موسوعة الإمام الخوئی جلد 24

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروة‌الوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1421 ه.ق

ISBN (ردمك): 469-6337-11-X

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الزكاة

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الرابع والعشرون

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

X - 11 - 6337 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّی اللّه على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين الغرّ الميامين.

فصل [في أصناف المستحقّين للزّكاة]

اشارة

أصناف المستحقّين للزّكاة ومصارفها ثمانية :

الأوّل والثاني : الفقير والمسكين (1) ،


(1) المعروف والمشهور أنّ مصارف الزكاة أصناف ثمانية ، وهي العناوين الخاصّة المذكورة في الآية المباركة ، قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (1).

ولكن المحقّق في الشرائع عدّها سبعة بجعل الفقير والمسكين صنفاً واحدا (2).

ولكن الظاهر أنّهما صنفان والمفهومان متغايران وإن انطبقا على موضوع واحد واجتمعا في مورد واحد ، فإنّ الفقر بمفهومه العامّ هو الاحتياج والفقير هو المحتاج ، قال تعالى ( يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ ) (3)،


1) التوبة 9 : 60.

2) الشرائع 1 : 188.

3) فاطر 35 : 15.

.................................................................................................


فإنّ البشر بل كلّ ممكن فهو في جميع شؤونه من معاشه ومعاده وحركاته وسكناته بل حتّى في وجوده فقيرٍ ، أي محتاج إلى اللّه تعالى.

ولكن كثيراً ما يستعمل في صنف خاصّ من الاحتياج ، وهو الاحتياج من حيث المال ، فيقال : زيد فقير ، أي محتاج إلى المال ، قال تعالى ( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) (1)، وقال تعالى ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّهُ أَوْلى بِهِما ) (2).

ولا يعتبر في هذا الاستعمال عدم السؤال جزماً وإن ورد ذلك في الصحيحتين الآتيتين وستعرف الحال فيهما فإنّ الإطلاق العرفي صادق حتّى مع السؤال بالضرورة ، كيف؟! وقد أُطلق الفقير على البائس الذي هو أسوأ حالاً من المسكين فضلاً عن الفقير في الذكر الحكيم ، قال تعالى ( وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) (3).

فلا يعتبر في مفهوم الفقر عدم السؤال وإن جعل ذلك فارقاً بينه وبين المسكين في النصّ المشار إليه واختصّ المسكين بمن يسأل ، لصحّة الإطلاق حتّى في مورد السؤال بلا إشكال كما عرفت.

وأمّا المسكنة فهي مطلق الذلّة ، قال تعالى ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) (4)، في قبال العزّة ، فإنّ اليهود كانوا مطرودين أذلّاء وإن كانوا أغنياء ، فالمسكين هو الذليل والضعيف ، قال تعالى ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) (5)أي لضعفاء أذلّاء ، ولم يعلم أنّهم كانوا فقراء.


1) النِّساء 4 : 6.

2) النِّساء 4 : 135.

3) الحج 22 : 28.

4) البقرة 2 : 61.

5) الكهف 18 : 79.

.................................................................................................


نعم ، يطلق المسكين على الفقير أيضاً باعتبار أنّ من لا مال له فهو ذليل حقير عند أبناء الدُّنيا ، ومن ثمّ كان يشقّ على جبابرة قريش الخضوع والإيمان برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، لكونه (صلّى اللّه عليه وآله) ذليلاً في نظرهم ، لمكان فقره (صلّى اللّه عليه وآله) ، كما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (1).

ولا يعتبر في هذا الاستعمال أيضاً السؤال وإن اختصّ به في الصحيحتين الآتيتين ، لصدق المسكين عرفاً على مطلق الفقير وإن لم يكن سائلاً كما أُطلق عليه في الكتاب العزيز ، كقوله تعالى ( عَشَرَةِ مَساكِينَ ) ، ( فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) إلى غير ذلك ممّا هو كثير جدّاً ، فإنّ إطعام المسكين في باب الكفّارات لا يختصّ بالسائل قطعاً ، بل لعلّ غير السائل الذي يظهر مناعة الطبع أولى من غيره كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ الفقر هو الاحتياج إمّا مطلقاً أو في خصوص المال ، والمسكنة هي الذلّة ، فالفقير والمسكين متغايران مفهوماً وإن صدقا على موضوع واحد بالاعتبارين.

وأمّا بحسب الروايات فقد فرّق بينهما في صحيح ابن مسلم بالسؤال وعدمه عن أحدهما (عليهما السلام) : أنّه سأله عن الفقير والمسكين «فقال : الفقير : الذي لا يسأل ، والمسكين : الذي هو أجهد منه ، الذي يسأل» (2).

لكن لا ينبغي التأمّل في عدم كونه (عليه السلام) بصدد بيان المفهوم من اللفظ لغةً أو عرفاً ليكون منافياً مع ما قدّمناه ، بل لم نعهد حتّى رواية واحدة


1) الزخرف 43 : 31.

2) الوسائل 9 : 210 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 2.

.................................................................................................


تكون واردة لبيان شرح اللفظ وبيان مفهومه اللغوي أو العرفي ، لخروج ذلك كلّه عن شأنه ومنصبه الساميين. فالصحيحة واردة لا محالة لبيان المراد من هاتين الكلمتين الواقعتين في الآية المباركة أعني قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) فهي تفسير للآية لا بيان لمفهوم اللفظ بما هو ، ولا ضير في ذلك ، فيلتزم بأنّ مصرف الزكاة هو مطلق من لا مال له سأل أم لم يسأل ، فأُريد من المسكين الأوّل ، ومن الفقير الثاني.

وأوضح حالاً صحيحة أبي بصير التي صرّح فيها بيان المراد من الآية ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قول اللّه عزّ وجلّ ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) «قال : الفقير : الذي لا يسأل الناس ، والمسكين : أجهد منه ، والبائس : أجهدهم» (1).

وأمّا سند هذه الرواية فالظاهر أنّها صحيحة كما وصفناها ، فإنّ المراد بأحمد ابن محمّد هو ابن عيسى لا ابن خالد ، وإلّا لقال : عن أبيه ، بدل قوله : عن محمد ابن خالد. نعم ، في بعض النسخ : عن أبيه ، وكيفما كان فهو ثقة على كلّ حال.

وأمّا عبد اللّه بن يحيى فهو مجهول ، غير أنّ الميرزا حاول لإثبات أنّه الكاهلي الذي هو ثقة (2)، ولكنّه لا يتمّ :

أمّا أوّلاً : فلأنّ الشيخ عنون كلّاً منهما مستقلا ، فذكر المطلق بعد المقيّد وترجمه في قباله وذكر طريقه إليه في قبال الطريق الذي ذكره إلى الأوّل (3)، المشتمل على وهب بن وهب ، فتعدّد الترجمة المعتضد بتعدّد الطريق برهان قاطع


1) الوسائل 9 : 210 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 3.

2) منهج المقال : 214.

3) الفهرست للشيخ : 102 / 441 و 105 / 461.

والثاني أسوأ حالاً من الأوّل (1).

والفقير الشرعي من لا يملك مؤنة السنة له ولعياله (2) ، والغني الشرعي بخلافه ، فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته وكفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة.


على تعدّد الرجل.

وثانياً : إنّ عبد اللّه بن يحيى الكاهلي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، والراوي عن عبد اللّه بن يحيى في هذه الرواية هو محمّد بن خالد البرقي ، وهو يستحيل عادةً أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة ، لاختلاف الطبقة ، فلا مناص من أن يُراد به شخص آخر ، وقد عرفت أنّه مجهول.

ولكن الذي يهوّن الخطب أنّ هذا السند بعينه موجود في تفسير علي بن إبراهيم ، وقد بنينا على وثاقة من يذكر في إسناد هذا التفسير كإسناد الكامل ما لم يعارَض بتضعيف آخر. وعليه ، فالرجل موثّق عندنا على أيّ حال ، سواء أُريد به الكاهلي أم غيره.

هذا ، ولا يترتّب أثر على تحقيق الفرق بين الفقير والمسكين إلّا بناءً على البسط في مصرف الزكاة ، وأمّا على القول بالعدم كما هو الأظهر فالبحث عنه قليل الجدوى.

(1) لبلوغ الفقر فيه مرتبة ألجأته إلى السؤال ، فكان أجهد من الفقير الذي لا يسأل ، لعدم بلوغه هذه المرتبة كما دلّت عليه الصحيحتان المتقدّمتان وعليه المشهور.

(2) كما هو المشهور ، بل لعلّه المتسالم عليه.

وكذا إذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤنته ، أو كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه وعياله وإن كان لسنة واحدة ، وأمّا إذا كان أقلّ من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها ، وعلى هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية ونقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ ، ولا يلزم أن يصبر إلى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده ، ففي كلّ وقت ليس عنده مقدار الكفاية المذكورة يجوز له الأخذ.

وكذا لا يجوز لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصل منهما مقدار مؤنته ، والأحوط عدم أخذ القادر (1)على الاكتساب إذا لم يفعل تكاسلا.


ونُسب إلى الشيخ وغيره أنّ المراد من الفقير مَن لم يملك أحد النصب الزكويّة أو ما يعادلها في القيمة (2)، فمن كان مالكاً لهذه الكمّيّة من الماليّة عيناً أو قيمةً فهو غني شرعاً.

لكن النسبة غير محقّقة ، بل في الجواهر أنّه لم يعرف له قائل (3).

ونُسب إلى بعض آخر أنّ الفقير من لا يملك قوته وقوت عياله طيلة حياته لا خصوص السنة الواحدة ، فيعتبر في الغني القدرة على ما يكفيه دائماً ، فالأقوال في المسألة ثلاثة.

والصحيح ما عليه المشهور ، وتدلّ عليه طائفة من الروايات :


1) (*) بل الأظهر عدم جواز الأخذ.

2) نسبه صاحب مصباح الفقيه 13 : 484.

3) جواهر الكلام 15 : 296.

.................................................................................................


فمنها : صحيحة أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره» قلت : فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ «قال : زكاته صدقة على عياله ، ولا يأخذها إلّا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقلّ من سنة فهذا يأخذها ، ولا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة» (1).

قوله (عليه السلام) «صاحب السبعمائة» أي درهماً ، وقوله : تجب عليه الزكاة ، أي زكاة التجارة لا زكاة النقدين ، ضرورة أنّ من يملك سبعمائة درهماً وقد حال عليها الحول من غير أن يحتاج إليها حتّى تعلّق بها الزكاة الواجبة فهو غني متمكّن وليس بفقير قطعاً ، فلا يحتمل جواز دفع الزكاة إليه ليقع مورداً للسؤال ، على أنّ زكاة النقدين لا يتصدّق بها على العيال.

مضافاً إلى التصريح في ذيل الصحيح بأنّه : «لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة» ، فيختصّ أخذ الزكاة بصورة واحدة ، وهي التي أشار إليها بقوله (عليه السلام) : «إلّا أن يكون» إلخ ، وهي من لم يكن عنده شي‌ء عدا السبعمائة ولم تكن وافية بمصارف السنة بحيث لو اعتمد عليها لنفدت في أقلّ من السنة فيحل له حينئذ أخذ الزكاة.

فتدلّ بوضوح على أنّ الفقير الذي هو مصرف للزكاة يراد به من لم يكن مالكاً لمئونة السنة.

هذا ، ولكن دقيق النظر يقضي بخلاف ما ذكرناه ، فإنّ قوله (عليه السلام) في آخر الصحيحة «أن يأخذ الزكاة» غير موجود في الصدر أعني : الكافي -


1) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1 ، الكافي 3 : 560 / 1.

.................................................................................................


لا الطبعة القديمة ولا الحديثة ، وإنّما هو مذكور في الوسائل والحدائق (1)، وليس له معنى محصّل كما لا يخفى.

ثمّ إنّ قوله (عليه السلام) قبل ذلك : «وعنده ما تجب فيه الزكاة» لا يمكن الأخذ بظاهره ، إذ لا تختصّ عدم حلّيّة الزكاة للمحترف بمن كانت عنده عين زكويّة ، بل يحرم وإن كان عنده ما يعادلها في القيمة كما هو واضح.

والظاهر أنّ هذه الجملة كناية عن المال الاحتياطي المدّخر لعلاج العوارض الاتّفاقيّة ، فإنّ صاحب الحرفة كالبنّاء ونحوه إنّما يرتزق من حرفته لمصارفه اليوميّة ممّا يقوت به نفسه وعياله ، وأمّا الطوارئ الاتفاقيّة من علاج مرض أو زواج ولد أو إكرام ضيف أو شراء ملبس شتوي أو صيفي ونحو ذلك من المصارف الزائدة على المعيشة فلا تفي بها غالباً تلك الحرفة ، بل لا بدّ في سدّها من ادّخار مال احتياطي من عين زكويّة أو غيرها.

وعليه ، فإن كان للمحترف مثل هذا المال لا يحلّ له أخذ الزكاة ، وإلّا حلّ ومن ثمّ قيّده (عليه السلام) بقوله : «وعنده ما تجب».

وكيفما كان ، فالظاهر أنّ المراد بالزكاة في قول السائل : قلت : فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ هو زكاة النقدين الواجبة لا زكاة مال التجارة التي استظهرناها فيما تقدّم إذ لا يناسبها قوله (عليه السلام) قبل ذلك «إذا لم يجد غيره» ، ضرورة أنّ من عنده سبعمائة للتجارة فهو يوجد عنده غيرها بطبيعة الحال ولا أقلّ من ربحها ، فلا موقع لهذا التقييد بوجه ، فيريد السائل بذلك أنّ هذا الشخص قد بلغت دراهمه حدّ النصاب بل تجاوزت ، فهو إذن يجب عليه أن يدفع الزكاة فكيف يأخذها ، فأجاب بقوله (عليه السلام) «زكاته


1) الحدائق 12 : 159.

.................................................................................................


صدقة على عياله» الذي هو كناية عن عدم الوجوب ، نظير ما ورد من أنّ زكاة العلم إنفاقه.

والوجه في عدم الوجوب : أنّ مجرّد ملكيّة السبعمائة لا يستدعي الوجوب إلّا لدى استجماع سائر الشرائط التي منها إحالة الحول ، وهي غير مفروضة سيّما بعد أن لم يكن لديه شي‌ء وراء هذا المبلغ كما هو المفروض.

والذي يكشف عمّا ذكرناه من أنّ السبعمائة لا يراد بها مال التجارة موثّق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهماً» فقلت له : وكيف يكون هذا؟ «قال : إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعفُ عنها نفسه وليأخذها لعياله ، وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّه» (1).

إذ قد فرض في صاحب الخمسين أنّه محترف يعمل بها أي معدّ للتجارة وبقرينة المقابلة يعلم أنّ السبعمائة غير معدّ لها وإنّما هي مجموع ما يملكه الرجل بحيث لو قسّم على عائلته كانت حصّة كلّ واحد خمسين أو مائة ونحو ذلك ممّا لا يفي بمئونة السنة أبداً ، ولم تكن في البين حرفة لتكون ملكيّة بالقوّة ، ولأجله ساغ أخذ الزكاة وإن كان الأولى أن يعفُ نفسه ويأخذها لعياله.

وكيفما كان ، فهذه الصحيحة كالروايتين المتقدّمتين ظاهرتان في مسلك المشهور حسبما عرفت.

ومنها : موثّقة سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الزكاة ، هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ «فقال : نعم ، إلّا أن تكون داره دار غلّة فخرج


1) الوسائل 9 : 239 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2.

.................................................................................................


له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله ، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة ، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا» (1).

فإنّ المراد بدار الغلّة : الدار المعدّة للإيجار والانتفاع بوجه الإجارة ، الذي هو كغلّة لها في قبال دار السكنى ، ومن البديهي أنّ التعارف الخارجي قد استقرّ على إيجار الدور سنويّاً ، بل لم يتداول الأقلّ من ذلك إلّا في الأزمنة المتأخّرة الحديثة ، حيث يستأجر شهريّاً ، بل ربّما اسبوعيّاً كما في بعض بلاد الخارج ، فيكون مفاد الموثّق : أنّ من له دار ينتفع من إيجاره السنوي ما يكفيه فهو غني شرعاً لا تحلّ له الزكاة ، فتلاحظ غلّة كلّ سنة بالإضافة إلى مصارف تلك السنة ، فغلّة السنة الأُولى للسنة الأُولى والثانية للثانية وهكذا ، فإن كفت لم تحلّ وإلّا حلّت.

وبالجملة : فيستفاد اعتبار السنة من التعبير بالغلّة بالقرينة المتقدّمة.

بل يمكن استفادة ذلك من قوله (عليه السلام) «ما يكفيه» ، فإنّ ملك الكفاية لا يراد به عرفاً سيّما في القرى وبعض البلاد إلّا ما يكفيه لسنة واحدة ، فلا يقال لمن يملك قوت ستّة أشهر : إنّ عنده ما يكفيه. وعلى هذا الأساس اعتبرنا الزيادة على مئونة السنة في تعلّق الخمس ، وإلّا فلم يرد في شي‌ء من نصوصه التعبير بالسنة ، بل اقتصر على استثناء المئونة فقط ، فلاحظ.

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها ، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة ، أو يأخذ الزكاة؟ «قال : لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ، ويأخذ البقيّة


1) الوسائل 9 : 235 / أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1.

.................................................................................................


من الزكاة ، ويتصرّف بهذه لا ينفقها» (1).

فإنّ المراد بالنفقة مئونة السنة لا الأقل منها بالتقريب المتقدّم.

فيظهر من هذه الروايات الثلاث المعتبرة أنّ الفقير الشرعي هو من لم يملك مئونة سنته فعلاً أو قوّةً ، فيحلّ لمثله تكميل مئونته من الزكاة.

ويؤيّد ذلك بروايتين :

إحديهما : ما رواه في العلل بإسناده عن علي بن إسماعيل الدغشي ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن السائل وعنده قوت يوم ، أيحلّ له أن يسأل؟ وإن اعطي شيئاً من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ «قال : يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة ، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة» (2).

هكذا في الوسائل ، وفي بعض نسخ العلل : «ما يكفيه لستّة أشهر» بدل قوله «لسنة» كما أشار إليه معلّق الوسائل. والأوّل أنسب كما لا يخفى.

وعليه ، فهي صريحة الدلالة في أنّ الاعتبار بمئونة السنة ، لقوله (عليه السلام) : «إنّما هي من سنة إلى سنة».

إلّا أنّها ضعيفة السند ، فلا تصلح إلّا للتأييد ، نظراً إلى جهالة الدغشي ، بل لم ينقل عنه في مجموع الكتب الأربعة ما عدا رواية واحدة في كتاب النكاح وأمّا هذه الرواية فهي مذكورة في العلل لا في تلك الكتب. وكيفما كان ، فالرجل مجهول لم يوثّق ، والرواية ضعيفة وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.

اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ الراوي عنه صفوان ، وهو من أصحاب الإجماع الذين


1) الوسائل 9 : 238 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

2) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 7 ، علل الشرائع : 371 / 1.

.................................................................................................


لا ينظر إلى من وقع بعدهم في السند. لكنّك عرفت غير مرّة في مطاوي هذا الشرح عدم استقامة هذه القاعدة وأنّه لا أساس لها ، فلا نعيد.

الثانية : ما رواه المفيد في المقنعة مرسلاً عن يونس بن عمّار ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة ، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة» (1).

والدلالة واضحة ، غير أنّ السند ضعيف بالإرسال ، فهي مؤيّدة للمطلوب.

وأمّا القول الثاني المنسوب إلى الشيخ وغيره من أنّ العبرة بملك أحد النصب الزكويّة عيناً أو قيمة ، فيستدلّ له بما ورد في غير واحد من رواياتنا من أنّ اللّه تعالى جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم ، أو أنّه تعالى أشرك الفقراء في أموال الأغنياء ونحو ذلك ممّا تضمّن تعلّق الزكاة في أموال الأغنياء ، الكاشف عن أنّ الغني هو من يملك أحد النصب الزكويّة.

وقد ورد هذا المضمون من طرق العامّة أيضاً ، حيث قال (صلّى اللّه عليه وآله) حينما بعث معاذاً إلى اليمن : «أعلمهم أنّ اللّه تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وهي وإن كانت ضعيفة السند لكن مضمونها موجود في رواياتنا كما عرفت.

وفيه أوّلاً : أنّ هذا أخصّ من المدّعى ، إذ لو تمّ فمفاده اعتبار ملكيّة العين الزكويّة بشخصها لا ولو ما يعادلها من القيمة كما هو المدّعى.

وثانياً : إنّ جعل المناط في الفقر والغنى ملك النصاب وعدمه ممّا لا يساعده الصدق العرفي ولا الشرعي ، كيف؟! ولازمه أنّ من لا يملك شيئاً من الأعين الزكويّة إلّا أنّه يملك الأُلوف من الدور والعقارات والبساتين ونحوها فقيرٌ تصل


1) الوسائل 9 : 234 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 10.

.................................................................................................


إليه الزكاة ، وأمّا من ملك أربعين شاة أو خمسة أوسق من الشعير ونحو ذلك ممّا لا يفي إلّا بقوت أيّام قلائل من سنته غنيٌّ لا تحلّ له الزكاة ، وهذا كما ترى مقطوع الفساد ولا يساعده شي‌ء من الروايات كما لا يتفوّه به فقيه جزماً.

والذي يهوّن الخطب أنّ الروايات المشار إليها لا إشعار لها في ذلك فضلاً عن الدلالة ، لعدم كونها بصدد شرح مفهوم الغني عرفاً أو شرعاً بوجه ، بل هي بصدد بيان وجوب أداء الزكاة التي لا تتعلّق غالباً إلّا بالأغنياء ، لا أنّ كلّ من وجبت عليه الزكاة فهو غني.

وبعبارة اخرى : مفاد تلك النصوص أنّ الغني تجب عليه الزكاة لا أنّ من تجب عليه الزكاة غني ليدور صدق الغنى والفقر مدار ملك النصاب وعدمه كما هو واضح جدّاً ، فهذا القول ساقط ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.

وأمّا القول الثالث من اعتبار القدرة على الكفاية مستمرّاً وما دام الحياة ، فعلى تقدير أن يكون له قائل لم يكن عليه وجه ظاهر ، بل لعلّه مخالف للوجدان والضرورة ، فإنّ كثيراً من المثرين تزول ثروتهم ويعرضهم الفقر وبالعكس ، أفهل يكشف الفقر الطارئ عدم الغنى سابقاً بحيث ينكشف استحقاقه للزكاة آن ذاك واقعاً لمجرّد انكشاف عدم القدرة على المئونة مستمرّاً؟ ليس الأمر كذلك قطعاً بل العبرة في الفقر والثروة بالقدرة على المئونة لسنة واحدة له ولعياله فعلاً أو قوّةً كما عليه المشهور حسبما عرفت.

وتفصيل الكلام في المقام : أنّ الإنسان قد لا يملك شيئاً أصلاً ما عدا قوت يومه ، وهذا لا إشكال في جواز أخذه من الزكاة بمقدار مئونة السنة كما هو ظاهر.

وأُخرى : يكون له مال آخر من جنس أو نقد ، ولا إشكال أيضاً في جواز تتميمه من الزكاة إن لم يكن وافياً لمئونة السنة ، وإلّا فهو غني شرعاً لا يجوز

.................................................................................................


الأخذ منها ، كما دلّت عليها صحيحة أبي بصير المتقدّمة.

نعم ، لو كانت عنده مئونة سنة واحدة وبعد صرف مقدار منها ولو خلال أيّام قلائل نقصت بحيث لم يبق لديه فعلاً ما يكفيه لسنته ، جاز له الأخذ حينئذٍ ، ولا يلزم الصبر إلى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده ، وذلك لانقلاب الموضوع وتبدّل الغنى بالفقر بعد الصرف المزبور.

وثالثةً : يكون له مالٌ أعدّه للاستفادة من منافعه من غير أن يكون معدّاً للتجارة كما لو كانت له شياه يستفيد من ألبانها وأصوافها أو دار ينتفع من غلّتها ، والعبرة عندئذٍ بالنظر في ذاك الربح وتلك المنفعة ، فإن كانت وافية بالمئونة لا تحلّ له الزكاة ، وإلّا حلّ التتميم منها ، كما نطقت به موثقة سماعة المتقدّمة ، فإنّ موردها وإن كان هو الدار المعدّ للإيجار والانتفاع من غلّتها إلّا أنّه لا خصوصيّة لها بمقتضى الفهم العرفي قطعاً ، فيعمّ غيرها من دكّان أو عقار أو خان ونحو ذلك ممّا يتحفّظ على عينه وينتفع من ربحه.

نعم ، قد يتوهّم معارضة الموثّقة بما رواه الصدوق بإسناده عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير ، إله أن يأخذ من الزكاة؟ «فقال (عليه السلام) : يا أبا محمّد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل؟» قال : نعم «قال : كم يفضل؟» قال : لا أدري «قال (عليه السلام) : إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة ، وإن كان أقلّ من نصف الوقت أخذ الزكاة» (1).

حيث يظهر منها أنّ الربح وإن كان وافياً بالقوت لا يمنع من أخذ الزكاة إلّا إذا كان مشتملاً على فضل وزيادة بمقدار نصف القوت ، فينافي موثّقة سماعة المتقدّمة التي جعل فيها المعيار بكفاية غلّة الدار وعدمها من غير مراعاة الفضل.


1) الوسائل 9 : 232 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 4 ، الفقيه 2 : 18 / 58.

.................................................................................................


ويندفع أوّلاً : بضعف السند ، فإنّ في طريق الصدوق إلى أبي بصير علي بن أبي حمزة البطائني الضعيف الكذّاب الذي أكل مال الإمام (عليه السلام) كما تقدّم مراراً.

وثانياً : مع الغضّ عن السند فلا تنافي بينهما ، إذ المذكور فيها القوت أي ما يتقوّت به الإنسان المنصرف إلى مأكله ومشربه فقط ، دون سائر حوائجه ولوازمه من علاج مرض أو إكرام ضيف أو شراء ملبس ونحو ذلك من المصاريف المتفرّقة الزائدة على الأكل والشرب التي قدّرها (عليه السلام) بنصف القوت فيعادل القوت ونصفه مع المئونة المذكورة في الموثقة ، التي هي ملحوظة طبعاً مع هذه المصاريف.

وبالجملة : لم تذكر في رواية أبي بصير المئونة وزيادة لتعارض الموثّق ، بل القوت وزيادة ، والقوت منصرف إلى الطعام الذي هو أخصّ من المئونة ، فلا تنافي بينهما بوجه.

ويؤيّد الموثّق رواية إسماعيل بن عبد العزيز المصرّحة بجواز أخذ الزكاة وعدم بيع الدار ولا الغلام ولا الجمل وهو معيشته وقوته (1).

لكن السند ضعيف ، لعدم وثاقة الرجل ، فلا تصلح إلا للتأييد.

ورابعةً : يكون له مال معدّ للتجارة فتتبدّل العين بعين اخرى المعاوض عليها ولا تبقى محفوظة عنده كما كان كذلك في الفرض السابق ولا ريب حينئذٍ في عدم جواز أخذ الزكاة إذا كان الربح وافياً بالمئونة ، كما لا ريب في الجواز إذا لم يكن وافياً ولو بضميمة الأصل.

وإنّما الكلام فيما إذا كان رأس المال بمجرّده وافياً بالمئونة ولم يكن الربح كافياً ،


1) الوسائل 9 : 236 / أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 3.

.................................................................................................


فهل يعدّ مثل هذا فقيراً يحلّ له أخذ الزكاة ، أم لا؟

نُسب إلى الشيخ وجماعة الأوّل (1)، وهو الصحيحة.

وتدلّنا عليه صحيحة معاوية بن وهب ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها ، أيكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟ «قال (عليه السلام) : لا ، بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ، ويأخذ البقيّة من الزكاة ، ويتصرّف بهذه لا ينفقها» (2).

والاستدلال بها من وجهين :

الأوّل : ترك الاستفصال عن أنّ رأس المال وهو الثلاثمائة أو الأربعمائة درهماً هل يكون وافياً بمئونة السنة أم لا ، فإنّ ذلك يدلّ على إطلاق الحكم وشموله لكلتا الصورتين ، بل لا يبعد الوفاء سيّما في أيام الرخص وفي الأزمنة السالفة التي كانت الشاة تباع فيها بدرهم واحد كما في بعض النصوص ، بل أدركنا قبل خمسين سنة أنّ الرجل يتعيّش هو وزوجته وطفله بدرهم واحد في اليوم ، المعادل لنصف مثقال من الفضّة تقريباً.

وكيفما كان ، فترك الاستفصال في كلام الإمام (عليه السلام) شاهد على العموم.

الثاني : قوله (عليه السلام) «بل ينظر إلى فضلها» حيث جعل المعيار النظر إلى فضل رأس المال وربحه وأنّه إن لم يف بالمئونة يأخذ البقيّة من الزكاة ، ولا ينظر في ذلك إلى رأس المال نفسه ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي


1) نسبه إلى الشيخ في الحدائق 12 : 157.

2) الوسائل 9 : 238 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

.................................................................................................


كفافه بالمئونة وعدمه.

وخامسةً : تكون له حرفة يتعيّش بها كالبنّاء والنجّار والخيّاط ونحوها من أرباب المهن والحرف ، وحكمه أنّ حرفته إن كانت وافية بمئونة سنته لنفسه وعياله لم تحلّ له الزكاة ، وإلّا حلّ التتميم منها كما لو كانت اجرة البنّاء في اليوم الواحد نصف دينار ومصارفه دينار واحد.

ويدلّ عليه أوّلاً : الصدق العرفي ، فإنّ صاحب الحرفة فعلاً مالك بالقوّة لمئونة السنة إذا كانت وافية بها فهو غني عُرفاً ، فلا ينطبق عليه عنوان الفقير المأخوذ مصرفاً للزكاة في لسان الأدلّة ، كما أنّه ينطبق عليه العنوان على تقدير عدم الكفاية ، فالحكم مطابق لمقتضى القاعدة وإن لم ترد في البين نصوص خاصّة.

وثانياً : طائفة من الأخبار ، منها : ذيل صحيحة أبي بصير المتقدّمة ، قال (عليه السلام) : «ولا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة» (1).

وقد تقدّم المراد من قوله (عليه السلام) «وعنده ما تجب» وأنّه كناية عن المال الاحتياطي المدّخر لبعض المصاريف الاتّفاقيّة من علاج مرض ونحوه بحيث تتمّ معه مئونة السنة.

ومنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف ولا لذي مرّة سوي قوي ، فتنزّهوا عنها» (2).

ومنها : صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي ، ولا لمحترف» (3)، ونحوها غيرها. فالحكم مسلّم لا غبار عليه.


1) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1.

2) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2.

3) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

.................................................................................................


وسادسةً : يكون قادراً على الاكتساب ، ولكنّه لم يفعل تكاسلاً ، فهو محترف بالقوّة وإن لم يتلبّس به فعلاً ، فهل تحلّ له الزكاة نظراً إلى حاجته الفعليّة ، أم لا باعتبار قوّته وقدرته على تحصيل المئونة؟

احتاط فيه الماتن ، بل اختار الجواز في الجواهر (1).

هذا ، ولا ينبغي التأمّل في الجواز فيما لو مضى وقت الاكتساب ، لكونه مؤقّتاً بوقت خاصّ ، كمن كان شغله الحملداريّة فتهاون ولم يتصدّ للمقدّمات إلى أن تحرّكت القافلة وهو فعلاً فقير لا مال له وليست له حرفة اخرى ، ومثله البنّاء الذي لم يحضر أوّل الوقت إلى أن مضت ساعة من النهار ، فإنّ هذا فقير فعلاً بالضرورة وإن كان مستنداً إلى اختياره. والظاهر خروج ذلك عن محلّ البحث.

وإنّما الكلام فيمن يكون متمكّناً من الاكتساب فعلاً ولم يتلبّس ، كالطبيب الذي يتمكّن من التصدّي للمعالجة بمعاينة المريض دقائق معدودة بإزاء مبلغ معتدّ به ، وكذا المهندس ونحوه من أرباب المهن والحرف فلم يتصدّ تكاسلاً ، وهو المراد بذي مرّة في النصوص المتقدّمة.

والظاهر عدم حلّ الزكاة له ، لعدم صدق الفقير عليه عرفاً بعد قدرته الفعليّة على الاكتساب ، نظير من يتمكّن من تحصيل الماء بشراء ونحوه فإنّه وإن لم يجده فعلاً إلّا أنّه لا يصدق عليه الفاقد للماء ، بل هو واجدٌ ، أي متمكّن منه بالقدرة على مقدّمته ، كما هو ظاهر.

مضافاً إلى دلالة جملة من النصوص :

منها : صحيحة زرارة المتقدّمة : «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف ولا لذي مرّة سوّي قوّي ، فتنزّهوا عنها».

فمن كان ذا مرّة أي قويّاً متمكّناً من الاكتساب لا تحلّ له الصدقة.


1) جواهر الكلام 15 : 314.

.................................................................................................


وناقش في دلالتها صاحب الجواهر بدعوى أنّ الأمر بالتنزّه ظاهر في الكراهة (1).

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ التنزّه لغةً بمعنى الابتعاد والاجتناب ، وهو المراد في لسان الأخبار ، فهو ظاهر في الحرمة ولا إشعار له في الكراهة فضلاً عن الدلالة.

ومع الغضّ فلا ظهور لهذه الكلمة بمثابةٍ يستوجب رفع اليد عن ظهور بل صراحة «لا تحلّ» في المنع والحرمة كما لا يخفى. فلا ينبغي التأمّل في دلالتها على عدم الجواز.

ونحوها صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي ولا لمحترف ولا لقوي» قلنا : ما معنى هذا؟ «قال : لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها» (2).

ولكن بإزائه ما رواه الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) ، قال : وقيل للصادق (عليه السلام) : إنّ الناس يروون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال : «إنّ الصدقة لا تحلّ لغني ولا لذي مرّة سوي» فقال : «قد قال : لغني ، ولم يقل : لذي مرّة سوي» (3).

ونحوه ما رواه في معاني الأخبار عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : إنّ الصدقة لا تحلّ لغني ، ولم يقل : ولا لذي مرّة سوي» (4).


1) الجواهر 15 : 314.

2) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

3) الوسائل 9 : 232 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 5 ، الفقيه 3 : 109 / 458.

4) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 9 ، معاني الأخبار : 262 / 2.

.................................................................................................


فإنّ العامّة قد رووا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ذلك كما رواه الترمذي وقال : إنّه حديث حسن صحيح ، وكذا مالك (1). ولكن الصادق (عليه السلام) كذّبه وأنكر صدوره عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، فيكون ذلك معارضاً لما تقدّم في صحيح زرارة من قوله (عليه السلام) : «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف ولا لذي مرّة سوي».

ويندفع أوّلاً : بأنّ رواية الصدوق مرسلة لا يعوّل عليها.

وثانياً : بأنّه (عليه السلام) لم ينكر الحكم وإنّما أنكر القول فقط ، ومن الجائز عدم صدور هذه اللفظة عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ، ولا ينافي ذلك ثبوت الحكم وأنّه (صلّى اللّه عليه وآله) اقتصر في بيانه على مجرّد قوله (صلّى اللّه عليه وآله) «لا تحلّ لغني» ، نظراً إلى صدق الغنى على ذي مرّة أيضاً ، كما قد تشير إليه صحيحة معاوية بن وهب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يروون عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) «أنّ الصدقة لا تحلّ لغني ولا لذي مرّة سوي» فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «لا تصلح لغني» (2)، حيث أعرض (عليه السلام) في الجواب عن صحّة الرواية وسكت عن بيان ما صدر عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) نفياً وإثباتاً ، واقتصر على بيان الحكم وأنّ الصدقة لا تصلح للغني ، إيعازاً إلى شمول الحكم لذي مرّة ، لكونه مصادقاً للغني سواء أقاله النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أيضاً أم لا.

وثالثاً : أنّها معارضة بصحيحة زرارة المتقدّمة ، المصرّحة بإسناد تلك الجملة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من قبل أبي جعفر نفسه (عليه السلام) (3).


1) سنن الترمذي 3 : 42 / 652 ، وانظر الموطأ 1 : 268 / 29.

2) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 3.

3) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

[2699] مسألة 1 : لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمئونته لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها (1) في مئونته ، بل يجوز له إبقاؤه للاتّجار به وأخذ البقيّة من الزكاة ، وكذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمئونته ولكن لا يكفيه الحاصل منهما لا يجب عليه بيعها وصرف العوض في المئونة ، بل يبقيها ويأخذ من الزكاة بقيّة المئونة.

[2700] مسألة 2 : يجوز أن يعطى الفقير أزيد (1)من مقدار مئونة سنته دفعةً ، فلا يلزم الاقتصار على مقدار مئونة سنة واحدة (2).


وكيفما كان ، سواء أصدر ذلك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أم لم يصدر فيكفينا حكم الصادق (عليه السلام) بعدم الحلّ وأمره بالتنزّه عنها في صحيحة زرارة المتقدّمة (2)، وكفى به مدركاً للمنع ، فلا ينبغي التأمّل في المسألة فلاحظ.

(1) قد ظهر الحال حول هذه المسألة لدى التعرّض لمصاديق الفقير في الفروض الستّة المتقدّمة ، فلاحظ ولا نعيد.

(2) بل يجوز دفع مقدار سنتين ، بل سنين ، بل بمقدار يعدّ غنيّاً عرفاً على المشهور المعروف شهرة عظيمة.

وناقش فيه بعضهم فمنع عن الدفع أكثر من سنة واحدة يصير بها غنيّاً شرعاً.

وكيفما كان ، فالمتّبع هو الدليل بعد وضوح عدم نهوض إجماع تعبّدي كاشف


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك ، وكذا الحال فيما بعده.

2) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2.

وكذا في الكاسب الذي لا يفي كسبه بمئونة سنته ، أو صاحب الضيعة التي لا يفي حاصلها ، أو التاجر الذي لا يفي ربح تجارته بمئونة سنته ، لا يلزم الاقتصار على إعطاء التتمّة ، بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين ، بل يجوز جعله غنيّاً عرفيّاً وإن كان الأحوط الاقتصار. نعم ، لو أعطاه دفعات لا يجوز بعد أن حصل عنده مئونة السنة أن يعطي شيئاً ولو قليلاً ما دام كذلك.


عن رأي المعصوم (عليه السلام) ، وإنّما استند القائلون بالجواز إلى بعض الوجوه الآتية التي هي مدرك الحكم في المسألة ، فلا بدّ من النظر إليها.

وقد استُدلّ له أوّلاً بإطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة مثل قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) ، فإنّ الصدقة المدفوعة لم تتقيّد بعدم الزيادة على المئونة.

وفيه ما لا يخفى ، لعدم انعقاد الإطلاق بعد التحديد بالكفاية في جملة من تلك الأدلّة ، التي منها ما ورد من «أنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به ، ولو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم» كما في صحيحة ابن سنان (1)، أو «ما يسعهم» كما في صحيحة زرارة وابن مسلم (2)، أو بتعبير آخر كما في غيرهما.

وقد تقدّم غير مرّة أنّ مقدار الكفاية ظاهر عرفاً في مئونة السنة ، ومع هذه التحديدات الواردة في غير واحد من الروايات كيف يمكن دعوى الإطلاق؟! فالمقتضي للتوسعة قاصر في حدّ نفسه.


1) الوسائل 9 : 10 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 2.

2) الوسائل 9 : 10 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 3.

.................................................................................................


على أنّ ذلك منافٍ لحكمة التشريع ، فإنّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر ودفعه عن المجتمع كما أُشير إليه في النصوص المزبورة ، ومن البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الأُلوف أو الملايين لفقير واحد ولو دفعة واحدة وجعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة ، بل يضادّها وينافيها كما لا يخفى.

بل يمكن أن يقال بانعدام موضوع الفقر لدى دفع الزائد ، فلم يكن عنوان الفقير محفوظاً ليشمله الإطلاق على تقدير تسليم انعقاده.

وتوضيحه : أنّ الزكاة موضوعها الفقير ، فلا بدّ من فرض الفقر حال دفع الزكاة. نعم ، الموضوع هو الفقر مع قطع النظر عن الدفع ، فلا مانع من زواله المستند إلى دفع الزكاة إليه كما نطقت به النصوص ، وأمّا زواله مقارناً لدفع الزكاة إليه فهو قادح ، لانعدام الموضوع ، وقد عرفت لزوم فرضه عند الدفع. ومن ثمّ لو أصبح الفقير غنيّاً حال الدفع لعلّة اخرى كما لو فرضنا أنّ والده مات في نفس الآن الذي دفعت إليه الزكاة بالدقّة العقليّة فورث منه مالاً كثيراً في تلك اللحظة بعينها لم يجز له أخذ الزكاة إذا لم يكن فقيراً حال القبض. نعم ، في المرتبة السابقة كان كذلك ، إلّا أنّ الاعتبار بالزمان بأن يُفرض زمان هو فقير فيه ليدفع إليه ، ولم يكن كذلك ، لفرض غناه في نفس الآن الذي دُفعت إليه الزكاة.

والمقام من هذا القبيل ، إذ لو فرضنا أنّ مئونته السنويّة مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقره بإحدى المائتين ، ومعه لا مسوّغ لأخذ المائة الأُخرى ، لزوال فقره مقارناً لنفس هذا الآن ، فلم يكن فقيراً عند تسلّمه.

وهذا نظير الملاقاة للنجاسة حال تتميم القليل كرّاً بأن كانت الملاقاة والإتمام في آنٍ واحد بالدقّة العقليّة ، فإنّه لا يحكم حينئذٍ بالانفعال ، إذ المعتبر فيه حدوث

.................................................................................................


الملاقاة في زمان يتّصف فيه الماء بالقلّة ، لكي يصدق أنّ النجس لاقى الماء القليل حتّى يشمله الدليل ، فلا بدّ من فرض القلّة في زمان سابق على الملاقاة وهو منفي في الفرض.

وعلى الجملة : فالتمسّك بإطلاقات الأدلّة ممّا لا موقع له في مثل المقام بتاتاً حسبما عرفت.

واستُدلّ له أي للقول المشهور ثانياً بجملة من الروايات ، كموثّقة إسحاق ابن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، قال : قلت له : اعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهماً؟ «قال : نعم ، وزده» قلت : أُعطيه مائة؟ «قال : نعم وأغنه إن قدرت أن تغنيه» (1).

وصحيحة سعيد بن غزوان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : تعطيه من الزكاة حتّى تغنيه» (2).

وصحيحته الأُخرى ، قال : سألته كم يُعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ «قال : أعطه من الزكاة حتّى تغنيه» (3).

وموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سئل : كم يعطى الرجل من الزكاة؟ «قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : إذا أعطيت فأغنه» (4).

فإنّ جواز الإعطاء ، لحدّ الإغناء الظاهر في الغنى العرفي كاشف عن عدم التحديد بمئونة السنة الواحدة.


1) الوسائل 9 : 259 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 3.

2) الوسائل 9 : 258 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 1.

3) الوسائل 9 : 259 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 5.

4) الوسائل 9 : 259 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 4.

.................................................................................................


ويدفعه : أنّ المراد بالغنى ما يقابل الفقر الذي من أجله كان مصرفاً للزكاة ، فبقرينة المقابلة يراد به ما يخرجه من تلك المصرفيّة ، فلا جرم يكون المقصود هو الغني الشرعي المفسّر في سائر الأدلّة بملك مئونة السنة ، دون الغنى العرفي لكي يجوز الإعطاء أضعافاً مضاعفة كما لا يخفى.

فالإنصاف أنّ الروايات المعتبرة قاصرة عن إثبات مقالة المشهور ، ولا عبرة بغير المعتبرة.

بل يمكن أن يستدلّ للقول الآخر بصحيحة أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ شيخاً من أصحابنا يقال له : عمر ، سأل عيسى بن أعين وهو محتاج ، فقال له عيسى بن أعين : أما إنّ عندي من الزكاة ولكن لا أُعطيك منها ، فقال له : ولِمَ؟ فقال : لأنّي رأيتك اشتريت لحما وتمراً ، فقال : إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحما وبدانقين تمراً ثمّ رجعت بدانقين لحاجة ، قال : فوضع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يده على جبهته ساعة ثمّ رفع رأسه ثمّ قال : «إنّ اللّه نظر في أموال الأغنياء ، ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به ، ولو لم يكفهم لزادهم ، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحجّ» (1).

حيث اقتصر (عليه السلام) وهو في مقام البيان والتحديد على ما يحتاج إليه نوع الإنسان من مؤن السنة من الأخذ بالحدّ النمط ، وهي المصاريف المشار إليها أخيراً حتّى الحجّ لجواز دفع الزكاة للحجّ بمقتضى النصوص الخاصّة كما سيجي‌ء فلا تلزم المداقّة بحيث يتخيّل أنّ الدرهم المشتمل على ستّة دوانيق مانع عن الأخذ ، ولا تسوّغ التوسعة بدفع الأُلوف المتكاثرة بمثابةٍ يعدّ لدى العرف


1) الوسائل 9 : 289 / أبواب المستحقين للزكاة ب 41 ح 2.

.................................................................................................


غنيّاً ثريّاً ، بل المتعيّن هو الحدّ الوسط الذي يتّصف معه بالغنى الشرعي كما عرفت.

ويؤيّده مرسلة عبد الرحمن بن الحجّاج حيث ذكر فيها «... فإنّ الناس إنّما يعطون من السنة إلى السنة ، فللرجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة» (1).

وهي صريحة الدلالة في المطلوب ، غير أنّها لمكان الإرسال لا تصلح إلّا للتأييد.

بل يمكن الاستدلال أيضاً بجملة أُخرى من النصوص :

منها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال (عليه السلام) فيها «... بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ، ويأخذ البقيّة من الزكاة» (2).

فإنّ تخصيص الأخذ بالبقيّة بعد الأمر بصرف الفضل لقوت نفسه ومن وسعه من عياله يكشف عن عدم كونه مرخّصاً في الأخذ إلّا بمقدار الحاجة وما يكون مكمّلاً للمئونة ، لا الأخذ كيفما شاء بالغاً ما بلغ.

ومنها : موثّقة سماعة ، قال (عليه السلام) فيها «... فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله» (3).

فإنّ تخصيص الأخذ بكونه للعيال بعد الأمر بعفّة النفس دالّ على المطلوب.

ومنها : معتبرة هارون بن حمزة ، قال (عليه السلام) فيها «... فلينظر ما يفضل منها فليأكله هو ومن وسعه ذلك ، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (4).


1) الوسائل 9 : 260 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 9.

2) الوسائل 9 : 238 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

3) الوسائل 9 : 239 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2.

4) الوسائل 9 : 239 / أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 4.

[2701] مسألة 3 : دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله ولو لعزّة وشرفه لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها (1) ،


حيث خصّ الأخذ بمن لم يسعه من العيال لا مطلقاً.

ومنها : معتبرة الحسين بن علوان ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّ ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف ، فأمّا الفقراء فلا يزاد أحدهم على خمسين درهماً ، ولا يعطى أحد له خمسون درهماً أو عدلها من الذهب» (1).

فإنّها صريحة في عدم جواز الدفع أكثر من خمسين درهماً ، ولعلّه من أجل حصول الكفاية بهذه الكمّيّة في تلك الأزمنة كما يشير إليه ذيل موثّقة سماعة المتقدّمة آنفاً ، حيث ذكر فيها قوله (عليه السلام) : «وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده».

والمتحصّل من جميع ما قدّمنا : أنّا لم نجد في شي‌ء من النصوص ما يصلح سنداً يعوّل عليه في فتوى المشهور لو لم ينهض على خلافه كما عرفت. وعرفت أيضاً عدم ثبوت الإجماع التعبّدي. إذن فمدّعي الجزم بعدم جواز الدفع زائداً على مقدار المئونة غير مجازف بحسب الصناعة وما يقتضيه النظر في الأدلّة. فهذا القول إن لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط وإن كان على خلاف المشهور.

(1) فإنّ مصرف الصدقة الفقير ، والفقر هو الحاجة ، والاحتياج لا يختصّ بالطعام والشراب ، بل يعمّ كل ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه وإدارة شؤون حياته من الملبس والمسكن والمركب والخادم والفراش واللوازم البيتيّة ونحو


1) الوسائل 9 : 261 / أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 10.

بل ولو كانت متعدّدة مع الحاجة إليها ، وكذا الثياب والألبسة الصيفيّة والشتويّة السفريّة والحضريّة لو كانت للتجمّل ، وأثاث البيت من الفروش والظروف وسائر ما يحتاج إليه ، فلا يجب بيعها في المئونة ، بل لو كان فاقداً لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها. وكذا يجوز أخذها لشراء الدار والخادم وفرس الركوب والكتب العلميّة ونحوها مع الحاجة إليها. نعم ، لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته بحسب حاله وجب صرفه في المئونة.


ذلك ممّا تتوقّف عليه الحضارة والحياة الاجتماعية ، فإنّ ذلك كلّه يعدّ من المؤن المحكومة بالاستثناء ، فلا يلزم بيعها تورّعاً عن أخذ الزكاة ، بل يجوز الأخذ لشرائها لو كان فاقداً لبعضها مع فرض الحاجة ، لعين ما ذكر.

وهذا ممّا لا غبار عليه ولا إشكال ، كما لا خلاف فيه من أحد ، وتشهد له جملة من النصوص ، كموثّقة سماعة ومصحّح ابن أُذينة المصرّح فيهما بجواز دفع الزكاة لمن له دار وخادم المؤيّدتين برواية ابن عبد العزيز المتقدّمة (1)ونحوها غيرها.

ثمّ إنّه (قدس سره) تعرّض في هذه المسألة لفرعين :

أحدهما : ما أشار إليه بقوله (قدس سره) بل إذا كانت ... إلخ.


1) الوسائل 9 : 235 و 236 / أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1 ، 2 ، 3.

بل إذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته (1) وأمكنه بيع المقدار الزائد عن حاجته وجب بيعه. بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمةً ، فالأحوط بيعها وشراء الأدون (2). وكذا في العبد والجارية والفرس.


(1) كما لو كانت واسعة تشتمل على عشر غرف وهو يكتفي بثلاث غرف مثلاً فيبقى سبعة منها فارغة وهو مستغني عنها. ولا ينبغي التأمّل في عدم جواز أخذ الزكاة حينئذٍ ، لوجود الزائد على مقدار المئونة ، الموجب لصيرورته غنيّاً شرعيّا.

ومن البديهي أنّ الدار المستثناة في مثل موثّقة سماعة المتقدّمة منصرفة عن مثل ذلك كما هو ظاهر. إذن فيلزمه بيع الزائد أو إيجاره وصرف غلّته في مئونته.

الثاني : ما أشار إليه بقوله (قدس سره) : بل لو كانت ... إلخ.

(2) بأن كانت سعة الدار ومرافقها بمقدار حاجته من غير زيادة فاشتملت على ثلاث غرف مثلاً وهو يحتاج إليها ، إلّا أنّ حسّاسيّة المنطقة أوجبت غلاء القيمة ، لوقوعها على رأس الشارع مثلاً أو جنب الصحن الشريف ، ويمكنه السكون في مشابه الدار في منطقة اخرى أرخص منها.

فالفرق بين الفرعين بالكمّ والكيف ، ففي الأوّل : كمّيّة الدار زائدة على مقدار الحاجة ، وفي الثاني : كيفيّتها الناشئة من غلاء القيمة. وقد فرّق الماتن (قدس سره) بينهما في الحكم فأفتى بوجوب بيع الزائد في الأوّل ، واحتاط في الثاني ، وهو في محلّه ، بل كان ينبغي الجزم بالعدم ، لإطلاق موثقة سماعة المتقدّمة ، وعدم جريان الانصراف المزبور في المقام.

[2702] مسألة 4 : إذا كان يقدر على التكسّب ولكن ينافي شأنه ، كما لو كان قادراً على الاحتطاب والاحتشاش غير اللائقين بحاله ، يجوز له أخذ الزكاة (1) ، وكذا إذا كان عسراً ومشقّة من جهة كبر أو مرض أو ضعف فلا يجب عليه التكسّب حينئذ.


نعم ، لو كانت موقعيّة الدار زائدة على مقدار شأنه ، كما لو كانت على جنبه دائرة من الدوائر الحكوميّة أو في منطقة الأعيان والأشراف ، وهو رجل عادي فالغلاء المستند إلى هذه العلّة يعدّ زائداً على المئونة.

وأمّا لو كانت الموقعيّة معادلة لشأنه ولائقة بزيّه فتناسبه السكون وهو من رجال الدين مثلاً جنب الصحن العلوي الشريف أو على رأس الشارع ، كما تناسبه في منطقة أبعد منهما ، فلا نرى موجباً لتبديلها بأرخص منها ، بل مقتضى إطلاق الموثّق المزبور وغيره استثناء دار الحاجة ، سواء وجد الأرخص وأمكن التبديل أم لا.

فالفرق بين الفرعين ظاهرٌ موضوعاً وحكماً ، فتدبّر جيّدا.

(1) فإنّ المتمكّن من الاكتساب وإن لم يجز له أخذ الزكاة للنصوص الدالّة على عدم إعطائها لمن هو ذو مرّة سوي كما تقدّم عند التعرّض لمصاديق الفقير (1)إلّا أنّ تلك الأدلّة منصرفة عن مثل المقام ممّا كانت نوعيّة الاكتساب غير لائقة بشأنه ومقامه مثل الاحتطاب أو الكنس في الطرقات ونحو ذلك ممّا يتضمّن الذلّ والمهانة مع كونه من أهل العزّ والكرامة ، فلا يصدق على مثله عنوان ذي مرّة سوي ، فالمقتضي قاصر في حدّ نفسه.


1) في ص 17 19.

[2703] مسألة 5 : إذا كان صاحب حرفة أو صنعة ولكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب ، جاز له أخذ الزكاة (1).

[2704] مسألة 6 : إذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة ، ففي وجوب التعلّم وحرمة أخذ الزكاة بتركه إشكال (2) ، والأحوط التعلّم وترك الأخذ بعده. نعم ، ما دام مشتغلاً بالتعلّم لا مانع من أخذها.


هذا ، مضافاً إلى أدلّة نفي العسر والحرج ، فإنّ التصدّي لمثل هذا الكسب وتحمّل الذلّ والوهن فيه مشقّة عظيمة ينفيه دليل نفي الحرج ، وبذلك يسوغ له أخذ الزكاة.

على أنّ المستفاد من نصوص استثناء العبد والخادم المتقدّمة عدم ابتناء أمر الزكاة على التضييق والمداقّة في نظر الشارع المقدّس ، بل هو أوسع من ذلك كما لا يخفى.

(1) إذ لا أثر لحرفة لا يمكن الانتفاع بها إمّا لفقد الآلة أو لعدم الطالب ، فلا فرق بينه وبين غير المحترف في صدق الفقير عليه عرفاً المسوّغ لأخذ الزكاة.

(2) بل الأظهر ذلك ، لقدرته على تحصيل المال والإنفاق على العيال الواجب عليه بالقدرة على مقدّمته وهو التعلّم ، فيجب عقلاً التصدّي للمقدّمة والتوصّل بها إلى ذيها ، ومعه يكون من مصاديق ذي مرّة سوي ، الذي يحرم عليه أخذ الزكاة كما تقدّم.

نعم ، حال الاشتغال بالتعلّم هو عاجز عن الكسب ولم يكن ذا مرّة سوي فتجوز له الزكاة عندئذٍ ، وأمّا أخذها مع ترك التعلّم رأساً ففيه منع كما عرفت.

اللّهمّ إلّا أن يفرض احتياج التعلّم إلى مدّة طويلة جدّاً بحيث لا يصدق معه

[2705] مسألة 7 : من لا يتمكّن من التكسّب طول السنة إلّا في يوم أو أُسبوع مثلاً - (1) ولكن يحصل له في ذلك اليوم أو الأُسبوع مقدار مئونة السنة ، فتركه وبقي طول السنة لا يقدر على الاكتساب ، لا يبعد جواز أخذه وإن قلنا : إنّه عاص بالترك في ذلك اليوم (1)أو الأُسبوع ، لصدق الفقير عليه حينئذ.


عرفاً القدرة على الاكتساب وكفّ النفس عن الزكاة ، ولا ينطبق عليه عنوان ذي مرّة سوي ، فمثل هذا يجوز له ترك التعلّم والارتزاق من الزكاة ، لصدق الفقير عليه ، وأمّا غيره فكلّا حسبما عرفت.

فوجوب التعلّم وحرمة الأخذ لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

(1) كالحملداريّة أو من يرجع شغله إلى شؤون الحجّ ونحوه ممّن يشتغل أُسبوعاً أو أقلّ أو أكثر ويحصل له مقدار مئونة السنة ، فتركه تكاسلاً إلى أن مضى الوقت ولم يقدر طول السنة على الاكتساب ، فالظاهر جواز أخذ الزكاة حينئذٍ ، لصدق الفقير عليه في هذه الحالة وإن كان فقره مستنداً إلى اختياره.

وأمّا العصيان بترك الكسب في ذلك الوقت فليس له وجه ظاهر ، ضرورة عدم وجوب التحفّظ على الغنى ، فتجوز إزالته بالإنفاق في سبيل اللّه أو الجيران أو الأولاد وجعل نفسه فقيراً لكي تستباح له الزكاة عندئذٍ.


1) (*) لم يظهر وجه للعصيان.

(2706) مسألة 8 : لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه (1) يجوز له أخذ الزكاة (1)إذا كان ممّا يجب تعلّمه عيناً أو كفايةً ، وكذا إذا كان ممّا يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهاداً أو تقليداً. وإن كان ممّا لا يجب ولا يستحبّ كالفلسفة والنجوم والرياضيّات والعروض والعلوم الأدبيّة لمن لا يريد التفقّه في الدين فلا يجوز أخذه.


(1) قد يفرض وجوب طلب العلم عيناً وأُخرى كفايةً وثالثةً استحبابه ورابعةً إباحته كالفلسفة والنجوم على ما مثّل به في المتن. وقد حكم (قدس سره) بجواز أخذ الزكاة في الواجب مطلقاً وفي المستحبّ ، ولكنّه غير ظاهر على إطلاقه.

أمّا في فرض الوجوب العيني فالأمر كما ذكر ، إذ الوجوب الشرعي يجعله عاجزاً عن الاكتساب ، فلا قدرة له عليه شرعاً ، ولا فرق في العجز المحقّق للفقر بين التكويني والتشريعي ، فهو نظير من لا يقدر إلّا على الكسب الحرام ، كبيع المغصوب أو الضرري أو الربوي أو بيع الخمر ونحو لك ، الذي لا إشكال في كونه فقيراً شرعاً ومورداً لأخذ الزكاة ، وهذا ظاهر.

وأمّا في فرض الوجوب الكفائي فحيث لا إلزام عليه بشخصه لفرض وجود من به الكفاية فهو متمكّن من الكسب شرعاً وعقلاً وذو مرّة سوي ، ومجرّد الوجوب الكفائي لا يستوجب العجز بالضرورة ، ولم يرد دليل خاصّ يقتضي تخصيص طلبة العلم بما دلّ على منع الزكاة عن ذي مرّة سوي ، ومنه يظهر الحال في طلب العلم المستحبّ فضلاً عن المباح لوحدة المناط ، بل بطريق


1) (*) إذا لم يكن الوجوب عينياً يشكل الأخذ من حصّة الفقراء. نعم ، يجوز الصرف عليه من سهم سبيل اللّه بلا إشكال إذا كان فيه مصلحة عامّة.

[2707] مسألة 9 : لو شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمئونة سنته أم لا (1) ، فمع سبق وجود ما به الكفاية لا يجوز الأخذ ، ومع سبق العدم وحدوث ما يشكّ في كفايته يجوز ، عملاً بالأصل في الصورتين.

[2708] مسألة 10 : المدّعى للفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به ، وإن جهل الأمران (2) فمع سبق فقره يعطى من غير يمين ، ومع سبق الغني أو الجهل بالحالة السابقة فالأحوط عدم الإعطاء ، إلّا مع الظنّ بالصدق (1)، خصوصاً في الصورة الأُولى.


أولى كما لا يخفى.

إذن لا ينبغي التأمّل في عدم جواز دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء ، لعدم انطباق العنوان.

نعم ، لا مانع من الدفع إليه من سهم سبيل اللّه مع فرض رجحان العلم شرعاً ، فانّ موضوعه كلّ قربة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه ، وبثّ العلم ونشره وتعليمه وتعلّمه من أظهر مصاديقها وأبرز أفراد الخير والمعروف كما هو ظاهر.

(1) تقدّم أنّ من يملك مئونة سنته لا يجوز له أخذ الزكاة ، ومن لا يملك يجوز. فإن أحرز ذلك وجوداً أو عدماً فلا كلام ، وأمّا لو شكّ في ذلك : فإن كانت الحالة السابقة وجود ما به الكفاية لا يجوز ، وإن كانت العدم يجوز ، عملاً بالاستصحاب في كلتا الصورتين كما هو ظاهر.

(2) فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين سبق الفقر فيعطى وبين سبق الغني أو الجهل بالحالة السابقة فلا يعطي إلّا مع الظنّ بالصدق.


1) (*) الأقوى جوازه مع الجهل بالحالة السابقة حتّى مع عدم الظنّ بالصدق ، وأمّا مع العلم بسبق الغنى فجواز الاكتفاء بالظنّ لا يخلو من إشكال بل منع.

.................................................................................................


والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الحالة السابقة إن كانت هي الفقر فهو فعلاً فقير شرعاً بمقتضى الاستصحاب فيجوز دفع الزكاة إليه سواء ادّعى الفقر أم لا.

وإن كانت هي الغنى فلا يجوز الدفع إليه ما لم يثبت فقره بحجّة شرعيّة حاكمة على استصحاب غناه ، ومجرّد الدعوى الصادرة منه غير مسموعة كما لا يخفى ، لعدم الدليل على اعتبارها ، والوجوه التي استُدلّ بها على الاعتبار من الحمل على الصحّة أو سماع الدعوى بلا معارض وغير ذلك ممّا قيل في المقام كلّها واهية لا ينبغي الإصغاء إليها ، فإنّ الدعوى بلا معارض موردها الأموال فقط ، فلو كان مال بين جماعة وقد ادّعاه واحد منهم ولم يعارضه الآخرون سمع منه بمقتضى النصّ الخاصّ الوارد فيه ، لا أنّ كلّ من يدّعي شيئاً كالاجتهاد أو العدالة أو الفقر أو غير ذلك ولم يعارضه غيره يسمع منه من غير مطالبته الدليل من بيّنة ونحوها ، فإنّ هذا واضح الفساد.

وكيفما كان ، فتلك الوجوه كلّها مزيّفة ولا يرفع اليد عن الاستصحاب إلّا بدليل قاطع أو حجّة معتبرة ، فلا تسمع دعوى الفقر في قبال استصحاب الغنى ، وإن أفادت الظنّ فإنّه لا يغني عن الحقّ ، بل قد قامت الأدلّة القطعيّة على عدم الحجّيّة كما هو محرّر في محلّه ، والظنّ خلاف اليقين ، ولا يرفع اليد عن اليقين السابق إلّا بيقين مثله.

نعم ، الظن القوي البالغ حدّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة وعلم تعبّدي ، فهو ناقض للاستصحاب ، فيرفع اليد عنه ولو بمثل هذا الدليل ، وأمّا دون ذلك فكلّا.

وأمّا لو كانت الحالة السابقة مجهولة فالظاهر سماع قوله ، نظراً إلى أنّ الفقر مرجعه إلى عدم الغنى ، وهذا العدم متحقّق سابقاً بالإضافة إلى كلّ بشر ، ولا أقلّ من حين الولادة ، فإنّه يولد ولا مال له إلّا شاذّاً ويطرؤه الغنى بعد ذلك

.................................................................................................


بالكسب أو الإرث ونحوهما ، فالغني أمر حادث مسبوق بالعدم دائماً فيستصحب فسماع دعوى الفقر في هذه الصورة مستند إلى الاستصحاب ولا خصوصيّة للدعوى ، ولعلّ السيرة العمليّة القائمة على السماع في هذا الفرض مستندة لدى التحليل إلى الاستصحاب المزبور ، وإلّا فمن المستبعد جدّاً قيام سيرة تعبّديّة كاشفة عن رأي المعصوم (عليه السلام) كما لا يخفى.

ويتأيّد ما ذكرناه ببعض النصوص ، مثل ما ورد فيمن نذر للكعبة أو أهدى إليها من «أنّه يباع ويؤخذ ثمنه وينادى على الحجر : ألا هل من منقطع نفدت نفقته أو قطع عليه فليأت فلان بن فلان فيعطى الأوّل فالأوّل حتّى ينفد الثمن» (1).

وما ورد في خبر العرزمي من أنّه جاء رجل إلى الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا «إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في دَين موجع ، أو غرم مفظع ، أو فقر مدقع ، ففيك شي‌ء من هذا؟» قال : نعم ، فأعطياه (2).

وما في مصحّح عامر بن جذاعة : جاء رجل إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له : يا أبا عبد اللّه ، قرض إلى ميسرة ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إلى غلّة تدرك؟» فقال الرجل : لا واللّه «قال : فإلى تجارة تؤوب؟» قال : لا واللّه «قال : فإلى عقدة تباع؟» قال : لا واللّه ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّا» ثمّ دعا بكيس فيه دراهم (3).

وإن أمكن الخدش في الأوّل بجواز كونه من مختصّات نذر الكعبة والهديّة إليها فلا مقتضي للتعدّي عن موردها ليدلّ على سماع دعوى الفقر من كلّ مجهول يدّعيه ليسري الحكم إلى المقام.


1) الوسائل 13 : 247 / أبواب مقدّمات الطواف ب 22 ح 1 و 7.

2) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 6.

3) الوسائل 9 : 45 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 7 ح 1.

[2709] مسألة 11 : لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة سواء كان حيّاً أو ميّتا (1).


وفي الأخيرين بأنّهما قضيّة في واقعة وحكاية فعل مجمل لا إطلاق له ليتمسّك به ، ومن الجائز أنّه قد حصل للإمام (عليه السلام) قناعة شخصيّة بفقر الرجل لقرائن محفوفة ماليّة أو مقاليّة أورثت الاطمئنان بصدقه ، فلا يمكن استفادة ضابط كلّي لمدّعي الفقر ليشمل باب الزكوات والصدقات.

فهذه النصوص مؤيّدة للمطلوب ، والعمدة هو الاستصحاب حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه ، ويدلّ عليه قبل النصوص الكتاب العزيز ، قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ ) ، فإنّ عطف الغارمين على الرقاب يستدعي دخول حرف الجرّ عليه ، أي وفي الغارمين ، يعني : أنّ الصرف في هذا السبيل من أحد مصارف الزكاة ، والمصرفيّة كما تشتمل الأداء والوفاء عن الغريم بالدفع والتسليم تشمل الاحتساب عنه بأن يكون له دين على الفقير وعليه زكاة في ماله فيحتسبه عنها ، ولا يختصّ بالأوّل ، إذ لم يقل للغارمين كما في قوله تعالى ( لِلْفُقَراءِ ) بل قال تعالى : في الغارمين ، والظرفيّة تعمّ الوفاء والاحتساب كما أنّها تعمّ الحيّ والميّت ، فالآية المباركة مطلقة من كلتا الناحيتين ، فهي بمجرّدها وافية بإثبات المطلوب من غير حاجة إلى دليل بالخصوص.

مضافاً إلى دلالة جملة من النصوص عليه :

منها : صحيحة عبد الرحمن ، قال : سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن دَين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون

.................................................................................................


للزكاة ، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ «قال : نعم» (1)، وهي صريحة في المطلوب.

وموثّقة سماعة : عن الرجل يكون له الدَّين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة «فقال : إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دَين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملاً يتقلّب فيها بوجهه ، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دَينه ، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة ، أو يحتسب بها ، فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فيعطيه من زكاته ولا يقاصّه بشي‌ء من الزكاة» (2).

ودلالتها أيضاً ظاهرة وإن تضمّنت التفصيل في جواز الاحتساب بين تمكّن الفقير على فقره من أداء الدين ولو ببيع شي‌ء من متاع البيت وبين من هو أشدّ حالاً منه الذي لا يتمكّن من هذا أيضاً ، الذي يطلق عليه البائس اصطلاحاً ، وأنّه يحتسب في الأوّل دون الثاني ، بل يعطى إليه الزكاة من غير مقاصّة.

فإنّ هذا الحكم مبني على الاستحباب قطعاً ، إذ لا يجب دفع الزكاة إلى هذا الشخص بالضرورة ، بل له الدفع إلى فقير آخر ، فالأمر بالدفع إليه والنهي عن الاحتساب مبني على الإرفاق والاستحباب ، كي لا يحرم المسكين من عطاء الزكاة ، فلا ينافي إطلاق الحكم بالجواز الذي تضمّنته الصحيحة المتقدّمة كما هو ظاهر.

وتؤيّده رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ عثمان بن عمران قال له : إنّي رجل موسر ويجيئني الرجل ويسألني الشي‌ء وليس هو إبّان زكاتي ، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «القرض عندنا بثمانية عشر


1) الوسائل 9 : 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 2.

2) الوسائل 9 : 296 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 3.

.................................................................................................


والصدقة بعشرة ، وما ذا عليك إذا كنت كما تقول موسراً أعطيته فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة ، يا عثمان لا تردّه فإنّ ردّه عند اللّه عظيم» (1).

وهي كما ترى صريحة الدلالة وإن كانت ضعيفة السند بسهل بن زياد فلا تصلح إلّا للتأييد.

هذا كلّه في الاحتساب عن الحيّ.

وأمّا الاحتساب عن الميّت فقد عرفت أنّ إطلاق الكتاب وافٍ للشمول له وأنّ مصرفيّة الغريم للزكاة يشمل الحيّ والميّت ، كما أنّه يعمّ الأداء والاحتساب.

ويستفاد ذلك من النصوص أيضاً ، وعمدتها صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج التي رواها الكليني بطريقين عن صفوان بن يحيى ، عنه قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عارف فاضل تُوفّي وترك عليه ديناً قد ابتلي به ، لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة ، هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان؟ «قال : نعم» (2).

فإنّ القضاء بمعنى الإنهاء والإتمام المساوق في المقام لتفريغ الذمّة عن الدَّين ، فيشمل الاحتساب ، ولا يختصّ بالأداء والدفع الخارجي.

ومع التسليم فهو يشمل الاحتساب بالقطع بعدم الفرق بحسب الفهم العرفي ، فإنّ سياق الصحيحة يشهد بأنّ حيثيّة السؤال ناظرة إلى جهة الموت ، وأنّ مصرفيّة الدَّين للزكاة هل تختصّ بمال الحياة أم تعمّ الموت أيضاً من دون احتمال خصوصيّة القضاء ، فقوله (عليه السلام) في الجواب : «نعم» يدلّ على جريان أحكام الحياة حال الموت ، وقد عرفت أنّ تلك الأحكام تشمل الاحتساب ولا أقلّ من أجل إطلاق الآية فكذا في حال الموت.


1) الوسائل 9 : 300 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 2.

2) الوسائل 9 : 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 1 ، الكافي 3 : 549 / 2.

لكن يشترط في الميّت أن لا يكون له تركة تفي بدينه ، وإلّا لا يجوز (1).


وتؤيّده رواية يونس بن عمّار ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر (خير) ، إن أيسر قضاك ، وإن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة» (1).

وهي صريحة الدلالة ، غير أنّ السند ضعيف ، فإنّه وإن كان صحيحاً إلى ثعلبة إلّا أنّ السندي لم يوثّق ، فلا تصلح إلّا للتأييد.

ونحوها رواية هيشم الصيرفي هكذا في الوسائل (2)، والصحيح : هيثم ، بالثاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : القرض الواحد بثمانية عشر ، وإن مات احتسب بها من الزكاة» (3).

فإنّها أيضاً ضعيفة ، لجهالة الصيرفي.

(1) لانتفاء الاستحقاق والفقر عن الميّت بعد وفاء تركته بالدين ، فإنّ مقدار الدين باقٍ على ملكه ولم ينتقل إلى الورثة ، إذ لا إرث إلّا بعد الدين والوصيّة ، قال تعالى ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ* ) (4)، ولم تجب عليه النفقة ليراعى مئونة السنة كما كان كذلك في حال الحياة ، فهو إذن غني يتمكّن من أداء دينه عن ماله الشخصي ، ولا شكّ أنّ صرف الزكاة في الغرماء يختصّ بغرمهم لا يتمكّن من أداء دينه وإن كان واجداً لمئونة سنته كما سيجي‌ء إن شاء تعالى في محلّه ، فلا ينطبق على الميّت المزبور ، فإنّ الاحتساب عنه ينتفع به


1) الوسائل 9 : 299 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 1.

2) في الوسائل المحقق جديداً : هيثم ، بالثاء.

3) الوسائل 9 : 301 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 8.

4) النِّساء 4 : 12.

.................................................................................................


الوارث دون الميّت ، والكلام فعلاً في تفريغ ذمّته لا في إيصال النفع لغيره ، ولا موضوع له حسبما عرفت ، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى النصّ الخاصّ.

مضافاً إلى وروده في المقام ، ففي صحيحة زرارة : قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دَين ، أيؤدّي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير؟ فقال (عليه السلام) : «إن كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دَين لم يعلم به يومئذٍ فيقضيه عنه ، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته ، وإن لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَين أبيه فإذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه» (1).

فإنّها صريحة في عدم الأداء من الزكاة لو كان له مال ، وأنّه يصرف حينئذٍ في الدين ويكون مقدّماً على الإرث فيقضى من جميع الميراث ، أي يخرج من الأصل فيردّ من جميع الورثة لو ظهر الدَّين بعد القسمة لا من حصّة الولد فقط ، وإنّما يؤدّي الدَّين من الزكاة إذا لم يكن له مال ، إذ لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه ، ومعلوم أنّ الأب بعد الموت لم يكن واجب النفقة كما كان كذلك حال الحياة كي لا يجوز صرف الزكاة فيه ، ومن ثمّ قال (عليه السلام) : «من دين أبيه» ولم يقل : من أبيه.

نعم ، موردها الأداء دون الاحتساب ، لكن يتعدّى إليه بالقطع بعدم الفرق بحسب الفهم العرفي ، إذ يفهم منها أنّ الاعتبار بتمكّن الميّت من أداء دينه وعدمه ، وأنّه مع التمكّن لا يقع مصرفاً للزكاة كما لو كان حيّاً. ولا يفرق في هذا المناط بين الأداء والاحتساب كما هو ظاهر.


1) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1.

نعم ، لو كان له تركة لكن لا يمكن الاستيفاء منها لامتناع الورثة أو غيرهم فالظاهر الجواز (1).


(1) لو امتنع الورثة من صرف التركة في الدين إمّا عصياناً أو جهلاً بالموضوع ، لعدم ثبوت الدين عندهم شرعاً ، فامتنعوا عن الصرف المزبور حقّا أو باطلاً أو أنّه عرض تلف على التركة من ضياعٍ ونحوه بحيث لا يمكن استيفاء الدين منها ، فهل يجوز احتسابه حينئذٍ زكاة؟

الظاهر هو الجواز كما اختاره في المتن ، إذ المال الذي لا ينتفع به ولا يتمكّن المالك من صرفه في حوائجه في حكم العدم ، فالميّت حينئذٍ فقير عرفاً ومثله مورد للزكاة ، كما هو الحال في حال الحياة ، فلو كان لشخص أموالٌ كثيرة ولكنّها سرقت أو غصبت بحيث أصبح صفر الكفّ لا ينبغي الشكّ في أنّه فقير حينئذٍ عرفاً ومصرفٌ للزكاة ، فمجرّد الملكيّة لا تستوجب الغنى وزوال الفقر ما لم يتمكّن صاحبها من الانتفاع والصرف ، فيجوز الاحتساب في المقام عملاً بإطلاق الغارمين في الآية المباركة ، فالحكم مطابق للقاعدة.

وأمّا صحيحة زرارة المتقدّمة فليس فيها ما ينافي ذلك ، إذ المفروض فيها تصدّي الابن لأداء دين أبيه وعدم تمرّده عنه ، فلا إطلاق لها يشمل صورة الامتناع.

ولعلّ هذا هو مراد صاحب الجواهر من الاقتصار في تقييد الإطلاق على محلّ اليقين (1)، يعني : أنّ المتيقّن من دلالة الصحيحة على عدم الاحتساب هو


1) الجواهر 15 : 366.

[2710] مسألة 12 : لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة (1) ، بل لو كان ممّن يترفّع ويدخله الحياء منها وهو مستحقّ يستحبّ دفعها إليه على وجه الصلة ظاهراً والزكاة واقعاً.


ما لو كان الوارث راغباً في تفريغ ذمّة الميّت عن الدَّين ، لأنّ موردها ذلك ، فلا تشمل الممتنع وإن كان الدليل لفظيّاً ، فيقتصر على المتيقّن من التقييد ، ويرجع فيما عداه إلى إطلاق الأدلّة ، المقتضي لجواز الاحتساب عن الزكاة كما تقدّم.

(1) تنحلّ المسألة إلى فروع ثلاثة :

أحدها : عدم وجوب الإعلام بكون المدفوع زكاة ، بل استحباب الدفع بعنوان الصلة ظاهراً لو كان الفقير رفيعاً ويدخله الحياء ، كأن يقول : هذا راجع إليكم ، أو : اقدّمه لكم ، ونحو ذلك ممّا يوهم الهبة والصلة.

ويدلّ على الحكم مضافاً إلى الإجماع كما عن غير واحد أوّلاً : إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة ، إذ لم يقيّد الدفع في شي‌ء منها بالإعلام ، بل اقتصر على مجرّد الإيصال إليه.

وثانياً : صحيحة أبي بصير ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذه من الزكاة ، فأُعطيه من الزكاة ولا اسمّي له أنّها من الزكاة؟ «فقال : أعطه ولا تسمّ له ولا تذلّ المؤمن» (1).

وهي وإن كانت ضعيفة السند بطريق الكليني من أجل سهل بن زياد ، إلّا


1) الوسائل 9 : 314 / أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 1 ، الكافي 3 : 563 / 3 ، الفقيه 2 : 8 / 25.

.................................................................................................


أنّها صحيحة بطريق الصدوق ، لصحّة طريقه إلى عاصم بن حميد.

كما أنّها صريحة الدلالة على المطلوب.

ولكن قد تعارضها صحيحة ابن مسلم ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الرجل يكون محتاجاً فيبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك زمام الحياء وانقباض ، فنعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه وهي منّا صدقة؟ «فقال : لا ، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها ، وإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه ، وما ينبغي له أن يستحيي ممّا فرض اللّه ، إنّما هي فريضة اللّه له فلا يستحيي منها» (1).

ويندفع : بأنّ ذيلها أعني قوله (عليه السلام) «وما ينبغي» المذكور في باب 57 غير قابل للتصديق ، إذ كون الزكاة فريضة على الدافع لا يستلزم عدم استحياء القابض ، وإنّما يستوجب اللوم لو كانت فريضة على المستحيي نفسه لا على شخص آخر ، كيف؟! وهي أوساخ الأموال كما صرّح به في الأخبار ، ففي قبولها نوع من المهانة والذلّ كما عبّر به في صحيحة أبي بصير المتقدّمة ، ومن هنا مُنعت عن بني هاشم وعوّضوا عنها بالخمس إجلالاً لهم وترفيعاً لشأنهم.

وعلى الجملة : جعل حكم على شخص فريضة أو سنّة لا ينافي استحياء الآخر ، فإنّ المتعة سنّة مؤكّدة ومع ذلك يستحيي الشريف من تعريض ابنته الباركة للتمتّع بها ، فمضمون الصحيح لا يمكن الالتزام به ، ولا بدّ من ردّ علمه إلى أهله.

وأمّا الصدر أعني قوله في الجواب : «إذا كانت» فلا يخلو أيضاً عن شي‌ء بعد ذهاب الأصحاب إلى الجواز ، بل عليه الإجماع كما عرفت.


1) الوسائل 9 : 315 / أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 2 ، وأورد ذيلها في ص 313 ب 57 ح 1.

بل لو اقتضت المصلحة (1) التصريح كذباً بعدم كونها زكاة جاز (1)،


وقد حمله صاحب الوسائل تارةً : على عدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق.

وهو كما ترى مخالف لفرض الفقر المذكور في كلام السائل.

وأُخرى : على عدم وجوب الإخفاء.

وهو خلاف الظاهر جدّاً ، بعيد عن سياق الكلام كما لا يخفى.

وربّما يجمع بينها وبين صحيحة أبي بصير بالحمل على الكراهة ، لصراحة تلك في الجواز وظهور هذه في المنع ، فيرفع اليد عن ظاهر أحدهما بصريح الآخر ، فإن تمّ ذلك ، وإلّا فلا ريب في تقديم الاولى أعني : صحيحة أبي بصير إذ الثانية شاذّة مهجورة لا عامل بها ، فلا تنهض للمقاومة بإزاء الرواية المشهورة المجمع عليها بين الأصحاب ، فتأمّل.

ومع الغضّ عن ذلك وتسليم استقرار المعارضة فغايته تساقط الصحيحتين ، فيرجع بعدئذٍ إلى إطلاقات الأدلّة القاضية بعدم اعتبار الإعلام كما عرفت.

(1) الفرع الثاني : جواز التصريح كذباً بعدم كونها زكاة لو اقتضت المصلحة ذلك ، كأن يقول : إنّ هذا دين اقترضته منك سابقاً وقد نسيته أنت ، ونحو ذلك. ولكن هذا لم يظهر له أي وجه ، فإنّ مجرّد وجود المصلحة من ملاحظة احترام المؤمن وعدم الإذلال به أو ترتّب المنفعة لا يسوّغ ارتكاب الكذب الذي هو من الكبائر ما لم تبلغ المصلحة حدّ الإلزام والوجوب بحيث يكون أقوى ملاكاً من مفسدة الكذب ، ولا سيّما بعد إمكان التورية بناءً على جوازها في غير مورد الضرورة أيضاً كما هو الصحيح.


1) (*) جواز الكذب في أمثال المقام لا يخلو من إشكال بل منر. نعم ، لا بأس بالتورية.

إذا لم يقصد القابض عنواناً آخر (1)(1) غير الزكاة ، بل قصد مجرّد التملّك.


(1) الفرع الثالث : اعتبار عدم قصد القابض عنواناً آخر مغايراً للزكاة.

ويقع الكلام تارةً في الصغرى وأُخرى في الكبرى.

أمّا الصغرى : فالظاهر أنّها غير معقولة ولا يمكن فرضها في المقام إلّا نادراً ، إذ بعد أن أخبر الدافع ولو كذباً بعدم كون المدفوع زكاةً وقد قبضه الفقير بانياً على هذا الاعتقاد فكيف يمكنه القبض والحال هذه بعنوان الزكاة أو بعنوان مطلق التملّك الجامع لها والقابل للانطباق عليها؟! فإنّه منافٍ للاعتقاد المزبور ، بل لا يمكنه إلّا قصد العنوان المغاير من هدية ونحوها.

اللّهمّ إلّا أن يحتمل كذب المخبر ولم يعتقد بصدقه فيمكنه حينئذٍ عدم قصد العنوان الآخر ، ولكنّه فرض نادر كما عرفت ، بل لعلّه خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.

وأمّا الكبرى : فلا عبرة بقصد القابض أبداً ، وإنّما الاعتبار بقصد الدافع الذي هو المكلّف بالزكاة ، فإنّها وظيفة له لا للفقير القابض ، إذ لا شأن له عدا أنّه مورد ومصرف لها ، ومن الواضح أنّ الدفع إليه ليس من قبيل المعاملات ليحتاج إلى قبول منه عن قصد وورود القصدين على محلّ واحد ، فلو دفع بقصد البيع وقبض بقصد الإجارة بطل ، أمّا لو دفع في المقام بقصد الزكاة وقبض الفقير بقصد الوفاء عن دَينٍ تخيّل له عليه صحّ وبرئت ذمّة الدافع عن الزكاة بلا إشكال.

والسرّ ما عرفت من أنّ المناط في القصد صدوره ممّن هو موظّف بالزكاة ، وليس إلّا الدافع ، ولا أثر لقصد القابض بوجه ، ومن ثمّ صحّ الاحتساب زكاةً


1) (*) لا أثر لقصد القابض في أمثال المقام.

[2711] مسألة 13 : لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّاً (1) : فإن كانت العين باقية ارتجعها ، وكذا مع تلفها إذا كان القابض عالماً بكونها زكاةً وإن كان جاهلاً بحرمتها للغني ، بخلاف ما إذا كان جاهلاً بكونها زكاةً فإنّه لا ضمان عليه (1). ولو تعذّر الارتجاع أو تلفت بلا ضمان أو معه ولم يتمكّن الدافع من أخذ العوض كان ضامناً (2)، فعليه الزكاة مرّة أُخرى.

نعم ، لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه ، لا ضمان عليه ، ولا على المالك الدافع إليه.


ممّن له دَين على الفقير وإن لم يطّلع عليه الفقير أبداً ، بل وإن كان ميّتاً كما مرّ.

وقد ورد في جملة من النصوص جواز صرف الزكاة في الأيتام وإعاشتهم منها ليكبروا ويرغبوا في الإسلام مع وضوح عدم الاعتبار بقصد اليتيم وقبوله ، ولم يفرض القبول من وليّه حتّى الحاكم الشرعي ، بل يصحّ دفع الزكاة إلى فقير لا يعرف معنى الزكاة أبداً ، لكونه جديد العهد بالإسلام مثلاً - ، فلا يعقلها فضلاً عن أن يقبلها ويقصدها.

وببيان آخر : المالك للزكاة إنّما هو طبيعي الفقير لا شخص من يدفع إليه ، وإنّما هو مصداق للطبيعي يملكه بعد القبض لا قبله ، ومن البديهي عدم تعقّل القصد من الطبيعي ، فمن هو المالك لا يعقل قصده ، ومن يعقل منه القصد والقبول ليس بمالك إلّا بعد القبض ، والكلام في القصد قبله ، إذ لا أثر للقصد بعد القبض كما هو ظاهر.

(1) لا ينبغي التأمّل في وجوب الارتجاع مع بقاء العين فيما لو كانت متعيّنة


1) (*) بمعنى أنّه لا يستقرّ عليه الضمان.

2) (**) الظاهر عدم الضمان إذا كان الدفع مع الحجّة ومن دون تقصير في الاجتهاد.

.................................................................................................


في الزكاة قبل الدفع بالعزل والإفراز ، لما تقدّم من عدم جواز التصرّف في العين المعزولة ما عدا الإيصال إلى صاحبها ، فإبقاؤها عند غيره وهو الغنى في المقام تصرّفٌ بغير إذن المالك ، وهو حرام.

وأمّا الدفع إليه من غير سبق العزل فهل هو محكوم بوجوب الارتجاع أيضاً؟.

اختار المحقّق الهمداني (قدس سره) العدم ، نظراً إلى أنّ المدفوع لا يتشخّص في الزكاة إلّا بقبض الفقير الواقعي المنفي حسب الفرض ، فهو إذن ماله وباقٍ تحت سلطنته ، فله الإبقاء كما له الإرجاع (1).

ولكن الظاهر الوجوب وجريان حكم العزل عليه ، والوجه فيه : أنّ المالك لا يدفع إلّا الزكاة ، كما أنّ الفقير لا يقبض إلّا العين المتّصفة بعنوان الزكاة ، فلا جرم كان الوصف العنواني ملحوظاً قبل قبض الفقير وتسلّمه ، لا أنّه يعرضه بعد القبض. وعليه ، فلدى إخراج المالك وتصدّيه للدفع ونيّته الزكاة لا مناص من تعيّن المدفوع فيها ، لتكون موصوفة بالزكاة حال تسلّم الفقير ، ومن الواضح أن نيّة الزكاة وتشخيص المدفوع فيها حاصلة للدافع فعلاً وبنحو الإطلاق من غير أن يكون مقيّداً بقبض الفقير ومعلّقاً عليه ، فهو حال الإخراج وقبيل الدفع ناوٍ لتشخيص الزكاة في المدفوع وتعيّنه فيها لا محالة ، ولا نعني بالعزل إلّا هذا. فلا يختصّ الحكم بسبق العزل خارجاً ، بل يعمّ العزل المقارن للدفع.

وعلى الجملة : فكل دفع فهو مشتمل على العزل قبله ولو آناً ما دائماً ، وليس ذلك مقيّداً بقبض الفقير الواقعي ، بل يعمّ الاعتقادي الخيالي وجداناً ، وإذا تحقّق العزل وجب الارتجاع ، كما في العزل المسبوق ، بمناط واحد ، فانكشاف عدم الفقر لا يمنع عن وجوب الارتجاع.


1) لاحظ مصباح الفقيه 13 : 521 526.

.................................................................................................


نعم ، يختصّ هذا البيان بالعين الشخصيّة ولا يعمّ احتساب الدين ، فلو كان له دين على الفقير فاحتسبه زكاةً ثمّ انكشف غناه بطل الاحتساب ، إذ الدين كلّي موطنه الذمّة ، فلا يقبل العزل الذي هو من شؤون الأعيان الشخصيّة ، فلا معنى للارتجاع حينئذٍ كما هو ظاهر.

هذا كلّه مع بقاء العين.

وأمّا مع تلفها عند القابض ، فهل يضمنها الدافع أو القابض ، أمّ أنّ هناك تفصيلاً؟

الذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الدافع إمّا أن يكون قد جدّ واجتهد وفحص عن حال الفقير وجرى في تشخيص الفقر على الطريقة العقلائيّة والموازين الشرعيّة ، وأُخرى قصّر وفرّط في المقدّمات ولم يسلك تلك الموازين المقرّرة.

فعلى الأوّل : لا ضمان عليه وإن صدق معه الإتلاف ، سواء أكان القابض عالماً أم جاهلاً ، وذلك من وجهين :

أحدهما : أنّ الدافع المكلّف بأداء الزكاة له الولاية على تطبيقها حيثما شاء كما تقدّم ، فهو إذن ولي على المال ، ولا ينبغي التأمّل في أنّ الولي الغير المقصّر في أداء وظيفته أمين لا يضمن بشي‌ء ، كما هو الحال في الأولياء على الأيتام والصغار والمجانين والقاصرين والغائبين ، أو على الأوقاف ، وكذا الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في تصدّي تقسيم الزكوات مثلاً وإيصالها إلى محالّها ، فإنّ شيئاً من هؤلاء لا يضمنون لو انكشف الخلاف بعد بذل جهدهم ، فلو قامت البيّنة مثلاً لدى الحاكم الشرعي على فقر زيد فدفع إليه الزكاة ثمّ انكشف غناه ، أو باع الولي مال اليتيم معتقداً بحسب الموازين غبطته وصلاحه وبعد يوم ارتفعت القيمة السوقيّة ارتفاعاً فاحشاً ، لم يكن ضامناً يقيناً ، وإلّا لما استقرّ حجر على حجر ، ولما قام للمسلمين سوق كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فالدافع ولي ، والولي القائم بوظيفته لا ضمان عليه فينتج بعد

.................................................................................................


ضمّ الصغرى إلى الكبرى عدم ضمان الدافع في المقام.

ثانيهما : أنّا وإن كنّا قد عبّرنا لحدّ الآن بأنّ الزكاة ملك للفقير ، إلّا أنّها كانت مسامحة في التعبير ، إذ لم يدلّ على الملكيّة أيّ دليل ، والتعبير بالشركة في قوله (عليه السلام) : «إنّ اللّه أشرك الفقراء في أموال الأغنياء» مبني على ضرب من المسامحة ، ولا يراد به الشركة في الملكيّة ، ولا سيّما على القول بعدم البسط على المصارف الثمانية وجواز الدفع لفرد واحد من صنف واحد ، إذ كيف يجوز دفع ملك الفقير لغيره؟!

نعم ، على البسط له وجه ، ولكنّه يندفع بعدم الانطباق على سائر الموارد السبعة ، والالتزام بالتفكيك مخالف لاتّحاد السياق كما لا يخفى.

إذن فالصحيح أنّ الفقير مصرف بحت ولا ملكيّة بتاتاً إلّا بعد القبض ، وإنّما الزكاة ضريبة إلهيّة متعلّقة بالعين كالضرائب المجعولة من قبل السلاطين وحكّام الجور ، فالمال مال اللّه يصرفه المالك في الفقير بإذن اللّه حيث أعطى له ولاية الدفع. وعليه ، فالدافع الذي أخطأ في تشخيص الفقر قصوراً لا تقصيراً مرخّص فيما يرتكبه من العطاء من قِبَل الشارع ، وعمله عمل سائغ ، فهو يصرف مال اللّه الذي هو كضريبة إلهيّة بترخيص منه تعالى ، فأيّ موجب بعد هذا للضمان؟! فإنّه لم يتلف ملكاً للغير ليضمنه حسبما عرفت.

وأمّا ما اشتهر من : أنّ من أتلف مال الغير فهو له ضامن ، فلم نجد ذلك ولا في رواية واحدة بعد الفحص التامّ في مظانّه ليتمسّك بعمومه في المقام على القول بملكيّة الفقير.

وإنّما هي عبارة الفقهاء اصطادوها من الموارد المتفرّقة ، فليس هذا بنفسه مدركاً للضمان ، بل المدرك السيرة العقلائيّة الممضاة لدى الشارع ، القائمة على الضمان في موارد الإتلاف ، بل التلف في يد الغير ، ومن الضروري عدم قيام

.................................................................................................


السيرة في المقام كما لم يرد فيه نصّ خاصّ ولا إجماع قطعي ، فلا مقتضي لضمان الدافع بوجه.

وأمّا القابض فهو ضامن مع علمه بكونها زكاة وإن كان جاهلاً بحرمتها للغني إذ الجهل المزبور لا يؤثّر إلّا في سقوط الإثم ، دون الضمان الثابت بمقتضى عموم : على اليد ما أخذت ، فبما أنّ يده على المال يد غير مستحقّة فلا بدّ من الخروج عن عهدته.

وأمّا لو كان جاهلاً فلا ضمان عليه أيضاً ، لأنّه إمّا أن يضمن بلا رجوع إلى الدافع الغارّ من جهة عدم إخباره بأنّ المال المدفوع إليه زكاة الموجب للإضرار أو مع الرجوع إليه.

أمّا الأوّل : فلا موجب له ولا مقتضي لتحمّل الضرر مع أنّه مغرور من قبل الدافع ، والمغرور يرجع إلى من غرّه ، كما هو الشأن في سائر موارد الضمانات المتضمّنة للتغريرات ، فإنّ المقام لا يمتاز عنها بشي‌ء.

وأمّا الثاني : فهو باطل ، لما عرفت من عدم ضمان الدافع بالوجهين المتقدّمين.

وعلى الثاني أعني : ما إذا كان الدافع مفرّطاً في المقدّمات ومقصّراً في تشخيص الفقر فهو ضامن ، لمكان التفريط ، كما أنّ القابض أيضاً ضامن عالماً كان أم جاهلاً ، بمقتضى : على اليد ، إلّا أنّهما يختلفان في قرار الضمان.

فإنّ الدافع لو خرج عن الضمان بالدفع ثانياً إلى الفقير الواقعي رجع بعد ذلك إلى القابض العالم بالحال ، إذ هو يملك التالف بالدفع المزبور في ذمّة القابض ، وأمّا لو تصدّى القابض للدفع فليس له الرجوع إلى الدافع ، لأنّه قد أتلفه عن علمٍ بكونه مال الغير ، فليس له الرجوع إلى أحد ، فكان قرار الضمان عليه ، أي على القابض.

وأمّا في فرض جهل القابض فالأمر بالعكس ، فلا يرجع الدافع إلى القابض ،

.................................................................................................


لأنّه الذي سلّطه على المال وأوقعه في الضرر ، ويرجع هو إليه بمقتضى قاعدة المغرور حسبما عرفت.

هذا ما يقتضيه الجري على القواعد الأوّلية حول فروض هذه المسألة وشقوقها من التفصيل بين بقاء العين وتلفها وعذر الدافع وتفريطه ، وعلم القابض وجهله ، حسبما بيّناه.

وأمّا بالنظر إلى الأدلّة الخاصّة فقد يقال باستفادة الحكم من النصوص الواردة في المقام ، وأنّ مرسلة ابن أبي عمير تدلّ على الضمان فيمن دفع إلى من يراه معسراً فوجده موسراً ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل يعطي زكاة ماله رجلاً وهو يرى أنّه معسر فوجده موسراً «قال : لا يجزئ عنه» (1).

وأنّ موثّقة عبيد بن زرارة تدلّ على عدم الضمان فيما لو طلب واجتهد ولم يقصّر في تشخيص الفقير ثمّ انكشف الخلاف ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : قلت له : رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها زماناً إلى أن قال : قلت له : فإنّه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل ، قد كان طلب واجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع «قال : ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أُخرى» (2).

ونحوها صحيح زرارة ، غير أنّه قال : «إن اجتهد فقد برئ ، فإن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا» (3).

ولكن المرسلة من أجل الإرسال غير صالحة للاستدلال. ولا يجدي كون المرسِل ابن أبي عمير الذي قيل : إنّه لا يروي ولا يرسِل إلّا عن الثقة ، لما تكرّر في مطاوي هذا الشرح من الخدش في هذه الدعوى التي صدرت من الشيخ


1) الوسائل 9 : 215 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 5.

2) الوسائل 9 : 214 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 1.

3) الوسائل 9 : 214 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 2.

.................................................................................................


(قدس سره) في كتاب العدّة (1)، فإنّه اجتهادٌ منه لم يبتن على أساس صحيح ، سيّما بعد ما عثرنا على روايته عن الضعاف كما نبّهنا عليه في المعجم (2)، بل لم يعمل حتّى هو (قدس سره) باجتهاده ، فقد ناقش (قدس سره) أنّ مرسِلها ابن أبي عمير. هذا أوّلاً.

وثانياً : مع الغضّ عن ذلك وتسليم الكبرى فهي غير منطبقة على المقام ، إذ المرسِل هو الحسين بن عثمان لا ابن أبي عمير ، فعلى تقدير التسليم فغايته أنّ ما يرسله ابن أبي عمير بنفسه وبلا واسطة في حكم المسنَد ، لا ما يرويه عن ثقة وذلك الثقة يرسِله عن مجهول كما في المقام ، فإنّ مثل ذلك يعدّ من مراسيل ذلك الثقة لا من مراسيل ابن أبي عمير كما لا يخفى.

وأمّا الروايتان فهما أجنبيّتان عن المقام ، فإنّ المراد بغير الأهل هو المخالف ، بقرينة توصيف الدافع في الصدر بالعارف ، وقد فرض أنّه فحص عن أهل المعرفة فلم يجد ، فدفع بعد اليأس إلى من يعلم بأنّه ليس بأهل ، ثمّ يتبيّن له سوء صنعه ، فانكشف خطأه لا خطأ الطريق الذي اعتمد عليه كما هو محلّ الكلام. فهذه الرواية إن تمّت فهي من أدلّة جواز الدفع إلى المستضعفين بعد فقد المؤمنين الذي هو محلّ الكلام بين الأعلام ، وسنتكلّم فيه إن شاء تعالى.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ المسألة عارية عن النصّ الصالح للاعتماد عليه ، فلا بدّ إذن من الجري على مقتضى القواعد الأوّلية حسبما عرفت.

ثمّ إنّه لا فرق في جميع ما ذكرناه بين أن يكون الشرط المعتبر تحقّقه في مصرف الزكاة الذي اعتقد وجوده ثمّ انكشف خلافه هو الفقر أم غيره من سائر الشرائط كالإسلام والإيمان والعدالة على القول بها وعدم كونه واجب النفقة وغير ذلك ، فلو اعتقد إسلام الفقير ثمّ انكشف كفره أو إيمانه أو عدم كونه ممّن


1) العدّة 1 : 154.

2) معجم رجال الحديث 15 : 297.

[2712] مسألة 14 : لو دفع الزكاة إلى غني جاهلاً بحرمتها عليه أو متعمّداً ، استرجعها مع البقاء (1) ، أو عوضها مع التلف وعلم القابض ، ومع عدم الإمكان يكون عليه مرّة أُخرى. ولا فرق في ذلك بين الزكاة المعزولة وغيرها ، وكذا في المسألة السابقة ، وكذا الحال لو بان أنّ المدفوع إليه كافر أو فاسق إن قلنا باشتراط العدالة أو ممّن تجب نفقته عليه ، أو هاشمي إذا كان الدافع من غير قبيله.

[2713] مسألة 15 : إذا دفع الزكاة باعتقاد أنّه عادل فبان فقيراً فاسقاً ، أو باعتقاد أنّه عالم فبان جاهلاً ، أو زيد فبان عمرواً ، أو نحو ذلك (2) ، صحّ


يجب الإنفاق عليه ثمّ تبيّن خلافه جرى فيه كلّ ما مرّ من التفصيل والتشقيق بمناط واحد ، فلاحظ.

(1) ما قدّمناه في المسألة السابقة من التشقيق والتفصيل يجري هاهنا حرفاً بحرف ، ولا فرق بينهما إلّا في خصوصيّة واحدة بها امتازت هذه عن تلك ، وهي أنّ الدافع هناك يدفع الزكاة لمن له الولاية عليه حسب تشخيصه وهو الفقير فيجري حينئذٍ فيه التفصيل المتقدّم بين التفريط في مقدّمات التشخيص وعدمه حسبما عرفت. وأمّا هاهنا فيصرفها بالدفع إلى الغني الذي يعلم بغناه فيما هو خارج عن شؤون الولاية ولم يجعل له الشارع سبيلاً في هذا الصرف ، فهو بهذا الدفع الذي ليس له الولاية عليه مفرّط مقصّر فيكون ضامناً لا محالة ، كما أنّ القابض أيضاً ضامن مع العلم وعدمه ، إلّا أنّ قرار الضمان عليه على الأوّل وعلى الدافع على الثاني حسبما عرفت في المسألة السابقة.

(2) فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين ما إذا كان ذلك بنحو التخلّف في الداعي والاشتباه في التطبيق ، وما إذا كان على وجه التقييد.

فيصحّ في الأوّل ويجزئ ، ولا يجوز استرجاع العين وإن كانت باقية ، لصيرورتها ملكاً للفقير بالقبض.

صحّ وأجزأ إذا لم يكن على وجه التقييد (1)، بل كان من باب الاشتباه في التطبيق ، ولا يجوز استرجاعه حينئذٍ وإن كانت العين باقية ، وأمّا إذا كان على وجه التقييد فيجوز ، كما يجوز نيّتها مجدّداً مع بقاء العين أو تلفها إذا كان ضامناً بأن كان عالماً باشتباه الدافع وتقييده.


ولا يصحّ في الثاني ، لانتفاء القصد عن فاقد القيد ، ويجوز الاسترجاع عيناً مع بقائها وبدلاً مع تلفها على وجه الضمان ، كما في صورة العلم باشتباه الدافع في تقييده ، دون الجهل ، لأنّه استلم العين حينئذٍ على أن تكون مضمونة على الدافع وقد سلّطه عليها مجّاناً وبلا عوض ، فلا مقتضي للضمان كما لا يخفى.

ثمّ في صورة الضمان يجوز الاحتساب ، لأنّه بالآخرة فقير ومصرف للزكاة وهذا دين في ذمّته ، فلا مانع من احتسابه زكاة ، كما لا مانع من تجديد النيّة مع بقاء العين أيضاً فيما ذكر.

أقول : قد تكرّر في مطاوي هذا الشرح عند التعرّض لأمثال المقام : أنّ الضابط العام في إمكان التقييد كون موضوع الحكم أو متعلّقه كلّياً قابلاً للانطباق على كثيرين ومفهوماً واسعاً شاملاً لتضيّق تلك السعة وتحدّد دائرة الكثرة بورود التقييد الذي معناه التضييق والتخصيص بحصّة خاصّة ، مثل قولك : بعتك منّاً من السمن على أن يكون من البقر ، أو من الحنطة على أن تكون من المزرعة الفلانيّة ، فالمبيع هو المنّ الكلّي من السمن أو الحنطة لكن مقيّداً بصنف خاصّ ونوع مخصوص في قبال ما لو باعه الكلّي على سعته وإطلاقه ، فلو سلّمه في مقام الوفاء فرداً من صنف آخر لم يكن ذاك وفاءً بالبيع ، لخروجه عن دائرة المبيع ، فلحاظ التقييد في هذا ونظائره أمر ممكن.


1) (*) الدفع الخارجي غير قابل للتقييد ، وبذلك يظهر حال ما فُرّع عليه.

.................................................................................................


وأمّا لو كان موضوع الحكم من الوضع أو التكليف جزئيّاً حقيقيّا وشخصيّاً خارجيّاً مثل قولك : بعتك هذا العبد على أن يكون كاتباً ، فالتقييد هاهنا أمر غير معقول ، ضرورة أنّ الموجود الشخصي الخارجي فردٌ واحد لا إطلاق فيه ليقيّد ولا سعة فيه ليتضيّق ، فإنّ التقييد هو التضيّق كما عرفت ، وهو فرع فرض التوسعة في مرتبة سابقة ليرد عليها التضيّق كما هو ظاهر.

وعليه ، فالتقييد المزبور إن كان في باب البيع وغيره من المعاملات رجع إلى الاشتراط ، أي إناطة الالتزام بالبيع بوجود القيد ، الراجع بحسب النتيجة إلى جعل الخيار لدى تخلّف الشرط على ما هو مذكور في محلّه.

وأمّا في غيره من الاعتباريّات التكليفيّة والوضعيّة كالوجوب والملكيّة وما الحق بها مثل الرضا والإجازة في مثل بيع الفضولي فيرجع إلى التقدير والتعليق ، الذي مرجعه إلى تقييد الحكم دون الموضوع ، ففي مثل الوصيّة أو التدبير ينشأ الملكيّة ولكن معلّقاً على الوفاة ، وفي مثل قوله : صلّ عند الدلوك ، ينشأ الوجوب ولكن معلّقاً على الزوال وبنحو الواجب التعليقي ، وإلّا فالحكم التكليفي أو الوضعي جزئي شخصي لا إطلاق له ليقيّد كما لا يخفى.

ومثله الرضا وما يترتّب عليه من الإجازة ، فإنّ التقييد فيه مرجعه إلى التعليق ، فيمكن أن يجيز العقد الفضولي الواقع على ماله إن كان الثمن كذا أو إن كان المشتري فاضلاً ، فهو بالفعل راضٍ وغير راض ، أي راضٍ على تقديرٍ ولا يرضى ولا يجيز على التقدير الآخر.

وأمّا فيما عدا الاعتباريّات وما يلحق بها ممّا عرفت فلا معنى فيها للتقييد ولا للتقدير والتعليق بوجه ، إذ لا معنى لشرب المائع الخارجي مثلاً مقيّداً بكونه ماءً ، أو على تقدير كونه ماءً ، ضرورة أنّ الشرب فعل شخصي تكويني وحداني دائر أمره بين الوجود والعدم ، فإمّا أن يكون أو لا يكون ، ولا يعقل تعليقه على شي‌ء أو تقييده بشي‌ء ، فإذا وجد فقد تحقّق الشرب ، ماءً كان أم

.................................................................................................


غيره ، وإلّا فلا وجود له من أصله. وهكذا الحال في سائر الأُمور التكوينيّة التي منها الاقتداء خلف من في المحراب كما تقدّم في محلّه (1).

ثمّ إنّ ما كان من قبيل الرضا قد يتحقّق معلّقاً وعلى تقدير دون تقدير حسبما عرفت ، وأُخرى منجّزاً من دون أيّ تعليق فيه ، نظراً إلى انبعاث الرضا عن اعتقاد وجود الوصف وحصول التقدير ، فيرضى بالتصرّف في ماله ، لاعتقاد أنّ المتصرّف عادل فيتبيّن خلافه ، فيصحّ على الثاني ، لكونه من تخلّف الداعي ، ولا يصحّ على الأوّل لو تخلّف ، لخروجه عن مورد الرضا والقصد المختصّ بأحد التقديرين حسب الفرض.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر لك صحّة ما ذكره في المتن من التقسيم إلى ما كان على وجه التقييد مع نوع مسامحة في هذا التعبير وأنّ المراد به التقدير والتعليق حسبما عرفت وما كان من باب الاشتباه في التطبيق.

فإن دفع الزكاة منوط برضا المالك من أجل أنّ له الولاية على التطبيق كما تقدّم ، فتارةً يرضى بتصرّف الفقير وتملّكه رضاً فعليّاً منجّزاً ، استناداً إلى اعتقاد اتّصافه بصفة لا واقع لها من العدالة ونحوها ، وأُخرى يرضى على تقدير العدالة ولا يرضى على تقدير الفسق ، فلا يرضى على الإطلاق بل على تقديرٍ دون تقدير ، فيصحّ على الأوّل وإن تخلّف الوصف وكان من باب الاشتباه في التطبيق ، دون الثاني ، لاختصاص نيّة الزكاة والرضا بتصرّف الفقير وتملّكه بتقديرٍ خاص ، وهو كونه عادلاً أو عالماً أو زيداً ونحو ذلك ، ففقد التقدير يستوجب فقد الرضا وانتفاء النيّة والقصد فلا يقع المدفوع زكاةً.

كما ظهر أيضاً امتياز المقام عن سائر الموارد التي أنكرنا فيها التقييد ممّا تقدّم في كلام الماتن أو تأخّر التي منها ما أشرنا إليه من الاقتداء خلف مَن في المحراب على أنّه زيد فبان أنّه عمرو ، حيث ذكرنا أنّه من قبيل التخلّف في


1) شرح العروة (كتاب الصلاة 3) : 22 ، 66 ، 99.

الثالث : العاملون عليها. وهم المنصوبون من قبل الإمام (عليه السلام) أو نائبه (1) الخاصّ أو العامّ لأخذ الزكوات وضبطها وحسابها وإيصالها إليه أو إلى الفقراء على حسب إذنه.


الداعي دائماً ولا يعقل التقييد.

وجه الامتياز : ما عرفت من أنّ الدفع في المقام من قبيل الرضا بالتصرّف ، وقد عرفت أنّ الرضا يلحق بالاعتباريّات في إمكان التعليق والتقدير فيها ، دون الاقتداء المزبور ، فإنّه فعل تكويني إما يوجد أو لا يوجد ، ولا يعقل التعليق فيه بوجه حسبما عرفت.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ من مصارف الزكاة : ( الْعامِلِينَ عَلَيْها ) ، بنصّ الكتاب العزيز والنصّ المستفيض ، لكن لا مطلق من تصدّى العمل ، إذ ليس هو وظيفة لكلّ أحد ، بل بشرط النصب والإذن من قبل الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ أو العامّ ، بل لا يسوغ العمل بغير الإذن المزبور ، فإنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه ، إلّا إذا كان مأذوناً من قبل المالك حيث يجوز له التصدّي بنفسه للعمل ، فيجوز أن يأذن لغيره فيضمن حينئذٍ بالأمر له من ماله الشخصي لا من الزكاة ما لم يكن ظهور للإذن في المجّانيّة بقرائن حاليّة ونحوها.

وكيفما كان ، فلا إطلاق للآية المباركة يشمل صورة عدم الإذن ، إذ هي ناظرة إلى العمل السائغ الواقع على الوجه المقرّر شرعاً لا كيف ما اتّفق ، فليس مفادها إلّا أنّ العامل مصرف للزكاة ، وأمّا أنّ العمل أين يسوغ وما هو الشرط في صحّته فلا نظر في ذلك أبداً كي ينعقد الإطلاق.

ويستفاد ذلك أي لزوم الإذن والنصب من بعض النصوص الواردة في الموارد المتفرّقة ، حيث يظهر منها أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وكذا الوصيّ (عليه السلام) كان يعيِّن أشخاصاً للعمل على الزكوات ، من الجباية والضبط

فإنّ العامل يستحقّ منها سهماً في مقابل عمله (1) وإن كان غنيّاً. ولا يلزم استئجاره من الأوّل ، أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة ، بل يجوز أيضاً أن لا يعيّن ويعطيه بعد ذلك ما يراه.


والحراسة والإيصال ونحوها ، على نحوٍ يظهر المفروغيّة عن عدم جواز التصدّي بدون الإذن.

ثمّ إنّ المراد بالعامل مطلق من يتصدّى لعملٍ مستندٍ إلى الزكاة ، من الجباية والحراسة والكتابة والإيصال إلى الحاكم الشرعي والتقسيم إلى الفقراء ، فإنّ الكلّ مشمول لعنوان العامل بمقتضى الإطلاق ، ولا وجه للتخصيص بما عدا الأخير ، وإن كان هو المترائى ممّا رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم في تفسيره من أنّ ( الْعامِلِينَ عَلَيْها ) هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّى يؤدّوها إلى من يقسّمها (1)، حيث يظهر منها خروج القسمة عن العمل كما نصّ عليه في الجواهر (2). فإنّ الرواية مرسلة لا يعتمد عليها ، وإطلاق الآية شامل لذلك ، وإن كان ربّما يظهر من بعض الروايات أنّ العمل هو الجمع ، ولكنّه لا يصحّ ، إذ لا يحتمل أن يكون للعمل معنى خاصّ غير المعنى اللغوي ، كما أنّ ما يظهر من بعض أهل اللغة من التخصيص بالسعي والجمع لا حجّيّة فيه بعد إطلاق الآية المباركة وشمولها للكلّ من غير دليل صالح للتقييد حسبما عرفت.

(1) هل الحصّة المدفوعة إلى العامل من الزكاة يستحقّها مجّاناً كما في الفقير والمسكين ، أم أنّها في مقابل عمله فيجوز أن يستأجر من الأوّل أو يعيّن مقدار له على وجه الجعالة أو يعطيه بعده بلا تعيين؟


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 299.

2) جواهر الكلام 15 : 333.

.................................................................................................


ظاهر الأصحاب بل قيل : إنّه لا خلاف فيه ولا ارتياب تخيير الإمام أو الحاكم الشرعي بين الدفع إليه على وجه الإجارة أو الجعالة ، أو لا هذا ولا ذاك ، فلا يعيّن ، بل يعطيه بعد ذلك ما يراه ، وهو الصحيح.

فإنّ ظاهر الآية المباركة أنّ العامل كغيره من الموارد الثمانية مصرف للزكاة ، ولا دلالة لها على التمليك المجّاني في شي‌ء منها حتّى الفقير فإنّه يملك بالقبض لا أنّه يملك بالدفع.

بل لعلّ في تعليق الحكم على العامل نوع إشعار بل ظهور في أنّ للوصف العنواني مدخلاً في التعلّق ، وأنّه يستحقّ السهم بإزاء العمل وفي مقابله ، كما لو أوصى بأن يدفع شي‌ء للعامل ، فإنّه ظاهر في كونه في مقابل العمل كما لا يخفى ، ولكن الدفع بإزاء العمل لا يختصّ بأن يكون على وجه الإجارة أو الجعالة ، بل يجوز من غير سبق التعيين بمقتضى إطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة.

وبالجملة : لا دلالة بل لا إشعار في الآية المباركة على المجّانيّة بوجه ، بل الظاهر أنّه يعطي للعامل بوصف كونه عاملاً وبإزاء عمله ، أعمّ من أن يعطيه بعنوان المجّان أو بعنوان الأُجرة أو الجعالة حسبما عرفت.

وأمّا ما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : ما يعطى المصدّق؟ «قال : ما يرى الإمام ولا يقدّر له شي‌ء» (1).

فلا دلالة فيه على عدم جواز الإجارة أو الجعالة ، بل المقصود أنّه لم يقدّر للعامل في الشريعة المقدّسة شي‌ء من العشر أو نصف العشر ونحو ذلك ، بل هو موكول إلى نظر الإمام حسبما يرتئيه من المصلحة التي تختلف باختلاف الموارد من حيث زيادة العمل ونقيصته ، فربّما يعيّن شي‌ء بإجارة أو جعالة ، وأُخرى


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 4 و 257 ب 22 ح 3.

.................................................................................................


لا يعيّن ، بل يعطي له بعد العمل ما أدّى إليه النظر ، فعدم التقدير في أصل الشرع لا يستلزم المجّانيّة بوجه.

ثمّ لو فرضنا أنّ جميع الزكاة قد تلفت بعد العمل ، فهل يضمن الحاكم سهم العامل؟

أمّا في فرض عدم التعيين بإجارة أو جعالة فالأمر ظاهر ، إذ لا يعطى بإزاء عمله إلّا من الزكاة ، أي من نفس العين ، ولم يبق لها موضوع حتّى يعطى منه حسب الفرض ، فلا موجب لضمان الحاكم بأن يعطى من ماله مثلاً.

وأمّا في فرض التعيين بأحد الأمرين فالظاهر أنّ الأمر أيضاً كذلك ، إذ قد عيّنت له الأُجرة أو الجعل من نفس الزكاة لا من مال آخر ، فلا استحقاق مع التلف وانتفاء الموضوع ، ولا مقتضي لضمان الحاكم لا من ماله الشخصي ولا من بيت مال المسلمين. ومنه تعرف أنّه لا أثر عملي تفترق به هذه الموارد ، بل في جميعها لو تلفت الزكاة لا ضمان على الحاكم.

وكيفما كان ، فقد عرفت أنّ سهم العامل لا تقدير له في أصل الشرع ، بل هو موكول إلى نظر الحاكم من التعيين بأُجرة أو جعل أو عدمه والعطاء بعد ذلك بما شاء ، لكن على الثاني ليس له الاقتصار على الأقلّ من اجرة المثل ، لأنّ عمل المسلم محترم فلا بدّ من إعطائه أُجرة عمله والخروج عن عهدته ، ولا دلالة في الإناطة برأي الإمام في الصحيح المتقدّم على جواز دفع الأقلّ ، إذ ليس معناه أنّه يعطيه ما يشتهيه ويريده حتّى لو كان درهماً أو فلساً واحداً ، بل المراد إعمال الرأي وملاحظة الطوارئ والخصوصيّات فيعطيه بإزاء العمل ما أدّى إليه النظر الذي لا يكاد يكون أقلّ من اجرة المثل بطبيعة الحال.

ويشترط (1)فيهم : التكليف بالبلوغ والعقل (1) والإيمان ، بل العدالة والحرّيّة أيضاً على الأحوط. نعم ، لا بأس بالمكاتب.

ويشترط أيضاً معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهاداً أو تقليداً ، وأن لا يكونوا من بني هاشم. نعم ، يجوز استئجارهم من بيت المال أو غيره ، كما يجوز عملهم تبرّعا.


(1) ذكر الفقهاء شروطاً للعاملين على الزكاة قد ادّعي عليها الإجماع في كلمات غير واحد.

منها : البلوغ والعقل ، وذكروا في وجهه أنّ الصبي والمجنون قاصران يحتاجان في نفوذ تصرّفهما إلى الولي ، ولا ريب أنّ استعمال الشخص لجباية الزكوات يتضمّن نوع ولاية على الصدقات ، فكيف يقبل الاتّصاف بهذا العنوان من هو محتاج في تصرّفه إلى الولي؟! ولكن هذا لعلّه واضح البطلان ، ضرورة أنّ العامل لا يزيد على كونه أجيراً محضاً ، وليست له أيّة ولاية على الزكاة بوجه ، وإنّما هو كسائر العمّال المتصدّين بإجارة أو جعالة ونحوهما لغيرها من سائر الأعمال ، ولا شكّ في جواز استئجار الصبي أو المجنون بإذن الولي فيما إذا لم يبلغ المجنون حدّا يوجب إتلاف المال.

فإن تمّ إجماع قطعي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ولا يتمّ جزماً فهو ، وإلّا فلا مانع من استئجارهما ، سيّما وأنّ بعض الصبيان لهم قابليّة العمل أقوى من البالغين.

والحاصل : أنّه لم يكن لدينا دليل تعبّدي من نصّ أو إجماع قطعي على هذا


1) (*) على الأحوط.

.................................................................................................


الاعتبار ، فالحكم مبني على الاحتياط.

ومنها : الإيمان والحرّيّة وأن لا يكون من بني هاشم ، وقد استُدلّ بالإجماع أيضاً على اعتبار هذه الشروط الثلاثة.

والأولى التمسّك بما دلّ من الروايات على عدم جواز دفع الزكاة لبني هاشم والمخالف والعبد ، فإنّ النسبة بين هذه العناوين وبين العاملين وإن كانت هي العموم من وجه إلّا أنّ الحكم في الآية المباركة حكم وحداني متعلّق بمجموع الأصناف الثمانية والطبيعي الجامع لها ، ولم يكن انحلاليّاً بأن تجعل الزكاة للعامل مستقلا وللفقير مستقلا وهكذا لكي تلاحظ النسبة بينها وبين العامل بالخصوص ، وإنّما النسبة تلاحظ بين هذه العناوين الثلاث وبين مجموع الأصناف ، ولا شكّ أنّ النسبة حينئذٍ عموم مطلق ، بحيث لو فرضنا الجمع بينهما في الآية المباركة بأن قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) ثمّ ذيّلها بقوله : ولا يعطى لبني هاشم أو للمخالف والعبد ، لم يبق العرف متحيّراً ولم يشكّ في التخصيص وأنّ الذيل قرينة التصرّف في الصدر.

وقد ذكرنا في الأُصول أنّ الضابط العامّ لتشخيص أقوى الظهورين فرضهما مجتمعين ومتّصلين في كلام واحد ، فإن بقي العرف متحيّراً كان الظهوران متكافئين والدليلان متعارضين ، وإلّا فلا تعارض في البين ، بل يكون أحد الظهورين أقوى من الآخر وقرينة على التصرّف فيه بحيث يكون مانعاً عن انعقاد الظهور في المتّصل وعن حجّيّته في المنفصل.

وعلى الجملة : فلا يبعد استفادة حكم المقام من نفس النصوص الواردة في العناوين الثلاثة.

وأمّا ما ورد في بعض نصوص العبد من تقييد عدم الدفع إليه بصورة الحاجة كما في صحيحة ابن سنان : «... ولو احتاج لم يعط من الزكاة» ، فالقيد مسوق

.................................................................................................


لبيان تحقّق الموضوع ، وإلّا فلا يحتمل أن يدلّ بمفهومه على جواز الدفع في صورة الغنى وعدم الحاجة ، فإطلاق ما دلّ على أنّ العبد لا يعطى من الزكاة شيئاً كموثقة إسحاق بن عمّار (1)وغيرها محكّم.

على أنّه يمكن استفادة حكم العامل بالخصوص من بعض النصوص الواردة في بني هاشم ، كصحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا : يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّ وجلّ ( الْعامِلِينَ عَلَيْها ) فنحن أولى به ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : يا بني عبد المطّلب (هاشم) ، إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم ، ولكنّي وعدت الشفاعة» (2).

فإنّها صريحة في منعهم عن جميع السهام حتّى من سهم العاملين.

وهي تدلّ أيضاً على ما تقدّم سابقاً من اختصاص العاملين بمن يستعمله الإمام وينصبه للعمل ، وليس لكلّ أحد التصدّي لذلك من غير الإذن.

ويمكن استفادته أيضاً من بعض النصوص الواردة في منع الزكاة عن المخالفين ، وهي صحيحة زرارة وابن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، أنّهما قالا : «الزكاة لأهل الولاية ، قد بيّن اللّه لكم موضعها في كتابه» (3).

حيث دلّت على أنّ الزكاة التي هي مختصّة بأهل الولاية هي التي بيّن اللّه موضعها في كتابه ، وهي المصارف الثمانية التي منها سهم العاملين ، فكأنه تعالى


1) الوسائل 9 : 294 / أبواب المستحقين للزكاة ب 44 ح 3.

2) الوسائل 9 : 268 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 1.

3) الوسائل 9 : 224 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 9.

.................................................................................................


قال هكذا : إنّما الصدقات لأهل الولاية وهم الفقراء والمساكين والعاملين عليها. فقد دلّت بوضوح على اختصاص سهم العاملين بالمؤمنين.

ثمّ لا يخفى أنّ المستفاد من الأدلّة ليس إلّا أنّ الهاشمي لا يعطى من الزكاة ، لا أنّه غير قابل للاستئجار من مالٍ آخر ، فلو رأى وليّ الأمر المصلحة في استعماله وإعطائه من ماله أو من بيت مال المسلمين أو تصدّى هو للعمل تبرّعاً لم يكن به بأس ، إذ ليس الممنوع العمل بل الإعطاء من الصدقة حسبما عرفت.

ومنها : العدالة ، وقد ادّعي الإجماع أيضاً على اعتبارها في العامل ، لكن الإجماع القطعي غير محقّق ، بل لم يدلّ عليه أيّ دليل ، ويكفي كونه ثقة أميناً.

كما لم يدلّ دليل على عدم الاعتبار أيضاً.

والاستدلال له بما في صحيح بريد بن معاوية من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لمصدّقة : «... فإذا قبضته فلا توكل به إلّا ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً غير معنف بشي‌ء منها» (1)، حيث يظهر منه الاكتفاء بالأمانة والوثاقة وعدم اعتبار العدالة.

في غير محلّه ، لأنّها ناظرة إلى ما بعد القبض والجمع ، أعني : التوكيل في التقسيم وأن يكون المقسّم ثقة أميناً ، فهي أجنبيّة عن العامل ، أو فقل : إنّها أخصّ من المدّعى ، فتأمّل.

إذن لا دليل على الاعتبار نفياً وإثباتاً ، ويكفينا في عدم الاعتبار عدم الدليل على الاعتبار.


1) الوسائل 9 : 129 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 1.

والأقوى عدم سقوط هذا القسم في زمان الغيبة (1) مع بسط يد نائب الإمام (عليه السلام) في بعض الأقطار. نعم ، يسقط بالنسبة إلى من تصدّى بنفسه لإخراج زكاته وإيصالها إلى نائب الإمام (عليه السلام) أو إلى الفقراء بنفسه.

الرابع : ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) من الكفّار (2) ، الّذين يُراد من إعطائهم الفتهم وميلهم إلى الإسلام ، أو إلى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفّار أو الدفاع. ومن ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) : الضعفاء العقول من المسلمين ، لتقوية اعتقادهم ، أو لامالتهم إلى المعاونة في الجهاد أو الدفاع.


(1) لإطلاق الأدلّة وعدم الدليل على التخصيص بحال الحضور ، عدا ما في كلمات الأصحاب من تفسير العاملين بالنوّاب والسعاة من قبل الإمام ، حيث ذكر بعضهم : أنّه يستظهر منه الاختصاص المزبور ، وأنّه من وظائف الإمام (عليه السلام). ولكنّه كما ترى ، بل لم يظهر وجه للتفسير المذكور بعد جعل هذه الحصّة في الأدلّة لوليّ الأمر ، الشامل بإطلاقه للإمام الأصلي ونائبه الخاصّ أو العامّ حسب اختلاف الأزمنة ، فلو كان الحاكم الشرعي في عصر الغيبة مبسوط اليد ولو في بعض الأقطار وقد تمكّن من جباية الزكوات دفع سهماً منها للعاملين بمقتضى إطلاق الأدلّة حسبما عرفت.

(2) هذا الحكم ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، بل قد قام عليه إجماع المسلمين ونطق به الكتاب والسنّة.

وإنّما الكلام في تشريح موضوعه وتفسيره من حيث الاختصاص بالكفّار وعدمه ، فإنّ فيه أقوالاً ثلاثة :

.................................................................................................


أحدها : ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط والمحقّق في الشرائع ، بل نُسب إلى المشهور بين الأصحاب من الاختصاص بالكفّار.

قال في محكيّ المبسوط ما لفظه : ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) عندنا هم الكفّار الذين يستمالون بشي‌ء من مال الصدقات إلى الإسلام ، ويتألّفون ليستعان بهم على قتال أهل الشرك ، ولا نعرف لأصحابنا مؤلّفة أهل الإسلام (1).

وقال في الشرائع : و ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) وهم الكفّار الذين يستمالون إلى الجهاد ولا نعرف مؤلّفة غيرهم (2).

ثانيها : ما ذهب إليه المفيد وتبعه جماعة من التعميم ، وأنّ المؤلّفة ضربان : مشركون وهم من عرفت ، ومسلمون وهم ضعفاء الإيمان ، فيعطي لهم الزكاة لتقوية عقيدتهم (3).

ثالثها : ما اختاره في الحدائق من الاختصاص بالمسلمين ، قال ما لفظه : ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) قوم مسلمون قد أقرّوا بالإسلام ودخلوا فيه ، ولكنّه لم يستقرّ في قلوبهم ولم يثبت ثبوتاً راسخاً ، فأمر اللّه تعالى نبيّه بتألّفهم بالمال لكي تقوى عزائمهم وتشتدّ قلوبهم على البقاء على هذا الدين. فالتأليف إنّما هو لأجل البقاء على الدين والثبات عليه ، لا لما زعموه (رضوان اللّه عليهم) من الجهاد كفّاراً كانوا أو مسلمين وأنّهم يتألفون بهذا السهم لأجل الجهاد (4).

أمّا القول الأوّل : فلم يظهر له أيّ مستند ، بل يدفعه إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة.


1) المبسوط 1 : 249.

2) الشرائع 1 : 190.

3) نقله عنه في المعتبر 2 : 573.

4) الحدائق 12 : 177.

.................................................................................................


وأمّا القول الثاني : فهو المطابق للإطلاقات كما عرفت.

وأمّا القول الثالث : فقد استُدلّ له في الحدائق بطائفة من الأخبار إن تمّت سنداً ودلالةً لم يكن بدّ من تقييد المطلقات بها.

ولتوضيح الحال لا بدّ من استعراض تلكم الأخبار.

فمنها : ما عن تفسير علي بن إبراهيم القمّي نقلاً عن العالم (عليه السلام) : «والمؤلّفة قلوبهم قال : هم قوم وحّدوا اللّه وخلعوا عبادة مَن دون اللّه ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّداً رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يتألّفهم ويعلّمهم ويعرّفهم كيما يعرفوا ، فجعل لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا» إلخ (1).

وهي كما ترى مرفوعة السند فلا يمكن التعويل عليها.

ومنها : معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) قوم وحّدوا اللّه وخلعوا عبادة مَن دون اللّه ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّداً رسول اللّه ، وكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يتألّفهم ويعرّفهم لكيما يعرفوا ويعلّمهم» (2).

وقد رويت بطريقين أحدهما مرسل ، والآخر معتبر ، فإنّه وإن اشتمل على موسى بن بكر وفيه كلام ولكنّه ثقة على الأظهر.

ولكنّها قاصرة الدلالة ، إذ مضافاً إلى عدم استفادة الاختصاص بالمسلمين ، ولعلّهم أحد موارد التأليف مع جواز وجود فرد آخر ، فتأمّل أنّها في الدلالة على الاختصاص بالكفّار أقرب ، لأنّ موردها من لم يدخل الإسلام في قلبه ،


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 299.

2) الكافي 2 : 410 / 1.

.................................................................................................


كالمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام صورةً ، فلا دلالة لها على الاختصاص بالمسلم ضعيف الاعتقاد الذي يُراد تأليف قلبه وتقوية عقيدته كما هو المدّعى.

ومنها : مرسلة يونس عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم» (1).

ولكنّها مضافاً إلى الإرسال قاصرة الدلالة ، لعدم كونها بصدد تعريف المؤلّفة ، وإنّما تعرّضت لبيان الكمّيّة فحسب.

ومنها : موثّقة إسحاق بن غالب ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «يا إسحاق ، كم ترى أهل هذه الآية ( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (2)؟» قال : ثمّ قال : «هم أكثر من ثلثي الناس» (3).

ولكنّها غير ناظرة إلى تفسير المؤلّفة بوجه ، وإنّما وردت لبيان ما تقتضيه طبيعة البشر من السخط عند المنع والرضا لدى العطاء ، ولا ارتباط لها بما نحن فيه ، فإيرادها في باب المؤلّفة في الكافي كاستشهاد الحدائق بها غير واضح.

ومنها : مرسلة موسى بن بكر ، قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : «ما كانت ( الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) قطّ أكثر منهم اليوم ، وهم قوم وحّدوا اللّه وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قلوبهم وما جاء به فتألّفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وتألّفهم المؤمنون بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لكيما يعرفوا» (4).


1) الكافي 2 : 411 / 3.

2) التوبة 9 : 58.

3) الكافي 2 : 412 / 4.

4) الكافي 2 : 412 / 5.

.................................................................................................


ولكنّها قاصرة سنداً بالإرسال وبسهل بن زياد ، ودلالةً بنحو ما تقدّم في الرواية الثانية.

ومنها وهي العمدة - : صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ ( وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) «قال (عليه السلام) : هم قوم وحّدوا اللّه عزّ وجلّ وخلعوا عبادة مَن يعبد من دون اللّه عزّ وجلّ وشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وهم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ، فأمر اللّه نبيّه أن يتألّفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقرّوا به ، وإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يوم حنين تألّف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر ، منهم : أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاري وأشباههم من الناس فغضبت الأنصار إلى أن قال زرارة : فسمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : فحطّ اللّه نورهم ، وفرض اللّه للمؤلّفة قلوبهم سهماً في القرآن» (1).

ويندفع بقصورها عن الدلالة على الحصر ، بل أقصاها التعرّض لشأن نزول الآية وأنّ موردها هي تلك القصّة وأنّها نزلت بعد الاعتراض على ما بذله لأبي سفيان وأضرابه من المنافقين. ومن البيّن أنّ المورد لا يخصّص الموارد ، فمن الجائز جواز الدفع إلى الكفّار أيضاً لاستمالتهم إلى الجهاد أو إلى الإسلام ، كما يقتضيه إطلاق الكتاب والسنّة حسبما تقدّم.

فلم يثبت إذن ما يستوجب ارتكاب التقييد لترفع به اليد عن المطلقات.

هذا ، والذي يهوّن الخطب أنّ هذا البحث قليل الجدوى كما نبّه عليه المحقّق الهمداني (قدس سره) (2)، فإنّ من جملة مصارف الزكاة سهم سبيل اللّه ، وهو


1) الكافي 2 : 411 / 2.

2) مصباح الفقيه 13 : 537.

الخامس : الرّقاب ، وهم ثلاثة أصناف (1) :


كلّ أمر قربي يتوصّل به إلى مرضاة اللّه ، ولا شبهة أنّ من مصاديقه الصرف لتأليف القلب والجلب إلى ما فيه تشييد الدين وتقوية الإسلام والمسلمين ، سواء أكان المعطى له مسلماً ضعيف العقيدة لأجل تركيز مبادئ الإسلام ومفاهيمه في ذهنه أم كافراً يرجى تأليف قلبه إلى الجهاد أو إلى الإسلام.

إذن فلا ثمرة مهمّة للبحث عن اختصاص المؤلّفة بالمسلمين أو بالكافرين أو التعميم لهما بعد جواز الدفع لكلّ منهما بالعنوان الآخر على التقديرين حسبما عرفت.

(1) على المشهور بينهم من الاختصاص بالأصناف الثلاثة المذكورين في المتن ، أعني : المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة ، والعبد تحت الشدّة ، ومطلق عتق العبد شريطة عدم وجود المستحقّ للزكاة.

وزاد بعضهم صنفاً رابعاً ، وهو من وجب عليه العتق كفارةً ولم يجد ما يكفّر به فإنّه يُعتَق عنه.

وزاد آخرون صنفاً خامساً ، وهو الصرف لعتق الرقاب مطلقاً بلا قيد ولا شرط.

فالأقوال في المسألة ثلاثة ، وستعرف أنّ الأخير هو الأظهر.

أمّا القول الأوّل : فيستدلّ له في الصنف الأوّل بمرسلة الصدوق : قال سُئل الصادق (عليه السلام) عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدّى بعضها «قال : يؤدّى عنه من مال الصدقة ، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه ( وَفِي الرِّقابِ ) » ورواها الشيخ أيضاً بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي إسحاق ، عن بعض أصحابنا ، عن الصادق (عليه السلام) (1).


1) الوسائل 9 : 293 / أبواب المستحقين للزكاة ب 44 ح 1 ، الفقيه 3 : 74 / 258 ، التهذيب 8 : 275 / 1002.

.................................................................................................


فقد تضمّنت تطبيق الإمام (عليه السلام) صرف الزكاة من سهم الرقاب الوارد في الآية المباركة على مورد السؤال.

لكنّك خبير بعدم الحاجة في إثبات هذه الدعوى إلى التمسّك بمثل هذه الرواية الضعيفة بالإرسال بطريقيها.

إذ مضافاً إلى أنّ صرف الزكاة من سهم الرقاب في مورد السؤال ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال يدلّ عليه نفس الآية الشريفة ، لانطباق هذا السهم على الصرف في المكاتب قطعاً.

فإنّ الصرف من سهم الرقاب تارةً يكون بشراء الرقبة فتبدّل العين الزكوية بها ثمّ يعتقها المالك بنفسه أو يأذن ولي الأمر بإنشاءٍ جديد.

وأُخرى : بالصرف في نفس العتق مباشرةً بأن يدفع المال إلى العبد أو إلى مولاه لكي يسدّد به مال الكتابة فيترتّب عليه العتق قهراً.

ولا شبهة أنّ الثاني أولى ، بل لعلّه القدر المتيقّن ، فإنّ الأوّل محقّق لموضوع العتق ، أمّا الثاني فهو صرف فيه ابتداء وبلا واسطة.

وكيفما كان ، فلا حاجة إلى الاستناد إلى هذه المرسلة. على أنّها لا تدل على الاختصاص المنسوب إلى المشهور بوجهٍ كما لا يخفى.

ويستدلّ له في الصنف الثاني : وهو العبد تحت الشدّة بما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة ، يشتري به نسمة ويعتقها؟ «فقال : إذن يظلم قوماً آخرين حقوقهم» ثمّ مكث مليّاً ثمّ قال : «إلّا أن يكون عبداً مسلماً في ضرورة فيشتريه ويعتقه» (1).


1) الوسائل 9 : 291 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 1 ، الكافي 3 : 557 / 2 ، التهذيب 4 : 100 / 282.

.................................................................................................


والكلام فيها يقع من حيث السند تارةً ومن ناحية الدلالة اخرى :

أمّا السند : فقد رواها في الكافي بإسناده عن عمرو ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ورواها الشيخ في التهذيب عن الكافي ، عن عمرو بن أبي نصر ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

ويظهر من صاحب الوسائل أنّ بعض نسخ التهذيب مطابق لما في الكافي ، حيث إنّه (قدس سره) روى هذه الرواية أوّلاً عن الكافي ، ثمّ عقّبها برواية أُخرى عنه ثمّ قال ما لفظه : ورواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن يعقوب وكذا الذي قبله. فيظهر من ذلك أنّ نسخ التهذيب مختلفة.

وكيفما كان ، فإن كان الراوي عمرو بن أبي نصر ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما في أكثر نسخ التهذيب فهو ثقة ، فإنّه هو مولى السكوني واسمه زيد أو زياد ، وقد وثّقه النجاشي صريحاً (1). وإن كان شخصاً آخر يروي عن أبي بصير كما في الكافي فهو مجهول الحال. وحيث إنّ الأصل في الرواية هو الكافي إذ الشيخ يرويها عنه كما سمعت ولم يعلم من هو عمرو الراوي عن أبي بصير فلا جرم تكون الرواية محكومة بالضعف.

هذا ، ومن العجيب توصيف الرواية ب : ما أورده الشيخ في الصحيح ، كما عن صاحب المدارك (2)، وكأنّه (قدس سره) قصر النظر على التهذيب ولم يراجع الكافي.

وأعجب منه توصيفها بصحيح أبي بصير كما في المستمسك (3)، فإنّه إنّما يعبّر


1) رجال النجاشي : 290 / 778.

2) المدارك 5 : 217.

3) مستمسك العروة 9 : 251.

.................................................................................................


عنها بالصحيحة لو كان الراوي عمرو بن أبي نصر لا أبي بصير حسبما عرفت.

وأمّا الدلالة فالإمعان في قوله (عليه السلام) : «إذن يظلم قوماً آخرين حقوقهم» الذي هو بمثابة التعليل يرشدنا إلى جواز الصرف في مطلق العتق في حدّ نفسه عكس ما يدّعيه المستدلّ من الاختصاص غير أنّ فيه إضاعة لحقّ الآخرين ، فكان مرجوحاً لأجل الابتلاء بالمزاحم ، وراجحاً بعد وجود مزاحم أقوى وهو كون العبد في شدّة ، كيف؟! ولو كان الصرف المزبور ممنوعاً في حدّ ذاته لاستند المنع إليه أي إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع المزاحم ، ولم يكن موقع للتعليل ولا للتفصيل بين الشدّة وعدمها. إذن فالرواية على خلاف المطلوب أدلّ كما لا يخفى ، فتدبّر جيّداً.

وكيفما كان ، فلا حاجة إلى الاستناد إلى هذه الرواية الضعيفة بعد كون الآية الشريفة صريحة في جواز صرف الزكاة في الرقاب ، ووضوح كون العبد تحت الشدّة هو الفرد البارز بل القدر المتيقّن منها.

ويستدلّ له في الصنف الثالث وهو مطلق عتق العبد شريطة عدم وجود المستحقّ بموثّقة عبيد بن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عزّ وجلّ أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعاً يدفع ذلك إليه ، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه ، هل يجوز ذلك؟ «قال : نعم ، لا بأس بذلك» إلخ (1).

ويندفع : بعدم دلالتها على اختصاص الصرف بعدم وجدان مصرف آخر للزكاة كما هو المدّعى فإنّ هذا القيد إنّما ذكر في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ليدلّ على الحصر ، ومن البيّن أنّ المورد لا يخصّص الوارد. إذن فلا مانع من التمسّك بإطلاق الآية الدالّة على جواز الصرف في مطلق الرقاب.


1) الوسائل 9 : 292 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 2.

.................................................................................................


والمتحصّل ممّا تقدّم : انّ القول الأوّل المنسوب إلى المشهور لا يمكن المساعدة عليه.

وأمّا القول الثاني المنسوب إلى المحقّق في مختصر النافع وإلى العلّامة في التذكرة (1)فيستدلّ له بما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم (عليه السلام) : «فقال : الفقراء هم الذين إلى أن قال : ( وَفِي الرِّقابِ ) : قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفّرون وهم مؤمنون ، فجعل اللّه لهم منهما في الصدقات ليكفّر عنهم» (2).

ولكنّها ضعيفة السند بالإرسال كما تقدّم. هذا أوّلا.

وثانياً : إنّ مفاد الرواية جواز صرف الزكاة في مطلق الكفّارة وإن لم تكن هي العتق كما يفصح عنه قوله : «وفي قتل الصيد في الحرم» فإنّ من الواضح أنّ كفّارته بدنة لا عتق الرقبة ، ولا قائل بهذه التوسعة بالضرورة ، فظاهر الرواية لا قائل به ، وخصوص العتق لا تدلّ عليه الرواية.

هذا ، ومقتضى القاعدة عدم الجواز ، إذ الظاهر من قوله تعالى ( وَفِي الرِّقابِ ) وكذلك الأخبار المتضمّنة لهذا السهم هو صرف الزكاة في العتق ، وهو يتحقّق بأحد نحوين :

إمّا بالصرف في العتق مباشرةً بأن يُشترى بها عبد فتبدّل الزكاة به ثمّ يعتق ، والقدر المتيقّن عبد في شدّة كما تقدّم.

أو بالصرف في الانعتاق بأن يؤدّى بها مال الكتابة فيترتّب عليه الانعتاق قهراً حسبما مرّ.


1) المختصر النافع : 59 ، التذكرة 5 : 255.

2) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 299.

.................................................................................................


ومن الواضح أنّ شيئاً منهما لا ينطبق على محلّ الكلام ، ضرورة أنّ الدفع ممّن عليه كفّارة ليشتري به عبداً أو يعتقه لا يعد صرفاً لا في العتق ولا في الانعتاق ، وإنّما هو دفع للصرف في الشراء الذي هو مقدّمة للعتق ، فهو من صرف الزكاة في الكفّارة لا ( فِي الرِّقابِ ) ، نظير دفعها للفقير بشرط أن يشتري بها عبداً ويعتقه.

فالمتّجه حينئذٍ هو التفصيل فيمن عليه الكفّارة بين الفقير وغيره ، ففي الأوّل يجوز الدفع له من سهم الفقراء فيصرفها حينئذٍ فيما يشاء من عتق أو غيره. وفي الثاني لا يجوز لا من هذا السهم لفرض كونه غنيّاً ولا من سهم الرقاب ، لعدم كونه مورداً له حسبما عرفت.

وأمّا القول الثالث : أعني : الصرف في مطلق عتق الرقبة كيفما اتّفق من غير قيد ولا شرط ، الذي اختاره صاحب المدارك ونسبه إلى المفيد وابن إدريس والعلّامة وولده وقوّاه في الحدائق (1)وإن كان له كلام في كيفيّة الصرف ، ولا يبعد أن يكون هو الصحيح فيدل عليه أوّلاً إطلاق الكتاب العزيز ، وكذلك الروايات الواردة في كون الرقاب من مصارف الزكاة ، حيث إن كلّاً منهما مطلق وخالٍ من أيّ تقييد. وقد عرفت أنّ النصوص التي استدلّ بها المشهور للاختصاص بالأصناف الثلاثة مخدوشة سنداً أو دلالةً على سبيل منع الخلوّ وكذا غيرها ، فلا تنهض لتقييد إطلاقات الكتاب والسنّة.

وثانياً : صحيحة أيّوب بن الحرّ ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه ، أشتريه من الزكاة فأعتقه؟ قال : فقال : «اشتره وأعتقه» إلخ (2).


1) المدارك 5 : 217 ، الحدائق 12 : 183.

2) الوسائل 9 : 293 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 3.

.................................................................................................


فإنّ الموضوع فيها مطلق المملوك من غير قيد ولا شرط ، سوى أنّه يعرف هذا الأمر ، أي يقول بالولاية ولا يكون من المخالفين.

واحتمال كونها ناظرة إلى الدفع من سهم سبيل اللّه في غاية البعد ، إذ فيه :

أوّلاً : أنّ هذا السهم لا توسعة له بحيث يتناول المقام ونحوه من كلّ أمر حسن محبوب يتضمّن إدخال السرور في قلب المؤمن ، وإلّا لساغ الإعطاء من هذا السهم لتزويج الغني أو لتزيين الغنيّة. وهو كما ترى ، بل منافٍ لحكمة التشريع وجعل الزكاة كما لا يخفى ، بل هو خاصّ بما فيه مصلحة عامّة كبناء القناطر وتعمير المساجد والبعث إلى الحجّ وما شاكل ذلك من الخدمات الاجتماعيّة كما سيجي‌ء في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

وثانياً : إنّ ذلك منافٍ لنفس الصحيحة ، إذ أنّ سياقها بقرينة ذكر المملوك يشهد بأنّ السؤال إنّما هو عن الشراء من سهم الرقاب وأنّه المرتكز في ذهن السائل ، فالإجابة بالجواز من سهم سبيل اللّه لا ينطبق عليه.

ويؤيّد الصحيحة رواية أبي محمّد الوابشي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله «قال : اشترى خير رقبة ، لا بأس بذلك» (1).

فإنّها واضحة الدلالة على جواز العتق من سهم الرقاب بلا قيد ولا شرط ، غير أنّ السند ضعيف ، لجهالة الوابشي ، فلا تصلح إلّا للتأييد.

فتحصّل : أنّ الأصحّ من بين الأقوال إنّما هو القول الأخير.


1) الوسائل 9 : 251 / أبواب المستحقين للزكاة ب 19 ح 1.

الأوّل : المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة (1)


(1) قد عرفت أنّ الأظهر جواز الدفع من هذا السهم في مطلق العتق من غير قيد ولا شرط.

وأمّا على المسلك المشهور من التخصيص بالأصناف الثلاثة التي منها المكاتب فينبغي تقييده كما في المتن بالعاجز عن أداء حال الكتابة لذكر هذا القيد في المرسلة المتقدّمة ، فلا يجوز الدفع إلى القادر. وهذا واضح لو أُريد به الواجد لمال الكتابة بالفعل ، بل لا يجوز الدفع إليه حتى على المختار ، لانصراف الإطلاقات عن مثله قطعاً ، مضافاً إلى عدم شمول حكمة التشريع لمثله ، ضرورة أنّ الزكاة إنّما شرّعت لدفع الضرورات وسدّ الحاجات ، فلا تشمل العبد الذي اكتسب وحصل فعلاً على ما يفي بمال الكتابة ، وهذا ظاهر.

وأمّا إذا لم يكن له مال موجود بالفعل ولكنّه قادر على التكسّب ، فلا يجوز على المسلك المشهور ، لعدم صدق العاجز ، ويجوز على المختار ، إذ لا قصور في شمول الإطلاق له بعد أن كان التكسّب محتاجاً إلى مضيّ زمان ، وبقاؤه على الرقيّة في هذا الزمان أمر مرجوع لا محالة ، بخلاف ما إذا كان له مال موجود بالفعل ، حيث عرفت انصراف الإطلاقات عنه.

ودعوى دلالة النصوص على عدم حلّيّة الزكاة للمحترف السوي.

مدفوعة بأنّ بعض تلك النصوص موردها الصرف من سهم الفقراء لا من سهم الرقاب الذي هو محلّ الكلام ، وبعضها الآخر وإن كان مطلقاً كصحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف ، ولا لذي مرّة سوي قوي فتنزّهوا عنها» (1)إلّا أنّها أيضاً ناظرة


1) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2.

مطلقاً كان أو مشروطاً (1) ، والأحوط أن يكون بعد حلول النجم ، ففي جواز إعطائه قبل حلوله إشكال (2)


إلى الفقير بقرينة ذكر لام التمليك في قوله : «لمحترف» ، إذ هو الذي يعطى له الزكاة ، وأمّا العبد فيعطى الزكاة لمولاه في سبيل تحريره ولا يعطى للعبد نفسه فهي تصرف في رقبته ، ولذلك قال سبحانه ( وَفِي الرِّقابِ ) ولم يقل : وللرقاب.

وبالجملة : فالروايات المزبورة لا تمنع عن الصرف من هذا السهم في أداء مال الكتابة حتّى للمحترف ، فلا تصلح لتقييد المطلقات بعد شمولها له حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه ، لإطلاق النصّ وكذا الآية المباركة.

(2) ينشأ من إطلاق الآية ومن ظهور العجز الوارد في المرسلة فيما بعد الحلول ، لعدم صدقه قبله ، وحيث إنّ المعتمد عندنا هو الإطلاق حسبما عرفت فالقول بالجواز هو المتعيّن وهو الذي اختاره المحقّق الهمداني تبعاً لصاحب الجواهر (1).

وأمّا على المسلك المشهور من الاستناد إلى المرسلة فالجواز مشكل بل ممنوع ، لما عرفت من عدم صدق العجز قبل حلول النجم ، فإنّ من كان مديناً لزيد بأجل معيّن لا يصدق عليه فعلاً وقبل حلول الأجل المضروب أنّه عاجز عن أداء دينه ، كما لا يصدق القادر وإن كنّا نعلم بعجزه عنه في ظرفه إلّا بضرب من التوسّع كما لا يخفى.


1) مصباح الفقيه 13 : 546 ، الجواهر 15 : 353.

ويتخيّر بين الدفع إلى كلّ من المولى والعبد (1)


(1) لا ينبغي الشكّ في جواز الدفع إلى المولى ، بل هو القدر المتيقّن من الصرف في الرقاب ، فيترتّب عليه الانعتاق بطبيعة الحال.

ولو اتّفق عدم الترتّب لمانع خارجي ولو كان هو عدم تمكّن العبد من دفع الباقي فيما لو كان مكاتباً مشروطاً وكان المدفوع مقداراً من مال الكتابة ، فلا بدّ حينئذٍ من الاسترجاع ، لأنّ الدفع كان مقيّداً بالصرف في الفكّ والتمليك مشروطاً بالتعقّب بالعتق ولو على سبيل الشرط المتأخّر كي يتّصف بكونه صرفاً في الرقاب وقد تخلّف ولم يتحقّق ، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه ، ومعه لا مناص من الاسترداد.

ومنه تعرف ضعف ما نُسب إلى الشيخ من أنّه قد ملكه بالقبض فله التصرّف فيه كيف شاء (1).

إذ فيه ما عرفت من أنّ التمليك كان مشروطاً من أوّل الأمر بالتعقّب بالانعتاق لا على سبيل الإطلاق ليمتلكه بالقبض بمجرّد الدفع إليه.

وأمّا الدفع إلى العبد نفسه بحيث يملكه بمجرّد القبض ليصرفه في تحرير رقبته فهذا لا دليل عليه ، إذ المرسلة المتقدّمة ظاهرة في الدفع إلى السيّد كما لا يخفى ، كما أنّ الآية المباركة الآمرة بالصرف في الرقاب قاصرة الدلالة على ذلك ، بل المنسبق منها الصرف في تحرير الرقبة بأحد النحوين المتقدّمين من العتق أو الانعتاق ، ولا تكاد تشمل الدفع إلى العبد نفسه.

بل أنّ مقتضى جملة من الأخبار اشتراط الحرّيّة في مستحقّ الزكاة ، فلا تعطى


1) نسبه إلى الشيخ صاحب المدارك 5 : 220.

لكن إن دفع إلى المولى واتّفق عجز العبد عن باقي مال الكتابة في المشروط فردّ إلى الرقّ يسترجع منه ، كما أنّه لو دفعها إلى العبد ولم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه بإبراء أو تبرّع أجنبي يسترجع منه (1). نعم ، يجوز الاحتساب حينئذٍ من باب سهم الفقراء إذا كان فقيراً (2) ولو ادّعى العبد أنّه مكاتب أو أنّه عاجز فإن علم صدقه أو أقام بيّنة قبل قوله ، وإلّا ففي قبول قوله إشكال (3).


للعبد كما لا تجب عليه. إذن فلا تدفع إليه إلّا بعنوان التوكيل عن الدافع ، ومقتضاه وجوب الردّ لو انعتق قبل أداء مال الكتابة بسبب آخر من إبراءٍ أو تبرّعٍ ونحوهما.

ومن البيّن أنّ الاحتمال المنسوب إلى الشيخ الآنف الذكر على تقدير تسليمه غير جارٍ في المقام ، ضرورة أنّ الدفع إلى المولى كان بعنوان التمليك ، غايته بالنحو المشروط دون المطلق ، وأمّا إلى العبد فلم يكن كذلك حتّى بهذا النحو ، وإنّما هو واسطة بحت ووكيل في الإيصال فحسب ، ومع حصول العتق قبل ذلك ينعدم موضوع الوساطة والوكالة بطبيعة الحال ، ومعه لا مناص من الردّ.

(1) كما اتّضح الحكم في كلا الموردين ممّا سبق.

(2) قد نُسب إلى المشهور ، إذ بعد أن أصبح العبد حرّا وكان فقيراً فحاله حال سائر الفقراء في جواز الدفع إليه من هذا السهم. وهذا بخلاف الصورة السابقة المحكوم فيها بالاسترجاع من المولى فإنّه لا يجوز فيها الدفع إلى العبد وإن كان فقيراً ، لما عرفت. وسيأتي مستوفى من اعتبار الحرّيّة في مستحقّ الزكاة.

(3) وقد نُسب إلى المشهور قبول قوله مع تصديق المولى أو جهله بالحال وردّه مع تكذيبه.

.................................................................................................


والكلام يقع تارةً في دعوى العجز ، وأُخرى في دعوى الكتابة.

أمّا الدعوى الاولى : فلا يبعد قبولها حتّى مع تكذيب المولى ما لم يُطمأنّ بكذبها ولم تكن مسبوقة بالقدرة والغنى ، لما تقدّم في محلّه من قيام السيرة على سماع دعوى الفقير في هذه الصورة ، مضافاً إلى مطابقتها مع الأصل من غير فرق بين المقام وغيره ، لاتّحاد المناط ، حيث إنّ القدرة على التكسّب أو الغنى أمر حادث مسبوق بالعدم فيستصحب.

وأمّا الدعوى الثانية : فلا موجب لتصديق العبد مع تكذيب المولى ، والمفروض الشكّ في صدقه ولا بيّنة له كما هو واضح.

وأمّا مع جهله بالحال : فقد عرفت أنّ المشهور تصديقه ، فإن ثبت ذلك بالإجماع وإلّا فلا دليل عليه عدا دعوى أصالة العدالة ، ولا أساس لها ، على أنّها أخصّ من المدّعى ، إذ قد يكون العبد معلوم الفسق.

والقول بقبول قوله مع الحلف كما ترى ، وإن حكاه في الشرائع قولاً في المسألة (1)، لعدم كون المقام من التنازع لتخصم الدعوى بالاستحلاف.

نعم ، لا يبعد قبول قوله مع تصديق المولى ، استناداً إلى قاعدة : من ملك شيئاً ملك الإقرار به ، فحيث إنّه يملك العبد فهو لا جرم يملك الإقرار بكتابته ولكنّه خاصّ بصورة العلم بالمولويّة والعبوديّة ، وأمّا مع الشكّ واحتمال تواطئهما على الكذب للاستفادة من الزكاة فلا مجال للقاعدة ، لعدم إحراز موضوعها.


1) الشرائع 1 : 191.

والأحوط عدم القبول (1)(1) سواء صدّقه المولى أو كذّبه ، كما أنّ في قبول قول المولى مع عدم العلم والبيّنة أيضاً كذلك سواء صدّقه العبد أو كذّبه. ويجوز إعطاء المكاتب من سهم الفقراء (2)(2) إذا كان عاجزاً عن التكسّب للأداء ، ولا يشترط إذن المولى في الدفع إلى المكاتب سواء كان من باب الرقاب أو من باب الفقر.

الثاني : العبد تحت الشدّة (3) ، والمرجع في صدق الشدّة العُرف (4) ، فيُشترى ويُعتق خصوصاً إذا كان مؤمناً في يد غير المؤمن.


(1) بل عرفت أنّ الأظهر هو القبول ، فلا تقبل دعوى العجز عن الأداء ما لم يكن مسبوقاً بالقدرة بلا حاجة إلى تصديق المولى ، فلاحظ.

(2) فيه إشكال بل منع ، لما عرفت من اعتبار الحرّيّة في مستحقّ الزكاة.

(3) تقدّم الكلام في مستنده وفي ضعفه سنداً ودلالةً ، فراجع ولاحظ (3).

(4) كما هو الشأن في سائر المفاهيم ، حيث يرجع إليهم في تحديد المفهوم لا في مقام التطبيق الذي قد لا يخلو عن نوع من التسامح.

والشدّة بلفظها وإن لم ترد في النصّ وإنّما الوارد فيه الضرورة ، لكن المعنى واحد ، وهي تتحقّق تارةً بالضغط على العبد أزيد من المتعارف ، وأُخرى يكون المولى صاحب معصية يكلّف العبد بها ، وثالثةً يكون العبد مؤمناً والمولى مخالفاً ، ولعلّ الأخير هو القدر المتيقّن من الشدّة عند المتشرّعة ، ولا يبعد أن


1) (*) الأظهر القبول ، بل لو ادّعى العجز عن أداء مال الكتابة ولم يكن مسبوقاً بالقدرة لا يبعد قبول قوله بلا حاجة إلى تصديق المولى.

2) (**) فيه إشكال.

3) في ص 72 74.

الثالث : مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحقّ (1)للزكاة (1). ونيّة الزكاة في هذا والسابق عند دفع الثمن إلى البائع (2) ، والأحوط الاستمرار بها إلى حين الإعتاق.


يشير إليه الماتن بقوله : خصوصاً ... إلخ ، وإن كان لا يخلو عن تأمّل ، فلاحظ.

(1) بل حتّى مع وجوده ، لإطلاق الأدلّة من الكتاب والسنّة كما تقدّم (2).

(2) لا شبهة في أنّ وقت النيّة عند أداء مال الكتابة هو زمان الدفع إلى المولى أو إلى العبد الذي هو واسطة الإيصال إلى المولى كما تقدّم فإنّه هو زمان صدق الصرف في الرقبة.

وأمّا في القسمين الأخيرين أعني : العبد تحت الشدّة أو مطلق عتق الرقبة فهناك أُمور ثلاثة : الشراء ، ودفع الثمن إلى البائع ، والإعتاق :

أمّا الأوّل : فلا بدّ وأن يقصد به الشراء المتعقّب بالعتق ليكون من صرف الزكاة في سبيل تحرير الرقبة ، فإنّه بدونه تصرّف في المال الزكوي بغير مسوّغ شرعي ، إذ لا ولاية له على المعاملة والمبادلة من غير هذه النيّة ، وبعد هذه العملية تتبدّل العين الزكويّة بالعبد فيكون هو بنفسه مصداقاً للزكاة.

وأما الثاني : فهو وفاء بالعقد ومن شؤون نفوذ المعاملة وقانون المبادلة ، فدفع الثمن خارجاً جرى على ما اتّفقا عليه سابقاً ، ومعه لا مقتضي لمراعاة النيّة في هذه الحالة بعد أن أصبح العبد بنفسه مصداقاً للزكاة منذ وقوع العقد الصحيح.

وأمّا الثالث أعني : العتق فهو بنفسه صرف للزكاة في الرقاب ، فلا بدّ من مراعاة النيّة في هذه الحالة ، فلو قصد مطلق العتق من غير نيّة الزكاة بطل ،


1) (*) بل مع وجوده أيضاً.

2) في ص 76 77.

السادس : الغارمون (1) ، وهم الّذين ركبتهم الديون


ضرورة أنّ العبد بعد أن أصبح بنفسه مصداقاً للزكاة كما ذكر فلا جرم يتعيّن عتقه بهذا القصد وتحت هذا العنوان ، إذ بدونه تصرّف في العين الزكويّة من غير مسوّغ شرعي ، فما في المتن من جعل ظرف النيّة حين دفع الثمن إلى البائع غير ظاهر الوجه.

(1) هذا في الجملة ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد دلّت عليه الآية المباركة ، وجملة من الأخبار :

منها : صحيحة زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دَين ، أيؤدّي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير؟ «فقال : إن كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دَين لم يعلم به يومئذٍ فيقضيه عنه قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته ، وإن لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَين أبيه ، فإذا أدّاها في دَين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه» (1).

ومنها : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل على أبيه دَين ولأبيه مئونة ، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ «قال : نعم ، ومَن أحقّ من أبيه؟!» (2).

ومنها : معتبرة الحسين بن علوان ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما السلام) : «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : يُعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دَينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف» ، الحديث (3).


1) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1.

2) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 2.

3) الوسائل 9 : 298 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 2.

وعجزوا عن أدائها (1) ، وإن كانوا مالكين لقوت سنتهم (2)


ونحوها غيرها ممّا دلّ على جواز دفع الزكاة إلى المدين لتسديد دينه بنفسه كما في الأخيرتين ، أو التسديد عنه مباشرةً من دون الدفع إليه كما في الأُولى ، حيّاً كان كما في الأخيرتين أيضاً ، أو ميّتاً كما في الأُولى.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، فلا يعطى من هذا السهم للقادر على الأداء ، إذ مع منافاته لحكمة التشريع حيث إنّ الزكاة إنّما شرّعت لسدّ حوائج المحتاجين ، وقد ورد أنّ الحاجة لو كانت أكثر لكان التشريع أيضاً أكثر تدلّ عليه صريحاً صحيحة زرارة الآنفة الذكر ، حيث فصّل (عليه السلام) بين ما إذا كان للميت مال يمكن تسديد الدين منه ، وما إذا لم يكن.

وتؤكّده الروايات الناطقة بعدم حلّيّة الزكاة للغني الواردة في الباب الثامن من أبواب المستحقّين للزكاة من الوسائل ، وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق الآية المباركة.

(2) فلا يعتبر الفقر الشرعي في الدفع من هذا السهم ، وإنّما المعتبر عجزه عن الأداء كما عرفت آنفاً وإن كان غنيّاً ، أي مالكاً لقوت سنته.

خلافاً لجماعة ، حيث اشترطوا الفقر في الغارم.

فإن أرادوا به الفقر اللغوي أي الحاجة المساوقة في المقام للعجز عن الأداء فتعمّ الوفاق.

وإن أرادوا به الفقر الشرعي زائداً على العجز المزبور ليترتّب عليه عدم جواز أخذ الغريم المالك لقوت سنته لا من سهم الفقراء ولا من سهم الغرماء فهذا شي‌ء لا دليل عليه ، بل صرّح العلّامة في محكيّ النهاية (1)بعدم الفائدة في هذا


1) لاحظ الحدائق 12 : 190.

.................................................................................................


الشرط لكي يلزم الغارم المزبور بصرف قوته في سدّ دينه ليصبح فقيراً ثمّ يأخذ الزكاة باعتبار الفقر ، فلما ذا لا يأخذها من أوّل الأمر؟! وهذا الوجه كما ترى استحساني محض ولا حاجة إليه ، بل يكفينا ما عرفت من عدم الدليل على هذا الشرط ، فهو مدفوع بإطلاقات الأدلّة من الآية المباركة وكذلك الروايات الشريفة ، كقوله (عليه السلام) في موثّقة الحسين ابن علوان المتقدّمة : «يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة» حيث إنّها لم تتقيّد بالفقر وإن لم يكن بدّ من تقييدها بالعجز كما تقدّم ، بل يمكن أن يقال بظهورها بمقتضى المقابلة بين الفقير والغارم في الكتاب والسنّة في عدم الاشتراط ، فكما لا يعتبر الفقر في سائر السهام فكذا في سهم الغارمين.

ودعوى كونه من عطف الخاصّ على العام كما ترى ، فإنّه خلاف ظاهر المقابلة لا يصار إليه من غير نصب القرينة.

نعم ، هناك رواية واحدة ربّما يستظهر منها اعتبار الفقر ، وهي ما أورده ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب ، عن أبي أيوب ، عن سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليها السلام) عن الرجل منّا يكون عنده الشي‌ء يتسلّغ (يتبلّغ) به وعليه دين ، أيطعمه عياله حتّى يأتيه اللّه تعالى بميسرة فيقضي دينه ، أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان وشدّة المكاسب ، أو يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة؟ «قال : يقضي بما عنده ويقبل الصدقة» الحديث (1).

فقد يتوهّم دلالتها على أنّ من له مال يفي بمئونته وعليه دين فإنّه يصرفه في أداء دينه ليصبح فقيراً وبعدئذٍ يحقّ له أخذ الزكاة ، وليس له أخذها ابتداءً ، لعدم كونه فقيراً آن ذاك.


1) الوسائل 9 : 297 / أبواب المستحقين للزكاة ب 47 ح 1 ، مستطرفات السرائر : 78 / 6.

.................................................................................................


ويردّه مضافاً إلى ضعف السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب المشيخة - : أنّ الدلالة أيضاً قاصرة ، لتوقّفها على أن يكون مورد السؤال جواز أخذ الزكاة لأداء الدين مع كونه واجداً لقوت عياله ، وليس كذلك ، فإنّ هذه الجهة أمرٌ مسكوت عنه بتاتاً سؤالاً وجواباً ، وإنّما الذي يرتكز عليه السؤال هو أنّه هل يقضي دينه بما عنده ويتقبّل الصدقة ، أو أنّه يصرفه في النفقة وينتظر اليسار ولو باستقراض المال لأداء ما عليه؟ فالسؤال مسوق لتقديم أيٍّ من الأمرين المزبورين من غير نظر إلى الاستفادة من الزكاة لتسديد الدين بوجه.

والذي يكشف عنه بوضوح خلوّ الرواية عن افتراض كونه مالكاً لمئونة السنة ، لانطباقها حتّى على من كان مالكاً لقوت شهر أو شهرين فقط الذي هو فقير حينئذٍ قطعاً ، ومع ذلك حكم عليه بتسديد الدين وتقديمه على الصرف في المئونة.

وملخّص الكلام : أنّه لا دليل على اعتبار الفقر الشرعي في الغارم ، بل يكفيه عجزه عن أداء دينه حسبما عرفت.

بل يمكن أن يقال : إنّ أداء الدين من مئونة السنة فإنّها بمعنى الحاجة وهو منها ، بل قد يكون أهمّها ، فإذا لم يكن لديه ما يفي بالأداء كان فقيراً شرعاً وإن كان مالكاً لقوت سنته فيحقّ له حينئذٍ أخذ الزكاة (1).

وكيفما كان ، فإذا كان عاجزاً فعلاً عن الأداء ولكنّه قادر عليه بالتكسّب فهل يجوز إعطاؤه من سهم الغارمين؟

الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان الدين حالاً ومطالباً به ، وبين ما إذا كان مؤجّلاً بأجلٍ يمكنه تحصيل المال قبل حلوله أو كان حالاً ولكنّه غير مطالب.


1) وعلى هذا يكون عطف الغارمين على الفقراء من عطف الخاصّ على العامّ ، فلاحظ.

ويشترط أن لا يكون الدين مصروفاً في المعصية (1) ، وإلّا لم يقض من هذا السهم ،


فيجوز في الأوّل ، لصدق العجز حين الدفع ، فلا قصور في شمول الأدلّة له بعد وضوح أنّ القدرة التدريجيّة لا تنافي العجز الفعلي.

ولا يجوز في الثاني ، لانتفاء الصدق الموجب لانصراف الآية وغيرها عنه ، فإنّ الزكاة إنّما شرّعت لرفع الحاجة وسدّ الخلّة ، ولا حاجة في مفروض المسألة ، ويؤكّده ما ورد من عدم حلّيّته الزكاة للمحترف ، والقادر على الأداء بالتكسّب من أجلى مصاديق المحترف. وسيأتي التعرّض لهذا الفرع فيما بعد.

(1) على المشهور ، بل في الجواهر : لا أجد فيه خلافاً (1).

ويستدلّ له تارةً : بالإجماع الذي ادّعاه العلّامة في جملة من كتبه (2).

وفيه : أنّ المسألة وإن لم تكن خلافيّة إلّا أنّ دعوى الإجماع التعبّدي مع وجود المدارك التي ستأتي ليس على ما ينبغي.

وأُخرى : بوجهٍ اعتباري كما في الجواهر (3)وغيره ، وهو أنّ إعطاء الزكاة للغارم الصارف دينه في المعاصي إغراءٌ له بالقبيح وتشويقٌ له في المعصية.

وفيه مضافاً إلى أنّ الوجه الاعتباري الاستحساني لا يصلح سنداً للحكم الشرعي - : أنّ ذلك على تقدير صحّته أقصى من المدّعى ، لعدم شموله للتائب النادم على ما فعل والآسف فعلاً على ما صدر منه ، كما هو واضح.

وثالثةً : بانصراف الأدلّة عن الصرف في المعصية بدعوى أنّ المنسبق من


1) جواهر الكلام 15 : 357.

2) التذكرة 5 : 257 ، منتهى المطلب 1 : 521.

3) جواهر الكلام 15 : 357 358.

.................................................................................................


الغارمين في الآية والمستدينين في الرواية هم الصارفون للدين في الأُمور المباحة من النفقة وغيرها ، دون المصروفة في سبيل الأُمور المحرّمة من القمار وشرب الخمر ونحوهما.

وفيه : أنّ هذه الدعوى عهدة إثباتها على مدّعيها ، فإنّها غير بيّنة ولا مبيّنة ، ولا سيّما فيما إذا كان الغارم تائباً نادماً كما لا يخفى.

ورابعةً : بجملة من الأخبار :

منها : رواية محمّد بن سليمان الواردة في تفسير قوله تعالى ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) (1)«قال (عليه السلام) : نعم ، ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّ وجلّ ، فإن كان أنفقه في معصية اللّه عزّ وجلّ فلا شي‌ء له على الإمام» إلخ (2).

قال في المدارك على ما حكاه عنه في الحدائق (3)بعد نقل الرواية ما لفظه : فإنّا لم نقف عليها مستندة في شي‌ء من الأُصول. واعترض عليه في الحدائق بأنّها موجودة في الكافي ، وتبعه المحقّق الهمداني (قدس سره) قائلاً : ليس لنا أصل أوثق من الكافي (4). ثمّ اعتذرا عنه بعدم ظفره عليها في الباب المناسب وهو باب الزكاة ، وإنّما هي موجودة في باب الدين ولم يطّلع عليها.

ولكنّك خبير بأنّ الاعتراض في غير محلّه ، إذ هو لم ينكر أصل الوجود ، بل وجودها مستندة ، حيث قال : لم نقف عليها مستندة. وهو كذلك ، فإنّ الكافي


1) التوبة 9 : 60.

2) الوسائل 18 : 336 / أبواب الدين ب 9 ح 3 ، الكافي 5 : 93 / 5.

3) الحدائق 12 : 191.

4) مصباح الفقيه 13 : 560.

.................................................................................................


رواها مرسلة عن رجل من أهل الجزيرة.

وكيفما كان ، فالرواية مرسلة وغير صالحة للاستدلال بها وإن كانت الدلالة تامّة ، إلّا على مسلك الانجبار بعمل المشهور ، ولا نقول به.

ومنها : ما رواه في الكافي بإسناده عن صباح بن سيّابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : أيّما مؤمن أو مسلم مات وترك دَيناً لم يكن في فسادٍ ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه» إلخ (1).

وهي ضعيفة السند ، فإنّ صباح بن سيّابة مجهول لا توثيق له.

ومنها : رواية علي بن إبراهيم عن العالم (عليه السلام) : «... والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدقات» إلخ (2).

وفيه : أنّ الدلالة وإن كانت ظاهرة لكن السند ضعيف ، لأنّ الفصل بين علي ابن إبراهيم وبين العالم الذي هو كناية عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) كثير لا يمكن روايته عنه بلا واسطة ، لاختلاف الطبقة ، فلا جرم تكون الرواية مرسلة.

ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عارف فاضل توفّي وترك عليه ديناً قد ابتلي به ، لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة ، هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان؟ «قال : نعم» (3).

وفيه : أنّ القيود مذكورة في كلام السائل دون الإمام (عليه السلام) ،


1) الكافي 1 : 407 / 7.

2) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 299.

3) الوسائل 9 : 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 1.

.................................................................................................


فلا عبرة بها.

ويعضده أنّ منها الفضل مع أنّه غير مشروط في المستحقّ قطعاً.

وبالجملة : مورد السؤال قضيّة خارجيّة محفوفة بقيود خاصّة ، والجواب عنها بالجواز لا يدلّ على نفيه عن غيرها ، فالدلالة قاصرة وإن كان السند تامّاً.

فهذه الروايات غير صالحة للاستدلال ، لقصورها سنداً أو دلالةً على سبيل منع الخلو.

والأولى الاستدلال بموثّقة الحسين بن علوان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه (عليهما السلام) : «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف» (1).

أمّا من حيث السند : فالظاهر أنّ الرواية معتبرة وإن عبّر عنها غير واحد بالخبر ، المشعر بالضعف ، إذ لا غمز فيه عدا من ناحية الحسين بن علوان ، ولكن الأصحّ أنّه موثّق بتوثيق النجاشي ، حيث قال في ترجمته ما لفظه : الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامّي وأخوه الحسن يكنّى أبا محمّد ثقة (2). فإنّ الظاهر أنّ التوثيق راجع إلى الحسين المترجم له لا إلى أخيه الحسن وإن تُوهِّم ذلك ، وجملة : وأخوه الحسن يكنّى أبا محمّد ، معترضة ، مضافاً إلى أنّ الكشي مدحه في ضمن جملة من رجال العامّة (3).

كما أنّ الدلالة ظاهرة ، لوضوح أنّ الصرف في الحرام من أجلى مصاديق الإسراف ، فيكون أولى باشتراط عدم صرف الدين فيه.


1) الوسائل 9 : 298 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 2.

2) رجال النجاشي : 52 / 116.

3) رجال الكشي : 390 / 733.

.................................................................................................


تنبيه :

قد ورد في بعض نصوص الباب استثناء المهور وأنّ الدين لا يسدّد من سهم الغارمين إذا كان لأجل المهر. ولم أر من تعرّض لهذا الفرع وهذه الأخبار بمرأى منهم ومسمع ، وهي روايتان :

إحداهما : مرسلة العبّاس ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الإمام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلا مهور النِّساء» (1).

وثانيتهما : ما رواه ابن إدريس نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج : أنّ محمّد بن خالد قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصدقات «فقال : اقسمها فيمن قال اللّه عزّ وجلّ ولا تعطين من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهليّة إلى أن قال : ولا الذين يغرمون من مهور النِّساء» إلخ (2).

ولكن ضعفهما مانع عن الاستدلال بهما :

أمّا الأُولى : فظاهر.

وأمّا الثانية : فهي وإن عبّر عنها بالصحيحة لكنّها صحيحة إلى عبد الرّحمن. ولا يقدح جهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب ابن محبوب ، لما تقدّم غير مرّة من أنّ الكتاب الواصل إليه كان بخطّ الشيخ ، وخطّه معروف كما أنّ طريقه إلى ابن محبوب صحيح. وحال بقية من في السند معلوم.


1) الوسائل 18 : 337 / أبواب الدين ب 9 ح 4.

2) الوسائل 9 : 298 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 1 ، مستطرفات السرائر : 101 / 33.

وإن جاز إعطاؤه من سهم الفقراء (1) ، سواء تاب عن المعصية أو لم يتب ، بناءً على عدم اشتراط العدالة في الفقير ،


إنّما الكلام في محمّد بن خالد الذي يروي عنه عبد الرّحمن ، فإنّه لا يراد به البرقي المعروف جزماً ، لأنّه لم يدرك الكاظم فضلاً عن الصادق (عليهما السلام) ، والمسمّى بهذا الاسم في هذه الطبقة عدّة رجال كلّهم مجهولون. وما في جامع الرواة من أنّه : السري (1)، مع أنّه لا شاهد عليه لم تثبت وثاقته أيضاً.

إذن فالرواية ضعيفة ولا سبيل للاستناد إليها في الخروج عن الإطلاقات التي مقتضاها جواز الدفع من هذا السهم حتّى عن المهور ، فالاستثناء المزبور لا دليل عليه.

(1) هذا مشكل جدّاً بل ممنوع ، إذ المستفاد من الروايات أنّ الموضوع لسهم الفقراء هو الفقير الشرعي المفسّر بمن لا يملك قوت سنته ، فالمالك له غني شرعاً لا يحقّ له الأخذ من هذا السهم وإن كان فقيراً عرفاً لثبوت ديون عليه ، فإنّ العبرة بالأوّل لا بالثاني.

وبعبارة اخرى : ما دلّ على أنّ المالك لمئونة السنة لا يعطى من هذا السهم مطلقٌ يشمل حتّى المديون في جناية أو إتلاف مالٍ أو كفّارة أو معصية ونحوها ، فإنّ هذه الأُمور لا تمنع غناه شرعاً وإن صدق عليه الفقير لغةً وعرفاً ، لما عرفت من أنّ الاعتبار بالأوّل لا غير.

نعم ، لا يبعد انصراف الدليل عمّن استدان لقوت سنته بحيث أصبح غنيّاً


1) جامع الرواة 2 : 110.

وكونه مالكاً لقوت سنته لا ينافي فقره (1)(1) لأجل وفاء الدين الذي لا يفي كسبه أو ما عنده به.

وكذا يجوز إعطاؤه من سهم سبيل اللّه (2)(2).


عن سبيل الاستدانة ، فإنّه في الحقيقة لا يعدّ مالكاً لما عليه دين بإزائه ، فيجوز له الأخذ حينئذٍ من هذا السهم. إذ لا قصور في شمول دليله لمثله.

وأمّا الذي استدان لأُمور أُخر بحيث كان غنيّاً مع الغضّ عن الدين فقد عرفت أنّ مقتضى الإطلاقات عدم جواز أخذه. ومنه تعرف أنّ الفقر المسوّغ للأخذ من هذا السهم يتنافى مع كونه مالكاً لقوت سنته ، وإنّما لا يتنافى لو أُريد به الفقر العرفي الخارج عن محلّ الكلام ، فلاحظ.

(1) بل ينافيه حسبما عرفت آنفاً.

(2) هذا وجيه لو فسّرنا السهم المزبور بمطلق سبل الخير ، وأمّا لو خصّصناه بما يرجع إلى الأُمور العامّة والمصالح النوعيّة من بناء المساجد وتعمير القناطر وفتح الشوارع والبعث إلى الحجّ ونحو ذلك ممّا لا يعود إلى شخص بالخصوص كما في المقام فلا يجوز ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ الأصح هو الثاني (3)، كيف؟! ولازم الأوّل جواز تزويج الغني من هذا السهم ، لما فيه من إدخال السرور في قلب المؤمن الذي هو أمر راجح وعمل خيري ، وهو كما ترى.


1) (*) الظاهر أنّه ينافيه.

2) (**) سيأتي أنّ سهم سبيل اللّه لا يشمل المقام.

3) في ص 111 115.

ولو شكّ في أنّه صرفه في المعصية أم لا فالأقوى جواز إعطائه من هذا السهم (1) وإن كان الأحوط خلافه. نعم ، لا يجوز له الأخذ إذا كان قد صرفه في المعصية.


(1) كما نُسب إلى الأكثر تارةً وإلى المشهور اخرى.

خلافاً لما عن الشيخ في النهاية من المنع ، وعن الشهيد الميل إليه (1).

ومبنى القولين هو أنّ جواز الدفع هل هو مشروط بالصرف في الطاعة ، أو أنّ الصرف في المعصية مانع ، وإن شئت قلت : هل القيد الملحوظ في المقام وجودي أو عدمي؟

فعلى الأوّل : لا يجوز الدفع عند الشكّ ، لوضوح لزوم إحراز الشرط.

وعلى الثاني : يجوز ، لأصالة عدم المانع.

ولا يخفى أنّ الصرف في غير المعصية يشمل الصرف في المباح أو الطاعة الواجبة أو المستحبّة ، بل لا يبعد القول بأنّ الصرف في المباح أيضاً صرف في الطاعة بمقتضى ما ورد من «أنّ اللّه يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه» (2).

وكيفما كان ، فلا بدّ من مراجعة الأدلّة لاستظهار أنّ الاعتبار بأيٍّ من النحوين ، فنقول : إن كان المدرك هو الإجماع فبما أنّه دليل لبّي فلا جرم يقتصر على المقدار المتيقّن منه ، وهو عدم جواز الدفع للدين المصروف في المعصية وأمّا اعتبار الصرف في الطاعة فحيث إنّه لا دليل عليه فالمتّبع حينئذٍ هو


1) حكاه عن الشيخ في المدارك 5 : 225 ، وانظر النهاية : 306 ؛ الشهيد في الدروس 1 : 241.

2) الوسائل 1 : 107 / أبواب مقدّمة العبادات ب 25 ح 1.

.................................................................................................


الإطلاقات ، فتكون النتيجة هي المانعيّة دون الشرطيّة.

وإن كان هو الأخبار فهي ما بين ما هو ظاهر في الأوّل كمرسلة علي بن إبراهيم (1)وما هو ظاهر في الثاني كموثّقة الحسين بن علوان (2)وما جمع فيه بين الأمرين كرواية محمّد بن سليمان (3)لكن الطائفة الأُولى والأخيرة ضعيفة السند ، والمتّبع إنّما هي الطائفة الثانية المعتبرة ، فالعبرة بها لا غير ، وهي ظاهرة في المانعيّة حسبما عرفت.

على أنّ الطائفة الأخيرة في نفسها غير قابلة للتصديق ، لوضوح اللغويّة في الجمع بين اعتبار الشرطيّة والمانعيّة في موضوعٍ واحد ، ولا مناص من إرجاع إحداهما إلى الأُخرى ، فإن أمكن الترجيح ولو لأجل ما ذكره في الجواهر من أنّ الدفع إغراء بالقبيح وتشويق في المعصية (4)فتقدّم المانعيّة وتلغى الشرطيّة ، وإلّا فيتساقطان ويقتصر في تقييد الإطلاقات حينئذٍ على المقدار الأقلّ الأخفّ مئونة ، أعني : عدم الصرف في المعصية ، فكلما علم أنّه صرفه فيها فهو خارج عنها ويبقى ما عداه تحت الإطلاق بعد أصالة عدم الصرف في المعصية.

وعليه ، فلو صرف دينه في موردٍ لم يكن طاعة ولا معصية ساغ الدفع إليه من هذا السهم ، لما عرفت من أنّ الخارج خصوص المصروف في المعصية.

ويؤكّده ما ورد من جواز أداء ديون المؤمنين الأموات أو الأحياء من الزكاة من غير استفصال الصرف في الحلال أو الحرام ، مع قضاء العادة بالجهل غالباً بمصرف ديون الغير ولا سيّما الديون المتخلّفة عن الميّت ، فلو كان الصرف


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7.

2) الوسائل 9 : 298 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 2.

3) الوسائل 18 : 336 / أبواب الدين والقرض ب 9 ح 3.

4) الجواهر 15 : 358.

.................................................................................................


مشروطاً بالعلم بالحال لما ساغ الترخيص في الأداء على سبيل الإطلاق.

وهذه النصوص وإن كانت جملة منها مطلقة لكن بعضها صريح في الدفع من سهم الغارمين ، كمعتبرة موسى بن بكر عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث «قال : من طلب الرزق فغلب عليه فليستدن على اللّه عزّ وجلّ وعلى رسوله ما يقوّت به عياله ، فإن مات ولم يقض كان على الإمام قضاؤه ، فإن لم يقضه كان عليه وزره ، إنّ اللّه يقول ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) ( ... وَالْغارِمِينَ ) فهو فقير مسكين مغرم» (1).

والمتحصّل : أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ الصرف في المعصية مانع عن الدفع ، لا أنّ الصرف في الطاعة مشروط فيه ، فإنّ ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع كما لا يخفى.

ويؤكّده زائداً على ما عرفت أنّه لو استدان ثمّ تلف قبل الصرف لسرقةٍ ونحوها فإنّه لا إشكال في جواز الأداء من هذا السهم ، لصدق الغارم ، مع أنّه لم يحرز الشرط لو كان الصرف في الطاعة شرطاً فيه ، لكونه سالبة بانتفاء الموضوع ، فلم يصرف لا في الطاعة ولا في المعصية.

ونحوه ما لو استدان للزواج مثلاً أو لغيره من الحوائج فإنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ جواز الدفع إليه من هذا السهم قبل الصرف ، لصدق الغارم عليه فعلاً بالوجدان ، مع أنّ الدين لم يصرف بعدُ فيما أُعدّ له من الطاعة ، وهذا خير شاهد على كفاية مجرّد عدم الصرف في المعصية.

ودعوى أنّ العبرة بحال الاستدانة لا بحال الصرف كما يشهد به قوله في موثّقة الحسين بن علوان المتقدّمة : «إذا استدانوا في غير سرف».


1) الوسائل 9 : 296 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 4.

.................................................................................................


مدفوعة بقضاء الضرورة بكون العبرة بحال الصرف لا الاستدانة. ومن ثمّ لو استدان للمعصية ثمّ صرف في الطاعة أو العكس ساغ الدفع من هذا السهم في الأوّل دون الثاني بلا خلاف فيه ولا إشكال. ومعه لا بدّ من رفع اليد عن الموثّقة لو سلّم ظهورها فيما ذكر.

هذا ، وربّما يستدلّ لعدم الجواز في صورة الشكّ بما في ذيل رواية محمّد بن سليمان المتقدّمة : ... قلت : فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة اللّه أم في معصية؟ «قال : يسعى له في ماله فيردّه عليه وهو صاغر» (1).

بدعوى تعرّضها لتكليف الدافع عند جهله بالحال وأنّه لا يدفع الزكاة في صورة الشكّ في صرف الدين في الطاعة أو المعصية ، بل اللازم حينئذٍ سعي المديون في تسديد دينه وردّ ما عليه من المال إلى دائنه.

ولكنّه يندفع مضافاً إلى ضعف السند ، لمكان الإرسال كما تقدّم ولم يعمل بها المشهور ليتوهّم الجبر على القول به بقصور الدلالة كما نبّه عليه في الحدائق (2)، نظراً إلى ابتنائها على وقوع السؤال عن تكليف الدافع ، وليس كذلك ، بل عن تكليف الدائن وما يستحقّه في هذه الحالة باعتبار أنّ المديون الصارف دينه في المعصية لمّا لم يكن مورداً لسهم الغارمين ومن الجائز أن يكون قد صرفه فيها وهو أي الدائن لا يدري ، فهل يرفع اليد عن حقّه بعد أن لم يتوقّع محلّ لتسديد دينه ، أم ماذا يصنع؟ فأجاب (عليه السلام) : بأنّه لا يحرم عن حقّه بل يجب على المديون السعي في ردّ ماله وهو صاغر إن كان قد أنفقه في المعصية.

وبالجملة : الجهل بالإنفاق مربوط بصاحب الدين لا بالإمام الدافع للزكاة


1) الوسائل 18 : 336 / أبواب الدين والقرض ب 9 ح 3.

2) الحدائق الناضرة 12 : 192 193.

ولو كان معذوراً في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لا بأس بإعطائه (1) ، وكذا لو صرفه فيها في حال عدم التكليف لصغر أو جنون ، ولا فرق في الجاهل بين كونه جاهلاً بالموضوع أو الحكم (2).

[2714] مسألة 16 : لا فرق بين أقسام (3) الدين من قرض أو ثمن مبيع أو ضمان مال أو عوض صلح أو نحو ذلك ، كما لو كان من باب غرامة إتلاف ، فلو كان الإتلاف جهلاً أو نسياناً ولم يتمكّن من أداء العوض جاز


ليتمّ ما توهّم من أنّه متى جهل الإمام بالمصرف لا يدفع إلى الغريم من هذا السهم ، فلاحظ.

(1) لظهور الأدلّة في المعصية الفعليّة ، ولا معصية كذلك في هذه الموارد.

(2) شريطة كون جهله في الشبهة الحكميّة عذراً له كما في الجاهر القاصر ، وأمّا المقصّر فحيث لا عذر فلا جرم يصدر منه على سبيل المعصية.

(3) لإطلاق الآية المباركة الكاشف عن أنّ العبرة بمجرّد إشغال الذمّة وصدق الغريم ، سواء أكان عن أسباب قهرية أم اختياريّة ، ولا يختصّ بالاستدانة عن القرض المصطلح الذي هو مورد أكثر النصوص ، إذ مضافاً إلى أنّه لا عبرة بغالبها لضعف إسنادها كما سبق ، يكفينا ما عرفت من إطلاق الآية وبعض تلك النصوص كمعتبرة موسى بن بكر المتقدّمة (1)حيث إنّ الموضوع فيها وإن كان هو المستدين أيضاً إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) لما طبق عليه عنوان المغرم فيعلم أنّ العبرة بمطلق الغرامة من أيّ سبب تحقّق ، ومن المعلوم أنّ النصوص المزبورة غير صالحة لتقييد الإطلاق.


1) في ص 98.

إعطاؤه من هذا السهم ، بخلاف ما لو كان على وجه العمد والعدوان (1).

[2715] مسألة 17 : إذا كان دينه مؤجّلاً فالأحوط (1)عدم الإعطاء من هذا السهم قبل حلول أجله وإن كان الأقوى الجواز (2).


(1) كما لو أتلف مال الغير عدواناً أو قتل عامداً من لا يقتصّ منه وإنّما تؤخذ الدية كقتل الوالد ولده أو المولى عبده أو المسلم ذمّيّاً وما شاكل ذلك ، فإنّه إذا عجز عن أداء ما نشأ عن العدوان أو المعصية لا يسدّد دينه من سهم الغارمين ، وذلك لفحوى ما دلّ على عدم الدفع عن الدين المصروف في المعصية ، بداهة أنّه إذا كان الصرف المحرّم المتأخّر عن الدين مانعاً عن الأداء فنشوء الدين عن سبب سابق محرّم أولى بالمانعية.

وبعبارة أُخرى : إذا كان حرمة الصرف المتأخّر عن الدين الذي هو محلّل في نفسه مانعاً فحرمة الدين الناشئة عن حرمة سببه السابق عليه أولى بالمانعيّة بالأولويّة القطعيّة.

وتؤيّده رواية عبد الرّحمن بن الحجّاج المتقدّمة (2)المتعرّضة لنداء الجاهليّة وتفسيرها ، غير أنّها ضعيفة السند كما سبق وإن عبّر عنها بالصحيحة.

وكيفما كان ، فالظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها ولا إشكال ، وأنّه لا فرق بين الدين في سبيل المعصية وبين الدين المسبّب من المعصية.

نعم ، إذا كان فقيراً ولم تشترط العدالة فيه أو أنّه تاب جاز الدفع إليه حينئذٍ من سهم الفقراء كما هو واضح.

(2) لإطلاق الغارم في الكتاب والسنّة ، الشامل لأنواع الدين من المعجّل


1) (*) هذا الاحتياط لا يترك.

2) في ص 93.

[2716] مسألة 18 : لو كان كسوباً يقدر على أداء دينه بالتدريج : فإن كان الديّان مطالباً فالظاهر جواز إعطائه (1) من هذا السهم ، وإن لم يكن مطالباً فالأحوط عدم إعطائه (2).

[2717] مسألة 19 : إذا دفع الزكاة إلى الغارم فبان بعده أنّ دينه في معصية ارتجع منه ، إلّا إذا كان فقيراً (3) فإنّه يجوز احتسابه عليه من سهم الفقراء ، وكذا إذا تبيّن أنّه غير مديون ، وكذا إذا أبرأه الدائن بعد الأخذ لوفاء الدين.


والمؤجّل قبل حلول الأجل وبعده.

ولكنّك عرفت فيما سبق لزوم تقييده بالعاجز عن الأداء ، ولا ينبغي التأمّل في أنّ صدقه منوط بمراعاة حال الأداء المتوقّفة على حلول الأجل واستحقاق المطالبة المستتبع لوجوب الدفع ، أمّا قبله فحيث لا وجوب فلا عجز حتّى لو طالب ، إذن فعدم الدفع من هذا السهم لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

نعم ، لا مانع من الدفع من سهم الفقراء إذا لم يكن مالكاً لقوت السنة.

(1) لصدق العجز عن الأداء المنزّل عليه إطلاقات الغرم كما عرفت بعد فرض الحلول والمطالبة.

(2) بل هو الأظهر ، لعدم صدق العجز بعد التمكّن من تسديد الدين ولو تدريجاً ، وقد تقدّم البحث عنه ، فلاحظ ولا نعيد (1).

(3) يظهر حال المقام ممّا قدّمناه في المسألة الثالثة عشر ، وملخّصه : أنّ في الفروض الثلاثة المذكورة في المتن إن كانت العين باقية عند الغارم ارتجعها ،


1) في ص 78.

[2718] مسألة 20 : لو ادّعى أنّه مديون : فإن أقام بيّنة قبل قوله ، وإلّا فالأحوط عدم تصديقه وإن صدّقه الغريم (1) فضلاً عمّا لو كذّبه أو لم يصدّقه.

[2719] مسألة 21 : إذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثمّ صرفه في غيره ارتجع منه (2).

[2720] مسألة 22 : المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حين الاستدانة (3) ، فلو استدان للطاعة فصرف في المعصية لم يُعطَ من هذا السهم ، وفي العكس بالعكس.


لاستبانة عدم وقوع الزكاة المدفوعة في محلّها ، وإن كانت تالفة فكذلك مع علم الآخذ بالحال دون جهله ، لكونه حينئذٍ مغروراً من قبل الدافع ، والمغرور يرجع إلى من غرّه.

(1) تقدّم الكلام حول ذلك في العبد المكاتب (1)، وملخّصه : أنّ الدعوى المزبورة وإن كانت إقراراً بالدين ولأجله ينفذ وللغريم أخذه به ، ولكنّه حجّة عليه لا على غيره ، فلا يثبت بهذه الدعوى حكم آخر ومنه أخذ الزكاة ، بل هي كسائر الدعاوي تحتاج إلى ثبوت شرعي ببيّنة ونحوها ، ومن المعلوم أنّ تصديق الغريم لا ينفع ، لجواز التواطؤ بينهما على نهبها.

(2) لعدم صرفه فيما أُعدّ له فيسترجع لا محالة ، وقد تقدّم في المكاتب ما عن الشيخ من عدم الاسترجاع وعرفت وجهه وضعفه ، فلاحظ (2).

(3) فالعبرة في صدق أحد العنوانين بحال الصرف لا حال الاستدانة ، لظهور


1) في ص 81 82.

2) في ص 80.

[2721] مسألة 23 : إذا لم يكن الغارم متمكّناً من الأداء حالاً وتمكّن بعد حين ، كأن يكون له غلّة لم يبلغ أوانها أو دين مؤجّل يحلّ أجله بعد مدّة ، ففي جواز إعطائه من هذا السهم إشكال (1) ، وإن كان الأقوى عدم الجواز مع عدم المطالبة من الدائن أو إمكان الاستقراض والوفاء من محلّ آخر ثمّ قضاؤه بعد التمكّن.


النصوص في ذلك ، مضافاً إلى تسالم الأصحاب على ذلك ، ولأجله ترفع اليد عن بعض النصوص لو كان ظاهراً في خلاف ذلك ، كقوله في موثّقة الحسين بن علوان «... إذا استدانوا في غير سرف» (1)، حيث ربّما يدّعى ظهوره في مراعاة حال الاستدانة.

وفيه مضافاً إلى احتمال إرادة الصرف من الظرف ، أي صرفوه في غير سرف - : أنّه لو تمّ الاستظهار لم يكن بدّ من رفع اليد عنه ، للتسالم المزبور.

(1) قد عرفت أنّ العبرة في الدفع من هذا السهم بصدق العجز عن الأداء ، وهذا يختلف حسب اختلاف فروض هذه المسألة.

فلا صدق في الدين المؤجّل ، وكذا الحالّ غير المطالب مع التمكن من التسديد في ظرف المطالبة.

وأمّا مع المطالبة : فإن تمكّن من بيع الغلّة أو الدين المفروضتين في المتن من غير الوقوع في ضرر أو حرج لا يحلّ له الأخذ ، لعدم صدق العجز ، إذ حاله حال من يتمكّن من أداء دينه ببيع بعض الأمتعة الزائدة التي لا يحتاج إليها ، لوضوح عدم الفرق في صدق التمكّن بين التسديد بعين ماله ابتداءً وبين تبديله


1) الوسائل 9 : 298 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 ح 2.

[2722] مسألة 24 : لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة (1) ، بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة وفاءً للدين ويأخذها مقاصّة وإن لم يقبضها المديون ولم يوكّل في قبضها. ولا يجب إعلام المديون بالاحتساب عليه أو يجعلها وفاءً وأخذها مقاصّة.


بمال آخر ثمّ التسديد منه. وهكذا الحال فيما لو كان متمكّناً من الاستقراض.

وإن لم يتمكّن ولو من أجل الوقوع في حرج أو ضرر ، جاز له الأخذ حينئذٍ ، لصدق العجز في هذه الصورة ، فلاحظ.

(1) لا يخفى أنّ صرف الزكاة من سهم الغارمين يتحقّق تارةً : بالدفع إلى المديون لتسديد دينه.

وأُخرى : بالدفع إلى الدائن مباشرةً إذا كان شخصاً آخر غير المزكّي.

وثالثةً : بالاحتساب فيما إذا كان هو المزكّي نفسه ، بأن يجعل ماله في ذمّة المديون من الدين بدلاً عمّا عليه من الزكاة فيحتسب أحدهما مكان الآخر.

ورابعةً : بالتقاصّ في نفس الفرض بأن يفرز ويعزل ما عنده من الزكاة ويجعله للمديون ثمّ يأخذه منه تقاصّاً ووفاءً عمّا عليه من الدين. وهذا وإن لم يكن من التقاصّ المصطلح لاختصاصه بصورة الإنكار دون العجز عن الأداء كما في المقام لكن الماتن وغيره من الفقهاء عبّروا بذلك تبعاً للنصّ ، ولعلّه لجامع الأخذ في مقابل الحقّ.

وكيفما كان ، فهذه الفروض الأربعة كلّها مشمولة لإطلاق الغارمين في الآية المباركة ، مضافاً إلى ورود النصّ في كلّ واحد منها بالخصوص.

فقد دلّت على الأوّل : معتبرة الحسين بن علوان ، وعلى الثاني : موثّقة إسحاق

.................................................................................................


ابن عمّار ، المتقدّمتان (1).

وعلى الثالث : صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة ، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ «قال : نعم» (2).

وعلى الرابع : موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل له الدَّين على رجل فقير يريد ان يعطيه من الزكاة «فقال : إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دَين من عرض من دار ، أو متاع من متاع البيت ، أو يعالج عملاً يتقلّب فيها بوجهه ، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دَينه ، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة ، أو يحتسب بها ، فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فيعطيه من زكاته ولا يقاصّه بشي‌ء من الزكاة» (3).

دلّت على التفصيل بين الغريم المالك لمئونة سنته وبين غير المالك ، وأنّه يدفع للأوّل من سهم الغرماء إمّا بنحو الاحتساب أو بنحو المقاصّة ، أمّا الثاني فلا يدفع له إلّا من سهم الفقراء.

هذا ، ولا ينبغي التأمّل في أنّ التفصيل المزبور حكم استحبابي أو أخلاقي ، وإلّا فيجوز الدفع من كلّ من السهمين للثاني كما يجوز عدم الدفع لأيّ من القسمين شيئاً من الزكاة ودفعها لشخص آخر كما هو واضح.


1) في ص 85 وهما في الوسائل 9 : 298 و 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 48 و 18 ح 2 و 2.

2) الوسائل 9 : 295 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 2.

3) الوسائل 9 : 296 / أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 3.

[2723] مسألة 25 : لو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز له وفاؤه عنه بما عنده منها (1) ولو بدون اطلاع الغارم.

[2724] مسألة 26 : لو كان الغارم ممّن تجب نفقته على من عليه الزكاة جاز له إعطاؤه لوفاء دينه (2) أو الوفاء عنه (3) وإن لم يجز إعطاؤه لنفقته (4).

[2725] مسألة 27 : إذا كان ديّان الغارم مديوناً لمن عليه الزكاة جاز له إحالته على الغارم (5) ثمّ يحسب عليه ،


(1) لنصوصٍ دلّت عليه وردت في الحيّ والميّت ، وقد تقدّمت ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين اطلاع الغارم وعدمه ، فلا يجب الإعلام.

(2) ففي موثّقة إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل على أبيه دَين ولأبيه مئونة ، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ «قال : نعم ، ومن أحقّ من أبيه؟!» (1).

(3) لما في صحيح زرارة «... وإن لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَين أبيه» إلخ (2).

ويشهد للحكم في كلا الموردين إطلاق الآية المباركة الشامل للغارم الذي تجب نفقته على المزكّي وغيره بعد وضوح اختصاص الاستثناء الوارد في الأخبار بالإعطاء من سهم الفقراء وعدم شموله لسهم الغارمين ، والظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها.

(4) للنصوص الآتية المانعة عن ذلك كما ستعرف.

(5) فإنّه بعد إحالة الديّان من عليه الزكاة على الغارم وقبول المحتال هذه


1) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 2.

2) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1.

بل يجوز له أن يحسب (1)(1) ما على الديّان وفاءً عمّا في ذمّة الغارم ، وإن كان الأحوط أن يكون ذلك بعد الإحالة.


الحوالة فمقتضى صحّتها حسبما تقتضيه إطلاقات مشروعيّة الحوالة فراغ ذمّة المحيل واشتغال ذمّة المحال عليه أعني : الغارم لصاحب الزكاة بدلاً عمّا كان من اشتغالها للديّان ، فيندرج حينئذٍ في موضوع المسألة الرابعة والعشرين المتقدّمة أعني : ما إذا كان الغارم مديوناً لمن عليه الزكاة وقد عرفت جواز احتسابه عليه زكاةً ، وهذا واضح.

(1) هذا الاحتساب المفروض صدوره قبل حصول الحوالة مبني على إلحاقه بالعطاء والأداء الخارجي حتّى في مثل المقام ممّا يكون الدين المحتسب في ذمّة غير الغريم ، فكما يجوز أداء نفس الزكاة للديّان وفاءً عمّا في ذمّة الغارم كذلك يجوز احتساب الدين الذي يملكه صاحب الزكاة عنها ، سواء ملكه في ذمّة الغارم مباشرةً فيما لو كان الغريم مديناً لنفس المزكّي أم في ذمّة من يكون الغريم مديناً له ، فيتحقّق التهاتر القهري على الثاني ، ويكون ذلك أيضاً مصداقاً لصرف الزكاة في سهم الغارمين ، للقطع بعدم الفرق بين الصورتين فيما هو مناط الصرف من تفريغ ذمّة الغريم من الدين.

ولكنّه غير واضح ، ودعوى القطع عهدتها على مدّعيه ، فإنّ الاحتساب لمّا لم يكن صرفاً لنفس الزكاة بل كان جعلاً وفرضاً لغير الزكاة زكاةً واحتسابه عنها فلا جرم كان على خلاف القاعدة ومنوطاً بنهوض دليل عليه ، والقدر المتيقّن الذي دلّت النصوص المتقدّمة عليه إنّما هو احتساب صاحب الزكاة دينه الذي على ذمّة الغارم زكاةً. وأمّا الدين الذي له على ذمّة شخص آخر فلا دليل على احتسابه منها إلّا بعد صدور عمليّة الحوالة المتقدّمة وانتقال الدين إلى ذمّة


1) (*) فيه إشكال.

[2726] مسألة 28 : لو كان الدين للضمان عن الغير تبرّعاً (1) لمصلحة مقتضية لذلك (2) مع عدم تمكّنه من الأداء وإن كان قادراً على قوت سنته يجوز الإعطاء من هذا السهم (3) وإن كان المضمون عنه غنيّاً.

[2727] مسألة 29 : لو استدان لإصلاح ذات البين كما لو وجد قتيل لا يدري قاتله وكاد أن تقع بسببه الفتنة فاستدان للفصل : فإن لم يتمكّن من أدائه جاز الإعطاء من هذا السهم (4) ، وكذا لو استدان لتعمير مسجد أو نحو ذلك من المصالح العامّة ، وأمّا لو تمكّن من الأداء فمشكل (5). نعم ، لا يبعد جواز الإعطاء


الغريم مباشرةً حسبما عرفت ، فلاحظ.

(1) أمّا من دون التبرّع بأن كان بطلب من المضمون عنه فحيث إنّه يرجع إليه فلا عجز ليسدّد الدين من الزكاة.

(2) بأن يكون لداعٍ عقلائي ككونه إحساناً في حقّه أو صلة لرحمه وما شاكل ذلك ، وقد تقدّم أنّه لا يعتبر أن يكون الدين في الطاعة ، بل يكفي عدم كونه في سبيل المعصية.

(3) لإطلاق الأدلّة فيه وفيما بعده.

(4) بلا إشكال فيه ولا خلاف ، فإنّه غارم عاجز عن الأداء قد صرف دينه فيما هو من أفضل الطاعات وأحسن القربات فتشمله الإطلاقات ، وكذا الحال فيما بعده ، وهذا واضح.

(5) بل ممنوع ، لما سبق من ظهور الاتّفاق في اعتبار العجز عن الأداء في الدفع من هذا السهم.

خلافاً لما نُسب إلى الشيخ ومن تأخّر عنه من الجواز لهذا الغارم حتّى مع

من سهم سبيل اللّه وإن كان لا يخلو عن إشكال (1)أيضاً إلّا إذا كان من قصده (2)حين الاستدانة ذلك (1).


الغنى (3)، استناداً إلى إطلاق الغارمين في الآية المباركة ، وما ورد من أنّه : «لا تحلّ الصدقة إلّا لخمس : غازٍ في سبيل اللّه ، أو عامل عليها ، أو غارم» إلخ (4).

وفيه : منع الإطلاق ، لما عرفت من ظهور الاتّفاق الصالح للتقييد ، مع أنّه لو تمّ لعمّ ولساغ تسديد ديون جميع الأثرياء من غير خصوصيّة للمقام ، وهو كما ترى منافٍ لتشريع الزكاة وحكمته من سدّ الخلّة ورفع الحاجة.

وأمّا الخبر فهو بالمتن المزبور غير مروي من طرقنا ولا موجود في أُصولنا ، وإنّما الوارد صدره فقط من دون ضمّ الاستثناء كما أشار إليه في الجواهر (5).

مضافاً إلى ما عرفت من أنّه لو تمّ لعمّ ودلّ على جواز الدفع من هذا السهم لمطلق الغريم الغني وإن لم يصرف دينه في المصالح العامّة أو إصلاح ذات البين فلا يختصّ بما نحن فيه ، ولا يظنّ الفتوى به من أحد.

ومنه يظهر أنّ المراد بالغني في الخبر هو الغني الشرعي أعني : المالك لقوت السنة فإنّه الذي يعطى من سهم الغارمين إذا كان عاجزاً عن الأداء ، دون الغني العرفي المتمكّن من الأداء فإنّه غير مشمول للرواية بوجه.

(1) بل الظاهر سريان الإشكال في كلتا الصورتين :


1) (*) الإشكال قوي جدّا.

2) (**) بل هذا أيضاً لا يخلو من الإشكال.

3) نسبه إلى الشيخ صاحب الحدائق 12 : 194.

4) مسند أحمد بن حنبل 3 : 56 ، كنز العمال 6 : 454 / 16503.

5) الجواهر 15 : 362. ولكن روي في المستدرك 7 : 128 / أبواب المستحقين للزكاة ب 27 ح 2 عن دعائم الإسلام 1 : 261 ما يقرب منه ، فلاحظ.

السابع : سبيل اللّه (1) ، وهو جميع سبل الخير (1)(2) ،


أمّا في الصورة الأُولى : فلأجل أنّه بعد أن استدان لنفسه ولو لتلك الغاية الراجحة أصبح بشخصه هو المدين ، ومن المعلوم أنّ العطاء لقضاء الدين الشخصي وإن كان عملاً قربيّاً إلّا أنّ الموضوع لسهم سبيل اللّه ليس هو كلّ أمر قربي ، بل الموضوع هو الصرف فيه ولم يصرف فيه ممّا نحن فيه ، بل صرف في تسديد دين كان هو المصروف في سبيل اللّه ، والاحتساب لا دليل عليه في المقام. ومن ثمّ لا يجوز تعويض ما صرفه في سبيل الجهاد الذي هو من أوضح مصاديق سبيل اللّه من هذا السهم بأن تدفع له الزكاة عوضاً عمّا بذله في الجهاد حتّى على القول بجواز الدفع والصرف من هذا السهم للمتمكّن فيما إذا لم يقدم إلّا على هذا الوجه.

وبالجملة : ما صرفه في سبيل اللّه لم يكن زكاة ، بل ديناً شخصيّاً ، وما كان زكاة لم يصرفه في سبيل اللّه ، بل في أداء دين نفسه ، وأداء الدين لا يعدّ عرفاً من سبيل اللّه ، فلا يجوز الأخذ لا من هذا السهم لما عرفت ، ولا من سهم الغارمين لاختصاصه بصورة العجز عن الأداء والمفروض تمكّنه منه.

ومنه تعرف الحال في الصورة الثانية أعني : ما إذا كان من قصده حين الاستدانة ذلك ضرورة أنّ القصد لا يغيّر الواقع ولا يجعل غير الجائز جائزاً ، ولا المصروف الذي هو عين ما استدان مصداقاً للزكاة ، فلا يكون صرفه صرفاً للزكاة ، وقد عرفت أنّ التعويض لا يحقّق الصرف من سهم سبيل اللّه ، فلاحظ.

(1) وهو في الجملة ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد نطق به الكتاب والسنّة ، واتّفقت عليه الخاصّة والعامّة.

(2) على المشهور بين فقهائنا من التعميم لكلّ ما يتضمّن خيراً للمسلمين أو


1) (*) بل خصوص ما فيه مصلحة عامّة.

كبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها ، وتخليص المؤمنين من يد الظالمين ، ونحو ذلك من المصالح ، كإصلاح ذات البين ، ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين ، وكذا إعانة الحجّاج والزائدين وإكرام العلماء والمشتغلين مع عدم تمكّنهم من الحجّ والزيارة والاشتغال ونحوها من أموالهم ، بل الأقوى جواز دفع هذا السهم في كلّ قرية.


فائدة للدين أو تعظيماً لشعائر الإسلام ، كالأمثلة المذكورة في المتن.

خلافاً للجمهور ، حيث خصوه بما يصرف في سبيل الجهاد والمقاتلة مع أعداء الدين. ونُسب ذلك إلى الشيخ والمفيد والصدوق أيضاً (1).

وربّما يستدلّ لهم بما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن يونس بن يعقوب : إنّ رجلاً كان بهمدان ذكر أنّ أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصيّة عند الموت ، وأوصى أن يعطى شي‌ء في سبيل اللّه ، فسُئل عنه أبو عبد اللّه (عليه السلام) كيف نفعل ، وأخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر «فقال : لو أنّ رجلاً أوصى إليّ أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ، إنّ اللّه تعالى يقول ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ، فانظروا إلى من يخرج إلى هذا الأمر (الوجه خ ل) يعني بعض الثغور فابعثوا به إليه» (2).

وفيه مضافاً إلى ضعف السند بسهل بن زياد - : أنّ الدلالة قاصرة ، إذ موردها الوصيّة ، والمفروض أنّ الموصي غير شيعي ، وقد عرفت اختصاص سبيل


1) الحدائق 12 : 199.

2) الوسائل 19 : 341 / كتاب الوصايا ب 33 ح 4 ، الكافي 7 : 14 / 4 ، الفقيه 4 : 148 / 515 ، التهذيب 9 : 202 / 805 ، الاستبصار 4 : 128 / 485. والآية في البقرة 2 : 181.

.................................................................................................


اللّه عندهم بالجهاد ، فلا جرم تنصرف الوصيّة إلى ما يعتقده الموصي ، ولعلّ في قوله : «لو أنّ رجلاً أوصى» إلخ ، إيعازاً بذلك أي بعدم الاختصاص لولا أنّ الوصيّة اقتضت ذلك. إذن فلا ملازمة بين مورد الرواية وبين محلّ الكلام.

هذا ، مع أنّ الرواية لا دلالة لها على الحصر بوجه ، إذ لم تكن بصدد التفسير ، بل في مقام التطبيق ، ولعلّه من أجل أنّه أهمّ المصاديق وأوضحها لا أنّه منحصر فيه ، ولا سيّما بقرينة ما ورد في بعض نصوص الوصيّة من التطبيق على غير الجهاد ، كمعتبرة الحسين بن راشد ، قال : سألت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) ، (بالمدينة) عن رجل أوصى بمال (له خ ل) في سبيل اللّه «قال : سبيل اللّه شيعتنا» (1).

فإنّ المسمّى ب : الحسن بن راشد ، مشترك بين من هو من أصحاب الصادق ومن هو من أصحاب الرضا ومن هو من أصحاب العسكري (عليهم السلام) ، والمراد به في المقام هو الأخير بقرينة روايته عن العسكري ، وهو المكنّى ب : أبي علي ، مولى لآل المهلب ، وقد وثّقه الشيخ في رجاله (2)، فالسند معتبر كما أنّ الدلالة واضحة.

وهناك روايات اخرى دلّت على جواز الصرف في غير الجهاد كالحجّ :

منها : صحيحة علي بن يقطين ، أنّه قال لأبي الحسن (عليه السلام) : يكون عندي المال من الزكاة فأحجّ به مواليّ وأقاربي؟ «قال : نعم ، لا بأس» (3).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ، أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصرورة أيحجّ من الزكاة؟ «قال : نعم» (4).


1) الوسائل 19 : 338 / كتاب الوصايا ب 33 ح 1.

2) لاحظ رجال الطوسي : 167 / 29 و 373 / 29.

3) الوسائل 9 : 290 / أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 1.

4) الوسائل 9 : 290 / أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 2 ، الفقيه 2 : 19 و 262 / 60 و 1277 ، التهذيب 5 : 460 / 1602.

مع عدم تمكّن المدفوع إليه من فعلها بغير الزكاة (1) ، بل مع تمكّنه أيضاً لكن


فإنّ طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم وإن كان ضعيفاً ولكنّه رواها عنه بطريق آخر ، وهو إسناده عن حريز عن محمد بن مسلم ، كما أنّ الشيخ أيضاً رواها كذلك وطريقه إلى حريز صحيح.

ومنها : صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصرورة أيحجّه الرجل من الزكاة؟ «قال : نعم» (1).

فإنّها وإن كانت ضعيفة السند في طريق ابن إدريس لجهالة طريقه إلى البزنطي ولكن صاحب الوسائل يرويها أيضاً عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه صحيح.

وبالجملة : فهذه النصوص تدلّنا بوضوح على عدم الاختصاص بالجهاد ، ومعه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق الآية المباركة الدالّة على التعميم لكلّ سبل الخير وما صدق عليه عرفاً عنوان سبيل اللّه.

أجل ، ينبغي تقييده بما يعود نفعه إلى العموم ويعدّ من المصالح العامّة ، فلا يشمل مثل تزويج الغني ، فإنّ عنوان سبيل الخير وإن كان صادقاً عليه بمفهومه الواسع ، فإنّ التزويج خير وموجب لإدخال السرور في قلب المؤمن ، إلّا أنّ مناسبة الحكم والموضوع ولا سيّما ملاحظة حكمة التشريع من رفع الحاجة وسدّ الخلّة يستوجب الانصراف عنه ، فما قد يظهر من بعضهم من جواز الصرف من هذا السهم في شؤون الأغنياء كتزويج أولادهم أو شراء كتب دينيّة لمطالعتهم وما شاكل ذلك لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

(1) هل تعتبر الحاجة في الصرف من هذا السهم؟


1) الوسائل 9 : 291 / أبواب المستحقين للزكاة ب 42 ح 4 ، مستطرفات السرائر : 33 / 35 ، مسائل علي بن جعفر : 143 / 168.

مع عدم إقدامه إلّا بهذا الوجه.


فيه تفصيل ، فإنّه :

تارةً يصرف في جهة من الجهات العامّة كبناء القناطر والمدارس والمساجد ونحوها.

وأُخرى : يدفع إلى أحد ليصرفه في سبيل الخير من الحجّ أو الجهاد ، أو المواكب الحسينيّة وما شاكلها.

ففي الأوّل : لا ينبغي الشكّ في جواز استفادة الغني منها كالفقير ، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) : «لا تحلّ الصدقة لغني» ، لوضوح عدم شموله لمثل ذلك جزماً ، فإنّه ناظر إلى الإنفاق على الغني وتمليكه إيّاه لا الصرف في جهة عامّة مع مسيس الحاجة لينتفع منها الكلّ وهو أيضاً يستفيد منها كأحد المسلمين ، والظاهر أنّ هذا ممّا لم يستشكل فيه أحد ، فإنّ هذه الاستفادة لا تعدّ من مصاديق الصرف وهذا واضح.

وأمّا الثاني : فإن لم يكن المورد الخيري محتاجاً إلى الصرف من هذا السهم كما لو كان لدى الحجّاج أو الزوّار أو أرباب المواكب ما يكفيهم لإدارة شؤونهم فحينئذٍ لا يبعد انصراف الأدلّة عن هذه الصورة ولو بملاحظة ما عرفت من حكمة التشريع المقتضية للاختصاص ، بمواطن الحاجة كما تقدّم ، مثل هذا الانصراف في الصرف من سهم الغارمين أيضاً.

وأمّا إذا كانت الحاجة ماسّة بحيث لا سبيل للوصول إلى السبيل الخيري من دون الاستفادة من الزكاة ، فالظاهر جواز الصرف حينئذٍ وإن كانوا هم أغنياء أي مالكين لقوت سنتهم فيعطى للغني الشرعي أيضاً من هذا السهم ليصرفه في سبيل الخير فيما لو دعت الحاجة إليه ، كما لو فرضنا قلّة الحجّاج في سنة واقتضت شوكة الإسلام كثرتهم وكانت هناك جماعة يملكون قوت سنتهم بل قد حجّوا عن استطاعتهم ولكنّهم لا يستطيعون الحجّ في هذه السنة ، فإنّه يجوز

الثامن : ابن السبيل ، وهو المسافر الذي نفدت نفقته أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر معه على الذهاب (1).


الدفع لهم من هذا السهم تكثيراً للحجّاج وتعظيماً لشعائر الإسلام ، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك حتّى لو استطاعوا وتمكّنوا ولكنهم لا يقدمون إلّا بهذا الوجه كما أُفيد في المتن ، وذلك بعين المناط المتقدّم ، وقد عرفت عدم شمول قوله : «لا تحلّ الصدقة لغني» لمثل ذلك ، فإنّ الممنوع هو التمليك والإنفاق على حذو الإعطاء للفقير ، أمّا هنا فيعطى للغني ليصرفه في جهة خاصّة لا أنّه يملكه ليتصرّف به كيفما شاء.

وبالجملة : ما هو مناط الجواز وهو الحاجة إلى صرف الزكاة موجود هنا أيضاً فلا يشمله ذاك الدليل.

وملخّص الكلام : أنّ العبرة بالحاجة إلى الصرف في جهة خاصّة من الحجّ أو الجهاد ونحوهما ، لا بحاجة المعطى له ، كما لو احتاجت البلدة إلى المسجد أو القنطرة مثلاً أو أنّ المحافظة على بيضة الإسلام استدعت بعث المسلمين إلى الحجّ أو إلى الدفاع عن بلادهم ، فإنّه لا عبرة في هذه الموارد بحاجة الأشخاص بل بحاجة الجهة نفسها ، فإن احتاجت جاز الصرف من سهم سبيل اللّه ، وإلّا فلا.

(1) فلا يعمّ مطلق المسافر الذي لا مال له ، بل يختصّ بغير القادر على الذهاب إلى وطنه لنفاد زاده أو راحلته بحيث يصدق عليه المحتاج. وهذا هو المشهور في تعريفه حيث فسّروه بالمنقطع.

ويمكن الاستدلال له مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى حكمة التشريع لما تقدّم من أنّ الزكاة إنّما شرّعت لرفع الحاجة وسدّ الخلة ، أنّه لا يبعد القول بأنّ الاحتياج مأخوذ في نفس المفهوم ، حيث يستفاد من إضافة الابن إلى السبيل كنظائر هذا التعبير ، مثل : ابن البطن ، ابن الوقت نوع اختصاص وملازمة بين

.................................................................................................


الطرفين كاختصاص الابن بأبيه ، فكما أنّه يلازمه ولا يفارقه فكذلك من همّه بطنه أو مراعاة الوقت الحاضر أو المنقطع في الطريق ، فإنّ هؤلاء أيضاً ملازمون لهذه الأُمور ولا ينفكّون عنها.

فابن السبيل إذن كناية عمّن يلازم الطريق ولا يفارق السفر ، لعجزه عن الوصول إلى الوطن بحيث أصبح السفر بمثابة الأب وهو بمنزلة الابن في عدم المفارقة عنه ، ومن الواضح اختصاص ذلك بالمسافر العاجز لا مطلق من لا مال له وإن كان قادراً على الذهاب إلى وطنه ولو بالاستدانة ونحوها.

ويؤيّده تفسير ابن السبيل بالمنقطع فيما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره «قال : وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم» إلخ (1).

ولكنّها لأجل إرسالها لا تصلح إلّا للتأييد.

ويعضده أنّ ابن السبيل الذي قورن مع إخوانه من الفقراء والمساكين ونحوهما في مواضع سبعة من الكتاب العزيز قد خصّ بالتعبير عنه بصيغة المفرد والباقي بصيغة الجمع ، ولعلّ النكتة فيه الإيعاز إلى قلّة أفراده في قبال غيره ، فلو كان المراد مطلق المسافر لكان الأولى الإتيان بصيغة الجمع أيضاً ، لكثرة أفراده ، وإنّما القليل خصوص المعوزين المحتاجين لنفاد نفقتهم أو راحلتهم ، لجريان العادة على أخذ المسافرين معهم ما يكفي مؤونتهم ، ومع نفادها يمكنهم التحصيل ولو بالاستدانة ، فالقليل هم العاجزون عن ذلك أيضاً ، فمن ثمّ عبّر عنه بصيغة الإفراد.

ثمّ لا يخفى أنّ المراد من السفر المأخوذ في مفهوم ابن السبيل هو السفر العرفي ، سواء أكان بالغاً حدّ المسافة الشرعيّة أم لا ، وسواء أقصّر أم أتمّ ، لكونه قاصداً للإقامة أو متجاوزاً للثلاثين متردّداً ، لوضوح عدم مدخليّة للتقصير في صدق


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 299.

وإن كان غنيّاً في وطنه (1).


ابن السبيل فلا ينافيه الإتمام ، بل ربّما كان مؤكّداً للعنوان ، لكشفه عن عجزه عن الخروج عن البلد حتّى بمقدار يسير موجب للتقصير فضلاً عن العود إلى الوطن.

وبالجملة : المقوّم لمفهوم ابن السبيل هو المسافر المنقطع لا المسافر المقصّر ، وقد تقدّم في صلاة المسافر أنّ الحكم عليه بالإتمام تخصيصٌ حكمي لا خروج موضوعي ، فهو مسافر محكوم عليه بالإتمام.

وما في بعض الأخبار من أنّ المقيم بمكّة عشرة بمنزلة أهلها ، لا يمكن الأخذ بها حتّى في موردها ، فالمقيم مسافر يتمّ تخصيصاً في دليل وجوب التقصير على المسافر ، فهو أيضاً من مصاديق ابن السبيل.

(1) فإنّ ابن السبيل بعنوانه الخاصّ موضوع مستقلّ للزكاة في قبال سائر العناوين من الفقير والمسكين وغيرهما ، ومقتضى الإطلاق ولا سيّما بقرينة المقابلة عدم اعتبار الفقر الشرعي فيه ، فيجوز الإعطاء لكلّ محتاج في السفر وإن كان غنيّاً في بلده ، بل ومن الطبقة الراقية من الأغنياء.

وقد تقدّم غير مرّة عدم التنافي بينه وبين ما دلّ على أنّه لا تحلّ الصدقة للغني ، حيث عرفت أنّ الممنوع هو الدفع للغني بشخصه على حذو الدفع للفقير ليتملّكه ويتصرّف فيه كيفما شاء. أمّا في المقام فيعطى لعنوانه الخاصّ وهو كونه ابن السبيل ليصرفه في جهة معيّنة وهي الإيصال إلى البلد من غير تمليك للشخص ، كما في نظيره في الغارم من الصرف في أداء الدين فحسب.

ولعلّه يشير إلى هذا الفرق اختلاف التعبير في الآية المباركة حيث تضمّنت التعدية بلام الملكيّة في مصارف أربعة وب «في» الظرفيّة في الأربعة الباقية ، فقال عزّ من قائل ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ )

بشرط عدم تمكّنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه أو نحو ذلك (1) ، وبشرط أن لا يكون سفره في معصية (2)


ثمّ قال تعالى ( وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .

فإنّه لا يبعد أن تكون النكتة في هذا التغيير والعدول عن الأسلوب والإيعاز إلى اختلاف الأصناف وعدم كون المصارف على نمط واحد ، بل في الأربعة الأُول تمليك لأشخاصهم يتصرّفون كيفما يشاؤون ، وفي الأربعة الباقية صرف في جهة خاصّة من غير تضمّنها ملكيّة مطلقة.

(1) لعدم الحاجة مع التمكّن المزبور ، وقد عرفت اعتبارها فيه ، إمّا لتقوّم مفهومه بها ، أو لاختصاص الزكاة بالمحتاج بمقتضى حكمة التشريع ، أو لمرسلة علي بن إبراهيم المنجبرة بالعمل على القول بالانجبار. وعلى أيّ حال ، فلا يستحقّ الزكاة مع قدرته على الوصول إلى وطنه من دون الاستفادة منها إمّا بالاستدانة أو بغيرها ، ومنه تعرف أنّه لا مجال للتمسّك بالإطلاق.

(2) لم يرد هذا الشرط إلّا في مرسلة علي بن إبراهيم المتقدّمة المتضمّنة لكون السفر في طاعة اللّه ، فإنّ المراد من الطاعة ما يقابل المعصية ولا يختصّ بالواجب أو المندوب.

وما في الحدائق (1)من أنّهما عبارة عن موافقة الأمر ومخالفته ، فلا تشملان المباح ، ومن ثمّ احتمل اعتبار كون السفر للعبادة جموداً على ما يرتئيه من كونه ظاهر الرواية.

مدفوعٌ بأنّ الظاهر من الطاعة هو العمل الصادر بإذن اللّه لا خصوص الصادر عن أمره ، وقد ورد : «إنّ اللّه يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ


1) الحدائق الناضرة 12 : 203.

.................................................................................................


بعزائمه» (1)، الظاهر في أنّ الأخذ بالمرخّص فيه محبوبٌ له تعالى كالأخذ بالمأمور به فهو أيضاً طاعة لا محالة. وورد أيضاً أنّ «من ورع عن محارم اللّه فهو من أورع الناس» (2)، وهو شامل للمباح ، فتأمّل.

فالإيراد على الرواية بأنّ ظاهرها اعتبار الطاعة وعدم كفاية عدم المعصية وهو مخالف للإجماع ، مبني على التفسير المزبور ولا أساس له.

والحاصل : أنّ السفر في غير المعصية سفر بإذن اللّه ، فهو طبعاً مطيع في سفره وليس بعاصٍ.

غير أنّ ضعف الرواية بالإرسال مانع عن الاعتماد عليها.

فالأولى الاستدلال له بعد الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد بأنّ ذلك هو مقتضى مناسبة الحكم والموضوع ، حيث إنّ الزكاة إنّما شرّعت للإرفاق بالفقراء وسدّ حاجة المحتاجين ، والمناسب جدّاً لهذا التشريع اختصاصه بما إذا لم يستلزم الإرفاق إغراءً بالقبيح وتشجيعاً للمعصية وإعانةً على الإثم ، ولا سيّما على المشهور من حرمتها ، فإنّ ابن السبيل في الآية المباركة منصرف عن مثل ذلك جزماً.

هذا كلّه في سفره إلى المعصية.

وأمّا لو عرضته الحاجة وأصبح ابن السبيل بعد الانتهاء عنها وإرادة الرجوع والعود إلى الوطن فهل يجوز الدفع إليه من هذا السهم؟

أمّا إذا كان ذلك بعد التوبة والندم فلا ينبغي الإشكال في الجواز ، لإطلاق الآية بل شمول المرسلة لو عملنا بها لعدم صدق سفر المعصية حالئذٍ ، بل هو من سفر الطاعة حسبما عرفت.


1) الوسائل 1 : 107 / أبواب مقدّمة العبادات ب 25 ح 1 ، وج 16 : 232 / أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب 29 ح 20.

2) الوسائل 15 : 246 / أبواب جهاد النفس ب 21 ح 15.

فيدفع له قدر الكفاية اللائقة بحاله (1) من الملبوس والمأكول والمركوب أو ثمنها أو أُجرتها إلى أن يصل إلى بلده بعد قضاء وطره من سفره أو يصل إلى محلّ يمكنه تحصيلها بالاستدانة أو البيع أو نحوهما.


وأمّا مع عدم الندم فصريح المحقّق الهمداني عدم الجواز ، لإطلاق النصّ والفتوى (1).

وفيه ما لا يخفى ، إذ لا نصّ ما عدا المرسلة ، ومقتضاها مع الغضّ عن سندها هو الجواز ، بداهة أنّ الرجوع إلى البلد سفر سائغ وأمر مباح قد أذن اللّه فيه ، فهو من حيث هو سفر الطاعة ، والتوبة عن المعصية السابقة وعدمها لا مدخليّة لها في ذلك بوجه.

وأمّا الفتاوى فلم يظهر منها أنّ سفره حال الرجوع من سفر المعصية ، فإنّ مورد كلماتهم هو سفر المعصية لا الرجوع عنه ، ومن ثمّ يقصّر في رجوعه تاب أم لم يتب فيما إذا كان بالغاً حدّ المسافة الشرعيّة ، لعدم صدق اسمها عليه. فلا مانع إذن من الدفع إليه من هذا السهم.

اللّهمّ إلّا إذا انطبق عليه عنوان آخر مرجوح كتشجيعه على ما فعل أو الرضا بما ارتكب بحيث يتضمّن مناط الإعانة على الإثم ، فإنّ الدفع حينئذٍ من هذا السهم مشكل كما تقدّم.

وأمّا من دون ذلك كما إذا كانت المعصية خفيّة قد علم بها صاحب الزكاة وكان العاصي جاهلاً بعلمه بها فلا مانع في مثله من الإعطاء إليه.

(1) من دون الزيادة عليه ، لما اتّضح ممّا مرّ من امتياز ابن السبيل ونحوه عن مثل الفقير في أنّ الزكاة لم تكن لشخصه كما في الفقير ، بل للجهة الخاصّة والوصف


1) مصباح الفقيه 13 : 586.

ولو فضل ممّا اعطي شي‌ء ولو بالتضييق على نفسه أعاده على الأقوى (1) ، من غير فرق بين النقد والدابّة والثياب ونحوها ،


العنواني القائم به ، فهو مصرفها لا أنّه مستحقّها ، فلا جرم يقتصر على المقدار الذي يحتاج إليه تلك الجهة ، كما هو الحال في الغارم ، فكما أنّه لا يعطي إلّا بمقدار أداء دينه ، فكذا ابن السبيل لا يعطي إلّا بالمقدار الذي يقتضيه وصفه العنواني دون الزائد عليه.

(1) أمّا إذا كان المدفوع من النقدين كما لو أعطاه عشرة دنانير فصرف منها ستّة وبقي أربعة إمّا للتقتير أو للتنزيل في السعر ، فلا ينبغي الشكّ في لزوم الردّ ، لما عرفت من أنّه لا يستملك الزكاة على حذو ما يستملكها الفقير ، وإنّما هو مصرف بحت لجهة معيّنة وهي العود إلى البلد ، فإذا حصل الغرض بقي الباقي بلا مصرف ، لأنّه انتقل إلى حالة لا تحل عليه الصدقة ، وإنّما أُبيحت لأجل حاجته الفعليّة العارضة أثناء الطريق والزائلة بعد الحضور في الوطن ، ولا تحلّ الصدقة للغني ، فلا جرم يعاد الزائد كما هو الحال في الغارم ، فكما أنّه لو أبرأه الغريم قبل أداء الدين وجب الردّ لانتفاء المصرف ، فكذا في المقام لاتّحاد المناط ، ولعلّ وجوب الردّ في الفرض ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال.

وأما إذا كان من العروض كالدابّة والثياب ونحوهما فعن العلّامة في النهاية وغيره عدم الوجوب.

ووجّهه في الجواهر بما لفظه : ولعلّ ذلك لأنّ المزكّي يملّك المستحقّ عين ما دفعه إليه ، والمنافع تابعة ، والواجب على المستحقّ ردّ ما زاد من العين على الحاجة ، ولا زيادة في هذه الأشياء إلّا في المنافع ولا أثر لها مع ملكيّة تمام العين.

.................................................................................................


ثمّ قال (قدس سره) : اللّهمّ إلّا أن يلتزم انفساخ ملكه عن العين بمجرّد الاستغناء ، لأنّ ملكية تزلزل ، فهو كالزيادة التي تجدّد الاستغناء عنها (1).

ووافقه عليه المحقّق الهمداني (2)، وهو الصحيح.

وتوضيح المقام : أنّ المحتملات في المسألة ثلاثة :

أحدها : ملكيّة ابن السبيل لما يأخذه من الزكاة ملكيّة مطلقة كملكيّة الفقراء ، فكما أنّ عروض الغنى بعد ذلك بإرثٍ ونحوه لا يستوجب الردّ ، إذ لا يخرجه عن الملك ، لعدم كونه من أسباب الخروج ولا كشفه عن خلل فيه بعد أن صدر في ظرفه من أهله ووقع في محلّه ووصل إلى مستحقّه ، ولا معنى للخروج عن الملك بلا سبب شرعي. فليكن ابن السبيل من هذا القبيل. وعليه ، فلا موجب للردّ بعد الوصول إلى البلد.

ثانيها : أن تكون الملكيّة متزلزلة ومراعاة ببقاء الوصف العنواني كما ذكره في الجواهر وقوّاه الهمداني ، فلم تكن الملكيّة مطلقة ، إذ ليس المالك هو الشخص بل الجهة ، فما دام كونه متّصفاً بابن السبيل يملك الزكاة ، وبعد زوال العنوان تزول الملكيّة ويعود المال إلى ما كان ، إذ لا تحلّ الصدقة للغني كما هو الحال في الغارمين.

ثالثها : أن لا تكون ثمّة ملكيّة رأساً لا مطلقاً ولا متزلزلاً ، وإنّما الثابت في ابن السبيل ملكيّة التصرّف بمقدار يتمكّن معه من الوصول إلى البلد ، والزائد باقٍ على ما كان من غير أن يكون منتقلاً إليه حتّى من أوّل الأمر ، إذ المستحقّ في الحقيقة هو نفس الجهة لا ذو الجهة. ووجوب الردّ حينئذٍ أظهر كما لا يخفى.

وهذا الاحتمال هو الأقوى ، لعدم نهوض دليل على تملكه للزكاة بأي من النحوين المزبورين ، ولا يقاس ذلك بالغارمين ، حيث دلّ الدليل فيه على تملّكه


1) الجواهر 15 : 377.

2) مصباح الفقيه 13 : 588.

فيدفعه إلى الحاكم (1) ويعلمه بأنّه من الزكاة. وأمّا لو كان في وطنه وأراد إنشاء السفر المحتاج إليه ولا قدرة له عليه ، فليس من ابن السبيل (2).


لها على النحو الثاني ليوفّي بها دينه ، فلو أبرأه الغريم كلّاً أو بعضاً رجعت إلى ما كانت عليه ، فلاحظ.

(1) ولعلّه المشهور. وعن الروضة : أنّه يعيدها إلى المالك ، لأنّه الولي على الزكاة ، فإن تعذّر فإلى الحاكم ، ولم يظهر وجهه إلّا استصحاب بقاء تلك الولاية (1).

وفيه مضافاً إلى ما هو الصواب من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة - : أنّ تلك الولاية محدودة بالدفع إلى المستحقّ وقد حصل على الفرض ، وهي مقطوعة الارتفاع ويشكّ في حدوث ولاية جديدة على الارتجاع ، والأصل عدمها بعد عدم نهوض دليل عليها. ومن ثمّ ليس له استرداد ما أعطاه للفقير بعد قبضه وتملّكه ، إذ ولايته إنّما هي على الدفاع لا على الردّ ، فلا بدّ إذن من الردّ إلى الحاكم الشرعي الذي هو الولي حينئذٍ على الزكاة.

هذا فيما إذا دفع إلى ابن السبيل بمقدار حاجته ولكنّه زاد اتّفاقاً إمّا لأجل التضييق والتقتير أو لتنزّل القيمة.

وأمّا إذا دفع الزكاة من الأوّل اشتباهاً ، كما لو تخيّل أنّه يحتاج إلى عشرة فاستبان كفاية الخمسة فكان دفع الخمسة الزائدة من باب الخطأ في التطبيق ، فلا مانع حينئذٍ من القول باسترداد الزائد إلى المالك ، لأنّ هذا الدفع الواقع في غير محلّه بمنزلة العدم فكانت الولاية باقية ، نظير الدفع إلى من يعتقد فقره فاستبان غناه ، لكن مورد الكلام هو الأوّل.

(2) ضرورة أنّ المنسبق منه والمتفاهم عرفاً هو المتلبّس بالسفر فعلاً ، فلا


1) لاحظ الروضة البهية 2 : 53.

نعم ، لو تلبّس بالسفر على وجه يصدق عليه ذلك يجوز إعطاؤه من هذا السهم.

وإن لم يتجدّد نفاد نفقته (1) ، بل كان أصل ماله قاصراً ، فلا يعطى من هذا السهم قبل أن يصدق عليه اسم ابن السبيل. نعم ، لو كان فقيراً يعطى من سهم الفقراء (2).

[2728] مسألة 30 : إذا علم استحقاق شخص للزكاة ولكن لم يعلم من أيّ الأصناف ، يجوز إعطاؤه بقصد الزكاة من غير تعيين الصنف (3) ، بل إذا علم استحقاقه من جهتين يجوز إعطاؤه من غير تعيين الجهة.


يشمل من هو بصدد إنشاء السفر ، ومرسلة علي بن إبراهيم (1)صريحة في ذلك.

فما عن بعضهم كالشهيد في اللمعة والدورس (2)من صدقه عليه أيضاً ممنوع جدّا.

(1) لإطلاق الدليل بعد صدق الاسم كما هو المفروض ، ولا ينافيه التعبير بذهاب المال في المرسل ، فإنّه كناية عن الحاجة كما لا يخفى.

(2) وبعد الأخذ من هذا السهم يصير بشخصه مالكاً للزكاة على ما سبق ، وبعدئذٍ له صرفها فيما يشاء ومنه مئونة السفر.

(3) إذ لا دليل على اعتبار التعيين في مقام الامتثال بعد القطع بكونه مصداقاً للمستحقّ ، ومع الشكّ فاعتباره مدفوع بالأصل ، فيجزيه أن يعطيه بماله من العنوان الواقعي وإن لم يعلم به.


1) الوسائل 9 : 211 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 7 ، تفسير القمي 1 : 298.

2) لاحظ اللمعة : 52 ، والدروس 1 : 242.

[2729] مسألة 31 : إذا نذر أن يعطي زكاته فقيراً معيّناً لجهة راجحة أو مطلقاً ينعقد نذره (1) ، فإن سها فأعطى فقيراً آخر أجزأ (2).


ومنه يظهر الحال في الفرض الثاني ، فإنّه وإن امتاز بالجهالة حتّى في متن الواقع من دون التعيين ، لفرض تحقّق العنوانين معاً ، ككونه فقيراً وغارماً مثلاً فلا يقع لأحدهما دون الآخر ما لم يعيّن ، إلّا أنّك عرفت أنّه لا يعتبر في الزكاة تعيين الصرف ، وإنّما المعتبر مجرّد الإيصال إلى المصرف لا قصد عنوانه ، وقد تحقّق في كلتا الصورتين.

أجل ، يشكل الأمر بناءً على القول بوجوب البسط ، فلو تردّد زيد بين الفقير والغارم أو كان متّصفاً بهما معاً ، فلا بدّ من التعيين في الفرض الثاني ليوزع الباقي على المصارف السبعة الأخر ، وأما في الفرض الأوّل فلا يجزى الدفع إليه في إحراز البسط كما لا يخفى.

(1) أمّا في الأوّل كما لو كان الفقير من أرحامه فواضح ، وكذا في الثاني ، لكفاية الرجحان في طبيعي الفعل المنذور وإن لم تكن الخصوصيّة المكتنفة راجحة ، كما لو نذر إكرام زيد العالم ، أو الصلاة في مسجد خاصّ ، أو الصيام في يوم معيّن ، لثبوت الرجحان في طبيعي هذه الأُمور وإن لم تكن لزيد أو للمسجد الخاصّ أو اليوم المعيّن مزيّة على غيره من أفراد هذا الطبيعي. إذن فيكفي ثبوت الرجحان في إعطاء الزكاة للفقير وإن لم يكن رجحان لزيد بخصوصه.

(2) فلا إعادة عليه ولا كفّارة.

أمّا الأوّل فلتحقّق الامتثال بعد وضوح أنّ الأمر النذري المتعلّق ببعض أفراد الواجب لا يستوجب تضييقاً فيه ولا تقييداً في متعلّق الأمر الأوّل ، بل غايته أن يكون من قبيل الواجب في واجب ، فلو تركهما عامداً عوقب عليهما ، ولو خالف النذر عوقب عليه فقط مع صحّة أصل العمل.

.................................................................................................


وبالجملة : موضوع الأمر الأوّل لم يتغيّر بالنذر ولم ينقلب عمّا كان عليه ، بل هو بعد النذر كقبلة باقٍ على إطلاقه وسريانه ، وتمام أفراد الطبيعة في الوفاء بما فيها من المصلحة شرع سواء وعلى صعيد واحد ، ولا يكاد يوجب سقوط أيّ فردٍ منها عن قابليّة الامتثال به ، والتضييق إنّما هو في موضوع الأمر الثاني ، فلو نذر أن يصلّي الفريضة في المسجد فخالف وصلّاها في الدار تحقّق الامتثال وإن حنث النذر ، فإنّ الموضوع للأمر الصلاتي طبيعي الفريضة ، والخصوصيّات الفرديّة من الزمانية أو المكانية ونحوها خارجة عن حريم المأمور به ، فلا جرم تبرأ الذمّة بالإتيان بأيّ فردٍ كان ، وتحقّق العصيان للأمر الثانوي النذري لا يستوجب خللاً في ذلك بوجه.

وعليه ، فلو خالف النذر ودفع الزكاة لمستحقّ آخر برأت ذمّته عن أصل الزكاة ، إذ الانطباق بعد البقاء على الإطلاق قهري ، والإجزاء عقلي ، وبه ينعدم موضوع النذر بطبيعة الحال ، لأنّ موضوعه دفع الزكاة ، ولا موضوع لها بعد فراغ الذمّة منها ، إذ لا معنى للامتثال عقيب الامتثال.

وأمّا الثاني : فلحديث رفع النسيان ، فإنّ مخالفة النذر تستوجب الكفّارة ، وهذا الأثر مرفوع بالحديث. هذا أوّلاً.

وثانياً : إنّ الكفّارة تتبع المخالفة ليتحقّق بها الحنث ، والمخالفة تتبع كيفيّة النذر ، وحيث إنّ النذر التزام من الناذر على نفسه والالتزام لا يتعلّق إلّا بالأمر الاختياري فلا جرم يختصّ متعلّقه بالحصّة الاختياريّة الناشئة عن العمد والإرادة. إذن فالمخالفة السهويّة غير مشمولة للنذر من أوّل الأمر ، فلو دفع الناذر زكاته لغير المنذور له نسياناً لم يتحقّق الحنث لتجب الكفّارة.

والمتحصّل : أنّه لا ينبغي الإشكال في حصول الامتثال بالإعطاء لغير المنذور له نسياناً كما لا كفّارة عليه حسبما عرفت.

ولا يجوز استرداده وإن كانت العين باقية (1) ، بل لو كان ملتفتاً إلى نذره وأعطى غيره متعمّداً أجزأ أيضاً (2)


(1) لأنّ الفقير قد ملكها بالقبض ، وقد عرفت حصول الامتثال وسقوط موضوع النذر ، فلا مجال لتداركه بالاسترداد.

(2) أمّا الإجزاء فلمّا عرفت من تحقّق الامتثال بعد عدم استيجاب النذر للتقييد ، وأمّا الإثم فلتعمّد الحنث ، وأمّا الكفّارة فلحصول المخالفة عن التفات وإرادة ، فهو كمن تعمد الصلاة فرادى وقد نذرها جماعة في حصول الإجزاء للامتثال وثبوت الكفّارة للمخالفة ، فالإجزاء للأمر وجودي وهو الإتيان بأصل الطبيعة ، والكفّارة لأمر عدمي وهو عدم تطبيقها على الفرد المنذور ، ولا تنافي بين الأمرين بوجه.

ودعوى أنّ التطبيق على غير المنذور مفوّت للواجب فيكون حراماً ومبغوضاً فكيف يتحقّق به الامتثال؟! مدفوعة بما هو المقرّر في محلّه من عدم التمانع بين الضدّين ، ولا يكاد يتوقّف وجود أحدهما على عدم الآخر ولا العكس ، فلا مقدّميّة في البين ، بل هما متلازمان وفي مرتبة واحدة ، والأمر بالشي‌ء لا يقتضي الأمر بملازمة ولا النهي عن ضدّه. إذن فالأمر النذري وإن أوجب تطبيق الطبيعة على الفرد المنذور لكنّه لا يقتضي النهي عن ضدّه وهو الفرد الآخر ، بل هو باقٍ على ما كان عليه من الإباحة والوفاء بالغرض الكامن في الطبيعة المقتضي لجواز تطبيقها عليه أيضاً كغيره.

وربّما يقال برجوع النذر في أمثال المقام إلى نذر عدم تفريغ الذمّة إلّا بهذا الفرد الخاصّ أو عدم تطبيق الطبيعة إلّا عليه ، فالتطبيق أو التفريغ بغيره بما أنّه مخالفة للنذر فهو حرام بل وباطل ، إذ النهي عن العبادة موجب لفسادها ، فكيف

.................................................................................................


يمكن الجمع بين الحنث وبين الإجزاء؟!

وبعبارة اخرى : فرض المخالفة للنذر مساوق لفرض عدم التفريغ ، وفرض عدمه مساوق لعدم المخالفة ، فيلزم من فرض المخالفة عدمها. إلّا إذا كان نذر المصداق الخاصّ منوطاً ببقاء اشتغال الذمّة ومن قبيل شرط الوجوب لا الواجب.

أقول : تارةً يفرض تعلّق النذر بالعنوان الوجودي كإعطاء الزكاة إلى زيد أو تفريغ الذمّة بالدفع إليه. وأُخرى بالعنوان العدمي كعدم الإعطاء لغيره. وقد عرفت أنّه على التقديرين لا يسري الأمر النذري إلى لازمه أعني : عدم الضدّ الآخر الذي هو عدم الإعطاء لغير زيد في الأوّل والإعطاء لزيد في الثاني ، لأنّ الأمر بأحد الضدّين لا يستلزم الأمر بترك الآخر ولا العكس ، لعدم لزوم اشتراك المتلازمين في الحكم ، وقد عرفت عدم المقدّميّة بينهما ، والأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه.

إذن فلا مانع من تحقّق الامتثال بالفرد الآخر في الفرض الأوّل بعد ما تقدّم من عدم حصول التقييد في موضوع الأمر الأوّل.

وأمّا في الفرض الثاني : فالظاهر عدم انعقاد النذر ، إذ لا رجحان في عدم التطبيق أو عدم التفريغ بعد ما عرفت من أنّ لازم عدم التقييد اشتراك الجميع في الاشتمال على الرجحان والوفاء بالغرض القائم بالطبيعة.

نعم ، يمكن أن يكون فرد خاصّ مشتملاً على مزيّة ، ككونه عالماً أو ذي رحم ، ولأجله يقع مورداً لنذر التطبيق أو التفريغ ، وأمّا العنوان العدمي فلا رجحان فيه كما لا يخفى.

أضف إلى ذلك : أنّه مع الغضّ أو افتراض مصلحة في ذلك فانعقاد نذر عدم التفريغ مشكل من ناحية أُخرى ، حيث إنّه يلزم من فرض وجوده عدمه ، نظراً إلى اعتبار القدرة في متعلّق النذر بحيث يتمكّن بعد انعقاده من امتثاله أو مخالفته ، كما هو الحال في سائر الواجبات ، مع أنّه بعد فرض الانعقاد عاجز عن المخالفة ،

.................................................................................................


لعدم تمكّنه بعدئذٍ من تفريغ الذمّة بالإعطاء إلى الغير ، ضرورة أنّ نفوذ النذر أوجب حرمته ، وبما أنّ الزكاة عبادة فتحريمها مساوق لفسادها ، ومعه يستحيل التفريغ ، فيلزم من انعقاد النذر عدم انعقاده. وهو كما ترى.

ولا يقاس ذلك بنذر التفريغ بالدفع لخصوص زيد ، لما عرفت من أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه. أمّا في المقام فنفس العبادة متعلّق للنهي الذي هو مصبّ النذر ومفاده.

كما لا يقاس بمثل نهي الحائض عن العبادة ، إذ المنهي هناك هو الذات القابلة للفساد ، أمّا في المقام فالمنهي هو الوصف العنواني ، لأنّه الذي يكون مصداقاً للتفريغ ، ومثله يمتنع اتّصافه بالفساد ، إذ لا تفريغ إلّا بعبادة صحيحة ، فيلزم من وجوده عدمه كما عرفت.

ودعوى أنّ المنذور تركه بالآخرة مصداق للطبيعة ، وانطباقها على أفرادها قهري ، كما أنّ التخيير بينها عقلي ، فلا مانع من حصول الإجزاء وإن ارتكب الإثم بمخالفة النذر.

مدفوعة بأنّ أفراد الطبيعة هي نفسها بالذات ، والكلّ موجود بوجود واحد يضاف إلى الطبيعي مرّة وإلى الأفراد اخرى ، والخصوصيّات المفردة لا تزيد عليه بشي‌ء ، ومعه يمتنع أن يكون الوجود الواحد محكوماً بحكمين ، وإنّما يتّجه ذلك فيما إذا كان الفرد مشتملاً على خصوصيّة زائدة على ما يقتضيه أصل الطبيعة بحيث تكون منحازة ومفارقة عنها وموجودة بوجود آخر ، كالصلاة مكشوف الرأس ، فإنّه لا مانع من انعقاد النذر بترك هذه الخصوصيّة ، فلو صلّى مكشوفاً كان مطيعاً وعاصياً كلّ من جهة ، ولا ضير فيه.

أمّا في المقام فالخصوصية من قبيل الأوّل ، ومرجع النذر إلى نذر عدم إيجاد الطبيعة وعدم امتثال أمر الزكاة في ضمن ذاك الفرد ، وقد عرفت أنّه إذا تعلّق بعدم التفريغ فهو غير قابل للانعقاد من أصله ، إذ يلزم من وجوده عدمه ، فلاحظ.

وإن كان آثماً في مخالفة النذر (1) وتجب عليه الكفّارة ، ولا يجوز استرداده أيضاً لأنّه قد ملك بالقبض.

[2730] مسألة 32 : إذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيراً ثمّ تبيّن له عدم وجوبها عليه جاز له الاسترجاع (2)


هذا كلّه فيما إذا كان نذر الإعطاء لشخص خاصّ فعليّاً ومنجّزاً.

وأمّا إذا كان مشروطاً ومنوطاً باشتغال الذمّة على نحو الواجب المشروط بحيث يكون الاشتغال شرطاً في الوجوب لا في الواجب ، فينبغي التفصيل حينئذٍ بين ما إذا كان الشرط حدوث الاشتغال وبين ما إذا كان بقاؤه.

ففي الأوّل لا يجوز الدفع لشخص آخر ، ضرورة أنّ الشرط حاصل والتكليف فعلي والدفع المزبور مفوت لمحلّ النذر ، فلا يجوز.

وهذا بخلاف الثاني ، إذ المنذور حينئذٍ هو الدفع على تقدير بقاء الزكاة في الذمّة ، ومع الدفع لشخص آخر وفراغ الذمّة لا موضوع للنذر ، ومن البيّن أنّ الوجوب المشروط بشي‌ء لا يقتضي حفظ شرطه.

ونتيجة ذلك : هو التخيير بين الدفعين ، فلا حنث إلّا إذا خالف ولم يدفع أصلاً كما لا يخفى.

ولمزيد التوضيح راجع المسألة في كتاب الصلاة (1)فيمن نذر الجماعة فخالف وصلّى فرادى.

(1) وقد عرفت عدم التنافي بين الإجزاء وبين الإثم والحنث.

(2) لاستكشاف بقائها على ملكه بعد أن كان الدفع في غير محلّه.


1) شرح العروة (كتاب الصلاة 2) : 26.

إذا كانت العين باقية (1) ، وأمّا إذا شكّ في وجوبها عليه وعدمه فأعطى احتياطاً ثمّ تبيّن له عدمه فالظاهر عدم جواز الاسترجاع وإن كانت العين باقية (2).


(1) أمّا مع التلف فإن كان الفقير عالماً بالحال ضمن ، لقاعدة اليد ، وإلّا فلا شي‌ء عليه بعد أن استلمها بعنوان المجّان.

(2) ونحوه ما لو شكّ في الأداء وبعد الدفع احتياطاً علم أنّه كان مؤدّياً (1)، فإنّه ليس له الاسترجاع في هاتين الصورتين حتّى مع بقاء العين ، نظراً إلى انبعاث الأداء عن احتمال الأمر ورجاء المطلوبيّة ، وهو بنفسه عمل قربي عبادي صادر لوجه اللّه أصاب الواقع أم لا ، بل من أعلى مراتب الانقياد والامتثال ، لانبعاثه عن مجرّد الاحتمال ، وقد دلّت جملة من الأخبار على أنّ ما كان لله فلا رجعة فيه ، كقوله (عليه السلام) في موثّقة الحسين بن علوان : «... لم يرجع في الأمر الذي جعله لله» إلخ (2).

وقوله (عليه السلام) في موثّقة عبيد بن زرارة «... ولا ينبغي لمن أعطى شيئاً لله عزّ وجلّ أن يرجع فيه» (3)، ونحوهما غيرهما.

ومنه يظهر الفرق بين المقام وبين الصورة السابقة ، ضرورة أنّ الدفع ثَمّة كان مستنداً إلى اعتقاد الأمر وتخيّل ثبوته واقعاً فانكشف عدمه. وأمّا في المقام فالمحرّك والمقرّب هو احتمال الأمر لا واقعة ، وهذا ليس له انكشاف الخلاف ، بل قد صدر لله ولا ينقلب عمّا وقع عليه ، وفي مثله لا رجعة فيه حسبما عرفت ، فليتأمّل جيّدا.


1) الظاهر لحوق هذا الفرع بالفرع السابق ، لاشتراكهما في الانبعاث عن أمر جزمي ، غايته أنّه ظاهري لا واقعي ، فيشتركان في مناط انكشاف الخلاف كما لا يخفى.

2) الوسائل 9 : 422 / أبواب الصدقة ب 24 ح 1.

3) الوسائل 19 : 243 / كتاب الهبات ب 10 ح 1.

فصل في أوصاف المستحقّين

وهي أُمور :

الأوّل : الإيمان ، فلا يعطى الكافر بجميع أقسامه (1) ، ولا لمن يعتقد خلاف الحقّ من فرق المسلمين (2) ،


(1) هذا الحكم مضافاً إلى استفادته في غير السهمين الآتيين من فحوى النصوص الآتية المانعة عن دفع الزكاة للمخالفين ممّا ادّعي عليه الإجماع بقسميه ، بل في الجواهر يمكن دعوى كونه من ضروريّات المذهب بل الدين (1).

(2) بلا خلاف فيه ، وتدلّ عليه بعد الإجماع نقلاً وتحصيلاً طائفة من الأخبار وأكثرها صحاح :

منها : ما ورد في المستبصر من صحّة أعماله السابقة إلّا الزكاة فإنّه يعيدها ، لأنّه وضعها في غير موضعها :

كصحيحة بريد بن معاوية العجلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث - : «قال : كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ منّ اللّه عليه وعرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه إلّا الزكاة ، لأنّه يضعها في غير مواضعها ، لأنّها لأهل الولاية ، وأمّا الصلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء» (2).

وصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا في


1) الجواهر 15 : 378.

2) الوسائل 9 : 216 / أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 1.

حتّى المستضعفين منهم (1) إلّا من سهم المؤلّفة قلوبهم (2) وسهم سبيل اللّه في


الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحروريّة والمرجئة والعثمانيّة والقدريّة ثمّ يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه ، أيعيد كلّ صلاة صلّاها أو صوم أو زكاة أو حجّ ، أو ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك؟ «قال : ليس عليه إعادة شي‌ء من ذلك غير الزكاة ، ولا بدّ أن يؤدّيها ، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها وإنّما موضعها أهل الولاية» (1).

ونحوها صحيحة ابن أُذينة (2).

ومنها : ما دلّ على عدم جواز صرف الزكاة في غير المؤمن ، كصحيحة سعد ابن سعد الأشعري عن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ «قال : لا ، ولا زكاة الفطرة» (3)، وهي كثيرة.

وبعضها دلّ على حصر الصرف في المؤمن ، كمكاتبة علي بن بلال ، قال : كتبت إليه أسأله : هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب : «لا تعطِ الصدقة والزكاة إلّا لأصحابك» (4).

فالحكم ممّا لا إشكال فيه.

(1) أخذاً بإطلاق النصوص المتقدّمة.

(2) لأنّ الغاية من الدفع هو تأليف القلب والجلب إلى الإسلام أو الإيمان ، على الخلاف في تفسيره من الاختصاص بالكفّار أو الشمول للمخالفين ، فلا جرم يكون مصرفه غير المؤمن فلا تشمله النصوص المتقدّمة.


1) الوسائل 9 : 216 / أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 2.

2) الوسائل 9 : 217 / أبواب المستحقين للزكاة ب 3 ح 3.

3) الوسائل 9 : 221 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 1.

4) الوسائل 9 : 222 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 4.

الجملة (1) ومع عدم وجود المؤمن والمؤلّفة وسبيل اللّه يحفظ إلى حال التمكّن (2).


(1) كما إذا كان الصرف على غير المؤمن لمصلحة المؤمن فيكون هو في الحقيقة من الصرف على المؤمن فتدخل في النصوص المتقدّمة ، وأمّا من دون ملاحظة ذلك ، فلا يجوز الصرف ، لإطلاق النصوص المانعة.

(2) فلا يعطى لغير المؤمن حتّى في هذه الحالة ، عملاً بإطلاق الأدلّة ، بل في رواية إبراهيم الأوسي التصريح بذلك ، فقد روى عن الرضا (عليه السلام) : «قال : سمعت أبي يقول : كنت عند أبي يوماً فأتاه رجل فقال : إنّي رجل من أهل الري ولي زكاة ، فإلى من أدفعها؟ فقال : إلينا ، فقال : أليس الصدقة محرّمة عليكم؟ فقال : بلى ، إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا ، فقال : إنّي لا أعرف لها أحداً ، فقال : فانتظر بها سنة ، قال : فإن لم أصب لها أحداً؟ قال : انتظر بها سنتين ، حتّى بلغ أربع سنين ، ثمّ قال له : إن لم تصب لها أحداً فصرها صرراً واطرحها في البحر فإنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم أموالنا وأموال شيعتنا على عدوّنا» (1).

ولعلّ الرواية محمولة على المبالغة في حرمان غير المؤمن ، أو على تعليق المحال على المحال على حدّ تعبير صاحب الوسائل ، حيث إنّ فرض عدم الظفر بالمؤمن ولا وجود أيّ مصرف آخر للزكاة خلال أربع سنين ممتنع عادةً.

على أنّ إتلاف المال بالإلقاء في البحر ضياعٌ له من غير مسوّغ. فالرواية بظاهرها غير قابلة للتصديق ، ومقتضى القاعدة لو تحقّق الفرض حفظها وإيداعها في مكانٍ مصون ولو الدفن في موضع مأمون إلى أن يتحقّق المصرف. والعمدة أنّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال وغيره ، فلا يعوّل عليها في نفسها.

أجل ، ربّما يظهر من رواية يعقوب بن شعيب جواز الدفع لغير الناصب ، عن


1) الوسائل 9 : 223 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 8.

[2731] مسألة 1 : تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين (1)


العبد الصالح (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل منّا يكون في أرض منقطعة ، كيف يصنع بزكاة ماله؟ «قال : يضعها في إخوانه وأهل ولايته» قلت : فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ «قال : يبعث بها إليهم» قلت : فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ «قال : يدفعها إلى من لا ينصب» قلت : فغيرهم؟ «قال : ما لغيرهم إلّا الحجر» (1).

قال في الجواهر : إنّها مطروحة أو محمولة على مستضعف الشيعة (2).

أقول : بل هي في حدّ نفسها ضعيفة السند ، لا أنّها مطروحة لعدم العامل بها ، ووجه الضعف هو إبراهيم بن إسحاق ، حيث إنّ المراد به بقرينة روايته عن عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري وكونه من رواة كتابه هو النهاوندي ، وهو ضعيف في حديثه ودينه كما صرّح به النجاشي (3)، ولا يحتمل أن يراد به إبراهيم بن إسحاق الثقة الذي هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، لاختلاف الطبقة كما لا يخفى.

(1) بلا خلاف ولا إشكال ، لجملة من الأخبار ورد بعضها في اليتيم وبعضها في مطلق الصغير.

فمن الأوّل : صحيح أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يموت ويترك العيال ، أيعطون من الزكاة؟ «قال : نعم ، حتّى ينشئوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم» فقلت : إنّهم لا يعرفون «قال : يحفظ فيهم ميّتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتمّوا بدين


1) الوسائل 9 : 223 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 7.

2) الجواهر 15 : 381.

3) رجال النجاشي : 19 / 21.

.................................................................................................


أبيهم ، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم» (1).

ومعتبرة أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : ذرّيّة الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى أبوهم حتّى يبلغوا فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أُعطوا ، وإن نصبوا لم يعطوا» (2).

ومن الثاني : صحيحة يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : عيال المسلمين أُعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثياباً وطعاماً وأرى أنّ ذلك خير لهم؟ «فقال : لا بأس» (3).

ومعتبرة عبد الرّحمن بن الحجّاج ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : رجل مسلم مملوك ومولاه رجل مسلم وله مال (ماله) يزكيه وللمملوك ولد صغير حرّ ، أيجزي مولاه أن يعطي ابن عبده من الزكاة؟ «فقال : لا بأس به» (4).

وهذه الأخبار واضحة الدلالة ، كما أن إسنادها معتبرة ، والتعبير عن كثير منها أو جميعها في كلمات المحقّق الهمداني والمحدّث البحراني وصاحب الجواهر وغيرهم بالخبر (5)، المشعر بالضعف ، في غير محلّه ، أو مبني على التسامح.

ويقتضيه أيضاً إطلاق الفقير في الكتاب والسنّة ، فإنّه شامل للكبير والصغير ، لعدم اعتبار البلوغ في صدق عنوان الفقير أو المسكين.


1) الوسائل 9 : 226 / أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 1.

2) الوسائل 9 : 227 / أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 2.

3) الوسائل 9 : 227 / أبواب المستحقين للزكاة ب 6 ح 3.

4) الوسائل 9 : 294 / أبواب المستحقين للزكاة ب 45 ح 1.

5) مصباح الفقيه 13 : 599 ، الحدائق 12 : 207 208 ، الجواهر 15 : 383.

ومجانينهم (1) من غير فرق بين الذكر والأُنثى والخنثى ولا بين المميّز وغيره (2) إمّا بالتمليك بالدفع إلى وليّهم ، وإما الصرف عليهم (3) مباشرةً أو بتوسّط أمين إن لم يكن لهم ولي شرعي (1)من الأب والجدّ والقيّم.


(1) فإنّ المجنون وإن لم يرد فيه نصّ بالخصوص لكن الإطلاقات غير قاصرة الشمول له كالصغير.

والظاهر أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها عدا ما يظهر من صاحب المستند من المناقشة لولا الإجماع ، نظراً إلى تقييد النصوص بالعارف بالأمر غير الصادق على المجنون (2).

لكنّك خبير بأنّه لا يراد به فعليّة المعرفة ، بل هو كناية عن الشيعة في مقابل المخالفين ، كما يفصح عنه قوله في مكاتبة علي بن بلال المتقدّمة (3): «لا تعطِ الصدقة والزكاة إلّا لأصحابك» ، والظاهر أنّ مجانين الشيعة ملحق بهم كما هو الحال في مجانين المخالفين أو غير المسلمين ، فمن أراد إحصاء مجانين البلد صحّ القول بأنّ مجانين الشيعة كذا عدداً وكذا غيرهم ، فلا ينبغي التشكيك في الصدق.

(2) لإطلاق النصوص المتقدّمة ، بل أنّ صحيح أبي بصير كالصريح في غير المميّز.

(3) أمّا الأوّل فلا شبهة في كفايته وحصول إبرائه بقبضه بمقتضى ولايته فيكون ملكاً للصغير كسائر أمواله.

وأمّا الاكتفاء بالصرف عليهم مباشرةً أو بتوسّط أمين مع وجود الولي أو


1) (*) بل معه أيضاً على الأظهر.

2) مستند الشيعة 9 : 303.

3) في ص 134.

.................................................................................................


عدمه ففيه خلاف ، فذهب السيّد الماتن وجماعة آخرون إلى الجواز مع عدم الولي ، ومنهم من صرّح بالجواز حتّى مع وجوده ، ومنهم من منعه في كلتا الصورتين وأنّه لا بدّ من الدفع إلى الولي إن كان وإلّا فإلى الحاكم الشرعي ، وهذا القول هو خيرة صاحب الجواهر متعجّباً ممّن يجوّز الصرف عليهم لدى فقد الولي من دون مراجعة الحاكم الشرعي ، ثمّ استظهر من بعضهم جواز الصرف وعدم لزوم مراجعته حتّى مع وجود الولي ، وقال : هذا أغرب (1)، ولعلّ الشيخ الأنصاري (قدس سره) يميل إلى هذا الرأي (2).

وكيفما كان ، فمستند المنع عن الصرف المزبور أحد أُمور :

الأوّل : دعوى أنّ الزكاة ملك لكلّي الفقير ، ولا يملكها إلّا بقبض صحيح ، وحيث إنّ قبض الصغير كلا قبض فلا جدوى في الصرف عليه ما لم يقبضها الولي ، بل المالك باقٍ بعدُ على ملكيّته.

وبعبارة اخرى : إنّ مقداراً من العين الزكويّة ملك لأربابها من لدن تعلّقها وخارج عن ملك المالك وهو مأمور بإيصاله إليهم ، ولا يتحقّق إلّا بالقبض المعتبر شرعاً ، وهو في الفقير الصغير منوط بقبض وليّه كما في سائر أمواله.

ويندفع بقصور الأدلّة عن إثبات الملكيّة من أوّل الأمر ، وكيف يمكن الالتزام بها مع عدم حصر الزكاة في سهم الفقراء ووضوح عدم الملكيّة في سائر الأصناف الثمانية؟! وإنّما هي مصارف بحتة ، والتفكيك بالتمليك في بعضها والصرف في البعض الآخر منافٍ لاتّحاد السياق ، بل يمكن الاستظهار من هذا الاتّحاد أنّ الجعل في الجميع إنّما هو على سبيل الصرف بعد ما عرفت من التسالم على عدم التمليك في بقيّة الأصناف.


1) الجواهر 15 : 385.

2) كتاب الزكاة للشيخ الأنصاري : 323.

.................................................................................................


ويعضده التعبير بصيغة الجمع المحلّى باللام في الفقراء والمساكين ، الظاهر في الاستغراق ، فإنّ دعوى كونها ملكاً لجميع الأفراد كما ترى ، والحمل على إرادة الكلِّي خلاف الظاهر بعد عرائه عن الشاهد ، فلا جرم يراد من العموم جواز الصرف على كلّ واحد منهم ، ففي الحقيقة يكون المالك هو الجهة ، ومرجعه إلى مصرفيّة الفقير والمسكين كما في سائر الأصناف.

نعم ، يمتازان بجواز تمليكهما بالإقباض كجواز الصرف بالإشباع ، أمّا في غيرهما فليس إلّا بنحو الصرف.

وأمّا ما في بعض الأخبار من أنّ اللّه سبحانه أشرك الفقراء في أموال الأغنياء ، فليس المراد الشركة في الملكيّة ، بل في الماليّة والمصرفيّة على ما تقدّم بيانه في محلّه (1).

الثاني : ما ذكره في الجواهر من دعوى ظهور الأدلّة خصوصاً السنّة في ترتّب الملك على القبض بالنسبة إلى خصوص هذا السهم وإن لم يكن كذلك في سائر السهام ، وحيث إنّ قبض الفقير لا ينفع في حصول الملك فلا بدّ من الدفع إلى الولي (2).

وفيه : إنّ هذه الدعوى وإن كانت دون السابقة في الضعف إلّا أنّه لا يمكن المساعدة عليها أيضاً ، لقصور الأدلّة عن إثباتها كسابقتها وإن أصرّ عليها في الجواهر.

نعم ، لا شبهة في جواز تمليك الفقير وتملّكه بالقبض الصحيح ، لكن التخصيص به بحيث لا يجزي مجرّد الصرف بإشباعٍ ونحوه لا دليل عليه ، بل مقتضى الإطلاقات أنّ العبرة في تفريغ الذمّة بوصول المال إلى الفقير تمليكاً أو صرفاً ،


1) شرح العروة 23 : 327.

2) الجواهر 15 : 384.

.................................................................................................


ولم ينهض أيّ دليل على التخصيص بالأوّل.

الثالث : دعوى انّ الصرف وإن صحّ في الفقير لكنّه لا يتمّ في الصغير إلّا بإذن وليّه ، لأنّه تصرّف فيه من غير مسوّغ فيحرم.

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّ التوقّف على الإذن إنّما هو التصرّفات الاعتباريّة من العقود والإيقاعات وما يلحق بها كالقبض والإقباض ، وأمّا التصرّفات التكوينيّة والأفعال الخارجيّة سيّما الحاوية على نوع من الإحسان كالإطعام والإكساء وسقي الماء وما شاكلها فلم ينهض دليل على اعتبار الاستئذان فيها من الولي.

ويمكن استفادة ذلك من صحيحة يونس بن يعقوب المتقدّمة (1)بقوله : فأشتري لهم منها ثياباً وطعاماً ... إلخ ، حيث دلّت على جواز الصرف عليهم من دون مراجعة الولي.

إذن فالقول بجواز الصرف كالتمليك من غير حاجة إلى الاستئذان من الولي مطلقاً هو الأصحّ.

وأمّا ما في المتن من التفصيل في الصرف بين وجود الولي الشرعي وعدمه فغير واضح ، فإنّه إن جاز الدفع من دون الاستئذان ساغ حتّى مع وجود الولي ، وإلّا لما جاز حتّى مع عدمه. على أنّه لا يوجد على مذهبنا فقير لا وليّ له ، فإنّه إن كان له ولي شرعي من الأب أو الجدّ أو القيّم فهو ، وإلّا فتنتهي النوبة إلى الحاكم الشرعي الذي هو ولي من لا ولي له من الإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ أو عدول المؤمنين ، فلم يتحقّق مورد لانعدام الولي رأساً.

وعلى الجملة : فالأمر دائر بين الجواز المطلق وبين العدم كذلك ، ولا مجال للتفصيل المزبور بوجه ، وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأوّل.


1) في ص 137.

[2732] مسألة 2 : يجوز دفع الزكاة إلى السفيه تمليكاً (1) وإن كان يحجر عليه بعد ذلك ، كما أنّه يجوز الصرف عليه من سهم سبيل اللّه (1)، بل من سهم الفقراء (2) أيضاً على الأظهر من كونه كسائر السهام أعمّ من التمليك والصرف.

[2733] مسألة 3 : الصبي المتولّد بين المؤمن وغيره يلحق بالمؤمن (3) خصوصاً إذا كان (2)هو الأب. نعم ، لو كان الجدّ مؤمناً والأب غير مؤمن ففيه إشكال ، والأحوط عدم الإعطاء.


(1) لاختصاص حجزه بالتصرّف ولا يعم التملّك فله القبول والقبض ، غايته أنّه بعد حصول الملكيّة يكون ممنوعاً من التصرّف إلّا بإذن الولي كما في سائر أمواله. وهذا ممّا لا إشكال فيه.

(2) أمّا من سهم الفقراء فيما إذا كان السفيه فقيراً فلا ينبغي التأمّل فيه بناءً على ما عرفت من كونه أعمّ من التمليك والصرف.

وأمّا من سهم سبيل اللّه فمبني على تفسيره بمطلق العمل القربي ، وقد تقدّم النقاش فيه وعرفت أنّ الأظهر اختصاصه بما فيه نفع للدين أو مصلحة نوعية للإسلام أو المسلمين ، كبناء المساجد والقناطر وتعبيد الشوارع وإحجاج الحجّاج وما شاكل ذلك ، إذ لو بنى على تلك التوسعة لزم جواز الصرف في تزويج أغنياء المؤمنين أو إطعامهم أو كسوتهم ، فإنّه عمل قربي مندوب يتضمّن إدخال السرور في قلب المؤمن ، وهو كما ترى.

(3) كأنّ الوجه فيه تبعيّته لأشرف الأبوين كما في المتولّد بين المسلم والكافر ،


1) (*) الصرف من هذا السهم إذا لم يكن السفيه فقيراً مشكل جدّاً ، بل لا يبعد عدم جوازه.

2) (**) الظاهر عدم الإلحاق في غير هذه الصورة.

[2734] مسألة 4 : لا يعطى ابن الزنا (1)من المؤمنين فضلاً عن غيرهم من هذا السهم (1).


ولكنّه كما ترى ، لعدم نهوض دليل على التبعيّة بقولٍ مطلق.

نعم ، في خصوص ما إذا كان أبوه مؤمناً يشمله إطلاق النصوص المتقدّمة الواردة في أطفال المؤمنين وأنّها تشمل من كانت امّه غير مؤمنة ، وأمّا العكس فضلاً عما إذا كان الجدّ فقط مؤمناً فلا دليل عليه ، بل يصدق عليه أنّه ولد لغير أهل الولاية والمعرفة كما لا يخفى.

(1) المعروف بين الأصحاب أنّ ولد الزنا متى بلغ وكان واجداً للشرائط من الفقر والإيمان تعطى له الزكاة ، إذ لا تعتبر في المستحقّ طهارة المولد.

خلافاً لما عن السيّد من حرمانه منها ، لما يرتئيه من كونه كافراً لا لمجرّد كونه ابن الزنا. وقد تقدّم في كتاب الطهارة فساد هذه المقالة (2).

وأمّا حال صغره فلا تعطى له وإن كان الزاني مؤمناً ، وعُلِّل في كلمات غير واحد بانتفاء بنوّته له شرعاً وإن كان ولده لغةً من أجل تولّده من مائه.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ الثابت شرعاً هو نفي توارثه ، ولم ينهض أيّ دليل على نفي البنوّة ، بل قد يظهر من بعض الأخبار إطلاق الولد عليه ، ففي رواية الأشعري ، قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) معي ، يسأله عن رجل فجر بامرأة ، ثمّ إنّه تزوّجها بعد الحمل فجاءت بولد هو أشبه خلق اللّه به ، فكتب بخطّه وخاتمه : «الولد لغيّة لا يورث» (3).


1) (*) إلّا إذا كان مميّزاً ومظهراً للإيمان.

2) شرح العروة 3 : 65 67.

3) الوسائل 26 : 274 / أبواب ميراث ولد الملاعنة ب 8 ح 2 ، ومثله في ج 21 : 498 / أبواب أحكام الأولاد ب 101 ح 1.

.................................................................................................


في المنجد : يقال : إنّه ولد غيّة ، أي ولد زنا (1).

فإنّ تعليل عدم الإرث بارتكاب أبيه البغي والجريمة يكشف عن ثبوت البنوّة ، وإلّا لكان الأحرى التعليل بعدم المقتضي لا بوجود المانع كما لا يخفى.

ويشهد له أنّه لولاه لساغ للزاني تزويج ابنته المتولّدة من الزنا ، وهو كما ترى ، بل لا يحتمل صدور الفتوى به من أيّ فقيه ، بل الظاهر ترتيب جميع أحكام البنتيّة من جواز النظر ووجوب الإنفاق وحرمة الزواج وما شاكل ذلك إلّا التوارث ، فهذا تخصيص في دليل الإرث ، ومن ثمّ قالوا : إنّ الزنا من موانع الإرث كالقتل ، لا أنّه خروج موضوعي ليكون من باب التخصّص. إذن فلا مانع من إعطاء الزكاة من هذه الناحية.

والصحيح أن يقال : إنّ الصبي غير المميّز المتولّد من الزنا وإن شمله إطلاق الفقير والمسكين المأخوذين موضوعاً للزكاة في الكتاب والسنّة ، ولكنّه مقيّد في الأخبار بما إذا كان من أهل الولاية والمعرفة ومن أصحابك ، على اختلاف ألسنتها. ومن البيّن أنّ صدق هذه العناوين موقوف على التمييز والتشخيص فلا تنطبق على غير المميّز.

نعم ، قد ورد في غير واحد من الأخبار وقد تقدّمت جواز الدفع لأطفال المؤمنين وعيالهم وذراريهم ، إلّا أنّه لا ينبغي التأمّل في انصرافها عن أولاد الزنا ، بداهة أنّ المنسبق منها ما هو المتعارف من عوائل المسلمين أعني : الأولاد الشرعيّين فلا جرم يختصّ مورد الأخبار بأولاد الحلال ، فيقال : إنّ هؤلاء الأطفال معدودون من أهل الولاية ومن أصحابنا ، وأمّا المتولّد من سبب غير شرعي ولا سيّما إذا كانت امّه البغيّة مشركة أو مخالفة فهو غير داخل في العناوين المزبورة إمّا قطعاً أو لا أقلّ من الشكّ في الدخول والشمول ، فلم يحرز


1) المنجد : 563.

[2735] مسألة 5 : لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر أعادها (1) ، بخلاف الصلاة والصوم (2) إذا جاء بهما على وفق مذهبه (3) ، بل وكذا الحجّ (4) وإن كان قد ترك منه ركناً عندنا (5) على الأصحّ.


حصول الشرط ، ومعه لا يسوغ الدفع.

نعم ، إذا كان الطفل المزبور مميّزاً بحيث أظهر الولاية وأصبح من أفراد الشيعة وميّز الحقّ وأهله بناءً على ما هو الصواب من قبول إيمانه وصحّة اعتقاده وإن لم يكن بالغاً وأنّ ما لا عبرة به إنّما هو معاملاته الاعتباريّة لا عقائده الشخصيّة ، ساغ الدفع إليه حينئذٍ ، بناءً على ما هو الحقّ من عدم اعتبار البلوغ في المستحقّ. إذن فينبغي التفصيل في المقام بين المميّز وغيره حسبما عرفت.

وأمّا البالغ فلا ينبغي التأمّل في جواز الدفع إليه كما تقدّم.

(1) للنصوص المتقدّمة الواردة في اعتبار الإيمان والمصرّحة بلزوم الإعادة في مفروض المسألة ، معلّلاً بأنّه وضعها في غير موضعها.

(2) للتصريح في تلك النصوص بالاجتزاء وأنّه يؤجر عليها.

(3) فإنّه المنصرف من تلك النصوص كما لعلّه واضح.

(4) لإطلاق النصوص المتقدّمة ، بل التصريح في جملة منها بالحجّ.

(5) لإطلاق النصوص المزبورة.

خلافاً لما عن الشهيد في الدروس من التقييد بعدم ترك الركن عندنا (1)، بل عن العلّامة نسبته إلى الأصحاب (2)، ولم يتّضح وجهه بعد إطلاق النصّ ، والإخلال بالركن مشترك بين الحجّ وغيره من العبادات ، ولا أقلّ من أجل


1) حكاه عن الشهيد في الجواهر 15 : 388.

2) حكاه عن العلّامة في المدارك 5 : 242.

نعم ، لو كان قد دفع الزكاة إلى المؤمن ثمّ استبصر أجزأ (1). وإن كان الأحوط الإعادة أيضاً (2).

[2736] مسألة 6 : النيّة في دفع الزكاة للطفل والمجنون عند الدفع إلى الولي إذا كان على وجه التمليك ، وعند الصرف (3) عليهما إذا كان على وجه الصرف.

[2737] مسألة 7 : استشكل بعض العلماء (4) في جواز إعطاء الزكاة لعوامّ المؤمنين الذين لا يعرفون اللّه إلّا بهذا اللفظ أو النبيّ أو الأئمّة كلّاً أو بعضاً أو شيئاً من المعارف الخمس ، واستقرب عدم الإجزاء


الإخلال بالطهارة التي هي من الأركان. فما في الجواهر من أنّا لم نجد ما يصلح للفرق بين الحجّ وغيره (1)هو الصحيح.

(1) لوضع الزكاة حينئذٍ في موضعها ، فلا يجري التعليل الوارد في النصوص ، لعدم الاجتزاء.

(2) كأنه لإطلاق النصوص الشامل لحالتي الدفع إلى المؤمن أو المخالف ، ولكنّه كما ترى ، إذ لا مجال له بعد التعليل المزبور الذي هو بمثابة الدليل الحاكم كما لا يخفى. نعم ، الاحتياط لإدراك الواقع حسن على كلّ حال.

(3) لوضوح أنّ وقتي الدفع أو الصرف هو زمان تفريغ الذمّة والإتيان بالزكاة المعتبر فيها القربة ، فلا بدّ من حصول النيّة في هذه الحالة.

(4) وهو صاحب الحدائق ، قال ما لفظه : نعم ، يبقى الإشكال في جملة من عوامّ الشيعة الضعفة العقول ممّن لا يعرفون اللّه سبحانه إلّا بهذه الترجمة حتّى لو سُئل عنه من هو لربّما قال : محمّد أو علي ولا يعرف الأئمّة (عليهم السلام) كملا ،


1) الجواهر 15 : 388.

بل ذكر بعض آخر (1) أنّه لا يكفي معرفة الأئمّة بأسمائهم ، بل لا بدّ في كلّ واحد أن يعرف أنّه من هو وابن من ، فيشترط تعيينه وتمييزه عن غيره ، وأن يعرف الترتيب في خلافتهم. ولو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا؟ يعتبر الفحص عن حاله ، ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأنّي مسلم مؤمن واثنا عشري ، وما ذكروه مشكل جدّا. بل الأقوى كفاية الإقرار الإجمالي (2) وإن لم يعرف أسماءهم أيضاً فضلاً


ولا يعرف شيئاً من المعارف الخمس أصلاً فضلاً عن التصديق بها. والظاهر أنّ مثل هؤلاء لا يُحكَم بإيمانهم وإن حُكِم بإسلامهم إلى أن قال : وفي إعطاء هؤلاء من الزكاة إشكال ، لاشتراط ذلك بالإيمان وهو غير ثابت. ثمّ قال : وبالجملة فالأقرب عندي عدم جواز إعطائهم (1).

(1) هو صاحب المستند ، فإنّه بعد أن استجود مقالة الحدائق أضاف قائلاً : بل وكذلك لو عرف الكلّ بأسمائهم فقط ، يعني : مجرّد اللفظ ولم يعرف أنّه من هو وابن من ، إذ لا يصدق عليه أنّه يعرفه ولا يتميّز عن غيره. والحاصل : أنّه يشترط معرفته بحيث يعيّنه في شخصه ويميّزه عن غيره ، وكذا من لا يعرف الترتيب في خلافتهم ، ولو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا فهل يشترط في الإعطاء الفحص عنه؟ الظاهر : نعم ، إذا احتمل في حقّه عدم المعرفة ، ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأنّي مسلم مؤمن اثنا عشري ... إلخ (2).

(2) فإنّ المعرفة التفصيليّة ولا سيّما على النهج الذي ذكره في المستند لم ينهض أيّ دليل على اعتبارها ، بل المتراءى من النصوص والمنسبق منها إلى


1) الحدائق 12 : 206.

2) مستند الشيعة 9 : 299 300.

عن أسماء آبائهم والترتيب في خلافتهم ، لكن هذا مع العلم بصدقه في دعواه أنّه من المؤمنين الاثني عشريين ، وأمّا إذا كان بمجرّد الدعوى ولم يعلم صدقه وكذبه فيجب الفحص عنه (1)(1).


الذهن حسب الفهم العرفي أنّ مصرف الزكاة هو من يعدّ خارجاً من الشيعة ومن أهل الولاية وينتمي إلى الطائفة المحقّة ويندرج ولو بنحوٍ من الاندراج في زمرتهم وتابعي مسلكهم في مقابل من يعدّ من المخالفين ، ومقتضاه كفاية الإقرار الإجمالي والتحاقه بالمذهب الجعفري ، فإنّ هذا المقدار كافٍ في صدق عنوان الأصحاب عليه كما هو الحال في أصحاب بقيّة الفرق.

بل يكفينا مجرّد الشكّ وأنّ العبرة هل هي بالمعرفة التفصيليّة أو تكفي الإجماليّة ، فيجوز دفع الزكاة لصاحب المعرفة الإجماليّة في هذه الحالة أيضاً ، وذلك للزوم الاقتصار في المخصّص المنفصل المجمل الدائر بين الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن ، وهو الفاقد للمعرفة رأساً تفصيلاً وإجمالاً ، فمثله خارج عن عمومات الفقير والمسكين الواردة في الكتاب والسنّة قطعاً. وأمّا الزائد عليه وهو الواجد للمعرفة الإجماليّة دون التفصيليّة فخروجه غير معلوم ، فيتمسّك في جواز الدفع إليه بتلك العمومات والإطلاقات.

(1) للزوم إحراز الموضوع في ترتيب الحكم عليه ، ولا سيّما وأنّ مقتضى الأصل ولو بنحو العدم الأزلي هو العدم.

وما عن المستند من عدم وجوب الفحص ، لقيام سيرة العلماء وعلى سماع الدعوى (2).


1) (*) إلّا إذا كان في بلد الشيعة أو من عشيرة معروفة بالتشيّع وكان يسلك مسلكهم ويعدّ من زمرتهم.

2) مستند الشيعة 9 : 300.

[2738] مسألة 8 : لو اعتقد كونه مؤمناً فأعطاه الزكاة ثمّ تبيّن خلافه فالأقوى عدم الإجزاء (1)(1).


غير مسموع ، لاختصاص مورد السيرة بما إذا احتفّت الدعوى بقرينة الصدق ، كما إذا كان المدّعى من بلد كلّهم أو جلّهم من الشيعة أو كان من عشيرة معروفة بالتشيّع. وأمّا العارية عن القرينة كما إذا كان من بلد يسكنه الفريقان ولم يعرف نسب المدّعى ولا عشيرته ، أو كان غريباً ولم يعرف بلده أصلاً فجريان السيرة في هذه الحالة مشكل ، بل ممنوع ، بل اللّازم حينئذٍ هو الفحص كما أُفيد في المتن.

(1) الأقوال في المسألة ثلاثة : وجوب الإعادة ، وعدمها ، والتفصيل بين الفاحص فيجزي وبين غيره فلا يجزي.

والأقوى هو الأوّل كما اختاره في المتن ، نظراً إلى أنّ الاعتقاد لا يغيّر الواقع ولا يوجب سقوط الشرط ، وحيث استبان فقدانه وأنّه وضع الزكاة في غير موضعها فلا مناص من الإعادة بمقتضى القاعدة ، تحصيلاً لشرط المأمور به ، غايته أنّه كان معذوراً في الإتلاف ، فجهله رافع للحكم التكليفي دون الوضعي ، كما هو الحال فيما لو اعطى باعتقاد الفقر فبان القابض غنيّاً فإنّ اللّازم حينئذٍ وجوب الإعادة على تفصيلٍ قد تقدّم في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق ، فلاحظ.

ويستدلّ للقول الثاني بأنّ اعتقاد الإيمان ولا سيّما الناشئ عن قيام البيّنة الشرعيّة أوجب ترخيص الشارع وإذنه في الدفع لمن أعطى ، ومع صدور الإجازة ممّن بيده الأمر لا موجب للإعادة.


1) (*) الظاهر أنّ حكمه حكم ما لو أعطى باعتقاد الفقر فبان القابض غنيّاً ، وقد تقدّم في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق.

.................................................................................................


ويندفع بأنّ الترخيص المزبور حكم ظاهري أو خيالي ، وعلى التقديرين فهو مغيّا بعدم انكشاف الخلاف ، لما عرفت من أنّ الاعتقاد مهما كان فهو لا يستوجب تغيير الواقع وقلبه عمّا هو عليه بوجه.

ويستدلّ للقول الثالث أعني التفصيل بين من جدّ واجتهد وفحص ثمّ اعتقد وبين الاعتقاد غير المسبوق بالفحص بموثّقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال : قلت له : رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها زماناً إلى أن قال : قلت له : فإنّه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل ، قد كان طلب واجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع «قال : ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أُخرى» (1).

ونحوها صحيح زرارة ، غير أنّه قال : «إن اجتهد فقد برئ ، فإنّ قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا» (2).

وفيه ما تقدّم في المسألة المشار إليها من أنّ الروايتين أجنبيّتان عمّا نحن فيه ، فإنّهما ناظرتان إلى من فحص عن أهل المعرفة فلم يجد فدفع إلى غير الأهل عالماً بعدم أهليّته لا معتقداً لها ، وأنّه استبان له بعد ذلك سوء صنعه وخطأ فعله لا خطأ الطريق الذي عوّل عليه الذي هو محلّ الكلام ، فلا ربط لهما بما نحن فيه.

على أنّهما معارضتان في موردهما بنصوص أُخر دلّت على عدم جواز الدفع لغير المؤمن حتّى مع الفحص واليأس عن المؤمن.

ففي صحيحة ابن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك ، ما تقول في الزكاة لمن هي؟ قال : «فقال : هي لأصحابك» قال : قلت :


1) الوسائل 9 : 214 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 1.

2) الوسائل 9 : 214 / أبواب المستحقين للزكاة ب 2 ح 2.

الثاني : أن لا يكون ممّن يكون الدفع إليه إعانةً على الإثم وإغراءً بالقبيح (1) ، فلا يجوز إعطاؤها لمن يصرفها في المعاصي خصوصاً إذا كان تركه ردعاً له عنها.


فإن فضل عنهم «قال : فأعد عليهم» إلى أن قال : فقلت : فنعطي السؤّال منها شيئاً؟ قال : «فقال : لا واللّه إلّا التراب» إلخ (1)، ونحوها غيرها ، وحيث لا عامل بهما فهما مطروحتان لا محالة.

(1) هذا الحكم كأنه من المتّفق عليه بينهم.

ووجهه : إمّا بناءً على ما هو المشهور من حرمة الإعانة على الإثم فواضح ، فإنّ الإعطاء في المقام مصداق للإعانة المحرّمة ، ومن البيّن أنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ولا سيّما إذا انطبق على تركه عنوان الردع ، إذ الإعطاء حينئذٍ عصيان للردع الواجب أيضاً ، فكيف يكون مصداقاً للزكاة المأمور بها؟! وأمّا بناءً على ما هو الأصحّ من عدم الحرمة لعدم وفاء الأدلّة ، وإنّما الثابت بمقتضى قوله تعالى ( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (2)هو حرمة التعاون القائم بالطرفين أو الأكثر ، أي الاشتراك في مباشرة الإثم وتحقيقه ، لا الإعانة القائمة بطرف واحد من دون مباشرة المعين في فعل الإثم وارتكابه فالأمر أيضاً كذلك ، لمنافاته لحكمة التشريع ، إذ الزكاة إنّما شرّعت لسدّ الحاجة ورفع الخلّة والإرفاق بالفقراء ، ولو علم اللّه أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم ، كما جاء في صحيحة ابن سنان (3)وغيرها. ومن الواضح أنّ الصرف في المعصية لم يكن


1) الوسائل 9 : 222 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 6.

2) المائدة 5 : 2.

3) الوسائل 9 : 10 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 3.

والأقوى عدم اشتراط العدالة (1).


من الحاجيات التي شرّع من أجلها الزكاة.

ويمكن الاستئناس لذلك من النصوص الواردة في سهم الغارمين المانعة عن دفعها للدين المصروف في سبيل المعصية ، فإنّها تدلّ على عدم الجواز في المقام بطريق أولى ، إذ في الدين لم تصرف الزكاة بعينها في الحرام بل في سدّ دينٍ هو المصروف في الحرام ، فما ظنّك بالمقام المتضمّن لصرفها فيه مباشرةً؟! فإنّ المنع عن الأوّل يستلزم المنع عن الثاني بالأولويّة القطعيّة.

(1) فإنّ اشتراطها يكاد يستوجب تعطيل الزكاة في هذا السهم ، ضرورة كثرة الفقراء وقلّة العدول منهم ، ولا سيّما بعد ملاحظة عدم جواز الدفع حينئذٍ لمشكوك العدالة ، للزوم إحراز الشرط ، وهو منافٍ لحكمة التشريع من رفع حاجة المؤمنين وسدّ خلّتهم ، فيلزم بقاء الزكاة في أيدي أربابها وحرمان أكثر الفقراء منها ، وهو كما ترى.

على أنّه لم ينهض أيّ دليل على اعتبار العدالة.

وقصارى ما يستدلّ به لذلك روايتان :

إحداهما : ما في معتبرة أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «... وإن لم يكن له عيال وكان وحده فليقسّمها في قوم ليس بهم بأس أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحداً شيئاً» إلخ (1).

أمّا من حيث السند فلا ينبغي النقاش فيه وإن قيل بضعفه ، فإنّ طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال وإن كان ضعيفاً إلّا أنّ طريق النجاشي إليه صحيح ، وحيث إنّ شيخهما واحد وهو عبد الواحد بن عبدون ولا يحتمل أن


1) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 6.

.................................................................................................


يكون ما أخبره لأحدهما مغايراً لما أخبر به الآخر ، فلا جرم يحكم بصحّة الطريق ، كما أنّ عبد الرحمن بن أبي هاشم ثقة.

وأمّا أبو خديجة فهو سالم بن مكرم قد وثّقه النجاشي وكذلك الكشّي حاكياً عن ابن فضّال أنّه قال : صالح (1).

ولكن الشيخ ضعّفه حيث قال : أبو خديجة سالم ابن أبي سلمة ضعيف (2). وقد ذكرنا في الرجال أنّ هناك رجلين أحدهما سالم بن مكرم كنيته أبو خديجة ويكنّى أيضاً ب : أبي سلمة ، كنّاه بها الصادق (عليه السلام) ، والآخر سالم بن أبي سلمة (3)، وقد عنونهما النجاشي وكلّ منهما له كتاب ووثّق الأوّل (4).

وأمّا الشيخ فقد عنون الأوّل وضعّفه وأهمل الثاني مع أنّه أيضاً ذو كتاب كما سمعت. ويظهر من هذا الإهمال مع تكنية الأوّل ب : ابن أبي سلمة أنّه تخيّل أنّهما رجل واحد ، وهذا منه اشتباه صراح ، بل هما رجلان يكنّى الأوّل ب : أبي سلمة ، وأمّا الثاني : فأبو سلمة كنيته لأبيه لا نفسه ، وقد وثّق الأوّل النجاشي وابن فضّال ، مضافاً إلى وروده في إسناد كامل الزيارات ، فلا مجال إذن للمناقشة في السند.

ولكن الدلالة قاصرة ، لعدم ظهور قوله : «ليس بهم بأس» في العدالة ، ولا سيّما بعد تفسيره بقوله (عليه السلام) : «أعفّاء عن المسألة» إلخ ، الكاشف عن أنّ المراد مجرّد العفاف وعدم السؤال من الناس.

أضف إلى ذلك أنّ ما أُفيد مبني على الأخذ بظاهر الرواية من وجوب


1) رجال النجاشي : 188 / 501 ، رجال الكشي : 352 / 661.

2) الفهرست للشيخ : 79 / 338.

3) معجم رجال الحديث 9 : 20 / 4949 و 24 / 4966.

4) رجال النجاشي : 188 / 501 و 190 / 509.

.................................................................................................


التقسيم ، وليس كذلك قطعاً ، لجواز إعطاء تمام الزكاة لفقير واحد أو صرفها في جهة أُخرى غير الفقراء ، فيعلم من ذلك أنّه (عليه السلام) لم يكن بصدد حصر المصرف ليدّعى اعتبار العدالة ، بل في مقام بيان أنّ الفقير الكذائي مصرف له وأنّه يجوز الإعطاء لهذا القسم من الناس ، فلاحظ.

ثانيتهما : معتبرة داود الصرمي ، قال : سألته عن شارب الخمر ، يعطى من الزكاة شيئاً؟ «قال : لا» (1).

بدعوى عدم خصوصيّة لشارب الخمر وإنّما ذكر من باب المثال لمطلق الفسّاق.

وفيه : أنّ السند وإن كان معتبراً فإنّ الصرمي من رجال كامل الزيارات ، كما لا يقدح الإضمار الناشئ من تقطيع الأخبار بعد عدم احتمال رواية الشيخ والكليني عن غير المعصوم.

إلّا أنّ الدلالة قاصرة ، لعدم رافع لاحتمال الخصوصيّة ، فلا يتعدّى إلى كلّ فاسق لينتج اعتبار العدالة ، إلّا إذا علم أنّه يصرفه في الحرام فلا يجوز كما مرّ.

نعم ، لا يبعد التعدّي إلى من هو أشدّ إثماً وأعظم فسقاً من شارب الخمر كتارك الصلاة والمتجاهر بالفسق بالأولويّة القطعيّة ، وأمّا غيره فلا دليل عليه.

اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ المنع عن الدفع لشارب الخمر إنّما هو من أجل كونه في معرض ارتكاب المعصية ، وحيث إنّ مطلق غير العادل كذلك فيشمله مناط المنع.

ولكن هذه الدعوى كما ترى ، فإنّها غير بيّنة ولا مبيّنة. وعليه ، فلا مناص من الاقتصار على مورد النصّ بعد تطرّق احتمال الخصوصيّة حسبما عرفت.


1) الوسائل 9 : 249 / أبواب المستحقين للزكاة ب 17 ح 1 ، الكافي 3 : 563 / 15 ، التهذيب 4 : 52 / 138.

.................................................................................................


وأمّا ما ورد في بعض الأخبار من نفي الإيمان المعتبر في المستحقّ عن بعض مرتكبي الكبائر كقوله (عليه السلام) في معتبر محمّد بن حكيم «... لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن» (1)فمن الواضح أنّ المنفي إنّما هو المرتبة الكاملة من الإيمان لا نفي حقيقته كي لا يصحّ دفع الزكاة إليه ، ومن البيّن أنّ المؤمن يعمّ العادل والفاسق.

هذا كلّه في الفقير والمسكين.

وأمّا غيرهما من سائر مصارف الزكاة فلا ينبغي التأمّل في عدم اعتبار العدالة في الغارم والرقاب وابن السبيل وسبيل اللّه ، لإطلاق الأدلّة ، وأمّا المؤلّفة فلا يعتبر فيها الإسلام فضلاً عن العدالة.

نعم ، ادّعي الإجماع على اعتبارها في ( الْعامِلِينَ عَلَيْها ) لكن من المحتمل قويّاً أنّ معقد الإجماع بمناسبة الحكم والموضوع هو الأمانة من غير خصوصيّة للعدالة ، فلا موضوعيّة لها على حدّ اعتبارها في الشاهد والقاضي وإمام الجماعة ونحوهم ، بل العبرة بالأمانة ، حيث لا يؤتمن الفاسق على الأموال. ومع هذا الاحتمال لا يكون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم.

على أنّ مورد الإجماع المزبور هو العامل المنصوب لجباية الزكوات لا العامل المدفوع إليه سهمه من الزكاة ، ولا ملازمة بين الأمرين كما لا يخفى.

وأمّا قول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) لمصدّقة في صحيحة بريد بن معاوية : «... فإذا قبضته فلا توكل به إلّا ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً» ، إلخ (2).

فهو مضافاً إلى كونه ناظراً إلى اعتبار الأمانة دون العدالة أجنبي عمّا نحن فيه ، لرجوع الأوصاف إلى وكيل العامل بعد ما قبض الزكوات ، لا إلى العامل


1) الوسائل 15 : 325 / أبواب جهاد النفس ب 46 ح 18.

2) الوسائل 9 : 129 / أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1.

ولا عدم ارتكاب الكبائر (1) ولا عدم كونه شارب الخمر (1)(2) ، فيجوز دفعها إلى الفسّاق ومرتكبي الكبائر وشاربي الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الإيمان ، وإن كان الأحوط اشتراطها ، بل وردت رواية بالمنع عن إعطائها لشارب الخمر. نعم ، يشترط العدالة في العاملين (2)على الأحوط ، ولا يشترط في المؤلفة قلوبهم ، بل ولا في سهم سبيل اللّه ، بل ولا في الرقاب ، وإن قلنا باعتبارها في سهم الفقراء.

[2739] مسألة 9 : الأرجح دفع الزكاة إلى الأعدل فالأعدل والأفضل فالأفضل والأحوج فالأحوج (3) ، ومع تعارض الجهات يلاحظ الأهمّ فالأهمّ المختلف ذلك بحسب المقامات.


نفسه الذي هو محلّ الكلام.

(1) لما عرفت من عدم نهوض دليل عليه بنطاق عامّ إلّا ما كان أعظم فسقاً من شارب الخمر ، كتارك الصلاة حسبما سبق.

(2) بل لا يجوز الدفع إليه ، لمعتبرة داود الصرمي كما عرفت.

(3) الترجيح بهذا النطاق العامّ لم يرد عليه نصّ في المقام ، وإنّما الوارد في صحيح ابن الحجّاج ترجيح من لا يسأل على من يسأل ، قال : سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الزكاة ، يفضّل بعض من يُعطى ممّن لا يسأل على غيره؟ «فقال : نعم ، يفضّل الذي لا يسأل على الذي يسأل» (3).


1) (*) يشكل جواز الإعطاء له ، وكذا لتارك الصلاة أو المتجاهر بالفسق.

2) (**) الظاهر عدم اعتبارها ، بل المعتبر فيهم الوثاقة.

3) الوسائل 9 : 261 / أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 1.

الثالث : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكّي كالأبوين وإن علوا ، والأولاد وإن سفلوا من الذكور أو من الإناث (1) ، والزوجة الدائمة التي لم يسقط وجوب نفقتها بشرطٍ أو غيره من الأسباب الشرعيّة ، والمملوك سواء كان آبقاً أو مطيعاً ، فلا يجوز إعطاء زكاته إيّاهم للإنفاق ،


لكنّه لا حاجة إلى النصّ ، لوضوح أولويّة ذي المزيّة على غيره.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال.

ويستدلّ له بجملة من الأخبار ، عمدتها روايتان :

إحداهما : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً : الأب والأُمّ والولد والمملوك والمرأة ، وذلك أنّهم عياله لازمون له» (1).

ثانيتهما : مصحّحة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث قال : قلت : فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتّى لا أحتسب الزكاة عليهم؟ «فقال : أبوك وأُمّك» قلت : أبي وأُمّي؟ «قال : الوالدان والولد» (2).

فإنّها أيضاً واضحة الدلالة كالأُولى ، حيث يظهر منها المفروغيّة عن عدم جواز دفع الزكاة إلى القرابة ، وإنّما يسأل عن حدّها ، ولعلّ عدم ذكر المملوك والزوجة المشار إليهما في الصحيحة لأجل عدم كونهما من ذوي القرابة وإن كانا من واجبي النفقة.

كما أنّها معتبرة السند وإن تردّدت النسخة في الراوي عن إسحاق وأنّه


1) الوسائل 9 : 240 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 1.

2) الوسائل 9 : 241 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 2.

.................................................................................................


عبد الملك بن عتبة كما في أحد موردي التهذيب (1)وكذلك الكافي (2)، أو أنّه عبد اللّه بن عتبة كما في المورد الآخر منه (3)وكذلك الاستبصار (4).

فإنّ الثاني لا وجود له في هذه الطبقة ، وإنّما هو من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ولا يمكن روايته عن إسحاق ، فالنسخة مغلوطة ، والصواب هو الأوّل ، وهو ثقة له كتاب ، والمعروف أنّه يلقّب بالهاشمي وإن أنكر النجاشي ذلك وقال : إنّه غير صاحب الكتاب (5). وعلى أيّ حال ، فهو ثقة بلا إشكال ، فالرواية معتبرة ، ويعضده مطابقته للكافي كما سمعت الذي هو أضبط.

وهناك نصوص أُخر ولكنّها غير نقيّة السند لا تصلح إلّا للتأييد.

وبإزائها مكاتبة عمران بن إسماعيل بن عمران القمّي ، قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) : إنّ لي ولداً رجالاً ونساءً ، أفيجوز أن أُعطيهم من الزكاة شيئاً؟ فكتب (عليه السلام) : «إنّ ذلك جائز لك» (6).

ولكنّها ضعيفة السند ، فإنّ عمران المزبور لا توثيق له عدا ما قد يتوهّم من وروده في إسناد كامل الزيارات ، حيث تضمّن رواية الحسين بن عمران عن أبيه عن أبي الحسن (عليه السلام) ، وهو كما ترى ، فإنّ المنصرف من أبي الحسن (عليه السلام) عند الإطلاق هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وقد قُيِّد في هذه الرواية بالثالث وهو الهادي (عليه السلام) ، ومقتضى اختلاف الطبقة


1) التهذيب 4 : 100 / 283.

2) الكافي 3 : 551 / 1.

3) الكافي 4 : 56 / 6.

4) الإستبصار 2 : 33 / 100.

5) رجال النجاشي : 239 / 635.

6) الوسائل 9 : 243 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 3.

بل ولا للتوسعة (1) على الأحوط ، وإن كان لا يبعد جوازه


تعدّد الراويين إمّا قطعاً أو لا أقلّ احتمالاً ، فلم يحرز الاتّحاد ليشمله توثيق الكامل (1). هذا أوّلاً.

وثانياً : مع تسليم السند فيمكن حملها على الإنفاق للتوسعة كما صنعه الشيخ (2)دون النفقة الواجبة ، جمعاً بينها وبين ما سبق ، حيث إنّ النسبة بينهما نسبة الإطلاق والتقييد.

(1) كما اختاره جماعة ، بل هو الظاهر من كلّ من أطلق المنع.

خلافاً لجماعة آخرين ، كالمحقّق والشهيد الثاني ، حيث اختاروا الجواز للتوسعة وأنّ الممنوع هو خصوص النفقة الواجبة (3)، واختاره في المتن شريطة أن لا يكون عنده ما يوسّع به عليهم كما ستعرف.

ويستدلّ للجواز تارةً : بقصور المقتضي للمنع ، لاختصاص دليله بالإنفاق اللازم ، فيبقى غيره تحت إطلاقات الكتاب والسنّة القاضية بجواز الإعطاء لكلّ فقير.

ويندفع بظهور التعليل الوارد في صحيحة ابن الحجّاج في عموم المنع بحسب الفهم العرفي ، حيث يستفاد منه أنّ المناط في المنع كونهم عياله ، وأنّه الملزم بالقيام بشؤونهم والتصدّي لأُمورهم ، وأنّ صرف الزكاة عليهم كصرفها على نفسه ، وكأنّه لم يزكّ ولم يعط شيئاً. وهذا كما ترى يشمل عامّة الإنفاقات حتّى المبنيّة على التوسعة ، بل أنّ هذا العموم هو المستفاد من وقوع النكرة في


1) على أنّ التوثيق مخصّص بالمشايخ بلا واسطة فلا يشمل المقام.

2) التهذيب 4 : 57 ، الاستبصار 2 : 34.

3) جامع المقاصد 3 : 30 31 ، مسالك الافهام 1 : 423.

.................................................................................................


سياق النفي في قوله (عليه السلام) في صدر الصحيحة : «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً» إلخ.

نعم ، تتّجه هذه الدعوى في مرفوعة ابن الصلب عن الصادق (عليه السلام) ، أنّه قال : «خمسة إلى قوله في الذيل : لأنّه يجبر على النفقة عليهم» (1)، لظهورها في النفقة الواجبة الملزم بالإجبار لدى الامتناع ، لكن ضعفها لمكان الرفع ، مضافاً إلى خلوّ ابن ماجيلويه شيخ الصدوق عن التوثيق مانعٌ عن الاعتماد عليها.

وأُخرى : بُعده من النصوص الدالّة على الجواز التي بها يخرج عن إطلاقات المنع ، وهذا هو الصحيح :

منها : معتبرة أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا تعط من الزكاة أحداً ممّن تعول» وقال : إذا كان لرجل خمسمائة درهم وكان عياله كثيراً «قال : ليس عليه زكاة ، ينفقها على عياله ، يزيدها في نفقتهم وفي كسوتهم وفي طعامٍ لم يكونوا يطعمونه إلى أن قال : ومن كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال ، ويجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسّع عليهم» (2).

فإنّ هذه الرواية لم يفرض فيها أنّ الخمسمائة كانت معدّة للاتّجار ، فلا موجب لحملها على زكاة مال التجارة المندوبة والدوران بينها وبين التوسعة على العائلة المستحبّة لتكون خارجة عن محلّ الكلام وإن قيل بذلك ، إذ لا شاهد عليه بوجه ، بل ظاهرها أنّ الخمسمائة بقيت عنده حتّى حال عليها الحول وتعلّقت بها الزكاة الواجبة ، وقد رخّص (عليه السلام) في صرفها في توسعة العيال ومزيد الإنفاق عليهم.


1) الوسائل 9 : 241 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 4.

2) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 6.

إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم (1).

نعم ، يجوز دفعها إليهم إذا كان عندهم من تجب نفقته عليهم لا عليه كالزوجة للوالد أو الولد والمملوك لهما مثلاً (2).


ومنها : معتبرة إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل له ثمانمائة درهم ولابن له مأتا درهم ، وله عشر من العيال ، وهو يقوتهم فيها قوتاً شديداً وليس له حرفة بيده إنّما يستبضعها فتغيب عنه الأشهر ثمّ يأكل من فضلها ، أترى له إذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله فيعود بها على عياله يتّسع عليهم بها النفقة؟ «قال : نعم ، ولكن يخرج منها الشي‌ء الدرهم» (1).

ومورد هذه الرواية وإن كان هو المال المعدّ للاستبضاع والاتّجار ولكنّها غير صريحة بل ولا ظاهرة في إرادة زكاة مال التجارة بالخصوص ، بل مقتضى الإطلاق وترك الاستفصال في قوله : إذا حضرت الزكاة ، شموله لحضور الزكاة الواجبة كحلول وقت زكاة الفطرة وقد رخّص (عليه السلام) في صرفها على العيال للاتّساع ومزيد الإنفاق عليهم.

وهناك نصوص اخرى غير صالحة للاستدلال لظهورها في إرادة زكاة مال التجارة خاصّةً. وفيما ذكرناه من المعتبرتين غنى وكفاية.

(1) لأنّ مورد المعتبرتين هو ذلك فيبقى غيره تحت إطلاقات المنع.

(2) بلا خلاف فيه ، لوضوح اختصاص أدلّة المنع بغير ذلك ، إذ التعليل الوارد فيها ظاهر فيمن هو لازم للمزكّي نفسه لا لمن يعوله المزكّي ، فتشمله حينئذٍ إطلاقات جواز الدفع لكلّ فقير ، السليمة عن المقيّد.


1) الوسائل 9 : 242 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 1.

[2740] مسألة 10 : الممنوع إعطاؤه لواجبي النفقة هو ما كان من سهم الفقراء ولأجل الفقر ، وأمّا من غيره من السهام كسهم العاملين إذا كان منهم أو الغارمين أو المؤلّفة قلوبهم أو سبيل اللّه أو ابن السبيل أو الرقاب إذا كان من أحد المذكورات فلا مانع منه (1).

[2741] مسألة 11 : يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه إذا لم يكن قادراً على إنفاقه (2) ، أو كان قادراً ولكن لم يكن باذلاً.


(1) بلا خلاف فيه كما ادّعاه غير واحد بالسنة مختلفة ، لقصور نصوص المنع عن شمول ذلك ، إذ المنسبق منها ولو بمعونة كون الموضوع لوجوب الإنفاق هو القريب الفقير أنّ الممنوع هو دفع الزكاة من سهم الفقراء ، ولا نظر فيها إلى بقيّة السهام بوجه ، فلا مانع إذن من الرجوع إلى إطلاقات أدلّتها ، مضافاً إلى ورود النصّ الخاصّ في بعضها ، فقد ورد جواز قضاء دين الأب من سهم الغارم كما تقدّم (1).

(2) قد عرفت عدم جواز دفع الزكاة إلى واجب النفقة ، ومقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق بين كون الدافع غنيّاً أو فقيراً. واحتمال الاختصاص بالأوّل نظراً إلى سقوط الإنفاق عن الثاني ضعيف ، لمنافاته مع التعليل بأنّهم عياله ولازموه ، لوضوح اشتراكه بينهما ، غاية الأمر أنّ وجوب الإنفاق لمكان اشتراطه بالقدرة ساقط عن العاجز ، وهو أمر آخر ، ولا تنافي بينه وبين عموم التعليل المزبور الذي يشير إلى معنى عرفي ارتكازي ، وهو أنّ من يعوله الإنسان بمنزلة نفسه وصرف الزكاة عليهم كصرفها على نفسه ، وكأنّه أخرج من كيس


1) في ص 85 ، 107.

وأمّا إذا كان باذلاً فيشكل الدفع إليه (1)(1) وإن كان فقيراً كأبناء الأغنياء إذا لم يكن عندهم شي‌ء


وأدخلها في كيسه الآخر ، فإنّ هذه العلّة كما ترى لا يفرق فيها بين الغني والفقير.

وبعبارة اخرى : وجوب الإنفاق لا يختصّ بالغنى لا العرفي ولا الشرعي ، بل يجب على كلّ أحد تحصيل نفقة عياله وإن كان فقيراً غير مالك لقوت سنته ، اللّهمّ إلّا أن يكون عاجزاً فيسقط حينئذٍ لمكان العجز كغيره من سائر التكاليف بعد أن كانت القدرة من الشرائط العامّة ، ولا ينافي ذلك مع عموم التعليل كما عرفت.

ويعضده ترك الاستفصال في مصحّحة إسحاق المتقدّمة المانعة عن الدفع إلى الولد أو الوالدين بين كون الدافع غنيّاً أو فقيراً الكاشف عن الإطلاق.

هذا بالنسبة إلى من وجبت عليه الزكاة.

وأمّا غيره فهل يجوز له إعطاء زكاته إلى من وجبت نفقته على الغير؟

أمّا إذا كان ذلك الغير فقيراً لا يتمكّن من دفع النفقة فلا إشكال ، لإطلاقات الأدلّة السليمة عن التقييد.

وأمّا إذا كان متمكِّناً ولكنّه لا يبذل إمّا عصياناً أو لعذرٍ من بُعدٍ ونحوه فكذلك ، لصدق الفقير عليه بعد وضوح أنّ مجرّد وجوب نفقته على من لا يكون باذلاً خارجاً لا يجعله غنياً ولا يخرجه عن إطلاق قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ ، وإنّما الكلام في الباذل وستعرف الحال فيه.

(1) بل الظاهر عدم الجواز ، لا لإطلاق قوله : «خمسة لا يعطون» إلخ ، بدعوى


1) (*) لا يبعد جواز الدفع في غير الزوجة إذا كان من تجب عليه النفقة فقيراً.

.................................................................................................


شموله لمطلق من تلبّس بهذه العناوين ليرجع إلى اشتراط أن لا يكون المستحقّ أباً أو ولداً لأيّ أحد ، فإنّه كما ترى ، بل مضحك للثكلى ، بل المراد أن لا يكون أباً أو ولداً للمعطي والمزكّي نفسه ، فالحكم مختصّ به ولا يشمل غيره كما هو واضح.

بل للانصراف أوّلاً عن مثل هذا الفقير الذي تجب نفقته على غني باذل كأولاد الأغنياء الباذلين عليهم وإن كانوا هم فقراء.

وثانياً : عدم شمول حكمة التشريع من سدّ الحاجة ورفع الخلّة لمثل هؤلاء الذين هم يعتبرون في قوّة الأغنياء وإن كانوا من مصاديق الفقراء ، ومن ثمّ خصصنا سهم الغارمين بالعاجزين عن أداء الدين وإن كانت الأدلّة مطلقة ، رعايةً لحكمة التشريع.

وبالجملة : لا يكاد يصدق المحتاج على من له باذل يتكفّل شؤون معاشه ، فالنصّ منصرف عنهم ، ومع الغضّ فالحكمة غير شاملة لهم ، ولا غرو فإنّ الشارع ربّما يتصرّف في الموضوع فيعتبر الفقير العرفي غنيّاً شرعيّاً كمن لم يكن له إلّا ما يكفيه لقوت سنته ، بل من لم يكن له مال أصلاً ولكنّه محترف يتمكّن من تحصيل قوت سنته ، وكذلك الحال في المقام فإنّه وإن كان فقيراً في نفسه إلّا أنّه من لوازم الغنى وشؤونه وهو قائم باموره ، فهو ملحق به ومعه لا يجوز دفع الزكاة إليه.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ من يجب عليه النفقة إذا كان فقيراً أيضاً يرتزق من الزكوات جاز دفعها لعياله ، فإذا كان الأب ينفق على أولاده ممّا يأخذ من الزكاة جاز دفعها إليهم ابتداءً ، فإنّهم وإن كانوا عياله ولازميه إلّا أنّهم من لوازم الفقير لا الغني ، فهم كنفس المنفق فقراء عرفاً وشرعاً ، فيجوز الدفع إلى الكلّ بمناط واحد ، ولا مانع من ذلك.

كما لا مانع أيضاً من إعطائها لعيال الغني الباذل فيما إذا كان بذله مقروناً

بل لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الدفع إلى زوجة الموسر الباذل (1).


بالمنّة والذلّة ، فيجوز للأب الفقير أخذ الزكاة وإن كان ولده غنيّاً باذلاً إلّا أنّ بذله مقرون بمهانة لا تتحمّل عادةً ، لا ما إذا امتنع عن الأخذ منه طلباً لزيادة مال الولد مثلاً.

وملخّص الكلام في المقام : أنّ من تجب عليه نفقة الغير لا يجوز له دفع زكاته إليه مطلقاً. وأمّا غيره فلا يجوز أيضاً فيما إذا كان من يجب عليه غنيّاً باذلاً من دون منّة أو مهانة موجبة للكلفة والمشقّة. وأمّا إذا كان فقيراً أو غير باذل لعذر أو لغير عذر أو كان بذله مقروناً بمهانة لا تتحمّل فيجوز حسبما عرفت.

(1) لأنّها تفارق الأقارب كالولد والأبوين في أنّها تملك النفقة في ذمّة الزوج بحيث لو لم يعطها كان مديناً لها ، وأمّا في الأقارب فالحكم تكليف محض من غير استتباع للرضع. وعليه ، فمع كونها مالكة والزوج موسر باذل لا يصدق عليها المحتاج لتستحقّ الزكاة ، ومجرّد كون الملكيّة على سبيل التدرّج أي يوماً فيوماً لا يستوجب صدق المحتاج كما هو الحال في المحترف.

فالمقام نظير من آجر داره سنة كاملة شريطة أن يدفع الأُجرة كلّ يوم ديناراً وكان هذا المقدار وافياً بمئونة السنة ، فانّ مثله لا يطلق عليه الفقير وإن لم يتمكّن من التصرّف فعلاً في تمام مال الإجارة ، فإنّ المقام وإن فارق مورد التنظير في أنّ مالك الدار يملك فعلاً تمام المال بمجرّد عقد الإيجار وإنّما التدرّج في الاستحقاق فحسب ، أمّا في المقام فالملكيّة أيضاً تدريجيّة ، إلّا أنّ هذا الفرق غير فارق ، لعدم كونه مؤثّراً فيما هو مناط البحث من عدم صدق المحتاج عليه عرفاً على التقديرين ليستحقّ الزكاة.

وممّا ذكرنا يظهر الفرق بين الزوجة والأقارب في أنّها لا تستحقّ الزكاة حتّى إذا لم يكن الزوج الباذل غنيّاً ، بل هي كسائر الديّان يأخذون دينهم من الفقير

بل لا يبعد عدم جوازه مع إمكان إجبار الزوج على البذل إذا كان ممتنعاً منه ، (1) بل الأحوط عدم جواز الدفع إليهم للتوسعة اللائقة بحالهم مع كون من عليه النفقة باذلاً للتوسعة أيضاً (1)(2).


ولو بنحو التدريج وليس لهم أخذ الزكاة ، بداهة أنّ فقر المدين لا يقتضي فقر الدائن. وهذا بخلاف الأقارب فلهم الأخذ منها مع فقر المنفق حسبما تقدّم (2).

(1) إذ بعد ما عرفت من كون النفقة ملكاً لها في ذمّة الزوج فلها كسائر الديّان إجبار المدين لتحصيل الدين بعد إمكان الإجبار كما هو المفروض ، ومعه لا يصدق عليها الفقير والمحتاج لتستحقّ الزكاة.

نعم ، إذا كان الزوج مقتصراً على الإنفاق اللازم وهي بحاجة إلى التوسعة ، كما لو مرضت بما هو خارج عن المتعارف بحيث توقّف العلاج على السفر إلى البلاد البعيدة وقلنا بعدم وجوب علاج هذه الأمراض على الزوج ، ساغ لها حينئذٍ أن تستفيد من الزكاة ، لأنّ تشريعها إنّما هو للإرفاق على المؤمنين وسدّ حاجاتهم ، والمفروض أنّها في هذه الحالة محتاجة فتشملها حكمة التشريع.

(2) لما عرفت من انصراف الفقير عن مثلهم ممّن له باذل يقوم بجميع شؤونه حتّى المصارف غير الضروريّة والإنفاق الواسع ، ومع التنزّل فحكمة التشريع غير شاملة لهم ، فليس الوجه في المنع صدق الغنى ليمنع بعد عدم كونهم ما لكين لمئونة السنة كما هو المفروض ، بل لأجل الانصراف أوّلاً وقصور الحكمة ثانياً.

نعم ، لو امتنع عن التوسعة جاز الدفع ، لصدق الفقير وتحقّق الحاجة فتشمله الإطلاقات.


1) (*) بل مطلقاً في موارد عدم الحاجة والضرورة.

2) في ص 162 163.

[2742] مسألة 12 : يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المتمتّع بها (1) ، سواء كان المعطي هو الزوج أو غيره ، وسواء كان للإنفاق أو للتوسعة.


ودعوى عدم الفرق بين بذل المنفق للتوسعة وعدمه فإنّه إن صدق عليهم الغنيّ مع اقتصاره على النفقة اللازمة ولأجله لم يجز دفعها من غيره لم يجز دفعها للتوسعة أيضاً ، وإلّا جاز دفعها لها أيضاً.

مدفوعة بعدم الصدق جزماً ، ولم يكن الوجه في عدم الدفع في صورة البذل صيرورتهم أغنياء بذلك ، بل وجهه ما عرفت من عدم صدق الحاجة مع القيام بالنفقة اللازمة ، كيف؟! ولو كان الوجه ذلك لما جاز الدفع للتوسعة أيضاً مع التصريح بالجواز في صحيحة ابن الحجّاج عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مئونته ، أيأخذ من الزكاة فيوسع به إن كانوا لا يوسعون عليه في كلّ ما يحتاج إليه؟ «فقال : لا بأس» (1).

وملخّص الكلام : أنّ الموضوع للزكاة هو الفقير المحتاج ، فإذا كان محتاجاً إلى النفقة اللازمة وإلى التوسعة وقام المنفق ببذل كلّ منهما لم يستحقّ حينئذٍ من الزكاة شيئاً ، وإن لم يدفع شيئاً منهما أو اقتصر على الأوّل جاز له أخذ الزكاة لرفع حاجته الفعليّة مهما كانت ، فلا فرق بين النفقة اللّازمة وبين التوسعة ، والعبرة برفع الحاجة حسبما عرفت.

(1) لاختصاص أدلّة المنع بصورة وجوب الإنفاق ، لأنّها بين ما تضمّن التعليل بأنّهم عياله ولازموه كما في صحيحة ابن الحجّاج وما تضمّن التعبير بلازم النفقة كما في مصحّح إسحاق وشي‌ء منهما لا يشمل المنقطعة ، لعدم وجوب نفقتها. ومنه تعرف فساد ما حكي عن بعضهم من عموم المنع ، لإطلاق النصّ ،


1) الوسائل 9 : 238 / أبواب المستحقين للزكاة ب 11 ح 1.

وكذا يجوز دفعها إلى الزوجة الدائمة مع سقوط وجوب نفقتها بالشرط أو نحوه (1). نعم ، لو وجبت نفقة المتمتّع بها على الزوج من جهة الشرط أو نحوه لا يجوز الدفع إليها (2) مع يسار الزوج (3).


فإنّ النصّ المطلق لا وجود له في المقام ، وعلى فرض وجوده فهو مقيّد بما عرفت.

نعم ، ذكرت الزوجة على سبيل الإطلاق في روايات أبواب النفقات ، كصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : من الذي أُجبر عليه وتلزمني نفقته؟ «قال : الوالدان والولد والزوجة» (1)، ونحوها صحيحة جميل (2)إلّا أنّها مقيّدة بغير المنقطعة ، لما دلّ على عدم وجوب الإنفاق عليها.

(1) لكونها حينئذٍ في حكم المنقطعة في عدم وجوب الإنفاق ، فتخرج عن كونها لازمة للزوج ولا يشملها التعليل ، فإذا كانت فقيرة شملتها الإطلاقات ، فإنّ مجرّد الزوجيّة لا يخرجها عنها ما لم تكن لازمة.

(2) لاشتمالها حينئذٍ على ملاك المنع الموجود في الدائمة ، وهو وجوب الإنفاق وصيرورتها لازمة للزوج ولو بسبب الاشتراط فتدخل في عموم التعليل.

ودعوى انصراف اللّزوم فيه إلى الأصلي عريّةٌ عن الشاهد ، بل ظاهره أنّ العبرة مجرّد اللّزوم وتحقّق العيلولة ولو لجهة عارضيّة وأنّ مناط المنع وجوب النفقة لا الزوجيّة.

(3) أي وبذله أو إمكان إجباره ، فإنّ مجرّد اليسار غير كافٍ في المنع عن دفع الغير إليها كما تقدّم وإن كان كافياً في دفع الزوج نفسه كما لا يخفى.


1) الوسائل 21 : 525 / أبواب النفقات ب 11 ح 3.

2) الوسائل 21 : 510 / أبواب النفقات ب 1 ح 4.

[2743] مسألة 13 : يشكل دفع الزكاة إلى الزوجة الدائمة إذا كان سقوط نفقتها من جهة النشوز ، لتمكّنها من تحصيلها بتركه (1).

[2744] مسألة 14 : يجوز للزوجة دفع زكاتها إلى الزوج (2) وإن أنفقها عليها.


(1) لا يبعد أن يكون المراد من هذا التعليل المذكور في المعتبر (1)وغيره أنّها متمكّنة من تحصيل النفقة بإزالة المانع وهو النشوز بعد وجود المقتضي وهو عقد الزواج الدائم لا أنّها متمكّنة منها بإيجاد المقتضي ، بداهة انّ هذا النوع من التمكّن لا يمنع عن أخذ الزكاة ، ألا ترى أنّ المرأة الفقيرة لها أن تأخذ من الزكاة حتّى إذا كانت قادرة على تحصيل المقتضي للإنفاق باختيار الزواج الدائم ، فلا يجب عليها التزويج لتستغني عن الزكاة.

وعليه ، فالتعليل وجيه ، إذ مع وجود المقتضي والتمكّن من إزالة المانع لا يصدق الفقر ، وهل تجد من نفسك إطلاق الفقير على زوجة أحد من الأثرياء قد هيّأ لها جميع أنحاء العيش والهناء خرجت من دار زوجها بدون إذنه بحيث أصبحت ناشزة وهي قادرة على العود متى شاءت؟! كلّا ، لا يصدق عليها الفقير عرفاً وإن لم تملك شيئاً ، فإنّه منصرف عن مثلها بلا ريب. ومع تسليم الصدق فحكمة تشريع الزكاة وهي الحاجة غير شاملة لها جزماً ، فلا يجوز لها أخذها ، لقدرتها على الطاعة وأخذ النفقة ورفع الحاجة.

(2) لاختصاص دليل المنع بعكسه وهو دفع المزكّي زكاته لأهله ومن تجب نفقتها عليه ، أمّا المقام فهو مشمول لإطلاق الأدلّة بعد سلامته عن التقييد ، وبعد التملّك له صرفها كيفما شاء وإن كان هو الإنفاق على الأهل.


1) المعتبر 2 : 582.

وكذا غيرها ممّن تجب نفقته عليه بسببٍ من الأسباب الخارجيّة (1).

[2745] مسألة 15 : إذا عال بأحدٍ تبرّعاً جاز له دفع زكاته له فضلاً عن غيره (2) للإنفاق أو التوسعة ، من غير فرق بين القريب الذي لا يجب نفقته عليه كالأخ وأولاده والعم والخال وأولادهم وبين الأجنبي ، ومن غير فرق بين كونه وارثاً له لعدم الولد مثلاً وعدمه.


فما قيل من المنع أو من عدم جواز الإنفاق على الأهل وإن جاز الأخذ ، كما ترى.

(1) لما عرفت من الإطلاق بعد اختصاص دليل المنع بعكس المسألة.

(2) لاختصاص الروايات المانعة بمن هو واجب النفقة بحيث تلزمه نفقتهم شرعاً ، فلا تشمل غير الواجب وإن عدّ عياله عرفاً ، فإنّ التبرّع لا يغيّر الواقع ، فلا جرم تشمله الإطلاقات بعد كونه مصداقاً للفقير.

نعم ، إطلاق قوله (عليه السلام) في معتبرة أبي خديجة : «لا تعط من الزكاة أحداً ممّن تعول» (1)غير قاصر الشمول له لولا تقييده بواجب النفقة بمقتضى التعليل في صحيحة ابن الحجّاج وغيره ممّا تضمّن حصره في الولد والوالدين والزوجة والمملوك ، فلا يجب الإنفاق على غير هؤلاء ، ولا مانع من إعطائهم الزكاة وإن عدّوا من العيال العرفي.

وما في صحيحة محمّد الحلبي من زيادة الوارث الصغير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : والوارث الصغير يعني الأخ وابن الأخ ونحوه» (2)محمول على الاستحباب أو التقيّة ، لما تراه العامّة من وجوب نفقة الوارث على الموروث.


1) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 6.

2) الوسائل 21 : 526 / أبواب النفقات ب 11 ح 6.

[2746] مسألة 16 : يستحبّ إعطاء الزكاة للأقارب (1) مع حاجتهم وفقرهم وعدم كونهم ممّن تجب نفقتهم عليه ، ففي الخبر (2) : أيّ الصدقة أفضل؟ «قال (عليه السلام) : على ذي الرحم الكاشح» وفي آخر (3) : «لا صدقة وذو رحم محتاج».


هذا ، والمسألة ممّا لا إشكال فيها ولا خلاف ، بل عليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر (1).

(1) للتصريح بالأفضليّة في موثقة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) ، قال : قلت له : لي قرابة أُنفق عليهم وأُفضّل بعضهم على بعض فيأتيني إبّان الزكاة ، أفأُعطيهم منها؟ «قال : مستحقّون لها؟» قلت : نعم «قال : هم أفضل من غيرهم ، أعطهم» (2).

(2) وهو معتبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : سُئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : أيّ الصدقة أفضل؟ قال : على ذي الرحم الكاشح» (3)، وقد وردت بعدّة طرق ضعيفة والمعتبر منها ما عرفت.

والكاشح هو المدبر ، ولعلّ في دفع الزكاة رفع الكدور وحصول الإقبال.

(3) وهو مرسل الصدوق (4).


1) الجواهر 15 : 403.

2) الوسائل 9 : 245 / أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 2.

3) الوسائل 9 : 411 / أبواب الصدقة ب 20 ح 1.

4) الوسائل 9 : 412 / أبواب الصدقة ب 20 ح 4 ، الفقيه 2 : 38 / 13.

[2747] مسألة 17 : يجوز للوالد (1)أن يدفع زكاته إلى ولده للصرف في مئونة التزويج (1) وكذا العكس.


(1) تارةً يفرض الدفع من سهم سبيل اللّه ، نظراً إلى أنّ التزويج منه حيث أنّه عمل راجح شرعاً فيدفع للصرف في هذه الجهة من غير أن يتضمّن التمليك ، واخرى من سهم الفقراء.

أمّا الأوّل : فهو مبني على القول بالتوسعة في هذا السهم وشموله لكلّ عمل قربي ومشروع خيري ، وقد عرفت منعه فيما سبق وأنّه يظهر من التمثيل له في الروايات بالحجّ والجهاد ونحوهما اختصاصه بما يشتمل على المصالح العامّة ممّا يترتّب عليه نفع للدين أو للمسلمين كبناء المساجد والمدارس والذهاب إلى الجهاد وما شاكل ذلك. كيف؟! ولو صحّت تلك التوسعة لساغ تزويج أولاد الأغنياء بها وشراء الدور لهم ، فإنّه عمل قربي يتضمّن إدخال السرور في قلب المؤمن ، ولا يظنّ أنّه يلتزم به الفقيه.

نعم ، على القول بالتوسعة لا مانع في المقام من الصرف من هذا القسم ، فإنّ الأدلّة المانعة عن إعطاء الزكاة لواجب النفقة ناظرة إلى الدفع من سهم الفقراء خاصّة ، ولا نظر فيها إلى بقيّة السهام إذا شملته عناوينها.

وأمّا الثاني : فهو داخل في عنوان التوسعة ، إذ المراد بها ما يزيد على النفقة الواجبة من الطعام والكسوة والمسكن ، وحيث لم يكن التزويج منها فلا مانع من صرف الزكاة فيه ، لكنّه مشروط بعجز المنفق عن البذل من مال نفسه ، أمّا مع التمكّن فهو مشمول لإطلاق ما دلّ على المنع من إعطاء الزكاة للوالد والولد ،


1) (*) هذا إذا لم يكن عنده ما يزوّجه به ، وإلّا ففيه إشكال.

[2748] مسألة 18 : يجوز للمالك دفع الزكاة إلى ولده للإنفاق على زوجته أو خادمه من سهم الفقراء (1) ، كما يجوز له دفعه إليه لتحصيل الكتب العلميّة (1)من سهم سبيل اللّه (2).


خرّجنا عنه بمقتضى معتبرة أبي خديجة وغيرها الإنفاق للتوسعة مع عدم التمكّن فيبقى غيره تحت الإطلاق. إذن فلا يجوز للمنفق المتمكّن الإعطاء من الزكاة.

نعم ، يجوز للمنفق عليه حينئذٍ أخذ الزكاة من غيره للتزويج أو لغيره ، لصدق الفقير المحتاج عليه بعد عدم تحقّق البذل من المنفق ، فلاحظ.

(1) إذ الممنوع هو الدفع لمن تجب نفقته على المنفق نفسه أعني : صاحب الزكاة ولم تكن زوجة الولد ولا خادمه منهم. ومن المعلوم أنّ الإنفاق في مفروض المسألة لا يعدّ من الإنفاق على نفس الولد.

(2) تارةً يكون المدفوع من سهم سبيل اللّه ، وأُخرى من سهم الفقراء توسعةً عليهم.

أمّا الأوّل : فالشراء للولد على سبيل التمليك له وإن كان أمراً محبوباً وعملاً قربيّاً ، إلّا أنّك عرفت أنّ الصرف من هذا السهم لا يعمّ كل مشروع خيري ، بل يختصّ بما يرجع إلى الجهات العامّة والمصالح النوعيّة ، فلا يشمل المقام.

نعم ، لا بأس بشراء الكتب العلميّة من هذا السهم لينتفع بها العموم ومنهم ولده ، باعتبار أنّ في شراء الكتب ونشرها ومطالعتها ترويجاً للدين وفائدة للمؤمنين وتعظيماً لشعائر الإسلام ، فتبدّل الزكاة بتلك الكتب وتوقف في محلّ معيّن ليستفيد منها الكلّ من دون تمليك لخصوص الولد.


1) (*) في جواز الدفع إليه من سهم سبيل اللّه تمليكاً إشكال.

.................................................................................................


وأمّا الثاني : فهو مشكل أيضاً ، نظراً إلى أنّ الأدلّة المرخّصة للصرف في التوسعة وعمدتها معتبرة أبي خديجة ظاهرة في التوسعة للنفقة ، قال (عليه السلام) فيها : «... يزيدها في نفقتهم وفي كسوتهم وفي طعامٍ لم يكونوا يطعمونه» وقال (عليه السلام) في ذيلها : «... ويجعل زكاة الخمسمائة زيادة في نفقة عياله يوسّع عليهم» (1).

وأمّا مطلق التوسعة الخارجة عن النفقة كشراء الكتب والسفر للتنزّه وما شاكل ذلك فهو غير مشمول لتلك الأدلّة ، فإنّها غير متعرّضة لذلك بعد وضوح أنّ الشراء المزبور غير محسوب من النفقة.

نعم ، صحيحة ابن الحجّاج تعمّ كلّ حاجة ، قال : أيأخذ من الزكاة فيوسع به إن كانوا لا يوسعون عليه في كلّ ما يحتاج إليه؟ «فقال : لا بأس» (2)، الشامل لشراء الكتب ، لكنّها لا تدلّ على جواز الأخذ من زكاة نفس المنفق ، بل ظاهرها الأخذ من زكاة سائر الناس لصرفها في حوائجه التي لا يقوم بها المنفق ، وهو خارج عن محلّ الكلام.

أ لا ترى أنّ الإمام (عليه السلام) لو سئل عن جواز أخذ الولد الزكاة لأجل تزويجه الذي يحتاج إليه فأجاب بقوله : نعم ، لا يكاد يدلّ ذلك بوجه على جواز أخذها من والده المنفق عليه ، فإنّ المقام من هذا القبيل. إذن فيبقى شراء الكتب ونحوها ممّا هو خارج عن التوسعة في النفقة تحت عموم المنع.


1) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 6.

2) الوسائل 9 : 238 / أبواب المستحقين للزكاة ب 11 ح 1.

[2749] مسألة 19 : لا فرق في عدم جواز دفع الزكاة إلى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادراً على إنفاقه أو عاجزاً (1)(1) ، كما لا فرق بين أن يكون ذلك من سهم الفقراء أو من سائر السهام (2) ، فلا يجوز الإنفاق


(1) لإطلاق الأدلّة كالإجماعات المحكيّة المانعة عن دفع الزكاة إلى واجب النفقة.

ولكنّه كما ترى ، إذ قد تقدّم منه وهو الصحيح اختصاص المنع بمن تجب عليه نفقته فعلاً ولا يكفي مجرّد الوجوب الشأني الطبعي ، ومن ثَمّ ذكر (قدس سره) جواز الدفع للناشزة وللدائمة التي اشترط عدم نفقتها مع أنّ الزوجة بحسب الطبع الأوّلي يجب نفقتها على الزوج ، غايته أنّه سقط فعلاً لمانعٍ وهو النشوز أو الشرط أو لأجل العجز كما في المقام.

وعلى الجملة : بعد حصول ما يرتفع به التكليف الفعلي من العجز أو الشرط أو النشوز وما شاكلها لا يصدق على الولد مثلاً أنّه لازم له ، فلا يشمله التعليل الوارد في ذيل صحيحة ابن الحجّاج : «أنّهم عياله لازمون له» (2). ومعه لا إطلاق للصدر يشمل صورة العجز بعد الاحتفاف بالذيل الذي هو كقرينة متّصلة مانعة عن انعقاد الإطلاق ، ولو كان فهو مقيّد به وموجب لتخصيصه بالوجوب الفعلي ، فلا يشمل موارد السقوط بعجز ونحوه.

(2) يعني بعنوان النفقة اللازمة دون غيرها كما سبق التعرّض له في المسألة العاشرة ، وذلك لإطلاق الأدلّة المانعة من الصرف في النفقة.


1) (*) الجواز في فرض العجز لا يخلو من وجه قريب ، ومنه يظهر الحال في فرض العجز عن الإتمام.

2) الوسائل 9 : 240 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 1.

عليهم من سهم سبيل اللّه أيضاً وإن كان يجوز لغير الإنفاق. وكذا لا فرق على الظاهر الأحوط بين إتمام ما يجب عليه وبين إعطاء تمامه (1) وإن حكي عن جماعة (2) أنّه لو عجز عن إنفاق تمام ما يجب عليه جاز له إعطاء البقيّة كما لو عجز عن إكسائهم أو عن إدامهم ، لإطلاق بعض الأخبار الواردة في التوسعة بدعوى شمولها للتتمّة ، لأنّها أيضاً نوع من التوسعة. لكنّه مشكل (3) فلا يترك الاحتياط بترك الإعطاء.


(1) يظهر الحال هنا ممّا مرّ ، حيث عرفت اختصاص المنع بصورة التمكّن ، فمع العجز كلّاً أو بعضاً لا يشمله دليل المنع ، فإذا لم يشمل المقدار الذي يعجز عنه لا مانع من التمسّك فيه بإطلاقات أدلّة الزكاة ، فلا فرق في صحّة التمسّك بها بين تعلّق العجز بتمام النفقة أو بعضها ، لاتّحاد المناط.

(2) حاصل المحكي عن جماعة هو التفصيل بين تعلّق العجز بالكلّ وبين تعلّقه بالبعض ، فيجوز الدفع من الزكاة في الثاني ، نظراً إلى أنّ الصورتين مشمولتان لإطلاق قوله (عليه السلام) : «خمسة لا يعطون» إلخ ، فإنّه يشمل التمام والبعض مع القدرة أو العجز ، لأجل النفقة أو لتوسعتها ، خرجنا عنه بما دلّ على الجواز لأجل التوسعة ، وحيث إنّه يشمل التتميم إذ هو أيضاً نوع من التوسعة فلا مانع من دفعه من الزكاة.

(3) فإنّ العمدة من أدلّة التوسعة إنّما هي معتبرة أبي خديجة ، لما عرفت من أنّ صحيحة ابن الحجّاج ناظرة إلى حال الآخذ وغير متعرّضة للمعطي ، ولا ريب أنّ مورد المعتبرة هو الدفع للزيادة مع قدرة المنفق على أصل النفقة كما يظهر لمن لاحظها ، فلا تشمل القدرة على بعضها دون بعض لتعمّ التتميم ، إلّا أن

[2750] مسألة 20 : يجوز صرف الزكاة على مملوك الغير (1) إذا لم يكن ذلك الغير باذلاً لنفقته إمّا لفقره أو لغيره ، سواء كان العبد آبقاً أو مطيعاً.


يدّعى الأولويّة وأنّه متى ساغ الدفع منها للتوسعة فالتتميم بطريق أولى ، ولكنّه كما ترى موقوف على دليل مفقود ، لكونه مخالفاً للجمود على ظواهر النصوص المانعة عن الدفع لواجب النفقة إلّا للتوسعة.

هذا كلّه بناءً على عدم جواز دفع التمام منها مع العجز ، وأمّا بناءً على الجواز كما هو الصحيح فقد عرفت أنّ مناطه يعمّ الكلّ والبعض.

(1) للإطلاقات بعد صدق الفقير عليه من أجل عدم بذل المولى لعذر أو عصيان وعدم اشتراط الحرّيّة في المستحقّ.

والقول بالمنع مبني على أمرين ؛ أحدهما : أنّ العبد لا يملك ، وثانيهما : أنّ الدفع للفقير خاص بالتمليك ولا يشمل الصرف ، فلو تمّ الأمران منع العبد عن الزكاة ولا يتمّ شي‌ء منهما.

أمّا الأوّل : فالحقّ أنّه يملك ، ويستفاد ذلك من جملة من الروايات التي منها ما دلّ على أنّه لا زكاة في مال العبد وإن بلغ ألف ألف ، ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : ليس في مال المملوك شي‌ء ولو كان له ألف ألف ، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئاً» (1).

فإنّها صريحة في أنّه يملك ما لا حدّ له ، غاية الأمر أنّ ملكيّته قاصرة ، إذ لم تكن له ولاية التصرّف من دون إذن مولاه ، وذاك أمر آخر فهو محجور في ماله لا أنّه لا يملك.


1) الوسائل 9 : 91 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 4 ح 1.

.................................................................................................


وأمّا الثاني : فقد عرفت فيما سبق جواز كلّ من التمليك والصرف وعدم الاختصاص بالأوّل. وعليه ، فلا مانع من دفع الزكاة إلى الفقير صرفاً إن قلنا بامتناعه تمليكاً ، للبناء على أنّه لا يملك.

هذا كلّه ما تقتضيه القاعدة.

وأمّا بحسب الأخبار فقد ورد في صحيحة ابن سنان المتقدّمة أنّه : «لم يعط من الزكاة شيئاً» وظاهرها اعتبار الحرّيّة في المستحقّ ، لكنّها مطلقة من حيث كون المعطي نفس المالك أو غيره ، فلتحمل على الأوّل بقرينة التعليل الوارد في ذيل صحيحة ابن الحجّاج المانعة عن دفع الزكاة لجمعٍ منهم المملوك بقوله : «وذلك أنّهم عياله لازمون له» (1)، حيث يظهر منه أنّ عدم جواز الإنفاق ليس لأمر ذاتي وهو كونه مملوكاً ليشمل المولى وغيره ، وإلّا لكان الإعراض عنه والتعليل بأمرٍ عارض وهو كونه عيالاً للمولى ولازماً له قبيحاً مستهجناً ، فإنّه نظير تعليل الاجتناب عن الكلب بأنّه لاقاه البول ، فإنّه لا مجال للتعليل بالعرضي مع وجود الذاتي ، فإذا كانت العلّة هي العيلولة لا العبوديّة فلا جرم يختصّ المنع بما إذا كان الدافع للزكاة هو المالك فيتقيّد به إطلاق الصحيحة المزبورة ، فيبقى غيره مشمولاً لإطلاقات جواز دفع الزكاة لكلّ فقير ومنهم المملوك.

ومع الغضّ والتنازل فغايته المعارضة بين الإطلاق والتعليل ، فيرجع بعد التساقط إلى الإطلاقات المذكورة كقوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ ، الشاملة للعبد وغيره.

فتحصّل : أنّ الأظهر جواز إعطاء الزكاة للمملوك الذي لا يقوم مالكه بمئونته لعذرٍ أو لغيره إذا كان المعطي غير المالك حسبما عرفت.


1) الوسائل 9 : 240 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 1.

الرابع : أن لا يكون هاشميّاً إذا كانت الزكاة من غيره (1) مع عدم الاضطرار.


(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، بل في الحدائق : أجمع عليه الخاصّة والعامّة (1). وفي الجواهر : بلا خلاف أجده فيه بين المؤمنين ، بل بين المسلمين (2).

وتدلّ عليه جملة وافرة من النصوص :

منها : صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا : يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّ وجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : يا بني عبد المطّلب (هاشم) ، إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم» إلخ (3).

ومنها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) : «قالا : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس ، وإنّ اللّه قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه ، وإنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطّلب» الحديث (4).

ومنها : صحيحة ابن سنان يعني : عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس ولا لنظرائهم من بني هاشم» (5).

ومنها : معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)


1) الحدائق 12 : 215.

2) الجواهر 15 : 406.

3) الوسائل 9 : 268 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 1.

4) الوسائل 9 : 268 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 2.

5) الوسائل 9 : 269 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 3.

.................................................................................................


عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ، ما هي؟ «فقال : هي الزكاة» قلت : فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ «قال : نعم» (1).

فإنّ السند معتبر ، إذ القاسم بن محمّد وهو الجوهري ثقة على الأظهر كإسماعيل بن المفضّل. كما أنّ الدلالة واضحة ، حيث دلّت على أنّ حرمة الصدقة في الجملة كانت مغروسة في ذهن السائل وإنّما سأل عن حدودها.

وبإزائها معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال : «أُعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم ، فإنّها تحلّ لهم ، وإنّما تحرم على النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وعلى الإمام الذي من بعده وعلى الأئمّة (عليهم السلام)» (2).

وقد رواها المشايخ الثلاثة بطرق عديدة ، وطريق الصدوق وإن كان ضعيفاً بشيخه ماجيلويه وبمحمّد بن علي أبي سمينة المعروف بالكذب ، لكن طريق الكليني صحيح ، بل وكذلك الشيخ على الأظهر ، فإنّ طريقه إلى علي بن الحسن ابن فضّال وإن كان ضعيفاً لكن طريق النجاشي إليه صحيح وشيخهما واحد ، ولأجله يحكم بصحّة الرواية كما مرّ غير مرّة.

فما يظهر من الجواهر من الخدش في السند لقوله : بعد الغضّ عن سندها (3)غير واضح ، إلّا أن يكون نظره إلى تضعيف الشيخ لأبي خديجة ، وقد أشرنا ، سابقاً إلى أنّه سهو منه جزماً. وعلى أيّ حال فالسند تامّ بلا إشكال.

وأمّا الدلالة : فقد حملها في الحدائق على مورد الضرورة التي ربّما تتّفق للسادة ،


1) الوسائل 9 : 274 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 5.

2) الوسائل 9 : 269 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 5 ، الكافي 4 : 59 / 6 ، الفقيه 2 : 19 / 65 ، التهذيب 4 : 60 / 161 ، الاستبصار 2 : 36 / 110.

3) الجواهر 15 : 406.

ولا فرق بين سهم الفقراء وغيره من سائر السهام (1) حتّى سهم العاملين وسبيل اللّه.


وأمّا النبيّ والأئمّة (عليهم السلام) فلم يتّفق لهم ذلك ، وهو الفارق بينهما (1).

ولكنّه بعيد عن ظاهر الرواية الفاقدة لأيّة قرينة تستوجب التقييد.

ونحوه في البعد ما في الجواهر من زيادة احتمال الحمل على الصدقات المندوبة بدعوى أنّ المقام الرفيع للنبيّ والأئمّة يمنع عن قبول مطلق الصدقة ، بخلاف السادة (2).

وهو أيضاً كما ترى منافٍ لإطلاقها ، وبعيدٌ عن مساقها كما لا يخفى.

وزاد في الوسائل احتمالاً ثالثاً ، وهو الحمل على زكاة بعضهم لبعض (3).

ولعلّ هذا أبعد الوجوه ، إذ الخطاب لأبي خديجة ولم يكن هاشميّاً ، فكيف يؤمر بإعطاء الزكاة لبني هاشم؟! والصحيح أن يقال : إنّ الرواية شاذّة نادرة ومثلها لا ينهض للمقاومة مع الروايات الكثيرة المشهورة التي لا يبعد دعوى التواتر الإجمالي فيها ، فلا بدّ من طرحها وردّ علمها إلى أهله.

(1) لم يتعرّض معظم الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) لحدود هذا المنع وأنّه هل هو مطلق يشمل عامّة السهام أو يختصّ بالبعض بعد وضوح أنّ الفقير والمسكين هما القدر المتيقّن منه ، وكذلك سهم العاملين للتصريح به في صحيحة العيص المتقدّمة ، وقد تأمّل كاشف الغطاء في شمول المنع لسهام سبيل اللّه والرقاب


1) الحدائق 12 : 216.

2) الجواهر 15 : 406.

3) الوسائل 9 : 270.

.................................................................................................


والمؤلّفة (1)، واحتمل بعضهم الجواز في الغارمين ، نظراً إلى أنّ الممنوع هو إعطاء الزكاة للهاشمي لا تفريغ ذمّته منها.

هذا ، والأظهر شمول المنع للجميع ، ويستفاد ذلك من النصوص الواردة في الخمس الناطقة بأنّه جعل للهاشميّين عوضاً عن الزكاة ، معلّلاً في بعضها بأنّها أوساخ ما في أيدي الناس ، وما ورد من أنّ لكلّ محتاج من الصنفين الهاشمي وغيره قد شرّع له ما يكفيه ولو لا الكفاية لشرّع أكثر ، فإنّ مقتضى عموم العلّة والعوضيّة والمقابلة بين الهاشمي وغيره سريان المنع لجميع السهام ، لاتّحاد المناط وهو تشريفهم زادهم اللّه عزّاً وشرفا وتكريمهم عن دنس الأوساخ ، إلّا ما خرج بالدليل كسهم المؤلّفة على ما ستعرف.

ويؤكّده صحيحة العيص المتقدّمة المانعة عن سهم العاملين ، فإنّ المنع عن هذا السهم الذي لا ذلّة فيه لوقوعه بإزاء العمل يستدعي المنع عن غيره من السهام بالطريق الأولى ، فلا يجوز الرفع لهم من شي‌ء من السهام حتّى الرقاب إن كان له مصداق ، كما لو تزوّج الهاشمي أمة واشترط عليه رقّيّة الولد إن قلنا بصحّة الشرط وحصول الرقّيّة ، فإنّ المسألة خلافيّة ، فلا يجوز فكّ رقبته من هذا السهم ، وهكذا سهم الغارمين وسبيل اللّه وغيرها ، لإطلاق دليل المنع حسبما عرفت.

نعم ، لا بأس بالصرف من سهم المؤلّفة قلوبهم ، كما لو ارتدّ الهاشمي أو كان من ذرّيّة أبي لهب مثلاً ولم يكن في سلسلتهم مسلم.

والوجه فيه : أنّ مناط المنع هو التعظيم والتكريم ، والكافر لا حرمة له ومن ثمّ لا يستحقّ الخمس. وإن شئت قلت : إنّ الممنوع من الزكاة هو الهاشمي الذي كان الخمس له عوضاً عنها ، وحيث إنّ الكافر لا خمس له أو لا حرمة له ولا كرامة فلا مانع من دفع الزكاة إليه من هذا السهم.


1) كشف الغطاء : 356.

نعم ، لا بأس بتصرّفه في الخانات والمدارس وسائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل اللّه (1). أمّا زكاة الهاشمي فلا بأس بأخذها له (2) من غير فرق بين


(1) يستدل له كما في الجواهر (1)وغيره بقيام السيرة على تصرّف الهاشمي كغيره في هذه الأُمور وإن كانت متّخذة من الزكاة.

وفيه ما لا يخفى ، فإنّ إثبات أنّ تلك المشاريع العامّة كانت في عصور الأئمّة (عليهم السلام) متّخذة من الزكاة وأنّ بني هاشم كانوا يتصرّفون فيها بهذا العنوان مشكل جدّا.

بل الأولى الاستدلال له بخروجها فعلاً عن عنوان الزكاة واندراجها تحت الموقوفات العامّة وإن كانت أُصولها متّخذة منها ، فأدلّة منع الهاشمي غير شاملة لها ، لانتفاء الموضوع ، فإنّها نظير تناول الهاشمي الزكاة بهبةٍ ونحوها عن يد مستحقّها بعد وصولها إليه.

وبالجملة : الممنوع هو الدفع إلى الهاشمي ولو من سهم سبيل اللّه وتصرّفه فيه بعنوان الزكاة كإرساله منه إلى الحجّ ، لما عرفت من إطلاق الدليل ، وأمّا مع تبدّل العنوان وتغيير الموضوع كما في المقام فلا محذور فيه حسبما عرفت.

(2) فالممنوع هو أخذ الهاشمي الزكاة من غيره ، أمّا هو فتحلّ زكاته لكلّ أحد هاشميّاً كان أم غيره ، وتشهد له جملة من النصوص بعد قيام الإجماع عليه بقسميه كما في الجواهر (2)- :

منها : معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ، ما هي؟ «فقال : هي الزكاة» قلت :


1) الجواهر 15 : 407.

2) الجواهر 15 : 408.

السهام أيضاً (1) حتّى سهم العاملين ، فيجوز استعمال الهاشمي على جباية صدقات بني هاشم ، حتّى سهم العاملين ، فيجوز استعمال الهاشمي على جباية صدقات بني هاشم ، وكذا يجوز أخذ زكاة غير الهاشمي له مع الاضطرار إليها (2) وعدم كفاية الخمس وسائر الوجوه.


فتحلّ صدقة بعضهم على بعض؟ «قال : نعم» (1).

فإنّ القاسم بن محمّد الواقع في السند هو الجوهري الثقة ، ولم يكن مردّداً بينه وبين الأصفهاني الضعيف كما قيل بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه ، فإنّ الراوي عن الثاني إنّما هو البرقي لا الحسين ، لاختلاف الطبقة ، مضافاً إلى رواية الكليني عنه بطريق آخر خالٍ عنه ، فالرواية صحيحة أو موثّقة باعتبار أبان بن عثمان الواقع في طريق الكليني.

ومنها : صحيحة محمّد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصدقة ، تحلّ لبني هاشم؟ «فقال : لا ، ولكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم» إلخ (2).

ومنها : صحيحة الجعفري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه قيل له : الصدقة لا تحلّ لبني هاشم؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّما ذلك محرّم علينا من غيرنا ، فأمّا (من) بعضنا على بعض فلا بأس بذلك» (3)، ونحوها غيرها.

(1) لإطلاق أدلّة الجواز كإطلاق أدلّة المنع حسبما تقدّم.

(2) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وتدلّ عليه مضافاً إلى عمومات الاضطرار


1) الوسائل 9 : 274 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 5 ، الكافي 4 : 59 / 5.

2) الوسائل 9 : 276 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 8.

3) الوسائل 9 : 276 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 9.

.................................................................................................


وأنّه ما من شي‌ء حرّمه اللّه إلّا قد أحلّه عند الضرورة ، فالحكم مطابق للقاعدة موثّقة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «قال : إنّه لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة ، إنّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم ثمّ قال : إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً حلّت له الميتة ، والصدقة لا تحلّ لأحدٍ منهم إلّا أن لا يجد شيئاً ويكون ممّن يحلّ له الميتة» (1).

والمذكور في الوسائل الطبعة الجديدة : «إلّا أن يجد» وصحيحة : «إلّا أن لا يجد» (2)فسقطت أداة النفي من النسّاخ أو المطبعة وهي موجودة في المصدر ، وقد دلّت على إناطة الحلّيّة بالضرورة على حدّ حليّة أكل الميتة ، فلا يجوز أخذها إلّا إذا تعذّرت الإعاشة بدونها.

لكن المذكور في كلمات جماعة من الفقهاء وفيهم جملة من المتقدّمين أنّ العبرة في الحلّيّة بعدم إعطاء الخمس لهم أو عدم كفايته ، سواء أمكن التعيّش بالوجوه الأُخر من الصدقات المندوبة ونحوها أم لا.

بل ظاهر السيّد المرتضى في الانتصار قيام الإجماع على جواز أخذها عند عدم الخمس والحرمان منه ، سواء تحقّقت الضرورة في أخذها أم لا ، وأنّ ذلك ممّا انفردت به الإماميّة. وعلّله بأنّ الخمس هو عوض عن الزكاة ، فإذا مُنعوا وحُرموا عن العوض أخذوا المعوّض.

أقول : إن تمّ الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) فهو ، ولكنّه لا يتمّ كما لا يخفى. وعليه ، فلا سبيل للحكم بالجواز إلّا عند الاضطرار وعدم إمكان الإعاشة بشي‌ء من الوجوه المنطبقة.

والوجه فيه : أنّ معظم الهاشميين كانوا محرومين من الخمس في عصر صدور


1) الوسائل 9 : 276 / أبواب المستحقين للزكاة ب 33 ح 1.

2) كذا في الوسائل المحقّق جديدا.

ولكن الأحوط حينئذٍ الاقتصار على قدر الضرورة يوماً فيوماً مع الإمكان (1).


هذه الأخبار عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، لابتلائهم بخلفاء الجور وغيرهم من أبناء العامّة المعاندين لهم والمانعين حقّهم من الخمس ، بل أنّ كثيراً من خواصّهم لقلّة ابتلائهم به لم يكونوا يعرفون كثيراً من أحكامه ، ومع ذلك فقد صدرت هذه الأخبار ومنعتهم عن أخذ الزكاة. وهذا كما ترى خير شاهد على أنّ مجرّد منعهم عن الخمس وحرمانهم عنه لا يكون مجوّزاً لأخذ الزكاة ما لم يصل حدّ الضرورة الملحّة البالغة حدّ أكل الميتة كما تضمّنه النصّ.

وأمّا التعليل بالعوضيّة فلا يخلو عن الغرابة ، ضرورة أنّ العوضيّة إنّما هي في الجعل والتشريع لا في متعلّق الجعل أعني : المال الخارجي فالزكاة جعلها اللّه سبحانه للفقراء ، وبدلاً عن ذلك جعل الخمس للسادة ، وهذه البدليّة والعوضيّة باقية أبديّة ، سواء اعطي الخمس لهم خارجاً أم لا ، فلا سقوط له لينتقل إلى المعوّض ، لما عرفت من أنّ التعويض إنّما هو في الجعل لا في المجعول.

والمتحصّل : أنّ العبرة بالضرورة ، فمتى تحقّقت حلّت الزكاة وإلّا فلا.

(1) قد عرفت أنّ العبرة بصدق الضرورة ، ويختلف أمدها باختلاف المقامات ، فربّما تندفع الضرورة بوجبة واحدة من الغذاء أو العشاء ، وأُخرى بأقلّ من يوم وثالثة بيوم كامل ، وربّما يعلم باحتياجه في أكثر من ذلك كما لو كان في بادية يعلم باضطراره إليها لمئونة شهر أو شهور بل سنة ، بحيث ربّما يموت من الجوع لو لم يستلم فعلاً ما يكفيه لهذه المدّة ، وربّما يكون مديناً بمبلغ كثير جدّاً ويضطرّ إلى أدائه وإلّا لعوقب أو اهين بما لا يتحمّل ، فإنّه يجوز له الأخذ في هذه الموارد بمقدار الحاجة.

وعلى الجملة : فلا خصوصيّة للتحديد باليوم كما في المتن ، بل المدار والاعتبار باندفاع الاضطرار وهو يختلف باختلاف الموارد حسبما عرفت.

[2751] مسألة 21 : المحرّم من صدقات غير الهاشمي عليه إنّما هو زكاة المال الواجبة (1).


(1) لا إشكال كما لا خلاف في جواز دفع الصدقات المندوبة للهاشميّين ، للنصوص الكثيرة كما ستعرف ، فالمحرّم هو خصوص الصدقات الواجبة.

وإنّما الكلام في أنّ الحرام هل هو مطلق الصدقات أو خصوص الزكاة المفروضة؟ وعلى الأوّل : فهل يختصّ بما وجب بعنوان الصدقة نفسها كالكفّارات ، أو يشمل حتّى الواجب بعنوان آخر من نذر أو وصيّة ونحوهما؟ فنقول : النصوص الواردة في المقام على طوائف ثلاث :

الاولى : ما دلّ على أنّ المحرّم هو مطلق الصدقة ، كصحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قال : لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس ولا لنظرائهم من بني هاشم» (1).

وصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) : «قالا : قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) : إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس ، وإنّ اللّه قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه ، وإنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطّلب» الحديث (2).

الثانية : ما دلّ على اختصاصها بالصدقة الواجبة ، كصحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ «فقال : إنّما (تلك) الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا ، فأمّا غير ذلك فليس به بأس ، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكّة ،


1) الوسائل 9 : 269 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 3.

2) الوسائل 9 : 268 / أبواب المستحقين للزكاة ب 29 ح 2.

.................................................................................................


هذه المياه عامّتها صدقة» (1).

والهاشمي المزبور موثّق وهو من أولاد جعفر الطيّار ، ينسب إليه تارةً فيقال له : الجعفري ، وقد يطلق عليه الهاشمي.

الثالثة : ما تضمّن تفسير الصدقة المحرّمة بالزكاة المفروضة ، كمعتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصدقة التي حرّمت على بني هاشم ، ما هي؟ «فقال : هي الزكاة» إلخ (2).

المؤيّدة برواية زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم؟ «فقال : هي الزكاة المفروضة ، ولم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض» (3).

هذا ، ولا بدّ من حمل الطائفة الأُولى على زكاة المال ، لما في بعضها من التعليل بأنّها أوساخ الناس ، ضرورة أنّها هي التي تزيل الأوساخ وتطهّر الأموال كما أُشير إليه في قوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ) (4).

ومع الغضّ وتسليم الإطلاق فهو مقيّد بالطائفة الثانية الدالّة على الاختصاص بالصدقة الواجبة. إذن فالصدقات المندوبة غير محرّمة إمّا لعدم كونها مشمولة للطائفة الأُولى ، أو على تقدير الشمول فهي خارجة بالطائفة الثانية ولا سيّما بملاحظة ما في ذيلها من قوله : «ولو كان كذلك» إلخ.

وبالجملة : فموضوع الحرمة إنّما هي الصدقات الواجبة لا غير.

وهل تختصّ هذه الطائفة بالزكاة المفروضة ، أو تعمّ غيرها من سائر الصدقات


1) الوسائل 9 : 272 / أبواب المستحقين للزكاة ب 31 ح 3.

2) الوسائل 9 : 274 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 5.

3) الوسائل 9 : 274 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 4.

4) التوبة 9 : 103.

.................................................................................................


الواجبة كالكفّارات والنذورات وما شاكلها؟

الظاهر هو الأوّل ، وذلك بقرينة تقييد الوجوب بقوله (عليه السلام) : «على الناس» الظاهر في إرادة الواجب الثابت على كافّة الناس من غير اختصاص بصنفٍ أو الصادر عن سببٍ خاصّ ، ومن الواضح أنّ ما هذا شأنه هو خصوص الزكاة المفروضة بنوعيها ولا سيّما زكاة الفطرة ، فإنّها المتعلّقة بعامّة الناس عند تحقّق شرائطها ، دون الكفّارات ، لاختصاصها بمن صدر عنه موجبها ، وهكذا المنذورة والموصى بها ، ولا أقلّ من الإجمال الموجب للرجوع إلى الإطلاقات الأوّلية.

ومع التنازل وتسليم الإطلاق فيرفع اليد ويقيّد بالطائفة الثالثة المفسّرة للصدقة بالزكاة المفروضة ، فلا حرمة إذن في غيرها.

هذا كلّه في الصدقات الواجبة بعنوان أنّها صدقة.

وأمّا الواجبة بعنوان آخر من وصيّة أو نذر أو شرط في ضمن عقد وما شاكلها فالظاهر أيضاً عدم الحرمة حتّى لو سلّمناها في مطلق الصدقات الواجبة بعناوينها ، وذلك لأنّ مورد التسليم إنّما هو الصدقة الواجبة ، وأمّا في الموارد المزبورة فلم يتعلّق الوجوب بنفس الصدقة ، بل هي باقية على ما هي عليه من الاستحباب ، وإنّما تعلّق بالعمل بالوصيّة أو الوفاء بالنذر أو الشرط في ضمن العقد ، فالواجب هو تنفيذ هذه الأُمور المتعلّقة بالصدقة المندوبة لا نفس الصدقة لتحرم على الهاشمي.

ويكشف عمّا ذكرناه أنّك قد عرفت جواز دفع الصدقة المندوبة إلى الهاشمي ، بل كونه أفضل وأرجح لو أعطاه كرامةً لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) رجاءً لشفاعته. وعليه ، فلو نذر دفعها إليه بخصوصه ، أفهل يحتمل تحريمه بالنذر بل عدم انعقاده لبطلان النذر المتعلّق بالمحرّم؟ لا نظنّ أن يلتزم به الفقيه.

وأيضاً لو استأجر أحداً لإيصال صدقته المندوبة إلى الهاشمي ، فإنّ الدفع

وزكاة الفطرة (1)


واجب حينئذٍ على الأجير بمقتضى عقد الإيجار ، وبناءً على التعميم لا يجوز بل تبطل الإجارة ، لوقوعها على العمل المحرّم ، وهو أيضاً كما ترى.

وكلّ ذلك يكشف عن أنّ موضوع الحرمة هو خصوص الصدقة الواجبة بعنوان أنّها صدقة لا بعنوان آخر من نذر أو إجارة أو وصيّة وما شاكلها.

وممّا ذكرنا تعرف حكم المظالم والتصدّق بمجهول المالك وجواز دفعه إلى الهاشمي أيضاً ، وذلك لظهور الأدلّة في اختصاص الحرمة بالصدقة الواجبة على نفس المالك ، وفي المقام ليس كذلك ، بل الوجوب قد تعلّق بشخص آخر تصدّق عن المالك المجهول أو المعلوم الذي لا يمكن الوصول إليه ، فيكون المباشر للتصدّق غير من يتصدّق عنه ، ومصداق من يجب عليه غير المالك ، ومثله خارج عن مدلول الأدلّة المانعة وغير مشمول لها رأساً كما لا يخفى.

والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّه على تقدير القول بحرمة مطلق الصدقات الواجبة يختصّ ذلك أوّلاً بما إذا كان الوجوب ثابتاً لعنوان الصدقة ، وثانياً بما إذا كان الوجوب متعلّقاً بنفس المالك المباشر للصدقة ، فمجهول المالك خارج عن ذلك كالمنذور والموصى به ، ويبقى تحته الكفّارات على الإطلاق لو لم نقل بخروجها أيضاً بمقتضى صحيحة إسماعيل بن الفضل والاختصاص بالزكاة المفروضة حسبما عرفت.

(1) الظاهر عدم الخلاف في شمول الحكم للزكاة بنوعيها من المال والفطرة ، بل ادّعي الإجماع عليه ، لكن إثباته بالروايات قد لا يخلو عن صعوبة.

قال في الجواهر ما لفظه : بل لولا ما يظهر من الإجماع على اعتبار اتّحاد مصرف زكاة المال وزكاة الفطرة بالنسبة إلى ذلك لأمكن القول بالجواز في زكاة الفطرة اقتصاراً على المنساق من هذه النصوص من زكاة المال ، خصوصاً ما

.................................................................................................


ذكر فيه صفة التطهير للمال ، الشاهد على كون المراد من غيره ذلك أيضاً (1).

أقول : لا حاجة إلى التمسّك بالإجماع ، فإنّ بعض الأخبار وإن كان موردها زكاة المال خصوصاً المتضمّن للتعليل بالأوساخ إلّا أنّ أكثرها مطلقة وشاملة لكلّ صدقة بعد تخصيصها بالواجبة بالنصوص المعتبرة حسبما تقدّم ، وإطلاق هذه غير قاصر الشمول لزكاة الفطرة كما لا يخفى ، فإنّ تقييد إطلاق هذه بتلك كما ترى.

بل أنّ زكاة الفطرة أولى بالحرمة :

أوّلاً : لمساعدة الاعتبار ، فإنّها زكاة البدن ومزيلة لأوساخه ، ومن الظاهر أنّ أوساخ البدن أخسّ من أوساخ المال ، فهي أولى بالتجنّب وترفّع الهاشمي عنها.

وثانياً : أنّها القدر المتيقّن من الزكاة المشار إليها في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ ، نظراً إلى أنّ تشريعها كان قبل تشريع زكاة المال كما نطقت به صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام) في حديث «قال : نزلت الزكاة وليس للناس أموال وإنّما كانت الفطرة» (2).

بل قد ورد في جملة من الروايات التي منها رواية إسحاق بن عمّار (3)تفسير الزكاة في قوله تعالى ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ* ) (4)بزكاة الفطرة وإن كانت أسانيدها غير نقيّة.

بل من أجل الصحيحة المزبورة يحكم بجواز صرف زكاة الفطرة في المصارف


1) الجواهر 15 : 413.

2) الوسائل 9 : 317 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 1.

3) الوسائل 9 : 320 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 10.

4) البقرة 2 : 43.

وأمّا الزكاة المندوبة ولو زكاة مال التجارة وسائر الصدقات المندوبة فليست محرّمة عليه (1) ، بل لا تحرم الصدقات الواجبة ما عدا الزكاتين عليه أيضاً كالصدقات المنذورة والموصى بها للفقراء والكفّارات ونحوها كالمظالم إذا كان من يدفع عنه من غير الهاشميين ، وأمّا إذا كان المالك المجهول الذي يدفع عنه الصدقة هاشميّاً فلا إشكال أصلا.


الثمانية كزكاة المال ، وإلّا فلم يرد في شي‌ء من الروايات جواز صرف زكاة الفطرة فيها. إذن فلا ينبغي التأمّل في شمول أدلّة المنع لكلا نوعي الزكاة.

(1) لما عرفت من الإجماع المدّعى عليه في كلمات غير واحد ، بل بقسميه كما في الجواهر ، مضافاً إلى النصوص الصريحة في ذلك حسبما تقدّم ، ومع ذلك فربّما يحتمل أو يقال بشمول المنع لها.

ويستدلّ له بوجهين :

أحدهما : ما في نهج البلاغة من قوله (عليه السلام) : «أصله أم زكاة أم صدقة فذلك محرّم علينا أهل البيت» (1).

وفيه أوّلاً : ما ذكرناه في محلّه من أنّ الاعتماد على نهج البلاغة والاستدلال به لإثبات حكم من الأحكام الشرعيّة مشكل جدّا.

وثانياً : مع الغضّ عن ذلك فهو معارض بالنصوص الكثيرة المتقدّمة الصريحة في جواز أخذ الصدقات المندوبة بحيث لا يقاومها ولا سبيل لرفع اليد عنها ، بل لا بدّ من حمل ما في النهج على ما لا ينافيها ، ولا يبعد أن يحمل على الصدقات المعطاة لرفع البلاء ورفع الآلام والأسقام ، فإنّ فيها من الذلّة والخسّة ما لا يخفى بحيث تأبى النفوس العالية عن أخذها فضلاً عن آل المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله) ،


1) نهج البلاغة 2 (شرح محمد عبده) : 244.

ولكن الأحوط في الواجبة عدم الدفع إليه (1) ، وأحوط منه عدم دفع مطلق


وعليها يحمل ما ورد عن الصدِّيقة الصغرى زينب الكبرى (سلام اللّه عليها) من منع الأطفال عنها قائلةً : أنّها محرّمة علينا أهل البيت (1).

ثانيهما : رواية إبراهيم بن محمّد بن عبد اللّه الجعفري قال : كنّا نمرّ ونحن صبيان فنشرب من ماءٍ في المسجد من ماء الصدقة ، فدعانا جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقال : «يا بنيّ ، لا تشربوا من هذا الماء واشربوا من مائي» (2).

وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند جدّاً ، لجهالة الراوي ، ولا يصغي إلى ما احتمله الميرزا في رجاله الوسيط من أنّ المراد به هو إبراهيم بن أبي الكرام الجعفري الثقة (3)، لاختلاف الطبقة ، لأنّه من أصحاب الرضا (عليه السلام) ولم يذكر من أصحاب الكاظم (عليه السلام) فضلاً عن الصادق الذي وردت هذه الرواية عنه (عليه السلام) فهو طبعاً شخص آخر. على أنّ مجرّد الاحتمال لا ينفع ولا يغني عن الحقّ ، مضافاً إلى جهالة الراوي الذي قبله أعني : محمّد بن علي ابن خلف العطّار فإنّه لم يذكر في كتبهم ، وليس له ظاهراً غير هذه الرواية.

وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة ، إذ النهي متوجّه إلى الأطفال ولا تكليف عليهم ، فتحمل على نوع من التنزيه ، على أنّها قضيّة في واقعة ، ومن الجائز أن يكون الماء متّخذاً من الزكاة الواجبة من سهم سبيل اللّه بحيث يكون الماء بدلاً عنها ، فلا تدلّ على حرمة الصدقة المندوبة التي هي محلّ الكلام.

(1) رعايةً لما عن جماعة من القول بالمنع في مطلق الصدقة الواجبة ، استناداً


1) لاحظ مقتل أبي مخنف : 161 والبحار 45 : 114.

2) الوسائل 9 : 272 / أبواب المستحقين للزكاة ب 31 ح 2.

3) تلخيص المقال : 14.

الصدقة ولو مندوبة (1) خصوصاً مثل زكاة مال التجارة (2).


إلى إطلاق جملة من الأخبار ، وقد عرفت ضعفه.

(1) رعايةً لاحتمال شمول المنع لها ، وقد عرفت آنفاً وجهه مع ضعفه.

(2) لم تظهر خصوصيّة لزكاة مال التجارة من بين الصدقات المندوبة ما عدا تسميتها باسم الزكاة ، ولكن طبيعي ما يسمّى بهذا الاسم لم يكن موضوعاً للمنع ، بل الموضوع في لسان الأخبار خصوص الزكاة المفروضة ، فما عداها ملحق بالصدقات المندوبة.

أجل ، حيث إنّ جمعاً من الأصحاب ذهبوا إلى شمول المنع لهذه الزكاة أيضاً كان الاحتياط حسناً وفي محلّه حذراً عن مخالفتهم.

بقي الكلام في أمرين لم يتعرّض لهما الماتن (قدس سره) :

الأوّل : المشهور والمعروف أنّ الممنوع عن أخذ الزكاة هو من كان من ولد هاشم دون غيره من سائر قريش ، بل لعلّه المتسالم عليه بينهم ، غير أنّ المنسوب إلى الشيخ المفيد (قدس سره) تعميم الحكم لولد المطّلب الذي هو أخو هاشم وعمّ عبد المطّلب (1)، وقد تفرّد بهذا القول ، حيث لم ينسب إلى غيره ولم يعرف له مستند ما عدا رواية واحدة ، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «قال : إنّه لو كان العدل لما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة ، إنّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم» إلخ (2).

وقد نوقش في سندها تارةً من أجل علي بن الحسن بن فضّال ، وأُخرى من


1) المدارك 5 : 256.

2) الوسائل 9 : 276 / أبواب المستحقين للزكاة ب 33 ح 1.

.................................................................................................


أجل ضعف طريق الشيخ إليه. وكلاهما مردود :

أمّا الأوّل : فلكفاية وثاقة الراوي وإن كان واقفيّاً ، ولا تعتبر فيه العدالة ، ولا شكّ في وثاقه الرجل كما صرّح بها النجاشي (1)وغيره ، مضافاً إلى ما ورد في بني فضّال على ما حكاه الشيخ (قدس سره) من قوله (عليه السلام) : «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا» (2).

وأمّا الثاني : فلمّا مرّ غير مرّة من أنّ طريق الشيخ إليه وإن كان ضعيفاً لكن طريق النجاشي صحيح ، وحيث إنّ شيخهما واحد وهو عبد الواحد بن عبدوس والكتاب المنقول عنه واحد فلا جرم يحكم بصحّة الطريق. إذن فلا ينبغي التأمّل في صحّة السند.

وأمّا من ناحية الدلالة فأحتمل بعضهم وقوّاه في الحدائق (3)أن يكون المقصود من المطّلبي هو أولاد عبد المطّلب ، إذ قد يحذف المضاف عند النسبة فيقال : منافي ، لبني عبد مناف ، ولا يقال : عبد منافي ، وحيث إنّ ولد هاشم منحصر في عبد المطّلب وجميع الهاشميين منسوبون إليه بواسطته إذن فعطف المطّلبي على الهاشمي يكون من سنخ العطف التفسيري ، فلا تكون الرواية مخالفة لما عليه المشهور من اختصاصه التحريم ببني هاشم ولا تصلح مدركاً لمقالة المفيد.

ولكنّك خبير بأنّ هذا الاحتمال من البعد بمكان ، فإنّ تكرار أداة النفي في قوله : «ولا مطّلبي» يأبى عن إرادة التفسير ، لقوّة ظهوره في أنّ كلّاً منهما موضوع مستقلّ.


1) رجال النجاشي : 257 / 676.

2) كتاب الغيبة : 240.

3) الحدائق 12 : 216 217.

.................................................................................................


نعم ، لو كان لهاشم ولد غير عبد المطّلب لأمكن أن يكون من قبيل عطف الخاصّ على العامّ ويكون ذكره من باب الاهتمام ، لكنّك عرفت انحصار ولده فيه ، وظاهره أنّه من عطف المباين على مثله.

فالصحيح أن يقال : إنّ الرواية شاذّة نادرة ومخالفة للروايات المشهورة الدالّة على اختصاص التحريم بما عُبّر عنه تارةً ببني هاشم وأُخرى ببني عبد المطّلب والنتيجة واحدة كما عرفت وحيث لا تنهض للمقاومة معها فلا بدّ من طرحها وردّ علمها إلى أهله.

على أنّ هذا البحث قليل الجدوى ، لانقراض من ينسب إلى المطّلب أخي هاشم في العصر الحاضر ، بل الكلّ هاشميّون وأكثرهم علويّون ، ولعلّ فيهم من العبّاسيّين ولا وجود لغيرهما.

الأمر الثاني : المعروف بل المتسالم عليه بينهم أنّ المناط في صدق عنوان الهاشمي هو الانتساب إلى هاشم من ناحية الأب دون الأُم ، فإنّ سبط الرجل وإن كان ولده لغةً وربّما يرثه شرعاً إلّا أنّ العبرة في النسبة إلى الطوائف والقبائل بحسب الصدق العرفي هو ملاحظة الآباء فيقال : بني تميم ، بني كعب ، بني مضر ، أو تميمي أو كعبي أو خزرجي ، لأولاد هؤلاء المنسوبين إليهم من ناحية الآباء فقط.

وربّما يشير إليه قوله تعالى ( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ) إلخ (1).

ويؤيّده ما رواه الكليني عن العبد الصالح (عليه السلام) في حديث طويل - : «قال : ومن كانت امّه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحلّ له ، وليس له من الخمس شي‌ء ، فإنّ اللّه يقول ( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ) » (2)، فإنّها


1) الأحزاب 33 : 5.

2) الوسائل 9 : 271 / أبواب المستحقين للزكاة ب 30 ح 1 ، الكافي 1 : 453 / 4.

[2752] مسألة 22 : يثبت كونه هاشمياً بالبيّنة (1) والشياع (2).


صريحة الدلالة ، غير أنّ سندها ضعيف بالإرسال فلا تصلح للاستدلال.

ويمكن الاستئناس بل الاستدلال للحكم بأنّ الزكاة لو كانت محرّمة على من انتسب إلى هاشم ولو من طرف الامّ لم يبق لها عندئذٍ موردٌ إلّا النادر جدّاً ، إذ قلّ من لم يكن في أسلافه من الآباء أو الأُمّهات من ينتسب إلى هاشم ولو في واسطة واحدة من الوسائط المتخلّلة في سلسلة النسب بعد وضوح كثرة الازدواج بين غير الهاشمي والهاشميّات ، فلو كان المنتسب من طرف الامّ داخلاً في بني هاشم فجميع أولاد تلك الهاشميّة يكونون هاشميّين ، إذن فالمنتسب من ناحية الامّ إمّا معلوم تفصيلاً أو إجمالاً بلحاظ واحدة من سلسلة جدّاته ، ومعه لم يبق لمستحقّ الزكاة من المؤمنين إلّا أقلّ القليل ، وهو كما ترى.

(1) لما تقدّم في مباحث المياه من كتاب الطهارة من عموم دليل حجّيّتها إلّا ما خرج بالدليل (1)، كلزوم ضمّ اليمين إليها في دعوى الدين على الميّت ، ولزوم اجتماع شهود أربعة في الشهادة على الزنا أو اللواط ، فيما عداهما تكفي البيّنة لإثبات مطلق الدعوى التي منها دعوى النسب ، ومنه كونه هاشميّاً ، لما عرفت من عموم دليل الحجّيّة.

كما ويثبت النسب بالفراش أيضاً ، فإذا كان صاحب الفراش هاشميّاً وتردّد الولد بين أن يكون منه أو من غير الهاشمي حكم بأنّه منه ، للروايات الكثيرة الناطقة بأنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر (2)، فتحرم عليه الزكاة ويعطى له الخمس.

(2) لا إشكال كما لا خلاف في حجّيّة الشياع في الجملة ، وهل يختصّ بما


1) شرح العروة 2 : 260 264.

2) الوسائل 21 : 173 175 / أبواب نكاح العبيد والإماء ب 58 ح 2 ، 3 ، 4 ، 7.

ولا يكفي مجرّد دعواه (1)


أفاد العلم ليرجع إلى سقوط الشياع في حدّ نفسه عن درجة الاعتبار ، أو يكتفى بما أفاد الاطمئنان ، أو لا يعتبر شي‌ء منهما بل يكفي الشياع المفيد للظنّ؟

المشهور هو الثاني ، وهو الأصحّ ، لقيام السيرة العقلائيّة على ذلك ، مضافاً إلى أنّ الاطمئنان في نفسه حجّة عقلائيّة.

وتؤيّده مرسلة يونس على رواية الصدوق في الفقيه : «قال : خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم : الولايات والمناكح والذبائح والشهادات والأنساب» (1).

وأمّا غيره فقد بدّل : «الأنساب» ب : «المواريث» (2)، كما أنّ التهذيب والاستبصار بدّل : «الحكم» ب : «الحال» (3).

وكيفما كان ، فهي مؤيّدة للمطلوب ، بناءً على أنّ المراد بظاهر الحال أو ظاهر الحكم في الأنساب هو المعروفيّة المساوقة للشيوع البالغ حدّ الاطمئنان.

وأمّا الوجه الأخير الذي ذهب إليه جماعة فلم يعرف مستنده ، ولعلّهم استندوا إلى هذه المرسلة بعد تفسير ظاهر الحال بالظنّ.

ولكنّها ضعيفة سنداً ودلالةً. إذن فلا يكفي الظنّ ولا يعتبر العلم ، وخير الأُمور أوسطها ، فالعمل بالمشهور هو المتعيّن.

(1) لاحتياجها كسائر الدعاوي إلى الإثبات ، ومع عدمه لعدم البيّنة ولا الشياع ولا الفراش كما هو المفروض فالمتّبع حينئذٍ أصالة عدم الانتساب فلا يجوز دفع الخمس إليه.


1) الفقيه 3 : 9 / 29.

2) الوسائل 27 : 289 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 22 ح 1.

3) التهذيب 6 : 288 / 798 ، الاستبصار 3 : 13 / 35.

وإن حرم دفع الزكاة إليه (1) مؤاخذةً له بإقراره. ولو ادّعى أنّه ليس بهاشمي يعطى من الزكاة ، لا لقبول قوله ، بل لأصالة العدم (2) عند الشكّ في كونه منهم أم لا ، ولذا يجوز إعطاؤها لمجهول النسب كاللقيط.


(1) قد عرفت عدم جواز دفع الخمس إليه ، للشكّ في تحقّق موضوعه.

وهل يجوز أخذه الزكاة من غير الهاشمي كما يجوز في غير المقام بلا كلام استناداً إلى أصالة عدم كونه هاشميّاً بناءً على ما هو الصواب من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة؟

الظاهر عدم الجواز كما اختاره السيّد الماتن (قدس سره) ، لما أفاده من أنّ مقتضى إقراره عدم تملّكه لما يأخذه بعنوان الزكاة ، ومعه كيف يحكم بتفريغ ذمّة المعطي بالدفع لمن يعترف بعدم الاستحقاق ولا التملّك فإنّ من المعلوم لزوم إحراز الاستحقاق في تفريغ الذمّة ، ولا إحراز بعد اعترافه بعدم الاستحقاق. وهذا نظير الدفع لمن يعترف بغناه استناداً إلى أصالة الفقر أو استصحابه فيما إذا كان مسبوقاً به ، فإنّ من الواضح عدم السبيل لإجراء هذا الأصل بعد الإقرار المزبور الذي هو مقدّم حتّى على البيّنة فضلاً عن الأصل المذكور.

ومنه يظهر الفرق بين المقام وبين سائر موارد الشكّ في الهاشميّة أو في الفقر ممّا لم يكن مقروناً بالإقرار.

وممّا ذكرنا يظهر اندفاع ما قد يتوهّم من أنّ الإقرار إنّما يتقدّم بالإضافة إلى الأحكام التي تكون للمقرّ له بالإضافة إلى المالك وإفراغ ذمّته بذلك ، فلاحظ.

(2) أي الأزلي ، بناءً على ما هو الصواب من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة على ما هو موضح في محلّه.

ومنه يظهر الحال في مجهول الحال الذي لا يدّعي شيئاً لا الهاشميّة ولا عدمها كاللقيط ونحوه ممّن هو مشكوك النسب ، فإنّ المرجع فيه أيضاً هو أصالة عدم

[2753] مسألة 23 : يشكل إعطاء زكاة غير الهاشمي لمن تولّد من الهاشمي (1) بالزنا ، فالأحوط عدم إعطائه ، وكذا الخمس ، فيقتصر فيه على زكاة الهاشمي.


الانتساب الذي عوّل عليه الأصحاب في جميع الأبواب كما صرّح به شيخنا الأنصاري (قدس سره) في طهارته (1).

(1) وجه الإشكال : التردّد في كونه ولداً للزاني من كونه مخلوقاً من مائه ومتكوّناً من نسله فهو ولده لغةً وعرفاً ، ومن عدم التوارث بينهما فلم يكن ولده شرعاً ، لكن الأظهر هو الأوّل ، لما عرفت من الصدق اللغوي والعرفي ، ولم يظهر من الشرع خلافه ، حيث لم يرد في نفيه ولا رواية واحدة ضعيفة ، غايته الممنوعيّة من الإرث كسائر الموانع من القتل والكفر والرقّ ، وهي أعمّ من نفي الولديّة ، بل ربّما يشهد لثبوتها الشرعي جريان كافّة الأحكام ما عدا الإرث كعدم جواز تزويج الزاني بابنته المتولّدة منه ، ولا ولد الزنا بامّه أو أُخته أو عمّته ونحوها من سائر محرامه ، وكذا جواز نظره إليهنّ كجواز نظر الزاني إلى ابنته.

وملخّص الكلام : أنّ جميع الأحكام ممّا يجوز أو لا يجوز مشترك من المتولّد من الحلال أو الحرام ، عدا ما استثني وعمدته التوارث ، ولم ينف عنه الولديّة في شي‌ء من الأدلّة ، ومقتضى ذلك منعه عن الزكاة كجواز أخذه الخمس.

وما في الجواهر من دعوى انصراف دليل المنع عن مثل المقام لانسباق المتولد من الحلال دون الحرام فتشمله عمومات الزكاة (2).


1) كتاب الطهارة : 351 (حجري).

2) الجواهر 15 : 407.

.................................................................................................


غير ظاهر ، إذ ليت شعري ما هو الفرق بين المقام وبين أدلّة سائر الأحكام كتحريم الامّ والأُخت والبنت ونحوها؟! وكيف يحكم بشمولها للمتولّد من الزنا ولا يحكم بالشمول له في المقام ، فالأصحّ جريان تمام الأحكام ما عدا الإرث ، لمكان النصّ حسبما عرفت ، وإن كان مقتضى الاحتياط هو الاجتناب خروجاً عن شبهة الخلاف.

فصل في بقيّة أحكام الزّكاة

وفيه مسائل :

[2754] الأُولى : الأفضل بل الأحوط نقل الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط (1) في زمن الغيبة لا سيّما إذا طلبها ، لأنّه أعرف بمواقعها ، لكن الأقوى عدم وجوبه ، فيجوز للمالك مباشرةً أو بالاستنابة والتوكيل تفريقها على الفقراء وصرفها في مصارفها.


(1) نسب إلى المفيد والحلبي وجوب نقل الزكاة إلى الإمام (عليه السلام) مع حضوره وإلى الفقيه الجامع للشرائط لدى غيبته (1). ولكنّه لم ينهض عليه أيّ دليل يمكن التعويل عليه ، بل يظهر من بعض الأخبار جواز الاستقلال ومباشرة المالك بنفسه كما ستعرف.

والاستدلال لذلك بقوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) (2)بتقريب أنّ وجوب الأخذ عليه (صلّى اللّه عليه وآله) يستلزم وجوب الدفع إليه ، لما بينهما من الملازمة ، ثمّ من بعده ممّن يقوم مقامه من الأئمّة المعصومين ، ثمّ العلماء العاملين الجامعين لشرائط الفتوى.

مدفوعٌ أوّلاً : بأنّ الأمر بالأخذ بقرينة ما بعده مقدّمة للتطهير ولا موضوعيّة له بحيث لا تبرأ الذمّة بدونه ، فإذا كانت الطهارة حاصلة لتصدِّي المالك للدفع


1) نسبه صاحب المدارك 5 : 259 ، وهو في المقنعة : 252 ، الكافي في الفقه : 172.

2) التوبة 9 : 103.

.................................................................................................


بالمباشرة فلا موضوع للأخذ منهم ثانياً.

نعم ، مجرّد دعوى الدفع غير كافية ما لم تثبت بحجّة قاطعة ، أمّا مع ثبوتها فلا مجال للتكرار ، لما عرفت من أنّ الأمر لم يكن ملحوظاً على سبيل الاستقلال ، ولو كان لوجب بطبيعة الحال.

وثانياً : أنّه لو تمّ لاختصّ بالنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) والوصي (عليه السلام) ، لبسط يدهما وتمكّنهما من أخذ الزكوات وجمعها وتفريقها بين المؤمنين وصرفها في مصالح المسلمين ، ولا يعمّ غيرهما من سائر المعصومين (عليهم السلام) فضلاً عن علماء الدين ، لظروفهم الخاصّة المانعة عن القيام بهذا المهمّ ، فلا يجب عليهم الأخذ ليجب الدفع ، ومن ثمّ لم يعهد عنهم تصدّيهم لجباية الزكوات.

بل في رواية جابر إيكالها إلى المالك وأنّهم (عليهم السلام) إنّما يتصدّون لذلك إذا قام قائمهم ، قال أقبل رجل إلى أبي جعفر (عليه السلام) وأنا حاضر فقال : رحمك اللّه ، اقبض منِّي هذه الخمسمائة درهم فضعها في موضعها فإنّها زكاة مالي ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «بل خذها أنت فضعها في جيرانك والأيتام والمساكين وفي إخوانك من المسلمين ، إنّما يكون هذا إذا قام قائمنا فإنّه يقسّم بالسويّة ويعدل في خلق الرحمن ، البرّ منهم والفاجر» (1).

نعم ، إنّ الرواية ضعيفة السند أوّلاً ب : عمرو بن شمر ، فقد ضعّفه النجاشي قائلاً : ضعيف جدّاً زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها إليه (2).

وما في الوسائل (3)والحدائق (4)من ضبط الكلمة هكذا : عمر بن شمر ، غلط ،


1) الوسائل 9 : 282 / أبواب المستحقين للزكاة ب 36 ح 1.

2) رجال النجاشي : 287.

3) في الوسائل المحقق جديداً : عمرو بن شمر.

4) الحدائق 12 : 223.

.................................................................................................


وصوابه ما عرفت ، إذ هو الذي يروي عن جابر دون غيره.

وثانياً ب : سفيان بن عبد المؤمن الأنصاري ، فإنّه أيضاً ضعيف. فلا تصلح إلّا للتأييد.

والمتحصّل : أنّه لا دليل على اعتبار النقل إلى الإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ في تفريغ الذمّة ، ومعه كان مقتضى إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة كفاية مجرّد الإيصال ، سواء أكان بالمباشرة أم مع الواسطة.

بل قد عرفت ورود روايات كثيرة دلّت على إيكال أمرها إلى المالك ليضعها حيث يشاء وأنّ له الولاية عليها ، وهي على طوائف :

الأُولى : ما دلّ على جواز النقل إلى بلد آخر.

فمنها : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يعطى الزكاة يقسّمها ، إله أن يخرج الشي‌ء منها من البلدة التي هو فيها (بها) إلى غيرها؟ «فقال : لا بأس» (1).

ومنها : صحيحة يعقوب بن شعيب الحدّاد عن العبد الصالح (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل منّا يكون في أرض منقطعة ، كيف يصنع بزكاة ماله؟ «قال : يضعها في إخوانه وأهل ولايته» فقلت : فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ «قال : يبعث بها إليهم» الحديث (2)ونحوهما غيرهما.

فقد دلّت هذه الطائفة على أنّ جواز تصدّي المالك بنفسه للقسمة أمر مسلّم مفروغ عنه مرتكز في ذهن السائل ، وإنّما السؤال عن جواز النقل وعدمه.

الثانية : ما دلّ على جواز أخذ المقسّم شيئاً من الزكاة لنفسه إذا كان مورداً


1) الوسائل 9 : 282 / أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 1.

2) الوسائل 9 : 283 / أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 3.

.................................................................................................


لها ، وفي بعضها تقييد الآخذ بمقدار ما يعطى لغيره.

منها : معتبرة سعيد بن يسار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يعطى الزكاة فيقسّمها في أصحابه ، أيأخذ منها شيئاً؟ «قال : نعم» (1).

ومنها : معتبرة الحسين بن عثمان عن أبي إبراهيم (عليه السلام) : في رجل اعطي مالاً يفرّقه فيمن يحلّ له ، إله أن يأخذ منه شيئاً لنفسه وإن لم يسمّ له؟ «قال : يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره» (2).

ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسّمها ويضعها في مواضعها وهو ممّن تحلّ له الصدقة «قال : لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره» إلخ (3).

دلّت كالسابقة على المفروغيّة عن الولاية وإنّما السؤال عن خصوصيّات اخرى.

الثالثة : الروايات الواردة في جواز شراء العبيد من الزكاة وعتقهم ، المذكورة في الباب 43 من الوسائل ، فإنّها أيضاً ظاهرة في المفروغيّة المزبورة.

الرابعة : ما ورد في جواز قضاء دين الأب من الزكاة فيما إذا لم يكن له مال (4)، فإنّها أيضاً ظاهرة في ذلك.

وتدلّ عليه أيضاً صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة في ثلاث أوقات ، أيؤخّرها حتّى يدفعها في وقت واحد؟ «فقال : متى حلّت أخرجها» إلخ (5)، فإنّها صريحة في التصدّي للإخراج بنفسه.


1) الوسائل 9 : 287 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 1.

2) الوسائل 9 : 288 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 2.

3) الوسائل 9 : 288 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 3.

4) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18.

5) الوسائل 9 : 306 / أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 1.

نعم ، لو طلبها الفقيه (1) على وجه الإيجاب بأن يكون هناك ما يقتضي وجوب صرفها في مصرفٍ بحسب الخصوصيّات الموجبة لذلك شرعاً وكان مقلّداً له ، يجب عليه الدفع إليه من حيث إنّه تكليفه الشرعي لا لمجرّد طلبه وإن كان أحوط كما ذكرنا ، بخلاف ما إذا طلبها الإمام (عليه السلام) في زمان الحضور فإنّه يجب الدفع إليه بمجرد طلبه من حيث وجوب طاعته في كل ما يأمر.


وملخّص الكلام : أنّ الناظر في نصوص المقام الواردة في الأبواب المتفرّقة يكاد يقطع بأنّ ثبوت الولاية للمالك وعدم الحاجة إلى المراجعة من الأُمور المسلّمة عند الصحابة بحيث لا يعتريها أيّة مرية ، فإذا كان الأمر كذلك في عصر الحضور مع وجود الإمام الأصل فما ظنّك بعصر الغيبة ، فلا يجب النقل لا إلى الإمام ولا إلى نائبه العامّ ما لم يطلب ، أمّا مع الطلب فهو أمر آخر ستعرفه.

نعم ، لا ريب أنّه أحوط ، خروجاً عن شبهة الخلاف ، بل ولعلّه أفضل ، لفتوى جمع من الأصحاب بالاستحباب ، بناءً على قاعدة التسامح وشمولها لفتوى الفقيه وإن كان فيه ما فيه. وأبصريّة الفقيه لو صلحت سنداً للأفضليّة غير مطّردة ، إذ قد يكون المالك هو الأبصر بالواقع كما هو ظاهر.

(1) لا يخفى أنّ طلب الفقيه للزكاة على أنحاء :

فتارةً : يطلبها من أجل أنّ ذلك هو مقتضى رأيه وفتواه ، حيث يرى أنّ الولاية عليها له لا للمالك ، ولا شكّ في وجوب النقل إليه حينئذٍ على مقلّديه ، إذ التوزيع بلا استئذان منه لا يكون مبرئاً للذمّة ، بل هو إتلافٌ للمال وموجبٌ للضمان ، وعليه الأداء ثانياً ، لعدم حصول الامتثال.

وأُخرى : أن لا يكون ذلك فتواه ابتداءً فيعتقد ثبوت الولاية للمالك ولا يرى وجوب النقل من حيث هو ، ولكنّه من أجل بعض الخصوصيّات والمناسبات

.................................................................................................


الطارئة والعناوين الثانويّة يرى الوجوب ، كما لو هاجم الكفّار فطلبها لصرفها بتمامها في المؤلّفة حفظاً لبلاد الإسلام عن استيلائهم ، أو كان العام عام مجاعة فطلبها لحفظ المسلمين عن الهلكة ، إلى غير ذلك من الأسباب الباعثة لطلب الزكاة وصرفها في جهة خاصّة ، فحينئذٍ لا مناص من صرفها في تلك الجهة دون غيرها من المصارف الثمانية ، لكنّه لا يجب النقل إليه ، بل لو تصدّى المالك بنفسه للصرف في تلك الجهة نفسها كفى ، ولو سلّم فغايته الإثم لو خالف لا أن يكون العمل باطلاً وغير مبرئ للذمّة ، إذ المفروض أنّ الوجوب عرضي نشأ من داعٍ آخر مع بقاء ولاية المالك على حالها ، فلو باشر بنفسه فقد أدّى الواجب وإن عصى أمر الفقيه.

وثالثة : أنّه لا يرى وجوب النقل إليه لا بالعنوان الأوّلي ولا الثانوي ، إلّا أنّه يطلبها لأن يكون هو المباشر للتوزيع لأسبابٍ دعته إليه بمقتضى ظروفه الخاصّة ، والظاهر عدم وجوب الدفع إليه حينئذٍ ، لعدم الدليل على وجوب إطاعة الفقيه فيما عدا ما يرجع إلى حكمه أو فتواه ، فإنّ الثابت إنّما هو نفوذ حكمه وحجّيّة فتواه ، ولا يجب اتّباعه في غير ذينك الموردين (1).

نعم ، يتعيّن ذلك لو كان الطالب هو الإمام المعصوم (عليه السلام) في زمان الحضور ، لوجوب إطاعته في كافّة أوامره ونواهيه ، لأجل اقتران طاعته بطاعة اللّه ورسوله ، قال تعالى ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2)، وهو أمر آخر خارج عن محلّ البحث ، إذ الكلام في طلب الفقيه دون الإمام (عليه السلام).


1) ذكر (دام ظلّه) في مسألة 1164 من زكاة المنهاج وجوب الدفع إليه على مقلّديه وغيرهم إذا كان الطلب على نحو الحكم دون الفتوى ، ويمكن النقاش فيه بعدم انسجامه مع ما يرتئيه (دام ظلّه) من عدم نفوذ الحكم ، فليتأمّل.

2) النِّساء 4 : 59.

[2755] الثانية : لا يجب البسط على الأصناف الثمانية ، بل يجوز التخصيص ببعضها (1) ، كما لا يجب في كلّ صنف البسط على أفراده إن تعدّدت ، ولا مراعاة أقلّ الجمع الذي هو الثلاثة ، بل يجوز تخصيصها بشخص واحد من صنف واحد.


(1) لا خلاف بيننا في عدم وجوب البسط على الأصناف الثمانية ولا على أفراد الصنف الواحد ، بل يجوز دفعها بتمامها للفقير الواحد دون سائر الفقراء ودون سائر الأصناف. وعن التذكرة : أنّه مذهب علمائنا أجمع (1)، وفي الجواهر دعوى الإجماع عليه بقسميه (2).

ولكن العامّة أوجبوا البسط على الأصناف ، بل على أفراد الصنف الواحد ، أي على أقلّ الجمع وهو الثلاثة. ولا دليل لهم إلّا ما ذكروه من أنّ اللام في الآية المباركة ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) إلخ ، للملك ، وعطف بعض الأصناف على بعض بالواو يستوجب الاشتراك في الحكم ، ومعه لا بدّ من إيصالها إلى جميعهم ، فإنّ ذلك هو مقتضى ملكيّتها لتمام الأصناف الثمانية.

وهذا كما ترى واضح الدفع.

أمّا أوّلاً : فلأنّ اللام لم يدخل على الجميع ، بل من الرقاب وما بعده تبدّل ب- «في» ، فهذا التغيير في الأُسلوب مع مراعاة العطف يكشف عن أنّ القدر المشترك بين الكلّ إنّما هو الصرف دون التمليك ، لامتناع فرضه في الرقاب وفي سهم سبيل اللّه كما لا يخفى.

ولعلّ ذكر اللام فيما سبقها للإيعاز إلى جواز التمليك فيها كما يجوز الصرف


1) التذكرة 5 : 336.

2) الجواهر 15 : 428.

.................................................................................................


أيضاً على ما تقدّم.

وثانياً : إنّ اللام حتّى لو كانت داخلة على جميع الأصناف لم يكن بدّ من صرفها عن ظاهرها ، بداهة أنّ الجمع المحلّى باللام يقيد العموم والاستغراق ، ولازمه التوزيع على جميع الأفراد من كلّ صنف ، ولا أقلّ من أصناف البلد ، ولم يقل به أحد. إذن فيدور الأمر بين أن يراد الطبيعي من كلّ صنف ليكون المالك هو طبيعي الفقير والمسكين وهكذا ، أو يقال : بأنّها لبيان المصرف دون الملك ، وليس التصرّف الأوّل أولى من الثاني.

وثالثاً : مع الغضّ عن كلّ ذلك لم يكن بدّ من رفع اليد عن الظهور في الملك ، لما تقدّم من أنّ أوّل زكاةٍ وجبت إنّما هي زكاة الفطرة ، ومن الواضح امتناع توزيعها على جميع الأصناف ، فإنّها قليلة جدّاً ولا سيّما ممّن لم تكن له عائلة ، فكيف يمكن صرفها على تمام الأصناف الثمانية فضلاً عن أفرادها الواسعة؟! ودعوى أنّ ذلك لا ينافي البسط على نحو مقابلة الجمع بالجمع فيعطي زيد زكاته للفقير وعمرو للغارم وبكر للمؤلّفة وهكذا.

كما ترى ، فإنّها عارية عن كلّ شاهد كما لا يخفى.

بل أنّ الحال كذلك في زكاة المال أيضاً ، فإنّ الأثرياء القادرين على البسط على تمام الأصناف وإن كانوا موجودين إلّا أنّ أكثر الناس وعامّتهم ليسوا كذلك. إذن فكيف يمكن مراعاة البسط التامّ ممّن لا يملك إلّا أربعين شاة أو مائتي درهماً أو عشرين دينارا.

والمتحصّل : أنّ القول بلزوم البسط على تمام الأصناف لعلّه مقطوع البطلان ، بل مقتضى إطلاقات الأدلّة ولا سيّما إطلاق عدّة من الروايات الناطقة بأنّه يضعها حيث يشاء جواز دفع الجميع لصنفٍ واحد ، بل لفقير واحد.

هذا ، ويمكن الاستدلال لعدم وجوب البسط بطوائف من الأخبار :

.................................................................................................


الأُولى : ما ورد في جواز شراء العبيد من الزكاة ، كصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة ، يشترى بها نسمة ويعتقها؟ «فقال : إذن يظلم قوماً آخرين حقوقهم ثمّ مكث مليّاً ثمّ قال : إلّا أن يكون عبداً مسلماً في ضرورة فيشتريه ويعتقه» (1)، ونحوها غيرها.

فإنّها ظاهرة في جواز شراء العبد بتمام ما عنده من الزكاة ، فلو كان البسط لازماً كيف ساغ صرف تمام الزكاة في صنفٍ واحد وهم الرقاب؟! الثانية : ما ورد في جواز أداء الدين منها ، ففي صحيحة زرارة : ... أيؤِّدي زكاته في دين أبيه؟ إلى أن قال : «لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه» إلخ (2).

فإنّ ظاهرها ولو بمقتضى الإطلاق جواز صرف جميع ما عنده في أداء الدين المنافي لوجوب البسط.

الثالثة : ما ورد في صرف زكاة أهل البوادي فيهم ، وكذا زكاة أهل الحضر ، ففي صحيحة الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر» (3).

فإنّ من الواضح عدم وجود تمام الأصناف الثمانية في أهل البادية ، فكيف يستقيم ذلك مع البسط؟! ونحوها ما ورد من أنّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان يقسّم الزكاة بين الحاضرين لديه عند القسمة من غير أن يبقي للغائبين سهما (4).


1) الوسائل 9 : 291 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 1.

2) الوسائل 9 : 250 / أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1.

3) الوسائل 9 : 284 / أبواب المستحقين للزكاة ب 38 ح 2.

4) الوسائل 9 : 265 / أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 1 و 3.

لكن يستحبّ البسط على الأصناف (1) مع سعتها ووجودهم ، بل يستحبّ مراعاة الجماعة التي أقلّها ثلاثة في كلّ صنف منهم حتّى ابن السبيل وسبيل اللّه ، لكن هذا مع عدم مزاحمة جهة أُخرى مقتضية للتخصيص.


الرابعة : ما ورد من جواز صرفها بتمامها في أهل القرابة ، ففي معتبرة أحمد ابن حمزة قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك وله زكاة ، أيجوز له أن يعطيهم جميع زكاته؟ «قال : نعم» (1).

وهذه كما ترى أصرح رواية تدلّ على المطلوب من روايات الباب ، كما أنّ السند معتبر ، فإنّ المراد ب : أحمد بن حمزة ، هو القمّي الثقة الذي هو من أصحاب الهادي (عليه السلام). ومنه تعرف أنّ المروي عنه هو أبو الحسن الثالث (عليه السلام).

الخامسة : الروايات الناطقة بجواز نقل الزكاة إلى بلد آخر فيما إذا لم يوجد في بلده من أهل الولاية ، حيث إنّ ظاهرها أنّ النقل لأجل الصرف بتمامها في فقراء المؤمنين من تلك البلدة.

إلى غير ذلك من الروايات التي تكاد تورث القطع بعدم وجوب البسط.

وقد عرفت أنّ المسألة ممّا لا خلاف فيها منّا ، بل لا ينبغي الخلاف فيها ، وإنّما الخلاف من أهل الخلاف لشبهةٍ واهية لا يعبأ بها قد عرفت اندفاعها بحذافيرها.

(1) علّله في الحدائق (2)بعد الاعتراف بعدم النصّ بوجهٍ اعتباري سبقه إليه صاحب المدارك (3)، وهو شمول النفع وعموم الفائدة ، مضافاً إلى أنّه أقرب إلى


1) الوسائل 9 : 245 / أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 1.

2) الحدائق 12 : 226.

3) المدارك 5 : 265.

[2756] الثالثة : يستحبّ تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب بمقدار فضله (2)


امتثال ظاهر الآية ، وعلّله العلّامة في التذكرة والمنتهى بأنّ فيه خروجاً عن شبهة الخلاف التي ينبغي مراعاتها (1).

والكلّ كما ترى :

أمّا الأوّل : فلدوران الأمر بين قلّة النفع وكثرة المنتفع وبين عكسه ، أو فقل : بين الزيادة في الكمّ والقلّة في الكيف وبين عكسه ، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.

وأمّا الثاني : فلعدم صلوح الأقربيّة لإثبات الاستحباب كما لا يخفى.

وأمّا الثالث : فلما عرفت من عدم الخلاف بين أهل الحقّ ليستحقّ المراعاة ، وخلاف المخالفين لا يستحقّها لو لم يستحقّ عدمها كما لا يخفى.

والأولى الاستدلال بصحيحة زرارة ولعلّ صاحب الحدائق غفل عنها قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : وإن كان بالمصر غير واحد؟ «قال : فأعطهم إن قدرت جميعاً» الحديث (2).

فإنّها تصلح لإثبات الاستحباب في الجملة ، وهو السبط على جميع فقراء البلد بالقدر الممكن ، لا على تمام الأصناف الثمانية ، ولا على ثلاثة من كلّ طائفة. إذن فلا بأس بالالتزام باستحباب البسط بهذا المعنى ، لصحّة الرواية وقوّة الدلالة.

(2) لما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عبد اللّه بن عجلان السكوني ، قال :


1) التذكرة 5 : 338 ، المنتهي 1 : 528 (حجري).

2) الوسائل 9 : 267 / أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 4.

كما أنّه يستحبّ ترجيح الأقارب (1) وتفضيلهم على الأجانب ، وأهل الفقه والعقل على غيرهم (2) ،


قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : إنّي ربّما قسّمت الشي‌ء بين أصحابي أصِلهم به ، فكيف أُعطيهم؟ «قال : أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل» (1).

فالدلالة واضحة ، كما أنّ الرواية حسنة بابن عجلان ، حيث مدحه الكشّي (2)وإن لم يوثّق ، وأمّا الراوي عنه فهو وإن تردّد اسمه بين «عيينة» و «عتيبة» و «عتبة» حسب اختلاف النسخ ، إلّا أنّه أيّاً من كان فهو رجل واحد وثّقه النجاشي (3).

نعم ، هي ضعيفة في سائر الطرق ، لكنّها حسنة في طريق الشيخ حسبما عرفت.

(1) ففي معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال : قلت له : لي قرابة أنفق على بعضهم وأُفضّل بعضهم على بعض فيأتيني إبّان الزكاة ، أفأُعطيهم منها؟ «قال : مستحقّون لها؟» قلت : نعم «قال : هم أفضل من غيرهم ، أعطهم» الحديث (4).

وقد تقدّم البحث حول السند (5)وعرفت أنّ الراوي عن إسحاق هو عبد الملك ابن عتبة لا عبد اللّه بن عتبة ، وهو ثقة.

(2) لمعتبرة عبد اللّه بن عجلان المتقدّمة.


1) الوسائل 9 : 262 / أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 2 ، الكافي 3 : 549 / 1 ، الفقيه 2 : 18 / 59 ، التهذيب 4 : 101 / 285.

2) رجال الكشي : 244 / 443 و 444.

3) رجال النجاشي : 302 / 825.

4) الوسائل 9 : 245 / أبواب المستحقين للزكاة ب 15 ح 2.

5) لاحظ ص 157 158.

ومَن لا يسأل من الفقراء على أهل السؤال (1) ، ويستحبّ صرف صدقة المواشي إلى أهل التجمّل (2) من الفقراء. لكن هذه جهات موجبة للترجيح في حدّ نفسها وقد يعارضها أو يزاحمها مرجّحات أُخر ، فينبغي حينئذٍ ملاحظة الأهمّ والأرجح.

[2757] الرابعة : الإجهار بدفع الزكاة أفضل من الإسرار به ، بخلاف الصدقات المندوبة ، فإنّ الأفضل فيها الإعطاء سرّاً (3).


(1) لما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج : «... نعم ، يفضّل الذي لا يسأل على الذي يسأل» (1).

(2) لرواية عبد اللّه بن سنان ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ صدقة الخفّ والظلف تدفع إلى المتجمّلين من المسلمين ، وأمّا صدقة الذهب والفضّة وما كيل بالقفيز ممّا أخرجت الأرض فللفقراء المدقعين» إلخ (2).

ولكنها ضعيفة السند ب : محمّد بن سليمان ، الذي هو الديلمي الضعيف ، لأنّه المعروف ، فينصرف اللفظ إليه عند الإطلاق ، مضافاً إلى أنّ البرقي رواها عن أبيه عن ابن الديلمي كما صرّح به في المحاسن (3).

(3) ففي رواية أبي بصير يعني : ليث بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) إلى أن قال : «وكلّما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره ، وكلّما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من إعلانه» إلخ (4).


1) الوسائل 9 : 261 / أبواب المستحقين للزكاة ب 25 ح 1.

2) الوسائل 9 : 263 / أبواب المستحقين للزكاة ب 26 ح 1.

3) المحاسن 2 : 13 / 1084.

4) الوسائل 9 : 309 / أبواب المستحقين للزكاة ب 54 ح 1.

[2758] الخامسة : إذا قال المالك : أخرجت زكاة مالي ، أو : لم يتعلّق بمالي شي‌ء ، قبل قوله بلا بيّنة ولا يمين (1) ما لم يعلم كذبه ، ومع التهمة لا بأس بالتفحّص والتفتيش عنه.


وقد عُبِّر عنها بالحسنة ، وليست كذلك ، فإنّ عبد اللّه بن يحيى الراوي عن ابن مسكان والذي يروي عنه أحمد بن محمّد بن خالد البرقي مجهول.

وما احتمله الميرزا في الوسيط وأقرّه الأردبيلي من أنّ المراد به الكاهلي المعتبر (1)، ساقطٌ جدّاً ، فإنّ الكاهلي من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، فكيف يمكن أن يروي عنه البرقي بلا واسطة وهو من أصحاب الرضا (عليه السلام)؟! هذا أوّلاً.

وثانياً : إنّ الشيخ في الفهرست عنون كلّاً من عبد اللّه بن يحيى والكاهلي مستقلا وذكر أنّ الراوي لكتاب الأوّل هو البرقي ، ولكتاب الثاني هو البزنطي ، وذكر طريقه إلى كلّ منهما مغايراً للآخر (2)، فكيف يحتمل الاتّحاد مع هذه الحالة؟! بل هو شخص آخر جزماً ، وهو مجهول كما عرفت. ومع التنازل فغايته الاحتمال ، ولا أثر له ما لم يبلغ حدّ الوثوق والاطمئنان ، وعهدته على مدّعيه.

والأولى الاستدلال بموثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ ( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (3)«فقال : هي سوى الزكاة ، إنّ الزكاة علانيّة غير سرّ» (4).

(1) أمّا في الفرض الثاني فواضح ، لمطابقة قوله مع أصالة عدم تعلّق الزكاة


1) تلخيص المقال (الوسيط) : 300 (حجري) ، جامع الرواة 1 : 517.

2) الفهرست : 102 / 441 و 105 / 461.

3) البقرة 2 : 271.

4) الوسائل 9 : 310 / أبواب المستحقين للزكاة ب 54 ح 2.

.................................................................................................


أو أصالة عدم بلوغ ماله حدّ النصاب أو عدم استجماع الشرائط ، فهذا ممّا لا إشكال فيه ، ويستفاد من بعض الأخبار أيضاً كما ستعرف.

وأمّا في الفرض الأوّل فهو أيضاً ممّا لا ينبغي الإشكال فيه ، بناءً على ما عرفت من ثبوت الولاية للمالك على الزكاة وعدم وجوب نقلها إلى الفقيه ، فإنّ من المعلوم سماع دعوى الولي فيما له الولاية عليه كدعوى الوكيل ، بل هو أولى منه كما لا يخفى. فحال الزكاة التي هي عبادة ماليّة حال سائر العبادات من الصلاة والصيام ونحوهما ، فكما تُسمع دعواه في أدائها فكذا تقبل دعواه في أداء الزكاة بمناطٍ واحد. وعلى ذلك جرت السيرة القطعيّة العمليّة المتّصلة بزمن المعصومين (عليهم السلام) ، حيث يعامل المتشرّعة مع المال الذي تعلّقت به الزكاة وقد ادّعى المالك إخراجها معاملة المال الحلال كلّه من غير تحقيق وتفتيش.

فالحكم إذن في كلا الفرضين مطابق لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى بيّنة أو يمين ، بلا خلافٍ في ذلك.

بيد أنّه نقل في الجواهر عن الشهيد مطالبة المالك باليمين فيما لو ادّعى أنّ الظالم أتلف العين الزكويّة (1).

ولم يعرف له وجه ، عدا دعوى أنّ التلف مخالف للأصل فيحتاج إلى الإثبات ولو باليمين ، لكنّ مقتضاه عدم سماع دعواه في الإخراج ، إذ هو أيضاً مخالف للأصل ولا يظنّ أن يلتزم به.

وبالجملة : بعد البناء على ثبوت الولاية للمالك المعتضد بالسيرة العمليّة كما سمعت لا بدّ من قبول دعواه مطلقاً بلا حاجة إلى ضمّ بيّنة ونحوها ، على أنّه قد يعسر إقامتها على أداء الزكاة ، كما إذا احتسب الدين منها.


1) الجواهر 15 : 154.

[2759] السادسة : يجوز عزل الزكاة وتعيينها في مال مخصوص (1) وإن كان من غير الجنس (1)


مضافاً إلى دلالة النصّ عليه ، ففي صحيحة بريد بن معاوية «... ثمّ قل لهم : يا عباد اللّه ، أرسلني إليكم ولي اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟ فإن قال لك قائل : لا ، فلا تراجعه» إلخ (2).

فإنّ الجواب بالنفي عن السؤال : هل لله في مالك من حقّ ، مرجعه إلى قوله : لاحق لله في مالي ، وهو مطلق يشمل عدم التعلّق من الأوّل ، أو الإخراج بعد التعلّق ، فالمنفي هو الحقّ الفعلي الشامل لهما ، ومقتضى الإطلاق تصديق المالك في كلتا الصورتين.

ونحوها موثّقة غياث بن إبراهيم ، عن جعفر ، عن أبيه (عليها السلام) «قال : كان علي صلوات اللّه عليه إذا بعث مصدّقه قال له : إذا أتيت على ربّ المال فقل : تصدّق رحمك اللّه ممّا أعطاك اللّه ، فإن ولّى عنك فلا تراجعه» (3).

والتقريب : ما عرفت بعد ظهور قوله : «فإن ولّى» في الجواب بالنفي.

وبالجملة : فهاتان الروايتان تدلّان على لزوم تصديق المالك على الإطلاق ، سواء ادّعى عدم التعلّق أو الإخراج أو التلف بآفة سماويّة أو بظلم ظالم ونحو ذلك حسبما عرفت.

(1) قد تقدّم الكلام حول هذه المسألة في المسألة الرابعة والثلاثين من فصل زكاة الغلّات بنطاق واسع وبيان مشبع ، فراجع ولا نعيد.


1) (*) في غير النقدين إشكال.

2) الوسائل 9 : 129 / أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 1.

3) الوسائل 9 : 132 / أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 5.

الذي تعلّقت به (1) ، من غير فرق بين وجود المستحقّ وعدمه على الأصحّ وإن كان الأحوط الاقتصار على الصورة الثانية. وحينئذٍ فتكون في يده أمانة لا يضمنها إلّا بالتعدّي أو التفريط (2).


(1) شريطة أن يكون من النقود ، وأمّا من جنس آخر ففيه إشكال ، لقصور الدليل على الولاية على التبديل بغير النقدين ، وفقد إطلاقٍ يشمله كما تقدّم في محلّه.

(2) تعرّض (قدس سره) لحكم ضمان المعزول في مواضع ثلاثة : أحدها في المسألة الرابعة والثلاثين ، من فصل زكاة الغلّات ، ثانيها في أوائل الفصل الآتي وثالثها في المقام. وذكر في الموضعين الأوّلين أنّ من موجباته التأخير مع وجود المستحقّ وأهمله في المقام ، وهذا إمّا سهو من قلمه الشريف أو إيكالٌ لما تقدّم ويأتي ، أو أن يراد من التفريط ما يشمله.

وكيفما كان ، فيقع الكلام في ضمان المعزول تارةً فيما إذا نقله إلى بلد آخر فعرضه التلف ، وأُخرى من دون النقل.

أمّا الأوّل : فسيأتي البحث حوله عند تعرّض الماتن له في المسألة العاشرة ، وستعرف أنّ النقل وإن كان جائزاً إلّا أنّه يضمن مع وجود المستحقّ في البلد دون ما إذا لم يوجد.

وأمّا الثاني : بأن عزل وأخّر في الدفع مع وجود المستحقّ إلى أن تلف ، فإن عدّ التأخير تسامحاً وتفريطاً فلا شبهة في الضمان كما هو واضح. وأمّا إذا لم يكن كذلك بأن كان له غرض عقلائي في التأخير كانتظار قدوم أحد أقاربه المستحقّين من السفر ، أو شراء محلّ معروض للبيع لبناء مسجد أو حسينيّة ، ونحو ذلك من الدواعي العقلائيّة الراجحة فمقتضى القاعدة حينئذٍ عدم الضمان ، إذ بعد أن كان العزل جائزاً والتأخير سائغاً لوجود مرجّح شرعي فلا جرم يكون

.................................................................................................


المعزول أمانة شرعيّة عنده فلا يضمن التلف.

وتعضدها صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : «قال : إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شي‌ء عليه» (1).

ونحوها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : «إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمّها لأحد فقد برئ منها» (2).

وهما صريحتان في المطلوب ، بيد أنّهما ربّما تعارضان بصحيحتين أُخريين :

إحداهما : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت ، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ «فقال : إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها ، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان ، لأنّها قد خرجت من يده ، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دُفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه ، فإن لم يجد فليس عليه ضمان» (3).

ولذلك جعلت في الجواهر وغيره مقيّدة للصحيحتين ، فحملتا على صورة عدم وجود المستحقّ ، أمّا مع وجوده فيضمن ، لصراحة هذه فيه (4).

وفيه : أنّ مورد هذه الصحيحة هو بعث الزكاة ، وظاهره النقل إلى بلد آخر ، وهو بحث آخر أجنبي عن محلّ الكلام كما عرفت ، ولا مانع من الالتزام ثمّة بالتفصيل المزبور. إذن فإطلاق الصحيحتين النافيتين للضمان من غير فرق بين


1) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3.

2) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 4.

3) الوسائل 9 : 285 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1.

4) الجواهر 15 : 432.

.................................................................................................


وجود المستحقّ وعدمه باقٍ على حاله ، لعدم صلوح هذه الصحيحة لتقييده كما توهّم.

ثانيتهما : صحيحة زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسّمها فضاعت «فقال : ليس على الرسول ولا على المؤدّي ضمان» قلت : فإنّه لم يجد لها أهلاً ففسدت وتغيّرت ، أيضمنها؟ «قال : لا ، ولكن إن (إذا) عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها» (1)، فجعلوها أيضاً مقيّدة للصحيحتين كما ذكره.

وفيه مضافاً إلى ما عرفت - : أنّها غير مرتبطة بما نحن فيه ، إذ المفروض فيها أنّ التلف كان عند الأخ المبعوث إليه الزكاة لا عند المالك نفسه الذي هو محلّ الكلام.

نعم ، صدرها ناظر إلى التلف أثناء الطريق ، وقد دلّت على أنّه لا ضمان حينئذٍ لا على الرسول ولا على المؤدّي. وهذا ينبغي تقييده كسائر المطلقات بما إذا لم يكن في البلد مستحقّ ، لصحيحة ابن مسلم المتقدّمة وغيرها ممّا تضمّن هذا التفصيل.

وأمّا ذيلها فهو وإن تضمّن التفصيل المزبور لكن المفروض أنّ التلف حينئذٍ كان عند الأخ المبعوث إليه كما عرفت ، والتفصيل عندئذٍ في محلّه ، إذ هو وكيل في الإيصال إلى المستحقّ ، فالتأخير مع وجوده وإمكان الإيصال إليه ، إلى أن عرضه التلف تفريط موجب للضمان ، كما هو الحال في الوصي على ما نطقت به صحيحة ابن مسلم المتقدّمة.

والمتحصّل : أنّ الصحيحتين لا مقيّد لإطلاقهما ، بل في صحيحة ابن سنان جواز التأخير ثلاثة أشهر من غير ضمان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه


1) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 2.

ولا يجوز تبديلها بعد العزل (1).

[2760] السابعة : إذا اتّجر بمجموع النصاب قبل أداء الزكاة كان الربح للفقير (1)بالنسبة والخسارة عليه ، وكذا لو اتّجر بما عزله وعيّنه للزكاة (2).


قال في الرجل يخرج زكاته فيقسّم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوّله وآخره ثلاثة أشهر «قال : لا بأس» (2).

نعم ، صورة التعدّي والتفريط خارجة يقيناً ، لثبوت الضمان حينئذٍ في كلّ أمانة ، أمّا ما عدا ذلك مع فرض ترخيص الشارع في البقاء فلا موجب للضمان سواء وجد المستحقّ أم لا ، فلاحظ.

(1) فإنّ الثابت بالأدلّة إنّما هو الولاية على العزل وتعيين الزكاة في المعزول الموجب طبعاً لخروجه عن الملك ، وأمّا الولاية على التبديل بعد العزل الذي هو تصرّف في غير الملك فيحتاج إلى دليل مفقود ، فالحكم إذن مطابق للقاعدة.

(2) يستدلّ للحكم المزبور بشقّيه أعني : الاتّجار بمجموع النصاب أو بخصوص المعزول برواية علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا تمكنني أن أُؤدّيها «قال : اعزلها ، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن ولها الربح ، وإن تَوِيَتْ في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك شي‌ء ، فإن لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها تقسيطها من الربح ولا وضيعة عليها» (3).


1) (*) تقدّم الكلام فيه [في المسألة 2690].

2) الوسائل 9 : 308 / أبواب المستحقين للزكاة ب 53 ح 1.

3) الوسائل 9 : 307 / أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 3. وتَوِيَتْ : هلكت مجمع البحرين 1 : 71 (توا).

[2761] الثامنة : تجب الوصيّة بأداء ما عليه من الزكاة إذا أدركته الوفاة قبله (1) ، وكذا الخمس وسائر الحقوق الواجبة. ولو كان الوارث مستحقّاً جاز احتسابه عليه (2).


والدلالة واضحة ، غير أنّ السند ضعيف بالإرسال أوّلاً ، وبيعلى أو معلّى بن عبيد ثانياً ، فإنّه مجهول على التقديرين.

وأمّا علي بن محمّد فهو ابن بندار الثقة ، وهو من مشايخ الكليني ، كما أنّ المراد بعلي بن أبي حمزة ليس هو البطائني الضعيف الذي هو من أصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام) ، بل المراد به الثمالي الثقة كما لا يخفى.

وكيفما كان ، فالرواية لضعفها غير صالحة للاستدلال ، وقد مرّ البحث حول هذه المسألة مستوفى في المسألة الثالثة والثلاثين من فصل زكاة الغلّات ، وعرفت أنّ البيع في حصّة الزكاة فضولي تناط صحّتها بإجازة الحاكم الشرعي ، إلّا إذا أخرج الزكاة بعد البيع من مال آخر ، فإنّه يندرج حينئذٍ في كبرى من باع شيئاً ثمّ ملك ، فإن قلنا بصحّته كما هو الأصحّ كان تمام الربح له وإلّا توقّفت الصحّة على الإجازة حسبما عرفت ، فلاحظ.

(1) هذا الحكم مطابق لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى التماس نصّ خاص ، لقضاء العقل بلزوم تفريغ الذمّة عن التكليف اللّازم بأيّ وجهٍ أمكن ، فإن تيسّر بالمباشرة فهو ، وإلّا فبالتوكيل في الأداء ، وإلّا فبالإيصاء به بعد الممات ، بل لو كان مديناً بالزكاة ولم يكن له مال واحتمل التبرّع عنه لو أوصى وجب ذلك ، خروجاً عن عهدة التكليف ، وحصول التفريغ بأيّة وسيلة ممكنة حسبما عرفت.

(2) حتّى إذا كان ممّن تجب نفقته عليه حال حياته الممنوع من أخذ الزكاة منه ، لوضوح سقوط الوجوب بالموت ، فلا مانع حينئذٍ من الاحتساب ، فالحكم مطابق للقاعدة.

ولكن يستحبّ دفع شي‌ء منه إلى غيره (1).


وتعضدها صحيحة علي بن يقطين ، قال : قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام) : رجل مات وعليه زكاة وأوصى أن تقضى عنه الزكاة ، وولده محاويج إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضرراً شديداً «فقال : يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ، ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم» (1).

(1) للأمر به في الصحيحة المزبورة المحمول عند المشهور على الاستحباب.

وربّما يناقش في هذا الحمل بمنافاته مع ظاهر الأمر في الوجوب.

ويندفع بمنع الظهور ، وذلك لتكرار كلمة «يخرجون» ، وحيث لا يحتمل الوجوب في الأُولى لعدم كونه (عليه السلام) في مقام بيان التكليف ، بل بصدد العلاج وتعليم طريقة شرعيّة يتمكّن الورثة معها من الاستفادة من الزكاة ، وهي الإخراج المقرون بالاحتساب ، لوضوح عدم وجوب الاحتساب عليهم فكذلك الثانية.

وبعبارة اخرى : مورد السؤال هو الورثة المحتاجون وأنّه هل يجوز لهم الأخذ من زكاة مورثهم ، فعلّمهم (عليه السلام) طريقة الأخذ وأنّها الإخراج والعزل أوّلاً ثمّ الصرف على أنفسهم ، وهذا حكم إرشادي لا إلزامي ، ومعه لا يبقى ظهور في الجملة الثانية في الوجوب لنحتاج في الجواب إلى دعوى الإعراض وتسالم الأصحاب على عدمه ، بل غايته الاستحباب رعايةً للعدل والإنصاف (2).


1) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 5.

2) لا يخفى أنّ جملة «يخرجون» ظاهرة في الوجوب في كلا الموردين ، ولا مانع من الأخذ به ، وإنّما المسوق للإرشاد والتعليم هو جملة «فيعودون» إلخ ، فتدبّر جيّدا.

[2762] التاسعة : يجوز أن يعدل بالزكاة إلى غير من حضره من الفقراء (1). خصوصاً مع المرجّحات وإن كانوا مطالبين. نعم ، الأفضل حينئذٍ (2) الدفع إليهم من باب استحباب قضاء حاجة المؤمن ، إلّا إذا زاحمه ما هو أرجح.

[2763] العاشرة : لا إشكال في جواز نقل الزكاة من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحقّ فيه (3).


وممّا يؤكّد عدم الوجوب ما ورد في إعطاء الزكاة للأقارب من أنّه يعطى شي‌ء منها لغيرهم ، فكما أنّ العطاء هناك استحبابي فكذا في المقام بمناط واحد.

(1) فإنّ مجرّد الحضور لا يستوجب التعيين والترجيح بعد أن كانت ولاية التطبيق بيد المالك من غير توقيت أو توظيف ، فتبقى إطلاقات الكتاب والسنّة في الصرف على الأصناف الثمانية على حالها.

(2) أي حين الطلب لأجل استحباب إجابة المؤمن في قضاء حاجته لدى طلبها ما لم يزاحم بمرجّح آخر أهمّ.

(3) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، وتدلّنا عليه مضافاً إلى إطلاقات الأدلّة من الكتاب والسنّة ، حيث لم تقيّد بالصرف في البلد ، وإلى فحوى نصوص المسألة الآتية ، إذ لو جاز النقل مع وجود المستحقّ فمع عدمه بطريقٍ أولى صحيحة ضريس ، قال : سأل المدائني أبا جعفر (عليه السلام) قال : إنّ لنا زكاة نخرجها من أموالنا ، ففي مَن نضعها؟ «فقال : في أهل ولايتك» فقال : إنّي في بلاد ليس بها أحد من أوليائك «فقال : ابعث بها إلى بلادهم تُدفع إليهم ، ولا تدفعها إلى قوم إذا دعوتهم غداً إلى أمرك لم يجيبوك وكان واللّه الذبح» (1)، وهي كما ترى صريحة في المطلوب.


1) الوسائل 9 : 222 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 3.

.................................................................................................


ويؤيّدها رواية الحدّاد عن العبد الصالح (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل منّا يكون في أرض منقطعة ، كيف يصنع بزكاة ماله؟ «قال : يضعها في إخوانه وأهل ولايته» قلت : فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ «قال : يبعث بها إليهم» قلت : فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ «قال : يدفعها إلى من لا ينصب» قلت : فغيرهم؟ «قال : ما لغيرهم إلّا الحجر» (1).

ولكن السند ضعيف بإبراهيم بن إسحاق الذي هو الأحمري راوي كتاب عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري ، مضافاً إلى اشتمال ذيلها على ما لا يمكن الالتزام به ، وهو جواز الدفع إلى غير أهل الولاية عند فقد المؤمن مع اشتراط الإيمان في المستحقّ على كلّ حال ، سواء أكان المؤمن موجوداً أم لا كما تقدّم. فهي إذن لا تصلح إلّا للتأييد.

وربّما يستدلّ لعدم جواز النقل حتّى مع فقد المستحقّ برواية إبراهيم الأوسي عن الرضا (عليه السلام) «قال : سمعت أبي يقول : كنت عند أبي يوماً فأتاه رجل قال : إنّي رجل من أهل الريّ ولي زكاة ، فإلى من أدفعها؟ فقال : إلينا ، فقال : أليس الصدقة محرّمة عليكم؟ فقال : بلى ، إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا ، فقال : إنّي لا أعرف لها أحداً ، فقال : فانتظر بها سنة ، قال : فإن لم أصب لها أحداً؟ قال : انتظر بها سنتين حتّى بلغ أربع سنين ، ثمّ قال له : إن لم تصب لها فصرّها صرراً واطرحها في البحر ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم أموالنا وأموال شيعتنا على عدوّنا» (2).

ولكن لا يمكن العمل بها جزماً ، لعدم الصغرى لها أوّلاً ، إذ كيف يتّفق فقد المستحقّ لمدّة أربع سنوات؟! ومع تسليم اتّفاقه فلتصرف في سائر الأصناف كالرقاب ، ولا أقلّ من سهم سبيل اللّه ، فإنّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق ،


1) الوسائل 9 : 223 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 7.

2) الوسائل 9 : 223 / أبواب المستحقين للزكاة ب 5 ح 8.

بل يجب ذلك إذا لم يكن مرجوّ الوجود بعد ذلك (1) ولم يتمكّن من الصرف في سائر المصارف.


وقد ورد أنّ اللّه لم يجعل فريضة لم يوجد لها محلّ (1).

وثانياً : أنّه كيف يؤمر بالطرح في البحر وهو إتلاف للمال غير الجائز على كلّ حال؟! بل غايته أن تودع عنده إلى أن يوجد لها مصرف ، لا أنّها تعدم وتتلف.

وثالثاً : أنّ السند ضعيف ، للإرسال ، مضافاً إلى عدم توثيق محمّد بن جمهور (والد) (2)إبراهيم الأوسي ، فهي مخدوشة من جهات ولا يمكن التعويل عليها لتنهض للمقاومة مع صحيحة ضريس المتقدّمة.

(1) لا شبهة في عدم الوجوب مع رجاء الوجود ، فيجوز الانتظار ، بل عرفت جوازه حتّى مع وجود المستحقّ لغرض الإيصال إلى الأفضل أو الأقرب ، فتكون الزكاة حينئذ أمانة عنده لا يضمن إلّا مع التفريط.

كما لا شبهة أيضاً في عدم الوجوب حتّى مع اليأس وعدم الرجاء فيما إذا أمكن الصرف في سائر الجهات الثمانية من الرقاب والغارمين ونحوهما ، ضرورة جواز الصرف حتّى مع وجود الفقير فضلاً عن عدمه.

وإنّما الكلام مع اليأس عن الفقير في البلد وعدم وجود مصرف آخر ، فهل يجب النقل حينئذٍ؟ الظاهر ذلك.

ويدلّنا عليه نفس الأدلّة الأوّليّة من الكتاب والسنّة الدالّة على وجوب إخراج الزكاة وإيصالها إلى أربابها بعد وضوح عدم كفاية مجرّد العزل في فرض


1) الوسائل 9 : 209 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 1.

2) كذا ، والظاهر : و. حيث إنّ محمد بن جمهور ليس والد إبراهيم الأوسي ، مضافاً إلى ورود عدم توثيقهما في كتب الرجال.

ومئونة النقل حينئذٍ من الزكاة (1)


اليأس ، فلا بدّ من النقل مقدّمةً لأداء الواجب.

وأمّا الاستدلال لذلك بصحيحة ضريس المتقدّمة ففي غير محلّه ، إذ الظاهر من قول السائل : ففي من نضعها ، أنّه عازم على الدفع إلى الفقير ولا يريد الصرف في سائر المصارف ، فالأمر بالنقل في هذه الحالة إرشاد إلى طريق يوصل السائل إلى مطلوبه ، لأنّه حكم تكليفي مولوي ليدلّ على الوجوب ، كيف؟! ولو أُريد ذلك للزم التقييد باليأس عن الفقير وبتعذّر مصرف آخر ، ومن البيّن أن ذينك التقييدين يستوجبان حمل الصحيحة على الفرد النادر جدّاً ، إذ ليت شعري كيف يمكن فرض بلدٍ لا يوجد ولا يرجى فيه لا المستحقّ ولا مصرف آخر حتّى سهم سبيل اللّه مع أنّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق كما تقدّم؟! ولو كان فهو من الندرة بمكان ، ولازمه ما عرفت من الحمل على النادر المستهجن.

هذا ، ومع الغضّ وتسليم إمكان التقييد من غير محذور فيه فالإطلاق من هذه الناحية معارض بالإطلاق الذي تبتني عليه دلالة الأمر على الوجوب ، حيث قد ذكرنا في محلّه أنّها لم تكن وضعيّة بل بالإطلاق ، أي السكوت في مقام البيان وعدم نصب قرينة على جواز الترك ، حيث ينتزع العقل من ذلك اتّصاف الطلب بالوجوب ، وبما أنّه يمتنع الجمع بين الإطلاقين بأن يلتزم بوجوب النقل حتّى مع رجاء الوجدان وإمكان الصرف في جهة أُخرى ، إذ لم يقل به أحد ولا يمكن القول به كما سبق ، فلا جرم يدور الأمر بين رفع اليد عن الأوّل بحمل الأمر على الإرشاد حسبما عرفت وبين تقييد مورد الصحيحة باليأس وامتناع الصرف ، وحيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر فلا محالة تصبح الرواية مجملة وغير صالحة للاستدلال بها ، فالعمدة في الاستدلال ما عرفت ، فلاحظ.

(1) الظاهر أنّ هذه المسألة غير محرّرة في كلمات أكثر الفقهاء ، فإنّهم وإن تعرّضوا لمئونة الكيل والوزن لكن مئونة النقل مهملة وغير معنونة.

.................................................................................................


وكيفما كان ، فيستدلّ لكون المئونة المزبورة من الزكاة تارةً بأنّها لمصلحتها ، وأُخرى بأصالة البراءة عن تحمّلها.

وكلاهما كما ترى :

أمّا الأوّل : فلعدم الدليل على جواز صرف كلّ ما كان في مصلحة المال ما لم تثبت الولاية للمتصرّف ، ألا ترى أنّه لا يجوز إصلاح دار الجار بمال الجار ما لم يوكّله في ذلك.

وبالجملة : ما لم تثبت الولاية على التصرّف في الزكاة لا يجوز الصرف منها في حفظها وإن كان لصالحها.

وأمّا الثاني : فإن أُريد به أصالة البراءة عن وجوب الصرف على المالك فهو وإن صحّ لكنّه لا يثبت جواز الصرف من الزكاة ، فإنّ غاية ما هناك وجوب الإيصال إلى المستحقّ ، وأمّا جواز الصرف منها للإيصال فالأصل المزبور لا يقتضيه.

وإن أُريد به أصالة البراءة عن الضمان لو صرف ، فمن البيّن أنّه لا مساغ لهذا الأصل بعد إطلاق ما دلّ على سببيّة الإتلاف للضمان الذي لا قصور في شموله للمقام ، فإنّه لا مجال للأصل العملي مع وجود الدليل الاجتهادي. إذن فلا مناص من التماس دليل آخر غير ما ذكر.

ويمكن أن يستدلّ له باندراج المقام في الأُمور الحسبيّة ، إذ بعد خروج الزكاة المعزولة عن ملك المالك والقطع من مذاق الشرع بعدم رضائه ببقائها كذلك وتعطيلها إلى أن يعرضها التلف ، بل لا بدّ من إيصالها إلى أربابها وصرفها في مستحقّها ، فلا جرم يجب حسبةً على كل أحد التصدّي لذلك والقيام بهذا المهمّ ، بماله من المقدّمات التي منها صرف مقدار منها في سبيل مئونة النقل إمّا بإجازة من الحاكم الشرعي إن كان ، وإلّا فمن عدول المؤمنين ، ولو لم يكن أحد فطبعاً يكون هو المتولّي والمتصدّي لذلك.

وأمّا مع كونه مرجو الوجود فيتخيّر بين النقل والحفظ (1) إلى أن يوجد. وإذا تلفت بالنقل لم يضمن مع عدم الرجاء وعدم التمكّن من الصرف في سائر المصارف (2).


ويجري هذا التقرير في الأموال الشخصيّة أيضاً ، فلو كانت تركة الميّت في بلد ووارثه في بلد آخر ولم يتيسّر الاستئذان منه في صرف المال في سبيل الإيصال وكان في معرض التلف ساغ بل وجب حسبةً صرف شي‌ء منه لمئونة النقل بإذن من الحاكم الشرعي ، وإلّا فالعدول ، وإلّا فهو المتصدّي لذلك ، لما عرفت من القطع بعدم رضاء الشارع ببقائه على حاله ليكون عرضةً للتلف.

ولا شبهة في عدم الضمان حينئذٍ بعد أن كانت أمانة بيده ما لم يكن متعدّياً أو مفرّطاً.

وتدلّ عليه صريحاً صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت ، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ «فقال : إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها ، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان ، لأنّها قد خرجت من يده» إلخ (1).

(1) فلا يجب عليه النقل بعينه ، إذ لا مقتضي له بعد إمكان الحفظ ورجاء الوجود وقصور دليل الوجوب عن الشمول للمقام ، فلا جرم يتخيّر بين الأمرين.

(2) فإنّ هذه الصورة هي القدر المتيقّن من صحيحة ابن مسلم المتقدّمة النافية للضمان وكذا غيرها ، وهذا ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف.


1) الوسائل 9 : 285 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1.

وأمّا معهما (1) فالأحوط الضمان (1).


(1) أي مع الرجاء أو التمكّن في قبال ما افترضه أوّلاً من عدمهما معاً ، فالمراد بمقتضى المقابلة انتفاء مجموع الأمرين من الرجاء والتمكّن ، المتحقّق بانتفاء أحدهما تارةً وبانتفاء كلّ منهما اخرى ، فلا تختصّ العبارة بالصورة الأخير كما توهّم.

وكيفما كان ، فيقع الكلام في الضمان تارةً مع الرجاء ، وأُخرى مع التمكّن من الصرف في سائر المصارف.

أمّا في الأوّل : فالظاهر عدم الضمان ، إذ مضافاً إلى أنّ ذلك هو مقتضى القاعدة باعتبار أنّ العين أمانة في يده ولم يصدر منه تعدٍّ ولا تفريط فلا موجب للضمان ، أنّه قد علّق عدم الضمان في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة على عدم وجود المستحقّ لا على عدم رجائه ، حيث قال (عليه السلام) : «وإن لم يجد لها من يدفعها» إلخ ، فإنّ إطلاقها يشمل صورتي الرجاء واليأس كما لا يخفى.

وأمّا الثاني : فقد يقال بالضمان ، ولكن صاحب الجواهر اختار العدم ، نظراً إلى أنّ الموضوع لنفي الضمان هو النقل مع عدم وجود المستحقّ لا مع عدم وجود مصرف آخر للزكاة ، فإطلاقه يشمل المقام (2).

وهذا هو الصحيح ، فإنّ ما يستدلّ به للضمان روايتان :

إحداهما : صحيحة ابن مسلم المتقدّمة ، بدعوى أنّ المراد من الموضع الذي علّق عليه الضمان في قوله : «إذا وجد لها موضعاً» إلخ ، هو المعنى الأعمّ الشامل للمستحقّ ولغيره من سائر المصارف ، فكأنه (عليه السلام) علّق عدم الضمان على عدم التمكّن من الصرف في شي‌ء من المصارف الثمانية المنفي في الفرض.


1) (*) لا بأس بتركه.

2) الجواهر 15 : 432 433.

.................................................................................................


ثانيتهما : صحيحة زرارة المتقدّمة ، حيث ورد فيها : «ولكن إن (إذا) عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتّى يخرجها» (1)، حيث علّق الضمان على وجدان الأهل ، بدعوى شمول الأهل لمطلق المصرف من غير اختصاص بالمستحقّ ، وشي‌ء منهما لا يتمّ.

أمّا الأخيرة : فمضافاً إلى ظهور الأهل في الشخص لا في مطلق الصرف كما لا يخفى ، أنّ موردها على ما عرفت سابقاً إنّما هو التلف عند الوكيل أي الأخ المبعوث إليه الزكاة ، وأنّه يضمن مع وجود الأهل لو أخّر الصرف حتّى تلف ولا يضمن مع عدمه لا عند المالك الناقل بأن يعرضه التلف في الطريق الذي هو محلّ الكلام ، فلا علاقة للرواية بالمقام بوجه.

وأمّا الاولى : فلقرائن تشهد بإرادة المستحقّ من الموضع لا مطلق الصرف :

منها : التعبير بالتقسيم ، فإنّه ظاهر في التوزيع على الفقراء كما لا يخفى.

ومنها : التعبير ب- «الدفع» في قوله : «فلم يدفعها إليه» ، فإنّ الذي يدفع إليه هو الفقير ، ولو أُريد المعنى الآخر لعبّر بالصرف بدلاً عن الدفع كما لا يخفى.

ومنها : قوله : «وإن لم يجد لها من يدفعها إليه» فإنّ الموصول ظاهر في ذوي العقول أي لم يجد شخصاً من الفقراء يدفعها إليه فلا يشمل مطلق الصرف. فهي إذن تدلّ على دوران الضمان مدار وجود الفقير وعدمه.

ويؤكّد ما ذكرناه من إناطة عدم الضمان بعدم وجود الفقير في البلد وإن أمكن الصرف في سائر الجهات إطلاق عدّة من الروايات :

منها : معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شي‌ء عليه» (2).


1) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 2.

2) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3.

ولا فرق في النقل بين أن يكون إلى البلد القريب أو البعيد (1) مع الاشتراك في ظنّ السلامة وإن كان الأولى التفريق في القريب ما لم يكن مرجّح للبعيد.

[2764] الحادية عشرة : الأقوى جواز النقل إلى البلد الآخر ولو مع وجود المستحقّ في البلد وإن كان الأحوط عدمه كما أفتى به جماعة (2)


ومعتبرة اخرى له ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : جعلت فداك ، الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض إلى أرض فيُقطع عليه الطريق «فقال : قد أجزأته عنه ، ولو كنت أنا لأعدتها» (1).

ومعتبرة بكير بن أعين ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يبعث بزكاته فتُسرق أو تضيع «قال : ليس عليه شي‌ء» (2).

فإنّه كيف يمكن حمل هذه المطلقات على صورة امتناع الصرف في سائر الجهات التي هي فرض نادر جدّاً ، لتيسّر الصرف في شي‌ء منها غالباً ، ولا أقلّ من سهم سبيل اللّه كما تقدّم سابقاً ، فكيف يمكن حمل المطلق على الفرد النادر؟! فيكون ذلك خير شاهد على التعميم. إذن فلا تصحّ الصحيحة لتقييد المطلقات النافية للضمان بما إذا تعذّر الصرف في البلد بقولٍ مطلق ، بل العبرة بوجود الفقير وعدمه حسبما عرفت ، فلا ضمان مع فقده سواء أكان مرجوّاً أم لا ، وسواء أمكن الصرف في سائر الجهات أم لا وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

(1) لإطلاق الأدلّة بعد فقد ما يصلح للتقييد.

(2) بل في الحدائق نسبته إلى المشهور (3)، بل عن العلّامة في التذكرة دعوى


1) الوسائل 9 : 287 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 6.

2) الوسائل 9 : 287 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 5.

3) الحدائق 12 : 239.

.................................................................................................


الإجماع عليه (1).

لكن الدعوى موهونة ، لذهاب جمّ غفير من الفقهاء إلى الجواز ومنهم نفس الحاكي للإجماع أعني : العلّامة في المختلف والمنتهى (2)بل نسب ذلك إلى المشهور بين المتأخّرين.

نعم ، لا يبعد أن يكون المشهور بين المتقدّمين هو المنع.

وكيفما كان ، فيستدلّ لعدم الجواز تارةً بالإجماع. وقد عرفت ما فيه.

وأُخرى : بأنّ النقل معرّض للخطر من ضياع أو سرقة ونحوهما ، فلا يجوز.

وفيه : أنّ النقل بمجرّده لا يلازم الخطر ، بل ربّما يكون الحفظ متوقّفاً عليه فيجب ، فإنّ المالك أمين على الزكاة ويجب عليه حفظ الأمانة عن المخاطرة ، سواء أكانت في السفر أم في الحضر ، فإن كان الخطر في النقل لم يجز ولا يسوغه الضمان ، فإنّ تعريض الأمانة للمخاطرة غير جائز في نفسه وإن تعهّد ضمانها ، وإن كان في البقاء لم يجز البقاء أيضا.

وبالجملة : بين النقل والخطر عموم من وجه ولا ملازمة بينهما ، فلا يصحّ الاستدلال بما هو أخصّ من المدّعى.

وثالثةً : بأنّ النقل ينافي الفوريّة الواجبة في دفع الزكاة.

ويردّه : منع الفوريّة أوّلاً ، بل يظهر من بعض الأدلّة جواز التأخير شهراً أو أكثر كما تقدّم.

وثانياً : أنّ النقل لا يلازم التأخير ، كيف؟! وربّما يكون الإيصال إلى المستحقّ أسرع من الأداء في البلد ، كما لو كانت الزكاة خارج البلدة الكبيرة وكان إيصالها إلى بعض القرى القريبة أسرع من إيصالها إلى من هو في أواسط البلدة أو


1) التذكرة 5 : 341.

2) المختلف 3 : 122 ، المنتهي 1 : 529.

.................................................................................................


أواخرها ، فهذه الوجوه لا تصلح للاعتماد عليها في المنع عن النقل.

نعم ، لا شبهة في أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة عدم الجواز ، فإنّ نقل الزكاة تصرّف في الأمانة يحتاج جوازه إلى الدليل ، ولكنّه يكفي فيه إطلاقات الأمر بالأداء الواردة في الكتاب والسنّة ، فإنّها تشمل الأداء في البلد وخارجه بعد فقد الدليل على التقييد بالأوّل.

بل أنّ بعض النصوص قد نطقت صريحاً بجواز النقل ، عمدتها صحيحتان :

الأُولى : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل يعطى الزكاة يقسّمها ، إله أن يخرج الشي‌ء منها من البلدة التي هو فيها (بها) إلى غيرها؟ «فقال : لا بأس به» (1).

فإنّ موردها وإن كان هو نقل الوكيل لكنّها تدلّ على نقل الموكّل أعني : صاحب الزكاة بطريقٍ أولى.

الثانية : صحيحة أحمد بن حمزة ، قال : سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر ويصرفها في إخوانه ، فهل يجوز ذلك؟ «قال : نعم» (2).

وربّما يتوهّم معارضتهما بروايتين :

إحداهما : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا تحلّ صدقة المهاجرين للأعراب ، ولا صدقة الأعراب في المهاجرين» (3).

ثانيتهما : صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يقسّم صدقة أهل البوادي في أهل


1) الوسائل 9 : 282 / أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 1.

2) الوسائل 9 : 283 / أبواب المستحقين للزكاة ب 37 ح 4.

3) الوسائل 9 : 284 / أبواب المستحقين للزكاة ب 38 ح 1.

.................................................................................................


البوادي ، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر» (1).

فقيل : إنّهما تدلّان على النهي عن نقل صدقة البدوي إلى الحضري أو العكس ، وكذا نقل صدقة الأعراب إلى المهاجرين وعكسه.

وممّن فهم منهما ذلك صاحب الوسائل بعد حمل النهي على الكراهة ، حيث عنون للباب بقوله : باب استحباب تفريق الزكاة في بلد المال وكراهة نقلها مع وجود المستحقّ.

ولكن الظاهر أنّهما أجنبيّتان عمّا نحن فيه ولا نظر فيهما إلى النقل ، فإنّ موردهما دفع صدقة أهل البادية إلى الحضري حتّى إذا كان موجوداً في البادية ، وكذلك صدقة الحضري إلى البدوي وإن كان موجوداً في الحضر ، فلا نظر فيهما إلى النقل نفسه بحيث يتناول الحكم نقل صدقة أهل البادية إلى بادية أُخرى مثلها ، أو نقل صدقة الحضري إلى حضري مثله في بلد آخر.

فالمستفاد منهما لزوم دفع صدقة كلّ صنف من البدوي والحضري أو الأعراب والمهاجرين إلى ما يماثله في الصنف لا ما يقابله ، سواء أكان ذلك مقروناً بالنقل أم لا ، فلا ارتباط لذلك بمحلّ الكلام لتتحقّق المعارضة بين الطائفتين.

وحيث لا قائل باعتبار المماثلة المزبورة فلا جرم يكون الحكم محمولاً على التنزيه من الكراهة أو الاستحباب ، كما يفصح عنه ما في ذيل الثانية من قوله (عليه السلام) : «ليس عليه في ذلك شي‌ء مؤقّت موظّف» إلخ (2).

وممّا يؤكّد ذلك ما كان يفعله النبيّ والوصيّ وغيرهما (عليهم السلام) من بعث العمال لجباية الزكوات ونقلها إليهم ، فإنّه لو كان يجب صرف صدقات أهل البادية فيهم فكيف كانت تؤخذ منهم ويؤتى بها إليهم (عليهم السلام)؟!


1) الوسائل 9 : 284 / أبواب المستحقين للزكاة ب 38 ح 2.

2) الوسائل 9 : 265 / أبواب المستحقين للزكاة ب 28 ح 1.

ولكن الظاهر الإجزاء لو نقل على هذا القول أيضاً (1). وظاهر القائلين بعدم الجواز وجوب التقسيم في بلدها لا في أهلها ، فيجوز الدفع في بلدها إلى الغرباء وأبناء السبيل (2) ، وعلى القولين إذا تلفت بالنقل يضمن (3).


والمتحصّل من جميع ما مرّ : جواز النقل ما لم يكن معرّضاً للتلف حسبما عرفت.

(1) فالمنع لو سلّم تكليفي محض ولا يستتبع الوضع فيجزي ولا يضمن وإن كان آثماً ، كما لا يجب عليه إرجاعها إلى البلد قبل الإعطاء.

وتدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ، رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت ، هل عليه ضمانها حتّى تقسّم؟ «فقال : إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتّى يدفعها» إلخ (1).

حيث يظهر منها وضوح أنّ موجب الضمان إنّما هو الضياع فحسب ، ورافعه هو الدفع إلى المستحقّ حيثما تحقّق وإن كان في غير البلد.

(2) فإنّ الممنوع على القول به إنّما هو مجرّد النقل ولزوم التوزيع في نفس البلدة ، وأمّا التخصيص بأهاليها كي لا يشمل الغريب وابن السبيل فهو عناية زائدة لا يقتضيها ظواهر عبائرهم ولا مفاد أدلّتهم كما لا يخفى.

(3) مع التمكّن من الدفع في البلد إلى المستحقّ ، لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مسلم المتقدّمة : «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن» إلخ ، ومن البيّن أنّ الضمان لا يكون كاشفاً عن عدم جواز النقل ، فإنّه أعمّ من المنع ولا تلازم بينهما ، كما هو الحال في العارية فإنّها جائزة ومع ذلك يكون المستعير ضامنا.


1) الوسائل 9 : 285 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 1.

كما أنّ مئونة النقل عليه لا من الزكاة (1) ، ولو كان النقل بإذن الفقيه لم يضمن (1)(2) وإن كان مع وجود المستحقّ في البلد.


(1) إذ لا مقتضي لكونها منها بعد فرض وجود المستحقّ وعدم توقّف الإيصال على النقل ، فلا جرم تكون المئونة على الناقل بعد أن كان مقتضى الأصل بقاء الزكاة على حالها.

(2) ربّما يورد عليه بأنّ إذن الفقيه لا يزيد على إذن الشارع ، فإذا كان جواز النقل الثابت بأصل الشرع محكوماً بالضمان بمقتضى صحيحة ابن مسلم المتقدّمة فكيف يكون إذن الفقيه رافعاً له ، وهل هذا إلّا من زيادة الفرع على الأصل؟! لكنّك خبير بأنّ المقصود من الإذن المزبور ليس هو مجرّد فتوى الفقيه وإخباره عن حكم اللّه بالجواز ، كيف؟! وهذا لا يزيد على الإذن الصريح الصادر من صاحب الشريعة كما أُفيد.

بل المراد إذنه بما هو ولي على الزكاة وأنّ أمرها بيده وله الولاية الشرعيّة عليها ، نظيراً إلى أنّ الإذن بهذه العناية يتضمّن لا محالة توكيلاً ضمنيّاً في القبض عنه والنقل إلى البلد الآخر ، ومن الواضح أنّ الإذن كذلك بمثابة الإذن الصادر من المالك في انتفاء الضمان ، فكما أنّ مالك الأمانة لو أذن للأمين في النقل فتلف لم يضمن بلا كلام ، فكذلك الإذن الصادر في المقام بمناط واحد ، وهو الانبعاث ممّن بيده الأمر.

نعم ، لا يجب عليه النقل بمجرّد هذا الإذن كما لا يحرم لو منع ، لعدم الدليل على وجوب إطاعة الفقيه في مثل هذه الأُمور ، لكنّه على تقدير النقل لم يضمن بعد استناده إلى إذن الولي حسبما عرفت.

والحاصل : أنّ الإذن بعنوان الولاية بمثابة القبض والوكالة ، ولا ضمان مع


1) (*) يريد بذلك الإذن بما أنّه ولي.

وكذا بل وأولى منه (1) لو وكّله في قبضها عنه بالولاية العامّة ثمّ أذن له في نقلها.

[2765] الثانية عشرة : لو كان له مال في غير بلد الزكاة أو نقل مالاً له من بلد الزكاة إلى بلدٍ آخر جاز احتسابه زكاة عمّا عليه في بلده ولو مع وجود المستحقّ فيه ، وكذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر جاز احتسابه زكاة ، وليس شي‌ء من هذه من النقل الذي هو محلّ الخلاف في جوازه وعدمه (2) ، فلا إشكال في شي‌ء منها.

[2766] الثالثة عشرة : لو كان المال الذي فيه الزكاة في بلد آخر غير بلده جاز له نقلها (3) إليه


هذه الحالة.

(1) وجه الأولويّة التصريح بالتوكيل في القبض عنه في قبال ما سبق من التوكيل الضمني حسبما عرفت ، ومن ثمّ كان الحكم هنا أوضح وأولى.

وبالجملة : القبض عن الفقيه إمّا بالتوكيل الضمني أو الصريح بمثابة الإيصال إلى المستحقّين ، ومعه لا مقتضي للضمان بوجه.

(2) فإنّ موضوع المنع على القول به هو نقل الزكاة ، ولا نقل في مفروض المسألة ، وإنّما هو إعطاء للزكاة لغير أهل بلده ، ولا ضير فيه حسبما تقدّم (1)، إلّا إذا بنينا على شمول المنع له والتزمنا باختصاص زكاة كلّ بلد بمستحقّه ، استناداً إلى ما يتراءى من بعض النصوص ، وقد عرفت ضعفه وضعف مستنده.

(3) كما تقدّم في المسألة الحادية عشرة ، لعدم الفرق في صدق النقل المبحوث عنه بين كونه من بلد المالك أو بلد الزكاة.


1) في ص 233 234.

مع الضمان (1)(1) لو تلف ، ولكن الأفضل صرفها في بلد المال (2).

[2767] الرابعة عشرة : إذا قبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامّة برئت ذمّة المالك (3) وإن تلفت عنده بتفريطٍ (4) أو بدونه أو أعطى لغير المستحقّ اشتباهاً.

[2768] الخامسة عشرة : إذا احتاجت الزكاة إلى كيل أو وزن كانت اجرة الكيال والوزان على المالك لا من الزكاة (5).


(1) على التفصيل المتقدّم من وجود المستحقّ وعدمه وكونه بإذن الفقيه وعدمه.

(2) لعلّ مستنده صحيحتا الحلبي والهاشمي المتقدّمتان (2)، حيث تضمّنتا تقسيم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي كالحضري ، وكذلك الأعرابي ، المحمول على الاستحباب كما سبق.

(3) إذ بعد ثبوت الولاية للفقيه وقبضه بهذا العنوان فقبض الولي كقبض المولّى عليه ، كما أنّ قبض الوكيل كقبض الموكّل ، ولا ضمان بعد قبض المستحقّ كما هو واضح.

(4) أي من غير الفقيه لا منه ، وإلّا لسقط عن العدالة فتسقط عنه الولاية.

(5) لعلّ الوجه فيه ظاهر ، فإنّ الواجب على المالك دفع كمّيّة خاصّة من العشر أو نصفه ، ومع احتساب الأُجرة من الزكاة يكون المدفوع إلى المستحقّ أقلّ ، ولا ينتقض بما عن المبسوط من كون المدفوع أكثر لو كان من المالك (3)، إذ


1) (*) على تفصيلٍ تقدّم.

2) في ص 234.

3) المبسوط 1 : 256.

[2769] السادسة عشرة : إذا تعدد سبب الاستحقاق في شخص واحد كأن يكون فقيراً وعاملاً وغارماً مثلاً جاز أن يعطى بكلّ سبب نصيباً (1).

[2770] السابعة عشرة : المملوك الذي يشترى من الزكاة إذا مات ولا وارث له ورثه أرباب الزكاة دون الإمام (عليه السلام) (2).


فيه : أنّ الزائد مدفوع حينئذٍ من باب المقدّمة لا بعنوان الزكاة ، وربّما لا يحتاج إليه فيما إذا دفع القيمة بدلاً عن العين بعد كونه مخيّراً بينهما.

وبالجملة : فالمقام نظير بيع صاع من الصبرة ، فكما أنّ الواجب دفع تمام الصاع المبيع بكامله وأُجرة التوزين في عهدة البائع فكذلك المقام بمناطٍ واحد.

(1) لإطلاق أدلّة السهام ، إذ لم يقيّد مورد كلّ سهم بمباينته مع مورد السهم الآخر.

ودعوى الانصراف عن صورة الاجتماع بحيث لا يتناول الإطلاق لها ، كما ترى ، لعرائها عن أيّ شاهد.

هذا على القول بوجوب البسط.

وأمّا على ما هو الأقوى من عدم الوجوب فالأمر أوضح ، فإنّ السهام والأصناف حينئذٍ مصارف بحتة ولا يجب قصد شي‌ء منها بخصوصه.

(2) وإن نُسب ذلك إلى العلّامة (1)وجمع من المتأخّرين ، بدعوى أنّ أرباب الزكاة لم يكونوا مالكين للعبد قبل عتقه ليثبت لهم ولاء العتق المترتّب عليه الإرث ، وإنّما هم مصارف بحتة. إذن فالعبد المعتق بعد موته ممّن لا وارث له ، فلا جرم يرثه الإمام الذي هو وارث من لا وارث له.


1) المنتهي 1 : 531.

ولكن الأحوط صرفه في الفقراء فقط (1).


إذ فيه : أنّ ما ذكر وإن كان هو مقتضى القاعدة كما أُفيد ، إلّا أنّه لا مناص من الخروج عنها والمصير إلى ما عليه المشهور من كونه إرثاً لأرباب الزكاة ، لأجل النصّ الخاصّ ، وهو موثّق عبيد بن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعاً يدفع ذلك إليه ، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه ، هل يجوز ذلك؟ «قال : نعم ، لا بأس بذلك» قلت : فإنّه لمّا أن أُعتق وصار حرّا اتّجر واحترف فأصاب مالاً (كثيراً) ثمّ مات وليس له وارث ، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ «قال : يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة ، لأنّه إنّما اشتُري بمالهم» (1).

وصحيح أيّوب بن الحرّ أخي أديم بن الحرّ ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه ، أشتريه من الزكاة فأُعتقه؟ قال : «فقال : اشتره وأعتقه» قلت : فإن هو مات وترك مالاً؟ قال : «فقال : ميراثه لأهل الزكاة ، لأنّه اشتري بسهمهم» (2).

إذن فالقول بأنّ الولاء للإمام (عليه السلام) يشبه الاجتهاد في مقابل النصّ.

(1) بل قوّاه في الجواهر ، جموداً على ظاهر الموثّق من التخصيص بهم (3).

لكن المتعيّن رفع اليد عنه ، لمكان التعليل بقوله : «إنّما اشتري بمالهم» الحاكم ظهوره على ظهور المعلّل ، فإنّه من الواضح أنّ الزكاة لم تكن مالاً للفقراء ، وإنّما


1) الوسائل 9 : 292 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 2.

2) الوسائل 9 : 293 / أبواب المستحقين للزكاة ب 43 ح 3.

3) الجواهر 15 : 444 445.

[2771] الثامنة عشرة : قد عرفت سابقاً (1) أنّه لا يجب الاقتصار في دفع الزكاة على مئونة السنة ، بل يجوز دفع ما يزيد على غناه (1)إذا اعطي دفعة ، فلا حدّ لأكثر ما يدفع إليه وإن كان الأحوط الاقتصار على قدر الكفاف خصوصاً في المحترف الذي لا تكفيه حرفته. نعم ، لو اعطي تدريجاً فبلغ مقدار مئونة السنة حرم عليه أخذ ما زاد للإنفاق ، والأقوى أنّه لا حدّ لها في طرف القلّة أيضاً (2).


هم من جملة المصارف ، على أنّ العبد لم يشتر من سهمهم بل من سهم الرقاب ، فيعلم من ذلك أنّ المراد بمالهم أي المال الذي يصرف فيهم ، ومن المعلوم أنّ الزكاة كما تصرف فيهم تصرف في غيرهم من سائر الأصناف أيضاً. إذن فذكر الفقير إنّما هو من باب التمثيل لمطلق أرباب الزكاة ، فالولاء لها لا لخصوص الفقراء ، ولعلّ تخصيصهم بالذكر هنا وفيما تضمّن أنّ اللّه أشرك الفقراء مع الأغنياء إنّما هو من أجل أنّ العمدة والأصل في حكمة التشريع هو رفع حاجة الفقير وسدّ خلّته.

ويتقوّى هذا الاستظهار بالتصريح بأهل الزكاة في صحيح أيّوب بن الحرّ من غير ذكر للفقير. إذن فلا ينبغي التأمّل في شمول الحكم لمطلق أرباب الزكاة وإن كان الاحتياط حذراً عن الخلاف ممّا لا ينبغي تركه.

(1) وقد مرّ البحث حول ذلك مستوفى في المسألة الثانية من فصل أصناف المستحقّين ، فلاحظ ولا نعيد.

(2) على المشهور بين المتأخّرين فيجوز إعطاء أيّ مقدار شاء.

ونُسب إلى جماعة كالمفيد والسيّد والشيخ والصدوقين والمحقّق (2)وغيرهم -


1) (*) تقدّم الإشكال فيه.

2) نسبه إليهم صاحب الحدائق 12 : 245.

.................................................................................................


أنّه لا يعطى الفقير أقلّ ممّا يجب في النصاب الأوّل وهو خمسة دراهم أو نصف دينار ، المتّحدان بحسب القيمة في زمن الأئمّة (عليهم السلام) ، حيث كان كلّ دينار يسوى عشرة دراهم.

ونُسب إلى ابن الجنيد وسلّار أنّ أقلّه ما يجب في النصاب الثاني وهو درهم أو قيراطان (1).

أمّا القول الأخير فلم يعرف له ايّ مستند وعهدته عليهما.

وأمّا القول الثاني فيستدلّ له بصحيحة أبي ولّاد الحنّاط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : «لا يعطى أحد من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم ، وهو أقلّ ما فرض اللّه عزّ وجلّ من الزكاة في أموال المسلمين ، فلا تعطوا أحداً من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم فصاعداً» (2).

وما رواه معاوية بن عمّار وعبد اللّه بن بكير جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : «قال : لا يجوز أن يدفع من الزكاة أقلّ من خمسة دراهم ، فإنّها أقلّ الزكاة» (3).

ولكنّهما معارضتان بصحيحة محمّد بن عبد الجبّار : أنّ بعض أصحابنا كتب على يدي أحمد بن إسحاق إلى عليّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) : اعطي الرجل من إخواني الزكاة الدرهمين والثلاثة ، فكتب : «افعل إن شاء اللّه تعالى» (4).

والجمع العرفي بين الصحيحتين يقتضي حمل النهي في صحيحة الحنّاط على


1) نسبه إليهما صاحب المدارك 5 : 279.

2) الوسائل 9 : 257 / أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 2.

3) الوسائل 9 : 257 / أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 4 ، التهذيب 4 : 62 / 168 ، الاستبصار 2 : 38 / 117.

4) الوسائل 9 : 256 / أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 1.

.................................................................................................


الكراهة ، ولكنّه لا يتأتّى في رواية معاوية ، للتدافع بين ما تضمّنته من التعبير ب- «لا يجوز» وبين التعبير ب- «افعل» في صحيحة ابن عبد الجبّار ، بحيث لو اجتمعا في كلام واحد وعُرض على أهل العرف تحيّروا لما يرونه من التدافع والتهافت. وقد ذكرنا في محلّه أنّ ضابط الجمع العرفي أنّ الدليلين لو اجتمعا في كلام واحد وأُلقيا على العرف لم يتحيّر أهله ، بل يرون أنّ أحدهما قرينة على المراد من الآخر لا أنّه مضادّ له كما في المقام.

والذي يهوّن الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند ب : إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم كما في الوسائل والتهذيب فإنّ المراد به هو إبراهيم بن إسحاق الأحمري على ما صرّح به الشيخ نفسه في الاستبصار عند نقل الرواية ، وهو ضعيف متّهم في دينه لا يعمل بشي‌ء من رواياته. ومع الغضّ وتسليم أنّه شخص آخر فهو مجهول ، فالرواية ضعيفة على كلّ حال.

فليس في البين ما عدا الصحيحتين ، وقد عرفت وجه الجمع بينهما.

فالأقوى إذن هو القول الأوّل المنافي للتحديد مع نوع كراهة في الأقل من الخمسة.

ويعتضد ذلك برواية محمّد بن أبي الصهبان ، قال : كتبت إلى الصادق (عليه السلام) هل يجوز لي يا سيّدي أن اعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة الدراهم فقد اشتبه ذلك عليّ؟ فكتب : «ذلك جائز» (1).

فإنّ الجمع بينها وبين صحيحة الحنّاط هو ما عرفت من الحمل على الكراهة.

إنّما الكلام في سندها ، فقد ناقش فيه الأردبيلي في جامع الرواة بأنّه مرسل ، نظراً إلى أنّ محمّد بن أبي الصهبان هو محمّد بن عبد الجبّار وهو من أصحاب الهادي (عليه السلام) كما يظهر من روايته السابقة ، فكيف يمكن أن يكاتب


1) الوسائل 9 : 258 / أبواب المستحقين للزكاة ب 23 ح 5.

من غير فرق بين زكاة النقدين وغيرهما (1) ،


الصادق (عليه السلام) مع ما بينهما من الفصل الطويل؟! فلا مناص من وجود واسطة في البين فتكون مرسلة لا محالة (1).

وفيه ما لا يخفى ، بداهة أنّ الإرسال إنّما يتحقّق في مثل التعبير ب : «قال» أو : «روي» وما شاكلهما ، لا في مثل التعبير ب- «كتبت» ، فإنّه كقوله «سمعت» لا يطلق إلّا في صورة المباشرة ومن دون أيّ واسطة كما لعلّه واضح جدّاً.

والذي يغلب على الظنّ لو لم يكن مقطوعاً به أنّ المراد به هو الهادي (عليه السلام) ، والتوصيف بالصادق كالتوصيف بالعالم وكلّهم صادقون عالمون يراد به معناه الوصفي لا العنوان اللّقبي ، إذ الشائع الدارج على ألسنة الرواة وأرباب الحديث التعبير عن الإمام الصادق (عليه السلام) باسمه جعفر أو جعفر ابن محمّد ، أو كنيته أبو عبد اللّه (عليه السلام) ، وأمّا التعبير بالصادق فهو في غاية الندرة والقلّة ، وإنّما اشتهر (عليه السلام) بذلك في الأزمنة المتأخّرة. إذن فالرواية مسندة ومعتبرة ، ومع الغضّ عنها ففي الرواية السابقة السليمة عن المعارضة غنى وكفاية حسبما عرفت.

(1) هل التحديد بالخمسة دراهم منعاً أو كراهةً الوارد في صحيحة الحنّاط المتقدّمة يختصّ بالفضّة أو يعمّ كافّة الأعيان الزكويّة؟

الظاهر هو الثاني ، فإنّ هذا التقدير وإن كان هو أقلّ ما يجب في زكاة الفضّة إلّا أنّ توصيفه في الصحيحة بأنّه أقلّ ما فرضه اللّه من الزكاة في أموال المسلمين بعد ملاحظة جواز تبديل الزكاة عن كلّ جنس زكوي بالنقدين يكشف عن الإطلاق وعدم الاختصاص ، إذ الخمسة دراهم كما يمكن دفعها عن زكاة الفضّة


1) جامع الرواة 2 : 135.

ولكن الأحوط عدم النقصان عمّا في النصاب الأوّل من الفضّة في الفضّة وهو خمس دراهم ، وعمّا في النصاب الأوّل من الذهب في الذهب وهو نصف دينار ، بل الأحوط مراعاة مقدار ذلك في غير النقدين أيضاً ، وأحوط من ذلك مراعاة ما في أوّل النصاب من كلّ جنس ، ففي الغنم والإبل لا يكون أقلّ من شاة ، وفي البقر لا يكون أقل من تبيع ، وهكذا في الغلّات يعطى ما يجب في أوّل حدّ النصاب.

[2772] التاسعة عشرة : يستحبّ للفقيه أو العامل أو الفقير الذي يأخذ الزكاة الدعاء للمالك (1) ، بل هو الأحوط بالنسبة إلى الفقيه الذي يقبض بالولاية العامّة.


يمكن دفعها عن زكاة غيرها من الأعيان الزكويّة ، فالعبرة بأن لا يكون المعطى أقلّ من الخمسة ، سواء أكان الواجب أوّلاً هي الخمسة دراهم أو كانت الخمسة قيمة للواجب منها ، فإذا أراد إخراج زكاته عن الأنعام أو الغلّات أو الذهب بالدرهم فأقلّه خمسة ، لصدق أنّها أقلّ ما فرضه اللّه في أموال المسلمين.

وبالجملة : فتوصيف الخمسة بالأقلّ والتعبير عمّا فرضه اللّه بالزكاة في كافّة الأموال يكشف بعد ملاحظة جواز التبديل المزبور عن أنّها الحدّ في كلّ عين زكويّة بقولٍ مطلق.

نعم ، مقتضى ذلك جواز دفع الأقلّ من الخمسة فيما إذا كانت قيمة النصاب أقلّ منها ، كما لو فرض أنّ قيمة الشاة الواحدة التي هي أوّل نصب الغنم أربعة دراهم مثلاً ولا ضير فيه لو تحقّق الفرض وإن كان الأحوط دفع الخمسة بتمامها جموداً على ظاهر النصّ.

(1) على المشهور ، وذهب بعضهم إلى الوجوب ، استناداً إلى ظاهر الأمر في

.................................................................................................


قوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ) إلى قوله تعالى ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (1)، فإنّه إذا وجب الدعاء عليه (صلّى اللّه عليه وآله) وجب على غيره أيضاً إمّا للتأسّي أو للاشتراك أو للتعليل ، إذ السكن لا يختصّ بدعائه (صلّى اللّه عليه وآله).

أقول : يبتني الاستدلال على أمرين ، أحدهما : ظهور الأمر في الآية المباركة في الوجوب. وثانيهما : مشاركة غيره معه في هذا الحكم.

أمّا الدعوى الثانية : فغير بعيدة للبُعد اختصاص الوجوب به بعد أن لم يذكر من جملة مختصّاته (صلّى اللّه عليه وآله) ، بل أنّ حكمة التشريع التي هي بحسب الظاهر تشويق المالك وترغيبه على الاستمرار في أداء الزكاة يقتضي التعميم كما لا يخفى.

وأمّا الدعوى الاولى فغير ظاهرة :

أوّلاً : لقرب دعوى أنّ الأمر بمقتضى التعليل ومناسبة الحكم والموضوع ظاهرٌ في الإرشاد مقدّمةً لتحصيل السكن والتشويق في العمل ، ولم يكن أمراً مولويّاً تعبّدياً ليقتضي الوجوب.

وثانياً : مع التسليم فالدعوى مبنيّة على أن يكون الوجوب مدلولاً لفظيّاً للأمر ومستفاداً منه وضعاً ليكون حجّة بالنسبة إلى من قصد إفهامه ومن لم يقصد ، لكنّه خلاف التحقيق ، بل الصواب كما حقّق في الأُصول أنّه بحكومة العقل بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة ما لم يكن مقروناً بالترخيص في الترك ، وحيث يحتمل الاقتران بعد أن كان الخطاب مختصّاً به ، ولعلّه كان محفوفاً بما يستفاد منه الترخيص ، فلم يثبت في حقّه ليتعدّى إلى غيره بأحد الوجوه المتقدّمة.


1) التوبة 9 : 103.

[2773] العشرون : يكره لربّ المال طلب تملّك ما أخرجه في الصدقة الواجبة والمندوبة (1).


إذن فالظاهر عدم الوجوب حتّى على الفقيه ووليّ الأمر فضلاً عن غيره.

نعم ، لا شبهة في الاستحباب ، لاتّفاق الفتوى بل دعوى الإجماع عليه.

(1) لورود النهي عنه في صحيحة منصور بن حازم ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا تصدّق الرجل بصدقة لم يحلّ له أن يشتريها ولا يستوهبها ولا يستردّها إلّا في ميراث» (1).

ونحوها صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) قال : إذا تصدّقت بصدقة لم ترجع إليك ولم تشترها إلّا أن تورث» (2).

ولا يبعد كونهما رواية واحدة ، لاتّحاد الراوي ومن يُروى عنه والمرويّ عنه والمضمون وإن اختلف السند والتعبير.

وكيفما كان ، فحيث إنّ الموضوع فيهما هو عنوان الصدقة لا خصوص الزكاة ، وظاهر النهي هو التحريم بل الوضعي منه ، لقوله : «لم ترجع» فضلاً عن التكليفي ، ولا قائل به بنطاق عام ولا ينبغي به الالتزام ، إذ لو كان لبان وكان من الواضحات ، لكثرة الصدقات. فلا جرم يحمل النهي على الكراهة.

نعم ، لا كراهة في الإرث كما تضمّنته الصحيحة ، لكونه مسبّباً قهريّاً خارجاً عن الاختيار كما هو واضح. ويعتضد أصل الحكم بما ورد من أنّ ما كان لله فلا رجعة فيه ، فلاحظ.


1) الوسائل 19 : 207 / كتاب الوقوف والصدقات ب 12 ح 1.

2) الوسائل 19 : 208 / كتاب الوقوف والصدقات ب 12 ح 5.

نعم ، لو أراد الفقير بيعه بعد تقويمه عند من أراد كان المالك أحقّ به من غيره (1) ولا كراهة.


(1) للتصريح بذلك في رواية محمّد بن خالد : أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصدقة إلى أن قال (عليه السلام) : «فإذا أخرجها فليقسّمها فيمن يريد ، فإذا قامت على ثمن فإن أرادها صاحبها فهو أحقّ بها» إلخ (1).

فإنّ الأحقّيّة تدلّ بالملازمة العرفيّة على عدم الكراهة كما لا يخفى. وبذلك يقيّد إطلاق النصوص المتقدّمة ، فلا مجال للنقاش من هذه الجهة.

نعم ، للنقاش في سندها مجال واسع وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات ، بل أرسلها في الجواهر إرسال المسلّمات ، حيث قال : قال الصادق (عليه السلام) ... إلخ (2)، من غير تعرّض للسند بوجه.

وذلك لأجل أنّ التعبير عنها بالصحيح مبنيّ على تخيّل أنّ المراد بالراوي هو محمّد بن خالد البرقي ، وليس كذلك قطعاً ، إذ هو لم يدرك الصادق (عليه السلام) ، بل ولا بعض أصحابه كأبي بصير ، وإنّما هو من أصحاب الكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) ، ومع ذلك لم يرو مباشرة عن أحد من المعصومين الذين أدركهم إلّا في موردين فقط عن الجواد (عليه السلام) ، فكيف يروي هذه الرواية عن الصادق (عليه السلام) مباشرةً؟! ويشهد لما ذكرناه ما علّقه المجلسي في مرآة العقول على ما رواه الكليني في روضة الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، عن


1) الوسائل 9 : 131 / أبواب زكاة الأنعام ب 14 ح 3.

2) الجواهر 15 : 455.

وكذا لو كان جزءاً من حيوان لا يمكن للفقير الانتفاع به ولا يشتريه غير المالك أو يحصل للمالك ضرر بشراء الغير فإنّه تزول الكراهة (1) حينئذٍ أيضاً ، كما أنّه لا بأس بإبقائه في ملكه إذا عاد إليه بميراثٍ ولا شبهه من المملّكات القهريّة (2).


أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... إلخ (1)، حيث قال في التعليق ما لفظه : فيه إرسال ، ورواه العيّاشي عن محمّد بن سليمان الديلمي ، عن أبيه ، ولعلّهما سقطا في هذا السند ، وفي بعض النسخ هكذا ، وهو الظاهر (2).

فإنّ مبنى التعليق استبشاع رواية البرقي عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة كما ذكرناه.

والغالب على الظنّ أنّ المراد به في المقام هو محمّد بن خالد القسري الذي هو من أصحاب الصادق (عليه السلام) ، وحيث إنّه لم يوثّق فلا جرم تكون الرواية ضعيفة ، فلا تصلح للاستناد إليها في الخروج عن إطلاق النصوص المتقدّمة. إذن فلا فرق في الكراهة بين ما لو أراد الفقير بيعها أو لم يرد ، للإطلاق السليم عمّا يصلح للتقييد حسبما عرفت.

(1) لانصراف النصّ عنه ، مضافاً إلى دعوى الإجماع عليه.

(2) للتصريح في النصّ باستثناء الميراث الذي لا يبعد كونه من باب المثال لمطلق المملّكات القهريّة.


1) الكافي 8 : 183 / 208.

2) مرآة العقول 26 : 74.

فصل في وقت وجوب إخراج الزكاة

قد عرفت سابقاً أنّ وقت تعلّق الوجوب فيما يعتبر فيه الحول حولانه بدخول الشهر الثاني عشر (1) وأنّه يستقرّ الوجوب بذلك وإن احتسب الثاني عشر من الحول الأوّل لا الثاني ، وفي الغلّات التسمية (2) ، وأنّ وقت وجوب الإخراج في الأوّل هو وقت التعلّق ، وفي الثاني هو الخرص والصرم في النخل والكرم ، والتصفية في الحنطة والشعير.

وهل الوجوب بعد تحقّقه فوري أو لا؟ أقوال (3) ، ثالثها : أنّ وجوب الإخراج ولو بالعزل فوري ، وأمّا الدفع والتسليم فيجوز فيه التأخير ، والأحوط عدم تأخير الدفع مع وجود المستحقّ وإمكان الإخراج إلّا لغرض


(1) تقدّم ذلك في الشرط الرابع من شرائط وجوب الزكاة في فصل زكاة الأنعام ، وفي الشرط الثالث من شرائطه في زكاة النقدين.

(2) تقدّم ذلك في المسألة الاولى من فصل زكاة الغلّات ، وفي المسألة السادسة منه.

(3) فالمنسوب إلى الشيخ المفيد وغيره : أنّه فوري (1)، بل نسبه في الحدائق إلى المشهور (2).


1) المقنعة : 239.

2) الحدائق 12 : 232.

كانتظار مستحقّ معيّن أو الأفضل ، فيجوز حينئذٍ ولو مع عدم العزل الشهرين والثلاثة ، بل الأزيد ، وإن كان الأحوط حينئذٍ العزل ثمّ الانتظار المذكور ، ولكن لو تلفت بالتأخير مع إمكان الدفع يضمن (1).


وقيل بعدم الفوريّة مطلقاً.

وفصّل الشيخ بين الإخراج ولو بالعزل فوجوبه فوري ، وبين الدفع بعد الإخراج فلا فوريّة له ، بل يجوز التأخير في التسليم شهراً أو شهرين أو أكثر إلى أن يجد موضعه (2).

أمّا مقالة المفيد : فلم يتّضح وجهها ، نعم ذكر في المقنعة ما لفظه : قد جاء عن الصادقين (عليهما السلام) : رخّص في تقديم الزكاة شهرين قبل محلّها وتأخيرها شهرين عنه إلى أن قال : والذي أعمل عليه وهو الأصل المستفيض عن آل محمّد (عليهم السلام) لزوم الوقت ، فإن قدّم قبله جعله قرضاً (3).

لكنّا لم نجد من تلك الروايات المستفيضة ما عدا رواية أبي بصير الآتية.

وما احتمله في الحدائق من جواز وصول تلك الروايات إليه ولم تصل إلينا (4).

كما ترى ، إذ الروايات التي يستند إليها المفيد يطّلع عليها الشيخ بطبيعة الحال ، فإنّه هو الذي أمر الشيخ بتأليف التهذيب وجمع ما فيه من النصوص ، وقد روى عنه فيه عدّة من الأخبار ، فكيف لم يرو عنه شيئاً من تلك الروايات الدالّة على لزوم الوقت وعدم جواز التأخير؟!


1) على الأحوط فيما إذا كان التأخير لغرض صحيح.

2) النهاية : 183.

3) الوسائل 9 : 303 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 13 و 14 ، المقنعة : 240.

4) الحدائق 12 : 230.

.................................................................................................


هذا ، ولعلّه يريد بذلك الروايات الناهية عن حبس الزكاة ومنعها ، وهي نصوص مستفيضة ، ولكنّك خبير بأنّها أجنبيّة عن المقام ، إذ الحبس والمنع شي‌ء والتأخير إلى آونة اخرى لغرضٍ من الأغراض شي‌ء آخر ، ولا يكاد يصدق عليه مانع الزكاة وحابسها بوجه كما لا يخفى.

نعم ، ورد المنع عن التأخير في رواية أبي بصير ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا أردت أن تعطي زكاتك قبل حلّها بشهر أو شهرين فلا بأس ، وليس لك أن تؤخّرها بعد حلّها» (1).

ولكنّها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة البطائني الراوي عن أبي بصير ، مضافاً إلى إمكان الجمع العرفي بينهما وبين النصوص المجوّزة بالحمل على الكراهة.

وأمّا النصوص المصرّحة بالجواز فهي كثيرة :

منها : صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : الرجل تحلّ عليه الزكاة في شهر رمضان ، فيؤخّرها إلى المحرّم؟ «قال : لا بأس» قال : قلت : فإنّها لا تحلّ عليه إلّا في المحرّم ، فيعجّلها في شهر رمضان؟ «قال : لا بأس» (2).

ومقتضى الإطلاق في لفظي «محرم» و «رمضان» جواز التأخير حتّى لو كان الحلّ في أوّل يوم من رمضان والدفع في آخر يوم من محرّم بحيث يكون التأخير حوالي خمسة أشهر.

ومنها : صحيحة حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين» (3).


1) الوسائل 9 : 308 / أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 4.

2) الوسائل 9 : 301 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 9.

3) الوسائل 9 : 302 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 10.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه أنّه قال : في الرجل يخرج زكاته فيقسّم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوّله وآخره ثلاثة أشهر «قال : لا بأس» (1)، ونحوها غيرها من النصوص المعتبرة الصريحة في الجواز.

لكن المتيقّن من التأخير المستفاد جوازه من هذه النصوص إنّما هو التأخير بعد العزل ، بل أنّ الرواية الأخيرة صريحة في ذلك. إذن فلا ينبغي الاستشكال في الجواز بعد العزل.

وأمّا قبل العزل فهل هو أيضاً جائز أو أنّه لا يجوز كما اختاره الشيخ حسبما تقدّم؟

مقتضى صحيحة سعد بن سعد الأشعري عدم الجواز ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة في ثلاثة أوقات ، أيؤخّرها حتّى يدفعها في وقتٍ واحد؟ «فقال : متى حلّت أخرجها» إلخ (2).

فإنّها ظاهرة في المنع عن تأخير الإخراج ولو بالعزل بعد حلول الوجوب.

لكن بإزائها موثّقة يونس بن يعقوب ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : زكاتي تحلّ عليّ في شهر ، أيصلح لي أن أحبس منها شيئاً مخافة أن يجيئني من يسألني يكون عندي عدّة؟ «فقال : إذا حال الحول فأخرجها من مالك ، لا تخلطها بشي‌ء ، ثمّ أعطها كيف شئت» قال : قلت : فإن أنا كتبتها وأثبتّها ، يستقيم لي؟ «قال : نعم ، لا يضرّك» (3).

فإنّ صدرها وإن وافق صحيحة سعد في لزوم العزل ، لكن ذيلها صريح في


1) الوسائل 9 : 308 / أبواب المستحقين للزكاة ب 53 ح 1.

2) الوسائل 9 : 306 / أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 1.

3) الوسائل 9 : 307 / أبواب المستحقين للزكاة ب 52 ح 2.

.................................................................................................


عدم الوجوب وقيام الكتابة مقامه ، لاشتراكها معه في الغاية المتوخّاة منه والحكمة الباعثة على الوجوب ، وهي المحافظة على الزكاة المعزولة حذراً عن خشية التلف أو الانتقال إلى الورثة ، فإنّها بعد الكتابة تكون مأمونة عن هذه الأخطار وإن لم تكن معزولة. وبذلك ترفع اليد عن ظهور صحيحة سعد في وجوب العزل ، ويحمل على الاستحباب ، وبه يجمع شمل الأخبار.

فالأقوى إذن جواز التأخير حتّى مع عدم العزل. وأمّا مقدار التأخير بعد العزل فقد حُدّد في بعض النصوص المتقدّمة بالشهرين أو الثلاثة ، بل عرفت أنّ المستفاد من صحيحة معاوية جواز التأخير إلى الخمسة ، لكن الظاهر من قوله (عليه السلام) في موثّقة يونس : «ثمّ أعطها كيف شئت» من غير تحديد بحدّ معيّن أنّه لا حدّ له بعد الإخراج.

نعم ، لمّا كانت الزكاة المعزولة أمانة بيده فيجوز له التأخير ما لم يؤدّ إلى التعدّي والتفريط بأن كان لأجل انتظار مستحقّ خاصّ ، أو غير ذلك من الأُمور العقلائيّة من غير تحديد بحدّ خاص.

هذا كلّه في الحكم التكليفي.

وأمّا من حيث الحكم الوضعي أعني : الضمان مع العزل أو بدونه فلا ينبغي الريب في عدمه فيما إذا كان التأخير مستنداً إلى عدم وجود المستحقّ ولم يكن متعدّياً ولا مفرّطاً في الحفظ ، إذ هي أمانة عنده مع العزل ، ولا ضمان في الأمانة ، وقد كان معذوراً في التأخير حسب الفرض.

وأمّا مع وجوده فلعلّ المشهور حينئذٍ هو الضمان ، استناداً إلى روايات تقدّمت في المسألة العاشرة من الفصل السابق ، عمدتها صحيحتا محمّد بن مسلم وزرارة ، وقد عرفت ثمّة أنّهما أجنبيتان عن المقام ، فإنّ مورد الاولى هو النقل إلى بلد آخر والضياع في الطريق ، ومورد الثانية هو التلف عند الوكيل المبعوث إليه ، وشي‌ء منهما غير مرتبط بالتلف عند صاحب الزكاة الذي هو محلّ الكلام. فلا

[2774] مسألة 1 : الظاهر أنّ المناط في الضمان مع وجود المستحقّ هو التأخير عن الفور العرفي (1) ، فلو أخّر ساعة أو ساعتين بل أزيد فتلفت من


يكاد يستفاد حكم ضمان المالك من تينك الروايتين بوجه.

بل أنّ مقتضى إطلاق جملة من النصوص عدم الضمان بالتأخير مع العزل حتّى مع وجود المستحق ، سمّى لشخص خاص أو لم يسمّ ما لم يكن مفرّطاً.

منها : صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شي‌ء عليه» (1).

فإنّه لا بدّ من تقييد الإرسال بعدم وجود المستحقّ عنده ، وإلّا ضمن بمقتضى صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة ، وأمّا في غير مورد الإرسال فمقتضى الإطلاق عدم الضمان ، لسلامته عمّا يصلح للتقييد.

ومنها : صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال : إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمّها لأحد فقد برئ منها (2)، ونحوهما غيرهما.

نعم ، لا يبعد الضمان في صورة عدم العزل ، إذ التأخير في الإخراج والدفع مع وجود المستحقّ لعلّه يعدّ نوعاً من التفريط.

فالمتحصّل : أنّ الأوجه هو التفصيل بين صورتي العزل وعدمه حسبما عرفت.

(1) فإنّه المنسبق من النصّ بحسب الفهم العرفي فيما لا تحديد له شرعاً ويترتّب عليه ما أفاده في المتن من عدم قدح التأخير ساعة أو ساعتين ، بل ربّما لا يقدح التأخير حتّى ساعات عديدة ، كما لو تعلّق الوجوب في منتصف


1) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 3.

2) الوسائل 9 : 286 / أبواب المستحقين للزكاة ب 39 ح 4.

غير تفريط فلا ضمان وإن أمكنه الإيصال إلى المستحقّ من حينه مع عدم كونه حاضراً عنده ، وأمّا مع عدم حضوره فمشكل ، خصوصاً إذا كان مطالباً (1).

[2775] مسألة 2 : يشترط في الضمان مع التأخير العلم بوجود المستحقّ ، فلو كان موجوداً لكن المالك لم يعلم به فلا ضمان ، لأنّه معذور حينئذٍ في التأخير (2).


اللّيل فأخّر الدفع إلى النهار فإنّ التأخير بهذا المقدار لا ينافي الفوريّة العرفيّة ، كما لا يجب عليه الإسراع في المشي.

وبالجملة : فالعبرة بالصدق العرفي ، ويختلف حدّه باختلاف الموارد ، ومناطه الإيصال على النحو المتعارف ، فلا ضمان ما دام يصدق عليه ذلك.

(1) بل حتّى من دون المطالبة وإن كان الأمر معها أوضح ، إذ بعد حضور المستحقّ عنده وعدم المانع من الدفع إليه كما هو المفروض يصدق عرفاً أنّه أخّر مع وجود المستحقّ ، فلا جرم يترتّب عليه الضمان.

(2) من الواضح أنّ المعذوريّة في التأخير لا تنافي الضمان ، إذ لم تجعل هي موضوعاً لنفيه في شي‌ء من الأدلّة ، بل قد صرّح هو بنفسه فيما سبق بالضمان مع وجود المستحقّ وإن ساغ له التأخير شهراً أو شهرين ، الكاشف عن أنّ جواز التأخير غير مانع عن الضمان. إذن فلا يستقيم التعليل بظاهره.

ولا يبعد أن يريد به المعذوريّة في عدم الدفع ، نظراً إلى أنّ الموضوع للضمان في نصوص الباب هو وجدان الأهل كما في صحيحة ابن مسلم ، أو معرفة الأهل كما في صحيحة زرارة ، لا مجرّد الوجود الواقعي ، وكلاهما منتفٍ في مفروض المسألة ، فهو لمكان جهله غير واجد للأهل ولا عارف به فلم يكن قادراً على الدفع وكان معذوراً فيه ، ولأجله لم يضمن.

[2776] مسألة 3 : لو أتلف الزكاة المعزولة أو جميع النصاب متلف فإن كان مع عدم التأخير الموجب للضمان يكون الضمان على المتلف (1) فقط وإن كان مع التأخير المزبور من المالك فكلّ من المالك والأجنبي ضامن (2) ، وللفقيه أو العامل الرجوع إلى أيّهما شاء. وإن رجع على المالك رجع هو على المتلف (3) ، ويجوز له الدفع من ماله ثمّ الرجوع على المتلف.

[2777] مسألة 4 : لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب (4) على الأصحّ.


وإنّ شئت قلت : إنّ الموضوع للضمان عدم الدفع مع التمكّن منه ، وحيث لا تمكّن لمكان الجهل فلا مناص.

(1) لعدم المقتضي لضمان المالك عندئذٍ ، فلا جرم ينحصر الضمان في المتلف.

(2) أمّا الأوّل فللتفريط ولو لأجل عدم العزل ، وأمّا الثاني فللإتلاف ، ولأجله ساغ الفقيه أو العامل الرجوع إلى أيٍّ منهما شاء.

(3) على ما هو الشأن في مسألة تعاقب الأيدي ، حيث ذكروا أنّ المال الواحد لا يقبل التدارك أكثر من مرّة واحدة ، فعليه لو تصدّق إحدى الأيادي للأداء سقط الضمان عن الآخرين وحينئذٍ لو رجع المالك إلى الأخير لم يكن له الرجوع إلى من قبله ، ولو رجع إليه رجع هو إلى الأخير ، لأنّ قرار الضمان عليه وتمام الكلام في محلّه.

(4) قد عرفت حكم التأخير عن وقت الوجوب ، وأمّا التقديم عليه فالمشهور عدم الجواز ، ونُسب الخلاف إلى ابن أبي عقيل وسلّار فذهبا إلى الجواز (1)استناداً إلى بعض الأخبار :

منها : صحيحة معاوية بن عمّار : ... قلت : فإنّها لا تحلّ عليه إلّا في المحرّم ،


1) المدارك 5 : 292.

.................................................................................................


فيعجّلها في شهر رمضان؟ «قال : لا بأس» (1).

ومنها : صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين» (2).

ومنها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سأله عن رجل حال عليه الحول وحلّ الشهر الذي كان يزكّي فيه وقد أتى لنصف ماله سنة وللنصف الآخر ستّة أشهر «قال : يزكّي الذي مرّت عليه سنة ويدع الآخر حتّى تمرّ عليه سنة» قلت : فإنّه اشتهى أن يزكّي ذلك «قال : ما أحسن ذلك» (3).

ونحوها غيرها وإن كانت العمدة هي هذه الثلاثة ، فلو كنّا نحن وهذه الطائفة لحكمنا بالجواز ، لقوّة السند وصراحة الدلالة ، غير أنّ بإزائها طائفة أُخرى دلّت على المنع :

منها : صحيحة محمّد الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يفيد المال «قال : لا يزكّيه حتّى يحول عليه الحول» (4).

وهذه الرواية لو كانت وحدها لأمكن الجمع بينها وبين ما تقدّم بالحمل على عدم الوجوب ، لكن الروايتين الآتيتين الواردتين في هذا السياق آبيتان عن ذلك وتكشفان القناع عن المراد من هذه كما ستعرف.

ومنها : صحيحة عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يكون عنده المال ، أيزكّيه إذا مضى نصف السنة؟ «فقال : لا ، ولكن حتّى يحول عليه الحول ويحلّ عليه ، إنّه ليس لأحد أن يصلِّي صلاة إلّا لوقتها ، وكذلك


1) الوسائل 9 : 301 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 9.

2) الوسائل 9 : 302 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 11.

3) الوسائل 9 : 300 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 4.

4) الوسائل 9 : 305 / أبواب المستحقين للزكاة ب 51 ح 1.

.................................................................................................


الزكاة ، ولا يصوم أحد شهر رمضان إلّا في شهره إلّا قضاءً ، وكلّ فريضة إنّما تؤدّى إذا حلّت» (1).

ومنها : صحيحة زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أيزكّي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة؟ «قال : لا ، أيصلي الاولى قبل الزوال؟!» (2).

وهذه الروايات الثلاثة كالصريح في لزوم التحديد والتوقيت وأنّ حال الزكاة حال الصوم والصلاة في عدم جواز التقديم على أوقاتها ، فتعارض الطائفة السابقة الصريحة في الجواز حسبما عرفت ، فلا بدّ من العلاج.

وقد حمل الطائفة الأُولى جماعة منهم الشيخ (قدس سره) على الدفع بعنوان القرض بشهادة صحيحة الأحول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في رجل عجّل زكاة ماله ثمّ أيسر المعطى قبل رأس السنة «قال : يعيد المعطى الزكاة» (3).

وجه الاستشهاد : أنّ المدفوع قبل الحلول لو كان تمليكاً للفقير بعنوان الزكاة لم يكن أيّ وجه للإعادة فيما لو أيسر قبل حلول رأس السنة ، ضرورة أنّ العبرة بالفقر حين الدفع ، ولا يكاد يقدح اليسار اللّاحق في صحّة الدفع السابق ، وإنّما يقدح ويستوجب الإعادة فيما إذا كان المدفوع بعنوان القرض ، إذ اللّازم حينئذٍ بقاء الفقر إلى حين حلول الوقت ليتمكّن الدافع من احتسابه زكاةً في هذه الحالة ، فحكمه (عليه السلام) بالإعادة خير شاهد على إرادة الدفع بعنوان القرض ، فيكون ذلك كاشفاً عن أنّ المراد به في سائر الأخبار أيضاً هو ذلك.

ويندفع : بأنّ الوارد في هاتيك النصوص بأجمعها هو عنوان التعجيل ، والمنسبق من هذا التعبير هو الإعطاء بعنوان الزكاة قبل الوقت ، فإنّ هذا هو


1) الوسائل 9 : 305 / أبواب المستحقين للزكاة ب 51 ح 2.

2) الوسائل 9 : 305 / أبواب المستحقين للزكاة ب 51 ح 3.

3) الوسائل 9 : 304 / أبواب المستحقين للزكاة ب 50 ح 1.

فلو قدّمها كان المال باقياً على ملكه مع بقاء عينه (1) ، ويضمن تلفه القابض إن علم بالحال ، وللمالك احتسابه جديداً مع بقائه أو احتساب عوضه مع ضمانه وبقاء فقر القابض ، وله العدول عنه إلى غيره.


التعجيل ، أمّا القرض فلا يعدّ تعجيلاً للزكاة.

على أنّ في بعضها تحديد التعجيل بشهرين ، ومن البيّن أنّ هذا التحديد لا يتلاءم مع القرض ، إذ هو يجوز قبله لسنين ولم يكن الجواز محدوداً بحدٍّ أبداً.

وفي بعضها : إن كان محتاجاً فلا بأس ، ومن الواضح أنّ الدفع بعنوان القرض لم يكن منوطاً بالاحتياج ، لجواز إقراض الغني كالفقير.

وعلى الجملة : فالحمل المزبور لم يكن جمعاً عرفيّاً بوجهٍ من الوجوه.

فالصحيح حينئذٍ أن يقال : إنّ الطائفة الأُولى محمولة على التقيّة ، لذهاب جمع كثير من العامّة إلى جواز التعجيل.

ومع التنازل وتسليم المعارضة فالمرجع بعد التساقط هو الأدلّة الأوّلية الدالّة على التوقيت في تشريع الزكاة وإناطة الوجوب بحلول الحول ، بل أنّ نفس أدلّة التعجيل تدلّ على التوقيت والتحديد في أصل التشريع كما لا يخفى.

وبالجملة : فالمستفاد من مجموع الأدلّة أنّ للزكاة وقتاً محدوداً فيحتاج التقديم الذي هو من إجزاء غير الواجب عن الواجب إلى الدليل ، ولا دليل بعد فرض سقوط نصوص التعجيل بالمعارضة.

والمتحصّل : أنّ الأصحّ ما عليه المشهور من عدم جواز التقديم.

(1) إذ لا موجب للخروج عن ملكه بعد أن لم يقع زكاة ولم يكن غيرها مقصودا.

هذا ، وقد تقدّم الكلام في بقيّة الأحكام في نظائر المقام ممّا يكون القابض

[2778] مسألة 5 : إذا أراد أن يعطي فقيراً شيئاً ولم يجي‌ء وقت وجوب الزكاة عليه يجوز أن يعطيه قرضاً ، فإذا جاء وقت الوجوب حسبه عليه زكاة (1) بشرط بقائه على صفة الاستحقاق وبقاء الدافع والمال على صفة الوجوب ، ولا يجب عليه ذلك ، بل يجوز مع بقائه على الاستحقاق الأخذ منه والدفع إلى غيره وإن كان الأحوط الاحتساب عليه (2) وعدم الأخذ منه.


فاقداً لبعض الشرائط كالفقر ونحوه في مطاوي المباحث المتقدّمة ، عمدتها في فصل أصناف المستحقّين ، وعرفت أنّ القابض يضمن مع علمه بالحال دون الجهل ، لكون التسليط حينئذٍ من المالك ، فلاحظ ولا نعيد.

(1) قد عرفت فيما سبق ورود روايات دالّة على جواز احتساب الدين من الزكاة وعدم اعتبار الإعطاء الخارجي. وعليه ، فالحكم في المقام مطابق لمقتضى القاعدة ، مضافاً إلى ورود روايات خاصّة دلّت على جواز الإقراض ثمّ الاحتساب بعد حلول الحول ، إلّا أنّها لمّا كانت ضعيفة السند كما ستعرف لم تكن تصلح إلّا للتأييد.

(2) لعلّ وجه الاحتياط الروايات الأخيرة المشار إليها آنفاً الآمرة بالاحتساب ، ولا بأس بذكرها :

فمنها : رواية يونس بن عمّار ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر (خير) ، إن أيسر قضاك وإن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة» (1).

ورواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث - : أنّ عثمان بن عمران قال له : إنّي رجل موسر ويجيئني الرجل ويسألني الشي‌ء وليس


1) الوسائل 9 : 299 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 1.

[2779] مسألة 6 : لو أعطاه قرضاً فزاد عنده زيادة متّصلة أو منفصلة فالزيادة له لا للمالك ، كما أنّه لو نقص كان النقص عليه (1) ، فإن خرج عن


هو إبّان زكاتي ، فقال له أبو عبد اللّه : «القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشرة ، وماذا عليك إذا كنت كما تقول موسراً أعطيته ، فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة» إلخ (1).

ورواية الصيرفي وغيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : القرض بثمانية عشر ، وإن مات احتسب بها من الزكاة» (2).

لكنّها بأجمعها ضعاف السند ، أمّا الأُولى : فبيونس بن عمّار وابن السندي ، وأمّا الثانية : فبعقبة وبسهل ، وأمّا الأخيرة : فبالصيرفي وهو هيثم لا هيشم كما في الوسائل (3).

ومع الغضّ عن السند ، لم يكن أيّ دلالة على وجوب الاحتساب ، كيف؟! ولا شبهة في جواز الإبراء من غير الاحتساب ، وإنّما هي في مقام الحثّ والترغيب على إعطاء القرض وأنّه لو مات لم يتلف المال بل يحتسب زكاةً كما لعلّه واضح ، فلا تصلح أن تكون منشأً للاحتياط.

نعم ، لا ريب أنّ الاحتساب أولى من الأخذ منه والإعطاء لغيره ، إلّا إذا كانت للغير مزيّة تستوجب ذلك.

(1) كلّ ذلك لأجل أنّ المقترض يملك العين المستقرضة بسبب القرض فتكون الزيادة له كما أنّ النقيصة عليه ، لأنّهما حدثتا في ملكه لا في ملك المقرض ، إذ قد خرجت عن يده بمقتضى عقد القرض.


1) الوسائل 9 : 300 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 2.

2) الوسائل 9 : 301 / أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 8.

3) في الوسائل المحقّق جديداً : هيثم.

الاستحقاق أو أراد المالك الدفع إلى غيره يستردّ عوضه لا عينه كما هو مقتضى حكم القرض (1) ، بل مع عدم الزيادة أيضاً ليس عليه إلّا ردّ المثل أو القيمة.

[2780] مسألة 7 : لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول بقصد الاحتساب عليه بعد حلوله بعضاً من النصاب وخرج الباقي عن حدّه سقط الوجوب على الأصحّ (2) ، لعدم بقائه في ملكه طول الحول ، سواء كانت العين باقية عند الفقير أو تالفة فلا محلّ للاحتساب.


(1) حيث قد ذكرنا في محلّه في بحث المكاسب أنّ الفرق بينه وبين البيع : أنّ البيع تمليك للعين بالعوض ، وأمّا القرض فهو تمليكها بالضمان ، فتكون ذمّة المقترض بعد تملّك العين مشغولة بالبدل من المثل أو القيمة ، ومقتضاه أن يكون له في مقام الوفاء اختيار التطبيق على ما يشاء من نفس العين المستقرضة إن كانت باقية أو بدلها إن كانت تالفة وليس للمقرض إجباره على الأوّل ، لما عرفت من أنّها أصبحت ملكاً له بإزاء البدل الثابت في الذمّة المعبّر عنه بالضمان ، وهذا ضمان عقدي يقابله الضمان باليد أو بالإتلاف ، وعلى التقديرين فاختيار التطبيق بيده لا بيد المقرض حسبما عرفت.

(2) فإنّ الزكاة إنّما تتعلّق بالعين لا بالدين البالغة حدّ النصاب والباقية في ملك المالك طول الحول ، وحيث إنّ إقراض بعض النصاب في خلال الحول إخراجٌ له عن الملك فلا جرم يختلّ شرط الوجوب فيسقط ، فلو كانت عنده عشرين ديناراً وقبل تمام الحول أقرض مقداراً منه ليحتسبه بعد الحلول انتفى بذلك موضوع الوجوب ، وهو بقاء تمام النصاب إلى كمال الحول ، وقد تقدّم الكلام حول ذلك في شرائط الزكاة وقلنا : إنّها تتعلّق بالعين لا بالدين ، ومن ثمّ

نعم ، لو أعطاه بعض النصاب أمانةً بالقصد المذكور لم يسقط الوجوب مع بقاء عينه عند الفقير ، فله الاحتساب (1) حينئذٍ بعد حلول الحول إذا بقي على الاستحقاق.

[2781] مسألة 8 : لو استغنى الفقير الذي أقرضه بالقصد المذكور بعين هذا المال ثمّ حال الحول يجوز الاحتساب (1)(2) عليه ، لبقائه على صفة الفقر بسبب هذا الدين ، ويجوز الاحتساب من سهم الغارمين أيضا.


لو أقرض النصاب وحال عليه الحول كانت الزكاة على المقترض دون المقرض.

ونُسب خلافه إلى الشيخ في المقام (2)، إمّا لبنائه على أنّ القرض يملك بالتصرّف لا بالقبض فلم ينثلم النصاب على تقدير بقاء العين عند الفقير ، أو لبنائه على ثبوت الزكاة في الدين كالعين. وكلاهما في غير محلّه كما تقدّم محلّه (3).

(1) ضرورة أنّ الإعطاء بعنوان الأمانة بمثابة الإيداع في صندوق للصيانة في عدم الخروج عن الملك بذلك ، ومن الضروري أنّ العبرة في الوجوب بالبقاء في ملكه بحيث له السحب متى شاء لا بالبقاء عنده وتحت يده مباشرةً.

وعليه ، ففي المقام إذا كانت العين باقية عند الفقير إلى نهاية الحول ساغ الاحتساب بعد فرض بقاء الفقير على صفة الاستحقاق ، لعدم المانع عنه بوجه. وبذلك يتّضح الفرق بين الإيداع وبين الإقراض المتقدّم آنفا.

(2) على المشهور ، خلافاً لابن إدريس فمنع عن الاحتساب ، لصيرورته


1) (*) في جواز احتسابه عليه من باب الفقر إشكال.

2) المدارك 5 : 296.

3) شرح العروة 23 : 92.

.................................................................................................


غنيّاً بالدين ، ولا تنافي بين الأمرين ، ومن ثمّ تجب الزكاة على من تملّك النصاب وإن كان عليه دين ، قال : لأنّ الدين في الذمّة والزكاة في العين (1).

أقول : قد تقدّم عند التكلّم حول شرط الفقر : أنّ من ملك فوق سنته بالفعل أو بالقوّة فهو غني شرعاً لا يستحقّ الزكاة من سهم الفقراء وإن كان عليه دين خارجي. نعم ، يستحقّها من سهم الغارمين ، وهو أمر آخر خارج عمّا نحن بصدده ، فالدين بما هو دين لا يمنع عن صدق الغنى شرعاً بل ولا عرفاً. ألا ترى أنّ كثيراً من التجار والأغنياء لعلّهم مدينون بأكثر ممّا يملكون من جهة المظالم والكفّارات أو الإتلافات والضمانات أو المعاملات الفاسدة ونحو ذلك من موجبات شغل الذمّة ، ومع ذلك يعدّون عرفاً من الأغنياء بل الأثرياء ، فلا تضادّ ولا تعاند بين الغنى وبين الدين بوجه.

لكن هذا يختصّ بالغنى الناشئ من غير ناحية الدين والذي لم يكن مسبّباً عنه ، كمن كانت له مزرعة أو حرفة تفي بقوت سنته ومعيشة عائلته ، فإنّه ما لم يصرفها في سدّ الدين غنيٌّ شرعاً بل وعرفاً أحياناً حسبما عرفت.

وأمّا الناشئ عن الدين نفسه والمتسبّب عنه الذي هو محلّ الكلام في المقام ، كمن كانت مئونة سنته مائتي دينار ولم تكن له حرفة ولا مال فاستدانها في أوّل السنة ، فإنّه لا ينبغي التأمّل في عدم خروجه عن عنوان الفقر بمجرّد هذه الاستدانة ، فإنّها لا تستوجب انقلاب الموضوع بعد أن كانت الحاجة لا تزال باقية وإن كان مالكاً لقوت السنة ، إذ أنّ هذه الملكيّة نشأت من نفس الدين لا غير فهو متّصف بالفقر لاحقاً كما كان كذلك سابقاً وإن تغيّرت جهة الفقر وتبدّل بلون آخر.

وعليه ، فلا مانع من احتساب الزكاة عليه بعد حلول الحول ما دام الدين


1) السرائر 1 : 455.

وأمّا لو استغنى بنماء هذا المال أو بارتفاع قيمته إذا كان قيميّاً وقلنا إنّ المدار قيمته يوم القرض لا يوم الأداء لم يجز الاحتساب عليه (1)(1).


باقياً إلى نهاية السنة كما هو المفروض ، بعد وضوح الفرق بين الغنى المستند إلى غير الدين وبين المستند إليه حسبما عرفت.

(1) أمّا إذا كان الاستغناء بنماء المال فلا ينبغي الاستشكال في عدم جواز الاحتساب ، لخروجه عن صفة الفقر عند حلول الحول ، وقد تقدّم اشتراط الاحتساب باستمرار الفقر ، وهذا واضح.

وأمّا إذا كان الاستغناء بارتفاع قيمة المال الذي اقترضه فهل يجوز الاحتساب عليه حينئذٍ؟

يبتني ذلك على أنّ العبرة في ضمان القيميّات هل هي بيوم التلف أو بقيمة يوم الأداء أو أعلى القيم؟ والمراد بيوم التلف في المقام هو يوم القرض ، إذ هو اليوم الذي تتلف فيه العين وتنتقل إلى الذمّة بالضمان المسبّب عن عقد القرض.

كما أنّ المراد بيوم الأداء هو يوم الاحتساب دون الأداء الخارجي فإنّه اليوم الذي تفرغ فيه ذمّة المدين باحتساب الزكاة عليه الذي هو بمثابة الأداء خارجاً ، فلا يراد من يوم الأداء في المقام إلّا يوم الاحتساب كما لا يخفى.

فعلى القول الأوّل لا سبيل للاحتساب ، لوضوح زوال صفة الفقر عند نهاية السنة ، فلو أقرضه خمسة من الشياه مثلاً قبل حلول وقت الزكاة وكانت قيمتها يومئذٍ عشرة دنانير فترقّت ترقّياً فاحشاً في وقت الحلول وبلغت مائتي دينار فالذمّة حينئذٍ غير مشغولة إلّا بتلك العشرة على الفرض ، فإذا كانت مئونة سنته مائة وتسعين ديناراً فهو واجد في هذه الحالة لتمام المائتين فارغاً


1) (*) في إطلاقه إشكال.

.................................................................................................


عن كلّ دين وواجداً للمئونة ، فهو طبعاً غني ومثله لا يستحقّ الزكاة ، ومعه لا موقع للاحتساب.

وأمّا على القول الثاني فالاحتساب سائغ وواقع في محلّه ، ضرورة اشتغال الذمّة في يوم الاحتساب الذي عرفت اتّحاده مع يوم الأداء بتمام المائتين ، فيكون استغناؤه مسبّباً عن الدين ، وقد عرفت أنّ مثله مشمول لدليل الاحتساب.

ولعلّ الأظهر في المقام هو الأوّل حتّى لو قلنا بالثاني في باب الإتلاف وسائر موارد الضمان ، إذ بالقرض الموجب للضمان العقدي يضمن المقترض قيمة العين حين القرض وزمان العقد بلا ايّ موجب لضمان القيمة يوم الأداء ، ومعه لا مجال للاحتساب في مفروض الكلام ، فلاحظ.

فصل [في أنّ الزكاة من العبادات]

اشارة

الزكاة من العبادات فيعتبر فيها نيّة القربة (1).


(1) ويدلّ عليه بعد الإجماع القطعي بل تسالم الفريقين إلّا من شذّ ، بل الارتكاز الثابت في أذهان عامّة المتشرّعة أُمور :

منها : التعبير عنها بالصدقة في الكتاب والسنّة ، بل عبّر عن العامل في لسان الأخبار بالمصدّق ، ومن المعلوم أنّ الصدقة واجبة كانت أم مندوبة يعتبر في مفهومها قصد القربة ، بل كان ذلك هو الفارق بينها وبين الهديّة.

ومنها : عدّها من مباني الإسلام الخمس في جملة من الأخبار ، بل في بعضها أنّ إحداها لا تقبل إلّا بصاحبتها ، فإنّ مناسبة الحكم والموضوع ومقارنتها مع أخواتها من سائر العبادات ولا سيّما الصلاة تقضي بأنّ الكلّ من سنخ واحد في اعتبار العباديّة كما لا يخفى.

ومنها : ما ورد في الكتاب والسنّة من أنّ اللّه سبحانه هو الذي يباشر بنفسه لأخذ الصدقة ، قال تعالى ( هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) إلخ (1).

وفي صحيح سالم بن أبي حفصة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّ اللّه يقول : ما من شي‌ء إلّا وقد وكّلت به من يقبضه غيري ، إلّا الصدقة ، فإنّي أتلقّفها بيدي تلقّفاً» إلخ (2).


1) التوبة 9 : 104.

2) الوسائل 9 : 382 / أبواب الصدقة ب 7 ح 7.

والتعيين (1) مع تعدّد ما عليه بأن يكون عليه خمس وزكاة وهو هاشمي فأعطى هاشميّاً فإنّه يجب عليه أن يعيّن أنّه من أيّهما ، وكذا لو كان عليه زكاة وكفّارة فإنّه يجب التعيين.


ومن ثمّ ورد استحباب تقبيل اليد لدى التصدّق ، فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقضي بأنّ الشي‌ء الذي يباشر سبحانه بنفسه لأخذه لا بدّ وأن يكون منسوباً ومضافاً إليه جلّ شأنه.

(1) هذا لا يتوقّف على العباديّة ، بل لأجل أنّه لا بدّ في تحقّق العناوين القصديّة ومنها الزكاة من تعلّق القصد بها بخصوصها وتعيينها لتمتاز عمّا عداها ، وبدونه لا يتحقّق المأمور به في الخارج ، فلا يكاد يكون المأمور بإكرام زيد ممتثلاً إلّا إذا قصد هذا العنوان وإن تحقّق ذات الإكرام خارجاً ، كما لا يكفي الإتيان بذات الركعتين ما لم يقصد عنوان الفجر أو نافلته مثلاً وبدونه لا يتحقّق شي‌ء منهما.

وعليه ، فلا يتّصف المدفوع بعنوان الزكاة التي لها عنوان خاصّ في مقابل الخمس والكفّارة وما شاكلهما إلّا مع قصد ذلك العنوان ، لجواز انطباق سائر العناوين عليه ، ولا يكاد يمتاز عن غيرها إلّا بالقصد ، فلا بدّ من مراعاته في تحقّق الامتثال.

بل لا يبعد أن يكون الحال كذلك في الأفعال التكوينيّة الخارجيّة من المشي والقيام والقعود ونحوها ، نظراً إلى أنّ ذات الفعل وإن صدق كيفما تحقّق لكن المأمور به لمّا كانت هي الحصّة الاختياريّة المتقوّمة بالقصد فلا بدّ من رعايته في تحقّق امتثاله ، إلّا إذا نهض دليل خارجي على أنّ العبرة بتحقّق ذات الفعل كيفما كان ، كما في تطهير الثوب ونحوه.

وكيفما كان ، فلا بدّ من قصد التعيين في المقام حسبما عرفت ، فلو كان على

بل وكذا إذا كان عليه زكاة المال والفطرة فإنّه يجب التعيين على الأحوط (1) بخلاف ما إذا اتّحد الحقّ الذي عليه فإنّه يكفيه الدفع بقصد ما في الذمّة وإن جهل نوعه ، بل مع التعدّد أيضاً يكفيه التعيين الإجمالي بأن ينوي ما وجب عليه أوّلاً أو ما وجب ثانياً مثلاً ولا يعتبر نيّة الوجوب والندب.


هاشمي خمس وزكاة فأعطى لهاشمي ولم يعيّن لا يقع امتثال لأيّ منهما ، ونحوه ما لو كانت عليه زكاة وكفّارة يمكن إعطاؤها من النقود ، كما في كفّارة الوطء في الحيض.

نعم ، لا يجب عليه القصد التفصيلي ، بل تكفي النيّة الإجماليّة ، فيجزئ قصد ما في الذمّة مع اتّحاد الحقّ والجهل بنوعه وقصد ما وجب أوّلاً أو ثانياً مع التعدّد حسبما أُشير إليه في المتن.

(1) هذا الاحتياط وإن كان في محلّه لاحتمال تغاير الحقّين واختلاف حقيقة الزكاتين ، ولكنّه لا يبعد الاتّحاد وأنّهما فردان من حقيقة واحدة وهي الصدقة الواجبة وإن تسبّبت إحداهما عن ملك النصاب والأُخرى عن دخول شهر شوال ، فالتعدّد إنّما هو في ناحية السبب دون المسبّب ، ومعه لا حاجة إلى قصد التعيين.

وكون إحداهما زكاة عن المال والأُخرى عن البدن كالاختلاف من ناحية الوقت لا يستوجب اختلافاً في الحقيقة والماهية بعد الاتّحاد في متعلّق الوجوب أعني الزكاة ، ولا سيّما بعد ملاحظة ما ورد من أنّ الآية المباركة إنّما نزلت في زكاة الفطرة ، حيث لم يكن يومئذٍ للمسلمين مال وبعد ذلك أمر (صلّى اللّه عليه وآله) بإلحاق زكاة المال بها.

وبالجملة : حال اختلاف السبب في المقام حال اختلاف الأسباب في الأجناس الزكويّة ، فكما أنّ سبب الوجوب قد يكون ملكيّة عشرين ديناراً وأُخرى

وكذا لا يعتبر أيضاً نيّة الجنس (1)الذي تخرج منه الزكاة (1) أنّه من الأنعام أو الغلّات أو النقدين ، من غير فرق بين أن يكون محلّ الوجوب متّحداً أو متعدّداً ، بل ومن غير فرق بين أن يكون نوع الحقّ متّحداً أو متعدّداً ، كما لو كان عنده أربعون من الغنم وخمس من الإبل فإنّ الحقّ في كلّ منهما شاة ،


وأُخرى أربعين شاةً وهكذا ، فكذلك قد يكون السبب هلال شهر شوّال ، ومن البيّن عدم لزوم قصد تعيين السبب بعد اتّحاد المسبّب ، فمن كان مديناً لزيد بدرهم للإتلاف وآخر للاستقراض وثالث لأجل الشراء لا يلزمه في مقام الوفاء قصد سبب خاصّ ، بل هو بحسب النتيجة مدين له بثلاثة دراهم ، فإذا أدّى درهماً بقي عليه درهمان من غير تعيين ، فلا يلزمه تعيين السبب كما هو الحال في باب الأغسال.

(1) بل يكفى مجرّد قصد كونه زكاةً في تفريغ الذمّة عن زكاة المال ، ولا تلزم نيّة الجنس المتعلّق به الزكاة ، سواء أكان متّحداً أم متعدّداً ، وسواء أكان نوع الحقّ متّحداً أيضاً أم مختلفاً ، وسواء أكان المدفوع من نفس الجنس المتعلّق به


1) (*) في المسألة صور ثلاث : فإن ما يعطى زكاة إن كان مصداقاً لأحد المالين الزكويين دون الآخر كما إذا كان عنده أحد النقدين والحنطة مثلاً وأعطى الزكاة نقداً من غير أن يقصد عن أحدهما المعين فإنّه لا محالة يقع عن النقد دون الحنطة فإن وقوعه عنها بحاجة إلى التعيين ، وإن كان مصداقاً لكليهما معاً كما إذا كان عنده أربعون شاة وخمس من الإبل فإنّ الواجب عليه في كل منهما شاة فإذا أعطى شاة زكاة لا محالة وزّع عليهما إلّا إذا قصد عن أحدهما المعين ولو إجمالاً ، وإن لم يكن مصداقاً لشي‌ء منهما كما إذا كان عنده حنطة وعنب وأعطى الزكاة نقداً فإنّه حينئذ إن قصد عن كليهما وزّع عليهما ، وإن قصد عن أحدهما المعين وقع له ، وإن قصد أحدهما لا بعينه لم يقع عن شي‌ء منهما إلّا إذا كان قصده عنه مبنياً على أن يعينه فيما بعد.

أو كان عنده من أحد النقدين ومن الأنعام فلا يجب تعيين شي‌ء من ذلك ، سواء كان المدفوع من جنس واحد ممّا عليه أو لا فيكفي مجرّد قصد كونه زكاة ، بل لو كان له مالان متساويان أو مختلفان حاضران أو غائبان أو مختلفان فأخرج الزكاة عن أحدهما من غير تعيين أجزأه وله التعيين بعد ذلك ، ولو نوى الزكاة عنها وزّعت ، بل يقوى التوزيع مع نيّة مطلق الزكاة.


الزكاة أم من غيره بعنوان القيمة.

والوجه في ذلك كلّه :

أمّا بناءً على ما اختاره الماتن تبعاً للمشهور من تعلّق الزكاة بالأعمّ من العين الزكوية ومطلق القيمة من غير اختصاص بالفقد الرائج وأنّ الوجوب متعلّق بجامع المقدار المعيّن من المال المنطبق تارةً على نفس متعلّق الحقّ وأُخرى على النقود والعملات الرائجة وثالثة على سائر الأمتعة أنّ متعلّق الأمر الزكاتي حينئذٍ في جميع الأجناس الزكويّة التسعة أمر واحد وطبيعة فأرده وهي المالية المقدّرة بالكمّيّة الخاصّة. إذن فتعدّد الأجناس متّفقة كانت أم مختلفة يكون من باب تعلّق الأمر بفردين أو أفراد من طبيعة واحدة لا ميّز بينها حتّى في صقع الواقع ، نظير تعلّق الأمر بفردين من الصوم القضائي ، فكما أنّه إذا أتى بفرد امتثل أمره وبقي عليه الآخر ولا يقصد في كلّ منهما إلّا امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة ، فكذا في المقام ، فإذا كان عليه مقدار ماليّة عشرة دراهم زكاةً للغنم وعشرة زكاةً للحنطة ودفع عشرة بقصد الزكاة من غير تعيين فرغت ذمّته عن إحداهما وبقيت الأُخرى ، على حذو ما عرفت فيمن كان مديناً لزيد بدرهم في قرض وآخر في إتلاف وثالث في شراء ، في أنّه لدى دفع درهم واحد بعنوان الوفاء يسقط أحد الدراهم ويبقى الآخران من غير حاجة إلى التعيين ، حيث عرفت أنّ الاختلاف في سبب الوجوب لا يستوجب الاختلاف في متعلّق الحقّ.

.................................................................................................


نعم ، إذا كان للفرد بماله من الخصوصيّة أثر يترتّب عليه لم يكن بدّ من تعلّق القصد به وتعيينه في ترتّب الأثر عليه ، فإذا جعل الفراش مثلاً رهناً لأحد الدينين والكتاب رهناً للآخر لم ينفكّ شي‌ء من الرهنين ما لم يقصد أنّ المدفوع أداء لأيّ منهما ، لعدم ترجيح في البين وإن حصل الوفاء لأصل الدين في أحدهما من غير تعيين.

وعلى ضوء ذلك نقول : إنّ للفرد في المقام أثرين :

أحدهما : جواز التصرّف في الباقي بعد التزكية.

ثانيهما : الضمان إذا تلف قبل التزكية.

فالعشرة المدفوعة في المثال إن عيّنها في الغنم جاز التصرّف بعد ذلك في تمام الغنم دون الحنطة ، كما أنّ عليه الضمان إذا تلفت الحنطة دون الغنم ، أمّا إذا لم يعيّن لم يجز التصرّف في شي‌ء منهما ، وعليه الضمان إذا تلف كلّ منهما ، لما عرفت من عدم الترجيح لأحدهما وإن سقط التكليف عن الزكاة بهذا المقدار بطبيعة الحال ، إلّا إذا نوى حين الدفع ما سيعينه فيما بعد فإنّ له واقعاً محفوظاً عند اللّه وإن كان مجهولاً عندنا ، فيكون ذلك نوع قصد إجمالي ، وهو مجزٍ عن القصد التفصيلي.

وهل للمالك التعيين بعد ذلك فيما لم يكن ناوياً أصلاً كما اختاره في المتن؟

الظاهر : العدم ، إذ لا دليل على ولايته على هذا التعيين.

نعم ، لا مانع من الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل ، بناءً على ما هو الصواب من عدم اختصاصها ممّا له واقع معيّن مجهول ، بل تشمل ما لا تعيّن له حتّى في صقع الواقع كما في المقام ، فيتعيّن بها أنّ الزكاة عن أيٍّ من المالين أوان الأداء من أيٍّ من الدينين.

هذا كلّه على المسلك المشهور من عدم اختصاص القيمة بالنقدين.

.................................................................................................


وأمّا بناءً على المختار من الاختصاص بحيث كان متعلق الأمر الزكاتي إخراج الجامع بين متعلّق الحقّ وبين قيمته من النقد الرائج خاصّة ففيه تفصيل ، فإنّه إذا كان له نوعان من الأعيان الزكويّة :

فتارةً : يكون جنس الحقّ فيهما متّحداً ، كما إذا كان له أربعون من الغنم وفيها شاة وخمسة من الإبل وفيها أيضاً شاة ، فإنّ التكليف في كلّ منهما متعلّق بشي‌ء واحد وهو دفع الجامع بين الشاة والنقد ، فحينئذٍ يصحّ دفع شاتين أو نقدين أو دفع شاة ونقد بلا تعيين ، إذ هو من قبيل تعلّق الأمر بفردين من طبيعة واحدة الذي عرفت حكمه ويجري فيه التفصيل المتقدّم بالنسبة إلى الآثار ولو لم يدفع حينئذٍ إلّا شاة واحدة ولم يعيّن ، فبما أنّها صالحة للانطباق على كلّ منهما فلا جرم توزّع عليهما ، إلّا إذا قصد عن أحدهما المعيّن ولو إجمالاً.

وأُخرى : يكون جنس الحقّ مختلفاً ، كما إذا كان له غنم وحنطة ، فإنّ التكليف في أحدهما متعلّق بدفع الجامع بين الغنم والنقد ، وفي الآخر بين الحنطة والنقد ، وهما متغايران ، فحينئذٍ إن أدّى من جنس ما تعلّق به الزكاة كالشاة فوقوعه زكاة عن الغنم قهري لا حاجة فيه إلى التعيين ، لعدم صلاحيّته لوقوعة زكاةً عن الحنطة على القول المزبور.

وإن أدّى من النقد فلأجل أنّه يصلح أن يكون زكاةً لكلّ من المالين والمفروض تغاير متعلقي التكليفين ولزوم التعيين مع التغاير ، فلا جرم يلزمه إمّا تعيين أحدهما فيقع زكاة عنه خاصّة ، أو قصد الزكاة عنهما الراجع إلى قصد التوزيع ، فيوزّع عليهما بالمناصفة ، لتساوي النسبة إلى كلّ منهما ، أو قصد مطلق الزكاة فإنّه أيضاً راجع إلى قصد التوزيع ، بيد أنّه قصد إجمالي ولا ضير فيه ، ويوزّع أيضاً بالنسبة ، ويكون كما إذا كان عليه لزيد عشرة ولعمرو عشرة واتّحد وكيلهما ، فدفع عشرة إلى الوكيل بقصد أداء ما في ذمّته من دون تعيين أحد الدينين ، حيث إنّه يوزّع عليهما بالتساوي.

[2782] مسألة 1 : لا إشكال في أنّه يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة ، كما يجوز له التوكيل في الإيصال إلى الفقير (1).


(1) ينبغي التكلّم تارةً في صحّة التوكيل بقسميه ، وأُخرى فيمن يتولّى النيّة المعتبرة في صحّة العبادة ، وثالثة في وقت النيّة ، فهنا مقامات ثلاثة :

أمّا المقام الأوّل : فغير خفي أنّ صحّة التوكيل في كلّ من الأداء والإيصال وقبولهما للنيابة ممّا تقتضيه القواعد الأوّلية كما ستعرف من غير حاجة إلى نصّ خاصّ.

نعم ، وردت أخبار كثيرة على طبق القاعدة كما تقدّم بعضها ولكنّها بأجمعها مختصّة بالمورد الثاني ، وأمّا الأوّل أعني : التوكيل في الأداء فلم ترد فيه ولا رواية واحدة بعد وضوح أنّ الأخبار الحاثّة على الإيصاء بالزكاة مختصّة بالنيابة عن الميّت ، ولا دلالة فيها على صحّة النيابة في الأداء عن الأحياء التي هي محلّ الكلام.

نعم ، قد يقال بأنّ معتبرة عليّ بن يقطين ظاهرة في ذلك ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّن يلي صدقة العُشر (على) من لا بأس به «فقال : إن كان ثقة فمره أن يضعها في مواضعها ، وإن لم يكن ثقة فخذها أنت وضعها في مواضعها» (1).

بدعوى أنّها ناظرة إلى أمر المالك وتوكيله الغير في أداء الزكاة عنه ووضعها في مواضعها والاجتزاء بذلك إن كان ثقة.

ولكنّه يندفع بأنّ الرواية أجنبيّة عن محلّ الكلام بالكلّيّة ، وإنّما هي واردة في المصدّق ، أي العامل الذي يأخذ الصدقات ويلي أمرها ، ومن هنا ذكرها الكليني


1) الوسائل 9 : 280 / أبواب المستحقين للزكاة ب 35 ح 1.

.................................................................................................


في الكافي والكاشاني في الوافي في آداب المصدّق (1)وإن أدرجها صاحب الوسائل في أبواب المقام ، وهي في الكتابين خالية من كلمة (على) وإن زيدت فيما بين القوسين في الوسائل ، وعلى الأوّل تكون جملة : من لا بأس به ، صفة للمصدّق ، وعلى الثاني صفة للفقير.

وعلى أيّ حال فالسؤال ناظر إلى صفة المصدّق الذي يلي أمر الصدقة ويوصلها بعد جمعها إلى أربابها ، فأجاب (عليه السلام) لعليّ بن يقطين الذي كان وزيراً مقتدراً بأنّه إن كان ثقة فمره بذلك وإلّا فخذها منه ، لقدرتك على الأخذ ، وأوصلها أنت إلى أربابها. ولا نظر فيها إلى توكيل المالك غيره بالأداء أو بالإيصال الذي هو محلّ الكلام بوجه ، ومن ثمّ أمره (عليه السلام) بالأخذ منه لا أنّه نهاه عن الإيتاء إليه ليرتبط بما نحن فيه.

وكيفما كان ، فالعمدة في المقام ما عرفت من أنّ صحة التوكيل بكلا قسميه مطابق لمقتضى القاعدة.

بيان ذلك : أنّ الفعل الصادر عن المباشر بتسبيب وتوكيل من غيره إن كان من الأُمور الاعتباريّة المعامليّة كالبيع والنكاح والطلاق ونحوها كان الفعل الصادر عنه مباشرةً مستنداً إلى الموكّل المسبّب أيضاً استناداً حقيقيّا من دون أيّة عناية أو مسامحة ، وعليه يجري بناء العرف والعقلاء من غير أيّ نكير.

ويلحق بهذا القسم ما هو من قبيل الأخذ والصرف والعطاء ونحوها من الشؤون الراجعة إلى الأموال ، فإنّ قبض الوكيل أو دفعه أو صرفه المال في مصرفه وإن كان فعلاً تكوينيّاً إلّا أنّه بالنظر العقلائي منسوب إلى الموكّل حقيقيةً ويده يده اعتبارا.

وأمّا إذا كان من الأفعال التكوينيّة غير ما ذكر التوصّليّة منها أو التعبّديّة من أكل أو نوم أو صلاة وما شاكلها فاستنادها إلى المسبّب غير


1) الكافي 3 : 539 / 6 ، الوافي 10 : 160 / 9351.

وفي الأوّل ينوي الوكيل حين الدفع إلى الفقير عن المالك (1).


المباشر لا يكون إلّا بضرب من التجوّز والعناية ، وإلّا فهو في الحقيقة فعل للمباشر لا غير ، وتحتاج صحّة التوكيل والاستنابة فيما كان من هذا القبيل إلى قيام الدليل عليها شرعاً لتفيد فراغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب ، وقد ورد في الحجّ ولو عن الحي في الجملة ، وفي الصلاة والصيام عن الميّت خاصّة كما يفصح عنه ما ورد من الحثّ على الإيصاء بها.

هذا ، ومرجع النيابة في هذا القسم إلى كون الفعل الصادر من النائب موجباً لتفريغ ذمّة المنوب عنه بدلالة الشرع على ذلك وقصد النائب النيابة عنه حينئذٍ ، معناه : أن يقصد بالفعل الواجب على المنوب عنه تفريغ ذمّته ، والتعبير عنها كما في جملة من الكلمات بتنزيل النفس منزلة الغير ونحو ذلك لا يخلو عن المسامحة أو أنّه تفنّن في العبارة ، وإلّا فحقيقتها ما ذكرناه.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ إيصال الزكاة إلى مستحقّها ودفعها إليه مندرج فيما هو ملحق بالقسم الأوّل أعني : القبض والإقباض ونظائرهما وقد عرفت أنّ قبول النيابة حينئذٍ مطابق لمقتضى القاعدة.

وهكذا الحال بالنسبة إلى أداء الزكاة وإخراجها وإيتائها الذي هو متعلّق الأمر الزكاتي ، فإنّه من الشؤون الراجعة إلى الأموال ، والنظر العرفي العقلائي يقضي بأنّ الأداء الصادر من الوكيل كما يستند إليه حقيقةً يستند إلى المالك كذلك بمناطٍ واحد.

(1) المقام الثاني : فيمن يتولّى نيّة الزكاة.

أمّا في التوكيل في الإيصال ، فلا ريب في أنّ المتولّي للنيّة إنّما هو الموكّل ، ضرورة أنّه المؤدّي للزكاة مباشرةً ، ولا شأن للوكيل ما عدا أنّه يوصلها إلى مستحقّها ، ولا ريب أنّ إيصالها كإيصال سائر الأموال غير متقوّم بالقصد ، لعدم

والأحوط تولّي المالك للنيّة (1)أيضاً حين الدفع إلى الوكيل (1) ، وفي الثاني


كون المقصود إلّا مجرّد الوصول كيفما اتّفق وبأيّ وجه تحقّق ، حتّى إذا لم يكن له إدراك وشعور كالصبي والحيوان والمجنون ، فلم يعتبر فيه شي‌ء سرى الوصول إلى يد المستحقّ الذي لا يفتقر في تحقّقه إلى قصد عنوان الإيصال فضلاً عن قصد الزكاة والتقرّب به ، وهذا واضح.

وأمّا في التوكيل في الأداء : فالذي تقتضيه القواعد لزوم تولّي الموكّل بنفسه أيضاً للنيّة ، خلافاً للمتن.

والوجه فيه : أنّ الموكّل هو المخاطب بأداء الزكاة العباديّة ، والمفروض أنّه بتسبيبه وتوكيله مؤدٍّ للزكاة حقيقةً كما عرفت. فإذا كان أداؤه هذا عن قربة فقد أدّى ما عليه من التكليف ، أمّا الوكيل فهو غير مخاطب بأداء الزكاة وإنّما هو يمتثل أمر موكّله ، وتوقّف صحّة الأداء منه نيابةً على قصده القربة يحتاج إلى دليل مفقود ، فإنّ المتّصف بالقربيّة إنّما هو حيثيّة استناد الفعل إلى المالك لا حيثيّة استناده إلى الوكيل النائب كما لعلّه ظاهر.

وهذا بخلاف النيابة في مثل الصلاة والصيام ، فإنّ الفعل لمّا كان فعلاً للنائب خاصّة من دون استناده بنفسه إلى المنوب عنه على العكس من باب الوكالة حسبما عرفت غاية الأمر أن نتيجته وهي تفريغ الذمّة يعود إليه ، ولا تفريغ إلّا لدى صدور العمل العبادي الصحيح من النائب ، فلا جرم يلزمه تصدّي النيّة وتولّي أمرها بنفسه كما لا يخفى.

(1) المقام الثالث : في وقت نيّة الموكّل القربة.


1) (*) هذا هو الأقوى حيث إنّ الوكيل وكيل في الإيصال فقط ، ولا دليل على كون فعله فعل الموكل حتّى يتولّى القربة حين الدفع إلى الفقير ، والفرق بينه وبين موارد النيابة ظاهر.

لا بدّ من تولّي المالك للنيّة حين الدفع إلى الوكيل ، والأحوط استمرارها إلى حين دفع الوكيل إلى الفقير.


والظاهر أنّه حين التوكيل أو الدفع إلى الوكيل لا حين الوصول إلى الفقير ، وذلك لأنّ نيّة القربة في العبادات لمّا كانت هي الداعي إلى العمل فلا جرم كانت مقارنة لنيّة العمل كأداء الزكاة في المقام ، ومن الواضح أنّ نيّة العمل عباديّاً كان أم لا إنّما تصدر من الموكّل حين تسبيبه إليه وإيجاده مقدّمته بإعمال الوكالة وإيقاعها بشؤونها ، فلا بدّ وأن يكون ذلك بداعي التقرّب إليه تعالى إن كان العمل الموكّل فيه قربيّاً. ولا يقدح الفصل بين ما يصدر من الموكّل من التسبيب المزبور وما يقع من الوكيل من الإيتاء أو الإيصال بعد أن كان الإتيان المتأخّر مستنداً إلى تسبيب الموكّل ومترتّباً عليه ومنسوباً إليه. إذن فلا وجه لاعتبار نيّته حين الدفع الصادر من الوكيل والوصول الحاصل للفقير.

ويعتضد ذلك بما ورد في جملة من الأخبار من جواز بعث الزكاة إلى الوكيل في بلد آخر ليوزّعها فيه على أربابها من دون أيّ تعرّض لحكم النيّة ، مع وضوح أنّ الغالب عدم علم الموكّل بزمان الإيصال ليتصدّى للنيّة آن ذاك ، فإنّ هذا خير دليل على إيكال أمرها إلى ما هو المتعارف من كفاية النيّة حال البعث والتسبيب ، أعني : زمان الدفع والتوكيل.

أضف إلى ذلك أنّ التوكيل في الإيصال لا ينفكّ عن العزل ، ومقتضى ذلك بعد ملاحظة ما سيأتي في المسألة الرابعة والثلاثين من مسائل الختام من كفاية النيّة حال العزل عن النيّة حال الدفع إلى المستحقّ هو كفاية نيّة الموكّل حال الدفع إلى الوكيل كما لا يخفى.

[2783] مسألة 2 : إذا دفع المالك أو وكيله بلا نيّة القربة ، له أن ينوي بعد وصول المال إلى الفقير وإن تأخّرت عن الدفع بزمان بشرط بقاء العين في يده (1) أو تلفها مع ضمانه كغيرها من الديون ، وأمّا مع تلفها بلا ضمان فلا محلّ للنيّة.

[2784] مسألة 3 : يجوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء (2) ، كما يجوز بعنوان الوكالة في الإيصال ، ويجوز بعنوان أنّه وليّ عام على الفقراء ، ففي الأوّل يتولّى الحاكم النيّة (1)وكالةً حين الدفع


(1) أمّا الإجزاء مع بقاء العين في يد المستحقّ فلأنّ المنسبق من الإيتاء المأمور به بحسب المتفاهم العرفي هو الأعمّ من الحدوث والبقاء ، إذ المقصود مجرّد الوصول إليه بعنوان الزكاة بداعٍ قربي كيفما اتّفق ، ومعه لا موجب للاسترداد والدفع ثانياً ، فإنّه نظير ما لو كان المال أمانةً في يد الفقير حيث لا ريب في جواز الإبقاء عنده بقصد التمليك الزكاتي.

وأمّا الإجزاء أيضاً مع التلف في يده على وجه الضمان كما لو أتلفه عالماً بالحال فلأنه من صغريات مسألة احتساب الدين من الزكاة.

وأمّا مع عدم الإجزاء مع التلف لا على وجه الضمان كما في موارد الغرور فلأجل أنّه لا عين في البين ولا ضمان ليحسب من الدين ، ومعه لم يكن بدّ من الإعادة.

(2) أما إذا دفعها إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الإيصال أو في الأداء فيجري في حكم نيّته ما تقدّم في المسألة الأُولى حرفاً بحرف ، ويتوجّه الإشكال على المتن بعين ما سبق ، فلا نعيد ، لوضوح أنّه لا خصوصيّة


1) (*) تقدّم أنّ الأقوى تولّي المالك النيّة.

إلى الفقير ، والأحوط تولّي المالك أيضاً حين الدفع إلى الحاكم ، وفي الثاني يكفي نيّة المالك حين الدفع إليه ، وإبقاؤها مستمرّة إلى حين الوصول إلى الفقير ، وفي الثالث أيضاً ينوي المالك حين الدفع إليه ، لأنّ يده حينئذٍ يد الفقير المولّى عليه.

[2785] مسألة 4 : إذا أدّى ولي اليتيم أو المجنون زكاة (1) مالهما يكون هو المتولّي للنيّة (2).

[2786] مسألة 5 : إذا أدّى الحاكم الزكاة عن الممتنع يتولّى هو النيّة عنه (3).


حينئذٍ لحكومته ، بل كان كسائر الوكلاء.

وأمّا إذا كان بعنوان ولايته العامّة على الفقراء فلأجل أنّ يد الولي يد المولّى عليه فكان الدفع إليه دفعاً إليه حقيقةً ، ومعه لا إشكال في كفاية نيّة المالك حين الدفع إلى الولي.

(1) أي زكاة مال التجارة المحكومة بالاستحباب في مالهما على المشهور ، وأمّا الزكاة الواجبة فهي ساقطة عنهما كما تقدّم في محلّه (1).

(2) إذ الخطاب الاستحبابي متوجّه إلى الولي فلا جرم يكون هو المتولّي للنيّة بعد وضوح قصور المجنون والصبي في نيّته كسائر أفعاله فلا عبرة بها.

(3) إذ الحاكم بمقتضى ولايته على الممتنع يتصدّى للأداء على النهج الصحيح الذي كان مطلوباً من الممتنع ، وحيث إنّه يتوقّف على النيّة فلا جرم يكون الحاكم هو المتصدّي لها عنه.


1) راجع شرح العروة 23 : 5 19.

وإذا أخذها من الكافر (1)يتولّاها أيضاً (1) عند أخذه منه أو عند الدفع إلى الفقير (2).


(1) أمّا بناءً على ما هو الصواب من عدم تكليف الكفّار بالفروع كما قد يعضده عدم معهوديّة أخذ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ولا الوصيّ (عليه السلام) الزكاة منهم فلا موضوع للولاية.

وأمّا بناءً على ما هو المشهور من تكليفهم بها كالأُصول فلأجل أنّ الكافر لمكان امتناعه عن اعتناق الإسلام المتوقّف عليه صحّة أداء الزكاة بعد قدرته عليها باختيار الإسلام ، إذ المقدور بالواسطة مقدور ، فهو طبعاً مصداق للممتنع وقد عرفت حكمه ، ويلحق به الكفر الطارئ عليه بعد الإسلام وقد كانت الزكاة واجبة عليه قبل زمن كفره ، فلاحظ.

(2) لا ريب أنّ وقت نيّة الحاكم لدى تولّيه الزكاة عن الممتنع أو الكافر هو وقت تحقّق الأداء والإيتاء منه خارجاً ، وحيث إنّ له الولاية عليه وعلى الفقراء معاً فإن راعى كلتا الولايتين لزمته النيّة حين الأخذ ، إذ هو بنفسه مصداقٌ للأداء الواجب ، لأنّ أخذه من الممتنع ولايةً عليه بمنزلة إعطاء المالك نفسه وولايةً على المستحقّ بمنزلة أخذ المستحقّ بنفسه ، فيكون الأخذ الصادر منه بالعنوانين مصداقاً لإعطاء المالك وقبض المستحقّ ، فلا مناص من رعاية النيّة في هذه الحالة كما عرفت.

وإن راعى الولاية على الممتنع فقط كان أخذه هذا مقدّمةً للأداء اللاحق ، أي عند الدفع إلى الفقير ، فتلزمه النيّة حينئذٍ عند الدفع.


1) (*) هذا مبني على تكليف الكافر بالفروع أو كون الكفر طارئاً عليه بعد الإسلام وكانت الزكاة واجبة عليه قبل زمن كفره.

عن نفسه (1)لا عن الكافر (1).

[2787] مسألة 6 : لو كان له مال غائب مثلاً فنوى أنّه إن كان باقياً فهذا زكاته وإن كان تالفاً فهو صدقة مستحبّة ، صحّ (2) ، بخلاف ما لو ردّد في نيّته ولم يعيّن هذا المقدار أيضاً فنوى أنّ هذا زكاة واجبة أو صدقة


(1) نظراً إلى أنّ الكافر كما لا يصحّ صدور العبادة منه بالمباشرة كذلك لا يصحّ وقوعها عنه بالنيابة ، لاتّحاد المناط ، وهو اعتبار صلاحيّة المتقرّب للتقرّب في صحّة العبادة ، والكافر فاقدٌ لذلك.

ومن ثمّ كان الواجب عليه مطلق أداء الزكاة ولم يؤمر بقصد القربة ، لعدم تمكّنه منه ، ومعه لا مقتضي لنيّة الأداء عنه ، بل يتولّاها الحاكم عن نفسه.

ولكنّه كما ترى ، ضرورة أنّ الكافر لو كان مكلّفاً بالفروع كما هو المفروض فليس ذلك إلّا لأجل كونه مشمولاً للعمومات والإطلاقات على حذو غيره من المسلمين ، وإلّا فلم يرد فيه نصّ خاصّ. إذن فكما أنّ الزكاة المطلوبة من المسلم مشروطة بالقربة فكذلك الكافر بمناطٍ واحد ، وقد عرفت أنّها مقدورة له بالقدرة على المقدّمة ، وهي اعتناق الإسلام ، ومع عدم اعتناقه بسوء اختياره يكون من مصاديق الممتنع ، وفي مثله ينوي الحاكم عن الممتنع لا عن نفسه كما سبق.

(2) إذ لا ترديد في الأمر الذي قصده ونوى امتثاله أعني : الأمر الفعلي الواقعي وإن جهل وصفه وأنّه وجوبي أو استحبابي ، فلا ترديد في ذات المنوي بعد أن كان له تعيّن وتقرّر واقعي ، بل في صفته وخصوصيّته وأنّها زكاة واجبة أو صدقة مستحبّة.


1) (*) لا موجب لذلك بعد ما كان المكلّف به غيره على الفرض.

مندوبة ، فإنّه لا يجزئ (1).

[2788] مسألة 7 : لو أخرج عن ماله الغائب زكاةً ثمّ بان كونه تالفاً ، فإن كان ما أعطاه باقياً له أن يستردّه (2) ، وإن كان تالفاً استردّ عوضه إذا كان القابض عالماً بالحال (3) ، وإلّا فلا (4).


وهذا لا ضير فيه ، وكم له من نظير ، كمن أتى بصلاة الظهر بقصد الأمر الفعلي المردّد بين الأدائي والقضائي ، أو بركعتين لدى الشكّ في الوقت في الإتيان بفريضة الفجر بقصد الأمر الفعلي الجزمي المردّد بين كون المتعلّق فريضة الفجر أو التطوّع المطلق ، وهكذا. فإذا دفع الشاة مثلاً إلى الفقير وقصد بها امتثال الأمر الوجوبي الزكاتي بعينه إن كان وإلّا فالاستحبابي سقط الأمر لو كان هو الأوّل وحصل الامتثال بلا إشكال حسبما عرفت.

(1) لسراية الترديد في هذه الصورة إلى المنوي نفسه بعد أن كان المقصود أحدهما لا بعينه لا خصوص الأمر الفعلي الواقعي كما في الصورة الأُولى ، وهذا نظير ما لو أتى بركعتين من دون أن يقصد بهما فريضة الفجر ولا نافلته ، فإنّها لا تقع امتثالاً لأيّ واحدة منهما ، لما عرفت من لزوم قصد عنوان المأمور به ولو إجمالاً ، المفقود في هذه الصورة.

(2) لبقائه على ملكه وعدم خروجه عنه بعد عدم انطباق عنوان الزكاة عليه.

(3) لفساد قبضه بعنوان الزكاة بعد فرض علمه بعدم انطباق العنوان ، فلا جرم يضمنه بضمان اليد ، سواء تلف أم أتلف.

(4) لأنّ مقتضى التسليط المطلق الصادر من المالك لمن هو جاهل بالحال هو عدم الضمان ، فيكون المقام من مصاديق : ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

ختام فيه مسائل متفرّقة

[2789] الأُولى : استحباب استخراج زكاة مال التجارة ونحوه للصبي والمجنون تكليفٌ للولي (1) ، وليس من باب النيابة عن الصبي والمجنون ، فالمناط فيه اجتهاد الولي أو تقليده ، فلو كان مذهبه اجتهاداً أو تقليداً وجوب إخراجها أو استحبابه


(1) فهو المخاطب بالإخراج ، والتكليف وجوباً أو استحباباً متوجّهٌ إليه ، غاية الأمر أنّ مخرج الزكاة مال الصبي لا مال نفسه ، فهو مأمور بالإخراج من مال الصبي.

ولكنّه غير ظاهر ، أمّا بناءً على إنكار الاستحباب من أصله كما هو الحقّ على ما مرّ فلا موضوع لهذا البحث.

وأمّا على القول بالثبوت فالخطاب لم يتعلّق في شي‌ء من الأدلّة بالولي ، وإنّما تضمّنت مجرّد الإخراج من مال الصبي وأنّها واجبة في ماله أو ثابتة بمقتضى الجمع بين الأدلّة حسبما تقدّم في محلّه (1)، وقد تعدّوا عن اليتيم الذي هو مورد النصّ أي مطلق الصغير بالأولويّة القطعيّة. وبما أنّ تصرّفاته كالمجنون غير نافذة وهما مسلوبا الإرادة شرعاً فبطبيعة الحال يكون المتصدّي للإخراج هو الولي ، فيكون نائباً عنهما بمقتضى ولايته عليهما ، كما هو الحال في سائر التصرّفات من بيعٍ أو تزويجٍ ونحوهما.


1) راجع شرح العروة 23 : 56 63.

ليس للصبي بعد بلوغه معارضته (1)(1) ، وإن قلّد من يقول بعدم الجواز ، كما أنّ الحال كذلك في سائر تصرّفات الولي في مال الصبي أو نفسه من تزويجٍ ونحوه ، فلو باع ماله بالعقد الفارسي أو عقد له النكاح بالعقد الفارسي أو نحو ذلك من المسائل الخلافيّة وكان ومذهبه الجواز ، ليس للصبي بعد بلوغه إفساده (2)بتقليد من لا يرى الصحّة.


(1) هذا وجيه بحسب الكبرى ، فلا تجوز المعارضة فيما ثبتت فيه الولاية ، فلو طلّق أو زوّج أو باع الولي بمقتضى ما يراه من المصلحة والغبطة ثمّ بلغ الصبي لزمه القبول ، لصدوره من أهله في محلّه ، وليس له الردّ والمعارضة بوجه.

ولكنّها غير منطبقة على المقام ، إذ الصبي بعد ما بلغ يرى اجتهاداً أو تقليداً أنّه لم يكن للولي ولاية على الإخراج أبداً وأنّ التصرّف الصادر منه لم يكن من أهله ولا في محلّه ، غاية الأمر أنّه كان قد تخيّل ذلك عن اجتهادٍ أو تقليد فكان معذوراً فيه ، وذلك لا يستوجب سقوط الضمان ، إلّا إذا ثبت من الخارج أنّ الولي ما لم يفرّط لا يكون ضامناً مطلقاً ، ولكنّه أيضاً غير ثابت كما لا يخفى.

وعليه ، فإن كانت العين باقية استردّها ، وإلّا فله حقّ المطالبة والمعارضة ، ومعه يرفع النزاع إلى الحاكم الشرعي لخصمها وحسمها حسبما يؤدّي إليه رأيه ونظره.


1) (*) الظاهر أنّه لا مانع من معارضته ، ولا سيّما مع بقاء عين المال ، ولا منافاة بين جواز المعارضة ووجوب الإخراج أو استحبابه للولي بمقتضى تكليفه الظاهري.

2) (**) الظاهر أنّه لا بدّ للصبي في هذه الموارد بعد بلوغه من رعاية تكليف نفسه اجتهاداً أو تقليداً.

نعم ، لو شكّ الولي بحسب الاجتهاد أو التقليد في وجوب الإخراج أو استحبابه أو عدمهما وأراد الاحتياط بالإخراج ، ففي جوازه إشكال (1)(1) ، لأنّ الاحتياط فيه معارض بالاحتياط في تصرّف مال الصبي. نعم ، لا يبعد ذلك إذا كان الاحتياط وجوبيّاً. وكذا الحال في غير الزكاة كمسألة وجوب إخراج الخمس من أرباح التجارة للصبي حيث إنّه محلّ للخلاف. وكذا في سائر التصرّفات في ماله. والمسألة محلّ إشكال ، مع أنّها سيّالة.


وبالجملة : وجوب الإخراج أو استحبابه حكم ظاهري متعلّق بالولي بمقتضى وظيفته الفعليّة الثابتة عن اجتهادٍ أو تقليد ، فلا ينافي جواز المعارضة من قبل الصبي بمقتضى ما تعلّقت به من الوظيفة الظاهريّة أيضا.

وأوضح حالاً التصرّفات الصادرة من الولي التي تكون فاسدة بنظر الصبي ، كما لو باع ماله بالمعاطاة أو عقد له النكاح بالعقد الفارسي ونحو ذلك من المسائل الخلافيّة ، وهو لا يرى صحّتها بعد ما بلغ ، فإنّه كيف يسوغ له ترتيب الآثار على تلك العقود التي يرى فسادها اجتهاداً أو تقليداً؟! بل اللّازم عليه بعد البلوغ مراعاة تكليف نفسه حسبما يراه من الوظيفة الفعليّة.

(1) الظاهر أنّ عدم الجواز ممّا لا ينبغي الاستشكال فيه مطلقاً ، لعدم جواز التصرّف في مال الصبي من غير معذّر شرعي أو مسوّغ قطعي ، ومجرّد احتمال الوجوب لا يكون مسوّغاً بعد أن كان مورداً لأصالة البراءة العقليّة والشرعيّة.


1) (*) لا ينبغي الإشكال في عدم الجواز مطلقاً ، نعم في موارد احتمال الوجوب قبل الفحص يدور الأمر بين المحذورين ، فإن أمكن له تأخير الواقعة إلى انكشاف الحال فهو ، وإلّا لزمه اختيار أحد الطرفين ثمّ الفحص عما يقتضيه تكليفه ، ومن ذلك يظهر الحال في سائر الموارد.

[2790] الثانية : إذا علم بتعلّق الزكاة بماله وشكّ في أنّه أخرجها أم لا ، وجب عليه الإخراج ، للاستصحاب (1) ، إلّا إذا كان الشكّ بالنسبة إلى السنين


نعم ، فيما إذا لم يكن الاحتمال المزبور مورداً للأصل المؤمّن ، كما في موارد الاحتياط الوجوبي الناشئ من كون الشبهة قبل الفحص بحيث كان الاحتمال بنفسه منجّزاً ، فإن أمكن تأجيل الواقعة إلى أن يستبين الحال تعيّن ذلك ، وإن كان من دوران الأمر بين المحذورين المحكوم فيه بالتخيير بحكم العقل بعد رفع الإلزام المحتمل من كلّ من الطرفين بأصالة البراءة فيختار أحد الطرفين ثمّ يفحص عمّا يقتضيه تكليفه.

ودعوى أنّ الاحتياط في مال اليتيم أهمّ قطعاً أو احتمالاً فيتقدّم في نظر العقل.

مدفوعة بأنّ الترجيح بالأهمّيّة أو بمحتملها إنّما هو من خواصّ باب التزاحم ، أمّا المقام فهو داخل في باب التعارض ، إذ لم يعلم المجعول في الشريعة المقدّسة في هذه الحالة وأنّه الوجوب أو الحرمة ، لا انّ الحكمين ثابتان والمكلّف عاجز عن الجمع في مقام الامتثال ، فمع وجود المرجّح لهذا الباب يتقدّم حتّى على مقطوع الأهمّيّة فضلاً عن محتملها ، وإلّا كان مخيّراً بين الأمرين حسبما عرفت.

(1) لتماميّة أركانه ، كما هو الحال في كلّ مورد علم بالتكليف وشكّ في الخروج عن عهدة الامتثال.

هذا فيما إذا كانت العين الزكويّة باقية.

أمّا مع التلف بحيث كان ضامناً للزكاة على تقدير عدم أدائها ، فالمرجع حينئذٍ أصالة البراءة عن الضمان ، للشكّ في تعلّق التكليف الجديد ، ومن المعلوم أنّ أصالة عدم أداء الزكاة لا تثبت وقوع الإتلاف حال عدم الأداء ليترتّب عليه الضمان.

الماضية ، فإنّ الظاهر جريان قاعدة الشكّ بعد الوقت (1) ، أو بعد تجاوز المحل (1). هذا ، ولو شكّ في أنّه أخرج الزكاة عن مال الصبي في موردٍ يستحبّ إخراجها كمال التجارة له بعد العلم بتعلّقها به ، فالظاهر جواز العمل بالاستصحاب ، لأنّه دليل شرعي. والمفروض أنّ المناط فيه شكّه ويقينه ، لأنّه المكلّف ، لا شكّ الصبي ويقينه ، وبعبارة اخرى : ليس نائباً عنه (2).


(1) فإنّ هذه القاعدة المعبّر عنها بقاعدة الحيلولة وإن كان موردها الصلاة إلّا أنّ الفهم العرفي يقضي بعدم خصوصيّة للمورد وانسحابها في كافّة المؤقّتات.

بل لا يبعد دعوى اندراجها في قاعدة التجاوز وكونها هي بعينها كما ذكرناه في محلّه (3)وهي بمقتضى عموم دليلها تعمّ الصلاة وغيرها.

ولكن الظاهر عدم جريان شي‌ء من القاعدتين في المقام :

أمّا الحيلولة : فلاختصاصها بالمؤقّت ، وليست الزكاة منه ، إذ ليس لأدائها وقت معيّن بحيث يكون الدفع بعد ذلك الوقت قضاءً وإيقاعاً للواجب في خارج الوقت كما هو شأن المؤقّتات ، ومجرّد الفوريّة أو عدم جواز التهاون لا يستوجب التوقيت كما لا يخفى.

وأمّا التجاوز فقد ذكرنا في محلّه (4): أنّه قد يسند إلى الشي‌ء حقيقةً ، كما لو شكّ في صحّة شي‌ء بعد العلم بوجوده على ما هو المقرّر في موارد قاعدة الفراغ ،


1) (*) لا مجال لجريان شي‌ء من القاعدتين. نعم ، إذا لم يبق شي‌ء من النصاب عنده فالظاهر عدم الضمان ، للأصل.

2) (**) بل ولو كان نائباً عنه.

3) مصباح الأُصول 3 : 268 وما يليها.

4) مصباح الأُصول 3 : 276 وما يليها.

[2791] الثالثة : إذا باع الزرع أو الثمر وشكّ في كون البيع بعد زمان تعلّق الوجوب حتّى يكون الزكاة عليه أو قبله حتّى يكون على المشتري ، ليس عليه شي‌ء (1) ، إلّا إذا كان زمان التعلّق معلوماً (1)وزمان البيع مجهولاً ،


وأُخرى يسند إليه بالعناية والتجوّز باعتبار المضيّ عن محلّه المقرّر له شرعاً ، كما لو شكّ في أصل الوجود ، وهو المعبّر عنه اصطلاحاً بقاعدة التجاوز وقد أثبتنا في محلّه رجوع القاعدتين إلى جامع واحد (2)وكيف ما كان فلا يصدق التجاوز في المقام بكلّ من المعنيين.

أمّا الأوّل : فظاهر ، لفرض الشكّ في أصل الأداء. وكذلك الثاني ، إذ لم يكن لهذا الواجب وقت ولا محلّ معيّن حسبما عرفت. إذن لا فرق بين السنة الحالية والسنين الماضية في وجوب الإخراج لو شكّ فيه ، عملاً بالاستصحاب ما لم يثبت خلافه بحجّة معتبرة من اطمئنانٍ ونحوه ، إلّا إذا لم يبق شي‌ء من عين النصاب فإنّ الظاهر عدم الضمان حينئذٍ ، للأصل كما تقدّم.

ثمّ إنّ ما ذكرناه يجري في مال الصبي أيضاً لو شكّ في إخراج زكاته في مورد استحبابه ، سواء قلنا بنيابة الولي عنه أم كون الخطاب متوجّهاً إليه بنفسه ، ولا يختصّ بالثاني كما لا يخفى وإن كان ظاهر المتن كذلك.

(1) تارةً يفرض هذا الشكّ بالنسبة إلى البائع ، وأُخرى بالإضافة إلى المشتري.

أمّا لو كان الشاكّ هو البائع فقد يكون تأريخ كلّ من البيع وزمان التعلّق مجهولاً ، وأُخرى يكون أحدهما معلوماً دون الآخر.


1) (*) الظاهر عدم الوجوب حتّى في هذه الصورة.

2) مصباح الأُصول 3 : 275 وما يليها.

فإنّ الأحوط حينئذٍ إخراجه ، على إشكال في وجوب. وكذا الحال بالنسبة إلى المشتري إذا شكّ في ذلك ، فإنّه لا يجب عليه شي‌ء (1)، إلّا إذا علم زمان البيع وشكّ في تقدّم التعلّق وتأخّره ، فإنّ الأحوط حينئذٍ إخراجه ، على إشكال في وجوبه (2).


أمّا مع الجهل بالتأريخين فلا إشكال في عدم وجوب شي‌ء على البائع ، إمّا لمعارضة الاستصحابين في مجهولي التأريخ كما هو المختار ، أو لعدم الجريان في شي‌ء منهما كما عليه صاحب الكفاية (3)، وعلى أيّ حال ، فلا مجال للاستصحاب ، إمّا لعدم المقتضي ، أو لوجود المانع ، فيرجع بعدئذٍ إلى أصالة البراءة عن وجوب الزكاة.

وكذلك الحال فيما لو علم تأريخ البيع وكان تأريخ التعلّق مجهولاً ، فإنّ المرجع حينئذٍ أصالة عدم تعلّق الزكاة بهذا المال إلى زمان البيع ، الذي نتيجته نفي الوجوب عن البائع ، إذ لو لم يكن لهذا الأصل معارض نظراً إلى عدم جريان الاستصحاب في معلوم التأريخ فلا اشكال ، ولو كان له معارض لجريان الأصل في المعلوم كالمجهول فيسقطان بالمعارضة والمرجع حينئذٍ أصالة البراءة عن وجوب الزكاة ، فهي غير واجبة على البائع ، إمّا للاستصحاب ، أو لأصالة البراءة.


1) (*) مقتضى تعلّق الزكاة بالعين وجوب الإخراج على المشتري مطلقاً ، سواء أكان التعلق قبل الشراء مع عدم إخراج البائع من مال آخر كما لعلّه المفروض أم كان التعلق بعد الشراء ، ومقتضى أصالة الصحة في البيع بالإضافة إلى مقدار الزكاة عدم الرجوع على المالك.

2) (**) الظاهر عدم الفرق بين صور المسألة.

3) الكفاية : 37.

.................................................................................................


إنّما الإشكال في عكس ذلك أعني : ما إذا كان زمان التعلّق معلوماً وزمان البيع مجهولاً فقد ذكر في المتن أنّ الأحوط حينئذٍ الإخراج ، على إشكالٍ في وجوبه.

ومبنى الإشكال ما هو محرّر في الأُصول من أنّ الحادثتين المتعاقبتين كإسلام الوارث وموت المورث إذا كان أحدهما معلوم التأريخ دون الآخر ، فهل يختصّ جريان الاستصحاب بالمجهول ، نظراً إلى عدم الشكّ في الحادث الآخر بالإضافة إلى عمود الزمان ليكون مورداً للاستصحاب ، إذ بعد فرض العلم بتأريخه فهو قبل ذلك الزمان لم يكن قطعاً وبعده كائن قطعاً فليس لنا زمان شكّ ليستصحب فيه؟

أم أنّه يجري في المعلوم أيضاً باعتبار أنّه وإن لم يكن مشكوكاً بالنظر إلى الزمان بالذات كما ذكر ، إلّا أنّه بلحاظ الحادث الآخر سبقاً ولحوقاً الذي هو الموضوع للأثر حسب الفرض مشكوك بالوجدان فيستصحب عدمه إلى الزمان الواقعي للحادث الآخر؟ وهذا هو الصحيح على ما حقّقناه في الأُصول (1).

فعلى المبنى الأوّل : لا يجري في المقام إلّا استصحاب عدم البيع إلى زمان التعلّق ، لسلامته عن المعارض.

ونتيجته : وجوب أداء الزكاة على البائع وخروجه عن عهدته إمّا من نفس العين أو من بدله ، وبما أنّ دفع العين لا يمكن لأنّها عند المشتري فلا جرم ينتقل إلى القيمة ، ولا حاجة في ذلك إلى إثبات إتلاف العين الزكويّة ليناقش بأنّ الأصل مثبت من هذه الجهة ، بل يكفي مجرّد إثبات التكليف بالزكاة بمقتضى الاستصحاب بعد القطع بعدم الخروج عن عهدة هذا التكليف الاستصحابي لا من نفس العين ولا من بدلها ، فإنّه يتعيّن الثاني بطبيعة الحال بعد فرض العجز عن الأوّل.


1) مصباح الأُصول 3 : 203 205.

.................................................................................................


وأمّا على المبنى الثاني : فالأصل المزبور معارض بأصالة عدم التعلّق إلى الزمان الواقعي للبيع ، فإنّ الزكاة لم تتعلّق بهذا المال سابقاً جزماً ، ونشكّ في أنّ هذا العدم هل بقي إلى أن خرج المال عن ملكه أم لا؟ فنبني على ما كان ، ونتيجته نفي الوجوب عن البائع ، لأنّه باع في زمان لم تتعلّق به الزكاة بمقتضى الأصل. وبعد تعارض الاستصحابين وتساقطهما يرجع إلى أصالة البراءة عن الوجوب ، وقد عرفت أنّ هذا المبنى هو الصحيح ، فإنّ العلم بتاريخ التعلّق بحسب عمود الزمان لا أثر له ، وإنّما الأثر مترتّب بلحاظ الزمان الواقعي للحادث الآخر أعنى : البيع وهو مجهول حسب الفرض ، فلا فرق بين مجهول التأريخ ومعلومه في أنّ كلّاً منهما مورد لجريان الاستصحاب ، فيتعارضان حسبما عرفت.

وأمّا لو كان الشاكّ هو المشتري فلا يمكن إثبات الوجوب بتاتاً ، حتّى إذا كان زمان البيع معلوماً وزمان التعلّق مشكوكاً وقلنا بعدم جريان الاستصحاب في المعلوم ، لأنّ أصالة عدم التعلّق إلى زمان البيع لا أثر له ، إذ لا يثبت به أنّ التعلّق كان بعد الشراء ليتحقّق معه موضوع الوجوب ، لأنّ الموضوع أن يكون مالكاً حال التعلّق لا أن لا يكون تعلّق قبل أن يملك. ومعلومٌ أنّه لا يمكن إثبات أحد الضدّين بنفي الضدّ الآخر ، فاستصحاب عدم التعلّق قبل الشراء لا يثبت به التعلّق بعد الشراء.

وعلى الجملة : إنّما تجب الزكاة على المشتري إذا كان التعلّق بعد الشراء بحيث يكون حادثاً في ملكه ، ومع فرض الشكّ في التقدّم والتأخّر فليس لدينا أيّ أصل يتكفّل بإثبات ذلك ، إلّا بناءً على ما نسب إلى بعض المتقدّمين من البناء على أصالة تأخّر الحادث فيلتزم حينئذٍ بتأخّر التعلّق عن الشراء ، ولكن المقرّر في محلّه أنّه لا أصل لهذا الأصل ، بل يستصحب كلّ معدوم إلى زمان العلم بحدوثه.

إذن فلا سبيل لإثبات الوجوب على المشتري من ناحية الاستصحاب.

[2792] الرابعة : إذا مات المالك بعد تعلّق الزكاة وجب الإخراج من تركته (1) ، وإن مات قبله وجب على من بلغ سهمه النصاب من الورثة ، وإذا لم يعلم أنّ الموت كان قبل التعلّق أو بعده لم يجب الإخراج من تركته ، ولا على الورثة إذا لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب ، إلّا مع العلم بزمان التعلّق والشكّ في زمان الموت ، فإنّ الأحوط حينئذٍ (1)الإخراج ، على الإشكال المتقدّم.


نعم ، ليس له التصرّف في تمام المال قبل أداء الزكاة ، لعلمه الإجمالي بل التفصيلي بأنّه متعلّق الزكاة إمّا عنده أو عند البائع ، فلم يكن المال بأجمعه مملوكاً له فعلاً بالضرورة ، بل مقدار العشر أو نصفه خارج إمّا حدوثاً أو بقاءً ، فلا مناص من إخراج الزكاة بعد فرض تعلّقها بالعين.

وهل له الرجوع بعد ذلك إلى البائع؟

الظاهر : لا ، لأنّ مقتضى أصالة الصحّة في البيع نفوذه حتّى بالإضافة إلى مقدار الزكاة ، إذ لم يحرز تعلّقها قبل البيع كي يمنع عن النفوذ فيه ، ولأجله لم يكن شي‌ء على البائع كما سبق.

فتحصّل : أنّ الواجب على المشتري بمقتضى العلم الإجمالي الإخراج من غير أن يرجع إلى البائع.

(1) إذا مات مالك الزرع أو الثمر فقد يكون موته بعد تعلّق الزكاة ، وأُخرى قبله.

فعلى الأوّل : إن كانت العين باقية لم تنتقل إلى الورثة ، لعدم دخول مقدار الزكاة في ملك الميّت من أوّل الأمر كي يعدّ من تركته فيورث ، بل هي ملك


1) (*) الأقوى عدم الوجوب ، لأنّ قاعدة اليد تقضي بكون جميع المال للميّت ، ولا أثر معها للاستصحاب مع أنّه معارض بمثله كما بيّن في محلّه.

وأمّا إذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب أو نصيب بعضهم فيجب على من بلغ نصيبه منهم ، للعلم الإجمالي بالتعلّق به ، إمّا بتكليف الميّت في حياته ، أو بتكليفه هو بعد موت مورثه بشرط أن يكون بالغاً عاقلاً ، وإلّا فلا يجب عليه ، لعدم العلم الإجمالي بالتعلّق حينئذ.


لمصرف الزكاة فيجب الصرف فيها.

وإن كانت تالفة فهي محسوبة من الديون التي هي محكومة بالتقدّم على الوصيّة وعلى الإرث بمقتضى الآية المباركة ، فلا تصل إلى الورثة أيضاً ، بل هي كسائر الديون تخرج من الأصل وتصرف في الزكاة.

وعلى الثاني : فلا زكاة على المالك ، لعدم الحياة حال التعلّق ، وأمّا الوارث فإن لم تبلغ حصّته النصاب كما لو مات مالك النصاب وله ولدان ، أو بلغت ولكنّه كان فاقداً لسائر شرائط التكليف من البلوغ والعقل فلا زكاة عليه أيضاً وإلّا وجبت على من بلغت حصّته النصاب جامعاً للشرائط دون غيره.

هذا كلّه في صورة العلم.

وأمّا إذا لم يعلم أنّ الموت كان قبل التعلّق أو بعده فلا أثر لهذا الشكّ فيما إذا بلغت حصّة الوارث النصاب وكان بالغاً عاقلاً ، للعلم الإجمالي بل التفصيلي بعدم كونه مالكاً لمقدار الزكاة ، إمّا حدوثاً لو كان الميّت مكلّفاً بها حال الحياة ، أو بقاءً لو حدث التعلّق بعد الموت ، فإنّه على التقديرين لم يكن الوارث مالكاً لهذا المقدار جزماً ، وإنّما يظهر الأثر فيما إذا لم تبلغ حصّته النصاب أو كان فاقداً لسائر الشرائط ، فإنّه لا زكاة عليه لو كان التعلّق بعد الموت وتجب لو كان قبله حسبما عرفت.

ذكر الماتن (قدس سره) حينئذٍ : أنّه لم يجب الإخراج من التركة ولا على الورثة إلّا في صورة واحدة التي مرّت الإشارة إليها في المسألة السابقة وهي

[2793] الخامسة : إذا علم أنّ مورثه كان مكلّفاً بإخراج الزكاة وشكّ في أنّه أدّاها أم لا (1) ، ففي وجوب إخراجه من تركته لاستصحاب بقاء تكليفه أو عدم وجوبه للشكّ في ثبوت التكليف بالنسبة إلى الوارث ، واستصحاب بقاء تكليف الميّت لا ينفع في تكليف الوارث وجهان ، أوجههما


ما إذا علم زمان التعلّق وشكّ في زمان الموت ، حيث ذكر (قدس سره) أنّ الأحوط حينئذٍ الإخراج على إشكال.

وما ذكره (قدس سره) مبني على القول بجريان الاستصحاب في مجهول التأريخ دون معلومة ، إذ عليه يكون استصحاب عدم الموت إلى زمان التعلّق الذي نتيجته وجوب الإخراج من التركة سليماً عن المعارض.

وأمّا بناءً على جريانه في المعلوم كالمجهول كما هو الصحيح ، نظراً إلى أنّه أيضاً مجهول بالإضافة إلى الحادث الآخر الذي هو الموضوع للأثر وإن كان معلوماً بالإضافة إلى عمود الزمان فالاستصحابان يتعارضان ويتساقطان كما في مجهول التأريخ ، ومعه لا موجب للإخراج أبداً.

بل الظاهر عدم وجوب الإخراج حتّى بناءً على القول باختصاص جريان الاستصحاب بمجهول التأريخ دون معلومه ، وذلك من أجل أنّ قاعدة اليد تقضي بأنّ جميع المال ملك للميّت ، ومعها لا تصل النوبة إلى الاستصحاب ، لحكومة القاعدة عليه كما هو محرّر في محلّه ، فعلى كلا المبنيين لا مجال للتمسّك بأصالة عدم الموت إلى زمان التعلّق ليحكم بوجوب الإخراج.

(1) للمسألة صور ثلاث :

إذ تارةً : يعلم بتعلّق الزكاة بالعين وهي باقية فعلاً وشكّ في أنّه أدّاها إمّا من نفس العين أو من مال آخر لتكون هي خالصة له فعلاً أم لا.

واخرى : تكون العين تالفة ويشكّ في اشتغال الذمّة فعلاً بالزكاة ، للشكّ في

الثاني (1)، لأنّ تكليف الوارث بالإخراج فرع تكليف الميّت حتّى يتعلّق الحقّ بتركته ، وثبوته فرع شكّ الميّت وإجرائه الاستصحاب ، لا شكّ الوارث وحال الميّت غير معلوم أنّه متيقّن بأحد الطرفين أو شاكّ. وفرقٌ بين ما نحن فيه وما إذا علم نجاسة يد شخص أو ثوبه سابقاً وهو نائم ونشكّ في أنّه طهّرهما أم لا ، حيث إنّ مقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة مع أنّ حال النائم غير معلوم أنّه شاكّ أو متيقّن ، إذ في هذا المثال لا حاجة إلى إثبات التكليف بالاجتناب بالنسبة إلى ذلك الشخص النائم ، بل يقال : إنّ يده كانت نجسة ، والأصل بقاء نجاستها فيجب الاجتناب عنها ، بخلاف المقام ، حيث إنّ وجوب الإخراج من التركة فرع ثبوت تكليف الميّت واشتغال ذمّته بالنسبة إليه من حيث هو. نعم ، لو كان المال الذي تعلّق به الزكاة موجوداً أمكن أن يقال : الأصل بقاء الزكاة فيه ، ففرقٌ بين صورة الشكّ في تعلّق الزكاة بذمّته وعدمه ، والشكّ في أنّ هذا المال الذي كان فيه الزكاة أُخرجت زكاته أم لا.


أدائها حال وجود العين وعدمه.

وثالثةً : يقطع باشتغال ذمّة الميّت بالزكاة سابقاً ، لعدم الأداء من العين جزماً ، أمّا لإتلاف ، أو لتلف مضمون عليه ، أو لأجل النقل إلى الذمّة بإجازة الحاكم الشرعي ، ونحو ذلك ، ويشكّ في تفريغ ذمّته بعد ذلك كما في سائر الديون التي يشكّ في أدائها بعد العلم باشتغال الذمّة بها.

فتارةً : يفرض بقاء العين ويشكّ في تخليصها من الزكاة. وأُخرى : لم تكن باقية ويحتمل اشتغال الذمّة. وثالثةً : يعلم باشتغال الذمّة ويشكّ في الخروج عن العهدة.


1) (*) لا لما ذكر ، بل لأنّ استصحاب عدم الأداء لا يترتّب عليه الضمان.

هذا كلّه إذا كان الشكّ في موردٍ لو كان حيّاً وكان شاكّاً وجب عليه الإخراج ، وأمّا إذا كان الشكّ بالنسبة إلى الاشتغال بزكاة السنة السابقة أو نحوها ممّا يجري فيه قاعدة التجاوز والمضي ، وحمل فعله على الصحّة فلا إشكال (1). وكذا الحال إذا علم اشتغاله (2)بدين أو كفّارة أو نذر أو خمس أو نحو ذلك.


أمّا الصورة الأخيرة : فقد ذكر (قدس سره) فيها أنّه لا يجب على الورثة شي‌ء. والذي يظهر ممّا ذكره في صدر المسألة أنّ وجه عدم الوجوب هو أنّ تكليف الورثة بالإخراج متفرّع على تكليف الميّت بالأداء حال موته ، وهو غير محرز ولا يمكن إثباته بالاستصحاب ، لتقوّمه بيقين الميّت وشكّه ليجري الاستصحاب في حقّه ، إذ لا عبرة لهما من غيره. وحاله غير معلوم ، إذ لا ندري حسب الفرض أنّه هل كان متيقّناً وشاكّاً حال الموت أم لا؟

وبالجملة : لا يجب الإخراج على الورثة ابتداءً ، بل يتلقّونه من الميّت ، فهو فرع ثبوته عليه حال الموت ، وحيث لا علم لنا به لعدم إحراز شكّه فلا سبيل لإثبات شي‌ء على الورثة.

ولا يقاس المقام بما إذا علم بنجاسة يد زيد مثلاً وهو غافل أو نائم وشكّ في أنّه طهّرها أم لا ، فإنّ النجاسة تستصحب حينئذٍ ، لعدم تفرّعها على تكليف زيد بنفسه ، بخلاف المقام ، لثبوت التفريع حسبما عرفت.


1) (*) هذا فيما إذا لم تكن العين باقية ، وإلّا فالظاهر وجوب الإخراج ، ولا مجال لجريان قاعدة التجاوز أو الحمل على الصحّة.

2) (**) في المقام تفصيل : فبالإضافة إلى الدين فالأظهر أنّه يثبت بالاستصحاب على ما تقرّر في محله ، وأما بالإضافة إلى الكفّارة والنذر فلا أثر للاستصحاب بالنسبة إلى إخراجها من أصل التركة ، وأما بالإضافة إلى الخمس فحاله حال الزكاة فيأتي فيه ما تقدّم فيها.

.................................................................................................


ولكن هذا لعلّه واضح الدفع :

أمّا أوّلاً : فلأنّ أقصى ما يترتّب على عدم جريان الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري في حقّ الميّت أنّ التكليف لم يكن متنجّزاً عليه ، ومن المعلوم عدم دوران الإخراج المتعلّق بالورثة مدار التنجّز المزبور ، بل يكفي فيه مجرّد ثبوت التكليف واقعاً ، سواء أكان متنجّزاً عليه أيضاً أم لا ، فإذا ثبت لدي الورثة تكليف الميّت بمقتضى الاستصحاب لزمهم الإخراج وإن لم يكن منجّزاً على الميّت.

وأمّا ثانياً : فلأنّ لزوم الإخراج على الورثة لا يدور حتّى مدار تكليف الميت واقعاً فضلاً عن التنجّز عليه ، بل يكفي في الإخراج من الأصل مجرّد كونه مديناً وإن لم يكن مكلّفاً به لمانعٍ عنه من نسيان أو غفلة ونحوهما ، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ النسيان أو الغفلة يرفعان التكليف حتّى واقعاً ، فلو استدان الميّت من زيد مالاً ونسى عن أدائه إلى أن مات ، أو أتلف مال أحد حال نومه ولم يعلم به إلى أن مات والوارث يعلم به ، يلزمه الإخراج بلا كلام. وعليه ، فلو تعلّق الزكاة بالمال ونسى أو غفل إلى أن مات لزم الإخراج على الوارث ، لأنّ مقدار الزكاة ملك للفقير وإن لم يكن تكليف بالأداء لمكان الغفلة أو النسيان.

وبالجملة : اللازم إخراج الدين من المال بعد ثبوته ، كان الميّت مكلّفاً بالأداء أم لا ، كان منجّزاً عليه أم لا ، فإنّه لا يلزم شي‌ء من ذلك ، بل يكفي مجرّد اشتغال الذمّة بالدين ، ولا إرث إلّا بعد الدين ، فمتى ثبت قدّم عليه ، ولا يدور مدار التكليف به بوجه.

وعليه ، فإذا شككنا في فراغ ذمّته قبل الموت فلا مانع من استصحاب بقاء الدين كاستصحاب نجاسة يد زيد أو ثوبه.

إنّما الكلام في أنّ هذا الاستصحاب هل يكفي في لزوم الإخراج ، وأنّ الدين على الميّت هل يمكن إثباته بالاستصحاب أم لا؟

.................................................................................................


لا خلاف بين فقهائنا في أنّ الدعوى على الميّت لا تثبت بالبيّنة ، بل تحتاج إلى ضمّ اليمين.

وإنّما الكلام في أنّ هذا الضمّ هل هو من جهة التخصيص في دليل حجّيّة البيّنة فيكون متمّماً لدليل اعتبارها بحيث لولاه لم تكن حجّة في خصوص المقام كما لم تكن حجّة في بعض الموارد مثل : الشهادة على الزنا ونحوها ، وبعد التتميم وثبوت الدعوى لو شكّ في سقوطها لجهةٍ من الجهات يحكم بالبقاء بمقتضى الاستصحاب.

أم أنّه من جهة التخصيص في دليل حجّيّة الاستصحاب ، وإلّا فلا قصور في البيّنة في إثبات الدعوى بها كما في سائر الموارد ، غير أنّ الميّت حيث لا يمكنه الدفاع عن نفسه ، إذ من الجائز أنّه قد أدّى الدين أو أبرأه الدائن أو سقط بالتهاتر ونحو ذلك ، فيحتاج إلى ضمّ اليمين لدفع احتمال عدم البقاء ، نظراً إلى سقوط حجّيّة الاستصحاب في خصوص المقام.

فعلى الثاني : لا يجب الإخراج في المقام كما ذكره في المتن ، إذ لا أثر لعلم الورثة باشتغال ذمّة الميّت بالزكاة سابقاً بعد عدم جريان الاستصحاب لإثبات البقاء إلى حال الموت ، ومن المعلوم جدّاً أنّه لا مجال لضمّ اليمين في المقام ، لعدم كونه دعوى شخصيّة كما في سائر الدعاوي كي يختلف المدّعى على بقاء الحقّ وإنّما هناك علمٌ بالاشتغال وشكٌّ في الأداء كما هو ظاهر.

وأمّا على الأوّل : فلا مانع من جريان الاستصحاب ، والمفروض ثبوت الدين ، لعلم الورثة ، وليس مشكوكاً حتّى يحتاج إلى ضمّ اليمين ، فهو نظير سائر الديون التي يعترف الوارث بها الغنيّة عن ضمّ اليمين ، لأنّه جزء متمّم للمثبت ، أمّا إذا كان الدين ثابتاً بنفسه بالعلم الوجداني أو إقرار الورثة فلا حاجة إلى الضمّ أبداً ، ومعه لا بدّ من الإخراج.

وأمّا تحقيق هذه المسألة وأنّ اليمين هل هو جزء متمّم للإثبات ومقيّد لدليل

.................................................................................................


البيّنة أم أنّه مخصّص لدليل الاستصحاب ، فالظاهر هو الأوّل ، والوجه فيه : أنّ الدليل الذي استدلّوا به على هذا الضمّ روايتان :

إحداهما : صحيحة الصفّار : هل تقبل شهادة الوصيّ للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : «إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعى يمين» وكتب : أيجوز للوصي إلى أن قال : وكتب : أوَتقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل؟ «فوقّع : «نعم ، من بعد يمين» (1).

تضمّن صدرها قبول شهادة عدل واحد مع يمين المدّعى في الشهادة للميّت أي على نفعه فإنّ شهادة الوصي كالوكيل غير مسموعة حينئذٍ ، لأنّه يجرّ النفع إلى نفسه أو النار إلى قرصه وإن لم يرد بهذا التعبير في النصّ. فتبقى شهادة العدل الآخر المنضمّة إلى يمين المدّعى وهو الوارث ، ويثبت بذلك الدين للميّت على رجل آخر. وهذه الفقرة من الصحيحة خارجة عن محلّ الكلام.

ومحلّ الاستشهاد هو الذيل أعني قوله : أوَتقبل شهادة الوصي على الميّت سواء أكانت النسخة كما أثبتناها المطابقة للوسائل والكافي والتهذيب ، أم بإضافة كلمة : بدين ، بعد قوله : على الميّت ، كما في الفقيه ، لاتّحاد النتيجة ، ضرورة أنّ الدعوى على الميّت لا تكون إلّا بدين على ذمّته الغير الساقط عنه حيّاً وميّتاً ما لم تفرغ الذمّة. وأمّا الدعوى على العين فليست هي من الدعوى على الميّت ، بل على الوارث كما لا يخفى ، فنفس الدعوى على الميّت يقتضي أن يكون متعلّقها ديناً لا عيناً.

وكيف ما كان ، فقد دلّت على أنّ تلك الدعوى لا تثبت بشهادة العدلين إلّا من بعد ضمّ اليمين ، ولا تعرّض فيها لمرحلة الشكّ في البقاء وجريان الاستصحاب.


1) الوسائل 27 : 371 / كتاب الشهادات ب 28 ح 1 ، الكافي 7 : 394 / 3 ، الفقيه 3 : 43 / 147 ، التهذيب 6 : 247 / 626.

.................................................................................................


فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة كان ظاهرها أنّ ضمّ اليمين إنّما هو لأجل تتميم حجّيّة البيّنة وإثبات أصل الدعوى ، ولا نظر فيها إلى مرحلة البقاء بوجه. وعليه ، فإذا فرضنا أنّ الدين قطعي الثبوت كما هو المفروض فيما نحن فيه ، فلا مانع من جريان الاستصحاب والإخراج من تركته من غير حاجة إلى ضمّ اليمين ، إذ هو إنّما كان لأجل إثبات الدين ، ومع ثبوته بنفسه إمّا بالعلم الوجداني أو باعتراف الورثة لا حاجة إلى الإثبات ، فيجري الاستصحاب كما عرفت.

الثانية : رواية عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه قال : قلت للشيخ (عليه السلام) : خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ إلى أن قال : «وإن كان المطلوب بالحقّ قد مات فأُقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعى اليمين باللّه الذي لا إله إلّا هو ، لقد مات فلان ، وأنّ حقّه لعليه ، فإن حلف ، وإلّا فلا حقّ له ، لأنّا لا ندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لا نعلم موضعها ، أو غير بيّنة قبل الموت ، فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة ، فإن ادّعى بلا بيّنة فلا حقّ له ، لأنّ المدّعى عليه ليس بحيّ ، ولو كان حيّاً لأُلزم اليمين أو الحقّ أو يردّ اليمين عليه ، فمن ثمّ لم يثبت الحقّ» (1).

ومحلّ الاستشهاد هو التعليل في قوله (عليه السلام) : «لأنّا لا ندري» حيث يستفاد منه أنّ اليمين إنّما هو من أجل دفع احتمال الوفاء بعد أن لم يكن الميّت حيّاً حتّى يدافع عن نفسه ، ومن الجائز عدم ثبوت حقّ عليه واقعاً ، إمّا للأداء والوفاء ، أو للإبراء ، أو لعدم كونه مديناً من أصله. وعليه ، فلم يكن المناط في ضمّ اليمين التقييد في دليل حجّيّة البيّنة وتتميم اعتبارها ، بل قد ثبت أصل الدين بها من غير فرق بين كون الدعوى على الحيّ أو الميّت كما في الغائب. بل المناط فيه عدم حجّيّة الاستصحاب في خصوص المقام ، فيكون تقييداً في دليله


1) الوسائل 27 : 236 / أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 4 ح 1 ، الكافي 7 : 415 / 1 ، الفقيه 3 : 38 / 128.

.................................................................................................


لا في دليلها. ومن ثمّ ينبغي أن يكون الحلف على البقاء لا على الحدوث ، وإلّا فتكفي في إثباته البيّنة كما عرفت.

فعلى هذا المبنى الذي عليه المشهور نفي المقام لا مجال لجريان الاستصحاب ، لأنّا وإن علمنا أنّ الميّت مدين بالزكاة حسب الفرض إلّا أنّنا نحتمل وجداناً أنّه قد أوفاه ، وليس هنا مدّعٍ في قباله يحلف بالبقاء من فقير أو غيره ، فلا يسعنا إثبات البقاء إلّا بوساطة الاستصحاب ، والمفروض سقوطه في خصوص المقام ، فلا يجب على الوارث شي‌ء ، لعدم ثبوت اشتغال ذمّة الميّت بالدين حين موته ليخرج قبل الإرث من تركته.

والمراد بالشيخ : هو موسى بن جعفر (عليه السلام) ، كما نصّ عليه في الفقيه وإن أطلق في الكافي.

هذا ، ولكن الرواية ضعيفة السند لأجل ياسين الضرير ، إذ لم يرد فيه أيّ توثيق. ودعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوع صغرىً وكبرى ، فإنّ ضمّ اليمين وإن كان مسلّماً إلّا أنّه لم يعلم أنّه لأجل البقاء أو الحدوث ، فالصغرى غير ثابتة ، ولو سُلّم فالكبرى ممنوعة كما مرّ غير مرّة.

إذن ، فالمعتمد إنّما هي صحيحة الصفّار السليمة عمّا يصلح للمعارضة ، ومقتضاها أنّ الدين إذا ثبت بعلم الوارث كما في المقام لزم الإخراج ، لأنّ الإرث بعد الدين ، ولم يرد دليل على تخصيص حجّيّة الاستصحاب.

بقي هنا شي‌ء ، وهو أنّ الماتن ألحق في آخر المسألة بالدين الكفّارة والنذر في جميع ما مرّ. ولكنّه غير واضح ، فإنّه إنّما يتّجه لو قلنا بأنّ الكفّارة واجب مالي كما ذكره جماعة ، خصوصاً من المتأخّرين فإنّها حينئذٍ تخرج من أصل المال كالدين.

ولكنّه لم يثبت ، بل الظاهر من الأدلّة أنّها حكم تكليفي محض خوطب به

.................................................................................................


المكلّف بشخصه ، رفعاً للحزازة الحاصلة من العمل من غير ثبوت شي‌ء في ذمّته ليكون من قبيل الدين. وعليه ، فلا موجب للإخراج من المال حتّى مع القطع فضلاً عن الشكّ ، ولا سيّما إذا كان صغيراً أو مجنونا.

وعلى الجملة : الكفّارة واجب إلهي كسائر الواجبات ، غايته أنّه متعلّق بالمال من غير أن تكون الذمّة مشغولة بشي‌ء ، ولا سيّما مثل كفّارة شهر رمضان التي هي عنوان جامع بين العتق والإطعام والصيام ، الشامل لما يتعلّق بالمال وغيره.

وأوضح حالاً النذر ، لضعف ذاك الاحتمال فيه جدّاً ، نظراً إلى أنّه لم يجب ابتداءً ، بل يتبع التزام المكلّف ، فهو يلتزم بشي‌ء على نفسه واللّه تعالى يلزمه بما التزم ومن الضروري أنّ الناذر لم يلتزم بأن يكون لأحد ، بل التزم فعلاً على نفسه من إقامة مجلس العزاء أو إطعام مساكين ونحو ذلك ممّا يكون هو المتصدّي للقيام به ، المنوط بوجوده وحياته ، ولم يكن متعلّق النذر مالاً ثابتاً في الذمّة حتّى في المقطوع فضلاً عن المشكوك ليخرج عن تركته ، فلو علم الوارث أنّ الميّت لم يوف بنذره لم يجب عليه الإخراج فضلاً عن الشكّ في الوفاء. فالحكم مختصّ بالدين ، والحجّ ملحق به كما صرّح به في الأخبار وانّه يخرج من أصل المال.

نعم ، ذكر السيّد الماتن (قدس سره) في باب القضاء : أنّ مطلق الواجبات الإلهية كذلك ، لرواية الخثعمي المتضمنة : «أنّ دين اللّه أحقّ أن يقضى» فبدليل الحكومة تكون ملحقة بالدين.

ولكن الرواية مخدوشة سنداً ودلالةً ولا تصلح للاستناد إليها بوجه ، كما تعرّضنا في محلّه ، فلاحظ (1).


1) شرح العروة (كتاب الصلاة 5) : 258.

.................................................................................................


وتحصّل : أنّ الذي يخرج من الأصل إنّما هو الدين والحجّ ، وأمّا غير ذلك من سائر الواجبات فلا موجب لإخراجها منه مع اليقين فضلاً عن الشكّ.

هذا كلّه حكم الصورة الأخيرة ، أعني : العلم باشتغال الذمّة والشكّ في الخروج عن العهدة.

وأمّا الصورة الاولى ، أعني : ما إذا كانت الزكاة في العين وهي موجودة ونحتمل أنّ الميّت قد أدّاها إمّا من نفس العين أو من مال آخر. وقد ذكر الماتن (قدس سره) حينئذٍ أنّه لا بدّ من الإخراج ، نظراً إلى أنّ هذا المال الخارجي كان فيه الزكاة وكان متعلّقاً لحقّ الفقراء ، ويشكّ في إخراجها عنه فيستصحب بقاء الزكاة فيه ، فيجب على الوارث الإخراج كما كان يجب على الميّت لو كان حيّاً وصدر منه مثل هذا الشكّ.

وما أفاده (قدس سره) وجيه كما هو ظاهر ، غير أنّه (قدس سره) خصّ الحكم بما إذا تعلّق الشكّ بزكاة السنة الحالية. وأمّا إذا كان الشكّ بالنسبة إلى الاشتغال بزكاة السنة أو السنتين السابقة فلا يجب الإخراج على الوارث ، استناداً إلى قاعدة التجاوز ومضيّ المحلّ ، بل استند (قدس سره) إلى أصالة الصحّة.

أقول : قد عرفت سابقاً أنّ الزكاة ليس لها محلّ معيّن أو وقت مخصوص ، فليست هي من المؤقّتات (1). نعم ، لا يجوز التأخير بمقدار يصدق معه التهاون كما تقدّم (2)، إلّا أنّ ذلك لا يجعلها من المؤقت كي يكون الشكّ بعد تجاوز المحلّ أو بعد خروج الوقت. وعليه ، فلا معنى للتمسّك بقاعدة التجاوز أو مضيّ الوقت.

وأمّا أصالة الصحّة فلم يعلم لها وجه صحيح ، إلّا أن يقال : إنّ تأخير الزكاة


1) في ص 253 254.

2) في ص 255.

.................................................................................................


من دون عذر شرعي غير جائز ، فإبقاء الميّت العين الزكويّة عنده من غير إخراج الزكاة حرام وغير مشروع ، ومقتضى الحمل على الصحّة أنّه لم يرتكب الحرام ، بل كان الإبقاء المزبور سائغاً ولو بأداء الزكاة من مالٍ آخر.

ولكنّه كما ترى ، لما هو المقرّر في محلّه من أنّ أصالة الصحّة لها معنيان :

أحدهما : مجرّد التنزيه عن القبيح والحمل على الجائز المشروع من غير ترتيب الآثار الشرعيّة عليه بوجه ، كما مثّل له شيخنا الأنصاري (قدس سره) من حمل ما تردّد بين السلام والسبّ على الوجه الأحسن وأنّه لم يرتكب القبيح ، لا أنّه سلّم ليجب ردّ سلامه ، فأقصى مفادها عدم ظنّ السوء لا ترتيب اللوازم. وعليه ، فغاية ما في المقام تنزيه الميّت عن الحرام وأنّه لم يؤخّر الزكاة من غير عذر ، لا ترتيب لازمه وأنّه أدّاها خارجاً كي لا يجب الإخراج من تركته.

ثانيهما : الحمل على الصحيح في مقابل الفاسد فيما إذا صدر من المسلم فعل مردّد بينهما من عقد أو إيقاع ونحوهما ، فإنّ السيرة الشرعيّة بل بناء العقلاء قد استقرّ على الحمل على الصحيح وترتيب الآثار عليه ، فيجوز تزويج زوجة زيد المطلّقة بالسيرة القطعيّة وإن احتملنا بطلان طلاقها.

ولكن هذا المعنى من الحمل على الصحّة لا ينطبق على المقام ، إذ لم يصدر من الميّت فعل مردّد بين الصحيح والفاسد بهذا المعنى ليترتّب عليه الأثر ، وإنّما الصادر منه مجرّد البقاء الذي لا ينقسم إلى الصحيح والفاسد بالضرورة ، وقد عرفت عدم إثبات لازمه بالمعنى الأوّل ، فالظاهر عدم الفرق بين السنة الحالية والسنين الماضية ، بل لا بدّ من الإخراج في الجميع حسبما عرفت.

وأمّا الصورة الثانية ، أعني : ما لو كانت العين تالفة أو منتقلة إلى الغير ويحتمل أنّه لم يؤدّ زكاتها كي يكون مديناً وضامنا.

.................................................................................................


والظاهر هنا عدم وجوب الإخراج ، لا كما ذكره (قدس سره) من أنّ تكليف الوارث فرع تكليف الميّت ، لما عرفت ما فيه.

بل لأجل أنّ الضمان يحتاج إلى الدليل ، ولا دليل ، فإنّ موضوعه إتلاف مال الغير وهو غير محرز في المقام بعد احتمال أنّ الميّت قد أدّى الزكاة من نفس العين الزكويّة ، ومن البيّن أنّ استصحاب عدم الأداء لا يثبت الإتلاف ليترتّب عليه الضمان ، كما أنّ من الواضح أنّ الأداء إلى المالك لا يعدّ إتلافاً بل أداءً ووفاءً لما هو واجب عليه ، فمع احتماله لم يحرز الإتلاف ، وقد عرفت أنّ أصالة عدمه لا يثبته ليترتّب عليه الضمان.

بل لم يحرز الإتلاف حتّى مع العلم بعدم أداء الزكاة من العين ، كما لو باع العين الزكويّة بأجمعها واحتملنا الأداء من مالٍ آخر ، وذلك لأصالة الصحّة الجارية في تلك المعاملة بعد ثبوت الولاية له على التبديل بالأداء من مالٍ آخر ، فإنّ مقتضاها أنّه باع ما هو بتمامه ملك له ، لقدرته على ذلك بعد ولايته على أداء البدل ، فقد صدر تصرّف من الولي ومثله محكوم بالصحّة.

وعلى الجملة : استصحاب بقاء الحقّ أو عدم الأداء لا يثبت الضمان المترتّب على الإتلاف وهذا فيما إذا احتملنا أنّه أدّى من نفس العين أوضح ، لعدم صدق الإتلاف على الأداء.

ودونه في الوضوح ما لو لم يحتمل ذلك ، للعلم بأنّه أخرج الجميع عن ملكه ببيعٍ ونحوه ، لعدم ثبوت الضمان حينئذٍ أيضاً بعد جريان أصالة الصحّة ، فإنّ جريانها وإن كان مشروطاً بإحراز قابليّة المتصدّي للعقد كما هو مذكور في محلّه إلّا أنّ القابليّة محرزة في المقام بعد فرض أنّ المالك له الولاية على التبديل حسبما عرفت.

[2794] السادسة : إذا علم اشتغال ذمّته إمّا بالخمس أو الزكاة وجب عليه إخراجهما (1)(1) ، إلّا إذا كان هاشميّاً فإنّه يجوز أن يعطي للهاشمي بقصد ما في الذمّة.


(1) عملاً بالعلم الإجمالي.

كما أنّ ما ذكره (قدس سره) من جواز الإعطاء للهاشمي بقصد ما في الذمّة إذا كان هاشميّاً وجيهٌ أيضاً ، للقطع بفراغ الذمّة بذلك وإن لم يتميّز العنوان.

إلّا أنّ الأمر لا ينحصر في ذلك ، بل يمكن التخلّص بالدفع إلى من هو وكيل عن الهاشمي وعن غيره ، فيدفع إليه بقصد ما في الذمّة الأعمّ من الخمس أو الزكاة.

كما يمكن أيضاً بالدفع إلى الحاكم الشرعي الذي هو وليّ الحقّين بقصد ما في الذمّة. أو بأن يتوكّل هو بنفسه عن الهاشمي وعن غيره ، فيقبض عن نفسه وكالة عن كلّ منهما ، لحصول براءة الذمّة في جميع هذه الصور بمناطٍ واحد.

إنّما الكلام في كيفيّة الصرف لو دفع إلى الوكيل أو الحاكم الشرعي ، حيث إنّه مال مردّد بين شخصين الهاشمي وغيره من غير تمييز في البين.

ولعلّ المعروف بين الفقهاء في كبرى هذه المسألة التنصيف بينهما ، استناداً إلى ما عبّروا عنه بقانون العدل والإنصاف ، استشهاداً عليه بما ورد فيمن أودعه شخص درهماً وآخر درهمين فتلف أحد الدراهم عند الودعي من دفع درهم


1) (*) ويجوز أن يعطي مالاً واحداً بقصد ما في الذمّة إلى الوكيل عن مستحقي الزكاة والخمر. بل لا يبعد كفاية الإعطاء إلى الحاكم ثمّ يكون المال مردّداً بين مالكين فيجري فيه ما يجري فيه ، وإذا لم يمكن ذلك أيضاً فلا مانع من الرجوع إلى القرعة وتعيين المال المردد بها.

وإن اختلف مقدارهما قلّةً وكثرةً أخذ بالأقلّ (1)، والأحوط الأكثر (1).


ونصف لصاحب الدرهمين ونصف درهم لصاحب الدرهم ، حيث إنّ أحد الدرهمين الباقيين مردّد بين شخصين فيقسّط عليهما.

ولكن القانون المزبور لا دليل عليه ، وحديث الودعي قضيّة في واقعة ، ولا يمكن التعدّي في الحكم المخالف للقاعدة عن مورد النصّ ، وإلغاء خصوصيّة المورد ليس بذلك الوضوح كما لا يخفى. إذن لا مناص من الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل أو مشتبه ، فتأمّل.

(1) قد يفرض ذلك مع اختلاف الجنس ، وأُخرى مع الاتّحاد.

أمّا الأوّل كما لو علم أنّ عليه إمّا ديناراً خمساً أو شاةً زكاةً - : فيتعيّن فيه الاحتياط ، لتعارض الأصل من الطرفين بعد كونهما من قبيل المتباينين ، ويتأدّى بدفع الأكثر قيمةً بقصد ما في الذمّة إمّا للفقير الهاشمي لو كان هاشميّاً أو للوكيل أو الحاكم الشرعي حسبما عرفت.

هذا ، إذا كان الأكثر من النقدين ، وإلّا فيبتني على جواز دفع القيمة من غيرهما.

وأمّا الثاني كما لو علم أنّ عليه إمّا ديناراً واحداً من الزكاة أو دينارين من الخمس مثلاً ، فهو مدين إمّا بدينارين للهاشمي أو بدينار لغير الهاشمي - : فيجزئ حينئذٍ الاقتصار على الأقلّ بقصد ما في الذمّة ودفع الزائد المشكوك بأصالة البراءة ، وذلك لانحلال العلم الإجمالي المزبور بعلم إجمالي صغير دائرته أضيق وإن لم ينحلّ بالعلم التفصيلي.

فيكون المورد بعدئذٍ من قبيل الأقلّ والأكثر ، فإنّ من يعلم بأنّه إمّا مدين


1) (*) هذا فيما إذا كان الجنس واحداً ، وإلّا فالأظهر وجوب الاحتياط.

[2795] السابعة : إذا علم إجمالاً أنّ حنطته بلغت النصاب أو شعيرة ولم يتمكّن من التعيين (1) فالظاهر وجوب الاحتياط بإخراجهما ، إلّا إذا أخرج بالقيمة ، فإنّه يكفيه إخراج أقلّهما قيمةً على إشكال (1)، لأنّ الواجب أوّلاً هو العين ، ومردّد بينهما إذا كانا موجودين ، بل في صورة التلف أيضاً ، لأنّهما مثليّان.


بدينارين للهاشمي أو بدينارٍ لغير الهاشمي مثلاً فهو بطبيعة الحال يعلم بأنّه مدين بدينار واحد اما للهاشمي أو لغيره.

فاشتغال الذمّة بدينار واحد مقطوعٌ به وإن تردّد عنوانه ودار أمره بين مستحقّ الخمس أو الزكاة ، فيكون هذا العلم الإجمالي الصغير موجباً لانحلال العلم الإجمالي الأوّل إلى مقدارٍ مقطوع به وهو الدينار الواحد وإلى مقدارٍ زائد عليه وهو الدينار الآخر الذي هو مورد لأصالة البراءة.

وبالجملة : المناط في الانحلال تعارض الأُصول في أطراف العلم الإجمالي وعدمه.

وقد كانت الأُصول متعارضة في الصورة الأُولى أي في فرض الاختلاف في الجنس ومن ثمّ لزم الاحتياط بدفع الأكثر كما عرفت.

وأمّا في المقام فلا معارضة ، إذ دفع الدرهم الواحد مقطوع به وإن تردّد بين الهاشمي وغيره ، فليس هو مجرى للأصل بتاتاً ، وأمّا الدرهم الآخر فمشكوك الوجوب من أصله فيجري فيه الأصل بلا معارض ، ولأجله ينحلّ العلم الإجمالي حسبما عرفت.

(1) قد يفرض العلم الإجمالي المزبور بين المثليّين كالحنطة والشعير ، وأُخرى


1) (*) أظهره عدم الكفاية.

.................................................................................................


بين القيميّين كالشاة ونحوها.

أمّا في الأوّل : فمقتضى تنجيز العلم الإجمالي لزوم الاحتياط بالإخراج منهما معاً ، لكونهما من المتباينين لو أراد الإخراج من نفس العين.

وأمّا لو أراد الإخراج بالقيمة ، فهل يكفي الأقلّ لكونه المتيقّن فيرجع في الزائد إلى أصالة البراءة؟

استشكل فيه في المتن ، نظراً إلى أنّ الواجب أوّلاً هو العين سواء أكانت موجودة أم تالفة ، لكونها مثليّا حسب الفرض ، والقيمة بدل عن الواجب ومسقط عنه وليست بنفسها متعلّقة للوجوب لتكون دائرة بين الأقلّ والأكثر ، ومن المعلوم أنّ العين مردّد بين متباينين ، فلا مناص في مثله من الاحتياط بأداء الأكثر.

هذا ، والظاهر وجوب أداء الأكثر حتّى بناءً على عدم كون الواجب أوّلاً هو العين ، لكونه من الدوران بين المتباينين على التقديرين.

وتوضيحه : أنّ الزكاة وإن كانت حقّا متعلّقاً بالعين على الخلاف في كيفيّة التعلّق من كونها بنحو الكلّي في المعيّن أو الشركة في الماليّة أو الإشاعة أو غير ذلك ، إلّا أنّ متعلّق الوجوب لم يكن هي العين خاصّة ، بل الجامع بينها وبين القيمة كما مرّ البحث حول ذلك مستقصًى (1). ففرقٌ بين متعلّق الحقّ وبين متعلّق الوجوب ، فإنّ الأوّل هو العين خاصّة ، وأمّا الثاني فهو الجامع بين نفس العين وبين قيمتها ، ومن هنا عبّرنا بالشركة في الماليّة ، فالواجب هو الجامع بين الحنطة مثلاً وبين قيمتها. وعليه ، فلو تردّدت العين الزكويّة بين الحنطة والشعير فإنّ مرجع ذلك إلى التردّد في أنّ الواجب عليه هل هو الجامع بين الحنطة وقيمتها أو الجامع بين الشعير وقيمته ، فهو يعلم إجمالاً بوجوب أحد


1) شرح العروة 23 : 327 328.

وإذا علم أنّ عليه إمّا زكاة خمس من الإبل أو زكاة أربعين شاة ، يكفيه إخراج شاة (1).

وإذا علم أنّ عليه إمّا زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة (2) وجب الاحتياط ، إلّا مع التلف ، فإنّه يكفيه قيمة شاة. وكذا الكلام في نظائر المذكورات.


الجامعين اللّذين هما من المتباينين.

نعم ، النسبة بين القيمتين نسبة الأقلّ إلى الأكثر ، إلّا أنّ القيمة لم تكن بنفسها متعلّق الوجوب ليكون الواجب دائراً بين الأقلّ والأكثر ، وإنّما هي أحد عدلي الواجب ، والمتعلّق إنّما هو الجامع الذي هو مباين مع الجامع الآخر حسبما عرفت. وعليه ، فلا محيص عن الاحتياط بدفع الأكثر قيمةً بقصد ما اشتغلت به الذمّة.

(1) للعلم التفصيلي بوجوب إخراجها وإن تردّد سبب الوجوب بين كونه زكاة خمس من الإبل أو زكاة أربعين شاة ، فالتردّد في السبب دون المسبّب ، ومثله غير ضائر كما هو ظاهر.

(2) فتردّد الواجب بين التبيع والشاة اللّذين هما من القيميين ، ولا إشكال حينئذٍ في وجوب الاحتياط بدفع العينين لو كانا موجودين ، لكونهما من المتباينين ، وأمّا مع التلف فتكفي قيمة الأقلّ منهما وهي الشاة كما ذكره في المتن ، نظراً إلى انتقال الضمان في القيميّات إلى القيمة بمجرّد التلف ، فينقلب التكليف في المقام من الجامع بين العين والقيمة إلى خصوص القيمة ، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن أبي ولّاد : «قيمة بغل يوم خالفته» (1)، حيث


1) الوسائل 19 : 119 / كتاب التجارة ب 17 ح 1 و 25 : 390 / كتاب الغصب ب 7 ح 1.

[2796] الثامنة : إذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها هل يجوز إعطاؤها من تركته لواجب النفقة عليه حال حياته أم لا؟ إشكال (1)(1).


يظهر منها أنّ الذمّة إنّما اشتغلت بالقيمة لدى التلف وأنّه مطالب بها دون العين ، فلا تقاس بالمثلي الذي يكون هو بنفسه في الذمّة حتّى بعد التلف ، فإذا كانت الذمّة مشغولة بالقيمة فلدى تردّدها بين الأقلّ والأكثر يقتصر على المتيقّن ويدفع الزائد بأصالة البراءة ، فتأمّل.

(1) الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في الجواز ، لقصور المقتضي للمنع بعد انتفاء الموضوع ، فإنّ الممنوع عن أداء الزكاة إلى الابن هو الأب أو بالعكس ، إذ الخطاب متوجّه إليه خاصّة دون غيره ، وبعد وفاته لا موضوع ليتوجّه إليه التكليف. وهكذا الحال في الزوج بالنسبة إلى الزوجة.

نعم ، لو كان الوارد في الدليل أنّ زكاة الأب لا تعطى للابن أو بالعكس عمّ الحكم لحالتي الحياة والممات ، تمسّكاً بالإطلاق ، ولكن الخطاب في النصّ متوجّه إلى الابن مثلاً بنفسه ، كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن الحجّاج : «خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً : الأب والأُمّ والولد والمملوك والمرأة ، أنّهم عياله ولازمون له» (2)، إذ من الظاهر أنّ مثل هذا الخطاب متوجّه إلى شخص من تجب عليه النفقة دون غيره.

ومنه تعرف أنّه لا مجال للتمسّك بالاستصحاب بعد انتفاء الموضوع حتّى ولو بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة. أضف إلى ذلك ما في


1) (*) أظهره الجواز.

2) الوسائل 9 : 240 / أبواب المستحقين للزكاة ب 13 ح 1 و 21 : 525 / أبواب النفقات ب 11 ح 1.

[2797] التاسعة : إذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة وشرط على المشتري زكاته لا يبعد الجواز ، إلّا إذا قصد (1)كون الزكاة عليه ، لا أن يكون نائباً عنه فإنّه مشكل (1).


ذيل الصحيح المزبور من التعليل بأنّهم عياله ولازمون له ، فإنّ العيلولة واللّزوم مقصورة على حال الحياة ومنفيّة بعد الممات كما هو واضح.

على أنّ نفس الإطلاقات الأوّلية كافية في إثبات المطلوب ، فإنّ من تجب نفقته حال الحياة فقير حسب الفرض فتشمله إطلاقات أداء الزكاة للفقراء بعد سلامتها عن المقيّد ، فنفس الإطلاقات الأوّلية كافية من غير حاجة إلى دليل بالخصوص.

مضافاً إلى ورود الدليل في خصوص المقام ، وهي صحيحة عليّ بن يقطين ، قال : قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام) : رجل مات وعليه زكاة وأوصى ان تقضى عنه الزكاة ، وولده محاويج ان دفعوها أضر ذلك بهم ضرراً شديداً ، فقال : يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ، ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم» (2). والدلالة ظاهرة ودفع شي‌ء للغير كأنه لمراعاة قانون العدل والإنصاف.

(1) وجه الاستشكال : أنّ الزكاة إنّما تجب على المالك نفسه ، وبالاشتراط لا ينتقل الوجوب إلى المشتري ما لم يقصد النيابة عنه.

والظاهر أنّ محلّ كلامه (قدس سره) بل هو المتيقّن به ما إذا كانت الزكاة


1) (*) لا إشكال في هذا أيضاً بعد ما كانت الزكاة متعلّقة بالعين ، نعم ليس للمشتري أن يعطي من القيمة إلّا إذا قصد النيابة عن البائع.

2) الوسائل 9 : 244 / أبواب المستحقين للزكاة ب 14 ح 5.

.................................................................................................


موجودة في نفس العين المبيعة دون الذمّة كما لا يخفى. وعليه ، فيما أنّ المبيع مشترك بين المالك والفقير فبطبيعة الحال لم ينتقل مقدار الزكاة إلى المشتري ، بل كان البيع بالإضافة إليه فضوليّاً ما لم يؤدّ المالك الزكاة من مال آخر.

وحينئذٍ فلو اشترط الزكاة على المشتري :

فتارةً : يرجع إلى اشتراط الإخراج نيابةً عن المالك بتفريغ ذمّته ولو ببذل القيمة أو الأداء من مال آخر ، وهذا لا إشكال في صحّته ، فإنّ نتيجته التوكيل في الأداء من قبل البائع الذي لا كلام في جوازه كما تقدّم ، وبعد الأداء من مالٍ آخر يدخل مقدار الزكاة في ملك البائع ويكون من صغريات : من باع شيئاً ثمّ ملك ، المحكوم عليه بالصحّة من غير حاجة إلى الإجازة كما هو محرّر في محلّه.

وأُخرى : يشترط عليه الأداء من مال آخر لا بعنوان النيابة بل من قبل نفسه ، وصحّة مثل هذا الشرط مشكل ، إذ متعلّق الزكاة نفس هذا المال ولا ولاية على التبديل والأداء من مالٍ آخر إلّا لنفس المالك أو من هو وكيله أو نائبه ، دون المشتري الذي هو أجنبي عن ذلك حسب الفرض ، ولا يحدث بالاشتراط حكم شرعي على خلاف مقتضى الأدلّة ، بل لا بدّ وأن يكون الشرط أمراً سائغاً في نفسه.

وبالجملة : التبديل يحتاج إلى الدليل ، ولم تثبت الولاية عليه لغير المالك.

وثالثةً : يشترط على المشتري الإخراج من نفس العين لا بعنوان النيابة. وقد استشكل فيه الماتن ، ولكن الظاهر الصحّة ، إذ لا دليل على اعتبار قصد النيابة في الإخراج الصادر من الغير بتسبيب ممّن عليه الحقّ بتوكيل أو اشتراط كما في المقام الذي لا يقصر هو عن التوكيل ، فإنّ اللازم على المالك ليس إلّا إخراج الزكاة من هذا المال وقد أخرجها المشروط عليه.

وبالجملة : كان للمالك قبل الشراء أن يوكّل أحداً بالإخراج وقد جعل ذلك بالاشتراط على المشتري ، فيكون المشتري هو المكلّف بعدئذٍ بالإخراج بمقتضى

[2798] العاشرة : إذا طلب من غيره أن يؤدّي زكاته تبرّعاً من ماله جاز وأجزأ عنه (1) ، ولا يجوز للمتبرّع الرجوع عليه ، وأمّا إن طلب ولم يذكر التبرّع فأدّاها عنه من ماله فالظاهر جواز رجوعه عليه بعوضه ، لقاعدة احترام المال ، إلّا إذا علم كونه متبرّعاً.


وجوب الوفاء بالشرط وإن كان التكليف متوجّهاً ابتداءً إلى البائع ولكنّه فعلاً متوجّه إلى المشتري وتبرأ بإخراجه ذمّة البائع أيضاً فيما لو قصد القربة باشتراطه الغير القاصر عن التوكيل حسبما عرفت ، فلا يعتبر تعهّد النيابة بل يصحّ وإن كان غافلاً حين الإخراج.

(1) لكونه على طبق القاعدة ، إذ لا يعتبر في الزكاة الأداء من نفس العين ولا من بدله من مال نفسه ، بل يجوز لأداء من مال الغير الذي أباح له التصرّف بنحوٍ مطلق ، الشامل لأداء الزكاة ، فإذا جاز له أن يؤدّي زكاته من مال الغير جاز له أن يأمر ذلك الغير بأداء الزكاة عنه ، الذي هو بمثابة التوكيل في الإخراج ، فالفعل الذي كان له أن يفعله مباشرةً جاز له أن يفعله بالتسبيب.

وبالجملة : ليس في شي‌ء من أدلّة الزكاة لزوم الإخراج من مال المالك نفسه ، بل يجوز من مال شخصٍ آخر بمقتضى الإطلاق ، فإنّ المقصود الإيصال إلى الفقير كيف ما كان ، فهذا الحكم ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

إنّما الكلام فيما لو أمره بأداء الزكاة من غير أن يذكر التبرّع ولم يكن منصرفاً أيضاً إلى التبرّع ، فهل للمأمور أن يرجع إليه ويطلبه بمثل ما أدّى؟

الظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في الجواز ، لقيام السيرة العقلائيّة على الضمان فيما إذا أمر أحدٌ غيره بعملٍ كانت له قيمة عند العقلاء كالخياطة والحلاقة والبناية ونحوها أو فيما لو تضمّن تلف مالٍ كأمر الخبّاز بإعطاء خبز لزيد أو

[2799] الحادية عشرة : إذا وكّل غيره في أداء زكاته أو في الإيصال إلى الفقير هل تبرأ ذمّته بمجرّد ذلك (1)، أو يجب العلم بأنّه أدّاها ، أو يكفي إخبار الوكيل بالأداء؟ لا يبعد جواز الاكتفاء إذا كان الوكيل عدلاً بمجرّد الدفع إليه (1).


أمر بائع الأقمشة بإعطاء ثوب لزيد ونحو ذلك فكما أنّ الإتلاف سببٌ للضمان بالسيرة العقلائيّة فكذلك الأمر فيما لم تكن قرينة على المجّانيّة ، ولا من قصد العامل المجّانيّة ، لنفس تلك السيرة العقلائيّة ، فكان هناك معاملة ضمنيّة يبتني الأمر عليها فيشتمل الأمر بالخياطة أو بإعطاء الخبز إيجاراً أو بيعاً ضمنيّاً ، غايته بأُجرة المثل أو ثمنه.

وبالجملة : لا فرق بين الإتلاف والأمر في اقتضائهما الضمان بمناطٍ واحد ، وهو قيام السيرة حسبما عرفت.

وعليه ، فلو أمر غيره بأداء دينه من زكاةٍ أو غيرها فأدّى ضمن ولزم عليه الخروج عن عهدته.

نعم ، لو عمل المأمور بقصد المجّانيّة لم يستحقّ شيئاً ، لعدم استناد عمله إلى الأمر ، فلم ينبعث عنه وإنّما انبعث عن اشتهاء نفسه ، ومثله غير مشمول للسيرة المزبورة ، كما لا يستحقّ لدى قيام القرينة على المجّانيّة.

(1) بل هو الأقوى ، بل تكفي الوثاقة ولا حاجة إلى العدالة ، وذلك لما تقدّم من أنّ الزكاة أمانة شرعيّة عند المالك لا بدّ من إيصالها بنفسه أو بوكيله ، ولأجل ذلك لا ضمان عليه لو تلفت في سبيل الإيصال ما لم يتضمّن التفريط الموجب


1) (*) الظاهر البراءة مع التسليم إلى الوكيل الموثوق به ، لأنّه على كلا تقديري الأداء والتلف لا ضمان عليه.

[2800] الثانية عشرة : إذا شكّ في اشتغال ذمّته بالزكاة فأعطى شيئاً للفقير ونوى أنّه إن كان عليه الزكاة كان زكاةً ، وإلّا فإن كان عليه مظالم كان منها ، وإلّا فإن كان على أبيه زكاة كان زكاةً له ، وإلّا فمظالم له ، وإن لم يكن على أبيه شي‌ء فلجدّه إن كان عليه وهكذا ، فالظاهر الصحّة (1).


للإتلاف كما هو المفروض. وعليه ، فتبرأ الذمّة بمجرّد الدفع ، أي لا ضمان سواء وصلت إلى المستحقّ أم تلفت ، فإنّ ذمّته فارغة على التقديرين حسبما عرفت.

وأمّا صحيحة عليّ بن يقطين «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّن يلي صدقة العشر على من لا بأس به «فقال : إن كان ثقة فمره أن يضعها في مواضعها وإن لم يكن ثقة فخذها أنت وضعها في مواضعها» (1).

فهي أجنبيّة عن توكيل المالك الذي هو محلّ الكلام ، إذ لم يسأل ابن يقطين عن إعطاء زكاته لهذا الشخص وجعله وكيلاً في الأداء أو في الإيصال ليستدلّ بها على كفاية الوثاقة ، وإنّما سأل عن تصدِّي مَن يلي الصدقات الذي هو كعامل له ، حيث إنّه كان وزيراً للسلطان يمكنه عزله ونصبه بمقتضى مكانته الشخصيّة ، فلا ارتباط للصحيحة بما هو المبحوث عنه في المقام كما لا يخفى.

(1) لتعيّن المنوي بحسب الواقع وإن جهله الناوي ، فإنّه قد نوى سلسلة مرتبة واحدة بعد اخرى قاصداً بذلك ما هو المعلوم عند اللّه الواقع في أوّل هذه السلسلة ، ومن الواضح أنّ هذا أمر متعيّن بحسب الواقع لا تردّد فيه ، غايته أنّ المكلّف لا يدري به ولم يعلم بوصفه ، ولا ضير فيه بعد تعلّق القصد به ولو بالإشارة الإجماليّة مع قصد القربة.


1) الوسائل 9 : 280 / أبواب المستحقين للزكاة ب 35 ح 1.

[2801] الثالثة عشرة : لا يجب الترتيب في أداء الزكاة (1) بتقديم ما وجب عليه أوّلاً فأوّلاً ، فلو كان عليه زكاة السنة السابقة وزكاة الحاضرة جاز تقديم الحاضرة بالنيّة. ولو أعطى من غير نيّة التعيين فالظاهر التوزيع (1)(2).


(1) فيجوز تقديم المتأخّر وتأخير المتقدّم من سنة واحدة كانتا أو من سنتين ، لإطلاق الأدلّة بعد عدم قيام الدليل على اعتبار الترتيب.

(2) أمّا إذا لم يقبل الانطباق إلّا على أحدهما كما لو كانت عليه زكاة الذهب وزكاة الغنم فأخرج شاة فحكمه ظاهر ، وهو خارج عن محلّ الكلام.

ومحلّ الكلام ما لو كان قابلاً للانطباق عليهما معاً وصالحاً لأن يكون امتثالاً لكلّ من الواجبين ، كما لو كانت عنده خمس من الإبل وأربعون شاة فأخرج شاة واحدة من غير نيّة التعيين ، والظاهر حينئذٍ هو التوزيع كما أفاده في المتن.

والوجه فيه : أنّ نسبة المدفوع إلى الزكاتين نسبة واحدة حسب الفرض ، وليست الزكاة من قبيل الواجب الارتباطي ، بل هي بالإضافة إلى أجزائها انحلاليّة يجوز أداء مقدار منها وإبقاء الباقي كما في سائر الديون.

وعليه ، فلا مناص في المقام من الالتزام بالتقسيط والتوزيع ، وإلّا لزم الترجيح من غير مرجّح بعد فرض تساوي النسبة واشتراكهما كما عرفت.

فالمقام نظير ما لو كان شخص مديناً لزيد بعشرة دنانير ولعمرو بعشرة أُخرى وكان لهما وكيل واحد ، فدفع المدين للوكيل عشرة من غير قصد التعيين فإنّه يقسط بينهما قطعا.

وعلى الجملة : التوزيع في أمثال المقام مطابق لمقتضى القاعدة ، فإنّه المتحصّل


1) (*) في تفصيل تقدّم [في أوّل فصل الزكاة من العبادات].

[2802] الرابعة عشرة : في المزارعة الفاسدة الزكاة مع بلوغ النصاب على صاحب البذر (1) ، وفي الصحيحة منها عليهما إذا بلغ نصيب كلّ منهما ، وإن بلغ نصيب أحدهما دون الآخر فعليه فقط ، وإن لم يبلغ نصيب واحد منهما فلا يجب على واحد منهما وإن بلغ المجموع النصاب.


من مقدّمات ثلاثة كلّها ضروريّة : تساوي النسبتين ، عدم الارتباطيّة ، امتناع الترجيح بلا مرجّح حسبما عرفت.

وعليه ، فلا يقاس المقام بباب الصلاة أو الصيام فيما لو كان عليه صوم يومين مثلاً فصام يوماً واحداً من غير تعيين ، حيث يسقط أحدهما ويبقى الآخر بلا إشكال ، لأنّ الواجب هناك ارتباطي لا يعقل فيه التقسيط ، وهنا استقلالي قابل لذلك.

(1) تقدّم سابقاً أنّ الزكاة إنّما تجب على المالك دون غيره وإن كان المال في يده. وعليه ، ففي المزارعة الصحيحة بما أنّ كلّاً من المالك والعامل يستحقّ النتاج ويملكه بنسبة معيّنة فلا محالة تجب الزكاة على كلّ من بلغت حصّته النصاب ، وأمّا إذا لم يبلغ لا هذا ولا ذاك فلا شي‌ء عليهما وإن كان المجموع بالغاً حدّ النصاب ، إذ الاعتبار بملك كلّ مالك بخصوصه من غير الانضمام بملك شخص آخر كما تقدّم.

وأمّا لو كانت المزارعة فاسدة فالناتج ملك لمالك البذر ، فإنّه يتبع البذر في الملكيّة ، وحينئذٍ فإن كان البذر للعامل كان الناتج له وعليه الزكاة مع بلوغ حدّ النصاب ، وإن كان للمالك فكذلك ، وإن كان لهما فبالنسبة ، ويجري فيه الكلام المتقدّم بعينه ، فلاحظ.

[2803] الخامسة عشرة يجوز للحاكم الشرعي أن يقترض (1)على الزكاة (1) ويصرفه في بعض مصارفها ، كما إذا كان هناك مفسدة لا يمكن دفعها إلّا بصرف مال ولم يكن عنده ما يصرفه فيه ، أو كان فقير مضطرّ لا يمكنه إعانته ورفع اضطراره إلّا بذلك ، أو ابن السبيل كذلك ، أو تعمير قنطرة أو مسجد أو نحو ذلك وكان لا يمكن تأخيره ، فحينئذٍ يستدين على الزكاة ويصرف وبعد حصولها يؤدّي الدين منها. وإذا أعطى فقيراً من هذا الوجه وصار عند حصول الزكاة غنيّاً لا يسترجع منه ، إذ المفروض أنّه أعطاه بعنوان الزكاة. وليس هذا من باب إقراض الفقير والاحتساب عليه بعد ذلك ، إذ في تلك الصورة تشتغل ذمّة الفقير ، بخلاف المقام ، فإنّ الدين على الزكاة.


(1) بأن تكون الزكاة هي المدين والحاكم يستدين لها من محلّ آخر ، وبعد حصولها يؤدّي الدين منها. نظير اقتراض المتولّي للوقف فيما لو كانت العين الموقوفة في حاجة ماسّة لأجل تعميرٍ ونحوه ، فيستدين المتولّي على الوقف بحيث يكون المدين هو الوقف ، ثمّ يؤدّي الدين من واردة وحاصله.

ثمّ ذكر (قدس سره) في آخر عبارته : أنّه يمكن أن يستقرض الحاكم لنفسه بما هو ولي بحيث يكون هو المدين دون الزكاة ، ثمّ يؤدّي دينه من الزكاة من سهم الغارمين.

أقول : أمّا الأخير فلا كلام لنا فيه ، لأنّ ذلك هو مقتضى الولاية الثابتة


1) (*) فيه إشكال إذ لم تثبت ولاية الحاكم في مثل ذلك ، مع أنّه لا معنى للاقتراض للزكاة وإلّا كان المال المأخوذ قرضاً ملكاً لها ، فكيف يصح صرفه في مصارف الزكاة!؟ نعم ، فيما إذا كانت الحاجة ضرورية بحيث علم وجوب رفعها ولم يمكن الرفع بوجه آخر جاز للحاكم الاقتراض لنفسه بما أنّه ولي ثمّ أداء دينه من الزكاة.

ولا يضرّ عدم كون الزكاة ذات ذمّة تشتغل ، لأنّ هذه الأُمور اعتباريّة والعقلاء يصحّحون هذا الاعتبار. ونظيره استدانة متولّي الوقف لتعميره ثمّ الأداء بعد ذلك من نمائه ، مع أنّه في الحقيقة راجع إلى اشتغال ذمّة أرباب الزكاة من الفقراء والغارمين وأبناء السبيل من حيث هم من مصارفها لا من حيث هم هم ، وذلك مثل ملكيّتهم للزكاة ، فإنّها ملك لنوع المستحقِّين ، فالدين أيضاً على نوعهم من حيث إنّهم من مصارفه لا من حيث أنفسهم. ويجوز أن يستدين على نفسه من حيث ولايته على الزكاة وعلى المستحقّين بقصد الأداء من مالهم ، ولكن في الحقيقية هذا أيضاً يرجع إلى الوجه الأوّل.


للحاكم الشرعي كما هو ظاهر.

وإنّما الكلام في الأوّل أعني : الدين على الزكاة لا على الحاكم نفسه والإشكال فيه من وجهين :

أمّا أوّلاً : فلأنه لم تثبت ولاية للحاكم على الزكاة نفسها ليستدين عليها ، لا لما ذكره (قدس سره) وأجاب عنه من أنّ الزكاة ليست لها ذمّة ، ضرورة أنّ الاستقراض من الأُمور الاعتباريّة التي يمكن تعلّقها بالمعدوم إذا وافقه الاعتبار العقلائي فضلاً عمّا لا ذمّة له ، فليس المانع راجعاً إلى مقام الثبوت وإنّما الكلام في مقام الإثبات وأنّه لم ينهض دليل يدلّ على ولاية الحاكم على الزكاة لتكون هي المدين في المقام ، ومجرّد الاضطرار في الصرف منها كما هو المفروض لا يسوّغ ذلك بعد عدم انحصار الطريق بالاستقراض عليها وجواز استقراض الحاكم لنفسه بما هو حاكم ثمّ الأداء منها كما عرفت.

والحاصل : أنّ مجرّد الإمكان لا يكفي في الوقوع فإنّه أعمّ منه.

وأمّا ثانياً : سلّمنا بثبوت الولاية له عليها ولكن بأيّ دليل يصرف ما استدان

وهل يجوز لآحاد المالكين إقراض الزكاة قبل أوان وجوبها أو الاستدانة لها على حذو ما ذكرنا في الحاكم؟ وجهان (1)(1) ، ويجري جميع ما ذكرنا في الخمس والمظالم ونحوهما.


للزكاة في مصارفها؟! فإنّ الذي يصرف في مصارف الزكاة الثمانية إنّما هي نفس الزكاة لا ما كان ملكاً طلقاً للزكاة ، فإنّه يصرف في مصالح الزكاة من حفظ الزرع أو علف المواشي ونحوها ، لا في مصارفها ، وكم فرق بين الأمرين.

وبالجملة : المال المأخوذ قرضاً على الزكاة ملك لها يصرف في مصالحها فكيف يصحّ صرفه في مصارفها؟! فهو نظير ما كان ملكاً للوقف من الجامع أو المدرسة ونحوهما ، فإنّه يصرف لمصلحة نفس الوقف من تعميرٍ ونحوه ، ولا يعرف على الموقوف عليه كما هو ظاهر.

(1) أمّا الاستدانة للزكاة فلا نعرف وجهاً لجوازها ، فإنّا لو سلّمنا بثبوت الولاية للحاكم الشرعي على ذلك فلا نسلّمه في غيره من آحاد المالكين ، لعدم الدليل على ولايتهم لها أبداً كما لا يخفى.

وأمّا إقراض الزكاة فقد تقدّم في أوّل بحث المستحقّين أنّ المراد به إن كان هو الإعطاء قرضاً للزكاة بحيث يكون الآخذ والدائن هو الزكاة كما كان يستدين لها ، فهذا كما ترى لا يرجع إلى محصّل ، سواء كانت الولاية للحاكم أو لغيره ، فإنّ الزكاة لا تملك شيئاً حتّى يعطي هذا قرضاً لها وتكون هي المالك والدائن.

وإن أُريد أنّ ذلك زكاة معجّلة بأن تكون الزكاة بنفسها قرضاً وفي وقتها يحسب الدين مع البقاء على صفة الاستحقاق ، فقد تقدّم أنّ جملة من الروايات


1) (*) أظهرهما عدم جوازه.

[2804] السادسة عشرة : لا يجوز للفقير ولا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه (1) المسمّى بالفارسيّة ب- «دست‌گردان» ، أو المصالحة معه بشي‌ء يسير ، أو قبول شي‌ء منه بأزيد من قيمته أو نحو ذلك ، فإنّ كلّ هذه حيل في تفويت حقّ الفقراء ، وكذا بالنسبة إلى الخمس والمظالم ونحوهما. نعم ، لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبلغ كثير وصار فقيراً لا يمكنه أداؤها وأراد أن يتوب إلى اللّه تعالى ، لا بأس بتفريغ ذمّته بأحد الوجوه المذكورة (1). ومع ذلك إذا كان مرجوّ التمكّن بعد ذلك الأولى أن يشترط عليه أداؤها بتمامها عنده.


دلّت على جواز التقديم كما دلّت على جواز التأخير بعد العزل ، ولكن بإزائها روايات اخرى دلّت على العدم وأنّ ذلك بمثابة تقديم الصلاة على الوقت ، وقلنا : إنّ الطائفة الأُولى تحمل على التقيّة ، لموافقتها لمذهب العامّة (2).

وإن أُريد الإقراض من نفس الشخص بأن يكون الدائن هو الفقير وبعد ذلك يحتسب الدين من الزكاة ، فهذا لا إشكال في جوازه بمقتضى القاعدة من غير أن يكون محدوداً بشهر أو بشهرين كما في الروايات ، بل يجوز حتّى قبل سنة أو سنين ، لاستحباب الإقراض ، بل أنّ ثوابه أكثر من الصدقة بكثير.

(1) المعبّر عنه بالمداورة وفي الفارسيّة ب- «دست‌گردان» ، أو المصالحة عن الكثير بالقليل ، أو القبول بأزيد من القيمة كقبول ما يسوى عشرة بمائة الذي هو أيضاً نوع من المصالحة ، فإنّ كلّ ذلك حيل غير شرعيّة تتضمّن تفويت حقّ الفقراء ، فلا تسوغ لا للحاكم ولا للفقير إلّا في صورة واحدة أشار إليها


1) (*) بل بخصوص الوجه الأوّل.

2) في ص 261.

.................................................................................................


أخيراً ، وهي ما لو تاب من عليه الحقّ وأراد إفراغ ذمّته وكان فقيراً ، عندئذٍ فإنّه يجوز حينئذٍ بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة ، نظراً إلى أنّه بنفسه حينئذٍ موردٌ للزكاة ، ولا فرق في ذلك كلّه بينها وبين الخمس والمظالم ونحوها.

أقول : أمّا المصالحة أو القبول فعدم جوازهما واضح :

أمّا بالنسبة إلى الفقير فلعدم كونه مالكاً قبل الأخذ والقبض ، فكيف يصالح عمّا لا يملكه؟! وكذا القبول الذي مرجعه إلى الصلح ، ولا ولاية للفقير نفسه كما هو ظاهر.

وأمّا بالنسبة إلى الحاكم الشرعي فكذلك ، ضرورة أنّ ولايته مقصورة على صورة ملاحظة المصلحة والغبطة للمولّى عليه وهم الفقراء المفقودة في محلّ الكلام ، فإنّ مرجع مصالحة ما يسوى عشرين بدرهم أو قبوله عنه إلى إسقاط تسعة عشر درهماً ، وهو تفويت لحقّ الفقير وتضييع من غير جهة ولا مصلحة تقتضيه.

وأمّا المداورة فلا ينبغي الإشكال في جوازها في الفرض الذي ذكره الماتن أخيراً ، إذ المالك حينئذٍ بنفسه فقير كسائر الفقراء فيجوز الاحتساب معه.

وأمّا في غير ذلك فقد يفرض أنّ الإعطاء بعد الأخذ من شؤون هذا الشخص ، كما لو فرضنا أخوين والأكبر منهما وإن كان فقيراً إلّا أنّ من شؤونه الصرف على أخيه الأصغر الغني لبعض المناسبات المقتضية له ، كالإنفاق عليه لمصارف العرس مثلاً ففي مثله يجوز أخذ الزكاة منه ثمّ الردّ عليه وهكذا يداور معه إلى أن تفرغ ذمّته ، إذ الردّ حينئذٍ من المصارف العاديّة اللّائقة بشأنه ولم يكن تضييعاً بحيث لو لم يأخذ منه لأخذ الزكاة من شخص آخر. والظاهر أنّ مثل هذا الفرض خارج عن محلّ كلامه (قدس سره).

وأمّا غير ذلك على ما هو المتعارف في غالب البلاد أو جميعها من مسامحة

[2805] السابعة عشرة : اشتراط التمكّن من التصرّف فيما يُعتبر فيه الحول كالأنعام والنقدين معلوم ، وأمّا فيما لا يعتبر فيه كالغلّات ففيه خلاف وإشكال (1)(1).


الوكيل أو المجاز من قبل الحاكم الشرعي مع المالك ، فلم يثبت جوازه لا للحاكم فضلاً عن وكيله ولا للفقير.

أمّا الأوّل : فلعدم الولاية مع التفويت وانتفاء الغبطة كما مرّ.

وأمّا الثاني : فلأنه إنّما يجوز له الأخذ بمقدارٍ لم يكن فيه إسراف وتضييع ، فإنّ الداعي الواقعي على الأخذ في أمثال هذه الموارد لم يكن إلّا إرضاء المالك بإعطاء هذا القليل.

وبعبارة اخرى : المستفاد من جملة من الأخبار أنّ الحكمة في تشريع الزكاة إنّما هي سدّ حوائج الفقراء ، ولو علم اللّه أنّهم احتاجوا أكثر لجعل لهم أكثر ، فالغاية من الجعل والتشريع هي رفع حاجة المحتاجين ، والأخذ والإعطاء المتضمّن للتضييع وتفويت المال منافٍ لحكمة التشريع وفلسفة جعل الزكاة ، فجوازه في غاية الإشكال.

نعم ، لو كان ذلك من شؤون الحاكم أو الفقير بحيث لم يصدق معه التضييع لا بأس به كما تقدّم ، فالعبرة بصدق عنوان التضييع وعدمه حسبما عرفت.

(1) كما استشكله في المدارك (2)، نظراً إلى اختصاص موارد النصوص الدالّة على اشتراط التمكّن من التصرّف بما يعتبر فيه الحول دون ما لا يعتبر ، فلم يبق


1) (*) أظهره الاشتراط حين تعلّق الوجوب.

2) المدارك 5 : 33.

.................................................................................................


إلّا إطلاق معاقد الإجماعات ، ولكنّها غير قطعيّة ، فلعلّهم اعتمدوا على ما لا نعرفه.

ولكن الظاهر كما أشار إليه في الجواهر (1)أنّ الدليل على الإطلاق غير منحصر في الإجماع ، بل يظهر ذلك من بعض الأخبار أيضاً ، وما عثرنا عليه روايتان معتبرتان :

إحداهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا صدقة على الدين ولا على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك» (2).

فإنّ إطلاقها يشمل ما إذا كان المال الغائب ممّا يعتبر فيه الحول وما لا يعتبر.

الثانية : صحيحة أبي بصير ومحمّد بن مسلم جميعاً عن أبي جعفر (عليه السلام) ، أنّهما قالا له : هذه الأرض التي يزارع أهلها ، ما ترى فيها؟ «فقال : كلّ أرض دفعها إليك السلطان فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه ، وليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر ، إنّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك» (3).

فقد دلّت على اعتبار كون العين تحت اليد ، وموردها خصوص الغلّات التي لا يعتبر فيها الحول ، فتدلّ على اعتبار الشرط المزبور حتّى في مثل ذلك.

فالظاهر أنّ ما ذكره المشهور وادّعى عليه الإجماع من اعتبار هذا الشرط على سبيل الإطلاق هو الصحيح ، ولا وجه لمناقشة المدارك واستشكاله ، لعدم انحصار الدليل بالإجماع ، بل هاتان الصحيحتان أيضاً تدلّان عليه.


1) الجواهر 15 : 48 51.

2) الوسائل 9 : 95 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 5 ح 6.

3) الوسائل 9 : 188 / أبواب زكاة الغلّات ب 7 ح 1.

[2806] الثامنة عشرة : إذا كان له مال مدفون في مكان ونسي موضعه بحيث لا يمكنه العثور عليه ، لا يجب فيه الزكاة (1) إلّا بعد العثور ومضيّ الحول من حينه. وأمّا إذا كان في صندوقه مثلاً لكنّه غافل عنه بالمرّة فلا يتمكّن من التصرّف فيه من جهة غفلته وإلّا فلو التفت إليه أمكنه التصرّف فيه ، يجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول ، ويجب التكرار إذا حال عليه أحوال فليس هذا من عدم التمكّن الذي هو قادحٌ في وجوب الزكاة.


(1) كما تقدّم عند التكلّم في الشرط الخامس من شرائط الوجوب وعرفت أنّ صحيحة سدير الصيرفي الواردة في نفس الموضوع صريحة في عدم الوجوب في المدّة التي لم تكن تحت يده ، فلاحظ.

وهل يلحق بالمدفون المال المغفول عنه بالمرّة؟ نظراً إلى اشتراكهما في عدم إمكان التصرّف وإن كان ذلك من جهة الغفلة.

الظاهر عدم الإلحاق كما ذكره في المتن ، لأنّ الدليل على اعتبار التمكّن من التصرّف إن كان هي الروايات فلا ينبغي التأمّل في قصورها عن الشمول للمقام ، فإنّ العناوين الواردة فيها هكذا : كون المال تحت يده ، في يدهما ، لم يكن غائباً عنه ، ونحو ذلك ، وكلّها متحقّقة في صورة الغفلة بالضرورة ، فإنّ المال تحت يد الغافل وليس غائباً عنه بل هو غائب عن المال ، فلا توجب الغفلة الخروج عن اليد ، غايته أنّه غير ملتفت إليه كما في حال النوم ، وهذا واضح.

وإن كان هو الإجماع فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان المانع من طرف المال لا من طرف المالك بحيث يكون المال خارجاً عن يده لا في يده وهو غافل عنه ، فشمول الإجماع لما إذا كان القصور في المالك لا في المال غير معلوم ، بل معلوم العدم.

[2807] التاسعة عشرة : إذا نذر أن لا يتصرّف في ماله الحاضر شهراً أو شهرين ، أو أكرهه مكره على عدم التصرّف ، أو كان مشروطاً عليه في ضمن عقد لازم ، ففي منعه من وجوب الزكاة وكونه من عدم التمكّن من التصرّف الذي هو موضوع الحكم إشكال (1) ، لأنّ القدر المتيقّن ما إذا لم يكن المال حاضراً عنده ، أو كان حاضراً وكان بحكم الغائب عرفا.


(1) للتردّد في المراد من عدم التمكّن من التصرّف المأخوذ موضوعاً للحكم سعةً وضيقاً وأنّه هل يختصّ بالحقيقي أم يعمّ الحكمي ، فإنّ المتيقّن منه هو الأوّل بحيث لم يكن المال حاضراً عنده ولو عرفاً ، فيشكل شموله لمثل هذه الموارد ممّا كان في حكم الممنوع من التصرّف.

بل قد يقال بالمنع نظراً إلى أنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً في كونه مانعاً عن تعلّق الوجوب.

هذا ، ولكن الظاهر عدم المنع ، والوجه فيه : ما أشرنا إليه في ذاك البحث من أنّ التمكّن من التصرّف بهذا العنوان لم يرد في شي‌ء من الروايات ولم يؤخذ موضوعاً للحكم ليتكلّم في سعته وضيقه وأنّه هل يختصّ بالقدرة العقليّة أم أنّها تعمّ الشرعيّة؟ وإنّما هي عبارة اصطياديّة للفقهاء ذكروها في مقام التعبير عن هذا الشرط.

بل المذكور في الروايات أن يكون المال تحت يده وأن لا يكون غائباً عنه ونحو ذلك ممّا مرّ عليك قريباً ، وكلّ هذا صادق فيما نحن فيه بالضرورة ، فإنّ النذر أو الشرط في ضمن العقد أو الإكراه ونحوها ممّا يكون مانعاً شرعيّاً عن التصرّف لا يخرج المال عن كونه تحت يده ولا يجعله غائباً عنه قطعاً لا حقيقةً ولا عرفاً ، بل هو عنده وتحت تصرّفه واستيلائه وجداناً ، فلا جرم تشمله

[2808] العشرون : يجوز أن يشتري من زكاته من سهم سبيل اللّه كتاباً أو قرآناً أو دعاءً ويوقفه ويجعل التولية بيده أو يد أولاده ، ولو أوقفه على أولاده وغيرهم ممّن يجب نفقته عليه فلا بأس به أيضا (1)(1).


إطلاقات الزكاة.

وبالجملة : لو كان المذكور في النصوص عنوان التمكّن من التصرّف أمكن الأخذ بإطلاقه بدعوى أنّ عدم القدرة الشرعيّة كعدم القدرة العقليّة ، ولكن المذكور فيها عناوين أُخر كلّها متحقّقة في محلّ الكلام حسبما عرفت.

فلا ينبغي التأمّل في وجوب دفع الزكاة ، عملاً بإطلاقات الأدلّة.

(1) لعدم اندراج ذلك في ما دلّ على المنع عن أداء الزكاة لواجب النفقة ، إذ الممنوع في تلك الأدلّة الصرف في نفقتهم والإنفاق في مصالحهم لا مجرّد انتفاعهم بها وإن كان الصرف في مصلحة أُخرى غير مصالحهم الشخصيّة كما في المقام ، حيث إنّ الواقف يصرف الزكاة في سبيل اللّه إمّا بنحو العموم كبناء مسجد أو تعمير قنطرة بحيث ينتفع بها الكلّ ومنهم واجب النفقة ، بل حتّى الواقف نفسه كما تقدّم التعرّض له سابقاً أو بنحو الخصوص كما لو أوقف كتاباً أو قرآناً من سهم سبيل اللّه على خصوص أولاده لتقوية دينهم مثلاً فإنّ شيئاً من ذلك لا يعدّ من الصرف على واجب النفقة. أمّا الأوّل فظاهر ، وكذا الثاني ، فإنّه صرف في مصالح الدين وإعلاء الشرع المبين بعد أن كان المقصود من تخصيصهم تقوية دينهم وحفظهم عن الانحراف ونحو ذلك ممّا يعود إلى إعلاء كلمة الإسلام ، وليس ذلك من الصرف في مصالح واجب النفقة ليشمله دليل المنع حسبما عرفت.


1) (*) هذا إذا كانت فيه مصلحة دينيّة كما في الفرض الأوّل.

نعم ، لو اشترى خاناً أو بستاناً ووقفه على من تجب نفقته عليه لصرف نمائه في نفقتهم ، فيه إشكال (1)(1).

[2809] الحادية والعشرون : إذا كان ممتنعاً من أداء الزكاة لا يجوز للفقير المقاصّة من ماله (2) إلّا بإذن الحاكم الشرعي في كلّ مورد.


(1) بل الأظهر المنع ، لعدم قصور في مثل قوله (عليه السلام) : «خمسة لا يُعطون من الزكاة شيئاً : الأب» إلخ ، عن الشمول لذلك ، فإنّ معنى الإعطاء هو الصرف في مصالحهم ، ووقف الخان أو البستان صرف للعين الموقوفة في مصالحهم الشخصيّة وتمليكٌ لهم لسدّ حوائجهم ، غايته أنّ الملك الذي يتضمّنه الوقف ملكٌ غير طلق ، ولا فرق بينه وبين الملك المطلق في الاندراج تحت دليل المنع عن الإعطاء لواجب النفقة بمقتضى الإطلاق كما لا يخفى.

وبكلمة واضحة : أنّ الفارق بين الموردين أعني : وقف الكتاب أو القرآن ووقف الخان أو البستان مع كون الموقوف عليه فيهما هو واجب النفقة : أنّ الأوّل صرفٌ للزكاة في مصلحة أُخرى كإعلاء الدين وينتفع بها واجب النفقة ، والثاني صرف في مصلحة واجب النفقة بنفسه حسبما عرفت ، فلاحظ.

(2) فإنّ التقاصّ وإن لم يكن مختصّاً باستنقاذ الحقّ الشخصي ومن ثمّ ساغ للحاكم الشرعي أخذ الحقّ المتعلّق بعامّة الفقراء مثلاً من الممتنع مقاصّةً ، إلّا أنّ ذلك يختصّ بمن له الولاية كالإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ ، والفقير بما هو فقير لا يملك شيئاً في ذمّة المالك حتّى يجوز له التقاصّ ، وإنّما يملك بعد الاستلام والقبض ، ولا تقاصّ إلّا لمن له الحق دون غيره ، فليس للفقير ذلك إلّا بإذن من الحاكم الشرعي الذي له الولاية على ذلك حسبما عرفت.


1) (*) بل منع.

[2810] الثانية والعشرون : لا يجوز إعطاء الزكاة للفقير من سهم الفقراء للزيارة أو الحجّ (1) أو نحوهما من القرب ، ويجوز من سهم (1)سبيل اللّه.


(1) تقدّم سابقاً أنّ الظاهر من الآية المباركة وكذا الروايات : أنّ الأصناف الثمانية مصارف الزكاة وهي عناوين متقابلة. وقلنا : إنّه لا يستفاد من شي‌ء من الأدلّة أن يكون العطاء بعنوان التمليك ، فكما لا يملك الفقير قبل الدفع إليه كذلك لا يعتبر تمليكه بعد ذلك ، وإنّما هو مصرف كسائر الحصص ، ولذا جاز مجرّد الصرف عليه خارجاً.

إلّا أنّه بعد العطاء إليه تمليكاً أو صرفاً كان هو مطلق العنان ومسلّطاً على المال بقولٍ مطلق يتصرّف فيه كيف ما شاء من الصرف في الحجّ أو الزيارة أو غيرهما من سائر أنحاء التصرّفات ، وليس للمالك فيما لو دفع من سهم الفقراء الاشتراط وتقييد الصرف في جهة خاصّة من الحجّ ونحوه ، لعدم الدليل على ثبوت الولاية له في تعيين الصرف ، وإنّما له الولاية على أصل الدفع فقط دون جهة الصرف.

وتؤيّده رواية الحكم بن عيينة ، قال فيها : «... ولا يقل له : حجّ بها ، يصنع بها بعده ما يشاء» (2).

لكنّها من أجل ضعفها بالحَكَم لا تصلح إلّا للتأييد.

نعم ، يجوز من الأوّل أن يعطيه من سهم سبيل اللّه ، وحينئذٍ يلزم الفقير الصرف في هذه الجهة فقط ، فلا يجوز الصرف في غير الحجّ مثلا.


1) (*) هذا إذا كانت فيه مصلحة دينيّة.

2) الوسائل 9 : 290 / أبواب المستحقين للزكاة ب 41 ح 3.

[2811] الثالثة والعشرون : يجوز صرف الزكاة من سهم سبيل اللّه في كلّ قربة (1)حتّى إعطاؤها للظالم لتخليص المؤمنين من شرّه إذا لم يمكن دفع شرّه إلّا بهذا (1).

[2812] الرابعة والعشرون : لو نذر أن يكون نصف ثمرة نخلة أو كرمه أو نصف حبّ زرعه لشخصٍ بعنوان نذر النتيجة (2)وبلغ ذلك النصاب ، وجبت الزكاة على ذلك الشخص أيضاً (2) ، لأنّه مالك له حين تعلّق الوجوب ،


(1) قد تقدّم أنّ سهم سبيل اللّه لا يختصّ بجهة دون جهة ، بل يعمّ كلّ عنوان قربي يعدّ مصداقاً لهذا السهم ، غايته أنّا ادّعينا الانصراف عمّا يرجع إلى جهة خاصّة وإن كانت قربيّة ، كما لو أعطى لأحدٍ بداعي إدخال السرور في قلب غني من الأغنياء ، فلا يعمّ مطلق القربى ، بل لا بدّ من الصرف في جهة راجعة إلى عامّة المسلمين.

نعم ، الجهة العامّة المزبورة ربّما تجتمع مع الصرف في جهة خاصّة ، كما لو ابتلى مؤمن عند ظالم لا يمكن التخلّص من شرّه إلّا بدفع الزكاة ، فإنّه لا مانع من ذلك ، إذ ترجع مصلحته بحسب النتيجة إلى عامّة المسلمين ، فإنّ إنجاء المؤمن تعظيمٌ لشعائر اللّه وزيادة في المسلمين ، فإنّ ما يرجع إلى مؤمن واحد يرجع إلى جميع المسلمين ، فإنّهم يدٌ على من سواهم ، وما يمسّ أحدهم يمسّ جميعهم في الحقيقة كما لا يخفى.

(2) قد يكون النذر المفروض بعنوان نذر النتيجة كما ذكره (قدس سره) ، وأُخرى بعنوان نذر الفعل.


1) (*) تقدّم الكلام فيه [في الصنف السابع من أصناف المستحقين للزكاة].

2) (**) صحّة هذا النذر في نفسه محلّ إشكال بل منع.

وأمّا لو كان بعنوان نذر الفعل فلا تجب على ذلك الشخص ، وفي وجوبها على المالك بالنسبة إلى المقدار المنذور إشكال (1).


أمّا الأوّل : فلو صحّ كان النتاج مشتركاً بين المالك والمنذور له كاشتراكه بين المالك والزارع في المزارعة على ما تقدّم (2)، فيعتبر حينئذٍ في وجوب الزكاة بلوغ حصّة كلّ منهما النصاب ، إذ المنذور له مالك أيضاً كنفس المالك ، وهذا واضح.

إلّا أنّ الكلام في صحّة مثل هذا النذر ، فإنّها محلّ تأمّل بل منع ، لعدم الدليل عليها ، وكيف يملك أمراً معدوماً بالنذر ولا سيّما وأنّ التمليك من غير قبول منافٍ لسلطنة الشخص على نفسه.

وبالجملة : التمليك القهري مخالف لمقتضى القاعدة ، لا بدّ في ثبوته من قيام الدليل ، كما في باب الإرث ، وكما في الوصيّة التمليكيّة على الأصحّ عندنا ، وكما في موارد الديات فإنّ المجروح يملك الدية على الجارح ، ففي كلّ مورد ثبتت الملكيّة القهريّة فهو ، وإلّا فلا يمكن الالتزام بها ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، والنذر بمجرّده لا يكفي ، لعدم اندراجه تحت أيّ عنوان من العناوين المملّكة كما لا يخفى.

وأمّا الثاني أعني : نذر الفعل - : فالحال فيه هو الحال في منذور الصدقة بعينه ، وقلنا فيما سبق (3)أنّ منع ذلك عن الزكاة مشكل جدّاً ، بل ممنوع ، إذ اعتبار التمكّن من التصرّف لم يرد بعنوانه في شي‌ء من الأخبار ليشمل المقام


1) (*) الحال فيه كما تقدّم في منذور الصدقة [في الشرط الخامس من شرائط وجوب الزكاة].

2) في ص 321.

3) شرح العروة 23 : 39 47.

[2813] الخامسة والعشرون : يجوز للفقير أن يوكّل شخصاً يقبض له الزكاة من أيّ شخص وفي أيّ مكان (1) ، ويجوز للمالك إقباضه إيّاه مع علمه بالحال وتبرأ ذمّته وإن تلفت في يد الوكيل قبل الوصول إلى الفقير ، ولا مانع من أن يجعل الفقير الوكيل جعلاً على ذلك.


ويتمسّك بإطلاقه ، بل الوارد أن لا يكون غائباً وأن يكون في يده وعنده ، وهذه العناوين صادقة وفي المقام ، فإنّه وإن كان ممنوعاً من التصرّف شرعاً إلّا أنّه يصدق أنّ المال حاضر وعنده وفي يده. وعليه ، فالمنع المزبور لا يكون مانعاً عن تعلّق الزكاة في شي‌ء من الموردين أعني : نذر الفعل وما تقدّم من نذر الصدقة فلاحظ.

(1) تقدّم غير مرّة أنّ الأُمور الاعتباريّة بأسرها من العقود والإيقاعات قابلة للتوكيل بالسيرة العقلائيّة ، فيكون الفعل الصادر من الوكيل من بيعٍ أو هبةٍ ونحوهما صادراً من الوكيل ويضاف عرفاً إلى كلّ منهما حقيقةً ومن غير أيّ عناية ، غايته أنّ الصدور من أحدهما بالمباشرة ومن الآخر بالتسبيب ، فيقال : باع زيد داره مثلاً وإن لم يكن هو المتصدّي لإجراء العقد.

وأمّا الأُمور التكوينيّة فهي في ذاتها غير قابلة للنيابة والوكالة ، فلا معنى لأن يأكل أو يمشي أو ينام زيد وكالةً عن عمرو أو نيابةً عنه ، وهذا ظاهر.

نعم ، خصوص القبض والإقباض يمتاز من بينها بقبول الوكالة بالارتكاز العرفي والسيرة العقلائيّة ، ويكون ملحقاً بالأُمور الاعتباريّة في أنّ قبض الوكيل قبض للموكّل حقيقةً ، كما أنّ إقباضه إقباضه ، فلو كان زيد مديناً لعمرو بمبلغ فدفعه لوكيله برئت ذمّته بمجرّد قبض الوكيل ، سواء وصل إلى الموكّل أم لا ، فإنّ قبضه قبضه وكأنّ القابض هو الموكّل بشخصه بعد صحّة الإسناد الحقيقي

[2814] السادسة والعشرون : لا تجري الفضوليّة (1)في دفع الزكاة (1) ، فلو أعطى فضولي زكاة شخص من ماله من غير إذنه فأجاز بعد ذلك لم يصحّ.


إلى كلّ منهما كما عرفت. وهكذا الحال في كلّ مورد كان القبض موضوعاً لحكمٍ من الأحكام ، كاعتباره في الهبة وفي بيع الصرف والسلم ، فإنّه يتحقّق بقبض الوكيل أيضا.

ومنه المقام ، فتبرأ الذمّة عن الزكاة بدفعها إلى وكيل الفقير ويكون قبضه بمثابة قبض الفقير نفسه ، وتبرأ الذمّة وإن تلفت في يد الوكيل قبل الوصول إلى الفقير.

كما لا مانع من أن يجعل الفقير جعلاً للوكيل على ذلك ، عملاً بإطلاق دليل الجعالة.

(1) قد عرفت فيما سبق جريان الوكالة في أداء الزكاة بمقتضى القاعدة المعتضدة بالروايات الخاصّة.

وهل تجري الفضوليّة فيه أيضاً ، بأن يدفع الفضولي زكاة شخص من ماله أي من مال ذلك الشخص فتبرأ الذمّة بعد لحوق الإجارة ، أم لا؟ كما اختاره في المتن.

يبتني ذلك على مسألة كبرويّة تعرّضنا لتفصيلها في بيع الفضولي من كتاب المكاسب (2)، وهي أنّ صحّة الفضولي هل هي مطابقة لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص في آحاد موارد العقود الفضوليّة وما ورد من الأدلّة في بعض الموارد الخاصّة مؤكّدة لها ، أم أنّها على خلاف مقتضى القاعدة يقتصر فيها على موارد قيام الدليل فحسب؟


1) (*) فيه إشكال ، والجريان لا يخلو من وجه.

2) مصباح الفقاهة 2 : 607 وما يليها.

.................................................................................................


فعلى الأوّل : تجري الفضوليّة في المقام ويكون التمليك الصادر من الفضولي المقرون بقبول الفقير والملحوق بإجازة المالك كافياً وإن كان عارياً عن النصّ الخاصّ ، بخلاف الثاني.

هذا ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ الأوّل هو الأظهر والأوفق بالصناعة ، نظراً إلى أنّ الخطاب في قوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (1)ونحوه من أدلّة اللزوم متوجّه إلى من كان العقد مضافاً ومستنداً إليه ، ويكفي في تحقّق الاستناد وحصول الإضافة الإجازة اللّاحقة ، فإنّها تجعل العقد الصادر من الفضولي منسوباً إلى المالك بقاءً وإن لم يكن كذلك حدوثاً ، ولا فرق بين الحدوث والبقاء من هذه الجهة ، فالإجازة اللّاحقة بمثابة الوكالة السابقة في صحّة استناد العقد وإضافته إلى المالك المجيز حقيقةً ، فلا جرم يكون مشمولاً لدليل وجوب الوفاء بالعقد. وعلى ذلك ، فجريان الفضوليّة في المقام وبراءة الذمّة عن الزكاة بدفع الفضولي المتعقّب بالإجازة مطابق لمقتضى القاعدة.

فإن قلت : يمتاز المقام عن سائر موارد الفضولي بخصوصيّةٍ من أجلها يحكم بالفساد ، وهي أنّ الصادر من الفضولي في سائر المقامات ليس إلّا مجرّد إنشاء العقد على مال الغير ، وهو لا يعدّ تصرّفاً في ملكه فلا ضير فيه ، وأمّا في المقام فالدفع من مال الغير إلى الفقير فضولاً تصرّف في ملكه بغير إذنه وهو محرّم فيكف يقع أداءً للزكاة التي هي أمر عبادي؟! قلت أوّلاً : إنّ هذا أخصّ من المدّعى ، لجواز غفلة الفضولي عن الحرمة أو اعتقاده الوكالة ، ولا سيّما إذا كان مسبوقاً بها وقد عزله الموكّل ولكنّه نسي العزل ، فلا تكون الحرمة سارية في جميع فروض المسألة.

وثانياً : إنّ الدفع الصادر من الفضولي وإن كان محرّماً إلّا أنّه لا يقع مصداقاً


1) المائدة 5 : 1.

نعم ، لو كان المال باقياً في يد الفقير أو تالفاً مع ضمانه بأن يكون عالماً بالحال (1)يجوز له الاحتساب إذا كان باقياً على فقره (1).


لأداء الزكاة ولا يتّصف بالعبادة إلّا بعد لحوق الإجازة التي ترتفع معها الحرمة عندئذٍ ، فالدفع وإن كان محرّماً حدوثاً لكنّه محلّل بقاءً ، وبهذا الاعتبار يقع مصداقاً للامتثال ، فما كان حراماً لم يكن مصداقاً للواجب ، وما كان مصداقاً له لا حرمة فيه.

وبعبارة اخرى : المرتكب للحرام إنّما هو الفضولي ولا كلام لنا معه ، وإنّما العبرة باستناد الفعل إلى المالك المتحقّق بالإجازة ، وفي هذه الحالة لا حرمة بتاتاً ، فلا مانع من تحقّق الامتثال به حسبما عرفت.

(1) إذا بنينا على عدم جريان الفضوليّة في المقام كما عليه الماتن أو بنينا على الجريان ولكن المالك لم يجز ، فقد يكون المال باقياً في يد الفقير ، وأُخرى تالفاً مضموناً عليه ، وعلى التقديرين فيجوز للمالك الاحتساب حينئذٍ من الزكاة مع بقاء الفقير على فقره. وهذا كلّه ظاهر لا غبار عليه.

وإنّما الكلام في تقييد الماتن الضمان بما إذا كان الفقير عالماً بالحال ، فإنّه غير واضح ، لثبوته في صورة الجهل أيضا.

نعم ، يتّجه التفصيل فيما لو كان المال للدافع نفسه ، فإنّ الفقير يضمن حينئذٍ مع العلم دون الجهل ، لظهور التسليط المطلق في المجّانيّة ، نظير من أعطى زكاته لمن يعتقد فقره أو مع اعتقاد وجوب الزكاة عليه ، فإنّ القابض إن كان عالماً بعدم فقره أو بعدم وجوب الزكاة على المعطي ضمن ، وإلّا فلا.

لكن المفروض في المسألة أنّ المال لغير الدافع كما يظهر بالتأمّل في العبارة -


1) (*) إذا ثبت الضمان في حال العلم ثبت مع الجهل أيضاً ، إذ المفروض أنّ المال لغير الدافع.

[2815] السابعة والعشرون : إذا وكّل المالك شخصاً في إخراج زكاته من ماله أو أعطاه له وقال : ادفعه إلى الفقراء ، يجوز له الأخذ منه لنفسه إن كان فقيراً مع علمه (1)بأنّ غرضه الإيصال إلى الفقراء (1) ، وأما إذا احتمل كون غرضه الدفع إلى غيره فلا يجوز.


وعليه ، فالضمان كما يثبت في فرض العلم يثبت في فرض الجهل أيضاً ، وللمالك حقّ الرجوع إلى كلّ من الدافع والفقير ، لأنّ كلّاً منهما قد وضع يده عليه فيشمله عموم : على اليد ، كما هو الحال في باب تعاقب الأيدي.

نعم ، لو رجع المالك إلى الفقير فللفقير الرجوع في صورة الجهل إلى الدافع ، لكونه مغروراً من قبله ، والمغرور يرجع إلى من غرّه.

فالتفصيل بين الجهل والعلم إنّما يتّجه في قرار الضمان لا في أصل الضمان كما لا يخفى.

(1) يريد (قدس سره) بالغرض ما هو مقصود المالك من العبارة ومراد له منها بالإرادة الجدّيّة وإن كان اللفظ في نفسه قاصراً عن إفادته أحياناً. وعليه ، فإن كان المقصود من الكلام ولو بمعونة القرائن الحاليّة أو المقاليّة معلوماً وأنّه على سبيل العموم من دون نظر إلى شخص خاصّ لكونه بصدد تفريغ الذمّة بالدفع إلى مطلق الفقير وإن كان هو المعطى له ، أو أنّه على سبيل الخصوص مثل أن يقول : أعطه لجيرانك أو لأصحابك الغير الصادق على المعطى له بنفسه ، فلا كلام ، إذ له الولاية على التطبيق على من شاء ولا بدّ من اتّباع نظره.

وإنّما الكلام فيما لو كان مقصوده من العبارة مجملاً فلم يعلم إرادة التوسعة أو التضييق.

فقد ورد في جملة من النصوص جواز الأخذ ، فيكون ذلك بمثابة الإذن من


1) (*) لا يبعد جواز الأخذ منه بمثل ما يعطي لغيره مع عدم العلم به أيضا.

.................................................................................................


الولي الحقيقي وهو الشارع المقدّس الذي ولايته أقوى وأولى من المالك وإن لم يحرز الإذن منه. ومعلومٌ أنّ مورد هذه النصوص هو صورة الجهل بغرض المالك ، وإلّا فمع العلم به سعةً أو ضيقاً كان هو المتّبع ، لثبوت الولاية له على التطبيق حسبما عرفت.

وهذه النصوص بين ما تضمّن جواز الأخذ مطلقاً وبين ما قيّده بمقدار ما يعطي لغيره ، الموجب لتقييد الأوّل به ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.

فمن الأوّل : صحيحة سعيد بن يسار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يعطى الزكاة فيقسّمها في أصحابه ، أيأخذ منها شيئاً؟ «فقال : نعم» (1).

ومن الثاني : صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج : عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسّمها ويضعها في مواضعها وهو ممّن تحلّ له الصدقة «قال : لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره» (2)، ونحوهما صحيحة الحسين بن عثمان (3).

ولكن بإزائها ما يظهر منه المنع ، وهي صحيحة أُخرى لعبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سألته عن رجل أعطاه رجل مالاً ليقسّمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج ، أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه؟ «قال : لا يأخذ منه شيئاً حتّى يأذن له صاحبه» (4).

فربّما يتوهّم معارضتها لما سبق ومن ثمّ حملها الشيخ على الكراهة (5).

ولكن الظاهر عدم المعارضة بوجه لتحتاج إلى الحمل ، لأنّها تنظر إلى موضوع غير الموضوع الذي تنظر إليه الروايات المتقدّمة ، فإنّ النصوص المتقدّمة


1) الوسائل 9 : 287 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 1.

2) الوسائل 9 : 288 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 3.

3) الوسائل 9 : 288 / أبواب المستحقين للزكاة ب 40 ح 2.

4) الوسائل 17 : 277 / أبواب ما يكتسب به ب 84 ح 3.

5) الاستبصار 3 : 54.

[2816] الثامنة والعشرون : لو قبض الفقير بعنوان الزكاة أربعين شاة دفعةً أو تدريجاً وبقيت عنده سنة وجب عليه (1)إخراج زكاتها (1) ، وهكذا في سائر الأنعام والنقدين.


ناظرة إلى المال الذي هو خارج عن ملك المالك ، وله مصرف معيّن بحسب الجعل الشرعي المعبّر عنه بالحقوق الشرعيّة من زكاة أو خمس أو كفّارة ونحو ذلك ، كما يكشف عنه صريح التعبير بالزكاة في صحيحة ابن يسار ، والتعبير ب : «من يحلّ له» في صحيحة ابن عثمان المشعر بأنّ المال يحلّ لطائفة ولا يحلّ لأُخرى فله مصرف معيّن موظّف في طبعه ، وكذا التعبير ب : «يضعها في مواضعها» الكاشف عن أنّ له موضعاً مقرّراً معيّناً ، وحكم مثل هذا المال هو ما عرفت من أنّ للمالك المتصدّي لإخراج هاتيك الحقوق ولاية التعيين ، فإن عيّن وإلّا فقد أجاز الولي الحقيقي أخذ القسم بمقدار ما يعطى لغيره حسبما عرفت.

وأما هذه الصحيحة أعني : صحيحة عبد الرحمن الأخيرة فالنظر فيها معطوف إلى من يقسم ماله الشخصي ويوزّع من تلقاء نفسه خالص ماله ، ومن البديهي أنّ مثل هذا المال لا يجوز التصرّف فيه إلّا بإذن خاصّ من صاحبه ، ومجرّد اندراجه في العنوان المقسوم عليه المال من المحاويج أو المساكين لا يسوّغ التصرّف ما لم يحرز شمول الإذن له بدليل قاطع كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ الأقوى خلافاً للمتن جواز الأخذ في محلّ الكلام ولكن بمقدار ما يعطى لغيره ، للنصوص المعتبرة الصريحة في ذلك ، السليمة عن المعارض حسبما عرفت.

(1) لإطلاق الأدلّة الشاملة للمقام ولغيره بمناط واحد كما هو ظاهر.


1) (*) بناءً على تعلّق الخمس بما يؤخذ زكاة كما هو الصحيح لا تجب الزكاة في مفروض المسألة ، والوجه فيه ظاهر.

[2817] التاسعة والعشرون : لو كان مال زكوي مشتركاً بين اثنين مثلاً وكان نصيب كلّ منهما بقدر النصاب ، فأعطى أحدهما زكاة حصّته من مال آخر أو منه بإذن الآخر قبل القسمة ثم اقتسماه ، فإن احتمل المزكّي أنّ شريكه يؤدّي زكاته فلا إشكال ، وإن علم أنّه لا يؤدّي ففيه إشكال من حيث تعلّق الزكاة بالعين (1) فيكون مقدار منها في حصّته.


(1) سواء أكان التعلّق بنحو الإشاعة والشركة الحقيقيّة أم الشركة في الماليّة أم بوجه آخر ، فإنّ مقداراً من العين على كلّ تقدير ملك للفقير إمّا بشخصه أو بماليّته. وعليه ، فالشريك الممتنع يكون غاصباً لا محالة ، ولا دليل على ولاية القسمة للمالك مع الشريك الغاصب لتسلم حصّته في المقام عن حقّ الفقراء ، فلو اعترف أحد الآخرَين بوجود الأخ الثالث وأنكره الآخر ليس له المقاسمة معه بالمناصفة في تراث أبيه ، لكونه غاصباً في نظره ولا قسمة مع الغاصب. أو لو كانت دار مشتركة بين شخصين فاغتصب الغاصب حصّة أحد الشريكين المشاعة لم يجز للشريك الآخر المقاسمة مع الغاصب وإفراز الحقّ المشاع.

والحاصل : أنّ ولاية الشريك على المقاسمة مع الغاصب غير ثابتة بتاتاً لا في المقام ولا في غيره ، ولأجله يشكل تصرّف الشريك المؤدّي للزكاة في تمام حصّته بعد القسمة مع علمه بعدم أداء الشريك الآخر.

نعم ، لا إشكال مع احتمال الأداء كما لا يخفى (1).


1) تقدّم في المسألة 31 من فصل زكاة الغلّات أنّ الزكاة وإن كانت متعلّقة بالعين على نحو الشركة في المالية أنّ للمالك جواز التصرّف فيها إلى أن يبقى مقدار الزكاة. وعليه فلا مانع من التقسيم المزبور فتبقى الزكاة في حصّته.

[2818] الثلاثون : قد مرّ أنّ الكافر مكلّف بالزكاة ، (1) (1)ولا تصحّ منه ، وإن كان لو أسلم سقطت عنه ، وعلى هذا فيجوز للحاكم إجباره على الإعطاء له أو أخذها من ماله قهراً عليه ويكون هو المتولّي للنيّة. وإن لم يؤخذ منه حتّى مات كافراً جاز الأخذ من تركته ، وإن كان وارثه مسلماً وجب عليه ، كما أنّه لو اشترى مسلم تمام النصاب منه كان شراؤه بالنسبة إلى مقدار الزكاة فضوليّاً ، وحكمه حكم ما إذا اشترى من المسلم قبل إخراج الزكاة ، وقد مرّ سابقاً.

[2819] الحادية والثلاثون : إذا بقي من المال الذي تعلّق به الزكاة والخمس مقدار لا يفي بهما ولم يكن عنده غيره فالظاهر وجوب التوزيع بالنسبة (2) ، بخلاف ما إذا كانا في ذمّته ولم يكن عنده ما يفي بهما فإنّه مخيّر بين التوزيع وتقديم أحدهما.


(1) قد مرّ الكلام حول هذه المسألة مستقصًى في أوائل كتاب الزكاة وهذا تكرار لما سبق ، وعرفت ثمّة أنّ القول بعدم وجوب الزكاة على الكافر لعدم تكليف الكفّار إلّا بالأُصول دون الفروع غير بعيد ، بل هو الأظهر وإن كان على خلاف المشهور. وعليه ، فتسقط الفروع المذكورة في هذه المسألة ، وإنّما تتّجه على المسلك المشهور ، فلاحظ.

(2) لأنّ نسبة الحقّين إلى ما تعلّقا به من العين نسبة واحدة ، فلا موجب لترجيح أحدهما على الآخر ، كما لا مقتضي لرفضهما معاً ، فلم يكن بدّ من


1) (*) وقد مرّ الكلام في أصله وفي بعض فروعه [في المسألة 2628] ومنه يظهر الحال في المسلم الوارث أو المشتري.

وإذا كان عليه خمس أو زكاة ، ومع ذلك عليه من دين الناس والكفّارة والنذر والمظالم ، وضاق ماله عن أداء الجميع ، فإن كانت العين التي فيها الخمس أو الزكاة موجودة وجب تقديمهما على البقيّة (1) ، وإن لم تكن موجودة فهو مخيّر (1)بين تقديم أيّهما شاء ، ولا يجب التوزيع وإن كان أولى.


التوزيع حسب اختلاف النسبة ، فلو كان الخمس عشرة والزكاة عشرين والموجود من المال عشرة دراهم قُسّط عليهما بنسبة الثلث والثلثين. هذا مع عدم الوفاء ، أمّا معه فلا إشكال في وجوب الجمع ، لعدم المزاحمة ، فلو كان عنده مقدار من نصاب الذهب مثلاً وقد مضى عليه الحول وزاد على مقدار المئونة وجب إخراج خمسه وزكاته بكاملهما كما هو ظاهر.

هذا كلّه مع بقاء العين المتعلّق للحقّين.

وأمّا مع التلف وانتقال الحقّ إلى الذمّة والمفروض أنّه لم يكن عنده ما يفي بهما فحيث لا علاقة حينئذٍ بين ما عليه من الحقّ وبين ما لديه من المال لكون موطنه الذمّة حسب الفرض إذن لا موجب للتوزيع ، بل يتخيّر بينه وبين تقديم أيّ منهما شاء ، فإنّ كليهما دين يجب أداؤه كيف ما اتّفق ، فيكون حكمه حكم من كان مديناً لزيد بعشرة ولعمرو بعشرة ولم يكن عنده إلّا عشرة فإنّه مخيّر بين التوزيع كيف ما شاء وتقديم من شاء ، لتساوي الحقّين بالإضافة إلى ما في الذمّة ، ما لم يبلغ حدّ التفليس ، فإنّ له حكماً آخر مذكوراً في محلّه.

(1) ما ذكره (قدس سره) من وجوب تقديمهما مع وجود العين والتخيير مع التلف هو الصحيح ، إذ مع وجودها فالحقّان متعلّق بها ، أي لا يكون مالكاً لمقدار الخمس أو الزكاة منها فيكونان مقدّمين على بقيّة الديون التي موطنها


1) (*) الظاهر تقديم غير النذر والكفّارة عليهما قبل الموت وبعده.

نعم ، إذا مات وكان عليه هذه الأُمور (1) وضاقت التركة وجب التوزيع (1)بالنسبة كما في غرماء المفلس ، وإذا كان عليه حجّ واجب أيضاً كان في عرضها (2).


الذمّة لا محالة ، بخلاف صورة التلف ، لاستقرار الكلّ عندئذٍ في الذمّة الذي نتيجته التخيير حسبما عرفت.

ولكن في عدّه الكفّارة والنذر في عرض بقيّة الديون تأمّل ، بل منع ، لأنّ الحكم في موردهما تكليفٌ محض ولا يتضمّن الوضع بحيث يكون من عليه الكفّارة مديناً للفقراء أو من نذر التصدّق إليهم مديناً ، وإنّما هي واجب إلهي وليسا من الحقوق المالية في شي‌ء. أذن فيتقدّم الدين المتضمّن لحقّ الناس عليهما ، لكونه أهمّ إمّا قطعاً أو لا أقلّ احتمالاً ، الموجب للترجيح في باب المزاحمة.

ثمّ إنّه لا فرق مع بقاء العين التي فيها الخمس أو الزكاة بين صورتي الحياة والممات ، لوحدة المناط كما لا يخفى.

(1) فصّل (قدس سره) في فرض تلف العين بين صورتي الحياة والممات ، وحكم في الثاني بوجوب التوزيع.

أمّا في صورة الحياة فقد عرفت الحال فيها.

وأمّا مع الموت فالكلام يقع في جهات :

الجهة الأُولى : فيما لو كانت الحقوق المجتمعة عليه مؤلّفة من الكفّارة أو النذر وممّا عداهما من ديون الناس أو المظالم ونحوهما من الحقوق الماليّة.

ولا ينبغي التأمّل حينئذٍ في لزوم تقديم الثاني ، لما عرفت من أنّ الأوّل تكليف


1) (*) هذا في غير النذر والكفّارة ، وأمّا هما فلا يخرجان من الأصل حتّى يجب التوزيع بالإضافة إليهما في عرض الديون.

2) (**) الظاهر أنّ الحجّ مقدّم عليها.

.................................................................................................


محض من غير أن يستقرّ شي‌ء في الذمّة ، ولا ريب في سقوط التكاليف المحضة العارية عن الحكم الوضعي بمجرّد الموت ، فهو بعد الموت لم يكن مشغول الذمّة إلّا بالحقوق الماليّة ، فلا مزاحمة إذن بين الأمرين كما هو ظاهر.

الجهة الثانية : فيما لو مات وقد اجتمع عليه الحجّ مع غيره من الحقوق الماليّة من الخمس أو الزكاة أو غيرهما من سائر ديون الناس.

والظاهر تقدّم الحجّ على الكلّ ، للنصوص الخاصّة الواردة في المقام.

أمّا تقدّمه على مثل الزكاة فتدلّنا عليه صريحاً صحيحة معاوية بن عمّار ، قال : قلت له (عليه السلام) : رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجّة الإسلام وترك ثلاثمائة درهم فأوصى بحجّة الإسلام وأن يقضى عنه دين الزكاة «قال : يحجّ عنه من أقرب ما يكون ، ويخرج البقيّة من الزكاة» (1).

وأمّا تقدّمه على سائر الديون فتدلّ عليه صحيحة بريد العجلي ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجّاً ومعه جمل له ونفقة وزاد فمات في الطريق «قال : إن كان صرورة ثمّ مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجّة الإسلام ، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجّة الإسلام ، فإنّ فضل من ذلك شي‌ء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين» (2)، ونحوها غيرها ، وإن كانت هذه أصرح في المطلوب ، فقد دلّت صريحاً أنّ التركة تصرف أوّلاً في الحجّ فإن فضل ففي الدين ثمّ الإرث ، فالحجّ يخرج من صلب المال ويقدّم على جميع الحقوق بمقتضى هذه النصوص.

الجهة الثالثة : فيما لو مات وقد اجتمعت عليه حقوق الناس من الديون والمظالم والزكاة ونحوها غير الحجّ والمشهور حينئذٍ وجوب التوزيع على الجميع بمقدار حصصهم ، فيكون حاله بعد الممات حال المفلس مع الغرماء حال


1) الوسائل 9 : 255 / أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 2.

2) الوسائل 11 : 68 / أبواب وجوب الحج وشرائطه ب 26 ح 2.

[2820] المسألة الثانية والثلاثون : الظاهر أنّه لا مانع من إعطاء الزكاة للسائل بكفّه (1) ، وكذا في الفطرة ، ومن منع من ذلك كالمجلسي (رحمه اللّه)


الحياة ، لانتقال الحقّ بعد الموت من الذمّة إلى التركة ، وقضيّة ذلك هو التقسيط حسبما عرفت.

ولكن الانتقال المزبور لم يثبت ، لعدم الدليل عليه ، بل الذمّة بعد باقية على اشتغالها ، كما أنّ الحال بعدُ باقٍ على ملك الميّت ولم ينتقل إلى الورثة ، إذ لا إرث إلّا بعد الدين. ولا مانع من افتراض شي‌ء من الأمرين بالإضافة إلى الميّت بعد كونهما اعتباريين ومساعدة العقلاء على هذا الاعتبار كما لا يخفى ، فإنّ المال بعد أن لم ينتقل إلى الورثة ولا إلى الديّان لعدم الدليل فلا جرم يكون باقياً على ملك الميّت ، لامتناع الملك بلا مالك.

وبالجملة : فحقّ الغرماء في ذمّة الميّت ، والمال مال الميّت يصرف في ديونه وتفريغ ذمّته ، ونتيجته التخيير في كيفيّة التفريغ كما في حال الحياة لا وجوب التوزيع.

نعم ، الظاهر وجوب التوزيع لأجل النصوص الخاصّة لا بمقتضى القاعدة وهي كثيرة ، منها : صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه سئل عن رجل كانت عنده مضاربة ووديعة وأموال أيتام وبضائع وعليه سلف لقوم فهلك وترك ألف درهم أو أكثر من ذلك ، والذي عليه للناس أكثر ممّا ترك «فقال : يقسّم لهؤلاء الذين ذكرت كلّهم على قدر حصصهم أموالهم» (1).

(1) فالاعتبار بنفس الفقر ولا يكون السؤال مانعاً ، ومنع المجلسي عن ذلك غير ظاهر الوجه.


1) الوسائل 18 : 415 / كتاب الحجر ب 5 ح 4.

في زاد المعاد في باب زكاة الفطرة (1)لعلّ نظره إلى حرمة السؤال واشتراط العدالة في الفقير ، وإلّا فلا دليل عليه بالخصوص. بل قال المحقّق القمّي (قدس سره) : لم أر من استثناه فيما رأيته من كلمات العلماء سوى المجلسي في زاد المعاد. قال : ولعلّه سهو منه ، وكأنّه كان يريد الاحتياط فسها وذكره بعنوان الفتوى (2).


نعم ، احتمل الماتن أن يكون وجهه حرمة السؤال كما ذهب إليه بعض بضميمة اعتبار العدالة في الفقير ، إذ عليه يكون فاسقاً بل متجاهراً ، فلأجل هاتين المقدّمتين لا يجوز الدفع إليه.

وفي كلا الأمرين ما لا يخفى ، لعدم ثبوت حرمة السؤال ولا سيّما إذا كان عن حرج أو اضطرار ، بل هو حينئذٍ جائز بلا إشكال ، فلا يحتمل أن يكون هذا وجهاً لكلامه ، وإلّا لقيّده بأن يكون حراماً ، إذ قد تزول الحرمة حتّى على القول بها لضرورة ونحوها ، فكيف يطلق القول بعدم جواز الدفع إليه؟! على أنّ اعتبار العدالة لا دليل عليه بوجه ، بل في صحيح ابن مسلم الوارد في تفسير الفقير وبيان الفرق بينه وبين المسكين قوله (عليه السلام) : «والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل» (3)فجعله أسوأ حالاً من الفقير والبائس أسوأ حالاً منهما ، فإنّ فيه دلالة واضحة على أنّ السؤال لا يمنع عن الأخذ.

وأمّا احتمال أن يكون نظره (قدس سره) إلى أنّ السائل بالكفّ قد اتّخذ


1) [1] زاد المعاد : 212.

2) [2] جامع الشتات 1 : 37.

3) الوسائل 9 : 210 / أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 2.

[2821] الثالثة والثلاثون : الظاهر بناءً على اعتبار العدالة في الفقير عدم جواز أخذه أيضاً ، لكن ذكر المحقّق القمّي أنّه مختصّ بالإعطاء (1)، بمعنى : أنّه لا يجوز للمعطي أن يدفع إلى غير العادل ، وأمّا الآخذ فليس مكلّفاً بعدم الأخذ (1).


السؤال حرفة وشغلاً له فيدخل في عنوان المحترف المنصوص عليه بعدم جواز الدفع إليه.

فبعيدٌ جدّاً ، إذ المحترف كما ورد في تفسيره هو من يكون له عمل وشغل يعيش به ويكفّ بذلك نفسه عن الزكاة ، ومعلومٌ أنّ هذا غير منطبق على من يستعطي الناس من الزكاة أو غيرها ، فإنّه يسأل ليعيش من الزكاة لا ليكفّ عنها.

وكيفما كان ، فلم يظهر لما أفاده المجلسي (قدس سره) وجه صحيح ، ولعلّه سهو من قلمه الشريف كما أفاده المحقّق القمّي (قدس سره).

(1) ولكن التفكيك بينهما غير ظاهر ، إذ معنى الاشتراط بالعدالة أنّ هذا قيدٌ مأخوذ في الموضوع وخصوصيّة ملحوظة في المستحقّ لا بدّ من مراعاتها كسائر القيود المعتبرة فيه ، مثل : أن لا يكون أباً للمعطي ، الذي هو تقييدٌ واقعي لا يفرّق فيه بين المعطي والآخذ ، فلو فرضنا أنّ الابن لا يدري أنّ هذا أباه والأب يدري أفيجوز له الأخذ؟

والذي يهوّن الخطب أنّه لا دليل على اعتبار العدالة من أصلها لا من طرف المعطي ولا من طرف الآخذ حسبما عرفت.


1) [1] جامع الشتات 1 : 39.

[2822] الرابعة والثلاثون : لا إشكال في وجوب قصد القربة في الزكاة ، وظاهر كلمات العلماء أنّها شرط في الإجزاء ، فلو لم يقصد القربة لم يكن زكاة ولم يجزئ (1). ولو لا الإجماع أمكن الخدشة فيه. ومحلّ الإشكال غير ما إذا كان قاصداً للقربة في العزل وبعد ذلك نوى الرياء مثلاً حين دفع ذلك المعزول إلى الفقير ، فإنّ الظاهر إجزاؤه وإن قلنا باعتبار القربة ، إذ المفروض تحقّقها حين الإخراج والعزل.


(1) لكونها عبادة لا تسقط إلّا به كما في سائر العبادات وليست كسائر الديون ، ولكنّه (قدس سره) استشكل فيه لولا الإجماع ، نظراً إلى أنّه بالآخرة أوصل الزكاة إلى مستحقّها وإن كان عاصياً بعدم قصد القربة.

أقول : تقدّم الكلام حول هذه المسألة وقلنا : إنّ قصد القربة لازم ، لا للإجماع فقط ليتطرّق الخدش فيه ، بل للآية والروايات.

أمّا الآية : فقوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) بعد تفسير الصدقات بالزكاة في كثير من الروايات ، فإنّ الصدقة لغة هي العطيّة المقصود بها التقرّب ، وبذلك تمتاز عن الهديّة ، فالقصد المزبور مأخوذ في مفهوم الصدقة ، وبمقتضى الروايات المفسّرة للصدقة بالزكاة يعلم أنّ الزكاة صدقة ، غايته أنّ لها مواضع خاصّة وهي الأصناف الثمانية ، فلا بدّ من مراعاة قصد القربة تحقيقاً ، لصدق العنوان المتقوّم به الامتثال.

وأمّا الروايات : فقد ورد في جملة وافرة من النصوص أنّه بني الإسلام على خمس وعدّ منها الزكاة ، فقورنت بالصلاة والصيام وجعلت من مباني الإسلام بل قد عُدّ من أثافيه ، فعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «أثافي الإسلام ثلاثة : الصلاة والزكاة والولاية ثمّ قال (عليه السلام) : لا تصحّ واحدة منها

[2823] الخامسة والثلاثون : إذا وكّل شخصاً في إخراج زكاته وكان الموكّل قاصداً للقربة وقصد الوكيل الرياء ، ففي الإجزاء إشكال (1)(1) ، وعلى عدم الإجزاء يكون الوكيل ضامنا.


إلّا بصاحبتها» (2).

فإنّ التعبير ب : «لا تصحّ» يناسب العباديّة جدّاً كما لا يخفى.

وبالجملة : فمن مجموع هذه الأخبار يظهر أنّ حال الزكاة حال الصلاة ، بل قد قرنت بها في أكثر الآيات ، الكاشف عن تساويهما في الاتّصاف بالعبادة ، كما يشهد به الارتكاز في أذهان المتشرّعة أيضا.

ولكن غاية ما يمكن أن يستفاد من هذه كلّها اعتبار القربة حالة الاتّصاف بالصدقة ، أعني : زمان الإخراج والعزل الذي يتّصف المعزول حينئذٍ بكونه زكاة ويتعيّن فيها. وأمّا اعتبارها في مقام الدفع والإيصال الخارجي فليس عليه أيّ دليل ، إذ الدليل اللّفظي ليس إلّا ما عرفت ، والإجماع لم يثبت انعقاده حتّى في هذا المقام. وعليه ، فالظاهر هو الإجزاء ، لأنّه بالآخرة أوصل المال إلى مالكه ولو لم يقصد القربة ، بل وإن قصد الرياء ، غايته أنّه لا يثاب عليه. فما ذكره في المتن من الإجزاء حينئذٍ هو الصحيح.

(1) قد تقدّم منه (قدس سره) في الفصل السابق البحث عن الوكالة وقد قسّمها إلى قسمين ، فتارةً : يكون وكيلاً في الأداء والإخراج ، وأُخرى : في مجرّد الإيصال.


1) (*) هذا مبني على ما تقدّم منه (قدس سره) من أنّ العبرة بنيّة الوكيل حينئذٍ ، وأمّا على ما ذكرناه من أنّ العبرة بنيّة الموكّل فلا أثر لقصد الوكيل الرياء.

2) الوسائل 1 : 16 / أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 7. والأثافي ، واحدها الأثفية : ما يوضع عليه القدر لسان العرب 14 : 113.

[2824] السادسة والثلاثون : إذا دفع المالك الزكاة إلى الحاكم الشرعي ليدفعها للفقراء فدفعها لا بقصد القربة (1) ، فإن كان أخذ الحاكم ودفعه بعنوان


وذكر (قدس سره) أنّ المتولّي للنيّة في الثاني إنّما هو المالك ، إذ هو المتصدّي في الحقيقة للأداء والوكيل آلة محضة لا اعتبار بقصده ، بل قد يكون صبيّاً أو مجنوناً بل حيواناً ، فلا يعتبر قصد القربة حينئذٍ إلّا من الموكّل دون الوكيل.

وأمّا في الأوّل فالمتولّي لها إنّما هو الوكيل ، إذ هو المتصدّي للأداء وإن كان ذلك بتسبيب من المالك.

وعلى ضوء ذلك فينبغي التفصيل في المقام ، وأنّه إذا كان وكيلاً في مجرّد الإيصال فلا يقدح قصد الرياء منه بعد فرض حصول قصد التقرّب من المالك فتبرأ ذمّته حينئذٍ ، إذ لا يلزم النيّة من الوكيل وقتئذٍ حتّى يضرّ عدم قصد القربة منه.

وأمّا إذا كان وكيلاً في الأداء فيقدح الرياء ، إذ لا أداء من دون قصد التقرّب المعتبر حصوله من نفس المؤدّي وهو الوكيل ، فلا تبرأ ذمّة المالك ، بل يكون الوكيل ضامناً بإتلافه.

ودعوى عدم قدح الرياء إذا كان في النيابة لا في المنوب فيه.

مدفوعة بما تقدّم من عدم تطرّق النيابة في الزكاة ، لفقد الدليل ، فلا تقاس بالصلاة والصيام القابلين لذلك بمقتضى أدلّة النيابة ، إذ لا دليل في المقام على أنّ فعل النائب للمنوب عنه إلّا إذا كان بعنوان الوكالة إمّا في الإخراج أو في الإيصال حسبما عرفت وعرفت حكمهما آنفاً ، فلاحظ.

(1) الدفع إلى الحاكم قد يكون بعنوان الوكالة وقد تقدّم حكمه في المسألة السابقة من التفصيل بين الوكيل في الإخراج والوكيل في الإيصال.

وأُخرى بعنوان الولاية على الفقراء ، ولا إشكال حينئذٍ في الإجزاء ، إذ الدفع

الوكالة عن المالك أشكل الإجزاء (1)كما مرّ ، وإن كان المالك قاصداً للقربة حين دفعها للحاكم وإن كان بعنوان الولاية على الفقراء فلا إشكال في الإجزاء إذا كان المالك قاصداً للقربة بالدفع إلى الحاكم ، لكن بشرط أن يكون إعطاء الحاكم بعنوان الزكاة ، وأمّا إذا كان لتحصيل الرئاسة فهو مشكل ، بل الظاهر ضمانه حينئذٍ وإن كان الآخذ فقيراً.


إليه بمثابة الدفع إلى الفقير نفسه ، فيعتبر قصد التقرّب من المالك حين الدفع إلى الحاكم كما هو ظاهر.

ولكن الماتن شرط في ذلك أن يكون إعطاء الحاكم للفقير بعنوان الزكاة وإن لم يقصد به القربة ، وأمّا إذا لم يكن بهذا العنوان بل طلباً للرئاسة فيشكل الإجزاء حينئذٍ ، بل يضمن الحاكم وإن كان الآخذ فقيراً.

أقول : لا يكاد يحصل وجه ظاهر لما أفاده (قدس سره) في المقام ، إذ فيه :

أوّلاً : أنّ الإعطاء للحاكم بما أنّه ولي إيصال للفقير ، وبذلك تبرأ ذمّة المالك ، وبعد ذلك فليفعل الحاكم فيه ما شاء من تلف أو إتلاف أو رياء أو تحصيل رئاسة أو أيّ أمر كان ما لا تنافي حكومته مثل ما يفعله الفقير نفسه من إتلافه سرفاً أو العمل به محرّماً ، فإنّ كلّ ذلك أجنبي عن المالك ولا يمسّ به بوجه ، إذ لم يكن عليه إلّا الأداء متقرّباً إلى الفقير أو وكيله أو وليّه وقد حصل على الفرض ، لما عرفت من أنّ الأداء إلى الولي في حكم الأداء إلى الفقير نفسه ، فقد أدّى المالك زكاته بمجرّد الدفع إلى الحاكم ، المستلزم بطبيعة الحال لفراغ ذمّته ، سواء أكان إعطاء الحاكم للفقير بعنوان الزكاة أم لا ، فإنّه لا يقدح


1) (*) الظاهر أنّه لا إشكال فيه ، فإنّ الدفع إلى الحاكم أو إلى شخص آخر لا ينفك عن العزل ، وقد مرّ أنّه تكفي مقارنته لقصد القربة وإن لم تكن قربة عند الإعطاء إلى الفقير ، وبذلك يظهر الفرق بين هذه المسألة وسابقتها.

[2825] السابعة والثلاثون : إذا أخذ الحاكم الزكاة من الممتنع كرهاً يكون هو المتولّي للنيّة ، وظاهر كلماتهم الإجزاء (1)(1) ، ولا يجب على الممتنع بعد ذلك شي‌ء ، وإنّما يكون عليه الإثم من حيث امتناعه ، لكنّه لا يخلو عن إشكال بناءً على اعتبار قصد القربة إذ قصد الحاكم لا ينفعه فيما هو عبادة واجبة عليه.


بعد أن أخذ من المالك للفقير بمقتضى ولايته حسبما عرفت.

وثانياً : أيّ وجه لضمان الحاكم وأيّ دليل على لزوم كون الإعطاء بعنوان الزكاة؟! فإنّه بعد الأخذ السائغ له حسب الفرض لم يكن عليه إلّا الإيصال إلى الفقير كيف ما كان وقد أوصل ، والإلزام عليه بالإيصال بعنوان خاصّ عارٍ عن أيّ دليل كما عرفت.

وثالثاً : إنّ الماتن بنفسه ذكر قبل مسائل أنّ قصد القربة إنّما يجب في مقام الإفراز والعزل والتعيين للزكاة لا في مقام الإيصال والدفع الخارجي ، بل صرّح (قدس سره) بأنّه لو نوى الرياء حين دفع المعزول إلى الفقير لم يكن به بأس ، ومن الضروري أنّ الدفع إلى الحاكم أو أيّ شخص آخر لا ينفكّ عن الإفراز والعزل ، فإذا لم تكن النيّة المحرّمة من الرياء أو طلب الرئاسة قادحة فيما لو كان المباشر لدفع المعزول هو المالك بنفسه ولم يكن منافياً لفراغ ذمّته فعدم التنافي فيما إذا كان المتصدّي هو الحاكم الشرعي بطريقٍ أولى كما لا يخفى. وكيفما كان ، فلم يظهر وجه صحيح لما ذكره (قدس سره) من عدم الإجزاء أو الضمان.

(1) إذ بعد أن ساغ للحاكم الإخراج بمقتضى ولايته وكان هو المتولّي للنيّة والمباشر لقصد القربة تحقيقاً لحصول العبادة ، فلا جرم تبرأ ذمّة المالك بذلك


1) (*) وهو الصحيح.

.................................................................................................


فيجزئ ولا شي‌ء عليه وإن كان آثماً بامتناعه وتمرّده عن أداء الواجب.

هذا هو المشهور والمعروف كما ذكره الماتن وغيره ، ولكنّه استشكل فيه في المتن باعتبار أنّ المكلّف بالإخراج إنّما هو المالك نفسه ، وبما أنّ الزكاة عبادة فلا بدّ وأن يكون هو المتصدّي لقصد القربة ، ولم يقصد على الفرض ، ولا ينفعه قصد الحاكم ، إذ لا أثر لقصد الغير في سقوط العبادة المطلوبة منه ، فلا يجزئ عنه وإن ساغ له الأخذ منه كرهاً.

والصحيح ما ذكره المشهور ، فإنّ معنى كون الحاكم وليّ الممتنع أنّ الفعل الذي لا بدّ من صدوره من المالك الممتنع يتصدّى الوليّ لصدوره ويباشره بنفسه ، ويكون فعله كفعله وإخراجه كإخراجه ، كما هو الحال في الوكيل بعينه ، ففعل الولي فعل للمولّى عليه بالجعل الإلهي والولاية الشرعية ، وهذا كما ترى يساوي الإجزاء وبراءة الذمّة بطبيعة الحال ، إذ لو كانت الذمّة باقية على حالها فلما ذا يأخذ الحاكم؟! أفهل ترى أنّه يأخذه مجّاناً من غير أن يكون للفقراء ولا محسوباً على المالك؟ ففرض أنّ الحاكم له الأخذ يستلزم فرض فراغ الذمّة كما في سائر الموارد ، مثل : أخذ الدين من الممتنع فإنّه يتعيّن الكلّي الذي اشتغلت به الذمّة فيما يأخذه الحاكم بمقتضى ولايته وتبرأ الذمّة بذلك ، فكما يتعيّن هناك ويترتّب الفراغ فكذا في المقام ، ولازم البراءة في المقام الالتزام بكفاية قصد القربة من الحاكم تحقيقاً لحصول العبادة.

والحاصل : أنّه إذا ثبتت الولاية في المقام كما هي كذلك بمقتضى قوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) (1)فمقتضاها أنّ العمل عمل للمولّى عليه ، المستلزم طبعاً لكفاية قصد القربة من الحاكم ، ومعه كيف يمكن أن يقال ببقاء الاشتغال وعدم حصول الإجزاء؟!


1) التوبة 9 : 103.

[2826] الثامنة والثلاثون : إذا كان المشتغل بتحصيل العلم قادراً على الكسب إذا ترك التحصيل ، لا مانع من إعطائه من الزكاة (1)إذا كان ذلك العلم ممّا يستحبّ تحصيله ، وإلّا فمشكل (1).


(1) أمّا بالنسبة إلى غير المستحبّ كالهندسة والحساب والنجوم ونحوها ممّا لم يثبت رجمانها في الشريعة فلا نعرف وجهاً للإشكال ، بل لا بدّ من الجزم بالعدم ، إذ كيف يسوغ له الأخذ وهو قادر على الكسب بالاشتغال بما لم يندب إليه الشرع؟! بل لم يظهر وجه للجواز حتّى احتمالاً كما لا يخفى.

وأمّا العلوم الشرعيّة والمعارف الإلهية فقد تقدّم الكلام حولها مفصّلاً وهنا تكرار محض ، وقلنا : إنّه قد يفرض أنّ الاشتغال بها واجب عيني ، وأُخرى كفائي ، وثالثة مستحبّ شرعي.

لا ينبغي الإشكال في جواز الأخذ في الأوّل ، إذ لوجوب ذلك عيناً يكون مسلوب القدرة على الكسب شرعاً وإن كان قادراً تكويناً ، لفرض عدم إمكان الجمع بين الأمرين ، فلا جرم يكون مصداقاً للفقير الذي تحلّ له الزكاة بعد ملاحظة أنّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، وهذا ظاهر.

ففي الواجب العيني ولو من أجل عدم وجود من به الكفاية كما لو كان في قرية أو بلدة بعيدة عن المركز العلمي أو في مثل زماننا هذا الذي قلّ فيه المدافعون عن أصل الدين وبيضة الإسلام لم يكن مجال للتشكيك في جواز الأخذ حسبما عرفت.

وأمّا في الواجب الكفائي فضلاً عن المستحبّ الشرعي فلا نعرف وجهاً للجواز بعد ما لم يكن مصداقاً للفقير ، إذ الفقير الشرعي كما مرّ (2)هو من لم


1) (*) مرّ التفصيل فيه وفي ما بعده [في المسألة 2706].

2) في ص 11.

[2827] التاسعة والثلاثون : إذا لم يكن الفقير المشتغل بتحصيل العلم الراجح شرعاً قاصداً للقربة لا مانع من إعطائه الزكاة (1).

وأمّا إذا كان قاصداً للرياء أو للرئاسة المحرّمة ففي جواز إعطائه إشكال ، من حيث كونه إعانة على الحرام (2).


يملك قوت سنته بالفعل أو بالقوّة كما في المحترف الذي عبّر عنه في النصّ بذي مرّة سوي (1)، والجامع كما في صحيحة زرارة (2)من لم يقدر أن يكفّ نفسه عن الزكاة ، وهذا غير منطبق على المقام قطعاً ، لتمكّنه من الكفّ بالاشتغال بالكسب بعد أن كان سائغاً له تكويناً وتشريعاً حسب الفرض (3).

(1) إذ العلم المزبور لأجل كماله ورجحانه الشرعي كما هو المفروض محبوب لله تعالى فيعدّ من سبيل اللّه ، فلا مانع من الصرف فيه من هذا السهم ، إذ لا يعتبر في الصرف من سهم سبيل اللّه أن يكون الفاعل قاصداً للقربة ، بل العبرة بكون الفعل في نفسه محبوباً ومأموراً به ومحسوباً من سبل الخير وإن لم يقترن بالقربة ، فإنّها مناط المثوبة لا الاتّصاف بهذا السبيل كما هو ظاهر.

(2) لا يتوقّف ما ذكره (قدس سره) على القول بحرمة الإعانة على الإثم ، بل لو أنكرنا الحرمة كما لا يبعد أو خصّصنا صدق الإعانة بصورة قصدها وعدم كفاية مجرّد العلم بترتّب الحرام لم يجز الإعطاء أيضاً ، ضرورة أنّ طلب العلم رياءً أو لأجل الرئاسة مبغوض لله تعالى ، فلا يكون الصرف فيه صرفاً في سبيل اللّه تعالى ، فلا يدور الحكم في المقام مدار صدق الإعانة أو القول بالحرمة ، بل يتمّ حتّى مع إنكار الأمرين حسبما عرفت.


1) الوسائل 9 : 231 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 3.

2) الوسائل 9 : 233 / أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

3) هذا وجيه لو أُريد الدفع إليه من سهم الفقراء لا من سهم سبيل اللّه.

[2828] الأربعون : حكي عن جماعة عدم صحّة دفع الزكاة في المكان المغصوب (1) ، نظراً إلى أنّه من العبادات فلا يجتمع مع الحرام ، ولعلّ نظرهم إلى غير صورة الاحتساب على الفقير من دين له عليه ، إذ فيه لا يكون تصرّفاً في ملك الغير ، بل إلى صورة الإعطاء والأخذ ، حيث إنّهما فعلان خارجيّان ، ولكنّه أيضاً مشكل ، من حيث إنّ الإعطاء الخارجي مقدّمة للواجب ، وهو الإيصال الذي هو أمر انتزاعي معنوي ، فلا يبعد الإجزاء.

[2829] الحادية والأربعون : لا إشكال في اعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة (2) فيما يعتبر فيه الحول كالأنعام والنقدين كما مرّ سابقاً وأمّا ما لا يعتبر فيه الحول كالغلّات فلا يعتبر التمكّن من التصرّف فيها قبل حال تعلّق الوجوب بلا إشكال. وكذا لا إشكال في أنّه لا يضرّ عدم التمكّن بعده إذا حدث التمكّن بعد ذلك ، وإنّما الإشكال والخلاف في اعتباره حال تعلّق الوجوب ، والأظهر عدم اعتباره (1)، فلو غصب زرعه غاصب وبقي مغصوباً إلى وقت التعلّق ثمّ رجع إليه بعد ذلك وجبت زكاته.


(1) كما ذكروا ذلك في الصلاة والغسل والوضوء ، لكن الاحتساب لكونه مجرّد بناء قلبي وعدم كونه من التصرّف في ملك الغير غير مراد لهم ، كما أنّ الأخذ والإعطاء أيضاً مقدّمة لما هو الواجب ، وهو استيلاء الفقير وكون المال تحت سلطانه الذي هو أمر انتزاعي لا تكويني ، فلم يكن به بأس أيضاً كما ذكره في المتن.

(2) تقدّم الكلام حول هذه المسألة غير مرّة ، وعرفت أنّ اعتبار التمكّن من التصرّف وإن كان وارداً فيما يعتبر فيه الحول في أكثر الروايات إلّا أنّ في صحيحة ابن سنان وغيرها ما يقتضي العموم حتّى فيما لا يعتبر ، فلاحظ.


1) (*) بل الأظهر اعتباره كما مرّ.

فصل في زكاة الفطرة

وهي واجبة إجماعاً من المسلمين (1).

ومن فوائدها : أنّها تدفع الموت في تلك السنة عمّن أُدّيت عنه.

ومنها : أنّها توجب قبول الصوم ، فعن الصادق (عليه السلام) أنّه قال لوكيله : «اذهب فأعط من عيالنا الفطرة أجمعهم ولا تدع منهم أحداً ، فإنّك إن تركت منهم أحداً تخوّفت عليه الفوت» قلت : وما الفوت؟ «قال (عليه السلام) : الموت» (1).

وعنه (عليه السلام) : «إنّ من تمام الصوم إعطاء الزكاة ، كما أنّ الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) من تمام الصلاة ، لأنّه من صام ولم يؤدّ الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمّداً ، ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي (صلّى


(1) إذ لم ينقل الخلاف إلّا من شاذّ من العامّة كما في الجواهر (2)، ويظهر من صحيحة هشام أنّ أوّل ما نزل في القرآن من الزكاة أُريد بها الفطرة ، إذ لم يكن للناس أموال تبلغ النصاب «قال (عليه السلام) : نزلت الزكاة وليس للناس أموال وإنّما كانت الفطرة» (3).


1) الوسائل 9 : 328 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 1 بتفاوت يسير.

2) الجواهر 15 : 484.

3) الوسائل 9 : 317 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 1.

اللّه عليه وآله) ، إنّ اللّه تعالى قد بدأ بها قبل الصلاة ، وقال ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (1)» (2)والمراد بالزكاة في هذا الخبر : هو زكاة الفطرة ، كما يُستفاد من بعض الأخبار المفسّرة للآية.

والفطرة : إمّا بمعنى الخلقة فزكاة الفطرة ، أي زكاة البدن ، من حيث إنّها تحفظه عن الموت ، أو تطهّره عن الأوساخ.

وإمّا بمعنى الدين ، أي زكاة الإسلام والدين.

وإمّا بمعنى الإفطار ، لكون وجوبها يوم الفطر.

والكلام في شرائط وجوبها ، ومن تجب عليه ، وفي من تجب عنه ، وفي جنسها ، وفي قدرها ، وفي وقتها ، وفي مصرفها ، فهنا فصول :


ويظهر ذلك من روايات اخرى ، بل في عدّة من الأخبار أنّ الزكاة في القرآن يراد بها الفطرة ، ولكنّها بأجمعها ضعيفة السند.

وكيف ما كان ، فما دلّ من الروايات على وجوب زكاة الفطرة كثيرة جدّاً ، فلا مجال للإشكال في الوجوب ، وإنّما الكلام في جهات أشار إليها في المتن نتعرّض إليها عند شرح كلامه (قدس سره).


1) [1] الأعلى 87 : 14 15.

2) [2] الوسائل 9 : 318 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 5.

فصل في شرائط وجوبها

وهي أُمور :

الأوّل : التكليف ، فلا تجب على الصبي والمجنون (1) ، ولا على وليّهما أن يؤدّي عنهما من مالهما.


(1) بلا خلاف فيه ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد.

وهل يمكن إثبات الحكم من غير ناحية الإجماع؟

ربّما يستدلّ له بحديث : «رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم وعن المجنون حتّى يفيق» ، الوارد بطرق عديدة وأسانيد مختلفة وإن لم يكن المعتبر منها إلّا رواية واحدة ، فإنّ عموم رفع القلم يشمل الفطرة ، ولم يرد في المقام رواية خاصّة عدا ما ستعرف ، فإنّ الروايات النافية للزكاة عنهما كلّها ناظرة إلى زكاة المال ، وفي بعضها التفصيل بين ما يتّجر وما لا يتّجر ، كما تقدّم كلّ ذلك سابقاً (1).

وقد يستشكل في ذلك بأنّ حديث الرفع ناظر إلى رفع قلم التكليف فقط دون الوضع ، إذن فمقتضى عموم ما دلّ على اشتغال الذمّة بالفطرة كما في زكاة المال وجوب الإخراج ، غير أنّ الصبي لكونه محجوراً لا يمكنه التصدّي فلا جرم تنتقل الوظيفة إلى الولي ، فيجب عليه أن يؤدّي عنهما من مالهما.

ولكنّه يندفع بما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من عدم


1) شرح العروة 23 : 56 59.

.................................................................................................


الموجب لهذا الاختصاص أبداً ، بل المرفوع هو مطلق قلم التشريع الأعمّ من الوضع والتكليف ، وأنّ الصبي والمجنون خارجان عن الجعل والقانون ولم يكتب لهما في دفتر الشرع بشي‌ء.

نعم ، لا يشمل الرفع ما يلزم منه خلاف الامتنان على أشخاص آخرين كإتلاف مال الغير ونحوه من التعزيرات والضمانات ، فإنّ اشتغال الذمّة في مثلها معلوم من الخارج ، وأمّا التكاليف الإلهية المجعولة في الشريعة المقدّسة فالظاهر رفع جميعها عن الصبي ، تكليفيّة كانت أم وضعيّة ، ولأجله نلتزم بسقوط الخمس عنه وإن كان المشهور تعلّقه به كالبالغ ، لما ذكروه من عدم ورود نصّ يقتضي نفيه عنه كما ورد ذلك في باب الزكاة على ما تقدّم (1)وذلك لعدم الحاجة إلى النصّ الخاصّ بعد شمول الحديث له ، فإنّ الخمس حكم إلهي تشريعي ، فهو موضوع عن الصبي ، ومعه لا مقتضي لإخراج الولي ، بل لا يجوز ، فإنّه تصرّف في ملك الغير بلا مسوّغ شرعي ، ولعلّنا نتكلّم حول هذا البحث في محلّه بنطاق أوسع إن شاء تعالى.

وكيف ما كان ، فبمقتضى عموم الحديث الشامل للتكليف والوضع يحكم بعدم تعلّق الفطرة بالصبي كما عرفت.

هذا ، مع أنّ للمناقشة في كون الفطرة حكماً وضعيّاً تشتغل به الذمّة مجال واسع ، لقصور الأدلّة عن الوفاء بذلك ، وإنّما تفي به في زكاة المال فقط ، حيث إنّ الظاهر من مثل قوله (عليه السلام) : «في كلّ عشرين مثقال نصف مثقال» أو : «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم» ونحو ذلك : أنّ هذا حقّ متعلّق بنفس العين وأنّ هذا المقدار خارج عن ملك المالك فلو لم يؤدّه حتّى تلفت العين كان هذا طبعاً ديناً في ذمّته لا بدّ له من الخروج عن عهدته.


1) شرح العروة 23 : 5 10.

.................................................................................................


وأمّا في باب الفطرة فلم نجد في شي‌ء من الأدلّة ما يظهر منه ثبوتها في الذمّة بحيث تكون من قبيل الديون كي لا يشملها الحديث على القول بالاختصاص بل من المحتمل قويّاً أنّ الفطرة تكليف محض. إذن فالاستدلال بالحديث كما استدلّ به صاحب الحدائق (1)في محلّه.

مضافاً إلى أنّه في خصوص الصبي يمكن الاستدلال بصحيحة محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري : أنّه كتب إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ فكتب (عليه السلام) : «لا زكاة على يتيم» (2)، وفي نسخة الشيخ : «على مال اليتيم» والنتيجة واحدة ، إذ السؤال إنّما هو عن الفطرة وهي طبعاً تكون في مال اليتيم.

وكيف ما كان ، فقد رويت في الكافي والفقيه والتهذيب.

أمّا في التهذيب فالسند صحيح جزماً ، فإنّ أحمد بن محمّد الواقع في السند إمّا يراد به أحمد بن محمّد بن عيسى ، أو ابن خالد ، وكلاهما موثّق كما هو ظاهر.

وأمّا طريق الفقيه فقد رواها الصدوق بإسناده عن ابن الفضيل ووصفه بالبصري كما في رواية الشيخ وطريقه إليه ضعيف من أجل الحسين بن إبراهيم الملقّب بالكاتب تارةً وبالمؤدّب أُخرى ، فإنّه لم يرد فيه أيّ توثيق عدا كونه من مشايخ الصدوق ، وقد عرفت مراراً أنّ هذا بمجرّده لا يكفي في التوثيق.


1) الحدائق 12 : 258.

2) الوسائل 9 : 84 / أبواب من تجب عليه الزكاة ب 1 ح 4 ، وص 326 / أبواب زكاة الفطرة ب 4 ح 2 ، الكافي 3 : 541 / 8 ، الفقيه 2 : 115 / 495 ، التهذيب 4 : 30 و 334 / 74 و 1049.

بل يقوى سقوطها عنهما بالنسبة إلى عيالهما أيضاً (1).


وأمّا الكافي فقد بدأ السند بمحمّد بن الحسين الخطّاب ، ومعلوم أنّ الكليني لم يدركه فبينهما واسطة لا محالة وهو مجهول.

نعم ، في الوسائل عند نقل الرواية عنه جعل صدر السند محمّد بن يحيى ، ولا أدري من اين استفاد ذلك ، فإنّ الروايات السابقة لا دلالة لها عليه ، وهذا كلام ابتدائي من الكليني ، ولعلِّي لم أرد مثل هذا في كتاب الكافي بأن يبدأ بشخص ولم يدر الواسطة ، وظنّي أنّ هنا سقطاً فتصبح الرواية مرسلة.

ويؤيّد ما ذكرناه أنّ صاحب الحدائق عند التعرّض لهذه الرواية يقول : ما رواه الشيخ في الصحيح (1)، فإنّ تخصيص الصحّة برواية الشيخ كاشف عن ضعف طريق غيره من الكافي والفقيه.

وأيضاً يؤكّده أنّ الوافي يذكر الرواية عن الكافي مبدوءاً بمحمّد بن الحسين (2)، ولا يذكر ابن يحيى. وعليه ، فالرواية ضعيفة بطريق الكافي والفقيه ، ولا تصحّ إلّا بطريق الشيخ فقط حسبما عرفت.

(1) وإن ذكر ذلك في ذيل رواية الكليني المتقدّمة.

وتوضيح الكلام في المقام : أنّا أشرنا آنفاً إلى ضعف رواية الكليني ، وهذه الرواية قد رواها في الكافي في موضعين باختلاف يسير في ألفاظها : أحدهما في زكاة المال ، والآخر في الفطرة التي أوردها في أواخر الصوم (3)والتي ذكرها في زكاة المال مطابقاً لما ذكرها في الوسائل سنداً ومتناً ، ولكن في باب الفطرة قيّد


1) الحدائق 12 : 258.

2) الوافي 10 : 240 / 9514.

3) الكافي 4 : 172 / 13.

.................................................................................................


الفضيل بالبصري كما قيّده الصدوق به في المشيخة عند ذكر طريقه إلى هذا الرجل كالشيخ في التهذيب ، كما أنّه في باب الفطرة لم يقيّد أبا الحسن (عليه السلام) بالرضا وهنا قيّده به ، مع اختلاف يسير في الألفاظ كما عرفت لا تخلّ بالمعنى.

وهذه الرواية صحيحة السند حسبما ذكرها في باب زكاة المال ، إذ يصرّح هناك : محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين ، وصاحب الوسائل ينقلها عنه عن هذا الباب والصحيح ما نقله.

وأمّا التي ذكرها في باب الفطرة فهي مصدّرة بمحمّد بن الحسين كما ذكرنا لا محمّد بن يحيى ، ولا يمكن أن يروي عن هذا الرجل بلا واسطة كما عرفت.

ومن هنا ذكر صاحب المعالم في المنتقى والمجلسي في مرآة العقول أنّ في الرواية إرسالاً وإن ذكر المجلسي أيضاً أنّه قد يغلب على الظنّ أنّ الراوي هو محمّد بن يحيى وقد سقط عن الكافي (1).

وكيف ما كان ، فهذه الرواية التي في باب الفطرة لها ذيل ، وإنّما تكلّمنا في السند من أجل هذا الذيل ، وإلّا فالرواية في نفسها صحيحة على طريق الشيخ والكافي حسبما عرفت آنفا.

وإنّما الكلام في سند المتن المشتمل على هذا الذيل حسبما ذكره في باب الفطرة ، فإنّ غاية ما هناك أنّه يظنّ أنّ الراوي هو محمّد بن يحيى وقد سقط عن هذا السند كما ذكره المجلسي ، ولكنّه بالآخرة ظنّ والظنّ لا يغني عن الحقّ ، ومن الجائز أنّ الكليني روى هذه الرواية عن الفضيل تارةً بواسطة محمّد بن يحيى من دون ذيل ، وأُخرى بواسطة شخص آخر مجهول عندنا مع الذيل ، ولأجله لم يكن بدّ من أن نعامل مع هذه الرواية المشتملة على الذيل معاملة المرسل.

والذيل هو هذا : عن المملوك يموت عنه مولاه وهو عنه غائب في بلدة


1) منتقى الجمان 2 : 392 و 430 ، مرآة العقول 16 : 420 / 13.

.................................................................................................


أُخرى وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطرة ، أيزكّي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى؟ «قال : نعم» (1).

ولم يذكر الشيخ هذا الذيل أصلاً ، وإنّما ذكره الكافي في خصوص باب الفطرة كما عرفت.

وأمّا الصدوق فقد ذكر كلّاً من الصدر والذيل برواية مستقلّة (2)وبينهما فصل بعدّة روايات ، غير أنّ طريقه ضعيف كما أسلفناك ، وتوصيفه بالحسن كما عن بعضٍ غيرُ ظاهر الوجه ، فإنّ المؤدّب أو الكاتب الواقع في الطريق لم يرد فيه أيّ مدح عدا كونه شيخ الصدوق الغير الكافي في الحسن بالضرورة كما تقدّم.

ومقتضى هذا الذيل أنّه يجب على الصغير زكاة من يعول به ولا أقلّ من التخصيص بالمملوك. وقد عبّر في الجواهر (3)عن هذه الرواية المشتملة على الذيل بالصحيحة ، وقد عرفت أنّها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.

على أنّه يرد عليها إشكال آخر مع قطع النظر عن السند ، وهو مخالفتها للأُصول وعدم وجود العامل بمضمونها كما صرّح به في الجواهر (4)، ولأجله أسقطها عن درجة الاعتبار ، إذ على فرض الوجوب على الصغير فالمتصدّي للإخراج لا بدّ وأن يكون وليّه أو الوصي دون المملوك نفسه ، فكيف ساغ له التصرّف في مال مولاه من غير إذن ممّن بيده الإذن؟! وقد حملها صاحب الوسائل على موت المتولي بعد الهلال ، ولأجله وجبت الزكاة في ماله ولم ينتقل هذا المقدار إلى الوارث.


1) الوسائل 9 : 326 / أبواب زكاة الفطرة ب 4 ح 3.

2) الفقيه 2 : 117 / 503.

3) الجواهر 15 : 485.

4) الجواهر 15 : 485.

الثاني : عدم الإغماء (1)، فلا تجب على من أهلّ شوّال عليه وهو مغمى عليه (1).


ولكنّه من البعد بمكان ، لفرض غيبة المولى وموته في بلدة اخرى ، ومعه كيف يمكن الاطّلاع على موته في هذه الفترة اليسيرة أعني : ما بين الهلال وحضور الفطرة ولم تستكشف في تلك الأزمنة طرق المواصلات والاستخبارات الحديثة الدارجة في عصرنا الحاضر؟

وعلى الجملة : فالرواية ساقطة إمّا للمناقشة السنديّة وهي العمدة ، أو لأجل عدم إمكان العمل بمضمونها حسبما عرفت. فما ذكره في المتن من أنّ الأقوى سقوطها عنهما بالنسبة إلى عيالهما أيضاً هو الصحيح.

(1) حتّى وإن أفاق في الوقت ، فإنّ العبرة في الشرائط تحقّقها حال تعلّق الوجوب.

وقد ذكر غير واحد أنّ هذا الحكم متسالم عليه ، بل في المدارك : أنّه مقطوع به في كلمات الأصحاب (2).

ولكن استشكل (قدس سره) في إطلاقه بأنّه إنّما يتّجه في الإغماء المستوعب للوقت دون غيره ، لعدم الدليل على اعتباره أزيد من ذلك.

وأورد عليه في الجواهر بأنّ وقت الوجوب هو وقت رؤية الهلال والامتداد إلى صلاة العيد أو إلى الزوال توسعةً في وقت الأداء والإخراج ، والعبرة بوقت الوجوب وحاله لا بحال الأداء. وأمّا قوله : إنّه لا دليل ، فتكفينا أصالة البراءة عن الفطرة فيما إذا أفاق في الأثناء (3).


1) (*) فيه إشكال ، والاحتياط لا يترك.

2) المدارك 5 : 308.

3) الجواهر 15 : 485.

.................................................................................................


أقول : الظاهر أنّ ما ذكره صاحب المدارك هو الصحيح ، فإنّه لو كان هناك إجماع قطعي على أنّ العبرة بوقت الوجوب وأنّ المغمى عليه لا تجب عليه وإن أفاق في الأثناء فلا كلام.

وأمّا إذا لم نحرز الإجماع فلم يدلّ أيّ دليل على أنّ العبرة بأوّل الوقت ، إذ لم تثبت شرطيّته ، بل الإطلاقات تدفعه ، فإنّ مفادها الوجوب على من كان مفيقاً في الوقت وإن كان مغمى عليه أوّلاً ، نظير النائم الذي استيقط في الأثناء فإنّه أيضاً مشمول الإطلاق.

ومعه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة ، فإنّها حجّة حيث لا دليل وكفى بالإطلاق دليلا.

فما ذكره (قدس سره) من الوجوب في فرض عدم الاستيعاب وجيه ، كما أنّ ما أفاده من عدم الوجوب في فرض الاستيعاب أيضاً وجيه ، لأجل عدم تعلّق التكليف في أيّ جزء من أجزاء الوقت بعد فرض استيعاب الإغماء ، لظهور التكليف المؤقّت بوقت في وحدة المطلوب ، فلم يكن في البين إلّا تكليف وحداني مقيّد بوقت خاصّ ، والمفروض عدم تعلّقه في الوقت ، لمكان العجز ، وبما أنّ القضاء بأمر جديد فيحتاج ثبوته إلى قيام الدليل ، ومع عدمه فمقتضى الأصل البراءة عنه.

والحاصل : أنّه ليس لدينا دليل لفظي على اعتبار عدم الإغماء ليتمسّك بإطلاقه ، فإن ثبت الإجماع التعبّدي على الإطلاق فهو ، وإلّا فمقالة المشهور على إطلاقها لا دليل عليها ، والمتّجه هو التفصيل بين المستوعب وغيره كما ذكره في المدارك.

ولا يختصّ ذلك بالإغماء ، بل يجري هذا التفصيل في مطلق العذر من الغفلة والنسيان والنوم ونحوها كما لا يخفى.

الثالث : الحرّيّة ، فلا تجب على المملوك (1) وإن قلنا : إنّه يملك ، سواء كان قنّاً أو مدبّراً أو أُمّ ولد.


(1) قد سبق أنّ الحرّيّة شرط في زكاة المال بلا إشكال ، لتظافر الأخبار على عدم الوجوب على العبد ولو كان له ألف ألف كما تقدّم (1).

وأمّا الفطرة فالظاهر أنّ الحكم فيها متسالم عليه أيضاً ، إذ لم ينسب الخلاف منّا إلّا إلى الصدوق (قدس سره) في خصوص المكاتب كما سيجي‌ء إن شاء تعالى.

وإنّما الكلام في دليله ، فإن تمّ الإجماع المدّعى في المقام والظاهر أنّه تامّ فلا كلام ، وإلّا فقد استدلّ في الجواهر بالروايات المستفيضة الدالّة على أنّ زكاة العبد على سيّده والزوجة على زوجها ، فإنّ مفادها عدم وجوب الزكاة على العبد نفسه (2).

ولكنّه كما ترى ، إذ النفي عن العبد في تلك النصوص لم يكن من حيث عبوديّته ، بل من أجل عيلولته لمولاه وأنّ زكاة العيال على المعيل وإن كان حرّا كالزوجة ونحوها ، كما صرّح فيها بقوله : «من حرّ أو عبد صغير أو كبير» بعد قوله : «تصدّق عن جميع من تعول» كما في صحيحة ابن مسلم (3)، وفي بعضها عنوان الخادم ، وفي بعضها رفيق الزوجة ، وفي بعضها كل من ضممت إلى عيالك ، إلى غير ذلك.

وعلى الجملة : لا تعرّض في شي‌ء من تلك الأدلّة لعنوان العبوديّة والمولويّة ، بل لم ترد في ذلك ولا رواية واحدة فضلاً عن أن تكون متظافرة. وإنّما النظر


1) شرح العروة 23 : 20.

2) الجواهر 15 : 485 486.

3) الوسائل 9 : 329 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 6.

أو مكاتباً (1)(1) مشروطاً أو مطلقاً ولم يؤدّ شيئاً ، فتجب فطرتهم على المولى.


فيها مقصور على عنوان العيال ، الذي لا فرق فيه بين المملوك وغيره ، فالاستدلال بها على المطلوب في غير محلّه.

نعم ، يمكن الاستدلال له مضافاً إلى إمكان دعوى الاطمئنان بعدم الفرق بين زكاتي المال والفطرة من هذه الجهة ، سيّما بضميمة ما ورد من أنّه تجب الفطرة على من تجب زكاة المال عليه بأنّ الفطرة لو وجبت على العبد فإمّا أن يؤدّيها من مال نفسه ، أو من مال مولاه ، ولا ثالث.

والثاني باطل ، بداهة عدم جواز التصرّف في مال الغير بغير إذنه. وكذا الأوّل ، لكونه محجور التصرّف ، فإنّه ( كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ) لا يقدر على شي‌ء ، بل قد ورد النصّ بعدم جواز تصرّف العبد حتّى في مال نفسه ، ولا شكّ أنّ أدلّة وجوب الفطرة منصرفة عمّن يحرم عليه التصرّف في ماله. هذا بناءً على أنّ العبد يملك كما هو الأصحّ ، وعلى المبنى الآخر فالأمر أوضح.

(1) على المعروف خلافاً للصدوق كما سمعت (2)، فالتزم بالوجوب ، وتبعه بعض المتأخّرين كما في الجواهر (3)، استناداً إلى صحيح علي بن جعفر : عن المكاتب ، هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه؟ وتجوز شهادته؟ «قال : الفطرة عليه ولا تجوز شهادته» (4).

وقد حمل الصدوق الجملة الأخيرة على الإنكار لا الإخبار ، أي كيف تجب عليه الفطرة ولا تجوز شهادته؟! بل شهادته جائزة كما أنّ الفطرة عليه واجبة.


1) (*) الأحوط بل الأظهر فيه الإخراج ، ولا سيّما إذا تحرّر بعضه.

2) الفقيه 12 : 117 / 502.

3) الجواهر 15 : 486.

4) الوسائل 9 : 365 / أبواب زكاة الفطرة ب 17 ح 3.

.................................................................................................


وكيف ما كان ، فلا يهمّنا ذلك ، إذ لا يفرق الحال في الاستدلال لما نحن بصدده ، غايته أنّه على الإخبار تكون الجملة الأخيرة معارضة بما دلّ على جواز شهادة العبد ، فترفع اليد عن هذه الفقرة بالمعارضة ، أو تحمل على التقيّة كما صنعه صاحب الوسائل.

ولكن الجملة الأُولى التي هي محلّ الاستشهاد لا معارض لها فيؤخذ بها بعد صحّة السند ، لصحّة الطريق إلى كتاب عليّ بن جعفر ، وقد عمل بها الصدوق وبعض المتأخّرين.

ولكن صاحب الجواهر مع اعترافه بصحّة السند ذكر أنّها لا تنهض لتقييد ما دلّ على عدم الوجوب ، سيّما مع معارضتها بمرفوعة محمّد بن أحمد بن يحيى.

أقول : ليت شعري أيّ إطلاق كان لدينا كي لم يكن قابلاً للتقييد بها؟! فإنّ الروايات المستفيضة التي ادّعاها قد عرفت حالها ، وعمدة المستند كان هو الإجماع الذي هو دليل لبّي ، أو الوجه الذي ذكرناه من محجوريّة العبد الغير الشامل للمقام ، لعدم منع المكاتب عن التصرّف في ماله قطعاً.

فلم يكن لدينا أيّ دليل لفظي ليدّعى عدم قبول إطلاقه للتقييد ، وعلى تقدير وجوده فلم نر أيّ مانع من تقييده بمثل هذه الصحيحة ، سيّما مع التصريح في السؤال بأنّه على المكاتب أو على من كاتبه أي مولاه أو غيره ، فجوابه (عليه السلام) بأنّها عليه يكون مقيّداً بطبيعة الحال لإطلاق ما دلّ على النفي عن العبد لو كان هناك إطلاق.

وأمّا ما ذكره (قدس سره) من المعارضة فبإزاء هذه الصحيحة روايتان :

إحداهما : مرفوعة محمد بن أحمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه» (1).


1) الوسائل 9 : 330 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 9.

.................................................................................................


والأُخرى : رواية حمّاد بن عيسى المتقاربة مع الاولى متناً مع اختلاف يسير (1).

أمّا الأُولى : فهي ضعيفة السند بالرفع ، ودلالةً من أجل أنّ موردها المكاتب الذي يعول عليه مولاه بقرينة قوله : «وما أغلق عليه بابه» ، فلا تدلّ على وجوب الزكاة على المولى للمكاتب الذي لم يغلق الباب عليه ولم يكن من عياله ، فهي إذن أجنبيّة عن محلّ الكلام.

وأمّا الثانية : فهي أيضاً ضعيفة السند ، فإنّ علي بن الحسين الواقع في هذا السند هو علي بن الحسن الضرير ، ومجموع روايات هذا الشخص في الكتب الأربعة ستّة ، ثلاثة منها بالعنوان المزبور أعني : علي بن الحسين بن الحسن الضرير ذُكر اثنان منها في الكافي وواحدة في التهذيب ، ورائه اخرى بعنوان : علي بن الحسين الضرير ، رواها في التهذيب أيضاً ، وروايتان بعنوان : علي بن الحسين ، وهما أيضاً في التهذيب ، وجميع هذه عن حمّاد.

فيعلم من ذلك أنّ المراد به في هذه الرواية هو الضرير ، وهو مهمل لم يذكر في كتب الرجال ، ولو فرضنا أنّه لم يظهر ذلك فغايته أنّه مجهول لم يعلم المراد منه.

على أنّ الدلالة أيضاً قاصرة ، لعين ما عرفت في السابقة من أنّ الفطرة عن المكاتب إنّما وجبت من حيث العيلولة لا بما أنّه مملوك ، وإلّا فلا يحتمل وجوب الفطرة عن رقيق الزوجة المذكورة في هذه الرواية إذا لم تكن من العائلة.

فتحصّل : أنّ ما ذكره الصدوق هو الصحيح ، فإنّ الرواية صحيحة والدلالة واضحة ، وليس لها معارض ، ولا إجماع على خلافها ، ولا إعراض عنها ، فلا بدّ من العمل بها حسبما عرفت.


1) الوسائل 9 : 331 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 13.

نعم ، لو تحرّر من المملوك شي‌ء وجبت عليه وعلى المولى بالنسبة (1) مع حصول الشرائط.


(1) كما عن غير واحد ، ولكنّه غير ظاهر ، إذ المكاتب المفروض إن كان عيالاً للمولى فلا إشكال في أنّ فطرته عليه حتّى لو كان رقّاً بتمامه فضلاً عن بعضه كما تقدّم ، وإلّا فلم تكن فطرته عليه حتّى لو كان رقّاً بتمامه ، لما عرفت من عدم الدليل على كون فطرة العبد بما هو عبد على مولاه ، إذ لم نجد على ذلك ولا رواية واحدة ، وما ادّعاه في الجواهر من الروايات المستفيضة (1)أجنبيّة عن ذلك ، وإنّما هي بعنوان العيلولة كما سبق.

وحينئذٍ فإن عملنا بالرواية المتقدّمة المتضمّنة أنّ فطرة المكاتب على نفسه كما هو الصحيح ثبت الحكم في المقام بالطريق الأولى ، لثبوت الحكم في المكاتب الذي لم يتحرّر منه شي‌ء ، فما ظنّك بمن قد تحرّر؟! وإن لم نعمل بها وجبت فطرته على نفسه أيضاً في خصوص المقام ، عملاً بإطلاقات وجوب الفطرة على كلّ مكلّف واجد للشرائط السليمة عن المقيّد في محلّ الكلام. وقد عرفت أنّ الخروج عنها في المملوك لا يستوجب الخروج في المكاتب ، إذ المخرج إمّا الإجماع ولا إجماع هنا بعد تحقّق الخلاف ، أو الانصراف لمكان المحجوريّة ولا حجر في المكاتب بالضرورة ، فإنّه مأذون في التصرّف في ماله والدفع تدريجاً لأجل التحرير.

فتحصّل : أنّ مقتضى الإطلاقات وجوب الفطرة عليه حتّى بناءً على عدم العمل بالصحيحة ومع العمل أوضح.

فما ذكر وجهاً للتقسيط من أنّ كلّاً من المولى والمكاتب لا يكلّفان بالتمام ، لأصالة البراءة ، فيوزّع عملاً بالجهتين.


1) الجواهر 15 : 486.

الرابع : الغنى ، وهو أن يملك قوت سنته له ولعياله زائداً على ما يقابل الدين (1) ومستثنياته فعلاً أو قوّةً بأن يكون له كسب يفي بذلك.


غير وجيه ، إذ لا مجال للأصل بالنسبة إلى المكاتب بعد الإطلاق ، وأمّا بالنسبة إلى المولى فلا دليل على الوجوب أبداً حسبما عرفت.

(1) على المشهور ، بل إجماعاً كما في الجواهر (1)، ونسب إلى ابن الجنيد وجوبها على من ملك مئونته ومئونة عياله ليومه وليلته بزيادة صاع (2)، بل قد نسب في الخلاف هذا القول إلى كثير من الأصحاب (3)، ولكن في الجواهر : إنّا لم نتحقّقه بل قد تحقّق خلافه ، ولذا ادّعى الإجماع على اعتبار الغنى في مجموع السنة. وقد احتمل (قدس سره) التأويل في كلام ابن الجنيد وأنّ المراد مئونة يومه وليلته في مجموع السنة ، فيرجع إلى قول المشهور.

وكيفما كان ، فالمشهور كما عرفت اعتبار الغنى في المقام بالمعنى المزبور كما تقدّم في زكاة المال (4).

وتدلّ عليه روايات : عمدتها روايتان :

إحداهما : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سئل عن رجل يأخذ من الزكاة ، عليه صدقة الفطرة «قال : لا» (5).

فإنّ المنصرف من أخذ الزكاة أنّه بمناط الفقر دون العناوين الأُخر من


1) الجواهر 15 : 488.

2) الحدائق 12 : 262 ، الجواهر 15 : 488.

3) لاحظ الخلاف 2 : 130 / 157 وحكاه عنه في الحدائق 12 : 262.

4) في ص 265.

5) الوسائل 9 : 321 / أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 1.

.................................................................................................


الصرف في الدين أو الحجّ أي سهم الغارمين أو سبيل اللّه كما لا يخفى فقد دلّت على نفي الفطرة عن الفقير بوضوح.

الثانية : معتبرة إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال : «ليس عليه فطرة» (1)، فإنّ الحاجة ترادف الفقر.

المؤيّدتان بغيرهما من النصوص.

ولكن بإزائها أيضاً روايتان دلّتا على الوجوب :

إحداهما : ما رواه الشيخ بإسناده عن الفضيل بن يسار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أعَلى مَن قَبل الزكاة زكاة؟ «فقال : أمّا مَن قَبل زكاة المال فإنّ عليه زكاة الفطرة» (2).

ولكنّها ضعيفة السند بإسماعيل بن سهل ، فقد ضعّفه النجاشي صريحاً (3)، فلا تصلح للمعارضة.

نعم ، روى الشيخ رواية أُخرى بإسناده عن علي بن الحسن بن فضّال عن زرارة بهذا المضمون ، وهي صحيحة السند ، فإنّ طريقه إلى ابن فضّال وإن كان ضعيفاً إلّا أنّ طريق النجاشي إليه صحيح ، والشيخ واحد والمنقول إليهما أيضاً شي‌ء واحد فيكشف ذلك عن صحّة الطريق كما أشرنا إليه في المعجم (4). وعليه فلا بدّ من الحمل على الاستحباب كالرواية الثانية جمعاً.


1) الوسائل 9 : 322 / أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 6.

2) الوسائل 9 : 322 / أبواب زكاة الفطرة ب 2 ح 10 ، التهذيب 4 : 73 و 74 / 204 و 207 ، الاستبصار 2 : 41 / 128 و 131.

3) النجاشي : 29 / 60.

4) معجم رجال الحديث 4 : 55 57.

.................................................................................................


نعم ، قد تأبى هذه الرواية عن ذلك ، للتنافي بين قوله «عليه» وبين قوله : «ليس عليه» ، إلّا أنّه لا مناص من الالتزام بذلك ، للاطمئنان بل التسالم على عدم وجوب الزكاة على الفقير كما عرفت.

الثانية : صحيحة زرارة ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الفقير الذي يتصدّق عليه ، هل عليه صدقة الفطرة؟ «فقال : نعم ، يعطي ممّا يتصدّق به عليه» (1).

وقد ناقش في الجواهر في سندها بل وصفها بالضعيف (2). ولم يعرف وجهه ، اللّهمّ إلّا أن يكون نظره الشريف إلى محمّد بن عيسى المحتمل كونه العبيدي حيث ضعّفه ابن الوليد واستثناه من روايات يونس (3)، ولكن قد تقدّم (4)غير مرّة أنّ الأصحاب قد أنكروا على ابن الوليد وقالوا : مَن مثل العبيدي؟! وكيفما كان ، فلا ينبغي التأمّل في صحّة السند كما ذكرناه.

ولكن الشأن في الدلالة ، فإنّها غير صريحة في الوجوب وقابلة للحمل على الاستحباب جمعاً ، لصراحة ما تقدّم في عدم الوجوب وعدم صراحة هذه فيه ، فإنّ قوله : «نعم» قد فسّره بقوله (عليه السلام) «يعطي» الذي هو أمر بالفعل وبيان لقوله : «نعم» ، فمن الجائز إرادة الاستحباب من هذا الأمر ، فالحمل عليه كما صنعه الشيخ (5)غير بعيد ، إذ لو ضمّ هذا الأمر إلى نفي الوجوب المذكور في الروايتين المتقدّمتين كانت النتيجة بحسب الفهم العرفي هي إرادة الاستحباب.


1) الوسائل 9 : 324 / أبواب زكاة الفطرة ب 3 ح 2.

2) الجواهر 15 : 490.

3) النجاشي : 338 / 904.

4) شرح العروة 21 : 116.

5) التهذيب 4 : 74 ، الاستبصار 2 : 42.

فلا تجب على الفقير وهو مَن لا يملك ذلك وإن كان الأحوط (1)إخراجها إذا كان مالكاً لقوت السنة ، وإن كان عليه دين (1) ، بمعنى : أنّ الدين لا يمنع من وجوب الإخراج ويكفي ملك قوت السنة.

بل الأحوط الإخراج إذا كان مالكاً عين أحد النصب الزكويّة أو قيمتها (2) وإن لم يكفه لقوت سنته.


(1) بل هو الأقوى كما تقدّم في زكاة المال (2)، لعدم الدليل على استثناء الدين في صدق الغنى ، بل المرتكزات العرفيّة على خلافه ، فلو فرضنا متشخّصاً ثريّاً كشيخ العشيرة أو رئيس البلد بل أو الملك ولكن كانت ذمّته مشغولة بحقوق الناس ، ولا أقلّ من ناحية الديات والضمانات بحيث لم تفِ ثروته بأدائها ، أفهل يحتمل صدق الفقير عليه عرفاً نظراً إلى أنّا لو استثنينا مقدار الدين لم يملك قوت سنته؟ كلّا ، بل هو في نظر العُرف من أظهر مصاديق الأغنياء. فيكشف ذلك بوضوح عن عدم اعتبار الاستثناء في الصدق المزبور.

نعم ، لو صرف ما في يده في أداء الدين ولم يكن الباقي وافياً لقوت السنة أصبح فقيراً حينئذٍ ، وأمّا قبل الأداء فهو غني وإن كانت الذمّة مشغولة. وهذا واضح لا ينبغي التأمّل فيه.

(2) لما تقدّم في بحث زكاة المال من تفسير الغنى بذلك (3)، وأنّ العبرة في الفقر والثروة بملك أحد النصب الزكويّة عيناً أو قيمةً ، سواء أكان مالكاً لقوت السنة أم لا ، وقد عرفت أنّه لم يقم عليه أيّ دليل ، عدا ما قد يدّعى من استفادته


1) (*) لا يترك.

2) في ص 266.

3) في ص 5 وما يليها.

بل الأحوط إخراجها إذا زاد على مئونة يومه وليلته صاع (1).


من النبوي الوارد مضمونه في جملة من النصوص من أنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به (1)، حيث يظهر منها دوران الغنى مدار ملك النصاب.

ولكنّه واضح الدفع ، إذ لا تعرّض لها لتفسير الغنى وشرح مفهومه بوجه ، بل أقصى مفادها أنّ الغني تجب عليه الزكاة لا أنّ كلّ من وجبت عليه الزكاة لكونه مالكاً للنصاب كان غنياً لتدلّ على دوران هذا العنوان مدار ملك النصاب ، لعدم كونها بصدد ذلك لا منطوقاً ولا مفهوماً ، لا مطابقةً ولا التزاماً ، بل لا إشعار لها على ذلك فضلاً عن الدلالة كما لا يخفى.

ولو سلّم فإلحاق ملك القيمة بملك أعيان النصب عارٍ عن أيّ دليل ، لاختصاص هذه النصوص بملك نفس الأعيان.

على أنّ هذا التفسير في نفسه غير قابل للتصديق ولا يساعده الارتكاز العرفي بوجه ، إذ لازمه أنّ من ملك العقارات والملايين من الأوراق النقديّة وكان فاقداً للأعيان الزكويّة بناءً على ما هو الصحيح من عدم وجوب الزكاة في الأوراق النقديّة كان فقيراً ، وأمّا من ملك أوّل إحدى النصب فقط التي ربّما لا تفي بمئونة نصف سنته كان غنيّاً ، وهذا كما ترى لا ينبغي الإصغاء إليه ، وكون الاعتبار بالأعمّ من العين والقيمة قد عرفت ما فيه.

(1) لما تقدّم نقله عن ابن الجنيد (2)وإن لم يعرف له أيّ مستند ، بل الإجماع على خلافه كما سبق.


1) الوسائل 9 : 9 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1.

2) حكاه عنه في الحدائق 12 : 261.

[2830] مسألة 1 : لا يعتبر في الوجوب كونه مالكاً مقدار الزكاة زائداً على مئونة السنة ، فتجب وإن لم يكن له الزيادة على الأقوى والأحوط (1).


والمتحصّل من جميع ما مرّ : تفسير الغني بملك قوت السنة له ولعياله فعلاً أو قوّةً ، ولا يكون الدين مانعاً ، فمن كان كذلك وجبت عليه الزكاة وإلّا فلا حسبما عرفت.

(1) لو كان مالكاً لمئونة السنة بلا زيادة شي‌ء ولا نقيصة بحيث لو أدّى الزكاة نقصت المئونة ، فهل تجب الفطرة على مثل هذا الشخص؟

مقتضى الإطلاقات ذلك كما عليه المشهور ، ولكن المنسوب إلى جماعة كالفاضلين والشهيد والمحقّق الثاني (1)اعتبار الزيادة ، فلا وجوب في مفروض الكلام.

ويستدلّ لهم بأنّ الوجوب لو ثبت انقلب الغني فقيراً فينتفي الموضوع ويلزم من الوجوب عدمه ، ولأجله يمتنع شمول الإطلاقات لمثل هذا الفرد.

أقول : يمكن أوّلاً قلب الدعوى وأنّه يلزم من عدم الوجوب الوجوب ، إذ لو لم تشمله الأدلّة ولم يتعلّق به الوجوب كان غنيّاً ، ومتى اتّصف بالغنى تعلّق به الوجوب ، عملاً بإطلاقات الأدلّة ، فيلزم من عدم الشمول الشمول.

وثانياً : بالحلّ ، وهو أنّ الحكم الشرعي أعني : نفس الوجوب لا يستوجب الفقر ، وإنّما الموجب له هو الإعطاء الخارجي ، وإلّا فالموضوع أعني : الغنى باقٍ على حاله قبل التصدّي للإعطاء ، فلم ينشأ الانقلاب المزبور من الوجوب نفسه كي يتوجّه عليه بأنّه يلزم من فرض الوجوب عدمه كما ذكر.

وثالثاً : سلّمنا ذلك أي أنّ الوجوب بنفسه يوجب الفقر إلّا أنّ الغنى


1) الجواهر 15 : 488 وما يليها.

[2831] مسألة 2 : لا يشترط في وجوبها الإسلام ، فتجب على الكافر (1)(1) لكن لا يصحّ أداؤها منه.


المأخوذ في الموضوع إنّما هو الغنى الملحوظ في حدّ نفسه أي الغني مع قطع النظر عن تعلّق الحكم لا حتّى بلحاظه وهو متحقّق في المقام حسب الفرض.

هذا ، وعن المبسوط والدروس التفصيل في المقام بين من كان واجداً لتمام مئونة السنة بالفعل وبين الغنى بالقوّة الذي يستوفي في مئونته يوماً فيوماً كالعامل ، فتجب الفطرة في الأوّل ، لعدم المحذور بعد تحقّق الموضوع ، بخلاف الثاني ، لوجوب الصرف في النفقة ، والمفروض امتناع الجمع ولا دليل على تقديم الفطرة عليها ولا على الاستدانة لها كما لا يخفى (2).

ويندفع بلزوم الاستدانة مقدّمةً لأداء الواجب بعد تحقّق موضوعه ، إلّا إذا كان متعذّراً أو متعسّراً ، فيسقط التكليف حينئذ لهذه العلّة. على أنّه أخصّ من المدّعى لجواز القوت من ناحية أُخرى من عزيمة ونحوها ، فلا يطّرد الفرض.

فتحصّل : أنّ الأقوى ما عليه المشهور من وجوب الفطرة مطلقاً ، عملاً بإطلاقات الأدلّة من غير أيّ محذور فيه حسبما عرفت.

(1) بناءً على المشهور من تكليفه بالفروع كالأُصول ، غايته أنّ أدائها لا يصح منه ، لأنّها عبادة لا يصحّ صدورها من الكافر ، كما أنّها تسقط عنه لو أسلم بعد الهلال كما في زكاة المال وغيرها ، لحديث الجبّ (3)والإجماع ، مضافاً إلى صحيحة معاوية بن عمّار الواردة في المقام ، قال : وسألته عن يهودي أسلم


1) (*) على إشكال فيه بل منع كما في زكاة المال.

2) الجواهر 15 : 491 492.

3) غوالي اللئالي 2 : 54.

.................................................................................................


ليلة الفطر ، عليه فطرة؟ «قال (عليه السلام) : لا» (1).

هذا ، ولكن في وجوب الفطرة على الكافر تأمّل وإشكال كما تقدّم في زكاة المال (2)، أمّا بناءً على عدم تكليف الكفّار بالفروع كما هو الصحيح فظاهر ، وأمّا بناءً على تكليفهم بها فلما تقدّم في مباحث القضاء من كتاب الصلاة (3)من الإشكال الذي تعرّض إليه صاحب المدارك وهو أوّل من تنبّه إليه من امتناع تكليف الكافر بالقضاء وأنّ هذا الفرع مستثنى من بقيّة الفروع ، نظراً إلى أنّ توجيه الخطاب إليه بالأداء ممكن ، لجواز اختياره الإسلام فيصلّي ، فالصلاة مقدورة له وقتئذٍ بالقدرة على مقدّمتها ، فإنّ المقدور بالواسطة مقدور.

وأمّا تكليفه بالقضاء بعد خروج الوقت فمتعذّر بتاتاً ، لخروجها عن تحت القدرة بالكلّيّة ، إذ هي حال الكفر باطلة ، لفقد النيّة المعتبرة في العبادة ، وحال الإسلام ساقطة ، للإجماع ولحديث الجبّ ، فهي غير مقدورة له ولا تصحّ منه في شي‌ء من الأدوار ، إمّا لوجدان المانع أو لفقدان الأمر ، ولأجل ذلك لا يعقل توجيه الخطاب إليه بالقضاء ، لشرطيّة القدرة في متعلّق التكاليف بأسرها.

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بأجوبة لا يرجع شي‌ء منها إلى محصّل كما أشرنا إليها في ذلك المبحث ، وأوعزنا إلى أنّ الإشكال وجيه جدّاً لا مدفع عنه ولا محيص عن الالتزام به.

وعلى ضوء ذلك ينسحب الإشكال إلى المقام أيضاً بمناطٍ واحد ، فيقال بامتناع خطاب الكافر بأداء الفطرة ، لأنّه في حال كفره لا تصح منه ، وإذا أسلم بعد الهلال سقط عنه ، للإجماع وحديث الجبّ وخصوص صحيح معاوية بن


1) الوسائل 9 : 352 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 2.

2) شرح العروة 23 : 119.

3) شرح العروة (كتاب الصلاة 5 / 1) : 115 118.

وإذا أسلم بعد الهلال سقط عنه ، وأمّا المخالف إذا استبصر بعد الهلال فلا تسقط عنه (1).

[2832] مسألة 3 : يعتبر فيها نيّة القربة (2) كما في زكاة المال ، فهي من العبادات ولذا لا تصحّ من الكافر.

[2833] مسألة 4 : يستحبّ للفقير إخراجها أيضاً (3) ، وإن لم يكن عنده إلّا صاع يتصدّق به على عياله ثمّ يتصدّق به على الأجنبي بعد أن ينتهي الدور. ويجوز أن يتصدّق به على واحد منهم أيضاً وإن كان الأولى والأحوط الأجنبي.


عمار كما تقدّم ، فهي منه إمّا باطلة أو ساقطة ، فلم تكن مقدورة.

فتحصّل : أنّ وجوب الفطرة على الكافر حتّى على المسلك المشهور من تكليف الكفّار بالفروع كالأُصول مشكل ، بل محلّ منع ، وعلى المبنى الآخر فالأمر أوضح حسبما عرفت.

(1) لعدم الموجب للسقوط بوجه ، أمّا إذا لم يؤدّها فظاهر ، لعدم ورود دليل يقتضي السقوط بالاستبصار كما ورد مثل ذلك في الإسلام. وأما إذا أدّاها فللنصوص التي تقدّمت في زكاة المال التي تضمّنت تعليل عدم السقوط بأنّه وضعها في غير أهلها (1).

(2) للإجماع ، مضافاً إلى الوجه المتقدّم في زكاة المال (2).

(3) أمّا أصل استحباب الإخراج فللإجماع المدّعى عليه بقسميه كما في


1) في ص 133.

2) في ص 269.

.................................................................................................


الجواهر (1)، مضافاً إلى روايتين معتبرتين ظاهرتين في الوجوب ، المحمولتين على الاستحباب جمعاً كما تقدّم (2).

وأمّا كيفيّته فيما إذا لم يكن لديه إلّا صاع واحد يريد الإخراج عن نفسه وعائلته ، فهي أنّ يتصدّق به عن نفسه على بعض أفراد العائلة ثمّ عنه إلى الآخر وهكذا إلى أن ينتهي الدّور ، ثمّ يردّ إلى المصدّق الأوّل أو إلى غيره من بعض أفراد العائلة كي لا يخرج عنهم ، أو إلى الأجنبي. ولا ينبغي الإشكال في جواز كلّ ذلك ، لصدق التصدّق على الفقير في الجميع.

وإنّما الكلام فيما يستفاد من النصّ الخاصّ الوارد في المقام ، أعني : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل لا يكون عنده شي‌ء من الفطرة إلّا ما يؤدّي عن نفسه وحدها ، أيعطيه غريباً (عنها) أو يأكل هو وعياله؟ «قال : يعطي بعض عياله ، ثم يعطي الآخر عن نفسه ، يتردّدونها فتكون عنهم جميعاً فطرة واحدة» (3).

فعن المدارك : استظهار الردّ إلى المصدّق الأوّل (4).

ولكنّه لا وجه له ، إذ هو إنّما يتّجه لو كان الوارد في الموثّق هكذا : يدور بينهم ، بدل قوله : «يتردّدونها» ، لاقتضاء الدوران تشكيل الدائرة المتوقّف على الردّ إلى المصدّق الأوّل ، لكن الوارد التردّد دون الدوران ، ومعناه : الحركة والانتقال من مكان إلى مكان في مقابل الثبات في محلّ واحد ، وهذا كما يتحقّق بالردّ إلى المصدّق الأوّل يتحقّق أيضاً بالردّ إلى غيره من سائر أفراد العائلة بعد


1) الجواهر 15 : 492.

2) في ص 376.

3) الوسائل 9 : 324 / أبواب زكاة الفطرة ب 3 ح 3.

4) المدارك 5 : 314.

وإن كان فيهم صغير أو مجنون يتولّى الولي له الأخذ له والإعطاء عنه (1) ، وإن كان الأولى والأحوط أن يتملّك الولي لنفسه ثمّ يؤدّي عنهما.


انتهاء الدور أو إلى الأجنبي.

بل لا يبعد استظهار الأخير الذي جعله في المتن أولى وأحوط ، وذلك من أجل قوله (عليه السلام) في ذيل الموثّق : «فتكون عنهم جميعاً فطرة واحدة» إذ الفطرة الواحدة عن الجميع لا تكون إلّا بالدفع بعد انتهاء الدور إلى الأجنبي ، وإلّا فلو لم يخرج عنهم وعاد إليهم فقد أدّى كلّ منهم فطرته ، غايته على سبيل المداورة لا أنّ هناك فطرة واحدة أُدّيت عن الجميع ، بل قد تساوى الكلّ في أداء فطرته ، فصدق ذلك منوط بالخروج عنهم ، ومن ثمّ كان ما جعله في المتن أولى هو الأقوى ، فلاحظ.

(1) ذكر (قدس سره) وجهين لكيفيّة الإخراج فيما إذا كان في العائلة صغير أو مجنون :

أحدهما : أن يتملّك الولي لنفسه ثمّ يؤدّي عنهما فيعطي الزوج مثلاً فطرته لزوجته ، ثمّ تدفعها عن نفسها إلى الزوج الذي هو فقير مثلها ، وبعد أن تملّكها الزوج لنفسه يدفعها إلى الزوجة ثانياً عن ولده الصغير ، لكونه من أفراد عائلته لا لكونه وليّاً عليه.

وهذا الوجه هو الأولى والأحوط كما ذكره في المتن ، لعرائه عن كلّ إشكال.

ولكنّه لا يتمّ على إطلاقه ، وإنّما يستقيم في مثل المثال المذكور دون ما إذا كثر عدد الصغار ، كما هو الغائب الشائع في أرباب العوائل ، إذ بعد التملّك عن زوجته كما ذكر والدفع إليها عن الصغير الأوّل فما هي الحلّيّة بالإضافة إلى

[2834] مسألة 5 : يكره تملّك ما دفعه زكاةً وجوباً أو ندباً ، سواء تملّكه صدقة أو غيرها على ما مرّ في زكاة المال.


الصغير الثاني؟ وكيف يتسلّم المدفوع وقتئذٍ عن الزوجة ثانياً؟ أيتسلّم فطرة ولا فطرة عليها حسب الفرض لسقوطها عنها بالدفع إليه أوّلاً؟ أم يتسلّم هبة وتبرّعاً؟ وهو خلاف ظاهر النصّ من التردّد بين أفراد العائلة بعنوان الفطرة لا بعنوان آخر كما لا يخفى.

ثانيهما : أن يأخذ الولي للصغير ثمّ يعطي عنه.

وقد يستشكل فيه بأنّه بعد أن صار ملكاً للصغير بالأخذ له فكيف يسوغ للولي الإعطاء عنه مع عدم الوجوب عليه؟! فإنّ هذا تصرّف في مال الصغير من غير مراعاة المصلحة والغبطة.

والجواب عنه ظاهر كما ذكره في المسالك (1)، إذ بعد ما عرفت آنفاً من أنّ الغالب في العوائل تشكيلها من الصغار ، بل لعلّ عددهم يكون في الأغلب أكثر من الكبار ، فإذا كان هذا أمراً عاديّاً والإمام (عليه السلام) في مقام بيان طريق يوصل إلى الإعطاء عن الجميع فنفس هذا إجازة من صاحب الشرع والمولى الحقيقي في الأخذ للصغير والإعطاء عنه ، إذ فرض أنّ العيال بأجمعهم كبار نادر الوجود قليل الاتّفاق ، فنفس هذه الرواية وافية بالإذن والإجازة ، والتشكيك في إطلاقها ممّا لا ينبغي الإصغاء إليه حسبما عرفت.


1) المسالك 1 : 445.

[2835] مسألة 6 : المدار في وجوب الفطرة إدراك غروب ليلة العيد (1)جامعاً للشرائط (1) ، فلو جنّ أو أُغمي عليه أو صار فقيراً قبل الغروب ولو بلحظة بل أو مقارناً للغروب لم تجب عليه. كما أنّه لو اجتمعت الشرائط بعد فقدها قبله أو مقارناً له وجبت ، كما لو بلغ الصبي ، أو زال جنونه ولو الأدواري ، أو أفاق من الإغماء ، أو ملك ما يصير به غنيّاً ، أو تحرّر وصار غنيّاً ، أو أسلم الكافر ، فإنّها تجب عليهم.


(1) فلو كان واحداً قبل الغروب فاقداً عنده لم تجب ، ولو انعكس الأمر وجبت.

هذا هو المعروف والمشهور بينهم ، بل ادّعى عليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر (2). فإن تمّ الإجماع فلا كلام ، وإلّا فللمناقشة فيه مجال واسع ، إذ لم يرد في المقام نصّ يدلّ عليه بحيث يشمل عامّة الشرائط.

فإنّ ما يستدلّ لذلك روايتان :

إحداهما : ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر «قال : ليس عليهم فطرة ، وليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» (3).


1) (*) فيه إشكال ، بل الظاهر وجوبها إذا كان جامعاً للشرائط ولو بعد الغروب إلى آخر وقتها. نعم ، لا تجب عن المولود بعد انقضاء الشهر ولا على من أسلم بعده.

2) الجواهر 15 : 494.

3) الوسائل 9 : 352 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 1 ، الفقيه 2 : 116 / 500.

.................................................................................................


فذكروا أنّها وإن وردت في شرط الحياة والإسلام إلّا أنّ ذيلها يكشف عن التعدّي إلى عامّة الشرائط وأنّ المناط إدراك الشهر جامعاً لشرائط الوجوب.

ولكنّها مخدوشة سنداً ودلالةً :

أمّا السند : فضعيف وإن عبّر عنها بالصحيحة أو الموثّقة في بعض الكلمات ، أمّا أوّلاً : فبعلي بن أبي حمزة البطائني ، وما في الوسائل من ضبط : علي بن حمزة (1)، غلط ، والصحيح ما أثبتناه ، وهذا الرجل كذّاب وضّاع كما نصّ عليه الشيخ (2)، قد وضع عدّة أحاديث تضمّنت أنّ موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يمت ، كي لا يعطي شيئاً من أمواله إلى الرضا (صلوات اللّه عليه).

وثانياً : بمحمّد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق ، فإنّه لم يرد فيه أيّ توثيق ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ مجرّد الشيخوخة لا تقتضي الوثاقة سيّما في مشايخ الصدوق الذين فيهم البرّ والفاجر والناصب لأهل البيت (عليهم السلام) حتّى اعترف الصدوق (قدس سره) بنفسه في حقّ بعضهم بأنّي لم أر أنصب منه.

وأمّا الدلالة ففيها أوّلاً : أنّ موردها المولود ومن يلحق به ، أعني : من هداه اللّه من الكفر إلى الإسلام ، الذي هو بمثابة الخروج من كتم العدم إلى الوجود ، فهي ناظرة إلى من تولّد في هذه الليلة إمّا حقيقةً أو حكماً ، باعتبار أنّ الإسلام هي الحياة الصحيحة المتضمّنة للسعادة الأبديّة ، والكفر في حكم الموت. إذن لا إطلاق في الذيل بالإضافة إلى سائر الشرائط ، لجواز أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) : «وليس الفطرة إلّا على من أدرك الشهر» أي من أدرك الشهر حيّاً بالحياة الحقيقيّة والحكميّة ، فلا نظر فيها إلى سائر الشرائط بوجه لتدلّ على


1) في الوسائل المحقّق جديداً : علي بن أبي حمزة.

2) الغيبة : 55 / 48.

.................................................................................................


لزوم استجماعها ، فلا موجب للتعدّي عن ذينك الموردين أبداً.

وثانياً : سلّمنا الدلالة على العموم ، بل فلنفرض التصريح به ، إلّا أنّ مفادها لا ينطبق على مقالة المشهور ، إذ قد جعل الاعتبار فيها بإدراك الشهر أي شهر رمضان ومعنى ذلك : استجماع الشرائط ولو آناً ما في جزء من الشهر مستمرّة إلى أن يهلّ الهلال ، كي يتحقّق بذلك الإدراك ، فلو لم تجتمع كذلك لم ينفع وإن تحقّقت مقارناً للغروب وفي أوّل جزء منه ، لعدم صدق إدراك الشهر عندئذٍ كما عرفت ، مع أنّ المشهور يجعلون الاعتبار الشرائط مقارناً للغروب ، ولا يعتبرون تحقّقها في الشهر كما نصّ عليه الماتن وغيره.

ومنه تعرف أنّ هذه الرواية غير قابلة للاعتماد حتّى على مسلك انجبار الضعف بالعمل ، لعدم كون العمل على طبق مفادها ، فهي لا تصلح للاستدلال بها بوجه.

الثانية : صحيحة معاوية بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود وُلِد ليلة الفطر ، عليه فطرة؟ «قال : لا ، قد خرج الشهر» وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر ، عليه فطرة؟ «قال : لا» (1).

وهي أيضاً قاصرة الدلالة وإن صحّ سندها ، أوّلاً : من أجل اختصاصها بالموردين أعني : شرطيّة الحياة والإسلام جزماً إذ لم تكن مذيّلة بمثل ما في السابقة ليتوهّم التعدّي ، فلا إطلاق لها بالإضافة إلى سائر الشرائط من الغنى والبلوغ والعقل ونحوهما.

وثانياً : سلّمنا الإطلاق ، ولكن مفادها لا ينطبق على مقالة المشهور حسبما عرفت آنفاً.


1) الوسائل 9 : 352 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 2.

ولو كان البلوغ أو العقل أو الإسلام مثلاً بعد الغروب لم تجب. نعم يستحبّ إخراجها إذا كان ذلك بعد الغروب إلى ما قبل الزوال من يوم العيد (1).


والمتحصّل من جميع ما تقدّم عدم نهوض دليل يدلّ على لزوم استجماع الشرائط لدى الغروب من ليلة العيد ، فإن تمّ الإجماع على ذلك ، وإلّا كفى حصولها بعد الغروب حلول الليل ، بل إلى ما قبل صلاة العيد ، عملاً بالإطلاقات فيما عدا شرط الحياة والإسلام ، فإنّ اللّازم حصولهما لدى الغروب بل قبله ولو بجزء يسير بمقدار إدراك الشهر على ما نطقت به صحيحة معاوية بن عمّار.

(1) للأمر به المحمول على الاستحباب جمعاً فيما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة «قال : تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة» (1)، المراد بها صلاة العيد كما في الوسائل.

وكذا في مرسلة الشيخ ، قال : قد روي أنّه «إن ولد له قبل الزوال يخرج عنه الفطرة ، وكذلك من أسلم قبل الزوال» (2).

نعم ، الروايتان ضعيفتان ، أمّا الثانية فظاهر ، وأمّا الاولى فلضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم ، لمكان شيخه علي بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي ولم يوثّق ، وكذا والده أحمد المحتمل كونه شيخ الكليني. ولكن الحمل على الاستحباب لم يكن به بأس.


1) الوسائل 9 : 329 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 6 ، الفقيه 2 : 118 / 511.

2) الوسائل 9 : 353 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 3 ، التهذيب 4 : 72 / 198.

فصل فيمَن تجب عنه

يجب إخراجها بعد تحقّق شرائطها عن نفسه وعن كلّ من يعوله حين دخول ليلة الفطر (1)، من غير فرق بين واجب النفقة عليه وغيره ، والصغير والكبير ، والحرّ والمملوك ، والمسلم والكافر ، والأرحام وغيرهم ، حتّى المحبوس عنده.


(1) بلا خلاف فيه ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وفي الجواهر الإجماع عليه بقسميه (2).

وتشهد له جملة وافرة من النصوص وبعضها واضحة سنداً ودلالةً :

منها : ما رواه الصدوق في الصحيح عن صفوان الجمّال ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة «فقال : عن الصغير والكبير والحرّ والعبد ، عن كلّ إنسان منهم صاع» (3).

وصحيحة عمر بن يزيد ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطرة ، يؤدّي عنه الفطرة؟ «فقال : نعم ، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أُنثى ، صغير أو كبير ، حرّ أو


1) (*) بل بعد دخولها أيضاً على ما تقدّم.

2) الجواهر 15 : 494.

3) الوسائل 9 : 327 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 1 ، الفقيه 2 : 114 / 491.

ولو على وجه محرّم (1).


مملوك» (1)، ونحوها غيرها.

وهذه الأخيرة قد رواها الشيخ بطريق صحيح ، وكذا الصدوق ، فإنّ طريقه إلى ابن محبوب صحيح أيضاً على الأظهر ، إذ ليس فيه من يغمز فيه عدا شيخه محمّد بن موسى المتوكّل ، فإنّه لم يوثّق في كتب الرجال ، ولكن السيّد ابن طاوس يذكر رواية في كتاب فلاح السائل يدّعي الاتّفاق على وثاقة رواته (2)، وفي ضمنهم هذا الرجل. وكذا علي بن إبراهيم.

وعلى أيّ حال ، فلا إشكال في صحّة السند ولا أقلّ بطريق الشيخ ، فالحكم المزبور ، أعني : وجوب الإخراج لدى تحقّق الشرائط عن كلّ من يعوله الإنسان أيّاً من كان ، وأنّ العيلولة أي من يكفيه مئونته ومعاشه بعنوانها مناط الوجوب ، ممّا لا كلام فيه ، لتطابق النصّ والفتوى عليه حسبما عرفت.

وإنّما الكلام يقع في جهات :

(1) الجهة الأُولى : هل العيلولة تختصّ بالعيلولة السائغة أم تعمّ المحرّمة أيضاً كالمحبوس عنده ظلماً ، وكما يتّفق في أهل القرى والبوادي من الاستيلاء على امرأة وضمّها إليه من غير أن يعقد عليها إلّا بعد سنين وربّما يولد له منها أولاد فيعقد عليها وعلى زوجة لولدها في مجلس واحد؟

الظاهر عدم الفرق بينهما ، لإطلاق النصّ والفتوى بعد صدق العيلولة عليهما عرفاً بمناط واحد كما صرّح به غير واحد.


1) الوسائل 9 : 327 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 2 ، الفقيه 2 : 116 / 497 ، التهذيب 4 : 72 و 332 / 196 و 1041.

2) فلاح السائل : 284.

وكذا تجب عن الضيف (1) بشرط صدق كونه عيالاً له وإن نزل عليه في آخر يوم من رمضان ، بل وإن لم يأكل عنده شيئاً ، لكن بالشرط المذكور ، وهو صدق العيلولة عليه عند دخول ليلة الفطر بأن يكون بانياً على البقاء (1)عنده مدّة ، ومع عدم الصدق تجب على نفسه ، لكن الأحوط أن يخرج صاحب المنزل عنه أيضاً ، حيث إنّ بعض العلماء اكتفى في الوجوب عليه مجرّد صدق اسم الضيف ، وبعضهم اعتبر كونه عنده تمام الشهر ، وبعضهم : العشر الأواخر ، وبعضهم : اللّيلتين الأخيرتين ، فمراعاة الاحتياط أولى.


(1) الجهة الثانية : لا إشكال في وجوب الإخراج عن الضيف كما نطق به صحيح ابن يزيد المتقدّم ، وإنّما الكلام في تحديده وبيان المراد من الضيافة المجعولة موضوعاً لهذا الحكم.

فعن جماعة منهم الشهيد الثاني والمحقّق في المعتبر (2)الاكتفاء بصدق اسم الضيف المتحقّق بنزوله في آخر جزء من الشهر بحيث يهلّ الهلال وهو في ضيافته ، واختاره صاحب الجواهر (3)، بل قد صرّح الشهيد الثاني بكفاية مجرّد الصدق وإن لم يأكل عنده.

وعن جماعة آخرين : اعتبار صدق العيلولة عرفاً ، فلا تكفي الضيافة بمجرّدها ما لم تقترن بالصدق المزبور ، واختار هذا القول السيّد الماتن (قدس سره).

وعن الشيخ والسيّد المرتضى : اشتراط الضيافة طول الشهر (4).


1) (*) الظاهر أنّ صدق العيلولة لا يتوقّف عليه.

2) المسالك 1 : 445 ، المعتبر 2 : 603 604.

3) الجواهر 15 : 497.

4) الخلاف 2 : 133 ، الانتصار : 228.

.................................................................................................


واكتفى الشيخ المفيد بالنصف الأخير (1).

وعن جماعة الاكتفاء بالعشر الأخيرة.

وعن ابن إدريس : الاجتزاء بالليلتين الأخيرتين من الشهر (2).

وعن المنتهي والتذكرة : الاكتفاء بالليلة الأخيرة.

وعن الوسيلة ونهاية الشيخ : الاكتفاء بمسمّى الإفطار في الشهر (3).

ولا يخفى أنّ ما عدا القولين الأولين غير ظاهر الوجه ، إذ لم نجد لها أيّ مستند ، والعمدة إنّما هما القولان الأوّلان المبنيّان على الاختلاف في كيفيّة الاستظهار من صحيح ابن يزيد المتقدّم.

فصاحب الجواهر يستظهر أنّ قوله : «نعم» هو تمام الجواب عن سؤال فطرة الضيف ، الذي مقتضاه أنّ مجرّد الضيافة بعنوانها موضوع مستقلّ لأداء الفطرة وأنّ قوله (عليه السلام) بعد ذلك «الفطرة واجبة» جملة مستأنفة قد تفضّل بها الإمام (عليه السلام) لبيان موضوع آخر لأداء الفطرة ، وهو عنوان العيلولة ، فكلّ من العنوانين الضيافة والعيلولة موضوع مستقلّ لأداء الفطرة لا يناط شي‌ء منهما بالآخر.

ولكنّك خبير بما في هذا الاستظهار ، إذ عليه كان الأحرى والأوفق بقواعد الأدب تصدير الجملة المزبورة بواو الاستئناف كما لا يخفى ، وإذ لم تصدّر فظاهرها أنّها في مقام التعليل ، لقوله (عليه السلام) : «نعم» ، ومسوقة لبيان كبرى كلّيّة تنطبق على الصغرى المذكورة في السؤال ، وتكون النتيجة : أنّ وجوب الإخراج عن الضيف إنّما هو لكونه من مصاديق هذه الكلّيّة أعني : وجوب الإخراج


1) المقنعة : 265.

2) السرائر 1 : 466.

3) النهاية : 189.

.................................................................................................


عن كلّ من يعول ولازم ذلك أنّ الضيافة بعنوانها لا موضوعيّة لها وإنّما يجب الإخراج عن الضيف لكونه ممّن يعول وجزءاً من أفراد عائلة المضيف ، يتكفّل مئونته ومعاشه ويقوم بشؤونه كسائر من يضمّ إليه من عائلته ، فلو تجرّد الضيف عن هذا العنوان كما لو نزل ليلاً وبات وخرج صباحاً من غير أن يتكلّف المضيف شيئاً ما عدا منامه لم يجب الإخراج عنه.

واعتراض صاحب الجواهر (قدس سره) بعدم صدق العيال على الضيف بقولٍ مطلق ، بل مقيّداً بوقت خاصّ من الشهر أو نصفه أو ليلة ونحوها (1)ممّا لا محصّل له ، فإنّه اعتراف منه بالصدق المؤقّت ، ولا ريب أنّ الاعتبار في الإخراج بصدق العيال أو صدق من يعوله في خصوص ليلة العيد ، لا من كان يعوله سابقاً أو سيعوله لاحقاً ، فليس الموضوع إلّا الصدق المؤقّت المتقيّد بهذه الحالة دون المطلق الشامل لما مضى أو ما سيأتي ، إذ لا أثر للعيلولة السابقة ولا اللّاحقة ، وإنّما العبرة بالحالة الفعليّة ، وهو صادق في المقام حسب اعترافه (قدس سره) ، فيصدق على الضيف أنّه عيال له أو ممّن يعوله في هذه الليلة وإن لم يصدق العيال عليه بقولٍ مطلق ، فتدبّر جيّداً.

وعلى الجملة : عال زيد فلاناً ، أي كفاه مئونته ومعاشه ، ومعلوم أنّ الضيف كذلك ، فإنّ ربّ البيت هو المتكفّل لذلك ، فيكفيه أُموره من مأكله ومشربه ومنامه وسائر ما يحتاج إليه ، فهو عنده تحت نظره ورعايته ، والظاهر من الرواية أنّ المناط في الوجوب كونه عيالاً له في هذا اليوم ، ولذا يقول : «فيحضر يوم الفطر» ، إذ من الضروري عدم وجوب الفطرة عمّن كان عيالاً سابقاً أو سيصير عيالاً لاحقاً ، وإنّما العبرة بالتلبّس الفعلي بالعيلولة ، وهو يوم الفطر أو ليلته كما ستعرف وهو صادق على الضيف الموجود في هذا الوقت ، فإنّه أيضاً


1) الجواهر 15 : 496.

وأمّا الضيف النازل بعد دخول الليلة (1) فلا تجب الزّكاة عنه (1)وإن كان مدعوّاً قبل ذلك.


متلبّس فعلاً بعنوان العيال في هذا الحال حسبما عرفت.

وقد تحصّل : أنّ الأظهر أنّ الضيافة بعنوانها لا خصوصيّة لها ، فلو تجرّدت عن العيلولة كما لو كان ضيفاً في مجرّد البيتوتة ، بحيث إنّ ربّ المنزل لم يكن مسؤولاً عن أيّ شي‌ء يرجع إليه ما عدا منامه لم تجب الفطرة عنه ، وإنّما تجب بشرط صدق كونه عيالاً كما اختاره في المتن ، فهذا القول هو الأقوى.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده في المتن من التقييد بكونه بانياً على البقاء مدّة ، بلا ملزم ، لعدم توقّف صدق العيلولة على ذلك ، فلو فرضنا أنّه يزور يوم العيد وبعده يخرج ، ولكن بما أنّ ذلك النزول كلفته ومئونته على ربّ البيت وفي كفايته يصدق عرفاً أنّه ممّن يعوله في هذا اليوم فلا يلزم أن يكون ناوياً بقاء شهر أو شهرين مثلا.

كما أنّه يظهر أيضاً عدم وجوب الفطرة عن المدعوّين للإفطار في آخر شهر رمضان أو في ليلة العيد ، لعدم دخولهم في عنوان العيال وإن جاءوا قبل الغروب ، إذ ليسوا هم بضيوف بهذا المعنى ، أي في كفاية ربّ البيت ورعايته بل مجرّد أكل وخروج ، مثل : أن يدخل شخص فيشرب ويخرج فإنّه لا يصدق عليه أنّه ممّن يعوله وإن صدق عليه الضيف بمفهومه الواسع.

(1) الجهة الثالثة : إذا نزل الضيف بعد الغروب فهل يجب الإخراج عنه؟

المشهور : العدم وإن كان مدعوّاً قبل ذلك ، بناءً منهم على ما تقدّم من لزوم استجماع الشرائط مقارناً للغروب ، ولكن عرفت أنّ هذا لا دليل عليه أصلاً ،


1) هذا فيما إذا لم يصدق عليه العيلولة ، وإلّا وجبت الزكاة عنه.

[2836] مسألة 1 : إذا ولد له ولد أو ملك مملوكاً أو تزوّج بامرأة قبل الغروب من ليلة الفطر أو مقارناً له (1)وجبت الفطرة عنه (1) إذا كان عيالاً له ، وكذا غير المذكورين ممّن يكون عيالاً ، وإن كان بعده لم تجب.


بل الذي يظهر من نفس هذه الرواية أعني : صحيحة عمر بن يزيد أنّ الاعتبار بالعيلولة يوم العيد ، لقوله : «فيحضر يوم الفطرة» ، سواء أنزل قبل الغروب أم بعده. وكذلك الحال في الزوجة والعبد ، فلو تزوّج بعد الغروب أو اشترى عبداً ليلة العيد وجاء بهما إلى المنزل وجب الإخراج عنهما ، ولا يلزم أن يكون ذلك عند الغروب أو آناً ما قبله مستمرّاً إلى ما بعده.

(1) قد اتّضح حكم هذه المسألة ممّا قدمناه ، ومحصّله : أنّ المولود إنّما يجب الإخراج عنه إذا أدرك الشهر ، أي تولّد قبل أن يهلّ هلال شوّال ، وكذا الحال في الكافر الذي أسلم ، للتصريح بهما في صحيح معاوية بن عمّار ، فبعده لا يجب.

وأمّا غيرهما من الزوجة والمملوك والخادم ونحوها ممّن يعيل عليه : فإن اعتبرنا استجماع الشرائط عند الغروب كما اختاره الماتن تبعاً للمشهور فضلاً عمّا لو اعتبرنا استجماعها قبل الغروب مستمرّة إلى آنٍ يهلّ الهلال كما نصّ عليه المحقق في المعتبر واختاره في الجواهر (2)فلا يجب الإخراج فيما لو أعال عليهم بعد الغروب.

وأمّا لو أنكرنا ذلك كلّه كما هو الصحيح ، لعدم وفاء الأدلّة بإثباته حسبما مرّ فالعبرة حينئذٍ بحصول العيلولة في وقت الوجوب الذي مبدؤه من الغروب ومنتهاه إلى صلاة العيد أو ما قبل الزوال كما سيجي‌ء إن شاء تعالى ، عملاً


1) (*) بل بعده أيضاً على ما تقدّم في غير الولد.

2) المعتبر 2 : 604 ، الجواهر 15 : 499 501.

نعم ، يستحبّ الإخراج (1) عنه إذا كان ذلك بعده وقبل الزوال من يوم الفطر.

[2837] مسألة 2 : كلّ مَن وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه (2)


بالإطلاقات السليمة عمّا يصلح للتقييد ، ففي أيّ جزء من هذا الوقت أعال عليهم وجب الإخراج عنهم.

هذا كلّه في غير الضيف ، وأمّا هو فإن اعتبرنا الإخراج عنه بمناط كونه من العيال كما هو الصحيح فحكمه ما عرفت.

وإن اعتبرناه بحياله مستقلا وكان الحكم فيه تعبّديّاً لا بمناط العيلولة كان اللّازم حينئذٍ الاقتصار على مقدار دلالة الدليل ، والمستفاد منه وهو صحيح عمر بن يزيد المتقدّم اعتبار نزول الضيف عنده في جزء من الشهر وبقائه إلى أن يحضر يوم الفطرة ، فلو كان النزول بعده أو الخروج قبله لم يجب.

ولا تعارضه مرسلة الشيخ في الخلاف ، قال : روى أصحابنا : «أنّ من أضاف إنساناً طول شهر رمضان وتكفّل بعيولته لزمته فطرته» (1).

لعدم حجّيّة المرسل ، مع أنّا لم نجد هذه الرواية في شي‌ء من كتب الشيخ لا الحديثيّة ولا الاستدلاليّة ، ولو كان لها أصل لنقلها هو بنفسه ولا أقلّ في واحد من كتبه.

(1) كما تقدّم (2).

(2) لظهور الأدلّة ، مثل قوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان : «كلّ من ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه» (3).


1) الوسائل 9 : 332 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 17 ، الخلاف 2 : 133.

2) في ص 390.

3) الوسائل 9 : 329 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 8.

وإن كان غنيّاً وكانت واجبة عليه لو انفرد ، وكذا لو كان عيالاً لشخص ثمّ صار وقت الخطاب عيالاً لغيره. ولا فرق في السقوط عن نفسه بين أن يخرج عنه من وجبت عليه أو تركه عصياناً أو نسياناً ، لكن الأحوط (1)الإخراج عن نفسه حينئذٍ. نعم ، لو كان المعيل فقيراً والعيال غنيّاً فالأقوى وجوبها على نفسه.


وقوله في موثّق إسحاق : «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأُمّك وولدك» (2).

وقوله (عليه السلام) في صحيح ابن يزيد : «الفطرة واجبة على كلّ مَن يعول» (3).

في تعلّق الوجوب بنفس المعيل ، وأنّها فطرة واحدة ثابتة في عهدته وهو المسئول عنها دون غيره على نحو تكون مخصّصة لعموم وجوب الفطرة على كلّ أحد ، فلا وجوب على العيال بتاتاً.

وبعبارة اخرى : الظاهر من الصحيح الأخير ونحوه أنّه (عليه السلام) بصدد بيان مَن تجب عليه الفطرة ، لكون السؤال عن ذلك ، لا بيان وجوب آخر زائداً على الفطرة التي تجب على نفس العيال ، فإذا وجبت على المعيل فطبعاً تسقط عن غيره.

نعم ، يبقى الكلام في جهتين :

الاولى : هل السقوط عن العيال منوط بإخراج المعيل ، فلو لم يخرج عصياناً أو نسياناً لم يسقط عنه ، أم أنّه مطلق من هذه الجهة؟


1) (*) لا يترك الاحتياط في فرض النسيان ونحوه ممّا يسقط معه التكليف واقعاً.

2) الوسائل 9 : 328 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 4.

3) الوسائل 9 : 327 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 2.

.................................................................................................


الثانية : لو سقط الوجوب عن المعيل لكونه فقيراً فهل يجب على العيال إذا كان غنيّاً؟

أمّا الجهة الاولى : فلا ريب أنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على تعلّق التكليف بالمعيل هو السقوط عن المعال عنه ، سواء أدّاه المعيل خارجاً أم لا ، لاحتياج الوجوب على المعال عنه في صورة عدم الأداء إلى الدليل ولا دليل.

فإنّ دعوى الوجوب في حقّه حينئذٍ متوقّفة على أحد أمرين :

إمّا أن يقال : بأنّ التكليف متوجّه إلى العيال نفسه ، والمعيل موظّف بتفريغ الذمّة وإسقاط الوجوب بدفع الفطرة الثابتة في عهدة العائلة ، فإذا عصى وجب عليهم تفريغ ذمّتهم.

وقد قرّبنا مثل ذلك في دية الخطأ وقلنا : إنّ الدية واجبة على نفس القاتل ولو خطأً ، لقوله تعالى ( وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ) (1)، فهو المشغول ذمّته بها ابتداءً ، ولكن العاقلة مكلّفون بتفريغ ذمّته فلو عصوا وجب على القاتل نفسه ، وبذلك فرّقنا بين القتل الخطئي والعمد شبيه الخطأ ، وأنّ الدية ثابتة على القاتل في كلا الموردين إلّا أنّ العاقلة مكلّفون بالتفريغ في الأوّل دون الثاني.

هكذا اخترنا هناك ، لقيام الدليل عليه حسبما أوضحناه في محلّه (2).

وأمّا في المقام فلم يدلّ على ذلك أيّ دليل ، بل مقتضى الأدلّة حسبما عرفت تعلّق التكليف بنفس المعيل ابتداءً كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) : «نعم ، الفطرة واجبة على كلّ من يعول» ، فنفس الفطرة واجبة عليه لا أنّه يجب عليه تفريغ ذمّة الغير ، فإنّ هذا خلاف الظاهر جدّاً ، ولا سيّما وقد ذكر في غير واحد من النصوص جملة ممّن لا تجب الفطرة عليه جزماً كالصبي والمجنون ، فكيف


1) النِّساء 4 : 92.

2) شرح العروة (مباني تكملة المنهاج 2) : 197 و 449.

.................................................................................................


يمكن أن يقال : إنّ التكليف متوجّه بتفريغ ذمّة الغير؟!

أو يقال : بأنّ مقتضى الجمع بين ما دلّ على وجوب الزكاة على كلّ مكلّفٍ ، وما دلّ على وجوبها على المعيل هو الالتزام بالوجوب الكفائي الذي نتيجته أنّ المعيل لو أدّى سقط عن المعال عنه ، وإلّا وجب على المعال نفسه.

وهذا أيضاً كما ترى ، فإنّه وإن كان أمراً ممكناً في نفسه إلّا أنّه لا دليل عليه في مقام الإثبات بوجه ، بل الدليل على خلافه ، فإنّ مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح ابن يزيد المتقدّم : «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» أنّ الضيف لو أدّى فطرته بنفسه لم يسقط الوجوب عن المعيل ، ضرورة أنّ مقتضى إطلاق الوجوب كونه عينيّاً لا كفائيّاً ، فتكون هذه الصحيحة مخصّصة لما دلّ على وجوب الفطرة عل كلّ مكلّف ، أي إلّا إذا كان عيالاً لغيره.

والحاصل : أنّ مقتضى الوجوب الكفائي هو السقوط عن المعيل بأداء العيال ، وهو خلاف الإطلاق ولم يلتزم به الفقهاء أيضاً ، فإذا كان الوجوب عينيّاً ومخصّصاً لإطلاقات الفطرة على كلّ مكلّف فعصيان المعيل وعدمه سيّان في عدم التعلّق بالعيال على أيّ حال حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا كان المعيل مكلّفاً بالإخراج ولو واقعاً ولم يؤدّ خارجاً إمّا لعصيان أو جهل لم يُعذَر فيه.

وأمّا إذا لم يتعلّق به التكليف حتّى في صقع الواقع ، كما في الناسي أو الغافل أو الجاهل المركّب المعتقد للخلاف ، مثل : ما لو اعتقد أنّ هذا اليوم من شهر رمضان ولم يكن يوم العيد فكان عدم الأداء مستنداً إلى انتفاء التكليف دون العصيان أو التقصير ، فهل يجب الإخراج حينئذٍ على المعال عنه أم لا؟

صريح عبارة الماتن هو الثاني ، لعطفه النسيان على العصيان ، وهو وجيه ، بناءً على القول بأنّ زكاة الفطرة كزكاة المال حقّ مالي متعلّق بالعين ، على الخلاف في

.................................................................................................


كيفيّة التعلّق وأنّ الذمّة مشغولة بأدائها كالدين ، فالمجعول في موردها حكم وضعي ثابت في الذمّة لا بدّ من الخروج عن عهدتها من غير أن يكون منوطاً بثبوت التكليف وعدمه ، كما هو الحال في سائر موارد الأحكام الوضعيّة من الضمانات ونحوها. وعليه ، فرفع التكليف الواقعي بحديث رفع النسيان لا يقدح في اشتغال ذمّة المعيل ، فهو مشمول لدليل الإخراج عن العيال وإن لم يتضمّن التكليف ، ومعه لا تكليف بالإضافة إلى العيال ، لمكان التخصيص حسبما عرفت.

وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الفطرة مجرّد حقّ إلهي والمجعول في موردها حكم تكليفي محض من غير أن يتضمّن الوضع بوجه ومن غير أن تكون الذمّة مشغولة بشي‌ء ولا مدينة للفقراء ، فبما أنّ هذا التكليف مرفوع حتّى واقعاً كما هو المفروض فلم يكن ثمّة وجوب في حقّ المعيل كي يكون مسقطاً عن المعال عنه ومخصّصاً لعموم وجوب الفطرة على كلّ مكلّف. إذن فتبقى العمومات الشاملة للمعال عنه كسائر آحاد المكلّفين على حالها ، لسلامتها عندئذٍ عن المخصّص ، فيحكم بمقتضاها بوجوب الفطرة عليهم.

فتحصّل : أنّه ينبغي التفصيل في السقوط عن العيال لدى عدم الإخراج بين تعلّق التكليف بالمعيل وعدمه ، وعلى الثاني بين كون الفطرة حقّا ماليّاً أم حكماً تكليفيّاً ، فيسقط على الأولين دون الأخير حسبما عرفت.

وممّا ذكرناه يظهر الحال في :

الجهة الثانية ، وهي أنّ المعيل إذا كان فقيراً فسقط الوجوب عنه لم يكن حينئذٍ أيّ موجب للسقوط عن العيال إذا كان غنيّاً ، لشمول العمومات له بعد سلامتها عن المخصّص ، إذ ليس المخصّص لها عدا تعلّق الوجوب بالمعيل ، وإذا سقط لأجل الفقر فلا مخصّص ، ومعه كانت عمومات الفطرة محكمة ولا مجال بعد هذا للرجوع إلى أصالة البراءة كما قيل بذلك في الزوجة الموسرة إذا كان زوجها معسراً ، إذ لا موضوع للأصل بعد وجود العموم اللفظي المقتصر في

ولو تكلّف المعيل الفقير بالإخراج (1) على الأقوى ، وإن كان السقوط حينئذٍ لا يخلو عن وجه.

[2838] مسألة 3 : تجب الفطرة عن الزوجة سواء كانت دائمة أو متعة مع العيلولة لهما ، من غير فرق بين وجوب النفقة عليه أو لا ، لنشوز أو نحوه (2). وكذا المملوك وإن لم تجب نفقته عليه ، وأمّا مع عدم العيلولة فالأقوى عدم الوجوب عليه وإن كانوا من واجبي النفقة عليه ، وإن كان الأحوط الإخراج خصوصاً مع وجوب نفقتهم عليه. وحينئذٍ ففطرة الزوجة على نفسها إذا كانت غنيّة ولم يعلها الزوج ولا غير الزوج أيضاً ، وأمّا إن عالها أو عال المملوك غير الزوج والمولى فالفطرة عليه مع غناه.


تخصيصه على صورة استجماع شرائط الوجوب في المعيل كما هو واضح.

(1) استحباباً لو قلنا به حتّى عن عياله الغني ، ولم نناقش فيه باختصاص الدليل بصورة فقره وفقر عائلته ، وكيف ما كان فلو تكلّف بالإخراج استحباباً أو رجاءً لم يكن مجزئاً عن العيال بعد فرض غناه وتوجيه الخطاب إليه ، فإنّ إطلاقه يقتضي عدم السقوط عنه بفعل الغير.

نعم ، له وجه كما أشار إليه في المتن ، نظراً إلى أنّه بعد فرض الاستحباب في حقّ المعيل وقيامه بالإخراج يحتمل السقوط حينئذٍ عن العيال ، ولكنّه مدفوع بإطلاق الدليل وعدم كونه مشروطاً بعدم أداء المعيل حسبما عرفت.

(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، فإنّ العبرة بصدق العيال لا بوجوب الإنفاق ، كما يشهد به إطلاق الأخبار ، بل في بعضها التصريح بالفطرة عن رقيق المرأة ، ونحو ذلك ممّن لا يجب الإنفاق عليه قطعا.

إنّما الكلام مع عدم العيلولة ، فهل الزوجيّة بعنوانها وكذا المملوكيّة

.................................................................................................


تستوجب الإخراج مطلقاً كما عن جماعة؟ أو بشرط وجوب الإنفاق كما نسب إلى المشهور؟ أو لا يجب مطلقاً؟

ربّما يستدلّ للوجوب بروايتين معتبرتين :

الاولى : معتبرة عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلّا أنّه يتكلّف له نفقته وكسوته ، أتكون عليه فطرته؟ «فقال (عليه السلام) : لا ، إنّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه. وقال : العيال : الولد والمملوك والزوجة وأُمّ الولد» (1).

ولكنّها كما ترى قاصرة الدلالة لا على التفصيل ، لعدم التقييد فيها بوجوب الإنفاق كما هو ظاهر ، ولا على القول المطلق ، لأنّه (عليه السلام) في مقام بيان المائز بين من يجب الإنفاق عليه وهي الزوجة والمملوك ونحوهما ومن لا يجب وهو الأجنبي الذي يتكلّف له نفقته من غير أن يكون عيالاً له لا في مقام تفسير مفهوم العيال تعبّداً كي تدلّ على أنّ الزوجة بعنوانها مصداق تعبّدي لهذه الكبرى يجب الإخراج عنها ، وجبت نفقتها أم لا ، كان عائلاً لها خارجاً أي تحت رعايته ومتكفّلاً لشؤونها أم لا ، فإنّ ذلك خلاف الظاهر من سياقها جدّاً كما لا يخفى.

ويشهد لذلك ذكر الولد عند تعداد العيال ، فإنّه لا يحتمل وجوب الإخراج عن الولد بما هو كذلك وإن كان غنيّاً وخارجاً عن عيلولته.

الثانية : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة إلى أن قال : «وقال : الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأُمّك وولدك وامرأتك وخادمك» (2).


1) الوسائل 9 : 328 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 3.

2) الوسائل 9 : 328 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 4.

[2839] مسألة 4 : لو أنفق الولي على الصغير أو المجنون من مالهما سقطت الفطرة عنه وعنهما (1).

[2840] مسألة 5 : يجوز التوكيل في دفع الزكاة إلى الفقير (2) من مال الموكّل ويتولّى الوكيل النيّة ، والأحوط نيّة الموكّل أيضاً على حسب ما مرّ في زكاة المال. ويجوز توكيله في الإيصال ويكون المتولّي حينئذٍ هو نفسه. ويجوز الإذن في الدفع عنه أيضاً لا بعنوان الوكالة ، وحكمه حكمها ، بل يجوز توكيله أو إذنه في الدفع من ماله بقصد الرجوع عليه بالمثل أو القيمة ، كما يجوز التبرّع به من ماله بإذنه أو لا بإذنه ، وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء في هذا وسابقه.


حيث إنّ الظاهر منها أنّ المرأة بعنوانها موضوع لوجوب الإخراج عنها إمّا مطلقاً أو بشرط وجوب الإنفاق.

وفيه : أنّ لازم الموضوعيّة أن يكون الولد أيضاً بعنوانه موضوعاً لوجوب الإخراج ، وقد عرفت ما فيه. مضافاً إلى أنّ لازم ذلك أن يجب على كلّ من الوالد والولد إخراج الفطرة عن الآخر كما وجب عن نفسه لذكرهما معاً مع أنّها ليست إلّا فطرة واحدة. فليست الموثّقة إلّا بصدد بيان مصاديق من يعوله الإنسان من غير موضوعيّة لشي‌ء من هذه العناوين بوجه.

فالصحيح عدم الوجوب إلّا مع العيلولة كما أفاده في المتن.

(1) لفقد العيلولة عنه وفقد البلوغ أو العقل عنهما.

(2) تقدّم الكلام حول هذه المسألة مستقصًى في زكاة المال (1)، فلا حاجة إلى التكرار.


1) في ص 276.

[2841] مسألة 6 : من وجب عليه فطرة غيره لا يجزئه إخراج ذلك الغير عن نفسه (1) ، سواء كان غنيّاً أو فقيراً وتكلّف بالإخراج ، بل لا تكون حينئذٍ فطرة ، حيث إنّه غير مكلّف بها. نعم ، لو قصد التبرّع بها عنها أجزأه على الأقوى وإن كان الأحوط العدم.

[2842] مسألة 7 : تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي (2) كما في زكاة المال ، وتحلّ فطرة الهاشمي على الصنفين.


وأمّا ما أفاده في ذيل هذه المسألة من جواز التبرّع به من ماله ولو لا بإذنه فغير خالٍ عن الإشكال ، فإنّ الفطرة عبادة لا بدّ من قصد التقرّب ممّن وجبت عليه وإن كان صدورها منه بنحو التسبيب بإذنٍ أو توكيل ونحوهما ، وأمّا بدون الاطّلاع والإذن فلا تقرّب منه ، ولا ينفع التقرّب من غيره. وقياسه بأداء الدين المتحقّق بفعل المتبرّع ولو بدون الإذن مع الفارق ، فإنّه هناك مطابق مع القاعدة ، لعدم كون المقصود عدا تفريغ الذمّة ولو تبرّع به الغير بالسيرة العقلائية ، مضافاً إلى النصوص الخاصّة ، بخلاف المقام حسبما عرفت.

(1) لما عرفت من أنّ مقتضى الإطلاق لزوم صدوره منه وعدم السقوط بفعل الغير ، بل لا يجزئ حتّى مع قصد التبرّع ، للزوم قصد التقرّب ممّن وجبت عليه كما تقدّم آنفاً.

(2) فإنّ الموضوع في جملة من الأخبار وإن كان زكاة المال إلّا أنّ الموضوع في جملة أُخرى منها هو عنوان الزكاة المفروضة أو الصدقة الواجبة التي لا قصور في شمولها لزكاة الفطرة ، ولا سيّما بملاحظة ما في بعض النصوص من أنّها نزلت في القرآن قبل نزول زكاة المال. وكيف ما كان ، فالمناقشة في شمول الإطلاق للمقام في غير محلّها.

والمدار على المعيل لا العيال (1) ، فلو كان العيال هاشميّاً دون المعيل لم يجز دفع فطرته إلى الهاشمي ، وفي العكس يجوز.


نعم ، قد يستدلّ برواية زيد الشحّام على اختصاص الحكم بزكاة المال ، من أجل اشتمالها على تفسير الممنوع إعطاؤها لبني هاشم بالزكاة المفروضة المطهّرة للمال.

ولكن الرواية المشتملة على هذا التفسير غير موجودة إلّا في الجواهر (1)، ولا ندري من أين نقلها ، والظاهر أنّه لا أصل

لها ، بل هي من سهو قلمه الشريف ، والموجود في الوسائل هكذا : سألته عن الصدقة التي حرّمت عليهم «فقال : هي الزكاة المفروضة ، ولم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض» (2).

وهي كما ترى خالية عن التقييد بالمطهّر للمال كي تختصّ بزكاة المال.

وعلى فرض وجودها فهي ضعيفة السند بمفضّل بن صالح أبي جميلة ، فلا تصلح للاستناد إليها بوجه.

(1) إذ هو المخاطب بأداء الزكاة والمشغول ذمّته بها ، فتكون العبرة في الهاشمي بحاله.

خلافاً لصاحب الحدائق ، حيث جعل المدار على العيال ، نظراً إلى إضافة الزكاة إليهم ، فيقال : هذه فطرة عن العيال ، فإذا كان هاشميّاً يصدق أنّ هذه صدقة الهاشمي ، وإن لم يكن المعيل هاشميّاً فهي منسوبة إليهم ومتعلّقة بهم ، فتكون العبرة بهم أيضا (3).


1) الجواهر 15 : 412.

2) الوسائل 9 : 274 / أبواب المستحقين للزكاة ب 32 ح 4.

3) الحدائق 12 : 317.

.................................................................................................


ويندفع بأنّ الوارد في المقام لو كان نصّ خاصّ يتضمّن المنع عن دفع فطرة غير الهاشمي للهاشمي لأمكن التعلّق حينئذٍ بهذه الإضافة ولكان وجهٌ لهذه المقالة.

ولكنّك عرفت خلوّ المقام عن النصّ الخاص ، وإنّما استفيد حكمه ممّا ورد في زكاة المال من شمول الزكاة المفروضة والصدقة الواجبة للمقام. وعليه ، فلا عبرة بتلك الإضافة ، فإنّها نظير الإضافة في زكاة المال إلى الغلّات أو الأنعام فيقال : هذه زكاة الحنطة أو زكاة الإبل أو الغنم ونحو ذلك ، فإنّ العيال هنا بمثابة ما يخرج عنه في زكاة المال ، فلا قيمة لهذا الإسناد والإضافة بوجه ، بل العبرة بمن تعلّق به الخطاب واشتغلت ذمّته كما مرّ ، فإنّ الزكاة إنّما تتعلّق بماله لا بمال من يخرج عنه وهو العيال وإن كان ذلك علّة التشريع وسبب الإيجاب ، إلّا أنّ الخطاب بالآخرة متعلّق بالمعيل والإخراج لا يكون إلّا من ماله ، فالعبرة لا محالة بماله ، لكون الصدقة صدقته وإن كانت عن غيره كما لعلّه ظاهر.

هذا كلّه بناءً على ما هو المشهور من كون الوجوب على المعيل عينيّاً ، وهو الصحيح على ما تقدّم.

وأمّا بناءً على الوجوب الكفائي فقد يقال بتعارض الدليلين لدى تخالف المعال مع المعيل في الهاشميّة ، لانطباق كلا العنوانين ، لصدق أنّها فطرة الهاشمي كما يصدق أنّها فطرة غير الهاشمي ، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى إطلاقات الجواز.

ولكنّه كما ترى ، إذ على هذا المبنى تشتغل ذمّة كلّ من المعيل والمعال بالإخراج ويجب ذلك على كلّ منهما بسنخ وجوبٍ يعبّر عنه بالكفائيّة. وعليه ، فكلّ منهما بادر بالإخراج وتصدّى للامتثال وأعطى ما يسقط به التكليف عن الآخر ، يكون هو المدار وعليه الاعتبار ، فإن كان هاشميّاً جاز دفعه إلى

[2843] مسألة 8 : لا فرق في العيال بين أن يكون حاضراً عنده وفي منزله أو منزل آخر أو غائباً عنه (1) ، فلو كان له مملوك في بلد آخر لكنّه ينفق على نفسه من مال المولى يجب عليه زكاته ، وكذا لو كانت له زوجة أو ولد كذلك ، كما أنّه إذا سافر عن عياله وترك عندهم ما ينفقون به على أنفسهم يجب عليه زكاتهم. نعم ، لو كان الغائب في نفقة غيره لم يكن عليه ، سواء كان الغير موسراً ومؤدّياً أو لا. وإن كان الأحوط في الزوجة والمملوك إخراجه عنهما مع فقر العائل أو عدم أدائه. وكذا لا تجب عليه إذا لم يكونوا في عياله ولا في عيال غيره ، ولكن الأحوط في المملوك والزوجة ما ذكرنا من الإخراج عنهما حينئذٍ أيضا.


الهاشمي ، وإلّا فلا. فلا تعارض ولا تساقط ، بل العبرة بالسابق منهما الشاغل للمحلّ والبادئ للإعطاء خارجاً حسبما عرفت.

(1) لإطلاق الدليل الشامل لما إذا كان العيال غائباً عن المعيل أو المعيل غائباً عن العيال أم كانا حاضرين ، فإنّ الوجوب ثابت على المعيل في الجميع بمناط واحد ، بمقتضى الإطلاق بعد حفظ صدق العيلولة كما هو المفروض ، فالحكم مطابق للقاعدة ، مضافاً إلى النصّ الخاصّ ، وهو صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا بأس بأن يعطي الرجل عن عياله وهم غيّب عنه ، ويأمرهم فيعطون عنه وهو غائب عنهم» (1).

وممّا ذكرناه يظهر الحال في المسألة الآتية ، فلاحظ.


1) الوسائل 9 : 366 / أبواب زكاة الفطرة ب 19 ح 1.

[2844] مسألة 9 : الغائب عن عياله الذين في نفقته يجوز أن يخرج عنهم ، بل يجب ، إلّا إذا وكّلهم أن يخرجوا من ماله (1)الذي تركه عندهم ، أو أذن لهم في التبرّع عنه.

[2845] مسألة 10 : المملوك المشترك بين مالكين زكاته عليهما بالنسبة إذا كان في عيالهما معاً وكانا موسرين (1) ، ومع إعسار أحدهما تسقط وتبقى حصّة الآخر ، ومع إعسارهما تسقط عنهما ، وإن كان في عيال أحدهما وجبت عليه مع يساره ، وتسقط عنه وعن الآخر مع إعساره وإن كان الآخر موسراً ، لكن الأحوط إخراج حصّته ، وإن لم يكن في عيال واحد منهما سقطت عنهما أيضاً ، ولكن الأحوط الإخراج مع اليسار كما عرفت مراراً.


(1) قد يكون المملوك المشترك بين مالكين عيالاً لهما ، وأُخرى لأحدهما ، وثالثة لا لهذا ولا لذاك.

أمّا في الأخير فلا تجب الفطرة على أيّ منهما ، لعدم العيلولة ، ولا عبرة بمجرّد الملكيّة كما تقدّم.

نعم ، الأحوط ذلك ، لاحتمال الاكتفاء بها ، وحينئذٍ فإن كان عيالاً لثالث وجبت عليه ، وإلّا فلا تجب على أحد أبداً : لا نفسه ، لفقد الحرّيّة ، ولا غيره لفقد العيلولة.

وأمّا إذا كان عيالاً لأحدهما دون الآخر وجبت على المعيل إن كان موسراً ، وإلّا سقطت عنه وعن الآخر وإن كان موسراً ، لعسر المعيل وعدم عيلولة الموسر ، وإن كان الأحوط له الإخراج ، لاحتمال كفاية الملكيّة كما تقدّم.


1) (*) هذا فيما إذا كان واثقاً بأنّهم يؤدّون عنه.

.................................................................................................


وأمّا إذا كان عيالاً لهما معاً : فإن كانا معسرين سقط الوجوب عنهما كما هو واضح ، وإن كانا موسرين وجب عليهما بالنسبة ، عملاً بإطلاق قوله (عليه السلام) : «الفطرة على كلّ من يعول» الشامل لصورتي وحدة من يعول وتعذّره ، إذ لا قصور في الإطلاق عن الشمول لفرض التعدّد ، ومتى شمل لزم منه التقسيط بطبيعة الحال ، الذي مرجعه إلى أنّ النصف على هذا والنصف الآخر على المعيل الآخر ، فالتقسيط والتوزيع لازم قهري ، للإطلاق المزبور ، فهو مطابق لمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى التماس دليل بالخصوص.

وتعضده مكاتبة محمّد بن القاسم بن الفضيل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن المملوك يموت عنه مولاه وهو غائب في بلدة أُخرى وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطرة ، أيزكّي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى؟ «قال : نعم» (1).

بناءً على استظهار موت المولى قبل هلال شوّال كما تقدّم ليصحّ بها الاستدلال ، وإلّا فمع الحمل على الموت ما بعد الهلال كما صنعه صاحب الوسائل تكون أجنبيّة عن محلّ الكلام ، لكون المملوك عندئذٍ ملكاً لمولاه لدى تعلّق الوجوب ، لا لليتامى ليتحقّق الاشتراك ، عدا أنّها ضعيفة السند كما تقدّم.

نعم ، ربّما يستدلّ لعدم الوجوب بما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسعود العيّاشي ، عن محمّد بن نصير ، عن سهل بن زياد ، عن منصور بن العبّاس ، عن إسماعيل بن سهل ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : قلت له : عبد بين قوم ، عليهم فيه زكاة الفطرة؟ «قال : إذا كان لكلّ إنسان رأس فعليه أن يؤدّي عنه فطرته ، وإذا كان


1) الوسائل 9 : 326 / أبواب زكاة الفطرة ب 4 ح 3.

.................................................................................................


عدّة العبيد وعدّة الموالي سواء وكانوا جميعاً فيهم سواء أدّوا زكاتهم لكلّ واحد منهم على قدر حصّته ، وإن كان لكلّ إنسان منهم أقلّ من رأس فلا شي‌ء عليهم» (1).

وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند من جهات ، فإنّ طريق الصدوق إلى العيّاشي فيه مظفّر بن جعفر العلوي شيخ الصدوق ولم يوثّق ، ومجرّد الشيخوخة لا تكفي في الوثاقة كما مرّ مراراً ، مضافاً إلى اشتمال السند على عدّة من الضعفاء والمجاهيل كسهل بن زياد ومنصور بن العبّاس وإسماعيل بن سهل.

وأمّا محمد بن نصير فهو وإن كان مردّداً بين النميري الغير الموثّق ، بل الكذّاب الذي لم يسمح بعض وكلاء الإمام (عليه السلام) بالدخول عليه ، وبين الكشّي الثقة ، وقد استظهر الأردبيلي أنّه الأوّل ، ولكن الظاهر أنّه الثاني ، لأنّ الكشّي يقول في أوّل رجاله هكذا : 9 محمّد بن مسعود العيّاشي وأبو عمرو بن عبد العزيز قالا حدّثنا محمّد بن نصير (2). فالكشّي هو بنفسه والعياشي يرويان معاً عن محمّد بن نصير ، وبما أنّ الكشّي المزبور لا يروي إلّا عن محمّد بن نصير الكشّي فيظهر من ذلك أنّ العيّاشي أيضاً يروي عنه لا عن النميري كما لا يخفى. فلا نناقش في الرواية من هذه الجهة ، وإنّما الخدش من جهات اخرى حسبما عرفت.

وثانياً : بأنّها أخصّ من المدّعى ، إذ مفادها عدم الوجوب فيما إذا كان لهم أقلّ من رأس كامل ، لا ما إذا كان بقدر رأس أو أزيد ، كما لو كان عبيد ثلاثة بين اثنين ، فإنّ لكلّ واحد عبد ونصف ، فيزيد على الرأس ، فيجب الفطرة حينئذٍ ، فلا تدلّ على عدم الوجوب مطلقاً.


1) الوسائل 9 : 365 / أبواب زكاة الفطرة ب 18 ح 1.

2) رجال الكشي : 5 / 9.

ولا فرق في كونه عليهما مع العيلولة لهما بين صورة المهاياة (1) وغيرها ، وإن كان حصول (1)وقت الوجوب في نوبة أحدهما ، فإنّ المناط العيلولة المشتركة بينهما بالفرض.


وإن كان أحدهما موسراً دون الآخر وجبت عليه بمقدار حصّته ، فإنّ ذلك مقتضى التقسيط المستفاد من الوجوب على المجموع حسبما عرفت في الصورة السابقة أعني : فرض يسار المعيلين ضرورة عدم احتمال كون الوجوب المتعلّق بأحدهما منوطاً بتعلّق التكليف بالآخر أو مشروطاً بامتثاله ، ومن ثمّ لو لم يخرج الآخر عصياناً أو نسياناً لم يسقط التكليف عن هذا في حصّته قطعاً.

وعلى الجملة : المعيل المتعدّد محكوم بالإخراج عن العيال كالواحد بمقتضى الإطلاق ، ومرجعه إلى جعل الوجوب على المجموع ، وبما أنّ كلّاً منهما نصف المجموع فهو محكوم بإخراج نصف الصاع من غير أن يكون هذا التكليف منوطاً بتكليف الآخر أو امتثاله ، فإذا سقط عن الآخر لمكان العسر لم يسقط عن هذا.

وهذا نظير باب الضمانات ، فلو غصب المال شخصان مجتمعاً فبطبيعة الحال يكون كلّ واحد منهما ضامناً للنصف من غير أن يكون مشروطاً لا بضمان الآخر للنصف الآخر ولا بأدائه ، فإنّ ذلك نتيجة التقسيط المتحصّل من تعلّق الضمان بالمجموع.

(1) أي المقاسمة بين المالكين في خدمة العبد بأن يكون شهراً مثلاً عند هذا وشهراً عند الآخر أو أقلّ أو أكثر حسبما اتّفقا عليه.

هذا ، وقد تقدّم في الضيف أنّ العبرة في وجوب الزكاة بصدق العيلولة في


1) (*) لا يبعد الوجوب على من حصل في نوبته.

ولا يعتبر اتّفاق جنس المخرج من الشريكين (1) ، فلأحدهما إخراج نصف صاع من شعير والآخر من حنطة ، لكن الأولى بل الأحوط الاتّفاق.


زمان الوجوب لا مطلقاً خلافاً لصاحب الجواهر (1)حيث استظهرنا من قوله (عليه السلام) في صحيح ابن يزيد : «نعم ، الفطرة على كلّ من يعوله» أنّه بمنزلة الصغرى والكبرى لا أنّها جملة مستأنفة ، وأنّ المدار على صدق العيال لدى رؤية الهلال إلى ما قبل الزوال ، ولا عبرة بالعيلولة المطلقة. وعليه ، فالعبد في صورة المهاياة عيال لمن يقع في نوبته ، فإذا صادفت نوبة أحد الشريكين وقت الوجوب فهو عيال له خاصّة في هذا الوقت ، ولا عبرة بعيلولته للشريك الآخر في الوقت الآخر.

وبعبارة اخرى : العبرة في وجوب الفطرة بالعيلولة دون الملكيّة ، والمقصود بها العيلولة الخاصّة الواقعة في زمان الوجوب لا بقول مطلق ، فإذا كان العبد في هذا الوقت في نوبة أحدهما فهو عيال له لا للآخر فتجب الزكاة عليه دون الآخر.

(1) لإطلاق الأدلّة المقتضي لجواز الاختلاف بأن يدفع أحدهما نصف صاع من الحنطة والآخر نصف صاع من الشعير مثلا.

وربّما يورد عليه بابتنائه على جواز التلفيق مع اتّحاد المعيل ، فإذا لم يجز لشخص واحد لم يجز لشخصين بمناط واحد.

والظاهر هو الفرق كما صنعه في المتن ، لاختلاف الملاك ، فإنّ الاتّحاد إنّما كان معتبراً في المعيل الواحد ، لأجل عدم الدليل على كفاية التلفيق ، لا لقيام دليل عليه بالخصوص ، نظراً إلى أنّ مفاد الأدلّة لزوم أداء صاع من حنطة أو شعير


1) جواهر الكلام 15 : 494 495.

[2846] مسألة 11 : إذا كان شخص في عيال اثنين بأن عالاه معاً فالحال كما مرّ في المملوك بين شريكين (1) ،


أو تمر أو زبيب ونحو ذلك ، فلا بدّ من صدق صاع واحد من هذه العناوين على ما يؤدّى خارجاً ، والملفّق ليس بصاع من شي‌ء منها ، بل نصف صاع من هذا ونصف من الآخر ، ولا دليل على الاجتزاء به ، فيكفي في عدم الجواز هناك إطلاق الدليل ، وإلّا فلم يرد فيه نصّ خاصّ حسبما عرفت.

وأمّا في المقام فقد عرفت أنّ كلّاً منهما مكلّف بأداء نصف صاع لا صاع كامل ، من غير أن يكون منوطاً بإخراج الآخر ، بحيث لو فرضنا أنّ الآخر لم يخرج عصياناً أو نسياناً لم يسقط التكليف بالنصف عن هذا ، ففي الحقيقة الواجب على كلّ منهما نصف صاع من حنطة أو نصف صاع من شعير ، وهكذا. وعليه ، فالتقييد بكون المدفوع من كلّ منهما متّحداً في الجنس مع ما يدفعه الآخر بلا دليل ، ومقتضى الأصل البراءة عنه.

فالمسألتان ليستا من وادٍ واحد ، بل الأُولى مبنيّة على ظهور الروايات في لزوم صدق الصاع من حنطة مثلاً على المدفوع ، ولا صدق كذلك على الملفّق بلا دليل على الاجتزاء به.

وأمّا في الثانية فمقتضى إطلاق الدليل التوزيع ، ولا يجب على كلّ منهما إلّا نصف الصاع ، ولا دليل على لزوم اتّحاده مع ما يدفعه الآخر ، ومقتضى الأصل البراءة عنه.

(1) فلا وجوب مع الإعسار ، ويجب عليهما بالنسبة مع اليسار ، ومع الاختلاف وجب على الموسر منهما في حصّته دون الآخر ، إذ العبرة بالعيلولة دون الملكيّة كما تقدّم.

إلّا في مسألة الاحتياط المذكور (1) فيه. نعم ، الاحتياط بالاتّفاق في جنس المخرج جارٍ هنا أيضاً ، وربّما يقال بالسقوط عنهما ، وقد يقال بالوجوب عليهما كفايةً ، والأظهر ما ذكرناه.


(1) لا يبعد أن تكون هذه الجملة سهواً من قلمه الشريف ، إذ لا معنى لهذا الاستثناء ، لخروجه عن موضوع هذه المسألة.

فإنّ الاحتياط في تلك المسألة كان في موردين :

أحدهما : ما إذا عال العبد أحد المالكين وهو معسر ، فذكر أنّ الأحوط إخراج المالك الآخر إذا كان موسراً وإن لم يكن معيلاً ، لاحتمال كفاية مجرّد الملكيّة في وجوب الإخراج.

والثاني : ما إذا لم يكن في عيال واحد منهما ، فذكر أنّ الأحوط حينئذٍ إخراج المالك مع يساره ، لعين ما ذكر.

وهذا الاحتياط كما ترى لا موضوع له في هذه المسألة بتاتاً ، لفرض كونه في عيالهما معاً ، وهما أجنبيّان ، ولا ملكيّة في البين ، فلو فُرض الإعسار أو انتفاء العيلولة من أحدهم لم يكن فيه أيّ مقتضي للاحتياط ، لأنّ الموجب له هو الملكيّة حسبما عرفت المنتفية في محلّ الكلام ، فإنّ الأجنبي الغير المعيل أو المعيل المعسر لا يحتمل في حقّه الوجوب ليحتاط فيه كما هو ظاهر.

وأمّا احتمال السقوط عنهما بدعوى ظهور الأدلّة في العيلولة المختصّة ، فقد عرفت ضعفه وأنّه خلاف إطلاق الأدلّة الشاملة لصورتي وحدة المعيل وتعدّده.

كما أنّ احتمال الوجوب عليهما كفايةً أيضاً ساقط ، لما عرفت من ظهور الأدلّة بمقتضى الإطلاق في الوجوب العيني.

[2847] مسألة 12 : لا إشكال في وجوب فطرة الرضيع على أبيه إن كان هو المنفق على مرضعته (1) ، سواء كانت امّاً له أو أجنبيّة ، وإن كان المنفق غيره فعليه ، وإن كانت النفقة من ماله فلا تجب على أحد. وأمّا الجنين فلا فطرة له ، إلّا إذا تولّد قبل الغروب. نعم ، يستحبّ إخراجها عنه إذا تولّد بعده إلى ما قبل الزوال كما مرّ.


فهذه الاحتمالات لا يمكن المساعدة عليها بوجه ، بل الظاهر وجوب الإخراج عليهما معاً إن كانا واجدين للشرائط ، وإلّا فعلى الواجد بمقدار حصّته دون الآخر ، فلاحظ.

(1) تعرّضه (قدس سره) لذلك لمجرّد التنبيه والتوضيح ، وإلّا فلا خصوصيّة للرضيع ، بل هو وغيره سيّان في وجوب الإخراج على من يعول ، لعدم الفرق في العيال بين الصغير والكبير والذكر والأُنثى كما صُرّح به في الأخبار ، مضافاً إلى النصّ الوارد في مولود يولد ليلة الفطر من أنّه لا زكاة له ، حيث دلّ على أنّه إن ولد في الشهر وأدركه وجب الإخراج عنه.

وعلى الجملة : فإن لم يكن الرضيع عيالاً لأحد لكونه ذا مال بإرث ونحوه ينفق منه الولي عليه فلا فطرة عنه لا في ماله ، لعدم البلوغ ، ولا في مال الولي ، لعدم العيلولة.

وإن كان عيالاً : فإن كان مستقلا من غير تبعيّة لمرضعة كما في زماننا حيث يتغذّى الطفل بالحليب الجاف فهو حينئذٍ عيال لمن ينفق غذاءه كالأب ، إذ لا فرق بينه وبين غيره من سائر من يعول ، غايته أنّ غذاء غيره الخبز واللحم مثلاً وهذا غذاؤه الحليب الجاف ، فزكاته حينئذٍ على وليّه.

وإن لم يكن مستقلا بل يتغذّى بالإرضاع ، فهو حينئذٍ يتبع مرضعته ، سواء

[2848] مسألة 13 : الظاهر عدم اشتراط كون الإنفاق من المال الحلال (1) ، فلو أنفق على عياله من المال الحرام من غصب أو نحوه وجب عليه زكاتهم.

[2849] مسألة 14 : الظاهر عدم اشتراط صرف (2) عين ما أنفقه أو قيمته بعد صدق العيلولة ، فلو أعطى زوجته نفقتها وصرفت غيرها في مصارفها وجب عليه زكاتها ، وكذا في غيرها.

[2850] مسألة 15 : لو ملّك شخصاً مالاً هبةً (3) أو صلحاً أو هديّةً وهو أنفقه على نفسه لا يجب عليه زكاته ، لأنّه لا يصير عيالاً له بمجرّد ذلك. نعم ، لو كان من عياله عرفاً ووهبه مثلاً لينفقه على نفسه فالظاهر الوجوب.


كانت امّاً له أم أجنبيّة ، ويكون عيالاً لمن ينفق عليها ، سواء أكان أباه أم غيره.

وأمّا الجنين فقد تقدّم أنّه إن تولّد في شهر رمضان وجبت فطرته ، وإلّا فيستحبّ الإخراج عن المولود ليلة الفطر.

(1) فإنّ الحكم في الأدلّة معلّق على العيلولة وأن يكون الشخص تحت كفالته ورعايته ، فمتى صدق ذلك وجب الإخراج من غير فرق بين كون الإنفاق الخارجي من حلال أو حرام ، إذ لا مدخل لذلك في الصدق المزبور ، فعائلة السارق أو المقامر أو بيّاع الخمر عائلته عرفاً ، لكونهم تحت رعايته وعنايته وإن كان الإنفاق من المال الحرام ، فتجب فطرتهم عليه.

نعم ، أداء الزكاة لا بدّ وأن يكون من مال حلال ، للزوم كونه سائغ التصرّف ، وهذا أمر آخر غير مرتبط بمحلّ الكلام.

(2) لإطلاق الأدلّة.

(3) فإنّ موضوع الحكم العيلولة العرفيّة المتقوّمة بكونه تحت تكفّله ورعايته ،

[2851] مسألة 16 : لو استأجر شخصاً واشترط في ضمن العقد أن تكون نفقته عليه (1) لا يبعد وجوب إخراج فطرته. نعم ، لو اشترط عليه مقدار نفقته فيعطيه دراهم مثلاً ينفق بها على نفسه لم تجب عليه ، والمناط الصدق العرفي في عدّه من عياله وعدمه.


ومجرّد الهبة والتمليك وإن كان بمقدار مئونة السنة بل العمر لا يستوجب صدق عنوان العيال بعد أن أنفق هو بنفسه على نفسه كما هو ظاهر.

نعم ، لو فرض كونه عيالاً خارجاً ولكن يهب إليه مالاً ليصرفه في معاشه ، فيعطي العائلة لكلّ منهم كلّ يوم مائة فلس مثلاً للصرف في الغداء والعشاء ، فالظاهر الوجوب حينئذٍ كما في المتن ، إذ لا ينافي ذلك صدق العيلولة ، فإنّ تكفّل المعاش قد يكون بصرف نفس الطعام ، وأُخرى قيمته بعنوان الوكالة بأن يشتري عن المنفق ما يحتاج إليه ، وثالثةً بعنوان الهديّة لكي يشتروا الطعام لأنفسهم بأموالهم ، فلا فرق بين إعطاء نفس النفقة أو بدلها أو مال بعنوان التملّك ليصرفوه في نفقتهم.

(1) تارةً : يكون الشخص أجيراً صرفاً من غير اشتراط النفقة كأكثر العمّال ولا إشكال حينئذٍ في عدم صدق العيال وأنّ فطرتهم على أنفسهم ، وهذا ظاهر.

وأُخرى : يشترط العامل النفقة على المستأجر ، وهذا على قسمين :

إذ تارةً : يكون الشرط أداء مقدار النفقة ، فيأخذ منه دراهم معيّنة بعنوان النفقة ويصرفها على نفسه ، وهذا أيضاً لا يستوجب صدق العيلولة ، فإنّه في الحقيقة ملحق بالأُجرة وإن كان بصورة الشرط في ضمن العقد.

وأُخرى : يكون الشرط نفس النفقة ، فيشترط أن تكون نفقته عليه بحيث يكون تحت كفالته ورعايته ، كما في خَدَمة البيوت وخادماتها المعدودين من

[2852] مسألة 17 : إذا نزل عليه نازل قهراً عليه ومن غير رضاه وصار ضيفاً عنده مدّة ، هل تجب عليه فطرته أم لا؟ إشكال (1). وكذا لو عال شخصاً بالإكراه والجبر من غيره. نعم ، في مثل العامل الذي يرسله الظالم لأخذ مال منه فينزل عنده مدّة ظلماً وهو مجبور في طعامه وشرابه ، فالظاهر عدم الوجوب ، لعدم صدق العيال ولا الضيف عليه.


أهل البيت وأفراد العائلة ، ففي مثل ذلك تجب الفطرة عنهم ، لصدق العيلولة.

فتحصّل : أنّ مجرّد الشرط في ضمن العقد لا يستوجب الوجوب ، بل العبرة بصدق العيال عرفاً حسبما عرفت.

(1) منشؤه ظهور الأدلّة ولو انصرافاً فيما لو كانت العيلولة باختيار المعيل ورضاه وعن طيب نفسه ، لا ما كان كرهاً وعلى رغم أنفه بحيث كان بقاؤه عنده على وجهٍ غير مشروع ، لإكراه وإجبار من نفس الضيف والعيال أو من شخص آخر ، فإنّ الإطلاقات منصرفة عن مثل هذا الفرض إمّا جزماً أو لا أقلّ احتمالا.

ويعضده قوله (عليه السلام) في بعض النصوص : «ومن أغلقت عليه بابك» (1)وقوله (عليه السلام) : «وكلّ من ضممته إلى عيالك» (2)، حيث أسند الإغلاق والضمّ إلى نفس المعيل. الظاهر في تصدّيه لذلك عن الرضا والاختيار ، دون الكره والإجبار ، لعدم كون الإسناد إليه حينئذٍ على وجه الحقيقة كما لا يخفى ، فهذه الصورة غير مشمولة لإطلاقات الأدلّة من الأوّل ، لمكان الانصراف ،


1) ورد بتفاوت يسير في الألفاظ كما في الوسائل 9 : 330 / أبواب الزكاة ب 5 ح 9 ، 13.

2) الوسائل 9 : 329 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 8.

.................................................................................................


ومقتضى الأصل البراءة عنه ، وهذا هو الصحيح.

وقد يقال كما قيل بأنّ مقتضى حديث رفع الإكراه رفع كلّ أثر مترتّب على المكره عليه ، ومنه وجوب الفطرة ، فيرتفع عن العيلولة المكره عليها.

ويندفع بما ذكرناه في محلّه عند التكلّم حول الحديث بأنّ مفاده رفع الحكم المتعلّق بالفعل أو المترتّب عليه ، أي كلّ فعل كان متعلّقاً أو موضوعاً لحكم شرعي كالكفّارة المترتّبة على الإفطار فهو مرفوع في عالم التشريع إذا صدر عن الإكراه أو الاضطرار ونحوهما ، وأمّا الآثار الغير المترتّبة على فعل المكلّف بل على أمر آخر جامع بينه وبين غيره وقد يجتمع معه كالنجاسة المترتّبة على الملاقاة التي قد تستند إلى الفعل الاختياري وقد لا تستند فهي غير مرفوعة بالحديث بوجه.

ومقامنا من هذا القبيل ، فإنّ الفطرة مترتّبة على عنوان العيلولة التي قد تكون اختياريّة وقد لا تكون مع الغضّ عمّا مرّ من انصراف النصوص إلى الأوّل فإنّ الموضوع كون شخص عياله للآخر الذي هو عنوان جامع بين الأمرين ، ومثله لا يرتفع بالحديث ، لاختصاصه بالأحكام المتعلّقة أو المترتّبة على الفعل الاختياري كما عرفت.

وممّا يؤكّد ذلك أنّا لو فرضنا أنّ العيلولة كانت اضطراريّة فالجأته الضورة الملحّة على اتّخاذ العيال ، أفهل يحتمل حينئذٍ أن لا تجب فطرته عليه لحديث رفع الاضطرار؟ فيقال بأنّ العيلولة الاضطراريّة كالإكراهيّة مرفوعة بالحديث ، والسرّ ما عرفت من اختصاص الحديث بما يتعلّق أو يترتّب على الفعل الاختياري دون غيره.

[2853] مسألة 18 : إذا مات قبل الغروب من ليلة الفطر لم يجب في تركته شي‌ء ، وإن مات بعده وجب الإخراج (1)من تركته (1) عنه وعن عياله ، وإن كان عليه دين وضاقت التركة قسّمت عليهما بالنسبة.


(1) أمّا عدم وجوب شي‌ء في تركته لو مات قبل الغروب فظاهر ، لعدم إدراكه زمان الوجوب.

وأمّا لو مات بعد الغروب فقد حكم في المتن بوجوب الإخراج عنه وعن عياله من تركته ، بل لو كان عليه دين تقسّم عليهما بالنسبة لدى المضايقة.

وقد تقدّم أنّ صاحب الوسائل حمل رواية ابن الفضيل المتضمّنة لإخراج المملوك عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى على موت المولى بعد الهلال.

أقول : هذا الحكم ذكره المحقّق في الشرائع (2)، ولم يتعرّض في الجواهر لشرحه مستقصًى (3)، وكأنّه أرسله إرسال المسلّمات.

ولكن للنظر فيه مجال ، فإنّ الفطرة لو كانت كزكاة المال حقّا متعلّقاً بالعين مع وجودها حيث تكون مشتركة بين المالك والفقير بالنسبة وديناً ثابتاً في الذمّة مع تلفها كما في سائر الديون ، لاتّجه ما أُفيد.

ولكنّا لم نعثر حتّى الآن على رواية يستفاد منها ذلك ، بل الجمود على ظواهر الأدلّة يعطينا أنّ وجوب الفطرة تكليف محض كإقامة الصلاة من دون أن يتضمّن الوضع بوجه ، فهو واجب إلهي كسائر التكاليف الصرفة المنوطة


1) (*) فيه إشكال بل منع.

2) الشرائع 1 : 202.

3) الجواهر 15 : 512.

.................................................................................................


بالقدرة والحياة والساقطة لدى العجز والممات من غير أن تستتبع اشتغال الذمّة بتاتاً. فليفرض أنّه كان بانياً بعد دخول الوقت على الإخراج ولم يكن عاصياً ولكن اختطفه القدر ولم يمهله الأجل فسقط عنه التكليف ، فما هو المسوّغ بعدئذٍ للإخراج والذمّة فارغة فضلاً عن المزاحمة مع سائر الديون؟! فإنّه يحتاج إلى الدليل ولم يقم عليه أيّ دليل.

وممّا يرشدك إلى ما ذكرناه ما سيأتي الكلام عليه قريباً إن شاء تعالى من أنّه لو لم يخرج الفطرة إلى أن مضى وقتها كما بعد الزوال على القول بالتحديد به أو غير ذلك كما ستعرف ، فالمشهور أنّها تسقط حينئذٍ والإعطاء بعد ذلك صدقة مستحبّة وليس من الفطرة ، وقد دلّت عليه رواية معتبرة ، وذهب جماعة إلى وجوب القضاء كما يجب قضاء الصلاة والصيام ، والتزم جمع قليل بأنّها أداء.

فلو كانت الفطرة من قبيل الوضع وديناً ثابتاً في الذمّة فأيّ مجال بعدئذٍ لهذا البحث وكيف يحرّر هذا النزاع؟ إذ ما الذي أسقط الذمّة وأفرغها بعد الاشتغال؟! أفهل ترى أنّ خروج الوقت من مناشئ ذلك وموجبات الفراغ عن حقوق الناس؟! وعلى الجملة : لا ينسجم تحرير هذا البحث مع الالتزام بكونها حقّا ماليّاً وديناً ثابتاً في الذمّة بوجه.

إذن فلا يبعد أنّ الفطرة من قبيل التكليف المحض كالصلاة ، والمعروف والمشهور أنّ الواجبات الإلهية لا تخرج من أصل المال ما عدا الحجّ للنصّ وهو الصحيح ، ولكن السيّد الماتن (قدس سره) يرى أنّ جميعها تخرج من الأصل. وكيف ما كان ، فالفتوى بخروج الفطرة عن أصل التركة لا يستقيم على المشهور إلّا بناءً على كونها كزكاة المال ديناً ثابتاً في الذمّة ، وقد عرفت أنّه في غاية الإشكال ، فالمساعدة على ما أفاده في المتن مشكل جدّا.

[2854] مسألة 19 : المطلّقة رجعيّاً فطرتها على زوجها (1)(1) ، دون البائن إلّا إذا كانت حاملاً ينفق عليها.


(1) غرضه (قدس سره) من عقد هذه المسألة بيان الفرق بين الرجعي والبائن ، وأنّ الأوّل ملحق بالزوجة فيجري عليها حكمها حسبما مرّ من وجوب الفطرة على الزوج بشرط العيلولة ، بخلاف الثاني فلا فطرة عليه مع البينونة إلّا مع فرض العيلولة بأن كان ينفق عليها خارجاً كما في البائن الحامل.

والوجه في ذلك أنّ العلقة الزوجيّة باقية على حالها في المطلّقة رجعيّةً ، لا لما اشتهر من أنّ المطلّقة رجعيّةً زوجةٌ ليتكلّم في أنّ النزيل موضوعي أو حكمي ، وعلى الثاني فهل هو بلحاظ بعض الآثار أم تمامها ، لعدم ورود ذلك في شي‌ء من الروايات المعتبرة وغيرها بعد الفحص التامّ ، وإنّما هي عبارة دارجة على ألسن الفقهاء مصطادة من الأخبار المتفرّقة.

بل لأجل أنّها زوجة حقيقةً وله التمتّع بها كيف ما شاء تمتّع الزوج بزوجته حتّى الجماع وإن لم يقصد به الرجوع كما دلّ عليه النصّ ، وأنّه بنفسه رجوع قهري ، فلم يترتّب أيّ أثر على هذا الطلاق ما عدا الاستعداد للبينونة المنوطة بانقضاء العدّة ، فهي قبل الانقضاء باقية على علقة الزوجيّة ومحكومة بأنّها زوجة بالحمل الشائع ، وإنّما تبين منه بعد انقضائها كما هو صريح قوله (عليه السلام) «فإذا انقضت العدّة فقد بانت منه» ، فالطلاق بالإضافة إلى الانقضاء بمثابة الإنشاء بالإضافة إلى القبض في بيع الصرف والسلم ، فكما أنّ تأثير البيع مشروط فيه بالقبض وقبله في حكم العدم فكذا الطلاق في المقام.

وعليه ، فيترتّب على الرجعيّة جميع آثار الزوجيّة من النفقة والإرث والتمتّع


1) (*) العبرة في وجوب الفطرة إنّما هي بصدق العيلولة في الرجعيّة والبائن.

[2855] مسألة 20 : إذا كان غائباً عن عياله أو كانوا غائبين عنه وشكّ في حياتهم فالظاهر وجوب فطرتهم مع إحراز العيلولة على فرض الحياة (1).


له منها ولها منه ونحوها من الأحكام التي منها وجوب الفطرة عنها مع العيلولة ، وهذا بخلاف البائن ، فلا تجب عنها إلّا في الحامل التي ينفق عليها خارجاً ، الموجب لصدق العيلولة كما هو مفروض كلام الماتن ، فلا يورد عليه بمنافاته لما تقدّم منه من عدم العبرة بوجوب النفقة.

(1) لا شكّ في عدم اختصاص حجّيّة الاستصحاب بالموضوعات البسيطة ، بل يعمّها والمركّبة ونعني بالمركّب : الأعمّ من الأجزاء والشرائط فيمكن جريان الاستصحاب في جزء من أجزاء المركّب لكن بشرط إحراز بقيّة الأجزاء إمّا بالوجدان أو بالقيد الاستصحابي أو غيره ، وإلّا فجريانه في الجزء بما هو جزء لا أثر له بعد فرض ترتّب الأثر على المركّب ، فإنّ الاستصحاب تعبّد بالبقاء وفرض الشاكّ متيقّناً ، وهذا إنّما يصحّ في موردٍ يترتّب عليه أثر شرعي كي يقبل التعبّد ، والمفروض أنّ الأثر مترتّب على المركّب بما هو مركّب دون الجزء ، فلا بدّ في إجرائه فيه من إحراز الجزء الآخر وجداناً أو تعبّداً ليلتئم المركّب ويترتّب عليه الأثر ، فقد يكون كلاهما بالتعبّد وأُخرى أحدهما ، والنتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين.

فالاعتصام مثلاً أثر مترتّب على الكرّ من الماء ، فقد يحرز صدق الماء وجداناً ويشكّ في الكرّيّة فيستصحب ، وأُخرى : ينعكس فتكون الكرّيّة محرزة والمائيّة مشكوكة فيستصحب ويُقال : هذا الكرّ كان ماءً سابقاً والآن كما كان ، وثالثةً : يكون كلا الجزأين بالتعبّد لو شكّ الآن في المائيّة وفي الكرّيّة فإنّه يستصحب كلاهما ويقال : هذا الموجود كان ماءً وكرّاً والآن كما كان.

وفي المقام أيضاً يكون موضوع الفطرة مركّباً من جزأين : العيلولة وحياة

.................................................................................................


العيال ، فلو شكّ في الحياة مع إحراز العيلولة وجداناً على تقديرها تستصحب الحياة حينئذٍ ويترتّب الأثر ، وكذا مع إحرازها تعبّداً ، كما لو كانت وكيلة في طلاق نفسها واحتملنا الطلاق والخروج بذلك عن العيلولة ، فإنّه يجري الاستصحاب حينئذٍ في كلّ من الجزأين فيقال : كان الحيّ بوصف كونه عيالاً موجوداً والآن كما كان ، فتجب الفطرة عنه.

فصل في جنسها وقدرها

والضابط في الجنس : القوت الغالب لغالب الناس (1) وهو : الحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والأقط واللبن والذرة وغيرها.


(1) اختلفت كلمات الأصحاب (قدّس اللّه أسرارهم) تبعاً لاختلاف الأخبار في تعيين الضابط لجنس الفطرة :

فعن الصدوقين وابن أبي عقيل تخصيصه بالأربعة (1)أعني : الحنطة والشعير والتمر والزبيب وهذا هو منشأ احتياط الماتن في الاقتصار عليها للاجتزاء بها اتّفاقا.

وزاد في المدارك الأقط ، لورود صحيحتين دلّتا عليه ، إحداهما مطلقة والأُخرى مختصّة لأهل الإبل والغنم والبقر (2).

وزاد السيّد المرتضى اللبن (3).

وزاد الشيخ المفيد وجماعة آخرين الأرز فتكون سبعة (4).

والمشهور بين المتأخّرين بل وغيرهم كفاية القوت الغالب للناس من أيّ جنس كان كالعدس والماش والسلت وغيرها ممّا يغذّي الإنسان نفسه وعياله.


1) المختلف 3 : 181.

2) المدارك 5 : 338.

3) جمل العلم والعمل ضمن (رسائل الشريف المرتضى 3) : 80.

4) المقنعة : 250.

.................................................................................................


قال في الحدائق بعد ذكر هذه الأقوال : إنّ صاحب المدارك إنّما اختار الخمسة لما يراه من اختصاص النصوص الصحيحة على مسلكه الذي يعبّر عنها صاحب الحدائق بالأصل الفاسد بهذه الخمسة ثمّ اعترض عليه بما لفظه : وكان الواجب عليه أن يعدّ الذرة أيضاً ، لصحّة الخبر ، ولعلّه لم يقف عليه (1).

أقول : من المحتمل جدّاً بل لعلّه الظاهر أنّ صاحب المدارك لم يعتبر هذه الرواية (2)صحيحة ، ولذلك لم يذكرها ، والوجه فيه أنّها مرويّة عن أبي عبد الرحمن الحذّاء ، وصاحب الحدائق يرى أنّ المكنّى بهذه الكنية اسمه أيّوب ابن عطيّة وهو ثقة ، ولكنّه غير واضح ، فإنّ أيّوب بن عطيّة وإن كان ثقة ومكني بهذه الكنية إلّا أنّه لم يثبت إرادته من هذه الرواية ، ضرورة عدم انحصار هذه الكنية به ، ومن الجائز أن يراد به شخص آخر مكنّى بهذه الكنية ، كما قد تشهد به رواية الشيخ الصدوق لها بعين السند والمتن ولكن سمّاه بالحسن الحذّاء (3)، فيظهر منه أنّ المراد بأبي عبد الرحمن في هذه الرواية هو الحسن الحذّاء وهو رجل مجهول ، إذ لا يحتمل التعدّد بأن يروي الراوي بهذا السند للصدوق عن شخص وللشيخ عن شخص آخر. ومع التنازل فلا أقلّ من احتمال الاتّحاد فتصبح الرواية ضعيفة وتسقط عن صلاحيّة الاستدلال.

ومن القريب جدّاً أنّ صاحب المدارك لم يلتفت إلى ذلك ولأجله لم يذكرها.

نعم ، كان عليه أن يضيف اللبن ، لوروده في صحيحة زرارة وابن مسكان جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذّون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره» (4).


1) الحدائق 12 : 282.

2) الوسائل 9 : 335 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 10.

3) علل الشرائع : 390 / 1.

4) الوسائل 9 : 343 / أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 1.

.................................................................................................


وقد رواها في التهذيب تارةً عن زرارة وأُخرى عن ابن مسكان (1)، غير أنّ صاحب الوسائل جمع بينهما في النقل. وكيف ما كان فالسند صحيح كما عرفت ، فكان اللّازم عليه أن يذكره أيضاً ، ولكن الظاهر أنّه (قدس سره) معذور في ذلك ، إذ لا يعتبر هذه الرواية صحيحة ، من أجل أنّ محمّد بن عيسى الذي يروي عن يونس ضعّفه ابن الوليد وتبعه الصدوق وكذلك الشيخ في رجاله وفي الفهرست والاستبصار (2)، ولعلّ صاحب المدارك بنفسه أيضاً يرى ضعفه ، بل هو الظاهر. وكيف ما كان فبناءً على مسلكه من الاقتصار على الصحاح من الأخبار فالأمر كما ذكره لانحصارها في الخمسة كما عرفت.

نعم ، صحيحة محمّد بن مسلم تضمّنت القمح والعدس والسلت ، لكن في فرض العجز عن الحنطة والشعير (3)، وسنتكلّم فيها إن شاء تعالى.

والمقصود أنّ هذه الرواية لو كانت ضعيفة فالأمر كما ذكره (قدس سره) من الاختصاص بالخمسة ، ولكنّا قد ذكرنا في محلّه أنّ محمّد بن عيسى بن العبيدي من أجل الثقات ، وقد ذكر النجاشي أنّ أصحابنا ينكرون على ابن الوليد أنّه كيف لا يعمل بروايات العبيدي وقد قال الفضل بن شاذّان في حقّه : مَن مثل العبيدي (4)؟! وقال ابن نوح : أنّه أصاب شيخنا ابن الوليد إلّا في محمّد بن عيسى (5). وعليه ، فلا أثر لما ذكره ابن الوليد. على أنّه لم يظهر منه تضعيف الرجل بنفسه ، بل استثنى من كتاب نوادر الحكمة خصوص ما ينفرد به العبيدي


1) التهذيب 4 : 78 / 2.

2) حكاه النجاشي عن الصدوق : 333 ، الفهرست : 140 / 611 ، رجال الطوسي : 422 / 10 ، الاستبصار 1 : 14.

3) الوسائل 9 : 337 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 13.

4) النجاشي : 333 334 / 896.

5) النجاشي : 348 / 939.

.................................................................................................


عن كتب يونس ، والظاهر من ذلك أنّ له مناقشة في خصوص رواياته عن كتب يونس ، وتبعه على ذلك الصدوق الذي يصرّح هو بنفسه أنّه يتبع في التصحيح والتضعيف شيخه ابن الوليد ، ولأجل ذلك لم يرو الصدوق في الفقيه ولا رواية واحدة عن العبيدي عن يونس ، لأنّ شيخه لم يسمح بذلك ، ومع ذلك تراه يروي في الفقيه عن العبيدي عن غير يونس في موارد كثيرة تبلغ نيفاً وثلاثين مورداً ، وكذلك ابن الوليد بنفسه فإنّه يروي عن العبيدي عن غير يونس ، فيعلم من ذلك بوضوح أنّ ابن الوليد لا يناقش في محمّد بن عيسى العبيدي بنفسه ولا يضعّفه ، بل كان في نظره خصوصيّة لما يرويه عن كتب يونس ، وهذا اجتهاد منه لا يلزمنا متابعته فيه كما لا يخفى.

وأمّا تضعيف الشيخ فهو أيضاً ليس بشي‌ء ، إذ هو مبني حسبما يظهر من الفهرست على تخيّله أنّ ابن الوليد والصدوق ضعّفاه ، وإلّا فهو لم يذكر وجهاً آخر لضعفه غير ذلك ، وهذا أيضاً اجتهادٌ منه.

إذن فما تسالم عليه الأصحاب كما ذكره النجاشي من وثاقة الرجل وما ذكره الفضل بن شاذّان من المدح البليغ هو المتّبع. وعليه ، فالرواية معتبرة ويحكم بمقتضاها بكفاية اللبن ، بل وكفاية مطلق ما يغذّي الإنسان عياله المعبّر عنه بالقوت الغالب.

ثمّ إنّ الأجناس الأربعة التي ذكرنا أنّه لا كلام في الاجتزاء بها ، لم ترد مجتمعة ولا في رواية واحدة معتبرة بحيث تدلّ على الانحصار فيها ، فإنّ الروايات الواردة في ذلك :

إحداهما : صحيحة سعد بن سعد الأشعري : عن الفطرة كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟ «قال : صاع بصاع النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).


1) الوسائل 9 : 332 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 1.

.................................................................................................


وهي وإن اشتملت على الأربعة ولكنّها مذكورة في كلام الراوي دون الإمام (عليه السلام) ، ولا نظر فيه إلى الانحصار ، إذ السؤال عن المقدار لا عن ذي المقدار ، فهي محمولة على المثال ، وغايته إجزاء الإخراج عن أحد هذه الأربعة كما هو المتسالم عليه بين الفقهاء ، وأمّا الحصر فلا يستفاد منها بوجه.

الثانية : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك إلى أن قال : عن كلّ إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين» (1).

وهي أيضاً مخدوشة بعدم إمكان العمل بها ، لعدم كفاية نصف الصاع بلا إشكال ، فهي محمولة على التقيّة جزماً ، حيث إنّ عثمان هو الذي أحدث هذه البدعة واكتفى في الحنطة بنصف الصاع كما أُشير إليه في بعض النصوص المتقدِّمة.

والتفكيك بين القيد والمقيّد بحمل المقدار على التقيّة دون ذي المقدار كما ترى. فهي إذن لا تدلّ على الحصر أيضاً.

نعم ، في بعض الروايات الضعيفة دلالة على الحصر ، مثل : ما روي عن عبد اللّه بن سنان مرسلاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن صدقة الفطرة «قال : عن كلّ رأس من أهلك ، الصغير منهم والكبير ، والحرّ والمملوك والغني والفقير ، كلّ من ضممت إليك ، عن كلّ إنسان صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب» (2).

ولكنّها من أجل الإرسال غير صالحة للاستدلال وإن تمّت دلالتها.

وعلى الجملة : فلم ترد الأربعة في أيّ رواية معتبرة. نعم ، ذكر مجموعها في روايات متفرّقة :


1) الوسائل 9 : 336 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 11.

2) الوسائل 9 : 330 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 12.

.................................................................................................


ففي صحيحة عبد اللّه بن ميمون ذكر القمر والزبيب والشعير ولم تذكر الحنطة (1)، ونحوها صحيحة معاوية بن وهب (2).

وفي صحيحة صفوان ذكر الحنطة والتمر والزبيب ولم يذكر الشعير (3).

وفي صحيحة معاوية بن عمّار اقتصر على الأقط لأصحاب الإبل والبقر والغنم (4).

هذا ، وقد ذكر في الحدائق وتبعه صاحب الجواهر أنّ في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «صاع من حنطة أو صاع من شعير» (5).

والظاهر أنّ هذا سهو منهما ، فإنّ الرواية بهذه الصورة غير موجودة ، بل هي في الاستبصار هكذا : «نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير» (6)وفي التهذيب هكذا : «نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر» (7)، وصاحب الوسائل نقلها بالمعنى ، حيث قال في ذيل رواية الحلبي ما لفظه : وعنه ، عن حمّاد ، عن عبد اللّه بن المغيرة ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) نحوه ، وزاد : «أو صاع من شعير» (8).

والحاصل : أنّ صحيحة عبد اللّه بن سنان بتلك الصورة مقتصراً عليهما لا وجود لها نهائيّاً ، بل الموجود منها ما أثبتناه حسبما عرفت.


1) الوسائل 9 : 330 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 11.

2) الوسائل 9 : 335 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 8.

3) الوسائل 9 : 327 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 1.

4) الوسائل 9 : 333 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 2.

5) الحدائق 12 : 282 ، الجواهر 15 : 517.

6) الاستبصار 2 : 47 / 155.

7) التهذيب 4 : 81 / 234.

8) الوسائل 9 : 336 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 12.

.................................................................................................


وكيف ما كان ، فقد ظهر أنّ الأربعة لم تذكر مجتمعة في شي‌ء من الروايات المعتبرة ، بل ذكرت متفرّقة متشتّتة ، فلا بدّ إذن من ملاحظة الجمع بينها بإضافة الأقط الوارد في النصّ المعتبر كما مرّ فتكون خمسة ، وبين ما دلّ على أنّ العبرة بما يغذّي الإنسان نفسه وعياله المعبّر عنه بالقوت الغالب.

فنقول : لا ريب في التنافي بين إطلاق الضابطين ، فإنّ بينهما عموماً من وجه ، إذ القوت الغالب قد لا يكون من الخمسة كالعدس والماش ونحوهما ، كما أنّ الخمسة قد لا تكون قوتاً غالباً ، كالزبيب لأهل العراق ، بل الشعير لغالب البلدان ، فإطلاق كلّ من الدليلين يضادّ الإطلاق في الدليل الآخر ويعارضه ، إذ العبرة في أحدهما بالقوت الغالب ، سواء أكان من الخمسة أم لا ، وفي الآخر بالعكس.

وحينئذٍ فإمّا أن يؤخذ بكلّ من الإطلاقين بأن يلتزم بكفاية القوت الغالب وإن لم يكن من الخمسة ككفايتها وإن لم تكن قوتاً غالباً ، أو يؤخذ بإطلاق أحدهما دون الآخر ، أو يقيّد كلّ منهما بالآخر.

لا سبيل إلى الأوّل قطعاً ، أمّا أوّلاً : فلعدم حجّيّة الإطلاق مع وجود ما يصلح للتقييد ، فإنّ صحيحة زرارة قد تضمنت التقييد بما يغذّي الإنسان عياله المعبّر عنه بالقوت الغالب ، ومع هذا الظهور كيف يمكن رفع اليد عنه والعمل بإطلاق الطائفة الأُخرى؟! وثانياً : أنّه قد ذكر الزبيب في نفس هذه الصحيحة ، الكاشف عن أنّه إنّما يجزئ لكونه قوتاً غالباً ، ومعه كيف يمكن الأخذ بإطلاق الطائفة الأُخرى الدالّة على كفاية الزبيب بعنوانه وإن لم يكن قوتاً غالباً؟! كما لا سبيل إلى الأخذ بإطلاق الطائفة الأُولى والحكم بكفاية أحد الخمسة مطلقاً وإن لم تكن قوتاً غالباً وارتكاب التقييد في دليل القوت بكونه من أحدها ، وذلك لعين ما عرفت آنفاً من أنّ بعض هذه الخمسة وهو الزبيب قد ذكر في نفس هذا الدليل على نحوٍ يظهر منه أنّ الاجتزاء به إنّما هو من أجل كونه قوتاً غالباً لا لخصوصيةٍ

.................................................................................................


فيه ، ومعه كيف يمكن الحكم بكفايته وإن لم يكن مصداقاً للقوت الغالب؟! وعليه ، فيدور الأمر بين الوجهين الآخرين ، أعني : تقييد كلّ من الدليلين بالآخر لتكون النتيجة لزوم أحد الخمسة بشرط كونه من القوت الغالب ، أو الأخذ بإطلاق الطائفة الثانية وحمل الطائفة الأُولى على المثال فيكتفي بمطلق القوت الغالب من أيّ جنس كان من غير خصوصيّة للخمسة وإنّما ذكرت من باب المثال.

والظاهر أنّ الثاني هو الأقرب وأنّ الاعتبار بالقوت الغالب ، سواء أكان من أحد الخمسة أم لا ، كما ذهب إليه المشهور.

ويدلّنا عليه :

أوّلاً : ذكر اللبن في هذه الصحيحة الذي ليس هو من أحد الخمسة ، فيعلم أنّه لا خصوصيّة لها وأنّ نصوصها لم تكن في مقام الحصر بل في مقام المثال لمطلق القوت الشامل لمثل اللبن ونحوه.

وثانياً : أنّه قد ذكر في بعض الأخبار السابقة الأقط فقط لأصحاب الإبل والبقر والغنم ، أفيحتمل أن يكون الأقط بخصوصه واجباً عليهم بحيث لا يجزئ عنهم بقيّة الأجناس من الحنطة والشعير ونحوهما؟ لا شكّ أن هذا مقطوع العدم ، فليس التخصيص بالذكر إلّا من أجل أنّه القوت الغالب عندهم ، لكثرة وجوده لديهم ، فيعلم أنّ العبرة بهذا العنوان من غير خصوصيّة للأفراد وأنّ ذكرها في الروايات ليس إلّا من باب المثال وبيان الصغرى لتلك الكبرى.

وثالثاً : ما أسلفناك قريباً من أنّ هاتيك الخمسة لم تذكر مجتمعة ولا في رواية واحدة معتبرة ، وإنّما ذكرت متفرّقة متشتّتة وكان التخصيص بها نتيجة الجمع بين الأخبار المختلفة بعد ضمّ بعضها إلى بعض كما تقدّم. وهذا كما ترى كاشف قطعي عن أنّ الروايات الواردة في هذه الأجناس لم تكن في مقام الحصر ،

.................................................................................................


ولأجله اقتصر في بعضها على بعض ، فيظهر من ذلك بوضوح أنّه لا خصوصيّة لشي‌ء منها ، وإنّما ذكرت من باب المثال لمطلق القوت الغالب الذي هو تمام الموضوع للحكم.

ورابعاً : ما نلاحظه من تكرار لفظ الصاع في جميع تلك النصوص المعتبرة وأنّ الفطرة صاع من حنطة وصاع من شعير وصاع من تمر وصاع من زبيب ، كما في موثّق ياسر القمّي (1)وغيره ، مع إمكان الاكتفاء بكلمة الصاع مرّة واحدة ، فإنّ ذلك لم يظهر له أيّ وجه ما عدا أنّ العناية البليغة والاهتمام التامّ في هذه الأخبار معطوف نحو الكمّ والمقدار ، ولا نظر فيها إلى الجنس وذي المقدار ، وإنّما ذكر ذلك من باب المثال ، وأنّ العمدة التنبيه على مساواة هذه الأجناس في التقدير بالصاع ، خلافاً للعامّة وطعناً على ما ابتدعه عثمان ومعاوية من التقدير في الحنطة بنصف الصاع كما أُشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة.

وعلى الجملة : فلا ظهور لهذه الأخبار في الاختصاص بالخمسة ، بل هي مسوقة لبيان أنّ الكمّيّة في الجميع واحدة بلا فرق بين الأجناس أبداً ، فطبعاً لم يكن ذكرها إلّا من باب المثال.

وعليه ، فظهور صحيحة زرارة في أنّ العبرة بالقوت الغالب سليمٌ عن أيّ معارض ، فيؤخذ به.

وتحمل الأجناس الواردة في تلك الأخبار التي ربّما يستظهر منها الاختصاص على المثال حسبما عرفت.

هذا ، مع الإغماض عن كلّ ما ذكرناه وتسليم عدم ظهور النصوص فيما استظهرناه فغايته الشكّ في لحاظ الخصوصيّة لهذه الخمسة فيتمسّك في نفيها بأصالة البراءة ، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها عند الشكّ في


1) الوسائل 9 : 334 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 5.

والأحوط الاقتصار على الأربعة الأُولى (1)(1) وإن كان الأقوى ما ذكرنا.


الجزئيّة أو الشرطيّة.

فتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأظهر الاكتفاء بكلّ ما يكون قوتاً غالباً ، سواء أكان من الخمسة أم من غيرها ، وإن كان الأحوط الاقتصار على الخمسة كما أُشير إليه في المتن ، لكن بشرط كونها من القوت الغالب ، وإلّا فالأحوط خلافه ، إذ قد يكون القوت الغالب في بعض البلاد شي‌ء وفي بعض شي‌ء آخر ، فمقتضى الاحتياط حينئذٍ إخراج ذلك القوت إن لم يكن من الخمسة ، وأحوط منه الجمع بين الأمرين.

(1) للتسالم على الاجتزاء بها ، مضافاً إلى القول بالاختصاص كما تقدّم ، ولكنّه مشروط بكونها من القوت الغالب كما تقدّم ، وإلّا فالأحوط دفع القوت الغالب ، وأحوط منه الجمع بين الأمرين ، ففي مثل بلاد طبرستان التي يكون القوت الغالب فيها الأرز الأحوط الجمع بينه وبين أحد الأربعة.

والمتحصّل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : أنّ المستفاد من النصوص بعد ضمّ بعضها إلى بعض أنّه تجزئ الحنطة والشعير والتمر والزبيب والأقط واللبن.

كما أنّ المستفاد من صحيح زرارة وابن مسكان كفاية كلّ ما يغذّي به الإنسان عياله ، المعبّر عنه بالقوت الغالب ، فيشمل مثل الماش والعدس والأرز وإن لم يرد الأخير في شي‌ء من النصوص.

وأمّا ما لا يكون غذاءً وإن كان ممّا يحتاج إليه كالرطب والعنب والبسر والحصرم ونحوها من المراتب السابقة على التمر والزبيب فلا يجتزئ بها ، لعدم التقوّت والتغذّي بها ولو في بعض البلدان وفي نوبة واحدة ، بخلاف التمر والزبيب


1) هذا الاحتياط يختصّ بما إذا كانت من القوت الغالب.

بل يكفي الدقيق والخبز (1)(1) والماش ، والعدس.


فإنّهما كذلك ، ومن ثمّ اقتصر عليهما في النصوص ولم يذكر شي‌ء من المراتب السابقة عليهما ، مع أنّ الرطب والعنب أكثر وجوداً ، لمسبوقيّة التمر والزبيب بهما.

وأولى بعدم الإجزاء ما يكون مثل السكّر والملح والدبس ، بل الخضروات بالأسر حتّى الخيار ، فإنّ شيئاً منها لا يكتفى بها في مقام التغذّي ولو لقوم أو بلد خاصّ في نوبة واحدة وإن كان الجميع ممّا يحتاج إليه في الطعام.

(1) أمّا الدقيق فإن كان صاعاً فهو كافٍ قطعاً ، لعدم احتمال مدخليّة الحنطة بشكلها الخاصّ ، فإنّ هذا حنطة وإن تغيّرت صورته ، بل الصاع منه يزيد على الصاع منها بمقدار الربع ، ومن ثمّ كان أفضل ، لكونه أنفع بحال الفقير كما لا يخفى.

وإن كان أقلّ كما لو طحن صاع من الحنطة ، حيث يكون الدقيق الخالص بعد الطحن حوالي ثلاثة أرباع الصاع كما عرفت فيشكل الاجتزاء حينئذٍ ، نظراً إلى أنّ مقتضى الجمود على ظواهر النصوص لزوم اشتمال المواد الفعليّة للمدفوعات على صاع كامل من الحنطة أو الشعير ، والمفروض نقصان الدقيق المدفوع عن هذا الوزن.

إلّا أنّ المستفاد من صحيح عمر بن يزيد هو الاجتزاء وأنّ النقص يحتسب بدلاً عن اجرة الطحن ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) تعطى الفطرة دقيقاً مكان الحنطة؟ «قال : لا بأس ، يكون أجر طحنه بقدرٍ ما بين الحنطة والدقيق» (2).

فإن كان إجماع على خلافه فليطرح ، وإلّا كما هو الصحيح ، نظراً إلى أنّ


1) (*) في كفاية الخبز إشكال ، إلّا إذا كانت مادته بمقدار الصاع.

2) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 5.

.................................................................................................


مورده الحنطة وأنّها بنفسها لا تقلّ عن الصاع دون المتّخذ منه ، فلا مانع من العمل به بعد عدم قيام إجماع على خلافه.

وأمّا الخبز فإن كان أصله صاعاً من الحنطة المستلزم لكون وزنه الفعلي صاعاً ونصف الزيادة بعد الطبخ بمقدار الثلث من أجل المزيج وهو الماء فلا إشكال في الاكتفاء كما عرفت في الدقيق ، بل هو أولى ، لكونه أنفع بحال الفقير. وأمّا لو كان وزنه الفعلي صاعاً واحداً المستلزم لكون الحنطة المتّخذ هو منها أقلّ بمقدار الثلث فيجري فيه الإشكال المتقدّم في الدقيق ، فإن أمكن التعدّي من مورد الصحيح بأن يكون النقص هنا بإزاء أجر الطبخ كما كان في الدقيق بإزاء أجر الطحن فهو ولكنّه مشكل جدّاً.

بل الظاهر عدم الإجزاء ، إذ المنسبق من الأدلّة لزوم دفع صاع من نفس الحنطة الخالصة أو الشعير كذلك لا بضميمة المزيج ، بل لا يجزئ حتّى لو كان المزيج من جنس الفطرة ، ولذا لا يكفي الصاع الملفّق من الحنطة والشعير كما سيجي‌ء (1)، فضلاً عن كونه من غير الجنس كالماء المشتمل عليه الخبز ، فإذا لم يجز المزيج من الجنس فمن غيره بطريق أولى ، إذ لا يحتمل أنّ نصف صاع من الحنطة لا يجزئ وبعد طحنها ومزجها بالماء وصيرورتها عجيناً يجزئ مع بلوغ الصاع ، فليس كلّ ما كان صاعاً قابلاً للأكل مجزئاً ، بل لا بدّ وأن تكون المواد صاعاً إمّا من الحنطة أو الشعير ونحوهما.

ويؤكّده أنّ الخبز كان كثير الوجود ومتعارفاً بيعه في الأسواق ، ومع ذلك لم يذكر في شي‌ء من الأخبار ، فلو كان الصاع منه مجزئاً لكان أولى بالذكر من الحنطة ونحوها كما لا يخفى ، لكثرة وجوده وكثرة حاجة الفقير إليه ، بل هو أنفع بحاله.


1) في ص 448.

والأفضل إخراج التمر (1).


وممّا ذكر تعرف عدم الإجزاء بصاع من الحنطة أو الأرز المطبوخين الذي ربّما يعادل نصف صاع من الخالص منهما.

وأمّا ما قيل من استظهار كون الدقيق في الصحيح المتقدّم قيمةً لا أصلا.

ففيه : أوّلاً : أنّه خلاف الظاهر جدّاً ، بل الظاهر دفع الدقيق فطرةً لا قيمةً كما لا يخفى.

وثانياً : ما سيأتي قريباً إن شاء تعالى وتقدّم في زكاة المال من اختصاص القيمة بالأوراق النقديّة ونحوها ممّا هو متمحّض في الثمنيّة ، لا دفع كلّ شي‌ء له ماليّة كفراش أو كتاب قيمةً عن الحنطة مثلاً فإنّ الدليل قاصر عن هذا التعميم ، ولا سيّما بلحاظ التعليل في بعض النصوص بكونه أنفع بحال الفقير.

(1) كما دلّت عليه النصوص الكثيرة ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث في صدقة الفطرة قال : «قال : التمر أحبّ ذلك إليّ» (1)يعني : الحنطة والشعير والزبيب.

قوله : يعني ، من كلام صاحب الوسائل كما نبّه عليه المعلّق ، وكان عليه الفصل بينهما بمثل قوله : أقول ، كي لا يوهم أنّه جزء من الرواية.

وموثّقة إسحاق بن عمّار : عن صدقة الفطرة «قال : التمر أفضل» (2).

وصحيحة هشام «قال : التمر في الفطرة أفضل من غيره ، لأنّه أسرع منفعة وذلك أنّه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه» (3)، ونحوها غيرها.


1) الوسائل 9 : 349 / أبواب زكاة الفطرة ب 10 ح 1.

2) الوسائل 9 : 350 / أبواب زكاة الفطرة ب 10 ح 4.

3) الوسائل 9 : 351 / أبواب زكاة الفطرة ب 10 ح 8.

ثمّ الزبيب (1) ، ثمّ القوت الغالب (2). هذا إذا لم يكن هناك مرجّح ، من كون غيرها أصلح بحال الفقير وأنفع له ، لكن الأولى والأحوط حينئذٍ دفعها (1)بعنوان القيمة.


(1) كما هو المعروف ، ولكن قد يقال بأنّ مقتضى التعليل المتقدّم في صحيح هشام مساواته مع التمر في الفضل ، ويندفع بالتصريح في صحيحة الحلبي المتقدّمة بأفضليّة التمر من الزبيب ، فمن الجائز أن تكون في التمر جهات أُخرى مختصّة أوجبت أفضليّته منه وإن اشتركا في هذه الجهة.

(2) إن كان المراد به الغالب لنفسه وعياله كما ذكره غيره من الفقهاء كالمحقّق في الشرائع (2)أي القوت الشخصي من حنطة أو شعير وأنّ الأفضل اختياره بعد التمر والزبيب وإن كان على خلاف القوت الغالب لعامّة الناس ، فله وجه ، وقد دلّت عليه مرسلة يونس (3)وخبر الهمداني الوارد في تقسيم الأمصار (4)، بل ظاهرهما الوجوب ، ولكن من أجل ضعف السند تحملان على الاستحباب ولو من باب التسامح في أدلّة السنن.

إلّا أنّ هذا لا يلائم مع قوله (قدس سره) أخيراً من أنّ الأولى والأحوط دفعها بعنوان القيمة لو كان غيرها أصلح بحال الفقير ، فإنّ إطلاقه يشمل ما لو كان ذلك الغير من الأجناس المنصوصة كالأقط واللبن والحنطة ونحو ذلك ، فلو


1) (*) إذا كان المعطى من أحد النقدين وما بحكمهما تعيّن ذلك ، وأمّا إذا لم يكن من أحدهما ولم يكن من القوت الغالب النوعي فالأحوط بل الأظهر عدم الاجتزاء به.

2) الشرائع 1 : 202 203.

3) الوسائل 9 : 344 / أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 4.

4) الوسائل 9 : 343 / أبواب زكاة الفطرة ب 8 ح 2.

.................................................................................................


كان قوته الشخصي هو الشعير مثلاً والفقير بحاجة إلى اللبن أو الحنطة فما هو وجه الاحتياط في دفع الحنطة مثلاً قيمةً عن الشعير؟! أفهل كان من المحتمل وجوب دفع القوت الشخصي لنحتاج إلى الاحتياط المزبور؟! نعم ، كونه أولى لا يخلو عن وجه ، لاحتمال أولويّة الاحتساب من القوت الشخصي على أيّ حال. وأمّا الاحتياط بأن يدفع الحنطة قيمةً عن الشعير فلا معنى له أبداً ، لعدم احتمال الوجوب بتاتاً كما عرفت.

وإن كان المراد القوت الغالب لغالب الناس كما هو ظاهر كلامه بقرينة ذكره في صدر العبارة فهذا صحيح ، إذ بعد فقد ما هو الأفضل من التمر ثمّ الزبيب فبطبيعة الحال ينتقل الأمر بعدئذٍ إلى سائر الأجناس ممّا يتقوّت به عامّة الناس.

إلّا أنّ الاحتياط المزبور فيما لو كان غيره أصلح بحال الفقير كاللباس أو الفراش ونحوهما أيضاً لا معنى له ، لأنّا إن قلنا بجواز دفع القيمة من غير النقدين فالمتعيّن عند دفع الأصلح قصد القيمة لا أنّه أحوط ، لفرض عدم كونه من جنس الفطرة. وإن لم نقل بذلك وخصّصنا القيمة بالنقدين كما هو الصحيح فلا يجوز الدفع بعنوان القيمة بتاتاً ، فلا نعرف وجهاً لهذا الاحتياط أبداً.

وبالجملة : فلم يظهر لنا القيام صدر هذه العبارة مع ذيلها ، ولم يتّضح المراد ، فإنّه إن أراد القوت الشخصي فله وجه ، ولكن الاحتياط حينئذٍ لم يكن في محلّه ، إذ قد يكون غيره منصوصاً عليه كما عرفت. وإن أراد الغالب لغالب الناس فيتعيّن القيمة على تقديرٍ ولا يجوز على التقدير الآخر. وعلى أيّ حال ، لم يكن أيّ وجه للاحتياط ، فلاحظ وتدبّر.

[2856] مسألة 1 : يشترط في الجنس المخرج كونه صحيحاً (1)(1) ، فلا يجزئ المعيب ويعتبر خلوصه فلا يكفي الممتزج بغيره (2) من جنس آخر أو تراب أو نحوه ، إلّا إذا كان الخالص منه بمقدار الصاع أو كان قليلاً يتسامح به


(1) كما ذكره الشهيد في الدروس (2)، مستدلّاً عليه في الجواهر بالانسباق (3)، وربّما يؤيّد بما ورد في زكاة المال من عدم الاجتزاء بالشاة المريضة أو التي فيها عيب أو عوار.

أقول : الاحتياط في ذلك في محلّه ، وأمّا الفتوى فكلّا ، لعدم الدليل ، والانصراف المزبور كما ترى ، إلّا إذا كان العيب بمثابةٍ يسقطه عن صلاحيّة الاستعمال في الأكل بحيث لا ينتفع به إلّا للدواب والدواجن ، فإنّ الانصراف عن مثل هذا المعيب ممّا لا تأمّل فيه.

وأمّا العيب دون ذلك الغير المانع عن الأكل ولا سيّما إذا كان المعطي بنفسه ليتقوّت به فضلاً عمّا إذا اقتات به أهل البلد كما لو أصاب المطر الحنطة أو الأرز في هذه السنة فأحدث فيها العيب ، فلم يظهر أيّ وجه لعدم الاجتزاء بها بعد صدق العنوان وإطلاق الدليل وعدم الانصراف حسبما عرفت.

(2) لخروجه عن العنوان المأمور به كصاع من الحنطة مثلاً ولذا لا يكفي الملفّق حتّى من جنس الفطرة كنصف صاع من الحنطة الممتزج بنصف صاع من الشعير كما سيجي‌ء (4)فضلاً عمّا إذا كان المزيج مثل التراب ونحوه.


1) (*) على الأحوط.

2) الدروس 1 : 251.

3) الجواهر 15 : 518.

4) في ص 448.

[2857] مسألة 2 : الأقوى الاجتزاء بقيمة أحد المذكورات (1) من الدراهم والدنانير أو غيرهما من الأجناس الأُخر (1)، وعلى هذا فيجزئ المعيب والممزوج ونحوهما بعنوان القيمة ، وكذا كلّ جنس شكّ في كفايته فإنّه يجزئ بعنوان القيمة.


نعم ، لو كان خالص الممتزج بعد التصفية بمقدار صاع من الحنطة مثلاً أو كان المزيج مستهلكاً لقلّته كمثقال تراب في صاع من الحنطة لم يكن به بأس ، إذ لا ضير في الضميمة الزائدة كما لا ضير فيما يتسامح به ، بل الغالب في هذه الأجناس كذلك ، ولذا لو باع صاعاً مكيّاً من الحنطة وسلّمه ما يشتمل على مثقال أو مثقالين من التراب لم يكن به بأس كما هو واضح.

(1) لا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد دلّت عليه جملة وافرة من الأخبار بالغة حدّ الاستفاضة بل فوقها ، وفي بعضها أنّها أنفع للفقير ، إذ يشتري بها ما يريد.

كما لا إشكال في الاجتزاء بغير الدراهم من الدنانير ونحوها من النقود وإن اختصّت النصوص بالأوّل ، إذ لا يحتمل أن يكون للدرهم خصوصيّة تستدعي الاقتصار عليه ، بل هو من باب المثال لمطلق الأثمان ، ولعلّ تخصيصه بالذكر من أجل قلّة الفطرة ، حيث إنّها كما سيجي‌ء (2)عن كلّ رأس صاع ، المعادل للدرهم ، أو مع زيادة يسيرة ، فلا مقتضي للتقدير بالدينار ، لا أنّه لا يجزئ مع وجود المقتضي كما في كثير العائلة ، فلو أعالَ شخص عشرين نفراً مثلاً وأراد الإخراج عنهم بالدينار جاز بلا إشكال ، ويدلّ عليه التعليل بالأنفعيّة في


1) (*) وفي الاجتزاء بغير الدراهم والدنانير وما بحكمهما إشكال بل منع كما تقدّم ، وبهذا يظهر الحال في الفروع الآتية.

2) في ص 449.

.................................................................................................


موثّقة إسحاق بن عمّار (1)، فإنّه كالصريح في أنّ العبرة في القيمة بالأنفعيّة الشاملة لمطلق الثمن من غير خصوصيّة للدرهم ، وهذا واضح لا سترة عليه.

وإنّما الكلام في إعطاء القيمة من غير النقدين كاللباس والفراش ونحوهما من الأجناس ، وقد جوّزه الماتن تبعاً لجماعة من الأصحاب منهم صاحب الجواهر (2)مستدلّين له بالإطلاق في بعض الأخبار ، وعمدته موثّقة إسحاق ابن عمّار الذي هو الراوي لأكثر أخبار الباب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا بأس بالقيمة في الفطرة» (3)، فإنّ القيمة مطلقٌ يشمل الأثمان وغيرها ممّا له ماليّة.

ولكن صاحب المدارك خصّ الحكم بالأثمان (4)، لما يرتئيه من الخدش في سند هذه الرواية ، من أجل الاشتمال على الحسن بن علي بن فضّال الذي هو فطحي وإن كان ثقة ، ولذا يجيب عنه في الجواهر بأنّ الموثّق كالصحيح في الحجّيّة.

أقول : ما ذكره في الجواهر وإن كان وجيهاً فلا وقع للخدش في السند ، إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن المساعدة على إطلاق الحكم ، وذلك من أجل ظهور عنوان القيمة في الأثمان ، فتقوم الأموال بما هو متمحّض في الثمنيّة كالدرهم والدينار وما يلحق بهما من الأوراق النقديّة لا بمال آخر ، فإذا قيل : ما قيمة هذا الدار؟ يقال : كذا ديناراً مثلاً لا كذا فراشاً أو لباساً أو عقاراً ونحوها ، وبهذه العناية يمتاز البائع عن المشتري لدى المبادلة ، حيث إنّ المشتري يلاحظ الخصوصيّات التي تحتوي عليها العين الموجبة لرغبة العقلاء ، بخلاف البائع فإنّ نظره مقصور على ملاحظة كم الثمن الذي هو متمحّض في الماليّة فقط. وكيف


1) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 6.

2) الجواهر 15 : 519.

3) الوسائل 9 : 348 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 9.

4) المدارك 5 : 336 337.

.................................................................................................


ما كان ، فلفظ القيمة غير ظاهر في الإطلاق ، بل في خصوص ما هو متمحّض في الماليّة المنحصر في النقدين وما يلحق بهما.

ويدلّ عليه غير واحد من الأخبار :

منها : موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الفطرة «فقال : الجيران أحقّ بها ، ولا بأس أن يعطى قيمة ذلك فضّة» (1)، حيث قيّد القيمة بالفضّة.

وموثّقته الأُخرى : «لا بأس أن يعطيه قيمتها درهماً» (2).

وموثّقته الثالثة : ما تقول في الفطرة ، يجوز أن أُؤدّيها فضّة بقيمة هذه الأشياء ... (3).

فإنّ الظاهر من الكلّ التقويم بخصوص الأثمان.

فما ذكره صاحب المدارك من الاختصاص بالنقدين هو الصحيح ، لعدم الإطلاق في تلك الموثّقة أوّلاً ، ومع التسليم فهو مقيّد بهذه النصوص.

بقي الكلام في روايتين :

إحداهما : صحيحة عمر بن يزيد ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) تعطى الفطرة دقيقاً مكان الحنطة؟ «قال : لا بأس ، يكون أجر طحنه بقدرٍ ما بين الحنطة والدقيق» (4).

وقد احتمل كما تقدّم (5)ظهورها في جواز دفع القيمة من غير النقدين


1) الوسائل 9 : 348 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 10.

2) الوسائل 9 : 348 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 11.

3) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 6.

4) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 5.

5) في ص 437.

.................................................................................................


وهو الدقيق.

ولكن عرفت ما فيه بأنّ ذلك ليس من باب القيمة ، بل الدقيق بنفسه فطرة ، فإنّه حنطة مطحونة ، غايته أنّه يقلّ بالطحن عن الصاع ، فدلّت الصحيحة على عدم البأس وأنّ ذلك يعدّ اجرة الطحن ، وقلنا : إنّه لم يقم إجماع على خلافها ، فهذه الرواية أجنبيّة عن التعرّض للقيمة. نعم ، ذيلها متعرّض لها ، إلّا أنّه مقيّد بالدرهم ، فلاحظ.

الثانية : ما رواه الشيخ بإسناده عن الصفّار ، عن محمّد بن عيسى ، عن سليمان بن جعفر المروزي ، قال : سمعته يقول : «إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة ، والصدقة بصاع من تمر أو قيمته في تلك البلاد دراهم» (1)، هكذا في الوسائل ، ورواها في الاستبصار بهذه الصورة أيضاً ، وأمّا التهذيب فقد روى عين هذه الرواية ولكن عن محمّد بن مسلم بدل : محمّد بن عيسى ، وذكر أيضاً سليمان بن حفص المروزي ، بدل : سليمان بن جعفر المروزي.

والظاهر وقوع التحريف في كلا الكتابين ، فإنّ الراوي هو محمّد بن عيسى كما في الاستبصار ، لا محمّد بن مسلم ، إذ ليس هو في طبقة من يروي عن سليمان ، ففي التهذيب تحريف من هذه الناحية ، كما أنّ سليمان بن جعفر في الاستبصار تحريف ، والصحيح سليمان بن حفص كما في التهذيب بقرينة سائر الروايات ، حيث إنّ محمّد بن عيسى إنّما يروي عن سليمان بن حفص المروزي. وأمّا سليمان بن جعفر فلا وجود له أصلاً.

ولكن الرواية ضعيفة السند على كلّ حال ، لعدم وثاقة ابن حفص بوجه ، وإن كانت الدلالة على المطلوب أعني : اختصاص القيمة بالدرهم تامّة ، فهي


1) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 7 ، التهذيب 4 : 87 / 256 ، الاستبصار 2 : 50 / 169.

[2858] مسألة 3 : لا يجزئ نصف الصاع مثلاً من الحنطة الأعلى وإن كان يسوى صاعاً من الأدون أو الشعير مثلاً إلّا إذا كان بعنوان القيمة (1).


لا تصلح إلّا للتأييد.

(1) بناءً على جواز إخراج القيمة من غير النقدين كما اختاره (قدس سره) استناداً إلى الإطلاق في موثّق إسحاق المتقدّم.

ولكن جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره) (1)استشكلوا في ذلك ، نظراً إلى قصور الأخبار عن الدلالة على كفاية القيمة من نفس الأجناس ، بل ظاهرها اعتبار الصاع من كلّ منها ، ولا يكفي الأقلّ وإن تساوى في القيمة صاعاً من نوع آخر ، فهي ظاهرة في كون القيمة من جنس آخر.

والأمر كما ذكروه ، فلا يجزئ الأقلّ من الصاع حتّى بعنوان القيمة :

أمّا بناءً على المختار من اختصاص القيمة بالنقدين فظاهر.

وأمّا بناءً على التعميم فلأجل أنّ ما دلّ على كفاية القيمة ظاهرٌ في كونه قيمة لنفس تلك الأجناس ، فالقيمة شي‌ء وتلك الأجناس شي‌ء آخر ، قضاءً لمغايرة القيمة لذي القيمة ، بحيث لو ضممنا الروايتين وجمعناهما في كلام واحد بأن قال (عليه السلام) أوّلاً : الفطرة صاع من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو لبن أو أقط ، ثمّ قال (عليه السلام) بعد ذلك : ولا بأس بالقيمة في الفطرة ، لا يشكّ العرف في أنّ القيمة شي‌ء آخر مغاير لتلك المذكورات يساوي في الماليّة مع واحد منها ، فاستظهار كون القيمة من غير جنس الفطرة في محلّه.


1) الجواهر 15 : 520.

[2859] مسألة 4 : لا يجزئ الصاع الملفّق من جنسين بأن يخرج نصف صاع من الحنطة ونصفاً من الشعير مثلاً إلّا بعنوان القيمة (1).


وأمّا ما في صحيحة عمر بن يزيد من دفع الدقيق مكان الحنطة فقد عرفت عدم كونه من باب القيمة ، بل من باب دفع الناقص عن الصاع بدلاً عن الكامل عوضاً عن اجرة الطحن ، فإن كان إجماع على خلافها فلتطرح ، وإلّا فلا حسبما عرفت.

(1) لظهور الأدلّة في لزوم كون المدفوع من أيّ جنس كان صاعاً واحداً ، بحيث يصدق عليه أنّه صاع من حنطة أو صاع من شعير أو زبيب أو تمر أو غير ذلك ممّا يغذّي عياله ، المعبّر عنه بالقوت الغالب من عدس وأرز ونحوهما ، فهو مهما كان لا بدّ وأن يكون مصداقاً لصاعٍ من جنسه ، الغير المنطبق على الملفّق من الجنسين ، فإنّ نصف الصاع من الحنطة المنضمّ إلى النصف من الشعير لا يصدق عليه عنوان الصاع من الحنطة ولا الصاع من الشعير ، فلا يجزئ ، وهكذا الحال في سائر الأجناس.

نعم ، لا بأس بذلك بعنوان القيمة ، لما عرفت من أنّ المركّب منهما بما هو مركّب لا يندرج لا في صاع من هذا الجنس ولا في صاع من الجنس الآخر ، فهو بما هو كذلك لا يعدّ من جنس الفطرة وإن كان أبعاضه يعدّ من أجزائها. وعليه ، فلا مانع من احتسابه بعنوان القيمة ، وبذلك يفترق عن المسألة السابقة التي تقدّم المنع فيها حتّى بعنوان القيمة.

هذا بناءً على تعميم القيمة لغير النقدين.

وأمّا على الاختصاص كما هو الأظهر فلا يجوز ذلك أيضاً.

[2860] مسألة 5 : المدار قيمة وقت الإخراج (1) لا وقت الوجوب ، والمعتبر قيمة بلد الإخراج لا وطنه ولا بلد آخر ، فلو كان له مال في بلد آخر غير بلده وأراد الإخراج منه كان المناط قيمة ذلك البلد لا قيمة بلده الذي هو فيه.

[2861] مسألة 6 : لا يشترط اتّحاد الجنس الذي يخرج عن نفسه مع الذي يخرج عن عياله (2) ، ولا اتّحاد المخرج عنهم بعضهم مع بعض ، فيجوز أن يخرج عن نفسه الحنطة وعن عياله الشعير ، أو بالاختلاف بينهم ، أو يدفع عن نفسه أو عن بعضهم من أحد الأجناس وعن آخر منهم القيمة ، أو العكس.

[2862] مسألة 7 : الواجب في القدر الصاع عن كلّ رأس (3) ، من جميع الأجناس حتّى اللبن على الأصحّ.


(1) لاحظ شرح هذه المسألة في ص 456.

(2) كلّ ذلك لإطلاق الأدلّة بعد عدم ورود دليل على اعتبار الاتّحاد من غير خلاف فيه ولا إشكال.

(3) إجماعاً كما عن غير واحد ، بل في الجواهر الإجماع بقسميه وقال (قدس سره) : إنّه يمكن دعوى تواتر الأخبار (1).

ولكن الظاهر أنّ دعوى التواتر لا أساس لها ، فإنّ الوارد في المقام روايات معدودة وأكثرها مخدوشة سنداً وإن كان فيها الصحاح أيضاً. وكيفما كان ، فلا ينبغي الإشكال في أنّ الواجب إنّما هو مقدار الصاع في كافّة الأجناس ، وقد


1) الجواهر 15 : 522.

.................................................................................................


دلّت عليه جملة من الأخبار :

منها : صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، قال : سألته عن الفطرة ، كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟ «قال : صاع بصاع النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله)» (1).

وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : يعطى أصحاب الإبل والغنم والبقر في الفطرة من الأقط صاعاً» (2).

وصحيحة محمّد بن عيسى : «... عليك أن تخرج عن نفسك صاعاً بصاع النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ، وعن عيالك أيضاً» (3)، ونحوها غيرها.

ولكن بإزائها عدّة من الأخبار ، وفيها المعتبرة ، وهي على طائفتين :

الأُولى : ما دلّت على كفاية نصف الصاع في خصوص الحنطة :

كصحيحة الحلبي ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صدقة الفطرة «فقال : على كلّ من يعول الرجل ، على الحرّ والعبد ، والصغير والكبير ، صاع من تمر ، أو نصف صاع من برّ ، والصاع أربعة أمداد» ، ونحوها صحيحة عبد اللّه ابن سنان ، غير أنّه زاد : «أو صاع من شعير» (4).

وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن صدقة الفطرة «قال : صاع من تمر ، أو نصف صاع من حنطة ، أو صاع من شعير ، والتمر أحبّ إليّ» (5).


1) الوسائل 9 : 332 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 1.

2) الوسائل 9 : 333 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 2.

3) الوسائل 9 : 334 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 6.

4) الوسائل 9 : 336 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 12.

5) الوسائل 9 : 337 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 15.

.................................................................................................


وكأنّه يظهر منها أنّ في الحنطة خصوصيّة يكتفى فيها بنصف الصاع.

هذا ، ولو كنّا نحن وهذه الروايات من غير قرينة خارجيّة لأمكن الجمع بالحمل على الأفضليّة وأنّ الواجب في الحنطة نصف الصاع وأفضله الصاع الكامل وإن كان وارداً في مقام التحديد ، نظير ما ورد في بعض الكفّارات ، حيث ورد تارةً أنّها مدّ وأُخرى أنّها مدّان ، فجمع بينهما بالحمل على الاستحباب.

ولكن بالقرينة الخارجيّة علمنا أنّ نصوص النصف خرجت مخرج التقيّة ، وهي الروايات الكثيرة المعتبرة المتضمّنة أنّ هذه الاحدوثة من فعل عثمان وهو الذي بدّل وغيّر ، وتبعه على ذلك معاوية بعد أن عاد الحقّ إلى مقرّه في زمن خلافة مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى أولاده الطاهرين ، ومن ثمّ نُسب ذلك في الأخبار تارةً إلى عثمان وأُخرى إلى طاغوت عصره معاوية ، باعتبار أنّه جدّد ما أحدثه عثمان بعد عود الحقّ إلى مقرّه ، وإليك بعضها :

فمنها : صحيحة معاوية بن وهب ، قال : سمعتُ أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الفطرة : «جرت السنّة بصاع من تمر ، أو صاع من زبيب ، أو صاع من شعير ، فلمّا كان زمن عثمان وكثرت الحنطة قدّمه الناس فقال : نصف صاع من برّ بصاع من شعير» (1).

ومنها : معتبرة ياسر القمّي خادم الرضا (عليه السلام) الذي هو موثّق عندنا ، لوجوده في إسناد تفسير علي بن إبراهيم عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) «قال : الفطرة صاع من حنطة ، وصاع من شعير ، وصاع من تمر ، وصاع من زبيب ، وإنّما خفّف الحنطة معاوية» (2)، ونحوها رواية الحذّاء المتضمّنة


1) الوسائل 9 : 335 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 8.

2) الوسائل 9 : 334 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 5.

.................................................................................................


لإسناد ذلك إلى معاوية أيضاً (1)، وقد عرفت عدم التنافي بين الإسناد إليه تارةً وإلى عثمان اخرى.

الطائفة الثانية : ما تضمّنت أنّه نصف الصاع في غير الحنطة أيضاً ، إمّا هي مع الشعير أو سائر الأجناس ما عدا التمر والزبيب.

فمن الأوّل : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) في حديث «قالا : فإن أعطى تمراً فصاع لكلّ رأس ، وإن لم يعط تمراً فنصف صاع لكلّ رأس من حنطة أو شعير ، والحنطة والشعير سواء» (2).

وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك إلى أن قال : عن كلّ إنسان نصف صاع من حنطة أو شعير ، أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين» (3).

ومن الثاني : صحيحة محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : «الصدقة لمن لا يجد الحنطة والشعير يجزئ عنه القمح والعدس والسلت والذرة ، نصف صاع من ذلك كلّه ، أو صاع من تمر أو زبيب» (4).

وقد حمل الشيخ (قدس سره) هذه الروايات بأجمعها على التقيّة (5).

ولم يظهر له أيّ وجه ، إذ لم ينقل قول من العامّة بكفاية نصف الصاع في غير الحنطة ، وإنّما خلافهم معنا فيها فقط تبعاً منهم لمعاوية وعثمان كما سمعته من النصوص المتقدّمة ، فلم يكن مضمونها موافقاً للعامّة كي تحمل على التقيّة.


1) الوسائل 9 : 335 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 10.

2) الوسائل 9 : 337 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 14.

3) الوسائل 9 : 336 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 11.

4) الوسائل 9 : 337 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 13.

5) التهذيب 4 : 82.

وإن ذهب جماعة من العلماء فيه إلى كفاية أربعة أرطال (1)


ولكن الذي يسهّل الخطب أنّه لا يمكن القول بكفاية نصف الصاع في الشعير وغيره بعد الالتزام بلزوم الصاع في الحنطة التي هي أغلى قيمةً وأثمن من الباقي ، فإنّ هذا مضافاً إلى مخالفته لجميع أقوال المسلمين من الخاصّة والعامّة مخالفٌ للضرورة والقطع الوجداني كما لا يخفى ، فلا بدّ وأن يكون صدورها لعلّة وسبب مجهول لدينا. وعليه ، لا مناص من طرحها وإن صحّت أسانيدها وردّ علمها إلى أهله.

(1) اختلف الأصحاب في القدر الواجب من الفطرة في اللبن :

فالمشهورة أنّه صاع كغيره.

وذهب جماعة منهم الشيخ في عدّة من كتبه والعلّامة والمحقّق في الشرائع والنافع (1)أنّه يكتفى بأربعة أرطال.

واختلف هؤلاء في تفسير الرطل :

فمنهم من جعله عراقيّاً كما هو ظاهر كلام المحقّق ، حيث قال : وفسّره قوم بالمدنيّة (2).

ومنهم من جعله مدنيّاً ، المعادل لستّة أرطال عراقيّة ، فإنّ الرطل المدني يعادل رطلاً ونصفاً بالعراقي ، نسب ذلك إلى الشيخ في مصباحه وكذلك العلّامة (3).

فالأقوال في المسألة ثلاثة.


1) المبسوط 1 : 241 ، التهذيب 4 : 84 ، الإستبصار 2 : 49 ، التبصرة : 49 ، الشرائع 1 : 203 ، المختصر النافع : 61.

2) الشرائع 1 : 203.

3) مصباح المتهجد : 665.

.................................................................................................


ويستدلّ للقول بكفاية الأربعة أرطال بمرفوعة إبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سُئل عن الرجل في البادية لا يمكنه الفطرة «قال : يتصدّق بأربعة أرطال من لبن» ، ونحوها مرسلة القاسم بن الحسن التي لا يبعد اتّحادها مع المرفوعة (1).

ولكنّها من أجل ضعف السند غير قابلتين للاعتماد ولم يبلغ العامل بهما حدّا يمكن أن يتوهّم انجبار الضعف بالعمل على القول بالجبر.

على أنّ الدلالة أيضاً قاصرة ، إذ لا تعرّض فيها لمقدار الفطرة ، بل قد فرض العجز عنها ، الظاهر في العجز عن جميع الأجناس حتّى اللبن عيناً وقيمةً ، فأمر (عليه السلام) بالتصدّق حينئذٍ أربعة أرطال ، فما يعطيه صدقة لا فطرة ، ومحل الكلام بيان مقدار الفطرة للمتمكّن منها ، فهي أجنبيّة عمّا نحن فيه بالكلّيّة وبين المسألتين بونٌ بعيد.

يبقى الكلام في مكاتبة محمّد بن الريّان ، قال كتبت إلى الرجل أسأله عن الفطرة وزكاتها ، كم تؤدّى؟ فكتب : «أربعة أرطال بالمدني» (2).

والظاهر أنّ من فسّر الرطل بالمدني استند إلى هذه الرواية.

ولكنّها بالرغم من صحّة سندها غير صالحة للاستدلال ، إذ لم يذكر فيها اللبن ، وإنّما سأل عن مقدار الفطرة بقولٍ مطلق وحملها عليه بلا شاهد. إذن فهي معارضة لجميع النصوص الدالّة على أنّ مقدار الفطرة صاع.

وما احتمله الشيخ من أنّ ذلك من تصحيف الراوي وأنّ أصله أربعة أمداد بدل أربعة أرطال (3).


1) الوسائل 9 : 341 / أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 3.

2) الوسائل 9 : 342 / أبواب زكاة الفطرة ب 7 ح 5.

3) التهذيب 4 : 84.

والصاع أربعة أمداد (1) ، وهي تسعة أرطال بالعراقي ، فهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال بالمثقال الصيرفي ، فيكون بحسب حقّة النجف التي


فهو مجرّد حمل لا شاهد عليه أيضاً.

وعليه ، فهذه رواية شاذّة لا قائل بها لا من العامّة ولا الخاصّة ، ومنافية لجميع الأخبار المشهورة كما عرفت ، فلا مناص من طرحها وردّ علمها إلى أهله.

فتحصّل : أنّه لا فرق بين اللبن وغيره في أنّ مقدار الفطرة في الجميع صاع واحد لا أقلّ من ذلك.

وهنا أمر آخر عجيب جدّاً ، وهو أنّ الشيخ ذكر في كتاب المصباح على ما حكاه عنه في الجواهر (1)أنّه فسّر الصاع في خصوص اللّبن بأربعة أرطال ، وأنّ مفهوم الصاع فيه يمتاز عن مفهومه في غيره ، وبذلك يرتفع التنافي بين الأخبار ، فلا يكون المقدار في اللبن أقلّ من الصاع ، إذ هو في الأقط صاع ففي اللبن بطريق أولى كما لا يخفى. إلّا أنّ مفهوم الصاع متى أُطلق على اللبن فالمراد أربعة أرطال مدنيّة المعادل ستّة أرطال عراقيّة ، ومتى أُطلق على غيره من الحنطة ونحوها فالمراد تسعة أرطال.

وهذا منه كما ترى عجيب جدّاً ، إذ لم ينقل عن أحد تفسير الصاع بمعنيين ، بل له معنى واحد ، وهو اسم لكمّيّة خاصّة من الوزن من دون فرق بين ما يتقدّر ، لبناً كان أم غيره.

(1) كما تقدّم ذلك مستقصًى في زكاة الغلّات ، فلاحظ (2).


1) الجواهر 15 : 524 وهو في المصباح : 665.

2) شرح العروة 23 : 315 316.

هي تسعمائة مثقال وثلاثة وثلاثون مثقالاً وثلث مثقال نصف حقّة ونصف وقيّة وأحد وثلاثون مثقالاً إلّا مقدار حمّصتين ، وبحسب حقّة الإسلامبول وهي مائتان وثمانون مثقالاً حقّتان وثلاثة أرباع الوقيّة ومثقال وثلاثة أرباع المثقال ، وبحسب المنّ الشاهي وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالاً نصف مَنّ إلّا خمسة وعشرون مثقالاً وثلاثة أرباع المثقال.

[2860] مسألة 5 : المدار قيمة وقت الإخراج (1) لا وقت الوجوب ، والمعتبر قيمة بلد الإخراج لا وطنه ولا بلد آخر ، فلو كان له مال في بلد آخر غير بلده وأراد الإخراج منه كان المناط قيمة ذلك البلد لا قيمة بلده الذي هو فيه.


(1) لانصراف الأمر بأداء القيمة إلى قيمة وقت الإخراج كبلدة لا وقت الوجوب أو بلد آخر ، وعليه تنزّل النصوص.

وتؤيّده رواية المروزي : «... والصدقة بصاع من تمر ، أو قيمته في تلك البلاد دراهم» (1).

والمشهور أنّه لا تقدير للقيمة ، بل العبرة بالقيمة الواقعيّة التي تختلف باختلاف الأزمان والأمكن ، وأنّ التقدير إنّما ورد بحسب الكيل والوزن ولم يرد بلحاظ القيمة.

ولكن الشرائع حكى عن قوم تقديره بدرهم ، وعن آخرين بثلثي درهم (2).

أمّا الأخير فلم يعرف له قائل ، بل قيل : ولا مستند. ولكن يمكن واللّه


1) الوسائل 9 : 347 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 7.

2) الشرائع 1 : 203.

.................................................................................................


العالم أن يكون مستنده مرسلة المفيد ، قال : وروى : «أنّ أقلّ القيمة في الرخص ثلثا درهم» (1)، غير أنّ إرساله مانع عن الاعتماد عليه.

وأمّا الدرهم فيستدلّ له بموثّقة إسحاق بن عمّار «قال : لا بأس أن يعطيه قيمتها درهماً» (2)، قال في الوسائل : هذا محمول على مساواة الدرهم للقيمة يومئذٍ أو زيادته ، لما تقدّم في حديث أيّوب بن نوح.

ولكنّه من البعد بمكان ، لاختلاف قيم الأجناس حتّى في ذلك الزمان بالضرورة ، فالحنطة أغلى من الشعير ، والزبيب أغلى من التمر ، وهكذا ، فكيف يمكن تقويم الكلّ بدرهم واحد؟

نعم ، رواية أيّوب بن نوح (3)تدلّ على التقدير بالدرهم ، ولكن لم يعلم أنّه قيمة لأيّ جنس ، فلا يمكن الأخذ بإطلاقها.

وكيف ما كان ، فيقع الكلام في الموثّقة تارةً من حيث السند ، وأُخرى من ناحية الدلالة.

أمّا السند : فقد قيل بضعفه من أجل الاشتمال على أحمد بن هلال الذي عدل عن الحقّ بعد أن كان من أصحاب أبي محمّد (

عليه السلام) ، فانحرف بعد أن كان مستقيماً ، لما كان يترقّبه من الوكالة عن الناحية المقدّسة ، وقد ورد في حقّه ذموم كثيرة.

وقد ضعّفه الشيخ في الاستبصار صريحاً وقال : ضعيف فاسد المذهب لا يلتفت إلى حديثه فيما يختصّ بنقله (4).


1) الوسائل 9 : 349 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 14 ، المقنعة : 251.

2) الوسائل 9 : 348 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 11.

3) الوسائل 9 : 346 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 3.

4) الاستبصار 3 : 28.

.................................................................................................


واستثناه ابن الوليد ممّا يرويه محمّد بن أحمد بن يحيى وتبعه الصدوق وابن نوح (1).

وقال النجاشي : إنّه صالح الرواية يعرف منها وينكر (2).

وفصّل الشيخ في العدّة بين ما يرويه حال استقامته وما يرويه حال انحرافه (3).

وفصّل ابن الغضائري بين ما يرويه عن كتاب ابن محبوب ونوادر ابن أبي عمير وبين غيرها (4).

وقال في التهذيب : إنّه مشهور بالغلوّ واللعنة ، وما يختصّ بروايته لا نعمل به (5).

وأخيراً صرّح الشيخ الأنصاري (قدس سره) بأنّه ممّن لا دين له ، لأنّه كان يظهر الغلوّ مرة والنصب اخرى مع ما بين المرحلتين من بعد المشرقين (6).

والذي يتحصّل لدينا من مجموع ما قيل في حقّه : أنّه لا ينبغي التأمّل في كون الرجل فاسد العقيدة ، مذموم السريرة ، باع دينه لدنياه طلباً للجاه والمقام ، إلّا أنّ ذلك كلّه لا يستوجب ضعف الرجل في الحديث ولا ينافي وثاقته ، بل الظاهر من عبارة النجاشي : صالح الرواية ، أنّه ثقة في نفسه ، غايته أنّ حديثه يعرف منها وينكر ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ رواية الراوي أُموراً منكرة من جهة كذب مَن حدّثه بها لا ينافي وثاقته بوجه ، فلا يصادم هذا التعبير تزكيته بأنّه


1) حكاه النجاشي : 348 / 939.

2) النجاشي : 83 / 199.

3) العدة : 56 57.

4) خلاصة الأقوال : 320 / 1256.

5) التهذيب 9 : 204 / 812.

6) كتاب الطهارة 1 : 355.

.................................................................................................


صالح الرواية. ويؤيّده وقوعه في إسناد كامل الزيارات.

وأمّا تضعيف الشيخ فهو اجتهادٌ منه استنتجه من كونه فاسد العقيدة ، فلا يمكن الاعتماد عليه ، بل أنّ تفصيله في العدّة بين ما يرويه حال الاستقامة وما يرويه بعدها لا يخلو عن نوع شهادة بالوثاقة.

وكذا تفصيل ابن الغضائري ، إذ مع عدم وثاقته كيف يفصل بين روايته عن كتابٍ دون كتاب أو في حالٍ دون حال؟! وعلى الجملة : لم ينهض شي‌ء ممّا ذكر في مقابل التوثيق المستفاد من كلام النجاشي ، وقد ذكرنا غير مرّة أنّ فساد العقيدة لا يضرّ بصحّة الرواية بعد ثبوت الوثاقة على ما نرتئيه من حجّيّة خبر الثقة مطلقاً. فالظاهر أنّ الرجل موثّق وإن استثناه ابن الوليد ومن تبعه ، فإنّ ذلك ربّما كان لعلّة هو أدرى بها بعد أن لم يكن قدحاً في الرجل نفسه ، فالرواية معتبرة سنداً.

وأمّا الدلالة : فهي مبنيّة على أن يكون التنوين في «درهماً» للتنكير ، أي درهماً واحداً ، وهو غير واضح ، بل الظاهر أنّ الدرهم تمييز للقيمة ، والمراد تخصيص القيمة بكونها من الدراهم ، لا من جنس آخر كما هو الصحيح عندنا على ما مرّ ويؤيّده التعبير بالفضّة بدل الدرهم في موثّقته الأُخرى ، وفي بعض الروايات : الدرهم ، بدل : درهم ، فما ذكره المشهور من عدم التقدير في البين وأنّ العبرة بالقيمة الفعليّة هو الصحيح.

فصل في وقت وجوبها

وهو دخول ليلة العيد (1)جامعاً للشرائط (1).


(1) اختلفت كلمات الأصحاب (قدس سرهم) في مبدأ وقت وجوب الفطرة :

فعن جماعة كثيرين : أنّها تجب بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان جامعاً للشرائط ، كما صرّح به المحقّق في الشرائع والمعتبر والعلّامة في جملة من كتبه والشهيد الثاني في المسالك ونقل عن الشيخ في الجمل والاقتصاد واختاره ابن حمزة وابن إدريس بل نسبه في الحدائق إلى المشهور بين المتأخّرين (2).

وعن جماعة آخرين : أنّ وقتها طلوع الفجر من يوم الفطر ، وإليه مال السيّد في المدارك (3).

ويستدلّ للمشهور بما رواه الصدوق بإسناده عن عليّ بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر «قال : ليس عليهم فطرة ، وليس الفطرة إلّا على مَن أدرك الشهر» (4).


1) (*) بل طلوع الفجر من يوم العيد.

2) الشرائع 1 : 203 ، المعتبر 2 : 611 ، القواعد 1 : 359 ، التذكرة 5 : 391 ، النهاية 2 : 440 ، المسالك 1 : 452 ، الجمل والعقود (الرسائل العشر) : 209 ، الاقتصاد : 429 ، الوسيلة : 131 ، السرائر 1 : 469 ، الحدائق 12 : 297.

3) المدارك 5 : 344.

4) الوسائل 9 : 352 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 1 ، الفقيه 2 : 116 / 500.

.................................................................................................


وبالصحيح عن معاوية بن عمّار ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر ، عليه فطرة؟ «قال : لا ، قد خرج الشهر» وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر ، عليه فطرة؟ «قال : لا» (1).

لكن الأُولى ضعيفة السند أوّلاً وإنّ عُبّر عنها بالصحيحة تارةً وبالمصحّحة اخرى ، من أجل ضعف علي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الكذّاب ، وما في الوسائل من ضبط علي بن حمزة بحذف كلمة «أبي» غلط والصواب ما أثبتناه (2). على أنّ في طريق الصدوق إليه شيخه محمّد بن علي ماجيلويه ولم يوثّق ، ومجرّد الشيخوخة سيّما للصدوق لا تكفي في الوثاقة كما مرّ مراراً.

وقاصرة الدلالة ثانياً ، إذ ليس مفادها ما عدا ثبوت الوجوب على من أدرك الشهر في قبال من لم يدرك ، فالإدراك شرط للوجوب ، وأمّا أنّ هذا الواجب متى وقته وما هو مبدؤه فلا تعرّض فيها لذلك بتاتاً ، ومن الجائز أن يكون الوقت طلوع الفجر مشروطاً بإدراك الشهر.

وأمّا الثانية أعني : صحيحة معاوية فهي أولى بقصور الدلالة ، إذ ليس مفادها إلّا نفي الوجوب عمّن لم يكن موجوداً في الشهر حقيقةً كالمولود ، أو حكماً كمن أسلم ، ولا تعرّض فيها بوجه لإثبات أصل الوجوب فضلاً عن بيان وقته.

واستدلّ في المدارك للقول الآخر بعد اختياره بصحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة ، متى هي؟ «فقال : قبل الصلاة يوم الفطر» قلت : فإن بقي منه شي‌ء بعد الصلاة؟ «قال : لا بأس ، نحن نعطي


1) الوسائل 9 : 352 / أبواب زكاة الفطرة ب 11 ح 2.

2) في الوسائل المحقّق جديداً : علي بن أبي حمزة.

.................................................................................................


عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه» (1).

وفيه أوّلاً : أنّ السؤال عن الفطرة بنفسها وأنّها متى هي ظاهرٌ في عطائها وأدائها لا وجوبها ، ولا سيّما بقرينة قوله (عليه السلام) في الجواب : «لا بأس ، نحن نعطي» ، فهي ظاهرة في السؤال عن وقت الإخراج لا عن زمان الوجوب الذي هو محلّ الكلام.

وثانياً : أنّه لا دلالة لها بوجه على كون مبدأ الوقت طلوع الفجر كما هو المدّعى ، بل مفادها أنّ مبدأه طلوع الشمس الذي هو أوّل اليوم كما في سائر إطلاقات اليوم مثل : يوم المزدلفة وأيّام التشريق ونحوها ، فإنّ المبدأ في الكل أوّل طلوع الشمس ، وأمّا ما بين الطّلوعين فهو إمّا ملحق بالليل ، أو حدّ متوسّط بينه وبين النهار ، فلازم الاستدلال بها الالتزام بأن مبدأه طلوع الشمس ولا قائل به.

فالإنصاف أنّ الروايات لا دلالة لها على شي‌ء من القولين ، ولا يمكن الاستدلال بها على تعيين مبدأ الوجوب وأنّه الغروب أو طلوع الفجر ، لعدم التعرّض فيها لشي‌ء من الأمرين ، فتنتهي النوبة حينئذٍ إلى مراجعة الأُصول العمليّة ، وستعرف الحال فيها إن شاء تعالى.

وأمّا ثمرة هذا البحث : فقد قيل أنّها تظهر فيما لو مات بعد غروب ليلة العيد جامعاً للشرائط ، فعلى الأوّل يجب الإخراج من تركته ، لفعليّة التكليف. بخلاف الثاني ، لوقوع الموت عندئذٍ قبل تعلّق الخطاب وحدوث الإيجاب.

ولكنّها مبنيّة على القول بكون زكاة الفطرة كزكاة المال حقّا ماليّاً متعلّقاً بالعين ، ليكون حالها حال سائر الديون المحكومة بلزوم الإخراج من التركة. وأمّا بناءً على ما هو الأظهر من كونها حكماً تكليفيّاً محضاً من غير أن يتضمّن


1) الوسائل 9 : 354 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 5.

.................................................................................................


الوضع بوجه لقصور الأدلّة عن إفادة أزيد من ذلك كما عرفته فيما سبق فتلغو هذه الثمرة ، بداهة سقوط التكليف بالموت فلا تخرج عن التركة على كلّ حال.

نعم ، تظهر الثمرة في وجوب حفظ القدرة وعدمه ليلة العيد ، إذ على الثاني جاز له تفويت جميع أمواله وجعل نفسه فقيراً عند طلوع الفجر كي لم يكن مشمولاً للخطاب آن ذاك ، لعدم وجوب حفظ القدرة قبل تعلّق التكليف. بخلافه على الأوّل ، لفعليّة الوجوب لدى الغروب وتنجّز التكليف عند دخول الليل المانع عن تفويت القدرة ، فيجب حفظها للصرف في الامتثال : إمّا فعلاً على القول باتّحاد وقتي الوجوب والإخراج ، أو بعد الطلوع بناءً على التفكيك وتأخّر الثاني وكونه من قبيل الواجب التعليقي.

هذا ، وقد تقدّم دعوى الإجماع على لزوم استجماع الشرائط لدى غروب ليلة العيد ، فإن تمّ فلا كلام ، وإلّا فتكثر الثمرة بين القولين ، كما لو بلغ الصبي أو تحرّر العبد أو زال الجنون أو أعال شخصاً أو صار غنيّاً أثناء الليل ، فإنّه لا تجب الفطرة على القول الأوّل ، لعدم استجماع الشرائط أوّل الوقت ، وتجب على الثاني ، لحصولها حينئذٍ ، وقد تقدّم أنّ الأظهر عدم قيام الإجماع ، ولم يرد نصّ إلّا بالإضافة إلى خصوص المولود والكافر الذي أسلم ، فيجب الاقتصار عليهما ولا موجب للتعدّي (1).

وإذ قد عرفت الثمرة فيقع الكلام فيما يقتضيه الأصل العملي بعد ما عرفت من قصور الأدلّة عن إثبات شي‌ء من القولين ، والبحث فيه يقع تارةً من حيث ثبوت الوجوب ليلة العيد ، وأُخرى من حيث جواز الإخراج وقتئذٍ.


1) وتظهر الثمرة أيضاً فيما لو صار فقيراً أو زال العقل أو زالت العيلولة أثناء الليل واستمرّ إلى زوال يوم العيد.

.................................................................................................


أمّا الأوّل : فلا ينبغي التأمل في أنّ مقتضى الاستصحاب عدم تعلّق الخطاب إلى زمان اليقين بحدوثه وهو ما بعد طلوع الفجر ، فإنّ الوجوب مقطوع الثبوت حينئذٍ باتّفاق الأصحاب ، بل يمكن استفادته من صحيحة العيص المتقدّمة ، بناءً على كون «يوم الفطر» متعلّقاً بقوله : «قبل الصلاة» أي قبل الصلاة من يوم الفطر ، فإن مبدأ صلاة العيد هو أوّل طلوع الشمس ، فطبعاً يكون قبل الصلاة قبل طلوع الشمس ، فتدلّ على ثبوت الوجوب فيما بين الطلوعين.

وكيف ما كان ، فلا شكّ في أنّ الوجوب المشكوك حدوثه في الليل محكومٌ بالعدم بمقتضى الاستصحاب ، فيجوز له تفويت المال ولا يجب التحفّظ عليه قبل طلوع الفجر.

وأمّا الثاني أعني : الإخراج ليلة العيد - : فإن اعتمدنا على النص الدالّ على جواز الإخراج حتّى في شهر رمضان بل من أوّل يوم من الشهر وسيجي‌ء البحث حوله قريباً إن شاء تعالى (1)فجواز الإخراج ليلة العيد بطريق أولى كما لا يخفى.

وأمّا لو لم نعتمد عليه وقطعنا النظر عنه فالظاهر عدم الاجتزاء بالإخراج ليلاً ، للشكّ في الخروج عن عهدة الامتثال بذلك.

وما يقال من أنّ المرجع حينئذٍ أصالة البراءة عن تقييد الإخراج بكونه في النهار ، للشكّ في شرطيّة اليوم للإعطاء.

مدفوعٌ بأنّ البراءة عن الشرطيّة والتقيّد فرع إحراز أصل التكليف ليتعلّق الشكّ بقيده ، فيدفع بأصل العدم ، وهو مشكوك في المقام ، بل محكوم بالعدم بمقتضى الاستصحاب إلى مطلع الفجر كما تقدّم ، وعندئذٍ فيكون التقيّد باليوم قهريّاً وإن لم يكن شرطيّاً ملحوظاً في نفس الواجب ، نظير الأمر بالصلاة بعد


1) في ص 472.

ويستمرّ إلى الزوال لمن لم يصلّ صلاة العيد (1) ، والأحوط عدم تأخيرها عن الصلاة إذا صلّاها فيقدّمها عليها وإن صلّى في أوّل وقتها.


الزوال ، فإنّه يستوجب تقيّدها بما بعد الوقت بطبيعة الحال ، إذ لا معنى لكون شي‌ء مصداقاً للواجب قبل أن يتعلّق به الوجوب كما هو ظاهر ، فالمقام من موارد قاعدة الاشتغال حسبما عرفت دون البراءة.

(1) قد عرفت الحال في وقت الوجوب من حيث المبدأ. وأمّا من ناحية المنتهي فقد اختلفت كلمات الأصحاب على أقوال ثلاثة كما نصّ عليها في الجواهر (1)، والكلام فعلاً فيمن يصلّي صلاة العيد دون من لم يصلّها :

أحدها : أنّه صلاة العيد ، حكي ذلك عن السيّد والشيخين والصدوقين (2)وجماعة من المتأخّرين ، بل نُسب إلى الأكثر تارةً ، وإلى علمائنا أجمع أُخرى كما عن التذكرة ، بل صرّح بالإثم لو أخّرها عن صلاة العيد اختياراً (3).

الثاني : التحديد بالزوال مطلقاً ، اختاره في الدروس والبيان ، واستقربه في المختلف ، ونقل عن ابن الجنيد أيضاً (4).

الثالث : الامتداد إلى آخر يوم الفطر ، كما هو ظاهر المنتهي ، حيث قال : والأقرب عندي جواز تأخيرها عن الصلاة ويحرم التأخير عن يوم العيد (5).


1) الجواهر 15 : 531 534.

2) الحدائق 12 : 301.

3) التذكرة 5 : 395 396.

4) الدروس 1 : 250 ، البيان : 333 ، المختلف 3 : 169 ، ونقله عن ابن الجنيد صاحب الحدائق 12 : 301.

5) المنتهي 1 : 541.

.................................................................................................


ومال إليه في المدارك (1)ومحكيّ الذخيرة (2)وقوّاه المجلسي (قدس سره) في مرآة العقول (3).

والأقوى هو القول المشهور ، ويدلّنا عليه مفهوم موثّقة إسحاق بن عمّار ، قال : سألته عن الفطرة «فقال : إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها ، قبل الصلاة أو بعد الصلاة» (4).

فإنّ مفهومها عدم التوسعة مع عدم العزل ، بل يختصّ بما قبل الصلاة.

وتؤيّدها جملة من الروايات وإن ضعفت أسانيدها ، كرواية علي بن طاوس في الإقبال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبّانة ، فإن أدّاها بعد ما يرجع فإنّما هو صدقة وليس فطرة» (5)، ونحوها رواية العيّاشي في تفسيره عن سالم بن مكرم الجمّال (6).

وبإزائهما صحيحتان ربّما يستدلّ بهما على امتداد الوقت إلى ما بعد الصلاة :

الأُولى : صحيحة العيص بن القاسم ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة ، متى هي؟ «فقال : قبل الصلاة يوم الفطر» قلت : فإن بقي منه شي‌ء بعد الصلاة؟ «قال : لا بأس ، نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه» (7).

فقد قيل : إنّ ذيلها يدلّ على جواز تأخيرها عن الصلاة ، وأنّ ما صنعه


1) المدارك 5 : 349.

2) ذخيرة المعاد : 476.

3) مرآة العقول 16 : 413 414.

4) الوسائل 9 : 357 / أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 4.

5) الوسائل 9 : 355 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 7 ، الإقبال : 283.

6) الوسائل 9 : 355 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 8 ، تفسير العيّاشي 1 : 43 / 36.

7) الوسائل 9 : 354 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 5.

.................................................................................................


صاحب الوسائل من أنّ المراد بإعطاء العيال عزل الفطرة كي لا يتنافى مع الصدر خلاف الظاهر ، فتكون النتيجة امتداد الوقت وإن كان التقديم على الصلاة أفضل.

ولكن الظاهر أنّ ما صنعه في الوسائل هو المتعيّن وأنّه لا مناص من حمل الذيل على صورة العزل ، وإلّا فكيف يمكن إعطاء العيال من الفطرة؟! ضرورة أنّ العيال تعطى عنه الفطرة لا أنّها تعطى إليه ، فالمراد من العطاء جعل المعزول عند العيال أمانةً للإيصال إلى محلّه ، ويؤكّده قوله (عليه السلام) بعد ذلك : «ثمّ يبقى فنقسّمه» ، إذ لو كان العطاء بعنوان الصرف لا بعنوان الأمانة فكيف يمكن الأخذ بعدئذٍ والتقسيم؟! فالتعبير بالبقاء والتقسيم ظاهرٌ في كون العطاء بعنوان العزل ، فلا ينافي التوقيت بما قبل الصلاة الذي تضمّنه الصدر ، ومع التنازل فلا أقلّ من الإجمال ، فلا تنهض لمعارضة الموثّقة الصريحة في المطلوب.

الثانية : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «قال : وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل ، وبعد الصلاة صدقة» (1).

فإنّها صحيحة السند ، إذ ليس فيه من يغمز فيه ما عدا محمّد بن عيسى بن عبيد الذي هو ثقة على الأظهر كما مرّ غير مرّة. وقد دلّت على امتداد الوقت إلى ما بعد الصلاة ، غير أنّ التقديم أفضل ، فإنّ هذا التعبير كاشفٌ عن اشتراكه مع التأخير في الفضيلة وإن كان الثاني مفضولاً ، إذ حمل كلمة «أفضل» على الوجوب بعيد جدّاً.

ولكنّه كما ترى ، إذ لا تنسجم هذه الأفضليّة مع قوله (عليه السلام) : «وبعد الصلاة صدقة» ، بل اللازم أن يقول (عليه السلام) بدل ذلك هكذا : وبعد الصلاة جائز. فالعدول عن ذلك والتعبير بما يتضمّن سلب عنوان الفطرة وأنّها حينئذٍ


1) الوسائل 9 : 353 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 1.

.................................................................................................


صدقة محضة يكشف عن التحديد ما قبل الصلاة كما تضمّنه مفهوم إسحاق بن عمّار المتقدّم ، فهي حينئذٍ معاضدة له وليست بمعارضة.

وأمّا التعبير بالأفضليّة فليس ذلك بالإضافة إلى التأخير عن الصلاة ، بل بالإضافة إلى تقديم الإخراج في شهر رمضان ، حيث إنّه في سعة من ذلك ، إلّا أنّ الإخراج قبل الصلاة يوم العيد أفضل كما نطقت بذلك صريحاً صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا (عليهما السلام) : «على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول ، من حرّ وعبد ، وصغير وكبير ، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل ، وهو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان» (1).

فتحصّل : أنّ الأظهر التحديد بما قبل الصلاة ، لمفهوم موثّق ابن عمّار السليم عمّا يصلح للمعارضة حسبما عرفت.

هذا كلّه بالإضافة إلى من صلّى.

وأمّا من لم يصلّ لعذر أو غير عذر ، فهل الوقت بالنسبة إليه محدود بالزوال كما هو المشهور؟! أو أنّه يمتدّ إلى الغروب كما عن العلّامة والمجلسي (2)؟

لم يرد التحديد بالزوال في شي‌ء من الروايات ما عدا رواية واحدة ، وهي ما رواه ابن طاوس في كتاب الإقبال نقلاً من كتاب عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري ، عن أبي الحسن الأحمسي ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : إنّ الفطرة عن كلّ حر ومملوك» إلى أن قال : قلت : أقبل الصلاة أو بعدها؟ «قال : إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة ، وإن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة» (3).


1) الوسائل 9 : 354 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 4.

2) لاحظ المنتهي 1 : 541 ، النهاية 2 : 440.

3) الوسائل 9 : 331 / أبواب زكاة الفطرة ب 5 ح 16 ، الإقبال : 274.

.................................................................................................


ولكنّها ضعيفة السند من أجل جهالة طريق ابن طاوس إلى كتاب عبد اللّه ابن حمّاد الأنصاري أوّلاً ، وعدم ثبوت وثاقة الأحمسي ثانياً ، حيث إنّه مهمل وأمّا الأنصاري بنفسه فهو ثقة عندنا ، لوجوده في إسناد كامل الزيارات ، مضافاً إلى تصريح النجاشي بأنّه من شيوخ أصحابنا (1)، الذي هو مدح بليغ كما لا يخفى. وكيف ما كان ، فهي ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها.

على أنّ متنها لا يخلو عن تدافع بين الصدر والذيل ، إذ قد جعل الاعتبار في الصدر بالإخراج قبل الظهر ، وفي الذيل بالإخراج قبل الصلاة ، حيث قال (عليه السلام) : «هي فطرة إذا أخرجتها قبل الصلاة».

ومن ثمّ استقرب في الحدائق أن يكون لفظ «الظهر» سهواً من الراوي أو غلطاً من النسّاخ ، وأنّ الصواب تبديلها بكلمة : الصلاة (2).

وهو غير بعيد ، بل تقتضيه المطابقة مع السؤال في قوله : قلت أقبل الصلاة أو بعدها ، وإلّا فلا ينسجم الجواب معه كما عرفت ، ويعضده جعل العبرة في الذيل بالصلاة ، وبذلك يندفع التنافي بينه وبين الصدر. والذي يهوّن الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند فلا تستحقّ إطالة البحث.

إذن فلا بدّ من مراجعة الأصل العملي بعد العلم ببقاء الوقت إلى الزوال بالنسبة إلى من لم يصل ، لعدم نقل الخلاف عن أحد والشكّ في انتهائه به أو الامتداد إلى الغروب كي تكون الفطرة من أحكام يوم العيد بكامله.

لا شكّ أنّ مقتضى الاستصحاب هو الثاني ، بناءً على جريانه في الأحكام الكلّيّة ما لم يقم إجماع على خلافه ، فالقول بالامتداد مبنى على أمرين : جريان الاستصحاب في أمثال المقام ، وعدم انعقاد الإجماع بعد ما عرفت من الخلاف.


1) مرآة العقول 16 : 414.

2) الحدائق 12 : 304.

وإن خرج وقتها ولم يخرجها (1) فإن كان قد عزلها دفعها إلى المستحقّ بعنوان الزكاة ، وإن لم يعزلها فالأحوط الأقوى عدم سقوطها (1)، بل يؤدّيها بقصد القربة من غير تعرّض للأداء والقضاء.


ولكن الاستصحاب ممنوع على مسلكنا. إذن لا دليل على بقاء الوقت بعد الزوال ، ومقتضى الأصل البراءة عن الوجوب زائداً على المقدار المعلوم من الوقت ، فإنّ المتيقّن من الجعل تعلّق التكليف إلى هذا الحدّ ، فيرجع في الزائد عليه إلى أصالة البراءة.

والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ منتهى الوقت بالإضافة إلى من يصلّي هو صلاة العيد حتّى وإن صلّاها أوّل وقتها ، وبالنسبة إلى غيره هو الزوال كما ذكره في المتن ، فلاحظ.

(1) إذا خرج وقت الفطرة سواء أكان هو الصلاة أم الزوال أم الغروب حسبما عرفت ولم يكن مخرجاً لها فقد يكون ذلك مع العزل ، وأُخرى بدونه.

أمّا مع العزل : فلا إشكال في جواز التأخير إلى أن يدفع المعزول إلى المستحقّ بعنوان الزكاة كما ذكره في المتن ، فإنّ ذلك هو مقتضى مفهوم العزل المفروض جوازه كما سيجي‌ء (2)، وقد تعيّن المعزول في الزكاة بالعزل فلا بدّ من صرفه فيها ، ولا يجوز الرجوع عنها ، فإنّ ما كان لله لا يرجع فيه. هذا ، مضافاً إلى التصريح بجواز التأخير في موثّق إسحاق بن عمّار المتقدّم (3).

وأمّا بدونه : فهل يسقط الوجوب بخروج الوقت؟ أم لا بدّ من إخراجها


1) بل لا يبعد السقوط.

2) في ص 474.

3) الوسائل 9 : 357 / أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 4.

.................................................................................................


خارج الوقت أيضاً ولو قضاءً؟

قد يقال بالثاني ، نظراً إلى أنّ التوقيت راجع إلى الحكم التكليفي أعني : وجوب الأداء والإعطاء وأمّا الحكم الوضعي أي اشتغال الذمّة بالمال فلا توقيت فيه ، فلا مانع من استصحاب بقائه.

ولكنّه مبني على تضمّن الفطرة وضعاً زائداً على التكليف كما في زكاة المال بأن تكون الذمّة مشغولة بها ، وتخرج عن التركة كما في سائر الديون كما أنّ زكاة المال حقّ ثابت في العين.

وقد عرفت في ما سبق منعه ، لعدم نهوض أيّ دليل عليه ، بل هي حكم تكليفي محض كسائر التكاليف الإلهية مثل الصلاة والصيام ، فإذا خرج الوقت لم تكن الذمّة مشغولة بشي‌ء ليجب الخروج عن عهدتها.

وقد يقال أيضاً بوجوب الإخراج ، نظراً إلى استصحاب بقاء الوجوب بعد خروج الوقت ، ولا ينافيه التوقيت ، لعدم تعدّد الموضوع بعد أن كان الاعتبار فيه بالنظر العرفي ، ولا ريب في اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة كذلك بحيث لو كان الوجوب ثابتاً بعد الوقت فهو بقاء لما كان لا أنّه حكم جديد.

ولكنّه كما ترى ، أمّا أوّلاً : فلمنع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة والأحكام الكلّيّة كما أوضحناه في محلّه.

وثانياً : ما ذكرناه في مباحث القضاء من كتاب الصلاة من امتناع جريان الاستصحاب الشخصي في خصوص المقام ، إذ الوجوب المحدود بوقت خاصّ ينتفي بانتفاء وقته وينتهي بانتهاء أمده ولا يعقل بقاؤه بعد الوقت ، فلا شكّ في ارتفاعه ليجري فيه الاستصحاب ، فلو كان ثابتاً فهو فرد آخر من الوجوب حدث لموضوع آخر ، ومن ثمّ لو جرى الاستصحاب فهو من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي ، من أجل احتمال بقاء كلّي الوجوب في ضمن فرد

[2863] مسألة 1 : لا يجوز تقديمها على وقتها (1) في شهر رمضان على الأحوط (1)، كما لا إشكال في عدم جواز تقديمها على شهر رمضان. نعم ، إذا أراد ذلك أعطى الفقير قرضاً ثمّ يحسب عند دخول وقتها.


آخر حدث مقارناً لارتفاع الفرد الأوّل الثابت في الوقت أو قارنه في الوجود ، والمقرّر في محلّه عدم حجّيّة هذا القسم من استصحاب الكلّي (2)، بل المرجع أصالة البراءة عن تعلّق الوجوب بعد الوقت.

هذا ، مع أنّ صحيحة عبد اللّه بن سنان دلّت على أنّها بعد الوقت صدقة وليست من الفطرة في شي‌ء ومعها لا تصل النوبة إلى التمسّك بالاستصحاب ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل ، وبعد الصلاة صدقة» (3).

فإنّ المراد بالصدقة هي المستحبّة ، وإلّا فالصدقة الواجبة هي الفطرة ، والتفصيل قاطع للشركة ، وقد تقدّم المراد بالأفضليّة وأنّها بالقياس إلى التقديم في شهر رمضان لا التأخير عن الصلاة ، وهذه الصحيحة وإن كان موردها الصلاة إلّا أنّه يتمّ الحكم فيمن لم يصلّ بعدم القول بالفصل.

فتحصّل : أنّ الأقوى عدم الوجوب بعد الوقت وإن كان الإخراج أحوط بأن يأتي به بالعنوان الجامع بين الصدقة الواجبة أو المستحبّة ، لا الجامع بين الأداء والقضاء الذي ذكره في المتن.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في عدم جواز تقديم الفطرة على شهر رمضان


1) (*) وإن كان جواز التقديم أظهر.

2) مصباح الأُصول 3 : 114.

3) الوسائل 9 : 353 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 1.

.................................................................................................


بعنوان أنّها فطرة ، كما لا إشكال في جواز ذلك بعنوان القرض ثمّ احتساب الدين منها عند دخول وقتها بشرط البقاء على شرائط الاستحقاق كما في زكاة المال ، فإنّ نصوص الاحتساب من الزكاة مطلقة تعمّ كلتا الزكاتين.

وإنّما الكلام في تقديمها على وقتها في شهر رمضان ، فقد ذهب جماعة إلى الجواز ، وجماعة آخرون إلى المنع ، بل ذهب بعضهم إلى القولين في كتابيه وهو المحقّق ، فقد اختار المنع في الشرائع (1)، والجواز في المعتبر (2)، بل قد نسب كلا القولين إلى الشهرة ، فعن المدارك نسبة المنع إلى المشهور (3)، وعن الدروس نسبة الجواز إليهم (4). وكيف ما كان ، فالمتّبع هو الدليل.

ولا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى القاعدة هو عدم الجواز ، ضرورة أنّ المؤقّت لا أمر به قبل مجي‌ء وقته ، فالاجتزاء بالفعل المأتيّ به قبل ظرف تعلّق الوجوب والاكتفاء به في مقام الامتثال يحتاج إلى الدليل ، ويعضده ما ورد في زكاة المال من المنع عن التعجيل قبل حولان الحول بل في بعضها تشبيه ذلك بالصلاة قبل الوقت.

إلّا أنّ صحيحة الفضلاء قد تضمّنت جواز ذلك صريحاً ، عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهما قالا : «على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول ، من حرّ وعبد ، وصغير وكبير ، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل ، وهو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان» (5).

وحملها على صورة القرض كما عن بعضهم بعيدٌ عن مساقها جدّاً ، لعدم


1) الشرائع 1 : 203.

2) المعتبر 2 : 613.

3) المدارك 5 : 345.

4) الدروس 1 : 250.

5) الوسائل 9 : 354 / أبواب زكاة الفطرة ب 12 ح 4.

[2864] مسألة 2 : يجوز عزلها في مال مخصوص (1) من الأجناس أو غيرها بقيمتها (2) ، وينوي حين العزل وإن كان الأحوط تجديدها حين الدفع أيضا. ويجوز عزل أقلّ من مقدارها أيضاً (3) ، فيلحقه الحكم وتبقى البقيّة غير معزولة على حكمها.


اختصاصه بشهر رمضان ، بل يجوز قبله ولو بسنة.

إذن فالرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة قد عمل بها جماعة من الأصحاب ، بل نسب إلى المشهور ، وكما عرفت فلا مانع من الأخذ بها والخروج لأجلها عن مقتضى القاعدة ، فالأقوى هو الجواز وإن كان الأفضل التأخير إلى خروج الشهر ، بل إلى يوم العيد قبل صلاته كما تقدّم ، بل هو الأحوط ، خروجاً عن شبهة الخلاف.

(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال كما هو الحال في زكاة المال ، فيتعيّن الزكاة في المعزول ، كما تشهد به جملة من النصوص وإن كانت على خلاف القاعدة ، التي منها موثّقة إسحاق بن عمار المتقدّمة : «إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها ، قبل الصلاة أو بعد الصلاة» (1).

(2) فإنّ العزل يتبع نفس الفطرة بمقتضى إطلاق الأدلّة ، وبما أنّها لا تخصّ أعيان الأجناس بل تعمّ قيمتها من الأثمان كما تقدّم بمعنى : أنّها تتعلّق بماليّة الجنس لا بشخصيّته فكذا العزل ، فيجوز عزل الحنطة مثلاً بذاتها كما يجوز عزل قيمتها على حدّ ما تقدّم في زكاة المال ، فيجري العزل في كلّ ما تسوغ فيه الفطرة.

(3) الظاهر ابتناء هذا الفرع على ما سيجي‌ء في الفصل الآتي إن شاء تعالى


1) الوسائل 9 : 357 / أبواب زكاة الفطرة ب 13 ح 4.

وفي جواز عزلها في الأزيد بحيث يكون المعزول مشتركاً بينه وبين الزكاة (1) وجه ، لكن لا يخلو عن إشكال ، وكذا لو عزلها في مال مشترك بينه وبين غيره مشاعاً وإن كان ماله بقدرها.


من أنّه هل يجوز دفع الأقلّ من الصاع للفقير الواحد أم لا؟

فعلى الأوّل وجواز دفع نصف الصاع مثلاً عملاً بإطلاقات الفطرة جاز عزله أيضا.

وعلى الثاني الراجع إلى فرض الارتباطيّة بين أجزاء الصاع الواحد في صدق الفطرة لا يجوز العزل أيضاً ، إذ الأدلّة ناظرة إلى عزل الفطرة دون غيرها والمفروض عدم الصدق على الأقلّ من الصاع وأنّ نصف الصاع مثلاً نصف الفطرة وليس بفطرة ، ولأجله لا يجوز الدفع فلا يجوز العزل أيضاً حسبما عرفت.

وأمّا الاستثناء في جواز عزل الأقلّ بولاية المالك على التعيين فغير واضح إذ لم تثبت ولايته إلّا على تعيين المصرف والتطبيق على من شاء ، لا حتّى على دفع الأقلّ أو العزل فيه ، لقصور الأدلّة عن إثبات الولاية بهذا المعنى كما لا يخفى.

(1) كما لو أخرج صاعين من العشرة وقصد أن يكون أحدهما فطرة والآخر المشاع بينهما له ، ونحوه ما لو كان مشتركاً بين الزكاة وبين شخص آخر ، كما لو كان هناك صاعان مشتركان بينه وبين زيد فكان لكلّ منهما صاع فنوى بحصّته الفطرة كما ذكره في المتن.

وعلى كلٍّ فقد استشكل فيه الماتن ، بل منعه في المسالك معلّلاً بأنّه لو جاز ذلك لجاز عزلها في جميع ماله ، كما لو كان ماله بأجمعه عشرة أصوع فعزلها في الكلّ مع أنّه غير معروف من العزل (1).


1) المسالك 1 : 452.

[2865] مسألة 3 : إذا عزلها وأخّر دفعها إلى المستحقّ (1) ، فإن كان لعدم تمكّنه من الدفع لم يضمن لو تلف ، وإن كان مع التمكّن منه ضمن (1).


وأورد عليه في الجواهر بالفرق ، لعدم صدق مفهوم العزل بالعزل في جميع المال ، بخلاف العزل في البعض المشاع ولا سيّما مع رفع اليد عن الزيادة (2).

هذا ، والظاهر عدم جواز العزل في المال المشترك مطلقاً من غير فرق بين الكلّ والبعض ، لوضوح المضادّة بين الشركة والإشاعة وبين مفهوم العزل المتقوّم بالإفراز والتعيين والامتياز والتشخيص وجعله خاصّاً بالفقير خالصاً عن مال الغير ، فإنّ ذلك كلّه يتنافى مع الإشاعة بالضرورة ، فلا يصدق مفهوم العزل مع الزيادة بوجه ، فلا يسوغ له عزل الدينار على أن تكون مائتا فلس مثلاً منها فطرة معزولة لتقوّم العزل بالإفراز وإزالة الاشتراك كما عرفت.

اللّهمّ إذا رفع يده عن الزيادة وجعلها صدقة مستحبّة ، فإنّ صدق عنوان العزل عندئذٍ غير بعيد ، فانّ المجموع منعزل عن ماله ومتعلّق بالفقير وإن كان بعضه بعنوان وبعضه بعنوانٍ آخر.

(1) فصّل (قدس سره) بين ما إذا لم يتمكّن من الدفع لعدم وجود المستحقّ وبين التمكّن منه وأنّه يضمن في الثاني دون الأوّل. وقد تقدّم منه هذا الحكم في زكاة المال نتيجةً للجمع بين الأخبار (3)، وأمّا في المقام فلم يرد أيّ نصّ فيه ، فإن تعدّينا عن تلك النصوص إلى المقام بدعوى عدم الخصوصيّة لزكاة المال في هذه الأحكام أو استفدنا شمول الزكاة الوارد فيها للفطرة فالحكم كما ذكر ، وإلّا


1) (*) هذا إذا صدق عليه التعدّي والتفريط ، وإلّا فالضمان لا يخلو عن إشكال.

2) الجواهر 15 : 535.

3) شرح العروة 23 : 117 118.

[2866] مسألة 4 : الأقوى جواز نقلها بعد العزل إلى بلدٍ آخر ولو مع وجود المستحقّ في بلده (1) ، وإن كان يضمن حينئذٍ مع التلف ، والأحوط عدم النقل ، إلّا مع عدم وجود المستحقّ (1).


كان اللّازم الجري على ما تقتضيه القواعد ، ولا ريب أنّ مقتضاها بعد ملاحظة أنّ المعزول أمانة شرعيّة التفصيل في الضمان بين صدق التعدّي والتفريط وعدمه ، فإن بلغ التأخير في الدفع حدّا صدق معه التفريط ضمن ، وإلّا فلا ، من غير فرق بين التمكّن من الدفع ووجود المستحقّ وعدمه ، فقد يؤخّر مع وجود المستحقّ ، لتعلّق غرضه بالدفع إلى مستحقّ آخر عيّنها له ينتظر مجيئه من غير صدق التعدّي والتفريط بعد وجود الفرض العقلائي ، فإنّه لا ضمان حينئذٍ لو تلف.

بل الحال كذلك في زكاة المال أيضاً كما أسلفناك هناك ، للنصّ الدالّ على عدم الضمان في الفرض المزبور ، فلاحظ.

وعلى الجملة : التأخير في الدفع مع وجود المستحقّ بمجرّده لم يثبت ، كونه موجباً للضمان في زكاة المال فضلاً عن الفطرة التي لم يرد فيها أيّ نصّ بالنسبة إلى الضمان. فالحكم إذن تابع لمقتضى القاعدة ، وبما أنّها بعد العزل أمانة شرعيّة وقد برئت ذمّة المالك بذلك فإن صدق التفريط والتعدّي كان ضامناً ، وإلّا فلا من دون فرق بين زكاة الفطرة وزكاة المال.

(1) كما هو المعروف والمشهور ، إلحاقاً لها بزكاة المال ، الثابت فيها النقل بلا إشكال ، لصراحة الأخبار وإن لم يرد نصّ يتضمّن جواز النقل في المقام ، بناءً منهم على عدم الفرق بين الزكاتين في أمثال هذه الأحكام ، فيجوز النقل حتّى مع وجود المستحقّ وإن كان ضامناً حينئذٍ لو تلف كما في زكاة المال ، وأمّا مع


1) (*) لا يترك.

[2867] مسألة 5 : الأفضل أداؤها في بلد التكليف بها وإن كان ماله بل ووطنه في بلد آخر ، ولو كان له مال في بلد آخر وعيّنها فيه ضمن بنقله عن ذلك البلد إلى بلده أو بلد آخر مع وجود المستحقّ فيه (1).


عدم وجود المستحقّ فلا إشكال في جواز النقل من غير ضمان ، فإنّه من طرق الإيصال كما هو ظاهر.

ولكن قد يستشكل بأنّ مقتضى روايتين عدم جواز نقل الفطرة ، وهما موثّقة الفضيل «قال (عليه السلام) : ولا تنقل من أرض إلى أرض» (1)وصحيحة علي بن بلال المتضمّنة قوله (عليه السلام) : «تقسّم الفطرة على من حضر ، ولا يوجّه ذلك إلى بلدة اخرى وإن لم يجد موافقاً» (2)، وقد حملها الماتن وغيره على الأفضليّة ، فجعل الأحوط استحباباً عدم النقل ، ولكنّه غير واضح.

فإنّ مقتضى القاعدة عدم جواز النقل بعد العزل ، لعدم ثبوت ولاية للمالك على ذلك ، والمعزول أمانة شرعيّة لا يجوز التصرّف فيه إلّا بمقدار قيام الدليل ، ولم يقم دليل على جواز النقل إلّا في زكاة المال ، ولا ملازمة بين الجواز فيها والجواز في الفطرة ، فإنّ كلّاً منهما موضوع مستقلّ وله أحكام خاصّة ، فإلحاق الثاني بالأوّل لا يخلو عن كونه قياساً محضاً ولا سيّما بعد ورود هاتين الروايتين الصحيحتين الصريحتين في عدم الجواز ، إذ لا موجب لرفع اليد عن النهي الوارد فيهما الظاهر في الحرمة بالحمل على الكراهة.

إذن فعدم جواز النقل في المقام لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

(1) كما هو واضح.


1) الوسائل 9 : 360 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3.

2) الوسائل 9 : 360 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 4.

[2868] مسألة 6 : إذا عزلها في مالٍ معيّن لا يجوز له تبديلها بعد ذلك (1).


(1) إذ قد تعيّن بالعزل في الزكاة مخرج عن ملكه وأصبح عنده أمانة شرعيّة لا يجوز التصرّف فيها إلّا بالمأذون فيه من الدفع والتسليم إلى المستحقّين ، ولا دليل على ولايته على التبديل ، بل مقتضى ما دلّ على أنّ ما كان لله لا يرجع فيه عدم جواز ذلك كما لا يخفى.

فصل في مصرفها

وهو مصرف زكاة المال (1).


(1) على المشهور ، بل عن بعض دعوى الإجماع ، وفي المدارك : أنّه مقطوع به في كلامهم (1)، ولم يرد في المقام نصّ على الاتّحاد ، غير أنّه يكفينا عموم قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) (2)بضميمة ما ورد في تفسيرها في صحيح هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام) في حديث أنّه قال : «نزلت الزكاة وليس للناس أموال وإنّما كانت الفطرة» (3).

نعم ، قد يظهر من صحيح الحلبي هو مصرف الفطرة في الفقراء ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث - : «إنّ زكاة الفطرة للفقراء والمساكين» (4).

ولكن لا بدّ من حملها على ما حملنا عليه نظيرها ممّا ورد في زكاة المال ممّا يظهر منه الانحصار المزبور ، وهو ما ورد في غير واحد من الأخبار من أنّ اللّه تعالى جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم أو فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم ونحو ذلك ممّا ورد بالسنة مختلفة (5)، حيث حملناها على مزيد العناية والاهتمام بشأن الفقراء بمثابةٍ كانت الحكمة في تشريع الزكاة ملاحظة


1) المدارك 5 : 353.

2) التوبة 9 : 60.

3) الوسائل 9 : 317 / أبواب زكاة الفطرة ب 1 ح 1.

4) الوسائل 9 : 357 / أبواب زكاة الفطرة ب 14 ح 1.

5) الوسائل 9 : 9 / أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1.

لكن يجوز إعطاؤها للمستضعفين من أهل الخلاف عند عدم وجود المؤمنين وإن لم نقل به هناك ، والأحوط الاقتصار على فقراء المؤمنين ومساكينهم. ويجوز صرفها على أطفال المؤمنين أو تمليكها لهم بدفعها إلى أوليائهم (1)


سهمهم ، فصحيحة الحلبي أيضاً محمولة على ذلك ، فلا يستفاد منها الحصر ولا سيّما بملاحظة ما عرفت من صحيحة هشام بن الحكم.

وأمّا ما ورد في روايتي يونس بن يعقوب والفضيل من أنّها لمن لا يجد (1)فلا دلالة فيهما على الحصر على أنّ سند الثانية ضعيف بإسماعيل بن سهل ، وسند الاولى قابل للخدش من أجل أنّ جعفر بن محمّد بن مسعود العيّاشي لم يرد فيه عدا ما ذكره الشيخ من أنّه فاضل (2)، الغير الكافي في التوثيق كما هو ظاهر.

هذا كلّه لو كانت صحيحة الحلبي على النحو الذي أثبتها صاحب الوسائل حسبما نقلناها عنه ، ولكن الظاهر أنّ هذا سهو من قلمه الشريف ، وفي النقل وهمٌ كما نبّه عليه معلّق الوسائل ، وأنّه لا وجود للصحيحة بهذه الصورة أبداً ، بل هي هكذا : «... نصف صاع من حنطة أو شعير ، أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين» (3).

والمراد بالمسلمين : هم أهل الولاية إما انصرافاً أو لأجل النصوص الأُخر.

وكيف ما كان ، فلا دلالة لها على الحصر بوجه لنحتاج إلى الحمل على النحو الذي سمعت ، بل حالها حال روايتي يونس والفضيل.

(1) لا شكّ في عدم جواز دفع زكاة المال لأهل الخلاف حتّى المستضعفين


1) الوسائل 9 : 358 / أبواب زكاة الفطرة ب 14 ح 3 و 4.

2) رجال الطوسي : 418 / 6043.

3) الوسائل 9 : 336 / أبواب زكاة الفطرة ب 6 ح 11.

.................................................................................................


منهم ، بل تختصّ بأهل الولاية بمقتضى النصوص الخاصّة ، ومع فقدهم تنتقل إلى بلد آخر إن أمكن ، وإلّا ففي سائر المصارف الثمانية من الأُمور الخيريّة. وعلى أيّ حال ، فلا تدفع لغيرهم بلا إشكال كما سبق في محلّه مستقصًى (1).

وأمّا زكاة الفطرة فالمشهور أنّها كزكاة المال ، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه ، لإطلاق ما دلّ على أنّ الزكاة لأهل الولاية ، ولكن عن الشيخ (2)وأتباعه جواز الدفع إلى المستضعفين من أهل الخلاف عند عدم وجود أهل الولاية ، لنصوص خاصّة بها يرفع اليد عن الإطلاق المزبور.

وهذه النصوص وإن كانت جملة منها مطلقة إلّا أنّها تقيّد بما اشتمل منها على التقييد بعدم وجود أهل الولاية.

فمن المطلقات : موثّقة إسحاق بن عمّار : سألته عن الفطرة ، أُعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟ «قال : نعم ، الجيران

أحقّ بها ، لمكان الشهرة» (3).

قوله (عليه السلام) : «لمكان الشهرة» أي مخافة أن يشتهر ويطعن عليه بالرّفض إذا لم يعطهم. ولأجله لا يبعد حمل هذه الموثّقة على التقيّة ، ومع عدمه يقيّد إطلاقها بما ستعرف.

ورواية إسحاق بن المبارك : عن صدقة الفطرة ، أُعطيها غير أهل الولاية من هذا الجيران؟ «قال : نعم ، الجيران أحقّ بها» (4).

وصحيحة علي بن يقطين : عن زكاة الفطرة ، أيصلح أن تعطى الجيران


1) في ص 133 135.

2) النهاية : 192.

3) الوسائل 9 : 360 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 2.

4) الوسائل 9 : 361 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 5.

.................................................................................................


والظؤورة ممّن لا يعرف ولا ينصب؟ «فقال : لا بأس بذلك إذا كان محتاجاً» (1).

وموثّقة إسحاق بن عمّار : عن الفطرة «فقال : الجيران أحقّ بها ، ولا بأس أن يعطى قيمة ذلك فضّةً» (2).

ولكن الإطلاق في الكلّ يقيّد ما في صحيحة الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : كان جدّي (عليه السلام) يعطي فطرته الضعفة ومن لا يجد ومن لا يتولّى» قال : وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «هي لأهلها أي لأهل الولاية إلّا أن لا تجدهم ، فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب» (3).

فقد دلّت على تقييد الحكم بأمرين : عدم كون فاقد الولاية ناصبيّاً ، وعدم وجود أهل الولاية ، وبذلك يقيّد المطلقات المزبورة.

وهل يختصّ الحكم بالمستضعف كما صنعه الشيخ؟ أم يعمّ غير الناصب من المخالفين وإن لم يكن مستضعفاً كالمعاند والمقصّر؟

الظاهر هو الأوّل ، لما رواه الكليني في الصحيح عن مالك الجهني الذي هو ثقة عندنا ، لوجوده في إسناد كامل الزيارات قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن زكاة الفطرة «فقال : تعطيها المسلمين ، فإن لم تجد مسلماً فمستضعفاً» (4).

والظاهر أنّ هذه الرواية هي مستند الشيخ في التقييد المذكور ، فإنّ المراد بالمسلمين هم المؤمنون إمّا انصرافاً أو بقرينةٍ ما دلّ على الاختصاص بأهل الولاية. وعليه ، فيكون المراد من المستضعف الواقع في قباله من كان كذلك من


1) الوسائل 9 : 361 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 6. والظؤورة : جمع ظئر ، وهي المرضعة ، مجمع البحرين 3 : 386 (ظأر).

2) الوسائل 9 : 361 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 7.

3) الوسائل 9 : 360 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 3.

4) الوسائل 9 : 359 / أبواب زكاة الفطرة ب 15 ح 1 ، الكافي 4 : 173 / 18.

[2869] مسألة 1 : لا يشترط عدالة من يدفع إليه ، فيجوز دفعها إلى فسّاق المؤمنين (1). نعم ، الأحوط (1)عدم دفعها إلى شارب الخمر والمتجاهر بالمعصية ، بل الأحوط العدالة أيضاً. ولا يجوز دفعها إلى من يصرفها في المعصية.


المسلمين ، ولا يعمّ الكافرين كما لا يخفى ، فيكون هذا تقييداً ثالثاً للمطلقات المتقدّمة. وعليه ، فلا دليل لشمول الحكم لغير المستضعف من أهل الخلاف وإن لم يكن ناصبيّا.

بل الأحوط استحباباً تخصيص الحكم بفقراء المؤمنين ومساكينهم كما في المتن ، حذراً عن مخالفة المشهور.

هذا ، ولا يختصّ الحكم بالبالغين ، بل يعمّ أطفال المؤمنين إمّا صرفاً عليهم أو تمليكاً لهم بالدفع إلى الأولياء كما تقدّم في زكاة المال (2).

(1) لإطلاق الأدلّة على ما تقدّم في زكاة المال.

نعم ، صحيحة داود الصرمي تضمّنت عدم الدفع لشارب الخمر ، قال : سألته عن شارب الخمر ، يعطى من الزكاة شيئاً؟ «قال : لا» (3).

فإن استفيد الاختصاص بشرب الخمر ، وإلّا فيتعدّى لكلّ فسق مثلة فضلاً عن الأعظم منه كترك الصلاة ولا معارض لها. وكيف ما كان ، فهي مطلقة تعمّ طبيعي الزكاة الشامل للفطرة ولا تختصّ بزكاة المال.


1) (*) بل الأظهر ذلك في شارب الخمر ، ولا يترك الاحتياط في المتجاهر بالفسق وفي تارك الصلاة.

2) في ص 135 140.

3) الوسائل 9 : 249 / أبواب زكاة الفطرة ب 17 ح 1.

[2870] مسألة 2 : يجوز للمالك أن يتولّى دفعها مباشرةً (1) أو توكيلاً ، والأفضل بل الأحوط أيضاً دفعها إلى الفقيه الجامع للشرائط وخصوصاً مع طلبه لها.

[2871] مسألة 3 : الأحوط أن لا يدفع (1)للفقير أقلّ من صاع إلّا إذا اجتمع جماعة لا تسعهم ذلك (2).


(1) كما تقدّم ذلك في زكاة المال ، حيث قلنا ثمّة : إنّ المالك هو المخاطب بالأداء والإخراج ، فله التصدّي للامتثال مباشرة (2).

وما في بعض النصوص من أنّ أمره إلى الإمام (عليه السلام) يراد به أنّه الأولى بالتصرّف وله الولاية على ذلك ، لا أنّه يتعيّن الدفع إليه وقد رخّصوا (عليهم السلام) الملّاك في الإيصال إلى الفقراء مباشرة.

كما أنّ ما ورد في المقام من موثقة أبي علي بن راشد يراد به ذلك ايضاً ، قال : سألته عن الفطرة ، لمن هي؟ «قال : للإمام» قال : قلت له : فأُخبر أصحابي؟ «قال : نعم ، مَن أردت أن تطهّره منهم» (3).

هذا في الإمام (عليه السلام) نفسه.

وأمّا الفقيه الجامع للشرائط فلا ولاية له بوجه ، بل حتّى إذا طالب لا تجب إطاعته إلّا إذا كانت هناك جهة أُخرى من مصلحة ملحّةٍ بحيث تلحقه بالأُمور الحسبيّة ، وهو أمر آخر.

(2) لا إشكال في جواز إعطاء الصاع الواحد للفقير الواحد ، وإنّما الكلام في


1) (*) لا يبعد الجواز.

2) في ص 202.

3) الوسائل 9 : 346 / أبواب زكاة الفطرة ب 9 ح 2.

.................................................................................................


دفع الأقلّ له أو الأكثر.

فالمعروف والمشهور عدم جواز دفع الأقلّ إلّا إذا اجتمع جماعة لم تسعهم إلّا بدفع الأقلّ ، كما لو كانوا عشرين والفطرة عشرة أصوع.

ويستدلّ لهم بمرسلة الحسين بن سعيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال : لا تعط أحداً أقلّ من رأس» (1).

ومرسلة الصدوق قال : وفي خبر آخر قال : «لا بأس بأن تدفع عن نفسك وعمّن تعول إلى واحد ، ولا يجوز أن تدفع ما يلزم واحداً إلى نفسين» (2).

بناءً على أن يكون قوله «ولا يجوز» جزءاً من الرواية لا من كلام الصدوق نفسه كما فهمه الوافي واستظهره في الحدائق (3).

وعلى أيّ حال ، فهي على الأوّل مرسلة كما قبلها ، فلا تصلح للاستدلال إلّا على مسلك الانجبار بعمل المشهور ، ولكن استفادة الوجوب لا تلتئم مع ما صرّحوا به من الاستثناء في صورة الاجتماع ، معلّلين له بتعميم النفع والتوسّع في الخير ، ولئلّا يتأذّى البعض منهم بالمنع ، فإنّ هذا النوع من التعليل إنّما يناسب الاستحباب الذي يختلف باختلاف الجهات وملاحظة المزاحمات ، دون الحكم الوجوبي الذي لا يكاد يتغيّر بمثل ذلك كما لا يخفى.

هذا ، وقد تعارَض المرسلتان بصحيح صفوان عن إسحاق بن المبارك ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن صدقة الفطرة ، يعطيها رجلاً واحداً أو اثنين؟ «قال : يفرّقها أحبّ إليّ» قلت : اعطي الرجل الواحد ثلاثة أصيع وأربعة أصيع؟ «قال : نعم» (4).


1) الوسائل 9 : 362 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 2.

2) الوسائل 9 : 363 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 4 ، الفقيه 2 : 116 / 499.

3) الوافي 10 : 271 / 9576 ، الحدائق 12 : 314.

4) الوسائل 9 : 362 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 1.

.................................................................................................


ولكن الرواية ضعيفة السند ، لجهالة إسحاق ، ولا يغني كون الراوي عنه صفوان الذي هو من أصحاب الإجماع وممّن لا يروي إلّا عن ثقة ، لعدم استقامة هذه الكلّيّة كما مرّ مراراً.

على أنّ الدلالة قاصرة ، وهي أجنبيّة عمّا نحن بصدده ، إذ ليس السؤال عن الفطرة الواحدة التي هي محلّ الكلام ، بل عن جنس الفطرة الذي يكون في الغالب سيّما في صاحب العوائل عن أكثر من الواحد ، فيُسأل عن أنّه هل يعطى الجميع لشخص واحد؟ أم يفرّق؟ فأجاب (عليه السلام) باختيار الثاني وأنّه أحبّ إليه ، تكثيراً للخير وتعميماً للفائدة.

ويشهد لذلك سؤاله الثاني بقوله : قلت : أُعطي أي أنّ التفريق الذي هو أحبّ إليك هل يتحقّق بدفع الرجل الواحد منهم ثلاثة أو أربعة وهكذا؟ أم اللّازم التوزيع بدفع كلّ واحد منهم صاعاً؟ فأجاب (عليه السلام) بكفاية ذلك أيضاً. فإنّ هذا يكشف بوضوح عن أنّ الفطرة المفروضة في السؤال أكثر من صاع واحد.

فيكون مساق هذه الرواية في كون السؤال عن الجنس مساق موثّقة إسحاق ابن عمّار : عن الفطرة ، يعطيها رجلاً واحداً مسلماً؟ «قال : لا بأس به» (1).

بل هي أوضح دلالة ، إذ لا يحتمل أن يكون السؤال عن دفع فطرة شخص واحد لرجل واحد ، فإنّ جوازه من البديهيّات لا تكاد تخفى سيّما على مثل ابن عمّار ليحتاج إلى السؤال ، بل السؤال عن الجنس الشامل للنفس والعيال غالبا.

وكيف ما كان ، فقد تحصّل : أنّه لم ينهض دليل على التحديد من ناحية القلّة ، لضعف المرسلة أو المرسلتين في نفسيهما وإن سلمتا عن المعارض ، فإطلاق الأدلّة مثل قوله تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) الشامل لنصف الصاع كالصاع هو


1) الوسائل 9 : 363 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 6.

[2872] مسألة 4 : يجوز أن (1) يعطى فقير واحد أو أزيَد من صاع ، بل إلى حدّ الغنى.

[2873] مسألة 5 : يستحبّ تقديم الأرحام على غيرهم ، ثمّ الجيران ، ثمّ أهل العلم والفضل والمشتغلين ، ومع التعارض تلاحظ المرجّحات والأهمّيّة.

[2874] مسألة 6 : إذا دفعها إلى شخص باعتقاد كونه فقيراً فبان خلافه فالحال كما في زكاة المال (2).


المحكّم بعد سلامته عمّا يصلح للتقييد.

(1) وأمّا من ناحية الزيادة على الصاع فلا إشكال في الجواز ، للإطلاقات والنصوص المتظافرة التي منها : موثّقة علي بن بلال ، قال : كتبتُ إلى الطيِّب العسكري (عليه السلام) : هل يجوز أن يعطى الفطرة عن عيال الرجل وهم عشرة ، أقلّ أو أكثر ، رجلاً محتاجاً موافقاً؟ فكتب (عليه السلام) : «نعم ، افعل ذلك» (1).

وموثّقة إسحاق بن عمّار : «لا بأس أن يعطي الرجل الرجل عن رأسين وثلاثة وأربعة ، يعني الفطرة» (2)، وغيرهما.

(2) لوحدة المناط. وملخّصه : أنّ المالك يرتجع العين إن كانت باقية ، ومع التلف يضمن القابض ، مع علمه بالحال دون الجهل ، ويجب على المالك حينئذٍ دفعها إلى المستحقّ مرّة اخرى إن كان مفرّطاً في الفحص ومقصّراً في تشخيص الفقير ، دون ما لو جدّ واجتهد فأخطأ كما تقدّم توضيحه ، فلاحظ (3).


1) الوسائل 9 : 363 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 5.

2) الوسائل 9 : 362 / أبواب زكاة الفطرة ب 16 ح 3.

3) في ص 149 155.

[2875] مسألة 7 : لا يكفي ادّعاء الفقر (1) إلّا مع سبقه (1)أو الظنّ بصدق المدّعى.

[2876] مسألة 8 : تجب نيّة القربة هنا كما في زكاة المال (2) ، وكذا يجب التعيين ولو إجمالاً مع تعدّد ما عليه. والظاهر عدم وجوب تعيين من يزكّى عنه ، فلو كان عليه أصوع لجماعة يجوز دفعها من غير تعيين : أنّ هذا لفلان ، وهذا لفلان.


(1) بل يكفي إلّا مع سبق الغنى ، فيلزم حينئذٍ إثبات الفقر بحجّة معتبرة تمنع عن استصحاب الغنى ، ولا اعتبار بالظنّ بوجه كما مرّ كلّ ذلك في زكاة المال.

(2) فإنّها من العبادات حسبما أوضحناه هناك (2).

كما يجب عليه التعيين ولو إجمالاً مع تعدّد ما عليه من الحقوق الماليّة من كفّارة ونحوها ، تحقيقاً للامتثال ، ولكن لا يجب تعيين من يزكّى عنه وأنّه زيد أو عمرو ، لعدم دخله فيه بعد إطلاق الأدلّة كما هو ظاهر.

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وصلّى اللّه على سيِّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

هذا تمام الكلام في كتاب الزكاة.

ويقع الكلام بعد ذلك في كتاب الخمس إن شاء اللّه تعالى.

حرّره بيمناه الداثرة شرحاً على العروة الوثقى تقريراً لأبحاث سيِّدنا الأُستاذ


1) (*) تقدّم الكلام فيه في زكاة المال [في المسألة 2708].

2) في ص 269.

.................................................................................................


آية اللّه العظمى زعيم الحوزة العلميّة السيِّد الخوئي (دام ظلّه العالي) تلميذه الأقلّ مرتضى بن علي محمّد البروجردي النجفي عفي عنه وعن والديه في جوار القبّة العلويّة على مشرّفها آلاف التحيّة.

وكان الفراغ في يوم الأربعاء الموافق 22 جمادى الأُولى سنة 1397 هجريّة.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

كتاب الزّكاة

الموضوع / الصفحة

فصل في أصناف المستحقّين للزّكاة... 1 - 132

الأوّل والثاني : الفقير والمسكين... 1

معنى الفقير الشرعي... 5

هل تحل الزكاة لصاحب الدار والخادم؟... 9

تفصيل الكلام في مستحق الزكاة... 13

جواز إعطاء الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة... 21

عدم اختصاص الاحتياج بالطعام والشراب ، بل كل ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه 27

لو كان يقدر على التكسب ولكن ينافي شأنه... 30

جواز أخذ الزكاة لصاحب حرفة أو صنعة ولكن لا يمكنه الاشتغال بها... 31

حرمة أخذ الزكاة لمن أمكنه تعلم الحرفة من غير مشقة... 31

لو لم يتمكن من التكسب طول السنة إلا في يوم أو أسبوع فتركه تكاسلا... 32

لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه... 33

لو شك في أن ما بيده كاف لمؤونة سنته أم لا؟... 34

معاملة المدعي للفقر بصدقة أو كذبه إن عرف... 34

جواز احتساب الدين على الفقير زكاة سواء كان حيا أو ميتا... 37

اشتراط كون تركة الميت لا تفي بدينه ، وإلا لا يجوز احتسابه زكاة... 40

عدم وجوب الإعلام بكون المدفوع زكاة... 43

حكم لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّاً... 47

لو دفع الزكاة إلى غني جاهلاً بحرمتها عليه أو متعمّداً... 54

لو دفع الزكاة باعتقاد أنّه عادل فبان فقيراً فاسقاً... 54

الثالث : العاملون عليها... 58

هل الحصّة المدفوعة إلى العامل من الزكاة يستحقّها مجّاناً كما في الفقير والمسكين ، أم أنّها في مقابل عمله؟         59

شرائط يجب توفرها في العاملين على الزكاة... 62

الرابع : المؤلَّفة قلوبهم... 66

الخامس : الرّقاب ، وهم ثلاثة أصناف :... 71

الأوّل : المكاتب العاجز عن أداء الكتابة مطلقاً كان أو مشروطاً... 78

الثاني : العبد تحت الشدّة... 83

الثالث : مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحقّ للزكاة... 84

السادس : الغارمون... 85

يشترط أن لا يكون الدين مصروفاً في المعصية... 89

هل يجوز إعطاء الغارم من سهم الفقراء؟... 94

جواز إعطاء الغارم من سهم سبيل اللّه... 95

عدم الفرق بين أقسام الدين... 100

لو كان دينه مؤجّلًا... 101

لو كان كسوباً يقدر على أداء دينه بالتدريج... 102

حكم دفع الزكاة إلى الغارم فبان بعده أنّ دينه في معصية... 102

لو ادّعى أنّه مديون... 103

إذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثمّ صرفه في غيره... 103

المناط هو الصرف في صدق أحد العنوانين (المعصية أو الطاعة)... 103

إذا لم يكن الغارم متمكَّناً من الأداء حالًا وتمكَّن بعد حين... 104

لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة... 105

لو كان الدين لغير من عليه الزكاة... 107

لو كان الغارم ممّن تجب نفقته على من عليه الزكاة... 107

إذا كان ديّان الغارم مديوناً لمن عليه الزكاة... 107

لو كان الدين للضمان عن الغير تبرّعاً... 109

لو استدان لإصلاح ذات البين... 109

السابع : سبيل اللّه... 111

هل تعتبر الحاجة في الصرف من سهم سبيل اللّه؟... 114

الثامن : ابن السبيل... 116

هل يشترط في ابن السبيل عدم تمكنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه ، وأن لا يكون سفره في معصية      119

دفع القدر الكافي من الزكاة إلى ابن السبيل اللائق بحاله... 121

وجوب إعادة ما فضل مما أعطي من الزكاة... 122

لو علم استحقاق شخص للزكاة ولكن لم يعلم من أيّ الأصناف... 125

إذا نذر أن يعطي زكاته فقيراً معيّناً لجهة راجحة أو مطلقاً... 126

جواز استرجاع الزكاة لمن اعتقد وجوبها عليه فأعطاها فقيرا ثم تبين له عدم وجوبها 131

لو شكّ في وجوبها عليه وعدمه فأعطى احتياطاً ثمّ تبيّن له عدمه... 132

فصل في أوصاف المستحقّين... 133 - 201

الأوّل : الإيمان... 133

إعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين من سهم الفقراء... 136

هل تعطى الزكاة لمجانين المؤمنين من سهم الفقراء؟... 138

جواز دفع الزكاة إلى السفيه تمليكاً... 142

إلحاق الصبي المتولَّد بين المؤمن وغيره بالمؤمن... 142

عدم إعطاء ابن الزنا من المؤمنين فضلا عن غيرهم من هذا السهم... 143

لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر... 145

النيّة في دفع الزكاة للطفل والمجنون عند الدفع إلى الولي... 146

استشكال صاحب الحدائق في جواز إعطاء الزكاة لعوام المؤمنين... 146

لو اعتقد كونه مؤمناً فأعطاه الزكاة ثمّ تبيّن خلافه... 149

الثاني : أن لا يكون ممّن يكون الدفع إليه إعانةً على الإثم... 151

عدم اشتراط العدالة في الفقير... 152

هل يرجّح الأعدل فالأعدل والأفضل فالأفضل والأحوج فالأحوج في دفع الزكاة إليه؟ 156

الثالث : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكَّي... 157

جواز أخذ الزكاة لمن تجب نفقته على غيره من غيره إذا لم يكن قادرا على إنفاقه... 162

عدم جواز الدفع إلى زوجة الموسر الباذل... 165

هل يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المتمتّع بها؟... 167

عدم دفع الزكاة إلى الزوجة الدائمة إذا كان سقوط نفقتها من جهة النشوز... 169

هل يجوز للزوجة دفع زكاتها إلى الزوج؟... 169

إذا عال بأحدٍ هل يجوز له دفع زكاته له؟... 170

استحباب إعطاء الزكاة للأقارب... 171

جواز دفع زكاة الوالد إلى ولده للصرف في مؤونة التزويج وبالعكس... 172

هل يجوز للمالك دفع الزكاة إلى ولده للإنفاق على زوجته أو خادمه أو لتحصيل الكتب العلميّة؟        173

لا فرق في عدم جواز دفع الزكاة إلى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادراً على إنفاقه أو عاجزاً       175

جواز صرف الزكاة على مملوك الغير... 177

الرابع : أن لا يكون هاشميّاً إذا كانت الزكاة من غيره... 179

حلّيّة زكاة الهاشمي لكل أحد هاشميّاً كان أم غيره... 183

المحرّم من صدقات غير الهاشمي عليه... 187

كيفيّة ثبوت كونه هاشميّاً... 197

هل يكفي مجرّد دعواه أنّه هاشمي؟... 198

يشكل إعطاء زكاة غير الهاشمي لمن تولَّد من الهاشمي بالزنا... 200

فصل في بقيّة أحكام الزّكاة... 202 - 250

أفضليّة نقل الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط... 202

لو طلب الفقيه الزكاة على وجه الإيجاب... 206

عدم وجوب البسط على الأصناف الثمانية... 208

استحباب البسط على الأصناف الثمانية مع سعتها ووجودهم... 211

استحباب تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب بمقدار فضله... 212

استحباب ترجيح الأقارب على الأجانب وأهل الفقه والعقل على غيرهم... 213

أفضلية الإجهاز بدفع الزكاة من الإسرار به ، بخلاف المندوبة... 214

لو قال المالك : أخرجت زكاة مالي... 215

جواز عزل الزكاة وتعيينها في مال مخصوص وإن كان من غير الجنس... 217

لو اتّجر بمجموع النصاب قبل أداء الزكاة... 221

وجوب الوصيّة بأداء ما عليه من الزكاة إذا أدركته الوفاة قبله... 222

هل يجوز العدول بالزكاة إلى غير من حضره من الفقراء؟... 224

جواز نقل الزكاة من بلدٍ إلى آخر مع عدم وجود المستحقّ فيه... 224

هل مؤونة النقل تحتسب من الزكاة؟... 227

التخيّر بين النقل والحفظ مع كونه مرجوّ الوجود... 229

جواز النقل الزكاة إلى البلد الآخر ولو مع وجود المستحقّ في البلد... 232

لو تلفت الزكاة بالنقل... 236

لو كان النقل بإذن الفقيه وتلفت الزكاة... 237

لو كان له مال في غير بلد الزكاة... 238

جواز نقل المال الذي فيه الزكاة في بلد آخر إلى بلده... 238

براءة ذمّة المالك بقبض الفقيه الزكاة بعنوان الولاية العامّة... 239

أُجرة الكيال والوزّان على المالك لا من الزكاة... 239

لو تعدّد سبب الاستحقاق في شخص واحد... 240

لو مات المملوك المشتري من الزكاة ولا وارث له... 240

لو أعطي تدريجاً فبلغ مقدار مؤونة السنة... 242

عدم الفرق في إعطاء الزكاة بين النقدين وغيرهما... 245

هل يستحبّ للفقيه أو العامل أو الفقير الذي يأخذ الزكاة الدعاء للمالك؟... 246

كراهة طلب تملَّك ما أخرجه في الصدقة الواجبة والمندوبة... 248

فصل في وقت وجوب إخراج الزكاة... 251 - 268

هل الوجوب بعد تحقّقه فوري أو لا؟... 251

المناط في الضمان مع وجود المستحقّ هو التأخير عن الفور العرفي... 256

يشترط في الضمان مع التأخير العلم بوجود المستحقّ... 257

لو أتلف الزكاة المعزولة أو جميع النصاب متلف... 258

عدم جواز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب... 258

لو أراد أن يعطي فقيراً شيئاً ولم يأت وقت وجوب الزكاة عليه... 262

لو أعطاه قرضاً فزاد عنده زيادة متّصلة أو منفصلة... 263

لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول بقصد الاحتساب عليه بعد حلوله بعضاً من النصاب وخرج الباقي عن حدّه         264

لو استغنى الفقير بعين المال الذي أقرضه الاحتساب عليه بعد حلوه ثمّ حال الحول... 265

لو استغنى الفقير بنماء المال الذي أقرضه أو بارتفاع قيمته... 267

فصل في أنّ الزكاة من العبادات... 269 - 285

اعتبار نيّة القربة في الزكاة... 269

اعتبار التعيين مع تعدّد ما عليه من الزكاة... 270

كفاية مجرّد قصد كونه زكاةً في تفريغ الذمّة عن زكاة المال... 272

جواز التوكيل في أداء الزكاة وإيصاله... 276

لزوم تولي المالك للنية أيضا حين الدفع إلى الوكيل... 279

وقت نية الموكل حين التوكيل أو الدفع إلى الوكيل... 280

لو دفع المالك أو وكيله بلا نيّة القربة... 281

جواز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء... 281

لو أدّى ولي اليتيم أو المجنون زكاة مالهما... 282

هل يتولَّى النية عن الممتنع لو أدّى الزكاة عنه؟... 282

لو أخذ الحاكم الزكاة من الكافر... 283

لو كان له مال غائب فنوى أنّه إن كان باقياً فهذا زكاته وإن كان تالفاً فهو صدقة مستحبّة     284

لو أخرج عن ماله الغائب زكاةً ثمّ بان كونه تالفاً... 285

الختام ، وفيه مسائل متفرّقة :... 286 - 359

استحباب استخراج زكاة مال التجارة ونحوه للصبي والمجنون... 286

لو علم بتعلَّق الزكاة بماله وشكّ في أنّه أخرجها أم لا؟... 289

إذا باع الزرع أو الثمر وشكّ في كون البيع بعد زمان تعلَّق الوجوب أو قبله... 291

لو مات المالك بعد تعلَّق الزكاة... 295

لو بلغ نصيب كلّ واحد من الورثة أو نصيب بعضهم النصاب... 296

إذا علم أنّ مورثه كان مكلَّفاً بإخراج الزكاة وشكّ في أنّه أدّاها أم لا... 297

حكم ما لو علم اشتغال ذمّته إمّا بالخمس أو الزكاة... 309

لو علم إجمالًا أنّ حنطته بلغت النصاب أو شعيرة ولم يتمكَّن من التعيين... 311

لو علم أنّ عليه إمّا زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة... 313

إذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها هل يجوز إعطاؤها من تركته لواجب النفقة عليه حال حياته أم لا؟          314

حكم ما لو باع النصاب بعد وجوب الزكاة وشرط على المشتري زكاته... 315

جواز أداء الزكاة من ماله تبرّعاً عن الغير... 317

براءة ذمّة المالك إذا وكَّل غيره في أداء زكاته أو في الإيصال إلى الفقير... 318

كيفيّة تعيين المنوي بحسب الواقع وإن جهله الناوي... 319

عدم وجوب الترتيب في أداء الزكاة... 320

لو أعطى من غير نية التعيين... 320

زكاة المزارعة الفاسدة الزكاة مع بلوغ النصاب على صاحب البذر... 321

هل يجوز للحاكم الشرعي الاقتراض على الزكاة؟... 322

هل يجوز لآحاد المالكين إقراض الزكاة قبل أوان وجوبها أو الاستدانة لها؟... 324

عدم جواز أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه بالنسبة للفقير والحاكم الشرعي... 325

اشتراط التمكَّن من التصرّف فيما يُعتبر فيه الحول... 327

لو نذر أن لا يتصرف في ماله الحاضر شهرا أو شهرين... 330

هل يجوز أن يشتري من زكاته من سهم سبيل اللّه كتاباً أو قرآناً ويوقفه ويجعل التولية بيده أو يد أولاده؟          331

عدم ملكية الفقير شيئا في ذمّة المالك الممتنع عن أداء الزكاة حتّى يجوز له التقاص منه 332

عدم جواز إعطاء الزكاة للفقير من سهم الفقراء للزيارة أو الحجّ... 333

جواز صرف الزكاة من سهم سبيل اللّه في كلّ قربة... 334

لو نذر أن يكون نصف ثمرة نخلة أو كرمه بعنوان نذر النتيجة وبلغ ذلك النصاب... 334

لو نذر أن يكون نصف ثمرة نخله أو كرمه بعنوان نذر الفعل وبلغ ذلك النصاب... 335

هل يجوز للفقير أن يوكَّل شخصاً يقبض له الزكاة من أيّ شخص وفي أيّ مكان؟... 336

عدم جريان الفضوليّة في دفع الزكاة... 337

هل يجوز للوكيل الأخذ من الزكاة لنفسه؟... 340

لو قبض الفقير بعنوان الزكاة أربعين شاة دفعةً أو تدريجاً وبقيت عنده سنة... 342

لو أعطى أحد الشريكين زكاة حصّته من مال آخر أو من المال الزكوي بإذن الآخر قبل القسمة ثمّ اقتسماه        343

هل يجوز للحاكم إجبار الكافر على اعطاء الزكاة له أو أخذها من ماله قهراً عليه؟ 344

نسبة الزكاة والخمس إلى ما تعلّقا به من العين... 344

لو مات وكان عليه خمس أو زكاة مع دين الناس والكفّارة والنذر والمظالم وضاقت التركة       346

عدم المنع من إعطاء الزكاة للسائل بكفّه وكذا في الفطرة... 348

هل تعتبر العدالة في المعطي والآخذ للزكاة؟... 350

وجوب قصد القربة في الزكاة وأنّها شرط في الإجزاء... 351

لو وكَّل شخصاً في إخراج زكاته وكان الموكَّل قاصداً للقربة وقصد الوكيل الرّياء... 352

إذا دفع المالك الزكاة إلى الحاكم الشرعي ليدفعها للفقراء فدفعها لا بقصد القربة... 353

لو أخذ الحاكم الزكاة من الممتنع كرهاً... 355

المشتغل بتحصيل هل يمنع من إعطائه الزكاة إذا كان قادراً على الكسب بتركه التحصيل؟      357

إذا لم يكن الفقير المشتغل بتحصيل العلم الراجح شرعاً قاصداً للقربة... 358

هل يجوز دفع الزكاة في المكان المغصوب؟... 359

اعتبار التمكَّن من التصرّف في وجوب الزكاة فيما يعتبر فيه الحول... 359

فصل في زكاة الفطرة... 360 - 361

وجوب زكاة الفطرة وفوائدها... 360

معنى الفطرة... 361

فصل في شرائط وجوبها... 362 - 390

الأوّل : التكليف... 362

هل تسقط زكاة الفطرة عن الصبي والمجنون بالنسبة إلى عيالهما؟... 365

الثاني : عدم الإغماء... 368

الثالث : الحرّيّة... 370

لو تحرّر من المملوك شيء... 374

الرابع : الغنى... 375

لو كان مالكاً لقوت السنة وعليه دين... 378

لو كان مالكاً عين أحد النصب الزكويّة أو قيمتها ولم يكفه لقوت سنته... 378

هل يعتبر في الوجوب كونه مالكاً مقدار الزكاة زائداً على مؤونة السنة؟... 380

عدم اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطرة... 381

اعتبار نيّة القربة في زكاة الفطرة... 383

استحباب إخراج زكاة الفطرة للفقير... 383

كيفية إخراج زكاة الفطرة فيما إذا كان في العائلة الفقيرة صغيرا أو مجنون... 385

كراهة تملَّك ما دفعه زكاةً وجوباً أو ندباً... 386

المدار في وجوب الفطرة... 387

لو كان البلوغ أو العقل أو الإسلام بعد الغروب... 390

فصل فيمَن تجب عنه... 391 - 426

وجوب إخراجها ن نفسه وعن كلّ من يعوله حين دخول ليلة الفطرة... 391

هل تجب زكاة الفكرة عن الضيف؟... 393

لو نزل الضيف بعد دخول الليلة... 396

إذا وُلِدَ له وَلَد أو ملك مملوكاً أو تزوّج بامرأة قبل الغروب أو مقارناً من ليلة الفطر 397

كلّ مَن وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه... 398

وجوب الفطرة عن الزوجة أو المتعة مع العيلولة لهما... 403

لو أنفق الولي على الصغير أو المجنون من مالهما... 405

هل يجوز التوكيل في دفع الزكاة إلى الفقير من مال الموكَّل ويتولَّى الوكيل النيّة؟... 405

من وجب عليه فطرة غيره لا يجزئه إخراجها عن نفسه... 406

حرمة فطرة غير الهاشمي على الهاشمي ، وحليّة فطرة الهاشمي على الصنفين... 406

عدم الفرق في العيال بين أن يكون حاضراً عنده أو غائباً عنه... 409

هل يجوز للغائب عن عياله الذين في نفقته أن يخرج عنهم؟... 410

المملوك المشترك بين مالكين زكاته عليهما بالنسبة... 410

عدم اعتبار اتّفاق جنس المخرج من الشركين... 414

لو كان شخص في عيال اثنين... 415

وجوب فطرة الرضيع على أبيه إن كان هو المنفق على مرضعته... 417

هل يشترط كون الإنفاق من المال الحلال؟... 418

عدم اشتراط صرف عين ما أنفقه أو قيمته بعد صدق العيلولة... 418

لو ملَّك شخصاً مالًا هبةً أو صلحاً أو هديّةً وهو أنفقه على نفسه... 418

لو استأجر شخصاً واشترط في ضمن العقد أن تكون نفقته عليه... 419

وجوب الفطرة على المعيل فيما لو كانت العيلولة باختياره ورضاه... 420

حكم ما لو مات بعد الغروب من ليلة الفطر... 422

فطرة المطلَّقة الرجعيّةً على زوجها دون البائن... 424

لو كان غائباً عن عياله أو كانوا غائبين عنه وشكّ في حياتهم... 425

فصل في جنسها وقدرها... 427 - 459

اختلاف الأخبار في تعيين الضابط لجنس الفطرة... 427

هل يكتفي بكلّ ما يكون قوتاً غالباً؟... 436

أفضلية التمر في صدقة الفطرة... 439

اشتراط كون الجنس المخرج صحيحاً... 442

الاجتزاء بقيمة أحد المذكورات من الدراهم والدنانير أو غيرهما من الأجناس الأُخر 443

هل يجزئ نصف الصاع من الحنطة الجيّدة إن كان يساوي صاعاً من الأدون؟... 447

عدم إجزاء الصاع الملفّق من جنسين إلَّا بعنوان القيمة... 448

هل يشترط اتّحاد الجنس الذي يخرجه عن نفسه مع الذي يخرج عن عياله؟... 449

الواجب في القدر الصاع عن كلّ رأس... 449

اختلاف الأصحاب في القدر الواجب من الفطرة في اللبن... 453

المدار قيمة وقت الإخراج لا وقت الوجوب والمعتبر قيمة بلد الإخراج... 456

فصل في وقت وجوبها... 460 - 479

اختلاف كلمات الأصحاب (قدس سرهم) في مبدأ وقت وجوب الفطرة... 460

اختلاف كلمات الأصحاب (قدس سرهم) من ناحية المنتهى... 465

لو خرج وقت الفطرة ولم يخرجها... 470

هل يجوز تقديم الفطرة على شهر رمضان؟... 472

جواز عزل الفطرة في مال مخصوص من الأجناس أو غيرها بقيمتها مع النيّة حين العزل 474

لو عزل الفطرة وأخّر دفعها إلى المستحقّ... 476

جواز نقل الفطرة بعد العزل إلى بلدٍ آخر ولو مع وجود المستحقّ في بلده... 477

أفضليّة أداء الفطرة في بلد التكليف بها وإن كان ماله في بلد آخر... 478

هل يجوز لمن عزل فطرته في مالٍ معيّن تبديلها بعد ذلك؟... 479

فصل في مصرفها... 480 - 490

الفقراء هم مصرف زكاة المال... 480

عدم جواز دفع زكاة المال لأهل الخلاف حتّى المستضعفين منهم... 481

عدم اشتراط عدالة من يدفع إليه... 484

جواز تولَي المالك دفعها مباشرةً أو توكيلًا... 485

لو اجتمع جماعة لا تسعهم زكاة الفطرة... 485

جواز إعطاء الفقير الواحد أزيَد من صاع إلى حدّ الغنى... 488

استحباب تقديم الأرحام على غيرهم ، ثمّ الجيران ، ثمّ أهل العلم والفضل... 488

لو دفع الفطرة إلى شخص باعتقاد كونه فقيراً فبان خلافه... 488

هل يكفي ادّعاء الفقر؟... 489

وجوب نيّة القربة وكذا التعيين ولو إجمالاً... 489

فهرس الموضوعات... 491 - 507

الصورة

508-24

الصورة

509-24

الصورة

510-24

الصورة

511-24

الصورة

512-24

الصورة

513-24

الصورة

514-24

الصورة

515-24

الصورة

516-24