ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
المطبعة: نينوى
الطبعة: 4
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1430 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-6084-13-3
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُعْتَمَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الحج
تأليف: آية اللّه الشهيد السيّد محمّد رضا الموسوي الخلخالي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء السادس والعشرون
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
3 - 13 - 6084 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
الصورة
نقدم هذه الأجزاء من الحج للطباعة وعيوننا تذرف دماً في فراق مؤلفها سماحة آية اللّه الحاج السيد رضا الموسوي الخلخالي (فرج اللّه عنه) حيث فقدناه في سجون العراق إلى جنب سائر العلماء.
هنا نسأل العلي القدير أن يفرج عن سيدنا المؤلف ويقر بذلك عيون المؤمنين، إنه خير محسن ومجيب.
مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على نبيه الكريم، وآله المنتجبين.
وبعد، فإن من نعم اللّه سبحانه علي أن كان لي شرف الحضور في مجلس الدرس لسماحة سيدنا الأستاذ آية اللّه العظمى الإمام السيد أبو القاسم الخوئي متع اللّه المسلمين ببقائه الشريف في الفقه، والأصول، والتفسير.
وقد وفقت لتحرير ما أملاه علينا في جميع المراحل التي حضرت فيها في دورات التدريس والبحث فكانت لي هذه البحوث القيمة خير ما يعتز به الفرد من ثروة علمية، أرجو أن تكون من جملة ما ينفعني ويقربني إلى اللّه سبحانه وتعالى.
ورغبت أن أقدم بعض هذا النتاج إلى الطبع والنشر، لئلا أكون ضنيناً على إخواني الذين يهمهم التصدي إلى الوصول لحقائق الأمور ومعرفة حقيقة البحث العلمي، لذا وقع اختياري على بحث الحج من كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس سره) لأهميته في الشريعة الإسلامية، ولأنه أحد الركائز التي بُنيَ عليها الإسلام كما جاء ذلك في الأخبار. ومنه سبحانه أسأل التوفيق لي ولإخواني المؤمنين.
رضا الموسوي الخلخالي
النجف الأشرف
الأحد 30 / محرم / 1404ه
كتاب الحجّ
من أركان الدِّين : الحجّ وهو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية من الرِّجال والنِّساء والخناثى ، بالكتاب والسنّة ، والإجماع من جميع المسلمين بل بالضرورة (1).
ومنكره في سلك الكافرين (2) وتاركه عمداً مستخفّاً به بمنزلتهم
(1) لا ريب في أن الحجّ من أهم الواجبات الإلهية ، ومن أركان الدِّين ومما بني عليه الإسلام ، وفي روايات كثيرة ذكرها الخاصّة والعامّة : إنّ الإسلام بُني على خمس ومنها الحجّ (1).
وصرح الكتاب العزيز بتشريعه ووجوبه فقال تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (2).
والمستفاد من الأدلّة وجوبه على جميع الناس من الرجال والنساء والخناثى ، من دون اختصاص له بطائفة دون اخرى.
(2) قد يستدل على ذلك بأن إنكار الضروري بما هو من موجبات الكفر.
.................................................................................................
ويردّه : أنّا قد ذكرنا في بحث النجاسات (1)أنّ الميزان في الكفر والإسلام أُمور ثلاثة : الشهادة بالوحدانية والشهادة بالرسالة والاعتقاد بالمعاد ، فمن اعترف بهذه الأُمور الثلاثة يحكم عليه بالإسلام ، ويترتّب عليه آثاره من المواريث ، وحرمة دمه وماله ، وحلِّيّة ذبائحه ولزوم تجهيزه من الغسل والكفن والدفن وغير ذلك من الأحكام ومن أنكر أحد هذه الأُمور فهو كافر ، وليس إنكار الضروري من جملتها إلّا إذا رجع إلى تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ، فإنكار الضروري بنفسه ومستقلّاً لا يوجب الكفر ما لم يستلزم تكذيب الرسالة ، كما إذا كان الشخص غير عارف بأحكام الإسلام ولم يكن ملتفتاً إلى أن إنكاره يستلزم إنكار النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فأنكر ضرورياً من ضروريات الدِّين ، فإنّ مجرّد ذلك لا يوجب الكفر.
وقد يستدل على كفر منكر الحجّ بما يستفاد من ذيل آية الحجّ من قوله تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (2)بدعوى أنّ من أنكر وجوب الحجّ كان كمن كفر ، فإنّ التعبير عن الترك بالكفر يدلّ على أن منكره كافر (3).
وفيه : أن الظاهر من قوله تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ ) أنّ من كفر بأسبابه وكان كفره منشأ لترك الحجّ فإن اللّه غني عن العالمين ، لا أنّ إنكار الحجّ يوجب الكفر ، فإنّ الذي يكفر يترك الحجّ طبعاً لأنّه لا يعتقد به ، ونظير ذلك قوله تعالى ( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) (4)فإنّ عدم صلاتهم وعدم إيتائهم الزكاة لأجل كفرهم وتكذيبهم يوم
1) في شرح العروة 3 : 53.
2) آل عمران 3 : 97.
3) ولعلّ المراد بالكفر هنا معناه اللغوي وهو عدم التصديق وعدم الاعتراف بالشيء ، فالمعنى أن من لم يعترف بالحجّ ويتركه بالطبع فان اللّه غني عن العالمين ، لأنّ ترك الحجّ لا يضرّ اللّه شيئاً كما هو الحال في سائر الواجبات الإلهية والعبادات ، فليس المراد بالكفر المعنى المصطلح المقابل للإيمان باللّه تعالى حتى يتوهّم دلالة الآية على كفر منكر الحجّ.
4) المدثر 74 : 42 46.
.................................................................................................
القيامة ، ولا تدل الآيات على أنّ ترك الصلاة موجب للكفر ، بل الكفر وتكذيب يوم القيامة منشأ لترك الصلاة وعدم أداء الزكاة ، فلا تدل الآية على أن منكر الحجّ كافر. مضافاً إلى أنه فسّر الكفر بالترك في صحيح معاوية بن عمار «وعن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَمَنْ كَفَرَ ) ، يعني من ترك» (1)على أنه يمكن أن يقال : إنّ المراد بالكفر في المقام الكفران المقابل للشكر ، فإن الكفر له إطلاقان :
أحدهما : الكفر المقابل للإيمان.
ثانيهما : الكفران مقابل شكر النعمة ، ولا يبعد أن يكون المراد به هنا هو الكفران وترك الشكر بترك طاعته تعالى كما في قوله سبحانه ( إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) (2)يعني إمّا أن يشكر ويهتدي بالسبيل ، ويعمل على طبق وظائفه الشرعية ، وإمّا أن يكفر بالنعمة ولا يهتدي السبيل ولا يعمل على طبق وظائفه ولا يشكر ما أنعم اللّه عليه.
وقد يستدلّ على كفر منكر الحجّ بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر في حديث قال «قلت : فمن لم يحج منّا فقد كفر؟ قال : لا ، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر» (3)، بدعوى : أنّ قوله «ليس هذا هكذا» راجع إلى إنكار الحجّ ، يعني مَن أنكر الحجّ وقال بأنّ الحجّ ليس بواجب فقد كفر.
وفيه : أن الظاهر من ذلك رجوعه إلى إنكار القرآن وأن هذه الآية ليست من القرآن وأن القرآن ليس هكذا ، فإنه (عليه السلام) استشهد أوّلاً بقول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ثمّ سأل السائل فمن لم يحج منّا فقد كفر ، قال (عليه السلام) : «لا ، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر» فالإنكار راجع إلى إنكار القرآن وتكذيب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) :
وبالجملة : لم يظهر من شيء من الأدلة كفر منكر الحجّ بحيث يترتب عليه أحكام
وتركه من غير استخفاف من الكبائر (1) ، ولا يجب في أصل الشرع إلّا مرّة واحدة في تمام العمر (2) وهو المسمّى بحجّة الإسلام أي : الحجّ الذي بُنيَ عليه الإسلام مثل
الكافر بمجرّد إنكاره من دون أن يستلزم ذلك تكذيب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) كما إذا لم يكن ملتفتاً إلى هذه الملازمة ، وكان جديد عهد بالإسلام فأنكر وجوب الحجّ ونحوه.
(1) لا ريب أنّ الاستخفاف بالأحكام الإلهية مذموم ومبغوض في الشريعة المقدّسة كما ورد الذم في الخبر الوارد في الفأرة التي وقعت في خابية فيها سمن أو زيت فقال (عليه السلام) : لا تأكله ، فقال السائل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها ، فقال له أبو جعفر (عليه السلام) إنك لم تستخف بالفأرة وإنما استخففت بدينك (1).
وبالجملة : الاستخفاف بأي حكم إلهي مذموم عند الشرع المقدّس ، ولكنّه لا دليل على أنه موجب للكفر ، وقد عرفت قريباً أن موجبات الكفر إنكار أحد أُمور ثلاثة : الوحدانية ، والرسالة ، والمعاد ، ومجرّد الاستخفاف ما لم يرجع إلى إنكار أحد هذه الأُمور لا يوجب الكفر. نعم ، لا إشكال في أن ترك الحجّ عمداً من الكبائر لعدّه منها في جملة من النصوص (2). ولا يبعد أن يكون الاستخفاف به من الكبائر ، فإنه نظير الاستخفاف بالصّلاة كما في قوله تعالى ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) (3)بناء على أنّ المراد بالسهو عن الصلاة الاستخفاف بها ، والحجّ نظير الصلاة لأنه ممّا بني عليه الإسلام.
(2) ويدلّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع والتسالم بين المسلمين ، السيرة القطعية المستمرّة ، ولم ينقل الخلاف من أحد عدا الصدوق في العلل ، فإنه بعد ما نقل خبر محمّد
الصّلاة والصّوم والخُمس والزّكاة. وما نُقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على أهل الجِدَة كل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع والأخبار ، ولا بدّ من حمله على بعض المحامل ، كالأخبار الواردة بهذا المضمون ، من إرادة الاستحباب المؤكد ، أو الوجوب على البدل بمعنى أنه يجب عليه في عامه وإذا تركه ففي العام الثاني وهكذا. ويمكن حملها على الوجوب الكفائي فإنه لا يبعد وجوب الحجّ كفاية على كل أحد في كل عام إذا كان متمكناً بحيث لا تبقى مكّة خالية من الحجاج لجملة من الأخبار الدالّة على أنه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحجّ ، والأخبار الدالّة على أنّ على الإمام كما في بعضها وعلى الوالي كما في آخر أن يجبر الناس على الحجّ والمقام في مكّة وزيارة الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) والمقام عنده وأنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال.
ابن سنان الدال على وجوب الحجّ مرّة واحدة قال : جاء هذا الحديث هكذا ، والذي أعتمده وأفتي به أنّ الحجّ على أهل الجدة في كل عام فريضة (1). وما ذكره (قدس سره) شاذ مخالف لما تقدّم من الإجماع والسيرة بل الضرورة. على أنه لو كان واجباً بأكثر من مرّة واحدة في العمر لظهر وبان ، وكيف يخفى وجوبه على المسلمين مع أنه من أركان الدّين ، وممّا بني عليه الإسلام.
وتدل على عدم وجوبه بأكثر من مرّة واحدة عدة من الروايات فيها الصحيحة وغيرها ، منها : صحيحة البرقي في حديث «وكلفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك» (2).
ومنها : رواية الفضل بن شاذان «إنما أُمِروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك ، لأنّ اللّه وضع الفرائض ، إلخ» (3).
.................................................................................................
وبإزائها روايات أُخر تدل على وجوب الحجّ أكثر من مرّة بل كل عام على المستطيع ، منها : ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال : «انّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كل عام ، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) » (1).
وقد حملها الشيخ على الاستحباب جمعاً بينها وبين ما تقدّم من الروايات الدالة على الوجوب مرّة واحدة في تمام العمر. (2)ولا يخفى بُعده ، لأنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) «فرض اللّه الحجّ على أهل الجدة» أو صريحه ، خصوصاً بعد استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة. وقد جوّز (قدس سره) حملها على إرادة الوجوب على البدل ، بمعنى أنه يجب عليه الحجّ في السنة الأُولى ، وإذا تركه يجب عليه في الثانية وهكذا. وهذا بعيد أيضاً ، فإن الوجوب البدلي بهذا المعنى من طبع كل واجب ، فإن الواجب يجب الإتيان به متى أمكن ، ويجب تفريغ الذمة عنه ، ولا يسقط الواجب بالعصيان.
وقد حملها صاحب الوسائل على الوجوب الكفائي ، بمعنى أنه يجب الحجّ كفاية على كل أحد في كل عام ، ويشهد له ما دلّ من الاخبار على عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحجّ (3).
وفيه : أن ظاهر الروايات وجوبه على كل أحد لا على طائفة دون طائفة أُخرى كما يقتضيه الواجب الكفائي ، على أنه يتوقف الالتزام بالوجوب الكفائي على تعطيل الكعبة ، وأمّا لو فرضنا عدم تعطيلها ولا أقل من أداء أهل مكّة الحجّ فلا موجب حينئذ للوجوب الكفائي.
[2980] مسألة 1 : لا خلاف في أن وجوب الحجّ بعد تحقق الشرائط فوري (1) بمعنى أنه يجب المبادرة إليه في العام الأوّل من الاستطاعة ، فلا يجوز تأخيره عنه ، وإن تركه فيه ففي العام الثاني ، وهكذا. ويدلُّ عليه جملة من الأخبار.
والأولى في توجيه هذه الروايات أن يقال : إنها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحج في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي ، فإن العرب كانت لا تحج في بعض الأعوام ، وكانوا يعدون الأشهر بالحساب الشمسي ، ومنه قوله تعالى ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) (1)، وربّما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردا عليهم بأن الحجّ يجب في كل عام وأنه لا تخلو كل سنة عن الحجّ.
وبالجملة : كانوا يؤخِّرون الأشهر عمّا رتبها اللّه تعالى ، فربّما لا يحجون في سنة وقد أوجب اللّه تعالى الحجّ لكل أحد من أهل الجدة والثروة في كل عام قمري ، ولا يجوز تغييره وتأخيره عن شهر ذي الحجة. فالمنظور في الروايات أن كل سنة قمرية لها حجّ ولا يجوز خلوها عن الحجّ ، لا أنه يجب الحجّ على كل أحد في كل سنة ، ولعل هذا الوجه الذي ذكرناه أحسن من المحامل المتقدمة ، ولم أر من تعرّض إليه.
(1) لأنّ المكلف إذا كان واجداً للشرائط وتنجز التكليف عليه فلا بدّ له من تفريغ ذمّته فوراً ولا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت ، فلا بدّ له من تفريغ الذمّة. وأما جواز التأخير في بعض المؤقتات كتأخير الصلاة عن أوّل وقتها أو تأخير القضاء وعدم وجوب المبادرة إليها ، فإنما هو لأجل حصول الاطمئنان والوثوق غالباً ببقائه والتمكّن من إتيان الواجب في آخر الوقت ، حيث إن الوقت قصير يحصل الوثوق والاطمئنان غالباً للمكلّفين ببقائهم ، بخلاف زمان الحجّ ، فإن الفصل طويل جدّاً ،
1) التوبة 9 : 37.
ولو خالف وأخّر مع وجود الشرائط بلا عذر يكون عاصياً (1) بل لا يبعد كونه كبيرة كما صرح به جماعة ، ويمكن استفادته من جملة من الأخبار (2).
وكيف يحصل الوثوق بالبقاء مع هذه الحوادث والعوارض والطوارئ ، ولذا نلتزم بالفورية في الصلاة أيضاً فيما لو لم يطمئن بالتمكن من الإتيان بها في آخر الوقت أو في أثنائه ، ويجب عليه المبادرة إليها في أوّل الوقت.
وبالجملة : يكفينا حكم العقل بوجوب المبادرة ، وبعدم جواز تأخيره عن عام الاستطاعة.
هذا ، مضافاً إلى دلالة النصوص على الفورية ولزوم المبادرة. منها : معتبرة أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : من مات وهو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممن قال اللّه عزّ وجلّ ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) ، قال قلت : سبحان اللّه أعمى؟ قال : نعم ، إن اللّه عزّ وجلّ أعماه عن طريق الحق» (1)، وهي واضحة الدلالة على وجوب المبادرة وعدم جواز التأخير ، ولو كان التأخير جائزاً لم يكن وجه لعذابه وعقابه.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قال اللّه تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال : هذه لمن كان عنده مال وصحّة ، وإن كان سوّفه للتجارة فلا يسعه ، وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحج به» (2)، وغيرهما من سائر الروايات الدالّة على الفورية.
(1) لأنّه ترك ما وجب عليه من وجوب المبادرة.
(2) ولكن المستفاد من النصوص أن ترك الحجّ برأسه من الكبائر ومن الموبقات
[2981] مسألة 2 : لو توقف إدراك الحجّ بعد حصول الاستطاعة على مقدّمات من السفر وتهيئة أسبابه ، وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحجّ في تلك السنة (1). ولو تعدّدت الرفقة وتمكن من المسير مع كل منهم ، اختار (1)أوثقهم سلامة وإدراكاً (2) ، ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أُخرى ، أو لم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحج بالتأخير ، فهل يجب الخروج مع الأُولى أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك ، أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟
الكبيرة ، وأمّا التسويف وترك المبادرة فقط من دون الترك برأسه فهو معصية ، لأنه ترك ما وجب عليه من الفورية ، وأما كونه كبيرة فلم يثبت. نعم عُدَّ في خبر الفضل ابن شاذان (2)من جملة الكبائر الاستخفاف بالحج ، فإن أريد به الاستخفاف بأصل الحكم الإلهي في الشريعة المقدسة فهو وإن كان مذموماً ومبغوضاً في الشرع لكنّه أجنبي عن الاستدلال به في المقام ، إذ لا دلالة فيه على أن التأخير من الكبائر ، ولو أُريد به الاستخفاف العملي لأن تركه وعدم الإتيان به في العام الأوّل وتأخيره عنه نوع من الاستخفاف بالحج ، فالدلالة تامة ، ولكن الرواية ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها.
(1) وجوباً عقلياً كسائر الواجبات المتوقفة على أسباب ومقدمات ، فإن العقل يحكم بإتيانها للحصول على الواجب ، والخروج عن عهدته.
(2) إذا تعدّدت الرفقة وكانوا موافقين في الخروج زماناً ، وتمكن من المسير مع كل منهم اختار بحكم العقل من يثق بوصوله وإدراكه للحج معه ، وليس له اختيار من لا يثق بوصوله وإدراكه للحج. وإذا اختلفت الرفقة في الوثوق لا يجب عليه اختيار الأوثق سلامة وإدراكاً ، لأنّ الميزان هو الوثوق والاطمئنان بالوصول والإدراك ، ولا يحكم العقل بأزيد من ذلك. نعم ، الإنسان بحسب جبلّته وطبعه يختار الأوثق
أقوال. أقواها الأخير (1).
وعلى أي تقدير إذا لم يخرج مع الاولى ، واتفق عدم التمكّن من المسير ، أو عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير ، استقر عليه الحجّ (1)وإن لم يكن آثماً بالتأخير ، لأنّه كان متمكناً من الخروج مع الأُولى ، إلّا إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.
والأكثر اطمئناناً ، خصوصاً في الأُمور الخطيرة.
وبالجملة : لا دليل شرعاً على لزوم الأخذ بالأوثق سلامة ، بل له أن يختار من يثق به ولو كان دون الأوّل في الوثوق.
(1) لو تعددت الرفقة واختلف زمان الخروج بالتقدم والتأخر ، أو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أُخرى ، أو لم يعلم التمكن من المسير والإدراك للحج مع الثانية ، فهل يجب الخروج مع الاولى مطلقاً ، أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلّا مع الوثوق؟ أقوال :
فعن الشهيد الثاني في الروضة وجوب الخروج مع الرفقة الاولى مطلقاً ولو كانت الرفقة الثانية أوثق ادراكاً ، لأن التأخير تفريط في أداء الواجب فيجب الخروج مع الرفقة الأُولى (2).
وعن السيّد في المدارك جواز التأخير إلى الأُخرى بمجرد احتمال الإدراك ولو لم يثق به ، لعدم ما يدلّ على فورية المسير مع الاولى (3).
وعن الشهيد في الدروس أنه لا يجوز التأخير إلّا مع الوثوق ، فإذا وثق بالإدراك بالمسير مع اللّاحق يجوز له التأخير وإلّا فلا (4).
.................................................................................................
وهذا هو الصحيح ، لأن احتمال وجوب المبادرة مع الرفقة الأُولى حتى مع حصول الوثوق بالمسير مع القافلة الثانية وإدراك الحجّ معهم يحتاج إلى دليل ، ولا يعد التأخير إلى الثانية مع حصول الوثوق بها تفريطاً في أداء الواجب ، كما أن جواز التأخير إلى القافلة الثانية مع احتمال التفويت وعدم حصول الوثوق لا دليل عليه ، فإنه بعد ما كان التكليف منجزاً عليه وعنده زاد وراحلة ورفقة ، واحتمل التفويت في التأخير لا يجوز له التأخير ، فالميزان هو الوثوق بالوصول والإدراك ، فإن حصل الوثوق باللّاحق يجوز له التأخير ، وإلّا وجب عليه الخروج مع السابق.
وهل يكفي الظن بالوصول في جواز التأخير إلى القافلة اللاحقة؟ الظاهر لا ، لأن الظن لعدم حجيته ليس بمعذر ، وإذا تنجّز عليه الواجب يجب عليه الخروج عن عهدته ، فلا بدّ أن يسلك طريقاً يطمئن ويثق معه بإدراكه الواجب ، ومجرد الظن بالإدراك لا يجوّز له التأخير إلى القافلة اللّاحقة ، هذا كله في الحكم التكليفي من حيث الجواز والوجوب بالنسبة إلى الخروج مع الرفقة.
وأمّا بالنسبة إلى الحكم الوضعي واستقرار الحجّ فقد ذكر المصنف (قدس سره) أنه لو لم يخرج مع الاولى سواء كان الخروج معها واجباً أو جائزاً ثمّ اتفق عدم إدراك الحجّ بسبب التأخير ، استقر عليه الحجّ ، لأنه كان متمكناً من المسير والخروج مع الاولى ولم يخرج ، وموضوع استقرار الحجّ هو التمكّن من السير مع القافلة ، فإذا فاته وجب عليه الحجّ في العام القابل.
أقول : إذا كان موضوع الاستقرار هو التمكن من الحجّ ، فلازم ذلك أنه لو سافر مع القافلة الأُولى وجوباً أو جوازاً ، واتفق عدم الإدراك لأسباب طارئة في الطريق استقر الحجّ عليه ، ولا يلتزم بذلك أحد حتى المصنف (قدس سره) ، لأنه قد عمل بوظيفته الشرعية ولم يهمل ، وإنما فاته الحجّ لسبب آخر حادث فلا يستقر عليه الحجّ.
نعم ، لو وجب عليه الحجّ وتنجز التكليف ، وأهمل حتى فاته الحجّ ، وجب عليه
.................................................................................................
الحجّ في القابل ، لأنّ الإهمال والتفويت العمدي يوجبان الاستقرار. وقد أخذ المحقق (قدس سره) عنوان الإهمال موضوعاً للاستقرار (1). فمطلق الترك وعدم الإدراك لا عن اختيار لا يوجبان الاستقرار ، والمفروض أنه لا إهمال في المقام ، لأنّ المفروض أنه عمل بوظيفته ، وخرج مع الاولى وجوباً أو جوازاً. وكذا لو قلنا بجواز التأخير وخرج مع الثانية ولم يدرك اتفاقاً ، فإنه لا يصدق الإهمال والتفويت على من عمل بوظيفته.
ويترتب على ذلك أنه لو بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ ، ولو زالت في أثناء السنة فلا استقرار عليه ، والسر في ذلك : أن استقرار الحجّ لم يثبت بدليل خاص ، وإنما استفيد من جملة من النصوص المتفرقة.
وقد استدل صاحب الجواهر (قدس سره) بالروايات الدالة على أن الحجّ يخرج من أصل المال (2)، إلّا أن هذه الروايات لا تدل على الاستقرار في المقام ، لأن موردها من كان الحجّ واجباً عليه ولم يحج ، ولا يعم من أتى بوظيفته ولم يهمل ولم يدرك الحجّ بغير اختياره ولأمر خارجي وزالت استطاعته بالنسبة إلى السنين اللّاحقة.
وقد يستدل على استقرار الحجّ بروايات التسويف ، وهي بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتى لو زالت الاستطاعة. وهذه الروايات أيضاً قاصرة الشمول عن المقام ، لأنّ موردها التأخير العمدي والإهمال والتسويف لا عن عذر ، فلا تشمل من سلك طريق العقلاء ولكن من باب الصدفة لم يدرك الحجّ.
وهي أُمور :
أحدها : الكمال بالبلوغ والعقل ، فلا يجب على الصبي وإن كان مراهقاً ، ولا على المجنون وإن كان أدوارياً إذا لم يف دور إفاقته بإتيان تمام الأعمال (1).
(1) لا ريب في اعتبار البلوغ والعقل في التكاليف والأحكام الشرعية ، ويدلُّ عليه حديث جري القلم (1)وأن أوّل ما خلق اللّه العقل وبه يثيب وبه يعاقب (2)ويدلُّ عليه أيضاً جملة من الروايات الدالّة على أن حجّ الصبي لا يجزئ عن حجّة الإسلام.
منها : رواية شهاب في حديث قال : «سألته عن ابن عشر سنين يحجّ ، قال : عليه حجّة الإسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت» (3).
ومنها : رواية مسمع بن عبد الملك في حديث «لو أن غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام» (4)، والروايتان ضعيفتان بسهل بن زياد.
والعمدة صحيحة إسحاق بن عمار «عن ابن عشر سنين يحجّ ، قال : عليه حجّة الإسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت» (5)فإن المستفاد من هذه الروايات أن حجّة الإسلام وفريضة الإسلام لا تصدق على حجّ الصبي ، وهذه الفريضة باقية عليه ، وإذا بلغ يجب عليه أداؤها.
ولو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام وإن قلنا بصحّة عباداته وشرعيتها كما هو الأقوى (1) وكان واجداً لجميع الشرائط سوى البلوغ ، ففي خبر مسمع عن الصادق
نعم ، أُطلق على حجّ الصبي حجّة الإسلام في رواية أبان بن الحكم قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : الصبي إذا حُج به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يكبر» (1)ولكن المراد بذلك حجّة إسلام الصبي التي قضاها وأتى بها ، فلا ينافي ذلك بقاء حجّة الإسلام التي بني عليها الإسلام عليه حتى يبلغ ويكبر ، كما أنه قد أُطلق حجّ الإسلام على حجّ النائب في بعض الروايات (2)مع أنه لا إشكال في بقاء حجّة الإسلام على النائب لو استطاع.
هذا مع قطع النظر عن السند ، وفيه كلام فإن صاحب الوسائل روى عن أبان بن الحكم ، والظاهر أن ذلك غلط ، لأن أبان بن الحكم لا وجود له لا في كتب الرجال ولا في كتب الحديث ، والصحيح أبان عن الحكم كما في الفقيه (3)، وحرف «عن» بدّلت ب- «ابن» في كتاب الوسائل ، والحكم هو الحكم بن حكيم الصيرفي الثقة ، وأما أبان فمن هو؟ فإن كان أبان بن تغلب الثقة فذلك بعيد ، لأن أبان بن تغلب لا يروي عن غير المعصوم ورواياته قليلة ، وغالباً يروي عن الإمام (عليه السلام) من دون واسطة وإن كان أبان بن عثمان فهو وإن كان ثقة لكن من البعيد أن أبان المذكور في السند هو ابن عثمان ، لأن أبان بن عثمان لا يروي عن الحكم ، ولم نر رواية ولا واحدة يرويها أبان بن عثمان عن الحكم ، فيكون أبان المذكور في السند رجلاً مجهول الحال.
(1) لما عرفت أن المستفاد من هذه الروايات أن الحجّ له حقائق مختلفة ، فإن الحجّ الذي يأتي به الصبي تختلف حقيقته مع حجّة الإسلام الثابتة على البالغين ، وهذا بخلاف الصلاة ، لما ذكرنا في محله أن الصبي لو صلّى في أوّل الوقت ثمّ بلغ في أثنائه
(عليه السلام) : «لو أن غلاماً حجّ عشر حجج ثمّ احتلم كان عليه فريضة الإسلام» وفي خبر إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) «عن ابن عشر سنين يحج قال (عليه السلام) : عليه حجّة الإسلام إذا احتلم ، وكذا الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».
لا تجب عليه إعادة الصلاة ، لأن المفروض أن صلاته صحيحة ، وما دلّ على لزوم إتيان الصلاة منصرف عمن صلّى صلاة صحيحة ، ولا دليل على المغايرة بين الصلاة المندوبة والواجبة ، ولا يجب عليه إلّا إتيان صلاة واحدة وقد أتى بها ، بل ذكرنا أن ذلك ليس من باب الإجزاء حتى يقال : بأن أجزاء الأمر الندبي عن الواجب خلاف الأصل ، بل ما صلاه الصبي حقيقته متحدة مع الصلاة الواجبة الثابتة على البالغين فإن الصلاة حقيقة واحدة ، غاية الأمر أنها تجب على جماعة كالبالغين وتستحبّ لجماعة آخرين كغير البالغين ، وهذا بخلاف الحجّ ، فإن الروايات تكشف عن اختلاف حقيقته ومغايرتها ، فإجزاء أحدهما عن الآخر يحتاج إلى دليل ولا دليل ، بل الدليل على العكس.
بقي الكلام في إثبات مشروعية عبادات الصبي وصحتها ، وقد ذكرنا في محلِّه أنه لا يمكن إثبات مشروعية عبادته بإطلاق أدلة العبادات ، لأنها مرفوعة عن الصبي وأنه لم يكتب في حقه شيء من الأحكام والتكاليف.
ولا يمكن أن يقال بأنّ الوجوب مرفوع عنه وأما أصل الرجحان فهو باق ، لعدم الامتنان في رفعه ، وذلك لأن المرفوع نفس الحكم بتمامه وأنه لم يكتب في حقِّه هذا الحكم رأساً ، فلا يمكن الالتزام بالتبعيض ، وأن المرفوع هو الوجوب والباقي هو الاستحباب ، بل ثبوت الاستحباب يحتاج إلى دليل آخر.
والظاهر أن النصوص الآمرة بالصلاة والصوم كقولهم (عليهم السلام) «فمروا صبيانكم بالصلاة» (1)تدل على المشروعية في حقه ، لأن الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك
1) الوسائل 4 : 19 / أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 5.
[2982] مسألة 1 : يستحب للصبي المميز أن يحج وإن لم يكن مجزئاً عن حجّة الإسلام (1) ، ولكن هل يتوقف ذلك على إذن الولي أو لا؟ المشهور بل قيل : لا خلاف فيه أنه مشروط بإذنه ، لاستتباعه المال في بعض الأحوال للهدي والكفّارة ، ولأنه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن ، وفيه : أنه ليس تصرفاً مالياً وإن كان ربّما يستتبع المال ، (2)
الشيء كما ثبت في علم الأُصول.
(1) تدل عليه نفس الروايات المتقدمة الدالة على عدم إجزاء حجّته عن حجّة الإسلام ، فإنه لا بدّ من فرض صحّة حجّه حتى يقال بالإجزاء أو بعدم الإجزاء ، وإلّا فالحج الباطل لا مجال لإجزائه عن حجّة الإسلام أصلاً. وبالجملة لا إشكال في مشروعية الحجّ واستحبابه له.
(2) بعد الفراغ عن استحباب الحجّ للصبي وقع الكلام في أنه هل يتوقّف حجّه على إذن الولي أو لا؟ المشهور أنه مشروط بإذنه ، ويستدل لهم بوجهين ذكرهما في المتن :
الأوّل : أنه عبادة توقيفية متلقاة من الشرع ومخالف للأصل فيجب الاقتصار فيه على المتيقن.
وفيه : أن الأمر وإن كان كذلك ، ولكن يكفي في مشروعيته ورجحانه إطلاق ما تقدم من الروايات الدالة على استحبابه ورجحانه وصحته له.
الثاني : أن بعض أحكام الحجّ مستتبع للتصرف في المال ، فلا بدّ له من إذن الولي كالكفّارات وثمن الهدي.
وفيه أوّلاً : يمكن أن يقال بعدم ثبوت الكفّارات عليه ، لأن عمد الصبي وخطأه واحد ، وإتيانه ببعض المحرمات لا يوجب الكفّارات.
وثانياً : لو سلمنا ثبوت الكفّارة ، وأنه لا فرق في ثبوتها بفعل البالغ والصبي ، فإن
وأن العمومات كافية في صحته وشرعيته مطلقاً ، فالأقوى عدم الاشتراط في صحته وإن وجب الاستئذان في بعض الصور ، وأما البالغ فلا يعتبر في حجّه المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزماً للسفر المشتمل على الخطر الموجب لأذيتهما ، وأما في حجّه الواجب فلا إشكال (1).
أمكن الاستئذان من الولي فهو ، وإلّا فيدخل في العاجز ، ومجرد ذلك لا يوجب سقوط الحجّ وتوقفه على إذن الولي. بل يمكن الالتزام بأنه يأتي بالكفارة بعد البلوغ ، وهكذا ثمن الهدي إن أمكن الاستئذان من الولي فهو ، وإلّا فيكون عاجزاً عن الهدي فالأقوى عدم اشتراط إذن الولي.
(1) لا ينبغي الريب في أن حجّ البالغ الواجب لا يعتبر فيه إذن الأبوين ، لعدم الدليل على ذلك ، وسلطنة الغير على الشخص حتى الأبوين على الولد خلاف الأصل وتحتاج إلى دليل ولا دليل. وكذا لا يسقط وجوبه بنهي الأبوين ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا مما كلام فيه.
إنما الكلام في حجّه المندوب ، فقد وقع فيه الخلاف ، فعن الشهيد الثاني في المسالك توقفه على إذن الأبوين معاً (1)واعتبر العلّامة في القواعد إذن الأب خاصّة (2)، وعن الشيخ (3)والشهيد الأوّل عدم اعتبار استئذانهما (4)، واعترف في المدارك (5)والذخيرة بعدم ورود نص في خصوص المسألة (6).
وذكر صاحب الحدائق أن النص موجود ، وهو دال على اعتبار إذنهما معاً (7)، وهو
.................................................................................................
ما رواه الصدوق في العلل في حديث عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعاً إلّا بإذن صاحبه إلى أن قال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : ومن برّ الولد أن لا يصوم تطوعاً ولا يحجّ تطوّعاً ولا يصلِّي تطوّعاً إلّا بإذن أبويه وأمرهما» (1).
والرواية صريحة الدلالة على توقف الحجّ على إذن الأبوين معاً. ولا إشكال في السند أيضاً إلّا من حيث اشتماله على أحمد بن هلال ، ولكن قد ذكرنا غير مرّة أن الأظهر وثاقته وإن كان فاسد العقيدة ، وقد وثقه النجاشي بقوله : صالح الرواية (2)وذكروا في ترجمته أنه كان من أصحابنا الصالحين وممن يتوقع الوكالة والنيابة عنه (عليه السلام) ، وحيث لم يجعل له هذا المنصب رجع عن عقيدته وتشيّعه إلى النصب وقد قيل في حقه : ما سمعنا بمتشيع رجع عن تشيعه إلى النصب إلّا أحمد بن هلال وكان يظهر الغلو أحياناً ، ولذا استفاد شيخنا الأنصاري (قدس سره) أن الرجل لم يكن يتدين بشيء ، للبون البعيد بين الغلو والنصب ، فيعلم من ذلك أنه لم يكن متديناً بدين وكان يتكلم بما تشتهيه نفسه (3).
ولكن كل ذلك لا يضرّ بوثاقة الرجل وأنه في نفسه ثقة وصالح الرواية ، ولا تنافي بين فساد العقيدة والوثاقة.
ويؤيِّد ما ذكرنا تفصيل الشيخ بين ما رواه حال الاستقامة وما رواه حال الضلال (4)، فإن هذا شهادة منه بوثاقة الرجل ، فإنه لو لم يكن ثقة لم يجز العمل برواياته مطلقاً حتى حال الاستقامة.
وبالجملة : الرواية معتبرة سنداً ، والدلالة واضحة ، ولكن مع ذلك لا يمكن الأخذ بها ، لأن الكافي روى هذه الرواية بعينها بلا زيادة «ومن برّ الولد إلى الآخر» (5)وكذا
.................................................................................................
الصدوق رواها في الفقيه بلا زيادة الحجّ ، ولا الصلاة (1).
والظاهر أن الرواية واحدة سنداً ومتناً ، حتى لا اختلاف في الألفاظ إلّا يسيراً ولم يعلم أن هذه الزيادة مما ذكره الإمام (عليه السلام) أم لا ، مع أن الكافي أضبط ، بل الفقيه أضبط من العلل ، ومع هذا الاختلاف لا يمكن الاعتماد على صحّة هذه الزيادة. ومع الغض عن ذلك لا يمكن الاعتماد على الرواية لوجهين آخرين :
أحدهما : اشتمال الرواية على توقف الصلاة تطوعاً على إذن الأبوين ، وهذا مما لم ينسب إلى أحد أصلاً ، فلا بدّ من حمل ذلك على أمر أخلاقي أدبي ، يعني من الآداب والأخلاق الفاضلة شدة الاهتمام بأمر الوالدين ، وتحصيل رضاهما وطاعتهما حتى في مثل الصلاة والصوم ونحوهما من العبادات الإلهية ، فليست الرواية في مقام بيان الحكم الشرعي.
ثانيهما : اشتمال الرواية على اعتبار أمر الوالدين في صحّة الصوم والصلاة والحجّ مع أن ذلك غير معتبر جزماً ، إذ غاية ما يمكن أن يقال اعتبار رضاهما ، وأما اعتبار أمرهما فغير لازم قطعاً.
والحاصل : اشتمال الرواية على ذكر الصلاة وذكر أمرهما كاشف عن أن الرواية ليست في مقام بيان الحكم الشرعي ، بل إنما هي واردة في مقام بيان أمر أخلاقي فيكون الاستئذان من جملة الآداب والأخلاق.
وممّا يؤكد سقوط الرواية عن الحجية قول الصدوق في العلل ، فإنه بعد ما ذكر الخبر قال : جاء هذا الحديث هكذا «ولكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحجّ تطوعاً كان أو فريضة ، ولا في ترك الصلاة ، ولا في ترك الصوم تطوعاً كان أو فريضة ، ولا في شيء من ترك الطاعات» (2).
هذا ، ولو استلزم السفر إلى الحجّ أذيتهما ، حرم السفر لدلالة بعض الآيات
[2983] مسألة 2 : يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز بلا خلاف لجملة من الأخبار ، بل وكذا الصبية وإن استشكل فيها صاحب المستند (1) ، وكذا
الشريفة وجملة من الروايات على حرمة إيذائهما ، فيختص السفر المحرم حينئذ بصورة علم الأبوين ، فإذا لم يعلما به لا يحرم لعدم أذيتهما حينئذ.
هذا كله فيما إذا استلزم الحجّ السفر وتحمل مشاق الطريق ونحو ذلك من لوازم السفر ، وأما إذا فرضنا أن الحجّ لا يستلزم السفر كالأطفال الموجودين في نفس مكّة المكرمة ، فلا مقتضي للاستئذان فتأمّل ، أو الأطفال المستصحبة في القوافل.
(1) لا خلاف في استحباب إحجاج الصبي ، وقد دلت على ذلك جملة من الروايات المعتبرة ، وقد عقد في الوسائل باباً مستقلا لذلك (1).
ثمّ إن المشهور لم يفرِّقوا بين الصبي والصبية ، ولكن صاحب المستند استشكل في الصبية بدعوى اختصاص النصوص بالصبي ، وإلحاق الصبية به يحتاج إلى دليل وهو مفقود. فإنّ مورد الروايات الدالّة على الإحجاج إنما هو الصبي ، وأما الصبية فلم ترد في الروايات ، وأمّا ما يظهر من بعض الروايات «أنّ الجارية إذا طمثت فعليها حجّ الإسلام وإن كانت قد حجّت قبل البلوغ» (2)، فهو ناظر إلى حجّ الصبية بنفسها وغير ناظر إلى استحباب الإحجاج بها.
وبعبارة اخرى : المستفاد من تلك الروايات رجحان حجّ الصبية بنفسها والروايات الواردة في الإحجاج موردها الصبي ولا تشمل الصبية.
هذا ، ولكن يمكن استفادة حكم الصبية من بعض هذه الروايات ، مثل معتبرة يونس بن يعقوب عن أبيه قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ معي صِبْيَة صغاراً وأنا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون؟ قال : ائت بهم العرج فليحرموا
المجنون ، وإن كان لا يخلو عن إشكال لعدم نص فيه بالخصوص ، فيستحق الثواب عليه (1) ، والمراد بالإحرام به جعله محرماً لا أن يحرم عنه ، فيلبسه ثوبي الإحرام ويقول : (اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي ...) ويأمره بالتلبية بمعنى أن يلقِّنه إيّاها (2)
منها» (1)، فإن الصِّبْية وإن كانت جمعاً للصبي وجمع الصبية الصبايا ، إلّا أن المتفاهم العرفي من الصِّبْيَة الصغار من الأولاد أعم من الذّكر والأُنثى. وبذلك يظهر دلالة غيرها من الروايات أيضاً (2).
(1) ذكر الأصحاب أنه كالصبي في استحباب الإحجاج ، ولا دليل عليه فإنّ الأحكام الشرعية واجبة كانت أو مستحبة غير متوجهة إلى المجنون أصلاً ، فإنّه كالبهائم ، وإلحاق المجنون بالصبي يشبه القياس ، مع أنه قياس مع الفارق ، ولا بأس بالإحجاج به رجاء.
(2) ما ذكره (قدس سره) من أنه يقول من يُحجه : (اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي ...) لا دليل عليه ، لأن المفروض أنه يحج الصبي المميز الذي يتمكن من النيّة والتلبية وسائر الأعمال ، والمراد بالإحجاج هو أن يلقّنه النيّة ، ويحدث هذه الأفعال فيه ، لا أن يباشرها بنفسه ، واستحباب التلفظ بالنيّة إنما هو في أعمال حجّ نفسه ، ولا يدل ذلك على استحباب قوله : (اللّهمّ إني أحرمت هذا الصبي).
والحاصل : المستفاد من النصوص إحداث هذه الأعمال وإيجادها في الصبي إذا كان ممن يتمكن أداءها ، فإنه يأمره أن يلبي ويلقّنه التلبية ، فإن لم يحسن أن يلبي لبّى عنه وكذلك الطواف يطاف به ، وإن لم يكن متمكناً من الطواف لعدم تمييزه يطاف عنه كما في صحيحة زرارة (3)، فكل فعل من أفعال الحجّ إذا تمكن من إتيانه يأمره بذلك
وإن لم يكن قابلاً يلبي عنه ، ويجنّبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه ويأمره بكل فعل من أفعال الحجّ يتمكّن منه ، وينوب عنه في كل ما لا يتمكّن ويطوف به ويسعى به بين الصّفا والمروة ، ويقف به في عرفات ومنى (1)(1) ، ويأمره بالرّمي وإن لم يقدر يرمي عنه ، وهكذا يأمره بصلاة الطّواف وإن لم يقدر يصلِّي عنه ، ولا بدّ من أن يكون طاهراً ومتوضِّئاً (2)ولو بصورة الوضوء وإن لم يمكن فيتوضّأ هو عنه ، ويحلق رأسه وهكذا جميع الأعمال (2).
وينوب عنه في كل ما لا يتمكّن.
(1) الصحيح (المشعر) بدل (منى) لأن منى لا وقوف فيه.
(2) اختلفت كلماتهم في الوضوء ، فعن بعضهم اعتبار الوضوء على من طاف به وعن آخرين اعتبار الوضوء على نفس الطفل ولو صورته ، وعن صاحب الجواهر أن الأحوط طهارتهما معاً (3).
أقول : إن تمكن الطفل من الوضوء ولو بتعليم الولي إياه وإحداثه وإيجاده فيه فهو وإن لم يكن الطفل قابلاً للوضوء ، فلا دليل على وضوئه صورة ، وما ورد من إحجاج الصبي إنما هو بالنسبة إلى أفعال الحجّ كالطواف والسعي والرمي ونحو ذلك ، وأمّا الأُمور الخارجية التي اعتبرت في الطواف ، فلا دليل على إتيانها صوره ، فإنّ الأدلّة منصرفة عن ذلك ، وإنما تختص بأفعال الحجّ ، كما أنه لا دليل على أنّ الولي يتوضأ عنه فيما إذا لم يكن الطفل قابلاً للوضوء ، فإنّ الوضوء من شرائط الطائف لا المطوّف والمفروض أن الولي غير طائف وإنما يطوف بالصبي ، فدعوى أنه ينوب عنه في
[2984] مسألة 3 : لا يلزم كون الولي محرماً في الإحرام بالصبي ، بل يجوز له ذلك وإن كان محلّا (1).
[2985] مسألة 4 : المشهور على أن المراد بالولي في الإحرام بالصبيّ غير المميِّز الولي الشرعي من الأب والجد والوصي لأحدهما والحاكم وأمينه أو وكيل أحد المذكورين (2)
الوضوء لا وجه لها ، لأن النيابة ثابتة في أفعال الحجّ لا في شرائطها. فالصحيح عدم اعتبار الوضوء حينئذ لا على نفس الطفل ولا على الولي.
(1) لإطلاق الروايات الدالّة على إحجاج الصبي.
(2) المشهور على أن استحباب إحجاج الصبي مختص بالولي الشرعي ، وأما غيره فلا يصح منه إحجاج الصبي ، ولا تترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي لإحرامه غير الولي ، وإنما ألحقوا به خصوص الام وإن لم تكن ولياً شرعياً للنص الخاص فيها وهو صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سمعته يقول : مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) برويثة وهو حاج ، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها فقالت : يا رسول اللّه أيحج عن مثل هذا؟ قال : نعم ولكِ أجره» (1).
ولكن الظاهر عدم اختصاص إحجاج الصبي بالولي الشرعي ، بل يجوز لكل أحد أن يحرم بالصبي ويحجه ، إذ لا دليل على حرمة التصرّف بالصبي ما لم يستلزم التصرّف تصرّفاً ماليّاً.
وبالجملة : إن رجع التصرّف بالصبي إلى التصرف في أمواله فيحتاج إلى إذن الولي. وأمّا إذا لم يستلزم التصرّف فيه تصرفاً في ماله فلا دليل على توقف جوازه على إذن الولي ، وعليه يجوز إحجاج الصبي لكل من يتولّى أمر الصبي ويتكفّله وإن لم يكن وليّاً
1) الوسائل 11 : 54 / أبواب وجوب الحجّ ب 20 ح 1.
لا مثل العم والخال ونحوهما والأجنبي. نعم ألحقوا بالمذكورين الام وإن لم تكن ولياً شرعياً للنص الخاص فيها ، قالوا : لأن الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المذكورين ، فلا تترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي غيره ، ولكن لا يبعد كون المراد الأعم منهم وممن يتولى أمر الصبي ويتكفّله وإن لم يكن ولياً شرعياً لقوله (عليه السلام) : «قدِّموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر ...» فإنه يشمل غير الولي الشرعي أيضاً ، وأما في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحّة إحرامه الإذن.
[2986] مسألة 5 : النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي ، إلّا إذا كان حفظه موقوفاً على السفر به أو يكون السفر مصلحة له (1).
شرعياً ، بل كان من الأجانب ، ويشهد لذلك أيضاً إطلاق بعض الروايات كصحيحة معاوية بن عمار «انظروا من كان منكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة» (1). وإطلاق ذلك يشمل الصبيان سواء كانوا مع أوليائهم أم لا.
(1) لا إشكال في أن نفقة الصبي من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك ممّا يتوقف عليه حياته تكون من ماله سواء كان في السفر أو الحضر ، وأمّا النفقة الزائدة على الحضر التي يستلزمها السفر ، فقد يكون السفر مصلحة للصبي ، كما إذا توقف حفظه على السفر به ، كما لو فرضنا أنه لم يجد شخصاً أميناً يطمئن به في بلده حتى يودع الطفل عنده ، فلا بدّ أن يأخذه معه تحفظاً على الطفل ، فصرف المال الزائد على الحضر حينئذ مصلحة للصبي ويحسب من ماله ، وقد لا يكون السفر مصلحة له ، كما إذا تمكن من التحفظ على الطفل في بلده من دون أن يسافر معه ، بأن يودعه عند شخص أمين حتى يرجع إليه ، فحينئذ إذا أخذه معه تكون النفقة الزائدة غير صالحة للصبي وتحسب على الولي لا على الصبي.
1) الوسائل 11 : 287 أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 3.
[2987] مسألة 6 : الهدي على الولي ، وكذا كفّارة الصيد إذا صاد الصبي ، وأما الكفّارات الأُخر المختصة بالعمد فهل هي أيضاً على الولي أو في مال الصبي أو لا يجب الكفّارة في غير الصيد ، لأن عمد الصبي خطأ والمفروض أن تلك الكفّارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه ، لا يبعد قوّة الأخير (1)
(1) يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : في الهدي.
ثانيهما : في الكفّارات.
أما الأوّل : فالظاهر أنه لا خلاف في أن ثمن الهدي على الولي ، لأن صرف مال الصبي في الهدي ليس من مصالحه ، وبإمكان الولي أن لا يحج به إذا أخذه معه في السفر ، فلا مجوز لصرف ماله في الهدي بل يتحمله من حجّ به ، وبعبارة اخرى : المستفاد من الروايات إنما هو استحباب الإحجاج بالصبي ، وأما صرف ماله فيحتاج إلى دليل آخر ، والمفروض أن صرف ماله في الهدي ليس من مصالح الصبي ، لأنه يمكن أن يأخذه معه ولا يحج به ، ويدلُّ على ذلك أيضاً صحيح زرارة «قال (عليه السلام) : إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنه يأمره أن يلبي ويفرض الحجّ ، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه ويطاف به ويصلّى عنه ، قلت : ليس لهم ما يذبحون ، قال : يذبح عن الصغار ، ويصوم الكبار» (1).
ويظهر من الرواية أن الطفل كان في جماعة حجّوا به ، بقرينة قوله : (لبّوا عنه) فلا اختصاص بإحجاج الأب ابنه كما في صدر الرواية. وعلى كل تدل الرواية على أن الذبح على من حجّ بالصبي ولياً كان أم غيره ، فإن المستفاد منها أن الجماعة الذين حجوا بالصبي لم يكن لهم ما يذبحون عن المجموع ، فلا ينافي تمكنهم من الذبح عن الصغار فأُمروا بالصوم وبالذبح عن الصغار.
وتدل على ذلك أيضاً معتبرة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه
1) الوسائل 11 : 288 / أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5.
.................................................................................................
السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام قال : قل لهم يغتسلون ثمّ يحرمون واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1)فإنّها ظاهرة في أن الكبار الذين تكفلوا أمر الصبيان مأمورون بالذبح عن الصغار.
وبالجملة : المستفاد من الروايتين أن الهدي على من يحج بالصبي لا على نفس الصبي.
وأمّا ما في صحيح معاوية بن عمار من قوله (عليه السلام) : «ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه» (2)، فيدل على أن الولي إذا لم يكن له مال فليصم عن الطفل ولا يدل على أن الهدي من مال الصبي ، وإن كان لا يخلو عن إشعار بذلك ، ولكن لأجل الصحيحة المتقدمة يحمل على ما إذا لم يجد وليه مالاً ، وأما إذا وجد فعليه ، بل يمكن أن يقال : إن ثبوت الصوم الذي هو بدل الذبح على الولي يؤكد كون الذبح عليه أيضاً.
المقام الثاني : في الكفّارات ، يقع الكلام تارة في كفّارة الصيد وأُخرى في بقية الكفّارات.
أمّا الأوّل : فالمشهور على أن كفّارة الصيد على الولي ، وعن ابن إدريس عدم وجوب الكفّارة أصلاً لا على الولي ولا في مال الصبي (3)، وعن التذكرة أنها تجب في مال الصبي (4).
والصحيح ما ذهب إليه المشهور ، لصحيح زرارة «وإن قتل صيداً فعلى أبيه» (5)، فإن المستفاد منه كون الكفّارة على الولي أباً كان أُم غيره ، إذ لا خصوصية للأب ، بل الأب إنما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي ، فخصوصية الأب تلغى ، وقد عرفت
.................................................................................................
أنه يظهر من الرواية أن الطفل كان في جماعة وفيهم أبوه ، ومن الواضح أن الأب حينئذ يتكفل شؤون الطفل ، ويقوم بأمره وإحجاجه ونحو ذلك ، فطبعاً تكون كفّارة الصيد عليه لأنه قائم بأمره ، فلا وجه لما حكي عن العلامة من أنها تجب في مال الصبي ، لأنه اجتهاد في مقابل النص.
ودعوى أن الكفّارة ثابتة في مال الطفل ، لأن ذلك من قبيل الإتلاف والضمانات كما إذا أتلف الصبي مالاً ، فإنه يضمن ويثبت على ذمته ، إذ لا مانع من ثبوت الحكم الوضعي بالنسبة إلى الصبي كما عن العلّامة ، لا تخلو من الغرابة ، لأنّ ثبوت الكفّارات ليس من باب الضمان ، بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده ولا موجب لثبوت ذلك على الطفل سواء كانت هناك رواية أم لا ، مضافاً إلى النص الصريح الدال على أنها على أبيه ، ولعله (قدس سره) لم يطّلع على الرواية.
كما لا وجه لما عن ابن إدريس (قدس سره) من عدم ثبوت الكفّارة أصلاً لا على الطفل ولا على وليّه ، بعد ما دلّت الصحيحة على أنها على أبيه ، فلا ينبغي الريب بالنسبة إلى كفّارة الصيد وأنها على الولي.
وأمّا الثاني : وهو بقيّة الكفّارات ، كما إذا لبس المخيط اختياراً أو استظلّ ونحو ذلك ، فالظاهر عدم وجوبها على الولي ، لأنه بلا موجب ، والنص المتقدِّم الدال على أنها على أبيه خاص بكفّارة الصيد ، فلا يقاس غيره به ، بل هو قياس مع الفارق ، لأن الصيد له أهمية بخلاف بقية الكفّارات ، كما لا تجب على الصبي نفسه ، لا لأن عمد الصبي وخطأه واحد ، لأنّ هذه الجملة أجنبية عن أمثال المقام ، وإنما تختص بباب الديات والجنايات ، وتوضيح ذلك : أن هذه الجملة وردت في روايتين :
الأُولى : صحيحة محمّد بن مسلم «عمد الصبي وخطؤه واحد» (1).
الثانية : معتبرة إسحاق بن عمار «عمد الصبيان خطأ تحمله (يحمل على) العاقلة» (2)والرواية الثانية قرينة على أن الرواية الأُولى ناظرة إلى باب الديات والجنايات
إمّا لذلك وإمّا لانصراف أدلّتها عن الصبي (1)، لكن الأحوط تكفل الولي ، بل لا يترك هذا الاحتياط ، بل هو الأقوى لأن قوله (عليه السلام) : «عمد الصبي خطأ» مختص بالديات ، والانصراف ممنوع وإلّا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضاً.
والمستفاد من الروايتين أن كل مورد وعمل واحد إذا كان له حكمان ، حكم على العمد ، وحكم على الخطأ ، يعني هذا الفعل على تقدير صدوره عمداً له حكم ، وعلى تقدير صدوه خطأ له حكم آخر ، فبالنسبة إلى فعل الصبي يترتب عليه حكم الخطأ لا حكم العمد ، وأما إذا كان الخطأ لا حكم له أصلاً وكان الأثر مترتباً على صورة العمد فغير مشمول للروايتين ، لأن ظاهر صحيح محمّد بن مسلم أن الخطأ بعنوانه له حكم خاص ، وأمّا إذا كان الحكم مختصاً بصورة العمد ، ولم يكن للخطإ فيه حكم فلا يشمله الخبران ، ولذا لا ريب في بطلان صلاة الطفل بالتكلم العمدي ، ولا مجال لتوهّم عدم البطلان بدعوى أن عمد الصبي وخطأه واحد ، وكذا لا ريب في بطلان صومه إذا أفطر عمداً.
وبالجملة : قوله (عليه السلام) «عمد الصبي خطأ» يشمل المورد الذي له سنخان من الحكم ، حكم ثابت لصورة العمد ، وحكم ثابت لصورة الخطأ ، وهذا النحو من الأحكام إنما هو في باب الجنايات والديات فإذا جنى الصبي عمداً يترتب على فعله أحكام الخطأ ، وإذا ارتكب القتل عمداً ، يعامل معه معاملة القاتل خطأ ، وأما المورد الذي ليس له إلّا حكم واحد مترتب على صورة العمد خاصة كأكثر الأحكام فغير مشمول لهذه الجملة.
بل الوجه في عدم وجوب الكفّارات على الصبي أن كل حكم إلزامي مترتب على فعل الصبي مرفوع بحديث رفع القلم وعدم جريه عليه ، ومقتضاه أنه لا يلزم بشيء وهذه الأُمور المترتبة على أعمال الحجّ من قبيل التكليف ، والحكم التكليفي مرفوع عن الصبي لحديث رفع القلم.
1) لا لذلك ، بل لتخصيص أدلّة الكفّارات بغير الصبي لحديث الرفع ، ووجوب الكفّارة على الولي يحتاج إلى الدليل ، وهو مفقود في غير الصيد.
[2988] مسألة 7 : قد عرفت أنه لو حجّ الصبي عشر مرات لم يجزئه عن حجّة الإسلام ، بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة ، لكن استثنى المشهور من ذلك ما لو بلغ وأدرك المشعر فإنه حينئذ يجزئ عن حجّة الإسلام ، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه (1).
وقد يستدل على ذلك بأنّ أدلّة الكفّارات منصرفة عن الصبي ، لأنّ الكفّارات في الحقيقة تأديب وعقوبة والصبي لا عقوبة على مخالفته.
ويشكل بأنّ الكفّارات ليست كلها كذلك ، بل تثبت في غير صورة التأديب أيضاً كالتستر الاضطراري والتظليل الاضطراري ونحو ذلك.
والحاصل : لا تثبت الكفارات لا على الولي ولا على الصبي ، فإن ثبوتها على الولي بلا موجب ، وثبوتها على الصبي مرفوع بحديث رفع القلم.
(1) المعروف والمشهور بين الأصحاب أن الصبي إذا حجّ وأدرك أحد الموقفين بالغاً أجزأه عن حجّة الإسلام ، بل ادُعي عليه الإجماع ، قال الشيخ في الخلاف في هذه المسألة وفي مسألة حجّ العبد إذا أُعتق : دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم (1).
أما ما نسبه إلى الأخبار فلم يُذكر هذا الحكم في خبر حتى الضعيف فضلاً عن المعتبر ، ولعله أشار إلى ما ورد من الأخبار في عتق العبد قبل أحد الموقفين بإلغاء خصوصية المورد ، فإن الميزان إدراك أحد الموقفين واجداً للشرائط من الحرية والبلوغ والعقل.
وأمّا الإجماع فلا يتم ، وقد نسب إلى جماعة التردّد كالمحقق في المعتبر (2)والشرائع (3)، والعلّامة في المنتهي (4)، على أنه لو سلمنا تحقق الإجماع فإنه ليس من
.................................................................................................
الإجماع المصطلح الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، لإمكان استنادهم في الحكم المذكور إلى الروايات الواردة في العبد ، وتعدوا من مواردها إلى الصبي ، فيكون إجماعاً اجتهادياً لا تعبّدياً ، وكيف كان فقد استدلّوا على ذلك بوجوه :
الأوّل : الروايات الآتية في العبد الدالة على إجزاء حجّه إذا أدرك المشعر معتقاً (1)بإلغاء خصوصية العبد ، وأن المناط في الإجزاء الشروع في أعمال الحجّ حال عدم الوجوب لعدم الكمال ، ثمّ حصوله قبل المشعر ، سواء كان الكمال بالبلوغ أو بالإعتاق والحرية.
وفيه : أن إلغاء الخصوصية يحتاج إلى قرينة داخلية أو خارجية وهي غير موجودة ، بل ذلك قياس لا نقول به ، مع أن لازمه الالتزام به في من حجّ متسكعاً ثم استطاع قبل المشعر ، ولا يقولون به كما ذكره في المتن.
الوجه الثاني : ما ورد من الأخبار من أن من لم يحرم من مكّة أحرم من حيث أمكنه ولو قبل المشعر (2)، فإذا كان الوقت صالحاً وقابلاً للحج ابتداء ، فهو قابل للانقلاب ، بل ذلك أولى.
وفيه : أنّ هذا الوجه يعدّ من الغرائب ، لأنّ كلامنا في المقام في غير المكلّف ، وهو الفاقد للشرط كالبلوغ ، ثمّ صار واجداً له قبل الموقف ، ومورد الروايات من كان مكلّفاً بالحج ولكن تركه لجهل أو نسيان أو عذر أو عصيان ، وبعبارة اخرى : مورد هذه الروايات من لم يعمل بالوظيفة ، ومقامنا غير المكلف إذا بلغ في الأثناء ، فلا ربط لأحدهما بالآخر.
الوجه الثالث : الأخبار الدالّة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ (3)والمستفاد منها أن العبرة بإدراك المشعر ، ولا ضير في عدم إتيان الأعمال السابقة حال البلوغ والتكليف.
.................................................................................................
وأجاب عنها في المتن بأن موردها من لم يحرم ، ومحل كلامنا من أحرم سابقاً لغير حجّة الإسلام ، فلا تشمل الأخبار مورد الكلام.
وفيه : أن مورد الروايات ليس من لم يحرم ، بل موردها من ترك الوقوف بعرفة عن غير عمد ، وإنما تركه لمانع كما إذا حبس أو منعه مانع ونحو ذلك مما يوجب ترك الوقوف بعرفة وأدرك المشعر ، ففي هذا المورد دلت الروايات على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ ، سواء كان قبل ذلك محرماً أم لم يكن محرماً.
والصحيح في الجواب أن يقال : إن تلك الروايات في مقام بيان تصحيح الحجّ ، وأنه من أدرك المشعر فقد صحّ حجّه ، والمفروض أن الحجّ في المقام صحيح ومشروع ، وإنما الكلام في إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه ، فالروايات أجنبية عن المقام.
وقد استدل بوجه رابع ، وهو أحسن الوجوه المتقدمة ، وحاصله : أن الحجّ طبيعة واحدة مشتركة بين الصبي والبالغ ، وإنما الاختلاف في الحكم ، بمعنى أنه مستحب لطائفة وواجب على طائفة أُخرى كالبالغين ، ولا اختلاف في الموضوع ، نظير الصلاة فإنه إذا بلغ الطفل أثناء الصلاة أو بعدها في أثناء الوقت ، لا يجب عليه إعادة الصلاة لأنها طبيعة واحدة وقد أتى بها ، ولا موجب للإعادة ، فالسقوط على طبق القاعدة. نعم ، وردت النصوص أن حجّ الصبي إذا وقع بتمامه حال الصغر لا يجزئ ، وبهذا المقدار نخرج عن مقتضى القاعدة ، ولو لا النص لقلنا بالإجزاء حتى إذا بلغ بعد إتمام الحجّ.
والجواب : أنه قد ظهر من بيان الاستدلال توقفه على إثبات مقدمتين :
الاولى : أن الحجّ حقيقة واحدة كالصلاة ، غاية الأمر واجب بالنسبة إلى بعض ومندوب بالنسبة إلى آخرين ، فالحج الصادر من الصبي عين الحجّ الصادر من البالغ.
الثانية : أن الروايات الدالة على عدم إجزاء حجّ الصبي عن حجّة الإسلام لا تشمل ما إذا بلغ في أثناء الحجّ. وإثبات كليهما ممنوع.
أمّا الأُولى : فلم يدل عليها أي دليل غير اتحاد الصورة ، وهو لا يكشف عن وحدة الحقيقة ، نظير صلاة النافلة والواجبة والقضاء والأداء وصلاة الظهر وصلاة العصر
.................................................................................................
فإنّ صورة ذلك كلّه متحدة ، ولكنّها حقائق مختلفة.
وبالجملة : وحدة الصورة لا تكشف عن وحدة الحقيقة ، بل الأدلة والروايات تدل على العكس ، فإن الروايات الواردة في المقام الدالة على عدم إجزاء حجّ الصبي عن حجّة الإسلام تكشف عن اختلاف الحقيقة ، وكذا الروايات الواردة في عدم إجزاء حجّ العبد ، وكذا حجّ المتسكع ، فإن الحكم بالإجزاء أو عدم الإجزاء يكشف عن اختلاف الحقيقة ، وأن حجّة الإسلام لها عنوان خاص تختلف حقيقته عن حجّ الصبي وإن كان مشابهاً مع حجّ الصبي صوره ، فإن حجّ الإسلام مما بُني عليه الإسلام بخلاف حجّ الصبي ، ولذا لا يكون مجزئاً عن حجّ الإسلام.
وبعبارة اخرى : هذه الروايات الدالة على الإجزاء وعدمه تكشف عن الاختلاف في الحقيقة بين المجزي والمجزى عنه ، فإن المجزي غير المجزى عنه ، إذ لا معنى لكون الشيء مجزئاً عن نفسه ، فإن أجزاء شيء عن شيء يقتضي الاثنينية والاختلاف بينهما.
ولو سلمنا أن الحجّ حقيقة واحدة فلا نسلم المقدمة الثانية ، فإن إطلاق الروايات الدالّة على عدم إجزاء حجّ الصبي يشمل ما إذا بلغ أثناء العمل وقبل إتمامه كصحيحة إسحاق بن عمار (1)، فإن صدرها وإن كان وارداً بالنسبة إلى الصبي وهو ابن عشر سنين ، وتصوير البلوغ بالاحتلام في أثناء الحجّ في حقه بعيد جدّاً ، ولكن ذيلها وارد في الجارية وأنّ عليها الحجّ إذا طمثت ، وتصوير حدوث الطمث من الجارية أثناء الحجّ أمر ممكن. وبالجملة : مقتضى إطلاق الصحيحة عدم الفرق في عدم الإجزاء بين حدوث الطمث بعد تمام الأعمال وبين حدوثه في أثناء الحجّ ، ويؤيد الإطلاق المذكور ما التزموا به من عدم الإجزاء إذا بلغ بعد الموقفين وقبل إتمام بقية الأعمال ، والظاهر أنهم استندوا في هذا الحكم إلى هذه الروايات ، ويكشف ذلك عن إطلاق الروايات ويبعد استنادهم إلى الإجماع التعبّدي.
1) الوسائل 11 : 44 / أبواب وجوب الحجّ ب 12 ح 1.
وكذا إذا حجّ المجنون ندباً ثمّ كمل قبل المشعر (1) ، واستدلّوا على ذلك بوجوه :
أحدها : النصوص الواردة في العبد على ما سيأتي بدعوى عدم خصوصية العبد في ذلك ، بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال ثمّ حصوله قبل المشعر. وفيه : أنه قياس ، مع أن لازمه الالتزام به في من حجّ متسكعاً ثمّ حصل له الاستطاعة قبل المشعر ، ولا يقولون به.
الثاني : ما ورد من الأخبار من أن من لم يحرم من مكّة أحرم من حيث أمكنه فإنّه يستفاد منها أن الوقت صالح لإنشاء الإحرام فيلزم أن يكون صالحاً للانقلاب أو القلب بالأولى ، وفيه ما لا يخفى.
الثالث : الأخبار الدالّة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ ، وفيه : أن موردها (1)من لم يحرم فلا يشمل من أحرم سابقاً لغير حجّة الإسلام ، فالقول بالإجزاء مشكل ، والأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان مستطيعاً بل لا يخلو عن قوّة ، وعلى القول بالإجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد من أنه هل يجب تجديد النيّة لحجّة الإسلام أو لا ، وأنه هل يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا ، وأنه هل يجري في حجّ التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا ، إلى غير ذلك.
[2989] مسألة 8 : إذا مشى الصبي إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعاً ، لا إشكال في أن حجّة حجّة الإسلام (2) (2).
(1) لعدم الفرق بينه وبين الصبي دليلاً وإشكالاً.
(2) هذا من جملة الواضحات ، ويشمله عمومات وجوب الحجّ ، ومجرّد إتيان
[2990] مسألة 9 : إذا حجّ باعتقاد أنه غير بالغ ندباً فبان بعد الحجّ أنه كان بالغاً فهل يجزئ عن حجّة الإسلام أو لا؟ وجهان ، أوجههما الأوّل ، وكذا إذا حجّ الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة بنيّة الندب ثمّ ظهر كونه مستطيعاً حين الحجّ (1).
المقدّمات حال الصغر غير ضائر في احتساب الحجّ عن حجّة الإسلام.
وكان على المصنف (قدس سره) وغيره ممّن تعرّض لهذه المسألة أن يذكروا ما لو بلغ بعد الإحرام وقبل الشروع في الأعمال ، وأنه هل يتم ذلك ندباً ، أو حين البلوغ ينقلب إلى حجّة الإسلام فيعدل إليها ، أو يستأنف ويحرم ثانياً من الميقات؟ وإنما تعرضوا لحدوث الاستطاعة بعد الإحرام مع أن المسألتين من باب واحد.
وكيف كان فالاكتفاء بالإحرام الأوّل بدعوى انقلاب حجّه إلى حجّة الإسلام لا دليل عليه. وأمّا إتمامه ندباً فلا وجه له إلّا ما قيل : من أن المحرم ليس له أن يحرم ثانياً ، وهذا واضح الدفع ، فإن الإحرام الأوّل ينكشف فساده بالبلوغ المتأخّر والاستطاعة الطارئة ، ولذا لو علم حال الإحرام بأنه يبلغ بعد يومين مثلاً ، أو يستطيع بعدهما ، ليس له أن يحرم وهو صبي ، فلا بدّ من إعادة الإحرام ، ويرجع إلى الميقات ويحرم إحرام حجّة الإسلام ، وهكذا لو دخل في أفعال العمرة وأتمها ثمّ بلغ ، فإنه يجب عليه الرجوع إلى الميقات وإتيان العمرة ثانياً إذا وسع الوقت ، فإن البلوغ أو الاستطاعة يكشف عن بطلان ما أتى به من الإحرام أو العمرة ، فتشمله عمومات وجوب الحجّ من الآية والرواية.
(1) هذا إنما يتم فيما إذا قصد الآتي بالحج امتثال الأمر الفعلي ، وكان قصده الندب خطأ منه في التطبيق كما هو الغالب ، وأما إذا كان قصد امتثال الأمر الندبي على وجه التقييد ، فالظاهر عدم إجزائه عن حجّة الإسلام ، لما تقدم من أن حجّة الإسلام مغايرة في الحقيقة مع غيرها ، فلا بدّ في سقوط أمرها من قصد عنوانها في مقام الامتثال ، فما لم يقصد عنوانها لا يصدق على ما أتى به في الخارج أنه حجّة الإسلام ومع عدم الصدق لا موجب لسقوط أمرها.
وعلى الجملة : يعتبر في العناوين القصدية التي لا تمتاز إلّا بالقصد قصد عنوان
الثاني من الشروط : الحرية ، فلا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً من حيث المال (1) بناء على ما هو الأقوى من القول بملكه أو بذل له مولاه الزاد والراحلة ، نعم لو حجّ بإذن مولاه صحّ بلا إشكال ولكن لا يجزئه عن
المأمور به ، كالقصد إلى خصوص صلاة الظهر أو العصر أو القضاء أو الأداء أو النافلة أو الفريضة ، فإن كان المقصود أحدهما وكان الواقع شيئاً آخر ، لا يقع المأتي به عن شيء منهما ، لأن الواقع لم يقصد ، وما هو مقصود لا واقع له ، فإن المأتي به غير مميز ليقع مصداقاً لأحدهما ، فالبطلان لأجل عدم القصد وعدم التمييز ، لا لأجل اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الأغسال (1)، في مسألة من كان عليه غسل الجنابة فاغتسل غسل المس أو بالعكس.
وملخّص الكلام : أن الواجب على المكلف قد يكون أمرين ، فلو أتى من دون قصد أحدهما لا يقع شيء منهما ، لعدم التمييز والتعيين ، فمن كان عليه الأداء والقضاء وأتى بأربع ركعات مع قصد القربة ، ولم يقصد الأداء ولا القضاء لا يقع ما أتى به أداءً ولا قضاء. وقد يكون الواجب الفعلي الواقعي عليه أمراً واحداً ، ولكنه في مقام الامتثال تخيل أنه من هذا القسم ، ثمّ تبين أنّه من القسم الآخر ، فإن كان من باب الاشتباه في التطبيق ، فهو في الحقيقة قصد الأمر الفعلي المتوجه إليه وقصد ماله واقع ولكن تخيل أن الواقع هو هذا ، ففي الحقيقة قصد عنوان المأمور به بوجه ما ، وقصد امتثال الأمر الفعلي ، ولكنه زعم أنه من القسم الآخر ، وهذا غير ضائر في الحكم بالصحة وحصول الامتثال.
(1) لا ريب في اعتبار الحرية في وجوب الحجّ ، ولا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه وكان مستطيعاً ، وهذا مما لا خلاف فيه ، وتدلّ عليه طوائف من الروايات :
الطائفة الأُولى : ما دل على أنه ليس على المملوك حجّ ولا عمرة حتى يعتق كصحيحة الفضل بن يونس (2).
حجّة الإسلام فلو أُعتق بعد ذلك أعاد للنصوص ، منها : خبر مسمع : «لو أن عبداً حجّ عشر حجج ثمّ أُعتق كانت عليه حجّة الإسلام إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً»
الثانية : ما دل على أن المملوك إذا حجّ ثمّ أُعتق عليه إعادة الحجّ ، كصحيحة علي ابن جعفر (1).
الثالثة : ما دل على أنه إن أُعتق قبل أحد الموقفين أجزأ عن حجّة الإسلام ، فإن مفهومه يدل على أنه لو لم يعتق لم يجز ، كصحيحة شهاب ، وصحيحة معاوية بن عمار (2).
نعم ، في رواية واحدة أُطلق حجّة الإسلام على حجّ العبد ، وأن حجّه يجزئ عن حجّة الإسلام ، وهي صحيحة أبان عن حكم بن حكيم الصيرفي قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : أيما عبد حجّ به مواليه فقد قضى حجّة الإسلام» (3)، إلّا أنه لا بدّ من طرحها لشذوذها ومخالفتها للروايات المشهورة الكثيرة ، أو حملها على حجّة الإسلام بالنسبة إلى العبد ، فإن كل طائفة لها حجّة الإسلام ، كما تقدم نظير ذلك في حجّ الصبي ، وذلك لا يدل على سقوط حجّة الإسلام عنه إذا أُعتق وصار حرّا ويدلّ على ما ذكرنا روايته الثانية «والعبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» (4)، فإنها تدل على وجوب حجّة الإسلام عليه إذا أُعتق ، مع إن حجّة الإسلام أُطلقت على حجّه حال عبوديته.
ثمّ إنّ رواية أبان الأُولى رواها في التهذيب عن السندي بن محمّد عن أبان عن حكم بن حكيم الصيرفي (5)، وتبعه في الوسائل والوافي (6)، ولكن في الإستبصار (7)
1) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 3.
2) الوسائل 11 : 52 / أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 1 ، 2.
3) الوسائل 11 : 50 / أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 7.
4) الوسائل 11 : 49 / أبواب وجوب الحجّ به 16 ح 2.
5) التهذيب 5 : 5 / 11.
6) الوافي 12 : 289 / باب حج المملوك والصبي ومن لا يعقل ح 16.
7) الاستبصار 2 : 147 / 5.
ومنها : «المملوك إذا حجّ وهو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق ، فإن أُعتق أعاد الحجّ». وما في خبر حكم بن حكيم «أيما عبد حجّ به مواليه فقد أدرك حجّة الإسلام» محمول على إدراك ثواب الحجّ أو على أنه يجزئه عنها ما دام مملوكاً لخبر أبان : «العبد إذا حجّ فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» فلا إشكال في المسألة نعم ، لو حجّ بإذن مولاه ثمّ انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجّة الإسلام. بالإجماع ، والنصوص (1).
ويبقى الكلام في أُمور : أحدها : هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة للإحرام بحجّة الإسلام بعد الانعتاق فهو من باب القلب ، أو لا بل هو انقلاب شرعي؟ قولان ، مقتضى إطلاق النصوص الثاني وهو الأقوى ، فلو فرض أنه لم يعلم بانعتاقه حتى فرغ أو علم ولم يعلم الإجزاء حتى يجدد النيّة كفاه وأجزأه.
رواها عن السندي عن أبان بن محمّد عن الحكم ، والظاهر أن أبان بن محمّد لا وجود له أصلاً بل الصحيح ما في التهذيب والوسائل والوافي ، فما في الاستبصار غلط جزماً.
وأمّا الرواية الثانية فقد رواها في الوسائل عن أبان بن الحكم ، والصحيح عن أبان عن الحكم ، فإنّ أبان بن الحكم لا وجود له في الأخبار وكتب الرّجال ، وأبان هو ابن عثمان ، والحكم هو الصيرفي الثقة.
(1) هذا ممّا لا ريب ولا خلاف فيه للنصوص (1)، وإنما يقع البحث في جهات تعرّض إليها في المتن :
الجهة الأُولى : بعد الفراغ عن إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام إذا أدرك المشعر معتقاً هل يشترط في الإجزاء تجديد النيّة ، وقلبها إلى حجّة الإسلام أو لا ، بل هو انقلاب شرعي قهري؟ الظاهر هو الثاني ، لإطلاق النصوص الدالة على الإجزاء ، فإنّ هذه النصوص في الحقيقة تخصيص لما دل على اعتبار الحرية ، ومقتضاه اعتبار الحرية
1) الوسائل 11 : 52 / أبواب وجوب الحجّ ب 17.
الثاني : هل يشترط في الإجزاء كونه مستطيعاً حين الدخول في الإحرام أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق أو لا يشترط ذلك أصلاً؟ أقوال أقواها الأخير (1)لإطلاق النصوص وانصراف ما دل على اعتبار الاستطاعة عن المقام.
الثالث : هل الشرط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر سواء أدرك الوقوف بعرفات أيضاً أو لا أو يكفي إدراك أحد الموقفين فلو لم يدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقاً كفى؟ قولان ، الأحوط الأوّل (2)، كما أن الأحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر ، فلا يكفي إدراك الاضطراري منه ، بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين وإن كان يكفي الانعتاق قبل المشعر لكن إذا كان مسبوقاً بإدراك عرفات أيضاً ولو مملوكاً.
الرابع : هل الحكم مختص بحج الإفراد والقرآن أو يجري في حجّ التمتّع أيضاً وإن كانت عمرته بتمامها حال المملوكية؟ الظاهر الثاني لإطلاق النصوص ، خلافاً لبعضهم فقال بالأوّل لأن إدراك المشعر معتقاً إنما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية ، وفيه ما مر من الإطلاق ، ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض لأنهما عمل واحد ، هذا إذا لم ينعتق إلّا في الحجّ ، وأمّا إذا انعتق في عمرة التمتع وأدرك بعضها معتقاً فلا يرد الاشكال (3).
بهذا المقدار ، وعدم اعتبارها في جميع أفعال الحجّ وأعماله ، قلب النيّة أم لم يقلبها ، بل التعبير بالانقلاب مسامحي.
والحاصل : مقتضى هذه النصوص أن الحرية من المشعر وما بعده كاف في حجّة الإسلام ، ولا تضر الرقيّة في إتيان الأعمال السابقة على المشعر ، بل مقتضى الإطلاق
.................................................................................................
أنه لو كان جاهلاً بالموضوع ولم يعلم بانعتاقه ، أو كان جاهلاً بالحكم ، كما إذا علم بالانعتاق ولم يعلم الحكم بالإجزاء حتى يجدد النيّة ، هو الاكتفاء وإجزاؤه عن حجّة الإسلام ، فما نسب إلى جماعة من وجوب تجديد النيّة لا وجه له.
الجهة الثانية : هل يعتبر في الإجزاء كونه مستطيعاً من أوّل الأمر حين دخوله في الإحرام ، أو تكفي استطاعته من حين الانعتاق ، أو لا يعتبر ذلك أصلاً ، لا من الأوّل ولا بعد العتق؟ أقوال ثلاثة ، قوى الأخير في المتن ، بدعوى إطلاق نصوص المقام وانصراف ما دل على اعتبار الاستطاعة عنه.
وفيه : أن هذه الروايات غير ناظرة إلى هذه الجهة ، وإنما هي ناظرة إلى الحرية والعبودية ، وأن الحرية تكفي بهذا المقدار ، فهي تخصيص في اعتبار الحرية ، وإلغاء لشرطية الحرية في تمام الأعمال ، وأما بالنسبة إلى اعتبار بقية الشرائط بعد الانعتاق فالنصوص غير ناظرة إليه ، ولا إطلاق لها من هذه الجهة ، ولذا لو جُن بعد الانعتاق لا يمكن القول بالصحة لأجل إطلاق النصوص ، وهذا شاهد قوي على أن الروايات ناظرة إلى خصوص الحرية والعبودية ، وغير ناظرة إلى سائر الشرائط.
فالأقوى هو القول الوسط ، وهو اعتبار الاستطاعة من حين الانعتاق ، لما عرفت من أن الروايات غير ناظرة إلى إلغاء جميع الشرائط ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأوّلية المقتضية لاعتبار الاستطاعة ، ولو سُلّم انصرافها عن المقام ، فهو بدوي لا عبرة به.
وبالجملة : مقتضى إطلاق نصوص المقام أن حجّه إلى زمان العتق محكوم بالصحة ، وأما بعد العتق يرجع إلى الأدلّة الأوّلية المقتضية لاعتبار الاستطاعة ، فإلغاء شرطية الاستطاعة بالمرة لا دليل عليه ، كما أن الالتزام باعتبار الاستطاعة من أوّل الأمر لا شاهد عليه ، فإن هذه النصوص دلت على أن العبودية السابقة وإن كانت مع التسكع غير قادحة في صحّة الحجّ.
الجهة الثالثة : هل يشترط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر ، سواء كان قد أدرك الوقوف بعرفات أو لا ، أو يكفي إدراك أحد الموقفين؟ إن نصوص المقام إنما تدل على
[2991] مسألة 1 : إذا أذن المولى لمملوكه في الإحرام فتلبس به ليس له أن يرجع (1)) في إذنه لوجوب الإتمام على المملوك ولا طاعة لمخلوق في معصية
الاكتفاء بحصول الحرية في أحد الموقفين ، فإن قلنا بالاجتزاء بالوقوف بعرفة فقط قلنا به في العبد المعتق أيضاً ، وإن قلنا بلزوم انضمام الوقوف بالمشعر في الاجتزاء نلتزم بذلك في العبد أيضاً.
وبعبارة اخرى : ليس الحكم بالنسبة إلى العبد حكماً جديداً ، بل حاله من هذه الجهة حال غيره ، ولذا لو فرض إدراك الوقوف الاختياري في عرفات فقط معتقاً من دون المشعر أصلاً ، فالأظهر بطلان حجّة كما في غيره ، فإن هذه الروايات تتكفل بإلغاء اعتبار الحرية بهذا المقدار ، ولا تتكفل بإثبات الصحة لو اقتصر على الوقوف بعرفة ، بل لا بدّ في الاجتزاء بذلك من الرجوع إلى غير ذلك من الأدلّة ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى عدم الاكتفاء بالوقوف بعرفة فقط.
الجهة الرابعة : هل الحكم بالإجزاء فيما إذا انعتق قبل أحد الموقفين مختص بحج الإفراد والقران ، أو يعم حجّ التمتع أيضاً؟. مقتضى إطلاق النصوص هو الثاني لشموله لجميع أقسام الحجّ ، ولا مقتضي للتقييد بحج الإفراد والقران.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) من أنه إذا انعتق في عمرة التمتع وأدرك بعضها معتقاً فلا إشكال ، فلم يظهر وجهه ، لأن حال ذلك حال ما لو أُعتق بعد العمرة ، فإن المستفاد من إطلاق النصوص عدم الفرق بين حصول الحرية قبل الشروع في أعمال الحجّ وحصولها في أثناء العمرة ، وبين حصول الحرية بعد العمرة وقبل الموقف بمدّة يسيرة مثلاً ، فإن الميزان في الاجتزاء كونه حرّا في أحد الموقفين ، سواء حصلت الحرية في أثناء العمرة أم بعدها قبل أحد الموقفين ، ولو نوقش في الإطلاق وادعي اختصاصها بحج الإفراد والقرآن ، فلا أثر للانعتاق أثناء العمرة والحكم فيه هو الحكم في الانعتاق أثناء الحجّ.
1) () على الأحوط ، ولا يبعد جواز الرجور. وبه يظهر الحال في المسألة الآتية.
الخالق ، نعم لو أذن له ثمّ رجع قبل تلبسه به لم يجز له أن يحرم إذا علم برجوعه ، وإذا لم يعلم برجوعه فتلبس به هل يصح إحرامه ويجب إتمامه أو يصح ويكون للمولى حله أو يبطل؟ وجوه ، أوجهها الأخير لأنّ الصحّة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع ، ودعوى أنه دخل دخولاً مشروعاً فوجب إتمامه فيكون رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل ، مدفوعة بأنه لا تكفي المشروعية الظاهرية ، وقد ثبت الحكم في الوكيل بالدليل ولا يجوز القياس عليه (1).
(1) رجوع المولى عن إذنه بالإحرام يتصوّر على صور :
الاولى : ما إذا رجع المولى عن إذنه بعد تلبس العبد بالإحرام ، فقد ذكر في المتن أنه ليس له أن يرجع في إذنه ، ولا أثر لرجوعه ، لوجوب الإتمام على العبد ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1).
والظاهر أنه لم يظهر منهم خلاف في المسألة ، وتتفرع على ذلك المسألة الآتية من أنه لو باع العبد المأذون في الإحرام بعد تلبسه به ، ليس للمشتري المولى الثاني منعه عن الإتمام ، لأن منعه عن الواجب يستلزم معصية الخالق ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فلا أثر لمنعه ، وكذا لو انتقل إلى الوارث ليس له منعه بعد وجوب الإتمام عليه. وبعبارة اخرى : ليس للمالك منعه عن الإتمام سواء كان هو المولى الأوّل أو الوارث ، أو المشتري المالك الثاني - ، ولا يترتّب أثر على منعه في إتيان الواجب لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
هذا ، وفيما ذكروه مجال واسع للإشكال عليه ، لأن إتمام الحجّ مشروط ببقاء الشرائط ، وإذا فقد الشرط لا يمكن التمسك بوجوب الإتمام ، لأن الإتمام إنما يجب فيما إذا كان سائغاً ومشروعاً في نفسه ، والمفروض أن الإتمام غير مقدور له شرعاً ، لأنه
1) الوسائل 11 : 157 / أبواب وجوب الحجّ ب 59 ح 7 وغيره ، 16 : 152 / أبواب الأمر والنهي ب 11 ، 15 : 172 / أبواب جهاد النفس ب 3 ح 1.
.................................................................................................
مملوك ، وجميع تصرفاته متوقف على إذن المولى ، وهو لا يقدر على شيء ، فكيف يقال بأنّ الإتمام واجب عليه.
وبعبارة اخرى : هذه الكبرى وهي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن كانت مسلمة ، ولكنها تنطبق فيما إذا كانت المعصية مفروضة ومحرزة ، كمورد الزنا والكذب ونحوهما من المعاصي ، والكلام في المقام في كونه معصية للخالق أم لا فالصغرى غير محرزة ، ومعه لا يمكن تطبيق الكبرى ، توضيح ذلك : أنه يقع الكلام تارة من حيث الكبرى ، وبالنظر إلى ما يستفاد من هذه الجملة مع قطع النظر عن الحجّ ، وأُخرى من حيث الصغرى ، وبالنظر إلى حجّ العبد.
أمّا الأُولى : فهي مما لا إشكال فيه ولا ريب ، فإن معصية الخالق لا يزاحمها طاعة المخلوق بحكم العقل الضروري ، فإن العقل يحكم بوجوب طاعة المولى مطلقاً ، سواء في ذلك ما إذا كان في ترك الطاعة طاعة المخلوق وما إذا لم تكن ، وعليه فما ورد في بعض الروايات من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق يكون إرشاداً إلى حكم العقل لا بياناً لحكم شرعي تعبّدي ، هذا ، وإن ما وردت هذه الجملة فيه من الروايات ضعيفة السند ، فالعمدة هو حكم العقل بذلك ، وكيف كان ، فكل مورد ممّا يجب فيه طاعة أحد المخلوقين أو استحبت ، كطاعة الولد لوالده ، والعبد لسيده ، والزوجة لزوجها ، يخصص بما إذا لم يكن معصية للخالق ، فكل مورد كان معصية لله تعالى ولو بإطلاق دليله ، يسقط وجوب طاعة المخلوق أو حسنها.
وبعبارة اخرى : وجوب طاعة المخلوق أو حسنها إنما يختص بالموارد الجائزة ، وأما إذا كان المورد حراماً في نفسه فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، كموارد الزنا والكذب وشرب الخمر وترك الواجب ونحو ذلك ، فلو أمر المولى عبده بالكذب وشرب الخمر أو ترك واجب لا ينفذ أمره ، لعدم طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما فيما إذا لم يكن العمل معصية للخالق حين كونه طاعة للمخلوق ، فلا تنطبق عليه الكبرى المذكورة ، ومن هنا لو فرضنا أن أحداً أباح لشخص ركوب دابته في سفره إلى الحجّ ، فركبها المباح له قاصداً للحج وأحرم له ، ثمّ رجع المبيح عن إباحته
.................................................................................................
وطلب الدابة وجب على المباح له ردها ، وليس له الامتناع بدعوى أن إتمام الحجّ واجب ، فإن الفعل في نفسه محرم وغير مشروع ، فهو معذور عن الإتمام ، ونحوه ما لو أعاره الثوب للصلاة ، ورجع المالك في أثناء الصلاة ، فإنه ليس له الامتناع من الرد بدعوى حرمة قطع الصلاة ، بل ينكشف برجوع المعير بطلان الصلاة ، لعدم قدرته على الإتمام ، هذا كلّه من حيث الكبرى.
وأمّا من حيث الصغرى وبالنظر إلى حجّ العبد ، فلا إشكال أن هذا النحو من التصرف مناف لحق المولى. نعم ، بعض الأفعال الصادرة منه لا ينافي حق المولى كتكلّمه وتفكره وأمثال ذلك ، وأما السفر وإتيان أعمال الحجّ فلا إشكال في منافاتها لحق المالك ، فحاله من هذه الجهة حال الدابة إذا طلبها المالك المعير ، فالعمل في نفسه غير مشروع والإتمام غير واجب.
ومع الغض عن جميع ذلك ، فقد ورد في جملة من الروايات أنه لا حجّ ولا عمرة على المملوك ، وأن الحجّ لا يصلح منه أصلاً (1)، فحاله من هذه الجهة حال الحيوانات وإنما خرجنا عن مورد هذه الروايات في مورد الإذن واستمراره إلى نهاية الأعمال وأما إذا رجع المولى عن الإذن في الأثناء فتشمله النصوص الدالة على أنه لا حجّ ولا عمرة على المملوك ، الظاهرة في نفي الحقيقة وأنه ليس عليه حجّ أصلاً.
ومما ذكرنا يظهر الحال في الفرع الثاني ، وهو ما لو باع العبد المأذون بالحج المتلبّس بالإحرام ، ومنعه المالك الثاني ، فإن حاله حال المالك الأوّل في جواز الرجوع ، فإن تصرفه بدون إذن المالك محرم ، وحجّه مناف لحق المولى ، ومناف لإطلاق قوله تعالى ( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) (2)فلا مجال للتمسك بقوله : «لا طاعة لمخلوق» في الخبر المتقدم وأمّا أدلّة وجوب الإتمام فهي غير ناظرة إلى الشرائط الأُخر ، وإنما تدل على وجوب الإتمام في نفسه ، ولذا لو استلزم الإتمام محرماً آخر ، كالتصرف في
ملك أحد من دون رضاه لم يكن لها دلالة على إسقاط هذا الشرط وعدم العبرة به ، ومع الغض عن جميع
[2992] مسألة 2 : يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم بإذنه وليس للمشتري حل إحرامه (1) ، نعم مع جهله بأنه محرم يجوز له الفسخ مع طول الزمان
ما تقدّم فإن المقام يدخل في باب المزاحمة ، ولا بدّ من مراعات الأهم ، ولا ريب أن حرمة التصرف في سلطان أحد من دون رضاه أهم من وجوب الإتمام ، فجواز الرجوع هو الأظهر ، وإن كان الأحوط عدم جواز الرجوع.
الصورة الثانية : ما إذا رجع المولى عن إذنه قبل تلبس العبد بالإحرام ، وعلم به العبد ، فلا إشكال في عدم جواز إحرامه وفي فساده لفقد الإذن ، فإنه كما لو تلبس بالإحرام بدون إذن المولى من أوّل الأمر.
الصورة الثالثة : ما إذا رجع المولى عن إذنه ، ولم يعلم العبد برجوعه فتلبس بالإحرام ثمّ علم ، فهل يصح إحرامه ويجب عليه إتمامه ولا أثر لرجوع المولى ، فحال العبد حينئذ حال الوكيل المعزول في نفوذ تصرفاته إذا علم الوكيل بعزله بعد التصرّف ، أو يصحّ وللمولى حلّه ، أو يبطل؟ وجوه ، أوجهها الأخير كما في المتن وذلك لأن الحكم الظاهري لا يوجب قلب الحكم الواقعي ، فإن الإحرام في الواقع لم يكن واجداً للشرط وإنما العبد تخيل وجدان الشرائط ، أو أنه شك في رجوع المولى وبنى على عدمه وبقاء الإذن ، ولكن بعد العلم بالرجوع ينكشف عدم الإذن ، فالأمر بالحج حال الإحرام إما أنه كان خيالياً أو ظاهرياً ، ولا يوجب شيء منهما تبدّل الحكم الواقعي ، فالحج الصادر منه حجّ بدون إذن المولى ، وإنما أتى به مبنيّاً على الخيال أو الحكم الظاهري ، وانكشف كونه غير واجد للشرط من الأوّل ، وقياس المقام بباب عزل الوكيل قياس محض ، لأنه في باب الوكالة ثبت الحكم بالدليل ، ولم يثبت هنا ، ويترتب على ذلك أنه لو أذن المالك ثانياً بعد رجوعه عن الإذن الأوّل لا يكفي في الصحّة ، بل لا بدّ من التجديد من الأوّل.
(1) قد عرفت أن المولى له الرجوع في إذنه ، وليس للعبد أن يتم الحجّ بعد رجوع المولى ، ولو قلنا بأنه ليس للمولى الرجوع فباع العبد المأذون بالإحرام بعد تلبسه به
الموجب لفوات بعض منافعه.
[2993] مسألة 3 : إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه ، وإن لم يتمكن فعليه أن يصوم ، وإن لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم للنصوص والإجماعات (1).
فإن كان الزمان قصيراً جدّاً بحيث لا ينافي القدرة على التسليم ، أو اشترط التسليم بعد مدّة ، فلا كلام في عدم ثبوت الخيار للمشتري ، وأمّا إذا كان الزمان طويلاً ، أو لم يشترط التأخير وكان المشتري جاهلاً ، يثبت له الخيار ، كما لو باع داراً وانكشف أنها مستأجرة.
(1) إذا انعتق العبد فالذبح أو الصوم عليه كسائر الأحرار ، وليس على المولى شيء ، وأما إذا لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم ، فيمتاز العبد عن الصبي بأن الصبي إذا حجّ به يذبح عنه تعييناً كما في النص (1)، وأما العبد فيذبح عنه أو يؤمر بالصوم بدلاً عن الهدي إجماعاً ونصوصاً.
منها : صحيحة جميل «عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع ، قال : فمُرْه فليصم ، وإن شئت فاذبح عنه» (2).
ومنها : صحيحة سعد بن أبي خلف «إن شئت فاذبح عنه ، وإن شئت فمُرْه فليصم» (3).
وبإزائهما صحيحة ابن مسلم «عن المتمتع المملوك ، فقال : عليه مثل ما على الحر إمّا أُضحية وإمّا صوم» (4)، وقد حملها الشيخ على من أدرك أحد الموقفين معتقاً ، وهو بعيد جدّاً ، لأنّ مورد السؤال وموضوع الحكم المملوك لا المملوك الذي صار حراً
.................................................................................................
وجوز حملها على بيان المساواة في الكمية لئلا يظن أن عليه نصف ما على الحر كالظهار ونحوه فيكون المراد من الرواية أن الأُضحية الثابتة في حجّ المملوك كالأُضحية الثابتة في حجّ الحر ، ولا تعرض لها إلى أن الهدي على نفس المملوك أو على المولى ، فلا منافاة بين هذه الرواية وما تقدم مما دل على ثبوت التخيير للمولى بين أن يذبح عنه ، أو يأمره بالصوم.
نعم ، هناك روايتان يظهر منهما أن المتعين على المولى الذبح دون التخيير بينه وبين أن يأمره بالصوم.
إحداهما : رواية أبي حمزة البطائني قال : «سألته عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع إلى أن قال ... فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة» (1).
الثانية : رواية الحسن بن عمار «... واذبحوا عنهم أي الغلمان كما تذبحون عن أنفسكم» (2).
والجواب أوّلاً : أنه لا بدّ من رفع اليد عن ظهورهما في التعيين بتلك الروايات الصريحة في التخيير.
وثانياً : أن المراد بالغلام لم يعلم أنه المملوك ، إذ من المحتمل قريباً أن يراد به الصبي الذي لم يبلغ الحلم (3).
وثالثاً : أنهما ضعيفتان سنداً ، الاولى بعلي بن أبي حمزة الكذاب ، والثانية بالحسن ابن عمار الذي لم يوثق.
ثمّ لا يخفى أن تقييد الحكم بكون الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر ، كما في
1) الوسائل 14 : 84 / أبواب الذبح ب 2 ح 4.
2) الوسائل 14 : 85 / أبواب الذبح ب 2 ح 7.
3) الغلام غير موضوع للعبد لغة ، وإنما هو موضوع للصبي المراهق المعبّر عنه في اللغة بالطار الشارب [لسان العرب 12 : 440] ، نعم يصحّ إطلاقه على العبد والأجير والخدم ويقال أمر غِلمانه ، أو جاء مع غلمانه ، واستعماله في هذه الموارد من باب الإطلاق على المورد.
[2994] مسألة 4 : إذا أتى المملوك المأذون في إحرامه بما يوجب الكفّارة فهل هي على مولاه ، أو عليه ويتبع بها بعد العتق ، أو تنتقل إلى الصوم فيما فيه الصوم مع العجز ، أو في الصيد عليه وفي غيره على مولاه (1)؟ وجوه (1)
كلام الأصحاب لا وجه له أصلاً ، لأنّ الانعتاق قبل المشعر دخيل في إجزاء حجّ العبد عن حجّة الإسلام ، يعني إذا انعتق بعد المشعر لا يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام ، وأمّا الهدي فهو من آثار حجّ التمتع ، واختصّ به من بين أقسام الحجّ ، وإذا انعتق العبد بعد الموقفين وكان حراً حين النحر أو الذبح ، فمقتضى القاعدة والإطلاق كون الهدي عليه لأنه حر وزالت عنه العبودية ، ولا مقتضي لكونه على المولى.
وبالجملة : إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام يتوقف على انعتاقه قبل المشعر ، وأما ثبوت الهدي في حجّه فهو من آثار حجّ التمتّع ، فلو فرضنا أن حجّه غير مجز عن حجّة الإسلام ، كما إذا انعتق يوم العيد ، ولكن عند الذبح صار حرّا فالهدي عليه لأنه حر ولا موجب لكونه على مولاه ، فبحث الإجزاء وعدمه وثبوت الهدي على مولاه أو على العبد ، كل له حكم خاص لا يرتبط أحدهما بالآخر ، فتقييد ثبوت الهدي على العبد بانعتاقه قبل المشعر ممّا لا وجه له أصلاً ، ولم أر من تعرّض لهذه النكتة الدقيقة.
(1) إذا أتى العبد المأذون بما يوجب الكفّارة ففي ثبوت الكفّارة على العبد أو على مولاه وجوه وأقوال :
الأوّل : أن الكفّارة على سيِّده مطلقاً ، كما عن الشيخ في التهذيب (2)والمحقق في المعتبر (3).
الثاني : أنها على العبد مطلقاً ، وليس على المولى شيء ، اختاره في الجواهر
.................................................................................................
مستدلّاً بالأصل ، وبالقواعد المقتضية لكونها على العبد دون مولاه ، إذ لا ( تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ، فإن كان له مال فيذبح ، وإلّا فيصوم إذا لم يكن مزاحماً لحق المولى ولم ينهه عن ذلك ، وإلّا فهو عاجز عنهما ، ويثبت في ذمته إلى أن ينعتق كسائر الجنايات الصادرة منه (1).
الثالث : التفصيل بين الصيد وغيره ، ففي الصيد على العبد وفي غيره على مولاه.
الرابع : عكسه كما حكي عن المفيد (2).
الخامس : ما في المتن من التفصيل بين كون العبد مأذوناً في الإحرام بالخصوص وبين ما كان مأذوناً مطلقاً ، إحراماً كان أو غيره ، ولكن العبد اختار الحجّ ، فالكفارة في الأوّل على المولى وفي الثاني على العبد.
أقول : أما ما ذكره في الجواهر فلا وجه له أصلاً ، بعد ورود النص الصحيح في المقام ، ومعه لا مجال للتمسك بالأصل وبالقواعد العامة ، فلا بدّ من النظر إلى الروايات.
فمنها : ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن سعد بن عبد اللّه ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال : «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيداً وهو محرم هل على مولاه شيء من الفداء؟ فقال : لا شيء على مولاه» (3)، والسند صحيح ، ولكن صاحب المعالم ناقش في المنتقى في السند من وجهين (4)أحدهما : أن رواية محمّد بن الحسين وهو محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي نجران غير معهودة ، فتكون الرواية غريبة.
.................................................................................................
وفيه : أنّ ما ذكره نشأ عن عدم عثوره لروايته عنه وعدم تفحصه في أخبار الكتب الأربعة ، وقد روى محمّد بن الحسين عن ابن أبي نجران في موردين آخرين (1)فدعوى أنه لا وجود لذلك غريبة.
ثانيهما : أنّ رواية سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن الحسين بواسطة محمّد بن الحسن غريبة أيضاً ، إذ لا رواية له عن محمّد بن الحسن الصفار.
وفيه : أنه قد روى عن محمّد بن الحسن في غير مورد أيضاً (2)، وروايته عن محمّد ابن الحسين بلا واسطة وإن كانت كثيرة تبلغ ثمانين أو أكثر (3)، ولكن قد يروي عن محمّد بن الحسين بالواسطة كمحمّد بن الحسن الصفار ، فإنهما في طبقة واحدة ويجوز أن يروي عنه أيضاً ، نعم ، روايته عن محمّد بن الحسن الصفّار قليلة جدّاً ، وهي خمسة موارد (4)والأكثر روايته عن محمّد بن الحسين بلا واسطة ، فلا وجه للمناقشة في الرواية سنداً.
وقد حمل الشيخ هذه الصحيحة على ما إذا أحرم العبد من غير إذن مولاه ، وأما إذا كان مأذوناً ، فالكفّارة على السيّد كما في صحيح حريز الآتي.
وفيه : أن ما ذكره من الحمل بعيد جدّاً ، لأنه لو كان الإحرام بلا إذن من المولى بطل حجّه ، ويكون إحرامه كلا إحرام ، مع أن موضوع الصحيحة العبد المحرم ، وهي صريحة الدلالة على أن الكفّارة على نفس العبد ولا شيء على مولاه.
ومنها : صحيحة حريز قال (عليه السلام) «كل ما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له في الإحرام» (5).
1) الوسائل 26 : 34 / أبواب موانع الإرث ب 9 ح 2. التهذيب 9 : 379 / 1358.
2) التهذيب 2 : 137 / 532 ، 4 : 85 / 246.
3) تبلغ رواياته عن محمّد بن الحسين 84 وعن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب تبلغ 81 مورداً [معجم رجال الحديث 9 : 432].
4) أنظر معجم رجال الحديث 9 : 431.
5) الوسائل 13 : 104 / أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 1.
أظهرها كونها على مولاه ، لصحيحة حريز ، خصوصاً إذا كان الإتيان بالموجب بأمره أو بإذنه ، نعم ، لو لم يكن مأذوناً في الإحرام بالخصوص بل كان مأذوناً مطلقاً إحراماً كان أو غيره ، لم يبعد كونها عليه ، حملاً لخبر عبد الرحمن بن أبي نجران النافي لكون الكفّارة في الصيد على مولاه على هذه الصورة.
ومقتضى الجمع بينها وبين الصحيحة المتقدمة هو التفصيل بين الصيد وغيره لأجل تخصيص الصحيحة الثانية بالصحيحة الأُولى ، فالصحيح هو القول الثالث.
تنبيه : ذكر الشيخ صحيحة حريز في الإستبصار (1)بعين السند المذكور في التهذيب ، إلّا أنه قال : «المملوك كلّ ما أصاب الصيد» بدل «كلّ ما أصاب العبد» فالموضوع العبد إذا صاد لا كلّ ما أصاب ، فيقع التعارض بين صحيحة حريز وصحيحة ابن أبي نجران ، لأنّ صحيحة ابن أبي نجران دلّت على أنّ العبد إذا أصاب صيداً ليس على مولاه شيء ، وصحيحة حريز على نسخة الإستبصار تدلّ على أن العبد إذا أصاب الصيد فعلى سيده.
ولكن لا تصل النوبة إلى التعارض ، لأن هذه الصحيحة رواها الكليني عن حريز بعين السند (2)مثل ما في التهذيب (3)وكذا الصدوق في الفقيه (4). ولا نحتمل أن حريزاً روى روايتين إحداهما كما في الاستبصار ، والأُخرى كما في التهذيب ، فإن الاستبصار ليس كتاباً مستقلا ، وإنما هو جزء وتتميم للتهذيب ، وإنما ألّفه لأجل دفع التعارض الواقع في بعض الروايات المذكورة في التهذيب ، وكل ما في الاستبصار موجود في التهذيب ولا عكس ، فالرواية واحدة جزماً ، فيدور الأمر بين كون ما في الإستبصار غلطاً ، أو ما في التهذيب غلطاً ولا ريب أن الأوّل هو المتعين ، لشهادة الكليني
[2995] مسألة 5 : إذا أفسد المملوك المأذون حجّه بالجماع قبل المشعر فكالحر في وجوب الإتمام والقضاء (1) ، وأما البدنة ففي كونها عليه أو على مولاه فالظاهر أن حالها حال سائر الكفّارات على ما مرّ ، وقد مر أن الأقوى كونها على المولى الآذن له في الإحرام (2) ، وهل يجب على المولى تمكينه من القضاء ، لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه ، أو لا ، لأنّه من سوء اختياره؟ قولان أقواهما الأوّل (1)(3).
والصدوق على صحّة ما في التهذيب فلا يلتفت إلى ما في الإستبصار.
وأما ما ذكره المصنف من أن الإذن إن كان إذناً عاما فعلى العبد ، وإن كان إذناً خاصاً بالحج فعلى سيده ، فهو جمع تبرعي لا شاهد له ، فإن حمل الإذن في أحد الصحيحين على الإذن العام ، وفي الصحيح الآخر على الإذن الخاص بلا مقتضي.
فالصحيح هو التفصيل بين الصيد وغيره ، فإن كان ما أصابه صيداً ، فكفارته على العبد لا على مولاه ، وإن كان غير صيد فعلى مولاه ، حسب ما يقتضيه الجمع العرفي بين الصحيحين.
(1) لا ريب في أن فساد الحجّ بالجماع مشترك بين الحر والعبد ولا يختص بالحر وكل حاج جامع قبل المشعر فسد حجّه ، سواء كان حراً أو عبداً ، لعموم الأدلّة.
(2) الظاهر أنه يجري فيها ما تقدم في مطلق الكفّارة ، حيث لم يرد في خصوص البدنة نص بالخصوص ، وقد عرفت أن مطلق الكفّارة في غير الصيد على السيد كما يقتضيه صحيح حريز.
(3) قد عرفت أن الحجّ إذا فسد يجب عليه الإتمام والقضاء من قابل ، حراً كان أو عبداً ، وهل يجب على المولى تمكين العبد ليحج في السنة القابلة أو يجوز له منعه؟ وهل يجب على العبد إطاعته حينئذ أم لا؟ اختار المصنف وجوب التمكين على المولى
1) (*) فيه إشكال ، ولا سيما على القول بأن القضاء هو حجّة الإسلام والأوّل فاسد.
سواء قلنا إن القضاء هو حجّه أو أنه عقوبة وأن حجّه هو الأوّل ، هذا إذا أفسد حجّه ولم ينعتق ، وأما إن أفسده بما ذكر ثمّ انعتق فإن انعتق قبل المشعر كان حاله حال الحر (1) في وجوب الإتمام والقضاء والبدنة (2) (1).
مستدلّاً بأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه.
وفيه : ما لا يخفى من الغرابة ، لأنّ المولى لم يأذن له في الجماع ، وإنما أذن له في الحجّ وليس القضاء من لوازمه ، وإنما القضاء من أحكام الجماع ولوازمه وعقوبة مترتبة على ذلك ، فإن ذلك نظير ما إذا أذن المولى عبده بالصيام قضاء فأفطر العبد عمداً بعد الزوال ، ولا نحتمل أن تكون الكفّارة على المولى باعتبار أن المولى أذن له بالصوم وأن الإذن بالشيء إذن في لوازمه ، فإن المولى إنما أذن له بالصوم خاصة ، لا فيما يوجب الكفّارة ، بل الكفّارة التي تعد عقوبة على نفس العبد.
نعم ، قد يقال بوجوب تمكين المولى وعدم وجوب إطاعة العبد لمولاه إن منعه عن القضاء ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، إلّا أنه لا يتم ، ويظهر وجهه مما ذكرناه في المسألة الاولى من هذا الفصل (2).
(1) إذا كان الانعتاق بعد المشعر ، فلا ريب في عدم إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام مطلقاً ، سواء قلنا بأن الحجّ الثاني قضاء أو عقوبة. وإن كان الانعتاق قبل المشعر والتزمنا بأن حجّة هو الأوّل ، والحجّ الثاني عقوبة لأجل إفساده كما صُرح بذلك في بعض الروايات المعتبرة ، فيكون حجّة الأوّل مجزئاً عن حجّة الإسلام ، وإنما يجب عليه الحجّ ثانياً عقوبة ، ولذا لو عصى ولم يأت بالقضاء صح حجّه وأجزأ عن حجّة الإسلام.
(2) لا وجه لكون البدنة عليه ، بل مقتضى الأدلة أنها على المولى ، لأنّ المفروض
وكونه مجزئاً عن حجّة الإسلام إذا أتى بالقضاء على القولين من كون الإتمام عقوبة وأن حجّه هو القضاء أو كون القضاء عقوبة ، بل على هذا إن لم يأت بالقضاء أيضاً أتى بحجة الإسلام وإن كان عاصياً في ترك القضاء ، وإن انعتق بعد المشعر فكما ذكر إلّا أنه لا يجزئه عن حجّة الإسلام فيجب عليه بعد ذلك إن استطاع ، وإن كان مستطيعاً فعلاً ففي وجوب تقديم حجّة الإسلام أو القضاء وجهان مبنيّان على أن القضاء فوري أو لا ، فعلى الأوّل يقدم لسبق سببه (1)، وعلى الثاني تقدم حجّة الإسلام لفوريتها دون القضاء (1).
أنه ارتكب العمل حال كونه عبداً ، ومقتضى ما دل على أن المملوك إذا أتى بشيء غير الصيد فعلى مولاه كون البدنة على مولاه ، فإن العبرة بالارتكاب حال العبودية ، من دون فرق بين حصول العتق قبل المشعر أو بعده.
نعم ، في خصوص الهدي العبرة بحال الأداء والإتيان ، فإن كان حال الإتيان بالهدي حراً فعليه ، وإلّا فعلى مولاه.
وأما الكفّارة فالعبرة بحال الصدور والارتكاب ، فإن كان حين الصدور حراً فعليه ، وإن كان حين الصدور عبداً فعلى مولاه ، بمقتضى النص كما عرفت ، فموضوع الحكم ارتكاب الشيء حال كونه عبداً من دون فرق بين حصول الحرية قبل المشعر أو بعده ، وإنما ذلك يؤثر في إجزاء الحجّ وعدمه ، وأنه إذا انعتق قبل المشعر يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام ، وإن انعتق بعده فلا يجزئ.
(1) لو فرضنا أن حجّه هذا لا يجزئ عن حجّة الإسلام ، لأنه انعتق بعد المشعر والمفروض أنه يجب عليه الحجّ قضاء من قابل لأنه أفسد حجّه بالجماع ، فلو استطاع في هذه السنة ، فهل يجب تقديم القضاء أو تقديم حجّة الإسلام؟ وجهان ، بل قولان اختار المصنف تقديم القضاء بناء على القول بالفورية لسبق سببه ، فإنّ الاستطاعة
1) فيه إشكال ، ولا يبعد لزوم تقديم حجّة الإسلام.
.................................................................................................
حصلت بعد السبب السابق ، والسبب السابق المقتضي للقضاء يؤثر أثره.
وفيه : أن تقدم السبب لا أثر له ، لأنه لو فرضنا أن القضاء فوري يتزاحم هذا الواجب الفوري مع حجّة الإسلام ، وتقدم السبب لا أثر له في تقدم أحد الواجبين على الآخر ، بل العبرة بالأهمية وبفعلية التكليف بقاء ، وإن كان سبب أحد التكليفين أسبق ، كما إذا تزاحم وجوب الإزالة عن المسجد بنجاة الغريق ، فإنه لا إشكال في تقدم نجاة المؤمن لأنه أهم ، وإن كان سبب الإزالة أسبق ، فإن العبرة في باب التزاحم بالأهميّة ، وعليه إذا بنينا على أن الحجّ يعتبر فيه القدرة الشرعية وأن كل واجب أو حرام يمنع عن وجوب الحجّ ، والحجّ مشروط بعدم ترك الواجب وعدم إتيان المحرم ، فيتقدم القضاء ، لأن حجّ الإسلام غير واجب حينئذ ، لأن المفروض أن كلّاً من ترك الحرام ، وإتيان الواجب دخيل في وجوب حجّة الإسلام ، والواجب المقيد بالقدرة العقلية مقدم على الواجب المقيد بالقدرة الشرعية ، وقد ذكرنا في بحث الترتب أن الترتب لا يجري في الواجبات المقيدة بالقدرة الشرعية ، لأن التكليف الثاني معجّز عن الواجب المقيد بالقدرة الشرعية.
ونتيجة الكلام أن القضاء يتقدم لأنه لم يقيد بالقدرة الشرعية بخلاف الحجّ فإنه مقيد بالقدرة الشرعية.
هذا ولكن حققنا في بحث الترتب (1)أنّ الحجّ لم يؤخذ فيه القدرة الشرعية ، ولم يثبت ذلك بأي دليل ، فإنّ المعتبر في الحجّ الاستطاعة المفسرة في النصوص بالزاد والراحلة وتخلية السرب ، والقدرة الشرعية التي ذكروها غير معتبرة في وجوب الحجّ ، فطبعاً يتحقق التزاحم بين واجبين فعليين القضاء وحجّة الإسلام ولا ريب أنّ الثاني مقدّم لكونه أهم ، لأنه ممّا بُنيَ عليه الإسلام ، ومن أركانه ، وليس كذلك القضاء ، هذا كله مع تسليم فورية القضاء ، وأما على القول بعدم الفورية فالأمر أوضح.
1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 247.
[2996] مسألة 6 : لا فرق فيما ذكر من عدم وجوب الحجّ على المملوك وعدم صحّته إلّا بإذن مولاه وعدم إجزائه عن حجّة الإسلام إلّا إذا انعتق قبل المشعر بين القن والمدبر والمكاتب وأُم الولد والمبعّض إلّا إذا هاياه مولاه وكانت نوبته كافية مع عدم كون السفر خطريّاً ، فإنّه يصحّ منه بلا إذن (1)
(1) يختص العبد بالنسبة إلى أحكام حجّه بأمرين :
الأوّل : أن حجّه من دون إذن مولاه فاسد وغير جائز.
الثاني : أنه إذا أذن له مولاه في الحجّ وأتى به حال كونه عبداً ، فلا يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام إذا انعتق بعد المشعر ، وأما إذا أدرك أحد الموقفين معتقاً ، فيجزئ عن حجّة الإسلام.
أمّا الحكم الأوّل : فيجري في جميع أقسام العبيد من دون فرق بينها إلّا المبعّض إذا هاياه مولاه ، أي قرر له المولى مدة ونوبة ينتفع بها العبد (1)، وكانت نوبته كافية لأداء أعمال الحجّ ، فلا حاجة حينئذ إلى الإذن ، لأن المفروض حسب قراره مع المولى كون منافعه في هذه المدّة له ، ويجوز له التصرّف ، لكن لا بدّ أن يكون السفر غير خطري ، لأنه مأذون في التصرّف في منافعه ، وأما العين فهي ملك للمولى ، ولا يجوز له تعريضها إلى الهلاك والتلف.
وأمّا الحكم الثاني : وهو عدم إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام إذا انعتق بعد المشعر ، وإجزاؤه إذا حصل العتق قبل المشعر ، فمن الأحكام المسلمة التي عدت من الضروريات ، وأرسلوه إرسال المسلمات ، وتقدّمت الروايات الدالّة على عدم إجزاء حجّ العبد عن حجّة الإسلام ، وهي عامّة تشمل جميع أقسام العبيد حتى أُمّ الولد التي فيها شائبة الحرية.
إنّما الإشكال في المبعّض إذا حجّ في نوبته ، وأنه هل يجزئ عن حجّة الإسلام ولا
1) هاياه في دار كذا بينهما ، أي سكنها هذا مدة وذاك مدة ، وانتفع كل منهما بسهمه. أقرب الموارد 2 : 1412 مادّة (هيّأ).
لكن لا يجب ولا يجزئه حينئذ عن حجّة الإسلام وإن كان مستطيعاً لأنّه لم يخرج عن كونه مملوكاً ، وإن كان يمكن دعوى الانصراف (1)عن هذه الصورة ، فمن الغريب ما في الجواهر من قوله : (ومن الغريب ما ظنّه بعض النّاس من وجوب حجّة الإسلام عليه في هذا الحال ضرورة منافاته للإجماع المحكي عن المسلمين الذي يشهد له التتبّع على اشتراط الحرّيّة المعلوم عدمها في المبعض ...) إذ لا غرابة فيه بعد إمكان دعوى الانصراف ، مع أن في أوقات نوبته يجري عليه جميع آثار الحرّيّة (2).
يجب عليه الحجّ ثانياً وإن انعتق وصار حرّا وكان مستطيعاً ، أم لا يجزئ؟
ذكر في الجواهر أنّ بعض النّاس ظنّ الإجزاء ، وأن حجّ الإسلام واجب عليه في هذا الحال ، واستغربه بدعوى منافاته للإجماع المحكي عن المسلمين على اشتراط الحرية المعلوم انتفاؤها في المبعّض (3)واستغرب المصنف من استغراب صاحب الجواهر وقال : لا غرابة فيه ، لإمكان دعوى انصراف ما دلّ على عدم إجزاء حجّ العبد عن هذه الصورة ، وأن دليل المنع مختص بما إذا كان بتمامه عبداً ، وأما المبعض فلا يشمله دليل المنع ، فما ظنّه بعض الناس ليس بغريب.
أقول : الظاهر أن استغراب صاحب الجواهر في محله ، إذ ليس في الأدلة ما يوجب الانصراف ، فإن المستفاد منها وجوب الحجّ على جميع المكلفين غير العبيد ، وقد صُرح في الروايات أنه لا حجّ ولا عمرة على المملوك حتى يعتق ، فما لم يحصل العتق لا حجّ عليه ، إذ الغاية في ثبوت الحجّ عليه العتق.
وبعبارة اخرى : المستفاد من الأدلة أن العبد من حين ولادته وحال كونه عبداً إلى
[2997] مسألة 7 : إذا أمر المولى مملوكه بالحج وجب عليه طاعته وإن لم يكن مجزئاً عن حجّة الإسلام ، كما إذا آجره للنيابة عن غيره ، فإنه لا فرق بين إجارته للخياطة أو الكتابة وبين إجارته للحج أو الصلاة أو الصوم (1).
الثالث : الاستطاعة من حيث المال وصحّة البدن وقوّته وتخلية السرب وسلامته وسعة الوقت ، وكفايته بالإجماع والكتاب والسنّة.
[2998] مسألة 1 : لا خلاف ولا إشكال في عدم كفاية القدرة العقلية في وجوب الحجّ بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية ، وهي كما في جملة من الأخبار الزاد والراحلة ، فمع عدمهما لا يجب وإن كان قادراً عليه عقلاً بالاكتساب ونحوه (2).
زمان حصول العتق لا حجّ عليه ، ومن المعلوم أنّ المبعّض لا يصدق عليه المعتق ، فلا حجّ عليه ، وكذا ما دل من النصوص على أنه لو حصل العتق بعد المشعر لا يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام ، وإذا حصل قبله يجزئ ، فإنه بإطلاقه يشمل المبعّض ، لأن المفروض أنه غير معتق.
وبالجملة : لا ريب أن المستفاد من النصوص أنه ما لم ينعتق ولم تحصل الحرية لا يجزئ حجّه ، فإن الغاية هي الحرية والعتق ، والمفروض عدم تحققهما ، فتشمله الروايات النافية ، فدعوى الانصراف لا أساس لها.
(1) لأنّ العبد مملوك للمولى عيناً ومنفعة ، وله أن يطالبه بإتيان الحجّ عن نفسه أو نيابة ، كما أنّ له المطالبة بإتيان الصلاة أو الصوم نيابة. وبالجملة : له التصرّف في جميع منافعه ، ولا فرق بين أمره بالخياطة والكتابة ونحوهما من سائر الأعمال والأفعال ، وبين أمره بالحج أو الصلاة أو الصوم.
(2) لا يخفى أن مقتضى حكم العقل اعتبار القدرة والتمكن في الحجّ كسائر التكاليف والواجبات الإلهية ، والآية الكريمة أيضاً تدل على ذلك ، ولا تزيد على حكم العقل
.................................................................................................
فإن الاستطاعة المذكورة فيها هي القدرة والتمكن ، فالآية إرشاد إلى ما حكم به العقل ويكون الحجّ بمقتضى العقل والآية المباركة واجباً عند التمكّن والقدرة. نعم ، يرتفع وجوبه فيما إذا كان حرجياً ، لأنه منفي في الشريعة المقدّسة كسائر الواجبات الشرعية.
والحاصل : لو كنا نحن والعقل والآية الشريفة ، لكان حال الحجّ حال بقية الواجبات الإلهية من اعتبار القدرة فيه وارتفاع وجوبه عند الحرج.
هذا بحسب ما يقتضيه حكم العقل والآية ، وأما بحسب الروايات الواردة في المقام فالاستطاعة المعتبرة في الحجّ أخص مما يقتضيه العقل والآية ، حيث فُسرت الاستطاعة في جملة من الروايات بالزاد والراحلة ، ومن ثمّ وقع الخلاف في الاستطاعة المفسرة في الروايات ، فذهب جماعة من المتأخرين إلى أن اشتراط الزاد والراحلة مختص بصورة الاحتياج إليهما ، ولو كان قادراً على المشي من دون مشقة خصوصاً إذا كانت المسافة قريبة ، فلا يعتبر وجود الراحلة ، فالاستطاعة المذكورة في الروايات أُريد بها المعنى اللغوي ، وتخصيصها بالزاد والراحلة مطلقاً لا وجه له ، وإنما يُشترطان في حق المحتاج إليهما ، ويظهر من صاحب الوسائل اختيار هذا القول ، لأخذ الحاجة في عنوان أخبار المقام (1).
وذهب القدماء وجماعة من المتأخرين إلى أنهما معتبران مطلقاً حتى في حق من كان متمكناً من المشي وقادراً عليه من دون مشقة ، خصوصاً إذا كانت المسافة بعيدة ، فلو حجّ ماشياً من دون وجود الراحلة ، لا يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام وأما المصنف (قدس سره) فقد احتاط في المقام وإن قوى القول الثاني ، ولا ريب أن الاحتياط حسن على كل حال ، وإنما البحث فيما تقتضيه الأدلة.
ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات ، قيل : إن بعضها يدل على الاكتفاء بالتمكّن من المشي وعدم اعتبار وجود الراحلة إلّا مع الحاجة إليها ، وعدّة منها تدل على اعتبار الراحلة مطلقاً ، بل بعضها صريحة في ذلك أو في غاية الظهور.
1) الوسائل 11 : 33 / أبواب وجوب الحجّ ب 8.
.................................................................................................
فمنها : صحيحة الخثعمي قال : «سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عليه السلام وأنا عنده عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه ، مخلى سربه ، له زاد وراحلة ، فهو ممّن يستطيع الحجّ ، أو قال : ممن كان له مال ، فقال له حفص الكناسي : فإذا كان صحيحاً في بدنه ، مخلى في سربه ، له زاد وراحلة فلم يحج فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ ، قال : نعم» (1).
ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «سأله رجل من أهل القدر فقال : يا ابن رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) أليس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة؟ فقال : ويحك إنما يعني بالاستطاعة الزاد والراحلة ، ليس استطاعة البدن» (2). وهذه الرواية كالنص في أنّ الاستطاعة المعتبرة إنما هي من حيث الزاد والراحلة ، وعدم الاكتفاء بمجرد القدرة على المشي.
ولا مناقشة في السند ، إلّا في محمّد بن أبي عبد اللّه الذي هو من مشايخ الكليني ، فقد قيل : إنه لم يوثق ، ولكن قد ذكرنا في معجم الرجال أن محمّد بن أبي عبد اللّه الذي تكررت رواية الكافي عنه ، هو محمّد بن جعفر الأسدي الثقة (3)وأما موسى بن عمران الواقع في السند ، فهو من رجال كامل الزيارات ، وكذلك النوفلي ، وأما السكوني فالأظهر كونه ثقة لتوثيق الشيخ له في العدّة (4).
ومنها : صحيحة هشام بن الحكم «في قوله عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه ، مخلى سربه
.................................................................................................
له زاد وراحلة» (1). هذه جملة من النصوص التي اعتمد عليها المشهور.
وبإزائها روايات قيل : إنها تدل على عدم العبرة بالراحلة.
منها : صحيحة محمّد بن مسلم قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى؟ قال : هو ممّن يستطيع الحجّ ، ولِمَ يستحي ولو على حمار أجدع أبتر؟ قال : فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل» (2).
ومنها : صحيحة الحلبي قال «قلت له : فإن عرض عليه ما يحجّ به فاستحيى من ذلك أهو ممّن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال : نعم ، ما شأنه يستحي ولو يحجّ على حمار أجدع أبتر ، فإن كان يستطيع (يطيق) أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليحجّ» (3).
ولا يخفى أن القائل بعدم اعتبار الراحلة في الاستطاعة ، وبالاكتفاء بالتمكّن من المشي ، لا يلتزم بمدلول هاتين الصحيحتين ، لأنه حرجي قطعاً ، وهو منفي في الشريعة المقدّسة ، ولا يلتزم به أحد ، فإن الحرج منفي مطلقاً ، والذي يستفاد من الروايتين أنهما وردا في حكم من ترك الحجّ اختياراً وحياء وقال (عليه السلام) «ولم يستحي» بعد ما بذل له ما يحج به وعرض عليه الحجّ ، فإنه يستقر عليه الحجّ حينئذ ، وليس له الامتناع والحياء بعد عرض الحجّ ، وإذا امتنع من القبول واستحيا ، يستقرّ عليه الحجّ ويجب عليه إتيانه ولو متسكعاً ، لأنه ترك ما يحج اختياراً بعد استقراره ، والمراد من قوله : فإن عرض عليه ما يحجّ به ، هو بذل الزاد والراحلة أو قيمتهما ، ومن المعلوم أنه بعد عرض ذلك عليه وبذله إياه وامتناعه يستقر عليه الحجّ ، فالحكم المذكور في النص
1) الوسائل 11 : 35 / أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.
2) الوسائل 11 : 39 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 1. صورة إسناد هذا الحديث في الوسائل موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب عن صفوان. وفي التهذيب 5 : 3 / 4 والاستبصار 2 : 140 / 456 موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان ، ولصاحب المنتقى [منتقى الجمان 3 : 53] كلام في السند. والظاهر صحّة نسخة الوسائل ، لأن معاوية بن وهب لا يروي عن صفوان ، لأنه أقدم في الطبقة من صفوان.
3) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 5.
.................................................................................................
حكم بعد الاستقرار لا حكم السنة الأُولى ، فمورد الصحيحين أجنبي عن محل الكلام.
ومنها : رواية أبي بصير قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ... قال : يخرج ويمشي إن لم يكن عنده ، قلت لا يقدر على المشي ، قال : يمشي ويركب ، قلت : لا يقدر على ذلك أعني المشي ، قال : يخدم القوم ويخرج معهم» (1)ولا يخفى أن مدلول هذه الرواية مقطوع البطلان ، إذ لم يلتزم أحد حتى القائل بكفاية القدرة على المشي بلزوم الخدمة في الطريق ، مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني.
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار ، وهي العمدة في المقام قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال : نعم ، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين ، ولقد كان (أكثر) من حجّ مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) مشاة ، ولقد مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) بكراع الغميم (2)فشكوا إليه الجهد والعناء ، فقال : شدوا أُزرَكم واستبطنوا ، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (3)، فإنه (عليه السلام) حكم بوجوب الحجّ على من عليه الدّين ، لأن الحجّ واجب على كل من أطاق المشي ، والمراد من «أطاق» إعمال غاية الجهد والعناء ، كما هو المراد في قوله تعالى ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) (4)أي على الذين يتحملون الصوم بجهد وحرج شديد ، كالشيخ والشيخة ، فانّ الطاقة وإن كانت بمعنى القدرة ولكن المراد من أطاق أو يطيق ، الذي هو من باب الإفعال ، إعمال الطاقة والقدرة وبذل آخر مرتبة القدرة ، ولكن لا ريب في عدم وجوب الحجّ في هذا المورد قطعاً ، ولم يلتزم أحد بوجوبه.
والظاهر أن المراد بالطاقة في الرواية القدرة على المشي في داره وبلده ، في مقابل
وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصاً بصورة الحاجة إليها لعدم قدرته على المشي أو كونه مشقة عليه أو منافياً لشرفه أو يشترط مطلقاً ولو مع عدم
المريض والمسجّى الذي لا يقدر على المشي أصلاً حتى في داره وبلده ، وليس المراد به المشي إلى الحجّ.
وبعبارة اخرى : الصحيحة في مقام بيان وجوب الحجّ على كل من كان قادراً على المشي ، وكان متمكناً منه في بلده في مقابل المريض الذي لا يتمكن من المشي ، فالرواية أجنبية عمن يطيق المشي ويتمكّن منه بجهد ومشقة. وأمّا الذين حجّوا مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فلم يعلم أن حجهم كان حجّة الإسلام ، ويحتمل كون حجّهم حجّا ندبيّاً ، وإن فرض أوّل سنتهم ، فإنّ الحجّ يستحبّ للمتسكع ، ولم يكن مسقطاً عن حجّة الإسلام ، وأما ذكر الإمام (عليه السلام) هذه القضية فليس للاستشهاد ، وإنما نقلها لمناسبة ما.
وبالجملة : لو سلمنا ظهور هذه الرواية في عدم اعتبار الراحلة فلا ريب أن ظهورها ليس بأقوى من ظهور تلك الروايات المتقدمة الدالة على اعتبار الراحلة ، بل تلك الروايات أظهر ، فنرفع اليد عن ظهور هذه الصحيحة لأجل أظهرية تلك الروايات.
فتحصل : أن المستفاد من الروايات اعتبار الزاد والراحلة مطلقاً حتى في حق القادر على المشي ، وبها نقيد الآية الشريفة ، وتحمل الآية على ما في الروايات ، ولا سيما أن الروايات واردة في تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية ، وأمّا ما دلّ على كفاية التمكّن من المشي ، وعدم الاعتبار بالراحلة ، فلم يعمل بمضمونه أحد من الأصحاب حتى القائل بكفاية التمكن من المشي ، لأن مورد هذه الروايات حرجي وهو منفي في الشريعة المقدّسة.
ويؤيد بل يؤكد ما ذكرنا أن الحجّ لو كان واجباً على من تمكّن من المشي وإن لم يكن له راحلة ، لكان وجوبه حينئذ من جملة الواضحات لكثرة الابتلاء بذلك ، مع أنه
الحاجة إليه؟ مقتضى إطلاق الأخبار والإجماعات المنقولة ، الثاني.
وذهب جماعة من المتأخِّرين إلى الأوّل لجملة من الأخبار المصرحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضاً أو كلّاً ، بدعوى أن مقتضى الجمع بينها وبين الأخبار الأُول حملها على صورة الحاجة مع أنّها منزلة على الغالب بل انصرافها إليها ، والأقوى هو القول الثّاني لإعراض المشهور (1)عن هذه الأخبار مع كونها بمرأى منهم ومسمع ، فاللّازم طرحها أو حملها على بعض المحامل كالحمل على الحجّ المندوب وإن كان بعيداً عن سياقها ، مع أنها مفسرة للاستطاعة في الآية الشريفة ، وحمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب والندب بعيد. أو حملها على من استقرّ عليه حجّة الإسلام سابقاً ، وهو أيضاً بعيد ، أو نحو ذلك ، وكيف كان فالأقوى ما ذكرنا ، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بالأخبار المزبورة خصوصاً بالنسبة إلى من لا فرق عنده بين المشي والركوب أو يكون المشي أسهل لانصراف الأخبار الأُول عن هذه الصورة ، بل لولا الإجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوّة.
[2999] مسألة 2 : لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد حتى بالنسبة إلى أهل مكّة ، لإطلاق الأدلة ، فما عن جماعة من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له (1).
قد ادعي الإجماع على خلافه ، وتسالم القدماء على اعتبار الراحلة.
(1) مقتضى إطلاق ما دل على اعتبار الراحلة عدم الفرق بين المسافة القريبة والبعيدة ، حتى بالنسبة إلى أهل مكّة للمضي إلى عرفات ورجوعه إلى مكّة ، وقطع
1) (*) لا لذلك ، بل لأنّ الأخبار بين ما هو ضعيف وما لا دلالة له ، وأما دعوى الانصراف فيما دلّ على وجوب الحجّ بالزاد والراحلة فعهدتها على مدّعيها.
[3000] مسألة 3 : لا يشترط وجودهما عيناً عنده ، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما من المال ، من غير فرق بين النقود والأملاك من البساتين والدكاكين والخانات ونحوها ولا يشترط إمكان حمل الزاد معه ، بل يكفي إمكان تحصيله في المنازل بمقدار الحاجة ، ومع عدمه فيها يجب حمله مع الإمكان من غير فرق بين علف الدابة وغيره (1)
المسافة بينها وبين عرفات التي تبلغ أربعة فراسخ.
وعن جماعة منهم المحقق عدم اعتبار الراحلة بالنسبة إلى أهل مكّة وما قاربها وإنما تعتبر الراحلة لمن يفتقر إلى قطع المسافة البعيدة ، وأجابوا عن إطلاق الروايات الدالة على اعتبار الراحلة بأنها وردت في تفسير الآية الشريفة المختصة بحج البيت والسفر إليه ، فلا تشمل السفر إلى عرفات.
وبعبارة اخرى : الآية الشريفة بضميمة الروايات المفسرة لها ، تدل على اعتبار الراحلة لمن يسافر إلى البيت ويقصده ، كحج النائي الذي وظيفته حجّ التمتع ، وأما أهل مكّة وما قاربها فوظيفتهم حجّ الإفراد الّذي يسافرون فيه إلى عرفات لا إلى البيت ولا دليل على اعتبار الراحلة في السفر إلى عرفات (1).
ويرد عليهم : أنه لا ريب في أن البيت الشريف مقصود في جميع أقسام الحجّ ، ولا يختص بحجّ التمتّع ، فإن كل من يقصد الحجّ بأقسامه يقصد البيت وسائر المناسك غاية الأمر قد يقصده متقدماً كحج التمتع ، وقد يقصده متأخراً عن المناسك كحجّ القرآن والإفراد ، وقد يقصد البيت خاصّة كالعمرة المفردة.
(1) كما هو واضح ، فإن بعض الروايات وإن ذكر فيه الزاد والراحلة بخصوصهما ومقتضى الجمود على ذلك هو الاقتصار بوجودهما عيناً ، وعدم الاكتفاء بوجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما ، فإن ذلك من تحصيل الاستطاعة ، وهو غير واجب ، ولكن
1) الشرائع 1 : 200.
ومع عدمه يسقط الوجوب (1).
يظهر من جملة أُخرى من النصوص عدم الفرق بين وجود الزاد والراحلة عيناً ووجود بدلهما وقيمتهما.
ففي صحيحة معاوية بن عمار الواردة في تفسير الآية الشريفة «هذه لمن كان عنده مال» (1).
وفي صحيحته الأُخرى عن رجل له مال ولم يحج قط قال : «هو مَن قال اللّه تعالى ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) » (2).
وفي صحيحة الحلبي «إذا قدر الرجل على ما يحج به» (3)وما يحج به أعم من عين الزاد والراحلة وقيمتهما ، لصدق عنوان ما يحج به على ذلك جميعاً.
(1) الزاد من الطعام والماء بل وعلف الدابة ونحو ذلك من الحوائج إن كانت موجودة في كل منزل ينزله في الطريق فلا يجب الحمل ، وإن لم تكن موجودة في الطريق واحتاج إلى الحمل كالسفر في البر والبحر ، فذهب جماعة إلى عدم وجوب الحمل ، لأنه من تحصيل الاستطاعة ، ويسقط وجوب الحجّ حينئذ ، وذهب آخرون إلى وجوب الحمل ، إلّا إذا كان حرجياً زائداً على ما يقتضيه الحجّ ، وهذا القول هو الصحيح ، لصدق أن له زاداً على ما إذا تمكن من حمله ، وإن لم يكن موجوداً في الطريق ، ولا يختص بوجوده في الطريق بل عليه أن يحمله ، ولو بأن يستأجر دابّة لحملة.
والحاصل : لو استطاع أن يحمل الزاد ولو بأن تحمّله الدابة ، وجب عليه ذلك ومجرّد عدم وجدان الزاد في الطريق لا يوجب سقوط الحجّ.
[3001] مسألة 4 : المراد بالزاد هنا المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه المسافر من الأوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج إليه وجميع ضروريات ذلك السفر بحسب حاله قوّة وضعفاً وزمانه : حرّا وبرداً وشأنه : شرفاً وضعة ، والمراد بالراحلة : مطلق ما يركب ولو مثل سفينة في طريق البحر ، واللّازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوّة والضعف ، بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف كماً وكيفاً (1) ، فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة بحيث يعد ما دونهما نقصاً عليه
(1) اختلف الأصحاب في اعتبار الراحلة من حيث الضعة والشرف ، فذهب جماعة إلى مراعاة شأن المكلف وحاله ضعة وشرفاً بالنسبة إلى الراحلة ، وذهب آخرون إلى عدم اعتبار ذلك.
واستدل الأوّل بنفي الحرج ، فإن الدليل وإن كان مطلقاً من هذه الجهة ، إلّا أن قاعدة نفي الحرج حاكمة على الإطلاقات.
وربما يشكل التمسك بنفي الحرج ، من جهة أن مقتضى حكومة نفي الحرج هو نفي الوجوب لا نفي المشروعية ، والكلام في الثاني ، وعليه لو تحمل الحرج يحكم بصحة حجّه وإجزائه عن حجّ الإسلام ، فعدم الإجزاء يحتاج إلى الدليل ولا دليل.
والحاصل : أن أقصى ما تدل عليه قاعدة نفي الحرج ، هو نفي الوجوب لا نفي المشروعية ، فلو تحمل الحرج فمقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة والإجزاء ، إذ لا منافاة بين كون الشيء غير واجب في الشريعة ، وبين الحكم بالإجزاء بمقتضى الجمع بين الأدلّة أدلّة نفي الحرج والإطلاقات.
ونظير ذلك ما لو توضأ الصبي ثمّ بلغ ، فإنه لا حاجة إلى إعادة وضوئه ، بناء على مشروعية عباداته وعدم كونها تمرينية ، فإن الوضوء الصادر منه وإن كان غير واجب ، لكنه يجزئ عن الواجب ، وهكذا المقام.
يشترط في الوجوب القدرة عليه ولا يكفي ما دونه وإن كانت الآية والأخبار مطلقة ، وذلك لحكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الإطلاقات ، نعم إذا لم يكن بحد الحرج وجب معه الحجّ ، وعليه يحمل ما في بعض الأخبار : من وجوبه ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب.
وفيه : أن قياس المقام وتنظيره بالوضوء الصادر من الصبي باطل ، لأن الوضوء هو الطهور وهو حقيقة واحدة غير مختلفة ، وهي حاصلة على الفرض لصحة عبادات الصبي ، فلا وجه لإتيان الوضوء مرة ثانية بعد فرض حصول الطهارة ، وهذا بخلاف الحجّ ، فإن له حقائق مختلفة كما تقدّم ، فإن الحجّ الذي افترضه اللّه على العباد وجعله مما بني عليه الإسلام ، المسمّى بحجّ الإسلام في الروايات ، مشروط بعدم العسر بمقتضى قاعدة نفي الحرج ، فما يصدر منه حال العسر والحرج ، ليس بحجة الإسلام ، إذ اليسر بمقتضى القاعدة مأخوذ في حجّة الإسلام ، فإذا تحمل الحرج والعسر في أعمال الحجّ ، لم يكن حجّة بحجة الإسلام ، ولا دليل على إجزائه عن حجّة الإسلام فالإجزاء يحتاج إلى الدليل لا عدمه.
وبعبارة اخرى : الحجّ الذي افترضه اللّه على العباد مرة واحدة في العمر ، وجعله مما بني عليه الإسلام ، مشروط بعدم العسر بمقتضى نفي الحرج ، فإذا أتى بالحج حرجاً ومعسراً ، لم يكن حجّة بحجة الإسلام ، فإن حجّة الإسلام تمتاز من بين أقسامه بأخذ اليسار في موضوعه ، ولا تتصف حجّة الإسلام بالجواز وعدم الوجوب ، فالإجزاء يحتاج إلى الدليل. وممّا يدل على اعتبار اليسار في حجّة الإسلام وعدم وجوبه عند العسر والحرج موثق أبي بصير «من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال اللّه عزّ وجلّ ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) (1)فإن المستفاد منه أنه لو كان معسراً لا يشمله قوله تعالى ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) .
نعم ، وردت روايات أُخر في إتيان الحجّ وإن كان عسراً وحرجياً كصحيحة أبي
1) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7.
[3002] مسألة 5 : إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوباً يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لأكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه هل يجب عليه أو لا؟ الأقوى عدمه وإن كان أحوط (1).
بصير «من عُرض عليه الحجّ ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحجّ» (1)، ورواها الصدوق عن هشام بن سالم مثله (2)، فإنّ موردها وإن كان البذل ولكن لا خصوصية له ، والمستفاد من الصحيحة بعد إلغاء خصوصيّة المورد وجوب الحجّ مطلقاً ولو على حمار أجدع ، إلّا أنها مطلقة من حيث المبذول له ، بمعنى أنّ المستفاد من إطلاق الصحيحة وجوب الحجّ على كل مكلف ولو على حمار أجدع يناسب شأنه أم لا ، فإنّ المكلّفين يختلف شأنهم وحالهم من حيث الشرف والضعة فيقيد إطلاق ذلك بأدلّة نفي الحرج ، فإنها حاكمة على الأدلّة ، فمقتضى الجمع بين الأدلّة وجوب الحجّ ولو على حمار أجدع فيما إذا لم يستلزم الحرج ، ولم يكن منافياً لشأنه ، ولم يستلزم مهانة وذلة.
(1) ذهب بعضهم إلى أنه لو لم يجد الزاد بالفعل ، ولكن كان كسوباً يتمكّن من الاكتساب في الطريق لكل يوم قدر ما يكفيه ، كالحلاق وجب عليه الحجّ لصدق الاستطاعة.
ولكن الظاهر عدم الوجوب ، لأن العبرة في التمكّن من الزاد بالوجدان الفعلي والاستطاعة إنما تصدق في صورة التمكّن من الزاد فعلاً أو قيمة ، والتمكّن من الاكتساب في الطريق من قبيل تحصيل الاستطاعة ، ويصدق عليه أنه ليس له زاد فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) «له زاد وراحلة» أن يكون مستولياً عليهما بالفعل بملك ونحوه ، ولا يصدق الاستيلاء على الزاد بالفعل ، بمجرّد التمكّن من اكتساب الزاد في الطريق.
[3003] مسألة 6 : إنما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده ، فالعراقي إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعاً أو لحاجة أُخرى من تجارة أو غيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحج به وجب عليه (1) ، بل لو أحرم متسكعاً فاستطاع وكان أمامه ميقات آخر أمكن أن يقال (1)بالوجوب عليه ، وإن كان لا يخلو عن إشكال (2).
(1) لأنه لم تقيد الاستطاعة أو من له زاد وراحلة في النصوص بحصول ذلك في بلده ، إذ لا خصوصية لبلد دون بلد ، ولا دليل على لزوم حصول الاستطاعة من بلده ، بل اللّازم إتيان الحجّ والمناسك عن استطاعة ، فلو ذهب إلى بلد آخر ، بل إلى المدينة المنورة ، وقبل أن يصل إلى الميقات حصلت له الاستطاعة ، وجب عليه الحجّ. وبالجملة : لا كلام في وجوب الحجّ إذا استطاع قبل الميقات.
(2) مقتضى إطلاق الأدلة وجوب الحجّ عليه ، والذي يمنع عن القول بالوجوب عليه حينئذ إحرامه لغير حجّة الإسلام ، إذ ليس له إبطاله والإحرام ثانياً لحج الإسلام. والحاصل : من أحرم من الميقات إحراماً صحيحاً ولو ندباً ، ليس له رفع اليد عن الإحرام ، بل يجب عليه إتمام هذا العمل ، فليس له الإحرام الثاني في ضمن الإحرام الأوّل.
ولكن الظاهر وجوب الحجّ عليه ، وإحرامه الأوّل لا يمنع عنه ، لأنه بعد فرض شمول إطلاق الأدلة لمثل المقام يكشف عن بطلان الإحرام الأوّل ، وأنه لم يكن له أمر ندبي بالحج ، وإنما هو مجرد تخيل ووهم ، ففي الواقع هو مأمور بحجّ الإسلام ، ولكن لم يكن يعلم به ، فحصول الاستطاعة ولو بعد الميقات يكشف عن بطلان إحرامه الأوّل
1) (*) بل هو المتعين لكشف الاستطاعة عن عدم الأمر الندبي حين الإحرام ، فيجب عليه الإحرام للحج ثانياً سواء أكان أمامه ميقات آخر أم لم يكن.
[3004] مسألة 7 : إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب (1) ، ولو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر فإن لم يتمكن من اجرة الشقين سقط أيضاً ، وإن تمكن فالظاهر الوجوب (1)لصدق الاستطاعة ، فلا وجه لما عن العلامة من التوقف فيه لأن بذل المال له خسران لا مقابل له ، نعم لو كان بذلُه مجحفاً ومضرّاً بحاله لم يجب كما هو الحال في شراء ماء الوضوء (2).
وعن عدم الأمر الندبي حين الإحرام ، ولذا لو انكشف أنه كان مستطيعاً من بلده وكان لا يعلم بذلك ، فلم يجب عليه إلّا حجّة الإسلام ، ويجري عليه أحكام من تجاوز الميقات بغير إحرام ، فوظيفته حينئذ الرجوع إلى الميقات والإحرام منه لحجّة الإسلام إن تمكن من الرجوع ، وإلّا ففيه تفصيل يأتي إن شاء اللّه تعالى. ولا فرق في وجوب الإحرام للحجّ ثانياً بين ما إذا كان أمامه ميقات آخر أم لا ، فإنه يجب عليه الرجوع إلى الميقات والإحرام منه لحج الإسلام.
(1) لعدم حصول الاستطاعة حسب حاله وشأنه ، وكذا لو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر ، ولا مال له لُاجرة الشقين ، وكذا لو كان له مال ، وكان بذله للشق الآخر حرجياً وإجحافاً بالنسبة إليه ومضراً بحاله ، ففي جميع هذه الصور يسقط وجوب الحجّ ، لعدم حصول الاستطاعة.
(2) وقع الكلام فيما إذا كان بذل المال لُاجرة الشق الآخر ضرراً عليه ولكن لا يصل إلى حد الحرج ، فهل يجب بذل المال الزائد بإزاء الشق الآخر؟ وهل يجب عليه تحمل الضرر الزائد أم لا؟ فعن العلامة التوقف فيه (2)، وذهب في المتن إلى الوجوب لصدق الاستطاعة.
[3005] مسألة 8 : غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو اجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط ، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من القيمة بل وكذا لو توقف على الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة ، بل وكذا لو توقف على بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة
وقد يقال بأن بذل المال بإزاء العدل الآخر ضرر عليه فهو مرفوع ، لحديث لا ضرر.
وأُجيب بأن الحجّ تكليف ضرري ، وحديث لا ضرر لا يجري في الأحكام الضررية ، ولا نظر له إليها ، وإنما يجري في الأحكام التي لها فردان ، ضرري وغير ضرري ، والحديث يرفع الضرري ، وأما إذا كان متمحضاً في الضرر ، فلا يجري فيه حديث لا ضرر ، وأدلة وجوب الحجّ على المستطيع لما كانت متضمنة للضرر وصرف المال ، تكون أخص من نفي الضرر ، فأدلة وجوب الحجّ مخصصة لنفي الضرر.
وبالجملة : أدلة نفي الضرر لا نظر لها إلى الأحكام الضررية كالزكاة والخمس والجهاد والحجّ ، ويجب تحمل الضرر في هذه الموارد ما لم يصل إلى حد الحرج والإجحاف.
وفيه : أن الحجّ وإن كان ضرريّاً ، ولكن المجعول من الضرر ما يقتضيه طبعه مما يحتاج إليه المسافر إلى الحجّ ، وأما الزائد على ما يقتضيه طبع الحجّ ، فهو ضرر آخر أجنبي عن الضرر اللازم من طبع الحجّ ، والمرفوع بحديث لا ضرر إنما هو الضرر الزائد عما يقتضيه طبع الواجب ، والذي لا يرتفع بلا ضرر إنما هو الضرر اللازم منه مما يقتضيه طبعه.
وبعبارة اخرى : أن حديث لا ضرر وإن كان لا نظر له إلى الأحكام الضررية ، ولكن بمقدار الضرر الذي يقتضيه طبع الحكم ، وأما الضرر الزائد على ذلك فلا مانع من رفعه بحديث لا ضرر ، وأدلة الحجّ بالنسبة إلى هذا الضرر الزائد مطلقة ، ولا مانع
فما عن الشيخ من سقوط الوجوب ضعيف ، نعم لو كان الضّرر مجحفاً بماله مضراً بحاله لم يجب ، وإلّا فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الاستطاعة وشمول الأدلة ، فالمناط هو الإجحاف والوصول إلى حد الحرج الرافع للتكليف (1).
[3006] مسألة 9 : لا يكفي في وجوب الحجّ وجود نفقة الذهاب فقط ، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده وإن لم يكن له فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو بالإجارة ، للحرج في التكليف بالإقامة في غير وطنه المألوف له ، نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيداً لا تعلق له بوطن لم يعتبر وجود نفقة العود لإطلاق الآية والأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب ، وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لا بدّ من وجود النفقة إليه إذا لم يكن أبعد من وطنه ، وإلّا فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه (2).
من شمول الحديث لهذه الزيادة ، والقدر المسلّم من تحمل الضرر في زاده وراحلته ما كان مما يقتضيه العادة وطبع الحجّ في نفسه ، وأما الزائد فلا دليل على تحمله إلّا المطلقات ، وهي محكومة بلا ضرر.
(1) قد ظهر حال هذه المسألة مما ذكرنا في المسألة السابقة ، فإن غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة وبيع أملاكه بأقل من ثمن المثل ونحو ذلك ولو لم يستلزم الحرج والإجحاف يوجب سقوط الوجوب ، لأن الضرر الزائد على المقدار المتعارف منفي بلا ضرر ، إلّا إذا كان الضرر يسيراً فإنه لا عبرة به.
(2) إذا لم يكن له نفقة العودة ، وكان متمكناً من الذهاب فقط ، فإن كان بقاؤه في مكّة المكرمة حرجياً ، فلا ريب في عدم وجوب الذهاب ، وأما إذا لم يكن بقاؤه في مكّة حرجياً ، ويتمكّن من أن يعيش هناك كما يعيش في بلده ، لعدم وجود علاقة له بوطنه ، فلا يعتبر تمكّنه من نفقة العود ، بل تكفي نفقة الذهاب ، ويجب عليه الحجّ لأنه
.................................................................................................
مستطيع من الحجّ والسفر إلى البيت ، ولا دليل على اعتبار التمكن من نفقة العود في هذه الصورة.
وأمّا إذا لم يرد الرجوع إلى بلده الذي سافر منه ، بل أراد الرجوع إلى بلد آخر كمن يسافر من العراق إلى مكّة ويريد العود إلى خراسان أو الشام ، فهل يعتبر التمكّن من نفقة العود إلى ذلك البلد الذي يريد الذهاب إليه أم لا؟
فصّل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الذي يريد المقام فيه أبعد من وطنه الذي سافر منه كخراسان وبين ما لم يكن أبعد كالشام ، ففي الصورة الأُولى اكتفى بمقدار العود إلى وطنه ، وفي الصورة الثانية اعتبر مقدار العود إلى البلد الذي يريد أن يقيم فيه.
أقول : للمسألة صورتان :
الاولى : ما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى وطنه ، بل لا بدّ له أن يذهب إلى بلد آخر ، فحينئذ لا بدّ من وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد الذي يريد أن يقيم فيه وإن كان أبعد ، هذا إذا لم يكن ذهابه إلى ذلك البلد حرجياً ، وإلّا فلا يجب عليه الخروج إلى الحجّ.
الصورة الثانية : ما إذا أراد الرجوع إلى بلد آخر حسب رغبته الشخصية وميله الخاص ، ذكر في المتن أن العبرة في نفقة العود بالقرب والبعد ، والظاهر أن العبرة بكثرة القيمة وعدمها ، ولا عبرة بالبعد والقرب ، فإن كان الذهاب إلى بلد آخر يريد المقام فيه اختياراً يحتاج إلى صرف المال أقل من العود إلى وطنه تجب مراعاة ذلك ولو فرض أن طريقه أبعد ، وإن كان يحتاج إلى صرف المال أكثر من الرجوع إلى وطنه فالعبرة بالمقدار المحتاج إليه في العود إلى وطنه ، ولا عبرة بكثرة القيمة اللّازم صرفها في الذهاب إلى بلد آخر ، فكان الأولى أن يعبّر في المتن بزيادة القيمة والنفقة لا القرب والبعد ، إذ لا عبرة بهما كما عرفت ، وإنما العبرة بما ذكرنا.
[3007] مسألة 10 : قد عرفت أنه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في نفقة الحجّ من الزاد والراحلة ولا وجود أثمانها من النقود ، بل يجب عليه بيع ما عنده من الأموال لشرائها ، لكن يستثني من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه ، فلا تباع دار سكناه اللّائقة بحاله ولا خادمه المحتاج إليه ولا ثياب تجمّله اللّائقة بحاله فضلاً عن ثياب مهنته ، ولا أثاث بيته من الفراش والأواني (1)
(1) قد عرفت أن العبرة في الاستطاعة بوجود الزاد والراحلة عيناً أو ثمناً ، وأنه يكفي في تحققها وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما ، سواء كان من النقود أو الأملاك فالميزان وجود ما يحجّ به. نعم ، يستثني من ذلك ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاش عياله ، من الدار والأثاث والثياب والفرش والأواني وفرس ركوبه وغير ذلك ممّا ذكر في المتن مما يحتاج إليه ، بحيث لو باع أحد هذه الأُمور وصرف ثمنه في الحجّ وقع في الحرج ، فالعبرة في جميع ذلك بالحرج ، فإذا كان فقدان شيء من ذلك موجباً للحرج ، لا يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة ، لأن دليل نفي الحرج حاكم على جميع الأدلة ، ويرفع الإلزام بالفعل أو الترك ، فكل شيء إذا كان فقده موجباً لوقوعه في الحرج ، لا يجب بيعه وصرفه في الحجّ ، لاستلزام التكليف بصرف ذلك في الحجّ الحرج والعسر ، ومن ذلك الكتب مطلقاً دينية كانت أو غيرها ، ككتب الطب ونحو ذلك مما يحتاج إليه في معاشه ، بحيث لو باعها وبدّلها بما يحج به لوقع في الحرج ، فلا وجه لاختصاص الاستثناء بالكتب الدينية كما في المتن ، ومنه الفرس المعدّ لركوبه في حوائجه وأغراضه ، فإن كان بيع الفرس أو فقدانه مستلزماً لوقوع الشخص في الحرج والمشقة يسقط وجوب الحجّ ولا يجب بيعه.
فلا وجه لما عن كشف اللثام من التفصيل بين ما إذا كان الفرس صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة ، وإلّا فهو أمر زائد يجب بيعه وتبديله بالزاد والراحلة (1)
1) كشف اللثام 5 : 94.
وغيرهما مما هو محل حاجته ، بل ولا حلي المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها ، ولا كتب العلم لأهله التي لا بدّ له منها فيما يجب تحصيله لأن الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية ، ولا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه ، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه ، ولا سلاحه ولا سائر ما يحتاج إليه ، لاستلزام التكليف بصرفها في الحجّ العسر والحرج ، ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية.
لما عرفت أن الميزان هو الحرج وأنه إذا استلزم فقد الفرس حرجاً عليه لعدم إمكان استيفاء أغراضه وسد حوائجه به ، فلا يجب بيعه سواء كان صالحاً للسفر إلى الحجّ أم لا.
كما لا وجه لما عن الشهيد من التوقف والتردد في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع (1)، لما عرفت من أن مجرد التمكن من الزاد والراحلة وتحصيلهما لا يجدي في ثبوت الوجوب ، بل الميزان مضافاً إلى التمكن والاستطاعة من حيث الزاد والراحلة عدم استلزام الحرج في بيع ما يحتاج إليه في أُمور معاشه ودنياه.
ثمّ لا فرق بين استلزام الحرج بالفعل ، وبين حصوله في الزمان اللاحق ، كثياب الشتاء بالنسبة إلى موسم الصيف ، فإن تبديل ما يحتاج إليه في الشتاء وإن لم يستلزم الحرج بالفعل لكون الزمان حارّاً على الفرض ، ولكنه يقع في الحرج في موسم الشتاء ، وأدلة نفي الحرج لا قصور فيها عن شمولها لمطلق ما يستلزم منه الحرج ، فعلياً كان أو استقبالياً ، لأن الميزان هو حصول الحرج سواء كان بالفعل أو في الزمان اللّاحق.
وممّا ذكرنا يظهر الحال في حلي المرأة ، فإنه مع حاجتها إلى لبسها كما إذا كانت شابّة ، لا يجب بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة ، لأنّ صرفها في الحجّ حرجي عليها
1) الدروس 1 : 311.
فلا وجه لما عن كشف اللثام من أن فرسه إن كان صالحاً لركوبه في طريق الحجّ فهو من الراحلة ، وإلّا فهو في مسيره إلى الحجّ لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ ، كما لا وجه لما عن الدروس من التوقف في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع. فالأقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه مما يكون إيجاب بيعه مستلزماً للعسر والحرج ، نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ ، وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما في حلي المرأة إذا كبرت عنه ونحوه.
[3008] مسألة 11 : لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه وكان عنده دار مملوكة فالظاهر وجوب بيع المملوكة (1) إذا كانت وافية لمصارف الحجّ أو متممة لها
وأما إذا كبرت وتقدم بها السن بحيث لا يناسب لها لبسها ، ففي هذه الصورة يجب عليها بيعها وتبديلها بالزاد والراحلة ، لعدم الحاجة إليها وعدم استلزام الحرج من صرفها في الحجّ.
(1) لو كان له دار مملوكة ، ولكن يمكنه السكنى في الدار الموقوفة ، فهل يجب عليه بيع المملوكة وصرف ثمنه في الحجّ أم لا؟ وجهان :
أحدهما : عدم وجوب البيع ، لأن الدار محل الحاجة ، ومما يمكن الاحتياج إليه والأصل عدم وجوب البيع.
ثانيهما : وجوب البيع وصرف ثمنه في الحجّ ، أو تتميمه لمصارف الحجّ ، وذلك لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار الموقوفة منافية لشأنه ، ولم يكن عليه حرج في ذلك ، فلا حاجة إلى الدار المملوكة حينئذ ، لسد حاجته بالوقف ، فلا حرج في بيع المملوك ، وعليه لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم وجوب البيع. وقد استثنى المصنف (رحمه اللّه) من ذلك ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل
وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته فيجب بيع المملوكة منها. وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة ، لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم يكن ذلك منافياً لشأنه ولم يكن عليه حرج في ذلك ، نعم لو لم تكن موجودة وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك (1)، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه ، والفرق : عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الأُولى إلّا إذا حصلت بلا سعي منه ، أو حصّلها مع عدم وجوبه فإنه بعد التحصيل يكون كالحاصل أوّلاً.
وأمكنه تحصيلها والسكنى فيها ، لم يجب عليه بيع المملوكة لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة ، بل ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب.
والحاصل : فرّق في المتن بين ما إذا كان بيده دار موقوفة يسكن فيها مثلاً ، وكان له دار مملوكة أيضاً ، وبين ما إذا لم تكن الدار الموقوفة موجودة بالفعل ، ولم تكن تحت اختياره فعلاً ، ولكن يمكنه تحصيلها والسكنى فيها ، فاختار وجوب البيع في الصورة الأُولى لصدق الاستطاعة ، وعدم الوجوب في الصورة الثانية ، لأن تحصيل الدار الموقوفة لأجل السكنى فيها من قبيل تحصيل الاستطاعة ، وهو غير واجب.
ولكن الظاهر عدم الفرق بين الصورتين ، لصدق الاستطاعة في الصورة الثانية أيضاً ، لأن المراد بالاستطاعة كما عرفت غير مرة وجود ما يحج به عنده ، وهو حاصل في المقام ، والذي يمنع عن صرفه في الحج العسرُ والحرج ، والمفروض أنْ لا حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد قدرته على تحصيل الدار الموقوفة ، كما لو فرضنا أنه وحيد لا عائلة له ، وليس ذلك من تحصيل الاستطاعة حتى يقال بعدم وجوبه ، فإن المفروض أن عنده ما يحج به بالفعل ، ويتمكن من ترك البيت والسكنى في
1) فيه إشكال فإن المفروض أن عنده ما يحج به ولا حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد قدرته على تحصيل الدار وغيرها مما يحتاج إليه ، والفرق بين المقام وتحصيل ما يحج به ظاهر.
[3009] مسألة 12 : لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللّائق بحاله بحسب عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لائقاً بحاله أيضاً ، فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحجّ أو لتتميمها؟ قولان من صدق الاستطاعة ، ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة والأصل عدم وجوب التبديل. والأقوى الأوّل إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه وكانت الزيادة معتداً بها ، كما إذا كانت له دار تسوى مائة وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين مع كونه لائقاً بحاله من غير عسر فإنه يصدق الاستطاعة ، نعم لو كانت الزيادة قليلة جدّاً بحيث لا يعتنى بها أمكن دعوى عدم الوجوب (1)وإن كان الأحوط التبديل أيضاً (1).
المدرسة بدون استلزام مهانة عليه ، وإنما يحصّل أمراً آخر يسد حاجته به ، ومثله يجري في سائر الأشياء من الأثاث كالفرش والكتب ، فإذا تمكن من تحصيل الكتب الموقوفة بلا حرج ، ولم يكن استعمال الوقف له حرجاً ولم يكن منافياً لشأنه ومهانة عليه ، يجب عليه بيع كتبه المملوكة ، لصدق الاستطاعة بالزاد والراحلة قيمة ، فلا يختص الحكم بالدار.
والحاصل : تحصيل الاستطاعة وإن لم يكن واجباً قطعاً ، ولكن المقام ليس من باب تحصيل الاستطاعة ، بل الاستطاعة بالزاد والراحلة قيمة حاصلة بالفعل ، فلا بدّ من النظر إلى أن صرفها في الحجّ يوجب الحرج فلا يجب ، وإلّا فهو واجب لصدق الاستطاعة.
(1) لم يظهر لنا وجه لهذا التفصيل ، فإن الفرق بالتفاوت الكثير واليسير إنما يؤثر في مثل ثبوت خيار الغبن وعدمه ، لما ذكرنا في محله أن عمدة دليل خيار الغبن هو الاشتراط الضمني وبناء العقلاء على تساوي العوضين من حيث المالية ، وعدم
1) (*) لكنّها بعيدة جدّاً.
[3010] مسألة 13 : إذا لم يكن عنده من أعيان المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها ، ففي جواز شرائها وترك الحجّ إشكال ، بل الأقوى عدم جوازه إلّا أن يكون عدمها موجباً للحرج عليه ، فالمدار في ذلك هو الحرج وعدمه ، وحينئذٍ فإن كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلّا مع عدم الحاجة ، وإن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها إلّا مع لزوم الحرج في تركه ، ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل بآخر لم يجب صرف ثمنها في الحجّ ، فحكم ثمنها حكمها ، ولو باعها لا بقصد التبديل وجب بعد البيع صرف ثمنها في الحجّ
التفاوت بينهما كثيراً وإلّا فيثبت خيار تخلّف الشرط ، وأمّا إذا كان التفاوت يسيراً فلا يعتني به العقلاء ولا يوجب الخيار.
وأما في المقام فقد عرفت أن الميزان في الاستطاعة هو التمكن من الزاد والراحلة عيناً أو قيمة ، والمفروض أن له زاداً وراحلة بهذه الزيادة المترتبة على التبديل.
نعم ، يشترط أن لا يستلزم التبديل الحرج ، فالتفاوت بالكثير وباليسير لا أثر له في ذلك ، بل لو كان التفاوت بواحد في المائة وجب التبديل ، كما لو فرض أن نفقة الحجّ مائة دينارٍ وعنده بالفعل تسعة وتسعون ديناراً ، يجب عليه بيع داره بمائة ليضيف ديناراً واحداً إلى نفقة حجّه ، ويشتري بالباقي داراً أُخرى مناسبة لشأنه ، وكما لو فرضنا أن داره تسوى عشرة آلاف ديناراً وأن مصرف حجّه يبلغ مائتي دينار يجب عليه بيع داره ويأخذ مصرف حجّه ويشتري بالباقي داراً اخرى ، مع أن نسبة المائتين إلى العشرة آلاف قليلة جدّاً.
فالصحيح عدم الفرق بين الصورتين ، لصدق الاستطاعة في كلتا الصورتين ، إذ العبرة بالتمكن من الزاد والراحلة ، وهو حاصل في المقام سواء كان التفاوت يسيراً أو كثيراً.
إلّا مع الضرورة إليها (1)على حدِّ الحرج في عدمها (1).
(1) قد تقدّمت جملة من المستثنيات التي مما يحتاج إليه في معاشه وحياته ، وأنه لا يجب بيعها وصرف ثمنها في الحجّ ، لاستلزام ذلك العسر والحرج ، هذا بالنسبة إلى الأعيان الموجودة ، وهكذا بالنسبة إلى النقود ، فلو كان عنده مقدار من النقود ولم يكن عنده دار ، ودار الأمر بين صرف النقود في الحجّ ، وبين أن يشتري بها داراً لسكناه فلو كانت الدار ممّا يحتاج إليه ، بحيث لو صرف النقود في الحجّ وترك شراء الدار لوقع في الحرج ، لا يجب عليه الحجّ ، بل يجوز له شراء الدار لسد حاجته وضرروته.
وبعبارة اخرى : استثناء ما يحتاج إليه لا يختص بالأعيان الخارجية بل يشمل ثمنها أيضاً ، فإن كانت الدار المملوكة مما يحتاج إليه ، بحيث لو باعها وقع في الحرج ، لا يجب عليه بيعها وصرف ثمنها في الحجّ ، وكذا من كان له مقدار من المال يكفي لشراء الدار بحيث لو لم يشتر به داراً لوقع في الحرج ، جاز له شراء الدار ، ولا يجب عليه صرف المال في الحجّ ، وكذا لو باع داره بقصد التبديل إلى دار أُخرى ، أو إلى ما يحتاج إليه في حياته ، لا يجب عليه صرف الثمن في الحجّ ، بل يجوز له شراء ما يحتاج إليه بدلاً عن الدار التي باعها.
والحاصل : لا يجب عليه الحجّ في هذه الموارد الثلاثة :
الأوّل : إذا كان ما عنده مما يحتاج إليه عيناً.
الثاني : ما إذا كان مما يحتاج إليه نقداً.
الثالث : ما إذا كان له كلا الأمرين ، كما إذا كان له دار وباعها بقصد التبديل ، فإنه قبل البيع له العين ، وبعده له النقد بالفعل قبل التبديل. وفي جميع هذه الصور لا يجب الحجّ ، إذ لا يجب صرف المال في الحجّ ، لاستلزامه الحرج على الفرض. وأما لو باع
1) (*) هذا مع بنائه على صرف الثمن فيها جزماً أو احتمالاً ، وأمّا مع بنائه على العدم فالظاهر هو وجوب الصرف في الحج لعدم كونه حرجياً عندئذ.
.................................................................................................
داره لا بقصد التبديل بل لغاية من الغايات ، ذكر في المتن أنه يجب عليه صرف ثمنها في الحجّ إلّا إذا كان صرفه فيه مستلزماً للحرج ، كما لو فرضنا أن صرف الثمن في الحجّ يستوجب أن لا يملك داراً أصلاً ، وهذا حرجي عليه.
والحق هو التفصيل ، لأنه تارة يبني على صرف المال فيما يحتاج إليه في حياته ، وإن لم يكن مسانخاً مع العين الاولى ، كمن يبيع داره ليشتري بثمنها ثياباً لنفسه وعياله وغير ذلك مما يحتاج ويضطر إليه. وأُخرى يتردد في صرفه فيما يحتاج إليه من أنواع الحوائج ، فهو غير بانٍ على شيء فعلاً. وثالثة يبني على التحفظ على المال وعدم صرفه في الحوائج ، بل يريد أن يدّخره ، ففي الأوّل والثاني لا يجب عليه الحجّ ، لأن إلزامه بصرفه في الحجّ حرجي عليه ، ومناف لمقاصده ، وأما في الثالث فلا حرج عليه في صرفه في الحجّ بعد فرض أنه عازم على عدم صرفه في حوائجه.
وبعبارة اخرى : إلزامه بالحج حينئذ غير حرجي عليه ، إذ لو صرف المال أو لم يصرفه يعيش عيشة حرجية ، فإنه لو لم يحج أيضاً لا يعيش إلّا نكداً. نعم ، صرف المال مناف لعزمه وتصميمه بادّخار المال ، وإلّا فلا حرج عليه من ناحية الحجّ ، وإنما الحرج نشأ من عزمه على ادّخار المال وعدم صرفه في حوائجه ، لا من الحكم الشرعي بوجوب الحجّ ، كمن يقنع بأن يسكن في الخربة ويعيش عيشة الفقراء من حيث المسكن والمأكل والثياب ، ويدّخر الأموال ، فمجرد الضرورة والحاجة لا يوجب سقوط الحجّ ، بل صرف المال في الحوائج أو بناؤه أو التحفظ على الأموال حتى يتروى في كيفية الصرف ونحو ذلك مما لو مُنع عن ذلك لوقع في الحرج ، كل ذلك يوجب سقوط الحجّ ، وأما مجرد تصميمه على التحفظ على المال وادّخاره وعدم صرفه في حوائجه ، فلا يوجب سقوط الحجّ ، فإن صرفه في الحجّ لا يؤثر في حاله لأنه لو صرف أو لم يصرف لعاش عيشة حرجية ، فالحرج لم ينشأ من إلزامه بالحج والمفروض وجود ما يحج به عنده فيجب عليه الحجّ.
[3011] مسألة 14 : إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج ونازعته نفسه إلى النكاح ، صرح جماعة بوجوب الحجّ وتقديمه على التزويج ، بل قال بعضهم : وإن شق عليه ترك التزويج ، والأقوى وفاقاً لجماعة أُخرى عدم وجوبه مع كون ترك التزويج حرجاً عليه أو موجباً لحدوث مرض أو للوقوع في الزنا (1)ونحوه (1) نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها لا يجب أن يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحجّ ، لعدم صدق الاستطاعة عرفاً (2).
(1) الأمر كما ذكره بالنسبة إلى ترك التزويج وحدوث المرض ، فإن الحجّ إذا استلزم الحرج والمشقة يرتفع وجوبه ، سواء قلنا بأن الإضرار بالنفس محرم أم لا فإن الميزان في سقوط الحجّ أن يكون الإلزام به حرجياً ، وإن كان إيقاع النفس في الحرج والمشقة غير محرم ، لحكومة دليل نفي الحرج على الحجّ.
وأما بالنسبة إلى الوقوع في الزنا فليس الأمر كذلك ، لأن مجرّد العلم بالوقوع في الزنا ليس مجوزاً لترك الحجّ ، لعدم استناده إلى الحجّ ، وإنما يرتكبه بسوء اختياره واللازم عليه تركه ، ولا ينافي ذلك كونه مكلفاً بإتيان الحجّ.
وبعبارة اخرى : يلزم عليه أمران : ترك الزنا والحجّ ، ومجرد العلم بإتيان الزنا اختياراً لا يوجب سقوط الحجّ ، بل يجب عليه الحجّ كما يحرم عليه الزنا. ونظير المقام ما لو علم الحاج أنه لو صرف ماله في طريق الحجّ لسرق من أموال المسلمين ليتدارك ما صرفه من أمواله ، ولا يتوهم أحد سقوط الحجّ في مثل ذلك ، وبالجملة : العلم بارتكاب المحرم اختياراً لا يوجب سقوط الحجّ.
(2) ويكون طلاقها لصرف مقدار نفقتها في الحجّ من باب تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب.
1) العلم بالوقوع في الزنا اختياراً لا يجوّز ترك الحجّ.
[3012] مسألة 15 : إذا لم يكن عنده ما يحج به ولكن كان له دين على شخص بمقدار مئونته أو بما تتم به مئونته ، فاللّازم اقتضاؤه وصرفه في الحجّ إذا كان الدّين حالّا وكان المديون باذلاً ، لصدق الاستطاعة حينئذٍ ، وكذا إذا كان مماطلاً وأمكن إجباره بإعانة متسلط أو كان منكراً وأمكن إثباته عند الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة ولا حرج ، بل وكذا إذا توقف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور بناء على ما هو الأقوى من جواز الرجوع إليه مع توقف استيفاء الحق عليه لأنّه حينئذٍ يكون واجباً بعد صدق الاستطاعة لكونه مقدّمة للواجب المطلق (1).
(1) إذا لم يكن له مال خارجي يكفيه للحج ، ولكن كان له دين على شخص آخر يفي للحج ، ففي حصول الاستطاعة وعدمه بذلك ، تفصيل يتوقف على بيان صور المسألة :
الأُولى : ما إذا كان الدّين حالاً ، وكان المديون باذلاً ، فاللازم مطالبته واقتضاؤه وصرفه في الحجّ ، لصدق الاستطاعة بذلك ، لعدم اختصاص عنوان الاستطاعة بالعين الخارجية ، بل يشمل ملكية ذمة الغير أيضاً ، لأن الميزان في الاستطاعة المعتبرة كما عرفت غير مرّة هو التمكن من الزاد والراحلة ولو قيمة وبدلاً ووجود ما يحجّ به عنده ، وكل ذلك صادق في المقام.
الصورة الثانية : ما إذا كان الدّين حالاً ، ولكن المديون غير باذل لمماطلته ، أو كان غير معترف به وأمكن إجباره بإعانة متسلط ، أو إثباته بالرجوع إلى الحاكم حتى حاكم الجور بناء على جواز الرجوع إليه إذا توقف إثبات الحق واستيفاؤه عليه فهل يجب الرجوع إلى الحاكم لإجباره وإنقاذ حقه منه أم لا؟.
اختار المصنف الوجوب ، لأن الواجب واجب مطلق فتجب مقدمته ، وهو الصحيح ، لأن المفروض صدق الاستطاعة ، وأن له المال ، ويتمكّن من التصرّف فيه
.................................................................................................
وصرفه في الحجّ ولو بمقدمة كالرجوع إلى متسلط أو الحاكم لإنقاذ ماله وحقه منه.
وهذا نظير ما إذا كان له مال مدفون في الأرض ، أو كان محروزاً في صندوق وتوقف التصرف فيه على حفر الأرض وفتح الصندوق بعلاج ونحوه ، فإنه لا ريب في الوجوب ، فإن القدرة التكوينية إذا كانت متوقفة على مقدمات ، لا يوجب ذلك سقوط الواجب ، بل يجب عقلاً تحصيل المقدمات. نعم ، لا بدّ أن لا يكون فيه حرج وكلفة زائدة ، وإلّا فيسقط لأجل الحرج.
الصورة الثالثة : ما إذا كان الدّين مؤجلاً ، ولكن المديون يبذله لو طالبه قبل الأجل ، فالظاهر أيضاً هو الوجوب ، لصدق الاستطاعة ، وأن له ما يحج به بالفعل وهو متمكن من صرفه فيه ولو بالمطالبة ، ومجرد توقف التصرف على المطالبة لا يوجب عدم صدق الاستطاعة ، فإن ذلك كالموجود في الصندوق المحتاج فتحه إلى العلاج ، أو المدفون في الأرض المحتاج إخراجه إلى الحفر ونحوه ، فإن مقدمة الواجب المطلق واجبة بحكم العقل. نعم ، لو فرض أنه لو طالبه لا يبذل ، لا يجب عليه الحجّ كما لا يجب عليه المطالبة والسؤال.
الصورة الرابعة : ما لو شك في البذل له لو طالبه. ذكر المصنف (قدس سره) في آخر المسألة أن الظاهر عدم الوجوب ، وهو الصحيح ، لأنه يشك في الاستطاعة وهو مساوق للشك في التكليف ، ومقتضى الأصل البراءة.
نعم ، يستثني من ذلك ما لو شك في القدرة العقلية المأخوذة في سائر الواجبات المطلقة ، وليس له الرجوع إلى أصالة البراءة بمجرّد الشك في القدرة ، بل عليه الفحص ، فإن القدرة العقلية غير دخيلة في الملاك ، وإذا ترك الواجب مع الشك في القدرة ، وكان الوجوب ثابتاً في الواقع فقد فوّت على نفسه الملاك الثابت للواجب ولعل هذا هو المرتكز في أذهان العقلاء ، فإن المولى إذا أمر عبده بشراء اللحم مثلاً ليس للعبد تركه معتذراً باحتمال عدم وجود اللّحم في السوق ، بل عليه الفحص وهذا ممّا لا كلام فيه.
وأمّا لو شكّ في القدرة الشرعية المأخوذة في الملاك ، فيجوز له الرجوع إلى أصالة
وكذا لو كان الدّين مؤجّلاً وكان المديون باذلاً قبل الأجل لو طالبه (1)، ومنعُ صاحب الجواهر الوجوب حينئذٍ بدعوى عدم صدق الاستطاعة محلُ منع ، وأمّا لو كان المديون معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره أو منكراً للدّين ولم يمكن إثباته أو كان الترافع مستلزماً للحرج أو كان الدّين مؤجلاً مع عدم كون المديون باذلاً فلا يجب (2)، بل الظاهر عدم الوجوب لو لم يكن واثقاً ببذله مع المطالبة.
البراءة ، لأنّ المورد بعد فرض دخل القدرة في الملاك من موارد الشك في التكليف والقدرة المأخوذة في الحجّ المفسرة في الروايات بالزاد والراحلة قدرة شرعية ، بمعنى دخلها في الملاك ، وهي قدرة خاصة مأخوذة في الحجّ ، والقدرة الشرعية بهذا المعنى تغاير القدرة الشرعية المصطلحة التي يزاحمها جميع الواجبات المأخوذة فيها القدرة العقلية ، فإن القدرة المأخوذة في الحجّ بمعناها الخاص وسط بين القدرة الشرعية المصطلحة وبين القدرة العقلية المحضة ، وليس حالها حال القدرة العقلية المأخوذة في سائر الواجبات.
الصورة الخامسة : ما إذا كان المديون معسراً أو مماطلاً لا يمكن إجباره ، أو منكراً للدين ولم يمكن إثباته ، فقد حكم في المتن بعدم الوجوب في جميع هذه الصور ، لعدم كونه مستطيعاً.
أقول : ما ذكره على إطلاقه غير تام ، وإنما يتم في بعض الصور ، فإن الدّين في مفروض المقام لو تمكن من بيعه نقداً بأقل منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه لصدق الاستطاعة ، وأن عنده ما يحج به ، وقد عرفت أن المناط في صدق الاستطاعة وجود ما يحج به عيناً أو بدلاً وقيمة ، بل حتى إذا كان الدّين مؤجّلاً ولم يبلغ أجله وأمكن بيعه نقداً بمقدار يفي للحج على ما هو المتعارف ، يجب عليه ذلك لصدق الاستطاعة.
[3013] مسألة 16 : لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال وإن كان قادراً على وفائه بعد ذلك بسهولة ، لأنّه تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحجّ فعلاً ، أو مال حاضر لا راغب في شرائه ، أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلاً له قبل الأجل ، وأمكنه الاستقراض والصرف في الحجّ ثمّ وفاؤه بعد ذلك فالظاهر وجوبه (1)لصدق الاستطاعة حينئذ عرفاً ، إلّا إذا لم يكن واثقاً بوصول الغائب أو حصول الدّين بعد ذلك فحينئذٍ لا يجب الاستقراض لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة (1).
ويجري ذلك في الإعسار أيضاً إذا أمكن بيعه لمن وجب عليه الزكاة فيشتريه ويدفع المال إلى الدائن ، ويحسب الدّين على المديون من باب الزكاة.
(1) في هذه المسألة فرعان :
الأوّل : أنه لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال بقدر ما يحج به ، وإن كان متمكناً من أدائه بسهولة وبغير مشقة ، لأنه تحصيل للاستطاعة ، وهو غير واجب ومجرد التمكن من وفائه لا يوجب صدق الاستطاعة بالفعل. نعم ، لو استقرض يجب عليه الحجّ ، لأنه استطاع وصار واجداً للزاد والراحلة ، بناء على أن الدّين بنفسه لا يمنع عن الاستطاعة.
وبعبارة اخرى : إيجاد الموضوع غير واجب عليه ، ولكن لو أوجده يترتب عليه حكمه ، لفعلية الحكم بوجود موضوعه ، كما أنه لا يجب الاستيهاب قطعاً ، ولكن لو استوهب يجب ، لأنه يكون واجداً ومستطيعاً بالفعل.
الثاني : أنه إذا كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحجّ فعلاً ، أو مال حاضر لا راغب في شرائه ، أو دين مؤجل لا يبذله المديون قبل الأجل ، وتمكن من الاستقراض والصرف في الحج ثمّ أدائه بعد ذلك ، ففي وجوب الاستقراض وعدمه وجهان ، اختار
1) بل الظاهر عدمه ، نعم إذا أمكن بيع المال الغائب بلا ضرر مترتب عليه وجب البيع أو الاستقراض.
[3014] مسألة 17 : إذا كان عنده ما يكفيه للحج وكان عليه دين ففي كونه مانعاً عن وجوب الحجّ مطلقاً سواء كان حالّا مطالباً به أو لا ، أو كونه مؤجّلاً أو عدم كونه مانعاً إلّا مع الحلول والمطالبة ، أو كونه مانعاً إلّا مع التأجيل أو الحلول مع عدم المطالبة ، أو كونه مانعاً إلّا مع التأجيل وسعة الأجل للحج والعود أقوال (1)
المصنف (قدس سره) الوجوب ، لصدق الاستطاعة حينئذ عرفاً.
وفيه : أن الموضوع في الروايات مَنْ كان له زاد وراحلة ، ومَنْ كان عنده ما يحج به ، وإذا فرض أن المال الغائب لا يمكن صرفه في الحجّ ، أو لم يكن له مشترٍ ، فليس عنده زاد وراحلة ، ولا عنده ما يحج به ، ويكون الاستقراض حينئذ تحصيلاً للاستطاعة.
نعم ، إذا أمكن بيع الدّين المؤجل بالنقد فعلاً كما هو المتعارف ، أو بيع المال الغائب بلا ضرر عليه ، وجب الاستقراض أو البيع لصدق الاستطاعة حينئذ ، لما عرفت أن الاستطاعة لا تختص بالزاد والراحلة عيناً ، بل يكفي وجودهما قيمة وبدلاً. فلا بدّ من التفصيل بين ما لا يتمكن من تبديله وصرفه في الحجّ ، وبين ما يتمكن ، ويجب الاستقراض في الثاني دون الأوّل ، لأن العبرة بتحقق ما يحج به عنده عيناً أو قيمة وبدلاً حتى بالاستقراض ، فوجوب الاستقراض مطلقاً كما في المتن محل منع.
(1) إذا كان عليه دين ، وكان له مال لا يفي إلّا للدين أو الحجّ ، فهل يقدم الحجّ أو الدّين فقد اختلف العلماء في ذلك ، ذهب جماعة منهم كالمحقق (1)والعلّامة (2)والشهيد (3)إلى أن الدّين مطلقاً بجميع أقسامه يمنع عن وجوب الحجّ ، سواء كان الدّين حالّا مع المطالبة وعدمها أو مؤجّلاً ، سواء كان واثقاً من الأداء بعد الحجّ أم لا.
والأقوى كونه مانعاً إلّا مع التأجيل والوثوق بالتمكن من أداء الدّين إذا صرف ما عنده في الحجّ ، وذلك لعدم صدق الاستطاعة (1)في غير هذه الصورة ، وهي المناط في الوجوب لا مجرد كونه مالكاً للمال وجواز التصرف فيه بأي وجه أراد وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة ، نعم لا يبعد الصدق إذا كان واثقاً بالتمكن من الأداء مع فعلية
ويستدلّ لهم بأن الموضوع في وجوب الحجّ هو الموسر ، ومن كان مديوناً ليس بموسر ، وفي الصحيح «من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال اللّه عزّ وجلّ ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) » (2)وكذا فُسرت الاستطاعة في بعض الأخبار كرواية عبد الرحيم القصير باليسار ، قال (عليه السلام) «ذلك القوّة في المال واليسار ، قال : فإن كانوا موسرين فهم ممن يستطيع؟ قال : نعم» (3).
وفيه : أن اليسار المأخوذ في موضوع الحجّ مقابل العسر ، ومن يتمكن من أداء دينه بعد الحجّ بسهولة ومن دون مشقة فهو موسر. وبعبارة اخرى : من كان متمكناً من أداء الدّين وترك الحجّ ، فهو ممن ترك الحجّ وهو موسر ، ومجرد اشتغال الذمة بالدين لا يمنع من صدق اليسار.
ومنهم من ذهب كالسيد في المدارك إلى أن المانع عن وجوب الحجّ هو الدّين الحالّ المطالب به ، وأما غير الحال أو غير المطالب به فغير مانع لتحقق الاستطاعة المقتضية
1) (*) الاستطاعة قد فسرت في الروايات بالتمكن من الزاد والراحلة ، والمفروض في المقام تحققها فيقع التزاحم بين وجوب الحجّ ووجوب أداء الدّين ، لكن وجوب أداء الدّين أهم فيقدم فيما إذا كان صرف المال في الحجّ منافياً للأداء ولو في المستقبل ، وبذلك يظهر الحال في بقية المسألة.
2) الوسائل 11 : 27 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7.
3) الوسائل 11 : 37 / أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 3.
.................................................................................................
للوجوب (1).
وفيه : أنه لو تمّ هذا التفصيل فلا بدّ من التعميم للحالّ الذي لم يأذن له الدائن بالتأخير وإن لم يكن مطالباً ، لأن العبرة بوجوب الأداء ، وهو غير متوقّف على المطالبة ، بل لو حلّ الدّين ولم يأذن الدائن بالتأخير وجب الأداء وإن لم يطالب ، فالمانع هو وجوب الأداء ، ولا يختص ذلك بالحالّ المطالَب به ، بل يشمل ما حلّ ولم يأذن له الدائن بالتأخير وإن لم يطالب.
ومنهم من ذهب إلى أن الدّين يمنع عن وجوب الحجّ ، إلّا المؤجل الذي وسع وقته للحج والعود ، واختاره كاشف اللثام (2). ولو تم ما ذكره لكان عليه أن يزيد قيداً آخر وهو الحالّ الذي أذن له بالتأخير ، لعدم الفرق بينه وبين الموسّع ، فلا يختص عدم المنع بالمؤجل الذي وسع وقته.
وذهب صاحب المستند إلى التخيير في بعض الصور وتقديم الحجّ في بعضها الآخر (3)وحاصل ما ذكره : أن كلا من أداء الدّين والحجّ واجب ، وهو مطالب بامتثال الأمرين ، لأنهما واجبان في عرض واحد ، وحيث لا يتمكّن من الجمع بينهما يقع التزاحم بين الأمرين ، فلا بدّ من إعمال قواعد باب التزاحم ، هذا إذا كان الدّين حالّا مطالباً ، وأما إذا كان مؤجّلاً فلا تزاحم في البين أصلاً ، ويجب الحجّ بلا إشكال سواء كان واثقاً بالأداء بعد الحجّ أم لا ، لأنّ وجوب الحج فعلي ولا يزاحمه واجب آخر ، وانّما يتحقق التزاحم فيما إذا كان الدّين حالّا ، واللّازم حينئذ بعد عدم الترجيح التخيير بينهما في صورة المطالبة ، أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب والعود وأمّا في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير أو التأجيل مع سعة الأجل للحج والعود يقدم الحجّ ، إذ لا مزاحم له بالفعل ، ويكون خطاب الحجّ خالياً عن المعارض.
.................................................................................................
وفيه : أن ما ذكره لا يتم فيما إذا لم يكن واثقاً بأداء الدّين بعد أعمال الحجّ ، لأن أداء الدّين واجب ، ويجب عليه حفظ القدرة لأدائه ، فإن الدّين وإن كان مؤجلاً لكن ليس له تفويت المال بحيث لا يتمكن من الأداء ، بل عليه التحفّظ على قدرته ، فيقع التزاحم في هذه الصورة بين وجوب حفظ القدرة لأداء الدّين ووجوب الحجّ ، فمجرد التأجيل لا يكفي لعدم التزاحم. فكلامه (عليه الرحمة) على إطلاقه غير تام ، بل يقيّد بالوثوق بالأداء بعد الحجّ ، بمعنى أنه لو وثق بالأداء بعد الحجّ يتقدم الحجّ ، وإلّا يقع التزاحم.
واختار المصنف (قدس سره) وجهاً آخر وهو : أن أداء الدّين إذا كان واجباً عليه بالفعل كالحالّ ، أو كان الدّين مؤجلاً لا يثق بالأداء بعد الحجّ ، فيسقط الحجّ لعدم صدق الاستطاعة ، وأما إذا كان مؤجلاً يتمكن من الأداء بعد الحجّ ، أو كان حالّا وأذن له بالتأخير ، يجب الحجّ لصدق الاستطاعة.
وما ذكره هو الصحيح لا لما ذكره من صدق الاستطاعة وعدمه ، فإنّ الاستطاعة فُسرت في النصوص بالتمكّن من الزاد والراحلة وتخلية السرب ، وهي قدرة خاصة والمفروض في المقام تحققها حتى في صورة الدّين الحالّ المطالَب ، فإن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً من تحقق الاستطاعة المفسرة في الروايات ، بل لأن الإطلاقات الدالة على وجوب الحجّ تشمل المقام ، فيقع التزاحم بين وجوب الحجّ ووجوب أداء الدّين لأن المفروض أنه لا يمكن الجمع بين امتثال الحكمين ، فلا بدّ من التخيير أو الترجيح. ولكن المتعين سقوط الحجّ وتقديم أداء الدّين ، ولا مجال للتخيير فيما إذا كان الدّين حالّا مطالباً به ، أو مؤجلاً مع عدم الوثوق بالأداء بعد الحجّ ، وذلك للجزم بأهميّة الدّين ، فإن الخروج عن عهدة حقوق الناس أهم من حق اللّه تعالى ، بل لو كان محتمل الأهميّة لتقدم ، لأن محتمل الأهميّة من جملة المرجحات في باب التزاحم.
والحاصل : أنّ الاستطاعة بالمعنى المفسر في النصوص في المقام متحققة ، ولكن الدّين لأهميّته معجّز ومانع عن صرف المال في الحجّ ، لا أنه غير مستطيع كما ذكر في المتن ، والحجّ وإن كان من مباني الإسلام ومن الواجبات المهمّة ، لكنّه كذلك بالنسبة
.................................................................................................
إلى من يجب عليه ، وعند فعلية الوجوب لا مطلقاً ، ومن ثمّ لا يجب عند توقفه على ارتكاب بعض المحرمات المهمّة كالزنا واللواط وقتل النفس وشرب الخمر.
فتحصل : أن الدّين بما هو دين لا يكون مزاحماً للحج ، وإنما يزاحمه فيما إذا كان أداء الدّين واجباً بالفعل ، كما إذا كان حالّا ، أو كان صرف المال في الحجّ منافياً للأداء في المستقبل ، وحينئذ يقدم الدّين لأهميّته جزماً أو احتمالاً ، وأما إذا كان متمكناً من أدائه في وقته ، أو كان حالّا وأذن له بالتأخير ، فلا مزاحمة أصلاً ، ولا ينبغي الإشكال في تقديم الحجّ.
ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً صحيح معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه أن يحجّ؟ قال : نعم ، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (1)فإن المستفاد منه أن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً عن الحجّ ، فما ذهب إليه المحقق وجماعة من أن الدّين مطلقاً مانع عن الحجّ (2)لا وجه له.
وأمّا إنكار المصنف (قدس سره) أهميّة الدّين من الحجّ مستشهداً بتوزيع التركة على الحجّ والدّين وعدم تقديم دين الناس ، فإن ذلك يدل على عدم أهميّة الدّين ، وإلّا لزم تقديم الدّين على الحجّ ، ففيه :
أوّلاً : أن مورد التوزيع هو حال الوفاة ، وذلك لا يكشف عن عدم الأهميّة للدّين حال الحيوة ، فإن الميت لا تكليف عليه ، وإنما يكون ضامناً ومديوناً ، وهذا بخلاف الحي ، فإنه مكلف بأداء الدّين والحجّ ، فلا يقاس أحدهما بالآخر.
وبعبارة اخرى : حكم الدّين حال الوفاة وضعي محض ، وأما حال الحياة فالحكم تكليفي أيضاً ، فلا يقاس الحكم التكليفي بالوضعي ، فأحد البابين أجنبي عن الآخر.
وثانياً : أن المصرّح به في الروايات (3)كون الحجّ ديناً وأنه يخرج من صلب المال
.................................................................................................
فهما سيّان من هذه الجهة ، غاية الأمر أحدهما دين اللّه والآخر دين الناس ، فهو كأنه مدين لشخصين لا يفي المال إلّا لأحدهما ويوزع المال بينهما قهراً ، فلا يكون التوزيع حينئذ شاهداً على عدم أهميّة دين الناس.
وثالثاً : أن التوزيع الذي استشهد به لم يدل عليه أيّ دليل ، وإنما ذكره العلماء في كلماتهم ، بل يظهر من صحيح بريد العجلي (1)الوارد في من مات قبل أن يحرم ، أنه يصرف جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإن فضل من ذلك شيء فهو للدين ثمّ للورثة عدم التوزيع وتقديم الحجّ على الدّين ، ولكن إنما نلتزم بتقديم الحجّ على الدّين في مورد الوفاة للنص ، وأين هذا من تكليف نفس الشخص حال حياته وكان عليه دين غير واثق بأدائه في وقته أو أنه حالّ مطالب به.
ويدلُّ أيضاً على تقديم الحجّ على الدّين حال الوفاة صحيح معاوية بن عمار «رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجّة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم ، فأوصى بحجّة الإسلام ، وأن يقضى عنه دين الزكاة ، قال : يحجّ عنه من أقرب ما يكون ، ويخرج البقية في الزكاة» (2)ومورده وإن كان عنوان الزكاة إلّا أنه لا خصوصية له لأنّ الزكاة دين أيضاً ، ومع الغض عن الصحيحين لا بدّ من صرف المال في الدّين لكونه أهم كما عرفت.
وبعبارة أُخرى : إذا كان المال وافياً للأمرين فلا كلام في التوزيع ، وإلّا فيقع التزاحم بينهما حياً كان صاحب المال أو ميتاً. ولو كنا نحن ومقتضى القاعدة ، فلا بدّ من صرف المال في الدّين لأهميّته ، ولكن في مورد الوفاة يصرف المال في الحجّ بمقتضى النص ، فالتوزيع الذي ذكره المصنف (قدس سره) لا يجري في المقام أصلاً ، بل يدور الأمر بين تقديم الدّين حسب ما تقتضيه القاعدة ، أو تقديم الحجّ كما يقتضيه النص.
الرضا بالتأخير من الدائن ، والأخبار الدالّة على جواز الحجّ لمن عليه دين لا تنفع في الوجوب وفي كونه حجّة الإسلام. وأما صحيح معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) «عن رجل عليه دين ، أعليه أن يحج؟ قال : نعم ، إن حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين». وخبر عبد الرحمن عنه (عليه السلام) أنه قال : «الحجّ واجب على الرجل وإن كان عليه دين» فمحمولان على الصورة
فتلخص من جميع ما ذكرنا : أن الدّين بنفسه لا يكون مانعاً عن الحجّ ، وإذا كان عنده مال يفي بنفقات الحجّ وكان عليه دين ، ولم يكن صرف المال في الحجّ منافياً لأداء الدّين ، وجب عليه الحجّ ، وإلّا فيقدم الدّين لأهميّته. وأما إذا مات وعليه الدّين وحجّة الإسلام يتقدم الحجّ للنص.
ثمّ إن الفارق بين ما ذكرنا وما ذكره المصنف (قدس سره) بعد اشتراكنا معه في تقديم الدّين فيما إذا كان صرف المال في الحجّ منافياً لأداء الدّين ، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة كما ذهب إليه المصنف ، أو للتزاحم وتقديم الدّين لكونه أهم كما هو المختار هو عدم سقوط حجّ الإسلام عنه لو عصى ولم يؤد الدّين وحجّ لأنه غير مستطيع على مختاره ، وسقوطه عنه بناء على التزاحم ، لأنّه مستطيع على الفرض غاية الأمر يجب عليه صرف المال في الدّين ، فلو عصى وحجّ بالمال صحّ حجّه على القول بالترتب.
وأمّا ما ذكره جماعة من أن الحجّ مشروط بالقدرة الشرعية فيزاحمه أيّ واجب كان ، ويسقط الحجّ حينئذ ، ففيه : ما عرفت ، من أن المعتبر في الحجّ حسب النصوص هو التمكن من الزاد والراحلة وتخلية السرب ، والزائد على ذلك غير معتبر في الحجّ فإذا زاحمه واجب آخر لا يرتفع موضوع الاستطاعة ، بل لا بدّ من إعمال قاعدة التزاحم من التخيير إذا فرض كون الحجّ والواجب الآخر متساويين أو التعيين إذا كان أحدهما أهم ، فما ذكره المصنف من أن الدّين مانع ورافع لموضوع الاستطاعة لا أساس له.
التي ذكرنا أو على من استقرّ عليه الحجّ سابقاً وإن كان لا يخلو من إشكال كما سيظهر ، فالأولى الحمل الأوّل.
وأمّا ما يظهر من صاحب المستند من أن كُلّاً من أداء الدّين والحجّ واجب فاللّازم بعد عدم الترجيح التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة ، أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب والعود وتقديم الحجّ في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير ، أو التأجيل مع سعة الأجل للحج والعود ولو مع عدم الوثوق بالتمكن من أداء الدّين بعد ذلك حيث لا تجب المبادرة إلى الأداء فيهما ، فيبقى وجوب الحجّ بلا مزاحم.
ففيه : أنه لا وجه للتخيير في الصورتين الأُوليين ولا لتعيين تقديم الحجّ في الأخيرتين بعد كون الوجوب تخييراً أو تعييناً مشروطاً بالاستطاعة غير الصادقة في المقام خصوصاً مع المطالبة وعدم الرّضا بالتأخير ، مع أنّ التخيير فرع كون الواجبين مطلقين وفي عرض واحد ، والمفروض أن وجوب أداء الدّين مطلق بخلاف وجوب الحجّ فإنه مشروط بالاستطاعة الشرعية ، نعم لو استقرّ عليه وجوب الحجّ سابقاً فالظاهر التخيير لأنهما حينئذ في عرض واحد ، وإن كان يحتمل تقديم الدّين إذا كان حالّا مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير لأهميّة حق الناس من حق اللّه ، لكنّه ممنوع ولذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزع المال عليهما (1)ولا يقدم دين الناس ، ويحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب ، لكنّه أيضاً لا وجه له كما لا يخفى.
[3105] مسألة 18 : لا فرق في كون الدّين مانعاً (2)من وجوب الحجّ -
بين أن يكون سابقاً على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا ، كما إذا استطاع للحج ثمّ عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير مثلاً ، على وجه الضمان من دون تعمد قبل خروج الرفقة أو بعده ، قبل أن يخرج هو أو بعد خروجه قبل الشروع في الأعمال ، فحاله حال تلف المال من دون دين فإنّه يكشف عن عدم كونه مستطيعاً (1).
[3016] مسألة 19 : إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار ما يكفيه للحج لولاهما فحالهما حال الدّين مع المطالبة (2) ، لأنّ المستحقين لهما مطالبون فيجب صرفه فيهما ولا يكون مستطيعاً (1)، وإن كان الحجّ مستقراً عليه سابقاً تجيء الوجوه المذكورة من التخيير أو تقديم حق الناس (2)أو تقدّم الأسبق ، هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمّته ، وأمّا إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في تقديمهما على الحجّ سواء كان مستقرّاً عليه أو لا ، كما أنهما يقدّمان على ديون الناس
(1) الأمر كما ذكره سواء قلنا بالتزاحم كما هو المختار عندنا ، أو بعدم صدق الاستطاعة كما هو مختار المصنف (قدس سره). وبالجملة : بناء على ما ذكرنا يقع التزاحم بقاء فإن العبرة بالفعلية ، فإذا عرض عليه دين بعد حصول الاستطاعة زاحمه بقاء ويجري ما تقدّم ، من دون فرق بين كون الموجب للضمان والدّين عمدياً أو خطئياً ، وإنما قيّد في المتن بالعمد لعلّه لنكتة وهي : أن الإتلاف إذا كان عن عمد يستقر الحجّ في ذمّته لأنه تفويت عمدي ، وأمّا الخطأ فلا يوجب الاستقرار ، فالفرق إنما هو من جهة الاستقرار وعدمه ، وأما من جهة التكليف الفعلي فلا فرق بين العمد وغيره.
(2) لعدم الفرق بين الدّين الشخصي وغيره كالجهة ، فيجب عليه صرف المال فيهما وبالصرف تزول الاستطاعة كما هو الحال في سائر الديون على ما عرفت. هذا إذا
أيضاً ، ولو حصلت الاستطاعة والدّين والخمس والزكاة معاً فكما لو سبق الدّين.
[3107] مسألة 20 : إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جدّاً كما بعد خمسين سنة فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة ، وكذا إذا كان الديّان مسامحاً في أصله كما في مهور نساء أهل الهند ، فإنهم يجعلون المهر ما لا يقدر الزوج على أدائه كمائة ألف روبية أو خمسين ألف لإظهار الجلالة ، وليسوا مقيّدين بالإعطاء والأخذ ، فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة ووجوب الحجّ ، وكالدّين ممّن بناؤه على الإبراء إذا لم يتمكن المديون من الأداء أو واعده بالإبراء بعد ذلك (1).
كان الخمس أو الزكاة في ذمّته.
وأمّا إذا كانا في عين ماله فلا ريب في تقديمهما على الحجّ لعدم صدق الاستطاعة حينئذ ، ولكن عدم الاستطاعة غير مستند إلى وجوب الأداء وحرمة التصرف ، وإنما يستند إلى عدم وجدان المال للحج وعدم الموضوع له ، فإنه ليس بمالك للزاد والراحلة لأنّ المال ملك لشخص آخر على الفرض فالموضوع منفي ، ولذا لو عزل الزكاة لم يجب عليه الأداء فعلاً ويجوز له التأخير ، ومع ذلك لا يجب عليه الحجّ ، فيتبين أن عدم وجوب الحجّ غير مستند إلى الحكم التكليفي كوجوب الأداء وحرمة التصرّف بل هو مستند إلى عدم تحقق الموضوع.
(1) ما ذكره وإن كان صحيحاً في الجملة ولكنه لا يختص الحكم بالموارد المذكورة ، فإن العبرة كما عرفت في تقديم أحد الواجبين المتزاحمين على الآخر بأهميّته ، فكل مورد تحقق التزاحم وكان الدّين أهم يمنع عن الحجّ وإلّا فلا ، وقد يتحقّق التزاحم في الموارد المذكورة في المتن ويمنع الدّين عن الحجّ ، كما لو علم بعدم تمكنه من أداء الدّين ولو بعد خمسين سنة لو حجّ فعلاً ، أو يحتمل أن الزوجة تطالبه بالمهر أو ورثتها يطالبونها بعد الوفاة ، كما قد يحتمل عدم وفاء من وعده بالإبراء. وبالجملة : العبرة بالتزاحم وعدمه لا بطول المدّة وقلّتها.
[3018] مسألة 21 : إذا شك في مقدار ماله وأنه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو لا ، هل يجب عليه الفحص أو لا؟ وجهان (1)، أحوطهما ذلك ، وكذا إذا علم مقداره وشك في مقدار مصرف الحجّ وأنه يكفيه أو لا (1).
(1) الشك في الاستطاعة يتصور على وجهين :
الأوّل : ما إذا شك في وجدانه لمقدار مصارف الحجّ ، بمعنى أنه يعلم أن مصارف الحجّ خمسمائة دينار مثلاً ولكن لا يعلم بلوغ ماله هذا المقدار.
الثاني : ما إذا علم مقدار المال ولكن لا يعلم مقدار نفقة الحجّ فيشك في أن ما عنده يكفيه للحج أم لا ، ذكر المصنف (قدس سره) أن الأحوط لزوم الفحص في الصورتين حتى يكشف الأمر ، وتقدم نظير ذلك في باب الزكاة عند ما يشك في بلوغ النصاب وعدمه ، وهكذا في الخمس عند الشك في مقدار المئونة.
ولا يخفى أن الشبهة في المقام موضوعية ويجري فيها الأصل العقلي والنقلي والفحص يحتاج إلى دليل ، بل في جملة من الموارد يجري استصحاب عدم الزيادة وعدم بلوغ المال النصاب.
ولكن شيخنا الأُستاذ وجماعة ذهبوا إلى وجوب الفحص بدعوى أن أمثال ذلك من الفحص لا يعد من الفحص عرفاً ، كالمراجعة إلى دفتر الحساب أو كالنظر إلى الأُفق لتبيّن الفجر ونحو ذلك ، ولا مجال للرجوع إلى الأصل في أمثال ذلك (2).
وفيه : أنه لا يهمنا صدق عنوان الفحص وعدمه ، وذلك لأنّ الحكم لم يعلق على عنوان الفحص ، ولم يؤخذ الفحص في حكم من الأحكام حتى يقال بأن هذا المقدار من الفحص ليس بفحص عرفاً أو هو فحص عرفاً ، وإنما المهم صدق عنوان العالم والجاهل ولا واسطة بينهما ، فإن كان عالماً لا يجري في حقه الأصل بخلاف ما إذا كان
.................................................................................................
جاهلاً. نعم ، إنما يجب الفحص في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ، والشبهات الحكمية ، وفيما إذا ثبت وجوبه بدليل خاص في الشبهات الموضوعية.
وبالجملة : متى صدق عنوان الجاهل لا يجب عليه الفحص ويجوز له الرجوع إلى الأصل حتى في مثل مراجعة الدفتر والنظر إلى الفجر ، لإطلاق أدلة الأُصول. نعم ، قد لا يصدق الجاهل في بعض موارد الفحص اليسير كالذي يتمكن من النظر إلى الأُفق بفتح عينيه ليرى الفجر ، فلا يجري استصحاب بقاء الليل.
وقد يستدل لوجوب الفحص بأنه لولا الفحص لزمت المخالفة القطعية كثيراً.
وفيه أوّلاً : النقض بموارد الشك في الطهارة والنجاسة فإنه يعلم بمخالفة الأُصول الجارية في موارده للواقع كثيراً.
وثانياً : بالحل ، وحاصله : أن المكلف بالنسبة إلى نفسه لا يعلم بوقوعه في الخلاف ، وإلّا لكان من العلم الإجمالي الجاري في التدريجيات ويجب الفحص حينئذ. نعم ، قد يعلم بتحقق المخالفة بالنسبة إلى سائر الناس ، يعني قد يعلم بأن الأُصول التي يجريها الناس كثير منها مخالفة للواقع ، ولكن لا أثر لذلك بالنسبة إلى نفسه.
والحاصل : استلزام إجراء الأُصول المخالفة العملية كثيراً بالنسبة إلى نفسه ممنوع لعدم حصول العلم له بالمخالفة ، وأما بالنسبة إلى الناس فالمخالفة معلومة كثيراً ولكن لا أثر لذلك.
وقد يستدل عليه برواية زيد الصائغ الواردة في تصفية الدراهم المغشوشة مع الشك في مقدارها (1)، فإن تصفية الدراهم المغشوشة لا تكون إلّا لأجل اعتبار الفحص. ولكن الرواية ضعيفة سنداً ودلالة ، أمّا ضعف السند فبزيد الصائغ ، وأما ضعف الدلالة فلأنه لا موجب للتصفية والتمييز بين المس والرصاص والفضة ، إذ يمكن إعطاء الزكاة بنسبة المال الموجود فيخلص من الزكاة ولا حاجة إلى تخليص الدراهم وعلاجها وتصفيتها ، والظاهر أن الرواية في مقام بيان كيفية التخليص وتعليمها.
1) الوسائل 9 : 153 / أبواب زكاة النقدين ب 7 ح 1.
[3019] مسألة 22 : لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والإياب وكان له مال غائب لو كان باقياً يكفيه في رواج أمره بعد العود لكن لا يعلم بقاءه أو عدم بقائه ، فالظاهر وجوب الحجّ بهذا الذي بيده استصحاباً لبقاء الغائب (1)، فهو كما لو شك في أن أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أو لا ، فلا يعد من الأصل المثبت (1).
وبالجملة : له التخلص من الزكاة إما بإخراج الزكاة من المال بالنسبة ، وإما بتخليص الفضة وتصفيتها ، على أن موردها العلم والشك في المقدار ، لقوله فيها : «وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلّا أنِّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة ، قال (عليه السلام) : فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثمّ تزكي ما خلص من الفضة» ولا يشمل المورد الذي يشك في أصل الوجود كما في المقام ، هذا مع أنه لا موجب للتعدِّي من مورد الرواية إلى غيره.
(1) إذا كان له ما يحج به ذهاباً وإياباً من الزاد والراحلة ، وكان له مال لإمرار معاشه ورواج أمره بعد العود والرجوع ، لكن لا يعلم بقاءه ويحتمل تلفه ، ذكر (قدس سره) أنه لا يسقط وجوب الحجّ بمجرد احتمال تلف المال الذي يحتاج إليه في العود لاستصحاب بقاء المال وعدم تلفه.
والأمر كما ذكره من عدم سقوط الحجّ ، لكن لا لما ذكره من التعليل بالاستصحاب فإنّ التعليل عليل والأصل مثبت ، لأن مجرى الاستصحاب لا بدّ من أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا حكم شرعي ، وبقاء المال إلى زمان العود ليس بحكم شرعي ولا بموضوع لذي حكم شرعي ، فإن الموضوع للحكم الشرعي هو الرجوع إلى الكفاية ، واستصحاب بقاء المال إلى زمان العود لا يثبت هذا الموضوع إلّا على الأصل المثبت ، بل الوجه في وجوب الحجّ وعدم سقوطه إطلاق الروايات الدالّة على تحقق
1) (*) الحكم وإن كان كما ذكره لكن التعليل عليل فإن الأصل مثبت.
[3020] مسألة 23 : إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج يجوز له (1)قبل أن يتمكن من المسير أن يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ، وأما بعد التمكن منه فلا يجوز وإن كان قبل خروج الرفقة (1) ، ولو تصرّف بما يخرجه عنها بقيت ذمّته مشغولة به ، والظاهر صحّة التصرّف مثل الهبة والعتق وإن كان فعل حراماً ، لأنّ النهي متعلق بأمر خارج ، نعم لو كان قصده في ذلك التصرّف الفرار من الحجّ لا لغرض شرعي أمكن أن يقال بعدم الصحة (2). والظاهر أنّ المناط في عدم جواز التصرّف المخرج هو التمكن من تلك السنة ، فلو لم يتمكن فيها ولكن يتمكّن في السنة الأُخرى (3)لم يمنع عن جواز التصرّف ، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة ، فليس حاله حال من يكون بلده بعيداً عن مكّة بمسافة سنتين.
الاستطاعة بالزاد والراحلة ، والمفروض وجود الزاد والراحلة عنده وتحقق الاستطاعة بالمعنى الشرعي المفسر في النصوص ، ولم يؤخذ الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة في شيء من الأدلة ، وإنما اعتبرنا ذلك كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بدليل نفي الحرج مؤيداً ببعض الروايات الضعيفة. ومجرد احتمال الوقوع في الحرج لا ينافي صدق الاستطاعة بالفعل ولا يوجب سقوط الحجّ ، بل لا بدّ من إحرازه في سقوط الحجّ. وهذا نظير احتمال سرقة أمواله في طريق الحجّ ، فانّ مجرّد الاحتمال لا أثر له في سقوط الحجّ.
(1) لا ينبغي الريب في عدم جواز تعجيز نفسه بعد وجوب الحجّ بشرائطه وحدوده وإن كان الواجب متأخراً ، لأن الميزان في عدم جواز تعجيز النفس عن
.................................................................................................
إتيان الواجب وعدم جواز تفويت الملاك ، هو تنجيز الوجوب وفعليته وإن كان زمان الواجب متأخراً ، فيقع الكلام في المقام تارة في الحكم التكليفي وأُخرى في الوضعي وثالثة في عدم اختصاص عدم جواز التعجيز بهذه السنة وشموله للسنة الآتية.
أمّا التكليفي فقد عرفت أنه لا يجوز له التعجيز والتفويت بعد التنجيز وإن كان الواجب متأخراً ، لأن الميزان في تقبيح العقل للتفويت والتعجيز هو فعلية الوجوب وتنجيزه ، سواء كان الواجب فعلياً أو استقبالياً.
إنما الكلام في مبدأ هذا الوجوب ، فقد ذكر جماعة أن مبدأه خروج الرفقة ، فلا يجوز له تعجيز نفسه عند خروج الرفقة ويجوز قبله ، وإن كان متمكناً من المسير وذكر المصنف (قدس سره) أن مبدأه هو التمكن من المسير ولا عبرة بخروج الرفقة فلا يجوز له تعجيز نفسه بالتمكن من المسير ولو كان خروج الرفقة متأخراً ، وذهب بعضهم إلى أن العبرة بأشهر الحجّ ، لأنّ التكليف في هذه الأشهر منجز ولا يجوز تفويت الاستطاعة فيها.
والظاهر أنه لا دليل على شيء من ذلك ، بل مقتضى الآية الكريمة والروايات المفسرة للاستطاعة تنجز الوجوب بحصول الزاد والراحلة وما يحج به وتخلية السرب وصحّة البدن ، بحيث لا يكون الحجّ حرجياً ، من دون فرق في حصول ذلك بين أشهر الحجّ وخروج الرفقة والتمكن من المسير ، ومتى حصلت الاستطاعة بالمعنى المتقدم تنجز الوجوب عليه في أي وقت كان ، وأشهر الحجّ إنما هي ظرف الواجب لا أنها ظرف الوجوب ، فلو فرضنا أنه صحيح المزاج والطريق مفتوح وعنده ما يحج به من الزاد والراحلة يجب عليه الحجّ من أوّل حصول الاستطاعة ، فإن الواجب تعليقي بمعنى كون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً ، فلا يجوز له التفويت ولو كان قبل أشهر الحجّ أو قبل خروج الرفقة ، ولذا لو فرضنا أنه لا يتمكن من المسير في شهر شوّال لبُعد المسافة وعدم الوصول إلى الحجّ لو سافر في شهر شوال كما في الأزمنة السابقة بالنسبة إلى بعض البلاد ، وكان متمكناً من المسير في شهر رجب ويمكنه
.................................................................................................
الوصول ، يجب عليه الحجّ وليس له تركه معتذراً بأنه في شهر شوال لا يتمكن من المسير لبعد الطريق ، والحاصل : أن الوجوب غير محدد بزمان خاص.
وبما ذكرنا يظهر الحال في الجهة الثالثة وهي عدم جواز تعجيز نفسه في هذه السنة إذا تمكّن من الحجّ في السنة الثانية ، ويجب عليه إبقاء المال إلى العام المقبل ، ولا يجوز له تفويت المال في هذه السنة ، لأنّ العبرة بتحقق الاستطاعة متى حصلت ولم تكن محدّدة بزمان خاص ، من خروج الرفقة أو أشهر الحجّ أو التمكّن من المسير.
وأمّا الجهة الثانية وهي صحّة التصرفات المعجزة الموجبة لفقد الاستطاعة ، مثل الهبة والعتق أو بيع المال بثمن زهيد لا يفي للحج ، فقد فصّل في المتن بين ما إذا كان قصده من ذلك التصرّف الفرار من الحجّ فلا يصحّ ، وبين ما إذا كان قصده لغرض آخر فيصحّ ، وإن كان التصرف ملازماً ومقروناً لترك الحجّ ، وقد أخذ هذا ممّا ذكره الفقهاء في عدة مسائل ، منها : ما لو كان مديناً وسافر ، فقد ذكروا أنه لو كان سفره بقصد الفرار عن أداء الدّين كان السفر محرماً ويجب عليه التمام ، وإن سافر بقصد آخر كالزيارة والسياحة فالسفر مباح ، وإن كان ملازماً لعدم أداء دينه ، لأنّ السفر لم يكن موجباً لعدم أداء دينه.
وقد طبق (قدس سره) هذه الكبرى على المقام ، لأن عنوان الهبة أو البيع لم يكن محرماً في نفسه ، وإنما الحجّ تركه مبغوض ومحرم وهو غير منطبق على الهبة أو البيع بل البيع أو الهبة ملازم لترك الحجّ ، وذلك لا يوجب حرمة الهبة أو البيع ، بخلاف ما إذا وهب أو باع بقصد الفرار عن الحجّ والتوصل إلى الحرام ، فإنه يكون البيع حينئذ محرماً وفاسداً على مبناه من أن النهي عن المعاملة يقتضي الفساد.
أقول : قد ذكرنا في الأُصول أن النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد (1)، وملخص ما ذكرنا هناك : أنّ ما يتصوّر وجوده في المعاملة ، وما يتعلق به النهي أُمور ثلاثة لا رابع لها ، لأنّ النهي إمّا أن يتعلّق بالمبرِز بالكسر أو المبرَز بالفتح أي اعتبار
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 36.
.................................................................................................
نفس المالك ، وإمّا يتعلّق بالاعتبار الشرعي أو العقلائي. والاعتبار القائم بنفس المالك الذي يبزره بمبرِز من اللفظ أو الإشارة يكون موضوعاً لاعتبار الشرع أو العقلاء فإن المالك يعتبر في نفسه شيئاً كملكية هذه الدار لزيد ثمّ يبرزه بمبرز ويعتبره الشارع أو العقلاء ، وليس وراء ذلك شيء يسمّى بالسبب أو المسبب ، فالموضوع لاعتبار الشارع أو العقلاء انما هو المبرز بالكسر والمبرز بالفتح المسمّى عندهم بالمسبب ومن الواضح ان الاعتبار الشرعي أو العقلائي خارج عن تحت اختيار البائع أو المشتري لأنه ليس بفعله.
وبعبارة اخرى : الملكية المترتبة على العقد خارجة عن اختيار البائع ، فإنها راجعة إلى الشارع أو العقلاء ولا معنى لتعلق النهي بذلك ، فإن الفعل ليس بفعله حتى يتصور تعلق النهي به ، فما عن أبي حنيفة من أن النهي عن المعاملة يدل على الصحة لا أساس له أصلاً ، إذ لا يتصور النهي عن ذلك حتى يقال بدلالته على الصحّة ، وإنما يصح تعلق النهي بالمبرِز بالكسر أو المبرَز بالفتح أو بالمجموع المركّب بينهما الذي هو البيع حقيقة ، ولا يخفى أنّ مجرّد النهي لا يقتضي الفساد ، بل أقصاه دلالته على المبغوضية والحرمة ، كما هو الحال في المحرمات التوصلية كغسل الثوب بالماء المغصوب فإنه وإن كان محرماً ولكن يطهر الثوب بلا إشكال ، والبيع المحرم من هذا القبيل.
والحاصل : مجرّد الحرمة لا يدلّ على الفساد ، وإنما يدلّ عليه لو تعلّق النهي بعنوان البيع أو عنوان الهبة إرشاداً إلى الفساد كالنهي عن بيع الغرر أو النهي عن بيع ما ليس عنده ونحو ذلك ، ولذا قد تكون المعاملة جائزة ومع ذلك فاسدة لأجل إرشاد النهي وعدم مولويته ، فتلخص أن المعاملات في المقام صحيحة على التقديرين ولكن يستقرّ عليه الحجّ لأنّ التعجيز اختياري.
[3021] مسألة 24 : إذا كان له مال غائب بقدر الاستطاعة وحده أو منضماً إلى ماله الحاضر وتمكن من التصرّف في ذلك المال الغائب ، يكون مستطيعاً ويجب عليه الحجّ وإن لم يكن متمكِّناً من التصرّف فيه ولو بتوكيل من يبيعه هناك فلا يكون مستطيعاً إلّا بعد التمكّن منه أو الوصول في يده.
وعلى هذا فلو تلف في الصورة الأُولى بقي وجوب الحجّ مستقرّاً عليه إن كان التمكّن في حال تحقق سائر الشرائط ، ولو تلف في الصورة الثانية لم يستقر ، وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد آخر وتمكن من التصرف في حصته أو لم يتمكّن ، فإنّه على الأوّل يكون مستطيعاً بخلافه على الثاني (1).
[3022] مسألة 25 : إذا وصل ماله إلى حدّ الاستطاعة لكنه كان جاهلاً به أو كان غافلاً (1)عن وجوب الحجّ عليه ثمّ تذكر بعد أن تلف ذلك المال ، فالظاهر
(1) لأنّ العبرة في الاستطاعة بالتمكن من التصرف في المال ، فلو كان المال غائباً وتمكن من التصرّف فيه ببيع أو إجارة أو الاقتراض ثمّ الأداء منه يكون مستطيعاً ويستقرّ عليه الحجّ ، لأنّ الميزان أن يكون عنده ما يحجّ به سواء كان المال حاضراً أو غائباً ، ولو تلف المال في هذه الصورة ولم يحج فقد استقرّ عليه الحجّ وعليه الإتيان ولو متسكعاً.
وأمّا إذا لم يكن متمكّناً من التصرّف فيه فلا يكون مستطيعاً ، لأنّ العبرة كما عرفت بالتمكّن من التصرّف ولا يجدي مجرّد الملكيّة ، فالمحقق للاستطاعة هو التمكّن من التصرّف ، ومن هنا يظهر أنه لا فرق بين الحضور والغياب فيما إذا لم يكن متمكِّناً من التصرّف ، فلو كان المال حاضراً وموجوداً في الصندوق الحديدي بحيث لا يمكن فتحه وأخذ المال منه لا يكون مستطيعاً ، وكذا لو مات مورثه في بلده وانتقل المال إلى
1) (*) هذا إذا كانت الغفلة مستندة إلى التقصير بترك التعلم ، وأما في غير ذلك فلا يجب الحجّ واقعاً فإنها مانعة عن تحقق الاستطاعة ، وكذلك الجهل المركب في الشبهة الموضوعية.
استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده ، والجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة (1) ، غاية الأمر أنه معذور في ترك ما وجب عليه ، وحينئذ فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستئجار عنه إن كانت له تركة بمقداره وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره بهبة أو صلح ثمّ علم بعد ذلك
الوارث ولكن توقف التصرف فيه على إثبات نسبه وانحصار الوراثة وأمثال ذلك من المقدّمات ، فإن الاستطاعة لا تتحقق بمجرّد الملكية وإنما تتحقق بالتمكّن من التصرّف.
(1) الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كانت الغفلة عن وجوب الحجّ مستندة إلى تقصير منه كترك التعلم ، وبين ما إذا كانت غير مستندة إلى التقصير ككثرة الاشتغال والابتلاء الموجبة للغفلة.
فإن كانت الغفلة مستندة إلى تقصير منه فالأمر كما ذكره في المتن ، وان كانت غير مستندة إلى التقصير فلا يجب عليه الحجّ واقعاً ، لأنّ حديث الرفع في حقه رفع واقعي وقد ذكرنا في محله (1)أن حديث الرفع بالنسبة إلى غير «ما لا يعلمون» رفع واقعي وفي الحقيقة تخصيص في الأدلّة الأوّلية ، والحكم غير ثابت في حقه واقعاً.
ففي فرض الغفلة لا يجب عليه الحجّ ، لعدم ثبوته في حقه ، وفي فرض الالتفات وإن أمكن تكليفه بالحج لكن المفروض أنه لا مال له بالفعل ، ففي هذه الصورة الحق مع المحقق القمي (قدس سره) من عدم الوجوب.
وكذلك يفصّل في مورد الجهل بوصول المال إلى حد الاستطاعة بين الجهل البسيط والمركب.
فإن كان الجهل جهلاً بسيطاً فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه ، لأن الحكم بعدم الوجوب في فرض الجهل حكم ظاهري لا ينافي وجوب الحجّ واستقراره عليه
1) مصباح الأُصول 2 : 265.
أنه كان بقدر الاستطاعة ، فلا وجه لما ذكره المحقق القمي في أجوبة مسائله من عدم الوجوب لأنه لجهله لم يصر مورداً وبعد النقل والتذكر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقر عليه ، لأن عدم التمكن من جهة الجهل والغفلة لا ينافي الوجوب الواقعي ، والقدرة التي هي شرط في التكاليف القدرة من حيث هي ، وهي موجودة ، والعلم شرط في التنجّز لا في أصل التكليف.
واقعاً ، فإذا انكشف وتبين الخلاف يجب عليه إتيان الحجّ لاستقراره عليه ، لأنّ العلم بالاستطاعة لم يؤخذ في الموضوع ، وإنما الموضوع وجود ما يحج به واقعاً ، والجاهل بالجهل البسيط يتمكن من إتيان الحجّ ولو احتياطاً ، فلا مانع من توجه التكليف إليه واقعاً.
وأمّا في مورد الجهل المركّب فلا يتوجّه إليه التكليف واقعاً ، لعدم تمكّنه من الامتثال ولو على نحو الاحتياط ، فان من كان جازماً بالعدم ومعتقداً عدم الاستطاعة لا يمكن إثبات الحكم في حقه ، فإنّ الأحكام وإن كانت مشتركة بين العالم والجاهل ولكن بالجهل البسيط الذي يتمكّن من الامتثال ، لا الجهل المركّب والجزم بالعدم الذي لا يتمكّن من الامتثال أبداً فهو كالغفلة ، ففي هذه الصورة الحق مع المحقق القمي أيضاً.
وبالجملة : ما ذكره المحقق القمي من عدم وجوب الحجّ إنما يصحّ فيما إذا كانت الغفلة غير مستندة إلى التقصير وفيما إذا كان الجهل جهلاً مركّباً ، وأمّا إذا كانت الغفلة مستندة إلى التقصير أو كان الجهل بسيطاً فالحق مع المصنف (قدس سره).
[3023] مسألة 26 : إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحج ندباً فإن قصد امتثال الأمر المتعلِّق به فعلاً وتخيل أنه الأمر الندبي أجزأ عن حجّة الإسلام لأنه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق ، وإن قصد الأمر الندبي على وجه التقييد (1)لم يجزئ عنها وإن كان حجّه صحيحاً ، وكذا الحال إذا علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك وأمّا لو علم بذلك وتخيل عدم فوريتها فقصد الأمر الندبي فلا يجزئ ، لأنّه يرجع إلى التقييد (2)(1).
(1) الظاهر هو الإجزاء مطلقاً وليس المقام من موارد التقييد ، وإنما هو من موارد التخلّف في الداعي ، وذلك لأن التقييد إنما يتصور في الأُمور الكلية التي لها سعة وقابلة للتقسيم إلى الأنواع والأصناف ، كالصلاة حيث إنّ لها أنواعاً وأصنافاً ، كصلاة الفجر ونافلتها ونحو ذلك من الأقسام ، وأمّا الأمر الخارجي الجزئي الذي لا يقبل التقسيم فلا يتصوّر فيه التقييد.
نظير ذلك ما ذكروه من التفصيل في باب الائتمام بزيد فبان أنه عمرو ، وقلنا هناك أنّ ذلك غير قابل للتقييد ، لأن الائتمام قد تعلق بهذا الشخص المعين وهذا غير قابل للتقسيم ، ولا سعة فيه حتى يتصوّر فيه التقييد والتضيق ، وهكذا الأمر في المقام ، فإنّ الأمر بالحج المتوجه إليه في هذه السنة أمر شخصي ثابت في ذمته وليس فيه سعة حتى يتضيق ويتقيد ، والثابت في ذمته ليس إلّا حجّة الإسلام وقد أتى بها ، فإن حجّ الإسلام ليس إلّا صدور هذه الأعمال من البالغ الحر المستطيع الواجد لجميع الشرائط
1) (*) ليس هذا من موارد التقييد ، وإنما هو من موارد التخلف في الداعي ، إذ المفروض أنه قصد الأمر الفعلي المتعلق بالحج ، ومن المفروض أنه مستطيع وواجد لسائر الشرائط ، فالصادر منه هو حجّة الإسلام وإن كان هو جاهلاً به ، ولا يعتبر قصد هذا العنوان في صحّة الحجّ ، فلا يقاس المقام بما إذا قصد نافلة الفجر ثمّ علم أنه كان قد صلاها فإن ما أتى به لا يجزئ عن صلاة الفجر لأنها غير مقصودة.
2) (**) لا لذلك ، بل لأنّ الأمر الفعلي لم يقصد وإنما قصد الأمر الندبي المترتب على مخالفة الأمر الفعلي.
[3024] مسألة 27 : هل تكفي في الاستطاعة الملكيّة المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما ، كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحج بشرط الخيار له إلى مدة معيّنة أو باعه محاباة كذلك؟ وجهان أقواهما العدم (1)، لأنّها في معرض الزوال إلّا إذا كان
والمفروض حصولها ، فالصادر منه هو حجّة الإسلام وإن كان جاهلاً به ، ولا يعتبر قصد هذا العنوان في صحّة الحجّ ، غاية ما في الباب تخيل جواز الترك وعدم الوجوب ، ومجرد تخيل الجواز غير ضائر في صحّة العمل ، كما لو فرضنا أنه صام في شهر رمضان ندباً بنية القربة وكان جاهلاً بوجوب الصوم فيه ، فإنه لا ريب في الاكتفاء به وعدم وجوب القضاء عليه ، بل لو فرضنا أنه لو علم بالوجوب لم يأت به في هذه السنة ويؤخره لغرض من الأغراض ، نلتزم بالصحة أيضاً لأنه من باب تخلّف الداعي وليس من التقييد بشيء.
وبالجملة : التقييد إنما يتصور في الأُمور الموسعة الكليّة ، وأما الأُمور الشخصية فلا يتحقق فيها التقييد نظير الأفعال الخارجية الحقيقية كالأكل ، فإن الأكل يتحقق على كل تقدير ولا معنى للتقييد فيه ، هذا كله فيما إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحج ندباً ، أو علم باستطاعته ثمّ غفل عن ذلك.
وأمّا الفرض الثالث ، وهو ما لو علم بالوجوب وتخيل عدم فوريته فحج ندباً فذكر (قدس سره) أنه لا يجزئ لأنه يرجع إلى التقييد ، والأمر كما ذكره ، لا لذلك بل لأنّ في المقام أمرين أحدهما وجوبي والآخر ندبي مترتب على الأوّل وفي طوله لا في عرضه فإن الأمر بالضدّين إذا كان على نحو الترتب لا استحالة فيه ، لأن الأمر الثاني مترتب على عدم الإتيان بالأوّل ولو كان عن عصيان ، وقد ذكرنا في محله أن كل مورد أمكن جريان الترتب فيه يحكم بوقوعه لأنّ إمكانه مساوق لوقوعه ، فما حجّ به صحيح في نفسه ، إلّا أنه لا يجزئ عن حجّة الإسلام ، لأنّ الأمر الفعلي لم يقصد وإنما قصد الأمر الندبي المترتب على مخالفة الأمر الفعلي ، ولا يقاس هذا الفرض بالفرضين
1) (*) فيه إشكال بل منع.
واثقاً بأنّه لا يفسخ (1) ، وكذا لو وهبه وأقبضه إذا لم يكن رحماً فإنه ما دامت العين موجودة له الرجوع ويمكن أن يقال (1)بالوجوب هنا حيث إنّ له التصرّف في الموهوب ، فتلزم الهبة.
[3025] مسألة 28 : يشترط في وجوب الحجّ بعد حصول الزاد والراحلة بقاء المال إلى تمام الأعمال ، فلو تلف بعد ذلك ولو في أثناء الطريق كشف عن عدم الاستطاعة ، وكذا لو حصل عليه دين قهراً عليه (2)كما إذا أتلف مال غيره خطأ
السابقين لوحدة الأمر فيهما ، بخلاف المقام الذي تعدّد الأمر فيه على نحو الترتّب.
(1) ذكر (قدس سره) أن الأقوى عدم الاكتفاء بالملكيّة المتزلزلة في تحقّق الاستطاعة ، فلا يجب الحجّ بحصول الملكية المتزلزلة إلّا مع الوثوق بعدم زوالها وعلل ذلك بأن الملكية المتزلزلة في معرض الزوال فلا تثبت بها الاستطاعة.
أقول : لم يؤخذ هذا المعنى وهو عدم كون المال في معرض الزوال في موضوع الاستطاعة ، بل الموضوع كما عرفت بما لا مزيد عليه أن يكون عنده ما يحج به وعنده الزاد والراحلة ، وهذا المعنى صادق في المقام حتى مع علمه بالزوال ، فلو حصل له زاد وراحلة ولو بالملكية المتزلزلة يجب عليه الحجّ لتحقق الاستطاعة ، ولو علم أن المالك يفسخ ويسترجع المال ، فإن كان متمكناً من أدائه بلا حرج فلا كلام ، وإن استلزم أداؤه الحرج يسقط وجوب الحجّ لنفي الحرج ، ولو شك في الرجوع يستصحب عدمه.
وأظهر من ذلك ما ذكره أخيراً من أنه لو وهبه المال وأقبضه ولم يكن رحماً فإنه يجب عليه التصرّف فيه تصرفاً لا يجوز رده ، بأن يعمل في المال عملاً تزول به سلطنة المالك على الرد ، لتحقق الاستطاعة وأن عنده ما يحج به وعنده الزاد والراحلة فيجب عليه حفظ القدرة بالتصرّف المانع عن رجوع المالك ، فإن الحجّ يستقر عليه
وأمّا لو أتلفه عمداً فالظاهر كونه كإتلاف الزاد والراحلة عمداً في عدم زوال استقرار الحجّ (1).
[3026] مسألة 29 : إذا تلف بعد تمام الأعمال مئونة عوده إلى وطنه أو تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه بناء على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة فهل يكفيه عن حجّة الإسلام أو لا وجهان ، لا يبعد الإجزاء (2) ويقرِّبه (1)ما ورد من أن من مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة
بمجرّد ملكيته لشيء يتمكن به الحجّ فيجب عليه التحفظ على ذلك لئلا يرجع المالك فتزول استطاعته.
(1) مقتضى الروايات الدالة على اعتبار الاستطاعة بقاؤها إلى تمام الأعمال ، لأن الحجّ عبارة عن مجموع هذه الأعمال ولا بدّ من اقترانها بالاستطاعة ، فلو تلف المال قبل أن يتم الأعمال سواء كان قبل الشروع فيها أو في الأثناء كشف عن عدم الاستطاعة. وأما إتلاف مال الغير الذي يوجب الدّين عليه قهراً ، فإن كان من باب الاتفاق والخطأ يجري فيه أحكام الدّين المتقدمة من كون الدّين مؤجّلاً أم حالّا مطالباً به غير مأذون في التأخير ، وقد عرفت أن مجرد الدّين غير ضائر في صدق الاستطاعة ، وأما إذا كان الإتلاف عمدياً فالظاهر كونه كإتلاف نفس الزاد والراحلة في عدم زوال استقرار الحجّ لأن الواجب تعليقي ، ويجب عليه حفظ القدرة لفعلية الوجوب.
(2) لأنّ المعتبر إنما هو إتيان الأعمال عن استطاعة والمفروض تحقق ذلك ، ولا تعتبر مئونة العود في الاستطاعة ، ولذا لو كان له مئونة الذهاب إلى مكّة فقط وتمكن من البقاء فيها بلا حرج وجب عليه الحجّ فلا أثر لتلف المال للعود كما لا أثر لتلف ما به الكفاية في وطنه ، وإنما اعتبرنا مئونة الإياب لأجل الحرج في البقاء في مكّة وعدم عوده إلى وطنه ، وهكذا بالنسبة إلى الرجوع إلى ما به الكفاية فإنه لم يدل دليل على
1) (*) لم يظهر وجه للتقريب.
الإسلام ، بل يمكن أن يقال (1)بذلك إذا تلف في أثناء الحجّ أيضاً.
[3027] مسألة 30 : الظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد والراحلة ، فلو حصلا بالإباحة اللّازمة (2)كفى في الوجوب لصدق الاستطاعة ، ويؤيده الأخبار الواردة في البذل ، فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر في ضمن عقد لازم أن يكون له التصرّف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلاً وجب عليه الحجّ ويكون كما لو كان مالكاً له (1).
اعتباره ، وإنما التزمنا بذلك لنفي الحرج ولا يجري في المقام لأنه خلاف الامتنان ، إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بعد إتيان الأعمال ، كما هو الحال في موارد الوضوء أو الغسل الحرجي ، فإنه إذا توضأ أو اغتسل ثمّ علم بأن وضوءه أو غسله لم يكن واجباً لكونه حرجياً لا نحكم بفساد الوضوء أو الغسل ، لأنّ الحكم بفساده خلاف الامتنان وحديث نفي الحرج إنما يجري في مورد الامتنان كرفع الوجوب والإلزام ، ولا امتنان في الحكم بالفساد بعد إتيان الأعمال.
ثمّ إن المصنف (قدس سره) قرب الإجزاء في المقام بما ورد فيمن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أنه يجزئه عن حجّة الإسلام. ولكن لم يظهر لنا وجه التقريب والتأييد لأن تلك الأدلة دلت على إجزاء الجزء والبعض عن الكل ، ومحل الكلام هو الإتيان بتمام الأعمال ولكن انكشف عدم الاستطاعة. وبعبارة اخرى : مورد تلك الروايات إتيان بعض الأعمال واجزائه عن الكل ، والمفروض في المقام هو الإتيان بجميع الأعمال ولكن البحث عن إجزاء غير الواجب عن الواجب ، فالمورد مختلف فلا وجه للتقريب.
(1) الظاهر أن الاستطاعة لا يعتبر فيها ملكية الزاد والراحلة ، فإن الاستطاعة
.................................................................................................
عبارة عن القدرة على الزاد والراحلة والتمكن من التصرف فيهما ، ولا ريب في صدق الاستطاعة بذلك وإن لم يكن ما يحج به ملكاً له.
وربّما يناقش في صدق الاستطاعة بأنها بالنظر إلى الروايات (1)المفسرة لها ليست مجرد التمكن من التصرف وإباحته ، فإن مقتضى قوله (عليه السلام) «له زاد وراحلة» هو اعتبار الملك لظهور اللام في ذلك فلا يكفي مجرد الإباحة ، وأما الاكتفاء بالبذل فقد ثبت بدليل خاص. وأما ما في صحيح الحلبي : «إذا قدر الرّجل على ما يحجّ به» (2)وفي صحيح معاوية : «إذا هو يجد ما يحج به» (3)مما ظاهره الأعم من الملك فاللازم تقييده بالملك لحمل المطلق على المقيد. وفيه : أن المطلق إنما يحمل على المقيد إذا وردا في متعلقات الأحكام كقولنا : أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة ، لا في موضوعاتها لعدم التنافي كنجاسة الخمر والمسكر.
وبعبارة اخرى : إنما يحمل المطلق على المقيد لأجل التنافي بينهما ولذا يحمل المطلق على المقيد في المثال الأوّل بعد إحراز وحدة المطلوب لحصول التنافي بينهما حينئذ وهذا بخلاف المثال الثاني لعدم التنافي بين الحكم بنجاستهما أو حرمتهما معاً ، والمقام من قبيل الثاني ، فإن قوله : «له زاد وراحلة» وإن كان ظاهراً في الملكية إلّا أنه لا ينافي ثبوت الاستطاعة في غير مورد الملك أيضاً كموارد الإباحة وجواز التصرف ، فلا موجب لحمل المطلق المستفاد من صحيح الحلبي وصحيح معاوية على المقيد كقوله : «له زاد وراحلة» مما ظاهره الملك.
وأما قياس الإباحة المالكية بالإباحة الشرعية كالأنفال والمباحات الأصلية في عدم تحقق الاستطاعة بذلك ففي غير محله ، لعدم صدق الاستطاعة بمجرد الإباحة الشرعية وجواز التصرّف ، ومن الواضح عدم صدق الاستطاعة وعدم كونه واجداً للزاد والراحلة بمجرّد إباحة الأسماك في البحر والأنفال له ، وإنما يصدق أنه واجد
[3028] مسألة 31 : لو اوصي له بما يكفيه للحج فالظاهر وجوب الحجّ عليه بعد موت الموصي خصوصاً إذا لم يعتبر القبول (1)في ملكية الموصى له وقلنا بملكيته ما لم يرد فإنّه ليس له الرد حينئذ (1).
ومستطيع بصيد الأسماك خارجاً وحيازة المباحات والاستيلاء عليها خارجاً ، ومجرّد الإباحة الشرعية لا يحقق موضوع الاستطاعة ، وهذا بخلاف المقام الذي يجوز له التصرف من قبل المالك فعلاً ومستول على المال ومسلط عليه فإنه يصدق أنه مستطيع.
ومما ذكرنا ظهر أن تقييد الإباحة باللازمة غير لازم ، بل الإباحة إذا حصلت يصدق عنوان الاستطاعة سواء كانت لازمة أو جائزة ، فإن قوله : «له زاد وراحلة» «أو عنده ما يحج به» صادق على المقام مطلقاً من دون فرق بين الإباحة اللازمة وغير اللازمة.
(1) لصدق الاستطاعة بذلك ، هذا بناء على أن الوصيّة التمليكية إيقاع لا عقد ، ولا حاجة إلى القبول من الموصى له كما هو المختار فالأمر واضح ، لأنه بمجرّد موت الموصي يصدق على الموصى له أنه مستطيع ، نعم له الرد لأنّ التمليك القهري مخالف لسلطنته ، وذلك يقتضي سلطنته على الرد لا على احتياجها إلى القبول ، ويؤيد أو يدل على أنها إيقاع انتقال القبول والرد إلى ورثة الموصي له ، ولو كانت عقداً لاحتاجت إلى قبول نفس الموصى له ولا ينتقل القبول إلى الوارث ، وكان مقتضى القاعدة بطلان الوصيّة حينئذ. وبالجملة : بمجرد الوصيّة التمليكية تحصل الاستطاعة وليس له الرد لأنه إزالة للاستطاعة وتفويت لها ، هذا كله بناء على أنّ الوصيّة من الإيقاعات لا من العقود.
وأمّا بناء على أنها من العقود وتحتاج إلى القبول فلم يظهر لنا الوجه في صدق
1) (*) يختص الوجوب بهذا الفرض.
[3029] مسألة 32 : إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحجّ (1)، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافرة أن يعطي الفقير كذا مقداراً فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد حصول المعلق عليه ، بل وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلاً في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك ، فإن هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به ، وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة (1)
الاستطاعة بمجرّد الوصيّة ، لأنه ما لم يتحقق القبول لم يكن واجداً للزاد والراحلة وإن كان قادراً على التحصيل بواسطة القبول ، والمفروض أن الحجّ واجب على الواجد بالفعل لا على من كان قادراً على الإيجاد والتحصيل ، وإلزامه بالقبول من تحصيل القدرة الذي لا يجب ، نظير الهبة فإنه قبل القبول غير واجد للمال ، وإلزامه بقبولها تحصيل للقدرة وهو غير واجب.
(1) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين :
الأوّل : في تزاحم الحجّ والنذر ، فقد نسب إلى معظم الأصحاب بل إلى المشهور تقديم النذر على الحجّ فيما إذا نذر قبل حصول الاستطاعة عملاً راجحاً لا يجتمع مع الحجّ ، كما إذا نذر زيارة الحسين (عليه السلام) في كل عرفة ، وكذا لو نذر إن جاء مسافرة أن يعطي الفقير كذا مقداراً من المال فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد حصول المعلق عليه ومجيء المسافر ، وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقداراً من المال في تعزية الحسين (عليه السلام) أو الزيارة أو في أمر خيري آخر والمفروض أن المال لا يكفي للنذر والحجّ معاً ، فقد ذكروا أن هذا كله مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به ويقدم النذر ، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر يزيل الاستطاعة ويرفعها ويصبح عاجزاً عن إتيان الحجّ ، فإنّ العجز الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب
1) (*) النذر بأقسامه لا يزاحم الحجّ فيجب عليه الحجّ في جميع الفروع المذكورة.
.................................................................................................
ويكون معذوراً في ترك الحجّ ، لأنّه مأمور بالوفاء بالنذر فيكون ترك الحجّ حينئذ سائغاً.
أقول : هذا الكلام إنما نشأ من التزامهم بأخذ القدرة الشرعية في الحجّ ، ومقتضاه أن كل واجب يزاحم الحجّ يرفع موضوع الاستطاعة حتى مثل وجوب رد التسليم.
ولكن لا أساس لما التزموا به أصلاً ، لأنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست إلّا ملكية الزاد والراحلة وصحّة البدن وتخلية السرب على ما فسرت في النصوص المعتبرة ، وأما اشتراطه بعدم مزاحمته لواجب آخر فلم يثبت. نعم ، يتحقق التزاحم بين الحجّ وواجب آخر فيما إذا لا يتمكن من الجمع بينهما كأداء الدّين ، إلّا أنه في خصوص المقام لا تصل النوبة إلى التزاحم ، لأن الوفاء بالنذر ليس واجباً ابتدائياً نظير وجوب الصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات الإلهية ، وإنما هو واجب إمضائي بمعنى أنه إلزام من اللّه تعالى بما التزم المكلف به على نفسه كالعقود ، فإنها إلزام من المكلف على نفسه ، واللّه تعالى ألزمه بما التزمه على نفسه وأمره تعالى بالوفاء به فالحكم بوجوب الوفاء بالنذور أو العقود نشأ من التزام المكلف على نفسه شيئاً ، واللّه تعالى ألزمه بهذا الالتزام وأمره بالوفاء ، فإن الناذر يلزم على نفسه شيئاً واللّه تعالى يُلزمه بالعمل به على نحو ما التزم به ، والمفروض أنه التزم على نفسه عملاً لله تعالى فلا بدّ من أن يكون العمل الملتزم به لله سبحانه في نفسه قابلاً للإضافة إليه تعالى ومرتبطاً به ، ومن هنا اعتبروا الرجحان في متعلق النذر ، قالوا : ولا ينعقد فيما لا رجحان فيه ولا يرتبط به تعالى أصلاً كنذر الأكل أو بناء البيت ونحو ذلك من المباحات الأصلية التي لا ترتبط به تعالى ، ولعلّ هذا هو المراد من قولهم في النذر أن لا يكون محلِّلاً للحرام ومحرِّماً للحلال ، مع أن هذا لم يرد في النذر وإنما ورد في الشرط.
وبالجملة : النذر هو التزام المكلف على نفسه شيئاً لله تعالى ، نظير ما يلتزم شخص على نفسه شيئاً لشخص آخر ، فلا بدّ أن يكون العمل الملتزم به في نفسه قابلاً للإضافة والاستناد إليه تعالى ولا يكفي مجرد الرجحان في نفسه ، بل لا بدّ في صحّة
.................................................................................................
إضافة العمل إليه تعالى من ملاحظة سائر الملازمات والمستلزمات ، كأن لا يكون العمل مستلزماً لترك واجب أو إتيان محرم ، وإلّا فلا يكون قابلاً للإضافة إليه سبحانه ولا ينعقد النذر وإن كان العمل في نفسه راجحاً ، وعلى ذلك فصرف المال في التعزية أو الصدقة وإن كان راجحاً في نفسه ولكنه إذا استلزم ترك الحجّ يكون غير مشروع لأنه تفويت للاستطاعة وتعجيز للنفس عن إتيان الحجّ ، وكذلك زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة وإن كانت راجحة في نفسها ولكنها إذا كانت ملازمة لترك الواجب كالحج لا يمكن إضافتها إلى اللّه سبحانه ، فإنّ نذر زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة في الحقيقة يرجع إلى نذر ترك الحجّ ، نظير نذر قراءة القرآن من أوّل طلوع الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس بحيث تفوت عنه صلاة الفجر ، أو ينذر سجدة طويلة تستغرق في جميع الوقت بحيث تفوت عنه الصلاة المكتوبة في الوقت.
والحاصل : لا بدّ في انعقاد النذر من قابلية إضافة العمل المنذور إلى اللّه تعالى مضافاً إلى الرجحان الثابت في نفسه ، فإذا استلزم العمل ترك واجب أو إتيان محرم لا يمكن إضافته إليه تعالى ، فدليل وجوب الوفاء بالنذر من أصله قاصر لا يشمل أمثال هذه الموارد ، لأنه ليس من باب التكاليف الابتدائية بل إنما هو من باب الإمضاء والإلزام بما التزم المكلف على نفسه ، فلا بدّ أن يكون ما التزم به قابلاً للالتزام والاستناد إلى اللّه تعالى وإلّا فلا ينعقد النذر وينحل ، كما إذا نذر صوم اليوم الذي يجيء مسافرة فيه فصادف يوم العيد ، ولا ريب في انحلال النذر في أمثال هذه الموارد والمقام من قبيل ذلك ، فلا تصل النوبة إلى التزاحم فضلاً عن أن يرفع النذر موضوع الاستطاعة.
فتحصل من جميع ما تقدم أن النذر لا يزاحم الحجّ ، لأنّ وجوبه مطلق غير مشروط بشيء غير الاستطاعة المفسرة في النصوص ، والقدرة الشرعية المصطلحة غير مأخوذة فيه ، بخلاف النذر فإنه مشروط بأن لا يكون محلِّلاً للحرام ومحرِّماً للحلال.
ويؤيد بل يؤكد ما ذكرنا : أنه لو صحّ النذر لم يختص بزيارة الحسين (عليه السلام)
.................................................................................................
يوم عرفة أو صرف المال في التعزية والتصدق ونحو ذلك ، بل يشمل كل شيء فيه رجحان ، كما لو نذر قراءة سورة معيّنة في بيته أو في المسجد الفلاني في أوّل ذي الحجّة مثلاً أو يصلي في مسجد من مساجد بلده في يوم عرفة ونحو ذلك من الأُمور الراجحة التي يفوت بها الحجّ ، ولو صح ذلك لأمكن لكل أحد أن يحتال في سقوط الحجّ بنذر هذه الأُمور ويدفع وجوب الحجّ عن نفسه بذلك ، وهذا مقطوع البطلان ولا يمكن الالتزام به أبداً.
ثمّ إنه لو عصى ولم يحج فهل يجب الوفاء بالنذر بدعوى أن المزاحم عن الوفاء بالنذر كان هو الحجّ والمفروض أنه لم يأت به فلا مانع من وجوب إتيان متعلق النذر بنحو الترتب؟
الظاهر عدم وجوب إتيان متعلق النذر حتى في مثل الفرض لعدم جريان الترتب في أمثال المقام ، لأن الترتب إنما يجري في الواجبين الفعليين اللذين يشتمل كل منهما على ملاك ملزم غاية الأمر لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في مقام الامتثال ، وهذا إنما يختص بما إذا كان الواجب واجباً ابتدائياً أصلياً كالصلاة وإزالة النجاسة ، وأما إذا كان الواجب واجباً إمضائياً وتابعاً لما التزم به المكلف على نفسه فلا يجري فيه الترتب ، لأن ما التزم به المكلف إنما هو مطلقٌ مستلزم لترك الحجّ وهذا غير قابل للإمضاء ، وأما المشروط يعني المقيد بترك الحجّ فلم ينشئه ولم يلتزم به ، فما هو قابل للإمضاء لم يلتزمه ولم ينشئه وما التزم به غير قابل للإمضاء ، ونظير ذلك من كان مستطيعاً وآجر نفسه للغير فإن صحته مطلقاً غير ممكن ومقيداً لم ينشئه فتكون الإجارة فاسدة ويرجع إلى أُجرة المثل.
وممّا ذكرنا ظهر أنه لو نذر إتيان عمل من الأعمال المنافية للحج على تقدير ترك الحجّ صح نذره ، هذا تمام الكلام فيما إذا كان وجوب الحجّ كسائر الواجبات الإلهية التي لم تؤخذ القدرة الشرعية المصطلحة فيها.
وأمّا بناء على المشهور من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ وإن كان مقتضاه تقدّم كل واجب عليه ومزاحمته له لعدم بقاء الموضوع للحج فيما زاحمه واجب آخر ، لكن
.................................................................................................
في خصوص النذر لا يمكن الالتزام بذلك ، لأن ما ذكروه من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ وتقدم كل واجب عليه لو صحّ فإنما يصحّ في الواجبات الابتدائية ، وأمّا النذر فليس واجباً ابتدائياً وإنما هو واجب إمضائي كما عرفت ويجب الوفاء به فيما هو قابل للإمضاء ، ولا قابلية له للإمضاء في المقام لاستلزامه ترك الحجّ فلا يشمله دليل وجوب الوفاء كما هو الحال في العمل بالشرط في العقود ، فإن الشرط إذا كان محرماً للحلال ومحللاً للحرام لا يجب العمل به وإن اتي به في ضمن العقد اللازم.
هذا ، وقد يقال بأخذ القدرة الشرعية في موضوع وجوب الحجّ تمسّكاً بصحيح الحلبي «قال (عليه السلام) : إذا قدر على ما يحج به ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به ، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (1)بدعوى ظهوره في أن مطلق العذر رافع للوجوب ، والوفاء بالنذر عذر فيكون رافعاً للوجوب.
وفيه : أن الرواية لم تبين الصغرى ، وإنما تعرضت لترك الحجّ بلا عذر ، وأمّا كون الشيء الخاص عذراً فلا بدّ من إثباته من الخارج ، كما ثبت العذر في موارد الحرج والضرر الزائدين على ما يقتضيه الحجّ ، ولم يثبت من الخارج كون الوفاء بالنذر عذراً ، فالحج كسائر الواجبات الشرعية في عدم أخذ القدرة الشرعية فيه ، هذا من ناحية وجوب الحجّ.
وأما الوفاء بالنذر فقد عرفت أنه ليس بواجب ابتدائي وإنما هو واجب إمضائي وإلزام بما التزم المكلف على نفسه ، وحينئذ لا بدّ أن يكون الفعل قابلاً للإضافة إليه تعالى وهو المراد بالراجح في كلماتهم ، فالعمل المستلزم لترك الواجب لا يمكن إمضاؤه إذ لا يمكن استناده إليه تعالى ، فإن الالتزام بشيء التزام بلوازمه ، وإذا التزم بزيارة الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة فهو التزام بترك الحجّ حقيقة وهذا غير راجح قطعاً ، ولذا ذكرنا في باب مقدمة الواجب واقتضاء الأمر النهي عن ضده أن إنكار وجوب المقدمة أو نفي الاقتضاء إنما هو بحسب الأمر الاعتباري ، بمعنى أن الأمر بالشيء لا يلازم الأمر بمقدمته في مقام الاعتبار لعدم الملازمة بين الاعتبارين ويمكن
1) الوسائل 11 : 26 / أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 3.
.................................................................................................
التفكيك بينهما ، وكذا في باب الاقتضاء ، وأما بحسب الأمر التكويني الخارجي فلا ريب أن الشوق إلى ذي المقدمة يقتضي الشوق إلى مقدمته الموصلة ، وأنّ الشوق إلى شيء يقتضي الشوق إلى ترك ضده ، فإن من يشتاق إلى أكل اللحم مثلاً لا ريب في اشتياقه إلى التعرض للسوق لشراء اللحم ، وكذا من اشتاق وجود شيء يشتاق إلى ترك ضده ، فالفعل المستلزم لترك الواجب بالنظر إلى قيده لا يمكن استناده وإضافته إليه تعالى ، ولا يشمله دليل وجوب الوفاء بالنذر سواء كان سابقاً أو لاحقاً ، لأن النذر مشروط بعدم تفويت الحجّ به وعدم استلزامه لترك الواجب ، والحجّ يتقدم لأنه مطلق.
وقد يناقش فيما ذكرنا بأنه لو اعتبر في انعقاد النذر ووجوب الوفاء به بأن لا يكون مستلزماً لترك واجب آخر فلازمه عدم انعقاد النذر فيما إذا تعلق بما يستلزم تفويت ما هو أهم كما إذا نذر أن يصلي في مسجد محلته ، فاللازم عدم انعقاده لأنه يستلزم تفويت الصلاة في المسجد الأعظم أو الحرم الشريف ، وكذا لو نذر أن يزور مسلماً (عليه السلام) فاللازم عدم انعقاده لأنه يستلزم ترك زيارة الحسين (عليه السلام) التي هي أرجح وأهم وهكذا ، وهذا أمر لا يمكن الالتزام به.
وفيه ما لا يخفى ، لأن الميزان في صحّة انعقاد النذر كما عرفت أن يكون الفعل المنذور قابلاً للإضافة إليه تعالى ، والمستحب المستلزم لترك مستحب آخر أهم وأرجح صالح للإضافة إليه تعالى. نعم ، لو نذر ترك الراجح أو الأهم في نفسه لا ينعقد النذر كما إذا نذر ترك زيارة الحسين (عليه السلام) وأما إذا نذر شيئاً راجحاً في نفسه فلا مانع من انعقاده وإضافته إليه تعالى وإن كان مستلزماً لترك ما هو أثوب وأرجح إذ لا يلزم أن يكون متعلق النذر أثوب وأرجح وإنما اللّازم رجحانه وصحّة الإضافة إليه تعالى ، فكل من الفعلين الراجحين قابل لتعلق النذر به وإضافته إليه تعالى وإن كان أحدهما أرجح من الآخر كزيارة الحسين (عليه السلام) بالنسبة إلى زيارة مسلم (عليه السلام). وبالجملة : لا ينبغي الريب في تقدم الحجّ على النذر ، ولو قلنا بتقدّم النذر لأمكن الاحتيال في سقوط الحجّ بالمرة عن كل مسلم مستطيع ، وهذا بديهي البطلان.
.................................................................................................
هذا كلّه بناء على أن وجوب الحجّ مطلق لم يؤخذ في موضوعه القدرة الشرعية وأمّا على القول بأنه مشروط بالقدرة الشرعية كما زعمه المشهور فيتقدم الحجّ على النذر أيضاً وإن كان لا يتقدم على سائر الواجبات المزاحمة له ، وذلك لأن وجوب الواجب في غير النذر رافع لموضوع الاستطاعة ، فإن جعل الواجب وإن كان لا ينافي جعل وجوب الحجّ ولكن ينافيه في مرحلة المجعول ، وأما في النذر فالتنافي متحقق في مرحلة الجعل لأن النذر واجب إمضائي ووجوب الحجّ صالح لرفع موضوع النذر فالحج يتقدم على النذر على كل تقدير سواء كان مطلقاً أو مشروطاً ، فلا يقاس النذر في المقام بسائر الواجبات الابتدائية ، فإن التزاحم في تلك الواجبات يتحقق لأن كلا من الواجبين مقدور في ظرف ترك الآخر ، وحيث لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال يقع التزاحم ، وأمّا في الواجبات الإمضائية فدليل الإمضاء قاصر الشمول عن النذر المستلزم لترك واجب أو ارتكاب محرم ، فالنذر على نحو الإطلاق غير قابل للإمضاء لعدم قابليته للإضافة إليه سبحانه ، وفي فرض ترك الواجب وإن كان صالحاً للإضافة ولكنه لم ينشئه الناذر ، والإلزام إنما يتعلق بما التزم به على نفسه وإلّا فيتخلف المنشأ عن الإلزام ، وتخلف المنشأ عن الإلزام إنما ثبت في موارد خاصة بالنص ولا يمكن التعدي عن تلك الموارد كاعتبار القبض في الهبة شرعاً مع أن الواهب وهب مطلقاً ، وكذا اعتبار القبض في بيع الصرف والسلم ، وتوقف العقد على بنت الأخ أو الأُخت على إذن العمة والخالة ، أو توقف العقد على البكر على إذن الولي بناء على اعتباره ، فإن تخلف الإمضاء عن القصود إنما ثبت في هذه الموارد وأما في غيرها فلا نلتزم به لعدم الدليل عليه ، ومنه المقام.
ونظير المقام ما لو آجر نفسه من الفجر إلى طلوع الشمس لعمل من الأعمال كالكتابة أو نسج الثوب ، فإنه لا يمكن الحكم بصحة الإجارة ووجوب الوفاء بالعقد لأنّ شموله على نحو الإطلاق لا يمكن لاستلزامه ترك الواجب ، وعلى نحو التقييد لا دليل عليه ، وممّا ذكرنا يظهر أنه لو عصى ولم يأت بالحج لا يمكن تصحيح نذره بالترتب ، لأنّ مطلقه غير قابل للاستناد ومقيده لم ينشأ.
ولم يمكن الجمع بينه وبين الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة وإن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحجّ (1)، لأن العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب ، وأما لو حصلت الاستطاعة أوّلاً ثمّ حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الحجّ يكون من باب المزاحمة فيقدم الأهم منهما ، فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدم على الحجّ ، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ فيه ، وإلّا فلا إلّا أن يكون الحجّ قد استقر عليه سابقاً فإنه يجب عليه ولو متسكعاً.
المقام الثاني : فيما إذا تزاحم الحجّ مع واجب مطلق فوري ، ذكر (قدس سره) أنه إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة ولم يمكن الجمع بينه وبين الحجّ ثمّ حصلت الاستطاعة يقدم ذلك الواجب وإن لم يكن أهم من الحجّ ، لأن العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب ، وأما لو حصلت الاستطاعة أوّلاً ثمّ حصل واجب فوري آخر لا يمكن الجمع بينهما يكون من باب المزاحمة فيقدم الأهم منهما.
أقول : بناء على ما سلكه من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ لا أثر للتقدم الزماني في المزاحمة وعدمها ، لأن الواجب المتقدم كما يدفع موضوع وجوب الحجّ فكذا الواجب المتأخر يرفع موضوع وجوب الحجّ ، إذ لا فرق بين الدفع والرفع وفي انتفاء الموضوع حدوثاً أو بقاء ، فالتفصيل بين سبق الواجب على الاستطاعة وتأخره في غير محله. نعم ، على مسلكنا يقع التزاحم ويقدم الأهم كما عرفت تفصيل ذلك.
1) (*) هذا إذا كانا متساويين ، وأما إذا كان الحجّ أهم فيجب الحجّ ويقدم على غيره.
[3030] مسألة 33 : النذر المعلق على أمر قسمان : تارة يكون التعليق على وجه الشرطية كما إذا قال : «إن جاء مسافري فلله عليّ أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة» ، وتارة يكون على نحو الواجب المعلق ، كأن يقول : «لله عليّ أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجيء مسافري» ، فعلى الأوّل يجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة قبل مجيء مسافرة ، وعلى الثاني لا يجب (1)، فيكون حكمه حكم النذر المنجز في أنه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها ، وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ من دون فرق بين الصورتين ، والسر في ذلك أن وجوب الحجّ مشروط والنذر مطلق (2)فوجوبه يمنع من تحقق الاستطاعة (1).
(1) ذكر (قدس سره) أن النذر المعلق على شيء تارة يكون على نحو الواجب المعلق ، وأُخرى على نحو الواجب المشروط.
فإن كان على نحو التعليق يقدم النذر على الحجّ مطلقاً ، سواء حصلت الاستطاعة قبل مجيء المعلق عليه أو بعده ، لأن وجوب النذر فعلي وأسبق من وجوب الحجّ والعبرة بالأسبق زماناً ، مثلاً لو نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجيء مسافرة ، وحصلت الاستطاعة قبل مجيء المسافر يقدم النذر ، وحاله حال النذر المنجز في أنه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافياً لها لم يجب الحجّ ، وكذا لو حصلا معاً لا يجب الحجّ ، لأنّ وجوب النذر الفعلي يمنع من تحقق الاستطاعة ، وأما إذا كان التعليق على نحو الشرطية يجب الحجّ إذا حصلت الاستطاعة ، قبل مجيء مسافرة وذلك لعدم الوجوب الفعلي للنذر ، لأنّ الوجوب في الواجب المشروط متأخر وإنما الإنشاء فعلي ، فحينئذ لا مانع من فعلية وجوب الحجّ.
أقول : قد ذكرنا في بحث الأُصول أن الواجب المعلق وإن كان أمراً معقولاً ولكنه
[3031] مسألة 34 : إذا لم يكن له زاد وراحلة ولكن قيل له : حجّ وعليّ نفقتك ونفقة عيالك وجب عليه ، وكذا لو قال : حجّ بهذا المال وكان كافياً له ذهاباً وإياباً ولعياله ، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملِّكها إيّاه ، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها ، ولا بين أن يكون البذل واجباً عليه بنذر أو يمين أو نحوهما أو لا ، ولا بين كون الباذل موثوقاً به أو لا على الأقوى ، والقول بالاختصاص بصورة التمليك ضعيف (1)
يرجع إلى الواجب المشروط غاية الأمر أنه مشروط بالشرط المتأخر (1)، فعلى ما سلكه المصنف (قدس سره) من أخذ القدرة الشرعية في الحجّ لا بدّ من التفصيل بين الشرط المقارن والمتأخر ، فإن كان الشرط مثل مجيء المسافر أُخذ شرطاً مقارناً وكانت الاستطاعة قبل حصول الشرط وجب الحجّ ، وإن كان الشرط أُخذ شرطاً متأخراً وكان وجوب الوفاء بالنذر فعلياً سقط وجوب الحجّ وإن كانت الاستطاعة قبل حصول الشرط ، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر أسبق من الاستطاعة ، فلا فرق بين الواجب التعليقي والمشروط بالشرط المتأخر ، والعبرة في سقوط الحجّ إنما هي بتقدّم وجوب الوفاء بالنذر على الاستطاعة.
وأمّا على ما سلكناه فلا فرق بين جميع الأقسام ، ويقدم الحجّ لكونه مطلقاً لم يعتبر فيه سوى الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة ، بخلاف النذر فإنه مشروط بعدم كونه محلِّلاً للحرام ومحرِّماً للحلال ، وأن يكون قابلاً للإضافة إليه تعالى فينحل النذر.
(1) في هذه المسألة أُمور :
الأوّل : لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الحجّ بالبذل سواء قيل له : حجّ وعليّ نفقتك ، أو أعطاه المال ليحج به ، فإذا رفض ولم يأت بالحج استقر عليه الحجّ ، وقد ادعي عليه الإجماع ، وتدل عليه عدة من الروايات المعتبرة.
منها : صحيحة العلاء على ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد قال : «سألت أبا
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 348.
.................................................................................................
عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال : يكون له ما يحج به ، قلت : فمن عرض عليه فاستحيى؟ قال : هو ممّن يستطيع» (1).
نقل صاحب الوسائل هذه الرواية عن الصدوق (2)ثمّ قال : وزاد الصدوق «قلت : فمن عرض عليه فاستحيى إلخ» ، ولكن هذه الزيادة موجودة في رواية الشيخ (3)عن محمّد بن مسلم أيضاً ، وليست مختصّة برواية الصدوق.
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم على ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم ابن معاوية بن وهب عن صفوان عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم قال «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى؟ قال : هو ممن يستطيع الحجّ ولِمَ يستحيى ولو على حمار أجدع أبتر ، قال : فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليفعل» (4).
تنبيه حول سند هذه الصحيحة : روى صاحب الوسائل هذه الرواية بهذا السند ولكن الموجود في نسخ التهذيب المتدوالة الموجودة عندنا موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان (5)ولعلّ نسخة التهذيب الموجودة عند صاحب الوسائل كانت مطابقة لما في الوسائل ، والصحيح ما أثبته في الوسائل ونسخة التهذيب مغلوطة وذلك فإن موسى بن القاسم وإن كان قد يروي عن جده معاوية بن وهب أحياناً وقد صرح في بعض الروايات برواية موسى بن القاسم عن جدِّه معاوية بن وهب ولكن في هذا السند لا يمكن أن يروي عن جده معاوية بن وهب ، لأنّ معاوية بن وهب في هذا السند روى عن صفوان ، وروايته عنه غير ممكنة عادة لأن معاوية بن وهب أقدم طبقة من صفوان لكونه من أصحاب الصادق (عليه السلام) وصفوان من
.................................................................................................
أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، وكيف يمكن رواية من كان من أصحاب الصادق (عليه السلام) عن أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) فالثابت في السند كما في الوسائل ، فإنّ رواية موسى بن القاسم عن صفوان كثيرة جدّاً.
ومنها : صحيح الحلبي في حديث قال «قلت له فإن عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال : نعم ، ما شأنه يستحي ولو يحج على حمار أجدع أبتر» (1).
ومنها : صحيح معاوية بن عمار في حديث «قال : فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل ، فإنه لا يسعه إلّا أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر» (2).
وربما يقال : لا مجال للعمل بكثير من هذه الروايات لعدم إمكان العمل بها والالتزام بمضمونها ، لأنها تدل على وجوب الحجّ بالبذل وإن استلزم العسر والحرج وكان مخالفاً لشأنه وشرفه بالركوب على حمار أجدع أبتر وأن يمشي بعضاً ويركب بعضاً ، والمتسالم عندهم عدم وجوب الحجّ ولو بالبذل في الفرض المزبور.
وفيه : ما أشرنا إليه سابقاً ، أن هذه الأخبار ولو بقرينة الصحيحة الأخيرة محمولة على من استقر عليه الحجّ بالبذل وأنه ليس له رفض البذل ولا يسعه ذلك ، وإذا رفض واستحيا يستقر عليه الحجّ وعليه أن يحج ولو متسكعاً. وبالجملة الأمر بتحمل العسر والمشقة في هذه الروايات بعد ما استطاع بالبذل واستحيا ولم يقبل وترك الحجّ ، فإنه يستقر عليه الحجّ حينئذ ، وليس المراد من النصوص وجوب الحجّ عليه وإن بذل له حمار أجدع أبتر يستحيي أن يركبه.
ويمكن أن يستدل لكفاية الاستطاعة البذلية بنفس الآية الشريفة ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (3)فإن الظاهر منها كفاية مطلق الاستطاعة والقدرة إلّا أن الروايات فسرتها بأنها ليست هي القدرة الفعلية بل هي قدرة خاصة
.................................................................................................
كالتمكّن من الزاد والراحلة مع تخلية السرب وصحّة البدن ، فإطلاق الآية يشمل الاستطاعة البذلية ، لصدق الاستطاعة المفسرة على البذل أيضاً.
وربما يناقش في الاستدلال بالآية بأن الاستطاعة المذكورة فيها وإن كانت في نفسها صادقة على البذل ، ولكن الروايات فسرتها بملكية الزاد والراحلة ، لظهور اللّام في قوله (عليه السلام) : «له زاد وراحلة» في الملكية ، وبعض الروايات وإن كان مطلقاً ولكن وجب تقييده بما دل على الملكية ، فلا تشمل البذل وإباحة الزاد والراحلة.
وفيه : أوّلاً : ما عرفت من أنه لا موجب لحمل المطلق على المقيد وتقييد إطلاق ما يحج به بالملكية ، لعدم التنافي بين حصول الاستطاعة بالملكية وحصولها بالإباحة والبذل كما يقتضيه إطلاق قوله : «ما يحجّ به» ، أو «عنده ما يحجّ به» ، وإنما يحمل المطلق على المقيّد للتنافي بينهما كما إذا وردا في متعلقات الأحكام بعد إحراز وحدة المطلوب ، وأمّا مجرّد المخالفة في الموضوع من حيث السعة والضيق فلا يوجب التقييد فلا منافاة بين حصول الاستطاعة بالملك وحصولها بالإباحة والبذل.
وثانياً : أن الروايات المفسرة للآية مختلفة ، ففي بعضها عبر بمن له زاد وراحلة الظاهر في الملكية ، وفي بعضها ورد ما يحج به أو عنده ما يحجّ به ، أو يجد ما يحج به الظاهر في الأعم من الملك والإباحة (1)فيقع التعارض في الروايات المفسرة والمرجع إطلاق الآية ، والقدر المتيقن في الخروج عن إطلاقها من لا مال له ولا بذل له ، وهذا ممّن لا يجب عليه الحجّ قطعاً وإن كان قادراً عليه بالقدرة العقلية ، ويبقى الباقي وهو من أُبيح له المال للحج مشمولاً للآية.
وثالثاً : أن حرف اللام لا تدل على الملكية وإنما تدل على الاختصاص وهو أعم من الملكية كما في قوله تعالى ( لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) (2).
وبالجملة : نفس الآية الشريفة متكفلة لوجوب الحجّ بالبذل ، والروايات لا تخالف ذلك ، خصوصاً صحيحة معاوية بن عمّار الظاهرة بل الصريحة في كفاية البذل على
.................................................................................................
وجه الإباحة كما هو الحال في الضيف ، فلا ينبغي الريب في ثبوت الاستطاعة بالبذل والإباحة.
الأمر الثاني : الظاهر ثبوت الاستطاعة بمطلق البذل ، ولا يعتبر فيه قيد وشرط آخر لظاهر الروايات. ونسب إلى بعضهم اعتبار كون البذل على وجه التمليك فلا يكفي مجرد الإباحة وجواز التصرف ، ولم يعلم وجهه فإن إطلاق النصوص يدفعه ، بل الإباحة أظهر دخولاً في إطلاق الروايات من التمليك ، فإن قوله : «فان عرض عليه الحجّ» أو قوله : «دعاه قوم أن يحجوه» (1)ظاهر في خصوص الإباحة.
ونسب إلى بعضهم القول باختصاص البذل بما إذا كان البذل واجباً عليه بنذر أو يمين ونحو ذلك ، فلو كان البذل غير واجب لا يجب الحجّ على المبذول له كما عن العلامة (قدس سره) معللاً بأنه لا يمكن تعليق الواجب على غير الواجب (2).
ولعله (قدس سره) أراد معنى لم يظهر لنا واقعة ، وإلّا فهذا الكلام لا ينبغي صدوره من مثل العلّامة (قدس سره) وهو أجل شأناً من هذا الكلام.
وكيف يمكن القول بعدم جواز تعليق الواجب على غير الواجب ، فإن تعليق الواجب على غير الواجب في الأحكام كثير جدّاً ، فإن وجوب القصر معلق على السفر المباح ، ووجوب التمام معلق على الإقامة حتى المباحة ، وكذا وجوب الصوم معلق على الإقامة ، ووجوب الإنفاق على الزوجة معلق على النكاح الجائز في نفسه وهكذا وهكذا ، بل دخول غير الواجب في موضوع الروايات أظهر لأن البذل غير الواجب أكثر وأغلب من البذل الواجب.
وأمّا اعتبار الوثوق في استمرار البذل ، فلم يعرف وجهه أيضاً وحال البذل حال المال الموجود الموجب للاستطاعة ، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء في المال فهكذا في البذل لعدم الفرق بين البابين من هذه الجهة ، فلو شك في تلف المال أو ظن به لا يسقط الواجب ولا يوجب ذلك رفع اليد عن الواجب ، وكذلك الحال في البذل. نعم ، لو
.................................................................................................
اعتقد عدم الاستمرار أو كان واثقاً به لا يجب الحجّ ، لأنّ مرجع ذلك إلى عدم تحقق البذل وعدم عرض الحجّ عليه ، ويكون وعده حينئذ مجرد كلام وصورة للبذل ولا واقع له كالمال الموجود الذي يعلم بتلفه فإنه لا يجب الحجّ حينئذ من أوّل الأمر.
والحاصل : أنه لا فرق بين البذل والمال الموجود في حصول الاستطاعة بهما ، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء فيهما ، فكلا الأمرين من هذه الجهة من باب واحد.
الثالث : لا فرق في حصول الاستطاعة بالبذل بين بذل نفس المال أو بذل بدله لصدق عرض الحرج على ذلك ، فما عن بعضهم من اشتراط بذل عين الزاد والراحلة ولو بذل أثمانهما لم يجب عليه القبول ، ممّا لا وجه له أصلاً.
الرابع : لو كان له بعض النفقة فبذل له البقية والمتمم يجب عليه القبول أيضاً لصدق الاستطاعة بذلك ، لأن الاستطاعة لا تنحصر ببذل تمام النفقة ، بل لو بذل له المتمم يصدق أن عنده ما يحج به أو يجد ما يحج به ، هذا مضافاً إلى الارتكاز العقلائي ، بيانه : أن الحجّ يجب بالاستطاعة المالية وكذلك يجب بالاستطاعة البذلية ، فيجب الحجّ بالجامع بين المال الموجود الوافي للحج وبين البذل الوافي للحج ، والعبرة بتحقق الجامع ، ولا فرق في وجود الجامع بين وجوده في ضمن كل فرد مستقلا أو منضماً فإن الميزان وجود الجامع ، ولا إشكال في تحققه بوجوده في كل فرد بالاستقلال أو بضم بعض الفردين بالفرد الآخر.
الخامس : هل تعتبر نفقة العود في الاستطاعة البذلية أم لا؟ اختار المصنف اعتبارها ، فلو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب عليه الحجّ.
وما ذكره (قدس سره) على إطلاقه غير تام ، بل يجري فيه جميع ما تقدم في الاستطاعة المالية ، ولا خصوصية للبذل فإن البذل محقق للاستطاعة ، فإن استلزم عدم العود الحرج يعتبر بذل نفقة العود ، وإن كان بقاؤه في مكّة أو ذهابه إلى بلد آخر غير حرجي فلا تعتبر نفقة العود ، فالميزان هو الحرج وعدمه ، وحال نفقة العود في المقام كنفقة العود في الاستطاعة المالية.
ودعوى أن أدلّة البذل منصرفة عما لم يبذل نفقة العود والإياب ، لا شاهد عليها وعهدتها على مدعيها.
كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد الأمرين من التمليك أو الوجوب. وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقاً به ، كل ذلك لصدق الاستطاعة وإطلاق المستفيضة من الأخبار ، ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب أيضاً ، ولو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب (1)وكذا لو لم يبذل نفقة عياله إلّا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك الحجّ أيضاً.
[3032] مسألة 35 : لا يمنع الدّين من الوجوب في الاستطاعة البذلية (1) نعم لو كان حالّا وكان الديّان مطالباً مع فرض تمكنه من أدائه لو لم يحج ولو تدريجاً ففي كونه مانعاً أو لا وجهان (2) (2).
السادس : هل يعتبر نفقة العيال في الاستطاعة البذلية أم لا؟ ذكر المصنف أنه لو لم يبذل نفقة العيال لم يجب الحجّ ، ولا يخفى أن نصوص البذل غير متعرضة لنفقة العيال فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، فإن كان الإنفاق واجباً والسفر يمنعه من الإنفاق ، يدخل المقام في باب التزاحم ويقدم الأهم ، ولا يبعد أن يكون الإنفاق على العيال أهم لأنه من حقوق الناس. نعم ، إذا لم يتمكن من الإنفاق عليهم أصلاً حتى مع عدم السفر بحيث يكون الإنفاق متعذراً عليه حجّ أو لم يحج يقدم الحجّ بلا إشكال لعدم المزاحمة حينئذ ، وإذا لم يكن الإنفاق واجباً ولكن كان عدم الإنفاق حرجياً له لا يجب الحجّ لنفي الحرج.
(1) وجهه ظاهر ، لأن المفروض أنه لا يصرف مالاً حتى يمنعه الدّين ، وإنما يحجّ ويسافر مجاناً.
(2) الظاهر عدم الفرق بين أقسام الدّين والعبرة بالمزاحمة ، فلو علم أنه لو حجّ
[3033] مسألة 36 : لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذليّة (1).
لا يتمكّن من أداء دينه أصلاً يسقط وجوب الحجّ ، سواء كان الدّين مؤجّلاً أو حالاً مطالباً ، لوجوب حفظ القدرة لأداء مال الغير ، ولو علم بالتمكن من الأداء بعد الرجوع فلا يكون الدّين مانعاً.
وبالجملة : العبرة بالتزاحم ولا يختص المنع عن الحجّ بما ذكره من كون الدّين حالاً مطالباً ، بل لو كان مؤجلاً وكان السفر منافياً لأدائه يتقدم الدّين ، فلو علم أنه لو لم يحج وبقي في بلده تمكن من أداء دينه في وقته دفعة أو تدريجاً ، وأمّا إذا حجّ لا يتمكّن من الأداء حتى تدريجاً ، يسقط وجوب الحجّ للزوم التحفظ على القدرة للأداء.
(1) سيجيء البحث في اعتبار الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة المالية وستعرف إن شاء اللّه تعالى أن عمدة الدليل على اعتباره نفي الحرج ، وأما رواية أبي الربيع الشامي الآتية (1)فموردها الاستطاعة المالية ، لقوله : «هلك الناس إذن إذا كانت الاستطاعة بمجرد الزاد والراحلة ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه ، فقيل له : فما السبيل؟ فقال : السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقى بعضاً لقوت عياله» ، فإن الظاهر من الرواية صدراً وذيلاً كون موردها الاستطاعة المالية ، ولا إطلاق لها يشمل مورد الاستطاعة البذلية ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما يقتضيه نفي الحرج.
والحاصل : الظاهر عدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية هنا ، لصدق الاستطاعة بمجرّد عرض الزاد والراحلة بدون الرجوع إلى كفاية. نعم ، لو فرضنا تحقق الحرج والوقوع في العسر إذا سافر للحج ولم يرجع إلى كفاية ، كما إذا كان كسبه منحصراً في أيام الحجّ وإذا سافر فيها اختل أمر مئونة سنته ومعاشه وإعاشة عائلته ووقع في الضيق في بقية أيام السنة ، فحينئذ يسقط وجوب الحجّ.
ولو كانت الاستطاعة ملفقة من المال والبذل ، كما لو كان له مال لا يفي بمصارف
1) في ص 160.
[3034] مسألة 37 : إذا وهبه ما يكفيه للحج لأن يحج وجب عليه القبول على الأقوى ، بل وكذا لو وهبه وخيّره (1)بين أن يحج به أو لا ، وأما لو وهبه ولم يذكر الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً فالظاهر عدم وجوب القبول كما عن المشهور (1).
الحجّ وبذل له ما يتمم ذلك وجب عليه القبول ويجري عليها ما يجري على الاستطاعة المالية ، ويعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية ، لأنّ المفروض أن له مالاً فيشمله قوله (عليه السلام) : «يحجّ ببعض ويبقى بعضاً لقوت عياله».
(1) لو وهب له المال ليحج به وجب عليه القبول ، لإطلاق دليل البذل وصدق العرض على ذلك ، ولا يختص العرض بالبذل والإباحة ، ولو ملّكه مالاً وخيّره بين الحجّ وغيره كزيارة الرضا (عليه السلام) ذكر المصنف (قدس سره) أنه يجب عليه القبول كالأوّل ، وأما لو وهبه ولم يذكر الحجّ لا تعييناً ولا تخييراً فلا يجب القبول.
أقول : ما ذكره من عدم وجوب القبول في الهبة المطلقة صحيح ، لأن الاستطاعة تحصل بأحد أمرين : إمّا أن يكون له مال يكفيه للحج أو يبذل له ذلك ، وشيء من الأمرين غير صادق في المقام ، والقبول تحصيل للاستطاعة وهو غير واجب.
وأمّا القول بوجوب القبول على تقدير الهبة مع التخيير بين الحجّ وغيره فهو مبني على دعوى صدق الاستطاعة حينئذ ، فإن عرض شيء آخر أيضاً لا يضر بصدق عرض الحجّ ، لأن عرض الحجّ غير مشروط بعدم عرض غيره ، إذ لا معنى لعرض الحجّ إلّا بذل مال يفي للحج ، والتعيين لا خصوصية له ، ولكن الظاهر عدم صحّة ذلك ، فإن التخيير يرجع إلى أن بذله للحج مشروط بعدم صرفه المبذول في جهة أُخرى ، أو الإبقاء عنده ، ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط ، وإن شئت قلت : إنّ موضوع الوجوب هو البذل للحج ، والهبة مع التخيير المزبور بذل للجامع بين الحجّ
1) (*) وللقول بعدم الوجوب وجه وجيه ، فإن التخيير يرجع إلى أن بذله للحج مشروط بعدم صرفه المبذول في جهة أُخرى أو الإبقاء عنده ، ولا يجب على المبذول له تحصيل الشرط.
[3035] مسألة 38 : لو وقف شخص لمن يحج أو أوصى أو نذر كذلك فبذل المتولي أو الوصي أو الناذر له وجب عليه ، لصدق الاستطاعة بل إطلاق الأخبار وكذا لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج فإنه يجب عليه بعد موت الموصي (1).
[3036] مسألة 39 : لو أعطاه ما يكفيه للحج خمساً أو زكاة وشرط عليه أن يحجّ به فالظاهر الصحّة (1)ووجوب الحجّ عليه إذا كان فقيراً أو كانت الزكاة من سهم سبيل اللّه (2) (2).
وغيره ، والبذل للجامع لا يكون بذلاً للحج ز بشخصه وإلّا وجب القبول في الهبة المطلقة أيضاً ، فإنّها لا تنفك عن التخيير في صرف الموهوب في الحجّ أو غيره.
(1) قد عرفت أن الاستطاعة تتحقق بأحد أمرين : إما بالاستطاعة المالية وإما بالبذلية ، فلو وقف شخص لمن يحج أو أوصى بمال لمن يحج أو نذر كذلك ، وبذل المتولي أو الوصي المال ، يصدق عنوان الاستطاعة وإن لم يكن الباذل مالكاً ، فإن إطلاق أخبار العرض والبذل يشمل المقام ولا تختص بما إذا كان الباذل مالكاً ، وكذلك يصدق عنوان الاستطاعة البذلية فيما لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحجّ فيجب عليه الحجّ بعد موت الموصي.
(2) يقع الكلام في مقامين.
أحدهما في حصول الاستطاعة ووجوب الحجّ فيما إذا أعطاه من الزكاة أو الخمس بعنوان الفقر وشرط عليه الحجّ.
ثانيهما فيما إذا أعطاه الزكاة من سهم سبيل اللّه ليحج بها.
.................................................................................................
أمّا الأوّل : فالظاهر عدم صحّة الشرط ، ويتوقف بيان ذلك على توضيح معنى الشرط وذكر الأقسام المتصوّرة له فنقول : إن الشرط في ضمن عقد ليس هو مجرّد الالتزام بشيء المقارن للعقد ، وإنما هو أمر مربوط به ، والربط المتصور فيه على وجوه :
الأوّل : تعليق المنشأ بأمر متوقع الحصول ، كتعليق البيع على مجيء مسافرة أو نزول المطر ، بمعنى أن المنشأ ليس هو التمليك على الإطلاق بل حصّة خاصّة منه وهو التمليك على تقدير مجيء المسافر مثلاً ، وهذا هو التعليق الذي أجمعوا على بطلانه في جميع العقود والإيقاعات إلّا الوصية والتدبير.
الثاني : أن يعلق المنشأ على الالتزام بشيء لا على نفس ذلك الشيء ، كتعليق البيع على التزام المشتري بعمل كالخياطة مثلاً ، فالالتزام بها هو المعلق عليه لا نفس الخياطة ، ولا بأس بهذا التعليق لأنه تعليق على أمر حاصل معلوم الوجود ، فالالتزام من المشتري متحقق على الفرض فيكون نظير التعليق بكون هذا اليوم يوم الجمعة مع العلم بأنه يوم الجمعة وأمثال ذلك من الأُمور الحاصلة المعلومة ، والفرق بينه وبين الأوّل أنه في الأوّل يعلق المنشأ على أمر خارجي متوقع الحصول وفي الثاني يعلق المنشأ على الالتزام بأمر خارجي ، والالتزام من المشتري حاصل بالفعل ، ولا مانع من الشرط على النحو الثاني بل يجب الوفاء به عملاً بأدلّة وجوب الوفاء بالشرط كقوله (عليه السلام) : «المؤمنون عند شروطهم» (1)وهذا جار في جميع العقود ومنه باب النكاح ، فلو اشترطت الزوجة بأنّ حق السكنى لها أو اشترطت الإنفاق عليها بمقدار كذا ونحو ذلك من الشروط يجب عليه الوفاء ، فإن الشرط يرجع إلى تعليق الزوجية المنشأة على التزام الزوج بما اشترط عليه ، ولو قبل الزوج النكاح من دون التزامه بذلك بطل النكاح.
الثالث : أن يكون التزام البائع بالبيع معلقاً على الفعل الخارجي كالخياطة مثلاً
1) الوسائل 21 : 276 / أبواب المهور ب 20 ح 4.
.................................................................................................
لا نفس البيع والمنشأ ، فإن في البين أمرين : أحدهما إنشاء الملكية ونفس البيع ، ثانيهما الالتزام بذلك ، فالتعليق يرجع إلى الالتزام لا إلى المنشإ ، والشرط في هذه الصورة معناه أنه لو حصلت الخياطة خارجاً فهو ملتزم بالبيع وإلّا فلا ، ويرجع ذلك إلى جعل الخيار له عند التخلف ، وهذا يجري في كل عقد قابل للفسخ كالبيع والإجارة وأضرابهما ، وأما مثل النكاح فلا يؤثر هذا الشرط في فسخه ، لأن له رافعاً خاصاً كالطلاق وإن ذهب بعضهم إلى جريان ما ذكر حتى في مثل النكاح.
وبالجملة : الشرط الصحيح يتصور بأحد أمرين : إما تعليق المنشأ على الالتزام وإما تعليق الالتزام بالعقد على الأمر الخارجي ، وأما تعليق المنشأ على الأمر الخارجي فهو باطل بالإجماع ، هذا ما يرجع إلى الشرط والتعليق بحسب الكبرى.
وأما في المقام فلا يجري شيء ممّا ذكر ، لأن التعليق لا معنى له في المقام أصلاً لعدم قابلية تعليق الفعل الخارجي كالاعطاء على شيء ، وإنما التعليق يتصور في الأُمور الاعتبارية ، وأما الأُمور الخارجية التكوينية فغير قابلة للتعليق ، بل إما تقع وتحصل في الخارج وإما لا تقع ولا تحصل ، فهي تتصف بالوجود والعدم كالأكل والضرب والإعطاء ، فإن الأكل إما أن يتحقق في الخارج وإما لا يتحقق ، وهكذا الإعطاء الخارجي لا معنى لتعليقه ، ويرجع الإعطاء المشروط إلى مجرّد الالتزام المقارن له دون أن يرتبط أحدها بالآخر.
وأما الملكية الشرعية وإن كانت قابلة للتعليق ولكنها ليست بيد المكلف وإنما هي بيد الشارع ، فما هو تحت يده ليس قابلاً للتعليق كالاعطاء وما هو قابل للتعليق كالملكية الشرعية ليس بيد المكلف حتى يعلقه ، وأما تعليق الالتزام بالإعطاء على الحجّ فلا أثر له ، لأنّ ما كان لله ليس له الرجوع فيه ، وهذا النحو من التعليق والالتزام في إعطاء الزكاة ليس بيده ، لأنّ المفروض أن ما أعطاه حُسب زكاة أو خمساً وليس له الرجوع لو لم يحج ، فالتعليق في نفس العمل وهو الإعطاء أو التعليق في الالتزام كل منهما غير قابل في المقام. نعم ، يبقى الالتزام المقارن من المعطى له في صرف ما أخذه في الحجّ ، لكنّه لا يؤثر ذلك شيئاً ولا يجب على الفقير العمل به فإنه
.................................................................................................
يدخل في باب الوعد لا محالة. نعم ، إذا أخذ الزكاة أو الخمس واستطاع بذلك يجب عليه الحجّ إن لم يقع في الحرج.
وللتوضيح نزيد في البيان وإن استلزم التكرار في الجملة ولكن لا يخلو من فائدة فنقول : إن الشرط ليس هو مجرّد الالتزام الابتدائي المقارن للعقد ، وإنما هو مرتبط به نحو ارتباط والتزام في ضمن التزام ، وهو يرجع إلى أحد أمرين على سبيل منع الخلو : إما تعليق المنشأ على الالتزام وهو أمر حاصل بالفعل فيجب الوفاء به ، وإما تعليق الالتزام بالمنشإ على أمر خارجي الذي مرجعه إلى جعل الخيار لنفسه ، وأما تعليق نفس المنشأ على أمر خارجي فقد عرفت أنه باطل بالإجماع ، وقد يجتمع الأمران في مورد واحد وقد يفترقان.
أمّا مورد الاجتماع فهو ما لو باع داره واشترط على المشتري خياطة ثوبه مثلاً وقبل المشتري ذلك ، فإن المنشأ وهو بيع الدار معلق على التزام المشتري بالخياطة ويجب عليه الوفاء به ، وكذلك التزام البائع بالبيع معلق على الخياطة ، وأثره ثبوت الخيار للبائع إذا تخلف المشتري.
وأمّا مورد الافتراق ، فقد يكون التعليق بالنحو الأوّل من تعليق المنشأ على الالتزام كما في الإيقاعات والعقود التي لا تقبل الفسخ كالنكاح ، فإنه غير قابل للفسخ ولا يجري فيه الخيار ، لأنه دائمي لا يزول إلّا بمزيل ورافع خاص ، فإذا علق النكاح على شيء يرجع التعليق فيه إلى تعليق المنشأ على التزام الآخر فيجبر على الوفاء به ، فالثابت ليس إلّا مجرد حكم تكليفي وهو وجوب الوفاء على المشروط عليه ولا يوجب تخلفه الخيار وجواز الفسخ ، خلافاً لصاحب الجواهر الذي مال أو التزم بجريان الخيار في النكاح أيضاً (1)وكذلك باب الإيقاعات كالإبراء والطلاق ، فإن الشرط فيها يرجع إلى تعليق المنشأ على الالتزام ويجب الوفاء به ، ولو لم يتحقّق الوفاء منه في الخارج عصياناً لا يضر ذلك بتحقق الإبراء أو الطلاق ، لأن الإبراء قد
1) لاحظ الجواهر 29 : 149 ، 30 : 366.
.................................................................................................
تحقق وهو غير قابل للعود ، غاية الأمر يجب على المبرإ الوفاء بما اشترط عليه ، وقد ينعكس الأمر بمعنى أن الشرط يرجع إلى تعليق الالتزام لا المنشأ ، وأثره جعل الخيار لنفسه عند التخلّف ، كالتعليق على الأُمور الخارجة عن تحت الاختيار ، نظير التعليق على كون العبد كاتباً أو كون الفراش منسوجاً بنسج البلد الفلاني وأمثال ذلك.
ثمّ إن جميع ما ذكرنا إنما يجري في الأُمور القابلة للتعليق كالامور الاعتبارية ، وأما التكوينية فهي غير قابلة للتقييد ، لأنّ التقييد إنما يصح في مورد الإطلاق والسعة والأمر الخارجي التكويني في نفسه مضيق وغير قابل لعروض التقييد عليه ، نظير الائتمام الخارجي بالإمام الحاضر ، فإن الائتمام قد حصل وتحقق خارجاً سواء كان الإمام زيداً أو عمراً وإنما الدواعي تختلف باختلاف الموارد.
وبالجملة : الأُمور التكوينية الخارجية تتصف بالوجود والعدم ولا يجري فيها التعليق ، ولا معنى لأن يقال : إن الائتمام الخارجي معلق على كون الإمام زيداً أو أن الأكل الخارجي معلق على أن يكون المأكول ملك نفسه ، فإن الائتمام والأكل قد تحققا خارجاً على كل تقدير. وأما المقام الذي وجب عليه الخمس أو الزكاة فإنما يجب عليه الإعطاء والأداء والإيتاء ، والذي تحت اختياره ليس إلّا الإعطاء الخارجي وهذا غير قابل للتعليق ، وأما الملكية الشرعية فليست تحت يده واختياره وإنما هي بيد الشارع.
وبعبارة اخرى : إنما يجب على الشخص تفريغ ذمته من الزكاة إما بالعزل أو بنفس الإعطاء الخارجي ، والفعل الخارجي الصادر منه كالأداء والإعطاء غير قابل للتقييد والتعليق ، وأمّا التزامه بذلك فغير قابل للتعليق أيضاً ، لأنّ مرجعه إلى جعل الخيار وجواز الاسترداد ، وما أعطاه من الزكاة غير قابل للرجوع ، لأنّ ما كان لله لا يرجع كما في النص (1)فمرجع هذا الشرط إلى الالتزام المقارن للإعطاء وهو غير واجب الوفاء به ، ولا يصدق عليه عرض الحجّ وبذله.
1) الوسائل 19 : 231 / أبواب الهبات ب 3 ح 1 ، 2 وب 6 ح 3.
[3037] مسألة 40 : الحجّ البذلي مجزئ عن حجّة الإسلام ، فلا يجب عليه إذا استطاع مالاً بعد ذلك على الأقوى (1).
ولو تنزّلنا عن جميع ذلك وفرضنا إمكان التعليق في المقام ، لكن ليس لمن عليه الزكاة أو الخمس هذا الاشتراط لعدم الولاية له على ذلك ، وإنما الثابت في حقِّه لزوم الإعطاء وإبراء ذمته من الدّين بأدائه إلى مستحقه. نعم ، له حق التطبيق في الأداء إلى مستحقه ، وله أن يختار خصوص الفقير الفلاني أو السيد الفلاني ولم تثبت له الولاية بأزيد من ذلك ، ولو صح ذلك لجاز له أن يشترط على المستحق أُموراً أُخر فيعطي خُمسه أو زكاته للمستحق ويشترط عليه خياطة ثوبه وزيارة الحسين (عليه السلام) أو يصلِّي أو يصوم عن والده ونحو ذلك وهذا ضروري البطلان. هذا تمام الكلام في إعطاء الزكاة من باب الفقر.
المقام الثاني : إعطاء الزكاة له من سهم سبيل اللّه للحج. لا ينبغي الشك في أنه إذا أعطى الزكاة لشخص غير مستطيع من سهم سبيل اللّه ليحج بها وقلنا بجواز ذلك مطلقاً أو في خصوص ما كانت فيه مصلحة عامة على الكلام المتقدم في بحث الزكاة وجب على المعطى له قبولها وصرفها في الحجّ لأنه يكون بذلك مستطيعاً ، ولكن تقدّم الإشكال في جواز صرفها في غير ما كانت فيه مصلحة عامّة فراجع.
(1) المشهور والمعروف بين الأصحاب إجزاء الحجّ البذلي عن حجّة الإسلام ولا يحب عليه الحجّ ثانياً إذا استطاع مالاً بعد ذلك ، خلافاً للشيخ في الاستبصار فأوجبه ثانياً إذا أيسر بعد ذلك (1)واستدل بصحيح الفضل بن عبد الملك البقباق لقوله (عليه السلام) : «وإن أيسر فليحجّ» (2)ونحوه خبر أبي بصير : «فإن أيسر بعد ذلك كان عليه الحجّ» (3)ولكنّه ضعيف بعلي بن أبي حمزة البطائني.
.................................................................................................
وذكر الشيخ في الاستبصار أن صحيح معاوية الدال على الصحة وأنها حجّة تامة لا ينافي صحيح الفضل الدال على الوجوب إذا أيسر واستطاع ، لأنّ صحيح معاوية أخبر أن ما حجّه بالبذل صحيح ويستحق بفعلها الثواب وهذا مما لا كلام ولا خلاف فيه ، بل ذكر (قدس سره) أن الوجوب إذا أيسر مطابق للأُصول الصحيحة التي تدل عليها الدلائل والأخبار (1)وفي التهذيب (2)عكس الأمر فإنه ذكر صحيح معاوية بن عمار (3)الذي هو صريح في الإجزاء ثمّ ذكر صحيح الفضل وقال (قدس سره) : إنه محمول على الاستحباب.
ولا ريب أن ما ذكره في الاستبصار ضعيف ، لأن الحكم المستفاد من صحيح معاوية إن كان مقتصراً على الصحة فلا ينافي وجوب الحجّ ثانياً ، ولكن المستفاد منه صريحاً الإجزاء عن حجّة الإسلام لقوله : «هل يجزئ ذلك عنه عن حجّة الإسلام أم هي ناقصة؟ قال : بل هي حجّة تامة» ولو كان واجباً ثانياً لكان واجباً بوجوب آخر ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به ، لأنّ حجّ الإسلام في العمر مرّة واحدة كما صرح بذلك في صحيح هشام بن سالم : «وكلفهم حجّة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك» (4)، فما ذكره في التهذيب من حمل صحيح البقباق على الندب هو الصحيح. ويؤيده أو يؤكده التصريح في بعض الروايات بعدم الوجوب مرة ثانية كصحيح جميل ابن دراج : «في رجل ليس له مال حجّ عن رجل أو أحجّه غيره ثمّ أصاب مالاً ، هل عليه الحجّ فقال : يجزئ عنهما جميعاً» (5)، ويحتمل عود الضمير في قوله «عنهما» إلى ما أتى به من الحجّ وإلى ما لم يأت به ، بمعنى أن ما حجّة يجزئ ويكون صحيحاً ويجزئ أيضاً عن الحجّ إذا استطاع وأيسر ، أي لا يجب عليه الحجّ ثانياً إذا أيسر ، ويحتمل
[3038] مسألة 41 : يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام وفي جواز رجوعه عنه بعده وجهان (1)، ولو وهبه للحج فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الإقباض وعدمه بعده إذا كانت لذي رحم أو بعد تصرف الموهوب له (1).
عوده وإرجاعه إلى الشخصين أي النائب والمبذول له ، ولكن في مورد النائب نلتزم بالحج عليه إذا أيسر لأجل دليل آخر دال على عدم سقوطه عنه.
(1) لا ريب في جواز الرجوع قبل الإحرام سواء كان إعطاء المال له على نحو البذل وإباحة التصرف ، أو كان على نحو الهبة إذا لم تكن لذي رحم أو لم يتصرّف فيها تصرفاً مانعاً عن الرجوع ، لقاعدة سلطنة الناس على أموالهم وجواز الرجوع في الهبة ، إنما الكلام في جواز الرجوع بعد الإحرام ففيه وجهان :
الأوّل : جواز الرجوع ، لأنّ المال باق على ملك مالكه والمفروض أنه لم يملّكه وإنما أباح له التصرف فله الرجوع إلى ماله وملكه ، ولو فرضنا أنه خرج عن ملكه بالهبة فله الرجوع أيضاً إذا لم تكن لذي رحم وكان قبل تصرّف الموهوب له ، ولا موجب لإلزامه بالاستمرار بالبذل. وبعبارة اخرى : المال المبذول يجوز الرجوع إليه وإن خرج عن ملكه بالهبة ما لم تكن هناك جهة ملزمة فضلاً عما إذا لم يخرج.
الثاني : عدم جواز الرجوع ، لوجوب إتمام العمل على المبذول له ، وإذا وجب عليه الإتمام فليس للباذل الرجوع ، لأنه يستلزم تفويت الواجب عليه وعدم تمكّنه من الإتمام الذي يجب عليه ، نظير من أذن لغيره في الصلاة في ملكه فإنه بعد ما شرع في الصلاة ليس للآذن الرجوع عن إذنه ، لأنه يستلزم تفويت الواجب عليه من وجوب إتمام الصلاة وحرمة قطعها ، فلا أثر لمنع المالك.
1) (*) الظاهر هو الجوار. وعلى المبذول له الإتمام إذا كان مستطيعاً فعلاً ، وعلى الباذل ضمان ما يصرفه في الإتمام.
.................................................................................................
أقول : الحكم بعدم جواز الرجوع عن الاذن لم يثبت في المقيس عليه لعدم ثبوت حرمة قطع الصلاة ، ولو سلمنا حرمة القطع فلا تشمل المقام ، لأنّ الدليل على وجوب إتمام الصلاة وحرمة قطعها ليس إلّا الإجماع المدعى ، والقدر المتيقن منه غير المقام ، بل إذا رجع المالك عن إذنه فليس للمصلي الإتمام لأنه يستلزم الغصب.
وأمّا عدم جواز الرجوع عن البذل بعد الإحرام ففيه :
أوّلاً : أن عدم جواز الرجوع يتوقف على الالتزام بوجوب الإتمام حتى بعد رجوع الباذل ، ويمكن المناقشة في ذلك بأن الاستطاعة شرط للحج حدوثاً وبقاء ، وإذا لم يستمر الباذل في بذله يكشف عن عدم استطاعته من أوّل الأمر ، نظير ما إذا سرق ماله في الطريق فإن الحجّ مشروط بالاستطاعة حدوثاً وبقاء ، وإذا زالت الاستطاعة بقاء بسرقة أمواله وفقدانها أو برجوع الباذل عن بذله ارتفع وجوب الحجّ ، وإذا لم يكن واجباً لا يجب عليه الإتمام ، والمفروض أنه لم يأت به ندباً حتى يتمه ، وإنما دخل في الإحرام بعنوان أنه مستطيع وأنه حجّ الإسلام الواجب عليه ، ثمّ ينكشف أنه لم يكن واجباً ولم يكن بحج الإسلام فله أن يرفع يده ويذهب إلى بلاده ، وإتمامه بعنوان آخر يحتاج إلى دليل.
وبعبارة اخرى : إنما يجب الإتمام فيما إذا أتى به من أوّل الأمر بعنوان المستحب وأمّا إذا أتى به بعنوان الوجوب ثمّ انكشف عدمه فلا دليل على وجوب الإتمام.
وثانياً : لو فرضنا وجوب الإتمام على المبذول له ، إلّا أنّ ذلك لا يوجب استمرار البذل على الباذل ، والمفروض أن المال ماله ولم يصدر منه ما يوجب خروجه عن ملكه فيجوز له التصرّف في ماله متى شاء. نعم ، إذا قلنا بوجوب الإتمام على المبذول له يكون الباذل ضامناً ، لأنّ الباذل أذن له في الإحرام والإذن في الشروع إذن في الإتمام قهراً ، لأنّ الاذن في الشيء إذن في لوازمه ، وكل عمل يقع بأمر الغير يقع مضموناً عليه ، وثبوت الضمان عليه لا ينافي جواز رجوعه عن البذل واسترداد المال الموجود ، غاية الأمر يضمن له مصاريفه ، لقيام السيرة على ضمان العمل الذي صدر بأمر الآمر.
[3039] مسألة 42 : إذا رجع الباذل في أثناء الطريق ففي وجوب نفقة العود عليه أو لا وجهان (1)(1).
وبالجملة : مقتضى القواعد ضمان الباذل لمصاريف العمل لا عدم جواز رجوعه إلى المال المبذول ، وضمان العمل شيء وعدم جواز رجوعه أمر آخر ، ومن هنا يظهر أنه لا يمكن التمسك بقاعدة الغرور لعدم جواز الرجوع ، لأن أقصى ما تدل عليه القاعدة ضمان الغار لمصاريف العمل الذي وقع بأمره فيضمن ما يصرفه المبذول له في سبيل إتمام الحجّ لأنه مغرور من هذه الجهة ، لا عدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، كما أن القاعدة المزبورة لا تقتضي جواز تصرّف المبذول له في المال المبذول بعد رجوع الباذل هذا مضافاً إلى أن قاعدة الغرور لم تثبت على إطلاقها ، وإنما وردت في موارد خاصة ولا دليل عليها سوى النبوي المرسل في الكتب الفقهية.
نعم ، وردت في بعض روايات التدليس لفظ الغرور كما في رواية محمّد بن سنان الواردة في من نظر إلى امرأة فأعجبته إلى أن قال : «وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل وخدعه» (2)ولكنها ضعيفة بمحمّد بن سنان. على أن صدق الغرور يتوقف على علم الغار وجهل المغرور وكون الغار قاصداً لإيقاع المغرور في خلاف الواقع ، وأما إذا لم يكن عالماً بذلك وإنما يرجع عن البذل من باب الاتفاق ، كما لو علم الباذل بأن ماله لا يفي للبذل فلا يصدق عليه أنه غرّه وخدعه.
فتلخص : أنّ مقتضى القواعد جواز الرجوع إلى ماله ولكنّه ضامن لما يصرفه في سبيل الإتمام للسيرة العقلائية.
(1) الظاهر ضمان الباذل لمصارف العود لأنه وقع بأمره وإذنه ، حيث إنّ السفر وقع بإذنه والاذن في الشيء إذن في لوازمه ، ويدلُّ على ذلك السيرة العقلائية ، وإن كان له
[3040] مسألة 43 : إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية ، فلو ترك الجميع استقر عليهم الحجّ فيجب على الكل ، لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكل ، نظير ما إذا وجد المتيممون ماء يكفي لواحد منهم فإن تيمم الجميع يبطل (1).
الرجوع في المال المبذول ، وهذا لا ينافي ضمان مصارف العود كما عرفت ذلك بما لا مزيد عليه.
(1) ما ذكره هو الصحيح ، وإن كان بين المقام وباب التيمم فرق ما ، وربما يقال بأنّ الاستطاعة إما ملكيّة أو بذلية ، وشيء منهما غير متحقق في المقام ، أما انتفاء الملكية فواضح ، وأما البذلية فلعدم شمول نصوص البذل للمقام ، لأنّ البذل أو عرض الحجّ إنما يتحقق بالنسبة إلى الشخص الخاص ، وأما العرض لواحد لا بعينه فغير مشمول للروايات ، ولا يقاس المقام بباب التيمم لأن وجدان الماء موجب للبطلان وكل واحد واجد للماء على تقدير عدم أخذ الآخر ، والاستطاعة في باب الحجّ ليست كذلك فالتنظير في غير محله.
وفيه : أن البذل للجامع بما هو جامع وإن كان لا معنى له لعدم إمكان تصرف الجامع في المال وإنما التصرف يتحقق بالنسبة إلى الشخص ، إلّا أن البذل في المقام يرجع في الحقيقة إلى البذل إلى كل شخص منهما أو منهم ، غاية الأمر مشروطاً بعدم أخذ الآخر ، لعدم الترجيح في الفردين المتساويين ، كما إذا بذل الوالد مالاً لأحد أولاده وقال لهم : يحج به أحدكم ، فإن معنى ذلك أن من أخذه منكم يجب عليه الحجّ ولا يجب على الآخر ، وأما إذا لم يأخذه واحد منهم فالشرط حاصل في كل منهم ويستقر عليهم الحجّ نظير مسألة التيمم.
نعم ، يبقى بيان الفرق بين مسألة التيمم والمقام ، وحاصله : أنه في باب التيمم يجب السبق إلى أخذ الماء إذا كان أحدهم متمكناً من الغلبة وأخذ الماء وطرد الباقي ، لكونه
[3041] مسألة 44 : الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل ، وأما الكفّارات فإن أتى بموجبها عمداً اختياراً فعليه ، وإن أتى بها اضطراراً أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره ففي كونه عليه أو على الباذل وجهان (1) (1).
واجداً للماء لقدرته على الماء وتمكنه منه ، بخلاف الآخر فإنه غير قادر وغير متمكن من الماء ، وأما في المقام فلا يجب التسابق لأخذ المال ، لأن المفروض أن البذل على نحو الواجب المشروط وتحصيل الشرط غير واجب.
والحاصل : أن البذل في المقام يرجع إلى الشخصي ، فإن الأُمور الاعتبارية كالملكية وإن كانت قابلة للتعلق بالكلي كالصاع من الصبرة ، كما أن موضوعها يعني المالك قد يكون شخصياً كزيد وعمرو وقد يكون كلياً كالجهات ، بل قد يكون ميتاً كثلث الميت وقد يكون جامداً كالوقف على المسجد ، وأما الأمر الخارجي التكويني كالبذل وعرض الحجّ فلا يمكن تعلقه بالكلي الجامع ، فلا بدّ من إرجاع ذلك إلى الشخصي غاية الأمر مشروطاً بعدم صرف الآخر ولو بنحو الشرط المتأخر ، بمعنى أنه لو لم يأخذه الآخر أو لم يصرفه الآخر وجب عليه الصرف ، فإن سبق أحدهم وأخذه وصرفه في الحجّ يسقط الحجّ عن الآخر ، وأمّا لو لم يصرفه لم يسقط عن الآخر بل يجب عليه الأخذ منه والصرف في الحجّ ، لأنّ الشرط وهو عدم الصرف حاصل فيجب عليه الحجّ بالفعل لفعلية الشرط ، فما ذكره المصنف هو الصحيح وإن مال إلى خلافه صاحب الجواهر (2).
(1) أمّا الكفّارات العمدية فليس شيء منها على الباذل ، لأنّ الباذل لم يلتزم بشيء من ذلك ، وإنما صدر موجبها من المبذول له باختياره فهي عليه ، وأما غير العمدية وإن كانت قليلة جدّاً ، لأنّ كفّارات الحجّ أكثرها في صورة العمد ولكن بعضها أعم
.................................................................................................
من العمد والخطأ كالصيد فقد توقف المصنف (قدس سره) فيها في كونها عليه أو على الباذل ، والظاهر أنه لا موجب للتوقف بل حالها حال الكفّارات العمدية ، لأن الباذل إنما بذل مصارف الحجّ وتعهده بنفقاته ، والكفّارات ليست من أجزاء الحجّ وأعماله ، ولم يلتزم الباذل بشيء من الكفّارات ولم يصدر موجبها بأمره وإذنه. وبالجملة : الباذل إنما هو ملتزم بمصارف الحجّ لا بهذه الأُمور الخارجة عن أعماله.
وأما ثمن الهدي فلا بدّ أوّلاً من تحقيق أن بذل الحجّ دون الهدي هل يوجب الحجّ عليه وهل يجب عليه القبول ولو بأن يلتزم المبذول له بثمن الهدي أو يأتي ببدله وهو الصوم ، أو لا يجب إلّا مع بذل ثمن الهدي؟
الظاهر أنه لا بدّ من بذل ثمن الهدي ، لأنّ عرض الحجّ وبذله إنما يتحقق ببذل تمام أجزائه وواجباته ، وإلّا فلم يعرض عليه الحجّ بل عرض بعض الحجّ. نعم ، إذا كانت الاستطاعة ملفقة من الملكية والبذلية يجب عليه صرف ماله في الهدي ، وأما الاستطاعة المتمحضة في البذل فلا بدّ من بذل الهدى أيضاً ، لأن الظاهر من عرض الحجّ كما عرفت عرض تمام الحجّ لا بعضه ، ولا ينتقل الأمر إلى البدل وهو الصوم لأنه في مورد العذر.
وبالجملة : نلتزم في الاستطاعة البذلية ببذل ثمن الهدي أيضاً لأنه من الحجّ ، كما نلتزم بوجدان ثمنه في الاستطاعة الملكية ، فإنه لا يصدق عنوان الاستطاعة إلّا بالتمكن من الهدي ، ومن لم يكن متمكناً من ثمن الهدي من أوّل الأمر لا يكون مستطيعاً ولا ينتقل الأمر إلى البدل ، فإن قوله : ما يحج به أو يقدر على مال يحج به أو يجد ما يحج به وغير ذلك من التعابير الواردة في النصوص إنما يختص بما إذا حصل المال بمقدار جميع مصارف الحجّ ، فإذا كان المال لا يفي بتمام المصارف يسقط وجوب الحجّ ، وكذلك الحال في البذل ، فإذا بذل الباذل دون ثمن الهدي فلم يبذل له الحجّ ولا يجب عليه القبول ، ولا يكون حجّه حجّ الإسلام إذا قبل ، لعدم حصول الاستطاعة للحج بالبذل الناقص.
[3042] مسألة 45 : إنما يجب بالبذل الحجّ الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة فلو بذل للآفاقي بحجّ القرآن أو الإفراد أو لعمرة مفردة لا يجب عليه وكذا لو بذل للمكي لحج التمتع لا يجب عليه ، ولو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام لم يجب عليه ثانياً ، ولو بذل لمن استقر عليه حجّة الإسلام وصار معسراً وجب عليه ، ولو كان عليه حجّة النذر أو نحوه ولم يتمكن فبذل له باذل وجب عليه (1).
فرع : لو بذل ثمن الهدي والتزم به ثمّ رجع وعدل عنه فلا ريب في وجوب إتمام الحجّ على المبذول له ، وليس حاله كما إذا رجع الباذل عن بذله بعد الإحرام في عدم وجوب الإتمام وجواز رفع اليد عن الإحرام ، لما عرفت من أن الإتمام إنما يجب بالعنوان الذي أوقعه وأتى به أوّلاً فهناك ينقلب ندباً ، ولا دليل على وجوب الإتمام حينئذ ، فإن ما بدأ به أتى به بعنوان حجّة الإسلام وبقاء ليس بحج الإسلام ، بخلاف المقام فإنه متمكن من إتمام حجّة الإسلام ولو بشراء الهدي أو الصوم ، ولو عجز عنهما يجري عليه حكم العاجز عنهما.
والحاصل : لا يسقط عنه الحجّ لأنه متمكن من الإتمام ، فإنّ ما أتى به من الأعمال السابقة فقد أتى به بعنوان حجّ الإسلام فهو متمكن من إتمام الحجّ بالعنوان الذي أوقعه أوّلاً وعليه الهدي أو بدله ، وإذا أتمّه بشراء الهدي فله الرجوع إلى الباذل ، لأنه ضامن لأنه هو الذي أوقعه في هذه الأعمال وكان إتيانها بأمره وإذنه وإن كان له الرجوع فيما بذله بمقدار الهدي ، لما عرفت من أن ضمان المصارف لا ينافي جواز الرجوع فيما بذله.
(1) ذكر في هذه المسألة أُموراً :
الأوّل : يجب بالبذل الحجّ الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة ، فلو بذل للآفاقي حجّ القرآن أو الإفراد ولأهل مكّة حجّ التمتع لا يجب ، كما لو كان له مال لا يفي للحجّ الذي هو وظيفته وبذل له باذل مصارف الحجّ الذي ليس من وظيفته ، فما هو
.................................................................................................
واجب عليه غير مستطيع له وما هو مستطيع له غير واجب عليه.
وبالجملة : البذل لا يغيِّر وظيفته من وجوب حجّ التمتع أو القرآن والإفراد وإنما البذل يوجب دخوله في موضوع الاستطاعة ، وببركة الروايات التزمنا بأن الاستطاعة ليست منحصرة بالمالية بل هي أوسع من ذلك وأعم من المالية والبذلية فلا فرق بين المستطيع المالي والبذلي في الوظائف المقررة له إلّا من حيث توسعة الاستطاعة ، وأما من حيث الوظيفة المقررة له فلا فرق بين حصول الاستطاعة بالمال أو بالبذل.
الثاني : لو بذل له مصرف العمرة المفردة لا يجب عليه القبول ، لأنه لو كان له مال لا يجب عليه العمرة فكيف بالبذل ، والسر ما ذكرنا من أن البذل لا يغيِّر وظيفة المبذول له ، ولذا لا يجب بالبذل الحجّ على من حجّ حجّة الإسلام.
الثالث : لو استقر عليه الحجّ ووجب عليه الإتيان ولو معسراً متسكعاً وجب عليه قبول البذل ، لا لأجل شمول أخبار البذل للمقام ، فإن تلك الأدلة في مقام بيان اعتبار الاستطاعة الخاصة في الحجّ وأما وجوب الحجّ في المقام فلم يعتبر فيه الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات ، بل حاله حال سائر الواجبات الإلهية من اعتبار القدرة العقلية فيها ، فيفترق وجوب الحجّ على من استقر عليه عن وجوب حجّة الإسلام ولذا لو وهب له مال على نحو الإطلاق يجب عليه القبول ، وكذا لو فرض أنه يتمكن من بيع ماله من شخص بأزيد من قيمته المتعارفة ويتمكن بذلك من أن يذهب إلى الحجّ وجب عليه البيع منه ولو بالاستدعاء منه ، لأن المفروض أن هذا الحجّ ليس حجاً استطاعياً حتى يقال بعدم وجوب البيع لأنه تحصيل للاستطاعة ، وإنما وجب عليه الإتيان به لاشتغال ذمته ولزوم تفريغها بحكم العقل كوجوب الإتيان بسائر الواجبات الإلهية ، بل يجب عليه الحجّ ولو بتحصيل الاستطاعة بالكسب في الطريق ولذا لو وجب عليه الحجّ بنذر وشبهه ولم يتمكن من أدائه وجب عليه التحصيل بالكسب أو بقبول الهدية ، والسر ما ذكرنا من أن الاستطاعة الخاصة إنما هي معتبرة
وإن قلنا (1)(1) بعدم الوجوب لو وهبه لا للحجّ ، لشمول الأخبار 9 من حيث التعليل فيها بأنه بالبذل صار مستطيعاً ، ولصدق الاستطاعة عرفاً.
[3043] مسألة 46 : إذا قال له : بذلت لك هذا المال مخيّراً بين أن تحجّ به أو تزور الحسين (عليه السلام) وجب عليه الحجّ (2)(2).
[3044] مسألة 47 : لو بذل له مالاً ليحج بقدر ما يكفيه فسرق في أثناء الطريق سقط الوجوب (3).
[3045] مسألة 48 : لو رجع عن بذله في الأثناء وكان في ذلك المكان يتمكّن من أن يأتي ببقية الأعمال من مال نفسه أو حدث له مال بقدر كفايته
في حجّ الإسلام ، وأمّا سائر أقسام الحجّ الواجبة فلا يعتبر فيها إلّا القدرة العقلية المعتبرة في سائر الواجبات.
(1) هذه العبارة إلى آخرها لا ترتبط بهذه المسألة أصلاً ، وإنما هي من ذيل المسألة الآتية ويناسب ضبطها في ذيل تلك المسألة ، وذكرها هنا من اشتباه النساخ ، وقد اشتبه الأمر على كثير من الأعلام ولذا أشكلوا عليه بأن التعليل بشمول الأخبار وصدق الاستطاعة لا يرتبط بما ذكره في هذه المسألة ، بل ذكر بعضهم بأنه ما كان يؤمل من المصنف (قدس سره) صدور مثل ذلك منه ، فالتعليل بشمول الأخبار وصدق الاستطاعة يرجع إلى وجوب الحجّ إذا خيّره بينه وبين زيارة الحسين (عليه السلام).
(2) تقدّم الكلام في ذلك في المسألة السابعة والثلاثين فلا نعيد.
(3) لأنه ينكشف عدم ثبوت الاستطاعة من أوّل الأمر. نعم ، إذا استطاع بمال آخر أو بذل آخر في الأثناء وجب الحجّ.
وجب عليه الإتمام وأجزأه عن حجّة الإسلام (1).
[3046] مسألة 49 : لا فرق في الباذل بين أن يكون واحداً أو متعدِّداً ، فلو قالا له : حجّ وعلينا نفقتك وجب (1)عليه (2).
(1) لو رجع عن بذله في الأثناء وتمكن المبذول له من الإتمام من مكان الرجوع كما إذا كان له مال من الأوّل كما في الاستطاعة الملفقة أو تجدد له المال في الأثناء يجب عليه الإتمام ، وظاهر عبارة المصنف (قدس سره) جواز رجوع الباذل عن بذله حتى بعد الإحرام لقوله : «من أن يأتي ببقية الأعمال» وقد أشكل سابقاً في جواز الرجوع بعد الإحرام وذكر أن فيه وجهين في المسألة 41 ولم يرجّح أحد الوجهين على الآخر وفي المقام جزم بجواز الرجوع.
وكيف كان ، لو رجع قبل الإحرام فلا إشكال فيه أصلاً ، فإن كان المبذول له متمكناً من الحجّ كما إذا كان له المال من الأوّل أو تجدد له المال يجب عليه الحجّ وإلّا فلا ، وإن كان الرجوع بعد الإحرام سواء كان الرجوع له جائزاً أم لا فالأمر كذلك ، بناء على أن الاستطاعة التدريجية كافية في ثبوت الحجّ ، وقد عرفت أن الباذل وإن جاز له الرجوع فيما بذله حتى بعد الإحرام ولكنه يضمن ما صرفه المبذول له في الأعمال ، لأنها وقعت بأمره وإذنه والإذن في الشيء إذن في لوازمه.
ثمّ لا يخفى أن مجرد التمكن من الإتمام لا يجدي في وجوب الحجّ عليه وإجزائه عن حجّة الإسلام بل لا بدّ من ملاحظة الحرج في إتمامه ، فإن لم يستلزم الإتمام وصرف ما عنده من المال الحرج والمشقة يجب الحجّ ، وإن استلزم الحرج فلا يجب عليه الإتمام بل يرجع من مكانه إلى بلاده.
(2) لإطلاق روايات عرض الحجّ كصحيح الحلبي : «فإن عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال : نعم» (2)فإن المستفاد منه أن
[3047] مسألة 50 : لو عين له مقداراً ليحج به واعتقد كفايته فبان عدمها وجب عليه الإتمام في الصورة التي لا يجوز له الرجوع ، إلّا إذا كان ذلك مقيداً بتقدير كفايته (1).
الموضوع لوجوب الحجّ عرض ما يحج به ، ولا ريب في صدقه على ما إذا كان الباذل متعدداً ، هذا مضافاً إلى خصوص صحيح معاوية بن عمّار قال : «فإن كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى» (1)فإنه صريح في كون الباذل متعدداً.
(1) أمّا فيما يجوز له الرجوع كقبل الإحرام فلا إشكال في عدم وجوب إتمام ما بذله على الباذل ، اعتقد كفايته أم لا ، إنما الكلام فيما لا يجوز الرجوع للباذل عن بذله كما إذا تلبس المبذول له بالإحرام وقد أعطاه مقداراً من المال معتقداً كفايته للحج فبان عدمها ، فهل يجب على الباذل تتميم ما بذله أم لا؟ قسّمه في المتن إلى قسمين :
أحدهما : ما يبذل له الحجّ ولم يكن بذله مقيداً بهذا المقدار ولكن من باب التطبيق طبّق بذله على هذا المقدار ، فالبذل مطلق من هذه الجهة ، وفي هذه الصورة اختار وجوب التتميم إذا انكشف عدم كفاية ما أعطاه.
ثانيهما : ما إذا كان البذل مقيداً بهذا المقدار ومعلقاً عليه ، فإذا انكشف عدم الكفاية ينكشف عدم بذل الحجّ له واقعاً وإنما تخيّل أنه بذل له ، فلم يكن المبذول له مستطيعاً من أوّل الأمر ، فلا يجب عليه تتميم البذل.
ولا يخفى أن ما ذكره (قدس سره) مبني على عدم جواز الرجوع للباذل عن بذله بعد تلبس المبذول له بالإحرام ، وقد ناقشنا في ذلك وذكرنا أن الظاهر جواز الرجوع للباذل عن بذله وإن قلنا بوجوب الإتمام على المبذول له. نعم ، على الباذل ضمان ما صرفه المبذول له في الإتمام راجع المسألة 41 فعليه لا فرق في عدم وجوب التتميم على الباذل في جميع الموارد المتقدمة.
1) الوسائل 11 : 40 / أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 3.
[3048] مسألة 51 : إذا قال : اقترض وحجّ وعليّ دينك ففي وجوب ذلك عليه نظر ، لعدم صدق الاستطاعة عرفاً. نعم ، لو قال : اقترض لي وحجّ به وجب مع وجود المقرض كذلك (1).
[3049] مسألة 52 : لو بذل له مالاً ليحج به فتبين بعد الحجّ أنه كان مغصوباً ، ففي كفايته للمبذول له عن حجّة الإسلام وعدمها وجهان : أقواهما العدم ، أمّا لو قال : حجّ وعليّ نفقتك ثمّ بذل له مالاً فبان كونه مغصوباً فالظاهر صحّة الحجّ وإجزاؤه عن حجّة الإسلام (1)لأنه استطاع بالبذل ، وقرار الضمان على الباذل في الصورتين عالماً كان بكونه مال الغير أو جاهلاً (2).
(1) لم يظهر وجه الفرق بين الصورتين ، وذلك لعدم وجوب الاقتراض لأنه من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب ، والاستطاعة غير حاصلة في الصورتين ، لأنّ المستفاد من الآية والروايات المفسرة لها أن الاستطاعة تتحقق بأحد أمرين : إمّا الاستطاعة المالية أو البذلية وكلاهما مفقود في المقام ، أما المالية فمفقودة على الفرض وأما البذلية فلعدم صدق العرض والبذل على الأمر بالاقتراض ، وإيجاد مقدمة البذل بالاقتراض غير واجب كتحصيل المال والاستطاعة. نعم ، لو اقترض يجب الحجّ حينئذ لحصول الاستطاعة ، كما إذا اكتسب وحصّل الاستطاعة ، إلّا أن الكلام في وجوب الاقتراض والكسب لتحصيل الاستطاعة.
(2) ذكر في هذه المسألة صورتين لبذل المغصوب :
الاولى : لو بذل له مالاً مغصوباً ليحج به فتبين بعد الحجّ أنه كان مغصوباً فهل يكفي للمبذول له عن حجّة الإسلام أم لا؟
ذهب بعضهم إلى الإجزاء ، لجواز التصرف في المال المبذول ، لفرض جهله بالغصب. ولكنه واضح الدفع لأن الجواز جواز ظاهري ، وليس للباذل بذل هذا المال
1) (*) الظاهر أنه لا يجزئ عنها.
.................................................................................................
لأنّ المفروض أنه لم يكن له واقعاً ، فالبذل غير سائغ وغير ممضى شرعاً في الواقع فلم يتحقق منه البذل الموجب للاستطاعة وإنما تحقق منه في الخارج بذل المال المغصوب وهو غير موجب للاستطاعة.
الصورة الثانية : ما لو قال له : حجّ وعليّ نفقتك ولكنّه أدّى من المال المغصوب بمعنى أنه التزم بالبذل وفي مقام الإعطاء والتطبيق الخارجي أعطي مالاً مغصوباً ، ولم يكن بذل الحجّ مقيداً به ، نظير البيع الكلي وأداء المال المغصوب ، ذهب في المتن إلى الصحّة والإجزاء لأنه استطاع بالبذل.
وفيه : أن هذه الصورة كالصورة السابقة في عدم الإجزاء ، لأن البذل الموجب للاستطاعة لا يتحقق بمجرد القول والوعد ، وإنما تتحقق الاستطاعة البذلية بالبذل والإعطاء الخارجيين ولو تدريجاً ، ولذا لو قال : حجّ وعليّ نفقتك ، ولم يعطه شيئاً من المال خارجاً لا يجب عليه الحجّ قطعاً مع أن البذل الإنشائي قد تحقق ، ويكشف ذلك عن أن الموجب للاستطاعة البذلية إنما هو البذل الخارجي والمفروض أنه غير متحقق في الخارج.
وبعبارة اخرى : الاستطاعة البذلية لا تتحقق بإعطاء مال الغير وإنما تتحقق بإعطاء المال غير المغصوب وهو غير حاصل في المقام ، والمفروض أن الاستطاعة المالية مفقودة أيضاً فلا موجب للحج أصلاً لا الاستطاعة المالية ولا البذلية ، فالصورتان مشتركتان في الحكم.
إنما الكلام في ضمان هذا المال المغصوب الذي أتلفه المبذول له ، والظاهر أن الباذل والمبذول له كلاهما ضامن ، لقاعدة على اليد ، أما الباذل فلأنه غاصب والمال تحت يده وسلطانه وذلك يوجب الضمان سواء كان عالماً أو جاهلاً بكونه مال الغير. وأما المبذول له فلأنه أتلف المال ، والمالك المغصوب منه له أن يرجع إلى أيهما شاء ، وإذا رجع إلى الباذل فليس للباذل الرجوع إلى المبذول له ، لأن المفروض أن الباذل قد سلّط المبذول له على المال مجاناً وبغير ضمان ، وليس له الرجوع بعد التسليط المجاني
[3050] مسألة 53 : لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ بأُجرة يصير بها مستطيعاً وجب عليه الحجّ ، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير ، لأن الواجب عليه في حجّ نفسه أفعال الحجّ وقطع الطريق مقدمة توصلية بأي وجه أتى بها كفى ، ولو على وجه الحرام أو لا بنيّة الحجّ (1)
فإنّ المال بقاء للباذل ، لأنه بعد ما أعطى الباذل البدل إلى المالك يصير المبدل ملكاً له والمفروض أنه سلّط المبذول له عليه مجاناً كما لو أعطاه المال ابتداء مجاناً ، فالإتلاف مستند إلى أمره وتسليطه المجاني ، وأما إذا رجع المالك إلى المبذول له وأعطاه البدل صار المال ملكاً له بقاء فيرجع المبذول له إلى الباذل ، لأنه فوّت المال على مالكه الجديد وهو المبذول له ، فالباذل ضامن على كل حال إما للمالك الأولّ وهو المغصوب منه ، وإمّا للمالك الثاني وهو المبذول له ، فلا موجب لسقوط الضمان عن الباذل أصلاً. والحكم بالضمان لا يتوقف على قاعدة الغرور حتى يفرق بين العلم والجهل ، بل العبرة بالسيرة العقلائية ومقتضاها الضمان على الإطلاق ، ونظير ذلك ما إذا أضاف شخص أحداً وقدّم طعاماً مغصوباً للضيف فإن المالك المغصوب منه له الرجوع إلى المضيف والضيف ، فإذا رجع إلى المضيف ليس للمضيف الرجوع إلى الضيف لأنه سلطه عليه مجاناً ، وإذا رجع إلى الضيف له الرجوع إلى المضيف للسيرة العقلائية على كون المال المغصوب ملكاً لمن أعطى البدل ، فحينئذ يكون المضيف ممن أتلف المال على الضيف ويكون ضامناً له.
(1) لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ كالطبخ ونحوه يصير بها مستطيعاً أو آجر نفسه لمجرّد المشي مع المستأجر من دون خدمة له وصار بها مستطيعاً وجب عليه الحجّ ، ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير ، لأنّ الخدمة أو المشي ليس من أعمال الحجّ وأفعاله بل قطع الطريق مقدّمة توصلية ، والواجب إنما هو نفس الأعمال لا المقدّمات ، فالمستأجر عليه غير الواجب والواجب لم يقع عليه عقد الإجارة.
ولذا لو كان مستطيعاً قبل الإجارة جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطريق ، بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي صح أيضاً ولا يضر بحجه. نعم ، لو آجر نفسه لحج بلدي لم يجز له أن يؤجر نفسه (1)لنفس المشي كإجارته لزيارة بلدية أيضاً ، أما لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس وإن كان مشيه للمستأجر الأوّل ، فالممنوع وقوع الإجارة على نفس ما وجب عليه أصلاً أو بالإجارة.
وقد يشكل بأن ظاهر الآية الشريفة وجوب السفر وجوباً نفسياً ، فإن المراد بحج البيت هو الذهاب إليه والسعي نحوه ، فيكون وجوبه كسائر أفعال الحجّ وأعماله ، فلا يجوز أخذ الأُجرة عليه وتكون الإجارة فاسدة.
وفيه أوّلاً : أن المستفاد من الآية الشريفة مطلوبية نفس أعمال الحجّ والمناسك لا السفر بنفسه ولذا لا يجب السفر عليه من خصوص بلده ، ولو كان السفر بنفسه واجباً لزم عدم كفاية السفر من بلد آخر إذا استطاع منه في بلده وهذا مقطوع البطلان ، وكذا لا ريب في إجزاء الحجّ وسقوطه إذا استطاع في بلده أو مكان آخر وقصد الحجّ من الميقات ، وذلك يكشف عن عدم وجوب السفر بنفسه وعن عدم دخوله في أفعال الحجّ.
وثانياً : أنّ ذلك يستفاد من بعض النصوص كصحيحة معاوية بن عمار : «الرجل يمر مجتازاً يريد اليمن أو غيرها من البلدان وطريقه بمكّة فيدرك الناس وهم يخرجون إلى الحجّ فيخرج معهم إلى المشاهد ، أيجزئه ذلك عن حجّة الإسلام؟ قال : نعم» (2).
وثالثاً : لو تنزلنا عما تقدم فقد ذكرنا في محله أن وجوب المشي لا ينافي أخذ الأُجرة عليه إذا كان الواجب توصّليّاً ، والسفر لو سلّم وجوبه فهو واجب توصّلي ، بل
[3051] مسألة 54 : إذا استؤجر أي طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً لا يجب عليه القبول ولا يستقر الحجّ عليه ، فالوجوب عليه مقيد بالقبول ووقوع الإجارة ، وقد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجاً عليه (1) لصدق الاستطاعة ولأنه مالك لمنافعه فيكون مستطيعاً قبل الإجارة ، كما إذا كان مالكاً لمنفعة عبده أو دابته وكانت كافية في استطاعته ، وهو كما ترى إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك ، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للأسفار.
لو كان واجباً تعبدياً لم يكن منافياً لقصد القربة المعتبرة فيه ، لإمكان قصد القربة للخروج عن عهدة الإجارة.
نعم ، لو كان المشي مملوكاً لشخص كما لو استؤجر لحج بلدي لم يجز له أن يؤجر نفسه لشخص آخر في نفس المشي ، لأن المشي ملك للأوّل ولا يجوز أن يؤجره لشخص آخر كما هو الحال في سائر موارد الإجارة ، ولكن يمكن إجارته لخصوصية خاصة للمشي لا لنفس المشي ، فإن الإجارة الأُولى تتعلّق بمطلق المشي والسير والإجارة الثانية تتعلق بخصوصية خاصة من المشي ككونه ملازماً له أو يسلك طريقاً خاصاً ونحو ذلك من الخصوصيات.
(1) واستدل له بوجهين :
الأوّل : صدق الاستطاعة العرفية.
الثاني : أن كل شخص مالك لمنافع نفسه كما يملك منافع الأعيان من العقار والدواب والعبيد فيكون مستطيعاً قبل الإجارة ، وقد عرفت أن الاستطاعة تحصل بوجود ما يحج به عيناً أو بدلاً ، فكما أن من يملك من العقار أو منافعها ما يفي بمصاريف حجّه يجب عليه الحجّ ، كذلك من يملك منافع نفسه يجب عليه تبديلها بالأثمان بإجارة ونحوها ليحجّ بها.
[3052] مسألة 55 : يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير وإن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة قدم الحجّ النيابي ، (1) (1)فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه ، وإلّا فلا.
ويندفع الأوّل بأن العبرة في الاستطاعة الموجبة للحج ليست بالاستطاعة العرفية أو العقلية ، وإنما العبرة بالاستطاعة الشرعية المفسرة في الروايات ، وهي استطاعة خاصة من وجود الزاد والراحلة عيناً أو بدلاً ، سواء حصلت بالملك أو بالبذل وكلاهما مفقود في المقام ولا إطلاق للآية من هذه الجهة.
ويندفع الثاني بأن الإنسان وإن كانت له القدرة والسلطنة على منافع نفسه ، ولكن لا تتحقق بذلك الملكية الاعتبارية نظير ملكية منافع الدار والعقار والدواب ، ولا يقال له إنه ذو مال باعتبار قدرته على أعماله ومنافعه ، ولذا تسالم الفقهاء على أنه لو حبس شخص حراً لا يضمن منافعه التي فاتت منه بالحبس بخلاف ما لو حبس عبداً فإنه يضمن منافعه الفائتة. وممّا يدلّنا على أن الإنسان ليس بمالك لمنافعه بالملكية الاعتبارية ، أنه لو كان مالكاً لها لا يتوقف وجوب الحجّ عليه على طلب الاستئجار منه ، بل يجب عليه بنفسه أن يتصدّى لذلك ويجعل نفسه معرضاً للايجار كما لو كان مالكاً للدار والعقار في لزوم العرض ، وهذا مقطوع الخلاف.
فالصحيح ما ذكره في المتن من عدم وجوب الحجّ عليه ، لعدم وجوب القبول عليه إذا طلب منه إجارة نفسه ، لأنّ ذلك من تحصيل الاستطاعة وهو غير واجب.
(1) لأنه يجب عليه تسليم العمل المستأجر عليه إلى من يستحقه ، كما لو آجر نفسه لسائر الأعمال من البناء والخياطة ، فإن وجوب تسليم ما عليه من الأعمال ينافي وجوب الحجّ ويزاحمه ، هذا إذا كان الحجّ النيابي مقيداً بالعام الحاضر ، وأما إذا لم يكن مقيداً به بل كانت الإجارة مطلقة وفرضنا حصول الاستطاعة بمال الإجارة قدم الحجّ
1) (*) إذا لم يكن الحجّ النيابي مقيداً بالعام الحاضر قدم الحجّ عن نفسه.
[3053] مسألة 56 : إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرعاً أو بالإجارة مع عدم كونه مستطيعاً لا يكفيه عن حجّة الإسلام فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك وما في بعض الأخبار من إجزائه عنها محمول على الإجزاء ما دام فقيراً كما صرح به في بعضها الآخر ، فالمستفاد منها أن حجّة الإسلام مستحبة على غير المستطيع وواجبة على المستطيع ، ويتحقق الأوّل بأي وجه أتى به ولو عن الغير تبرّعاً أو بالإجارة ، ولا يتحقق الثاني إلّا مع حصول شرائط الوجوب (1).
عن نفسه إذا لم يكن مزاحماً لإتيان الحجّ النيابي في السنين الآتية ، بأن علم أنه لو حجّ في هذه السنة عن نفسه يتمكن من الحجّ النيابي في العام القابل ، وأما إذا كان مزاحماً بحيث لو صرف المال في هذه السنة في حجّ نفسه عجز عن الحجّ النيابي في السنة الآتية فدم الحجّ النيابي ، والحاصل : أن حال الحجّ النيابي حال الديون في المزاحمة وعدمها ، فلا بدّ من مراعاة التمكن من إتيان الحجّ النيابي في السنين الآتية.
(1) فرض الماتن في هذه المسألة صورتين :
الاولى : المتسكع إذا حجّ لنفسه.
الثانية : الحجّ عن غيره تبرعاً أو إجارة.
أمّا الاولى فلا ريب في عدم إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام ، لأن إطلاق الأدلّة الدالة على وجوب الحجّ بالاستطاعة المالية أو البذلية يقتضي وجوب الحجّ عليه وعدم سقوطه عنه ، ولا دليل على سقوطه بالحج الندبي التسكعي.
وأمّا الصورة الثانية فقد ورد في عدة من النصوص إجزاؤه عن حجّ الإسلام وعمدتها صحيحتان لمعاوية بن عمار : قال : «حجّ الصرورة يجزئ عنه وعمن حجّ عنه».
وفي صحيحته الأُخرى : «عن رجل حجّ عن غيره يجزئه ذلك عن حجّة الإسلام؟ قال : نعم» (1)ولا يعارضهما رواية آدم بن علي : «من حجّ عن إنسان ولم يكن له مال
1) الوسائل 11 : 55 / أبواب وجوب الحجّ ب 21 ح 2 ، 4.
[3054] مسألة 57 : يشترط في الاستطاعة مضافاً إلى مئونة الذهاب والإياب وجود ما يمون به عياله حتى يرجع ، فمع عدمه لا يكون مستطيعاً (1) والمراد بهم من يلزمه نفقته لزوماً عرفياً وإن لم يكن ممّن تجب عليه نفقته (1)شرعاً على الأقوى ، فإذا كان له أخ صغير أو كبير فقير لا يقدر على التكسب وهو ملتزم بالإنفاق عليه ، أو كان متكفِّلاً لإنفاق يتيم في حجره ولو أجنبي يعد عيالاً له فالمدار على العيال العرفي.
يحجّ به أجزأت عنه حتى يرزقه اللّه ما يحج به ويجب عليه الحجّ» (2)فإنها ظاهرة في عدم الإجزاء ووجوب حجّ الإسلام على النائب إذا تمكن واستطاع ، ومقتضى الجمع بينها وبين الصحيحتين هو الحمل على الاستحباب لصراحتهما في السقوط وظهور رواية آدم في الوجوب ، ولكن رواية آدم لضعفها لا تصلح للمعارضة ، لأنّ آدم بن علي مجهول ، ومحمّد بن سهل لم يوثق ولم يرد فيه مدح ، ومحمّد بن سهل هو ابن اليسع الأشعري القمي ، وما ذكره البهبهاني من وثاقته وورود المدح فيه (3)لم يثبت.
ولكن الذي يهوّن الأمر أن الحكم بالإجزاء وسقوط حجّ الإسلام معلوم البطلان لم يذهب إليه أحد من علماء الإمامية (رضي اللّه عنهم) بل تسالموا على عدم الإجزاء وعدم العمل بالصحيحين ، بل ذكر في الجواهر (4)أنه يمكن تحصيل الإجماع على ذلك. وبالجملة : الحكم بعدم الإجزاء معلوم من الخارج ، ولأجله نرفع اليد عن الصحيحين ونردّ علمهما إلى أهلهما.
(1) الظاهر أنه لا خلاف في اشتراط الاستطاعة بوجود ما يمون به عياله حتى
[3055] مسألة 58 : الأقوى وفاقاً لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له من بستان أو دكان أو نحو ذلك بحيث لا يحتاج إلى التكفّف ولا يقع في الشدّة والحرج. ويكفي كونه قادراً على
يرجع لعدم صدق الاستطاعة بدون ذلك ، فإن قوله (عليه السلام) : «يجب الحجّ إذا كان عنده ما يحج به» لا يصدق إلّا إذا كان مالكاً لمئونة عياله ممن يجب عليه نفقته شرعاً ، وليس له تفويت حقهم فإنه حق مالي يجب أداؤه ، فحاله حال الديون.
ويؤيده خبر أبي الربيع الشامي قال : «سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) فقال : ما يقول الناس؟ قال فقلت له : الزاد والراحلة ، قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال : هلك الناس إذن لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إيّاه لقد هلكوا إذن ، فقيل له : فما السبيل؟ قال فقال : السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقى بعضها لقوت عياله» (1).
وأمّا بالنسبة إلى غير واجب النفقة ممن التزم بالإنفاق عليه فما ذكره من تعميم العيال له مشكل ، فإن خبر أبي الربيع الشامي لو كان معتبراً سنداً أمكن أن يكون مدركاً لتعميم الحكم للعيال العرفي ، ولكن الخبر ضعيف بأبي الربيع الشامي لعدم توثيقه في الرِّجال (2)، فالعبرة بحصول العسر والحرج إذا لم ينفق على من لا تجب عليه نفقته شرعاً.
التكسّب اللّائق به أو التجارة باعتباره ووجاهته وإن لم يكن له رأس مال يتجر به. نعم ، قد مرّ عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية ، ولا يبعد عدم اعتباره أيضاً في من يمضي أمره بالوجوه اللائقة به كطلبة العلم من السادة وغيرهم ، فإذا حصل لهم مقدار مئونة الذهاب والإياب ومئونة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم ، بل وكذا الفقير الذي عادته وشغله أخذ الوجوه ولا يقدر على التكسب إذا حصل له مقدار مئونة الذهاب والإياب له ولعياله ، وكذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده إذا صرف ما حصل له من مقدار مئونة الذهاب والإياب من دون حرج عليه (1).
(1) ذهب أكثر القدماء إلى اعتبار الرجوع إلى الكفاية خلافاً لجماعة آخرين والصحيح هو الأوّل لأدلة نفي الحرج ، فإن من يرجع إلى بلاده ولم يجد ما يصرفه على نفسه أو عياله ولم يكن قادراً على التكسب اللائق بحاله من التجارة والصناعة ونحو ذلك مما يعيش به حسب وجاهته واعتباره يقع في الحرج والمشقة ، وذلك منفي في الشريعة ، ولذا لا نعتبر ذلك في الحجّ البذلي لعدم صرف مال المبذول له في الحجّ ويكون حاله بعد الحجّ كحاله قبل الحجّ. نعم ، لو وقع في الحرج من جهات اخرى كما لو فرضنا أن الشخص كسوب في خصوص أشهر الحجّ ، ولو ذهب إلى الحجّ لا يتمكن من الكسب ويتعطل أمر معاشه في طول السنة يسقط الوجوب بالبذل أيضاً. وكيف كان ، العبرة بحصول الحرج بعد الرجوع سواء كان الحجّ مالياً أو بذلياً.
وأما إذا لم يقع في الحرج كالكسوب الذي يرجع ويشتغل بكسبه العادي أو ينفق عليه من كان ينفق عليه قبل الحجّ كبعض الطلبة والسادة الذين يعيشون بالرواتب المعيّنة من قبل المراجع والعلماء (حفظهم اللّه) فلا يسقط عنهم الوجوب ، فمن حصل منهم على مئونة الذهاب والإياب ومئونة عياله إلى زمان الرجوع يجب عليه الحجّ فإن حاله قبل الحجّ وبعده سواء.
[3056] مسألة 59 : لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده ويحج به ، كما لا يجب على الوالد أن يبذل له ، وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحج به ، وكذا لا يجوز للوالد الأخذ من مال ولده للحج والقول بجواز ذلك أو وجوبه كما عن الشيخ ضعيف (1) ، وإن كان يدل عليه صحيح سعيد بن يسار قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير؟ قال : نعم يحج منه حجّة الإسلام قلت : وينفق منه؟ قال : نعم ثمّ قال : إنّ مال الولد لوالده ، إنّ رجلاً اختصم هو ووالده إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقضى أن المال والولد للوالد» ، وذلك لإعراض الأصحاب عنه (1)
والعمدة هو حصول الحرج وعدمه. أمّا الروايات فكلّها ضعيفة ، منها : خبر أبي الربيع الشامي المتقدمة على ما رواه المفيد في المقنعة بزيادة قوله : «ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفِّه ، لقد هلك إذن» (2)، ومنها : ما رواه في الخصال بإسناده عن الأعمش «وأنّ للإنسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجّه» (3)وفي سندها عدّة من المجاهيل ، ومنها : مرسلة الطبرسي «والرجوع إلى كفاية إمّا من مال أو ضياع أو حرفة» (4)وضعفها بالإرسال.
(1) لا ريب في عدم وجوب البذل على الولد للوالد ليحج به وكذلك العكس للأصل وعدم الدليل على ذلك ، فإن الناس مسلطون على أموالهم. وأمّا الأخذ من مال أحدهما فالولد لا يجوز له الأخذ من مال والده شيئاً للإطلاقات الدالة على عدم جواز التصرّف في مال أحد إلّا بإذنه (5)وللنصوص الخاصة كصحيحة محمّد بن
1) (*) لا لذلك ، بل لمعارضته بصحيح الحسين بن أبي العلاء.
2) المقنعة : 385 قد تقدّم أن الخبر معتبر ولكن مدلوله لا يزيد عمّا تقتضيه أدلّة نفي الحرج.
3) الوسائل 11 : 38 / أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 4 ، الخصال : 606 / 9.
4) الوسائل 11 : 39 / أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 5 ، مجمع البيان 1 : 799 / ذيل الآية 97 من سورة آل عمران.
5) الوسائل 9 : 540 / أبواب الأنفال ، ب 3 ح 7.
.................................................................................................
مسلم : «إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه» (1)وصحيحة سعيد بن يسار : «وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلّا بإذنه» (2).
إنما الكلام في جواز أخذ الوالد من مال ولده للحج أو وجوب ذلك كما حكي عن الشيخ (قدس سره) بل نسبه إلى أصحابنا ، قال (قدس سره) : روى أصحابنا إذا كان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به ويجب عليه إعطاؤه. واستدل الشيخ في الخلاف على ما ذهب إليه :
أوّلاً : بالأخبار المروية في هذا المعنى ، قال : وذكرناها في الكتاب الكبير أي التهذيب وليس في الأخبار ما يخالفها.
وثانياً : بقوله (صلّى اللّه عليه وآله) : «أنت ومالك لأبيك» فإذا كان مال الابن مال الأب فقد وجد الاستطاعة فوجب عليه الحجّ (3).
أقول : ليس في كتاب التهذيب من الأخبار الدالة على ما ذهب إليه (قدس سره) إلّا صحيحة سعيد بن يسار ، والمقدار الموجود منها لا يدل على مذهب الشيخ لأن المذكور فيها الولد الصغير ، ومن المعلوم جواز تصرف الولي في مال الصغير إذا كان بالمعروف. على أن السؤال في الصحيح عن الجواز وعدمه لا الوجوب فهذه الصحيحة لا تفيد الشيخ ، فقد روى في الصحيح عن سعيد بن يسار «أيحج الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال : نعم ، قلت يحج حجّة الإسلام وينفق منه؟ قال : نعم بالمعروف ، ثمّ قال : نعم يحج منه وينفق منه ، إن مال الولد للوالد» (4)ومحل الاستشهاد ذيل الحديث ، فإن الظاهر منه أن مال الولد للوالد لا من جهة الولاية بل بحكم الشارع بذلك ، فيجب عليه الحجّ لأنه ذو مال.
ورواه أيضاً بسند آخر وفي ذيله : «إن رجلاً اختصم هو ووالده إلى النبي (صلّى اللّه
.................................................................................................
عليه وآله وسلم) فقضى أن المال والولد للوالد» (1)، والمستفاد منه عدم اختصاص جواز الأخذ بمورد الحجّ ، لأنّ مال الولد لوالده يتصرّف فيه ما يشاء من الحجّ والإنفاق.
ومما يدل على جواز التصرّف في مال الولد للوالد مطلقاً من دون اختصاص بالحج صحيح محمّد بن مسلم «عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه ، قال : يأكل منه ما يشاء من غير سرف ، وقال : في كتاب علي (عليه السلام) إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه ، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء ، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها ، وذكر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال لرجل : أنت ومالك لأبيك» (2). وصحيح علي بن جعفر : «سألته عن الرجل يكون لولده الجارية أيطؤها؟ قال : إن أحبّ ، وإن كان لولده مال وأحب أن يأخذ منه فليأخذ» (3)فهذه جملة من الروايات الدالّة على جواز أخذ الوالد من مال ولده للحج أو مطلقاً.
وبإزائها روايات تدلّ على عدم الجواز إلّا عند الحاجة والاضطرار أو عند عدم إنفاق الولد.
منها : صحيح ابن سنان قال : «سألته يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام) ماذا يحل للوالد من مال ولده؟ قال : أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً ، وإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلّا أن يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه ثمّ قال : فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحب أن يقتضيها فليقومها على نفسه قيمة ثمّ ليصنع بها ما شاء إن شاء وطئ وإن شاء باع» (4).
.................................................................................................
ومنها : صحيح أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) قال لرجل : أنت ومالك لأبيك ، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) : ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه مما لا بدّ منه ، إن ( اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) » (1). ونوقش في السند بأن الحسن بن محبوب لم يدرك الثمالي فتكون الرواية مرسلة ضعيفة ، فإن ثبت ذلك ففي غيرها غنى وكفاية.
ومنها : صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال : قوته بغير سرف إذا اضطر إليه ، قال فقلت له : فقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) للرجل الذي أتاه فقدّم أباه فقال له : أنت ومالك لأبيك؟ فقال : إنما جاء بأبيه إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فقال : يا رسول اللّه هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أُمي ، فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه وقال : أنت ومالك لأبيك ، ولم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يحبس الأب للابن» (2).
ويظهر من نفس الرواية أنه لا يمكن الأخذ بظاهر قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وإطلاقه ، لأنه ورد في قضية شخصية ومورد خاص وليس في مقام بيان الحكم الشرعي على إطلاقه ، فلا بدّ من حمل كلامه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) على حكم أدبي أخلاقي ونحو ذلك من المحامل ، فإن صدر الرواية صريح في عدم الجواز إلّا بمقدار الضرورة وعدم السرف ، وأجاب (عليه السلام) عما اعترض عليه السائل الذي استشهد بكلام النبي (صلّى اللّه عليه وآله) بأن حكم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وقضاءه إنما كان في واقعة خاصة فلا يمكن الأخذ بظاهر كلامه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وإطلاقه.
وبالجملة : ظاهر هذه الروايات عدم جواز التصرّف للوالد في مال ولده فتقع المعارضة بين الطائفتين. وممّا يؤيد أو يؤكد دلالة هذه الروايات على عدم الجواز ، أمره
مع إمكان حمله على الاقتراض من ماله مع استطاعته من مال نفسه أو على ما إذا كان فقيراً وكانت نفقته على ولده ولم يكن نفقة السفر إلى الحجّ أزيد من نفقته في الحضر إذ الظاهر الوجوب حينئذ.
(عليه السلام) بتقويم جارية الولد إذا أراد الوالد وطئها ، ولو كانت الجارية مال الوالد لما احتاج جواز وطئها إلى التقويم وحساب القيمة للولد.
وهكذا الحال في صحيحة إسحاق بن عمار ، قال : «سألته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج إليه؟ قال : نعم ، وإن كان له جارية فأراد أن ينكحها قوّمها على نفسه ، الحديث» (1)، فإن التقويم يكشف عن عدم كونها ملكاً ومالاً للوالد ، غاية الأمر للوالد الولاية على أخذ الجارية بعد التقويم إذا لم يمسها الابن.
وكيف كان ، تقع المعارضة بين الطائفتين ، ولا بدّ من إعمال قواعد التعارض ومقتضاها الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة الدالّة على عدم جواز التصرف في مال أحد إلّا بإذنه ، فالنتيجة تقديم الطائفة الثانية ، ولو ناقشنا في الترجيح بالكتاب في خصوص المقام فلا تصل النوبة إلى التخيير ، لما ذكرنا في محله أنه لا دليل على التخيير بين الخبرين المتعارضين ، فيتحقق التعارض بين الطائفتين وتتساقطان ، والمرجع بعد ذلك هو العمومات والإطلاقات العامة الدالة على عدم جواز التصرف في مال أحد إلّا بإذنه.
نعم ، يجوز للوالد وطء جارية ولده بعد التقويم ، وله الولاية في خصوص ذلك حتى إذا كان الولد كبيراً لإطلاق النص ، وحمله على كون الولد صغيراً بعيد جدّاً ، لذكر الرجل في صحيح إسحاق بن عمار المتقدم : «وإن كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها» إذ من الواضح أن الرجل لا يطلق على الصبي والولد الصغير.
1) الوسائل 17 : 268 / أبواب ما يكتسب به ب 79 ح 2.
[3057] مسألة 60 : إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحج من ماله (1) ، فلو حجّ في نفقة غيره لنفسه أجزأه ، وكذا لو حجّ متسكعاً ، بل لو حجّ من مال الغير غصباً صح وأجزأه. نعم إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصحّ (1)، وكذا إذا كان ثمن هديه غصباً (2).
(1) لعدم وجوب الصرف من ماله ، وإنما يجب إذا توقف عليه إتيان الحجّ ، فإذا حجّ من دون أن يصرف من أمواله لا ريب في صحته والإجزاء عن حجّة الإسلام وكذا لو حجّ متسكعاً ومضيقاً على نفسه بالاقتصاد والتقتير في مركبة ومسكنه ومأكله ، إذ لا دليل على وجوب صرف المال حسب شؤونه واعتباره ، بل لو كان جميع مصارفه من الحرام حتى مركوبه صح الحجّ وأجزأ ، ولا يضر صرف المال من الحرام في صحّة الحجّ وإجزائه ، وذلك لأنّ صرف المال بنفسه ليس واجباً حتى يعتبر أن يكون من الحلال.
(2) ما ذكره على إطلاقه غير تام ، فيقع الكلام في موارد أربعة :
أحدها : أن ثوب الإحرام إذا كان من الحرام لا يضرّ بصحّة الحجّ ، لأن لبس ثوب الإحرام واجب مستقل آخر ، ويتحقق الإحرام ولو كان الثوب مغصوباً ، ولذا لو أحرم عارياً صح ، فإحرامه بالمغصوب كالإحرام عارياً. وقد ذكر المصنف (قدس سره) في المسألة الخامسة والعشرين من كيفية الإحرام أن لبس الثوبين ليس شرطاً في تحقق الإحرام بل هو واجب تعبدي آخر.
ثانيها : أن ثوب الطواف إذا كان مغصوباً لم يصح حجّه وطوافه ، لأنّ الستر معتبر في الطواف وحاله حال الصلاة ، في اعتباره بالثوب الساتر.
ثالثها : أن السعي لا يعتبر فيه الستر ويصحّ حتى عرياناً ، فلا يضر بالسعي إذا كان
1) (*) الأظهر في السعي والإحرام الصحة ، وسيجيء منه (قدس سره) عدم شرطية لبس الثوبين في الإحرام.
[3058] مسألة 61 : يشترط في وجوب الحجّ الاستطاعة البدنية ، فلو كان مريضاً لا يقدر على الركوب أو كان حرجاً عليه ولو على المحمل أو الكنيسة لم يجب ، وكذا لو تمكّن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مئونته ، وكذا لو احتاج إلى خادم ولم يكن عنده مئونته (1).
ثوبه من المغصوب إلّا ما يقال بالنسبة إلى الحركات الملازمة للتصرّف في الثوب المغصوب ، نظير ما قيل في لباس المصلي غير الساتر إذا كان مغصوباً ، ولكن قد ذكرنا هناك أن هذا النوع من التصرّف لا يضر بصحّة الصلاة وكذا بصحة السعي ، لأن الصادر من المكلف فعلان مستقلان أحدهما مقارن للآخر وجوداً وخارجاً ولا اتحاد بينهما ، فلا مانع من أن يكون أحدهما مصداقاً للواجب والآخر محرماً.
رابعها : أن ثمن الهدي إن كان من عين المال المغصوب بأن اشتراه به فلا ريب في بطلان البيع وعدم دخول الهدي في ملكه فيكون تاركاً للهدي عمداً ، وسنذكر في محلّه إن شاء اللّه تعالى أن الظاهر بطلان حجّه وطوافه ، وأما إذا اشتراه بالذمة ووقعت المعاملة على كلي الثمن كما هو الشائع في المعاملات ولكن في مقام الأداء أدى الثمن من الحرام صح هديه وحجّه وأجزأ وإن بقي مشغول الذمة بالثمن.
(1) لا خلاف في اعتبار صحّة البدن وخلو المكلف من المرض الذي يضر الحجّ معه ، وتدل عليه الروايات المفسرة للاستطاعة كصحيحة هشام الواردة في تفسير الآية الشريفة : «من كان صحيحاً في بدنه مخلّى سِربه» (1)ونحوها صحيحة محمّد الخثعمي (2)وغيرها ، فلو كان مريضاً لا يقدر على الركوب ولو على المحمل أو الكنيسة لم يجب الحجّ ، وأُلحق بذلك ما لو كان مريضاً لا يقدر على ركوب الدابّة ولا يقدر على السفر منفرداً ولكن يتمكن من الركوب على المحمل أو الكنيسة ، أو أن يستصحب معه خادماً ومساعداً ولكن لم تكن عنده مئونته.
[3059] مسألة 62 : ويشترط أيضاً الاستطاعة الزمانيّة ، فلو كان الوقت ضيقاً لا يمكنه الوصول إلى الحجّ أو أمكن لكن بمشقة شديدة لم يجب ، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة (1)إلى العام القابل وجب وإلّا فلا (1).
وهل سقوط وجوب الحجّ فيما الحق إنما هو لأجل المرض أو لأجل قلة المال وعدم وفائه؟ وتظهر الثمرة في وجوب الاستنابة ، فإن السقوط لو كان مستنداً إلى عدم التمكن المالي وعدم وفائه يسقط الحجّ بالمرة لعدم كونه مستطيعاً فلا تجب الاستنابة وأما إذا كان مستنداً إلى المرض تجب الاستنابة كما في النصوص ، والظاهر أن المقام من القسم الثاني ، وذلك لأنّ الواجب هو طبيعي الحجّ بأي نحو كان ولا يختص بنحو دون آخر ، والمفروض أنه مستطيع من حيث الاستطاعة المالية بالركوب على الدابة والسفر إلى الحجّ وإنما يمنعه المرض من ذلك ، فمباشرة الحجّ بنفسه غير مقدورة له لأجل المرض ، ولكنه متمكن من التسبيب فيشمله ما دلّ على وجوب استنابة المريض إذا كان موسراً ولم يتمكن من المباشرة كقوله : «لو أن رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه» (2)وفي صحيح الحلبي : «إن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض فإن عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له» (3).
(1) إذا كان الزمان قصيراً جدّاً بحيث لا يمكنه الوصول إلى الحجّ فهو عاجز عن إتيان الحجّ وغير مستطيع له ، فلا يجب عليه الحجّ لأنه مشروط بالقدرة العقلية مضافاً إلى القدرة الشرعية الخاصة المفسرة في الروايات ، فإن الحجّ كسائر التكاليف الإلهية مشروط بالقدرة وعدم العجز عن إتيانه ، فإذا كان المكلف عاجزاً عن إتيانه لضيق الوقت ونحوه لا يتوجه إليه التكليف ، وأما إذا كان الزمان قصيراً بحيث يتمكّن
[3060] مسألة 63 : ويشترط أيضاً الاستطاعة السِّربيّة بأن لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال وإلّا لم يجب (1) ،
من إتيان الحجّ بمشقة شديدة فالوجوب مرفوع أيضاً لنفي الحرج ، وعليه لا يجب الحجّ إذا استطاع في وقت لا يسع للذهاب أو أنه يسع ولكن بمشقة شديدة ، وهذا مما لا كلام فيه.
إنما الكلام فيما ذكره المصنف أخيراً بقوله : «وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب وإلّا فلا» ، فإن الظاهر من هذا الكلام عدم وجوب إبقاء الاستطاعة إلى العام القابل وجواز تفويتها اختياراً فلا يجب الحجّ حينئذ وإنما يجب إذا بقيت اتفاقاً.
ولكن الصحيح كما تقدّم وجوب إبقاء الاستطاعة وعدم جواز تفويتها اختياراً ، لما عرفت من أن وجوب الحجّ غير مقيد بزمان وإنما الواجب مقيد بزمان خاص ، فالوجوب حالي والواجب استقبالي كما هو شأن الواجب المعلق ، ولذا لو كان إتيان الحجّ مما يتوقف على قطع المسافة أزيد من سنة واحدة كما كان يتفق ذلك أحياناً في الأزمنة السابقة وجب الذهاب ، وذكرنا أيضاً أن الاستطاعة الموجبة للحجّ غير مقيّدة بحصولها في أشهر الحجّ أو بخروج الرفقة ، بل متى حصلت وجب الحجّ ويجب عليه التحفظ على الاستطاعة ، مثلاً لو استطاع في الخامس من شهر ذي الحجّة حتى في زماننا هذا ولم يتمكن من السفر إلى الحجّ في هذه السنة يجب عليه إبقاء المال إلى السنة الآتية ليحجّ به ، وليس له تفويت المال حتى يقال إن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحجّ وإلّا فلا.
(1) الظاهر أنه لا خلاف في اشتراطها ، ويدلُّ عليه نفس الآية الشريفة ( مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1)فإن المستفاد من الاستطاعة السبيلية تخلية السِّرب والأمان من الخطر في الطريق ، مضافاً إلى الروايات المعتبرة المفسرة للآية الشريفة المتضمنة
1) آل عمران 3 : 97.
وكذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله وكان الطريق منحصراً فيه ، أو كان جميع الطرق كذلك ، ولو كان هناك طريقان أحدهما أقرب لكنّه غير مأمون وجب الذهاب من الأبعد المأمون (1) ، ولو كان جميع الطرق مخوفاً إلّا أنه يمكنه الوصول إلى الحجّ بالدوران في البلاد مثل ما إذا كان من أهل العراق ، ولا يمكنه إلّا أن يمشي إلى كرمان ومنه إلى خراسان ، ومنه إلى بخارا ، ومنه إلى الهند ، ومنه إلى بوشهر ، ومنه إلى جدة مثلاً ، ومنه إلى المدينة ومنها إلى مكّة فهل يجب أو لا؟ وجهان أقواهما عدم الوجوب (1)لأنّه يصدق عليه أنه لا يكون مخلى السِّرب (2).
لتخلية السِّرب (2)، وكذا لا يجب الحجّ إذا كان الطريق غير مأمون ومخوفاً ، بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله ، فإن خوف الضرر بنفسه كما قد يستفاد من بعض الروايات طريق عقلائي إلى الضرر ، ولا يلزم أن يكون الضرر معلوماً جزماً بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر ، فالحكم في مورد خوف الضرر مرفوع واقعاً حتى لو انكشف الخلاف وتبين عدم وجود المانع في الطريق ، كما هو الحال في غير مورد الحجّ كمورد التيمم ، فإنه لو خاف من استعمال الماء وتيمم وصلّى ثمّ انكشف الخلاف بعد الوقت صحّ تيممه وصلاته واقعاً.
(1) لعدم اختصاص الوجوب بأقرب الطرق.
(2) بل الأقوى هو الوجوب ، لأنّ الواجب هو الطبيعي ولا يختص بطريق دون آخر ، وطبيعي السبيل إذا كان مأموناً يجب اتخاذه وإن كان خصوص بعض الطرق ولو كان عاديا مخوفاً ، فيجب الحجّ بأي طريق كان ولو بالدوران في البلاد ما لم يستلزم الضرر الزائد والحرج الشديد في سلوك الطريق غير المتعارف وإلّا فيرتفع
[3061] مسألة 64 : إذا استلزم الذهاب إلى الحجّ تلف مال له في بلده معتد به لم يجب (1) ، وكذا إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة أو لاحق مع كونه أهم من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق ، وكذا إذا توقف على ارتكاب محرم (1)كما إذا توقف على ركوب دابة غصبية أو المشي في الأرض المغصوبة (2).
الوجوب لنفي العسر والحرج.
والحاصل : يجب الذهاب إلى الحجّ ولو من الطريق غير المتعارف ، إذ لم يقيد الوجوب والذهاب إلى الحجّ بالسير العادي ، ودعوى الانصراف إليه أو دعوى عدم صدق تخلية السِّرب عرفاً ممّا لا شاهد عليه.
(1) لقاعدة نفي الضرر ، فإن الاستطاعة الموجبة للحج وإن فسرت في الروايات بالزاد والراحلة وصحّة البدن وتخلية السِّرب فحسب ، ولكن دليل نفي الضرر حاكم على جميع الأدلّة إلّا في موارد خاصّة ، ومقتضاه سقوط الواجب في موارد الضرر فيكون ممن يعذره اللّه تعالى في الترك.
ودعوى أن الحجّ كالتكاليف المبنية على الضرر كالزكاة والخمس والجهاد ونحوها من الأحكام الضررية التي لا يجري فيها دليل نفي الضرر ، بل أدلة هذه الأحكام مخصصة لأدلّة نفي الضرر فيجب تحمله ، فاسدة بأن الحجّ وإن كان حكماً ضرريّاً في نفسه لكن بالنسبة إلى المقدار اللّازم ممّا يقتضيه طبع الحجّ ، وأمّا الضرر الزائد عن ذلك الذي ليس من شؤون الحجّ ولا من مقتضيات طبعه فلا مخصص له ولا مانع من شمول دليل نفي الضرر له.
(2) هذا أيضاً من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة ، لما عرفت غير مرّة أن
1) (*) هذا أيضاً من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة.
[3062] مسألة 65 : قد علم مما مرّ أنه يشترط في وجوب الحجّ مضافاً إلى البلوغ والعقل والحرية الاستطاعة الماليّة والبدنيّة والزمانيّة والسِّربيّة وعدم استلزامه الضّرر أو ترك واجب أو فعل حرام (1)، ومع فقد أحد هذه لا يجب فبقي الكلام في أمرين :
أحدهما : إذا اعتقد تحقق جميع هذه مع فقد بعضها واقعاً أو اعتقد فقد بعضها وكان متحقِّقاً فنقول : إذا اعتقد كونه بالغاً أو حرّا مع تحقّق سائر الشرائط فحجّ ثمّ بان أنه كان صغيراً أو عبداً فالظاهر بل المقطوع عدم إجزائه عن حجّة الإسلام (1).
الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست إلّا الاستطاعة الخاصة المفسرة في الروايات وحيث إن دليل الحجّ ودليل الواجب أو الحرام مطلقان ولا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال يقع التزاحم ، فيرجع إلى مرجحات باب التزاحم من تقديم الأهم أو التخيير في المتساويين. نعم ، لو قيل باعتبار الاستطاعة الشرعية بالمعنى المصطلح عند المشهور في وجوب الحجّ ، لأمكن القول بعدم وجوبه إذا استلزم مانعاً شرعياً كترك واجب أو ارتكاب محرم ، ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا أساس لهذا الكلام أصلاً.
(1) قد يعتقد المكلف عدم وجود الشرائط ويكون اعتقاده مطابقاً للواقع ولا يحجّ فلا كلام ، وكذا لو اعتقد وجودها وطابق الواقع وحجّ ، إنما الكلام فيما إذا لم يطابقا فيقع الكلام في موارد :
الأوّل : ما لو اعتقد كونه بالغاً أو حرّا فحجّ مع تحقق سائر الشرائط ثمّ تبيّن أنه كان صغيراً أو عبداً ، فالظاهر عدم الإجزاء عن حجّة الإسلام لعدم الأمر بحجّ
1) (*) على ما تقدم فيهما من ملاحظة الأهميّة.
.................................................................................................
الإسلام ، والاعتقاد خطأ لا يحدث ولا يوجد تكليفاً ، فما أتى به من الحجّ حجّ ندبي غير حجّة الإسلام ، وإجزاء حجّ الصبي أو العبد عن حجّ الإسلام للبالغ والحر يحتاج إلى دليل خاص وهو مفقود في البين.
وأمّا إذا اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقق سائر الشرائط وأتى به ثمّ بان الخلاف وأنه كان بالغاً أو حراً أجزأه عن حجّة الإسلام ، لأنه قصد الأمر الفعلي وامتثل الأمر الفعلي المتوجه إليه وإن تخيل أنه الأمر الندبي ، إنما الكلام فيما إذا اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقق سائر الشرائط وترك الحجّ ثمّ تبين كونه بالغاً أو حراً فهل يستقر عليه الحجّ مع بقاء سائر الشرائط أم لا؟ ذكر في المتن أنه يستقر عليه الحجّ مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجّة.
أقول : يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : أنه لو فرضنا استقرار الحجّ عليه فلا وجه للتحديد في بقاء سائر الشرائط بذي الحجّة بل لا بدّ من التحديد إلى تمام الأعمال وسيأتي في المسألة 81 ما يتحقق به استقرار الحجّ.
ومما يشهد لاعتبار بقاء الشرائط إلى تمام الأعمال في استقرار الحجّ أنه لو انتفت الاستطاعة في أثناء الأعمال كما إذا سرق أو تلف ماله يكشف ذلك عن عدم الاستطاعة الموجبة للحج ، فالتحديد بذي الحجة مما لا وجه له أصلاً ولذا نحتمل الغلط في عبارة المصنف ، والعبارة الصحيحة : مع بقاء الشرائط إلى الحجّ أي : إلى أعمال الحجّ وأفعاله.
ثانيهما : في ثبوت الاستقرار وعدمه ، ذكر السيّد المصنف أنه لو ترك الحجّ مع بقاء الشرائط فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه ، ولكن الظاهر عدمه ، وذلك لأن موضوع وجوب الحجّ هو المستطيع ومتى تحقق عنوان الاستطاعة صار الحكم بوجوب الحجّ فعلياً لفعلية الحكم بفعلية موضوعه ، وإذا زالت الاستطاعة وارتفع الموضوع يرتفع وجوب الحجّ لارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه حتى بالإتلاف
.................................................................................................
والعصيان نظير القصر والتمام بالنسبة إلى السفر والحضر ، فلو كنّا نحن والأدلّة الأوّلية لوجوب الحجّ على المستطيع لقلنا بعدم وجوبه وعدم الاستقرار عليه لزوال الاستطاعة على الفرض ، فإن هذه الأدلّة إنما تتكفل الوجوب ما دامت الاستطاعة باقية ، فإذا انتفت وزالت لا مورد لوجوب الحجّ لزوال موضوعه ، وإنما نقول بالاستقرار في مورد التسويف والإهمال للروايات الخاصّة الذامّة للتسويف ، وأنّ من سوّف الحجّ وتركه عمداً فقد ضيع شريعة من شرائع الإسلام ومات يهوديّاً أو نصرانيّاً (1)، وإذن فيجب عليه الحجّ ولو متسكِّعاً حتى لا يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً.
وهذه الروايات لا تشمل المقام لعدم صدق التسويف على المعتقد بالخلاف وأنه صغير لا يجب عليه الحجّ ، لأن الظاهر من التسويف هو ترك الحجّ مع اعتقاد وجوبه عليه وتحقق العصيان منه بترك الحجّ ، ومن يترك الحجّ لاعتقاد كونه صبياً وغير مكلف به لا يصدق عليه عنوان التسويف والإهمال والعصيان ، هذا أوّلاً.
وثانياً : فإنّا قد ذكرنا في المباحث الأُصولية (2)أن الأحكام وإن كانت تشمل الجاهل ولكن لا تشمل المعتقد بالخلاف ، لأنه غير قابل لتوجه الخطاب إليه فهو غير مأمور بالحكم واقعاً ، فلا يكون وجوب في البين حتى يستقر عليه ، ففي زمان الاعتقاد بالخلاف وأنه صغير أو عبد لا يحكم عليه بالوجوب لعدم قابليته للتكليف بالحج ، وفي زمان انكشاف الخلاف والعلم بالبلوغ أو الحرية لا يكون مستطيعاً على الفرض حتى يجب عليه الحجّ.
وثالثاً : إنما يستقر الحجّ إذا لم يكن الترك عن عذر ، وأما إذا كان الترك مستنداً إلى العذر فلا موجب للاستقرار ، والاعتقاد بالخلاف من أحسن الأعذار ، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة يجب الحجّ وإلّا فلا.
المورد الثاني : إذا اعتقد كونه مستطيعاً مالاً وأن ما عنده يكفيه فحج ثمّ بان
.................................................................................................
الخلاف ، فقد ذكر السيّد (قدس سره) أن في إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهين : من عدم الإجزاء لفقد الشرط واقعاً وأنه غير واجد للمال ، ومن أن القدر المتيقن من عدم الإجزاء غير هذه الصورة ، لأن دليل عدم الإجزاء إنما هو الإجماع والقدر المسلم منه ما لو علم بعدم الاستطاعة وحجّ ، وأما لو جهل بذلك واعتقد الاستطاعة وحجّ ثمّ انكشف الخلاف فلا يشمله الإجماع.
وفيه : أن ما ذكر إنما يتم لو كان الإجزاء على طبق القاعدة وكان عدم الإجزاء لأجل الإجماع ، فيؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو غير هذه الصورة فيتعين القول بالإجزاء ، ولكن الأمر ليس كذلك ، فإن الإجزاء على خلاف القاعدة ويحتاج إلى الدليل الخاص ، وذلك لأن إطلاق الآية والنصوص يقتضي وجوب الحجّ عند فعلية موضوعه سواء حجّ سابقاً أم لا ، وسقوط الحجّ حينئذ مناف لإطلاق الأدلة ، فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء.
وبالجملة ما جاء به حجّ غير واجب وإجزاؤه عن الواجب يحتاج إلى الدليل والاعتقاد بالخلاف لا يوجب انقلاب الأمر من الندبي إلى الوجوب وإنما تخيل أنه واجب ومأمور به ، فما أتى به لم يكن واجباً واقعاً وإجزاؤه عن الواجب لا بدّ أن يستند إلى الدليل ، فالأقوى عدم الإجزاء. نعم ، لو ترك الحجّ والحال هذه أي كان معتقداً بالاستطاعة فقد تجرأ وأما الاستقرار فلا دليل عليه.
ولو انعكس الأمر بأن اعتقد أنه لا مال له ولم يحج ثمّ بان الخلاف وكان المال وافياً بالحج ذكر في المتن أنه يستقر عليه الحجّ.
أقول : إذا بقيت الاستطاعة إلى العام القابل فلا كلام ، إنما الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة ، ويجري فيه ما تقدم في اعتقاد الصغر ، وقد عرفت أن ترك الحجّ حينئذ مستند إلى العذر لأنه قاطع بعدم الوجوب فلا يتوجه إليه التكليف ، فالظاهر عدم الاستقرار.
المورد الثالث : وهو اعتقاد الضرر وعدمه ، فإنه قد يعتقد عدم الضرر وعدم الحرج ويحج ثمّ ينكشف الخلاف ، وقد ينعكس الأمر أي يعتقد الضرر والحرج
.................................................................................................
ويترك الحجّ ثمّ ينكشف عدم ثبوت الضرر في الواقع. أما إذا اعتقد الضرر أو الحرج وترك الحجّ فبان الخلاف فالحكم ما تقدم من عدم الاستقرار ، لما عرفت من عدم شمول أخبار التسويف للمعتقد بعدم التكليف لعدم إمكان توجه التكليف إليه ، ويشمله أدلّة العذر.
وأمّا إذا اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف ، ذكر في المتن أن الظاهر كفايته وإجزاؤه عن حجّ الإسلام ، ولا يقاس المقام باعتقاد الاستطاعة وانكشاف الخلاف ، والظاهر أنه (قدس سره) يعتمد في ذلك على ما اشتهر بينهم من أن دليل نفي الضرر ينفي الوجوب والإلزام وأما أصل المحبوبية فغير منفي وبذلك يصح الحجّ.
وفيه : ما ذكرناه في الأُصول (1)بما لا مزيد عليه من أن الوجوب والاستحباب ليسا بسنخين من الحكم وليسا مجعولين مستقلين وإنما المجعول أمر واحد ، غاية الأمر أنه إن لم يقترن بالترخيص خارجاً ينتزع منه الوجوب ويحكم العقل بتفريغ الذمّة منه ، وإن اقترن بالترخيص ينتزع منه الاستحباب ، فالحكم المجعول شيء واحد وليس في البين أمران حتى يقال بأن أحدهما يرتفع والآخر يبقى ، بل إذا ارتفع ترتفع المحبوبية برأسها ، فإذا ارتفع المجعول برأسه فلا مجال لبقاء المحبوبية. وبعبارة أوضح : دليل نفي الضرر يرفع المجعول الشرعي الذي هو بسيط غير مركب فلا مجال لدعوى أن المحبوبية باقية وغير مرتفعة.
ولكن الأمر كما ذكر من الإجزاء والكفاية ، وذلك لعدم شمول دليل نفي الضرر للمقام لأنه امتناني ولا امتنان في الحكم بالبطلان بعد العمل. وبالجملة : لا مانع من الحكم بصحة الحجّ وإجزائه إلّا من جهة تحمل الضرر الواقعي ، فإذا فرضنا عدم شمول دليل نفي الضرر للمقام فلا مانع أصلاً من الحكم بالصحة والإجزاء.
نعم ، إذا كان الضرر من الضرر المحرم كالهلاك ونحوه ، فلا نلتزم بالصحّة ، لا لدليل
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 132.
.................................................................................................
نفي الضرر ، بل لأنّ تحمّل الضرر مبغوض واقعاً ولا يمكن التقرب به ، ولكن هذا لا يتصوّر في الحجّ لعدم الضرر في نفس أعمال الحجّ وأفعاله ، فما ذكره (قدس سره) من الإجزاء صحيح ، لا لأجل أن دليل نفي الضرر لا ينفي المحبوبية ، بل لأجل عدم جريان دليل نفي الضرر لكونه امتنانياً لا يشمل مثل الحكم بالبطلان ولا يعم ما إذا انكشف الخلاف بعد العمل.
المورد الرابع : ما إذا اعتقد وجود المانع كالعدو واللص أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف ، فهل يستقر عليه الحجّ أو لا؟ وجهان ، اختار في المتن عدم الاستقرار وعلله بأنه يكفي في باب الضرر الخوف ، وهو حاصل بمجرّد الاعتقاد بوجود المانع ، واستثنى من ذلك ما إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء وبدون الفحص والتفتيش ، فحينئذ يستقر عليه الحجّ لأنه يعتبر مقصراً.
أقول : الظاهر أن ما ذكره لا يتم على مسلكه من شرطية هذه الأُمور واقعاً ، فإن الخوف من وجود العدو أو الضرر وإن كان طريقاً عقلائياً إلى وجوده ولكن الحكم بعدم الوجوب في ظرف الجهل بتحقق الشرط حكم ظاهري لا واقعي ، فيكون المقام نظير ما إذا اعتقد عدم المال وترك الحجّ ثمّ بان الخلاف وقد اختار هناك الاستقرار ولازمه القول بالاستقرار هنا لعدم الفرق بين البابين. نعم ، بناء على ما قلنا من أن الاعتقاد بالعدم عذر مسوغ للترك لعدم إمكان توجه التكليف إلى المعتقد بالخلاف لا مقتضي للاستقرار ، لعدم شمول أخبار التسويف مورد العذر في الترك ، لأن الظاهر منها صورة التقصير في الترك ، ومن اعتقد عدم الشرط وترك الواجب لا يصدق عليه المقصر ، ولذا ذكرنا في التعليقة أن الأقوى عدم الاستقرار حتى إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء.
المورد الخامس : في المانع الشرعي كاستلزام الحجّ ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك ، فإن اعتقد عدم مانع شرعي فحج فبان الخلاف فالظاهر الإجزاء كما في المتن ، لأن عدم وجود المانع الشرعي من الواجب أو الحرام لم يؤخذ في موضوع الحجّ وإنما اعتبرناه لأجل التزاحم ، ومن الواضح أن التزاحم بين الواجبين يتوقف على
وإن اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً مع تحقق سائر الشرائط وأتى به أجزأه عن حجّة الإسلام كما مرّ سابقاً ، وإن تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجة فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه (1)فإن فقد بعض الشرائط بعد ذلك كما إذا تلف ماله وجب عليه الحجّ ولو متسكِّعاً ، وإن اعتقد كونه مستطيعاً مالاً وأن ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحجّ ففي إجزائه عن حجّة الإسلام وعدمه وجهان (2)من فقد الشرط واقعاً ومن أن القدر المسلم من عدم إجزاء حجّ غير المستطيع عن حجّة الإسلام غير هذه الصورة ، وإن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافياً وترك الحجّ فالظاهر الاستقرار عليه (3)، وإن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف فالظاهر كفايته ، وإن اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحج فبان الخلاف فهل يستقر عليه الحجّ أو لا؟ وجهان
التنجّز ووصول التكليفين ، ولا عبرة بمجرد الوجود الواقعي ، لأن التزاحم إنما هو لأجل عدم القدرة على امتثال الواجبين وعدم إمكان الجمع بينهما في مقام الامتثال ومن المعلوم أن ذلك إنما يتحقق بعد الوصول ، وأما إذا كان جاهلاً بأحد الواجبين فلا معنى لعدم القدرة على امتثالهما.
وبعبارة اخرى : التزاحم إنما يتوقف على وصول الواجبين ، وأما إذا لم يصل أحدهما فلا تزاحم أصلاً ، فإذن لا مانع من فعلية التكليف بالمهم كما لو لم يعلم بنجاسة المسجد وصلّى ، فإنه لا ريب في صحّة صلاته لعدم تصور التزاحم بين الصلاة وإزالة النجاسة فلا حاجة في الحكم بالصحة إلى الترتب ، لأنه إنما يتصور في مورد التزاحم وعصيان الأهم وتركه ، ومع الجهل بوجوب الإزالة لا مزاحم حتى يحتاج إلى الترتب.
والأقوى عدمه لأن المناط في الضرر الخوف وهو حاصل إلّا إذا كان اعتقاده على خلاف رويّة العقلاء (1)وبدون الفحص والتفتيش ، وإن اعتقد عدم مانع شرعي فحج فالظاهر الإجزاء إذا بان الخلاف ، وإن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف فالظاهر الاستقرار (2).
ثانيهما : إذا ترك الحجّ مع تحقق الشرائط متعمداً أو حجّ مع فقد بعضها كذلك ، أمّا الأوّل فلا إشكال في استقرار الحجّ عليه مع بقائها إلى ذي الحجة (3)، وأما الثاني فإن حجّ مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية فلا إشكال في عدم إجزائه إلّا إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين على إشكال في البلوغ قد مرّ (1) (4).
وإن اعتقد وجود المانع الذي هو أهم من الحجّ فترك الحجّ رعاية لطلب الأهم فبان الخلاف ، ذكر (قدس سره) أن الظاهر هو الاستقرار ، وقد عرفت أن الظاهر عدمه كما تقدم نظيره ، لعدم توجه التكليف إليه واقعاً ، فهو معذور في ترك الحجّ فلا تشمله أدلّة التسويف والتقصير.
(1) لا خلاف ولا إشكال في استقرار الحجّ عليه إذا تركه عمداً وبلا عذر مع تحقق جميع الشرائط وبقائها إلى آخر الأعمال وقد تقدم الإشكال في التحديد بذي الحجة. وكيف كان ، قد عرفت أن مقتضى النصوص أن تارك الحجّ عن غير عذر يموت يهودياً أو نصرانياً فلأجل الفرار عن ذلك لا بدّ من إتيانه ولو متسكِّعاً ، إنما البحث فيما لو حجّ مع عدم كونه واجداً للشرائط ، فيقع البحث في مسائل :
الاولى : لو حجّ مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية فلا ريب في عدم الإجزاء للقاعدة والنصوص الخاصة التي تقدمت في أوائل الكتاب من أنه إذا بلغ الصبي أو
وإن حجّ مع عدم الاستطاعة المالية فالظاهر مسلمية عدم الإجزاء ولا دليل عليه إلّا الإجماع (1)، وإلّا فالظاهر أنّ حجّة الإسلام هو الحجّ الأوّل ، وإذا أتى به كفى (2)ولو كان ندباً ، كما إذا أتى الصبي صلاة الظهر مستحبّاً بناءً على شرعية عباداته فبلغ في أثناء الوقت فإن الأقوى عدم وجوب إعادتها ودعوى أنّ المستحب لا يجزئ عن الواجب ممنوعة بعد اتحاد ماهية الواجب والمستحب. نعم
أُعتق العبد عليه حجّة الإسلام ، نعم ورد في خصوص العبد أنه إذا انعتق قبل أحد الموقفين يجزئ حجّه عن حجّ الإسلام ، ولم يرد في الصبي نص إذا بلغ قبل أحد الموقفين ، ومقتضى إطلاق الأدلّة عدم إجزاء حجّه حتى إذا بلغ قبل أحدهما.
الثانية : لو حجّ متسكِّعاً ومع عدم الاستطاعة المالية ثمّ استطاع ، ذكر (قدس سره) أنّ الظاهر مسلّميّة عدم الإجزاء ، ولا دليل عليه إلّا الإجماع وإلّا فمقتضى القاعدة هو الإجزاء ، لأنّ الحجّ طبيعة واحدة ولا اختلاف في حقيقته غاية الأمر قد تجب وقد تستحب ، فالاختلاف في الأمر المتعلق به لا في المأمور به ، فإذا وجدت الطبيعة لا معنى لإتيانها ثانياً ، وحال الحجّ حال الصلاة الصادرة من الصبي إذا بلغ في أثناء الوقت فإنه لا يجب عليه إتيان الصلاة مرّة ثانية لحصول الطبيعة المأمور بها منه ، غاية الأمر في حال عدم التكليف ، وليس الأمر من باب إجزاء المستحب عن الواجب حتى يقال بأنه لا دليل عليه.
والحاصل : أن ماهية الواجب والمستحب متحدة فإذا أتى بها فقد امتثل هذه الطبيعة في الخارج ولا مجال لإتيانها ثانياً. نعم ، لو ثبت تعدد ماهية حجّ المتسكِّع والمستطيع وكان الحجّ ماهيتين وطبيعتين مختلفتين نظير صلاة الظهر والعصر أو الأداء
1) (*) بل الدليل عليه إطلاق الآية والروايات فإن الحجّ في كل سنة له أمر يغاير الأمر به في السنة الأُخرى ، وهذا بخلاف الصلاة في وقت واحد فإنها طبيعة واحدة غاية الأمر أن الأمر بها قد يكون وجوبياً وقد يكون ندبياً.
2) (**) الكفاية إنما هي بالنسبة إلى الأمر الاستحبابي ، ولا دليل على كفايته بالنسبة إلى الأمر الوجوبي.
لو ثبت تعدد ماهية حجّ المتسكِّع والمستطيع تمّ ما ذكر ، لا لعدم إجزاء المستحبّ عن الواجب بل لتعدّد الماهية ، وإن حجّ مع عدم أمن الطريق أو مع عدم صحّة البدن مع كونه حرجاً عليه أو مع ضيق الوقت كذلك فالمشهور بينهم عدم إجزائه عن الواجب ، وعن الدروس الإجزاء إلّا إذا كان إلى حد الإضرار بالنفس وقارن بعض المناسك فيحتمل عدم الإجزاء ، ففرق بين حجّ المتسكِّع وحجّ هؤلاء ، وعلّل الأجزاء بأن ذلك من باب تحصيل الشرط فإنه لا يجب لكن إذا حصّله وجب.
والقضاء تم ما ذكر من عدم الإجزاء ، لأن إحداهما غير الأُخرى وإن كانتا متشابهتين صورة. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره).
أقول : قد يكون المطلوب على نحو صرف الوجود ، وقد يكون على نحو مطلق الوجود بمعنى أن كل فرد من أفراد الطبيعة له أمر مستقل ، أما إذا كان المطلوب صرف الوجود فالطبيعة المأمور بها واحدة وإنما الاختلاف في الطلب وجوباً واستحباباً باعتبار المكلفين ، فمن أتى بالطبيعة لا يؤمر بها ثانياً ، والمطلوب في باب الصلاة هو صرف الوجود ، بمعنى أن المأمور به إتيان الصلاة من الزوال إلى الغروب ، فإذا أتى بالطبيعة في هذه المدة لا معنى لإتيانها ثانياً لأنها حاصلة ، غاية الأمر أتى بالمأمور به في حال عدم التكليف ، فالإجزاء على القاعدة وإعادتها ثانياً بعد البلوغ تحتاج إلى دليل آخر.
وأمّا الحجّ فالمطلوب فيه الطبيعة على نحو مطلق الوجود ، لأن إطلاق ما دل على وجوب الحجّ على تقدير حصول الاستطاعة يقتضي وجوبه متى حصلت الاستطاعة سواء حجّ قبل ذلك أم لا ، والأمر في عام الاستطاعة غير الأمر الندبي المتقدم على عام الاستطاعة ، وكل سنة له أمر وتكليف وما أتى به في السنة الماضية غير ما أُمر به في السنة الحالية ، وإذا حصلت الاستطاعة في السنة الجديدة يوجد أمر جديد ويحدث تكليف جديد لا بدّ من امتثاله ، ولا مسقط للأمر الجديد المتوجه إليه في السنة
وفيه : أنّ مجرّد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط مع أنّ غاية الأمر
الجديدة ، ولا دليل على سقوطه بما أتى به قبل ذلك ، فالمقام نظير صلاة الصبي في اليوم السابق على البلوغ بالنسبة إلى صلاته بعد البلوغ في اليوم الثاني ، ولا معنى لسقوط الصلاة عنه في اليوم الثاني إذا بلغ بمجرّد صلاته في اليوم السابق على البلوغ ، لأن كل يوم له أمر جديد وتكليف مستقل لا بدّ من امتثاله والخروج عن عهدته.
وبالجملة : الحجّ في عام الاستطاعة له أمر جديد ويحدث بسبب حصول الاستطاعة تكليف جديد مستقل لا بدّ من امتثاله ، ولا دليل على سقوطه بإتيانه في العام الماضي قبل الاستطاعة فيكفينا في وجوب الحجّ وإتيانه ثانياً وعدم سقوطه بما حجّ سابقاً قبل الاستطاعة نفس إطلاق الأدلّة ، فإن مقتضاه كما عرفت وجوب الحجّ سواء حجّ سابقاً أم لا ، فعدم الإجزاء على القاعدة والإجزاء يحتاج إلى دليل وهو مفقود في البين.
الثالثة : إذا حجّ مع عدم أمن الطريق أو مع المرض وعدم صحّة البدن أو مع الضرر والحرج ، كما إذا سافر في ضيق الوقت واستلزم الحرج فهل يجزي حجّه أم لا؟. المشهور بينهم عدم الإجزاء ، وعن الشهيد في الدروس الإجزاء إلّا إذا وصل إلى حدّ الإضرار بالنفس فيحتمل عدم الإجزاء ، وعلل الأجزاء بأن ذلك من باب تحصيل الشرط وهو غير واجب لكن إذا حصّله وجب لحصول الشرط (1).
وأورد عليه في المتن بأن المقدمات قبل الميقات إذا كانت مقترنة بهذه الأُمور دون الأعمال ففي هذه الصورة لا إشكال في الإجزاء وإن كان لا يجب الحجّ من الأوّل ، ولا قائل بعدم الإجزاء في هذه الصورة ، وإن كانت الأعمال من الميقات مقترنة بهذه الأُمور من الضرر أو الحرج أو عدم أمن الطريق فاللّازم القول بعدم الإجزاء ، لأن المفروض أن نفس الأعمال فاقدة للشرط ، ولكنّه (قدس سره) مع ذلك اختار ما
1) الدروس 1 : 314.
حصول المقدّمة التي هو المشي إلى مكّة ومنى وعرفات ، ومن المعلوم أنّ مجرّد هذا لا يوجب حصول الشرط الذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج. نعم ، لو كان الحرج أو الضّرر في المشي إلى الميقات فقط ولم يكونا حين الشروع في الأعمال تمّ ما ذكره ولا قائل بعدم الإجزاء في هذه الصورة ، هذا ومع ذلك فالأقوى ما ذكره في الدروس ، لا لما ذكره بل لأنّ الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة إنما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب (1)فإذا تحملهما وأتى بالمأمور به كفى.
ذهب إليه الشهيد من الإجزاء لا لما ذكره ، بل لأن الضرر والحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة إنما يرفعان الوجوب والإلزام لا أصل الطلب ، فإذا تحملهما وأتى بالمأمور به كفى ، لأن دليل نفي الضرر يرفع الأحكام الوجوبية الضررية وأمّا الأحكام الندبية الضررية فلا يرفعها. وبعبارة أوضح : يجب على هذا الشخص حجّ الإسلام ولكن يرتفع وجوبه بالضرر أو الحرج وأما الاستحباب فلا يرتفع ، فما أتى به إنما هو حجّ الإسلام وإن ارتفع وجوبه بالضرر.
أقول : أما في فرض اقتران المقدمات قبل الميقات بهذه الأُمور بدون اقتران الأعمال من الميقات بها فلا ينبغي الريب في الإجزاء فيها حتى إذا اقترنت المقدّمات بالمحرم من هذه الأُمور ، كالإلقاء في التهلكة ونحو ذلك كما إذا كان سفره محرماً ولكن بعد الوصول إلى الميقات أدى الأعمال على وجه مشروع واجداً للشرائط ، ففي مثله لا موجب لعدم الإجزاء أصلاً وإن كان الحجّ لا يجب عليه من أوّل الأمر ، إذ لا يجب عليه تحمل هذه المقدمات المقترنة بالضرر أو الحرج.
وأمّا لو كانت الأعمال مقترنة بها فما ذكره من الأمثلة فمختلفة وليس جميعها من باب واحد. بيان ذلك : أنه لو كان الطريق غير مأمون أو كان المكلف مريضاً فحاله حال من حجّ ولم يكن له مال وحجّ متسكِّعاً ، لأن المأخوذ في موضوع وجوب الحجّ
1) (*) فيه منع ظاهر ، والأقوى عدم الاجزاء.
.................................................................................................
كما في النصوص تخلية السرب وصحّة البدن فإذا تحمل وحجّ والحال هذه لا يكون حجّه مصداقاً للواجب لانتفاء موضوعه. والحاصل : أنه يجري في فقدان الأمن في الطريق أو صحّة البدن ما يجري في فقدان الاستطاعة المالية لأخذ ذلك كلّه في موضوع وجوب الحجّ كما في الروايات المفسرة للاستطاعة.
وأمّا اقتران الأعمال بالضرر أو الحرج فحيث لم يؤخذ عدم الضرر أو الحرج في موضوع وجوب الحجّ وإنما قلنا بعدم الوجوب في موردهما لحكومة دليلهما على سائر الأحكام الشرعية ، فلو قلنا بما ذكره (قدس سره) من أن المرفوع هو الإلزام مع بقاء أصل الطلب نظير صلاة الصبي فالمأمور به على حاله غاية الأمر لا وجوب له ، فلو تحمل الضرر أو الحرج وأتى بالمأمور به كفى.
وأمّا إذا قلنا بأن الوجوب أمر بسيط ، لأنّ الأحكام أُمور اعتبارية والاعتبار أمر بسيط فليس في البين أمران يبقى أحدهما ويرتفع الآخر ، ودليل نفي الضرر أو الحرج يرفع المجعول برأسه ، فلا مجال لثبوت أصل الطلب وبقائه. نعم ، لا مانع من الالتزام بالاستحباب بأدلة اخرى ، والاستحباب إذا كان ضرريّاً لا يشمله دليل نفي الضرر إذا لم يصل إلى حد الحرمة لعدم الامتنان في رفعه ، فالحج الصادر منه حال الضرر أو الحرج يقع مستحباً بدليل آخر ولم يكن بحجّ الإسلام الواجب المستفاد من قوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) فإنه مرفوع عن هذا الشخص ، فحال هذا الحجّ حال الحجّ الصادر منه متسكِّعاً في احتياج الإجزاء إلى دليل خاص وليس في البين دليل.
والحاصل : أن الحكم بالكفاية والإجزاء إنما هو بالنسبة إلى الأمر الاستحبابي ولا دليل على كفايته بالنسبة إلى الأمر الوجوبي.
[3063] مسألة 66 : إذا حجّ مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم يجزئه عن حجّة الإسلام وإن اجتمع سائر الشرائط ، لا لأنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه لمنعه أوّلاً ، ومنع بطلان العمل بهذا النهي ثانياً ، لأنّ النهي متعلق بأمر خارج ، بل لأن الأمر مشروط بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع ، وكذلك النهي المتعلق بذلك المحرّم مانع ومعه لا أمر بالحج (1)(1).
(1) حاصل ما ذكره في هذه المسألة أنه إذا استلزم حجّه ترك واجب أو ارتكاب محرم لم يجزئه عن حجّه الإسلام وإن اجتمع سائر الشرائط ، لا لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده والنهي يقتضي الفساد فإن الاقتضاء ممنوع ، وعلى تقدير تسليمه هذا النهي لا يقتضي الفساد لتعلقه بأمر خارج لا بنفس العبادة ، بل لأن الأمر بالحج مشروط بعدم المانع ووجوب ذلك الواجب مانع ، فالحج غير واجب في حقه ولم يكن بمأمور به ، ومع عدم الأمر بالحج لا يمكن القول بالصحة.
نعم ، لو استقر عليه الحجّ وتوقف الإتيان به على ترك واجب أو فعل حرام تكون المسألة من صغريات مسألة اقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه ويمكن القول بالإجزاء هنا لمنع الاقتضاء أوّلاً ، ومنع كون النهي المتعلق بأمر خارج موجباً للبطلان ثانياً ، ولا يجري في الحجّ المستقر ما ذكر في الحجّ الابتدائي.
أقول : ما ذكره من عدم اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده صحيح ، وأما منعه دلالة هذا النهي على الفساد لتعلقه بأمر خارج فهو إنما يتم إذا أُريد بالضد الضد العام وهو الترك ، وأما لو فرض تعلقه بالضد الخاص فالنهي متعلق بنفس الحجّ لا بأمر خارج.
والحاصل : أنه إذا أُريد بالضد الضد الخاص كما هو مقتضى أدلّتهم حيث قالوا إن ترك أحد الضدّين مقدّمة للضد الآخر ، ومقدّمة الواجب واجبة فترك هذا الضد
1) (*) بل الأمر به موجود إن كان الحجّ أهم منه ، وإن كان غيره أهم فالحج أيضاً مأمور به على نحو الترتب على ما ذكرناه في محله.
نعم ، لو كان الحجّ مستقراً عليه وتوقف الإتيان به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة وأمكن أن يقال بالإجزاء ، لما ذكر من منع اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده ومنع كون النهي المتعلق بأمر خارج (1)موجباً للبطلان.
واجب ، وإذا كان تركه واجباً كان فعله حراماً فإنه لو تمّ ذلك وسلمنا أن مقدمة الواجب واجبة وسلمنا أيضاً أن ترك أحد الضدين مقدمة للواجب الآخر ، كان الضد بنفسه منهياً عنه لا أن النهي تعلق بأمر خارج بل تعلق بنفس العبادة وبنفس الحجّ ، لأن ترك هذا الضد مقدمة لذلك الواجب والمفروض أن مقدمة الواجب واجبة فيكون ترك هذا واجباً وفعله حراماً ومبغوضاً هذا ، ولكن قد ذكرنا في محله أن النهي التبعي المقدمي لا يدل على الفساد حتى لو التزمنا باقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضدّه.
وكيف كان ، فما ذكر من الفساد وعدم الإجزاء غير تام ، لأنّ القول بالبطلان مبني على عدم الالتزام بالترتب أو عدم جريانه في باب الحجّ ، وأما إذا التزمنا بالترتب وجريانه في الحجّ فلا موجب للبطلان ، إذ الأمر بالحج موجود ولو بالترتب وإن كان الواجب الآخر أهم من الحجّ ، وأما إذا لم يكن الواجب الآخر أهم فلا ريب في تقدم الحجّ. وبعبارة اخرى : الأمر بالحج موجود على كل تقدير سواء كان الحجّ أهم من الواجب الآخر فهو مأمور به بطبعه وإن كان غيره أهم فهو مأمور به أيضاً على نحو الترتب.
وما ذكره شيخنا الأُستاد (قدس سره) من أن الترتب لا يجري في باب الحجّ ، لأنّ المأخوذ في موضوعه القدرة الشرعية المصطلحة فيكون الواجب الآخر سالباً للقدرة ورافعاً لموضوع الحجّ (2)ففيه ما ذكرناه مراراً من أن الحجّ كسائر الواجبات والأحكام الإلهية من عدم أخذ القدرة الشرعية المصطلحة في موضوعه ، وإنما المعتبر
[3064] مسألة 67 : إذا كان في الطريق عدو لا يندفع إلّا بالمال فهل يجب بذله ويجب الحجّ أو لا؟ أقوال (1) ثالثها الفرق بين المضر بحاله (1)وعدمه فيجب في الثاني دون الأوّل.
فيه الاستطاعة المفسرة بأُمور خاصة مذكورة في النصوص ، وما ذكروه من اعتبار الاستطاعة الشرعية بمعنى عدم مزاحمته لواجب آخر لم يؤخذ في موضوع الحجّ ولم يدل عليه أي دليل ، فلا مانع من الحكم بصحة الحجّ وإجزائه في فرض العصيان وترك الواجب الأهم ، لتعلّق الأمر بالحج على نحو الترتب.
ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الحجّ الفعلي والحجّ المستقر وحالهما على حد سواء وعلى الترتب لا مانع من الإجزاء في القسمين.
(1) الأوّل : سقوط الحجّ وعدم وجوب بذل المال كما عن الشيخ (2)وجماعة.
الثاني : وجوب بذل المال كما عن المحقق (3)واختاره في المدارك (4).
الثالث : التفصيل بين المضر بحاله والمجحف به فلا يجب فيه بذل المال ويسقط الحجّ وبين ما كان يسيراً غير مضر بحاله فيجب البذل وهو المحكي عن المحقق في المعتبر (5).
وقد يستدل للأوّل بأن الاستطاعة وهي تخلية السرب غير حاصلة ، وتحصيلها غير واجب ، ويستدل للثاني بأن المفروض حصول الاستطاعة المالية وإذا تمكن من دفع العدو وإزالته بالمال وجب ، وكلاهما مخدوش فيه.
والصحيح أن يقال : إذا كان بذل المال حرجياً يرتفع وجوبه لنفي الحرج ويسقط وجوب الحجّ ، وإن لم يكن دفعه حرجياً ومشقّة عليه وإنما يتضرر به وينقص ماله
[3065] مسألة 68 : لو توقّف الحجّ على قتال العدو لم يجب حتى مع ظن الغلبة عليه والسّلامة ، وقد يقال (1)بالوجوب في هذه الصورة (1).
فحينئذ لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الضرر كثيراً ومعتداً به فلا يجب بذله لحكومة دليل نفي الضرر على جميع الأدلة ، وقد قلنا سابقاً إن دليل لا ضرر يجري في الحجّ ونحوه من الأحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم أزيد مما يقتضيه طبع الحجّ وبين ما إذا كان الضرر يسيراً أو قد لا يعد عرفاً من الضرر في بعض صوره كبذل خمسة دنانير بالنسبة إلى خمسمائة دينار التي يصرفها في الحجّ ، فلا يبعد القول بوجوب الحجّ ولزوم تحمل ذلك الضرر اليسير لصدق تخلية السرب على ذلك ، ونظير ذلك بذل المال لأخذ جواز السفر ونحو ذلك بل ربما تعد هذه الأُمور من مصارف الحجّ وشؤونه.
(1) الذي ينبغي أن يقال : إنه قد يفرض كونه متمكناً من قتال العدو ودفعه من دون استلزام ضرر أو حرج ويطمئن بالغلبة والسلامة فلا ينبغي الريب في عدم سقوط وجوب الحجّ عنه لصدق تخلية السرب ، ومجرّد وجود شخص في الطريق مانع عن الحجّ يمكن دفعه بسهولة لا يوجب صدق عدم تخلية السرب.
وقد يفرض كون السفر خطراً بحيث يخاف على نفسه أو على ما يتعلق به فلا إشكال في سقوط الحجّ لصدق عدم تخلية السرب وعدم الأمان في الطريق وإن ظن بالغلبة والسلامة ، لعدم حصول الأمان بالفعل فيصدق عدم تخلية السرب ، ومجرد الظن بالغلبة والسلامة لا يوجب كون الطريق مأموناً ، فما احتمله بعضهم من الوجوب في صورة ظن الغلبة والسلامة ضعيف جدّاً. وبالجملة : لا يجب عليه القتال أو الوقوع في الحرج لدفع العدو ، لأنّ الشرط وهو تخلية السرب غير حاصل وتحصيله غير واجب.
1) (*) لكنّه ضعيف.
[3066] مسألة 69 : لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه إلّا مع خوف الغرق أو المرض خوفاً عقلائياً (1)(1) أو استلزامه الإخلال بصلاته (2)، أو إيجابه لأكل النجس أو شربه ، ولو حجّ مع هذا صحّ حجّة ، لأنّ ذلك في المقدّمة وهي المشي إلى الميقات كما إذا ركب دابّة غصبية إلى الميقات (2).
(1) لا ريب في عدم اختصاص وجوب الحجّ بطريق دون طريق ، لأنّ المطلوب هو الإتيان بالحج من دون اختصاص بطريق ، فلو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه. نعم ، إذا خاف على نفسه من الغرق أو المرض لا يجب الحجّ وإن كان خوفاً غير عقلائي ، لأن الملاك في سقوط الحجّ هو حصول الحرج ، وإذا بلغ خوفه إلى حد يكون السفر وركوب البحر حرجاً عليه يسقط وجوب الحجّ لنفي الحرج ، وإن كان منشأ الخوف والحرج أمراً غير عقلائي كما قد يتفق ذلك في الشخص الذي يتخوف كثيراً.
وبالجملة : دليل نفي الحرج لا يختص بموارد الخوف العقلائي وإنما العبرة بتحقق الحرج وعدمه ، فإذا كان تحمل الخوف حرجياً عليه يسقط الوجوب وإن كان منشأ الخوف أمراً غير عقلائي ، وإلّا يجب عليه السفر بالركوب في البحر ولا فرق بينه وبين السفر غير البحري.
(2) قد عرفت بما لا مزيد عليه أن الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست هي الاستطاعة الشرعية بالمعنى المصطلح لتكون هذه الأُمور دخيلة في الاستطاعة ، بل الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ ليست إلّا العقلية ، غاية الأمر أنها استطاعة خاصة فسرت في النصوص بالزاد والراحلة وبقية المذكورات في النصوص.
وأمّا الإخلال ببعض ما يعتبر في الصلاة فلا بأس به إذا أتى بها حسب وظيفته
[3067] مسألة 70 : إذا استقر عليه الحجّ وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه أداؤها ، ولا يجوز له المشي إلى الحجّ قبلها ولو تركها عصى ، وأمّا حجّه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمّته لا في عين ماله وكذا إذا كانت في عين ماله ولكن كان ما يصرفه في مئونته من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما ، أو كان مما تعلق به الحقوق ولكن كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه (1)وثمن هديه من المال الذي ليس فيه حق ، بل وكذا إذا كانا ممّا تعلق به الحق من الخمس والزكاة إلّا أنه بقي عنده مقدار ما فيه منهما بناء على ما هو الأقوى (2)من كونهما في العين على نحو الكلي في المعين لا على وجه الإشاعة (1).
الفعلية ، لا سيما إذا أخل بذلك قبل الوقت ، فإنه بعد الوقت مكلف بما هو وظيفته من القيام أو الجلوس أو الإيماء أو التيمم ، والمفروض عدم ترك الصلاة برأسها ، وأما الاضطرار إلى أكل النجس أو شربه فلا بأس به ، لأهميّة الحجّ وإن كان لا يجوز أكل النجس أو شربه اختياراً ، ولكن لو دار صرف قدرته في الأهم أو المهم فلا ريب في لزوم صرف قدرته في الأهم كما حقق ذلك في باب التزاحم.
(1) ما ذكره صحيح ولكن تقدم الكلام في أن ثوب الإحرام لو كان حراماً لا يضر بصحة الحجّ والإحرام ، لأن لبس ثوبي الإحرام واجب مستقل لا يضر الإخلال به بصحة الإحرام والحجّ وإنما ترك واجباً آخر وهو لبسهما ، ولذا يتحقق الإحرام عارياً. وأمّا ثوب السعي فلا تضر حرمته بالسعي لعدم اعتبار اللبس فيه أصلاً. وأمّا الطواف فالمعتبر فيه الستر كالصلاة ، فإن كان الساتر مغصوباً أو محرماً يفسد طوافه وحجّه إذا اقتصر عليه.
[3068] مسألة 71 : يجب على المستطيع الحجّ مباشرة ، فلا يكفيه حجّ غيره عنه تبرعاً أو بالإجارة إذا كان متمكناً من المباشرة بنفسه (1).
[3069] مسألة 72 : إذا استقر الحجّ عليه ولم يتمكن من المباشرة لمرض لم يرج زواله أو حصر كذلك أو هرم بحيث لا يقدر أو كان حرجاً عليه فالمشهور وجوب الاستنابة عليه ، بل ربما يقال بعدم الخلاف فيه وهو الأقوى وإن كان ربما يقال بعدم الوجوب وذلك لظهور جملة من الأخبار في الوجوب ، وأما إن كان موسراً من حيث المال ولم يتمكن من المباشرة مع عدم استقراره عليه ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان لا يخلو أوّلهما عن قوّة ، لإطلاق الأخبار المشار إليها ،
وأمّا الهدي فإن اشتراه بثمن في الذمة ودفع إلى البائع من المال المغصوب أو المحرم فلا ريب في صحّة الهدي ، وإن اشتراه بنفس الثمن المغصوب أو المحرم يكون الهدي باطلاً ، لأنّ الهدي لم يكن لنفسه فيفسد حجّه إذا اقتصر عليه ، لأن المستفاد من الأدلة ترتب بقيّة أعمال الحجّ على الهدي ، وإذا أتى بها ولم يسبقها الهدي وقعت فاسدة.
وأمّا ما ذكره من جواز التصرف في المال الذي تعلق به الخمس بعينه إذا بقي عنده مقدار ما فيه الخمس فإنما يتم على مختاره من تعلق الخمس أو الزكاة بالمال على نحو الكلي في المعيّن ، وأما على المختار عندنا من أنه من قبيل الإشاعة فلا يجوز التصرّف فيما تعلق به ما لم يؤد الحق وإن بقي مقدار ما فيه الخمس والزيادة ، لأن المفروض أن المال مشترك فيه والشركة تمنع عن التصرّف في المال. نعم ، يجوز التصرّف في المال الزكوي وما تعلق به الزكاة إذا أبقى منه مقدار الزكاة ، لأنّ المالك له حق الافراز والتقسيم وذلك للنص ، ولم يرد نص في باب الخمس من هذه الجهة.
(1) هذه المسألة من الواضحات التي لا حاجة إلى ذكرها ولعله (قدس سره) ذكرها تمهيداً للمسألة الآتية.
وهي وإن كانت مطلقة (1)من حيث رجاء الزوال وعدمه لكن المنساق من بعضها ذلك ، مضافاً إلى ظهور الإجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال ، والظاهر فورية الوجوب كما في صورة المباشرة ، ومع بقاء العذر إلى أن مات يجزئه حجّ النائب فلا يجب القضاء عنه وإن كان مستقراً عليه ، وإن اتفق ارتفاع العذر بعد ذلك فالمشهور أنه يجب عليه مباشرة وإن كان بعد إتيان النائب ، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه ، لكن الأقوى (2)عدم الوجوب ، لأنّ ظاهر الأخبار أن حجّ النائب هو الذي كان واجباً على المنوب عنه فإذا أتى به فقد حصل ما كان واجباً عليه ولا دليل على وجوبه مرّة أُخرى ، بل لو قلنا باستحباب الاستنابة فالظاهر كفاية فعل النائب بعد كون الظاهر الاستنابة فيما كان عليه ، ومعه لا وجه لدعوى أن المستحب لا يجزئ عن الواجب ، إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجباً والمفروض في المقام أنه هو ، بل يمكن أن يقال (3)إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بأن كان الارتفاع بعد إحرام النائب إنه يجب عليه الإتمام ويكفي عن المنوب عنه ، بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء الطريق قبل الدخول في الإحرام. ودعوى أن جواز النيابة مادامي كما ترى بعد كون الاستنابة بأمر الشارع ، وكون الإجارة لازمة لا دليل على انفساخها خصوصاً إذا لم يمكن إبلاغ النائب المؤجر ذلك ، ولا فرق فيما ذكرنا من وجوب الاستنابة بين من عرضه العذر من المرض وغيره وبين من كان معذوراً خلقة ، والقول بعدم الوجوب في الثاني وإن قلنا بوجوبه في الأوّل ضعيف. وهل يختص الحكم بحجة الإسلام أو
يجري في الحجّ النذري والإفسادي أيضاً؟ قولان ، والقدر المتيقن هو الأوّل (1)بعد كون الحكم على خلاف القاعدة ، وإن لم يتمكن المعذور من الاستنابة ولو لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلّا بأزيد من اجرة المثل ولم يتمكن من الزيادة أو كانت مجحفة (2)سقط الوجوب ، وحينئذ فيجب القضاء عنه بعد موته إن كان مستقراً عليه ولا يجب مع عدم الاستقرار ، ولو ترك الاستنابة مع الإمكان عصى بناء على الوجوب ووجب القضاء عنه مع الاستقرار وهل يجب مع عدم الاستقرار أيضاً أو لا؟ وجهان أقواهما نعم ، لأنه استقر عليه بعد التمكن من الاستنابة ، ولو استناب مع كون العذر مرجو الزوال لم يجزئ عن حجّة الإسلام فيجب عليه بعد زوال العذر ، ولو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفاية ، وعن صاحب المدارك عدمها ووجوب الإعادة لعدم الوجوب مع عدم اليأس فلا يجزئ عن الواجب ، وهو كما ترى ، والظاهر كفاية حجّ المتبرع (3)عنه في صورة وجوب الاستنابة. وهل يكفي الاستنابة من الميقات كما هو الأقوى في القضاء عنه بعد موته؟ وجهان ، لا يبعد الجواز حتى إذا أمكن ذلك في مكّة مع كون الواجب عليه هو التمتع ، ولكن الأحوط خلافه ، لأنّ القدر المتيقن من الأخبار الاستنابة من مكانه ، كما أن الأحوط عدم كفاية التبرع عنه لذلك أيضاً (1).
(1) ذكر في هذه المسألة أُموراً.
الأمر الأوّل : من استقر عليه الحجّ وأهمل حتى مرض أو هرم أو حبس بحيث لا يتمكّن من الحجّ ، فهل يسقط عنه التكليف بالحج للعذر العارض أم لا؟ المعروف
.................................................................................................
والمشهور وجوب الاستنابة وانقلاب تكليفه ووظيفته من المباشرة إلى النيابة وهو الصحيح ، وقد دلت عليه النصوص فيها الصحيح وغيره.
منها : صحيح معاوية بن عمار : «إن علياً (عليه السلام) رأى شيخاً لم يحج قط ولم يطق الحجّ من كبره فأمره أن يجهّز رجلاً فيحج عنه» (1)، ولا ريب في دلالته على الوجوب لظهور الأمر فيه.
ومنها : صحيح عبد اللّه بن سنان «إن أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) أمر شيخاً كبيراً لم يحج قط ولم يطق الحجّ لكبره أن يجهّز رجلاً يحج عنه» (2).
ومنها : صحيح الحلبي «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه فإن عليه أن يُحج عنه من ماله صرورة لا مال له» (3)والرواية الأخيرة مطلقة من حيث الاستقرار وعدمه ، والمستفاد منها وجوب الاستنابة إذا حال بينه وبين الحجّ عذر وإن كان طارئاً في سنة الاستطاعة ، ولكن ظاهر الأُوليين وجوب الاستنابة في مورد الاستقرار.
وقد يقال بحملها على الاستحباب لوجهين :
أحدهما : اشتمالها على أُمور لم تعتبر في النائب ككونه رجلاً وصرورة ، لجواز نيابة المرأة عن الرجل ونيابة غير الصرورة وذلك يوجب حملها على الاستحباب والتفكيك بين القيد والمقيد في الوجوب بإلغاء القيد والالتزام بوجوب أصل الاستنابة بعيد.
ثانيهما : أن المستفاد من بعض الروايات الحاكية لحكم أمير المؤمنين (عليه السلام) استحباب النيابة وأنها اختيارية لتعليقها على مشيئة الرجل ، مع أنّ الواقعة واحدة ولا يمكن الاختلاف في الحكم فيها ، فتكون هذه الرواية قرينة على عدم إرادة
.................................................................................................
الوجوب من الروايات الأُخر ، ففي خبر سلمة أبي حفص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن رجلاً أتى علياً ولم يحج قط فقال : إني كنت كثير المال وفرّطت في الحجّ حتى كبرت سنِّي ، فقال : فتستطيع الحجّ؟ فقال : لا ، فقال له علي (عليه السلام) : إن شئت فجهز رجلاً ثمّ ابعثه يحج عنك» (1)ونحوه خبر ميمون القداح «إن شئت أن تجهز رجلاً ثمّ ابعثه يحج عنك» (2).
والجواب عن الثاني : أن المعلق على المشيئة تفريغ الذمة ، يعني إذا شئت تفريغ ذمتك والخلاص من ذلك فعليك كذا ، لا الاستنابة حتى يقال بأن تعليقها على مشيئته يدل على الاستحباب ، لأنّ الوجوب لا معنى لتعليقه على المشيئة.
هذا مضافاً إلى ضعف الروايتين سنداً ، أما الأُولى فبسلمة أبي حفص والثانية بسهل بن زياد وبجعفر بن محمّد الأشعري الذي لم يوثق ولم يثبت كونه جعفر بن محمّد ابن عبيد اللّه الذي هو من رجال كامل الزيارة.
وعن الأوّل بأنه لا بأس بإلغاء القيد خاصة إذا كان خلاف المتسالم عليه ، على أنه إنما يتم في خصوص صحيح الحلبي الذي أُخذ فيه الصرورة.
مضافاً إلى أنه لا مانع من الالتزام بالقيد وكون النائب عن الحي رجلاً صرورة ويمكن أن يقال : إن ذِكر الرجل من باب المثال ومحمول على الغالب والمراد به الشخص ، وقد وقع نظير ذلك في كثير من موارد الأحكام ، ولا يراد بالرجل المذكور في النصوص خصوص الرجل المقابل للمرأة. وبالجملة : لا موجب لرفع اليد عن ظهور الروايات في الوجوب.
ثمّ إن الحكم لا يختص بمن استقر عليه الحجّ بل لو كان موسراً من حيث المال ولم يتمكن من المباشرة مع عدم استقراره عليه تجب عليه الاستنابة كما في المتن لإطلاق صحيح الحلبي كما عرفت ، وإن كان مورد بعض الروايات ذلك ، كالروايات الواردة في
.................................................................................................
الشيخ الكبير الذي لم يحجّ.
ثمّ إنه بعد الفراغ عن لزوم الاستنابة مطلقاً أو في خصوص من استقر عليه الحجّ يلزم كون النائب صرورة كما في صحيح الحلبي إن لم يكن إجماع على الخلاف ، بل يلزم أن يكون رجلاً كما في رواية الشيخ الكبير ، ولذا ذكرنا في المناسك (1)أن الأحوط لزوماً استنابة الرجل الصرورة إذا كان المنوب عنه رجلاً حياً كما في الروايات.
الأمر الثاني : هل يختص وجوب الاستنابة باليأس عن زوال العذر أو يعم الراجي للزوال أيضاً؟ فيه خلاف ، المشهور الاختصاص باليأس ، بل ربما ادعي الإجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال ، وذكر السيّد في المتن أن المنساق من بعض الروايات اعتبار اليأس من زوال العذر.
أقول : لم يرد في شيء من الروايات اليأس أو رجاء الزوال ، بل المذكور فيها عدم التمكّن وعدم الطاقة والحيلولة بينه وبين الحجّ بمرض ونحوه ، والظاهر أن المأخوذ في وجوب الاستنابة عدم الطاقة وعدم الاستطاعة واقعاً كما في الروايات الواردة في الشيخ الكبير ، وأما صحيح الحلبي فإن أُريد بالحج المذكور فيه حجّ هذه السنة الذي حال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر ، فمقتضاه وجوب الاستنابة في هذه السنة حتى مع العلم بزوال العذر في السنة الآتية وهذا مقطوع الخلاف ، إذ لا نحتمل وجوب الاستنابة عليه في هذه السنة وعدم إتيان الحجّ بنفسه في السنة الآتية عند زوال العذر ، فالمراد بالحج المذكور في صحيح الحلبي الذي حال المرض بينه وبين الحجّ هو مطلق الحجّ من دون أن يختص بسنة دون أُخرى ، فإن الواجب هو الطبيعي والفورية واجب آخر ، ومفاد صحيح الحلبي مفاد الرواية الواردة في الشيخ الكبير الذي لم يطق الحجّ ومضمونهما واحد ، فموضوع وجوب الاستنابة عدم التمكن من المباشرة واقعاً وأما اليأس من زوال العذر فهو طريق عقلائي إلى عدم التمكن من إتيانه واقعاً ، كما أنه تجوز له الاستنابة في فرض رجاء الزوال لاستصحاب بقاء العذر ، ولكن ذلك حكم
1) في ص 50 / 108.
.................................................................................................
ظاهري كالحكم الثابت في الأعذار المسوغة للتيمم والصلاة عن جلوس ونحو ذلك لجريان استصحاب العجز وبقاء العذر.
وبالجملة : موضوع وجوب الاستنابة هو عدم الطاقة وعدم القدرة واقعاً ، ولكن اليأس عن زوال العذر أو استصحاب بقاء العذر أو الاطمئنان ببقاء ذلك كل ذلك طرق إلى الواقع.
وأما صحيح ابن مسلم : «لو أن رجلاً أراد الحجّ فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلاً من ماله ثمّ ليبعثه مكانه» (1)فهو وإن كان مطلقاً من حيث اليأس وعدمه لإطلاق قوله : «فلم يستطع الخروج» ولكنه أجنبي عن المقام ، لأنّ مورده الحجّ التطوعي الإرادي ولا يشمل ما لو وجب عليه الحجّ ولكن لا يتمكن من إتيانه مباشرة كما هو محل الكلام.
وبالجملة : العبرة في وجوب الاستنابة إنما هي بعدم التمكن من إتيان الحجّ وعدم الطاقة على إتيانه في واقع الأمر ، ولذا لو استطاع في هذه السنة ومنعه مانع عن الإتيان بالحجّ واستناب ثمّ تمكن من الإتيان به في السنة الآتية لا نحتمل سقوط الحجّ عنه بمجرّد النيابة في السنة الماضية ، ويترتب على ذلك الأمر الآتي وهو :
الأمر الثالث : إذا استناب مع قيام الطريق على عدم التمكّن من إتيانه ، كما إذا حصل له اليأس من زوال العذر واطمأن ببقائه أو استصحب بقاءه ، وبعد ذلك اتفق ارتفاع العذر وتمكن من مباشرة الحجّ ، فهل يجزئ الحجّ النيابي عن حجّه أم لا؟ فيه خلاف.
ذهب المشهور إلى عدم الإجزاء ، وقوى بعضهم الإجزاء كالمصنف (قدس سره) بدعوى أن تكليف هذا الشخص تبدل إلى النيابي ، والحجّ الصادر من النائب هو الحجّ الذي كان على المنوب عنه ، فإذا أتى به النائب فقد حصل ما كان على المنوب عنه ، ولا دليل على وجوب إتيانه ثانياً ، بل لو قيل باستحباب النيابة حينئذ فالظاهر إجزاء
1) الوسائل 11 : 64 / أبواب وجوب الحجّ ب 24 ح 5.
.................................................................................................
فعل النائب عن المنوب عنه ، لأن ما يأتي به النائب هو بعينه ما وجب على المنوب عنه ، وقد أتى النائب بما وجب على المنوب عنه ، فلا مجال حينئذ لدعوى أن المستحب لا يجزئ عن الواجب ، إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجباً على المنوب عنه والمفروض في المقام أنه هو ، بل يمكن أن يقال : إنه إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بعد الإحرام يجب عليه الإتمام ويكفي عن المنوب عنه ، بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء الطريق قبل الدخول في الإحرام.
أقول : قد عرفت أن موضوع الحكم بوجوب الاستنابة هو عدم القدرة واقعاً ، وأما اليأس أو عدم رجاء الزوال فليس مأخوذاً فيه ، وإنما تجب الاستنابة اعتماداً على الأصل وهو استصحاب بقاء العذر أو اعتماداً على حجّة أُخرى كالاطمئنان ببقاء العذر واليأس من زواله ، والتكليف الواقعي لم ينقلب وهو باق على حاله ولم يقيد بسنة خاصة ، وموضوع إجزاء فعل النائب هو عدم قدرة المنوب عنه على المباشرة والمفروض تمكنه من المباشرة ، ومعه لا مجال للإجزاء لعدم إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ، وقوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ظاهر في لزوم المباشرة على المستطيع ، وهذا الشخص داخل في عنوان المستطيع واقعاً ولو في السنة الآتية ودليل وجوب الاستنابة لا يشمل مثل هذا الشخص واقعاً.
فتلخص من جميع ما تقدّم : أن موضوع وجوب الاستنابة هو واقع العذر ، ولا بدّ من إحرازه بالطرق العقلائية كالاطمئنان أو اليأس من زوال العذر فإنه أيضاً طريق عقلائي ، ولو انكشف الخلاف بقي الواقع على حاله فهو ممن يطيق الحجّ ويتمكن من إتيانه ، غاية الأمر أنه لا يعلم بذلك ، وكذا الحال في مورد رجاء الزوال لاستصحاب بقاء العذر بناء على جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي ، فيستصحب بقاء العجز وعدم تجدد القدرة ، إلّا أن الحكم حينئذ حكم ظاهري ومقتضى القاعدة عدم الإجزاء عن الواقع ، وتجب المباشرة على المنوب عنه بعد انكشاف الخلاف.
وإن شئت قلت : إن عدم الطاقة لم يؤخذ في موضوع وجوب الاستنابة ، فإنّ عدم الطاقة المذكور في روايات الشيخ الكبير إنما هو من باب بيان المورد ، وإنما المأخوذ في
.................................................................................................
موضوع وجوب الاستنابة هو الحيلولة بينه وبين الحجّ بالعذر كما هو المستفاد من صحيح الحلبي ، والمراد بالحج الذي حال دونه المرض هو طبيعي الحجّ ، ولذا لو علم بارتفاع العذر إلى السنة الآتية لا تجب الاستنابة بلا خلاف ، ولا يمكن إثبات عنوان الحيلولة باستصحاب بقاء العذر إلّا على الأصل المثبت ، لأن عنوان الحيلولة أمر وجودي لا يمكن إثباته باستصحاب بقاء العذر ولا أصل في المقام يحرز به الحيلولة فمع رجاء الزوال لا تجب الاستنابة لعدم إحراز عنوان الحيلولة.
نعم ، لا بأس بالاستنابة رجاء وإذا انكشف بقاء العذر وعدم زواله يجزئ وإلّا فلا ، فوجوب الاستنابة يختص بصورة اليأس من زوال العذر أو الاطمئنان الشخصي ببقائه أو غير ذلك من الطرق القائمة على بقائه كإخبار الطبيب ونحوه.
الأمر الرابع : لا ريب في إجزاء حجّ النائب إذا استمر العذر إلى أن مات المنوب عنه ، ولا يجب القضاء عنه بعد موته ، وأما إذا اتفق ارتفاع العذر بعد الأعمال فقد ذكر أنه لا تجب المباشرة على المنوب عنه ، بل وكذا لو ارتفع العذر في أثناء العمل بعد إحرام النائب فإنه يجب عليه الإتمام ويكفي عن المنوب عنه ، بل احتمل الاكتفاء إذا ارتفع العذر أثناء الطريق قبل الدخول في الإحرام.
وفيه : ما لا يخفى ، فإنه لو قلنا بعدم الإجزاء بعد ارتفاع العذر وبعد تمام الأعمال فالأمر واضح في المقام جدّاً ، وإن قلنا بالإجزاء فلا نقول به في هاتين الصورتين وهما ارتفاع العذر في الأثناء وارتفاعه قبل الدخول في الإحرام ، وذلك لانفساخ الإجارة لأنّ ارتفاع العذر كاشف عن عدم مشروعية النيابة والإجارة ، لما عرفت أن موضوع وجوب النيابة والإجارة هو عدم الطاقة وعدم التمكن أو الحيلولة بينه وبين الحجّ والمفروض حصول التمكن وعدم ثبوت الحيلولة وإنما احتمل بقاء العذر وتخيل الحيلولة ، وما لم يحرز موضوع النيابة لا تصح الإجارة وتنفسخ قهراً سواء أمكن إخبار النائب أم لا.
وبعبارة اخرى : الإجارة محكومة بالفساد ، لأنها وقعت على عمل غير مشروع
.................................................................................................
لتعلقها بعمل الحي الذي يطيق الحجّ ولا يجوز الاستئجار عليه ، فتجب على المستأجر المباشرة والإتيان بالحج بنفسه ويجب على الأجير إتمام الحجّ عن نفسه.
الأمر الخامس : هل يختص وجوب الاستنابة بالعذر الطارئ أو يعم العذر الخلقي الأصلي؟ فيه خلاف ، ربما يقال باختصاصه بالعذر الطارئ وسقوط الفرض عن المعذور خلقة بالمرة ، ولا نعرف وجهاً لهذا التفصيل أصلاً لإطلاق صحيح الحلبي المتقدم ، فإن عنوان الحيلولة صادق على المعذور خلقة وأصالة وكذلك قوله : «أمر يعذره اللّه فيه» ، وكذا لا فرق بين ما لو عرض العذر قبل الاستطاعة ثمّ استطاع وما إذا حصل بعد الاستطاعة لإطلاق صحيح الحلبي.
الأمر السادس : إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة لعدم وجود النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلّا بأخذ مال كثير يبلغ الحرج والإجحاف أو يبلغ حد الضرر الزائد على المتعارف لا تجب الاستنابة ، لعدم القدرة أو لنفي الحرج أو لنفي الضرر ، بناء على ما ذكرنا من جريانه حتى في الأحكام الضررية إذا كان الضرر اللازم أزيد من المتعارف الذي يقتضيه طبع الحجّ.
ولو مات والحال هذه فوجد النائب أو رضي بأخذ الأُجرة المتعارفة فهل يجب القضاء عنه أم لا؟ لا ريب في وجوب القضاء عنه إذا كان الحجّ مستقرّاً عليه ، إذ لا دليل على سقوطه بعد الاستقرار وإهماله وتسويفه في الإتيان ، ومجرّد عدم التمكّن من إتيانه في زمان حياته لا يوجب سقوط القضاء عنه.
إنما الكلام فيما إذا لم يستقر عليه الحجّ فمات في عام الاستطاعة وعدم التمكن من الاستنابة ، والظاهر عدم وجوب القضاء عنه ، لعدم تنجز التكليف عليه مباشرة للعذر من المرض والحصر ، وعدم وجوب الاستنابة عليه في زمان حياته ، لعدم وجود النائب أو لأمر آخر من الضرر أو الحرج ، فالحج لا يجب عليه لا مباشرة ولا نيابة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه.
ثمّ إنك قد عرفت أن موضوع وجوب الاستنابة هو الحيلولة بينه وبين الحجّ
.................................................................................................
بالعذر ، ولا عبرة باليأس أو رجاء الزوال إلّا من باب الطريقية ، ويترتّب على هذا أنه لو استناب مع رجاء الزوال وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر هو الاجتزاء لأنّ الموضوع وهو الحيلولة الواقعية متحقق ، غاية الأمر أنه لا يعلم به ولا يدري بتحقّقه واقعاً.
فما ذكره السيّد في المدارك من عدم الإجزاء لعدم وجود اليأس حين الاستنابة والمفروض عدم الوجوب مع عدم اليأس (1)ضعيف ، لأن اليأس وإن لم يكن موجوداً حين الاستنابة ولكن لا عبرة به ، لأنه لم يكن قيداً في الوجوب ولم يكن مأخوذاً في الموضوع ، وإنما هو طريق إلى وجود العذر وتحقق الحيلولة ، والمفروض أنها حاصلة واقعاً ، فموضوع وجوب الاستنابة متحقق.
الأمر السابع : لو تبرع عنه متبرع فهل يجزي أم لا؟ ذهب في المتن إلى الأوّل ، والظاهر هو الثاني ، وذلك لأن المستفاد من النصوص لزوم الإحجاج والإرسال إلى الحجّ والتجهيز إليه ، ونشك في سقوط ذلك بفعل الغير تبرعاً ومقتضى الأصل عدمه بل مقتضى الإطلاق المستفاد من الروايات وجوب الاستنابة وأن يكون حجّ الغير مستنداً إليه بالتسبيب ، فإن الواجب عليه إتيان الحجّ مباشرة أو تسبيباً وشيء منهما لا يصدق على الحجّ التبرعي ، فإن الظاهر من قوله (عليه السلام) : «ليجهز رجلاً» كما في روايات الشيخ الكبير ، أن يكون الحجّ الصادر من الغير بأمره وتسبيبه ولا دليل على سقوطه بفعل الغير تبرّعاً. وقد ذكرنا نظير ذلك في باب الخمس من عدم سقوطه بتبرّع الغير.
الأمر الثامن : هل تكفي الاستنابة من الميقات أو تلزم من البلد؟ وجهان أظهرهما الكفاية ، لأن المذكور في صحيح معاوية بن عمار والحلبي وابن سنان : «أن يجهز رجلاً ليحج عنه وأن يُحج عنه من ماله» ولم يؤخذ الابتداء من مكان خاص أو من بلده فلو أعد مالاً وجهز رجلاً ليحج عنه من أي مكان كان ، صدق أنه جهز رجلاً للحج
1) المدارك 7 : 57.
.................................................................................................
عنه. وبالجملة : المستفاد من النصوص الإحجاج وإرسال شخص للحج عنه ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بالنسبة إلى الأماكن.
نعم ، في صحيح ابن مسلم ورد قوله : «ليبعثه مكانه». وربما يقال : ظاهر البعث هو الإرسال من مكانه ، ولكن قد عرفت أن هذه الصحيحة أجنبية عن المقام لاختصاصها بالحج الإرادي التطوعي ، مع أن البعث لا يختص ببلد خاص ويصدق البعث بالإرسال من أي بلد شاء ، فلو كان من أهالي النجف الأشرف مثلاً وأرسل شخصاً من البصرة أو المدينة المنورة للحج عنه يصدق أنه بعث رجلاً للحج عنه مكانه.
الأمر التاسع : هل يختص وجوب الاستنابة بحج الإسلام أو يعم الحجّ النذري والإفسادي؟
أمّا الحجّ الافسادي فإن قلنا بأن الحجّ الأوّل الفاسد ليس بحج الإسلام وإن وجب إتمامه تعبّداً ، وحجّ الإسلام إنما هو ما يحجه في القابل فحينئذ لا ريب في وجوب الاستنابة ، لأنه هو حجّ الإسلام بعينه وقد استقر عليه في ذمته فيجري فيه الحكم بوجوب الاستنابة ، وإن كان حجّ الإسلام هو الأوّل والحجّ الثاني من باب العقوبة والكفّارة فحينئذ لا بأس بهذا البحث ، وقد استشكل المصنف (قدس سره) في المقام ولكن في المسألة الحادية عشر من الفصل الآتي جزم بالتعميم.
وكيف كان ، فالظاهر عدم وجوب الاستنابة فإن الروايات لا يستفاد منها ذلك أمّا روايات الشيخ الكبير فموردها حجّ الإسلام كما هو واضح جدّاً ، فإن موردها الشيخ الذي لم يحج قط فلا يتصور في حقه الحجّ الافسادي والعقوبتي ، وأما صحيح الحلبي فظاهره أيضاً حجّ الإسلام لقوله : «وإن كان موسراً» فإن اليسار يناسب حجّ الإسلام الأصلي المعتبر فيه اليسار ، فتعميم الحكم للحج العقوبتي يحتاج إلى دليل وهو مفقود. نعم ، صحيح ابن مسلم مطلق من حيث أقسام الحجّ من الأصلي والعقوبتي لقوله : «لو أن رجلاً أراد الحجّ» ولكن قد عرفت أنه أجنبي عن المقام ، لأن مورده
[3070] مسألة 73 : إذا مات من استقرّ عليه الحجّ في الطريق ، فإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام فلا يجب القضاء عنه ، وإن مات قبل ذلك وجب القضاء عنه وإن كان موته بعد الإحرام على المشهور الأقوى (1)
الحجّ التطوّعي الإرادي ولا يشمل الحجّ الواجب بأصل الشريعة.
وأمّا الحجّ النذري فإن كان مقيداً بسنة معيّنة أو كان غير معيّن وعجز عن المباشرة فمقتضى القاعدة بطلان النذر ، لعدم القدرة على الامتثال فلا مورد للاستنابة وأمّا نذر الصوم إذا صادف يوم العيد أو السفر فإنما وجب قضاؤه للنص (1)وإلّا فمقتضى القاعدة هو البطلان ، ولم يرد أي نص في المقام.
وإذا استقر عليه الحجّ النذري وتنجز ولكنه تركه اختياراً أو عصياناً ثمّ عجز عن المباشرة فالظاهر عدم وجوب الاستنابة ، لأن الروايات الدالة على وجوب الاستنابة موردها الحجّ الأصلي وهي أجنبية عن الحجّ النذري فحاله حال الحجّ العقوبتي ، وهو معذور عند اللّه ولا يتمكّن من الإتيان بنفسه ولا دليل على وجوب الاستنابة فيه.
(1) يقع الكلام تارة في مَن استقرّ عليه الحجّ وأُخرى في من لم يستقرّ عليه الحجّ.
أمّا الأوّل ، فإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم فلا ريب في الإجزاء عن حجّة الإسلام ولا يجب القضاء عنه بلا خلاف بيننا ويدلُّ عليه النصوص ، منها : صحيح ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «في رجل خرج حاجّاً حجّة الإسلام فمات في الطريق ، فقال : إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجّة الإسلام» (2)وظاهر الأخبار وإن كان عدم الفرق بين الاستقرار وعدمه ولكن كلامنا فعلاً في من استقر عليه الحجّ وسيأتي حكم من لم يستقر عليه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
.................................................................................................
نعم ، ظاهر صحيح زرارة عدم الإجزاء قبل أن ينتهي إلى مكّة والإجزاء إذا انتهى إليها ، قال «قلت : فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة؟ قال : يحجّ عنه إن كان حجّة الإسلام» (1)إلّا أنه لا بدّ من رفع اليد عن ظهوره لصراحة تلك الروايات في الإجزاء بدخول الحرم ، فإنها أقوى دلالة من صحيح زرارة ، لأنّ دلالتها بالمنطوق ودلالته بالمفهوم ، ويحتمل إرادة الحرم من كلمة مكّة المذكورة في صحيحة زرارة وشمولها للحرم باعتبار توابعها ونواحيها ، مع العلم بأن الفصل بين الحرم ومكّة قليل جدّاً ، فلا يبعد دعوى شمول مكة لذلك كما هو الحال في إطلاق سائر أسامي البلاد والأمكنة.
وأمّا إذا مات قبل دخول الحرم وبعد الإحرام فالمشهور عدم الإجزاء ويجب القضاء عنه لاشتغال ذمّته بالحج ، ولا دليل على الإجزاء بمجرّد الإحرام ، والدليل إنما دلّ على الإجزاء بعد الإحرام ودخول الحرم ، خلافاً لما عن الشيخ (2)وابن إدريس (3)فقالا بالإجزاء ، وليس لهما دليل إلّا إشعار بعض الأخبار كصحيح بريد العجلي : «قال : وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام» (4)، فإن قوله : «قبل أن يحرم» يراد به قبل الإحرام ومفهوم ذلك الإجزاء إذا مات بعد الإحرام ، فالميزان بالإحرام وعدمه لا بدخول الحرم وغيره.
وما احتمله المصنف (قدس سره) من أن قوله : «قبل أن يحرم» يراد به قبل أن يدخل الحرم كما يقال : أنجد إذا دخل نجد ، وأيمن إذا دخل اليمن ، بعيد جدّاً.
ولكن يرد على الاستدلال بصحيح بريد وجوه :
الأوّل : أن إطلاق مفهوم ذيله المستشهد به على الإجزاء يعارض إطلاق مفهوم
.................................................................................................
صدره الدال على عدم الإجزاء لقوله (عليه السلام) في الصدر : «إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام» فيعلم أن الملاك في الإجزاء وعدمه دخول الحرم وعدمه ، ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى أدلة أُخرى دالة على وجوب القضاء على المستقر ، ولا معارض لتلك الأدلة إلّا هذه الصحيحة الساقطة بالمعارضة بين صدرها وذيلها.
الثاني : أن صحيح زرارة بصراحة منطوقه يدل على عدم الإجزاء إن مات قبل مكّة المراد به قبل الحرم كما عرفت وإن كان محرماً ، فيعلم أن الميزان هو دخول الحرم فنرفع اليد عن مفهوم صحيح بريد.
الثالث : أن صحيح بريد لا يدل بمفهومه على الإجزاء ، وإنما يدل على أنه لو مات قبل الإحرام جُعل جمله وزاده ونفقته في حجّة الإسلام ، وأمّا إذا مات بعد الإحرام فهذا الحكم وهو جعل جمله وزاده ونفقته في حجّة الإسلام مرتفع.
وبعبارة اخرى : يدل الصحيح على أنه لو مات في الطريق قبل الإحرام تصرف أمواله التي معه في حجّة الإسلام ، وأما لو مات بعد الإحرام فلا دلالة له على الإجزاء وإن لم يكن له مال ولا جمل ولا نفقة ، وإنما غايته أن الحكم بصرف الأموال في حجّة الإسلام مرفوع ، وأمّا الإجزاء بعد الإحرام أو عدمه فهو ساكت عنه فلم ينعقد له إطلاق من هذه الناحية ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة والأدلّة الأوّلية وهو إخراج حجّه من صلب ماله ومن أمواله الأُخر غير ما أخذ معه في الطريق.
ثمّ إنّ الظاهر من الروايات اختصاص الحكم بالإجزاء بمن كان محرماً ودخل الحرم ، وأمّا من ترك الإحرام نسياناً أو عصياناً ودخل الحرم فلا تشمله النصوص وإنما تدل على الإجزاء إذا اجتمع الأمران وهما دخول الحرم والإحرام.
ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى الانصراف وأن المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الإحرام ، جملة من الروايات كقوله في صحيح ضريس المتقدم : «خرج حاجّاً حجّة الإسلام» ، فإن المراد بقوله : «حاجّاً» هو الدخول محرماً ، وإلّا لم يكن
خلافاً لما عن الشيخ وابن إدريس فقالا بالإجزاء حينئذ أيضاً ، ولا دليل لهما على ذلك إلّا إشعار بعض الأخبار كصحيحة بريد العجلي حيث قال فيها بعد الحكم بالإجزاء إذا مات في الحرم «وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته في حجّة الإسلام» فإن مفهومه الإجزاء إذا كان بعد أن يحرم لكنّه معارض بمفهوم صدرها وبصحيح ضريس وصحيح زرارة ومرسل المقنعة مع أنه يمكن أن يكون المراد من قوله : «قبل أن يحرم» قبل أن يدخل في الحرم كما يقال : «أنجد» أي دخل في نجد و«أيمن» أي دخل اليمن ، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية الدخول في الإحرام ، كما لا يكفي الدخول في الحرم بدون الإحرام ، كما إذا نسيه في الميقات ودخل الحرم ثمّ مات ، لأنّ المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الإحرام ، ولا يعتبر دخول مكّة ، وإن كان الظاهر من بعض الأخبار ذلك لإطلاق البقية في كفاية دخول الحرم ، والظاهر عدم الفرق بين كون الموت حال الإحرام أو بعد الإحلال ، كما إذا مات بين الإحرامين.
وقد يقال بعدم الفرق أيضاً بين كون الموت في الحل أو الحرم بعد كونه بعد الإحرام ودخول الحرم ، وهو مشكل لظهور الأخبار في الموت في الحرم (1).
بحاج وأوضح منه مفهوم صحيح زرارة المتقدم قال «قلت : فان مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة» فيعلم أن العبرة في الإجزاء بالإحرام ودخول الحرم.
(1) ما ذكره وإن كان أحوط ولكن لا يبعد الإجزاء إذا مات في الخارج ، إذ لا خصوصية للموت في الحرم ، والموت في الحرم إنما جعل مقابلاً للموت خارج الحرم في النص باعتبار أنه إن مات بعد الدخول في الحرم يجزئ وإن مات قبل الدخول في الحرم لا يجزئ ، فموضوع القضاء وعدم الإجزاء هو الموت قبل الدخول في الحرم ولا يشمل الموت خارج الحرم بعد الدخول فيه والخروج منه.
وأوضح من ذلك دلالة صحيح زرارة ، حيث لم يؤخذ في الإجزاء الموت في مكّة
والظاهر عدم الفرق بين حجّ التمتع والقران والإفراد (1) ، كما أن الظاهر أنه لو مات في أثناء عمرة التمتع أجزأه عن حجّه أيضاً ، بل لا يبعد الإجزاء إذا مات في أثناء حجّ القرآن أو الإفراد عن عمرتهما وبالعكس ، لكنّه مشكل (1)لأنّ الحجّ والعمرة فيهما عملان مستقلان بخلاف حجّ التمتع فإن العمرة فيه داخلة في الحجّ فهما عمل واحد. ثمّ الظاهر اختصاص حكم الإجزاء بحجة الإسلام فلا يجري
لأنّ المذكور فيه الموت قبل الانتهاء إلى مكّة ، ويدلُّ بمفهومه على الإجزاء لو مات بعد الانتهاء إلى مكّة ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين ما لو مات في الحرم أو مات في خارجه بعد الدخول فيه.
فتلخص من جميع ما تقدّم : أنه لو مات من استقر عليه الحجّ قبل الإحرام يجب الحجّ عنه وكذا لو مات بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم ، كما لا ريب في الإجزاء إن مات بعدهما.
(1) لأن العبرة في الإجزاء بكون الحجة حجّة الإسلام من دون فرق بين أقسام الحجّ ، كما أنه لا مانع من الحكم بالإجزاء عن حجّة الإسلام إذا مات في أثناء عمرة التمتع ، لأنّ حجّة الإسلام عمل واحد مركب من العمرة والحجّ.
وأمّا العمرة المفردة لو مات في أثنائها فالظاهر عدم الإجزاء لأنه على خلاف القاعدة ، والمفروض أنه لم يأت بالمأمور به وإنما أحرم ودخل الحرم ولم يأت ببقية الأعمال ، وإجزاء ذلك عن بقية الأعمال يحتاج إلى دليل والنص خاص بالحج ولا يشمل العمرة المفردة.
وأمّا من كانت وظيفته حجّ القرآن والإفراد ومات في أثناء الحجّ فيجزئ عن حجّه لإطلاق النصوص ، وأما الإجزاء عن عمرتهما فمشكل ، لأنّ الحجّ والعمرة فيهما عملان مستقلّان وإجزاء أحدهما عن الآخر يحتاج إلى الدليل ، والدليل إنما قام
1) لا ينبغي الإشكال في عدم الإجزاء.
الحكم في حجّ النذر والإفساد إذا مات في الأثناء (1) ، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً وإن احتمله بعضهم ، وهل يجري الحكم المذكور في من مات مع عدم استقرار الحجّ عليه ، فيجزئه عن حجّة الإسلام إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم ويجب القضاء عنه (1)إذا مات قبل ذلك؟ وجهان ، بل قولان (2)
بالنسبة إلى العمل الواحد وهو حجّ التمتع فإن العمرة فيه داخلة في الحجّ وهما عمل واحد.
(1) لما عرفت من أن الإجزاء على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليل خاص ولا دليل على ذلك في المقام ، والدليل إنما هو في مورد حجّ الإسلام ، والحجّ النذري والإفسادي ليسا بحج الإسلام بناء على أن حجّ الإسلام في مورد الحجّ الافسادي هو الأوّل والثاني من باب العقوبة ، فيجب القضاء عنه ، فإن قلنا بأنه يخرج من صلب المال كالحج الأصلي فهو وإلّا فإن أوصى يخرج من الثلث.
(2) الظاهر عدم الفرق في الحكم المذكور بين من استقر عليه الحجّ وبين من لم يستقرّ عليه ، لإطلاق النصوص وعدم اختصاصها بمن استقر الحجّ عليه ، فمن لم يستقر الحجّ عليه إذا مات في عام الاستطاعة بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام ولا يجب القضاء عنه ، وأمّا إذا مات قبل ذلك فيقضى عنه لإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح ضريس : «في رجل خرج حاجّاً حجّة الإسلام فمات في الطريق ..... وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجّة الإسلام» ، ولا مانع من الالتزام بوجوب القضاء عنه إلّا ما قيل من أن الموت في عام الاستطاعة يكشف عن عدم الاستطاعة ، كما إذا عرض عارض آخر غير الموت في عام الاستطاعة أو مات في بلده فإن ذلك يكشف عن عدم الاستطاعة فلا موضوع لوجوب القضاء عنه ، وقوله (عليه السلام) : «فليقض عنه وليه» يحمل على الجامع بين الوجوب والاستحباب
1) (*) لا يبعد ذلك إذا كان الموت بعد الإحرام وقبل دخول الحرم.
من إطلاق الأخبار في التفصيل المذكور ، ومن أنه لا وجه لوجوب القضاء عمن لم يستقر عليه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية ، ولذا لا يجب إذا مات في البلد قبل الذهاب أو إذا فقد بعض الشرائط الأُخر مع كونه موسراً ، ومن هنا ربما يجعل الأمر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقر عليه ، وربما يحتمل اختصاصها بمن لم يستقر عليه وحمل الأمر بالقضاء على الندب ، وكلاهما مناف لإطلاقها ، مع أنه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقر عليه بلا دليل مع أنه مسلم بينهم ، والأظهر الحكم بالإطلاق إما بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطريق كما عليه جماعة وإن لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط أو الموت وهو في البلد ، وإما بحمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك واستفادة الوجوب فيمن استقر عليه من الخارج وهذا هو الأظهر ، فالأقوى جريان الحكم المذكور فيمن لم يستقر عليه أيضاً فيحكم بالإجزاء إذا مات بعد الأمرين واستحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك.
وإنما التزمنا بوجوب القضاء عمن استقر الحجّ عليه لدليل خارجي آخر كالإجماع ونحوه.
وفيه : أن انكشاف عدم الاستطاعة بالموت في أثناء الطريق عام الاستطاعة وإن كان أمراً صحيحاً في نفسه ، ولكن مع ذلك لا ينافي وجوب القضاء في خصوص من أحرم ومات ، واختصاص الحكم بوجوب القضاء بمن استقرّ الحجّ عليه بلا موجب بعد إطلاق النصوص ، خصوصاً إن أكثر من يخرج إلى الحجّ لا سيما في الأزمنة السابقة ممن استطاع في نفس السنة التي حجّ فيها ، فقوله (عليه السلام) : «إن مات دون الحرم فليقض عنه وليه» يشمل من لم يستقرّ الحجّ عليه ولا سيما بملاحظة كثرة ذلك في الزمان السابق.
وبالجملة : مقتضى إطلاق النص وجوب القضاء عمن لم يستقر الحجّ عليه إذا مات
[3071] مسألة 74 : الكافر يجب عليه الحجّ إذا استطاع لأنه مكلف بالفروع (1)لشمول الخطابات له أيضاً ، ولكن لا يصح منه ما دام كافراً كسائر العبادات وإن كان معتقداً لوجوبه وآتياً به على وجهه مع قصد القربة ، لأنّ الإسلام شرط في الصحّة (1)
بعد الإحرام وقبل الدخول في الحرم ، ولا إجماع على عدم الوجوب ، ولا مانع من الالتزام بذلك فإنه حكم تعبدي يؤخذ به حسب ما يقتضيه إطلاق الدليل ولا موجب للتقييد بمن استقر الحجّ عليه ، بل لا يبعد القول بوجوب القضاء لو مات قبل الإحرام ويخرج مصارفه من جمله وزاده ونفقته كما في صحيح بريد العجلي المتقدم ولا يخرج من صلب ماله ، قال (عليه السلام) : «وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام» (2). والحاصل : مقتضى التعبد بظاهر النص أن من مات قبل الإحرام يصرف ما معه من الجمل والزاد والنفقة في الحجّ عنه وإن كان ممن لم يستقر الحجّ عليه ، وإن لم يكن معه مال من الجمل والزاد والنفقة فلا يخرج من صلب المال.
فتحصل من مجموع ما ذكرنا : أن من لم يستقر الحجّ عليه إن خرج حاجّاً ومات بعد الإحرام والحرم فلا ريب في الإجزاء ولا يجب القضاء عنه ، وإن مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم يجب القضاء عنه ، وإن خرج حاجّاً ومات قبل الإحرام يصرف جمله وزاده ونفقته التي أخذها معه في حجّ الإسلام كما في صحيح بريد ولا يخرج من صلب ماله. نعم ، إذا مات في بلده لا يجب القضاء عنه ويكشف الموت عن عدم الاستطاعة.
(1) إن قلنا بأن الكافر غير مكلف بالفروع كما استظهرناه من بعض الروايات
.................................................................................................
المعتبرة (1)واخترناه فلا إشكال في المقام ، فإن أسلم وكانت استطاعته باقية أو استطاع من جديد يجب عليه الحجّ ، ولو قلنا بأنه مكلف بالفروع كما هو المشهور وأسلم واستطاع أو كانت استطاعته باقية أيضاً لا إشكال في وجوب الحجّ عليه لفعلية موضوعه ، وإن زالت استطاعته وأسلم لا يجب عليه الحجّ متسكِّعاً لأن الإسلام يجبّ ما قبله كما هو الحال في سائر عباداته من الصلاة والصيام ، إذ لا يجب على الكافر قضاء ما فاته من عباداته إذا أسلم ، وهذا أمر متسالم عليه وقد قامت السيرة القطعية على ذلك من زمن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وزمن الأئمة (عليهم السلام). وروايات الجب (2)وإن كانت ضعيفة السند ولم ترو من طرقنا ، ولكن لا حاجة إليها ، فإنّ الحكم بعدم وجوب القضاء على الكافر إذا أسلم متسالم عليه ولا ينبغي الريب فيه أصلاً.
وقد يشكل في الحكم بعدم الوجوب في خصوص الحجّ ، لأنّ الحجّ غير مؤقت بوقت ليتصور فيه القضاء ، والحكم بعدم وجوب القضاء إنما يصح في العبادات المؤقتة والحجّ غير مؤقت بوقت خاص فيجب عليه الحجّ حيث تمكن ، نظير ما لو أسلم الكافر في أثناء الوقت فإنه يجب عليه الصلاة حسب ما يتمكن ولا يجري فيه حديث الجب.
وفيه : أن الحجّ وإن لم يكن مقيداً بسنة خاصة ولم يكن مؤقتاً على نحو الواجبات المؤقتة ولا يجري فيه القضاء على نحو الواجبات الموقتة إلّا أن موضوعه الاستطاعة وإذا زالت الاستطاعة زال الوجوب لعدم فعلية الحكم بعدم فعلية موضوعه ، وإنما التزمنا بوجوب الحجّ متسكِّعاً وبعد زوال الاستطاعة على من استقر عليه الحجّ وأهمل حتى زالت الاستطاعة للنصوص الخاصة وهي أخبار التسويف (3)، وإلّا لو
ولو مات لا يقضى عنه لعدم كونه أهلاً للإكرام والإبراء (1) ، ولو أسلم مع بقاء استطاعته وجب عليه ، وكذا لو استطاع بعد إسلامه ، ولو زالت استطاعته ثمّ أسلم لم يجب عليه على الأقوى ، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله كقضاء الصلاة والصيام ، حيث إنه واجب عليه حال كفره كالأداء وإذا أسلم سقط عنه. ودعوى أنه لا يعقل الوجوب عليه إذ لا يصحّ منه إذا أتى به وهو كافر ويسقط عنه إذا أسلم ، مدفوعة بأنّه يمكن أن يكون الأمر به حال كفره أمراً تهكمياً ليعاقب لا حقيقياً ، لكنّه مشكل (2)
كنّا نحن ومقتضى القاعدة الأوّلية لقلنا بعدم وجوب الحجّ متسكِّعاً على من أهمل وزال استطاعته لزوال الحكم بزوال موضوعه ، فالوجوب الثابت بعد زوال الاستطاعة لم يكن بالوجوب الأوّل وإنما هو وجوب آخر ثبت بدليل آخر ، وحاله حال الصلاة والصيام في كون الوجوب الثاني بدليل آخر وبأمر جديد ، وهذه النصوص لا تشمل المقام لعدم شمول التسويف والإهمال له.
(1) لو مات كافراً لا يقضى عنه ولا يخرج من تركته لعدم وجوب الحجّ عليه مباشرة ، لعدم صحته منه لأن الإسلام شرط في الصحّة ، ولا نيابة لعدم الدليل على ذلك ، وسيأتي في بحث النيابة اشتراط كون المنوب عنه مسلماً ولا تصح النيابة عن الكافر إلّا في الناصب إذا كان أباً للنائب كما في النص (1).
(2) وقع الكلام في استحقاق الكافر العقاب بتركه قضاء ما فاته من الواجبات ولا أثر عملي لهذا البحث لأنه بحث كلامي لا فقهي ، ومع ذلك وقع الخلاف فيه بين الفقهاء ، ذهب المشهور إلى أنه يعاقب ، ولكن السيّد في المدارك أشكل في ذلك وذكر أنه لا يعقل الوجوب عليه ، لأنه ما دام كافراً لا يتمكن من أدائه لأن الإسلام شرط في الصحّة ، وإذا أسلم يسقط عنه التكليف بالقضاء ، فهذا التكليف غير قابل للامتثال
1) الوسائل 11 : 192 / أبواب النيابة في الحجّ ب 20 ح 1.
بعد عدم إمكان إتيانه به لا كافراً ولا مسلماً ، والأظهر أن يقال : إنه حال استطاعته مأمور بالإتيان به مستطيعاً وإن تركه فمتسكِّعاً ، وهو ممكن في حقه لإمكان إسلامه وإتيانه مع الاستطاعة ولا معها إن ترك فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال ومأمور على فرض تركه حالها بفعله بعدها ، وكذا يدفع الإشكال في قضاء الفوائت فيقال : إنه في الوقت مكلف بالأداء ومع تركه بالقضاء وهو مقدور له بأن يسلم فيأتي بها أداء ومع تركها قضاء ، فتوجّه الأمر بالقضاء إليه إنما هو في حال الأداء على نحو الأمر المعلق ، فحاصل الإشكال : أنه إذا لم يصح الإتيان به حال الكفر ولا يجب عليه إذا أسلم فكيف يكون مكلفاً بالقضاء ويعاقب على تركه؟ وحاصل الجواب : أنه يكون مكلفاً بالقضاء في وقت الأداء
ولا يمكن أن يكون داعياً وما لم يكن كذلك لا يصح العقاب على مخالفته. وبعبارة أُخرى : في حال الكفر لا يعقل الوجوب عليه لعدم التمكن من جهة فقدان الشرط وهو الإسلام وإذا حصل الشرط زال الوجوب (1).
وقد تصدّى جماعة لجوابه ، ولا يرجع جميعه إلى محصل ، وقد تعرضنا لذلك مفصّلاً في بحث قضاء الصلاة (2).
وأجاب المصنف في المقام عن الاشكال بجوابين :
أحدهما : أن الأمر به حال كفره تهكمي استهزائي صوري ليعاقب لا حقيقي ، وهذا منه عجيب فإن الأمر إذا كان صورياً لا حقيقياً كيف توجب مخالفته العقاب.
ثانيهما : أنه يمكن توجه التكليف إليه على نحو الواجب المعلق فيصح عقابه ، بيان ذلك : أنه مكلف بالأداء في الوقت وبالقضاء في خارج الوقت وكلاهما متوقّف على الإسلام وهو مقدور له فيتمكن من إتيانه أداء وقضاء ، بمعنى أنه لو كان مسلماً يجب
على نحو الوجوب المعلّق (1)، ومع تركه الإسلام في الوقت فوّت على نفسه الأداء والقضاء فيستحق العقاب عليه ، وبعبارة اخرى : كان يمكنه الإتيان بالقضاء بالإسلام في الوقت إذا ترك الأداء ، وحينئذ فإذا ترك الإسلام ومات كافراً يعاقب على مخالفة الأمر بالقضاء وإذا أسلم يغفر له وإن خالف أيضاً واستحقّ العقاب.
عليه الأداء في الوقت والقضاء في خارجه ، وإذا ترك الإسلام في الوقت فوّت على نفسه شرط صحّة الأداء والقضاء ، وحيث إنه ترك المقدمة اختياراً يصحّ عقابه. وبعبارة اخرى : هذا الشخص لو كان مسلماً وترك الإتيان بالواجب في الوقت وجب عليه القضاء ولو تركه أيضاً استحق العقاب ، فهو مكلف بالقضاء في وقت الأداء على نحو الوجوب المعلق ، ومع تركه الإسلام في الوقت فوّت على نفسه الأداء والقضاء اختياراً فيستحق العقاب عليه.
وفيه : أن الوجوب المعلق وإن كان ممكناً في نفسه لكن ثبوته يحتاج إلى دليل ولا دليل في المقام ، بل الدليل على عدمه ، لأنّ القضاء موضوعه الفوت وما لم يتحقّق الفوت لا يؤمر بالقضاء.
والصحيح في الجواب عن أصل الاشكال أن يقال : إنه بناء على تكليف الكفّار بالفروع أن الكافر وإن كان لا يمكن تكليفه بالقضاء إلّا أنه يعاقب بتفويته الملاك الملزم على نفسه اختياراً ، وتفصيل الكلام في محلّه (2).
1) (*) الوجوب المعلق وإن كان ممكناً في نفسه لكن ثبوته يحتاج إلى دليل ولا دليل في المقام ، بل الدليل قائم على عدمه ، فإن الأمر بالقضاء إنما هو بعد الفوت ، والصحيح في الجواب بناء على تكليف الكفار بالفروع أن الكافر وإن كان لا يمكن تكليفه بالقضاء إلّا أنه يعاقب بتفويته الملاك الملزم باختياره.
2) فصل في قضاء الصلاة بعد المسألة [1777].
[3072] مسألة 75 : لو أحرم الكافر ثمّ أسلم في الأثناء لم يكفه ووجب عليه الإعادة من الميقات ، ولو لم يتمكن من العود إلى الميقات أحرم من موضعه (1)ولا يكفيه إدراك أحد الوقوفين مسلماً ، لأنّ إحرامه باطل (1).
[3073] مسألة 76 : المرتد يجب عليه الحجّ سواء كانت استطاعته حال إسلامه السابق أو حال ارتداده ولا يصحّ منه ، فإن مات قبل أن يتوب يعاقب على تركه ولا يقضى عنه على الأقوى ، لعدم أهليته للإكرام وتفريغ ذمّته كالكافر الأصلي (2) ، وإن تاب وجب عليه وصح منه وإن كان فطرياً على الأقوى من قبول توبته ، سواء بقيت استطاعته أو زالت قبل توبته ، فلا تجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لأنها مختصة بالكافر الأصلي بحكم التبادر. ولو أحرم في حال ردته ثمّ تاب وجب عليه الإعادة كالكافر الأصلي ، ولو حجّ في حال إسلامه ثمّ ارتدّ لم يجب
(1) لأنّ الإسلام شرط لصحّة جميع أجزاء الحجّ ، فلو أحرم كافراً لم ينعقد إحرامه صحيحاً لفقد شرطه فيجب عليه الرجوع إلى الميقات والإحرام من جديد ، وإن لم يتمكّن من العود إلى الميقات أحرم من مكانه وموضعه على تفصيل سيأتي في محلِّه إن شاء اللّه ، ولو أدرك أحد الموقفين مسلماً لا يجزئ لبطلان إحرامه وأعماله السابقة ولا دليل على الاجتزاء بذلك ، والنص إنما ورد في خصوص العبد إذا أدرك أحد الموقفين حراً.
(2) ما ذكرناه في الكافر من تكليفه بالفروع وعدمه وصحّة عقابه وعدمها إنما يختص بالكافر الأصلي ، وأما المرتد بكلا قسميه الفطري والملي ، فهو محكوم بالحج جزماً ويعاقب على تركه ، سواء كانت استطاعته حال إسلامه السابق أو حال ارتداده أمّا إذا استطاع حال إسلامه فلا كلام ، وأما إذا استطاع حال ارتداده يجب الحجّ عليه
1) (*) على تفصيل يأتي.
عليه الإعادة على الأقوى ، ففي خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «من كان مؤمناً فحج ثمّ أصابته فتنة ثمّ تاب يحسب له كل عمل صالح عمله ولا يبطل منه
أيضاً بناء على المشهور من تكليف الكفّار بالفروع ، وأمّا بناء على ما استظهرناه من عدم تكليف الكفّار بالفروع فيختص ذلك بالكافر الأصلي ، وأمّا المرتد الذي له سابقة الإسلام فمقتضى الأدلّة الأولية تكليفه بالفروع ولا دليل على عدم تكليفه بها كما ورد في الكافر الأصلي.
نعم ، لا يصح منه الحجّ ونحوه من العبادات لتوقف صحّتها على الإسلام ، فإن مات قبل أن يتوب يعاقب على تركه ولكن لا يقضى عنه لعدم الدليل على وجوب القضاء عنه واختصاصه بغيره ، وسيأتي أن المنوب عنه يعتبر أن يكون مسلماً ، وإن تاب وجب عليه الحجّ وصح منه وإن كان الارتداد فطرياً ، سواء بقيت الاستطاعة أو زالت قبل توبته ، وحديث الجبّ لا يجري فيه ، لأنه مختص بالكافر الأصلي بحكم التبادر كما في المتن ، أوان الجبّ لأجل السيرة القطعية من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وزمن الأئمة (عليهم السلام) وهي غير جارية في المرتد ، فالقضاء واجب عليه ولا يسقط عنه شيء مما تقدم وإن كان مرتداً فطرياً بناء على إجراء حكم الإسلام عليه وقبول توبته في غير الأحكام الثلاثة من تقسيم أمواله ومفارقة زوجته وقتله ، وأما سائر الأحكام فتجري في حقه وتصح منه.
وبالجملة : المرتد الفطري إذا تاب حاله حال سائر المسلمين ، لإطلاق الأدلّة وللقطع الخارجي بأنه ليس كالبهائم ، ومجرّد التلبس بالكفر لا يوجب خروجه عن دائرة التكليف بالمرّة. نعم ، تترتب عليه الأحكام الثلاثة للنص (1)، ولو أحرم حال ردته وكفره ثمّ تاب وجب عليه الإعادة كالكافر الأصلي لفقدان شرط الصحة وهو الإسلام ، ولو حجّ وأحرم في حال إسلامه ثمّ ارتد ثمّ أسلم لم يجب عليه الإعادة
1) الوسائل 28 : 324 / أبواب حد المرتد ب 1 ح 3.
شيء» (1) ، وآية الحبط مختصة بمن مات على كفره بقرينة الآية الأُخرى وهي قوله تعالى ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) وهذه الآية دليل على قبول توبة المرتد الفطري ، فما ذكره بعضهم من عدم قبولها منه لا وجه له.
والكفر المتوسط لا يوجب بطلان الأعمال السابقة على الكفر ، ويكفينا إطلاق الأدلّة مضافاً إلى بعض النصوص الخاصة (1)، وآية الحبط مختصة بمن مات على كفره لقوله تعالى ( فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ) (2).
(1) التعبير عنه بالخبر مشعر بالضعف في السند ، ولعلّه لأجل طريق الشيخ وإسناده إلى الحسين بن علي وهو الحسين بن علي بن سفيان البزوفري ، فإن طريق الشيخ إليه غير مذكور في الفهرست ولا في المشيخة ، فيكون الطريق إليه مجهولاً فضعف الرواية من هذه الجهة وإلّا فجميع رجال السند ثقات ، والحسين بن علي البزوفري ثقة جليل القدر من أصحابنا كما وصفه النجاشي (3)هذا ولكن الرواية صحيحة وطريق الشيخ إلى البزوفري وإن لم يذكر في الفهرست بل لم يتعرض لاسمه أصلاً ولا في المشيخة ، وإن ذكر الشيخ في رجاله أنه ذكره في الفهرست ولكن غير موجود في الفهرست إما غفلة من الشيخ أو الناسخ لكتاب الفهرست غفل عن ذكره. وكيف كان ، ذكر الشيخ طريقه إليه في رجاله وذكره في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) وقال : الحسين بن علي بن سفيان البزوفري خاصي يكنى أبا عبد اللّه له كتب روى عنه التلعكبري وأخبرنا عنه جماعة منهم محمّد بن محمّد النعمان المفيد (4)والطريق إلى كتبه صحيح فالرواية صحيحة.
[3074] مسألة 77 : لو أحرم مسلماً ثمّ ارتد ثمّ تاب لم يبطل إحرامه على الأصح ، كما هو كذلك لو ارتد في أثناء الغسل ثمّ تاب ، وكذا لو ارتد في أثناء الأذان أو الإقامة أو الوضوء ثمّ تاب قبل فوات الموالاة ، بل وكذا لو ارتد في أثناء الصلاة ثمّ تاب قبل أن يأتي بشيء أو يفوت الموالاة على الأقوى من عدم كون الهيئة الاتصالية جزءاً فيها. نعم ، لو ارتد في أثناء الصوم بطل وإن تاب بلا فصل (1).
[3075] مسألة 78 : إذا حجّ المخالف ثمّ استبصر لا يجب عليه الإعادة بشرط أن يكون صحيحاً في مذهبه وإن لم يكن صحيحاً في مذهبنا (2) من غير فرق بين الفِرَق لإطلاق الأخبار ، وما دل على الإعادة من الأخبار محمول على الاستحباب بقرينة بعضها الآخر من حيث التعبير بقوله (عليه السلام) : «يقضي أحب إليّ» وقوله (عليه السلام) : «والحجّ أحب إليّ».
(1) ظهر حكم هذه المسألة ممّا ذكرنا في المسألة السابقة غير بطلان الصوم بالارتداد وقد تعرّضنا له في كتاب الصوم (1).
(2) كما هو المشهور والمعروف ، وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة ذكرها صاحب الوسائل في باب الزكاة (2)ومدلولها عدم إعادة ما صدر منه من العبادات كالصلاة والصيام والحجّ إلّا الزكاة لأنه وضعها في غير مواضعها ، وبإزائها نصوص أُخر تدل على عدم الفرق بين الزكاة وغيرها من العبادات في لزوم الإعادة إذا استبصر وعرف الولاية ، وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الروايات في كتاب الحجّ وعمدتها روايتان :
الأُولى : رواية أبي بصير : قال : «وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحجّ وإن كان قد حجّ» (3).
.................................................................................................
الثانية : رواية علي بن مهزيار قال : «كتب إبراهيم بن محمّد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفر (عليه السلام) : أني حججت وأنا مخالف وكنت صرورة فدخلت متمتعاً بالعمرة إلى الحجّ ، قال : فكتب إليه : أعد حجك» (1).
ولكنهما لا تقاومان النصوص المتقدمة لضعفهما سنداً بسهل بن زياد. مضافاً إلى إمكان حملهما على الاستحباب ، لأن التصريح بالإجزاء وعدم وجوب الإعادة في عباداته في تلك النصوص يوجب رفع اليد عن ظهور الروايتين في الوجوب. ويشهد لذلك بعض الأخبار المصرحة بالاستحباب كصحيح بريد العجلي الوارد في المخالف والناصب ، قال في حق المخالف : «قد قضى فريضته ، ولو حجّ لكان أحبّ إليّ» ، وقال في حق الناصب : «يقضي أحبّ إليّ» (2)، وفي صحيح عمر بن أُذينة : «قال : قد قضى فريضة اللّه ، والحجّ أحبّ إليّ» (3). ونحوه ما في صحيحة أُخرى لعمر بن أُذينة : «قال : يحج أحبّ إليّ» (4).
وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في الحكم بالإجزاء وعدم وجوب الإتيان عليه مرة ثانية ، إنما الكلام في موضوع هذا الحكم فهل هو العمل الصادر منه الصحيح عنده أو الصحيح عندنا ، أو مطلقاً وإن كان فاسداً عنده أو عندنا؟
أمّا احتمال اختصاص الحكم بالإجزاء بما إذا كان العمل صحيحاً عندنا بدعوى أن الروايات ناظرة إلى تصحيح عمله من ناحية فقدان الولاية ، وأما إذا كان فاسداً من جهات أُخر ومخالفاً للواقع من غير جهة الولاية فلا تشمله النصوص ، ولعل كلام المحقق ناظر إلى هذا الاحتمال لقوله في الشرائع : «إلّا أن يخل بركن منه» (5)فإن المراد بذلك هو الإخلال بالركن عندنا ، ففيه : أن هذا الاحتمال يستلزم حمل النصوص
.................................................................................................
الكثيرة على الفرد النادر أو على ما لا يتّفق في الخارج أصلاً ، إذ لا أقل من مخالفة أعمالهم للواقع من جهة الوضوء.
وأمّا إذا كان العمل صحيحاً عنده وفاسداً عندنا فهو القدر المتيقن من النصوص الدالّة على الإجزاء.
وأمّا إذا كان فاسداً عنده وعندنا فربما يقال بشمول الروايات الدالّة على الإجزاء لذلك أيضاً لأن الحكم بالإجزاء منة منه تعالى ، ومقتضى الامتنان إلغاء وجوب القضاء بعد الاستبصار وإن كان العمل فاسداً عنده وعندنا.
وفيه : أن السؤال في الروايات متمحض من ناحية الإيمان والاستبصار وفساد العقيدة ، فإنما يسأل عن إعادة الحجّ أو الصلاة أو غيرهما من العبادات لأجل اختلاف العقيدة وتبديلها ، وإلّا فلا يرى نفسه مأموراً بالإعادة لو بقي على حاله الاولى وعقيدته السابقة بل يرى عمله صحيحاً. وبعبارة اخرى : إنما يسأل عن الإعادة وعدمها لا لأجل خلل في الصلاة والحجّ وإنما يسأل عن ذلك لأجل اختلاف العقيدة وتبدل الرأي ، ولو كان العمل فاسداً على مذهبه لا يقال إنه حجّ أو حججت أو صلّى ونحو ذلك ، فالنصوص لا تشمل ما كان فاسداً عنده.
ولو أتى بالصحيح عندنا وبالفاسد في مذهبه فإن لم يتمش منه قصد القربة فلا ريب في عدم شمول النصوص له ، لعدم صدق العبادة من الصلاة والحجّ على ذلك ، وإن تمشّى منه قصد القربة كما لو قلّد من يجوّز العمل على طبق المذهب الجعفري كالشيخ شلتوت (1)لا يبعد شمول النصوص الدالة على الإجزاء لذلك ، ولا يلزم في الحكم بالصحة أن يكون العمل موافقاً لمذهبه الفاسد لعدم اختصاص النصوص بما إذا كان العمل صحيحاً في مذهبه وفاسداً عندنا ، لما عرفت أن السؤال فيها ناظر إلى جهة الإيمان والاستبصار وإن لم يكن العمل فاسداً واقعاً بل كان صحيحاً في الواقع.
1) هو صاحب الفضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ جامع الأزهر.
[3076] مسألة 79 : لا يشترط إذن الزّوج للزّوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة ولا يجوز له منعها منه ، وكذا في الحجّ الواجب بالنذر (1)ونحوه إذا كان مضيقاً (1)
(1) لا ينبغي الإشكال في عدم اعتبار إذن الزوج للزوجة في حجّة الإسلام ولا خلاف في ذلك ويدلُّ عليه جملة من النصوص (2)، هذا في الحجّ المستقر واضح ، وأمّا إذا لم يستقرّ عليها الحجّ فقد يقال : إن حق الزوج مانع عن تحقق الاستطاعة.
وفيه : ما ذكرناه غير مرة أن الاستطاعة المعتبرة في الحجّ ليست إلّا الاستطاعة المفسرة في الروايات ولم يؤخذ فيها عدم مزاحمة الحجّ لحق الغير ، على أنه لو وقع التزاحم يقدم الحجّ لأنه أهم. مضافاً إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام الدالة على أنه لا طاعة له عليها في حجّة الإسلام (3)، وحملها على الحجّ المستقر بلا موجب.
وأمّا الحجّ الواجب بالنذر ونحوه من العهد واليمين أو غير ذلك فقد ألحقه المصنف (قدس سره) بحج الإسلام إذا كان مضيقاً ، ولكن النصوص الواردة في المقام موردها حجّة الإسلام ، وإلحاق غيرها بها والتعدي عن موردها يحتاج إلى الدليل ولا دليل فلا بدّ من ملاحظة القواعد في كل مورد من الواجبات.
أمّا النذر فهو واجب يشترط الرجحان في متعلقه في ظرف العمل ، بمعنى أن النذر إنما ينعقد ويجب الوفاء به إذا كان المنذور راجحاً في ظرف العمل به ، وأما إذا كان مرجوحاً ومحرماً في نفسه فلا ينعقد من الأوّل وينحل ولا يجب الوفاء به ويقدم الواجب الآخر عليه ، فإن العمل لا بدّ أن يكون في نفسه راجحاً مع قطع النظر عن تعلق النذر به ، وعليه إذا فرضنا أن خروج الزوجة من البيت من دون إذن الزوج
وأمّا في الحجّ المندوب فيشترط إذنه (1) ، وكذا في الواجب الموسع قبل تضيقه على الأقوى ، بل في حجّة الإسلام يجوز له منعها من الخروج مع أوّل الرفقة مع وجود
محرم كما في النصوص المعتبرة (1)فلا ينعقد نذرها للحج المستلزم للخروج من البيت.
وأما إذا كان سبب الوجوب غير النذر كالإجارة فلو فرضنا أن المرأة تزوجت بعد إجارة نفسها للحج عن الغير فلا ريب في تقدم الإجارة ، وليس للزوج منعها ، لأنّ هذه المدة التي تعلقت بها الإجارة ملك للغير وليس للزوج حق المعارضة ، فإلحاق سائر أقسام الحجّ الواجب بحج الإسلام على الإطلاق لا نعرف له وجهاً ، بل لا بدّ من التفصيل على النحو الذي ذكرناه.
(1) بلا كلام ، لأنّ الخروج من بيتها بدون إذن الزوج محرم وعليها الاستئذان منه في الخروج من البيت ، لا لما ورد في بعض الروايات من جواز منع الزوج زوجته عن الحجّ المندوب ، لأنّ ذلك أعم من اعتبار الاذن من الزوج ، بل لعدّة من النصوص منها : صحيحا محمّد بن مسلم وعلي بن جعفر الدالّان على اعتبار الاذن وأنه لا يجوز لها الخروج إلّا بإذنه (2)ولا سيما إذا كان الخروج منافياً لحق الزوج.
ومن ذلك يظهر أن الواجب إذا كان موسعاً له المنع عن الإتيان به في سنة خاصة وإن لم يكن له المنع عن أصل الحجّ ، فإن ما دل على المنع من الخروج بدون إذنه يشمل ما لو اختارت إتيان الحجّ الموسع في سنة خاصة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الواجبات الموسعة ، فإن الزوج له حق المنع في التطبيق على الأفراد إذا زاحم حقه ولم يكن له المنع عن أصل الواجب ، ولذا للزوج أن يمنع زوجته عن إتيان الصلاة في أوّل الوقت أو وسطه إذا زاحم حقه ، وليس له حق المنع عن أصل الصلاة ، وكذا له
الرفقة الأُخرى قبل تضيق الوقت ، والمطلّقة الرجعية كالزوجة في اشتراط إذن الزّوج ما دامت في العدّة (1) بخلاف البائنة لانقطاع عصمتها منه
المنع من خروجها مع أوّل الرفقة أو الثانية فيما إذا تعددت القوافل وليس للزوجة اختيار الرفقة الأُولى إذا لم يأذن لها الزوج ، والروايات التي دلّت على أن الزوج ليس له المنع إنما هي بالنسبة إلى أصل الحجّ لا في الخصوصيات ، بل هي داخلة في صحيحتي ابن مسلم وعلي بن جعفر الدالّتين على المنع واعتبار الاذن من الزوج في الخروج من البيت.
هذا كلّه في المتزوجة ، وأمّا المتوفّى عنها الزوج فهي خارجة عن أدلة اعتبار الاذن لعدم الزوج لها. مضافاً إلى النصوص (1)الدالّة على جواز حجّ المرأة مطلقاً ، واجباً كان أو مندوباً في عدّة الوفاة ، وكذلك البائنة لانقطاع عصمتها منه ، ولازمه جواز الخروج من بيتها بدون إذنه ، فلا مانع من شمول إطلاقات الحجّ لها.
(1) فإنها زوجة حقيقة ، والبينونة إنما تحصل بعد العدّة فيجري عليها ما يجري على الزوجة غير المطلقة ، هذا على ما تقتضيه القاعدة ، وأمّا بحسب الروايات فهي على طوائف :
الأُولى : ما دل على أنها لا تحج ، وهي مطلقة تشمل حتى حجّ الإسلام مع الاذن وعدمه ، كصحيحة معاوية بن عمار في حديث : «قال (عليه السلام) : لا تحج المطلقة في عدّتها» (2)فتكون موافقة لإطلاق الآية المباركة الدالة على أنها لا تخرج من البيت ولا يخرجها الزوج قال عزّ من قائل ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) (3)، ولربما كانت الحكمة في الحكم بعدم الخروج من البيت أنها تبقى
.................................................................................................
في البيت لعلّه يحصل التلائم بين الزوجين فيرجع إليها.
الثانية : ما دلّ على أنها تحج ، وهي أيضاً مطلقة وتعم جميع أقسام الحجّ وجميع الحالات ، لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «قال : المطلقة تحج في عدّتها» (1).
الثالثة : ما دلّ على أنه «إن كانت صرورة حجت في عدّتها وإن كانت حجّت فلا تحجّ حتى تقضي عدّتها» كما في خبر منصور بن حازم (2)، والمستفاد منه أن حجّ الإسلام لا يتوقف على الاذن.
الرابعة : ما دلّ على أن المطلقة تحج في عدتها بإذن الزوج كما في صحيح معاوية بن عمار : «المطلقة تحج في عدتها إن طابت نفس زوجها» (3).
ولا يخفى أن خبر منصور وإن كان ضعيفاً سنداً للإرسال (4)ولكن التفصيل المذكور فيه يستفاد من أدلّة أُخرى دلّت على أن حجّ الإسلام لا يعتبر فيه إذن الزوج ولا طاعة له عليها فيه ، وأما الخروج من البيت لغير حجّ الإسلام فيعتبر فيه الاذن.
والحاصل : ما دلّ على أنها لا تحجّ مطلقاً يخصص بحجة الإسلام وفي غيرها تحج مع الاذن ، وما دلّ على أنها تحجّ مطلقاً خصص في غير حجّة الإسلام بصورة الاذن من الزوج.
1) الوسائل 11 : 158 / أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 1.
2) الوسائل 11 : 158 / أبواب وجوب الحجّ ب 60 ح 2.
3) الوسائل 22 : 219 / أبواب العدد ب 22 ح 2.
4) والعجب عن غير واحد حيث عبّروا عن خبر منصور بالصحيح كصاحب الجواهر [17 : 335] والحدائق [14 : 147] والمستمسك [10 : 230] مع أن الخبر مرسل ، لأنّ أبا عبد اللّه البرقي يرويها عمّن ذكره عن منصور ، كما أن من الغريب أن صاحب الحدائق نسب الرواية إلى الفقيه مع أنها غير موجودة فيه وإنما رواها الشيخ في التهذيب [5 : 402 / 1399].
وكذا المعتدّة للوفاة فيجوز لها الحجّ واجباً كان أو مندوباً ، والظاهر أن المنقطعة كالدائمة في اشتراط الإذن (1) ، ولا فرق في اشتراط الإذن بين أن يكون ممنوعاً من الاستمتاع بها لمرض أو سفر أو لا (2).
[3077] مسألة 80 : لا يشترط وجود المحرم في حجّ المرأة إذا كانت مأمونة على نفسها وبُضعها كما دلت عليه جملة من الأخبار (3)
(1) لأنها زوجة حقيقة ، وإطلاق الأدلة يقتضي عدم الفرق بين الدائمة والمنقطعة ويجري عليها جميع ما يجري على الدائمة إلّا ما خرج بالدليل كالتوارث ووجوب النفقة والقسمة.
(2) لأنّ اعتبار الاذن من آثار الحق الثابت للزوج ومن آثار الزوجية ، ولا يدور ذلك مدار إمكان الاستمتاع وعدمه.
(3) منها : صحيح سليمان بن خالد : «في المرأة تريد الحجّ ليس معها محرم هل يصلح لها الحجّ؟ فقال : نعم إذا كانت مأمونة» (1).
ومنها : صحيحة معاوية بن عمار : «عن المرأة تحج إلى مكّة بغير ولي؟ فقال : لا بأس تخرج مع قوم ثقات» (2).
وصحيحة أبي بصير : «عن المرأة تحجّ بغير وليها ، فقال : إن كانت مأمونة تحج مع أخيها المسلم» (3)، والمثنى الذي روى عن أبي بصير في هذه الرواية هو مثنى الحناط الثقة بقرينة روايته عن أبي بصير ورواية عبد الرحمن بن الحجاج عنه.
ولا فرق بين كونها ذات بعل أو لا (1) ، ومع عدم أمنها يجب عليها استصحاب المحرم ولو بالأُجرة مع تمكنها منها ومع عدمه لا تكون مستطيعة ، وهل يجب عليها التزويج تحصيلاً للمحرم؟ (2) وجهان (1)، ولو كانت ذات زوج وادّعى عدم الأمن عليها وأنكرت قدّم قولها مع عدم البيّنة أو القرائن الشاهدة ، والظاهر عدم استحقاقه اليمين عليها إلّا أن ترجع الدعوى إلى ثبوت حق الاستمتاع له
(1) لإطلاق النصوص وخصوص صحيح معاوية بن عمار : «عن المرأة تحج بغير ولي؟ قال : لا بأس وإن كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فأبوا أن يحجوا بها وليس لهم سعة فلا ينبغي لها ان تقعد ولا ينبغي لهم أن يمنعوها» (2).
وإذا لم تكن مأمونة يجب عليها استصحاب من تثق به وتطمئن إليه محرماً كان أو غيره ولا خصوصية لاستصحاب المحرم كما في المتن ولو بالأُجرة ، لأن الاستطاعة المفسرة بتخلية السرب والأمن في الطريق حاصلة وإن كانت متوقفة على بعض المقدمات الوجودية كبذل المال ونحوه ، فيجب تحصيله نظير تحصيل جواز السفر وشراء الزاد وتهيئة مقدمات السفر ونحوها من المقدمات الوجودية. والحاصل : لا ريب في لزوم تحصيل هذه المقدمات وتهيئتها ولو بصرف المال في تحصيلها إذا لم تكن حرجية ، وليس ذلك من قبيل تحصيل الاستطاعة حتى يقال بأن تحصيلها غير واجب.
(2) ولو بتزويج بنتها حتى تسافر مع صهرها ، ذكر في المتن أن فيه وجهين والظاهر هو الوجوب ، لعدم الفرق في وجوب تحصيل المقدمات الوجودية بين المالية وغيرها إذا لم يكن فيها الحرج والمهانة وإلّا فلا يجب ، نظير بذل المال لأجل استصحاب المحرم فإنه يفصّل بين الحرج وعدمه.
عليها بدعوى أن حجها حينئذ مفوت لحقه (1)مع عدم وجوبه عليها (1)
(1) يمكن تصوير الاختلاف بين الزوجين على وجهين :
أحدهما : ما إذا ادعى الزوج عدم الأمن وخوفه عليها وأنكرت وادعت أنها غير خائفة ، وبعبارة اخرى : الزوج يعترف بعدم خوف المرأة ولكنه يدعي خوفه بنفسه عليها.
ثانيهما : دعوى الزوج كذب المرأة في دعواها الأمن ويدعي أنها خائفة واقعاً ولكن لا تظهر خوفها ، فيقع الكلام في موردين :
أمّا الأوّل : فلا ريب في عدم سماع دعوى الزوج وليس له عليها يمين ، وذلك لعدم ترتب الأثر الشرعي على خوفه ، وإنما الأثر يترتب على خوفها ، والمفروض أنها غير خائفة فيجب عليها السفر ، وليس للزوج منعها من الحجّ بعد ما تنجز عليها التكليف وإن كان الزوج خائفاً عليها ، وحاله من هذه الجهة كالأجانب في عدم تأثير خوفه نظير ما إذا كان الزوج خائفاً من اغتسالها ولكن هي غير خائفة فإن المتعين عليها حينئذ الغسل ولا ينتقل الأمر إلى التيمم. وبالجملة : لا عبرة بخوف الزوج في تنجيز الحكم على الزوجة وإنما العبرة بخوف الزوجة نفسها.
وأمّا الثاني : وهو ما لو ادّعى الزوج كذب المرأة في دعواها الأمن وأنها خائفة واقعاً ، فالزوج يدعي عدم وجوب الحجّ عليها لحصول خوفها ، وهي تدّعي وجوب الحجّ عليها وعدم خوفها فيكون الزوج مدعياً والزوجة منكرة ، لأن الزوج يدعي تحقق الخوف لها وهي تنكر حصوله لها فالمقام من باب المدعي والمنكر أو التداعي.
ولا يخفى أنّ تفسير المدعي والمنكر لم يرد في شيء من الروايات وإنما هو مما اصطلح عليه الفقهاء ، والعبرة في تشخيص المدعي والمنكر إلى الصدق العرفي ، فإن
1) بمعنى أنه يدعي كذب زوجته في دعواها الأمن.
.................................................................................................
الذي يطالب شخصاً ويلزمه بشيء هو المدعي غالباً والمطالَب بالفتح هو المنكر وقد يكون المطالِب بالكسر منكراً كما إذا طالب شخصاً بدينه والمطالَب بالفتح المديون يعترف بالدّين ، ولكن يدّعي أنه دفعه إلى الدائن المطالِب بالكسر وهو ينكر ذلك وأنه لم يصل إليه المال فيكون المطالِب بالكسر منكرا. وبالجملة : تعيين المدّعى والمنكر وتشخيصهما بالصدق العرفي.
وأما في المقام فإن الزوج يدعي كذب المرأة في حصول الأمن لها فيكون مدعياً وعليه الإثبات ويرجع الأمر إلى الترافع إلى الحاكم ، فإن أثبت الدعوى لا تخرج الزوجة إلى الحجّ ، وإلّا فللزوج إحلافها ، فإن حلفت فالقول قولها ، ولها ردّ الحلف إلى الزوج ، ولو امتنع من الحلف فلا تثبت دعواه وليس له أن يمنعها عن حجّها.
وربما يقال : إن الدعوى المذكورة فيها جهتان :
الاولى : لحاظ الخوف وعدمه ، ويكون الزوج مدعياً والزوجة منكرة.
الثانية : لحاظ استحقاق النفقة وعدمه ، فإن المرأة تنكر الخوف وتطالب الزوج بالنفقة في السفر كالحضر ، ولكن الزوج يدعي الخوف ويطالب بالاستمتاع والامتناع من السفر ، فكل واحد يطالب ويدعي شيئاً فالمقام من باب التداعي.
وفيه : أن الدعوى الثانية ليست في عرض الدعوى الاولى بل هي في طولها ومترتبة عليها ، وإنما تطالب بالنفقة لأن سفرها سفر من لا خوف فيه حسب ما تدعيه فالعبرة بالدعوى الاولى ، ووجوب الإنفاق عليها وعدمه يدوران مدار ثبوت الدعوى الاولى وعدمه ، فالدعوى الثانية ليست دعوى مستقلّة في عرض الدعوى الاولى ليكون المقام من التداعي.
فحينئذ عليها اليمين على نفي الخوف ، وهل للزوج مع هذه الحالة منعها عن الحجّ باطناً إذا أمكنه ذلك؟ وجهان (1)في صورة عدم تحليفها ، وأما معه فالظاهر سقوط حقه (1) ولو حجّت بلا محرم مع عدم الأمن صح حجها إن حصل الأمن قبل الشروع في الإحرام وإلّا ففي الصحة إشكال وإن كان الأقوى الصحّة (2)(2).
(1) هل يجوز للزوج في حال النزاع والاختلاف بينهما منعها عن الحجّ باطناً بأن يعمل عملاً حتى لا تتمكن من السفر؟ ذكر (قدس سره) أن فيه وجهين في صورة عدم تحليفها ، وأمّا لو أحلفها فليس للزوج منعها عن السفر باطنا.
أقول : تارة يفرض أن الزوجة آمنة غير خائفة ولكن الزوج يدعي خوفه عليها فحينئذ يصدّق قولها وليس للزوج منعها عن السفر وليس له إحلافها ، إذ لا عبرة بخوف الزوج ، لأنّ خوفه لم يؤخذ في موضوع حكمها. وبالجملة : بعد فعلية وجوب الحجّ وتنجيزه عليها ووجدانها لشرائط الحجّ لا حقّ للزوج عليها وليس له منعها عن أداء ما تنجز عليها فلا مجال لقوله : فيه وجهان.
وأُخرى نفرض أن الزوج يدعي كذب المرأة في دعواها الأمن ويدعي أنها خائفة واقعاً ، فحينئذ لا شك في جواز منعها ، لأنّ الزوج يعتقد أنها غير مستطيعة وأن الحجّ غير واجب عليها بل هو مندوب ، وإذنه يعتبر في الحجّ الندبي فله المنع بل ربما يجب كما إذا كان الخطر مهماً جدّاً. هذا كله إذا لم يصل الأمر إلى الترافع إلى الحاكم وإلّا فيترتب أثر الحكم في مقام الترافع كسائر موارد الحكم الصادر في ذلك المقام ، فظهر أنه لا بدّ من التفصيل على الوجهين السابقين في اختلاف الزوجين.
(2) والصحيح أن يقال : إن الخوف الحاصل قد يكون في خصوص الطريق قبل الوصول إلى الميقات وقد يكون من الميقات وما بعده ، فإن كان على النحو الأوّل فلا
.................................................................................................
ريب في الحكم بالصحّة ، لاقتران جميع الأعمال بالشرائط المعتبرة كالأمن وعدم الخوف والمفروض زوال الخوف بالوصول إلى الميقات. نعم ، لا يجب عليها الحجّ من أوّل الأمر ولا يلزم عليها تحمل السفر المستلزم للخطر ، بل ربما يكون السفر أو الخروج من الدار محرماً فالاستطاعة حينئذ غير حاصلة ، وأمّا لو تحمّلت السفر المستلزم للخوف وزال الخوف عند الميقات فقد حصلت الاستطاعة هناك ويجب عليها الحجّ وصح حجها لعدم خلل في أفعاله وأجزائه ، وإن كان على النحو الثاني وكان الخوف حاصلاً من الميقات وما بعده ، فربما تخيل بعضهم أن المقام من باب التزاحم ولا بدّ من إعمال قواعده بين السفر والحجّ ، والأوّل وإن فرض تقدّمه لأهميّته ولكن في فرض العصيان وإتيان الحجّ يحكم بصحّته بناء على الترتب.
وفيه : أن التزاحم إنما يقع بين فعلين كواجبين أو واجب وحرام فيلاحظ الأهم بينهما ويجري الترتب في فرض عصيان الأهم وترك امتثاله ، وأمّا الفعل الواحد كما في المقام فلا يقع فيه التزاحم ، فإن الخروج من الدار إذا كان محرماً عليها لخوفها لا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب حتى يجري فيه الترتب.
وبعبارة أُخرى : إذا كان الخروج من بيتها محرماً كما هو المفروض فبقاؤها في كل مكان محرم لأنه من مصاديق الخروج ، فيكون وقوفها في عرفة أو المشعر وطوافها وسعيها وغير ذلك من الأعمال كل ذلك يكون محرماً ، لأنه من مصاديق الخروج المحرم ولا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب ، والتزاحم إنما يقع بين فعلين واجبين أو واجب وحرام ، ويجري الترتب بترك الأهم نسياناً أو عصياناً وإتيان الواجب الآخر المهم كالمثال المعروف من وجوب إزالة النجاسة عن المسجد والصلاة ، وفي المقام يكون المأتي به من مصاديق الحرام فلا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب حتى يجري الأمر الترتبي ، فالأظهر هو البطلان.
نعم ، لو تمشّى منها قصد القربة ولم يكن الخطر موجوداً في الواقع لا بأس في الحكم بالصحة وإن كانت خائفة بالفعل ، لأن المفروض وجدان الشروط واقعاً وإن لم تعلم به
[3078] مسألة 81 : إذا استقر عليه الحجّ بأن استكملت الشرائط وأهمل حتى زالت أو زال بعضها صار ديناً عليه ووجب الإتيان به بأي وجه تمكن (1). وإن مات فيجب أن يقضى عنه إن كانت له تركة ، ويصح التبرع عنه ، واختلفوا فيما به يتحقق الاستقرار (1) على أقوال : فالمشهور مضي زمان يمكن فيه الإتيان
المرأة ، لأنّ العبرة بوجدان الشروط واقعاً ، ولا يضر عدم حصول الأمن لها بالفعل لأن الأمن طريق إلى إحراز الواقع وقد فرضنا حصول الشرط واقعاً وإن لم يقم عندها طريق ، بخلاف ما لو تمشّى منها قصد القربة ووقعت في الخطر وكانت خائفة فلا يمكن الحكم بالصحّة ، لأن الخطر الموجود واقعاً يكشف عن عدم الاستطاعة. فتلخص : أن العبرة في الحكم بالصحة بالأمن الواقعي والأمن الحاصل لها طريق إلى الواقع.
وممّا يدلّ على ذلك أيضاً صحيح معاوية بن عمار المتقدم (2): «عن المرأة تحج إلى مكّة بغير ولي؟ فقال : لا بأس تخرج مع قوم ثقات». حيث علق وجوب الحجّ عليها بكون القوم ثقات ، ومن المعلوم أن الوثوق طريق إلى الواقع لا أنه مأخوذ في الحكم.
(1) قبل أن يذكر ما به يتحقق الاستقرار ذكر أُموراً ثلاثة :
الأوّل : أن الحجّ يستقرّ عليه إذا استكملت الشرائط وتشتغل ذمّته به ولو أهمل حتى زالت أو زال بعضها ، لأنّ الواجب تنجز عليه وصار فعلياً في حقه بعد استكمال الشرائط ، وإذا فوّت الواجب على نفسه فالاشتغال على حاله.
الثاني : أنه إذا اشتغلت ذمته به ولم يأت به حتى زالت الاستطاعة يجب عليه الإتيان به بأي وجه تمكن ، ولكن لا تساعد عليه الأدلة الأوّلية لزوال الموضوع وهو الاستطاعة ، ومقتضى القاعدة زوال الوجوب بارتفاع موضوعه نظير المسافر
.................................................................................................
والحاضر بالنسبة إلى القصر والتمام ، وإنما نلتزم بوجوب الإتيان بالحجّ بعد زوال الاستطاعة لأدلّة خاصّة ، كالنصوص الدالّة على أن من استطاع ولم يحجّ ومات ، مات يهودياً أو نصرانياً (1)فالوجوب الثابت وجوب ناشئ من النص وهو وجوب جديد فالحكم بإتيانه بأي وجه تمكن ولو مع الحرج لا يمكن الالتزام به ، لأنه تكليف جديد وحاله حال سائر التكاليف الإلهية التي ترتفع بالحرج ، ففي فرض الإهمال وإن وجب عليه الحجّ بعد زوال الاستطاعة تفريغاً لذمّته ولكن الالتزام بلزوم الإتيان به حتى مع الحرج لا دليل عليه ، بل مقتضى أدلّة نفي الحرج عدم لزوم الإتيان به إذا كان حرجيّا ويكون عاصياً في ترك الحجّ والإهمال به ، والتوبة رافعة له كما في سائر المعاصي.
الثالث : أنه إذا مات من استقر عليه الحجّ يجب أن يقضى عنه من صلب ماله كما في النصوص المعتبرة ، بل يظهر من بعضها تقدّمه على سائر الديون (2)ثمّ ذكر (قدس سره) ويصحّ التبرّع عنه ويسقط الحجّ عنه بذلك لعدم الدليل على لزوم الاستئجار وإنما يلزم الاستئجار لتفريغ ذمته فإذا أتى به متبرع عنه فقد حصل الفراغ ، ثمّ ذكر الخلاف فيما يتحقق به الاستقرار وأنه متى يستقر عليه الحجّ ، فذهب بعضهم إلى أن الحجّ يستقر عليه إذا كانت الاستطاعة باقية إلى حين خروج الرفقة فلو أهمل ولم يخرج معهم استقر عليه الحجّ وإن زالت الاستطاعة بعد ذلك ، لأنه كان مأموراً بالخروج معهم.
وفيه : أن هذا حكم ظاهري لا واقعي وإنما تخيل ثبوت الوجوب عليه ، وأما في الواقع فالوجوب غير ثابت فلا موجب للاستقرار ، ولذا لو علم بالمرض أو سرقة أمواله ونفقته بعد خروج الرفقة لا يجب الخروج معهم بل ينكشف عدم الاستطاعة من الأوّل. نعم ، مع الجهل بزوال الاستطاعة وحدوث المرض ونحوه يكون الإهمال منه تجرياً وإلّا ففي واقع الأمر لا وجوب عليه.
.................................................................................................
وذهب جماعة إلى أن الاستقرار يتحقق ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه الإحرام ودخول الحرم ، فلو زالت الاستطاعة بعد مضي هذا الزمان يستقر عليه الحجّ.
وفيه : أنه لا نعرف لذلك وجهاً ، فإن العبرة بأعمال الحجّ وأفعاله لا بالإحرام ودخول الحرم ، ولذا لو علم بالموت بعد ذلك لا يجب عليه الخروج بل لا يصح منه الإحرام ، فإنه لو علم بالموت قبل الطواف والسعي وقبل الاشتغال بالأعمال أو قبل أن ينتهي من عمله لا يصحّ منه الإحرام ، فإن الإحرام حينئذ لا ينعقد للعمل الناقص نعم لو مات اتفاقاً بعد الإحرام ودخول الحرم يجزئ عن الحجّ للنص (1)وهذا حكم تعبّدي ثبت في مورده بدليل خاص.
وذهب آخرون إلى أنه يستقر عليه الحجّ بعد مضي زمان يمكن فيه الإتيان بالأركان جامعاً للشرائط ، وإذا زالت الاستطاعة بعد مضي هذا الزمان يستقرّ عليه الوجوب ويقضى عنه من تركته إذا مات أو يجب عليه متسكِّعاً ، فيكفي بقاؤها إلى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطواف وسعيه.
وفيه : أن الشرائط معتبرة في جميع أعمال الحجّ وأفعاله ولا تختص بالأركان ، بل هي معتبرة حتى بعد الانتهاء من الأعمال كتخلية السرب فإنها معتبرة ذهاباً وإياباً ولو علم بعدم تخلية السرب إياباً لا يجب عليه الحجّ من الأوّل ، ولو أغمضنا عن ذلك كان اللّازم بقاء الاستطاعة إلى ما قبل طواف النساء ، يعني يعتبر في الاستقرار بقاء الاستطاعة إلى مضي زمان من يوم النحر يمكن فيه طواف الحجّ وسعيه ولا عبرة بطواف النساء ، لأنه ليس من أعمال الحجّ وإنما هو عمل مستقل في نفسه يجب الإتيان به ولو تركه عمداً لا يفسد حجّه.
فلا وجه لما ذكره المشهور من أن الاستقرار يتحقق بمضي زمان يمكن فيه الإتيان بجميع أفعال الحجّ حتى مثل طواف النساء والمبيت في منى مستجمعاً للشرائط وهو إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة لما عرفت من عدم العبرة باعتبار بقاء
1) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26.
بجميع أفعاله مستجمعاً للشرائط وهو إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجة ، وقيل باعتبار مضي زمان يمكن فيه الإتيان بالأركان جامعاً للشرائط فيكفي بقاؤها إلى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان والسعي ، وربّما يقال باعتبار بقائها إلى عود الرفقة ، وقد يحتمل كفاية بقائها إلى زمان يمكن فيه الإحرام ودخول الحرم ، وقد يقال بكفاية وجودها حين خروج الرفقة فلو أهمل استقرّ عليه
الاستطاعة بالنسبة إلى غير أعمال الحجّ كطواف النساء والمبيت في منى ، فإنهما ليسا من أعمال الحجّ وأجزائه ، وإنما هما واجبان مستقلان في أنفسهما ومن تركهما حتى عمداً لا يفسد حجّه.
والصحيح من الأقوال ما ذكره المصنف (قدس سره) من أن العبرة ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة المالية والبدنية والسربية ، ولذا لو كان عالماً بحدوث المرض عند العود وقبل الوصول إلى وطنه ولو بعد انتهاء جميع الأعمال لا يجب عليه الحجّ من الأوّل ، ولا يستقر عليه إذا زالت الاستطاعة قبل إمكان الرجوع إلى مقره ، فإن فقد بعض هذه الشروط يكشف عن عدم الوجوب واقعاً من أوّل الأمر وأن وجوب الخروج مع الرفقة كان حكماً ظاهرياً.
نعم ، بعض الشرائط لا يعتبر بقاؤه إلى العود إلى وطنه ، بل يكفي بقاؤه إلى آخر الأعمال وإن زال عند العود ، كالعقل فإنه معتبر حال العمل ولا يضر بصحة العمل فقده بعده ، فمن جُن بعد العمل تصح أعماله السابقة على الجنون ، فلو علم بالجنون بعد العمل لا يسقط عنه الحجّ ، وهكذا بالنسبة إلى الموت فإنه لو فرض تحقق الموت بعد تمام الأعمال كفى بقاء الشرائط إلى آخر الأعمال ، لعدم الحاجة حينئذ إلى نفقة العود إذ الميت لا يحتاج إلى نفقة العود ، فلو علم بتحقق الموت بعد تمام الأعمال يجب عليه الذهاب وإن لم يكن له نفقة العود.
وإن فقدت بعد ذلك ، لأنّه كان مأموراً بالخروج معهم ، والأقوى اعتبار بقائها إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه بالنسبة إلى الاستطاعة المالية والبدنية والسربية ، وأمّا بالنسبة إلى مثل العقل فيكفي بقاؤه إلى آخر الأعمال (1)، وذلك لأن فقد بعض هذه الشرائط يكشف عن عدم الوجوب عليه واقعاً وأن وجوب الخروج مع الرفقة كان ظاهرياً ، ولذا لو علم من الأوّل أن الشرائط لا تبقى إلى الآخر لم يجب عليه. نعم ، لو فرض تحقق الموت بعد تمام الأعمال كفى بقاء تلك الشرائط إلى آخر الأعمال لعدم الحاجة حينئذ إلى نفقة العود والرجوع إلى كفاية وتخلية السرب ونحوها. ولو علم من الأوّل بأنه يموت بعد ذلك فإن كان قبل تمام الأعمال لم يجب عليه المشي وإن كان بعده وجب عليه ، هذا إذا لم يكن فقد الشرائط مستنداً إلى ترك المشي وإلّا استقر عليه ، كما إذا علم أنه لو مشى إلى الحجّ لم يمت أو لم يقتل أو لم يسرق ماله مثلاً فإنه حينئذ يستقرّ عليه الوجوب
وملخّص الكلام : أن الاستقرار يتحقق ببقاء الاستطاعة إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه وإلّا فيكشف عن عدم الوجوب واقعاً ، ولذا لو علم بالموت في الأثناء لا يجب الخروج إلى الحجّ ، لأنّ حدوث الموت في الأثناء يكشف عن عدم الوجوب وأمّا إذا علم بالموت بعد تمام الأعمال يجب الخروج ، لأنّ الموت بعد الأعمال غير ضائر بصحة الأعمال السابقة ، فالحكم بوجوب الخروج في فرض الجهل حكم ظاهري ولو لم يخرج يكون متجرياً ، فالذي يحقق الاستقرار هو الوجوب الواقعي لا الظاهري المنكشف خلافه ، ويستثنى من بقاء الشرائط إلى زمان العود الحياة والعقل ويكفي بقاؤهما إلى آخر الأعمال ، ولا دليل على اعتبار بقائهما إلى زمان العود إلى وطنه.
1) (*) أي أعمال الحجّ ، وأما طواف النساء فلا يشترط إمكان الإتيان به.
لأنّه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه (1) ، وأمّا لو شكّ في أنّ الفقد مستند إلى ترك المشي أو لا فالظاهر عدم الاستقرار (1)(2) للشكّ في تحقّق الوجوب وعدمه واقعاً هذا بالنسبة إلى استقرار الحجّ لو تركه.
(1) جميع ما تقدّم إنما هو فيما إذا كان فقدان الشرائط بنفسه وبطبعه ، وأمّا إذا كان الفقدان مستنداً إلى نفسه وتفويته وإهماله استقرّ عليه الحجّ ، لأنه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه الذي لا يوجب رفع الحكم.
(2) بل الظاهر الاستقرار ، لإحراز موضوعه باستصحاب بقاء الصحّة أو بأصالة السلامة التي بنى عليها العقلاء ، فلا يكون ترك الحجّ حينئذ مستنداً إلى العذر لإحراز موضوع الاستقرار بالأصل.
نعم ، إذا كان الترك مستنداً إلى عذر من الأعذار فلا يوجب الاستقرار ، والمقام نظير الشك في القدرة في عدم جواز تفويت الواجب بمجرّد الشك في القدرة ، فإذا علم المكلف بوجوب الخروج ولو بالتكليف الظاهري المحرز بالأصل ليس له الترك ومجرّد احتمال عدم التطابق للواقع لا يسوّغ له الترك ما لم يكن مستنداً إلى العذر ، فما لم يحرز العذر لا يجوز له مخالفة التكليف الظاهري ، فلا فرق في الاستقرار بين مخالفة التكليف الظاهري والواقعي ، وتشمله روايات التسويف والإهمال المتقدِّمة ولا تختص بمخالفة الحكم الواقعي ، وإنما تشمل كل مورد لم يكن الترك مستنداً إلى العذر سواء كان مخالفة للحكم الظاهري أو الواقعي ، ولا مجال في المقام للرجوع إلى البراءة ، بل المرجع هو استصحاب بقاء الشرائط أو أصالة السلامة العقلائية ، وإلّا لكان لكل أحد ترك الحجّ باحتمال فقدان الشرط ، فلا عبرة بمجرّد احتمال الفقدان ما لم يصل إلى حدّ العذر.
1) (*) فيه إشكال بل منع.
وأمّا لو كان واجداً للشرائط حين المسير فسار ثمّ زال بعض الشرائط في الأثناء فأتم الحجّ على ذلك الحال كفى حجّه عن حجّة الإسلام (1)إذا لم يكن المفقود مثل العقل بل كان هو الاستطاعة البدنية أو المالية أو السربية ونحوها على الأقوى (1).
[3079] مسألة 82 : إذا استقر عليه العمرة فقط أو الحجّ فقط كما في من وظيفته حجّ الإفراد والقرآن ثمّ زالت استطاعته فكما مرّ يجب عليه أيضاً بأي وجه تمكّن (2)وإن مات يقضى عنه (2)
(1) الظاهر أنه لا وجه للحكم بالكفاية على الإطلاق بل لا بدّ من التفصيل ، بيان ذلك : أن الشرط إذا كان اعتباره من باب المزاحمة وأهميّة الواجب الآخر على الحجّ كحفظ النفس ونحوه فزواله غير ضائر بالحج من الأوّل فضلاً عن المزاحمة في الأثناء لإمكان تصحيح الحجّ بالأمر الترتبي ، وكذا لو كان الشرط مأخوذاً في الحجّ للحرج مثل الرجوع إلى الكفاية ولم يكن إتمام الحجّ بعد زوال الشرط حرجياً كما هو الحال في زماننا ، فإن الحاج يتفق من أوّل الأمر مع من يتكفل بقاءه في مكّة وعوده إلى وطنه فيحكم بالاجتزاء أيضاً ، لأن رفع الحرج امتناني لا يشمل رفع الحكم بعد العمل ، إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بل هو خلاف الامتنان وإنما يرفع الحكم من الأوّل للامتنان ، وأما ارتفاعه والحكم بعدم الاجتزاء بالعمل بعد صدوره فلا امتنان فيه أصلاً ، وأما إذا كان زوال الشرط مستلزماً لحرج جديد وكان فقده كاشفاً عن عدم الوجوب من الأوّل فالظاهر عدم الكفاية ، فالصحيح هو التفصيل.
(2) ما ذكرناه مما يتحقق به الاستقرار لا يختص بحج التمتع بل يجري في حجّ الإفراد والقران والعمرة ، أما بالنسبة إلى أقسام الحجّ فلا ينبغي الإشكال فيه لشمول الأدلّة
[3080] مسألة 83 : تقضى حجّة الإسلام من أصل التركة إذا لم يوص بها (1) سواء كانت حجّ التمتّع أو القرآن أو الإفراد ، وكذا إذا كان عليه عمرتها
لذلك وعدم اختصاصها بحج التمتّع لأنّ حجّة الإسلام لا تختص بالتمتّع ، وجميع الروايات الدالّة على وجوب قضاء حجّة الإسلام تشمل أقسام الحجّ كل حسب وظيفته ، وأمّا العمرة أي عمرة الإفراد والقران فهل تستقرّ عليه إذا تركها بعد الحجّ وزالت الاستطاعة ويجب عليه الإتيان متسكعاً وإن مات يقضى عنه أم لا؟
ربما يقال بعدم الدليل على ذلك سوى الإجماع ، وأما الأدلة فغير ظاهرة الدلالة. وفيه : أن نفس الروايات الدالة على استقرار حجّة الإسلام تشمل العمرة المفردة لحج الإفراد والقران من دون قصور في دلالتها ، وذلك لأن المذكور في النصوص حجّة الإسلام وهي لا تختص بالتمتع بل تشمل الإفراد والقران ، فإن المكلفين مختلفون في أداء حجّة الإسلام ووظيفة بعضهم القرآن والإفراد وهما من حجّة الإسلام والعمرة واجبة عليه أيضاً ، هذا مضافاً إلى صحيح زرارة في حديث : «قلت : فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة ، قال : يحج عنه إن كان حجّة الإسلام ويعتمر ، إنما هو شيء عليه» (1)فقد صرح فيه بقضاء العمرة. نعم ، يجب الإتيان بها فيما إذا لم يكن حرجياً كما تقدّم في استقرار الحجّ.
(1) ويدلّ عليه جملة من النصوص المعتبرة.
منها : موثقة سماعة بن مهران قال : «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإسلام ولم يوص بها وهو موسر ، فقال : يحج عنه من صلب ماله» (2).
ومنها : صحيحة ابن مسلم : «عن رجل مات ولم يحج حجّة الإسلام ولم يوص بها
وإن أوصى بها من غير تعيين كونها من الأصل أو الثلث فكذلك أيضاً (1) ، وأما إن أوصى بإخراجها من الثلث وجب إخراجها منه
أيقضى عنه؟ قال : نعم» (1)ونحوها صحيحة أُخرى عنه (2).
ومنها : معتبرة رفاعة : «عن رجل يموت ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها أيقضى عنه؟ قال : نعم» (3).
وفي صحيحة الحلبي قال : «يقضى عن الرجل حجّة الإسلام من جميع ماله» (4). ومجموع الروايات تدل على لزوم القضاء وخروجها من أصل التركة.
وربما يقال : بأنها معارضة بصحيح معاوية بن عمار لقوله (عليه السلام) في ذيله : «ومن مات ولم يحج حجّة الإسلام ولم يترك إلّا قدر نفقة الحمولة وله ورثة فهم أحق بما ترك ، فإن شاؤوا أكلوا وإن شاؤوا حجّوا عنه» (5)، فإنه صريح في عدم وجوب الحجّ عنه ورجوع المال إلى الورثة ، فلا بدّ من طرحه أو تأويله.
وفيه : أن صدره صريح في إخراجه من الأصل إذا كان قد أوصى به لقوله : «في رجل توفي وأوصى أن يُحج عنه ، قال : إن كان صرورة فمن جميع المال إنه بمنزلة الدّين الواجب» ، فيكون المراد من الذيل بقرينة الصدر أن ما تركه من المال لا يفي لمصارف الحجّ وإنما يفي بمقدار الحمولة وأُجرة الحمل والركوب ، فحينئذ لا يجب القضاء عنه لعدم وفاء المال ، فيرجع المال إلى الورثة فإن شاؤوا حجّوا عنه من مالهم.
(1) إن أوصى بالحج ولم يقيده بإخراجه من الثلث فحاله حال الدّين الذي يخرج
وتقدّم على الوصايا المستحبّة وإن كانت متأخرة عنها في الذكر ، وإن لم يف الثلث بها أُخذت البقية من الأصل
من أصل المال ، ويدلّ عليه صحيح معاوية بن عمار وغيره : «عن رجل مات فأوصى أن يحجّ عنه قال : إن كان صرورة فمن جميع المال» (1).
وفي صحيح الحلبي : «فإن أوصى أن يحج عنه رجل فليحجّ ذلك الرجل» (2)وفي حديث عنه : «قال : يقضى عن الرجل حجّة الإسلام من جميع ماله» (3).
وإن قيده بالثلث وأوصى بأُمور أُخر أيضاً ووفى المال للصرف في الجميع فلا كلام ، وإن لم يف يقدّم الحجّ على سائر الوصايا ، وتدل على ذلك روايات كثيرة ذُكر أكثرها في باب الوصايا (4)، وذكر صاحب الوسائل روايتين منها في كتاب الحجّ (5).
وبالجملة : لا ريب بحسب النصوص في تقديم الحجّ على سائر الوصايا فيما إذا لم يفِ المال الموصى به للجميع ، إلّا أن الكلام فيما تقتضيه القاعدة ، فإن مقتضاها هو التوزيع بالسوية حسب موارد الوصيّة كما أفتى به أبو حنيفة وسفيان الثوري. كما في صحيح معاوية بن عمار قال : «إن امرأة هلكت وأوصت بثلثها يتصدق به عنها ويحج عنها ويعتق عنها فلم يسع المال ذلك ، فسألت أبا حنيفة وسفيان الثوري فقال كل واحد منهما : انظر إلى رجل قد حجّ فقطع به فيقوى به ، ورجل قد سعى في فكاك رقبته فبقي عليه شيء فيعتق ويتصدّق بالبقية ، فأعجبني هذا القول ، وقلت للقوم يعني أهل المرأة : إني قد سألت لكم فتريدون أن أسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟ قالوا : نعم ، فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك فقال : ابدأ بالحج فإن الحجّ
والأقوى أن حجّ النذر أيضاً كذلك (1)بمعنى أنه يخرج من الأصل كما سيأتي الإشارة إليه (1)
فريضة فما بقي فضعه في النوافل ، ثمّ قال معاوية بن عمار : فأتيت أبا حنيفة فقلت : إني قد سألت فلاناً يعني الصادق (عليه السلام) فقال لي كذا وكذا ، قال فقال : هذا واللّه الحق وأخذ به» (2)والرواية معتبرة لأن زكريا المؤمن ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات ولم يرد فيه تضعيف ، وما ذكره النجاشي أنه كان مختلط الأمر في حديثه (3)لا يدل على الضعف وإنما يدل على أنه كان يروي عن الضعفاء.
وبالجملة : مقتضى القاعدة أنه لو أوصى بمال للحج ولأُمور متعددة يقسم المال بينها بالسوية ، وما دل على خروج الحجّ من أصل المال إنما هو فيما إذا لم يوص ، وأما إذا أوصى به وبغيره كالصدقة والعتق يخرج الحجّ من الثلث ويصرف ثلث الثلث وهو التسع في الحجّ ، فإن الصرف تابع لجعل الموصي ، فإن كان ثلث الثلث غير واف للحج يكمل من أصل المال فكأنه بالنسبة إلى الحجّ لم يوص ، وليس المقام من باب المزاحمة حتى نقول بتقديم الحجّ لأهميّته بل وجوبه من باب الإيصاء.
والحاصل : لو لم تكن روايات خاصة من العترة الطاهرة (عليهم السلام) كان التوزيع والتثليث بين الحجّ والعتق والصّدقة وجيهاً ، ولكن بحسب الروايات يقدّم الحجّ.
(1) واستدلّ لذلك بوجوه منها : أنه دين اللّه ودين اللّه أحق أن يقضى كما في رواية الخثعمية (4)، وقد صرح المصنف بذلك في المسألة الثالثة من صلاة الاستئجار.
ولو كان عليه دين أو خمس أو زكاة وقصرت التركة فإن كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجوداً قدم لتعلقهما بالعين فلا يجوز صرفه في غيرهما ، وإن كانا في الذمة فالأقوى أن التركة توزّع على الجميع بالنسبة كما في غرماء المفلس (1).
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند أن إطلاق الدّين على بعض الواجبات الشرعية أعم من الحقيقي والمجازي لأن الاستعمال أعم منهما ، ولكن الأحكام المترتبة على الدّين الحقيقي لا تشمل التكاليف الشرعية لانصرافه إلى دين الناس وحقهم.
ومنها : الإجماع على أن الواجب المالي يخرج من الأصل. وفيه : لو سلمنا ثبوت الإجماع فهو على الواجب المالي بنفسه أي ما كان واجباً مالياً نفسياً بحتاً كالزكاة والخمس ونحوهما لا ما كان صرف المال مقدمة له ، بل ثبوت الإجماع في جميع الواجبات المالية النفسية كالكفارات غير معلوم.
ومنها : أنّ النذر بنفسه يقتضي كونه ديناً ، لأنّ الجعل على الذمة يوجب كونه ديناً عليه لله تعالى لقوله : لله عليّ كذا فالمنذور يكون ديناً لله على الناذر بمقتضى جعله.
وفيه : أنه لم يثبت كونه كالدين المتعارف الثابت في الذمّة ، وقوله : لله عليّ كذا لا يدلّ على كونه ديناً كسائر الديون ، فإن ذلك نظير قوله : لله عليّ صلاة أو صوم فإنه دال على اشتغال ذمّته بالواجب الإلهي ، ومجرّد كون الشيء واجباً لا يقتضي كونه ديناً حقيقياً ثابتاً في الذمّة بحيث تكون ذمّته مملوكة كالدين المتعارف بالملكية الاعتبارية ، بل إطلاق جملة من الروايات المفصلة بين حجّ الإسلام وغيره الدالّة على أن حجّ الإسلام يخرج من الأصل وغيره من الثلث يشمل الحجّ النذري ، فإن المستفاد من تلك النصوص أن الخارج من الأصل هو حجّ الإسلام لا غير ، ولو أوصى بالحجّ النذري يخرج من الثلث ، ولا حاجة إلى الرواية مع أنها موجودة.
(1) الحكم بالتوزيع على الجميع هنا وعدم جواز التخصيص ببعض الديون كما هو
وقد يقال (1)بتقديم الحجّ على غيره وإن كان دين الناس لخبر معاوية بن عمار الدالّ على تقديمه على الزكاة (1).
الحال في غرماء المفلس هو المتسالم عليه بينهم بلا خلاف ، وتدل عليه موثقة علي بن رئاب عن زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه (أبا جعفر) (عليه السلام) عن رجل مات وترك عليه ديناً وترك عبداً له مال في التجارة وولداً وفي يد العبد مال ومتاع وعليه دين استدانه العبد في حياة سيده في تجارة (ته) وأن الورثة وغرماء الميت اختصموا فيما في يد العبد من المال والمتاع وفي رقبة العبد ، فقال : أرى أن ليس للورثة سبيل على رقبة العبد ولا على ما في يده من المتاع والمال إلّا أن يضمنوا دين الغرماء جميعاً فيكون العبد وما في يده من المال للورثة ، فإن أبوا كان العبد وما في يده للغرماء يقوّم العبد وما في يديه من المال ثمّ يقسم ذلك بينهم بالحصص ، فإن عجز قيمة العبد وما في يديه عن أموال الغرماء رجعوا على الورثة فيما بقي لهم إن كان الميت ترك شيئاً ، قال : وإن فضل من قيمة العبد وما كان في يديه عن دين الغرماء ردّه على الورثة» (2).
(1) لو كان عليه دين أو خمس أو زكاة وكانت التركة كافية للصرف فيها وفي الحجّ فلا كلام ، ولو قصرت التركة فهل يقدم الحجّ أم لا؟ قد يفرض أن العين موجودة وقد يفرض أنها في الذمة.
أمّا في الصورة الاولى فلا ريب في تقدم الخمس أو الزكاة لتعلقهما بالعين فلا يجوز صرف المال في غيرهما سواء قلنا بالإشاعة أو بالتشريك في المالية كما هو المختار عندنا ، لأن التركة بتمامها ليست للميت بل هو شريك مع أرباب الخمس أو الزكاة والحجّ إنما يخرج من ماله لا من مال شريكه.
وأمّا في الصورة الثانية فقد اختار السيّد المصنف (قدس سره) توزيع التركة على
.................................................................................................
الجميع بالنسبة لبطلان الترجيح ، فإن كان المال وافياً للجميع فلا كلام ، وإن لم يفِ المال إلّا ببعض الأفعال كالطواف أو السعي فقط سقط وجوب الحجّ لعدم جريان التبعيض فيه.
هذا ولكن الظاهر تقدم الحجّ على الزكاة والخمس بل على كل دين من ديون الناس لصحيح معاوية بن عمار قال «قلت له : رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجّة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجة الإسلام وأن يقضى عنه دين الزكاة ، قال : يحج عنه من أقرب ما يكون ويخرج البقية من الزكاة» (1)ونحوه صحيحه الآخر (2)إلّا أن فيه : «وعليه من الزكاة سبعمائة درهم».
وصاحب الجواهر ناقش في الخبر الثاني سنداً (3)ولكن يكفينا الأوّل ، ولا فرق بينهما دلالة ومتناً إلّا في مقدار الزكاة ، مع أن الخبر الثاني صحيح السند أيضاً ، لأنّ منشأ الضعف إما من جهة محمّد بن عبد اللّه بن زرارة الذي روى عنه ابن فضال ويروي هو عن ابن أبي عمير وهو ممن لم يوثق ، وإما من جهة طريق الشيخ إلى ابن فضال لضعفه بابن الزبير القرشي (4)ولكن لا يضر ضعف طريق الشيخ إلى ابن فضال بعد ما كان طريق النجاشي إليه صحيحاً (5)والكتاب واحد مع ما فصّلنا الكلام فيه في محله (6)وأما محمّد بن عبد اللّه بن زرارة فقد نقل النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن فضال عن علي بن الريان في قصة عدول الحسن بن فضال إلى الحق : أن محمّد بن عبد اللّه بن زرارة أصدق عندي لهجة من أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، فإنه رجل فاضل ديِّن ، مضافاً إلى أنه من رجال كامل الزيارات.
ونحوه خبر آخر ، لكنّهما موهونان بإعراض الأصحاب ، مع أنهما في خصوص الزكاة (1)، وربما يحتمل تقديم دين الناس لأهميّته ، والأقوى ما ذكر من التحصيص ، وحينئذ فإن وفت حصّة الحجّ به (2)فهو ، وإلّا فإن لم تف إلّا ببعض الأفعال كالطواف فقط أو هو مع السعي فالظاهر سقوطه وصرف حصته في الدّين أو الخمس أو الزكاة ، ومع وجود الجميع توزع عليها ، وإن وفت بالحج فقط أو العمرة فقط ففي مثل حجّ القرآن والإفراد تصرف فيهما مخيراً بينهما (1)
ثمّ إن مورد الصحيحين وإن كان هو الزكاة ولكن الظاهر عدم الفرق بينها وبين الخمس ، لأن الخمس بدل الزكاة وهو من هذه الجهة محكوم بحكم الزكاة ، مضافاً إلى أن الزكاة أهم من الخمس ، فلو كان الحجّ مقدماً على الزكاة يقدم على الخمس بطريق أولى.
وأما تقديم الحجّ على الدّين الشخصي فيدل عليه صحيح بريد العجلي المتقدم : «عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق ، قال : إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام ، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإن فضل من ذلك شيء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين» (3)ودلالته صريحة في تقديم الحجّ على الدّين.
(1) بعد ما عرفت أنّ الحج كالدّين ، فإن كانت التركة وافية للحج والعمرة فلا كلام وإن لم تفِ إلّا لأحدهما فقط فهل يقدم الحجّ أم لا؟ يقع الكلام تارة في حجّ الإفراد والقران وأُخرى في التمتع.
أمّا الأوّل فهل يتخيّر بين الحجّ والعمرة لوجوب كل واحد عليه مستقلا أو يقدّم الحجّ لأهميّته؟ وجهان والظاهر هو التخيير ، لعدم ثبوت أهميّة الحجّ على العمرة
.................................................................................................
لأنّ كل واحد منهما فريضة من فرائض اللّه تعالى ، ولا منشأ لأهميّة الحجّ على العمرة وعلى فرض تسليم الأهميّة فإنما هي فيما إذا كان المكلف بنفسه مباشراً ولا يتمكّن من الجمع بينهما فيقدم مقطوع الأهميّة أو محتملها ، والمفروض في المقام أن المكلف مات ولم يباشر العمل بنفسه وإنما استقرّ عليه الحجّ والعمرة معاً واشتغلت ذمّته بفريضتين من فرائض اللّه ، وكون أحدهما في نفسه أهم من الآخر لا يؤثر في اشتغال الذمّة بالأهم ، وقد نظّر (دام ظله) المقام بمن كان مديناً لمؤمن ولكافر ذمِّي وفرضنا أنه لا يتمكن من أدائهما ، وكون أحدهما مؤمناً والآخر كافراً لا يؤثر في تقديم أحدهما من جهة الاشتغال وتفريغ الذمّة.
وأمّا الثاني وهو حجّ التمتع ، فإن كان المال لا يفي إلّا لأحدهما من العمرة أو الحجّ فهل يجري ما تقدّم في حجّ الإفراد من التخيير أو يتعيّن صرف المال في الحجّ الأفرادي لأهميّة الحجّ أو لا يصرف في شيء منهما؟ وجوه :
أمّا احتمال التخيير فضعيف جدّاً ، لعدم جريانه في خصوص حجّ التمتع لارتباطه بالعمرة ولا يصحّ بدونها ، وأما عدم الصرف في شيء منهما فلتعذر قضاء ما وجب عليه فيعطى المال لورثته ، وذكر بعضهم أن الحجّ يتقدم فيأتي بحجّ الإفراد بدلاً عن حجّ التمتع بدعوى إمكان استفادته من الرواية الآتية.
أقول : نتكلّم تارة فيما تقتضيه القاعدة وأُخرى فيما يقتضيه النص.
أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة عدم وجوب صرف المال في شيء منهما ، لأنّ حجّ التمتع عمل واحد ارتباطي وإن كان الإحلال متوسطاً في البين. وبعبارة اخرى : الواجب إنما هو صرف المال في حجّ الإسلام وهو مركب من أمرين : أحدهما يرتبط بالآخر ، ولا وجه لصرف المال في أحدهما ، ولا مجال لجريان قاعدة الميسور في الأُمور الارتباطية فلا بدّ من إيصال المال إلى الورثة.
وأمّا الآخر فقد يقال : إن المستفاد من النص وجوب صرف المال في الحجّ لما روي عن علي بن مزيد (فرقد) صاحب السابري قال : «أوصى إليّ رجل بتركته فأمرني أن
والأحوط تقديم الحجّ ، وفي حجّ التمتع الأقوى السقوط وصرفها في الدّين وغيره وربما يحتمل فيه أيضاً التخيير أو ترجيح الحجّ لأهميّته أو العمرة لتقدمها ، لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملاً واحداً ، وقاعدة الميسور لا جابر لها في المقام.
أحجّ بها عنه فنظرت في ذلك فإذا هي شيء يسير لا يكفي للحج فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا : تصدق بها عنه إلى أن قال : فلقيت جعفر بن محمّد (عليه السلام) في الحِجر وحكيت له القصة وحكم (عليه السلام) بالضمان إذا تصدق بها إن كان المال بمقدار يمكن أن يحج به من مكّة» (1)، وقوله : «يحج به من مكّة» يراد به حجّ الإفراد. وبالجملة : المستفاد من الرواية أن المال إذا كان لا يفي لحج التمتع المركّب من الحجّ والعمرة المرتبط أحدهما بالآخر يصرف المال في حجّ الإفراد الذي لم يرتبط أحدهما بالآخر ويحرم له من مكّة فإنها ميقات الحجّ.
وفيه : أوّلاً ضعف السند بعلي بن مزيد أو فرقد فإنه مجهول.
وثانياً : ضعف الدلالة لأن مورد النص الوصيّة بالحج ، ولا ريب أن العمل بالوصية مرغوب فيه مهما أمكن ، فإن لم يمكن العمل بنفس الوصيّة فالأقرب فالأقرب ، ولا شك أن الحجّ وحده أقرب إلى نيّة الموصي ، ومحل كلامنا غير الوصيّة وهو ما إذا دار الأمر بين صرف المال في الحجّ وبين إيصاله إلى الورثة ، والتعدي من مورد النص إلى المقام يحتاج إلى الدليل ، وقد عرفت أن مقتضى القاعدة بعد تعذر الإتيان بالعمل هو سقوط الوجوب وانتقال المال إلى الورثة أو إلى وصية اخرى لو كانت.
1) الوسائل 19 : 349 / أبواب الوصايا ب 37 ح 2.
[3081] مسألة 84 : لا يجوز للورثة التصرف في التركة قبل استئجار الحجّ إذا كان مصرفه مستغرقاً لها بل مطلقاً على الأحوط (1)إلّا إذا كانت واسعة جدّاً فلهم التصرّف في بعضها حينئذ مع البناء على إخراج الحجّ من بعضها الآخر كما في الدّين ، فحاله حال الدّين (1).
(1) يقع الكلام في صورتين :
الاولى : ما إذا كان مصرف الحجّ مستغرقاً للتركة كالدين المستغرق.
الثانية : ما إذا كانت التركة أزيد من الدّين أو من مصرف الحجّ.
أمّا الصورة الاولى : فلا يجوز للورثة التصرف في المال المتروك لعدم انتقال المال إلى الورثة ، لأن المستفاد من الآية المباركة والنصوص تأخر مرتبة الإرث عن الدّين وقد حقق في محله أن المال ينتقل إلى الغرماء من نفس الميت لا من الورثة ويكون المال باقياً على ملك الميت ، والغرماء يتلقون المال من الميت لا من الورثة ، ولا مانع أصلاً من ملك الميت فتكون الورثة أجنبية عن المال بالمرّة وحالهم حال الأجانب في التصرف في التركة على حد سواء. نعم ، للوارث ولغيره التبرع بأداء الدّين أو بإتيان الحجّ كما أن للدائن الإبراء فحينئذ لا يبقى موضوع للدين ، ويجوز للورثة التصرف في التركة لارتفاع موضوع الدّين بالتبرع أو بالإبراء.
هذا كلّه على ما يقتضيه التحقيق من عدم انتقال التركة إلى الورثة إذا كان الدّين مستغرقاً. وأما على القول الآخر الذي ذهب إليه جملة من الأعلام من انتقال المال إلى الورثة فكذلك لا يجوز لهم التصرف في التركة لأنها متعلقة لحق الغير ، فعلى كل من القولين لا يجوز للورثة التصرف في التركة.
وأمّا الثانية : فالصحيح فيها جواز التصرف في غير مقدار الدّين ومصارف الحج فإن المال على القول الصحيح لا ينتقل إلى الورثة بمقدار الدين وإنما ينتقل المال إليهم في المقدار الزائد على الدّين ، وقد عرفت أنه لا مانع من ملكية الميت ، فالميت يملك
1) (*) لا بأس بتركه ، ولا فرق بين الواسعة وغيرها.
.................................................................................................
كليّاً معيّناً من التركة والوارث يملك الباقي من المال المتروك ويجوز له التصرّف بالمقدار الذي يملكه وله تطبيق الكلي على الأفراد الخارجية نظير بيع صاع من صبرة فمقتضى القاعدة جواز التصرف. مضافاً إلى السيرة القطعية القائمة على جواز التصرّف للورثة وإن كان الميت مديوناً ، وحمل السيرة على ما إذا كان الميت غير مديون أصلاً حمل على فرد نادر جدّاً ، فإن الأموات حتى الأغنياء قد يخلفون الدّين ولا أقل من مهر زوجته.
وذهب جماعة إلى عدم جواز التصرف حتى في فرض زيادة التركة على الدّين ولم يفرقوا بين المستغرق وغيره في المنع عن التصرّف ، كما أن المصنف احتاط في ذلك ولعله لأجل أن المال متعلق حق الغرماء ولا يكون متشخّصاً ، ولكن قد عرفت أن الميت بنفسه يملك وينتقل المال المساوي أو بمقدار الدّين إلى الغرماء رأساً والبقية تنتقل إلى الورثة ويجوز لهم التصرف في المقدار الزائد على نحو جواز التصرّف فيما إذا باع صاعاً من صبرة.
وأمّا ما فصّله المصنف (قدس سره) من عدم جواز التصرف حتى إذا كانت التركة أزيد من الدّين وجوازه إذا كانت التركة واسعة كثيرة جدّاً فلم يظهر لنا وجهه ، ولعلّه اعتمد على السيرة وعلى أن القدر المتيقن منها ما إذا كانت التركة واسعة جدّاً ، هذا كله ما تقتضيه القاعدة ، وكذلك النص فإن المستفاد منه التفصيل بين الاستغراق وعدمه من دون فرق بين كون التركة واسعة جدّاً أم لا ، كما في موثق عبد الرحمن بن الحجاج بالحسن بن محمّد بن سماعة عن أبي الحسن (عليه السلام) «عن رجل يموت ويترك عيالاً وعليه دين أينفق عليهم من ماله؟ قال : إن كان يستيقن أن الذي ترك يحيط بجميع دينه فلا ينفق وإن لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال» (1)ونحوه خبر البزنطي (2)، وعُبر عنه بالصحيح في كلمات بعضهم بزعم أن البزنطي أسند إلى الإمام (عليه السلام) وسأل عنه ولكن الموجود في التهذيب بإسناد له أي : بطريق له ، والطريق
مجهول عندنا فيصبح الخبر ضعيفاً.
[3082] مسألة 85 : إذا أقر بعض الورثة بوجوب الحجّ على المورّث وأنكره الآخرون لم يجب عليه إلّا دفع ما يخصّ حصّته بعد التوزيع (1)وإن لم يفِ ذلك (2)بالحج لا يجب عليه تتميمه من حصّته ، كما إذا أقر بدين وأنكره غيره من الورثة فإنه لا يجب عليه دفع الأزيد ، فمسألة الإقرار بالحجّ أو الدّين مع إنكار الآخرين نظير مسألة الإقرار بالنسب ، حيث إنه إذا أقر أحد الأخوين بأخ آخر وأنكره الآخر لا يجب عليه إلّا دفع الزائد عن حصّته فيكفي دفع ثلث ما في يده ولا ينزل إقراره على الإشاعة على خلاف القاعدة للنص (1) (3).
(1) ذكر في هذه المسألة فروعاً ثلاثة :
الأوّل : اعتراف بعض الورثة بالدين.
الثاني : اعترافه بالحج على المورث.
الثالث : اعترافه بالنسب.
أمّا الأوّل : فالمستفاد من الآية المباركة (4)والنصوص (5)تأخر الميراث عن الدّين والوصيّة ، وثبوت الدّين في التركة على نحو الكلي في المعيّن ، ولا ينتقل مقدار الدّين إلى الورثة بل ينتقل إلى الغرماء رأساً ، ولذا لو تلف بعض المال بعد موته فضلاً عما قبل الموت يخرج الدّين من بقية المال ولا ينقص من الدّين شيء ، وهذا دليل قطعي على أن ثبوت الدّين في التركة ليس على نحو الإشاعة ، بل هو على نحو الكلّي في المعيّن كما يقتضيه إطلاق الآية والنصوص ، فإذا اعترف بعض الورثة بالدين وأنكره الآخر أو لم يعترف به يؤخذ من المال المتروك بمقدار اعترافه ، وعليه أن يعطي تمام
.................................................................................................
الدّين الذي اعترف به ويكون الباقي له ، وما أخذه المنكر يكون مشتركاً بينه وبين الأخ المعترف ، وإذا كان ذلك الأخ جاحداً وغاصباً يجوز للأخ المعترف أن يأخذ من أخيه الجاحد حصّة الدّين بالنسبة مقاصة ، وإن كان جاهلاً يرجع أمرهما إلى الحاكم.
وبالجملة : مقتضى القاعدة لزوم أداء تمام الدّين على المعترف من حصّته ولو بتمام حصّته ، وله مطالبة الآخرين ببقية حصّته من التركة وإقامة الدعوى عليهم. نعم لا يجب عليه تتميمه من مال آخر إلّا إذا كان إجماع على الخلاف من لزوم التحصيص في الدّين على حسب نسبة الحصص ، ولو لم يثبت الإجماع كما هو غير ثابت فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، مضافاً إلى موثق إسحاق بن عمار : «في رجل مات فأقر بعض ورثته لرجل بدين ، قال : يلزم ذلك في حصّته» (1)، وظاهره لزوم تمام الدّين في حصّته.
وذكر صاحب الوسائل عن الشيخ أنه حمله على أنه يلزم بقدر ما يصيب حصته بشهادة خبر أبي البختري : قال : «قضى علي (عليه السلام) في رجل مات وترك ورثة فأقر أحد الورثة بدين على أبيه ، أنه يلزم ذلك في حصّته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك في ماله كلّه ، إلى أن قال : وكذلك إن أقر بعض الورثة بأخ أو أُخت إنما يلزمه في حصّته» (2). ولكن الخبر ضعيف سنداً ، بل ودلالة. أما الأوّل فبأبي البختري الذي قيل فيه : إنه من أكذب البرية. وأما الثاني فلاحتمال أن يراد من العبارة عدم وجوب التتميم من ماله الشخصي بمعنى أن يلزم على المقر دفع الدّين من حصته ولا يلزم عليه دفعه من سائر أمواله الشخصية.
وأمّا الثاني : وهو الاعتراف بالحج فقد ذكر المصنف (قدس سره) أنه لا يجب على المعترف إلّا دفع ما يخص حصته بعد التوزيع ، وإن لم يف ذلك بالحج لا يجب عليه تتميمه من حصته.
أقول : إن كان ثبوت الحجّ في التركة على نحو الكلي في المعيّن نظير الدّين ، فيجب
.................................................................................................
على المعترف أن يخرج الحجّ مما أخذه من التركة ، وعليه أن يتعهد بجميع مصارف الحجّ ، وله مطالبة الآخر من بقية حصته من التركة كما تقدم في الدّين ، وأما بناء على ما ذكره من إخراجه من حصته بالنسبة بعد التوزيع فالخارج من إرثه نصف مصارف الحجّ ، وحينئذ لا يتصور فيه الوفاء للحج حتى يقال بأنه إن لم يفِ ذلك بالحج لا يجب عليه التتميم ، لأنّ المعترَف به في الحقيقة إنما هو نصف مصارف الحجّ وهو غير واف للحج دائماً فلا مجال لقوله : «وإن لم يفِ لا يجب عليه تتميمه» ، وليس الحجّ كالدين في إمكان التبعيض وإخراجه بالمقدار الممكن ، لأنه واجب ارتباطي بخلاف الدّين فإنه غير ارتباطي يجري فيه التبعيض.
وبالجملة : لو اعترف أحد الورثة بالحج وأنكره الآخرون فلا موضوع للحج لعدم إمكان إتيانه بالنصف المعترَف به وعدم جريان التبعيض فيه ، فإن لم يعط الآخرون من حصّتهم النصف الآخر يسقط وجوبه بالمرّة.
فيقع الكلام حينئذ في المقدار الثابت في حصته فهل يجوز له التصرّف فيه لأنه يرجع إلى كونه إرثاً ، لأنّ المانع هو الحجّ والمفروض سقوطه ، أو أنه يجب عليه صرفه في جهات الميت الأقرب فالأقرب؟ الظاهر هو الثاني ، لأنّ المقدار المعترَف به لم ينتقل إلى الوارث من أوّل الأمر وإنما هو باق على ملك الميت ، وكذلك المقدار الذي أخذه المنكر باق على ملك الميت ، فمجموع المالين ملك للميت يملك مقداراً من هذا ومقداراً من ذاك ، غاية الأمر الوارث الآخر جاحد أو جاهل معذور لعدم اعترافه باشتغال ذمّة الميت ، وكيف كان لا يجوز للوارث المعترف التصرف في هذا المقدار من المال لبقائه على ملك الميت وحيث إنه لا يفي للحج فلا بدّ من صرفه في جهات الميت الأقرب فالأقرب.
هذا تمام الكلام في الإقرار بالدين والحجّ وقد عرفت أنهما يخرجان من تمام حصة المعترف إذا كانت وافية ويكون الباقي من التركة بعد أداء الدّين والحجّ مشتركاً بين الورثة ، ويجوز للمعترف الأخذ من المنكر على موازين القضاء من إقامة الدعوى عليه ، وأما بالنسبة إلى الغاصب فيقتص منه.
.................................................................................................
وأمّا الثالث : وهو الاعتراف بالنسب كما لو اعترف أحد الشريكين في الإرث بالنسب لشخص ثالث مشترك معهما ، كما إذا كان هناك أخوان وارثان فأقر أحدهما بأن زيداً أيضاً أخوهما وأنكره الآخر.
ذكر المصنف أن المقرّ يدفع إلى المقر له المقدار الزائد عمّا يستحقه والزائد عن حصّته باعتقاده واعترافه فيكفي دفع ثلث ما في يده ولا يجب عليه التنصيف ، كما لو فرضنا أن المال المتروك ستة دنانير وبعد التنصيف بينه وبين أخيه أقرّ أحدهما بأن زيداً أخ لهما أيضاً ، يجب على المقرّ إعطاء دينار واحد إلى المقرّ له ويبقى الديناران للمقرّ ، ولا يكون المقرّ له شريكاً مع المقرّ حتى يلزم عليه التنصيف بينه وبين المقرّ له.
أقول : التقسيم قد يكون مع الغاصب وهذا بحث طويل وقد ذكر في محله أن الغاصب لا يصح معه التقسيم ، فلو كان المال مشتركاً بين أخوين وأخذ الغاصب نصف المال بعنوان أنه مال زيد فتلف لا يختص بزيد ويحسب التالف عليهما والباقي لهما ، ولا أثر لنيّة الغاصب وتقسيمه ، والقاعدة تقتضي هناك الإشاعة والتلف من مال الأخوين معاً ، وأما في باب الاعتراف بالنسب فالقاعدة تقتضي إعطاء المقرّ الزائد عن حصّته للمقرّ له بالنسبة حسب اعترافه ولا يكون المقر له شريكاً للمقر ، فيجب على المقر دفع ثلث ما في يده لا نصفه ، وأمّا النص المشار إليه في المتن فهو خبر أبي البختري الذي قد عرفت ضعفه سنداً ودلالة ، ولو كانت القاعدة مقتضية للاشتراك لزم الالتزام بالإشاعة في المقام ولا أثر لوجود هذا الخبر الضعيف.
والحاصل : إذا اعترف أحد الشريكين في الإرث بثالث فمرجع ذلك إلى الاعتراف بأن لكل واحد منهم ثلث المال ، فإذا فرضنا أن المال قسم إلى قسمين بين الأخوين ثمّ اعترف أحدهما بأخ ثالث ، معناه أن المال الذي بيد الأخ المنكر ثلثه للمقرّ له وثلثه للمقرّ وثلثه للأخ نفسه ، وكذا الحال في المال الذي أخذه المقرّ ثلثه لنفسه وثلثه لأخيه وثلثه للمقر له لا أزيد ، فالثلث الذي عنده للأخ والثلث الذي عند الأخ للأخ الآخر ويقع التبادل بين هذين الثلثين بالتراضي بينهما ، وعلى سبيل المثال لنفرض أن المال المتروك ستون ديناراً وقسم إلى قسمين وكل واحد من الأخوين أخذ ثلاثين ديناراً
[3083] مسألة 86 : إذا كان على الميت الحجّ ولم تكن تركته وافية به ولم يكن دين فالظاهر كونها للورثة ولا يجب صرفها في وجوه البر عن الميت لكن الأحوط التصدّق عنه للخبر عن الصادق (عليه السلام) «عن رجل مات وأوصى بتركته أن أحجّ بها فنظرت في ذلك فلم يكفه للحج فسألت مَن عندنا من الفقهاء فقالوا : تصدّق بها ، فقال (عليه السلام) : ما صنعت بها؟ قلت : تصدّقت بها فقال (عليه السلام) : ضمنت إلّا أن لا يكون يبلغ ما يحجّ به من مكّة ، فإن كان لا يبلغ ما يحج به من مكّة فليس عليك ضمان» (1).
فإذا اعترف أحدهما بأخ ثالث معناه أن عشرة دنانير له وعشرة لأخيه وعشرة للمقر له ، وكذا ما عند أخيه ، فالعشرة الثانية التي عنده تكون له بالتبادل وعوضاً من العشرة التي عند أخيه ، فطبعاً يكون له عشرون ديناراً ، ويجب عليه دفع العشرة الزائدة إلى المقر له ولا يكون شريكاً مع المقر في المال الذي عند المقر له حتى يأخذ النصف ولا يجب عليه تنصيف الثلاثين ، فالفرق بين التقسيم في باب الغصب والتقسيم في المقام ظاهر وبينهما بون بعيد ولا يقاس أحدهما بالآخر ، وما ذكرناه في المقام مما تقتضيه القاعدة ولا حاجة إلى النص.
(1) لأنّ المانع عن الانتقال إلى الوارث هو الحجّ والمفروض عدم إمكان الحجّ به فلا مانع ، وينتقل ما ترك إلى الوارث حسب الإطلاقات ، ولا يقاس الحجّ بالدّين لأنه انحلالي غير ارتباطي ، بخلاف الحجّ فإنه واجب ارتباطي لا يمكن فيه التبعيض ولا دليل على وجوب التصدق بالمال المتروك إذا لم يفِ المال للحجّ.
نعم ، ورد النص بالتصدق في باب الوصيّة (1)ولكنه ضعيف السند ، مضافاً إلى أنه مختص بمورد الوصيّة ولا يشمل المقام ، والحكم في باب الوصيّة لزوم الصرف في وجوه البرّ إذا تعذّر العمل بها ، لأنّ الوصيّة بنفسها تقتضي صرف المال بعد تعذّر
1) الوسائل 19 : 349 / أبواب الوصايا ب 37 ح 2.
.................................................................................................
صرفه في الجهة المعيّنة من قِبَل الميت في جهات أُخر الأقرب فالأقرب إلى غرضه فإن الوصيّة تمنع من انتقال المال إلى الورثة وتوجب بقاء المال على ملك الميت فلا بدّ من صرفه في شؤونه وجهاته.
وبعبارة اخرى : تعذّر ما عيّنه الميت لا يوجب انتقال المال إلى الورثة ، لأنّ غرض الميت إيصال الثواب إلى نفسه ، غاية الأمر عيّن مصرفاً خاصاً لذلك ، ولو تعذّر ذلك ينتقل الأمر إلى نحو آخر من إيصال الثواب ، فمرجع الوصيّة في أمثال هذه الموارد تنحل إلى أمرين وتكون على نحو تعدد المطلوب حسب المتفاهم العرفي والقرينة العامة ، فلو تعذر أحدهما يتعين الآخر كما هو الحال في غير المقام من موارد الوصيّة كما إذا أوصى بصرف المال في بناء حسينية أو مدرسة دينية أو إقامة التعزية في بلد معيّن وتعذر ذلك لا ينتقل المال إلى الورثة بل يصرف في الأقرب فالأقرب ، وهكذا الحال في الوصيّة بالحج إذا لم يفِ المال للتمتع يصرف في الإفراد لأنه أقل مصرفاً من التمتع ، وإن لم يفِ له أيضاً يصرف في سائر وجوه البر من التصدق ونحوه ممّا هو أقرب إلى غرض الميت ، وهذا بخلاف الحجّ الثابت في ذمّة الميت الذي فرض عدم الوصيّة به فإنه لو لم يفِ المال له فلا مانع من انتقال المال إلى الورثة حسب العمومات ولا دليل على الاستثناء ، وأما إذا لم يمكن العمل بالوصية كلياً فيدخل المقام في كبرى أن المال لا يمكن إيصاله إلى مالكه فيعامل معه معاملة مجهول المالك من التصدّق ونحوه.
فتحصل : أن الحجّ الواجب على الميت لو تعذر الإتيان به لعدم وفاء المال له ينتقل المال إلى الورثة ، لأن المانع عنه كان هو الحجّ والمفروض عدم إمكان الإتيان به فيدخل في عمومات الإرث ، وهذا بخلاف باب الوصيّة سواء كانت على نحو تعدد المطلوب أو وحدته ، فإنه لو تعذر العمل بها يصرف المال في وجوه أُخر ولا ينتقل إلى الورثة ، لأنّ المستثنى من الإرث نفس الوصيّة لا الموصى به ، والمال باق على ملك الميت ، فإن أمكن الإيصال إليه بصرفه في الجهات المعيّنة أو القريبة إلى غرضه فهو وإلّا يعامل معه معاملة مجهول المالك.
وأمّا ما ذكره المصنف وغيره من صرف المال في التصدّق ابتداء بمجرّد تعذّر الحجّ
نعم ، لو احتمل كفايتها للحج بعد ذلك أو وجود متبرع بدفع التتمّة لمصرف الحجّ وجب إبقاؤها (1)(1).
[3084] مسألة 87 : إذا تبرع متبرع بالحج عن الميت رجعت اجرة الاستئجار إلى الورثة (2)(2) سواء عينها الميت أو لا. والأحوط صرفها في وجوه البر أو التصدّق عنه خصوصاً فيما إذا عيّنها الميت ، للخبر المتقدِّم.
للخبر المتقدِّم فهو لا ينطبق عليه الخبر المذكور ، لأن المستفاد منه الحجّ من مكّة الذي هو أقل مصرفاً من حجّ التمتع وإن لم يتمكن من ذلك فيتصدق به.
(1) لعلّ وجهه رجوع ذلك إلى الشك في القدرة ولا تجري البراءة في مثل ذلك بل يجري الاشتغال ، ولكن الظاهر أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في الحكم الوضعي لا التكليفي حتى يكون مبنياً على الشك في القدرة ، فإن الشك يرجع إلى الشك في انتقال المال إلى الورثة وعدمه للشك في وفاء المال وعدمه ، فإن المال في صورة الوفاء باق على ملك الميت وعلى تقدير عدم الوفاء ينتقل إلى الورثة ، فلو شك في الوفاء وعدمه في السنة الآتية أو وجود متبرع لا مانع من استصحاب العدم ، بناء على جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي وبذلك يتحقق موضوع الانتقال إلى الورثة. نعم ، لو تصرّفوا ثمّ انكشف الخلاف وظهر وفاء المال للحج فيما بعد أو وجد المتبرع يكشف أن الاستصحاب لم يكن مطابقاً للواقع ويكون ضامناً لما أتلفه ، وهذا أمر آخر وكلامنا فعلاً في جواز التصرف وعدمه ، ولذا ذكرنا في التعليقة أن الظاهر عدم وجوب الإبقاء ولكن لو ظهر الخلاف وتحقق كفايتها أو وجد المتبرع كان ضامناً لما أتلفه.
(2) لأنّ التبرّع يوجب سقوط الحجّ عنه وإبراء ذمته منه كما هو الحال في الدّين
[3085] مسألة 88 : هل الواجب الاستئجار عن الميت من الميقات أو البلد؟ المشهور وجوبه من أقرب المواقيت إلى مكّة إن أمكن ، وإلّا فمن الأقرب إليه فالأقرب ، وذهب جماعة إلى وجوبه من البلد مع سعة المال وإلّا فمن الأقرب إليه فالأقرب ، وربما يحتمل قول ثالث وهو الوجوب من البلد مع سعة المال وإلّا فمن الميقات وإن أمكن من الأقرب إلى البلد فالأقرب ، والأقوى هو القول الأوّل وإن كان الأحوط القول الثاني لكن لا يحسب الزائد عن اجرة الميقاتية على الصغار من الورثة. ولو أوصى بالاستئجار من البلد وجب ويحسب الزائد عن اجرة الميقاتية من الثلث ، ولو أوصى ولم يعين شيئاً كفت الميقاتية إلّا إذا كان هناك انصراف إلى البلدية أو كانت قرينة على إرادتها كما إذا عين مقداراً يناسب البلدية (1).
ويدلّ على صحّة التبرع بالحج صحيح معاوية بن عمار الوارد في من مات ولم يحج حجّة الإسلام فتبرع عنه شخص آخر هل يجزئ ذلك عنه؟ «قال : بل هي حجّة تامّة» (1).
وبالجملة : لا مانع من رجوع المال وأُجرة الاستئجار إلى الورثة ، لأنّ المانع كان هو الحجّ والمفروض ارتفاعه ، هذا فيما إذا لم يوص بالحج ، وأما إذا أوصى بالحجّ وتبرّع شخص به لا ينتقل المال الموصى به إلى الورثة بل يصرف في وجوه البرّ عنه وقد تقدّم وجه ذلك قريباً.
(1) قد عرفت أنه لا خلاف في أنه إذا استقر عليه الحجّ ثمّ مات يقضى ويستأجر عنه من أصل المال ، إنما وقع الخلاف في المكان الذي يجب الاستئجار منه فهل يجب الاستئجار عنه من البلد أو الميقات أو فيه تفصيل؟ نسب إلى الشيخ أنه من البلد (2)ونسب إلى المشهور أنه من أقرب الأماكن والمواقيت إلى مكّة إن أمكن وإلّا فمن غيره
.................................................................................................
مراعياً الأقرب فالأقرب.
وذهب جماعة إلى وجوب الاستئجار عنه من البلد مع سعة المال وإن لم يسع فمن الأقرب إلى البلد فالأقرب ، اختاره في الدروس (1).
وهنا قول رابع نسب إلى جماعة وفي صحّة النسبة كلام وهو الوجوب من البلد مع سعة المال ، ولو ضاق المال فمن الميقات وإن كان الاستئجار من الأقرب إلى البلد فالأقرب ممكناً ، والفرق بين هذا القول وسابقه هو أن القول السابق لو ضاق المال عن البلد يُراعى الأقرب فالأقرب إلى بلده وهذا القول إذا لم يسع المال من البلد ينتقل الأمر إلى الميقات رأساً وإن وسع المال من البلاد القريبة لبلده.
والذي ينبغي أن يقال إنه يقع الكلام في موارد ثلاثة :
الأوّل : في القضاء عن الميت.
الثاني : في الاستئجار عن الحي.
الثالث : في الوصيّة بالحج.
أمّا الأوّل : فالثابت بالأدلة وجوب إخراج الحجّ من صلب المال ، وأما ابتداؤه من البلد أو الميقات فلم يرد فيه أي نص. نعم ، ورد في الوصيّة بالحج والحجّ عن الحي وهما أجنبيان عن المقام ، فلا بدّ في مقامنا هذا من الرجوع إلى ما تقتضيه الأدلّة والروايات ومقتضاها وجوب الحجّ عنه ، والحجّ اسم للأعمال الخاصة والمناسك المعروفة من الإحرام إلى التقصير أو إلى طواف النساء في حجّ التمتع ، وأمّا المقدّمات وطي المسافات فهي خارجة عن الحجّ ، والخارج من عمومات الإرث وإطلاقاتها إنما هو اجرة الحجّ نفسه فالواجب حينئذ الاستئجار من الميقات ، وبما أنّ المواقيت مختلفة في القرب والبعد وكثرة الأُجرة وقلتها يكون الواجب هو الجامع بين الأفراد ، ومقتضى ذلك جواز التطبيق على الأقرب والأبعد ، فطبعاً يكون الواجب في المقام هو مورد
1) الدروس 1 : 326.
.................................................................................................
الأقل أُجرة سواء كان أقرب أو أبعد من حيث المكان ، ولا موجب لتطبيق الجامع على الأكثر قيمة بعد إمكان تطبيقه على الأقل وسقوط الواجب به.
فالصحيح ما اختاره المصنف تبعاً للمشهور ، وإن كان الأحوط الاستئجار من البلد مع سعة المال ، لكن يحسب الزائد عن اجرة الحجّ الميقاتي من حصة الكبار لا الصغار.
وأمّا ما اختاره ابن إدريس (1)والدروس (2)من وجوب الاستئجار من البلد مع سعة المال وإلّا فمن الأقرب إلى البلد فالأقرب فاستدل عليه بأنه كان يجب عليه صرف المال من البلد لو كان حياً ، فلما مات سقط الحجّ عن بدنه وبقي في ماله ما كان يجب عليه لو كان حياً من مئونة الطريق من بلده ، وادعى تواتر الأخبار بذلك.
ففيه : أن صرف المال من البلد وإن كان واجباً ولكنه واجب مقدمي لا نفسي ولذا لو فرضنا أنه ذهب شخص مستطيع إلى المدينة أو الميقات لغاية أُخرى غير الحجّ وحجّ من هناك أجزأه عن حجّة الإسلام. وأما ما ادعاه من تواتر الأخبار بذلك فغير ثابت ، ولعل نظره إلى الروايات الواردة في الوصيّة بالحج.
الثاني : وهو الاستئجار والنيابة عن الحي فالظاهر هو الاجتزاء من الميقات وعدم وجوب الإتيان به من البلد كما هو مقتضى الإطلاقات وقد تقدم ذلك مفصلاً ، ويؤكد ذلك صحيح حريز فإنه صريح في كفاية الاستنابة من غير البلد : «عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة ، فقال : لا بأس ، إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه» (3).
الثالث : مورد الوصيّة بالحج ، وفيه قد يفرض الكلام فيما لا يفي المال للحج البلدي وقد يفرض فيما إذا وفى المال به.
.................................................................................................
أمّا في الأوّل : فيجب عليه الميقاتي ، وذلك فإنه إذا قلنا بأن الواجب في فرض سعة المال ووفائه هو الحجّ الميقاتي أيضاً فالأمر واضح ، وإن قلنا بأنه الحجّ البلدي فلما عرفت آنفاً أن الوصيّة بالحج ونحوه من باب تعدّد المطلوب وتنحل إلى أمرين ، فإذا عجز عن أحدهما يتعيّن الآخر ، لأنّ غرض الميت الموصي وصول الثواب إليه فإذا لا يمكن إيصال الثواب إليه على النحو الذي عيّنه وأوصاه يجب إيصال الثواب إليه على الطريق الآخر فإن ذلك أقرب لغرض الميت ، ولا بدّ من صرف ماله في جهاته لبقاء المال على ملكه ولا ينتقل إلى الورثة ، مضافاً إلى صحيحة علي بن رئاب : «عن رجل أوصى أن يحجّ عنه حجّة الإسلام ولم يبلغ جميع ما ترك إلّا خمسين درهماً ، قال : يحجّ عنه من بعض المواقيت التي وقّتها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من قرب» (1).
وأمّا في الثاني : وهو ما إذا وفى المال للحج البلدي وأوصى بالحج فهل يحجّ عنه من البلد أو الميقات فالروايات مختلفة.
ففي بعضها أنه يحج عنه من البلد كما في خبر البزنطي الذي عبّر عنه بالصحيح قال : «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحجّ من أين يحجّ عنه؟ قال : على قدر ماله ، إن وسعه ماله فمن منزله وإن لم يسعه ماله فمن الكوفة فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة» (2). ولكن الخبر مخدوش سنداً ودلالة.
أمّا من حيث السند فبمحمّد بن عبد اللّه الذي روى عنه البزنطي ، وقد تكرّر ذكره في الرجال تارة محمّد بن عبد اللّه الأشعري وأُخرى محمّد بن عبد اللّه القمي وثالثة محمّد ابن عبد اللّه بن عيسى الأشعري ، وعدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عليه السلام) وزيدت كلمة (ثقة) في النسخة المطبوعة (3)وبقية النسخ خالية عنها ، وكل من نقل
.................................................................................................
عن الشيخ كالقهبائي (1)وغيره لم يذكروا التوثيق ، والنسخة المطبوعة لم تثبت صحتها فوثاقة الرجل غير ثابتة.
وأمّا الدلالة فقد اشتمل الخبر على أمر لم يقل به أحد ، إذ لو كانت العبرة بصرف المال في المقدّمات فلا بدّ من ملاحظة البلاد الأقرب فالأقرب لا الطفرة من بلد الموصي الظاهر أنه خراسان بقرينة روايته عن الرضا (عليه السلام) إلى الكوفة ومنها إلى المدينة ، بل اللازم بناء على ملاحظة الأقرب فالأقرب من البلاد ملاحظة البلاد الواقعة في الطريق كنيشابور وسبزوار وطهران وهكذا ، لا أنه يحج عنه من الكوفة وإن لم يسعه فمن المدينة مع تحقق مسافة بعيدة بين ذلك ، وبالجملة : هذا النحو من ملاحظة البلاد لا قائل به أصلاً ولا يساعده الاعتبار.
وفي بعضها أنه يُحج عنه من غير البلد الذي مات فيه أي قبل الميقات كما في خبر سهل بن زياد عن البزنطي عن زكريا بن آدم : «عن رجل مات وأوصى بحجّة أيجوز أن يُحجّ عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال : أما ما كان دون الميقات فلا بأس» (2)وهو صريح في جواز الحجّ عنه من غير البلد ويعارض الخبر السابق ولكنه أيضاً ضعيف بسهل ، ففي باب الوصيّة بالحج لم يرد نص معتبر يعتمد عليه فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، ففي فرض سعة المال وكفايته للبلدي يحج عنه من البلد لظهور الوصيّة في الحجّ البلدي سواء كان الموصى به حجّ الإسلام أم لا ، وإن لم يكن للوصية ظهور وكانت مجملة يخرج الحجّ من الميقات ويخرج من صلب المال لا من الثلث ، لأن حجّ الإسلام يخرج من الأصل وغيره من الثلث.
[3086] مسألة 89 : لو لم يمكن الاستئجار إلّا من البلد وجب وكان جميع المصرف من الأصل (1).
[3087] مسألة 90 : إذا أوصى بالبلدية أو قلنا بوجوبها مطلقاً فخولف واستؤجر من الميقات (1)أو تبرّع عنه متبرِّع منه برأت ذمّته وسقط الوجوب من البلد ، وكذا لو لم يسع المال إلّا من الميقات (2)
(1) إذا قلنا بأنّ الواجب هو الحجّ البلدي فلا إشكال في احتساب جميع المصرف من الأصل ، وإن قلنا بأنّ الواجب هو الميقاتي والزائد غير واجب ، فإن لم يمكن الاستئجار إلّا من البلد كما إذا لم يوجد أجير من الميقات وجب البلدي أيضاً ، ويجب جميع المصرف من البلد من الأصل ، لأنّ ذلك وجب مقدمة لتفريغ ذمّته.
(2) لأنّ المقدّمات الخارجية لا دخل لها في صحّة الأعمال ، فإن الحجّ اسم لإعمال مخصوصة ، ووجوب الإتيان من البلد لو قلنا به فهو واجب آخر لا دخل له في صحّة الأعمال ، هذا بالنسبة إلى براءة ذمة الميت وسقوط الواجب عنه ، وأمّا بالنسبة إلى انتقال التركة إلى الوارث ففيه تفصيل حاصله : أنه في مورد الحجّ الثابت في ذمة الميت إذا خولف واستؤجر من الميقات أو تبرع عنه متبرع ينتقل ما تركه من الأموال بإزاء الحجّ أو المقدمات إلى الورثة ، إذ لم يبق موضوع لوجوب الحجّ أو إتيان المقدمات حتى يصرف المال في ذلك فلا مانع من الانتقال نظير الدّين إذا تبرع عنه متبرع ، وأما في مورد الوصيّة بالحج فالمال الزائد لا يجب صرفه في الحجّ ثانياً لأن موضوع الوصيّة قد انتفى ، ولكنه لا ينتقل إلى الورثة بل هو باق في ملك الميت ويصرف في وجوه البر الأقرب فالأقرب في نظر الميت وجهاته ، لما عرفت بما لا مزيد عليه أنّ الوصيّة بالحجّ ونحوه من باب تعدد المطلوب وتنحل إلى أمرين وإذا تعذر أحدهما يصرف المال في الآخر.
1) (*) لكن الإجارة لو كانت من مال الميت يحكم ببطلانها.
[3088] مسألة 91 : الظاهر أن المراد من البلد (1)هو البلد الذي مات فيه كما يشعر به خبر زكريا بن آدم (قدس سرهما) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وأوصى بحجة أيجزئه أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال (عليه السلام) : ما كان دون الميقات فلا بأس به» مع أنه آخر مكان كان مكلفاً فيه بالحجّ. وربما يقال : إنه بلد الاستيطان لأنّه المنساق من النص والفتوى وهو كما ترى. وقد يحتمل البلد الذي صار مستطيعاً فيه. ويحتمل التخيير بين البلدان التي كان فيها بعد الاستطاعة ، والأقوى ما ذكرنا وفاقاً لسيّد المدارك (قدس سره) ونسبه إلى ابن إدريس (قدس سره) أيضاً وإن كان الاحتمال الأخير وهو التخيير قويّاً جدّاً (1).
إنّما الكلام في صحّة الإجارة إذا خالفت الوصيّة واستأجره من الميقات ، والظاهر فساد الإجارة ، لأنّ المرخص من التصرّف في مال الميت إنما هو الاستئجار من البلد وأما من غيره فغير مأذون فيه ولكن المؤجر يضمن للمستأجر أُجرة المثل ، وفساد الإجارة لا ينافي صحّة العمل الصادر من المستأجر وفراغ ذمة الميت به.
فظهر أن المال الزائد في مورد الحجّ الثابت في ذمّة الميت ينتقل إلى الورثة وفي مورد الوصيّة باق على ملك الميت ويصرف في جهاته.
ولا يخفى أن عبارته (قدس سره) موهمة لانتقال المال إلى الورثة في كلا الموردين وقد عرفت خلافه.
(1) لو قلنا بوجوب الحجّ من البلد مطلقاً أو في خصوص مورد الوصيّة فهل هو بلد الموت أو بلد السكنى أو البلد الذي صار فيه مستطيعاً أو أحد البلدان التي انتقل إليها بعد الاستطاعة؟ وجوه.
1) (*) تقدم كفاية الميقاتية مع عدم الوصيّة ، وأما إذا أوصى فالمتبع هو ظهور الوصيّة ، ويختلف ذلك باختلاف الموارد.
[3089] مسألة 92 : لو عيّن بلدة غير بلده كما لو قال : استأجروا من النجف أو من كربلاء تعيّن (1).
[3090] مسألة 93 : على المختار من كفاية الميقاتية لا يلزم أن يكون من الميقات أو الأقرب إليه فالأقرب بل يكفي كل بلد دون الميقات (2) ، لكن الأُجرة الزائدة على الميقات مع إمكان الاستئجار منه لا يخرج من الأصل ولا من الثلث
فإن تمّ ما ذكره ابن إدريس من وجوب صرف المال من البلد الذي لو كان حيّاً لوجب الحجّ منه (1)فالمراد من البلد بلد الموت ، لأنه آخر مكان وجب عليه الحجّ فيه ولكنه غير تام كما تقدّم.
فالظاهر أنّ المراد بالبلد هو بلد الاستيطان لأنه المنصرف والمتفاهم عرفاً ، والذي يسهل الخطب أنه لا أثر للكلام والنقض والإبرام في مورد الحجّ الثابت في ذمة الميت بعد عدم وجود رواية في المقام تدل على اعتبار كون الحجّ من البلد ، وأما في باب الوصيّة فالمتبع الظهور العرفي كما تقدم.
(1) هذا إنما يتم بناء على عدم وجوب الحجّ من البلد فحينئذ يتعيّن عليه العمل بالوصية بالاستئجار من البلد الذي عيّنه ، وأما بناء على القول الآخر من وجوب الحجّ من البلد فهذه الوصيّة لا أثر لها ، لأنها على خلاف السنّة وعلى خلاف ما هو الواجب شرعاً ، بل لا بدّ من الحجّ من البلد الذي مات فيه أو بلد الاستيطان على الخلاف المتقدم.
(2) لا ريب في جواز الاستئجار من أي بلد شاء ولو من دون الوصيّة بناء على كفاية الميقاتية ، فإن الحجّ الميقاتي إنما يكتفى به لا أنه يجب الحجّ منه بحيث لو حجّ من غيره لم يكن مجزئاً. وبعبارة اخرى : كفاية الميقاتية لا تنافي الاكتفاء بالحج البلدي أيضاً ، وأمّا الأُجرة الزائدة على الميقات فلا تخرج من الأصل لأن الخارج منه إنما هو
1) السرائر 1 : 648.
إذا لم يوص بالاستئجار من ذلك البلد إلّا إذا أوصى بإخراج الثلث من دون أن يعين مصرفه ومن دون أن يزاحم واجباً مالياً عليه.
[3091] مسألة 94 : إذا لم يمكن الاستئجار من الميقات وأمكن من البلد وجب (1) وإن كان عليه دين الناس أو الخُمس أو الزّكاة ، فيزاحم الدّين إن لم تف التركة بهما بمعنى أنها توزع عليهما بالنسبة (1).
الأُجرة الواجبة ، وكذا لا يؤخذ الزائد من الثلث إذا لم يوص به ، لأنّ الثلث إنما يؤخذ منه إذا أوصى به وإلّا فيرجع إلى الورثة.
نعم ، لو أوصى بمطلق الثلث وصرفه في مطلق وجوه البر ولم يعين مصرفاً خاصاً له يجوز للوصي الاستئجار من أي بلد شاء لما فيه من الفضل وكثرة الأجر والثواب ، وأما إذا عين مصرفاً خاصاً له يلزم صرفه فيه رعاية لمصلحة الميت ونظره ، لكن هذا فيما إذا لم يزاحمه واجب مالي آخر ، وأمّا إذا زاحمه واجب مالي آخر فليس للوصي صرف الثلث في مطلق وجوه البر ، وقد ورد في باب الوصيّة أنه لو أوصى بواجب وغيره وفرض أن الثلث لا يفي بهما يقدم الواجب ولا يقع التزاحم ، لأنّ المستحب لا يزاحم الواجب والحجّ من غير الميقات من أفراد غير الواجب ، وما ورد في عبارة المصنف من قوله : «واجباً مالياً» فالمراد به الواجبات التي يبذل بإزائها المال كالصلاة والصيام ونحوهما التي تخرج من الأصل على رأيه إن لم يوص بإخراجها من الثلث وإلّا فمن الثلث.
(1) لأنه من باب وجوب مقدمة الواجب لتوقف تفريغ الذمة على ذلك ، ولو كان عليه دين من ديون الناس أو من الخمس أو الزكاة فإن وفى المال بهما فلا كلام في الإخراج من الأصل ، وإن لم يفِ ووقع التزاحم بينهما ، ذكر (قدس سره) أن التركة توزع عليهما بالنسبة ، فيقع الكلام في جهتين :
1) (*) تقدّم أن الحجّ يُقدّم.
[3092] مسألة 95 : إذا لم تفِ التركة بالاستئجار من الميقات لكن أمكن الاستئجار من الميقات الاضطراري كمكّة أو أدنى الحل وجب (1). نعم ، لو دار الأمر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري قدم الاستئجار من البلد ، ويخرج من أصل التركة لأنه لا اضطرار للميت مع سعة ماله (1).
الاولى : في توزيع التركة بالنسبة. قد عرفت أن التقسيط والتبعيض لا أثر لهما في المقام ، لأنّ الخارج من أصل المال هو اجرة الحجّ ، وإذا فرضنا عدم وفاء المال الباقي بعد إخراج الدّين بالنسبة للحج فلا فائدة في التوزيع فطبعاً يسقط وجوب الحجّ ، مثلاً لو فرضنا أن الميت مديون بألف دينار وخلّف ألف دينار وفرضنا اجرة الحجّ بمقدار خمسمائة دينار فإذا دفعنا الدّين بالنسبة أي ثلثي الدّين لم يبق عنده ما يفي لأُجرة الحجّ.
الثانية : أنّ مقتضى بعض النصوص المعتبرة كصحيحة بريد العجلي المتقدِّمة (2)تقدّم الحجّ على دين الناس فلا وجه للتقسيط أصلاً.
والحاصل : لو قلنا بتقدم الحجّ على الدّين فلا كلام كما هو الصحيح ، وأما بناء على عدم التقدم فمقتضى القاعدة الأولية مع قطع النظر عن خصوصية المقام هو التقسيط كما لو أوصى بأُمور كثيرة أو كان الواجب عليه أُموراً كثيرة والمال لا يفي للجميع ولكن التقسيط في خصوص المقام غير ممكن ، لأنّ المفروض عدم وفاء المال ، والحجّ غير قابل للتبعيض فيسقط الحجّ ولا بدّ من صرف المال حينئذ في جهات الميت ، فما ذكره المصنف من التوزيع لا يتم على كلا القولين من تقدم الحجّ مطلقاً أو عدمه.
(1) ذكر الفقهاء (قدس سرهم) أن من تجاوز الميقات ولم يحرم منه لجهل أو نسيان ففيه صور ، إذ لو أمكنه الرجوع إلى الميقات وجب ، وإن لم يمكنه فإن لم يدخل الحرم
[3093] مسألة 96 : بناء على المختار من كفاية الميقاتية لا فرق بين الاستئجار عنه وهو حي أو ميت ، فيجوز لمن هو معذور بعذر لا يرجى زواله أن يجهِّز رجلاً من الميقات كما ذكرنا سابقاً أيضاً ، فلا يلزم أن يستأجر من بلده على الأقوى ، وإن كان الأحوط ذلك (1).
[3094] مسألة 97 : الظاهر وجوب المبادرة إلى الاستئجار في سنة الموت خصوصاً إذا كان الفوت عن تقصير من الميت (2) ، وحينئذ فلو لم يمكن إلّا من البلد وجب وخرج من الأصل ، ولا يجوز التأخير إلى السنة الأُخرى ولو مع العلم بإمكان الاستئجار من الميقات توفيراً على الورثة ، كما أنه لو لم يمكن من الميقات إلّا بأزيد من الأُجرة المتعارفة في سنة الموت وجب ولا يجوز التأخير إلى السنة الأُخرى توفيراً عليهم.
يحرم من مكانه ، وإن دخل الحرم وأمكنه الرجوع إلى أدنى الحل وجب ، وإلّا فيحرم من مكانه ، ويمكن إجراء هذا الحكم في العالم العامد أيضاً ، ولكن مورد ذلك حسب ما يستفاد من النصوص من تجاوز عن الميقات بلا إحرام عذراً أو عمداً ولا إطلاق لها حتى يشمل المقام ، فإن أمكن الحجّ من سائر المواقيت فهو وإلّا فيسقط الحجّ لعدم الدليل على الاجتزاء بالميقات الاضطراري. نعم ، لو دار الأمر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري يتعين البلد إذ لا اضطرار للميت مع سعة ماله ، وقد عرفت أن الاستئجار من الميقات مجز لا أنه يتعين فيجزئ الاستئجار من أي بلد أمكن.
(1) قد تقدم مفصلاً أن الحجّ عن الحي لا يختص بالحج عنه من البلد ، لأنّ الإجزاء من الميقات لا يختص بالميت بل يشمل الحجّ عن الميت والحي معاً ، وقد عرفت التفصيل في المسألة الثانية والسبعين فلا داعي للتكرار.
(2) وذلك لأن المال باق على ملك الميت وهو أمانة شرعية بيد الورثة أو الوصي ولا يجوز فيه التصرف أو إبقاؤه إلّا بدليل ، فالواجب صرفه في الحجّ في أوّل أزمنة
[3095] مسألة 98 : إذا أهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة أو نقصت قيمتها (1)فلم تفِ بالاستئجار ضمن ، كما أنّه لو كان على الميت دين وكانت التركة وافية وتلفت بالإهمال ضمن (1).
الإمكان ، وأمّا وجه الخصوصية بفرض التقصير فهو لأجل رفع العقاب عن الميت لأنه إذا قصّر في إتيان الحجّ يعاقب فإذا بادر إلى الاستئجار يرتفع العقاب عنه. وبالجملة : لو وجبت المبادرة إلى الاستئجار ففي صورة التقصير أولى بالوجوب ، ومما ذكرنا ظهر أنه ليس للوصي أو الورثة تأخير الاستئجار توفيراً للورثة وجلباً لمنفعتهم بل تجب المبادرة ولو استلزم زيادة الأُجرة.
ودعوى أنّ ذلك ضرر على الورثة ممنوعة ، لأنّ المال لم ينتقل إليهم وإنما يجب عليهم صرف المال لتفريغ ذمة الميت وذلك غير ضرري عليهم. نعم ، يستلزم ذلك تفويت منفعة لهم ، ولا دليل على عدم جواز تفويت المنفعة عن الغير.
(1) لأنه تفويت وتفريط في الأمانة الشرعية وتكون يده حينئذ يد خيانة موجبة للضمان ، وأمّا بالنسبة إلى نقصان القيمة فقد يلاحظ بالنسبة إلى إزالة صفة من الصفات كزوال طراوة العين وجودتها وذلك يوجب الضمان ، لأن إتلاف الصفات موجب للضمان كأصل المال حسب تبعية الصفات للعين ، فإنّ اليد على العين يد على الصفات أيضاً تبعاً ، ولكن كلام السيّد المصنف غير ناظر إلى ذلك وإنما نظره إلى النقصان بحسب القيمة السوقية وتنزلها وذلك غير موجب للضمان ، فإنّ الذي تحت يده يجب عليه ردّه وهو عين المال وصفاتها بالتبع ، وأمّا القيمة السوقية فلا تقع تحت اليد فلا موجب للضمان بالنسبة إليها ، ولكن مع ذلك يجب الاستئجار وتتميم الأُجرة من بقية التركة لو كانت.
1) لا وجه لضمان الوصي أو الوارث لنقص القيمة ، ولكن مع ذلك يجب الاستئجار وتتميم الأُجرة من بقية التركة إن كانت.
[3096] مسألة 99 : على القول بوجوب البلدية وكون المراد بالبلد الوطن إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختيار الأقرب إلى مكّة (1) إلّا مع رضا الورثة بالاستئجار من الأبعد. نعم ، مع عدم تفاوت الأُجرة الحكم التخيير.
[3097] مسألة 100 : بناء على البلدية الظاهر عدم الفرق بين أقسام الحجّ الواجب فلا اختصاص بحجّة الإسلام ، فلو كان عليه حجّ نذري (1)لم يقيد بالبلد ولا بالميقات يجب الاستئجار من البلد بل وكذا لو أوصى بالحجّ ندباً اللازم الاستئجار من البلد إذا خرج من الثلث (2).
(1) أي الأقل قيمة وأُجرة وذلك لأن الواجب هو طبيعي الحجّ ، وإذا كانت الأُجرة مختلفة فطبعاً يكون الأقل هو الواجب ولا وجه لتطبيقه على الأكثر قيمة ، فالمناط والعبرة بالأقل أُجرة لا بالأبعد والأقرب مكاناً ، فلو كان الأبعد مكاناً أقلّ قيمة يتعيّن الحجّ منه والزائد غير واجب ، سواء كان أبعد أو أقرب بحسب المكان أو كانا متساويين مكاناً ، ففي جميع الصور يتعين اختيار الأقل قيمة.
(2) قد ذكرنا في بعض المسائل المتقدمة أنه لم يرد أي نص في ابتداء الحجّ من البلد أو الميقات ، وإنما الوارد في النصوص وجوب الحجّ عن الميت ولزوم تفريغ ذمّته من غير تعرّض لمبدإ الحجّ. نعم ، ورد ذكر البلد في النص في باب الوصيّة بالحج ، وذكرنا هناك أن النص غير معتبر ، فالمتبع في باب الوصيّة هو الرجوع إلى القاعدة ومقتضاها هو العمل على طبق ظهور الوصيّة إن كان لها ظهور وإلّا فيكتفى بالميقاتي ، ويجوز له الإحجاج من البلد أيضاً لدخوله تحت مطلق الخيرات والمبرات.
وأمّا في مورد حجّة الإسلام فإن تمّ ما ذكره ابن إدريس من وجوب صرف المال من البلد إذا كان حيّاً وكذا بعد الموت ، لأن الساقط هو الحجّ عن بدنه ويبقى الوجوب في ماله فحينئذ يجب الحجّ من البلد ، ولكن قد عرفت أن كلامه غير تام ، لأن وجوب
1) (*) تقدّم أن الحجّ النذري لا يخرج من أصل المال وإنما يخرج من الثلث بالوصية ، فالحكم فيه هو الحكم في الوصيّة.
[3098] مسألة 101 : إذا اختلف تقليد الميت والوارث في اعتبار البلدية أو الميقاتية فالمدار على تقليد الميت (1)، وإذا علم أن الميت لم يكن مقلداً في هذه المسألة فهل المدار على تقليد الوارث أو الوصي (2)أو العمل على طبق فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده إن كان متعيناً والتخيير مع تعدد المجتهدين ومساواتهم؟ وجوه ، وعلى الأوّل فمع اختلاف الورثة في التقليد يعمل كل على تقليده ، فمن يعتقد البلدية يؤخذ من حصته بمقدارها بالنسبة فيستأجر مع الوفاء بالبلدية بالأقرب فالأقرب إلى البلد ، ويحتمل الرجوع إلى الحاكم (3)لرفع النزاع (1)
صرف المال من البلد وجوب مقدمي غيري لا نفسي فلا دليل على وجوب البلدية عن الميت.
وأمّا الحجّ النذري فإن قلنا بعدم خروجه من الأصل وإنما يخرج من الثلث فلا كلام ، لأنّ صرف ثلثه في الحجّ البلدي لا محذور فيه أصلاً لبقاء الثلث على ملك الميت ويصرف في جهاته مما يترتب الثواب عليه أكثر ، وإن قلنا بأنه يخرج من الأصل فيجري فيه كلام ابن إدريس مع الإشكال عليه.
(1) في المقام فروع ، فإن الاختلاف قد يتحقق بين تقليد الميت والوارث في أصل وجوب الحجّ وعدمه ، كما إذا كان الميت مقلداً لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى الكفاية والوارث مقلداً لمن يقول باشتراطه وقد يكون بالعكس ، وقد يقع الاختلاف بينهما في الفروع المترتبة على أصل الوجوب بعد الفراع عنه كما إذا كان الميت مقلداً لمن يعتبر الحجّ من البلد والوارث مقلداً لمن يكتفي بالميقاتية أو بالعكس ، وهكذا الاختلاف بين الميت والوصي.
فيحكم بمقتضى مذهبه نظير ما إذا اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة ، وإذا اختلف تقليد الميت والوارث في أصل وجوب الحجّ عليه وعدمه بأن يكون الميت مقلداً لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية فكان يجب عليه الحجّ والوارث مقلداً لمن يشترط ذلك فلم يكن واجباً عليه أو بالعكس ، فالمدار على تقليد الميت (1)
أمّا في باب الوصيّة فلا أثر للاختلاف بينهما ، لأنّ الوصيّة نافذة بالنسبة إلى الثلث ويجب على الوصي تنفيذها حسب وصية الميت ونظره ولا أثر لنظر الوصي ، سواء كان الاختلاف بينهما موجوداً بالنسبة إلى أصل الوجوب أو المكان ، فلو كان الميت ممّن لا يرى الوجوب لأنه يعتبر الرجوع إلى الكفاية وهو غير حاصل له ومع ذلك أوصى بالحج يجب على الوصي تنفيذ الوصيّة ، لما عرفت بما لا مزيد عليه أن المال مال الميت ويجب صرفه فيما عيّنه ولا أثر لنظر الوصي ، وكذا لو انعكس الأمر وكان الوصي يعتقد عدم الوجوب. والحاصل : يجب على الوصي تنفيذ الوصيّة سواء وافق رأيه رأي الميت أم خالف ، وإن لم يوص بالحج وعين مصرفاً خاصاً للثلث يجب صرفه فيما عيّنه ولا يجوز له التبديل والتغيير ولا عبرة بنظر الوصي أصلاً كالوكيل ولو لم يعيِّن مصرفاً خاصّاً بل جعل صرفه على نظر الوصي كما إذا أوصى بصرف ثلثه في مطلق الخيرات حسب نظر الوصي فلا بأس بصرف المال في الحجّ لأنه من جملة الخيرات وأعظمها.
ثمّ إنه لو علم أن الميت كان مقلّداً فالمتبع رأي مقلَّده بالفتح وإن لم يكن مقلّداً فالمتبع رأي المتعيِّن للتقليد إن كان ، وإلّا فإن تعدّد المجتهدون وكانوا متساوين واختلفت آراؤهم ينتجز عليه احتمال وجوب البلدية ، لما ذكرنا في باب الاجتهاد والتقليد من تنجيز الواقع عليه وحيث يتردد بين الأمرين يجب الأخذ بأحوط القولين.
1) (*) تقدم أن المدار على تقليد الوارث.
.................................................................................................
وأمّا الاختلاف بين الميت والوارث فإن كان الاختلاف في الوجوب بأن يرى الوارث الوجوب دون الميت ذكر في المتن أن العبرة بتقليد الميت ونظره.
وفيه : أن المال المتروك حسب نظر الوارث لم ينتقل إليه بل هو باق على ملك الميت فلا يجوز له التصرّف فيه ، ومجرد عدم اعتقاد الميت الوجوب لا يؤثر في جواز التصرّف لعدم العبرة بنظره ، وحال المقام حال الدّين الثابت في تركة الميت حسب اعتقاد الوارث ، فإنه لو علم بثبوت الدّين على الميت ولكنّه غفل عنه أو اعتقد عدمه لا ريب أن المال لا ينتقل إلى الوارث ولا يجوز للوارث التصرّف فيه لأن المال مال الغير ، ومجرّد عدم اعتقاد الميت للدين أو غفلته عنه لا يجوّز التصرف للوارث بل عليه الأداء.
وبالجملة : نظر الميت ورائه في أمثال المقام ساقط بالمرة ، ولو علم الوارث بعدم وجوب الحجّ عليه فالمال حسب نظره قد انتقل إليه ويجوز له التصرّف في ماله ولا أثر لرأي الميت وتقليده ، فالعبرة في كلا الموردين بتقليد الوارث ونظره لا الميت ، وله أن يعامل مع المال حسب تكليفه ووظيفته.
أمّا لو اختلف الورثة في التقليد بحسب أصل الوجوب أو المكان فأحتمل في المتن أمرين :
أحدهما : أن يعمل كل على تقليده فمن يعتقد البلدية يؤخذ من حصته بمقدارها بالنسبة فيخرج مصرف الميقاتي من مجموع المالين ويخرج نصف مصرف البلدي من حصته ، وهكذا لو اختلفا في أصل الوجوب يخرج من حصة المعترف بالحج نصف مقدار مصرفه.
ثانيهما : الرجوع والترافع إلى الحاكم نظير ما إذا اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة أو في مقدارها.
أقول : أما الاحتمال الأوّل فمبني على ثبوت الحجّ في التركة على سبيل الإشاعة كما صرّح به في بعض الفروع السابقة واختار هناك دفع المعترف بالحج ما يخصّ حصّته بعد التوزيع ، وبالجملة : لو التزمنا بالإشاعة يتعين الاحتمال الأوّل ، إذ لا نزاع في البين
[3099] مسألة 102 : الأحوط في صورة تعدد من يمكن استئجاره استئجار من أقلهم اجرة مع إحراز صحّة عمله مع عدم رضا الورثة أو وجود قاصر فيهم (1) سواء قلنا بالبلدية أو الميقاتية ، وإن كان لا يبعد جواز استئجار المناسب لحال الميت من حيث الفضل والأوثقية مع عدم قبوله إلّا بالأزيد وخروجه من الأصل ، كما لا يبعد عدم وجوب المبالغة في الفحص عن أقلهم اجرة وإن كان أحوط.
وكل واحد من الورثة يعمل على طبق وظيفته ، فإن الوارث المعترف يرى أن مقداراً من المال للمورّث فيخرجه ويصرفه في شؤونه سواء عمل الآخر بذلك أم لا ، كما لو اختلفا في أصل ثبوت الوصيّة واعترف أحدهما بالوصية وأنكرها الآخر فإن كلا من الورثة يأخذ نصيبه ويعمل على طبق وظيفته ، ولا مورد للترافع لعدم حق لأحدهما على الآخر ليطالب منه الترافع إلى الحاكم.
وأمّا الاحتمال الثاني فمبني على أن الحجّ عن الميت واجب في صلب المال ، والإرث إنما هو بعد الحجّ ولا ينتقل المال إليه قبل الحجّ وإنما ينتقل إليه بعده كالدّين ، فالوارث الآخر الذي يرى عدم وجوب الحجّ لم ينتقل إليه المال حسب اعتقاد الوارث المعترف وله مطالبة الوارث الآخر بالمال فله الرجوع إلى الحاكم. والحاصل : بناء على الاحتمال الأوّل لا وجه للترافع إلى الحاكم لعدم النزاع بل كل يعمل على طبق وظيفته.
وأما إذا قلنا بأن ثبوت الحجّ كالكلي في المعيّن نظير الدّين فلا ينتقل المال إلى الورثة إلّا بعد الحجّ وأداء الدّين فله مطالبة الآخر بالحج لينتقل إليه المال وإلّا فلا ينتقل إليه المال ما لم يؤد الحجّ ، ولذا ذكرنا في التعليقة أن هذا الاحتمال هو المتعين بناء على وجوب الإحجاج عن الميت على الوارث.
(1) لأن استيجار أكثرهم اجرة يستلزم التصرف في مال الغير من دون رضاه. نعم ، لا يبعد جواز استئجار المناسب لحال الميت شرفاً ورفعة وإن استلزم الأزيد أُجرة ، لأن الروايات الدالة على الحجّ عن الميت منصرفة إلى المتعارف مما يناسب
[3100] مسألة 103 : قد عرفت أن الأقوى كفاية الميقاتية ، لكن الأحوط الاستئجار من البلد بالنسبة إلى الكبار من الورثة بمعنى عدم احتساب الزائد عن اجرة الميقاتية على القُصَّر إن كان فيهم قاصر.
[3101] مسألة 104 : إذا علم أنه كان مقلداً ولكن لم يعلم فتوى مجتهده في هذه المسألة فهل يجب الاحتياط أو المدار على تقليد الوصي أو الوارث؟ وجهان (1)أيضاً (1).
[3102] مسألة 105 : إذا علم استطاعة الميت مالاً ولم يعلم (2)تحقق سائر الشرائط في حقه فلا يجب القضاء عنه (2) ، لعدم العلم بوجوب الحجّ عليه لاحتمال فقد بعض الشرائط.
مقامه وشرفه ، والحاصل : الوارث بمنزلة نفس الميت من حيث الضعة والشرف في الاستئجار وعدمه ، ولا تجب المبالغة في الفحص عن أقلّهم أُجرة ، لأنّ الإذن محمول على المتعارف.
(1) قد عرفت أنه لا عبرة بنظر الميت في مورد العلم برأيه فضلاً عن الجهل به والمتبع إنما هو نظر الوارث ، وأما في مورد الوصيّة فالمتبع نظر الميت فإن ثبت ظهور للوصية فهو وإلّا فالظاهر كفاية الميقاتي ، لأنّ الزائد غير ثابت والأصل عدم الوصيّة به. نعم ، لا بأس بالإتيان بالبلدي بعنوان مطلق الخيرات والمبرات.
(2) لعدم العلم باستقرار الحجّ عليه ، ومجرّد إحراز المال لا يكفي في وجوب الحجّ بل لا بدّ من توفر سائر الشرائط ، ولو شكّ في وجودها فالأصل عدمه. نعم ، بعض الشرائط يمكن إثباته بالأصل كما لو شك في الرجوع إلى الكفاية ، لأنّ مستند هذا
[3103] مسألة 106 : إذا علم استقرار الحجّ عليه ولم يعلم أنه أتى به أم لا فالظاهر وجوب القضاء عنه لأصالة بقائه في ذمته ، ويحتمل عدم وجوبه عملاً بظاهر حال المسلم (1)وأنه لا يترك ما وجب عليه فوراً ، وكذا الكلام إذا علم (2)انّه تعلّق به خُمس أو زكاة أو قضاء صلوات أو صيام ولم يعلم أنّه أدّاها أو لا (1).
الاشتراط هو خوف الوقوع في الحرج والأصل عدمه ، وبالجملة : لا بدّ من إحراز الوجوب بالوجدان أو بالأمارة أو بالأصل وإلّا فلا يجوز الحجّ عنه من ماله إذا كان له ورثة قُصّر.
(1) قد ذكرنا في باب قضاء الصلاة أن الوجهين اللّذين أشار إليهما إنما يجريان فيما إذا علمنا بثبوت القضاء عليه ولكن شك في إتيانه وعدمه ، وأما إذا شك في أصل إتيان العمل وعدمه وأنه هل أتى بالواجب أو لم يأت به ليجب عليه القضاء فأصالة عدم الإتيان لا تثبت وجوب القضاء لأن موضوعه الفوت ، ولا يثبت عنوان الفوت بأصالة عدم الإتيان إلّا على الأصل المثبت.
وأمّا في باب الواجبات المالية كالزّكاة والخُمس فان كانت العين موجودة وشكّ في أداء زكاتها أمكن أن يُقال : الأصل بقاء الزكاة فيها ، وأمّا إذا كانت العين تالفة وشكّ في أنّ المالك أدّى زكاتها وأتلفها أو أتلفها من دون أن يؤدّ زكاتها لا يترتّب الضمان على استصحاب عدم الأداء ، لأنّ موضوعه الإتلاف واستصحاب عدم الإتيان لا يثبته إلّا على الأصل المثبت.
وقد تعرّضنا للبحث عن ذلك مفصلاً في المسألة الخامسة من ختام كتاب الزكاة ولكن الظاهر أنه لا مانع من جريان الاستصحاب في المقام ومقتضاه اشتغال ذمّة الميت بالحج فيجب القضاء عنه ويخرج من أصل المال ، لأنّ موضوعه وجوب الحجّ عليه وعدم الإتيان به وهو ثابت بالأصل ، ولا عبرة بظاهر حال المسلم خصوصاً إذا
.................................................................................................
كان غير صالح ، لأنه لا يوجب سوى الظن وهو غير حجّة.
وقد يقال بأنّ الحجّ دين كما صرح بذلك في بعض النصوص المعتبرة (1)، وقد ثبت في باب الدّين على الميت أنه لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان إلّا أن يضم باليمين فيكون ما دل على اعتبار اليمين في باب الدّين مخصصاً لأدلة الاستصحاب ، والمستفاد من ذلك عدم حجية الاستصحاب في باب الدّين على الميت.
وفيه : أن ما دل على اعتبار ضم اليمين في إثبات الدّين على الميت إنما هو روايتان :
الأُولى : مكاتبة الصفّار إلى أبي محمّد أي العسكري (عليه السلام) : «هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل؟» ثمّ ذكر في ذيله «أو تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : نعم ، من بعد يمين» (2).
وقد روى هذه الرواية المشايخ الثلاثة ولكن يظهر من الصدوق أن الراوي هو الصفار والمكاتب شخص آخر. وكيف كان ، الرواية معتبرة سنداً ، والمستفاد منها ثبوت الدّين على الميت مع الحلف وعدم ثبوته بشهادة العدلين فقط ، فتكون الرواية مخصّصة لحجِّيّة البيِّنة كما ورد التخصيص عليها في مورد ثبوت الزنا فإنه لا يثبت إلّا بضم عدلين آخرين ، فالحلف في المقام جزء المثبت للدّين فلا تخصيص على الاستصحاب.
وبعبارة أُخرى : اليمين جزء متمم لدليل حجية البيّنة ، فحجية البيّنة ورد عليها التخصيص لا الاستصحاب ، فلا يستفاد من الرواية عدم حجية الاستصحاب في المقام.
الرواية الثانية : عن ياسين الضرير عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال «قلت للشيخ (عليه السلام) إلى أن قال (عليه السلام) - : وإن كان المطلوب بالحق قد مات فأُقيمت عليه البيّنة فعلى المدعي اليمين باللّه الذي لا إله إلّا هو لقد مات فلان وأن حقه لعليه ، فإن حلف وإلّا فلا حق له ، لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لا نعلم
[3104] مسألة 107 : لا يكفي الاستئجار في براءة ذمة الميت والوارث بل يتوقّف على الأداء ، ولو علم أن الأجير لم يؤد وجب الاستئجار ثانياً (1) ، ويخرج من الأصل إن لم يمكن استرداد الأُجرة من الأجير.
[3105] مسألة 108 : إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفاية الميقاتية ضمن ما زاد عن اجرة الميقاتية للورثة أو لبقيتهم (2).
موضعها» الحديث (1)، وهي واضحة الدلالة على أن الحلف ناظر إلى بقاء الدّين لا إلى أصل الحدوث ، لأنّ الشك تارة يتعلّق بأصل ثبوت الدّين وأُخرى يتعلق بالأداء وهو محل الكلام ، ويظهر من الرواية عدم الاكتفاء بالاستصحاب بل لا بدّ من الحلف على عدم الأداء.
ولكن الرواية ضعيفة السند بياسين الضرير فإنه لم يوثق ، فليس في البين إلّا المكاتبة المتقدِّمة وقد عرفت عدم دلالتها على عدم حجِّيّة الاستصحاب ، وأن اعتبار اليمين ليس لعدم حجِّيّة الاستصحاب بل كونه متمِّماً للإثبات وجزءاً للدليل المثبت للدين في مقام الشك ، ولذا لو علمنا وجداناً بثبوت الدّين على الميت وشك في الأداء وعدمه لا مانع من استصحاب عدم الإتيان ولا حاجة إلى الحلف.
(1) لأنّ الواجب على الوارث أو الوصي هو الحجّ عنه وما لم يؤد لم يسقط الوجوب ، ومجرّد الاستئجار لا يوجب السقوط فلا بدّ من الاستئجار ثانياً لتفريغ ذمة الميت ، ويخرج من الأصل.
(2) ويكون التصرّف في الزائد فضولياً فإن رضي الورثة فهو وإلّا ضمن الزائد. إنما الكلام في صحّة الإجارة وفسادها ، فإن كانت الإجارة على ذمّته أي ذمّة الوصي لكن بداعي أخذ الأُجرة من التركة فالإجارة صحيحة ويضمن للمستأجر تمام الأُجرة وليس له الرجوع إلى الورثة سوى مقدار اجرة الميقاتية ، وإن كانت الإجارة على ذمّة الميت بحيث يجعل ذمّة الميت مشغولة بالأُجرة أو كانت الأُجرة بعين التركة
1) الوسائل 27 : 236 / أبواب كيفية الحكم ب 4 ح 1.
[3106] مسألة 109 : إذا لم يكن للميت تركة وكان عليه الحجّ لم يجب على الورثة شيء وإن كان يستحب على وليه ، بل قد يقال بوجوبه للأمر به في بعض الأخبار (1).
[3107] مسألة 110 : من استقر عليه الحجّ وتمكن من أدائه ليس له أن يحج عن غيره تبرّعاً أو بإجارة ، وكذا ليس له أن يحج تطوعاً ، ولو خالف فالمشهور البطلان بل ادّعى بعضهم عدم الخلاف فيه وبعضهم الإجماع عليه ، ولكن عن سيّد المدارك التردد في البطلان.
ومقتضى القاعدة الصحة وإن كان عاصياً في ترك ما وجب عليه كما في مسألة الصلاة مع فورية وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ، إذ لا وجه للبطلان إلّا دعوى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهي محل منع ، وعلى تقديره لا يقتضي البطلان لأنه نهي تبعي. ودعوى أنه يكفي في عدم الصحة عدم الأمر مدفوعة
فالإجارة بالنسبة إلى الزائد فضولية وتكون باطلة والمستأجر يرجع إليه بأُجرة المثل.
(1) لا ريب أن المستفاد من النصوص الآمرة بالحج وإخراجه من صلب المال واصلة ونحو ذلك إنما هو وجوب الإحجاج عنه إذا كان له مال ، وأما إذا لم يكن له مال يفي للحج فلا يدل شيء من هذه النصوص على وجوب الحجّ عنه ، وما ورد في صحيح ضريس من قضاء الولي له محمول على ما إذا كان له مال بقرينة سائر الروايات. مضافاً إلى أن موردها من خرج حاجّاً حجّة الإسلام وكان مستطيعاً ومات في الطريق ، وفصّل (عليه السلام) بين من مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام وبين من مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجّة الإسلام (1)، فالأمر بقضاء الولي عنه إنما هو فيما إذا كان المنوب عنه ممن وجب عليه حجّة الإسلام ولا إطلاق له يشمل من مات مفلساً لا مال له.
1) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحجّ ب 26 ح 1.
بكفاية المحبوبيّة (1)في حدِّ نفسه في الصحة كما في مسألة ترك الأهم والإتيان بغير الأهم من الواجبين المتزاحمين ، أو دعوى أن الزمان مختص بحجته عن نفسه فلا يقبل لغيره ، وهي أيضاً مدفوعة بالمنع إذ مجرد الفورية لا يوجب الاختصاص فليس المقام من قبيل شهر رمضان حيث إنه غير قابل لصوم آخر. وربما يتمسّك للبطلان في المقام بخبر سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) : «عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال (عليه السلام) : نعم ، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه فإن كان له ما يحجّ به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحجّ من ماله ، وهي تجزئ عن الميت إن كان للصرورة مال وإن لم يكن له مال» وقريب منه صحيح سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وهما كما ترى بالدلالة على الصحّة أولى ، فإنّ غاية ما يدلان عليه أنه لا يجوز له ترك حجّ نفسه وإتيانه عن غيره وأما عدم الصحة فلا. نعم ، يستفاد منهما عدم إجزائه عن نفسه ، فتردّد صاحب المدارك في محله ، بل لا يبعد الفتوى بالصحّة لكن لا يترك الاحتياط ، هذا كلّه لو تمكّن من حجّ نفسه ، وأمّا إذا لم يتمكّن فلا إشكال في الجواز والصحّة عن غيره ، بل لا ينبغي الإشكال في الصحة إذا كان لا يعلم بوجوب الحجّ عليه لعدم علمه باستطاعته مالاً أو لا يعلم بفورية (2)وجوب الحجّ عن نفسه فحج عن غيره أو تطوعاً. ثمّ على فرض صحّة الحجّ عن الغير ولو مع التمكّن والعلم بوجوب الفورية لو آجر نفسه لذلك فهل الإجارة أيضاً صحيحة أو باطلة مع كون حجّه صحيحاً عن الغير؟ الظاهر بطلانها ، وذلك لعدم قدرته شرعاً (3)على العمل المستأجر عليه لأنّ المفروض وجوبه عن نفسه
1) () بل الصحة من جهة وجود الأمر على نحو الترتب.
2) () الجهل بالفورية مع التقصير بحكم العلم.
3) () الصحيح أن يقال : إنك غير قادر على التسليم على الإطلاق لفرض وجوب الحجّ على نفسه فلا يشمله وجوب الوفاء بالعقد ، وأما القدرة على التسليم في فرض العصيان فهي إنما يترتب عليها التكليف لا الوضر. فإن المنشأ إنما هو التمليك على الإطلاق لا التمليك على تقدير المعصية ، ولو فرض أن المنشأ هو التمليك على تقدير العصيان كان العقد أيضاً باطلاً من جهة التعليق.
فوراً ، وكونه صحيحاً على تقدير المخالفة لا ينفع في صحّة الإجارة خصوصاً على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه ، لأن اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه وإن كانت الحرمة تبعية ، فإن قلت : ما الفرق بين المقام وبين المخالفة للشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحّة هناك كما إذا باعه عبداً وشرط عليه أن يعتقه فباعه ، حيث تقولون بصحّة البيع ويكون للبائع خيار تخلف الشرط. قلت : الفرق أن في ذلك المقام المعاملة على تقدير صحتها مفوتة لوجوب العمل بالشرط ، فلا يكون العتق واجباً بعد البيع لعدم كونه مملوكاً له ، بخلاف المقام حيث إنّا لو قلنا بصحّة الإجارة لا يسقط وجوب الحجّ عن نفسه فوراً فيلزم اجتماع أمرين متنافيين فعلاً فلا يمكن أن تكون الإجارة صحيحة وإن قلنا إن النهي التبعي لا يوجب البطلان فالبطلان من جهة عدم القدرة على العمل لا لأجل النهي عن الإجارة. نعم ، لو لم يكن متمكناً من الحجّ عن نفسه يجوز له أن يؤجر نفسه للحجّ عن غيره. وإن تمكن بعد الإجارة عن الحجّ (1)عن نفسه لا تبطل إجارته بل لا يبعد صحّتها لو لم يعلم باستطاعته أو لم يعلم بفوريّة الحجّ (2)عن نفسه فآجر نفسه للنيابة ولم يتذكر إلى أن فات محل استدراك الحجّ عن نفسه كما بعد الفراغ أو في أثناء الأعمال. ثمّ لا إشكال في أن حجّه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل إمّا باطل كما عن المشهور أو صحيح عمّن نوى عنه كما قوّيناه ، وكذا لو حجّ تطوّعاً لا يجزئه عن حجّة الإسلام (3)في الصورة المفروضة بل إمّا باطل أو صحيح ويبقى عليه
حجّة الإسلام ، فما عن الشيخ من أنه يقع عن حجّة الإسلام لا وجه له ، إذ الانقلاب القهري لا دليل عليه. ودعوى أن حقيقة الحجّ واحدة والمفروض إتيانه بقصد القربة فهو منطبق على ما عليه من حجّة الإسلام ، مدفوعة بأنّ وحدة الحقيقة لا تجدي بعد كون المطلوب هو الإتيان بقصد ما عليه ، وليس المقام من باب التداخل بالإجماع ، كيف وإلّا لزم كفاية الحجّ عن الغير أيضاً عن حجّة الإسلام بل لا بدّ من تعدّد الامتثال مع تعدد الأمر وجوباً وندباً أو مع تعدّد الواجبين وكذا ليس المراد من حجّة الإسلام الحجّ الأوّل بأي عنوان كان كما في صلاة التحيّة وصوم الاعتكاف فلا وجه لما قاله الشيخ (قدس سره) أصلاً. نعم لو نوى الأمر المتوجه إليه فعلاً وتخيل أنه أمر ندبي غفلة عن كونه مستطيعاً أمكن القول بكفايته عن حجّة الإسلام لكنه خارج عما قاله الشيخ ، ثمّ إذا كان الواجب عليه حجاً نذرياً أو غيره وكان وجوبه فورياً فحاله ما ذكرنا في حجّة الإسلام من عدم جواز حجّ غيره وأنه لو حجّ صحّ أو لا وغير ذلك من التفاصيل المذكورة بحسب القاعدة (1).
(1) يقع الكلام تارة في من يتمكن من أداء حجّ نفسه وأُخرى في من لا يتمكّن وعلى كل تقدير قد يعلم بوجوب الحجّ على نفسه وقد لا يعلم بذلك ، ففي جميع الصور لو حجّ تطوعاً عن نفسه أو حجّ عن الغير نيابة تبرعاً أو إجارة فهل يصحّ الحجّ أم لا؟.
أمّا الصورة الأُولى : وهي ما إذا تمكن من أداء حجّ نفسه وكان عالماً بالوجوب فيقع البحث فيها من حيث الحكم التكليفي ومن حيث الحكم الوضعي ، أما من حيث الحكم التكليفي فلا ريب في كونه عاصياً في ترك ما وجب عليه وأنه فوّت على نفسه اختياراً ما هو من أعظم الواجبات الإلهية الذي هو من مباني الإسلام.
وأمّا من حيث الحكم الوضعي فهل يحكم بصحّة ما أتى به من الحجّ التطوعي أو النيابي أو يحكم بفساده؟ نسب إلى المشهور البطلان وادّعى صاحب الجواهر عدم
.................................................................................................
الخلاف في بطلان الحجّ النيابي خاصّة (1)وفصّل بعضهم بين الحجّ النيابي والتطوّعي فذهب إلى البطلان في النيابي وإلى الصحّة فيما إذا حجّ عن نفسه تطوّعاً ، وذهب آخر إلى الصحّة مطلقاً وإن كان عاصياً في ترك حجّ الإسلام كما عن الشيخ في الخلاف (2).
أمّا القائلون بالتفصيل فيمكن الاستدلال لهم بالوجوه المذكورة للفساد وبعض الوجوه المذكورة للصحة.
وأمّا القائلون بالفساد فاستدلّوا بوجوه :
الأوّل : أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه والنهي يدلّ على الفساد. وعن شيخنا البهائي أنه يكفي في الحكم بالفساد عدم الأمر ولا نحتاج إلى النهي (3)، وإذا كان أحد الضدّين مأموراً به فالضد الآخر لا أمر به لعدم إمكان الأمر بالضدّين معاً والمفروض في المقام أن الأمر تعلق بالحج عن نفسه ولم يتعلق بضده من سائر أقسام الحجّ من التطوعي أو النيابي.
أقول : قد ذكرنا في بحث الأُصول (4)مفصّلاً أنّ الدعوى الأُولى مبنيّة على مقدّمتين :
إحداهما : إثبات مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الضد الآخر.
ثانيهما : إثبات الوجوب الشرعي للمقدمة.
وكلتا المقدمتين ممنوعتان فإن الضدين في مرتبة واحدة لا يتصور فيهما المقدمية. على أنه لو ثبتت المقدمية لا نلتزم بوجوب المقدمة شرعاً ، وعلى القول بالوجوب النهي في المقام لا يقتضي الفساد لأنه نهي عرضي تبعي. على أنه لو كان ترك أحد الضدّين واجباً للمقدمية فلا يقتضي حرمة وجود هذا الضد لأن الحكم الشرعي
.................................................................................................
لا ينحل إلى حكمين ، فإن الواجب ما يكون فعله واجباً ولا يكون تركه بمحرم وكذا الحرام ما يكون فعله مبغوضاً ومنهياً عنه ولا يكون تركه واجباً ، فإن الوجوب ينشأ من مصلحة ملزمة في الفعل والحرمة تنشأ من مفسدة في الفعل. مضافاً إلى ذلك كله أن المتصف بالوجوب إنما هو المقدمة الموصلة لا كل مقدمة فالواجب هو ترك الضد الموصل إلى الواجب.
وأمّا ما ذكره البهائي (رحمه اللّه) فقد أجاب عنه غير واحد بكفاية المحبوبية في حد نفسه في الحكم بالصحّة وإن لم يؤمر به بالفعل لمانع من الموانع ، وما ذكروه من حيث الكبرى تام ولكن إثبات الصغرى ممنوع ، إذ لا يمكن إحراز المحبوبية إلّا عن طريق الأمر ولا كاشف عن الملاك إلّا الأمر فإن لم يكن أمر في البين كما هو المفروض لا يمكن إثبات المحبوبية ، فكلام البهائي في نفسه صحيح وحاصله أنه لو لم يكن في البين أمر لا يمكن الحكم بالصحّة.
والصحيح في الجواب عنه : أنّ الأمر موجود ، لأنّ الأمر بالضدّين إنما يمتنع جمعاً وعرضاً وأما الأمر الترتبي الطولي فلا مانع منه أصلاً ، لأنّ اعتبار القدرة في التكاليف إنما هو بحكم العقل ويسقط التكليف عند عدم التمكن وعدم القدرة ، والتقييد بالقدرة عقلاً إنما هو بمقدار الضرورة ، وغير المقدور إنما هو الجمع بين الضدّين والأمر بهما عرضاً ، وأما الأمر الطولي في فرض عصيان الأمر الآخر فلا مانع عنه فيأتي به بداعي الأمر المتوجه إليه ، ولا موجب للتقييد ، بل لا مانع من الأخذ بإطلاق هذا الأمر ، وهذا هو الترتب الذي قلنا بأنه من أوضح الممكنات ، ولذا ذكرنا أن الترتّب لا يحتاج إلى دليل بخصوصه بل نفس إطلاق الأمر بالمهم يكفي ، وذكرنا أن إمكانه مساوق لوقوعه ، وينطبق ذلك على المقام تماماً ، ففي فرض عصيان الأمر بإتيان حجّ نفسه يأتي بالحج النيابي بداعي الأمر المتوجه ولا مانع من فعليته في فرض عصيان الأمر بضدّه الأهم.
ولكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ذكر أن الترتب لا يجري في الحجّ لأن الترتب إنما يجري في الواجبين المقيّدين بالقدرة العقلية ، وأما إذا كان أحد الواجبين مقيداً
.................................................................................................
بالقدرة الشرعية فلا يجري فيه الترتب ، لأنه في فرض العصيان لا يبقى موضوع للواجب المقيد بالقدرة الشرعية ولا أمر له أصلاً كما هو الحال في الوضوء فإنه مقيد بالقدرة الشرعية بالتمكّن من استعمال الماء شرعاً ، فلو وجب صرف الماء في واجب آخر أهم وعصاه وتوضأ به لا يحكم بصحة وضوئه بالأمر الترتبي ، لأنه في فرض العصيان لا موضوع لوجوب الوضوء أصلاً والعصيان لا يحقق موضوع الوضوء ، وهكذا الحجّ فإن المأخوذ فيه القدرة الشرعية بمعنى أنه أُخذ في موضوعه عدم عصيان واجب آخر أهم فإذا عصى لا يتحقق موضوع الحجّ أصلاً (1).
وفيه أوّلاً : أن القدرة الشرعية غير مأخوذة في الحجّ وإنما المأخوذ فيه أُمور خاصة مذكورة في النصوص من الزاد والراحلة وخلو السرب وصحّة البدن ، ولذا ذكرنا أنه لو زاحم الحجّ واجباً أهم وتركه وأتى بالحج كان الحجّ صحيحاً ، ولا فرق بين الحجّ وسائر الواجبات المقيدة بالقدرة العقلية.
وثانياً : لو سلمنا أخذ القدرة الشرعية في الحجّ فإنما هي مأخوذة في حجّ الإسلام لا في سائر أقسام الحجّ من التطوعي والنيابي والنذري ، فلا مانع من جريان الأمر الترتبي في الحجّ التطوعي أو النيابي والحكم بصحته.
الوجه الثاني : أن هذا الزمان مختص بحج نفسه وغير قابل لغير حجّ الإسلام نظير شهر رمضان الذي يختص بصوم نفس شهر رمضان وغير قابل لصوم آخر حتى صوم النذر في السفر ، والحاصل : زمان الاستطاعة يختص بحج الإسلام وغير قابل لوقوع حجّ آخر فيه.
وفيه : أن ذلك مجرد دعوى لا شاهد عليها غاية الأمر أن الحجّ فوري وليس له التأخير ، ومجرّد ذلك لا يقتضي عدم قابلية زمان الاستطاعة لحجّ آخر.
الثالث : الأخبار كصحيح سعد بن أبي خلف : «عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال : نعم ، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه ، فإن كان له ما يحج به عن
1) فوائد الأُصول 1 : 367 ، لاحظ أجود التقريرات 1 : 301.
.................................................................................................
نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله وهي تجزئ عن الميت ، إن كان للصرورة مال وإن لم يكن له مال» (1)، وصحيح سعيد الأعرج : «عن الصرورة أيحج عن الميت؟ فقال : نعم ، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به فإن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله ، وهو يجزئ عن الميت ، كان له مال أو لم يكن له مال» (2).
ومحل الاستشهاد في الصحيح الأوّل قوله : «فإن كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزئ عنه» بدعوى إرجاع الضمير في قوله «فليس يجزئ عنه» إلى الميت المنوب عنه والمستفاد من ذلك أن من كان له مال ولم يحج يجب الحجّ عن نفسه ، وليس له أن يحج عن غيره ولا يجزئ عن غيره إن حجّ عنه.
وفيه : أن الظاهر من الصحيحة صحّة الحجّ الذي حجّ به عن الغير ، وإنما المستفاد منها مجرّد الحكم التكليفي وعدم جواز الحجّ عن الغير لأنه يوجب تفويت الحجّ عن نفسه ، ولا دلالة فيها على فساد ما حجّ به عن الغير كما هو المدعى ، فإن الضمائر في قوله (عليه السلام) «عنه» و«له» و«ماله» كلها راجعة إلى شخص واحد وهو النائب ، ومقتضى ذلك كله أن ما حجّ به عن الغير لا يجزئ عن النائب ولا يقع عن نفسه ، لا أنه لا يقع عن المنوب عنه ، بل مقتضى ذيل الصحيحة صحّة العمل الذي أتى به عن الميت وأنه يقع عنه وتبرأ ذمته وإنما النائب لا تبرأ ذمته عن الحجّ الواجب على نفسه ، فالصحيحة على خلاف المطلوب أدل.
وأوضح من ذلك الصحيحة الثانية فإنها واضحة في الحكم التكليفي وأنه لا يجوز للمستطيع أن يحج عن الغير وأما فساد الحجّ فلا يستفاد منها.
وبالجملة : المستفاد من الصحيحين أن ما حجّ به عن الغير لا يجزئ عن نفسه وأما بالنسبة إلى الميت فيجزئ عنه ، ولا دلالة فيهما على فساد الحجّ بالمرة أصلاً.
ثمّ إنه لو كان مدرك عدم الصحة وعدم الإجزاء عن الميت هو الوجه الأوّل أي اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده أو الوجه الثالث وهو الأخبار فيختص الحكم
.................................................................................................
بالفساد بالمتمكن من إتيان حجّ نفسه ، وأما العاجز عنه ولو كان مستقرّاً عليه وكان متمكِّناً في الأزمنة السابقة فيصح الحجّ النيابي الصادر منه لعدم وجود المانع عن الحكم بالصحة ، لأن المانع على الوجه الأوّل هو فعلية الأمر بالأهم وهو حجّ نفسه والمفروض عدم فعليته للعجز عنه فلا أمر به ليكون مقتضياً للنهي عن ضده ، وهكذا لو كان جاهلاً بالوجوب جهلاً عذريا لعدم فعلية الأمر حينئذ وعدم تنجزه ، لأنّ الذي يوجب العجز في باب التزاحم بين التكليفين هو الحكم الواصل لا الحكم الواقعي وكذلك النص المتقدِّم فإنه يدل على أن المانع هو التكليف الفعلي الواصل ، وفي فرض الجهل عذراً أو عدم تمكنه من أداء حجّ نفسه لم يكن التكليف واصلاً فلا مانع وأمّا إذا كان الجهل غير عذري كالجهل بفورية وجوب الحجّ عن نفسه فذكر في المتن أنه يحكم بالصحّة وهو مشكل ، لأن الجهل بالفورية جهل في الشبهة الحكمية وليس بعذر على الإطلاق ، بل لا بدّ من التفصيل بين كونه مع التقصير فهو في حكم العمد وبين كونه عذريا فلا مانع من الحكم بالصحّة.
وأمّا إذا كان مدرك الفساد هو الوجه الثاني وهو اختصاص زمان الاستطاعة بحجّته عن نفسه وعدم قابليته لغيرها نظير عدم قابلية شهر رمضان لصوم آخر فلا يفرق في الحكم بالفساد بين جميع الصور ، ولا يؤثر الجهل بالحكم في الصحّة كما إذا صام في شهر رمضان بصوم آخر جهلاً فإنه يحكم بالفساد ، لأن المفروض عدم قابلية هذا الزمان لواجب آخر.
ثمّ على فرض صحّة الحجّ عن الغير ولو مع التمكن والعلم بوجوب الفورية إذا آجر نفسه لذلك ، فهل الإجارة أيضاً صحيحة أو باطلة فيستحق اجرة المثل لا المسمّى؟ اختار المصنف البطلان وإن كان حجّه عن الغير صحيحاً واستدلّ بوجهين :
الأوّل : أن متعلق الإجارة بل كل عقد لا بدّ من أن يكون مقدور التسليم ، ولا قدرة له شرعاً على المستأجر عليه في المقام ، لأنه يجب عليه صرف قدرته في الواجب عن نفسه فالعمل المستأجر عليه غير مقدور له.
.................................................................................................
الثاني : أن الضد منهي عنه ولو بالنهي التبعي وإن حكمنا بصحته من جهة المحبوبية الذاتية إلّا أنه لا منافاة بين المحبوبية الذاتية والمبغوضية الفعلية الناشئة عن النهي التبعي ، فإذا كان العمل مبغوضاً شرعاً لا يصح تعلق الإجارة به ، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه وإن كانت الحرمة تبعية.
ويرد على الأوّل : أنّ القدرة التكوينية حاصلة وجداناً والنهي الشرعي لا ينفي القدرة التكوينية ، وإن أُريد من عدم القدرة عدم القدرة الشرعية باعتبار تعلق النهي به وأن الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ففيه : أن القدرة الشرعية حاصلة أيضاً بالأمر الطولي الترتبي ، ولو لم يكن مقدوراً أصلاً لما تعلق به الأمر ، فالعمل بنفسه ليس بمنهي عنه وإنما وجب تركه مقدمة لواجب أهم.
وبما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني ، لما عرفت من أن اللّه لم يحرم هذا الشيء أي الضد وإنما أوجب تركه من باب وجوب المقدمة الموصلة ، وأما الرواية : «إن اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» فقد ذكرنا في بحث المكاسب أنها ضعيفة السند وإن كان مضمونها صحيحاً ومطابقاً للقواعد ، لأن الشيء إذا كان محرّماً شرعاً لا تصح المعاملة عليه لعدم إمضاء الشارع المعاملة الواقعة على الحرام.
وبالجملة : مقتضى ما ذكره المصنف من ثبوت المحبوبية الذاتية للضد صحّة الإجارة الواقعة عليه.
ولكن الظاهر مع ذلك فساد الإجارة ، بيان ذلك : أن دليل نفوذ الإجارة بل كل عقد تابع لما ينشئه المُنشئ إن مطلقاً فمطلق وإن مشروطاً فمشروط ، فإن الحكم الصادر في المعاملات المستفاد من قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)إنما هو إمضاء لما صدر من المنشئ في الخارج ولا يخالفه إلّا في بعض الموارد كبيع السلم والصرف ، فإنّ المنشئ أنشأ على الإطلاق والشارع يقيده بلزوم القبض ، وكذلك الهبة فإنّ التمليك فيها يحصل بعد القبض ، وبالجملة : أدلّة نفوذ المعاملات حيث إنها أحكام إمضائية تابعة
1) المائدة 5 : 1.
.................................................................................................
للمُنشإ من حيث الإطلاق والتقييد.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن الإجارة في المقام إمّا تتعلّق بالحجّ مطلقاً أو تتعلّق به على فرض العصيان للحجّ الواجب على نفسه.
أمّا الأوّل فغير قابل للإمضاء ، لأنّ المفروض أن الأمر بالحجّ عن نفسه غير ساقط والتكليف به باق على حاله فكيف يأمره بإتيان الحجّ المستأجر عليه ، وكيف تنفذ الإجارة في عرض ذلك الواجب الأهم الذي لم يسقط الأمر به ، والحكم بنفوذ الإجارة وصحّتها يستلزم الأمر بالضدّين في عرض واحد.
وأمّا الثاني وهو تعلّق الإجارة على نحو التقييد بفرض العصيان فأمر ممكن في نفسه ، ولكنه يبطل العقد من جهة التعليق.
والحاصل : الإنشاء المطلق غير قابل للإمضاء وما هو قابل له وهو الإنشاء في فرض العصيان غير صحيح لأنه من التعليق الباطل. هذا تمام الكلام في المتمكن العالم بالحكم.
وأمّا غير المتمكن من أداء الحجّ عن نفسه ولو استقرّ عليه من السابق كما إذا فقد المال بالمرّة بحيث لا يتمكن من الحجّ متسكعاً أيضاً ، فلا مانع من استئجاره على الحجّ عن غيره ، لأن الأمر الأوّل المتعلق بالحج عن نفسه ساقط على الفرض لعدم القدرة فلا مانع حينئذ من تعلق الإجارة بالحج عن الغير. وبعبارة اخرى : المعجز هو الأمر بالحج عن نفسه فإذا زال فلم يبق في البين مانع. نعم ، لو قلنا بأن الزمان غير قابل لوقوع حجّ الغير ، لاختصاص هذا الزمان ، بالحجّ عن نفسه ولو متسكعاً فلا تصحّ الإجارة أيضاً لعدم قابلية الزمان ، ولكن هذه الدعوى غير تامة.
ثمّ إن المصنف (قدس سره) بعد ما اختار صحّة الحجّ عن الغير واختار فساد الإجارة الواقعة عليه أشكل على نفسه بأنه ما الفرق بين المقام وبين تخلف الشرط في ضمن العقد مع قولكم بالصحة هناك ، غاية الأمر يثبت للمشروط له الخيار عند التخلّف كما إذا باعه عبداً وشرط عليه أن يعتقه فباعه ، وأجاب بأنّ البيع هناك
.................................................................................................
مفوّت للشرط ورافع لموضوعه فلا يكون العتق واجباً بعد البيع لعدم كونه مملوكاً له بخلاف المقام ، فإنه لو قلنا بصحّة الإجارة فلا يرتفع موضوع وجوب الحجّ عن نفسه لبقاء وجوب الحجّ عن نفسه حتى بعد الإجارة ، فيلزم حينئذ اجتماع أمرين متنافيين فلا بدّ من رفع اليد عن صحّة الإجارة إذ لا يمكن الحكم بصحّتها.
وتوضيح ما ذكره : أن الشرط في ضمن العقد لو قلنا بأنه يوجب قصر سلطنة المشروط عليه كما عن شيخنا النائيني (1)بمعنى أن المالك المشروط عليه له ملكية خاصة تقتصر على مورد العمل بالشرط وتقصر سلطنته عن سائر أنحاء التصرّفات فلا ريب في فساد التصرفات المنافية للشرط لعدم السلطنة عليها فيقع البيع الصادر منه باطلاً إذا اشترط عليه عتق العبد ، وهكذا الإجارة في المقام لعدم السلطنة على العمل المستأجر عليه ، وأمّا إذا قلنا بعدم قصر السلطنة المطلقة الثابتة للمشروط عليه غاية الأمر يجب عليه الوفاء بالشرط ، لأنّ الشرط في ضمن العقد يرجع حقيقة إلى التعليق في الالتزام لا إلى أصل الإنشاء ، فإن الإنشاء مطلق والملكية المنشأة الثابتة للمشروط عليه ملكية مطلقة غير محدودة ، والشرط يوجب تعليقاً في الالتزام لا في أصل البيع فلا موجب للفساد.
وإن شئت قلت : إن الشرط في ضمن العقد يوجب انحلال البيع مثلاً إلى أمرين :
أحدهما : تمليك المال له.
ثانيهما : التزامه بالبيع ، والشرط يرجع إلى الثاني ويجعل التزامه معلقاً على شيء سواء كان فعلاً من الأفعال كالخياطة أو وصفاً ككتابة العبد ، فالشرط لا يرجع إلى التعليق في الإنشاء وإنما يرجع إلى التعليق في الالتزام ، بمعنى أنه يلتزم بمضمون العقد على تقدير وجود الشرط وإلّا فلا التزام منه بالوفاء ، ومرجع ذلك إلى جعل الخيار لنفسه عند التخلّف. ولو خالف المشروط عليه كما إذا باع العبد ولم يعتقه صح البيع وإن ارتكب أمراً محرّماً لعدم الوفاء بالتزامه. نعم ، لو كانت السلطنة مقصورة يفسد
1) منية الطالب 2 : 140.
.................................................................................................
البيع لعدم السلطنة عليه ، فالفرق بين المقامين واضح لثبوت السلطنة في المعاملة المشروطة ، فإنّ الشرط كما عرفت لا ينفي السلطة ، والتصرّف المنافي للشرط يقع صحيحاً وإن يثبت الخيار للمشروط له ، وهذا بخلاف المقام فإن السلطنة غير ثابتة لأنّ وجوب الأمر بالحج عن نفسه باق على حاله فلا يمكن الحكم بصحة الإجارة للحج الآخر ، لاستلزامه الأمر بالضدين أو لعدم قدرته على العمل المستأجر عليه كما في المتن.
ولو آجر نفسه للحج ثمّ تمكن بعد الإجارة من الحجّ عن نفسه ذكر في المتن أن الإجارة صحيحة والتمكن المتأخر لا يكشف عن بطلان الإجارة.
وفيه : أن عدم التمكن إنما يوجب سقوط التكليف ما دام العجز باقياً لا إلى الأبد ولو عاد التمكن عاد التكليف ، وتجدد القدرة يكشف عن البطلان من الأوّل ، والعبرة في صحّة الإجارة بمشروعية العمل حال العمل وزمانه لا حال الإجارة ، فإن كان العمل حال الإيجار جائزاً وعند العمل غير جائز بطلت الإجارة من الأوّل. نعم ، إذا حصل التمكّن بعد الفراغ من العمل بحيث لا يتمكّن من التدارك لا مانع من الحكم بصحّة الإجارة.
ثمّ ذكر المصنف (رحمه اللّه) أنه لا إشكال في أن حجّه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل إما باطل كما عن المشهور أو صحيح عمن نوى عنه ، وكذا لو حجّ تطوعاً لا يجزئه عن حجّة الإسلام.
يقع الكلام تارة في الحجّ عن الغير وأُخرى في الحجّ التطوعي.
أمّا الأوّل : فلا ينبغي الريب في عدم إجزاء حجّه عن الغير عن حجّ نفسه ، لأنّ هنا أمرين مستقلّين لا وجه لإجزاء أحدهما عن الآخر أصلاً ، ولا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من تقديم الأهم وامتثاله وهو الحجّ عن نفسه ، ولو خالف وترك الأهم وأتى بالمهم وهو الحجّ عن الغير عصى ولكن صحّ حجّه عن الغير بناء على الأمر الترتبي ، وما ذكرناه لا يختص بباب الحجّ بل يجري في جميع الواجبات
.................................................................................................
والتكاليف كالصلاة فإنّ الصلاة قضاء عن الغير لا تجزئ عن صلاة نفسه قطعاً ، وليس المقام من باب التداخل بلا شك ، من دون حاجة إلى الإجماع ونحوه ، لاختلاف الحقيقة واستقلال كل منهما بالأمر ، ومجرد التشابه صورة في الأفراد لا يجدي في وحدة يختلف حقيقته عن حجّ الغير ، ومجرد الاشتراك في الأعمال والمناسك لا يوجب وحدة الحقيقة ، فلا ريب أنه لو صلّى عن الغير أو حجّ عنه لا معنى لإجزاء ذلك عن عمل نفسه.
وأمّا الثاني : وهو الحجّ التطوعي فاختار المصنف (قدس سره) عدم إجزائه عن حجّ الإسلام كالحج عن الغير ، ونسب إلى الشيخ أنه يقع عن حجّة الإسلام (1)وأورد عليه المصنف (قدس سره) بأن المطلوب هو الإتيان بالواجب بقصد ما عليه ، ومجرّد الإتيان بذات الأعمال الواجبة لا يجدي في سقوط الواجب ما لم يقترن بذلك القصد.
ولكن الظاهر أن ما ذكره الشيخ من الإجزاء عن حجّة الإسلام هو الصحيح ، بيان ذلك : أن المستفاد من الروايات أن المكلف يقسم إلى قسمين : البالغ وغير البالغ والحر والعبد وكل منهما له الأمر بالحج ، أحد الأمرين وجوبي والآخر ندبي ، والأمر الندبي متوجه إلى شخص والوجوبي إلى شخص آخر ، وليس شخص واحد يتوجه إليه الأمران ، وكذلك المستطيع وغير المستطيع فإن المستطيع يتوجه إليه الأمر الوجوبي بحجة الإسلام وغير المستطيع يتوجه إليه الأمر الندبي ، فالمستطيع له أمر واحد وهو الأمر بحجّ الإسلام ، ولا يعتبر علمه بذلك كما لا يضر عدم علمه به ، ولذا لو كان مستطيعاً وعلم بوجوب الحجّ ولكن لا يعلم بأنه حجّة الإسلام التي تختص بالمستطيع لا ريب في الإجزاء.
وعلى ما ذكرنا لو أتى المستطيع بالحج التطوعي تشريعاً بطل حجّه بالمرّة حتى بعنوان التطوّع ، ولا يقع عن حجّة الإسلام كما لا يقع تطوعاً ، لأن العمل مبغوض لا يمكن التقرّب به ، ولا إضافته إليه تعالى ، وأما إذا أتى به لا تشريعاً بل مشتبهاً كما قد
1) المبسوط 1 : 302.
.................................................................................................
يتّفق ذلك لبعض العوام كما لو فرض أنه لا يعلم بوجوب إتيان حجّ الإسلام فوراً ويحجّ في هذه السنة بقصد التطوع بداع من الدواعي العقلائية ، بأن يتعلم كيفية إتيان الأعمال حتى يأتي بها عن بصيرة في السنة التي يحج حجّ الإسلام فلا مانع من الحكم بالصحة وإجزائه عن حجّة الإسلام ، لأن الأمر المتوجه إلى المستطيع إنما هو أمر واحد متعلق بحجّ الإسلام وليس في البين أمر آخر بفرد آخر مغاير للأمر بحجّ الإسلام ، والمفروض إتيان المكلف بذات المأمور به وقصد القربة وأضاف العمل إلى المولى ، وليس حجّ الإسلام إلّا الحجّ الأوّل الصادر من المستطيع وليس المقام من باب التداخل ، لأنّ التداخل إنما يتحقق في مورد تعدّد الأمر ، وأمّا إذا لم يكن إلّا أمر واحد وطبيعة واحدة وهو الأمر الوجوبي المسمّى بحجّة الإسلام فلا معنى للتداخل ، غاية الأمر أن المكلف يتخيل أن ما أتى به أمر ندبي إلّا أنه لا أثر لخياله ووهمه ، وذكرنا في محله أن قصد الوجوب والندب غير لازم وإنما المعتبر في صحّة العبادة قابلية الفعل في نفسه للإضافة إليه تعالى والمفروض تحقق ذلك فلا موجب للبطلان ، ولذا لو حجّ وتخيل أنه غير مستطيع أو تخيل أنه غير بالغ ثمّ انكشف الخلاف لا إشكال في الإجزاء لأنه ليس في البين إلّا أمر واحد وقد أتى بجميع الأعمال والمناسك وأضافها إلى المولى ، غاية الأمر يتخيل أنه أمر ندبي وهو غير ضائر ، بل التعبير بالإجزاء فيه مسامحة ، لأنّ ما أتى به هو ذات الواجب بنفسه لا أنه مغاير للحجّ الاستطاعتي حتى يقال بالإجزاء أو عدمه.
والحاصل : حجّ الإسلام ليس إلّا الحجّ الذي يصدر من المستطيع بقصد نفسه في سنة الاستطاعة وهذا العنوان ينطبق على الحجّ الذي أتى به في سنة الاستطاعة ، وجميع ما ذكرنا في حجّ الإسلام يجري في الحجّ النذري أو غيره من الحجّ الواجب عليه الذي كان وجوبه فورياً ، فإن حاله حال حجّ الإسلام من عدم إجزاء الحجّ عن الغير عن حجّ نفسه ولو خالف وحجّ عن الغير صحّ أم لا ، على التفصيل المتقدِّم. هذا تمام الكلام في شرائط وجوب حجّة الإسلام.
ويشترط في انعقادها البلوغ والعقل والقصد والاختيار (1) ، فلا تنعقد من الصبي وإن بلغ عشراً وقلنا بصحة عباداته وشرعيتها ، لرفع قلم الوجوب عنه ، وكذا لا تصحّ من المجنون والغافل والساهي والسكران والمكره ، والأقوى صحتها من الكافر وفاقاً للمشهور في اليمين خلافاً لبعض وخلافاً للمشهور في النذر وفاقاً لبعض ، وذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر ولا تتحقق القربة في الكافر ، وفيه أوّلاً : أن القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه وإنما تعتبر في متعلقه حيث إن اللازم كونه راجحاً شرعاً. وثانياً : أن متعلق اليمين أيضاً قد يكون من العبادات. وثالثاً : أنه يمكن قصد القربة من الكافر أيضاً. ودعوى عدم إمكان إتيانه بالعبادات لاشتراطها بالإسلام مدفوعة
(1) لا يخفى أن اعتبار هذه الأُمور من الواضحات ، أما اعتبار القصد فلأن النذر وأخويه هو الالتزام بشيء لله تعالى ، وهو تابع للقصد وإلّا لا يتحقق الالتزام ، فما يصدر من الساهي والنائم والسكران والخاطئ لا عبرة به ، وكذا يعتبر البلوغ والعقل فلا عبرة بما يصدر من الصبي والمجنون للنصوص الدالة على أن الصبي لا يؤخذ بأفعاله ولحديث رفع القلم عنهما (1)، وكذا يعتبر الاختيار ولا ينعقد من المكره ، لأنّ الإكراه يرفع الحكم المتعلق به الإكراه.
إنما الكلام في انعقاد ذلك من الكافر ، فقد نسب إلى المشهور صحّة اليمين الصادرة منه وبطلان النذر ، وقال بعضهم بالبطلان مطلقاً ، وقال آخرون بالصحة مطلقاً ومنهم المصنف (قدس سره) ، وجميع ذلك مبني على تكليف الكافر بالفروع كما هو المشهور
1) الوسائل 1 : 45 / أبواب العبادات ب 4 ح 11 ، 12.
.................................................................................................
وأمّا بناء على اختصاص الأحكام بالمسلمين وعدم تكليف الكافر بها كما قويناه فلا مجال لهذا الاختلاف كما هو واضح.
ثمّ إنه لو قلنا بتكليف الكافر بالفروع كما عليه المشهور فقد يقال بعدم انعقاد النذر من الكافر ، لاعتبار التقرب في النذر لأنه بنفسه قربي وعبادي ، ولا تتحقق القربة من الكافر. وفيه : أنه لا دليل على كون النذر قربياً ، بل يظهر من بعض الروايات أنه مكروه لقوله (عليه السلام) في جواب من جعل على نفسه شكراً لله ركعتين : «إني لأكره الإيجاب أن يوجب الرجل على نفسه» (1)، ولو قلنا بحمل الرواية على الإرشاد وأن المكلف لا يكلف نفسه أزيد مما كلفه اللّه تعالى يستفاد منها كون النذر مباحاً وغير راجح. وبالجملة : لا دليل على كون النذر أمراً عباديا قربياً نظير الصلاة والصيام ونحوهما من الأفعال العبادية ، وإذا لم يكن عباديا فلا مانع من صدوره من الكافر.
وأما متعلقه فلا دليل أيضاً على كونه قربياً وإنما غاية ما يستفاد من الأدلة أن يكون متعلقه صالحاً لذلك وقابلاً للإضافة إليه تعالى ، ولا يستفاد منها أن يكون عباديا حين العمل بحيث لا يتحقق العمل به إلّا بقصد العبادة ، بل المستفاد منها قابلية الفعل للإضافة إليه تعالى وراجحاً في نفسه كإعطاء الدرهم إلى الفقير ، فإنه يمكن إيقاعه على وجه العبادة بأن يعطيه قربة
إلى اللّه تعالى ويمكن أن يقع لا على وجه القربة ، فلو أعطى الدرهم للفقير ولم يقصد به القربة فقد وفى بنذره لأنّ الأمر بالوفاء توصلي. نعم ، قد يتعلّق النذر بالأمر العبادي كما قد يتّفق في اليمين ويتعذر صدوره من الكافر لعدم تحقق القربة منه ، ولكن المعتبر هو إمكان صدوره منه حين العمل لا حين النذر ، فلو نذر الكافر أمراً عباديا يجب عليه الإتيان ، لأنه عند ما كان كافراً وإن لم يكن متمكِّناً من الإتيان ولكن يتمكن منه حين العمل وفي ظرفه لتمكّنه من الإسلام ، فيكون العمل المنذور مقدوراً له غاية الأمر بواسطة التمكّن من الإسلام والمقدور بالواسطة مقدور ، وإن أسلم صحّ إن أتى به ويجب عليه الكفّارة لو خالف
1) الوسائل 23 : 303 كتاب النذر ب 6 ح 1.
بإمكان إسلامه ثمّ إتيانه فهو مقدور لمقدورية مقدّمته فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات ، ويعاقب على مخالفته ويترتب عليها وجوب الكفّارة فيعاقب على تركها أيضاً ، وإن أسلم صح إن أتى به ويجب عليه الكفّارة لو خالف ولا تجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافها عن المقام. نعم ، لو خالف وهو كافر وتعلق به الكفّارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل.
وحديث الجبّ المشهور لا يجري في المقام لانصرافه عنه ، وأما لو قلنا بأنه لا مانع من جريان حديث الجبّ في المقام ودعوى الانصراف غير تامة فلا يمكن الحكم بالصحة لأنه حين كفره لا يصحّ منه العمل وحين إسلامه يسقط وجوبه لحديث الجب.
وبعبارة اخرى : تكليفه بالوفاء بالنذر غير معقول ، لأنه حين الكفر لا يتمكّن من الامتثال وبعد إسلامه يسقط عنه على الفرض ، وقد مر تفصيل هذا الإشكال في باب قضاء الصلاة على الكافر (1).
والذي ينبغي أن يُقال : إن حديث الجبّ غير ثابت فلا يمكن الاعتماد عليه في شيء من الأحكام ، ولكن الثابت قطعاً من السيرة النبوية والأئمة (عليهم السلام) عدم مؤاخذة الكافر بمخالفته للأحكام الإسلامية حال كفره وعدم مطالبته بقضائها ، ولم يؤمر أحد ممن اختار الإسلام بقضاء الصلوات والصيام وغير ذلك من الواجبات فنتيجة الجبّ حاصلة.
وممّا ذكرنا عرفت أنه لا مجال لدعوى انصراف الجب أو عدمه عن المقام ، لأنّ الانصراف أو عدمه من شؤون الدليل اللفظي والمفروض أن الجبّ ثبت بالسيرة القطعية ، ولكنها مختصة بالأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وأما غير ذلك من الأحكام العقلائية الثابتة مع قطع النظر عن الإسلام كالديون فلا يشملها الجبّ ولا السيرة ، فلو كان الكافر مديوناً حال كفره ثمّ أسلم يجب عليه وفاء دينه ولا يسقط ذلك عنه بالإسلام ، وأما الالتزام بالوفاء بالنذر فإن كان ثابتاً في كل شريعة
1) بعد المسألة [1777].
[3108] مسألة 1 : ذهب جماعة (1)إلى أنه يشترط في انعقاد اليمين من المملوك إذن المولى ، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج ، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد ، لقوله (عليه السلام) : «لا يمين لولد مع والده ولا للزوجة مع زوجها ولا للمملوك مع مولاه» فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد (1)
ولم يكن من مختصّات الإسلام فحاله حال الدّين ، وإن لم يكن كذلك كما هو الصحيح ، إذ لم يثبت ذلك في الشرائع السابقة فيكون من الأحكام المختصة بالإسلام ويرفعه الجب المستفاد من السيرة ويسقط وجوبه بعد اختيار الإسلام. ومما ذكرنا يظهر الحال في ثبوت الكفّارة ، فإنها من الأحكام المختصة بالإسلام قطعاً فيسقط وجوبها بالإسلام فلا يجب عليه الكفّارة لو خالف النذر وهو كافر.
(1) ذكر جماعة أنه لا ينعقد اليمين من الولد مع والده إلّا بإذنه وكذا الزوجة مع زوجها والمملوك مع مولاه واعتبروا إذنهم في انعقاد اليمين ، إمّا خصوص الإذن السابق أو الأعم منه ومن اللّاحق ، وذهب آخرون إلى عدم اعتبار إذنهم في انعقاده وإنما لهم حلّ اليمين ولهم الحق في فسخه وحلّه ومنهم المصنف (قدس سره). وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا حلف الولد من دون إذن الوالد وإجازته فإنه ينعقد اليمين على القول الثاني وإن كان له حلّه ، وأما على القول الأوّل فلا ينعقد أصلاً.
ومنشأ الاختلاف اختلاف ما يستفاد من صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال : «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) : لا يمين للولد مع والده ولا لمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها» (2)وادعى المصنف (قدس سره) أن المنساق والمنصرف من الصحيح المذكور أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج ، ولازمه جواز حلهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به ، ولا يستفاد منه عدم الانعقاد من الأوّل.
.................................................................................................
وذكر أيضاً وجهاً آخر تبعاً لصاحب الجواهر (1)لدلالة النص على مجرد جواز حلهم لليمين ، وحاصله : أنه لا بدّ من تقدير كلمة الموجود أو المنع والمعارضة في هذه الجملات : لا يمين للولد مع والده ولا يمين لمملوك مع مولاه كما هو الحال في نظائرها كقولنا : لا إله إلّا اللّه ، ولا رجل في الدار ، فقد ذكروا أن المقدر في تلك الجمل كلمة الموجود ، وقولنا : لا إله إلّا اللّه تقديره لا إله موجود إلّا اللّه ، وقولنا : لا رجل تقديره لا رجل موجود في الدار ، وأما في هذه الجملات فيمكن تقدير الوجود أو المنع والمعارضة فيدور الأمر بين التقديرين ، فإن قلنا : إن المقدر هو الوجود فمعناه : عدم انعقاد اليمين مع الوالد إلّا بإذنه ، وإن قلنا : بأن المقدر هو المنع والمعارضة فمعناه : لا يمين مع منع المولى ومزاحمته ومعارضته فلا تدل هذه الجملات إلّا على جواز حل اليمين لا اعتبار إذنهم فيه ، وليس تقدير كلمة الوجود أولى من تقدير كلمة المعارضة بل تقديرها أولى لانصراف النص المذكور إلى عدم جواز المزاحمة للوالد والمولى.
فإن ثبت دعوى الظهور في تقدير كلمة المعارضة والانصراف إليها فلا كلام وإلّا تصبح هذه الفقرات مجملة للترديد بين تقدير الموجود أو المعارضة ، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقن وهو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي ، نظير دوران الأمر بين التخصيص بالأقل والأكثر فيما إذا كان الخاص مجملاً مردّداً بينهما فإنه يؤخذ بالأقل المتيقن ويرجع في الأكثر إلى العمومات. وبالجملة : لا دليل على تخصيص المطلقات الدالّة على الوفاء باليمين إلّا بالمقدار المتيقن وهو صورة المزاحمة.
ويرده : أن ما ذكره من تقدير الموجود في «لا» النافية للجنس فيه مسامحة واضحة وذلك لأنّ الوجود والعدم إنما يعرضان لنفس الماهية ، والماهية بنفسها قد تكون موجودة وقد تكون بنفسها معدومة من دون أي واسطة في البين ، والماهية بنفسها هي المعروضة عروضاً ذاتياً أوّلياً ، وقولنا : الإنسان موجود والعنقاء معدوم ، معناه أن هذه الماهية بنفسها موجودة وتلك بنفسها معدومة ، ولا يعرض الوجود للموجود
1) الجواهر 35 : 261.
.................................................................................................
ولا العدم للمعدوم بل الخارج ظرف لنفس العدم ، فكلمة «لا» النافية كليس التامّة فاليمين في هذه الفقرات بنفسها معروضة للنفي ولا حاجة إلى التقدير حتى يقال بالدوران بين التقديرين فإن المستفاد من كلمة «لا» أنّ نفس الماهية منفية ومعدومة لا الوجود.
ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بأن النفي لا يرد على الماهية وإنما يرد على الوجود وأن قولنا : لا رجل في الدار تقديره لا رجل موجود في الدار فالتقدير لازم ، إلّا أنه بناء على تقدير كلمة المعارضة في هذه الفقرات لا بدّ من تقدير الوجود أيضاً ، وقولنا : لا يمين مع المعارضة تقديره لا وجود لليمين مع معارضة الوالد ، بل لو فرضنا أن كلمة المعارضة كانت مصرحة لاحتاج إلى تقدير كلمة الوجود ، فليس المقام دائراً بين التقديرين بل على كلا التقديرين لا بدّ من تقدير كلمة الوجود هذا. مضافاً إلى أن كلمة «مع» تدلّ على المقارنة الزمانية كما يقال : صاحبت مع زيد في سفره فيكون النفي في هذه الفقرات وارداً على المعية واقتران طبيعي اليمين للوالد والوجود مستفاد من نفس كلمة «مع» ، فمعية اليمين الصادرة من الولد للوالد منتفية ، والمعنى أن يمين الولد لا تجتمع مع الوالد ، ولا حاجة إلى التقدير حتى يتردد الأمر بين التقديرين فيكون النص ظاهراً في إلغاء اليمين ما دام الوالد حياً ، ولكن المتفاهم منه عرفاً أن إلغاء اليمين من جهة رعاية الوالد فلو أذن أو أجاز تنعقد اليمين ، لا أنه لا تنعقد له يمين بالمرّة مع وجود الوالد.
وقد يقال : إن قوله «مع والده» وكذا قوله «مع زوجها ومع مولاه» قرينة على تقدير كلمة المعارضة ، إذ لو كان المراد نفي الوجود وأن وجود الوالد مانع كان قوله «مع والده» زائداً لا حاجة إليه ، لأن الولد طبعاً يكون له والد وكذا الزوجة والعبد لا بدّ أن يكون لهما زوج وسيِّد ، فذكر الوالد والزوج والسيّد بملاحظة المعارضة والممانعة.
وفيه : أنه لو لم تقدّر هذه الكلمات كانت اليمين الصادرة من الولد باطلة بالمرّة ويكون المعنى عدم انعقاد يمين الولد دائماً حتى يموت والده ، ويفقده مع أن الأمر ليس
وظاهرهم اعتبار الإذن السابق ، فلا تكفي الإجازة بعده مع أنه من الإيقاعات وادّعي الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها ، وإن كان يمكن دعوى أنّ القدر المتيقن من الاتفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير مثل الطلاق والعتق ونحوهما لا مثل المقام مما كان في مال نفسه غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه ، ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق خصوصاً إذا قلنا إنّ الفضولي على القاعدة ، وذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقاً بنهي أو إذن ، بدعوى أنّ المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج ، ولازمه جواز حلّهم له وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به ، وعلى هذا فمع النهي السابق
كذلك قطعاً ، لأن غاية ما يستفاد من النص توقف انعقاد يمين الولد على إذن الوالد أو إجازته. والحاصل : أن المستفاد من النص أن أمر اليمين الصادرة من الولد أو الزوجة أو العبد راجع إلى الوالد والزوج والسيّد وأنه يعتبر في انعقاد اليمين إذنهم ، ولا موجب لرفع اليد عن ظهور النص في عدم الانعقاد بدون الاذن.
ثمّ إنه هل المعتبر خصوص الاذن السابق كما استظهره المصنف (قدس سره) من كلماتهم أو الأعم منه ومن اللاحق؟ مقتضى إطلاق النص عدم الفرق ، فإن المستفاد منه أن الأمر راجع إليهم وذلك لا يفرق بين الاذن السابق أو الإجازة اللاحقة ، إذ المقصود عدم استقلال الولد في يمينه واللازم عليه مراجعة أبيه في الالتزام باليمين سواء استأذن منه أو استجاز.
ودعوى أن اليمين إيقاع ولا تجري الفضولية فيه إجماعاً فلا تؤثر الإجازة اللّاحقة مدفوعة بأن الإجماع دليل لبي يؤخذ بالقدر المتيقن منه وهو الإيقاع الواقع على مال الغير وأمره كطلاق زوجة الغير وعتق عبده ونحو ذلك من الأُمور الأجنبية عن نفسه فإن الإجازة اللاحقة لا تؤثر ، وأما إذا كان الإيقاع متعلقاً بفعل نفسه مالاً كان أو غيره غاية الأمر قد يفرض فيه حق للغير وقد يكون منوطاً برضا الآخر ، فلا دليل
.................................................................................................
على عدم تأثير الإجازة اللّاحقة ، والأوّل كعتق المفلس عبده المرتهن فإنه لو أعتقه يصح عتقه بإجازة المرتهن ، لأنّ المعتبر في صحّة العتق رضا من له الحق ولو حصل متأخراً ، والثاني وهو ما لو فرض أنه لا حق للغير عليه وإنما اعتبر الشارع رضاه وهذا مجرّد حكم شرعي ثابت في البين وخارج عن الفضولية رأساً كتوقف تزويج بنت الأخ أو الأُخت على رضا العمة أو الخالة ، فإن المعتبر رضاهما من دون فرق بين الإذن السابق أو اللاحق ، والمقام من قبيل ذلك لأنّ الحلف يتعلق بفعل نفسه وإنما اعتبر فيه رضا الوالد ، ولا فرق في حصوله قبل اليمين أو بعده.
ويدلُّ على الاكتفاء بذلك مضافاً إلى ما تقدّم ، ما دلّ على تزويج العبد وأنه إذا أجاز السيِّد صحّ معلّلاً بأنه لم يعص اللّه وإنما عصى سيِّده ، فإن المستفاد من ذلك أن كل مورد اعتبر فيه رضا أحد وكان العقد في نفسه سائغاً يرتفع المنع بحصول رضاه وله الحق في إمضاء ذلك حسب الحكم الشرعي ، فإذا رضي بذلك وأجاز صح سواء تقدم رضاه أو تأخر ، وليس ذلك كمعصية اللّه أصالة في أنه لا معنى للحوق رضا اللّه تعالى ومقتضى التعليل تعميم الحكم في جميع الموارد المشابهة.
ثمّ ذكر المصنف (قدس سره) أن جواز الحل أو التوقف على الاذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً ، بل إنما هو فيما كان المتعلق منافياً لحق الوالد أو الزوج ومزاحماً له وأما إذا لم يكن مزاحماً لحقه فلا ، كما إذا حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ، واستشهد باستثناء جماعة الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكموا بالانعقاد فيهما ، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء فيعلم من ذلك أن الحكم بالتوقف على الاذن إنما هو في مورد المزاحمة والمنافاة ، ولذا لا عبرة بذلك في مورد فعل الواجب وترك الحرام.
وفيه ما لا يخفى ، إذ لو كان الحكم بالتوقف مختصاً بموارد المزاحمة لاستثنوا موارد كثيرة مما لم تكن منافية لحق الوالد والسيّد ، كما لو حلف أن يقرأ السورة الفلانية عند النوم أو يقرأ الآية الفلانية عند القيام من النوم وغير ذلك من الأفعال والأعمال غير المنافية لحق أحد من الناس ، ولعل منشأ استثناء فعل الواجب وترك الحرام هو أنّ
لا ينعقد ومع الإذن يلزم ومع عدمهما ينعقد ولهم حلّه ولا يبعد قوّة هذا القول ، مع أنّ المقدّر كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة أي لا يمين مع منع المولى مثلاً فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الإجمال والقدر المتيقن هو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي بعد كون مقتضى العمومات الصحّة واللّزوم. ثمّ إنّ جواز الحلّ أو التوقف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين مطلقاً (1)كما هو ظاهر كلماتهم ، بل إنما هو فيما كان المتعلق منافياً لحق المولى أو الزوج وكان ممّا يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى ، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا كما إذا حلف المملوك أن يحجّ إذا أعتقه المولى ، أو حلفت الزوجة أن تحجّ إذا مات زوجها أو طلّقها ، أو حلفا أن يصلّيا صلاة اللّيل مع عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة ، أو حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن أو نحو ذلك ممّا لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين فلا مانع من انعقاده ، وهذا هو المنساق من الأخبار فلو حلف الولد أن يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكّة مثلاً لا مانع من انعقاده وهكذا بالنسبة إلى المملوك والزوجة ، فالمراد من الأخبار أنه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافياً لحق المذكورين
الولد ليس له أن يجعل على نفسه شيئاً مقابل والده وليس له أن يلتزم بشيء في قباله ، وهذا ينصرف عما لو كان قد جعل اللّه عليه شيئاً من التكاليف.
وبعبارة اخرى : إنما نقول بأن الولد ليس له أن يجعل على نفسه شيئاً في قبال والده في الأُمور المباحة المرخصة ، وأما إذا جعل اللّه عليه شيئاً من إتيان الواجب أو ترك الحرام فليس للوالد حق في المقام. ولكن هذا أيضاً غير تام ، لأن الجعل باليمين ولو في مورد الواجب أو الحرام جعل ثانوي التزم على نفسه وهذا ممّا لم يجعله اللّه عليه فحاله من هذه الجهة حال المباحات من عدم الجعل على نفسه في قبال والده ، والظاهر عدم
1) (*) الأظهر عدم صحّة اليمين منهم مطلقاً.
ولذا استثنى بعضهم الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح وحكم بالانعقاد فيهما ، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء. هذا كلّه في اليمين ، وأمّا النذر فالمشهور بينهم أنّه كاليمين في المملوك والزوجة ، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً ، وهو مشكل لعدم الدليل عليه خصوصاً في الولد إلّا القياس على اليمين بدعوى تنقيح المناط وهو ممنوع ، أو بدعوى أن المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل النذر لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار منها خبران في كلام الإمام (عليه السلام) ، ومنها أخبار في كلام الراوي وتقرير الإمام (عليه السلام) له وهو أيضاً كما ترى ، فالأقوى في الولد عدم الإلحاق (1).
الفرق في عدم انعقاد اليمين بين ما ينافي حق الوالد وما لا ينافي لإطلاق قوله : «لا يمين للولد مع والده إلخ» ، بل لو كان منافياً كان باطلاً في نفسه لأنه مرجوح وقد اعتبر الفقهاء (قدس سرهم) في متعلق اليمين أن لا يكون مرجوحاً ، هذا كله في اليمين.
وأمّا النّذر فذكر المصنف (قدس سره) أن المشهور بينهم أنه كاليمين في المملوك والزوجة ، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً ، واستشكل فيه بدعوى عدم الدليل عليه خصوصاً في الولد إلّا القياس على اليمين.
أقول : هذا غريب منه (قدس سره) لأنه خصّ توقف انعقاد اليمين على الاذن بما إذا كان منافياً لحق الوالد أو السيّد أو الزوج ، وذلك لا يفرق فيه بين النذر واليمين لاعتبار الرجحان في متعلق النذر ، وإذا كان متعلق النذر منافياً لحق الوالد مثلاً فلا رجحان فيه ولا ينعقد ، فالنذر كاليمين في عدم انعقاده إذا كان متعلقه منافياً لحق هؤلاء لكونه مرجوحاً ، فلا حاجة في إلحاق النذر باليمين إلى دليل خاص حتى يقال بعدم الدليل
1) (*) إن كان الملاك منافاة مورد نذر هؤلاء لحق المولى والزوج والوالد فلا يحتاج الحكم في الإلحاق إلى أمر سوى القاعدة وهي لزوم الرجحان في متعلق النذر ، وإن كان الملاك إطلاق دليل المنع فلا وجه للإلحاق في غير الولد أيضاً كما لا وجه له فيه.
نعم ، في الزوجة والمملوك لا يبعد الإلحاق باليمين لخبر قرب الإسناد (1)عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) «أن علياً (عليه السلام) كان يقول : ليس على المملوك نذر إلّا بإذن مولاه» وصحيح ابن سنان (2)عن الصادق (عليه السلام) «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلّا بإذن زوجها إلّا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها» وضعف الأوّل منجبر بالشهرة واشتمال الثاني على ما لا نقول به لا يضر.
بل نفس الأدلّة الأوّلية الدالة على وجوب الوفاء بالنذر كافية في عدم انعقاده إذا كان منافياً لحق الوالد ، لأنها تدل على لزوم الرجحان في متعلق النذر ، فالبحث عن لحوق النذر باليمين وعدمه ساقط على مسلكه (قدس سره). نعم ، إنما يتم هذا البحث على ما اخترناه من توقف انعقاد اليمين مطلقاً على الاذن أو أن لهم الحل سواء كان متعلقه منافياً لحقهم أم لا.
والظاهر عدم اللحوق من هذه الجهة باليمين ، لأنّ مقتضى الإطلاقات الدالّة على الوفاء بالنذر انعقاد النذر ولزوم الوفاء به وعدم توقفه على الإذن ، وإنما خرجنا عن ذلك في خصوص اليمين لدليل خاص وهو مفقود في النذر. نعم ، قد أُطلق في عدّة من الروايات اليمين على النذر (3)ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الإطلاق أعم من الحقيقة والمتفاهم عرفاً تغاير اليمين والنذر ، وثبوت الحكم في الأعم يحتاج إلى الدليل ، ومجرّد الإطلاق في بعض الموارد لا أثر له. نعم ، للوالد حل نذره لأن متعلق النذر يعتبر فيه الرجحان حتى بقاء وإذا نهاه الأب عن إتيان المتعلق يصبح مرجوحاً فينحل
1) (*) الرواية صحيحة فيتعين العمل بها في موردها.
2) (**) ظاهر الصحيحة بقرينة استثناء الحجّ وما بعده أنها في مقام بيان الكبرى الكلية وهي المنع عن تصرفات الزوجة في مالها إلّا بإذن زوجها ، فلا بدّ من حملها على الجهة الأخلاقية فلا مجال لما في المتن.
3) الوسائل 23 : 307 / كتاب النذر ب 8 ح 4 ، وفي ص 318 ب 17 ح 4 وغيرهما.
.................................................................................................
فيختلف اليمين عن النذر في أن اليمين يتوقف على الاذن ، وأما النذر فلا وإنما للوالد حلّه ، والحاصل نذر الولد لا ينعقد مع نهي والده كما ينحل بنهيه عنه بعد النذر.
وتفصيل الكلام يقتضي البحث في موارد ثلاثة :
الأوّل : نذر الولد ، وقد عرفت أنه غير ملحق باليمين وينعقد ولو من دون إذن الأب لعدم الدليل على الإلحاق ، ومجرّد إطلاق اليمين على النذر في بعض الأخبار لا أثر له ، لأنّ الاستعمال أعم من الحقيقة ، بل المتفاهم عرفاً أنّ النذر واليمين مفهومان متغايران ولا يتعدّى حكم أحدهما إلى الآخر إلّا بالدليل ، والمستفاد من الأدلّة عدم انعقاد نذر الولد إذا كان منافياً لحق الوالد ، لأنه مرجوح وقد اعتبر الرجحان في متعلق النذر ، وأمّا إذا لم يكن منافياً لحقه ينعقد ولا يعتبر فيه إذنه وإنما له الحل ، فإذا حلّه ونهاه عن العمل به ينحل لأنه بقاء يكون المتعلق مرجوحاً.
وبعبارة اخرى : وجوب الوفاء بالنذر واجب مشروط برجحان متعلقه حدوثاً وبقاء ، فإذا نهاه الوالد عن العمل بالنذر يكون مرجوحاً فينحل ، وأما جواز الحل للوالد فهو على مقتضى القواعد الأوّلية لأن دليل الوفاء لا يشمله فله حله متى شاء.
الثاني : نذر العبد وهو كاليمين لمعتبر الحسين بن علوان : «ليس على المملوك نذر إلّا أن يأذن له سيّده» (1)، بل المستفاد منه أن الحكم بالتوقف على الاذن في النذر أشد من اليمين ، لما عرفت أن المراد بتوقف اليمين على الإذن عدم استقلال المملوك في يمينه ولزوم مراجعته إلى السيّد في أمر يمينه وعدم مزاحمته له ، وذلك لا يفرق بين تحصيل الرضا والإذن منه قبل اليمين أو بعده ، ولكن مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ في النذر اعتبار الإذن السابق المقابل للإجازة اللاحقة لأن ظاهر كلمة الإذن الواردة في النص هو الرضا السابق.
ثمّ إنّ المصنف وصف هذا الخبر بالضعف وذكر أنه منجبر بالشهرة ، وقد ذكرنا غير
1) الوسائل 23 : 316 / كتاب النذر ب 15 ح 2.
.................................................................................................
مرّة أن الانجبار لا أساس له ، ولم يعلم اعتماد المشهور على هذا الخبر ولو علم فلا أثر له ، فدعوى الانجبار ممنوعة كبرى وصغرى ، إلّا أنّ الخبر ليس بضعيف بل هو معتبر فإن الضعف المتوهم هو من ناحية الحسين بن علوان ولكنه موثق لأنّ الكشي يمدحه (1)والنجاشي يوثقه لقوله : الحسين بن علوان الكلبي وأخوه الحسن يكنّى أبا محمّد ثقة (2)وقد زعم بعضهم أن التوثيق راجع إلى الحسن أخيه ولكنه فاسد بل التوثيق راجع إلى الحسين نفسه لأنه المقصود في الترجمة ، وكثيراً ما جرت عادة النجاشي أن يذكر شخصاً من أقارب المترجَم في ضمن ترجمة الشخص الذي عنونه. على أنّ العلّامة ذكر عن ابن عقدة أنّ الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا (3)وفي كلامه دلالة على وثاقة الحسين أيضاً ، مضافاً إلى ذلك أنّ الحسين من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي.
المورد الثالث : نذر الزوجة ، وقد استدل على إلحاق نذرها باليمين وأنه يعتبر الاذن من زوجها في انعقاده بصحيح ابن سنان : «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلّا بإذن زوجها إلّا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة رحمها» (4).
وفيه أوّلاً : أنّ النص أخص من المدعى ، لأنّ مورده عدم انعقاد النذر في مالها بدون إذن الزوج ، فالتوقف إنما هو في الأُمور المالية ولا يشمل ما إذا تعلّق النذر بغير الأموال كامور العبادة ونحوها ، فإسراء الحكم إلى النذر المتعلِّق بغير الأموال من القياس الذي لا نقول به.
وثانياً : أنه لا يمكن الأخذ بظاهر النص ولا بدّ من حمله على الجهة الأخلاقية
.................................................................................................
لاشتماله على ما لا يقول به أحد ، لأن عدة من المذكورات لا إشكال في عدم توقفها على إذن الزوج كالصدقة من مالها والهبة من مالها ونحو ذلك من التصرّفات في أموالها الشخصية ، ولم يلتزم أحد باعتبار إذن الزوج في صحّة هذه التصرفات ، فلا بدّ من حمل الرواية على الجهة الأخلاقية والتأدب بالنسبة إلى الزوج واحترامه.
وقد أجاب غير واحد عن هذا الإشكال بأن اشتمال النص على ما لا نقول به في بعض الموارد لا يوجب سقوطه عن الحجية في مورد آخر ، وقد وقع نظير ذلك في كثير من الأدلة.
وفيه : أن الأمر وإن كان كذلك لكن فيما إذا كان هناك جمل متعددة على إشكال في ذلك أيضاً ، وأما إذا كانت جميع الفقرات بياناً لصغريات تعود إلى كبرى واحدة فالمتبع ظهور تلك الكبرى ، والمقام كذلك ، إذ ليس في البين جملات متعدِّدة متكرِّرة مستقلّة بل ذكر في أوّل الكلام كبرى كلّية وهي أنه ليس للمرأة مع زوجها أمر ثمّ ذكر عدّة من الأُمور بياناً لصغرى هذه الكبرى ، والمتبع ظهور هذه الكبرى ، وقد عرفت أنه لا يمكن الأخذ بإطلاقها إذ لا يقول به أحد من الأصحاب فلا بدّ من حملها على حكم أخلاقي تأدبي. وبالجملة : لا دليل على توقف نذر الزوجة على إذن الزوج فيما لا ينافي حقه ، ولا سيما في نذر الزوجة أمراً لا يتعلق بمالها.
ومما يشهد على أن المذكورات في صحيح ابن سنان المتقدم ليست جملاً متعددة مستقلة وإنما جميعها صغرى لكبرى واحدة والتي هي انه ليس للمرأة مع زوجها أمر استثناء الحجّ والزكاة ، فإن الظاهر أن الاستثناء استثناء حقيقي غير منقطع ، وذلك يكشف عن أن المستثنى منه كبرى كلية واحدة وهي أنه ليس لها أي شيء من الأُمور سوى الحجّ والزكاة ، فحينئذ لا بدّ من حمل تلك الكبرى على الأخلاق والآداب إذ لم يلتزم أحد بمضمونها ، فإن توقف جميع الأُمور على إذن الزوج مقطوع البطلان.
ثمّ هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان (1)(1) ، وهل الولد يشمل ولد الولد أو لا؟ كذلك وجهان (2).
(1) جزم بعضهم باختصاص الحكم بالدائمة لدعوى الانصراف إليها ، وبأن إطلاق الزوجة على المنقطعة على سبيل المجاز دون الحقيقة لأنها في الحقيقة مستأجرة كما في بعض الروايات (2). وكلا الدعويين باطل ، فإن الزوجية حقيقة واحدة وهي العلقة المخصوصة بين الرجل والمرأة غاية الأمر فرد منها دائمي والفرد الآخر مؤقت ، والتعبير بالاستئجار من باب المسامحة ، ولذا لو اقتصرنا على مجرد الاستئجار من دون ثبوت علقة الزوجية لكان ذلك من الزنا.
والحاصل : جميع أحكام الزوجة مترتبة على المنقطعة سوى الإرث ومقدار العدة وبعض الفروق الجزئية ، ومجرد افتراقهما في بعض الأحكام لا يوجب اختصاص الزوجية بالدائمة فإن المنقطعة زوجة حقيقة فلا وجه لدعوى الانصراف ، ومما ذكرنا يعرف أن إطلاق الزوجة عليها ليس من باب المجاز.
(2) قيل بالشمول لكونه ولداً حقيقة ، وقيل بالعدم لعموم الأدلة المقتضية للصحة بدون الاذن ، وإنما خرجنا عنه في خصوص الولد.
والتحقيق هو التفصيل وحاصله : أنه إذا كان اعتبار الاذن في اليمين أو النذر من باب رعاية حقوق الوالد فلا فرق بين الوالد والجد ، فإن الجد له حقوق على حفيده وإذا نهاه عن العمل بالنذر يصبح المتعلق مرجوحاً فلا ينعقد أو ينحل ، وإن قلنا باعتبار الاذن في أصل الانعقاد سواء كان منافياً لحق الوالد أم لا فشمول الحكم لولد الولد مشكل ، لأنّ الولد وإن كان أعم من الولد والحفيد لكون الولد من يتولّد من الإنسان ولا ريب أن الحفيد متولد من الجد أيضاً بالواسطة إلّا أن الوالد لا يصدق
والأمة المتزوِّجة عليها الاستئذان من الزوج والمولى بناء على اعتبار الإذن (1) وإذا أذن المولى للمملوك أن يحلف أو ينذر الحجّ لا يجب عليه إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة عليه من مصارف الحجّ (2) ، وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان (1)(3).
على الجد وإنما يصدق على الوالد بلا واسطة خاصة. نعم عنوان الأب يصدق على الوالد والأجداد ويقال آباؤك وقد أُطلق في الآيات الكريمة وغيرها الآباء على الأجداد (2)، فعنوان الوالد والأب يفترق أحدهما عن الآخر والوالد يختص بالوالد بلا واسطة ، والموجود في النص الوالد وشموله للجد مشكل أو ممنوع.
(1) لأنّ المفروض أنها مجمع بين العنوانين ويحكم عليها بحكمهما ، وإذن أحدهما دون الآخر لا يجدي.
(2) لعدم الدليل على وجوب تحمّل المولى هذه المصارف الزائدة على النفقة الواجبة ، وإنما غاية ما يجب عليه رفع الموانع من قبله.
(3) أمّا منع العبد من التكسب لتحصيل مصارف الحجّ فتقتضيه القاعدة ، لأنّ العبد لا يقدر على شيء وأمره بيد مولاه فله منعه من التكسّب حسب ولايته وسلطانه عليه ، وأمّا وجوب التخلية عليه فيستدلّ له بأنّ الاذن في الشيء إذن في لوازمه ، ويقع الكلام في مقامين ، بعد الفراغ عن تسليم هذه الكبرى الكلية وهي أن الاذن في الشيء إذن في لوازمه ، فإنها غير قابلة للإنكار لأن الإذن في الملزوم يستلزم الإذن في لازمه قهراً وهذه من القضايا التي قياساتها معها.
ثمّ على القول بأن لهم الحل هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين في حل حلفهم أم لا؟ وجهان (1)(1).
أحدهما : أن هذه الكبرى هل تنطبق على المقام أم لا؟
ثانيهما : أنه هل يجب على المولى إذا أذن في نذر الحجّ أن يلتزم بذلك بحيث لا يجوز له العدول عن إذنه أو له العدول عن إذنه.
أمّا الأوّل : فالظاهر أنّ هذه الكبرى غير منطبقة على المقام ، لأنّ التكسّب ليس من لوازم الإذن في الحجّ بحيث يستلزم الاذن في نذر الحجّ الإذن في التكسب ، لإمكان عتقه فيما بعد فيتمكّن من إتيان الحجّ أو ينتظر وجود من يبذل له مصارف الحجّ ونحو ذلك مما يتمكن من إتيانه. وبالجملة : إتيان الحجّ لم يكن متوقفاً على التكسّب حتى يكون الإذن فيه إذناً في التكسّب ، بل الإذن في الحجّ لا يقتضي إلّا رفع المانع من قبله.
والحاصل : ليس النذر ملزوماً للتكسّب حتى يكون الإذن فيه إذناً في التكسب. وبتعبير آخر النذر بنفسه لا يستلزم صرف المال والتكسب ، بل لا بدّ في النذر من ملاحظة حصول شرائط الوفاء به وما يتوقف عليه من القدرة ونحوها من الشرائط الأُخر المعتبرة العامّة ، فإن كان متمكناً من الإتيان فهو وإلّا فلا يجب عليه الإتيان.
وأما الثاني : فالظاهر جواز العدول له عن الاذن وإن صرح به ، نظير رجوع الباذل عن بذله للحجّ ، لعدم الدليل على عدم جواز العدول له. وبالجملة : المستفاد من الأدلة أن نذر العبد لا ينعقد إلّا بإذن المولى ولو أذن ينعقد النذر ، وأما وجوب الإتيان على العبد فيتوقف على حصول الشرائط المعتبرة كالتمكن ونحوه ، ولو رجع المولى عن إذنه لا يتمكّن العبد من الإتيان فينتظر تجدد الاذن والتمكن من الامتثال.
(1) أقواهما الجواز لإطلاق ما يقتضي جواز الحل لهم فلا مانع من التماسه.
1) (*) أقواهما الجواز.
[3109] مسألة 2 : إذا كان الوالد كافراً ففي شمول الحكم له وجهان أوجههما العدم للانصراف ونفي السبيل (1).
[3110] مسألة 3 : هل المملوك المبعّض حكمه حكم القِنّ أو لا؟ وجهان (1)لا يبعد الشمول ، ويحتمل عدم توقف حلفه على الإذن في نوبته في صورة المُهاياة خصوصاً إذا كان وقوع المتعلق في نوبته (2).
(1) فإن هذا الحكم ونظائره من باب احترام الوالد ولا حرمة للكافر. نعم ، إذا كان النذر ونحوه مخالفاً للمعروف بالنسبة إلى الوالد لا ينعقد ، لأنّ معاملة المعروف مع الوالد واجبة حتى إذا كان كافراً كما هو المستفاد من الآيات (2)والروايات ، وأما الاستدلال بنفي السبيل كما في المتن ففيه : أن المراد بهذه الآية إما نفي السبيل في أمر الآخرة أو عدم السبيل للكافر من جهة الحجة والسلطان في المعارف الإلهية.
(2) والذي ينبغي أن يقال : إن موضوع الحكم إن كان عنوان الحر فلا ريب في عدم صدقه على المبعّض لعدم كونه حراً وإنما بعضه حر ، وكذا لو كان الحكم ثابتاً لعنوان العبد فإنه غير صادق على المبعّض لأنه مركّب من العبد والحر ، والمفروض أن الحكم بالتوقف ثابت لعنوان العبد أو المملوك وهو غير صادق على المبعّض فيشمله إطلاق وجوب الوفاء بالنذر. وبعبارة اخرى : يجب الوفاء بالنذر على كل أحد وإنما خرج عنه العبد وهو غير صادق على المبعّض فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق أدلة وجوب الوفاء بالنذر.
هذا كلّه من جهة النذر بنفسه يعني أن النذر بما هو نذر يجب الوفاء به تعبداً ولا يتوقف نذر المبعّض على إذن سيّده ، وأما إذا كان منافياً لحق المولى فلا ينعقد من دون إذنه لمنافاته لحقه. نعم ، إذا كان متعلقه يصادف نوبته وأيامه لا مانع من الانعقاد لعدم حق للمولى في نوبته وأيامه ولا يكون منافياً لحقه.
[3111] مسألة 4 : الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والأُنثى ، (1) وكذا في المملوك والمالك ، لكن لا تلحق الأُم بالأب.
وقد تحصل من جميع ما ذكرنا : أن اعتبار الاذن في النذر واليمين قد يكون بلحاظ حق الغير ومراعاته ، فإن كان متعلقه منافياً لحق الوالد أو السيّد لا ينعقد لاعتبار الرجحان في متعلق النذر وفي متعلق اليمين لا بدّ أن لا يكون مرجوحاً ، وذلك لا يفرق بين الولد والعبد والزوجة ، وقد يكون اعتبار الإذن في النذر على الإطلاق وبلحاظه في نفسه مع قطع النظر عن منافاته لحق هؤلاء ، فقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه لا دليل على ذلك إلّا في نذر العبد ، وأما الولد فقد ذكرنا أن غاية ما يستفاد من الأدلة جواز حلّ الوالد نذر ولده لا توقف نذره على إذن الوالد ، وأما الزوجة فقد تقدم المناقشة في دليله.
ومما ذكرنا يظهر الحال في المبعّض من أن نذره لو كان منافياً لحق المولى لا ينعقد لا لدليل خاص بل لإطلاق ما دلّ على لزوم الرجحان في متعلق النذر ، وأمّا لو قلنا بأن اعتبار الاذن في النذر من باب الدليل التعبدي الدال على اعتبار الاذن في النذر في نفسه فقد عرفت أن مقتضى إطلاق الأدلّة وجوب الوفاء ، وقد خرج منه عنوان المملوك وهو غير صادق على المبعّض المركّب من العبد والحر ، كما أنه لا يشمله سائر الأحكام الثابتة للعبد من الديات والقصاص والحدود فإنها مختصّة بالعبد التام ولا تشمل المبعّض ، وعنوان الحر وإن كان لا يصدق عليه أيضاً إلّا أن مقتضى إطلاق أدلة وجوب الوفاء بالنذر وجوبه على المبعّض أيضاً ، إذ لا مخصّص له بالنسبة إليه وإنما خرج عن المطلقات عنوان المملوك والعبد وهو غير صادق على المبعّض المركّب من الحر والعبد.
(1) لاشتراك الولد بينهما لغة ، فإن الولد ما يتولد من الإنسان سواء كان ذكراً أو أُنثى ، قال اللّه تعالى ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (1)ولا
1) النساء 4 : 11.
[3112] مسألة 5 : إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثمّ انتقل إلى غيره بالإرث أو البيع أو نحوه بقي على لزومه (1)(1).
عبرة بالاستعمال الدارج للولد في خصوص الذكر. نعم ، الابن يختص بالذكر كما أن البنت تختص بالأُنثى ، وكذا المولى والمملوك يطلقان على الذكر والأُنثى فلا فرق بين العبد والأمة كما لا فرق بين المولى والمولاة. على أن المستفاد من النص أن الحكم بتوقف النذر على الاذن من جهة المملوكية وعدم التصرف في سلطان المالك ورعاية حقوقه وذلك لا خصوصية له بالرجل أو المرأة ، وقد ورد كثير من أحكام الحجّ وغيره في مورد الرجل ولا تختص به بل تشمل المرأة حسب الفهم العرفي. وأما الام فلا تلحق بالأب بناء على أن الاذن معتبر في النذر في نفسه لقصر الدليل بالوالد ولا يشمل الوالدة ، نظير توقف تزويج البكر على إذن الوالد ولا يتوقف على إذن الام وأمّا على ما ذكره المصنف (قدس سره) من أن اعتبار الاذن من جهة رعاية حق الوالد وعدم منافاته لحقوقه فلا فرق بين الوالدين.
(1) قد يكون متعلق نذره غير مناف لحق المولى الثاني في ظرف العمل وقد يكون منافياً لحقه.
أمّا الأوّل ، فلا مانع من انعقاد نذره ويبقى على لزومه ولا يعتبر الإذن من المولى الثاني ، لأنه حين النذر لم يكن مولاه حتى يعتبر إذنه والمفروض عدم منافاته لحقه حين الإتيان بالمتعلق ، كما إذا نذر أن يقرأ القرآن عند النوم أو بعض الأدعية عند الخروج من البيت ونحو ذلك مما لا ينافي حق المولى أصلاً.
وأمّا الثاني ، فالظاهر عدم انعقاده لعدم الفرق بين المولى الأوّل والثاني في لزوم رعاية حقهما ، فلو كان النذر منافياً لحق المولى الثاني ولو بقاءً ينحل ، لأنه مرجوح بقاء وفي ظرف العمل ، والمعتبر رجحانه في ظرف العمل. فالصحيح هو التفصيل إلّا
1) (*) إلّا إذا كان متعلق نذره منافياً لحق المولى الثاني.
.................................................................................................
أنّ المصنف اختار انعقاد نذره وعدم اعتبار إذن المولى الثاني مطلقاً بدعوى أنه لا يبقى حق للمولى الثاني بعد انعقاد النذر ، وليس له المنع عن العمل بالنذر بعد ما صار واجباً عليه ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وبعبارة اخرى : طاعة السيّد وإن كانت واجبة لكنها مشروطة بالقدرة الشرعية يعني تجب طاعته فيما إذا لم يكن هناك مانع شرعي ، وأما إذا كان هناك مانع شرعي كالنذر السابق فلا تجب طاعته ، والمفروض انعقاد النذر بإذن المالك حين النذر فيجب الوفاء به على العبد ، وليس للسيّد الثاني المنع عنه لعدم وجوب طاعته فيما وجب أو حرم على العبد.
ويرد عليه : أن هذه الجملة «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» لم ترد في نص معتبر وإنما رواها المحقق مرسلاً في المعتبر (1)وحكى ذلك عنه صاحب الوسائل (2)ورواها الصدوق أيضاً بسندين ضعيفين :
أحدهما : ما رواه في الفقيه بإسناده عن إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي (3)وطريقه إلى إسماعيل بن الفضل ضعيف.
ثانيهما : ما رواه في الخصال بسند آخر ضعيف في ضمن ذكره (عليه السلام) للحقوق الواجبة والمندوبة (4)فلا يمكن الاعتماد على هذه الجملة وإن كان مضمونها من الكبرى المسلمة التي لا ريب في صحتها ، إذ من الواضح جدّاً عدم وجوب طاعة المخلوق في الموارد التي تستلزم معصية الخالق كعدم وجوب طاعته في موارد الواجبات والمحرمات الإلهية ، إلّا أنه ليس معنى هذه الجملة أخذ القدرة شرعاً في موضوع الحكم ليقيد وجوب طاعة المولى بما إذا لم يكن هناك مانع شرعي ، وإنما القدر المسلم سقوط وجوب طاعة المولى في موارد التكاليف الإلهية ، وأن الواجب أو
[3113] مسألة 6 : لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجية ثمّ تزوجت وجب عليها العمل به وإن كان منافياً للاستمتاع بها (1)، وليس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحج ونحوه ، بل وكذا لو نذرت أنها لو تزوجت بزيد مثلاً صامت كل خميس وكان المفروض أن زيداً أيضاً حلف أن يواقعها كل خميس إذا تزوجها فإن حلفها أو نذرها مقدّم على حلفه (2)وإن كان متأخراً في الإيقاع ، لأنّ حلفه لا يؤثِّر شيئاً في تكليفها بخلاف نذرها فإنه يوجب الصوم عليها ، لأنّه متعلق بعمل نفسها فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرّجل (1).
الحرام لا يسقط بأمر أي أحد ، وأين هذا من أخذ القدرة الشرعية في موضوع الحكم ، فمعنى الجملة أنه في موارد معصية الخالق لا طاعة لمخلوق ، إلّا أن الكلام في تحقق المعصية وتحقيق الصغرى فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة الأوّلية ، فإن قلنا بأن العبد لا يقدر على شيء وقلنا بأن العبرة في لزوم النذر بظرف العمل لا بظرف النذر فلا أثر لهذا النذر المنافي لحق المولى الثاني فينحل النذر في ظرف العمل ، ولا أثر للإذن الصادر من المالك الأوّل حال النذر ، لأن المفروض أن النذر بقاء ينافي حق المولى الثاني فيكون مرجوحاً بقاء فينحل لعدم الرجحان لمتعلقه في ظرف العمل.
(1) قد عرفت مما تقدم حال نذر المرأة إذا لم تكن متزوجة ثمّ تزوجت أو كانت متزوجة ونذرت بإذن زوجها ثمّ طلقت وتزوجت بزوج آخر وكان نذرها منافياً لحق الزوج الجديد ، فإن نذرها ينحل لكونه مرجوحاً في ظرف العمل ، وقد عرفت أن العبرة بالرجحان في ظرف العمل ، فلو نذرت المرأة الصوم يوم الخميس وكان منافياً لحق الزوج الجديد ينحل وإن كانت حين النذر لم تكن متزوجة أو كانت مأذونة من الزوج الأوّل.
.................................................................................................
ولو حلف الزوج على خلاف حلفها كما إذا حلف أن يواقعها كل خميس إذا تزوجها فإن قلنا بأنه لا أثر لحلف الزوجة إذا كان منافياً لحق الزوج ولو بقاء فالأمر ظاهر ، لانحلال نذرها أو حلفها لكونه مرجوحاً في ظرف العمل ، بل لا حاجة إلى حلف الزوج لانحلال نذرها أو حلفها بمجرد المنافاة لحق الزوج ، وأمّا على ما اختاروا من لزوم حلف الزوجة وعدم انحلاله بعد انعقاده صحيحاً في حال النذر فهل يتقدّم حلف الزوج أو الزوجة أو يسقطان معاً؟
ذكر المصنف (قدس سره) وغيره أنّ حلف الزوجة مقدّم على حلفه وإن كان حلف الزوجة زمانه متأخراً ، لأن المفروض أن حلفها صدر وهي غير متزوجة أو بإذن من الزوج الأوّل فيصحّ ويجب عليها العمل به ، ولا أثر لحلف الزوج لأنّ حلفه لا يحدث تكليفاً بالنسبة إلى الزوجة وإن كان حلفه متقدماً على حلفها بخلاف حلفها أو نذرها فإنه يوجب الصوم عليها لأنه متعلق بعمل نفسها ، ووجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل ، وليس له مطالبة الزوجة بالعمل بحلفه لأنه من المطالبة لترك الواجب أو الإتيان بالحرام.
ويرده : أنّ حلف الزوج كما لا يحدث تكليفاً للزوجة كذلك حلف الزوجة لا يؤثر شيئاً في تكليفه ، فإن وجوب الصوم عليها مثلاً في يوم كذا لا يوجب تكليفاً للزوج بل يجب على كل منهما العمل بالنذر مهما أمكن ، فنذر الزوجة ونذر الزوج يقتضيان حكمين متوجهين إلى شخصين ، فهما متزاحمان بالنسبة إلى شخصين لا إلى شخص واحد حتى يقع التزاحم بين الخطابين ويقدم الأهم أو يتخيّر عند التساوي كما تقتضيه قاعدة التزاحم بين الخطابين بالنسبة إلى شخص واحد ، بل المقام من باب التزاحم بين الحكمين بالنسبة إلى شخصين ، نظير واجدَي الماء حيث يلزم كل منهما أن يعمل بوظيفته ، لأنّ الحكم في الطرفين مشروط بالقدرة والتمكّن ، فيجب الصوم على الزوجة إذا كانت متمكنة منه ويجب على الزوج وطؤها في اليوم الذي حلف إذا كان متمكناً من ذلك ، ولا موجب لسقوط التكليف عن كل من الطرفين ، وعلى كل منهما أن يعمل بوظيفته ، وذلك يستلزم المغالبة والمسابقة قهراً إلى إتيان ما وجب عليه ، فهذه تمتنع
[3114] مسألة 7 : إذا نذر الحجّ من مكان معيّن كبلدة أو بلد آخر معيّن فحجّ من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمّته ووجب عليه ثانياً. نعم ، لو عيّنه في سنة فحجّ في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفّارة ، لعدم إمكان التدارك. ولو نذر أن يحج من غير تقييد بمكان ثمّ نذر نذراً آخر أن يكون ذلك الحجّ من مكان كذا وخالف فحج من غير ذلك المكان برئ من النذر الأوّل ووجب عليه الكفّارة (1)لخلف النذر الثاني ، كما أنّه لو نذر أن يحجّ حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف فإنه يجزئه عن حجّة الإسلام ، ووجب عليه الكفّارة لخلف النذر (1).
عن التمكين للزوج وذاك يحملها على التمكين ليواقعها ، لأنّ كلّاً من الواجبين مشروط بالقدرة شرعاً وأي منهما كان أقوى يعمل بوظيفته ، ولا موجب لتقديم حلف الزوجة على حلف الزوج ولا العكس ، بل عليهما أن يتسابقا إلى إتيان ما وجب عليهما نظير المتيممين الواجدَين للماء.
(1) في هذه المسألة أُمور :
الأوّل : لو نذر الحجّ من مكان معيّن كبلدة أو بلد آخر عينه فحجّ من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمّته ولا يجزئ عن المنذور ووجب عليه الحجّ ثانياً من ذلك المكان المعيّن وفاء لنذره ، كما إذا نذر أن يصلي ركعتين في مسجد خاص أو في الحرم الشريف فصلى في مكان آخر فإنّها لا تجزئ عن الأمر الناشئ من النذر بل لا بدّ من الصلاة في الحرم الشريف أو في المسجد المعيّن ، نظير ما لو نذر أن يعطي درهماً لزيد فأعطاه لعمرو ونحو ذلك ، فإن الأمر الناشئ من النذر أوجب عليه الإتيان بحصة خاصة وفرد خاص من الطبيعة فلا يجزئ عنه إتيان الطبيعة في ضمن فرد آخر لم يتعلّق به النذر ولا يتحقق الامتثال بالنسبة إلى الأمر النذري إلّا بإتيان متعلقه.
الثاني : لو عيّنه في سنة خاصّة من مكان خاص فحج في تلك السنة من غير ذلك
1) (*) فيما إذا كان للمكان المنذور رجحان وكذا فيما بعده.
.................................................................................................
المكان لا يجب عليه الحجّ ثانياً لعدم إمكان التدارك ، لأن المفروض أنه قيد الحجّ بسنة خاصّة ولم يكن مطلقاً حتى يمكن التدارك بإتيانه في سنة أُخرى. نعم ، يجب عليه الكفّارة فقط لأنه خالف نذره.
والحاصل : لو كان نذره مطلقاً وغير مقيّد بزمان خاص فخالف وأتى به من غير ذلك المكان المعيّن المنذور يجب عليه الحجّ ثانياً ، لأنه لم يمتثل الأمر النذري المتعلق بحصة خاصة من الطبيعة وليس عليه الكفارة ، وإن كان الحجّ مقيّداً بزمان خاص من مكان خاص فخالف وأتى بالحج من غير ذلك المكان يسقط وجوب الحجّ ثانياً لعدم إمكان تداركه ، لأنه كان مقيّداً بسنة خاصّة وقد فوّت على نفسه ، وإنما يجب عليه الكفارة فقط لأنه حنث بإتيان الحجّ من غير ذاك المكان المعيّن ، هذا كله إذا كان النذر واحداً.
الثالث : ما إذا كان النذر متعدداً أحدهما تعلق بالحج مطلقاً من غير تقييد بمكان والآخر تعلق بالإتيان به من مكان خاص وخالف فحج من غير ذلك المكان. ذكر في المتن أنه تبرأ ذمته من النذر الأوّل لأنه تعلق بطبيعي الحجّ وقد تحقق غاية الأمر قيده بنذر ثانٍ ووجوب آخر بإيجاده في ضمن حصة خاصة ، فمتعلق نذر كل منهما يغاير الآخر وقد حصل الامتثال بالنسبة إلى النذر الأوّل ، وأمّا بالنسبة إلى النذر الثاني فقد خالفه وتجب عليه الكفارة ، وهكذا لو نذر أن يأتي بحجّ الإسلام من بلد كذا فخالف وحج من غير ذلك البلد فإنه يجزئه عن حجّة الإسلام ولكن تجب عليه الكفّارة لخلف النذر.
أقول : يقع الكلام في جهتين :
الاولى : في صحّة النذر الثاني وعدمها. لا ريب في صحّة النذر إذا كان متعلقه أمراً راجحاً ، كما إذا نذر أن يصلي في المسجد أو في الحرم الشريف أو يأتي بها جماعة ونحو ذلك من العناوين الراجحة ، فإن الأمر الأوّل تعلق بأصل الطبيعة المطلقة والثاني تعلق بإيقاعها في ضمن فرد راجح ، فلو أتى بالطبيعة في ضمن غير ذلك الفرد امتثل بالنسبة
.................................................................................................
إلى الأمر الأوّل ، لأنه لم يكن مقيداً وإنما تعلق بالطبيعي الجامع بين الصلاة جماعة وفرادى ، وأمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني فقد خالف ووجب عليه الكفّارة ، وأمّا إذا لم يكن متعلقه راجحاً كما إذا لم يكن للمكان المنذور رجحان فلا ينعقد كما هو كذلك في المقام ، لأن إتيان الحجّ من بلده أو من بلد خاص لا رجحان فيه شرعاً فلا ينعقد النذر بالنسبة إليه. نعم ، لا يبعد صحته فيما إذا تعلق بالخروج مع القافلة الأُولى للرجحان فيه لاحتمال عدم الوصول إلى الحجّ لو آخر السفر إلى القوافل اللّاحقة.
والحاصل : لو تعلق النذر بحصة خاصة لا بدّ من ثبوت الرجحان في تلك الحصة وإلّا فلا ينعقد كما إذا نذر أن يصلي صلاته اليومية في غرفة خاصة من داره لعدم رجحان في ذلك. نعم ، لو تعلق النذر بنفس الخاص ينعقد لثبوت الرجحان في أصل الفرد الخاص ، كما إذا نذر أن يصلي ركعتين في هذه الغرفة المعيّنة. وبالجملة : ما ذكره المصنِّف من انعقاد النذر الثاني على إطلاقه غير تام ، بل لا بدّ من التفصيل بين ما كان متعلقه راجحاً وعدمه.
الجهة الثانية : قد عرفت أنه لو نذر أوّلاً أن يحجّ من غير تقييد بمكان ثمّ نذر ثانياً أن يكون ذلك من مكان خاص فحجّ من غير ذلك المكان صحّ حجّه وبرأ من النذر الأوّل لامتثاله ووفائه له ، لأنّ المفروض كان متعلقه مطلقاً ولم يكن مقيداً بمكان خاص ، وأمّا بالنسبة إلى النذر الثاني فقد خالفه ويجب عليه الكفّارة.
وقد يقال ببطلان العمل الصادر منه بدعوى أن النذر في المقام في الحقيقة يرجع إلى أن لا يحج إلّا من بلد كذا وقوله : للهِ عليّ أن أحجّ حجّ الإسلام من بلد كذا يرجع إلى قوله : للهِ عليّ أن لا أحجّ إلّا من بلد كذا أو لا يصلِّي في أي مكان إلّا في المسجد أو لا يصلِّي إلّا جماعة ، فإذا حجّ من غير ذلك البلد أو صلّى في غير ذلك المسجد أو صلّى فرادى يقع الفعل الصادر منه مبغوضاً ، لأنه موجب لتفويت المنذور ولا يمكن تداركه وإذا وقع مبغوضاً يقع فاسداً ، إذ لا يمكن أن يكون الحرام مصداقاً للواجب فيبقى النذر بحاله.
.................................................................................................
والحاصل : لو حج من غير البلد المعيّن فقد فوّت الموضوع وعجّز نفسه عن أداء المنذور ، وهذا التعجيز حرام والحرام لا يكون مصداقاً للواجب فلا يمكن القول بصحة الحجّ من غير ذلك البلد ، فيجب عليه الإتيان بالمنذور بعد ذلك ولا تجب عليه الكفارة لأنها إنما تجب بترك المنذور لا بتفويته.
وفيه : أن النذر في المقام يتعلق بإيقاع الطبيعة في ضمن هذا الفرد الخاص ، وأما عدم إيقاعها في ضمن فرد آخر فهو من باب الملازمة بين وجود أحد الضدين وعدم الضد الآخر لا من جهة تعلق النذر بذلك وإلّا لا ينعقد النذر من أصله ، لأن ترك الصلاة في غير المسجد أو ترك الحجّ من بلد كذا لا رجحان فيه ، كما لا رجحان بخصوصه لابتداء الحجّ من بلد خاص.
وأمّا ما ذكر من التعجيز وتفويت الموضوع عن أداء المنذور بإتيان هذا الفرد والحجّ من غير البلد المعيّن المنذور فليس إلّا من جهة المضادة بين المنذور وغيره وعدم إمكان الجمع بين الضدين ، وليس ذلك من التعجيز بشيء ، بل ذلك لأجل ملازمة خارجية بين الضدين ، فإن وجود كل ضد ملازم لعدم الضد الآخر.
هذا ، مضافاً إلى أنّ التعجيز لا يعقل أن يكون محكوماً بالحرمة لأنه يستلزم من وجوده عدمه ، وذلك لأنّ التعجيز إنما يتحقق إذا كان المأتي به صحيحاً ، إذ لو كان باطلاً وفاسداً لا تعجيز ، ولو كان صحيحاً سقط الأمر ، فالتعجيز متوقف على صحّة المأتي به وإذا كان صحيحاً لا يمكن أن يكون المعجز محرماً بعنوان التعجيز.
والحاصل : في المقام أمران أحدهما تعلق النذر بمطلق الطبيعة والثاني تعلقه بإتيان الطبيعة في ضمن فرد خاص ، فلو فرضنا أنه أتى بمتعلق النذر الأوّل فإن كان فاسداً لا يكون معجّزاً ، وإن كان صحيحاً ومسقطاً للأمر لا يكون مبغوضاً ومحرماً ، فالتعجيز يتوقف على الصحّة ، والصحّة تستلزم سقوط الأمر وعدم كونه مبغوضاً وما يستلزم من وجوده عدمه محال. والحل ما ذكرناه من أن الحجّ من البلد المعيّن المنذور والحجّ من غير هذا البلد من قبيل الضدين ولا يستلزم وجوب أحدهما حرمة الآخر وإنما هو من باب الملازمة الخارجية.
[3115] مسألة 8 : إذا نذر أن يحج ولم يقيده بزمان فالظاهر جواز التأخير (1)إلى ظن الموت أو الفوت ، فلا تجب عليه المبادرة إلّا إذا كان هناك انصراف ، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً والقول بعصيانه مع تمكنه في بعض تلك الأزمنة وإن جاز التأخير لا وجه له. وإذا قيده بسنة معيّنة لم يجز التأخير مع فرض تمكنه في تلك السنة ، فلو أخّر عصى وعليه القضاء (2)والكفّارة ، وإذا مات وجب قضاؤه عنه ، كما أنّ في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه ، والقول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد ضعيف لما يأتي.
وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان ، فذهب جماعة إلى القول بأنه من الأصل لأنّ الحجّ واجب مالي وإجماعهم قائم على أنّ الواجبات المالية تخرج من الأصل وربما يورد عليه بمنع كونه واجباً مالياً وإنما هو أفعال مخصوصة بدنيّة وإن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدّماته كما أنّ الصلاة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك.
وفيه : أنّ الحجّ في الغالب محتاج إلى بذل المال بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنية ، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أن الواجبات المالية من الأصل يشمل الحجّ قطعاً. وأجاب صاحب الجواهر (قدس سره) بأن المناط في الخروج من الأصل كون الواجب ديناً والحجّ كذلك فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة
1) (*) الظاهر عدم جواز التأخير ما لم يكن مطمئناً بالوفاء.
2) (**) وجوب قضاء الحجّ المنذور المؤقت وغير المؤقت مبني على الاحتياط ، والأظهر عدم الوجوب إذ لا دليل عليه ، ودعوى أنه بمنزلة الدّين فيخرج من الأصل لم تثبت فإن التنزيل إنما ورد في نذر الإحجاج وقد صرّح فيه بأنه يخرج من الثلث ، وأمّا ما ورد من إطلاق الدّين على مطلق الواجب كما في رواية الخثعمية فلا يمكن الاستدلال به لضعف الرواية سنداً ودلالة وبذلك يظهر الحال إلى آخر المسألة.
والصوم ، بل للأمر به جهة وضعية فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات البدنية فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنه دين أو بمنزلة الدّين.
قلت : التحقيق أن جميع الواجبات الإلهية ديون لله تعالى سواء كانت مالاً أو عملاً مالياً أو عملاً غير مالي ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون لله ولهما جهة وضع فذمة المكلف مشغولة بهما ، ولذا يجب قضاؤهما ، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميت ، وليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفارة بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل ، بل مثل قوله : للهِ عليّ أن أعطي زيداً درهماً دين إلهي لا خلقي فلا يكون الناذر مديوناً لزيد بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد ، ولا فرق بينه وبين أن يقول : للهِ عليّ أن أحجّ أو أن أُصلِّي ركعتين فالكل دين اللّه ودين اللّه أحق أن يقضى كما في بعض الأخبار ، ولازم هذا كون الجميع من الأصل. نعم ، إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولا بعد موته سواء كان مالاً أو عملاً مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة ، فإنه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثة القضاء لأن الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة ، وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته ، وكما في نفقة الأرحام فإنه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكنه لا يصير ديناً عليه لأنّ الواجب سدّ الخَلة وإذا فات لا يتدارك.
فتحصّل أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذري إذا تمكن وترك حتى مات وجوب قضائه من الأصل لأنه دين إلهي ، إلّا أن يقال بانصراف الدّين عن مثل هذه الواجبات ، وهو محل منع ، بل دين اللّه أحق أن يقضى. وأما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على أن من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه ، وإذا كان نذر
الإحجاج كذلك مع كونه مالياً قطعاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل. وفيه : أن الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما فكيف يعمل بهما في غيره.
وأمّا الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناء على خروج المنجزات من الثلث فلا وجه له بعد كون الأقوى خروجها من الأصل. وربما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة ، أو على صورة عدم التمكّن من الوفاء حتى مات ، وفيهما ما لا يخفى خصوصاً الأوّل (1)
(1) ذكر (قدس سره) أنه لو نذر الحجّ ولم يقيده بزمان فله التأخير إلّا إذا ظنّ الموت أو الفوت ، فما لم يظن الموت أو الفوت لا تجب عليه المبادرة إلّا إذا كان هناك انصراف إلى الفورية ، فلو مات في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً لعدم كون التكليف منجزاً عليه والعصيان إنما يتحقق فيما إذا كان التكليف منجزاً ، فإن القول بجواز التأخير له وعصيانه لا يجتمعان ، لأنّ العصيان يدور مدار التنجيز لا الترك الواقعي.
أقول : ما ذكروه من عدم دلالة الأمر على وجوب المبادرة صحيح لما حقق في الأُصول من أن الأمر إنما يدلّ على إيجاد الطبيعة من دون دلالته على الفور أو التراخي (1)، إلّا أنّ الفقهاء (قدس سره) قيدوا جواز التأخير في المقام بظن الموت أو الفوت أي : إذا ظنّ الموت أو الفوت لا يجوز له التأخير وإنما يجوز له التأخير فيما إذا لم يظنّ الموت أو الفوت ، فإن ظنّ الموت أو الفوت تجب عليه المبادرة إن تمكّن من إتيان ما وجب عليه من الواجبات وإلّا فيوصي بذلك ، سواء كان من الواجبات العبادية أم غيرها كالديون.
هذا ولكن لا دليل على اعتبار الظن في المقام ، وعليه لو قلنا بجواز التأخير يجوز له
1) (*) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 213.
.................................................................................................
التأخير مطلقاً وإن ظن الموت أو الفوت ، ولكن الظاهر عدم جواز التأخير إلّا مع الاطمئنان بإتيان الواجب في آخر الوقت أو يكون التأخير مستنداً إلى العذر ، لا لدلالة الأمر على الفور ، لما عرفت من عدم دلالته إلّا على إيجاد الطبيعة ، بل لأنّ مقتضى حكم العقل بعد اشتغال ذمّة العبد بالواجب إفراغ ذمته عما وجب عليه وخلاص نفسه عن تكليف المولى ، فإن التكليف إذا وصل وتنجز عليه ليس له التأخير عن أدائه ما لم يكن هناك مؤمّن من العذر في التأخير أو حصول الاطمئنان له بالوفاء في آخر الوقت ، وإن لم يحصل أحد الأمرين فليس له التأخير بعد حكم العقل بلزوم تفريغ الذمّة وتسليم ما عليه إلى المولى ، فلا يجوز له التأخير إلى ظن الموت كما لا تجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمئنان بالوفاء.
وممّا ذكرنا يظهر الفرق بين القول بالفورية وبين المختار ، فإنه على الأوّل يجب عليه الإتيان فوراً وإن حصل له الاطمئنان بإتيان الواجب في آخر الوقت لدلالة الأمر على الفور ، وأمّا على ما ذكرنا فلا تجب عليه المبادرة إذا حصل له الاطمئنان بالإتيان ، كما أنه ظهر الفرق بيننا وبين القائلين بجواز التأخير فإنهم جوزوا التأخير في صورة الشك وعدم الاطمئنان بالإتيان ولكنا لم نجوز التأخير في هذه الصورة وإنما نجوزه في صورة الاطمئنان.
وبالجملة : لا بدّ من إحراز الخروج عن عهدة التكليف من حصول المؤمّن إما بالقطع أو الاطمئنان العقلائي أو قيام طريق شرعي كالبيّنة أو كان معذوراً في التأخير ، فلو كان شاكاً في إمكان الامتثال لا يجوز له التأخير وإن لم يظن الموت فالقول بجواز التأخير إلى ظن الموت على إطلاقه لا وجه له.
وربما يقال بقيام طريق معتبر على إمكان الامتثال في آخر الوقت وهو استصحاب حياته أو قدرته إلى آخر الوقت فلا يكون عاصياً إذا مات ، لقيام الطريق في المقام واستناد التأخير إلى العذر.
وفيه : لو صحّ ذلك لصح إجراء الاستصحاب حتى مع الظنّ بالموت فلا وجه لتقييد جواز التأخير بظن الموت. على أن الاستصحاب مثبت ، لأنّ الواجب على المكلف
.................................................................................................
حسب حكم العقل كما عرفت هو إحراز الخروج عن عهدة التكليف والاستصحاب لا يحقق الامتثال وإحرازه فيما بعد ، بل هو لازم عقلي لبقاء الحياة والقدرة.
والحاصل : لا يجوز له التأخير مع الشك بل ولا مع الظن بالإتيان ، وإنما يجوز له التأخير عند قيام طريق معتبر على إمكان الإتيان كالبيّنة والاطمئنان ونحو ذلك من الطرق المعتبرة والجامع حصول المؤمّن له.
وأمّا ثبوت القضاء فقد ذكر في المتن أنه إذا قيد المنذور بسنّة معيّنة لم يجز له التأخير فلو آخر عصى وعليه القضاء والكفّارة ، وإذا مات وجب قضاؤه عنه ، كما أنه في صورة الإطلاق إذا مات وجب القضاء عنه.
أقول : أمّا ثبوت الكفّارة فلا ريب فيه لثبوتها عند المخالفة والحنث ، وأما ثبوت القضاء على نفسه أو على وليه بعد موته فيما إذا كان المنذور مقيداً بزمان خاص أو مطلقاً ففيه كلام. نعم ، وجوب القضاء على نفسه فيما إذا كان المنذور صوم يوم معيّن منصوص بالخصوص (1)، إنما الكلام في غير الصوم كنذر الحجّ أو نذر صلاة الليل وغير ذلك من العبادات فهل يجب عليه القضاء لو ترك المنذور المؤقت أم فيه تفصيل بحسب الموارد؟ اختار المصنف (قدس سره) وجوب القضاء على نفسه وعلى وليه بعد موته ، وهل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان :
اختار الأوّل واستدل على أصل القضاء وعلى أنه من أصل التركة بما حاصله : أنّ جميع الواجبات الإلهية ديون لله تعال سواء كانت مالاً أو عملاً مالياً أو عملاً غير مالي ، فالصلاة والصوم والحجّ والنذر ديون لله ولها جهة وضع توجب اشتغال الذمّة بها وليست أحكاماً تكليفية صرفة ، فذمة المكلف مشغولة بها كالديون المالية ، وما دام لم يمتثل التكليف لم يسقط الدّين ووجب أداؤه بنفسه أو بالإتيان عنه ، فوجوب القضاء من باب تفريغ الذمّة وليس من باب التوبة أو من باب الكفّارة بل هو تفريغ لنفس الواجب الثابت في الذمّة ، والذمّة مشغولة بذلك التكليف إلى أن يؤتى بالواجب سواء بنفسه أو بعد موته بالاستئجار أو بالتبرع عنه ، وليس الواجب مجرّد تكليف
1) الوسائل 23 : 310 / كتاب النذر باب 10 ح 1.
.................................................................................................
محض بحيث لا يقبل بقاء شغل الذمة به بعد فوته ، نظير نفقة الأقارب فإنه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكنه لا يصير ديناً عليه ، لأن الواجب سدّ الخَلة وإذا فات لا يتدارك ، فالحج النذري دين إلهي ، ومقتضى القاعدة في الدّين هو القضاء من أصل المال ، وقد أُطلق الدّين على الواجبات الإلهية في الروايات ، وأن دين اللّه أحق أن يقضى كما في رواية الخثعمية المعروفة (1)، وانصراف الدّين عن مثل هذه الواجبات محل منع.
ويرد عليه : أن رواية الخثعمية ضعيفة سنداً ودلالة وقد تقدمت في بعض المسائل السابقة (2)، وإطلاق الدّين على الواجبات الإلهية ليس على نحو الحقيقة حتى تشمله الآية الكريمة ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) (3)، فإن الإطلاق والاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز ، فالخروج من أصل التركة لا يمكن إثباته ، وأما وجوب أصل القضاء فيتوقف على اشتغال الذمة ، والكلام في تحقق الصغرى ، فإن ثبت اشتغال الذمة بذلك بدليل معتبر كما ورد في الصوم والصلاة والحجّ لا بدّ من التفريغ إما بنفسه أو بالاستئجار عنه بعد موته أو بالتبرع عنه.
والحاصل : متى ثبت اشتغال الذمة يجب التفريغ عنه بإتيانه بنفسه أو بالإتيان عنه ولو من الأجنبي ، وأما إذا لم يثبت الاشتغال كما في المقام أعني الواجبات النذرية فلا دليل على وجوب القضاء لعدم ثبوت اشتغال الذمّة على نحو الديون وبعض الواجبات المنصوصة ، وليس القضاء نفس العمل الواجب سابقاً حتى قال بعدم الحاجة إلى أمر جديد بل العمل الواجب سابقاً قد فات وهذا العمل الواقع في خارج الوقت عمل آخر مغاير له حقيقة وإنما هو مشابه له صورة ، ولو كان واجباً لكان بدليل مستقل غير الدليل الأوّل ، فوجوب الحجّ المنذور المقيّد بسنة خاصّة في غير ذلك الزمان يحتاج إلى دليل مستقل آخر ، وكذلك وجوب الصلاة المقيّدة بوقت خاص في غير ذلك الوقت يحتاج إلى الدليل. وبالجملة : إذا خرج الوقت فقد فات الواجب ، فكيف
.................................................................................................
يمكن أن يقال باشتغال الذمّة بذلك بمجرّد الوجوب الأوّل ، بل لا بدّ في وجوبه في الوقت الثاني من دليل آخر.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أن الواجبات الإلهية ليست حالها حال الدّين ، فإذا مات المكلف يقضى عنه من الثلث إن أوصى به وإلّا فلا. نعم ، الحجّ يقضى من أصل التركة سواء أوصى به أم لا للنص ، وقد ذكرنا تفصيل هذا البحث في قضاء الصلاة (1).
والحاصل : أن الأقوال في المسألة ثلاثة :
الأوّل : ما اختاره المصنف (قدس سره) من وجوب القضاء في مطلق الواجبات سواء كانت متعلقة للنذر أم لا ، وسواء كان المنذور الحجّ أم غيره.
الثاني : ما ذهب إليه بعضهم من التفصيل من وجوب القضاء في متعلق النذر سواء كان الحجّ أم غيره ، وأمّا إذا لم يكن الواجب متعلقاً للنذر فلا يجب القضاء.
الثالث : ما ذهب إليه الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره) من التفصيل بين نذر الحجّ وغيره ، وأن المنذور لو كان الحجّ يجب القضاء ولو كان غيره لا يجب ، فالقضاء ثابت في نذر الحجّ سواء كان نذر الحجّ مطلقاً أو مقيداً بسنة خاصّة (2).
ولا يخفى : أنه لم يرد أي نص في المقام يدلّ على وجوب القضاء لا بالنسبة إلى الناذر ولا بالنسبة إلى وليّه حال موت الناذر ، فلا بدّ من البحث على ما تقتضيه القاعدة.
فنقول : أمّا ما اختاره المصنف (قدس سره) فقد عرفت أنه مبني على أن جميع الواجبات الإلهية ديون لله تعالى ولها جهة وضع وذمّة المكلّف مشغولة بها ، ولا يسقط ما في ذمّته إلّا بتفريغ الذمّة وتسليم العمل إلى المولى ، إمّا بالإتيان بنفسه أو بالقضاء عنه نظير الديون الشخصية للناس.
وفيه : ما تقدّم أنّ ما ذكره من حيث الكبرى مسلم ، فإنّ الإيجاب والتكليف يقتضيان اشتغال ذمّة المكلف ، بل ذكرنا في الأُصول (3)أن الوجوب ليس إلّا اعتبار
.................................................................................................
شيء على ذمة المكلف وإبرازه بمبرز كما هو الحال في سائر الاعتبارات الملزمة ، إلّا أن الكلام في الصغرى أعني بقاء اشتغال الذمة بعد الوقت وأن الاعتبار بعد الوقت موجود أم لا ، ومجرد حدوث الاعتبار والتكليف في الوقت لا يكفي لبقاء ذلك بعد الوقت ، فإنّ الحدوث بدليل والبقاء بدليل آخر ، فإن البقاء أيضاً يحتاج إلى دليل مستقل كالحدوث ، والدليل الأوّل الدال على إتيانه في الوقت والاشتغال به لا يتكفل إتيانه والاشتغال به خارج الوقت بل لا بدّ من أمر جديد.
وبالجملة : لا دليل على وجوب القضاء على نفسه فضلاً على وليه من تركته ، لأن القضاء بأمر جديد ولا دليل عليه في الموردين ، وأما إطلاق الدّين على بعض الواجبات لا يجعل الواجب ديناً حقيقياً وإنما هو من باب الاستعمال وهو أعم من الحقيقة والمجاز.
وأمّا القول الثاني : فقد ادعى أن النذر بخصوصه يوجب كون المنذور ديناً على الناذر ، لأنّ مفاد صيغة النذر جعل المنذور لله تعالى وتمليكه إياه ، ولا فرق بين أن يقول : لزيد عليّ درهم أو للهِ عليّ كذا ، فإنّ هذه الصيغة توجب كون متعلقها ديناً ثابتاً في الذمة فيجري عليه أحكام الدّين ، كما هو الحال في خصوص الحجّ الواجب بالأصل من معاملة الدّين الحقيقي معه.
وفيه : أن النذر لا يدل إلّا على التزام المكلف بالمنذور وقوله للهِ عليّ معناه أنه ألتزم على نفسي بكذا لله تعالى ، وهذا لا يوجب إطلاق الدّين عليه إلّا على سبيل التجوز ، فالدين المتعارف الحقيقي غير ثابت وهو غير مقصود للناذر ، لأنّ مقصوده حسب مفاد الصيغة ليس إلّا التزامه بذلك الشيء المنذور لا ملكية الشيء المنذور لله تعالى ، بل لا يمكن التمليك المتعارف بالنسبة إلى اللّه تعالى ، فإنّ الملكية الاعتبارية لا معنى لها بالنسبة إليه سبحانه إلّا بمعنى التكليف والإلزام والإيجاب ، ووجوب الوفاء بالشيء بمعنى لزوم إنهائه ونحو ذلك ، وإلّا فالملكية الاعتبارية الثابتة للأشياء الخارجية غير ثابتة لله تعالى ، وإنما هو مالك الملوك والأكوان ، وجميع الأُمور طُرّاً بيده وتحت سلطانه وقدرته ومشيئته من دون اعتبار أي جاعل ، وملكه تعالى وسلطانه ليس بالاعتبار فإن إحاطته إحاطة وجودية ، لارتباط جميع الموجودات بنفس ذواتها
.................................................................................................
به بنفس وجودها ، فهي ثابتة له بذواتها من دون حاجة إلى اعتبار ثبوتها له ، وهي محاطة له تعالى بنفس وجودها الارتباطي به ومقهورة تحت قهره وسلطانه والاعتبار في مورد الثبوت الحقيقي لغو واضح.
وبالجملة : النذر بل كل واجب لا يوجب إلّا الالتزام بإتيان متعلقه ولزوم أدائه في الخارج ، وأمّا كون متعلقه ديناً حقيقياً ثابتاً في الذمة يجب تفريغها عنه في الوقت أو خارجه فغير ثابت. نعم ، ورد القضاء في خصوص الصوم المنذور المقيّد بيوم خاص إذا صادف يوم العيد أو أيام مرضه أو سفره كما في صحيح ابن مهزيار (1)، ولو لا النص لكان النذر باطلاً لعدم الرجحان في متعلقه حين العمل ، والرواية على خلاف القاعدة ويجب الاقتصار على موردها ولا يمكن التعدي عنه إلى سائر الموارد.
وأمّا ما ذكره في الجواهر من الفرق بين نذر الحجّ وبين تعلق النذر بغيره بوجوب القضاء في الأوّل دون الثاني بدعوى أن الحجّ يمتاز عن سائر الواجبات الإلهية ، لأن المستفاد من النصوص أن الحجّ سبيله سبيل الدّين أو هو بمنزلته فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات البدنية ، فلا بدّ من القضاء إما بنفسه أو يقضي عنه وليه بعد موته من أصل المال (2).
ففيه : أنا لا نرى فرقاً بين الأمرين إلّا ما قيل من أن الحجّ واجب مالي وإجماعهم قائم على خروج الواجبات المالية من الأصل بخلاف سائر الواجبات كالصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات البدنية ، ولكن من الواضح أن الحجّ أيضاً ليس بواجب مالي وإنما المال يصرف في مقدّماته وإلّا فأفعال الحجّ كالطواف والسعي والوقوف ليست بواجبات مالية إلّا الهدي فإنه واجب مالي.
وبالجملة : حال الحجّ كسائر الواجبات الإلهية البدنية ، والواجب المالي ما وجب فيه صرف المال أوّلاً وبنفسه كالديون ، ومجرد صرف المال في تحصيل الواجب وصرفه في المقدّمات لا يجعل الواجب واجباً مالياً. على أنه لو كان الحجّ واجباً مالياً
.................................................................................................
فلا بدّ من التفصيل بين الحجّ وغيره من الواجبات ، لا التفصيل بين نذر الحجّ ونذر غير الحجّ إذ لا خصوصية للنذر حينئذ ، بل لو كان الحجّ في ضمن عقد لازم مثلاً أو صار واجباً بسبب آخر غير النذر يلزم خروجه من أصل المال لامتياز الحجّ عن سائر الواجبات ، مع أنه لم يلتزم أحد من الفقهاء بذلك ولم يتعرضوا لذلك أصلاً.
وأمّا بحسب الروايات فقد ورد تنزيل الحجّ منزلة الدّين في موردين :
أحدهما : حجّة الإسلام ، فإن النصوص دلت على أنها دين أو بمنزلته بل المستفاد منها تقديم حج الإسلام على الديون الشخصية (1)وهذا ممّا لا كلام فيه.
ثانيهما : نذر إحجاج الغير لا نذر الحجّ عن نفسه كما في صحيحة ضريس قال : «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجّة الإسلام نذر نذراً في شكر ليحجّنّ به رجلاً إلى مكّة فمات الذي نذر قبل أن يحج حجّة الإسلام ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر ، قال : إن ترك مالاً يحج عنه حجّة الإسلام من جميع المال وأُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاً لنذره وقد وفى بالنذر ، وإن لم يكن ترك مالاً إلّا بقدر ما يحج به حجّة الإسلام حج عنه بما ترك ، ويحج عنه وليه حجّة النذر ، إنما هو مثل دين عليه» (2).
والظاهر أن إطلاق لفظ الدّين على نذر إحجاج الغير إنما هو بلحاظ تشبيهه بالدين من حيث قيام الولي بذلك ، يعني : كما أنّ وليّ الميت له التصدِّي لأداء ديونه كذلك له أن يقوم بالحج عنه في مورد نذر الإحجاج إذا لم يتمكن هو من ذلك ، ولو كان ديناً حقيقياً لزم خروجه من الأصل لا من الثلث. وبالجملة : لم يطلق الدّين على مطلق الحجّ إلّا على هذين الموردين فحال الحجّ حال سائر الواجبات فلا فرق بين الحجّ وغيره ، والقضاء غير ثابت على نفسه فضلاً على الولي بعد موته.
ثمّ إنه ذهب جماعة إلى وجوب القضاء من الثلث واستدلوا بصحيحة ضريس
.................................................................................................
المتقدِّمة وصحيحة ابن أبي يعفور (1)الدالتين على أن من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه ، ولو كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه مالياً محضاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل.
وفيه أوّلاً : أنّ الأصحاب أعرضوا عن هذين الخبرين ولم يفتِ أحد بالحكم المذكور في موردهما ، فحينئذ إن قلنا بعدم وجوب القضاء أصلاً كما هو المختار فلا كلام ، ولو قيل بالقضاء فلا بدّ من الخروج من الأصل لأنه واجب مالي ، وحاله حال سائر الديون كما اختاره جماعة أُخرى.
وثانياً : لو لم نقل بسقوط الخبر المعتبر عن الحجية بالإعراض كما هو الصحيح عندنا نلتزم بالخروج من الثلث في خصوص مورد الخبرين وهو نذر الإحجاج ، ولا وجه للتعدي من موردهما إلى الحجّ المنذور بنفسه ، والأولوية المدعاة ممنوعة ، لأن الحجّ المنذور النفسي يمتاز عن سائر الواجبات لكونه واجباً مالياً وحاله حال الدّين في الخروج من الأصل ، وأمّا نذر الإحجاج فهو مجرد تسبيب إلى العمل وإلى إتيان أفعال الحجّ ، ولا يصح إطلاق الدّين عليه في نفسه.
ودعوى إن الإحجاج واجب مالي محض واضحة الدفع لإمكان إحجاج الغير بدون بذل المال له أصلاً ، كما إذا التمس من أحد أن يحج أو يلتمس من شخص آخر أن يُحج الغير ونحو ذلك من التسبيبات إلى حج الغير من دون بذل المال.
وبالجملة : لو كنا نحن والقاعدة لقلنا بعدم وجوب قضاء نذر الإحجاج لا من الأصل ولا من الثلث كسائر الواجبات المنذورة التي لا يجب قضاؤها لا من الأصل ولا من الثلث ، والحكم المذكور في الخبرين حكم على خلاف القاعدة ويقتصر على موردهما ، والأولوية المذكورة ممنوعة كما عرفت لأن الحجّ النذري يمتاز عن سائر الواجبات ، فإنه كالدين فيخرج من الأصل ، ولا يقاس بنذر الإحجاج الذي يمكن عدم صرف المال فيه أصلاً ، فالتعدِّي بلا موجب.
1) الوسائل 11 : 75 / أبواب وجوب الحجّ ب 29 ح 3.
[3116] مسألة 9 : إذا نذر الحجّ مطلقاً أو مقيداً بسنة معيّنة ولم يتمكن من الإتيان به حتى مات لم يجب القضاء عنه لعدم وجوب الأداء عليه حتى يجب القضاء عنه ، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره (1).
[3117] مسألة 10 : إذا نذر الحجّ معلقاً على أمر كشفاء مريضة أو مجيء مسافرة فمات قبل حصول المعلّق عليه هل يجب القضاء عنه أم لا (1)؟ المسألة مبنيّة على أن التعليق من باب الشرط أو من قبيل الوجوب المعلق ، فعلى الأوّل لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وإن كان متمكِّناً
والحاصل : لو كان الميزان في الواجب بالمالية فنذر الحجّ النفسي أولى في كونه مالياً وديناً من نذر الإحجاج الذي يمكن أن يؤتى به من دون صرف المال فيه أصلاً فيدور الأمر بين القولين المتقدِّمين من خروج الحجّ النذري النفسي من الأصل ومن عدم وجوب القضاء أصلاً لا من الأصل ولا من الثلث كما هو المختار عندنا.
ثمّ إنه قد أجاب بعضهم عن الخبرين بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناء على خروج المنجزات من الثلث. وفيه : أن هذا تقييد لا موجب له على أن الأقوى خروج المنجزات من الأصل.
وربّما يحملان على النذر بدون إجراء الصيغة أو على صورة عدم التمكن من الوفاء حتى مات. وفيه : مضافاً إلى أن ذلك تقييد لا موجب له أنه على ذلك لا يجب الخروج لا من الأصل ولا من الثلث لفرض البطلان فينحصر الجواب إما بسقوطهما عن الحجية بالإعراض كما التزم به المشهور ، أو بالعمل بهما في خصوص موردهما وهو نذر الإحجاج لعدم العبرة بالإعراض كما هو الصحيح عندنا.
(1) فإن القضاء فرع ثبوت الأداء ، فإذا لم يجب الأداء لعدم القدرة في وقته لا يجب القضاء ، والنذر ليس إلّا التزام نفساني لله تعالى في الأُمور المقدورة فالالتزام بنفسه
1) (*) لا يجب القضاء جزماً ، وذلك لأنّ الوجوب على التقديرين مشروط بالقدرة في ظرف العمل وبالموت ينكشف عدم الوجوب.
من حيث المال وسائر الشرائط ، وعلى الثاني يمكن أن يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجباً عليه من الأوّل إلّا أن يكون نذره منصرفاً إلى بقاء حياته حين حصول الشرط (1).
[3118] مسألة 11 : إذا نذر الحجّ وهو متمكِّن منه فاستقرّ عليه ثمّ صار معضوباً لمرض أو نحوه أو مصدوداً بعدوّ أو نحوه فالظاهر وجوب استنابته حال حياته لما مرّ من الأخبار (1)سابقاً في وجوبها ، ودعوى اختصاصها بحجة الإسلام ممنوعة كما مرّ سابقاً (2)، وإذا مات وجب القضاء (3)عنه ، وإذا صار معضوباً أو
يقتضي ذلك مع قطع النظر عن اشتراط التكاليف بالقدرة.
(1) قد ذكرنا في الأُصول (4)أن الواجب المشروط يفترق عن الواجب المعلق بعدم فعلية الوجوب قبل حصول الشرط في الواجب المشروط ، بخلاف الواجب المعلق فإنّ الوجوب فيه فعلي قبل حصول المعلق عليه ولكن الواجب استقبالي كما في وجوب الصوم من اللّيل ، فإن قوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (5)يدل على وجوب الصوم بمشاهدة الهلال وحلول الشهر وإن كان زمان الواجب النهار الآتي ، فالواجب المشروط يمتاز عن الواجب المعلق من هذه الجهة ، وأما من حيث اشتراط الوجوب في كلا الواجبين بالقدرة في ظرف العمل فمما لا كلام فيه ، وبالموت ينكشف عدم الوجوب ، إذ لا معنى للوجوب الفعلي مع عدم القدرة على الواجب في ظرف العمل ، فإن التكليف بغير المقدور غير ممكن سواء كان من الآن أو فيما بعد والمفروض في المقام عدم القدرة على الواجب في ظرفه لحصول الموت ، فلا معنى لجعل الوجوب عليه حتى على نحو التعليق فلا يجب القضاء جزماً.
مصدوداً قبل تمكنه واستقرار الحجّ عليه أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكنه من حيث المال ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان ، أقواهما العدم وإن قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجّة الإسلام إلّا أن يكون قصده من قوله للهِ عليّ أن أحجّ الاستنابة (1).
(1) ذكر في هذه المسألة فرعين :
الأوّل : إذا نذر الحجّ وهو متمكن منه فاستقر عليه ثمّ عرض له عارض ومانع عن إتيانه كالمرض ونحوه حكم (قدس سره) بوجوب استنابته حال حياته ، كما هو الحال في حجّة الإسلام من وجوب الاستنابة حال الحياة إذا استقر عليه الحجّ وتمكن منه مالاً ، ولكن لا يتمكّن من الإتيان به لمرض أو هرم ونحوهما من الموانع ، لإطلاق الأخبار المتقدِّمة (1)الآمرة بالاستنابة وعدم اختصاصها بحجّة الإسلام ، وإذا مات ولم يستنب وجب القضاء عنه من تركته.
وفيه : أن المستفاد من تلك الأخبار وجوب الاستنابة في خصوص حج الإسلام ولا يستفاد منها وجوب الاستنابة في غير حجّة الإسلام من الحجّ النذري والإفسادي ، وقد تقدم من المصنف في المسألة 72 من الفصل السابق خلاف ما ذكره هنا ، وبين المسألتين تهافت. وبالجملة : لا دليل على وجوب الاستنابة في غير حجّة الإسلام ، كما لا دليل على القضاء وإن قلنا بوجوب الاستنابة ولم يستنب حتى مات لما عرفت من عدم الدليل على وجوب القضاء إلّا في موارد خاصة منصوصة كحج الإسلام ونذر الإحجاج.
الفرع الثاني : ما لو نذر في حال المرض مع فرض تمكنه من حيث المال ، أو نذر فصار مريضاً أو مصدوداً قبل تمكنه واستطاعته المالية واستقرار الحجّ عليه ، ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان.
1) في ص 196.
[3119] مسألة 12 : لو نذر أن يُحج رجلاً في سنة معيّنة فخالف مع تمكنه وجب عليه القضاء (1)والكفارة ، وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة لأنّهما واجبان ماليان بلا إشكال ، والصحيحتان المشار إليهما سابقاً الدالّتان على الخروج من الثلث معرض عنهما كما قيل أو محمولتان على بعض المحامل ، وكذا إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة معيّنة مطلقاً أو معلقاً على شرط وقد حصل وتمكّن منه وترك حتى مات فإنّه يقضى عنه من أصل التركة (2)، وأمّا لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه ولم يتمكّن منه حتى مات ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان ، أوجههما ذلك (1)
اختار العدم وهو الصحيح ، لأنّ عدم التمكّن فيما بعد يكشف عن بطلان النذر وعدم انعقاده ، فإنه يعتبر في انعقاد النذر التمكّن من المنذور في ظرفه وإلّا فلا ينعقد ولا يصح الالتزام به ، وأمّا وجوب الاستنابة في حج الإسلام فيما إذا منعه مانع فللنص ولا نص في المقام ، وأمّا نذر الإحجاج والاستنابة فهو خارج عن محل البحث وسنذكره في المسألة الآتية إن شاء اللّه.
(1) ذكر في هذه المسألة فروعاً ، لأنّه تارة ينذر أن يُحجّ الغير في سنة معيّنة وأُخرى ينذر إحجاج الغير مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ، وفي كل منهما قد يتمكن من ذلك وقد لا يتمكّن فيقع الكلام في موارد :
المورد الأوّل : لو نذر أن يُحج الغير في سنة معيّنة فخالف مع تمكنه ، ذهب في المتن إلى وجوب القضاء والكفارة وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل المال ، لأنّهما واجبان ماليان والواجب المالي يخرج من الأصل بلا إشكال.
.................................................................................................
أقول : أمّا الكفّارة فلا ريب في ثبوتها لتحقق الحنث بالمخالفة ، وأمّا وجوب القضاء فلم يرد أي نص في المقام يدل على وجوبه ، وأمّا الصحيحتان المتقدِّمتان (1)صحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور فموردهما نذر إحجاج الغير من غير تقييد بسنة معيّنة ، ومحل الكلام نذر الإحجاج المقيّد بسنة معيّنة فلا يكون مشمولاً للخبرين فلا بدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة ، ومقتضاها عدم وجوب القضاء لا عليه ولا بعد موته لأنّ الواجب يفوت بفوات وقته ، ووجوبه في خارج الوقت يحتاج إلى دليل آخر وأمر جديد ، نظير نذر حجّه نفسه المؤقت فإنه لا يجب قضاؤه أيضاً إذا فات وقته ، لأنّ الذي التزم به لا يمكن وقوعه في الخارج لخروج وقته ، وما يمكن وقوعه في الخارج لم يلتزم به ولا دليل على إتيانه ، ثمّ إنه على فرض وجوب القضاء لا دليل على خروجه من أصل المال ، لأنّ الذي يجب خروجه من الأصل الديون ولو كانت ديوناً شرعية ، وأمّا مطلق الواجب المالي فلا دليل على خروجه من الأصل حتى الكفّارات ، فإنّ الواجب في الكفّارات هو إطعام الفقراء أو عتق العبد ، وإذا خالف وترك الإطعام لا يكون مديناً لأحد وإنما ترك واجباً من الواجبات ، فليس حال الكفّارة حال الديون والمظالم والزكاة والخمس ، وهكذا الحجّ فإنه بحكم الدّين وبمنزلته شرعاً للنصوص.
وبالجملة : الإجماع قائم على خروج الدّين من الأصل سواء كان ديناً خَلقياً وإنسانياً كالدين الشخصي والمظالم فإنها أيضاً دين ولا فرق بينها وبين الدّين الشخصي المعيّن ، غاية الأمر أن الدائن غير معلوم في المظالم ، أم كان ديناً إلهياً كالزكاة والخمس ويلحق بهما الحجّ حسب النص ، فموارد الديون المستخرجة من الأصل منحصرة بهذه الأُمور ، وأما غير ذلك من الواجبات فلا يخرج من الأصل وإن كان يحتاج إلى صرف المال.
المورد الثاني : إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة معيّنة ، مطلقاً أو معلّقاً على شرط وقد حصل ، وتمكن منه فمات اتفاقاً قبل الوفاء بالنذر ، أمّا الكفّارة فغير ثابتة
1) في ص 330 ، 331.
لأنّه واجب مالي أوجبه على نفسه فصار ديناً ، غاية الأمر أنّه ما لم يتمكّن معذور ، والفرق بينه وبين نذر الحجّ بنفسه أنه لا يعدّ ديناً مع عدم التمكّن منه واعتبار المباشرة بخلاف الإحجاج فإنه كنذر بذل المال (1)كما إذا قال : للهِ عليّ أن أعطي الفقراء مائة درهم ومات قبل تمكّنه ، ودعوى كشف عدم التمكّن عن عدم الانعقاد ممنوعة ، ففرق بين إيجاب مال على نفسه أو إيجاب عمل مباشري وإن استلزم صرف المال فإنّه لا يعدّ ديناً عليه بخلاف الأوّل.
لعدم حصول الحنث ، وهل يقضى عنه من أصل التركة أم لا؟ المعروف بينهم القضاء عنه من الأصل واختاره المصنف للإجماع على الخروج من الأصل ، وأمّا الصحيحتان المتقدِّمتان الدالّتان على الخروج من الثلث فمعرض عنهما.
وفيه : أن الإجماع لم يتم ، نعم قامت الشهرة على الخروج من الأصل وهي ليست بحجة ، فلو قلنا بمقالة المشهور من سقوط الرواية عن الحجية بالاعراض عنها لا يجب الخروج من الثلث لسقوط الروايتين عن الحجية بالاعراض ، ولا من الأصل لعدم الدليل وعدم تمامية الإجماع ، وإن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا فمقتضى الصحيحتين الخروج من الثلث وعدّ ذلك من جملة خيرات الميت ومبرّاته التي تصرف للميت كما هو صريح صحيح ابن أبي يعفور المتقدِّم (2).
المورد الثالث : ما لو نذر الإحجاج مطلقاً أو مقيّداً بسنة معيّنة ولم يتمكن منه من الأوّل حتى مات ، فهل يجب القضاء عنه من أصل المال أم لا؟ وجهان ، اختار المصنف الوجوب بدعوى أن الواجب واجب مالي وهو دين عليه ، بخلاف نذر الحجّ بنفسه فإنه لم يكن واجباً مالياً وديناً عليه لأن متعلقه إتيان عمل من الأعمال ، ولو لم يتمكّن منه لا يجب قضاؤه.
[3120] مسألة 13 : لو نذر الإحجاج معلقاً على شرط كمجيء المسافر أو شفاء المريض فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك وتمكنه منه قبله فالظاهر وجوب القضاء عنه (1)إلّا أن يكون مراده التعليق على ذلك الشرط مع كونه حياً حينه ، ويدلُّ على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبد الملك في من كان له جارية حبلى فنذر إن هي ولدت غلاماً أن يُحجه أو يحج عنه ، حيث قال الصادق (عليه السلام) بعد ما سُئل عن هذا : «إن رجلاً نذر في ابن له إن هو أدرك أن
والحاصل : نذر الإحجاج يفترق عن نذر الحجّ بنفسه فإن الأوّل واجب مالي ويعدّ من الدّين بخلاف الثاني ، لأن متعلقه عمل مباشري ولا يعدّ ذلك من الدّين مع عدم التمكّن منه وإن كان مستلزماً لصرف المال.
وفيه : أن النذر المتعلق بالمال إذا كان على نحو نذر النتيجة كما إذا نذر أن يكون مديناً لزيد أو كون هذا المال له بنفس النذر فالأمر كما ذكره ، فإن النذر حينئذ يوجب كون المال ديناً عليه ، والتمكن غير دخيل في كونه ديناً غاية الأمر ما لم يتمكّن معذور ، فحاله حال سائر الديون المستخرجة من الأصل ، ولكن لا نقول بصحة نذر النتيجة لعدم الدليل عليها أصلاً ، ويرجع النذر في الحقيقة إلى نذر الفعل والمنذور هو الإعطاء والبذل ، فإذا فرضنا أنه لم يتمكّن منه يكشف ذلك عن عدم انعقاد النذر في ظرفه ، لاعتبار القدرة في ظرف العمل بالنذر.
وبالجملة : لا فرق بين النذرين فإن النذر في أمثال المقام يرجع إلى تعلقه بالفعل وإلى الإعطاء والبذل ، فمتعلق النذر في كلا التقديرين فعل من الأفعال ، غاية الأمر في القسم الثاني يحتاج إلى صرف المال غالباً بخلاف الأوّل ، هذا على ما يقتضيه القاعدة وأمّا مقتضى خبر مسمع الآتي فيجب القضاء من الثلث ، وسيأتي توضيح ذلك في المسألة الآتية.
1) (*) لكنه يخرج من الثلث.
يُحجّه أو يحج عنه فمات الأب وأدرك الغلام بعد فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أن يحج عنه مما ترك أبوه» وقد عمل به جماعة ، وعلى ما ذكرنا لا يكون مخالفاً للقاعدة (1)كما تخيله سيّد الرياض وقرره عليه صاحب الجواهر وقال : إن الحكم فيه تعبدي على خلاف القاعدة (1).
(1) قد عرفت مما تقدم أن مقتضى القاعدة بطلان النذر مطلقاً سواء تعلق بالحج مباشرة أو بالإحجاج مطلقاً أو معلقاً ، لأنّ الموت يكشف عن عدم القدرة فلا ينعقد النذر من أصله ، وقد عرفت أيضاً أن نذر الإحجاج لا يجعله مديناً ، بل لو تعلّق النذر بنفس إعطاء المال وبذله لا يكون مديناً ، غاية الأمر يجب عليه إعطاء المال كما يجب عليه الإحجاج. وبالجملة : متعلق النذر في كلا الموردين عمل وفعل من الأفعال ، ولا يصير مديناً حتى يجب قضاؤه من الأصل ، وبالموت ينكشف البطلان وعدم الانعقاد. نعم ، مقتضى صحيح مسمع (2)المذكور في المتن وجوب القضاء في نذر الإحجاج وقد عمل به المشهور ، فوجوب القضاء مما لا كلام فيه.
إنما الكلام في أنه يخرج من الأصل أو من الثلث ، ولم يصرح في خبر مسمع بشيء منهما وإنما المذكور فيه أنه يخرج مما ترك أبوه ، ومقتضى إطلاقه جواز الخروج من الأصل ، ويعارضه ما تقدم من الصحيحتين صحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالّتين على الخروج من الثلث ، ومقتضى الجمع بينهما وجوب القضاء من الثلث ، وقد ذكرنا غير مرة أن الصحيحتين وإن أعرض عنهما الأصحاب ولم يعملوا بهما في موردهما إلّا أنه لا عبرة بالاعراض ولا يوجب سقوط الخبر عن الحجِّيّة.
فتلخص من جميع ما ذكرنا أن نذر الحجّ المباشري لا يجب القضاء عنه لا من
[3121] مسألة 14 : إذا كان مستطيعاً ونذر أن يحجّ حجّة الإسلام انعقد على الأقوى وكفاه حجّ واحد (1) ، وإذا ترك حتى مات وجب القضاء عنه (1)والكفّارة من تركته ، وإذا قيده بسنة معيّنة فأخر عنها وجب عليه الكفّارة ، وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضاً ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدّمة إلّا أن يكون مراده الحجّ بعد الاستطاعة.
الأصل ولا من الثلث لعدم الدليل ، وأما نذر الإحجاج يجب قضاؤه من الثلث ولو كان بالتعليق ومات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك كما هو مورد صحيح مسمع ، وإذا وجب القضاء في مورد نذر الإحجاج المعلق وجب قضاؤه في نذر الإحجاج المطلق بطريق أولى ، بل يمكن أن يقال بشمول خبر مسمع لنذر الإحجاج المطلق أيضاً ، لأنّ المستفاد من الخبر صدراً وذيلاً ومن تطبيق الإمام (عليه السلام) ما نقله عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) على ما سأله السائل أن نذر الإحجاج مما يجب قضاؤه بعد الموت ، سواء كان مطلقاً أو معلقاً وسواء مما تمكن منه أم لا.
(1) لتأكّد الواجبات الأصلية بتعلّق النذر بها ، نظير اشتراط إتيان الواجب أو ترك الحرام في ضمن عقد لازم ، فإنه لا ريب في صحّة هذا الاشتراط وانعقاده ، فإذا أتى بحجّ الإسلام فقد أتى بالوظيفتين وإذا ترك يجب القضاء من الأصل ، وأمّا كفّارة الحنث فإن تمّ إجماع على الخروج من الأصل فهو وإلّا فلا وجه لخروجها لا من الأصل ولا من الثلث ، لأنّها من جملة الواجبات التي تسقط بموت صاحبها كما عرفت ، وأمّا نذر حجّ الإسلام في حال عدم الاستطاعة فيتصوّر على وجهين :
أحدهما : التعليق على تقدير الاستطاعة ، بمعنى أن يكون مراده من النذر إتيان الحجّ بعد الاستطاعة ، والأمر فيه واضح لوجوب الحجّ بعد حصول الاستطاعة أصالة ونذراً.
1) (*) تقدم الكلام فيه [في المسألة 3115 التعليقة 3].
[3122] مسألة 15 : لا يعتبر في الحجّ النذري الاستطاعة الشرعيّة ، بل يجب مع القدرة العقليّة ، خلافاً للدروس ، ولا وجه له إذ حاله حال سائر الواجبات التي تكفيها القدرة عقلاً (1)(1).
[3123] مسألة 16 : إذا نذر حجّا غير حجّة الإسلام في عامه وهو مستطيع لم ينعقد (2)، إلّا إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت ، ويحتمل الصحّة مع
ثانيهما : نذر الحجّ من دون التعليق على الاستطاعة ، وحينئذ يحب عليه تحصيل الاستطاعة والقدرة مقدّمة لأداء النذر والوفاء به من باب وجوب تحصيل المقدّمة للواجب ، وإن كان تحصيل الاستطاعة لأداء حج الإسلام غير واجب ، لأنه إنما يجب فيما إذا حصل التمكّن بنفسه ولا يجب تحصيل القدرة له.
(1) الحجّ النذري حاله حال سائر الواجبات الإلهية المقيّدة بالقدرة العقلية ، ويجب الإتيان به متى حصلت القدرة عقلاً ولم يكن في البين ضرر وحرج كما هو الشأن في جميع الواجبات. نعم ، يعتبر فيه زائداً على بقية الواجبات أن لا يكون محرماً للحلال ومحلِّلاً للحرام ، كما أنه في خصوص حج الإسلام يعتبر أمر زائد على القدرة العقلية وهي قدرة خاصّة المعبّر عنها اصطلاحاً بالقدرة الشرعية المفسرة في الروايات بأُمور خاصّة. وبعبارة اخرى : اعتبار القدرة الشرعية بالمعنى المذكور إنما يختص بحجّ الإسلام ، وأما غير ذلك من موارد الحجّ الواجب فلا دليل على اشتراطه بها ، فما عن الدروس من اعتبار القدرة الشرعية حتى في الحجّ النذري (3)لا وجه له أصلاً ، ولم يعلم صحّة الانتساب إليه ، والعبارة المحكية عنه غير ظاهرة فيما نسب إليه فراجع.
الإطلاق أيضاً إذا زالت حملاً لنذره على الصحّة (1)(1).
(1) لو نذر حجّا غير حجّة الإسلام في عام الاستطاعة ، فتارة يكون نذره مقيداً بزوال الاستطاعة بمعنى أنه ينذر حجاً آخر مغايراً لحج الإسلام ، فلا ريب في صحّة النذر ويجب الوفاء به إذا زالت الاستطاعة لتحقق موضوعه ، فوجوب الوفاء بالنذر يدور مدار وجود الاستطاعة وعدمها ، وأُخرى يكون مطلقاً وغير مقيد بزوال الاستطاعة. احتمل في المتن الصحّة إذا زالت الاستطاعة حملاً لنذره على الصحّة.
وفيه : أنه لا نعرف وجهاً لإجراء الحمل على الصحّة في المقام ، لأن الحمل على الصحّة إنما يجري في الشبهات الموضوعية ، سواء كانت في العبادات أو العقود أو الإيقاعات ، فلو شك فيما مضى من أعماله تحمل على الصحّة ، والحمل على الصحّة في المعاملات نظير قاعدة الفراغ في العبادات ، وأما الشبهات الحكمية فلا مجال لجريان أصالة الصحّة فيها ، لأن الحكم الشرعي لا يحرز بأصالة الصحّة ، نظير ما لو شك في اعتبار العربية في صحّة العقد وعدمه ، والمقام من الشك في الشبهات الحكمية للشك في صحّة النذر وعدمها بحسب الحكم الشرعي ، وأنّه هل يعتبر في صحّة النذر شرعاً أن لا يكون في عام الاستطاعة أم لا يعتبر ، هذا ولكن الظاهر صحّة النذر لإطلاق دليل وجوب الوفاء بالنذر بناء على تفسير الإطلاق برفض القيود وعدم لحاظها ، والخارج من الإطلاق إنما هو النذر المزاحم للواجب أو الحرام ، فإذا زالت الاستطاعة ينكشف عدم مزاحمة نذره لهما وإن كان هو لا يعلم بذلك ولكن في واقع الأمر لا منافاة ولا مزاحمة بين النذر والحجّ الواجب لانتفاء موضوعه وهو الاستطاعة ، فالإطلاق يكفي في صحّة النذر من دون حاجة إلى التقييد بالزوال.
وبعبارة اخرى المتحقق في الخارج مقدور له واقعاً ، ويكفي في صحّة النذر أن يكون متعلقه مقدوراً في ظرفه ولم يكن مستلزماً لترك الواجب أو فعل الحرام وإن كان الناذر حين النذر لا يعلم بذلك. هذا كله إذا زالت الاستطاعة.
1) (*) لا حاجة إلى ذلك لكفاية الإطلاق في صحته.
[3124] مسألة 17 : إذا نذر حجاً في حال عدم الاستطاعة الشرعية ثمّ حصلت له فإن كان موسعاً أو مقيداً بسنة متأخرة قدم حجّة الإسلام لفوريّتها وإن كان مضيقاً بأن قيّده بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة (1)أو قيده بالفورية قدمه ، وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت وإلّا فلا ، لأنّ المانع الشرعي كالعقلي ، ويحتمل وجوب تقديم النذر ولو مع كونه موسعاً لأنّه دين عليه بناء على أنّ الدّين ولو كان موسعاً يمنع عن تحقق الاستطاعة خصوصاً مع ظن عدم تمكّنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعته في حجّة الإسلام (1).
وأمّا إذا لم تزل وكانت باقية يظهر من المتن بطلان النذر ، والصحيح أن يقال : إنّ هذا النذر على إطلاقه لا ينعقد لأنه يستلزم ترك الواجب ، وأمّا بناء على الترتب بأن يكون نذره متعلقاً بالإتيان بحجٍّ آخر غير حجّة الإسلام على تقدير تركه لها وفي ظرف تركه فلا مانع من انعقاده ، لعدم استلزامه ترك الواجب. نعم ، إذا التزم مقيداً بترك الواجب بمعنى أنه يلتزم بهذا الفعل المستلزم لترك الواجب فلا ريب في بطلانه.
(1) إذا نذر حجاً في حال عدم الاستطاعة ثمّ استطاع فقد يكون متعلق النذر مقيداً بسنة متأخرة عن الاستطاعة ، وقد يكون في سنة الاستطاعة بأن قيده بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة ، وقد يكون موسعاً ومطلقاً ، فهذه ثلاث صور.
أمّا الاولى : فلا ريب في أنه يجب عليه إتيان حجّة الإسلام في عام الاستطاعة وإتيان الحجّ النذري في السنة اللاحقة لعام الاستطاعة.
وأمّا الثانية : فقد ذكر في المتن أنه يقدم النذر على حجّة الإسلام وحينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت وإلّا فلا ، لأن الوفاء بالنذر مانع شرعاً عن تحقق الاستطاعة الشرعية ، والمانع الشرعي كالعقلي فهو غير مستطيع شرعاً فيقدم الحجّ النذري.
1) (*) إن كان المنذور مقصوداً به غير حجّة الإسلام فحصول الاستطاعة كاشف عن بطلان نذره ، وإن كان مطلقاً فيكفي حجّة واحدة عنهما ، ومنه يعلم حال المطلق أيضاً.
[3125] مسألة 18 : إذا كان نذره (1)في حال عدم الاستطاعة فورياً ثمّ استطاع وأهمل عن وفاء النذر في عامه وجب الإتيان به في العام القابل مقدّماً على حجّة الإسلام وإن بقيت الاستطاعة إليه لوجوبه عليه فوراً ففوراً ، فلا يجب عليه حجّة الإسلام إلّا بعد الفراغ عنه ، لكن عن الدروس أنه قال بعد الحكم بأن استطاعة النذر شرعية لا عقلية : فلو نذر ثمّ استطاع صرف ذلك إلى النذر فإن
وفيه : ما عرفت غير مرة من أن حج الإسلام غير مقيد بالقدرة الشرعية المصطلحة ، وإنما المعتبر في حج الإسلام قدرة خاصة مفسرة في الروايات بالزاد والراحلة وتخلية السرب ، ولكن مع ذلك لا بدّ من التفصيل بأن متعلق النذر إن كان مقيداً بغير حج الإسلام فالاستطاعة المتأخرة تكشف عن بطلان النذر ، وأما إذا كان مطلقاً وأعم من حجّ الإسلام ولم يكن مقيداً بغير حج الإسلام فيكفي حجّة واحدة عنهما للتداخل وتأكد وجوب حجّة الإسلام ، ويكون المأتي به ممّا ينطبق عليه الحجّ النذري وحجّ الإسلام معاً.
وأمّا الثالثة : وهي ما إذا كان متعلق النذر موسعاً ، اختار أوّلاً تقديم حج الإسلام لفوريته والمفروض أن النذر موسع وغير مقيد بسنة خاصّة فيأتي به في أي عام شاء واحتمل أخيراً وجوب تقديم النذر ولو كان موسعاً ، لأنّ النذر دين عليه والدّين مانع عن الحجّ.
ولكن قد عرفت بما لا مزيد عليه أن وجوب النذر لا يزاحم حجّ الإسلام ، وأمّا تقديم حجّ الإسلام ففيه تفصيل وهو : أن متعلق النذر إذا كان حجاً آخر مغايراً لحجّ الإسلام فيقدّم حجّ الإسلام ويأتي بالنذر في السنة المتأخرة ، وإن كان متعلقه هو الجامع وطبيعي الحجّ فيكفي حجّة واحدة عنهما ويجزئ حج الإسلام عن النذر إذا نوى بها امتثال النذر أيضاً.
1) (*) يظهر الحال في هذه المسألة مما تقدم آنفاً [في المسألة 3124].
أهمل واستمرت الاستطاعة إلى العام القابل وجب حجّة الإسلام أيضاً ، ولا وجه له. نعم ، لو قيد نذره بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة فلم يفِ به وبقيت استطاعته إلى العام المتأخر أمكن أن يقال بوجوب حجّة الإسلام أيضاً لأنّ حجّه النذري صار قضاء موسعاً ، ففرق بين الإهمال مع الفورية والإهمال مع التوقيت بناء على تقديم حجّة الإسلام مع كون النذر موسعاً (1).
(1) حاصل ما ذكره في هذه المسألة أنه لو نذر في حال عدم الاستطاعة فورياً كهذه السنة مثلاً ثمّ استطاع وأهمل عن وفاء النذر في عامه ولم يأتِ به في هذه السنة وجب الإتيان به في السنة اللّاحقة مقدّماً على حجّة الإسلام وإن بقيت الاستطاعة إلى السنة اللّاحقة ، وذلك لأنّ النذر مانع شرعاً عن تحقق الاستطاعة الشرعية ، فإن النذر كما يكون مانعاً عن حجّ الإسلام مقدّماً عليه في نفس السنة السابقة هكذا يكون مقدّماً عليه في السنة اللّاحقة بنفس الملاك الذي أوجب تقديمه على حجّ الإسلام في السنة السابقة ، وإنما يجب عليه حجّ الإسلام بعد الفراغ من النذر.
ونسب إلى الدروس الخلاف ، وأنه فصّل بين السنة الأُولى واللّاحقة ، ففي السنة الأُولى يقدّم النذر على حجّة الإسلام ، ولو أهمل ولم يأتِ بالنذر في السنة السابقة ففي السنة الثانية يقدّم حجّ الإسلام على النذر (1). وأورد عليه بأنه لا وجه له ، لأنّ السنة الثانية كالأُولى من دون فرق بينهما لاشتراك الملاك بينهما ، فلو قلنا بأن النذر يزاحم حجّ الإسلام ويقدّم عليه فلا فرق بين السنة الأُولى والثانية ، فالتفصيل لا وجه له.
ثمّ ذكر المصنف أنه لو قيّده بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة ولكنه أهمل وترك الحجّ وبقيت الاستطاعة إلى العام المتأخر ، أمكن أن يقال بتقديم حجّ الإسلام ، لأنّ الحجّ النذري صار قضاء موسعاً وحجّ الإسلام مضيق والواجب المضيق يقدّم على الموسع.
1) الدروس 1 : 318.
.................................................................................................
أقول : ما نسبه إلى الدروس غير صحيح ، ويظهر من المصنف (قدس سره) أنه لم يتأمّل في عبارته ، بل الشهيد (قدس سره) يريد معنى آخر حاصله : أنّ السنة السابقة تختلف حالها عن السنة الثانية ، لأنه في السنة الاولى لو وفى بنذره يكشف ذلك عن عدم الاستطاعة في هذه السنة ، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الثانية وجب حج الإسلام ، وأما إذا فرضنا أنه أهمل ولم يأت بالنذر في السنة الأُولى ففي السنة الثانية يجب عليه الوفاء بالنذر ، ولكن يستقرّ عليه حجّ الإسلام لأنه فوّته عليه اختياراً لأنه كان بإمكانه أن يأتي بالنذر في السنة الأُولى فحينئذ يكون معذوراً في ترك حج الإسلام ، ولو أهمل ولم يأت بالنذر في السنة الأُولى يستقر عليه حج الإسلام ، فمقصود الشهيد (قدس سره) أنه لو أهمل ولم يأت بالنذر في السنة الأُولى يجب عليه إتيانه في السنة الثانية ، ويجب عليه حج الإسلام في السنة الثالثة لاستقرار حجّ الإسلام عليه بترك النذر في السنة الاولى ، فيجب عليه إتيان حجّ الإسلام ولو متسكعاً في السنين الآتية ، والإهمال في السنة الأُولى بترك النذر لا يوجب سقوط حجّ الإسلام.
والذي يدلّ على ما ذكرنا من تفسير كلامه (قدس سره) كلمة أيضاً بعد قوله : وجب حجّة الإسلام ، فإنها صريحة في أن حج الإسلام مضافاً إلى الحجّ النذري واجب ، والإهمال في السنة الاولى لا يوجب سقوط حج الإسلام.
وأمّا ما ذكره أخيراً من أن الحجّ النذري إذا كان مقيّداً بسنة معيّنة وحصل فيها الاستطاعة فلم يفِ به وبقيت استطاعته إلى العام المتأخر وجب عليه حج الإسلام ويقدّم على النذر ، لأن قضاء الحجّ النذري موسع وحج الإسلام مضيق ففيه : أنه ينافي ما تقدّم منه (قدس سره) من أن الواجب الموسع إذا كان ديناً يقدم على الحجّ ، لأنّ الدّين يمنع عن وجوب الحجّ خصوصاً إذا كان صرف المال في حجّ الإسلام يوجب العجز عن أداء الدّين.
ولا يخفى أنّ هذه الفروع المذكورة في هذه المسائل مبتنية على تقدّم النذر على حجّ الإسلام ، وقد عرفت بما لا مزيد عليه من أن النذر في جميع الصور لا يزاحم الحجّ
[3126] مسألة 19 : إذا نذر الحجّ وأطلق من غير تقييد بحجّة الإسلام ولا بغيره وكان مستطيعاً أو استطاع بعد ذلك فهل يتداخلان فيكفي حجّ واحد عنهما أو يجب التعدّد أو يكفي نيّة الحجّ النذري عن حجّة الإسلام دون العكس؟ أقوال ، أقواها الثاني (1)لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب ، والقول بأنّ الأصل هو التداخل ضعيف (1).
ويقدّم حجّ الإسلام مطلقاً فلا مجال لهذه الفروع.
(1) قد جعلوا هذه المسألة مبتنية على مسألة التداخل ، ولذا ذهب جماعة منهم المصنف (قدس سره) إلى عدم التداخل لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب كما هو الحال في سائر الواجبات ، وأما صحيحتا رفاعة ومحمّد بن مسلم : «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه الحرام فمشى هل يجزئه عن حجّة الإسلام؟ قال (عليه السلام) : نعم» (2)فظاهرهما كفاية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به ، واختار بعضهم التفصيل والاكتفاء بنية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام دون العكس ، لأن القاعدة الأوّلية تقتضي عدم التداخل ، وإنما يقال باكتفاء الحجّ النذري للنص ، وذهب جماعة إلى التداخل والاكتفاء بحج واحد عنهما.
والظاهر أن مسألتنا هذه غير مبتنية على مسألة التداخل ، لأن التداخل إنما يجري فيما إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء كما يقال : إذا ظاهرت فأعتق وإذا أفطرت فأعتق فيقع البحث المعروف من أن هذه الأُمور المتعددة الموجبة للجزاء هل هي أسباب حقيقية أم هي معرفات؟ ذهب جماعة إلى أنها معرفات وأنه لا يجب إلّا جزاء واحد عند تعدد الشرط ، وذهب آخرون إلى عدم التداخل وأن كل سبب يقتضي مسبباً مستقلا فلا بدّ من تعدد الجزاء بتعدّد السبب ، وهو الصحيح لأنّ الظاهر من كل قضية شرطية حدوث الحكم بحدوث هذه الأُمور المعبّر عنها بالشرط ، وقد ذكرنا في محله
واستدلّ للثالث بصحيحتي رفاعة ومحمّد بن مسلم : «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه الحرام فمشى هل يجزئه عن حجّة الإسلام؟ قال (عليه السلام) : نعم» ، وفيه : أنّ ظاهرهما كفاية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به ، ويمكن حملهما على أنه نذر المشي لا الحجّ ثمّ أراد أن يحجّ فسُئل (عليه السلام) عن أنه هل يجزئه هذا الحجّ الذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا فأجاب (عليه السلام) بالكفاية. نعم ، لو نذر أن يحجّ مطلقاً أيّ حجّ كان كفاه عن نذره حجّة الإسلام بل الحجّ النيابي وغيره أيضاً ، لأنّ مقصوده حينئذ حصول الحجّ منه في الخارج بأيّ وجه كان.
أنّ إطلاق الأسباب والمعرفات في باب الأحكام الشرعية ممّا لا أساس له أصلاً ، إذ ليست هذه الأُمور أسباباً للأحكام الشرعية فإنها أفعال اختيارية للمولى ولا يكون لفعل المكلف أو أي أمر خارجي دخل في تحققها ، بل هي موضوعات وموارد للحكم الشرعي.
وبالجملة : هذا البحث يجري في تلك المسائل ، وأمّا في باب النذر فيتبع التعدّد والوحدة قصد الناذر ، والشارع إنما يمضي ما التزمه الناذر على نفسه ، فإن النذر إنما هو التزام المكلف بشيء على نفسه فلا بدّ من النظر إلى متعلق نذره ، فإن كان التزامه متعلقاً بالجامع وبطبيعي الحجّ فينطبق ما التزم على نفسه على حجّ الإسلام قهراً ، لأنّ المفروض أن متعلق نذره مطلق وغير مقيّد بفرد خاص فلا موجب للتعدّد ، وأصالة عدم التداخل لا تجري في المقام ، فإنه بعد ما كان المقصود من النذر هو المطلق والطبيعي فينطبق منذورة على المأتي به وإن قصد به حج الإسلام ، فيكون المأتي به ممّا يصدق عليه متعلق النذر ، ولا فرق في ذلك بين التصريح بالإطلاق وعدمه ، فما ذكره من عدم التداخل في صورة عدم التصريح بالإطلاق لا وجه له ، وقد صرّح الماتن (قدس سره) في آخر المسألة بكفاية حج واحد إذا صرح بالإطلاق ، ومن الواضح عدم الفرق بين التصريح بالإطلاق وعدمه بعد ما كان المقصود هو الجامع الصادق على حج الإسلام ، والصحيحتان مؤكدتان لما ذكرنا.
[3127] مسألة 20 : إذا نذر الحجّ حال عدم استطاعته معلقاً على شفاء ولده مثلاً فاستطاع قبل حصول المعلق عليه فالظاهر تقديم حجّة الإسلام ، ويحتمل تقديم المنذور إذا فرض حصول المعلق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فورياً ،
وما ذكره من أن ظاهرهما كفاية الحجّ النذري عن حجّة الإسلام مع عدم الاستطاعة وهو غير معمول به ففيه : أنّ الظاهر منهما الإتيان بالحج ماشياً وفاء لنذره في حال الاستطاعة ، ثمّ يسأل عن الاجتزاء به عن حج الإسلام ، فالصحيح هو الاكتفاء بحج واحد عنهما.
وهل يحتاج التداخل والاكتفاء بحج واحد إلى النيّة لهما فلو قصد أحدهما دون الآخر لا يجزئ لعدم القصد أم لا؟ وجهان ، الظاهر هو الثاني لعدم اعتبار قصد العنوان في إتيان المنذور ، ولا يلزم الإتيان به بعنوان أنه متعلق النذر ، وإنما يلزم الإتيان به في الخارج ، لأنّ وجوب الوفاء بالنذر توصّلي لا يعتبر في إتيانه وسقوطه قصد العنوان بخصوصه ، فلو نذر أن يصوم اليوم المعين وصام ذلك اليوم وغفل عن أنه متعلق نذره أو غفل عن النذر بالمرّة صح صومه ، وكذا لو نذر أن يصلِّي صلاة اللّيل وصلاها ولكنّه نسي النذر ، وهكذا لو نذر أن يعطي ديناراً لزيد وأعطاه غافلاً عن أنه مورد النذر ففي جميع هذه الموارد ونحوها لا يعتبر قصد العنوان في سقوط النذر وامتثاله ، بل مجرّد إتيان متعلق النذر كاف في سقوطه ، ولو عكس الأمر وقصد عنوان النذر بخصوصه ولم يقصد حجّ الإسلام نلتزم بالاكتفاء عن حج الإسلام أيضاً ، كما إذا حج ويزعم أنه غير مستطيع ثمّ علم بالاستطاعة فإنه لا ريب في الاكتفاء به عن حج الإسلام وإن أتى به بقصد عنوان النذر.
وبتعبير آخر الحجّ الصادر في أوّل سنة الاستطاعة من حج الإسلام سواء قصد هذا العنوان أم لا ، بل لو فرضنا أنه لم يعلم بهذا العنوان ولم يسمع به وحجّ كفى عنهما ويؤكد ذلك الصحيحتان ، وبالجملة : قصد العنوان غير لازم ويكتفي بالحجّ الواحد سواء قصد العنوانين أو قصد أحدهما.
بل هو المتعين (1)إن كان نذره من قبيل الواجب المعلق (1).
[3128] مسألة 21 : إذا كان عليه حجّة الإسلام والحجّ النّذري ولم يمكنه الإتيان بهما إمّا لظنّ الموت أو لعدم التمكّن إلّا من أحدهما ، ففي وجوب تقديم الأسبق سبباً أو التخيير أو تقديم حجّة الإسلام لأهميتها وجوه ، أوجهها الوسط وأحوطها الأخير (2)، وكذا إذا مات وعليه حجتان ولم تفِ تركته إلّا لأحدهما وأمّا إن وفت التركة فاللّازم استئجارهما (3)ولو في عام واحد (2).
(1) لأنّ الميزان عنده (قدس سره) في تقديم أحد الواجبين على الآخر تقدّم سبب الوجوب ، ولذا قدّم حجّة الإسلام في الصورة الأُولى لأن سببها أسبق ، وأمّا لو حصل شفاء ولده المعلّق عليه قبل خروج الرفقة يقدم الحجّ النذري لا سيما إذا كان نذره من قبيل الواجب المعلّق لأنّ سبب وجوب النذر أسبق من الاستطاعة ، فإنّ الوجوب ثابت من أوّل النذر وإن كان المعلق عليه متأخراً زماناً عن الاستطاعة ، وحينئذ يكون معذوراً في ترك حج الإسلام لكون النذر مانعاً عن تحقق الاستطاعة ، فإن بقيت إلى السنة اللّاحقة يجب حج الإسلام وإلّا فلا.
ويرد عليه ما ذكرناه غير مرة من أن الوجوب الناشئ من النذر بجميع صوره لا يزاحم حج الإسلام الواجب بالأصالة ، فإن النذر لا يوجب تفويت الواجب الأصلي ، فالمتعين تقديم حجّة الإسلام في كلتا الصورتين.
(2) لو استقر عليه الواجبان الحجّ النذري وحج الإسلام معاً وعجز عن إتيانهما فهل يقدّم الأسبق سبباً أو يتخيّر بينهما أو يقدّم حجّ الإسلام؟ وجوه ، ذكر في المتن أنّ
1) (*) بل المتعين تقديم حجّة الإسلام.
2) () بل الأقوى هو الأخير ، وكذا فيما بعده ، ولا يخفى عدم صحّة الجمع بين الحكم بالتخيير والاحتياط بتقديم حجّة الإسلام لأن المقام من موارد التزاحم والتخيير فرع تساوي الاحتمالين في الأهمية والاحتياط فرع انحصار احتمال الأهمية في أحدهما.
3) (*) وجوب قضاء المنذور مبني على الاحتياط.
.................................................................................................
الأوجه هو التخير ، والأحوط تقديم حج الإسلام للأهمية.
وفيه : أنّ الحكم بالتخيير لا يجتمع مع الاحتياط بتقديم حجّ الإسلام لأن المقام من موارد التزاحم ، والتخيير فرع تساوي الاحتمالين في الأهمية ، والاحتياط فرع انحصار احتمال الأهمية في أحدهما. والحاصل : لا بدّ من إعمال قاعدة التزاحم في المقام ، فإن كان الواجبان متساويين يحكم بالتخيير بينهما ، وإن أُحرز الأهمية في أحدهما أو احتملت يقدم ذلك ، وفي المقام حيث نحتمل أهميّة حج الإسلام ولذا احتاط في تقديمه على الحجّ النذري يتعين التقديم ولا تصل النوبة إلى التخيير ، وإذا احتملنا الأهميّة في كل من الواجبين فالحكم هو التخيير أيضاً ، فلا وجه لكون حجّ الإسلام أحوط.
وبالجملة : لو أُحرز التساوي في كل من الواجبين المتزاحمين أو احتمل الأهميّة في كل منهما فالحكم هو التخيير ، وإذا كان أحدهما محرز الأهميّة أو محتملها يقدّم جزماً ولا ريب في تقديم حج الإسلام لأنه أهم قطعاً ولا أقل احتمالاً.
ولو مات وعليه حجتان الحجّ النذري وحج الإسلام ولم تفِ التركة إلّا لأحدهما فإن قلنا بعدم وجوب قضاء الحجّ النذري كما هو المختار أو قلنا بخروجه من الثلث فلا مزاحمة أصلاً بين الحجين بل يتعين قضاء حج الإسلام عنه من الأصل ، وأمّا بناء على وجوب قضاء النذر وخروجه من أصل المال وكونه كالدين فمقتضى القاعدة هو تقسيط المال بين النذر وحج الإسلام لأنه دين أيضاً ، ولكن المفروض عدم إمكان ذلك في المقام لعدم وفاء المال لهما ، والحجّ غير قابل للتبعيض ، فلا بدّ من تقديم أحدهما والمتعين تقديم حجّ الإسلام على كل دين سواء كان ديناً إلهياً أو ديناً شخصياً إنسانياً للنص (1)، ولا فرق بين الحياة والممات. هذا كله لو قلنا بخروج الواجب بالنذر من الأصل لكونه ديناً ، وأما إذا قلنا بخروجه من الثلث فلا موضوع للبحث ويجب تقديم حج الإسلام بلا إشكال.
1) الوسائل 11 : 43 / أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1.
[3129] مسألة 22 : من عليه الحجّ الواجب بالنذر الموسّع يجوز له الإتيان بالحجّ المندوب قبله (1).
[3130] مسألة 23 : إذا نذر أن يَحج أو يُحج انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير ، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً (1)، وإذا طرأ العجز من أحدهما معيناً تعين الآخر ، ولو تركه أيضاً حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً أيضاً ، لأنّ الواجب كان على وجه التخيير فالفائت هو الواجب المخيّر ولا عبرة بالتعيين العرضي ، فهو كما لو كان عليه كفّارة الإفطار في شهر رمضان وكان عاجزاً عن بعض الخصال ثمّ مات فإنّه يجب الإخراج من تركته مخيّراً وإن تعيّن عليه في حال حياته في إحداها ، فلا يتعيّن في ذلك المتعين (2).
(1) لعدم الدليل على المنع ، وإنما قام الدليل على المنع من التطوع بالصوم لمن كان عليه الصوم الواجب ، وقد وقع الكلام في التطوع بالصلاة لمن كان عليه الفريضة واخترنا الجواز في محله.
(2) ذكر (قدس سره) أنه إذا نذر أن يحج بنفسه مباشرة أو يُحج غيره انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير ، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيراً بناء على ثبوت وجوب القضاء في الحجّ النذري ، وإذا طرأ العجز من أحدهما معيناً تعين الآخر كما هو الحال في جميع الواجبات التخييرية ، فإن العجز عن أحد الواجبين التخييريّين لا يوجب سقوط الواجب الآخر بالضرورة ، لأن المفروض أن الواجب هو الجامع وهو أحد الأمرين ، ولو تعين عليه أحدهما وتركه أيضاً حتى مات يجب القضاء عنه بناء على وجوب القضاء ، وهل الواجب في القضاء التعيين أو التخيير ، بمعنى أنه لو تعين عليه أحد الواجبين بطروء العجز وتركه أيضاً هل يقضى عنه ما تعيّن عليه أو يقضى عنه مخيّراً؟
1) (*) لا يبعد عدم وجوب قضاء شيء منهما.
نعم ، لو كان حال النذر غير متمكّن إلّا من أحدهما معيناً ولم يتمكن من الآخر إلى أن مات أمكن أن يقال (1)باختصاص القضاء بالذي كان متمكناً منه ، بدعوى أن النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكن منه بناء على أن عدم التمكن يوجب عدم الانعقاد ، لكن الظاهر أن مسألة الخصال ليست كذلك فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حياته متمكناً إلّا من البعض أصلاً ، وربّما يحتمل في الصورة المفروضة ونظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضاً بدعوى أن متعلق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير ومع تعذر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييرياً ، بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر إن رُزق ولداً أن يُحجّه أو يحجّ عنه إذا مات الولد قبل تمكّن الأب من أحد الأمرين ، وفيه : أنّ مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير ، فليس النذر مقيداً بكونه واجباً تخييرياً حتى يشترط في انعقاده التمكّن منهما.
ربما يقال بقضاء المتعيّن عليه ، لأنّ الواجب عليه في حال حياته خصوص هذا العدل ، والفائت عنه مما هو وظيفته خصوص هذا الفرد.
وأجاب عنه بأن الواجب عليه أصالة كان على وجه التخيير ، والفائت هو الواجب المخير ، ولا عبرة بالتعيين العرضي فإن التعيين الطارئ القهري في حال الحياة لا يوجب التعيين حال القضاء ، نظير كفارة الخصال الثابتة للإفطار في شهر رمضان فإنه لو كان عاجزاً عن بعض الخصال حال حياته ثمّ مات يجب الإخراج من تركته مخيراً.
توضيحه : أن العجز عن بعض الأفراد لا يوجب التعيين في الباقي ، لأنّ المتمكّن منه من أفراد الواجب إنما وجب عليه من باب العنوان الكلي ، بمعنى أن الواجب الأصلي
1) (*) لكنه بعيد جدّاً.
.................................................................................................
عليه شرعاً هو العنوان الكلي ، وإنما تعين عليه هذا الفرد بخصوصه بحكم العقل لعجزه عن الفرد الآخر ، والخصوصية الفردية غير دخيلة في الحكم الشرعي وإنما الخصوصية للإلزام العقلي ، نظير تعين وجوب الصلاة بآخر الوَقت لمن ترك الصلاة قبل ذلك ، فإن تعين ذلك بآخر الوقت غير دخيل في الحكم وفي الوقت المحدد لها ، وإنما تعيّن الوجوب بهذا الوقت بحكم العقل وإلّا فالواجب هو إتيان الصلاة من الزوال إلى الغروب ، والخصوصيات الفردية من حيث الزمان أو المكان غير دخيلة في الواجب ولا فرق بين الواجبات التخييرية الطولية بحسب الزمان والواجبات التخييرية العرضية بحسب الأفراد.
وبالجملة : ما فات عنه هو الجامع ، والذي فات عنه يجب قضاؤه ، ولا يقاس المقام بقضاء المسافر صلاته قصراً إذا تركها في موارد التخيير ، فإن المسافر يجب عليه القصر إلّا المتمكن من القصر والتمام في موارد التخيير فيما إذا وسع الوقت لهما ، وأما إذا ضاق الوقت عن التمام يتعين عليه القصر ولا يثبت له التخيير لعدم تمكنه من التمام والقصر ، فإذا تعين عليه القصر كما إذا فرضنا أنه لم يصل فالفائت عنه ما تعين عليه وهو القصر ، ويجب قضاء ما فات عنه.
وبعبارة اخرى : وظيفة المسافر إنما هي الصلاة قصراً ، وإنما يتخير بينهما فيما إذا وسع الوقت لهما ، وأمّا إذا أخّر الصلاة بحيث لا يسع الوقت للتمام يتعين عليه القصر وإذا ترك الصلاة فالفائت عنه هو القصر ويجب قضاؤه. على أنّ التخيير ثابت في الأداء لا في القضاء ، والسر ما ذكرناه من أن الواجب التخييري لا ينقلب إلى التعيين شرعاً بتعذر بعض الأفراد وإنما يتعين بعض الأفراد بحكم العقل بعد العجز عن إتيان الفرد الآخر. والحاصل : طروء العجز على أحدهما في حال حياته لا يوجب تعيّن القضاء به لأنّ وجوب أحدهما المعين وجوب عقلي ، لتوقف الامتثال على إتيان الفرد المقدور وإلّا فالواجب عليه أوّلاً وأصالة إنما هو الجامع بين الأمرين. هذا كلّه فيما لو كان متمكِّناً من الفردين حال النذر.
وأمّا لو كان حال النذر غير متمكن إلّا من أحدهما معيّناً ولم يتمكّن من الآخر إلى
.................................................................................................
أن مات كما إذا كان شيخاً كبيراً أو مريضاً لا يتمكّن من الحجّ مباشرة ولكنه متمكِّن من الإحجاج ففيه وجوه ثلاثة :
الأوّل : انعقاد النذر ، ويتخيّر في القضاء وإن لم يتمكن من أحدهما في حال حياته كما في مسألة الخصال ، فإن الإخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حال حياته متمكناً إلّا من البعض.
الثاني : أن النذر ينعقد بالنسبة إلى المقدور وأما بالنسبة إلى غيره فلا ، لاعتبار التمكّن في متعلق النذر ، فيختص القضاء بالذي كان متمكناً منه.
الثالث : ما نسب إلى الشهيد (قدس سره) من عدم انعقاد النذر حتى بالنسبة إلى الفرد المقدور ، لأن متعلق النذر هو أحد الفردين على وجه التخيير ومع تعذر أحدهما لا يكون الوجوب تخييرياً ، فما تعلق به النذر غير قابل للصحة لعدم التمكن منه وما هو قابل لذلك لم ينذره (1).
والصحيح هو الوجه الأوّل ، وذلك لأن الوجوب التخييري سواء كان أصلياً ككفّارة الخصال أو كان التزامياً وعرضياً كتعلق النذر بأحد شيئين إنما يتعلق بالجامع بين الأمرين أو الأُمور ، والخصوصيات الفردية غير دخيلة في الواجب ، فالواجب التخييري الشرعي من حيث الخصوصيات كالتخيير العقلي بين الأفراد الطولية أو العرضية فإن هذه الخصوصيات غير دخيلة في الواجب ، والتمكن وعدمه إنما يلاحظان بالنسبة إلى متعلق الوجوب ونفس المأمور به لا بالنسبة إلى الخصوصيات الخارجة عن المأمور به التي لا دخل لها في متعلق التكليف ، والنذر إذا كان متعلقاً بأحد أمرين وبالجامع بينهما يكون الواجب شرعاً هو الجامع لأن الشارع يمضي ما التزم الناذر على نفسه.
والحاصل : أن الوجوب التخييري ما تعلق بالجامع بين الأمرين ، نظير وجوب إعطاء الزكاة لطبيعي الفقير ، وهكذا لو نذر أن يعطي درهماً للفقير ، ففي كلا الموردين
1) الدروس 1 : 318.
.................................................................................................
يتعلّق الوجوب بالجامع والمكلف مخير في تطبيق الحكم على أي فرد شاء ، والتطبيق بحكم العقل فالتخيير الشرعي كالعقلي من هذه الجهة سواء كان تخييرياً أصلياً ككفارة الخصال أو تخييرياً جعلياً كموارد النذر ، فإن التخيير العقلي ما تعلق الوجوب بالجامع الذي له عنوان خاص ، والتخيير الشرعي ما كان له جامع انتزاعي وهو عنوان أحدهما ، وإلّا ففي الواقع لا فرق بينهما في إلغاء الخصوصيات في كلا الموردين ولا شبهة في صحّة تعلق الأمر بالعنوان الانتزاعي كعنوان أحدهما ، لأنه مقدور للمكلف وإن كان بعض الأفراد غير مقدور له ، وبالجملة : الجامع الذي تعلّق به الوجوب مقدور له ، والعبرة بالتمكن منه وإن كان بعض أفراده غير مقدور له ، والملتزم به في باب النذر المتعلق بأحد الأمرين هو الجامع لا التخيير حتى يقال بأنّ ما التزم به غير قابل للجعل ، لأن مع تعذر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييرياً ، وما هو قابل له غير ملتزم به وهو الفرد الممكن خاصة ، بل الذي التزم به هو الجامع وهو مقدور له وإن كان تمكنه في ضمن فرد دون آخر.
وأما ما ذكر من انعقاد النذر بالنسبة إلى المقدور فقط واختصاص القضاء به ، ففيه : ما عرفت من أن القدرة معتبرة في متعلق النذر لا في الأمر الخارج عنه كالخصوصيات ، والمفروض أن متعلق النذر هو الجامع الانتزاعي بينهما وهو مقدور له.
وبما ذكرنا ظهر أنه إذا مات الناذر لا يختص وجوب القضاء بالنسبة إلى ما كان مقدوراً له ، بل لو كان مقدوراً للوارث يأتي به قضاء عن الميت وإن لم يكن مقدوراً للميت ، كما لو نذر الميت أن يعطي درهماً للفقير ولم يكن متمكناً من إعطائه إلى زيد وكان متمكناً من إعطائه إلى عمرو خاصة ومات قبل الإعطاء لا يجب على الوارث أن يعطي الدرهم إلى عمرو بخصوصه ، وذلك لأن الملتزم به إعطاء الدرهم إلى الفقير الجامع بين الأفراد وهو صادق على كل من زيد وعمرو. وبما ذكرنا ظهر أيضاً فساد ما نسب إلى الدروس من بطلان النذر وعدم انعقاده أصلاً ، إذ لا وجه له بعد ما عرفت أن متعلق النذر هو الجامع وهو مقدور له.
[3131] مسألة 24 : إذا نذر أن يحجّ أو يزور الحسين (عليه السلام) من بلده ثمّ مات قبل الوفاء بنذره وجب القضاء (1)من تركته (1) ، ولو اختلفت أُجرتهما يجب الاقتصار على أقلهما اجرة إلّا إذا تبرّع الوارث بالزائد أُجرة فلا يجوز للوصي اختيار الأزيد اجرة وإن جعل الميِّت أمر التعيين إليه (2)، ولو أوصى باختيار الأزيد اجرة خرج الزائد من الثلث.
(1) هذا بناء على ما تقدم منه (قدس سره) من أن الواجبات الإلهية كسائر الديون العرفية تخرج من الأصل ، ثمّ إنه لو فرض التساوي بين اجرة الحجّ وأُجرة الزيارة فلا كلام في أن الوصي أو الوارث مخير بينهما ، ولو اختلفت أُجرتهما ذكر (قدس سره) أنه يجب الاقتصار على أقلهما اجرة ولا يجوز له اختيار الأكثر ، لأنّ الميت مديون بالجامع ويمكن تطبيقه على الأقل وتبرأ ذمته بذلك ، فليس له اختيار الأكثر حتى لو جعل الميت أمر التعيين إلى الوصي. وبعبارة اخرى : ما يخرج من الأصل هو الجامع وهو صادق على الأقل فلا يزاحم حق الوارث في الأكثر ، ثمّ ذكر أنه لو أوصى باختيار الأزيد اجرة خرج الزائد من الثلث.
أقول : لا فرق بين ما ذكره أخيراً وبين ما لو جعل أمر التعيين بيد الوصي ، فإن كلّاً منهما وصيّة بالزيادة ، غاية الأمر تارة تستفاد الوصيّة بالزيادة من جعل الخيار له وأُخرى يصرح بذلك ، ومجرّد ذلك غير فارق فالتفصيل غير فاصل ، فللوصي أن يعطي الأكثر فيما لو جعل أمر التعيين إليه ولكن يخرج الزائد من الثلث لأنه محسوب من وصايا الميت فلا فرق بين الموردين.
[3132] مسألة 25 : إذا علم أنّ على الميِّت حجّا ولم يعلم أنه حجّة الإسلام أو حجّ النذر وجب قضاؤه عنه (1)من غير تعيين وليس عليه كفّارة ، ولو تردّد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفّارة أيضاً (2)، وحيث إنها مرددة بين كفّارة النذر وكفّارة اليمين فلا بدّ من الاحتياط ، ويكفي حينئذ إطعام ستين مسكيناً ، لأنّ فيه إطعام عشرة أيضاً الذي يكفي في كفّارة الحلف (1).
(1) إذا قلنا بعدم وجوب قضاء الحجّ النذري كما هو المختار لا يجب القضاء عنه أصلاً ، إذ لا نعلم باشتغال ذمّته على كل تقدير فالعلم الإجمالي غير منجز ، وأما بناء على وجوب قضاء الحجّ النذري كما اختاره المصنف وغيره فالقضاء عنه متعين لثبوت القضاء عليه على كل تقدير فيتنجز بالعلم الإجمالي ، وأمّا الكفّارة فلا ، لعدم العلم بكون الفائت حجّا نذرياً ، فإنّ الكفّارة إنما تترتّب على حنث النذر وهو غير ثابت.
نعم ، لو علمنا بمخالفته على تقدير ثبوت الحجّ النذري في ذمته يكون وجوب الكفارة طرفاً للعلم الإجمالي ، لأنه حينئذ يعلم إجمالاً إما بوجوب القضاء عنه لو كان الفائت حج الإسلام أو بوجوب الكفارة عليه إذا كان الفائت الحجّ النذري وإن لم نقل بوجوب قضاء الحجّ النذري ، ولا طريق لنا إلى إثبات أحدهما إلّا بالقرعة ، هذا فيما إذا قلنا بوجوب الكفارة من مال الميت ، وأمّا إذا قلنا بسقوط وجوبها بالموت وأنها ليست كالدين فكل من الطرفين غير ثابت ، لأنّ الحجّ النذري لا يجب قضاؤه كما هو المختار ، والمفروض عدم وجوب الكفارة وسقوطها بالموت فيصبح حجّ الإسلام مشكوكاً فيه فينفى بالأصل.
1) (*) الظاهر عدم الوجوب فيه وفيما بعده.
2) (**) هذا إذا علم أنه تركه عن تقصير وقلنا بلزوم إخراج الكفارة من الأصل ، وأما إذا احتمل المعذورية فلا وجه لوجوب الكفارة. ثمّ إن الاحتياط في الكفارة مبني على تغاير الكفارتين ولكن الأظهر أن كفارة النذر هي كفارة اليمين ، هذا مع أنه على القول بالتغاير فلا موجب للاحتياط ، فإن العلم الإجمالي قد تعلق بثبوت دين على الميت مردد بين متباينين ولا موجب للاحتياط وإلزام الوارث بشيء زائد على دين الميت بل يجب حينئذ الرجوع إلى القرعة.
.................................................................................................
ولو تردّد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف فإن لم نعلم بالمخالفة العمديّة واحتملنا المعذورية فلا شيء عليه ، لأنّ الكفّارة إنّما تثبت بالمخالفة المعدية وإحراز الحنث ، وأمّا إذا علم بالترك عمداً وأن تركه كان عن تقصير ، فإن قلنا بخروج الواجبات المالية من أصل المال فتخرج الكفارة من الأصل وإلّا فلا. ثمّ إنه بناء على اتحاد الكفارتين وعدم المغايرة بينهما كما هو الأظهر تخرج كفّارة واحدة من التركة بناء على عدم سقوط الواجبات المالية بعد الموت ، وأمّا بناء على مغايرة كفارة النذر لكفّارة الحلف فقد ذكر في المتن أنه لا بدّ من الاحتياط ، لأنّ الشك حينئذ بين المتباينين ومقتضى القاعدة هو الاشتغال إلّا أنه يكفي إطعام ستين مسكيناً لأن فيه إطعام العشرة الذي هو كفارة الحلف.
وربما يقال بأن المسألة من صغريات الشك بين الأقل والأكثر ، وينحل العلم الإجمالي بوجوب الأقل والشك في الأكثر فتجري البراءة عن الأكثر ويكتفى بإطعام العشرة ، فإنه القدر المتيقن والزائد مشكوك فيه ينفى بالأصل.
وفيه : أنّ ما اشتهر من أنّ الأقل هو المتيقن ، فيه مسامحة واضحة ، فإنّ العبرة في جريان البراءة في مسألة الشك بين الأقل والأكثر بالعلم بكون الأقل مورداً للتكليف والشك في إطلاقه وتقييده ، فالمتيقن هو الطبيعي المهمل لا على نحو بشرط شيء ولا اللّابدية بشرط القسمي ، مثلاً لو شك في جزئية السورة للصلاة فيرجع الشك إلى أن بقية الأجزاء مطلقة من حيث السورة أو مقيدة بها ، فكل من الإطلاق والتقييد غير معلوم وليس الأقل متيقناً ، فالمراد بكون الأقل متيقناً هو الجامع الطبيعي المهمل ، وأما الطبيعي المطلق فلا نعلم به كما لا نعلم بالطبيعي المقيد ، فالعلم الإجمالي الدائر بين الأقل والأكثر هو العلم بوجوب الأقل على سبيل الإهمال.
هذا ، ولكن مع ذلك تجري البراءة في المقام بملاك آخر ، وهو أن الإطلاق إرفاق للمكلّف ولا كلفة فيه بخلاف التقييد فإن فيه تضييقاً عليه وحيث إنه مشكوك فيه يدفع بالأصل ، وتوضيح ذلك : أن الميزان في جريان البراءة عن الأكثر في الشك بين
.................................................................................................
الأقل والأكثر أن يكون التكليف متعلقاً بالأقل قطعاً ونشك في إطلاقه وتقييده وتجري البراءة عن التقييد ، مثلاً نعلم أن غير السورة من أجزاء الصلاة واجب ونشك في تقييد هذه الأجزاء بالسورة أو إطلاقها فتجري البراءة عن التقييد ، وأما لو كان متعلق التكليف في أحدهما مغايراً للآخر فتعلّق التكليف بكل منهما غير معلوم وإن كان أحدهما أقل من الآخر ، ومجرد أن أحدهما أقل لا يجدي في جريان البراءة عنه ، مثلاً لو علم إجمالاً بأنه مدين لزيد أو لعمرو ، ولكن على تقدير كونه مديناً لزيد دينه أقل من دين عمرو ، فلا تجري البراءة في المقام ، ولا يعد ذلك من باب الشك بين الأقل والأكثر بل الشك حينئذ بين المتباينين ، لأن تعلق التكليف بكل من الأقل والأكثر غير معلوم ، وهكذا الحال في مسألتنا فإن التكليف لم يعلم تعلقه بإطعام عشرة مساكين حتى يقال بأن الشك في إطلاقه وتقييده ، بل التكليف تعلق بالجامع المردد بين إطعام العشرة والجامع بين إطعام الستين وعِدليه ، فالشك في المقام بين المتباينين.
نعم ، بحسب الخارج تكون العشرة في ضمن الستين وإلّا فهما في الحقيقة متباينان والعبرة في الملاك الذي لأجله تجري البراءة إنما هي بملاحظة نفس التكليف ومتعلقه لا بملاحظة التطبيق الخارجي.
ثمّ إنّ الاحتياط الذي ذكره بإطعام ستين إنما يصح بالنسبة إلى نفس المكلّف ، وأما إذا كان الإطعام عن الميت وخروجه من تركته فكيف يمكن الاحتياط بإعطاء الأكثر؟ ولا موجب لإلزام الوارث بشيء زائد على دين الميت بل يجب حينئذ الرجوع إلى القرعة ، لأن العلم الإجمالي قد تعلق بثبوت دين على الميت مردد بين متباينين ولا وجه للتصرف الزائد في ملك الميت ، وقد مرّ نظير هذه المسألة في بحث الزكاة في المسألة السادسة من الختام والمسألة 30 من الخُمس وقرّبنا في التعليقة الرجوع إلى القرعة.
[3133] مسألة 26 : إذا نذر المشي في حجّه الواجب عليه أو المستحب انعقد مطلقاً حتى في مورد يكون الركوب أفضل ، لأنّ المشي في حدّ نفسه أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات ، فإنّ أرجحيّته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه ، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً ولو مع الإغماض عن رجحان المشي لكفاية رجحان أصل الحجّ في الانعقاد ، إذ لا يلزم أن يكون المتعلق راجحاً بجميع قيوده وأوصافه ، فما عن بعضهم من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له ، وأضعف منه دعوى الانعقاد في أصل الحجّ لا في صفة المشي فيجب مطلقاً ، لأنّ المفروض نذر المقيد فلا معنى لبقائه مع عدم صحّة قيده (1).
(1) ذكر في هذه المسألة أمرين :
الأوّل : إذا نذر المشي في الحجّ الواجب أو المستحب انعقد لأن المشي في الحجّ محبوب وراجح في نفسه لجملة من الأخبار (1)، وقد حج الحسن (عليه السلام) ماشياً مراراً وتساق معه الرحال والمحامل ، وإن كان الركوب في بعض الموارد أفضل من جهات أُخر ، فإن المعتبر في النذر أن يكون متعلقه راجحاً في نفسه وإن كان غيره أفضل وأرجح منه ، فإن أرجحية غيره لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حدّ نفسه.
الثاني : أن ينذر الحجّ ماشياً مطلقاً فإنه ينعقد أيضاً ولو فرضنا أن المشي في الحجّ غير راجح أصلاً ، لأن متعلق النذر ليس هو المشي ليلاحظ رجحانه وإنما المتعلق حصة خاصة من الحجّ وهي راجحة في نفسها وإن كان وجود غيرها أرجح ، نظير ما إذا نذر أن يصلي ركعتين في غرفته فإنه ينعقد وإن كان إتيان الصلاة في الغرفة من حيث هو لا رجحان فيه أصلاً ، إلّا أنه لا ريب في أن إيقاع الصلاة في أي مكان راجح في نفسه وإن كان إتيانها في المسجد أو الحرم أفضل ، وبالجملة : لا بدّ من
1) الوسائل 11 : 78 / أبواب وجوب الحجّ ب 32.
[3134] مسألة 27 : لو نذر الحجّ راكباً انعقد ووجب ولا يجوز حينئذ المشي وإن كان أفضل لما مرّ من كفاية رجحان المقيد دون قيده. نعم ، لو نذر الركوب في حجّه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد ، لأن المتعلق حينئذ الركوب لا الحجّ راكباً ، وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين ، وكذا ينعقد لو نذر الحجّ حافيا (1)
ملاحظة الرجحان في متعلق النذر بنفسه ، ولا يعتبر كونه أفضل من غيره ، ولذا لو نذر زيارة مسلم بن عقيل (عليه السلام) ينعقد وإن كان زيارة الحسين (عليه السلام) أفضل بكثير ، وكذا لو نذر أن يعطي درهماً لشخص ينعقد وإن كان إعطاؤه لشخص آخر أفضل لفقره ونسبه وحسبه.
والحاصل ، لا يعتبر في انعقاد النذر ورجحان متعلقه ملاحظة جميع خصوصياته بل يكفي رجحان أصل المنذور وإن كان غيره أفضل.
وهنا قولان آخران : أحدهما أن النذر ينعقد بالنسبة إلى أصل الطبيعة وأصل الحجّ ، وأما بالنسبة إلى الخصوصية وصفة المشي فلا ينعقد فيكون الحجّ واجباً والمشي إليه غير واجب ، وفيه : أن الأمر يدور بين صحته وبطلانه وأما التبعيض فلا وجه له لأن نذر الحجّ ماشياً التزام واحد وليس من قبيل تعدد النذر وانحلاله ، كما أن القول الآخر وهو البطلان برأسه لا وجه له أيضاً.
(1) قد يتعلّق النذر بالحجّ راكباً فلا ريب في صحّته وانعقاده وإن لم يكن الحجّ راكباً أرجح من جميع الجهات ، فلا يجوز المشي حينئذ وإن كان أفضل لما عرفت من كفاية رجحان المقيد دون قيده وكفاية رجحان ما في متعلقه ، وقد يتعلق بالركوب في حجّه ، فإن لم يكن الركوب في مورد راجحاً لم ينعقد لتعلق النذر بخصوصية غير راجحة ، كما لو نذر أن يصلي صلاة الفجر دائماً في البيت. نعم ، لو تعلق النذر بالطبيعي وكان راجحاً ينعقد وإن وجد في ضمن خصوصية غير راجحة كما لو نذر أن يصلي ركعتين في غرفته.
وما في صحيحة الحذاء من أمر النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بركوب أُخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت اللّه حافية قضية في واقعة (1)يمكن أن يكون لمانع من صحّة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك.
وبالجملة : لا بدّ من ملاحظة المتعلق فإنه إذا كان راجحاً ينعقد النذر وإن كان غيره أفضل ، وإن لم يكن راجحاً لا ينعقد. وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ كل يوم أو فرسخين أو نذر أن يمشي يوماً دون يوم. والحاصل : لا فرق في انعقاد النذر وصحّته بين تعلّقه بالمشي في الحجّ إذا كان المشي راجحاً في نفسه وبين تعلّقه بالحجّ ماشياً.
وأمّا نذر الحفاء في الحجّ فلا ريب في انعقاده لأنه من مصاديق المشي الراجح ، كما لا ريب في انعقاده لو تعلّق بالحجّ حافياً ، هذا على حسب ما تقتضيه القاعدة ، وأمّا ما في صحيحة الحذاء من أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) بركوب أُخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت اللّه حافية (2)فقد استدلّ به على عدم انعقاد نذر الحفاء في الحجّ.
وقد أجاب عنه غير واحد بحمل الصحيحة على قضية شخصية وأنها قضية في واقعة ، يمكن أن يكون لمانع من صحّة
نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها أو غير ذلك فلا يصح الاستدلال بها ، ولكن الظاهر من استشهاد الإمام (عليه السلام) في حكم نذر الرجل المشي حافياً بأمر النبي (صلّى اللّه عليه وآله) بيان حكم كلي مشترك غير مختص بمورده ، وإلّا لكان جواب الإمام (عليه السلام) أجنبياً لا يناسب السؤال. وبالجملة : لا ينبغي الريب في ظهور الصحيحة في عدم انعقاد نذر الحفاء في الحجّ.
.................................................................................................
وربما يُقال بأنّ الصحيحة معارضة برواية سماعة وحفص (1)الدالّة على انعقاد النذر بالمشي حافياً ، والجمع بينهما يقتضي حمل الرواية على الاستحباب ، وفيه : أن الحمل على الاستحباب لا معنى له في أمثال المقام ، لأن الكلام في الانعقاد وعدمه وصحّة النذر وعدمها ، ولا معنى للحمل على الاستحباب في الحكم الوضعي ، فمقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر. على أن رواية سماعة وحفص بكلا طريقيها ضعيفة السند ، لأنّ أحمد بن عيسى يرويها عن سماعة وحفص تارة وعن محمّد بن قيس اخرى ، ولا ريب في سقوط الوسائط بينه وبين الرواة.
والصحيح أن يقال : إن صحيحة الحذاء يعارضها صحيحة رفاعة وحفص المروية في كتاب النذر ، قال : «سألت قالا سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه حافياً ، قال : فليمش فإذا تعب فليركب» (2)، فالمرجع هو عموم وجوب الوفا بالنذر (3).
وللمجلسي (قدس سره) كلام في المقام لا بأس بنقله وحاصله : أن المستفاد من صحيح رفاعة وحفص الوارد في باب النذر بطلان النذر بالحفاء ، فإن قوله (عليه السلام) : «فليمش» معناه أنه يمشي مشياً متعارفاً متنعلاً بلا حفاء ، فهذه الخصوصية ساقطة لا أصل المشي كما اختاره في الدروس (4)وصحيحة الحذاء أيضاً دالّة على مرجوحية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه ، فالروايتان متفقتان على سقوط خصوصية الحفاء وبطلان النذر بالنسبة إليه ، وأما المشي المتعارف فيقع التعارض بين صحيح الحذاء وصحيح رفاعة ، لأنّ المستفاد من صحيح الحذاء مرجوحية المشي أيضاً ، لأمره (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) أُخت عقبة بن عامر بالركوب وقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) فإن اللّه غني عن مشيها وحفاها. وأمّا صحيح رفاعة فيدلّ على
[3135] مسألة 28 : يشترط في انعقاد النذر ماشياً أو حافياً تمكّن الناذر وعدم تضرّره بهما فلو كان عاجزاً أو كان مضرّاً ببدنه لم ينعقد. نعم ، لا مانع منه (1)إذا كان حرجاً لا يبلغ حدّ الضرر لأنّ رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ، هذا إذا كان حرجياً حين النذر وكان عالماً به وأمّا إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطاً للوجوب (1).
سقوط الحفاء فقط وبقاء المشي على رجحانه لقوله (عليه السلام) : «فليمش» ، وبعد التعارض لا يمكن الرجوع إلى الأدلة العامة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأن المفروض أن النذر مقيد بالحفاء والمنذور هو المشي حافياً والعمل ببعض المنذور دون البعض الآخر لا دليل عليه ، فلم يبق موضوع للوفاء بالنذر فالنتيجة سقوط النذر.
هذا كلّه بناء على ما ذكره المجلسي (قدس سره) من حمل قوله (عليه السلام) : «فليمش» في صحيح رفاعة على المشي المتعارف بلا حفاء ، وأما إذا كان المراد من المشي الذي أمر به هو المشي الخاص المقيد بالحفاء الذي تعلق به النذر فمعناه : أنه إذا نذر المشي حافياً فليمش حافياً حسب نذره وفاء له وإذا تعب فليركب ، فيكون صحيح رفاعة معارضاً لصحيح الحذاء الدال على مرجوحية المشي حافياً ويتساقطان والمرجع حينئذ الأدلّة العامّة لوجوب الوفاء بالنذر ، وهذا المعنى الذي ذكرناه ممّا احتمله المجلسي أيضاً ولكن قال : إنه بعيد ، والظاهر أنه لا بعد فيه بل هذا هو المتفاهم عرفاً.
فالنتيجة : انعقاد النذر بالمشي حافياً لعموم وجوب الوفاء بالنذر. ثمّ لا يخفى أنّ مورد صحيحة الحذاء تعلق النذر بالمشي حافياً ولا تشمل تعلق النذر بالحج حافياً ومورد كلام المصنف (قدس سره) هو الثاني فالصحيحة أجنبية عن مورد كلامه.
(1) يعتبر في متعلق النذر كونه مقدوراً للناذر ، فلو تعلق بأمر غير مقدور له
1) (*) الظاهر عدم الوجوب في هذه الصورة أيضاً.
.................................................................................................
لا ينعقد ، لأنّ النذر هو الالتزام بشيء على نفسه ، فلو كان الشيء غير مقدور له لا يمكن أن يلتزم به على نفسه ، وأما لو كان المتعلق ضرريّاً وقلنا بحرمة تحمل الضرر مطلقاً شرعاً ، أو بحرمة تحمل الضرر الموجب للهلاك ونحوه وكان الضرر الموجود في البين كذلك فلا ينعقد النذر أيضاً ، لأنّ المتعلق حينئذ بمنزلة غير المقدور فلا رجحان فيه ، فإن الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، والمفروض أن النذر لا يحلل الحرام وأمّا إذا لم نقل بحرمة الإضرار بالنفس مطلقاً كما هو المختار عندنا فحاله حال الحرج وأمّا إذا كان المتعلق حرجياً فيتصور على نحوين :
أحدهما : ما إذا كان الحرج متحققاً حين النذر وهو عالم به.
ثانيهما : ما إذا طرأ الحرج بعد النذر ولا يعلم به حين النذر.
أمّا الثاني : فلا ريب في شمول دليل نفي الحرج له ، لأنه التزم بالمتعلق من دون التفات إلى الحرج الطارئ ، والشارع ينفيه فحاله حال بقية الأحكام الحرجية المرتفعة بدليل نفي الحرج.
وأمّا الأوّل : فالمعروف بينهم انعقاد النذر ، وعلّله المصنف بأن رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ، ومقتضى دليل نفي الحرج نفي اللّزوم ، لأنّ اللّزوم هو الذي يؤدي إلى الحرج ، وأمّا المحبوبية والمطلوبية فباقية فلا مانع من الانعقاد.
وفيه : أنّ الكلام في نفي الحرج وأنه من باب الرخصة لا العزيمة إنما يبحث عنه في موارد الأحكام الشرعية إذا طرأها الحرج كما إذا توضأ أو اغتسل بالوضوء أو الغسل الحرجيين ، فقد وقع الكلام في صحته وبطلانه واختاروا الصحّة بدعوى أنّ المنفي هو الوجوب ، وأمّا أصل المطلوبية والرجحان فباق على حاله لأنّ ذلك ممّا يقتضيه الامتنان ، ولكن قد ذكرنا غير مرة أن الأحكام الشرعية بسائط ولا تنحل إلى حكمين ، فإذا ارتفع الوجوب يرتفع الحكم كلية ، وضم دليل نفي الحرج إلى دليل الحكم لا يقتضي بقاء المطلوبية والرجحان. على أنّ ما ذكروه لا يفيد المقام ، لأنّ مقتضى شمول الرفع له ارتفاع وجوب الوفاء بالنذر ولازمه عدم انعقاد النذر ، مع أنهم ملتزمون بانعقاد النذر في مورد الحرج ومعنى انعقاده وجوب الوفاء به ، فلا فرق بين
[3136] مسألة 29 : في كون مبدأ وجوب المشي أو الحَفاء بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال الحجّ أقوال ، والأقوى أنه تابع للتعيين أو الانصراف ومع عدمهما فأوّل أفعال الحجّ إذا قال : للهِ عليَّ أن أحجّ ماشياً (1) ومن حين الشروع في السفر إذا قال : للهِ عليَّ أن أمشي إلى بيت اللّه أو نحو ذلك ، كما أنّ الأقوى أن منتهاه مع عدم التعيين
كون رفع الحرج على نحو الرخصة أو العزيمة ، فإن مقتضى الرفع على كل تقدير منهما عدم وجوب الوفاء بالنذر وعدم انعقاده ، فابتناء المقام على أن النفي في الحرج من باب الرخصة لا العزيمة مما لا محصل له أصلاً ، بل هذه المسألة أعني : شمول نفي الحرج للنذر الحرجي وعدمه مبتنية على أمر آخر وهو أن دليل نفي الحرج هل يختص بالأحكام الأصلية الابتدائية أو يعم الأحكام الثانوية الالتزامية؟
ربما يقال بالاختصاص بالأحكام الأصلية ، لأن دليل نفي الحرج امتناني ومفاده أن اللّه تعالى لم يجعل في حق أحد حكماً حرجياً ، وأما إذا التزم المكلف بنفسه بما هو حرجي عليه فلم يكن الحرج ناشئاً من حكم الشارع وجعله ، بل نشأ من التزام المكلّف.
وفيه : أن الوقوع في الحرج في موارد الالتزام والنذر مستند إلى إلزام الشارع أيضاً ، فإن الشيء مستند إلى الجزء الأخير من العلّة التامّة ، فوجوب المشي في نذر المشي إلى الحجّ إنما نشأ من الشارع والحرج آتٍ من قبله ، ونذر المكلف والتزامه بشيء مقدّمة لإلزام الشارع ، لأن التزامه من دون ضمّ إلزام الشارع لا أثر له.
وبما ذكرنا يظهر الحال في الضرر غير المحرم ، والحاصل : أن حديث نفي الضرر أو الحرج يرفع الوجوب بحذافيره.
(1) اختلف الأصحاب في مبدأ وجوب المشي أو الحفاء ومنتهاه ، أمّا المبدأ فهل هو من بلد النذر أو بلد الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات ، أو أنّ المبدأ هو الشروع في السفر أو أفعال الحجّ؟ أقوال وآراء.
رمي الجمار لجملة من الأخبار (1)لا طواف النساء كما عن المشهور ولا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار.
والظاهر أنه يتبع قصد الناذر ، وليس في البين دليل تعبدي يرجع إليه بل المتبع قصد الناذر ، ولو فرض أنه لم يقصد إلّا مفهوم هذا اللفظ فيختلف الحكم ، فإن قال : للهِ عليَّ أن أحجّ ماشياً ، فالمبدأ أوّل أعمال الحجّ وأفعاله ، ولو قال : للهِ عليَّ أن أمشي إلى بيت اللّه ، فالمبدأ أوّل زمان الشروع من أي بلد كان ، فإن المفهوم العرفي يختلف حسب اختلاف الألفاظ.
وأمّا المنتهي أعني آخر المشي فقد اختلف فيه أيضاً ، فذهب المصنف (قدس سره) إلى أن منتهاه مع عدم التعيين رمي الجمار لا طواف النساء ، لأن طواف النساء وإن كان واجباً ولكنه عمل مستقل خارج عن أعمال الحجّ وأفعاله ، ولذا لا يضرّ تركه عمداً في الحجّ وإن ترك واجباً ، وذهب بعضهم إلى أن المنتهي طواف النساء ، وذهب آخرون إلى أنه الإفاضة من عرفات.
والصحيح أنه تابع لقصده أيضاً ، فإن كان قصده المشي إلى بيت اللّه الحرام فالوصول إليه كاف ولا يلزم عليه أن يأتي ببقية الأعمال ماشياً ، وإن كان قصد المشي في جميع ما وجب عليه في الحجّ حتى طواف النساء فينعقد النذر حسب التزامه وقصده ، وأما إذا لم يقصد إلّا معنى هذا اللفظ فالظاهر أنه يعتبر المشي في جميع أعمال الحجّ أعني إلى تمام رمي الجمار ، وأما إلى طواف النساء فلا ، لأنه خارج من أعمال الحجّ.
1) (*) الحكم وإن كان كما ذكره (قدس سره) إلّا أنه ليس في الأخبار ما يدل على ذلك وإنما هي بين ما تدل على أن منتهاه رمي جمرة العقبة وبين ما تدل على أنه الإفاضة وهي تسقط بالمعارضة فيرجع إلى ما تقتضيه القاعدة من كون المنتهي هو رمي الجمار.
[3137] مسألة 30 : لا يجوز لمن نذر الحجّ ماشياً أو المشي في حجّه أن يركب البحر لمنافاته لنذره ، وإن اضطر إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره ، كما أنه لو كان منحصراً فيه من الأوّل لم ينعقد ، ولو كان في طريقه نهر أو شط لا يمكن العبور إلّا بالمركب فالمشهور (1)أنه يقوم فيه لخبر السكوني والأقوى عدم وجوبه ، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب والتمسك بقاعدة الميسور لا وجه له ، وعلى فرضه فالميسور هو التحرك لا القيام (1).
ثمّ إنّ المصنف ذكر أن الانتهاء برمي الجمار يستفاد من جملة من الأخبار (2)والظاهر أنّ الأخبار على قسمين :
أحدهما : ما لم يذكر فيه رمي الجمار وإنما المذكور فيه الجمرة وهي تنطبق على العقبة وغيرها ، وفي بعضها ذكر رمي جمرة العقبة ولكنه ضعيف السند.
ثانيهما : ما ذكر فيه أن المنتهي هو الإفاضة من عرفات ، وكلاهما على خلاف القاعدة ، لأنها تقتضي العمل بالنذر حسب ما قصده الناذر ، وأما إمضاء النذر بمقدار وإسقاطه بمقدار آخر فيحتاج إلى الدليل ، نظير التبعيض في الصوم فإن القاعدة تقتضي التكميل ، والروايات من الجانبين صحيحة فتقع المعارضة بينها وتسقط ، فيرجع إلى ما تقتضيه القاعدة من كون المنتهي هو رمي الجمار لأنه ممّا التزم به على نفسه ، فالصحيح ما ذكره المصنف ، لا للأخبار بل للقاعدة.
(1) لو اتفق له في طريقه الاحتياج إلى السفينة فالمشهور أنه يقوم فيها ولا يجلس واستدلّوا له بوجهين :
الأوّل : قاعدة الميسور ، لأن القيام ميسور المشي الذي يصدر حال القيام. وفيه : ما
[3138] مسألة 31 : إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكباً فإن كان المنذور الحجّ ماشياً من غير تقييد بسنة معيّنة وجب عليه الإعادة ولا كفارة إلّا إذا تركها أيضاً ، وإن كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً وجب عليه القضاء (1)والكفارة ، وإذا كان المنذور المشي في حج معيّن وجبت الكفارة دون القضاء لفوات محل النذر والحجّ صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة (2)لأن النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحجّ ، وعدم الصحّة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث الأصل فيكفي في صحته الإتيان به بقصد القربة (1).
ذكرناه مراراً من كون قاعدة الميسور مخدوشة كبرى وصغرى ، فإن القيام ليس بميسور المشي بل هو أمر مغاير له وإن كان المشي يلازم القيام.
الثاني : خبر السكوني : «أنّ عليّاً (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فعبر في المعبر ، قال : فليقم في المعبر قائماً حتى يجوزه» (3)وأورد عليه المصنف بضعف الخبر ، ولكن قد ذكرنا غير مرّة أن الخبر معتبر لأنّ السكوني موثق وإن كان عاميا ، وكذلك النوفلي لأنه من رجال كامل الزيارات ، فلا بأس بالعمل بالخبر تعبداً خصوصاً مع عدم إعراض الأصحاب عنه ، فما ذهب إليه المشهور هو الأقوى.
(1) يقع الكلام من ناحيتين :
الاولى : من حيث القضاء والكفّارة.
الثانية : من حيث صحّة الحجّ الذي أتى به راكباً ، ويظهر حكمهما من بيان الصور المذكورة في المتن.
.................................................................................................
الصورة الأُولى : ما إذا تعلق النذر بالحج ماشياً في سنة ما من غير تقييد بسنة معيّنة فخالف فحج راكباً. ذكر المصنف أنه يجب عليه الإعادة ولا كفارة عليه.
أمّا وجوب الإعادة والإتيان عليه فواضح لأنه لم يأتِ بالمنذور ، فيجب عليه إتيان الحجّ ماشياً وفاء لنذره ، ولا يخفى أن التعبير بالإعادة فيه مسامحة واضحة ، لأنّ الإعادة وجود ثانوي للأوّل لخلل فيه ومقامنا ليس كذلك ، لأنه إنما يجب عليه الإتيان لعدم إتيانه بالمنذور أصلاً ، نظير ما لو نذر إعطاء درهم لزيد فأعطاه إلى عمرو ، فإنه يجب عليه إعطاء الدرهم لزيد وفاء لنذره وليس ذلك من الإعادة ، فالصحيح أن يقال : إنه لو نذر المشي فخالف وحج راكباً يجب عليه إتيان الحجّ ماشياً في السنين المقبلة ، ولا يجزئ ما حجّه راكباً عن الحجّ ماشياً.
وأمّا عدم الكفارة فلعدم الحنث لأن المفروض عدم تقييد الحجّ بسنة خاصّة. نعم لو أخّره إلى أن عجز عن الإتيان يجب عليه الكفارة لتحقق الحنث حينئذ.
الثانية : ما إذا كان المنذور الحجّ ماشياً في سنة معيّنة فخالف وأتى به راكباً ذكر (رحمه اللّه) أنه يجب عليه القضاء والكفارة ، أمّا الكفّارة فللحنث ، وأمّا وجوب القضاء فمبني على ما تقدّم من وجوب قضاء الحجّ المنذور.
الثالثة : ما إذا كان المنذور المشي في حجّ معيّن كالحجّ النيابي أو الحجّ الاستحبابي فخالف وحجّ راكباً وجبت الكفارة لحصول الحنث ، وأمّا القضاء فغير واجب لفوات محل النذر وسقوط الحجّ المعيّن بالإتيان به فلا موضوع للقضاء والتدارك ، هذا كلّه من ناحية القضاء والكفّارة.
وأمّا من ناحية صحّة الحجّ الذي أتى به راكباً فقد ذكر (قدس سره) أنّ الحجّ صحيح في جميع الصور خصوصاً الأخيرة ، وعللها بأن النذر لا يوجب تقييد الواجب ، والتخلّف في النذر لا يوجب التخلف في الحجّ ، كما أن عدم الصحّة من حيث النذر لا يقتضي بطلان أصل الحجّ فيكفي في صحته الإتيان به بقصد القربة وإن كان مخالفاً لنذره.
وقد يتخيّل البطلان (1)من حيث إنّ المنوي وهو الحجّ النذري لم يقع وغيره لم يقصد ، وفيه : أن الحجّ في حدّ نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف ، ألا ترى أنه لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع لا يبطل الصيام في الأيام السابقة أصلاً وإنما تبطل من حيث كونها صيام كفارة ، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً أو ذكراً.
وقد يستدلّ للبطلان إذا ركب في حال الإتيان بالأفعال بأن الأمر بإتيانها ماشياً موجب للنهي عن إتيانها راكباً ، وفيه : منع كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده ومنع استلزامه البطلان على القول به ، مع أنه لا يتم فيما لو نذر الحجّ ماشياً مطلقاً من غير تقييد بسنة معيّنة ولا بالفورية لبقاء محل الإعادة.
وأظنّ أنّ كلمة «خصوصاً» سهو من قلمه الشريف ، إذ لا خصوصية للصورة الأخيرة من حيث الصحّة ، والصحيح أن يقال : حتى الأخيرة.
أمّا الصحّة في الصورة الأُولى وهي ما إذا كان المنذور طبيعي الحجّ من حيث السنة ومن حيث أنواع الحجّ ، فلا ينبغي الريب في الصحّة ولا موجب لتوهم الفساد أصلا.
وأمّا الثانية وهي ما إذا قيّد المشي بسنة معيّنة وحج راكباً فيحكم بصحّته أيضاً فإن الحجّ في نفسه محبوب ومأمور به ولا موجب لبطلانه من جهة مخالفة النذر وسيأتي الكلام فيما استدل به على البطلان.
وأمّا الثالثة فربما يتخيّل فيها البطلان ، لأنّ نذره تعلّق بالمشي في حجّ خاص والنذر يوجب تقييد الواجب ، وما أتى به مخالف للمأمور به فيقع فاسداً ، نظير ما لو نذر أن يصلّي جماعة أو في المسجد فخالف وصلّى فرادى أو في بيته ، فإنهم حكموا
1) (*) لا مورد لهذا التخيل في المقام حتى مع قطع النظر عمّا ذكره (قدس سره) إلّا فيما إذا ركب أثناء العمل وكان المنذور هو الحجّ ماشياً ، بل لا مورد له فيه أيضاً فإن الأمر النذري في طول الأمر بالحج وهو مقصود من الأوّل ، والفرق بينه وبين قصد صوم الكفارة ونحوه ظاهر.
.................................................................................................
ببطلان الصلاة لأنه لم يأتِ بالمأمور به وما أتى به لم يؤمر به.
وفيه : أنّ الحجّ الذي أتى به كالحجّ النيابي واجب مطلق ، كالأمر بالصلاة فإنه أيضاً مطلق من حيث الجماعة والفرادى ، والنذر لا يوجب تقييداً في متعلق الوجوب كما أنه لا يمنع من انطباق الطبيعي على المأتي به وإن كان مخالفاً لنذره ، فالقاعدة تقتضي الحكم بالصحة لانطباق الطبيعي عليه.
فتحصّل : أنّ الحجّ في جميع الصور الثلاثة محكوم بالصحّة ، وإنما يتخيل البطلان في الصورة الأخيرة ولكنه فاسد كما عرفت.
ثمّ إنه قد استدلّ لبطلان الحجّ الصادر منه راكباً في جميع الصور المتقدِّمة بوجهين آخرين :
الأوّل : أن الأمر بإتيان الحجّ ماشياً موجب للنهي عن إتيانه راكباً والنهي يقتضي الفساد.
وفيه أوّلاً : منع كون الأمر بالشيء مقتضياً للنهي.
وثانياً : أن النهي تبعي ودلالته على الفساد ممنوعة.
وثالثاً : أنه لا يجري هذا الدليل في الصورة الأُولى فهو أخص من المدعى ، لتعلّق النذر فيها بطبيعي الحجّ وفي سنةٍ ما من دون تقييد بسنة معيّنة ، فليس الحجّ راكباً ضدّاً للطبيعي ، فلا مضادّة بين المأمور به وبين ما أتى به أصلا.
الثاني : أن المنوي وهو الحجّ النذري لم يقع وغيره لم يقصد. وبعبارة اخرى : لا ينطبق المنوي على الموجود الخارجي ، والموجود الخارجي لم يكن منوياً. وأجاب عنه في المتن : من أن الحجّ في نفسه مطلوب وقد قصده في ضمن قصد النذر وهو كاف ، نظير ما لو صام أياماً بقصد الكفارة ثمّ ترك التتابع فلا يبطل صيامه في الأيام السابقة وإنما يبطل من حيث كونه كفارة ، فيقع صوماً مستحباً قربياً في نفسه ، وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآناً وأذكاراً ودعاء.
.................................................................................................
أقول : لا وجه أصلاً لتنظير المقام بصوم الكفارة إذا أبطل تتابعه ، لأن المفروض في المقام أنه قصد الحجّ راكباً من أوّل الأمر ، ولم يأت به بداعي الوفاء بالنذر ، بخلاف صوم الكفارة فإنه من الأوّل قصد صوم الكفارة ، ولكن في الأثناء أبطل التتابع فحينئذ يصح أن يقال : إن صومه السابق يقع مستحباً في نفسه أو يقع باطلاً ، ويجري فيه الكلام المعروف ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، إلّا أن هذا الكلام لا مجال لجريانه في مقامنا ، إذ لا يمكن أن يقال : إن المنوي غير واقع ، بل المنوي واقع في الخارج لأنّ المفروض أنه قصد الحجّ راكباً وهو واقع خارجاً ، نظير ما لو نذر أن يصلي في المسجد فخالف وصلّى في داره ، فإن المنوي واقع وإن لم يأت بما كان واجباً عليه ، فالمنوي وما وقع في الخارج متّحدان ومغايران لما وجب عليه بالنذر ، فلو قلنا بالبطلان فإنما هو لأجل المخالفة ، لا لأنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وتحقق التخالف بين المنوي وما وقع في الخارج وبين ما وجب عليه بالنذر لا يوجب بطلان المأتي به ، وإنما يلزم عليه الإتيان بما وجب عليه بالنذر ، وأمّا كون المأتي به صحيحاً أم لا فهو أجنبي عن هذه القضية ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، بل ما قصد وقع وما وقع قصد.
نعم ، لو حج من أوّل الأمر ماشياً ثمّ ركب في أثناء العمل يمكن أن يقال إن ما وقع لم يكن منوياً وما نواه لم يقع لاختلاف المنوي أوّلاً بما في الواقع ، إلّا أن الصحيح أنه لا مجال لهذا الكلام في هذه الصورة أيضاً ، لأن الأمر النذري أمر توصلي في طول الأمر العبادي وليس في قباله فإن الأمر العبادي في مرتبة سابقة على الأمر النذري ، ولا يقاس المقام بصوم الكفارة والصوم المستحب في نفسه فإن أحدهما في عرض الآخر بخلاف المقام لأن الأمر النذري في طول الأمر العبادي ، وقد قصدهما معاً من أوّل الأمر على الفرض ، نظير النذر المتعلق بصلاة اللّيل ونحوها من المستحبات النفسية التي يصليها لداعيين ولأمرين ، الأمر النفسي العبادي والأمر النذري التوصلي وتخلف الأمر النذري لا يضر بالأمر النفسي العبادي المتعلق بالصلاة ويحكم بصحتها وكذا لو نذر أن يصلّي بكيفية خاصة أو في مكان خاص وخالف فصلى في غير ذلك
[3139] مسألة 32 : لو ركب بعضاً ومشى بعضاً فهو كما لو ركب الكل لعدم الإتيان بالمنذور (1) ، فيجب عليه القضاء (1)أو الإعادة ماشياً
المكان فإنه من الأوّل قاصد لصلاة الليل فلا يصح أن يقال : ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، وكذلك التخلف في نذر الحجّ ماشياً بأن خالف وحج راكباً ، فإن الأمر بالحجّ مقصود من الأوّل وإنما تخلف الأمر النذري وهو غير ضائر في الحكم بصحته.
وبالجملة : إذا كان الأمران طوليين وقصدهما معاً فالمأتي به مقصود من أوّل الأمر غاية الأمر في الأثناء حصل التخلف ، فلا مجال للكلام المعروف ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ، فإنه إنما يختص بما إذا لم يأتِ بالشيء من الأوّل طبقاً لقصده.
ولو فرضنا أن المنوي لم يقع وسلمنا جريان هذا الكلام فإنه إنما يتم في غير الصورة الأخيرة ولا يتم فيها ، لأنّ متعلّق النذر فيها من المشي في طبيعي الحجّ وهو مقصود من الأوّل وإنما التخلف حصل في فعل آخر وهو المشي المتعلق للنذر ، ولا ربط له بفساد الحجّ والأعمال الصادرة منه ، فإن المشي فعل أجنبي عن الحجّ وتركه لا يضر بالعمل المأتي به بدعوى أن المنوي لم يقع والواقع لم يقصد ، بل هنا أمران مستقلّان أحدهما الأمر بالحجّ والآخر الأمر بالمشي وأحدهما أجنبي عن الآخر والتخلّف في أحدهما لا يوجب بطلان الآخر.
فتحصّل ممّا ذكرنا : أنه لا فرق في الصحّة بين نذر المشي في الحجّ وبين نذر الحجّ في جميع الصور المتقدمة ، والتخلف في النذر لا يوجب بطلان الحجّ الصادر منه حتى لو قيل ببطلان صوم الكفارة إذا أخل بالتتابع.
(1) ويكون آثماً إذا كان النذر مقيداً بسنة خاصّة ، ويجب عليه القضاء والكفارة على ما تقدم ، وأما إذا كان النذر مطلقاً من حيث الزمان فيجب عليه الإتيان ماشياً في السنين الآتية ولا يكتفي بما أتى به ملفقاً من المشي والركوب.
وربما قيل بأنه يقضي ويمشي مواضع الركوب فيحصل المشي في سفره إلى الحجّ
1) (*) تقدم الكلام عليه [في المسألة 3115 التعليقة 3].
والقول بالإعادة والمشي في موضع الركوب ضعيف لا وجه له.
بالتلفيق بين السنة الماضية واللّاحقة ، فلا يجب عليه المشي في تمام سفره في الحجّ الثاني. وفيه ما لا يخفى ، لعدم صدق الحجّ ماشياً على الملفّق.
ثمّ إنّ هنا رواية معتبرة وهي رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال : «سأله عباد بن عبد اللّه البصري عن رجل جعل لله عليه نذراً على نفسه المشي إلى بيت اللّه الحرام فمشى نصف الطريق أو أقل أو أكثر ، فقال : ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به» (1).
وربما يستفاد منها عدم وجوب الإتمام إذا مشى بعض الطريق ، ويتصدق بنفقة الحجّ من ذلك الموضع. وأُجيب عن ذلك بأن الرواية مهجورة لا مجال للعمل بها ، وقد ذكرنا مراراً وكراراً أن العبرة باعتبار الرواية ولا يضر هجرها ، والرواية معتبرة ورجال السند كلهم ثقات حتى عبد الرحمن بن حماد فإنه من رجال كامل الزيارات.
والصحيح أن يقال : إن الرواية لا تدل على ما قيل من عدم وجوب الإتمام وجواز الترك اختياراً والاكتفاء بالتصدق ، بل الظاهر منها أنها نظير الرواية التي دلت على وجوب صرف جَمله ونفقة حجّه وزاده في الإحجاج عن مالك هذه الأُمور إذا مات في بعض الطريق (2)، والفرق أن مورد تلك الرواية فيما له جمل ومورد روايتنا هذه ما لا جمل له ، وبالجملة : المستفاد من الرواية أنه لو مات الناذر في بعض الطريق يتصدق بنفقته ، ولا تدل على جواز ترك الحجّ اختياراً بمجرد المشي في بعض الطريق والتصدق بنفقة الحجّ ، ويدلُّ على ذلك قوله : «ينظر» فإنه ظاهر في أن المتصدق غير الناذر فالمراد أن الناذر مات وينظر شخص آخر في نفقته ، وإلّا لو كان المراد وجوب التصدق على نفس الناذر لقال : يتصدق بنفقته ، وعلى كل لا دلالة للرواية على مخالفة النذر في مورد السؤال.
[3140] مسألة 33 : لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره لتمكنه منه أو رجائه سقط ، وهل يبقى حينئذ وجوب الحجّ راكباً أو لا بل يسقط أيضاً؟ فيه أقوال : (1).
أحدها : وجوبه راكباً مع سياق بدنة. الثاني : وجوبه بلا سياق. الثالث : سقوطه إذا كان الحجّ مقيداً بسنة معينة أو كان مطلقاً مع اليأس عن التمكّن بعد ذلك ، وتوقع المكنة مع الإطلاق وعدم اليأس. الرابع : وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الإطلاق ، وتوقّع المكنة مع عدم اليأس. الخامس : وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الإحرام ، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين وتوقّع المكنة مع الإطلاق ، ومقتضى القاعدة وإن كان هو القول الثالث (1)إلّا أنّ الأقوى بملاحظة جملة من الأخبار هو القول الثاني بعد حمل ما في بعضها من الأمر بسياق الهدي على الاستحباب
(1) لو نذر المشي في الحجّ وكان عاجزاً عنه من الأوّل وغير متمكن منه فلا ينعقد لاعتبار القدرة في متعلقه ، وإن كان متمكناً من المشي حين النذر ثمّ طرأ العجز فلا ريب في سقوط المشي للعجز عنه ، وهل يبقى حينئذ وجوب الحجّ راكباً أم يسقط ذلك أيضاً؟ فيه أقوال خمسة مذكورة في المتن ، وذكر المصنف (قدس سره) أن مقتضى القاعدة هو القول الثالث ، ولكن مقتضى جملة من الأخبار هو القول الثاني ، فيقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة وأُخرى فيما تقتضيه الأخبار.
أمّا الأوّل : فمقتضى القاعدة هو القول الخامس مع زيادة فيه. بمعنى أنه إذا كان النذر مقيّداً بسنة معيّنة وطرأ العجز عن المشي قبل الإحرام يفسد النذر لعدم القدرة على متعلقه ، وإن كان مطلقاً ينتظر المكنة ، وإن طرأ العجز عن المشي بعد الإحرام يتمّ
1) (*) بل مقتضى القاعدة هو القول الخامر. لكن مع ذلك لا يحكم بالإجزاء إذا تمكّن بعد ذلك من الحجّ ماشياً إذا كان المنذور غير مقيّد بسنة معيّنة.
.................................................................................................
إحرامه راكباً ولا يجوز له رفع اليد عن الإحرام لوجوب إتمام الحجّ والعمرة كتاباً (1)وإجماعاً ، وقد ذكرنا أن النذر لا يوجب تقييداً في الأمر بالحجّ ، بل هنا أمران :
أحدهما : الأمر التوصلي الدال على الوفاء بالنذر.
ثانيهما : نفس الأمر الحجي ، وله أن يأتي بداعي الأمر الحجّي وإجزاؤه عن الأمر النذري المتعلّق بالحجّ ماشياً يحتاج إلى الدليل.
والحاصل : إذا كان النذر مقيّداً بسنة معيّنة وطرأ العجز بعد الإحرام يسقط الأمر النذري للعجز وإن وجب عليه إتمام الحجّ راكباً ، وإن كان مطلقاً يجب عليه الإتيان بالحج ثانياً مشياً في السنين اللّاحقة ، فالنذر سواء كان مقيّداً بسنة خاصّة أو كان مطلقاً يجب عليه إتمام الحجّ الذي شرع فيه ، ولا يكتفى به عن الحجّ النذري ، لأنّ الحجّ النذري كما عرفت إمّا يسقط وإمّا يجب إتيانه في العام القابل.
وأمّا الثاني : أعني ما تقتضيه الروايات فهي مختلفة.
منها : ما دلّ على وجوب الحجّ راكباً مع سياق بدنة أو الهدي كصحيح الحلبي (2): «رجل نذر أن يمشى إلى بيت اللّه وعجز عن المشي ، قال : فليركب وليسق بدنة فإن ذلك يجزئ عنه» وفي صحيح ذريح المحاربي «عن رجل حلف ليحجن ماشياً فعجز عن ذلك فلم يطقه ، قال : فليركب وليسق الهدي» (3).
ومنها : ما دلّ على وجوب الحجّ راكباً بلا سياق ولا هدي كصحيح رفاعة : «رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه ، قال : فليمش ، قلت : فإنه تعب ، قال : فليركب» (4)، ومنها : صحيح محمّد بن مسلم قال : «سألته عن رجل جعل عليه مشياً إلى بيت اللّه فلم يستطع ، قال : يحج راكباً» ، ومنها : صحيحه الآخر بمضمونه (5)، وأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن محمّد بن مسلم وسماعة وحفص وخبر محمّد بن
.................................................................................................
قيس (1)فكلّها ضعيفة ، وذلك لأنّ أحمد بن محمّد بن عيسى لا ريب في الفصل بينه وبينهم.
وكيف كان ، لا ريب في تعارض الطائفتين ، وذكر المصنف وغيره أن الجمع العرفي يقتضي حمل ما دل وجوب السياق على الاستحباب بقرينة السكوت عنه في صحيح رفاعة الذي هو في مقام البيان ، فإن السكوت في مقام البيان ظاهر في عدم الوجوب. وبعبارة اخرى : لا ريب في أن صحيح رفاعة ومحمّد بن مسلم يدلّان على عدم الوجوب فيعارض الصحيحين المتقدِّمين ومقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحين على الاستحباب.
وفيه : أن السكوت في مقام البيان وإن كان ظاهراً في عدم الوجوب إلّا أنه لا يزيد على الإطلاق اللفظي ، وهو لا ينافي التقييد بدليل آخر فكيف بالسكوت. وبالجملة : الظهور اللفظي بلغ ما بلغ من القوّة قابل للتقييد ، نظير قوله (عليه السلام) : «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال : الطعام والشراب ، والنساء ، والارتماس في الماء» (2)مع ورود التقييد على ذلك بسائر المفطرات ، فمقتضى القاعدة هو الالتزام بالتقييد والعمل بالصحيحين ولا إجماع على الخلاف.
هذا كلّه مع قطع النظر عن رواية عنبسة (3)، وأمّا بالنظر إليها فالقول الثاني هو الأقوى لظهور الرواية في الاستحباب وعدم وجوب السياق لقوله : «إني أُحب إن كنت موسراً أن تذبح بقرة» والرواية معتبرة لأن الشيخ رواها في كتاب النذر بطريق صحيح ، وعنبسة ثقة لكونه من رجال كامل الزيارات ، فلا بدّ من حمل الصحيحين على الاستحباب لصراحة الرواية في الاستحباب وجواز الترك.
ثمّ إنه لا فرق في ذلك بين عروض العجز عن المشي في الأثناء أو حدوثه من الأوّل ، ومن غير فرق بين أن يكون العجز قبل الدخول في الإحرام أو بعده ، ومن
.................................................................................................
غير فرق بين كون النذر مطلقاً أو مقيداً بسنة معيّنة وكان اليأس حاصلاً بالفعل لإطلاق النصوص.
وأمّا إذا لم يكن مأيوساً فسيأتي الكلام فيه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
فالمتحصل من روايات المقام أمران :
أحدهما : ما إذا كان متمكناً من المشي ثمّ طرأ العجز عنه في الأثناء أو حدث مانع آخر فإنه ينعقد نذره وينتقل الأمر إلى البدل وهو الحجّ راكباً ، وهذا هو القدر المتيقن من الروايات.
ثانيهما : من يرجو التمكن من المشي ويتوقع المكنة منه فمشى ثمّ انكشف الخلاف وظهر أنه كان عاجزاً من الأوّل فإن القاعدة تقتضي بطلان النذر ، لأن العبرة في انعقاده بالواقع وبالقدرة في ظرف العلم فإذا ظهر العجز في وقت العمل ينكشف بطلانه من الأوّل ، ولكن مقتضى إطلاق الروايات عدم البطلان وانتقال الواجب إلى البدل وهو الحجّ راكباً ، فلا موجب لاختصاص الروايات بالأوّل لا سيما مثل إطلاق صحيح الحلبي : «رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه وعجز عن المشي ، قال : فليركب» (1)، فإن الظاهر من قوله : «وعجز عن المشي» أنه مشى مقداراً ثمّ عجز عنه ولا أقل من الإطلاق ، فإنه يشمل مورد الرجاء وتوقع المكنة من المشي وكشف الخلاف وظهور العجز من الأوّل ولا يختص بالعجز الطارئ ، ولا مانع من التعبد بظاهر الروايات ولا موجب لرفع اليد عن ذلك ، نظير قضاء نذر الصوم المعيّن إذا صادف مانعاً من الموانع. نعم ، لو علم بالعجز من الأوّل ولم يكن راجياً أصلاً للتمكن من المشي فلا ريب في بطلان النذر ، لعدم إمكان الالتزام على نفسه بشيء غير مقدور ، فإن النذر هو الالتزام بشيء لله ولا بدّ أن يكون متعلقه مقدوراً أو متوقع القدرة ، وأما إذا كان غير مقدور بالمرّة فلا يصح الالتزام به.
ثمّ إنّ المصنف (رحمه اللّه) احتاط بالإعادة فيما إذا كان النذر مطلقاً ولم يكن مأيوساً من المكنة بل كان يرجو التمكن من المشي وكان ذلك قبل الشروع في الذهاب والسفر
1) الوسائل 11 : 86 / أبواب وجوب الحجّ ب 34 ح 3.
بقرينة السكوت عنه (1)في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان ، مضافاً إلى خبر عنبسة الدالّ على عدم وجوبه صريحاً فيه ، من غير فرق في ذلك بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده وقبل الدخول في الإحرام أو بعده ، ومن غير فرق أيضاً بين كون النذر مطلقاً أو مقيّداً بسنة مع توقع المكنة وعدمه ، وإن كان الأحوط (2)في صورة الإطلاق مع عدم اليأس من المكنة وكونه قبل الشروع في الذهاب الإعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك لاحتمال انصراف الأخبار عن هذه الصورة ، والأحوط إعمال قاعدة الميسور أيضاً بالمشي بمقدار المكنة ، بل لا يخلو عن قوّة للقاعدة (3). مضافاً إلى الخبر «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه حافياً ، قال (عليه السلام) : فليمش فإذا تعب فليركب» ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم يصل إلى حدّ العجز ، وفي مرسل حريز : «إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب».
ومع ذلك سافر راكباً ثمّ برأ وتمكن من المشي في السنة الآتية.
أقول : الاحتياط في محله ، بل لا مقتضي للإجزاء فيجب عليه الحجّ ماشياً في السنة التي تمكن منه ، لعدم شمول الروايات الدالّة على الإجزاء والانتقال إلى الحجّ راكباً لهذه الصورة وانصرافها عنها ، وذلك لأن موضوع الروايات هو العجز عن المشي وعدم الاستطاعة منه وهو غير حاصل في المقام ، لأنّ المنذور على الفرض مطلق وغير مقيّد بسنة معيّنة ، والمفروض أنه قد حصل له التمكّن في السنة الآتية ، ولم يكن اليأس عن المشي حاصلاً له في هذه السنة ، بل كان يرجو زوال العذر ويتوقع
.................................................................................................
المكنة من المشي فلا موجب للإجزاء أصلاً.
والحاصل : ما لم يتحقق الموضوع ولم يحرز موضوع سقوط الواجب لا مجال للإجزاء ، من دون فرق بين كون الرجاء حاصلاً قبل الشروع في السفر أو بعده ، ولذا ذكرنا في التعليقة أن الأظهر هو الإعادة.
نعم ، لو اعتقد أنّه غير قادر وأنه عاجز عن المشي أو قامت أمارة على ذلك فحج راكباً ثمّ انكشف الخلاف ، يبتني الإجزاء وعدمه على القاعدة المعروفة من أن الأمر الظاهري أو الخيالي يجزئ عن الأمر الواقعي أم لا؟ وقد حقق في محلّه عدم الإجزاء فإنه على خلاف الأصل ويحتاج إلى الدليل ، وموضوع الروايات الدالة على الإجزاء إنما هو العجز لا خياله.
وببيان آخر : أنّ الذي يظهر من الروايات إجزاء الحجّ الذي أتى به راكباً عن الحجّ المنذور مشياً ، لأن الظاهر منها كونها في مقام بيان الامتثال وكيفيته وأنه كيف يفي بنذره بعد حصول العجز ، فإن قوله (عليه السلام) : «فليمش فإذا تعب فليركب» ظاهره أنه مشى مقداراً ثمّ تعب فأمره بالركوب ، فالأمر بالركوب ليس عملاً مستقلا بل هو بيان لكيفية الامتثال والاجتزاء بما أتى به ، وليس المراد أنه يتمّ عمله هذا ثمّ يأتي بالحج ماشياً في السنة اللاحقة ، وأوضح من ذلك قوله (عليه السلام) في معتبرة عنبسة : «فبلغ جهده» أو «فبلغ فيه مجهوده فلا شيء عليه» فإن الظاهر من ذلك أن المكلّف أعمل قدرته وجهده وأتى بالمشي بمقدار إمكانه وجهده ولكنه شق عليه إتمامه فأمره (عليه السلام) بالاقتصار على ما فعله والاجتزاء به ، فيظهر من ذلك كله أنه لو طرأ العجز بعد الشروع في السفر يجزئ عمله وإن كان يرجو الزوال ، وأما لو طرأ العجز قبل الشروع في السفر في صورة الإطلاق وكان عدم اليأس حاصلاً قبل الشروع في الذهاب فالروايتان منصرفتان عن هذه الصورة ولا تشملانها وإنما تشملان ما إذا مشى وعجز عن المشي. فالصحيح ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من التفصيل.
.................................................................................................
فرع : لو تمكن من المشي بمقدار فهل يجب عليه ذلك أم يسقط المشي بالمرّة؟ وجهان ، اختار المصنف الأوّل لوجهين :
أحدهما : قاعدة الميسور.
ثانيهما : النص وهو خبر رفاعة (1)ومرسل حريز (2).
أقول : أمّا قاعدة الميسور فقد ذكرنا كراراً ومراراً أنها مخدوشة كبرى وصغرى ومقتضى القاعدة هو سقوط المشي بالمرّة والانتقال إلى الركوب ، كما يقتضيه صحيح الحلبي المتقدِّم (3)، وأما الخبر الذي استدل به فهو خبر رفاعة الذي ذكره صاحب الوسائل تارة عن سماعة وحفص في باب الحجّ ، وذكر المعلّق على الوسائل أنه رفاعة بدل سماعة إلّا أن الخبر ضعيف للفصل بين أحمد بن محمّد بن عيسى ورفاعة ، وأُخرى في باب النذر بسند صحيح عن رفاعة وحفص (4)«عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه حافياً ، قال : فليمش فإذا تعب فليركب» ، وكل من الخبرين لا يفيده ، لأنّ موردهما الحفاء وقد تقدم الكلام في نذر الحفاء ، وأما خبر حريز فضعيف لإرساله.
فالأولى أن يستدل بصحيحة أُخرى لرفاعة لم يذكر فيها الحفاء قال «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه قال : فليمش ، قلت : فإنه تعب قال : فإذا تعب ركب» (5)وبمعتبرة عنبسة المتقدِّمة.
ثمّ إنه يستفاد من النص كفاية الحرج والمشقة في الانتقال إلى الركوب ، لأن التعبير بالتعب في صحيح رفاعة والجهد في معتبرة عنبسة ظاهر في كفاية المشقة فلا يختص الانتقال إلى الركوب بمورد العجز عن المشي.
[3141] مسألة 34 : إذا نذر الحجّ ماشياً فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي من مرض أو خوف أو عدو أو نحو ذلك فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر أو لا ، لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان ، ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدوّ باختيار الأوّل في الأوّل والثاني في الثاني ، وإن كان الأحوط الإلحاق مطلقاً (1).
(1) الروايات الواردة في المقام مختلفة ، ففي بعضها ذكر عنوان التعب كما في صحيح رفاعة ، وهذا العنوان لا يشمل العدو في الطريق أو الحر أو البرد الشديدين ونحو ذلك من الموانع ، وذكر في بعضها الآخر عنوان العجز وعدم الاستطاعة كما في صحيح الحلبي وابن مسلم المتقدِّمين ، وهذا العنوان يشمل عدم التمكّن من المشي من أي سبب كان ، سواء كان لضعف في بدنه أو كسر أو جرح أو وجع يمنعه من المشي وإن كان قويّاً في بدنه ولا يتعب من المشي في نفسه وإنما يعجز عنه الأسباب خارجية كالجرح والكسر ونحو ذلك ، للصدق العرفي في جميع هذه الموارد ، وكذا يشمل ما إذا لم يتمكن من المشي لوجود بحر أو نهر في الطريق لا يمكنه العبور منه أو وجود مانع آخر في الأرض كالشوك أو الحر الشديد بحيث يمنع من وضع قدمه على الأرض.
نعم ، لو فرض أن المرض لا يمنعه من المشي وإنما يبطؤ برؤه أو يحدث له مرض آخر بسبب المشي وإلّا فهو متمكن من المشي بالفعل ، وكذا لو لم يتمكّن من المشي لخوف العدو في الطريق ، فلا يصدق عنوان العجز أو التعب أو عدم الطاقة المأخوذ في النصوص على هذه الموارد ولا أقل من الشك في صدقه. نعم ، معتبرة عنبسة تشمل جميع هذه الموارد لقوله (عليه السلام) : «فبلغ جهده» فإنّ المستفاد من ذلك أنّ الميزان بلوغ هذا المقدار من الجهد فيشمل جميع الموانع عن المشي ، فنلتزم بسقوط وجوب المشي خاصّة وبقاء أصل وجوب الحجّ المنذور ، وبالجملة : لا مانع من شمول بعض الروايات الدالة على عدم سقوط الحجّ بالمرّة لجميع هذه الموارد.
.................................................................................................
بانتهاء بحثنا عن وجوب الحجّ وشرائطه والحجّ الواجب بالنذر نكون قد أكملنا طباعة الجزء الأوّل من كتاب معتمد العروة وسنبدأ بعونه تعالى في الجزء الثاني من البحث عن النيابة في الحجّ ، وإلى اللّه القدير أضرع أن يوفِّقني لطباعة بقية الأجزاء لإكمال هذا البحث القيِّم ، ومن اللّه أسأل أن يديم ظلّ سيِّدنا الأُستاذ الإمام الخوئي متّعنا بطول بقائه الشريف لمواصلة تدريسه لبقية البحوث الفقهية ، إنّه سميع مجيب وصلّى اللّه على سيِّدنا ونبيِّنا محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.
رضا الموسوي الخلخالي
20 ربيع الأوّل سنة 1405 ه
فهرس الموضوعات
الموضوع / الصفحة
الحجّ
وجوب الحجّ... 3 - 14
دليل وجوب الحجّ... 3
ضروريّة وجوب الحجّ وكفر منكره... 3
فوريّة وجوب الحجّ... 9
التخيير في اختيار الرّفقة... 11
شروط وجوب الحجّ... 15 - 239
اشتراط البلوغ والعقل في الحجّ... 15
عدم إجزاء حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام... 16
استحباب الحجّ للصبي وإن لم يأذن الولي... 18
الكلام في اشتراط استئذان الولي في الحجّ المندوب... 19
استحباب إحجاج الصّبي والصّبية... 22
كيفيّة احجاج الصّبي... 23
عدم اختصاص احجاج الصّبي بالولي الشّرعي... 25
تحمّل الولي نفقة حجّ الصّبي الزّائدة على الحضر... 26
الكلام في من يتحمّل هدي الصّبي وكفاراته... 27
إجزاء حجّ الصّبي إذا أدرك المشعر بالغاً... 31
إجزاء حجّ المجنون إذا أدرك المشعر عاقلاً... 35
حكم حجّ الصّبي إذا بلغ الإحرام وقبل الأعمال... 36
اشتراط وجوب الحجّ الحرّيّة... 37
إجزاء حجّ العبد عن حجّة الإسلام إذا أدرك المشعر معتقاً... 39
صور رجوع المولى عن إذنه في حجّ العبد... 43
تخيير المولى بين الذبح عن العبد وبين أمره بالصوم... 47
الأقوال في من يتحمّل كفارة العبد... 49
إذا أفسد العبد حجّه... 53
عدم الفرق بين أقسام العبيد في أحكام الحجّ... 57
اعتبار الاستطاعة الماليّة في وجوب الحجّ... 59
الكلام في اعتبار وجود الرّاحلة في الاستطاعة... 60
عدم الفرق بين القريب والبعيد عن مكّة في اعتبار الرّاحلة... 65
المراد بالزاد المعتبر في الاستطاعة... 67
اختلاف الأصحاب في ملاحظة الضيعة والشّرف في اعتبار الرّاحلة... 68
عدم وجوب الحجّ على الكسوب الفاقد للزاد فعلاً... 70
اعتبار الاستطاعة من مكانه لا من بلده... 71
اعتبار نفقة العود في الاستطاعة... 74
مستثنيات الاستطاعة... 76
التزاحم بين النّكاح والحجّ... 84
الاقتراض للحج... 88
التزاحم بين الحجّ وأداء الدّين... 89
عدم وجوب الحجّ على من عليه الزّكاة أو الخمس... 97
عدم وجوب الفحص عند الشكّ في الاستطاعة... 99
الشكّ في بقاء الاستطاعة إلى زمان العود... 101
تعجيز النّفس عن الاستطاعة... 102
حصول الاستطاعة بالمال الغائب... 106
إذا كان مستطيعاً مع جهله بالاستطاعة... 106
حكم الحجّ ندباً باعتقاد عدم الاستطاعة... 108
حصول الاستطاعة بالملكيّة المتزلزلة... 110
اشتراط بقاء المال إلى تمام الأعمال... 112
عدم اعتبار ملكيّة الزّاد والرّاحلة... 113
حصول الاستطاعة بالوصيّة التمليكيّة... 115
تزاحم الحجّ البذليّة... 125
عدم منع الدّين عن الاستطاعة البذليّة... 131
عدم اشتراط الرّجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذليّة... 132
حكم هبة المال للحج... 133
حصول الاستطاعة بالزّكاة والخمس... 134
إجزاء الحجّ البذلي عن حجّة الإسلام... 139
حكم رجوع الباذل للحج... 141
حكم البذل لواحد لا بعينه... 144
الكلام في أنّ ثمن الهدي والكفارات على الباذل أو المبذول له... 145
إذا بذل له المال وخيّره بين الحجّ وزيارة الحسين (عليه السلام)... 149
إذا سرق المال المبذول للحجّ في أثناء الطّريق... 149
إذا رجع الباذل عن بذله في الأثناء وتمكّن المبذول له من الاتمام من مال نفسه... 149
عدم الفرق في الباذل بين كونه واحداً أو متعدّداً... 150
إذا قال إقترض وحجّ وعليّ دينك فهل يجب عليه الحجّ... 152
إذا انكشف بعد الحجّ كون المبذول مغصوباً... 152
حصول الاستطاعة بإجارة نفسه للخدمة في طريق الحجّ... 154
عدم وجوب القبول إذا طُلب منه إجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً... 155
تقدّم الحجّ النّيابي إذا استؤجر للحجّ وصار مستطيعاً بمال الإجارة... 157
عدم إجزاء حجّ المتسكِّع والنائب والمتبرِّع عن الغير عن حجّة الإسلام... 157
اشتراط ما يمون به عياله في الاستطاعة... 159
اشتراط الرّجوع إلى الكفاية في الاستطاعة... 160
الحجّ من مال الولد... 163
عدم وجوب صرف الشخص خصوص ماله في الحجّ إذا كان مستطيعاً... 167
اشتراط الاستطاعة البدنيّة في وجوب الحجّ... 168
اشتراط الاستطاعة الزّمانيّة في وجوب الحجّ... 169
اشتراط الاستطاعة السِّربيّة في الحجّ... 170
عدم وجوب الحجّ مع استلزامه تلف المال أو ترك واجب... 172
إذا اعتقد كونه بالغاً أو حُرّاً فحجّ ثمّ انكشف الخلاف... 174
إذا اعتقد كونه غير بالغ أو عبداً فحجّ ثمّ انكشف الخلاف... 174
إذا ترك الحجّ باعتقاد الصغر أو الرقيّة فبان بالغاً أو حرّاً... 174
عدم الإجزاء عن حجّة الإسلام إذا حجّ باعتقاد الاستطاعة ولم يكن مستطيعاً... 176
حكم الحجّ مع اعتقاد عدم الضّرر وعدم الحرج وبالعكس... 176
حكم ترك الحجّ مع اعتقاد وجود المانع فبان الخلاف... 178
حكم حجّ المتسكِّع وكذا من حجّ مع فقد بعض الشّروط... 181
صحّة الحجّ إذا استلزم ترك واجب أو فعل حرام... 186
حكم توقّف الحجّ على بذل مال للعدو... 188
حكم توقّف الحجّ على قتال العدو... 189
انحصار طريق الحجّ في البحر... 190
حكم الحجّ مع تعلّق الخمس أو الزّكاة بأمواله... 191
وجوب الاستنابة على الحيّ العاجز عن المباشرة... 192
الكلام في اختصاص وجوب الاستنابة على الحيّ باليأس عن البُرء... 197
إذا استناب الحيّ ثمّ برأ فهل يجب عليه الحجّ المباشري؟... 198
إذا تعذرت الاستنابة على الحيّ فمات فهل يقضى عنه؟... 201
هل يختص وجوب الاستنابة على الحيّ العاجز بحجّ الإسلام أو يعمّ الحجّ النّذري والإفسادي؟ 203
الموت في أثناء الحجّ... 204
وجوب الحجّ على الكافر... 211
حجّ المخالف... 219
حجّ الزّوجة والكلام في توقّفه على إذن الزّوج... 222
المطلّقة رجعيّة كالزوجة في اشتراط إذن الزّوج... 224
الخلاف فيما يتحقّق به استقرار الحجّ... 232
قضاء الحجّ عن الميّت... 239 - 293
خروج الحجّ عن أصل التركة مع عدم الوصيّة بإخراجه من الثّلث... 239
حكم الوصيّة بإخراج الحجّ من الثّلث مع عدم وفائه به... 240
خروج الحجّ النذر من أصل التركة... 242
إذا اجتمع على الميت الحجّ والدّين فأيّهما يقدّم مع قصور التركة؟... 243
إذا لم تفِ التركة إلّا للحج أو العمرة فأيّهما يقدّم؟... 246
حكم تصرّف الورثة في التركة قبل الاستئجار للحجّ... 249
حكم اعتراف بعض الورثة بدين على الميت... 251
حكم اعتراف بعض الورثة بالحجّ على الميِّت... 252
حكم اعتراف بعض الورثة بالنّسب... 254
حكم عدم وفاء التركة بالحجّ... 255
إذا تبرّع بالحجّ عن الميّت متبرِّع... 257
الكلام في وجوب الاستنابة من البلد أو الميقات... 258
إذا أُوصي بالحجّ البلدي فخولف... 263
المراد من البلد الّذي يحجّ منه... 264
إذا لم يمكن الاستئجار من الميقات... 266
إذا لم تفِ التركة بالاستئجار في سنة الموت... 268
ضمان الوصي أو الوارث إذا أهملوا الاستئجار وتلفت التركة... 269
حكم اختلاف الميت والوارث في التقليد... 271
لزوم استئجار الأقل أُجرة أو الأنسب لحال الميت شرفاً ورفعة... 274
هل يجب القضاء عن الميت الّذي شُكّ في أدائه للحجّ... 276
إذا لم يكن للميت تركة وكان عليه الحجّ... 279
حكم من ترك الحجّ المستقر عليه وحجّ تطوّعاً أو عن غيره... 279
فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين... 294 - 367
الكلام في انعقاد نذر الكافر الحجّ... 294
اعتبار إذن الوالد والزّوج والمولى في انعقاد يمين الولد والزّوجة والمملوك... 297
الكلام في اعتبار إذن الوالد والزّوج والمولى في انعقاد نذر الولد والزّوجة والمملوك 303
نذر الحجّ من مكان معيّن... 317
لو نذر الحجّ ولم يقيّده بزمان فهل يجوز تأخيره؟... 321
الكلام في قضاء الحجّ المنذور... 325
إذا نذر الحجّ معلّقاً على أمر ومات قبل تحقّق الأمر... 332
نذر الإحجاج الغير... 334
عدم اعتبار الاستطاعة الشرعيّة في الحجّ المنذور... 340
لو نذر حجّاً غير حجّة الإسلام في عام الاستطاعة... 342
إذا نذر الحجّ ثمّ استطاع... 343
إذا نذر الحجّ من غير تقييد وكان مستطيعاً فهل يتداخلان؟... 347
التزاحم بين الحجّ النذري وبين حجّة الإسلام... 350
إذا نذر الحجّ أو الاحجاج... 352
إذا نذر أن يحجّ أو يزور الحسين (عليه السلام) ثمّ مات... 357
العلم الإجمالي باشتغال ذمّة الميت بحجّة الإسلام أو النذر... 358
فروع نذر الحجّ ماشياً أو حافياً أو راكباً... 360
الصورة
الصورة
الصورة