه لا يصدق الدخول في الحِجر فالإلحاق مشكل.

ولكن احتمال كون الحائط من الحِجر وأنّه مبني على الحِجر كما هو غير بعيد يمنع التسلّق عليه ، لوجوب إدخال حجر إسماعيل في المطاف ، فالاحتياط بترك التسلّق على حائط الحِجر في محله.

وأمّا وضع اليد على حائط الحِجر حال الطّواف فقد ذكروا أنّه لا يجوز ، لأن بعض بدنه يكون في الحِجر ، ولا يمكن إثباته بدليل ، ولا يقاس بوضع اليد على جدار الكعبة أو الشاذَروان ، لأنّ الطائف لا بدّ له أن يطوف بتمام بدنه حول البيت ، وإذا وضع يده على الكعبة لا يصدق عليه أنّه طاف بتمام بدنه ، ولكن الأمر في الحِجر ليس كذلك وليس المأمور به الطّواف حول الحِجر ، بل الممنوع دخول الطائف في الحِجر ، وبوضع اليد على حائط الحِجر لا يصدق عليه الدخول في الحِجر.

وأوضح من ذلك إشكالاً : ما ذكره بعضهم من أنّه لا يمس جدار الحِجر ، لما عرفت أنّ الممنوع شرعاً هو الدخول في ذلك وغير صادق على وضع اليد على الحائط أو مسّه ، حتّى لو فرضنا أنّ الطرف الأعلى من الحائط أقل عرضاً من الأسفل ، كما لو

مسألة 307 : إذا خرج الطائف من المطاف إلى الخارج قبل تجاوزه النصف من دون عذر ، فان فاتته الموالاة العرفية بطل طوافه ولزمته إعادته ، وإن لم تَفُت الموالاة أو كان خروجه بعد تجاوز النصف فالأحوط إتمام الطّواف ثمّ إعادته (1).


فرض بناء الحائط على نحو التسنيم ، وإن كان الغالب في عمارة الجدران والحيطان هو المساواة والمحاذاة ولو كان متفاوتاً فيسير جدّاً.

وأشدّ من ذلك إشكالاً ما ذكره الأُستاذ النائيني في مناسكه من أنّ الأولى أن لا يصل أصابع قدمه بأساس الحِجر (1)، فإنّ الأصابع إنّما تمس ما هو خارج عن الحِجر لأنّ الطرف الظاهر الأسفل من الحائط خارج من الحِجر ، فلا مانع من ذلك أصلاً حتّى لو فرضنا أنّ الواجب جعل الحِجر مطافاً.

هذا كلّه بالنسبة إلى خروج الطائف عن المطاف ودخوله إلى الكعبة أو الشاذروان أو الحِجر ، وأمّا خروجه عن المطاف إلى الخارج فذكره في المسألة الآتية.

(1) المشهور بين الفقهاء أنّه لو خرج الطائف من المطاف إلى الخارج عن غير عذر ، فان كان قبل التجاوز من النصف يبطل طوافه ، وإن كان بعد التجاوز من النصف يبني على طوافه ويرجع ويأتي ببقية الأشواط.

وتفصيل الكلام يقع في مسائل ثلاث :

الاولى : الخروج قبل النصف مع فوات الموالاة العرفية ، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشك في البطلان ، لأنّ الطّواف عمل واحد يعتبر فيه الموالاة بين أجزائه ، وإلّا فلا يلحق الجزء اللّاحق بالجزء السابق.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى ما ذكر : صحيح أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل طاف شوطاً أو شوطين ثمّ خرج مع رجل في حاجة ، قال : إن كان


1) دليل الناسك (المتن) : 252.

.................................................................................................


طواف نافلة بنى عليه وإن كان طواف فريضة لم يبن» (1)فإنّه دال على البطلان بالخروج عن المطاف وقطع الطّواف ، ولا نحتمل دخل الشوط أو الشوطين في الحكم بالبطلان ، بل المستفاد منه أنّ العبرة في الحكم بالبطلان بقبل التجاوز من النصف فالحكم بالنسبة إلى ما قبل النصف واضح. وأمّا إذا تجاوز النصف فلا يمكن الجزم بشمول الدليل له.

الثانية : الخروج قبل التجاوز من النصف مع عدم فوات الموالاة ، كما إذا خرج وقطع طوافه ثمّ رجع سريعاً بحيث لا يخل بالموالاة ، نظير ما لو جلس أو وقف في أثناء الطّواف يسيراً ، ففي مثل هذا الفرض لا يمكن الحكم ببطلان الطّواف مع قطع النظر عن دليل خاص لصدق الطّواف الواحد على ذلك ، ومجرّد الفصل بهذا المقدار غير ضائر في صدق الطّواف الواحد عليه ولا يخل بالهيئة الاتصالية العرفية.

نعم ، إطلاق صحيح أبان المتقدم يشمل هذه الصورة أيضاً ، لأنّ المذكور فيه الخروج لحاجة ولم يذكر فيه مقدار الخروج وأنّه كان على حدّ ينافي الموالاة أم لا فمقتضى إطلاق النص فساد الطّواف وإن لم تفت الموالاة.

الثالثة : ما إذا خرج عن المطاف بعد التجاوز من النصف ، فقد يفرض أنّ الموالاة لا تفوت وتكون الهيئة الاتصالية محفوظة ، ففي هذه الصورة لا شك في الحكم بالصحّة ، إذ لم يرد دليل على البطلان بمجرد الخروج. وأمّا إذا فاتت الموالاة فالمشهور ذهبوا إلى الحكم بالصحّة وذكروا أن دليل لزوم الموالاة خصص في هذه الصورة ، فيقع الكلام في دليل الصحّة.

فقد يستدل بأدلّة الخروج للتطهير فيما إذا أحدث في أثناء الطّواف ، وكذلك استدلّ بأدلّة جواز الخروج للحائض إذا طرأ الحيض في الأثناء.

وفيه : أنّه قياس لا نقول به.


1) الوسائل 13 : 380 / أبواب الطّواف ب 41 ح 5.

مسألة 308 : إذا أحدث أثناء طوافه جاز له أن يخرج ويتطهّر ثمّ يرجع ويتم طوافه على ما تقدّم ، وكذلك الخروج لإزالة النجاسة من بدنه أو ثيابه ، ولو حاضت المرأة أثناء طوافها وجب عليها قطعه والخروج من المسجد الحرام فوراً


نعم ورد في بعض روايات الحائض تعليل الصحّة بأنّها زادت على النصف (1)فربما يستفاد منه عدم اختصاص الحكم بالصحّة بالحيض ، بل هذا الحكم حكم من تجاوز النصف ، ولكن موردها الخروج الاضطراري لا الاختياري الّذي هو محل الكلام. على أنّه قد تقدّم (2)أن هذه الرواية ضعيفة السند.

نعم ، في صحيح صفوان قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يأتي أخاه وهو في الطّواف ، فقال : يخرج معه في حاجته ثمّ يرجع ويبني على طوافه» (3)وهو مطلق من حيث طواف الفريضة وطواف النافلة ، وكذلك مطلق من حيث الخروج قبل التجاوز من النصف أو بعده ، ويخرج منه طواف الفريضة إذا خرج قبل التجاوز من النصف ، لصحيح أبان بن تغلب المتقدم (4)الدال على البطلان في طواف الفريضة إذا خرج قبل التجاوز من النصف ، فيبقى تحت صحيحة صفوان طواف النافلة وطواف الفريضة إذا كان الخروج بعد التجاوز من النصف ، فيحكم بالصحّة في هذين الموردين وإن فاتت الموالاة.

ثمّ إن في المقام روايات كثيرة تدل على جواز الخروج أثناء الطّواف وقطعه اختياراً والبناء على ما قطعه ، ولكنّها بأجمعها ضعيفة سنداً للإرسال أو غيره ، والمعتبر منها إنّما هو صحيح صفوان وصحيح أبان بن تغلب وهما المعتمد وبهما الكفاية.


1) الوسائل 13 : 455 / أبواب الطّواف ب 86 ح 4.

2) في ص 21.

3) الوسائل 13 : 382 / أبواب الطّواف ب 42 ح 1.

4) في ص 51.

وقد مرّ حكم طواف هؤلاء في شرائط الطّواف (1).


(1) الخروج عن المطاف قد يكون بمجرّد الاختيار من دون أيّ ضرورة تكوينية أو شرعيّة ، وقد يكون لضرورة شرعيّة ، وقد يكون لضرورة غير شرعيّة.

أمّا الخروج الاختياري فقد تقدّم أن مقتضى الجمع بين صحيح أبان وصحيح صفوان بطلان الطّواف إذا خرج قبل التجاوز من النصف ، وصحّته إذا كان الخروج بعد التجاوز من النصف.

ثمّ إن رواية صفوان المتقدمة صحيحة لصحّة طريق الصدوق إليه (1)، وفي الطريق موسى بن عمر وهو ثقة على الأظهر لوقوعه في إسناد كامل الزيارات.

وربما يتوهم أن هذه الرواية مرسلة ، لأنّ الصدوق قال روي عن صفوان الجمال (2)، ولو قال روى فلان لكان مسنداً ، وصحّة الطريق إنّما تفيد في الروايات المسندة لا المرسلة.

ولكنّه توهم ضعيف جدّاً ، إذ لا فرق بين التعبيرين ، فانّ الصدوق ذكر في المشيخة أن كل ما كان في هذا الكتاب عن فلان فقد رويته عن فلان ، وهذا يصدق على كل من التعبيرين سواء قال روى فلان أو روي عن فلان.

ثمّ إنّ المراد بالحاجة المذكورة في الصحيحة لا يحتمل أن تكون حاجة خاصّة دخيلة في جواز الخروج ، بل المتفاهم منها للانصراف الخروج اختياراً لحاجة عرفية ولاشتهاء نفسه.

وأمّا الخروج لضرورة شرعية كخروج الطائف لأجل تحصيل الطهارة أو لحرمة بقائه ومكثه في المسجد الحرام للجنابة أو الحيض ، أو الخروج لنجاسة بدنه أو ثيابه فقد تقدّم حكم طواف هؤلاء في شرائط الطّواف في ضمن مسائل.


1) الفقيه 4 (المشيخة) : 24.

2) الفقيه 2 : 248 / 1189.

.................................................................................................


أمّا بالنسبة إلى الطهارة الخبثية فقد اعتمدنا على معتبرة يونس بن يعقوب المتقدمة (1)، وفي المقام رواية توافق مضمون معتبرة يونس من حيث البناء على الطّواف من حيث ما قطع ، غاية الأمر رواية يونس في نجاسة الثوب وهذه الرواية في نجاسة البدن ولا نحتمل الفرق بين الأمرين.

ثمّ إن هذه الرواية رواها صاحب الوسائل عن حبيب [بن] مظاهر وزعم أنّ المسئول عنه فيها هو أبو عبد اللّه الحسين (عليه السلام) بقرينة حبيب [بن] مظاهر فتكون الرواية على ذلك ضعيفة للفصل الكثير بين حماد وحبيب بن مظاهر ، ولا يمكن رواية حماد عن حبيب ، لأنّ حماد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) فالرواية مرسلة ، وإن كان المراد بأبي عبد اللّه هو الصادق (عليه السلام) كما هو الشائع في الروايات ، وتفسير أبي عبد اللّه بالحسين من صاحب الوسائل ومن استظهاره من حبيب [بن] مظاهر زعماً منه أنّه حبيب بن مظاهر الشهيد في الطف ، وإلّا ففي الفقيه كلمة الحسين غير موجودة وإنّما اقتصر على ذكر أبي عبد اللّه (عليه السلام) فالرواية أيضاً ضعيفة ، لأن حبيب [بن] مظاهر غير حبيب بن مظاهر الشهيد المعروف ، فهو رجل مجهول وليس له رواية واحدة في الكتب الأربعة غير هذه ، فالرواية على كل تقدير ضعيفة ، إمّا بالإرسال أو بجهالة الراوي.

وأمّا الرواية ، فهي ما رواه الصدوق بإسناده عن حماد بن عثمان ، عن حبيب بن مظاهر قال : «ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطاً واحداً ، فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه ، فخرجت فغسلته ، ثمّ جئت فابتدأت الطّواف ، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) فقال : بئس ما صنعت ، كان ينبغي لك أن تبنى على ما طفت ثمّ قال : أما أنّه ليس عليك شي‌ء» (2)وفي الفقيه كلمة الحسين غير موجودة.


1) في ص 30.

2) الوسائل 13 : 379 / أبواب الطّواف ب 41 ح 2 ، الفقيه 2 : 247 / 1188.

مسألة 309 : إذا التجأ الطائف إلى قطع طوافه وخروجه عن المطاف لصداع أو وجع في البطن أو نحو ذلك ، فان كان ذلك قبل إتمامه الشوط الرابع بطل طوافه ولزمته الإعادة ، وإن كان بعده فالأحوط أن يستنيب للمقدار الباقي ويحتاط بالإتمام والإعادة بعد زوال العذر (1).


(1) ما ذكر في هذه المسألة هو القسم الثالث من جواز قطع الطّواف ، وهو الخروج لضرورة خارجية كصداع أو وجع في البطن ونحو ذلك من العوارض الخارجية.

والمشهور فيه هو التفصيل المتقدم بين بطلان الطّواف إذا قطعه قبل إتمام الشوط الرابع وصحّته والبناء على ما قطعه إذا كان بعده.

أمّا البطلان قبل التجاوز من النصف فالأمر كما ذكروه ، ويدلُّ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا طاف الرجل بالبيت ثلاثة أشواط ثمّ اشتكى أعاد الطّواف ، يعني الفريضة» (1).

وأمّا الصحّة والبناء على ما قطع إذا طرأ المانع الخارجي بعد مجاوزة النصف ، أي بعد إتمام الشوط الرابع ، فيمكن الاستدلال لذلك بنفس صحيح الحلبي المتقدم بناءً على وجود كلمة «ثلاثة» في الصحيحة كما في الوسائل ، لأن قوله (عليه السلام) : «إذا طاف الرجل» وإن لم يكن له مفهوم إلّا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع ، ولكن ذكر الوصف والتقييد بالثلاثة في كلام الإمام (عليه السلام) يكشف عن عدم سراية الحكم إلى جميع أفراد الطبيعة وأن لذكر الوصف أو القيد خصوصية ودخلاً في الحكم ، وإلّا لكان ذكر الوصف أو القيد لغواً ، فالحكم بالإعادة وبطلان الطّواف يختص بما إذا طاف ثلاثة أشواط ونحوها ، ولا يسري الحكم بالبطلان في الأشواط الأخيرة ، إلّا أن لفظة «ثلاثة» غير مذكورة في الرواية ، بل المذكور في الرواية كما في الكافي «أشواطاً» (2)


1) الوسائل 13 : 386 / أبواب الطّواف ب 45 ح 1.

2) الكافي 4 : 414 / 4.

.................................................................................................


فتدل الرواية على البطلان مطلقاً قبل التجاوز عن النصف أم بعده ، ولذا تردد في التفصيل المزبور صاحب المدارك ، ومال إلى البطلان على الإطلاق (1).

وقد يستدل للمشهور برواية إسحاق بن عمار «عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل طاف طواف الفريضة ثمّ اعتل علّة لا يقدر معها على إتمام الطّواف ، فقال : إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تمّ طوافه» الحديث (2).

ولكنّها ضعيفة بسهل بن زياد ، على أنّها أجنبية عن مذهب المشهور ، لأنّهم ذهبوا إلى جواز البناء على ما قطع وأنّه يرجع ويتم طوافه ويأتي بالبقية ، والرواية تدل على الأمر بالاستنابة ، وأنّه يطوف عنه الأشواط الثلاثة الباقية شخص آخر.

وقد يستدل لهم بصحيح صفوان المتقدم (3)الدال على جواز القطع طوعاً ولحاجة عرفية ، فإنّه إذا جاز القطع اختياراً جاز قطعه في الضرورة الخارجية بالأولوية القطعية ، ولكن الاحتياط يقتضي أن يستنيب لبقية الأشواط كما في رواية إسحاق بن عمار المتقدمة ويتم الطّواف هو أيضاً بعد زوال عذره ، لصحيحة صفوان ويعيد الطّواف برأسه من الأوّل لصحيح الحلبي المتقدم (4).

ثمّ إنّ المراد بالحاجة المذكورة في صحيح صفوان كما ذكرنا هو الحاجة العرفية على النحو المتعارف كالخروج بمقدار ساعة أو ساعتين ونحو ذلك ، وأمّا إذا استوعب الخروج زماناً طويلاً وفصلاً كثيراً كيوم أو يومين فلا يشمله النص ، فكذلك الخروج للضرورة الخارجية ، فالخروج للحاجة العرفية أو للضرورة التكوينية لا بدّ من أن يكون بمقدار المتعارف عادة ، وأمّا الزائد على ذلك فلا يشمله النص.

وبتعبير أوضح : أن مقتضى صحيح صفوان جواز الخروج عن المطاف للحاجة العرفية في مطلق الطّواف فريضة كان أو مندوباً ، وصحّة الطّواف والبناء على ما


1) المدارك 8 : 155.

2) الوسائل 13 : 386 / أبواب الطّواف ب 45 ح 2.

3) في ص 53.

4) في الصفحة السابقة.

مسألة 310 : يجوز للطائف أن يخرج من المطاف لعيادة مريض أو لقضاء حاجة لنفسه أو لأحد إخوانه المؤمنين ، ولكن تلزمه الإعادة إذا كان الطّواف فريضة وكان ما أتى به شوطاً أو شوطين ، وأمّا إذا كان خروجه بعد ثلاثة أشواط فالأحوط أن يأتي بعد رجوعه بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام (1).


قطعه ، فاذا جاز ذلك للحاجة العرفية يجوز للضرورة بالأولوية ، ومقتضى صحيح الحلبي الوارد فيه خصوص طواف الفريضة ، بطلان الطّواف بالخروج عن المطاف للضرورة التكوينية الخارجية ، فيدل على البطلان بالخروج لأجل الحاجة العرفية بطريق أولى فيقع التعارض ، لأن مقتضى صحيح صفوان جواز الخروج للضرورة ومقتضى صحيح الحلبي عدم جواز الخروج للضرورة.

فيشكل الحكم بجواز الخروج للضرورة في طواف الفريضة فضلاً عن الحاجة العرفية ، ولكن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح ، ولا بدّ من رفع اليد من إطلاق صحيح الحلبي ، لأن معتبرة يونس بن يعقوب المتقدمة (1)دلّت على جواز الخروج للضرورة الشرعية وهي التطهير وإزالة النجاسة ، فيجوز الخروج للضرورة التكوينية بالأولى ، فيبقى صحيح صفوان بلا معارض فيجوز الخروج في الضرورة الشرعية والتكوينية.

(1) قد ورد في جملة من الروايات جواز الخروج من المطاف لموارد ذكرت في المتن ، ولكنّها بأجمعها ضعيفة ، وهي على طوائف :

الطائفة الأُولى : ما دلّ على جواز الخروج من المطاف وقطع الطّواف بعد خمسة أشواط كما في خبر أبي الفرج قال : «طفت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) خمسة أشواط ثمّ قلت إنّي أُريد أن أعود مريضاً ، فقال : احفظ مكانك ثمّ اذهب فعده ، ثمّ ارجع فأتم طوافك» (2)ونحوه خبر أبي غرة (3).


1) في ص 30.

2) الوسائل 13 : 380 ، 382 / أبواب الطّواف ب 41 ح 6.

3) الوسائل 13 : 380 ، 382 / أبواب الطّواف ب 41 ح 10.

مسألة 311 : يجوز الجلوس أثناء الطّواف للاستراحة ، ولكن لا بدّ أن يكون مقداره بحيث لا تفوت به الموالاة العرفيّة ، فإن زاد على ذلك بطل طوافه ولزمه الاستئناف (1).


الثانية : ما دلّ على مجرد جواز قطع الطّواف وعدم وجوب الاستمرار في الإتيان بالأشواط ، وأنّ الطّواف ليس كالصلاة في حرمة قطعها ، ولا يدل على جواز البناء والاعتداد بما مضى من الأشواط ، ويدلُّ على ذلك خبر سكين بن عمار عن رجل من أصحابنا يكنّى أبا أحمد ، ونحوه خبر أبي علي صاحب الكلل (1).

الثالثة : ما دلّ على جواز البناء نافلة كان أو فريضة كما في رواية محمّد بن سعيد ابن غزوان عن أبيه عن أبان بن تغلب قال : «يا أبان اقطع طوافك وانطلق معه في حاجته فاقضها له ، فقلت : إنّي لم أُتم طوافي ، قال : أحص ما طفت وانطلق معه في حاجته» (2)وغير ذلك من الروايات الضعيفة.

والعمدة في المقام صحيحة صفوان وأبان (3)والمتحصّل منهما جواز قطع النافلة والفريضة بعد التجاوز عن النصف ، وقبل التجاوز عن النصف فيبقى تحت صحيحة أبان الدالّة على البطلان.

(1) لا ريب في اعتبار الموالاة العرفية بين أشواط الطّواف ولزوم التحفظ على الهيئة الاتصالية بين الأشواط ، لأنّ الطّواف عمل واحد مركب من أجزاء متعددة ، ولا يصدق عنوان الطّواف على الأشواط السبعة إلّا إذا أتى بها متوالياً ، فلو أتى بشوط واحد ثمّ أتى بالشوط الآخر بعد فصل طويل لا يصدق الطّواف المأمور به على ما أتى به ، كما هو الحال في جميع الأعمال المركبة من أجزاء متعددة ، ولذا يجوز للطائف


1) الوسائل 13 : 383 / أبواب الطّواف ب 42 ح 3 ، 4.

2) الوسائل 13 : 380 / أبواب الطّواف ب 41 ح 7.

3) المرويّتان في الوسائل 13 : 382 / أبواب الطواف ب 42 ح 1 ، وص 380 / أبواب الطواف ب 41 ح 5.

النقصان في الطّواف

مسألة 312 : إذا نقص من طوافه عمداً ، فان فاتت الموالاة بطل طوافه ، وإلّا جاز له الإتمام ما لم يخرج من المطاف ، وقد تقدّم حكم الخروج من المطاف متعمداً (1).

مسألة 313 : إذا نقص من طوافه سهواً ، فان تذكره قبل فوات الموالاة ولم يخرج بعد من المطاف أتى بالباقي وصحّ طوافه (2)


الجلوس أثناء الطّواف للاستراحة بمقدار لا تفوت به الموالاة ، فمقتضى القاعدة حينئذ هو الجواز ولا دليل على البطلان.

ويدلُّ على الصحّة مضافاً إلى ما تقدّم صحيحة علي بن رئاب قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يعيى في الطّواف إله أن يستريح؟ قال : نعم ، يستريح ثمّ يقوم فيبني على طوافه في فريضة أو غيرها ، ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه» (1)ومن المعلوم أنّ الجلوس أثناء الطّواف للاستراحة محمول على الجلوس المتعارف اليسير الّذي لا تفوت به الموالاة ومنصرف إليه.

ونحوه خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه سئل عن الرجل يستريح في طوافه؟ فقال : نعم ، أنا قد كانت توضع لي مرفقة فأجلس عليها» (2).

(1) لا ريب في بطلان الطّواف بالنقص العمدي ، ويتحقق ذلك بالخروج متعمداً عن المطاف قبل تكميل الأشواط السبعة ، أو بالفصل بين الأشواط بمقدار تفوت به الموالاة ، فلا تكون الأشواط السابقة قابلة لانضمام الأشواط اللّاحقة إليها ، ولا يصدق عنوان الطّواف على ما أتى به فلا بدّ من الاستئناف ، وأمّا إذا لم يخرج من المطاف ولم تفت الموالاة فلا موجب للبطلان ، فان مجرّد النقص متعمداً ومجرّد البناء على عدم الإتيان بالباقي آناً ما غير ضائر في صدق الطّواف.

(2) لا ريب في صحّة الطّواف بالنقصان السهوي ما لم يخرج عن المطاف ولم تفت


1) الوسائل 13 : 388 / أبواب الطواف ب 46 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 13 : 388 / أبواب الطواف ب 46 ح 1 ، 3.

وأمّا إذا كان تذكره بعد فوات الموالاة أو بعد خروجه من المطاف فان كان المنسي شوطاً واحداً أتى به وصحّ طوافه أيضاً ، وإن لم يتمكّن من الإتيان به بنفسه ولو لأجل أن تذكره كان بعد إيابه إلى بلده ، استناب غيره ، وإن كان المنسي أكثر من شوط واحد وأقل من أربعة رجع وأتم ما نقص ، والأولى إعادة الطّواف بعد الإتمام ، وإن كان المنسي أربعة أو أكثر فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة.


الموالاة ، للأولوية عن النقصان العمدي الّذي قد عرفت عدم البطلان بذلك في هذه الصورة.

وأمّا إذا خرج عن المطاف أو فاتت الموالاة فتذكر النقص ، فان كان الفائت شوطاً واحداً يأتي به إذا تمكن وإن لم يتمكن يستنيب.

ويدلُّ على كلا الحكمين أي الإتيان بنفسه إن تمكن وإلّا فيستنيب مضافاً إلى التسالم ، معتبرة حسن بن عطية قال : «سأله سليمان بن خالد وأنا معه عن رجل طاف بالبيت ستّة أشواط ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) وكيف طاف ستّة أشواط ، قال : استقبل الحِجر وقال : اللّه أكبر وعقد واحداً ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) يطوف شوطاً ، فقال سليمان : فإنّه فاته ذلك حتّى أتى أهله أي رجع إلى أهله وبلاده قال : يأمر من يطوف عنه» (1).

وإن كان الفائت أكثر من شوط واحد ، فتارة يفرض أن ما أتى به أكثر من المنسي وأُخرى بالعكس.

أمّا الأوّل كما إذا طاف خمسة أشواط ونسي اثنين مثلاً ، فيرجع وأتم ما نقص وإن خرج عن المطاف أو فاتت الموالاة ، لمعتبرة إسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل طاف بالبيت ثمّ خرج إلى الصفا فطاف بين الصفا والمروة فبينما هو يطوف إذ ذكر أنّه قد ترك بعض طوافه بالبيت ، قال : يرجع إلى البيت فيتم


1) الوسائل 13 : 385 / أبواب الطّواف ب 32 ح 1.

الزّيادة في الطّواف

للزّيادة في الطّواف خمس صور :

الاولى : أن لا يقصد الطائف جزئية الزائد للطواف الّذي بيده أو لطواف آخر ففي هذه الصورة لا يبطل الطّواف بالزيادة (1).


طوافه ثمّ يرجع إلى الصفا والمروة فيتم ما بقي» (1)فإنّها تدل على أنّ الخروج من المطاف بعد التجاوز من النصف أو فوات الموالاة خصوصاً بالنظر إلى جواز تأخير السعي إلى الليل المستلزم للفصل الطويل غير ضائر في الحكم بالصحّة وبانضمام الباقي إلى الأشواط السابقة.

نعم ، استشكل صاحب المدارك في الحكم بالصحّة ، وخصّ ذلك بما إذا كان المنسي شوطاً واحداً (2)ولأجل خلافه كان الأولى إعادة الطّواف واستئنافه بعد.

وأمّا الثاني : وهو ما إذا كان المنسي أكثر مما أتى به فتذكر قبل التجاوز من النصف كما إذا طاف ثلاثة أشواط وسعى وتذكر أنّه فات منه أربعة أشواط ، مقتضى إطلاق معتبرة إسحاق بن عمار هو الحكم بالصحّة في هذا الفرض أيضاً ، ولكن المشهور ذهبوا إلى البطلان في جملة من موارد قبل التجاوز من النصف ، فكأنهم استفادوا كبرى كلية من موارد مختلفة : بطلان الطّواف على الإطلاق إذا خرج عن المطاف قبل التجاوز من النصف حتّى نسياناً ، ولكن الأدلّة لا تساعدهم ولا دليل لهم على مختارهم ، ولذا كان الأولى والأحوط إتيان الطّواف الكامل بقصد الأعم من الإتمام والتمام.

(1) لا ريب في أنّ الزيادة إنّما تتحقق بإتيان الشوط بعنوان الطّواف ، وأمّا إذا استمر في مشيه من دون أن يقصد الزيادة كما إذا وجد شخصاً وأراد الاجتماع به فقصده والتقى به فيحصل له هذه الزيادة من دون قصد ونحو ذلك ، فإنّه لا يصدق عليه عنوان


1) الوسائل 13 : 358 / أبواب الطّواف ب 32 ح 2.

2) المدارك 8 : 148.

.................................................................................................


الزيادة جزماً ، فان حال الطائف حينئذ حاله قبل الطّواف من إتيان الشوط مقدّمة للابتداء من الحِجر الأسود ، ومعرفة كيفية الطّواف ومعرفة الأركان وحجر إسماعيل فانّ الطائف قد يمشي حول البيت قبل الوصول إلى الحِجر الأسود وقبل الشروع في الطّواف مقدمة لمعرفة الحِجر وكيفية الابتداء به ، فان ذلك لا يحسب من الطّواف قطعاً وكذلك المشي بعد الطّواف لغرض من الأغراض.

وأمّا الزيادة بعنوان الطّواف فالمعروف والمشهور بطلان الطّواف بها ولو ببعض الشوط كبطلان الصلاة بالزيادة ، واستدلّ على ذلك بروايتين :

الاولى : معتبرة أبي بصير «عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض ، قال : يعيد حتّى يثبته» ورواه الشيخ أيضاً إلّا أنّه قال «حتّى يستتمه» (1).

وناقش السيِّد في المدارك في سندها لاشتراك أبي بصير بين الثقة والضعيف (2)ووافقه صاحب الحدائق في ذلك (3)ولكن لم يوافقه في أصل الحكم ، ولكنا ذكرنا في كتاب الرجال أن أبا بصير متى أُطلق يراد به يحيى بن القاسم وهو ثقة (4)، ومع الإغماض عن ذلك فهو مردّد بينه وبين ليث المرادي فإنّه أيضاً مكنّى بهذه الكنية وكل منهما ثقة فالترديد غير ضائر ، وأمّا غيرهما وإن كان يكنى بأبي بصير ولكنّه غير معروف بها ، بل لم يوجد مورد يراد بأبي بصير غيرهما.

ثمّ أشكل السيِّد في المدارك ثانياً بأنّ الدليل أخص من المدعى ، لأنّ الخبر يدل على البطلان بالشوط الواحد الكامل فلو أتى ببعض الشوط فلا يشمله الخبر.

واستدلّ للمشهور أيضاً (5)بمعتبرة عبد اللّه بن محمّد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها ، فعليك


1) الوسائل 13 : 363 / أبواب الطّواف ب 34 ح 1 ، التهذيب 5 : 111 / 361.

2) المدارك 8 : 139.

3) الحدائق 16 : 190.

4) راجع معجم الرجال 21 : 81.

5) وهذه هي الرواية الثانية.

.................................................................................................


الإعادة وكذلك السعي» (1).

وناقش السيِّد في المدارك (2)أيضاً في هذه الرواية من حيث السند ، لاشتراك عبد اللّه ابن محمّد بين الثقة وغيره ، وصاحب الحدائق أيضاً وافقه على ما ذكره من اشتراك عبد اللّه بن محمّد بين الثقة وغيره ولم يقبل مناقشته في التحريم والبطلان (3).

ولكن إشكال السيِّد من حيث السند غير وارد ، لأن عبد اللّه بن محمّد الموجود في هذه الطبقة الّذي يروي عن أبي الحسن (عليه السلام) الظاهر هو الرضا (عليه السلام) مردّد بين رجلين مشهورين كل منهما ثقة ، أحدهما : عبد اللّه بن محمّد بن حصين الحضيني الأهوازي. ثانيهما : عبد اللّه بن محمّد الحجال المزخرف ، فإنّهما من أصحاب الرضا (عليه السلام) المشهورين ولهما كتاب.

نعم ، في طبقتهما عبد اللّه بن محمّد الأهوازي الّذي له مسائل من موسى بن جعفر (عليهما السلام) وكذلك عبد اللّه بن محمّد بن علي بن العباس الّذي له نسخة عن الرضا (عليه السلام) وهما ممن لم يوثقا ، ولكنهما غير مشهورين ولا ينصرف عبد اللّه بن محمّد إليهما ، بل لم توجد لهما رواية واحدة في الكتب الأربعة فكيف ينصرف عبد اللّه بن محمّد إليهما بلا قرينة ، فالرواية معتبرة سنداً ويتم ما ذكره المشهور من الحكم بالبطلان بمطلق الزيادة.

ثمّ إن صاحب الحدائق أيّد القول بالبطلان بالأخبار الدالّة على وجوب الإعادة بالشك في عدد الطّواف المفروض ، فلو لم تكن الزيادة مبطلة لكان المناسب البناء على الأقل دون الإعادة من رأس (4).

وبعبارة اخرى : لا وجه للبطلان في مورد الشك في عدد الطّواف ، لأنّه عند ما يأتي بالشوط ، فهو إمّا جزء أو زائد يلغى ، لأنّه إمّا شوط سابع أو شوط ثامن زائد فيكشف الحكم بالبطلان في مورد الأخير (5)الشك عن البطلان بالزيادة نظير الزيادة


1) الوسائل 13 : 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 11.

2) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

3) الحدائق 16 : 187 وما بعدها.

4) الحدائق 16 : 187 وما بعدها.

5) الظاهر زيادة كلمة «الأخير».

الثانية : أن يقصد حين شروعه في الطّواف أو في أثنائه الإتيان بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الّذي بيده ، ولا إشكال في بطلان طوافه حينئذ ولزوم إعادته (1).

الثالثة : أن يأتي بالزائد على أن يكون جزءاً من طوافه الّذي فرغ منه ، بمعنى أن يكون قصد الجزئية بعد فراغه من الطّواف ، والأظهر في هذه الصورة أيضاً البطلان (2).


في الصلاة ، وإنّما جعل ذلك مؤيّداً لا دليلاً لاحتمال أنّ المضي مع الشك غير جائز ، كما هو الحال في الصلاة فإنّه لو أتى بالمشكوك يحصل له العلم بإتيان سبعة أشواط جزماً ولكن مضى فيه مع الشك ، ولعله غير جائز كما لا يجوز ذلك في الصلاة. وكيف كان ففي الروايتين غنى وكفاية.

وأمّا ما أشكله السيِّد في المدارك من حيث الدلالة في رواية أبي بصير بأنّها أخص من المدعى ، لأنّها تدل على البطلان بإتيان شوط كامل ولا تشمل الزيادة ببعض الشوط الّذي هو محل الكلام ، فإنّما يتم بالنسبة إلى رواية أبي بصير ، وأمّا معتبرة عبد اللّه بن محمّد مطلقة من حيث الشوط الكامل والناقص ، لأنّ الموضوع فيها عنوان الزيادة وهو صادق على الشوط الكامل وبعضه.

(1) هذه الصورة هي القدر المتيقن من الحكم بالبطلان بالزيادة ، وهذا مما لا كلام فيه.

(2) قد يقال بعدم البطلان ، لأنّ الزيادة بعد الأشواط السبعة نظير إتيان ركعة زائدة بعد السلام ، فإنّ الصلاة لا تبطل بذلك جزماً لعدم صدق الزيادة في الصلاة بذلك.

ولكن لا يقاس الطّواف بالصلاة ، بل يقاس الزائد في الطّواف بزيادة الركعة قبل السلام فان ذلك مبطل قطعاً ، لأنّ الصلاة لها مخرج شرعي وهو السلام ، والزيادة بعده نظير إتيان المنافيات والمبطلات بعده ، فان ذلك جائز قطعاً.

وأمّا الطّواف فليس له مخرج وإنّما مخرجه هو الفراغ منه ، وبما أنّ الطّواف أُخذ فيه

الرابعة : أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ويتم الطّواف الثاني ، والزيادة في هذه الصورة وإن لم تكن متحققة حقيقة إلّا أنّ الأحوط بل الأظهر فيها البطلان ، وذلك من جهة القرآن بين الطوافين في الفريضة (1).


بشرط لا عن الزائد ، إذ ليس الواجب هو إتيان سبعة أشواط على النحو اللّابدية بشرط أي ليس المأمور به هو إتيان طبيعي السبعة ولو في ضمن أعداد كثيرة ، بل أُخذ في الطّواف أن لا يزيد على أشواطه السبعة شوطاً واحداً ، فاذا زاد على السبعة شوطاً واحداً يشمله النص الدال على الإعادة كصحيحة أبي بصير ومعتبرة عبد اللّه بن محمّد المتقدمتين (1).

ومع الإغماض عما ذكرنا يكفينا في الحكم بالبطلان إطلاق صحيح أبي بصير المتقدم (2)، إذ لم يسأل الإمام (عليه السلام) عن أن قصد الزيادة متى حصل ، فيشمل حكمه (عليه السلام) بالبطلان صورتي ما إذا قصد الزيادة بعد الطّواف أو قبله.

(1) إذا أتى بالزائد بعد إكمال الطّواف الأوّل من دون أن يقصد جزئيته للطواف السابق ، بل أتى به بعنوان جزئيته للطواف الثاني ويتمه ، فإنّه لا يبطل الطّواف الأوّل من جهة الزيادة لعدم تحقق عنوان الزيادة حقيقة ، وإنّما يحكم عليه بالبطلان من جهة القرآن بين الطوافين في الفريضة ، فإنّ الطّواف مشروط بأن لا يسبقه طواف آخر ولا يلحقه طواف آخر إلّا بعد الفصل بالصلاة كما عليه المشهور ، وذهب بعضهم إلى الكراهة ، وتفصيل الكلام أنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف :

الأُولى : ما دلّ على عدم جواز القِران مطلقاً سواء في الفريضة أو في النافلة والعمدة إنّما هي روايتان لابن أبي نصر :

إحداهما : عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، قال : «سأل رجل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يطوف الأسباع جميعاً فيقرن؟ فقال : لا ، إلّا الأسبوع وركعتان وإنّما قرن أبو الحسن (عليه السلام) لأنّه كان يطوف مع محمّد بن إبراهيم لحال


1) في ص 63.

2) في ص 63.

.................................................................................................


التقيّة» (1)وصاحب الحدائق رواها عن صفوان عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر (2)، وهو اشتباه منه إذ ليس في السند صفوان.

ثانيتهما : ما عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر قالا : «سألناه عن قران الطّواف السبوعين والثلاثة ، قال : لا ، إنّما هو سبوع وركعتان ، وقال : كان أبي يطوف مع محمّد بن إبراهيم فيقرن ، وإنّما كان ذلك منه لحال التقية» (3)وفي السند علي ابن أحمد بن أشيم وهو ممن لم يوثق في الرجال ، ولكنّه من رجال كامل الزيارات فالرواية معتبرة.

ويؤيّدهما ما رواه ابن إدريس من كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : «ولا قران بين أسبوعين في فريضة ونافلة» (4)ولكنّها ضعيفة سنداً ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز.

وذكر صاحب الحدائق أنّ المراد من رواية السرائر : أنّه لا يجوز أن يقرن طواف النافلة بطواف الفريضة بل يجب أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة ثمّ يطوف النافلة وليس المراد منها عدم جواز القرآن بين الفريضتين أو النافلتين (5).

وفيه : ما لا يخفى ، إذ لو كان المراد ما ذكره لكان المناسب أن يقول : لا قران بين الفريضة والنافلة ، لا ما قاله «في فريضة ونافلة».

الطائفة الثانية : وهي بإزاء الاولى ، فمنها : صحيحة زرارة قال : «ربما طفت مع أبي جعفر (عليه السلام) وهو ممسك بيدي الطوافين والثلاثة ثمّ ينصرف ويصلّي الركعات ستّاً» (6)وكلمة «ربما» ظاهرة في أنّه قد يتفق القرآن ، فتكون الطائفة الأُولى محمولة على المرجوحية ، ولكن الإمام (عليه السلام) ربما يأتي بالأمر المرجوح لحال


1) الوسائل 13 : 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 7.

2) الحدائق 16 : 194.

3) الوسائل 13 : 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 6.

4) السرائر (المستطرفات) 3 : 587 ، الوسائل 13 : 373 / أبواب الطّواف ب 36 ح 14.

5) الحدائق 16 : 196.

6) الوسائل 13 : 370 ، 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 2.

.................................................................................................


التقية أو لغرض آخر لا علم لنا به. وكيف كان تحمل هذه الرواية على النافلة.

ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة قال : «طفت مع أبي جعفر (عليه السلام) ثلاثة عشر أسبوعاً قرنها جميعاً وهو آخذ بيدي ثمّ خرج فتنحى ناحية فصلّى ستّاً وعشرين ركعة وصلّيت معه» (1).

والنتيجة أنّ القِران بين الطوافين في الفريضة غير مشروع إلّا لعارض كالتقية أو لأمر آخر.

الطائفة الثالثة : الروايات المفصِّلة بين الفريضة والنافلة كصحيحة زرارة قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّما يكره أن يجمع الرجل بين الأُسبوعين والطوافين في الفريضة وأمّا في النافلة فلا بأس» (2).

والكراهة محمولة على المبغوضية ، وليس المراد منها الكراهة المصطلحة ، وقد شاع استعمال لفظ الكراهة في الأخبار على المبغوضية ، ومع الإغماض أن قوله : «لا بأس» في مورد النافلة يدل على مجرّد الترخيص لا الإباحة المطلقة الّتي لا مرجوحية فيها أصلاً ، فيكون قرينة على أنّ المراد بالكراهة هو المبغوضية.

فالمتحصل من الرواية : أنّ القِران في الفريضة مبغوض ولكن في النافلة غير مبغوض وإن كان مرجوحاً.

وممّا يدل على حرمة القِران ومبغوضيته : صحيحة عمر بن يزيد قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : إنّما يكره القرآن في الفريضة فأمّا النافلة فلا واللّه ما به بأس» (3)وقد عبّر عنها صاحب الحدائق بالرواية (4)ولم يعبّر عنها بالمعتبرة ، وذلك مشعر بضعف الرواية سنداً إلّا أنّها لا خدشة في سندها ، فان محمّد بن أحمد النهدي الواقع في السند ثقة كما صرّح الكشي بذلك ونقل عن أبي النضر محمّد بن مسعود أنّه


1) الوسائل 13 : 370 ، 371 / أبواب الطّواف ب 36 ح 5.

2) الوسائل 13 : 369 / أبواب الطّواف ب 36 ح 1.

3) الوسائل 13 : 369 / أبواب الطّواف ب 36 ح 4.

4) الحدائق 16 : 193.

الخامسة : أن يقصد جزئية الزائد لطواف آخر ولا يتم الطّواف الثاني من باب الاتفاق ، فلا زيادة ولا قران إلّا أنّه قد يبطل الطّواف فيها لعدم تأتي قصد القربة ، وذلك فيما إذا قصد المكلف للزيادة عند ابتدائه بالطواف أو في أثنائه مع علمه بحرمة القرآن وبطلان الطّواف به ، فإنّه لا يتحقق قصد القربة حينئذ وإن لم يتحقق القرآن خارجاً من باب الاتفاق (1).


فقيه ثقة خير (1)ومن رجال كامل الزيارات.

وأمّا قول النجاشي في حقّه أنّه مضطرب (2)، فلا يدل على ضعفه بشخصه ، وإنّما يدل على أنّه كان متساهلاً في نقل الروايات ونقل عن كل أحد.

وأمّا محمّد بن الوليد شباب الضعيف (3)فهو الخزاز البجلي وليس هو الشباب الصيرفي ، فالرواية معتبرة وفي صحيحة زرارة المتقدمة غنى وكفاية.

فالمتحصل من الروايات : أنّ القِران في طواف الفريضة غير جائز وأمّا في النافلة فمرجوح.

ثمّ إنّه يلزم التنبيه على أمر وهو : أنّ التقية الواردة في الروايات إنّما تجري في طواف النافلة ، وأمّا في الفريضة فلا تتحقق التقية ، لأنّ الطائف غير ملزم بطوافين حتّى يضم أحدهما بالآخر ويقرن بينهما ، بل له تأخير الطّواف الآخر إلى وقت آخر ، وأمّا في النافلة فربما يرغب المكلف بإتيان الطّواف فيصح له التقية ، وأمّا في الفريضة فلا اضطرار إلى التعجيل بل له التأخير ، ولو فرض تحقق الاضطرار فغير ملزم بقصد الطّواف ، بل يمكن له التمشي حول البيت ولا يقصد الطّواف فيزعم المخالف أنّه يطوف ويتحقق بذلك دفع شرّه.

(1) إذا أتى بالزائد بعد الفراغ من السبعة ولم يأت بطواف آخر من باب الاتفاق


1) رجال الكشي : 530 / 1014.

2) رجال النجاشي : 341 [914].

3) الظاهر زيادة قوله «شباب الضعيف» فإنه وصفٌ لمحمّد بن الوليد الصيرفي ، راجع تنقيح المقال 3 : 197.

مسألة 314 : إذا زاد في طوافه سهواً ، فان كان الزائد أقل من شوط قطعه وصحّ طوافه ، وإن كان شوطاً واحداً أو أكثر فالأحوط أن يتم الزائد ويجعله طوافاً كاملاً بقصد القربة المطلقة (1).


فحينئذ لا موجب للبطلان ، لعدم تحقق القرآن وعدم صدق عنوان الزيادة على ما أتى به ، لأنّه نظير ما لو مشى حول البيت بعد الطّواف ، لأنّ المفروض أنّه قصد الزيادة بعد الفراغ من السبعة.

نعم ، لو كان قاصداً للزيادة من الأوّل أو قصد الزيادة في أثناء الطّواف ، ففي مثل ذلك يحكم بالبطلان وإن لم يتم الطّواف الثاني من باب الاتفاق لا للزيادة ولا للقران ، بل للإخلال بقصد القربة ، فإنّ المفروض أنّ القِران بين الأُسبوعين غير مشروع ، فاذا قصد القِران من الأوّل أو في أثنائه فقد قصد أمراً غير مشروع فيبطل من هذه الناحية ، نظير ما لو قصد في الصلاة خمس ركعات ، فإنّ الصلاة تبطل بذلك وإن لم يأت بالركعة الخامسة من باب الاتفاق ، فان مجرد عدم الإتيان بتمام الطّواف لا يجدي في الحكم بالصحّة بعد الحكم ببطلانه لأجل الإخلال في النيّة.

(1) من زاد في طوافه سهواً ، فقد يفرض أن ما أتى به أقل من شوط ، وقد يكون شوطاً أو أكثر.

أمّا الثاني فستعرف الحال فيه قريباً إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الأوّل فيقطع ما بيده ويلغيه ويصح طوافه ، لأنّ الأصل في مثل هذه الصورة يقتضي الصحّة وعدم كونه مضرّاً ، إذ لا دليل على البطلان بهذا المقدار إذا كان عن سهو.

نعم ، في صحيح ابن سنان ما يظهر منه أنّه لا فرق في البطلان بين كونه شوطاً واحداً أو أقل منه ، لأنّ الموضوع فيه الدخول في الشوط الثامن وهو يصدق على نصف الشوط أو ثلثه أو ربعه ، قال : «سمعته يقول : من طاف بالبيت فوهم حتّى يدخل

.................................................................................................


في الثامن فليتم أربعة عشر شوطاً ، ثمّ ليصل ركعتين» (1).

ولكنّه معارض بروايات أُخر دلّت بمفهومها على إتمام الطّواف الثاني فيما إذا أتى بشوط كامل ، فلا عبرة ببعض الشوط ، والشرطية إنّما ذكرت في كلام الإمام (عليه السلام) لا في كلام السائل ، وقوله «إذا طاف» وإن كان لا مفهوم له ، لأن مفهومه على نحو السالبة بانتفاء الموضوع ، وهو من لم يطف ومن لم يسهو ، لكن إذا ذكر مع القيود فيتحقق له المفهوم ، فمفهوم قوله : «إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية ، أضاف إليها ستّاً» (2)من لم يطف ثمانية أشواط ومن لم يكمل الشوط الثامن ، فالحكم بالتتميم وإتيان الستّة الباقية يختص بمن أتى ثمانية أشواط كاملة ، ولا يشمل من أتى ببعض الشوط كنصف الشوط أو ربعه ونحوهما.

على أنّ التقييد بالثمانية في كلام الإمام (عليه السلام) لا بدّ وأن يكون له خصوصية ودخل في الحكم ، وإلّا لو كان الحكم سارياً في جميع الأفراد حتّى بعض الشوط لكان التقييد بالثمانية لغواً ، فيحمل الدخول في الثامن على الدخول الكامل فيتحقق الاتفاق بين الخبرين.

ولو تنزّلنا والتزمنا بالتعارض فالمرجع بعده هو الأصل المقتضي للصحّة.

ويؤيّد برواية أبي كهمس ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط ، قال : إن ذكر قبل أن يبلغ الركن فليقطعه» (3)فإنّه صريح في المطلوب.

وأمّا الزيادة بشوط كامل أو أكثر فالروايات فيها مختلفة ، والمشهور ذهبوا إلى أنّه يتمّ الطّواف الثاني ، يعني يأتي بأشواط ستّة إذا أتى ثمانية أشواط كاملة.

وعن الصدوق البطلان وعليه الإعادة ، قال : «وروى أنّه يتمّه ويأتي بالست» (4)


1) الوسائل 13 : 364 ، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 5.

2) الوسائل 13 : 364 ، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 10.

3) الوسائل 13 : 364 / أبواب الطّواف ب 34 ح 3.

4) المقنع : 266.

.................................................................................................


فمقتضى كلامه (قدس سره) هو التخيير بين الأمرين لأنّه يعمل بجميع رواياته.

وإذن فلا بدّ من ذكر الروايات الواردة في المقام وهي على طوائف :

الطائفة الأُولى : ما دلّ على البطلان بمقتضى الإطلاق كصحيحة أبي بصير المتقدمة (1)«عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض ، قال : يعيد حتّى يثبته» فإنّ الأمر بالإعادة يشمل صورتي الزيادة العمدية والسهوية.

الطائفة الثانية : وهي بإزاء الاولى وهي صحاح :

منها : صحيحة رفاعة قال : «كان علي (عليه السلام) يقول : إذا طاف ثمانية فليتم أربعة عشر» (2).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية أشواط قال : يضيف إليها ستّة» (3).

ومنها : صحيحة أبي أيّوب «رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة قال : فليضم إليها ستّاً» (4).

والتعارض بين الطائفتين بالتباين ، لأن كلّا منهما بإطلاقهما يشمل الزيادة العمدية والسهوية ، وفي الطائفة الأُولى حكم بالفساد ولزوم الإعادة ، وفي الثانية حكم بالصحّة وتتميمها بستّة.

الطائفة الثالثة : ما دلّ على البطلان في صورة العمد كمعتبرة عبد اللّه بن محمّد المتقدمة (5)«الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها ، فعليك الإعادة» (6)فانّ الظاهر منها الزيادة العمدية ، لتشبيه الزيادة في الطّواف بالزيادة


1) في ص 63.

2) الوسائل 13 : 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 9.

3) الوسائل 13 : 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 8.

4) الوسائل 13 : 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 13.

5) في ص 63.

6) الوسائل 13 : 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 11.

.................................................................................................


في الصلاة ، ومن المعلوم أنّ الزيادة العمدية في الصلاة توجب البطلان غالباً ، ونسبة هذه المعتبرة إلى الطائفة الثانية الدالّة على الصحّة نسبة الخاص والعام ، فيخرج العامد من الطائفة الثانية فتكون الطائفة الثانية بعد ورود التخصيص عليها مقيدة للطائفة الأُولى الدالّة على البطلان على الإطلاق ، لانقلاب النسبة بعد ورود التخصيص على أحدهما ، فتنقلب النسبة من التباين إلى الخاص والعام ، فالعام المخصص المستفاد من الطائفة الثانية يخصص العام الأوّل ، فتكون النتيجة أنّ الزيادة العمدية بشوط كامل مبطلة ، وأمّا إذا كانت عن سهو فلا توجب البطلان ، نعم ، لا بدّ من تكميلها وتتميمها بست.

هذا ، ولكن في رواية واحدة ورد الأمر بالإعادة وحكم بالبطلان إذا زاد شوطاً واحداً سهواً ، وهي معتبرة أبي بصير في حديث قال : «قلت له : فإنّه طاف وهو متطوع ثماني مرّات وهو ناس ، قال : فليتمه طوافين ثمّ يصلّي أربع ركعات ، فأمّا الفريضة فليعد حتّى يتم سبعة أشواط» (1)وهي صريحة في الإعادة في صورة النسيان فاذن يقع التعارض بينها وبين الروايات الآمرة بالتتميم ستّاً.

إنّما الكلام في سند هذه الرواية لوقوع إسماعيل بن مرار في سندها فإنّه لم يوثق في الرجال ، فالرواية ضعيفة على مسلك المشهور ، ولكن لوقوعه في إسناد تفسير علي ابن إبراهيم يكون ثقة ، فالرواية معتبرة والدلالة واضحة ، فمقتضى الصحاح المتقدمة كصحيحة رفاعة وأبي أيّوب هو التكميل بالست ، وذكرنا في محله أنّ الواجب إذا كان أمراً واحداً وورد عليه أمران مختلفان تقتضي القاعدة التخيير بين الأمرين ، فحينئذ ما ذكره الصدوق من التخيير هو الصحيح.

هذا ما تقتضيه الصناعة ، ولكن حيث إنّ الأمر يدور بين التعيين والتخيير فالاحتياط يقتضي أن يتمّ الزائد ويجعله طوافاً كاملاً بقصد القربة المطلقة كما في المتن.

فتحصل : أن مقتضى الجمع بين الروايات هو التخيير بين أن يقطع الطّواف ويعيده


1) الوسائل 13 : 364 / أبواب الطّواف ب 34 ح 2.

.................................................................................................


من رأس ، وبين أن يكمله بستّة أشواط ويجعله طوافين.

ثمّ إنّه على تقدير الإتيان بالتمام وإتيان أربعة عشر شوطاً فلا شك في أنّ الطوافين معاً غير واجبين ، فهل الواجب هو السبعة الأُولى أو الثانية؟.

نسب إلى العلّامة في المنتهي أنّ الطّواف الأوّل هو فريضة (1)، ونقل عن ابن الجنيد (2)وابن بابويه (3)أنّ الفريضة هو الثاني ، وصرّح في الفقيه بأنّ الفريضة هي الطّواف الثاني (4).

والّذي ينبغي أن يقال : إنّه لا ريب في أنّ الأمر بالتتميم والتكميل بإتيان ستّة أشواط ليس أمراً تكليفياً وجوبياً جزماً ، والوجه في ذلك : أنّ الطّواف ليس كالصلاة في وجوب المضي والإتمام وحرمة القطع كما ادعي عليه الإجماع في خصوص الصلاة ، ولا كنفس أصل الحج والعمرة في وجوب الإتمام ، بل الطّواف واجب كسائر الواجبات يجوز قطعه اختياراً والإتيان به في أيّ وقت شاء ، فيجوز لكل أحد رفع اليد عن طوافه ويذهب حيث شاء ثمّ يستأنف الطّواف برأسه سواء قطعه قبل الثلاثة أو بعدها ، فقوله : «يضيف إليها ستّاً» أو «فليتم أربعة عشر» ليس أمراً وجوبياً ، بل ذلك من الأمر في مقام توهم الحظر ، والمراد به أنّه يصح له ويجوز له التتميم بإتيان البقيّة ويجوز له أن يعامل مع ما مضى من الأشواط معاملة الصحّة ، فيظهر من الروايات صحّة الطوافين ، والشوط الثامن الّذي أتى به سهواً غير ضائر في صحّة الطوافين ويعتد بالشوط الثامن ويجعله أوّل السبعة من الطّواف الثاني.

ولا سيما أنّ الروايات الآمرة بإتيان أربع ركعات بعد تمام الأشواط ظاهرة جدّاً في الاعتداد بالطوافين وصحّتهما ، فلو كان أحدهما باطلاً لا وجه للأمر بأربع ركعات ولكن لا يستفاد من شي‌ء من الروايات أنّ الأوّل واجب والثاني مستحب كما عن


1) لم نعثر عليه في المنتهي ولكنّه موجود في المختلف 4 : 207.

2) حكاه عنهما في المختلف 4 : 207.

3) حكاه عنهما في المختلف 4 : 207.

4) الفقيه 2 : 248 / 1192.

.................................................................................................


العلّامة ولا العكس كما عن الصدوق ووالده ، والمرجع هو أصالة عدم اشتراط صحّة الطّواف الأوّل بإتمام الطّواف الثاني ، كما أنّ الأصل عدم انقلاب الطّواف الأوّل من الوجوب إلى الندب ، بل الأصل يقتضي بقاءه على الوجوب.

فالنتيجة مع العلّامة في كون الأوّل هو الواجب للأصل ، كما أنّ الزيادة السّهويّة في غير الأركان في الصلاة غير ضائرة.

هذا ، ولكن في صحيح زرارة «أن علياً (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد وأضاف إليه ستّاً ، ثمّ صلّى ركعتين» (1)فهو كالصريح في أنّ الطّواف الثاني هو الواجب وهو الّذي يعتد به ، وأمّا السبعة الأُولى فقد تركها أي رفع اليد عنها وألغاها ، ولو كان الأوّل هو الواجب لا معنى لقوله : «فيترك سبعة». ويؤيّد بأنّ الأوّل لو كان واجباً لاستلزم القرآن بين الفريضة والنافلة ، وهذا بخلاف ما إذا كان الثاني واجباً فإن إتيان الفريضة بعد النافلة غير ممنوع وليس من القِران الممنوع.

نعم ، هنا إشكال آخر وهو منافاة الإتيان بالشوط الثامن سهواً لعصمة الإمام (عليه السلام) حتّى في الأُمور الخارجية وذلك مناف لمذهب الشيعة ، فيمكن إخراج هذه الرواية مخرج التقية في إسناد السهو إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومثل ذلك غير عزيز في الأخبار فلا ينافي ثبوت أصل الحكم.

ومما يؤكّد أنّ الثاني هو الواجب : أمره بالركعتين بعده وبركعتين أخيرتين بعد الفراغ من السعي كما في عدّة من الروايات (2)فإنّه على تقدير كون الأوّل فريضة يلزم الفصل بين الطّواف وصلاته ، بخلاف ما إذا كان الثاني فريضة فلا فصل بينهما.

وأمّا الصلاة للطوافين ففي بعض الروايات أنّه يصلّي أربع ركعات ، وفي بعضها أنّه يصلّي ركعتين بعد الطوافين وركعتين أُخريين بعد الفراغ من السعي ، وفي خبر جميل


1) الوسائل 13 : 365 / أبواب الطّواف ب 34 ح 7.

2) الوسائل 13 : 365 ، 366 / أبواب الطّواف ب 34 ح 7 ، 15 ، 16.

.................................................................................................


الأمر بتأخير الركعتين الأخيرتين بعد الفراغ من السعي (1).

ولكن الظاهر أنّه لا موجب للتفصيل والتفريق ، وأمّا فعله (عليه السلام) فلا يدل على لزوم التفريق والتأخير ، وغاية ذلك أنّه يدل على الرجحان والفضيلة ، وأمّا خبر جميل ضعيف السند للجهل بطريق ابن إدريس إلى نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر فهو غير قابل لتقييد ما دلّ على إتيان أربع ركعات على الإطلاق ، ولو أغمضنا عن ضعفه ففي المستحبات لا نلتزم بالتقييد ونحمل المقيد على الأفضلية ، إلّا إذا كان المقيد ينهى عن إتيان العمل المستحب إلّا في ضمن الخاص فحينئذ نلتزم بالتقييد ، وإلّا في غيره فلا نلتزم بالتقييد.

نعم ، لا ريب في كون التأخير والتفريق هو الأفضل لفعل علي (عليه السلام) ولرواية علي بن أبي حمزة ورواية جميل (2).

ثمّ إنّه ورد في بعض الروايات : أنّ الصلاة إنّما هي ركعتان كما في صحيحة رفاعة (3)وصحيحة ابن سنان (4)ولكن لا بدّ من حملها على أداء الوظيفة الواجبة ، فليس الأمر بأربع ركعات كما في جملة من النصوص أمراً وجوبياً بقرينة هذه الرواية.

إلى هنا انتهى الجزء الرابع

ويليه الجزء الخامس وأوّله الشك في عدد الأشواط.

والحمد لله ربّ العالمين


1) الوسائل 13 : 364 ، 365 ، 367 / أبواب الطّواف ب 34 ح 4 ، 6 ، 15 ، 16.

2) المصدر المتقدم ح 15 ، 16.

3) الوسائل 13 : 365 و 366 / أبواب الطواف ب 34 ح 9، 5.

4) الوسائل 13 : 365 و 366 / أبواب الطواف ب 34 ح 9، 5.

الشكّ في عدد الأشواط

مسألة 315 : إذا شكّ في عدد الأشواط بعد الفراغ من الطّواف والتجاوز من محلِّه لم يعتن بالشك ، كما إذا كان شكه بعد دخوله في صلاة الطّواف (1).

مسألة 316 : إذا تيقن بالسبعة وشك في الزائد ، كما إذا احتمل أن يكون الشوط الأخير هو الثامن لم يعتن بالشك وصحّ طوافه (2)


(1) الشك في الطّواف قد يكون شكاً في صحته ، وقد يكون شكاً في عدد أشواطه.

والشك في الأعداد تارة يكون متمحضاً في الزيادة وأُخرى في النقيصة وثالثة فيهما معاً.

أمّا الشك في الصحة فلا ريب في جريان أصالة الصحة لما وقع في الخارج ، سواء حصل الشك في الأثناء أو بعد الفراغ ، فان الشك في كل ما مضى يحكم بصحته.

وأمّا الشك في الأعداد فتارة يشك بعد الفراغ والانصراف منه ، وبعد الدخول في الغير كالدخول في صلاة الطّواف أو السعي ، فيحكم بصحة الطّواف لقاعدة الفراغ.

(2) إذا فرغ من الطّواف ولم يدخل في الغير ، كما إذا شك في أن شوطه هذا الذي بيده سابع أو ثامن ، ففي مثله أيضاً يحكم عليه بالصحة للأصل ، إذ لم يحرز الزيادة على السبعة ، ومقتضى الأصل عدم الإتيان بالشوط الثامن ، ويدلُّ عليه النص أيضاً وهو صحيح الحلبي «رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية ، فقال : أمّا السبعة فقد استيقن وإنما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين» (1).


1) الوسائل 13 : 368 / أبواب الطّواف ب 35 ح 1.

إلّا أن يكون شكه هذا قبل تمام الشوط الأخير ، فإن الأظهر حينئذ بطلان الطّواف ، والأحوط إتمامه رجاء وإعادته (1).


(1) إنما الإشكال فيما لو شك قبل تمام الشوط الأخير ، كما لو فرض أنه شك عند الركن اليماني أو قبله في أنه هل طاف ستة وما بيده السابع أم طاف سبعة وما بيده الثامن ، فالشك بين ستة ونصف أو سبعة ونصف ، ففي مثله ذهب الشهيد في المسالك إلى البطلان ، لدوران الأمر بين المحذورين ، إذ لو اكتفى بهذا المقدار وقطع الطّواف من هذا المكان ، فلعله الناقص أي ستة ونصف ، كما أنه يحتمل أنه الزائد أي سبعة ونصف (1).

وأشكل عليه صاحب المدارك بأنه لا مانع بالزيادة بأقل من الشوط الكامل (2).

وما ذكره (قدس سره) مبني على ما اختاره من عدم البطلان بأقل من الشوط الواحد الكامل ، وقد استحسن صاحب الجواهر ما في المسالك (3).

والصحيح ما ذكره الشهيد الثاني وغيره ، لا لما ذكره من دوران الأمر بين المحذورين ، لأن الأصل عدم الزيادة وعدم الإتيان بالزائد فلا أثر لهذا الدوران ، فان النقص مطابق للأصل كما أن عدم الزيادة موافق للأصل ، بل لوجوه أُخرى :

الأول : ما يستفاد من صحيح الحلبي : أن العبرة بالتيقن بالسبع لقوله (عليه السلام) : «أمّا السبعة فقد استيقن وإنما وقع وهمه على الثامن» (4)ويظهر من ذلك أن السبع لا بد من القطع به ، ومن المفروض أن السبع غير مقطوع به في المقام لاحتمال كونه ستة ونصف.

وبعبارة اخرى : يستفاد من صحيح الحلبي أن استصحاب عدم الزائد غير حجة في


1) المسالك 2 : 349.

2) المدارك 8 : 178.

3) الجواهر 19 : 379.

4) الوسائل 13 : 368 / أبواب الطّواف ب 35 ح 1.

مسألة 317 : إذا شك في عدد الأشواط ، كما إذا شك بين السادس والسابع أو بين الخامس والسادس وكذلك الأعداد السابقة حكم ببطلان طوافه ، وكذلك إذا شك في الزيادة والنقصان معاً ، كما إذا شك في أنّ شوطه الأخير هو السادس أو الثامن (1)


باب الطّواف ، كما أنه غير حجة في باب أعداد الصلاة.

الثاني : معتبرة أبي بصير التي في إسنادها إسماعيل بن مرار «رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية ، قال : يعيد طوافه حتى يحفظ» (1)فان المستفاد منها اعتبار كون الطائف حافظاً للسبع ومحرِزاً له ، وفي المقام غير محرِز وغير حافظ له ، نظير اعتبار الحفظ في الركعتين الأُوليين.

الثالث : الروايات الواردة في الشك بين الست والسبع الدالة على بطلان الطّواف (2)فإن إطلاقها يشمل بعد الفراغ من الشوط ووصوله إلى الحجر الأسود ، كما أنه يشمل الأثناء وقبل الوصول إليه ، فلو تجاوز عنه بمقدار خطوات وشك أن ما في يده سادس أو سابع فلم يحرز ولم يحفظ الطّواف ، فان الطّواف اسم للمجموع ويصدق أنه طاف ولم يدر ستة طاف أو طاف سبعة وإن لم يصل إلى الحجر ولم يتم الشوط. بل تخصيص حصول الشك بين الستة والسبعة بحين الوصول إلى الحجر تخصيص بالفرد النادر ، إذ إنما الشك غالباً يحصل في الأثناء وقبل الوصول إلى الحجر.

وهذه الوجوه أحسن ما يستدل به لمذهب المشهور ولم أر من استدل بها.

(1) المذكور في المسألة ثلاث صور :

الاولى : ما إذا شك في النقيصة فقط.

الثانية : في النقيصة والزيادة.

الثالثة : الشك بين الخامس والرابع ، أو بين الثالث والرابع ، وكذلك الأعداد السابقة.


1) الوسائل 13 : 362 / أبواب الطواف ب 33 ح 11.

2) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطواف ب 33.

.................................................................................................


أمّا الأُولى : فالمعروف بين الأصحاب هو الحكم بالبطلان ، وخالف صاحب المدارك وبنى على الأقل ونسب إلى بعض القدماء كالمفيد (1).

واستدل للمشهور بعدة من الروايات :

منها : صحيحة منصور «إني طفت فلم أدر أستة طفت أم سبعة ، فطفت طوافاً آخر ، فقال : هلا استأنفت» (2).

ومنها : صحيحة الحلبي «في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة ، قال : يستقبل» (3).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار «في رجل لم يدر أستة طاف أو سبعة؟ قال : يستقبل» (4).

وناقش صاحب المدارك في هذه الرواية لوقوع النخعي في السند وهو مشترك بين الثقة وغيره ، والظاهر أنه لقب لأبي أيوب الدراج (5)وهو ثقة ، وموسى بن القاسم روى عنه في غير هذا المورد. على أنه رواها الكليني وليس في السند النخعي (6).

منها : ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم «عن رجل طاف بالبيت ولم يدر أستة طاف أو سبعة طواف فريضة ، قال : فليعد طوافه» (7).

وقد طعن صاحب المدارك في هذه الرواية أيضاً بأن في طريقها عبد الرحمن بن سيابة وهو مجهول ، ولكن الوسائل والحدائق (8)ذكرا تبعاً لصاحب المنتقى (9)أن عبد الرحمن هذا الذي يروي عنه موسى بن القاسم هو ابن أبي نجران وتفسيره بابن


1) المدارك 8 : 180.

2) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33 ح 3.

3) الوسائل 13 : 361 / أبواب الطّواف ب 33 ح 9.

4) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33 ح 2.

5) بل هو لقب لأبي الحسين النخعي وهو أيّوب بن نوح بن درّاج ، راجع معجم الرجال 4 : 169 / 1621.

6) الكافي 4 : 417 / 3.

7) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33 ح 1 ، التهذيب 5 : 110 / 356.

8) الحدائق 16 : 235.

9) منتقى الجمان 3 : 283.

.................................................................................................


سيابة غلط ، لأن ابن سيابة من رجال الصادق (عليه السلام) ولم يعلم بقاؤه إلى ما بعد الصادق (عليه السلام) وموسى بن القاسم من أصحاب الرضا (عليه السلام) والجواد (عليه السلام) فكيف يتصور روايته عنه.

نعم ، قد يروي موسى بن القاسم عن أصحاب الصادق (عليه السلام) لكن عن الأصحاب الذين بقوا إلى بعد الصادق (عليه السلام) ، وأمّا عبد الرحمن بن سيابة فلم يعلم بقاؤه إلى ما بعد الصادق (عليه السلام).

وأمّا عبد الرحمن بن أبي نجران فهو من رجال الرضا والجواد (عليهما السلام) وموسى بن القاسم روى عنه كثيراً ، وابن أبي نجران يروي عن حماد فذلك قرينة على أن عبد الرحمن هذا هو ابن أبي نجران.

أقول : إن رواية موسى بن القاسم عن عبد الرحمن بن سيابة وهو عن حماد وإن كانت منحصرة بهذه الرواية ولكن لا موجب للجزم بالغلط ، فان البرقي روى عن عبد الرحمن بن سيابة ، والبرقي من طبقة موسى بن القاسم ، فيمكن أن يروي موسى ابن القاسم عنه كما روى عنه البرقي. على أنه لو فرضنا أن ذكر سيابة غلط فلم يعلم أن عبد الرحمن هذا هو ابن أبي نجران ولعله شخص آخر مسمى بعبد الرحمن ، فلا يمكن الحكم بصحة الرواية.

ويمكن أن يقال : إنه كان على الشيخ حسن صاحب المنتقى أن يحتمل احتمالاً آخر أقرب مما احتمله ، وهو أن يكون ذكر عبد الرحمن بن سيابة بين موسى بن القاسم وحماد زائداً ، لأن موسى بن القاسم يروي كثيراً عن حماد بلا واسطة ، فمن المحتمل أن يكون ذكر عبد الرحمن في هذا الموضع من غلط النسّاخ والكتّاب ، فلا حاجة إلى احتمال كون المذكور عبد الرحمن بن أبي نجران.

ولكن الرواية معتبرة على المختار ، لأن عبد الرحمن بن سيابة من رجال كامل الزيارات ، وإن كان ذكر عبد الرحمن بين موسى بن القاسم وبين حماد زائداً ، فالأمر أوضح وتكون الرواية معتبرة حتى على المشهور.

ومن جملة الروايات الدالة على البطلان : صحيحة صفوان قال : «سألته عن ثلاثة

.................................................................................................


دخلوا في الطّواف فقال واحد منهم : احفظوا الطّواف ، فلما ظنوا أنهم قد فرغوا ، قال واحد منهم : معي ستة أشواط كما في الكافي (1)ورواه الشيخ قال واحد : معي سبعة أشواط ، وقال الآخر : معي ستة أشواط ، وقال الثالث : معي خمسة أشواط قال : إن شكوا كلّهم فليستأنفوا ، وإن لم يشكوا وعلم كل واحد منهم ما في يديه فليبنوا» (2)فإنها ظاهرة في أن الشك بين الخمسة والستة والسبعة موجب للبطلان.

ولكن السيد صاحب المدارك (3)اختار القول بالصحة وبالبناء على اليقين وهو البناء على الأقل ، وحمل الروايات الآمرة بالاستئناف والإعادة على الاستحباب واستشهد بعدة من الروايات.

منها : صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال «في رجل لا يدري ستة طاف أو سبعة ، قال : يبني على يقينه» (4)والبناء على اليقين هو معنى البناء على الأقل.

وفيه : إن أُريد من قوله «يبني على يقينه» هو البناء على اليقين وإحراز العمل الصحيح لا البناء على إتيان الأقل ، فالمعنى أنه يجب عليه إحراز العمل الصحيح ، كما هو المراد في باب الشك في أعداد الصلاة ، يعني يأتي عملاً لا يحتمل فيه زيادة ولا نقيصة ، ويمضي في صلاته على يقين ، غاية الأمر أن الأئمة (عليهم السلام) علّموا كيفية تحصيل اليقين في باب الصلاة ، وفي باب الطّواف أيضاً ، وأنه يجب على المكلف أن يعمل عملاً يحرز به الصحة ، ومقتضاه هنا الإعادة ، إذ لا يمكن الإحراز وتحصيل اليقين بعدم الزيادة وبعدم النقيصة إلّا بهدم الطّواف الذي بيده ، وإعادة الطّواف الذي بيده (5)وإعادة الطّواف برأسه ، فالمراد باليقين المذكور في الصحيحة نفس اليقين لا البناء على الأقل.


1) الكافي 4 : 429 / 12.

2) الوسائل 13 : 419 / أبواب الطواف ب 66 ح 2 ، التهذيب 5 : 469 / 1645.

3) المدارك 8 : 181.

4) الوسائل 13 : 360 / أبواب الطّواف ب 33 ح 5.

5) المناسب حذف هذه العبارة : «وإعادة الطّواف الذي بيده».

.................................................................................................


وإن أريد به المتيقن كما ذكره المدارك ، فالرواية مطلقة من حيث النافلة والفريضة وتقيد بالبطلان في الفريضة للروايات الدالّة على البطلان بالشك في النقيصة في الفريضة.

ومنها : صحيحة منصور بن حازم «عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة ، قال : فليعد طوافه ، قلت : ففاته ، قال : ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحب إليَّ وأفضل» (1)وبمضمونها صحيحة معاوية بن عمار (2).

والجواب : أنه لم يذكر في هاتين الصحيحتين أنه أتى بالسبع ، بل المذكور فيها أنه شك بين الستة والسبعة وذهب ولم يأت بشوط آخر ، وهذا باطل قطعاً حتى عند صاحب المدارك ، لأنه لم يحرز إتيان السبعة.

وبالجملة : لا ريب في أن الاقتصار بالسبع المحتمل مقطوع البطلان ، فلا بد من حمل الصحيحتين على الشك بعد الفراغ من العمل والانصراف منه والدخول في صلاة الطّواف ، فإنه لم يعتن بالشك حينئذ وإن كانت الإعادة أفضل ، أو حملها على الطّواف المستحب.

ولو فرضنا رفع اليد عن إطلاقها من حيث حصول الشك بعد الفراغ أو في الأثناء وحملناها على حصول الشك في الأثناء ، فتكون حال هاتين الروايتين حال رواية أُخرى لمنصور بن حازم قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إن طفت فلم أدر أستة طفت أم سبعة ، فطفت طوافاً آخر ، فقال : هلّا استأنفت؟ قلت : طفت وذهبت ، قال : ليس عليك شي‌ء» (3)فإنها واضحة الدلالة على حصول الشك في الأثناء وغير قابلة للحمل على ما بعد الطّواف ، كما أنها غير قابلة للحمل على المندوب لعدم الاستئناف في المندوب ، ولكنها ظاهرة الدلالة على الصحة لقوله : في الصحيحة «ليس عليك شي‌ء».

فيرد عليه حينئذ : أن الاستدلال بهذه الصحيحة خلط بين المسألتين إذ في المقام


1) الوسائل 13 : 361 / أبواب الطّواف ب 33 ح 8.

2) الوسائل 13 : 361 / أبواب الطّواف ب 33 ح 10.

3) الوسائل 13 : 359 / أبواب الطّواف ب 33 ح 3.

.................................................................................................


مسألتان :

الاولى : أن من شك بين الأقل والسبعة يبطل طوافه ، والصحيحة تدل على ذلك صريحاً لقوله معترضاً على السائل «هلّا استأنفت».

الثانية : من ترك الطّواف عامداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به ثم ذهب إلى أهله وفات زمان التدارك كما ذهب شهر ذي الحجة فإن الحج محكوم بالبطلان ، وكذا لو كان جاهلاً بالحكم.

وأمّا الناسي فقد استثني من الحكم بالبطلان على تفصيل سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثم إن الجاهل الذي ذكرنا أنه يحكم ببطلان طوافه وحجه فهل الجاهل على إطلاقه كذلك ، أو يستثني منه هذه الصورة ، وهي ما لو شك بين السادس والسابع وفاته زمان التدارك وذهب إلى بلاده وأهله؟ فان صاحب الحدائق ادعى عدم النزاع والخلاف على الصحة في خصوص هذه الصورة ، قال : ومحل الخلاف إنما هو مع الحضور ، وأمّا مع الذهاب إلى الأهل والرجوع إلى بلاده فلا نزاع في الحكم بالصحة لأجل هذه الروايات (1)وقد صرح بهذا التفصيل المجلسي (رحمه اللّه) (2)ولكن صاحب الجواهر ذهب إلى البطلان حتى في هذه الصورة وادعى عليه الإجماع ، ولا فرق عنده بين ترك الطّواف برأسه ، أو شك بين السادس والسابع ، سواء كان حاضراً في مكة وتمكن من العود والاستئناف أو خرج من مكة وذهب إلى أهله وشق عليه العود إلى مكة (3).

فان تم ما ذكره الجواهر من الإجماع على البطلان مطلقاً حتى في صورة الخروج من مكة والذهاب إلى الأهل ، فلا بد من طرح الصحيحة من حيث الذيل الدال على أنه ليس عليه شي‌ء وإيكال علمه إليهم (عليهم السلام) وإن لم يتم الإجماع كما لا يتم جزماً ، خصوصاً في هذه المسألة التي قل التعرض إليها ، فلا مانع من العمل بالصحيحة


1) الحدائق 16 : 234.

2) مرآة العقول 18 : 38.

3) الجواهر 19 : 383.

.................................................................................................


ولا استبعاد في ذلك ، فنلتزم بأن خصوص هذا الجاهل ملحق بالناسي من حيث الحكم بالصحة ، وقد أفتى بمضمونها المدارك والمجلسي والحدائق ، بل ادعى صاحب الحدائق الإجماع على الصحة ، ولذا نذكر في المسألة الآتية أنه لم تبعد صحة طوافه في هذه الصورة ، هذا تمام الكلام في الصورة الأُولى.

الصورة الثانية : الشك في الزيادة والنقيصة ، كما إذا شك في أن شوطه هذا هو السادس أو السابع أو الثامن ، ففيها أيضاً يحكم بالبطلان ، ويدلُّ عليه بالخصوص معتبرة أبي بصير قال : «قلت له : رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية ، قال : يعيد طوافه حتى يحفظ» (1)فان المستفاد منها لزوم كون السبعة محفوظة.

وصحيحة الحلبي «عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية ، فقال : أمّا السبعة فقد استيقن وإنما وقع وهمه على الثامن ، فليصل ركعتين» (2)فان المستفاد منها لزوم إحراز السبعة ، فاذا أُحرزت فلا يضر الوهم بالزائد ، وأمّا إذا لم تحرز السبعة وكان الإتيان بها مشكوكاً يحكم بالبطلان ، بل يمكن الاستدلال للبطلان بكل ما دلّ على البطلان بين السابع والسادس ، لأنه مطلق من حيث اقتران الشك بين السادس والسابع بالشك في الثامن أم لا ، ويؤيد برواية المرهبي (3)وبخبر أبي بصير (4).

الصورة الثالثة : الشك في الأقل من الست والسبع ، كما لو شك بين الثالث والرابع أو الرابع والخامس وهكذا ، ففي مثله أيضاً يحكم بالبطلان ، لمعتبرة حنان بن سدير قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في رجل طاف فأوهم قال : طفت أربعة أو طفت ثلاثة؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أيّ الطوافين كان ، طواف نافلة


1) الوسائل 13 : 362 / أبواب الطّواف ب 33 ح 11.

2) الوسائل 13 : 368 / أبواب الطواف ب 35 ح 1.

3) الوسائل 13 : 360 / أبواب الطّواف ب 33 ح 4.

4) الوسائل 13 : 362 / أبواب الطّواف ب 33 ح 12.

مسألة 318 : إذا شكّ بين السادس والسابع وبنى على السادس جهلاً منه بالحكم وأتم طوافه لزمه الاستئناف ، وإن استمر جهله إلى أن فاته زمان التدارك لم تبعد صحة طوافه (1).

مسألة 319 : يجوز للطائف أن يتّكل على إحصاء صاحبه في حفظ عدد أشواطه إذا كان صاحبه على يقين من عددها (2).


أم طواف فريضة؟ قال : إن كان طواف فريضة فليلق ما في يديه وليستأنف» (1)ومحمد ابن إسماعيل الواقع في السند هو محمد بن إسماعيل بن بزيع بقرينة رواية أحمد بن محمد البرقي عنه ، وروايته أيضاً عن حنان بن سدير.

ويدل على البطلان كل ما دل على البطلان في الشك بين الست والسبع ، لأن الشك بين الرابع والخامس مثلاً (2)، فأضاف إليه شوطاً آخر يؤول إلى الشك بين الرابع والخامس مثلاً والسابع فيدخل في الروايات الدالّة على البطلان لو شك بين السادس والسابع. ويؤيد أيضاً بخبر المرهبي (3)والبطائني (4).

(1) تقدّم شرح هذه المسألة (5)فانتبه.

(2) لا ريب في أن مقتضى القاعدة الأولية عدم جواز الاتكال على الغير في إحصاء عدد أشواطه ، فان كل مكلف يجب عليه تحصيل اليقين في إتيان الواجب وامتثاله ، ولكن ورد في صحيح سعيد الأعرج جواز الاتكال قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الطّواف أيكتفي الرجل بإحصاء صاحبه؟ فقال : نعم» (6).


1) الوسائل 13 : 360 / أبواب الطّواف ب 33 ح 7.

2) الصحيح أن يُقال : لأنّه لو شكّ بين الرابع والخامس ، فأضاف إليه شوطين يؤول إلى الشك بين السادس والسابع.

3) الوسائل 13 : 360 / أبواب الطّواف ب 33 ح 4.

4) الوسائل 13 : 362 / أبواب الطّواف ب 33 ح 12.

5) في ص 84.

6) الوسائل 13 : 419 / أبواب الطّواف ب 66 ح 1.

مسألة 320 : إذا شك في الطّواف المندوب يبني على الأقل وصح طوافه (1).

مسألة 321 : إذا ترك الطّواف في عمرة التمتّع عمداً مع العلم بالحكم أو مع الجهل به ولم يتمكن من التدارك قبل الوقوف بعرفات بطلت عمرته وعليه إعادة الحج من قابل ، وقد مرّ أن الأظهر بطلان إحرامه أيضاً ، لكن الأحوط أن يعدل إلى حج الافراد ويتمه بقصد الأعم من الحج والعمرة المفردة. وإذا ترك الطّواف في الحج متعمداً ولم يمكنه التدارك بطل حجه ولزمته الإعادة من قابل ، وإذا كان ذلك من جهة الجهل بالحكم لزمته كفارة بدنه أيضاً (2).


ويؤيد برواية الهذيل في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطّواف أيجزيه عنها وعن الصبي؟ فقال : نعم ، ألا ترى أنك تأتم بالإمام إذا صلّيت خلفه ، فهو مثله (1)ورواه أيضاً في الوسائل في باب 24 من الخلل عن أبي الهذيل (2)، والصحيح ما ذكره هنا كما في الفقيه (3)وكيف كان الرواية ضعيفة ، وفي صحيح سعيد الأعرج غنى وكفاية.

(1) كما في عدة من النصوص المعتبرة (4)فلا مانع من الزيادة في النافلة.

(2) ذكرنا في أوّل البحث عن الطّواف (5)أن الطّواف من أركان الحج والعمرة ويفسدان بتركه عمداً ، سواء كان عالماً بوجوبه أو جاهلاً به ، وكذا يبطل إحرامه ، فإن الإحرام إنما يكون جزءاً للحج إذا لحقته بقية الأجزاء وإلّا ينكشف بطلان الإحرام من الأوّل وعليه الحج من قابل ، وقد تقدم جميع ذلك مفصلاً فلا موجب للإعادة.

نعم ، لو تركه من جهة الجهل بالحكم يجب عليه كفارة بدنة ، لصحيح علي بن يقطين قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف


1) الوسائل 13 : 420 / أبواب الطواف ب 66 ح 3.

2) الوسائل 8 : 242 / أبواب الخلل في الصلاة ب 24 ح 9.

3) الفقيه 2 : 254 / 1233.

4) الوسائل 13 : 360 - 362 / أبواب الطّواف ب 33 ح 4 ، 7 ، 12.

5) في ص 1.

مسألة 322 : إذا ترك الطّواف نسياناً وجب تداركه بعد التذكّر ، فان تذكّره بعد فوات محلّه قضاه وصحّ حجّه ، والأحوط إعادة السعي بعد قضاء الطّواف وإذا تذكره في وقت لا يتمكّن من القضاء أيضاً كما إذا تذكره بعد رجوعه إلى بلده وجبت عليه الاستنابة ، والأحوط أن يأتي النائب بالسعي أيضاً بعد الطّواف (1).


الفريضة ، قال : إن كان على وجه الجهالة في الحج أعاد وعليه بدنة» (1)ويؤيد بخبر علي بن أبي حمزة (2).

(1) من ترك الطّواف نسياناً وغفلة ، فتارة يفرض بقاء المحل وإمكان التدارك كما إذا تركه في عمرة التمتّع ، أو تركه في الحج وتذكّره في شهر ذي الحجة ويمكنه الرجوع وأُخرى لا يمكنه التدارك.

أمّا الأول : فلا ريب في لزوم التدارك والإتيان به ، لتمكنه منه والمفروض بقاء الوقت وإمكان التدارك ، وتدل عليه روايات عديدة :

منها : معتبرة إسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل طاف بالكعبة ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة. فبينما هو يطوف إذ ذكر أنه قد ترك من طوافه بالبيت ، قال : يرجع إلى البيت فيتم طوافه ، ثم يرجع إلى الصفا والمروة فيتم ما بقي. قلت : فإنه بدأ بالصفا والمروة قبل أن يبدأ بالبيت ، فقال : يأتي البيت فيطوف به ثم يستأنف طوافه بين الصفا والمروة. قلت : فما الفرق بين هذين؟ قال : لأن هذا قد دخل في شي‌ء من الطّواف ، وهذا لم يدخل في شي‌ء منه» (3).

ومنها : خبر منصور بن حازم «عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا والمروة ، قال : يرجع فيطوف بالبيت ثم يستأنف السعي» (4)وهذا الخبر رواه الشيخ (5)بإسناده عن موسى بن القاسم ، عن محمد عن سيف بن عميرة عن منصور ، وهذا السند بعينه


1) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 1.

2) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 2.

3) الوسائل 13 : 413 / أبواب الطّواف ب 63 ح 3.

4) الوسائل 13 : 413 / أبواب الطّواف ب 63 ح 1.

5) التهذيب 5 : 129 / 427.

.................................................................................................


مذكور في عدّة من الروايات ، وفي بعضها موسى بن القاسم عن محمد بن سيف بن عميرة (1)وهذا الاسم لا وجود له في الرجال ، والصحيح هو الأول أي محمد عن سيف.

والرواية ضعيفة ، لأن موسى بن القاسم يروي عن عدة أشخاص مسمّين بمحمد وهم يروون عن سيف بن عميرة بعضهم ثقات وبعضهم غير ثقة ، ولم يعلم أنّ محمد من هو.

ومنها : صحيحة منصور بن حازم «عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت ، قال : يطوف بالبيت ، ثم يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما» (2).

وهذه الرواية يرويها الكليني بلا واسطة عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان (3)ومحمد بن إسماعيل هذا هو محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري ، واحتمل بعضهم أنه محمد بن إسماعيل بن بزيع ، وهذا بعيد جدّاً ، لأن ابن بزيع من أصحاب الرضا (عليه السلام) ولا يمكن أن يروي الكليني عنه بلا واسطة ، كما أن ما احتمله بعضهم بأنه محمد بن إسماعيل البرمكي صاحب الصومعة بعيد أيضاً ، فإن طبقته متقدمة على طبقة الكليني ، فالظاهر بل المتعين أنه النيسابوري الذي يروي عنه الكشي أيضاً بلا واسطة ، فإن الكشي والكليني في طبقة واحدة ، والرجل وإن لم يوثق في الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات ، مضافاً إلى أن كثرة رواية الكليني عنه التي تبلغ أكثر من سبعمائة مورداً توجب الاطمئنان بوثاقة الرجل ، هذا كله فيما إذا أمكن التدارك.

وأمّا الثاني : وهو ما إذا تذكّره في وقت لا يتمكّن من القضاء والتدارك فتكليفه بالأداء ساقط جزماً لفوات محل التدارك ، فهل يحكم ببطلان الحج ووجوب الحج عليه من قابل ، أو يحكم بصحة حجّه وقضاء الطّواف بنفسه ولو بعد انقضاء الوقت أو يستنيب إن تعذر العود؟ وجهان.


1) التهذيب 5 : 141 / 466.

2) الوسائل 13 : 413 / أبواب الطّواف ب 63 ح 2.

3) الكافي 4 : 421 / 2.

.................................................................................................


اختار الثاني صاحب المدارك (1)والجواهر (2)بل قال في الجواهر بلا خلاف معتدّ به ، وذلك يشعر بوجود المخالف ، ويظهر من الشيخ الحكم بالبطلان (3)، لأنه استدل للبطلان بنسيان الطّواف بروايتين موردهما الجهل لا النسيان الأُولى : رواية على ابن أبي حمزة قال : «سئل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتى رجع إلى أهله ، قال : إذا كان على جهة الجهالة أعاد الحج وعليه بدنة» (4).

الثانية : صحيحة علي بن يقطين قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة ، قال : إن كان على وجه الجهالة في الحج أعاد وعليه بدنة» (5).

ثم روى صحيحة علي بن جعفر «عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده وواقع النساء كيف يصنع؟ قال : يبعث بهدي ، إن كان تركه في حج بعث به في حج وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة ، ووكّل من يطوف عنه ما ترك من طوافه» (6).

والظاهر من صحيحة علي بن جعفر صحة الحج ، ولذا أمر (عليه السلام) بأن يوكّل شخصاً يطوف عنه ، ولو كان الحج باطلاً برأسه لا مجال لمثل هذا الأمر منه ، ولذا حملها على طواف النساء ، فالحكم بصحة الحج إنما هو في فرض ترك طواف النساء ، وأمّا طواف الحج فلم يرد فيه نص في نسيانه ، فيعلم أن النسيان حاله حال الجهل في وجوب الإعادة.

والحاصل : يظهر من استدلال الشيخ بالروايتين المتقدمتين أن النسيان كالجهل في الحكم بالإعادة وبطلان الحج ، لأنه استدل بهما لما حكاه من كلام المقنعة في حكم من نسي الطّواف وأن عليه بدنة وإعادة الحج.


1) المدارك 8 : 175.

2) الجواهر 19 : 374.

3) التهذيب 5 : 127.

4) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 2.

5) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطّواف ب 56 ح 1.

6) الوسائل 13 : 405 / أبواب الطّواف ب 58 ح 1.

.................................................................................................


ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من الحكم بالصحة ، لا لحديث الرفع لأن حديث الرفع مقتضاه رفع الأحكام ولا نظر له إلى الإثبات والحكم بالصحة وأن ما أتى به مجزئ ومسقط للواجب كما حقق في محله (1).

ويكفينا في الحكم بالصحة صحيح علي بن جعفر المتقدم ، فان قوله : «ووكّل من يطوف عنه ما تركه من طوافه» ظاهر في الحكم بالصحة ، وحمله على طواف النساء كما صنعه الشيخ بعيد جدّاً ، لأن طواف النساء ليس من طواف الفريضة ، أي ما فرضه اللّه تعالى في الكتاب ، وإنما هو واجب مستقل سنّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والظاهر من طواف الفريضة المسئول عنه في الرواية هو الطّواف الواجب في الحج لا الطّواف الواجب المستقل الذي يؤتى به بعد الحج ، والذي تركه عمداً لا يوجب البطلان ، مضافاً إلى أن تفصيل الإمام (عليه السلام) «إن كان تركه في حج بعث بهديه في حج ، وإن كان تركه في عمرة بعث في عمرة» كالصريح في طواف الحج وحمله على طواف النساء الواجب في الحج وحمل العمرة على العمرة المفردة بعيد جدّاً.

ويظهر من هذه الرواية الصحيحة وجوب الطّواف على الناسي نفسه إن تمكن من العود وإلّا فيستنيب ، إذ لا نحتمل وجوب الاستنابة مطلقاً حتى إذا تمكن بنفسه من الطّواف كما نسب إلى بعض المتأخرين.

والمتحصل : أنّ من نسي الطّواف له صور :

الاولى : ما إذا فات عنه الطّواف نسياناً وتذكره وقد بقي من الوقت ما يتمكّن تداركه.

الثانية : ما إذا نسيه وفات الوقت ولكن يتمكّن من التدارك بنفسه.

الثالثة : ما إذا فات الوقت ولا يتمكّن من التدارك بنفسه.

أمّا الاولى : فلا إشكال في وجوب التدارك بلا كلام. وأمّا في الصورتين فالحج صحيح ويجب عليه التدارك بنفسه أو الاستنابة. وعن الشيخ في الخلاف (2)وعن الغنية (3)


1) أشار إلى ذلك في مصباح الأُصول 2 : 267 ذيل الأمر الثالث.

2) لاحظ الخلاف 2 : 324 ، نسبه إليه في الرياض 7 : 55.

3) الغنية : 171.

.................................................................................................


الإجماع على الصحة ، ولكن الشيخ ذهب إلى البطلان في كتابي التهذيب (1)والاستبصار (2)واستدل بصحيحة علي بن يقطين وخبر علي بن أبي حمزة الواردين في الجاهل (3)لا الناسي ، ثم ذكر صحيح علي بن جعفر الدال على الصحة (4)ولكنه حمله على طواف النساء وأيّد ذلك برواية معاوية بن عمار الواردة في من ترك طواف النساء (5).

وهذا من غرائب ما صدر منه (قدس سره) فإن المسألة إجماعية ، حتى أن الشيخ بنفسه ادعى الإجماع على الصحة في كتاب الخلاف (6). على أن المراد بالطواف الوارد في صحيح علي بن جعفر ليس هو طواف النساء ، لأن المسئول هو طواف الفريضة وظاهره الطّواف الذي فرضه اللّه تعالى في كتابه العزيز ، وهو طواف الحج في قبال ما سنّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وطواف الفريضة وإن أُطلق على طواف النساء أحياناً في بعض الروايات ولكنه لا بدّ من حمله على نحو من المسامحة والعناية.

وبالجملة طواف النساء وإن كان واجباً ولكنه ليس ممّا فرضه اللّه في الكتاب ، بل هو عمل واجب مستقل سنّة النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وتركه عمداً لا يضر بالحج فضلاً عن النسيان.

ثم إنّ كلمة الفريضة لم توجد في البحار الناقل عن قرب الاسناد (7)وطريق المجلسي إلى قرب الاسناد نفس طريق الشيخ إليه ، وفي قرب الاسناد «رجل ترك طوافاً أو نسي من طواف الفريضة» (8)وفي التهذيب ورد «طواف الفريضة».

ثم إنّ المقابلة بين الحج والعمرة المذكورة في صحيح علي بن جعفر قرينة قطعية


1) التهذيب 5 : 127.

2) الاستبصار 2 : 228.

3) الوسائل 13 : 404 / أبواب الطواف ب 56 ح 1 ، 2.

4) الوسائل 13 : 405 / أبواب الطّواف ب 58 ح 1.

5) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 6.

6) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

7) البحار 96 : 206 / 3 وفيه «عن رجل ترك طوافاً أو نسي من طواف الفريضة».

8) قرب الاسناد : 244 / 969.

مسألة 323 : إذا نسي الطّواف حتى رجع إلى بلده وواقع أهله ، لزمه بعث هدي إلى منى إن كان المنسي طواف الحج ، وإلى مكة إن كان المنسي طواف العمرة ، ويكفى في الهدي أن يكون شاة (1).


على أن المراد بطواف الفريضة هو طواف الحج ، فلا موجب لحملة على طواف النساء وحمل العمرة على المفردة.

ثم إن الظاهر من قوله «رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده» (1)عدم إمكان التدارك بنفسه ، ولذا أمر أن يوكل من يطوف عنه ، ولا نحتمل وجوب الاستنابة تعبّداً ، بل الاستنابة في فرض عدم تمكن المكلف من التدارك بنفسه كما تقتضيه القاعدة الأوّلية أيضاً.

وممّا يؤكد ما ذكرنا : صحيح هشام بن سالم «عمّن نسي زيارة البيت حتى رجع إلى أهله ، فقال : لا يضرّه إذا كان قد مضى مناسكه» (2).

والشيخ في التهذيب حمل هذه الصحيحة على طواف الوداع ، لأنه (قدس سره) ذكرها في باب الوداع (3)واحتمله صاحب الوسائل أيضاً ، ولا يخفى أنه لا موجب لذلك ، بل الظاهر منها هو طواف الحج ، فان المراد بزيارة البيت هو طواف الحج ولا وجه لحملة على خصوص طواف الوداع.

(1) نسب إلى أكثر الفقهاء وجوب بدنة. وذهب جماعة منهم المحقق (4)وصاحب الجواهر (5)إلى أنه لا كفارة عليه. واحتمل المحقق أن القائلين بالكفارة إنما أرادوا وجوب الكفارة إذا واقع أهله بعد التذكر ، وأمّا إذا واقع وهو في حال النسيان فلا شي‌ء عليه. فاذن يرتفع الخلاف.


1) في صحيح علي بن جعفر المتقدِّم في ص 90.

2) الوسائل 14 : 291 / أبواب العود إلى منى ب 19 ح 1 ، 244 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 4.

3) التهذيب 5 : 282 / 961.

4) الشرائع 1 : 310.

5) الجواهر 19 : 386.

مسألة 324 : إذا نسي الطّواف وتذكّره في زمان يمكنه القضاء قضاه بإحرامه الأول من دون حاجة إلى تجديد الإحرام. نعم ، إذا كان قد خرج من مكة ومضى عليه شهر أو أكثر لزمه الإحرام لدخول مكة كما مر (1).


واستدل لوجوب الكفارة بروايات ثبوت الكفارة على من واقع قبل الطّواف وأجابوا عن ذلك بالروايات النافية للكفارة على الناسي وبحديث الرفع ، إلّا إذا أُريد ثبوت الكفارة بعد التذكر فلا خلاف.

ولكن الظاهر ثبوت الكفارة إلّا أنه ليست بدنة ، للروايات النافية وحديث الرفع إلّا أن صحيح علي بن جعفر صريح في وجوب بعث الهدي الوارد في النسيان (1)فيكون مخصصاً لما دل على عدم ثبوت الكفارة على الناسي ، فإن الظاهر من قوله : «نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده» استمرار النسيان إلى المواقعة وتحقق الوقاع حال النسيان.

ثم إن في النسخة اختلافاً ، فان نسخ الرواية الموجودة في التهذيب «يبعث بهدي» (2)والموجود في قرب الاسناد «يبعث بهديه إن كان تركه إلخ» (3)وفي البحار «ببدنة» (4)وقد ذكرنا غير مرّة أن طريق الحميري إلى قرب الاسناد ضعيف بعبد اللّه بن الحسن ولكن طريق الشيخ إليه صحيح ، وطريق المجلسي نفس طريق الشيخ ، فاذن المعتمد كتاب التهذيب وليس فيه بدنة ، والهدي صادق على الشاة.

ولو تنزّلنا عن ذلك ، فالمورد من الشك بين الأقل والأكثر والمرجع البراءة عن الأكثر وهو بدنة.

(1) من نسي طوافه قد يلتفت ويتذكر في زمان يمكنه التدارك في الوقت ، بلا حرج


1) الوسائل 13 : 405 / أبواب الطّواف ب 58 ح 1.

2) التهذيب 5 : 127 / 421.

3) قرب الاسناد : 244 / 969.

4) البحار 96 : 206 / 3 ، ثم ان الموجود في البحار هو بعينه المنقول في قرب الاسناد فراجع.

.................................................................................................


ولا مشقة من دون أن يفوته شي‌ء ، كما إذا كان الوقت باقياً للتدارك ، وكما لو تذكر فوات طواف عمرته قبل الوقوفين بأيام ، أو تذكر فوات طواف حجه في العشرة الثانية من شهر ذي الحجة ، ففي مثله يجب عليه الإتيان بالطواف بلا حاجة إلى إحرام جديد ، سواء كان في مكة أو في خارجها.

وقد يتذكّر الفوات في أواخر شهر ذي الحجّة بحيث لو أراد الرجوع إلى مكة ضايقه الوقت ولا يتمكّن من إتيان الطّواف مع مقدّماته من الوضوء وغيره قبل نهاية الشهر ، بل لا بد من إيقاعه في أول شهر محرم مثلاً ، ففي مثله أيضاً لا يحتاج إلى إحرام جديد ، بل يجب عليه أن يأتي بالطواف ولو قضاء.

وقد يفرض أنه يذكر الفوات وقد مضى على إحرامه الأوّل شهر واحد ، كما إذا تذكر في أواسط شهر محرم ، فهل يجب إحرام جديد لمضي شهر من إحرامه الأوّل لأن من يدخل مكة يجب عليه الإحرام لدخولها في كل شهر ، أو لا يجب عليه إحرام جديد فإنه محرم والمحرم ليس عليه إحرام جديد وإن أحل ودخل في الشهر الثاني؟ وجهان.

اختار الجواهر عدم الحاجة إلى الإحرام الجديد لبقائه على إحرامه الأوّل (1)وتمسك بعضهم باستصحاب بقائه على الإحرام الأول بعد أن شك في خروجه منه ، فيدخل مكة بغير إحرام ويأتي بالطواف المنسي.

إلّا أن الصحيح لزوم الإحرام ثانياً ، والوجه فيه : ما تقدم منّا في محله (2)أن إحرام العمرة والحج عبارة عن نفس التلبية التي معناها القيام بالأعمال المفروضة من بداية الحج إلى نهايته ، وأمّا المحرّمات التي هي خمس وعشرون أمراً فهي أحكام ثابتة للمحرم لا ترتبط بحقيقة الإحرام ، فالإحرام يتحقق بالتلبية كما يتحقق بالاشعار والتقليد في حج القارن ، وقد ذكرنا أن التلبية نظير تكبيرة الإحرام للصلاة التي يدخل بها في الصلاة ويخرج منها بالتسليم ، فمعنى الإحرام القيام والالتزام بالواجبات المفروضة


1) لاحظ الجواهر 19 : 377.

2) في شرح العروة 28 : 254 ذيل المسألة 178 ، وص 262 المسألة 184.

مسألة 325 : لا يحل لناسي الطّواف ما كان حله متوقفاً عليه حتى يقضيه بنفسه أو بنائبه (1).


عليه ، فلو فرغ من أعمال حجه وحكم بصحته ، أو ببطلانه لتركه الطّواف عمداً حتى خرج الشهر ، فلم يكن معنى لبقاء إحرامه ، لأن الإحرام كما عرفت مقدّمة للإتيان بتلك الأعمال ، فاذا أتى بها وخرج منها فلا معنى لبقاء الإحرام لانتفاء موضوعه ، كما إذا انتهى من الصلاة وحكم بصحتها أو ببطلانها لا معنى لبقائه على تكبيرة الإحرام والالتزام بإتيان واجبات الصلاة ، فكذا المقام فإذا أراد الدخول بعد شهر وجب عليه الإحرام الجديد لدخول مكة وخروجه من الإحرام ، ولا ينافي ذلك بقاء بعض الأحكام عليه كحرمة الطيب والنساء ، نظير ما إذا ترك طواف النساء فإنه تحرم عليه النساء حتى يطوف وإن كان حجه صحيحاً وخرج عن إحرامه بالمرّة.

وبالجملة : لو قلنا بصحة الحج عند نسيان الطّواف ، أو قلنا ببطلانه بسبب نسيان الطّواف ، ففي كلتا الحالتين لم يبق موضوع للإحرام ، ومعه لا مجال لجريان الاستصحاب ، أمّا أوّلاً : فلأنه من الشبهات الحكمية ، ولا نرى حجيته فيها.

وثانياً : لاختلاف الموضوع ، فان الطّواف الثاني قضاء وليس بأداء ، فإن أراد الدخول إلى مكة بعد شهر يجب عليه الإحرام الجديد لدخول مكة.

وبعبارة اخرى : المتيقن هو الإحرام للإتيان بالأعمال السابقة ، والمشكوك فيه هو الإحرام لقضاء الطّواف ، والإحرام الأول قد انتهى بمجرد الفراغ من الحج ، والإحرام لدخول مكة وقضاء الطّواف موضوع جديد يحتاج إلى إحرام جديد.

ويؤكِّد ما ذكرنا : صحيح علي بن جعفر (1)الذي حكم فيه بالكفارة وأنه يبعث بهدي إذا رجع إلى بلده وواقع أهله ، ولا تنافي بين الحكمين ، الحكم بالخروج من الإحرام ، والحكم بلزوم الإحرام عليه من جديد.

(1) لإطلاق ما دل على حرمة النساء والطيب قبل الطّواف ، وقد عرفت أنه لا


1) المتقدِّم في ص 94.

مسألة 326 : إذا لم يتمكن من الطّواف بنفسه لمرض أو كسر أو أشباه ذلك لزمته الاستعانة بالغير في طوافه ، ولو بأن يطوف راكباً على متن رجل آخر ، وإذا لم يتمكّن من ذلك أيضاً وجبت عليه الاستنابة فيطاف عنه ، وكذلك الحال بالنسبة إلى صلاة الطّواف فيأتي المكلف بها مع التمكّن ويستنيب لها مع عدمه ، وقد تقدّم حكم الحائض والنفساء في شرائط الطّواف (1).


منافاة بين الاحتياج إلى الإحرام لدخوله مكة إذا مضى عليه شهر ، وبين عدم حل النساء والطيب عليه إذا كان تاركاً للطواف.

ويؤكد ذلك صحيح علي بن جعفر المتقدم (1)الآمر ببعث الهدي إلى مكة أو إلى منى ، ويوكِّل من يطوف عنه ، إذ يظهر منه أن النساء لا تحل له قبل البعث والتوكيل.

(1) قد عرفت أن الطّواف واجب من واجبات الحج وركن يبطل الحج بتركه عمداً ، وهو لا يختلف عن سائر الواجبات الإلهية من قيام المكلف به مباشرة وصدوره عنه خارجاً عن إرادة واختيار ، كما هو ظاهر كل تكليف متوجه نحو المكلّف ، فيلزم أن يطوف بنفسه ، غاية الأمر لا يجب عليه المشي وإنما يجوز له الركوب والإطافة حول البيت بنحو يستند حركة الدوران حوله إلى إرادة نفس الشخص ليصدق عليه أنه طاف بنفسه.

وأمّا الإطافة به بنحو يقوم الفعل به لكن لا باختياره وإنما تستند الحركة والدوران إلى غيره ، أو الطّواف عنه بحيث يقوم الفعل بشخص أجنبي وتستند الحركة إلى ذلك الأجنبي ، فصحة ذلك تحتاج إلى الدليل ، هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية.

ولكن دلت الأخبار في المقام على أن المكلف إذا تعذر عليه الطّواف مباشرة بنفسه جاز لآخر حمله والإطافة به (2)إلّا أنه لا يمكن العمل بإطلاق هذه الروايات ، وأن


1) في ص 94.

2) الوسائل 13 : 389 / أبواب الطّواف ب 47.

.................................................................................................


المريض والكبير يجوز حملهما في الطّواف وإن تمكنا المباشرة ، بل يجب تقييدها بصورة عدم استطاعتهما من المباشرة ، كما دلت عليه صحيحة صفوان وغيرها ، ففي صحيحة صفوان «عن الرجل المريض يقدم مكة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، قال : يطاف به محمولاً» (1).

فالنتيجة : أن الطائف إذا كان مستطيعاً من المباشرة وجب عليه أن يطوف بنفسه وأمّا لو كان مريضاً لا يستطيع من ذلك حَمَله آخر وطاف به ، فالميزان بالاستطاعة بنفسه وعدمها.

وإن لم يتمكن من ذلك أيضاً ، وجبت عليه الاستنابة ليطاف عنه ، فيكون ما أتى به النائب من الطّواف في مرتبة ثالثة للمريض الذي تعذّر عليه الطّواف مباشرة وتعذّر عليه أن يطاف به ، وذلك استناداً لأخبار صرّح في بعضها بالاطافة عنه ، وفي بعضها التخيير بين الإطافة به والطّواف عنه ، ولكن تلك الأخبار التي دلت على جواز الطّواف عنه يجب تقييدها بما إذا لم يتمكن من حمله والإطافة به ، فان الطّواف إذا كان قائماً به وإن كان لا باختياره مقدّم على الطّواف عنه القائم بالأجنبي كما في معتبرتي إسحاق بن عمار «المريض المغلوب يطاف عنه؟ قال : لا ، ولكن يطاف به» وفي الأُخرى «عن المريض يطاف عنه بالكعبة؟ قال : لا ، ولكن يطاف به» (2)ودلالتهما واضحة على أن الطّواف به مقدّم على الطّواف عنه.

وأمّا سندهما ، فقد روى موسى بن القاسم عن عبد اللّه عن إسحاق ، والمسمى بعبد اللّه ثلاثة أشخاص الذين يمكن رواية موسى عنهم ، وروايته عن إسحاق ، هم عبد اللّه بن سنان ، وعبد اللّه بن جبلة ، وعبد اللّه الكناني.

أمّا الكناني فليس له رواية في الكتب الأربعة إلّا النزر اليسير ، وليس هو بمعروف لينصرف اللّفظ إليه ، فينحصر التردد بين ابن جبلة وابن سنان وكل منهما ثقة ، ولا يضر التردّد بينهما.


1) الوسائل 13 : 389 / أبواب الطّواف ب 47 ح 2.

2) الوسائل 13 : 390 / أبواب الطّواف ب 47 ح 5 ، 7.

.................................................................................................


والظاهر أن المراد بعبد اللّه هذا هو ابن جبلة ، فإن ابن سنان روى عن إسحاق في موارد قليلة ، ولكن ابن جبلة روى عن إسحاق في موارد كثيرة تبلغ أكثر من سبعين مورداً ، وذلك يوجب الظن القوي أو الاطمئنان أن عبد اللّه الذي روى عنه موسى بن القاسم وروى هو عن إسحاق هو ابن جبلة.

وليعلم أن ابن جبلة أيضاً لقّب بالكناني ، ولكن يحتمل أن عبد اللّه الكناني الذي ورد في موردين أو ثلاثة موارد من التهذيب هو شخص آخر ، والظاهر انصرافه في المقام إلى ابن جبلة كما عرفت.

فالمتحصِّل من الروايات أن مراتب الطّواف ثلاثة لا ينتقل من واحدة إلى الأُخرى إلّا بعد العجز عن المرتبة السابقة.

الأُولى : الطّواف بنفسه مباشرة.

الثانية : الطّواف به ، بأن يقوم العمل بنفس الطائف لكن بتحريك الغير ودورانه.

الثالثة : الطّواف عنه ، وهو قيام الفعل بشخص أجنبي.

ثم إن جميع ما تقدم يجري في صلاة الطّواف عدا المرتبة الثانية ، بمعنى أنه إن تمكن من الصلاة بنفسه تعين عليه ذلك وإلّا فيصلي عنه ، وأمّا الصلاة به فلا معنى لذلك. إذن فالصلاة ذات مرتبتين بخلاف الطّواف فإنه ذو مراتب ثلاث كما عرفت ، وقد ورد في روايتين معتبرتين أنه يرمى عنه ويصلّى عنه (1).


1) الوسائل 13 : 394 / أبواب الطّواف ب 49 ح 6 ، 7.

صلاة الطّواف

وهي الواجب الثالث من واجبات عمرة التمتّع (1) ، وهي ركعتان يؤتى بهما عقيب الطّواف ، وصورتها كصلاة الفجر ولكنه مخيّر في قراءتها بين الجهر والإخفات ويجب الإتيان بها قريباً من مقام إبراهيم (عليه السلام) والأحوط بل الأظهر لزوم الإتيان بها خلف المقام ، فان لم يتمكن فيصلي في أيّ مكان من المسجد مراعياً الأقرب فالأقرب إلى المقام على الأحوط ، هذا في طواف الفريضة ، أمّا في الطّواف المستحب فيجوز الإتيان بصلاته في أيّ موضع من المسجد اختياراً.


(1) وهي أيضاً مما لا إشكال ولا خلاف في وجوبها بين المسلمين ، ويدلُّ عليه أخبار مستفيضة.

منها : الأخبار البيانية (1).

ومنها : الأخبار الخاصة الآمرة بالصلاة والطّواف ، كصحيحة معاوية بن عمار تجعله أي المقام اماماً بفتح الألف أو كسره - (2).

ومنها : ما ورد في نسيان صلاة الطّواف وأنه يعود ويصلّي (3).

ومنها : ما ورد من أنه يصليها بعد رجوعه إلى محله وأهله (4).

وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في وجوبها وفي كونها ركعتين كما وقع التصريح بذلك في الروايات ، ولا يبعد تواترها ، فلا يعبأ بما قيل من أنها مستحبة ، ومقتضى إطلاقها التخيير بين الجهر والإخفات.


1) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4 وغيره.

2) الوسائل 13 : 423 / أبواب الطّواف ب 71 ح 3.

3) الوسائل 13 : 427 / أبواب الطّواف ب 74.

4) نفس المصدر.

.................................................................................................


وأمّا مكانها ، فيجب أن يكون عند مقام إبراهيم (عليه السلام) لقوله تعالى ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) (1)وللأخبار (2).

ثم إن الظاهر من صحيح معاوية بن عمار (3)أن تكون الصلاة خلف المقام لقوله (عليه السلام) : «تجعله اماماً» سواء قرئ بالفتح أو بالكسر ، فلا بد أن يكون المقام قدّامه ، وعليه فلا تجوز الصلاة عن يمينه أو يساره ، وإن ذهب بعضهم إلى جواز ذلك بدعوى أن المراد بالآية قرب المقام وهو صادق على جميع الأطراف ، ولكن يردّه صحيح معاوية الآمر بجعله قدامه.

فالمتحصل : أنه لا ريب في وجوب إتيان الصلاة خلف المقام ، بأن يجعله قدّامه حسب الروايات.

وأمّا الآية الكريمة ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) ففيها احتمالان :

أحدهما : أن يراد من المقام نفس الحجر الذي قام عليه إبراهيم (عليه السلام) وبنى الكعبة المقدّسة كما يظهر من بعض الأخبار ، وهذا الاحتمال بعيد ، إذ من الواضح أن اتخاذ الحجر مقاماً ومصلى ومكاناً للصلاة أمر متعذر لصغر الحجر وعدم إمكانه مكاناً للصلاة (4)فلا بدّ من الالتزام بشي‌ء من العناية ، بأن يدعى أن المراد من اتخاذه مصلّى اتخاذ جوانبه وأطرافه وما يقرب منه مصلى ، سواء كان خلفه أو أحد جانبيه.

ثانيهما : أن يراد من المصلى جعل المقام والحجر قدامه وأمامه ، بأن يصلي إليه ويستقبله ، وعلى كلا المعنيين إنما تجب الصلاة قريبة من المقام سواء كانت خلفه أو إلى أحد جانبيه فلا يجوز الابتعاد عنه ، وهذا الاحتمال هو المتعين استناداً إلى روايتين معتبرتين دلّتنا على إيقاع الصلاة خلف المقام وجعله إماماً ، مضافاً إلى دلالتهما على الصلاة قرب المقام :

الاولى : معتبرة إبراهيم بن أبي محمود ، قال : «قلت للرضا (عليه السلام) : أُصلي


1) البقرة 2 : 125.

2) الآتية قريباً.

3) المتقدِّمة في الصفحة السابقة.

4) العبارة لا تخلو من ركاكة.

.................................................................................................


ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة ، أو حيث كان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)؟ قال : حيث هو الساعة» (1).

الثانية : صحيحة معاوية بن عمار «إذا فرغت من طوافك فائِت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله إماماً» الحديث (2)وفي هاتين الروايتين المعتبرتين غنى وكفاية على لزوم إيقاع الصلاة خلف المقام حال الاختيار ، ولذا ذكرنا في المناسك والأحوط بل الأظهر لزوم الإتيان بها خلف المقام ، فالقول بجوازه في غير خلف المقام ممّا لا وجه له.

هذا فيما إذا تمكن من ذلك ، وأمّا إذا لم يتمكّن من الصلاة خلف المقام ، كما إذا منعه الزحام من الصلاة خلف المقام ، ففي هذه الحالة لا ريب في عدم سقوط الصلاة عنه لاحتمال انتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، بل يجب الإتيان بها في أيّ جانب من جوانب المسجد.

أمّا عدم سقوط الصلاة بمجرّد عدم إمكان إتيانها خلف المقام فمما لا إشكال فيه بين الفريقين ومتسالم عليه عند الأصحاب ، فإنه في حال العجز وعدم التمكّن من إتيان الصلاة خلف المقام يسقط القيد المذكور لا أصل الصلاة ، فله أن يصلي في أيّ مكان شاء من المسجد.

ويدلّ على عدم السقوط أيضاً : ما دلّ من الأخبار على أن من نسي صلاة الطّواف أو تركها جهلاً بوجوبها حتى انتهى من الأعمال ، أنه إذا تمكّن من الرجوع والصلاة خلف المقام رجع وصلّى وسقط الترتيب في هذه الحالة ، وإذا تعذّر عليه العود صلاها في مكانه (3)فاذا كانت الصلاة لا تسقط حتى مع النسيان والجهل فكيف تسقط في حال العلم والاختيار لمجرد الزحام.

ويدلّنا أيضاً على عدم السقوط في الجملة ، معتبرة الحسين بن عثمان (4)وهذه الرواية


1) الوسائل 13 : 422 / أبواب الطّواف ب 71 ح 1.

2) الوسائل 13 : 422 / أبواب الطّواف ب 71 ح 3.

3) الوسائل 13 : 427 / أبواب الطّواف ب 74.

4) الوسائل 13 : 433 / أبواب الطّواف ب 75 ح 1 ، 2.

.................................................................................................


رويت بطريقتين :

إحداهما : ما رواه الشيخ بسند فيه أحمد بن هلال (1)وقد ضعّفه جماعة ، ولكن ذكرنا أن الأظهر أنه ثقة وإن كان فاسد العقيدة بل كان خبيثاً (2)وفي السند أُمية بن علي وهو وإن كان من رجال كامل الزيارات إلّا أن الأصحاب ضعّفوه ، فالرواية ضعيفة بامية بن علي.

ثانيتهما : طريق الكليني وهو صحيح عن الحسين بن عثمان قال «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد» (3)إلّا أن ذلك حكاية فعل لا دلالة له على الجواز مطلقاً ، فيحمل على صورة عدم التمكّن كما صرّح بذلك في الطريق الآخر «لكثرة الناس» ولكن تدل على الجواز في الجملة.

فيظهر من مجموع الروايات أن الصلاة لا تسقط بتعذّر إتيانها خلف المقام ، بل يؤتى بها في المسجد.

وأمّا مراعاة الأقرب فالأقرب فلا دليل عليها بعد تعذّر إتيانها خلف المقام ، وإن كان أحوط. وأصالة البراءة تنفي الخصوصية والتقييد بالأقرب فالأقرب.

وقد احتمل بعضهم وجوب مراعاة الأقرب فالأقرب لقاعدة الميسور ، وقد ذكرنا غير مرّة أن القاعدة مخدوشة كبرى وصغرى ، فإن القاعدة على فرض تسليمها تجري في الشي‌ء المركب من أجزاء وشرائط وقد تعذر بعض أجزائه أو شرائطه فحينئذ يقال : إن الفاقد لجزء أو شرط يصدق عليه أنه ميسور لذلك المركّب الواجد ، وهذا المعنى لا ينطبق على المقام ، لأن الصلاة القريبة إلى المقام ليست ميسورة بالإضافة إلى الصلاة خلف المقام ، بل هما متباينان ، هذا كله في الطّواف الواجب.


1) التهذيب 5 : 140 / 464.

2) راجع معجم رجال الحديث 3 : 152.

3) الكافي 4 : 423 / 2.

مسألة 327 : من ترك صلاة الطّواف عالماً عامداً بطل حجّه ، لاستلزامه فساد السعي المترتب عليه (1).


وأمّا الطّواف المستحب فيصح إيقاع صلاته في أيّ موضع من المسجد اختياراً استناداً للأخبار المصرّحة بذلك (1).

بل صحيح علي بن جعفر (2)صرّح بجواز إيقاعها خارج المسجد. وصاحب الجواهر ناقش ذلك بأنه لم ير من أفتى بمضمونه (3).

ويرد عليه بأن باب المستحبات واسع ، والأصحاب لم يتعرّضوا لكثير من المستحبات وخصوصياتها ، والرواية صحيحة والدلالة واضحة فلا موجب لرفع اليد عنها.

(1) اختلف الأصحاب في هذه المسألة ، فقد ذكر صاحب المسالك (قدس سره) أنهم لم يتعرّضوا لحكم هذه المسألة ولم ترد أيّ رواية تدل على الحكم ، فالأصل يقتضي بقاء الصلاة في ذمة التارك فيجب عليه العود إلى المسجد للصلاة عند المقام ومع التعذّر يصلي في أيّ مكان شاء فهو كالناسي والجاهل (4).

واستشكل صاحب المدارك في ذلك وأفاد بأنه لا ريب أن مقتضى الأصل وجوب العود مع الإمكان ، إنما الكلام في صحة إتيان الصلاة في أيّ مكان شاء عند التعذر ، لأن الدليل إنما دل على الصحة في فرض النسيان والجهل ، وقد استشكل أيضاً في صحة الأفعال المتأخرة عن الصلاة من السعي والتقصير في الحج والعمرة المفردة لعدم وقوعهما على الوجه المأمور به (5).


1) الوسائل 13 : 426 / أبواب الطّواف ب 73 ح 1 ، 2 ، 4.

2) الوسائل 13 : 427 / أبواب الطّواف ب 73 ح 4.

3) الجواهر 19 : 320.

4) المسالك 2 : 349.

5) المدارك 8 : 136.

.................................................................................................


وفي الحدائق استحسن ما في المسالك (1)كما أن صاحب الجواهر (2)أُيّد ما في المسالك في الحكم بالصحة وألحق العامد في ترك صلاة الطّواف بالجاهل والناسي وذكر أن حجّه صحيح وإنما يجب عليه العود إلى المسجد لأداء الصلاة مع الإمكان ومع التعذر يصليها في أيّ مكان شاء ، وأفاد في وجه ذلك : أن صلاة الطّواف ليست متممة للطواف وليست من شرائطه بحيث لو لم يأت بها بطل الطّواف لعدم الدليل على ذلك ، بل الطّواف الذي أتى به محكوم بالصحة سواء صلى أم لم يصل ، فوجودها وعدمها سيّان من هذه الجهة.

وأمّا الأعمال المتأخرة من السعي والتقصير فلم يعلم ترتبها على الصلاة بحيث لو لم يصلّ تبطل تلك الأعمال ، لأن الجاهل إذا ترك صلاة الطّواف حكم بصحة حجّه ، ومقتضى الإطلاق والفتاوى عدم الفرق بين الجاهل القاصر والمقصّر ، مع أن الجاهل المقصّر في حكم العامد ، فاذا كان الجاهل المقصّر قد ترك صلاة الطّواف يحكم بصحة سعيه ، لأن السعي غير مترتب على الصلاة ، فالعامد لمّا كان بحكم الجاهل المقصّر كان لازمه إذا ترك صلاة طوافه حكم بصحة سعيه أيضاً.

والمحقق النائيني قوّى إلحاق العامد بالناسي في الحكم ، وأن الترك العمدي لا يضر بالصحة ، فيأتي بالسعي والتقصير وتبقى ذمته مشغولة بالصلاة يأتي بها في المسجد إن أمكن وإلّا ففي أيّ مكان شاء (3).

واستدل بعضهم على صحة السعي عند ترك صلاة الطّواف عمداً برواية سعيد الأعرج (4)المتقدمة ، بدعوى أن الرواية تضمنت أن المرأة إذا حاضت بعد تجاوز النصف تمت عمرتها وتأتي ببقية المناسك ، فان المستفاد من ذلك ترتب السعي على الطّواف بنفسه لا على صلاته.


1) الحدائق 16 : 147.

2) الجواهر 19 : 307.

3) دليل الناسك (المتن) : 278.

4) الوسائل 13 : 456 / أبواب الطّواف ب 86 ح 1.

.................................................................................................


ولكن الصحيح ما ذكره صاحب المدارك من الإشكال في صحة الأعمال الآتية بعد السعي والتقصير فيما لو ترك الصلاة عمداً ، بل لا بدّ من الجزم بالبطلان.

أمّا الاستدلال برواية سعيد الأعرج على صحة السعي والتقصير ، ففيه :

أوّلاً : أن الرواية ضعيفة السند.

وثانياً : أن الرواية خاصة بالحائض ولها أحكام مخصوصة مذكورة في الروايات والمستفاد من بعضها عدم لزوم الترتيب بين الطّواف وبقيّة المناسك فضلاً عن صلاة الطّواف ، ولكن لا يجوز لنا التعدِّي عن موردها إلى المقام.

وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر واختاره الشيخ النائيني فلا يمكن المساعدة عليه ، بل لا بدّ من الحكم ببطلان الحج إذا ترك صلاة الطّواف عمداً ، ويدلُّ على البطلان أُمور :

الأوّل : أن المستفاد من جملة من الروايات أن السعي مترتب على صلاة الطّواف كما هو مترتب على نفس الطّواف :

منها : الأخبار البيانية الواردة في بيان كيفية الحج وأن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أحرم ثم طاف وصلّى وسعى أو ثم سعى (1)فان التعبير بكلمة «ثم» تدل على التأخير والترتيب ، فيعلم من ذلك أن السعي بعد الصلاة.

نعم ، في صورة الجهل أو النسيان نقول بالصحة بدليل آخر ، وأمّا المتعمّد فليس له ذلك ، ولا دليل على صحة سعيه في مورد التعمد.

ومن جملة الروايات الدالّة على الترتيب : ما ورد في من نسي صلاة الطّواف وشرع في السعي ، قال (عليه السلام) يعلم مكانه ويرجع فيصلي ثم يعود ويتم سعيه (2)فلو كان الترتيب غير لازم وكان ترك الصلاة عمداً غير موجب لبطلان السعي ، لم يكن وجه لرفع اليد عن سعيه والمبادرة إلى الصلاة ، فيعلم من ذلك أن الأشواط السابقة إنما حكم بصحتها لأجل نسيان الصلاة وأمّا الأشواط اللّاحقة حيث تذكّر ترك الصلاة


1) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4 وغيره.

2) الوسائل 13 : 438 / أبواب الطّواف ب 77.

.................................................................................................


أمر (عليه السلام) بترك السعي وإتيان بقية الأشواط بعد الصلاة.

وما ذكره صاحب الجواهر من أن الجاهل المقصّر كالعامد فهو صحيح فيما إذا لم يكن دليل على الخلاف وإلّا فلا يلحق بالعامد ، كما ورد في إتمام الصلاة في موارد القصر (1)فان الجاهل بالقصر إذا أتمّ صلاته حتى إذا كان مقصّراً صحت صلاته ، وهذا لا يستلزم أنه لو كان عالماً بالقصر فأتم حكم بصحة صلاته ، مع أن الجاهل المقصّر كالعامد.

وبالجملة : فمقتضى أدلة الترتيب وأن السعي مرتب على صلاة الطّواف ، أنه لو ترك الصلاة عمداً فسد سعيه.

الأمر الثاني : أن صلاة الطّواف مشروطة بوقوعها بعد الطّواف على أن لا يفصل بينهما فصل طويل ، بل في بعض الأخبار «لا تؤخّرها ساعة ، إذا طفت فصلّ» (2)فلو فصل بينهما بيوم أو يومين فسدت الصلاة ، وفي هذه الحالة تجب عليه إعادة الطّواف فإنه يفسد للفصل بينهما ، فتكون صحة الطّواف مشروطة بتعقب الصلاة ، فإذا لم تتعقبه الصلاة فسد الطّواف ومعه يفسد الحج.

وبتعبير آخر : المركّبات الاعتبارية المؤلّفة من أجزاء وشرائط كالصلاة والحج كما أن المتأخر منها مشروط بتأخره عن الجزء السابق كذلك الجزء السابق مشروط بلحوقه بالجزء اللّاحق ، مثلاً الركوع ليس مأموراً به على الإطلاق في الصلاة ، بل مشروط بوقوعه بعد القراءة والقيام ، كما أن القراءة والقيام مشروطان بلحوق الركوع بهما ، فالجزء السابق مشروط بلحوق الجزء الآتي وبالعكس.

وبما أن الحج عمل واحد مركب من أجزاء فكما أن صلاة الطّواف مشروطة بتأخّرها عن الطّواف كذلك الطّواف مشروط بلحوق الصلاة به ، ولذا عبّر المحقق أن الصلاة من لوازم الطّواف (3)يعني يعتبر في الطّواف أن تكون معه صلاة ، فهي من


1) الوسائل 8 : 505 / أبواب صلاة المسافر ب 17.

2) الوسائل 13 : 435 / أبواب الطّواف ب 76 ح 6.

3) الشرائع 1 : 306.

.................................................................................................


لوازم الطّواف ، فاذا فرضنا أنه لم يصلّ وجب عليه إعادة الطّواف وإلّا يحكم ببطلان طوافه ، وإذا بطل طوافه بطل حجه.

الأمر الثالث : لو أغمضنا النظر عن كلا الأمرين وفرضنا أن السعي غير مترتب على الصلاة ، وفرضنا أيضاً أن الطّواف ليس

بمشروط بلحوق الصلاة ، إلّا أن الصلاة الواجبة في الطّواف ليست واجباً مستقلا بل هي جزء منه.

لا يقال : إن الصلاة واجب مستقل وأجنبي عن الحج نظير طواف النساء.

لأنّا نقول : إن الصلاة من أجزاء الحج على ما نطقت به الروايات البيانية (1)، فيكفي في فساد الحج تركها عمداً إلى أن يخرج الوقت ، غاية الأمر أنه بناء على عدم الترتيب يمكن أن يؤخر الصلاة عن السعي أو التقصير ، ولكن تأخيرها عن طواف النساء لا يمكن ، لأن طواف النساء بعد الحج.

وبعبارة اخرى : إن لم يمكن الالتزام بأن صلاة الطّواف واجب مستقل في واجب وإنما هو جزء من الحج ، فكيف يمكن الالتزام بأن ترك الجزء عمداً غير موجب لبطلان الحج ، ولذا لا يبعد أن يكون الحكم بالصحة من صاحب الجواهر والشهيد من الغرائب. إذ لا فرق بين صلاة الطّواف وغيرها من أجزاء الحج ومن المعلوم أن المركّب ينتفي بانتفاء أجزائه ، إذن فيحكم بالبطلان مع الترك العمدي.

قد ذكرنا سابقاً (2)أن الشهيد في المسالك ذكر أن الأصحاب لم يتعرضوا لحكم من ترك الصلاة عمداً ، فإن أراد أنهم لم يصرِّحوا بذلك في كلامهم فهو حق ، وإن أراد أنه لم يفهم حكمه من كلماتهم ففيه منع ، بل المستفاد من كلامهم أنهم متسالمون على الفساد لأنهم لو كانوا قائلين بالصحة في مورد الترك العمدي فلما ذا خصّوا الصحة بالناسي ثم ألحقوا الجاهل به على اختلاف في المقصّر كما جاء في صحيحة جميل «إن الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي» (3).


1) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4 وغيره.

2) في ص 104.

3) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطّواف ب 74 ح 3.

مسألة 328 : تجب المبادرة إلى الصلاة بعد الطّواف بمعنى أن لا يفصل بين الطّواف والصلاة عرفاً (1).


وبالجملة : لو كان الترك العمدي لا يضرّ بالصحة فما معنى تقييدهم الصحة بالناسي بل كان اللّازم عليهم أن يطلقوا الحكم بالصحة ليشمل العامد والناسي وكان التقييد بالناسي لغواً.

(1) لجملة من الأخبار الآمرة بالصلاة بعد الطّواف والناهية عن التأخير عنه :

منها : صحيحة محمد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وفرغ من طوافه حين غربت الشمس ، قال : وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب» (1).

ومنها : صحيحة ميسر «صلّ ركعتي طواف الفريضة بعد الفجر كان أو بعد العصر» (2)وفي صحيحة منصور «سألته عن ركعتي طواف الفريضة ، قال : لا تؤخرها ساعة ، إذا طفت فصل» (3)وغير ذلك من الروايات.

ولا ريب في أن المستفاد منها عدم الفصل بينهما إلّا بالمقدار المتعارف ، وقد نسب القول بالاستحباب إلى بعضهم ، ولكنه ضعيف بظهور الأخبار في الوجوب ، وأن الصلاة متممة للطواف ، بل يراها المحقق من لوازم الطّواف (4)بل القاعدة تقتضي ذلك لما ذكرنا غير مرّة أن الأوامر والنواهي في المركّبات إرشاد إلى الجزئية والشرطية والمانعية فاذا نهى المولى عن التكلّم في الصلاة يستفاد منه مانعية الكلام للصلاة ، وإذا أمر بالركوع أو التشهد لا يستفاد منه مجرد الحكم التكليفي ، بل يستفاد منه الجزئية وهكذا ، فكذلك ما نحن فيه فان الأمر بالصلاة بعد الطّواف متصلاً يدل على شرطية


1) الوسائل 13 : 434 / أبواب الطّواف ب 76 ح 1.

2) الوسائل 13 : 435 / أبواب الطّواف ب 76 ح 6.

3) الوسائل 13 : 435 / أبواب الطّواف ب 76 ح 5.

4) الشرائع 1 : 306.

.................................................................................................


الاتصال لصحة الصلاة ، والنهي عن تأخيرها يدل على مانعيته عن الصحة ، فليس الوجوب مجرّد حكم تكليفي ، ونظير ذلك السعي بالنسبة إلى الطّواف ، ولذا لا يجوز تأخيره إلى الغد.

نعم ، يظهر من صحيحة علي بن يقطين جواز تأخير الصلاة إلى ما بعد الغد ، قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الذي يطوف بعد الغداة وبعد العصر وهو في وقت الصلاة أيصلِّي ركعات الطّواف نافلة كانت أو فريضة؟ قال : لا» (1)فان المستفاد منه عدم لزوم المبادرة إلى صلاة الطّواف ولا يقدّمها على صلاة الغداة والعصر ، إلّا أن الصحيحة غير ناظرة إلى جواز التأخير وإنما هي ناظرة إلى عدم وقوع الصلاة في وقت الغداة والعصر ، وقد عرفت أن صحيحة منصور صريحة في النهي عن التأخير. على أنها معارضة بصحيحة ابن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة وفرغ من طوافه حين غربت الشمس ، قال : وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب» (2)فإنه على فرض المعارضة وعدم حمل صحيحة ابن يقطين على التقيّة لالتزام العامة بعدم الصلاة في هذه الأوقات بعد الغداة إلى أن تطلع الشمس وبعد العصر إلى ما بعد المغرب ، يتساقطان فيرجع إلى الصحاح الدالّة على جواز إيقاعها في أيّ وقت شاء.

وقد ورد عنهم (عليهم السلام) أن «خمس صلوات تصليهنّ على كل حال ، منها ركعتا الطّواف» (3)، فان هذه الصلاة غير مقيّدة بوقت خاص ويجوز الإتيان بها في أيّ وقت شاء.

ويمكن ولو بعيداً حمل خبر ابن يقطين على ما إذا تضيّق وقت الفريضة اليومية كما حمله الشيخ (4).


1) الوسائل 13 : 437 / أبواب الطّواف ب 76 ح 11.

2) الوسائل 13 : 434 / أبواب الطّواف ب 76 ح 1.

3) الوسائل 13 : 437 / أبواب الطّواف ب 76 ح 13.

4) الاستبصار 2 : 237 / 826.

مسألة 329 : إذا نسي صلاة الطّواف وذكرها بعد السعي أتى بها ولا تجب إعادة السعي بعدها وإن كانت الإعادة أحوط ، وإذا ذكرها في أثناء السعي قطعه وأتى بالصلاة في المقام ثم رجع وأتم السعي حيثما قطع ، وإذا ذكرها بعد خروجه من مكة لزمه الرجوع والإتيان بها في محلها ، فان لم يتمكن من الرجوع أتى بها في أيّ موضع ذكرها فيه ، نعم إذا تمكّن من الرجوع إلى الحرم رجع إليه وأتى بالصلاة فيه على الأحوط الأُولى ، وحكم التارك لصلاة الطّواف جهلاً حكم الناسي ، ولا فرق في الجاهل بين القاصر والمقصِّر (1).


ثم إنّ هنا أخباراً دلت على عدم الإتيان بصلاة الطّواف عند غروب الشمس أو طلوعها (1)كما وردت في غير صلاة الطّواف من بقية الصلوات ، ولكن هذه الأخبار محمولة على التقية ، وقد كذّبها الأئمة (عليهم السلام) وأنه لا أساس لها ، فالصحيح أن صلاة الطّواف تصلى في أيّ وقت شاء ما لم تزاحم فريضة فعلية ، فتقدّم الفريضة إذا تضيّق وقتها ولا يجوز تأخير الصلاة عن الطّواف ، بل تجب المبادرة إليها بالمقدار المتعارف.

(1) المشهور بين الأصحاب أنّ من نسي ركعتي الطّواف وجب عليه الرجوع إن لم يكن فيه مشقة ، وإلّا فيقضيهما بنفسه حيث ما كان ولو في بلده ، وذكر في الحدائق أن استفادة ما أفتى به المشهور من الروايات مشكل (2)وتفصيل الكلام :

أن المكلف تارة يتذكر قبل الخروج من بلدة مكة ، فحينئذ لا ينبغي الريب في وجوب التدارك عليه بنفسه ، ويدلُّ عليه صريحاً صحيح معاوية بن عمار «وإن ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتى يقضيهما» (3)ولا معارض لها ، والحكم في هذه الصورة واضح جدّاً.


1) الوسائل 13 : 436 / أبواب الطّواف ب 76 ح 8 وغيره.

2) الحدائق 16 : 145.

3) الوسائل 13 : 432 / أبواب الطّواف ب 74 ح 18.

.................................................................................................


وأُخرى : يتذكّر الصلاة بعد الخروج من بلدة مكة وهذا على قسمين :

أحدهما : ما إذا كان الخروج لإتيان بقية أعمال الحج والمناسك فيتذكّر في الطريق أو في منى.

ثانيهما : ما إذا كان الخروج خروجاً ارتحالياً قاصداً به الرجوع إلى أهله ودياره.

أمّا الأوّل : فإن خرج وتذكّر فوت الصلاة قبل الوصول إلى منى ، كما إذا تذكرها وهو بعد في الأبطح ، فيرجع ويصلي في المقام ، فحكمه حكم من تذكّر وهو في البلد فانّ حكم المسافة القريبة القليلة حكم الحضور في البلد ، ويدلُّ عليه صحيح ابن مسلم «ولم يصلّ لذلك الطّواف حتى ذكر وهو بالأبطح ، قال : يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين» (1)ومثله معتبرتا عبيد بن زرارة (2).

وأمّا إذا خرج لأداء بقية أعمال الحج وتذكر الصلاة في منى ، والفصل بين مكة ومنى فرسخ واحد تقريباً ، فالروايات في هذه الصورة مختلفة ، ففي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سأله عن رجل نسي أن يصلي الركعتين ، ركعتي الفريضة عند مقام إبراهيم حتى أتى منى ، قال : يصليهما بمنى» (3)وفي صحيح أحمد بن عمر الحلال «فلم يذكر حتى أتى منى ، قال : يرجع إلى مقام إبراهيم فيصليهما» (4)وهما في الظاهر متعارضان إلّا أن المشهور حملوا صحيح عمر بن يزيد على من يشق عليه الرجوع ، وحملوا صحيح الحلال على من يتمكن من الرجوع بلا مشقة.

ولكن صاحب الحدائق (5)ذكر أن ما أفتى به المشهور لا يستفاد من مجموع الأخبار وقال : إن رواية هشام بن المثنى صريحة في عدم وجوب الرجوع إلى مكة حتى في صورة التمكّن ، قال : «نسيت أن أُصلي الركعتين للطواف خلف المقام حتى انتهيت إلى منى فرجعت إلى مكة فصليتهما ثم عدت إلى منى ، فذكرنا ذلك لأبي عبد اللّه (عليه


1) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطّواف ب 74 ح 5 ، 6 ، 7.

2) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطّواف ب 74 ح 5 ، 6 ، 7.

3) الوسائل 13 : 429 / أبواب الطّواف ب 74 ح 8.

4) الوسائل 13 : 430 / أبواب الطّواف ب 74 ح 12.

5) الحدائق 16 : 145.

.................................................................................................


السلام) فقال : أفلا صلاهما حيثما ذكر» (1)فإن الراوي لما أخبر الإمام (عليه السلام) بأنه عاد إلى مكة وصلاهما في المقام قال (عليه السلام) : «أ فلا صلاهما حيث ما ذكر».

وأيضاً ورد الترخيص في خبر آخر بأنه يصلي في منى ولا يلزم عليه الرجوع إلى مكة ، وهو خبر عمر بن البراء «فمن نسي ركعتي طواف الفريضة حتى أتى منى ، أنه رخّص له أن يصليهما بمنى» (2).

وفي خبر هشام بن المثنى وحنان قالا : «طفنا بالبيت طواف النساء ونسينا الركعتين ، فلما صرنا (مررنا) بمنى ذكرناهما ، فأتينا أبا عبد اللّه (عليه السلام) فسألناه فقال : صلّياهما بمنى» (3).

ومع هذه الأخبار الدالّة على جواز إتيان الصلاة بمنى كيف يتم ما ذكره الشيخ وغيره من لزوم الرجوع إلى مكة (4).

وما ذكره الحدائق وإن كان صحيحاً بالنظر إلى هذه الأخبار ، ولكن هذه الأخبار المجوّزة لإتيان الصلاة بمنى ضعيفة سنداً بهشام بن المثنى الذي ادعى صاحب الحدائق أنه صريح في عدم لزوم العود إلى مكة ، ولكن في التهذيب المطبوع قديماً وحديثاً هاشم ابن المثنى (5)وهو ثقة ، وكذلك في منتقى الجمان 2 : 506 ، 495 (6)وكذا في النسخة الخطية التي تاريخ كتابتها سنة 1034 الموجودة عند الأخ العلّامة السيد علاء الدين بحر العلوم ج 5 ص 139.

إلّا أن المذكور في الاستبصار هشام بن المثنى (7)وكذلك في الكافي (8)الذي هو


1) الوسائل 13 : 429 / أبواب الطّواف ب 74 ح 9.

2) الوسائل 13 : 427 / أبواب الطّواف ب 74 ح 2.

3) الوسائل 13 : 432 / أبواب الطّواف ب 74 ح 17.

4) التهذيب 5 : 137.

5) التهذيب 5 : 139 / 460.

6) منتقى الجمان 3 : 307.

7) الاستبصار 2 : 235 / 817.

8) الكافي 4 : 426 / 4.

.................................................................................................


أضبط ، وكذا في الوافي (1)وكذا في النسخة المخطوطة المصححة من التهذيب ، وكذا الوسائل ، فمن المطمأن به أن نسخة التهذيب المطبوعة بالطبعتين مغلوطة.

وفي جملة من الموارد ورد الترديد بين كون الراوي هاشم أو هشام ، والبرقي عدّه من أصحاب الصادق (عليه السلام) قائلاً هشام بن المثنى (2)والنجاشي ذكر هاشم بن المثنى ووثّقه (3).

وكيف كان المسمّى بهشام لم يوثق ، ولم يعلم أن المراد به في المقام هاشم أو هشام وإن كان الأظهر كونه هشام فالرواية ضعيفة. على أن دلالتها مخدوشة بوجهين :

الأوّل : أنه لم يصرّح فيها بكون الطّواف طواف فريضة ، ولعلّه طواف مستحب يجوز إتيان صلاته في أيّ مكان شاء ، بل يجوز ترك صلاته اختياراً.

الثاني : أن الراوي حكى فعله للإمام (عليه السلام) ولم يعلم أن فعله صدر عن غير مشقة أو تحمل الحرج ، ولعله ارتكب أمراً حرجياً ، ولذا اعترض عليه الإمام (عليه السلام) بأنه أفلا صلاهما حيثما ذكر ، والحاصل لا ظهور لفعله الصادر في الاختيار وعدم الحرج.

وكذلك خبر عمر بن البراء ، وكذا خبر هشام بن المثنى الثاني ، فلا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها لنفس ما ذكرناه.

ثم إن صاحب الوسائل ذكر في سند هشام بن المثنى وحنان : محمد بن الحسين بن علان ، ولا يوجد له ذكر في الرجال ولا رواية له في الكتب الأربعة ، وفي الفروع (4)محمد بن الحسين زعلان ، والموجود في الرجال محمد بن الحسن بن علان (العلاء) وهو شخص آخر ، فما في الوسائل سهو واشتباه.


1) الوافي 13 : 917 باب نسيان ركعتي الطّواف والجهل بها.

2) رجال البرقي : 35.

3) رجال النجاشي : 435 / 1167.

4) الكافي 4 : 426 / 8.

.................................................................................................


وبالجملة : العمدة في المقام الصحيحتان ، أي صحيحة عمر بن يزيد وصحيحة أحمد ابن عمر الحلال المتقدمتين (1)وهما كما عرفت متعارضتان ، إلّا أن صحيح أحمد بن عمر الحلال الآمر بالرجوع يتقيد بعدم المشقة وعدم العسر ، لصحيح أبي بصير يعني المرادي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام ، وقد قال اللّه تعالى ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) حتى ارتحل ، قال : إن كان ارتحل فاني لا أشق عليه ولا آمره أن يرجع ، ولكن يصلي حيث يذكر» (2)فتنقلب النسبة بين خبر أحمد بن الحلال وبين خبر عمر بن يزيد من التعارض والتباين إلى العموم والخصوص.

فالنتيجة : من شقّ عليه الرجوع يصلي حيث ذكر وإلّا فيرجع فيصلي عند المقام فيتم ما حمله الشيخ من حمل صحيحة عمر بن يزيد على المشقة والحرج وحمل صحيح أحمد بن الحلال على صورة عدم الحرج ، فالجمع بينهما بما ذكر ليس جمعاً تبرعياً ، بل الجمع بذلك على القاعدة.

ومما ذكرنا يظهر الحال في حكم الرجوع من عرفات ونحوها ، فالحكم بلزوم الرجوع وعدمه يدور مدار المشقة والحرج.

وأمّا الثاني : وهو ما إذا خرج من مكة مرتحلاً إلى بلاده ، فتارة يتذكر قريباً من مكة ويمكنه الرجوع بحيث لا يكون عليه مشقة وحرج ، ففي صحيح عمر بن يزيد «في من نسي ركعتي الطّواف حتى ارتحل من مكة ، قال : إن كان قد مضى قليلاً فليرجع فليصلهما ، أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه» (3).

وذكر في الحدائق أنه يدل على التخيير بين الرجوع والاستنابة في فرض التمكن من الرجوع ، فليس الأمر كما ذكره المشهور من تعيّن الرجوع عليه في فرض التمكن من


1) في ص 112.

2) الوسائل 13 : 430 / أبواب الطّواف ب 74 ح 10.

3) الوسائل 13 : 427 / أبواب الطّواف ب 74 ح 1.

.................................................................................................


العود والرجوع (1).

ولا يخفى غرابة هذا الحمل ، إذ كيف يمكن القول بالتخيير لمن كان قريباً ، وأمّا البعيد فليس له التخيير.

والصحيح أن يقال في معنى الحديث : إنّ حرف «أو» وإن كان ظاهراً في التخيير ولكن الظاهر من «أو» هنا عطفها على الجزاء والشرط معاً ، وليست معطوفة على الجزاء فقط ، فالمعنى أن من مضى وخرج قليلاً إن كان متمكناً من الرجوع فليصلّ وإن لم يتمكّن من الرجوع فيستنيب ، وهذا النحو من الاستعمال شائع ، نظير ما إذا قيل : إذا دخل الوقت توضأ أو تيمم ، يعني إذا دخل الوقت وكان متمكناً من الماء يتوضأ وإن دخل الوقت ولم يكن متمكناً من الماء يتيمم ، وكذا يقال : إذا عندك مال فاكتر سيّارة لزيارة الحسين (عليه السلام) أو امش ، فان معناه ليس إذا كان عندك مال فامش ، بل المعنى إذا كان عندك مال فاكتر سيارة ، وإن لم يكن لك مال فامش.

والحاصل : أن المكلف له حالتان ، إما قريب فيعود فيصلي بنفسه ، وإن لم يكن قريباً فيستنيب. ويدلُّ عليه أيضاً صحيح أبي بصير المتقدم (2)الوارد في الارتحال.

وأُخرى : يصعب عليه الرجوع فحينئذ يصلي في مكانه ، لصحيح أبي بصير وصحيح معاوية بن عمار «فلم يذكر حتى ارتحل من مكة قال : فليصلهما حيث ذكر» (3)بعد تقييده بالمشقة لصحيح أبي بصير ، وكذا معتبرة حنان بن سدير قال «زرت فنسيت ركعتي الطّواف فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وهو بقرن الثعالب فسألته فقال : صلّ في مكانك» (4)فإنها محمولة على المشقة وصعوبة العود لصحيح أبي بصير. وقرن الثعالب اسم آخر لقرن المنازل الذي هو ميقات الطائف ونجد ، وهو على مرحلتين من مكة.

فالمستفاد من هذه الروايات جواز الصلاة في مكان التذكر إذا كان الرجوع عليه


1) الحدائق 16 : 145.

2) في الصفحة السابقة.

3) الوسائل 13 : 432 / أبواب الطّواف ب 75 ح 18.

4) الوسائل 13 : 430 / أبواب الطّواف ب 74 ح 11.

.................................................................................................


حرجيّا.

ثم إنه قد ورد في بعض الروايات أنه متى تذكر يستنيب لا أنه يصلي في مكانه وعمدتها روايتان :

إحداهما : صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة (1)في من نسي ركعتي الطّواف حتى ارتحل من مكة ، قال : «إن كان قد مضى قليلاً فليرجع فليصلهما ، أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه» وقد ذكرنا أن المراد بالعطف ب- «أو» هنا هو للعطف على الشرط والجزاء معاً ، ولا نحتمل أن تكون الاستنابة منوطاً بالمضي قليلاً ، بل المعنى : إن كان مضى قليلاً ويمكنه الرجوع فليصل هو بنفسه ، وإن لم يتمكن من الرجوع أو كان الرجوع فيه حرج ومشقة فليستنيب ، فليس المعنى أنّ من مضى قليلاً مخير بين الصلاة بنفسه والاستنابة ، وهذا النوع من الاستعمال شائع دارج ، ونظيره ما ورد في باب أداء الشهادة حيث أشار (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى الشمس وقال : «إن كان مثل هذا فاشهد أو دع» (2)فان المعنى : إن كان الأمر المشهود به واضحاً جليّا مثل الشمس فاشهد ، وإن لم يكن واضحاً ومبيّناً فلا تشهد ، وليس المعنى إن كان الأمر واضحاً فأنت مخيّر بين أن تشهد أو أن تدع ، مع أن أداء الشهادة واجب كما نطق به القرآن المجيد (3).

الثانية : صحيحة أُخرى لعمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من نسي أن يصلى ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة فعليه أن يقضي ، أو يقضي عنه وليه أو رجل من المسلمين» (4).

وورد في صحيح ابن مسلم «عن رجل نسي أن يصلي الركعتين ، قال : يصلّى عنه» (5)


1) في ص 112.

2) الوسائل 27 : 342 / كتاب الشهادات ب 20 ح 3.

3) البقرة 2 : 282.

4) الوسائل 13 : 431 / أبواب الطّواف ب 74 ح 13.

5) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطواف ب 74 ح 4.

مسألة 330 : إذا نسي صلاة الطّواف حتى مات وجب على الولي قضاؤها (1).


ومقتضى الجمع بين هذه الروايات هو الحمل على التخيير بين أن يصلي في مكانه أو يستنيب ، ولكن الفقهاء (قدس سرّهم) لم يذكروا الاستنابة واقتصروا على ذكر الصلاة في مكان التذكر لأجل الكلفة في ذكر التخيير بإرسال شخص لينوب عنه ، ولذا ذكروا فرداً واحداً للواجب المخيّر وهو الصلاة في مكانه ، وعلى كل حال فهو مجزئ قطعاً هذا ما يقتضيه الجمع بين الروايات.

(1) لصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ، قال : يقضي عنه أولى الناس بميراثه» (1)فإن إطلاقه يشمل كل ما وجب على الميت من الصلاة ولا تختص باليومية ، وهناك روايات أُخر ولكنها ضعيفة السند ، وفي صحيح حفص غنى وكفاية.

ثم إن من ترك الصلاة عمداً لكن عن جهل بالحكم ، يعني منشأ عدم إتيانه الصلاة جهله بأصل الوجوب أو جهله بالخصوصيات المعتبرة في الصلاة ، كأن صلى في النجس أو صلى في غير مقام إبراهيم ونحو ذلك ، والجامع : التارك لأصل الصلاة أو التارك للصلاة الصحيحة ، فالمعروف أنّ حكمه حكم الناسي ، من دون فرق بين الجاهل القاصر والمقصِّر ، ولا يلحق الجاهل المقصّر بالعامد كما يلحق في غير هذا المورد.

ودليلهم على عدم الفرق بين الجاهل القاصر والمقصّر في المقام إطلاق صحيح جميل عن أحدهما «أن الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي» (2)فإن إطلاقه يشمل القاصر والمقصِّر ، ولأجله لا يلحق الجاهل المقصّر في خصوص المقام بالعامد.


1) الوسائل 10 : 33 / أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 5.

2) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطواف ب 74 ح 3.

مسألة 331 : إذا كان في قراءة المصلي لحن ، فان لم يكن متمكناً من تصحيحها فلا إشكال في اجتزائه بما يتمكن منه في صلاة الطّواف وغيرها ، وأمّا إذا تمكّن من التصحيح لزمه ذلك ، فإن أهمل حتى ضاق الوقت عن تصحيحها فالأحوط أن يأتي بعدها بصلاة الطّواف حسب إمكانه ، وأن يصليها جماعة ويستنيب أيضاً (1).


(1) ما بينّاه من الأحكام هو حكم من يتمكن من الصلاة الصحيحة ، وأمّا من لا يتمكّن من ذلك ، كمن كان في قراءته لحن من حيث المادة أو الهيئة كالعجمي أو العربي الذي في لسانه لُكنة ، فصلاته محكومة بالصحة يعفى عنه اللحن ، وتدلّ عليه روايات :

منها : معتبرة السكوني قال (عليه السلام) : «تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته القرآن في الصلاة ، تحريك لسانه وإشارته بإصبعه» (1).

ومنها : ما ورد في معتبرة مسعدة بن صدقة «قد ترى من المحرم من العجم ، لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح» (2).

ومنها : ما ورد من أن سين بلال شين (3)، فإنه يظهر من مجموع ذلك : أنّ كل أحد مكلّف بما يتمكّن من القراءة.

هذا فيما إذا لم يكن متمكِّناً من التعلّم ، وأمّا من كان متمكِّناً من التعلّم وتحسين القراءة فيجب عليه التعلّم بالنسبة إلى ركعتي الطّواف كما هو الحال في الصلوات اليومية.

ولو أهمل وتسامح حتى ضاق الوقت فلا ينبغي الشك في عدم سقوط الصلاة عنه بل لا بدّ له من الإتيان بالصلاة ومحتملاته ثلاثة :

الأوّل : أن يأتي بالناقص وبالملحون كغير المتمكّن.

الثاني : أن يستنيب كالمعذور مثل المريض والكسير ، وإن كان العذر في المقام اختيارياً.


1) الوسائل 6 : 136 / أبواب القراءة في الصلاة ب 59 ح 1.

2) الوسائل 6 : 136 / أبواب القراءة في الصلاة ب 59 ح 2.

3) المستدرك 4 : 278 / أبواب قراءة القرآن ب 23 ح 3.

مسألة 332 : إذا كان جاهلاً باللحن في قراءته وكان معذوراً في جهله صحت صلاته ولا حاجة إلى الإعادة ، حتى إذا علم بذلك بعد الصلاة ، وأمّا إذا لم يكن معذوراً فاللّازم عليه إعادتها بعد التصحيح ، ويجري عليه حكم تارك صلاة الطّواف نسياناً (1).


الثالث : أن يصليها جماعة ويقتدي بمن يصلي ولو باليومية ، فمقتضى العلم الإجمالي أن يجمع بين المحتملات الثلاثة.

ودعوى عدم مشروعية الجماعة في صلاة الطّواف وإلّا لوقع مرّة واحدة في زمن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وزمن الأئمة (عليهم السلام) ولم يعهد ذلك ، فيكون ذلك كاشف عن عدم المشروعية.

فاسدة بأنه يصح القول بذلك في حال التمكن ، وأمّا في صورة العجز والإهمال التي هي فرض نادر فلا يمكن دعوى الاستكشاف المذكور.

وبعبارة اخرى : ما ذكر من عدم مشروعية الجماعة لعدم وقوعها من المسلمين حتى مرّة واحدة وإن كان صحيحاً ، ولكن ذلك في مورد التمكن والاختيار من إتيان الصلاة صحيحة ، وأمّا في مورد العجز وعدم القدرة على الصلاة الصحيحة وإهمال التعلّم فلا يمكن دعوى قيام السيرة على عدم المشروعية.

(1) للمسألة صورتان :

الاولى : أن يكون المصلي معذوراً في جهله باللّحن في قراءته ، بأن كان جاهلاً مركّباً بذلك غير ملتفت إلى جهله ، أي جاهل بجهله.

الثانية : أن لا يكون معذوراً في جهله باللحن ، بأن كان مقصّراً ويطلق عليه الجاهل البسيط ، ملتفتاً إلى جهله بحيث يستند الترك إلى اختياره.

أمّا الأُولى : فالظاهر صحة صلاته وإن أتى بقراءة ملحونة ، سواء كان في صلاة الطّواف أو غيرها لحديث لا تعاد (1)فان ترك القراءة الصحيحة ليس من مصاديق


1) الوسائل 1 : 372 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

السّعي

وهو الرابع من واجبات عمرة التمتّع ، وهو أيضاً من الأركان ، فلو تركه عمداً بطل حجه ، سواء في ذلك العلم بالحكم والجهل به. ويعتبر فيه قصد القربة ، ولا يعتبر فيه ستر العورة ولا الطّهارة من الحدث أو الخبث ، والأولى رعاية الطّهارة فيه (1).


المستثنى ، فاذا لحن في قراءته عن جهل عذري لا تبطل صلاته حتى لو علم بعد ذلك بأن قراءته كانت ملحونة ، سواء التفت في أثناء صلاته ، كما لو علم باللحن في القراءة حال الركوع ، أو بعد الفراغ من الصلاة ، ففي كلا الفرضين لا تجب عليه الإعادة ويمضي في صلاته.

وأمّا الصورة الثانية : التي لم يكن جهله عن عذر ، ففي مثله لا يشمله حديث لا تعاد فاذا التفت إلى حاله كان حكمه حكم تارك صلاة الطّواف نسياناً ، فان كان في البلد وجب عليه إعادة الصلاة بعد التصحيح في المسجد ، وإن خرج من البلد وكان قريباً رجع إلى المسجد وصلّى ، وإن كان في رجوعه عسر وحرج صلى في مكانه كما عرفت.

ثم إن الشهيد ذكر أن المكلف لو ترك الصلاة نسياناً أو جهلاً ولم يتمكن من الرجوع إلى المسجد رجع إلى الحرم وصلى فيه (1)ولا نعلم له وجهاً لعدم الدليل عليه ، وإن كان ما ذكره أولى.

(1) لا خلاف بين المسلمين في وجوب السعي ، وهو جزء من الحج وركن له يبطل الحج بتركه عمداً استناداً إلى روايات مستفيضة :

منها : الروايات البيانية الحاكية لكيفية حج النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (2).


1) الدروس 1 : 396.

2) الوسائل 11 : 239 / أبواب أقسام الحج ب 2.

.................................................................................................


ومنها : الأخبار الدالة على أن السعي فريضة كصحيحة معاوية بن عمار (1).

ومنها : الروايات الدالة على أن نقصان السعي أو زيادته يوجب الإعادة (2).

ومنها : ما ورد من أن من بدأ بالمروة قبل الصفا أعاد سعيه (3).

ومنها : ما دل على أن من ترك سعيه متعمداً أعاد حجّه (4).

هذا مضافاً إلى أن بطلان الحج بترك السعي على القاعدة ، لأن المركّب ينتفي بانتفاء جزئه.

ولا يعتبر فيه ستر العورة ، فلو سعى عارياً ولو عامداً صح سعيه وحجه لعدم الدليل على اعتباره فيه ، خلافاً للطواف المعتبر فيه ستر العورة كما تقدم.

كما لا تعتبر فيه الطهارة من الخبث والحدث الأصغر والأكبر.

أمّا طهارة بدنه أو لباسه فلا ينبغي الشك في عدم اعتبارها ولم يرد أيّ دليل على اعتبارها. نعم ذكرها جماعة من الأصحاب.

وأمّا الطهارة من الحدث فقد ورد في صحيحة معاوية عدم اعتبار الطهارة في جميع المناسك إلّا الطّواف (5)وكذلك في صحيحة رفاعة (6)وخبر يحيى الأزرق (7).

ولكن بإزاء ذلك روايات ربّما توهم دلالتها على اعتبار الطّهارة في السعي كمعتبرة ابن فضّال وصحيح ابن جعفر (8)ولكن لا يمكن الالتزام بها حتى ولو لم يكن في البين ما يدل على عدم اعتبارها وذلك لأُمور :

الأوّل : تسالم الأصحاب على عدم اعتبارها ، بحيث لم ينقل الخلاف عن أحد إلّا


1) الوسائل 13 : 465 / أبواب السعي ب 1 ح 1.

2) الوسائل 13 : 489 / أبواب السعي ب 12.

3) الوسائل 13 : 487 / أبواب السعي ب 10.

4) الوسائل 13 : 484 / أبواب السعي ب 7.

5) الوسائل 13 : 493 / أبواب السعي ب 15 ح 1.

6) الوسائل 13 : 493 / أبواب السعي ب 15 ح 2.

7) الوسائل 13 : 494 / أبواب السعي ب 15 ح 6.

8) الوسائل 13 : 495 / أبواب السعي ب 15 ح 7 ، 8.

.................................................................................................


عن ابن عقيل (1)مع أن المسألة محل الابتلاء ، ولو كانت معتبرة لكانت من الواضحات فذلك يكشف كشفاً قطعيّاً عن عدم الاعتبار ، نظير الإقامة في الصلاة ، فإن تسالم الفقهاء على عدم الوجوب مع أن المورد محل الابتلاء يكشف عن عدم الوجوب ، وإن وجد مخالف فهو شاذ لا يعبأ به.

الثاني : أن الأخبار الدالّة على اعتبار الطهارة عمدتها روايتان :

الأُولى : صحيحة علي بن جعفر (2)وهذه الصحيحة لا يمكن العمل بمضمونها ، لأن مفادها اعتبار الطهارة في جميع المناسك حتى الوقوفين والحلق. وهذا شي‌ء لا يمكن التفوّه به ، فلا بدّ من حمله على الأفضلية في بعض الحالات كما دلّت على الأفضلية صحيحة معاوية بن عمار.

والثانية : صحيحة الحلبي (3)ولكنّها لا تدل على اعتبار الطهارة من الحدث ، وإنما تدلّ على أن الحيض مانع وأين هذا من اعتبار الطهارة. على أنها لا بدّ من حملها على الأفضلية للروايات الواردة في من حاضت أثناء الطّواف أو بعده أو قبله ، قبل الصلاة أو بعدها ، ففي جميعها رخّص لها السعي وهي حائض (4).

مضافاً إلى أن العلّة المذكورة في الصحيحة وكون السعي من شعائر اللّه لا تستوجب الطهارة ، فإن الوقوف بعرفة أو المشعر من الشعائر والبدنة من الشعائر ولا تعتبر الطهارة في جميع ذلك ، فنفس التعليل كاشف عن الأفضلية لا الاشتراط ، فلم يبق في البين إلّا معتبرة ابن فضال وقد حملها الشيخ على النهي عن مجموع الأمرين أي الطّواف والسعي لا عن كل واحد بانفراده (5)وهذا بعيد لأنه من قبيل ضم الحجر إلى الإنسان ، كقولنا لا يطوف ولا يأكل بغير طهارة ، فالصحيح أن يقال : إن مقتضى ضم هذه الرواية إلى الروايات المصرّحة بالجواز هو حمل النهي على التنزيه لا التحريم.


1) نقل عنه في المختلف 4 : 225.

2) الوسائل 13 : 495 / أبواب السعي ب 15 ح 8.

3) الوسائل 13 : 494 / أبواب السعي ب 15 ح 3.

4) من جملتها ما روي في الوسائل 13 : 494 / أبواب السعي ب 15 ح 5.

5) التهذيب 5 : 154 ذيل الحديث 508.

مسألة 333 : محل السعي إنما هو بعد الطّواف وصلاته (1) فلو قدّمه على الطّواف أو على صلاته وجبت عليه الإعادة بعدهما ، وقد تقدّم حكم من نسي الطّواف وتذكره بعد سعيه.

مسألة 334 : يعتبر في السعي النية بأن يأتي به عن العمرة إن كان في العمرة وعن الحج إن كان في الحج قاصداً به القربة إلى اللّه تعالى (2).

مسألة 335 : يبدأ بالسعي من أول جزء من الصفا ، ثم يذهب بعد ذلك إلى المروة ، وهذا يعدّ شوطاً واحداً ، ثم يبدأ من المروة راجعاً إلى الصفا إلى أن يصل إليه فيكون الإياب شوطاً آخر ، وهكذا يصنع إلى أن يختم السعي بالشوط السابع في المروة (3)


(1) تدل عليه روايات :

منها : الروايات البيانية للحج ، كصحيح معاوية الحاكية لكيفية حجّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (1).

ومنها : الروايات الواردة في من قدّم السعي على الطّواف أو صلاته (2).

مضافاً إلى أن الحكم متسالم عليه وسيرة المسلمين قائمة على ذلك.

(2) لا ريب في كون السعي عباديا يعتبر فيه قصد القربة ، لأنه من أجزاء الحج وأركانه ، والحج عبادي بلا إشكال ، فلا بد أن تكون أجزاء الأمر العبادي عبادية أيضاً ، ويجب عليه التعيين ولو في الجملة بأن يأتي به للحج أو للعمرة ، فإن الصورة مشابهة ولا يتعين للحج أو للعمرة إلّا بقصد التعيين ، فحاله حال صلاة الظهر أو العصر والقضاء والأداء ، فإن التعيين إنما يكون بالنية.

(3) لا ريب في وجوب البدأة من الصفا ، ويدلُّ عليه النصوص المستفيضة ، منها :


1) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

2) الوسائل 13 : 438 / أبواب الطّواف ب 77.

والأحوط لزوماً اعتبار الموالاة بأن لا يكون فصل معتدّ به بين الأشواط (1).


صحيح معاوية بن عمار «تبدأ بالصفا وتختم بالمروة» (1).

(1) كما هو كذلك في جميع الأعمال المركّبة من أجزاء متعدِّدة ، وإلّا فلا يصدق عنوان العمل الواحد على الأجزاء المأتية بفصل كثير.

ولكن ذهب المشهور إلى عدم وجوب الموالاة ، بل ادّعي عليه الإجماع كما في المستند (2)وقد استدلوا على ذلك بعدّة من الروايات.

منها : ما ورد في من نقص من طوافه وتذكّره أثناء السعي (3).

منها : ما ورد في من نسي صلاة الطّواف وشرع في السعي «أنه يعيّن مكانه ثم يتمه» (4).

والجواب : أن هذه الروايات وردت في مورد النقص غير الاختياري فلا يمكن التعدي إلى مورد الاختيار.

ومنها : ما دل على قطع السعي إذا دخل وقت الفريضة أثناءه (5).

وفيه : أنه حكم خاص بمورده ولا يمكن التعدِّي عنه ، وجواز القطع لدخول وقت الفريضة لا يستلزم جواز القطع والبناء على ما قطع مطلقاً. على أنه لو استفيد من جواز القطع عدم اعتبار الموالاة غايته عدم اعتبار الموالاة بهذا المقدار كنصف ساعة ونحوه لا نصف النهار أو أكثر.

واستدلّ أيضاً بمعتبرة يحيى الأزرق قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة ثم يلقاه


1) الوسائل 13 : 481 / أبواب السعي ب 6 ح 1.

2) المستند 12 : 185.

3) الوسائل 13 : 358 / أبواب الطّواف ب 32 ح 2.

4) ورد مضمونه في الوسائل 13 : 438 / أبواب الطّواف ب 77.

5) الوسائل 13 : 499 / أبواب السعي ب 18.

.................................................................................................


الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام ، قال : إن أجابه فلا بأس» (1)فان المستفاد منه جواز القطع ولو لحاجة غير ضرورية.

ويرد عليه : أن غاية ما يستفاد منه جواز القطع بمقدار الحاجة المتعارفة كساعة أو نصف ساعة ونحو ذلك نظير قطع الطّواف لذلك ، وأمّا الفصل الكثير فلا يستفاد منه. على أن دلالته على جواز الإتمام غير تامّة بل هي ساكتة عن ذلك ، وإنما تدل على جواز القطع لقضاء الحاجة وجواز رفع اليد عن السعي ، كما أنه يجوز رفع اليد عن الطّواف في الأثناء ، وليس حالهما حال الصلاة من حرمة القطع.

والعمدة ما استدل به صاحب المستند (قدس سره) وهو إطلاق ما دلّ على وجوب السعي ، فإن مقتضاه لزوم الإتيان بسبعة أشواط ، وأمّا الموالاة فلا يستفاد منه (2).

ويرد عليه : أن السعي عمل واحد عرفاً ذات أجزاء متعددة وليس بأعمال متعددة والمعتبر في العمل الواحد إتيانه على نحو الموالاة بين أجزائه وإلّا فلا يصدق ذلك العمل الواحد على ما أتى به على نحو الانفصال. وربما يظهر كونه عملاً واحداً من اعتبار البدأة من الصفا والختم بالمروة ، فان المتفاهم من ذلك أن السعي بجميع أشواطه عمل واحد نظير الصلاة ونحوها من الأعمال المركّبة ، فالمعتبر فيه الهيئة الاتصالية.

نعم لا يضر الفصل اليسير بمقدار شرب ماء ، أو قضاء الحاجة أو ملاقاة صديق ونحو ذلك ، وأمّا إذا تحقّق الفصل الكثير فالإطلاق منصرف عنه جزماً ، كما ذكروا أن الإطلاقات منصرفة عن المشي على نحو القهقرى أو عن المشي غير مستقبل إلى المروة عند الذهاب إليها ونحو ذلك من المشي غير المتعارف ، فكيف بالانصراف عن الفصل الكثير كيوم أو يومين أو أكثر ، فالاتصال بمقدار الصدق العرفي معتبر ، ولذا سألوا في الروايات عن جواز الجلوس للاستراحة في الأثناء (3)فكأنّ المغروس في أذهانهم عدم جواز الفصل رأساً ، وأجابوا بأن هذا المقدار من الفصل غير ضائر فيعلم من ذلك كله اعتبار الاتصال بالموالاة.


1) الوسائل 13 : 500 / أبواب السعي ب 19 ح 1.

2) المستند 12 : 185.

3) الوسائل 13 : 501 / أبواب السعي ب 20.

مسألة 336 : لو بدأ بالمروة قبل الصفا ، فان كان في شوطه الأوّل ألغاه وشرع من الصفا ، وإن كان بعده ألغى ما بيده واستأنف السعي من الأول (1).


وبالجملة : لا ينبغي الريب في انصراف الإطلاق إلى السعي على النحو المتعارف الخارجي ، فتعتبر الموالاة بمقدار يصدق عليه العمل الواحد ، نعم لا يضرّ الفصل اليسير.

وأمّا الإجماع المدعى فلا يمكن دعواه خصوصاً في مثل هذه المسألة التي هي غير محرّرة عند جلّ الأصحاب.

(1) لو عكس بأن بدأ بالمروة قبل الصفا ، فان كان في شوط واحد ، بأن بدأ بالمروة وختم بالصفا ، أو تذكّر في الأثناء قبل الوصول إلى الصفا ، ألغى ما في يده وأعاد السعي بالبدأة من الصفا ، وهذا واضح ولا حاجة إلى إقامة الدليل على بطلان ما بدأ به ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه.

وأمّا لو أتى بشوطين أو أزيد بعد البدأة بالمروة فهل يبطل تمام الأشواط أو يبطل الشوط الأوّل الذي بدأ من المروة؟

وبعبارة أُخرى : لو بدأ بالمروة وأتى بشوطين أو أكثر فهل يجتزئ بالاحتساب من الصفا ولا يحتاج إلى إعادة السعي بالصفا جديداً ، أو يبطل تمام أشواطه وعليه البدأة من الصفا جديداً.

ذهب جماعة إلى البطلان وأنه يجب عليه الاستئناف ، فان الشوط الأوّل الذي بدأ من المروة يوجب بطلان الأشواط اللّاحقة ، وهذا ما يقتضيه إطلاق صحاح معاوية ابن عمار الآمرة بطرح ما سعى ، والآمرة بالبدأة بالصفا قبل المروة (1)فان المراد بطرح ما سعى هو طرح ما بعده من الأشواط ، وإلّا فالشوط الأول ملغى ومطروح بنفسه لأنه على خلاف المأمور به.


1) الوسائل 13 : 487 / أبواب السعي ب 10 ح 1 ، 2 ، 3.

.................................................................................................


وهنا روايتان استظهر منهما صاحب الجواهر (1)إلغاء الشوط الأول والاجتزاء بالاحتساب من الصفا ، للتشبيه بغسل اليسرى قبل اليمنى المذكور في الروايتين ، ففي خبر علي بن أبي حمزة قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا ، قال : يعيد ، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء» (2)وفي معتبرة علي الصائغ قال : «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا ، قال : يعيد ، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه ثم يعيد على شماله» (3).

فإنه في باب الوضوء لو بدأ بغسل اليسرى ثم غسل اليمنى يكتفي بغسل اليسرى ولا يلغي غسل يمينه ، فكذلك السعي يلغي الشوط الأول والذي بدأه من المروة ، إمّا السعي من الصفا إلى المروة في الشوط الثاني فلا موجب لالغائه ، نظير اليد اليمنى التي غسلها بعد الشمال ، فمقتضى التشبيه المزبور الاجتزاء بالاحتساب من الصفا إذا كان قد بدأ بالمروة قبل الصفا ، ولا يحتاج إلى إعادة السعي بالصفا جديداً.

والجواب : أن الصحاح المتقدمة (4)عن معاوية بن عمار دلت على إلغاء ما بيده من الأشواط ، وتخصيص الشوط الأول بالطرح والإلغاء على خلاف إطلاق الصحاح المزبورة ، بل تخصيص بالفرد النادر.

وأمّا الروايتان فالأُولى ضعيفة بعلي بن أبي حمزة. مضافاً إلى أن كلمة «يعيد» معناها الإلغاء وطرح جميع ما بيده والاستئناف من الأول ، فحالها حال تلك المطلقات المتقدمة الآمرة بالطرح ، وليس فيها التشبيه المزبور بالاكتفاء بغسل الشمال فقط.

وأمّا الرواية الثانية فالظاهر أنها معتبرة السند ، وإن كان الواقع في السند إسماعيل ابن مرار ، فإنه وإن لم يوثق في كتب الرجال لكنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم.


1) الجواهر 19 : 418.

2) الوسائل 13 : 488 / أبواب السعي ب 10 ح 4.

3) الوسائل 13 : 488 / أبواب السعي ب 10 ح 5.

4) في الصفحة السابقة.

مسألة 337 : لا يعتبر في السعي المشي راجلاً فيجوز السعي راكباً على حيوان أو على متن إنسان أو غير ذلك ، ولكن يلزم على المكلف أن يكون ابتداء سعيه من الصفا واختتامه بالمروة (1).

مسألة 338 : يعتبر في السعي أن يكون ذهابه وإيابه فيما بين الصفا والمروة من الطريق المتعارف ، فلا يجزئ الذهاب أو الإياب من المسجد الحرام أو أيّ طريق آخر ، نعم لا يعتبر أن يكون ذهابه وإيابه بالخط المستقيم (2).


وأمّا علي الصائغ فالظاهر أنه علي بن ميمون الصائغ (1)فالرواية معتبرة ولكنها قاصرة الدلالة ، فإن التشبيه بلحاظ عدم الاكتفاء بغسل الشمال قبل اليمين ، يعني من غسل شماله قبل يمينه يجب عليه أن يبدأ بيمينه ، ولكن لم يتعرّض في الرواية لغسل اليمين إذا غسل الشمال أوّلاً ثم غسل يمينه ، فليس التشبيه من جميع الجهات ، بل التشبيه باعتبار عدم العبرة بالبدأة من الشمال ، فلا تنافي بين الروايتين وتلك الروايات الآمرة بالطرح.

(1) كما جاز في الطّواف ، ويدلُّ عليه روايات ، منها : صحيحة معاوية بن عمار «سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة راكباً ، قال : لا بأس ، والمشي أفضل» (2).

(2) لا ريب أن المتفاهم من الآية الكريمة ( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) (3)أن يكون الطّواف والسعي بينهما من الطريق المعهود المتعارف بالخط الموازي بينهما ، فلو مشى بينهما لا بالخط الموازي كما لو سلك سوق الليل ، بأن نزل من الصفا وذهب إلى سوق الليل ثم ذهب إلى المروة فنزل منها ، لا يصدق عليه أنه طاف بينهما ، فإن المأمور به ليس مجرد المشي على الإطلاق ، وإنما الواجب هو المشي بينهما ، فلو مشى بينهما بالخط المنكسر أو المستدير ونحو ذلك فلا يصدق عليه الطّواف بينهما.


1) مجهول ، روى روايات في كامل الزيارات ، راجع معجم الرجال 13 : 222 / 8561.

2) الوسائل 13 : 496 / أبواب السعي ب 16 ح 2.

3) البقرة 2 : 158.

مسألة 339 : يجب استقبال المروة عند الذهاب إليها ، كما يجب استقبال الصفا عند الرجوع من المروة إليه ، فلو استدبر المروة عند الذهاب إليها أو استدبر الصفا عند الإياب من المروة لم يجزئه ذلك ، ولا بأس بالالتفات إلى اليمين أو اليسار أو الخلف عند الذهاب أو الإياب (1).

مسألة 340 : يجوز الجلوس على الصفا أو المروة أو فيما بينهما للاستراحة ، وإن كان الأحوط ترك الجلوس فيما بينهما (2).


نعم ، لا يعتبر المشي على نحو الخط المستقيم الهندسي قطعاً ، فلا يضر الميل يميناً أو شمالاً ، فالمعتبر عدم الخروج من الجادة المعهودة والدخول إلى جادّة اخرى كسوق الليل والشارع الملاصق للمسعى ، كما أن المعتبر هو المشي العادي المتعارف فلا عبرة بالمشي على بطنه أو متدحرجاً أو معلّقاً أو على أربع ونحو ذلك.

(1) ظهر ممّا تقدّم أن المعتبر في المشي أن يكون مستقبلاً بوجهه إلى المروة عند النزول من الصفا ومستقبلاً إلى الصفا عند نزوله من المروة ، فلا يجزئ المشي على نحو القهقرى أو المشي على يساره أو يمينه.

نعم ، لا يضرّ الالتفات إلى اليمين أو الشمال بل إلى الخلف حال المشي ، وليس حاله حال الصلاة في البطلان بالالتفات يميناً أو شمالاً.

(2) لا ينبغي الإشكال في جواز الجلوس على المروة أو الصفا أو ما بينهما للاستراحة ولا يعتبر التوالي في المشي ، بأن يكون المشي مشياً واحداً مستمراً ، ويدلّنا على ذلك صحيح معاوية بن عمار «عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة يجلس عليهما؟ قال : أوليس هو ذا يسعى على الدواب» (1).

وأوضح منه صحيح الحلبي «عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة أيستريح؟ قال : نعم ، إن شاء جلس على الصفا والمروة وبينهما فليجلس» (2)فان التعبير بقوله : «إن


1) الوسائل 13 : 501 / أبواب السعي ب 20 ح 2 ، 1.

2) الوسائل 13 : 501 / أبواب السعي ب 20 ح 2 ، 1.

.................................................................................................


شاء» صريح في جواز الجلوس اختياراً.

وبإزائهما صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا يجلس بين الصفا والمروة إلّا من جهد» (1)والمتفاهم عدم الجواز إذا لم تكن مشقة ولكن لا بدّ من حملها على الكراهة ، لأن التعبير بقوله : «إن شاء» في صحيحة الحلبي صريح في الجواز على الإطلاق ، فنرفع اليد عن ظهور قوله «لا يجلس» في الحرمة بصراحة تلك ، ولا ريب أن الأحوط ترك الجلوس فيما بينهما ، وأمّا الجلوس على نفس الصفا والمروة فجائز قطعاً لعدم المعارض.

بقي شي‌ء : وهو أن المعروف بين الأصحاب عدم وجوب الصعود على الصفا بل ادعي عليه الإجماع ، ونسب إلى الشهيد في الدروس الصعود إلى أربع درجات أي بمقدارها (2).

أقول : إن كان مراد القائل بوجوب الصعود وجوباً نفسياً ، فتنافيه الروايات الآمرة بالطواف والسعي ما بينهما ، فان الظاهر أن الصفا والمروة خارجان عن مكان السعي وأنهما ممّا ينتهي إليه السعي.

على أنه لو كان السعي من نفس الجبل واجباً لشاع واشتهر ، حيث إنه ممّا يكثر الابتلاء بذلك فكيف يخفى وجوبه على الأصحاب حتى ادعي الإجماع على عدم الوجوب. وإن كان المراد به وجوباً مقدّمياً علمياً كوجوب البدأة في الطّواف قبل الحجر شيئاً ما من باب المقدّمة العلمية فله وجه ما ، ولكنه غير تام أيضاً ، لعدم توقف حصول العلم بخصوص ذلك ، بل يمكن تحصيل العلم بنحو آخر وهو التصاق عقبه بالصفا عند النزول منه والبدأة منه ، وبالتصاق رؤوس أصابعه بالمروة عند الوصول إليها وبالتصاق عقبه بالمروة عند النزول منها والتصاق أصابعه عند الوصول إلى الصفا في الشوط الآخر.


1) الوسائل 13 : 502 / أبواب السعي ب 20 ح 4.

2) الدروس 1 : 410.

أحكام السّعي

تقدّم أن السعي من أركان الحج ، فلو تركه عمداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به أو بالموضوع إلى زمان لا يمكنه التدارك قبل الوقوف بعرفات بطل حجّه ولزمته الإعادة من قابل ، والأظهر أنه يبطل إحرامه أيضاً ، وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى الافراد وإتمامه بقصد الأعم منه ومن العمرة المفردة (1).


على أنه لو كان الصعود على الصفا واجباً من باب المقدّمة العلمية لوجب في المروة كذلك ، ولم يقل به أحد حتى الشهيد.

وما ورد في صحيح معاوية بن عمار «فاصعد على الصفا حتى تنظر إلى البيت» (1)محمول على الاستحباب للنظر إلى البيت.

وأمّا إلصاق عقبيه بالصفا ورؤوس الأصابع بالمروة من هذا الشوط فلم يعرف له وجه أيضاً ، لأن الواجب هو البدأة من الصفا والختم بالمروة ، وذلك لا يتوقف على إلصاق عقبيه أو أصابعه بهما ، بل لو ألصق ظهره بالصفا وبطنه بالمروة يصدق عليه البدأة من الصفا والختم بالمروة ، ولو كان إلصاق العقب واجباً لظهر وشاع ، بل لا يجب حتى إلصاق الظهر والبطن ، بل العبرة بالصدق العرفي في البدأة والاختتام ، ولا يلزم التدقيق والتحقيق ، ويدلنا على ذلك بوضوح جواز السعي راكباً وعلى المحمل (2).

(1) لو ترك السعي عالماً عامداً أو جاهلاً أو ناسياً فمقتضى الأصل بطلان الحج وفساده ، لفقدان المركب بانتفاء جزئه ، فالحكم بالصحة حينئذ يحتاج إلى دليل خاص ، وقد ذكرنا (3)أن حديث الرفع لا يتكفل الحكم بالصحة ، لأنّ حديث الرفع شأنه رفع الأحكام ولا نظر له إلى إثبات الحكم. فالاكتفاء بالناقص يحتاج إلى الدليل.


1) الوسائل 13 : 476 / أبواب السعي ب 4 ح 1.

2) الوسائل 13 : 496 / أبواب السعي ب 16.

3) في مصباح الأُصول 2 : 267 ذيل الأمر الثالث.

مسألة 341 : لو ترك السعي نسياناً أتى به حيث ما ذكره ، وإن كان تذكّره بعد فراغه من أعمال الحج ، فان لم يتمكن منه مباشرة أو كان فيه حرج ومشقّة لزمته الاستنابة ويصحّ حجّه في كلتا الصورتين (1).


نعم ، في خصوص الناسي نلتزم بالصحة كما في نسيان الطّواف ، لأدلّة خاصة سنذكرها إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا الترك عن جهل فيدخل في الترك العمدي حتى إذا كان عن قصور فضلاً عن تقصير فإنه ملحق بالعامد ، ومع قطع النظر عما تقتضيه القاعدة فالنصوص دلت على بطلان الحج بترك السعي عمداً ، ويصدق ذلك على الترك عن جهل فإنه أيضاً من الترك العمدي ، لأن العمد هو القصد إلى شي‌ء وذلك يصدر من العالم والجاهل ، فان الجاهل الملتفت قد يترك الشي‌ء أو يفعل شيئاً عن قصد وإرادة ، فالجاهل مقابله العالم لا العامد ، مثلاً الجاهل بوجوب القراءة في الصلاة يترك القراءة عن قصد وعمد ، لكن تركه مستند إلى جهله لا إلى عصيانه ، والعامد يقابله غير الملتفت كالناسي.

وبالجملة : لو ترك السعي عمداً ولو جاهلاً ، فان لم يمكن تداركه بطل حجّه أو عمرته المتمتع بها أو المفردة ، وبطل إحرامه أيضاً كما تقدم في المباحث السابقة (1)لأن الإحرام إنما يجب وينعقد للأعمال والمناسك اللّاحقة ، فإذا لم يأت بالأعمال ينحل إحرامه وينكشف بطلان إحرامه من الأوّل ، وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى الإفراد وإتمامه بقصد الأعم منه ومن العمرة المفردة ، هذا كله في التارك الملتفت علماً أو جهلاً.

(1) إذا ترك السعي من غير التفات ، كما إذا ترك السعي نسياناً صح حجّه ويجب عليه أن يعيد السعي كما في صحيح معاوية بن عمار (2)، وفي صحيح ابن مسلم «ويطاف عنه» (3)فهل يجمع بينهما بالتخيير ، أو يحمل صحيح معاوية على عدم المشقة وعدم الحرج وصحيح ابن مسلم على الحرج والمشقة في السعي بنفسه؟


1) في الصفحة 121.

2) الوسائل 13 : 486 / أبواب السعي ب 8 ح 3.

3) الوسائل 13 : 485 / أبواب السعي ب 8 ح 1.

.................................................................................................


ذكر بعضهم بأنه لا موجب للتقييد بل يجمع بينهما بالتخيير (1).

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور من لزوم السعي عليه بنفسه مباشرة إن لم يكن فيه حرج ومشقة ، وإلّا لزمته الاستنابة ، فإنهم وإن لم يتعرّضوا لوجه التقييد ولكن الوجه فيه : أن الوجوب في المقام وجوب نفسي لا شرطي ، فإن الوجوب قد يكون وجوباً شرطياً أو شطرياً كالاستقبال والتشهد بالنسبة إلى الصلاة ، والأمر به يكون إرشاداً إلى الشرطية أو الجزئية ، وكذلك النهي عن إتيان شي‌ء في الصلاة يكون إرشاداً إلى المانعية.

ومقتضى هذه الأوامر شرطية الاستقبال أو جزئية التشهد للصلاة مطلقاً ، سواء كان المكلف ملتفتاً أم لا ، فإن الشرطية أو الجزئية ثابتة في جميع الأحوال ولا تختص بحال دون حال ، وكذلك المانعية ، فمقتضى ذلك أنه لو ترك جزءاً أو شرطاً بطلت صلاته سواء كان عالماً أم لا ، فان الاجتزاء بالناقص يحتاج إلى الدليل ، فلا يمكن الحكم بالصحة بمجرد الجهل بالجزئية أو الشرطية إلّا بحديث لا تعاد (2)ولو لم يكن هذا الحديث الشريف لحكمنا بالفساد.

وأمّا إذا كان الأمر مولوياً وجوبياً كما في المقام ، فإن الأمر بالطواف والسعي والقضاء أمر مولوي وكذلك الأمر بالاستنابة ، وليس الأمر في المقام إرشادياً ، فيدور الأمر بين وجوب السعي بنفسه مباشرة وبين وجوب الاستنابة ، ولا ريب أن كل تكليف مشروط بالقدرة وعدم الحرج ، فلو فرض أن السعي مباشرة غير مقدور له أو لا يتمكن من التدارك بنفسه للعسر والحرج يرتفع الوجوب بدليل نفي الحرج فالوجوب النفسي المباشري المستفاد من صحيح معاوية بن عمار يتقيد بنفسه بالقدرة وعدم الحرج ، فاذا كان صحيح معاوية بن عمار مقيداً بذلك فنسبته إلى صحيح ابن مسلم نسبة الخاص إلى العام ، لأن صحيح ابن مسلم مطلق من حيث القدرة وعدمها فالنتيجة مع المشهور.


1) المستند 12 : 176.

2) الوسائل 1 : 372 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

.................................................................................................


ومع قطع النظر عما ذكرنا من الوجه ، لا موجب لحمل صحيح معاوية بن عمار على خصوص القادر ، بل ما ذكره النراقي (عليه الرحمة) من الحمل على التخيير هو الصحيح.

ولكن قد عرفت الوجه لما ذهب إليه المشهور فالحق معهم.

ولزيادة التوضيح نقول : إن من ترك السعي نسياناً ولا يتمكن من القضاء والتدارك بنفسه لحرج ومشقة أو خرج شهر ذي الحجة فحجه صحيح بلا إشكال ، ويجب عليه القضاء والتدارك إن كان متمكناً من ذلك ، وإلّا فيطاف عنه ، هذا ما ذكره المشهور.

وأمّا النصوص الواردة في المقام فثلاثة :

منها : صحيح معاوية بن عمار الآمرة بالإعادة بنفسه مباشرة (1)والمراد بالإعادة الإتيان به لا الإعادة بالمعنى المصطلح.

ومنها : صحيح ابن مسلم الآمر بالاستنابة والطّواف عنه (2).

ومنها : خبر زيد الشحام الدال على الطّواف عنه والاستنابة (3).

والمشهور جمعوا بينها بالتمكن وعدمه ، بمعنى أنه يجب عليه السعي بنفسه مباشرة في صورة التمكن وعدم الحرج وإلّا فيطاف عنه.

وأُشكل عليهم بأنه لا وجه له ، بل مقتضى القاعدة والجمع بين الأخبار هو التخيير.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لأن صحيح معاوية بن عمار مقيد بالقدرة وعدم الحرج كما هو شأن جميع التكاليف الإلهية ، وصحيح ابن مسلم الدال على الاستنابة مطلق من هذه الجهة ، أي من جهة أن يطوف المكلف بنفسه أم لا ، فيرفع اليد عن إطلاقه بالتقييد بصحيح معاوية بن عمار ، والنتيجة وجوب السعي والطّواف بنفسه مباشرة إذا كان متمكناً وإلّا فالاستنابة ، فوجوب الاستنابة في فرض عدم التمكّن من السعي مباشرة.

وربما يتخيل العكس بأن صحيح معاوية بن عمار مطلق من حيث وجوب


1) الوسائل 13 : 485 / أبواب السعي ب 8 ح 1.

2) الوسائل 13 : 486 / أبواب السعي ب 8 ح 3.

3) نفس المصدر ح 2.

.................................................................................................


الاستنابة وعدمه ، ويقيد بوجوب الاستنابة المستفاد من صحيح ابن مسلم ، فالنتيجة : أن السعي مباشرة في طول الاستنابة ، يعني إذا لم يتمكن من الاستنابة فيطوف بنفسه.

وهذا توهّم فاسد جدّاً ، إذ لا نحتمل أن يكون السعي بنفسه في طول الاستنابة ، بل إما في عرضها أو مقدّم عليها ، وأمّا احتمال أن الواجب الأوّل هو الاستنابة ثم السعي بنفسه ففاسد غايته.

وقد يقرّب ما ذكرنا بتقريب أوضح ، وحاصله : أن كل أمر نفسي مولوي ظاهر في الوجوب التعييني فيما لم تكن قرينة متصلة أو منفصلة على خلافه ، فالوجوب التعييني ما يقتضيه إطلاق الدليل ، فاذا ورد أمران في موضوع واحد ولا قرينة على أن الواجب شي‌ء واحد بل يحتمل أنه واجبان ، فيثبت أن كل واحد واجب تعييني ولا موجب ، ولا وجه لرفع اليد عن ذلك ، بل نلتزم بالوجوبين معاً ، كما ورد الأمر في مورد القتل الخطأي بالدية والكفارة ، فإنه نلتزم بوجوبهما معاً ويؤخذ بإطلاق كل من الدليلين وهذا ممّا لا إشكال فيه. وكذلك ورد في بعض الأجزاء المنسية في الصلاة الأمر بالقضاء وسجدتي السهو فإنه نلتزم بوجوبهما معاً.

وأمّا إذا كان التكليف واحداً ولم نحتمل تعدد الواجب فلا نحتمل الوجوب التعييني لهما معاً ، كما في مورد الأمر بصلاة الظهر والجمعة أو بالقصر والتمام في موارد التخيير فحينئذ يقع التعارض بين الدليلين ، ولكن التعارض ليس بين أصل الوجوبين لعدم المنافاة بين ثبوت أصل الوجوب لهما معاً ، وإنما المنافاة بين الوجوبين التعيينيين فكل من الدليلين ينفي الوجوب التعييني للآخر ، فالنتيجة سقوط الإطلاقين وثبوت الوجوبين التخييريين.

وأمّا مقامنا فقد ورد الأمر بالسعي بنفسه في صحيح معاوية بن عمار وورد الأمر بالاستنابة في صحيح ابن مسلم ونعلم بعدم وجوبهما معاً ، ولكن سقوط الإطلاقين في المقام لا موجب له ، وذلك لأن سقوط الإطلاق من صحيح ابن مسلم لا بدّ منه للعلم بأن الاستنابة إمّا واجب تخييري أو طولي ، إذ لا نحتمل أن الاستنابة واجب تعييني فإنها إمّا تخييري أو في مرتبة متأخرة عن السعي بنفسه فلا إطلاق لصحيح ابن مسلم وهذا بخلاف صحيح معاوية بن عمار فإنه لا مانع من إطلاقه فيؤخذ به وبطبيعة الحال

مسألة 342 : من لم يتمكن من السعي بنفسه ولو بحمله على متن إنسان أو حيوان ونحو ذلك استناب غيره فيسعى عنه ويصح حجّه (1).


يقيد بالتمكن لأدلّة نفي الحرج.

فالوجوب التعييني للاستنابة ساقط ولكن الوجوب المباشري المستفاد من صحيح معاوية بن عمار نحتمل تعيينه فيؤخذ بإطلاقه.

فالنتيجة : أنه مع التمكن على السعي بنفسه لا تجزئ الاستنابة ، فإن إطلاق صحيح معاوية بن عمار مقيد بالقدرة وعدم الحرج فلا ينتقل الفرض إلى الاستنابة إلّا بعد العجز عن السعي بنفسه.

(1) مراتب السعي ثلاث :

الاولى : أن يسعى بنفسه.

الثانية : أن يُسعى به ، بأن يحمله إنسان فيسعى به.

الثالثة : الاستنابة ، فإن السعي فريضة كما صرح بذلك في الروايات (1)في مقابل الرمي الذي هو سنة ، فلا يسقط السعي بوجه وحاله حال الطّواف ، فإن الفريضة لا تسقط بحال ، فالواجب أن يأتي بنفسه أو بالاطافة به أو عنه ، هذا ما تقتضيه القاعدة.

على أن إطلاق الروايات يقتضي ذلك ، فان الطّواف المطلق الوارد في الروايات يصدق على السعي ، وقد أُطلق الطّواف في الآية والروايات على السعي ، فالروايات المتقدّمة (2)الدالّة على الطّواف بنفسه وبه وعنه تشمل السعي أيضاً ، خصوصاً الروايات الدالّة على أنه يطاف عنه ويصلي ويرمي ، وهذا شاهد على إرادة السعي من الطّواف أيضاً ، وإلّا فلا معنى لترك السعي مع أنه فريضة ، فالمراتب الثلاثة المذكورة في الطّواف تجري في السعي أيضاً.


1) الوسائل 13 : 485 / أبواب السعي ب 1 ح 1 ، 6 ، 7.

2) في الصفحة 135.

مسألة 343 : الأحوط أن لا يؤخِّر السعي عن الطّواف وصلاته بمقدار يعتد به من غير ضرورة كشدة الحر أو التعب ، وإن كان الأقوى جواز تأخيره إلى اللّيل نعم ، لا يجوز تأخيره إلى الغد في حال الاختيار (1).


(1) بعد ما عرفت من تأخير السعي عن الطّواف وصلاته فالمشهور بينهم جواز تأخيره إلى الليل وعدم تأخيره إلى الغد. وعن ظاهر المحقق في الشرائع جواز تأخيره إلى الغد (1)كما فهمه غير واحد من عبارته ولم يعلم مستنده.

ونقل الحدائق عن الشهيد أنه قال بعد نقل ذلك عن المحقق : وهو مروي ، ولكن الرواية لم تصل إلينا (2).

ومن المحتمل أن الشهيد أراد من الرواية صحيحة ابن مسلم الدالة على التأخير المطلق (3).

وأمّا جواز التأخير إلى الغد بخصوصه فلا رواية فيه.

وكيف كان ، فلا ريب أن الصحيح ما ذكره المشهور ، وأمّا النصوص الواردة في المقام :

فمنها : صحيح ابن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يقدم مكة وقد اشتدّ عليه الحر فيطوف بالكعبة ، ويؤخّر السعي إلى أن يبرد ، فقال : لا بأس به ، وربما فعلته ، وقال : وربما رأيته يؤخر السعي إلى الليل» (4)فان المستفاد منه جواز التأخير إلى الإبراد اختياراً أو إلى الليل ، ولا يختص الجواز بصورة شدة الحر والحرج ، فإن شدة الحر مورد السؤال ومن دواعي التأخير ، إذ الحاج لا داعي له للتأخير بحسب الطبع وإنما يؤخره لداع من الدواعي كشدة الحر ونحوها ، ولذا كان


1) الشرائع 1 : 310.

2) الحدائق 16 : 295.

3) الوسائل 13 : 411 / أبواب الطّواف ب 60 ح 2.

4) الوسائل 13 : 410 / أبواب الطّواف ب 60 ح 1.

.................................................................................................


الراوي شاكاً في الحكم بجواز التأخير اختياراً ولم يكن عالماً بالحكم فسأل ، ولم يكن يعتقد عدم الجواز ولذلك سأل ، فالحكم بالجواز لا يقتصر بصورة الحرج بل يجوز التأخير إلى الليل اختياراً.

وممّا يؤكد ما ذكرنا أي جواز الفصل إلى الليل مطلقاً وإن لم يكن حرج أنه لو كان الحكم مقتصراً على الحرج لكان على الإمام (عليه السلام) التقييد إلى أول زمان الإبراد ولم يقيد بذلك ، ومقتضى الإطلاق جواز التأخير إلى أول زمان الإبراد وأوسطه وآخره. وبالجملة : المستفاد من الصحيحة عدم لزوم التعجيل.

ومنها : صحيحة محمد بن مسلم ، قال : «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة؟ قال : نعم» رجل (1).

ومن عدم تعيينه زمان التأخير يستفاد جواز التأخير إلى أيّ وقت شاء ، والتعب من دواعي التأخير فلم يكن الجواز مقيداً إلى زمان زوال التعب.

ويكفينا الأصل في عدم اعتبار اتصال السعي بالطواف.

وأمّا التأخير إلى الغد فقد ورد النهي عنه في صحيحة العلاء ، قال : «سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطّواف بين الصفا والمروة إلى غد؟ قال : لا» (2)والرواية صريحة في المنع عن التأخير إلى الغد ، وعليه لم يعلم مستند المحقق في حكمه بالجواز إلى الغد.

ومن المحتمل أن الغاية في كلامه أي الغد خارجة عن المغيى لا داخلة فيه ، فيكون الغد مما ينتهي إليه الحكم بالجواز ، وهذا الاحتمال قريب وشائع في الاستعمالات أيضاً ، كقوله تعالى ( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) الآية (3)وقوله تعالى ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (4)فان الليل وكذا غسق الليل غير داخل في المغيى قطعاً ، فاذن يرتفع الخلاف ولا يكون المحقق مخالفاً في المسألة.


1) الوسائل 13 : 411 / أبواب الطّواف ب 60 ح 2.

2) الوسائل 13 : 411 / أبواب الطواف ب 60 ح 3.

3) البقرة 2 : 187.

4) الإسراء 17 : 78.

مسألة 344 : حكم الزيادة في السعي حكم الزيادة في الطّواف ، فيبطل السعي إذا كانت الزيادة عن علم وعمد على ما تقدم في الطّواف ، نعم إذا كان جاهلاً بالحكم فالأظهر عدم بطلان السعي بالزيادة وإن كانت الإعادة أحوط (1).


(1) حال السعي حال الطّواف في البطلان بالزيادة بالمعنى المفسّر المتقدم (1)للزيادة في الطّواف.

ويدلُّ على ذلك صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إن طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد وليطرح ثمانية ، وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط فليطرحها وليستأنف السعي» (2)فإنه صريح في أنه إذا طاف ثمانية يلغي الجميع وإذا طاف تسعة تلغى الثمانية ويحسب التاسع أول الأشواط.

ويدلُّ عليه أيضاً صحيحة أُخرى عن معاوية بن عمار «من طاف بين الصفا والمروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية واعتد بسبعة» (3)فان طرح الثمانية السابقة يدل على بطلان السعي بالزيادة.

وفي صحيح عبد اللّه بن محمد عن أبي الحسن (عليه السلام) «قال : الطّواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة ، فإذا زدت عليها فعليك الإعادة وكذا السعي» (4).

وقد تقدّم الكلام في عبد اللّه بن محمّد ، وأن صاحب المدارك أشكل في السند ، لاشتراك عبد اللّه بن محمد بين الثقة وغيره ، ووافقه الحدائق في أصل الإشكال ، ولكن أجاب بجبر الرواية بعمل الأصحاب ، مضافاً إلى أنه يرى صحة جميع الروايات المذكورة في الكتب الأربعة (5). ولكن قد عرفت أن المراد بعبد اللّه بن محمد بحسب المرتبة والطبقة


1) في ص 62.

2) الوسائل 13 : 489 / أبواب السعي ب 12 ح 1.

3) الوسائل 13 : 491 / أبواب السعي ب 13 ح 4.

4) الوسائل 13 : 490 / أبواب السعي ب 12 ح 2.

5) تقدّم كل ذلك في ص 64.

مسألة 345 : إذا زاد في سعيه خطأً صحّ سعيه ، ولكن الزائد إذا كان شوطاً كاملاً يستحب له أن يضيف إليه ستة أشواط ليكون سعياً كاملاً غير سعيه الأول فيكون انتهاؤه إلى الصفا ، ولا بأس بالإتمام رجاء إذا كان الزائد أكثر من شوط واحد (1)


هو عبد اللّه بن محمد الحجّال وهو ثقة ثقة.

وهل يختص الحكم بالبطلان بالعالم أو يعمّ الجاهل بالحكم أيضاً بعد تسالم الأصحاب على الصحة بالزيادة السهوية؟

ولا يخفى أن مقتضى إطلاق الروايات المتقدمة أن حاله حال الطّواف من دون فرق بين العالم والجاهل ، ولكن الظاهر اختصاص الحكم بالبطلان بصورة العلم ، فلو طاف أربعة عشر شوطاً بين الصفا والمروة مثلاً جهلاً بتخيل أن الذهاب والإياب معاً شوط واحد صح سعيه.

ويدلُّ عليه صحيح جميل ، قال «حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطاً ، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك ، فقال : لا بأس سبعة لك وسبعة تطرح» (1).

وكذا صحيح هشام بن سالم ، قال : «سعيت بين الصفا والمروة أنا وعبيد اللّه بن راشد فقلت له : تحفظ عليّ ، فجعل يعدّ ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً فبلغ مثل (منِّي) ذلك فقلت له : كيف تعد؟ قال : ذاهباً وجائياً شوطاً واحداً ، فأتممنا أربعة عشر شوطاً فذكرنا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال : قد زادوا على ما عليهم ، ليس عليهم شي‌ء» (2)وبهما نخرج عن الإطلاق المتقدم.

(1) ويدلُّ على ذلك بعد تسالم الأصحاب على الصحة صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط


1) الوسائل 13 : 492 / أبواب السعي ب 13 ح 5.

2) الوسائل 13 : 488 / أبواب السعي ب 11 ح 1.

.................................................................................................


ما عليه؟ فقال : إن كان خطأً أطرح واحداً واعتدّ بسبعة» (1)فإنها بالمنطوق يدل على الصحة في صورة الخطأ وبالمفهوم يدل على البطلان في صورة العلم وعدم الخطأ.

ثم إن جماعة صرّحوا باستحباب إضافة ستة أشواط في خصوص هذه الصورة وهي ما إذا سعى سهواً ثمانية أشواط ليكون المجموع أربعة عشر شوطاً ، ويدلُّ عليه صحيح محمد بن مسلم الذي رواه الشيخ بطريقين صحيحين عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال : «وكذلك إذا استيقن أنه طاف بين الصفا والمروة ثمانية فليضف إليها ستة» (2)ورواها الصدوق أيضاً بإسناده إلى محمد بن مسلم (3)ولكن قد عرفت غير مرّة أنّ طريقه إليه ضعيف ، وفي ما رواه الشيخ غنى وكفاية ، هذا.

ولكن صاحب الحدائق استشكل في هذه الصحيحة بوجهين :

الأوّل : أن السعي ليس مثل الطّواف والصلاة عبادة برأسها تقع مستحبة أو واجبة فما فائدة هذه الإضافة بعد عدم ثبوت الاستحباب النفسي للسعي.

الثاني : أن اللّازم من إضافة الستة وجعل المجموع سعيين كاملين ، كون الابتداء في الطّواف الثاني من المروة والختم بالصفا ، وهذا خلاف المعهود والمتسالم والمصرّح به في الروايات من لزوم البدأة بالصفا والختم بالمروة في السعي ، فالعمل بهذه الصحيحة مشكل (4).

وأورد عليه صاحب الجواهر بأنّ ما ذكره اجتهاد في مقابل النص (5).

ولقد أجاد (قدس سره) فإنّ السعي وإن لم يكن مستحبّاً في نفسه في غير هذا المورد ، ولكنه ليس بأمر منكر عقلي غير قابل للتخصيص ، فيمكن الحكم باستحبابه


1) الوسائل 13 : 491 / أبواب السعي ب 13 ح 3.

2) الوسائل 13 : 491 / أبواب السعي ب 13 ح 2. التهذيب 5 : 472 / 1661، الاستبصار 2 : 240 / 835.

3) الفقيه 2 : 257 / 1247.

4) الحدائق 16 : 281.

5) الجواهر 19 : 433.

مسألة 346 : إذا نقص من أشواط السعي عامداً عالماً بالحكم أو جاهلاً به ولم يمكنه تداركه إلى زمان الوقوف بعرفات ، فسد حجّه ولزمته الإعادة من قابل ، والظاهر بطلان إحرامه أيضاً ، وإن كان الأولى العدول إلى حج الإفراد وإتمامه بنية الأعم من الحج والعمرة المفردة. وأمّا إذا كان النقص نسياناً ، فان كان بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي حيثما تذكر ، ولو كان ذلك بعد الفراغ من أعمال الحج. وتجب عليه الاستنابة لذلك إذا لم يتمكن بنفسه من التدارك أو تعسّر عليه ذلك ولو لأجل أن تذكّره كان بعد رجوعه إلى بلده ، والأحوط حينئذ أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالإتمام أو التمام. وأمّا إذا كان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فالأحوط أن يأتي بسعي كامل يقصد به الأعم من التمام والإتمام ، ومع التعسر يستنيب لذلك (1).


في خصوص هذه الصورة ، فلا مانع من التقييد والتخصيص في مورد خاص حسب التعبّد الشرعي ، وكذلك البدأة من المروة والختم بالصفا وإن لم يكن جائزاً في نفسه ولكن لا مانع من جواز ذلك في خصوص هذا المورد.

وبالجملة : الرواية صحيحة السند وواضحة الدلالة ، عمل بها الأصحاب فلا مانع من الالتزام بمضمونها. نعم ، مورد الصحيحة زيادة شوط واحد لا زيادة أزيد من شوط واحد ، وحيث إن الحكم على خلاف القاعدة نقتصر على موردها ، فلو زاد شوطين أو أكثر لا يستحب له التكميل إلى أربعة أشواط.

والعجب من صاحب الحدائق فإنه لا يعوّل على الاستحسانات والاستبعادات بعد النص خصوصاً إذا كان صحيحاً ، كيف استشكل في ذلك.

(1) إذا نقص من السعي عمداً من دون فرق بين العالم والجاهل بالحكم ، كما إذا تخيل أنّ الواجب مثلاً خمسة أشواط ولم يلتفت إليه إلى أن فات زمان التدارك فلا محالة يفسد حجّه ، فإنّه داخل في من ترك السعي عمداً برأسه ، إذ لا دليل على

.................................................................................................


الاجتزاء بالناقص.

ولكن قد عرفت أنّ بطلان حجّه يستلزم بطلان إحرامه من الأوّل ، لارتفاع موضوع الحج ، فلا يحتاج إلى محلل آخر للخروج من إحرامه وعليه الحج من قابل.

وإن كان الأحوط الأولى العدول إلى حج الإفراد وإتمامه بنية الأعم من حج الافراد والعمرة المفردة.

وأمّا إذا نقص من أشواط السعي نسياناً وسهواً فلا يوجب البطلان جزماً ، فانّ نقصان بعض أجزاء السعي سهواً لا يزيد على ترك أصل السعي نسياناً الذي قد عرفت أنه لا يوجب البطلان.

ولكن الفقهاء ذكروا فيه تفصيلاً وهو أنه ، لو ترك شوطاً أو أكثر بعد التجاوز من نصف السعي ، أي بعد الشوط الرابع وجب عليه تدارك الباقي ، فيأتي بالناقص متى تذكر ولو كان بعد الوقوفين ، لعدم اعتبار الموالاة في خصوص هذه الصورة فينضم اللّاحق إلى السابق ، ويسقط الترتيب أيضاً في فرض النسيان ، لأنّ الترتيب بين التقصير والسعي أو بين أعمال الحج والسعي شرط ذُكري يسقط عند النسيان. وإن لم يتمكّن من الإتيان بنفسه لمانع من الموانع كالرجوع إلى بلده يستنيب فيأتي النائب بالناقص ، والأمر كما ذكروه.

أمّا أصل وجوب الاستنابة فلا ينبغي الريب فيه ، لأن السعي من أركان الحج وحاله حال الطّواف في وجوب الإتيان بنفسه مباشرة أو بأن يسعى به شخص آخر أو يُسعى عنه.

إنما الإشكال في أمر آخر وهو إتيان النائب خصوص الناقص كشوطين أو ثلاثة أشواط وهذا غير وارد في النص ، لأن المذكور فيه أن النائب يسعى عنه ، وظاهره إتيان النائب تمام الأشواط ، وأمّا انضمام الناقص كالثلاثة إلى الأربعة فيحتاج إلى الدليل فمقتضى القاعدة أن الحاج إذا لم يتمكن من السعي بتمامه فما أتى به كأربعة أشواط في حكم العدم فكأنه لم يسع ، ولا دليل على الاكتفاء بفعل الغير في إتيان الناقص ، فلا بدّ

.................................................................................................


له أن يستنيب لتمام السعي ، ولكن حيث إن المشهور ذكروا الاستنابة للباقي فالأحوط أن يأتي النائب بسعي كامل ينوي به فراغ ذمة المنوب عنه بالإتمام أو بالتمام.

وأمّا لو ترك أزيد من النصف وكان نسيانه قبل تمام الشوط الرابع فسعيه باطل فيجب عليه التدارك والاستئناف بنفسه إن تمكن ، ومع التعسر يستنيب ، وأمّا تتميمه بإتيان الباقي فلا نلتزم به في هذه الصورة ، وإنما التزمنا بذلك في الفرض الأوّل للإجماع والتسالم من الأصحاب بخلاف هذه الصورة فإنه لا إجماع فيها ، خصوصاً إذا كان الفصل كثيراً ، ولكن مع ذلك الاحتياط يقتضي بالسعي الكامل القاصد به الأعم من الإتمام والتمام.

فتحصل : أنه من نقص شوطاً أو أكثر بعد التجاوز من النصف صح سعيه ويرجع ويبني ويأتي بالناقص ، والظاهر أنّ ذلك ممّا لا خلاف فيه.

ويدلُّ عليه أيضاً : صحيح سعيد بن يسار الآتي (1)ومورده وإن كان إتيان ستة أشواط ونسيان شوط واحد ، ولكن الظاهر أنه لا فرق بين إتيان الخمسة والستة.

وأمّا الأمر بالإعادة والاستئناف فيما إذا لم يحفظ أنه سعى ستة ، فهو حكم الشك في عدد الأشواط ، فتأمل.

ولو نقص نسياناً قبل التجاوز من النصف ، أي قبل تمام الشوط الرابع ، كما إذا سعى شوطاً أو شوطين ونسي ، فلا إجماع على الصحة في المقام ، ومقتضى القاعدة فساد السعي ، ولا يشمله صحيح سعيد بن يسار ، لأن غايته التعدي إلى نسيان الشوطين والثلاثة بعد التجاوز من النصف لا قبل النصف.

ثم لا يخفى أن الاحتياط الذي ذكرناه في الفرض الأول بإتيان تمام السعي قاصداً به التمام والإتمام مبني على اعتبار الموالاة في أشواط السعي وإلّا فيأتي بالناقص حتى بعد فوات الموالاة بمقتضى الإجماع المتقدم الدال على جواز البناء من حيث القطع وبمقتضى الصحيحة الواردة بعد التجاوز من النصف.


1) في ص 147.

.................................................................................................


ثم إن صاحب المستند ذكر رواية أُخرى كصحيحة معاوية بن عمار تدل على أنّ مَن سعى أقل من سبعة أشواط يرجع ويسعى الباقي ، وذكر (قدس سره) أن إطلاقها يشمل ما إذا نقص أكثر من نصف ، فان عنوان الأقل من سبعة أشواط يشمل حتى ما إذا سعى شوطاً واحداً ونسي الباقي (1).

ولكن العبارة التي نسبها إلى الرواية ليست من الرواية ، بل هي من كلام الشيخ جزماً ، فإن الشيخ روى رواية معاوية بن عمار أوّلاً ، ثم ذكر في ذيلها : فان سعى الرجل أقل من سبعة أشواط ثم رجع إلى أهله فعليه أن يرجع فيسعى تمامه وليس عليه شي‌ء ، وإن كان لم يعلم ما نقص فعليه أن يسعى سبعاً ، وإن كان قد أتى أهله أو قصّر وقلّم أظفاره فعليه دم بقرة روي (2). وذكر رواية سعيد بن يسار دليلاً لما ذكره وقد اشتبه على صاحب المستند والوافي (3)والحدائق (4)فزعموا هذه العبارة من تتمة صحيحة معاوية بن عمار ، مع أنه من كلام الشيخ قطعاً ، ويدلُّ عليه بوضوح قوله : «روي» بعد نقل هذه العبارة ، فإن من عادة الشيخ في التهذيب أنه يذكر حكماً من الأحكام ويستدل بالرواية ويقول : روى فلان ، ولو كانت هذه العبارة من ذيل الصحيحة لا معنى لقوله : «روي» في هذا المورد ، ولذا لم تذكر هذه العبارة في الوسائل (5)ولا في منتقى الجمان (6)فكأنه تنبها لذلك ، راجع التهذيب تجد صدق ما ذكرناه (7).

وفي المقام نكتة يجب التنبّه إليها ولم أر من تعرّض إليها ، وهي أنه في صورة لزوم التدارك والإتمام على الحاج بنفسه ، لا إشكال في لزوم الإتيان بالسعي في شهر ذي


1) المستند 12 : 180.

2) التهذيب 5 : 153 ذيل الحديث 503.

3) الوافي 13 : 948 باب ترك السعي والسهو فيه ح 17.

4) الحدائق 16 : 284.

5) الوسائل 13 : 489 / أبواب السعي ب 12 ح 1.

6) منتقى الجمان 3 : 279.

7) التهذيب 5 : 153.

مسألة 347 : إذا نقص شيئاً من السعي في عمرة التمتّع نسياناً فأتى أهله أو قلّم أظفاره فأحل لاعتقاده الفراغ من السعي ، فالأحوط بل الأظهر لزوم التكفير عن ذلك ببقرة ، ويلزمه إتمام السعي على النحو الذي ذكرناه (1).


الحجة ، لأنه من أجزاء الحج وأعماله فيجب إيقاعه في أشهر الحج ، وأمّا لو تذكّر النقص بعد مضي أشهر الحج كما لو كان ذلك في شهر محرم ، فالإتمام غير ممكن لزوال وقته ، فسعيه باطل فيجب عليه السعي قضاء ، ولا دليل على الاكتفاء بالإتمام وإتيان الباقي في القضاء ، وإنما الانضمام والتكميل بإتيان الباقي والاكتفاء به فيما إذا أتى به في أيام الحج وأشهره ، وهذا من دون فرق بين ما لو قلنا باعتبار الموالاة أم لا ، ففي هذه الصورة ، أي ما إذا خرج عن أشهر الحج ، يجب عليه القضاء بنفسه أو بغيره ، من دون فرق بين ما كان النقص بعد التجاوز من النصف أو قبله ، والظاهر أن مرادهم (قدس سرهم) من إتيان الباقي بعد الفراغ من الحج إتيانه بعد الفراغ من مناسكه ، فطبعاً يقع السعي في شهر ذي الحجّة ، وكلامهم غير ناظر إلى مضي شهر ذي الحجّة.

وبالجملة : عليه القضاء بإتيان السعي الكامل بعد مضي شهر ذي الحجّة بنفسه ولو بالرجوع ، وإلّا فيستنيب في تمام الأشواط ، ومع ذلك الأحوط أيضاً أن يأتي بالسعي الكامل قاصداً به الأعم من الإتمام والتمام.

(1) والأصل في هذه المسألة روايتان :

الأُولى : رواية ابن مسكان ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة ، فذكر بعد ما أحلّ وواقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط ، قال : عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطاً آخر» (1).

الثانية : صحيحة سعيد بن يسار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ، ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ


1) الوسائل 13 : 493 / أبواب السعي ب 14 ح 2.

.................................................................................................


منه ، وقلّم أظافيره وأحلّ ، ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط ، فقال لي : يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط؟ فإن كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً وليرق دماً فقلت : دم ماذا؟ قال : بقرة ، قال : وإن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثم يرق دم بقرة» (1).

إلّا أن جملة من الأصحاب أشكلوا في الحكم المذكور ، لأن مقتضى القاعدة عدم وجوب الكفارة في موارد الخطأ في باب الحج عدا مورد الخطأ في الصيد ، ولذا حملوا النص على الاستحباب ، فيقع الكلام في موردين :

أحدهما : في تقليم الأظفار وقص الشعر.

أمّا تقليم الأظافر ، فقد ورد في صحيح سعيد بن يسار المتقدم ، ولا موجب لحملة على الاستحباب بدعوى أن المطلقات دلت على أن الكفارة إنما تثبت في حال الخطأ في خصوص الصيد وأمّا غير الصيد فليس فيه الكفارة إذا صدر خطأ وعن غير عمد.

ولكن هذه الدعوى فاسدة ، لأن ما دل على عدم ثبوت الكفارة في الخطأ في غير الصيد ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص ، بل هو حكم شرعي قابل له في هذا المورد الخاص.

وهل تلزم الكفارة في قص الشعر أيضاً كما عن الشيخ وجمع من الأصحاب على ما عن المدارك (2)؟ الظاهر ذلك وعدم اختصاصها بتقليم الأظفار ، والوجه فيه : أن الصحيحة وإن لم يذكر فيها قصّ الشعر ولكن لا يستفاد منها اختصاص الحكم بالتقليم بل الحكم بلزوم الكفارة من جهة الإحلال ، فالمنظور هو الإحلال لا التقليم وإلّا لكان ذكر الإحلال بعد التقليم لغواً ، فان قوله «وقلّم أظافيره وأحلّ» ظاهر في أن الميزان هو الإحلال ولا خصوصية لتقليم الأظفار ، فالكفارة ثابتة من جهة الإحلال لا من جهة خصوص تقليم الظفر ، كما لا يختص الحكم بذلك بما إذا أتى ستة أشواط


1) الوسائل 13 : 492 / أبواب السعي ب 14 ح 1.

2) المدارك 8 : 216.

.................................................................................................


بل يعم ما إذا أتى بأقل من ستة واعتقد الفراغ وأحل ، إذ لا نحتمل خصوصية لستة أشواط ، فإن جهة السؤال والمنظور فيه هو الإحلال قبل إتمام السعي كما ذكره الشيخ في التهذيب (1)خلافاً لصاحب الجواهر حيث اقتصر على الستة (2)وما ذكره الجواهر بعيد جدّاً.

المورد الثاني : وهو المواقعة ، فقد ذكر في كلامهم وحكموا بالكفارة في موردها واستدلّوا له برواية ابن مسكان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة ، فذكر بعد ما حل وواقع النساء أنه إنما طاف ستة أشواط ، قال : عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطاً آخر» (3).

وحملها بعضهم على أنه أتى أهله في حال الشك في عدد الأشواط لا الاعتقاد والجزم بالفراغ والإحلال ، لقوله «وهو يظن» ولكن الظاهر أن المراد بالظن هنا هو الاعتقاد وقد استعمل في غير مورد من الآيات والروايات في الاعتقاد كقوله تعالى ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ) (4)فالدلالة غير قاصرة إلّا أن السند ضعيف بمحمد بن سنان ، ولكن على تقدير صحة السند لا يثبت بها حكم جديد آخر غير ما حكم به صحيح سعيد بن يسار (5)لما عرفت أن الحكم بالكفارة مترتب على الإحلال ، فقبل المواقعة أحلّ بالتقليم أو قصّر الشعر ، ويثبت الكفّارة بالإحلال واقع أهله أم لا ، فلا خصوصية للمواقعة ، فالنتيجة ثبوت الكفارة بالإحلال ولا أثر للعمل المتأخر عن الإحلال ، مواقعة كانت أم غيرها.

نعم ، لو قلّم أو واقع أهله غافلاً عن الحج بالمرّة وغير ملتفت أصلاً إلى الحج فليس عليه شي‌ء ، للإطلاقات المتقدمة في محلها (6)الدالة على عدم ثبوت شي‌ء في مورد الجهل


1) لاحظ التهذيب 5 : 153.

2) الجواهر 19 : 443.

3) الوسائل 13 : 493 / أبواب السعي ب 14 ح 2.

4) البقرة 2 : 46.

5) المتقدِّم في ص 147.

6) لاحظ شرح العروة 28 : 349.

الشك في السّعي

لا اعتبار بالشك في عدد أشواط السعي بعد التقصير ، وذهب جمع من الفقهاء إلى عدم الاعتناء بالشك بعد انصرافه من السعي وإن كان الشك قبل التقصير ، ولكن الأظهر لزوم الاعتناء به حينئذ (1).


والغفلة ، وقد خرجنا منها في خصوص الإحلال.

فظهر أن الحكم بالكفارة معلّق على الإحلال لا على المواقعة ، وأمّا إذا قلّم أو قصّ شعره أو واقع أهله ولم يأت بذلك بعنوان الإحلال من العمرة كما إذا كان ذاهلاً عن الأعمال بالمرّة فلا يترتب عليه شي‌ء أصلاً ، هذا مقتضى الجمع بين صحيح ابن يسار والمطلقات النافية للكفارة في مورد الخطأ.

(1) الشك في عدد الأشواط هل يوجب البطلان كالشك في عدد أشواط الطّواف فلا بد من كونه حافظاً ، أم فيه تفصيل؟

قد يفرض حصول الشك بعد الفراع من السعي وبعد التقصير ، وقد يفرض حصول الشك في الأثناء.

أمّا الأوّل : فلا ريب في عدم الاعتناء بالشك ، لقاعدة الفراغ.

وقد يتخيّل أن صحيح سعيد بن يسار المتقدم (1)يدل على البطلان في هذه الصورة أيضاً ، لأنه اشترط في الصحة كونه حافظاً للستة وإلّا فيستأنف.

وفيه : ما لا يخفى ، لأن الشك المفروض في صحيح سعيد بن يسار من الشك في الأثناء ، لأن المورد بعد ما أحلّ وتذكّر النقص قال (عليه السلام) : «إن كان يحفظ أنه أتى ستة أشواط فليتم شوطاً واحداً ، وإن لم يحفظ أنه سعى فليعد السعي» فمورده


1) في ص 147.

.................................................................................................


الشك قبل إتمام السعي وفي أثنائه ، والفراغ غير حاصل وإنما تخيل الفراغ ، ومفروض كلامنا هو الشك بعد الفراغ وليس في المقام علم بالنقص ، بخلاف مورد الرواية فإنه علم بالنقص ولكن لم يحفظ أنه ستة ولم يعلم أنه ستة أو أقل.

المورد الثاني : فاعلم أن جمعاً من الفقهاء ذهبوا إلى عدم الاعتناء إن خرج من المسعى وانصرف عن السعي وإن كان قبل التقصير ، باعتبار أنه شك بعد التجاوز من المحل ، وممّن صرّح بذلك شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)بدعوى أن الشك في أنه أتى بالسبعة أم لا شك بعد الفراغ ، لأن الخروج من المسعى والانصراف عنه يحقق الفراغ والتجاوز عن السعي.

ولكن لا يمكن إثباتها بدليل ، بل الشك حينئذ في الحقيقة حاصل في أثناء السعي وأثناء العمل. وبالجملة : الشك إن كان حادثاً بعد التقصير فلا اعتبار به لقاعدة الفراغ ، وإن كان الشك قبل التقصير ولم تفت الموالاة بناء على اعتبارها كما هو المختار فالشك من الشك في المحل ، وأمّا بناء على عدم اعتبار الموالاة كما هو المشهور فلا ريب في أنه من الشك في المحل وإن فاتت الموالاة. وأمّا بناءً على اعتبار الموالاة وشك بعد فوات الموالاة فالشك من الشك بعد المحل.

فالكلام فيما لو لم تفت الموالاة ولم يقصّر ولكن خرج من المسعى وانصرف عنه فشك ، فقد ذهب جمع إلى عدم الاعتناء ، لأنه شك بعد الفراغ ، ولكن ذكرنا في المباحث الأُصولية (2)أن الشك إنما لا يعتنى به بعد تحقق عنوان المضي والتجاوز ، والمضي قد يكون حقيقياً وقد يكون حكمياً وبالعناية باعتبار محله ، فجريان القاعدة يحتاج إلى المضي الحقيقي أو الحكمي ، والمضي الحكمي باعتبار مضي المحل كمضي القراءة بعد الدخول في السورة فإن المضي الحقيقي غير حاصل ، لأن التدارك ممكن لعدم الدخول في الركوع ، فالمضي هنا بمعنى مضي المحل والتجاوز عنه ، ولذا اعتبرنا الدخول في الغير في جريان القاعدة حتى يصدق عنوان التجاوز ، لأن المفروض أن المحل باق حقيقة


1) دليل الناسك (المتن) : 295.

2) راجع مصباح الأُصول 3 : 282.

.................................................................................................


ويتمكّن من التدارك.

وأمّا المضي الحقيقي فهو كالشك بعد الفراغ من الصلاة ، فإن الصلاة قد مضت على كل تقدير سواء كانت صحيحة واقعاً أو كانت باطلة ولا يمكن تداركها ، والشك إنما هو في أمر ماض لا في أمر حالي ، وكالشك في إتيان بعض أجزاء الوضوء بعد الفراغ منه والانصراف عنه.

والجامع أن يكون الشك متعلقاً بشي‌ء لا يمكن تداركه بالفعل لتعلقه بأمر قد مضى ، بخلاف الشك في القراءة بعد الدخول في السورة فإن المضي فيه حكمي لإمكان التدارك ، وهذا هو الميزان في جريان قاعدة الفراغ والتجاوز ، وذلك من دون فرق بين الشرائط الشرعية غير المقوّمة كاشتراط الصلاة بطهارة اللباس والبدن أو اعتبار الستر ونحو ذلك ، وبين الشرائط غير الشرعية المقوّمة كالدخول في الوقت ، فان كان محرزاً للوقت ولكن رجع شكه إلى عمله وإيقاعه في الوقت تجري القاعدة ، وأمّا إذا كان بالفعل شاكاً في دخول الوقت فالقاعدة لا تتكفل صحة الصلاة ولا دخول الوقت. وكذا لو كان هناك إناءان أحدهما فيه ماء مطلق والآخر فيه ماء مضاف وتوضأ وكان حين الوضوء ملتفتاً ثم شك في أنه توضأ من المطلق أو المضاف فهنا تجري القاعدة ، لأن الشك يرجع إلى عمله ، ففي المقام لو خرج من المسعى ولم يحرز الشوط السابع فبعد لم يتجاوز ولم يتحقق الفراغ بل هو في الأثناء فلا بد من الاعتناء به.

وربما يقال بأن المناط في جريان قاعدة الفراغ هو الفراغ الاعتقادي ، ولكن لا يمكن إثباته بدليل ، لأن موضوع الروايات هو المضي وهو يتحقق بالفراغ الحقيقي أو الحكمي ، وأمّا المضي الاعتقادي فلا يشمله عنوان المضي ، فالعبرة بأحد أمرين :

المضي الحكمي العنايتي أو الحقيقي ، وأمّا المضي الاعتقادي الخيالي فلا عبرة به. وإن كان شكه بعد الخروج من المسعى فضلاً عن وجوده فيه ، فلا بدّ من الاعتناء وتفصيل هذا البحث يطلب من تقريراتنا الأُصولية.

مسألة 348 : إذا شك وهو على المروة في أن شوطه الأخير كان هو السابع أو التاسع فلا اعتبار بشكه ويصح سعيه. وإذا كان هذا الشك أثناء الشوط بطل سعيه ووجب عليه الاستئناف (1).


(1) إذا شك في عدد الأشواط وهو في المسعى ، فتارة يشك في الزيادة والنقيصة معاً ، وأُخرى يشك في النقيصة فقط ، وثالثة يشك في الزيادة فقط.

فان كان شكه متمحضاً في النقيصة ، كما إذا شك بين الستة والخمسة أو كان شكه بين الزائد والناقص كما إذا شك بأن هذا الشوط هو السادس أو التاسع ، ففي كلا الصورتين يحكم بالبطلان كما هو الحال في الطّواف ، وليس له نفي الزائد بأصالة عدم الزيادة ، لأن المستفاد من النصوص كما تقدّم (1)لا بدّ من أن يكون حافظاً للأعداد وكذلك السعي.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى التسالم ، ما في ذيل صحيح سعيد بن يسار المتقدم (2)«وإن لم يكن حفظ أنه قد سعى ستة فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط» ولا نحتمل اختصاص الحكم بمورده وهو الستة ، بل يشمل الحكم بالإعادة والبطلان ما إذا لم يحفظ الخمسة أو الأربعة.

ويستدل لذلك أيضاً بالروايات المتقدمة الواردة في الشك في عدد أشواط الطّواف كصحيحة الحلبي «في رجل لم يدر ستة طاف أو سبعة ، قال : يستقبل» (3)فان الطّواف ما لم يذكر فيه البيت يشمل السعي بين الصفا والمروة ، وقد أُطلق الطّواف في الآية (4)والروايات (5)على السعي بين الصفا والمروة ، والمستفاد من هذه الروايات أن الأشواط لا بدّ أن تكون محفوظة ولا يدخله الشك.


1) في ص 78.

2) في ص 147.

3) الوسائل 13 : 361 / أبواب الطّواف ب 33 ح 9.

4) البقرة 2 : 158.

5) الوسائل 13 : 491 / أبواب السعي ب 13 ح 2 ، 4 وص 493 / أبواب السعي ب 14 ح 2.

مسألة 349 : حكم الشك في عدد الأشواط من السعي حكم الشك في عدد الأشواط من الطّواف ، فاذا شك في عددها بطل سعيه (1).


وأمّا إذا كان الشك في الزيادة فقط ، كما إذا كان على المروة وشك في أنّ شوطه الأخير هو السابع أو التاسع ، ففي مثله لا اعتبار بشكه ويحكم بصحة سعيه ، ويدل عليه صحيح الحلبي الوارد في الشك بين السبعة والثمانية في طواف البيت ، فإنه وإن كان في مورد طواف البيت ولكن المستفاد من التعليل الوارد فيه تعميم الحكم للسعي لأنه يدل على أنه من تيقن بالسبعة فلا يعتني بالزائد المشكوك ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة أم ثمانية فقال : أمّا السبعة فقد استيقن ، وإنما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين» (1).

بل لو لم يكن نص في المقام لحكمنا بالصحة ، لأن زيادة السعي سهواً لا تضر بالصحة ، وإن استحب له التكميل إلى أربعة عشر شوطاً ، وله الاكتفاء بالسبعة وإلغاء الزائد.

نعم ، لو شك في الأثناء بطل سعيه ، لأن الشك حينئذ يرجع إلى الشك في الزيادة والنقيصة الذي عرفت أنه محكوم بالبطلان.

(1) قد عرفت حكم هذه المسألة مما تقدم ، وقد ذكرنا أن السعي حاله حال الطّواف ، وما دل على بطلان الطّواف بالشك في أعداد أشواطه يدل على بطلان السعي بالشك في أعداد أشواطه.

فرع :

هل يعتبر في حال السعي إباحة اللباس وإباحة المركوب لو سعى راكباً أم لا؟

يقع الكلام تارة في اللباس وأُخرى في المركوب ، وفي اللباس تارة في الساتر وأُخرى غير الساتر.

فاعلم أنّا قد ذكرنا في باب الطّواف (2)أن الحكم بالبطلان إذا طاف على دابة أو


1) الوسائل 13 : 368 / أبواب الطّواف ب 35 ح 1.

2) في ص 39.

.................................................................................................


عربة مغصوبة أو طاف في اللباس المغصوب يبتني على مسألة أُصولية ، وهي أن حرمة المسبب هل تسري إلى السبب؟ وبعبارة اخرى : حرمة ذي المقدمة تستدعي حرمة المقدمة ، كما أن وجوب ذي المقدمة يقتضي وجوب المقدمة؟ فإن بنينا على ذلك فبما أن المعلول وهو حركة اللباس والتصرف فيه محرّم ، والعلّة إنما هي الطّواف وحركة البدن حول البيت فتكون محرمة بالسراية ، وبما أن الطّواف أمر عبادي لا يمكن أن يكون محرّماً فيبطل.

ولكن ذكرنا في المباحث الأُصولية (1)أنه لا أساس للسراية بين العلّة والمعلول فإنّهما موجودان مستقلّان وإن كان أحدهما علّة والآخر معلولاً فلا موجب للسريان.

نعم ، لو كان الوجود واحداً والعنوان متعدداً كالأسباب التوليدية ، فالسراية مسلّمة ، لأن الموجود الخارجي واحد والتعدّد إنما هو في العنوان كالهتك المسبب عن فعل من الأفعال ، فكل ما يوجب الهتك يكون محرّماً.

وبعبارة واضحة : في مورد الأفعال التوليدية ليس في الخارج وجودان ، بل وجود واحد ينتزع منه العنوانان ، فالعبرة بوحدة الوجود الخارجي ، ولذا ذكرنا أن من صلى فرادى في محل تقام فيه الجماعة يحكم بفساد صلاته ، لاستلزامه هتك الإمام فيكون فعله مصداقاً للهتك ، ولا يمكن التقرّب به لعدم اجتماع الحرمة والفعل القربي ، وأمّا إذا كان الموجود الخارجي أمرين ، وإن كان أحدهما علّة والآخر معلوماً كما في المقام لأن حركة البدن علّة لحركة اللباس فلا موجب للسراية ، لأن أحدهما من عوارض البدن والآخر من عوارض اللباس فأحدهما أجنبي عن الآخر من هذه الجهة.

هذا في اللباس غير الساتر ، وأمّا المركوب فهو على عكس اللّباس يعني حركة المركوب علّة لحركة البدن والطّواف ولا تسري الحرمة من العلّة إلى المعلول ، أي لا تسري الحرمة من المقدّمة إلى ذي المقدّمة ، وعدم السراية هنا أوضح من باب اللباس ، ولذا لا يكون السفر على دابة مغصوبة موجبة لكون السفر معصية ، فإن المحرّم هو الركوب على الدابة لا السفر والبعد من الوطن.


1) أشار إلى ذلك في مصباح الأُصول 2 : 548.

التقصير

وهو الواجب الخامس في عمرة التمتّع ، ومعناه أخذ شي‌ء من ظفر يده أو رجله أو شعر رأسه أو لحيته أو شاربه ، ويعتبر فيه قصد القربة ، ولا يكفي النتف عن التقصير (1).


ولا فرق في جميع ما ذكرنا بين الطّواف والسعي ، ولكن الشيخ النائيني (قدس سره) جزم بالبطلان في الطّواف واحتاط في السعي (1)ولم يظهر الفرق بين المقام وبين الطّواف.

وأمّا اللباس إذا كان ساتراً فيفرق بين الطّواف والسعي ونلتزم بالبطلان في الطّواف دون السعي ، وذلك لأن الطّواف يعتبر فيه الستر ، والساتر إذا كان حراماً لا يكون قيداً للمأمور به ، فاذا كان الطّواف واجباً فلم يأت بالواجب ، لأن الطّواف مقيد بالساتر المباح فلم يأت بالمأمور به على وجهه.

وأمّا السعي فلا يعتبر فيه الستر فحكم الساتر حكم غير الساتر إلّا إذا قلنا بالسراية فلا فرق بين الساتر وغيره ، وإلّا فلا نقول بالبطلان مطلقاً.

(1) لا ريب ولا خلاف في وجوبه ، وتدل عليه نصوص مستفيضة :

منها : الروايات البيانية الواردة في كيفية الحج كصحيحة معاوية بن عمار (2).

ومنها : الروايات الواردة في التقصير (3)فأصل الوجوب ممّا لا إشكال فيه ، وبه يحل له كل شي‌ء حرم عليه بالإحرام إلّا الصيد ، لأنه لم يحرم من جهة الإحرام وإنما يحرم عليه الصيد للدخول في الحرم.


1) دليل الناسك (المتن) : 248 ، 299.

2) الوسائل 11 : 220 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 8.

3) الوسائل 13 : 505 / أبواب التقصير ب 1.

مسألة 350 : يتعيّن التقصير في إحلال عمرة التمتّع ولا يجزئ عنه حلق الرأس بل يحرم الحلق عليه ، وإذا حلق لزمه التكفير عنه بشاة إذا كان عالماً عامداً ، بل مطلقاً على الأحوط (1).


بماذا يتحقّق التقصير

في صحيح معاوية بن عمار (1)أمر بقصّ الشعر من اللحية والشارب وتقليم الأظفار ولو كنّا نحن وهذه الصحيحة لوجب الجمع بين هذه الأُمور ، ولكن المستفاد من بقية الروايات الاكتفاء بواحد منها كصحيحة عبد اللّه بن سنان «ويقصّر من شعره ، فاذا فعل ذلك فقد أحل» (2)وفي صحيح الحلبي ما يدلّ على الاكتفاء بقرض الشعر بالأسنان (3). وفي صحيح جميل وحفص قد وقع التصريح بالاجتزاء ببعض هذه الأُمور «في محرم يقصّر من بعض ولا يقصّر من بعض ، قال : يجزيه» (4).

وهل يجزي النتف مكان التقصير أم لا؟ وجهان ، ذهب إلى الأول صاحب الحدائق لأن المقصود إزالة الشعر فلا فرق بين الأمرين (5)ولكن الظاهر هو الثاني ، لأن المذكور في الروايات هو التقصير ، والنتف لا يكون مصداقاً للتقصير ، فلا بدّ من الأخذ بظواهر الروايات ، والأحكام تعبدية فيجب الاقتصار بما في النصوص.

(1) هل يجوز الحلق مكان التقصير ، وعلى فرض عدم الجواز فلو حلق فهل يجزئه ذلك عن التقصير أم لا؟

المشهور تعيّن التقصير عليه وعدم جواز الحلق وعدم إجزائه عنه لو فرضنا أنه خالف وحلق ، ونسب إلى الشيخ التخيير بين الأمرين (6)ونسب إلى العلّامة أن الواجب


1) الوسائل 13 : 505 / أبواب التقصير ب 1 ح 1.

2) الوسائل 13 : 505 / أبواب التقصير ب 1 ح 2.

3) الوسائل 13 : 508 / أبواب التقصير ب 3 ح 2.

4) الوسائل 13 : 507 / أبواب التقصير ب 3 ح 1.

5) الحدائق 16 : 298.

6) الخلاف 2 : 330 المسألة 144.

.................................................................................................


هو التقصير ، ولكن لو حلق يجزئ عن التقصير (1).

أمّا التخيير فيردّه ظاهر الروايات الواردة في المقام (2)فان الظاهر منها تعيّن التقصير. وأمّا التخيير قد ورد في الحج (3)وأمّا في عمرة التمتّع فلا يظهر من شي‌ء من الروايات ولم يعلم مستند الشيخ.

وأغرب من هذا ما نسب إلى العلّامة من الإجزاء على فرض عدم الجواز ، لأن الواجب لو كان هو التقصير فكيف يجزئ الحلق المحرّم عن الواجب ، فلا ينبغي الريب في أن المتعين هو التقصير ولا يجوز ولا يجزئ الحلق.

وصاحب الحدائق أجاز الحلق ، ولكنه خصّ الجواز بصورة حلق بعض الرأس لإتمامه (4)وهذا أيضاً بعيد ، لأن إزالة الشعر بالحلق لا تكون مصداقاً للتقصير.

وربما يوجّه ما نسب إلى العلّامة من أن التقصير يتحقق بأوّل جزء من الحلق.

وفيه : أن التقصير لا يصدق على الحلق حتى على أول جزء منه ، فالتقصير باق على ذمّته فلا بدّ من التقصير بنحو آخر من تقليم الأظفار أو الأخذ من شعره من مكان آخر.

وهل يعمّ الحكم بتعيّن التقصير للملبّد والمعقوص (5)أم لا؟

المعروف أنه لا فرق بينهما وبين غيرهما من المكلفين في عمرة التمتّع ، وإنما يجب عليهما الحلق في الحج والعمرة المفردة ، ونسب إلى الشيخ (6)تعيّن الحلق عليهما في عمرة التمتّع أيضاً فوظيفة الملبّد والمعقوص هي الحلق مطلقاً ، سواء في الحج أو العمرة


1) المنتهي 2 : 710 السطر 28.

2) الوسائل 13 : 505 / أبواب التقصير ب 1 ، 4.

3) الوسائل 14 : 221 / أبواب الحلق والتقصير ب 7.

4) الحدائق 16 : 301.

5) تلبيد الشعر : أن يجعل فيه شي‌ء من صمغ أو خطمي وغيره عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل اتقاءً على الشعر. مجمع البحرين 3 : 140. عقص الشعر : جمعه وجعله في وسط الرأس وشدّه ، والعقيصة للمرأة : الشعر يلوى وتدخل أطرافه في أُصوله. مجمع البحرين 4 : 173.

6) التهذيب 5 : 169.

.................................................................................................


المفردة أو عمرة التمتّع ، واستدل على ذلك بعدة من الروايات.

منها : صحيحة هشام بن سالم ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا عقص الرجل رأسه أو لبّده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق» (1)وغير خفي أن دلالتها بالإطلاق باعتبار شمول العمرة للمفردة وللمتمتّع بها. ولكن الظاهر أن المراد بالعمرة بقرينة المقابلة للحج هو العمرة المفردة ، ولو سلّمنا الإطلاق فهو قابل للتقييد.

ومنها : صحيحة عيص قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عقص شعر رأسه وهو متمتع ثم قدم مكة فقضى نسكه وحل عقاص رأسه فقصّر وأدهن وأحل ، قال : عليه دم شاة» (2)فإنها أيضاً بالإطلاق تدل على أن وظيفة المعقوص هي الحلق ، ولكن لو كان المراد من قول السائل «فقضى نسكه» جميع الأعمال الواجبة عليه كما هو مقتضى إضافة الجمع ، وأنه لم يحلق بل قصّر بعد إتيان وظائفه حتى بعد الوقوفين ، فيكون الصحيح خارجاً عن مورد الكلام ، لأن كلامنا في عمرة التمتّع قبل الإتيان بأعمال الحج لا بعد الوقوفين ، ولو كان المراد بقوله «نسكه» خصوص نسك العمرة ، فيكون الصحيح شاهداً للمقام ، ولكن لم يظهر أن المراد به خصوص نسك العمرة المتمتع بها ، بل من المحتمل أن المراد به جميع النسك حتى نسك الحج.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير ، وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج ، وليس في المتعة إلّا التقصير» (3).

بدعوى أن صدر الصحيحة مطلق من حيث الحج وعمرة التمتّع ، بل الموضوع مَن أحرم وعقص شعره ، سواء كان إحرامه للحج أو للمتعة.

ولكن هذه الدعوى بعيدة جدّاً ، لأن الظاهر من الرواية أن الإمام (عليه السلام) في مقام بيان التخيير بين الحلق والتقصير في الحج إلّا الملبّد والمعقوص فإنه يتعيّن عليهما


1) الوسائل 14 : 222 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 2.

2) الوسائل 14 : 224 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 9.

3) الوسائل 14 : 224 / أبواب الحلق والتقصير ب 7 ح 8.

.................................................................................................


الحلق وليس لهما التخيير ، وأمّا المتعة فليس فيها إلّا التقصير مطلقاً ، سواء كان المكلف عقص رأسه أم لا ، فالصحيحة على خلاف المطلوب أدل ، إلّا أن المستدل زعم أن كلمة «في الحج» راجعة إلى الجملة الثانية وقيد لها ، وهي «وإن أنت لم تفعل فمخيّر لك التقصير والحلق» فالصدر وهو قوله : «إذا أحرمت إلى قوله وليس لك التقصير» على إطلاقه وشموله للحج والمتعة ، إلّا أن الظاهر أن قوله : «في الحج» قيد لجميع ما تقدّم.

ويؤكد ذلك : صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار وهي صريحة في أن الحلق على الملبّد والمعقوص إنما هو في الحج ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ينبغي للصرورة أن يحلق ، وإن كان قد حج قصّر ، وإن شاء حلق ، فاذا لبّد أو عقص فان عليه الحلق وليس له التقصير» (1)ويعلم من هذه الصحيحة أن تعيّن الحلق على الملبّد والمعقوص إنما هو في الحج ، وبها نرفع اليد عن إطلاق العمرة في صحيحة هشام ، كما أنها تكون رافعة لإجمال المراد من صحيحة عيص ، وتعيّن المراد بالنسك وأنه نسك الحج لا العمرة.

ولو أغمضنا عن جميع ذلك وفرضنا دلالة الروايات على تعيين الحلق على الملبّد مطلقاً في الحج والعمرة إلّا أنه نحتمل التعيين عليه في عمرة المتعة ، وذلك لأن التلبيد والعقص كانا من الأُمور الشائعة في الأزمنة السابقة ، ولو كان الحلق واجباً لوقع مرّة واحدة في المتعة من الأصحاب والرواة ، ولوقع السؤال عنه ، ولم ينقل من أحد وقوع الحلق منه ، بل لم يتعرّض مَن تقدّم على الشيخ له في عمرة التمتّع ، وإنما تعرّض إليه الشيخ في التهذيب (2)فتعيين الحلق على الملبّد والمعقوص ساقط جزماً.

وأمّا التخيير بين الحلق والتقصير فهو محتمل في نفسه ، ولكن لا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه ، وهو إطلاق أدلّة التقصير وهو يشمل الملبّد والمعقوص وغيرهما ففي عمرة التمتّع يتعين التقصير سواء كان المكلف قد لبّد أو عقص شعره أم لا.

ثم إنه لو حلق رأسه لزمه التكفير عنه بشاة ، لا لروايات خاصة ليناقش فيها


1) الوسائل 14 : 221 / أبواب الحلق ب 7 ح 1.

2) التهذيب 5 : 160.

مسألة 351 : إذا جامع بعد السعي وقبل التقصير جاهلاً بالحكم فعليه كفارة بدنة على الأحوط (1).


بضعف السند أو الدلالة كما في الجواهر (1)بل للروايات المطلقة المتقدمة (2)في كفارات تروك الإحرام.

ولا يخفى أن الشيخ (3)لم يصرّح بذلك ، وإنما ظاهر كلامه العموم للحج وعمرة المفردة وعمرة التمتّع ، واستدل الشيخ بروايتين : الأُولى صحيحة معاوية بن عمار والثانية صحيحة عيص الدالّة على أن من أخذ من شعره أو حلق رأسه عمداً فعليه دم (4)هذا في المتعمد العالم.

وأمّا غير المتعمد كالناسي أو غير العالم كالجاهل ، فمقتضى النصوص أنه لا شي‌ء عليه ، ولكن في خصوص المقام دلّت رواية على ثبوت الكفارة في مورد الخطأ والنسيان فتثبت في الجاهل بطريق أولى ، لأن الجاهل متعمّد ويقصد إلى الفعل مع الالتفات لكن عن جهل بالحكم ، وإذا ثبت التكفير في مورد الغفلة والخطأ فتثبت في مورد الالتفات بالأولوية وإن كان جاهلاً بالحكم.

وأمّا الرواية فهي ما رواه أبو بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن المتمتّع أراد أن يقصّر فحلق رأسه ، قال : عليه دم يهريقه» (5).

ولكن الرواية ضعيفة بمحمد بن سنان على طريق الشيخ ، وبعلي بن أبي حمزة البطائني على طريق الصدوق ، فلا بأس بالاحتياط استناداً إلى هذه الرواية.

(1) إن جامع قبل التقصير عن عمد فقد تقدم حكمه مفصلاً في باب الكفارات حجّا وعمرة (6)ولكن في خصوص المقام وهو ما لو جامع جاهلاً بالحكم بعد الفراغ


1) الجواهر 20 : 454.

2) في شرح العروة 28 : 466.

3) التهذيب 5 : 158 ، الاستبصار 2 : 242.

4) في التهذيب والاستبصار لم يستدل الشيخ إلّا برواية أبي بصير.

5) الوسائل 13 : 510 / أبواب التقصير ب 4 ح 3.

6) شرح العروة 28 : 360 المسألة 220.

.................................................................................................


من السعي وقبل التقصير وردت رواية صحيحة عن الحلبي على طريق الشيخ (1)وعن حماد على طريق الصدوق (2)تدل على أن كفارته بدنة.

والرواية ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك إني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم أقصّر ، قال : عليك بدنة ، قال : قلت : إني لما أردت ذلك منها ولم يكن قصّرت امتنعت فلما غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها ، فقال : رحمها اللّه كانت أفقه منك ، عليك بدنة وليس عليها شي‌ء» (3)وهي كالصريحة في أن الحلبي كان جاهلاً بالحكم ، لقوله (عليه السلام) «هي أفقه منك» يعني هي عالمة بالحكم وأمّا أنت فكنت جاهلاً به ، فلا مانع من الالتزام بمضمونها.

وليس بإزائها رواية تعارضها غير العمومات والمطلقات التي لا تصلح للمعارضة بل هي قابلة للتخصيص والتقييد بهذه الصحيحة ، نعم ، هناك صحيحة لمعاوية بن عمار يتحد مورد السؤال فيها مع مورد صحيحة الحلبي ، وقد دلت على عدم ثبوت الكفارة على الجاهل قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته ولم يقصّر ، قال : ينحر جزوراً وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً ، وإن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه» (4).

إلّا أن الكلام في ثبوت هذه الرواية بهذا المضمون ، فإن الكليني رواها بعين السند والمتن في موردين ، في أحد الموردين رواها «ولم يقصّر» وفي مورد آخر رواها وذكر «ولم يزر» بدل «ولم يقصر» (5)وكذلك الشيخ (6)فتكون الرواية بناء على ذكر «ولم يزر» أجنبية عن مورد الكلام ، لأنها تكون حينئذ في مورد طواف الحج ولا نحتمل


1) التهذيب 5 : 162 / 543.

2) الفقيه 2 : 238 / 1138.

3) الوسائل 13 : 508 / أبواب التقصير ب 3 ح 2.

4) الوسائل 13 : 130 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 4 ، وفي ص 121 ب 9 ح 1.

5) الكافي 4 : 440 / 5 ، وص 378 / 3.

6) التهذيب 5 : 161 / 539 ، وص 321 / 1104.

مسألة 352 : يحرم التقصير قبل الفراغ من السعي ، فلو فعله عالماً عامداً لزمته الكفارة (1).

مسألة 353 : لا تجب المبادرة إلى التقصير بعد السعي فيجوز فعله في أيّ محل شاء ، سواء كان في المسعى أو في منزله أو غيرهما (2).

مسألة 354 : إذا ترك التقصير عمداً فأحرم للحج بطلت عمرته ، والظاهر أن حجّه ينقلب إلى الافراد فيأتي بعمرة مفردة بعده ، والأحوط إعادة الحج في السنة القادمة (3).


أنهما روايتان إحداهما جاء فيها : «ولم يقصر» والأُخرى قال «ولم يزر» لاتحاد السند والمتن ، ومعه يبعد التعدد. فاذن لم يعلم أن الصادر هو جملة «ولم يقصر» أو «ولم يزر» فتسقط عن الاعتبار ، فتكون صحيحة الحلبي الواردة في المقام بلا معارض فلا بد من الالتزام بمضمونها ، ولكن حيث لم ينقل من أحد من الأصحاب الفتوى بمضمونها بل لم يتعرضوا لمضمونها نفياً وإثباتاً فلا بد من الاحتياط الوجوبي على الأقل ، فيكون هذا المورد مستثنى من مورد الجهل الذي لا يترتب عليه شي‌ء.

(1) لا ريب أن محل التقصير بعد الفراغ من السعي على ما نطقت به الروايات الكثيرة ، فلو قدّمه عالماً عامداً تجب عليه الكفارة ، لإطلاق أدلّة ثبوت الكفارة على المحرم إذا أزال شعره وأخذه.

(2) لا دليل على وجوب المبادرة إلى التقصير بعد السعي ، وله التأخير والفصل بينهما إلى أن يضيق الوقت للحج ، كما أن ليس له مكان خاص فيجوز فعله في أيّ مكان شاء ، في المروة أو في المسعى أو في منزله أو في غير ذلك ، لعدم الدليل وللإطلاق والتسالم على عدم الموالاة.

(3) إذا طاف المتمتع وسعى ثم أحرم للحج قبل أن يقصّر ، فان فعل ذلك عامداً فالمشهور أنه تبطل عمرته ويصير الحج مفرداً. وخالف ابن إدريس وذهب إلى بطلان الإحرام الثاني لأنه وقع في غير محله والبقاء على الإحرام الأول ، فيجب عليه

.................................................................................................


التقصير ويتم حجّه متمتعاً (1).

واستدل للمشهور بروايتين :

الاولى : معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبّى بالحج قبل أن يقصّر ، فليس له أن يقصّر وليس عليه متعة» (2)وفي التهذيب «وليس له متعة» (3)وهو الصحيح.

الثانية : رواية العلاء بن الفضيل قال : «سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهلّ بالحج قبل أن يقصّر ، قال : بطلت متعته هي حجة مبتولة» (4).

ولا يخفى أنه لو أغمضنا عن الروايتين فالحق مع ابن إدريس ، إذ لا موجب للانقلاب إلى الافراد ، فإن الانقلاب يحتاج إلى الدليل فكلامه (قدس سره) على طبق القاعدة ، ولذا ذكر السيد صاحب المدارك بعد نقل الخبرين وقصورهما من حيث السند عنده ، لضعف الخبر الأول لأن في السند إسحاق بن عمار وهو مشترك بين الثقة وغيره ، والثاني ضعيف بمحمد بن سنان ، فيشكل التعويل عليهما في إثبات حكم مخالف للأصل (5)واستحسنه صاحب الحدائق بناء على مسلك المدارك واصلة من عدم اعتماده على الموثقات ومناقشته في أسناد كثير من الروايات ، ولكن أورد عليه بأنه لا موقع للمناقشة في أسناد هذه الروايات بعد ذكرها في الكتب الأربعة المعتبرة (6).

أقول : أمّا الخبر الثاني فالأمر كما ذكره ، وأمّا الخبر الأول فمعتبر ، فإن إسحاق بن عمار غير مشترك بين الثقة وغيره ، فإنه إسحاق بن عمار الساباطي وقد يوصف بالصيرفي وهما شخص واحد ، وكونه فطحياً لا يمنع عن وثاقته كما حقق في محلّه ،


1) السرائر 1 : 581.

2) الوسائل 12 : 412 / أبواب الإحرام ب 55 ح 5.

3) التهذيب 5 : 159 / 529.

4) الوسائل 12 : 412 / أبواب الإحرام ب 55 ح 4.

5) المدارك 7 : 282.

6) الحدائق 15 : 119.

.................................................................................................


فالرواية معتبرة ولا بدّ من العمل بمضمونها ، إنما الكلام في دلالتها على مذهب المشهور.

وقد يناقش بدعوى أنها لا تدل على الانقلاب إلى الإفراد ، وإنما تدل على بطلان متعته ، فيكون حال هذا المكلف حال من لم يتمكّن من الإتيان بالمتعة وحال من عجّز نفسه اختياراً عن الإتيان بها ، نظير من لا يتمكّن من المتعة لضيق الوقت أو مفاجأة الحيض ونحو ذلك من الموانع.

وفيه : أن الدلالة تامة ، وذلك لأن السؤال في الرواية في الحقيقة يرجع إلى أمرين : أحدهما حكم الإحرام قبل التقصير. والآخر وظيفته بالنسبة إلى إتيان أعمال الحج والإمام (عليه السلام) لم يتعرّض لإحرامه للحج وأنه باطل أم لا ، بل أمضاه ، وإلّا لو كان إحرامه للحج باطلاً كان عليه إلغاؤه ، فيعلم من عدم تعرضه إنه أمضاه ، ولذا ليس له أن يقصّر ، ولو كان إحرامه للحج بحكم العدم وكان باطلاً فلا مانع من التقصير ، فعدم جواز التقصير يكشف عن صحة إحرامه الثاني وأنه يأتي بأعمال الحج فاذا لم تكن له متعة والمفروض صحة إحرامه طبعاً ينقلب إحرامه للحج إلى حج الإفراد ، فقوله «وليس له أن يقصّر وليس له متعة» ظاهر في إمضاء الإحرام فيستمر في أعمال الحج.

وهل ذلك وظيفته؟ يعني تنقلب وظيفته من التمتّع إلى الإفراد أو عليه الحج تمتعاً من قابل؟ لا يبعد ظهور الرواية في انقلاب الوظيفة وعدم وجوب الحج تمتعاً في السنة الآتية ، فيأتي بعمرة مفردة بعد الحج ، ولكن الأحوط إتيان الحج تمتعاً في السنة المقبلة.

ويمكن تقريب ما ذكرنا بوجه آخر ، وهو أن تكليفه بالتمتع في هذه السنة قد سقط عنه لقوله : «ليس له متعة» وبعد ذلك ما هو تكليفه ، هل يقتصر بالحج الأفرادي أو يأتي بالتمتع في السنة الآتية؟ مقتضى العلم الإجمالي هو إتيان الإفراد في هذه السنة والتمتّع في السنة المقبلة ، فإن قلنا بانقلاب وظيفته من التمتّع إلى الإفراد فهو ، وإن لم ينقلب فلا بدّ له من إتيان التمتّع في السنة الآتية ، فإن قلنا بظهور الرواية في الانقلاب فالاحتياط غير واجب ، وإن لم يكن لها ظهور ، فيجب الجمع للعلم الإجمالي ، هذا حكم العامد سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً به.

مسألة 355 : إذا ترك التقصير نسياناً فأحرم للحج صحت عمرته ، والأحوط التكفير عن ذلك بشاة (1).


(1) لا ينبغي الريب في صحة عمرته وأن إحرامه للحج بحكم العدم ، فيقصّر ثم يحرم للحج ، ورواية أبي بصير المتقدمة (1)تختص بغير الناسي.

إنما الكلام في وجوب الكفارة عليه بشاة أم لا ، ورد في المقام روايتان :

الأُولى : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة ونسي أن يقصّر حتى دخل في الحج ، قال : يستغفر اللّه ولا شي‌ء عليه وتمت عمرته» (2).

الثانية : معتبرة إسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) : الرجل يتمتّع فينسى أن يقصّر حتى يهلّ بالحج ، فقال : عليه دم يهريقه» (3).

فربما يقال إن مقتضى قانون الإطلاق والتقييد هو التقييد في المقام بأنه ليس عليه شي‌ء إلّا الدم ، ولكن يبعد تطبيق هذه الكبرى على المقام إذ المنفي بقوله : «لا شي‌ء عليه» إنما هو الدم ، لأنّا لا نحتمل وجوب شي‌ء آخر غير الدم حتى يكون مورداً للنفي ، بل المرتكز في الأذهان أنه إن وجب شي‌ء فهو الدم ونحوه من الكفارات فالسؤال والجواب ناظران إلى الكفارة ، فقوله «لا شي‌ء عليه» كالصريح في نفي الكفارة بشاة وأنه ليس عليه دم سوى الاستغفار ، فتقع المعارضة ، فيحمل ما دل على الوجوب على الاستحباب ، ولذا عبّرنا بأن الأحوط التكفير بشاة.


1) في ص 164.

2) الوسائل 13 : 512 / أبواب التقصير ب 6 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 13 : 512 / أبواب التقصير ب 6 ح 1 ، 2.

مسألة 356 : إذا قصّر المحرم في عمرة التمتّع حل له جميع ما كان يحرم عليه من جهة إحرامه ما عدا الحلق ، أمّا الحلق ففيه تفصيل ، وهو أن المكلف إذا أتى بعمرة التمتّع في شهر شوال جاز له الحلق إلى مضي ثلاثين يوماً من يوم عيد الفطر ، وأمّا بعده فالأحوط أن لا يحلق ، وإذا حلق فالأحوط التكفير عنه بشاة إذا كان عن علم وعمد (1).


(1) إذا فرغ المتمتع عن أعمال العمرة وقصّر يحل له كل شي‌ء حرم عليه لأجل الإحرام ، بل يحل له حتى الصيد في غير الحرم ، إنما الكلام في الحلق ، فالمشهور والمعروف جوازه بعد التقصير ، وإنما يستحب له التوفير ، ونسب إلى بعض المحدثين تحريمه وقال : إنه يحل له بالتقصير كل ما حرم عليه بالإحرام إلّا الحلق ، والظاهر حرمة الحلق كما نسب إلى بعض ، واستشكل الشيخ النائيني فيه وقال (قدس سره) : يحلّ له بفعله كل ما حرم عليه بعقد إحرامه على إشكال في حلق جميع الرأس (1).

ولعل منشأ الاشكال معروفية الجواز وإلّا فمقتضى النص الحرمة ، والعمدة في ذلك صحيحتان :

الأُولى : صحيحة معاوية بن عمار قال (عليه السلام) : «ثم قصّر من رأسك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك وقلّم أظفارك وابق منها لحجك ، فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء يحل منه المحرم وأحرمت منه» (2)وقوله : «فاذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء» يراد به غير الحلق لقوله : «وابق منها لحجك».

وبالجملة : لا ينبغي الريب في ظهور الصحيحة في عدم جواز الحلق وأنه يلزم عليه الإبقاء للحج.

وأوضح من ذلك : الصحيحة الثانية لجميل فقد سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) «عن متمتع حلق رأسه بمكة ، قال : إن كان جاهلاً فليس عليه شي‌ء ، وإن تعمّد ذاك في أوّل


1) دليل الناسك (المتن) : 305.

2) الوسائل 13 : 503 / أبواب التقصير ب 1 ح 1.

مسألة 357 : لا يجب طواف النساء في عمرة التمتّع ولا بأس بالإتيان به رجاء ، وقد نقل شيخنا الشهيد (قدس سره) وجوبه عن بعض العلماء (1).


شهور الحج بثلاثين يوماً فليس عليه شي‌ء ، وإن تعمد بعد الثلاثين يوماً التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دماً يهريقه» (1)فإن السؤال عن الحلق بمكة ظاهر في أن السؤال من جهة إعمال المتعة ، وأن من تمتع يجوز له الحلق أم لا ، وإلّا لو كان السؤال ناظراً إلى جواز الحلق من جهة الإحرام فلا فرق بين مكة وغيرها ، فان الحلق للمحرم غير جائز سواء كان في مكة أم لا.

ثم إن التفصيل بين مضي ثلاثين يوماً من أوّل شهور الحج وبين مضي أكثر من ذلك وجواز الحلق في الفرض الأوّل دون الثاني ، ظاهر جدّاً في أن السؤال والجواب ناظران إلى الحلق في نفسه للمتمتع ، لا من جهة الإحرام وإلّا فلا وجه لهذا التفصيل ، فيعلم من هذه الرواية لزوم إبقاء الشعر وتوفيره بمقدار يتمكّن من تحقق الحلق للحج ، ولذا يجوز الحلق في أيام شهر شوال ، لأن الحلق في شهر شوال لا يمنع من الحلق في الحج إذا وفّر شعره من ذي القعدة.

والحاصل : لا إشكال في أن الرواية ظاهرة بل صريحة في عدم جواز الحلق للمتمتع في نفسه ، وحمله على الاستحباب كما صنعه المشهور مما لا وجه له ، ولكن حيث إن الصحيحة بمرأى من الأصحاب ومع ذلك لم يلتزموا بالحرمة فلا أقل من الاحتياط فما ورد في الروايات أنه لو قصّر حل له كل شي‌ء يقيد بغير الحلق.

(1) لا خلاف في عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتّع ، فلو قصّر حل له النساء بلا إشكال ولم يعلم بمخالف معين.

نعم ، نقل الشهيد في الدروس عن بعض الأصحاب قولاً بوجوبه ولم يصرّح باسمه (2).

ولكن لا ينبغي الريب في عدم وجوبه ، للنص الدال بالصراحة على عدم الوجوب


1) الوسائل 13 : 510 / أبواب التقصير ب 4 ح 5.

2) الدروس 1 : 329.

.................................................................................................


وهو صحيح صفوان ، قال «سأله أبو حارث ، عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف وسعى وقصّر ، هل عليه طواف النساء؟ قال : لا ، إنما طواف النساء بعد الرجوع من منى» (1)أي طواف النساء ثابت في الحج بعد أعمال الحج.

وفي معتبرة سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) قال : «إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة وقصّر فقد حلّ له كل شي‌ء ما خلا النساء ، لأن عليه لتحلة النساء طوافاً وصلاة» (2).

وربما يقال بدلالتها على وجوب طواف النساء في عمرة المتعة ، ولكن الدلالة مخدوشة ، لأن المفروض في الرواية أنه حج الرجل فدخل مكة متمتعاً ، والذي يدخل مكة متمتعاً بالعمرة لا يقال حج الرجل ، فيعلم أنه دخل مكة بعد أعمال الحج ، فالمعنى أن الرجل تمتع وذهب إلى عرفات والمشعر وحج ثم دخل مكة بعد أعمال الحج فيكون الطّواف المذكور هو طواف النساء الثابت في الحج ، هذا.

والرواية على مسلك المشهور ضعيفة السند ، لعدم توثيق سليمان المروزي في الرجال ولذا عبّروا عنه بالخبر ، لكنه موثقة عندنا لأنه من رجال كامل الزيارات.

على أنه لو فرضنا دلالته على وجوب طواف النساء في عمرة التمتّع ولم نناقش في السند ، أيضاً لا نقول بالوجوب ، لا للمعارضة بينه وبين صحيح صفوان المتقدم ، بل للقطع بعدم الوجوب ، للسيرة القطعية بين المسلمين وهي كافية وافية في نفي الوجوب إذ لو كان واجباً لكان من أوضح الواجبات ، لأنه ممّا يكثر الابتلاء به ، ولم ينسب القول بالوجوب إلى أحد من العلماء سوى الشهيد نسب الوجوب إلى عالم مجهول فلو كان هنا رواية صريحة في الوجوب لالتزمنا بالعدم للسيرة القطعية ، ونطرح الرواية أو تحمل على محامل.


1) الوسائل 13 : 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 6.

2) الوسائل 13 : 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 7.

إحرام الحج

تقدّم في المسألة 149 أن واجبات الحج ثلاثة عشر ذكرناها مجملة. وإليك تفصيلها :

الأوّل : الإحرام ، وأفضل أوقاته يوم التروية ، ويجوز التقديم عليه بثلاثة أيام ولا سيما بالنسبة إلى الشيخ الكبير والمريض إذا خافا من الزحام فيحرمان ويخرجان قبل خروج الناس ، وتقدّم جواز الخروج من مكة محرماً بالحج لضرورة بعد الفراغ من العمرة في أيّ وقت كان (1).


بل لا يمكن القول بالاستحباب أيضاً ، إذ لو كان مستحباً لصدر من الأئمة (عليهم السلام) أو من الأصحاب وسائر المسلمين ولو مرة واحدة ، ولم يصل إلينا صدوره من أحد منهم.

(1) لا ريب في وجوب الإحرام لحج التمتّع بعد الفراغ من أعمال عمرة التمتّع ، وإنما وقع الكلام في جهات :

الاولى : في وقت الإحرام ، المعروف والمشهور بين الأصحاب أنه لا وقت له محدّد وإنما يجوز له الإحرام بالحج عند الفراغ من متعته ولو كان في أول شهر شوال الذي هو من أشهر الحج ، ومن صرّح بذلك شيخنا النائيني فإنه قال في مناسكه : وأوّل وقته لغير المتمتع دخول أشهر الحج ، وللمتمتع بعد الفراغ عن عمرته (1)، نعم ، لا يجوز له الإحرام للحج قبل التقصير. ونسب إلى الشيخ أن وقته يوم التروية ولا يجوز تقديمه عليه (2)هذا بحسب الأقوال.

وأمّا بحسب الروايات فهي على طوائف :

منها : ما دل على إيقاع إحرام الحج يوم التروية (3).


1) دليل الناسك (المتن) : 311.

2) لاحظ المبسوط 1 : 364 ، التهذيب 5 : 175.

3) الوسائل 11 : 291 / أبواب أقسام الحج ب 20.

.................................................................................................


ومنها : ما دل على الإحرام بعد الإتيان بصلاة الظهر من يوم التروية كصحيحة معاوية بن عمار «إذا كان يوم التروية إن شاء اللّه فاغتسل ثم البس ثوبيك إلى أن يقول ثم اقعد أي في المسجد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة وأحرم بالحج» (1).

ومنها : ما دلّ على الإتيان بالإحرام عند الزوال من يوم التروية (2).

ومنها : ما دلّ على الإتيان به قبل الزوال ليصلي الظهر في منى في طريقه إلى عرفات ، بل في بعضها لا ينبغي للإمام أن يصلي الظهر يوم التروية إلّا بمنى (3)والمراد بالإمام من يجعله الخليفة والياً على الموسم ومن المعلوم أنه لا يصلي فرادى.

ولا يخفى أنه لا يمكن حمل هذه الروايات على الوجوب ، لجواز تأخير الإحرام إلى الغروب قطعاً وقد صرح بذلك في الروايات (4).

فالمستفاد من النصوص أن العبرة بيوم التروية في أيّ وقت شاء ، ولا قائل بوجوب الإحرام في وقت خاص من يوم التروية ، فحينئذ يقع الكلام تارة في جواز التأخير عن يوم التروية ، وأُخرى في جواز التقديم على يوم التروية.

أمّا الأوّل : فقد تقدم الكلام مفصلاً في المسألة الثالثة من فصل صورة حج التمتّع من شرح كتاب العروة (5)أن وقت عمرة

التمتّع يسع إلى فوات الركن من الوقوف الاختياري وهو المسمّى منه ، كما في بعض الأخبار المعتبرة بأن العبرة في إتيان عمرة التمتّع بخوف فوت الموقف (6)فضلاً عن جواز الإحرام للحج عند زوال يوم عرفة كما في صحيح جميل قال : «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة» (7)وفضلاً


1) الوسائل 13 : 519 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 13 : 520 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 2 ، 11 : 291 / أبواب أقسام الحج ب 20.

3) الوسائل 13 : 523 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 4.

4) الوسائل 11 : 293 / أبواب أقسام الحج ب 20 ، ح 9 ، 10.

5) شرح العروة 27 : 228 المسألة [3210].

6) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 5.

7) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 15.

.................................................................................................


عن جواز الإحرام ليلة عرفة كما في رواية أبي بصير (1)وصحيحة هشام (2)أو إلى السحر من ليلة عرفة (3).

وقد اخترنا في تلك المسألة أن الحد المسوّغ للعدول إلى الافراد خوف فوات الركن من الوقوف الاختياري وهو المسمّى منه ، وإلّا فعليه التمتّع ويحرم للحج إذا أدرك الوقوف آناً ما ، ولذا ذكرنا أن الأمر بالإحرام يوم التروية أو قبل الزوال أو بعده محمول على الاستحباب ، ولعل التقييد بزوال الشمس من يوم عرفة كما في صحيح جميل لأجل الفصل بين مكة وعرفات بأربعة فراسخ ، فإنه لو أخّر الإحرام من الزوال ربما لا يلحق بالوقوف في عرفة في تلك الأزمنة.

وأمّا الثاني : وهو جواز التقديم عن يوم التروية ، فقد عرفت أن المعروف بين الأصحاب جواز التقديم عليه مطلقاً ولو قبل شهر أو شهرين ، يعني يجوز الإتيان به في أشهر الحج ، إلّا أنّا لم نعثر على ما يدل على جواز التقديم بهذا المقدار من السعة بل المستفاد من الروايات الواردة في كيفية الحج وقوع الإحرام في يوم التروية (4)وفي بعضها الأمر للجواري بأن يحرمن للحج يوم التروية (5).

وفي صحيحة معاوية بن عمار «فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحج» (6).

وفي صحيحة عبد الصمد «فاذا كان يوم التروية فاغتسل وأهل بالحج» (7).

وظاهر هذه الروايات وجوب الإحرام في يوم التروية وعدم جواز التقديم عليه وليس بإزائها ما يدل على جواز التقديم ، فان تم إجماع على الجواز فهو ، وإلّا فرفع


1) الوسائل 11 : 292 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 3.

2) الوسائل 11 : 291 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 1.

3) الوسائل 11 : 293 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 9.

4) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2.

5) الوسائل 11 : 47 / أبواب وجوب الحج ب 15 ح 1.

6) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

7) الوسائل 11 : 241 / أبواب أقسام الحج ب 3 ح 4.

مسألة 358: كما لا يجوز للمعتمر إحرام الحج قبل التقصير لا يجوز للحاج أن يحرم للعمرة المفردة قبل إتمام أعمال الحج ، نعم لا مانع منه بعد إتمام النسك قبل طواف النساء (1).


اليد عن ظاهر الروايات مما لا موجب له.

نعم ، ورد في رواية واحدة معتبرة جواز التقديم بمقدار ثلاثة أيام لا أكثر ، إلّا إذا كان معذوراً كالشيخ الكبير والمريض فيجوز لهما التقديم ، وأمّا غيرهما فلا يجوز له التقديم إلّا بمقدار ثلاثة أيام ، والرواية هي معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن الرجل يكون شيخاً كبيراً أو مريضاً يخاف ضغاط الناس وزحامهم يحرم بالحج ويخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال : نعم ، قلت : يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكاناً و (أو) يتروح بذلك المكان؟ قال : لا ، قلت : يعجل بيوم؟ قال : نعم ، قلت بيومين؟ قال : نعم ، قلت : ثلاثة؟ قال : نعم ، قلت : أكثر من ذلك؟ قال : لا» (1)فمقتضى القاعدة تقييد الروايات المطلقة بهذه المعتبرة.

والنتيجة جواز التقديم بمقدار ثلاثة أيام وأمّا الأكثر فلا يجوز.

(1) يقع البحث في مقامين :

أحدهما : هل يجوز لمن أحرم بالحج أن يحرم إحراماً آخر لعمرة مفردة قبل الفراغ من أفعال الإحرام الأوّل ، فيأتي بأعمال المفردة ثم يأتي بمناسك الحج ، نظير اقتحام صلاة أُخرى في صلاة كما التزم بعضهم بجواز ذلك؟

ثانيهما : أن المعتمر بعد الفراغ من عمرته وقبل الدخول في إحرام الحج هل يجوز له أن يحرم للعمرة المفردة ، فقبل إنشاء عقد إحرام الحج يعقد الإحرام للعمرة المفردة فيأتي بها بين عمرة التمتّع والحج.

أمّا الأوّل : فقد استدل على المنع عنه بوجوه :


1) الوسائل 13 : 522 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 3 ح 1.

.................................................................................................


الأوّل : الإجماع بقسميه كما ادعاه صاحب الجواهر (1)فلا ينعقد الإحرام الثاني ويحكم عليه بالفساد. والأمر كما ذكره من اتفاق الفقهاء على ذلك ، ولكن حصول الإجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) لم يثبت ، ولعل المجمعين استندوا إلى بعض الوجوه الآتية.

الثاني : أن جميع ما ورد في باب الإحرام سواء كان لعمرة التمتّع أو للعمرة المفردة أو للحج ينصرف إلى المحل وأنه يحدث للإحرام ، فاللازم إحداث الإحرام منه بعد ما كان محلا ، وأمّا إذا كان محرماً فلا يصدق عليه أنه أحرم ، والتأكد ليس بحدوث ، وبالجملة ظاهر الروايات اعتبار إحداث الإحرام ، وهذا غير صادق على من كان محرماً ويريد أن يحرم إحراماً ثانياً.

الثالث : أنه لو كان ذلك أمراً مشروعاً وسائغاً لوقع مرة واحدة من الأصحاب ولوقع السؤال والجواب عن ذلك في الروايات ، ولم يرد في شي‌ء من الروايات السؤال عن ذلك ولم ينقل من أحد ارتكابه ، وهذا يكشف عن عدم الجواز وعدم المشروعية.

الرابع : أن المستفاد من الروايات الناهية عن الخروج من مكة بعد أعمال العمرة وأنه مرتهن بالحج ومحتبس به (2)عدم مشروعية المفردة له ، لاحتياج ذلك إلى الخروج من مكة ولا أقل إلى أدنى المواقيت ، فمع المنع عن الخروج من مكة إلّا لضرورة بل في مقام الضرورة لا بد له من أن يحرم للحج ويخرج ويذهب بعد ذلك إلى عرفات إن رجع في شهره ، ولو رجع بعد شهر يحرم ثانياً للحج إذن كيف يمكن القول بمشروعية العمرة المفردة له ، لاحتياج ذلك إلى الخروج من مكة ولو إلى أدنى المواقيت.

وأمّا المقام الثاني : وهو الإحرام بينهما ، كما إذا كان الوقت موسّعاً فأراد العمرة المفردة بين عمرة التمتّع والحج ، ولم أر مَن تعرّض لذلك إلّا شيخنا النائيني (قدس سره) في مناسكه ، فإنه (قدس سره) ذكر في المسألة السابعة من مسائل المواقيت أنه يجوز للمتمتع أن يعتمر بعمرة مفردة بعد إحلاله من إحرام [عمرة] التمتّع بعد مضي عشرة


1) الجواهر 18 : 250.

2) الوسائل 11 : 301 / أبواب أقسام الحج ب 22.

.................................................................................................


أيام ، لاعتبار تحقق الفصل بين العمرتين بعشرة أيام فيجوز له أن يخرج إلى أدنى الحل لإحرامها أو غير أدنى الحل إذا كان دون المسافة المعتبرة في التقصير ، وأمّا الخروج إلى المسافة فالأحوط أن لا يخرج إلّا محرماً بالحج (1).

وما ذكره (قدس سره) مبني على جواز الخروج من مكة اختياراً بعد عمرة التمتّع وقد ذكرنا في محله (2)أن الأظهر عدم جواز الخروج من مكة ، ولو إلى ما دون المسافة أو إلى أدنى الحل ، فإنه محتبس في مكة وليس له الخروج من مكة حتى يحج ، وأنه مرتهن بالحج كما في النصوص ، وأمّا التحديد إلى المسافة فلم يظهر له وجه ولا دليل عليه ، فان الممنوع هو الخروج من مكة سواء كان إلى المسافة أو إلى ما دونها ، ولا ينافي ما ذكرناه سعة بلدة مكة ودخول مسجد التنعيم في البلدة المقدسة في زماننا ، لأن العبرة كما تقدم غير مرّة في أمثال هذا الحكم بمكة القديمة.

بل الظاهر عدم جواز ذلك له حتى على القول بجواز الخروج ، وتدل عليه صحيحة حماد بن عيسى الدالة على عدم جواز الخروج من مكة على من تمتع في أشهر الحج ولكن لو جهل فخرج إلى المدينة بغير إحرام ثم رجع وأراد الحج ، قال (عليه السلام) : «إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً ، قلت : فأيّ الإحرامين والمتعتين متعة ، الأُولى أو الأخيرة؟ قال : الأخيرة هي عمرته ، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجّته» الحديث (3)فان المستفاد منها عدم جواز الفصل بين عمرة التمتّع والحج بعمرة اخرى ، وإلّا لو كان الفصل جائزاً لكانت الاولى عمرته متعة ، والثانية مفردة ، فيعلم من هذه الصحيحة أن عمرة التمتّع لا بد من اتصالها بالحج وعدم فصلها عنه بعمرة أُخرى.

مضافاً إلى ذلك : أنه لو كان ذلك أمراً جائزاً لوقع مرّة واحدة.

نعم ، لو فرغ من جميع أعمال المناسك ، ولم يأت بطواف النساء لا مانع من إتيان


1) دليل الناسك (المتن) : 120.

2) في شرح العروة 28 : 192 المسألة 151.

3) الوسائل 11 : 302 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 6.

مسألة 359 : يتضيق وقت الإحرام فيما إذا استلزم تأخيره فوات الوقوف بعرفات يوم عرفة (1).

مسألة 360 : يتحد إحرام الحج وإحرام العمرة في كيفيته وواجباته ومحرماته والاختلاف بينهما إنما هو في النيّة فقط (2).

مسألة 361 : للمكلف أن يحرم للحج من مكة من أيّ موضع شاء ، ولكن الأحوط وجوباً (1)أن يحرم من مكة القديمة (3) ويستحب له الإحرام من المسجد الحرام في مقام إبراهيم أو حجر إسماعيل.


المفردة قبل ذلك ، لما عرفت غير مرّة أن طواف النساء ليس من أعمال الحج وإنما هو واجب مستقل يجب الإتيان به بعد أعمال الحج ، ولو لم يطف هذا الطّواف حرمت عليه النساء جماعاً لا العقد عليها ولا سائر الاستمتاعات.

(1) لا ينبغي الشك في أنه لا تجب عليه المبادرة إلى إحرام الحج بعد الفراغ من عمرة التمتّع ، بل قد عرفت أنه لا يجوز له تقديم إحرام الحج من يوم التروية بأكثر من ثلاثة أيام ، ويجوز له التأخير إلى يوم التروية أو إلى ليلة عرفة ، بل إلى يوم عرفة ما لم يخف فوت الموقف ، ولكن يتضيق وقت الإحرام إذا استلزم تأخيره فوات الموقف فحينئذ تجب عليه المبادرة لئلا يفوت الموقف عنه.

(2) لا ريب في اتحاد إحرام الحج وإحرام العمرة في الكيفية والواجبات والمحرمات وإنما الاختلاف بينهما بالنية فقط ، وتدلّ على ذلك عدة من النصوص ، منها : صحيحة معاوية بن عمار الواردة في كيفية الإحرام للحج «ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة ، وأُحرم بالحج إلى أن قال - : فلبّ» الحديث (2).

(3) ويدلُّ عليه صحيح الصيرفي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : من أين أُهل بالحج؟ فقال : إن شئت من رحلك وإن شئت من الكعبة وإن شئت من الطريق» (3)


1) قد أفتى بذلك في المناسك ط 12.

2) الوسائل 13 : 519 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 1 ح 1.

3) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ح 2.

مسألة 362 : من ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً منه بالحكم إلى أن خرج من مكة ثم تذكر أو علم بالحكم ، وجب عليه الرجوع إلى مكة ولو من عرفات والإحرام منها ، فان لم يتمكن من الرجوع لضيق الوقت أو لعذر آخر يُحرم من الموضع الذي هو فيه. وكذلك لو تذكر أو علم بالحكم بعد الوقوف بعرفات ، وإن تمكن من العود إلى مكة والإحرام منها ، ولو لم يتذكر ولم يعلم بالحكم إلى أن فرغ من الحج صح حجّه (1).


فان المقصود عدم الخروج من مكة إلّا محرماً.

نعم ، الأفضل هو الإحرام من المسجد من أيّ مكان منه ، والأفضل منه الإحرام من الحجر (1).

ولكن الأحوط وجوباً الإحرام من بلدة مكة القديمة ، ولا يكتفي بالإحرام من الأحياء والمحلات الجديدة المستحدثة ، لما يستفاد من بعض الروايات الواردة في قطع التلبية ، أن العبرة في الأحكام المترتبة على مكة إنما هي بمكة القديمة ، ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية ، وحدّ بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين ، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن» (2).

(1) إذا ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أو بالموضوع إلى أن خرج من مكة ثم تذكر أو علم ، فان تمكن من التدارك والرجوع إلى مكة ولو من عرفات ، ولم يفت منه الموقف يتعين عليه الرجوع والإحرام من مكة ، ولا موجب لسقوط التكليف بالإحرام من مكة بعد التمكن من ذلك ، وهذا حكم على القاعدة ولا يحتاج إلى دليل خاص.

وربما يقال : إن المستفاد من صحيح علي بن جعفر عدم لزوم الرجوع إلى مكة ولو


1) الوسائل 11 : 339 / أبواب المواقيت ب 21 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 12 : 388 / أبواب الإحرام ب 43 ح 1.

.................................................................................................


كان متمكناً منه ، قال «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال : يقول : اللّهم على كتابك وسنة نبيك ، فقد تم إحرامه» (1)فإنه مطلق من حيث التمكن من الرجوع وعدمه.

وفيه : أن مورد السؤال في الصحيحة من تذكر أو علم ترك الإحرام وهو في عرفات ، ومن المعلوم أن عرفات تبعد عن مكة بمقدار أربع فراسخ والسير في الأزمنة السابقة ذهاباً وإياباً يستغرق عدة ساعات ، لأن السير كان إما ماشياً أو على دابة فيفوت عنه الموقف على كل تقدير غالباً ولذا لم يأمره بالرجوع. وأمّا في زماننا الذي يتمكن من الرجوع والعود إلى عرفة قبل فوات الموقف فلا موجب لسقوط الواجب عنه.

وأمّا من ترك الإحرام نسياناً أو جهلاً ثم تذكر أو علم ولم يتمكن من الرجوع إلى مكة ، يحرم من الموضع الذي هو فيه وصح حجّه ، سواء تذكر أو علم بالحكم في عرفات أو بعد جميع الأعمال ، ويدلُّ على الصحة في جميع هذه الصور صحيحة علي بن جعفر على ما رواه الشيخ بإسناده عن العمركي عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله؟ قال ، يقول : اللّهم على كتابك وسنة نبيك ، فقد تم إحرامه ، فإن جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ، إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجّه» (2)فإن السائل وإن اقتصر في سؤاله عن التذكر في عرفات في مورد النسيان ولم يسأل عن التذكر بعد إتيان جميع الأعمال في مورد النسيان ، ولكن يستفاد حكم ذلك من الحكم بالصحة في مورد الجهل بالإحرام والعلم به بعد قضاء المناسك كلها وذلك لأن الإمام (عليه السلام) ذكر حكم الجهل ابتداءً من دون أن يسأله السائل وحكم بالصحة في مورده ، ولو علم بترك الإحرام بعد الإتيان بالمناسك كلها ولو في بلده ، فيعلم من ذلك أن حكم الجهل والنسيان واحد ، ويستكشف من ذكر حكم


1) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 3.

2) الوسائل 11 : 330 / أبواب المواقيت ب 15 ح 8 ، التهذيب : 5 : 175 / 586.

.................................................................................................


الجهل ابتداءً منه (عليه السلام) أنه لا فرق بين الجهل والنسيان من هذه الجهة وما حكم به في مورد الجهل يحكم به في مورد النسيان.

نعم ، لو تذكر أو علم بالحكم في المشعر يحرم في نفس المكان الذي تذكر أو علم فيه وليس عليه الرجوع إلى مكة ، وإن تمكن من ذلك والإحرام منها ، إذ لا أثر لهذا الإحرام والمفروض أن موقف عرفة فات عنه بلا إحرام ، ولا دليل على لزوم العود إلى مكة في هذه الصورة ، لأن العود إلى مكة إنما وجب ليدرك موقف عرفة مع الإحرام وقد فرضنا أن موقف عرفة فاته فلا أثر للإحرام المتأخر ، فلا فرق في التذكر بعد عرفات بين التمكّن من الرجوع إلى مكة وعدمه.

هذا كلّه بناء على ما يستفاد من هذه الصحيحة.

وأمّا بناء على أن كلا من النسيان والجهل وقع في السؤال مستقلا كما جاء ذلك في الصحيحة بطريق آخر فقد روى الشيخ بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل كان متمتعاً خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ، قال : إذا قضى المناسك كلّها فقد تم حجّه» (1)وعنه ، عن أخيه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر وهو بعرفات فما حاله؟ قال : يقول : اللّهم على كتابك وسنّة نبيّك ، فقد تمّ إحرامه» (2)ومورد السؤال الأول هو الجهل بالإحرام والعلم به بعد إتيان المناسك كلّها ، ومورد السؤال الثاني هو نسيان الإحرام وتذكره في عرفات ، فيبقى تبدل الجهل بالعلم في أثناء الأعمال مسكوتاً عنه ، وكذلك التذكر بعد الوقوف بعرفة في مورد النسيان كما لو تذكر في المشعر ، فمن أين يستفاد حكم هذين؟

ويمكن أن يقال : إنه إذا حكم بالصحة فيما إذا علم بالحكم بعد إتيان جميع الأعمال فالحكم بالصحة فيما إذا علم في الأثناء يثبت بالأولوية. وإذا ثبت الحكم بالصحة في


1) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 2. التهذيب 5 : 476 / 1678.

2) الوسائل 11 : 338 / أبواب المواقيت ب 20 ح 3.

مسألة 363 : من ترك الإحرام عالماً عامداً لزمه التدارك ، فان لم يتمكن منه قبل الوقوف بعرفات فسد حجّه ولزمته الإعادة من قابل (1).


مورد الجهل يثبت في مورد النسيان بطريق أولى ، وذلك لأن الحكم الواقعي في مورد الجهل البسيط ثابت بخلاف مورد النسيان فان الحكم غير متوجه إليه أصلاً ، ولذا ذكروا أن الرفع في مورد الجهل رفع ظاهري وفي مورد النسيان رفع واقعي ، فإذا كان العذر ثابتاً في مورد الجهل ففي مورد النسيان يكون أولى ، بل النسيان قسم للجهل غاية الأمر جهل مسبوق بالعلم بخلاف الجهل فإنه غير مسبوق بالعلم. والحاصل : الناسي أشد عذراً من الجاهل والعذر الثابت في مورد الجهل يثبت في مورد النسيان بالأولوية ، فالحكم بالصحة في جميع الصور ثابت ويدلُّ عليه صحيح علي بن جعفر بكلا طريقيه بالبيان المتقدم.

(1) لأن الوقوف بلا إحرام لا أثر له ، لعدم كونه مأموراً به فهو غير واقف حقيقة لفوات المشروط بفوات شرطه.

وذكر شيخنا النائيني في مناسكه : ولو تركه عمداً إلى أن فات وقت الوقوف بطل حجّه على إشكال فيما إذا أدرك اختياري المشعر وحده ، أو مع اضطراري عرفة (1).

وربّما يتوهّم من قوله «على إشكال» الترديد في بطلان الحج في صورة الترك العمدي ولكن الظاهر أنه (قدس سره) لا يريد بذلك ترك الوقوف الاختياري لعرفة يعني إن إشكاله وترديده ليس في من ترك الإحرام عمداً للوقوف الاختياري لعرفة والاكتفاء بإدراك اختياري المشعر أو اضطراري عرفة ، لأنه يصرّح فيما بعد ببطلان الحج لو ترك الوقوف اختياري لعرفة ولا يجديه إدراك المشعر أو إدراك اضطراري عرفة.

بل يريد الإشارة إلى مسألة أُخرى ، وهي أنه من لا يتمكّن من الوقوف الاختياري في عرفات وترك الإحرام عمداً إلى أن يدرك الوقوف الاختياري في المشعر أو إلى أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فهل يبطل حجّه بترك الإحرام عمداً أم لا؟


1) دليل الناسك (المتن) : 313.

مسألة 364 : الأحوط أن لا يطوف المتمتع بعد إحرام الحج قبل الخروج إلى عرفات طوافاً مندوباً ، فلو طاف جدّد التلبية بعد الطّواف على الأحوط (1).


والظاهر أن إشكاله في بطلان الحج بذلك في محله ، إذ لا دليل على لزوم الإحرام من زوال يوم عرفة حتى على من لا يجب عليه الوقوف لعذر من الأعذار ، فيجوز له تأخير الإحرام إلى أن يقف في المشعر أو في الموقف الاضطراري لعرفة ، فان الإحرام إنما يجب لأجل الوقوف بعرفة ، فإذا فرضنا سقوط الوقوف بعرفة عنه لعدم تمكنه منه فلا يجب عليه الإحرام من الزوال ، وحكم المشهور بالفساد بترك الإحرام عمداً غير ناظر إلى هذه الصورة ، وإنما نظرهم إلى من وجب عليه الوقوف وترك الإحرام عمداً.

(1) الطّواف بعد إحرام الحج حرام أم مكروه؟ وعلى تقدير الحرمة هل يترتب عليه شي‌ء من تجديد التلبية بعد الطّواف أم لا؟

نسب إلى الشيخ (1)وغيره بل إلى المشهور المنع ، وما ذكروه أحوط ولكنه غير ممنوع ، والوجه في ذلك : أن ما دل على عدم جواز الطّواف إنما هو صحيحتان :

الأُولى : صحيحة الحلبي قال : «سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام وقد أزمع بالحج ، يطوف بالبيت؟ قال : نعم ما لم يُحرم» (2).

الثانية : صحيحة حماد في حديث قال : «ودخل ملبياً بالحج فلا يزال على إحرامه فإن رجع إلى مكة رجع محرماً ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه» (3). فإن النهي عن قرب البيت كناية عن الطّواف.

وبإزائهما معتبرة إسحاق قال : «وسألته عن الرجل يحرم بالحج من مكة ، ثم يرى البيت خالياً فيطوف به قبل أن يخرج ، عليه شي‌ء؟ فقال : لا» (4)واحتمال رجوع


1) التهذيب 5 : 169.

2) الوسائل 13 : 447 / أبواب الطّواف ب 83 ح 4.

3) الوسائل 11 : 302 / أبواب أقسام الحج ب 22 ح 6.

4) الوسائل 11 : 281 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 7.

الوقوف بعرفات

الثاني من واجبات حج التمتّع : الوقوف بعرفات بقصد القربة ، والمراد بالوقوف هو الحضور بعرفات من دون فرق بين أن يكون راكباً أو راجلاً ساكناً أو متحركاً (1).


حرف «لا» إلى الطّواف فيدل على المنع عنه بعيد جدّاً ، بل الظاهر رجوعه إلى قوله : «عليه شي‌ء» فالمعنى أنه لا شي‌ء عليه.

ويؤيد برواية عبد الحميد بن سعيد عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج ، ثم طاف بالبيت بعد إحرامه وهو لا يرى أن ذلك لا ينبغي ، أينقض طوافه بالبيت إحرامه؟ فقال : لا ، ولكن يمضي على إحرامه» (1)والرواية ضعيفة بعبد الحميد بن سعيد فإنه لم يوثق.

وأمّا تجديد التلبية بعد الطّواف فلا بأس به لذكره في كلمات الفقهاء ولكن لم يرد فيه أيّ نص ، وإنما ورد في حج الافراد والقران (2).

(1) لا خلاف بين المسلمين كافّة في وجوب الوقوف بعرفات ، ويدلُّ عليه النصوص المتواترة (3)ومن جملة النصوص ما ورد في كيفية حج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) (4)فلا ريب في هذا الحكم فإنه من الواضحات بل من الضروريات.

فيقع البحث في جهات أُخر نذكرها في مسائل :

الأُولى : يعتبر في الوقوف قصد القربة ، وهذا أيضاً مما لا خلاف فيه ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى المرتكز الشرعي قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (5)فإن ما كان لله


1) الوسائل 13 : 447 / أبواب الطّواف ب 83 ح 6.

2) الوسائل 11 : 285 / أبواب أقسام الحج ب 16.

3) الوسائل 13 : 548 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 19.

4) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

5) البقرة 2 : 196.

مسألة 365 : حد عرفات من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز ، ومن المأزمين إلى أقصى الموقف ، وهذه حدود عرفات وخارجة عن الموقف (1).

مسألة 366 : الظاهر أن الجبل موقف (2) ، ولكن يكره الوقوف عليه ويستحب الوقوف في السفح من ميسرة الجبل.


لا بدّ أن يؤتى به على وجه الطاعة ، وذلك لا يتحقق إلّا بقصد التقرّب إليه تعالى.

الثانية : أن المراد بالوقوف هو الكون والحضور بعرفات وأن لا يتجاوز عن ذلك المكان ، ومنه وقوف الماء ، أي الماء الراكد مقابل الجاري ، ومنه أيضاً وقف الأعيان أي لا يتجاوز عمّا حدّده الواقف ، فان الوقوف لغة هو الكون (1)ومنه الموقوف ، فليس المراد به الوقوف مقابل الجلوس ، نعم ، لو قيل وقف على قدميه يفهم منه القيام ، وأمّا مجرّد الوقوف فلا يتفاهم منه القيام. فلا فرق بين أنحاء الكون من النوم أو القيام أو الجلوس أو الركوب. مضافاً إلى السيرة المستمرة القطعية.

نعم ، لا ريب أن الوقوف بمعنى القيام يكون أفضل.

(1) الثالثة : في بيان حدود عرفة وهي مكان معروف قد حدد في الروايات من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز ، ومن المأزمين إلى أقصى الموقف ، كما في صحيحة معاوية بن عمار وأبي بصير (2)والمرجع في معرفة ذلك هو أهل الخبرة وسكنة تلك البلاد.

(2) وإن كان الأفضل الوقوف في ميسرته كما في النصوص الحاكية لحج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (3).


1) لم نعثر على هذا المعنى فيما بأيدينا من الكتب اللغوية.

2) الوسائل 13 : 531 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 10 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 13 : 534 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 11 ، وكذا في الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

مسألة 367 : يعتبر في الوقوف أن يكون عن اختيار ، فلو نام أو غشي عليه هناك في جميع الوقت لم يتحقق منه الوقوف (1).

مسألة 368 : الأحوط للمختار أن يقف في عرفات من أول ظهر التاسع من ذي الحجة إلى الغروب ، والأظهر جواز تأخيره إلى بعد الظهر بساعة تقريباً والوقوف في تمام هذا الوقت وإن كان واجباً يأثم المكلف بتركه إلّا أنه ليس من الأركان ، بمعنى أن من ترك الوقوف في مقدار من هذا الوقت لا يفسد حجّه ، نعم لو ترك الوقوف رأساً باختياره فسد حجّه. فما هو الركن من الوقوف هو الوقوف في الجملة (2).


(1) الجهة الرابعة : أن الواجب من الوقوف هي الحصة الاختيارية ، فلا بدّ من صدوره عن قصد واختيار ، وقد ذكرنا في بحث التعبّدي والتوصّلي من مباحث علم الأُصول (1)أن ما وجب على المكلف لا بد من صدوره عنه بالاختيار حتى إذا كان توصلياً فضلاً عما إذا كان عباديا ، وإلّا فلا يصح استناد الفعل إليه ، فلو وقف غافلاً في تمام المدّة أو نام أو غشي عليه في جميع الوقت من الزوال إلى الغروب فان الوقوف منه لم يتحقق.

نعم ، لو أفاق أو انتبه في بعض الوقت اجتزأ به ، لأن الواجب الركني الذي يفسد الحج بتركه هو مسمى الوقوف لإتمام الوقت ، فإن الزائد عن المسمى وإن كان واجباً مستقلا يأثم بتركه عمداً ولكن لا يفسد الحج بتركه.

(2) يقع الكلام في مبدأ الوقوف بعرفات ومنتهاه ، أمّا المنتهي : فلا خلاف في أنه يجب الوقوف إلى الغروب ، وأمّا الروايات ففي بعضها ورد غروب الشمس وفي بعضها إلى أن وقع القرص قرص الشمس وفي بعضها إذا ذهبت الحمرة من ها هنا ، وأشار بيده إلى المشرق وإلى مطلع الشمس (2)وجميع ذلك يرجع إلى معنى واحد كما ذكرنا ذلك في باب أوقات الصلاة (3)وهو استتار القرص


1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 2 : 139 وما بَعدها.

2) الوسائل 13 : 557 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 22 ، 23.

3) في أوقات اليومية والنوافل ذيل المسألة [1180].

.................................................................................................


ولا عبرة بالحمرة الباقية في السماء بعد غروب الشمس والتي توجد في وسط السماء من قمة الرأس ، بل العبرة بزوال الحمرة من المشرق ، وهي تحصل باستتار القرص قطعاً كما هو المشاهد.

وأمّا المبدأ : فالمشهور أنه من الزوال ، بل قال في المدارك (1)واعتبر الأصحاب في النية وقوعها عند تحقق الزوال ليقع الوقوف الواجب وهو ما بين الزوال والغروب بأسره بعد النية ، ولكن الأخبار الواردة في المسألة لا تعطي ذلك ، بل ربما يظهر من بعضها خلافه كما صرح بذلك في المدارك أيضاً ، بل لم نعثر على رواية تدل على الأمر بالوقوف من الزوال ، ولذا نسب إلى جماعة من القدماء وإلى جملة من المتأخرين جواز التأخير عن الزوال بمقدار الاشتغال بالغسل وصلاة الظهرين.

ففي صحيحة معاوية بن عمار الواردة في صفة حج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أنه انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الأراك ، فضربت قبّته ، وضرب الناس أخبيتهم عندها ، فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ومعه قريش (2)وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم ثم صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به (3).

وفي صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار في حديث قال «فاذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك بنمرة ، ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة ، فاذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ، فإنما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء ، فإنه يوم دعاء ومسألة» (4).

وفي موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا ينبغي الوقوف تحت الأراك ، فأمّا النزول تحته حتى تزول الشمس وينهض إلى الموقف فلا بأس به» (5)فان


1) المدارك 7 : 393.

2) في منتقى الجمان [3 : 344] «ومعه فرسه» بدل «قريش».

3) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

4) الوسائل 13 : 529 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 9 ح 1.

5) الوسائل 13 : 533 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 10 ح 7.

.................................................................................................


المستفاد من هذه النصوص جواز التأخير بمقدار الاشتغال بالغسل وأداء الظهرين واستماع الخطبة.

بل المستفاد من النصوص استحباب التأخير بمقدار أداء هذه الأعمال تأسياً بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وللأمر به في بعض النصوص المعتبرة ، ولا ينافي ذلك كون التقديم والوقوف من أول الزوال أحوط ، فإن ذلك نظير الإتمام والقصر في أماكن التخيير من كون الإتمام أفضل والقصر أحوط.

نعم ، لا يبعد اعتبار الاشتغال بالعبادة في هذه المدة في صورة التأخير ، فالتأخير عمداً من دون أن يشتغل بعبادة مشكل. وهذه الأُمور تشغل مقدار ساعة من الزمان تقريباً.

وذكر في الحدائق أنه يشتغل بالوقوف ومقدماته من الغسل أوّلاً ثم الصلاة الواجبة والخطبة واستماعها كما ورد في كيفية حج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ثم يأتي الموقف (1)ولكنّ الأحوط خروجاً عن مخالفة المشهور هو الوقوف من أول زوال يوم عرفة فيأتي بهذه الأعمال في عرفات.

وما احتمله صاحب الجواهر من إمكان إرادة إتيان هذه المقدمات والأعمال كلها في عرفات من النصوص (2)بعيد جدّاً ، لتصريح النص بأنه يأتي بها بنمرة وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة. وقد احتمل أيضاً أن المسجد الذي صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه وآله) غير المسجد الموجود الآن بنمرة المسمى بمسجد إبراهيم (عليه السلام) ولكنه غير ثابت.

وكيف كان فلا خلاف في أن الواجب الركني هو مسمي الوقوف والزائد عليه واجب غير ركني يأثم بتركه ويصح حجّه ، وتدل على ذلك الروايات الدالة على أن من أفاض قبل الغروب عليه بدنة (3)فان ذلك يكشف عن الاكتفاء بالوقوف ولو


1) الحدائق 16 : 377.

2) الجواهر 19 : 23.

3) الوسائل 13 : 558 / أبواب إحرام الحج والوقوف ب 23.

مسألة 369 : من لم يدرك الوقوف الاختياري الوقوف في النهار لنسيان أو لجهل يعذر فيه أو لغيرهما من الأعذار لزمه الوقوف الاضطراري الوقوف برهة من ليلة العيد وصح حجّه ، فان تركه متعمداً فسد حجّه (1).


آناً ما ، وعدم فساد الحج بالإفاضة قبل الغروب ولو عمداً كما صرح في النص بأنه لو كان متعمداً فعليه بدنة ، هذا من ناحية المنتهي.

وأمّا من حيث عدم لزوم الوقوف من أوّل الزوال فيدل عليه صحيح جميل الدال على جواز إتيان عمرة التمتّع إلى زوال الشمس من يوم عرفة (1)ومن المعلوم أن عرفات تفصل عن مكة بأربعة فراسخ ، فاذا فرغ المكلف من عمرته عند الزوال وسار إلى عرفات يفوت عنه الوقوف من أوائل الزوال قطعاً. وأوضح من ذلك ما دل على جواز إتيان عمرة التمتّع في يوم عرفة إلى أن يدرك الناس بعرفة وما لم يخف فوت الموقفين (2)وإطلاق ذلك يقتضي كفاية درك الوقوف ولو ساعة ما ، فلا ريب أن المسمّى هو الركن والذي يوجب فساد الحج وبطلانه هو ترك الوقوف بالمرّة ، وتدل على ذلك أيضاً الروايات الدالّة على أن أصحاب الأراك الذين يقفون تحت الأراك لا حجّ لهم (3)وذلك لأن الأراك ليس من عرفات ، فالبطلان مستند إلى عدم الوقوف في الموقف.

(1) إذا فاته الوقوف الاختياري من عرفة الوقوف في النهار فان كان مستنداً إلى العمد فسد حجّه بلا إشكال ، وإن كان مستنداً إلى العذر فقد يكون عذراً خارجياً كالمرض وشدة البرد أو شدة الحر ونحو ذلك من الأعذار الخارجية ، فالواجب عليه الوقوف الاضطراري الوقوف برهة من ليلة العيد وصح حجّه ، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات (4).


1) الوسائل 11 : 295 / أبواب أقسام الحج ب 20 ح 15.

2) الوسائل 11 : 291 / أبواب أقسام الحج ب 20.

3) الوسائل 13 : 532 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 10 ح 3 ، 11.

4) الوسائل 14 : 35 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22.

.................................................................................................


وإن لم يتمكّن من الوقوف الاضطراري أيضاً فحينئذ يسقط عنه الوقوفان الاختياري والاضطراري من عرفة ويتعين عليه الوقوف في المشعر ويصح حجّه «فان اللّه تعالى أعذر لعبده ، فقد تم حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس» كما في صحيح الحلبي (1).

والحكم بالصحة في هذا الفرض هو القدر المتيقن من الإدراك ، فإذا ترك ذلك عمداً بطل حجّه.

وقد يكون العذر جهله بالموضوع كما إذا تخيل أن يوم عرفة غير هذا اليوم أو جهله بالحكم صح حجّه أيضاً كالصورة السابقة ، وتشمله الروايات الواردة في المقام وعمدتها صحيحتا معاوية بن عمار (2)ومضمونهما أنه إذا أدرك الناس بالمشعر فقد تم حجّه.

وقد ذكرنا في كتاب الصلاة أن الإدراك إنما يتحقق فيما إذا فاته الواجب من دون اختيار ولا يشمل الفوت الاختياري العمدي (3).

ولو ترك الوقوف بعرفة نسياناً للحكم أو للموضوع فهل يشمله هذا الحكم من الاكتفاء بالموقف الاضطراري إذا فاته الموقف الاختياري عن عذر أم لا؟ وأن الروايات هل تشمل النسيان أم لا؟

ذهب المشهور إلى شمول الروايات للناسي ، وخالف صاحب الحدائق وقال : إن الروايات خالية عن ذكر الناسي ، وأمّا قوله (عليه السلام) : «إن اللّه أعذر لعبده» فلا يشمل النسيان فإنه من الشيطان وما كان من الشيطان لا يجري فيه العذر. وأمّا في مورد الجهل فإنما نقول بهذا الحكم للنص وهو غير شامل للنسيان ، ولا بأس بتغاير حكم الجاهل والناسي كما في باب الصلاة بالنسبة إلى نسيان النجاسة والجهل ، بها


1) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2.

2) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 1 ، 4.

3) لم يخطر في بالي عاجلاً أنه ذَكَره في أيّ موضع ، نعم تعرّض لقاعدة مَن أدرك في ذيل المسألة [1190] فلاحظها.

.................................................................................................


فإنه يحكم بالفساد في صورة النسيان ويحكم بالصحة في فرض الجهل بها (1).

ويرد عليه : أنه لا ريب في أن النسيان عذر بل من أقوى الأعذار ، لعدم تمكنه من الامتثال وعدم صحة توجه التكليف إليه ، ولذا ذكروا أن الرفع في مورد النسيان رفع واقعي فقوله (عليه السلام) : «اللّه أعذر لعبده» يشمل النسيان أيضاً.

على أنه لو لم تكن هذه الجملة مذكورة في الصحيحة لكانت نفس الصحيحة كافية في معذورية الناسي ، لقوله : «عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات» (2)فإن إطلاقه يشمل الناسي والجاهل ولا يختص بالعاجز والجاهل إذ لم يذكر سبب التأخير في الرواية.

وقد يتوهم أن إطلاقه يشمل العامد في التأخير أيضاً وهو غير مراد قطعاً فلا يمكن الأخذ بالإطلاق.

وفيه أوّلاً : أنه لا إطلاق له بالنسبة إلى العامد ، لانصراف الرواية عن العامد ، فان قوله : «اللّه أعذر لعبده» ظاهر في الاختصاص بالمعذور وغير العامد.

وثانياً : لو فرض له الإطلاق يقيد بما دل على الفساد في صورة العمد من النصوص (3)والإجماع.

وبما ذكرنا يعلم الحال في الجاهل المقصّر فإنه غير معذور فلا مجال لمناقشة الحدائق.

فتحصل : أن كل من كان معذوراً بعذر خارجي كالمرض وشدة البرد أو الحر أو كان الترك مستنداً إلى الجهل عن قصور أو إلى النسيان يجب عليه الوقوف ليلاً إن تمكن ، وإلّا فيقف بالمشعر.

ثم إنّ الروايات التي دلّت على الاكتفاء بالوقوف الاضطراري أي ليلة العيد أو


1) الحدائق 16 : 405.

2) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2.

3) المرويّة في الوسائل 13 : 548 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 19.

مسألة 370 : تحرم الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس عالماً عامداً لكنها لا تفسد الحج ، فاذا ندم ورجع إلى عرفات فلا شي‌ء عليه ، وإلّا كانت عليه كفارة بدنة ينحرها في منى ، فان لم يتمكن منها صام ثمانية عشر يوماً ، والأحوط أن تكون متواليات. ويجري هذا الحكم في من أفاض من عرفات نسياناً أو جهلاً منه بالحكم فيجب عليه الرجوع بعد العلم أو التذكر ، فان لم يرجع حينئذ فعليه الكفارة على الأحوط (1).


الاكتفاء بالوقوف في المشعر (1)تدل على الاكتفاء بالإحرام ليلة العيد أو بالإحرام عند الوقوف في المشعر ، فلا يجب عليه الإحرام من زوال يوم عرفة ، لأن الإحرام إنما وجب عليه لإدراك الموقف والمفروض عدم الوجوب عليه فلا موجب للإحرام ، فلو أخّر الإحرام إلى ليلة العيد يكتفى به.

وممّا ذكرنا يظهر صحة إشكال الشيخ النائيني في وجوب الإحرام حينئذ (2)فان تركه عمداً لا يفسد الحج ، فان من يجزئه الموقف الاضطراري لا يجب عليه تقديم الإحرام ، وما دل على لزوم الإحرام قبل الزوال أو بعده أو عنده فإنما هو لمن وجب عليه الوقوف في النهار ، فاذا فرضنا أن الوقوف في النهار غير واجب عليه فلا مقتضي للإحرام من الزوال ، فيجوز له تأخيره إلى زمان يجب عليه الوقوف الاضطراري.

(1) قد عرفت (3)أن مبدأ الوقوف من يوم عرفة لم يعيّن في الروايات ، وإنما تعرّضت إليه الروايات الحاكية لصفة حجّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وحجّ إبراهيم (عليه السلام) (4)ويظهر من هذه الروايات جواز التأخير عن الزوال بمقدار ساعة تقريباً للاشتغال بالاغتسال وصلاة الظهر والعصر واستماع الخطبة ، ولكن الأحوط هو


1) الوسائل 14 : 35 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22.

2) دليل الناسك (المتن) : 313.

3) في ص 184.

4) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4 ، 24 وغيرهما.

.................................................................................................


الوقوف من الزوال ، لذهاب المشهور إلى وجوبه ، وأمّا من حيث المنتهي فقد عرفت أيضاً أنه إلى الغروب واستتار القرص ، ولكن الوقوف في تمام هذه المدّة من المبدإ إلى المنتهي واجب تكليفي فقط ، والركن منه الذي بتركه يفسد الحج هو مسمّى الوقوف وحيث ثبت أن الواجب هو الوقوف إلى الغروب فلو خالف وأفاض قبل الغروب ، فان كان بعنوان الإفاضة بحيث يكون بانياً على عدم الرجوع ولم يرجع ، فتارة يكون ذلك مستنداً إلى العلم والعمد ، وأُخرى عن الجهل وثالثة عن النسيان.

أمّا الجهل فلا يجب عليه شي‌ء ، لأنه معذور لا يترتب أثر على فعله ، وتدل عليه معتبرة مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس قال : إن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان متعمداً فعليه بدنة» (1).

وأمّا النسيان فالأصحاب جعلوا حكمه حكم الجهل وأنه لا شي‌ء عليه ، ولكن صاحب الحدائق استشكل هنا كما في المسألة السابقة من أن حكم الناسي غير مذكور في الروايات وإلحاقه بالجاهل مما لا دليل عليه ، ولا بأس باختصاص الحكم بالجاهل لأنه أعذر ، والناسي بسبب علمه سابقاً وغفلته لاحقاً لا يساوي الجاهل الذي لا علم له أصلاً ، ولهذا ورد النص على وجوب قضاء الصلاة على ناسي النجاسة دون جاهلها (2).

ويرد عليه : ما تقدّم (3)من أن الناسي أولى بالعذر من الجاهل البسيط ، لسقوط التكليف في مورد النسيان دون الجهل. ومع الإغماض يكفينا في سقوط الكفارة عن الناسي حديث الرفع ، فان مقتضاه أن الفعل الذي وقع عن نسيان كأنه لم يقع ولم يترتب عليه أيّ أثر.

مضافاً إلى ذلك : أن نفس معتبرة مسمع كافية في أنه لا شي‌ء على الناسي ، وذلك لأنه ذكر المتعمد في قبال الجاهل ، والمراد من المتعمد من يقصد المخالفة والناسي غير


1) الوسائل 13 : 558 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 23 ح 1.

2) الحدائق 16 : 383.

3) في الصفحة السابقة.

.................................................................................................


قاصد بالمخالفة وإن كان قاصداً لذات الفعل.

وبعبارة اخرى : الكفارة تترتب على من يرتكب المخالفة ويأتي بخلاف الوظيفة المقرّرة له ، وهذا العنوان غير صادق على الناسي.

وكيف كان ، لو خالف وأفاض قبل الغروب متعمداً صح حجّه ولكن عليه بدنة ، وتدل عليه معتبرة مسمع المتقدمة ، ومعتبرة ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس ، قال : عليه بدنة ينحرها يوم النحر ، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكة أو في الطريق أو في أهله» (1).

ونقل عن الصدوقين والشيخ (2)أن الكفارة دم ، والدم متى أُطلق ينصرف إلى الشاة ، بل جعل الدم مقابلاً للبدنة والبقرة في بعض الروايات كما في صحيحة عمران الحلبي (3).

ولا مستند لهم إلّا الفقه الرضوي (4)وقد عرفت غير مرة أنه لا يعتمد على هذا الكتاب. على أن الدم مطلق يحمل على البدنة لصحيح ضريس. هذا كله إذا أفاض قبل الغروب ولم يرجع.

وأمّا إذا ندم ورجع بحيث غربت الشمس عليه وهو في عرفات ، فذهب جماعة إلى لزوم الكفارة أيضاً لحصول الإفاضة المحرمة المقتضية للزوم الدم ، ولكن الظاهر العدم لأن المذكور في النص عنوان الإفاضة وهو غير صادق على من رجع وغربت الشمس عليه وهو في عرفات ، وثبوت الكفارة يحتاج إلى دليل ولا دليل في خصوص المقام.

ثم إنه لو خرج بعنوان الإفاضة نسياناً ثم تذكر ورجع فالأمر كما تقدم ، ولو تذكر ولم يرجع فلا ريب أن بقاءه خارج عرفات محرم ، وهل تجب عليه الكفارة حينئذ أم لا؟ ذهب جماعة إلى وجوب الكفارة. والظاهر عدم وجوبها ، لأن الكفارة مترتبة


1) الوسائل 13 : 558 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 23 ح 3.

2) المقنع : 270 ، المختلف 4 : 259 ، الخلاف 2 : 338.

3) الوسائل 13 : 131 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 13 ح 5.

4) فقه الرضا : 224.

.................................................................................................


على الإفاضة لا على الكون المحرم ، والمفروض أن إفاضته وخروجه من عرفات عن نسيان فلا يترتب عليه شي‌ء.

ثم إن البدنة تنحر يوم العيد في منى ، لقوله «ينحرها يوم النحر» فان المراد به هو اليوم الذي تنحر الناس فيه الإبل ، ومن المعلوم أن الناس ينحرون الإبل في منى يوم العيد.

ولو لم يقدر على البدنة فالواجب عليه صيام ثمانية عشر يوماً كما في معتبرة ضريس ، وهل يعتبر التوالي في صيام ثمانية عشر يوماً أم لا؟

يمكن أن يقال باعتبار التوالي ، لأن المتفاهم عرفاً من الأمر بشي‌ء خلال ساعات أو أيام هو التوالي وعدم جواز التلفيق ، كما لو أمر الطبيب المريض بالمشي ساعة ، أو أمر المولى عبده بالجلوس والانتظار في مكان خمس ساعات ، فان العرف يفهم من ذلك التوالي ولا يكتفي بالتلفيق.

ولذا ذهب المحقق في الشرائع بلزوم التتابع في كل صوم واجب إلّا أربعة : صوم النذر المجرّد عن التتابع ، وصوم القضاء ، وصوم جزاء الصيد ، وصوم السبعة في بدل الهدي (1)، وأمضاه صاحب الجواهر وأيّده (2).

ولكن لا دليل على لزوم التتابع سوى انصراف الاتصال من الإطلاق ، إلّا أن الجزم بالانصراف لا يمكن ، ولعل الانصراف بدوي وغير موجب للظهور العرفي ، فإن الميزان بالظهور ، فمقتضى الأصل عدم اعتبار التوالي ، ومع الإغماض يكفينا في عدم اعتبار التوالي صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «كل صوم يفرّق إلّا ثلاثة أيام في كفارة اليمين» (3). فالحكم بالتوالي مبني على الاحتياط.


1) الشرائع 1 : 236.

2) الجواهر 17 : 67.

3) الوسائل 10 : 382 / أبواب بقية الصوم الواجب ب 10 ح 1.

مسألة 371 : إذا ثبت الهلال عند قاضي أهل السنة وحكم على طبقه ، ولم يثبت عند الشيعة ففيه صورتان :

الاولى : ما إذا احتملت مطابقة الحكم للواقع ، فعندئذ وجبت متابعتهم والوقوف معهم وترتيب جميع آثار ثبوت الهلال الراجعة إلى مناسك حجّه من الوقوفين وأعمال منى يوم النحر وغيرها. ويجزئ هذا في الحج على الأظهر ، ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أن الاحتياط في مخالفتهم ، ارتكب محرماً وفسد وقوفه.

والحاصل : أنه تجب متابعة الحاكم السني تقية ، ويصح معها الحج ، والاحتياط حينئذ غير مشروع ولا سيما إذا كان فيه خوف تلف النفس ونحوه كما قد يتفق ذلك في زماننا هذا.

الثانية : ما إذا فرض العلم بالخلاف وأنّ اليوم الذي حكم القاضي بأنه يوم عرفة هو يوم التروية واقعاً ، ففي هذه الصورة لا يجزئ الوقوف معهم ، فان تمكن المكلف من العمل بالوظيفة والحال هذه ولو بأن يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة دون أن يترتب عليه أيّ محذور ولو كان المحذور مخالفته للتقية عمل بوظيفته ، وإلّا بدّل حجّة بالعمرة المفردة ولا حج له ، فان كانت استطاعته من السنة الحاضرة ولم تبق بعدها سقط عنه الوجوب إلّا إذا طرأت عليه الاستطاعة من جديد (1).


(1) أمّا الصورة الأُولى : فيقع البحث في متابعة القاضي السني تقيّة ، تارة من حيث الحكم التكليفي وأُخرى من حيث الحكم الوضعي.

أمّا الأوّل : فلا خلاف ولا إشكال في وجوب المتابعة ومخالفتهم محرمة ، والأخبار في ذلك بلغت فوق حدّ التواتر ، كقولهم (عليهم السلام) : «ولا دين لمن لا تقيّة له» أو «إنّ التقيّة ديني ودين آبائي» أو «إنه لو قلت : إنّ تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت

.................................................................................................


صادقاً» وغير ذلك من الروايات الدالة على وجوب التقية بنفسها وجوباً تكليفياً (1).

وأمّا الثاني : فهل يحكم بصحة ما أتى به تقية؟ وهل يجزئ عن الواقع ويسمّى بالواقعي الثانوي أم لا؟

ربما يقال : كما قيل بأن أدلّة التقية متكفلة للحكم التكليفي والوضعي معاً ، وأنها تفي بإلغاء جزئية الشي‌ء الفلاني أو شرطيته.

ولكن إثبات ذلك مشكل جدّاً ، فان المستفاد من الأدلّة العامة للتقية ليس إلّا وجوب متابعتهم وجوباً تكليفياً ، وأمّا سقوط الواجب وسقوط الجزء عن الجزئية والشرط عن الشرطية بحيث تسقط الإعادة والقضاء فلا يستفاد من الأدلة.

نعم ، في خصوص الوضوء والصلاة بالنسبة إلى الأُمور المتعارفة التي وقع الخلاف فيها بيننا وبينهم تدل روايات خاصة على الصحة ، كمسألة غسل اليدين منكوساً في الوضوء وغسل الرجلين ، والتكتف في الصلاة وقول آمين ونحو ذلك ، وقد ورد الحكم بالصحة في خصوص بعض الموارد.

على أنّ عدم أمرهم (عليهم السلام) بالقضاء والإعادة في الموارد التي يكثر الابتلاء بها يكفي في الحكم بالصحة.

وأمّا الموارد النادرة فلا دليل على الصحة ، كما إذا ابتلي بطلاق زوجته من دون حضور العدلين ، لأن الأدلّة لا تفي بإلغاء الشرط ، بل المستفاد منها كما عرفت أن التقية بعنوانها واجب ، وأمّا ترتيب آثار الطلاق على الطلاق الواقع من دون حضور العدلين تقية فيحتاج إلى دليل آخر. وكذا لو اقتضت التقية غسل الثوب بالنبيذ باعتبار أن بعض العامّة يرون طهارته والغسل به (2)فإن الأدلّة لا تقتضي طهارة الثوب ، فوجوب التقيّة في مورد لا يلازمه الحكم بالصحة ، ولا يستكشف من عدم حكمهم بالاجتزاء في أمثال هذه الموارد التي يقل الابتلاء بها الحكم بالصحة والاكتفاء بما صدر منه تقيّة


1) الوسائل 16 : 204 / أبواب الأمر والنهي ب 24 ، ح 3 ، 23 ، 24 ، 4 ، وص 211 ح 27.

2) راجع المجموع 1 : 93 ، بداية المجتهد 1 : 31 ، فتح العزيز 1 : 158.

.................................................................................................


فمقتضى الأدلّة الأولية هو الفساد وعدم الاكتفاء به.

وأمّا الوقوف في عرفات تبعاً للعامة في مورد الشك وعدم القطع بالخلاف فيدخل تحت الكبرى المتقدمة ، وهي أن الوقوف في عرفات في الصورة المفروضة مما كثر الابتلاء به قريب مائتي سنة في زمن الأئمة (عليهم السلام) ولم نر ولم نعهد في طول هذه المدّة أمرهم (عليهم السلام) بالوقوف في اليوم الآخر وحكمهم بعدم الاجزاء فيعلم أن الوقوف معهم مجزئ.

ودعوى أن ذلك من جهة عدم تمكن المؤمنين من الوقوف الثاني ولذا لم يصدر الأمر من الأئمة (عليهم السلام) بالوقوف ثانياً ، غير مسموعة ولا يمكن تصديقها ، للتمكن من الوقوف برهة من الزمان ولو مرّة واحدة في طول هذه المدة ولو بعنوان أنه يبحث عن شي‌ء في تلك الأرض المقدّسة ، فالسيرة القطعية دليل قطعي على الاجزاء والصحة كما هو الحال بالنسبة إلى الصلاة ، فلا عبرة باستصحاب عدم دخول يوم عرفة.

هذا مضافاً إلى رواية أبي الجارود الواردة في الشك ، فإنها دالة على الصحة ، فإن المستفاد منها لزوم متابعتهم وعدم جواز الخلاف والشقاق بيننا وبينهم ، قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) إنّا شككنا في عام من تلك الأعوام في الأضحى ، فلما دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحي ، فقال : الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس والصوم يوم يصوم الناس» (1)والسند معتبر ، فإن أبا الجارود قد وثّقه المفيد ومدحه مدحاً بليغاً (2)مضافاً إلى أنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم ورجال كامل الزيارات ولا يضر فساد عقيدته بوثاقته. فمقتضى السيرة القطعية وخبر أبي الجارود لزوم ترتيب جميع الآثار من الوقوف وسائر الأعمال كمناسك منى.

ثم إنه لو وقف تقية وأراد الاحتياط ووقف ثانياً ، فان كان الوقوف الثاني مخالفاً


1) الوسائل 10 : 133 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 7.

2) راجع منتهى المقال 3 : 283.

.................................................................................................


للتقية فهو محرّم ولكن لا تسري حرمته إلى ما أدّاه من وظيفته ، ويصح حجّه ويعتبر الوقوف الأول من أعمال حجّه ، وإن كان الوقوف الثاني غير مخالف للتقية كما إذا وقف في عرفة بعنوان اتخاذ الموقف طريقاً له ، أو بعنوان أنه يبحث عن شي‌ء في تلك الأراضي فلا يكون بمحرّم ولكنه عمل لغو لا يتصف بالوجوب ولا بالحرمة.

وأمّا إذا لم يقف معهم ولم يتابعهم ، فان لم يقف في اليوم الثاني أيضاً فلا إشكال في فساد الحج لتركه الوقوف بالمرة ، ولو قيل بأن أدلّة التقية متكفلة للصحة فإنما تدل على سقوط الشرط وعدم لزوم كون الوقوف في اليوم التاسع ولا دلالة فيها على سقوط أصل الوقوف ، نظير السجود على الأرض إذا كان مخالفاً للتقية فإن التقية تقتضي سقوط وجوب السجود على الأرض ولا توجب ترك السجود رأساً ، فإن الضرورات تقدّر بقدرها ، فأدلّة التقية تقتضي ترك الوقوف في اليوم التاسع ولا تقتضي ترك الوقوف رأساً.

وأمّا لو لم يقف معهم ووقف في اليوم اللّاحق ، فان كان الوقوف الثاني مخالفاً للتقية فوقوفه محرّم جزماً ولا يصلح للجزئية ، فان الحرام لا يصلح أن يكون جزءاً للعبادة فوقوفه في حكم العدم فيفسد حجّه قطعاً.

وأمّا إذا لم يكن الوقوف الثاني مخالفاً للتقية ، كما إذا تمكن من الوقوف بالمقدار اليسير بحيث لا يخالف التقية ، فهل يكفي ذلك في الحكم بصحة حجّه أم لا؟

الظاهر هو عدم الكفاية ، لأن هذا الموقف غير مأمور به ، ووجه ذلك : أن الواجب على المكلف هو الوقوف في يوم عرفة وجداناً أو شرعاً ، والوقوف الذي صدر منه في اليوم الثاني لا دليل عليه ولا حجّة له إلّا الاستصحاب ، أي استصحاب عدم دخول اليوم التاسع ، ولكنه غير جار في المقام ، لعدم ترتّب الأثر عليه ، فان الاستصحاب إنما يجري فيما إذا ترتب عليه حكم شرعي ، وأمّا إذا لم يترتب عليه حكم وأثر شرعي فلا يجري الاستصحاب ، وما نحن فيه كذلك ، لأن هذا الاستصحاب لا يقتضي وجوب الوقوف في اليوم اللّاحق ، لأنّا نعلم بعدم وجوب الوقوف في هذا اليوم ، لأن الواجب

.................................................................................................


حسب أدلّة التقية هو الوقوف في اليوم الذي يوافقهم فلا أثر لهذا الاستصحاب ، فحينئذ يشك في أن الوقوف الثاني هو الوقوف في يوم عرفة اليوم التاسع أو أن وقوفه هذا في اليوم العاشر ، لأن كلامنا فعلاً في الصورة الأُولى وهي ما إذا احتملت مطابقة حكمهم للواقع ، فالشك شك في الامتثال.

وبالجملة : الشاك وظيفته منحصرة بالمتابعة ، فمن ترك الوقوف معهم يفسد حجّه ، سواء وقف في اليوم اللّاحق أم لا ، وسواء كان وقوفه في اليوم اللّاحق مخالفاً للتقيّة أم لم يكن مخالفاً لها ، ففي جميع الصور يبطل حجّه.

الصورة الثانية : وهي ما إذا فرض العلم بالخلاف فلا سيرة على الاكتفاء بالوقوف معهم ولا نص في المقام ، وأمّا أدلّة التقية فقد عرفت أنها لا تفي بالإجزاء ، وإنما مفادها وجوب التقية بعنوانها وجوباً تكليفياً ، ولو فرضنا دلالتها على الإجزاء فإنما يتم في فرض الشك لا في مورد القطع بالخلاف ، فإن العامّة لا يرون نفوذ حكم حاكمهم حتى عند القطع بالخلاف ، فالعمل الصادر منه لا يكون مصداقاً للتقية.

وبعبارة اخرى : الحكم بالصحة في هذه الصورة مبني على أمرين : الأول : دلالة الأخبار على سقوط الجزئية أو الشرطية في مورد التقية ، الثاني : لزوم متابعتهم وتنفيذ حكمهم حتى مع العلم بالخلاف ، وشي‌ء منهما لم يثبت.

والذي يسهّل الخطب أن القطع بالخلاف نادر التحقق جدّاً أو لا يتحقق ، وعلى تقدير التحقق فوظيفته أن يأتي بالوقوف الاضطراري في المزدلفة من دون أن يترتب عليه أيّ محذور ولو كان المحذور مخالفة التقية وإن لم يتمكّن المكلف من ذلك أيضاً فهو ممّن لم يتمكّن من إدراك الوقوفين لمانع من الموانع فيعدل إلى العمرة المفردة ولا حج له ، فان كانت هذه السنة أول استطاعته ولم تبق إلى السنة الآتية فينكشف عدم استطاعته للحج أصلاً وأنه لم يكن واجباً عليه ، وأمّا إذا بقيت استطاعته أو حصل على استطاعة جديدة بعد ذلك فيجب عليه الحج في السنة الآتية ، وكذا يجب عليه الحج في السنة القابلة إذا كان الحج عليه مستقرّاً.

الوقوف في المزدلفة

وهو الثالث من واجبات حج التمتّع ، والمزدلفة اسم لمكان يقال له المشعر الحرام وحدّ الموقف من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسّر ، وهذه كلها حدود المشعر وليست بموقف إلّا عند الزحام وضيق الوقت فيرتفعون إلى المأزمين. ويعتبر فيه قصد القربة (1).


(1) لا خلاف بين المسلمين كافة في أن الوقوف بالمشعر من واجبات الحج ويدلُّ عليه الكتاب العزيز ( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) (1)ولذا أُطلق عليه الفريضة في النصوص (2)باعتبار ذكره في القرآن ، وتدل عليه الروايات الكثيرة :

منها : الروايات البيانية الحاكية لحج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) (3)وفي جملة من النصوص : أن من فاته الوقوف بالمشعر فلا حج له وفاته الحج (4).

إنما يقع الكلام في بعض الخصوصيات :

منها : أن حد الموقف من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر كما في النصوص المعتبرة (5)وأمّا نفس الحدود فهي خارجة عن الموقف ، ولا يجوز الوقوف فيها اختياراً إلّا إذا كان هناك زحام وحرج فيجوز الوقوف في المأزمين (6)خاصة كما في موثق


1) البقرة 2 : 198.

2) الوسائل 14 : 10 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 4.

3) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2.

4) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

5) الوسائل 14 : 17 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 8.

6) المأزم : الطريق الضيق بين جبلين ، ويقال للموضع الذي بين عرفة والمشعر مأزمان. مجمع البحرين 6 : 7.

.................................................................................................


سماعة قال «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام إذا كثر الناس بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال : يرتفعون إلى المأزمين» (1).

لكن الأصحاب جوّزوا الارتفاع إلى الجبل حتى المحقق في الشرائع (2)ولذا اعترض عليهم صاحب الحدائق بأن النص تضمّن جواز الوقوف في المأزمين عند الضيق ولم يذكر فيه الجبل ، وإنما الجبل حد آخر للمشعر ولم يرد في النص جواز الوقوف عليه (3)وكذلك صاحب الوسائل جوّز الوقوف على الجبل ، وذكر الجبل في عنوان الباب التاسع من الوقوف بالمشعر ، واستدل بموثق محمد بن سماعة. وهذا سهو منه ، فان الجبل المذكور في هذا الموثق إنما هو جبل عرفات ، فان الشيخ روى بإسناده عن محمد بن سماعة الصيرفي عن سماعة بن مهران قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال : يرتفعون إلى وادي محسر ، قلت : فاذا كثروا بجمع وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال : يرتفعون إلى المأزمين ، قلت : فاذا كانوا بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال : يرتفعون إلى الجبل ، وقف في ميسرة الجبل ، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقف بعرفات ، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها ، فنحّاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ففعلوا مثل ذلك ، فقال : أيها الناس إنه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف ، ولكن هذا كلّه موقف ، وأشار بيده إلى الموقف وقال : هذا كلّه موقف» الحديث (4).

وصاحب الوسائل روى هذه الرواية في أبواب الوقوف بعرفة عن محمد بن سماعة من دون أن يصفه بالصيرفي ، مع أن الموجود في التهذيب محمد بن سماعة الصيرفي عن سماعة بن مهران ، وفي الوسائل عن محمد بن سماعة عن سماعة.


1) الوسائل 14 : 19 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 9 ح 1.

2) الشرائع 1 : 290.

3) الحدائق 16 : 433.

4) الوسائل 13 : 535 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 11 ح 4. التهذيب 5 : 180 / 604.

.................................................................................................


ثم إنّ ذكر القطعة الأخيرة من هذه الموثقة في الباب التاسع من أبواب الوقوف بالمشعر سهو منه ، لما عرفت من أن المراد من الجبل المذكور فيه هو جبل عرفات لا الجبل الذي هو حد المشعر ، فما ذكره صاحب الحدائق من الاعتراض على الأصحاب هو الصحيح ، إذ لا دليل على جواز الارتفاع إلى الجبل في المشعر الذي هو حد آخر للمشعر وهو غير الجبل الواقع في المشعر ، فقد صرح في صحيح زرارة بأن الجبل حد آخر للمشعر ، فعن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال للحكم بن عتيبة «ما حد المزدلفة؟ فسكت ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : حدها ما بين المأزمين إلى الجبل إلى حياض محسر» (1).

وبالجملة : لا دليل على جواز الوقوف على الجبل الذي هو من حدود المشعر.

نعم ، لو أرادوا من الجبل المأزمين كما حمل صاحب الجواهر عبارة المحقق على ذلك (2)فلا بأس به ، وإن كان بعيداً ، ولكن كلام صاحب الوسائل صريح في أنّ الجبل المذكور في عنوان الباب غير المأزمين ، لأنه ذكر الجبل في قبال المأزمين.

ثم إنّ بعض الأعلام (3)استشكل في جواز الوقوف في المأزمين لخروجه عن الموقف وقال : لأن الوقوف بالمشعر من الأركان فكيف يسوغ تركه بمجرّد كثرة الناس والمضايقة.

ولا يخفى أنّ ما ذكره من أوضح موارد الاجتهاد في مقابل النص ، فإنّ الأحكام تعبّدية ولا مانع من كون الموقف موقفاً عند الإمكان وعدم الزحام ، وأمّا عند الزحام والضيق يكون الموقف أوسع ، وليس وجوب الوقوف في المزدلفة من الأحكام العقلية التي لا تقبل التخصيص.


1) الوسائل 14 : 17 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 8 ح 2.

2) الجواهر 19 : 67.

3) الظاهر أنه السيد الحكيم (قدس سره) في دليل الناسك : 340.

مسألة 372 : إذا أفاض الحاج من عرفات فالأحوط أن يبيت ليلة العيد في المزدلفة وإن كان لم يثبت وجوبها (1).


(1) هل الواجب من الوقوف في المشعر هو الوقوف بين الطلوعين فقط ، أو يجب المبيت ليلة العيد في المزدلفة أيضاً وإن لم يكن تركه عمداً يوجب الفساد؟

المشهور هو الأوّل (1)واختاره صاحب الجواهر (2)ونسبه إلى ظاهر الأكثر واستدل أوّلاً بالتأسي ، وفيه : أن التأسي لا يدل على الوجوب ، وإنما يدل على عدم المنع. واستدل ثانياً بعدة من الروايات :

منها : صحيحة معاوية بن عمار عن الحلبي «ولا تتجاوز الحياض ليلة المزدلفة» (3)فان المستفاد منها عدم التجاوز عن الحياض ليلة العيد فيظهر منها لزوم المبيت ، وإنما المنهي التجاوز إلى الحياض.

وفيه : أن التجاوز إلى الحياض ليلة العيد بأن يذهب إلى الحياض قليلاً ثم يرجع إلى المشعر جائز بالضرورة ، ومن قال بوجوب المبيت لا يمنع عن هذا المقدار من التجاوز ، فالتجاوز إلى الحياض بعنوانه ومستقلا غير محرم قطعاً ، فحينئذ يمكن أن يكون النهي عن التجاوز لأجل درك الوقوف بالمشعر وخوف فوت الموقف.

مضافاً إلى أنه لا دلالة في الصحيحة على وجوب المبيت حتى مع قطع النظر عما ذكرنا ، وذلك فإن النهي عن التجاوز إلى الحياض لا يدل على وجوب المبيت ، إذ يمكن أن يفيض من عرفات ويبيت في الطريق قبل الوصول إلى المشعر ، فيصدق عليه أنه غير متجاوز عن الحياض.

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار : «أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر فقف إن شئت قريباً من الجبل وإن شئت حيث شئت» الحديث (4)فان المستفاد منها المفروغية


1) والصحيح أن يقول : المشهور هو الثاني.

2) الجواهر 19 : 73.

3) الوسائل 14 : 18 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 8 ح 3.

4) الوسائل 14 : 20 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 11 ح 1.

مسألة 373 : يجب الوقوف في المزدلفة من طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس ، لكن الركن منه هو الوقوف في الجملة ، فإذا وقف مقداراً ما بين الطلوعين ولم يقف الباقي ولو متعمداً صح حجّه وإن ارتكب محرماً (1).


عن المبيت ليلة العيد.

والجواب عن ذلك لعله واضح ، وهو أن الإصباح على طهر يصدق ولو بالوصول إلى المشعر قبل الفجر بقليل ، ولا يحتاج صدق ذلك على المبيت.

والحاصل : الوقوف الواجب هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ولا بدّ من الوقوف قبل الفجر بقليل من باب المقدمة العلمية فحينئذ يصدق عليه الإصباح بطهور في المشعر.

ومنها : خبر عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمِّي الأبطح أبطح ، لأن آدم (عليه السلام) أُمر أن يتبطح في بطحاء جمع ، فتبطح حتى انفجر الصبح ، ثم أُمر أن يصعد جبل جمع ، وأمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه ففعل ذلك» (1)فإنه يدل على بقاء آدم في المشعر قبل الفجر.

وفيه أوّلاً : ضعف السند بعبد الحميد بن أبي الديلم ، وبمحمد بن سنان الواقع في السند.

وثانياً : ضعف الدلالة ، لأن الأمر بالبطح (2)حتى ينفجر الصبح يتحقق ولو بالمكث قبل الفجر بقليل ولا يحتاج إلى المبيت ، فالرواية أجنبية عن المبيت بمقدار ثلث الليل أو نصفه ، فلا دليل على لزوم المبيت وإن كان هو أحوط.

(1) لا ريب في وجوب الوقوف في المشعر فيما بين الطلوعين من يوم العيد ، وهل يجب الاستيعاب في هذه المدة بأن يقف من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، أو أن


1) الوسائل 14 : 11 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 4 ح 6.

2) البطح : هو الانطراح والبسط ومنه الانطراح على وجهه [لسان العرب 2 : 412].

.................................................................................................


الواجب هو الوقوف في الجملة ، وإن لم يستوعب تمام هذه المدة؟

المعروف هو وجوب الاستيعاب ، بينما ذهب آخرون إلى عدم وجوبه ، وممّن صرح بذلك صاحب الجواهر واستدل بالأصل وإطلاق الأدلة وأنه لا دليل على التقييد (1).

فيقع البحث تارة من حيث المبدأ وأُخرى من حيث المنتهي.

أمّا من حيث المبدأ ولزوم الوقوف من طلوع الفجر ، فقد يستدل عليه بصحيح معاوية بن عمار المتقدم «أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر ، فقف إن شئت قريباً من الجبل ، وإن شئت حيث شئت» (2)فان المستفاد منه لزوم الإصباح في المشعر فلا يجوز التأخر عن طلوع الفجر ، بل لو لم يكن دليل على عدم اعتبار الطهارة في الوقوف لالتزمنا بوجوب الإصباح عن طهارة ، إلّا أن الدليل قام على عدم اعتبار الطهارة في جميع الأعمال والمناسك عدا الطّواف وصلاته ، فيحمل على الاستحباب ، فما ذكره صاحب الجواهر من أنه لا يدل على وجوب الوقوف عند طلوع الفجر ، وأن الرواية في مقام بيان اختيار أيّ مكان شاء ، وليست في مقام بيان الكون في المشعر ، وإنما تدل على أن المبدأ بعد صلاة الصبح ، لا يمكن المساعدة عليه.

وأمّا من حيث المنتهي ووجوب الوقوف إلى طلوع الشمس فيدل عليه ما في ذيل صحيح معاوية بن عمار «ثم أفض حيث يشرق لك ثبير وترى الإبل مواضع أخفافها» (3)فإن الأمر بالإضافة حتى يشرق ثبير أي يضي‌ء ثبير وهو جبل بمكة كناية عن طلوع الشمس.

وذكر صاحب الجواهر أن المراد من الإشراق الاسفار ، لرؤية الإبل مواضع أخفافها عند الإسفار ، وذلك أعم من طلوع الشمس (4)ولكن ما ذكره مبني على حمل هذه الجملة على معناها الحقيقي وإرادة الإسفار والإضاءة من الإشراق.


1) الجواهر 19 : 76.

2) الوسائل 14 : 20 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 11 ح 1.

3) الوسائل 14 : 20 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 11 ح 1.

4) الجواهر 19 : 76.

.................................................................................................


وفيه : أن الظاهر كون المراد من هذه الجملة معنى كنائياً عن طلوع الشمس ، ويقال أشرق ثبير أي طلعت الشمس كما صرح بذلك في اللغة (1)وقد فسرت هذه الجملة بطلوع الشمس في رواية معتبرة أيضاً وهي ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ثم أفض حين يشرق لك ثبير وترى الإبل مواضع أخفافها ، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) كان أهل الجاهلية يقولون أشرق ثبير يعنون الشمس كيما نغير ، وإنما أفاض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) خلاف أهل الجاهلية ، كانوا يفيضون بإيجاف الخيل وإيضاع الإبل ، فأفاض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) خلاف ذلك بالسكينة والوقار والدعة» الحديث (2)والرواية واضحة الدلالة على أن المراد بهذه الجملة هو طلوع الشمس ، فكأنه قال : ثم أفض حيث تطلع الشمس وترى الإبل مواضع أخفافها.

ولا يخفى أن الوسائل لم يذكر جملة «يعنون الشمس» ولكنها موجودة في التهذيب.

ثم إن الموجود في الوسائل المطبوع بالطبعة الجديدة شرف ، وأشرف ثبير بالفاء وهو غلط جزماً ، وكذا في الطبعة القديمة.

وأمّا من حيث السند فالظاهر أن الرواية معتبرة ، والمراد بإبراهيم الأسدي الواقع في السند الذي روى عنه موسى بن القاسم هو إبراهيم بن صالح الأنماطي الأسدي الذي وثقه النجاشي (3)لأنه معروف وله كتاب وينصرف إبراهيم الأسدي إليه. مضافاً إلى أن الصدوق رواه في العلل بسند صحيح ليس فيه إبراهيم الأسدي (4).

وما جاء في صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا تتجاوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس» (5). فالمراد بهذا النص عدم الدخول في


1) أشرق ثبير كيما نَغير ، أو أشرق ونغير أي نسرع إلى النحر وندفع النفر وسميت أيام التشريق بذلك ، لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس أي تطلع. مجمع البحرين 5 : 191.

2) الوسائل 14 : 26 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 15 ح 5 ، التهذيب 5 : 192 / 637.

3) رجال النجاشي : 15 / 13.

4) العلل : 444 ب 192 ح 1.

5) الوسائل 14 : 25 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 15 ح 2.

.................................................................................................


وادي محسر وحدوده حتى تطلع الشمس ، وعدم التجاوز وعدم التعدي بالدخول في أوّل الوادي ، فبطبيعة الحال لا بدّ أن يبقى في المزدلفة إلى طلوع الشمس ، فقبل طلوع الشمس ليس له الدخول في وادي محسّر ، وعدم جواز الخروج عن وادي محسّر إلى منى قبل طلوع الشمس ، وإلّا لو كان المراد ذلك لقال لا تدخل منى حتى تطلع الشمس.

والحاصل : المنهي هو الدخول في وادي محسّر قبل طلوع الشمس.

ويؤيد : ما ورد في حج آدم (عليه السلام) وأنه أُمر أن ينبطح في بطحاء جمع فانبطح في بطحاء جمع حتى انفجر الصبح ، وأمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه ففعل ذلك (1).

وبإزاء هذه الروايات مرسلة علي بن مهزيار «ينبغي للإمام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس ، وسائر الناس إن شاؤوا عجلوا وإن شاؤوا أخروا» (2)فيسوغ لسائر الناس التعجيل والنفر إلى منى قبل طلوع الشمس.

والجواب أوّلاً : أن الرواية ضعيفة بالإرسال.

وثانياً : أن التعجيل والتأخير إنما هما بالنسبة إلى الإفاضة والشروع في النفر ، وذلك يحتاج إلى مدة من الزمان ، فمعنى الرواية أن الإمام أي أمير الحاج ليس له النفر والحركة حتى تطلع الشمس ، ولكن سائر الناس لهم أن يعجّلوا ويتوجّهوا إلى منى وذلك لا يدل على جواز الخروج قبل طلوع الشمس ، فإن الإفاضة والشروع في الحركة يحتاج إلى مدّة من الزمان كما بيناه ، وعليه أن لا يتعدّى إلى وادي محسّر.

وبما ذكرنا يظهر الجواب عن موثقة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) أيّ ساعة أحب إليك أن أفيض من جمع؟ قال : قبل أن تطلع الشمس بقليل فهو أحب الساعات إليّ ، قلت : فان مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال : لا بأس» (3).


1) الوسائل 11 : 227 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 21.

2) الوسائل 14 : 26 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 15 ح 4.

3) الوسائل 14 : 25 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 15 ح 1.

.................................................................................................


فإن الإفاضة والشروع في الخروج لا يلازم جواز الخروج قبل طلوع الشمس ولا يلازم عدم وجوب البقاء في المشعر ، لأن الشروع في الخروج والإفاضة يستلزم وقتاً كثيراً خصوصاً في الزحام حتى يخرج ، فما ذكره المشهور من وجوب الوقوف من طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس على نحو الاستيعاب هو الصحيح.

ويؤيد بعدة من الروايات :

منها : ترخيص النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الضعفاء والنساء الإفاضة ليلاً (1)فان المستفاد من هذا الترخيص لهؤلاء المذكورين هو وجوب الوقوف بالمشعر فيما بين الطلوعين لغيرهم.

ومنها : معتبرة مسمع الآتية (2).

إنما الكلام في الركن منه الذي بتركه يفسد الحج ، نسب إلى الشيخ في الخلاف (3)وابن إدريس (4)أن الركن هو الوقوف فيما بين الطلوعين في الجملة ، فلو أفاض قبل الفجر بطل حجّه. ونسب إلى المشهور أن الركن هو الوقوف من أول الليل إلى طلوع الشمس ، بمعنى أنه لو وقف مقداراً من الليل وأفاض قبل الفجر صح حجّه ، لأنه قد أتى بالركن وإن ترك واجباً ولكن يجبره بشاة.

أمّا الاجتزاء بالوقوف في الجملة فيما بين الطلوعين فقد دلت عليه النصوص الدالة على أن من لم يدرك المشعر فلا حج له (5).

وأمّا بالنسبة إلى ما قبل الفجر فهل يجزئ الوقوف ليلاً ويكون حجّه صحيحاً أم يبطل؟

ذهب المشهور إلى الاجتزاء ، وأنه لو أفاض قبل الفجر عامداً بعد أن وقف قليلاً


1) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17.

2) في الصفحة الآتية.

3) الخلاف 2 : 344 / 166.

4) السرائر 1 : 589.

5) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

.................................................................................................


ليلاً لم يبطل حجّه ، واستدل لهم بمعتبرة مسمع عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «في رجل وقف مع الناس بجمع ، ثم أفاض قبل أن يفيض الناس ، قال : إن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه ، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» (1). فان المستفاد منها أن من أفاض قبل طلوع الفجر عالماً عامداً لا يفسد حجّه وإنما ترك واجباً يجبره بشاة.

ولا يخفي أن الاستدلال بهذه الرواية لمذهب المشهور يتوقف على أن يكون الحكم الثاني المذكور في الرواية حكماً للعالم العامد.

وأشكل عليهم صاحب الحدائق بأن الرواية غير ناظرة إلى حكم العامد وإنما نظرها إلى حكم الجاهل من حيث الإفاضة قبل الفجر وبعده ، فموضوع السؤال في الرواية أنه وقف مع الناس الوقوف المتعارف ، وهو الوقوف من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، خصوصاً أن قوله «وقف مع الناس» ظاهر جدّاً في أنه وقف معهم في هذا الوقت ، فان الناس يقفون ويجتمعون في هذا الوقت ، ولكن أفاض قبل أن يفيض الناس ، أي قبل طلوع الشمس فقال (عليه السلام) «لا شي‌ء عليه» ثم إن الإمام (عليه السلام) تدارك وذكر أنه إنما لا شي‌ء عليه إذا أفاض بعد الفجر ، وإن لم يصبر إلى طلوع الشمس ، ولكن لو أفاض الجاهل قبل الفجر فعليه دم شاة ، فالرواية في الحكمين ناظرة إلى حكم الجاهل ، وأمّا العالم العامد فالرواية ساكتة عنه ولا دليل عليه بخصوصه فاذن تشمله الروايات الدالة على أن من لم يدرك المشعر مع الناس فقد فاته الحج ، ولا أقل من إجمال رواية مسمع ، فالمرجع أيضاً تلك العمومات الدالة على بطلان الحج بترك الوقوف في المشعر ، فحاصل المعنى من الرواية بعد فرض الإفاضة في كلام السائل بعد الفجر وقبل طلوع الشمس هكذا : إن كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه في إفاضته في ذلك الوقت ، وإن كانت إفاضته قبل طلوع الفجر فعليه شاة (2).

وما ذكره (قدس سره) متين جدّاً ، فاذن لا دليل على الصحة فيما إذا أفاض قبل الفجر عمداً ، فالصحيح ما ذهب إليه ابن إدريس والشيخ في الخلاف ، من أن الركن


1) الوسائل 14 : 27 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 16 ح 1.

2) الحدائق 16 : 440.

.................................................................................................


من الوقوف هو الوقوف في الجملة فيما بين الطلوعين.

وممّا يؤيد أن رواية مسمع موردها خصوص الجاهل : صحيحة علي بن رئاب أن الصادق (عليه السلام) قال «من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع ومضى إلى منى متعمداً أو مستخفاً فعليه بدنة» (1). فان وجوب البدنة على المتعمد يكشف عن أن وجوب الشاة كما في رواية مسمع في مورد الجاهل ، وإلّا فكيف يحكم في مورد واحد تارة بأنه عليه شاة وأُخرى بأنه عليه بدنة.

ثم إنّ شيخنا الأُستاذ النائيني (قدس سره) بعد ما اختار مذهب المشهور من أن الركن مسمّى الوقوف في جزء من الليل إلى طلوع الشمس ، ذكر أنه لو أفاض قبل طلوع الشمس صح حجّه مطلقاً ، أي ولو كان عمداً ، ولكن الأحوط أن يجبره بشاة (2).

والظاهر أنه لا وجه لهذا الجبر ، فإنّ رواية مسمع إنما دلت على الجبر فيما إذا أفاض قبل طلوع الفجر ولم يدرك الفجر في المشعر ، وأمّا إذا أفاض بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فلا دليل على الجبر. إلّا الفقه الرضوي (3)الذي لم يثبت كونه رواية فضلاً عن اعتباره.

فالمتحصل من جميع ما تقدم : أن الواجب الركني الذي يفسد الحج بتركه هو الوقوف في الجملة فيما بين الطلوعين ، وإن كان الواجب هو الاستيعاب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وأمّا المبيت ليلاً فغير واجب لعدم الدليل عليه ، ولو أفاض قبل الفجر جهلاً منه بالحكم صح حجّه ولكن عليه شاة ، ولو أفاض بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس جهلاً فلا شي‌ء عليه ، وأمّا لو أفاض في الليل قبل طلوع الفجر عمداً ، وترك الوقوف فيما بين الفجر وطلوع الشمس رأساً فقد فسد حجّه.


1) الوسائل 14 : 48 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 26 ح 1.

2) دليل الناسك (المتن) : 344.

3) فقه الرضا : 224.

مسألة 374 : من ترك الوقوف فيما بين الفجر وطلوع الشمس رأساً فسد حجّه ويستثني من ذلك النساء والصبيان والخائف والضعفاء كالشيوخ والمرضى فيجوز لهم حينئذ الوقوف في المزدلفة ليلة العيد والإفاضة منها قبل طلوع الفجر إلى منى (1).

مسألة 375 : من وقف في المزدلفة ليلة العيد وأفاض منها قبل طلوع الفجر جهلاً منه بالحكم صحّ حجّه على الأظهر ، وعليه كفارة شاة (2).

مسألة 376 : من لم يتمكن من الوقوف الاختياري الوقوف فيما بين الطلوعين - في المزدلفة لنسيان أو لعذر آخر أجزأه الوقوف الاضطراري الوقوف وقتاً ما بعد طلوع الشمس إلى زوال يوم العيد ، ولو تركه عمداً فسد حجّه (3).


(1) لا ينبغي الريب في فساد الحج بترك الوقوف فيما بين الطلوعين رأساً للعامد المختار ، للروايات المستفيضة المعتبرة (1)مضافاً إلى عدم الخلاف.

وأمّا جواز الإفاضة ليلاً للطوائف المذكورين في المتن فللنصوص المعتبرة المستفيضة فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) رخّص لهم الإفاضة ليلاً والرمي ليلاً (2).

(2) قد ذكرنا حكم هذه المسألة عند البحث عن المسألة 373 فلا نعيد.

(3) قد عرفت أن الوقت الاختياري للمشعر من طلوع فجر يوم العيد إلى طلوع الشمس ، وأمّا الاضطراري فيمتد إلى زوال الشمس من يوم النحر ، للنصوص الكثيرة المعتبرة (3)وحكى ابن إدريس عن السيد امتداد وقت المضطر إلى الغروب (4)وأنكر العلّامة هذه النسبة أشدّ الإنكار (5)وكيف كان فلا دليل على الامتداد إلى الغروب.


1) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

2) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17 ، 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4 ، 14 : 70 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 14.

3) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

4) السرائر 1 : 619.

5) المختلف 4 : 264.

إدراك الوقوفين أو أحدهما

تقدّم أن كلّاً من الوقوفين الوقوف في عرفات والوقوف في المزدلفة ينقسم إلى قسمين : اختياري واضطراري ، فإذا أدرك المكلف الاختياري من الوقوفين كليهما فلا إشكال ، وإلّا فله حالات :

الاولى : أن لا يدرك شيئاً من الوقوفين : الاختياري منهما والاضطراري أصلاً ففي هذه الصورة يبطل حجّه ويجب عليه الإتيان بعمرة مفردة بنفس إحرام الحج ويجب عليه الحج في السنة القادمة فيما إذا كانت استطاعته باقية أو كان الحج مستقراً في ذمته.

الثانية : أن يدرك الوقوف الاختياري في عرفات والاضطراري في المزدلفة.

الثالثة : أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات والاختياري في المزدلفة ، ففي هاتين الصورتين يصحّ حجّه بلا إشكال.

الرابعة : أن يدرك الوقوف الاضطراري في كل من عرفات والمزدلفة ، والأظهر في هذه الصورة صحّة حجّه وإن كان الأحوط إعادته في السنة القادمة إذا بقيت شرائط الوجوب أو كان الحج مستقراً في ذمته.

الخامسة : أن يدرك الوقوف الاختياري في المزدلفة فقط ، ففي هذه الصورة يصح حجّه أيضاً.

السادسة : أن يدرك الوقوف الاضطراري في المزدلفة فقط ، ففي هذه الصورة لا تبعد صحّة الحج ، إلّا أن الأحوط أن يأتي ببقية الأعمال قاصداً فراغ ذمّته عما تعلق بها من العمرة المفردة أو إتمام الحج ، وأن يعيد الحج في السنة القادمة.

السابعة : أن يدرك الوقوف الاختياري في عرفات فقط ، والأظهر في هذه الصورة بطلان الحج فينقلب حجّه إلى العمرة المفردة ، ويستثنى من ذلك ما إذا

وقف في المزدلفة ليلة العيد وأفاض منها قبل الفجر جهلاً منه بالحكم كما تقدّم ولكنه إن أمكنه الرجوع ولو إلى زوال الشمس من يوم العيد وجب ذلك وإن لم يمكنه صح حجّه وعليه كفارة شاة.

الثامنة : أن يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فقط ، ففي هذه الصورة يبطل حجّه فيقلبه إلى العمرة المفردة (1).


(1) اعلم أن لكل من الوقوفين الوقوف بعرفة والوقوف بالمشعر الحرام وقت اختياري ووقت اضطراري ، فيكون المجموع أربعة أوقات. أمّا الموقف الاختياري لعرفة فقد عرفت أنه من زوال يوم التاسع من ذي الحجة الحرام إلى الغروب ، والموقف الاضطراري منها هو الوقوف برهة من ليلة العيد ، والموقف الاختياري للمشعر من طلوع الفجر يوم العيد إلى طلوع الشمس ، والاضطراري من طلوع شمس يوم العيد إلى زواله كما في النصوص الكثيرة (1)ونسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) امتداده إلى الغروب من يوم العيد (2)ولا دليل عليه بل لم تثبت النسبة إليه كما تقدّم قريباً.

إذا عرفت ذلك فحاصل الأقسام المتصورة لدرك الموقفين كالآتي :

فإن المكلف قد يدرك الموقفين الاختياريين ، وقد يدرك الاضطراريين ، وقد يدركهما مختلفين ، وقد يدرك أحدهما الاختياري أو الاضطراري لكل منهما من دون أن يدرك الموقف الآخر ، فيكون الوقوف الانفرادي أربعة كما أن الوقوف الامتزاجي التركيبي بين الوقوفين أربعة ، وإذا أضفت إليها صورة عدم إدراكه لشي‌ء من الموقفين لا الاختياري ولا الاضطراري تكون الأقسام تسعة ، فنقول :

قد نفرض أن الناسك لا يدرك شيئاً من الموقفين لا الاختياري منهما ولا الاضطراري أصلاً ، ففي هذه الصورة لا ريب في بطلان حجّه ويكون ممّن فاته الحج ووظيفته


1) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

2) تقدم مصدره في ص 210.

.................................................................................................


الإتيان بعمرة مفردة ، وعليه الحج في السنة الآتية فيما إذا كانت استطاعته باقية أو كان الحج مستقرّاً عليه ، وتدل عليه عدّة من النصوص :

منها : صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات إلى أن قال فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل» (1).

ومنها : صحيحة معاوية بن عمار ، وغيرهما من الروايات (2).

وقد نفرض أن الناسك يدرك الوقوف ففيه صور :

فقد يدركهما معاً الاختياريين أو الاضطراريين أو اختياري عرفة واضطراري مشعر أو بالعكس أي اضطراري عرفة واختياري مشعر فهذه أربع صور لصورة الامتزاج والتركيب بين الوقوفين.

وأمّا صور الانفراد فهي أربعة أيضاً ، لأنه قد يقف الموقف الاختياري لعرفة فقط وقد يدرك الموقف الاختياري للمشعر فقط ، وقد يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فقط ، وقد يدرك الموقف الاضطراري في المزدلفة فقط.

فإن أدرك المشعر الاختياري فصوره ثلاثة ، لأنه قد يدرك الموقف الاختياري لعرفة أيضاً ، وقد يدرك الموقف الاضطراري لعرفات وقد لا يدرك شيئاً من الوقوف في عرفات لا الاختياري ولا الاضطراري ، أمّا إذا أدرك الوقوفين الاختياريين فلا ريب في الصحة ، وهذه هي القدر المتيقن من الحكم بالصحة ولا حاجة إلى التكلم والبحث عنه.

وأمّا إذا ضم إليه الموقف الاضطراري لعرفة أو لم يقف في عرفات أصلاً لا الموقف الاختياري ولا الاضطراري فلا ريب في الحكم بالصحة فيهما أيضاً ، للنصوص الدالة على أن من أتى المزدلفة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج ولا عمرة له (3)،


1) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2.

2) الوسائل 14 : 48 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 25 ، 27.

3) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

.................................................................................................


وقد يدرك الموقف الاضطراري للمشعر فهذا أيضاً له صور ثلاث ، لأنه قد يقف في عرفات الموقف الاختياري منها وقد يقف الموقف الاضطراري لعرفة وقد لا يقف في عرفات أصلاً لا الاختياري ولا الاضطراري.

أمّا إذا وقف الموقف الاضطراري في المشعر فقط فمقتضى إطلاق جملة من الروايات المعتبرة بل الآية الكريمة بطلان الحج

إذا لم يدرك المشعر قبل طلوع الشمس كما في صحيحة الحلبي «فقد تم حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس ، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل» (1)وأنه إذا أتى المشعر وقد طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل (2).

كما أن مقتضى إطلاق قوله تعالى ( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) إلى أن قال - ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ ) (3)وجوب درك المشعر عند ما يقف الناس فيه ويفيضون إليه ، ومن المعلوم أن الناس كانوا يقفون إلى طلوع الشمس ، فمقتضى إطلاق هذه الأدلة بطلان الحج وفساده لو لم يدرك المشعر الاختياري ، فلو كنّا نحن وهذه الأدلة لحكمنا بالفساد إلّا إذا كان في البين دليل خاص على خلافه.

ولكن قد وردت روايات كثيرة على أن من أدرك المشعر قبل زوال الشمس فقد صح حجّه وتم ، ففي صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من أدرك المشعر يوم النحر قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج» (4)فيحصل التعارض بين الطائفتين ، لأن الطائفة الأُولى تدل على أنه من لم يدرك المشعر إلى طلوع الشمس فلا حج له ، والثانية تدل على امتداد الوقت إلى زوال الشمس من يوم العيد وأنه لو أدرك


1) الوسائل 14 : 36 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2.

2) الوسائل 14 : 37 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23.

3) البقرة 2 : 198.

4) الوسائل 14 : 40 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23 ح 8.

.................................................................................................


المشعر قبل زوال الشمس فقد أدرك المشعر ، ولا ينبغي الريب في عدم جواز تأخير الوقوف اختياراً إلى الزوال ، وما دل على الامتداد إلى الزوال لا يشمل المتعمد لكلمة «من أدرك» في هذه الروايات ، فان الظاهر من هذه الكلمة هو التأخير عن عذر كما ذكرنا في باب الصلاة في قوله : «من أدرك ركعة من الوقت» (1).

وأمّا التأخير عن عذر فقد عرفت أن مقتضى الطائفة الاولى من الروايات الموافقة للكتاب العزيز هو فساد الحج ، ومقتضى الثانية هو الصحة وقد ذهب المشهور إلى البطلان ، إلّا أن جماعة من القدماء كابن الجنيد (2)والصدوق (3)والمرتضى (4)وجماعة من المتأخرين كصاحب المدارك (5)والشهيد الثاني (6)اختاروا الصحة.

فإن قلنا بالتعارض بين الطائفتين فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من الحكم بالبطلان ، لأن الترجيح بالكتاب إنما هو للطائفة الأُولى. ولكن بعد التأمل في جملة من الروايات يتبيّن أنه لا معارضة بين الطائفتين ، بيان ذلك :

إن كلّاً من الطائفتين باعتبار اشتماله على قوله «من أدرك» حيث يظهر من إحداهما امتداد الموقف إلى طلوع الشمس مطلقاً حتى للمعذور ، بينما يظهر من الأُخرى امتداد الموقف إلى زوال الشمس من يوم النحر على الإطلاق فالمعارضة بينهما ظاهرة ، ولكن عدة منها ظاهرة في امتداد الموقف إلى الزوال للمعذور وغير المتمكن ، فتكون هذه الروايات شاهدة للجمع بين الطائفتين ، بحمل الطائفة الأُولى على امتداد الموقف إلى طلوع الشمس للمختار ، وحمل الطائفة الثانية الدالة على امتداد الموقف إلى زوال الشمس من يوم العيد على المعذور وغير المتمكن ، ففي الحقيقة تكون الروايات على طوائف ثلاث :


1) تعرّض لهذه القاعدة قاعدة من أدرك في ذيل المسألة [1190] فلاحظها.

2) حكاه في المختلف 4 : 263 / 216.

3) علل الشرائع : 451.

4) الانتصار : 234.

5) المدارك 7 : 407.

6) المسالك 2 : 277.

.................................................................................................


الاولى : ما دلّت على امتداد الموقف إلى طلوع الشمس مطلقاً كصحيحة الحلبي المتقدمة.

الثانية : ما دلّت على امتداد الموقف إلى الزوال من يوم العيد على الإطلاق كصحيحة جميل المذكورة.

الثالثة : ما دلّت على امتداد الموقف إلى الزوال للمعذور كما سنذكرها ، فتكون هذه الطائفة شاهدة للجمع بين الطائفتين المتقدمتين.

فمن جملة هذه الروايات معتبرة عبد اللّه بن المغيرة ، قال : «جائنا رجل بمنى فقال : إني لم أُدرك الناس بالموقفين جميعاً ، فقال له عبد اللّه بن المغيرة : فلا حج لك ، وسأل إسحاق بن عمار فلم يجبه فدخل إسحاق بن عمار على أبي الحسن (عليه السلام) فسأله عن ذلك ، فقال : إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج» (1)فإنها واضحة الدلالة في فوت الموقفين على الرجل عن عذر وعن غير اختيار ، وصريحة في امتداد الموقف للمعذور إلى الزوال.

وأوضح من ذلك : معتبرة الفضل بن يونس ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف ، فبعث به إلى مكة فحبسه ، فلمّا كان يوم النحر خلى سبيله كيف يصنع؟ فقال : يلحق فيقف بجمع ، ثم ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شي‌ء عليه» الحديث (2).

فظهر أن الصحيح ما ذهب إليه بعض القدماء وبعض المتأخرين من الاجتزاء بالموقف الاضطراري في المزدلفة للمعذور وإن لم يدرك موقفاً آخر ، فان تم الحكم بالصحة في درك الوقوف الاضطراري في المزدلفة فقط فيتمّ الحكم بالصحة في القسمين الأخيرين بالأولوية ، وهما ما لو أدرك اضطراري عرفة أو أدرك اختياري عرفة منضماً إلى الوقوف الاضطراري للمشعر الحرام.


1) الوسائل 14 : 39 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 23 ح 6.

2) الوسائل 13 : 183 / أبواب الإحصار والصد ب 3 ح 2.

.................................................................................................


فتحصل : أن من أدرك موقف المشعر الاختياري صح حجّه على جميع التقادير سواء وقف اختياري عرفة أو اضطراريها أو لم يدرك شيئاً منهما ، ولا يضرّه فوت الموقف الاختياري أو الاضطراري لعرفات. وأمّا من أدرك الوقوف الاضطراري في المشعر الحرام فقط ، فصوره كما عرفت ثلاث ، لأنه تارة يقتصر على ذلك ولم يدرك اختياري عرفة ولا الاضطراري منها ، وأُخرى يدرك اختياري عرفة أيضاً ، وثالثة : يدرك اضطراري عرفة ، وقد تقدم الكلام في الصورة الأُولى وعرفت أن المعروف بين الأصحاب هو بطلان الحج وعدم الاكتفاء بالموقف الاضطراري للمشعر وحده ، ولكن الأظهر تبعاً لجماعة آخرين من القدماء والمتأخرين هو الصحة ، وذكرنا أن الروايات وإن كانت متعارضة ولكن روايتي ابن المغيرة وابن يونس المتقدمتين تدلّان على الصحة في فرض العذر ، فتحمل روايات البطلان على صورة التمكّن ، وأمّا الصورتان الأخيرتان فيحكم عليهما بالصحة بالأولوية القطعية.

وأمّا إذا قلنا بمقالة المشهور وحكمنا بالبطلان في صورة درك الموقف الاضطراري للمشعر وحده ، فيقع الكلام في درك الوقوف الاختياري في عرفات مع درك الاضطراري للمشعر.

فالمعروف هو الحكم بالصحة ، وتدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في رجل أفاض من عرفات فأتى منى؟ قال : فليرجع فيأتي جمعاً فيقف بها وإن كان الناس قد أفاضوا من جمع» (1)وصحيحة يونس بن يعقوب قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أفاض من عرفات فمرّ بالمشعر فلم يقف حتى انتهى إلى منى فرمى الجمرة ولم يعلم حتى ارتفع النهار ، قال : يرجع إلى المشعر فيقف به ثم يرجع ويرمي الجمرة» (2). فإنهما صريحان في إجزاء اختياري عرفة واضطراري المشعر منضماً.

وأمّا لو أدرك اضطراري عرفة واضطراري المشعر فقد اختلفت كلماتهم ، فذهب


1) الوسائل 14 : 35 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2 ، 3.

2) الوسائل 14 : 35 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 22 ح 2 ، 3.

.................................................................................................


بعضهم إلى الفساد وبعضهم إلى الصحة ، وهو الحق ، لصحيح العطّار الوارد فيه بالخصوص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر ، فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلاً بالمشعر الحرام ، وليلحق الناس بمنى ولا شي‌ء عليه» (1).

ولكن الأحوط استحباباً خروجاً من الخلاف إعادة الحج في السنة القادمة إذا بقيت شرائط الوجوب ، أو كان الحج مستقراً في ذمته.

بقي هنا فرضان آخران :

أحدهما : من لا يدرك شيئاً من الوقوف بالمشعر لا الاختياري منه ولا الاضطراري وإنما يدرك الوقوف الاضطراري في عرفات فقط ، ففي هذه الصورة لا ريب في بطلان الحج ، للروايات المتقدمة الدالّة على أنّ مَن لم يدرك المشعر إلى طلوع الشمس أو إلى زوال يوم العيد فقد فاته الحج ولا حج له ، وليس في البين ما يدل على الصحة.

ثانيهما : من أدرك اختياري عرفة خاصة ولم يدرك شيئاً من المشعر الحرام ففيه خلاف ، فعن المشهور الصحة وعن العلامة البطلان ، لأن مقتضى إطلاق من لم يدرك المشعر فقد فاته الحج هو الفساد ، ولا دليل على الاجتزاء بالوقوف الاختياري في عرفات خاصّة (2)وما اختاره العلّامة هو الصحيح ، لانتفاء ما يدل على الصحة بدرك اختياري عرفة وحده ، والروايات صريحة في أنّ من فاته المشعر فقد فاته الحج.

نعم ، بقي هنا صورة واحدة ، وهي ما لو أدرك اختياري عرفة وأفاض من عرفات ومرّ بالمزدلفة ولم يقف فيها وأفاض منها قبل الفجر جهلاً بالحكم بوجوب الوقوف في المزدلفة أو جهلاً بالموضوع حتى أتى منى ، فان علم بعد ذلك وأمكنه الرجوع ولو إلى زوال الشمس من يوم العيد وجب كما عرفت ويكون ممن أدرك اختياري عرفة واضطراري المشعر ، وإن لم يمكنه ذلك صحّ حجّه وعليه دم شاة كما في صحيح


1) الوسائل 14 : 44 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 24 ح 1.

2) منتهى المطلب 2 : 728 السطر 12.

.................................................................................................


مسمع (1)ويكتفي بمجرّد المرور والعبور عن المزدلفة وإن لم يكن بقصد الوقوف.

ويدل على الصحة أيضاً ما رواه الكليني بإسناد صحيح عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى أتى منى ، قال : ألم ير الناس؟ ألم ينكر (يذكر) منى حين دخلها؟ قلت : فإنه جهل ذلك قال : يرجع ، قلت : إن ذلك قد فاته ، قال : لا بأس به» (2)ويلحق بالجاهل الناسي وغيره من المعذورين ، ولا نحتمل اختصاص الحكم بالصحة في هذا الفرض بالجاهل.

ولكن في خبر محمد بن حكيم قيّد الصحة والاجتزاء بما إذا ذكر اللّه في المشعر الحرام (3)إلّا أنه لا نلتزم بهذا التقييد ، لأن الرواية ضعيفة بمحمد بن حكيم ، إذ لم يرد فيه توثيق وإن كان ممدوحاً من حيث المناظرة وعلم الكلام.

ولكن هنا إشكالاً في سند رواية الخثعمي المتقدمة تقدم في روايات جميل وابن أبي نجران ، وهو أن الكليني روى الرواية عن الصادق (عليه السلام) مسنداً (4)ورواها الشيخ مرسلاً (5)ومن المستبعد جدّاً أن الخثعمي يروي الرواية لابن أبي عمير تارة مرسلاً عن الصادق كما في التهذيب والاستبصار (6)وأُخرى مسنداً عن الصادق (عليه السلام) فلا نعلم أن الرواية رويت بطريق صحيح أو ضعيف. وبما ذكرنا ظهر حكم جميع الصور الثمانية.


1) الوسائل 14 : 27 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 16 ح 1.

2) الوسائل 14 : 47 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 25 ح 6.

3) الوسائل 14 : 47 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 25 ح 3.

4) الكافي 4 : 473 / 5.

5) التهذيب 5 : 292 / 992.

6) الاستبصار 2 : 305 / 1091.

منى وواجباتها

اشارة

إذا أفاض المكلف من المزدلفة وجب عليه الرجوع إلى منى لأداء الأعمال الواجبة هناك وهي كما نذكرها تفصيلاً ، ثلاثة :

1 - رمي جمرة العقبة

الرابع من واجبات الحج : رمي جمرة العقبة يوم النحر (1)


(1) لا ريب في وجوب رمي جمرة العقبة يوم العيد ، وهو مما لا خلاف فيه بين المسلمين كافّة. ونسب ابن حمزة في الوسيلة استحبابه إلى الشيخ (1)وأنكر ابن إدريس هذه النسبة أشد الإنكار وقال فيما قال : ولا أظن أحداً من المسلمين يخالف فيه ، وقد يشتبه على بعض أصحابنا ويعتقد أنه مسنون غير واجب ، لما يجد من كلام بعض المصنفين عبارة موهمة أوردها في كتابه فإن الشيخ قال في الجمل : والرمي مسنون (2)فظنّ من يقف على هذه العبارة أنه مندوب غير واجب ، وإنما أراد الشيخ بقوله : مسنون ، أنّ فرضه علم من السنّة لأنّ القرآن لا يدلّ على ذلك ، في قبال الفريضة الذي يعلم وجوبه من القرآن (3).

وكيف كان ، يدل على وجوبه مضافاً إلى التسالم وقطع الأصحاب صحيح معاوية ابن عمار «خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها» (4)والأمر ظاهر في الوجوب إذا لم يقترن بالترخيص الخارجي.

ويدلُّ عليه أيضاً ، جواز الإفاضة ليلاً والرمي ليلاً لطوائف خاصّة (5)فان الترخيص


1) الوسيلة : 181.

2) الجمل والعقود : 234.

3) السرائر 1 : 606.

4) الوسائل 14 : 58 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 3 ح 1.

5) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17.

ويعتبر فيه أُمور :

1 - نية القربة (1).

2 - أن يكون الرمي بسبع حصيات ، ولا يجزي الأقل من ذلك كما لا يجزئ رمي غيرها من الأجسام (2).


لهم ليلاً يكشف عن ثبوت أصل الوجوب في النهار.

ويستفاد الوجوب أيضاً من إطلاق رمي الجمار فإنه يشمل العقبة كصحيحة ابن أذينة قال : «وسألته عن قول اللّه عزّ وجلّ ( الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) ، فقال : الحج الأكبر الموقف بعرفة ورمي الجمار» (1).

وأيضاً ورد في روايات كثيرة أنه يرمى عن المريض المغمى عليه والكسير والمبطون (2)فإنه لو لم يكن واجباً لا تجب الاستنابة قطعاً ، وكذا يستفاد الوجوب مما دل على أن الرمي لا بدّ من أن يكون بحصى الحرم (3)وأنه لا بدّ من الإصابة (4)إذ لو لم يكن واجباً لا موجب للإصابة ، وغير ذلك من الأدلة والروايات المتفرقة في أبواب مختلفة.

كما أنه يستفاد الوجوب من الأخبار البيانية الحاكية لحج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) (5).

(1) لأن هذه الأفعال أُمور عبادية ولا بدّ لكل عبادة من قصد القربة بها.

(2) التحديد بهذا العدد هو المتسالم عليه بين جميع فقهاء المسلمين ، ويستدل له بصحيحة معاوية بن عمار (6)وهي وإن وردت في رمي الجمار الثلاث ، ولكن لا نحتمل


1) الوسائل 13 : 550 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 19 ح 9.

2) الوسائل 14 : 74 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 17.

3) الوسائل 14 : 59 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 4.

4) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 6.

5) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

6) الوسائل 14 : 267 / أبواب العود إلى منى ب 6 ح 1 ، 2.

3 - أن يكون رمي الحصيات واحدة بعد واحدة ، فلا يجزئ رمي اثنتين أو أكثر مرّة واحدة (1).

4 - أن تصل الحصيات إلى الجمرة (2).

5 - أن يكون وصولها إلى الجمرة بسبب الرمي فلا يجزئ وضعها عليها (3)


الفرق في الجمرة العقبى بين رميها مستقلا أو رميها في ضمن الجمرتين الاولى والثانية وغير ذلك من الروايات.

(1) اعتبار التتابع ، هو أن يكون الرمي بحصاة بعد حصاة إلى أن تبلغ سبعة ، ولا يكتفى برمي سبع حصاة دفعة واحدة أو بدفعتين أو ثلاث ، واعتبار ذلك أيضاً مما لا إشكال فيه ، والسيرة القطعية جارية على ذلك ، ولو جاز غير هذا النحو لصدر ولو مرة واحدة من الأصحاب وسائر المسلمين.

ويمكن أن يستفاد لزوم هذا النحو من بعض النصوص كالروايات الدالّة على استحباب التكبير عند رمي كل واحد من الحصيات (1)ولو جاز الرمي مرّة واحدة كفى تكبيرة واحدة ، فلا ريب في أن تعدد التكبيرة يكشف عن تعدّد الرمي.

ويستفاد أيضاً وجوب التعدّد من كيفية الرمي واستحباب الرمي خذفاً ، بأن يضع الحصى على الإبهام ويدفعه بظفر السبابة كما في صحيح البزنطي (2)فان هذه الكيفية وإن كانت مستحبة ولكن تدل على المفروغية عن تعدّد الرمي ، وإلّا فلا يمكن هذا النحو من الرمي.

(2) لعدم صدق رمي الجمرة على مجرّد الرمي من دون وصول الحصيات إلى الجمرة ولصحيح معاوية بن عمار في حديث قال : «فان رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها» (3).

(3) لأن الرمي الوارد في النصوص لا يصدق على وضع الحصى على الجمرة كما


1) الوسائل 14 : 67 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 11.

2) الوسائل 14 : 61 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 7 ح 1.

3) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 6 ح 1.

والظاهر جواز الاجتزاء بما إذا رمى فلاقت الحصاة في طريقها شيئاً ثم أصابت الجمرة ، نعم إذا كان ما لاقته الحصاة صلباً فطفرت منه فأصابت الجمرة لم يجزئ ذلك (1)


هو واضح.

(1) وهل يجزئ في الوصول إلى الجمرة بسبب الرمي إصابة الحصى بشي‌ء ثم يطفر منه ويصيب الجمرة ، أم يلزم إصابة الحصى إلى الجمرة مباشرة من دون ملاقاة الحصى شيئاً آخر في الطريق؟

وهذا يتصور على قسمين :

أحدهما : أن يصيب الحصى في طريقه شيئاً ثم تصيب الجمرة ، والظاهر جواز الاجتزاء بذلك لصدق رمي الجمرة بذلك ، ولا يعتبر في الرمي أن لا تصل الحصى في طريقه شيئاً آخر. هذا مضافاً إلى التصريح بالاجتزاء بذلك في صحيح معاوية بن عمار قال : «وإن أصابت إنساناً أو جملاً ثم وقعت على الجمار أجزأك» (1).

ثانيهما : أن يصل الحصى إلى شي‌ء آخر وكان هو المرمى كالحائط أو شي‌ء آخر صلب ، فطفرت منه ثم أصابت الجمرة ، بحيث يكون رمي الجمرة بواسطة صلابة الحائط والطفرة منه ، والظاهر عدم الاكتفاء بذلك.

ويظهر من صاحب الجواهر الاجتزاء به ، لأن المقصود رمي الجمرة ووصول الحصى إليه بسبب الرمي وقد حصل (2)ولكن الصحيح عدم الاجتزاء ، لعدم صدق وصول الحصى إلى الجمرة بسبب الرمي وإنما وصلت إليها بسبب الطفرة وصلابة الحائط.

والحاصل : يعتبر في الرمي وصول الحصى إلى الجمرة بسبب الرمي ، وأمّا إذا وصلت إليها بسبب الطفرة ونحوها مما يوجب وصول الحصى إلى الجمرة فلا يكتفى


1) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 6 ح 1.

2) الجواهر 19 : 105.

6 - أن يكون الرمي بين طلوع الشمس وغروبها ويجزئ للنساء وسائر مَن رخّص لهم الإفاضة من المشعر في الليل أن يرموا بالليل ليلة العيد لكن يجب عليهم تأخير الذبح والنحر إلى يومه ، والأحوط تأخير التقصير أيضاً ، ويأتون بعد ذلك أعمال الحج إلّا الخائف على نفسه من العدوّ فإنه يذبح ويقصّر ليلاً كما سيأتي (1).

مسألة 377 : إذا شك في الإصابة وعدمها بنى على العدم ، إلّا أن يدخل في واجب آخر مترتب عليه ، أو كان الشك بعد دخول الليل (2).


بذلك ، وليس المقصود مجرد الوصول إلى الجمرة ولو كان بمساعدة جسم آخر وصلابته.

(1) قد استفاضت الروايات بأن وقته ما بين طلوع الشمس إلى الغروب ، ولا يجوز التقديم ولا التأخير إلّا للضعفاء ، فيجوز لهم الرمي ليلة العيد (1)وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

(2) لو شك في الرمي وعدمه بنى على العدم للأصل ، وكذا لو شك في الإصابة وعدمها لظلمة ونحوها ، لقاعدة الاشتغال أو الاستصحاب ، نعم لو تجاوز المحل ودخل في واجب آخر مترتب عليه ، أو كان الشك بعد دخول الليل ، فلا يعتني بشكه ، لما ذكرنا في محله (2)أن المعتبر في قاعدة التجاوز هو التجاوز عن الشي‌ء حقيقة أو حكماً فان كان الشك في صحة الشي‌ء المأتي به وفساده ، فالتجاوز عنه حقيقي ، لفرض وجوده خارجاً وإنما يشك بعد الفراغ منه وبعد إتيانه في صحته وفساده ، وأمّا إذا كان الشك في أصل وجود الشي‌ء فالتجاوز الحقيقي غير ممكن وإنما يتحقق التجاوز الحكمي باعتبار التجاوز عن محله ، وهو يتحقق بأحد أمرين : إما بالدخول في واجب آخر مترتب عليه ، أو بعد الوقت المقرر له كما هو الحال في الشك في إتيان الصلاة بعد الوقت فحينئذ تجري القاعدة وتسمّى بقاعدة الحيلولة ، ففي هاتين الصورتين لا يعتني


1) الوسائل 14 : 68 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 13.

2) في مصباح الأُصول 3 : 293 وما بعدها.

مسألة 378 : يعتبر في الحصيات أمران :

أحدهما : أن تكون من الحرم والأفضل أخذها من المشعر (1).

ثانيهما : أن تكون أبكاراً على الأحوط ، بمعنى أنها لم تكن مستعملة في الرمي قبل ذلك (2).


بالشك وإلّا فلا بد من الاعتناء ، لعدم تحقق عنوان التجاوز لا حقيقة ولا حكماً فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتعال أو الاستصحاب.

ثم إن الواجب أن يكون الرمي بالحصى فلا يجزئ رمي غيره ولو كان حجراً أو مدراً أو زجاجاً ونحو ذلك ، لعدم صدق رمي الحصاة على الرمي بغيرها ، بل ورد النهي عن الرمي بغيرها ، ففي صحيح زرارة «وقال : لا ترم الجمار إلّا بالحصى» (1).

(1) يدل على ذلك صحيح زرارة ، قال «حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك ، وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك» (2).

وأمّا أفضلية أخذ الحصى من المشعر فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار (3)وأمّا بقية الأُمور المذكورة ، مثل كون الحصى مثل الأنملة ، وكونها كحليّة منقّطة ، وأن تكون رخوة كما في رواية البزنطي (4)فهي مستحبة بلا إشكال ، وأمّا الوجوب فمقطوع العدم.

(2) استدل لاعتبار ذلك بالإجماع المدعى في المقام ، ولكن قد ذكرنا غير مرّة أنّ الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) لم يثبت ، ولا سيما إذا احتملنا أن مدرك المجمعين إنما هو الأخبار الواردة في المقام فيسقط ، الإجماع حينئذ عن الحجية.


1) الوسائل 14 : 59 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 4 ح 1.

2) الوسائل 14 : 32 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 19 ح 1.

3) الوسائل 14 : 31 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 18 ح 1.

4) الوسائل 14 : 33 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 20 ح 2.

ويستحب فيها أن تكون ملوّنة ومنقّطة ورخوة ، وأن يكون حجمها بمقدار أنملة وأن يكون الرامي راجلاً وعلى طهارة (1).


وأمّا الأخبار الواردة في هذه المسألة فثلاثة :

الأوّل : مرسل حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في حصى الجمار ، قال : لا تأخذ من موضعين : من خارج الحرم ، ومن حصى الجمار» (1).

الثاني : خبر عبد الأعلى في حديث قال : «لا تأخذ من حصى الجمار» (2).

الثالث : مرسل الصدوق عنه «لا تأخذ من حصى الجمار الذي قد رمي» (3).

ولكن الروايات كلها ضعيفة السند بالإرسال أو بضعف الاسناد ولا يتم الاستدلال بها ، فالحكم باعتبار كون الحصاة أبكاراً غير مستعملة في الرمي قبل ذلك مبني على الاحتياط.

(1) ويدلُّ على الأول صحيح البزنطي على ما رواه في قرب الاسناد «ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء خذها كحليّة منقّطة» (4)وفي صحيح هشام «خذ البرش» (5)وأمّا استحباب كونها رخوة فيدل عليه صحيح هشام المتقدم ، للنهي فيه عن الصم أي الصلب ويدلُّ على كونها بمقدار الأنملة صحيح البزنطي المتقدم «حصى الجمار تكون مثل الأنملة» ويستحب المشي إلى الجمار والرمي راجلاً كما يدل عليهما النصوص (6).

ويستحب أن يكون الرامي على طهارة والروايات في ذلك مختلفة في بعضها «لا ترم الجمار إلّا وأنت على طهر» وفي صحيحة أُخرى «سألته عن الغسل إذا رمى الجمار


1) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 5 ح 1 ، 2 ، الفقيه 2 : 285 / 1398.

2) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 5 ح 1 ، 2 ، الفقيه 2 : 285 / 1398.

3) الوسائل 14 : 60 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 5 ح 1 ، 2 ، الفقيه 2 : 285 / 1398.

4) الوسائل 14 : 33 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 20 ، ح 2 ، 1 ، قرب الاسناد : 359 / 1284 ، والبرش هو نقط بيض في جلده ومنه الأبرش كناية عن الأبرص.

5) الوسائل 14 : 33 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 20 ، ح 2 ، 1 ، قرب الاسناد : 359 / 1284 ، والبرش هو نقط بيض في جلده ومنه الأبرش كناية عن الأبرص.

6) الوسائل 14 : 62 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 8 ، 9.

مسألة 379 : إذا زيد على الجمرة في ارتفاعها ففي الاجتزاء برمي المقدار الزائد إشكال ، فالأحوط أن يرمي المقدار الذي كان سابقاً ، فان لم يتمكن من ذلك رمى المقدار الزائد بنفسه واستناب شخصاً آخر لرمي المقدار المزيد عليه ، ولا فرق في ذلك بين العالم والجاهل والناسي (1).


فقال : ربما فعلت ، فأما السنة فلا ، ولكن من الحر والعرق» (1).

وفي صحيحة معاوية بن عمار قال : «ويستحب أن يرمي الجمار على طهر» (2)وقد تقدم (3)في باب السعي عدم اعتبار الطهارة في شي‌ء من المناسك والأعمال عدا الطّواف وصلاته كما في النصوص (4).

ولو لم يكن هنا ما يدل على عدم اعتبار الطهارة لالتزمنا أيضاً بعدم اعتبارها للتسالم على عدم الاعتبار ، إذ لو كانت معتبرة لكان من الواضحات.

(1) قد عرفت أنه لا بد من وصول الحصيات إلى الجمرة وإصابتها ، ولا ريب أن الجمرة الموجودة في زمن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) لا يمكن بقاؤها إلى يوم القيامة ، ولا ريب في تغييرها وتبديلها ، فشخص تلك الجمرة الموجودة في زمانهم (عليهم السلام) لا يلزم رميها جزماً ، لعدم إمكان بقائها إلى آخر الدنيا ، مع أن الدين باق إلى يوم القيامة وقيام الساعة ، فلا بد من تنفيذ هذا الحكم الإسلامي ، ولذا لو فرضنا هدمت الجمرة وبنيت في مكانها جمرة أُخرى أو رممت أو طليت بالجص والسمنت بحيث يعد ذلك جزء منها عرفاً لا بأس برميها ، ولا يمنع الجص ونحوه من صدق وصول الحصى إلى الجمرة ، ولكن إذا فرض أنه بني على الجمرة بناء آخر مرتفع أعلى من الجمرة السابقة


1) الوسائل 14 : 56 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 2.

2) الوسائل 14 : 56 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 2 ح 3.

3) في ص 122.

4) الوسائل 13 : 493 / أبواب السعي ب 15.

مسألة 380 : إذا لم يرم يوم العيد نسياناً أو جهلاً منه بالحكم لزمه التدارك إلى اليوم الثالث عشر حسبما تذكّر أو علم ، فان علم أو تذكّر في الليل لزمه الرمي في نهاره إذا لم يكن ممّن قد رخّص له الرمي في الليل. وسيجي‌ء ذلك في رمي الجمار (1).


الموجودة في زمانهم (عليهم السلام) كما في زماننا هذا ، فلا يجتزئ يرمي المقدار الزائد المرتفع ، لعدم وجود هذا المقدار في زمانهم (عليهم السلام) فلم نحرز جواز الاكتفاء برمي هذا المقدار ، فتبدّل المواد لا يضر في الجمرة ، إذ لا يلزم رمي الجمرة الموجودة في زمان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) فان ذلك أمر لا يمكن بقاؤه إلى زماننا ، لعروض الخراب والتغيير والتبديل على الجمرة قطعاً في طيلة هذه القرون ، إلّا أن اللّازم رمي مقدار الجمرة الموجودة في الزمان السابق ، وإن تغيرت وتبدلت بحيث كانت الزيادة جزءاً من الجمرة عرفاً ، وأمّا إذا زيدت عليها في ارتفاعها بأن بنوا عليها فصارت أعلى من السابق أو زيد في بعض جوانبها بناء آخر فلا يجتزئ برمي هذا المقدار الزائد ، والأحوط لمن لا يتمكّن من رمي نفس الجمرة القديمة أن يرمي بنفسه المقدار الزائد المرتفع ويستنيب شخصاً آخر لرمي الجمرة القديمة المزيد عليها.

(1) إذا نسي رمي جمرة العقبة يوم العيد أو تركه جهلاً منه بالحكم يجب عليه القضاء في نهار الحادي عشر إذا لم يكن ممن وظيفته الرمي في الليل وإلّا فيرمي ليلاً أي ليلة الحادي عشر ويستمر هذا الحكم أي وجوب القضاء إلى آخر أيام التشريق أي اليوم الثالث عشر لصحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس ، قال : يرمي إذا أصبح مرتين : مرة لما فاته ، والأُخرى ليومه الذي يصبح فيه وليفرّق بينهما يكون أحدهما بكرة وهي للأمس ، والأُخرى عند زوال الشمس» (1).


1) الوسائل 14 : 72 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 1.

.................................................................................................


ولا يخفى أن السؤال ناظر إلى فوت الواجب في وقته لعروض عارض من العوارض وقد حكم (عليه السلام) بالقضاء في الغد ، والمستفاد من ذلك قضاؤه في الأيام التي يجب عليها الرمي ، وهي أيام التشريق فيجمع بين الأداء والقضاء مع التفريق بينهما كما سيأتي ، وأمّا بعد انقضاء أيام التشريق الذي لا يجب فيه الرمي فلا دليل على قضاء ما فاته من رمي جمرة العقبة.

وبعبارة اخرى : تدل الصحيحة على القضاء فيما إذا أصبح أي في الغد ولكن لا بدّ من إلغاء اعتبار الغد ، إذ لا خصوصية له ، فالمستفاد منها وجوب القضاء في الأيام التي يجب فيها الرمي ، فيجمع بين الأداء والقضاء مع الفصل بينهما ، وأمّا اليوم الذي لا يجب فيه الرمي أداء فالصحيحة غير دالة على قضاء ما فاته من رمي جمرة العقبة ، فإذن لا دليل على القضاء بعد انقضاء أيام التشريق ، ولذا قيّدنا وكذلك الفقهاء القضاء بأيام التشريق.

ثم إن هذه الصحيحة لم يذكر فيها أن سبب الترك كان هو النسيان أو الجهل ، بل المذكور فيها أنه عرض له عارض فلم يرم ، وهذا يشمل الناسي والجاهل بل يشمل الترك عن التساهل والتسامح في إتيان الرمي ونحو ذلك من الموانع والعوارض ، فالميزان ما يمنعه عن أداء الواجب. على أنه لو ثبت التدارك في مورد النسيان ففي مورد الجهل أولى ، لأن مورد النسيان لا تكليف أصلاً بخلاف مورد الجهل فإنه يمكن التكليف في مورده.

ويمكن أن يستدل بصحيح جميل الوارد في جميع أعمال الحج الدال على أن تأخير ما حقه التقديم وبالعكس غير ضائر بصحة العمل ، فقد روى المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن جميل بن دراج ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال : لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً ، ثم قال : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم : يا رسول اللّه إني حلقت قبل أن أذبح وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه

ولو علم أو تذكّر بعد اليوم الثالث عشر فالأحوط أن يرجع إلى منى ويرمي ويعيد الرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه ، وإذا علم أو تذكّر بعد الخروج من مكة لم يجب عليه الرجوع ، بل يرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه على الأحوط (1).


إلّا قدموه ، فقال : لا حرج» (1).

ورواه الصدوق بإسناده عن ابن أبي عمير مثله إلّا أنه قال : «فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي لهم أن يقدموه إلّا أخروه ، ولا شيئاً كان ينبغي لهم أن يؤخروه إلّا قدموه فقال : لا حرج».

ويؤيده ما روي عن البزنطي نحوه (2)وصدره وإن كان في مورد النسيان ولكن لا نحتمل أن جميع هذه الموارد التي يقع فيها التقديم والتأخير منشؤها النسيان ، بل الغالب هو الجهل.

(1) لو تذكّر أو علم بعد أيام التشريق أي بعد اليوم الثالث عشر فالمعروف بين الأصحاب هو القضاء في السنة القادمة ، لأن الرمي لا يقع إلّا في أيام التشريق ، وأمّا غيرها من الأيام فغير قابلة لوقوع الرمي فيه ، واستندوا في ذلك إلى رواية عمر بن يزيد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل ، فان لم يحج رمى عنه وليه ، فان لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه فإنه لا يكون رمي الجمار إلّا أيام التشريق» (3)ولكنها ضعيفة سنداً بمحمد بن يزيد ، لأنه لم يرد فيه توثيق ولا مدح يعتد به.

إلّا أن مقتضى إطلاق صحاح معاوية بن عمار لزوم الرجوع والرمي متى تذكر ولو


1) الوسائل 14 : 155 / أبواب الذبح ب 39 ح 4 ، الكافي 4 : 504 / 1 ، التهذيب 5 : 236 / 797 الفقيه 2 : 301 / 1496.

2) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 6.

3) الوسائل 14 : 262 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 4.

.................................................................................................


كان بعد أيام التشريق ، ففي صحيحة عن معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت إلى مكة؟ قال : فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمى والرجل كذلك» (1).

وفي صحيحة أُخرى عنه قال : «قلت : رجل نسي (رمي) الجمار حتى أتى مكة ، قال : يرجع فيرمها يفصل بين كل رميتين بساعة ، قلت ، فاته ذلك وخرج ، قال : ليس عليه شي‌ء» (2).

وفي صحيحة ثالثة عنه «رجل نسي رمي الجمار ، قال : يرجع فيرميها ، قلت : فان نسيها حتى أتى مكة ، قال يرجع فيرمي متفرقاً يفصل بين كل رميتين بساعة ، قلت : فإنه نسي أو جهل حتى فاته وخرج ، قال : ليس عليه أن يعيد» (3).

وهذه الصحاح وإن كان موردها رمي الجمار ولكن يثبت الحكم في رمي الجمرة العقبة بالأولى ، لأنه من أعمال الحج بخلاف رمي بقية الجمار فإنه واجب مستقل ، فلو كنّا نحن وهذه الصحاح لالتزمنا بلزوم الرجوع ولو بعد أيام التشريق.

ودعوى : أن ظرف الرمي أيام التشريق ، لا دليل عليها سوى رواية عمر بن يزيد الضعيفة ، ولكن المشهور التزموا بمضمون رواية عمر بن يزيد ، وحمل الشيخ إطلاق روايات معاوية بن عمار على ما دلت عليه رواية عمر بن يزيد من وجوب الرجوع والرمي مع بقاء أيام التشريق ومع خروجها يقضي في السنة القادمة (4)بل تسالم الأصحاب على ذلك ولم ينقل الخلاف من أحد ، وقالوا وبذلك ينجبر سند الخبر المزبور. وقال صاحب الجواهر وبذلك يظهر أنه لا وجه للتوقف في سقوط الرمي بعد خروج زمانه (5)ولذا ذكرنا في المتن أن الأحوط لمن كان في مكة أن يرجع إلى منى


1) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 1.

2) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 2.

3) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 3.

4) التهذيب 5 : 264.

5) الجواهر 20 : 28.

مسألة 381 : إذا لم يرم يوم العيد نسياناً أو جهلاً فعلم أو تذكّر بعد الطّواف فتداركه لم تجب عليه إعادة الطّواف ، وإن كانت الإعادة أحوط ، وأمّا إذا كان الترك مع العلم والعمد فالظاهر بطلان طوافه فيجب عليه أن يعيده بعد تدارك الرمي (1).


ويرمي ويعيد الرمي في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه.

نعم ، إذا علم أو تذكر بعد الخروج من مكة لا يجب عليه الرجوع بلا كلام للتصريح بذلك في صحيحتي معاوية بن عمار فيبقى عليه القضاء في السنة القادمة ، فان عملنا برواية عمر بن يزيد المتقدمة فهو وإلّا فلا يجب عليه شي‌ء كما في الصحيحتين.

(1) إذا نسي الرمي يوم العيد وأتى ببقية الأعمال وتذكر بعد الطّواف ، فهل يجب عليه إعادة الطّواف رعاية للترتيب أم لا؟

ولا يخفى أن صحيحة ابن سنان المتقدمة (1)الواردة في من لم يرم الجمرة يوم العيد التي أمرت بالرمي في اليوم اللّاحق ، لم يذكر فيها الطّواف وأنه أتى به أم لا ، إلّا أن الظاهر عدم وجوب إعادة الطّواف ، لصحيح جميل المتقدم (2)الدال على أن تقديم ما حقه التأخير أو بالعكس نسياناً غير ضائر بصحة الحج ، ويدخل في هذه الكبرى تقديم الطّواف على الرمي ، فالواجب عليه إنما هو تدارك الرمي فقط ، نعم الأحوط إعادة الطّواف رعاية للترتيب.

وأمّا إذا ترك الرمي عمداً فلا ريب في بطلان طوافه ولا بد من إعادته ، وصحيح جميل المتقدم لا يشمل العامد ، لأنّ مورده النسيان وألحقنا به ما يشبهه كالجهل ، فلا دليل على صحة الطّواف المتقدم على وجه العمد.


1) في ص 228.

2) في ص 229.

2 - الذبح أو النحر في منى

اشارة

وهو الخامس من واجبات حج التمتّع (1).


(1) بالضرورة وبالكتاب ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (1)وبالنصوص المستفيضة ، منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة «في المتمتع ، قال : وعليه الهدي ، قلت : وما الهدي؟ فقال : أفضله بدنة ، وأوسطه بقرة وآخره شاة» «وأخفظه شاة» (2).

وقد وقع الكلام في وجوب الهدي لأهل مكة إذا تمتعوا لمشروعية حج التمتّع لهم أيضاً ، فالمشهور شهرة عظيمة بل لم ينقل الخلاف من أحد في وجوب الهدي على المكي إذا تمتع.

ولكن المحكي عن الشيخ في المبسوط عدم وجوب الهدي عليه (3)فكأنه خص وجوب الهدي على البعيد إذا تمتع ، بناء على رجوع اسم الإشارة في قوله تعالى ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (4)إلى الهدي لا إلى التمتّع المذكور في الآية قبل ذلك ، يعني إن الهدي الذي تقدم ذكره وظيفة لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، فإن الإشارة ترجع إلى القريب ، ولذا ادعوا أن الإشارة إذا تعقبت الشرط والجزاء ترجع إلى الجزاء خاصة لا إلى الشرط والجزاء معاً ، نظير قولنا : من دخل داري فله درهم ، ذلك لمن لم يكن عاصياً ، فان الإشارة ترجع إلى الجزاء دون الشرط كما مثّل بذلك في الجواهر (5).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 14 : 101 / أبواب الذبح ب 10 ، ح 5 ، 11 : 255 / أبواب أقسام الحج ب 5 ح 3.

3) المبسوط 1 : 307.

4) البقرة 2 : 196.

5) الجواهر 19 : 115.

ويعتبر فيه قصد القربة (1) والإيقاع في النهار ، ولا يجزئه الذبح أو النحر في الليل وإن كان جاهلاً ،


ويُردّ بأن «ذلك» إشارة للبعيد و «هذا» إشارة للقريب ، فالإشارة في الآية ترجع إلى البعيد وهو التمتّع المذكور قبل الهدي ، فقد قال عزّ من قائل ( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ، ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (1)أي ذلك الحج التمتّع على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ، فلا ظهور للآية في قول الشيخ.

ولو فرضنا ظهورها في القول المزبور فلا بدّ من رفع اليد عن ذلك ، لظهور الروايات المعتبرة المفسرة للآية ، فإنها تدل بوضوح على أن المشار إليه في قوله : «ذلك» إنما هو حج التمتّع لا خصوص الهدي.

ففي صحيح زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «قلت لأبي جعفر : قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) قال : يعني أهل مكة ليس عليهم متعة» الحديث (2).

وفي صحيحة أُخرى : «ليس لأهل مكة ولا لأهل مر ولا لأهل سرف متعة ، وذلك لقول اللّه عزّ وجلّ ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) » (3). وغيرهما من الروايات.

فإطلاق الروايات الدالة على لزوم الهدي في حج التمتّع بحاله ولم يرد عليه تقييد فلا فرق بين المكي وغيره إذا تمتعا.

(1) لأن الحج من العبادات فلا بد من إتيان أجزائه وأفعاله وأعماله مقرونة بالقربة.


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 11 : 259 / أبواب أقسام الحج ب 6 ح 3 ، 1.

3) الوسائل 11 : 259 / أبواب أقسام الحج ب 6 ح 3 ، 1.

نعم يجوز للخائف الذبح والنحر في الليل (1).


(1) لا إشكال ولا خلاف في لزوم إيقاع الذبح أو النحر في نهار يوم العيد ، ولا يجزئ إيقاعه في ليلة العيد.

ويستدل له بالسيرة القطعية الجارية بين المسلمين المتصلة بزمان النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) ولو كان إيقاع الذبح في الليل جائزاً لوقع أو نقل من أحد المعصومين أو من أحد من الأصحاب أو من سائر المسلمين.

ويستفاد اعتبار ذلك أيضاً من تعبير يوم العيد بيوم النحر في النصوص (1)وعن أيام التشريق بأيام الأُضحية ، كما أنه يستفاد لزوم إيقاعه في النهار من اعتبار وقوعه بعد الرمي كما سيأتي ، لقوله في صحيح معاوية بن عمار : «إذا رميت الجمرة فاشتر هديك» (2)وقد تقدم قريباً (3)أن الرمي لا بد من إيقاعه في النهار.

ويمكن أن يستدل لذلك بالترخيص لخصوص الخائف أن يرمي بالليل ويضحي بالليل (4).

وأمّا النساء الضعفاء والشيوخ فلم يرخص لهم الذبح في الليل وإن جاز لهم الرمي ليلاً ، فان تخصيص الخائف بالترخيص في الذبح بالليل وعدم ترخيصه لغيره من الضعفاء والنساء يكشف عن لزوم وقوع الذبح في النهار.

نعم ، يجوز للخائف الذبح في الليل كما يجوز له الرمي كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس أن يرمي الخائف بالليل ويضحي ويفيض بالليل». وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الخائف


1) الوسائل 14 : 70 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ، وص 74 ب 16 ، وص 91 / أبواب الذبح ب 6.

2) الوسائل 14 : 96 / أبواب الذبح ب 8 ح 4.

3) في ص 224.

4) الوسائل 14 : 70 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ، وص 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17.

ويجب الإتيان به بعد الرمي (1) ، ولكن لو قدّمه على الرمي جهلاً أو نسياناً صحّ ولم يحتج إلى الإعادة.


أنه لا بأس أن يضحي بالليل» (1).

(1) لعدّة من الروايات البيانية (2)وغيرها من الروايات التي دلت على أنه لو قدّمه جهلاً لا يضرّ في الاجتزاء المؤيدة بصحيح جميل المتقدم (3)الدال على أن تقديم ما حقه التأخير وبالعكس نسياناً أو جهلاً غير ضائر في الحكم بالصحة ، فيستفاد من ذلك اعتبار الترتيب ولزوم إيقاعه بعد الرمي ، وقد عرفت دلالة صحيح معاوية بن عمار المتقدمة قريباً على تأخير الهدي عن الرمي ، ولكن الشرط ليس على الإطلاق وإنما هو شرط ذُكري ، ولذا لو قدّمه على الرمي جهلاً أو نسياناً لم يحتج إلى الإعادة لصحيح جميل المتقدم.

ولا تجب على الناسك مباشرة الذبح جزماً كما سيأتي وإلّا لكان وجوب المباشرة واضحاً ، مع أنه لم يقل أحد بوجوبها ، وقد ورد في بعض الروايات الواردة في النساء والضعفاء الذين يفيضون بالليل ويرمون بالليل أن يأمروا من يذبح عنهم ويوكلوا من يذبح عنهم (4).

والمتفاهم من هذه النصوص عدم لزوم المباشرة في الذبح ولا نحتمل خصوصية للنساء والضعفاء.

بل يمكن أن يقال إنه لا مقتضي لوجوب المباشرة من الأول حتى نحتاج في جواز الإيكال إلى الدليل ، فان المستفاد من الآية الكريمة والنص كصحيحة زرارة المتقدمة (5)


1) الوسائل 14 : 94 / أبواب الذبح ب 7 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 14 : 155 / أبواب الذبح ب 39 ، 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

3) في ص 229.

4) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالشعر ب 17.

5) في ص 234.

ويجب أن يكون الذّبح أو النّحر بمنى (1).


وجوب الهدي على الحاج ، والمطلوب منه وقوع هذا الفعل الخارجي فلا يستفاد من الأدلّة وجوب صدوره منه بنفسه مباشرة.

(1) للقطع به عند الأصحاب ، وللسيرة القطعية المستمرة من زمن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى زماننا ، ويدلُّ عليه مضافاً إلى ما ذكر الكتاب العزيز بضميمة ما ورد في تفسيره من الروايات.

أمّا الكتاب فقوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (1)فيظهر من الآية الكريمة أن الهدي له محل معيّن خاص لا يجوز ذبحه في غيره ، وفي رواية معتبرة فسّر المحل بمنى عن زرعة قال : «سألته عن رجل أُحصر في الحج ، قال : فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ، ومحله أن يبلغ الهدي محله ، ومحله منى يوم النحر إذا كان في الحج» (2). فضم الرواية إلى الآية ينتج أن الكتاب العزيز يدل على لزوم الذبح بمنى.

بل يمكن الاستدلال بنفس الآية الشريفة مع قطع النظر عن المعتبرة المفسرة لها ، لأن الآية صريحة في أن الهدي له محل خاص ، معين وليس ذلك غير منى قطعاً فيتعيّن كونه منى.

ويدلُّ عليه أيضاً صحيح منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل يضل هديه فوجده رجل آخر فينحره ، فقال : إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه ، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه» (3)فإنه دال على عدم الاجتزاء لو ذبح في غير منى في حال الاضطرار وعدم الاختيار فكيف بحال التمكن والاختيار.


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 13 : 182 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 2.

3) الوسائل 14 : 137 / أبواب الذبح ب 28 ح 2.

.................................................................................................


ويؤيد ذلك بعدة من الروايات الضعيفة.

منها : رواية إبراهيم الكرخي «في رجل قدم بهديه مكة في العشر ، فقال : إن كان هدياً واجباً فلا ينحره إلّا بمنى ، وإن كان ليس بواجب فينحره بمكة إن شاء» (1)وهي ضعيفة بإبراهيم الكرخي.

ومنها : رواية عبد الأعلى ، قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لا هدي إلّا من الإبل ، ولا ذبح إلّا بمنى» (2)وهي أيضاً ضعيفة بعبد الأعلى فإنه مشترك بين الثقة والضعيف ، فان عبد الأعلى اسم لعبد الأعلى بن أعين العجلي الثقة بشهادة الشيخ المفيد وعلي بن إبراهيم القمي ، وكذلك اسم لعبد الأعلى بن أعين مولى آل سام الذي لم تثبت وثاقته ، بل الظاهر أن الراوي في هذه الرواية هو عبد الأعلى غير الثقة بقرينة رواية أبان عنه في هذه الرواية وغيرها من الروايات. واحتمل بعضهم اتحاد عبد الأعلى مولى آل سام مع عبد الأعلى بن أعين العجلي الثقة (3)ويدلُّ على الاتحاد ما في رواية الكليني والشيخ من التصريح بأن عبد الأعلى بن أعين هو عبد الأعلى مولى آل سالم (4).

والجواب : أن غاية ما يثبت بذلك أن والد كل منهما مسمّى بأعين ، ومجرّد ذلك لا يكشف عن الاتحاد ، ويكشف عن التعدّد أن الشيخ عدّ كُلّاً منهما مستقلا من أصحاب الصادق (عليه السلام) (5).

ومنها : رواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «منى كله منحر ، وأفضل المنحر كله المسجد» (6)والدلالة واضحة ، فإن المستفاد منها المفروغية عن كون منى مذبحاً وأنه لا يختص المذبح بمكان خاص من منى ، ولكن السند ضعيف بالحسن اللؤلؤي ، فإنه الحسن بن الحسين ، فإنه وإن كان ممن وثقة النجاشي (7)ولكن يعارض توثيقه


1) الوسائل 14 : 88 / أبواب الذبح ب 4 ح 1.

2) الوسائل 14 : 88 / أبواب الذبح ب 4 ح 6.

3) راجع معجم الرجال 10 : 276.

4) الكافي 5 : 334 / باب فضل الابكار ح 1 ، التهذيب 7 : 400 / 1598.

5) رجال الطوسي : 142 / 235 ، 237.

6) الوسائل 14 : 90 / أبواب الذبح ب 4 ح 7.

7) رجال النجاشي 40 / 83.

وإن لم يمكن ذلك كما قيل إنه كذلك في زماننا لأجل تغيير المذبح وجعله في وادي محسّر ، فان تمكن المكلف من التأخير والذبح أو النحر في منى ولو كان ذلك إلى آخر ذي الحجة حلق أو قصّر وأحل بذلك وأخّر ذبحه أو نحره وما يترتب عليهما من الطّواف والصلاة والسعي ، وإلّا جاز له الذبح في المذبح الفعلي ويجزئه ذلك (1).


بتضعيف ابن الوليد له ، وتبعه تلميذه الشيخ الصدوق وأبو العباس بن نوح ، فان ابن الوليد استثنى من روايات محمد بن أحمد بن يحيى ما كان ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي (1).

ومنها : النبوي «منى كلها منحر» (2).

(1) بعد ما عرفت من لزوم إيقاع الذبح في منى ، يقع الكلام فيما إذا لم يتمكن المكلف من ذلك لمانع خارجي كما في زماننا ، لأجل تغيير المذبح وجعله في وادي محسر كما قيل ، فهل يؤخر الذبح عن يوم العيد إلى زمان يتمكن من الذبح في يوم العيد في غير منى؟

ولا يخفى أن فقهاءنا الأبرار لم يتعرضوا لصورة العجز عن الذبح في منى ، لعدم الابتلاء بذلك في الأزمنة السابقة وإنما حدث ذلك في زماننا فالمسألة من المسائل المستحدثة.

والذي ينبغي أن يقال : إن من لم يتمكن من الذبح في منى يوم العيد قد يستمر عدم تمكنه من الذبح في منى إلى آخر ذي الحجة ، وقد لا يستمر بل يتمكن من الذبح في منى أيام التشريق أو في سائر أيام شهر ذي الحجة.

أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة هو الذبح في يوم العيد في غير مني ، أي في المذبح


1) راجع رجال الطوسي 424 / 45 ، رجال النجاشي 348 / 939.

2) المستدرك 9 : 282 / أبواب كفارات الصيد ب 35 ح 34.

.................................................................................................


الفعلي الذي عينته السلطة هناك ، ويسقط اشتراط وقوع الذبح بمنى ، والوجه في ذلك : أن الكتاب (1)والسنة كصحيحة زرارة «في المتمتع قال : وعليه الهدي» (2)متفقان على وجوب أصل الهدي ، وكذلك قوله تعالى ( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوافَّ ، فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (3)يدل على وجوب الهدي حيث جعل اللّه تعالى البدن من شعائر اللّه وأعلام دينه.

فمقتضى هذه الإطلاقات وجوب أصل الذبح ، وإنما قيدناه بلزوم وقوعه في منى ، لصحيح منصور بن حازم (4)ولما ورد في تفسير الآية المباركة ، ولكنهما لا يدلان على التقييد المطلق ، بل غاية ما يدلان عليه إنما هو التقييد في الجملة ، فإن الرواية المتقدمة المفسرة للآية الشريفة لم تكن في مقام بيان وجوب الذبح على إطلاقه حتى في مورد العذر ، وإنما هي في مقام بيان أن المحصور إذا بعث بهديه يجوز له الحلق إذا بلغ الهدي محله ، وكذلك صحيح منصور بن حازم فإن السؤال والجواب فيه غير ناظرين إلى الشرطية المطلقة ، وإنما هما ناظران إلى مَن ضلّ هديه ونحره مَن وجده ، فأجاب (عليه السلام) أنه إذا نحره من وجده بمنى أجزأ عن صاحبه ، وإن نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه ، فغاية ما يستفاد من ذلك الاشتراط في الجملة.

وكذلك الإجماع المدعى على وجوب ذبحه بمنى لا يشمل مورد العجز عن ذبحه بمنى. فالمرجع حينئذ هو إطلاقات أدلّة وجوب الذبح ، فان دليل القيد إذا لم يكن له إطلاق فيؤخذ بإطلاق دليل أصل الواجب ، ومقتضاه الذبح في أيّ مكان شاء.

فعلى ما ذكرنا لا موجب للانتقال إلى الصوم بدل الهدي ، فإن الصوم الذي هو بدل عن الهدي إنما يجب على من لم يتمكن من الهدي لفقده ، وأمّا من يتمكن من الهدي


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 14 : 101 / أبواب الذبح ب 10 ح 5.

3) الحج 22 : 36.

4) المتقدم في ص 237.

.................................................................................................


ويجد ثمنه ولكن لا يتمكن من الذبح بمنى فلا يشمله هذا الحكم.

وبالجملة : فمقتضى القاعدة المستفادة من الأدلة وجوب الذبح في يوم العيد في غير منى كالمذبح الفعلي المتعين ويجزئه ذلك.

وأمّا الثاني : وهو ما لو تمكن من الذبح بمنى في غير يوم العيد ، فيتعيّن عليه تأخير الذبح إلى آخر أيام التشريق [أو] إلى آخر ذي الحجّة.

والوجه في ذلك : أن لزوم الذبح في يوم العيد كما سيأتي مبني على الاحتياط ، فإن المسألة كما ستعرف قريباً إن شاء اللّه تعالى خلافية ، فإن عمدة دليل لزوم إيقاع الذبح في يوم العيد إنما هو الأمر بالحلق بعد الذبح كما في رواية عمر بن يزيد «إذا ذبحت أُضحيتك فاحلق رأسك» (1)والمفروض أن الحلق لا بدّ من إيقاعه يوم العيد على كلام سيأتي إن شاء اللّه تعالى فلازم ذلك وقوع الذبح في يوم العيد ، ولكن ذلك لا يقتضي سقوط الذبح بمنى ، لأن الحلق إنما يترتب على الذبح الصحيح وهو الذبح بمنى.

وبعبارة اخرى : الترتيب المعتبر بين الذبح والحلق إنما هو بين الذبح المأمور به والحلق فما دلّ على الترتيب لا يدل على أنه متى يجب الحلق أو الهدي ومتى لا يجب ، فمقتضى اشتراط وقوعه في منى جواز التأخير عن يوم العيد حتى يذبح في منى في أيام التشريق أو في بقية أيام ذي الحجة ، وقد ورد جواز التأخير لمن لم يجد الهدي لفقده وتمكّن من ثمنه ، أن يودع ثمنه عند ثقة ليشتري به هدياً ويذبحه عنه إلى آخر ذي الحجّة (2).

والحاصل : شرطية وقوع الحلق بعد الذبح إنما هي بعد الذبح الصحيح ، وإن لم يتمكّن من ذلك فيجوز له الحلق بالفعل ويحلّ بذلك ، ويؤخر ذبحه وما يترتب عليه من الطّواف وصلاته والسعي إلى ما بعد الذبح.


1) الوسائل 14 : 211 / أبواب الحلق / ب 1 ح 1.

2) الوسائل 14 : 176 / أبواب الذبح ب 44 ح 1 ، 2.

مسألة 382 : الأحوط أن يكون الذبح أو النحر يوم العيد (1) ولكن إذا تركهما يوم العيد لنسيان أو لغيره من الأعذار أو لجهل بالحكم (2) لزمه التدارك إلى آخر أيام التشريق ، وإن استمر العذر جاز تأخيره إلى آخر ذي الحجة ، فإذا تذكّر أو علم بعد الطّواف وتداركه لم تجب عليه إعادة الطّواف وإن كانت الإعادة أحوط وأمّا إذا تركه عالماً عامداً فطاف فالظاهر بطلان طوافه ، ويجب عليه أن يعيده بعد تدارك الذبح (3).


(1) استدلّوا عليه بالتأسي ، ومن الواضح أنه لا يدل على الوجوب بل غايته الأفضلية ، والعمدة ما ورد من الأمر بالحلق بعد الذبح كما في رواية عمر بن يزيد المتقدمة بناء على لزوم الحلق في يوم العيد ، فاللّازم وقوع الذبح في يوم العيد.

(2) لا ريب في الحكم بالصحة لصحيح جميل وصحيح محمد بن حمران (1)الدالّين على أن الترتيب شرط ذكرى فلا موجب للفساد كما لا موجب لسقوط الذبح ، فيكون الذبح مأموراً به حتى بعد الحلق ، فان تذكر في أيام التشريق فيذبحه فيها ، لما دلّ على أن أيام التشريق هي أيام الأُضحية ، وإلّا فان استمر عذره إلى آخر ذي الحجة فيذبحه فيه أيضاً ، لإطلاق أدلّة وجوب الذبح ، فالتقييد بأيام التشريق للمختار ولمن تذكر فيها وإلّا فيجوز الذبح في سائر أيام ذي الحجة ، لما ورد في من لم يجد الهدي لفقده أن يودع ثمنه عند ثقة ويوكله ليذبحه ولو إلى آخر ذي الحجة ، فإذا جاز الذبح من الوكيل في بقية ذي الحجة يجوز من نفس من وجب عليه الهدي بطريق أولى.

(3) سنذكر في محله قريباً إن شاء اللّه تعالى أن طواف الحج مترتب على الذبح والحلق ، فلو ترك الذبح جهلاً أو نسياناً أو عذراً يلزم عليه الذبح في أيام التشريق أو آخر ذي الحجّة ، فيلزم عليه تأخير الطّواف رعاية للترتيب المعتبر ، فان طاف قبل الذبح وتذكر أو علم عدم الذبح فهل يعيد طوافه أم لا؟


1) الوسائل 14 : 155 / أبواب الذبح ب 39 ح 4 وص 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 2.

مسألة 383 : لا يجزئ هدي واحد إلّا عن شخص واحد (1).


مقتضى قاعدة الترتيب إعادة الطّواف ، ولكن مقتضى صحيح جميل ومحمد بن حمران المؤيدين بخبر البزنطي (1)عدم الإعادة وأن الترتيب شرط ذكرى. وأمّا إذا قدّم الطّواف عالماً عامداً ولو عن عذر يحكم بفساد الطّواف ، لفقدان الترتيب ، ولعدم شمول صحيح جميل وصحيح ابن حمران للمقام.

(1) لا ريب في أن مقتضى الآية الكريمة ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) (2)والروايات المعتبرة كصحيحة زرارة «في المتمتع ، قال : وعليه الهدي ، قلت : وما الهدي؟ فقال : أفضله بدنة» الحديث (3)وصحيحة محمد بن مسلم «لا تجوز البدنة والبقرة إلّا عن واحد بمنى» (4)هو أجزاء هدي واحد عن شخص واحد ، فلا يجزئ هدي واحد عن شخصين أو أكثر ، فإن الهدى اسم للحيوان بتمامه ، فاذا وجب الهدي على شخص لازمه إجزاء هدي واحد بتمامه عن شخص واحد ، بل صحيح محمد بن مسلم صريح في ذلك ، فاشتراك شخصين في هدي واحد والاجتزاء به يحتاج إلى دليل.

وقد يقال بجواز اشتراك خمسة أو سبعة أو خوان واحد بهدي واحد اعتماداً على عدّة من الروايات ، وعمدتها ثلاث روايات :

أحدها : معتبرة حمران قال : «عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار فسئل أبو جعفر (عليه السلام) عن ذلك ، فقال : اشتركوا فيها ، قال قلت : كم؟ قال : ما خف فهو أفضل ، قال فقلت : عن كم يجزئ؟ فقال : عن سبعين» (5).


1) الوسائل 14 : 155 / أبواب الذبح ب 39 ح 4 ، 6 ، وص 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 2.

2) البقرة 2 : 196.

3) الوسائل 14 : 101 / أبواب الذبح ب 10 ح 5.

4) الوسائل 14 : 117 / أبواب الذبح ب 18 ح 1.

5) الوسائل 14 : 119 / أبواب الذبح ب 18 ح 11.

.................................................................................................


والجواب : أنه لم يذكر فيها الهدي الواجب ، لأن الهدي غير واجب على جميع أصناف الحجاج ، وإنما يجب على المتمتع خاصة ، وأمّا المفرد بالحج فلا يجب عليه الهدي فيحمل الهدي على المندوب في حج الافراد ، فان المفرد بالحج يستحب له الهدي ولعل أكثر الحجاج سابقاً كان حجهم حج إفراد.

ويؤكد ذلك ما في صحيح محمد الحلبي الذي فصّل بين الهدي الواجب والمندوب «عن النفر تجزئهم البقرة ، فقال : أمّا في الهدي فلا ، وأمّا في الأضحى فنعم» (1)فإنه صريح في عدم الاجتزاء في الهدي والاجتزاء في الأضحى المراد به الأُضحية المستحبة.

ثانيها : صحيحة الحجاج «عن قوم غلت عليهم الأضاحي وهم متمتعون وهم مترافقون ، وليسوا بأهل بيت واحد وقد اجتمعوا في مسيرهم ومضربهم واحد ، ألهم أن يذبحوا بقرة؟ قال : لا أُحب ذلك إلّا من ضرورة» (2)بناء على حمل قوله «لا أُحب» على المرجوحية مع الجواز.

وفيه : أن قوله «لا أُحب» لا يدل على الجواز وإنما يدل على الكراهة والمبغوضية وهي أعم من الكراهة المصطلحة والحرمة ، بل كثيراً ما يستعمل هذه الكلمة في الحرمة في اللغة العربية وغيرها ، فالرواية على خلاف المطلوب لعله أدل. ولو تنزلنا فغاية الأمر عدم دلالته على الحرمة.

ثالثها : صحيحة معاوية بن عمار «تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد» (3)وربما يتخيل أنها مقيدة لعدم جواز الاشتراك ، والنتيجة بمقتضى قانون الإطلاق والتقييد هي أجزاء هدي واحد عن خمسة إذا كانوا أهل خوان واحد (4).

وفيه : أن هذه الرواية رواها أبو الحسين النخعي عن معاوية بن عمار ، وللنخعي


1) الوسائل 14 : 119 / أبواب الذبح ب 18 ح 3.

2) الوسائل 14 : 119 / أبواب الذبح ب 18 ح 10.

3) الوسائل 14 : 118 / أبواب الذبح ب 18 ح 5.

4) الخوان ما يوضع عليه الطعام. مجمع البحرين 6 : 245.

.................................................................................................


رواية أُخرى عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي تدل على عدم جواز الاشتراك في الهدي في منى وجوازه في الهدي في الأمصار «قال (عليه السلام) تجزئ البقرة أو البدنة في الأمصار عن سبعة ، ولا تجزئ بمنى إلّا عن واحد» (1)فبقرينة عدم جواز الاشتراك في منى وجوازه في الأمصار تكون الرواية موردها الأُضحية لا الهدي الواجب ، ففي الحقيقة تكون هذه الرواية مقيدة للأُضحية ، وأن الأُضحية المستحبة لو ذبحت في منى فلا يجزئ الواحد عن شخصين ، وأمّا في سائر الأمصار فيجزي عن أكثر من واحد فيظهر أن لمني خصوصية ، وهي عدم إجزاء الهدي الواحد إلّا عن واحد ، فتكون هذه قرينة للرواية الثانية في أن التخصيص بالنسبة إلى الأُضحية لا الهدي ، فالنتيجة إن الأُضحية في منى لا تجزئ إلّا عن واحد إلّا إذا كانوا أهل خوان واحد.

ولو أغمضنا عن روايته الثانية الدالة على عدم جواز الاشتراك ، وكنّا نحن والرواية الدالّة على جواز الاشتراك عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد ، لكانت دلالته على الاجتزاء حتى في الهدي الواجب بالإطلاق ، فتقع المعارضة بينها وبين صحيح الحلبي المتقدم الدال على عدم إجزاء الاشتراك في الهدي ، فإن مقتضى إطلاق صحيح الحلبي عدم الفرق بين من وجب عليه الهدي ، كانوا من خوان واحد أم لا ، والنسبة عموم من وجه ، لأن صحيح الحلبي مطلق من حيث خوان واحد وعدمه ، وصحيح معاوية مطلق من حيث الهدي وعدمه ، فيقع المعارضة في الهدي بالنسبة إلى جماعة إذا كانوا من خوان واحد ، فان صحيح الحلبي بإطلاقه يدل على عدم إجزاء الاشتراك وصحيح معاوية يدل بإطلاقه على الاجزاء ويتساقطان فيرجع إلى إطلاق الأدلّة العامّة الدالّة على لزوم الهدي على كل أحد ، ومقتضاه إجزاء هدي واحد بتمامه عن شخص واحد.


1) الوسائل 14 : 118 / أبواب الذبح ب 18 ح 4.

مسألة 384 : يجب أن يكون الهدي من الإبل أو البقر أو الغنم. ولا يجزئ من الإبل إلّا ما أكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة ، ولا من البقر والمعز إلّا ما أكمل الثانية ودخل في الثالثة على الأحوط (1).


(1) لا ريب في أن المعتبر في الهدي أن يكون من الأنعام الثلاثة : الإبل والبقر والغنم ، ولا يجزي غيرها من الحيوانات كالغزال والطير ونحوهما.

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى التسالم والضرورة قوله تعالى ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً ) ... إلى أن قال ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (1)لإجماع المفسرين والفقهاء واللغويين (2)

فبهيمة الأنعام من قبيل إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه.

على أن المراد ببهيمة الأنعام الحيوانات الثلاثة : الإبل والبقر والغنم.

وكذلك تدل عليه النصوص الكثيرة : منها صحيحة زرارة المتقدمة غير مرّة «في المتمتع قال : وعليه الهدي ، قلت : وما الهدي؟ فقال : أفضله بدنة ، وأوسطه بقرة وآخره شاة» (3)هذا من حيث الجنس.

وأمّا أسنانه فلا يجزئ من الإبل إلّا ما أكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة ومن البقر ما أكمل سنة ودخل في الثانية ، وكذلك المعز كما في صحيح عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول «الثنية من الإبل والثنية من البقر ، والثنية من المعز» (4)وفسر الثني في الإبل بما أكمل السنة الخامسة ودخل في السادسة.


1) الحج 22 : 27 ، 28.

2) البهيمة وهي كل ذات أربع من دواب البر والبحر وكل ما كان من الحيوان لا يميز فهو بهيمة. مجمع البحرين 6 : 19.

3) الوسائل 14 : 101 / أبواب الذبح ب 10 ح 5.

4) الوسائل 14 : 103 / أبواب الذبح ب 11 ح 1.

.................................................................................................


والظاهر أنه لا خلاف ولا كلام في ذلك ، إنما وقع الكلام في المراد من ثني المعز فالمشهور ما له سنة ودخل في الثانية ، وذهب جماعة إلى أن ثني المعز ما دخل في الثالثة.

أقول : لا شك أن التحديد بما ذكر في الروايات إنما هو بالنسبة إلى أقل ما يجزي وإلّا فلا إشكال في إجزاء الأزيد ، فليس ما ذكر في النصوص حداً للأكثر ، فعليه لو دار الأمر بين كون الواجب ما دخل في الثانية أو في الثالثة فيدخل المورد من صغريات مسألة الشك في الأقل والأكثر ، إذ نعلم بوجوب ذبح الجامع بين الأقل والأكثر ونشك في خصوص اعتبار الأكثر ، فالمرجع البراءة العقلية والشرعية ونرفع القيد والكلفة الزائدة بالأكثر بالبراءة ونحكم باجزاء الأقل ، وهو ما دخل في الثانية وإن لم تكمل السنتان ، نعم لا ريب أن ما دخل في الثالثة أحوط كما ذكرنا في المتن.

وأمّا البقر فالحكم فيه ما في المعز بعينه من حيث القاعدة ، من الرجوع إلى أصالة البراءة عن الأزيد ، فنقتصر في البقر بما أكمل سنة ودخل في الثانية. وأمّا بالنسبة إلى النصوص الواردة فيه ففي صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الإبل والبقر أيهما أفضل أن يضحى بها؟ قال : ذوات الأرحام ، وسألته عن أسنانها فقال : أمّا البقر فلا يضرك بأيّ أسنانها ضحيت» (1)فربما يتوهم معارضته لصحيح العيص المتقدم الدال على اعتبار الثني ، ولكن التأمل يقضي بعدم التعارض ، لأن ثني البقر الذي فسر بما دخل في الثانية أوّل ما يصدق عليه اسم البقر ، ولو كان سنّه أقل من ذلك لا يصدق عليه اسم البقر وإنما هو عجل ، فيتفق مورد العيص ومورد صحيح الحلبي ولا تعارض بينهما.

وبعبارة اخرى : صحيح الحلبي يؤكد أن المعتبر ما صدق عليه اسم البقر ، والبقر لا يصدق على ما كان سنّه أقل من سنة ، وإنما يصدق على ما أكمل سنة ودخل في الثانية ، فيتفق صحيح الحلبي مع صحيح العيص ، ولا أقل من الشك في صدق اسم البقرة على الأقل من ذلك ، فلا بدّ من اعتبار إكمال سنة واحدة والدخول في الثانية


1) الوسائل 14 : 104 / أبواب الذبح ب 11 ح 5.

.................................................................................................


تحفّظاً على صدق العنوان وهو البقرة.

وممّا ذكرنا يظهر الحال بالنسبة إلى معتبرة محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «أسنان البقرة تبيعها ومسنها في الذبح سواء» (1)فإنه فسرت التبيعة بأقل من السنة ، فيكون معارضاً لصحيح العيص المتقدم الدال على اعتبار الثني وهو ما دخل في الثانية ، ولكن الظاهر أنه لا تعارض بينهما ، لأن التبيعة ذكرت في باب الزكاة وتسالموا هناك بأن المراد من التبيعة ما أكمل سنة واحدة ودخل في الثانية ، ومن المستبعد جدّاً أن يراد بالتبيعة هنا غير ما يراد في باب الزكاة ، بل الظاهر وحدة المراد بها في الموردين فيتحد التبيعة مع الثنية.

نعم ، لو أُريد من الثنية ما دخل في الثالثة يتحقق التعارض بين صحيح العيص وصحيح محمد بن حمران ، ولكن قد عرفت أن الصحيح في تفسير الثنية ما دخل في الثانية ، فما ذكره المشهور من اعتبار الدخول في الثانية في البقر هو الصحيح.

ثم إن الشيخ أحمد الجزائري صاحب كتاب آيات الأحكام ذكر رواية محمد بن حمران عن الكافي «أسنان البقر ثنيها ومسنها سواء» (2)وعلى نسخته فلا تعارض في البين برأسه ، إلّا أن الموجود في نسخ الكافي (3)التي بأيدينا وكذلك المنتقى (4)والوافي (5)والوسائل (6)وغيرها ممن نقل عن الكافي «تبيعها» لا «ثنيها» (7).


1) الوسائل 14 : 105 / أبواب الذبح ب 11 ح 7.

2) قلائد الدرر 2 : 40.

3) الكافي 4 : 489 / 3.

4) منتقى الجمان 3 : 398.

5) الوافي 13 : 1114 / 10.

6) المصدر المتقدم آنفاً.

7) والظاهر أن الجزائري (عليه الرحمة) ذكر في الرواية «تبيعها» كما في الوسائل لا «ثنيها» ويشهد لذلك قوله (قدس سره) بعد الرواية بلا فصل : والتبيع ما دخل في الثانية ، فإن كان المذكور في الرواية «ثنيها» لا مناسبة لتفسير التبيع في هذا المقام بلا فصل ، فيعلم أن الغلط والاشتباه من الناسخ لا من المؤلف.

ولا يجزئ من الضأن إلّا ما أكمل الشهر السابع ودخل في الثامن ، والأحوط أن يكون قد أكمل السنة الواحدة ودخل في الثانية (1). وإذا تبين له بعد الذبح في الهدي أنه لم يبلغ السن المعتبر فيه لم يجزئه ذلك ولزمته الإعادة (2).


(1) لا خلاف في الاجتزاء بالجذع من الضأن كما في النص ففي معتبرة ابن سنان «يجزي من الضأن الجذع» (1)وإنما وقع الكلام في المراد من الجذع ، فعن جماعة تفسيره بما أكمل الشهر السابع ودخل في الثامن ، وعن جماعة ما كان له سنة تامة ودخل في الثانية ، ومقتضى القاعدة هو الاقتصار والبراءة من الزائد ، لأن الشك في المقام من الشك بين الأقل والأكثر ، وإن كان الأحوط الاجتزاء بما أكمل السنة الواحدة ودخل في الثانية.

ثم إنه لو تمّ ما ذكره المشهور من الاكتفاء بالدخول في الثانية في المعز ففي الجذع من الضأن لا بدّ من الاجتزاء قبل ذلك ، لأن الضأن أكبر وأخشن من الجذع من المعز ففي النص «أن الجذع من الضأن يلقح والجذع من المعز لا يلقح» (2).

(2) لا ريب أن عدم إجزاء الفاقد عما يعتبر فيه مما تقتضيه القاعدة ، لعدم الدليل على إجزاء الفاقد عن المأمور به ، فإن أجزاء الفاقد عن المأمور به يحتاج إلى الدليل نعم في بعض الشروط المعتبرة لو انكشف الخلاف بعد الذبح ورد الدليل بالاجزاء. هذا تمام الكلام في السن.


1) الوسائل 14 : 103 / أبواب الذبح ب 11 ح 2.

2) الوسائل 14 : 103 / أبواب الذبح ب 11 ح 4.

ويعتبر في الهدي أن يكون تام الأعضاء فلا يجزئ الأعور والأعرج والمقطوع اذنه ، والمكسور قرنه الداخل ونحو ذلك. والأظهر عدم كفاية الخصي أيضاً. ويعتبر فيه أن لا يكون مهزولاً عرفاً ، والأحوط الأولى أن لا يكون مريضاً ولا موجوءاً ولا مرضوض الخصيتين ولا كبيراً لا مخّ له ، ولا بأس بأن يكون مشقوق الاذن أو مثقوبها ، وإن كان الأحوط اعتبار سلامته منهما ، والأحوط الأولى أن لا يكون الهدي فاقد القرن أو الذنب من أصل خلقته (1).


(1) وأمّا من حيث الصفات المعتبرة فيه ، فلا بدّ من كونه تام الأجزاء والأعضاء وعدم نقص عضوي فيه ، حتى إذا كان النقص غير دخيل في حياته وعيشه كمقطوع الاذن ، لصحيح علي بن جعفر «عن الرجل يشتري الأُضحية عوراء فلا يعلم إلّا بعد شرائها ، هل تجزي عنه؟ قال : نعم إلّا أن يكون هدياً واجباً فإنه لا يجوز أن يكون ناقصاً» (1)فان المستفاد منه اعتبار كون الحيوان تام الخلقة والأعضاء ، وعدم الاجتزاء بالناقص ولو كان النقص لا يضر بحياته العادية ولا يخل بسعيه ومشيه وأكله كمقطوع الاذن ونحوه.

ويظهر من هذه الصحيحة ومعتبرة السكوني عدم النقص من حيث الصفة وإن كان أصل العضو موجوداً كالأعرج والأعور ، فإن أصل الرجل والعين موجودة ولكن لا ينتفع بها في المشي أو الرؤية ، وصحيح علي بن جعفر قد طبّق فيه الناقص على مورد السؤال وهو العوراء ، وفي معتبرة السكوني صرح بعدم إجزاء عدّة من الأُمور كالعوراء ولا العجفاء والخرقاء ، والجذعاء ولا العضباء (2).

وكذا لا يجزئ مكسور القرن أو مقطوعة كما في معتبرة السكوني ، لتفسير العضباء في المعتبرة بمكسور القرن ، ولكن في صحيح جميل فصّل بين القرن الداخل والخارج وجعل العبرة بكسر القرن الداخل ، قال (عليه السلام) «في المقطوع القرن أو المكسور القرن إذا كان القرن الداخل صحيحاً فلا بأس وإن كان القرن الظاهر الخارج


1) الوسائل 14 : 125 / أبواب الذبح ب 21 ح 1 ، 5 ، 3.

2) الوسائل 14 : 125 / أبواب الذبح ب 21 ح 1 ، 5 ، 3.

.................................................................................................


مقطوعاً» (1)ونحوه صحيح آخر عنه (2)فسلامة القرن الداخل معتبرة وإن لم تكن دخيلة في حياة الحيوان وعيشه على النحو المتعارف. وفسّر القرن الداخل بالأبيض الذي في وسط الخارج.

وأمّا الخصي ففي صحيحة ابن مسلم المنع عنه قال : «وسألته أيضحى بالخصي؟ فقال : لا» بل يظهر من صحيح عبد الرحمن عدم الإجزاء حتى لو ذبحه وهو لا يعلم ثم علم أنه كان خصياً «عن الرجل يشتري الهدي ، فلما ذبحه إذا هو خصي مجبوب ولم يكن يعلم أن الخصي لا يجزي في الهدي هل يجزيه أم يعيده؟ قال : لا يجزيه إلّا أن يكون لا قوة به عليه».

ولكن يظهر من معتبرات أُخر جواز الأُضحية بالخصي ، وإطلاقها يقتضي الجواز في الهدي أيضاً ، ففي صحيح الحلبي قال (عليه السلام) «النعجة من الضأن إذا كانت سمينة أفضل من الخصي من الضأن ، وقال : الكبش السمين خير من الخصي ومن الأُنثى» (3)فيعلم من ذلك جواز الخصي وإن كان دون غيره في الفضل ، إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقه وحمله على الأُضحية المندوبة ، لصراحة الصحاح المتقدمة في المنع عن الهدي بالخصي.

وأمّا بقية الصفات فالظاهر عدم اعتبارها فيما إذا لم تكن دخيلة في حياة الحيوان كمرضوض الخصيتين والموجوء ، فإن المنفعة المطلوبة غير موجودة في المرضوض فهو كالخصي ولكن مع ذلك يجتزأ به ، لعدم صدق الناقص على هذا الحيوان ، فان الناقص إنما يصدق على فاقد العضو كفاقد الاذن ونحو ذلك وإن لم يكن دخيلاً في حياة الحيوان وألحقنا بالفاقد الأعور والأعرج ، وأمّا المرضوض والموجوء فلا موجب لعدم الاجتزاء بهما ، لعدم دخلهما في حياة الحيوان ، وعدم صدق الناقص عليهما ، بل ورد في بعض الروايات المعتبرة جواز الموجوء ومرضوض الخصيتين (4)مع أنه مثل الخصي في


1) الوسائل 14 : 128 / أبواب الذبح ب 22 ح 3.

2) الوسائل 14 : 128 / أبواب الذبح ب 22 ح 1.

3) الوسائل 14 : 106 / أبواب الذبح ب 12 ح 1 ، 3 ، 5.

4) الوسائل 14 : 107 / أبواب الذبح ب 12 ح 7.

.................................................................................................


عدم التوالد والتناسل ، فلو فرض عموم دليل الناقص وشموله لمثل ذلك ، يكون ما دل على جواز الموجوء ومرضوض الخصيتين مخصصاً ومقيداً لعموم الناقص.

وأمّا المهزول فالظاهر عدم الاجتزاء به في الهدي والاجتزاء به في الأُضحية المندوبة وتدل عليه عدّة من الروايات : منها صحيح الحلبي «وإن اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة فإنها لا تجزئ عنه». وفي صحيح ابن مسلم «وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم يجز عنه» (1).

وأمّا الكبير الذي لا مخّ له فالظاهر جواز الاجتزاء به ، لعدم ما يدل على المنع سوى رواية عامية مروية عن غير طرقنا وهي رواية البراء بن عازب (2).

وكذا لا مانع بمشقوق الاذن أو مثقوبها ، والوجه في ذلك : أن صحيح الحلبي وإن كان يظهر منه عدم الاجتزاء لقوله (عليه السلام) «وإن كان شقاً فلا يصلح» (3)ولكن لا يمكن الالتزام بالمنع ، لأن مشقوق الاذن لو كان ممنوعاً لظهر وبان ، لأن شق الاذن في الحيوانات كثير جدّاً ومما يكثر الابتلاء به فكيف يخفى المنع عنه على الأصحاب مع أنهم صرحوا بجواز الاكتفاء بالمشقوق ومثقوب الاذن. على ان المستفاد من معتبرة السكوني المتقدمة (4)اختصاص المنع بالمقطوع ، ومن الواضح أن القطع مسبوق بالشق دائماً ، فلو كان الشق مانعاً لما كان القطع مانعاً برأسه ، بل الشق السابق يكون مانعاً فلا مجال حينئذ لكون القطع مانعاً ، فيعلم من اعتبار مانعية القطع أن الشق بنفسه غير مانع.

ويؤيَّد ما ذكرناه بمرسل البزنطي بإسناد له عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سئل عن الأضاحي إذا كانت الأُذن مشقوقة أو مثقوبة بسمة ، فقال : ما لم يكن منها مقطوعاً فلا بأس» (5).


1) الوسائل 14 : 114 / أبواب الذبح ب 16 ح 5 ، 1.

2) سنن البيهقي 5 : 242.

3) الوسائل 14 : 129 / أبواب الذبح ب 23 ح 2.

4) في ص 250.

5) الوسائل 14 : 129 / أبواب الذبح ب 23 ح 1.

.................................................................................................


وأمّا المريض فلا بأس به لعدم الدليل على المنع إلّا النبوي المتقدم. ولا يصدق عنوان الناقص عليه ، فان المرض تقابله الصحّة والنقص يقابله الكمال ، فان تمّ الإجماع في المقام فهو وإلّا فالأظهر الاجتزاء بالمريض.

وأمّا التي لم يخلق لها قرن ولا ذنب فهل تجزئ أم لا؟ فيه كلام ، فعن المشهور الاجتزاء بذلك. واستشكل في الجواهر (1)لأنه مناف لإطلاق عدم جواز كون الهدي ناقصاً ، فان النقص أعم من النقص العارض أو النقص الأصلي حسب خلقته.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور ، والوجه في ذلك : أنه لو كان جنس الحيوان كذلك حسب خلقته الأصلية ، فإن الحيوانات تختلف خلقة بحسب اختلاف البلاد ، فاذا فرضنا أن معزاً لا ذنب له حسب جنسه وخلقته الأصلية فلا ريب في عدم صدق عنوان الناقص على ذلك ، ومجرّد وجود الذنب في صنف آخر لا يوجب صدق الناقص على الفاقد في نوع آخر. وأمّا إذا فرضنا أن فرداً من أفراد نوع لا ذنب له خلقة اتفاقاً فالأمر كذلك أيضاً ، فإن النقص إنما يلاحظ بحسب حياته وعيشه كالعوراء والعرجاء ونحوهما.

وبعبارة أُخرى : الأعضاء التي تساعد الحيوان على عيشه وحياته يعتبر فقدها نقصاً ، وأمّا فقد العضو الذي لا يؤثر في استمرار حياته وعيشه لا يصدق عليه النقصان. وأمّا عدم الاجتزاء بالأعرج وبمكسور القرن ومقطوع الاذن فللنص ، ولذا لا ريب في عدم صدق الناقص على الحيوان الذي أُخذ صوفه أو شعره ، ولم يقل أحد بعدم إجزائه باعتبار نقصان بعض أجزائه ، فحال القرن والذنب حال الصوف ، فالاطلاقات كافية في الحكم بالاجتزاء بالتي لم يخلق لها قرن أو ذنب من أصله. ولو شك في تقييدها بصحيح علي بن جعفر لعدم العلم بالمراد من النقص ، يؤخذ بالقدر المتيقن من عنوان النقص وهو مقطوع الرجل بالعرض ونحو ذلك ، فما نسب إلى المشهور هو الصحيح.


1) الجواهر 19 : 144.

مسألة 385 : إذا اشترى هدياً معتقداً سلامته فبان معيبا بعد نقد ثمنه فالظاهر جواز الاكتفاء به (1).


(1) خلافاً للمشهور ، وعمدة الروايات الواردة في المقام إنما هي صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (1)«عن الرجل يشتري الأُضحية عوراء فلا يعلم إلّا بعد شرائها ، هل تجزي عنه؟ قال : نعم إلّا أن يكون هدياً واجباً فإنه لا يجوز أن يكون ناقصاً» فإنها صريحة في عدم الاجتزاء في الهدي الواجب في الصورة المذكورة في الرواية.

وبإزائها صحيح معاوية بن عمار «في رجل يشتري هدياً فكان به عيب عور أو غيره ، فقال : إن كان نقد ثمنه فقد أجزأ عنه وإن لم يكن نقد ثمنه رده واشترى غيره» (2)فإنه يعارض صحيح ابن جعفر بالإطلاق ، فإن مقتضى إطلاق صحيح علي بن جعفر عدم الاجزاء إذا كان ناقصاً فيما إذا لا يعلم إلّا بعد شرائه ، سواء نقد الثمن أم لا ومقتضى إطلاق صحيحة معاوية بن عمار أنه إذا نقد الثمن يجزي ، علم بالنقص بعد الشراء أم لا.

فيقع التعارض فيما إذا نقد الثمن ولم يعلم بالعيب إلّا بعد الشراء ، فمقتضى إطلاق صحيح علي بن جعفر هو عدم الاجتزاء ومقتضى صحيح معاوية بن عمار هو الاجتزاء ولكن صحيح عمران الحلبي يقيد كلا الإطلاقين قال : «من اشترى هدياً ولم يعلم أن به عيباً حتى نقد ثمنه ثم علم فقد تم» (3)فإنه يدل على الاجتزاء في مورد الاجتماع ، فما دلّ على الاجزاء محمول على العلم بعد نقد الثمن ، وما دل على عدم الاجزاء محمول على العلم قبل نقد الثمن فلا تعارض بين الروايتين.

ولكن الشيخ (قدس سره) حمل الاجزاء على الهدي المندوب أو على تعذّر ردّه فاقتصر في الاجزاء في صورة عدم التمكّن من الرد (4)ولا وجه له أصلاً ، لأن صحيح


1) في ص 250.

2) الوسائل 14 : 130 / أبواب الذبح ب 24 ح 1.

3) الوسائل 14 : 130 / أبواب الذبح ب 24 ح 3.

4) الاستبصار 2 : 269.

مسألة 386 : ما ذكرناه من شروط الهدي إنما هو في فرض التمكن منه ، فان لم يتمكن من الواجد للشرائط أجزأ الفاقد وما تيسر له من الهدي (1).


عمران الحلبي صريح في الاجزاء في صورة نقد الثمن ، فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاق صحيح علي بن جعفر.

يبقى الكلام فيما ذكره صاحب الجواهر من إعراض الأصحاب عن صحيح عمران الحلبي وصحيح معاوية (1)إلّا أنّا نقول بأنه لم يثبت إعراضهم ، ولعلهم كالشيخ ذهبوا إلى الحمل الدلالي بين الروايات. على أنه قد ذكرنا مراراً أنه لا أثر لإعراض الأصحاب ، فالعمدة ما يستظهر من النصوص.

(1) جميع ما ذكرناه من شروط الهدي إنما يعتبر في حال التمكن ، وقد ورد في خصوص الخصي أنه لو لم يتمكّن إلّا منه فحينئذ يجزيه ، ففي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يشتري الهدي ، فلما ذبحه إذا هو خصي مجبوب ، ولم يكن يعلم أن الخصي لا يجزي في الهدي هل يجزيه أم يعيده؟ قال : لا يجزيه إلّا أن يكون لا قوة به عليه» (2).

والعمدة صحيح معاوية بن عمار لشموله للخصي وغيره ، في حديث قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «اشتر فحلاً سميناً للمتعة ، فان لم تجد فموجوءاً ، فان لم تجد فمن فحولة المعز ، فان لم تجد فنعجة ، فان لم تجد فما استيسر من الهدي» (3)فان المستفاد منه أن الشروط المذكورة إنما هي معتبرة حال التمكّن ، وذلك هو الموافق للآية الكريمة ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (4)فالتقييدات مختصة بحال التمكن ولا يسقط وجوب الهدي بتعذّر الصحيح.


1) الجواهر 19 : 150.

2) الوسائل 14 : 107 / أبواب الذبح ب 12 ح 3.

3) الوسائل 14 : 107 / أبواب الذبح ب 12 ح 7.

4) البقرة 2 : 196.

مسألة 387 : إذا ذبح الهدي بزعم أنه سمين فبان مهزولاً أجزأه ولم يحتج إلى الإعادة (1).


(1) ويدل على الاجزاء المذكور عدة من الروايات المعتبرة ، منها : صحيحة محمد ابن مسلم «وان اشترى أُضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه» (1).

إنما الكلام فيما لو وجدنا مهزولة قبل الذبح فهل يجزي أم لا؟

مقتضى إطلاق عبارة الشرائع (2)وصريح غيره هو الاجزاء ، عملاً بإطلاق الروايات فالذي يضر ما إذا كان عالماً بهزالها ، وأمّا إذا اعتقد سمنها ووجدها مهزولة ولو قبل الذبح فيجزي. ولكن الجواهر (3)قيد عبارة الشرائع بما بعد الذبح وقال (قدس سره) : نعم لو ظهر الهزال قبل الذبح لم يجز ، وذكر أن إطلاق الروايات الدالة على الاجزاء منصرف إلى ما لو انكشف الهزال بعد الذبح ، واستدل لعدم الإجزاء بإطلاق صحيح محمد بن مسلم الشامل لما قبل الذبح وما بعده «سئل عن الأُضحية فقال : اقرن فحل سمين عظيم الأنف والأذن إلى أن قال إن اشترى أُضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة لم تجز عنه ، وقال : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين» الحديث (4).

ويردّه بأنه ليس في المقام ما يدل على عدم الاجزاء ، وما نقله من صحيح محمد بن مسلم قد سهى في نقل متنه وخلط بين روايتين لمحمد بن مسلم (5)وليس فيهما هذه الجملة وهي قوله : «وإن اشترى أُضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة لم تجز عنه» بل الموجود في الصحيحة «أجزأت عنه» فالاستدلال بالصحيحة ساقط بالمرّة.


1) الوسائل 14 : 113 / أبواب الذبح ب 16 ح 1.

2) الشرائع 1 : 296.

3) الجواهر 19 : 149.

4) الوسائل 14 : 109 / أبواب الذبح ب 13 ح 2.

5) والرواية الثانية لمحمد بن مسلم مروية في الوسائل 14 : 113 / أبواب الذبح ب 16 ح 1.

مسألة 388 : إذا ذبح ثم شك في أنه كان واجداً للشرائط حكم بصحته إن احتمل أنه كان محرزاً للشرائط حين الذبح ، ومنه ما إذا شك بعد الذبح أنه كان بمنى أم كان في محل آخر (1). وأمّا إذا شك في أصل الذبح ، فان كان الشك بعد الحلق أو التقصير لم يعتن بشكه وإلّا لزم الإتيان به. إذا شك في هزال الهدي فذبحه امتثالاً لأمر اللّه تبارك وتعالى ولو رجاء ثم ظهر سمنه بعد الذبح أجزأ ذلك.


وأمّا دعوى الانصراف في بقية الروايات إلى ما بعد الذبح فلا شاهد لها ، ولو فرضنا انصراف كلمة الوجدان إلى ما بعد الذبح فكلمة «فخرجت» كما في صحيح ابن مسلم غير منصرفة إلى ما بعد الذبح قطعاً ، بل هي مطلقة بالنسبة إلى ما بعد الذبح وما قبله ، فالإطلاق بالنسبة إليهما باق على حاله. فالذي لا يجزي ما لم يكن ناوياً سمنها وخرجت مهزولة كما في الصحيح ، وأمّا إذا اشتراها ناوياً سمنها وخرجت مهزولة أو نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه.

(1) لقاعدة الفراغ الجارية في جميع العبادات والمعاملات. وأمّا لو شك في أصل وقوع الذبح وصدوره ، فلا يحكم بوقوعه إلّا بعد الدخول في عمل آخر مترتب على الذبح ، فان التجاوز لا يتحقق في هذه الصورة إلّا بالدخول في غيره ، كما إذا شك في أصل الذبح بعد الحلق أو التقصير ، فان مكان الذبح قبل الحلق ولو من باب الاحتياط اللزومي ، فيحكم حينئذ بوقوعه ولا يعتني بشكه.

ولو شك في هزال الهدي وسمنه ومع ذلك ذبحه ناوياً به الامتثال لأمر اللّه تعالى ولو رجاء ، بمعنى أنه لو كان مهزولاً ذبح ثانياً ، وإذا كان سميناً اكتفى بذلك ، فإن بقي على شكه فلا يجزي ، وكذلك إذا ظهر مهزولاً ، وأمّا إذا ظهر سميناً فقد استشكل بعضهم في الصحة لعدم الجزم بالنية.

وفيه : ما لا يخفى ، فان الجزم بالنية غير معتبر في صحة العبادة ويصح إتيان العبادة رجاء ولو مع التمكن من الجزم.

مسألة 389 : إذا اشترى هدياً سليماً فمرض بعد ما اشتراه أو أصابه كسر أو عيب أجزأه أن يذبحه ولا يلزمه إبداله (1).


تذييل : قد عرفت أنه لو اعتقد سمن الحيوان ثم تبين أنه كان مهزولاً يجتزئ به بعد الذبح بل وقبل الذبح ، ولكن الحكم بذلك كان في مورد شراء الحيوان ، وأمّا لو ملك الحيوان بغير سبب الشراء كما إذا ملكه بالإرث أو الهدية ونحو ذلك واعتقد سمنه فبان أنه مهزول ، فهل يجزئ كما كان كذلك في مورد الشراء أم لا؟

فنقول : إن كان العيب الموجود في الحيوان غير الهزال كالعرج والعور فلا دليل على الاجزاء نظير فقدان السن ، إذ لا دليل على إجزاء غير المأمور به عن المأمور به ، فهل الهزال كسائر العيوب أم لا؟

الظاهر هو الثاني ، لأن السمن ليس شرطاً واقعياً بخلاف سلامة الحيوان من العيوب لإطلاق الأدلة ، ولذا لا فرق في اعتبارها بين العلم والجهل ، وأمّا الهزال فلم يرد دليل على المنع عنه وعدم الاجزاء به ، وإنما ورد النص في الهزال المعلوم وأمّا إذا تبين الهزال بعد الشراء فلا دليل على عدم الاجتزاء به ولا إطلاق على المنع كما تقدم في المسألة 387 ، فالمرجع إطلاقات أدلّة الهدي ولا أقل من الرجوع إلى أصالة البراءة.

(1) يدل على ذلك أمران :

أحدهما : ما تقدّم (1)من أنه إذا نقد الثمن يجزئ وإن ظهر كونه معيباً ، فيعلم من ذلك أن النقص الحادث غير مضر كالنقص الموجود سابقاً إذا لم يعلم به حال البيع ، ولا يحتمل اختصاص عدم المنع بالعيب الموجود سابقاً. وبعبارة اخرى : العيب السابق غير مضر فكذلك العيب الحادث إذا كان الشراء بعنوان أنه سليم وسمين ، لعدم احتمال الفرق بين الأمرين.

الثاني : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل أهدى هدياً وهو سمين فأصابه مرض وانفقأت عينه فانكسر فبلغ المنحر وهو


1) في ص 254.

مسألة 390 : لو اشترى هدياً فضلّ اشترى مكانه هدياً آخر ، فان وجد الأول قبل ذبح الثاني ذبح الأول ، وهو بالخيار في الثاني إن شاء ذبحه وإن شاء لم يذبحه وهو كسائر أمواله ، والأحوط الأولى ذبحه أيضاً ، وإن وجده بعد ذبحه الثاني ذبح الأول أيضاً على الأحوط (1).


حي ، قال يذبحه وقد أجزأ عنه» (1).

والظاهر أنه لا خصوصية للكسر بل المتفاهم من ذلك مطلق العيب ، فالعبرة بحدوث العيب بعد إهداء الهدي وبلوغه المنحر وهو حي ، والمستفاد منه عموم الحكم لمطلق العيب العارض بعد الشراء ، وسيأتي (2)إن شاء اللّه تعالى أن إهداء الهدي يوجب تعيين هذا الحيوان بالهدي ولا يجوز إبداله ولا يختص ذلك بالاشعار في حج القران.

(1) لا ريب في أن مقتضى القاعدة الأولية أنه لو ضلّ هديه يجب عليه أن يشتري مكانه هدياً آخر ، لأن الواجب عليه ذبح الهدي ومجرّد الشراء لا يوجب سقوط المأمور به عنه ، فيقع الكلام في جهات.

الاولى : هل يكتفى في سقوط الهدي ببلوغه محله وهو منى وإن ضاع ، أو أنه يبدله بهدي آخر ، لأن الواجب عليه الذبح فما لم يتحقق ذبح الهدي يكون التكليف باقياً في ذمته؟

والذي يظهر من الجواهر (3)وجود القول بالاجتزاء إذا ضل الهدي بعد بلوغه المحل ، ولم يذكر القائل من هو.

وعلى كل حال ، لا ينبغي الإشكال في ضعف هذا القول لإطلاق الأدلة المقتضي لوجوب الهدي ، والاجتزاء بمجرّد الشراء وبلوغ الهدي محله لا دليل عليه.

مضافاً إلى معتبرة أبي بصير «عن رجل اشترى كبشاً فهلك منه؟ قال : يشتري


1) الوسائل 14 : 135 / أبواب الذبح ب 26 ح 1.

2) في ص 261.

3) لاحظ الجواهر 19 : 205 - 207.

.................................................................................................


مكانه آخر ، قلت : فان اشترى مكانه آخر» الحديث (1)ولا يضر وجود محمد بن سنان في طريق الشيخ ، فان طريق الصدوق إلى ابن مسكان صحيح.

نعم ، وردت عدة روايات بعضها معتبرة دلّت على الاكتفاء بمجرّد الشراء ، ولكن موردها الأُضحية المندوبة لا الهدي الواجب ، فتكون الروايات أجنبية عن المقام كصحيحة معاوية بن عمار «عن رجل اشترى أُضحية فماتت أو سرقت قبل أن يذبحها قال : لا بأس ، وإن أبدلها فهو أفضل ، وإن لم يشتر فليس عليه شي‌ء» (2).

وبعضها وإن وردت في الهدي كرواية علي بن أبي حمزة «إذا اشتريت أُضحيتك وقمطتها وصارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله» (3)فان المذكور في الصدر وإن كان الأُضحية ، ولكن المراد بها الهدي الواجب بقرينة قوله «فقد بلغ الهدي محله» ولكنها ضعيفة جدّاً بعلي بن أبي حمزة البطائني المعروف بالكذب ، وبعضها مطلق يشمل الأُضحية المندوبة والهدي الواجب كخبر أحمد بن محمد بن عيسى في كتابه عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل اشترى شاة فسرقت منه أو هلكت ، فقال : إن كان أوثقها في رحله فضاعت فقد أجزأت عنه» (4)ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال للفصل الطويل بين أحمد بن محمد بن عيسى وأصحاب الصادق (عليه السلام) ولا يمكن روايته عنهم بلا واسطة. على أنها مطلقة تقيد بالهدي غير الواجب.

الجهة الثانية : لو اشترى البدل ثم وجد الأوّل فهل يذبح الأوّل أو الثاني أي البدل.

يفرض تارة وجدانه قبل ذبح الثاني وأُخرى يوجد بعد ذبح الثاني ، أمّا إذا وجده قبل الذبح ففي الحقيقة يكون عنده هديان فيذبح أيهما؟

صريح عبارة الوسائل في باب 32 من الذبح هو التخيير في ذبح أيهما شاء (5)ولا


1) الوسائل 14 : 144 / أبواب الذبح ب 32 ح 2.

2) الوسائل 14 : 140 / أبواب الذبح ب 30 ح 1.

3) الوسائل 14 : 140 / أبواب الذبح ب 30 ح 4.

4) الوسائل 14 : 140 / أبواب الذبح ب 30 ح 2.

5) الوسائل 14 : 143.

.................................................................................................


يخفى ضعفه ، فان صحيح أبي بصير المتقدم قد صرح بوجوب ذبح الأوّل الذي ضاع «قلت : فان اشترى مكانه آخر ثم وجد الأوّل قال : إن كانا جميعاً قائمين فليذبح الأوّل وليبع الآخر وإن شاء ذبحه» ولا معارض لهذه الصحيحة ، فالصحيح عدم الاجتزاء بذبح الثاني.

وإن وجد الأوّل بعد ذبح الثاني فالمعروف بينهم أنه يستحب ذبح الأوّل ، واستدل على ذلك بأن الذبح إذا صدر منه ووقع على الثاني فقد امتثل وأتى بالمأمور به فلا موجب للذبح مرّة أُخرى بعد حصول الامتثال ، فيكون الأمر بذبح الثاني محمولاً على الاستحباب لا محالة.

وفيه : أن جواز الاجتزاء بالذبح الواقع على البدل وحصول الامتثال به أوّل الكلام إذ لعل الاجتزاء مشروط بعدم وجدان الأوّل ، وغاية ما في الباب أن ذبح البدل تكليف ظاهري ، وأمّا كونه مسقطاً للتكليف الواقعي وموجباً لعدم ذبح الأوّل إذا وجد الأوّل فأول الكلام ، فان وجدان الهدي الأوّل وإن وجد بعد ذبح الثاني يكشف عن عدم كون ذبح الثاني مأموراً به ، وقد أمر في صحيح أبي بصير المتقدّم بذبح الأوّل لو وجد حتى ولو وجد بعد ذبح الثاني ولا قرينة على حمله على الاستحباب.

نعم ، حمل الشيخ صحيح أبي بصير على كونه قد أشعر الأول ، فحينئذ يتعين عليه ذبح الأول ، وأمّا إذا لم يكن قد أشعره فلا يلزم ذبحه (1)ولكن الشيخ (عليه الرحمة) ذكر ذلك في التهذيب (2)واستدل له بصحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها ويقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر ويجد هديه ، قال : إن لم يكن قد أشعرها فهي من ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها ، وإن كان أشعرها نحرها» (3)فتكون هذه الصحيحة مقيدة لصحيحة أبي بصير الدالة على ذبح الأوّل إذا وجده على الإطلاق ، أشعره أم لا.


1) الاستبصار 2 : 271.

2) التهذيب 5 : 219.

3) الوسائل 14 : 143 / أبواب الذبح ب 32 ح 1.

.................................................................................................


والظاهر أنه لا موجب لهذا التقييد ، لأن مورد كل من صحيح الحلبي وصحيح أبي بصير أجنبي عن الآخر ، فان الظاهر أن مورد صحيح الحلبي هو حج القران ، فان الواجب فيه هو النحر بالسياق وإن لم يسق فلا يجب النحر ، فالوجوب يتحقق بأحد أمرين : إما بالسياق أو بالإشعار ، ونلتزم بذلك في حج القران ، فلو أشعر البدنة يتعين عليه نحرها وإن وجدها بعد نحر بدنة اخرى ، وإن لم يسق ولم يشعر لا يجب عليه شي‌ء ، فالرواية أجنبية عن حج التمتّع الذي فيه الهدي من دون أيّ قيد وشرط ، وأنه يتعيّن بالشراء.

فالمتحصل مما ذكرنا : أنه يظهر من الأدلة أن الحكم بوجوب الذبح قائم بالطبيعي فسقوطه بهلاك الفرد الشخصي لا وجه له حتى ولو قلنا بتعينه بالشراء ، لأن الضياع أو الهلاك إنما هو للفرد الخارجي الشخصي لا للطبيعي المأمور به.

وأمّا رواية أحمد بن محمد بن عيسى في كتابه عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الدالة على الاجزاء ، فسندها كما ذكرنا (1)ضعيف للإرسال لوجود الفصل الكثير بين أحمد بن محمد بن عيسى وأصحاب الصادق (عليه السلام) فإنه من أصحاب الجواد والهادي (عليهما السلام) بل قد أدرك أحمد بن محمد بن عيسى من زمن الغيبة أزيد من عشرين سنة ، فإنه حضر جنازة أحمد بن محمد بن خالد في سنة 280 فكيف يمكن أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام).

ولو فرضنا أنه يمكن روايته عن واحد واثنين أو ثلاثة من أصحاب الصادق (عليه السلام) لاحتمال طول أعمارهم ولكن لا نحتمل روايته عن جماعة كثيرة من أصحاب الصادق (عليه السلام) لعدم احتمال طول أعمار جميعهم.

وعلى الجملة : لو قلنا بأن الرواية مرسلة كما هو الظاهر فالأمر سهل ، وإن قلنا بأنها مسندة ومعتبرة فالمتن على ما في الوسائل مطلق ، فيرفع اليد عن الإطلاق ويحمل على الهدي المندوب.


1) في ص 260.

.................................................................................................


ولكن الرواية مذكورة في التهذيب (1)والوافي (2)والحدائق (3)بنحو آخر وهو «في رجل اشترى شاة لمتعته فسرقت منه» إلى آخر الحديث ، فتكون الرواية واردة في خصوص حج التمتّع ، فيعارضها صحيح عبد الرحمن بن الحجاج الوارد في التمتّع الدال على عدم الإجزاء صريحاً «عن رجل اشترى هدياً لمتعته فأتى به منزله فربطه ثم انحل فهلك ، فهل يجزيه أو يعيد؟ قال : لا يجزيه إلّا أن يكون لا قوة به عليه» (4)فيتساقطان والمرجع الإطلاقات الدالة على وجوب الهدي.

ومثل صحيح عبد الرّحمن بن الحجاج صحيح أبي بصير المتقدم «عن رجل اشترى كبشاً فهلك ، قال : يشتري مكانه» إلى آخر الحديث (5)فان صحيح أبي بصير وإن لم يرد فيه التمتّع ولكن ما دل على الإجزاء يخصص رواية أبي بصير ، فتكون رواية أبي بصير بعد التخصيص مختصة بحج التمتّع ، فحالها حال صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.

نعم هنا صحيحة أُخرى لعبد الرّحمن بن الحجاج تدل على الإجزاء إذا عرف بالهدي يعني إذا وصل إلى عرفة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا عرف بالهدي ثم ضل بعد ذلك فقد أجزأ» (6)ولكن الدلالة بالإطلاق ولم يصرح فيها بالتمتع الذي يجب فيه الهدي بالأصل ، فتحمل على الهدي تطوعاً في حج القران ، فتكون النسبة بينها وبين ما دل على الضمان وعدم الإجزاء عموم من وجه ، لأن مقتضى إطلاق صحيح الحلبي الدال على الضمان وجوب الإبدال ، سواء ضل الهدي بعد عرفة أم لا ، ففي صحيح الحلبي «أيّ رجل ساق بدنة فانكسرت قبل أن تبلغ محلها أو عرض لها موت أو هلاك فلينحرها إن قدر على ذلك إلى أن يقول وإن كان الهدي الذي انكسر


1) التهذيب 5 : 217 / 732.

2) الوافي 14 : 1148.

3) الحدائق 17 : 179.

4) الوسائل 14 : 132 / أبواب الذبح ب 25 ح 5.

5) الوسائل 14 : 132 / أبواب الذبح ب 25 ح 4.

6) الوسائل 14 : 134 / أبواب الذبح ب 25 ح 9.

.................................................................................................


وهلك مضموناً ، فان عليه أن يبتاع مكان الذي انكسر أو هلك ، والمضمون هو الشي‌ء الواجب عليك في نذر أو غيره» (1).

ونحوه صحيح معاوية بن عمار «سألته عن رجل أهدى هدياً فانكسرت ، فقال : إن كانت مضمونة فعليه مكانها» (2)وصحيح عبد الرّحمن المتقدم يدل على الإجزاء إذا عرف بالهدي سواء كان هدياً تطوعاً أم لا ، فيقع التعارض في المجمع وهو الهدي الواجب إذا عرف به ، فمقتضى صحيح الحلبي ومعاوية بن عمار عدم الإجزاء ومقتضى صحيح عبد الرحمن هو الإجزاء ، وبعد التساقط فالمرجع عموم الآيات والروايات الدالّة على وجوب الهدي وعدم الإجزاء بالضائع.

بل لو فرضنا وجود رواية أُخرى تدل على الإجزاء بالإطلاق من حيث الهدي الواجب والمندوب نلتزم بوجوب الإبدال في الهدي الواجب ، وأن الاجتزاء بمجرد الشراء يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، فان التكليف بالذبح لا يسقط بمجرّد الشراء وتعينه بفرد خاص ، لما عرفت من أن متعلق التكليف هو طبيعي الهدي وهو متمكن منه.

وأمّا رواية بلوغ الهدي محله (3)فهي في مقام بيان غاية بلوغ الهدي وحرمة المحرمات عليه ، وأنه إذا بلغ الهدي يجوز له الحلق ، وليست ناظرة إلى الاكتفاء والاجتزاء بمجرّد شراء الهدي وإن ضلّ وضاع.

ثم لا يخفى أن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الدالة على الاجتزاء إذا عرف بالهدي فقد رويت بطريقين :

أحدهما : ما رواه الصدوق عن شيخه أحمد بن محمد بن يحيى العطار (4)وقد ذكرنا


1) الوسائل 14 : 142 / أبواب الذبح ب 31 ح 4.

2) الوسائل 14 : 131 / أبواب الذبح ب 25 ح 2.

3) الوسائل 14 : 157 / أبواب الذبح ب 39 ح 7.

4) الفقيه 2 : 297 / 1476 ، 4 (المشيخة) : 41.

مسألة 391 : لو وجد أحد هدياً ضالّاً عرّفه إلى اليوم الثاني عشر ، فان لم يوجد صاحبه ذبحه في عصر اليوم الثاني عشر عن صاحبه (1).


في محله (1)أنه لم يوثق فتكون الرواية على هذا الطريق ضعيفة.

ثانيهما : ما رواه الشيخ عن الصدوق عن شيخه ابن الوليد في الفهرست (2)وهذا الطريق صحيح ، فيعلم أن الصدوق له طريق آخر إليه وهو الصحيح الذي ذكره الشيخ في الفهرست.

(1) يقع البحث في هذه المسألة عن جهات :

الاولى : لو ضلّ الهدي ووجده شخص آخر وذبحه فهل يجزئ عن صاحبه أم لا؟

المعروف والمشهور بينهم هو الإجزاء ، ولكن ناقش فيه المحقق في الشرائع (3)والنافع (4)ويستدل له بأمرين :

أحدهما : أن التصرف في الهدي الضال بالذبح للواجد محرم شرعاً ، لأنه من لقيط الحرم ، وأخذ لقطة الحرم والتصرف فيها محرم.

ثانيهما : أنه يجب على الحاج نفسه الذبح مباشرة أو تسبيباً ، ومجرد صدور الذبح عن شخص آخر ما لم يستند إلى صاحبه لا يقتضي الإجزاء عن المكلف بالذبح.

وأورد عليه في الجواهر (5)أن ذلك اجتهاد في مقابل النص ، لدلالة صحيحة منصور ابن حازم على الإجزاء صريحاً «في رجل يضلّ هديه فوجده رجل آخر فينحره ، فقال : إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضلّ عنه ، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه» (6)مضافاً إلى أنه يمكن القول بجواز الالتقاط في خصوص هذا


1) معجم الرجال 3 : 120.

2) الفهرست : 134 - 474.

3) الشرائع 1 : 295.

4) المختصر النافع : 89.

5) الجواهر 19 : 129.

6) الوسائل 14 : 137 / أبواب الذبح ب 28 ح 2.

.................................................................................................


المورد للنص الخاص.

الثانية : أنه بناء على الإجزاء هل يجزئ عن صاحبه مطلقاً وإن ذبحه عن نفسه أو ذبحه بعنوان غير الهدي ، أم يعتبر في الإجزاء عن صاحبه أن يذبحه عنه.

ذكر في الجواهر (1)أيضاً أن الإجزاء مطلقاً غير مجز ، لأن النص الدال على الإجزاء ناظر إلى عدم اعتبار خصوصية صدور الذبح من صاحبه ، ويكتفي به ولو صدر عن الغير ، ولا ينظر إلى بقية الشروط المعتبرة في الهدي والذي منها استناد الذبح إلى صاحبه وإلى الحاج نفسه ، فحال هذا الشرط حال بقية الشروط المعتبرة في الذبيحة من الاستقبال والتسمية ، فالإجزاء يختص بصورة صدور الذبح عن صاحبه.

ويدل على ذلك أيضاً صحيح محمد بن مسلم «ثم ليذبحها عن صاحبها» (2)فالمتفاهم من النصوص أن الساقط إنما هو مجرد استناد الذبح إليه مباشرة أو تسبيباً ، فلا يدل النص على الإجزاء حتى ولو لم يقصد الذبح عن صاحبه.

الثالثة : هل يستحب التعريف بالهدي أم يجب؟

ظاهر النص هو الوجوب ، لقوله في صحيح ابن مسلم «فليعرفه» ولا دليل على عدم الوجوب سوى الأصل الذي اعتمد عليه في الجواهر (3)وهو المقطوع بالنص.

وما صدر من الجواهر أيضاً اجتهاد في مقابل النص.

الرابعة : هل يجب التعريف حتى بعد الذبح حتى يجد صاحبه ويخبره بالذبح أم يختص التعريف بما قبل الذبح؟

ظاهر النص وجوب التعريف قبل الذبح ، قال في صحيح ابن مسلم «فليعرفه يوم النحر والثاني والثالث ثم ليذبحها عن صاحبها».


1) الجواهر 19 : 128.

2) الوسائل 14 : 137 / أبواب الذبح ب 28 ح 1.

3) الجواهر 19 : 129.

مسألة 392 : من لم يجد الهدي وتمكن من ثمنه أودع ثمنه عند ثقة ليشتري به هدياً ويذبحه عنه إلى آخر ذي الحجة ، فان مضى الشهر لا يذبحه إلّا في السنة القادمة (1).


الخامسة : هل يجب الذبح في عشية اليوم الثالث أم يجوز التقدم إلى أول يوم العيد.

ظاهر صحيح ابن مسلم هو وجوب التأخير إلى عشية الثالث.

السادسة : وجوب التعريف وجوب نفسي أو شرط في الإجزاء؟

الظاهر أن وجوب التعريف تكليف متوجه إلى الواجد نفسه ولا دخل في الإجزاء فان صحيحة منصور الدالة على الإجزاء مطلقة من حيث التعريف وعدمه ولا مقيد لها ، وإنما التكليف بالتعريف واجب استقلالي متوجه إلى الواجد نفسه ، فلو عصى وارتكب محرّماً ولم يعرّف وذبحه أجزأ عن صاحبه ولا دخل للتعريف في الإجزاء وعدمه ، وإن عصى الواجد ولم يعمل بوظيفته.

(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أنّ من فقد الهدي ووجد ثمنه يخلفه ويودعه عند من يشتريه طول ذي الحجة ، فان لم يجد فيه ففي العام المقبل في ذي الحجة.

وخالفهم ابن إدريس وقال ينتقل فرضه إلى الصوم كما في الآية الكريمة (1)ووافقه المحقق في الشرائع (2)ويقع الكلام في موارد ثلاثة :

الأوّل : من لم يجد الهدي ولا ثمنه ثم وجده في أيام التشريق أو بعده والمفروض أنه لم يصم.

الثاني : نفس الصورة ولكن نفرض أنه صام ثم وجد الهدي.

الثالث : مورد مسألتنا وهي من لم يجد الهدي ولكن وجد ثمنه.


1) السرائر 1 : 591.

2) الشرائع 1 : 298.

.................................................................................................


أمّا الأول : فلا ريب في أن من لم يجد الهدي ولا ثمنه وظيفته الصوم للآية المباركة والروايات الكثيرة ، ولكن لو فرضنا أنه لم يصم ووجد الثمن والهدي في أيام التشريق ففي هذا الفرض تسالموا على وجوب الذبح كما في الجواهر (1)لأنه متمكن من الهدي ويشمله صدر الآية المباركة ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (2)ففي الحقيقة هو واجد للهدي وإنما تخيل عدم التمكّن من الهدي ، فلا موجب لسقوط الهدي.

نعم ، في معتبرة أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد ما يهدي ولم يصم الثلاثة الأيام ، حتى إذا كان بعد النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال : لا ، بل يصوم فإن أيام الذبح قد مضت» (3)ولكنها متروكة جزماً ، للتسالم على الذبح فيما إذا لم يصم طبقاً للآية الكريمة ، لأنه كما ذكرنا واجد للهدي حقيقة وإنما تخيل عدم كونه واجداً فلا يشمله قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (4).

هذا مضافاً إلى أن الرواية لم تثبت بهذا المضمون ، فإن الكليني والشيخ روياها بعين هذا السند من دون قوله «ولم يصم الثلاثة الأيام» فقد رويا عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم وهو كرام في الرواية الأُولى عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال : «سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال : بل يصوم ، فإن أيام الذبح قد مضت» (5).

والرواية واحدة جزماً فالاختلاف من سهو الشيخ (قدس سره) أو من النسّاخ وعلى كل حال هذه الزيادة أي «ولم يصم الثلاثة الأيام» لم تثبت ، ولا أقل أن الرواية مطلقة ، فتحمل على ما إذا صام ثلاثة أيام كما صرح في صحيحة حماد بأنه لو صام


1) الجواهر 19 : 166.

2) البقرة 2 : 196.

3) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 44 ح 4.

4) البقرة 2 : 196.

5) الكافي 4 : 509 / 8 والتهذيب 5 : 37 / 111.

.................................................................................................


ثلاثة أيام يسقط عنه الهدي «عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هدياً يوم خرج من منى قال : أجزأه صيامه» (1)فتقيد صحيحة أبي بصير بما إذا صام ثلاثة أيام ، وأمّا لو لم يصم فوظيفته الذبح بلا إشكال للآية الكريمة والروايات ، وعدم ما يدل على الاجتزاء بالصوم.

المورد الثاني : ما إذا لم يجد الهدي ولا الثمن وصام ثلاثة أيام ، ثم وجد الهدي وتمكن منه في اليوم الثاني عشر مثلاً ، فقد وقع الخلاف في ذلك ، فعن الأكثر الاكتفاء بالصوم وعن القاضي وجوب الهدي (2)والروايات في ذلك متعارضة ، منها : ما دلّ على الاجتزاء بالصيام كصحيح حماد المتقدم. ومنها : ما دل على لزوم الهدي كمعتبرة عقبة بن خالد (3)وسنتعرض لذلك قريباً إن شاء اللّه تعالى في المسألة 395.

وبالجملة : هذان الموردان خارجان عن محل كلامنا.

المورد الثالث : وهو ما إذا كان واجداً للثمن ولكن لم يجد الهدي ، فالمشهور بل ادعي عليه الإجماع أنه يخلف الثمن عند من يشتري طول شهر ذي الحجة ، فان لم يجد فيه ففي العام المقبل ، ولا ينتقل فرضه إلى الصيام ، ولا مخالف في البين إلّا ابن إدريس (4)والمحقق (5)وقالا بانتقال فرضه إلى الصوم كما يقتضيه إطلاق قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (6)فإن عدم وجدان الهدي صادق وإن كان واجداً لثمنه.

ودعوى : أن وجدان الهدي يعم وجدان نفس الهدي وثمنه ، فالمراد من عدم الوجدان عدم وجدان الهدي وعدم وجدان ثمنه ضعيفة ، فان الظاهر من الآية الكريمة عدم وجدان نفس الهدي ولا يعم الثمن ، كما أن دعوى أن وجدان النائب كوجدان نفس الحاج ضعيفة أيضاً ، فإن الظاهر عدم وجدان نفس الحاج المكلف بالهدي ، فلو كنّا


1) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 45 ح 1.

2) المهذّب 1 : 259.

3) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 4 ح 2.

4) السرائر 1 : 591.

5) الشرائع 1 : 298.

6) البقرة 2 : 196.

مسألة 393 : إذا لم يتمكن من الهدي ولا من ثمنه صام بدلاً عنه عشرة أيام ثلاثة في الحج (1)


نحن والآية المباركة فالحق مع ابن إدريس والمحقق ، لأن مقتضى ظاهر قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ) أن من فقد الهدي ينتقل فرضه إلى الصيام ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين كونه واجداً للثمن أم لا.

إلّا أن صحيحة حريز تدل صريحاً على إيداع الثمن عند من يشتريه كما ذهب إليه المشهور بعينه ، فعن حريز بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم ، قال : يخلف الثمن عند بعض أهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزئ عنه ، فان مضى ذو الحجة أخّر ذلك إلى قابل من ذي الحجة» (1).

ومع صراحة هذه الرواية الصحيحة لا يمكن المصير إلى ما ذهب إليه ابن إدريس والمحقق ، فما وقع من الحلي (قدس سره) يمكن الاعتذار عنه بعدم عمله بأخبار الآحاد كما هو المعروف عنه ، وإن اعترض عليه صاحب الجواهر بأن هذا الخبر لا يعامل معه معاملة الخبر الواحد لاعتضاده بعمل رؤساء الأصحاب الذين هم الأساس في حفظ الشريعة كالشيخين والصدوقين والمرتضى وغيرهم (2)ولكن لا نعرف وجهاً لما ذهب إليه المحقق ، فالصحيح هو القول المشهور.

(1) لا ريب في أن المتمتع بالحج إذ لا يتمكّن من الهدي ولا ثمنه يجب عليه صيام عشرة أيام ، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، لقوله تعالى ( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (3)


1) الوسائل 14 : 176 / أبواب الذبح ب 44 ح 1.

2) الجواهر 19 : 165.

3) البقرة 2 : 196.

في اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحجّة وسبعة إذا رجع إلى بلده (1)


وللنصوص الكثيرة منها : صحيحة معاوية بن عمار وحماد ورفاعة (1).

(1) يبدأ بصيام ثلاثة أيام من اليوم السابع إلى التاسع كما في معتبرة رفاعة ومعاوية ابن عمار وحماد المتقدمة.

والظاهر من ذلك وجوبه وعدم جواز التقديم على اليوم السابع ، ولكن المحقق في النافع (2)والعلّامة (3)وغيرهما جوّزوا التقديم من أوّل شهر ذي الحجة ، وقد حمل الشيخ (4)ما دل على البدأة من اليوم السابع على الاستحباب جمعاً بين هذه الروايات وموثقة زرارة عن عبد اللّه بن مسكان قال : حدثني أبان الأزرق عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : «من لم يجد الهدي وأحب أن يصوم الثلاثة أيام في أوّل العشر فلا بأس بذلك» (5).

وأبان الأزرق وإن لم يوثق في الرجال لكنه من رجال كامل الزيارات ، فتكون هذه الرواية قرينة على أن الأمر في الصحاح المتقدمة استحبابي.

وأمّا على مسلك المشهور فيشكل الحكم بجواز التقديم ، لضعف رواية الأزرق عندهم إلّا أن يقال بالانجبار إن تم.

ولكن في رواية أُخرى موثقة لزرارة ورد أيضاً جواز التقديم ، فليس مدرك الحكم منحصراً برواية الأزرق ، راجع الباب 54 من أبواب الذبح حديث 1.

ويؤيد ما ذكرناه من جواز التقديم بإطلاق الآية ، بل فسر في بعض الروايات «في الحج» بذي الحجة كما في معتبرة رفاعة المتقدمة.


1) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4 ، 14 ، 1.

2) مختصر النافع : 90.

3) المنتهي 2 : 744 السطر 29.

4) الاستبصار 2 : 284.

5) الوسائل 14 : 180 / أبواب الذبح ب 46 ح 8.

.................................................................................................


فتحصل : أن مستند جواز تقديم صيام ثلاثة أيام إنما هو روايتان : الأُولى : رواية الأزرق والثانية رواية زرارة التي عبّر عنها في الجواهر بخبر زرارة أو موثقه (1)فكأن نظره (قدس سره) إلى ما رواه صاحب الوسائل عن الكليني بسند صحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) وسهل بن زياد وإن كان مذكوراً في السند ولكنه غير ضائر ، لأنه منضم إلى أحمد بن محمد بن عيسى ، فهذه الرواية على ما ذكره الوسائل (2)في هذا الباب عن الكليني موثقة ، ورواه أيضاً في باب آخر (3)عن الكليني عن سهل منفرداً عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، والرواية على هذا النقل ضعيفة لوجود سهل منفرداً في السند ، ولا ريب أن ما في الوسائل اشتباه جزماً ، لأن الكليني (قدس سره) لم يرو إلّا رواية واحدة عن زرارة (4)وفي سندها سهل ، لكن منضماً إلى أحمد بن محمد ، بل اشتبه صاحب الوسائل في كلا الموردين اللذين ذكر فيهما رواية زرارة ، لأن الكافي روى في أول باب صوم المتمتع إذا لم يجد هدياً رواية عن أحمد بن محمد وسهل ابن زياد جميعاً عن رفاعة بن موسى ، ثم ذكر رواية ثانية عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم بن عمرو عن زرارة ، فزعم صاحب الوسائل أن الرواية معلقة على السند المذكور في الرواية الأُولى ولذا ذكر عين السند الاولى في رواية زرارة في الباب الرابع والخمسين من الذبح من الحديث الأول ، وذكر في الباب السادس والأربعين من الذبح عن سهل منفرداً ، مع أنه لا قرينة على تعليق الرواية الثانية المذكورة في الكافي على السند الأوّل المذكور في رواية رفاعة ، فان الكليني كثيراً ما ينقل الرواية ابتداء عن أشخاص يكون الفصل بينهم وبينه كثيراً ، فالرواية حينئذ تكون مرسلة لأن الكليني يرويها ابتداء عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ولا ريب في سقوط الوسائط بينه وبين أحمد بن أبي نصر.


1) الجواهر 19 : 177.

2) الوسائل 14 : 199 / أبواب الذبح ب 54 ح 1.

3) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 2.

4) الكافي 4 : 507 / 2.

والأحوط أن تكون السبعة متوالية (1)


ثم إنّ في رواية أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً عن رفاعة بن موسى التي رواها الكليني في باب صوم المتمتّع إذا لم يجد هدياً سقطاً لا محالة ، لأن أحمد بن محمد وسهل بن زياد لا يرويان عن رفاعة بلا واسطة ، بل يرويان عنه بواسطة أو واسطتين فتكون الرواية كالمرسلة ، والمجلسي (عليه الرحمة) بعد ما تنبه للسقط ذكر أن الغالب في الواسطة إما فضالة أو ابن أبي عمير أو ابن فضال أو ابن أبي نصر ، والأخير هنا أظهر بقرينة الخبر الذي ذكره بعد رواية رفاعة ، حيث علّق الخبر الثاني عن ابن أبي نصر فيدل ذلك على تقدم ذكره في سند الخبر الأول (1).

ولكن ما ذكره (قدس سره) مجرّد ظن لا يمكن المصير إليه ، إذ من المحتمل أن تكون الواسطة شخصاً غير هؤلاء ولا يعلم من هو ، ولا نجزم بأنه هو أحمد بن أبي نصر.

ومما يؤكد ما ذكرنا : أن الشيخ روى عن الحسين بن سعيد عن صفوان وفضالة عن رفاعة بن موسى (2)فالحسين بن سعيد يروي عن رفاعة بالواسطة ، مع أنه متقدم في الرتبة عن أحمد بن محمد فكيف برواية أحمد بن محمد عن رفاعة بلا واسطة ، مع أنه متأخر رتبة عن الحسين بن سعيد.

(1) لا خلاف بين الأصحاب في اعتبار التوالي في الثلاثة والنصوص في ذلك متضافرة.

وأمّا في السبعة ففيه خلاف ، المعروف بينهم عدم لزوم التوالي والتتابع وجوّزوا التفريق فيها ، ولكن الأحوط هو التوالي فيها أيضاً ، لصحيح ابن جعفر «والسبعة لا يفرّق بينها ولا يجمع بين السبعة والثلاثة جميعاً» (3)ولكن المشهور لم يعملوا به واستندوا في جواز التفريق إلى معتبرة إسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إني قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الأيام حتى فزعت في حاجة


1) مرآة العقول 18 : 193.

2) التهذيب 5 : 232 / 786.

3) الوسائل 14 : 200 / أبواب الذبح ب 55 ح 2.

ويجوز أن تكون الثلاثة من أول ذي الحجة بعد التلبس بعمرة التمتّع (1).


إلى بغداد ، قال : صمها ببغداد ، قلت : أُفرّقها؟ قال : نعم» (1).

والرواية على مسلك المشهور ضعيفة السند ، لأن في السند محمد بن أسلم وهو لم يوثق في الرجال (2)ولكن الرواية على مسلكنا معتبرة ، لأن محمد بن أسلم من رجال كامل الزيارات ومن رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي وهم ثقات ، إلّا أنه لا منافاة بين هذه الرواية وصحيحة علي بن جعفر ، لأن الجمع الدلالي العرفي موجود ، لأن صحيح ابن جعفر يمنع عن التفريق ، ومعتبرة إسحاق تدل على الجواز صريحاً ، والجمع العرفي يقتضي الحمل على الاستحباب.

ولكن مع ذلك يشكل الجزم بالجواز ، لأن مورد السؤال في رواية إسحاق عدم التمكن من الصوم في بلده واضطر إلى السفر ببغداد ، فيسأل أنه هل يصوم في غير بلده أيضاً ، فكأنه تخيل السائل أن اللازم هو الصوم في بلده وموطنه كما هو الظاهر من الآية الشريفة والنصوص ، فأجاب (عليه السلام) بأنه يجوز الصوم في غير بلده ، وعليه فيمكن أن يكون المراد بالتفريق ما يقابل التوالي ، كما أنه يمكن أن يكون المراد به التفريق في البلاد ، بمعنى أنه لا يعتبر في السبعة إتيانها في موطنه ، بل يجوز التفريق فيها بأن يأتي بأربعة أيام مثلاً في بلده وثلاثة أُخرى في غير بلده ، فتكون الرواية حينئذ أجنبية عن التفريق مقابل التوالي ، فاعتبار التوالي في السبعة إن لم يكن أقوى فلا ريب في أنه أحوط.

(1) يدل على ذلك قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ ) (3)فإذا أراد التقديم وأراد أن يصوم من أول ذي الحجة لا بد أن يكون متلبساً بإحرام عمرة التمتّع وإلّا فيلزم عليه التأخير إلى أن يتمتع.


1) الوسائل 14 : 200 / أبواب الذبح ب 55 ح 1.

2) راجع معجم الرجال 16 : 86.

3) البقرة 2 : 196.

ويعتبر فيها التوالي (1) فان لم يرجع إلى بلده وأقام بمكة فعليه أن يصبر حتى يرجع أصحابه إلى بلدهم أو يمضي شهر ثم يصوم بعد ذلك (2).

مسألة 394 : المكلف الذي وجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج إذا لم يتمكّن من الصوم في اليوم السابع صام الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد رجوعه من منى (3)


وأمّا اعتبار التوالي في الثلاثة فيدل عليه عدّة من الروايات كصحيح ابن جعفر (1)وصحيح عبد الرحمن وغيرهما (2).

(1) قد مرّ بيان الوجه في ذلك قريباً.

(2) وأمّا صيام سبعة أيام فيصومها إذا رجع إلى بلده كما في الآية الكريمة ، فان لم يرجع إلى بلده وأقام بمكة ، سواء توطن فيها أو أراد البقاء مدّة طويلة ، ففي النصوص أنه يصوم بمكة ولكن يصبر إلى أن يصل الحجاج إلى بلادهم أو أن يصبر إلى أن يمضي شهر واحد من إقامته في مكة ، والمستفاد من النصوص (3)أن المسافة إذا كانت بعيدة جدّاً بحيث لا يصل الحجاج مدة شهر واحد إلى بلادهم كأهالي خراسان فحينئذ لا يجب الصبر إلى وصول الحجاج إلى بلادهم ، بل يكفي أن يصبر مقدار شهر واحد.

(3) لو لم يتفق صوم اليوم السابع صام يوم التروية ويوم عرفة ثم صام الثالث بعد أيام التشريق كما هو المشهور بل ادعى ، عليه الإجماع ، ويدلُّ على ذلك عدّة من الروايات :

منها : خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في من صام يوم التروية ويوم عرفة ، قال : يجزيه أن يصوم يوماً آخر» (4)لكنه ضعيف بمفضل بن صالح أبي جميلة.

ومنها : ما رواه الصدوق عن يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : ؛


1) الوسائل 14 : 200 / أبواب الذبح ب 55 ح 2.

2) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 4 وص 198 ب 53.

3) الوسائل 14 : 189 / أبواب الذبح ب 50.

4) الوسائل 14 : 195 / أبواب الذبح ب 52 ح 1.

.................................................................................................


«سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة ، قال : يصوم يوماً آخر بعد أيام التشريق» (1).

وطريق الصدوق إلى يحيى الأزرق في المشيخة صحيح ، ولكن يصرح في المشيخة بيحيى بن حسان الأزرق (2)وهذا بنفسه لم يوثق ، بل ليس له بهذا العنوان رواية في الكتب الأربعة. وربما يحتمل أنه تحريف يحيى بن عبد الرحمن الأزرق ، وذكر حسان في مشيخة الفقيه من طغيان قلم النساخ والكتاب. ولكنه بعيد جدّاً للبون البعيد بين عبد الرّحمن وحسان ، وظاهر كلام الشيخ في رجاله (3)حيث عدّ يحيى الأزرق ويحيى ابن حسان الكوفي ويحيى بن عبد الرحمن الأزرق ويحيى بن حسان كلا منهم مستقلا في أصحاب الصادق (عليه السلام) ، هو مغايرة كل منهم مع الآخر وأنهم رجال متعددون ، فيكون يحيى الأزرق في السند مردّداً بين الثقة وغيره ، فان الموثق من هؤلاء إنما هو يحيى بن عبد الرحمن الأزرق ، ومن المحتمل أن يراد بيحيى الأزرق المذكور في السند يحيى بن حسان ويحيى بن عبد الرحمن الأزرق ، ولعلّ غيرهما لا وجود له ، والتكرار في كلام الشيخ غير عزيز ، ولعل تكراره مبني على عدم التزامه بذكر الرجال على ترتيب حروف التهجي فيقع حينئذ في السهو والاشتباه ، فيذكر شخصاً في مكان وينسى ويذكره في مكان آخر أيضاً.

وعلى كل حال يحيى الأزرق مردّد بين شخصين : يحيى بن حسان ويحيى بن عبد الرّحمن ، والمعروف منهما الذي له كتاب وروايات إنما هو ابن عبد الرّحمن ، بل يحيى ابن حسان ليس له رواية في الكتب الأربعة ، فينصرف إطلاق يحيى الأزرق إلى المعروف من هذين الشخصين وهو ابن عبد الرّحمن.

ويؤكد ما ذكرنا : أن صفوان يروى في غير هذا المورد عن يحيى بن عبد الرّحمن الأزرق (4)كما أن في روايتنا هذه روى عنه صفوان فتكون الرواية موثقة ، لأن المراد


1) الوسائل 14 : 196 / أبواب الذبح ب 52 ح 2 ، الفقيه 2 : 304 / 1509.

2) الفقيه 4 (المشيخة) : 118.

3) رجال الطوسي : 322 / 4813 ، 4800 ، 4788 ، 4812.

4) التهذيب 5 : 157 / 520.

.................................................................................................


بيحيى الأزرق هو يحيى بن عبد الرحمن الأزرق. وأمّا ذكر الصدوق وتصريحه في المشيخة بأن ما رواه عن يحيى الأزرق في الكتاب فهو يحيى بن حسان الأزرق فهو من الاشتباه في التطبيق ، حيث زعم أن يحيى الأزرق المذكور في السند هو يحيى بن حسان الأزرق ، فإن يحيى بن حسان لا رواية له في الكتب الأربعة أصلاً.

فتحصل : أنه لو لم يصم اليوم السابع لعدم كونه محرماً بالتمتع فيه أو كان عاجزاً عن الصوم أو غافلاً عنه ، فيجب عليه صوم الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد أيام التشريق فيكون ذلك تخصيصاً في اعتبار التوالي.

تأخير صوم اليوم السابع اختياراً

وهل يجوز تأخير صوم اليوم السابع اختياراً؟ فيه خلاف. إن قلنا بأن المدرك لهذا الحكم هو الإجماع ، فهو مختص بصورة عدم التمكن ولا يشمل حال الاختيار.

وإن قلنا بأن مستند الحكم إنما هو خبر الأزرق المتقدم ، فالظاهر أنه لا يشمل حال الاختيار ، لأن السؤال عمن قدم ودخل مكة يوم التروية متمتعاً ، والظاهر منه أنه لم يصم قبل قدومه.

ولكن صاحب الجواهر ذكر أن الرواية تشمل حال الاختيار أيضاً ، فإن القدوم يوم التروية لا ينافي صوم يوم قبله قبل القدوم ، فالرواية مطلقة من حيث التمكّن وعدمه (1).

والجواب عنه : أنه لا إطلاق للرواية من هذه الجهة ، لأن الظاهر من قوله : «قدم يوم التروية متمتعاً وليس له هدي فصام يوم التروية» أنه كان يعلم بوجوب الصوم عليه ثلاثة أيام قبل العيد ولكن لم يتمكن من صيام اليوم السابع ، فدخل يوم التروية فصام يوم التروية ويوم عرفة ، فالرواية منصرفة عن المتمكن وتختص بصورة الضرورة.


1) الجواهر 19 : 169.

.................................................................................................


على أنه لو قلنا بإطلاق رواية الأزرق المتقدمة (1)من هذه الجهة ، يقع التعارض بينها وبين الروايات الدالّة على وجوب صيام اليوم السابع والثامن والتاسع ، ومقتضى إطلاق هذه الروايات عدم جواز الاكتفاء بغير ذلك ، والقدر المتيقن خروج صورة عدم التمكن من صيام اليوم السابع من هذه الروايات ، وأمّا المتمكن والتارك اختياراً فيبقى تحت إطلاق المنع ، فيتحقق التعارض في مورد التمكن والمرجع بعد التعارض والتساقط إطلاق أدلّة اعتبار التوالي ، والنتيجة عدم جواز التأخير من اليوم السابع اختياراً.

وجوب المبادرة إلى الصوم

وهل تجب المبادرة إلى صيام اليوم الثالث بعد أيام التشريق أم يجوز له التأخير إلى آخر ذي الحجة؟

ذهب جماعة إلى وجوب المبادرة ، ولا دليل على ذلك سوى ما ورد أنه يصوم يوماً بعد أيام التشريق ، وذلك لا يدل على وجوب المبادرة.

تعارض الروايات

اشارة

قد عرفت أن مقتضى موثقة الأزرق أن من لم يصم في اليوم السابع وجب عليه صوم اليوم الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد رجوعه من منى.

ولكن ربما يقال بإزاء رواية الأزرق روايات أُخر تقع المعارضة بينهما فتسقط بالمعارضة. والصحيح أنه لا معارضة في البين فان تلك الروايات على طوائف :

الأُولى : ما يدل بالإطلاق كخبر الواسطي قال : «سمعته يقول : إذا صام المتمتع يومين لا يتابع الصوم اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات» (2)فإنه بإطلاقه يدل على أن من لم يتابع في صيام ثلاثة أيام فما


1) في ص 275.

2) الوسائل 14 : 196 / أبواب الذبح ب 52 ح 4.

.................................................................................................


صامه من اليومين يذهب هدراً ولا يحتسب ، وعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات في مكة بعد رجوعه من منى.

والجواب أوّلاً : أن الخبر ضعيف السند بعلي بن فضل الواسطي.

وثانياً : أنه لم يذكر فيه صوم اليوم الثامن والتاسع كما هو مورد كلامنا ، بل هو مطلق من حيث وقوع صيام اليومين ، فنخرج عنه برواية الأزرق في خصوص ما لو وقع الصوم في اليوم الثامن والتاسع.

فالمتحصل من الجمع بينهما : أنه لو صام يومين قبل الثامن ولم يتابع بثلاثة أيام يذهب صومه هدراً وعليه أن يصوم ثلاثة أيام أُخر متتابعات في مكة ، وإن صام اليوم الثامن والتاسع وصام يوماً بعد أيام التشريق يكتفي بذلك ولا يضر الفصل.

الثانية : ما دل على أنه من لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ، وإن فاته صوم هذه الأيام فلا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق. ولا ريب أن الفوت يصدق بفوت اليوم السابع أيضاً ، فمن فاته صوم اليوم السابع ليس له صيام يوم الثامن ولا التاسع ، بل عليه أن يصوم ثلاثة أيام متواليات بعد أيام التشريق كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سأله عباد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي ، قال : يصوم ثلاثة أيام : قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. قال : فان فاته صوم هذه الأيام ، فقال : لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق» (1).

وفي بعض الروايات ورد أنه لو فاته ذلك يتسحر ليلة الحصبة ويصوم ذلك ويومين بعده كما في صحيحة معاوية بن عمار (2)ونحوها صحيحة حماد «صيام ثلاثة أيام في الحج قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة ، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصبة


1) الوسائل 14 : 196 / أبواب الذبح ب 52 ح 3.

2) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4.

.................................................................................................


يعني ليلة النفر ويصبح صائماً ويومين بعده» (1)فهذه الروايات ونحوها غيرها تدل على أن من فات عنه صوم اليوم السابع فلا يصوم يوم الثامن والتاسع ، بل يصوم الثلاثة الأيام بعد أيام التشريق متواليات أو يصوم يوماً من النفر ويومين بعده.

والجواب عن ذلك : أن دلالة هذه الروايات أيضاً بالإطلاق ، فإن الفوت قد يفرض بفوت الجميع وقد يفرض بفوت صوم اليوم التاسع كما قد يصدق بفوت يوم الثامن وقد يفرض بفوت اليوم السابع فقط ، وكل من هذه الأفراد قد يفرض أنه فات اختياراً أو غير اختياري ، وهذه الروايات تشمل جميع هذه الفروض والأقسام بالإطلاق ، ونخرج بقانون الإطلاق والتقييد في خصوص فوت صيام اليوم السابع كما هو مورد موثق الأزرق (2)فإن النسبة بينه وبين تلك الروايات نسبة المطلق والمقيد والنتيجة أن من فات عنه صيام اليوم السابع يصوم اليوم الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد أيام التشريق ولا يضر الفصل في خصوص هذا المورد ، وأمّا في بقية الفروض والأفراد المتصورة فليؤخر الصيام إلى ما بعد أيام التشريق ولا يصوم اليوم الثامن والتاسع كما في تلك النصوص.

ثم إن هنا رواية صحيحة ذكرها الوسائل عن الشيخ بالإسناد إلى عبد الرحمن بن الحجاج ، والسند صحيح ومتنها على ما في الوسائل نحو متن صحيح معاوية بن عمار المتقدمة «عن متمتع لم يكن معه هدي ، قال : يصوم ثلاثة أيام : قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. قال : فان فاته صوم هذه الأيام ، فقال : لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق» (3)هكذا نقلها في الوسائل وكذلك الوافي (4)والحدائق (5)ولكن الموجود في التهذيب والاستبصار ما


1) الوسائل 14 : 198 / أبواب الذبح ب 53 ح 3.

2) المتقدم في ص 275.

3) الوسائل 14 : 196 / أبواب الذبح ب 52 ح 3.

4) الوافي 14 : 1192 / 22.

5) الحدائق 17 : 130.

.................................................................................................


يخالف ذلك ففي الإستبصار (1)«سأله عباد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي ، قال : يصوم ثلاثة أيام قبل يوم التروية. قال : فان فاته صوم هذه الأيام ، قال : لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق» وكذا في التهذيب (2)وكتب المعلق على التهذيب أن النسخ المخطوطة توافق ما في التهذيب المطبوع وكذلك الاستبصار ، فهذه الزيادة التي ذكرها الوسائل والوافي والحدائق «قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة» غير موجودة في نسخ التهذيب والاستبصار المطبوعة والمخطوطة ، فتكون هذه الرواية بناء على نسخ التهذيب والاستبصار من الروايات الدالّة على جواز تقديم صيام الثلاثة الأيام على اليوم السابع وأنه يجوز البدأة بالصوم من أول شهر ذي الحجة ، فحينئذ لا بد من رفع اليد عنها قطعاً ، لأن مفاد هذه الرواية بناء على هذا المتن أن من فاته صوم هذه الأيام الثلاثة قبل اليوم السابع فيصوم بعد أيام التشريق ، مع أنه لا إشكال ولا ريب في أن صيام اليوم السابع والثامن والتاسع مجزئ قطعاً ، فكيف يقول بأن من فاته صوم هذه الأيام الثلاثة قبل يوم التروية يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق.

الطائفة الثالثة : ما دل على النهي عن صيام يوم التروية ويوم عرفة كصحيحة العيص «عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي ، قال : فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر ويصوم يومين بعده» ونحوها صحيحة ابن الحجاج الناهية عن صوم يوم التروية ويوم عرفة (3).

وقد حمل الشيخ النهي على النهي عن صوم يوم التروية أو يوم عرفة على الانفراد ولم ينه عن صومهما على طريق الجمع وانضمام اليوم الثامن بالتاسع ، فلا ينافي ذلك ما في خبر الأزرق (4)من صيام التروية ويوم عرفة ، فإنه تصح إضافة يوم الثالث إلى ذلك


1) الاستبصار 2 : 281.

2) التهذيب 5 : 232.

3) الوسائل 14 : 197 / أبواب الذبح ب 52 ح 5 ، 3.

4) المتقدم في ص 275.

ولو لم يتمكن في اليوم الثامن أيضاً أخّر جميعها إلى ما بعد رجوعه من منى (1)


بعد أيام التشريق ، نعم لو صام يوم التروية فقط أو يوم عرفة منفرداً فلا يصلح للإضافة إليه بصيام يوم آخر بعد أيام التشريق. وبالجملة فالمنهي صيام يوم التروية فقط أو صيام يوم عرفة فقط (1).

وما ذكره الشيخ متين جدّاً ، فإنهم قد ذكروا أن حرف (لا) إذا لم يتكرر يدل على أن الممنوع هو المجموع ، وأمّا إذا تكررت فتدل على أن الممنوع كل واحد من الفردين مستقلا ، ومقتضى الإطلاق يدل على الانضمام والاجتماع أيضاً ، فإذا قيل لا تجالس زيداً ولا تجالس عمراً ، معناه لا تجالس زيداً بانفراده ولا تجالس عمراً بانفراده وإطلاقه يقتضي النهي عن اجتماعهما وانضمامهما ، بخلاف ما لو قيل لا تجالس زيداً وعمراً فإنه يدل على المنع عن الانضمام ولا يشمل الانفراد والاستقلال ، فقوله «لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة» يدل على المنع عن الانفراد ولا يشمل ضم صوم يوم التروية بيوم عرفة.

فتحصل : أنه لو لم يتمكن من الصوم في اليوم السابع صام الثامن والتاسع ويوماً آخر بعد رجوعه من منى ويغتفر الفصل بيوم العيد.

لو فاته صوم يوم التروية

(1) لو فاته صوم يوم التروية فالمشهور والمعروف بينهم أنه يصوم الثلاثة الأيام بعد أيام التشريق ولا يصوم شيئاً منها في أيام التشريق. وعن بعضهم أنه يصوم اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر ويومين بعده ، فيجوز إيقاع يوم واحد من الثلاثة الأيام في أيام التشريق.

ومالَ إلى هذا القول صاحب الجواهر (2)وقد ذكر (قدس سره) أن الإنصاف مع


1) التهذيب 5 : 232 ذيل الحديث 783.

2) الجواهر 19 : 172 - 176.

.................................................................................................


ذلك عدم إمكان إنكار ظهور النصوص في إرادة صوم يوم النفر الذي هو اليوم الثالث عشر أو الثاني عشر.

وأمّا النصوص فمنها : ما يدل على جواز الإتيان بها في أيام التشريق كمعتبرة غياث ابن كلوب عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) «أن عليّاً (عليه السلام) كان يقول : من فاته صيام الثلاثة الأيام التي في الحج فليصمها أيام التشريق فان ذلك جائز له» (1).

ومنها : خبر عبد اللّه بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه «أن علياً (عليه السلام) كان يقول : من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج وهي قبل التروية بيوم ، ويوم التروية ويوم عرفة ، فليصم أيام التشريق فقد اذن له» (2).

والظاهر أن الخبر ضعيف السند بجعفر بن محمد الذي يروي عن عبد اللّه بن ميمون القداح. وربما يتوهم أنه جعفر بن محمد القمي الأشعري الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى في غير هذا المورد ، وجعفر بن محمد الأشعري ثقة ، ولكن لا يمكن الجزم بذلك ، لأن جعفر بن محمد الأشعري يروي عن عبد اللّه بن ميمون القداح في مائة وعشرة مورد وليس فيها محمد بن أحمد بن يحيى ، فيكون جعفر هذا شخصاً آخر مجهولاً لا محالة.

فالعمدة موثقة إسحاق بن عمار التي في سندها غياث بن كلوب وهو ثقة أيضاً ولو فرضنا صحة الروايتين سنداً فلا ريب أنهما شاذتان ومتروكتان ومعارضتان بالنصوص الكثيرة المتواترة الناهية عن الصوم في أيام التشريق. على أنهما موافقتان لمذهب بعض العامّة (3)فتحملان على التقية ، ويكفي في الحمل على التقية موافقة الرواية لمذهب بعض العامّة.

وأمّا ما مالَ إليه في الجواهر من جواز إيقاع الصوم في اليوم الثاني عشر وتتميمه


1) الوسائل 14 : 193 / أبواب الذبح ب 51 ح 5.

2) الوسائل 14 : 193 / أبواب الذبح ب 51 ح 6.

3) المجموع 6 : 445 ، المغني لابن قدامة 3 : 509.

.................................................................................................


بيومين بعده مع أن اليوم الثاني عشر من أيام التشريق ، فيدل عليه ما ورد من صوم يوم النفر كصحيح العيص «عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي ، قال : فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر ويصوم يومين بعده» (1)وصحيحتان لحماد الوارد في إحداهما فليتسحر ليلة الحصبة يعني ليلة النفر وفي الأُخرى فلينشئ يوم الحصبة وهي ليلة النفر (2)وهذه الروايات باعتبار ذكر يوم النفر وتفسير الحصبة بليلة النفر تدل على هذا القول والنفر نفران : الأوّل وهو اليوم الثاني عشر وهو النفر الأعظم ، والثاني هو اليوم الثالث عشر.

وبالجملة : الروايات تدل على جواز صوم يوم النفر وهو صادق على اليوم الثاني عشر.

وأمّا صحيح معاوية بن عمار بعد ما حكم بصيام ثلاثة أيام السابع والثامن والتاسع قال قلت : فان فاته ذلك؟ قال : يتسحّر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده (3)فلا دلالة فيه على هذا القول ، حيث لم يفسر فيه الحصبة بيوم النفر بخلاف روايات العيص وحماد ، فيحتمل أن يكون المراد بالحصبة في رواية معاوية اليوم الثالث عشر فلا تنطبق هذه الرواية على هذا القول وهو جواز صوم اليوم الثاني عشر.

وهناك صحيحة أُخرى لعبد الرحمن بن الحجاج الحاكية لسؤال عباد البصري من الإمام أبي الحسن (عليه السلام) قال : «فان فاته ذلك أي صوم يوم السابع والثامن والتاسع قال : يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك ، قال : فلا تقول كما قال عبد اللّه بن الحسن ، قال : فأيّ شي‌ء قال؟ قال : يصوم أيام التشريق ، قال : إن جعفراً كان يقول : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أمر بديلاً ينادي أن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد» الحديث (4).


1) الوسائل 14 : 197 / أبواب الذبح ب 52 ح 5.

2) الوسائل 14 : 198 / أبواب الذبح ب 53 ، ح 3 ، وص 182 ب 46 ح 14.

3) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4.

4) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 4.

.................................................................................................


وهذه الصحيحة على خلاف مطلوبهم أدل ، للنهي في ذيل الرواية عن صيام أيام التشريق ، فيكون المراد من يوم الحصبة يوم الرابع عشر كما في مجمع البحرين مستشهداً بهذه الرواية (1)، وإلّا فلا ينتظم جوابه (عليه السلام) مع سؤال عباد الذي حكى قول عبد اللّه بن حسن بجواز صيام أيام التشريق ونفاه الإمام. وبالجملة لا يمكن إرادة يوم الثاني عشر الذي هو من أيام التشريق من صبيحة الحصبة ، بل لا يمكن إرادة اليوم الثالث عشر أيضاً.

والجواب عما ذكره صاحب الجواهر أوّلاً : أن عمدة ما ورد في المقام إنما هو صحيح العيص وروايتان لحماد ، وأمّا صحيح عبد الرحمن فقد عرفت أنه لا يدل على أن المراد بالحصبة اليوم الثاني عشر ، بل تكون دالّا على أن المراد بصبيحة الحصبة هو اليوم الثالث عشر أي النفر الثاني ، فيكون معارضاً لخبر العيص وخبري حماد الدالّة على أن المراد بصبح يوم الحصبة يوم الثاني عشر لتفسير الحصبة فيها بيوم النفر ، فلا تصلح الروايات بعد التعارض للاستناد إليها. ويحتمل ولو بعيداً أن يكون التفسير من الراوي نفسه.

وثانياً : هذه الروايات تعارض بما دل على أن الأيام التي يصام فيها ليس فيها شي‌ء من أيام التشريق ، لا خصوص يومين ، بل في بعض الروايات قد صرح بأنه يصوم بعد أيام التشريق ، وأصرح من ذلك كله معتبرة صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «قلت له : ذكر ابن السراج أنه كتب إليك يسألك عن متمتع لم يكن له هدي ، فأجبته في كتابك يصوم ثلاثة أيام بمنى ، فان فاته ذلك صام صبيحة الحصباء ويومين بعد ذلك. قال : أمّا أيام منى فإنها أيام أكل وشرب لا صيام فيها» (2)ونحوها غيرها مما دل على المنع من صيام أيام التشريق ، وكذا صحيح ابن سنان «فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق» (3)فهذه الروايات بأجمعها تعارض ما دل على جواز صيام اليوم الثاني عشر فان حملناه على التقية فهو وإلّا فيقع التعارض ، والمرجع


1) مجمع البحرين 2 : 44.

2) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 3.

3) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 1.

.................................................................................................


بعد التساقط العمومات الكثيرة الدالة على أنه لا صيام في منى (1)فإن أيام منى أيام أكل وشرب وبعال كما في روايات بديل بن ورقاء ، ولا مخصص لهذه الروايات.

وإني أستغرب جدّاً من صاحب الجواهر حيث ذكر هذه الروايات المعارضة ولم يلتفت إلى التعارض ، وذكر أن المحرّم صوم أيام التشريق لمن أقام بمنى ولم يخرج منه وأمّا إذا خرج كاليوم الثاني عشر فلا مانع من الصوم فيه (2).

ولا يخفى ضعفه ، فان الميزان في جواز الصوم لو كان بجواز الخروج من منى وعدم الإقامة فيه لجاز الصوم في مورد آخر الذي يجوز له الخروج ، بل الظاهر أن النهي عن الصوم في اليوم الثاني عشر لوحظ فيه الخروج ففي هذا الفرض ورد المنع عن الصوم.

بقي الكلام فيما رواه الكليني عن رفاعة «عن المتمتع لا يجد الهدي (3)قال : يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق ، قلت لم يقم عليه جماله ، قال : يصوم يوم الحصبة وبعده يومين. قال قلت : وما الحصبة؟ قال : يوم نفره» الحديث (4)وهذه الرواية قد ذكرنا (5)أنها ضعيفة السند ، ولكن الشيخ رواها بسند صحيح عن رفاعة باختلاف يسير في المتن من دون تطبيق الحصبة على يوم النفر «قلت : فان جماله لم يقم عليه؟ قال : يصوم الحصبة وبعده بيومين ، قلت : يصوم وهو مسافر» الحديث (6).

فانّ المستفاد من الرواية على طريق الكليني جواز الصوم يوم النفر لتطبيق الحصبة على يوم نفره ، فيختص الجواز بموردها وهو فيما إذا لم يقم عليه جماله ، فتكون الرواية مخصصة للمنع من صيام أيام التشريق ، فنقول بجواز صوم يوم النفر الذي هو من أيام


1) الوسائل 10 : 516 / أبواب الصوم المحرم ب 2.

2) الجواهر 19 : 176.

3) لا يخفى أن هنا جملة سقطت من الرواية : «قال : يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. قلت : فإنه قدم يوم التروية ....».

4) الوسائل 14 : 178 / أبواب الذبح ب 46 ح 1. الكافي 4 : 506 / 1.

5) في ص 273.

6) التهذيب 5 : 232.

.................................................................................................


التشريق في صورة ما لم يقم عليه جماله ولا معارض لذلك.

ولكن هذه الزيادة والتطبيق غير مذكورة في الرواية على طريق الشيخ ، مضافاً إلى ذلك أن أحداً من الفقهاء لم يلتزم بهذا التفصيل. هذا مضافاً إلى ضعف سند الرواية على طريق الكليني ، لأن أحمد بن محمد بن عيسى لا يمكن روايته عن رفاعة بلا واسطة ، فإن رفاعة من أصحاب الصادق (عليه السلام) ولم يدرك الرضا (عليه السلام) وأحمد بن عيسى من أصحاب الجواد والعسكري (عليهما السلام) بل كان حيّاً في سنة 280 والشاهد على ذلك أن أحمد بن محمد يروى عن الحسين بن سعيد فهو في رتبة متأخرة عن الحسين بن سعيد ، والحسين بن سعيد يروي عن رفاعة مع الواسطة فكيف يروي أحمد بن محمد عن رفاعة بلا واسطة ، فالعمدة رواية العيص وروايتي حماد (1)وقد عرفت حالها والجواب عنها.

تنبيه

وهو أنه : لو نفر اليوم الثاني عشر كما هو الغالب وبقي اليوم الثالث عشر في مكة كما هو الغالب أيضاً ، فهل يجوز له صوم اليوم الثالث عشر وهو في مكة أم لا؟

الظاهر أنه لم يستشكل أحد في الجواز ، لأن الممنوع من صيام أيام التشريق لمن كان في منى ، وأمّا من كان خارجاً من منى فلا إشكال فيه إلّا من الشيخ فإن المحكي عنه المنع عن صيامها لمن كان في مكة (2)ويمكن أن أراد بمكة مكة وتوابعها وضواحيها فان المراد بأيام الأكل والشرب هو أيام منى ، وأمّا في نفس بلدة مكة المكرمة فلا مانع من الصيام.

ثم إنّ محل الكلام هو الصوم يوم النفر من منى ، سواء أُريد به النفر الأوّل أو النفر الثاني أي اليوم الثاني عشر والثالث عشر ، والروايات الدالّة على المنع من صوم أيام التشريق لا تفرق بين الثاني عشر والثالث عشر ، كما أن ما دلّ على جواز صوم يوم النفر لا يفرق بين الثاني عشر والثالث عشر ، والتعارض قد عرفت إنما هو بالنسبة


1) المتقدمة في ص 284.

2) النهاية : 255.

والأحوط أن يبادر إلى الصوم بعد رجوعه من منى ولا يؤخره من دون عذر (1).


إلى من كان في منى ، وأمّا الحصبة فالمراد بها بعد النفر كما في صحيح حماد والعيص (1)فيعارضان بما في رواية صفوان (2)الناهية عن صيام أيام منى فتشمل يوم النفر أيضاً وبعد التعارض المرجع ما دل على المنع من صيام أيام منى ، لأنها أيام أكل وشرب لا صيام فيها كما في الروايات العامّة.

فتحصل من مجموع ما ذكرنا : أنّ من كان في منى لا يجوز له الصوم في أيام التشريق ولا بدّ له من تأخير الصوم إلى رجوعه من منى ، وإذا رجع من منى اليوم الثاني عشر فلا مانع له من صيام الثالث عشر وإن كان من أيام التشريق ، وبعبارة اخرى : لا يجوز له صيام الثاني عشر مطلقاً سواء كان في منى أو في غيره ، وأمّا الثالث عشر فلا يجوز له صيامه إذا كان بمنى ، وأمّا إذا كان بمكة أو غيرها فيجوز له صومه.

(1) وهل تجب المبادرة إلى صيام ثلاثة أيام بعد رجوعه من منى؟

نسب المدارك إلى الأصحاب وجوب المبادرة (3)ولا يخفى أن المستفاد من عدّة من الروايات وجوب المبادرة لقوله : «يصوم يوم الحصبة ويومين بعده» (4)نعم هنا مطلقات لا يستفاد منها وجوب المبادرة وإنما تدلّ على لزوم الصوم بعد أيام التشريق وبعد رجوعه من منى ، فالعمدة روايات الحصبة الدالّة على لزوم المبادرة ، ولكن مع ذلك لا نقول بوجوب المبادرة لصحيحة زرارة الدالّة على جواز التأخير إلى العشر الأواخر من ذي الحجة «من لم يجد ثمن الهدي فأحب أن يصوم الثلاثة الأيام في العشر الأواخر فلا بأس بذلك» (5)فلا بد من حمل تلك الروايات على الاستحباب ، نعم يجب صومها قبل الرجوع إلى أهله.


1) المتقدمين في ص 284.

2) المتقدمة في ص 285.

3) المدارك 8 : 50.

4) كما في الوسائل 14 : 178 / أبواب الذّبح ب 46 ح 1.

5) الوسائل 14 : 182 / أبواب الذبح ب 46 ح 13.

.................................................................................................


تعقيب : الروايات الواردة في من لم يصم الثلاثة الأيام قبل العيد وأنه يصومها يوم الحصبة وبعده بيومين على طوائف ثلاث :

الاولى : ما يستفاد منه أنه يبدأ بالصوم من اليوم الرابع عشر ، وأن يوم الحصبة هو اليوم الرابع عشر لا يوم النفر كما في مجمع البحرين (1)وغيره ، ويدل على ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وقد استشهد صاحب المجمع بها أيضاً «فقال له عباد : وأيّ أيام هي؟ قال : قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة ، قال : فان فاته ذلك؟ قال : يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك. قال : فلا تقول كما قال عبد اللّه بن الحسن قال : فأيّ شي‌ء قال؟ قال : يصوم أيام التشريق ، قال : إن جعفراً كان يقول : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أمر بديلاً ينادي أن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومن أحد» (2).

فان هذه الرواية صريحة في أن يوم الحصبة هو اليوم الرابع عشر ، للقرينة القطعية على ذلك وهي نقله (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) المنع عن صيام أيام التشريق ، وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، ولو جاز الصوم في اليوم الثالث عشر لما تم استشهاده (عليه السلام) بمنع النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وكان قوله (عليه السلام) موافقاً لقول عبد اللّه بن الحسن الذي ردّه بنهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عن صوم هذه الأيام الثلاثة.

الثانية : ما ذكر فيه أن يصوم يوم الحصبة ويومين بعده من دون تعرض فيه لتفسير يوم الحصبة وأنه يوم النفر كما في صحيحة معاوية بن عمار ، فإنه بعد ما حكم بأنه يصوم قبل التروية ويوم عرفة ، «قال قلت : فان فاته ذلك ، قال : يتسحر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده» (3)ونحوها صحيحة رفاعة على طريق الشيخ «قال : يصوم الثلاثة أيام بعد النفر ، قلت : فان جماله لم يقم عليه ، قال : يصوم


1) مجمع البحرين 2 : 44.

2) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 4.

3) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4.

.................................................................................................


يوم الحصبة وبعده بيومين» (1)فان حملنا الحصبة المذكورة فيهما على ما في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة فيكون المراد منها اليوم الرابع عشر ، وأمّا لو حملت على ما ذهب إليه الفقهاء وهو اليوم الثالث عشر فيدل الخبران على البدأة بالصوم من اليوم الثالث عشر ، ولكنهما غير دالّين على الصوم ولو كان في منى إلّا بالإطلاق ، ونخرج عنه ونقيده بالصوم في مكة للروايات الناهية عن صيام أيام منى.

وتوضيح ذلك : أنه إذا قلنا بأن دلالة صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة رفاعة على جواز صوم اليوم الثالث عشر بالنسبة إلى الصوم في منى ومكة بالإطلاق ، ودلالة الروايات الناهية عن الصوم أيام منى (2)بالعموم الوضعي ، واللّازم تقديم العموم الوضعي على الإطلاق ، فالنتيجة أن صوم اليوم الثالث عشر ممنوع إذا كان بمنى ، وأمّا إذا كان في غير منى فيجوز صومه.

وإن قلنا بأن دلالة تلك الروايات الناهية عن صيام أيام منى ليست بالعموم الوضعي وإنما هي بالعموم الاستغراقي وهو بالإطلاق أيضاً ، ولكن يقدّم على العموم البدلي فالنتيجة واحدة ، فإن إطلاق ما دل على صيام اليوم الثالث بالنسبة إلى مكة ومنى على البدل ، ولكن النهي عن صيام أيام التشريق وأيام منى على نحو العموم الاستغراقي ويقدّم على البدلي ، فالنتيجة عدم جواز صيام الثالث عشر إذا كان بمنى.

وإن قلنا بأن العموم الاستغراقي لا وجه لتقديمه على البدلي ، لأن كلا منهما يحتاج إلى مقدمات الحكمة ، فقهراً يتحقق التعارض ويتساقطان والمرجع العمومات الناهية عن صيام ثلاثة أيام كما في روايات بديل وندائه من قبل النبي (صلّى اللّه عليه وآله) بأن لا يصوموا أيام منى فإنها أيام أكل وشرب (3).

الطائفة الثالثة : روايتان لحماد ورواية لعيص (4)فسّرت الحصبة فيها بيوم النفر


1) التهذيب 5 : 232.

2) الوسائل 10 : 516 / أبواب الصوم المحرم ب 2.

3) الوسائل 10 : 517 / أبواب الصوم المحرم ب 2.

4) الوسائل 14 : 198 / أبواب الذبح ب 53 ح 3 وص 182 ب 46 ح 14 وص 197 ب 52 ح 5.

.................................................................................................


وهي معارضة لصحيحة عبد الرحمن حيث فسرت يوم الحصبة باليوم الرابع عشر كما عن أهل اللغة (1)فتسقط هذه الروايات الثلاث للمعارضة. مضافاً إلى أن المراد بالنفر غير واضح ، لأن النفر نفران : الأول وهو اليوم الثاني عشر ، والنفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر ، فإن أُريد به النفر الثاني أي اليوم الثالث عشر كما عن الفقهاء فيجري فيه ما ذكرناه في صحيحة رفاعة على طريق الشيخ وصحيحة معاوية بن عمار وأنهما مطلقتان بالنسبة إلى الصوم في مكة أو في منى ، فاذا كانت الدلالة بالإطلاق فتعارض ما دل على المنع من صيام ثلاثة أيام فيرجع إلى العمومات الناهية عن صيام ثلاثة أيام كما في روايات بديل ، وإن أُريد به النفر الأوّل أي اليوم الثاني عشر وإن كان لا قائل به بذلك فالمعارضة بين هذه الروايات الثلاث وما دلّ على المنع من صيام أيام التشريق أوضح ، لأن لازم ذلك اختصاص المنع بيوم واحد وهو اليوم الحادي عشر وهذا بعيد جدّاً فيتساقطان بالمعارضة ، فاليوم الثاني عشر لا يصومه مطلقاً سواء كان في مكة أو في منى ، فان رجع في اليوم الثاني عشر إلى مكة يصوم اليوم الثالث عشر وإن رجع في اليوم الثالث عشر يصوم اليوم الرابع عشر ، وأمّا اليوم الثالث عشر فلا يصومه إذا كان بمنى.

وهنا رواية أُخرى نعدّها طائفة رابعة يستفاد منها أن المراد بالنفر اليوم الرابع عشر وهي معتبرة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «قال : سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال : بل يصوم فإن أيام الذبح قد مضت» (2)فان المراد بالنفر بقرينة قوله في ذيل الرواية «فإن أيام الذبح قد مضت» هو اليوم الرابع عشر ، لأن أيام الذبح تنتهي في اليوم الثالث عشر وإطلاق النفر على اليوم الرابع عشر باعتبار خروج الحجاج ونفرهم إلى بلادهم في اليوم الرابع عشر غالباً ، فتكون هذه المعتبرة قرينة على أن المراد بالنفر في بقيّة الروايات هو اليوم الرابع عشر.


1) تقدم ذكر مصدره في ص 289.

2) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 44 ح 3.

.................................................................................................


بقي شي‌ء : وهو أنه هل يعتبر في صوم الثلاثة أن يصومها بمكة أو يصح مطلقاً؟

لم أر من تعرض لذلك نفياً وإثباتاً سوى شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في مناسكه (1)صرح بعدم الاعتبار وأنه يصح مطلقاً ، نعم لا بدّ من وقوع صيامها في ذي الحجة ، وقبل الرجوع إلى بلاده ، إلّا أن الظاهر من الروايات أن يصومها في مكة ، لصحيحة معاوية ابن عمار «فان فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر (2)صام ثلاثة أيام بمكة ، وإن لم يكن له مقام صام في الطريق» (3).

ولصحيحة ابن مسكان ، قال : «يصوم ثلاثة أيام ، قلت له : أفيها أيام التشريق؟ قال : لا ، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها» (4).

ونحوهما صحيح ابن سنان «ولكن يقيم بمكة يصومها» (5).

وظاهر جميع ذلك هو الوجوب ولا قرينة لرفع اليد عن ظهورها ، ولا تصريح في الروايات بجواز الإتيان به في غير مكة ، ولا ندري أن الأُستاذ النائيني (رحمه اللّه) استند إلى أيّ شي‌ء.

ويظهر من متن التهذيب لزوم الإتيان بالصوم في مكة ، لقوله : ومن فاته صوم هذه الثلاثة الأيام بمكة لعائق يعوقه أو نسيان يلحقه فليصمها في الطريق إن شاء (6)، ويعلم من هذه العبارة أن محل هذا الصوم مكة إلّا إذا كان ممن له عذر من نسيان أو عائق يعوقه.


1) دليل الناسك (المتن) : 388.

2) الصدر : الرجوع كالمصدر والاسم بالتحريك ، ومنه طواف الصدر أي الرجوع. ثم قال في القاموس والصدر محركة : اليوم الرابع من أيام النحر. القاموس المحيط 2 : 68.

3) الوسائل 14 : 186 / أبواب الذبح ب 47 ح 4.

4) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 2.

5) الوسائل 14 : 191 / أبواب الذبح ب 51 ح 1.

6) التهذيب 5 : 233.

وإذا لم يتمكّن بعد الرجوع من منى صام في الطريق أو صامها في بلده أيضاً (1).


(1) كما هو المشهور ويدلُّ عليه جملة من النصوص ، فيها الصحيحة ، منها : صحيحة معاوية بن عمار «قلت : فان لم يقم عليه جماله أيصوم في الطريق؟ قال : إن شاء صامها في الطريق ، وإن شاء إذا رجع إلى أهله» (1).

وبإزاء ذلك روايتان : الأُولى : صحيحة سليمان بن خالد أو عبد اللّه بن مسكان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً ، قال : يصوم ثلاثة أيام قلت له : أفيها أيام التشريق؟ قال : لا ولكن يقيم بمكة حتى يصومها وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فان لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله» (2). فإنه يدل على أنه إذا لم يتمكن من الصيام في مكة فليصم عند أهله وظاهره التعيين ، فيعارض ما دل من التخيير بين أن يصوم في الطريق أو عند أهله.

وذكر في الجواهر أن هذه الرواية رواها كاشف اللثام عن ابن مسكان ، ولكن التدبر يقتضي كون الخبر عن سليمان بن خالد (3).

أقول : قد روى الشيخ في موردين من التهذيب والاستبصار (4)هذه الرواية ، في أحدهما ذكرها عن سليمان بن خالد عن ابن مسكان ، وفي المورد الثاني ذكرها عن عبد اللّه بن مسكان عن سليمان بن خالد والمتن متحد تقريباً ، ولا ريب في وقوع التحريف في أحد الموردين ، إذ يبعد جدّاً أن يروي عبد اللّه بن مسكان هذه الرواية لسليمان بن خالد ويرويها بعين المتن سليمان بن خالد لعبد اللّه بن مسكان.

وكيف كان : الرواية معتبرة سواء كانت عن عبد اللّه بن مسكان أو عن سليمان بن خالد ومفادها الصوم في أهله ، فتكون معارضة لما دل على التخيير بين الطريق وأهله.


1) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4.

2) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 2.

3) الجواهر 19 : 173.

4) التهذيب 5 : 229 / 775 ، 233 / 789 ، 229 ، والاستبصار 2 : 277 / 984 ، 282 / 1001.

.................................................................................................


تعقيب حول صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة

قد عرفت أن الشيخ أورد هذه الصحيحة في الكتابين في موردين تارة نسبها إلى سليمان بن خالد وأُخرى إلى ابن مسكان ، وذكر كاشف اللثام أن الرواية لابن مسكان (1)وأورد عليه في الجواهر بأن التدبر فيما رواه في التهذيب يقتضي كون الخبر عن سليمان ولا ريب في وقوع الاشتباه في أحد الموردين كما تقدم ، ولكن لو كنّا نحن والسند الذي ذكره الشيخ في أحد الموضعين وهو ما رواه عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد وعلي بن النعمان عن ابن مسكان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً» الحديث (2)لكان الحق مع كاشف اللثام ، إذ يعلم أن راوي الخبر عن الإمام (عليه السلام) هو ابن مسكان لا سليمان ، وإلّا لو كان الراوي سليمان بن خالد أيضاً فيكون السند هكذا الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد وعن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان ، فيكون علي بن النعمان معطوفاً على النضر بطريق التحويل من إسناد إلى إسناد آخر فحينئذ يلزم أن يقول : قالا سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، ولكن الشيخ أورد هذا الحديث في مورد آخر بطريقين أدرج السندين في الآخر ، وهو ما رواه الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد اللّه عن الحسين عن النضر بن سويد عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد وعلي بن النعمان عن ابن مسكان (3)وأدرج سنداً آخر وهو ما رواه عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان عن عبد اللّه بن مسكان عن سليمان بن خالد (4)فحينئذ لا يمكن الحكم بصحة الروايتين ، لما عرفت من أنه لا يحتمل أن سليمان بن خالد يروي لابن مسكان


1) حكى عنه في الجواهر 19 : 173 ولكن لم نعثر عليه في كشف اللثام. لاحظ كشف اللثام 1 : 364 السطر 35.

2) الوسائل 14 : 192 / أبواب الذبح ب 51 ح 2 ، التهذيب 5 : 229 / 775.

3) الوسائل 14 : 180 / أبواب الذبح ب 46 ح 7 ، التهذيب 5 : 233 / 789.

4) الاستبصار 2 : 279 ، 282.

.................................................................................................


ما سمعه من الإمام (عليه السلام) ، ومرة اخرى يروي ابن مسكان نفس الحديث لسليمان ، فلا بدّ من السقط في السند كما في الجواهر ، فلا بد من إعادة ذكر سليمان بن خالد بعد ذكر ابن مسكان ، فتكون الرواية عن سليمان بن خالد بطريقين : أحدهما عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد. ثانيهما الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد ، أو نقول بأن سليمان بن خالد زائد فتكون الرواية عن ابن مسكان كما في كشف اللئام ، فيكون المقام من دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة.

هذا كله مع قطع النظر عما يستظهر من الشيخ في الاستبصار من أن الحديث لابن مسكان ، لأنه (قدس سره) روى أوّلاً عن ابن مسكان ثم ذكر خبرين آخرين وقال : فلا تنافي بين هذين الخبرين وبين الخبر الذي قدمناه عن ابن مسكان ، فيعلم من ذلك أن الخبر لابن مسكان لا لسليمان فيكون ذكر سليمان زائداً.

أضف إلى ذلك : أن سليمان بن خالد ليس له رواية عن عبد اللّه بن مسكان ، وإنما عبد اللّه بن مسكان يروي عن سليمان بن خالد ، فذكر سليمان بن خالد في السند اشتباه ولعله وقع من النسّاخ.

الرواية الثانية : صحيحة محمد بن مسلم «الصوم الثلاثة الأيام إن صامها فآخرها يوم عرفة وإن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في أهله ولا تصومها في السفر» (1).

والجواب : أمّا عن صحيح محمد بن مسلم فهو بظاهره مقطوع البطلان ، إذ لا شك في تظافر النصوص في جواز الصوم الثلاثة بعد رجوعه من منى إلى مكة وهو مسافر فكيف بصحيح محمد بن مسلم ينهى عن الصوم في السفر ، فلا بدّ من رد علمه إلى أهله.

وأمّا صحيح سليمان بن خالد الذي أمر بالصوم بعد الرجوع إلى أهله فظاهره


1) الوسائل 14 : 181 / أبواب الذبح ب 46 ح 10.

ولكن لا يجمع بين الثلاثة والسبعة (1)


الوجوب التعييني ، ولكن نرفع اليد عن الوجوب التعييني لأجل بقية الروايات المجوّزة للصيام في الطريق ، فيحمل الأمر في صحيح سليمان بن خالد على الوجوب التخييري فان المعارضة بين الصريح والظاهر ، فان تلك الروايات الكثيرة صريحة في الوجوب التخييري ، وصحيح سليمان ظاهر في الوجوب التعييني ، ومقتضى القاعدة رفع اليد عن الظهور بصراحة الآخر.

ثم إنه مع قطع النظر عن كون صحيح ابن مسلم مقطوع البطلان ، يمكن أن يحمل النهي الوارد فيه على الكراهة ، لأن غاية ما في الباب ظهور النهي في الحرمة ونرفع اليد عن الظهور بصراحة بقية الروايات في الجواز.

(1) لو لم يصم في الطريق فلا إشكال في وجوبه عند الرجوع إلى أهله ووصوله إلى بلده ، وهل يجب عليه التفريق بين الثلاثة والسبعة أم يجوز الجمع والتتابع بينهما؟ فيه كلام.

اختار الجواهر (1)وتبعه المحقق النائيني (2)جواز الجمع بينهما ، وذكرا أن الفصل يجب على من يصوم بمكة ، وأمّا لو صام في البلد والأهل فلا مانع من الوصل.

والظاهر أنه لا وجه لما ذكراه ، لصراحة صحيح ابن جعفر في لزوم الفصل والتفريق «ولا يجمع بين السبعة والثلاثة جميعاً» (3)وليس بإزائه سوى المطلقات كصحيح سليمان ابن خالد المتقدم (4)«فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله» ورفع اليد عن المطلق بالمقيد أمر غير عزيز ، فحمل صحيح ابن جعفر على خصوص من صام في مكة كما في الجواهر لا وجه له.


1) الجواهر 19 : 187.

2) دليل الناسك (المتن) : 393.

3) الوسائل 14 : 200 / أبواب الذبح ب 55 ح 2.

4) في ص 293.

فان لم يصم الثلاثة حتى أهلّ هلال محرّم سقط الصوم وتعيّن الهدي للسنة القادمة (1).


نعم ، هنا رواية تدل بظاهرها على لزوم التتابع والوصل بين الثلاثة والسبعة ، وهي رواية الواسطي قال : «سمعته يقول : إذا صام المتمتع يومين لا يتابع الصوم اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج ، فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات ، فان لم يقدر ولم يقم عليه الجمّال فليصمها في الطريق ، أو إذا قدم على أهله صام عشرة أيام متتابعات» (1)فان قوله : «صام عشرة أيام متتابعات» ظاهر في لزوم الوصل والتتابع بين الثلاثة والسبعة وعدم جواز التفريق بينهما ، فتقع المعارضة بينها وبين صحيح علي ابن جعفر الدال على لزوم التفريق وعدم جواز الوصل بينهما.

والجواب عن ذلك أوّلاً : أن الرواية ضعيفة سنداً فلا تصلح للمعارضة.

وثانياً : أن دلالتها بالظهور ، لأن موارد التتابع فيها ثلاثة ، التتابع بين نفس الثلاثة كما في صدر الرواية ، والتتابع بين نفس السبعة ، والتتابع بين الثلاثة والسبعة ، ولا ريب أن دلالتها على التتابع بين الثلاثة والسبعة وفي نفس السبعة بالظهور ، وصحيح ابن جعفر يدل على التتابع في موردين الثلاثة الأيام والسبعة ، ويدلُّ على التفريق صريحاً بين الثلاثة والسبعة ، فنرفع اليد عن ظهور تلك الرواية بصراحة هذه الصحيحة.

(1) لو خرج شهر ذي الحجة ولم يصم الثلاثة لا في الطريق ولا في البلد تعين عليه الهدي على المشهور بل ادعي عليه الإجماع ، لاختصاص دليل البدلية بشهر ذي الحجة فيرجع في غيره إلى إطلاق دليل وجوب الهدي.

ونسب إلى الشيخ جواز الصوم حتى بعد انقضاء شهر ذي الحجة ولكن الهدي أفضل (2)كما نسب إلى المفيد لزوم الصوم في غير الناسي وأمّا الناسي فيتعين عليه الذبح (3)واستحسنه في الذخيرة (4)ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار.


1) الوسائل 14 : 196 / أبواب الذبح ب 52 ح 4.

2) التهذيب 5 : 233.

3) نسب إليه في الذخيرة : 673 السطر 31.

4) الذخيرة : 674 السطر 1.

.................................................................................................


فمنها : ما دل على أن يصوم الثلاثة في الطريق أو عند أهله وفي بلده كصحيحة معاوية بن عمار وغيرها (1)وإطلاق هذه الروايات يشمل ما إذا هلّ هلال محرم ولا يختص بشهر ذي الحجة ، وعليه اعتمد المفيد والسبزواري.

ومنها : ما بإزاء هذه الروايات كصحيحة منصور بن حازم الدالة على أنه إذا هلّ هلال محرم سقط عنه الصوم وتعين الشاة «قال (عليه السلام) : من لم يصم في ذي الحجّة حتى يهل هلال المحرم فعليه دم شاة وليس له صوم ويذبحه بمنى» (2)ونحوها بإسناد آخر عن منصور بن حازم.

ومنها : ما دل على أن من نسي صوم الثلاثة عليه الدم كصحيحة عمران الحلبي «عن رجل نسي أن يصوم الثلاثة الأيام التي على المتمتع إذا لم يجد الهدي حتى يقدم أهله ، قال : يبعث بدم» (3).

والظاهر أن المراد بنسيان صوم الثلاثة نسيان طبيعي الصوم في تمام شهر ذي الحجة حتى قدم شهر محرم ، وإلّا فلو نسيه في بعض الشهر فلم ينس الطبيعي الواجب عليه بل نسي فرداً من أفراده. وذكر السبزواري أن المراد بصحيحة منصور الدالّة على وجوب الهدي هو مورد النسيان فالناسي حكمه الهدي ، وأمّا غير الناسي أي التارك المتعمد فيصوم ولو بعد محرم (4).

يقع الكلام في مقامين :

أحدهما : في أصل المعارضة وأنه هل هناك معارضة بين المطلقات وصحيحة منصور وعمران الحلبي أم لا معارضة في البين؟ والظاهر أنه لا معارضة في البين ، وإطلاق تلك الأدلة المستفيضة لا يشمل ما لو خرج ذو الحجة ولم يصم الثلاثة.

ودعوى : إطلاق النصوص الآمرة بالصوم في الطريق أو عند الرجوع والوصول


1) الوسائل 14 : 179 / أبواب الذبح ب 46 ح 4 وغيره.

2) الوسائل 14 : 185 / أبواب الذبح ب 47 ح 1.

3) الوسائل 14 : 185 / أبواب الذبح ب 47 ح 3.

4) الذخيرة : 673 السطر 44.

.................................................................................................


إلى بلده بالنسبة إلى دخول شهر محرم فتدل على لزوم الصوم حتى إذا هل هلال محرم فتكون معارضة لصحيحتي منصور الدالتين على سقوط الصوم بانقضاء شهر ذي الحجة فإن مقتضى تلك الروايات جواز الصوم في شهر محرم ومقتضى صحيحتي منصور سقوط الصوم وثبوت الدم.

فاسدة بأنّ الروايات الواردة في الصوم في الطريق أو في بلده ناظرة إلى إلغاء خصوصية المكان ، ولا إطلاق لها من حيث الزمان ، فان الواجب أوّلاً على المكلف الصوم في مكة وتوابعها ، فان لم يتمكن من الصوم بمكة يجوز له الصوم في الطريق أو بلده ، فالمستفاد من هذه الروايات أن خصوصية المكان ملغاة ولا تجب عليه هذه الخصوصية ، فلا بد من الإتيان به مع رعاية سائر شرائطه من وقوعه في طول شهر ذي الحجة أو وقوعه بعد أيام التشريق ، فلا يصح التمسك بها لاعتبار التتابع أو الفصل بين أيام الصوم باعتبار عدم ذكر الوصل أو الفصل في هذه المطلقات ، فإن الإطلاق إذا لم يكن ناظراً إلى خصوصية فلا يمكن التمسك به لاعتبارها أو عدمه ، فاللازم رعاية بقية الشروط كوقوع الصوم في شهر ذي الحجة.

فظهر أنه لا معارضة في البين أصلاً ، والمرجع إطلاق ما دل على وجوب الهدي ، فما ذهب إليه المشهور هو الصحيح.

المقام الثاني : لو فرضنا أن الإطلاق لتلك الروايات متحقق بالنسبة إلى الزمان وعدم دخل شهر ذي الحجة ، فبالنسبة إلى نسيان صوم الثلاثة الأيام يتعين عليه الدم بلا إشكال ، للنص وهو صحيح عمران الحلبي ولا معارض له ، وأمّا التارك العامد لصيام الثلاثة في مكة والذي لم يصم في الطريق ولا في البلد حتى دخل شهر محرم فعليه الدم جزماً ، ولا دليل على جواز الصيام له ، بل لا دليل على جواز صومه في ذي الحجة فضلاً عن شهر محرم ، لعدم شمول إطلاق أدلّة الصوم للتارك المتعمد ، فهاتان الصورتان ، الناسي والمتعمد يتعين عليهما الدم من دون أيّ معارض.

يبقى الكلام في الصورة الثالثة وهي : ما لو ترك صيام الثلاثة الأيام لعذر من

.................................................................................................


الأعذار ، لمرض أو حيض أو عدم قيام الجمّال وعدم صبر القافلة ونحو ذلك من الأعذار ، إذ لا خصوصية لعدم قيام الجمّال المذكور في النص ، فإن العبرة بالعذر ، فهل يشمل إطلاق تلك الروايات هذه الصورة أم لا؟

الظاهر أن التعارض بين تلك الروايات الدالّة على جواز الصوم في الطريق أو في البلد وبين صحيحتي منصور بن حازم تعارض العموم من وجه ، وذلك لاختصاص تلك الروايات بذوي الأعذار وعمومها بالنسبة إلى خروج الشهر وعدمه ، واختصاص الصحيحتين بخروج الشهر وعمومها بالنسبة إلى العذر وغيره ، فيتحقق التعارض في مورد العذر عند دخول شهر محرم ، فإن إطلاق تلك الروايات يثبت الصوم ، وإطلاق الصحيحتين يثبت الدم ، فالنفي والإثبات يتواردان على مورد واحد ويتساقطان ، والمرجع حينئذ الآية الكريمة ومقتضى قوله تعالى ( فِي الْحَجِّ ) (1)اشتراط وقوع الصوم في شهر ذي الحجة ، وقد صرح في النص بأن في الحج أي في ذي الحجة ، فإن التقييد بالحج يوجب دخل القيد في البدلية وإلّا لكان ذكر القيد لغواً ، فاذا انقضى شهر ذي الحجة فالبدلية غير ثابتة فلا بدّ من الهدي ، فالنتيجة تكون مطابقة لمفاد صحيحتي منصور بن حازم.

ثم إنه وقع الكلام في أن الدم حينئذ هدي أو كفارة؟

المعروف أنه هدي ، واحتمل كاشف اللثام أنه كفارة بل قال هي أظهر (2)ولكن المستفاد من قوله : «فعليه دم شاة وليس له صوم» (3)كون الشاة هدياً ، لأن الصوم بدل الهدي ونفيه يقتضي كون الشاة الثابتة عند عدم تحقق الصوم هدياً ، لسقوط البدلية حينئذ ، وإلّا لا موقع لقوله : «ليس له صوم» فلا بد أن يذبحه بمنى أيام النحر.

نعم ، مقتضى النبوي «من ترك نسكاً فعليه دم» (4)كون الدم كفارة ، ولكن النبوي


1) البقرة 2 : 196 ونصّها «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ».

2) كشف اللثام 1 : 365 السطر 26.

3) كما في صحيحة منصور بن حازم المتقدمة في ص 298.

4) سنن البيهقي 5 : 152.

مسألة 395 : من لم يتمكّن من الهدي ولا من ثمنه وصام ثلاثة أيام في الحج ثم تمكن منه وجب عليه الهدي على الأحوط (1).


ضعيف سنداً ولم ينقل من طرقنا. والأولى ثبوت الكفارة أيضاً لأجل النبوي فيذبح شاتين للهدي والكفارة.

(1) المعروف بين الأصحاب أنه لو صام ثلاثة أيام ثم وجد الهدي كان له المضي على الصوم وليس عليه الهدي. وعن بعضهم كالقاضي وجوب الهدي وأنه لا دليل على سقوطه حينئذ (1).

يقع البحث تارة فيما تقتضيه النصوص وأُخرى فيما تقتضيه القاعدة المستفادة من الآية الكريمة.

أمّا ما تقتضيه القاعدة المستفادة من الآية الشريفة كقوله ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ) (2)فوجوب الهدي ، لكشفه عن وجدان الهدي ، لأن الفقدان يعتبر في تمام الشهر على الترتيب بين وجدانه في يوم العيد أو في أيام التشريق أو في طول ذي الحجة ، فإذا وجد الهدي في شهر ذي الحجة فهو واجد له فلا ينتقل الفرض إلى البدل وهو الصيام ، ولذا لو علم بوجدان الهدي في اليوم الرابع عشر أو الخامس عشر من ذي الحجة ليس له الصوم.

وبالجملة : لو كنّا نحن والآية ولم تكن في البين رواية لالتزمنا بوجوب الهدي وعدم سقوطه سواء صام أو لم يصم ، أمّا في فرض عدم الصوم فالأمر أوضح ، لعدم وقوع البدل فلا موجب لسقوط الهدي بعد وجدانه. وأمّا في فرض الصوم فكذلك لأنه ينكشف أنه كان واجداً للهدي ولكن لا يدري بذلك.

نعم ، هنا رواية يظهر منها أن العبرة بالوجدان وعدمه إلى يوم النحر ، وهي رواية


1) المهذب 1 : 259.

2) البقرة 2 : 196.

.................................................................................................


أحمد بن عبد اللّه الكرخي قال : «قلت للرضا (عليه السلام) المتمتع يقدم وليس معه هدي أيصوم ما لم يجب عليه؟ قال : يصبر إلى يوم النحر فان لم يصب فهو ممن لم يجد» (1)فاعتبره فاقداً إذا لم يصب الهدي إلى يوم النحر وإن وجده بعد أيام النفر ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال ، لأن الكليني يرسلها عن بعض أصحابنا (2)فلا يمكن العمل بها. على أن مضمونها مقطوع البطلان ، إذ لا نحتمل أن تكون العبرة بالفقدان بعدم الوجدان إلى يوم النحر بعد استفاضة النصوص وتسالم الأصحاب باستمرار وقت الهدي إلى آخر شهر ذي الحجّة ، ومناف لإطلاق الآية الشريفة ، لأن موضوعها التمكن والتيسير ولم يقيد بقبل يوم النحر أو بعده.

ثم إن صاحب الوسائل رواها في مورد آخر وذكر «فان لم يصبر فهو ممّن لم يجد» (3)بدل «فان لم يصب» وهو غلط.

وأمّا ما تقتضيه النصوص الواردة في المقام فقد استدل المشهور للاكتفاء بالصوم وسقوط الهدي بعد أيام صيامه وإن وجده بعد أيام التشريق بصحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى

إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال : بل يصوم ، فإن أيام الذبح قد مضت» (4)ولا يخفى أن المراد بيوم النفر المذكور فيها يوم نفر الحجاج من مكة إلى بلادهم ، أي من اليوم الرابع عشر غالباً ، وذلك بقرينة قوله (عليه السلام) : في ذيل الرواية «فإن أيام الذبح قد مضت» ومن المعلوم أن أيام الذبح تنتهي في اليوم الثالث عشر. فذكروا أن المستفاد من الرواية أن من صام ثم وجد الهدي بعد أيام الذبح وبعد أيام التشريق يسقط عنه الهدي. والرواية معتبرة سنداً لا قصور فيها سنداً ودلالة ، فما ذكره صاحب الجواهر من قصورها من وجوه (5)لا نعرف له وجهاً. نعم بعض طرقه فيه ضعف


1) الوسائل 14 : 199 / أبواب الذبح ب 54 ح 2.

2) الكافي 4 : 510 / 16.

3) الوسائل 14 : 180 / أبواب الذبح ب 46 ح 6.

4) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 44 ح 3.

5) الجواهر 19 : 166.

.................................................................................................


كطريق الكليني (1)ولكن بقية الطرق صحيحة.

والجواب عن ذلك أوّلاً : أن الرواية رويت بنحو آخر وهو قوله (عليه السلام) : «فلم يجد ما يهدي ولم يصم الثلاثة الأيام» وكلامنا في من صام.

وثانياً : أن قوله : «فإن أيام الذبح قد مضت» ينافي مع المستفيضة المعتبرة وما تسالموا عليه من أن أيام الذبح تستمر إلى طول ذي الحجّة.

وثالثاً : لو سلمنا أن المتن الثابت في الرواية هو ما ذكرناه أوّلاً «فلم يجد ما يهدي ... أيذبح أو يصوم» وليس فيه «ولم يصم الثلاثة الأيام» فالسؤال والجواب واضحان في أنه لم يصم من الأول وقوله : «أ يصوم» ظاهر في إنشاء الصوم بمكة وأنه يصوم أم يذبح فأجاب (عليه السلام) بأنه يصوم ، فحمله على استمرار الصوم بالصوم في بلده بمعنى أن وظيفته انقلبت إلى الصوم بعيد جدّاً.

ورابعاً : أن التعليل لسقوط الهدي بقوله : «فإن أيام الذبح قد مضت» ظاهر في أن سبب الحكم بالسقوط هو مضى أيام الذبح صام أو لم يصم ، فتكون الرواية على هذا المتن مساوقة لمتنها الآخر وهو «ولم يصم الثلاثة الأيام» فتكون الرواية على كلا المتنين مخالفة لما تسالم عليه الأصحاب من عدم سقوط الهدي فيما إذا لم يصم الثلاثة فلا بدّ من رد علم هذه الصحيحة إلى أهلها ولا يمكن العمل بها.

واستدل المشهور أيضاً بخبر حماد بن عثمان قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هدياً يوم خرج من منى ، قال : أجزأه صيامه» (2).

والخبر صريح في مذهب المشهور ، ولكن الكلام في السند ، ففيه عبد اللّه بن بحر كما في الكافي (3)وفي التهذيب والاستبصار عبد اللّه بن يحيى (4)وهذا الاختلاف موجود


1) الكافي 4 : 509 / 9.

2) الوسائل 14 : 177 / أبواب الذبح ب 45 ح 1.

3) الكافي 4 : 509 / 11.

4) التهذيب 5 : 38 / 112 ، الاستبصار 2 : 260 / 919.

.................................................................................................


بين الكافي والتهذيب في غير مورد ، فالرواية على مسلك المشهور ضعيفة ، لأن المذكور في السند إن كان عبد اللّه بن بحر فلم يوثق ، وإن كان عبد اللّه بن يحيى فهو مجهول ولكن عبد اللّه بن بحر ثقة عندنا ، لأنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي ، ولكن لم يثبت أنه عبد اللّه بن بحر ويحتمل أنه عبد اللّه بن يحيى فهو مجهول ، فالرواية على كلا المسلكين ضعيفة ولا يمكن تخصيص القرآن بالخبر الضعيف.

على أنه معارض بمعتبرة عقبة بن خالد الصريحة في عدم سقوط الهدي «قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل متمتع وليس معه ما يشتري به هدياً ، فلما أن صام ثلاثة أيام في الحج أيسر ، أيشتري هدياً فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؟ قال : يشتري هدياً فينحره ويكون صيامه الذي صامه نافلة له» (1).

والمحقق (2)وصاحب الجواهر (3)وغيرهما حملوا الرواية على الأفضلية ولكن لا موجب له ، فإن الرواية وإن كانت ضعيفة على مسلك المشهور ولكن على مسلكنا معتبرة ، لأن عقبة بن خالد من رجال كامل الزيارات فتكون معارضة لخبر حماد وبعد التساقط فالمرجع الآية الشريفة الدالة على وجوب الهدي صام أو لم يصم.

على أن الحمل على الأفضلية في خصوص المقام لا يخلو من الجمع بين المتنافيين لأن موضوع الهدي في الآية الكريمة هو الوجدان وموضوع الصوم هو عدم وجدان الهدي وفقدانه ، فالهدي على الواجد والصوم على الفاقد ، فكيف يقال بجواز الهدي والصوم له حتى يقال بأن الهدي أفضل والصوم يجتزئ به ، إذ مرجع ذلك إلى أنه واجد وفاقد وهو غير معقول.


1) الوسائل 14 : 178 / أبواب الذبح ب 45 ح 2.

2) الشرائع 1 : 299.

3) الجواهر 19 : 184.

مسألة 396 : إذا لم يتمكّن من الهدي باستقلاله وتمكّن من الشركة فيه مع الغير فالأحوط الجمع بين الشركة في الهدي والصوم على الترتيب المذكور (1).

مسألة 397 : إذا أعطى الهدي أو ثمنه أحداً فوكّله في الذبح عنه ثم شك في أنّه ذبحه أم لا ، بنى على عدمه ، نعم إذا كان ثقة وأخبره بذبحه اكتفى به (2).


فالمتحصل : أنه لا دليل على الاجتزاء بالصوم ، ومقتضى المطلقات هو لزوم الهدي ، ولكن حيث إن المشهور ذهبوا إلى أن وظيفته الصوم فالجمع بين الهدي والصوم هو الأحوط.

(1) المشهور عدم لزوم الاشتراك وسقوط الهدي بالمرة كما هو الظاهر من الآية والروايات ، فان المستفاد منها التمكن من الهدي بتمامه وإلّا فينتقل فرضه إلى الصوم ولكن في صحيحة عبد الرحمن ما يدل على الاشتراك قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن قوم غلت عليهم الأضاحي وهم متمتعون وهم متوافقون ، وليسوا بأهل بيت واحد وقد اجتمعوا في مسيرهم ومضربهم واحد ، ألهم أن يذبحوا بقرة؟ قال : لا أُحب ذلك إلّا من ضرورة» (1)وحملها على الأُضحية المستحبة كما في الجواهر (2)بعيد جدّاً ، لأن قوله «وهم متمتعون» كالصريح في الهدي الواجب ، وبما أن الحكم بلزوم الاشتراك خلاف المشهور لذا كان الأحوط ضم الصوم إليه. أمّا الاحتياط بترك الاجتزاء بالهدي فواضح ، لأن ظاهر الآية هو التمكن من الهدي التام فالاجتزاء ببعض الهدي خلاف الاحتياط ، والاجتزاء بالصوم وحده خلاف الاحتياط من جهة صحيحة عبد الرحمن ، فالأحوط هو الجمع بين الاشتراك في الهدي والصوم.

(2) الوجه في ذلك واضح.


1) الوسائل 14 : 119 / أبواب الذبح ب 18 ح 10.

2) الجواهر 19 : 124.

مسألة 398 : ما ذكرناه من الشرائط في الهدي لا تعتبر فيما يذبح كفارة ، وإن كان الأحوط اعتبارها فيه (1).

مسألة 399 : الذبح الواجب هدياً أو كفارة لا تعتبر المباشرة فيه ، بل يجوز ذلك بالاستنابة في حال الاختيار أيضاً ، ولا بدّ أن تكون النية مستمرة من صاحب الهدي إلى الذبح ، ولا يشترط نية الذابح وإن كانت أحوط وأولى ، كما لا بدّ من أن يكون الذابح مسلماً (2).


(1) لعدم الدليل وإطلاق الأدلة بنفيه.

(2) لا ريب في عدم وجوب مباشرة الذبح للتسالم وإطلاق أدلّة الهدي ، فإن متعلق الأمر قد يكون ما يعتبر فيه المباشرة قطعاً كقولنا : يصلي ويصوم ويعيد وأمثال ذلك ، وقد يكون من الأفعال التي لا يعتبر فيها المباشرة ، بل بحسب العادة والغلبة تصدر من الغير ، نظير قولنا : فلان بنى مسجداً فإنه يصح الإسناد بمجرّد الأمر بالبناء وكذلك الذبح فإنه يصح إسناده إلى الآمر ولا يعتبر فيه المباشرة ، فإذا قيل : فلان ذبح شاة أو نحر إبلاً لا يفهم منه المباشرة ، فإن أكثر الناس وأغلبهم لا يعرفون الذبح خصوصاً النساء ، فاذا نسب الذبح إلى أحد لا يتبادر منه مباشرة الشخص بنفسه ، بل المتفاهم منه أمره وتسبيبه إلى الذبح نظير بناء الدار وخياطة الثوب والزراعة والنساجة وتخريب الدار ونحو ذلك من الأفعال ، فإنها لا تكون ظاهرة في المباشرة.

هذا كلّه مضافاً إلى السيرة القطعية على عدم تصدي الحاج للذبح أو النحر.

ويؤيِّد بما ورد في النساء من أنهنّ يأمرن من يذبح عنهنّ (1)هذا ممّا [لا] كلام فيه.

إنما الكلام في النيّة ، فهل اللّازم نيّة الذابح المباشر أو يكتفى بنية الآمر ، فان الذبح عبادة يعتبر فيه القربة؟

صريح عبارة المحقق في الشرائع (2)جواز الاكتفاء بنية الذابح ، لأنه المباشر للعمل


1) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17.

2) الشرائع 1 : 295.

.................................................................................................


فعليه نيّته ، فلا يجزي حينئذ نية المنوب عنه وحدها ، كذا علله في الجواهر (1)واحتاط بعضهم بالجمع بين نيّة الآمر والذابح.

والذي ينبغي أن يقال كما قد تقدم في بعض المباحث السابقة كمسألة إعطاء الزكاة وإرسالها بالواسطة إن باب الوكالة غير باب النيابة ، بيان ذلك : أن الفعل قد يصدر من المباشر والعامل ولكن ينسب إلى الآمر والسبب من دون دخل قصد قربة العامل فيه أصلاً كبناء المساجد وإيصال الزكاة بالواسطة ، فإن المعتبر فيه قصد قربة الآمر ومَن تعلق بماله الزكاة ، ولا أثر لنية العامل أو الواسطة نوى القربة أم لا ، فان الآمر يأمر ببناء المسجد قصد العامل القربة أم لا ، فيكون بناء المسجد منسوباً إلى الآمر والمعتبر حصول القربة منه. وكذا من وجب عليه الزكاة يجب عليه قصد القربة في الإعطاء ولكن قد يوصلها إلى الفقير بواسطة صبي غير مميز أو بواسطة مجنون أو بواسطة حيوان فإنّه لا أثر لنيّة الواسطة أبداً ، هذا في باب الوكالة.

وقد يصدر الفعل من نفس النائب ويكون العمل عمل النائب لا المنوب عنه ، ولكن يوجب سقوط ذمة المنوب عنه عن العمل بالدليل الشرعي ، كموارد النيابة الثابتة في الشريعة كالحج النيابي والصلاة والصوم ، فان العامل المباشر هو الذي يقصد القربة ويقصد الأمر المتوجه إلى نفسه. بل قد ذكرنا في بعض الأبحاث المتقدمة أن قصد التقرب بالأمر المتوجه إلى الغير أمر غير معقول ، فلا بدّ من فرض كون العامل بنفسه مأموراً ، فيقصد التقرب بالأمر المتوجه إلى نفسه وشخصه ، فقد يكون الأمر المتوجه إلى العامل النائب أمراً وجوبياً كالولد الأكبر بالنسبة إلى قضاء ما فات عن أبيه من الصلاة ، وقد يكون أمراً استحبابياً تبرعياً فيتقرب النائب بالأمر المتوجه إليه ، وبذلك يسقط ما في ذمّة المنوب عنه ، فالنية في أمثال ذلك معتبرة من نفس المباشر ، فإن الأثر يترتب على نيّة نفس المباشر ، فلو لم ينو يقع العمل باطلاً ولا يوجب فراغ ذمّة المنوب عنه ، وإنما تفرّغ ذمّته إذا قصد العامل القربة وقصد الأمر المتوجه إليه من


1) الجواهر 19 : 118.

.................................................................................................


الصلاة والطّواف وإن لم تتحقق نية من المنوب عنه ، ولذا ورد في المغمى عليه يطاف عنه ويرمي عنه (1)مع أن النية لا تتحقق ولا تصدر منه.

وبالجملة موارد اعتبار نية العامل هو ما إذا ثبتت مشروعية النيابة وتوجه الأمر إلى النائب ، فحينئذ يجب على النائب أن يقصد الأمر المتوجه إليه كموارد الصلاة والصيام والحج والطّواف والرمي حيث ورد في الشريعة الأمر بالنيابة في هذه الموارد.

وأمّا الموارد التي لا أمر فيها إلى النيابة ولم تشرع النيابة فلا معنى لنيّة العامل ، ومنها الزكاة فإن المأمور بإعطاء الزكاة نفس المالك ولكن الواجب عليه الإعطاء الأعم من المباشرة والتسبيب ، فحينئذ لا معنى لنيّة العامل أي الواسطة في الإيصال ، لأن المأمور بالزكاة نفس المالك ولا أمر للعامل أصلاً.

وكذلك الذبح في المقام ، فان الذابح المباشر لا أمر له ولم يرد في النصوص أنه يذبح عنه ونحو ذلك فالنيابة غير مشروعة فيه. والظاهر أن القائل باعتبار نية الذابح اشتبه عليه الأمر بين المقامين وظن أن الذبح كالرمي مع أن الفرق واضح ، فان الآمر في باب الذبح يجب عليه قصد القربة ولا موجب لنيّة الذابح.

وصفوة القول : أنه لم يرد في باب الذبح الأمر النيابي ، وإنما الذابح حاله حال العامل في بناء المساجد من توجه الأمر العبادي إلى شخص الآمر لا العامل.

ويترتب على ما ذكرنا بحث آخر وهو أنه لو كان العامل المأمور بالذبح غافلاً عن غرض الذبح وأنه كفارة أو هدي أو شي‌ء آخر فلا يعتبر علمه في وقوعه هدياً ، ولا يضر جهله في صحته والاجتزاء به هدياً ، بخلاف ما لو قلنا باعتبار نيّة الذابح فلا بدّ من التفاته وقصده ، لأن الذبح هنا عبادة لا يقع إلّا عن قصد.

وكذا لو قلنا باعتبار نيّة الذابح وأنه كالنائب فلا بدّ من اعتبار شرائط النائب فيه التي منها أن يكون مؤمناً وإلّا لكان الذبح باطلاً ، كما هو الحال في نيابة الصلاة والطّواف وغير ذلك مما تجوز فيه النيابة ، فإن المعتبر في النائب أن يكون مؤمناً فلا يصح ذبح


1) راجع الوسائل 14 : 76 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 17 ح 5 ، 9 ، 11.

مصرف الهَدْي

الأحوط أن يعطي ثلث الهدي إلى الفقير المؤمن صدقة ، ويعطي ثلثه إلى المؤمنين هديّة ، وأن يأكل من الثلث الباقي له (1).


المخالف ، بخلاف ما لو قلنا بأن الذابح ليس له الأمر النيابي وأن العبادة من الآمر لا المأمور وإنما هو مجرّد عامل ووسيط فلا موجب لاعتبار شرائط النائب فيه ، فيجوز ذبح المخالف أي يقع الذبح الصادر منه بأمر الحاج عبادة ، نظير بناء المساجد الصادر من العامل ، نعم لا ريب في اعتبار كون الذابح مسلماً وإلّا لم تحل ذبيحته.

(1) يقع البحث في موارد :

الأول : هل يجب الأكل من ثلث الهدي ولو قليلاً كما عن جماعة واختاره المحقق في الشرائع (1)أم يستحب كما عن جماعة آخرين ، بل نسب ذلك إلى ظاهر الأصحاب منهم الشيخ صاحب الجواهر (2)؟

والصحيح ما اختاره المحقق للأمر به في الكتاب والسنّة كقوله تعالى ( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (3)وقال تعالى أيضاً ( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (4).

وأمّا السنة فقد أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بالأكل ، ففي صحيحة معاوية بن عمار الطويلة الحاكية لحج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وكيفيته «وأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أن يؤخذ من كل بدنة منها حذوة (جذوة) من لحم ثم تطرح في مرقه (برمة) ثم تطبخ ، فأكل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) منها وعلي (عليه السلام) وحسيا من مرقها» (5)وفي صحيحة الحلبي «ثم أخذ من كل بدنة بضعة


1) الشرائع 1 : 298.

2) الجواهر 19 : 161.

3) الحج 22 : 28.

4) الحج 22 : 36.

5) الوسائل 11 : 217 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

.................................................................................................


فجعلها في قدر واحد ثم أمر به فطبخ ، فأكل منه وحسيا من المرق» (1)وكذلك أُمر بالأكل في روايات كثيرة نتعرض إليها أثناء البحث.

ولا ريب أن ظاهر هذه الأوامر هو الوجوب ولا وجه لرفع اليد عنه ، فحمل الأمر الواقع في الكتاب والسنة على الجواز بالمعنى الأعم أي الاستحباب كما صنعه في الجواهر بدعوى أن الأمر صدر في مقام توهم الحظر ، خصوصاً بعد أن كان المحكي عن الجاهلية تحريم ذلك على أنفسهم كما حكاه الزمخشري في الكشاف عنهم (2)فيكون الأمر بالأكل حينئذ ظاهراً في مطلق الإباحة ورفع الحظر ، مما لا وجه له ، إذ يرد عليه :

أوّلاً : أنه لم يثبت ما حكاه الزمخشري عن أهل الجاهلية.

وثانياً : أن الدين الإسلامي كان ناسخاً لأحكام الجاهلية ، ومجرّد الحرمة عند أهل الجاهلية لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب ، ولا يوجب وقوع الأمر في مقام توهّم الحظر حتى لا يكون الأمر ظاهراً في الوجوب.

وحيث إن المشهور على الخلاف لذا قلنا بالاحتياط.

الثاني : هل يجب تثليث الهدي ، بأن يعطي مقداراً منه صدقة ومقداراً منه هدية ويأكل الناسك مقداراً منه ، أم يقسم قسمان الصدقة والأكل منه ولا يجب الإهداء؟

ذهب جماعة إلى التقسيم بأقسام ثلاثة : الصدقة والإهداء والأكل منه ، وخالفهم ابن إدريس واكتفى بالصدقة والأكل منه ولم يذكر الإهداء بل خصه بالأُضحية (3).

والصحيح وجوب صرفه في جهات ثلاث ، ويمكن الاستدلال لذلك بنفس الآية الشريفة ، فإن التصدق دل عليه قوله تعالى ( وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (4)وأمّا


1) الوسائل 11 : 222 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 14.

2) الكشاف 3 : 11.

3) السرائر 1 : 598.

4) الحج 22 : 28.

.................................................................................................


الإهداء فيدل عليه قوله تعالى ( وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) (1). بناء على أن القانع والمعتر لم يعتبر فيهما الفقر كما عن أهل اللغة (2)فإنهم فسروا القانع بالذي يرضى ويقتنع إذا اعطي ، والمعتر بالمتوقع الذي يعتري ويتعرّض ولا يسأل وهو أغنى من القانع كالأهل والجوار الذين يتوقعون من شخص وإن لم يكونوا فقراء ولم يأخذوا فيهما الفقر ، وظاهر تفسيرهم عدم اعتبار الفقر فيهما ، فهما في قبال الفقير ويصدقان على الغني أيضاً. ويؤكده جعل المساكين في قبالهما في بعض الروايات المعتبرة كصحيحة سيف الآتية ، فنفس الآية الكريمة متكفلة للتقسيم الثلاثي بين الصدقة والإهداء والأكل.

نعم ، لو قلنا بمقالة المشهور وأن القانع والمعتر قسمان من الفقير لا قسيمان له ، فلا دلالة في الآية على وجوب الإهداء ، فيثبت كلام ابن إدريس وغيره من الاكتفاء بالتصدق والأكل ، ولكن الظاهر هو القول المشهور إذ لم يثبت أخذ عنوان الفقر في القانع والمعتر.

الثالث : بعد الفراغ من لزوم التقسيم الثلاثي فهل يجب التثليث بالنسبة المتساوية بأن يتصدّق بالثلث ويهدي ثلثاً كاملاً ويأكل من الثلث الباقي ، أم اللّازم مجرّد التقسيم الثلاثي ولو بالتفاوت وبزيادة بعض الحصص على حصة أُخرى؟

ظاهر المشهور هو التقسيم الثلاثي بالنسبة المتساوية كما في الشرائع (3)واختاره صاحب الجواهر (4). وربما يقال بأن ذلك لا يستفاد من الآية ، فإن المستفاد منها هو التقسيم إلى جهات ثلاث ، وأمّا كون الحصص متساوية فلا تدلّ عليه الآية ، فالتفاوت بينها جائز.

ولكن المحكي عن جماعة ومنهم الأردبيلي (قدس سره) (5)أنه يلزم التساوي في الحصص فيعطى لكل طائفة ثلث منه ، إلّا أنه لم يرد فيه رواية مصرحة بذلك في هدي


1) الحج 22 : 36.

2) القاموس المحيط 3 : 76 ، 2 : 87.

3) الشرائع 1 : 298.

4) الجواهر 19 : 157.

5) مجمع الفائدة والبرهان 7 : 286 ،

.................................................................................................


التمتّع الذي هو محل الكلام.

نعم ، ورد في صحيحة شعيب العقرقوفي قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال : بمكة ، قلت : أيّ شي‌ء أُعطي منها؟ قال : كل ثلثاً ، وتصدق بثلث» (1).

وفي صحيحة سيف التمار قال : «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إن سعيد بن عبد الملك قدم حاجّاً فلقي أبي فقال : إني سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال له أبي : أطعم أهلك ثلثاً وأطعم القانع والمعتر ثلثاً ، وأطعم المساكين ثلثاً ، فقلت : المساكين هم السؤّال؟ فقال : نعم ، وقال : القانع الذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها ، والمعتر ينبغي له أكثر من ذلك وهو أغنى من القانع يعتريك فلا يسألك» (2).

فان مورد الأول وإن كان العمرة التي تساق فيها البدنة ولو ندباً ، ومورد الثاني هو حج القران ومحل كلامنا هو حج التمتّع ، إلّا أن التقسيم المذكور في الروايتين إشارة إلى ما في القرآن المجيد ، ويظهر من ذلك بوضوح أن المراد من القرآن هو التقسيم بنسبة متساوية بلا تفاوت بين الحصص ، لأن ما في القرآن مطلق من حيث حج التمتّع أو القرآن أو العمرة ، فإن المتفاهم منه جريان هذا الحكم في كل ما يعتبر فيه الهدي.

ثم إنّ الأمر بالأكل من الثلث أعم من أن يأكل منه بنفسه ويأكل معه غيره ، لعدم إمكان أكل الثلث بتمامه لشخص واحد غالباً ، وقد صرّح في صحيح سيف التمار المتقدم «وأطعم أهلك ثلثاً».

الرابع : اعتبر المشهور الايمان في الفقير والمهدى إليه ، وذكروا أنه لا دليل عليه سوى الإجماع ، فإن تم فهو وإلّا فيشكل الحكم بلزوم ذلك.

ولكن يمكن الاستدلال على اعتبار ذلك في المقام بالروايات الواردة في باب الزكاة المانعة عن إعطائها إلى غير المؤمن ، ولا يخفى أن التعدي من مورد الزكاة إلى باب


1) الوسائل 14 : 165 / أبواب الذبح ب 40 ح 18.

2) الوسائل 14 : 160 / أبواب الذبح ب 40 ح 3.

.................................................................................................


الهدي ليس من باب القياس حتى يقال بأنه لا عبرة به في الفقه أصلاً ، بل التعدي لأجل ما يستفاد من تلك الروايات أن غير المؤمن لا يستحق الإحسان إليه وأنه لا قابلية له لذلك لا لخصوصية في الزكاة ، فإنه ورد في بعض الروايات المعتبرة أنه ليس له إلّا الحجر أو إلّا التراب (1). ويكشف ذلك عن عدم قابليته للإحسان إليه ، فلا فرق بين إعطاء الزكاة أو إعطاء غيرها من الصدقات والمبرّات.

هذا مضافاً إلى صحيح علي بن بلال قال : «كتبت إليه أسأله هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب : لا تعط الصدقة والزكاة إلّا لأصحابك» (2)فإنه دل على عدم إعطاء الصدقة لغير المؤمن ، والصدقة عنوان عام يشمل الصدقة في باب الهدي خصوصاً من ذكرها في قبال الزكاة ، والمستفاد منه منع إعطاء الصدقات إلى المخالف ، خرجنا عن ذلك في خصوص الصدقات المندوبة للنص ، وأمّا مطلق الصدقات الواجبة ومنها صدقة الهدي مشمول للمنع المذكور في النص ، ويكفينا ذلك في المنع بعد عدم الدليل على الجواز.

وأمّا ما ورد من إعطاء علي بن الحسين والباقر (عليهم السلام) ثلث الأضاحي صدقة على جيرانهم (3)مع أنه لا يخلو جيرانهم من المخالفين ، فليس من الهدي وإنما هو من الأُضحية المستحبة كما هو واضح جدّاً ، فلا ينبغي الريب في الحكم المذكور.

الخامس : لو لم يعمل الناسك بوظيفته ولم يقسّم الهدي ولم يعط ثلث الهدية ولا ثلث الصدقة فهل يضمن أم لا؟

لا ريب في أنه لا ضمان بالنسبة إلى الإخلال بالأكل لعدم تعلق حق الغير به ، وإنما ترك واجباً تكليفياً لا يترتب عليه الضمان ، وأمّا بالنسبة إلى الثلثين لو أخل بهما كما لو باع الثلث أو أكله أو أتلفه بسبب من الأسباب ، والجامع أنه صرفه في غير مورده فهل يضمن أم لا؟


1) الوسائل 9 : 222 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 6 ، 7.

2) الوسائل 9 : 222 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 4.

3) الوسائل 14 : 163 / أبواب الذبح ب 40 ح 13.

.................................................................................................


فنقول : لو تصرف نصف الثلث بأن أهداه للغني وأهدى البقيّة للفقير فلا ضمان عليه أصلاً ، لصدق الإهداء على ما أعطاه للفقير ، لعدم أخذ الغنى في الهدية ، فإن الهدية إعطاء شي‌ء مجاناً سواء كان المهدى له غنياً أو فقيراً ، فحينئذ قد عمل بوظيفته من إعطاء الثلث هدية وإعطاء الثلث الآخر صدقة.

نعم ، لو عكس الأمر وأعطى جميع الثلثين للغنى ، أو أعطى بعض الثلث للفقير والبقيّة للغني ، فعلى مسلك من لا يرى التثليث بالتساوي فقد عمل بوظيفته أيضاً وعلى مسلك من يرى التثليث بنسبة متساوية كما هو المختار يكون ضامناً لحصة الفقراء.

وأمّا لو باعه أو أتلفه باختياره ولو بإعطائه لغير أهله ضمن الثلثين ، وعللوا الضمان بأن الفقير له حق في المال ، فالمال مما تعلق به حق الغير فإتلاف المال إتلاف لحق الغير وذلك يوجب الضمان. وناقش فيه بعضهم بأن في المقام ليس إلّا حكماً تكليفياً وهو الذبح وإعطاؤه للغير ، ولو تركه فقد ترك حكماً تكليفياً وذلك غير موجب للضمان.

ولكن الظاهر أن الضمان لا يتوقف على ثبوت حق للفقير أو الصديق في المال ، بل سبب الضمان قاعدة على اليد ، فإنها وإن لم تثبت بدليل لفظي ولكن السيرة قائمة على الضمان في الإتلاف الاختياري واليد العادية ، فإذا كان التلف بتفريط ممن وضع يده على مال أحد يضمن له بالسيرة العقلائية ، ولا يتوقف الضمان على أن يكون المال ملكاً لأحد أو متعلقاً لحق الغير ، بل كل مال له مصرف خاص وفرّط الشخص ولم يصرفه في المصرف الخاص يكون ضامناً له ، ومن ذلك الأموال التي تصرف في المواكب الحسينية ، فلو أعطى أحد مقداراً من المال للصرف في المواكب فقد خرج المال عن ملكه ولا يدخل في ملك الغير ، فلا بدّ من صرفه في سبيل الحسين (عليه السلام) فلو أتلف الآخذ المال ولم يصرفه في سبيل الحسين (عليه السلام) فهل يحتمل أنه لا ضمان عليه ، لأن المال لم يكن ملك أحد وخرج من ملك مالكه ، فإن السيرة قاضية بالضمان قطعاً في أمثال هذه الموارد ، بل صريح أخبار الزكاة الضمان لو فرّط في المال الزكوي مع أن الزكاة ليست ملكاً لأحد ، وما ذكر في الآية الشريفة من الأصناف إنما هو لبيان مصرف الزكاة ، لا أنها ملك الفقراء أو المساكين ، نعم لو أخذها الفقير يملك.

ولا يجب إعطاء ثلث الهدي إلى الفقير نفسه ، بل يجوز الإعطاء إلى وكيله وإن كان الوكيل هو نفس من عليه الهدي ويتصرف الوكيل فيه حسب إجازة موكله من الهبة أو البيع أو الاعراض أو غير ذلك (1) ويجوز إخراج لحم الهدي والأضاحي من منى (2).

مسألة 400 : لا يعتبر الإفراز في ثلث الصدقة ولا في ثلث الهدية ، فلو تصدق بثلثه المشاع وأهدى ثلثه المشاع وأكل منه شيئاً أجزأه ذلك (3).


وبالجملة : الضمان ثابت في كل مال له مصرف خاص ولم يصرفه فيه اختياراً ، وإن لم يكن المال ملكاً لأحد.

هذا كله لو أتلفه اختياراً ، ولكن لو تلف الهدي قهراً بسرقة أو بأخذ متغلب قهراً وظلماً أو بتلف سماوي ونحو ذلك مما لا يكون فيه تفريط فلا ضمان عليه ، لأن يده لم تكن يد ضمان ولا عادية.

(1) فإن المعتبر أن يعطي الثلث للفقير المؤمن ويملّكه إياه ، والمفروض أنه قد تحقق ذلك ولو إلى وكيله ، إذ لا يلزم إعطاء المال إلى الفقير مباشرة ، فإذا صار ثلث الهدي ملكاً له فله أن يتصرف فيه كيف ما شاء ، وليس عليه أن يصرفه في جهة خاصة ، بل حاله حال سائر ممتلكاته ، وله أن يملكه لغير المؤمن من المخالف والكافر وغير ذلك من أنحاء التصرّفات.

(2) ورد المنع عن إخراج لحوم الأضاحي من منى ، وورد في روايات أُخر أن المنع ليس لأجل خروج اللحم في نفسه وإنما لأجل حاجة الناس إليه (1)وأمّا في الزمان الذي كثر اللحم ولا حاجة للناس فيه فلا مانع من إخراجه كزمان صدور هذه الروايات ، وأولى منه زماننا هذا لكثرة اللحم وعدم حاجة الناس إليه.

(3) لإطلاق الأدلة ، فإن الإيصال والإعطاء إلى الفقير يصدق بالإشاعة أيضاً ولا


1) الوسائل 14 : 171 / أبواب الذبح ب 42.

مسألة 401 : يجوز لقابض الصدقة أو الهدية أن يتصرف فيما قبضه كيف ما شاء. فلا بأس بتمليكه غير المسلم (1).

مسألة 402 : إذا ذبح الهدي فسرق أو أخذه متغلب عليه قهراً قبل التصدق والإهداء فلا ضمان على صاحب الهدي ، نعم لو أتلفه هو باختياره ولو بإعطائه لغير أهله ضمن الثلثين على الأحوط (2).

3 - الحلق والتقصير

وهو الواجب السادس من واجبات الحج (3) ويعتبر فيه قصد القربة (4) وإيقاعه في النهار على الأحوط (5) من دون فرق بين العالم والجاهل.


يعتبر فيه الافراز.

(1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة قبيل ذلك فلا نعيد.

(2) قد تقدّم حكم هذه المسألة في أوّل البحث عن مصرف الهدي (1)فراجع.

(3) لا ريب في أصل وجوبه وهو المعروف بين الأصحاب ، بل في المنتهي أنه ذهب إليه علماؤنا أجمع (2)إلّا في قول شاذ للشيخ في التبيان (3).

وقد دلّت عليه الآية الكريمة (4)والنصوص المتضافرة (5).

(4) لكونه من العبادات ، لأنه جزء الحج والحج من العبادات.

(5) أي نهار العيد ، يقع الكلام تارة في تقديمه على نهار العيد بأن يحلق أو يقصر ليلة العيد لمن يجوز له الرمي في الليل ، والظاهر أن عدم جوازه مما قطع به الأصحاب


1) في ص 313.

2) المنتهي 2 : 762 السطر 32.

3) التبيان 2 : 154.

4) الفتح 48 : 27.

5) الوسائل 14 : 211 / أبواب الحلق ب 1.

.................................................................................................


للسيرة القطعية ولتأخره عن الذبح ، ومن المعلوم أن الذبح يجب إيقاعه في نهار العيد ، ولصحيح سعيد الأعرج قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : معنا نساء ، قال : أفض بهن بليل ، ولا تفض بهن حتى تقف بهنّ بجمع ، ثم أفض بهنّ حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة ، فان لم يكن عليهنّ ذبح فليأخذن من شعورهنّ ويقصرن من أظفارهنّ» الحديث (1)فإنه بمفهومه يدل على أن من كان عليه الذبح لا يقصر حتى يذبح.

مضافاً إلى أنه يمكن استفادة ذلك من الروايات الآمرة بالبدأة بالرمي وهو في النهار ويستلزم ذلك وقوع الذبح والحلق في النهار أيضاً لترتبهما عليه.

وبالجملة : لا ينبغي الريب في عدم جواز إيقاعه في ليلة العيد حتى ممن جاز له الرمي ليلة العيد.

وأُخرى يقع الكلام في تأخير الحلق أو التقصير عن نهار العيد إلى الليل أو آخر أيام التشريق.

والمعروف والمشهور لزوم إيقاعه في نهار العيد وعدم جواز تأخيره عنه عمداً واختياراً ، وعن أبي الصلاح جواز تأخيره إلى آخر أيام التشريق ولكن لا يزور البيت قبله (2).

وربما يستدل للمشهور بالتأسي بفعله (صلّى اللّه عليه وآله).

وفيه : أن فعله لا يدل على الوجوب ، وليس قوله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) «خذوا عنِّي مناسككم» دالّا على أن كل ما فعله في الحج واجب لا يجوز تركه.

وبالسيرة ، إذ لو كان تأخيره عمداً جائزاً لوقع ولو مرة واحدة ولنقل إلينا.

وبصحيحة محمد بن حمران قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحاج غير المتمتع يوم النحر ما يحل له؟ قال : كل شي‌ء إلّا النساء. وعن المتمتع ما يحل له يوم


1) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1.

2) الكافي لأبي الصلاح : 201.

والأحوط تأخيره عن الذبح والرمي (1).


النحر؟ قال : كل شي‌ء إلّا النساء والطيب» (1)فان قوله (عليه السلام) «يحل له يوم النحر كل شي‌ء» يدل على وقوع الحلق يوم النحر ، إذ الحاج لا يتحلل يوم العيد بدون الإتيان بأعمال منى ، وإنما يتحلل الناسك بالأعمال الصادرة في منى ، فكان من المفروغ عنه وقوع الحلق في يوم العيد ، ولذا ذكر بأنه تحل له الأشياء يوم النحر.

والحاصل : لو تم ما ذكر من الاستدلال فهو ، وإلّا فلا ريب في أن إيقاع الحلق في نهار العيد وعدم تأخيره عنه أحوط كما صرحنا بذلك في المتن ، فالتعبير بالأحوط في قبال من قال بجواز التأخير عمداً إلى آخر أيام التشريق.

هذا كله في حال العمد والاختيار ، وأمّا لو نسي الحلق نهار العيد أو لم يتمكن منه في النهار لعدم التمكن منه في نفسه ، أو لأجل إيقاع الرمي أو الذبح في أواخر النهار فلم يتمكن من الحلق في نهار العيد ، فيجوز له الحلق حينئذ متى شاء ، سواء في الليلة الحادي عشرة أو في نهار غده ، ولكن لا ريب أن التأخير إلى النهار والإتيان فيه أحوط.

(1) وهل يجب تأخير الحلق عن الذبح أم يجوز التقديم عليه؟

نسب إلى جماعة جواز التقديم ، والصحيح ما ذهب إليه المشهور من لزوم تأخيره عن الذبح ، ويدلُّ عليه أوّلاً السيرة. مضافاً إلى ما في صحيح سعيد الأعرج «فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن» (2)فإنه كالصريح في لزوم التأخير فإن المتفاهم منه أنه لو كان عليهنّ ذبح لا يجوز لهنّ التقصير إلّا بعد الذبح.

ويدلُّ على ذلك أيضاً صحيح جميل الوارد في الناسي «عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال : لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً ، ثم قال : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه


1) الوسائل 14 : 236 / أبواب الحلق ب 14 ح 1.

2) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1.

.................................................................................................


وآله وسلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم : يا رسول اللّه إني حلقت قبل أن أذبح وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلّا قدّموه فقال : لا حرج» (1).

فان ظاهر كلمة «ينبغي» وإن كان هو الاستحباب ولكن في المقام بقرينة صدر الرواية «لا ينبغي أن يزور البيت قبل أن يحلق عامداً إلّا أن يكون ناسياً» يراد بها العمل بالوظيفة ، فالمعنى كانت وظيفتهم التأخير فقدّموه ، ومن ذكر الحلق قبل الذبح يعلم أن المرتكز عند المسلمين كان تقديم الذبح وتأخير الحلق ، وأن وظيفتهم الأوّلية كانت ذلك ولكن قدّمه نسياناً ، والمراد بالنسيان ما هو الأعم منه ومن الجهل.

ثم إن هنا رواية ذكرها الشيخ في الاستبصار بإسناده عن موسى بن القاسم عن علي (عليه السلام) قال : «لا يحلق رأسه ولا يزور حتى يضحي فيحلق رأسه ويزور متى شاء» (2).

وطريق الشيخ إلى موسى بن القاسم صحيح ، ومِن ذكر (عليه السلام) يعلم أن المروي عنه أحد الأئمة (عليهم السلام) فتكون الرواية معتبرة والدلالة واضحة.

ولكن ليس لموسى بن القاسم رواية عن أحد المعصومين بلا فصل يسمّى بعلي وإنما روى عن علي بن جعفر وغيره ممن يسمى بعلي ، والظاهر أن المراد بعلي في هذه الرواية هو علي بن جعفر ، وعن العلّامة التصريح بعلي بن جعفر (3)فتكون الرواية مقطوعة غير مسندة إلى الإمام ، وذكر كلمة (عليه السلام) كما في الاستبصار من غلط النسّاخ ، ولذا لم تثبت هذه الجملة في الوسائل ولا في الوافي (4)ولا في التهذيب (5).


1) الوسائل 14 : 155 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 39 ح 4.

2) الوسائل 14 : 158 / أبواب الذبح ب 39 ح 9 ، الاستبصار 2 : 284 / 1006.

3) لاحظ المنتهي 2 : 754 السطر 35.

4) الوافي 14 : 1240 / 14179.

5) التهذيب 5 : 236 / 795.

.................................................................................................


فتحصل : أن اللّازم إيقاع الحلق في نهار العيد وتأخيره عن الذبح والرمي.

ولكن وردت في المقام روايات دلت على جواز الحلق إذا اشترى الهدي وربطه وإن لم يذبحه ، وله أن يذبحه بعد الحلق ، وفي سند جملة من هذه الروايات علي بن أبي حمزة البطائني فهي ضعيفة. نعم في رواية واحدة لم يذكر في سندها علي بن أبي حمزة وإنما رواها المشايخ الثلاثة عن وهب بن حفص كما في الوسائل أو وهيب بن حفص كما في التهذيب والاستبصار (1)والرواية معتبرة إن كان المذكور وهيب بلا كلام ، لأنه ممن وثقه النجاشي (2)وإن كان وهب فموثق أيضاً ، لأنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم «قال : إذا اشتريت أُضحيتك وقمّطتها في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محله ، فإن أحببت أن تحلق فاحلق» (3)وقد عمل الشيخ بهذه الروايات (4)ومالَ إليه في الحدائق (5).

أقول : لو لم يذكر التعليل في الرواية لأمكن العمل بها ، ولكن ذكر التعليل فيها بقوله : «فقد بلغ الهدي محله» مانع عن ذلك ، وذلك لأن بلوغ الهدي محله خاص لمن كان محصوراً ، فإنه يجب عليه الصبر حتى يبلغ الهدي ويصل محله أي أرض منى ، فلا يشمل المتمتع الذي وصل إلى منى واشترى الهدي ، فإن المراد بقوله : «محله» هو أرض منى ، فإنه إذا وصل الهدي إلى منى يجوز له الحلق ، ولذا ورد في بعض الروايات أن يجعل بينه وبين المحصور موعداً حتى يحلق عند الموعد المقرّر (6). والحاصل لو كان المراد ببلوغ الهدي محله هو بلوغه منى ذبح أو لا ، كان للاستدلال بالرواية وجه ، ولو أُريد به العمل بالوظيفة والذبح في منى فتكون الرواية أجنبية عن المقام بالمرة ، وشدّ الهدي وربطه لا أثر له في الحكم.


1) الكافي 4 : 502 / 4 ، الفقيه 2 : 300 / 1494 لكن الراوي فيهما علي بن أبي حمزة. التهذيب 5 : 235 / 794، الاستبصار 2 : 284 / 1007.

2) رجال النجاشي : 431 / 1159.

3) الوسائل 14 : 157 / أبواب الذبح ب 39 ح 7.

4) التهذيب 5 : 235 ، الخلاف 2 : 345 المسألة 168.

5) الحدائق 17 : 237.

6) الوسائل 13 : 181 / أبواب الإحصار والصد ب 2.

ولكن لو قدّمه عليهما أو على الذبح نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أجزأه ولم يحتج إلى الإعادة (1).


وكيف ما كان فلا ريب في أن تأخير الحلق عن الذبح أحوط لو لم يكن أقوى.

(1) قد ظهر مما تقدم أن ترتيب هذه المناسك واجب في يوم النحر ، الرمي أوّلاً ثم الذبح ثم الحلق.

ويقع الكلام فعلاً فيما لو خالف وقدّم أو أخّر بعضها على بعض ، يقع البحث تارة في الناسي ، وأُخرى في الجاهل ، وثالثة في العالم العامد.

أمّا الناسي : فلا ريب ولا خلاف في الإجزاء وأن الترتيب المعتبر إنما هو شرط ذُكري معتبر في فرض العلم.

ويدلُّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار «في رجل نسي أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم ذبح ، قال : لا بأس قد أجزأ عنه» (1)فان الظاهر منه أنه أتى بمناسك يوم النحر من الرمي والحلق ولذا ذهب إلى مكة وزار البيت وطاف به ، وإنما نسي الذبح فقط فأمر (عليه السلام) بأنه لا بأس بذلك ويجزئه ذلك ، وإنما عليه الذبح خاصة وليس عليه إعادة التقصير.

وصحيحة جميل الواردة في النسيان «عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق ، قال : لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً ، ثم قال : إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم : يا رسول اللّه إني حلقت قبل أن أذبح ، وقال بعضهم : حلقت قبل أن أرمي ، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلّا قدّموه ، فقال : لا حرج» (2).

ونحوها صحيحة محمد بن حمران (3)ولكن فيها «وقال بعضهم : ذبحت قبل أن أحلق»


1) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 5.

2) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 6.

3) الوسائل 14 : 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 2.

.................................................................................................


كما في الوسائل أو «ذبحت قبل أن يحلقوا» كما في التهذيب القديم وإلّا في التهذيب الجديد كما في الوسائل (1).

ولا ريب أن ذكر هذا من غلط النسّاخ واشتباههم ، لأن وقوع الذبح قبل الحلق صحيح وواقع في محله فلا حاجة إلى السؤال وأنه لا حرج في ذلك ، والثابت في الرواية إنما هو حلقت قبل أن أذبح.

وأمّا الجاهل : فحكمه كالناسي ، فإنه وإن لم يصرح به في النصوص ولكن المراد بالنسيان المذكور في النصوص هو الأعم منه ومن الجهل المصطلح ، لأن فرض النسيان في أُناس وطوائف من المسلمين قد لا يتحقق ولا يتفق في الخارج ، فان النسيان قليل الاتفاق ، بخلاف الجهل فإنه كثيراً ما هو واقع في الخارج ، فإن عامة الناس لا يعلمون الأحكام الشرعية ، فارادة المعنى المصطلح من النسيان بعيدة جدّاً بل المراد به الأعم منه ومن الجهل فإنه الفرد الغالب.

وأمّا العالم المتعمد : فالمعروف بينهم الإجزاء أيضاً ، بل ادعي عليه الإجماع ، وذكروا أن وجوب الترتيب واجب تكليفي محض غير دخيل في صحة الحج وفساده فلو قدّم أو أخّر بعضاً على بعض عالماً عامداً لا إعادة عليه ، وأجزأه ، وإنما يكون عاصياً فيكون الوجوب المزبور وجوباً مستقلا تعبدياً لا شرطياً.

وناقش في ذلك السيد في المدارك بأنه كيف يمكن القول بالصحة والإجزاء ، مع أن ظاهر الروايات كون الوجوب وجوباً شرطياً (2)وتبعه صاحب الحدائق (3).

واستدل للمشهور بروايات منها : خبر البزنطي الوارد في أن طوائفاً من المسلمين أتوا النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقد قدّموا وأخّروا مناسك يوم النحر ، فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : لا حرج ولا حرج (4)ولم يذكر فيه النسيان ، ومقتضى


1) التهذيب 5 : 240 / 810.

2) المدارك 8 : 101.

3) الحدائق 17 : 246.

4) الوسائل 14 : 156 / أبواب الذبح ب 39 ح 6.

.................................................................................................


إطلاقه هو الحكم بالإجزاء حتى في صورة العمد. وقد حمله الشيخ على النسيان بقرينة صحيحة جميل المتقدمة الواردة في مورد النسيان (1)وما صنعه الشيخ هو الصحيح ، لأن فرض التعمد بترك الوظيفة في طوائف من المسلمين بعيد جدّاً ، والقول بإطلاقه بعيد جدّاً أيضاً ، لأن ظاهر صحيح جميل أن النسيان له دخل في الحكم بالإجزاء. هذا مضافاً إلى أن الخبر ضعيف بسهل بن زياد.

واستدلّوا أيضاً بصحيح ابن سنان «عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي ، قال : لا بأس وليس عليه شي‌ء ولا يعودنّ» (2).

ولكنه غير ظاهر في العالم المتعمد ، إذ كيف لم يكن عليه شي‌ء مع أنه آثم وعصى ولا أقل أن عليه التوبة ، فالظاهر أن مورده الناسي أو الجاهل فإنه ممن ليس عليه شي‌ء ، بل لعل قوله : «ولا يعودن» ظاهر في أنه لا يجوز له اختيار خلاف الترتيب والإخلال به عمداً وإنما الجاهل يجوز له ذلك.

مضافاً إلى أنه لو تنزلنا عن ذلك فدلالته بالإطلاق ونرفع اليد عنه بالروايات الدالة على لزوم الترتيب كصحيحة سعيد الأعرج الدالة على الترتيب في حال العلم والعمد «فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهنّ ويقصّرن من أظفارهنّ» (3)فإنه صريح في أن من كان عليه الذبح يؤخر التقصير عنه.

وبعبارة أوضح لو كنّا نحن وتلك الروايات الدالة على الترتيب كصحيحة سعيد الأعرج لكان مقتضاها لزوم الترتيب مطلقاً حتى في صورة الجهل ، لكن خرجنا عن إطلاقها في صورة الجهل ، فتختص أدلّة الترتيب بالعالم العامد ، فتنقلب النسبة بينها وبين صحيحة ابن سنان إلى العموم والخصوص المطلق فنقيد إطلاق الصحيح بأدلّة الترتيب.

ومن هذا البيان يظهر الجواب عن موثقة عمار الساباطي «عن رجل حلق قبل أن


1) التهذيب 5 : 236.

2) الوسائل 14 : 158 / أبواب الذبح ب 39 ح 10.

3) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1.

مسألة 403 : لا يجوز الحلق للنساء بل يتعين عليهن التقصير (1).


يذبح ، قال : يذبح ويعيد الموسى» الحديث (1).

وأمّا السند فالمذكور في هذا الباب في الوسائل عمر بن سعيد عن مصدق بن صدقة ولكن الصحيح هو عمرو بالواو لا عمر بقرينة كثرة روايات عمرو عن مصدق بن صدقة لعلّها تبلغ حوالي ثلاثمائة رواية ، وفي التهذيب رواها عن عمرو (2)بل في الوسائل رواها في موردين آخرين عن عمرو (3)فالغلط من النسّاخ لا من الوسائل.

وأمّا الدلالة فيجري فيها ما يجري في دلالة صحيحة ابن سنان ، من أن دلالتها بالإطلاق ، فيقيد بما دل على الترتيب في العالم المتعمد. وكيف كان إن تم إجماع في المقام فهو وإلّا فلا بد من القول بالوجوب الشرطي.

(1) لا ريب في أنه ليس على النساء حلق لا تعييناً ولا تخييراً ، بل المتعين عليها التقصير مطلقاً ، سواء كانت صرورة أم لا لبّدت شعرها أم لا ، بل لو حلقت عليها كفارة إزالة الشعر.

ويدلُّ على ذلك أوّلاً : السيرة القطعية ولم يعهد الحلق لهنّ أبداً.

وثانياً : النصوص منها : صحيح سعيد الأعرج المتقدم (4)«فان لم يكن عليهنّ ذبح فليأخذن من شعورهنّ ويقصرن من أظفارهنّ» فإن ظاهر الأمر بالتقصير هو التعيين وعدم إجزاء الحلق عن التقصير.

وذكر صاحب الوسائل رواية عن الشيخ بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «ليس على النساء حلق ويجزيهنّ التقصير» (5).


1) الوسائل 14 : 158 / أبواب الذبح ب 39 ح 8.

2) التهذيب 5 : 485 / 1730.

3) الوسائل 14 : 229 / أبواب الحلق ب 11 ح 2 ، وص 222 / ب 7 ح 4.

4) في الصفحة السابقة.

5) الوسائل 14 : 227 / أبواب الحلق ب 8 ح 3.

مسألة 404 : يتخير الرجل بين الحلق والتقصير والحلق أفضل ، ومن لبّد شعر رأسه بالصمغ أو العسل أو نحوهما لدفع القمّل ، أو عقص شعر رأسه وعقده بعد جمعه ولفه ، فالأحوط له اختيار الحلق بل وجوبه هو الأظهر. ومن كان صرورة فالأحوط له أيضاً اختيار الحلق وإن كان تخييره بين الحلق والتقصير لا يخلو من قوّة (1).


وكذا رواها صاحب الجواهر (1)وهكذا رواها في الحدائق عن الكافي (2)، والوافي لم يذكر هذه الرواية في أبواب الحلق ، وذكر المعلّق على الوسائل أن الرواية لم نجدها وما ذكره المعلّق هو الصحيح ، لعدم وجود هذه الرواية بهذا المتن في التهذيب والكافي.

نعم ، روى الشيخ رواية أُخرى بسند صحيح عن الحلبي قال : «ليس على النساء حلق وعليهن التقصير» الحديث (3).

وعلى كل حال فلا إشكال في عدم جواز الحلق لهنّ والمتعين في حقهن التقصير.

(1) قد عرفت حال النساء ، وأمّا الرجال فهو على ثلاثة أقسام : 1 الملبّد والمعقوص. 2 الصرورة. 3 غير القسمين.

أمّا القسم الثالث : فلا ريب ولا خلاف في تخييره بين الحلق والتقصير وإن كان الحلق له أفضل ، للروايات الحاكية عن أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) استغفر للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة» (4).

ويدلُّ على التخيير له مضافاً إلى تسالم الفقهاء وعدم خلافهم في ذلك إطلاق الآية المباركة ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) (5). وعدّة من النصوص منها : صحيحة معاوية بن عمار «وإن كان قد حج فان شاء قصر


1) الجواهر 19 : 236.

2) الحدائق 17 : 226.

3) الوسائل 11 : 297 / أبواب أقسام الحج ب 21 ح 3 ، التهذيب 5 : 390 / 1364.

4) الوسائل 14 : 223 / أبواب الحلق ب 7.

5) الفتح 48 : 27.

.................................................................................................


وإن شاء حلق» (1).

وفي صحيحة أُخرى له «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق» (2)وغيرهما من الروايات.

وأمّا القسم الأوّل : وهو الملبد والمعقوص شعره فالمشهور أنه مخير بينهما أيضاً واختاره المحقق في الشرائع (3).

ولكن لا مقتضي للقول بالجواز والتخيير بعد تظافر النصوص ، فإن الآية الكريمة وإن كانت مطلقة ولكن لا بد من رفع اليد عن إطلاقها للنصوص الدالة على لزوم الحلق وتعيينه عليه كالصحيحة المتقدمة ، ولا معارض لهذه الروايات ، فلا مناص إلّا من التقييد والأخذ بما في الروايات ، بل لم يرد التخيير له في رواية واحدة ، فلو قصّر قبل الحلق عليه كفارة إزالة الشعر.

وأمّا القسم الثاني : وهو الصرورة ففيه خلاف ، فالمشهور ذهبوا أيضاً إلى التخيير له ، ولكن يتأكد الاستحباب في حقه. وقال الشيخ في المبسوط (4)وابن حمزة في الوسيلة (5)أنه يتعين عليه الحلق كالملبّد والمعقوص.

ولا ريب أن إطلاق الآية الشريفة يقتضي التخيير ، والقول بلزوم الحلق يحتاج إلى دليل آخر ، فكلامنا يقع في مقامين.

الأوّل : في أن الروايات في نفسها هل تدل على وجوب الحلق أم لا.

الثاني : بعد الفراغ عن دلالة الروايات على الوجوب هل يتعين العمل بها أو تحمل على الاستحباب لقرينة اخرى ، وبعبارة اخرى : يقع الكلام تارة في وجود المقتضي


1) الوسائل 14 : 221 / أبواب الحلق ب 7 ح 1.

2) الوسائل 14 : 224 / أبواب الحلق ب 7 ح 8.

3) الشرائع 1 : 302.

4) المبسوط 1 : 376.

5) الوسيلة : 186.

.................................................................................................


للوجوب ، وأُخرى في وجود المانع.

أمّا المقام الأوّل : فقد استدل على الوجوب بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1)«قال : ينبغي للصرورة أن يحلق ، وإن كان قد حج فان شاء قصّر وإن شاء حلق» فان كلمة «ينبغي» في نفسها لا تدل على الوجوب ولكن مقابلتها لقوله : «وإن كان قد حج فان شاء قصّر وإن شاء حلق» تقتضي الوجوب ، وإلّا فلا معنى للمقابلة والتفصيل فيظهر من الجملة الثانية أن التخيير غير ثابت للصرورة وإلّا فلا معنى للتقابل ، وأمّا حمل وينبغي على الاستحباب فبعيد ، لأن غير الصرورة أيضاً يستحب له الحلق.

وهذا الوجه في نفسه جميل إلّا أن ذيل الصحيحة يوجب رفع اليد عن ظهور كلمة «ينبغي» في الوجوب ، لقوله في ذيل الصحيحة «فإذا لبد شعره أو عقصه فان عليه الحلق» فيعلم من ذلك أن غيره لا يجب عليه الحلق ولا يتعين عليه ، وإنما الذي يتعيّن عليه الحلق هو الملبّد خاصة ، وإلّا لو كان الحلق متعيناً على الصرورة أيضاً فلا معنى لهذا التقسيم والتفصيل المذكور في الرواية ، فيحمل «ينبغي» الوارد في الصرورة على شدة الاستحباب وتأكده.

فالمتحصل من الرواية : أن الصرورة يتأكد له استحباب الحلق وأمّا غيره فلا تأكد فيه وإن كان الحلق أفضل ، وأمّا الملبد فيتعيّن عليه الحلق.

ويؤكد ما ذكرنا صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار (2)حيث دلّت على أن الملبّد يتعيّن عليه الحلق ، وأمّا غيره فمخيّر بين التقصير والحلق ، وإطلاقه يشمل الصرورة.

ومن جملة الروايات التي استدل بها على وجوب الحلق ما روي عن سويد القلاء عن أبي سعيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «يجب الحلق على ثلاثة نفر : رجل لبّد ، ورجل حج بدواً لم يحج قبلها ، ورجل عقص رأسه» (3). ولكن السند مخدوش


1) في ص 325.

2) تقدمت في ص 326.

3) الوسائل 14 : 222 / أبواب الحلق ب 7 ح 3.

.................................................................................................


بأبي سعد كما في التهذيب (1)فإنه مجهول ، وبأبي سعيد كما في الوسائل والوافي (2)لتردّده بين الثقة وغيره ، لأنه مشترك بين أبي سعيد القماط الثقة وأبي سعيد المكاري ولا قرينة في البين أنه الثقة ، ولا يوجد رواية لسويد القلاء عن أبي سعد في الكتب الأربعة إلّا في هذا الموضع.

ومنها : موثقة عمار الساباطي «عن رجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق ، قال : إن كان قد حج قبلها فليجز شعره ، وإن كان لم يحج فلا بدّ له من الحلق» الحديث (3).

والجواب : أن مضمونها مما لا يمكن الالتزام به ولم يفت أحد بذلك ، لأن مفروض السؤال أن الحلق مما لا يقدر عليه ولا يتمكّن منه ولا أقل أن تكون فيه مشقة شديدة لفرض وجود القروح في رأسه ، فكيف يجب عليه الحلق ، ولو قلنا بوجوب الحلق فإنما نقول به في فرض الإمكان وعدم الحرج لا في صورة المشقة والحرج الشديد. على أن الحلق في مفروض السؤال مستلزم لخروج الدم فكيف يأمره بالحلق المستلزم للادماء.

ومنها : خبر بكر بن خالد «ليس للصرورة أن يقصّر وعليه أن يحلق» (4)ولكنه ضعيف السند ببكر بن خالد فإنه مجهول الحال.

ومنها : خبر أبي بصير «على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصّر ، إنما التقصير لمن قد حج حجّة الإسلام» (5)وهو ضعيف أيضاً بعلي البطائني الواقع في السند. مضافاً إلى أن الدلالة مخدوشة ، لأن الحلق لو قيل بوجوبه فإنما يجب على الصرورة ، أي في أوّل حج أتى به سواء كان حج الإسلام أم لا ، ولا يجب في الحج الثاني وإن كان حج الإسلام ، فكون الحج حج الإسلام غير دخيل في الحلق والتقصير.


1) التهذيب 5 : 485 / 1729.

2) الوافي 1 : 1203 / 14089.

3) الوسائل 14 : 222 / أبواب الحلق ب 7 ح 4.

4) الوسائل 14 : 224 / أبواب الحلق ب 7 ح 10.

5) الوسائل 14 : 223 / أبواب الحلق ب 7 ح 5.

.................................................................................................


ومنها : رواية سليمان بن مهران «كيف صار الحلق على الصرورة واجباً دون من قد حج؟ قال : ليصير بذلك موسماً بسمة الآمنين ، ألا تسمع قول اللّه عزّ وجلّ ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) (1)فان المفروض عندهم كان وجوب الحج وإنما يسأل عن العلة لذلك. وفيه : ضعف السند بعدة من المجاهيل الواقعين في السند.

فالمقتضي لوجوب الحلق قاصر ، لما عرفت من أن النصوص بين ما هي ضعيفة السند وضعيفة الدلالة. مضافا إلى أن التعليل بذكر المحلقين في الآية مما لا نفهمه ، فان التقصير مذكور في الآية أيضاً.

وعلى تقدير التنزل وتسليم تمامية المقتضي (2)والالتزام بعدم قصور الأدلّة عن الوجوب فالمانع والقرينة الخارجية موجودة على عدم الوجوب ، فلا بدّ من رفع اليد عن الأدلّة المقتضية ، والمانع هو قوله تعالى ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) ... (3)فان اللّه تعالى وعد المسلمين بأنهم يدخلون المسجد الحرام حال كونهم محلِّقين ومقصِّرين أي تدخلون المسجد الحرام وأنتم بين محلِّق ومقصِّر ، وهذا لا ينطبق إلّا على دخولهم المسجد الحرام بعد الفراغ من أعمال ومناسك منى ، وأمّا في دخولهم الأوّل إلى المسجد الحرام لأداء عمرة التمتّع أو العمرة المفردة أو لحج القران والإفراد فلم يكونوا محلِّقين ولا مقصِّرين حين الدخول ، والظاهر من الآية الكريمة أنهم يدخلون حال كونهم محلِّقين ومقصِّرين ، فقوله تعالى محلِّقين مقصِّرين حال للدخول ، وهذا ينطبق على إتيان أعمال الحج ومناسك منى ، فالآية الشريفة واردة مورد الحج.

إذا عرفت ذلك فلا ريب في أن حج المسلمين الذين حجّوا مع النبي (صلّى اللّه عليه


1) الوسائل 14 : 225 / أبواب الحلق ب 7 ح 14.

2) من هنا شرع في المقام الثاني.

3) الفتح 48 : 27.

مسألة 405 : من أراد الحلق وعلم أن الحلاق يجرح رأسه فعليه أن يقصّر أوّلاً ثم يحلق (1).


وآله وسلم) في تلك السنة كان حج صرورة إذ لم يحجّوا قبل ذلك ، ومع ذلك خيّرهم اللّه تعالى بين الحلق والتقصير ، أي تدخلون المسجد الحرام بعد أعمال الحج ومناسك منى قد حلق بعضكم رأسه وقصّر بعضكم (1)

وروى أن بعض الأصحاب قال : ما شككت في الإسلام إلّا في ذلك الوقت ، فجاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وقال : يا رسول اللّه أليس وعدتنا أن ندخل المسجد الحرام محلقين ومقصرين؟ فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قلت لكم إنّا ندخلها العام؟ فقال : لا فقال : (صلّى اللّه عليه وآله) فإنكم تدخلونها إن شاء اللّه ، فأنزل اللّه هذه الآية وأخبر سبحانه بأن ما أراه النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) هو الصدق والحق وليس بالباطل ، فلما كان ذو القعدة من السنة السابعة للهجرة اعتمروا ودخلوا المسجد الحرام كما وعدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) [تفسير التبيان 9 : 332] فبناء على ما ذكر المفسرون تكون الآية أجنبية عن الاستدلال بها للحلق والتقصير الواردين في الحج ، ولكن ما ذكره الأُستاذ (أطال اللّه بقاءه) وجيه وقد سبقه المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام [زبدة البيان في أحكام القرآن : 289].

(1) لو علم بخروج الدم عند الحلق لا يجوز له اختيار الحلق ، بل لا بدّ له أن يختار الشق الآخر للواجب التخييري وهو التقصير ، لأن إخراج الدم محرّم فلا يجوز له الامتثال بالفرد المستلزم للحرام ، بل عليه أن يختار الفرد الذي لم يستلزم الحرام وهو التقصير.


1) لا يخفى أنّ ما ذكره سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) في تفسير هذه الآية الشريفة وبيان المراد منها لم يسبق إليه أحد من المفسِّرين ولا من الفقهاء فيما نعلم ، فإنهم ذكروا في تفاسيرهم ما ينطبق هذه الآية الشريفة على العمرة المفردة ، فقد قالوا إن اللّه تعالى لما أرى نبيه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في المنام بالمدينة أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام فأخبر بذلك أصحابه فانصرفوا إلى مكة لأداء العمرة المفردة في السنة السادسة من الهجرة ، فلما وصل (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) هو وأصحابه إلى الحديبية التي تسمّى في زماننا هذا ب- (شميسي) قريب من مكة على طريق المدينة ، وقع صلح الحديبية المعروف فيها فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ولم يدخلوا مكة ، فقال المنافقون ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام.

مسألة 406 : الخنثى المشكل يجب عليه التقصير إذا لم يكن ملبداً أو معقوصاً وإلّا جمع بين التقصير والحلق ويقدّم التقصير على الحلق على الأحوط (1).


(1) الخنثى المشكل على قسمين : لأنه تارة لا يجب عليه الحلق بل يكون مخيراً بينه وبين التقصير لو كان رجلاً واقعاً كما إذا كان غير ملبد وغير معقوص وغير الصرورة ، واخرى : يجب عليه الحلق لو فرضنا كونه رجلاً واقعاً كما إذا كان ملبداً أو معقوصاً ، أو صرورة وقلنا بوجوب الحلق على الصرورة.

أمّا القسم الأوّل : فيجب عليه التقصير ، بيان ذلك :

أن الخنثى يعلم إجمالاً بتوجّه أحد التكليفين الالزاميين الثابتين للرجال والنساء فان كل جنس من الرجل والمرأة له أحكام إلزامية خاصة ، فإن الرجل لا يجوز له الخروج من المشعر قبل طلوع الشمس ، ويحرم عليه ستر رأسه ، ويحرم عليه لبس الجورب والخف ولا يجوز له التظليل ونحو ذلك ، والمرأة يجب عليها ستر جميع بدنها عدا الوجه ، ويتعين عليها التقصير وغير ذلك من الأحكام الإلزامية ، فلا بد له من الجمع بين الحكمين الالزاميين بمقتضى العلم الإجمالي ، فحينئذ يتعين عليه التقصير الذي هو طرف للعلم الإجمالي ، لأنه لو كان امرأة حقيقة فالمتعين عليها التقصير ولا يجوز لها الحلق ، وإن كان رجلاً لم يجب عليه الحلق ويجوز له الاكتفاء بالتقصير ومقتضى العلم الإجمالي المذكور لزوم اختيار التقصير وعدم جواز ارتكاب الحلق ، فإنه لو حلق خالف العلم الإجمالي المقتضي للاحتياط ، لاحتمال كونه امرأة في واقع الأمر ، بخلاف ما لو قصّر فقد امتثل على كل تقدير.

وأمّا القسم الثاني : وهو ما لو وجب عليه الحلق على تقدير كونه رجلاً في نفس الأمر ، كما إذا كان ملبّداً أو معقوصاً ، أو صرورة وقلنا بوجوب الحلق على الصرورة فيجب عليه الجمع بين الحلق والتقصير ، توضيح ذلك :

أنّ العلم الإجمالي بتوجه التكاليف الإلزامية للرجال والنساء إليه موجود ومقتضاه

.................................................................................................


هو الجمع بين الحكمين ، وله علم إجمالي آخر وهو العلم بحرمة الحلق عليه أو بحرمة التقصير ، لأنه لو كان رجلاً لم يجز له التقصير قبل الحلق ، ولو كان امرأة لا يجوز له الحلق قبل التقصير ، فالفرد الأول الذي يختاره الخنثى دائر أمره بين المحذورين ، فاذا اختار الحلق فهو إما محرم أو واجب ، وكذا لو اختار التقصير فإنه إما محرم أو واجب فالنتيجة هي التخيير بين الأمرين ، لأنه من دوران الأمر بين المحذورين ، فيجوز له اختيار أيّ الفردين بمقتضى هذا العلم الإجمالي ، ولكن إذا اختار أحدهما يكون الفرد الثاني غير محرم قطعاً ، لأنه إذا اختار التقصير فلا حرمة للحلق بعده ، لأنه لو كان امرأة فقد قصرت وأتت بوظيفتها ولا حرمة للحلق بعده ، ولو كان رجلاً فالوظيفة المقررة له هو الوجود الثاني وهو الحلق ، وما صدر منه من التقصير في أول الأمر لا يحل به ، بل يوجب عليه كفارة إزالة الشعر ، وكذلك لو قدّم الحلق لا حرمة للتقصير بعده لأنه لو كان رجلاً فقد حلق وأحل به ولا حرمة للتقصير بعده ، ولو كان امرأة فالتقصير الصادر بعد الحلق وظيفتها وبه يحصل الإحلال فلا حرمة له ، ولا أثر للحلق الصادر منه إلّا ثبوت كفارة إزالة الشعر عن بدنها.

وبالجملة : يجب عليه الجمع بين الحكمين الالزاميين بملاك العلم الإجمالي الأوّل فإن المفروض أن الوجود الثاني غير محرم قطعاً ويجوز له اختيار أي الفردين في ابتداء الأمر بملاك دوران الأمر بين المحذورين.

وأمّا الاحتياط بتقديم التقصير على الحلق فالوجه فيه أنه لو كان امرأة فالحلق الأوّل محرّم قطعاً ، ولكن لو قدّم التقصير وكان رجلاً قطعاً فلا قطع بحرمة التقصير عليه ، لأن المشهور لا يقولون بوجوب الحلق.

مسألة 407 : إذا حلق المحرم أو قصّر حل له جميع ما حرم عليه الإحرام ما عدا النساء والطيب ، بل الصيد أيضاً على الأحوط (1)


(1) المعروف والمشهور أن المحرم المتمتع يتحلل بعد الحلق أو التقصير ويحل له كل شي‌ء من محرمات الإحرام إلّا النساء والطيب ، وعن الصدوق ووالده (قدس سره) (1)التحلل بالرمي من كل شي‌ء إلّا الطيب والنساء ، وأمّا المفرد أو القارن فيحل له كل شي‌ء إلّا النساء وكلامنا فعلاً في المتمتع.

وتدل على المشهور عدة من الروايات :

منها : صحيحة معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه إلّا النساء والطيب» (2).

ومنها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح ، فقال : ربما آخرته حتى تذهب أيام التشريق ، ولكن لا تقربوا النساء والطيب» (3)وغيرهما.

فما عن الصدوق ووالده لا نعرف لهما دليلاً سوى الفقه الرضوي (4)وقد ذكرنا غير مرّة أنّ الفقه الرضوي لم يعلم كونه رواية فضلاً عن اعتباره وعدمه.

نعم ، في موثق الحسين بن علوان أنه يحل له كل شي‌ء بعد رمي جمرة العقبة إلّا النساء ، وفي معتبرة يونس بن يعقوب أيضاً أُحل له كل شي‌ء بعد الرمي حتى الطيب (5)ومقتضاهما التحلل من كل شي‌ء بعد الرمي حتى من الطيب وإنما تحرم عليه النساء.

والجواب : أن الخبرين مهجوران ولا قائل بهما حتى الصدوقين ، فإنهما ذهبا إلى


1) الفقيه 2 : 328 ، وحكى عن والده في المختلف 4 : 304.

2) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق ب 13 ح 1.

3) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق ب 13 ح 6.

4) المستدرك 10 : 139 / أبواب الحلق ب 11 ح 4 ، فقه الرضا : 226.

5) الوسائل 14 : 235 / أبواب الحلق ب 13 ح 11 ، 12.

.................................................................................................


التحلّل بعد الرمي إلّا من الطيب والنساء ، وأمّا التحلّل من الطيب كما في الخبرين فلم يلتزما به. على أن الخبر الثاني غير ظاهر في كونه متعمداً ولعلّه كان ناسياً يسأل حكمه.

على أنهما معارضان للروايات المشهورة المعروفة الدالّة على عدم التحلّل بعد الرمي فيسقط الخبران عن الحجية لشذوذهما وهجرهما عند الأصحاب.

بل لو فرضنا التعارض فيتساقط الطرفان فالمرجع إطلاق ما دلّ على حرمة ارتكاب هذه الأُمور ما لم يثبت تحليله وما لم يفرغ من أعمال الحج.

وبالجملة : النساء لا تحلّ له إلّا بعد طواف النساء ، وأمّا الطيب فلا يحلّ له بالحلق وإنما يحلّ له بعد طواف الحج.

والذي يدل على حرمة الطيب له حتى بعد الحلق وإنما يحلّ له بعد طواف الحج عدّة من النصوص الواردة في حج التمتّع.

منها : صحيح معاوية بن عمار المتقدمة «فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحلّ من كل شي‌ء أحرم منه إلّا النساء» (1).

وبإزائه ما يدل على التحلّل من الطيب قبل الطّواف في حج التمتّع ، ولذا ذهب بعضهم إلى الكراهة جمعاً بين الطائفتين ، وما دلّ على التحلّل من الطيب أيضاً قبل الطّواف إنما هو روايتان.

الأُولى : صحيحة سعيد بن يسار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتمتع إذا حلق رأسه قبل أن يزور البيت يطليه بالحناء؟ قال : نعم الحناء والثياب والطيب وكل شي‌ء إلّا النساء ، رددها عليّ مرتين أو ثلاثاً ، قال : وسألت أبا الحسن (عليه السلام) عنها ، قال : نعم الحناء والثياب والطيب وكل شي‌ء إلّا النساء» (2).

ورواه الشيخ في التهذيب والاستبصار وترك فيهما قوله : «قبل أن يزور البيت» (3)


1) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق ب 13 ح 1.

2) الوسائل 14 : 234 / أبواب الحلق ب 13 ح 7.

3) التهذيب 5 : 245 / 832 ، الاستبصار 2 : 287 / 1021.

.................................................................................................


وحملها الشيخ على من حلق وزار البيت. وهو بعيد جدّاً ، لأن السائل يسأل عمّا بعد الحلق وأنه هل يجوز له ارتكاب هذه الأُمور بعد الحلق ، فالحلق منظور وملحوظ في سؤاله لا زيارة البيت. على أن نسخة الكافي صرحت بأنه إذا حلق قبل أن يزور البيت يجوز له هذه الأُمور (1).

الثانية : معتبرة يونس مولى علي عن أبي أيوب الخزاز قال : «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) بعد ما ذبح حلق ثم ضمد رأسه بشك (بمسك) وزار البيت وعليه قميص وكان متمتعاً» (2).

وقد يناقش في السند بأن في السند مولى علي وهو مجهول ، ولكن صرح في الكافي (3)والوسائل بيونس مولى علي ، وهو علي بن يقطين ، ويونس مولاه ثقة بلا كلام ، وله روايات عن أبي أيوب الخزاز.

وربّما يناقش في الدلالة كما في الجواهر (4)بأن إخبار الراوي بأنه (عليه السلام) كان متمتعاً زعماً منه ، فلعلّه كان (عليه السلام) غير متمتع.

وفيه : ما لا يخفى ، فإن الراوي إذا كان ثقة يسمع كلامه حتى في الإخبار عن كونه متمتعاً ونحو ذلك.

والأولى أن يقال في مقام الجمع بين الطائفتين المتعارضتين : أن الطائفتين متعارضتان وليس حمل الإحلال على الكراهة من الجمع العرفي ، لأن الإحلال وعدمه من المتناقضين ولا يمكن الجمع بينهما إذا كانا في كلام واحد ، ويعد ذلك من المتنافيين. نعم لو اجتمع النهي والترخيص يمكن حمل النهي على الكراهة ، إلّا أن الإحلال وعدمه مما لا يمكن الجمع بينهما بل هما من المتنافيين ، فلا بدّ من رفع اليد عما دل على التحلل لموافقته للتقيّة ، وإلّا فيتساقطان والمرجع بعد ذلك إطلاق ما دل على حرمة استعمال الطيب إلى


1) الكافي 4 : 505 / 1.

2) الوسائل 14 : 235 / أبواب الحلق ب 13 ح 10.

3) الكافي 4 : 505 / 3.

4) الجواهر 19 : 253.

.................................................................................................


أن يطوف طواف الحج.

وأمّا الصيد بعد الحلق فمقتضى الروايات المستفيضة الدالّة على أنه يحل له كل شي‌ء إلّا الطيب والنساء ، حلية الصيد بأكل لحمه أو صيده بنفسه في خارج الحرم ، فالصيد بنفسه يتحلّل منه الناسك بعد الحلق ، فإن حرمة الصيد لها جهتان فإنه يحرم للإحرام أو للدخول في الحرم ، أمّا الصيد الحرمي فمحرم ما دام في الحرم حتى بعد طواف النساء ولا ترتبط حرمته بالإحرام ، والروايات الدالة على أنه يحل له كل شي‌ء إلّا الطيب والنساء ناظرة إلى الحرمة الناشئة من الإحرام ولا نظر لها إلى ما حرّمه الدخول في الحرم كقلع شجر الحرم وصيد الحرم ، فالصيد خارج الحرم لا موجب لحرمته لا من ناحية الحرم ولا من ناحية الإحرام فإن مقتضى تلك الروايات جوازه بعد الحلق (1).

هذا ، ولكن مقتضى بعض النصوص المعتبرة بقاء حرمة الصيد الإحرامي حتى بعد طواف النساء كصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (2)«وإذا طاف طواف النساء فقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه إلّا الصيد» فان الظاهر بقاء حرمة الصيد الذي حرّمه الإحرام ونشأ من الإحرام ، ومن الواضح أن الصيد الحرمي ليس مما حرّمه الإحرام فحمل قوله : «إلّا الصيد» على الصيد الحرمي كما صنعه صاحب الجواهر (3)ليكون الاستثناء من الاستثناء المتقطع بعيد جدّاً ، بل الظاهر أن الاستثناء متصل ، والمراد بالصيد هو الصيد الإحرامي.

ومما يدل على حرمة الصيد الإحرامي حتى بعد طواف النساء صحيح آخر لمعاوية ابن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) من نفر في النفر الأول متى يحل له الصيد؟ قال : إذا زالت الشمس من اليوم الثالث» (4)ومعلوم أن المراد به الصيد الإحرامي


1) سيأتي قريباً إن شاء اللّه تعالى أن المراد بالصيد المذكور في صحيح معاوية هو الصيد الإحرامي فيكون خبر معاوية موافقاً لجملة من الأخبار الدالّة على بقاء حرمة الصيد إلى اليوم الثالث عشر من يوم النفر كما صرح بذلك في مسألة 425.

2) في ص 334.

3) الجواهر 20 : 39.

4) الوسائل 14 : 280 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 4.

مسألة 408 : إذا لم يقصّر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً منه بالحكم إلى أن خرج من منى رجع وقصر أو حلق فيها (1).


لأن الصيد الحرمي لم يحدد باليوم الثالث عشر بل هو محرم ما دام كان في الحرم ، وفي صحيحة حماد «إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول ، ومن نفر في النفر الأول فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ( ... لِمَنِ اتَّقى ) فقال : اتقى الصيد» (1)فان النفر الثاني للناس هو اليوم الثالث عشر.

فتحصل : أنه بملاحظة هذه الروايات تبقى حرمة الصيد الإحرامي إلى زوال الشمس من اليوم الثالث عشر ، ولكن حيث لا قائل بمضمون هذه الروايات ، حتى أن صاحب الجواهر قال لم نجد أحداً أفتى بذلك من أصحابنا ، بل ولا من ذكر كراهته أو استحباب تركه أو غير ذلك ، فلذا يكون الحكم بالحرمة وعدم التحلل منه إلى الظهر من اليوم الثالث عشر مبنياً على الاحتياط كما صرحنا بذلك في المسألة 425.

(1) يقع البحث تارة : في الناسي ، وأُخرى : في الجاهل ، وثالثة : في العالم العامد.

أمّا الناسي : فوظيفته أن يرجع إلى منى ويقصِّر أو يحلق فيها ، لصحيح الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يقصّر من شعره أو يحلقه حتى ارتحل من منى ، قال : يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها حلقاً كان أو تقصيراً» (2)وتشير هذه الصحيحة إلى أن إلقاء الشعر لا بد أن يكون بمنى ، والمراد من إلقاء الشعر حلقه أو قصره هناك ، فإن الإلقاء بمعنى الفصل والنزع ، ومنه ألقى ثوبه أي نزعه عن جسده.

وأمّا الجاهل : فلم يذكر إلّا في رواية أبي بصير (3)ولكنها ضعيفة بعلي بن أبي حمزة إلّا أنه يجري عليه حكم الناسي للجزم بعدم الفرق بين الجهل والنسيان ، ولا نحتمل


1) الوسائل 14 : 280 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 3.

2) الوسائل 14 : 218 / أبواب الحلق ب 5 ح 1 ، 4.

3) الوسائل 14 : 218 / أبواب الحلق ب 5 ح 1 ، 4.

فان تعذّر الرجوع أو تعسّر عليه قصّر أو حلق في مكانه وبعث بشعر رأسه إلى منى إن أمكنه ذلك (1).


بطلان الحج بذلك في مورد الجهل فإنه لا يبطل في العمد فضلاً عن الجهل ، وقد عرفت أن المستفاد من صحيح الحلبي وجوب إلقاء الشعر حلقاً أو تقصيراً في منى ، ومورده وإن كان النسيان ولكن لا خصوصية له ، فخصوصية النسيان ملغاة.

والنتيجة : أن حكم الجاهل كالناسي ويؤيده خبر أبي بصير.

وأمّا المتعمد : فالمستفاد من صحيحة محمد بن مسلم (1)هو الصحة ، لأنه يسأل فيها عمن زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم بعدم جواز ذلك ، والغالب هو الخروج يوم العيد إلى مكة لطواف البيت ، فأجاب (عليه السلام) بأن عليه دم شاة ، ويعلم من ذلك أن حجّه صحيح وإنما عليه دم شاة. وأمّا بالنسبة إلى الحلق فوظيفته الإتيان به إذ لا موجب لسقوطه والواجب على ما هو عليه ، ومجرد تعمد الخروج من منى يوم العيد لا يوجب سقوط الواجب عنه ، وصحيح علي بن يقطين (2)أيضاً حكم بالصحة وقال : لا بأس بالحج ، ويبقى عليه التقصير على ما هو وظيفته.

فتحصل : أنه في جميع الحالات : النسيان والجهل والعمد يحكم بصحة حجّه ولزوم الرجوع إلى منى للحلق أو التقصير ، نعم في خصوص العالم العامد على ما سيأتي يجب عليه إعادة الطّواف ، وأمّا الناسي والجاهل فلا ، فالحكم بالرجوع إلى منى للحلق أو التقصير فيها مشترك بين جميع الحالات الثلاثة من النسيان والجهل والعمد.

(1) هذه المسألة تنحل إلى حكمين :

أحدهما : أنه إذا لم يتمكن من الرجوع إلى منى والحلق فيها حلق في مكانه ولا يسقط عنه الحلق ، ويدلُّ عليه صحيح مسمع «في رجل نسي أن يحلق أو يقصّر حتى


1) الوسائل 14 : 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 1.

2) الوسائل 14 : 217 / أبواب الحلق ب 4 ح 1.

مسألة 409 : إذا لم يقصّر ولم يحلق نسياناً أو جهلاً فذكره أو علم به بعد الفراغ من أعمال الحج وتداركه لم تجب عليه إعادة الطّواف على الأظهر ، وإن كانت الإعادة أحوط ، بل الأحوط إعادة السعي أيضاً ، ولا يترك الاحتياط بإعادة الطّواف مع الإمكان فيما إذا كان تذكّره أو علمه بالحكم قبل خروجه من مكة (1).


نفر ، قال : يحلق إذا ذكر في الطريق أو أين كان» (1).

والظاهر أن المراد بالنفر بقرينة قوله : «في الطريق أو أين كان» هو النفر والخروج من مكة ، فيدل الخبر على وجوب الحلق في أيّ مكان تذكر ولو في أثناء الرجوع إلى بلده ، وهو وإن كان مطلقاً من حيث التمكن من العود إلى منى وعدمه ولكنه يتقيد بما إذا لم يتمكن من العود إلى منى ، وأمّا مع التمكن من العود فليس له الحلق إلّا في منى كما في صحيح الحلبي المتقدم (2)فيحمل خبر مسمع على ما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى منى جمعاً بينه وبين صحيح الحلبي.

ثانيهما : إرسال الشعر إلى منى ، ويدلُّ عليه صحيح حفص البختري «في الرجل يحلق رأسه بمكة ، قال : يرد الشعر إلى منى» (3)ونحوه صحيح معاوية بن عمار لقوله : «من أخرجه فعليه أن يردّه» (4).

(1) لو طاف أو سعى قبل التقصير أو الحلق فقد يكون عالماً عامداً ومع ذلك يأتي بهما قبل الحلق فحينئذ لا شك في فساد الطّواف والسعي ، لعدم إتيان المأمور به على وجهه وعدم مراعاة الترتيب المأخوذ في ذلك ، فبحسب القاعدة الأولية يحكم بالبطلان للإخلال بالشرط وهو الترتيب عمداً.

ويدلُّ على ذلك أيضاً : صحيح علي بن يقطين المتقدم الآمر بالإعادة وأنه إذا قصر


1) الوسائل 14 : 219 / أبواب الحلق ب 5 ح 6.

2) في ص 337.

3) الوسائل 14 : 219 / أبواب الحلق ب 6 ح 1 ، 5.

4) الوسائل 14 : 219 / أبواب الحلق ب 6 ح 1 ، 5.

.................................................................................................


قبل الطّواف يقصِّر ويطوف بالحج (1).

وبالجملة لا ينبغي الريب في لزوم إعادة الطّواف والسعي إذا كان عالماً عامداً وعليه الجبر بشاة كما في صحيح ابن مسلم (2).

وأمّا إذا كان ناسياً أو جاهلاً فطاف ثم علم أو تذكّر بلزوم الترتيب ، ففي هذه الصورة ذهب المشهور إلى إعادة الطّواف أيضاً لأجل الإخلال بالترتيب وفقدان الشرط فيكون الطّواف واقعاً في غير محله ويجب عليه الإتيان به في محله. مضافاً إلى إطلاق صحيح علي بن يقطين المتقدم ، لعدم تقييده بصورة العمد ، بل ادعي عليه الإجماع وعدم الخلاف.

أقول : إن تم الإجماع فهو ، وإن لم يتم كما هو كذلك جزماً ، لأن هذه الإجماعات ليست تعبّدية قطعاً ، فالظاهر عدم لزوم الإعادة بالنسبة إلى خصوص الجاهل والناسي وذلك لصحيح جميل ومحمد بن حمران المتقدمين (3)فإنهما صريحان في تقديم الطّواف على الحلق نسياناً فحكم (عليه السلام) بعدم البأس ، وقد عرفت أن الجاهل كالناسي من هذه الجهة ، وقوله (عليه السلام) : «لا ينبغي له إلّا أن يكون ناسياً» صريح في الجواز والاجتزاء في صورة النسيان ، فان قوله «إلّا أن يكون ناسياً» استثناء من قوله «لا ينبغي» كما أن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) «لا حرج» يدل على الصحة وأنه غير باطل ، ونسبة الصحيحين إلى صحيحة علي بن يقطين نسبة العام والخاص لإطلاق خبر ابن يقطين ولم يذكر فيه الجهل والنسيان بل هو مطلق من جهتهما فيقيد بغير الناسي والجاهل بالصحيحين.

والنتيجة : أن الترتيب شرط ذكرى لا على نحو الإطلاق نظير شرطية أو جزئية بعض أجزاء الصلاة وشرائطها في حال الذكر خاصة ببركة حديث لا تعاد ، ولكن


1) الوسائل 14 : 217 / أبواب الحلق ب 4 ح 1 ، وتقدم في ص 338 أيضاً.

2) الوسائل 14 : 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 1.

3) في ص 321.

طواف الحج وصلاته والسّعي

الواجب السابع والثامن والتاسع من واجبات الحجّ : الطّواف وصلاته والسّعي وكيفيّتها وشرائطها هي نفس الكيفية والشرائط التي ذكرناها في طواف العمرة وصلاته وسعيها (1).


حيث إن المشهور ذهبوا إلى وجوب الإعادة بل في الجواهر (1)قال : لا أجد فيه خلافاً وحكاه عن المدارك (2)وغيره أيضاً ، فالاحتياط بالإعادة في محله ، ويتأكّد الاحتياط ما دام كونه باقياً في مكة قبل خروجه منها.

(1) لأنّ الطّواف حقيقة واحدة في جميع الموارد ، فالأحكام والشرائط المذكورة لطواف عمرة التمتّع وسعيها جارية في طواف الحج وسعيه أيضاً ، وتستفاد الوحدة من الروايات الدالّة على أن حج التمتّع فيه ثلاثة أطواف ، وأن حج الافراد أو القرآن فيه طوافان ، والعمرة المفردة فيها طوافان ، فان المتفاهم من ذلك أن الطّواف حقيقة واحدة في جميع الموارد وإنما يختلف بعضها عن بعض بالعدد ، ففي مورد يجب اثنان وفي مورد تجب ثلاثة ، وكذلك تستفاد الوحدة من الروايات الواردة في كيفية الطّواف وبيان أحكام الشكوك ، فان ذلك لا يختص بطواف دون طواف.

مضافاً إلى أنه قد صرح في صحيحة معاوية بن عمار بالوحدة والاتحاد ، لأنه (عليه السلام) يبين له طواف الزيارة والحج فقال له في حديث : «ثم طف بالبيت سبعة أشواط كما وصفت لك يوم قدمت مكة إلى أن قال ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت مكة» (3)فان ذلك صريح في أن طواف الحج وسعيه بعينه مثل طواف العمرة وسعيها.


1) الجواهر 19 : 241.

2) المدارك 8 : 93.

3) الوسائل 14 : 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1.

مسألة 410 : يجب تأخير الطّواف عن الحلق أو التقصير في حج التمتّع ، فلو قدّمه عالماً عامداً وجبت إعادته بعد الحلق أو التقصير ولزمته كفّارة شاة (1).

مسألة 411 : الأحوط عدم تأخير طواف الحج عن اليوم الحادي عشر وإن كان جواز تأخيره إلى ما بعد أيام التشريق بل إلى آخر ذي الحجّة لا يخلو من قوّة (2).


(1) تقدّم قريباً أنه لو قدّم الطّواف على الحلق أو التقصير جهلاً أو نسياناً لا إعادة عليه ، لصحيح جميل ومحمد بن حمران (1)وأمّا إذا كان عالماً عامداً يحكم ببطلان الطّواف ، واللازم إعادته بعد الحلق للقاعدة ، إذ لم يأت بالمأمور به على وجهه فلا موجب للاجزاء ، ولصحيح علي بن يقطين (2)نعم عليه كفارة شاة كما في صحيح محمد ابن مسلم (3)ففي الحقيقة يكون التقدم من جملة التروك التي يلزمه شاة إذا خالف.

(2) الكلام في الحاج المتمتع ، فان الحاج إذا قضى مناسكه بمنى من الرمي والذبح والحلق والتقصير وجب عليه الرجوع إلى مكة لطواف الحج وصلاته والسعي ، فوقع الخلاف في أنه متى يجب عليه الرجوع لإتيان الطّواف والسعي؟

فعن المشهور عدم جواز تأخير ذلك عن اليوم الحادي عشر. وذهب جماعة إلى جواز التأخير إلى آخر أيام التشريق أي إلى النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر كما نسب إلى المحقق (عليه الرحمة) (4).

وعن جماعة آخرين منهم ابن إدريس (5)والعلّامة في المختلف (6)والسيد في المدارك (7)


1) المتقدمين في ص 321.

2) الوسائل 14 : 217 / أبواب الحلق ب 4 ح 1.

3) الوسائل 14 : 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 1.

4) الشرائع 1 : 267.

5) السرائر 1 : 602.

6) المختلف 4 : 309.

7) المدارك 8 : 111.

.................................................................................................


جواز تأخيره طول ذي الحجة وإن كان التقديم والمضي إلى مكة يوم النحر أفضل ، ولو أخّره عن ذي الحجة فسد طوافه وحجّه لقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (1)وذو الحجة من أشهر الحج فيجب إيقاع أفعاله فيه ، هذا بحسب الأقوال.

وأمّا بحسب الروايات الواردة في المقام فهي على أقسام :

منها : ما دلّ على أنه يطوف يوم النحر كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «سألته عن المتمتع متى يزور البيت قال : يوم النحر» (2).

ومنها : ما دلّ على جواز تأخيره إلى ليلة الحادي عشر كما في صحيح منصور بن حازم «لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت» (3)وكصحيحة عمران الحلبي (4).

ومنها : ما دلّ على جواز التأخير إلى اليوم الحادي عشر كصحيحة معاوية بن عمار «عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال : يوم النحر أو من الغد ولا يؤخر» (5).

وفي صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «في زيارة البيت يوم النحر ، قال : زره فان شغلت فلا يضرّك أن تزور البيت من الغد ولا تؤخر أن تزور من يومك فإنه يكره للمتمتع أن يؤخر» (6)والمراد بالكراهة هو معناها اللغوي وهو النفرة والمبغوضية ، وقد استعملت في كثير من الروايات والآيات في المعنى اللغوي الذي يجتمع مع الحرمة الشرعية.

وفي قبال هذه الروايات صحيحتان دلّتا صريحاً على جواز التأخير إلى اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر الثاني كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان «لا بأس أن تؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث والمعاريض» (7)وفي


1) البقرة 2 : 197.

2) الوسائل 14 : 244 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 5.

3) الوسائل 14 : 245 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 6.

4) الوسائل 14 : 245 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 7.

5) الوسائل 14 : 245 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 8.

6) الوسائل 14 : 243 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 1.

7) الوسائل 14 : 245 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 9.

.................................................................................................


صحيحة إسحاق بن عمار «عن زيارة البيت تؤخر إلى يوم الثالث ، قال : تعجيلها أحب إليَّ (ليس به بأس إن أخره)» (1). فتكون هاتان الروايتان قرينة على أن الأمر الواقع في تلك الروايات للاستحباب كما صرح بذلك في صحيحة عبد اللّه بن سنان ، فما ذهب إليه المشهور لا يمكن مساعدته.

وأمّا التأخير إلى طول ذي الحجة فقد استشكل فيه غير واحد من الأعلام منهم صاحب الحدائق ، بدعوى أن غاية ما يستفاد من الروايات جواز التأخير إلى آخر أيام التشريق وأمّا التأخير إلى آخر شهر ذي الحجة فلا (2).

ولكن الظاهر جواز التأخير إلى آخر ذي الحجة ، لصحيح الحلبي «عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح؟ قال : لا بأس أنا ربما آخرته حتى تذهب أيام التشريق ولكن لا تقرب النساء والطيب» (3).

وصحيح هشام بن سالم «لا بأس إن أخرت زيارة البيت إلى أن يذهب أيام التشريق إلّا أنك لا تقرب النساء ولا الطيب» (4)فإنهما وإن لم يصرحا بحج التمتّع ، ولكن ذيلهما شاهد على أن موردهما حج التمتّع ، وذلك لتحريم الطيب قبل الطّواف ، ومن المعلوم أن ذلك من مختصات حج التمتّع ، وأمّا حج الإفراد فيحل الطيب فيه بعد الحلق.

ثم إنه لو قلنا بإطلاقهما من حيث التأخير إلى آخر شهر ذي الحجة كما هو الظاهر فهو ، نعم لا يجوز التأخير إلى ما بعد شهر ذي الحجة ، للزوم إيقاع أفعال الحج في أشهر الحج لقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (5)ومن المعلوم أن شهر ذي الحجة من أشهر الحج ، وإن لم نقل بالإطلاق فلا أقل من أصالة البراءة من التقييد بيوم أو يومين بعد أيام التشريق ، فمقتضى أصالة البراءة جواز التأخير إلى طول ذي الحجة ،


1) الوسائل 14 : 246 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 10.

2) الحدائق 17 : 277.

3) الوسائل 14 : 243 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 2.

4) الوسائل 14 : 244 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 3.

5) البقرة 2 : 197.

مسألة 412 : لا يجوز في حج التمتّع تقديم طواف الحج وصلاته والسّعي على الوقوفين ، ويستثني من ذلك الشيخ الكبير والمرأة التي تخاف الحيض والمريض (1)فيجوز لهم تقديم الطّواف وصلاته على الوقوفين (1)


فالقول بالامتداد إلى آخر شهر ذي الحجة هو الصحيح.

(1) المعروف والمشهور بين الفقهاء عدم جواز تقديم طواف الحج وسعيه على الوقوفين ومناسك يوم النحر للمتمتع اختياراً إلّا للعاجز ، بخلاف القارن والمفرد فيجوز لهما التقديم.

بل ذكر في الجواهر الإجماع بقسميه وأن المحكي منهما مستفيض أو متواتر (2)وعن المحقق (3)والعلّامة (4)نسبته إلى

إجماع العلماء كافة ، واستقرب السيد في المدارك الجواز مطلقاً (5)وتوقف فيه صاحب الحدائق (6).

فلا بدّ من ملاحظة الروايات ، فقد ورد في عدة من الروايات جواز تقديمهما على الوقوفين وقبل أن يخرج من مكة إلى عرفات ومنى ، فمنها : صحيحة ابن بكير وجميل جميعاً ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنهما سألاه عن المتمتع يقدّم طوافه وسعيه في الحج ، فقال : هما سيان قدّمت أو أخّرت (7).

ومنها : صحيحة حفص بن البختري «في تعجيل الطّواف قبل الخروج إلى منى فقال : هما سواء أخّر ذلك أو قدّمه ، يعني للمتمتع» (8).


1) حُذفت كلمة «المريض» من المناسك ط 12.

2) الجواهر 19 : 391.

3) المعتبر 2 : 794.

4) المنتهي 2 : 708 السطر 26.

5) المدارك 8 : 188.

6) الحدائق 17 : 247.

7) الوسائل 11 : 280 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 1.

8) الوسائل 13 : 416 / أبواب الطّواف ب 64 ح 3.

.................................................................................................


ومنها : ما رواه صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح ، قال : «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يتمتع ثم يهلّ بالحج فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى ، فقال : لا بأس» (1).

وروى صفوان أيضاً عن عبد الرحمن بن الحجاج عن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) وذكر مثله (2). والظاهر أنهما رواية واحدة ، إذ من المستبعد جدّاً أن عبد الرحمن يروي لصفوان تارة بلا واسطة عن موسى بن جعفر (عليه السلام) وأُخرى مع واسطة علي بن يقطين ، فذكر علي بن يقطين في إحدى الروايتين زائد أو ناقص في الخبر الآخر ، وكيف كان لا ريب في صحة السند ووضوح الدلالة.

وبإزاء هذه الروايات عدة من الروايات التي تدل على عدم جواز تقديم الطّواف على الوقوفين إلّا للخائف والمرأة التي تخاف أن يسبقها الحيض ونحو ذلك من ذوي الأعذار كالمريض والمعلول.

فمنها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لا بأس بتعجيل الطّواف للشيخ الكبير والمرأة تخاف الحيض قبل أن تخرج إلى منى» (3)ونحوها معتبرة إسماعيل ابن عبد الخالق الواردة في الشيخ الكبير والمريض والمعلول (4).

وربما يقال بعدم منافاة هذه الرواية للروايات المتقدمة المجوّزة ، لعدم المفهوم للوصف. ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الوصف وإن لم يكن له مفهوم ولكن ينفي الحكم المطلق الساري ، وإن كان لا ينفي عن غيره ولا ينافي ثبوت الحكم في مورد آخر ولكن ينفي سريان الحكم وثبوته للمطلق وإلّا لكان التقييد وذكر الوصف لغواً فالمستفاد من الخبر أن الحكم بالجواز غير ثابت على الإطلاق.

ومنها : موثقة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع


1) الوسائل 11 : 280 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 2.

2) الوسائل 11 : 280 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 3.

3) الوسائل 11 : 281 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 4.

4) الوسائل 11 : 281 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 6.

.................................................................................................


إذا كان شيخاً كبيراً أو امرأة تخاف الحيض يعجّل طواف الحج قبل أن يأتي منى ، فقال : نعم من كان هكذا يعجّل» الحديث (1)فان قوله (عليه السلام) : «من كان هكذا» له مفهوم ينفي الجواز عمن لم يكن هكذا فيعارض الروايات المتقدمة المجوّزة.

ومنها : صحيح علي بن يقطين قال : «سمعت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول : لا بأس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى ، وكذلك من خاف أمراً لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف ويودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفاً» (2)ولا ريب في ثبوت المفهوم لذلك ، لأن الجملة الشرطية مذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) ومقتضى المفهوم عدم جواز التقديم على إطلاقه.

ثم إن هنا رواية ذكرها في الوسائل عن صفوان بن يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن امرأة تمتعت بالعمرة إلى الحج ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم النحر أيصلح لها أن تعجّل طوافها طواف الحج قبل أن تأتي منى؟ قال : إذا خافت أن تضطر إلى ذلك فعلت» (3).

وكذا ورد السند في التهذيب كما في بعض النسخ (4)والظاهر أن في العبارة سقطاً والصحيح صفوان بن يحيى عن يحيى الأزرق كما في النسخ الأُخرى. ويؤكد ذلك أن صفوان بن يحيى الأزرق لا وجود له في الرواة ، ويحيى الأزرق اسم لعدة أشخاص فيهم الثقة والضعيف ، فيكون يحيى الأزرق المذكور في السند مردداً بين الثقة والضعيف ولكنه ينصرف إلى الثقة وهو يحيى بن عبد الرحمن لاشتهاره ، وقد تقدّم تفصيل ذلك في المسألة 394 فراجع.


1) الوسائل 11 : 281 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 7.

2) الوسائل 13 : 415 / أبواب الطّواف ب 64 ح 1.

3) الوسائل 13 : 415 / أبواب الطّواف ب 64 ح 2.

4) التهذيب 5 : 398 / 1384.

.................................................................................................


ونحوها رواية علي بن أبي حمزة الواردة في المرأة التي تخاف الحيض (1)وهي أيضاً ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائني فتصلح للتأييد.

فالروايات متعارضة ، وقد حمل الشيخ الأخبار المجوّزة المطلقة على صورة الضرورة كالشيخ الكبير والخائف والمرأة التي تخاف الحيض وقال (قدس سره) : فأمّا مع زوال ذلك أجمع فلا يجوز على حال (2)وكذا صاحب الجواهر فحمل المطلق على المقيد (3)واستبعده صاحب المدارك ، فان تقييد قوله : «هما سيان قدّمت أو أخّرت» على صورة الضرورة والعجز بعيد جدّاً (4).

وحمل بعضهم الأخبار المانعة على الكراهة للجمع العرفي بين النهي والتجويز بدعوى أن الروايات المانعة ظاهرة في الحرمة والروايات المجوّزة صريحة في الجواز ومقتضى الجمع رفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة وحمله على الكراهة.

وهذا بعيد أيضاً ، لأن مفهوم قوله : «لا بأس بتعجيل الطّواف للشيخ الكبير» ثبوت البأس لغيره ، وفي الروايات المجوّزة نفي البأس ، والجمع بين لا بأس وفيه البأس من الجمع بين المتناقضين بحيث لو اجتمعا في كلام لكان مما اجتمع فيه المتناقضان.

فالصحيح تحقق التعارض بين الطائفتين فلا بد من العلاج وتقديم إحداهما على الأُخرى ، فاللازم تقديم الأخبار المانعة ، والوجه في ذلك : أنّا علمنا من كثير من الروايات البيانية لكيفية الحج حتى الروايات الحاكية لحج آدم (عليه السلام) (5)تأخر الطّواف عن الوقوفين وأعمال منى.

وكذلك يستفاد التأخّر من صحيح سعيد الأعرج الوارد في إفاضة النساء ليلاً قال فيه «فان لم يكن عليهنّ ذبح فليأخذن من شعورهنّ ويقصرن من أظفارهنّ ثم يمضين


1) الوسائل 13 : 416 / أبواب الطّواف ب 64 ح 5.

2) الاستبصار 2 : 230 ، التهذيب 5 : 131.

3) الجواهر 19 : 392.

4) المدارك 8 : 188.

5) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

ولكن (1)عليهم أن يحرموا للحج ثم يطوفون (1).


إلى مكة في وجوههنّ ويطفن بالبيت ويسعين بين الصفا والمروة» الحديث (2).

وقد تقدّم قريباً أخبار كثيرة ذكر فيها أنه يزور البيت يوم النحر أو من غده أو يزور البيت إلى آخر يوم من أيام التشريق أو إلى طول ذي الحجّة (3)وأيضاً ورد في النصوص عدم تقديم الطّواف على أعمال منى : الرمي والذبح والحلق كما ذكرنا كل ذلك في محله ، فمن جميع ذلك يعلم أن المرتكز هو تأخير الطّواف عن الوقوفين بل عن أعمال مني ، فيكون الترجيح للأخبار المانعة ، لكونها موافقة للسنة ، فلا بدّ من طرح الأخبار المجوّزة وردّ علمها إلى أهلها.

مضافاً إلى أنه لو كان التقديم جائزاً مع كون المسألة مما يبتلى به كثيراً لظهر الحكم بالجواز وبان وشاع ، مع أنه ادعي الإجماع على المنع ولم يذهب إلى الجواز إلّا بعض متأخري المتأخرين ، فالتقديم غير جائز اختياراً وإنما يجوز للعاجز ولذي الأعذار.

(1) وذلك لأنّ طواف الحج لا بدّ من صدوره بعد التلبية والإحرام للحج ، فقبل التلبية والإحرام للحج لا يصح منه طواف الحج.

ويظهر ذلك أيضاً من الروايات المجوّزة لتقديم الطّواف المحمولة على الجواز لذي الاعذار كصحيح عبد الرحمن «عن الرجل يتمتع ثم يهل بالحج فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى ، فقال : لا بأس» (4).

ونحوه صحيح علي بن يقطين (5)ويؤيد بخبر علي بن أبي حمزة الصريحة في ذلك «فلينظر إلى التي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل وتهل بالحج من مكانها» (6).


1) [1] قوله «ولكن ...» هذه الجملة غير موجودة في المناسك ط 12.

2) الوسائل 14 : 28 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 17 ح 2. وفي نسخة «ويمضين» بدل «ثم يمضين».

3) الوسائل 14 : 243 / أبواب زيارة البيت ب 1.

4) الوسائل 11 : 280 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 2.

5) الوسائل 11 : 280 / أبواب أقسام الحج ب 13 ح 3.

6) الوسائل 13 : 416 / أبواب الطّواف ب 64 ح 5.

والإتيان بالسّعي في وقته ، والأحوط تقديم السّعي أيضاً وإعادته في وقته (1) والأولى إعادة الطّواف والصلاة أيضاً مع التمكّن في أيام التشريق أو بعدها إلى آخر ذي الحجة (2).


(1) قد عرفت أنه لا يجوز تقديم الطّواف والسعي على الوقوفين للمختار ، وإنما يجوز تقديم الطّواف للعاجز كالشيخ الكبير والمريض والمرأة التي تخاف الحيض ، وهل يختص جواز التقديم بالطواف كما في النصوص أو يعم للسعي أيضاً؟ ظاهر المشهور جواز تقديمهما معاً للمريض والعاجز.

ولا يخفى أن ما ذكروه إنما يتم بناء على تقييد الأخبار المجوّزة المطلقة بصورة العجز وحملها عليها ، لأن تلك الأخبار المجوّزة جوزت تقديمهما معاً على الوقوفين ، فاذا حملناها على صورة العجز من باب حمل المطلق على المقيد فالنتيجة جواز تقديمهما في صورة العذر.

ولكن قد عرفت أن تلك الأخبار المطلقة المجوّزة مطروحة لمخالفتها للسنة ، فالمتبع حينئذ الأخبار المجوزة لذي الأعذار والمذكور فيها خصوص الطّواف ، فاللازم الاقتصار على جواز تقديم الطواف دون السعي فيقدم الطّواف ، وأمّا السعي فيؤتى به في وقته لعدم الزحام فيه ، بخلاف الطّواف فان فيه الزحام للإتيان به تطوعاً أيضاً بخلاف السعي فإنه لا تطوع فيه والقادم لا يسعى إلّا مرة واحدة ، وأمّا الطّواف فيستحب الإتيان به مكرراً والإكثار فيه. على أن السعي لا تعتبر فيه الطهارة ويمكن صدوره من الحائض بخلاف الطّواف الذي تعتبر فيه الطهارة.

وبالجملة فالحكم بجواز التقديم يختص بالطواف ، ولكن الأحوط تقديم السعي أيضاً خروجاً عن مخالفة المشهور وإعادته في وقته.

(2) لو قدّم الخائف أو العاجز كالشيخ الكبير وتمكن بعد ذلك من الطّواف فهل تجب عليه الإعادة أو يجتزئ بما تقدم؟

.................................................................................................


الظاهر هو الاجتزاء وعدم لزوم الإعادة ، لأن الحكم بجواز التقديم حكم واقعي لا ظاهري حتى لا يجتزئ به عند انكشاف الخلاف ، فان الموضوع للترخيص هو الخائف والشيخ الكبير العاجز والمفروض تحقق ذلك خارجاً فلا موجب للإعادة.

يبقى الكلام في الوقت الذي بخوف فوته يجوز التقديم ، هل هو يوم النحر أو إلى آخر أيام التشريق أو إلى آخر ذي الحجة؟ يعني مناط التعذر الموجب لجواز تقديم الطّواف هل كونه متعذراً من الطّواف في خصوص يوم النحر ، أو إلى آخر أيام التشريق ، أو إلى طول ذي الحجة؟

لم أر من تعرّض لذلك سوى شيخنا النائيني (قدس سره) فإنه ذكر في مناسكه أن مناط التعذر هو كونه متعذراً إلى آخر أيام التشريق ، لا خصوص يوم النحر ولا مطلقاً فلو علم بالتمكن من الطّواف في أواخر ذي الحجة وبعد أيام التشريق يجوز التقديم فلا خصوصية ليوم النحر ولا إطلاق له إلى آخر ذي الحجة ، فإذا علم بعدم التمكّن من الطّواف في أيام التشريق يجوز له تقديمه وإن علم بالتمكّن من الطّواف بعد أيام التشريق (1).

ولم يظهر لما ذكره وجه ، فإنه (عليه الرحمة) استشكل في امتداد وقت الطّواف اختياراً إلى طول ذي الحجة ، وهنا ذكر بنحو الجزم أن مناط التعذر الموجب لجواز التقديم كونه متعذراً في أيام التشريق ، مع أن ذلك يبتني على مسألة امتداد وقت الطّواف اختياراً ، فان قلنا بالامتداد إلى آخر ذي الحجة فتعذر وقوعه في آخر ذي الحجة يوجب جواز التقديم ، وإن قلنا بأن وقت الطّواف آخر أيام التشريق فعدم تمكنه من الإتيان به في تلك الأيام يجوّز التقديم ، فلا وجه للإشكال هناك أي في امتداد أصل وقت الطّواف والجزم هنا بأن مناط التعذر الموجب لجواز التقديم تعذره في أيام التشريق.

واحتمل بعضهم أن الوجه لما ذكره هنا ما يستفاد من رواية يحيى الأزرق المتقدمة (2)لأن خبر الأزرق جوّز التقديم لخائفة الحيض قبل يوم النحر ، فاذا كان حيضها ثلاثة


1) دليل الناسك (المتن) : 419.

2) في ص 347.

.................................................................................................


أيام يصادف أيام حيضها أيام التشريق ، فيعلم أن العبرة بخوف فوت الطّواف في أيام التشريق.

وفيه : أنه لا دلالة فيها على ما ذكر بوجه ، فان المراد بقوله : «وخافت الطمث قبل يوم النحر» ليس المراد به حدوث الحيض من يوم النحر ليصادف حيضها أيام التشريق بل المراد أنها حائض في يوم النحر ولو بسبق حيضها قبل يوم النحر بيوم أو يومين فالمقصود أن المرأة حائض يوم النحر ، وإنما قيد بيوم النحر لأنها لو لم تكن حائضاً يوم النحر لكانت متمكنة من الطّواف يوم النحر وليس لها الطّواف قبل ذلك. ويؤكد ما ذكرنا جواب الإمام (عليه السلام) «إذا خافت أن تضطر إلى ذلك فعلت» إذ يعلم من ذلك أن الموضوع لجواز التقديم هو الاضطرار.

وبالجملة لا شاهد في الرواية أن ابتداء حيضها من يوم النحر ليصادف حيضها أيام التشريق ، بل الظاهر منها كون المرأة حائضاً يوم النحر ولو بسبق حيضها. فالمراد بعدم التمكن من الطّواف عدم التمكن منه في مجموع الوقت ولو بعد أيام التشريق ، فلو علم بالتمكن من الطّواف في أواخر ذي الحجة لا يجوز له التقديم. فالتحديد بأيام التشريق لا وجه له أصلاً.

هذا كله في طواف الحج وسعيه ، وأمّا طواف النساء فهل يجوز تقديمه أم لا؟

لم يدل دليل على جواز تقديمه ، والنصوص المتقدمة خالية عن ذلك ، فان وقته ممتد بل لا وقت له وإنما هو واجب مستقل يؤتى به في أيّ وقت شاء ولو بعد ذي الحجة ولو فرض عدم تمكنه منه أصلاً يستنيب. نعم يجوز تقديمه للخائف على نفسه من دخول مكة فيمضي بعد أعمال منى إلى بلده أو إلى حيث أراد ، ولا يجب عليه دخول مكة ، وذلك للنص وهو صحيح علي بن يقطين «لا بأس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى ، وكذلك من خاف أمراً لا يتهيّأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف ويودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفاً» (1).


1) الوسائل 13 : 415 / أبواب الطّواف ب 64 ح 1.

مسألة 413 : يجوز للخائف على نفسه من دخول مكة أن يقدّم الطّواف وصلاته والسّعي على الوقوفين ، بل لا بأس بتقديمه طواف النساء أيضاً فيمضي بعد أعمال منى إلى حيث أراد (1).

مسألة 414 : من طرأ عليه العذر فلم يتمكن من الطّواف كالمرأة التي رأت الحيض أو النفاس ولم يتيسر لها المكث في مكة لتطوف بعد طهرها ، لزمته الاستنابة للطواف ثم السّعي بنفسه بعد طواف النائب (2).

مسألة 415 : إذا طاف المتمتع وصلى وسعى حل له الطيب وبقي عليه من المحرمات النساء بل الصيد أيضاً على الأحوط. والظاهر جواز العقد له بعد طوافه وسعيه ولكن لا يجوز له شي‌ء من الاستمتاعات المتقدمة على الأحوط وإن كان الأظهر اختصاص التحريم بالجماع (3).


(1) قد قدّمنا حكم هذه المسألة فلا نعيد ، وقد عرفت من أن تقديم طواف النساء مختص بالخائف على نفسه من دخول مكة وأمّا غيره فلا يجوز له التقديم.

(2) المستفاد من النصوص الواردة في الطّواف (1)أن الطّواف له مراتب ثلاث لا ينتقل الفرض إلى المرتبة اللّاحقة إلّا بعد العجز عن السابقة ، الاولى : أن يطوف المكلف بنفسه مباشرة. الثانية : أن يطاف به بأن يحمله الإنسان فيطاف به. الثالث : أن يستنيب شخصاً ليطوف عنه ، ومن مصاديق ذلك المرأة الحائض التي لم يتيسر لها الطّواف ، فان تمكنت من البقاء في مكة إلى آخر ذي الحجة وجب عليها البقاء لتطوف بنفسها ، وإن لم تتمكن من البقاء فاللازم عليها الاستنابة. وأمّا الطّواف بها فلا يمكن أيضاً لعدم جواز دخولها المسجد ، وأمّا السعي فحيث لا تعتبر فيه الطهارة فالواجب عليها السعي بنفسها بعد طواف النائب.

(3) مواطن التحلّل ثلاثة :


1) الوسائل 13 : 389 / أبواب الطّواف ب 47 ، 49.

.................................................................................................


الأوّل : عقيب الحلق وبه يتحلّل من أكثر المحرمات إلّا الطيب والنساء كما في الروايات (1).

الثاني : بعد طواف الحج وصلاته والسعي فإنه يحل له الطيب. وعن العلّامة في المنتهي حلية الطيب بالطواف وعدم توقف حل الطيب على السعي (2)وعن كاشف اللثام أنه لا يتوقف على صلاة الطّواف وإنما يحل بالطواف والسعي وإن لم يصل صلاة الطّواف كما إذا تركها نسياناً فسعى فإنه يحل له الطيب حينئذ ، لإطلاق النص وعدم ذكر للصلاة في النصوص (3).

ولكن الظاهر توقف حلية الطيب على الطّواف وصلاته والسعي الواقع بعد الطّواف أمّا توقفه على السعي فيدل عليه صحيح معاوية بن عمار «فاذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه إلّا النساء» (4).

وأمّا توقفه على صلاة الطّواف فيدل عليه ما دلّ على توقفه على الطّواف لاندارج صلاته فيه. وأمّا عدم التصريح بذكرها في النصوص فامّا لأجل تبعية الصلاة للطّواف وذكر الطّواف مغن عن ذكرها ، وإما لأن السعي متوقف على صلاة الطّواف ولا يجوز تقديمه على الصلاة ، ويكفينا في توقف حلية الطيب على الطّواف وصلاته والسعي صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «ثم طف بالبيت سبعة أشواط ... ثم صل عند مقام إبراهيم ركعتين ... ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه ... ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة أشواط ... فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء أحرمت منه إلّا النساء» (5)فلو كان في البين إطلاق فيقيد بهذه الصحيحة الدالة على توقف حلية الطيب على الأُمور الثلاثة.


1) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق ب 13 ح 1 وغيره.

2) المنتهي 2 : 766 السطر 15.

3) كشف اللثام 1 : 376 السطر 22.

4) الوسائل 14 : 232 / أبواب الحلق ب 13 ح 1.

5) الوسائل 14 : 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1 وغيره.

.................................................................................................


ويؤكد ذلك معتبرة سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) قال : «إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة (وقصر) فقد حل له كل شي‌ء ما خلا النساء» (1)والرواية معتبرة ، فإن سليمان بن حفص وإن لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال ولكنه من رجال كامل الزيارات.

إنما الكلام في متنه ، لأن الشيخ رواها في التهذيب مع كلمة «وقصر» (2)وذلك شاهد على أن مورد الرواية هو العمرة ، لأن الحج ليس فيه تقصير بعد السعي ، فتكون الرواية أجنبية عما نحن بصدده. مضافاً إلى أنه غير معمول بها عند جميع الأصحاب لأن العمرة المتمتع بها ليس فيها طواف النساء ، ولكن الشيخ في التهذيب حملها على الحج ، لقوله : فان عليه لتحلة النساء طوافاً وصلاة ، لأن العمرة التي يتمتع بها إلى الحج لا يجب فيها طواف النساء. ورواها الشيخ في الاستبصار (3)بدون قوله : «وقصر» فيكون موردها الحج.

والذي أظن أن كلمة «قصر» لم تكن ثابتة في الأصل ، وإنما أثبتها النسّاخ ولذا حملها الشيخ على الحج في التهذيب ، فلم يعلم أن الشيخ ذكر كلمة «قصر» وكيف كان تدل الرواية على توقف حلية الطيب على الطّواف وصلاته والسعي ، فتكون الرواية مؤكدة لما ذكرنا.

وأمّا الصيد الإحرامي فقد تقدم أنه لا يحل إلى الظهر من اليوم الثالث عشر وإن طاف وسعى لدلالة النص على ذلك (4).

التحلّل الثالث : إذا طاف طواف النساء حل له النساء بلا إشكال ، وإنما وقع


1) الوسائل 13 : 444 / أبواب الطّواف ب 82 ح 7.

2) التهذيب 5 : 162 / 544.

3) الاستبصار 2 : 244 / 853.

4) الوسائل 14 : 279 / أبواب العود إلى منى ب 11 ، 239 / أبواب الحلق ب 16.

.................................................................................................


الكلام في المراد بتحريم النساء ، فهل هو جميع الاستمتاعات منها أو خصوص المقاربة؟

ففي القواعد وشرحها أن المراد بها الوطء وما في حكمه من التقبيل والنظر واللمس بشهوة ، دون العقد عليها وإن حرم بالإحرام (1)وعن الشهيد حرمة العقد عليهن أيضاً بل المفهوم منه حرمة الإشهاد (2).

أقول : أمّا بالنسبة إلى العقد والإشهاد ، فلا ينبغي الريب في الجواز ، لأن المتفاهم من النساء هو الاستمتاعات منهن ، فالظاهر جواز العقد له بعد الحلق.

ودعوى أن مقتضى الاستصحاب حرمة العقد أيضاً ، لأنه قد حرم بالإحرام ونشك في زواله بعد طواف الحج وقبل طواف النساء ، والأصل بقاؤه.

مدفوعة : أوّلاً بأنه من الاستصحاب في الأحكام الكلية ولا نقول به كما حقق في محله (3).

وثانياً : بأنه يكفي في رفع اليد عن ذلك صحيحة الفضلاء لقوله : «إلّا فراش زوجها» (4)فإنه يدل على أنه لو طاف طواف الحج وسعى يحل له كل شي‌ء إلّا فراش زوجها المراد به الوطء خاصة ، ولا شك أن فراش زوجها لا يشمل العقد ولا الإشهاد عليه قطعاً ، وسيأتي أن حلية العقد بل الاستمتاعات لا تتوقف على طواف الحج وسعيه.

وأمّا بالنسبة إلى بقية الاستمتاعات كالتقبيل واللمس بشهوة فلا ريب في شمول النساء لذلك ، ولكن هذه الصحيحة كالصريحة في أن المحرم هو الجماع خاصة دون بقية الاستمتاعات ، فان المراد بفراش زوجها كناية عن المقاربة فإنها تحتاج إلى الفراش وأمّا بقية الاستمتاعات من التقبيل واللمس فلا تحتاج إلى الفراش.

ولا شك أن مجرّد النوم على فراش زوجها غير محرم عليها حتى في حال الإحرام


1) لاحظ القواعد 2 : 422 ، جامع المقاصد 3 : 177.

2) الدروس 1 : 368.

3) مصباح الأُصول 2 : 233.

4) الوسائل 13 : 448 / أبواب الطواف ب 84 ح 1.

مسألة 416 : من كان يجوز له تقديم الطّواف والسّعي إذا قدّمهما على الوقوفين لا يحل له الطيب حتى يأتي بمناسك منى من الرمي والذبح والحلق أو التقصير (1).

طواف النِّساء

الواجب العاشر والحادي عشر من واجبات الحج طواف النِّساء وصلاته (2).


فالمراد بفراش زوجها هو الوطء خاصة.

وأمّا حلية بقية المحرمات حتى العقد والاستمتاع بهن بعد الحلق ، وعدم توقفها على طواف الحج وطواف النساء فيدل عليه صحيح الحلبي الآتي قريباً.

(1) إذا قدّم طواف الحج على الوقوفين أو طواف النساء لعذر من الأعذار فهل يجوز له الطيب أو النساء قبل إتيان أعمال مني أو يتحلل منهما بعد أعمال منى؟

الظاهر عدم التحلل منهما إلّا بعد مناسك منى ، لأن طواف الحج أو طواف النساء الذي يحل له الطيب أو النساء هو المترتب على أعمال منى لا مطلق الطّواف ولو تقدّم على الوقوفين.

(2) لا ينبغي الريب في أصل وجوبه على جميع الحجاج إجماعاً بقسميه كما في الجواهر (1)ونصوصاً ، وهي كثيرة جدّاً.

منها : ما دل على أن حج التمتّع فيه ثلاثة أطواف أحدها طواف النساء ، وحج القران والإفراد فيهما طوافان كما في عدّة من النصوص المعتبرة أحدهما طواف النساء (2).

ومنها : موثقة إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «لولا ما منّ اللّه عزّ وجلّ على الناس من طواف النساء لرجع الرجل إلى أهله ليس يحل له أهله» (3)


1) الجواهر 19 : 405.

2) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2.

3) الوسائل 13 : 298 / أبواب الطواف ب 2 ح 2.

وهما وإن كانا من الواجبات إلّا أنهما ليسا من نسك الحج ، فتركهما ولو عمداً لا يوجب فساد الحج (1).


فإنها واضحة الدلالة على أن وجوبه لأجل تحلة النساء ، ولو كان جزءاً للحج وجب عليه الإتيان به حلت به النساء أم لا ، فيعلم أنه لا مانع من حيث الحكم الوضعي من الرجوع إلى البلد بدون طواف النساء إلّا من حيث حلية النساء ، فكأنه فرض لهم جواز الرجوع اختياراً ولكن لا تحل لهم النساء.

والحاصل : طواف النساء وإن كان يجب الإتيان به ولا يجوز له تركه بالمرة ، ولكن يظهر من الرواية أن وجوبه ليس بملاك وجوب الإتيان بأعمال الحج وأجزائه ، بل لأجل تحلة النساء.

(1) تدل على ذلك جملة من النصوص :

منها : صحيحة معاوية بن عمار «وعليه طواف بالبيت إلى أن قال وطواف بعد الحج وهو طواف النساء» (1).

ومنها : صحيحة أُخرى له «وطواف بعد الحج وهو طواف النساء» (2).

ومنها : صحيحة الحلبي «وطواف بالبيت بعد الحج» (3).

فان المستفاد من هذه النصوص أن هذا الطّواف ليس من الحج وإنما يؤتى به بعد أعمال الحج ، فهو واجب مستقل وعمل مرتبط بالحج ، وإنما اللازم إتيانه بعد أعمال الحج والفراغ منه ، ولو كان جزءاً من الحج فلا يقال «وطواف بعد الحج» فان هذا التعبير كالصريح في أنه ليس من الحج وإنما هو واجب في نفسه.

وممّن صرّح بذلك صاحب الجواهر (4)قال (قدس سره) هو غير ركن فلا يبطل


1) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 1.

2) الوسائل 11 : 221 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 12.

3) الوسائل 11 : 218 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 6.

4) الجواهر 19 : 372.

مسألة 417 : كما يجب طواف النِّساء على الرِّجال يجب على النِّساء ، فلو تركه الرّجل حرمت عليه النِّساء ، ولو تركته المرأة حرم عليها الرِّجال (1).


النسك بتركه حينئذ من غير خلاف كما عن السرائر ، لخروجه عن حقيقة الحج واستدلّ بصحيح الحلبي المتقدم وبصحيح الخزاز الوارد في الحائض التي لم تطف طواف النساء ولا ينتظرها جمالها فقال : «تمضي فقد تم حجها» (1)وفي السرائر : الثالث : طواف النساء فهو فرض وليس بركن ، فان تركه متعمداً لم تحل له النساء حتى يقضيه ولا يبطل حجته (2).

(1) لإطلاق النصوص وخصوص بعض الروايات منها : صحيحة الفضلاء المتقدمة (3)الواردة في المرأة المتمتعة. وفي صحيح علي بن يقطين «عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال : نعم عليهم الطّواف كلّهم» (4)فان المستفاد منه وجوبه على كل أحد حتى على القواعد من النساء أو الذي لا يرغب إلى النكاح وليس من شأنه الاستمتاع. وفي معتبرة إسحاق بن عمار «وذلك على الرجال والنساء واجب» (5).

ويظهر من ذلك كلّه وجوبه على الخناثي ، لأنهم إما رجال أو نساء. مضافاً إلى ما دل على أن حج التمتّع فيه ثلاثة أطواف ، منها طواف النساء ، وذلك لا يفرق بين كون الحاج رجلاً وامرأة أو خناثي ، فان المستفاد من هذه النصوص أن طواف النساء من خواص الحج وآثاره من دون نظر إلى من يصدر منه الحج.

فتحصل : أن المستفاد من النصوص أنه لو لم يأت بطواف النساء حرم عليه من


1) الوسائل 13 : 452 / أبواب الطّواف ب 84 ح 13.

2) السرائر 1 : 617.

3) في ص 356.

4) الوسائل : 13 : 298 / أبواب الطّواف ب 2 ح 1.

5) الوسائل 13 : 299 / أبواب الطّواف ب 2 ح 3.

.................................................................................................


النساء خصوص الجماع ، وأمّا بقية الاستمتاعات فتحل له.

وأمّا بالنسبة إلى ما بعد الحلق أو التقصير فمقتضى إطلاق النساء حرمة بقية الاستمتاعات ، ولكن مقتضى صحيح الحلبي جواز الاستمتاعات بعد الحلق ، وبقاء حرمة الجماع خاصة ، فقد روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح ، فقال : ربما آخرته حتى تذهب أيام التشريق ، ولكن لا تقربوا النساء والطيب» (1)فان الظاهر من قرب النساء هو الجماع كما في قوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) (2)فيعلم أن الممنوع بعد الحلق إنما هو الجماع والطيب وأمّا بقية المحرمات فتحل بعد الحلق حتى العقد عليهن والاستمتاعات بهنّ.

بقي هنا شي‌ء : وهو أنه ورد في صحيح معاوية بن عمار وجوب الكفارة على من قبّل امرأته قبل طواف النساء ، فيعلم من ذلك حرمة بقية الاستمتاعات قبل طواف النساء ، وإلّا لو كانت جائزة لم تثبت فيها الكفارة ، قال : «سألته عن رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي ، قال : عليه دم يهريقه من عنده» (3).

والجواب عن ذلك : أنه لا عامل بهذه الرواية أصلاً ولم يقل أحد من الفقهاء بلزوم الكفارة على المُحل وإن كانت المرأة بعد لم تطف طواف النساء.

وقال الشيخ صاحب الجواهر في ذيل هذه الصحيحة : ولم يحضرني أحد عمل به على جهة الوجوب ، فلا بأس بحمله على ضرب من الندب ، لأن الفرض كونه قد أحل فلا شي‌ء عليه إلّا الإثم إن كان (4).

وفي المختلف : قال المفيد وسلار : من قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء وهي لم تطف وهو مكره لها فعليه دم ، فان كانت مطاوعة فالدم عليها دونه ، ولم يذكر الشيخ


1) الوسائل 14 : 233 / أبواب الحلق ب 13 ح 6.

2) البقرة 2 : 222.

3) الوسائل 13 : 139 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 18 ح 2.

4) الجواهر 20 : 391.

.................................................................................................


ذلك ولم نقف في ذلك على حديث مروي (1).

والأمر كما ذكره العلّامة والجواهر ، لأن خبر معاوية بن عمار مطلق لم يذكر فيه الإكراه ، فلا يمكن أن يكون مستنداً للمفيد وسلار ، فالخبر لا عامل به أصلاً.

على أن دلالتها بالإطلاق ، لأنه لم يرد فيها أنها طافت طواف الحج أو قصّرت ، بل ورد فيها أنها لم تطف طواف النساء وذلك مطلق من حيث إنها قصّرت أم لا أو طافت طواف الحج أم لا.

ثم إنه هل تحرم النساء على المميز الصبي إذا لم يطف طواف النساء بناء على شرعية عبادته خصوصاً في الحج ، للنصوص الدالّة على مشروعية الحج للصبي (2)؟

يظهر من الجواهر عدم الفرق بين المكلف والصبي المميز ، فإنه ذكر أن طوافه يصلح سبباً للحل ، فقبل الطّواف تحرم عليه النساء ، وحديث الرفع إنما يرفع الحكم التكليفي ، وأمّا الحكم الوضعي المترتب على فعل من الأفعال فلا يرفعه الحديث ، وحرمة النساء من الآثار الوضعية لترك طواف النساء (3).

ولكن الظاهر أنه لا يترتّب على تركه للطواف حرمة النساء ، فإن الأحكام المترتبة على الإحرام قد يكون حكماً وضعياً كبطلان العقد الواقع حال الإحرام ، فإن من شرائط العقد إيقاعه في غير حال الإحرام ، ففي مثله لا يفرق بين صدور العقد من الصبي أو البالغ ، لأن الأحكام الوضعية لا تختص بالمكلف كسائر الشرائط المعتبرة في صحة العقد ، فاذا كان الصبي محرماً لا يصح منه عقد النكاح ، ولكن يرتفع ذلك بطواف الحج أو بالحلق وإن لم يطف طواف النساء ، لما عرفت قريباً من التحلّل عن جميع المحرمات بعد الحلق إلّا الطيب والنساء.


1) المختلف 4 : 181 / 138.

2) الوسائل 11 : 54 / أبواب وجوب الحج ب 20 ، وص 336 / أبواب المواقيت ب 18.

3) الجواهر 19 : 260.

والنائب في الحج عن الغير يأتي بطواف النساء عن المنوب عنه لا عن نفسه (1).


وأمّا بالنسبة إلى غير العقد كالتقبيل والملامسة بشهوة وغيرهما من التروك فهي أحكام تكليفية محضة ، وهي غير ثابتة على الصبي من أوّل الأمر حتى يقال بارتفاعها بالطواف أو عدمه ، لأن التكليف يعتبر فيه البلوغ فاذا كان المحرم غير مكلف لا تحرم عليه هذه المحرمات ويجوز له ارتكابها.

ودعوى أنه وإن لم تحرم عليه من الأول ولا بالفعل ولكن تحرم عليه بعد البلوغ لو ترك طواف النساء ، فاسدة لعدم الدليل على ذلك ، فان طواف النساء يرفع ما حرم عليه لا أن تركه يوجب الحرمة عليه بعد البلوغ ، فان ذلك مما لا دليل عليه ، فحرمة النساء بترك طواف النساء من الأحكام المختصة بالبالغين.

(1) لا ريب في وجوب طواف النساء على النائب ، لوجوب الإتيان به بعد الحج من دون خصوصية للموارد ، وهل يجب على النائب أن يأتي بطواف النساء عن نفسه أو عن المنوب عنه؟

الظاهر هو الثاني ، لأن النائب يأتي بأعمال الحج عنه ويأتي بالعمل الواجب على المنوب عنه سواء كان ميتاً أو حياً ، ولا إشكال أن ما وجب على المنوب عنه هو الحج وما يلحقه من طواف النساء ، والنائب ينوب عنه في جميع ما وجب على المنوب عنه ومنه طواف النساء ، فالعمل للمنوب عنه وهو الواجب عليه ، وإنما النائب يأتي بما وجب عليه.

وبعبارة اخرى : يلزم على النائب أن يأتي بعمل يوجب فراغ ذمة المنوب عنه عما وجب عليه ، ولا ريب أن طواف النساء قد وجب على المنوب عنه ، فلا بد من أن يأتي النائب به نيابة عن المنوب عنه كسائر الأعمال والأفعال للحج من الوقوفين والطّواف والسعي والرمي وغيرها من أجزاء الحج.

مسألة 418 : طواف النِّساء وصلاته كطواف الحج وصلاته في الكيفية والشرائط (1).

مسألة 419 : من لم يتمكن من طواف النساء باستقلاله لمرض وغيره استعان بغيره ، فيطوف ولو بأن يحمل على متن حيوان أو إنسان ، وإذا لم يتمكّن منه أيضاً لزمته الاستنابة عنه ، ويجري هذا في صلاة الطّواف أيضاً (2).


(1) لا يخفى أنه لم يذكر كيفية طواف النساء وشرائطه في النص ، ولكن لا ريب في شمول كل ما يعتبر في الطّواف فيه ، لأن الظاهر مما يعتبر في الطّواف عدم اختصاصه بطواف دون طواف ، فجميع أقسام الطّواف وأفراده في جميع الأحكام مشتركة ، وهذا واضح جدّاً.

(2) قد ذكرنا غير مرة أن النصوص تدل على أن الطّواف له مراتب ثلاث : الطّواف مباشرة ، ثم الإطافة به ، ثم الطّواف عنه ، ويظهر منها عدم اختصاص هذا الحكم بطواف الحج ، بل يعد ذلك من أحكام مطلق الطّواف من دون فرق بين أقسامه وأفراده.

فرع : لم يوقّت طواف النساء بوقت من الأوقات في الروايات كأيام التشريق أو شهر ذي الحجة وإنما اللّازم إتيانه بعد طواف الحج والسعي وعدم جواز تقديمه عليهما ، ولكن قد تقدم جواز تأخير طواف الحج والسعي إلى آخر ذي الحجة اختياراً فلازمه جواز تأخير طواف النساء أيضاً بلا إشكال.

وهل يجوز تأخيره من شهر ذي الحجة وإتيانه في شهر محرم مثلاً اختياراً أم لا؟

ذكر المحقق النائيني في مناسكه أنه لا يجوز له تأخيره عن شهر ذي الحجة ، فلو لم يأت به إلى أن خرج شهر ذي الحجة أثم وعصى ، ولكن لو أتى به في أيّ وقت كان أجزأه وحل له النساء ، ففصّل (قدس سره) بين الحكم التكليفي والوضعي (1).

ولا نعرف وجهاً لما ذكره (قدس سره) فان طواف النساء واجب وعمل مستقل وليس من أركان الحج وأجزائه فيؤتى به في أيّ وقت شاء ، غاية الأمر بعد الفراغ من


1) دليل الناسك (المتن) : 421.

مسألة 420 : من ترك طواف النِّساء سواء كان متعمداً مع العلم بالحكم أو الجهل به ، أو كان نسياناً ، حرمت عليه النساء إلى أن يتداركه ، ومع تعذّر المباشرة أو تعسرها جاز له الاستنابة ، فإذا طاف النائب عنه حلّت له النساء (1).


أعمال الحج ، ولم يرد في رواية من الروايات تحديده بوقت من الأوقات. وأمّا قوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) (1)فهو خاص لإعمال الحج ، والمفروض أن طواف النساء عمل مستقل يؤتى به بعد الحج فلا تشمله الآية الكريمة.

فمقتضى إطلاق الروايات جواز الإتيان به بعد شهر ذي الحجة. نعم لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي ، وإنما يؤتى به بعد السعي ، ويدلُّ عليه صحيح معاوية بن عمار «ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت ، ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة ، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شي‌ء أحرمت منه إلّا النساء ، ثم ارجع إلى البيت وطف به أُسبوعاً آخر ، ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم قد أحللت من كل شي‌ء وفرغت من حجك كله» (2)وثم للترتيب.

ويدلُّ عليه أيضاً الروايات المتقدمة التي دلت على أنه يأتي بطواف النساء بعد الحج ، ومن المعلوم أن السعي من الحج وأركانه ، فالدليل غير منحصر بصحيحة معاوية ابن عمار كما يظهر من الجواهر (3).

(1) إذا ترك طواف النساء حتى أتى أهله وبلده ، فتارة يتركه عالماً عامداً ، وأُخرى يتركه جاهلاً بالحكم ، وثالثة يتركه نسياناً ، فهل يجب عليه الرجوع والطّواف مباشرة أو يجوز له الاستنابة حتى مع التمكن من الرجوع؟


1) البقرة 2 : 197.

2) الوسائل 14 : 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1.

3) الجواهر 19 : 397.

.................................................................................................


أمّا في صورة النسيان ، فقد ذكره المحقق (قدس سره) أنه لو نسي طواف النساء جاز أن يستنيب (1)ومقتضى إطلاق عبارته جواز الاستنابة مطلقاً حتى مع التمكن من الطّواف مباشرة. ونسب جواز ذلك اختياراً إلى المشهور. وذكر صاحب الجواهر اختصاص إجزاء الاستنابة بما إذا لم يكن الترك عمداً ، أمّا معه فالأصل يقتضي وجوب الرجوع بنفسه (2).

ولكن الظاهر اختصاص جواز الاستنابة بفرض العجز عن الرجوع بنفسه والعجز عن الطّواف بالمباشرة ، وذلك فإن الأخبار الواردة في المقام على طوائف ثلاث :

الاولى : ما دل على الاستنابة في مورد النسيان كصحيحة معاوية بن عمار «عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله ، قال : يرسل فيطاف عنه» (3).

الثانية : تدل على لزوم الرجوع والطّواف بنفسه كما في صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله ، قال : لا تحل له النساء حتى يزور البيت» (4)فان ظاهره المباشرة وقيام نفسه بالطواف وزيارة البيت ، ولو كنّا نحن وهاتين الطائفتين لكان الواجب تخييرياً بين الاستنابة وبين المباشرة ، لأن كلا من الطائفتين ظاهر في الوجوب التعييني ، ونرفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين جمعاً بين الروايتين ، والنتيجة هي التخيير بين الأمرين ، فيتم ما ذكره المحقق من جواز الاستنابة اختياراً.

الطائفة الثالثة : ما دل على جواز الاستنابة في فرض العجز عن المباشرة كما في صحيحة ثالثة لمعاوية بن عمار «في رجل نسي طواف النساء حتى أتى الكوفة ، قال : لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت. قلت فان لم يقدر؟ قال : يأمر من يطوف عنه» (5).


1) الشرائع 1 : 310.

2) الجواهر 19 : 390.

3) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 3.

4) الوسائل 13 : 406 / أبواب الطّواف ب 58 ح 2.

5) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 4.

.................................................................................................


وهذه الصحيحة شاهدة للجمع بين الطائفتين المذكورتين بحمل الاستنابة على صورة عدم التمكن من المباشرة بنفسه ، ولعل وجه الإطلاق في تلك الروايات حملها على الغالب لعدم التمكن من الرجوع غالباً.

وبالجملة : مقتضى الجمع بين الروايات وجوب الرجوع عليه بنفسه والطّواف مباشرة وإن لم يقدر على ذلك فتجوز له الاستنابة ، هذا كله في فرض النسيان.

وأمّا لو تركه عامداً ، سواء كان جاهلاً بالحكم أو عالماً به ، فهل تجب عليه المباشرة والطّواف بنفسه بدعوى أن أخبار الاستنابة موردها النسيان ولا تشمل العامد كما في الجواهر ، أم يستنيب في صورة العجز عن المباشرة كما هو الحال في مورد النسيان ، فالعامد أيضاً يجب عليه الرجوع لو تمكّن وإلّا فيستنيب كما اختاره شيخنا النائيني (قدس سره) (1)؟ والصحيح هو الثاني ، ويدلُّ عليه :

أوّلاً : أن النسيان لا خصوصية له ، فان طواف النساء له جهتان : الوجوب النفسي والوجوب الشرطي.

أمّا الوجوب النفسي فيسقط بالعجز وبعدم القدرة ، فإن من أتى بلده لا يتمكن من الرجوع بنفسه فيسقط الوجوب التكليفي لعدم القدرة ، من دون فرق بين تركه نسياناً أو عمداً.

أمّا الوجوب الشرطي وهو وجوبه لتحل له النساء كما ورد التعليل بذلك في غير واحد من الروايات ، وهذا التعليل كاشف عن عدم الاختصاص بصورة النسيان ، فان مقتضى التعليل الوارد في النصوص من أنّ الرجل يحتاج إلى الزوجة ولئلّا تبقى الزوجة بلا زوج ، مشروعية النيابة عند سقوط التكليف بالمباشرة وعدم القدرة على الامتثال.

وثانياً : يكفينا في جواز الاستنابة في فرض العجز عن المباشرة نفس الروايات المتقدمة (2)من أن الطّواف له مراتب ثلاث ، فان تلك المطلقات غير قاصرة الشمول


1) دليل الناسك (المتن) : 421.

2) في ص 353.

فاذا مات قبل تداركه فالأحوط أن يقضى من تركته (1).


للمقام.

(1) لو مات ولم يطف هو ولا نائبه يظهر من جماعة منهم المحقق (1)أنه يقضي عنه وليه كما في الصلاة والصوم ، وليس في كلامهم أنه يقضي من تركته. ولكن الشيخ النائيني صرّح بأنه يقضى من صلب ماله كالديون (2)ولكن لم يذكر وظيفة الولي وأن عليه أن يقضي عنه.

والصحيح ما ذكره المحقق النائيني لكن على سبيل الاحتياط ، بيان ذلك : أن الروايات الواردة في المقام مختلفة ، فبعضها يدل على أنه يقضي عنه وليه كصحيحة معاوية بن عمار «فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليه» (3)، ولو كنّا نحن وهذه الصحيحة لقلنا بمقالة المحقق من أنه لو مات قضاه وليه ، ولكن في صحيحتين لمعاوية ابن عمار أنه يقضي عنه وليه أو غيره (4).

ولا نحتمل وجوبه على غير الولي وجوباً كفائياً على المسلمين. وبعبارة أوضح : ليس قضاء طواف النساء عن الميت من الواجبات الكفائية على الولي وغيره من أفراد المسلمين ، فيكون الأمر بالقضاء للولي وغيره إرشاداً إلى اشتغال ذمّة الميت ، وأن تفريغ ذمته أمر مرغوب فيه في الشريعة سواء بواسطة الولي أو غيره ، ولعلّ ذكر خصوص الولي في الروايات من باب الأولوية.

فالنتيجة : أنه لا دليل على وجوب القضاء على الولي ، فالولي وغيره من هذه الجهة سيان ، فانّ كل أحد له إفراغ ذمة الميت عما اشتغلت به.

وأمّا أنه يقضى من تركته ومن صلب ماله ، فيبتني على أمرين :

أحدهما : أن كل واجب مالي أو كل واجب يحتاج إلى صرف المال يؤخذ من صلب


1) الشرائع 1 : 310.

2) دليل الناسك (المتن) : 422.

3) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 3.

4) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 2 ، 6.

.................................................................................................


ماله ، لكونه ديناً ودين اللّه أحق أن يقضى كما في رواية الخثعمية (1).

والجواب عن ذلك : أن الثابت أخذ الدين الحقيقي المالي من صلب المال ، ولا دليل على أخذ الواجبات من صلب المال ، وإطلاق الدين على بعض الواجبات الشرعية ليس إطلاقاً حقيقياً ، وأمّا رواية الخثعمية فضعيفة سنداً ، وقد تقدم الكلام في ذلك مفصّلاً في شرحنا على كتاب العروة (2).

ثانيهما : أنّ ما دلّ على قضاء الحج من صلب المال بل ورد في بعض النصوص تقدّمه على الدّين (3)يشمل قضاء طواف النساء ، لأن الحج فيه طواف النساء ، بمعنى أنه لو استأجرنا للحج عن الميت فلا ريب في شمول الإجارة لطواف النساء أيضاً فاجرة طواف النساء من صلب مال الميت كاجرة الحج نفسه.

والجواب : أن طواف النساء إذا كان في ضمن استئجار الحج ، فلا ريب في خروج أُجرته من صلب المال ، بمعنى أن اجرة الحج تشمل طواف النساء أيضاً قطعاً ، لأنه في ضمن الحج ، وأمّا إذا كانت الإجارة واقعة على طواف النساء فقط ، والمفروض أنه واجب مستقل ، فلا دليل على خروج أُجرته من صلب المال.

والحاصل : لا دليل على وجوب القضاء على الولي كما لا دليل على خروج أُجرته من صلب المال ، فالحكم في كلا الموردين احتياطي.

ولا بأس بذكر الروايات الواردة في المقام ، فليعلم أن ما دل على وجوب القضاء على الولي خاصة روايات ثلاث كلها عن معاوية بن عمار :

منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم عن النخعي عن صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «عن رجل نسي طواف النساء إلى أن قال فان مات فليقض عنه وليه» (4).


1) المستدرك 8 : 26 / أبواب وجوب الحج ب 18 ح 3.

2) شرح العروة 26 : 242.

3) كما في صحيحة بريد العجلي المرويّة في الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحج ب 26 ح 2.

4) الوسائل 13 : 406 / أبواب الطّواف ب 58 ذيل ح 2. التهذيب 5 : 253 / 857.

.................................................................................................


ومنها : ما رواه عن حماد عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليه» (1).

ومنها : ما رواه عن علي عن فضالة عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليه» (2).

والظاهر من كلام الشيخ أن علياً هذا هو علي بن جعفر ، لذكر علي بن جعفر في سند الخبر المتقدم على هذا الخبر بلا فصل ، ولكن صاحب الوسائل صرح بأنه علي ابن مهزيار ، ولعل وجهه لأجل عدم رواية علي بن جعفر عن فضالة ، وإن كان ممكناً بحسب الطبقة بخلاف علي بن مهزيار ، فان له روايات عن فضالة وله كتاب الحج ، فيترجح أن يكون علي هو ابن مهزيار ، وعلى كل الرواية صحيحة ، وهذه روايات صحاح كلها عن معاوية بن عمار تدل على القضاء على الولي.

وبإزائها صحيحتان عن معاوية بن عمار تدلان على أنه يقضي عنه وليه أو غيره.

الاولى : ما رواه الشيخ عن الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن رجل عن معاوية بن عمار «فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره» (3).

وفي الكافي : ابن أبي عمير بدل رجل (4)وصرح الوافي أن نسخ الكافي فيها ابن أبي عمير (5)فما في التهذيب اشتباه.

الثانية : عن فضالة عن معاوية بن عمار «فان هو مات فليقض عنه وليه أو غيره» (6).

فهذه خمس روايات كلها عن معاوية بن عمار بعضها بواسطة فضالة وبعضها بواسطة حماد ، وبعضها بواسطة ابن أبي عمير ، والراوي واحد وهو معاوية بن عمار ، فتارة


1) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 3 ، التهذيب 5 : 255 / 866.

2) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 3 ، التهذيب 5 : 488 / 1746.

3) الوسائل 13 : 407 / أبواب الطّواف ب 58 ح 6 ، التهذيب 5 : 128 / 422.

4) الكافي 4 : 513 / 5.

5) الوافي 14 : 1232 / 9.

6) الوسائل 13 : 406 / أبواب الطّواف ب 85 ح 2 ، التهذيب 5 : 255 / 865.

مسألة 421 : لا يجوز تقديم طواف النِّساء على السّعي ، فإن قدّمه فان كان عن علم وعمد لزمته إعادته بعد السّعي ، وكذلك إن كان عن جهل أو نسيان على الأحوط (1).


نقول بأن الرواية متعددة ، وقال (عليه السلام) لمعاوية بن عمار تارة يقضي عنه وليه ، وأُخرى قال (عليه السلام) يقضي عنه وليه أو غيره ، فحينئذ يجري ما ذكرنا من عدم الالتزام بالوجوب الكفائي ، فيكون الأمر إرشاداً إلى اشتغال ذمة الميت بهذا الواجب ، فاذن لا دليل على وجوب القضاء عن الميت.

وإن قلنا بأن الرواية واحدة فكان الأمر دائراً بين الزيادة والنقيصة ، ولم نعلم أن الصادر من الامام (عليه السلام) هو الزائد أي «يقضي عنه وليه أو غيره» ، أو أن الصادر النقيصة أي قوله : «يقضي عنه وليه» فيقع التعارض ، ويتساقطان فلا دليل على وجوب القضاء على الولي.

والظاهر أن ما في الكافي هو الصحيح فإنه أضبط ، وما فيه مشتمل على قوله : «أو غيره» فاذا قلنا باشتمال الرواية على هذه الزيادة فلا يمكن القول بالوجوب كما عرفت.

ثم إن هنا رواية أُخرى رواها ابن إدريس عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الحلبي «عن رجل نسي طواف النساء إلى أن قال وإن مات قبل أن يطاف عنه طاف عنه وليه» (1)ولو كانت هذه الرواية صحيحة سنداً لوجب القضاء على الولي لعدم المعارض لها ، ولكنها ضعيفة سنداً لجهالة طريق ابن إدريس إلى نوادر البزنطي.

(1) قد عرفت قريباً أنه لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي ، وإنما محله بعد الفراغ من السعي ، ولكن لو قدّمه على السعي ، فإن كان عن علم وعمد فلا ريب في البطلان وعدم الإجزاء ، لأنه أتى به على خلاف الترتيب ، فلم يأت بالمأمور به على


1) الوسائل 13 : 409 / أبواب الطّواف ب 58 ح 11 ، السرائر 3 : 562.

.................................................................................................


وجهه ، ولا دليل على الإجزاء فتجب عليه الإعادة بعد السعي.

وأمّا لو قدّمه نسياناً أو عن جهل فهل يجزي أم لا؟ نسب إلى جماعة من الأكابر الإجزاء ومنهم الشيخ النائيني في مناسكه (1)بل قيل إنه لا خلاف فيه.

أقول : إن تمّ إجماع في المقام فهو ، وإلّا كما هو الصحيح فيشكل الحكم بالصحة والإجزاء ، والوجه في ذلك : أن عمدة ما استدل به للإجزاء أمران :

أحدهما : استدلوا بصحيحتي جميل ومحمد بن حمران الواردتين في من قدّم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم (2)فحكم (عليه السلام) بالصحة والإجزاء ، وقد جعل بعض العلماء ذلك أصلاً وقاعدة كلية متبعة في باب الحج إلّا إذا قام الدليل على الخلاف ، وإلّا فمقتضى القاعدة المستفادة من الخبرين هو الإجزاء في موارد النسيان في جميع موارد أعمال الحج.

والجواب عن ذلك : أن الأمر وإن كان كذلك ولكن إنما يتم في أجزاء الحج وأفعاله فان المسئول عنه في الخبرين هو أجزاء الحج وأعماله ، وطواف النساء ليس من أعمال الحج ، وإنما هو واجب مستقل وموضعه بعد الفراغ من أعمال الحج كما عرفت ، فلو أتى به في أثناء أعمال الحج أي قبل السعي فلم يأت بالواجب على وجهه ، والخبران لا يشملانه ولا دليل على الإجزاء ، فحال طواف النساء حال المبيت في منى والرمي في اليوم الحادي عشر والثانية عشر ، فإنه لا يجزئ لو أتى بذلك قبل العيد ، بل لا بدّ له من الرمي في اليوم الحادي عشر والثانية عشر ، وعليه المبيت ولا يفيده المبيت قبل ذلك ولو نسياناً.

ثانيهما : موثق سماعة بن مهران عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل طاف طواف الحج وطواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا والمروة ، قال : لا يضرّه يطوف بين الصفا والمروة وقد فرغ من حجّه» (3)فان مقتضاه الإجزاء ولو تعمد


1) دليل الناسك (المتن) : 423.

2) الوسائل 14 : 155 / أبواب الذبح ب 39 ح 4 ، وص 215 / أبواب الحلق ب 2 ح 2.

3) الوسائل 13 : 418 / أبواب الطّواف ب 56 ح 2.

مسألة 422 : من قدّم طواف النِّساء على الوقوفين لعذر لم تحلّ له النِّساء حتى يأتي بمناسك منى من الرّمي والذّبح والحلق (1)


التقديم وقد حمله الشيخ على الناسي لأنه مع العمد لم يجز قطعاً (1).

والجواب عن ذلك : أن الرواية إنما هي مطلقة ولم يذكر فيها النسيان ، وإنما حمله الشيخ على النسيان ، فظاهر الرواية جواز التقديم حتى عمداً وهذا مقطوع البطلان فلا بدّ من طرح الرواية وردّ علمها إلى أهلها ، أو حملها على صورة النسيان كما صنعه الشيخ.

فالنتيجة : أنه لا دليل على الإجزاء في صورة النسيان.

والذي يؤكد ما ذكرناه : أن الموثقة غير ناظرة إلى صحة طواف النساء وعدمها من حيث وقوعها قبل السعي وبعده ، وإنما نظرها إلى صحة طواف الحج باعتبار الفصل بينه وبين السعي بطواف النساء ، فكان السائل احتمل في صحة طواف الحج عدم الفصل بين طواف الحج والسعي بطواف النساء ، فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يضر الفصل بطواف النساء ويأتي بالسعي بعده.

ويشهد لذلك قول السائل «عن رجل طاف طواف النساء» ولو كان نظره إلى تقديم طواف النساء على السعي لم يكن وجه لذكر طواف الحج ، فإن السؤال عن ذلك أجنبي عن تقديم طواف النساء على السعي ، فيعلم من ذكر طواف الحج قبل طواف النساء أن نظر السائل إلى الفصل بين طواف الحج والسعي بطواف النساء ، ولا أقل من إجمال الرواية ، ولا ريب أن الحكم بعدم الإجزاء إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

(1) قد تقدّم جواز تقديم طواف الحج على الوقوفين للمعذور ، ولكن قد عرفت أنه لا يحل له الطيب بتقديم طواف الحج ، فإن الحلية تترتب على الطّواف المتأخر عن أعمال منى لا المتقدم عليها ، وكذلك الحال في تقديم طواف النساء للخائف ، فإن النساء


1) التهذيب 5 : 134.

مسألة 423 : إذا حاضت المرأة ولم تنتظر القافلة طهرها ، جاز لها ترك طواف النِّساء والخروج مع القافلة (1) والأحوط حينئذ أن تستنيب لطوافها ولصلاته. وإذا كان حيضها بعد تجاوز النصف من طواف النِّساء جاز لها ترك الباقي والخروج مع القافلة (2) والأحوط الاستنابة لبقية الطّواف ولصلاته.


إنما تحل بعد أعمال منى ، ولا تحل له حتى إذا قدّم طواف النساء على أعمال منى ، فان هذه الأحكام مترتبة على الحاج ما دام كان محرماً ، فقبل الإحلال من الإحرام لا يحل له المحرّمات المعهودة وإن قدّم طواف الحج أو طواف النساء.

(1) لمعتبرة إبراهيم الخزاز قال : «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل فقال : أصلحك اللّه إن معنا امرأة حائضاً ولم تطف طواف النساء فأبى الجمّال أن يقيم عليها ، قال : فأطرق وهو يقول : لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها ولا يقيم عليها جمّالها ، تمضي فقد تم حجها» (1)فإنها صريحة في جواز ترك طواف النساء لها فيما إذا لم تتمكن من البقاء في مكة ، ولكن صاحب الوسائل حملها على أن المراد بها أنها تستنيب ولا تدل على السقوط مطلقاً ، وما ذكره صحيح لكن على وجه الاحتياط لا الوجوب ، لأن الظاهر من الرواية أنه قد تم حجها ولا حاجة إلى الاستنابة ، لأن المراد بقوله : «فقد تم حجها» تمامية أفعال حجها وأجزائه ، فالمفروض أنه قد تم قبل الإتيان بطواف النساء ، فالمراد بذلك أنه قد تم أجزاء الحج ولواحقه ، فالظاهر أنه لا تجب عليها الاستنابة وإن تمكنت منها.

(2) لصحيح فضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا طافت المرأة طواف النساء فطافت أكثر من النصف فحاضت نفرت إن شاءت» (2)والظاهر من ذلك الاكتفاء بذلك وليس عليها الاستنابة ولا البقاء في مكة لتدارك الطّواف وإن


1) الوسائل 13 : 452 / أبواب الطّواف ب 85 ح 13.

2) الوسائل 13 : 461 / أبواب الطّواف ب 90 ح 1.

مسألة 424 : نسيان الصلاة في طواف النِّساء كنسيان الصلاة في طواف الحج (1) وقد تقدم حكمه في المسألة 329.

مسألة 425 : إذا طاف المتمتع طواف النِّساء وصلى صلاته حلت له النِّساء ، وإذا طافت المرأة وصلت صلاته حل لها الرجال فتبقى حرمة الصيد إلى الظهر من اليوم الثالث عشر على الأحوط (2)


تمكنت من البقاء ، وإنما يجب البقاء على الحائض فيما إذا حاضت قبل طواف النساء فإنه إن تمكنت من البقاء فعليها الطّواف ، وإن لم تتمكن من البقاء لعدم انتظار القافلة لها يسقط عنها طواف النساء وليس عليها الاستنابة. وأمّا إذا حاضت في الأثناء فإطلاق النص يقتضي الاكتفاء بما طافت وليس عليها الطّواف حتى إذا تمكنت من البقاء في مكة.

(1) لا ريب في أن حال صلاة طواف النساء حال صلاة طواف الحج ، والروايات الواردة في نسيان صلاة الطّواف على طوائف :

منها : ما ورد في طواف الحج كصحيحة معاوية بن عمار «في رجل طاف طواف الفريضة ونسي الركعتين» (1)ومنها : ما ورد في نسيان صلاة طواف النساء كصحيحة محمد بن مسلم «ثم طاف طواف النساء ولم يصل لذلك الطّواف حتى ذكر وهو بالأبطح» ومنها : ما ورد في نسيان صلاة مطلق الطّواف كما في معتبرة عمر بن يزيد (2)والمستفاد من مجموعها أنه إذا تمكن من الرجوع فهو وإلّا فيصليها حيث ما ذكرت.

(2) قد ذكرنا سابقاً (3)أن الصيد الإحرامي تبقى حرمته إلى زوال يوم الثالث عشر وإن طافت طواف النساء وأتى بجميع الأعمال ، وذلك للنص ، وحيث إن المشهور لم


1) الوسائل 13 : 438 / أبواب الطّواف ب 77 ح 1.

2) الوسائل 13 : 428 / أبواب الطّواف ب 74 ح 5 ، 1.

3) في ص 355.

وأمّا قلع الشجر وما ينبت في الحرم وكذلك الصيد في الحرم فقد ذكرنا أن حرمتهما تعم المحرم والمحل (1).

المبيت في منى

الواجب الثاني عشر من واجبات الحج المبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر ، ويعتبر فيه قصد القربة ، فإذا خرج الحاج من مكة يوم العيد لأداء فريضة الطّواف والسّعي وجب عليه الرجوع ليبيت في منى. ومن لم يجتنب الصيد في إحرامه فعليه المبيت ليلة الثالث عشر أيضاً وكذلك من أتى النِّساء على الأحوط (2).


يلتزموا بذلك ولم يتعرضوا إليه في كتبهم كما عرفت سابقاً ، لذا يكون الحكم مبنياً على الاحتياط اللزومي.

(1) قد عرفت أن الصيد في الحرم وكذلك قلع شجر الحرم ليس من آثار الإحرام ولا يرتبط به ، وإنما ذلك من أحكام الحرم سواء كان الشخص محلا أو محرماً.

(2) قد عرفت أن مقتضى جملة من النصوص تمامية أعمال الحج وتكميلها بإتيان طواف الحج وسعيه وإن لم يطف طواف النساء ، كالروايات البيانية لكيفية الحج (1)كما أن مقتضى صحيحة معاوية بن عمار (2)أنه لو طاف طواف النساء لم يبق عليه شي‌ء ، وقد تم حجّة إلّا الصيد الحرمي ، ومن ذلك يظهر أن أعمال منى خارجة عن أعمال الحج ولا يضر تركها بالحج وإن كان آثماً بالترك.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه إذا قضى الحاج مناسكه وأتى بطواف الحج وسعيه يجب عليه العود إلى منى ليبيت فيها ليلة الحادي عشر ، وليلة الثاني عشر والثالث عشر في بعض الفروض كما سيأتي ، إجماعاً من المسلمين والتسالم منهم بل والسيرة


1) الوسائل 11 : 212 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 1 وغيره.

2) الوسائل 14 : 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1.

.................................................................................................


القطعية ، ولو كان غير واجب لظهر وبان ، مضافاً إلى دلالة الآية المباركة على ذلك ( وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ) (1)المفسرة بأيام التشريق ، وأنه يجوز له النفر بعد زوال اليوم الثاني عشر إذا اتقى الصيد.

وأيضاً تدل على ذلك النصوص الكثيرة منها : صحيحة معاوية بن عمار «إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبيت إلّا بمنى» (2)وصحيحة اخرى له «لا تبت ليالي التشريق إلّا بمنى» (3)فلا ينبغي الشك في الوجوب ، فما عن الشيخ في التبيان من استحباب المبيت (4)وكذا عن الطبرسي من القول باستحباب المبيت (5)، شاذ نادر لا تساعد عليه الأدلّة.

ثم لا ريب في أن المبيت عمل قربي عبادي يحتاج إلى قصد القربة لقوله تعالى ( وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ) ومعلوم أن ذكر اللّه من الأعمال العبادية القربية فلو بات بلا قصد القربة لم يمتثل الأمر ويكون عاصياً وإن أتى بذات المبيت.

وهل عليه الكفارة لترك المبيت على الوجه القربي أم لا؟

احتمل بعضهم ثبوت الفدية ، والظاهر عدمه ، فإن الكفارة ثابتة على من ترك المبيت بمنى ، والظاهر منه انصرافه بحكم التبادر إلى الترك الحقيقي لا الحكمي ، بل الروايات تدل على أن من بات في غير منى فعليه الكفارة ، ولا يصدق ذلك على من بات في منى بلا قصد القربة. هذا كله في ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر.

وأمّا ليلة الثالث عشر فيجب عليه المبيت أيضاً إذا لم يتق الصيد ، للنصوص منها : صحيحة حماد «إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأوّل ، ومن نفر في


1) البقرة 2 : 203.

2) الوسائل 14 : 251 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 1.

3) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.

4) التبيان 2 : 154.

5) مجمع البيان 2 : 151.

.................................................................................................


النفر الأوّل فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ( ... لِمَنِ اتَّقى ) ، فقال : اتقى الصيد» (1)وليعلم أوّلاً أن قوله ( لِمَنِ اتَّقى ) لم يذكر في الآية في هذا الموضع ، وإنما ذكر بعد قوله تعالى ( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) (2)فذكره في هذا الموضع إما اشتباه من الراوي وإما أنه نقل بالمعنى لا نقل نفس الآية.

ثم إن الرواية صحيحة ، فإن محمد بن يحيى الراوي عن حماد وإن كان مردداً بين محمد بن يحيى الخزاز ، ومحمد بن يحيى الخثعمي وهما ثقتان ، وبين محمد بن يحيى الصيرفي وهو غير موثق ، ولكن الظاهر انصرافه إلى الخزاز ، لاشتهاره وممن له كتاب والخثعمي وإن كان له كتاب أيضاً ولكن لا ريب أن الخزاز هو الأشهر بحيث إن الشيخ ترجمه في الفهرست (3)من دون أن يذكره مقيداً بالخزاز.

وبالجملة : لا ريب أن محمد بن يحيى في هذه الطبقة ينصرف إلى الخزاز كما هو كذلك في سائر الروايات التي ذكر محمد بن يحيى على الإطلاق.

وأمّا إذا لم يتق النساء أو مطلق المحرمات المعهودة في الإحرام أو مطلق الكبائر أو مطلق الصرورة ، فهل يجب عليه البيتوتة ليلة الثالث عشر أم لا؟

المشهور والمعروف بين الفقهاء وجوب المبيت ليلة الثالث عشر إذا لم يجتنب النساء أي الوطي ، بل ادعي عليه الإجماع ، فإن تم فهو وإلّا فلا دليل على إلحاق النساء بالصيد ، لعدم ما يدل عليه إلّا رواية محمد بن المستنير قال : «من أتى النساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النفر الأوّل» (4)والرواية ضعيفة جدّاً ، لأن محمد بن المستنير لا ذكر له في الروايات إلّا هذه الرواية كما لا ذكر له في الرجال ، حتى أن الشيخ (رحمه اللّه) مع اهتمامه في عدّ أصحاب الأئمة وذكرهم في كتاب الرجال حتى عد المنصور


1) الوسائل 14 : 279 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 3.

2) البقرة 2 : 203.

3) الفهرست : 154 / 683.

4) الوسائل 14 : 279 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 1.

.................................................................................................


العباسي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ومع ذلك لم يذكر محمد بن المستنير فالرجل مجهول جدّاً لا يمكن الاعتماد على رواياته.

نعم ، ذكر صاحب الوسائل رواية أُخرى عن محمد بن المستنير في نفس الباب (1)وهذا سهو من قلمه أو من النساخ ، فان المذكور في الفقيه سلام بن المستنير (2)لا محمد وسلام ثقة لأنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم.

وذكر بعض العلماء أن الصرورة كغير المتقي فيجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر ولا نعرف له شاهداً ولا رواية واحدة ضعيفة.

وذكر الشيخ المحقق النائيني أن الأحوط الأولى المبيت ليلة الثالث عشر لمن اقترف كبيرة من الكبائر وإن لم تكن من محرمات الإحرام (3)وهذا أيضاً مما لا نعرف له وجهاً ولا قائل به من الفقهاء.

ونسب إلى ابن سعيد (4)أن من لم يتق مطلق تروك الإحرام وإن لم تكن فيه كفارة يجب عليه البيتوتة ليلة الثالث عشر ، ويستدل له بمعتبرة سلام بن المستنير عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال : «لمن اتقى الرفث والفسوق والجدال وما حرم اللّه عليه في إحرامه» (5).

وصاحب الوسائل رواها عن محمد بن المستنير وهو اشتباه كما عرفت ، فان المذكور في من لا يحضره الفقيه سلام بن المستنير وهو ثقة ، لأنه من رجال تفسير القمي فالرواية معتبرة ، ولكن مع ذلك لا يمكن العمل بها لوجهين :

أحدهما : أن صريح روايات الصيد جواز ترك المبيت ليلة الثالث عشر إذا اتقى الصيد ، فتحمل هذه المعتبرة على الاستحباب.


1) الوسائل 14 : 280 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 7.

2) الفقيه 2 : 288 / 1416.

3) دليل الناسك (المتن) : 431.

4) الجامع للشرائع : 218.

5) الوسائل 14 : 280 / أبواب العود إلى منى ب 11 ح 7.

ويجوز لغيرهما النفر من منى بعد ظهر اليوم الثاني عشر (1)


ثانيهما : السيرة القطعية القائمة على جواز النفر يوم الثاني عشر ولو لم يتق محرمات الإحرام غير الصيد ، وحمل السيرة على خصوص من اتقى المحرمات حمل على الفرد النادر جدّاً ، إذ قلّ ما يوجد في الحجاج اجتنابهم عن جميع التروك حال الإحرام ، ولو كان المبيت واجباً لمن لم يتق المحرمات المعهودة لظهر وبان. مع أن المعروف بين الفقهاء عدم الوجوب ، بل لم ينقل القول بالوجوب إلّا من ابن سعيد.

ونقل عن ابن إدريس (1)وابن أبي المجد إلحاق المحرمات التي توجب الكفارة بالصيد وهذا أيضاً لم يظهر لنا وجهه أصلاً ، فالأمر يدور بين الاختصاص بالصيد أو التعميم لجميع ما حرّم اللّه عليه في إحرامه ، والثاني لا يمكن الالتزام به لما عرفت ، فيختص الحكم بالأول ، والأحوط إلحاق النساء أي الوطي بالصيد خروجاً عن شبهة دعوى الإجماع على إلحاقه بالصيد.

فتحصل : أنه من اتقى الصيد يجوز له النفر بعد ظهر اليوم الثاني عشر ، ولا يجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر كما في الآية الشريفة ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) (2)يعني هذا التخيير ثابت للمتقي عن الصيد كما في النصوص (3).

(1) من اتقى الصيد والنساء على الأحوط جاز له النفر بعد الزوال من اليوم الثاني عشر ولا يجوز قبله ، ويدلُّ عليه صحيح الحلبي «عن الرجل ينفر في النفر الأوّل قبل أن تزول الشمس ، فقال لا ، ولكن يخرج ثقله إن شاء ، ولا يخرج هو حتى تزول الشمس» (4).


1) السرائر 1 : 548.

2) البقرة 2 : 203.

3) الوسائل 14 : 279 / أبواب العود إلى منى ب 11.

4) الوسائل 14 : 276 / أبواب العود إلى منى ب 9 ح 6.

ولكن إذا بقي في منى إلى أن دخل الليل وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر أيضاً (1).

مسألة 426 : إذا تهيّأ للخروج وتحرّك من مكانه ولم يمكنه الخروج قبل الغروب للزحام ونحوه ، فإن أمكنه المبيت وجب ذلك ، وإن لم يمكنه أو كان المبيت حرجياً جاز له الخروج. وعليه دم شاة على الأحوط (2).


وصحيح معاوية بن عمار «إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس» (1). وصحيح أبي أيوب «أمّا اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس» (2).

وأمّا النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر فيجوز قبل الزوال قطعاً ، للنصوص المعتبرة المصرحة بذلك كصحيح أبي أيوب وصحيح معاوية بن عمار المتقدمتين وغيرهما ، فعدم جواز النفر قبل الزوال مختص بالنفر الأوّل.

(1) لصحيح الحلبي «فإن أدركه المساء بات ولم ينفر» وفي صحيح معاوية بن عمار «إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح» (3).

(2) من تأهب للخروج وغربت عليه الشمس قبل أن يخرج من منى فهل يجب عليه المبيت ، أو أنّ تأهّبه وتهيّأه للخروج في حكم الخروج والنفر؟

نسب إلى العلّامة في التذكرة جواز النفر استناداً إلى المشقة والحرج في البقاء فهو في حكم النفر (4)وأورد عليه غير واحد بأنه مناف لإطلاق النص ، والتقييد يحتاج إلى دليل خاص ، لصدق إدراك المساء والغروب عليه بمنى ، وأمّا الحرج فإنه وإن كان يرفع الأحكام الأولية ولكنه خاص بالنسبة إلى من تحقق عنده الحرج لا أنه جائز في نفسه فحال المبيت حينئذ حال سائر الواجبات الإلهية من ارتفاع اللزوم عند الحرج.


1) الوسائل 14 : 274 / أبواب العود إلى منى ب 9 ح 3.

2) الوسائل 14 : 275 / أبواب العود إلى منى ب 9 ح 4.

3) الوسائل 14 : 277 / أبواب العود إلى منى ب 10 ح 1 ، 2.

4) التذكرة 8 : 374.

مسألة 427 : من وجب عليه المبيت بمنى لا يجب عليه المكث فيها نهاراً بأزيد من مقدار يرمي فيه الجمرات (1) ولا يجب عليه المبيت في مجموع اللّيل ، فيجوز له المكث في منى من أول الليل إلى ما بعد منتصفه ، أو المكث فيها قبل منتصف الليل إلى الفجر (2).


فرعان أحدهما : لو نفر قبل الغروب ثم رجع إلى منى بعد الغروب لحاجة ونحوها فهل يجب عليه المبيت أم لا؟ الظاهر العدم ووجهه ظاهر ، لأن موضوع الحكم بوجوب المبيت ليلة الثالث عشر مَن أدركه المساء أو جاءه الليل وهو في منى كما في صحيح الحلبي ومعاوية بن عمار ، وأمّا لو أدركه الغروب والليل وهو في غير منى فلا يشمله الدليل ، فالتخيير ثابت وباق له.

ثانيهما : لو نفر بعد الزوال ورجع قبل الغروب فغربت عليه الشمس بها فهل يجب عليه المبيت أم لا؟ وجهان ، الأقرب الوجوب ، لأنه برجوعه يستكشف أنه لم ينفر حقيقة ، ولا عبرة بمجرد الخروج من منى بعد الزوال ، وإطلاق الخبرين مِن إدراك المساء وهو بمنى أو مجي‌ء الليل يشمله ، فالنفر الأول ليس بنفر حقيقة بل ذهاب ومجي‌ء فما قرّبه العلّامة من الوجوب في هذه الصورة (1)هو الصحيح.

(1) لعدم الدليل على وجوب البقاء في النهار في منى ، وإنما الواجب عليه رمي الجمار في النهار ، فاللازم عليه البقاء بمقدار يتحقق منه الرمي ، ثم يذهب حيث شاء ، سواء ذهب إلى مكة أو إلى غيرها من البلدان ، وسواء اشتغل بالعبادة أم لا.

(2) لا كلام في عدم وجوب البيتوتة تمام الليل في منى ، وإنما يجب عليه البقاء من أول الغروب إلى نصف الليل ثم يجوز له الخروج بعد الانتصاف بلا إشكال ، ويدلُّ عليه النصوص منها : صحيحة معاوية بن عمار «وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت في غير منى» (2)ومنها صحيحة العيص «وإن زار بعد أن انتصف الليل أو


1) لاحظ التذكرة 8 : 375 ، المنتهي 2 : 776 السطر الأخير وورد فيهما «لم يلزمه المقام».

2) الوسائل 14 : 251 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 1.

.................................................................................................


السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة» (1).

إنما الكلام في أن وجوب البقاء من الغروب إلى انتصاف الليل وجوب تعييني كما هو المشهور كما حكى عنهم في الرياض بأن ظاهر الأصحاب انحصار المبيت في النصف الأوّل ، فأوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب إلى النصف الثاني (2)أو وجوب تخييري كما نسب إلى الحلبي (3)فلا فرق بين النصف الأول أو الثاني ، فيجوز له الخروج قبل الغروب من منى ويبقى في خارجها ويرجع إليها عند انتصاف الليل ويبقى إلى الفجر ولكن المشهور كما حكي عنهم خصوا الوجوب بالنصف الأول ولم يجوّزوا له الخروج اختياراً في أول الليل إلّا إذا اشتغل بالعبادة في مكة.

وما ذكروه لا تساعد عليه الأدلة ولم يرد في الروايات اختصاص البيتوتة بالنصف الأوّل ، ولم يرد منع عن اختيار النصف الثاني ، إلّا أن يقال بأن المنصرف من البيتوتة والمبيت بقاء مجموع الليل وتمامه في منى ، ولكن خرجنا عن ذلك بجواز الخروج بعد انتصاف الليل. وبعبارة اخرى : مقتضى ظاهر الأدلة وجوب البقاء من أول الغروب إلى آخر الليل ، خرجنا عن ذلك بجواز الخروج بعد نصف الليل ، فيبقى الباقي على الوجوب.

وهذا الكلام في نفسه لا بأس به ، لأن المنصرف من البيتوتة بقاء تمام الليل واستيعابه ويساعده اللغة (4)وكثير من موارد استعمالاته ، ولكن نخرج عن ذلك بالنص ، فان الظاهر الاكتفاء بالمبيت بأحد النصفين وتساوي النصفين في تحصيل الامتثال ، ففي صحيحة معاوية بن عمار «فان خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلّا وأنت في منى إلى أن قال وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرّك أن تصبح في غيرها» (5)فان المستفاد منها التخيير بين النصفين.


1) الوسائل 14 : 252 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 4.

2) الرياض 7 : 120.

3) الكافي لأبي الصلاح : 198.

4) لسان العرب 2 : 16.

5) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.

والأولى لمن بات النصف الأول ثم خرج أن لا يدخل مكة قبل طلوع الفجر (1).

مسألة 428 : يستثني ممن يجب عليه المبيت بمنى عدة طوائف :

الاولى : المعذور كالمريض والممرّض ، ومن خاف على نفسه أو ماله من المبيت بمنى (2).


وأصرح منها صحيحة جعفر بن ناجية «إذا خرج الرجل من منى أوّل الليل فلا ينتصف له الليل إلّا وهو بمنى ، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها» (1)فالنتيجة هي التخيير بين النصف الأول أو الثاني.

(1) ثم إنه بعد البناء على جواز الخروج من منى بعد ما بات فيها نصف الليل ، هل يجوز له الدخول في مكة قبل طلوع الفجر ، أم لا يدخل مكة إلّا بعد طلوع الفجر فينام ويبقى في الطريق ، ثم يدخل مكة بعد طلوع الفجر؟

نسب إلى جماعة من الأكابر منهم الشيخ (2)والحلي (3)وابن حمزة (4)عدم جواز الدخول إلى مكة إلّا بعد طلوع الفجر ، ولكن لم نعرف لهم مستنداً ، بل مقتضى إطلاق صحيح معاوية بن عمار «وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت في غير منى» وصريح صحيح العيص (5)«فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة» جواز الدخول إلى مكة قبل طلوع الفجر. فما ذكروه مخالف للنصوص. مضافاً إلى أنه لا دليل عليه كما في الجواهر (6).

(2) لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب المبيت في جميع موارد الضرورة كالضرر


1) الوسائل 14 : 257 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 20.

2) المبسوط 1 : 378.

3) السرائر 1 : 604.

4) الوسيلة : 188.

5) المتقدمين في الصفحة 381.

6) الجواهر 20 : 9.

الثانية : من اشتغل بالعبادة في مكة تمام ليلته أو تمام الباقي من ليلته إذا خرج من منى بعد دخول الليل (1).


والحرج ، لارتفاع الأحكام والتكاليف الشرعية في موارد الضرر والحرج.

(1) وتدل عليه عدّة من النصوص المعتبرة :

منها : صحيحة معاوية بن عمار «عن رجل زار البيت فلم يزل في طوافه ودعائه والسعي والدعاء حتى طلع الفجر ، فقال : ليس عليه شي‌ء كان في طاعة اللّه عزّ وجلّ» (1)والمستفاد منها الاشتغال بالعبادة ولو بغير الطّواف والسعي ، فلا خصوصية لهما ، لأن الظاهر من التعليل كون الشخص مشغولاً بالعبادة وبطاعة اللّه تعالى ، فلا يفرق بين كونه مشغولاً بالطواف أو بالصلاة أو بقراءة القرآن ونحو ذلك ، ففي الحقيقة يجوز تبديل عبادة إلى أُخرى ، ولو كان الأمر مختصاً بالطواف والسعي فلا وجه للتعليل.

ثم إنه لا يلزم في الاشتغال بالعبادة أن يكون مشغولاً بالعبادة من أول الليل إلى آخره ، بل يجوز له الخروج من منى بعد العشاء ويشتغل بالعبادة بقية الليل ، وإن مضى شطر من الليل وهو في منى ، ويدلُّ على ذلك صحيحة معاوية بن عمار لقوله : «فان خرجت أوّل الليل فلا ينتصف الليل إلّا وأنت في منى إلّا أن يكون شغلك نسكك» (2)فإنه يظهر من هذا بوضوح أنه يجوز له الخروج في الليل قبل النصف ، وأنه لو خرج قبل النصف واشتغل بقية الليل بالعبادة ، فليس عليه شي‌ء ، وإنما الممنوع أن يخرج ولا يرجع قبل النصف ولا يشتغل بالعبادة ، وأمّا إذا خرج في الليل ورجع قبل النصف أو لم يرجع ولكن اشتغل بالعبادة فليس عليه شي‌ء ، وأيضاً يستفاد هذا المعنى من صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «وسألته عن الرجل زار عشاء فلم يزل في طوافه ودعائه وفي السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر؟ قال : ليس عليه شي‌ء كان في


1) الوسائل 14 : 255 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 13.

2) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.

ما عدا الحوائج الضرورية كالأكل والشرب ونحوهما (1).

الثالثة : من طاف بالبيت وبقي في عبادته ثم خرج من مكة وتجاوز عقبة المدنيين فيجوز له أن يبيت في الطريق دون أن يصل إلى منى. ويجوز لهؤلاء التأخير في الرجوع إلى منى إلى إدراك الرمي في النهار (2).


طاعة اللّه» (1)فان المتفاهم منه بقي مقداراً من الليل إلى زمان العشاء في منى ثم خرج من منى وقت العشاء لزيارة البيت ، فحكم (عليه السلام) بأنه ليس عليه شي‌ء فهو في الحقيقة مزج مبيته بين البقاء في منى وبين البقاء في مكة للاشتغال بالعبادة.

(1) فإن العبرة بالصدق العرفي ، ولا يلزم الاستيعاب تمام الليل ، فالفصل العادي بمقدار المتعارف ولو للاستراحة ولقضاء الحوائج الضرورية غير مضر.

(2) إذا خرج الناسك من منى قاصداً مكة المكرمة لزيارة البيت مثلاً سواء خرج في النهار وبقي إلى الغروب ، أو خرج في الليل ولكن ينوي الخروج من مكة للمبيت بمنى ، فخرج من مكة قاصداً المبيت بمنى فنام في الطريق فلم يدرك البقاء في مكة ، ولم يصل إلى منى ، ففي جملة من الروايات أنه لا بأس عليه ، ففي صحيحة جميل «مَن زار فنام في الطريق ، فان بات بمكة فعليه دم ، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شي‌ء وإن أصبح دون منى» (2).

ولا يخفى أن هذه الرواية صحيحة على طريق الشيخ (3)، وقد رواها الكليني عن جميل مرسلاً (4)فلم يعلم أن الرواية مسندة أو مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها ، وقد تقدم نظير ذلك في غير مورد من الاختلاف بين الشيخ والكليني في إسناد الرواية وإرسالها.

وفي صحيحة هشام «إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاوز بيوت مكة


1) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 9.

2) الوسائل 14 : 256 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 16.

3) التهذيب 5 : 259 / 881.

4) الكافي 4 : 514 / 3.

مسألة 429 : من ترك المبيت بمنى فعليه كفارة شاة عن كل ليلة (1).


فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شي‌ء عليه» (1).

وصحيحة معاوية بن عمار «لا تبت ليالي التشريق إلّا بمنى ، فان بتّ في غيرها فعليك دم ، فان خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلّا وأنت بمنى ، إلّا أن يكون شغلك نسكك أو قد خرجت من مكة» (2)ومحل الاستشهاد هو الجملة الأخيرة ، وفي جميعها ورد الخروج من مكة ولم يصل إلى منى.

وفي رواية معتبرة جعل العبرة بالتجاوز عن عقبة المدنيين لا بمجرد الخروج من مكة «في الرجل يزور فينام دون منى ، فقال : إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام» (3)فان كان موضع عقبة المدنيين حد مكة ، يعني إذا وصل إلى العقبة فقد خرج من مكة فالروايات متوافقة ويكون المراد من الخروج من مكة والتجاوز من بيوت مكة والجواز من عقبة المدنيين معنى واحداً ، وإن قلنا بأن عقبة المدنيين اسم لموضع آخر فاصل بين مكة ومنى فتقيد هذه المعتبرة الروايات السابقة ، فتكون العبرة بالتجاوز عن عقبة المدنيين قبل الوصول إلى منى وبعد الخروج من مكة.

(1) يدل على ذلك صحيحة صفوان قال : «قال أبو الحسن (عليه السلام) سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة ، فقلت : لا أدري ، فقلت له : جعلت فداك ما تقول فيها؟ فقال (عليه السلام) : عليه دم إذا بات» (4)وهي صريحة في ثبوت الدم لكل ليلة من ليالي منى ، وصاحب الوسائل نقلها «بات ليالي منى بمكة» وهو اشتباه ، والمذكور في التهذيب (5)والاستبصار (6)وكل من روى عنهما نقلها كما ذكرنا.


1) الوسائل 14 : 256 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 17.

2) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.

3) الوسائل 14 : 256 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 15.

4) الوسائل 14 : 252 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 5.

5) التهذيب 5 : 257 / 871.

6) الاستبصار 2 : 292 / 1038.

.................................................................................................


ومعتبرة جعفر بن ناجية على طريق الصدوق «عمن بات ليالي منى بمكة ، فقال : عليه ثلاث من الغنم يذبحهنّ» (1)وهي أيضاً صريحة في ذلك ، وجعفر بن ناجية ثقة لأنه من رجال كامل الزيارات ، وصاحب الوسائل رواها عن أبي جعفر بن ناجية وهو رجل مجهول لا وجود له في الرواة ولا في الرجال ، ولكن لا ريب أن نسخة الوسائل غلط ، وكذلك نسخة من لا يحضره الفقيه المطبوع في الهند (لكنهو) فان الموجود في الفقيه المطبوع في إيران الذي علّق عليه علي أكبر الغفاري ، والمطبوع متناً لروضة المتّقين (2)والمطبوع في النجف الأشرف ، وكذا في الحدائق (3)، والوافي (4)إنما هو جعفر بن ناجية فمن المطمأن به أنّ نسخة الوسائل وكذلك نسخة الفقيه المطبوع في الهند غلط.

وقيل بإزائها روايات تعارض الروايات الدالّة على ثبوت الشاة ، ففي خبر عبد الغفار الجازي «عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل نصف الليل فأصبح بمكة ، قال : لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دماً» (5)فإنه يدل على التخيير بين الصدقة والشاة فلم تكن الشاة متعينة ، ولكن الرواية من الشواذ ولم يعمل بها أحد فيما نعلم ويمكن حملها على الصدقة فيما إذا لم يتمكن من الشاة ، لما تقدم في الكفارات أن الصدقة بدل عن الكفارة ، فيكون الحكم بالصدقة والشاة تقسيماً للحكم بحسب أفراد المكلفين باختلاف حالاتهم من التمكّن والعجز ، نظير قوله تعالى : «مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِين» (6)يعني يثبت الحلق لجماعة ويثبت التقصير لطائفة أُخرى. مضافاً إلى أن الخبر ضعيف بالنضر بن شعيب ، فإنه مع كثرة رواياته في الكتب الأربعة لم يذكر في كتب الرجال غير أنّ البرقي عدّ النضر بن شعيب المحاربي من أصحاب الصادق (عليه السلام) (7)


1) الوسائل 14 : 253 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 6 ، الفقيه 2 : 286 / 1406.

2) روضة المتّقين 5 : 130.

3) الحدائق 17 : 301.

4) الوافي 14 : 1252.

5) الوسائل 14 : 256 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 14.

6) الفتح 48 : 27 ونصّها «مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ».

7) راجع معجم الرجال 20 : 173.

.................................................................................................


ويحتمل اتحاد النضر بن شعيب مع النضر بن شعيب المحاربي ، وعلى كل حال لم يرد فيه توثيق ، وقد جزم القهبائي في مجمع الرجال (1)، باتحاده مع النضر بن سويد الذي هو من الأجلاء والثقات ، وهو غريب إذ لا مقتضي لاحتمال الاتحاد فضلاً عن الجزم به ، وكونهما في طبقة واحدة لرواية محمد بن الحسين الخطاب عنهما لا يدل على الاتحاد فالرواية ضعيفة.

بقي في المقام روايتان :

الأُولى : معتبرة سعيد بن يسار «فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل ، فقال : لا بأس» (2).

الثانية : معتبرة العيص «عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى ، قال : ليس عليه شي‌ء وقد أساء» (3)فان المستفاد منهما عدم لزوم الكفارة عليه ، فتعارضان ما دلّ على الثبوت.

والصحيح أنه لا معارضة في البين ، أمّا عدم البأس في خبر سعيد بن يسار فالمراد به عدم البأس في حجته ، فلا دلالة فيه على نفي الكفارة ، ولو دل فالجواب عنه ما نجيب عن خبر العيص فيقال بأن دلالته على نفي الكفارة بالإطلاق ، فلا ينافي ثبوت الكفارة عليه بشاة ، فالجمع بينه وبين ما دل على الكفارة يقتضي أن يقال إنه لا شي‌ء عليه إلّا الشاة ، وقد ورد نظير ذلك في بعض الروايات كقوله : «لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث أو أربع : الأكل والشرب والجماع والارتماس» (4)مع أن المفطرات عشرة فإن الإطلاق المستفاد من ذلك أقوى إطلاق في البين ومع ذلك يقيد بمفطرات أُخر.

ومع الإغماض عن ذلك وفرضنا التصريح بعدم الكفارة لا على نحو الإطلاق فيتحقق التعارض ، فلا بدّ من رفع اليد عنهما لموافقتهما للعامّة ، والعبارة المذكورة في صحيح العيص عين العبارة المحكية عن أحمد كما عن المغني (5).


1) مجمع الرجال 6 : 180.

2) الوسائل 14 : 255 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 12.

3) الوسائل 14 : 253 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 7.

4) الوسائل 10 : 31 / أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 1 ح 1 وغيره.

5) المغني لابن قدامة 3 : 482.

.................................................................................................


وممّا يؤكد الحمل على التقية صحيحة صفوان المتقدمة (1)من أنه (عليه السلام) لما سأله بعض العامة فلم يجبه وقال (عليه السلام) لا أدري.

ومن الغريب جدّاً ما صنعه الشيخ (قدس سره) من حمل الروايتين على المشتغل بالعبادة بمكة أو على من خرج من منى بعد نصف الليل (2)إذ لا يخفى فسادهما ، أمّا فساد الثاني فواضح جدّاً ، لأنه إذا خرج من منى بعد انتصاف الليل فقد عمل بما هو عليه فكيف قال (عليه السلام) «وقد أساء» على أنه كيف يصح التعبير بأنه فاتته ليلة من ليالي منى. وأمّا فساد الأول فلأن المشتغل بالعبادة بمكة لا يقال في حقه فاته المبيت. وأيضاً لا يصح أن يقال إنه أساء ، لأن الفوت والإساءة بترك الواجب والوظيفة مع أنه لو كان مشتغلاً بالعبادة فقد أتى بالوظيفة.

فالصحيح في الجواب أن يقال كما ذكرنا إن دلالتهما بالإطلاق ، فيقيدان بما دلّ على ثبوت الدم أو يحملان على التقية ، فالصحيح وجوب الكفارة عليه بالشاة عن كل ليلة.

وقد احتمل شيخنا الأُستاذ في مناسكه ثبوت الكفارة على المبيت في مجموع الليل وتمامه خارج منى ، فمن خرج بعد أول الليل من منى وبات في مكة غير مشتغل بالعبادة يكون آثماً لترك المبيت في منى وعدم اشتغاله بالعبادة ، ولكن لا تجب عليه الكفارة لأن الكفارة إنما تثبت فيما إذا بات تمام الليل خارج منى (3).

وفيه : أن المستفاد من النص أنه لو رجع إلى منى بعد انتصاف الليل يثبت عليه الكفارة ، مع أنه لم يبت تمام الليل خارج منى كصحيحة معاوية بن عمار «فان بت في غيرها فعليك دم ، فان خرجت أول الليل فلا ينتصف الليل إلّا وأنت في منى إلّا أن يكون شغلك نسكك» (4)فان المستفاد منه إن رجع بعد انتصاف الليل إلى منى ولم


1) في ص 386.

2) التهذيب 5 : 258.

3) دليل الناسك (المتن) : 434.

4) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 8.

والأحوط التكفير فيما إذا تركه نسياناً أو جهلاً منه بالحكم أيضاً. والأحوط التكفير للمعذور من المبيت (1).


يكن شغله نسكه يجب عليه الدم ، وكذلك من صحيحته الأُخرى لقوله : «عن الرجل زار عشاء فلم يزل في طوافه ودعائه وفي السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر قال : ليس عليه شي‌ء كان في طاعة اللّه» (1)فإنه صريح في أنه إذا زار عشاءً أي مضى شطر من الليل في منى وزار عشاء ، فان كان في طاعة اللّه فليس عليه شي‌ء ، وأمّا إذا لم يكن في طاعة اللّه فعليه الكفارة ، وكذلك يستفاد من خبر جميل المتقدم (2)لقوله : «من زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم» لإمكان أن يزور البيت بعد أوّل الليل وقبل انتصافه ، ولكن الرواية كما عرفت لم يثبت كونها مسندة بل نحتمل إرسالها كما رواها الكليني مرسلة (3)فتصح للتأييد.

(1) ذكر في الجواهر أن إطلاق النص والفتوى يقضي بعدم الفرق في ثبوت الكفارة بين العالم والجاهل والناسي بل المضطر (4)وعن بعضهم استثناء المضطر من ثبوت الكفارة كما عن بعض آخر استثناء الجاهل.

وأمّا الناسي فأولى بالخروج ، وربما ادعي الإجماع على ثبوت الكفارة مطلقاً.

ولا ريب أن الإجماع غير تام والقول بعدم وجوب الكفارة في جميع الموارد المزبورة هو الصحيح.

أمّا بالنسبة إلى الاضطرار فلحديث الرفع ، فإنه لا يختص بمجرد التشريع ، بل يرفع كل ما يترتب على الفعل المضطر إليه إلّا إذا قام دليل خاص على الخلاف.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الجهل كما في صحيحة عبد الصمد «أيّ رجل ركب أمراً


1) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 9.

2) في ص 385.

3) الكافي 4 : 514 / 3.

4) الجواهر 20 : 6.

ولا كفارة على الطائفة الثانية والثالثة ممن تقدم (1).


بجهالة فلا شي‌ء عليه» (1)ولذا ذكرنا أنه لا كفارة على الجاهل في باب الصوم (2)، فإذا كان يرى جواز المبيت خارج منى فليس عليه شي‌ء بمقتضى صحيح عبد الصمد المتقدم.

وهكذا في مورد النسيان ، فإنه يرتفع في مورده كل حكم مترتب على الفعل ، فكأن الفعل الصادر من الناسي لم يقع وهو في حكم العدم ، والأحوط ثبوت الكفارة في هذه الموارد خروجاً عن شبهة الخلاف.

(1) أمّا عدم ثبوتها على المشتغل بالعبادة فلصحاح معاوية بن عمار المتقدمة (3)وأمّا عدم وجوبها على من تجاوز عقبة المدنيّين ونام بعد الخروج من مكة فيدل عليه صحيح هشام وصحيح محمد بن إسماعيل المتقدمين (4)ويؤيدهما خبر جميل (5)وبإزائها رواية علي ، أي علي بن أبي حمزة البطائني عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم رجع فغلبته عينه في الطريق فنام حتى أصبح ، قال : عليه شاة» (6).

وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة المعروف بالوقف والكذب. على أنها مطلقة من حيث النوم قبل الخروج من مكة أو بعده ، ففي هذين الفرضين لا كفارة فيهما.

بقي الكلام في استثناء الرعاة والسقاة ، فقد صرح جماعة ومنهم شيخنا الأُستاذ النائيني بعدم وجوب الفدية عليهما (7).

ولكن لا يمكن المساعدة على ما ذهبوا إليه. أمّا الرعاة فاستثناؤهم لعلّه غفلة من


1) الوسائل 12 : 488 / أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

2) في فصل في كفّارة الصوم قبل المسألة [2470].

3) في ص 384.

4) الوسائل 14 : 257 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 17 ، 15.

5) الوسائل 14 : 256 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 16.

6) الوسائل 14 : 254 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 10.

7) دليل الناسك (المتن) : 437.

مسألة 430 : من أفاض من منى ثم رجع إليها بعد دخول الليل في الليلة الثالثة عشر لحاجة لم يجب عليه المبيت بها (1).

رمي الجمار

اشارة

الثالث عشر من واجبات الحج : رمي الجمرات الثلاث الاولى ، والوسطى ، وجمرة العقبة ، ويجب الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر (2).


الأعلام ، لأن الراعي شغله وعمله في النهار وأمّا في الليل فحاله وحال بقية الناس سواء ، ولذا استثني الراعي من الرمي في النهار.

نعم ، قد يضطر الراعي من المبيت خارج مكة لحفظ أغنامه وهذا عنوان آخر يدخل بذلك في عنوان المضطر إلى المبيت خارج منى لحفظ نفسه أو ماله ، ويؤكد ما ذكرنا أنه لم يذكر استثناء الرعاة في شي‌ء من الروايات.

وأمّا السقاة فلا وجه لاستثنائهم أيضاً ، فإنه لم يرد في رواياتنا استثناؤهم وإخراجهم عن هذا الحكم. نعم ، ورد من طرقنا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) رخّص لعمه العباس المبيت بمكة ليالي منى من أجل سقاية الحاج كما في خبر مالك بن أعين (1)ولكن ذلك قضية شخصية في واقعة رخّص النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) لعمه وهو ولي الأمر وله أن يرخّص لكل أحد ، فالتعدي إلى كل مورد مشكل ، ولا يستفاد من ترخيصه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لعمه العباس تعميم الترخيص لجميع السقاة.

(1) لأنّ المستفاد من الأدلة وجوب المبيت على من غربت الشمس عليه وهو في منى ، وأمّا إذا خرج منها قبل غروب الشمس ورجع في الليل فلا تشمله الأدلّة.

(2) لا خلاف بيننا بل بين المسلمين كافة في وجوب رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر ، وما عن بعضهم أنه من المسنون يراد به ثبوت وجوبه


1) الوسائل 14 : 258 / أبواب العود إلى منى ب 1 ح 21.

.................................................................................................


بالسنّة في قبال فريضة الكتاب لا الاستحباب المصطلح ، وتدل على ذلك السيرة القطعية من جميع المسلمين ، ويستفاد الوجوب أيضاً من النص حيث عدّ فيه رمي الجمار من الحج الأكبر وقرنه بالوقوف بعرفة (1)وذلك يكشف عن شدّة الاهتمام بذلك. مع أنه ليس من أجزاء الحج وأركانه ، ويدلُّ على وجوبه أيضاً النصوص الدالة على أنّ من تركه يرجع ويرمي (2).

وفي هذه الروايات وإن لم يذكر الرمي في اليوم الحادي عشر والثانية عشر ولكن السيرة تدل على ذلك ، ويستفاد أيضاً من بعض الروايات كصحيحة ابن سنان الواردة في رمي جمرة العقبة قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس ، قال : يرمي إذا أصبح مرّتين ، مرّة لما فاته والأُخرى ليومه الذي يصبح فيه» (3)فإنه يستفاد منه وجوب الرمي في اليوم الحادي عشر.

وأمّا الرمي في اليوم الثاني عشر فيدل عليه مضافاً إلى السيرة ما ورد في من نسي الرمي كله أنه يرجع فيرميها متفرقاً يفصل بين كل رميتين بساعة (4)نظير خبر ابن سنان المتقدم الآمر بالفصل بين الرميين ، بمعنى لا يرمي جمرة العقبة ولاءً وبلا فصل ، بل يفرّق بينهما ، يكون أحدهما بكرة وهي للأمس والأُخرى عند زوال الشمس لهذا اليوم ، وهكذا المستفاد من روايات نسيان رمي الجمار ، فقد أمر (عليه السلام) بالفصل بين كل رميتين بساعة ، فيعلم وجوب رمي الجمار في اليوم الحادي عشر والثاني عشر.

وأيضاً يدل على وجوب الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر صحيح معاوية ابن عمار «ارم في كل يوم عند زوال الشمس وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة» (5)


1) الوسائل 14 : 263 / أبواب العود إلى منى ب 4 ح 1.

2) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3.

3) الوسائل 14 : 72 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 1.

4) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3.

5) الوسائل 14 : 68 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 12 ح 1.

وإذا بات ليلة الثالث عشر في منى وجب الرمي في اليوم الثالث عشر أيضاً على الأحوط (1).


فإنه يدل بوضوح على أن المراد بكل يوم غير اليوم العاشر ، وأنّ كل يوم من اليوم الحادي عشر والثاني عشر له رمي.

وبالجملة المستفاد من مجموع هذه الروايات وجوب الرمي في اليومين الحادي عشر والثاني عشر. ويؤيد ذلك خبر بريد العجلي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي رمي الجمرة الوسطى في اليوم الثاني ، قال : فليرمها في اليوم الثالث لما فاته ولما يجب عليه في يومه» (1)فإنه صريح في وجوب الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر ، ولكن في سنده اللؤلؤي وهو ممن لم تثبت وثاقته ، فإن النجاشي وإن وثقه (2)ولكنه معارض بتضعيف غيره كابن الوليد والصدوق وأبي العباس بن نوح (3).

(1) لا ريب ولا خلاف في عدم وجوب الرمي في اليوم الثالث عشر إذا لم يبت ليلته في منى ونفر بعد زوال النهار من اليوم الثاني عشر ، فلا يجب عليه الرجوع قطعاً في اليوم الثالث عشر إلى منى للرمي ، فالمراد من قول المحقق في الشرائع ويجب أن يرمي كل يوم من أيام التشريق (4)وجوب الرمي في اليوم الثالث عشر إذا بات ليلته في منى ، فيكون اليوم الثالث عشر حينئذ كيوم الثاني عشر.

وبالجملة قد تسالموا على أن من بات ليلة الثالث عشر في منى يجب عليه الرمي في اليوم الثالث عشر أيضاً ، فإن تم في البين إجماع فهو ، وإلّا فإثباته بدليل مشكل جدّاً إذ لا يوجد دليل على وجوب الرمي في اليوم الثالث عشر على من أقام ليلته في منى.


1) الوسائل 14 : 73 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 3.

2) رجال النجاشي : 40 / 83.

3) راجع منتهى المقال 2 : 371 ، معجم الرجال 5 : 297.

4) الشرائع 1 : 315.

.................................................................................................


واستدلّ صاحب الجواهر بإطلاق بعض النصوص (1)ولم نعثر على نص معتبر يدل بإطلاقه على وجوب ذلك وهو أعرف بما قال. نعم ورد في الفقه الرضوي (2)ودعائم الإسلام (3)الأمر بالرمي في اليوم الثالث عشر على نحو الإطلاق وإن لم يبت ليلته في منى ، ولم يقل أحد من الفقهاء بذلك أصلاً ، وإنما قالوا بالوجوب على من بات ليلة الثالث عشر ، فما التزم به الأصحاب لا دليل عليه ، وما دل عليه الكتابان لم يلتزموا بمضمونهما ، مضافاً إلى ضعف الروايات المذكورة في الكتابين.

أضف إلى ذلك : أنه يستفاد من بعض النصوص عدم الوجوب وهو صحيح معاوية ابن عمار قال : «إذا نفرت في النفر الأول إلى أن قال إذا جاء الليل بعد النفر الأوّل فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح» (4)فإنه إذا جاز النفر عند الإصباح أي بعد طلوع الفجر ، فلا يتمكن من الرمي ، لأن وقته ما بين طلوع الشمس إلى الغروب ، فتجويز النفر عند الإصباح يستلزم تجويز ترك الرمي كما لا يخفى.

فالحكم بوجوب الرمي يوم الثالث عشر لمن بات ليلته في منى مبني على الاحتياط.

ثم إن الخبر المتقدم لا ريب في صحته ، وإنما وقع الكلام في المراد بمحمد بن إسماعيل الذي روى عنه الكليني وروى هو عن الفضل بن شاذان وتبلغ رواياته عن محمد بن إسماعيل 761 رواية ، فربما احتمل بعضهم أنه محمد بن إسماعيل بن بزيع ، وهذا بعيد جدّاً ، لاختلاف الطبقة وعدم إمكان رواية الكليني عنه بلا واسطة ، لأن محمد بن بزيع من أصحاب الرضا (عليه السلام) والفصل بينهما كثير جدّاً ، فرواية الكليني عنه بلا واسطة أمر غير ممكن.

واحتمل بعضهم أنه محمد بن إسماعيل البرمكي صاحب الصومعة ، وهذا أيضاً


1) الجواهر 20 : 16.

2) فقه الرضا : 225.

3) دعائم الإسلام 1 : 324.

4) الوسائل 14 : 277 / أبواب العود إلى منى ب 10 ح 2.

.................................................................................................


بعيد ، فان طبقته متقدمة على طبقة الكليني ، فان الكليني يروي عنه بواسطة شيخه. على أن محمد بن إسماعيل البرمكي لم يرو عن الفضل بن شاذان ولا في مورد واحد فيتعين أن يكون محمد بن إسماعيل النيسابوري الذي روى عنه الكشي بلا واسطة وهو يروي عن الفضل بن شاذان والكليني قريب الطبقة للكشي ، فيمكن رواية الكليني عن محمد بن إسماعيل النيسابوري بلا واسطة ، وهو وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكن يحكم بوثاقته لوقوعه في أسناد كامل الزيارات ، ويؤيد وثاقته إكثار الكليني الرواية عنه.

بقي الكلام في روايتين :

الاولى : ما رواه الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس وإن تأخرت إلى آخر أيام التشريق وهو يوم النفر الأخير فلا شي‌ء عليك أيّ ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده» الحديث (1)فيستفاد من ذلك ثبوت الرمي في اليوم الثالث عشر.

ورواه الشيخ مثله (2)وكذا في رواية الصدوق (3)ونسخ الكافي المطبوعة التي بأيدينا حتى في مرآة العقول (4)مشتملة على كلمة «رميت» وكل من حكى عن الكافي كالوافي (5)والحدائق (6)والجواهر (7)ذكروها مع قوله «ورميت» إلّا أن صاحب الوسائل رواها عن الكافي بدون كلمة «ورميت» وهو ملتفت إلى وجود هذه الكلمة في رواية الشيخ والصدوق ، ويذكر رواية الشيخ والصدوق مع الاشتمال على ذكر هذه الكلمة ، فعدم


1) الوسائل 14 : 274 / أبواب العود إلى منى ب 9 ح 3 ، الكافي 4 : 520 / 3.

2) التهذيب 5 : 271 / 926.

3) الفقيه 2 : 287 / 1414.

4) مرآة العقول 18 : 213.

5) الوافي 14 : 1269 / 1.

6) الحدائق 17 : 326.

7) الجواهر 20 : 42.

.................................................................................................


ذكرها في رواية الكليني ليس غفلة واشتباهاً منه (قدس سره).

فيعلم أن نسخة الكافي الموجودة عند صاحب الوسائل كانت غير مشتملة على ذكر كلمة «ورميت» ولو لا القرينة الخارجية لقلنا بأن نسخة الكافي الموجودة عند صاحب الوسائل غير صحيحة وكانت غلطاً ، وإن من المطمأن به وجود هذه الكلمة في الكافي ، ولكن القرينة القطعية الخارجية قائمة على أن نسخة الكافي الموجودة عند صاحب الوسائل هي الصحيحة ، وكلمة «ورميت» غير موجودة في الكافي ، لأن العبارة لو كانت هكذا «فلا شي‌ء عليك أيّ ساعة رميت ونفرت قبل الزوال أو بعده» لأمكن تصديقها ، ولكن العبارة المذكورة في الرواية هكذا «فلا شي‌ء عليك أيّ ساعة نفرت ورميت قبل الزوال أو بعده» ولا معنى للرمي بعد الزوال أو قبله ، ولم يتوهم أحد أن الرمي يجب إيقاعه قبل الزوال أو يجب إيقاعه بعد الزوال ، وإنما الرواية في مقام الفرق بين النفرين وأن النفر الأول يجب أن يتحقق بعد الزوال ، وأمّا النفر الثاني فمخير بين أن ينفر قبل الزوال أو بعده ، وأمّا الرمي قبل الزوال وبعده فمما لا محصل له ، ولا أقل من الشك في وجود هذه العبارة «ورميت» في الكافي وعدمه ، فلا يمكن الاستدلال به والاعتماد عليه ، ولم يستدل أحد من العلماء بهذه الرواية فيما نعلم ، وهذا كاشف ظني أو قطعي عن عدم وجود هذه الكلمة في الرواية ، وإنما استدل صاحب الجواهر لوجوب الرمي في اليوم الثالث عشر بإطلاق بعض النصوص ، وقد عرفت أنه لم نجد إطلاقاً يدل على ذلك.

الثانية : صحيحة معاوية بن عمار الحاكية لحج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأنه حلق وزار البيت ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق ثم رمى الجمار ونفر حتى انتهى إلى الأبطح الحديث (1)فإنه يدل على ثبوت الرمي في اليوم الثالث عشر ، إلّا أنه لا يدل على الوجوب ، لأن أكثر ما ذكر قبله وبعده ليس بواجب قطعاً ، وإنما هو مستحب كالتوقف بالأبطح والإقامة ليلة الثالث عشر وغيرهما مما لم يقل أحد بالوجوب ، فلا يمكن استفادة الوجوب من مجرد فعل النبيّ


1) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ح 4.

ويعتبر في رمي الجمرات المباشرة فلا تجوز الاستنابة اختياراً (1).

مسألة 431 : يجب الابتداء برمي الجمرة الاولى ثم الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة (2). ولو خالف وجب الرجوع إلى ما يحصل به الترتيب (3). ولو كانت المخالفة عن جهل أو نسيان (4).


(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).

(1) لظهور نفس الأمر بالمباشرة ، ونيابة الغير تحتاج إلى الدليل ، على أنه ورد في الكسير والمبطون والمريض أنه يرمى عنهم (1)فيعلم من ذلك أن الرمي واجب مباشرة وإنما تسقط المباشرة بالعذر.

(2) يدل عليه الأمر به في صحيحة معاوية بن عمار ، وظاهر الأمر هو الوجوب «قال : وابدأ بالجمرة الأُولى فارمها عن يسارها من بطن المسيل وقل كما قلت يوم النحر إلى أن قال ثم افعل ذلك عند الثانية ثم قال ثم تمضي إلى الثالثة» الحديث (2).

ويستفاد وجوب الترتيب أيضاً من النصوص الدالة على الإعادة إذا رمى الجمار منكوسة (3)فإنها واضحة الدلالة على لزوم الترتيب وإلّا فلا معنى للأمر بالإعادة إذا رمى منكوسة.

(3) تحصيلاً للشرط ، وقد ورد الأمر بالرجوع والإعادة إذا نكس وخالف الترتيب (4).

(4) هل يعم الحكم بالترتيب للجاهل والناسي أم يختص بالعامد؟ ذكر الفقهاء أنه لا فرق بين ذلك ، والأمر كما ذكروه لأن الاكتفاء بالخلاف لأحد أمرين :


1) الوسائل 14 : 74 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 17.

2) الوسائل 14 : 65 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 10 ح 2.

3) الوسائل 14 : 265 / أبواب العود إلى منى ب 5.

4) الوسائل 14 : 265 / أبواب العود إلى منى ب 5.

.................................................................................................


أحدهما : أن صحيحة جميل وصحيحة محمد بن حمران المتقدمتين (1)تدلّان على الاجتزاء إذا قدّم ما حقه التأخير وأخّر ما حقه التقديم.

والجواب عنهما أوّلاً : أن الصحيحتين وردتا في أفعال الحج وأجزائه ولا تشملان كل عمل وفعل إذا كان خارجاً من أعمال الحج كطواف النساء وأعمال منى في أيام التشريق.

وثانياً : لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بشمول الصحيحين لغير أعمال الحج أيضاً ، فنخرج عنهما بالصحيحة الواردة الآمرة بالإعادة فيما إذا نسي الترتيب ، ويلحق الجاهل بالناسي جزماً ، فتكون هذه الصحيحة تخصيصاً لخبر جميل وابن حمران ، وهي صحيحة مسمع «في رجل نسي رمي الجمار يوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأُولى ، يؤخر ما رمى بما رمى ، فيرمي الوسطى ثم جمرة العقبة» (2).

ثانيهما : حديث رفع النسيان فإنه يرفع الجزئية والشرطية ، فخلاف الترتيب الواقع منه غير ضائر وكأنه لم تكن مخالفة.

والجواب عن ذلك : أن الحديث ينفي الحكم ولا يدل على إثباته ، فالرفع يرفع الحرمة ، وكذلك يرفع الأثر المترتب على الفعل لولا النسيان كالكفارة ، فيجعل الفعل الصادر منه كأن لم يقع ولا يترتب عليه الأثر ، وأمّا الحكم بالصحة وأن الفاقد صحيح فلا يستفاد من الرفع ، فلو نسي الصائم وشرب أو أكل يحكم بأنه لم يرتكب معصية ولم يترتب على شربه إذا نسيه الكفارة ، وأمّا كون الصوم صحيحاً فلا يتكفله حديث الرفع ، بل يحتاج إلى الدليل ، فلو لم يكن دليل خارجي على الصحة والاكتفاء به لكان مقتضى القاعدة عدم الاكتفاء لمخالفته للمأمور به ، وأمّا حديث الرفع فيرفع العقاب والآثار المترتبة على الفعل كالكفارة ونحوها ولا يثبت صحة العمل المأتي به وتمام الكلام في محله (3). مضافاً إلى أنّ النص دلّ على الفساد والتدارك كما عرفت.


1) في ص 321.

2) الوسائل 14 : 265 / أبواب العود إلى منى ب 5 ح 2.

3) مصباح الأُصول 2 : 462.

.................................................................................................


وقد يقال : إن حديث رفع النسيان كما يرفع الحكم التكليفي يرفع الحكم الوضعي ولا يختص الرفع بالحكم التكليفي ، بل يشمل كل ما تناله يد الجعل تكليفاً ووضعاً والجزئية والشرطية والمانعية من الأحكام الشرعية الوضعية ، فإذا كانت جزئية شي‌ء لشي‌ء منسية أو شرطيته له أو مانعيته له ، تكون مرفوعة بحديث رفع النسيان ، فاذا كانت الجزئية مرفوعة أو الشرطية أو المانعية فطبعاً يحكم بصحة الباقي ، لأن هذا الجزء المنسي ليس بجزء في حال النسيان أو أنه ليس بشرط أو ليس بمانع ، فلا موجب للحكم بفساد الباقي ، ولذا نحكم بصحة الصلاة في صورة الجهل بوجوب جزء من أجزائها كالسورة ونحوها من الأجزاء غير الركني.

والجواب : أن الأمر وإن كان كذلك وأن الرفع لا يختص بالأحكام التكليفية بل يرفع الأحكام الوضعية أيضاً ، لأن أمرها بيد الجاعل المقدس وضعاً ورفعاً ، ولكن الجزئية والشرطية والمانعية ليست من المجعولات الابتدائية ولا تنالها يد الجعل ابتداء ولا يمكن أن يقال ابتداء أن الشي‌ء الفلاني جزء أو شرط أو عدمه مانع لأمر آخر ، وإنما هذه الأُمور الثلاثة انتزاعية من الأمر بالمركب من شي‌ء وشي‌ء آخر أو من الأمر المقيد بشي‌ء آخر أو من المقيد بعدم الشي‌ء الآخر ، فإذا أمر المولى بشي‌ء منضماً إلى شي‌ء آخر ينتزع من ذلك الجزئية ، وإذا أمر بشي‌ء مقيداً بشي‌ء آخر ينتزع من ذلك الشرطية ، وإذا أمر بشي‌ء مقيداً بعدم شي‌ء آخر ينتزع منه مانعية ذلك الشي‌ء فالجزئية والشرطية والمانعية لا تنالها يد الجعل ابتداء إلّا بجعل المركب من أُمور أو المقيد بشي‌ء أو المقيد بعدم شي‌ء ، فلو قيل بأن السورة ليست واجبة عند الضيق معناه أن السورة ليست بجزء ، أو إذا قيل إن الشي‌ء الفلاني غير شرط للصلاة معناه أن الأمر لم يتقيّد بذلك ، وإذا قيل بأنّه غير مانع عن الواجب معناه أنّ الأمر بالواجب لم يتقيّد بعدمه وإلّا فالجزئية والشرطية والمانعية في نفسها غير قابلة للجعل ، فمعنى الرفع للجزء المنسي أنه في حال النسيان لم يأمر بالمركب منه ومن غيره ولم يأمر بالمقيد منه فالأمر بالنسبة إلى المركب منه ومن غيره ساقط غير مجعول ، وأمّا أن الباقي له الأمر فحديث الرفع لا يتكفله ويحتاج إلى دليل آخر.

نعم إذا نسي فرمى جمرة بعد أن رمى سابقتها أربع حصيات أجزأ إكمالها سبعاً ، ولا يجب عليه إعادة رمي اللّاحقة (1).


وبعبارة أوضح : مقتضى حديث الرفع أن الناسي غير مأمور بهذا المركب أو بهذا المقيد ، وأمّا أنه مأمور بغيره فيحتاج إلى دليل آخر.

وأمّا النقض بالجهل ، فالجواب عنه بأن الفرق واضح ، لأن المفروض أن العلم بالبقية موجود وجداناً ، فانّا نعلم بأنّا مكلفون بالصلاة ولكن نشك في الإطلاق والتقييد ، وأمّا أصل الواجب فنعلم به ونشك في وجوب الزائد ، فإذا ارتفع الزائد المشكوك بحديث الرفع فالباقي معلوم على الفرض ، وإذا أردت توضيح ذلك زائداً على ما ذكرنا يطلب في المباحث الأُصولية (1)فراجع.

(1) لا ريب أن مقتضى القاعدة الفساد ، لأن الناقص في حكم العدم ، فاذا رمى الاولى أقل من سبع ورمى الثانية والثالثة عليه الإعادة من الأُولى ، فيرمي الأُولى سبع ، وكذا الثانية والثالثة ، وإذا رمى الثانية أقل ورمى الثالثة بعدها يرجع إلى الثانية والثالثة ، وأمّا إذا رمى الثالثة أقل ونسي ثم تذكر يتمّها وليس عليه الإعادة على الاولى والثانية ، هذا بحسب القاعدة.

وأمّا بحسب النص فقد ورد في الأُولى والثانية أنه إذا رماهما أقل من سبع ، فان رماهما بأربع حصيات فيتمها ، وإذا رماهما أقل من أربع فيستأنف الرمي ، وأمّا الثالثة فلا يحتاج إلى النص ، لأنه بالنقص لا ينقض الترتيب ، وأمّا النص فهو صحيح معاوية ابن عمار الآمر بالإعادة إذا رمى السابق أقل من أربع ، وأمّا إذا رمى السابق أربع حصيات فيجزي إكمالها سبعاً ولا يجب عليه إعادة رمي اللّاحقة ، بل يكتفي بما رماه ويحصل بذلك الترتيب ، فإذا رمى الاولى أربع ثم رمى الثانية والثالثة سبع يرجع إلى الأُولى فيتمّها سبعاً ويحصل بذلك الترتيب ، وكذلك إذا رمى الثانية أربع ورمى الثالثة يرجع إلى الثانية فيكملها سبعاً وليس عليه إعادة الثالثة ، فالمستفاد من النص أن


1) مصباح الأُصول 2 : 268.

.................................................................................................


الرمي بأربع حصيات في حكم السبعة في حصول الترتيب ولكن يجب تتميمها ، وأمّا الرمي بأقل من أربع فهو محكوم بالفساد وفي حكم العدم ولا بد من الإعادة إليه وإلى ما بعده ، ففي صحيحة معاوية بن عمار «في رجل رمى الجمرة الأُولى بثلاث والثانية بسبع والثالثة بسبع ، قال : يعيد يرميهنّ جميعاً بسبع سبع ، قلت : فان رمى الاولى بأربع والثانية بثلاث والثالثة بسبع ، قال : يرمي الجمرة الأُولى بثلاث والثانية بسبع ويرمي جمرة العقبة بسبع ، قلت : فإنه رمى الجمرة الأُولى بأربع ، والثانية بأربع والثالثة بسبع قال : يعيد فيرمي الأُولى بثلاث والثانية بثلاث ولا يعيد على الثالثة» (1)ونحوها صحيحة أُخرى له أيضاً (2)ويستفاد منهما فروض المسألة بأجمعها.

والمتحصل منهما : أن الرمي إذا كان بمقدار أربع فيحكم بصحته ويحصل به الترتيب وإنما الواجب عليه إكمال الأربع ، وأمّا إذا كان الرمي بأقل من أربع فيحكم بالفساد ولا يعبأ به فيرجع فيرمي السابقة واللّاحقة ، فما نسب إلى الحلي من الإتمام ولو رمى أقل من أربع (3)لا يمكن مساعدته ومخالف للنص ، كما أن ما نسب إلى والد الصدوق من أنه إنما يحكم بالصحة للسابقة إذا أكمل اللّاحقة ورماها سبعاً وإلّا فمن أتى بالسابقة أربعاً وباللّاحقة أربعاً أيضاً يحكم عليه بالفساد (4)لا شاهد له.

وربما يستدل له بمفهوم ذيل خبر ابن أسباط «وإذا رمى شيئاً منها أربعاً بنى عليها ولم يعد على ما بعدها إن كان قد أتم رميه» (5)فان المستفاد من ذلك أنه إنما يبني على أربع ويتم ولا يستأنف فيما إذا أتم رمي اللّاحقة بأن رماها سبع ، وأمّا إذا لم يتم رمي اللّاحقة فيعيد السابقة وإن رماها أربع. ولكن الخبر ضعيف بمعروف وأخيه الواقعين في السند ، لأن معروف هذا مجهول وهو غير معروف بن زياد ومغاير أيضاً لمعروف بن


1) الوسائل 14 : 267 / أبواب العود إلى منى ب 6 ح 2.

2) الوسائل 14 : 267 / أبواب العود إلى منى ب 6 ح 1.

3) نسبه إليه في الدروس 1 : 430 ، وانظر السرائر 1 : 610.

4) حكى عنه في المختلف 4 : 320.

5) الوسائل 14 : 268 / أبواب العود إلى منى ب 6 ح 3.

.................................................................................................


خرّبوذ ، وذلك لاختلاف الطبقة ، فان معروف بن خرّبوذ من أصحاب السجاد (عليه السلام) ولا يمكن روايته عن علي بن أسباط عن الكاظم (عليه السلام) وكذا معروف ابن زياد فهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) ويحتمل كونه معروف الكرخي وهو ممن لم تثبت وثاقته ، وكذلك أخوه الذي يروي عنه معروف مجهول الحال.

ثم إن هنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما

الأوّل : بعد ما عرفت من حصول الترتيب برمي أربع حصيات على السابقة وعدم لزوم الاستئناف وجواز الاكتفاء بإتمام الرمي بثلاث حصيات أُخر ، وقع الكلام في أن هذا الحكم هل يختص بالناسي والجاهل أو يعمهما والعامد؟

ظاهر عبارة الشرائع (1)وجماعة من الفقهاء عدم الفرق بين العامد والجاهل والناسي ومال إليه في الجواهر أيضاً (2)وعن العلّامة الاختصاص بالناسي أو مع الجاهل (3)بل في الحدائق نسبة الاختصاص إلى الأصحاب (4)وأنكرها صاحب الجواهر.

وعلى كل حال استدلّ العلّامة باعتبار الترتيب بين الجمار وهو غير حاصل في مورد العمد ، وإنما يقوم الأربع مقام الكل في مورد النسيان خاصة ، وأورد عليه صاحب الجواهر بأنه مصادرة وإعادة للمدعى ، لأن الكلام في اعتبار الترتيب فيما إذا رمى أربع حصيات. وبعبارة أُخرى : الترتيب المعتبر أن يكون بين الرمي الصحيح وهو لا يتحقق إلّا برمي سبع حصيات ، وحصول الترتيب برمي الأربع إنما هو في مورد خاص وهو النسيان لأجل النص.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه العلّامة ، لأن مقتضى صحيحة معاوية بن عمار (5)هو


1) الشرائع 1 : 316.

2) الجواهر 20 : 22.

3) التذكرة 8 : 364.

4) الحدائق 17 : 311.

5) الوسائل 14 : 65 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 10 ح 2 وتقدّمت في ص 398.

.................................................................................................


الترتيب بالبدأة برمي سبع حصيات على الجمرة الاولى ثم الثانية والثالثة ، وليس بإزائها ما يخالفها إلّا ما دل على الاكتفاء بحصول الترتيب بأربع حصيات ثم إتمامها وعدم لزوم الاستئناف ، ومن الواضح أن الصحاح الدالة على الاكتفاء تسأل عن حكم من فعل ذلك وصدر منه لا عن جواز هذا الفعل وعدمه ، فالسؤال عن الفعل الواقع وأنه بعد ما صدر منه هذا الفعل ما هو وظيفته ، وليس السؤال ناظراً إلى جواز ارتكاب هذا الفعل وعدمه نظير حديث لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة (1)فإنه يدل على أنه إذا صدر منه هذه الأُمور الخمسة لا تجب عليه الإعادة ، ولا يدل على جواز الاكتفاء بذلك ابتداء ولا على جواز ترك القراءة وترك التشهد اختياراً ، فلا يشمل من ترك القراءة متعمداً ، وإنما يختص بمن أتى بالفعل ناقصاً ، فالحكم بعدم وجوب الإعادة حكم وبيان لما بعد العمل ، لا أنه حكم لجواز العمل ، وهكذا المقام ، فان الروايات الدالة على الاكتفاء بالأربع تدل على أن من رمى أربع حصيات ثم رمى الثانية والثالثة لا تجب عليه الاستئناف ، ويكتفي بالإتمام سبعاً بأن يرمي ثلاث حصيات أُخر ، ولا تدل على جواز الرمي بأربع حصيات ابتداء ، ولا أقل من عدم ظهور هذه النصوص في العامد وجواز الارتكاب ابتداء ، فأدلة الترتيب محكّمة ومقتضاها تأخر رمي اللّاحقة عن الرمي بتمامه عن السابقة إلّا في صورة النسيان فيكتفى في حصول الترتيب برمي أربع على السابقة.

ويؤكد ذلك : أن معاوية بن عمار هو الذي روى وجوب الترتيب بين رمي الجمار فكيف يسأل مرة أُخرى عمن ترك الترتيب وهو يعلم بالترتيب ويعلم بأن الرمي لا بدّ أن يكون بسبع حصيات ، فإن السائل عن هذه الأُمور في هذه النصوص إنما هو شخص واحد وهو معاوية بن عمار. على أنه يبعد جدّاً وقوع الرمي بأربع حصيات متعمداً عن الذي يعلم باعتبار سبع حصيات. هذا كله بالنسبة إلى عدم شمول النص للعامد.

ثم إن في المقام قرينة أيضاً على عدم شموله للجاهل واختصاصه بالناسي وهي : أن


1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

مسألة 432 : ما ذكرناه من واجبات رمي جمرة العقبة يجري في رمي الجمرات الثلاث كلها (1).

مسألة 433 : يجب أن يكون رمي الجمرات في النهار (2).


المكلف يمكن أن يكون جاهلاً بأصل وجوب الرمي أو بوجوب الترتيب أو بوجوب أصل العدد ، وأمّا الجهل بأن الرمي على الأول بسبع مع العلم بالسبع على الثاني نادر جدّاً ، بل قد لا يتحقق خارجاً ، ويبعد جدّاً أن تكون الرميات عنده مختلفة من حيث العدد ، فمن علم بالرمي وبالعدد يعلم بوجوب السبع غالباً ، فما ذكره جماعة من الأكابر من اختصاص هذا الحكم بالناسي هو الصحيح.

الثاني : مقتضى إطلاق النص هو الاكتفاء بالرمي أربع حصيات على السابقة وإتمامها بعد اللّاحقة وإن تحقق الفصل ، إذ لا دليل على لزوم الموالاة ، فلو رمى الاولى بأربع ورمى الثانية والثالثة كل واحد بسبع وتذكر نقصان الاولى لا يجب عليه الرجوع فوراً على الاولى ، بل يجوز له التأخير اختياراً وإتمامها في أواخر النهار ، ولو فرضنا أنه رمى الاولى أربعاً ورمى الثانية ثلاثاً ورمى الثالثة سبعاً فيرجع على الاولى بثلاث وعلى الثانية بسبع وعلى الثالثة بسبع كما في صحيح معاوية بن عمار ، مع أنه حصل الفصل بعد رمي الجمرة الأُولى أربعاً برمي الثانية ثلاثاً والثالثة سبعاً ، ولم يدل دليل على اعتبار الموالاة كما يظهر من الجواهر (1)ولم يتعرض الفقهاء إلى ذلك أيضاً.

(1) لاتحاد الدليل ولا فرق في الأحكام المترتبة بين الجمرات.

(2) للنصوص المعتبرة المتكاثرة الدالة على أن وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها (2)وفي بعض الصحاح «ارم في كل يوم عند زوال الشمس» (3)ولا بدّ من حمله على الاستحباب أو على التقية ، لذهاب بعض فقهاء العامّة إلى ذلك كما في صحيحة


1) الجواهر 20 : 22.

2) الوسائل 14 : 68 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 13.

3) الوسائل 14 : 68 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 12 ح 1.

ويستثني من ذلك العبد والراعي والمديون الذي يخاف أن يقبض عليه ، وكل من يخاف على نفسه أو عِرضه أو ماله ، ويشمل ذلك الشيخ والنِّساء والصبيان والضعفاء الذين يخافون على أنفسهم من كثرة الزحام فيجوز لهؤلاء الرمي ليلة ذلك النهار (1).


زرارة الحاكية لفتوى الحكم بن عتيبة (1).

ومن الغريب ما عن الغنية (2)والاصباح (3)وجواهر القاضي (4)أن وقته بعد الزوال وكذا ما عن الشيخ في الخلاف من أنه لا يجوز الرمي إلّا بعد الزوال (5)وأغرب من ذلك دعواه إجماع الفرقة ، مع أنه لا قائل به أصلاً ، بل قالوا إن كلامه مخالف للإجماع ولا دليل عليه أبداً ولا رواية ضعيفة. وأمّا الصحيحة المتقدمة فأمرت بالرمي عند الزوال لا بعده ، وقد عرفت لزوم حملها على الاستحباب أو على التقيّة.

وكذا لا دليل على ما حكي عن المقنع بأنه كل ما قرب إلى الزوال فهو أفضل (6).

بل لو كانت رواية تدل أن وقته بعد الزوال فلا بدّ من رفع اليد عنها وطرحها لمخالفتها للسيرة القطعية بين المسلمين ، ولو كان وقته بعد الزوال لظهر وبان ، ولا ندري كيف صدر هذا الفتوى منهم خصوصاً من الشيخ (قدس سره) بعد وضوح المدرك وسيرة المسلمين.

(1) الظاهر اختصاص هذا الحكم بالمختار ، وأمّا المعذور فلا يتعيّن عليه ذلك ، وقد وردت روايات صحيحة في جواز الرمي بالليل لطوائف كالخائف والراعي والعبد (7)


1) الوسائل 14 : 69 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 13 ح 5.

2) غنية النزوع : 188.

3) حكاه في الرياض 7 : 128.

4) جواهر الفقه : 43.

5) الخلاف 2 : 351.

6) المقنع : 288.

7) الوسائل 14 : 70 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 14.

.................................................................................................


وجامعها المعذور ومن كان عليه المشقة ولو من كثرة الزحام ، فان المستفاد من مجموع هذه الروايات سقوط هذا الحكم عند المشقة والخوف ، فالحكم بالترخيص ثابت لمطلق المعذور.

وأمّا ما رواه الصدوق بإسناده عن وهيب بن حفص عن أبي بصير (1)فضعيف لضعف طريق الصدوق إلى وهب بن حفص.

إنما الكلام في أن المراد بالليل هو خصوص الليل السابق على يومه أو الأعم من الليل السابق واللّاحق؟ وجهان.

ذهب إلى الثاني كاشف اللثام (2)وصاحب الجواهر (3)لإطلاق الليل. وذهب إلى الأول صاحب المدارك (4)وهذا هو الصحيح ، لأن الروايات المجوّزة للرمي في الليل ناظرة إلى أن تقديم الرمي على وقته إنما هو ممنوع في حق المختار ، وأمّا المعذور فالمنع مرتفع عنه ويجوز له التقديم ، ولا نظر في الروايات إلى مطلق الليل.

ويؤكد ذلك ما ورد في جواز إفاضة النساء ليلة المشعر إلى منى ورميهنّ جمرة العقبة بليل ، أي ليلة العيد (5)فليس لكلمة الليل إطلاق يشمل الليل اللّاحق ، بل النصوص كما قلنا ناظرة إلى رفع المنع عن الرمي بالليل السابق وجواز التقديم على النهار.

ويشهد لما ذكرنا أيضاً ما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم «أنه قال في الخائف لا بأس بأن يرمي الجمار بالليل ويضحي بالليل ويفيض بالليل» (6)فإن الإفاضة بليل والخروج من منى وأنه يذهب إلى حيث شاء شاهد على أن المراد بالليل هو الليل السابق ، فليس للمريض والمعذور التأخير إلى الليل اللّاحق.


1) الفقيه 2 : 286 / 1403.

2) كشف اللثام 1 : 380 السطر 9.

3) الجواهر 20 : 20.

4) المدارك 8 : 233.

5) الوسائل 14 : 53 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 1 ح 1.

6) الوسائل 14 : 71 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 14 ح 4.

ولكن لا يجوز لغير الخائف من المكث أن ينفر ليلة الثانية عشر بعد الرمي حتى تزول الشمس من يومه (1).

مسألة 434 : من نسي الرمي في اليوم الحادي عشر وجب عليه قضاؤه في الثاني عشر ، ومن نسيه في الثاني عشر قضاه في اليوم الثالث عشر (2).


فرع : لو فرضنا أنه غير متمكن من البقاء في منى أيام التشريق فهل يجوز له رمي جميع الجمار في الليلة الأُولى ، أو أن رمي كل يوم يقدّم في ليلته؟ ذكر صاحب المدارك أنه لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة وقال : ربما كان في إطلاق بعض الروايات دلالة عليه (1).

ولكن الظاهر أن الروايات لا إطلاق لها من هذه الجهة ، نعم في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة جوّز الإفاضة بالليل ، والمتفاهم من ذلك أنه يفعل جميع أعمال منى ثم يفيض ويذهب إلى حيث شاء ، فلا بأس بما ذكره صاحب المدارك.

(1) لأن ذلك واجب آخر لا يرتبط بالتمكن من الرمي في وقته وعدمه ، والنصوص إنما تدل على تقديم الرمي في الليل ، وأمّا وظيفته الأُخرى وهي عدم جواز النفر قبل الزوال فباقية على حالها ، فان هذه الروايات تخصيص في الرمي لا في وجوب البقاء إلى الزوال.

(2) ذكرنا في رمي الجمرة العقبة (2)أنه إذا لم يرم يوم العيد نسياناً لزمه التدارك إلى اليوم الثالث عشر ، فيرمي الجمرة العقبة ثم يرمي الجمار ، وفي المقام رواية تدل على أنه لو نكس في رمي الجمار يعود وإن كان من الغد ، وهي صحيحة معاوية بن عمار في حديث قال : «قلت : الرجل ينكس في رمي الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى ، قال : يعود فيرمي الوسطى ثم يرمي جمرة العقبة وإن كان من الغد» (3).


1) المدارك 8 : 233.

2) في ص 228.

3) الوسائل 14 : 266 / أبواب العود إلى منى ب 5 ح 4.

والأحوط أن يفرّق بين الأداء والقضاء ، وأن يقدّم القضاء على الأداء ، وأن يكون القضاء أوّل النهار والأداء عند الزوال (1).


فان الظاهر من ذلك الإتيان بالرمي ثانياً أيضاً في اليوم اللّاحق إذا فاته الترتيب فيستفاد منه أنه لو فاته أصل الرمي يأتي به في اليوم اللّاحق أيضاً ، بل لو نسي الرمي في اليوم الثالث عشر إذا قلنا بوجوبه لمن بات ليلة الثالث عشر يأتي به في اليوم الرابع عشر لأجل كلمة «الغد».

(1) كما في النصوص الدالة على التفريق (1)، وأمّا كون القضاء أول النهار والأداء عند الزوال فيدل عليه صحيح ابن سنان (2).

أمّا تقديم القضاء على الأداء فالمشهور قد التزموا به بل ادعي الإجماع على ذلك ولكن ذكروا أن الإتيان بالقضاء بكرة وبالأداء عند الزوال مستحب ، واستدلوا بصحيح ابن سنان الذي يستفاد منه أحكام ثلاثة : تقديم القضاء على الأداء ، والتفريق بينهما والإتيان بالقضاء بكرة والأداء عند الزوال قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس قال : يرمي إذا أصبح مرتين : مرة لما فاته والأُخرى ليومه الذي يصبح فيه ، وليفرّق بينهما يكون أحدهما بكرة وهي للأمس والأُخرى عند الزوال» وهذه الرواية رواها المشايخ الثلاثة عن عبد اللّه بن سنان (3)ولم يروها الشيخ ولا الصدوق عن معاوية بن عمار كما زعم صاحب الجواهر (4).

ويرد على الاستدلال بصحيح ابن سنان لوجوب التقديم وأصل التفريق من وجهين :

أحدهما : ما عن صاحب المدارك حيث ناقش في دلالة الخبر بقوله : لإطلاق الخبر (5)


1) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3.

2) الوسائل 14 : 72 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 15 ح 1.

3) التهذيب 5 : 262 / 893 ، الكافي 4 : 484 / 2 ، الفقيه 2 : 285 / 1402.

4) الجواهر 20 : 25.

5) المدارك 8 : 236.

مسألة 435 : من نسي الرمي فذكره في مكة وجب عليه أن يرجع إلى منى ويرمي فيها (1).


وتوضيح ما أفاده (قدس سره) أنه بعد الفراغ عن وجوب القضاء ولزوم الرميتين رمي لليوم السابق ورمي لليوم اللّاحق ، أن الحكم المذكور بالتفريق وبإتيان رمي الأمس بكرة وبالحاضر عند الزوال حكم واحد مستفاد من إنشاء واحد ومن جملة واحدة ولا ريب في عدم وجوب الرمي عند الزوال إجماعاً ، بل وقته ما بين الطلوعين (1)اتفاقاً ، فكيف يمكن القول بوجوب أصل التفريق واستحباب إيقاع رمي الأمس بكرة ورمي الحاضر عند الزوال ، مع أن منشأ الحكمين ومدركهما أمر واحد فلا يمكن القول بأن أصل التفريق واجب ، وخصوصية التفريق بالإتيان بكرة لرمي الأمس والإتيان بالرمي عند الزوال لرمي اليوم الحاضر مستحبة ، فلا دليل على التفريق ، بل مقتضى إطلاق الخبر مجرّد وجوب الرميتين ، فالحكم بالإتيان بكرة للأمس وبالحاضر عند الزوال استحبابي جزماً ، وقد تقدّمت (2)روايات كثيرة أن وقت الرمي ما بين الطّلوعين.

ثانيهما : أن صحيحة ابن سنان واردة في من نسي رمي جمرة العقبة وهو من أعمال الحج بخلاف بقية رمي الجمار ، فطبعاً لا بد من تقديم رمي جمرة العقبة على بقية رمي الجمار ، لتقدّم أعمال الحج على ذلك ولزوم الإتيان برمي الجمار بعد أعمال الحج ، فتقديم المقضي الذي هو من أعمال الحج على طبق ما تقتضيه القاعدة ولا حاجة في تقديم ذلك إلى الرواية ، فلا يمكن التعدي من ذلك إلى رمي الجمار في اليوم الحادي عشر والثاني عشر ، فإنهما على حد سواء من حيث خروجهما من أعمال الحج ، فلا يجب تقديم السابق المقضي على اللّاحق.

(1) من نسي الرمي ونفر إلى مكة ففي الروايات أنه لو كان في مكة رجع إلى منى ورمى الجمار فيها ، وإن كان قد خرج من مكة فليس عليه شي‌ء (3)ولكن صاحب


1) أي ما بين طلوع الشمس وغروبها.

2) في ص 405.

3) الوسائل 14 : 261 / أبواب العود إلى منى ب 3.

وإذا كان يومين أو ثلاثة فالأحوط أن يفصل بين وظيفة يوم ويوم بعده بساعة ، وإذا ذكره بعد خروجه من مكة لم يجب عليه الرجوع بل يقضيه في السنة القادمة بنفسه أو بنائبه على الأحوط (1).


الجواهر (1)قيّد كلام الشرائع (2)بأيام التشريق التي هي زمان الرمي ، فاذا تذكر في مكة في غير أيام التشريق فلا يجب عليه العود إلى منى ، فحكمه حكم من تذكر في الطريق عند الخروج من مكة.

ولا نعرف لما ذكره وجهاً ، فان الروايات فصلت بين بقائه في مكة وعدمه من دون فرق بين أيام التشريق وغيرها. نعم ورد في رواية عمر بن يزيد هذا التفصيل قال : «من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل فان لم يحج رمى عنه وليه ، فان لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمي عنه فإنه لا يكون رمي الجمار إلّا أيام التشريق» (3)ولكن الرواية ضعيفة سنداً بمحمد بن عمر ، ولكن لا بأس بالعمل على طبق الرواية من باب الاحتياط.

ويؤكد ما ذكرنا صحيح معاوية بن عمار الوارد في من نكس في رمي الجمار ، قال : «يعود فيرمي الوسطى ثم يرمي جمرة العقبة ، وإن كان من الغد» (4)فان مقتضى قوله : «وإن كان من الغد» جواز الرجوع في اليوم الرابع عشر لمن نسي الرمي في اليوم الثالث عشر بناء على وجوبه على من بات ليلته ، مع أن اليوم الرابع عشر ليس من أيام التشريق قطعاً.

(1) لا ريب في أن من فاته الرمي في اليوم السابق يتداركه في اليوم اللّاحق ، ولكن ورد في صحيحتين لمعاوية بن عمار أن يفصل بين كل رميتين بساعة (5)ومقتضاهما هو


1) الجواهر 20 : 26.

2) الشرائع 1 : 316.

3) الوسائل 14 : 262 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 4.

4) الوسائل 14 : 266 / أبواب العود إلى منى ب 5 ح 4.

5) الوسائل 14 : 262 / أبواب العود إلى منى ب 3 ح 2 ، 3.

مسألة 436 : المريض الذي لا يرجى برؤه إلى المغرب يستنيب لرميه ، ولو اتفق برؤه قبل غروب الشمس رمى بنفسه أيضاً على الأحوط (1).

مسألة 437 : لا يبطل الحج بترك الرمي ولو كان متعمداً ، ويجب قضاء الرمي بنفسه أو بنائبه في العام القابل على الأحوط (2).


الوجوب ، وحيث إن المشهور لم يلتزموا بذلك ولذا كان الحكم به احتياطياً.

(1) لا إشكال في أن المريض إذا لم يتمكّن من الرمي بنفسه لا يسقط عنه الرمي بل تجب عليه الاستنابة كما في النصوص (1)إنما الكلام في أنه هل يستنيب مع احتمال البرء ورجائه أم لا؟

وأمّا إذا علم بالبرء في بعض أوقات النهار فلا تجوز له الاستنابة قطعاً ، لأن الاستنابة إنما تجوز له عند العجز عن الرمي في مجموع الوقت المحدد للرمي ولا عبرة بالعجز في ساعة واحدة ، لعدم كونه عاجزاً عن الرمي المأمور به.

نعم ، لو احتمل البرء وشكّ في زوال المرض وعدمه فالأظهر جواز البدار لاستصحاب بقاء العذر ، ولكن لو ارتفع العذر أثناء النهار ينكشف البطلان ، يعني يبتني الاجتزاء به على إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي وقد ثبت في محله عدم الاجزاء إلّا في بعض الموارد الخاصة المنصوصة كالإخلال ببعض أجزاء الصلاة لأجل حديث لا تعاد.

(2) لما عرفت من خروج رمي الجمار عن أعمال الحج ، وإنما هو واجب مستقل فلو تركه عالماً عامداً يكون عاصياً ولكن لا يفسد حجّه.

نعم ، ورد في رواية أن من ترك رمي الجمار متعمداً لم تحل له النساء وعليه الحج من قابل (2).

والرواية على مسلك المشهور ضعيفة بيحيى بن المبارك فإنه لم يوثق في الرجال


1) الوسائل 14 : 74 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 17.

2) الوسائل 14 : 264 / أبواب العود إلى منى ب 4 ح 5.

أحكام المصدود

مسألة 438 : المصدود هو الممنوع عن الحج أو العمرة بعد تلبسه باحرامهما (1).

مسألة 439 : المصدود عن العمرة يذبح في مكانه ويتحلّل به ، والأحوط ضمّ التقصير أو الحلق إليه (2) (1).


ولكن المختار عندنا وثاقته ، لأنه من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي.

إلّا أن الرواية لشذوذها وهجرها عند الأصحاب لا يمكن العمل بها ، فلا بدّ من طرحها ورد علمها إلى أهلها ، ومخالفة للروايات الكثيرة الدالة على أنه من أتى طواف النساء حل له كل شي‌ء حتى النساء ، فلا معنى لإعادة الحج من قابل.

(1) المراد بالمصدود حسب الروايات الواردة في المقام واصطلاح الفقهاء هو الممنوع عن إتمام الحج أو العمرة بظلم ظالم ومنع عدو ونحو ذلك ، والمراد بالمحصور هو الممنوع عن إتمامهما بمرض ونحوه من الموانع الداخلية ، ويشتركان في كثير من الأحكام ويختصان ببعض الأحكام نذكرها في المسائل الآتية.

(2) المعروف بين الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) أن المصدود لا يتحلّل إلّا بعد ذبح الهدي في مكانه ، بل ادعي عليه الإجماع. وعن ابن بابويه (2)وابن إدريس (3)سقوط الهدي والتحلل بمجرد العجز عن الإتمام ، وربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين.

ولا ريب أن مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الآية المباركة والنصوص الواردة في المقام سقوط الحج أو العمرة لعدم التمكن من إتمامهما ، ويكشف ذلك عن فساد إحرامه من الأوّل ولا شي‌ء عليه أصلاً.

فيقع الكلام في ما تقتضيه القاعدة وفيما تدل عليه الآية الشريفة والنصوص.


1) [1] «بل الأحوط اختيار الحلق إذا كان ساق معه الهدي في العمرة المفردة» المناسك ط 12.

2) حكاه في الجواهر 20 : 116.

3) السرائر 1 : 641.

.................................................................................................


أمّا مقتضى القاعدة فالحق مع ابني بابويه وإدريس لأصالة عدم وجوب الذبح وأورد على ذلك صاحب الجواهر بأن هذا الأصل مقطوع باستصحاب حكم الإحرام إلى أن يعلم حصول التحلل ، فالأصل يقتضي وجوب الذبح لأنه كان محرماً ، وما لم يذبح نشك في زوال الإحرام والأصل بقاء الإحرام وعدم تبدله إلى التحلل (1).

والجواب : أن هذا من الاستصحاب الكلي في الأحكام المجعولة وهو معارض باستصحاب عدم الجعل ، إذ نشك في سعة الجعل وضيقه وشمول الجعل لهذا المورد وعدمه والأصل عدمه ، وتحقيق ذلك في علم الأُصول (2)فما ذكره ابن إدريس صحيح على ما تقتضيه القاعدة ، وعجزه عن الإتمام يكشف عن إحلاله من أوّل الأمر ، وأنه لم يكن مأموراً بالإحرام من الأوّل ، ولا يجب عليه شي‌ء فهو في الحقيقة لم يكن محرماً أصلاً ولا يترتب على إحرامه شي‌ء.

أمّا الآية ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (3)فقد استدل للقائل بوجوب الذبح بها ، فان المستفاد منها وجوب إتمام الحج والعمرة ، وعدم جواز رفع اليد عنهما اختياراً ، حتى أنه إذا أُحصر ومنع من إتيان الحج والعمرة لا يتحلل من الإحرام إلّا بالهدي ، وكذا يستفاد من الآية عدم جواز الحلق إلّا بعد بلوغ الهدي محله أي منى ولكن الأخير حكم خاص بالمحصور المصطلح ، وأمّا المصدود الذي يصد بالعدو فمقتضى الروايات عدم لزوم بلوغ الهدي إلى منى ، بل يذبح حيث صدّ في مكانه كما سيأتي.

ثم إن إطلاق الآية مع قطع النظر عن الروايات المفسرة لها يقتضي شمول الحكم للمصدود أيضاً ، لأن الحصر لغة (4)بمعنى المنع ولم يكن موضوعاً للحصر بالمرض خاصة بل معناه اللغوي مطلق المنع والحبس ، ومنه قوله تعالى ( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي


1) الجواهر 20 : 116.

2) مصباح الأُصول 3 : 38.

3) البقرة 2 : 196.

4) راجع مجمع البحرين 3 : 271.

.................................................................................................


سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) (1)فالآية بإطلاقها يشمل المصدود أيضاً ولا تختص بالمنع بسبب المرض.

ومما يؤكد ذلك : أن الآية وردت في صد المشركين لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) في الحديبية فإنه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) نحر في مكانه ورجع ، فكيف يقال بأن الآية لا تشمل الصد ، فاختصاص الآية بالحصر بالمرض ونحوه لا وجه له ، بل يحتمل أن يكون المراد من الآية الأعم من المنع بسبب العدو أو بسبب المرض كما يساعده المعنى اللغوي للحصر.

ويؤكد ما ذكرنا : أن الأحكام المذكورة في الآية الشريفة ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) الآية (2)مسترسلة ومرتبطة بعضها ببعض ، فان اللّه تعالى بيّن أوّلاً وجوب إتمام الحج والعمرة وعدم جواز رفع اليد عنهما بعد الشروع فيهما ، ثم قال تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) أي إن تعذر عليكم إتمام الحج والعمرة فعليكم الهدي بما استيسر ، ثم قال تعالى ولكن ( لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) ، ثم استثنى من ذلك ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) محوجاً إلى الحلق أو به أذى من رأسه كالقمل ونحوه ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ ) ... فقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) أقوى شاهد على أن المراد بالحصر المذكور في صدر الآية ليس خصوص المرض ، بل المراد به مطلق المنع عن الحج كما يساعد عليه اللغة واستعماله في مورد آخر من الكتاب العزيز في المنع ، فكأنه تعالى قسّم الحصر إلى المريض وغيره ، فالموضوع أعم من المريض وغيره ومطلق المنع هو المقسم ، وإلّا لو كان الحصر في الآية بمعنى المرض فلا يلتئم مع قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) الذي هو من تتمّة الحكم المذكور في صدر الآية ، لرجوع


1) البقرة 2 : 273.

2) البقرة 2 : 196.

.................................................................................................


ذلك إلى أنه إذا مرضتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم إلى قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) بل الظاهر من قوله ( مِنْكُمْ ) التبعيض ، فمعنى الآية ما يقتضيه سياقها ، وسوق الفقرات المذكورة فيها أن الممنوع من الحج لا يجوز له الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، إلّا إذا كان سبب المنع المرض الذي لا يتمكّن من ترك الحلق ولا يتمكن من الصبر إلى أن يبلغ الهدي محله فيجوز له الحلق وعليه الفدية ، فالمقسم مطلق المنع لا خصوص المرض وإلّا فلا يناسب مع ذكر المريض في الفقرة الثانية في الآية ، فما حكي من بعض أهل اللغة أن الحصر بمعنى المرض لم يثبت ، بل الصحيح أن الحصر بمعنى مطلق المنع كما حكي عن جماعة آخرين من أهل اللغة ، وإلى ما ذكرنا ذهب أو مال إليه في الجواهر (1).

نعم يظهر من رواية حريز (2)الحاكية لمرور النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) على كعب بن عجزة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم فأنزلت هذه الآية ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) أن هذه الآية نزلت في مورد آخر ، ولم تكن من متممات آية الحصر ، فلا تكون هذه الفقرة قرينة على أن المراد بالحصر هو مطلق المنع ، ولكن الرواية لم تثبت صحتها ، لأن الشيخ رواها مسندة عن حريز (3)والكليني رواها عن حريز عمن أخبره (4)فلم يعلم أن الرواية مرسلة أو مسندة ، فلا يمكن الاعتماد عليها فالعبرة بظاهر الآية الكريمة.

وأمّا الروايات : ففي صحيح زرارة «المصدود يذبح حيث صد» (5)ودعوى أن الجملة الفعلية لا تدل على الوجوب ، مدفوعة بما ذكر في علم الأُصول بأن الجملة الفعلية آكد وأظهر في الوجوب من الإنشاء (6).


1) الجواهر 20 : 112.

2) الوسائل 13 : 165 / أبواب بقية كفارات الإحرام ب 14 ح 1.

3) التهذيب 5 : 333 / 1147.

4) الكافي 4 : 358 / 2.

5) الوسائل 13 : 180 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 5.

6) راجع محاضرات في أُصول الفقه 2 : 132 وما بَعدها.

.................................................................................................


واستدلّ أيضاً لوجوب الذبح بفعل النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) (1)وأُشكل عليه بأن فعله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أعم من الوجوب. وفيه : أن الامام (عليه السلام) استشهد بفعله (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وظاهره الوجوب وأنه (عليه السلام) في مقام تعيين الوظيفة.

والحاصل : أن المصدود يجب عليه الذبح ولا يتحلل إلّا به كما في الآية بناء على تعميمها للمصدود كما عرفت ويدلُّ عليه الروايات أيضاً.

وهل يجب عليه شي‌ء آخر غير الذبح كالحلق أو التقصير أم لا؟

نسب إلى بعضهم وجوب التقصير عليه متعيناً ، وأنه لا يجزئ الحلق كما اختاره صاحب الحدائق (2)ونسب إلى العلّامة أيضاً (3)وعن القاضي تعين الحلق (4)والمحكي عن الشهيدين التخيير بينهما (5)هذا بحسب الأقوال.

وأمّا بحسب الدليل فلا دليل على شي‌ء من ذلك إلّا رواية عامية دلت على حلقه (صلّى اللّه عليه وآله) (6)وهي غير معتبرة فلا يمكن الاعتماد عليها ، ولذا صاحب الحدائق لم يجوّز الحلق. وأمّا التقصير فلم يدل عليه أيضاً دليل سوى مرسلة المفيد (7)وهي ضعيفة بالإرسال ورواية حمران (8)وهي ضعيفة بسهل بن زياد ، فلا دليل على لزوم الحلق أو التقصير. ولكن التخيير أحوط ، وأحوط منه الجمع بين التقصير والحلق. هذا ولكن علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير روى رواية صحيحة في كتابه (9)في


1) الوسائل 13 : 191 / أبواب الإحصار والصد ب 9 ح 5.

2) الحدائق 16 : 18.

3) قواعد الأحكام 1 : 453.

4) لاحظ المهذب 1 : 270.

5) الدروس 1 : 479 ، المسالك 2 : 401.

6) المغني لابن قدامة 3 : 380 ، سنن البيهقي 5 : 214.

7) الوسائل 13 : 180 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 6 ، المقنعة : 446.

8) الوسائل 13 : 186 / أبواب الإحصار والصد ب 6 ح 1.

9) تفسير القمي 2 : 309.

.................................................................................................


تفسير سورة الفتح وهي ما رواه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن سنان (ابن سيار) (ابن يسار) ، والموجود في المستدرك (1)وتفسير البرهان (2)ابن سنان ، والرواية على كل تقدير صحيحة روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «كان سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم أن اللّه عزّ وجلّ أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين ، إلى أن ذكر (عليه السلام) قصّة خروج النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وأصحابه وإحرامهم بالعمرة وصد المشركين قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأصحابه انحروا بدنكم واحلقوا رؤوسكم ، فنحر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وحلق ونحر القوم فقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) رحم اللّه المحلقين ، وقال قوم لم يسوقو البدن : يا رسول اللّه والمقصّرين؟ لان لم يسق هدياً لم يجب عليه الحلق ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ثانياً : رحم اللّه المحلقين الذين لم يسوقو الهدي ، فقالوا يا رسول اللّه والمقصّرين؟ فقال : رحم اللّه المقصرين» الخبر.

ولا ريب أن الأمر بالذبح أو الحلق ليس أمراً واجباً شرعياً تكليفياً ، بل للمكلف أن يبقى على إحرامه ، بل هو إرشاد إلى ما يتحلل به وأن التحلل يحصل بالنحر والحلق أو التقصير ، فالرواية دالة على ضم الحلق إلى الذبح لمن أراد التحلل ، ولكن يختص بمن ساق الهدي ، وأمّا من لم يسق الهدي فهو مخير بين الحلق والتقصير ، ولا شك أن مقتضى الاحتياط هو ضم الحلق أو التقصير إلى الذبح ، فان المشهور لم يلتزموا بذلك والاحتياط في محله.

ثم لا يخفى أن مورد الرواية هو العمرة المفردة ، فالتعدي منها إلى الحج يحتاج إلى دليل ولا إطلاق لها يشمل الحج ، ولكن الاحتياط أيضاً يقتضي ضم الحلق إلى الذبح في الحج.

هذا كلّه فيما يجب على المصدود عن العمرة وقد عرفت أنه لا يجب عليه إلّا الهدي.

ثم وقع الكلام في مكان الهدي والذبح ، فقد ذكر أبو الصلاح أن يبعث بهديه إلى


1) المستدرك 9 : 312.

2) تفسير البرهان 4 : 191.

مسألة 440 : المصدود عن الحج إن كان مصدوداً عن الموقفين أو عن الموقف بالمشعر خاصّة ، فوظيفته ذبح الهدي في محل الصد والتحلّل به عن إحرامه والأحوط ضم الحلق أو التقصير إليه ، بل الأحوط (1)اختيار الحلق إذا كان ساق معه الهدي في العمرة المفردة (1).


محله كما في الآية بناءً على عمومها للمصدود (2)والجواب عن ذلك : أن مقتضى فعل النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وصحيح زرارة الذبح في مكان الصد ، والبعث يختص بالحصر بالمرض ونحوه.

وذهب بعضهم إلى التخيير بين الذبح في محل الصد وبين البعث والإنفاذ ، اختاره الشيخ النائيني (3)ولم يستبعده الجواهر ونسبه إلى جماعة (4).

ولكنه لا دليل عليه ، بل مقتضى صحيح زرارة تعين الذبح في محل الصد ، فإن المقابلة بينه وبين المحصور تقتضي وجوب الذبح في مكان الصد. ودعوى أن الأمر بالذبح في محل الصد وارد في مورد توهم الحظر ولا يستفاد منه الوجوب فاسدة ، لأن المقابلة بين الصد والحصر تدل على التعيين.

ولو قطعنا النظر عن ذلك والتزمنا بعدم دلالة الجملة الخبرية على الوجوب ، وقلنا بعدم وجوب الذبح في مكان الصد ، ولكن لا دليل على لزوم البعث ، فليذبح حيث شاء ولو في بلاده.

والحاصل : عدم وجوب الذبح في مكان الصد لا يقتضي الوجوب في خصوص مكان آخر ، بل له أن يذبح في أيّ مكان شاء. هذا تمام الكلام في المصدود عن العمرة المفردة أو المتمتّع بها.

(1) إذا صد عن الوقوفين أو عن الوقوف في المشعر الاختياري منه والاضطراري


1) [1] قوله «بل ...» هذه الجملة غير موجودة في المناسك ط 12.

2) الكافي لأبي الصلاح : 218.

3) دليل الناسك (المتن) : 476.

4) الجواهر 20 : 117.

.................................................................................................


منه معاً فلا حج له ، لما عرفت أن الوقوف الاختياري والاضطراري للمشعر ركن للحج ويفسد الحج بتركهما فيشمله صحيح زرارة «المصدود يذبح حيث صد» (1)فان مقتضى إطلاقه أن المصدود سواء صد عن العمرة المفردة أو عمرة التمتّع أو الحج وظيفته الذبح في مكانه ، وهذا مما لا كلام فيه.

إنما الكلام في أن الإحلال بالذبح متعين عليه أم لا؟

ذكر صاحب الجواهر أن الأمر بالإحلال بالذبح في النص وإن أفاد الوجوب ولكن الظاهر إرادة الإباحة منه هنا ، لأنه في مقام توهم الحظر ، فله أن يتحلل بالذبح قبل الوقوفين ، وله أن يبقى على إحرامه حتى يفوت الموقفان ويتحلّل بعمرة مفردة ولا يسقط عنه الحج بذلك ، فالذبح وظيفة المصدود إذا أراد التحلّل قبل الوقوفين ، وأمّا إذا صبر المصدود ولم يتحلل ففات الموقفان لم يجز له التحلل بالهدي ، بل يتحلل بعمرة مفردة كغيره ممّن يفوته الحج (2). وصرّح بذلك المحقق في الشرائع (3)واختاره الشيخ النائيني (4)وادعى صاحب الجواهر (قدس سره) اتفاق الأصحاب على ذلك.

أقول : إن تم الإجماع فهو ، وإلّا فإثبات ما ذكروه بدليل مشكل جدّاً ، لأنهم (قدس سرهم) ذكروا في وجهه أن الأمر بالذبح ورد في مقام توهم الحظر ، فله الترك حتى يفوت الحج عنه ، أي الموقفان ، فتشمله أدلّة تبديل الحج إلى العمرة المفردة.

ويرد على ذلك أوّلاً : أن الظاهر من قوله «يذبح حيث صد» هو وجوب الذبح في مكان الصد ، بقرينة المقابلة للمحصور الذي يجب عليه البعث والإرسال.

وثانياً : قد عرفت أن نفس الآية الشريفة تكفينا في وجوب الذبح ، لصحة إطلاق الحصر على المصدود لغة ، فإن وجوب الهدي عند الحصر والمنع عن الحج استثناء من وجوب إتمام الحج والعمرة المذكورة في صدر الآية.


1) الوسائل 13 : 180 / أبواب الإحصار والصدّ ب 1 ح 5.

2) الجواهر 20 : 129 ، 133.

3) الشرائع 1 : 323.

4) دليل الناسك (المتن) : 479.

.................................................................................................


وثالثاً : أن الروايات الدالة على تبدل الحج إلى العمرة المفردة إذا فاته الموقفان منصرفة عن المصدود بالعدو ، بل الظاهر من تلك الأدلّة أنّ من دخل مكة ولم يدرك الموقفين لضيق الوقت أو لمانع آخر من مرض ونحوه يعدل إلى المفردة ، وليس لها إطلاق يشمل المنع ظلماً وصدّاً من العدو الذي لم تكن وظيفته الوقوف من الأوّل بل كانت وظيفته شي‌ء آخر ، بل تشمل الروايات مَن كانت وظيفته الوقوف ففات.

وبعبارة اخرى : أن تلك الروايات موردها مَن ليس له محلل غير العمرة ، فلا تشمل من كان له محلل كالذبح في مكانه.

ورابعاً : أن أدلّة العدول قابلة للتقييد بالذبح والتحلل به في خصوص المصدود ومَن فاته الوقوف بسبب الصد.

ثم إن في المقام رواية ربما يقال بأنها تدل على التبدّل إلى العمرة ، المفردة وهي صحيحة الفضل بن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف ، فبعث به إلى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر خلى سبيله كيف يصنع؟ فقال : يلحق فيقف بجمع ، ثم ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شي‌ء عليه ، قلت : فان خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟ قال : هذا مصدود عن الحج إن كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت أُسبوعاً ثم يسعى أُسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة ، فإن كان مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا شي‌ء عليه» (1).

فإنه يدل على أنه من أُطلق يوم النحر يتمكن من درك الوقوف الاضطراري للمشعر ، ثم ينصرف إلى منى ويأتي بأعمالها ، قد تم حجّه ولا يجري عليه حكم المصدود ، وأمّا إذا أُطلق يوم النفر فهو مصدود عن الحج لفوات مطلق الوقوف الاختياري والاضطراري عنه ، فعليه الطواف والسعي والحلق ثم الذبح ، فربما يتوهّم دلالة ذلك على التبدّل إلى العمرة المفردة ، لأن ذلك من أعمال العمرة المفردة.


1) الوسائل 13 : 183 / أبواب الإحصار والصد ب 3 ح 2.

.................................................................................................


والجواب : أنه لو قلنا بالتبدل إلى العمرة المفردة فلا يجب فيها الذبح ، مع أن الرواية صرحت بوجوب الذبح ، فما في الصحيحة لا قائل به ، وما ذكره لا ينطبق على ما في الصحيحة ، فإنه لو قيل بالانقلاب إلى المفردة فالتحلل منها بطواف النساء لا بالذبح ولم يقل أحد بقيام الذبح مكان طواف النساء.

ثم إن صاحب الجواهر (1)ذكر الفقرة الأخيرة من رواية الفضل ما يخالف عما ذكره الكليني (2)ويوافق التهذيب (3)«وإن كان دخل مكة مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا حلق» ولا يخفى أن بطلان ذلك واضح ، إذ لو انقلب حجّه إلى العمرة المفردة فكيف لم يكن فيها حلق ولا طواف النساء.

وبالجملة : الرواية على كلا الطريقين ، سواء على ما في الكافي وسواء على ما في التهذيب لا تنطبق على ما يجب في العمرة المفردة ، فالرواية من الشواذ التي لا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها ، فلا يمكن أن تكون المستند في المقام.

وممّا يدل على أن الرواية من الروايات الشاذة المهجورة ، أن المذكور في الرواية ليس حكماً شرعياً مستقلا تأسيسياً ، بل المذكور فيها من باب تطبيق الكلي على مصداقه حيث قال (عليه السلام) : «هذا مصدود عن الحج» يعني ينطبق عنوان المصدود الكلي على مورد السؤال ، ومن الضروري أن حكم المصدود ليس ما ذكر من الطواف والسعي والحلق والذبح ، فكيف يمكن تطبيق كلي المصدود على المذكور في الرواية.

وقد استدلّ صاحب الجواهر بهذه الصحيحة على عدم وجوب ضم الحلق إلى الذبح ، وأن التحلل لا يحتاج إلى الحلق أو التقصير (4).

وفيه : أن كلمة «ولا حلق» إنما وردت في نسخة التهذيب ، وأمّا الكافي فلم تذكر


1) الجواهر 20 : 120.

2) الكافي 4 : 371 / 8.

3) التهذيب 5 : 465 / 1623.

4) الجواهر 20 : 120.

وإن كان عن الطواف والسّعي بعد الموقفين قبل أعمال مني أو بعدها ، فعندئذ إن لم يكن متمكناً من الاستنابة فوظيفته ذبح الهدي في محل الصد ، وإن كان متمكناً منها فالأحوط الجمع بين الوظيفتين ذبح الهدي في محله والاستنابة (1)


فيه هذه الكلمة. على أن الرواية نفت الذبح أيضاً مع أن الذبح مفروغ عنه ، فالمذكور في الرواية خارج عن محل كلامنا ، لأن محل الكلام فيما يتحلل بالذبح ، وإنما وقع الكلام في أنه هل يضم إليه الحلق أم لا. هذا كله فيما إذا صد قبل الموقفين ، وأمّا إذا صد بعدهما فسيأتي حكمه.

(1) إذا صدّ بعد الموقفين عن الطواف والسعي وعن دخول مكة ، سواء صد قبل الإتيان بأعمال مني أو بعده ، فقد يفرض أنه لا يتمكن من الاستنابة فلا شك في دخوله في عنوان المصدود ويجرى عليه أحكامه.

وأمّا إذا تمكن من الاستنابة فهل يجري عليه أحكام المصدود أم تجب عليه الاستنابة؟ وجهان بل قولان.

ذهب جماعة إلى أنه مصدود كما يظهر من إطلاق عبارة المحقق لقوله (قدس سره) : يتحقق الصد بالمنع عن الموفقين وكذا بالمنع من الوصول إلى مكة (1)واختاره صاحب الجواهر (2).

وذهب جماعة منهم شيخنا النائيني إلى أنه يستنيب ويتم حجّه لإطلاق أدلّة النيابة (3).

أقول : إذا كان لدليل النيابة إطلاق يشمل المقام فلا كلام ، فإنه حينئذ لا يصدق عليه عنوان المصدود ، لأن المصدود هو الذي لا يتمكن من إتمام الحج أو العمرة ، وأمّا من تمكّن من الإتمام ولو بفعل النائب وبالتسبيب فلا يشمله دليل الصد ، ولكن الكلام


1) الشرائع 1 : 323.

2) الجواهر 20 : 128.

3) دليل الناسك (المتن) : 480.

وإن كان الأظهر جواز الاكتفاء بالذبح إن كان الصد صداً عن دخول مكة ، وجواز الاكتفاء بالاستنابة إن كان الصد بعده.


في شمول أدلّة النيابة لمورد كلامنا ، والظاهر أنه لا إطلاق لأدلة النيابة بحيث تشمل المقام ، وذلك لأن دليل النيابة يختص بمن كان داخل مكة ولكن عجز عن الطواف أو السعي لمرض أو شيخوخة أو لصدّ من العدو ونحو ذلك من الأعذار ، لأن المذكور في أدلّة النيابة أنه يطاف به أو يطوف عنه ، ويظهر من ذلك أنه دخل مكة ولكن لا يتمكن من الطواف بنفسه فيطاف به إن تمكن من ذلك وإلّا فيطوف عنه كما ورد في المريض والكسير والمبطون ، وأمّا إذا كان خارج مكة وعجز عن الدخول أو منع عنه فلا تشمله أدلّة النيابة.

ومما يؤكد ما ذكرنا : أن دليل النيابة لو كان يشمل مَن عجز عن دخول مكة فلعله لا يبقى مورد لعنوان المصدود ، لأن كل أحد غالباً يتمكن من الاستنابة ، فما يظهر من كلام المحقق من إجراء أحكام المصدود حتى في فرض التمكن من الاستنابة هو الصحيح ، والأحوط استحباباً هو الجمع بين وظيفة المصدود والاستنابة ، هذا كله فيما إذا صد عن الوصول إلى مكة.

وأمّا إذا دخل مكّة المكرّمة فصدّ عن الطّواف والسّعي معاً أو عن أحدهما ، فهل يجري عليه أحكام الصد أم تجب عليه الاستنابة؟

ظاهر عبارة المحقق في الشرائع أنّ الصدّ منحصر بالمنع عن الوقوفين وبالمنع من الوصول إلى مكّة ، وأمّا إذا دخل مكّة فصدّ عن الأعمال فلا يصدق عليه عنوان المصدود بل اللّازم عليه الاستنابة (1).

ولكن صاحب الجواهر علّق على كلام المحقق وأجرى أحكام الصدّ حتّى بالنسبة إلى الدّاخل إلى مكّة إذا منع من الطّواف والسّعي ، وذكر بأنّ دليل الصّد غير مقيّد بما


1) الشرائع 1 : 323.

وإن كان مصدوداً عن مناسك منى خاصة دون دخول مكة ، فوقتئذٍ إن كان متمكناً من الاستنابة فيستنيب للرمي والذبح ثم يحلق أو يقصر ويتحلل ثم يأتي ببقية المناسك ، وإن لم يكن متمكناً من الاستنابة فالظاهر أن وظيفته في هذه الصورة أن يودع ثمن الهدي عند من يذبح عنه ثم يحلق أو يقصر في مكانه ، فيرجع إلى مكة لأداء مناسكها فيتحلل بعد هذه كلها عن جميع ما يحرم عليه حتى النِّساء من دون حاجة إلى شي‌ء آخر ، وصح حجّه وعليه الرمي في السنة القادمة على الأحوط (1).


إذا كان الصّد خارج مكّة ، بل يشمل المنع من الدّخول في المسجد للطّواف أو في المسعى للسّعي (1).

ولكن الصحيح ما ذهب إليه المحقق ، لأنّ أدلّة النيابة غير قاصرة الشمول لمن دخل مكّة المكرّمة ومنع عن الطّواف أو السّعي كما في نصوص المريض والكسير والمغمى عليه الآمرة بالنيابة ، فإنّه متمكن من إتمام الحج بفعل الغير وبالتسبيب ، فمن كان ممنوعاً عن الطّواف أو السّعي بعد الوصول إلى مكّة لا يدخل في عنوان المصدود بل عليه أن يستنيب.

(1) لو صد بعد إدراك الموقفين عن نزول منى خاصة ، فإن أمكنه الاستنابة استناب للرمي والذبح ، ويحلق أو يقصّر في مكانه ، إذ الحلق في منى يختص بمن يتمكن من الحلق فيها وإلّا فيحلق في مكانه ، وأمّا الاستنابة للذبح فجائزة حتى اختياراً قطعاً وأمّا الرمي فلا قصور في أدلّة النيابة في شمولها له ، وكون المنوب عنه موجوداً في أرض مني أو في خارجها لا أثر له.

وإن لم يمكنه الاستنابة ذكر في الجواهر أن فيه وجهين :

أحدهما : أنه يتحلل بالهدي في مكانه لصدق الصد ، ولا تجب عليه بقية الأعمال.


1) الجواهر 20 : 128.

.................................................................................................


ثانيهما : احتمال البقاء على إحرامه ، لأن أدلّة الصد لا تشمل المورد ، لاختصاصها بالصد عن أركان الحج ، نقل ذلك عن المسالك والمدارك وغيرهما (1)ولكن شيخنا النائيني (2)حكى عنهم بأنه يبقى على إحرامه إلى أن يتحلل بمحلله وليس في كلامهم ما يدل على هذا التقييد ، بل مقتضى كلامهم أنه يبقى على إحرامه إلى الآخر وإلى متى شاء.

والظاهر أن كلا القولين ضعيف والوجه في ذلك : أن وجوب الرمي والذبح والحلق قد يفرض أن وجوبها وجوب مطلق ، بمعنى أن صحة الطواف والسعي مشروطة بوقوعهما بعد أعمال منى الثلاثة ، ولا يصح الطواف أو السعي بدون الإتيان بتلك الأعمال ، فحينئذ يكون الصد عن أعمال منى صداً عن الطواف أيضاً ، لعدم تمكنه من الطواف المأمور به الصحيح ، فان الصد عن المقدمة صدّ عن ذي المقدمة ، فإن الشرطية المطلقة تقتضي تحقق الصد بالنسبة إلى الطواف حقيقة فكيف يقال بأنه غير داخل في الصد مع أنه غير متمكن من الطواف فلا يحتمل بقاؤه على إحرامه.

وأمّا إذا فرضنا أن شرطية التقدم شرط اختياري ، بمعنى سقوط شرطية التقدم عند العجز وعدم التمكن كما هو المختار ، فلا يتحقق الصد ، بل يودع ثمن الهدي عند مَن يثق به ليشتري به الهدي ، وإن لم يتمكّن من ذلك فينتهي الأمر إلى الصوم ، فعدم القدرة لا يكون مانعاً من الطواف.

وأمّا الحلق فإنما يجب مع التمكن وإلّا فيسقط كما يستظهر ذلك من سقوطه في فرض النسيان أو الجهل ، فيصح الحلق خارج منى ، فيعلم أن وجوب الحلق في منى مقيد بالقدرة عليه في منى وإلّا فيسقط وجوبه.

وأمّا الرمي فإذا لم يرم نسياناً وتذكر في مكة وأمكنه الرجوع يرجع ويرمي ، وإن تذكر في طريقه إلى بلاده فليس عليه شي‌ء ، ولو كان متمكناً من الرجوع فعدم الرمي لا يكون مانعاً عن الطواف وكذا عدم الذبح ، بل يودع ثمنه عند من يشتري الهدي


1) الجواهر 20 : 126.

2) لاحظ دليل الناسك (المتن) : 481.

مسألة 441 : المصدود لا يسقط عنه الحج بالهدي المزبور ، بل يجب عليه الإتيان به في القابل إذا بقيت الاستطاعة أو كان الحج مستقراً في ذمّته (1).


وإن لم يجد الهدي فيجب عليه الصيام ، والمذكور في الآية الكريمة ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) (1)والمراد به من لا يتمكّن من الهدي ولو من حيث عدم المال كما هو المراد في آية التيمم (2)وآية الظهار (3)وكيف كان لا تصل النوبة إلى إجراء أحكام المصدود عليه ولا موجب لبقائه على إحرامه ، فإن الرمي يسقط وثمن الهدي يودعه ، والحلق يأتي به في مكانه.

وبالجملة : الصد عن الحلق لا يوجب تبدل الحكم بل يحلق في مكانه ، وأمّا الذبح فاذا منع عنه يودع ثمنه عند من يشتري وإلّا يشمله قوله تعالى ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ) وأمّا الرمي فوجوبه مشروط بالتمكّن منه كما يظهر ذلك من سقوطه في حال النسيان أو الجهل إذا تذكره في الطريق ، وعليه أن يقضيه في السنة القادمة بناء على الاحتياط.

ويزيد ذلك وضوحاً إطلاق السنة على الرمي في النص في مقابل إطلاق الفريضة على الطواف ، كما أُطلق السنة على غير الخمسة المذكورة في حديث لا تعاد وورد أن السنة لا تنقض الفريضة (4)وهذه الكبرى تنطبق على المقام من أن الرمي سنة في قبال ما افترضه اللّه تعالى في الكتاب ولا تنقض الفريضة بذلك.

فتحصل : أن الصد لا يتحقق بالنسبة إلى الرمي والذبح والحلق خلافاً للجواهر (5)وشيخنا النائيني (6).

(1) المصدود بأقسامه لا يسقط عنه الحج بالمرة وإنما مقتضى الأدلّة تحليله بالهدي


1) البقرة 2 : 196.

2) النساء 4 : 43.

3) المجادلة 58 : 4.

4) الوسائل 5 : 470 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 14.

5) الجواهر 20 : 127.

6) دليل الناسك (المتن) : 480.

مسألة 442 : إذا صد عن الرجوع إلى منى للمبيت ورمي الجمار ، فقد تمّ حجّه ويستنيب للرمي إن أمكنه في سنته وإلّا ففي القابل على الأحوط ، ولا يجري عليه حكم المصدود (1).

مسألة 443 : من تعذر عليه المضي في حجّه لمانع من الموانع غير الصد والحصر فالأحوط أن يتحلّل في مكانه بالذبح (2).


وعليه لو استطاع في هذه السنة وصد ولم تبق استطاعته إلى السنة القادمة يسقط عنه الحج ، لعدم استطاعته في هذه السنة للصد وعدم استطاعته في السنة اللّاحقة ، وأمّا لو استطاع بعد هذه السنة أو كان الحج مستقرّاً عليه يجب عليه الإتيان بالحج ، إذ لا موجب لسقوط الحج الثابت في ذمته أو الحج الذي يثبت عليه بشرائطه في السنة القادمة.

(1) لو منع من العود إلى منى لرمي الجمار الثلاث والمبيت بها فلا يتحقق الصد ، أمّا بالنسبة إلى المبيت فلأنه خارج عن أعمال الحج والعمرة ويسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات الشرعية ، نعم يبقى الكلام في ثبوت الكفارة وعدمه بترك المبيت. وأمّا الرمي فواجب مستقل لا يفسد الحج بتركه عمداً واختياراً ويسقط بالعجز عنه ، ولكن الاحتياط الاستحبابي يقتضي قضاءه في السنة القادمة.

(2) لا يخفى أن المذكور في روايات الإحصار والصد إنما هو أمران :

أحدهما : الصد بالعدو أو الصد بالمشركين أو عن السلطان كما في معتبرة الفضل بن يونس (1)والجامع أن يمنع من قِبَل شخص آخر ، سواء كان عدوا أو مشركاً أو كان سلطاناً ظالماً.

ثانيهما : المنع عن الحج أو العمرة بالمرض وسيأتي حكم ذلك إن شاء اللّه تعالى وأمّا لو فرض سبب المنع عن الحج أو العمرة غير المرض وغير الصد بالعدو ، كما إذا فرض انكسرت سيارته أو ماتت دابته أو سرقت أمواله ونفقته ، أو كان هناك مانع


1) الوسائل 13 : 183 / أبواب الإحصار والصد ب 3 ح 2 وتقدّمت في ص 421.

مسألة 444 : لا فرق في الهدي المذكور بين أن يكون بدنة أو بقرة (1)ولو لم يتمكّن منه ينتقل الأمر إلى بدله وهو الصيام على الأحوط (1).


سماوي أو أرضى كالحر الشديد أو البرد القارص أو المطر الشديد أو وجود سبع في الطريق ونحو ذلك من الموانع غير الصد والإحصار المصطلحين ، فهل يشمل هذه الموارد حكم المصدود أم لا؟

لو كنّا نحن ولم تكن آية ولا رواية أصلاً لحكمنا بالبطلان وفساد إحرامه من الأول لأنه بالعجز اللّاحق ينكشف الفساد من أوّل الأمر ، لأنّ صحّة الأجزاء السابقة مشروطة بالشرط المتأخر بإتيان الأجزاء اللّاحقة كما هو الحال بالنسبة إلى أجزاء الصلاة ، وإلّا ينكشف فساد الأجزاء السابقة ولا يحتاج إلى محلل أبداً ، لأنه لم يكن بمحرم من الأول هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية ، وخرجنا عن هذه القاعدة بحسب الآية والنصوص في خصوص الصد والإحصار المصطلحين ويكون المحلل فيهما هو الهدي ، وأمّا غيرهما من أقسام المنع فلا يحتاج إلى محلل ، هذا.

ولكن مقتضى إطلاق الآية المباركة ثبوت التحلل بالهدي لمطلق المنع ، أيّ مانع كان ، والنصوص وإن لم تتعرض لذكر غير المصدود والحصر ولكنها ليست في مقام التحديد والنفي عن غيرهما ، بل هي ساكتة عن غيرهما وعن ثبوت الأحكام الخاصّة له ، فالاحتياط كما ذكرنا في المتن يقتضي بأنه يتحلل في مكانه بالذبح.

وأمّا احتمال أن هذا النوع من الموانع لو كان في الحج يوجب تبدله وانقلابه إلى المفردة ، فساقط جدّاً ، لأن التبديل وظيفة من كان عليه الموقفان ولكن لا يدركهما لمرض ونحوه من الأعذار ، وأمّا الممنوع عن الموقفين من الأول بحيث لم يكن الوقوف وظيفة له من الأول فلا تشمله أدلّة التبديل ، ولكن لا بأس بالاحتياط وإجراء حكم الصد عليه فيتحلل بالذبح في مكانه.

(1) قد عرفت أن المصدود يذبح في مكانه ويتحلل بذلك ، فلو لم يتمكن من ذلك ولا من ثمنه فقد صرّح المحقق في الشرائع بأنه لا بدل لهدي التحلل بخلاف هدي


1) [1] «أو شاة» المناسك ط 12.

.................................................................................................


التمتّع فلو عجز عنه وعن ثمنه بقي على إحرامه إلى أن يقدر عليه أو على إتمام النسك (1)ولو بعمرة مفردة كما في الجواهر (2)بل نسب ذلك إلى المشهور ، ولكن لا يمكن مساعدتهم والوجه في ذلك ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط» (3)وبمضمونها روايتان اخريتان : إحداهما عن حمزة بن حمران. ثانيتهما : عن حمران بن أعين (4)ولكن في سندهما ضعف ، والعمدة صحيحة زرارة ، والمستفاد منها هو التحلل بمجرد الحبس من دون حاجة إلى الهدي فكيف يجتمع ذلك مع بقائه على إحرامه إلى الأبد. نعم يقيد صحيح زرارة بما إذا لم يتمكن من الهدي ، وأمّا إذا تمكن منه فتحلله به ، كما أن المستفاد من الآية هو لزوم الهدي إذا استيسر ، فالجمع بين الآية وصحيحة زرارة وبقية الروايات أن خروجه عن الإحرام مشروط بالذبح إذا كان متمكناً منه وإلّا فهو في حل ، فلا يتوقف تحلله حينئذ على العمرة المفردة ولا على الهدي فيما بعد.

وبتعبير آخر : مقتضى إطلاق صحيح زرارة هو التحلل بمجرّد الحبس من دون حاجة إلى الهدي ، ولكن يقيد بما دل على التحلّل بالهدي إذا تمكن.

وقد ذهب بعض الأصحاب إلى أنه يحل عند عدم الهدي ، لأنه لم يتيسّر له هدي وإنما أوجبه اللّه على المستيسر له.

نعم ، ورد التحلل بالهدي في الحصر في روايتين معتبرتين وإن لم يتمكن منه ، فينتقل الأمر إلى الصيام ، وهما صحيحتان لمعاوية بن عمار «في المحصور ولم يسق الهدي قال : ينسك ويرجع ، قيل : فان لم يجد هدياً؟ قال : يصوم» وبمضمونها صحيحته الأُخرى (5)ويمكن التعدي من المحصور إلى المصدود لا للقياس ، ولا لأن المصدود أشدّ من


1) الشرائع 1 : 323.

2) الجواهر 20 : 124.

3) الوسائل 12 : 357 / أبواب الإحرام ب 25 ح 1.

4) الوسائل 12 : 357 / أبواب الإحرام ب 25 ح 2 وما بعده.

5) الوسائل 13 : 187 / أبواب الإحصار والصد ب 7 ح 1 ، 2.

مسألة 445 : من أفسد حجّه ثم صد ، هل يجري عليه حكم الصد أم لا؟ وجهان : الظاهر هو الأوّل ولكن عليه كفّارة الإفساد زائداً على الهدي (1).


المحصور ، بل لأن المحصور ورد في كلام السائل ، ونظر السائل وغرضه ليس هو المحصور بخصوصه بل الظاهر أن نظره إلى عدم التمكن من الهدي فيتعدى إلى المصدود ، للقطع بعدم الفرق بين موارد عدم التمكن من الهدي ، فالحكم بتوقف التحلل على الهدي مبني على الاحتياط الوجوبي.

ولو تنزلنا عما ذكرنا والتزمنا ببقائه على إحرامه كما يقتضيه إطلاق كلام المحقق ، فان كان الصد في عمرة مفردة فتحلله إما بالذبح وإما بإتمامها في أيّ وقت تمكن من ذلك ، لعدم تقيد العمرة المفردة بوقت خاص ، فلا مانع من الالتزام ببقائه على إحرامه ولكن كلام المحقق غير ناظر إلى هذه الصورة ، وإنما كلامه (قدس سره) في مورد الصد عن الحج أو عمرة التمتّع فتحلله بالهدي لا غير ، وما ذكره المحقق من أنه لا بدل لهدي التحلل هو الصحيح ، فما في الجواهر من القلب إلى عمرة مفردة لا دليل عليه فان العدول من نسك إلى نسك آخر على خلاف القاعدة ويحتاج إلى الدليل وهو مفقود في المقام ، فان الانقلاب إنما ورد في موارد خاصة وليس المقام منها.

وأمّا احتمال أن يأتي بعمرة مفردة مستقلا ويرفع اليد عما في يده ويأتي بعمرة جديدة فلا دليل عليه أيضاً بل لا يمكن ، لأن المحرم لا يحرم ثانياً. إذن فالأمر يدور بين أن يحل بنفس الصد مع الذبح بناء على الاحتياط الوجوبي ، وبين أن يبقى على إحرامه إلى أن يتمكن من الذبح ، وأمّا القلب إلى العمرة المفردة أو إتيان العمرة المفردة مستقلا فلا دليل عليهما.

(1) لا يخفى أن مورد كلامهم فساد الحج بالجماع ، فان المتسالم عليه عند الأصحاب وجوب الإتمام ووجوب الحج عليه من قابل ، والمعروف بينهم إجراء أحكام الصد على من أفسد حجّه بالجماع ، وهذا هو الصحيح.

أمّا بناء على عدم فساد الحج بالجماع كما هو المختار وإن وجب عليه الحج من قابل

.................................................................................................


كفارةً وعقوبةً كما في صحيح زرارة الدال على أن الحجة الأُولى التي جامع فيها هي حجته والثانية عقوبة عليه (1)فالأمر واضح ، إذ لا فساد حقيقة ، وإطلاق الفاسد على الحجة الأُولى مجازي باعتبار وجوب الحج عليه من قابل عقوبة ، فلا موجب لرفع اليد عن أحكام المصدود إذا صد عن بقية الأعمال بعد تحقق الجماع منه.

وأمّا بناء على الفساد كما هو المشهور ولعله في العمرة المفردة كذلك فالإتمام وإتيان الأجزاء اللّاحقة واجب تعبدي ، كما أن إتيان الأجزاء السابقة كان بأمر تعبدي وإن لم يجزئ عنه لو لم ينضم الأجزاء السابقة باللّاحقة ، ولكن كل من القسمين يجب الإتيان به ، نظير ما لو أفسد صومه بالإفطار ، فإنه يجب عليه الإمساك بقية النهار ولا يجوز له الأكل وإن كان صومه باطلاً.

وبعبارة اخرى : كل من الجزأين والعملين له أمر ، غاية الأمر أن الأمر الثاني غير الأمر الأول ، فعلى كل تقدير الإتمام واجب سواء بالأمر الأوّل أو بالأمر الثاني ، فحينئذ لا مانع من شمول قوله تعالى ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) (2)للمقام ، فان هذا الشخص الذي أفسد حجّه بالجماع يجب عليه إتيان الأجزاء المتأخرة وقد صد عنها ، فيشمله أدلّة المصدود.

ودعوى انصرافها إلى الحج الصحيح لا شاهد لها ، بل مورد الروايات وجوب الإتمام سواء كان العمل المأتي به مبرئاً عن حجة الإسلام أم لا ، وسواء كان وجوب الإتمام بالأمر الأول أو بالأمر الثاني.

فالعبرة في جريان أحكام الصد بوجوب الإتمام ، سواء كان العمل المأتي به مبرئاً للذمة أم لا ، وأمّا الإفساد الحقيقي فيتصور في الحج أو في عمرة التمتّع كما إذا ترك طواف عمرة التمتّع عالماً عامداً حتى ضاق وقت الحج وترك الوقوفين عمداً ونحو ذلك مما يفسد حجّه حقيقة.

وأمّا العمرة المفردة فلا يتصوّر فيها الفساد للتمكن من إعمالها في أيّ وقت شاء ،


1) الوسائل 13 : 112 / أبواب كفارات الاستمتاع ب 3 ح 9.

2) البقرة 2 : 196.

مسألة 446 : من ساق هدياً معه ثم صد ، كفى ذبح ما ساقه ولا يجب عليه هدي آخر (1).


لأنها غير مؤقتة بوقت خاص ، فلو ترك الطواف أو السعي فيها فيأتي بذلك فيما بعد في أيّ وقت كان ، فالفساد إنما يتصور في الحج وعمرة التمتّع ، والظاهر عدم إجراء أحكام الصد عليه بعد الإفساد ، إذ لا أمر له بالإتمام لا في الكتاب ولا في السنة ، وإنما يجب إتمام الحج والعمرة ، وأمّا إذا كان العمل فاسداً فساداً حقيقياً فلا يصدق عليه الحج أو العمرة ، ومجرّد الإتيان ببعض الأعمال من دون سبقها أو لحوقها ببقية الأجزاء لا يوجب صدق عنوان العمل المأمور به عليه ، كما هو الحال في الصلاة التي مركبة من أجزاء وأعمال ، فإن صحة الجزء السابق مشروطة بإتيان الجزء اللّاحق بنحو الشرط المتأخر كما أن صحة الجزء اللّاحق مشروطة بإتيان الجزء السابق بنحو الشرط المتقدم كالركوع بالنسبة إلى القراءة ، فلو ترك القراءة عمداً لا يقع الركوع جزءاً للصلاة ، كما أنه لو ترك الركوع عمداً لا يقع السجود اللّاحق جزءاً للصلاة ، فكل من الأجزاء مشروط بالجزء الآخر على سبيل الشرط المتقدم أو المتأخر ، فإذا فقد جزء فلم يأت بالعمل المأمور به أصلاً.

وهكذا الحال في باب الحج ، فإنه إذا لم يأت بالعمل على وجهه وترك جزءاً من الأجزاء عمداً فاحرامه ساقط وكأنه لم يحرم ، ولا دليل على إتمام هذا الإحرام ، فهو غير مأمور بالإتمام ، فلا مجال لجريان أحكام الصد ، فإنه في الحقيقة لم يحرم ، فإن الإحرام الواجب إنما هو الذي لحقته بقيّة الأجزاء ، وإلّا فهو غير محرم حقيقة.

فتلخص : أن الصد يجري في الفساد بالجماع لوجوب الإتمام عليه. وأمّا في الفساد الحقيقي فلا أمر له بالإتمام ، فلا موضوع لجريان أحكام الصد.

(1) كما هو المشهور ، ونسب إلى الصدوق أنه يفتقر إلى هدي آخر وهو هدي التحلل (1)لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب ، والتداخل خلاف الأصل ، فإن كان


1) الفقيه 2 : 305 وحكى عن والده في المختلف 4 : 357.

.................................................................................................


واجب معلقاً على شرط وواجب آخر مثله كان معلقاً على شرط آخر كقولنا : إن أفطرت عمداً فكفّر وإن ظاهرت فكفّر ، فالظاهر من ذلك هو تعدد الكفارة ، وقد ذكرنا في بحث الأُصول (1)أن الظاهر من تعليق الواجب على الشرط حدوث الوجوب بحدوث الشرط ، فكل من الشرطين سبب لوجود هذه الطبيعة ويقتضي وجودها غير ما يقتضيه الشرط للآخر.

ولكن هذا فيما إذا كان في البين وجوبان ، ولا دليل في المقام على تعدّد الوجوب وأمّا في من ضلّ هديه فقد ذكرنا (2)أنه يجب عليه هدي آخر ، وإن وجده بعد ذبحه الثاني ذبح الأول أيضاً على الأحوط ولا يكتفي بالهدي الثاني ، إلّا أن ذلك في الحج والمفروض في مقامنا أنه مصدود وممنوع من إتيان أعمال الحج ، فلا موضوع لوجوب هدي الحج عليه ولا دليل على إرسال هدي آخر إلى المذبح. ولو تنزلنا عما ذكرنا وقلنا بوجوب بعث الهدي وإرساله ، ولكن قد تقدم منّا أنه ليس ذلك حكماً تكليفياً تعبّدياً ، بل هو أمر إرشادي إلى التحلل ، فله أن يبقى على إحرامه ولا يذبح ولا يرسل الهدي ، فليس الذبح كطواف النساء فإنه واجب مستقل تعبدي يوجب التحلل من النساء ، وأمّا الأمر بالذبح فلا يظهر من الرواية ولا من الآية أنه واجب تعبّدي وليس أمراً مولوياً وإنما أمر به للخروج من الإحرام والتحلل منه ، فلا مورد للتداخل حتى يقال بأن التداخل على خلاف الأصل ، فما ذكره المشهور من الاكتفاء بما ساقه هو الصحيح ، فله أن يذبحه في مكانه ويتحلل به ، وله أن يرسله إلى المذبح ويتحلل ببلوغ الهدي محله.

فرع : لو وجب عليه هدي كفارة أو نذراً فهل يكتفي بهدي التحلل أم لا؟

الظاهر هو التفصيل ، أمّا بالنسبة إلى الكفارة فالصحيح عدم التداخل وعدم الاكتفاء بهدي التحلل ، لأن الظاهر من الدليل هو وجوب الكفارة عليه وجوباً مستقلا غير هدي التحلل ، وكل منهما أمر يباين الآخر ، ولكل منهما حكم خاص مباين للآخر


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 118.

2) في ص 259.

أحكام المحصور

مسألة 447 : المحصور هو الممنوع عن الحج أو العمرة بمرض ونحوه بعد تلبسه بالإحرام (1).

مسألة 448 : المحصور إن كان محصوراً في عمرة مفردة فوظيفته أن يبعث هدياً ويواعد أصحابه أن يذبحوه أو ينحروه في وقت معين ، فاذا جاء الوقت تحلل في مكانه ، ويجوز له خاصة أن يذبح أو ينحر في مكانه ويتحلل (2).


فإن الكفارة لا يجوز الأكل منها بخلاف الهدي فإنه يجوز للناسك أكله ، فإن ذلك كاشف عن أن كلا منهما يباين الآخر.

وأمّا النذر فتابع لقصده ، فان كان من قصد الناذر تحقق الذبح منه بأيّ نحو كان فيكتفي بهدي واحد ، نظير ما لو نذر صوم يوم الخميس بمعنى أنه يكون صائماً في يوم الخميس ، فلا فرق حينئذ بين صيامه قضاء عن نفسه أو عن غيره أو كفارة ، لأن المقصود أن يكون صائماً في هذا اليوم فحينئذ لا مانع للتداخل.

وإن كان من قصد الناذر ذبح شاة مستقلا في قبال ما وجب عليه بسبب آخر وكان قصده متمحضاً في النذر فلا بدّ من تعدّد الهدي.

(1) قد ذكرنا في أوّل بحث الصد (1)أن الفقهاء اصطلحوا على من منعه المرض عن الحج أو العمرة وإتمامهما بعد تلبسه بالإحرام بالمحصور في قبال من منعه العدو عن ذلك فاصطلحوا عليه بالمصدود تبعاً للروايات ، ولكل منهما أحكام خاصّة تقدّم ذكر أحكام الصد وفعلاً نذكر أحكام الحصر.

(2) المحصور هو الذي لا يتمكن من دخول مكة المكرمة بسبب المرض بعد تلبسه


1) في ص 413.

.................................................................................................


بالإحرام ، فإن كان ذلك في العمرة المفردة فالمشهور أن وظيفته بمقتضى صحيح معاوية ابن عمار (1)أن يبعث بالهدي ويواعد أصحابه ميعاداً فيذبحه في مكة ، فإذا جاء وقت الميعاد قصّر وأحل ، وعن بعضهم أنه مخيّر بين البعث بالهدي والذبح في مكانه.

والظاهر من صحيحة معاوية بن عمار الحاكية لعمرة الحسين (عليه السلام) وحصره في الطريق (2)امتياز العمرة المفردة عن الحج بالذبح في مكانه وعدم لزوم البعث ، كما أنه يظهر من صحيحة رفاعة «أن الحسين (عليه السلام) خرج معتمراً وقد ساق بدنة حتى انتهى إلى السقيا فبرسم فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه» (3)وفعله (عليه السلام) حجة فمقتضى الجمع بين الصحاح هو التخيير.

ويظهر من الروايتين تعدد الواقعة وتعدد صدور العمرة من الحسين (عليه السلام) فمرة لم يسق الهدي ويخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) في طلبه ويدركه في السقيا وهو مريض بها ، ومرة اخرى ساق بدنة وينحرها في مكانه ويرجع بنفسه ، فعلى كل تقدير ما صدر منه (عليه السلام) هو النحر أو الذبح في مكانه من دون أن يبعث بالهدي.

وقد يناقش في الروايتين بمناقشتين :

الاولى : يظهر من الروايتين أن الحسين (عليه السلام) كان مضطراً إلى حلق الرأس فما صنعه (عليه السلام) قضية في واقعة فلا يستدل بها على جواز الحلق مطلقاً.

وترد أوّلاً بأن راوي هذه القضية لو كان من الرواة العاديين لاحتمل أن ما حكاه قضية شخصية في واقعة وتاريخية ، ولكن الراوي لهذه القضية ولفعل الحسين (عليه السلام) هو الصادق (عليه السلام) وهو يروي بعنوان الحكم ، ولو كان في البين اضطرار لبيّنه الصادق (عليه السلام) فالظاهر من حكايته (عليه السلام) لفعل الحسين (عليه السلام) أن الحلق جائز مطلقاً وليس مختصّاً بالمضطر ، وليس في الرواية إشعار بأن


1) الوسائل 13 : 181 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 1.

2) الوسائل 13 : 178 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 3.

3) الوسائل 13 : 186 / أبواب الإحصار والصد ب 6 ح 2.

وتحلّل المحصور في العمرة المفردة إنما هو من غير النِّساء ، وأمّا منها فلا تحلّل منها إلّا بعد إتيانه بعمرة مفردة بعد إفاقته (1).


الحسين (عليه السلام) كان مضطراً إلى حلق رأسه.

وثانياً : لو سلمنا كونه مضطراً ، فالاضطرار لا يوجب جواز تقديم الهدي وعدم البعث ، بل الاضطرار يوجب جواز الحلق ثم تثبت الكفارة للحلق.

المناقشة الثانية : أنه لم يعلم أن الحسين (عليه السلام) كان محرماً ، وأمّا الذبح أو النحر في مكانه فكان تطوعاً لا هدياً واجباً.

والجواب أوّلاً : أن المصرح به في الروايتين أن الحسين (عليه السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق ، فان ذلك ظاهر في خروجه (عليه السلام) محرماً بالعمرة ، لا أنه كان يقصد الاعتمار ، فان المشتق ظاهر في التلبس بالحال.

وثانياً : قوله «أحل له النساء؟ فقال : لا تحل له النساء فقال الراوي فما بال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) حل له النساء؟ فقال : ليس هذا مثل هذا ، النبي (صلّى اللّه عليه وآله) كان مصدوداً والحسين (عليه السلام) محصوراً» كل ذلك صريح في أن الحسين (عليه السلام) كان محرماً ومنعه المرض من إتمام بقية الأعمال.

فالصحيح أن المحصور في العمرة المفردة يجوز له البعث ويجوز له الذبح في مكانه اقتداء بالحسين (عليه السلام) ويتحلل من كل شي‌ء إلّا من النساء.

(1) أمّا بالنسبة إلى النساء فلا يتحلل منها إلّا بإتيان عمرة مفردة بعد رفع الحصر وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار الحاكية لحصر الحسين (عليه السلام) عن العمرة المفردة ، وأنه (عليه السلام) لما برئ من وجعه اعتمر ، فقلت : أرأيت حين برئ من وجعه أحل له النساء؟ فقال : لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، فقلت فما بال النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حين رجع إلى المدينة حل له النساء ولم يطف بالبيت؟ فقال : ليس هذا مثل هذا ، النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)

وإن كان المحصور محصوراً في عمرة التمتّع فحكمه ما تقدم إلّا أنه يتحلل حتى من النِّساء (1).


كان مصدوداً والحسين (عليه السلام) محصوراً (1)وكذلك يدل على عدم حلية النساء للمحصور إطلاق صحيحة أُخرى لمعاوية بن عمار «والمحصور لا تحل له النساء» (2).

(1) الظاهر أن المشهور على أن حكمه كما تقدم فلا يتحلل من النساء إلّا بإتيان عمرة مفردة بعد رفع المنع عملاً بإطلاق قوله في صحيحة معاوية بن عمار «والمحصور لا تحل له النساء» (3).

ولكن عن الشهيد في الدروس أنه لو أُحصر في عمرة التمتّع فتحل له النساء من دون أن يأتي بعمرة مفردة ، واستدل بأنه ليس في عمرة التمتّع طواف النساء فلا حاجة في تحلّل النساء إلى أمر آخر غير الهدي (4)واستحسنه بعض من تأخر عنه واستدل له بصحيح البزنطي «عن محرم انكسرت ساقه أيّ شي‌ء يكون حاله؟ وأيّ شي‌ء عليه؟ قال : هو حلال من كل شي‌ء ، قلت : من النساء والثياب والطيب ، فقال : نعم من جميع ما يحرم على المحرم» الحديث (5).

أقول : أمّا دليل الشهيد فضعيف ، إذ لم يدل دليل في المقام على أن حرمة النساء وحليتها لأجل طواف النساء وعدمه حتى يقال بأن عمرة التمتّع ليس فيها طواف النساء فالحرمة الثابتة ليست ناشئة من ترك طواف النساء ، بل الحرمة ناشئة ومسببة عن الإحرام ، والتحلل من النساء يختلف بحسب الموارد ، ففي بعضها يتحلل منها بطواف النساء ، وفي بعضها بالذبح في مكانه ، بل مقتضى إطلاق قوله : «والمحصور لا تحل له


1) الوسائل 13 : 178 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 3.

2) الوسائل 13 : 178 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 1.

3) الوسائل 13 / 177 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 1.

4) الدروس 1 : 476.

5) الوسائل 13 : 179 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 4.

.................................................................................................


النساء» (1)عدم حلية النساء.

وأمّا الصحيحة التي استدل بها لحلية النساء من دون حاجة إلى أمر آخر فأورد عليه صاحب الجواهر بانعقاد الإجماع على الإحلال بالطواف من النساء ، ومعارضته بصحيح معاوية بن عمار الدالة على أن المحصور لا تحل له النساء ، فلا بد من حمل صحيحة البزنطي على التقية ، لعدم توقف الحلية عندهم على الطواف (2).

والصحيح أن يقال : إنه لا معارضة بينهما حتى نحمل صحيح البزنطي على التقيّة وما ذكره في الجواهر من طرح صحيحة البزنطي لمخالفتها للإجماع على توقف الإحلال منهن على الطواف ، فيرد عليه : أن مخالفة الإجماع توجب رفع اليد عن الإطلاق لا طرح أصل الرواية بالمرّة.

فالتحقيق يقتضي أن يقال : إن صحيح البزنطي بإطلاقه يدل على حلية النساء بالحصر من دون توقف على شي‌ء ، سواء في العمرة المفردة أو عمرة التمتّع أو الحج لأن الموضوع في الخبر عن المحرم إذا انكسرت ساقه ، وذلك يشمل جميع الأقسام الثلاثة ، ولكن لا بد من رفع اليد عن إطلاقه لأجل صحيحة معاوية بن عمار الحاكية لعمرة الحسين (عليه السلام) فالعمرة المفردة خارجة عن إطلاق صحيح البزنطي ويقيد بغير العمرة المفردة لصحيحة معاوية بن عمار الحاكية لعمرة الحسين (عليه السلام) الدالة على توقف التحلل على إتيان عمرة مفردة بعد الإفاقة ورفع الحصر. إذن تنقلب النسبة بين صحيحة معاوية بن عمار «المحصور لا تحل له النساء» وبين صحيحة البزنطي الدالّة على التحلل من غير طواف النساء إلى العموم والخصوص بعد ما كانت النسبة بينهما بالتباين ، فالنتيجة أن الحصر في العمرة المفردة لا تحل له النساء إلّا بإتيان عمرة مفردة اخرى ، وأمّا عمرة التمتّع فتدخل في إطلاق صحيح البزنطي.


1) كما في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة آنفاً.

2) الجواهر 20 : 152.

وإن كان المحصور محصوراً في الحج فحكمه ما تقدم ، والأحوط أنه لا يتحلل عن النِّساء حتى يطوف ويسعى ويأتي بطواف النِّساء بعد ذلك في حج أو عمرة (1).


(1) وأمّا المحصور في الحج فان تم إجماع على توقف التحلل فيه من النساء على إتيان العمرة المفردة فهو ، فيخرج الحصر في الحج من صحيح البزنطي ، وإن لم يتم الإجماع فيدخل الحج في صحيح البزنطي ، فيكون الباقي تحت إطلاق صحيح معاوية ابن عمار «المحصور لا تحل له النساء» العمرة المفردة فقط.

فالمتحصل مما ذكرنا : أن المحصور في العمرة المفردة لا يتحلل من النساء إلّا بإتيان عمرة مفردة ، لتخصيص صحيح البزنطي بصحيح معاوية بن عمار الحاكية لعمرة الحسين (عليه السلام) وأمّا عمرة التمتّع فيتحلل فيها بمجرّد الحصر والذبح في مكانه أو إرساله إلى المذبح من دون حاجة إلى عمرة مفردة اخرى ، وذلك لإطلاق صحيح البزنطي ، وأمّا الحج فان تم إجماع على توقف التحلل على المفردة المستقلّة فهو وإلّا فيكون داخلاً تحت إطلاق صحيح البزنطي ، ومع ذلك كله لا بأس بالاحتياط كما ذكر في المتن.

فظهر ممّا قلنا : أن المصدود يذبح في مكان الصد ويتحلل بذلك ، وأمّا المحصور فيتعيّن عليه إرسال الهدي إلى محله كما في الآية الكريمة (1)ويدلُّ عليه أيضاً صحيحة زرعة قال : «سألته عن رجل أُحصر في الحج ، قال : فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه ومحله أن يبلغ الهدي محله ، ومحله منى يوم النحر إذا كان مع في الحج ، وإن كان في عمرة نحر بمكة» (2).

وصحيحة معاوية بن عمار «عن رجل أُحصر فبعث بالهدي ، فقال : يواعد أصحابه ميعاداً ، فان كان في حج فمحل الهدي يوم النحر ، وإن كان في عمرة فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكة» (3).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 13 : 182 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 2.

3) الوسائل 13 : 182 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 1.

مسألة 449 : إذا أُحصر وبعث بهديه وبعد ذلك خف المرض ، فان ظن أو احتمل إدراك الحج وجب عليه الالتحاق ، وحينئذ فإن أدرك الموقفين أو الوقوف بالمشعر خاصّة حسب ما تقدّم فقد أدرك الحج ، وإلّا فان لم يذبح أو ينحر عنه انقلب حجّه إلى العمرة المفردة ، وإن ذبح عنه تحلل من غير النِّساء ووجب عليه الإتيان بالطّواف وصلاته والسّعي وطواف النِّساء وصلاته للتحلّل من النِّساء أيضاً على الأحوط (1).


واستثني من ذلك المحصور في العمرة المفردة فإن له أن يذبح في مكانه ويتحلل كما فعل الحسين (عليه السلام) وله أن يرسل إلى محله.

(1) هذه المسألة تنحل إلى ثلاث صور :

الاولى : ما إذا أُحصر ومرض بعد تلبسه بالإحرام وبعث بهديه ثم أفاق وخف مرضه وظن أو احتمل إدراك الحج ، وجب عليه الالتحاق ، فان فرض أنه أدرك الوقوفين أو أدرك الوقوف بالمشعر فقد أدرك الحج ، ويكشف ذلك عن عدم كونه محصوراً فيأتي بوظيفته كسائر الحجاج ، ويذبح هديه في يوم النحر ويأتي ببقيّة المناسك وهذا ممّا تقتضيه القاعدة ولا حاجة إلى النص. على أنه قد دل على ذلك أيضاً صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «إذا أُحصر الرجل بعث بهديه فإذا أفاق ووجد في نفسه خفة فليمض إن ظن أنه يدرك الناس ، فان قدم مكة قبل أن ينحر الهدي فليقم على إحرامه حتى يفرغ من جميع المناسك ولينحر هديه ولا شي‌ء عليه» (1).

ولكن المفروض في الصحيحة أنه أدرك الناس قبل أن ينحر هديه ، والظاهر أنه لا خصوصية للذبح وعدمه ، فان الميزان في الإجزاء وعدمه بدرك المناسك ، ولعل الصحيحة محمولة على الغالب لوصول الحاج غالباً قبل تحقق الذبح ، وإلّا فلا ريب في أن مجرّد حصول المرض لا يوجب إجراء أحكام الحصر ولا يكون مانعاً وإنما المانع


1) الوسائل 13 : 183 / أبواب الإحصار والصد ب 3 ح 1.

.................................................................................................


استمرار المرض.

الصورة الثانية : ما إذا لم يدرك الموقفين ويصل بعد فوات الموقفين ولكن يصل وقد ذبح هديه ، فيجري عليه أحكام المحصور ويتحلل بنحر هديه من كل شي‌ء إلّا من النساء حسب ما تقدم ، ويدلُّ على ذلك ما في صحيح زرارة المتقدم «وإن قدم مكة وقد نحر هديه فان عليه الحج من قابل والعمرة».

وهذا مما لا كلام فيه ، وإنما وقع الكلام في المراد بقوله (عليه السلام) : «فان عليه الحج من قابل والعمرة» ففي الكافي العطف بأو دون الواو (1)وفي التهذيب العطف بالواو (2)وفي الوافي ذكر العطف بالواو ولكن يظهر من بيانه وتفسيره أن الثابت هو العطف بأو (3)والظاهر أن نسخة التهذيب هي الصحيحة ، فإن الكافي وإن كان أضبط ولكن لا يمكن المصير إلى ما في الكافي ، لأن العطف بأو يقتضي التخيير ولا معنى للتخيير بين الحج والعمرة ، سواء كان قوله : «من قابل» قيداً للعمرة أيضاً أم لا.

وكيف كان لا معنى للتخيير بين الحج والعمرة ، لأن من كانت وظيفته التمتع في السنة القادمة فاللازم عليه إتيان العمرة والحج معاً ولا معنى للتخيير بينهما ، ويمكن أن يكون المراد من هذه الجملة إتيان العمرة بالفعل للتحلل من النساء ، إذ لا يتحلل من النساء إلّا بالعمرة المفردة والحج من قابل ، هذا إذا كان قوله «من قابل» قيداً للحج خاصة ، فالمعنى أن عليه الحج من قابل والعمرة فعلاً.

وأمّا إذا كان القيد وهو قوله : «من قابل» قيداً للحج والعمرة فالمعنى أن عليه الحج والعمرة معاً في القابل وليس له الاكتفاء بالحج ، فان الحصر كما يوجب إلغاء حجّه يوجب إلغاء عمرته المتمتع بها ، فمن كانت وظيفته حج التمتّع وأُحصر عن مناسك الحج كالوقوف يجب عليه الإتيان بالعمرة المتمتع بها والحج في السنة القادمة ، وعلى


1) الكافي 4 : 370 / 4.

2) التهذيب 5 : 422 / 1466.

3) الوافي 13 : 781 / 6.

.................................................................................................


هذا التفسير لا يمكن الاستدلال بالصحيحة على عدم التحلل من النساء إلّا بالعمرة المفردة ، لما عرفت من أن المراد بالعمرة عمرة حج التمتّع التي لا تصح إلّا مع الحج المتعقب به.

الصورة الثالثة : ما إذا سار ولم يدرك الموقفين معاً ولكن لم يذبح هديه ، ولم يرد في هذه الصورة نص بالخصوص ، فلا بدّ فيها من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، والظاهر أن القاعدة تقتضي عدم جريان أحكام المحصور ، لأن الظاهر من أدلّة المحصور عدم الوصول إلى الموقفين لأجل المرض وكان المرض يمنعه من الإدراك ، وأمّا لو منعه عنه غير المرض كالبطء في المشي أو ضيق الوقت أو الإهمال في المشي أو الاشتباه في التاريخ من الحوادث والطوارئ المانعة فلا تشمله أدلّة الإحصار ، بل يشمله ما دل على تبدّل حجّه إلى العمرة المفردة.

فرع : المحصور إذا أرسل هديه وواعد أصحابه وأحل في الميعاد ثم انكشف أنه لم يذبحوا عنه فليس عليه شي‌ء ، للروايات العامة المتقدمة (1)في تروك الإحرام الدالة على أنه لو ارتكب شيئاً من المحرمات جهلاً أو نسياناً فليس عليه شي‌ء ، وخصوص صحيح معاوية بن عمار الوارد في المقام «فان ردوا الدراهم عليه ولم يجدوا هدياً ينحرونه وقد أحل لم يكن عليه شي‌ء ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا» (2).

ولصحيح زرارة «والمحصور يبعث بهديه فيعدهم يوماً ، فاذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه ، قلت : أرأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحل فأتى النساء ، قال : فليعد وليس عليه شي‌ء وليمسك الآن عن النساء إذا بعث» (3)وقد وقع التصريح في هذه الصحيحة بإتيان النساء بعد التحلل ، ويظهر منها التحلل من النساء بالبعث في العمرة المفردة والحج ولكن بقرينة تعين البعث عليه يظهر أن مورد الصحيحة هو الحج ، لما تقدم منّا أن المحصور في عمرة مفردة يتخير بين بعث الهدي والذبح في


1) في شرح العروة 28 : ذيل المسألة 225.

2) الوسائل 13 : 181 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 1.

3) الوسائل 13 : 180 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 5.

مسألة 450 : إذا أُحصر عن مناسك مني أو أُحصر من الطواف والسّعي بعد الوقوفين ، فالحكم فيه كما تقدم في المصدود ، نعم إذا كان الحصر من الطواف والسّعي بعد دخول مكة ، فلا إشكال ولا خلاف في أن وظيفته الاستنابة (1).


مكانه ، فلا تنافي بين الصحيحة وبين ما تقدّم (1)من أن في العمرة المفردة لا تحل له النساء حتى يأتي بعمرة أُخرى كما في قضية حصر الحسين (عليه السلام) فتكون هذه الصحيحة حالها حال صحيحة البزنطي المتقدمة (2)الدالة على أن المحرم إذا أُحصر حل له كل شي‌ء حتى النساء ، بل أحسن منها ، لدلالة صحيحة زرارة هذه على التحلل من النساء بالبعث في خصوص مورد الحج ، فلا منافاة بينها وبين ما دل على التخيير بين البعث والذبح في مكانه في مورد العمرة المفردة.

وأمّا السند فالمذكور في الوسائل أحمد بن الحسن الميثمي كما في الكافي المطبوع حديثاً (3)ولكن في بعض نسخ الكافي المطبوع بالطبع الحجري أحمد بن الحسن عن المثنى ، فيكون الخبر ضعيفاً لجهالة أحمد بن الحسن وتردد المثنى بين الثقة وغيره ولكن الظاهر صحة ما في الوسائل وما في الكافي ، لعدم وجود هذا السند في جميع الكتب الأربعة حتى لو قلنا بأن المثنى هو مثنى الحناط. ويؤيد ذلك كثرة رواية الحسن ابن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن الميثمي.

(1) إذا أُحصر عن مناسك مني أو عن دخول مكة فحكمه حكم المصدود عنها غاية الأمر في الصد ذكرنا أن الأحوط في الصد عن الطواف والسعي بعد الموقفين هو الجمع بين الاستنابة وذبح الهدي في محله ، وأمّا في المحصور فلا مورد لهذا الاحتياط بل المتعين عليه الاستنابة ، للأخبار الكثيرة الدالّة على أنه يطاف به أو عنه ويرمى عنه وإلّا فلا يبقى مورد لهذه الأخبار.


1) في ص 437.

2) في ص 438.

3) الكافي 4 : 371 / 9.

مسألة 451 : إذا أُحصر الرجل فبعث بهديه ثمّ آذاه رأسه قبل أن يبلغ الهدي محله ، جاز له أن يذبح شاة في محله أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان ، ويحلق (1).

مسألة 452 : لا يسقط الحج عن المحصور بتحلّله بالهدي ، فعليه الإتيان به في القابل إذا بقيت استطاعته أو كان مستقرّاً في ذمّته (2).


(1) إنما تجب عليه الكفارة لبقائه على الإحرام ، فإن التحلل يحصل له بعد بلوغ الهدي ، وأمّا قبل أن يبلغ الهدي محله فهو محرم لا يجوز له الحلق ، وأمّا إذا اضطر إلى ذلك جاز له الحلق ، ولكن تثبت عليه الكفارة المذكورة في المتن ، وتدل على ذلك الآية الكريمة ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (1)المفسرة في النصوص من صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان ، أو التضحية بشاة. وكذلك يدل على ثبوت الكفارة النصوص الواردة في المقام (2).

وهذه الكفارة ثابتة في غير المحصور أيضاً كما تقدم في البحث عن التروك (3).

(2) لا فرق في هذه المسألة بين المصدود والمحصور إلّا بذبح المصدود في مكانه وتخيير المحصور بين الذبح في مكانه والبعث إلى محله ، ولا يرتبط ذلك بسقوط الحج عن ذمّته ، بل ذمته تبقى مشغولة بالحج إذا كان مستقراً عليه ، وإذا كان الصد أو الحصر في أوّل سنة الاستطاعة وبقيت استطاعته إلى السنة القابلة يجب عليه الحج وإلّا فلا.

وبالجملة : يترتب على الصد والحصر سقوط الحج بالفعل لا سقوطه عن ذمته بالمرّة وقد صرّح بذلك في النص أيضاً (4).


1) البقرة 2 : 196.

2) الوسائل 13 : 185 / أبواب الإحصار والصد ب 5.

3) تقدم في المسألة 260.

4) الوسائل 13 : 181 / أبواب الإحصار والصد ب 2 ح 2.

مسألة 453 : المحصور إذا لم يجد هدياً ولا ثمنه صام عشرة أيام على ما تقدم (1).

مسألة 454 : يستحب للمحرم عند عقد الإحرام أن يشترط على ربه تعالى أن يحله حيث حبسه وإن كان حله لا يتوقف على ذلك ، فإنه يحل عند الحبس اشترط أو لم يشترط (2) إلى هنا فرغنا من واجبات الحج.


نعم إذا كان الحج تطوعاً فصد أو أُحصر لا يجب عليه قضاؤه كما وقع التصريح بذلك في بعض الروايات (1).

(1) فقد ورد في صحيحة معاوية بن عمار «فان لم يجد هدياً ، قال : يصوم» وورد في صحيحة أُخرى له «فان لم يجد ثمن هدي صام» (2)والظاهر من الخبرين أنه إنما ينتقل الأمر إلى الصيام فيما إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه ، والصيام المذكور إنما هو الصوم الثابت لمن لم يجد هدي الأُضحية ، فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلاده كما في الآية المباركة.

(2) قد ذكرنا في بحث الإحرام أنه يستحب أن يشترط عند إحرامه على اللّه أن يحله إذا عرض مانع من إتمام مناسكه من حج أو عمرة كما في جملة من النصوص المعتبرة ، وذكره الفقهاء أيضاً ، إنما اختلفوا في فائدة هذا الاشتراط ، وقد تقدم تفصيل ذلك في شرحنا على كتاب الحج من العروة الوثقى (3).

والحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا وحبيب قلوبنا محمد وآله الطاهرين هذا تمام الكلام في كتاب الحج.


1) الوسائل 13 : 180 / أبواب الإحصار والصد ب 1 ح 6.

2) الوسائل 13 : 187 / أبواب الإحصار والصد ب 7 ح 1 ، 2.

3) شرح العروة 27 ذيل المسألة [3242].

مستحبّات الإحرام

يستحبّ في الإحرام أُمور :

1 تنظيف الجسد ، وتقليم الأظفار ، وأخذ الشارب وإزالة الشعر من الإبطين والعانة ، كل ذلك قبل الإحرام (1).

2 تسريح شعر الرأس واللحية من أول ذي القعدة لمن أراد الحج ، وقبل شهر واحد لمن أراد العمرة المفردة (2).


(1) يدل على ذلك روايات كثيرة :

منها : صحيحة معاوية بن عمار «إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام إن شاء اللّه فانتف إبطك وقلّم أظفارك وأطل عانتك وخذ من شاربك» (1).

ومنها : صحيحة حريز «السنة في الإحرام تقليم الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة» (2).

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ونحن بالمدينة عن التهيؤ للإحرام ، فقال : أطلِ بالمدينة ...» (3).

وغير ذلك من الروايات ، وهي ظاهرة في إتيان هذه الأفعال قبل الإحرام عند إرادة الإحرام والتهيؤ له.

(2) لا ريب في استحباب توفير شعر الرأس من أول ذي القعدة لمن يريد الحج وقبل شهر واحد لمن يريد العمرة المفردة ، لجملة من الأخبار المعتبرة :


1) الوسائل 12 : 323 / أبواب الإحرام ب 6 ح 4.

2) الوسائل 12 : 323 / أبواب الإحرام ب 6 ح 5.

3) الوسائل 12 : 324 / أبواب الإحرام ب 7 ح 1.

وقال بعض الفقهاء بوجوب ذلك (1) وهذا القول وإن كان ضعيفاً إلّا أنه أحوط.


منها : صحيح معاوية بن عمار «فمن أراد الحج وفّر شعره إذا نظر إلى هلال ذي القعدة ، ومن أراد العمرة وفّر شعره شهراً» (1).

وإنما وقع الكلام في تعميم ذلك لشعر اللحية ، ربما يقال بالتعميم ، لإطلاق النهي عن أخذ الشعر في عدة من النصوص ، ولكن الظاهر من الروايات أن التوفير إنما هو بالنسبة إلى شعر الرأس ، لكون ذلك مقدمة للحلق ، ومن المعلوم اختصاص الحلق بالرأس ، أو أن ذلك لأجل التحفظ على الرأس عن إشراق الشمس ونحوه ، وذلك أيضاً مما يختص بالرأس.

وبالجملة : لا ينبغي الريب في انصراف الروايات إلى شعر الرأس ، ولذا لم يلتزموا بالتعميم إلى شعر سائر مواضع الجسد.

واستدل للتعميم أيضاً بخبرين (2)فيهما التصريح باللحية ولكنهما ضعيفان سنداً. والأمر سهل بعد ما كان التوفير مستحباً.

(1) اعتماداً على جملة من الروايات الناهية عن أخذ الشعر والآمرة بالتوفير (3)إلّا أن مقتضى الجمع بينها وبين بعض الروايات المصرحة بالجواز هو الاستحباب كصحيحة علي بن جعفر قال : «سألته عن الرجل إذا همّ بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم ، قال : لا بأس» (4).

هذا مضافاً إلى أن القول بالوجوب مما لا يمكن الالتزام به ، إذ لو كان واجباً لظهر وبان ، لأنه مما يكثر الابتلاء به. مع أنه لم يقل أحد بالوجوب إلّا الشاذ.


1) الوسائل 12 : 316 / أبواب الإحرام ب 2 ح 4.

2) الوسائل 12 : 317 / أبواب الإحرام ب 2 ح 6 وص 320 / ب 4 من أبواب الإحرام ح 4.

3) الوسائل 12 : 315 / أبواب الإحرام ب 2 ، 3.

4) الوسائل 12 : 320 / أبواب الإحرام ب 4 ح 6.

3 - الغسل للإحرام (1) في الميقات (2)


(1) للنصوص الكثيرة المتضافرة الآمرة به ، وفي بعضها عدّه من الغسل الواجب وفي بعض آخر أُطلق عليه الفرض (1)وظاهرها وإن كان هو الوجوب كما حكي القول به من بعض القدماء ولكنها محمولة على الاستحباب إجماعاً كما في الجواهر (2)والعمدة في المنع عن القول بالوجوب أنه لو كان واجباً لظهر وشاع ، لأنه مما يكثر الابتلاء به فكيف يخفى وجوبه على الأصحاب. مع اتفاقهم على الاستحباب وقيام السيرة على الخلاف.

(2) يشهد له جملة من الروايات :

منها : صحيح معاوية بن عمار «إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام إن شاء اللّه فانتف إبطك إلى أن قال واغتسل والبس ثوبيك» (3).

ومنها : معتبرة معاوية بن وهب «عن التهيؤ للإحرام ، فقال : أطلِ بالمدينة فإنه طهور ، وتجهز بكل ما تريد ، وإن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء وتلبس ثوبيك إن شاء اللّه» (4).

ويستفاد ذلك أيضاً من جواز التقديم على الميقات عند خوف عوز الماء فيه كما في النص (5).


1) الوسائل 12 : 322 / أبواب الإحرام ب 6 ، 8 ، 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1 ، 2 : 173 / أبواب الجنابة ب 1.

2) الجواهر 18 : 178.

3) الوسائل 12 : 323 / أبواب الإحرام ب 6 ح 4.

4) الوسائل 12 : 325 / أبواب الإحرام ب 7 ح 3.

5) الوسائل 12 : 326 / أبواب الإحرام ب 8 ح 1 وغيره.

ويصح من الحائض والنفساء أيضاً على الأظهر (1) وإذا خاف عوز الماء في الميقات قدّمه عليه ، فان وجد الماء في الميقات أعاده (2). وإذا اغتسل ثم أحدث بالأصغر أو أكل أو لبس ما يحرم أعاد غسله (3). ويجزئ الغسل نهاراً إلى آخر الليلة الآتية ويجزئ الغسل ليلاً إلى آخر النهار الآتي (4).

4 - أن يدعو عند الغسل على ما ذكره الصدوق ويقول :

بسم اللّه وباللّه اللّهمّ اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف ، وشفاء من كل داء وسقم. اللّهمّ طهّرني وطهّر قلبي واشرح لي صدري ، وأجر على لساني محبّتك ومدحتك والثناء عليك ، فإنه لا قوّة لي إلّا بك ، وقد علمت أن قوام ديني التسليم لك ، والاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله.

5 أن يدعو عند لبس ثوبي الإحرام ويقول : الحمد لله الذي رزقني ما أُواري به عورتي وأُؤدى فيه فرضي ، وأعبد فيه ربي ، وأنتهي فيه إلى ما أمرني ، الحمد لله الذي قصدته فبلغني ، وأردته فأعانني وقبلني ولم يقطع بي ، ووجهَه أردت فسلمني فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي ورجائي ومنجاي وذخري وعدّتي


(1) للأمر به في الحائض والنفساء في جملة من الصحاح (1).

(2) كما في صحيح هشام بن سالم وغيره (2).

(3) للروايات الآمرة بالإعادة إذا نام بعد الغسل ، أو لبس ما لا ينبغي لبسه ، أو أكل طعاماً لا ينبغي له أكله (3).

(4) كما في الصحاح (4).


1) الوسائل 12 : 399 / أبواب الإحرام ب 48 ، 49.

2) الوسائل 12 : 326 / أبواب الإحرام ب 8 ح 1 ، 2 ، 4.

3) الوسائل 12 : 329 / أبواب الإحرام ب 10 ، 13.

4) الوسائل 12 : 328 / أبواب الإحرام ب 9.

في شدّتي ورخائي (1).

6 - أن يكون ثوباه للإحرام من القطن (2).

7 - أن يكون إحرامه بعد فريضة الظهر (3).


(1) ذكره الصدوق في الفقيه ج 2 ص 312 في باب سياق مناسك الحج.

(2) يدل عليه ما رواه الكليني في الكافي عن الحسن بن علي عن بعض أصحابنا عن بعضهم (عليهم السلام) قال : «أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في ثوبي كرسف» (1)والكرسف كقنفذ هو القطن.

(3) على المشهور ، بل في الحدائق (2)نسبه إلى الأصحاب واستندوا إلى جملة من النصوص :

منها : صحيح عبيد اللّه الحلبي قال : «لا يضرك بليل أحرمت أو نهار إلّا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس» (3).

ومنها : صحيح الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ليلاً أحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أم نهاراً؟ فقال : نهاراً ، قلت فأية ساعة؟ قال : صلاة الظهر» (4)ونحوهما صحيحة أُخرى للحلبي (5).

ومنها : صحيح معاوية بن عمار «واغتسل والبس ثوبيك وليكن فراغك من ذلك إن شاء اللّه عند زوال الشمس ، وإن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك ذلك غير أني أحب أن يكون ذلك عند زوال الشمس» (6).


1) الوسائل 12 : 359 / أبواب الإحرام ب 27 ح 3 ، الكافي 4 : 339 / 1.

2) الحدائق 15 : 21.

3) الوسائل 12 : 338 / أبواب الإحرام ب 15 ح 1.

4) الوسائل 12 : 338 / أبواب الإحرام ب 15 ح 3.

5) الوسائل 12 : 339 / أبواب الإحرام ب 15 ح 5.

6) الوسائل 12 : 339 / أبواب الإحرام ب 15 ح 6.

فان لم يتمكن فبعد فريضة أُخرى (1). وإلّا فبعد ركعتين أو ست ركعات من النوافل والست أفضل (2) يقرأ في الركعة الأُولى الفاتحة وسورة التوحيد وفي الثانية الفاتحة وسورة الجحد (3) فاذا فرغ حمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم يقول :

اللّهمّ إنِّي أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك ، وآمن بوعدك ، واتبع أمرك فإني عبدك وفي قبضتك ، لا أو في إلّا ما وفيت ، ولا آخذ إلّا ما أعطيت ، وقد ذكرت الحج ، فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنّة نبيّك صلواتك عليه وآله ، وتقويني على ما ضعفت ، وتسلّم لي مناسكي في يسر منك وعافية ، واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وسمّيت وكتبت ، اللّهمّ إنِّي خرجت من شقة بعيدة وأنفقت مالي


(1) كما في صحيح معاوية بن عمار «صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة» (1).

(2) لصحيح معاوية بن عمار «إذا أردت الإحرام في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرها» (2)وفي موثقة أبي بصير «واغتسل والبس ثوبيك ، ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل أن تحرم» (3).

(3) اختلفت كلمات الفقهاء في كيفية القراءة قال في الجواهر (4)وأمّا كيفية القراءة فلم أقف فيها إلّا على خبر معاذ بن مسلم وهو الموثق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال : «لا تدع أن تقرأ بقل هو اللّه أحد وقل يا أيها الكافرون في سبع مواطن : في الركعتين قبل الفجر ، وركعتي الزوال ، والركعتين بعد المغرب ، وركعتين من أوّل صلاة الليل ، وركعتي الإحرام ،

والفجر إذا أصبحت بها ، وركعتي الطواف» لكن في التهذيب بعد أن أورد ذلك قال : وفي رواية اخرى أنه يقرأ في هذا كله بقل هو اللّه أحد


1) الوسائل 12 : 344 / أبواب الإحرام ب 18 ح 1.

2) الوسائل 12 : 345 / أبواب الإحرام ب 18 ح 5.

3) الوسائل 12 : 409 / أبواب الإحرام ب 52 ح 2.

4) الجواهر 18 : 196.

ابتغاء مرضاتك ، اللّهمّ فتمِّم لي حجّتي وعمرتي اللّهمّ إنِّي أُريد التمتّع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله ، فان عرض لي عارض يحبسني فخلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليَّ. اللّهمّ إن لم تكن حجّة فعمرة أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخِّي وعصبي من النِّساء والثياب والطيب ، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة (1).

8 - التلفظ بنية الإحرام مقارناً للتلبية (2).

9 - رفع الصوت بالتلبية للرجال (3).


وفي الثانية بقل يا أيّها الكافرون إلّا في الركعتين قبل الفجر فإنه يبدأ بقل يا أيّها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو اللّه أحد (1).

(1) كما في صحيح معاوية بن عمار (2).

(2) يدل عليه صحيح حماد بن عثمان وغيره (3)وفي بعض الأخبار «أصحاب الإضمار أحب إلى» (4)ولعله محمول على التقية وخوف الإظهار.

(3) المشهور بين الأصحاب استحباب الجهر بالتلبية ، ويدلُّ عليه عدّة من النصوص كصحيحة عمر بن يزيد وصحيحة حريز المروية بطرق عديدة (5).


1) الوسائل 6 : 65 / أبواب القراءة في الصلاة ح 1 ، 2. التهذيب 2 : 74 / 274.

2) الوسائل 12 : 340 / أبواب الإحرام ب 16 ح 1.

3) الوسائل 12 : 342 / أبواب الإحرام ب 17 ح 1 ، 5 وغيرهما وص 349 / ب 21 ح 4.

4) الوسائل 12 : 342 / أبواب الإحرام ب 17 ح 1 ، 5 وغيرهما وص 349 / ب 21 ح 4.

5) الوسائل 12 : 369 / أبواب الإحرام ب 34 ح 1 ، وص 378 / ب 37 ح 1.

10 - أن يقول في تلبيته : لبّيك ذا المعارج لبّيك لبّيك داعياً إلى دار السّلام لبّيك غفّار الذنوب ، لبيك لبيك أهل التلبية ، لبّيك لبّيك ذا الجلال والإكرام ، لبيك لبيك تبدئ والمعاد إليك ، لبّيك لبّيك تستغني ويفتقر إليك ، لبّيك لبّيك مرعوباً إليك ، لبّيك لبّيك إله الحق ، لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل ، لبّيك كشاف الكرب العظام ، لبّيك لبّيك عبدك وابن عبديك لبّيك لبّيك يا كريم لبيك ، ثم يقول :

لبيك أتقرّب إليك بمحمّد وآل محمّد ، لبّيك لبّيك بحجة أو عمرة لبّيك لبّيك وهذه عمرة متعة إلى الحج ، لبيك لبيك تلبية تمامها وبلاغها عليك (1).

11 - تكرار التلبية حال الإحرام في وقت اليقظة من النوم وبعد كل صلاة ، وعند الركوب على البعير والنزول منها ، وعند كل علو وهبوط ، وعند ملاقاة الراكب ، وفي الأسحار يستحب إكثارها (2). ولو كان جنباً أو حائضاً (3) ولا يقطعها في عمرة التمتّع إلى أن يشاهد بيوت مكة (4).


(1) هذه الكيفية إلى قوله : «يا كريم لبيك» مذكورة في صحيح معاوية بن عمار (1)وأمّا قوله : «لبيك أتقرّب إليك بمحمد وآل محمد لبيك» إلى الآخر ، فذكره الصدوق في المقنع في ذيل هذا الدعاء (2).

(2) جميع ذلك مذكورة في صحيح معاوية بن عمار وصحيح عمر بن يزيد (3).

(3) يدل على الأول صحيح الحلبي وغيره ، وعلى الثاني صحيح معاوية بن عمار (4).

(4) وإذا شاهد بيوت مكة يقطعها على سبيل الوجوب كما تقتضيه النصوص (5).


1) الوسائل 12 : 382 / أبواب الإحرام ب 40 ح 2.

2) المستدرك 9 : 182 / أبواب الإحرام ب 27 ح 8 ، المقنع : 220.

3) الوسائل 12 : 382 / أبواب الإحرام ب 40 ح 2 ، 3.

4) الوسائل 12 : 387 / أبواب الإحرام ب 42 ، وفي ص 400 / ب 48.

5) الوسائل 12 : 388 / أبواب الإحرام ب 43.

وفي حج التمتّع إلى زوال يوم عرفة (1).

مكروهات الإحرام

يكره في الإحرام أُمور :

1 - الإحرام في ثوب أسود ، بل الأحوط ترك ذلك (2). والأفضل الإحرام في ثوب أبيض (3).

2 - النوم على الفراش الأصفر ، وعلى الوسادة الصفراء (4).

3 - الإحرام في الثياب الوسخة ، ولو وسخت حال الإحرام فالأولى أن لا يغسلها ما دام محرماً (5) ولا بأس بتبديلها.


(1) ويشهد له جملة من الأخبار وظاهرها وجوب القطع حينئذ (1).

(2) للنهي عنه في موثق الحسين بن المختار (2)المحمول على الكراهة بقرينة التكفين فيه ، وبذهاب المشهور على الخلاف ، ولو كان حراماً لظهر وبان في أمثال هذه المسائل التي يكثر الابتلاء بها.

(3) قد تضافرت الأخبار بالأمر بلبس الثياب البيض وكونها خير الثياب وأحسنها وأطيبها وأطهرها (3).

(4) يدل على ذلك خبر المعلى بن خنيس وخبر أبي بصير (4).

(5) يدل على ذلك صحيح محمد بن مسلم (5)وأمّا التبديل فلا يشمله النهي.


1) الوسائل 12 : 391 / أبواب الإحرام ب 44.

2) الوسائل 12 : 358 / أبواب الإحرام ب 26.

3) الوسائل 5 : 26 / أبواب أحكام الملابس ب 14.

4) الوسائل 12 : 457 / أبواب تروك الإحرام ب 28.

5) الوسائل 12 : 476 / أبواب تروك الإحرام ب 38 ح 1.

4 - الإحرام في ثياب مخططة (1).

5 - استعمال الحناء قبل الإحرام إذا كان أثره باقياً إلى وقت الإحرام (2).

6 - دخول الحمام (3) والأولى بل الأحوط أن لا يدلك المحرم جسده (4).

7 - تلبية من يناديه ، بل الأحوط ترك ذلك (5).


(1) أي المعلمة ، ففي صحيح معاوية بن عمار «لا بأس أن يحرم الرجل في الثوب المعلم ، وتركه أحب إليَّ إذا قدر على غيره» (1).

(2) يشهد له خبر أبي الصباح الكناني قال «سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال : ما يعجبني أن تفعل ذلك» (2)بناء على مساواة الرجل والمرأة في أكثر الأحكام ، وظاهر النص النهي عنه فيما إذا بقي أثره إلى وقت الإحرام ، وأمّا إذا لم يبق منه أثر فلا بأس به أصلاً.

(3) للنهي عنه في خبر عقبة بن خالد (3)المحمول على الكراهة بقرينة صحيحة معاوية بن عمار الدالة على جواز دخول المحرم الحمام (4).

(4) للنهي عنه في النصوص (5).

(5) يدل عليه صحيح حماد «ليس للمحرم أن يلبِّي مَن دعاه حتى يقضي إحرامه» (6)المحمول على الكراهة بعد الإجماع أو الشهرة على الجواز.


1) الوسائل 12 : 479 / أبواب تروك الإحرام ب 39 ح 3.

2) الوسائل 12 : 451 / أبواب تروك الإحرام ب 23 ح 2 ، 1.

3) الوسائل 12 : 537 / أبواب تروك الإحرام ب 76 ح 2.

4) الوسائل 12 : 537 / أبواب تروك الإحرام ب 76 ح 1.

5) الوسائل 12 : 537 / أبواب تروك الإحرام ب 76.

6) الوسائل 12 : 561 / أبواب تروك الإحرام ب 91 ح 1.

دخول الحرم ومستحبّاته

يستحب في دخول الحرم أُمور :

1 - النزول من المركوب عند وصوله الحرم (1). والاغتسال لدخوله (2).

2 - خلع نعليه عند دخوله الحرم وأخذهما بيده تواضعاً وخشوعاً لله سبحانه (3).

3 - أن يدعو بهذا الدعاء عند دخول الحرم : اللّهمّ إنّك قلت في كتابك وقولك الحق ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) اللّهمّ إنِّي أرجو أن أكون ممّن أجاب دعوتك ، وقد جئت من شقّة بعيدة وفجّ عميق سامعاً لندائك ومستجيباً لك مطيعاً لأمرك ، وكل ذلك بفضلك عليَّ وإحسانك إليّ فلك الحمد على ما وفقتني له ، أبتغي بذلك الزلفة عندك والقربة إليك والمنزلة لديك والمغفرة لذنوبي والتوبة عليَّ منها بمنك ، اللّهمّ صلّى على محمد وآل محمّد وحرّم بدني على النّار وآمني من عذابك برحمتك يا أرحم الراحمين (4).

4 - أن يمضغ شيئاً من الإذخر عند دخوله الحرم (5).


(1) يشهد له جملة من النصوص (1).

(2) يدل عليه أيضاً عدة من النصوص (2).

(3) كما في النصوص المتقدمة.

(4) ذكره الصدوق في الفقيه (3).

(5) كما في صحيحة معاوية بن عمار (4).


1) الوسائل 13 : 195 / أبواب مقدمة الطواف ب 1.

2) الوسائل 13 : 195 / أبواب مقدمة الطواف ب 1 ، 2 ، الوسائل 3 : 303 / أبواب الأغسال المسنونة ب 1.

3) الفقيه 2 : 314 / باب سياق مناسك الحج.

4) الوسائل 13 : 198 / أبواب مقدمة الطواف ب 3 ح 1.

آداب دخول مكّة المكرّمة والمسجد الحرام

يستحب لمن أراد أن يدخل مكة أن يغتسل قبل دخولها (1) وأن يدخلها بسكينة ووقار (2).

ويستحب لمن جاء من طريق المدينة أن يدخل من أعلاها ويخرج من أسفلها (3).

ويستحب أن يكون حال دخول المسجد حافياً على سكينة ووقار وخشوع (4) وأن يكون دخوله من باب بني شيبة (5) وهذا الباب وإن جهل فعلاً من جهة توسعة المسجد إلّا أنه قال بعضهم : إنه كان بإزاء باب السلام ، فالأُولى الدخول من باب السلام.

ثم يأتي مستقيماً إلى أن يتجاوز الأسطوانات ، ويستحب أن يقف على باب المسجد ويقول :


(1) كما في صحيح الحلبي (1).

(2) كما في عدة من الأخبار (2).

(3) يدل عليه صحيح معاوية بن عمار وصحيح يونس (3).

(4) كما في صحيح معاوية بن عمار (4).

(5) رواه الصدوق عن سليمان بن مهران (5).


1) الوسائل 13 : 200 / أبواب مقدمة الطواف ب 5 ح 1.

2) الوسائل 13 : 202 / أبواب مقدمة الطواف ب 7.

3) الوسائل 13 : 198 / أبواب مقدمة الطواف ب 4 ح 1 ، 2.

4) الوسائل 13 : 204 / أبواب مقدمة الطواف ب 8 ح 1.

5) الوسائل 13 : 206 / أبواب مقدمة الطواف ب 9 ح 1 ، الفقيه 2 : 154 / 668.

السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، بسم اللّه وباللّه وما شاء اللّه السلام على أنبياء اللّه ورسله ، السلام على رسول اللّه ، السلام على إبراهيم خليل اللّه ، والحمد لله ربّ العالمين.

ثم يدخل المسجد متوجِّهاً إلى الكعبة رافعاً يديه إلى السماء ويقول :

اللّهمّ إنِّي أسألك في مقامي هذا وفي أول مناسكي أن تقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وأن تضع عني وزري ، الحمد لله الذي بلّغني بيته الحرام. اللّهمّ إني أشهدك أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمناً مباركاً وهدى للعالمين ، اللّهمّ إنِّي عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك ، مطيعاً لأمرك بقدرك ، أسألك مسألة الفقير إليك الخائف لعقوبتك ، اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك واستعملني بطاعتك ومرضاتك.

وفي رواية أُخرى يقف على باب المسجد ويقول :

بسم اللّه ومن اللّه وإلى اللّه ، وما شاء اللّه وعلى ملة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وخير الأسماء لله والحمد لله ، والسلام على رسول اللّه ، السلام على محمّد بن عبد اللّه ، السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السلام على أنبياء اللّه ورسله السلام على إبراهيم خليل الرحمن ، السلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، اللّهمّ صل على محمّد وآل محمّد وبارك على محمّد وآل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد كما صلّيت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد عبدك ورسولك ، اللّهمّ صلّى على إبراهيم خليلك ، وعلى أنبيائك ورسلك ، وسلم عليهم وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، اللّهمّ افتح لي أبواب رحمتك ، واستعملني في طاعتك ومرضاتك ، واحفظني بحفظ الإيمان أبداً ما أبقيتني جل ثناء وجهك ، الحمد لله الذي جعلني من وفده وزوّاره ، وجعلني ممن يعمر مساجده وجعلني ممّن يناجيه اللّهمّ إنِّي عبدك وزائرك في بيتك ، وعلى كل مأتي حق لمن أتاه وزاره ، وأنت خير

مأتي وأكرم مزور فأسألك يا اللّه يا رحمن وبأنك أنت اللّه لا إله إلّا أنت ، وحدك لا شريك لك ، وبأنك واحد أحد صمد لم تلد ولم تولد ، ولم يكن له (لك) كفواً أحد ، وأن محمّداً عبدك ورسولك صلّى اللّه عليه وعلى أهل بيته ، يا جواد يا كريم يا ماجد يا جبار يا كريم ، أسألك أن تجعل تحفتك إياي بزيارتي إياك أوّل شي‌ء تعطيني فكاك رقبتي من النار.

ثم يقول ثلاثاً : اللّهمّ فك رقبتي من النار.

ثم يقول : وأوسع عليَّ من رزقك الحلال الطيب ، وادرأ عني شر شياطين الجن والإنس ، وشر فسقة العرب والعجم (1).

ويستحب عند ما يحاذي الحجر الأسود أن يقول :

أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأن محمّداً عبده ورسوله ، آمنت باللّه وكفرت بالجبت والطاغوت ، واللّات والعزّى وبعبادة الشيطان وبعبادة كل ندّ يدعى من دون اللّه.

ثم يذهب إلى الحجر الأسود ويستلمه ويقول :

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر ، اللّه أكبر من خلقه. واللّه أكبر ممّا أخشى وأحذر ، لا إله إلّا اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي ، وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كل شي‌ء قدير.

ويصلِّي على محمّد وآل محمّد ، ويسلِّم على الأنبياء كما كان يصلِّي ويسلِّم عند دخوله المسجد الحرام ، ثم يقول :


(1) جاء ذلك كله في صحيحة معاوية بن عمار ورواية أبي بصير (1).


1) الوسائل 13 : 204 / أبواب مقدّمة الطواف ب 8 ح 1 ، 2.

إني أُومن بوعدك وأُوفي بعهدك (1).

وفي رواية صحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : إذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد اللّه واثن عليه وصل على النبي ، واسأل اللّه أن يتقبل منك ، ثم استلم الحجر وقبّله ، فان لم تستطع أن تقبّله فاستلمه بيدك ، فان لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه وقل :

اللّهمّ أمانتي أديتها ، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة ، اللّهمّ تصديقاً بكتابك وعلى سنة نبيك صلواتك عليه وآله أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمّداً عبده ورسوله ، آمنت باللّه ، وكفرت بالجبت والطاغوت واللّات والعزّى ، وعبادة الشيطان وعبادة كل ند يدعى من دون اللّه تعالى.

فان لم تستطع أن تقول هذا فبعضه ، وقل : اللّهمّ إليك بسطت يدي ، وفيما عندك عظمت رغبتي ، فاقبل سبحتي ، واغفر لي وارحمني ، اللّهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة (2).

آداب الطّواف

روى معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال تقول في الطواف :

اللّهمّ إنِّي أسألك باسمك الذي يمشي به على ظل الماء كما يمشى به على جدد الأرض ، أسألك باسمك الذي يهتز له عرشك ، وأسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك ، وأسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور الأيمن فاستجبت له ، وألقيت عليه محبّة منك ، وأسألك باسمك الذي غفرت به لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأتممت نعمتك عليه أن تفعل بي كذا وكذا ، ما أحببت من الدعاء.


1) الوسائل 13 : 314 / أبواب الطواف ب 12 ح 3 ، 4.

2) الوسائل 13 : 313 / أبواب الطواف ب 12 ح 1.

وكل ما انتهيت إلى باب الكعبة فصل على محمّد وآل محمّد وتقول فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود :

( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ ) .

وقل في الطواف :

اللّهمّ إنِّي إليك فقير وإني خائف مستجير ، فلا تغير جسمي ، ولا تبدِّل اسمي (1)وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا بلغ الحجر قبل أن يبلغ الميزاب يرفع رأسه ، ثم يقول وهو ينظر إلى الميزاب : اللّهمّ أدخلني الجنة برحمتك ، وأجرني برحمتك من النار ، وعافني من السقم ، وأوسع عليَّ من الرزق الحلال ، وادرأ عني شرّ فسقة الجن والإنس ، وشرّ فسقة العرب والعجم (2).

وفي الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه لما انتهى إلى ظهر الكعبة حتى يجوز الحجر قال :

يا ذا المن والطول والجود والكرم ، إن عملي ضعيف فضاعفه لي ، وتقبله مني إنك أنت السميع العليم (3).

وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه لما صار بحذاء الركن اليماني قام فرفع يديه ثم قال :

يا اللّه يا ولي العافية ، وخالق العافية ورازق العافية ، والمنعم بالعافية ، والمنان بالعافية والمتفضل بالعافية عليَّ وعلى جميع خلقك ، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما صلِّ على محمّد وآل محمّد وارزقنا العافية ودوام العافية ، وتمام العافية


1) الوسائل 13 : 333 / أبواب الطواف ب 20 ح 1.

2) الوسائل 13 : 334 / أبواب الطواف ب 20 ح 5.

3) الوسائل 13 : 335 / أبواب الطواف ب 20 ح 6.

وشكر العافية ، في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين (1).

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل ، فابسط يديك على البيت والصق بدنك وخدك بالبيت وقل :

اللّهمّ البيت بيتك ، والعبد عبدك ، وهذا مكان العائذ بك من النار.

ثم أقرّ لربِّك بما عملت ، فإنه ليس من عبد مؤمن يقر لربِّه بذنوبه في هذا المكان إلّا غفر اللّه له إن شاء اللّه ، وتقول :

اللّهمّ من قبلك الروح والفرج والعافية ، اللّهمّ إن عملي ضعيف فضاعفه لي واغفر لي ما اطلعت عليه مني وخفي على خلقك.

ثم تستجير باللّه من النار وتخير لنفسك من الدعاء ، ثم استلم الركن اليماني (2).

وفي رواية أُخرى عنه (عليه السلام) ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود واختم به وتقول : اللّهمّ قنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني (3).

ويستحب للطائف في كل شوط أن يستلم الأركان كلها (4)وأن يقول عند استلام الحجر الأسود : أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته ، لتشهد لي بالموافاة (5).

آداب صلاة الطّواف

يستحب في صلاة الطواف أن يقرأ بعد الفاتحة سورة التوحيد في الركعة الاولى ، وسورة الجحد في الركعة الثانية ، فاذا فرغ من صلاته حمد اللّه وأثنى عليه


1) الوسائل 13 : 335 / أبواب الطواف ب 20 ح 7.

2) الوسائل 13 : 345 / أبواب الطواف ب 26 ح 4.

3) الوسائل 13 : 347 / أبواب الطواف ب 26 ح 9.

4) الوسائل 13 : 344 / أبواب الطواف ب 25 ح 1 ، 2.

5) الوسائل 13 : 313 / أبواب الطواف ب 12 ح 1 ، 2.

وصلّى على محمّد وآل محمّد ، وطلب من اللّه تعالى أن يتقبّل منه (1)وعن الصادق (عليه السلام) أنه سجد بعد ركعتي الطواف وقال في سجوده :

سجد وجهي لك تعبّداً ورقّاً لا إله إلّا أنت حقّا حقّا ، الأوّل قبل كل شي‌ء والآخر بعد كل شي‌ء ، وما أنا ذا بين يديك ، ناصيتي بيدك ، واغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك ، فاغفر لي فإنِّي مقرّ بذنوبي على نفسي ، ولا يدفع الذنب العظيم غير (2).

ويستحب أن يشرب من ماء زمزم قبل أن يخرج إلى الصفا ويقول :

اللّهمّ اجعله علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم.

وإن أمكنه أتى زمزم بعد صلاة الطواف ، وأخذ منه ذنوباً أو ذنوبين ، فيشرب منه ويصب الماء على رأسه وظهره وبطنه ويقول :

اللّهمّ اجعله علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم.

ثم يأتي الحجر الأسود فيخرج منه إلى الصفا (3).

آداب السّعي

يستحب الخروج إلى الصفا من الباب الذي يقابل الحجر الأسود مع سكينة ووقار ، فاذا صعد على الصفا نظر إلى الكعبة ، ويتوجّه إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود ويحمد اللّه ويثني عليه ويتذكر آلاء اللّه ونعمه ، ثم يقول : اللّه أكبر سبع مرّات ، الحمد لله سبع مرات ، لا إله إلّا اللّه سبع مرات ، ويقول ثلاث مرّات :


(1) كما في صحيح معاوية بن عمار وصحيح الحلبي (1).


1) [1] الوسائل 13 : 422 / أبواب الطواف ب 71.

2) [2] الوسائل 13 : 439 / أبواب الطواف ب 78 ح 2.

3) الوسائل 13 : 472 / أبواب السعي ب 2 ح 1 ، 2.

لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي‌ء قدير ، ثم يصلي على محمّد وآل محمّد ، ثم يقول : ثلاث مرّات :

اللّه أكبر على ما هدانا ، والحمد لله على ما أولانا والحمد لله الحي القيوم والحمد لله الدائم.

ثم يقول ثلاث مرات :

أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله ، لا نعبد إلّا إيّاه مخلصين له الدين ولو كره المشركون.

ثم يقول ثلاث مرات :

اللّهمّ إني أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة.

ثم يقول اللّه أكبر مائة مرة ، لا إله إلّا اللّه مائة مرة ، الحمد لله مائة مرّة ، سبحان اللّه مائة مرة ، ثم يقول :

لا إله إلّا اللّه وحده وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده ، فله الملك وله الحمد وحده وحده ، اللّهمّ بارك لي في الموت وفيما بعد الموت ، اللّهمّ إني أعوذ بك من ظلمة القبر ووحشته ، اللّهمّ أظلني في ظل عرشك يوم لا ظل إلّا ظلك.

ويستودع اللّه دينه ونفسه وأهله كثيراً ، فيقول :

أستودع اللّه الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه ديني ونفسي وأهلي ، اللّهمّ استعملني على كتابك وسنة نبيك وتوفني على ملته وأعذني من الفتنة.

ثم يقول : اللّه أكبر ثلاث مرات ، ثم يعيدها مرتين ، ثم يكبر واحدة ثم يعيدها فان لم يستطع هذا فبعضه ، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم يرفع يديه ثم يقول :

اللّهمّ اغفر لي كل ذنب أذنبته قط ، فان عدت فعد عليَّ بالمغفرة ، فإنك أنت الغفور الرحيم ، اللّهمّ افعل بي ما أنت أهله ، فإنك إن تفعل بي ما أنت أهله ترحمني وإن تعذبني فأنت غني عن عذابي ، وأنا محتاج إلى رحمتك ، فيا من أنا محتاج إلى رحمته ارحمني ، اللّهمّ لا تفعل بي ما أنا أهله فإنك إن تفعل بي ما أنا أهله تعذِّبني ولم تظلمني ، أصبحت أتقي عدلك ولا أخاف جورك ، فيا من هو عدل لا يجوز ارحمني (1).

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إن أردت أن يكثر مالك فأكثر من الوقوف على الصفا (2)ويستحب (3)أن يسعى ماشياً ، وأن يمشي مع سكينة ووقار حتى يأتي محل المنارة الاولى فيهرول إلى محل المنارة الأُخرى ، ثم يمشي مع سكينة ووقار حتى يصعد على المروة فيصنع عليها كما صنع على الصفا ، ويرجع من المروة إلى الصفا على هذا المنهج (4)وإذا كان راكباً أسرع فيما بين المنارتين (5)فينبغي أن يجدّ في البكاء ، ويدعو اللّه كثيراً (6)ولا هرولة على النِّساء (7).

آداب الإحرام إلى الوقوف بعرفات

ما تقدّم من الآداب في إحرام العمرة يجري في إحرام الحج أيضاً ، فإذا أحرم


1) الوسائل 13 : 475 / أبواب السعي ب 3 ح 2 ، وب 4 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 13 : 479 / أبواب السعي ب 5 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 13 : 496 / أبواب السعي ب 16.

4) الوسائل 13 : 481 / أبواب السعي ب 6.

5) الوسائل 13 : 498 / أبواب السعي ب 17 ح 2.

6) الفقيه 2 : 320.

7) الوسائل 13 : 502 / أبواب السعي ب 21.

للحج وخرج من مكة يلبّي في طريقه غير رافع صوته ، حتى إذا أشرف على الأبطح رفع صوته ، فاذا توجه إلى منى قال :

اللّهمّ إيّاك أرجو وإياك أدعو ، فبلغني أملي وأصلح لي عملي.

ثم يذهب إلى منى بسكينة ووقار مشتغلاً بذكر اللّه سبحانه فاذا وصل إليها قال :

الحمد لله الذي أقدمنيها صالحاً في عافية وبلغني هذا المكان.

ثم يقول :

اللّهمّ هذه منى وهي ممّا مننت به علينا من المناسك ، فأسألك أن تمن عليَّ بما مننت به على أنبيائك ، فإنما أنا عبدك وفي قبضتك (1)ويستحب له المبيت في منى ليلة عرفة ، يقضيها في طاعة اللّه تبارك وتعالى (1) والأفضل أن تكون عباداته ولا سيما صلواته في المسجد الخيف (2) ، فإذا صلّى الفجر عقّب إلى طلوع الشمس (3) ثم يذهب إلى عرفات. ولا بأس بخروجه من منى بعد


(1) ذكر الأصحاب أنه يستحب للمتمتع أن يخرج إلى عرفات يوم التروية ويبيت في منى ليلة عرفة ، والنصوص في ذلك متضافرة جدّاً ، منها : الروايات الحاكية لكيفية حج النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وحج آدم وإبراهيم (عليهما السلام) وغير ذلك من الروايات (2).

(2) ذكره الصدوق في الفقيه (3).

(3) ورد ذلك أيضاً في كيفية حج النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وأنه لم يخرج من منى حتى بزغت الشمس.


1) الوسائل 13 : 526 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 6 ، الفقيه 2 : 321.

2) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ، 13 : 522 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 3 ، 4.

3) الفقيه 2 : 322.

طلوع الفجر (1) والأولى بل الأحوط أن لا يتجاوز وادي محسّر قبل طلوع الشمس (2) ويكره خروجه منها قبل الفجر ، وذهب بعضهم إلى عدم جوازه إلّا لضرورة كمرض أو خوف من الزحام (3). فاذا توجه إلى عرفات قال :

اللّهمّ إليك صمدت ، وإيّاك اعتمدت ووجهك أردت ، فأسألك أن تبارك لي في رحلتي وأن تقضي لي حاجتي ، وأن تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني.


(1) كما في صحيحة هشام بن سالم وغيره (1).

(2) ومن جملة الآداب أيضاً أن لا يجوز وادي محسر إلّا بعد طلوع الشمس كما في صحيح هشام بن الحكم «لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس» (2)ونقل عن الشيخ (3)وابن البراج (4)القول بالتحريم أخذاً بظاهر النهي واستقربه الحدائق (5)ولكنه محمول على الكراهة بقرينة الشهرة على الخلاف ، ولو كان حراماً لظهر في أمثال هذه المسائل التي يكثر الابتلاء بها.

(3) على المشهور ، للأمر بإتيان صلاة الفجر فيها في عدة من النصوص وفعل النبي (صلّى اللّه عليه وآله) كما في صحيح معاوية وغيره من الروايات الحاكية لكيفية حج النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) (6)وفي دلالتها على الكراهة تأمل كما في الجواهر (7)بل غايتها الاستحباب ، فمن ذلك يعلم ضعف ما عن بعض الفقهاء من عدم الجواز.


1) الوسائل 13 : 528 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 7 ح 3.

2) الوسائل 13 : 528 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 7 ح 4.

3) التهذيب 5 : 178.

4) المهذب 1 : 251.

5) الحدائق 16 : 373.

6) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 ، 13 : 524 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 4 ح 4 ، 5.

7) الجواهر 19 : 11.

ثم يلبّي إلى أن يصل إلى عرفات (1).

آداب الوقوف بعرفات

يستحب في الوقوف بعرفات أُمور وهي كثيرة نذكر بعضها ، منها :

1 - الطهارة حال الوقوف (2).

2 - الغسل عند الزوال (3).

3 - تفريغ النفس للدعاء والتوجه إلى اللّه (4).

4 - الوقوف بسفح الجبل في ميسرته (5).

5 - الجمع بين صلاتي الظهرين بأذان وإقامتين (6).

6 - الدعاء بما تيسر من المأثور وغيره ، والأفضل المأثور ، فمن ذلك : دعاء الحسين (عليه السلام) ودعاء ولده الإمام زين العابدين (عليه السلام) (7).

ومنه ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : إنما تجعل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء ، فإنه يوم دعاء ومسألة ، ثم تأتي الموقف وعليك السكينة والوقار ، فاحمد اللّه وهلّله ومجده واثن عليه وكبّره مائة مرّة ، واحمده مائة مرّة ، وسبّحه مائة مرّة ، واقرأ قل هو اللّه أحد مائة مرّة ، وتخير


1) الوسائل 13 : 528 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 8.

2) الوسائل 13 : 555 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 20.

3) الوسائل 13 : 529 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 9.

4) الوسائل 13 : 538 ، 544 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 14 ، 17.

5) الوسائل 13 : 534 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 11.

6) تأسِّياً بالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) كما عن الصحاح الحاكية لحجّة (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) الوسائل 11 : 213 / أبواب أقسام الحج ب 2 وغير ذلك من النصوص.

7) الإقبال : 339 ، 350.

لنفسك من الدعاء ما أحببت ، واجتهد فإنه يوم دعاء ومسألة. وتعوّذ باللّه من الشيطان فان الشيطان لن يذهلك في موطن قط أحب إليه من أن يذهلك في ذلك الموطن ، وإياك أن تشتغل بالنظر إلى الناس ، وأقبل قبل نفسك ، وليكن فيما تقول : اللّهمّ إنِّي عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك ، وارحم مسيري إليك من الفج العميق ، وليكن فيما تقول :

اللّهمّ رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار ، وأوسع عليَّ من رزقك الحلال وادرأ عنّي شر فسقة الجن والإنس ، وتقول : اللّهمّ لا تمكر بي ولا تخدعني ولا تستدرجني ، وتقول : اللّهمّ إني أسألك بحولك وجودك وكرمك وفضلك ومنّك يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين أن تصلي على محمّد وآل محمّد وأن تفعل بي كذا وكذا ، وتذكر حوائجك.

وليكن فيما تقول وأنت رافع رأسك إلى السماء :

اللّهمّ حاجتي إليك التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني والتي إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني أسألك خلاص رقبتي من النار.

وليكن فيما تقول :

اللّهمّ إني عبدك وملك يدك ناصيتي بيدك وأجلي بعلمك ، أسألك أن توفقني لما يرضيك عنّي وأن تسلم مني مناسكي التي أريتها خليلك إبراهيم ، ودللت عليها نبيك محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم.

وليكن فيما تقول :

اللّهمّ اجعلني ممّن رضيت عمله وأطلت عمره وأحييته بعد الموت حياة طيبة (1).

ومن الأدعية المأثورة ما علّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) علياً


1) الوسائل 13 : 538 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 14 ح 1.

(عليه السلام) على ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : فتقول :

لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي‌ء قدير ، اللّهمّ لك الحمد كما تقول وخيراً مما يقول القائلون ، اللّهمّ لك صلاتي وديني ومحياي ومماتي ولك تراثي وبك حولي ومنك قوتي ، اللّهمّ إني أعوذ بك من الفقر ومن وسواس الصدر ومن شتات الأمر ومن عذاب القبر ، اللّهمّ إني أسألك من خير ما تأتي به الرياح وأعوذ بك من شر ما تأتي به الرياح ، وأسألك خير الليل وخير النهار (1).

ومن تلك الأدعية ما رواه عبد اللّه بن ميمون ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وقف بعرفات فلما همت الشمس أن تغيب قبل أن يندفع قال :

اللّهمّ إني أعوذ بك من الفقر ومن تشتّت الأمر ومن شرّ ما يحدث باللّيل والنهار ، أمسى ظلمي مستجيراً بعفوك ، وأمسى خوفي مستجيراً بأمانك ، وأمسى ذلي مستجيراً بعزك ، وأمسى وجهي الفاني البالي مستجيراً بوجهك الباقي ، يا خير من سئل ويا أجود من أعطي ، جللني برحمتك وألبسني عافيتك وأصرف عني شر جميع خلقك (2).

وروى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : إذا غربت الشمس يوم عرفة فقل :

اللّهمّ لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف ، وارزقنيه من قابل أبداً ما أبقيتني واقلبني اليوم مفلحاً منجحاً مستجاباً لي مرحوماً مغفوراً لي بأفضل ما ينقلب به


1) الوسائل 13 : 539 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 14 ح 2.

2) الوسائل 13 : 559 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 24 ح 1 ، 2.

اليوم أحد من وفدك وحجاج بيتك الحرام ، واجعلني اليوم من أكرم وفدك عليك ، وأعطني أفضل ما أعطيت أحداً منهم من الخير والبركة والرحمة والرضوان والمغفرة وبارك لي فيما أرجع إليه من أهل أو مال أو قليل أو كثير وبارك لهم فيَّ (1).

آداب الوقوف بالمزدلفة

وهي أيضاً كثيرة نذكر بعضها :

1 - الإفاضة من عرفات على سكينة ووقار مستغفراً ، فاذا انتهى إلى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق يقول :

اللّهمّ ارحم موقفي وزد في عملي وسلم لي ديني وتقبّل مناسكي (2).

2 - الاقتصاد في السير (3).

3 - تأخير العشاءين إلى المزدلفة والجمع بينهما بأذان وإقامتين وإن ذهب ثلث اللّيل (4).

4 - نزول بطن الوادي عن يمين الطريق قريباً من المشعر (5)ويستحب للصرورة وطء المشعر برجله (6).

5 - إحياء تلك الليلة بالعبادة والدعاء بالمأثور (7)وغيره ، ومن المأثور أن يقول :

اللّهمّ هذه جمع ، اللّهمّ إنِّي أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير ، اللّهمّ لا تؤيسني


1) الوسائل 13 : 559 / أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة ب 24 ح 2.

2) الوسائل 14 : 5 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 1 ح 1.

3) الوسائل 14 : 5 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 1 ح 1.

4) الوسائل 14 : 12 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 5.

5) الوسائل 14 : 16 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 7 ح 1.

6) الوسائل 14 : 16 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 7 ح 1.

7) الوسائل 14 : 19 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 10.

من الخير الذي سألتك أن تجمعه لي في قلبي وأطلب إليك أن تعرفني ما عرفت أولياءك في منزلي هذا وأن تقيني جوامع الشر.

6 - أن يصبح على طهر فيصلي الغداة ويحمد اللّه عز وجل ويثني عليه ، ويذكر من آلائه وبلائه ما قدر عليه ويصلي على النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ثم يقول (1):

اللّهمّ رب المشعر الحرام فك رقبتي من النار وأوسع عليَّ من رزقك الحلال وادرأ عني شر فسقة الجن والانس ، اللّهمّ أنت خير مطلوب إليه وخير مدعو وخير مسؤول ، ولكل وافد جائزة فاجعل جائزتي في موطني هذا أن تقيلني عثرتي وتقبل معذرتي وأن تجاوز عن خطيئتي ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي.

7 - التقاط حصى الجمار من المزدلفة (2)وعددها سبعون.

8 - السّعي السير السريع إذا مرّ بوادي محسّر وقدّر للسعي مائة خطوة ويقول :

اللّهمّ سلّم لي عهدي واقبل توبتي وأجب دعوتي واخلفني بخير في من تركت بعدي (3).

آداب رمي الجمرات

يستحب في رمي الجمرات أُمور منها :

1 - أن يكون على طهارة حال الرمي (4).


1) الوسائل 14 : 20 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 11.

2) الوسائل 14 : 31 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 18.

3) الوسائل 14 : 22 / أبواب الوقوف بالمشعر ب 13 ح 1.

4) الوسائل 14 : 56 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 2.

2 - أن يقول إذا أخذ الحصيات بيده :

اللّهمّ هذه حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي.

3 - أن يقول عند كل رمية :

اللّه أكبر اللّهمّ ادحر عني الشيطان ، اللّهمّ تصديقاً بكتابك وعلى سنّة نبيّك اللّهمّ اجعله لي حجاً مبروراً وعملاً مقبولاً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً (1)

4 - أن يقف الرامي على بعد من جمرة العقبة بعشر خطوات ، أو خمس عشرة خطوة (2).

5 - أن يرمي جمرة العقبة متوجهاً إليها مستدبر القبلة (3)ويرمي الجمرتين الاولى والوسطى مستقبل القبلة (4).

6 - أن يضع الحصاة على إبهامه ويدفعها بظفر السبابة (5).

7 - أن يقول إذا رجع إلى منى :

اللّهمّ بك وثقت وعليك توكلت فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير (6).

آداب الهَدْي

يستحب في الهدي أُمور منها :

1 - أن يكون بدنة ومع العجز فبقرة ، ومع العجز عنها أيضاً فكبشاً (7).

2 - أن يكون سميناً (8).


1) الوسائل 14 : 58 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 3 ح 1.

2) الوسائل 14 : 58 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 3 ح 1.

3) الوسائل 14 : 58 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 3 ح 1.

4) الوسائل 14 : 65 / أبواب رمي جمر العقبة ب 10 ح 2.

5) الوسائل 14 : 61 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 7.

6) الوسائل 14 : 58 / أبواب رمي جمرة العقبة ب 3 ح 1.

7) الوسائل 14 : 95 / أبواب الذبح ب 8 ح 1 ، 4 ، وص 109 / ب 13 أبواب الذبح.

8) الوسائل 14 : 95 / أبواب الذبح ب 8 ح 1 ، 4 ، وص 109 / ب 13 أبواب الذبح.

3 - أن يقول عند الذبح أو النحر (1)( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ ) وأنا من المسلمين ، اللّهمّ منك ولك بسم اللّه واللّه أكبر اللّهمّ تقبل مني.

4 - أن يباشر الذبح بنفسه ، فان لم يتمكن فليضع السكين بيده ، ويقبض الذابح على يده ولا بأس بأن يضع يده على يد الذابح (2).

آداب الحَلْق

1 - يستحب في الحلق أن يبتدئ فيه من الطرف الأيمن ، وأن يقول حين الحلق : اللّهمّ أعطني بكل شعرة نوراً يوم القيامة (3).

2 - أن يدفن شعره في خيمته في منى (4).

3 - أن يأخذ من لحيته وشاربه ويقلم أظافيره بعد الحلق (5).

آداب طواف الحج والسعي

ما ذكرناه من الآداب في طواف العمرة وصلاته والسّعي فيها يجري هنا أيضاً. ويستحب الإتيان بالطواف يوم العيد (6)فاذا قام على باب المسجد يقول :

اللّهمّ أعنّي على نسكك وسلّمني له وسلّمه لي ، أسألك مسألة العليل الذليل


1) الوسائل 14 : 152 / أبواب الذبح ب 37 ح 1.

2) الوسائل 14 : 150 / أبواب الذبح ب 36.

3) الوسائل 14 : 228 / أبواب الحلق ب 10 ح 1.

4) الوسائل 14 : 220 / أبواب الحلق ب 6 ح 5.

5) الوسائل 14 : 214 / أبواب الحلق ب 1 ح 12 وغيره.

6) الوسائل 14 : 245 / أبواب زيارة البيت ب 1 ح 7 ، 10.

المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي وأن ترجعني بحاجتي ، اللّهمّ إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك متبعاً لأمرك راضياً بقدرك ، أسألك مسألة المضطر إلى المطيع لأمرك المشفق من عذابك الخائف لعقوبتك أن تبلغني عفوك وتجيرني من النار برحمتك.

ثم يأتي الحجر الأسود فيستلمه ويقبّله ، فان لم يستطع استلم بيده وقبّلها وإن لم يستطع من ذلك أيضاً استقبل الحجر وكبّر وقال كما قال حين طاف بالبيت يوم قدم مكة (1)وقد مرّ ذلك في آداب دخول المسجد الحرام.

آداب منى

يستحب المقام بمنى أيام التشريق ، وعدم الخروج منها ولو كان الخروج للطّواف المندوب (2)ويستحب التكبير فيها بعد خمس عشرة صلاة ، أولها ظهر يوم النحر وبعد عشر صلوات في سائر الأمصار (3)، والأولى في كيفية التكبير أن يقول :

اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلّا اللّه ، واللّه أكبر اللّه أكبر ولله الحمد ، اللّه أكبر على ما هدانا ، اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، والحمد لله على ما أبلانا (4).

ويستحب أن يصلي فرائضه ونوافله في مسجد الخيف. روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال : من صلّى في مسجد الخيف بمنى مائة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما ، ومن سبّح اللّه فيه مائة تسبيحة كتب له كأجر عتق رقبة ، ومن هلل اللّه فيه مائة تهليلة عدلت أجر إحياء نسمة ، ومن حمد اللّه فيه مائة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين يتصدق به في سبيل اللّه عزّ


1) الوسائل 14 : 249 / أبواب زيارة البيت ب 4 ح 1.

2) الوسائل 14 : 260 / أبواب العود إلى منى ب 2 ح 5.

3) الوسائل 14 : 271 / أبواب العود إلى منى ب 8 ح 4 ، 7 : 457 / أبواب صلاة العيد ب 21.

4) الوسائل 7 : 459 / أبواب صلاة العيد ب 21 ح 4.

وجّل (1).

آداب مكّة المعظّمة

يستحب فيها أُمور فيها :

1 - الإكثار من ذكر اللّه وقراءة القرآن.

2 - ختم القرآن فيها (2).

3 - الشرب من ماء زمزم ثم يقول :

اللّهمّ اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم ، ثم يقول : بسم اللّه وباللّه والشكر لله (3).

4 - الإكثار من النظر إلى الكعبة (4).

5 - الطواف حول الكعبة عشر مرات : ثلاثاً في أول الليل وثلاثة في آخره وطوافان بعد الفجر ، وطوافان بعد الظهر (5).

6 - أن يطوف أيام إقامته في مكة ثلاثمائة وستين طوافاً ، فان لم يتمكن فاثنين وخمسين طوافاً ، فان لم يتمكن أتى بما قدر عليه (6)

«يستحب أن يطاف بالبيت عدد أيام السنة كل أُسبوع لسبعة أيام فذلك اثنان وخمسون أُسبوعاً».

.

1) الوسائل 14 : 270 / أبواب العود إلى منى ب 8 ، الوسائل 5 : 269 / أبواب أحكام المساجد ب 51.

2) الوسائل 13 : 288 / أبواب مقدمات الطواف ب 45.

3) الوسائل 13 : 247 / أبواب مقدمات الطواف ب 21.

4) الوسائل 13 : 262 / أبواب مقدمات الطواف ب 29.

5) الوسائل 13 : 307 / أبواب الطواف ب 6.

6) الوسائل 13 : 308 / أبواب الطواف ب 7 ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «يستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين أُسبوعاً على عدد أيام السنة ، فان لم يستطع فثلاثمائة وستين شوطاً ، فان لم يستطع فما قدرت عليه من الطواف» ، وفي خبر آخر :

7 - دخول الكعبة للصرورة (1).

ويستحب له أن يغتسل قبل دخوله وأن يقول عند دخوله :

اللّهمّ إنك قلت : ومن دخله كان آمناً فآمنّي من عذاب النار.

ثمّ يصلِّي ركعتين بين الأُسطوانتين على الرخامة الحمراء يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأُولى سورة حم السجدة ، وفي الثانية بعد الفاتحة خمساً وخمسين آية.

8 - أن يصلِّي في كل زاوية من زوايا البيت ، وبعد الصلاة يقول :

اللّهمّ من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته ونوافله وفواضله فإليك يا سيدي تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك ونوافلك وجائزتك فلا تخيب اليوم رجائي ، يا من لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نائل ، فإني لم آتك اليوم ثقة بعمل صالح قدّمته ولا شفاعة مخلوق رجوته ، ولكنني أتيتك مقراً بالظلم والإساءة على نفسي ، فإنه لا حجة لي ولا عذر ، فأسألك يا من هو كذلك أن تصلي على محمّد وآله وتعطيني مسألتي وتقلبني برغبتي ولا تردني مجبوهاً ممنوعاً ولا خائباً ، يا عظيم يا عظيم أرجوك للعظيم ، أسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم لا إله إلّا أنت (2).

ويستحب التكبير ثلاثاً عند خروجه من الكعبة وأن يقول :

اللّهمّ لا تجهد بلاءنا ، ربنا ولا تشمت بنا أعداءنا فإنك أنت الضار النافع.

ثم ينزل ويستقبل الكعبة ويجعل الدرجات على جانبه الأيسر ، ويصلي ركعتين عند الدرجات (3).


1) الوسائل 13 : 273 / أبواب مقدمة الطواف ب 35.

2) الوسائل 13 : 275 / أبواب مقدمات الطواف ب 36 ح 1 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 13 : 282 / أبواب مقدمات الطواف ب 40.

طواف الوداع

يستحب لمن أراد الخروج من مكة أن يطوف طواف الوداع ، وأن يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط ، وأن يأتي بما تقدّم في آداب الطواف من المستحبات عند الوصول إلى المستجار ، وأن يدعو اللّه بما شاء ، ثم يستلم الحجر الأسود ويلصق بطنه بالبيت. ويضع إحدى يديه على الحجر والأُخرى نحو الباب ثم يحمد اللّه ويثني عليه ويصلي على النبي وآله ، ثم يقول :

اللّهمّ صلِّ على محمّد عبدك ورسولك ونبيك وأمينك وحبيبك ونجيبك وخيرتك من خلقك ، اللّهمّ كما بلّغ رسالاتك وجاهد في سبيلك وصدع بأمرك وأوذي في جنبك وعبدك حتى أتاه اليقين ، اللّهمّ اقلبني مفلحاً منجحاً مستجاباً لي بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك من المغفرة والبركة والرحمة والرضوان والعافية.

ويستحب له الخروج من باب الحناطين ويقع قبال الركن الشامي ويطلب من اللّه التوفيق لرجوعه مرة أُخرى ، ويستحب أن يشتري عند الخروج مقدار درهم من التمر ويتصدق به على الفقراء (1).

زيارة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)

يستحب للحاج استحباباً مؤكّداً أن يكون رجوعه من طريق المدينة المنورة ليزور الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله) والصدّيقة الطاهرة (سلام اللّه عليها) وأئمة البقيع (سلام اللّه عليهم أجمعين) (2)وللمدينة حرم حدّه عائر إلى وعير (3)


1) الوسائل 14 : 287 / أبواب العود إلى منى ب 18 ، 20.

2) الوسائل 14 : 320 ، 332 ، 340 ، 367 / أبواب المزار ب 2 ، 3 ، 5 ، 18.

3) كما في صحيحة معاوية بن عمار [المروية في الوسائل 14 : 362 / أبواب المزار ب 17 ح 1 ، 10] وغيرها.

وهما جبلان يكتنفان المدينة من المشرق والمغرب ، وذهب بعض الفقهاء إلى أن الإحرام وإن كان لا يجب فيه (1) إلّا أنه لا يجوز قطع شجرة ولا سيما الرطب منه إلّا ما استثني ممّا تقدّم في حرم مكة ، كما أنه لا يجوز صيد ما بين الحرتين منه (2) ، ولكن الأظهر جوازهما وإن كان رعاية الاحتياط أولى ، وكيفية زيارة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن يقول :


(1) لعدم الدليل ومقتضى الأصل عدم الوجوب.

(2) يقع الكلام في مقامين : أحدهما : في حرمة قطع شجره ، ثانيهما : في حرمة صيده.

أمّا المقام الأول : فقد نسب إلى الأكثر أو المشهور الحرمة ، بل عن المنتهي أنه لا يجوز عند علمائنا (1)وفي الجواهر بل لم أجد من نص على الكراهة قبل العلامة في القواعد (2). وقيل بالكراهة وبه صرح المحقق في الشرائع (3)والعلامة في القواعد (4)بل ذكر في المسالك أن هذا القول هو المشهور (5).

هذا بحسب الأقوال ، وأمّا بحسب الروايات فظاهرها الحرمة للنهي عنه في بعض الروايات المعتبرة كصحيحة معاوية بن عمار «وأن المدينة حرمي ، ما بين لابتيها حرمي لا يعضد شجرها» (6).

وفي صحيح زرارة «حرّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) المدينة ما بين لابتيها (7)صيدها ، وحرّم ما حولها بريداً في بريد أن يختلى خلاها أو يعضد شجرها


1) المنتهي 2 : 799 السطر 12.

2) الجواهر 20 : 77.

3) الشرائع 1 : 320.

4) القواعد 1 : 450.

5) المسالك 2 : 382.

6) الوسائل 14 : 362 ، 366 / أبواب المزار ب 17 ، 1 ، 10.

7) اللابة : هي الحرة ذات الحجارة السود. مجمع البحرين 2 : 168.

إلّا عودي الناضح» (1). فربما يقال بأن الروايات مطبقة على التحريم من دون معارض وقد عمل بها المشهور فلا مناص إلّا من القول بالتحريم.

ولكن لا يمكن الالتزام بالتحريم ، إذ لو كانت الحرمة ثابتة لكان هذا الحكم من جملة الواضحات التي لا يشك فيه اثنان ، لكثرة الابتلاء والحاجة إلى قطع الأشجار لأن بقرب المدينة أشجاراً وزروعاً كثيرة بخلاف مكة ، فلو منع من القطع والاحتشاش لظهر وبان وللزم الحرج الشديد حتى ولو قلنا باستثناء ما استثني مما تقدم في حرم مكة ، خصوصاً بملاحظة ما ورد من المنع عن اختلاء خلاها كما في صحيح زرارة المتقدم (2)المفسر بكل نبات رطب أو كل بقلة ، وكيف يمكن الحكم بحرمة ذلك مع شدّة الحاجة وكثرة الابتلاء بذلك ، فإن أهل المدينة يجلبون النباتات الرطبة كل يوم من مزارعهم وبساتينهم الواقعة في أطراف المدينة وفي قربها من دون أيّ رادع.

ثم إنه كيف يمكن القول بالحرمة مع عدم تعرض القدماء في متونهم الفقهية مع شدّة حرصهم (رضوان اللّه عليهم) لذكر المكروهات والسنن فضلاً عن المحرمات التي يبتلى بها كثيراً.

هذا كله مضافاً إلى موثقة يونس بن يعقوب «أنه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يحرم عليَّ في حرم رسول اللّه ما يحرم عليَّ في حرم اللّه؟ قال : لا» (3)فان الظاهر أن النفي نفي لمطلق ما يترتب على حرم مكة ، إذ لو كان النفي مختصاً للصيد لكان ذلك من حمل الشي‌ء على الفرد النادر جدّاً ، لأن الصيد بين حرتي المدينة نادر جدّاً ، فلا بدّ من إرادة نفي المنع من قطع الشجر والصيد ، فلا بد من حمل الروايات المانعة على الكراهة وضرب من الآداب والاحترام لحرم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ولكن مع ذلك كله


1) الوسائل 14 : 365 / أبواب المزار ب 17 ح 5 ، 1 ، 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 4.

2) آنفاً.

3) الوسائل 14 : 365 / أبواب المزار ب 17 ح 8.

السلام على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) السلام عليك يا حبيب اللّه ، السلام عليك يا صفوة اللّه ، السلام عليك يا أمين اللّه ، أشهد أنك قد نصحت لأُمتك وجاهدت في سبيل اللّه وعبدته حتى أتاك اليقين ، فجزاك اللّه أفضل ما جزى نبياً عن أُمته ، اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد أفضل ما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد (1).


لا ينبغي ترك الاحتياط ، واللّه العالم.

وأمّا المقام الثاني : فالمنسوب إلى المشهور أيضاً حرمة صيد ما بين الحرّتين (2)وفي المسالك نسب الكراهة إلى الشهرة أيضاً كالمقام الأول (3).

ويدلُّ على الحرمة صحيح ابن سنان «يحرم من صيد المدينة ما صيد بين الحرتين» (4)ولكن مقتضى جملة من الأخبار كصحيح معاوية بن عمار (5)وخبر أبي العباس (6)وخبر معاوية بن عمار المروي في معاني الأخبار (7)وخبر يونس المتقدم هو الجواز ، وأن صيد المدينة غير محكوم بصيد حرم مكة ، فمقتضى الجمع بين النصوص هو الكراهة هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في المقام الأول ، ولكن الأحوط أيضاً الترك.


1) [1] الوسائل 14 : 343 / أبواب المزار ب 6 ح 3.

2) الحرة بالفتح والتشديد : أرض ذات أحجار سود ومنه حرة المدينة. مجمع البحرين 3 : 263.

3) المسالك 2 : 382.

4) الوسائل 14 : 365 / أبواب المزار ب 17 ح 9.

5) الوسائل 14 : 362 / أبواب المزار ب 17 ح 1.

6) الوسائل 14 : 364 / أبواب المزار ب 17 ح 4.

7) الوسائل 14 : 366 / أبواب المزار ب 17 ح 10 ، معاني الأخبار : 338 / 4.

زيارة الصِّدِّيقة الزهراء (عليها السلام)

يا ممتحنة امتحنك اللّه إلى آخر الزيارة (1)

الزيارة الجامعة لأئمة البقيع (عليهم السلام)

السلام على أولياء اللّه وأصفيائه إلى آخر الزيارة (2)

وصلّى اللّه على محمّد وآله والحمد لله أوّلاً وآخراً.


تنبيه : لم نذكر حدود حرم مكة في الموضع المناسب له ، كما أن أكثر الفقهاء لم يتعرضوا لذلك في مناسكهم ، مع أن جملة من الأحكام مترتبة عليه فلا بأس بذكره.

فاعلم أنه ذكر التحديد في بعض الروايات وأنه بريد في بريد ففي موثق زرارة قال : «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول حرم اللّه حرمه بريداً في بريد أن يختلى خلاه أو يعضد شجره» الحديث (3)فيكون مجموع الحرم ستة عشر فرسخاً ، لأن البريد أربعة فراسخ فإذا ضربت في أربعة فراسخ بلغت ذلك ، ولكن لم يفرض في الموثقة أن البريد بالنسبة إلى أطراف مكة المكرّمة متساوياً بحيث يكون من جميع الجوانب أربعة فراسخ ومن المعلوم أن حدود الحرم من بعض الجهات قريب إلى مكة جدّاً كالتنعيم فإنه يبعد عن مكة أربعة أميال أي بقدر فرسخ واحد ومقدار يسير ، فالمراد من بريد في بريد بلوغ مجموع مساحة الحرم ستة عشر فرسخاً ، وإن كانت مساحته مختلفة من الجهات الأربع ، فالمدار في تعيين الحدود ومعرفتها بالعلامات والنصب الموجودة الآن المأخوذة يداً عن يد من زمن المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا.

والحمد لله.


1) [1] الوسائل 14 : 367 / أبواب المزار ب 18 ح 2.

2) [2] الوسائل 14 : 549 / أبواب المزار ب 81 ح 2.

3) الوسائل 12 : 555 / أبواب تروك الإحرام ب 87 ح 4.

.................................................................................................


بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

مع موسوعة الحج :

اللّهمّ لك الحمد ومنك التوفيق.

بانتهاء هذا الجزء الخامس من كتابنا(المعتمد) أكون قد نلت التوفيق للفراغ من بحث موسوعة الحج الكاملة من تقريرات سيِّدنا الأُستاذ آية اللّه العظمى السيد الخوئي (دام ظلّه) بحثاً استدلالياً كان الجزء الأول والثاني منها شرحاً لما جاء من المسائل لكتاب الحج من العروة الوثقى لفقيه عصره السيد الطباطبائي (قدس سره).

وأمّا الثالث والرابع والخامس فقد كان شرحاً لكتاب مناسك الحج لسيِّدنا الأُستاذ تقريراً لما أملاه على طلّاب الجامعة.

وقد أشرنا في مقدمة الجزء الثالث من كتابنا هذا الأسباب التي دعت إلى شرح المناسك وإلحاقه بكتاب العروة.

ولا يسعني وأنا أنهي هذا البحث إلّا أن أبتهل إلى المولى القدير أن يمتِّعنا ببقاء سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) لإفادة طلّاب الحوزة والذي لا يزال يُملي دروسه عليهم بكامل نشاطه (والحمد لله).

وختاماً أضرع إلى اللّه سبحانه أن يتقبل مني هذا المجهود ويذخره لي يوم لا ينفع مال ولا بنون.

النجف الأشرف

السيد رضا الخلخالي

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

الموضوع / الصفحة

الحج

شروط الطواف... 1 - 40

أدلة جزئية الطواف للحج والعمرة... 1

حكم ترك الطواف عمدا... 1

تحقق ترك الطواف... 2

ما يعتبر في الطواف... 4

الأول : النية... 4

الثاني : الطهارة من الحدثين... 5

الحدث أثناء الطواف... 6

حكم الشك في الطهارة... 11

تعذر الطهارة... 15

صور طروء الحيض... 17

الطهارة في الطواف المندوب... 27

طواف المسلوس والمبطون وغيرهما من ذوي الأعذار... 28

طواف المستحاضة... 29

الثالث : الطهارة من الخبث... 30

اعتبار الطهارة من الخبث في الطواف... 30

حكم الدم الأقل من الدرهم... 32

حمل المتنجس حال الطواف... 32

نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة... 32

كون الطهارة من الخبث شرطا ذكريا... 32

الطواف مع النجاسة نسيانا... 33

تذكر النجاسة في أثناء الطواف... 34

الرابع : الختان... 35

التفصيل بين الرجل والمرأة... 35

هل يعتبر الختان في الصبي؟... 35

حكم الطواف بلا ختان... 36

إذا استطاع وهو غير مختون... 36

الخامس : ستر العورة حال الطواف... 37

اشتراط الساتر في الطواف بشروط لباس المصلي... 39

عدم اعتبار سائر شرائط الصلاة في الطواف... 40

واجبات الطواف... 40 - 60

الأول : الابتداء من الحجر الأسود... 40

الثاني : الانتهاء بحجر الأسود... 41

الثالث : جعل الكعبة على يساره حال الطواف... 42

الرابع : إدخال حجر إسماعيل في المطاف... 43

الخامس : خروج الطائف عن الكعبة... 43

السادس : الطواف سبع مرات متواليات... 44

السابع : اعتبار كون الطواف بين الكعبة ومقام إبراهيم... 45

حكم الخروج عن المطاف ودخول الكعبة... 47

حكم دخول حجر إسماعيل أثناء الطواف... 49

الخروج من المطاف إلى الخارج... 51

الجلوس أثناء الطواف للاستراحة... 59

نقصان الطواف وزيادته... 60 - 77

حكم نقص الطواف عمدا أو سهوا... 60

صور زيادة الطواف... 62

حكم القران بين الطوافين... 66

حكم الشك في عدد الأشواط... 77 - 87

الشك في الطواف بعد الفراغ والدخول في الغير... 77

الشك بين السابع والثامن... 77

الشك بين ستة ونصف وسبعة ونصف شوط... 78

الشك بين السبعة والستة أو أقل منها... 80

الشك في الزيادة والنقيصة... 85

الشك في الأقل من الست والسبع... 85

حكم من بنى على الأقل في الشك بين السادس والسابع مع فوت زمان التدارك... 86

الاتكال على إحصاء الغير في عدد الأشواط... 86

الشك في الطواف المندوب... 87

ترك الطواف عمدا أو نسيانا أو لعذر... 87 - 100

ترك الطواف عمدا ، عالما أو جاهلا... 87

ترك الطواف نسيانا... 88

حكم تعذر الطواف لمرض ونحوه... 97

صلاة الطواف... 100 - 121

روايات وجوب صلاة الطواف... 100

مكان صلاة الطواف... 101

ترك صلاة الطواف عمدا عالما... 104

وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطواف... 109

نسيان صلاة الطواف... 111

قضاء صلاة الطواف عن الميت... 118

ترك صلاة الطواف جهلا... 118

حكم من يلحن في القراءة... 119

وجوب السعي... 121 - 156

ترك السعي عمدا... 121

الطهارة والستر في السعي... 122

محل السعي... 124

اعتبار النية في السعي... 124

مبدأ السعي ومنتهاه... 124

اعتبار الموالاة في السعي... 125

البدأة بالمروة قبل الصفا... 127

السعي راكبا... 129

اعتبار السعي من الطريق المتعارف... 129

اعتبار استقبال المروة والصفا... 130

الجلوس على الصفا والمروة أثناء السعي... 131

أحكام السعي... 132 - 150

ترك السعي عمدا ، عالما أو جاهلا... 132

نسيان السعي... 133

من لم يتمكن من السعي مباشرة... 137

تأخير السعي إلى الليل أو إلى الغد... 138

الزيادة في السعي... 140

نقصان السعي... 143

الكلام في وجوب الكفارة على من أحل بعد نسيان شيء من السعي... 147

الشك في السعي بعد الفراغ منه... 150

الشك في أثناء السعي... 153

هل تعتبر إباحة اللباس والمركوب؟... 154

وجوب التقصير... 156 - 170

ما يتحقق به التقصير... 157

النتف مكان التقصير... 157

الحلق مكان التقصير... 157

وظيفة الملبد والمعقوص... 158

كفارة حلق الرأس... 160

حكم الجماع بعد السعي وقبل التقصير... 161

ترك التقصير عالما... 163

ترك التقصير نسيانا... 166

الكلام في وجوب الكفارة على ناسي التقصير... 166

حلية المحرمات بعد التقصير عدا الحلق... 167

طواف النساء في عمرة التمتع... 168

واجبات الحج... 170 - 413

1 - إحرام الحج... 170

وقت إحرام الحج... 170

الإحرام لعمرة مفردة قبل إتمام الحج... 173

العمرة المفردة بعد عمرة التمتع وقبل الإحرام للحج... 174

العمرة المفردة قبل إتيان طواف النساء من الحج... 175

اتحاد إحرام الحج مع إحرام العمرة في الأحكام... 176

موضع إحرام الحج... 176

ترك الإحرام نسيانا أو عن جهل... 177

ترك الإحرام عالما... 180

طواف المتمتع بعد الإحرام للحج... 181

2 - الوقوف بعرفات... 182

وجوب الوقوف مع قصد القربة... 182

معنى الوقوف... 183

حدود عرفة... 183

اعتبار القصد والاختيار في الوقوف... 184

مبدأ الوقوف ومنتهاه... 184

الوقوف الاضطراري... 187

ترك الوقوف... 187

الإفاضة من عرفات قبل الغروب... 190

كفارة الإفاضة قبل الغروب... 192

متابعة العامة في الوقوف... 194

3 - الوقوف بمزدلفة... 199

حد المشعر... 199

الكلام في وجوب مبيت ليلة العيد في المزدلفة... 202

مبدأ وجوب الوقوف ومنتهاه... 204

الركن من الوقوف... 207

ترك الوقوف عمدا... 210

استثناء النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم... 210

الوقوف الاضطراري... 210

4 - رمي جمرة العقبة... 220

أدلة وجوب رمي الجمرة... 220

شروط الرمي... 221

وقت الرمي... 224

حكم الشك في الرمي أو في الإصابة... 224

اعتبار كون الرمي بالحصى... 225

اعتبار كون الحصى من الحرم وكونه بكرا... 225

استحباب كون الحصى ملونة ومنقطة ورخوة... 226

استحباب طهارة الرامي وكونه راجلا... 226

اعتبار رمي الجمرة الموجودة في السابق لا ما زيد عليها... 227

حكم ترك الرمي يوم العيد نسيانا أو جهلا... 228

إذا ترك الرمي وذكر بعد أيام التشريق... 230

الكلام في وجوب إعادة الطواف لمن تدارك الرمي بعده... 232

5 - الذبح أو النحر في منى... 232

وجوب الهدي على المكي إذا تمتع... 233

وجوب الذبح أو النحر في النهار إلا للخائف... 235

وجوب الذبح أو النحر بعد الرمي وحكم من خالف نسيانا أو جهلا... 236

محل الذبح والنحر... 237

الكلام في الذبح في المذبح الفعلي الموجود في زماننا... 239

اشتراط كون الذبح والنحر يوم العيد... 242

حكم تارك الذبح والنحر يوم العيد... 242

الهدي الواحد عن اثنين... 243

جنس الهدي وسنه... 246

إذا تبين بعد الذبح عدم بلوغ الهدي السن المعتبر... 249

الصفات المعتبرة في الهدي... 250

إذا اشترى هديا باعتقاد سلامته فبان معيبا... 254

إجزاء الهدي الفاقد مع عدم التمكن من السليم... 255

إذا ذبح الهدي بزعم أنه سمين فبان مهزولا... 256

حكم الشك في واجدية الهدي للشرائط... 257

حكم الشك في أصل الذبح... 257

لو اشترى هديا فضل... 259

حكم من وجد الهدي الضال... 265

من لم يجد الهدي وتمكن من ثمنه... 267

الكلام في الصيام بدل الهدي... 270

وجوب صوم يوم السابع إلى التاسع وسبعة إذا رجع... 271

اعتبار التوالي في الثلاثة والسبعة... 273

تقديم صوم الثلاثة إلى أول ذي الحجة... 274

حكم صيام سبعة أيام لمن أقام بمكة... 275

حكم من فاته صوم اليوم السابع... 275

هل تجب المبادرة إلى صيام اليوم الثالث بعد أيام التشريق؟... 278

حكم من فاته صوم يوم التروية... 282

حكم صيام اليوم الثالث من أيام التشريق في مكة... 287

هل يعتبر صوم الثلاثة بمكة أو يصح بغيرها؟... 292

الكلام في التخيير بين الصيام في الطريق أو في البلد لمن لم يتمكن بعد الرجوع من منى 293

حكم الجمع بين صوم الثلاثة والسبعة... 296

حكم من لم يصم الثلاثة حتى هل هلال محرم... 297

المراد من الدم الذي يجب بدل صوم الثلاثة... 300

هل يجب الهدي على من تمكن منه بعد الصيام بدل الهدي؟... 301

حكم من لم يتمكن من الهدي باستقلاله... 305

الكلام في اعتبار نية الذابح إذا ذبح عن غيره... 306

مصرف الهدي... 309

الكلام في وجوب الأكل من الهدي... 309

الكلام في وجوب تثليث الهدي... 310

هل يجب التثليث بنسبة متساوية؟... 311

اعتبار الإيمان في الفقير والمهدى إليه... 312

لو لم يعمل الناسك بوظيفته من التقسيم... 313

إخراج لحوم الأضاحي من منى... 315

6 - الحلق والتقصير... 316

اعتبار وقوع الحلق في النهار... 316

لزوم تأخير الحلق عن الذبح والرمي... 318

حكم تقديم الحلق على الذبح أو الرمي... 321

تعين التقصير على النساء... 324

تخير الرجل بين الحلق والتقصير... 325

تعين الحلق على الملبد والمعقوص... 326

وظيفة الصرورة... 326

تعين التقصير على من استلزم حلقه لخروج الدم... 331

وظيفة الخنثى المشكل... 331

حلية المحرمات - عدا الطيب والنساء - بالحلق أو التقصير... 333

حكم تارك الحلق والتقصير... 337

حكم تقدير الطواف أو السعي على الحلق والتقصير... 339

7 - 8 - 9 - طواف الحج وصلاته والسعي... 341

كيفية طواف الحج وصلاته والسعي... 341

تقديم الطواف على الحلق والتقصير... 342

تأخير طواف الحج إلى آخر ذي الحجة... 342

تعارض الروايات في جواز تقديم الطواف على الوقوفين... 345

استثناء ذوي الأعذار من حرمة تقديم الطواف... 345

اختصاص الحكم بجواز التقديم بالطواف... 350

الكلام في إعادة الطواف المضطر إلى تقديمه إذا ارتفع العذر... 350

الكلام في تقديم طواف النساء للمضطر... 352

لزوم استنابة الحائض لطوافها... 353

مواطن التحلل... 353

حلية المحرمات - إلا الطيب والنساء - بعد الحلق... 354

حلية الطيب بعد طواف الحج وصلاته والسعي... 354

حلية النساء بطواف النساء... 355

هل المراد بتحريم النساء جميع الاستمتاعات؟... 356

10 - 11 - طواف النساء وصلاته... 357

الاستدلال لعدم جزئية طواف النساء للحج... 358

وجوب طواف النساء على النساء أيضا... 359

هل تحرم النساء على الصبي بتركه طواف النساء؟... 361

هل يجب على النائب إتيان طواف النساء عن نفسه؟... 362

كيفية طواف النساء... 363

من لا يتمكن من طواف النساء باستقلاله... 363

وقت طواف النساء... 363

حرمة النساء على من ترك طواف النساء... 364

الكلام في جواز الاستنابة لطواف النساء لمن تركه... 364

قضاء طواف النساء عن الميت من صلب ماله... 367

تقديم طواف النساء على السعي... 370

تقديم طواف النساء على الوقوفين لعذر... 372

إذا حاضت المرأة قبل إتيانها طواف النساء... 373

الحيض أثناء طواف النساء... 373

نسيان صلاة الطواف... 374

12 - المبيت في منى... 375

وجوب المبيت في الليلتين بقصد القربة... 375

الكلام في من يجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر... 376

حكم النفر قبل الزوال من يوم الثاني عشر والثالث عشر... 379

إذا تأهب للخروج وغربت عليه الشمس قبل أن يخرج... 380

لو نفر قبل الغروب ثم رجع إلى منى بعد الغروب فهل يجب عليه المبيت؟... 381

لو نفر بعد الزوال ورجع قبل الغروب فهل يجب عليه المبيت؟... 381

التخيير بين بيتوتة النصف الأول أو الثاني... 381

حكم دخول مكة قبل الفجر لمن ترك بيتوتة النصف الثاني... 383

من يستثنى عمن يجب عليه المبيت بمنى... 383

كفارة ترك المبيت بمنى... 386

حكم من أفاض من منى ثم دخلها في الليلة الثالثة عشر... 392

13 - رمي الجمار... 392

دليل وجوب الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر... 392

الكلام في وجوب رمي اليوم الثالث عشر لمن بات ليلة في منى... 394

اعتبار المباشرة في رمي الجمار... 398

اعتبار الترتيب في رمي الجمار... 398

حكم من خالف الترتيب نسيانا... 398

زمان الرمي... 405

من استثني من وجوب الرمي نهارا... 406

الكلام في المراد بالليل الذي يجوز فيه الرمي للمريض ونحوه... 407

هل يجوز للمعذور رمي جميع الجمار في الليلة الأولى؟... 408

قضاء الرمي لمن نسيه في يومه... 408

لزوم استنابة المريض للرمي... 412

هل يبطل الحج بترك الرمي متعمدا؟... 412

أحكام المصدود... 413

معنى المصدود والمحصور... 413

وظيفة المصدود عن العمرة... 413

وظيفة المصدود عن الحج إن صد عن الموقفين... 419

وظيفة المصدود عن الطواف والسعي... 423

الكلام في تحقق الصد بالنسبة إلى أعمال منى... 425

عدم سقوط الحج عن المصدود بالهدي... 427

حكم المصدود عن الرجوع إلى منى للمبيت والرمي... 428

تعذر المضي في الحج لغير الصد والحصر... 428

عدم الفرق في الهدي بين أن يكون بدنة أو بقرة... 429

وظيفة من لم يتمكن من الهدي... 429

من أفسد حجه ثم صد فهل يجري عليه حكم الصد؟... 431

هل يجب هدي آخر على من ساق هديا ثم صد؟... 433

الكلام في التداخل بين هدي التحلل والكفارة أو النذر... 434

أحكام المحصور... 435

وظيفة المحصور في العمرة المفردة... 435

وظيفة المحصور في عمرة التمتع... 438

وظيفة المحصور في الحج... 440

المحصور إذا بعث بهديه ثم خف مرضه... 441

إذا أرسل هديه وواعد أصحابه ثم تبين أنهم لم يذبحوا عنه... 443

إذا أحصر عن مناسك منى أو عن الطواف والسعي... 444

إذا اضطر إلى الحلق قبل أن يبلغ الهدي محله... 445

عدم سقوط الحج عن المحصور بتحلله بالهدي... 445

انتقال فرض المحصور إلى الصوم مع تعذر الهدي... 446

استحباب الاشتراط عند عقد الإحرام... 446

مستحبات الإحرام... 447

مكروهات الإحرام... 455

مستحبات دخول الحرم... 457

آداب دخول مكة... 458

آداب الطواف... 461

آداب صلاة الطواف... 463

آداب السعي... 464

آداب إحرام الحج إلى الوقوف بعرفات... 466

آداب الوقوف بعرفات... 469

آداب الوقوف بمزدلفة... 472

آداب رمي الجمرات... 473

آداب الهدي... 474

آداب الحلق... 475

آداب طواف الحج والسعي... 475

آداب منى... 476

آداب مكة المعظمة... 477

طواف الوداع... 479

زيارة الرسول الأعظم (ع)... 479

حكم قطع شجر المدينة... 480

حكم صيد المدينة... 482

زيارة الصديقة وأئمة البقيع (عليهم السلام)... 483

فهرس الموضوعات... 487

الصورة

501-29

الصورة

502-29