ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 469-6337-04-7
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الصلاة
تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثامن عشر
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
7 - 04 - 6337 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين الغرّ الميامين.
وهي من المستحبّات الأكيدة في جميع الفرائض (1) ، خصوصاً اليوميّة منها (2) وخصوصاً في الأدائيّة (3).
فصل في الجماعة
(1) لا ريب في مشروعيّة الجماعة ، بل استحبابها المؤكّد في الصلوات الخمس اليوميّة ، بل في مطلق الفرائض. وقد قامت عليه سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام والنبيّ الأعظم صلی اللّه عليه وآله ونطقت به الروايات المستفيضة البالغة حدّ التواتر ، المشتملة على ضروب من التأكيد حتّى كادت تلحقها بالوجوب على حدّ تعبير الماتن ، كما لا يخفى على المراجع ، وستعرف ما يمكن الاستدلال به من الروايات على المشروعيّة في عامّة الفرائض.
(2) للتعرّض لها بالخصوص في بعض النصوص.
(3) فإنّها القدر المتيقّن من الأدلّة ، وأمّا القضاء فربما يستدلّ لمشروعية الجماعة فيها باتّحاد ماهيتها مع الأداء ، وعدم الفرق بينهما من غير ناحية الإيقاع في الوقت وفي خارجه ، فيشتركان في جميع الأحكام التي منها
.................................................................................................
مشروعيّة الجماعة ، وعليه فتتبع القضاء الأداء في الكيفية من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص.
ويتوجّه عليه : أنّ حديث الاتّحاد لا يستدعي أكثر من الاشتراك في الذات وما تتألّف منه حقيقة الصلاة من الأجزاء والشرائط المعتبرة في طبيعتها وأنّها هي تلك الطبيعة بعينها. فاذا ثبت اعتبار الركوع والطهارة والستر والاستقبال ونحوها في الصلاة ثمّ ورد الأمر بالقضاء يفهم العرف أنّ المقضيّ هي تلك الصلاة المشتملة على هذه الخصوصيات ، من غير حاجة إلى التنبيه على اعتبارها فيه.
وأمّا الاشتراك في الأحكام زائداً على أصل الطبيعة ، من مشروعية الجماعة وأحكام الشكوك وعدم اعتناء المأموم بشكّه مع حفظ الإمام وغير ذلك من سائر الأحكام ، فلا يكاد يقتضيه الاتّحاد المزبور أبداً ، بل لا بدّ من قيام دليل عليه بالخصوص ولو بمثل الإجماع ونحوه.
فالأولى أن يستدلّ له بالروايات الخاصّة ، وهي عدّة :
منها : الأخبار الصحيحة الواردة في رقود النبي صلی اللّه عليه وآله وأصحابه عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ قضائه صلی اللّه عليه وآله بهم جماعة بعد الانتقال إلى مكان آخر (1).
فإنّها وإن أشكل التصديق بمضمونها من حيث الحكاية عن نوم النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، ومن الجائز أن تكون من هذه الجهة محمولة على التقيّة ، كما مرّت الإشارة إليه سابقاً (2). لكنّها من حيث الدلالة على مشروعية الجماعة في القضاء لا مانع من الأخذ بها بعد قوّة أسانيدها ، وعدم المعارض لها.
ومنها : موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام :
.................................................................................................
تقام الصلاة وقد صلّيت ، فقال : صلّ واجعلها لما فات» (1).
والطريق وإن اشتمل على سلمة صاحب السابري ولم يوثّق ، لكنّه مذكور في أسناد كامل الزيارات. على أنّ الصدوق رواها بسند آخر عن إسحاق بن عمّار (2)، وطريقه إليه (3)صحيح (4).
ومنها : ما دلّ على مشروعيّة الجماعة في الفرائض كلّها ، الشامل بإطلاقها لصلاة القضاء ، وهي صحيحة زرارة والفضيل قالا «قلنا له : الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال : الصلاة فريضة ، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ، ولكنّها سنّة ، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» (5).
وتوضيح الاستدلال بها : أنّ الراوي إنّما سأل عن وجوب الجماعة فارغاً عن مشروعيّتها ولو في الجملة ، وقد تضمّن الجواب نفي الوجوب ، وأنّ الفرض إنّما هو أصل الصلاة ، وأمّا الاجتماع فليس بمفروض في شيء من الصلوات. فقد نفى عليهالسلام وجوب الجماعة في عامّة الصلوات كما يقتضيه الجمع المحلّى باللام مؤكداً بلفظة «كل».
فإلى هنا لا تدلّ الصحيحة إلّا على مشروعيّة الجماعة في الجملة ، كما كان هو المفروض في السؤال على ما عرفت ، ولا دلالة لها على المشروعيّة المطلقة لعدم كونها مسوقة إلّا لنفي الوجوب كما عرفت.
ثم ذكر عليهالسلام بعد ذلك : «ولكنّها سنّة» ، وهذه الجملة بملاحظة ما
1) الوسائل 8 : 404 / أبواب صلاة الجماعة ب 55 ح 1.
2) الفقيه 1 : 265 / 1213.
3) الفقيه 4 (المشيخة) : 5.
4) ولكنّه أيضاً مبني على وثاقة رجال الكامل ، لأنّ في الطريق علي بن إسماعيل ، المنصرف إلى ابن عيسى كما نصّ عليه الأُستاذ (دام ظله) في معجمة 12 : 301 / 7946 ، ولم يوثّق من غير ناحية وقوعه في أسناد كامل الزيارات.
5) الوسائل 8 : 285 / أبواب صلاة الجماعة ب 1 ح 2.
.................................................................................................
سبقتها كالصريحة في الاستحباب المطلق ، للزوم توارد النفي والإثبات على محلّ واحد رعاية لوحدة السياق ، فتكون قد تضمّنت إثبات الاستحباب لكلّ مورد نفت الجملة السابقة عليها الوجوب عنه ، فإنّ الإثبات إنّما ورد على ما ورد النفي عليه ، وقد عرفت أنّ المنفي هو الجميع بمقتضى الجمع المحلّى المؤكّد بكلمة «كل» ، فيكون المثبت مثله. فهذه الجملة بمثابة أن يقال : الجماعة سنّة في الصلوات كلّها.
فدلّت الصحيحة بهذا البيان على أنّ الجماعة سنّة في جميع الفرائض ومنها القضاء ، بمقتضى الإطلاق ، فتدلّ على مشروعية الجماعة واستحبابها فيها أيضاً.
وممّا ذكرنا تعرف إمكان التمسّك بهذا الإطلاق لإثبات المشروعيّة في غير الصلوات اليوميّة من سائر الفرائض كصلاة الآيات ، وإن كنّا في غنى عن التمسّك به ، لورود الروايات الخاصّة الدالّة على مشروعية الجماعة فيها ، وأنّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله صلّاها كذلك (1)، مع قيام السيرة القطعية على ذلك المتّصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام كما مرّت الإشارة إليها في محلّها (2).
نعم ، لا يمكن التمسّك به في صلاة الأموات ، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شيء ، وإنّما هي تكبير وتهليل وتسبيح وتحميد ، فلا يجري عليها أحكام الصلاة الحقيقية ذات الركوع والسجود ، وإن أُطلق عليها لفظ الصلاة على سبيل الاشتراك اللفظي ، ولذا لا تعتبر فيها الطهارة لا من الحدث ولا الخبث ، ولا غيرها من سائر الأجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة عدا ما قام الدليل عليه بالخصوص.
وعليه فالدليل المتكفّل لمشروعية الجماعة في الصلاة لا ينهض بإثباتها في
ولا سيما في الصبح (1) والعشاءين (2)
مثل هذه الصلاة ، لكن المشروعيّة قد ثبتت فيها بالأدلّة الخاصّة على ما سبق في محلّه (1).
وأمّا صلاة الطواف فمقتضى الصناعة الحكم بمشروعيّة الجماعة فيها أخذاً بالإطلاق المزبور ، لعدم القصور في شموله لها. لكن الذي يمنعنا عن الأخذ به عدم معهوديّتها فيها عند المتشرّعة ، بل المسلمين قاطبة ، ولم ينقل عن النبي صلی اللّه عليه وآله ولا المعصومين ولا عن أحد من أصحابهم إقامتها جماعة ، مع تأكّد استحبابها كما مرّ.
ولو أنّهم أقاموها كذلك ولو مرّة واحدة لنقل إلينا بطبيعة الحال ، فيكشف عدم المعهودية عن عدم المشروعيّة ، بل قد عرفت عدم الخلاف في ذلك عند عامّة المسلمين ، وبذلك ترفع اليد عن الإطلاق المتقدّم ويحكم بتقييده بغير هذه الصلاة.
(1) للتعرّض لها بالخصوص في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سمعته يقول : صلّى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله الفجر فأقبل بوجهه على أصحابه فسأل عن أُناس يسمّيهم بأسمائهم فقال : هل حضروا الصلاة؟ فقالوا : لا يا رسول اللّه ، فقال : أغيّب هم؟ قالوا : لا ، فقال : أما أنّه ليس من صلاة أشدّ على المنافقين من هذه الصلاة والعشاء ، ولو علموا أيّ فضل فيهما لأتوهما ولو حبواً» (2).
(2) أما العشاء فللتعرّض لها في صحيحة ابن سنان المتقدّمة آنفاً ، وأمّا
وخصوصاً لجيران المسجد (1) ، أو من يسمع النداء (2). وقد ورد في فضلها وذمّ تاركها من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات.
المغرب فيستدلّ لها برواية أبي بصير : «من صلّى المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الغداة في المسجد جماعة فكأنّما أحيا الليل كلّه» (1).
ولكنّها ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى وبعلي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير ، فلا يمكن الاعتماد عليها. فالأظهر اختصاص التأكّد بما عرفت.
(1) لصحيحة ابن ميمون [عن الصادق عليهالسلام عن آبائه] «قال : اشترط رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله على جيران المسجد شهود الصلاة وقال : لينتهينّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّناً يؤذّن ثمّ يقيم ، ثمّ آمر رجلاً من أهل بيتي وهو عليّ عليهالسلام فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لأنّهم لا يأتون الصلاة» (2).
وقد رواها الصدوق بطريقين ، في أحدهما ضعف بمحمد بن علي ماجيلويه (3)شيخه ، والطريق الآخر صحيح وإن اشتمل على أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (4)، لتصريح الصدوق بتوثيقه (5).
(2) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث قال «قال أمير المؤمنين عليهالسلام : من سمع النداء فلم يجبه من غير علّة فلا صلاة له» (6).
1) الوسائل 8 : 295 / أبواب صلاة الجماعة ب 3 ح 3.
2) الوسائل 8 : 292 / أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 6.
3) ثواب الأعمال : 276 / 2.
4) أمالي الصدوق : 573 / 783.
5) كمال الدين : 369. على أنّها رويت في المحاسن [1 : 165 / 241] بطريق خالٍ عن الخدش ، بناء على وثاقة رجال الكامل.
6) الوسائل 8 : 291 / أبواب صلاة الجماعة ب 2 ح 1.
ففي الصحيح : «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذّ أي الفرد بأربع وعشرين درجة» (1).
وفي رواية زرارة : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام ما يروي الناس أنّ الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين ، فقال عليهالسلام : صدقوا ، فقلت : الرجلان يكونان جماعة؟ قال عليهالسلام : نعم ويقوم الرجل عن يمين الإمام» (2).
وفي رواية محمد بن عمارة قال : «أرسلت إلى الرضا عليهالسلام أسأله عن الرجل يصلّي المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته مع جماعة؟ فقال عليهالسلام : الصلاة في جماعة أفضل» (3)مع أنّه ورد : «أنّ الصلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة» وفي بعض الأخبار : «ألفين».
بل قد يظهر من مثل هذه الصحيحة وسابقتها ممّا تضمّن نفي الصلاة عمّن لم يجب من غير علّة ، أو الذمّ والوعيد لمن لم يحضر الجماعة ، كراهة الترك من غير عذر ، لا سيما مع الاستمرار عليه ، ما لم يكن رغبة عن فضلها الضروري أو استحقاراً واستخفافاً بشأنها ، وإلّا فلا إشكال في عدم الجواز بهذا العنوان كما أشار إليه في المتن.
نعم ، ربما يورد على مضمون الصحيحة السابقة الوارد في غير واحد من الأخبار أيضاً من الإنذار والعقوبة الشديدة على تارك جماعة المسلمين بأنّ ذلك ممّا لا يلائم استحباب الفعل وإن تأكّد أو كراهة الترك ، ضرورة أنّ شيئاً منهما لا يستتبع التعذيب ، سيما بهذه المثابة والمرتبة الشديدة من إحراق دورهم عليهم ، فكيف التوفيق؟
بل في خبر «قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : أتاني جبرئيل مع سبعين ألف ملك بعد صلاة الظهر فقال : يا محمد إنّ ربّك يقرئك السلام وأهدى إليك هديّتين لم يهدهما إلى نبيّ قبلك ، قلت : ما تلك الهديّتان؟ قال : الوَتر ثلاث ركعات ، والصلاة الخمس في جماعة ، قلت : يا جبرئيل ما لأُمّتي في الجماعة؟ قال : يا محمد إذا كانا اثنين كتب اللّه لكلّ واحد بكلّ ركعة مائة وخمسين صلاة ، وإذا كانوا ثلاثة كتب اللّه لكلّ واحد بكل ركعة ستمائة صلاة وإذا كانوا أربعة كتب اللّه لكلّ واحد ألفاً ومائتي صلاة ، وإذا كانوا خمسة كتب اللّه لكلّ واحد بكل ركعة ألفين وأربعمائة صلاة ، وإذا كانوا ستّة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة أربعة آلاف وثمانمائة صلاة ، وإذا كانوا سبعة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة ، وإذا كانوا ثمانية كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة تسعة عشر ألفاً ومائتي صلاة ، وإذا كانوا تسعة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة ستة وثلاثين ألفاً وأربعمائة صلاة وإذا كانوا عشرة كتب اللّه لكلّ واحد منهم بكلّ ركعة سبعين ألفاً وألفين وثمانمائة صلاة ، فإن زادوا على العشرة فلو صارت السماوات كلّها قرطاساً والبحار مداداً والأشجار أقلاماً والثقلان مع الملائكة كتّاباً لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة ، يا محمد صلی اللّه عليه وآله تكبيرة يدركها المؤمن مع الإمام خير من ستين ألف حجّة وعمرة ، وخير من الدنيا وما فيها بسبعين ألف مرّة ، وركعة يصلّيها المؤمن مع الإمام خير من مائة ألف دينار يتصدّق بها على المساكين ، وسجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير من عتق مائة رقبة» (1).
وعن الصادق عليهالسلام : «الصلاة خلف العالم بألف ركعة ، وخلف القرشي بمائة» (2).
ولا يخفى أنّه إذا تعدّدت جهات الفضل تضاعف الأجر ، فإذا كانت في مسجد السوق الذي تكون الصلاة فيه باثنتي عشرة صلاة يتضاعف بمقداره ، وإذا كانت في مسجد القبيلة الذي تكون الصلاة فيه بخمسة وعشرين فكذلك ، وإذا كانت في المسجد الجامع الذي تكون الصلاة فيه بمائة يتضاعف بقدره ، وكذا إذا كانت بمسجد الكوفة الذي بألف ، أو كانت عند علي عليهالسلام الذي فيه بمائتي ألف. وإذا كانت خلف العالم أو السيد فأفضل ، وإن كانت خلف العالم السيد فأفضل. وكلّما كان الإمام أوثق وأورع وأفضل فأفضل. وإذا كان المأمومون ذوي فضل فتكون أفضل ، وكلّما كان المأمومون أكثر كان الأجر أزيد.
ولا يجوز تركها رغبة عنها ، أو استخفافاً بها ، ففي الخبر : «لا صلاة لمن لا يصلّي في مسجد إلّا من علّة ، ولا غيبة لمن صلّى في بيته ورغب عن جماعتنا ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته ، وسقطت بينهم عدالته ، ووجب هجرانه ، وإذا دفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذّره ، فان حضر جماعة المسلمين وإلّا أُحرق عليه بيته».
وفي آخر : «إنّ أمير المؤمنين عليهالسلام بلغه أنّ قوماً لا يحضرون الصلاة في المسجد ، فخطب فقال : إن قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا ، فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة ، وإنّي لأُوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأُحرقها عليهم أو ينتهون ، قال : فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين» (1).
فمقتضى الإيمان عدم الترك من غير عذر ، لا سيما مع الاستمرار عليه ، فإنّه كما ورد لا يمنع الشيطان من شيء من العبادات منعها. ويعرض عليهم
1) الوسائل 5 : 196 / أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 9.
الشبهات من جهة العدالة ونحوها حيث لا يمكنهم إنكارها ، لأنّ فضلها من ضروريات الدين.
[1868] مسألة 1 : تجب الجماعة في الجمعة وتشترط في صحّتها (1) ، وكذا العيدين مع اجتماع شرائط الوجوب (2) ، وكذا إذا ضاق الوقت (1)عن تعلّم القراءة لمن لا يحسنها مع قدرته على التعلّم ،
والجواب : أنّ الظاهر أنّ التهديد في هذه الأخبار متوجّه إلى المنافقين المبطنين للكفر المظهرين للإسلام ، المتمرّدين على أوامر النبي صلی اللّه عليه وآله ، ولا شكّ في استحقاقهم لهذا النوع من التنبيه ، وليست ناظرة إلى من يصلّي في المسجد فرادى بمرأى من المسلمين ومسمع وإن لم يحضر جماعتهم من غير رغبة عنها ولا استخفاف بشأنها.
وقد ذكرنا في مبحث العدالة (2): أنّ الصلاة هي المائز بين المسلم والكافر وهي رمز الإسلام ، وبذلك تمتاز عن بقيّة الواجبات في عدم الحمل على الصحيح لو شكّ في أنّ المسلم يصلّي في بيته أو لا ، مع عدم حضوره مساجد المسلمين ، وأنّ جميع أفعال المسلم محمول على الصحّة لو شكّ فيها ما عدا الصلاة ، فإنّ من شكّ في إقامته لها يدرج في سلك المنافقين المستوجبين للعقاب بمقتضى هذه النصوص ، وتمام الكلام في محلّه.
(1) كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى عند البحث عن صلاة الجمعة (3).
(2) على ما سيأتي البحث عنه في محلّه (4).
وأمّا إذا كان عاجزاً عنه أصلاً فلا يجب عليه حضور الجماعة وإن كان أحوط (1).
(1) فصّل (قدس سره) بين من كان عاجزاً عن التعلّم أصلاً كما لو كان أعجمياً جديد العهد بالإسلام فلا يجب عليه الائتمام وإن كان أحوط ، وبين من كان قادراً عليه فتسامح في التعلّم إلى أن ضاق الوقت ، فإنّه تجب عليه الجماعة حينئذ بالوجوب الشرطي على ما هو ظاهر عبارته (قدس سره) ، حيث عطف هذه الصورة على الجمعة والعيدين بقوله : وكذا إذا ضاق ... ، وقد صرّح فيهما بأنّ الجماعة شرط في الصحّة ، وظاهر العطف المساواة في الحكم.
على أنّه (قدس سره) تعرّض بعد ذلك لحكم نذر الجماعة وذكر أنّها تجب به ، ولكن لو خالف صحّت صلاته. وظاهر الاستدراك بل صريحه الفرق بين الوجوبين ، وأنّه هنا نفسي وفيما قبله شرطي. فمراده (قدس سره) ظاهر لا تردّد فيه.
أقول : أمّا ما ذكره (قدس سره) في الصورة الاولى من عدم الوجوب فحقّ لا محيص عنه كما ستعرف.
وأمّا وجه الاحتياط الذي ذكره حينئذ وإن كان استحبابياً فلعلّه لاحتمال أن يكون الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة تخييرياً بينها وبين الائتمام فانّ الوجوب النفسي المتعلّق بأصل الصلاة لا شكّ أنّه تعييني ، والتخيير في تطبيقها على الأفراد الطوليّة الواقعة فيما بين المبدأ والمنتهى وكذا العرضيّة التي منها الصلاة فرادى وجماعة عقليّ محض.
إنّما الكلام في الوجوب الضمني المتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين ، فإنّه من الجائز أن يكون من سنخ الوجوب التخييري الشرعي المتعلّق بأحد الأمرين من القراءة أو الائتمام ، كما هو الحال في الركعتين الأخيرتين بلا إشكال حيث إنّ المصلّي مخيّر فيهما بين القراءة والتسبيح ، وكلّ منهما عدل للواجب.
.................................................................................................
فعلى هذا الاحتمال يتعيّن عليه الائتمام عند تعذّر القراءة ، كما هو الحال في كلّ واجب تخييري ، حيث إنّه يتعيّن أحدهما عند تعذّر الآخر ، وينقلب الوجوب التخييري إلى التعييني بقاء. فرعاية لهذا الاحتمال كان الائتمام أحوط.
لكنّ الاحتمال المزبور ساقط لدى التحقيق ، فإنّ الأمر بالقراءة في مثل قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)ظاهر بمقتضى الإطلاق في الوجوب التعييني على ما هو الأصل في ظاهر كل أمر ، وليس الائتمام عدلاً لها.
نعم ، هذا الوجوب مشروط بأمرين :
أحدهما : القدرة على القراءة ، فلا وجوب مع العجز ، بل ينتقل حينئذ إلى البدل ، وهو الإتيان بما تيسّر من القرآن أو التسبيح كما نطقت به صحيحة ابن سنان (2)المتقدّمة في مبحث القراءة (3).
ثانيهما : عدم الائتمام ، فإنّها تسقط معه على ما صرّحت به أخبار باب الجماعة (4). فالائتمام مسقط للوجوب ، لا أنّه عدل للواجب التخييري كي يتعيّن عند تعذّره.
وحيث إنّ المفروض في المقام هو العجز عن القراءة فوجوبها ساقط من أصله بمقتضى فقد الشرط الأول من غير حاجة إلى مسقط آخر ، فينتقل إلى البدل من التسبيح أو ما تيسّر من القرآن.
ومن الواضح أنّ مقتضى الإطلاق في دليل البدليّة عدم الفرق بين صورتي التمكّن من الائتمام وعدمه ، بل إنّ مقتضى الإطلاق في صحيح زرارة والفضيل
1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 [ولا يخفى أنّ هذه الرواية مرسلة ولعل المقصود مضمونها وهو صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل 6 : 37 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 1].
2) الوسائل 6 : 42 / أبواب القراءة في الصلاة ب 3 ح 1.
3) شرح العروة 14 : 416 ، 420.
4) الوسائل 8 : 353 / أبواب صلاة الجماعة ب 30 ، 31.
.................................................................................................
المتقدّم (1)النافي لوجوب الجماعة عن جميع الصلوات عدم وجوبها في المقام أيضاً.
وعلى الجملة : فعدم وجوب الائتمام في هذه الصورة ظاهر لا سترة عليه وإن كان هو الأحوط رعاية للاحتمال المزبور.
وأمّا الصورة الثانية المذكورة في كلام الماتن أولاً فغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الوجوب الشرطي حينئذ : إنّ وجوب القراءة قد تنجّز عند دخول الوقت ، لفرض تمكّنه من التعلّم ، وبعد أن تسامح وماطل إلى أن ضاق وطرأ العجز سقط التكليف بالقراءة لا محالة ، لامتناع خطاب العاجز.
ولا سبيل للرجوع حينئذ إلى أدلّة البدلية مثل صحيحة ابن سنان ونحوها المتكفّلة للانتقال إلى ما تيسّر من القرآن أو إلى التسبيح لدى العجز عن القراءة ، لقصورها عن الشمول لمثل المقام ، لأنّ الموضوع فيها من لا يحسن القراءة ، الظاهر في العجز الذاتي دون المتمكّن المعجز نفسه ، كما هو الحال في غير المقام من سائر أدلّة الأبدال الاضطرارية مثل التيمم ونحوه ، فإنّها لا تعمّ التعجيز الاختياري ، فلو كان عنده مقدار من الماء فأراقه عامداً ، أو كان متطهّراً فأحدث كذلك لم يشمله دليل التيمم ، لأنّ موضوعه عدم الوجدان ، الظاهر في العجز الطبيعي دون التعجيز العمدي كما لا يخفى.
كما لا مجال للرجوع إلى قاعدة الميسور ، فإنّها أيضاً على تقدير تماميتها خاصّة بما إذا كان امتثال الواجب متعسّراً في حدّ ذاته ، لا ما إذا أوجد العسر باختياره.
وعليه فمقتضى القاعدة الأوّلية سقوط الواجب رأساً ، إذ الأمر المتعلّق بالمركّب يسقط بتعذّر بعض أجزائه بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء.
1) في ص 9.
.................................................................................................
إلّا أنّنا علمنا من الإجماع الضروري ومن خصوص صحيحة زرارة الواردة في باب المستحاضة (1)أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، وهذا حال من الأحوال ، فتجب الصلاة حينئذ قطعاً بهذا الدليل لا بأدلّة البدليّة ، لما عرفت من قصورها عن الشمول لموارد التعجيز الاختياري.
ومن الواضح أنّ هذا الدليل لا يسوّغ الانتقال إلى الصلاة الناقصة الفاقدة للقراءة بعد التمكّن من الإتيان بها كاملة تامة الأجزاء والشرائط بالائتمام ، إذ الاكتفاء بالناقص تفويت للمرتبة الكاملة من غير عذر ، فلا يكاد يسقط الواجب المستكشف وجوبه من ذاك الدليل إلا بالائتمام ، فهو شرط فيه لا محالة ، ولأجله كان الوجوب شرطياً لا نفسياً ، هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الوجوب الشرطي.
ولكنّه لا يتمّ ، بل الظاهر جواز الصلاة فرادى ، وإن وجب عليه الائتمام عقلاً دفعاً للعقاب.
أمّا الثاني : فلأنّه بعد أن تنجّز عليه التكليف عند دخول الوقت ، والمفروض أنّه عجّز نفسه عن امتثاله على وجهه بسوء اختياره ، فقد استحقّ العقاب لو استمر على هذه الحالة ، ولكن في وسعه دفع العقاب بتسليم الفرد الكامل من المأمور به لو اختار الائتمام. فيجب عليه ذلك بحكم العقل كما هو ظاهر.
وأمّا الأوّل : فلأنّ مقتضى الإطلاق في صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة النافية لوجوب الجماعة وأنّها غير معتبرة في شيء من الصلوات عدم اعتبارها في المقام أيضاً ، فلا يلزم الائتمام هنا بمقتضى الإطلاق المزبور.
وحينئذ يدور الأمر بين سقوط الصلاة رأساً وبين وجوبها فرادى ، وحيث لا يمكن المصير إلى الأوّل لما عرفت من الإجماع والنصّ الدالّين على عدم سقوط الصلاة بحال تعيّن الثاني.
1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.
وقد تجب بالنذر والعهد واليمين ، ولكن لو خالف صحّت الصلاة وإن كان متعمّداً (1).
فجواز الاقتصار على الصلاة فرادى وصحّتها هو مقتضى التحفّظ على دليلين والجمع بينهما ، أحدهما : ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال ، والثاني : إطلاق صحيحة فضيل النافية لوجوب الجماعة عن كافّة الصلوات. ونتيجتهما بعد ضمّ أحدهما إلى الآخر هي صحّة الصلاة فرادى ، سواء تمكّن من الائتمام أم لا.
(1) أمّا أصل انعقاد النذر فلا شبهة فيه بعد رجحان متعلّقه الناشئ من أفضلية الجماعة عن غيرها ، فيشمله عموم أدلّة الوفاء به.
وكذا الحال في العهد واليمين والشرط في ضمن العقد ونحوها ممّا يقتضي الوجوب بالعنوان الثانوي ، لعموم أدلّتها ، ولو خالف النذر ونحوه عامداً فعليه الكفّارة كما ستعرف (1).
وإنّما الكلام في أنّ هذا الوجوب هل هو تكليفيّ محض فلا يترتّب على مخالفته إلّا الإثم والكفّارة ، أو أنّه وضعيّ والائتمام شرط في الصحّة ، فلو خالف وصلّى فرادى بطلت صلاته؟
تقدّم الكلام في نظائر المقام في غير مورد من المباحث السابقة كنذر إيقاع الفرائض في المسجد (2)ونحو ذلك وقلنا : إنّ الأظهر عدم البطلان لو خالف لعدم الدليل عليه ، بل لا مقتضي له إلّا بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عمّا لا يجتمع معه في الوجود ، والمحقّق في محلّه خلافه (3).
ومن الواضح : أنّ الأمر المتعلّق بالجماعة الناشئ من قبل النذر لا يستوجب
.................................................................................................
تقييد الإطلاق في الأمر الأوّل المتعلّق بطبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى كي ينحصر امتثاله في الجماعة وتكون شرطاً في الصحّة ، إذ لا تنافي بينهما ليلتزم بالتقييد بعد اختلاف المتعلّقين.
فإنّ الأمر الأوّل قد تعلّق بطبيعي الصلاة المرخّص في تطبيقها على أيّ فرد شاء بمقتضى الإطلاق ، والثاني تعلّق بإيقاعها في ضمن هذا الفرد بملاك الوفاء بالنذر. فهناك مطلوبان قائمان بعملين مستتبعان لأمرين لا مضادّة بينهما ليرتكب التقييد بعد أن كان المقام من قبيل تعدّد المطلوب لا وحدته ، وإنّما يجب ارتكابه لو كان مفاد الأمر الثاني المنع عن تطبيق الطبيعة على الفرد الآخر ، وقد عرفت أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه.
ومع الغضّ وتسليم التنافي الموجب لسقوط الإطلاق فغايته الالتزام بثبوته على سبيل الترتّب ، بأن يؤمر أوّلاً بالصلاة جماعة ، وعلى تقدير العصيان فهو مرخّص في تطبيق الطبيعة على أيّ فرد شاء ، بل قد ذكرنا في محلّه جريان الترتّب في الأمرين (1)فما ظنّك في الأمر مع الترخيص.
فالمقام نظير المثال المعروف من الصلاة في سعة الوقت المقترنة بالإزالة فكما التزمنا هناك بعدم التنافي بين الأمر بها وبين إطلاق الأمر بالصلاة ، وعلى تقدير التنافي يثبت الإطلاق بالخطاب الترتّبي ، فكذا في المقام حرفاً بحرف.
نعم ، إنّما يجب التقييد في المقام لو كان النذر متعلّقاً بترك الصلاة فرادى لتحقّق المنافاة حينئذ ، لأجل امتناع الجمع بين التحفّظ على الإطلاق في الأمر المتعلّق بطبيعي الصلاة وبين المنع عن تطبيقه على هذا الفرد الناشئ من قبل النذر ، فلا مناص من الالتزام بالتضييق في دائرة المأمور به وتخصيصها بغير هذا الفرد ، ومن هنا قلنا بأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
لكن الشأن في صحّة مثل هذا النذر وانعقاده ، بل الأقوى فساده ، لاعتبار الرجحان في متعلّقه ، ولا رجحان في ترك الصلاة فرادى. ومجرّد وجود
1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 94 ، 102 وما بعدها.
ووجبت حينئذ عليه الكفارة (1).
الأرجح وهي الصلاة جماعة لا يستوجب الرجحان في الترك.
فهو نظير ما لو نذر ترك زيارة مسلم عليهالسلام ليلة عرفة ، حيث لا ينبغي الإشكال في عدم انعقاده ، لعدم الرجحان في هذا الترك ، وإن كانت زيارة الحسين عليهالسلام في تلك الليلة أفضل.
وعلى الجملة : فالصلاة فرادى كالجماعة عبادة راجحة في حدّ ذاتها ، وكذا زيارة مسلم عليهالسلام ، فلا رجحان في تركها لينعقد النذر وإن كان غيرها أفضل.
فتحصّل : أنّ نذر الجماعة لا يستدعي بطلان الصلاة فرادى ، وإن كان آثماً في مخالفة النذر. فالوجوب تكليفيّ محض ، ولا يوجب التقييد في متعلّق الأمر كي يقتضي الاشتراط ويستتبع الفساد ، بل قد ذكرنا في بحث المكاسب (1): أنّ مثل هذا النذر لا يستتبع الحقّ ولا يستوجب المنع عن سائر التصرفات.
فلو نذر التصدّق بالشاة المعيّنة فخالف وباعها صحّ البيع وإن أثم ، لعدم خروجها بالنذر عن ملكه ، إذ مفاد قوله : لله عليّ كذا ... ، جعل إلزام وحكم تكليفي من قبل اللّه تعالى على ذمّته ، على حدّ قوله تعالى ( وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (2)من غير فرق بينهما إلّا في أنّ الثاني مجعول من قبله تعالى ابتداء والأوّل بتسبيب منه وبتوسيط النذر ، وليس مفاده سلب سلطنته عن المال ، فقد باع ما يملكه ، فيشمله عموم حلّ البيع.
(1) ثبوت الكفّارة حينئذ وعدمه يبتني على القول بصحّة الصلاة فرادى وفسادها ، فبناء على الصحّة كما هو الأقوى على ما مرّ تجب ، لعدم التمكّن من الوفاء بالنذر بعدئذ ، فقد تحقّق الحنث بهذا العمل المؤدّي إلى مخالفة النذر
والظاهر وجوبها أيضاً إذا كان ترك الوسواس موقوفاً عليها (1)(1).
عامداً فتتبعه الكفارة.
وأمّا على القول بالبطلان من أجل اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه كما سبق فلا تجب ، لا لبطلان الفرادى وأنّ الكفارة لا تترتّب على الصلاة الفاسدة ، بل لعدم المقتضي لها رأساً ، لعدم تحقّق موضوعها وهو الحنث ، لتمكّنه بعدُ من الوفاء بالنذر والإتيان بصلاة الجماعة ، فإنّ الصلاة الباطلة في حكم العدم وكأنّها لم تكن ، ففي وسعه أن يفي بنذره ، ولا زال المحلّ قابلاً له. فإن وفى بعدئذ وصلّى جماعة قبل خروج الوقت فلا كلام ، وإلّا تحقّق الحنث لاحقاً من أجل ترك الجماعة المنذورة ، لا سابقاً من أجل الإتيان بالصلاة فرادى.
(1) هذا إنّما يتمّ بناء على حرمة الوسواس ، فيجب الائتمام حذراً عن الحرام لكنّها لم تثبت.
فإنّ عمدة ما يستدلّ به لذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «ذكرت لأبي عبد اللّه عليهالسلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت : هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : وأيّ عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له : وكيف يطيع الشيطان؟ فقال : سله هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو ، فإنّه يقول لك : من عمل الشيطان» (2).
وهي كما ترى لا دلالة لها على الحرمة بوجه ، إذ ليس كلّ ما يتأتّى من قبل الشيطان ويكون من عمله حراماً ، فإنّ أصل السهو من الشيطان على ما صرّح به في بعض النصوص (3)، ولا حرمة فيه قطعاً ، فليست متابعته محرّمة في كلّ شيء.
وكذا إذا ضاق الوقت عن إدراك الركعة بأن كان هناك إمام في حال الركوع (1) بل وكذا إذا كان بطيئاً في القراءة في ضيق الوقت (2) ،
والتعبير الذي تضمّنته الصحيحة للرجل الوسواسي ليس لأجل إطاعته الشيطان فيما يحرم ، بل فيما يؤذيه ، فإنّه لا يزال في قلق واضطراب وتشويش وانقلاب ، وكلّ فكره معطوف نحو امتثال العمل ، ويتحمّل أنواع المتاعب في سبيل إحراز الإتيان بالأجزاء والشرائط على وجهها ، فيوجب ذلك بطبيعة الحال تشتّت البال وعدم حضور القلب الذي هو روح العبادة.
ومن ابتلي بهذا المرض الخبيث يدرك مدى تأذّي الوسواسي من حالته السيئة ، وكلّ ذلك ينشأ من متابعته للشيطان في إيذائه وتسويلاته وتشكيكاته الكاشفة عن خفّة عقله ، لا عن ضعف دينه كي يحرم ، ولذا وصفه الإمام عليهالسلام بأنّه لا عقل له لا أنّه لا دين له. ولو سألت الوسواسي المعترف بأنّ وسوسته من عمل الشيطان كما في الصحيح أنّه هل يرتكب الحرام لأنكره أشدّ الإنكار ، وإلّا كان فاسقاً متجاهراً.
وعلى الجملة : فلم يظهر من الصحيحة تحريم الوسواس بما هو وفي حدّ نفسه كي يستوجب بطلان العمل.
نعم ، ربما يبلغ حدّا يستلزم البطلان من ناحية أُخرى ، كما لو كرّر الكلمة أو الآية مرّات كثيرة جدّاً ، بحيث خرجت عن هيئتها ، مثل ما لو كرّر الألف واللام في (الحمد لله) عشرين مرّة ، فإنّه من كلام الآدمي ، وليس من القرآن في شيء ، فيوجب البطلان من حيث الزيادة أو النقصان ، فيجب عليه الائتمام حينئذ لو لم يتمكّن من تركه ، لتوقّف امتثال الواجب عليه.
(1) لتوقّف الخروج عن عهدة فريضة الوقت على الائتمام ، وانحصار الامتثال فيه ، فيتعيّن بطبيعة الحال.
(2) لعين ما ذكر. ولا مجال هنا لتصحيحها بقاعدة من أدرك ... لاختصاصها بمن لم يدرك بحسب طبعه لا بتعجيز نفسه اختياراً ، وبما أنّه
بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين (1)(1).
[1869] مسألة 2 : لا تشرع الجماعة في شيء من النوافل الأصليّة (2)
متمكّن من إدراك تمام الوقت بالاقتداء فتركه تعجيز اختياري يمنع عن شمول الحديث له ، فينحصر امتثال الأمر بالصلاة فيه ، ولأجله يتعيّن.
(1) بناء على وجوب إطاعتهما مطلقاً ، على حدّ إطاعة العبد لسيّده. ولكنّه لم يثبت ، لعدم الدليل عليه ، وإنّما الثابت بمقتضى الآية المباركة (2)وغيرها وجوب حسن المعاشرة وأن يصاحبهما بالمعروف ، فلا يؤذيهما ولا يكون عاقّاً لهما. وأمّا فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الإطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة أو الخروج عن المال وجب الامتثال فلم يقم عليه أيّ دليل.
نعم ، ورد في بعض الأخبار ، أنّه «إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل ، فانّ ذلك من الإيمان» (3).
لكنّه حكم أخلاقي استحبابي قطعاً كما يومئ إليه ذيل الخبر ، كيف وقد كان يتّفق النزاع بين الوالد والولد في الأموال فكان يقضي بينهما النبيّ صلی اللّه عليه وآله كما تضمّنه بعض النصوص (4).
(2) على المشهور ، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. ونسب الجواز إلى بعض.
ومال إليه في المدارك (5)قائلاً : إنّ ما يمكن أن يستدلّ به على المنع روايتان :
الأُولى : رواية محمد بن سليمان حاكياً عن عبد اللّه بن سنان وسماعة عن الصادق عليهالسلام ، وعن إسحاق بن عمّار عن الكاظم عليهالسلام ، وهو
.................................................................................................
بنفسه عن الرضا عليهالسلام «أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله قال في نافلة شهر رمضان : أيّها الناس إنّ هذه الصلاة نافلة ، ولن يجتمع للنافلة ، فليصلّ كلّ رجل منكم وحده ، وليقل ما علّمه اللّه من كتابه ، واعلموا أن لا جماعة في نافلة» (1).
الثانية : صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل : «أنّهم سألوا أبا جعفر الباقر وأبا عبد اللّه الصادق عليهماالسلام عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل في جماعة ، فقالا : إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان إذا صلّى ... إلى أن قال قال صلی اللّه عليه وآله : أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة ...» (2).
وقد ناقش (قدس سره) في كلتا الروايتين :
أمّا الاولى : فبقصورها سنداً بمحمّد بن سليمان الديلمي وغيره ، وإن كانت الدلالة تامّة ، لتضمّنها المنع عن الجماعة في مطلق النوافل ، وكان ذكر نوافل شهر رمضان من باب التطبيق على الصغرى كما هو ظاهر.
وأمّا الثانية : فبقصورها دلالة ، لاختصاص المنع فيها بنوافل شهر رمضان دون مطلق النوافل ، فهي إذن أخصّ من المدعي.
أقول : لا يبعد دعوى الإطلاق في الثانية أيضاً ، وأن يكون ذكر نوافل شهر رمضان فيها من باب تطبيق الكبرى على الصغرى كما هو الحال في الأُولى وإن لم يكن الأمر في هذه بذلك الظهور. فلا قصور في دلالتها.
ومع الغضّ عن ذلك ، فيكفينا لإثبات الإطلاق حسنة سليم بن قيس الهلالي قال : «خطب أمير المؤمنين عليهالسلام فحمد اللّه وأثنى عليه ، إلى أن قال : واللّه لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة ...» (3).
.................................................................................................
فانّ سليم بن قيس وإن لم يوثّق صريحاً ، لكنّه من جملة خواصّ أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقد ورد في حقّه الكثير من المدح. فالرواية معتبرة سنداً (1)وتامّة أيضاً دلالة.
على أنّها مؤيّدة بروايات أُخر لا تخلو أسانيدها من الخدش والإشكال (2)هذا.
مضافاً إلى قيام سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام على المنع مطلقاً ، حيث لم يعهد من أحد منهم إقامة الجماعة في شيء من النوافل على الإطلاق ، عدا ما استثني كما ستعرف.
ثمّ إنّه (قدس سره) بعد مناقشته في الروايات المانعة بما مرّ استدلّ للجواز بجملة من الأخبار :
منها : صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : صلّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة ، فإنّي أفعله» (3). بدعوى أنّ ظاهرها الصلاة مع الأهل جماعة ، فقد دلّت على الجواز في مطلق النوافل كالفرائض.
ويتوجّه عليه : أنّ ظاهر الرواية مطروح جزماً ، لأنّ موردها نوافل شهر رمضان ، ولا شكّ في عدم مشروعية الجماعة فيها حتّى باعترافه (قدس سره) للنصوص المتقدّمة وغيرها المانعة عن ذلك. فلا مناص من ارتكاب التأويل بحمل الباء في قوله عليهالسلام : «بأهلك» على معنى (عند) وصرفها عن
1) الراوي عن سليم في هذه الرواية هو إبراهيم بن عثمان ، أي أبو أيّوب الخزاز ، الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم عليهماالسلام وفي روايته عن سليم الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام وإن أدرك الباقر عليهالسلام إشكال كما صرّح (دام ظلّه) به في معجم رجال الحديث 1 : 233 / 208.
2) منها ما في الوسائل 8 : 335 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 5 ، 6.
3) [سقطت هذه الصحيحة الواردة في الوسائل / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 13 من الطبعة الجديدة للوسائل].
.................................................................................................
ظاهرها وهو كونها بمعنى (مع) الظاهر في الجماعة ، فيكون المراد بها : صلّ عند أهلك وفي دارك لا في المسجد. لكونهم صائمين في شهر رمضان وبانتظار حلول وقت الإفطار ، فكان الأولى حينئذ الصلاة عندهم نافلة وفريضة ، دفعاً للانتظار وحذراً من التأخير.
وإن أبيت عن ذلك فلا محيص من طرحها وردّ علمها إلى أهله ، لمنافاة ظاهرها مع النصوص الكثيرة المتقدّمة ، مع عدم التكافؤ بينهما ، لكثرة تلك وعدم العمل بمضمون هذه الرواية أيضاً كما عرفت.
ومنها : ثلاث صحاح وردت في خصوص النساء ، وهي :
صحيحة هشام بن سالم «أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال : تؤمّهن في النافلة ، فأمّا في المكتوبة فلا ، ولا تتقدمهنّ ، ولكن تقوم وسطهنّ» (1).
وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : تؤمّ المرأة النساء في الصلاة ، وتقوم وسطاً بينهنّ ، ويقمن عن يمينها وشمالها ، تؤمّهنّ في النافلة ولا تؤمّهنّ في المكتوبة» (2).
وصحيحة سليمان بن خالد قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة تؤمّ النساء ، فقال : إذا كنّ جميعاً أمّتهن في النافلة ، فأمّا المكتوبة فلا ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطاً منهنّ» (3).
وتتميم الاستدلال بالنصوص يتوقّف على دعوى المستدلّ القطع بعدم الفرق في الحكم المذكور بين المرأة والرجل ، لعدم القول بالفصل بينهما من أحد ، كما هو كذلك جزماً ، إذ لا قائل بالتفكيك بينهما جوازاً ومنعاً ، فهما متلازمان في هذا الحكم قطعاً.
والجواب : أنّ هذه النصوص وإن دلّت على الجواز في النساء بالدلالة
.................................................................................................
المطابقية ، لكنّها تدلّ عليه في الرجال أيضاً بالدلالة الالتزامية ، للقطع بعدم القول بالفصل كما عرفت ، كما أنّ النصوص السابقة المانعة كانت على العكس من ذلك ، فإنّها دلّت على المنع في الرجال بالمطابقة يعني كان القدر المتيقّن به من موردها الرجال وفي النساء بالالتزام ، لما عرفت من عدم القول بالفصل بينهما في ذلك.
وعليه فتقع المعارضة بين الطائفتين ، لتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر ، وبما أنّ الترجيح مع الطائفة المانعة ، لشهرتها بين الأصحاب (قدس سرهم) ولمخالفتها مع العامّة ، فلذلك تحمل المجوّزة على التقيّة ، فلا يعتمد عليها.
وقد أجاب المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)عن الاستدلال بالنصوص المجوّزة بوجه آخر ، وهو أنّها لا تدلّ إلا على مشروعية الجماعة في النافلة في الجملة ، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة حتّى ينعقد لها الإطلاق وإنّما وردت لبيان حكم آخر ، وهو جواز إمامة النساء ، فيكفي في الصحّة مشروعيتها ولو في بعض النوافل على سبيل الموجبة الجزئية كما في صلاة الاستسقاء ويوم الغدير.
ثم قال (قدس سره) : وإرادة هذا البعض منها بالخصوص الذي يندر الابتلاء به وإن كان بعيداً في حدّ ذاته في الغاية ، لكن ممّا يقرّب احتماله كون المقام مورد التقيّة ، حيث يناسب ذلك التورية ، فلا بأس به في مقام الجمع حذراً من الطرح.
أقول : ما أفاده (قدس سره) من الورود لبيان حكم آخر المانع من انعقاد الإطلاق للرواية وإن كان وجيهاً في بعض تلكم النصوص ، إلّا أنّه ممّا لا يتمّ في الكلّ ، ولا سيما في صحيحة الحلبي غير المسبوقة بالسؤال ، فإنّ الإمام عليهالسلام قد حكم فيها ابتداءً بمشروعية إمامتها لهنّ في النافلة ، فتكون مسوقة
1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 625 السطر 35.
وإن وجبت بالعارض بنذر ونحوه (1).
لبيان هذا الحكم ، وهو مشروعية الجماعة في النافلة. فلا قصور في إطلاقها كما لا يخفى. والصحيح في الجواب عنها هو ما عرفت.
فقد تحصّل : عدم مشروعية الجماعة في شيء من النوافل الأصلية عدا ما استثني ممّا ستعرف ، للروايات المانعة السليمة عن المعارض ، مضافاً إلى قيام السيرة على المنع كما عرفت.
(1) قد يفرض تعلّق النذر ونحوه بإتيان النافلة جماعة ، وقد يفرض تعلّقه بذات النافلة لكنّه في مقام الوفاء به يأتي بالمنذور جماعة ، وهذا هو مفروض كلام الماتن (قدس سره) دون الأوّل كما هو ظاهر.
أمّا الفرض الأوّل : فلا إشكال في عدم انعقاد النذر ، لعدم كون متعلّقه مشروعاً ، ولا نذر إلّا في أمر سائغ.
وقد يتخيّل المنافاة بينه وبين ما سبق في محلّه (1)وقد تسالم عليه الأصحاب أيضاً من صحّة نذر التطوّع في وقت الفريضة ، فإنّ التطوّع حينئذ كالجماعة في النافلة لم يكن مشروعاً في نفسه ، فكيف صحّ تعلّق النذر بالأوّل دون الثاني مع اتّحاد ملاك المنع فيهما.
ولكنّه تخيّل فاسد ، للفرق الظاهر بين المقامين ، فانّ الممنوع منه هناك عنوان التطوّع ، أي الإتيان بالصلاة طوعاً ورغبة من غير إلزام شرعي به. ومن الواضح أنّ النذر غير متعلّق بهذا العنوان ، بل يستحيل تعلّقه بذلك ، لامتناع الوفاء به خارجاً ، فإنّه بعد النذر يكون الإتيان به عن ملزم شرعي لا محالة وليس هو من التطوّع في شيء.
وإنّما تعلّق بذات النافلة ، وهي عبادة راجحة ، فإنّ الصلاة خير موضوع ومن الضروري أنّه بعد انعقاد النذر تخرج النافلة عن عنوان التطوّع تكويناً
1) شرح العروة 11 : 347.
.................................................................................................
حيث يلزم الإتيان بها حينئذ شرعاً وفاءً بالنذر كما عرفت ، فلا يشمله دليل المنع عن التطوّع في وقت الفريضة ، لانتفاء الموضوع.
وهذا بخلاف المقام ، لكون متعلّق النذر فيه هو النافلة جماعة حسب الفرض ، وهو بنفسه ممنوع منه شرعاً ، فلا ينعقد نذره ، إذ لا نذر إلّا في أمر مشروع سائغ.
وأمّا الفرض الثاني : فهل الأمر فيه كالأوّل ، فلا يجوز الإتيان بالنافلة المنذورة جماعة ، أو يجوز قياساً على نذر التطوّع في وقت الفريضة؟ الظاهر هو الأوّل ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، ضرورة أن تقسيم الصلاة إلى الفرض والنفل ناظر إلى تقسيم ذات الصلاة ، ولا يتغيّر هذا العنوان باختلاف الوجوب والاستحباب.
فانّ معنى الفريضة ما فرضه اللّه في حدّ ذاته ، ومعنى النافلة ما زاد على ما افترضه اللّه تعالى بالجعل الأوّلي ، وليس الوجوب أو الاستحباب معتبراً في التعنون بالعنوان المذكور.
فلو فرض طروء عنوان ثانوي على النافلة أوجب اتّصافها بالوجوب كالنذر أو الشرط ضمن العقد اللازم ونحو ذلك لم يوجب ذلك تغيّر النافلة عمّا كان لها من العنوان من قبل ، ولم تنقلب به حقيقتها ، غايته أنّها في الحال نافلة واجبة ، فتكون بعد النذر باقية بحالها الأول قبله ، ومتّصفة بذلك العنوان السابق ، ومحكوماً عليها أيضاً بالحكم السابق ، ومنه عدم مشروعية الجماعة فيها.
ومن الظاهر تعلّق النذر بخصوص الحصّة المشروعة من الطبيعة ، فلا يتمّ الوفاء به بالإتيان بالحصّة غير المشروعة منه وهي النافلة جماعة ، فلذلك لم تشرع الجماعة في النافلة مطلقاً حتّى المنذورة منها.
وهذا بخلاف التطوع ، فانّ حقيقته متقوّمة بعدم الإلزام الشرعي وكون العمل ممّا يؤتى به طوعاً ورغبة كما عرفت ، وواضح عدم بقاء هذه الحقيقة بعد
حتّى صلاة الغدير على الأقوى (1)
تعلّق النذر تكويناً ، فلا موضوع للتطوّع بعد النذر كي يشمله دليل المنع ، وقد عرفت آنفاً أنّ موضوع النذر إنّما هي ذات النافلة لا بعنوان التطوّع. فالفرق بين المقامين كاد يبلغ بعد المشرقين.
(1) كما عن غير واحد. وحكي عن جملة من الأصحاب (قدس سرهم) القول بالجواز ، بل نسب ذلك إلى المشهور ، وإن ناقش صاحب الجواهر (قدس سره) (1)في صدق النسبة ، فإنّ أكثر من تعرّض لهذه الصلاة وأحكامها لم يتعرّض للحكم المذكور. وكيف كان ، فلا بد من النظر في الدليل.
وقد يستدلّ للجواز بوجوه :
أحدها : ما عن المدارك من أنّ الجواز مطابق للقاعدة من دون حاجة إلى ورود نصّ بالخصوص عليه (2)، بناء على ما سلكه (قدس سره) من مشروعيّة الجماعة في مطلق النوافل ، فإنّه بعد بنائه على ذلك قال ما لفظه : ومن هذا يظهر أنّ ما ذهب إليه بعض الأصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيّد وإن لم يرد فيها نصّ على الخصوص.
ويتوجّه عليه ما عرفت من فساد المبنى ، ومعه لا مجال للتفريع.
ثانيها : أنّ يوم الغدير يوم عيد ، بل هو من أعظم الأعياد ، فيكفي في مشروعية الجماعة في صلاته ما دلّ على مشروعيتها في صلاة العيدين.
ويتوجّه عليه أنّ الصغرى وإن كانت مسلّمة ، لكنّه لا دليل على مشروعية الجماعة في كلّ عيد ، وإنّما الثابت ذلك في خصوص عيدي الفطر والأضحى. فلا وجه للتعدّي عنهما.
ثالثها : ما حكي عن أبي الصلاح من نسبته إلى الرواية مرسلاً (3)، وكذا ما
.................................................................................................
عن المفيد في المقنعة (1)من حكاية فعل النبي صلی اللّه عليه وآله يوم الغدير ومن جملته : «أنّه صلی اللّه عليه وآله أمر بأن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمعوا وصلّوا ركعتين ، ثمّ رقى صلی اللّه عليه وآله المنبر ...».
ويتوجّه عليه : أنّ كلتا الروايتين مرسلة ، ولا نعتمد المراسيل ، ولم يثبت عمل الأصحاب (قدس سرهم) بهما لتصحّ دعوى الانجبار لو سلّمت الدعوى كبروياً. مع أنّ أمره صلی اللّه عليه وآله بالنداء للصلاة جامعة أعم من إقامتها جماعة ، فلعلّهم صلّوا جميعاً لكن بانفراد ، وإن كان هذا خلاف الظاهر. وكيف كان ، فهذه الوجوه كلّها ساقط.
رابعها : - وهو العمدة - التمسّك بقاعدة التسامح في أدلّة السنن المستفادة من أخبار من بلغ ، فإنّها تجبر ضعف سند المرسلتين ، فيتمّ الاستدلال بهما للمدّعى.
قلت : إذا بنينا كما هو الصحيح تبعاً لصاحب الجواهر (قدس سره) (2)على أنّ الظاهر من الأخبار المذكورة أو منصرفها هو بلوغ الثواب فقط ، دون ما إذا انضمّ إليه بلوغ عدم الثواب أيضاً ، ولا سيما إذا كان دليل العدم معتبراً كانصرافها قطعاً عمّا إذا كان قد بلغ كلّ من الثواب والعقاب معاً ، فعلى هذا لا مجال للاستناد إلى القاعدة في المقام ، فإنّه كما بلغ الثواب على ذلك بمقتضى المرسلتين فقد بلغ عدمه أيضاً بموجب النصوص المعتبرة النافية لمشروعية الجماعة في النافلة مطلقاً كما سبق.
وأمّا إذا بنينا على التعميم كما اختاره المحقّق الهمداني (قدس سره) مدّعياً اختصاص مورد الانصراف بما إذا بلغ العقاب ذاتاً ، لا بعنوان التشريع والبدعة كما في المقام (3).
فان قلنا بأنّ المستفاد من الأخبار المذكورة حجّية الخبر الضعيف
.................................................................................................
وتخصيص الشرائط المعتبرة في حجّيته بما تضمّن الحكم الإلزامي فقط ، استناداً إلى أنّ الظاهر من قوله عليهالسلام فيها : «فعمل به كان له أجر ذلك ...» (1)ترتّب الأجر على نفس العمل بعنوان كونه عملاً ، الكاشف ذلك عن استحبابه ذاتاً ، الملازم لحجيّة الخبر الضعيف حينئذ على حدّ حجّية الصحيح منه فلا مناص إذن من ارتكاب التقييد في أدلّة النفي بما دلّ من المرسل على مشروعيتها في خصوص صلاة الغدير ، بعد فرضها بحكم الصحيح لما عرفت.
وإن قلنا : إنّ مفادها إنّما هو استحباب العمل بالعنوان الثانوي الطاري ، أي بعنوان بلوغ الثواب عليه ، لظهورها في ترتّب الأجر على العمل بالعنوان المذكور ، دون عنوانه الأوّلي أعني ذات العمل لتدلّ على إسقاط شرائط الحجّية في باب المستحبّات ، فلا يجري حينئذ تخصيص بالعنوان الذاتي في إطلاق أدلّة النفي كما في الفرض السابق.
وإنّما يجري فيها التخصيص بالعنوان الثانوي ، حيث إنّه بعد ورود المرسلة يثبت استحباب الجماعة في صلاة الغدير بعنوان كونها ممّا بلغ الثواب عليه ، فلا محالة يكون التخصيص الوارد على الإطلاقات النافية للمشروعية بالعنوان الثانوي ، لا بالعنوان الأولي. فتكون النتيجة هو جواز الجماعة في صلاة الغدير.
وأمّا إذا رفضنا كلا الرأيين وبنينا كما هو الصحيح على أنّ مفادها هو الإرشاد إلى ما حكم به العقل من حسن الانقياد ، وأنّها تنبئ عن تفضّله سبحانه وتعالى بإعطاء الثواب الذي بلغ وإن لم يكن الأمر كما بلغ ، من دون إشعار فيها باستحباب العمل بالعنوان الثانوي ، ولا بإلغاء شرائط الحجّية في الخبر حتّى يدلّ على الاستحباب الذاتي ، فليس هناك أمر في البين متعلّق بالعمل بعنوانه الأوّلي ولا بعنوانه الثانوي ، وحينئذ فلا موجب للتخصيص بعد عدم ثبوت استحباب الجماعة في صلاة الغدير ، ولذلك لا يجوز الإتيان بها
1) الوسائل 1 : 80 / أبواب مقدمة العبادات ب 18 ح 1.
إلّا في صلاة الاستسقاء (1) نعم لا بأس بها فيما صار نفلاً بالعارض كصلاة العيدين (2) مع عدم اجتماع شرائط الوجوب ،
كذلك إلّا رجاء ، فإنّ الحرمة حينئذ تشريعية ، لا ذاتية كما لا يخفى.
(1) بلا إشكال ولا خلاف ، للنصوص المعتبرة (1)، مضافاً إلى السيرة المستمرّة ، وبذلك تقيّد إطلاقات المنع لا محالة.
(2) بلا إشكال فيه ، وهل هو من باب الاستثناء من عموم المنع كما في صلاة الاستسقاء كما قد يظهر من بعض العبائر كالمحقّق في الشرائع (2)وغيره؟ الظاهر العدم ، فإنّها فريضة في أصل التشريع كسائر ما فرضه اللّه تعالى ، وليست من النفل في شيء ، وقد أُطلق عليها الفريضة في غير واحد من النصوص (3).
نعم ، قد تجب عند استجماع الشرائط ومنها حضور الإمام عليهالسلام وتستحب عند فقدها ، ولكن قد مرّ (4)أنّ الوجوب والاستحباب خارجان عن حقيقة الاتّصاف بالفرض والنفل ، والمستفاد من النصوص أنّ هذه الصلاة بطبعها تقتضي أن يؤتى بها جماعة ، سواء اتّصفت بالوجوب أم بالاستحباب ، كما يومئ إلى ذلك قوله عليهالسلام في غير واحد من النصوص : «لا صلاة يوم الفطر والأضحى إلّا مع إمام عادل» (5).
نعم ، ورد في بعضها : «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين إلى أن قال : وليصلّ في بيته وحده كما يصلّي في جماعة» (6). ويستكشف من ذلك كلّه أنّ الجماعة معتبرة في المرتبة الفاضلة من هذه الصلاة.
والصلاة المعادة جماعة (1) ، والفريضة المتبرّع بها عن الغير ، والمأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي (1).
وعلى الجملة : فهذه الصلاة ممّا لا تخرج عن عنوان كونها فريضة ، وإن اتّصفت بالاستحباب عند فقد شرائط الوجوب ، فهي فريضة يستحبّ الإتيان بها ، كما هو الحال في الحجّ فإنّه فريضة لكنّه يتّصف بالوجوب عند تحقّق شرائطه ، مستحبّ لدى فقدها.
وعليه فيشملها قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة (2): «ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ، ولكنّها سنّة» ، إذ بعد كونها من مصاديق الفريضة كما عرفت تندرج في عموم الصحيحة الدالّة على استحباب الجماعة في الفرائض ، وليست هي من النوافل ليكون خروجها استثناء أو تخصيصاً في أدلّة المنع ، وإنّما هو خروج بالتخصّص ، فانّ المراد بالفريضة هي ما كانت كذلك في الجملة وفي أصل التشريع ، لا مطلقا.
(1) ممّا ذكرناه في صلاة العيدين يظهر الحال فيها وفي التي تليها ، فانّ الجواز في شيء منهما لا يكون استثناءً من أدلّة المنع ، ضرورة أنّ المعادة فريضة ، وإنّما المستحبّ نفس الإعادة جماعة ، للأخبار الدالّة على ذلك (3). كما أنّ المتبرّع بها فريضة أيضاً ، والمستحبّ إنّما هو التبرّع والتصدّي لتفريغ ذمّة الغير ، كما هو الحال أيضاً في المأتي بها احتياطاً استحبابياً ، فانّ الاستحباب إنّما هو في الإعادة الاحتياطية ، دون المعادة نفسها.
والخلاصة : أنّ الكلّ داخل تحت عنوان الفريضة ، التي عرفت استحباب الجماعة فيها. فلا استثناء في شيء من ذلك عدا صلاة الاستسقاء كما عرفت.
[1870] مسألة 3 : يجوز الاقتداء في كلّ من الصلوات اليومية بمن يصلّي الأُخرى أيّاً منها كانت (1) وإن اختلفا في الجهر والإخفات ،
نعم ، في صحّة الجماعة في المأتي بها من جهة الاحتياط الاستحبابي تفصيل يأتي التعرّض له إن شاء اللّه في المسألة الآتية.
(1) كما هو المتسالم عليه ظاهراً ، ونسب إلى الصدوق (قدس سره) عدم صحّة الاقتداء في صلاة العصر بمن يصلّي الظهر إلّا إذا تخيّل أنّ الإمام يصلّي العصر فبان له الخلاف (1). وقد تنظّر غير واحد في صدق هذه النسبة ، وفي نسبة ما يأتي عن والده (قدس سره) أيضاً ، بل قال بعضهم : إنّه على تقدير صدق كلتا النسبتين فهما شاذان وعلى خلاف الإجماع.
وكيف كان ، فالمتّبع هو الدليل ، فما هو الذي يمكن أن يستند إليه الصدوق (قدس سره) على تقدير صدق النسبة؟
احتمل الشهيد (قدس سره) في الذكرى (2)أن يكون مستنده اعتبار الترتيب بين الظهر والعصر ، فإنّه لو اقتدى في عصره بظهر الإمام فكأنّهما وقعا معاً ، مع أنّ العصر بعد الظهر ، فيختلّ بذلك الترتيب بينهما.
لكنّه احتمال ضعيف كما صرح به (قدس سره) أيضاً ، فإنّ الترتيب بين الصلاتين معتبر بالإضافة إلى كلّ شخص ، لا كلّ شخص وغيره. فعصر المأموم مترتّبة على ظهره ، لا على ظهر الإمام كما هو واضح جدّاً ، بل لا يحتمل عادة استناد الصدوق إلى هذا الوجه الاعتباري الضعيف غايته.
وربما يتخيّل أنّ نظره (قدس سره) في ذلك إلى صحيحة علي بن جعفر : «أنّه
.................................................................................................
سأل أخاه موسى بن جعفر عليهماالسلام عن إمام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلّي معه وهي تحسب أنّها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلّت الظهر؟ قال : لا يفسد ذلك على القوم ، وتعيد المرأة صلاتها» (1).
ولكنّها كما ترى ، فانّ مفادها عكس ما هو المنسوب إليه ، لدلالتها على البطلان في المورد الذي حكم فيه بالصحة استثناءً.
وعلى الجملة : فلم يظهر المستند لما ذهب إليه الصدوق (قدس سره). والصحيحة لا بدّ من حملها إمّا على التقيّة لموافقتها لما هو الأشهر من مذاهب العامّة كما أفاده صاحب الوسائل (قدس سره) ، أو على أنّ الإعادة كانت لأجل وقوف المرأة بحيال الرجل. وكيف ما كان ، فهذا القول لا اعتبار به بوجه.
ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى القاعدة في كلّ مورد شكّ في الصحّة من جهة احتمال اعتبار الاتّحاد في جهة من الجهات هو الحكم بالفساد ، لإطلاق دليل اعتبار القراءة كقوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)وإطلاق أدلّة الشكوك ، فانّ الخارج عنها هي الجماعة الصحيحة ، فمع الشك في صحّتها ومشروعيّتها كان المحكّم هو الإطلاق المذكور.
إلّا أنّ الظاهر هو عدم وصول النوبة إلى الشكّ ولا في مورد واحد ، لوفاء النصوص بالحكم بالصحّة في الجميع.
أمّا في صورة الاختلاف بينهما سفراً وحضراً فتأتي الإشارة إلى دليله قريباً.
وأمّا الاختلاف بينهما ظهراً وعصراً ففي الاقتداء ظهراً بمن يصلّي العصر تدلّ عليه صحيحة حمّاد بن عثمان قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل إمام قوم فصلّى العصر وهي لهم الظهر ، قال : أجزأت عنه ، وأجزأت
والأداء والقضاء (1)
عنهم» ، ونحوه موثّقة أبي بصير (1).
وفي الاقتداء عصراً بالظهر يدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام «قال : إذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم ، وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر والأخيرتين العصر» (2).
وصدرها يدلّ على جواز اقتداء المسافر بالحاضر ، الذي تأتي الإشارة إليه قريباً. ونحوها صحيحة الحلبي (3).
ويطّرد الحكم في العشاءين في الأصل والعكس ، بالقطع بعدم الفصل.
(1) ويدلّ على صحّة الائتمام في القضاء بمثله الصحاح الكثيرة الحاكية لقصة رقود النبيّ صلی اللّه عليه وآله وأصحابه عن صلاة الفجر ، ثمّ قضائها بهم جماعة بعد التحوّل من مكانه ، وقد تقدّم ذكرها (4).
وقد عرفت (5)أنّ الاستشكال في أصل القصّة لا ينافي تصديق الروايات المذكورة في هذا الحكم ، فلا موجب لطرحها من هذه الجهة.
وفي الاقتداء في القضاء بالأداء صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أُخرى إلى أن قال : وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ، ثمّ صلّى المغرب ، ثمّ صلّى العتمة بعدها» (6).
.................................................................................................
فقد دلّت على العدول عند الائتمام بمن يصلّي الحاضرة إلى الفائتة ، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما كانت الفائتة المنسيّة موافقة مع الحاضرة في الجهر والإخفات ، أو كانت مخالفة معها كما لو كانت عصراً.
وتدلّ عليه صريحاً أيضاً موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : تقام الصلاة وقد صلّيت ، فقال : صلّ واجعلها لما فات» (1).
وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنّه قال : «في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة ، قال : يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء» (2).
ورواها الكليني (قدس سره) عن حفص بن البختري بدون كلمة «إن شاء» (3).
فإنّ المراد جعلها الفريضة الفائتة ، ولو بقرينة الموثّقة المتقدّمة ، مع أنّ كلمة «إن شاء» قرينة على ذلك ، لدلالتها على التخيير بين جعلها الفائتة أو احتسابها الحاضرة ، فتكون من الصلاة المعادة.
نعم ، ائتمام المؤدّي بالقاضي صلاته عارٍ من النصّ ، ولكن يمكن تعميم الحكم الثابت في عكسه بالنصوص المتقدّمة بأحد وجهين :
أحدهما : دعوى الإجماع القطعي والتسالم وعدم القول بالفصل ، فإنّ أحداً من الفقهاء لم يفرّق في الجواز بين الصورتين ، فينتج ذلك القطع باتحاد الحكم فيهما. وهذه الدعوى قريبة جدّاً إن لم تكن مقطوعاً بها.
ثانيهما : التمسّك بعموم صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة في صدر المبحث (4)الدالّة على أنّ الجماعة سنّة في جميع الفرائض كلّها ، فإنّ ائتمام المؤدّي بالقاضي
والقصر والتمام (1) ، بل والوجوب والندب ، فيجوز اقتداء مصلّي الصبح أو المغرب أو العشاء بمصلّي الظهر أو العصر ، وكذا العكس.
يكون في صلاة الفريضة لا محالة ، فيشمله العموم المذكور.
ويتوجّه عليه : أنّ العموم الذي تضمّنه الصحيح عموم أفرادي ، بمعنى شمول الحكم بالاستحباب لكلّ فردٍ من أفراد الفريضة ومنها صلاة القضاء ، فتشرع فيها الجماعة أيضاً ، لكن حالات هذا الفرد من كون المأموم مؤدّياً والإمام قاضياً وبالعكس غير مشمولة للعموم ، لعدم كون الحالات والخصوصيات المذكورة مفرّدة كما لا يخفى.
نعم ، لا بأس بالتمسّك بالإطلاق الأحوالي للصحيحة بتقريب : أنّ الظهر مثلاً فرد من الفريضة فيشملها عموم الصحيحة لا محالة ، ومقتضى إطلاق الدليل هو عدم الفرق بين ما إذا كان الإمام مؤّدياً أيضاً أم كان قاضياً.
(1) أشرنا في صدر المسألة إلى أنّ الحكم في الجميع من المتسالم عليه ، وقد نسب الخلاف في المقام إلى والد الصدوق (قدس سره) وهو عدم الجواز مع الاختلاف بين الإمام والمأموم سفراً وحضراً (1). ولكن النسبة غير ثابتة ، وقد تنظّر في صدقها بعضهم كما عرفته سابقاً.
وعلى كلّ حال فلا دليل على ذلك ، بل الدليل على خلافه ، وهو صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : لا يؤمّ الحضري المسافر ، ولا المسافر الحضري ، فإن ابتلي بشيء من ذلك فأمّ قوماً حضريين فإذا أتمّ الركعتين سلّم ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم. وإذا صلّى المسافر خلف قوم حضور فليتمّ صلاته ركعتين ويسلّم ، وإن صلّى معهم الظهر فليجعل الأوّلتين الظهر والأخيرتين العصر» (2).
ويجوز اقتداء المؤدّي بالقاضي والعكس ، والمسافر بالحاضر والعكس ، والمعيد صلاته بمن لم يصلّ والعكس (1) ، والذي يعيد صلاته احتياطاً استحبابياً أو وجوبياً بمن يصلّي وجوباً (2) ، نعم يشكل اقتداء من يصلّي وجوباً بمن يعيد احتياطاً ولو كان وجوبياً (3)
فانّ صدر الرواية وإن كان ظاهراً في نفسه لولا الذيل في المنع ، لكنّه بقرينة الذيل الصريح في الجواز محمول على الكراهة ، وأنّ فيه نوعاً من المرجوحية.
(1) يدلّ على الأصل ذيل صحيحة هشام بن سالم المتقدّمة (1)، وعلى العكس صحيحة ابن بزيع قال : «كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام : إنّي أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم ، فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صلّيت قبل أن أتاهم ، وربما صلّى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل ، فأكره أن أتقدّم وقد صلّيت ، لحال من يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت ذلك ، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه وأعمل به إن شاء اللّه ، فكتب عليهالسلام : صلّ بهم» (2).
والظاهر أنّ قوله : «قبل أن أتاهم» تصحيف ، والصحيح : «قبل أن آتيهم». وكيف كان ، فقد دلّت على جواز اقتداء من لم يصلّ بالمعيد صلاته.
(2) لا محذور في ذلك ، فإنّ صلاة المأموم المعادة إن كانت صحيحة واقعاً لأجل فساد صلاته الاولى فقد انعقدت الجماعة الصحيحة لا محالة ، وإلّا كانت لغواً ، بلا فرق بين الإتيان بها جماعة أو فرادى ، فلا موجب للمنع من الائتمام حينئذ.
(3) مورد كلامه (قدس سره) ما إذا تمحّضت الإعادة في عنوان الاحتياط ، فإنّه يشكل حينئذ اقتداء المصلّي وجوباً بمثله وإن كان الاحتياط وجوبياً ، لعدم
بل يشكل اقتداء المحتاط بالمحتاط (1) إلّا إذا كان احتياطهما من جهة واحدة.
إحراز كون الإمام مصلّياً ، لاحتمال أن تكون صلاته الأُولى صحيحة فتكون الثانية صورة صلاة عارية عن الأمر الشرعي ، والاقتداء إنّما يكون بمن يصلّي المأمور به.
وأمّا لو فرضنا كون صلاة الإمام من المعادة المأمور بها كما إذا كان قد صلّاها أوّلاً فرادى ثم أراد إعادتها جماعة فيصحّ اقتداء من يصلّي وجوباً بمثله وإن كان الإمام حينئذ ناوياً الاحتياط أيضاً لاحتماله الخلل في صلاته الاولى.
حيث لا محذور في هذه الضميمة في القصد بعد فرض صحّة صلاته الثانية وتعلّق الأمر بها على كلّ تقدير سواء أكانت الأُولى صحيحة أيضاً أم لا ، لكون الثانية حينئذ مأموراً بها وجوباً أو استحباباً. لكن هذه الصورة خارجة عن مفروض كلام المصنّف كما لا يخفى.
(1) كما لو احتمل كلّ منهما بطلان صلاته ، الموجب للإعادة احتياطاً وجوباً أم استحباباً ، فإنّه لا يصحّ إعادتهما للصلاة حينئذ جماعة بائتمام أحدهما بالآخر ، لاحتمال خطأ الإمام في احتماله بطلان صلاته الاولى وإصابة المأموم في احتماله ذلك.
فإنّه على هذا التقدير تكون صلاة المأموم مأموراً بها دون الإمام ، حيث تكون صلاته صورية وفاقدة للأمر. ومجرّد هذا الاحتمال المقتضي لعدم إحراز صحّة صلاة الإمام يكفي للحكم بعدم مشروعية الجماعة.
هذا فيما إذا اختلف الإمام والمأموم في منشأ الاحتياط ، بحيث احتملنا الانفكاك بينهما في صحّة الثانية وبطلانها.
وأمّا مع الاتحاد في المنشأ كما لو توضّأ الإمام والمأموم بماء معيّن ، وبعد فراغهما من الصلاة شكّا في طهارة الماء ، لشبهة اقتضت الاحتياط بالإعادة وجوباً أو استحباباً ، ففي مثل ذلك لا مانع من الائتمام ، لعدم احتمال البطلان في
[1871] مسألة 4 : يجوز الاقتداء في اليومية أيّاً منها كانت أداء أو قضاء بصلاة الطواف (1)كما يجوز العكس (1).
[1872] مسألة 5 : لا يجوز الاقتداء في اليوميّة بصلاة الاحتياط في الشكوك (2) ، والأحوط ترك العكس أيضاً (2)(3) وإن كان لا يبعد الجواز ،
حقّ الإمام والصحّة في حقّ المأموم ، بل هما صحيحتان معاً أو باطلتان معاً. فعلى تقدير صحّة كلتا الصلاتين يتمّ الاقتداء ، وإلّا كانت الصلاتان معاً باطلتين كما هو ظاهر.
(1) الحكم في كلّ من الأصل وعكسه في غاية الإشكال ، لعدم دليل عليه بل عرفت فيما سبق (3)الإشكال في مشروعية الجماعة في صلاة الطواف بنفسها فضلاً عن الاقتداء في غيرها بها أو بالعكس ، لعدم معهودية ذلك بين المسلمين ولم ينقل هو أيضاً عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله ولا أحد المعصومين عليهمالسلام ، بل ولا من أصحابهم. فهذا الالتزام بالترك الكلّي كاشف عن عدم مشروعية الجماعة كذلك ، وإلّا فما الموجب لهذا الالتزام مع ما هو الثابت من فضيلة الجماعة.
وبذلك ترفع اليد عن إطلاق صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة في صدر المبحث (4)، وإن كان مقتضى القاعدة الحكم بالجواز لولا ذلك ، عملاً بالإطلاق كما أشرنا إليه سابقاً.
(2) لعدم الجزم بوجوب تلك الصلاة ، إذ على تقدير عدم النقص فهي نافلة ولا جماعة في النافلة ، فلم تحرز صحّة الاقتداء بها.
(3) بل هو الأظهر ، فلا يصحّ الاقتداء في صلاة الاحتياط بمن يصلّي اليومية
بل الأحوط (1)(1) ترك الاقتداء فيها ولو بمثلها من صلاة الاحتياط حتّى إذا كان جهة الاحتياط متّحدة ، وإن كان لا يبعد الجواز في خصوص صورة الاتّحاد كما إذا كان الشكّ الموجب للاحتياط مشتركاً بين الإمام والمأموم.
جزماً ، لأنّ هذه الصلاة إمّا فريضة متمّمة للنقص أو نافلة ، والجماعة غير مشروعة على التقديرين ، أمّا الأوّل فلعدم صحّة الاقتداء في الأثناء ، وأمّا الثاني فلعدم مشروعية الجماعة في النافلة.
(1) بل هو الأقوى فيما إذا كان الائتمام في خصوص صلاة الاحتياط ، كما لو صلّى كلّ منهما منفرداً وحصل لكلّ منهما الشكّ بين الثلاث والأربع مثلاً ، وأراد أحدهما الاقتداء بالآخر في صلاة الاحتياط.
وذلك لعين ما تقدّم في وجه المنع آنفاً من البطلان على التقديرين ، بل لو فرض علم المأموم بصحّة صلاة الإمام وعدم النقص فيها كان عدم جواز الائتمام به حينئذ أظهر ، لعلمه بلغوية تلك الركعة ، فكيف يقتدي بها.
وأمّا لو كان الائتمام من أوّل الأمر كما لو حصل الشكّ بين الثلاث والأربع لكلّ من الإمام والمأموم فوجب عليهما صلاة الاحتياط لفرض عدم حفظ واحد منهما كي يرجع الآخر إليه ، فلا يبعد حينئذ عدم صحّة الاقتداء في صلاة الاحتياط أيضاً ، فإنّ الائتمام حينئذ وإن لم يكن في الأثناء كما كان كذلك في الفرض السابق فلا إشكال من هذه الجهة ، إلّا أنّ المستفاد من أدلّة ركعات الاحتياط كموثّقة عمّار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن شيء من السهو في الصلاة ، فقال : ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟ قلت : بلى ، قال : إذا سهوت فابن على الأكثر ، فإذا فرغت وسلمت فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت ، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء ، وإن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما
1) (*) لا يترك الاحتياط ، بل الأظهر عدم الجواز في بعض الصور.
[1873] مسألة 6 : لا يجوز اقتداء مصلّي اليومية أو الطواف بمصلّي الآيات أو العيدين أو صلاة الأموات ، وكذا لا يجوز العكس ، كما أنّه لا يجوز اقتداء كلّ من الثلاثة بالآخر (1).
نقصت» (1)هو أنّ جبر الصلاة على تقدير النقص فيها إنّما يكون بالإتيان بركعة محكومة بالصحّة على تقديري النقص وعدمه ، وأن الصحّة على أحد التقديرين غير كافية في الجبر.
وعليه فبما أنّ الائتمام هنا يوجب فساد الصلاة على تقدير عدم النقص لكونها حينئذ من النافلة التي لا تشرع الجماعة فيها فشرط الجبر غير متحقّق لعدم صحّة المأتي بها على التقديرين ، ولأجل ذلك يشكل الاقتداء فيها سواء اتحدت جهة الاحتياط فيهما أم اختلفت.
لكن الإشكال يختصّ بما إذا ترتّب على الاقتداء أحكام الجماعة من رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر عند الشك في أفعال الصلاة ، وأمّا مع عدم ترتّبها لعدم تحقّق الشك ، والمفروض عدم تحمّل الإمام القراءة أيضاً لاختصاصه بالأوّلتين ، وهذه على تقدير النقص من الأخيرة التي لا تحمّل فيها فلا موجب للبطلان ، لاشتراكها مع الصلاة فرادى ، وعدم الفرق بينهما إلّا في نية الائتمام ، وهي ممّا لا ضير فيها إذا كانت رجاء لا تشريعا.
(1) أمّا عدم جواز الاقتداء في صلاة الطواف بغيرها وبالعكس فقد ظهر ممّا مرّ في المسألة الرابعة ، بل قد عرفت عدم مشروعية الجماعة فيها بنفسها فضلاً عن صورة الاختلاف.
وأمّا في صلاة الأموات بغيرها وبالعكس فالأمر أوضح ، لعدم كونها صلاة حقيقية ذات ركوع وسجود ، وإنّما هي تهليل وتحميد وتكبير ، فلا موجب لترتيب أحكام الصلاة الحقيقية ومنها الائتمام عليها ، وإن ثبتت مشروعية
1) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة سنداً].
[1874] مسألة 7 : الأحوط عدم اقتداء مصلّي العيدين (1)بمصلّي الاستسقاء وكذا العكس (1) وإن اتّفقا في النظم.
الجماعة فيها بالاستقلال بأدلّتها الخاصّة كما سبق في محلّه (2).
وأمّا في غيرهما من الثلاثة المذكورة في المتن أعني اليوميّة والآيات والعيدين فالوجه في عدم مشروعية الجماعة فيها بعضها مع بعض قصور المقتضي وعدم الدليل ، عدا ما قد يتوهّم من عموم صحيحة زرارة والفضيل المتقدّمة (3).
ويتوجّه عليه : ما سبق (4)من كونها بعمومها ناظرة إلى الأفراد ، دون الخصوصيات والحالات الطارئة عليها. وأمّا التمسّك بإطلاقها الأحوالي فإنّما يتّجه مع الاتّحاد في النظم وعدم الاختلاف في الكيفية كالائتمام في الأداء بالقضاء ، وأمّا مع عدم الاتّحاد كما في المقام ولا سيما مع الاختلاف الفاحش في الكيفية فالإطلاق غير ناظر إليه يقيناً ، هذا.
مع أنّ مفهوم الائتمام في نفسه غير منطبق على المقام ، فإنّ الإمامة تتقوّم بالمتابعة والاقتداء ، وهما يستدعيان الاتّحاد في النظم كي تتحقّق المتابعة والاقتداء في العمل ، وكيف تمكن متابعة الإمام وهو يصلّي الآيات بخمسة ركوعات في صلاة العيدين المشتملة على خمسة قنوتات ، وكذلك في الصلاة اليومية مع الاختلاف الفاحش بينهما في الأفعال. فاطلاقات أدلّة الائتمام في نفسها قاصرة عن شمول المقام.
(1) بل هو الأقوى وإن اتّحدا في النظم ، فإنّ الجماعة غير مشروعة في النافلة
[1875] مسألة 8 : أقلّ عدد تنعقد به الجماعة في غير الجمعة والعيدين اثنان أحدهما الإمام (1) سواء كان المأموم رجلاً أو امرأة (2).
عدا صلاة الاستسقاء ، والقدر المتيقّن من التخصيص هو ما إذا ائتمّ فيها بمثلها فيرجع في غير ذلك إلى إطلاق دليل المنع. وأمّا صلاة العيدين فقد مرّ (1)أنّ مشروعيّة الجماعة فيها ليست من باب الاستثناء ، لكونها فريضة بالذات.
(1) بلا خلاف ، لصحيح زرارة قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الرجلان يكونان جماعة؟ فقال : نعم ، ويقوم الرجل عن يمين الإمام» (2).
وما رواه الشيخ (قدس سره) بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن العلاء عن محمد عن أحدهما عليهماالسلام «قال : الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه ، يقوم عن يمينه ، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (3).
(2) وقد استدلّ له بخبر محمد بن يوسف عن أبيه قال : «سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول : إن الجهنيّ أتى النبيّ صلی اللّه عليه وآله ... إلى أن قال فقال : يا رسول اللّه فإنّ ولدي يتفرّقون في الماشية فأبقى أنا وأهلي فأُؤذّن وأُقيم وأُصلّي بهم ، أفجماعة نحن؟ فقال : نعم ...» (4).
ورواية الحسن الصيقل عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته كم أقلّ ما تكون الجماعة؟ قال : رجل وامرأة» (5).
.................................................................................................
لكنّ الرواية الأُولى ضعيفة السند ، فانّ محمد بن يوسف الصنعاني وإن كان ثقة لكن والده الذي يروي عنه لم يوثّق. وكذلك الرواية الثانية فإنّها ضعيفة السند بالحسن الصيقل وبأبي مسعود الطائي الواقع في السند. فلا يصح الاستناد إليهما.
نعم ، يمكن الاستدلال له بالروايات الواردة في إمامة الرجل لأهله كصحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليهالسلام «أنّه قال : المرأة تصلّي خلف زوجها الفريضة والتطوّع وتأتمّ به في الصلاة» (1).
والاستشهاد بذيل الرواية ، وأمّا صدرها فناظر إلى تحديد المكان وعدم وقوفها بحيال الرجل كما لا يخفى ، وقد أشار إليه صاحب الوسائل (قدس سره) أيضاً.
وصحيحته الأُخرى قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أُصلّي المكتوبة بأُمّ علي؟ قال : نعم ، تكون عن يمينك ، يكون سجودها بحذاء قدميك» (2)المؤيّدتين بغيرهما.
ويمكن الاستدلال له أيضاً بإطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه (3). فانّ الرجل غير مخاطب بما هو رجل ، بل بما هو أحد المكلّفين ، فيعمّ الحكم الأُنثى أيضاً كما لا يخفى.
فالمرأة أيضاً مخاطبة بالصلاة خلف من تثق بدينه ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما إذا كان معها غيرها وما لم يكن فليتأمّل.
بل لو بنينا على جواز إمامة المرأة للنساء في الفرائض وحملنا النهي عن ذلك على الكراهة أمكن القول بجواز إمامتها لواحدة من النساء ، تمسّكاً بالإطلاق المذكور ، وإن كان هذا الفرض غير منصوص عليه ، لاختصاص النصوص
بل وصبيّاً مميّزاً على الأقوى (1).
بامامتها للنساء ، دون التنصيص على الفرض المذكور.
(1) إذا كان الصبيّ إماماً فلا ريب في عدم الجواز حتّى على القول بمشروعيّة عباداته ، لفقد النصّ وقصور الإطلاقات عن شمول المقام ، والأصل عدم المشروعية. فلا يصح للرجل أو المرأة الاقتداء به وترتيب أحكام الجماعة على ذلك.
وأمّا إذا كان مأموماً فقد قوّى الماتن (قدس سره) الجواز ، بناء على مشروعيّة عباداته.
بل قيل بالجواز حتّى على كونها تمرينية ، استناداً إلى رواية أبي البختري عن الصادق عليهالسلام : «قال إنّ علياً عليهالسلام قال : الصبيّ عن يمين الرجل في الصلاة إذا ضبط الصفّ جماعة ...» (1).
ورواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «في الرجل يؤمّ النساء ليس معهنّ رجل في الفريضة؟ قال : نعم ، وإن كان معه صبيّ فليقم إلى جانبه» (2).
ولكنهما لضعف سنديهما غير صالحتين للاستدلال بهما فلا دليل على الصحّة بحيث يترتّب على ذلك أحكام الجماعة من رجوع كلّ من الإمام أو المأموم إلى الآخر عند الشكّ وغيره ، بناءً على التمرينية.
نعم ، بناء على الشرعية كما هو الصحيح فالأقوى هو الجواز ، تمسكاً بإطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه. حيث لا قصور في شموله للصبيّ المميّز ، فإنّه إذا وثق الصبيّ بدين الإمام شمله الإطلاق وانعقدت الجماعة ، سواء كان معه غيره أم لم يكن ، عملاً بالإطلاق ، فتدبّر جيداً.
وأمّا في الجمعة والعيدين فلا تنعقد إلّا بخمسة أحدهم الإمام (1).
وملخّص القول : أنّ اقتداء الصبيّ بالرجل لا يحقّق الجماعة بناء على التمرينية ، لأصالة عدم المشروعيّة بعد عدم الدليل عليها. وأمّا على الشرعية فيشمله إطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه. وبذلك يحكم عليه بالصحّة كما مرّ ، هذا إذا كان الصبيّ مأموماً.
وأمّا إذا كان إماماً فمقتضى الأصل هو عدم المشروعية أيضاً كما هو المعروف والمشهور ، بل ادّعي قيام الإجماع على اعتبار البلوغ في الإمام ، كما قد يساعده بعض الروايات أيضاً (1).
نعم ، نسب إلى الشيخ (قدس سره) وبعض من تبعه جواز إمامة المراهق البالغ عشر سنين (2)استناداً إلى موثّقة سماعة (3)، وسيجيء البحث عن ذلك مستقصى إن شاء اللّه في فصل (شرائط إمام الجماعة) (4).
والمقصود بالكلام هنا هو بيان أنّ مقتضى الأصل وهو أصالة عدم المشروعية مع الغضّ عن الأدلّة الاجتهادية إنّما هو البطلان مطلقاً.
ولا يقاس المقام بالصورة السابقة حيث حكمنا فيها بالصحّة بناءً على شرعية عبادات الصبيّ عملاً بإطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه. فإنّ الصبيّ ما لم يوضع عليه قلم التكليف كما هو المفروض لا دين له حتّى يوثق به أو لا يوثق ، فلا يشمله الإطلاق المذكور فتدبّر.
(1) والكلام في ذلك موكول إلى محلّه.
[1876] مسألة 9 : لا يشترط في انعقاد الجماعة في غير الجمعة والعيدين (1)نيّة الإمام الجماعة والإمامة (1) ، فلو لم ينوها مع اقتداء غيره به تحقّقت الجماعة ، سواء كان الإمام ملتفتاً لاقتداء الغير به أم لا ، نعم حصول الثواب في حقّه موقوف على نيّة الإمامة (2). وأمّا المأموم فلا بدّ له من نيّة الائتمام (3) ، فلو لم ينوه لم تتحقّق الجماعة في حقّه وإن تابعه في الأقوال والأفعال ، وحينئذ فان أتى بجميع ما يجب على المنفرد صحّت صلاته وإلّا فلا.
(1) لعدم الدليل عليه في غير الجماعة الواجبة ممّا تتقوّم الصلاة بها كالجمعة والعيدين ، فيكون المحكّم هو إطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه (2). مضافاً إلى الإجماع والتسالم على ذلك ، فمع اقتداء الغير به وإن لم ينو الإمامة تتحقّق الجماعة ، بل حتّى وإن لم يكن ملتفتاً إلى الاقتداء.
(2) بناءً على ما هو المحقّق في محلّه من كون الثواب من لوازم الإطاعة المتقوّمة بالقصد (3).
(3) أيّ نيّة الملازمة للإمام في أفعاله بجعله قدوة يقتدي به ، فانّ مفهوم الاقتداء والائتمام متقوّم بذلك.
ومن هنا ورد أنّه «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» (4)، فانّ سند الرواية وإن كان ضعيفاً إلّا أنّ مضمونها مطابق للارتكاز ، بل لعلّ ذلك من القطعيات الواضحة.
.................................................................................................
فلا يكفي مجرّد المقارنة والمتابعة خارجاً ما لم ينضمّ إليها القصد المذكور ، بل كانت بداع آخر كحفظ عدد الركعات فراراً من الوسوسة ونحو ذلك من الدواعي ، حيث لا يصدق حينئذ عنوان الاقتداء والائتمام عرفاً ، وهذا ظاهر لا سترة عليه ، هذا في غير الجماعة الواجبة.
وأمّا الواجبة فالمعروف هو اعتبار نيّة الإمامة في الإمام ، كاعتبار نيّة الائتمام في المأموم ، بلا كلام على ما سبق.
وناقش فيه بعضهم ، بل أحاله مطلقاً ، نظراً إلى أنّ عنوان الإمامة والجماعة ممّا لا يمكن قصده من الإمام لا في المقام ولا في غيره ، لخروجه عن قدرته واختياره ، فانّ العنوان المذكور إنّما ينتزع من ائتمام الغير به ، وواضح أنّ فعل الغير لا يكون تحت قدرته واختياره.
نعم ، فيما كانت الجماعة معتبرة في صحّة العمل كالجمعة لا بدّ من وثوق الإمام بتحقّق الجماعة خارجاً رعاية للشرط ، وأمّا لزوم قصد تحقّق ذلك فلا.
وعلى الجملة : إنّ الإمام لا يمكنه أن يجعل نفسه إماماً ، لعدم كونه فعله ، وإنّما تتحقّق الإمامة بواسطة اقتداء الغير ، وهو فعل غيره وخارج عن تحت قدرته ولا يعقل تعلّق القصد بفعل غير مقدور.
أقول : إذا فرضنا توجّه الأمر نحو جماعة بصفة الاجتماع ، بحيث كان لهذا الوصف دخل في تعلّق الحكم كالأمر بإقامة مجلس العزاء أو الصلاة جماعة كان الوجوب المتعلّق بكلّ فرد مشروطاً لا محالة بحضور الآخرين وتهيئهم للارتباطية الملحوظة في هذا الفرض ، كما يفصح عنه ما ورد في بعض روايات صلاة الجمعة من الأمر بإقامتها إذا وجدوا من يخطبهم (1)، وقوله عليهالسلام : «إذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم» (2).
فالوجوب المتوجّه إلى كلّ فرد بما فيهم الإمام مشروط حدوثاً بتحقّق الاجتماع وحضور الباقين وتهيئهم ، كما أنّه مشروط بقاءً بالائتمام خارجاً
وكذا يجب وحدة الإمام (1) ، فلو نوى الاقتداء باثنين ولو كانا متقارنين في الأقوال والأفعال لم تصحّ جماعة ، وتصحّ فرادى إن أتى بما يجب على المنفرد ولم يقصد التشريع.
وانعقاد الجماعة.
ولا ريب في أنّ هذا القيد كما كان شرطاً للوجوب يكون شرطاً للواجب أيضاً ، نظير الزوال بالإضافة إلى الظهرين ، فانّ الواجب هي الحصّة الخاصّة من الطبيعة ، وهي الواقعة بين الزوال والغروب ، ولذلك ليس لأحد إيقاعهما اختياراً بعد الغروب بدعوى كون الزوال قيداً للوجوب فقط.
وفي المقام يكون الواجب على الإمام كالمأموم الحصّة الخاصّة من الصلاة وهي الواقعة مقارنة لصلاة الآخرين ، الموصوفة بالجماعة. ومن الواضح لزوم قصد هذه الحصّة الخاصّة المفروض كونها لا غيرها مصداقاً للمأمور به في تحقّق عنوان الامتثال والإطاعة بالإضافة إلى الأمر الوجوبي كالجمعة والعيدين ، أو الاستحبابي كما في غيرهما.
وممّا ذكرنا يظهر لزوم إلحاق المعادة جماعة بصلاتي الجمعة والعيدين ، فانّ مشروعيتها إماماً ومأموماً مقيّدة بوقوعها على صفة الاجتماع ، فلا بدّ من تعلّق قصد كلّ من الإمام والمأموم بها بالوصف المذكور ، إذ لا تشرع الإعادة منفرداً وإن ائتم به غيره خارجاً بحيث كان لا يدري بذلك فتحقّقت الجماعة من حيث لم يقصد ولا يدري.
(1) بلا خلاف فيه ، ولعلّه من القطعيات المتسالم عليها فيما بينهم كما يظهر ذلك من تتبّع كلماتهم في موارد متفرّقة كقولهم في صلاة الجمعة : إنّه إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام ، وما ذكروه في تشاحّ الإمامين من المرجّحات ، وما إذا حدث للإمام حادث من تقدّم أحد المأمومين وقيامه مقام الإمام ، وغير ذلك من الأبواب المناسبة ممّا يظهر من ذلك كلّه مفروغية الحكم عندهم.
ويجب عليه تعيين الإمام (1) بالاسم أو بالوصف أو الإشارة الذهنية أو الخارجية ، فيكفي التعيين الإجمالي كنية الاقتداء بهذا الحاضر ،
ويقتضيه مضافاً إلى ما عرفت ، وإلى أصالة عدم المشروعية أنّه في فرض التعدّد لا يخلو الحال من اقتداء المأموم بكلّ واحد منهما مستقلا وبنحو العام الاستغراقي ، أو بكليهما معاً على سبيل العام المجموعي ، ولا ثالث. وشيء منهما لا يتم :
أمّا الأوّل : فلأنّه من الجائز اختلاف الإمامين في الأفعال ، بأن يركع أحدهما والآخر قائم ، حيث يكون هذا التفكيك في نفسه ممكناً جدّاً وإن فرضنا عدم تحقّقه خارجاً ، ضرورة أنّ صدق الشرطية لا يتوقّف على صدق طرفيها.
وحينئذ فلنا أن نتساءل أنّ المأموم حينما يقتدي وهو يرى إمكان التفكيك المزبور هل هو بانٍ على الاستمرار في نيّته حتّى مع فرض تحقّق الانفكاك بينهما خارجاً ، فلازمه البناء على الجمع بين الضدّين ، أو أنّه ينوي الاقتداء بعد ذلك بأحدهما ، ولازمه عدم استمراره على نيّة الاقتداء بإمام معيّن في تمام الصلاة ، وهو كما ترى.
وأمّا الثاني : فلأنّه مع فرض الاختلاف وإن لم يتحقّق خارجاً كما سمعت يبطل الائتمام لا محالة ، لعدم الموضوع للمجموع ، حيث لا يصدق في فرض قيام أحد الإمامين وركوع الآخر مثلاً أنّ المجموع في حال القيام أو الركوع ليمكن الاقتداء.
وحينئذ فان كان قد استمرّ في نيّته فقد ائتمّ بإمام لا وجود له ، وإن نوى الاقتداء آن ذاك بواحد معيّن منهما استلزم الائتمام في الأثناء ، ولا دليل على مشروعيّته في المقام.
(1) لتقوّم مفهوم التبعيّة والاقتداء والائتمام بتعيين الإمام ، فلا يتصوّر التبعية وما يرادفها بدون تعيّن المتبوع.
أو بمن يجهر في صلاته مثلاً من الأئمة الموجودين ، أو نحو ذلك (1) ولو نوى الاقتداء بأحد هذين أو أحد هذه الجماعة لم تصحّ جماعة (2) وإن كان من قصده تعيين أحدهما بعد ذلك في الأثناء أو بعد الفراغ.
[1877] مسألة 10 : لا يجوز الاقتداء بالمأموم ، فيشترط أن لا يكون إمامه مأموماً لغيره (3).
(1) فانّ المعتبر إنّما هو نوع تعيين يخرجه عن الإبهام والترديد ، من دون اعتبار أن يكون ذلك بنحو التعيين التفصيلي ، لعدم المقتضي لذلك.
(2) لما عرفت من أنّ الإبهام والترديد ينافيان التبعية والائتمام والاقتداء فلا يكاد تتحقّق المفاهيم المذكورة مع فرض الإبهام من الأوّل ، وإن كان من قصده التعيين في الأثناء أو بعد الفراغ.
وهل يكفي التعيين الاستقبالي ، بمعنى أنّه ينوي الائتمام بالمتعيّن واقعاً وسيعرفه فيما بعد كما إذا نوى الاقتداء بمن يركع من هذين أوّلاً ، حيث إنّه متعيّن واقعاً وفي علم اللّه ، غير أنّه لا يتعيّن لديه إلّا فيما بعد؟
الظاهر هو التفصيل بين ما إذا لم يناف ذلك مفهوم الائتمام والمتابعة كما في المثال ، فإنّ القراءة ساقطة على كلّ حال ، والمفروض هو تعيّن الإمام عند أوّل جزء يأتمّ به وهو الركوع ، فإنّه معيّن في علم اللّه تعالى من أوّل الأمر ، وكان قد قصده أيضاً على ما هو عليه من التعيّن ، فلا مانع من الصحة.
وبين ما إذا كان منافياً له كما إذا نوى الائتمام بمن يسلّم منهما أوّلاً ، فإنّ الظاهر حينئذ هو البطلان ، لإخلاله بالتبعية في الأفعال.
وكيف ما كان ، فالمتّبع في المقام إنّما هي القاعدة بعد عدم ورود نصّ فيه بالخصوص. فكلّ ما كان عدم التعيين فيه قادحاً في صدق الائتمام والاقتداء بطل ، وإلّا فلا.
(3) إجماعاً كما عن غير واحد ، وتقتضيه أصالة عدم المشروعية.
[1878] مسألة 11 : لو شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا بنى على العدم (1) وأتمّ منفرداً وإن علم أنّه قام بنيّة الدخول في الجماعة ، نعم لو ظهر عليه أحوال الائتمام كالإنصات (1)ونحوه فالأقوى عدم الالتفات (2) ولحوق أحكام الجماعة وإن كان الأحوط الإتمام منفرداً. وأمّا إذا كان ناوياً للجماعة ورأى نفسه مقتدياً وشكّ في أنّه من أوّل الصلاة نوى الانفراد أو الجماعة فالأمر أسهل (3).
(1) لأصالة عدم الائتمام ، فتشمله أحكام من لم يأتم بصلاته وإن كان لا يثبت بذلك عنوان الانفراد ، لعدم كونه موضوع الحكم ، فانّ مقتضى الإطلاق في دليل القراءة وأدلّة الشكوك الصحيحة والفاسدة هو وجوب الفاتحة والاعتناء بالشك في كلّ صلاة ، خرج منها عنوان الجماعة ، ويبقى ما عداها تحت العموم.
والنتيجة وجوب القراءة والاعتناء بالشكّ في كلّ صلاة لم تكن جماعة ، لا ما كانت متّصفة بكونها فرادى ، لعدم تعنون العام بعد التخصيص إلّا بعدم العنوان الخاص كما هو المقرّر في الأُصول (2)، ولذا لا تجب على المصلّي نيّة الانفراد في الصلاة فرادى بلا إشكال.
وعليه فعند الشكّ في الائتمام وإحراز عدمه بالأصل ينقّح موضوع العام لا محالة ، ويثبت أن هذه صلاة في غير جماعة فيشملها حكمها ، بلا توقّف على ثبوت عنوان الانفراد ليستشكل ثبوته بالأصل.
(2) تعويلاً على ظاهر الحال. ويندفع بأنّ أقصى ما يترتّب عليه هو الظنّ وهو لا يغني عن الحقّ إلّا إذا ثبتت حجّيته ، والمفروض عدم ورود ما يقتضي ذلك في المقام ، وعليه فلا يمكن الاستناد إليه في تحقّق الجماعة.
(3) ينبغي التفصيل في المسألة ، فإنّه قد يحتمل من نفسه فسخ العزيمة
[1879] مسألة 12 : إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان أنّه عمرو فان لم يكن عمرو عادلاً بطلت جماعته (1) وصلاته أيضاً (1)(2) إذا ترك القراءة أو أتى بما يخالف صلاة المنفرد ، وإلّا صحّت على الأقوى ، وإن التفت في الأثناء ولم يقع منه ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفرداً. وإن كان عمرو أيضاً عادلاً ففي المسألة صورتان :
والعدول عمّا بنى عليه سابقاً ، وحينئذ فلا يكاد يكفي ظاهر الحال الفعلي المفيد للظنّ لا أكثر ، لعدم الدليل على اعتبار مثله.
وقد لا يحتمل العدول العمدي ، وإنّما كان الترديد مستنداً إلى الغفلة في رفع اليد عمّا قد نواه سابقاً ، فحينئذ لا يبعد الحكم بالصحّة ، عملاً بقاعدة التجاوز كما يقتضيه التعليل الوارد في بعض أخبارها : إنّه حين العمل أذكر (2)أو أقرب إلى الحق (3). فلأجل عموم العلّة يحكم بعدم الاعتناء باحتمال الغفلة في المقام.
(1) بلا إشكال ولا خلاف ، لفقد شرط الصحّة وهو عدالة الإمام.
(2) المشهور والمعروف بل قيل إنّه ممّا لا خلاف فيه البطلان مطلقاً وهناك قولان بالتفصيل ، أحدهما ما اختاره الماتن (قدس سره) والآخر ما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.
ويستدلّ للمشهور بوجوه :
أحدها : أنّ الصلاة جماعة تغاير الفرادى في طبيعتها ، والمفروض بطلانها جماعة لفقد شرطها ، والصلاة فرادى لم تكن مقصودة حسب الفرض. فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
ويتوجّه عليه : أنّ هذا يتمّ على تقدير تغاير ما وقع وما قصد في الطبيعة والماهية ، بحيث كانا طبيعتين متباينتين كما في الظهرين والأداء والقضاء
.................................................................................................
ونحوهما. فلو نوى الظهر ولم تكن ذمّته مشغولة إلّا بالعصر ، أو نوى الأداء ولم يدخل الوقت بعد وكان عليه القضاء ، أو نوى القضاء ولم تكن عليه بل كان عليه الأداء لم يحتسب المأتي به عمّا اشتغلت به الذمّة في جميع ذلك ، لما ذكر من أنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
وأمّا الجماعة والفرادى فليستا من هذا القبيل ، فإنّهما من الخصوصيات الفردية والحالات الطارئة على الطبيعة مع اتّحاد الصلاتين في الطبيعة النوعيّة كيف ولم يفرض على المكلّف في كلّ يوم إلّا خمس طبائع من الصلاة.
فصلاة الظهر مثلاً طبيعة واحدة يكون لها فردان ، أحدهما الظهر جماعة والآخر فرادى ، غايته أنّ أحدهما أفضل من الآخر ، لما في الخصوصية اللاحقة من الرجحان والمزيّة ، من دون تأثير لذلك في تعدّد الطبيعة وتغايرها ، كما هو الحال في سائر الخصوصيات الزمانية والمكانية التي لا يستوجب تخلّفها البطلان بلا إشكال.
فإذا صلّى باعتقاد أنّ المكان مسجد أو باعتقاد كونه في أوّل الوقت ، فكان قاصداً الصلاة في المسجد أو في أوّل الوقت فانكشف الخلاف بعد ذلك لم يضرّ بصحّة الصلاة بزعم أنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع ، وكذلك الحال فيما نحن فيه حرفاً بحرف.
والسرّ في الجميع ما عرفت من أنّ هذه الخصوصيات بأجمعها من عوارض الفرد ، وخارجة عن حريم الماهية ، وأنّه لا تخلّف إلّا في الفرد ولا ضير فيه دون الطبيعة ، لكونها مقصودة ولو في ضمن الفرد. فالواقع مقصود والمقصود واقع.
ثانيها : أنّ الجماعة الفاقدة للشرط غير مشروعة ، فقصدها تشريع محرّم موجب لفساد العمل.
وفيه ما لا يخفى ، فانّ التشريع عبارة عن إسناد شيء لا يعلم به إلى الشارع ، وهذا لا ينطبق على المقام ، حيث إنّه يعتقد الصحّة ووجود الأمر
.................................................................................................
لاعتقاده عدالة الإمام حسب الفرض ، فلا موضوع للتشريع المحرّم في مفروض الكلام. ومن الواضح : أنّ مجرّد الائتمام الواقع في غير محلّه العاري عن عنوان التشريع المحرّم غير موجب للبطلان ، وعلى تقدير الشكّ فيه تكفي أصالة البراءة.
ثالثها : وهو العمدة الإخلال بالقراءة عامداً ، ولا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب ، فإنّه بعد بطلان الجماعة وتبيّن عدم التحمّل قد حصل الإخلال بها.
ولا سبيل إلى التصحيح بقاعدة لا تعاد ... ، لاختصاصها بصورة الغفلة وعدم الالتفات إلى الترك حين العمل ، دون المقام الذي كان ملتفتاً إلى ترك القراءة ، لفرض تركه لها عامداً وإن كان معذوراً فيه لاعتقاده عدالة الإمام وتحقّق الجماعة ، فمثله غير مشمول للقاعدة.
ويردّه : أنّ الحديث لا تقييد فيه ، وإن أصرّ المحقّق النائيني (قدس سره) على اختصاصه بالناسي (1)، لكن الظاهر عمومه لمطلق التارك ما عدا العامد عن غير عذر ، لا لمجرّد الإجماع على خروج هذا الفرد ، بل لقصور الحديث عن الشمول لمثله في حدّ نفسه.
فانّ المتبادر إلى الذهن من التعبير الوارد في الحديث هو الاختصاص بما لو أخلّ بالجزء أو الشرط ثم انكشف الخلاف ، فكانت الإعادة نفياً أو إثباتاً مسبّبة عن انكشاف الخلاف ، بحيث لو لم يكن ذلك واستمرّ الجهل لم يكن هناك مقتض للإعادة ، فإنّ التعبير بالإعادة بنفسه يقتضي ذلك كما لا يخفى.
وأمّا المتعمّد العاصي فلا يتصوّر انكشاف الخلاف في حقّه ، لكونه يدري من الأوّل بالإفساد والإخلال ، فلا معنى للحكم عليه بالإعادة أو بعدمها.
وأمّا ما عدا ذلك سواء أكان الإخلال غفلة أم جهلاً أم عمداً مع العذر كما في المقام فلا قصور في شمول إطلاق الحديث له بعد عدم وجود ما يقتضي التقييد بغير الملتفت.
1) كتاب الصلاة 3 : 5.
.................................................................................................
والذي يكشف عمّا ذكرناه من شمول الحديث للعامد المعذور في الترك ما تسالموا عليه ظاهراً من الحكم بالصحّة فيما لو صلّى خلف زيد مثلاً بخصوصه باعتقاد عدالته ثمّ بان فسقه ، فإنّه قد ترك القراءة حينئذ عمداً وعن التفات لكن معذوراً فيه من جهة اعتقاده صحّة الجماعة. فلولا شمول الحديث له لما أمكن تصحيحه.
وكذا لو صلّى خلفه باعتقاد إسلامه فبان كفره ، كما ورد النصّ به أيضاً (1). وكذا لو صلّى منفرداً وتخيّل أنّ الركعة التي بيده هي الثالثة فسبّح فيها ثمّ تذكّر في الركوع أنّها الثانية ، فقد ترك القراءة عن علم والتفات باختياره التسبيحات غايته أنّه كان معذوراً في ذلك للتخيّل المذكور ، فإنّه لا إشكال في الحكم بصحّة الصلاة عملاً بالحديث المزبور.
وعلى الجملة : ترك القراءة في المقام غير قادح بعد تكفّل الحديث بتصحيح الصلاة الفاقدة لها. فلا موجب للبطلان من هذه الجهة.
وممّا ذكرناه يظهر ضعف ما اختاره الماتن من الحكم بالبطلان إذا ترك القراءة.
نعم ، يتّجه ذلك فيما إذا أتى بما يخالف صلاة المنفرد ، أي كان ممّا يوجب البطلان مطلقاً كما لو زاد ركناً كركوع أو سجدتين لأجل متابعة الإمام ، أو عرضه أحد الشكوك الباطلة كالشكّ بين الواحدة والثنتين أو الثنتين والثلاث قبل إكمال السجدتين ، أو الصحيحة ولكنّه لم يعمل بمقتضاها كما لو شكّ بين الثلاث والأربع ورجع إلى الإمام ولم يأت بصلاة الاحتياط بعد الفراغ ، فإنّ الصلاة في هذه الفروض بحسب الحقيقة صلاة فرادى وإن لم يعلم المصلّي بها فيلحقها حكمها.
فظهر أنّ الأقوى هو التفصيل بين ما إذا أتى بما يوجب بطلان الصلاة فرادى مطلقاً ولو سهواً بأن أخلّ بما هو وظيفة المنفرد كزيادة الركن أو عروض
1) الوسائل 8 : 374 / أبواب صلاة الجماعة ب 37.
إحداهما : أن يكون قصده الاقتداء بزيد وتخيّل أنّ الحاضر هو زيد (1) وفي هذه الصورة تبطل جماعته (2) وصلاته (1)أيضاً إن خالفت صلاة المنفرد.
الشكّ المبطل ، وبين ما لم يكن كذلك وإن ترك القراءة ، فيحكم ببطلان الصلاة في الأوّل دون الثاني.
ولا مانع من ذلك بعد مساعدة الدليل إلّا ما قد يتخيّل من مخالفته للإجماع المدّعى على البطلان مطلقاً كما سبق ، ولكن من المعلوم أنّه ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام بعد وضوح مستند المجمعين حسبما عرفت.
(1) أي أنّه ائتمّ بالحاضر المقيّد بكونه معنوناً بعنوان زيد من باب التقييد ثمّ انكشف عدم تحقّق القيد خارجاً.
(2) لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده ، فانّ من قصد الائتمام به وهو زيد غير واقع ، والواقع وهو عمرو لم يقصد الائتمام به ، فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
والظاهر أنّ هذا فرض غير معقول ، وأنّ المعقول في المقام ينحصر فيما سيأتي منه (قدس سره) من الفرض الثاني. فلا موقع للتقسيم.
ولا يقاس ذلك بباب الإنشاءات من العقود والإيقاعات حيث يحكم فيها بالبطلان إذا كان بنحو التقييد دون الداعي ، فلو زوج ابنته من زيد على أنّه تقيّ شريف ثريّ بحيث كان اعتقاد اتّصافه بذلك من قبيل الداعي للتزويج ، فتخلّف وظهر أنّه
فاسق وضيع معدَم صح العقد. بخلاف ما لو باعه الشيء على أنّه ذهب فبان كونه نحاساً ، فإنّه يحكم ببطلانه ، لتخلّف العنوان الذي قيّد به المبيع. وذلك لكون القياس مع الفارق.
وتوضيحه : أنّ الأفعال على ضربين :
1) (*) بل تصحّ صلاته وجماعته على الأظهر.
.................................................................................................
أحدهما : الأفعال الإنشائية المتعلّقة بالأُمور الاعتبارية كالملكية والزوجية ونحوهما.
ثانيهما : الأفعال التكوينية المتعلّقة بالأُمور الخارجية كالأكل والضرب والقتل ونحو ذلك.
أمّا القسم الأوّل : فتارة يتعلّق الاعتبار بعنوان خارجي محقّق ، لكنّه كان بداعٍ من الدواعي انكشف فيما بعد تخلّفه ، وأنّ تلك الغاية الداعية إلى الفعل لم تكن مطابقة للواقع كما في مثال التزويج المتقدّم ، وكما لو اشترى العبد المعيّن على أن يكون كاتباً فبان عدمه.
ففي مثل ذلك لا موجب للبطلان بعد أن كان المقصود وما تعلّق به الاعتبار والإنشاء متحقّقاً في الخارج ، وهو الزوج أو العبد الذي هو طرف لعلقة الزوجية أو الملكية. ولا أثر لتخلّف الوصف الداعي إلّا الخيار فيما إذا كان اعتباره بلسان الاشتراط ضمن العقد مع قابلية المحلّ له ، بخلاف مثل النكاح حيث لا يثبت الخيار فيه مطلقاً.
وعلى الجملة : فإنشاء العقد لم يكن معلّقاً على ثبوت الوصف ، وإلّا كان من التعليق في الإنشاء المجمع على بطلانه ، وإنّما كان الالتزام بالعقد معلّقاً عليه ونتيجته هو الخيار عند التخلّف في المحلّ القابل.
وأُخرى : يتعلّق الاعتبار بعنوان غير واقع خارجاً ، كما لو باع هذا الكتاب مشيراً إليه بعنوان أنّه كتاب المكاسب فبان أنّه كتاب المطوّل ، أو باعه القطعة الخاصّة على أنّها ذهب فبانت نحاساً ، ففي أمثال ذلك لا مناص من الحكم بالبطلان ، فإنّ المنشأ معلّق على عنوان لا واقع له ، وما هو الواقع لم يقع متعلّقاً للاعتبار والإنشاء. فما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.
وقد تقرّر في محلّه (1)أنّ التعليق في المنشأ أمر معقول وجائز ، فقد ينشأ العقد مطلقاً ، وقد ينشأ معلّقاً على شيء كما في الوصية التمليكية ، بل إنّ التعليق في
1) مصباح الفقاهة 3 : 66.
.................................................................................................
المنشأ ممّا لا مناص منه بالنسبة إلى ما يرجع إلى الذات ويعدّ من المقوّمات كعنوان الذهب وكتاب المكاسب ونحوهما ممّا يتقوّم به المبيع ، وليس هو على حدّ التعليق على الأُمور الخارجية الأجنبية عن المنشأ بالعقد ، الذي ادّعي الإجماع على بطلانه.
فيرجع قوله : بعتك هذا الشيء على أن يكون ذهباً ، أو ... هذا الذهب. إلى قوله : إن كان هذا ذهباً فقد بعته. لوضوح أنّ الموضوع لا بدّ وأن يكون مفروض الوجود عند ورود الحكم عليه ، ومرجع فرضه كذلك إلى التعليق.
وعليه فمع عدم حصول المعلّق عليه لا إنشاءَ ولا قصدَ ، فلا عقد ، ونتيجته طبعاً هو البطلان.
وأمّا القسم الثاني : أعني الأفعال التكوينية ، فحيث إنّ متعلّقها أُمور خارجية وهي أُمور جزئية وشخصية فلا يعقل في مثلها التعليق ، إذ لا إطلاق ليقبل التقييد. فمن ضرب زيداً مثلاً باعتقاد أنّه فاسق ، أو قتله بتخيّل كونه كافراً ، أو شرب شيئاً بزعم كونه ماء ثمّ انكشف الخلاف فقد تحقّق الفعل في جميع ذلك خارجاً ، تحقّقت تلكم العناوين أم لا ، إذ لا يعقل كون الضرب الشخصي أو القتل أو الشرب معلقاً على عناوين الأُمور المذكورة ومتقيّداً بها كما كان هو الحال في الأُمور الاعتبارية.
وكيف يمكن القول بأنّ الضرب الصادر في المثال معلّق على تقدير الفسق وأنّه على تقدير العدالة لم يتحقّق الضرب منه أصلاً ، وهو فعل تكويني وجزئي خارجي تعلّق بأمر جزئي خارجي مثله ، وقد صدر منه ذلك على كلّ حال كان المضروب فاسقاً أم كان عادلاً.
وكذا الحال في الأمثلة الأُخرى ، بل وحتّى في الأفعال القصدية كالتعظيم والتحقير ونحوهما ، فمن قام لزيد تعظيماً بتخيّل أنّه عالم ، أو إهانة بتخيّل أنّه فاسق أو جاهل فبان الخلاف فقد تحقّق منه التعظيم بقصده أو الإهانة على كلّ حال ، لا أنّ القصد قد تحقّق منه على تقدير دون آخر.
الثانية : أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر ولكن تخيّل أنّه زيد فبان أنّه عمرو ، وفي هذه الصورة الأقوى صحّة جماعته وصلاته (1). فالمناط ما قصده لا ما تخيّله من باب الاشتباه في التطبيق.
[1880] مسألة 13 : إذا صلّى اثنان وبعد الفراغ علم أنّ نيّة كلّ منهما الإمامة للآخر صحّت صلاتهما ، أمّا لو علم أنّ نيّة كلّ منهما الائتمام بالآخر استأنف كلّ منهما الصلاة إذا كانت مخالفة لصلاة المنفرد (2).
ففي جميع ذلك لا أثر لانكشاف الخلاف إلّا في ظهور تخلّف الداعي الباعث على العمل ، دون تخلّف نفس الفعل.
وعلى الجملة : الفعل التكويني الخارجي جزئي حقيقي غير قابل للتقسيم والتنويع حتّى يعقل فيه التقييد والتعليق.
وعليه فالائتمام في مفروض الكلام فعل خارجي ، وهو عبارة عن متابعة الإمام في أفعاله ، فيقوم حيث يقوم الإمام ، ويركع حيث يركع وهكذا ، ومثله غير قابل للتعليق والتقييد ، ولا يكون التخلّف في مورده إلّا من باب التخلّف في الداعي.
فالمتعيّن في مثل المقام الحكم بصحّة الجماعة ، فضلاً عن صحّة أصل الصلاة حيث إنّه نوى الاقتداء بشخص صالح لذلك ، غايته أنّه تخيّله زيداً العادل بحيث لو علم أنّه عمرو العادل لم يكن ليأتمّ به لغرض من الأغراض.
(1) قد عرفت آنفاً الوجه في ذلك ، كما عرفت انحصار المتصوّر المعقول في مثل المقام بهذه الصورة.
(2) التفصيل المذكور في المتن هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع.
والمستند فيه ما رواه الكليني (قدس سره) بسنده عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه عن أبيه عليهماالسلام «قال قال أمير المؤمنين عليهالسلام
.................................................................................................
في رجلين اختلفا فقال أحدهما : كنت إمامك ، وقال الآخر : أنا كنت إمامك ، فقال : صلاتهما تامّة ، قلت : فان قال كلّ واحد منهما : كنت ائتمّ بك؟ قال : صلاتهما فاسدة ، وليستأنفا» (1).
ولا يخفى أنّ الحكم في الشقّ الأوّل ممّا لا إشكال فيه ، لمطابقته للقاعدة ، فإنّ الإمام يأتي بوظيفة المنفرد ولا يترك شيئاً ممّا يجب عليه ، وقد عرفت أنّ الإمامة منتزعة من ائتمام الغير به ، وليست فعلاً من أفعاله كي يعتبر قصدها. فتخيّل كلّ منهما أنّه هو الإمام لا يضر بصحّة صلاته كما هو واضح.
وأمّا في الشقّ الثاني فقد ناقش فيه صاحب المدارك (قدس سره) (2)بكونه على خلاف القواعد ، فانّ ترك القراءة لا يوجب البطلان بمقتضى حديث «لا تعاد الصلاة ...» (3)، حيث لا قصور في شموله لمثله وإن كان عمدياً بعد كونه معذوراً فيه ، فمقتضى القاعدة هي الصحة. وليس بإزاء ذلك ما يوجب الخروج عنه عدا رواية السكوني المتقدّمة ، ولكنّها ضعيفة السند جدّاً ، فلا يعتمد عليها.
أقول : أمّا الرواية فيمكن القول بعدم اعتبارها ، ولا سيما على مسلكه (قدس سره) من عدم الاعتماد إلّا على الصحيح الأعلائي ، فانّ السكوني وإن وثّقه الشيخ (قدس سره) في العدّة (4)لكنه عاميّ ، وهو (قدس سره) لا يعتمد إلّا على العدل الإمامي ، وأمّا النوفلي فلم يرد فيه توثيق أصلاً.
وأمّا على مسلكنا من كفاية الوثاقة والاعتماد على ما ورد في أسناد كامل الزيارات فالرواية معتبرة ، لتوثيق السكوني كما عرفت ، وورود النوفلي في أسناد كامل الزيارات (5)، وليس في السند من يتوقّف فيه غيرهما.
1) الوسائل 8 : 352 / أبواب صلاة الجماعة ب 29 ح 1 ، الكافي 3 : 375 / 3.
2) المدارك 4 : 334.
3) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.
4) العدّة 1 : 56 السطر 13.
5) ولكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة ، وقد بنى (دام ظله) أخيراً على اختصاص التوثيق بهم. إذن فلا توثيق من هذه الناحية ، نعم هو من رجال تفسير القمي فيحكم بوثاقته لأجل ذلك.
.................................................................................................
وكيف كان ، فتوصيف الرواية بالضعف خاصّة مع تأكيده بكلمة (جدّاً) في غير محلّه ، إذ غايته عدم الاعتبار لعدم توثيق بعض رواتها لا الرمي بالضعف لعدم ورود قدح أو تضعيف في أيّ واحد من رجال سندها.
على أنّها معتبرة على مسلك المشهور القائلين بانجبار الضعف بالشهرة ، فإنّ من المطمأنّ بل المقطوع به استناد المشهور إليها في الفتوى المذكورة ، بل الموجب لتحريرهم المسألة وتعرّضهم لها هي هذه الرواية ، وإلّا فالفرض نادر الوقوع خارجاً جدّاً ولا سيما الشقّ الثاني منه ، حيث إنّه من الندرة بمكان ، بل كاد يلحق بالممتنع ، ضرورة أنّ الائتمام يتقوّم بمتابعة الإمام في كافّة الأفعال فكيف يعقل أن يأتمّ كلّ واحد منهما بالآخر بأن يتابعه في أفعاله كلّها ، فانّ لازمه أن يكون كلّ منهما تابعاً ومتبوعاً ، وهو على حدّ الجمع بين المتقابلين كما لا يخفى.
وكيف ما كان ، فلا شكّ في استناد الأصحاب (قدس سرهم) إلى هذه الرواية ، الموجب لانجبار ضعفها على القول باعتبار الانجبار ، هذا ما يرجع إلى السند.
وأمّا الدلالة فظاهرها وإن كان إناطة الحكم صحة وفساداً بمجرّد إخبار كلّ منهما الآخر بالإمامة أو المأمومية ، إلّا أنّه غير مراد قطعاً ، لعدم احتمال أن يكون لمجرّد القول والإخبار دخل في الحكم على سبيل الموضوعية حتّى مع القطع بكذبه أو البناء على عدم حجّية قول الثقة في الموضوعات.
فلا محالة يكون اعتبار القول من باب الطريقية والكاشفية ، وتكون العبرة بالواقع ، فيكون مفادها الحكم بالبطلان في فرض ائتمام كلّ منهما بالآخر المنكشف ذلك بأخبارهما بعد الفراغ أو من طريق آخر ولو لم يكن إخبار منهما ، والحكم بالصحّة في فرض إمامة كلّ منهما للآخر المنكشف كذلك أيضاً.
.................................................................................................
وحيث إنّ المأمومية تستلزم ترك القراءة غالباً لكونه من اللوازم العادية لها ، كما أنّ الإمامة تلازم الإتيان بها ، فالرواية محمولة بطبيعة الحال على هذا الفرد الغالب ، فهي تدلّ على البطلان في خصوص ما لو كان المأموم تاركاً للقراءة كما هو المتعارف في الجماعة ، بل إنّه قد لا تشرع القراءة فيها كما في الجهرية عند سماع قراءة الإمام أو همهمته.
وأمّا الفرد النادر وهو المأموم الذي أتى بالقراءة استحباباً كما في الصلوات الإخفاتية أو الجهرية مع عدم سماع القراءة ولو همهمة فالرواية منصرفة عنه قطعاً ، والصلاة حينئذ تكون محكومة بالصحّة.
ولا مانع من الالتزام بالبطلان في خصوص الصورة [الأُولى] بعد مساعدة الدليل عليه ، وإن كان ذلك خلاف القاعدة المستفادة من حديث «لا تعاد الصلاة ...» القاضية بالصحّة ، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لأمثال المقام ممّا كان الترك العمدي عذريا.
فانّ غايته التخصيص في الحديث المذكور بالرواية المعتبرة ، وهذا ممّا لا غرو فيه بعد ملاحظة ورود التخصيصات الأُخر عليه ، ومنها ما لو كبّر من كانت وظيفته القيام جالساً سهواً أو بالعكس ، المحكوم عليه بالبطلان بمقتضى الدليل الخاص ، الموجب لتخصيص الحديث المذكور الذي مقتضاه الصحّة ، وغيره من الموارد الكثيرة. فكم من تخصيص ورد على الحديث ، فليكن المقام من جملة ذلك.
والحاصل : أنّا نلتزم بأنّ ترك القراءة ممّن يأتمّ بمن يأتمّ هو به أيضاً كما تضمّنه النصّ المتقدّم يوجب البطلان ، للنصّ المذكور ، وإن كان مقتضى حديث «لا تعاد الصلاة ...» صحّته.
ومنه تعرف أنّ موضوع الحكم بالبطلان الذي دلّ عليه النصّ إنّما هو ترك القراءة حال الائتمام بالغير ، المقارن لائتمام الغير به أيضاً بحيث يتقارن الائتمامان فلا بطلان إلّا مع انضمام أحد الائتمامين إلى الآخر ومقارنته له. فلو ائتمّ هو
ولو شكّا فيما أضمراه فالأحوط الاستئناف ، وإن كان الأقوى الصحّة إذا كان الشكّ بعد الفراغ ، أو قبله مع نيّة الانفراد بعد الشك (1).
بالغير لكن الغير لم يأتمّ به سواء أقصد الإمامة أم الانفراد صحّت صلاتهما. وليكن هذا على ذكر منك لتنتفع به عند التكلّم عن صورة الشك.
(1) ظاهر المحقّق (قدس سره) في الشرائع بل صريحه هو البطلان مطلقاً (1)استناداً إلى قاعدة الاشتغال الحاكمة بلزوم تحصيل القطع بالصلاة الصحيحة.
وقد يفصّل بين ما إذا كان الشكّ في الأثناء فيحكم بالبطلان ، وبين ما إذا كان بعد الفراغ فالصحّة استناداً إلى قاعدة الفراغ ، واختار الماتن الحكم بالصحّة مطلقاً [لكن] إذا كان ذلك في الأثناء [فإنّما تصحّ] مع نيّة الانفراد بعد الشكّ ، أو يحكم بالصحّة في هذا الفرض بدون النيّة إلّا في بعض الصور كما ستعرفه ، وجوه ، بل أقوال.
وينبغي أن يعلم أنّه لا بدّ وأن يكون محلّ الكلام هو صورة القطع بترك القراءة أو الشكّ فيه ، أمّا مع العلم بالإتيان بها حتّى لو كان مأموماً كما في موارد الصلوات الإخفاتية (2)أو الجهرية مع عدم سماع همهمة الإمام حيث تشرع القراءة حينئذ للمأموم ، فلا ينبغي الشكّ في الصحّة عندئذ على كلّ تقدير سواء أكان ناوياً للإمامة أم الائتمام أم الانفراد ، لعدم الموجب للبطلان بعد عدم الإخلال بشرائط الصحّة على كلّ حال.
ثمّ إنّ الموضوع للبطلان في النصّ كما أشرنا إليه آنفاً هو ائتمام كلّ منهما مقارناً لائتمام الآخر به ، فهو مركّب من جزأين ، منوط بانضمام أحد الائتمامين إلى الآخر ، فانّ ذلك هو السبب في بطلان كلتا الصلاتين كما نطقت بذلك الرواية المتقدّمة ، فلا بطلان مع ائتمام أحدهما بالآخر وانتفاء ائتمام الآخر به ولو كان بالأصل.
.................................................................................................
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ منشأ الشكّ في البطلان عند العلم بترك القراءة هو أحد أمرين على سبيل منع الخلوّ ، إمّا هو الشكّ فيما نواه من الائتمام وعدمه مع العلم فعلاً بأنّ صاحبه قد نوى الائتمام به ، وإمّا هو العكس ، أي الشكّ فيما نواه صاحبه مع العلم بأنّه قد نوى الائتمام ، ولا منشأ له وراء هذين كما هو ظاهر بملاحظة ما مرّ ، فهاهنا صورتان :
ففي الأُولى : يشكّ في بطلان الصلاة لأجل التردّد في استناد ترك القراءة إلى الغفلة كي يحكم بالصحّة بحديث «لا تعاد الصلاة ...» أو إلى نيّة الائتمام كي تبطل للنصّ المتقدّم.
والمتّجه حينئذ الحكم بالصحّة ، استناداً إلى أصالة عدم الائتمام ، السليمة عن المعارضة بأصالة عدم نيّة الإمامة ، إذ لا أثر لها بعد وضوح عدم كون نيّة الإمامة شرطاً في صحّة الجماعة فضلاً عن صحّة الصلاة.
وليس المقصود من إجراء الأصل المذكور إثبات كونه قد نوى الإمامة أو الانفراد حتّى يكون الأصل مثبتاً ، إذ يكفينا مجرّد نفي سبب البطلان وهو الائتمام بالأصل ، غايته ترك القراءة ، ولا ضير فيه ، لتصحيح ذلك بحديث «لا تعاد الصلاة ...» ، وهذا من غير فرق بين ما إذا كان حدوث الشكّ في الأثناء أم بعد الفراغ.
نعم ، على الأوّل يلزمه البناء على الانفراد بعد الشكّ كما ذكره المصنّف (قدس سره) ، إذ لا يسعه البناء على الجماعة بعد التعبّد بعدم الدخول في الصلاة بنيّة الائتمام بمقتضى الأصل المزبور. ومن الواضح عدم مشروعية الاقتداء في الأثناء ، على أنّ المفروض هو علمه فعلاً بائتمام صاحبه فكيف يأتمّ هو به أيضاً؟ وهو ظاهر.
وكيف كان ، فمستند الحكم بالصحّة حتّى فيما إذا كان الشكّ بعد الفراغ هو أصالة عدم الائتمام كما عرفت ، لا قاعدة الفراغ ، إذ لا مجال لجريانها لاختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحقّ الوارد في ذيل
.................................................................................................
بعض أخبار الباب (1)بما إذا كان احتمال البطلان مستنداً إلى الغفلة والنسيان كي يصحّ التعليل لدفعه ، فيبني على الصحّة لكونه حين العمل أذكر أو أقرب إلى الحقّ منه حين يشكّ ، دون صورة الاتّفاق والصدفة التي لا يفرق الحال فيها بين حال العمل وما بعده كما فيما نحن فيه.
ضرورة أنّه لو كان ناوياً للائتمام فإنّما كان ذلك عن قصد وعمد ، لعدم كونه على خلاف ما تقتضيه وظيفته آن ذاك كي يكون الإتيان مستنداً إلى النسيان حيث كان يعتقد مشروعيته ، لعدم علمه بائتمام صاحبه إلّا فيما بعد ، وإلّا لم يكن ليأتمّ به قطعاً. فبطلان الصلاة على تقدير الائتمام مستند إلى مقارنة ائتمامه مع صاحبه واقعاً من باب الصدفة والاتّفاق ، دون السهو والغفلة ، ومثله غير مشمول للقاعدة.
هذا كلّه فيما إذا علم بترك القراءة ، وأوضح حالاً ما لو شكّ فيها ، فإنّه إذا حكم بالصحّة في فرض اليقين بالترك فمع الشكّ واحتمال القراءة يحكم بها بطريق أولى ، فيجري حينئذ جميع ما مرّ بالأولوية القطعية.
وأمّا الثانية : وهو الشكّ فيما نواه صاحبه مع فرض علمه بأنّه قد نوى الائتمام به ، فالمرجع فيها أيضاً هو أصالة عدم الائتمام ، لكن في فعل صاحبه الذي هو مورد الشكّ ، لا في فعل نفسه ، لفرض علمه بالائتمام.
وهذا الأصل غير معارض بأصالة عدم الإمامة ، لما سبق. ومن دون حاجة إلى إثبات أنّه نوى الإمامة أو الانفراد كما مرّ أيضاً ، فإنّه يكفي مجرّد نفي الائتمام الذي هو السبب في البطلان على حدّ ما عرفته في الصورة الأُولى ، ومن دون فرق أيضاً بين كون الشكّ في الأثناء أو بعد الفراغ ، للأصل المذكور على التقديرين.
بل إنّ الوجه في عدم جريان قاعدة الفراغ هنا أوضح ، وعدم انطباق التعليل الوارد في ذيل بعض الأخبار عليه أصرح ، إذ كيف يكون هو أذكر في
1) تقدّم ذكر المصدر في ص 59.
.................................................................................................
عمل غيره ونيّته الخارجين عن تحت قدرته واختياره.
وعلى الجملة : بالأصل المذكور يثبت أنّ صاحبه لم يكن مؤتمّاً به ، وبضمّه إلى ائتمامه بصاحبه المعلوم له وجداناً ينتج اقتداؤه بمن لم يكن هو مقتدياً به وهو كافٍ في الحكم بصحّة الصلاة.
فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة بعينه ، إذ المبطل إنّما هو اقتران أحد الائتمامين بالآخر واجتماعهما معاً ، وبعد نفي أحدهما بالأصل يتّجه الحكم بالصحّة ، غاية الفرق بين الصورتين أنّ مجرى الأصل هنا هو فعل الغير ، بخلاف السابقة حيث كان مجراه هو فعل نفسه.
نعم ، تمتاز هذه الصورة عن سابقتها بجواز البقاء على نيّة الائتمام ، وعدم لزوم نيّة الانفراد بعد الشكّ إذا كان في الأثناء كما كان يلزم ذلك في الصورة المتقدّمة كما عرفت ، إذ بعد علمه بأنّه قد نوى الائتمام كما هو المفروض ودفع احتمال ائتمام صاحبه بالأصل يحكم بصحّة اقتدائه كما يحكم بصحّة صلاته ، فتكون صلاته محكوماً عليها بكونها جماعة بما لها من الآثار ، فله إتمامها جماعة ، ويكون حالها مثل ما لو اقتدى بزيد لكنّه احتمل في ذلك الحين أن يكون زيد قد ائتمّ به فكما أنّه يدفع هذا الاحتمال بالأصل ويمضي في صلاته جماعة ، كذلك الحال في المقام.
ومنه تعرف أنّ ما أفاده الماتن (قدس سره) من الحكم بلزوم نيّة الانفراد بعد الشكّ لا يتمّ على إطلاقه ، بل يتمّ ذلك في الصورة السابقة فقط حسبما عرفت.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر حكم اقتران الشكّين ، كما إذا شكّ في نيّة نفسه ونيّة صاحبه من دون علم بتحقّق الاقتداء من أحد الطرفين ، فإنّه يتمسّك حينئذ بأصالة عدم الائتمام من كلا الجانبين ، ويحكم بصحّة كلتا الصلاتين ، مع لزوم البناء على الانفراد بعد الشكّ المزبور إذا كان قد حدث في الأثناء ، كما يفهم ذلك ممّا مرّ فلاحظ.
[1881] مسألة 14 : الأقوى والأحوط عدم نقل نيّته من إمام إلى إمام آخر اختياراً (1) وإن كان الآخر أفضل وأرجح ، نعم لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام صلاته من موت (2)
(1) إذ لا دليل على النقل اختياراً وإن كان المنقول إليه أفضل بعد فقد الإطلاق في المسألة ، ومقتضى الأصل هو عدم المشروعية ، فهو نظير ما لو كان ناوياً للانفراد ثمّ بدا له الائتمام في الأثناء ، فإنّهما من واد واحد. والجامع هو عدم جواز الائتمام في الأثناء ، فإنّ المتيقّن من مشروعية الجماعة هو الائتمام من أوّل الصلاة إلى آخرها بإمام معيّن ، والمرجع فيما عدا ذلك الأصل المتقدّم ذكره.
وعن العلامة (قدس سره) الجواز في المقام (1)، وكأنّه استند إلى الروايات الواردة في الفرع الآتي بعد إلغاء خصوصية المورد ، وإلى الاستصحاب بتقريب أنّ المأموم في أوّل الصلاة كان له الائتمام بالشخص الآخر قبل ائتمامه بغيره والآن كما كان.
وفي كلا الوجهين ما لا يخفى :
أمّا الروايات : فلأنّ موردها صورة العذر وعدم تمكّن الإمام من إتمام الصلاة ، فكيف يتعدّى عنه إلى النقل الاختياري بلا عذر. ولا شاهد على إلغاء خصوصية المورد أصلاً كما لعلّه ظاهر.
وأمّا الاستصحاب فهو ساقط جدّاً ، فإنّه مضافاً إلى كونه في الشبهة الحكمية ولا نقول به من الاستصحاب التعليقي الذي هو من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر كما لا يخفى.
(2) كما في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «أنّه سأل عن
1) التذكرة 4 : 269.
أو جنون أو إغماء (1)
رجل أمّ قوماً فصلّى بهم ركعة ثم مات ، قال : يقدّمون رجلاً آخر ويعتدّون بالركعة ، ويطرحون الميّت خلفهم ، ويغتسل من مسّه» (1).
ويؤيّد ذلك التوقيع المروي في الاحتجاج بهذا المضمون (2).
(1) لا دليل على ذلك في النصوص ، وإنّما تعدّى الأصحاب (قدس سرهم) من الموارد المنصوصة ممّا مرّ وما سيمرّ عليك بيانه إلى مورد الجنون أو الإغماء ، وإلى ما لو عرض للإمام ما يمنعه من إتمام الصلاة مختاراً كما سيأتي.
ويمكن الاستدلال له بصحيح معاوية بن عمّار الآتية (3)في اعتلال الإمام بناء على أنّ المراد من اعتلال الإمام ليس خصوص المرض ليكون ذلك على حدّ الاستثناء في سائر الموارد المنصوصة بالخصوص ، بل المراد به عروض العذر ومطلق الحادث المانع من إتمام الصلاة كما هو غير بعيد ، وعليه فلا حاجة في التعدّي إلى دليل آخر.
بل يمكن التعدي حتّى ولو كان المراد بالاعتلال هو المرض ، وذلك لأنّ الموارد المنصوصة كلّها إنّما نصّ عليها في كلام السائلين دون الإمام عليهالسلام ، ومن الواضح أنّ التنصيص على موارد خاصّة في الأسئلة ليس لأجل انقداح خصوصية المورد في ذهن السائل ، بل لأجل أمر جامع وهو عدم تمكّن الإمام من الإتمام ، فكان المسوق له السؤال هي الجهة العامّة غير الخاصّة بالمفروض في السؤال ، وكان ذكر المورد الخاصّ فيه من باب المثال وكونه أحد المصاديق.
وعلى الجملة : سياق النصوص التي تقدّم بعضها وتأتي البقية يشهد
أو صدور حدث (1)
بإلغاء خصوصية المورد ، وكونها ناظرة سؤالاً وجواباً إلى طروء مطلق العذر المانع من إتمام الصلاة جماعة. فالبناء على التعدّي كما عليه الأصحاب هو الصحيح.
(1) وتدلّ عليه روايات كثيرة ، جملة منها صحيحة السند كصحيحة زرارة أنّه قال «قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، وأحدث إمامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم أتجزئهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال : لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، بل ينبغي له أن ينويها (صلاة) وإن كان قد صلّى ، فانّ له صلاة أُخرى ، وإلّا فلا يدخل معهم ، وقد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها» (1).
فإنّه عليهالسلام بعد ما حذّر عن الدخول في الجماعة بدون النيّة ، وأنّه ينبغي له أن ينوي وإن كان قد صلّى ، وتحتسب له صلاة أُخرى لكونها معادة حكم بصحة صلاة القوم وجماعتهم عند تقديمهم الرجل ، وإن لم يكن ناوياً للصلاة ، لجهلهم بحاله.
وصحيحة سليمان بن خالد قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل يؤمّ القوم فيحدث ، ويقدّم رجلاً قد سبق بركعة ، كيف يصنع؟ قال : لا يقدّم رجلاً قد سبق بركعة ، ولكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه» (2).
وصحيحة علي بن جعفر «أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهماالسلام عن الإمام أحدث فانصرف ولم يقدّم أحداً ، ما حال القوم؟ قال : لا صلاة لهم إلّا بإمام ، فليقدّم بعضهم فليتمّ بهم ما بقي منها ، وقد تمّت صلاتهم» (3).
بل ولو لتذكّر حدث سابق (1) جاز للمأمومين تقديم (2)
(1) كما تدلّ عليه صحيحة جميل عن الصادق عليهالسلام : «في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف ، وقدّم رجلاً ولم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ، قال : يذكّره من خلفه» (1)المؤيّدة برواية زرارة (2)ومرسلة الفقيه (3).
(2) الكلام يقع تارة في وجوب الاستنابة وعدم وجوبها ، وأُخرى في كون الاستنابة من وظيفة المأمومين أو الإمام ، فهنا جهتان :
أمّا الجهة الأُولى : فالظاهر عدم الوجوب ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، بناء على ما سيجيء (4)من عدم وجوب البقاء على الجماعة وجواز العدول في الأثناء اختياراً إلى الانفراد حتّى مع تمكّن الإمام من الإتمام ، فضلاً عمّا إذا مات أو عجز عن الإتمام كما في المقام.
نعم ، قد يتوهّم الوجوب من قوله عليهالسلام في صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة آنفاً : «لا صلاة لهم إلّا بإمام» ، ولكنّها محمولة على الفضل قطعاً لما عرفت.
مضافاً إلى أنّ ظاهرها بمقتضى نفي طبيعة الصلاة بدون الإمام هو وجوب الجماعة في أصل الصلاة ، لقوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بإمام» دون : لا إتمام للصلاة إلّا بإمام. وهذا غير مراد البتة ، لأنّ إقامة الصلاة جماعة مستحبة في الفرائض كلّها بلا إشكال ، فيكون المراد به نفي الكمال بطبيعة الحال.
على أنّ صحيحة زرارة صريحة في جواز الانفراد ، عن أحدهما عليهماالسلام قال : «سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على
إمام آخر (1)وإتمام الصلاة معه (1).
وضوء ، قال : يتمّ القوم صلاتهم ، فإنّه ليس على الإمام ضمان» (2).
مع أنّ الحكم إجماعي ظاهراً ، حيث لم ينسب القول بالوجوب في المقام إلى أحد من الأعلام ، وإن تردّد فيه صاحب المدارك (قدس سره) (3).
وأمّا الجهة الثانية : فظاهر صحيحة البقباق الآتية (4)في مورد اختلاف الإمام والمأمومين سفراً وحضراً أنّ الاستنابة من وظائف الإمام. لكن المستفاد من بعض النصوص كصحيحة الحلبي المتقدّمة (5)في مورد موت الإمام وغيرها أنّها وظيفة المأمومين ، بل ظاهر صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة هو تقديم بعضهم من دون تعيين أن يكون التقديم من قبل الإمام أو المأمومين.
والمتحصّل من ملاحظة مجموع النصوص نيابة شخص صالح للإمامة يقوم مقام الإمام الأوّل ، بلا فرق في أن تكون الاستنابة من قبل الإمام أو المأمومين ، أو تقدّم من يرتضيه المأمومون من تلقاء نفسه بلا استنابة ، وأنّ ذكر الإمام أو المأمومين في بعض النصوص إنّما هو مقدّمة لحصول هذه الغاية ، أي ليتمكّن القوم من إتمام الصلاة جماعة. فلا خصوصية للتعيين.
(1) هل يشترط أن يكون النائب هو أحد المأمومين أو يجوز استنابة الأجنبي أيضاً؟
ذهب جمع من الأصحاب منهم صاحب الحدائق (قدس سره) (6)إلى الثاني مستندين في ذلك إلى إطلاق صحيحة الحلبي المتقدّمة في موت الإمام ، حيث
.................................................................................................
قال عليهالسلام : «يقدّمون رجلاً آخر ...» فإنّه بإطلاقه يعمّ المأموم والأجنبي.
وإلى ظاهر صحيحة جميل المتقدّمة (1). وتؤيّدهما رواية زرارة المتقدّمة (2)الضعيفة بعلي بن حديد ، فانّ قوله في الصحيحة : «ولم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ...» (3)وفي الرواية : «ولم يعلم الذي قدّم ما صلّى القوم ...» (4)ظاهران في الأجنبي ، وإلّا فلو كان أحد المأمومين لعلم بذلك. ففرض الجهل به لا يكون إلّا في الأجنبي.
أقول : يمكن فرض الجهل بالنسبة إلى المأموم أيضاً ، إمّا لغفلته عن عدد الركعات وعدم اهتمامه بضبطها ، تعويلاً على حفظ الإمام لضبطه ، والمأموم تابع فلا يبالي بغير المتابعة كما يتّفق كثيراً. أو لكونه مسبوقاً كما لو أدرك الإمام في الركوع وحدث له الحادث في السجود ، فلم يدر بعدد الركعة التي هو فيها. فدعوى ظهور الروايتين في الأجنبي في غير محلّها ، بل غاية ما في الباب هو الإطلاق ، كما في صحيحة الحلبي.
وعليه فالروايات الثلاث كلّها مشتركة في الدلالة بإطلاقها على ذلك وحينئذ فمقتضى الجمع بينها وبين صحيحة البقباق الآتية في اختلاف الإمام والمأمومين سفراً وحضراً وصحيحة علي بن جعفر المتقدّمة (5)الصريحتين ولا سيما الثانية منهما في لزوم استنابة أحد المأمومين ، حمل المطلقات على المقيّدة ، عملاً بقانون الإطلاق والتقييد.
وحمل الأمر في الصحيحتين على الفضل كما قيل لا شاهد عليه بعد
.................................................................................................
ظهورهما في تعيّن كون المقدّم من المأمومين ، من دون قرينة على الصرف عن هذا الظاهر ، فلا مناص من ارتكاب التقييد. كما أنّ حمل القيد على أنّه أسهل لكونه من الفرد الغالب معارض بحمل الإطلاق على إرادة هذا الفرد الغالب فلا يعمّ غيره.
فالأقوى اشتراط أن يكون النائب من المأمومين.
ثمّ إنّه على تقدير جواز استنابة الأجنبي فهل يبني على الصلاة من حيث قطع الإمام فيأتي بالمقدار الباقي من صلاة الإمام ، أو أنّه يبدأ بالصلاة من أوّلها ويتمّ صلاته منفرداً بعد ما يتمّ المأمومون ما تبقى من صلاتهم معه؟
نسب الأوّل في الحدائق إلى العلامة (قدس سره) مستدلاً له بالأولوية ، إذ لو جازت إمامة المأموم في المقدار الباقي جاز للأجنبي بطريق أولى (1). ثمّ إنّه (قدس سره) ناقش في الاستدلال بها وبأمثالها بأنّها وجوه ضعيفة مبتنية على الاستحسانات العقلية.
وقد استدلّ هو بصحيحة جميل ورواية زرارة المتقدّمتين ، حيث ذكر في أُولاهما : «ولم يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ...» وفي الثانية : «ولم يعلم الذي قدّم ما صلّى القوم ...» ، فانّ التصريح بهذا القيد إنّما يتلائم مع اعتبار صلاة النائب من حيث قطع الإمام ، فإنّ العلم بما صلاة الإمام يوجب تمكّن النائب من مراعاة المقدار الباقي ، وإلّا فلو جاز له الشروع في الصلاة من الأوّل لم يترتّب على علمه بما صلاة الإمام أيّ أثر ، فإنّه يأتي بصلاته والمأمومون يتمّون ما بقي من صلاتهم معه كائناً ما كان.
فالمستفاد من الروايتين هو قيام شخص آخر مقام الإمام في إتمام الباقي من الصلاة ، كي لا يبقى المأمومون بدون إمام ، وإن استلزم ذلك نقصان صلاة النائب.
وقد استغرب صاحب الحدائق (قدس سره) الحكم المذكور ، وقال ما لفظه :
1) الحدائق 11 : 218.
.................................................................................................
وهو حكم غريب ، لم يوجد له في الأحكام نظير ، فانّ هذه الصلاة بالنسبة إلى هذا الداخل إنّما هي عبارة عن مجرّد الأذكار وإن اشتملت على ركوع وسجود وإلّا فإنّها ليست بصلاة حقيقية ، إذ المفهوم من الخبرين المذكورين أنّه يدخل معهم من حيث اعتلّ الإمام ويخرج معهم من غير أن يزيد شيئاً على صلاتهم وإنّما يؤمّهم فيما بقي عليهم كائناً ما كان ولو كان ركعة واحدة ، ومن هذا حصل الاستغراب إلخ (1).
أقول : لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من السهو والاشتباه في كلّ من النسبة والاستظهار ، فإنّ الأولوية الواقعة في كلام العلامة (قدس سره) (2)غير ناظرة إلى هذه الجهة الواضحة الفساد ، وكيف تكون صلاة الأجنبي الناقصة أولى من صلاة أحد المأمومين التامّة؟ بل الأولوية ناظرة إلى الجهة السابقة أعني بها أصل الاستنابة ، وأنّ المأموم التابع إذا جازت استنابته جازت استنابة الأجنبي الذي لم يكن تابعاً بطريق أولى.
وإنّنا وإن لم نعتمد على هذه الأولوية بعد ما استظهرناه من اشتراط أن يكون النائب هو أحد المأمومين كما سبق ، إلّا أنّ الغرض هو بيان الجهة التي ينظر إليها العلامة (قدس سره) في الأولوية وأنّها هي هذه الجهة ، دون الجهة التي فرضها صاحب الحدائق (قدس سره) وهي الاستنابة من محلّ القطع. فنسبته لهذا الحكم إلى العلامة في غير محلّها ، فتأمّل.
وأمّا استظهاره الحكم المذكور من الروايتين بالتقريب المتقدّم فغريب ، كغرابة أصل الحكم كما اعترف بها (قدس سره) ، فانّ التصريح بالقيد المذكور إنّما هو للزوم مراعاة النائب حال المأمومين ، بأن يجلس للتشهّد ثم يومئ بيده إلى اليمين والشمال بمثابة التسليم كي يسلّم القوم وينصرفوا كما تضمّنته صحيحة معاوية بن عمّار الآتية في اعتلال الإمام ، وكذا غيرها من الأخبار ، ولأجل ذلك
.................................................................................................
يحتاج النائب إلى معرفة المقدار الباقي من صلاة القوم. فلا دلالة لهذا القيد على الشروع من محلّ القطع بوجه.
ثمّ إنّ من جملة الموارد المنصوصة :
ما لو كان الإمام مسافراً والمأموم حاضراً كما دلّت عليه صحيحة الفضل ابن عبد الملك البقباق عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : لا يؤمّ الحضريّ المسافر ولا المسافر الحضريّ ، فإن ابتلي بشيء من ذلك فأمّ قوماً حضريّين فإذا أتمّ الركعتين سلّم ، ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمه فأمّهم» (1).
وما إذا اعتل الإمام كما دلّت عليه صحيحة معاوية بن عمّار : «عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة ، وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر ، فيعتلّ الإمام فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدّمه ، فقال عليهالسلام : يتمّ صلاة القوم ...» (2).
وما إذا ابتلي الإمام بالرعاف كما تدلّ عليه رواية ابن سنان أو ابن مسكان عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال : «سألته عن رجل أمّ قوماً فأصابه رعاف بعد ما صلّى ركعة أو ركعتين فقدّم رجلاً ممّن قد فاته ركعة أو ركعتان ، قال : يتمّ بهم الصلاة ، ثمّ يقدّم رجلاً فيسلّم بهم ، ويقوم هو فيتمّ بقيّة صلاته» (3)، وكذا تدلّ عليه مرسلة الفقيه الآتية في ابتلاء الإمام بأذى في بطنه.
أقول : إنّ رواية طلحة بن زيد ضعيفة السند ، فإنّ طلحة وإن كان ثقة ، نظراً إلى ما أفاده الشيخ (قدس سره) في الفهرست من اعتماده كتاب طلحة بن زيد (4)الظاهر في وثاقته في نفسه ، فلا يضرّ بذلك عدم تصريح الرّجاليين بوثاقته. إلا
.................................................................................................
أنّ ابن سنان الذي يروي عن طلحة بن زيد هو محمّد بن سنان [فإنّه] والقاسم ابن إسماعيل القرشيّ (1)[يرويان كتاب طلحة] وإن أمكن بحسب الطبقة أن يروي عنه عبد اللّه بن سنان إلّا أنّه لم يعهد روايته عنه ، فلا محالة يكون المراد بابن سنان في هذه الرواية على تقدير أن يكون ابن سنان لا ابن مسكان هو محمّد بن سنان ، ولأجل ذلك لا تصلح الرواية للاعتماد عليها. وأمّا المرسلة فالأمر فيها ظاهر. وعليه فلم يثبت استثناء هذا المورد بالخصوص.
وما لو وجد الإمام في بطنه أذى ، ولا بدّ أن يراد به ما لا يتمكّن معه من إتمام الصلاة كما لا يخفى.
ويستدلّ له تارة : بمرسلة الفقيه قال «قال أمير المؤمنين عليهالسلام : ما كان من إمام تقدّم في الصلاة وهو جنب ناسياً ، أو أحدث حدثاً ، أو رعف رعافاً ، أو أذى في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف ، وليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه ...» (2). ولكن ضعفها ظاهر.
وأُخرى : بما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب بإسناده [عن علي بن مهزيار عن فضالة عن أبان] عن سلمة عن أبي حفص عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «أنّ علياً عليهالسلام كان يقول : لا يقطع الصلاة الرعاف ولا القيء ولا الدم ، فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصفّ فليقدّمه ، يعني إذا كان إماماً» (3).
وهي أيضاً ضعيفة بكلّ من سلمة وأبي حفص ، فإنّهما مجهولان. نعم في الكافي : عن سلمة أبي حفص (4). وهو أيضاً لم يوثّق. فالحكم في هذا المورد
1) [وهو ومحمد بن سنان يرويان كتاب طلحة بن زيد كما في الفهرست].
2) الوسائل 8 : 426 / أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 2 ، الفقيه 1 : 261 / 1192.
3) الوسائل 7 : 240 / أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 8 ، التهذيب 2 : 325 / 1331.
4) الكافي 3 : 366 / 11 [والموجود فيه : سلمة بن أبي حفص. لكن ذهب في معجم رجال الحديث 9 : 208 / 5350 إلى أن الصحيح : سلمة أبو حفص].
بل الأقوى ذلك لو عرض له ما يمنعه من إتمامها مختاراً كما لو صار فرضه الجلوس (1) حيث لا يجوز البقاء على الاقتداء به ، لما يأتي من عدم جواز ائتمام القائم بالقاعد.
[1882] مسألة 15 : لا يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الأثناء (2).
أيضاً غير ثابت بالدليل الخاص ، وإن ثبت بالدليل العام حسبما تقدّم (1).
(1) وقد مرّ الكلام في ذلك (2)فلاحظ.
(2) على المشهور ، لأصالة عدم المشروعية ، فإنّ المتيقّن من أدلّة الجماعة هو الاقتداء من أوّل الصلاة ، ولا إطلاق لها يتمسّك به لأمثال المقام كما مرّ ذلك غير مرّة.
وذهب بعضهم إلى الجواز ، ويستدلّ له بأخبار الاستنابة المتقدّمة ، وتقريبه من وجهين :
أحدهما : أنّ في فترة الانتقال الفاصلة بين قطع الإمام الأوّل وقيام الثاني مقامه تنقطع الجماعة لا محالة ، لاستحالة الائتمام بدون إمام ، فلا محالة ينفرد المأمومون في هذه الفترة ، وقد دلّت النصوص على جواز ائتمامهم في الأثناء بالإمام الجديد. فالحكم بجواز قيام الثاني مقام الأوّل يستلزم جواز العدول من الانفراد إلى الائتمام في الأثناء ، وإلّا لما صحّ الاقتداء بالثاني.
ويتوجّه عليه : أنّ الانفراد في الفرض المذكور مسبوق بالائتمام ، وقد دلّت النصوص على عدم قدح الانفراد لفترة في هذا الفرض ، فلا مجال لأن يقاس المقام عليه ممّا كان ناوياً الانفراد من الأوّل ، لعدم الدليل على التعدّي من
[1883] مسألة 16 : يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد ولو اختياراً في جميع أحوال الصلاة (1) على الأقوى ، وإن كان ذلك من نيّته (1)في أول الصلاة.
مفروض الرواية.
ثانيهما : أنّ مقتضى صحيحة جميل المتقدّمة (2)الدالّة على الاستنابة لدى تذكّر الإمام دخوله في الصلاة محدثاً هو بطلان الجماعة واتّصاف صلاة القوم بالانفراد من الأوّل ، ومع ذلك فقد دلّت الصحيحة على جواز العدول في الأثناء إلى الإمام الجديد ، فكذلك الحال في المقام ، لوحدة المناط.
ويتوجّه عليه : أنّه قياس مع الفارق ، فإنّ المأموم هناك كان ناوياً للجماعة منذ دخوله في الصلاة ، غايته أنّها لم تتحقّق خارجاً لعدم شرط الصحّة في صلاة الإمام ، فلا يقاس عليه المقام ممّا كان المصلّي ناوياً للانفراد من أوّل الأمر.
ويدلّ على عدم الجواز زائداً على ما مرّ الأخبار الدالّة على أنّ من دخل في الفريضة ثم أُقيمت الجماعة أنّه يعدل إلى النافلة ويتمّها ثمّ يلتحق بالجماعة ، فلو جاز له الائتمام في الأثناء لم تكن حاجة إلى العدول كما لا يخفى.
(1) مطلقاً ، سواء أكان ذلك لعذر أم لم يكن ، وسواء أكان من نيّته ذلك من ابتداء الصلاة أم بدا له العدول في الأثناء كما هو المشهور والمعروف ، بل عن العلّامة (3)وغيره دعوى الإجماع عليه ، وأنّ الجماعة مستحبّة بقاء كما كانت مستحبة حدوثاً ، فله الانتقال في جميع الأحوال.
ولم ينسب الخلاف صريحاً إلّا إلى الشيخ في المبسوط حيث منع من
.................................................................................................
المفارقة لغير عذر (1)، نعم استشكل الحكم جماعة كصاحب المدارك (2)والسبزواري في الذخيرة (3)وصاحب الحدائق (4)وغيرهم (قدس سرهم).
وكيف ما كان ، فيقع الكلام تارة فيما إذا كان ناوياً للانفراد من ابتداء الصلاة وأُخرى فيما إذا بدا له العدول في الأثناء. فهاهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال في الجواز بالنسبة إلى الموارد المنصوصة كما في المأموم المسبوق ، وفي اقتداء الحاضر بالمسافر أو العكس ، وفي الرباعية بالثلاثية أو الثنائية وبالعكس. والضابط : كلّ مورد علم المأموم من الأوّل بعدم مطابقة صلاته مع صلاة الإمام في عدد الركعات ، لنقص في صلاته أو في صلاة الإمام بحيث يلجأ فيه إلى الانفراد ، ممّا ورد النصّ على جواز العدول في جميع ذلك بالخصوص.
وأمّا في غير الموارد المنصوصة فالظاهر عدم مشروعية الجماعة وإن كان معذوراً في نيّة الانفراد ، إذ لا دليل على مشروعية الائتمام في بعض الصلاة ، وإنّما الثابت بأدلّة الجماعة كقوله عليهالسلام في صحيحة زرارة والفضيل : «وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها ، ولكنّها سنّة ...» (5)هو مشروعيتها واستحبابها في تمام الصلاة ، وأمّا الاقتداء في البعض فغير مشمول لهذه النصوص ، ومقتضى الأصل عدم المشروعية.
إذن فما دلّ على بطلان الصلاة بزيادة الركوع لو زادها في المقام متابعة منه للإمام هو المحكّم ، للشكّ في خروج هذا الائتمام من إطلاق تلكم الأدلّة زائداً على المقدار المتيقّن أعني قصد الائتمام في تمام الصلاة ، فإنّه من الواضح عدم وجود إطلاق يتضمّن مشروعية الجماعة في أبعاض الصلاة.
.................................................................................................
وأمّا ما ورد من ترتّب الثواب على الركعات ، وأنّ الاقتداء حتّى في الركعة الواحدة له مقدار خاصّ من الثواب فهو أمر آخر لا يكاد يدلّ على مشروعية الجماعة في تلك الركعة بخصوصها ، بل هو ناظر إلى المأموم المسبوق كما لا يخفى.
وقد تحصّل : أنّ الأقوى بطلان الجماعة لو كان ناوياً للانفراد منذ ابتداء الصلاة ، وأنّها تكون فرادى لو أتى المصلّي بوظيفة المنفرد ، وإلّا بطلت أيضاً.
وأمّا المقام الثاني : فلا إشكال كما لا خلاف في الجواز قبل التسليم لعذر أم لغيره ، وكذا قبل التشهّد في صورة العذر ، للنصّ على الجواز في هذه الموارد الثلاثة :
1 العدول قبل التسليم لغير عذر ، ويدلّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد ، قال : يسلّم من خلفه ، ويمضي لحاجته إن أحبّ» (1).
2 العدول كذلك لعذر ، ويدلّ عليه صحيحة أبي المغراء قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون خلف الإمام فيسهو فيسلّم قبل أن يسلّم الإمام ، قال : لا بأس» (2).
3 العدول قبل التشهّد لعذر ، ويدلّ عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطوّل الإمام بالتشهّد ، فيأخذ الرجل البول ، أو يتخوّف على شيء يفوت ، أو يعرض له وجع ، كيف يصنع؟ قال : يتشهّد هو وينصرف ، ويدع الإمام» (3).
وأمّا صحيحة أبي المغراء الأُخرى عن أبي عبد اللّه : «في الرجل يصلّي خلف
.................................................................................................
إمام فسلّم قبل الإمام ، قال : ليس بذلك بأس» (1)فمقتضى إطلاقها هو جواز العدول قبل التسليم حتّى بدون عذر ، فيستفاد منها الحكم في الصورتين الأُوليين ، هذا.
ولعلّ تفصيل الشيخ (قدس سره) بين العذر وعدمه حيث منع من العدول لغير عذر كما سبق مستند إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة آنفاً بعد إلغاء خصوصية المورد وهو التشهّد ، والتعدّي عنه إلى سائر الأحوال.
وكيف ما كان ، فلا إشكال في الحكم في الموارد الثلاثة المتقدّمة ، لدلالة النصوص عليه كما عرفت.
وأمّا ما عدا ذلك من سائر أحوال الصلاة فالظاهر أنّ التفصيل في ذلك بين العذر وعدمه بالقول بالجواز في الأوّل دون الثاني لا وجه له ، إذ لا دليل عليه ولا شاهد على التعدّي عن مورد النصّ ، بل إن ثبت الجواز ثبت مطلقاً وإلّا فالمنع مطلقاً ، إذ غاية ما يترتّب على وجود العذر إنّما هو الجواز التكليفي ، دون الوضعي أعني به الصحّة الذي هو محلّ الكلام ، هذا.
وقد استدلّ لعدم الجواز مطلقاً بوجوه :
أحدها : قاعدة الاشتغال ، فإنّه بعد نيّة الانفراد يشكّ في صحّة الصلاة والعبادة توقيفية ، ومقتضى الأصل عدم المشروعية ، فلا دليل على الاكتفاء بهذه الصلاة.
ويتوجّه عليه : أنّ الشكّ في الصحّة إنّما ينشأ من احتمال اشتراط صحّة الصلاة بالاستمرار في الائتمام ، والمرجع حينئذ هو أصالة البراءة عن الوجوب النفسي الشرطي ، بناءً على أنّ المرجع في الأقلّ والأكثر الارتباطيين هي البراءة كما حقّق في محلّه (2).
ولعلّ نظر صاحب الجواهر (قدس سره) (3)في استدلاله بالأصل إلى ما
.................................................................................................
ذكرناه ، أي أصالة البراءة عن الحكمين الشرطي والتكليفي ، دون خصوص التكليفي كي يعترض عليه بعدم اقتضائها الصحّة كما لا يخفى.
ثانيها : أنّ المنفرد في الأثناء تارك للقراءة عامداً ، ولا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب ، والمتيقّن من سقوطها في صلاة الجماعة إنّما هو حال الائتمام في تمام الصلاة. ومن الواضح عدم جريان حديث : «لا تعاد الصلاة ...» (1)في مورد الترك العمدي.
ويتوجّه عليه : أنّه لا مانع من شمول الحديث للمقام وإن كان ترك القراءة فيه عمدياً ، لكونه معذوراً فيه استناداً إلى جهله واعتقاده الائتمام في تمام الصلاة ، وقد ذكرنا في محلّه شمول الحديث للجاهل المعذور (2). وقد مرّ نظير ذلك في اختلاف المصلّيين في الإمامة والمأمومية ، فقد قلنا هناك : إنّ ترك القراءة وإن كان عمدياً لكنّه لأجل المعذورية فيه يكون مشمولاً للحديث.
ومن نظائره كما أشرنا إليه هناك أيضاً (3)ما لو تخيّل أنّه في الركعة الثالثة فترك القراءة والتفت إلى ذلك بعد الدخول في الركوع ، فإنّ الصلاة صحيحة حينئذ بلا إشكال لصحيحة «لا تعاد ...» مع فرض تركه القراءة عمداً ، وليس ذلك إلّا لشمول الحديث لموارد العذر وإن كان عمدياً ، هذا.
مضافاً إلى كون الدليل أخصّ من المدّعى ، فإنّه يمكن فرض الانفراد بدون الإخلال بالقراءة كما إذا كانت الصلاة جهريّة ولم يسمع قراءة الإمام حتّى الهمهمة فقرأ لنفسه ، أو مطلقاً ولو كانت إخفاتية ولكن المأموم كان مسبوقاً بركعتين فاقتدى بالإمام في الركعة الثالثة وأتى بالقراءة كما هو وظيفته ، ثمّ عدل إلى الانفراد في ركعة الإمام الرابعة مثلاً. والحاصل : أنّ الدليل لا يقتضي البطلان في أمثال هذه الصور.
.................................................................................................
ثالثها : وهو أخص من المدّعى أيضاً ، وخاصّ ببعض صور المسألة أنّه لو زاد ركوعاً سهواً متابعة منه للإمام فمقتضى إطلاق ما دلّ على البطلان بزيادة الركن الحكم بالفساد في المقام ، فانّ القدر المتيقّن الخارج عنه هو الائتمام في تمام الصلاة ، فالعدول إلى الانفراد في مثل هذا الفرض يجعل الصلاة باطلة بحكم الإطلاق المذكور.
ويتوجّه عليه : أنّه لا بأس بالتمسّك حينئذ بإطلاق دليل المخصّص ، فانّ ما دلّ على العفو عن زيادة الركن حال الائتمام يشمل بإطلاقه ما إذا عدل إلى الانفراد بعد ذلك ، فالمرجع حينئذ هذا الإطلاق دون إطلاق دليل البطلان كما لا يخفى.
رابعها : استصحاب البقاء على الائتمام ، للشكّ في انقطاعه بمجرّد نيّة العدول إلى الانفراد ، فلا يمكنه ترتيب أحكام المنفرد ، فلا تجوز له القراءة مع سماعه قراءة الإمام. ولو شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً ليس له البناء على الأربع وهكذا ، عملاً باستصحاب بقاء الجماعة.
ويتوجّه عليه أوّلاً : أنّ الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها فإطلاق أدلّة أحكام المنفرد هو المحكّم.
وثانياً : الموضوع متعدّد ، فانّ عنوان الائتمام والجماعة من العناوين القصدية كما سبق (1)، والمصلّي إنّما كان محكوماً عليه بأحكام الجماعة لكونه ناوياً لها وبعد عدوله إلى الانفراد يكون ذلك القصد قد انعدم وزال لا محالة ، فأصبح بذلك موضوعاً آخر ، فكيف يجري الاستصحاب.
وقد تحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الصحيح جواز العدول إلى الانفراد في الأثناء في جميع أحوال الصلاة ، من غير فرق بين صورتي العذر وعدمه والعمدة في ذلك أصالة البراءة عن اشتراط البقاء على الجماعة وإدامتها ، فينتفي
1) في ص 53.
لكنّ الأحوط عدم العدول إلّا لضرورة ولو دنيوية ، خصوصاً في الصورة الثانية (1).
[1884] مسألة 17 : إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام قبل الدخول في الركوع لا يجب عليه القراءة (2) ،
بذلك احتمال الوجوب الوضعي كالتكليفي ، ونتيجة ذلك استحباب الجماعة حدوثاً وبقاء.
(1) بل قد عرفت بطلان الجماعة في غير الموارد المنصوصة ، بل بطلان الصلاة أيضاً في بعض الصور فلاحظ.
(2) إذا كان الانفراد قبل شروع الإمام في القراءة فلا إشكال في وجوبها عليه كما هو واضح ، وأمّا إذا كان بعد تمام القراءة وقبل ركوع الإمام فاختار (قدس سره) عدم الوجوب.
وغاية ما يمكن توجيهه : أنّ الإمام ضامن للقراءة عن المأمومين والمفروض هو ائتمامه حالها ، فقد سقط الأمر بها عنه بعد العدول ، ولا موجب للإعادة.
وفيه : أنّ موضوع نصوص الضمان هو عنوان الائتمام ، فما دام المصلّي يصدق عليه العنوان المذكور ومتّصفاً بالمأمومية يكون الإمام ضامناً لقراءته ، وأمّا بعد خروجه عن العنوان المذكور بعدوله إلى الانفراد فيلحقه حكم المنفرد ، ويشمله إطلاق قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1).
وبعبارة اخرى : القراءة واجبة على كلّ أحد ، وليس المأموم بخارج عن تحت العموم بالتخصيص ، بل القراءة واجبة عليه أيضاً وغير ساقطة عنه غايته أنّ الإمام بقراءته يتحمّلها عنه وتكون مجزية عنه ، فكأنّ الشارع قد
1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 ، [راجع ص 18 ، الهامش (1)].
.................................................................................................
اعتبر صلاتي الإمام والمأموم بمثابة صلاة واحدة ، وأنّ فيها قراءة واحدة يتصدّاها الإمام.
لكن الضمان والتحمّل منوطان ببقاء الائتمام ، لكونه هو موضوع النصوص فيختصّ الحكم المذكور بحال كونه مأموماً ، ومع زوال العنوان بالعدول يكون المحكّم هو إطلاق دليل وجوب القراءة.
وفيما يلي نشير إلى النصوص الدالّة على ضمان الإمام القراءة عن المأموم وهي :
موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة ، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه ، إنّما يضمن القراءة» (1). وقد علّق فيها الضمان على الصلاة خلف الإمام ، المساوق لعنوان الائتمام.
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصلاة خلف الإمام أقرأ خلفه؟ فقال : أمّا الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه ، فلا تقرأ خلفه ...» (2).
وصحيحة سليمان بن خالد قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أيقرأ الرجل في الأُولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال : لا ينبغي له أن يقرأ ، يكِلهُ إلى الإمام» (3).
وقد حكم عليهالسلام فيها بايكاله القراءة إلى الإمام ، وأنّه لا ينبغي له أن يقرأ ، وكل ذلك منوط حدوثاً وبقاءً بفرض الائتمام كما ذكرناه ، فلا ضمان له ولا إيكال إليه بعد العدول والانفراد ، لكونه حينئذ منفرداً لا مؤتمّاً ، فيكون مشمولاً لإطلاق دليل وجوب القراءة.
بل لو كان في أثناء القراءة يكفيه بعد نيّة الانفراد قراءة ما بقي منها ، وإن كان الأحوط استئنافها (1)خصوصاً إذا كان في الأثناء (1).
[1885] مسألة 18 : إذا أدرك الإمام راكعاً يجوز له الائتمام والركوع معه ثمّ العدول إلى الانفراد اختياراً ، وإن كان الأحوط ترك العدول حينئذ خصوصاً إذا كان ذلك من نيّته (2)أوّلاً (2).
(1) لا ينبغي الشكّ في وجوب القراءة على المأموم بعد عدوله إلى الانفراد في الفرض ولو سلّمنا بعدم وجوبها عليه في الفرض السابق ، وهو ما إذا كان عدوله إلى الانفراد بعد تمام القراءة وقبل الركوع ، فيجب عليه في هذا الفرض استئناف القراءة ، ولا يجتزئ بالإتيان بما تبقّى منها ، وذلك لوضوح عدم دلالة النصوص المتقدّمة على ضمان الإمام بعض القراءة. فالحكم بعدم الضمان في هذه الصورة أظهر.
والحاصل : أنّ الأقوى هو وجوب القراءة في صورتي انفراد المأموم أثناء قراءة الإمام وبعد تمام القراءة وقبل الركوع.
(2) في العبارة مسامحة ظاهرة ، فانّا إذا بنينا على المنع من نيّة العدول في ابتداء الصلاة وخصّصنا الجواز بما إذا بدا له ذلك في الأثناء كما هو الصحيح وقد عرفت وجهه (3)بطلت الجماعة فيما إذا كان ناوياً للعدول من ابتداء الصلاة ، سواء انفرد خارجاً وتحقّق منه العدول أم لا ، فانّ القادح حينئذ إنّما هو نيّة الائتمام في بعض الصلاة ، وهو مشترك بين الصورتين.
وأمّا إذا بنينا على الجواز كما اختاره (قدس سره) صحّت الجماعة على كلا التقديرين أيضاً ، أي سواء تحقّق منه العدول خارجاً أم لم يتحقّق. فلا يظهر
[1886] مسألة 19 : إذا نوى الانفراد بعد قراءة الإمام وأتمّ صلاته فنوى الاقتداء به في صلاة أُخرى قبل أن يركع الإمام في تلك الركعة ، أو حال كونه في الركوع من تلك الركعة جاز ، ولكنّه خلاف الاحتياط (1)(1).
الوجه في قوله (قدس سره) : خصوصاً إذا كان ذلك أي العدول من نيّته أولاً.
فإنّ مقتضى الاحتياط وإن كان هو ترك العدول كما ذكره خروجاً عن مخالفة المانع عنه ممّن سبقت الإشارة إليه (2)، غير أنّه لا خصوصية لهذا الاحتياط بما إذا كان من نيّته العدول من الأوّل ، لما عرفت من أنّ القادح على القول به وهو الصواب مجرّد تلك النيّة ، لا مع انضمام العدول الخارجي إليها كي يكون الاحتياط بترك العدول هنا أقوى وآكد.
وعلى الجملة : فعبارة المتن إلى قوله : حينئذ ، مستقيمة ، وإنّما القصور في قوله : خصوصاً ... إلخ. ومراده (قدس سره) أنّ الأحوط ترك العدول ، وآكد منه الاحتياط بترك نيّة العدول من الأوّل ، فإنّ الاحتياط بترك نيّة العدول آكد وأولى من الاحتياط بترك العدول خارجاً ، لقوّة احتمال البطلان هناك ، بل هو الحقّ كما عرفت. لكنّ العبارة قاصرة وغير وافية بأداء ذلك. ولو أبدلها بقوله : وأحوط منه ترك نيّته أوّلاً ... ، لكان أحسن وأولى.
(1) إذا بنينا على أنّ المأموم لو انفرد عن الإمام قبل الركوع تجب عليه القراءة ، ولا يتحمّلها الإمام عنه كما هو الصحيح على ما مرّ (3)فلا ينبغي الإشكال في الجواز في المقام ، ولا وجه للاحتياط ، إذ لم يطرأ ما يستوجب الخلل في الصلاة الأُولى بعد فرض الإتيان بالقراءة والبناء على جواز العدول
[1887] مسألة 20 : لو نوى الانفراد في الأثناء لا يجوز له العود إلى الائتمام (1) ، نعم لو تردّد في الانفراد وعدمه ثم عزم على عدم الانفراد صحّ (1)(2)
في الأثناء كما هو المفروض ، فلا مانع من الاقتداء في الصلاة الثانية بنفس الركوع من هذه الركعة ، كما لو لم يكن مسبوقاً بالصلاة الاولى.
وأمّا إذا بنينا على الضمان وعدم وجوب القراءة كما اختاره (قدس سره) فالاحتياط حينئذ حسن ، والوجه فيه : هو احتمال ضمان الإمام في ركعة واحدة عن قراءة ركعة واحدة ، لا عن قراءة ركعتين كما يقتضيه الاقتداء في ركعتين بركعة واحدة ، وأنّ مثله غير مشمول لأدلّة الضمان.
والحاصل : أنّ احتياط الماتن (قدس سره) لا وجه له على مسلكنا ، وإنّما يتّجه على مسلكه (قدس سره).
(1) قد أشرنا سابقاً (2)إلى عدم مشروعية الائتمام في بعض الصلاة لعدم الدليل عليه ، سواء أكان من نيّته ذلك من الأوّل كما إذا كان عازماً على الانفراد في أثناء الصلاة ، أم بدا له الائتمام في الأثناء كما إذا صلّى منفرداً وفي أثنائها بدا له الائتمام. فإنّ كلّ ذلك غير جائز ، لأصالة عدم المشروعية كما مرّ.
ويترتّب عليه عدم جواز العود إلى الائتمام لو نوى الانفراد في الأثناء ، لأنّ ذلك من مصاديق الائتمام في بعض الصلاة الذي قد عرفت المنع عنه.
(2) فيه : أنّ الترديد لا يجامع البقاء على نيّة الائتمام ، فقد زال بمجرّد الترديد قصد الجماعة ، فيكون غير مؤتمّ في هذه الحال ، لتقوّمه بالقصد المنفي حسب الفرض. وعزمه الطارئ على الائتمام يدخل تحت عنوان الاقتداء في بعض الصلاة ، وهو غير مشروع كما عرفت. فما أفاده (قدس سره) من الحكم بالصحّة عند التردّد ضعيف.
بل لا يبعد جواز العود إذا كان بعد نيّة الانفراد بلا فصل ، وإن كان الأحوط عدم العود مطلقاً (1).
[1888] مسألة 21 : لو شكّ في أنّه عدل إلى الانفراد أم لا بنى على عدمه (2).
[1889] مسألة 22 : لا يعتبر في صحّة الجماعة قصد القربة من حيث الجماعة (3) بل يكفي قصد القربة في أصل الصلاة (4) ، فلو كان قصد الإمام من الجماعة الجاه أو مطلب آخر دنيوي ولكن كان قاصداً للقربة في أصل الصلاة صحّ ، وكذا إذا كان قصد المأموم من الجماعة سهولة الأمر عليه ، أو الفرار من الوسوسة أو الشكّ ، أو من تعب تعلّم القراءة ، أو نحو ذلك من الأغراض الدنيوية صحّت صلاته مع كونه قاصداً للقربة فيها ،
(1) الحكم بالصحّة هنا أضعف منه في مورد الترديد ، إذ لا فرق في المسألة بين قصر الزمان وطوله ، فمتى ما زالت نيّة الائتمام يكون العود إليه مصداقاً للائتمام في بعض الصلاة غير المشروع ، ولو كان ذلك آناً ما وبلا فصل. فالأقوى الحكم بعدم الصحّة في جميع الفروض الثلاثة المذكورة في المتن.
(2) لأصالة عدم المانع من بقائه على الجماعة عند الشكّ في حصوله ، مع فرض كونه حال الشكّ على حالة الاقتداء.
(3) الظاهر أنّ هذا الحكم هو المعروف والمشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً ، إذ لم يتعرّض أحد منهم للشرط المذكور في أحكام الجماعة. وهو الصحيح.
(4) أمّا في الإمام فواضح ، لما عرفت (1)من عدم اعتبار قصد الإمامة في
1) في ص 53.
نعم لا يترتّب ثواب الجماعة إلّا بقصد القربة فيها.
صحّة الجماعة ، فضلاً عن قصد القربة فيها ، بل تصحّ الجماعة حتّى مع نيّة الإمام الصلاة فرادى ، نعم إنّما يعتبر ذلك فيما تكون الجماعة شرطاً في صحّة الصلاة كالجمعة والعيدين ، فانّ حكم الإمام في ذلك هو حكم المأموم في مطلق الجماعة ، كما عرفت وسنشير إليه أيضاً.
وأمّا في المأموم فقصد الائتمام وإن كان معتبراً في صحّة الجماعة كما سبق ، إلّا أنّ عنوان الجماعة من العناوين الطارئة كسائر الخصوصيات الزمانية والمكانية فكما لا يعتبر قصد القربة في سائر الخصوصيات الطارئة كأن يصلّي في المسجد لبرودة المكان لا بقصد التقرّب لا يعتبر في خصوصية الجماعة أيضاً لعدم دخلها في ماهية الصلاة كي يعتبر القصد فيها.
فلو كان الداعي للائتمام شيئاً آخر ممّا ذكره الماتن (قدس سره) ونحوها من الدواعي غير القربية مع كون الداعي إلى أصل الصلاة هو التقرّب صحّت الجماعة ، نعم ترتّب ثواب الجماعة موقوف على قصد القربة بها ، لكونها من شؤون الطاعة.
وعلى تقدير الشكّ في ذلك فالمرجع إطلاقات أدلّة الجماعة ، بناء على ما هو الصحيح من التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصلية كما ذكرناه في مبحث التعبّدي والتوصّلي من أُصول الفقه (1).
هذا كلّه إذا لم يكن القصد الدنيوي من قبيل الرياء ، وإلّا فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة فضلاً عن الجماعة ، لما مرّ في الكلام عن الرياء في مبحث النيّة من كونه مبطلاً للعمل كيف ما اتّفق ، سواء أكان في تمام الصلاة ، أم في أجزائها أم في شرائطها أم في خصوصياتها المقارنة لها من الزمان والمكان ونحو ذلك ممّا له مساس بالصلاة (2)، فإنّه تعالى كما في بعض الروايات خير
[1890] مسألة 23 : إذا نوى الاقتداء بمن يصلّي صلاة لا يجوز الاقتداء فيها (1) سهواً أو جهلاً كما إذا كانت نافلة أو صلاة الآيات مثلاً ، فان تذكّر قبل الإتيان بما ينافي صلاة المنفرد عدل إلى الانفراد وصحّت ، وكذا تصحّ إذا تذكّر بعد الفراغ ولم تخالف صلاة المنفرد ، وإلّا بطلت (1)(2).
شريك فمن عمل له ولغيره كان لغيره (2). وكلام المصنّف (قدس سره) منزّل على غير هذه الصورة بالضرورة.
(1) كما لو ائتمّ به بتخيّل أنّه يصلّي فريضة الفجر فانكشف في الأثناء أو بعد الفراغ أنّها كانت نافلة ، أو اعتقد أنّه يصلّي اليومية فائتمّ به ثمّ بان له أنّها صلاة الآيات مثلاً ، ونحو ذلك ممّا لا يجوز فيه الاقتداء.
(2) لا ينبغي الشكّ في بطلان الجماعة وعدم انعقادها حينئذ كما هو ظاهر وأمّا الصلاة فهل هي محكومة بالبطلان أيضاً ، أو لا؟
الصحيح أن يقال : إنّه إذا أخلّ بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عمداً وسهواً كما لو زاد ركوعاً لمتابعة الإمام ، أو عرضه أحد الشكوك المبطلة كالشكّ بين الواحدة والثنتين فرجع إلى الإمام لاعتقاده الائتمام فلا إشكال في بطلان الصلاة حينئذ ، أخذاً بإطلاق ما دلّ على البطلان.
وأمّا إذا أخلّ بما لا يوجب البطلان إلّا عمداً كترك القراءة فالظاهر صحّة الصلاة حينئذ ، سواء أكان التذكّر أثناء الصلاة أم بعدها ، لحديث «لا تعاد الصلاة» (3)، لعدم قصوره عن شمول مثل المقام ، لكونه معذوراً في ترك القراءة وإن كان عن عمد ، لزعمه الائتمام ، كما مرّ غير مرّة.
[1891] مسألة 24 : إذا لم يدرك الإمام إلّا في الركوع ، أو أدركه في أوّل الركعة أو أثنائها أو قبل الركوع فلم يدخل في الصلاة إلى أن ركع ، جاز له الدخول معه وتحسب له ركعة ، وهو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة على الأقوى (1)
(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ من أدرك الإمام قبل الركوع أي فيما بين تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع فهو مدرك للركعة ، فلا يلزم في تحقّق الائتمام أن يكون ذلك عند تكبيرة الإحرام أو قبل القراءة أو قبل الفراغ عنها ، بل لو أخّر ذلك فأدرك تكبيرة الركوع فقد أدركها أيضاً ، وهو متّفق ومجمع عليه.
والمعروف والمشهور أنّه لو أدرك الإمام حال الركوع كفى أيضاً ، وجاز له الدخول معه وتحسب له ركعة ، وهو منتهى ما تدرك به الركعة في ابتداء الجماعة ، فيكبّر تكبيرة الافتتاح وأُخرى للركوع ، وإن خاف فوت الركوع أجزأته تكبيرة الافتتاح.
وعن المفيد (1)والطوسي (قدس سرهما) في النهاية (2)أنّ منتهى الحدّ إدراك تكبيرة الركوع ، فلا يكفي إدراك الإمام راكعاً ، وإن عدل الأخير عنه في الخلاف ووافق المشهور ، بل ادّعى الإجماع عليه (3). ونسب الخلاف إلى القاضي (4)أيضاً. وكيف كان ، فالمتّبع هو الدليل.
1) [كما نقله جمع عن المقنعة ، لكنا لم نعثر عليه فيها ، قال في مفتاح الكرامة 3 : 128 السطر 21 : ونقله جماعة من متأخري المتأخرين عن المقنعة ، وليس في المقنعة عين ولا أثر ، وكأنّهم توهّموه من عبارة التهذيب 3 : 43 ذيل ح 148 ...].
2) النهاية : 114.
3) الخلاف 1 : 547 المسألة 285 ، 555 المسألة 298.
4) المهذب 1 : 82.
.................................................................................................
وقد وردت جملة وافرة من النصوص بالغة حدّ الاستفاضة بل قيل بتواترها ، ولا يبعد تواترها الإجمالي دلّت على كفاية إدراك الإمام راكعاً وفيها الصحاح والموثّقات أيضاً ، وهي كما يلي :
1 صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «أنّه قال : إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبّرت وركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» (1).
2 صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «أنّه قال : في الرجل إذا أدرك الإمام وهو راكع ، وكبّر الرجل وهو مقيم صُلبه ، ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» (2).
3 صحيحة أبي أُسامة يعني زيد الشحّام : «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل انتهى إلى الإمام وهو راكع ، قال : إذا كبّر وأقام صُلبه ثمّ ركع فقد أدرك» (3)إلى غير ذلك من الأخبار الظاهرة بل الصريحة في المطلوب ، ممّا لا تخفى على المراجع.
وتؤيّدها الأخبار الواردة في أنّ من دخل المسجد وخاف من رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يبلغ الصفّ جاز له التكبير والركوع في مكانه ، ثمّ يمشي راكعاً أو بعد السجود على اختلاف النصوص ممّا عقد لها في الوسائل باباً مستقلا (4)، فانّ هذا الحكم كما ترى يلازم جواز إدراك الإمام راكعاً.
ويؤيّدها أيضاً ما ورد من استحباب إطالة الإمام ركوعه ضعفين إذا أحسّ بمن يريد الاقتداء به ، وقد عقد لها في الوسائل باباً مستقلا أيضاً (5).
كما يؤيّدها أيضاً ما روي عن أبي جعفر عليهالسلام : «أنّ أمير المؤمنين
.................................................................................................
عليهالسلام قال : إنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع» (1).
وبإزاء هذه الروايات طائفة أُخرى من الروايات وينتهي سند كلّها إلى محمّد بن مسلم دلّت بظاهرها على عدم الكفاية ما لم يدرك تكبيرة الركوع وهي :
صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام «قال : إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» (2)، حيث دلّت بمفهومها على عدم إدراك الصلاة ما لم يدرك التكبيرة.
وصحيحته الأُخرى عن أبي جعفر عليهالسلام قال «قال لي : إذا لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (3).
وصحيحته الثالثة عن أبي جعفر عليهالسلام «قال : لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام» (4).
وصحيحته الرابعة قال «قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (5).
وهذه الطائفة كما تراها لا تقاوم الطائفة المتقدّمة دلالة ، فإنّ تلك صريحة في الجواز ، وهذه أقصاها الظهور ، لتضمّنها النهي الظاهر في التحريم القابل للحمل على الكراهة.
وعليه فمقتضى الجمع العرفي رفع اليد عن ظاهر الثانية بصريح الاولى ، بحمل النهي في الثانية على الكراهة والحكم بأولوية التأخير إلى الركعة اللاحقة. وإذا فرض أنّها الركعة الأخيرة فالأولى الالتحاق به في التشهّد من دون احتسابها ركعة ، وبذلك يدرك فضيلة الجماعة.
ومع الغضّ عن ذلك فالطائفة الثانية لا تقاوم الاولى سنداً أيضاً ، وذلك لانتهائها كما عرفت إلى محمّد بن مسلم ، فهي بحكم رواية واحدة مرويّة
.................................................................................................
بطرق متعدّدة ، فلا تقاوم تلكم الروايات الكثيرة المستفيضة البالغة حدّ التواتر ولو إجمالاً ، فتندرج الثانية في الرواية الشاذّة في مقابل الرواية المشهورة وهي الطائفة الأُولى ، وقد أُمرنا بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب المجمع عليه بينهم وطرح الشاذّ النادر.
فعلى تقدير المعارضة والغضّ عن الجمع العرفي المتقدّم يكون الترجيح للأخبار المجوّزة ، وتطرح المانعة بردّ علمها إلى أهله.
نعم ، إنّ هناك رواية أُخرى ربما يظهر منها المنع وعدم الاكتفاء بإدراك الإمام في الركوع ، وهي صحيحة الحلبي ، وقد رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة ، وإن أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظهر» (1).
قال في الوسائل : يمكن أن يكون المراد : إذا أدركته بعد فراغه من الركوع ورفع رأسه ... ، ووافقه المحقّق الهمداني (قدس سره) ، وعلى ذلك فقد حمل الركوع في الصدر على الفراغ أيضاً (2). فيكون حاصل المعنى : أنّه إذا أدركت الإمام قبل أن يفرغ من ركوع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة ، وإن أدركته بعد فراغه ورفع رأسه عنه فقد فاتت الصلاة ، وعليه أن تصلّي الظهر أربع ركعات.
ولكنّه كما ترى خلاف الظاهر جدّاً ، فإنّ صيغة الفعل الماضي ظاهرة في التحقّق ، فقوله : «بعد ما ركع» ظاهر في تحقّق الركوع منه خارجاً ، الحاصل بالدخول ، فحمله على الفراغ منه وانقضائه برفع الرأس منه خلاف الظاهر.
كما أنّ صيغة المضارع ظاهرة في الشروع والتلبس ، فقوله : «قبل أن يركع» بمعنى : قبل أن يشرع في الركوع ويتلبّس به. فحمله على ما قبل الفراغ منه بعد
.................................................................................................
الشروع والتلبس به خلاف الظاهر أيضاً.
والتحقيق : أنّ الصحيحة أجنبية عن محلّ البحث كلّية ، فإنّها ناظرة إلى تحديد ما به تدرك الجمعة ، لا إلى تحديد ما به تدرك الجماعة كما هو محلّ البحث ، فانّ مفادها أنّ منتهى ما به تدرك صلاة الجمعة هو إدراك الإمام قائماً قبل الدخول في ركوع الركعة الثانية ، فإذا دخل فيه فقد فاتته الجمعة ، وأمّا إدراك الجماعة فمحلّه باق.
وحيث إنّ الوظيفة حينئذ تنقلب من الجمعة إلى الظهر فيأتمّ به ظهراً ويدخل في الركوع ويحتسبها أوّل ركعة من الظهر ، ثمّ بعد تسليم الإمام يقوم فيضيف إليها ثلاث ركعات ويتمّها ظهراً. ولا شكّ في جواز الاقتداء ظهراً بصلاة الجمعة.
وهذا المعنى لو لم يكن على خلاف الإجماع هو الظاهر من الصحيحة فلا ربط لها بمحلّ الكلام لتنافي ما عليه المشهور من جواز إدراك الإمام راكعاً كما عرفت.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ منتهى حدّ إدراك الجماعة هو إدراك الإمام راكعاً.
وهل يجوز التأخير عمداً واختياراً إلى أن يدخل الإمام في الركوع كما هو ظاهر المتن أو أنّ ذلك خاصّ بما إذا لم يدركه قبل ذلك ، فلو أدركه حال تكبيرة الإحرام أو القراءة وتسامح وماطل إلى أن ركع الإمام لم يكن له الدخول في الجماعة حينئذ؟
مقتضى الجمود على ظواهر النصوص هو الثاني ، لتضمّنها بأسرها التعبير بإدراك الإمام وهو راكع ، وهو لا يصدق مع التأخير العمدي إلى أن يركع الإمام ، وإنّما ينطبق على ما إذا انتهى إلى الجماعة فرأى الإمام في الركوع فلا يعمّ التأخير العمدي ، لمنافاته لمفهوم الإدراك كما لا يخفى. ومع قصور النصوص يكون المحكّم هو إطلاق أدلّة القراءة وغيرها من أدلّة أحكام المنفرد
بشرط أن يصل إلى حدّ الركوع قبل رفع الإمام رأسه ، وإن كان بعد فراغه من الذكر على الأقوى (1) ، فلا يدركها إذا أدركه بعد رفع رأسه ، بل وكذا لو وصل المأموم إلى الركوع بعد شروع الإمام في رفع الرأس وإن لم يخرج بعد عن حدّه على الأحوط (2).
بعد فقد الدليل على احتساب هذه الركعة.
ولكنّه يمكن القول بصدق الإدراك مع التأخير العمدي مع تعدّد المكان كما إذا كان خارج المسجد وعلم بأنّ الجماعة أُقيمت فيه ، فتسامح وأخّر لشغل أو لغيره حتّى دخل الإمام في الركوع فدخل المسجد ، فإنّه يصدق عليه بالضرورة في هذه الحالة أنّه أدركه راكعاً ، ولا قصور للنصوص عن الشمول لمثله.
فاذا ثبت الحكم مع اختلاف المكان وتعدّده ثبت مع وحدته أيضاً بعدم القول بالفصل ، حيث لا يحتمل التفكيك بين الصورتين ، وبذلك يحكم بالجواز مطلقاً حتّى مع التأخير اختياراً.
(1) كما هو المشهور ، لإطلاق النصوص ، حيث جعل المدار فيها على إدراك الإمام راكعاً.
وعن العلّامة (قدس سره) اعتبار إدراكه ذاكراً (1). ولعلّه للتوقيع المروي في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عجل اللّه فرجه) : «أنّه كتب إليه إلى أن قال : فأجاب : إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع» (2)ولكنّه ضعيف السند بالإرسال ، فلا ينهض لتقييد المطلقات.
(2) قد يفرض رفع الرأس بقصد الانتقال في الركوع من مرتبة إلى مرتبة
وبالجملة : إدراك الركعة في ابتداء الجماعة يتوقّف على إدراك ركوع الإمام قبل الشروع في رفع رأسه.
أُخرى مع عدم خروجه عن حدّ الركوع ، ومع فرض مكثه ذاكراً في المرتبة الثانية ، إذ من المعلوم كون الركوع شرعاً ذا مراتب ، فانّ أدناها وصول أطراف الأصابع إلى الركبتين ، وأقصاها الانحناء بحدّ لا يخرج معه عن صدق الركوع عرفاً.
فاذا فرضنا أنّ الإمام كان في المرتبة القصوى من الركوع ، ودخل المأموم في الصلاة حال انتقال الإمام من تلك المرتبة إلى المرتبة النازلة ، مع فرض بقائه بحال الذكر في المرتبة الثانية ، فحينئذ لا ينبغي الإشكال في الصحّة ، لصدق أنّه أدرك الإمام راكعاً ، إذ لا يحتمل إرادة شخص المرتبة من الركوع. فالإطلاق غير قاصر عن الشمول لمثل ذلك كما هو واضح.
وقد يفرض كون رفع الرأس بقصد الانتهاء من الركوع والشروع في الانتصاب ، فأدركه المأموم في هذا الفرض ولكن قبل خروجه عن حدّ الركوع شرعاً. والظاهر حينئذ هو البطلان وعدم احتساب ذلك ركعة ، وذلك لصدق أنّ الإمام قد رفع رأسه قبل أن يركع المأموم ، المأخوذ في صحيحة الحلبي المتقدّمة (1)موضوعاً لفوات الركعة.
كما أنّ الإدراك في هذه الصحيحة وفي صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة أيضاً (2)وغيرهما من أخبار الباب منوط بركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه ، ومن الواضح عدم صدق هذا العنوان في المقام ، حيث يصدق عليه أنّه ركع بعد ما رفع الإمام رأسه.
وعلى الجملة : مقتضى إطلاق النصوص هو البطلان فيما إذا ركع بعد ما رفع الإمام رأسه ، سواء أكان قد تجاوز حدّ الركوع شرعاً أم لم يكن.
وأمّا في الركعات الأُخر فلا يضرّ عدم إدراك الركوع مع الإمام (1)بأن ركع بعد رفع رأسه ، بل بعد دخوله في السجود أيضاً (1) ، هذا إذا دخل في الجماعة بعد ركوع الإمام ،
(1) ملخّص ما أفاده (قدس سره) في المقام أنّ إدراك الركعة في ابتداء الجماعة وفي الركعة الأُولى يتوقّف على أحد أمرين : إمّا إدراك الإمام راكعاً ، أو إدراكه قائماً من أوّل الركعة أو أثناءها. فما هو المشهور من لزوم إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم في ابتداء الجماعة وإلّا لم تحسب له ركعة مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام ، لا ما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها.
هذا هو حكم الإدراك في الركعة الأُولى ، وأمّا في بقيّة الركعات فلا يقدح فيها التخلّف عن الإمام في الركوع ، فلو ركع بعد رفع رأسه منه بل وبعد دخوله في السجود لم يقدح ذلك في صحّة الجماعة.
أقول : لا بدّ وأن يكون مراده (قدس سره) من عدم قدح التخلّف في بقيّة الركعات عدمه مطلقاً ، حتّى ولو قارن التخلّف عن القيام أيضاً ، كما لو اقتدى به من ابتداء الصلاة وبعد السجدة الأخيرة من الركعة الأُولى لم يمكنه القيام مع الإمام لمانع من زحام ونحوه إلى أن فرغ الإمام من ركوع الركعة الثانية وهوى إلى السجود فتمكّن آن ذاك من القيام ، فإنّ الجماعة حينئذ بمقتضى ما أفاده (قدس سره) صحيحة. وإلّا فلو كان عدم القدح المذكور منوطاً بإدراكه القيام بأن يكون اللازم في سائر الركعات هو إدراك أحد الأمرين : القيام أو الركوع كما هو الحال في الركعة الأُولى على ما عرفت لم يبق عندئذ فرق بين الفرضين ، وهو مخالف لظاهر المقابلة الواقعة في كلامه (قدس سره) بين الركعة
1) (*) هذا إذا أدرك الإمام قبل ركوعه ، وأمّا إذا منعه الزحام ونحوه من اللحوق إلى أن رفع الإمام رأسه من الركوع ففيه إشكال ، والأحوط أن يقصد الانفراد حينئذٍ.
.................................................................................................
الاولى في ابتداء الجماعة وبين سائر الركعات.
وكيف ما كان ، ففيما عدا الركعة الاولى إن كان التخلّف في الركوع فقط فلا ينبغي الإشكال في صحّة الجماعة واحتساب ذلك ركعة ، كما هو الحال في الركعة الأُولى ، لإطلاق صحيحة عبد الرحمن المتقدمة (1)الدالّة على اغتفار التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر من زحام وسهو ونحوهما.
وأمّا إذا كان التخلّف فيه وفي القيام معاً كما في الفرض المتقدّم الذي استظهرنا من عبارة الماتن حكمه بصحة الجماعة فيه.
فان أراد (قدس سره) صحّتها مع الالتزام بضمان الإمام للقراءة ، بأن يقوم ويركع ويلتحق به في السجود فهذا مضافاً إلى عدم القائل به لا دليل عليه ، فانّ الضمان من شؤون الائتمام ، المتقوّم مفهومه بالمتابعة والاقتداء ، وقد ورد في الخبر كما مرّ : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» (2)، فانّ سنده وإن لم يخل عن الإشكال ولكن مضمونه موافق للارتكاز ويساعده الاعتبار ، فلا ائتمام بدون المتابعة.
ومن الواضح انتفاء المتابعة في مفروض الكلام بعد التخلّف عنه في كلّ من الركوع والقيام ، حيث لا يقال له عرفاً إنّه تابع ومؤتمّ بعد هذا التخلف الفاحش بالضرورة ، ومع انتفاء الائتمام كيف يحكم بالضمان الذي هو من آثاره وأحكامه.
وإن أراد (قدس سره) صحّتها من دون ضمان ، بأن يقوم ويقرأ ويركع ويلتحق به في السجود فهو أيضاً عارٍ عن الدليل ، لما عرفت من تقوّم الجماعة بالاقتداء والتبعية ، وأنّه لا يكاد يتحقّق الائتمام إلّا مع المتابعة في القيام والمفروض انتفاؤها بعد مثل هذا التخلّف الفاحش ، فالاقتداء مفقود وجداناً ومعه كيف يمكن أن تشمله أدلّة الجماعة ليحكم بصحّتها.
وأمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها واتّفق أنّه تأخّر (1) عن الإمام في الركوع فالظاهر صحّة صلاته وجماعته (2). فما هو المشهور من أنّه لا بدّ من إدراك ركوع الإمام في الركعة الأُولى للمأموم في ابتداء الجماعة وإلّا لم تحسب له ركعة مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة ، لا فيما إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها ، وإن صرّح بعضهم بالتعميم ، ولكن الأحوط الإتمام حينئذ والإعادة.
(1) ومراده (قدس سره) ما إذا كان التأخّر لعذر من وجع في الظهر أو نسيان أو نحو ذلك ، لا ما إذا كان عن عمد ، وإلّا فلا يجوز ذلك كما سيجيء بيانه في المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى (1).
(2) والوجه في الصحّة : أنّ الروايات المانعة عن الاحتساب عند عدم إدراك الركوع خاصّةٌ بما إذا كان الالتحاق بالجماعة حال ركوع الإمام كما لا يخفى على من لاحظها ، دون ما إذا كان الدخول فيها قبل ذلك في ابتداء الركعة أو أثناءها. فالمانع عن الاحتساب في هذه الصورة مفقود. ومقتضى إطلاقات الجماعة بضميمة ما دلّ على ضمان الإمام القراءة صحّة الجماعة وانعقادها حينئذ.
إنّما الكلام في المقتضي للاحتساب مع عدم إدراك الركوع ، لا سيما وقد تقدّم في صحيحة محمد بن قيس «أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام قال : إنّ أوّل صلاة أحدكم الركوع» (2).
ويمكن أن يستدلّ له بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليهالسلام : «في رجل صلّى في جماعة يوم الجمعة فلمّا ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع ، ثمّ يقوم في الصفّ ولا يسجد
.................................................................................................
حتّى رفع القوم رؤوسهم ، أيركع ثمّ يسجد ويلحق بالصفّ وقد قام القوم ، أم كيف يصنع؟ قال : يركع ويسجد ولا بأس بذلك» (1).
فقد دلّت على عدم قدح التخلّف عن الإمام في الركوع إذا كان لعذر كالزحام. وموردها وإن كان صلاة الجمعة لكنّه يقطع بعدم الفرق بينها وبين غيرها ، بل لو ثبت الحكم فيها مع وجوب الجماعة ثبت في غيرها ممّا لا تجب بطريق أولى ، فيتعدّى عن مورد الرواية بالأولوية القطعية.
على أنّه قد صرّح بالتعميم وعدم الفرق بين صلاة الجمعة وغيرها في رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يكون في المسجد إمّا في يوم الجمعة وإمّا في غير ذلك من الأيّام ، فزحمه الناس إمّا إلى حائط وإمّا أسطوانة ، فلا يقدر على أن يركع ولا يسجد حتّى رفع الناس رؤوسهم ، فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثمّ يستوي مع الناس في الصفّ؟ فقال : نعم ، لا بأس بذلك» (2).
لكنّها ضعيفة السند بمحمد بن سليمان الديلمي ، ومن هنا كان التعويل على الصحيحة بالتقريب المتقدّم.
ويدلّ على الحكم في صورة السهو صحيحة أُخرى لعبد الرحمن عن أبي الحسن عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به ، فركع الإمام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتّى رفع الإمام رأسه وانحطّ للسجود أيركع ثمّ يلحق بالإمام والقوم في سجودهم ، أم كيف يصنع؟ قال : يركع ، ثم ينحطّ ويتمّ صلاته معهم ، ولا شيء عليه» (3).
وموردها كما ترى مطلق ، لا يختص بصلاة الجمعة لنحتاج في التعدّي عنه إلى ما تقدّم ونحوه.
.................................................................................................
والمتحصّل من هذه النصوص : أنّ التخلّف عن الإمام في الركوع لعذر من زحام أو سهو أو نحو ذلك غير قادح بعد إدراكه إيّاه في ابتداء الركعة قبل القراءة أو أثناءها ، ولا يضرّ باحتساب الركعة.
وهل يكفي في الحكم المذكور مجرّد إدراك الإمام قائماً ولو في حال تكبيرة الركوع ، أو لا بدّ من إدراك القراءة ولو جزءاً منها ، وإلّا فلا ضمان ولا تحسب له ركعة إذا تخلّف عنه في الركوع؟
ظاهر المصنّف (قدس سره) الثاني ، لقوله : فما هو المشهور إلى قوله : مختصّ بما إذا دخل في الجماعة في حال ركوع الإمام أو قبله بعد تمام القراءة ... ، وقوله : وأمّا إذا دخل فيها من أوّل الركعة أو أثناءها واتّفق أنّه تأخّر عن الإمام في الركوع فالظاهر صحة صلاته ....
ولكنّ الأقوى هو الأوّل وأنّ إدراك تكبيرة الركوع ملحق بإدراك القراءة دون الركوع ، وذلك لإطلاق صحاح محمّد بن مسلم المتقدّمة (1)، لعدم قصورها عن شمول المقام.
فانّ قوله عليهالسلام : «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» وفي صحيحته الأُخرى : «إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة» دلّ على أنّ إدراك تكبيرة الركوع كافٍ في إدراك الصلاة جماعة ، وفي احتساب ذلك ركعة ، وبعد الضمّ إلى صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة الدالّة على اغتفار التخلّف في الركوع لعذر ينتج ما ذكرناه من الإلحاق كما لا يخفى.
والمتحصّل من جميع ما قدمناه : أنّ إدراك الركعة واحتسابها جماعة يتوقف على أحد أمرين : إمّا إدراك الإمام راكعاً كما تضمّنته صحيحة سليمان بن خالد والحلبي المتقدّمتان (2)وغيرهما ، أو إدراكه قائماً حال القراءة أو ولو بعد
[1892] مسألة 25 : لو ركع بتخيّل إدراك الإمام راكعاً ولم يدرك بطلت صلاته (1)(1).
الفراغ عنها على الخلاف بيننا وبين المصنّف (قدس سره) وإن لم يدرك ركوعه ، لصحيحة عبد الرحمن المتقدّمة.
(1) محتملات المسألة ثلاثة : بطلان الصلاة ، وصحّتها فرادى فيتمّ الصلاة كذلك وإن أخلّ بالقراءة ، استناداً إلى حديث «لا تعاد الصلاة ...» (2)، وصحّتها جماعة مع عدم احتساب الركعة ، فيقوم منتصباً وينتظر الإمام فيلتحق به في الركعة التالية ، وتعدّ هذه أوّل ركعة في حقّ المأموم ، وبعد ما يفرغ الإمام يقوم فيضيف إليها ما بقي من صلاته.
أمّا الاحتمال الثاني : فهو وإن كان على طبق القاعدة ، حيث لا نقص في هذه الصلاة عدا الإخلال بالقراءة عامداً ، وقد مرّ غير مرّة عدم قصور حديث «لا تعاد ...» عن شمول مثله ممّا كان الترك العمدي عن عذر ، فإنّ المأموم لأجل اعتقاده الالتحاق المستلزم لضمان الإمام قد ترك القراءة ، فكان معذوراً في الترك لا محالة.
إلّا أنّه تنافيه الأخبار المتقدّمة الحاكمة بفوات الركعة وعدم إدراكها لو لم يدرك الركوع ، المساوق لعدم الاعتداد بها وفرضها بحكم العدم حينئذ ، قال عليهالسلام في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة : «إذا أدرك الإمام وهو راكع وكبّر الرجل وهو مقيم صُلبه ، ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» (3)، دلّت بمفهومها على عدم إدراك الركعة أي عدم احتسابها من الصلاة وعدم الاعتداد بها لو ركع بعد رفع الإمام رأسه.
بل وكذا لو شكّ في إدراكه وعدمه (1).
وأصرح منها صحيحة الحلبي المتقدّمة (1): «وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة» فإنّها صريحة في فوات الركعة حينئذ وأنّها ملحقة بالعدم فكيف يمكن الاعتداد بها واحتسابها من الصلاة ولو فرادى كما هو مقتضى هذا الاحتمال؟
وأمّا الاحتمال الثالث : فهو أيضاً منافٍ لظواهر تلكم النصوص ، لتضمّنها إسناد الفوت وعدم الإدراك إلى نفس الركعة ، الظاهر كما عرفت في كونها بحكم العدم وعدم دخوله في الصلاة بعد ، ولم يسند ذلك إلى الجماعة. فلم يقل عليهالسلام : فقد فاتته الجماعة في هذه الركعة ، كي يمكن الالتزام بصحّة الجماعة في أصل الصلاة مع عدم احتساب هذه الركعة منها ، هذا.
مضافاً إلى أنّ لازم هذا الاحتمال زيادة ركوع في الصلاة ، ولا دليل على الاغتفار والعفو عنها حينئذ كما لا يخفى. فإطلاق ما دلّ على بطلان الصلاة بزيادة الركن محكّم ، لعدم قصوره عن المقام.
فظهر من جميع ما تقدّم أنّ الاحتمال الأوّل أعني البطلان هو المتعيّن ، لعدم إمكان تصحيح هذه الصلاة لا جماعة ولا فرادى.
نعم ، الأحوط الأولى العدول بها إلى النافلة وإتمامها والرجوع إلى الائتمام كما نبّه عليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة رعاية لاحتمال صحّتها فرادى ، ويجوز العدول عنها إلى النافلة لإدراك الجماعة كما دلّت عليه النصوص (2).
(1) تحتمل الصحّة في هذا الفرض جماعة ، كما يحتمل البطلان. وقد يستدلّ للأوّل بالاستصحاب ، بناءً على أنّ موضوع الحكم بالصحّة ركوع المأموم حال
.................................................................................................
كون الإمام راكعاً ، فإذا أحرزنا ركوع الإمام بالأصل وضممناه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان وهو ركوع المأموم فقد أُحرز موضوع الصحّة وهذا لا مانع منه في جميع الموضوعات المركّبة.
وقد يفصّل بين صورة العلم بتاريخ ركوع المأموم فيجري ما ذكر ، وبين العلم بتاريخ ركوع الإمام أو الجهل بالتاريخين فيحكم بالبطلان حينئذ ، لكونه مقتضى الأصل في مجهول التاريخ ، وللمعارضة كما في الجهل بالتاريخين ومعها لا يحرز الموضوع.
ولا يخفى عدم تمامية شيء ممّا ذكر ، فانّ كلّ ذلك موقوف على أن يكون موضوع الحكم في لسان الدليل على النحو التالي : إذا ركع المأموم والإمام راكع. أو ما يقرب من ذلك ، فحينئذ قد يتّجه البحث عن استظهار تركّب الموضوع من جزأين ، أو كونه عنواناً بسيطاً منتزعاً كعنوان المقارنة ، ليبحث بعده عمّا يقتضيه الأصل على كلّ من التقديرين.
إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، فانّ الوارد في الدليل هكذا : «ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة» كما في صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة (1)ونحوها صحيحة الحلبي المتقدّمة (2). فيكون موضوع الحكم هو عنوان القبلية الذي ليس له حالة وجودية سابقة بالضرورة.
وواضح : أنّ أصالة بقاء الإمام على ركوعه وعدم رفع رأسه حال ركوع المأموم لا يكاد يثبت عنوان القبلية ، لكونه من أظهر أنحاء الأصل المثبت وعليه فالمرجع هو استصحاب عدم تحقّق العنوان المأخوذ في الموضوع المشكوك حدوثه ، المسبوق بالعدم. ونتيجة ذلك الحكم بالبطلان.
نعم ، ربما يوهم خلاف ما ذكرناه ظاهر صحيحة زيد الشحّام «أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل انتهى إلى الإمام وهو راكع ، قال : إذا كبّر وأقام
.................................................................................................
صُلبه ثمّ ركع فقد أدرك» (1). فقد يتوهّم أنّ للبحث عن تركّب الموضوع وبساطته مجالاً على ضوء ظاهر هذه الصحيحة.
ولكنّ الحقّ : أنّ الصحيحة مطلقة من حيث إدراك الإمام راكعاً وعدمه فانّ مفادها إدراك الركعة إذا ما كبّر وأقام صُلبه وركع ، سواء أدرك الإمام راكعاً أم لم يدركه ، فتقيّد لا محالة بصحيحتي سليمان بن خالد والحلبي المتقدّمتين الصريحتين في لزوم إدراك الإمام راكعاً وقبل أن يرفع رأسه ، فيكون الموضوع بعد تحكيم قانون الإطلاق والتقييد هو ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه فالموضوع عنوان بسيط وهو عنوان القبلية.
ومن الواضح عدم إمكان إحرازه بالأصل ، لعدم الحالة السابقة. ولا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الإمام راكعاً إلى زمان ركوع المأموم ، لكونه مثبتاً ، ولا نقول بحجّيته. فيجري استصحاب عدم ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه ، وبذلك ينتفي الحكم بالصحّة.
وممّا يؤكّد ما ذكرناه من عدم جريان الأصل : أنّه على تقدير جريانه يستلزم الحكم بالصحّة حتّى مع الشكّ في الإدراك حال الدخول في الصلاة أي في حال تكبيرة الإحرام كما في العمى أو الظلمة ونحو ذلك ممّا يوجب شكّه في بقاء الإمام راكعاً ، بأن يدخل في الصلاة ويكبّر للإحرام مع شكّه في بقاء الإمام في حالة الركوع ، استصحاباً له ، مع أنّ الظاهر عدم الإشكال في عدم جواز الدخول حينئذ ، للزوم إحراز ركوع الإمام ، وإنّما الخلاف في الصحّة والبطلان فيما لو طرأ الشكّ بعد الدخول في الصلاة ، كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فهذا المورد ملحق بالمورد الأوّل وهو فرض القطع بعدم إدراك الإمام راكعاً ، غايته أنّ الإحراز هناك واقعي مستند إلى القطع وهنا ظاهري مستند إلى الأصل ، فيجري فيه ما تقدّم هناك من الاحتمالات الثلاثة
1) الوسائل 8 : 383 / أبواب صلاة الجماعة ب 45 ح 3.
والأحوط في صورة الشكّ الإتمام والإعادة (1)(1) ، أو العدول (2) إلى النافلة والإتمام ثمّ اللحوق في الركعة الأُخرى.
وقد عرفت : أنّ الأقوى هو البطلان ، لعدم إمكان الحكم بالصحّة لا جماعة ولا فرادى.
والمتحصّل : أنّ الأظهر الحكم بالبطلان مطلقاً في كلتا صورتي القطع والشكّ ، فلاحظ.
(1) بلا إشكال ، لكونه أخذاً بكلا طرفي الاحتمال : الإدراك وعدمه.
(2) إن كان الوجه فيه احتمال صحّة الصلاة فرادى وإن لم يدركه راكعاً وذلك لجواز العدول حينئذ إلى النافلة لإدراك الجماعة كما سبق ، فهو صحيح غير أنّه لا يختصّ بصورة الشكّ ، بل يجري مع القطع بعدم الإدراك أيضاً ، لعين ما ذكر ، فما هو الموجب للتخصيص بالشكّ؟
وإن كان ذلك لاحتمال صحّتها جماعة لاحتمال إدراك الإمام راكعاً ، بأن يكون الدوران بينها وبين البطلان من دون احتمال الصحّة فرادى ، فلا وجه له أصلاً ، لعدم جواز العدول على التقديرين ، فانّ الموضوع لجواز العدول هي الصلاة الصحيحة فرادى ، دون الباطلة أو الصحيحة جماعة كما لا يخفى.
وعلى الجملة : إمّا أن يعتدّ باحتمال الصحّة فرادى أو لا ، وعلى الأوّل لا يختصّ الاحتياط بالعدول بمورد الشكّ في الإدراك ، وعلى الثاني لا احتياط بالعدول ، لعدم مشروعيته كما هو ظاهر.
والصحيح هو الأوّل ، ومن هنا حكمنا بجريان الاحتياط المذكور حتّى مع القطع بعدم الإدراك كما مرّ.
1) (*) إن كان الاحتياط لأجل احتمال صحّة الصلاة مع عدم إدراك الإمام راكعاً فلا يختصّ ذلك بصورة الشكّ ، بل يعمّ صورة القطع بعدم الإدراك أيضاً ، وإن كان لأجل احتمال صحّة الجماعة لاحتمال إدراك الإمام راكعاً فلا احتياط في العدول إلى النافلة كما هو ظاهر.
[1893] مسألة 26 : الأحوط عدم الدخول إلّا مع الاطمئنان بإدراك ركوع الإمام (1) وإن كان الأقوى جوازه مع الاحتمال (2) ، وحينئذ فإن أدرك صحّت وإلّا بطلت.
[1894] مسألة 27 : لو نوى وكبّر فرفع الإمام رأسه قبل أن يركع أو قبل أن يصل إلى حدّ الركوع لزمه الانفراد (3) أو انتظار الإمام (1)قائماً إلى الركعة الأُخرى (4) فيجعلها الاولى له إلّا إذا أبطأ الإمام بحيث يلزم الخروج عن صدق الاقتداء.
(1) لاحتمال اعتبار الجزم بالنيّة مع التمكّن منه في صحّة العبادة.
(2) لعدم الدليل عليه ، وجواز الإتيان بالعمل بعنوان الرجاء كما في سائر موارد الاحتياط على ما بيّناه في مبحث الاجتهاد والتقليد (2). وعليه فالاحتياط غير واجب ، بل الأقوى كما عليه المصنّف (قدس سره) هو جواز الدخول في الجماعة بقصد الرجاء حتّى مع احتمال الإدراك ، فإن أدرك صحّت وإلّا بطلت.
(3) لا غبار عليه ، ولا سيما بعد البناء على جوازه في الأثناء اختياراً.
(4) هذا مشكل جدّاً بعد كونه على خلاف القاعدة ، لعدم تحقّق الائتمام منه خارجاً ، ومجرّد قصده ذلك لا يحقّق الائتمام ، كيف وهو متقوّم بالتبعية؟ ولا متابعة حسب الفرض ، ولا دليل على اغتفار الفصل بهذا المقدار ، هذا. ولم يرد في خصوص المقام نصّ معتبر أو غير معتبر كي يعتمد عليه في الحكم بجواز الانتظار وتحقّق الائتمام.
نعم ، هناك روايات وردت في من أدرك الإمام بعد رفع رأسه من الركوع أو
.................................................................................................
في حال السجود دلّت على جواز الدخول معه في السجدة من دون أن يعتدّ بها ، فقد قيل بالتعدّي عن موردها إلى المقام ، فإنّه إذا جاز الدخول مع زيادة السجدتين وهما ركن فالجواز هنا بالانتظار العاري عن مثل هذه الزيادة بطريق أولى ، فيستفاد منها عدم تعيّن الانفراد في المقام بالأولوية القطعية ، هذا.
ولكن الحكم المذكور غير ثابت في مورده فيما عدا السجدة في الركعة الأخيرة والتشهّد الأخير ممّا سيأتي الكلام فيه (1)، لضعف النصوص سنداً وبعضها دلالة أيضاً ، مع عدم الدليل على اغتفار مثل هذه الزيادة في الركن ومقتضى الأدلّة هو البطلان. كما أنّ ما دلّ على العفو عنها إذا كانت لمتابعة الإمام غير شامل للمقام كما لا يخفى ، وإليك النصوص :
1 - رواية المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ، ولا تعتدّ بها» (2). وهي ضعيفة السند بمعلّى بن خنيس ، وأمّا الدلالة فظاهرة.
2 - رواية عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : «إذا وجدت الإمام ساجداً فاثبت مكانك حتّى يرفع رأسه ، وإن كان قاعداً قعدت وإن كان قائماً قمت» (3).
وفي سندها عبد اللّه بن محمد ، والظاهر أنّه عبد اللّه بن محمد بن عيسى أخو أحمد (4)بن محمّد ، الملقّب ب- (بنان) ، وهو وإن لم يوثّق في كتب الرجال لا باسمه ولا بلقبه لكنّه وارد في أسانيد كامل الزيارات (5). فلا مجال للمناقشة فيها سنداً.
.................................................................................................
إلا أنّ دلالتها قاصرة ، فانّ قوله عليهالسلام : «فاثبت مكانك» أعمّ من الدخول في الصلاة. ولعلّ المراد به الثبوت والاستقرار وانتظار الإمام للالتحاق به في الركعة التالية ، بأن يقف في مكانه إذا كان الإمام ساجداً ، ويقعد إذا كان قاعداً ، ويقوم إذا كان قائماً ، ثمّ يأتمّ به ويدخل معه في الصلاة. فلا تدلّ على الائتمام به من أوّل الأمر.
3 - ما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن معاوية بن شريح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : إذا جاء الرجل ... إلى أن قال : ومن أدرك الإمام وهو ساجد كبّر وسجد معه ، ولم يعتدّ بها ...» (1).
ودلالتها وإن كانت ظاهرة لكنّ السند ضعيف ، لعدم توثيق معاوية بن شريح ، وإن كان طريق الصدوق (قدس سره) إليه صحيحاً (2).
4 - ما رواه في المجالس عن أبي هريرة قال «قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئاً ...» (3)وفي السند عدّة من المجاهيل والضعاف فلا يعتدّ بها.
وعلى الجملة : الاستدلال بالأخبار المذكورة لجواز الدخول في الصلاة ومتابعة الإمام في السجود ساقط ، فلا مجال للاستدلال بها على جواز الانتظار في المقام.
بل قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة عدم الجواز ، فانّ السجود زيادة عمدية ولا دليل على العفو عنها في المقام ، كما لا دليل على العفو عن الفصل المخلّ بصدق الائتمام.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ الأحوط بل الأظهر الاقتصار على قصد الانفراد في محلّ الكلام ، نعم لا بأس بمتابعة الإمام في السجود وإعادة التكبير بعد القيام
ولو علم قبل أن يكبّر للإحرام عدم إدراك ركوع الإمام لا يبعد جواز دخوله وانتظاره (1)إلى قيام الإمام للركعة الثانية مع عدم فصل يوجب فوات صدق القدوة (1) وإن كان الأحوط عدمه.
بقصد القربة المطلقة الأعمّ من تكبيرة الإحرام ومن الذكر ، بعد احتمال صدور تلكم الأخبار واقعاً مع شمولها للمقام. فلا بأس بالعمل بها مع رعاية الاحتياط في التكبيرة ، لعدم قدح المتابعة على كلّ تقدير.
(1) عدم الجواز هنا أولى منه في الصورة السابقة كما لا يخفى ، نعم لا بأس بالدخول مع المتابعة ومراعاة الاحتياط على النحو المتقدّم آنفاً.
فرع : إذا شكّ المأموم في الإدراك بعد رفع رأسه من الركوع بدون أن يشكّ فيه حال الركوع لغفلته أو اعتقاده الإدراك حينذاك ، فقد حكم المحقّق الهمداني (قدس سره) بالصحّة استناداً إلى قاعدة التجاوز ، لكونه شكّاً في الصحّة بعد تجاوز المحلّ (2)، بل قد حكم بعضهم بالصحّة حتّى لو كان الشكّ حال الركوع بعد الفراغ من الذكر ، استناداً إلى القاعدة بدعوى عدم اعتبار الدخول في الغير في جريانها إذا كان الشكّ في صحّة الشيء كما في المقام لا في أصل وجوده.
أقول : أمّا القول الأخير فساقط جدّاً ، فإنّه مضافاً إلى ما سنذكره من عدم جريان قاعدة التجاوز في أمثال المقام إنّما يتمّ لو كان الشكّ في صحّة الذكر لا في صحة الركوع كما هو المفروض ، وإلّا فالشكّ في صحّة الركوع شكّ في المحلّ ، حيث لم يفرغ منه بعد ، فمقتضى مفهوم قاعدة التجاوز هو الاعتناء بالشكّ.
.................................................................................................
وأمّا ما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) فلا يمكن الموافقة عليه ، لابتنائه على حجّية القاعدة تعبّداً ، وليس كذلك ، فانّ الظاهر بمقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحقّ في نصوص القاعدة (1)أنّ حجّيتها من باب تتميم ما لَها من الكاشفية النوعية ، فإنّ المكلّف الذي هو بصدد الامتثال لا يقصّر في وظيفته عامداً بطبيعة الحال ، فلم يبق إلّا احتمال الغفلة أو النسيان وبما أنّه حين العمل أذكر فلا يعتني بالاحتمال المذكور.
ومقتضى ذلك اختصاص القاعدة بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة ، كي يتمّ التعليل بالأذكرية ، فكلّ خلل احتمل المكلّف صدوره منه من ترك جزء أو شرط ، أو الإتيان بالمانع لشكّه في كيفية ما فعله لا يعتني بهذا الاحتمال لكونه حين العمل أذكر.
وأمّا مع انحفاظ صورة العمل وعدم احتمال الخلل اختياراً ، وتمحّض احتمال الصحّة في الصدفة الخارجة عن الاختيار كما لو صلّى إلى جهة معيّنة وشكّ بعد الفراغ في أنّها هي القبلة أو لا ، أو توضّأ بمائع معيّن ثمّ شكّ في إطلاقه فلا تجري القاعدة حينئذ ، لمساواة ما بعد الفراغ مع حال العمل من حيث الذكر وعدمه ، لعدم كون الشكّ في فعل اختياري ، بل في أمر واقعي لا يعود إليه بوجه ، وهو اتّصاف الجهة بكونها القبلة صدفة واتّفاقاً ، كاتّصاف الماء بالإطلاق ، ولا تتكفّل القاعدة بإثبات الصحّة المشكوك فيها اعتماداً على المصادفات الاتّفاقية.
والمقام من هذا القبيل ، إذ لا شكّ فيما يرجع إلى الركوع من ناحيته ، لانحفاظ صورة العمل ، وإنّما الشكّ في أمر خارج عن اختياره ، وهو رفع (2)الإمام رأسه
[1895] مسألة 28 : إذا أدرك الإمام وهو في التشهّد الأخير يجوز له الدخول معه (1) بأن ينوي ويكبّر ثمّ يجلس معه ويتشهّد ، فاذا سلّم الإمام يقوم فيصلّي من غير استئناف للنيّة والتكبير ، ويحصل له بذلك فضل الجماعة وإن لم يحصل له ركعة.
قبل أن يستكمل المأموم ركوعه من باب الصدفة والاتّفاق ، ومثله غير مشمول للقاعدة ، من دون فرق بين ما إذا كان الشكّ في أصل الوجود كما في قاعدة التجاوز المتقوّمة بتجاوز المحلّ والدخول في الغير ، أو في وصف الصحّة كما في قاعدة الفراغ غير المتقوّمة بذلك ، لرجوع القاعدتين إلى قاعدة واحدة كبروياً كما حقّقناه في الأُصول (1).
وكيف ما كان ، فلا مجال لجريان القاعدة في المقام ، سواء أكان غافلاً حال الركوع أم معتقداً للإدراك ولكنّه شكّ فيه بعد رفع الرأس.
نعم ، في صورة اعتقاد الإدراك وتيقّنه يمكن التمسّك بقاعدة اليقين بناءً على حجّيتها وعدم الاعتناء بالشكّ الساري كغيره الطارئ. لكن المبنى فاسد ، إذ لا أساس للقاعدة كما حرّر في محلّه (2).
إذن فالمتّجه عدم انعقاد الجماعة وإن صحّت فرادى ، إذ لا خلل إلّا من ناحية القراءة المتروكة ، وهي مشمولة لحديث لا تعاد.
(1) على المعروف المشهور بل حكي عليه الإجماع لموثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يدرك الإمام وهو قاعد يتشهد وليس خلفه إلّا رجل واحد عن يمينه ، قال : لا يتقدّم الإمام ولا يتأخّر الرجل ولكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام ، فإذا سلّم الإمام قام الرجل فأتمّ صلاته» (3).
.................................................................................................
وهي ظاهرة الدلالة على الدخول معه في الصلاة والقعود للتشهّد متابعة من دون استئناف للتكبير بعد القيام وتسليم الإمام ، لقوله عليهالسلام : «فأتمّ صلاته» ، فإنّ الإتمام يلازم صحّة التكبيرة الاولى ، وكونها محقّقة للدخول في الصلاة فيتمّها حينئذ ، وإلّا فلو كان الاستئناف واجباً لعبّر عن ذلك بالشروع دون الإتمام كما لا يخفى. وبذلك تحصل له فضيلة الجماعة وإن لم تحصل له ركعة ، لتقوّمها بالركوع المفروض عدم إدراكه له ، هذا.
وقد تعارض بموثّقته الأُخرى قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل أدرك الإمام وهو جالس بعد الركعتين ، قال : يفتتح الصلاة ، ولا يقعد مع الإمام حتّى يقوم» (1)، فإنّها تضمّنت النهي عن القعود مع الإمام ، في حين أنّ الاولى اشتملت على الأمر به.
وقد جمع بينهما في الوسائل تارة بحمل الأمر على الاستحباب والنهي على الجواز. وهو كما ترى في غاية البعد ، وكيف يحمل النهي الظاهر في المنع على الجواز كي يحمل الأمر في قباله على الاستحباب؟ فإنّه لم يكن من الجمع العرفي في شيء ، بل هما من المتعارضين عرفاً.
نعم ، إذا ورد الأمر بشيء في قبال نفي البأس عن تركه ، أو النهي عن شيء في مقابل نفي البأس عن فعله أمكن الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب أو الكراهة ، وأين ذلك من المقام؟
واخرى وهو الصحيح باختلاف مورد الموثّقتين ، لورود الاولى في التشهّد الأخير بقرينة قوله عليهالسلام : «فاذا سلّم الإمام» ، ولا مناص له حينئذ من القعود ليدرك الإمام ويتابعه فيما تيسّر من الأجزاء حتّى يتحقّق الائتمام المتقوّم بالمتابعة ، ويحصل بذلك على فضل الجماعة.
وأمّا الثانية فموردها التشهّد الأوّل بقرينة قوله عليهالسلام : «حتّى يقوم» إذ من الواضح أنّه لا مقتضي حينئذ للقعود بعد إمكان الإدراك والمتابعة في
1) الوسائل 8 : 393 / أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 4.
.................................................................................................
الركعات الآتية ، فالموثّقتان متضمّنتان لحكمين مختلفين في موردين ، من دون تعارض في البين.
وأمّا التشهّد فالموثّقة المتقدّمة كغيرها من النصوص والكثير من كلمات الأصحاب وإن كانت خالية عن التعرّض له ، لتضمّنها الأمر بالقعود فقط لكنّه لا بأس بالإتيان به كما ذكره الماتن (قدس سره) وغيره رجاءً أو بقصد مطلق الذكر.
وكيف ما كان ، فالموثّقتان صريحتان في الاعتداد بالتكبيرة السابقة وعدم الحاجة إلى استئنافها.
وعن صاحب الحدائق (قدس سره) معارضتهما بما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه عن عبد اللّه بن المغيرة قال : «كان منصور بن حازم يقول : إذا أتيت الإمام وهو جالس قد صلّى ركعتين فكبّر ثمّ اجلس ، فإذا قمت فكبّر» (1)لتضمّنه الأمر باستئناف التكبير.
وقد تصدّى (قدس سره) لتصحيح السند بأنّ الرواية وإن لم تكن مسندة إلى الإمام ، ولعلّ منصور بن حازم أفتى بذلك حسب نظره ورائه ، إلّا أنّ جلالته وهو من أجلّ ثقات الأصحاب تأبى عن أن يقول ذلك إلّا عن تثبّت وسماع من المعصوم عليهالسلام ، ثمّ قال (قدس سره) : وحينئذ فتبقى المسألة في قالب الإشكال (2).
أقول : لا ينبغي الإشكال في المسألة ، فإنّ أصحاب الأئمة عليهمالسلام لم يكونوا مقتصرين على نقل الرواية عنهم عليهمالسلام فقط ، بل إنّهم كثيراً ما كانوا يبدون آراءهم ويفتون حسب اجتهادهم واستنباطهم من كلماتهم عليهمالسلام أيضاً. وجلالة قدرهم لا تنافي ذلك ، بل تؤكّده كما لا يخفى.
وعليه فمن الجائز أن يكون ما قاله منصور بن حازم في هذه الرواية هو
[1896] مسألة 29 : إذا أدرك الإمام في السجدة الأُولى أو الثانية من الركعة الأخيرة وأراد إدراك فضل الجماعة نوى وكبّر وسجد معه السجدة أو السجدتين وتشهّد ، ثمّ يقوم بعد تسليم الإمام ويستأنف الصلاة (1)
فتواه كما هو الظاهر ، ولا أقلّ من الشكّ. فلم يعلم منها أنّه رواية أم دراية ونتيجة ذلك عدم ثبوت الرواية عن المعصوم عليهالسلام كي تنهض لمعارضة الموثّقتين ، وتكون النتيجة التوقّف في المسألة.
(1) لم يتعرّض (قدس سره) لحكم إدراكه في السجود من سائر الركعات. والظاهر كونه ملحقاً بإدراكه في السجدة الاولى من الركعة الأخيرة فيقع الكلام تارة : في إدراكه فيما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ، سواء أكانت هي السجدة الأُولى منها أم الأُولى أو الثانية من سائر الركعات ، وأُخرى : في إدراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الأخيرة.
المقام الأوّل : في إدراكه فيما عدا السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ، ولم يرد فيه نصّ معتبر يدلّ على جوازه وصحّة الائتمام حينئذ.
وعمدة ما يستدلّ به لذلك هما روايتا معلّى بن خنيس ومعاوية بن شريح المتقدّمتان (1).
أمّا الثانية : فضعيفة السند بمعاوية بن شريح ، وإن صحّ إسناد الصدوق (قدس سره) إليه كما مرّ.
وأمّا الأُولى : فإنّ المعلّى بن خنيس نفسه فيه كلام ، فقد ضعّفه النجاشي صريحاً (2)، ومع الإغماض عنه فهي ضعيفة بأبي عثمان الأحول ، فقد عنونه النجاشي (رحمه اللّه) في موضعين :
أحدهما : في باب الأسماء بعنوان : معلّى بن عثمان الأحول وقيل : ابن زيد.
.................................................................................................
وقد وثّقه ، وقال : له كتاب ، يروى عنه محمد بن زياد (1)أي ابن أبي عمير.
والآخر : في باب الكنى ، بدون أن يذكر اسمه ، فقال : أبو عثمان الأحول ، له كتاب ، يروي عنه صفوان (2). ولم يتعرّض لتوثيقه ، ممّا يشعر باختلافه مع الذي ترجم له في باب الأسماء.
وقد عنونه الشيخ (قدس سره) أيضاً في الفهرست في باب الكنى (3)بمثل ما ذكره النجاشي (قدس سره) مع تصريحه في أوّل الكتاب (4)بأنّه إنّما يذكر في الكنى من لم يعثر على اسمه. فيظهر من ذلك اشتراك أبي عثمان الأحول بين شخصين ، أحدهما معلوم الاسم ، ثقة ، يروي كتابه عنه ابن أبي عمير. والآخر مجهوله ، ولم يوثّق ، وراوي كتابه صفوان.
وحيث إنّ الراوي عن أبي عثمان في هذه الرواية هو صفوان يستظهر من ذلك أنّ المراد هو الثاني الذي لم يوثّق.
وقد يقال : إنّ الراوي لكتاب معلّى بن خنيس هو معلّى بن عثمان الثقة ولأجل أنّ الأحول في هذه الرواية يروي عن معلّى بن خنيس فلذلك يظنّ منه كونه معلّى بن عثمان الثقة.
ولكنّه كما ترى ظنّ لا يكاد يغني عن الحقّ شيئاً ، سيما وأنّ الأحول لم ينقل الرواية عن كتاب معلّى بن خنيس ، بل عنه نفسه ، فمن الجائز أن يكون هناك طريقان أحدهما إلى كتابه وفيه : ابن أبي عمير عن معلّى بن عثمان الأحول الثقة ، عنه. والآخر إليه نفسه وفيه : صفوان عن أبي عثمان الأحول الذي لم يوثّق عنه.
وكيف كان ، فلم يعلم أنّ المراد به في المقام هو الثقة ، ولا أقلّ من الترديد
ولا يكتفي بتلك النيّة والتكبير (1)
بين الشخصين ، وذلك يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار. والنتيجة ضعف الروايتين معاً.
وعلى هذا فلا مجال للتعويل عليهما في الخروج عمّا تقتضيه القاعدة من البطلان للزيادة العمدية في السجدة ، ولا سيما السجدتين معاً اللتين هما من الركن. ودليل اغتفار الزيادة العمدية الحاصلة من جهة المتابعة قاصر عن شمول المقام ، لاختصاصه بما إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام فعاد إلى ذلك للمتابعة ، وأين ذلك ممّا نحن فيه؟
وأمّا رواية عبد الرحمن المتقدّمة (1)فهي وإن كانت نقيّة السند كما سبق (2)لكنّها قاصرة الدلالة ، بل هي أجنبية عمّا نحن فيه ، لعدم تضمّنها الأمر بالسجود ، بل قد عرفت فيما سبق أنّ قوله عليهالسلام : «فاثبت مكانك ...» لا يدلّ على الدخول في الصلاة ، بل لعل المراد كما هو الظاهر المكث والانتظار حتّى ينكشف الحال ، فان قعد الإمام بعد رفع رأسه من السجدة قعد معه ، وإن قام قام هو ، فيكون الائتمام بعد ذلك أي حال التشهّد أو القيام.
وأمّا رواية أبي هريرة المتقدّمة (3)فقد تقدّم ضعف سندها من جهات.
وعلى الجملة : فالحكم غير ثابت لضعف نصوص الباب.
(1) لو سلّمنا اعتبار سند النصوص المتقدّمة وبنينا على جواز الائتمام في مفروض الكلام ، فهل يلزمه استئناف التكبير بعد القيام كما اختاره في المتن بل عن المدارك نسبته إلى الأكثر (4)أم لا كما نسب إلى جماعة ، بل قد أصرّ
.................................................................................................
عليه في الجواهر (1)؟ فيه خلاف بين الأعلام (قدس سرهم).
ومنشأ الخلاف هو اختلافهم في كيفية الاستظهار من الأخبار وتعيين مرجع الضمير في قوله عليهالسلام : «ولم يعتد بها» الوارد في روايتي معلّى بن خنيس ومعاوية بن شريح المتقدّمتين (2)وأنّ ضمير التأنيث هل يعود إلى الصلاة كي يدلّ على إلغائها وعدم الاعتناء بها الملازم لاستئناف التكبير ، أو أنّه يعود إلى السجدة ليكون الملغى هي وحدها دون أصل الصلاة ، فلا حاجة إلى الاستئناف.
وقد يقال : بتعيّن الاحتمال الأوّل وأنّه لا مجال للاحتمال الثاني ، لعدم سبق لفظ السجدة في الكلام ، بل المذكور هو : سجد ، ومصدره السجود دون السجدة التي بمعنى المرّة. فلا يصح رجوع الضمير المؤنّث إليه ، بل اللازم إرجاع الضمير المذكّر إليه.
أقول : بل المتعيّن هو الاحتمال الثاني :
أمّا أوّلاً : فلأنّ عود الضمير إلى الصلاة بعيد غايته ، حيث إنّه لم تصدر منه صلاة خارجاً كي يحكم عليها بالاعتداد أو عدمه ، فإنّ السجدة الواحدة بل السجدتين ليست من حقيقة الصلاة في شيء حتّى على القول بوضع ألفاظ العبادات للأعمّ ، فإنّ الأعميّ أيضاً لا يرتضي ذلك ، ولا يرى صحّة الإطلاق على الجزء أو الجزأين كما لا يخفى.
على أنّ لفظة الصلاة غير مسبوقة بالذكر في رواية المعلّى ، وإنّما المذكور الركعة ، وعود الضمير إليها كما ترى خلاف الظاهر جدّاً ، لتقوّمها بالركوع ، ولم يصدر منه حسب الفرض.
وعلى الجملة : لم يسبق ذكر الركعة ولا الصلاة في رواية معاوية ، ولا صدر
.................................................................................................
منه شيء منهما كي يحكم بعدم الاعتداد بها. والركعة وإن ذكرت في رواية المعلّى لكنّها لم تصدر منه كي يحكم عليها بعدم الاعتداد. وهكذا الحال في رواية أبي هريرة المتقدّمة (1)، فانّ عود الضمير فيها إلى الصلاة بعيد في الغاية ، لما ذكر.
وثانياً : فلأنّ الأقرب يمنع الأبعد ، ومقتضاه عود الضمير إلى السجدة لكونها أقرب ، فيتعيّن الاحتمال الثاني.
وأمّا حديث تأنيث الضمير فغير قادح ، حيث لا يتعيّن عوده إلى المصدر المستفاد من الكلام دائماً ، بل يختلف ذلك باختلاف المقامات والمناسبات ، فربما يعود الضمير إليه ، وربما يعود إلى اسم المصدر وهو السجدة في المقام بكسر السين.
وقد تعرّضنا في بحث المشتق من أُصول الفقه (2)للفرق بين المصدر واسمه ، وقلنا : إنّهما متّحدان ذاتاً متغايران اعتباراً ، كالإيجاد والوجود ، فانّ العرض إذا لوحظ فيه المعنى الحدثي أعني قيامه بالمحلّ وانتسابه إليه فهو المصدر ، ويعبر عنه في المقام بالسجود ، وإن لوحظ بحياله واستقلاله وبما هو موجود مستقلّ في مقابل سائر الموجودات مع صرف النظر عن الانتساب فهو اسم المصدر ، المعبر عنه في المقام بالسجدة بكسر السين كما عرفت.
والشائع في اللغة الفارسية هو الانفكاك بينهما في الصيغة ، فالمصدر لحدث الضرب يعبر عنه ب- (زدن) واسم المصدر (كتك) ، وهو قليل في اللغة العربية.
وغير خفي أنّ المناسب في المقام هو عود الضمير إلى اسم المصدر دون المصدر نفسه ، فانّ المحكوم عليه بعدم الاعتداد هو ذات السجود لا بوصف الانتساب إلى الفاعل ، إذ لا معنى لرعاية المعنى الحدثي في هذا الحكم كما لا يخفى.
فظهر أنّ المتعيّن بمقتضى القواعد الأدبية هو عود الضمير إلى السجدة ، وأنّ تأنيث الضمير حينئذ في محلّه ، ولا مجال لإرجاعه إلى الصلاة ولا إلى الركعة.
ولكن الأحوط (1) إتمام الأُولى بالتكبير الأوّل ثمّ الاستئناف بالإعادة.
وعليه فالأقوى الاجتزاء بالتكبيرة الاولى ، وعدم الحاجة إلى الاستئناف.
(1) رعاية للخلاف الموجود في المسألة. ولكن الاحتياط يتأدّى بالإتيان بتكبيرة أُخرى بعد القيام بقصد الجامع بين تكبيرة الإحرام على تقدير لزوم الاستئناف وبين مطلق الذكر على تقدير لزوم الإتمام ، فإنّه بذلك يتحفّظ على الواقع على كلّ تقدير بلا حاجة إلى إعادة الصلاة.
وأمّا الإتيان بالتكبيرة الثانية بقصد الافتتاح خاصّة فهو على خلاف الاحتياط ، بل غير جائز على ما ذكرناه ، لاستلزامه قطع الفريضة بناء على حرمته.
المقام الثاني : في إدراكه في خصوص السجدة الثانية من الركعة الأخيرة والأقوى حينئذ جواز الائتمام ، لدلالة النصّ الصحيح عليه ، وهو صحيح محمّد ابن مسلم قال «قلت له : متى يكون يدرك الصلاة مع الإمام؟ قال : إذا أدرك الإمام وهو في السجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام» (1).
واحتمال كون المراد به مجرّد الانتهاء إلى الإمام وهو في السجدة الأخيرة بأن يشاهده كذلك من دون الائتمام به ، فيكون ذلك كافياً في إدراك فضل الجماعة كما ترى بعيد في الغاية ، لمنافاته مع الإدراك في قوله عليهالسلام : «إذا أدرك الإمام ...» ، فإنّ إدراك الإمام بما هو إمام لا يطلق إلّا عند الائتمام به واتّصافه بالمأمومية ، ولا يكون مجرّد مشاهدته إماماً بدون الاقتداء به من الإدراك في شيء.
كما أنّ احتمال الافتقار إلى استئناف التكبير وعدم دلالة الرواية على الاجتزاء بالأُولى في غاية البعد ، ومخالف جدّاً لظهورها العرفي كما لا يخفى.
1) الوسائل 8 : 392 / أبواب صلاة الجماعة ب 49 ح 1.
[1897] مسألة 30 : إذا حضر المأموم الجماعة فرأى الإمام راكعاً ، وخاف أن يرفع الإمام رأسه إن التحق بالصفّ نوى وكبّر في موضعه (1)
نعم ، مقتضى الاحتياط هو الإتيان بتكبيرة مردّدة بين تكبيرة الافتتاح والذكر المطلق كما سبق.
(1) بلا خلاف فيه ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وتقتضيه جملة من النصوص :
منها : صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام : «أنّه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة ، فقال : يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشي وهو راكع حتّى يبلغهم» (1).
ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : إذا دخلت المسجد والإمام راكع فظننت أنّك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبّر واركع ، فاذا رفع رأسه فاسجد مكانك ، فاذا قام فالحق بالصف ، فاذا جلس فاجلس مكانك ، فاذا قام فالحق بالصف» (2).
وهي كالأُولى في الدلالة ، وإن افترقت عنها في موضع المشي.
ومنها : موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أدخل المسجد وقد ركع الإمام فأركع بركوعه وأنا وحدي وأسجد ، فاذا رفعت رأسي أيّ شيء أصنع؟ فقال : قم فاذهب إليهم ، وإن كانوا قياماً فقم معهم ، وإن كانوا جلوساً فاجلس معهم» (3).
وربما يستدلّ له أيضاً بصحيحة معاوية بن وهب قال : «رأيت أبا عبد اللّه عليهالسلام يوماً وقد دخل المسجد لصلاة العصر فلمّا كان دون الصفوف
وركع ثمّ مشى في ركوعه (1) أو بعده أو في سجوده أو بعده أو بين السجدتين أو بعدهما أو حال القيام للثانية إلى الصفّ ، سواء كان لطلب المكان الأفضل أو للفرار عن كراهة الوقوف في صف وحده ، أو لغير ذلك.
ركعوا فركع وحده ، ثمّ سجد السجدتين ، ثمّ قام فمضى حتّى لحق الصفوف» (1).
وأورد صاحب الحدائق (قدس سره) (2)على عدّها من أخبار الباب والاستدلال بها كما عن الأصحاب (قدس سرهم) بإيراد متين حاصله : أنّ ائتمامه عليهالسلام إنّما كان بالمخالف كما تقتضيه طبيعة الحال ، فتكون الصلاة للتقيّة ، وهي بصورة الجماعة ، وواقعها انفرادية ، ولذا تجب القراءة فيها ولو بمثل حديث النفس.
فهو عليهالسلام كان مؤتمّاً صورة ومنفرداً حقيقة ، وعليه فكما أنّ أصل الصلاة معهم كان للتقية جاز أن يكون ما فعله من المشي حال الصلاة والالتحاق بالصفّ أيضاً للتقيّة ، لموافقته لمذهب العامّة (3). فلا يمكن الاستدلال بها.
وكيف ما كان ، ففيما تقدّم ذكره من الصحيحتين والموثّقة غنى وكفاية مضافاً إلى تسالم الأصحاب (قدس سرهم) على الحكم كما عرفت.
(1) كما تقتضيه صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة (4)، لقوله عليهالسلام «يمشي وهو راكع» ، وظاهره تعيّن ذلك ، وأنّ اغتفار البعد خاصّ بمرحلة الحدوث ويجب الالتحاق في حال الركوع بقاءً. فلو كنّا نحن والصحيحة لحكمنا بلزوم العمل بمقتضاها.
وسواء كان المشي إلى الأمام أو الخلف (1) أو أحد الجانبين
غير أنّ صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة (1)تضمّنت توقيت ذلك بحال رفع الإمام رأسه عن سجوده أو قيامه للركعة التالية. وقريب منها الموثّقة المتقدّمة أيضاً (2).
ومقتضى الجمع بينهما هو التخيير وجواز الالتحاق في كلّ من الموضعين. وبمقتضى الفهم العرفي يستفاد منها جواز الالتحاق بالصفّ فيما بين الحدّين أيضاً ، فإنّ الترخيص في التأخير إلى حال القيام ظاهر عرفاً في جواز الالتحاق في أيّ جزء يتخلّل فيما بين حال الركوع وحال القيام للثانية.
وبكلمة اخرى : من المحتمل قادحية عدم الالتحاق فيما بين الحدّين ، وأمّا قادحية الالتحاق فيه فهي غير محتملة أصلاً كما لا يخفى.
وعليه فيجوز له الالتحاق في جميع المواضع المذكورة في المتن ، فإنّها وإن لم تكن منصوصاً عليها غير أنّ حكمها مستفاد من النصوص المتقدّمة بالتقريب المذكور.
(1) عملاً بإطلاق النصوص. وقد يتخيّل المنع عن المشي إلى الخلف لصحيحة محمّد بن مسلم قال «قلت له : الرجل يتأخّر وهو في الصلاة؟ قال : لا ، قلت : فيتقدّم؟ قال : نعم ، ماشياً إلى القبلة» (3). وفي بعض النسخ : «ما شاء» بدل «ماشياً».
ويتوجّه عليه : أنّ مفاد الصحيحة المنع عن التأخّر في مطلق الصلوات من دون فرق بين الجماعة والفرادى ، فلم ترد لخصوص حكم المقام وإن أدرجها صاحب الوسائل (قدس سره) في روايات الباب. ولا شكّ في جواز التأخّر للمنفرد ، لعدم كونه من قواطع الصلاة بالضرورة.
وعليه فلا بدّ من حملها - ولو بقرينة الذيل الدالّ على جواز المشي إلى القبلة
بشرط أن لا يستلزم الانحراف عن القبلة (1) ، وأن لا يكون هناك مانع آخر من حائل أو علو أو نحو ذلك (2).
(1) لما دلّ على اعتبار الاستقبال ، وعدم ما يدلّ على اغتفاره هنا ، فلا بدّ وأن يكون المشي بنحو لا يستلزم الاستدبار أو الانحراف عن القبلة ، ولو بنحو القهقرى ، تحاشياً من ذلك.
(2) قد يقال بشمول الحكم لما إذا كان هناك مانع آخر أيضاً ممّا ذكر في المتن ، لإطلاق النصوص. وقد يدّعى اختصاصه بما إذا لم يكن مانع آخر حتّى البعد المانع من الالتحاق اختياراً ، فانّ هذا الحكم بمثابة الاستثناء من كراهة الانفراد بالصفّ في الجماعة إذا كانت فرجة فيها ، وليس استثناءً من التباعد. وربما ينسب هذا القول إلى المشهور ، بل استظهر في الجواهر عن بعض مشايخه دعوى الاتفاق عليه والمبالغة في تشييده والإنكار على من زعم الاستثناء من التباعد (1).
وفصّل شيخنا الأنصاري (قدس سره) بين البعد وبين غيره من الموانع فخصّ الاغتفار بالأوّل (2). وهو جيد جدّاً ، فانّ النصوص مسوقة لبيان العفو من جهة البعد فقط ، ولا نظر لها إلى صورة الاقتران ببقيّة الموانع كي ينعقد لها إطلاق بالإضافة إليها ، فيكون إطلاق أدلّة الموانع من الحائل ونحوه هو المحكّم بعد فرض سلامته عن التقييد.
وأمّا البعد المفروض قدحه اختياراً فلا ينبغي الإشكال في كونه مشمولاً للنصوص لو لم يكن هو موردها ، فانّ قوله عليهالسلام في صحيحة ابن
نعم لا يضرّ البعد الذي لا يغتفر حال الاختيار على الأقوى إذا صدق معه القدوة (1) وإن كان الأحوط اعتبار عدمه (1)أيضاً.
مسلم المتقدّمة : «قبل أن يبلغ القوم» وفي صحيحة عبد الرحمن : «إن مشيت إليه» وفي الموثّقة : «فاذهب إليهم» يعطينا الظهور القويّ في ورود النصوص في من يريد الاقتداء وهو بعيد من القوم ، بحيث يصدق في حقّه أنّه لم يبلغهم لوجود الفاصل بينه وبينهم بمسافة تعدّ بالأمتار ، بحيث يحتاج الوصول إليهم إلى المشي والذهاب دون مجرّد التخطّي والانسحاب من صفّ إلى صفّ ، فانّ المنفرد بالصفّ بالغُهم لا أنّه لم يبلغهم بعد ، خصوصاً على القول باعتبار أن لا يكون الفصل في الجماعة بأكثر ممّا يتخطّى ، فانّ هذه النصوص كالصريحة في إرادة البعد بأكثر من هذا المقدار كما لا يخفى.
وكيف ما كان ، فلا ينبغي الترديد في قصر النظر في هذه النصوص على الاستثناء من أدلّة مانعية التباعد ، فيكون حملها على الاستثناء من كراهة الانفراد بالصفّ بعيداً عن مساقها جدّاً ، وإن نسب القول به إلى المشهور.
ويزيدك وضوحاً قوله عليهالسلام في صحيحة محمد بن مسلم : «ويمشي وهو راكع» ، فإنّ الأمر بالمشي الظاهر في الوجوب إنّما يستقيم على ما استظهرناه ، لوضوح عدم وجوب المشي على المنفرد بالصفّ ، لاتصاله بالقوم فلا يجب ذلك إلّا على البعيد تحقيقاً للاتصال بهم. وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر من دون قرينة عليه.
وعلى الجملة : تخصيص الحكم بالبعد المغتفر (2)اختياراً كتعميمه لسائر الموانع من الحائل ونحوه ممّا لا وجه له ، والمتعيّن هو التفصيل الذي ذكره الشيخ (قدس سره) كما عرفت.
(1) بأن يكون العرف حاكماً بوحدة الجماعة غير أنّ بعض أفرادها متأخّر
والأقوى عدم وجوب جرّ الرجلين حال المشي (1) ، بل له المشي متخطياً على وجه لا تنمحي صورة الصلاة. والأحوط ترك الاشتغال بالقراءة والذكر الواجب أو غيره مما يعتبر فيه الطمأنينة حاله (2).
عن الصفوف. وأمّا البعد الفاحش كمقدار مائة متر أو أكثر مثلاً المانع عن الصدق المزبور فغير مشمول للنصوص ، لانصرافها إلى البعد المتعارف كما لا يخفى.
(1) كما هو المشهور ، وهو الصحيح ، عملاً بإطلاق النصوص. وذهب جماعة إلى وجوب جرّ الرجلين ، لما رواه الصدوق (قدس سره) مرسلاً : «ورُوي أنّه يمشي في الصلاة ، يجرّ رجليه ولا يتخطّى» (1).
ولكنّها مضافاً إلى عدم ورودها في خصوص المقام لتصلح لتقييد المطلقات بها ضعيفة السند للإرسال ، مع أنّ الصدوق (قدس سره) لم يسندها إلى المعصوم عليهالسلام ليكشف ذلك عن اعتبارها سنداً بحيث كان في غنى عن التصريح برجال السند ، كما كنّا نعتمد عليه سابقاً في حجّية مراسيله (قدس سره) ، وإنّما اكتفى بالقول : وروى. فهي مرسلة ضعيفة السند ، غير صالحة للاستدلال بها بوجه.
(2) اختار صاحب الحدائق (قدس سره) الجواز مدّعياً أنّ مقتضى إطلاق النصوص سقوط اعتبار الطمأنينة في المقام ، فلو اختار المشي راكعاً أو ساجداً جاز له الإتيان بذكري الركوع والسجود ، أو قائماً جازت له القراءة ماشياً كما لو كان المأموم مسبوقاً (2).
والظاهر عدم الجواز ، لما عرفت من اختصاص النصوص بالعفو عن جهة البعد فقط ، بلا نظر فيها إلى بقيّة الموانع والشرائط ، فلا ينعقد لها إطلاق
ولا فرق في ذلك بين المسجد وغيره (1).
بالإضافة إلى ذلك لتدلّ على إلغائها في المقام ، فيكون إطلاق دليل اعتبار الطمأنينة كصحيحة بكر بن محمّد الأزدي (1)وغيرها المتقدّمة في محلّه (2)المقتضي للكفّ عن القراءة والذكر حال المشي محكّماً بعد فرض سلامته عن التقييد.
(1) فانّ النصوص وإن اشتملت على ذكر المسجد إلّا أنّه وقع في كلام السائل دون الإمام عليهالسلام ليتوهّم اختصاص الحكم به. وواضح أنّ نظر السائل متوجّه إلى استعلام حكم الجماعة عند الخوف من عدم إدراك ركوع الإمام ، بلا خصوصية للمكان. وذكر المسجد من باب أنّ المتعارف هو انعقادها فيه كما هو الغالب. فلا مجال للترديد في الإطلاق.
يشترط في الجماعة مضافاً إلى ما مرّ في المسائل المتقدّمة أُمور :
أحدها : أن لا يكون بين الإمام والمأموم حائل (1)يمنع عن مشاهدته ، وكذا بين بعض المأمومين مع الآخر ممّن يكون واسطة في اتّصاله بالإمام (1) كمن في صفّه من طرف الإمام أو قدّامه إذا لم يكن في صفّه من يتّصل بالإمام ، فلو كان حائل ولو في بعض أحوال الصلاة من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود بطلت الجماعة ، من غير فرق في الحائل بين كونه جداراً أو غيره ولو شخص إنسان لم يكن مأموما.
(1) على المشهور والمعروف ، بل ادّعي عليه الإجماع صريحاً في كلمات غير واحد.
والمستند في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة عن زرارة ، فقد روى الفقيه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام «أنّه قال : ينبغي
1) (*) اعتبار عدم الحائل بين الإمام والمأموم المانع عن مشاهدته وكذا اعتبار عدمه بين بعض المأمومين والبعض الآخر الواسطة في الاتصال مبنيّ على الاحتياط ، وإنّما المعتبر في الجماعة أن لا يكون بين المأموم والإمام وكذلك بين بعض المأمومين والبعض الآخر منهم الواسطة في الاتصال فصل بما لا يتخطّى من سترة أو جدار ونحوهما ، وكذا الحال بين كلّ صفّ وسابقه.
.................................................................................................
أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض ، لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى ، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد. قال وقال أبو جعفر عليهالسلام : إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام ، وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة ، وإن كان ستراً أو جداراً فليس تلك لهم بصلاة إلّا من كان حيال الباب. قال وقال : هذه المقاصير إنما أحدثها الجبّارون ، وليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها صلاة ...» إلخ (1).
والمذكور في الوسائل بدل قوله : «وإن كان ستراً أو جداراً» هكذا : «وإن كان شبراً أو جداراً». لكن الموجود في الفقيه ما أثبتناه.
كما أنّ المذكور في الوسائل (2)قبل قوله : «قال وقال : هذه المقاصير» هكذا : «قال : إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة ، إلّا من كان حيال الباب» ، وأسندها إلى المشايخ الثلاثة. ولكن هذه الفقرة بهذه الكيفية الظاهرة في اختصاص الحكم بما بين الإمام والمأمومين غير موجودة لا في الفقيه ولا الكافي ولا التهذيب ، والصحيح ما ذكرناه. هذا ما يرجع إلى رواية الفقيه.
ورواها في الكافي (3)وكذا الشيخ (4)عنه عن زرارة بمثل ما تقدّم ، غير أنّها تختلف عن رواية الفقيه في موارد :
منها : أنّ الكافي (5)صدّر الحديث بقوله : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام
.................................................................................................
ومنها : زيادة كلمة «قدر» في رواية الكافي والتهذيب ، فذكر هكذا : «وبين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى» ، وعبارة الفقيه خالية عن هذه الكلمة كما سبق.
ومنها : أنّ الموجود في الكافي والتهذيب بدل قوله : «وإن كان ستراً أو جداراً» هكذا : «فان كان بينهم سترة أو جدار» بتبديل العطف بالواو إلى العطف بالفاء.
وكيف ما كان ، فقد تضمّن صدر الحديث أعني قوله عليهالسلام : «ينبغي أن تكون الصفوف ...» اعتبار عدم البعد بين الصفّين بما لا يتخطّى الذي قدّره بعد ذلك بمسقط جسد الإنسان إذا سجد. وسيأتي التعرّض لهذا الحكم فيما بعد عند تعرّض الماتن له إن شاء اللّه تعالى (1).
إنّما الكلام في قوله عليهالسلام بعد ذلك : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى ...» وأنّه ما المراد بالموصول؟
فقيل : إنّه الجسم أو الشيء المانع عن التخطّي ، فتدلّ على قادحية الحائل الموجود بين المأموم والإمام الذي لا يمكن التخطّي معه وإن أمكن لولاه ، لقلّة المسافة بينهما بما لا تزيد على الخطوة.
وقيل : إنّ المراد به البعد ، ولا نظر هنا إلى الحائل بوجه ، وإنّما المقصود اعتبار أن لا تكون الفاصلة والمسافة بين المأموم والإمام بمقدار لا يتخطّى.
وقيل : إنّ المراد هو الجامع بين الأمرين ، أي لا تكون الحالة بينهما بمثابة لا تتخطّى ، سواء أكان عدم التخطّي ناشئاً من البعد أو من وجود الحائل.
والأظهر هو الثاني ، بقرينة الصدر والذيل ، فانّ هذه الكلمة ما لا يتخطّى -
1) في ص 157.
.................................................................................................
قد ذكرت سابقاً ولاحقاً ، ولا شكّ أنّ المراد بها فيهما هو البعد وكميّة الفاصلة فكذا هنا لاتّحاد السياق.
أمّا الصدر فقوله عليهالسلام : «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى ، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان» ، فإنّ المراد بالموصول هنا البعد والمقدار بلا إشكال ، بقرينة تقديره بعد ذلك بمسقط جسد الإنسان ، الذي هو بمنزلة التفسير لما لا يتخطّى.
وأمّا الذيل فهو قوله عليهالسلام : «وبينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم قدر ما لا يتخطّى» بناءً على رواية الكافي وهي أضبط والتهذيب المشتملة على كلمة «قدر» كما مرّ ، فانّ كلمة «قدر ما لا يتخطّى» كالصريح في إرادة البعد والتقدير دون الحائل.
وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمّل في أنّ هذه الفقرة ناظرة إلى التحديد من حيث البعد فقط ، هذا.
مضافاً إلى ذكر هذه الكلمة في آخر الصحيحة أيضاً ، ولا يراد بها هناك إلّا البعد قطعاً ، قال عليهالسلام : «أيّما امرأة صلّت خلف إمام وبينها وبينه ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة» ، إذ لا يحتمل أن يراد بها الحائل ، لجوازه بين النساء والرجال في الجماعة بلا إشكال. وهذه قرينة أُخرى على ما استظهرناه.
وأمّا قوله عليهالسلام بعد ذلك : «وإن كان ستراً أو جداراً ...» فظاهر بمقتضى العطف بالواو في بيان حكم جديد غير مرتبط بسابقه ، وهو اعتبار عدم الحائل بين الصفّ المتقدّم والمتأخّر من ستر أو جدار ونحوهما. فتدلّ الصحيحة بفقرتيها على شرطين مستقلّين أحدهما : عدم البعد بما لا يتخطّى والآخر : عدم وجود الحائل بين الصفّين.
نعم ، بناءً على رواية الكافي والتهذيب المشتملة على العطف بالفاء كما مرّ فقد يقال بعدم اشتمال هذه الفقرة على حكم جديد ، وأنّها من شؤون الفقرة السابقة وتوابعها بمقتضى التفريع ، وبذلك يستظهر أنّ المراد بالموصول في
.................................................................................................
«ما لا يتخطّى» هو الحائل ، ليستقيم التفريع المزبور ، إذ لو أُريد به البعد فلا ارتباط بينه وبين مانعية الستر والجدار ليتفرّع أحدهما على الآخر ، فلا يحسن العطف بالفاء حينئذ.
وفيه أولاً : أنّه لا موقع للتفريع حتّى لو أُريد بما لا يتخطّى الحائل لاستلزامه التكرار الذي هو لغو ظاهر ، إذ بعد بيان اعتبار أن لا يكون حائل لا يتخطّى معه فيستفاد منه اعتبار عدم وجود الساتر والجدار بالأولوية القطعية ، فالتعرّض له لاحقاً تكرار (1)عارٍ عن الفائدة ومستلزم للغوية كما عرفت.
وثانياً : أنّه قد حكي عن بعض نسخ الوافي (2)نقل الرواية عن الكافي مع الواو كما في الفقيه.
وثالثاً : لو سلّم اشتمال النسخة على الفاء فالتفريع ناظر إلى صدر الحديث لا إلى الفقرة السابقة كي لا يكون ملائماً مع ما استظهرناه.
وتوضيحه : أنّه عليهالسلام ذكر في الصدر (3)أنّه «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض» ، وهذا هو الذي يساعده الاعتبار في صدق عنوان الجماعة عرفاً ، إذ لو كان المأمومون متفرّقين بعضهم في شرق المسجد والآخر في غربه وثالث في شماله والآخر في ناحية أُخرى لا يصدق معهم عنوان الجماعة المتّخذة من الاجتماع ، المتقوّم بالهيئة الاتّصالية بحيث كان المجموع صلاة واحدة.
1) يمكن أن يقال : إنّ ظاهره إرادة المثال ، وتفريع المثال على الممثل شائع في الاستعمالات فلا تكرار ، ولو كان فلا بشاعة فيه.
2) راجع الوافي 8 : 1190 / 8023.
3) هذا الصدر غير مذكور في رواية الكافي التي هي محلّ الكلام ، وإنّما هو مذكور في رواية الفقيه كما تقدّم ، هذا. وسيأتي الكلام حول مفاد الصحيحة وفقه الحديث مرّة أُخرى في ذيل الشرط الثالث [ص 159] وربما يغاير المقام فلاحظ. [لا يخفى أنّ صدر الصحيحة ذكر في الكافي والتهذيب معاً ، لكن في الذيل كما سيشار إليه في ص 159].
.................................................................................................
ثم فرّع عليهالسلام على ذلك أمرين معتبرين في تحقّق الاتّصال ، بحيث يوجب فقدهما الانفصال وتبعثر الجماعة وسلب الهيئة الاتّصالية التي أشار إلى اعتبارها في الصدر ، أحدهما : عدم البعد بمقدار لا يتخطّى ، فلا تكون المسافة أزيد من الخطوة. وثانيهما : عدم وجود الحائل من ستر أو جدار ، فكلا الحكمين متفرّعان على الصدر ، لا أنّ أحدهما متفرّع على الآخر.
وأشار عليهالسلام بعد ذلك تفريعاً على اعتبار عدم الستر والحائل إلى عدم صحّة الاقتداء خلف من يصلّي في المقاصير التي أحدثها الجبّارون. والمقصورة : قبّة تصنع فوق المحراب ابتدعتها الجبابرة بعد مقتل مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام صيانة عن الاغتيال ، فلأجل أنّها تستوجب الحيلولة بين الإمام والمأمومين منع عليهالسلام عن الاقتداء بمن فيها.
والمتحصّل من جميع ما قدمناه : أنّ الصحيحة متكفّلة ببيان حكمين :
أحدهما : اشتراط عدم البعد ، وسيجيء البحث حول هذا الشرط عند تعرّض الماتن إن شاء اللّه تعالى (1).
ثانيهما : اشتراط عدم الستار والحائل لا بين الإمام والمأموم ، ولا بين الصفّ المتقدّم والمتأخّر ، ولا بين المأموم ومن هو واسطة الاتّصال بينه وبين الإمام كما في الصفّ الأوّل أو المتأخّر إذا كان أطول ، فالستار مانع في جميع هذه الفروض ، للإطلاق في قوله عليهالسلام على رواية الكليني وهي أضبط : «فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة» فإنّ كلمة «بينهم» تكشف عن عموم الحكم للإمام والمأموم ، وللمأمومين أنفسهم كما لا يخفى.
وقد أشرنا (2)إلى أنّ الصحيحة على النحو الذي رواها في الوسائل المشعر باختصاص الحكم بما بين الإمام والمأمومين لم توجد في شيء من الكتب الثلاثة فتذكّر ، هذا.
.................................................................................................
وربما تعارض الصحيحة بموثّقة الحسن بن الجهم قال : «سألت الرضا عليهالسلام عن الرجل يصلّي بالقوم في مكان ضيّق ويكون بينهم وبينه ستر أيجوز أن يصلّي بهم؟ قال : نعم» (1)ويقال : إنّ مقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحة على الاستحباب ، فيراد من قوله عليهالسلام فيها : «فليس تلك لهم بصلاة» نفي الكمال ، كما في قوله عليهالسلام : «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (2)لا نفي الصحّة لتدلّ على المانعية.
وفيه أوّلاً : أنّ الموثّق مضطرب المتن ، فحكي تارة كما أثبتناه ، وأُخرى كما عن بعض نسخ الوافي بتبديل الستر بالشبر (3)بالشين المعجمة والباء الموحّدة ولعل الثاني أقرب إلى الصحّة وأوفق بالاعتبار ، لكونه الأنسب بفرض ضيق المكان ، فإنّ المأموم إذا كان وحده يصلّي على أحد جانبي الإمام وجوباً أو استحباباً ، وإذا كان امرأة أو أكثر من الواحد يقف خلفه وجوباً أيضاً أو استحباباً.
والمفروض في الموثّق تعدّد المأمومين ، لقوله : «يصلّي بالقوم» ، فيلزم على الرجل أن يقف خلف الإمام ، ولكن حيث إنّ المكان ضيّق فلا يسعه الوقوف إلّا على جانب الإمام ، فسئل حينئذ أنّ الفصل بينه وبين الإمام إذا كان بمقدار الشبر فهل تجوز الصلاة ، فأجاب عليهالسلام بقوله : «نعم». فالمعنى إنّما يستقيم على هذا التقدير ، وإلّا فالسؤال عن وجود الساتر لا يرتبط مع فرض ضيق المكان كما لا يخفى. وعليه فالموثّق أجنبي عمّا نحن فيه.
وثانياً : على تقدير كون النسخة هو الستر فحيث إنّ الجواز مع الحائل هو المعروف من مذهب العامّة فالموثّق محمول لا محالة على التقيّة كما ذكره في الوسائل ، فلا تنهض لمعارضة الصحيحة.
.................................................................................................
ولكن هذا الجواب مبنيّ على التأييد ، إذ مع إمكان الجمع العرفي بالحمل على الاستحباب كما مرّ لا تصل النوبة إلى المرجّح الجهتي.
والعمدة في الجواب ما ذكرناه أوّلاً من استظهار كون النسخة هو الشبر ومع التنزّل فلا أقلّ من الشكّ والترديد. فلم يثبت كونها الستر كي تقاوم الصحيحة وتعارضها.
ثمّ إنّ هناك فروعاً تتعلّق بالمقام ، تعرّض إليها الماتن في طيّ المسائل الآتية بعد انتهائه من ذكر الموانع ، وكان الأنسب التعرّض لها هنا.
منها : أنّه هل يكفي في مانعية الحائل وجوده آناً ما ، أم لا بدّ وأن يكون مستمراً من ابتداء الصلاة إلى انتهائها؟
الظاهر هو الأوّل ، لإطلاق النصّ ، فإنّ الصحيحة دلّت على أنّ السترة مانع ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين صورتي الاستمرار وعدمه ، فهي بوجودها تمنع سواء ارتفعت بعد ذلك أم لا ، كانت قبل ذلك أم لا ، فمهما وجد الحائل بطلت الجماعة وانقلبت الصلاة فرادى بطبيعة الحال.
ومنها : أنّه هل يعتبر في الحائل حيلولته في جميع حالات الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود ، أم يكفي كونه كذلك ولو في بعض الأحوال دون البعض لقصره؟
لا ينبغي الشكّ في أنّ السترة التي هي الموضوع للحكم في النصّ إنّما تطلق في مورد يكون قابلاً للرؤية وصالحاً للمشاهدة ، بحيث يستند عدمها إلى وجود الستار ، أمّا إذا كانت الحالة بمثابة لا تصلح للرؤية في حدّ نفسها ولو من غير سترة كحالة السجود أو الهويّ إليه قريباً منه فلا يصدق أنّه هناك سترة بين الإمام والمأموم.
وعليه فلو كان الحائل قصيراً بمقدار شبر أو أكثر بحيث لا يكون مانعاً عن الرؤية حالة الجلوس فمثله غير قادح في الصحّة ، لعدم تحقّق الحيلولة المانعة عن المشاهدة في المورد القابل لها.
.................................................................................................
وأمّا إذا كان الحائل أطول من ذلك بحيث يمنع عن الرؤية حال الجلوس أو الركوع وإن لم يكن كذلك حال القيام فالأقوى حينئذ هو البطلان ، لإطلاق النصّ ، إذ يصدق عندئذ أنّ بينهم سترة أو جداراً ، بعد إن لم يكن مقيّداً بحالة دون أُخرى. فإطلاقه يعمّ جميع الحالات الصالحة للرؤية.
ولكن هذا كلّه بناء على رواية الكافي التي ذكر فيها «إن صلّى قوم بينهم وبين الإمام سترة أو جدار» (1)، وأمّا بناء على رواية الفقيه التي ورد فيها : «وإن كان ستراً أو جداراً» بعد قوله : «ما لا يتخطّى» فحيث إنّ اسم كان ضمير عائد إلى الموصول فلا جرم يكون مفادها اختصاص الساتر الممنوع بالمقدار الذي لا يتخطّى ، فلا مانعية للساتر الذي يتخطّى كما إذا كان بمقدار ثلاثة أشبار.
وحيث لم يثبت الترجيح فيكون المرجع بعد التعارض والتساقط أصالة عدم المانعية للساتر الذي يتخطّى وإن كان حائلاً ومانعاً عن المشاهدة في بعض الحالات.
إذن فالمتعيّن اختصاص المانعية بالساتر الذي لا يتخطّى خاصّة ، ويكون الحكم في الزائد عليه وإن منع عن المشاهدة وصدق عليه عنوان الحائل بل الساتر مبنياً على الاحتياط كما أشار إليه سيدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة ، فتدبّر جيّداً.
ومنها : أنّه هل يشمل الحكم الحائل غير المانع عن الرؤية وإن منع عن الاستطراق كالجدار المصنوع من الزجاج ، أو المشتمل على الشباك ، أو على الثقوب الكثيرة غير المانعة عن المشاهدة في شيء من الحالات الصالحة لها؟ قد يقال بالشمول ، استناداً إلى صدق الحائل وإطلاق الجدار المذكور في النصّ.
1) [الموجود في الكافي : «فإن كان بينهم سترة أو جدار». وقد تقدّم منه في ص 138 عدم وجود ما ذكره هنا في نسخ الكافي].
.................................................................................................
أقول : لفظ الحائل لم يرد في شيء من النصوص حتّى يتكلّم في سعة المفهوم وضيقه ، وإنّما الوارد لفظ السترة التي هي بمعنى الستار والحجاب ، ومنه الستارة التي تطلق على ما يوضع أطراف السطوح لأجل الحجب والستر عن الجيران. ومن الواضح اعتبار المنع عن الرؤية والمشاهدة في صدق هذا المفهوم.
وأمّا الجدار المعطوف على السترة في النصّ فالصحيح ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)من أنّ المقابلة بينهما إنّما هي باعتبار ذات الساتر بمعنى أنّ الساتر قد يكون جداراً وقد يكون غيره ، لا باعتبار أصل الستر كي يكون الجدار بنفسه موضوعاً مستقلا للحكم وراء السترة حتّى يتمسّك بإطلاقه من حيث كونه ساتراً وعدمه.
وإن شئت فقل : إنّ التقابل من قبيل عطف الخاص على العام ، فإفراد الجدار بالذكر من أجل أنّه أحد مصاديق الستار الغالبة ، لا لخصوصية فيه في حدّ نفسه ليكون من حيث هو مناطاً للحكم. فتمام الموضوع إنّما هو عنوان الستار فحسب ، وقد عرفت اختصاصه بما يمنع عن المشاهدة.
وعليه فلا بأس بحيلولة الزجاج أو الشباك بل الجدار المشتمل على الثقوب الكثيرة ، ولعلّ الارتكاز العرفي أيضاً يساعد على ذلك ، فإنّ حيلولة الأُمور المذكورة لا تقدح في صدق وحدة المكان عرفاً ، إذ يصدق على المجلس المشتمل على مثل ذلك بحيث يرى من هذا الجانب كلّ من في ذاك الجانب أو أكثرهم أنّه مجلس واحد ومحفل فأرد ، وإنّما تتعدّد الجلسة عرفاً بوجود الحائل المانع عن المشاهدة ، فغير المانع عنها لا يضرّ بصدق الاجتماع ، فلا يقدح في صحّة الجماعة.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن في المسألة 2 ، 3 ، 5 من المنع في الموارد المذكورة استناداً إلى صدق الحائل في غير محلّه ، لما عرفت من عدم
1) كتاب الصلاة : 284 السطر 2.
.................................................................................................
ورود هذا العنوان في شيء من النصوص ، وإنّما الاعتبار بالستار ، غير الصادق على المقام.
ثمّ إنّ ما استظهرناه تبعاً لشيخنا الأنصاري (قدس سره) من أنّ الجدار المذكور في النصّ في مقابل السترة من قبيل عطف الخاص على العام وليس بنفسه موضوعاً مستقلا للحكم هو الصحيح الذي يساعده الفهم العرفي فلا مجال للتمسّك بإطلاقه كما مرّ.
وعلى تقدير التنزّل فلا ريب في عدم الظهور في الخلاف ، بل غايته الإجمال والدوران بين كونه موضوعاً مستقلا حتّى يتمسّك بإطلاقه ، أم لا كي يكون الاعتبار بنفس الستار ، فلا محالة تسقط الرواية عن الاستدلال ، وتنتهي النوبة حينئذ إلى التمسّك بالأصل اللفظي أو العملي.
فإن بنينا على ثبوت الإطلاق في دليل مشروعية الجماعة من هذه الجهة كما لا يبعد فهو المطلوب ، فيقتصر في تقييده على ما إذا كان الحائل ساتراً. وأمّا لو أنكرنا ذلك فينتهي الأمر حينئذ إلى الأصل العملي.
وقد ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره) : أنّ مقتضاه هو البراءة من مانعية الحائل غير الساتر أو عن شرطية عدمه في صحّة الجماعة (1).
وهذا بظاهره ربما لا يخلو عن الإشكال ، حيث إنّ الجماعة سنّة وليست بفريضة ، فليس في موردها تكليف مشكوك كي يتمسّك في نفيه بأصالة البراءة الشرعية أو العقلية ، بل الجماعة عند استجماع شرائطها موضوع لأحكام خاصّة من سقوط القراءة واغتفار زيادة الركن أو السجود لأجل التبعية ورجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لدى الشكّ في الركعات. فعند الشكّ في استجماع الشرائط كان المتّبع إطلاق الأدلّة الأوّلية لتلك الأحكام ، الراجع إلى أصالة عدم مشروعية الجماعة ، هذا.
1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 629 السطر 24.
.................................................................................................
ولكن الأقوى صحّة الرجوع إلى أصالة البراءة في المقام ، فإنّ الجماعة بنفسها مصداق للواجب وأحد فرديه ، وليس شيئاً أجنبياً عنه يسقط به الفرض كالسفر بالنسبة إلى الصوم ، بل هو متّحد معه اتّحاد الطبيعي مع أفراده غايته أنّ الواجب إنّما هو الجامع المنطبق عليها تارة وعلى الفرادى اخرى ، فهما من قبيل الواجب التخييري ، كالقصر والتمام في مواطن التخيير ، وكالظهر والجمعة على القول بالتخيير بينهما.
وقد ذكرنا في محلّه أنّه لا معنى للوجوب التخييري إلّا تعلّق الحكم بالجامع بين أحد الفردين أو الأفراد ، سواء أكان مقولياً متأصّلاً أم أمراً اعتبارياً كعنوان أحد الأمرين أو الأُمور كما في خصال الكفّارات (1).
وعلى الجملة : فالواجب في المقام إنّما هو الجامع المنطبق على كلّ من الفردين ، فكلّ من الجماعة والفرادى عدل للواجب ، ولكلّ منهما حكم يخصّه.
وعليه فمرجع الشكّ في اعتبار قيد في صحّة الجماعة كعدم وجود الحائل وإن لم يكن ساتراً إلى الشكّ في متعلّق التكليف في مقام الجعل ، وأنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى وبين مطلق الجماعة ، أم لوحظ بينها وبين الجماعة المقيّدة بعدم الاشتمال على الحائل وإن لم يكن ساتراً.
ولا ريب أنّ اللحاظ على النحو الثاني يتضمّن كلفة زائدة ، وبما أنّها مشكوكة حسب الفرض فتدفع بأصالة البراءة العقلية والنقلية. وهذا الأصل حاكم على أصالة عدم المشروعية كما لا يخفى ، وبذلك تثبت مشروعية الجماعة وإن كانت فاقدة لذلك القيد.
بقيت هناك فروع أُخر تتعلّق بالمقام نتكلّم عنها عند تعرّض الماتن لها في المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى.
1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 40.
نعم ، إنّما يعتبر ذلك إذا كان المأموم رجلاً ، أمّا المرأة فلا بأس بالحائل بينها وبين الإمام أو غيره من المأمومين مع كون الإمام رجلاً (1)
(1) على المشهور ، بل عن التذكرة نسبة استثناء المرأة عن هذا الحكم إلى علمائنا (1). والمستند في ذلك موثّقة عمّار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار وفيها نساء هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال : نعم ، إن كان الإمام أسفل منهنّ ، قلت : فانّ بينهنّ وبينه حائطاً أو طريقاً ، فقال : لا بأس» (2).
فانّ ذيلها صريح في عدم قدح حيلولة الحائط بينهنّ وبين الإمام ، ويستفاد من ذلك عدم قادحية الحائل بينهن وبين المأمومين الذين هم واسطة الاتّصال بينهن وبين الإمام كما لا يخفى.
وبذلك يرتكب التخصيص في صحيحة زرارة المتقدّمة (3)المانعة عن وجود الحائل بين الإمام والمأموم ، وكذا بين المأمومين أنفسهم ، ويلتزم باستثناء المرأة عن هذا الحكم ، هذا.
ولم ينسب الخلاف في المسألة إلّا إلى الحلّي (4)، وهو مبني على مسلكه من عدم العمل بأخبار الآحاد ، سيما إذا لم يكن صحيحاً بالمعنى المصطلح عند المتأخّرين ، فإنّ الرواة الواقعين في أواخر سند هذه الرواية من الفطحيّين ، فهي موثّقة لا صحيحة. وحيث بنينا على حجّية الخبر الواحد من غير فرق بين الموثّق والصحيح فلا مناص من الالتزام بهذا الاستثناء ، جمعاً بين الموثّق والصحيحة المتقدّمة كما عرفت.
وهل ينسحب الحكم فيما إذا كان الإمام امرأة فلا مانع من وجود الحائل
بشرط أن تتمكّن من المتابعة (1) بأن تكون عالمة بأحوال الإمام من القيام
بينهنّ وبين الإمام ، وكذا بين المأمومات أنفسهن وإن كان الإمام رجلاً ، فلا مانع من وجود الحائل بينهنّ بعضهنّ مع بعض؟
الأقوى عدم الانسحاب كما عليه الماتن (قدس سره) في ذيل عبارته الآتية فإنّ صحيحة زرارة قد دلّت بإطلاقها على قادحية الحائل ، كقادحية البعد بين الإمام والمأموم وبين المأمومين أنفسهم ، من غير فرق بين الرجل والمرأة ، قال عليهالسلام : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام ، وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام وبينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة ...» إلخ (1).
فانّ عنوان القوم (2)والإمام والصفّ صادق على الذكر والأُنثى ، بل قد صرّح في ذيلها بشمول الحكم من حيث البعد للمرأة فلاحظ. وقد خرجنا عن هذا الإطلاق بمقتضى موثّقة عمّار في خصوص صورة واحدة ، وهي وجود الحائل بين المرأة وبين الإمام إذا كان رجلاً ، فالتزمنا بالتخصيص في هذا القسم بمقتضى الموثّق ، وأمّا ما عدا ذلك أعني وجود الحائل بينها وبين الإمام إذا كان امرأة ، أو بين المأمومات أنفسهن فيبقى مشمولاً تحت إطلاق الصحيحة بعد عدم قيام دليل على التخصيص زائداً على ما ذكر من مورد الموثّق ولا مقتضي للتعدّي عن هذا المورد.
(1) فإنّ الجماعة متقوّمة بالمتابعة ، فلا بدّ لها من العلم بأحوال الإمام من
1) الوسائل 8 : 410 / أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 2.
2) حكى في لسان العرب 12 : 505 عن جمع من اللغويين اختصاص القوم بالرجال مستشهدين له بقوله سبحانه ( لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ) إلى قوله تعالى : ( وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ ) الحجرات 49 : 11 ، وبقول زهير : وما أدري ، وسوف إخالُ أدري ، أقومٌ آل حِصن أم نساء. وفي الحديث : «إن نسّاني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبّح القوم وليصفّق النساء».
والركوع والسجود ونحوها ، مع أنّ الأحوط فيها أيضاً عدم الحائل ، هذا. وأمّا إذا كان الإمام امرأة أيضاً فالحكم كما في الرجل.
[الثاني :] أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأمومين (1) علواً معتدّاً به دفعياً كالأبنية ونحوها ، لا انحدارياً على الأصحّ ،
القيام والركوع والسجود ونحوها كي تتمكّن من التبعية ، فمع الجهل بذلك ليس لها ترتيب آثار الجماعة من سقوط القراءة والرجوع إلى الإمام لدى الشكّ وزيادة الركوع أو السجود لأجل المتابعة ، للشكّ في تحقّق التبعيّة ، ومقتضى الأصل عدمها.
(1) على المشهور ، بل عند علمائنا كما عن التذكرة (1)وغيرها ، لموثّقة عمّار الآتية. وحكي عن الشيخ في الخلاف القول بالكراهة (2)، وتردّد فيه المحقّق في الشرائع (3)وفي النافع (4)، وخالف فيه صريحاً صاحب المدارك (5).
لكن خلاف الشيخ غير ثابت ، لاحتمال إرادته من الكراهة المبغوضية المساوقة للحرمة ، كما ربما تطلق عليها في لسان الأخبار وكلمات الأصحاب.
وخلاف المدارك مبنيّ على مسلكه من تخصيص الحجّية بالخبر الصحيح باصطلاح المتأخّرين ، فإنّ رواية عمّار الواردة في المقام ليست كذلك ، لكون الغالب من رواتها فطحيين ، وحيث بنينا على حجّية الموثّق كالصحيح فالرواية معتبرة سنداً.
نعم ، طعن فيها في المدارك مضافاً إلى ضعف السند على مسلكه بأنّها
.................................................................................................
متهافتة المتن ، قاصرة الدلالة ، فلا يسوغ التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل.
أقول : لا نرى أيّ تهافت في متن الرواية ، ولا قصور فيها من ناحية الدلالة ، نعم ربما تشتمل على بعض ألفاظ لا تخلو عن شوب من الإجمال والالتباس ، لكنّه غير ضائر بمحل الاستدلال ، وإليك نصّها.
روى الشيخ الكليني بإسناده عن عمّار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يصلّي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلّي فيه ، فقال : إن كان الإمام على شبه الدكّان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم ، فان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقلّ إذا كان الارتفاع ببطن مسيل. فان كان أرضاً مبسوطة أو كان في موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع ، وقام من خلفه أسفل منه والأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر ، قال : لا (فلا) بأس. قال : وسئل فان قام الإمام أسفل من موضع من يصلّي خلفه ، قال : لا بأس ، قال : وإن كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكّاناً كان أو غيره وكان الإمام يصلّي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلّي خلفه ويقتدي بصلاته ، وإن كان أرفع منه بشيء كثير» (1).
فإنّ صدرها إلى قوله عليهالسلام : «لم تجز صلاتهم» كما ترى صريح في المطلوب ، وأمّا قوله عليهالسلام بعد ذلك : «فان كان أرفع ...» إلخ فجواب الشرط محذوف يعلم ممّا سبق ، وتقديره : فلا بأس. سواء أكانت أداة الشرط مصدّرة بالفاء كما في الوسائل ، أم كانت مع الواو كما عن الكافي.
نعم ، على الثاني ربما يحتمل أن تكون كلمة «إن» وصليّة. لكنّه ساقط جزماً ، إذ لا يلائمه قوله بعد ذلك : «أو أكثر» ، إذ شأن (إن) الوصلية إدراج الفرد الخفيّ ، ولا ريب أنّ الأكثر من الإصبع ليس كذلك ، إذ لو كان مقدار الإصبع
1) الوسائل 8 : 411 / أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 1 ، الكافي 3 : 386 / 9.
.................................................................................................
قادحاً فالأكثر منه بطريق أولى. فهو من الفرد الجليّ دون الخفيّ كما لا يخفى (1).
وقوله عليهالسلام : «إذا كان الارتفاع ...» إلخ مربوط بسابقه ، وليست شرطية مستقلة ، وقد تضمّنت هذه الفقرة التي هي من ملحقات الجملة السابقة تحديد الارتفاع في العلو الدفعي (التسنيمي) في قبال التسريحي الذي تعرّض عليهالسلام له عند قوله : «فان كان أرضاً مبسوطة ...» إلخ.
لكن نسخ الرواية في هذه الفقرة مختلفة غاية الاختلاف. ففي الكافي هكذا : «إذا كان الارتفاع ببطن مسيل» كما في الوسائل.
وكذا عن بعض نسخ التهذيب ، وعن نسخة اخرى منه «يقطع مسيلاً» وعن ثالثة «بقطع مسيل» ، وعن رابعة «بقدر يسير» ، وعن خامسة «بقدر شبر» (2)ونحوه عن التذكرة (3).
وعن الفقيه (4)«يقطع سبيلاً» ، وعن نسخة اخرى «بقطع سيل» ، وعن نسخة ثالثة «بقطع سبيل».
وعن الذكرى «بقدر إصبع إلى شبر» (5). ولعلّ الأخير استنباط من الشهيد فنقل مضمون الرواية بمقتضى ما فهمه من النسخة الموجودة عنده المشتملة على الشبر ، أو أنّها وصلت إليه كذلك بطريق يخصّه ، وإلّا فالرواية بهذه العبارة لم توجد في شيء من نسخ كتب الحديث.
وكيف ما كان ، فمن أجل ذلك وقع الاختلاف في تحديد مقدار العلوّ. فعن جماعة ولعلّه الأكثر أو المشهور تحديده بالشبر ، ترجيحاً للنسخة المشتملة
.................................................................................................
عليه. لكنّ الترجيح لم يثبت لا فيها ولا في غيرها من سائر النسخ ، إذ لا شاهد عليه في شيء منها.
ومن ثمّ قدّره بعضهم بما لا يتخطّى ، إعراضاً عن هذه الرواية المضطربة واعتماداً على صحيحة زرارة المتقدّمة (1)المشتملة عليه.
وفيه : أنّها ناظرة إلى البعد دون العلو كما تقدّم (2)، وتأتي الإشارة إليه قريباً إن شاء اللّه تعالى.
والتحقيق : هو التحديد بالشبر ، لا لترجيح النسخة المشتملة عليه ، بل لأنّ الصناعة تقتضي ذلك. أمّا إذا كانت النسخة «ببطن مسيل» أو «يقطع سبيلاً» ونحو ذلك فالرواية على هذه مجملة ، لكون ألفاظها متشابهة لم يتّضح المراد منها.
وأمّا لو كانت «بقدر يسير» فمفهوم اليسير في حدّ ذاته وإن كان صادقاً على الشبر والشبرين بل الثلاثة ، إلّا أنّه بقرينة اقترانه بذكر الإصبع أو الأكثر لا يمكن أن يراد به إلّا ما يقرب من الإصبع كثلاث أصابع أو أربع مثلاً ، دون مقدار الشبر فضلاً عن الأكثر منه.
فنبقى نحن واحتمال أن تكون النسخة هي مطلق الشبر ، ولا سيما قدر إصبع إلى شبر كما في رواية الذكرى. وهذا الاحتمال بمجرّده كافٍ في عدم ظهور لإطلاق المنع المذكور في الصدر ، أعني قوله عليهالسلام : «أو على موضع أرفع» في الشمول لمقدار الشبر فما دونه ، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.
إذ من الجائز صحّة هذه النسخة ، ولا سيما على رواية الذكرى ، الموجب لتقييد الإطلاق بهذا المقدار ، نعم بالإضافة إلى الزائد على الشبر لا قصور في شمول الإطلاق له. وأمّا بالنسبة إلى الشبر فما دونه فلا دلالة في الرواية على
.................................................................................................
المنع عنه بعد احتفاف الإطلاق بما يصلح للتقييد.
وعليه فالرواية بالإضافة إلى هذا المقدار مجملة ، ولم يدلّ دليل آخر على المنع بالنسبة إليه ، وحينئذ فان تمّ الإطلاق في أدلّة الجماعة كقوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه (1)كما لا يبعد كان هو المتّبع في الحكم بالجواز في مقدار الشبر ، وإلّا كان المرجع الأصل العملي الذي مقتضاه البراءة عن مانعيّة هذا المقدار من العلوّ بالتقريب الذي سبق (2).
حيث عرفت أنّ الأمر متعلّق بالجامع بين الفرادى والجماعة اللذين هما عدلان للواجب التخييري. ولم يعلم أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ، أم بينها وبين الجماعة المقيّدة بعدم الاشتمال على العلوّ بمقدار الشبر. ولا ريب أنّ الثاني يتضمّن كلفة زائدة ، وحيث إنّها مشكوكة فتدفع بأصالة البراءة.
فتحصّل : أنّ الأظهر جواز العلوّ بمقدار الشبر سواء أكان المرجع الإطلاق اللفظي أم الأصل العملي بعد ما عرفت من إجمال الرواية وعدم دلالتها على المنع في هذا المقدار ، فتدبر جيّداً. هذا كلّه في العلوّ الدفعي.
وأمّا في العلوّ التسريحي الذي أشار عليهالسلام إليه بقوله : «فان كان أرضاً مبسوطة ...» إلخ فلا مانع من الارتفاع بأزيد من الشبر ما دام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة.
ولا يخفى أنّ المذكور في الكافي والتهذيب (3)بعد قوله : «مبسوطة» هكذا : «أو كان ...». ولكنّ الصحيح كما في الفقيه وغيره «وكان ...» إلخ ، بالعطف بالواو لا ب- (أو). كما أنّ المذكور فيه في جزاء الشرط هكذا : «قال : لا (فلا) بأس» ، والصحيح أنّ لفظة «قال» مستدرك ، لأنّه من كلام الإمام (عليه
من غير فرق بين المأموم الأعمى والبصير (1) والرجل والمرأة (2) ، ولا بأس بغير المعتدّ به مما هو دون الشبر ،
السلام) لا السائل ، ولم تذكر هذه الكلمة في رواية الفقيه (1).
وكيف ما كان ، ففي الأراضي المبسوطة في قبال الملفوفة كالجبلية إذا دقّقنا النظر ولاحظناها بالآلات الهندسية فربما يوجد فيها انخفاض وانحدار من أجل إصابة الأمطار بما يزيد على الشبرين ، بل الثلاثة كما في الصحاري والبراري ، فأشار عليهالسلام في هذه الفقرة إلى أنّه في مثل هذه الأراضي إذا وقف الإمام في موضع مرتفع والقوم في مكان منحدر صحّت صلاتهم وإن اختلف الموقفان بما يزيد على الشبر ، ما دام يصدق على الأرض أنّها مبسوطة وإن كانت مسرّحة منحدرة ، وأنّ التحديد بالشبر إنّما هو في العلوّ الدفعي كالدكّة والدكّان ونحوهما ، ويلحق بذلك الأراضي الجبليّة التي لا يصدق معها انبساط الأرض ، فإنّ اللازم فيها أيضاً مراعاة التحديد بالشبر ، أخذاً بالإطلاق في صدر الموثّق ، بعد أن لم تكن هذه الفقرة شاملة لها كما هو ظاهر.
(1) خلافاً للمحكي عن ابن الجنيد حيث قال : لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله ، إلّا أن يكون المأمومون إضراراً فإنّ فرضَ البصراء الاقتداء بالنظر ، وفرض الإضرار الاقتداء بالسماع إذا صحّ بهم التوجّه (2). ولم يعرف له مستند أصلاً ، وإطلاق النصّ حجّة عليه.
(2) للإطلاق ، مضافاً إلى التصريح به في الموثّقة الأُخرى لعمّار التي تقدّمت ، حيث ذكر فيها : «هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال : نعم ، إن كان الإمام أسفل منهنّ ...» إلخ (3).
ولا بالعلو الانحداري حيث يكون العلوّ فيه تدريجياً على وجه لا ينافي صدق انبساط الأرض ، وأمّا إذا كان مثل الجبل فالأحوط ملاحظة قدر الشبر فيه (1). ولا بأس بعلوّ المأموم على الإمام ولو بكثير (2).
الثالث : أن لا يتباعد المأموم عن الإمام بما يكون كثيراً في العادة (3) إلّا إذا كان في صفّ متّصل بعضه ببعض حتى ينتهي إلى القريب ، أو كان في صفّ ليس بينه وبين الصف المتقدّم البعد المزبور ، وهكذا حتّى ينتهي إلى القريب والأحوط احتياطاً لا يترك أن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم أو بين موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد من مقدار الخطوة التي تملأ الفرج
إذ لا ريب أنّ المراد بالشرطية نفي كون الإمام أعلى لا لزوم كونه أسفل فإنّه لا شبهة في جواز المساواة بينهما بضرورة الفقه ، وقد ورد في غير واحد من النصوص أنّ المرأة تصلّي خلف الرجل (1)من غير تقييد بكونه أسفل ، بل لعلّ التساوي أفضل ، كما دلّ عليه إطلاق رواية محمّد بن عبد اللّه (2)المحمولة على الاستحباب.
(1) كما تقدّم.
(2) كما دلّ عليه ذيل موثّقة عمّار المتقدّمة (3)فلاحظ. لكنّه يختصّ بغير العلوّ المفرط الذي لا يصدق معه عنوان الجماعة كالاقتداء من شاهق ، لا لأجل التخصيص اللفظي ، بل لاقتضاء مفهوم الجماعة المتّخذة من الاجتماع.
(3) ذكر (قدس سره) أنّ من شرائط الجماعة عدم وجود البعد المفرط بين المأموم والإمام ، أو من هو واسطة الاتّصال بينه وبين الإمام. وحدّده على سبيل الاحتياط الذي لا يترك بأن لا يكون بين موقف الإمام ومسجد المأموم
وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة ، والأفضل بل الأحوط أيضاً أن لا يكون بين الموقفين أزيد من مقدار جسد الإنسان إذا سجد ، بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.
أو موقف السابق ومسجد اللاحق أزيد ممّا يتخطّى ، وفسّره بالخطوة التي تملأ الفُرَج ، وأحوط من ذلك مراعاة الخطوة المتعارفة ، وأحوط من الكلّ مراعاة الاتّصال التام بأن يكون مسجد اللاحق وراء موقف السابق بلا فصل.
فنقول : ذكر جماعة ولعلّه المعروف أنّ التباعد الذي يعتبر عدمه في صحّة الجماعة هو المقدار القادح في صدق عنوان الاجتماع ، وهو الذي يكون كثيراً في العادة ، فمهما تحقّق القرب العرفي بحيث تحقّق معه مفهوم الجماعة صحّ الاقتداء ، ولا يعتبر الزائد على ذلك.
وعن جماعة آخرين تحديده بالمقدار الذي لا يتخطّى ، فلا يغتفر من البعد إلّا المقدار الذي يمكن معه التخطّي.
والأصل في المسألة ما رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح مع اختلاف يسير من حيث التقديم والتأخير عن زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه قال : «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة بعضها إلى بعض ، لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى ، يكون قدر ذلك مسقط جسد إنسان إذا سجد. قال وقال أبو جعفر عليهالسلام : إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام ، وأيّ صفّ كان أهله يصلّون بصلاة الإمام وبينهم وبين الصفّ الذي يتقدّمهم ما لا يتخطّى فليس تلك لهم بصلاة إلى أن قال - : أيّما امرأة صلّت خلف إمام وبينها وبينه ما لا يتخطّى فليس تلك بصلاة ...» إلخ (1).
هكذا في الفقيه ، وكذا في الكافي والتهذيب ، غير أنّ صدر الحديث فيهما
1) الوسائل 8 : 410 / أبواب صلاة الجماعة ب 62 ح 1 ، 2 ، وقد تقدّمت في ص 137.
.................................................................................................
هكذا : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ...» إلخ المذكور في هذه الرواية متأخّراً ، وقوله عليهالسلام : «ينبغي أن تكون الصفوف ...» إلخ المذكور في صدر هذه الرواية متأخّر فيهما عن الفقرات الثلاث المتقدّمة.
وكيف ما كان ، فقد تضمّنت الصحيحة تحديد البعد القادح بالمقدار الذي لا يتخطّى.
وأُورد عليه : بأنّ لفظة «ينبغي» ظاهرة في الاستحباب ، ولأجل ذلك يضعف ظهور التحديد في بقيّة الفقرات في الوجوب ، بل هي محمولة على الفضل ، لوحدة السياق.
أقول : ظاهر التحديد المذكور في الفقرات الثلاث المتقدّمة هو الاعتبار والدخل في الصحّة ، ولا موجب لرفع اليد عنه ، وقرينة السياق لا تقتضيه لتغاير الجملة المشتملة على لفظة «ينبغي» المذكورة صدراً أو ذيلاً على اختلاف النسخ مع بقيّة الفقرات موضوعاً ومحمولاً ، وأحدهما ينظر إلى غير المورد الذي ينظر إليه الآخر.
وتوضيحه : أنّه عليهالسلام ذكر أولاً على رواية الفقيه أنّه ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة ، فأشار عليهالسلام بذلك بمقتضى لفظة ينبغي إلى أنّ من فضل الجماعة وآدابها تماميّة الصفوف باستوائها وعدم نقص بعضها عن بعض.
وحيث إنّ التواصل الحقيقي يتعذّر رعايته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة اشتمال الصلاة على الركوع والسجود فسّره عليهالسلام بعد ذلك بقوله : «لا يكون بين الصفّين ما لا يتخطّى» ، أي لا يكون بين الموقفين من الفصل إلّا المقدار القابل للتخطّي ، وهو المعادل لمتر واحد تقريباً.
ثم قدّره عليهالسلام بعد ذلك بقوله : «يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان إذا سجد» ، فإنّ المسافة التي يستوعبها مسقط الجسد لدى السجود لا تزيد على المتر ، فهو قابل للتخطّي ، وإنّما فسّرنا بين الصفّين بقولنا بين
.................................................................................................
الموقفين لأنّ ذلك هو مقتضى كلمة (الصفّ) ، فإنّه لغة عبارة عن الوقوف بانتظام.
فيكون المتحصّل من هذه الفقرة : أنّ من كمال الجماعة أن تكون المسافة بين موقف الصفّ اللاحق وموقف الصف السابق مقداراً يمكن التخطّي معه ، بحيث تمتلئ هذه الفرجة لدى السجود على نحو يتّصل مسجد اللاحق بموقف السابق بلا فصل ، ولا شكّ أنّ هذه غاية التواصل الممكن مراعاته في صفوف الجماعة بعد ملاحظة افتقار الصلاة إلى الركوع والسجود.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ موضوع الحكم في هذه الفقرة إنّما هو ملاحظة المسافة بين نفس الموقفين على ما تقتضيه كلمة الصفّ على ما عرفت.
ثم قال عليهالسلام بعد ذلك أو قبله حسب اختلاف نسختي الفقيه والكافي كما مرّ - : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام». دلّت هذه الفقرة على نفي الجماعة وعدم انعقادها فيما إذا كان بين الإمام وبين القوم ما لا يتخطّى.
وهذا بظاهره يناقض ما تقدّم في الفقرة السابقة من أنّ ذلك من مستحبّات الجماعة وآدابها لا من شرائطها ومقوّماتها ، فيعلم من ذلك أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة المسافة بين الإمام ومَن خلفه في جميع حالات الصلاة التي منها حال السجود ، لا خصوص حالة الاصطفاف كي يختصّ بحال القيام كما كان كذلك في الفقرة السابقة ، وقس عليه الحال في الفقرتين اللاحقتين ، أعني قوله : «أيّ صفّ كان ...» إلخ ، وقوله : «أيّما امرأة ...» إلخ.
ونتيجة ذلك ملاحظة الحدّ المزبور بين مسجد المأموم وموقف الإمام ، أو بين مسجد الصف اللاحق وموقف الصف السابق ، وأنّ البون بين هذين يجب أن لا يكون بمقدار لا يتخطّى.
وهذا كما ترى موضوع آخر غير الموضوع السابق الذي كان متضمّناً للحكم الاستحبابي. وظاهر التحديد اعتبار ذلك في صحّة الجماعة ، ولا موجب
.................................................................................................
لرفع اليد عنه لأجل كلمة «ينبغي» الواردة في الفقرة الأُخرى الناظرة إلى موضوع آخر أجنبي عن هذا الموضوع.
والذي يكشف عمّا ذكرنا من أنّ النظر في هذه الفقرة معطوف على ملاحظة النسبة بين مسجد اللاحق وموقف السابق لا بين الموقفين أُمور :
أحدها : العلم الخارجي ، فإنّ السيرة القطعية المطّردة بين المتشرّعة في إقامة الجماعات قائمة على الفصل بين موقف الصفّ اللاحق وموقف السابق بأكثر ممّا يتخطّى ، وعدم اتّصال مسجد اللاحق بموقف السابق ، سيما بعد ملاحظة الفاصل الموجود بين فرش المصلّين المقتضي للفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى.
فنستكشف من ذلك أنّ المدار في الحدّ المزبور على ملاحظته بين المسجد والموقف ، لا بين الموقفين.
الثاني : موثّقة عمّار «عن الرجل يصلّي بالقوم وخلفه دار وفيها نساء ، هل يجوز لهنّ أن يصلّين خلفه؟ قال : نعم ، إن كان الإمام أسفل منهنّ ، قلت : فانّ بينهنّ وبينه حائطاً أو طريقاً ، فقال : لا بأس» (1).
فقد دلّت على نفي البأس عن وجود الطريق بين المأموم والإمام ، ومعلوم أنّ الطريق يوجب الفصل بين الموقفين بأكثر ممّا يتخطّى ، نعم لا إطلاق في الموثّق من حيث سعة الطريق كي ينافي هذه الصحيحة المتضمّنة للقدح فيما إذا كان الفصل بين المسجد وموقف السابق بأزيد ممّا يتخطّى ، بل هو ناظر إلى أنّ الطريق في حدّ ذاته ومن حيث هو طريق غير قادح في الصحّة. وعلى تقدير الإطلاق فيقيّد بالصحيحة جمعاً.
وعلى أيّ حال فالمستفاد من الموثّق عدم قدح الفصل بين الموقفين المتخلّل بينهما الطريق بأكثر ممّا يتخطّى.
الثالث : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : أقلّ
1) الوسائل 8 : 409 / أبواب صلاة الجماعة ب 60 ح 1.
الرابع : أن لا يتقدّم المأموم على الإمام في الموقف ، فلو تقدّم في الابتداء أو الأثناء بطلت صلاته (1)إن بقي على نيّة الائتمام ، والأحوط تأخّره عنه ، وإن كان الأقوى جواز (2)المساواة ، ولا بأس بعد تقدّم الإمام في الموقف أو المساواة معه بزيادة المأموم على الإمام في ركوعه وسجوده لطول قامته ونحوه ،
ما يكون بينك وبين القبلة مربض (مربط) عنز ، وأكثر ما يكون مربض فرس» (3)1) بناء على أنّ المراد بالقبلة هو إمام الجماعة دون الكعبة ، وإلّا فبيننا وبينها مئات من الفراسخ.
فقد تضمّنت تحديد البعد بين المأموم والإمام في وقوفهما وأنّ أقلّه مربض عنز ، وهو المعادل لمسقط جسد الإنسان إذا سجد ، وأكثره مربض فرس. ومعلوم أنّ مربض الفرس غير قابل للتخطّي ، نعم إذا كانت المسافة بين الموقفين بهذا المقدار فما بين مسجد المأموم وموقف الإمام قابل للتخطّي.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الصحيحة ظاهرة الدلالة سيما بملاحظة الشواهد المتقدّمة في لزوم مراعاة التحديد بين مسجد المأموم وموقف الإمام أو بين مسجد الصفّ اللاحق وموقف السابق ، وأنّه يجب أن لا يكون بمقدار لا يتخطّى. فيجب الأخذ به ، ولا موجب للحمل على الاستحباب والفضل.
ثمّ إنّ المراد بما يتخطّى ما يكون قابلاً للتخطّي كما يقتضيه ظاهر اللفظ في المقام وأمثاله ممّا يشبه هذا التعبير دون الخطوة المتعارفة الخارجية ، وهو حسبما جرّبناه يعادل المتر الواحد تقريباً ، فلا مانع من الفصل بين المسجد والموقف بهذا المقدار الذي هو أقصى مراتب القابلية ، دون الزائد عليه.
نعم ، الأحوط رعاية الخطوة المتعارفة ، وقد عرفت أنّ الأفضل الأكمل
وإن كان الأحوط مراعاة عدم التقدّم في جميع الأحوال حتّى في الركوع والسجود والجلوس ، والمدار على الصدق العرفي (1).
رعاية الاتّصال بين المسجد والموقف من دون أيّ فصل بينهما.
(1) يقع الكلام تارة في جواز التقدّم على الإمام ، وأُخرى في جواز المساواة معه ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال كما لا خلاف بين المسلمين من الخاصّة والعامّة في عدم جواز التقدّم ، ويقتضيه مضافاً إلى التسالم والسيرة القطعية نفس مفهوم الإمامة ، فإنّ المتبادر من هذا اللفظ أنّ من يؤتم به بارز من بين القوم ، مقدّم عليهم ، ليقتدى به ويتابع في حركاته وسكناته ، وبذلك يصبح إماماً.
ويستفاد ذلك من جملة من الروايات التي منها ما ورد فيما إذا حدث للإمام حدث من أنّه يقدّم أحدهم (1)، وهذا ظاهر لا سترة عليه.
إنّما الكلام فيما ذكره الماتن تبعاً لغيره من الأصحاب من الحكم ببطلان الصلاة فيما إذا تقدّم على الإمام في الابتداء أو الأثناء مع البقاء على نيّة الائتمام فإنّ هذا على إطلاقه غير ظاهر.
وإنّما يتّجه فيما إذا تقدّم عامداً مع الإخلال بوظيفة المنفرد كما لو ترك القراءة حينئذ عمداً ، أو تقدّم ساهياً مع الإتيان بما يوجب البطلان ولو سهواً كما لو زاد ركناً لأجل التبعيّة ، فإنّ أصل الصلاة كنفس الجماعة باطلة في هاتين الصورتين ، أمّا الثاني فلأجل التقدّم المانع عن انعقاد الجماعة ، وأمّا الأوّل فللإخلال بوظيفة المنفرد بارتكاب ما يوجب البطلان عمداً كالصورة الأُولى أو ولو سهواً كما في الصورة الثانية ، وهذا واضح.
وأمّا إذا تقدّم عامداً ولم يخلّ بشيء من وظيفة المنفرد كما لو كان الاقتداء في
1) وقد تقدّم بعضها في ص 76 77.
.................................................................................................
الركعة الثالثة أو الرابعة وقد أتى بالقراءة ، أو تقدّم ساهياً ولم يخلّ إلّا بالقراءة لاعتقاده صحّة الجماعة المقتضية لتركها ، فلا مقتضي لبطلان الصلاة في شيء من هاتين الصورتين.
أمّا الأخيرة فلحديث لا تعاد (1)، وأمّا ما قبلها فلعدم الموجب للبطلان عدا نيّة الائتمام ، التي هي بمجرّدها غير ضائرة ما لم ترجع إلى التشريع. فغاية ما هناك بطلان الجماعة في الصورتين الأخيرتين ، دون أصل الصلاة كما صرّح الشهيد (قدس سره) بذلك (2).
فما في المتن وغيره من إطلاق القول بالبطلان لم نعرف له وجهاً ، ولعلّهم يريدون بذلك ما لو أخلّ بوظيفة المنفرد كما في الصورتين الأولتين.
وأمّا المقام الثاني : فالمشهور جواز المساواة كما في المتن ، وخالف فيه صاحب الحدائق (3)، وهو الحق.
ويدلّنا على المنع مضافاً إلى اقتضاء مفهوم الإمامة ، وإلى الأمر بالتقدّم في أخبار حدث الإمام كما مرّت الإشارة إليهما ، وإلى ما ورد في كيفية صلاة العراة جماعة من تقدّم الإمام بركبتيه (4)الكاشف عن أنّ أصل التقدّم أمر مرتكز مفروغ عنه ، روايات خاصّة.
عمدتها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام «قال : الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (5)حيث تضمّنت الأمر بالقيام خلف الإمام فيما إذا كان المأموم أكثر من واحد ، وظاهر الأمر الوجوب ، نعم تضمّن صدرها المساواة في المأموم
.................................................................................................
الواحد ، وهذا لا كلام لنا فيه ، بل ستعرف (1)وجوب المساواة حينئذ فضلاً عن الجواز.
وأمّا روايته الأُخرى عن أبي جعفر عليهالسلام : «أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين ، قال : يتقدّمهما ولا يقوم بينهما ...» إلخ (2)فهي وإن كانت صريحة الدلالة لكنّها ضعيفة السند وإن عبّر عنها المحقّق الهمداني (قدس سره) بالصحيحة (3)، لضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم (4). وكأنّه (قدس سره) اغترّ بجلالة محمد بن مسلم ، ولم يمعن النظر في طريق الصدوق إليه.
وقد صدر نظير هذا الاشتباه من صاحب الحدائق (قدس سره) (5)مع كونه من مهرة الفن ، فوصف الرواية التي أسندها الصدوق إلى محمّد بن مسلم بالصحّة غفلة عمّا في طريقه إليه من الضعف (6). وإنّما العصمة لأهلها.
وكيف ما كان ، ففي صحيحته الاولى غنى وكفاية ، هذا.
وقد حمل المشهور هذه الروايات على الاستحباب ، واستشهدوا له بأُمور :
منها : الصحيحة الواردة في اختلاف المصلّيين في الإمامية والمأمومية التي تقدّمت سابقاً (7)، فإنّ فرض الاختلاف والتداعي لا يمكن إلّا بناءً على جواز المساواة.
وفيه أوّلاً : أنّ غاية ما يستفاد من الصحيحة جواز المساواة في المأموم الواحد ، ولا نضايق من الالتزام بذلك كما أشرنا وسيأتي ، ومحلّ الكلام إنّما هو
1) في ص 167 168.
2) الوسائل 8 : 342 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 7.
3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 661 السطر 35.
4) الفقيه 4 (المشيخة) : 6.
5) الحدائق 11 : 91.
6) يمكن أن يكون تصحيحه مع التفاته إلى ضعف الطريق مستنداً إلى بعض الوجوه التي ذكرها في المستدرك 23 : 204 / 298 للتصحيح ، وإن كانت بأجمعها مخدوشة.
7) [لاحظ ص 66 ، فانّ المذكور سابقاً هو موثّقة السكوني].
.................................................................................................
في المأموم المتعدّد. فمورد الصحيحة أجنبي عن محلّ الكلام بالكلّية.
وثانياً : أنّ فرض الاختلاف لا يتوقّف على جواز المساواة ، لإمكان تصوير الفرض حتّى مع اشتراط التقدّم ، كما لو لم يشاهد أحدهما الآخر لظلمة أو عمى ونحو ذلك. وكون هذا الفرض نادراً لا يقدح بعد أن كان أصل المسألة أعني الاختلاف والتداعي من الفروض النادرة التي قلّما تتّفق خارجاً كما أشرنا إليه سابقاً (1). فلا يتوجّه عليه أنّ ذلك من حمل المطلق على الفرد النادر.
ومنها : مكاتبة الحميري المرويّة في قرب الإسناد (2)قال : «كتبت إلى الفقيه عليهالسلام أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت : وأمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، بل يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأمّا الصلاة فإنّها خلفه ويجعله الأمام ، ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ، لأنّ الإمام لا يُتقدّم ويصلّى عن يمينه وشماله» (3).
دلّت على أنّ الممنوع إنّما هو التقدّم على الإمام ، دون الصلاة عن يمينه أو شماله. فلا بأس بالمساواة معه في الموقف.
نعم ، روى الطبرسي مثله في الاحتجاج ، إلّا أنّه قال : «ولا يجوز أن يصلى بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ، لأنّ الإمام لا يُتقدّم عليه ولا يساوى» (4).
.................................................................................................
لكن رواية الطبرسي مرسلة فلا يعتمد عليها. والعمدة إنّما هي الرواية الأُولى المعتبرة المتضمّنة لجواز التساوي.
وفيه أوّلاً : ما عرفت من أنّ غايتها الدلالة على الجواز في المأموم الواحد دون الأكثر الذي هو محلّ الكلام.
وثانياً : أنّها أجنبية عن إمام الجماعة بالكلّية ، فإنّ الإمام في قوله عليهالسلام : «ويجعله الأمام» بفتح الهمزة بمعنى القُدّام ، لا بكسرها كي يراد به إمام الجماعة ، إذ لا معنى لفرض القبر المطهّر إمام الجماعة كما لا يخفى.
وأمّا الإمام في قوله : «لأنّ الإمام لا يُتقدّم ...» إلخ فالمراد به المعصوم عليهالسلام ، والحكم محمول على ضرب من الكراهة دون الحرمة ، وإلّا فتجوز الصلاة قُدّام الإمام عليهالسلام حال حياته فضلاً عن حال مماته عليهالسلام كما أشرنا إليه في بحث المكان (1)فلاحظ.
ومنها : رواية علي بن إبراهيم الهاشمي رفعه قال : «رأيت أبا عبد اللّه عليهالسلام يصلّي بقوم وهو إلى زاوية في بيته بقرب الحائط ، وكلّهم عن يمينه وليس على يساره أحد» (2).
وفيه : أنّها ضعيفة السند لأجل الرفع (3).
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ مقتضى الصناعة وجوب تأخّر المأموم عن الإمام والقيام خلفه ، عملاً بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة المؤيّدة بالشواهد الأُخر كما مرّ ، السليمة عما يوجب صرفها عن الوجوب.
هذا كلّه فيما إذا كان المأموم متعدّداً ، وأمّا المأموم الواحد فإنّه يجب أن يقف
1) شرح العروة 13 : 99.
2) الوسائل 8 : 342 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 6.
3) وأمّا علي بن إبراهيم الهاشمي نفسه فهو مشترك بين من هو من رجال موسى بن جعفر عليهالسلام ولم يوثّق ، ومن هو في طبقة رجال الكليني ، وهو المراد في المقام ، وقد وثّقه النجاشي صريحاً [في رجاله : 262 / 687] وقد أشار (دام ظلّه) إلى الأوّل في المعجم 12 : 233 / 7839 ، وإلى الثاني في 12 : 210 / 7825.
.................................................................................................
عن يمين الإمام وبحذائه كما نطقت به الصحيحة المتقدّمة (1)وغيرها. ونتيجة ذلك هو التفصيل بين الواحد والكثير كما اختاره في الحدائق (2).
نعم ، يستثني من ذلك موارد :
منها : المأموم الواحد الذي يكون معرضاً لالتحاق غيره به.
واستدلّ له تارة : برواية محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، فقال : لا بأس ، إنّما يبدو واحد بعد واحد» (3). ولكنّها ضعيفة السند ، لأنّ محمّد بن الفضيل مردّد بين ابن غزوان الثقة وبين الأزدي الضعيف ، وكلاهما في طبقة واحدة ، ومن المعاريف ، ولكلّ كتاب. فلا يترجّح أحدهما على الآخر.
نعم ، ذكر الأردبيلي في جامع الرواة أنّ محمّد بن فضيل الأزدي هو محمّد بن القاسم بن فضيل الأزدي (4)الذي يروي عن الكناني كثيراً ، وهو ثقة ، وكثيراً ما ينسب الرجل إلى جدّه. وعليه فيكون الرجل موثّقاً على كلّ حال ، سواء أكان هو ابن غزوان أم الأزدي.
ولكن ما ذكره (قدس سره) مجرّد احتمال لا دليل عليه ، بل إنّ انتساب الرجل إلى جدّه خلاف الظاهر ، لا يصار إليه ما لم يثبت بدليل قاطع.
وبالجملة : فكلّ من الأمرين محتمل ، ولا قرينة على التعيين ، فدعوى الاتّحاد بلا برهان ، فيبقى الترديد المزبور على حاله ، ولأجله يحكم بضعف الرواية.
وأُخرى : برواية موسى بن بكر «أنّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهالسلام عن الرجل يقوم في الصفّ وحده ، قال : لا بأس ، إنّما يبدو الصف واحد
.................................................................................................
بعد واحد» (1). وهي أيضاً ضعيفة ، لضعف طريق الصدوق (2)إلى موسى بن بكر (3)
فالأولى المناقشة في دلالتها بأنّها مطلقة من حيث الصفّ الأول وبقيّة الصفوف ، فلو كان لدليل أنّ المأموم الواحد يقف على جانب الإمام إطلاق يشمل فرض كونه في معرض الانضمام فلا محالة تقع المعارضة بينهما بالعموم من وجه ، ولكنّه لا إطلاق له كما أُفيد في المتن.
.لكن الذي يهوّن الخطب أن الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النصّ ، لأنّ ما دلّ على أن المأموم الواحد يقف على جانب الإمام منصرف عن المقام قطعاً بعد أن كان معرضاً للانضمام وكان الالتحاق تدريجياً بطبيعة الحال. فإطلاق قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه (4)هو المحكّم.
ومنها : ما إذا لم يجد مكاناً في الصفّ فدار الأمر بين أن يقف في صفّ مستقلا أو على جانب الإمام ، فقد دلّ النصّ على أنّه يقف بحذاء الإمام ، وهو صحيح سعيد الأعرج : «عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصفّ مقاماً ، أيقوم وحده حتّى يفرغ من صلاته؟ قال : نعم لا بأس ، يقوم بحذاء الإمام» (5).
ومنها : إمامة النساء ، بناءً على جواز إمامتهنّ كما تقدّم (6)، فإنّها تقف في وسطهنّ كما دلّت عليه النصوص.
1) الوسائل 8 : 406 / أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 4.
2) [لعدم ذكره في مشيخة الفقيه].
3) ولكن يمكن تصحيحه على ضوء بعض فوائده الرجالية (دام ظله) في أمثال المقام بأن يقال : إنّ طريق الشيخ إلى موسى بن بكر صحيح [كما في الفهرست : 162 / 705] وحيث إنّ في الطريق ابن الوليد ، وللشيخ الصدوق طريق صحيح إلى جميع كتبه ورواياته كما يظهر من طريق الشيخ إليه [في الفهرست : 156 / 694] فلا جرم يكون طريق الصدوق إلى موسى بن بكر صحيحاً أيضاً.
4) راجع ص 50 ، الهامش رقم (3).
5) الوسائل 8 : 406 / أبواب صلاة الجماعة ب 57 ح 3.
6) [تقدّم جواز إمامتها في صلاة الميت في شرح العروة 9 : 210 ، وسيأتي جوازها في الفرائض في ص 350 وما بعدها].
.................................................................................................
ومنها : صلاة العراة جماعة ، فانّ الإمام لا يتقدّم حينئذ إلّا بركبتيه للنصوص الدالّة عليه (1)الكاشفة عن جواز المساواة بينهم.
وربما يستثني أيضاً إقامة جماعة أُخرى في المسجد بعد فراغ الجماعة الأُولى وقبل أن يتفرّقوا ، استناداً إلى رواية أبي علي ، قال : «كنّا عند أبي عبد اللّه عليهالسلام فأتاه رجل فقال : جعلت فداك ، صلّيت في المسجد الفجر فانصرف بعضنا وجلس بعض في التسبيح ، فدخل علينا رجل المسجد فأذّن فمنعناه ودفعناه عن ذلك ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : أحسنت ، ادفعه عن ذلك ، امنعه أشدّ المنع ، فقلت : فان دخلوا فأرادوا أن يصلّوا فيه جماعة؟ قال : يقومون في ناحية المسجد ، ولا يبدو لهم إمام ...» إلخ (2).
دلّ صدرها على أنّ سقوط الأذان عزيمة لا رخصة كما تقدّم في محلّه (3). ومحلّ الاستشهاد هو قوله عليهالسلام في الذيل : «ولا يبدو لهم إمام» أي لا يبرز ولا يتقدّم.
لكن الرواية ضعيفة السند ، فإنّ أبا علي الحرّاني لم يوثّق. على أنّ الصدوق رواها مع تبديل لفظة «يبدو» بلفظة «يبدر» بذكر الراء بدل الواو (4)، أي لا يسرع الإمام بل يمكث قليلاً كي تتفرّق الجماعة الأُولى ، وعليه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه. وكيف ما كان ، فلم يثبت هذا الاستثناء ، وليقتصر فيه على الموارد التي ذكرناها.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ ما قوّاه في الحدائق وأصرّ عليه من أنّه لا مخرج عمّا تقتضيه ظواهر النصوص من لزوم وقوف المأموم الواحد بحذاء الإمام ، والزائد عليه خلفه ، هو الصحيح الحقيق بالقبول فيما عدا موارد
.................................................................................................
الاستثناء التي أشرنا إليها.
وأمّا ما عن المشهور وستأتي الإشارة إليه في المتن من عدّ ذلك من المستحبّات ، وأنّه يستحبّ وقوف المأموم الواحد بجانب الإمام والزائد خلفه فلم يظهر لنا وجهه قبال هاتيك النصوص المتقدّمة الظاهرة في الوجوب عدا الشهرة الفتوائية. وفي التعويل عليها في رفع اليد عن تلك النصوص تأمّل ظاهر. فما ذكرناه لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
أحدهما : بناءً على جواز المساواة في المأموم المتعدّد أو كان المأموم واحداً ووقف إلى جانب الإمام ، فهل تجوز المساواة الحقيقية بينهما بأن يقفا على صعيد واحد بنسبة متساوية ، أم يجب التأخّر على المأموم بشيء ما ولو يسيراً؟
مقتضى إطلاق كلام الماتن وصريح جمع آخرين هو الأوّل ، وذهب بعضهم إلى الثاني ، هذا. وليس في الروايات تعرّض لذلك ليستدلّ به على شيء من الطرفين ، وإنّما الوارد فيها لفظ «حذاء الإمام» كما في صحيحة الأعرج أو «يمينه» كما في صحيحة ابن مسلم المتقدّمتين (1)، ومقتضى الإطلاق فيهما جواز المساواة الحقيقية ، إذ لم يتقيّد بالتأخّر القليل.
ومع التشكيك في انعقاد الإطلاق من أجل أنّه عليهالسلام لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة ، بل النظر معطوف على أن لا يكون المأموم خلف الإمام فينتهي الأمر حينئذ إلى الأصل العملي من البراءة أو الاشتغال.
وقد عرفت غير مرّة (2)أنّ المرجع هو الأوّل ، لعدم كون الجماعة مسقطاً لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال بعد الشكّ في السقوط ، وإنّما هي عدل للواجب التخييري. فيشكّ في أنّ الجامع الذي هو متعلّق التكليف هل لوحظ
.................................................................................................
بين الفرادى ومطلق الجماعة ، أم بينها وبين الجماعة المتقيّدة بعدم المساواة الحقيقية أو بالتأخّر القليل ، ومقتضى الأصل البراءة عن هذا التقييد.
اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ مفهوم الإمامة بحسب الارتكاز العرفي يستدعي تقدّم الإمام (1)ولو في الجملة ليتابعه المأموم ويقتدي به كما أشرنا إليه فيما سبق (2). فان ثبت هذا فهو ، ولأجله يحكم بلزوم التأخّر اليسير ، وإلّا فالمرجع الإطلاق إن تمّ ، وإلّا فالأصل المقتضي لعدم اللزوم كما عرفت.
الأمر الثاني : هل يعتبر التأخّر أو التساوي في جميع حالات الصلاة ، أم يكفي مراعاة ذلك في الموقف فقط وإن زاد المأموم على الإمام في ركوعه أو سجوده لطول قامته أو لقصر قامة الإمام؟
الظاهر هو الثاني ، لكون المدار على الصدق العرفي كما ذكره في المتن والصدق العرفي حاصل بعد التأخّر في الموقف. ولا دليل على لزوم رعايته في جميع حالات الصلاة وأجزائها.
وعلى الجملة : لم يقم دليل على لزوم تأخّر جميع بدن المأموم عن جميع بدن الإمام ، وإنّما الثابت لزوم الصلاة خلفه أو بحذائه ، والعبرة في صدق هذا العنوان عرفاً مراعاته في الموقف فقط لا في جميع الأحوال ، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه.
ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) بعد أن فرغ عن الشرائط الأربعة من عدم الحائل وعدم علوّ موقف الإمام وعدم التباعد وعدم التقدّم ، تعرّض لفروع كثيرة تتعلّق كلّها ما عدا اليسير منها بالشرط الأوّل ، وكان من حقّها التعرّض لها عند انتهائه من ذاك الشرط ، وقد أشرنا إلى بعضها هناك (3)، ونشير إلى الجميع حسب تعرّض الماتن وإن تضمّن نوعاً من الإعادة.
[1898] مسألة 1 : لا بأس بالحائل القصير (1)الذي لا يمنع من المشاهدة في أحوال الصلاة وإن كان مانعاً منها حال السجود كمقدار الشبر بل أزيد أيضاً نعم إذا كان مانعاً حال الجلوس فيه إشكال لا يترك معه الاحتياط (1).
[1899] مسألة 2 : إذا كان الحائل ممّا يتحقّق معه المشاهدة حال الركوع لثقب في وسطه مثلاً ، أو حال القيام لثقب في أعلاه ، أو حال الهويّ إلى السجود لثقب في أسفله فالأحوط والأقوى فيه عدم الجواز ، بل وكذا لو كان في الجميع لصدق الحائل معه أيضاً (2).
(1) قد أشرنا سابقاً (2)إلى أنّ لفظ الحائل غير مذكور في شيء من النصوص ، وإنّما المذكور لفظ السترة والجدار ، الذي هو من عطف الخاصّ على العام. فتمام الموضوع هو الستار ، أي ما يكون ساتراً ومانعاً عن المشاهدة ولا ريب أنّ هذا إنّما يطلق فيما إذا كان المحلّ في طبعه قابلاً للرؤية وصالحاً للمشاهدة كما في حالات القيام أو الركوع أو الجلوس ، دون مثل حال السجود أو الهويّ إليه ، لامتناع المشاهدة حينئذ بطبيعة الحال ، سواء أكان هناك ساتر أم لا. فالقابلية مفقودة حينئذ في نفسها ، ولا يستند عدم الرؤية إلى وجود الساتر.
وعليه فالساتر القصير إذا كان بمقدار شبر أو أكثر غير قادح ما لم يكن ساتراً حال الجلوس فضلاً عن بقيّة الحالات وإن كان ساتراً حال السجود لعدم استناد الستر إليه حينئذ كما عرفت. وقد تقدّم في ذيل الشرط الأوّل التفصيل بين ما يتخطّى وبين غيره فلاحظ (3).
(2) ما ذكره (قدس سره) من أنّ الأقوى عدم الجواز فيما إذا كان الحائل
[1900] مسألة 3 : إذا كان الحائل زجاجاً يحكي مَن وراءه فالأقوى (1)عدم جوازه ، للصدق (1).
مانعاً عن المشاهدة في بعض الحالات دون بعض لثقب في وسطه أو أعلاه أو أسفله هو الصحيح ، لصدق الستار بعد إطلاق النصّ وعدم تقييده بجميع الحالات.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) من المنع حتّى إذا كان الثقب في الجميع معلّلاً بصدق الحائل معه فلا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت (2)من أنّ موضوع الحكم ليس هو عنوان الحائل ليتمسّك بإطلاقه ، بل عنوان الستار ، وأنّ الجدار المعطوف عليه في النصّ من باب المثال ، وأنّه من قبيل عطف الخاص على العام فلا خصوصية فيه.
ولا ريب أنّ الستار غير صادق بعد فرض وجود الثقب في جميع أطراف الحائل بحيث لا يمنع عن المشاهدة في شيء من حالات الصلاة ، فوجوده غير مانع بعد عدم كونه مشمولاً للنصّ.
ومنه يظهر الحال فيما ذكره في المسألة الآتية من الحائل غير المانع عن المشاهدة وإن منع عن الاستطراق كما لو كان زجاجياً يحكي مَن وراءه ، فانّ عنوان الحائل صادق (3)بمقتضى الإطلاق ، لكنّه ليس موضوعاً للحكم كما عرفت آنفاً.
ومنه يظهر الحال أيضاً في الشبّاك ، الذي تعرّض إليه في المسألة الخامسة لعدم صدق السترة عليه وإن ضاق الثقب ، فلا ضير في شيء من ذلك.
(1) وقد عرفت منعه آنفاً.
[1901] مسألة 4 : لا بأس بالظلمة والغبار ونحوهما (1) ، ولا تعدّ من الحائل وكذا النهر والطريق إذا لم يكن فيهما بعدٌ ممنوع في الجماعة.
[1902] مسألة 5 : الشبّاك لا يعدّ من الحائل ، وإن كان الأحوط الاجتناب معه خصوصاً مع ضيق الثقب ، بل المنع في هذه الصورة لا يخلو عن قوة ، لصدق الحائل معه (2).
[1903] مسألة 6 : لا يقدح حيلولة المأمومين بعضهم لبعض (3) وإن كان أهل الصفّ المتقدّم الحائل لم يدخلوا في الصلاة إذا كانوا متهيّئين لها.
(1) فانّ المنسبق من النصّ أنّ السترة مهما كانت فهي جسم خارجي فاصل بين الإمام والمأموم أو المأمومين أنفسهم ، مانع عن الاستطراق والمشاهدة مثل الستار والجدار ونحوهما. ومن الواضح أنّ الظلمة ليست منها ، بل ولا الغبار.
وأوضح حالاً العمى ، فانّ عدم المشاهدة حينئذ لقصور في المقتضي لا لوجود المانع. والحكم قطعي لا ارتياب فيه ، بل لعلّه من الضروريات الغنيّة عن الاستدلال.
وأمّا النهر والطريق فعدم كونهما من الحائل أظهر من أن يخفى. فلا مانع من وجودهما ما لم تبلغ سعتهما حدّ البعد القادح.
(2) قد عرفت أنّ هذا التعليل عليل وأنّ الاعتبار بصدق الستار ، فهو المدار دون الحائل ، ولا ينبغي الشكّ في عدم الصدق في شيء من حالات الصلاة إلّا إذا ضاقت الثقوب بمثابة يشملها الصدق العرفي.
(3) أمّا عدم القدح بلحاظ أثناء الصلاة فهو من القطعيات ، لضرورة صحّة انعقاد الجماعات المؤلّفة من الصفوف العديدة. وأمّا عدمه بلحاظ افتتاح الصلاة وابتدائها فلأجل السيرة القطعية القائمة من المتشرّعة على دخول الصفّ اللاحق في الصلاة وإن لم يدخل الصف السابق ، أو من هو واسطة الاتّصال بين المأموم والإمام في الصفّ الأوّل بعد أن كانوا متهيّئين لها.
[1904] مسألة 7 : لا يقدح عدم مشاهدة بعض أهل الصفّ الأول أو أكثره للإمام إذا كان ذلك من جهة استطالة الصفّ ، ولا أطولية الصفّ الثاني مثلاً من الأوّل (1).
[1905] مسألة 8 : لو كان الإمام في محراب داخل في جدار ونحوه لا يصحّ اقتداء من على اليمين أو اليسار ممّن يحول الحائط بينه وبين الإمام (2)
فمجرد التهيؤ كافٍ في صدق الاتّصال والخروج عن عنوان الحائل والستار ولا يناط ذلك بافتتاح الصفّ السابق أو من هو واسطة الاتّصال ودخولهم في الصلاة ، وإلّا فلو توقّف الدخول على دخولهم ولوحظ الترتيب بين الصفوف في الافتتاح لأشكل الاقتداء في الجماعات الكبيرة جدّاً ، لعدم سعة الوقت ، مع أنّ الجماعات الكبيرة منعقدة خلفاً عن سلف.
وقد حكي أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام كان يصلّي بالناس في مسجد الكوفة الذي كان أكبر ممّا هو عليه الآن بكثير ، وكان المسجد مليئاً من المأمومين البالغ عددهم ما يقرب من ثلاثين ألفاً ، وكلّهم بمرأى منه عليهالسلام.
فلو توقّف افتتاح اللاحق على السابق أو من هو واسطة الاتصال لأشكل اقتداء الأكثر منهم ، إذ لا يسع الزمان مراعاة هذا الشرط بالنسبة إلى الجميع فيعلم من ذلك أنّ مجرّد التهيؤ كافٍ في الصحّة. فلا مجال للترديد أو البناء على عدم الاكتفاء كما عن بعضهم.
(1) فانّ المدار على مشاهدة الإمام أو مشاهدة من هو واسطة الاتّصال بينه وبين الإمام ، لما عرفت من أنّ الواسطة ليست من الحائل ، فالاتّصال به ومشاهدته كافٍ في الصحّة ، فلا تقدح استطالة الصفّ أو أطولية الصفّ الثاني من الأوّل وإن منعت عن مشاهدة الإمام بعد إمكان مشاهدة الواسطة.
(2) لا ريب في [عدم] صحّة اقتداء من يقف على يمين المحراب أو يساره ممّن
ويصحّ اقتداء من يكون مقابلاً للباب ، لعدم الحائل بالنسبة إليه ، بل وكذا من على جانبيه ممّن لا يرى الإمام لكن مع اتّصال الصفّ على الأقوى ، وإن كان الأحوط العدم ، وكذا الحال إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلاً للباب ووقف الصفّ من جانبيه ، فإنّ الأقوى صحّة صلاة الجميع ، وإن كان الأحوط العدم بالنسبة إلى الجانبين.
يحول الحائط بينه وبين الإمام ، كما لا ريب في الصحّة بالإضافة إلى من يقف بحيال الباب ، لتحقّق الاتّصال وعدم الحائل بالنسبة إليه.
إنّما الكلام في من يقف على أحد جانبي الواقف بحيال الباب ممّن لا يرى الإمام لحيلولة الجدار بينه وبينه ، فالمشهور صحّة اقتدائه أيضاً كما في المتن لتحقّق الاتّصال بينه وبين من يرى الإمام ، فتكفي مشاهدة من هو واسطة الاتّصال ، بل ادّعي عليه الإجماع في بعض الكلمات.
وذهب بعضهم إلى البطلان ، استناداً إلى ظاهر الاستثناء في صحيحة زرارة : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة ، إلّا من كان حيال الباب» إلخ (1)بناء على أنّ المستثنى منه هو الضمير المجرور في قوله : «لهم». فيكون حاصل المعنى أنّه مع وجود الستار لا تصحّ صلاة أحد إلّا من يقف بحيال باب المحراب ، فالواقف على أحد جانبي هذا الشخص داخل في عقد المستثنى منه.
والإنصاف : أنّ هذا هو الظاهر من الصحيحة في بادئ الأمر وبحسب الظهور البدوي ، إلّا أنّ التأمّل فيها يقضي بأنّ هذا الظاهر غير مراد قطعاً وأنّ المستثنى منه بمناسبة الحكم والموضوع هي الحالة والكيفية المستفادة من سياق الكلام دون الضمير المجرور ، ويتّضح هذا بعد ملاحظة أمرين :
الأوّل : أنّ مقتضى الاستثناء من الضمير تخصيص صحّة الصلاة بمن يقف
1) الوسائل 8 : 407 / أبواب صلاة الجماعة ب 59 ح 1.
.................................................................................................
بحيال الباب فقط ، وأنّ كلّ من عداه ممّن يقف على جانبيه أو خلفه من بقيّة الصفوف إلى الأخير منها فصلاتهم باطلة بأسرهم ، لاندراج الكلّ في عقد المستثنى منه بعد تخصيص الخارج عنه بالواقف بحيال الباب.
وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به ، ولن يلتزم به أحد حتّى هذا القائل ، فإنّ الباقين صلاتهم صحيحة قطعاً بضرورة الفقه ، لاتّصالهم بمن هو متّصل بالإمام.
الثاني : ملاحظة ذيل الصحيحة ، قال عليهالسلام : «هذه المقاصير إنّما أحدثها الجبّارون ، وليس لمن صلّى خلفها مقتدياً بصلاة من فيها صلاة» ، وكأنّ هذه الفقرة بمثابة دفع ما ربما يستغربه السائل من حكمه عليهالسلام أوّلاً ببطلان الصلاة إلّا من كان بحيال الباب ، من أنّ المقصورة من مستحدثات الجبابرة ومبتدعاتهم حذراً عن الاغتيال كما اغتيل أمير المؤمنين عليهالسلام في محرابه ، ولم تكن معهودة في عصر النبيّ صلی اللّه عليه وآله ومن بعده.
وكيف ما كان ، فقد تضمّنت هذه الفقرة بطلان صلاة كلّ من يصلّي خلف المقصورة حتّى من يكون بحيال الباب بمقتضى الإطلاق ، ولا يستقيم هذا إلّا في فرض انفصال الكلّ عن الإمام لوجود حائل على الباب أو انسداده.
فنستنتج من هذه الفقرة بضميمة العلم الخارجي الذي أشرنا إليه في الأمر الأوّل أنّ الصحيحة تضمّنت تقسيم المصلّين إلى حالتين وتنويعهم إلى كيفيّتين وأنّه في حالة الانفصال عن الإمام لوجود حائل بينه وبين الكلّ بطلت صلاة الجميع ، وفي حالة الاتّصال ولو مع الواسطة صحّت صلاة الجميع أيضاً.
فقوله عليهالسلام : «إلا من كان ...» إلخ استثناء عن حالة المصلّين من حيث الاتّصال والانفصال ، المستفاد من سياق الكلام بمناسبة الحكم والموضوع ، وأنّه لا صلاة مع وجود السترة في حال من الحالات إلّا في الحالة التي يتّصل معها بعض المأمومين وهو الواقف بحيال الباب مع الإمام ، فتصحّ في هذه الحالة صلاة الجميع. فهي ناظرة إلى صحّة صلاة الكلّ تارة وبطلانها كذلك اخرى ، دون التفكيك بين المصلّين كما هو مبنى الاستدلال.
[1906] مسألة 9 : لا يصحّ اقتداء مَن بين الأسطوانات (1) مع وجود الحائل بينه وبين من تقدّمه إلّا إذا كان متّصلاً بمن لم تحل الأسطوانة بينهم ، كما أنّه يصحّ إذا لم يتّصل بمن لا حائل له لكن لم يكن بينه وبين من تقدّمه حائل مانع.
[1907] مسألة 10 : لو تجدّد الحائل في الأثناء فالأقوى بطلان الجماعة (2) ويصير منفردا.
وهذا الذي استظهرناه من الصحيحة إن صحّ وتمّ فهو ، وإلّا فغايته إجمال الصحيحة وسقوطها عن الاستدلال ، فينتهي الأمر حينئذ إلى التمسّك بإطلاقات الجماعة القاضية بالصحّة ، وإلّا فالأصل العملي الذي مقتضاه البراءة كما مرّ غير مرّة.
فالأقوى : ما عليه المشهور بل ادّعي عليه الإجماع من صحّة صلاة من على الجانبين ممّن لا يرى الإمام ، لكفاية الاتّصال بمن يراه.
ومنه يظهر الحال فيما إذا زادت الصفوف إلى باب المسجد فاقتدى من في خارج المسجد مقابلاً للباب ووقف الصفّ من جانبيه ، فإنّه يحكم بصحّة صلاة الجميع حينئذ كما أشار إليه في المتن.
(1) لما عرفت من صحيحة زرارة المتضمّنة لبطلان الصلاة خلف المقاصير ولزوم الاتّصال بين المأموم والإمام ، أو بينه وبين من هو واسطة الاتّصال.
وعليه فيبطل اقتداء من بين الأسطوانات إذا كان هناك حائل بينه وبين من تقدّمه ، لفقد الاتّصال حينئذ بينه وبين الإمام من جميع النواحي.
نعم ، لو كان متّصلاً ولو من جانب واحد كما لو لم يكن حائل بينه وبين من تقدّمه ، أو كان متّصلاً بمن لم تحل الأسطوانة بينهم صحّ اقتداؤه حينئذ. ولا خصوصية للاسطوانة في هذا الحكم ، بل المدار على مطلق الستار كما هو ظاهر.
(2) لإطلاق النصّ الشامل لصورتي الابتداء والأثناء. ودعوى الانصراف
[1908] مسألة 11 : لو دخل في الصلاة مع وجود الحائل جاهلاً به لعمى أو نحوه لم تصحّ جماعة (1) ، فإن التفت قبل أن يعمل ما ينافي صلاة المنفرد أتمّ منفرداً ، وإلّا بطلت (1).
إلى الأُولى كما عن شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2)ممنوعة.
(1) لأنّ مانعية الحائل واقعية بمقتضى إطلاق الدليل ، لا علمية. فلا إشكال في بطلان الجماعة ، وأمّا الصلاة فظاهر عبارة الماتن (قدس سره) بطلانها أيضاً إذا التفت وقد أخلّ بوظيفة المنفرد ، سواء أكان الإخلال بارتكاب ما ينافي صلاة المنفرد عمداً كترك القراءة ، أو ولو سهواً كزيادة الركن لأجل التبعية فإنّ إطلاق العبارة شامل لكلتا الصورتين ، كما صرّح به بعضهم. فلو التفت حال الركوع إلى وجود الحائل وقد ترك القراءة بطلت صلاته.
ولم يظهر له وجه عدا إطلاق قوله عليهالسلام في صحيح زرارة : «فليس تلك لهم بصلاة» (3). لكن حديث لا تعاد (4)حاكم عليه ، كحكومته على سائر أدلّة الأجزاء والشرائط الأوّلية ، وموجب لتخصيص البطلان بما إذا كان الإخلال بالأركان ، بناء على شمول الحديث لمطلق موارد العذر كما هو الصحيح على ما مرّ غير مرّة.
وبما أنّ ترك القراءة في المقام مستند إلى العذر ، لتخيّل كونه مؤتمّاً ، وليست هي من الخمسة المستثناة فيشملها الحديث. وعليه فيحمل قوله عليهالسلام : «فليس تلك لهم بصلاة» على نفيها بعنوان الجماعة ، أو على ما لو ارتكب ما ينافي حتّى سهواً.
[1909] مسألة 12 : لا بأس بالحائل غير المستقر كمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك ، نعم إذا اتّصلت المارّة لا يجوز وإن كانوا غير مستقرّين لاستقرار المنع حينئذ (1).
فالصحيح : أن يقال : إن كان محلّ التدارك باقياً كما لو التفت قبل الركوع أو حال القنوت وقد ترك القراءة رجع وتداركها وصحّت صلاته.
وإن لم يكن باقياً كما لو كان الالتفات بعد الدخول في الركوع فان كان ما أخلّ به من غير الأركان كالقراءة مضى ولا شيء عليه ، لحديث لا تعاد. وإن كان من الأركان كما لو زاد ركوعاً لأجل التبعية بطلت صلاته ، لارتكاب ما يوجب البطلان عمداً وسهواً. فينبغي التفصيل على هذا النحو. ولا ينظر إليه المتن. فإطلاقه في غير محلّه.
(1) قد عرفت (1)أنّ لفظ الحائل غير مذكور في النصّ ، وإنّما المذكور لفظ السترة ، وعطف عليه الجدار من باب المثال ، وأنّ المدار على مطلق ما صدق عليه لفظ الستار من خشبة أو حائط أو سترة ونحوها.
إلّا أنّ المنصرف منه بمقتضى الفهم العرفي أنّ الستار مهما كان فهو شيء ثابت مستقر ، فغير المستقرّ ينصرف النصّ عنه. وعليه فلا بأس بمرور شخص من إنسان أو حيوان أو غير ذلك أمام المأموم وإن حال بينه وبين الإمام أو الصفّ المتقدّم ولم يكن متّصلاً من أحد جانبيه.
نعم ، فيما إذا كان المرور مستمرّاً كما لو اتّصلت المارّة بأن كانت المانعية مستقرّة وإن تجدّد ذات المانع فلا يبعد شمول النصّ له كما ذكره في المتن ، إذ عدم الاستقرار حينئذ إنّما هو في ذات الساتر لا في وصف السترة ، والنصّ غير قاصر الشمول لمثله كما لا يخفى.
1) في ص 146 ، 173.
[1910] مسألة 13 : لو شكّ في حدوث الحائل في الأثناء (1) بنى على عدمه وكذا لو شكّ قبل الدخول في الصلاة في حدوثه بعد سبق عدمه ، وأمّا لو شكّ في وجوده وعدمه مع عدم سبق العدم فالظاهر عدم جواز الدخول (1)إلّا مع الاطمئنان بعدمه.
(1) أمّا مع العلم بالحالة السابقة من وجود الحائل أو عدمه فلا إشكال في الأخذ بمقتضاها ، عملاً بالاستصحاب في كلّ منهما. وأمّا مع الشكّ وعدم العلم بالحالة السابقة إمّا لأجل توارد الحالتين والشكّ في المتقدّم منهما والمتأخّر ، أو للجهل بها رأساً فقد ذكر في المتن أنّ الظاهر عدم جواز الدخول ، للزوم إحراز عدم المانع ولو بالأصل ، ولا أصل يقتضيه ، وأصالة عدم المانع ليس أصلاً برأسه ما لم يرجع إلى الاستصحاب ، والمفروض عدم جريانه لأجل الجهل بالحالة السابقة ، نعم لا بأس بالدخول مع الاطمئنان بالعدم ، فإنّه حجّة عقلائية.
أقول : الظاهر جواز الدخول ، لأصالة البراءة عن المانعية وإن لم يجر الاستصحاب ، وتقريرها يتوقّف على أمرين :
أحدهما : ما أشرنا إليه مراراً من أنّ الجماعة ليست مسقطة لوجوب الصلاة ليرجع إلى الاشتغال لدى الشكّ في السقوط ، وإنّما هي عدل للواجب التخييري ، ومتعلّق الوجوب إنّما هو الجامع بينها وبين الفرادى. وعليه فمرجع الشكّ في اعتبار قيد في الجماعة إلى الشكّ في أنّ الجامع الملحوظ بينهما هل لوحظ بين الفرادى ومطلق الجماعة ، أم بينها وبين الجماعة المتقيّدة بذاك القيد المشكوك فيه.
وبما أنّ اللحاظ على النحو الثاني يتضمّن كلفة زائدة يشكّ في تحقّقها زائداً على المقدار المعلوم فلا مانع من الرجوع في نفيها إلى أصالة البراءة ، بناءً على ما
1) (*) لا يبعد الجواز فيه.
.................................................................................................
هو الصحيح من الرجوع إليها في الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، فانّ المقام من صغريات هذا الباب كما هو ظاهر.
الثاني : أنّ من المحرّر في الأُصول على ما حقّقناه عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة عند الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطي بين موارد الشبهات الحكمية والموضوعية (1)، فإنّ الأحكام مجعولة على سبيل القضايا الحقيقية المنحلّة إلى أحكام عديدة حسب تعدّد الموضوعات.
فاذا شكّ في لباس أنّه من الحرير أم من غيره بشبهة موضوعية فكما تجري أصالة البراءة عن الحرمة النفسية فيجوز لبسه ، كذلك تجري البراءة عن تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في هذا المشكوك ، إذ بعد ما عرفت من الانحلال فتقيّد الصلاة بعدم الاقتران مع الأفراد المتيقّنة من الحرير معلوم ، وأمّا التقييد بالعدم الذي تنتزع عنه المانعية بالإضافة إلى هذا الفرد المشكوك زائداً على الأفراد المعلومة فهو مشكوك من أوّل الأمر ، فتجري البراءة عن هذا التقيّد على حدّ جريانها عن التكليف النفسي ، فتجوز الصلاة فيه كما يجوز لبسه.
وعلى ضوء هذا البيان تجري البراءة في المقام وإن كانت الشبهة موضوعية فإنّ عدل الواجب التخييري أعني الجماعة مقيّد بعدم الاشتمال على الحائل. وحيث إنّ هذا الحكم كغيره من سائر الأحكام انحلالي فينحلّ إلى تقيّدات عديدة حسب أفراد الحائل ، فكلّ فرد علم بحيلولته نعلم بثبوت التقيّد بالإضافة إليه ، وأمّا الفرد المشكوك فيشكّ في أصل التقيّد بالنسبة إليه ومقتضى الأصل البراءة عنه.
فالأقوى جواز الدخول في الجماعة لدى الشكّ في تحقّق الحائل وإن لم يطمئن بعدمه ، استناداً إلى البراءة ، وإن لم يجر الاستصحاب ، على خلاف ما أفاده الماتن (قدس سره).
1) مصباح الأُصول 2 : 325.
[1911] مسألة 14 : إذا كان الحائل ممّا لا يمنع عن المشاهدة حال القيام ولكن يمنع عنها حال الركوع أو حال الجلوس ، والمفروض زواله حال الركوع أو الجلوس ، هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان (1)، والأحوط كونه مانعاً من الأوّل ، وكذا العكس ، لصدق وجود الحائل بينه وبين الإمام (1).
(1) لو كان هناك حائل مانع عن المشاهدة حال الركوع أو الجلوس غير مانع في حال القيام ، ولكنّه يعلم بزوال الحائل عند تحقّق الركوع أو الجلوس أو كان الأمر بالعكس بأن يمنع حال القيام ولا يمنع حال الركوع أو الجلوس مع العلم بزواله عند تحقّق القيام ، فهل يجوز الدخول في الصلاة والحال هذه؟
وبعبارة اخرى : هل الاعتبار بفعلية المنع عن المشاهدة ، أو يكفي المنع الشأني التقديري ، بأن يكون بحيث لو ركع مثلاً لمنع عنها وإن لم يمنع فعلاً لدى تحقّق الركوع خارجاً لفرض زوال الحائل؟ ذكر في المتن أنّ فيه وجهين وأنّ الأحوط المنع.
أقول : بل لعلّه الأقوى ، لصدق أنّ بينهما سترة أو جداراً ، وقد تقدّم (2)أنّ المدار على الصدق ولو في بعض الأحوال ، بمقتضى إطلاق النصّ ، ولا يلزم أن يكون كذلك في تمام الحالات. وعليه فيصدق حال القيام أنّ بينهما سترة ولو بلحاظ حال الركوع ، وهذا الصدق فعليّ حقيقيّ سواء أبقي ذات الساتر حال الركوع الخارجي أم لا ، فإنّ العبرة بفعلية الصدق لا بفعلية الستر ، ولكن ذلك مشروط بما إذا كان الستر بفاصل لا يتخطّى ، دون غيره كما تقدّم (3).
1) (*) قد عرفت أنّ المعتبر إنّما هو عدم الفصل بما لا يتخطّى ولو كان ذلك في بعض أحوال الصلاة ، وعليه فان كان بينهما فاصل كذلك كان مانعاً وإن أمكنت المشاهدة في بعض الأحوال ، وأمّا إذا كان أصل وجود الفاصل بلحاظ الركوع أو السجود والمفروض أنّه يرتفع في تلك الحال فلا بأس به.
2) في ص 144 ، 173.
3) في ص 144 145.
[1912] مسألة 15 : إذا تمّت صلاة الصفّ المتقدّم وكانوا جالسين في مكانهم أشكل بالنسبة إلى الصفّ المتأخّر ، لكونهم حينئذ حائلين غير مصلّين ، نعم إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل ودخلوا مع الإمام في صلاة أُخرى لا يبعد بقاء قدوة المتأخّرين (1).
(1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة من حيث حيلولة الصفّ المتقدّم وأُخرى من ناحية البعد المتجدّد بين المأموم والإمام أو من هو واسطة الاتّصال. وقد تعرض الماتن (قدس سره) لكلتا الناحيتين في ضمن مسألتين. فتعرّض هنا من الناحية الاولى ، وفي المسألة التاسعة عشرة الآتية من الناحية الثانية. ونحن نبحث هنا عن كلتا الناحيتين لما بينهما من المناسبة فنقول :
أمّا من الناحية الاولى : فلا ريب أن الصفّ المتقدّم بعد انتهائهم من الصلاة كما لو كانوا مقصّرين ، أو عدولهم إلى الانفراد فهم يعدّون من الحائل بين الصفّ المتأخّر وبين الإمام أو من هو واسطة الاتّصال ، لصدق عنوان السترة المذكور في النصّ عليهم.
وقد عرفت دلالة النصّ على أنّ المانع هو مطلق الستار ، سواء أكان جداراً أم غيره من إنسان أو حيوان ونحوهما ، فيشمل الصفّ المتقدّم إلّا إذا كانوا مصلّين مؤتمّين فإنهم ليسوا بحائلين حينئذ كما مرّ (1). وأمّا إذا لم يكونوا مصلّين أو لم يكونوا مؤتمّين فلا إشكال في صدق الحائل عليهم ، الموجب لبطلان جماعة الصفّ المتأخّر.
نعم ، إذا قاموا بعد الإتمام بلا فصل ودخلوا مع الإمام في صلاة أُخرى قضائية أو أدائية كما لو كانوا مسافرين فقاموا إلى صلاة العصر مراعين في ذلك الفورية العرفية ، فقد ذكر في المتن أنّه لا يبعد حينئذ بقاء قدوة المتأخّرين.
والأمر كما ذكره (قدس سره) ، إذ بعد الالتحاق المزبور يعدّون من قبيل
1) في ص 175.
.................................................................................................
الحائل غير المستقرّ كمرور شخص بين الإمام والمأموم الذي عرفت (1)انصراف النصّ عن الشمول لمثله ، لكون المنسبق منه إلى الذهن ما إذا كان الحائل شيئاً ثابتاً مستقرّاً. فالمقتضي قاصر في نفسه عن الشمول لغير المستقر.
فإنّا إنما نتعدّى من النصّ المتضمّن للسترة والجدار إلى كلّ ما له الاستقرار من مطلق الستار ، دون ما لا استقرار له كما فيما نحن فيه. فالمتّجه هو الحكم ببقاء قدوة المتأخّرين ، من غير حاجة إلى الاستصحاب.
وأمّا من الناحية الثانية : فتارة يفرض أنّ المقدار الذي يشغله الصفّ المتقدّم من البعد ليس ممّا لا يتخطّى ، بل كان بمقدار مسقط جسد الإنسان إذا سجد الذي هو قابل للتخطّي كما سبق (2)فلا أثر لهذا البحث من هذه الجهة لصحّة جماعة المتأخّرين وإن لم يكن الصفّ المتقدّم موجوداً من أوّل الأمر فضلاً عن فراغهم أو انفرادهم ، لما عرفت (3)من أنّ المدار في هذا البعد على ملاحظته بين مسجد الصفّ المتأخّر وموقف الإمام أو الصفّ المتقدّم ، لا بين الموقفين.
وأُخرى يفرض أنّ البعد أكثر من ذلك أي كان بين الصفّ المتأخّر والإمام ما لا يتخطّى ، وحينئذ فمقتضى إطلاق صحيح زرارة (4)المتضمّن لقدح البعد بهذا المقدار الشامل لصورتي الحدوث والبقاء بطلان قدوة الصفّ المتأخّر ، على ما تقدّم في الحائل (5)من عدم الفرق في المانعية بين تمام الصلاة وأبعاضها بمقتضى الإطلاق.
نعم ، استثنى الماتن من ذلك ما إذا عاد المتقدّم إلى الجماعة بلا فصل ، على
[1913] مسألة 16 : الثوب الرقيق الذي يرى الشبح من ورائه حائل لا يجوز معه الاقتداء (1).
حدّ استثنائه في المسألة من الناحية الأُولى كما سبق. فكأنّه (قدس سره) يرى اتّحاد الملاك في الاستثناء ، وأنّ المسألتين من هذه الجهة ترتضعان من ثدي واحد.
ولكنّه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه ، لاختلاف الملاك ، فإنّا إنّما التزمنا بالاستثناء من الناحية الاولى من أجل قصور المقتضي ، واختصاص دليل المنع بالحائل المستقر ، وعدم الدليل على التعدّي عنه إلى غير المستقر الذي ينصرف النصّ عنه.
وأمّا في المقام فلا قصور في الإطلاق ، وليس هنا مثل ذلك الانصراف ، ولا فرق في البعد المانع بين ما كان كذلك من أوّل الصلاة أو تجدد في الأثناء كما صرح هو (قدس سره) به في المسألة الثامنة عشرة الآتية. كما لا فرق في ذلك بين قصر الزمان وطوله ، كلّ ذلك لإطلاق النصّ بعد عدم الدليل على التخصيص بصورة دون اخرى كما لا يخفى.
فمجرّد حدوث البعد المزبور وإن قصرت مدّته يشمله النصّ ، فتبطل القدوة ويصير المتأخّر منفرداً. ولا دليل على صحّة الاقتداء ثانياً. فقياس المسألة من هذه الناحية عليها من تلك الناحية قياس مع الفارق الواضح.
فالمتّجه بطلان اقتداء الصفّ المتأخّر من حيث حدوث البعد القادح بعد انفراد الصفّ المتقدّم أو انتهائهم ، سواء أعادوا إلى الجماعة أم لا ، وإن لم يبطل من حيث الحيلولة في هذه الصورة كما عرفت.
(1) لإطلاق النصّ بعد صدق السترة على الثوب وإن كان رقيقاً. ومجرّد رؤية الشبح غير مانع عن صدق السترة على الثوب بعد أن كان مانعاً عن مشاهدة العين.
[1914] مسألة 17 : إذا كان أهل الصفوف اللاحقة غير الصفّ الأوّل متفرّقين بأن كان بين بعضهم مع البعض فصل أزيد من الخطوة التي تملأ الفرج ، فإن لم يكن قدّامهم من ليس بينهم وبينه البعد المانع ولم يكن إلى جانبهم أيضاً متّصلاً بهم من ليس بينه وبين من تقدّمه البعد المانع لم يصحّ اقتداؤهم وإلّا صحّ ، وأمّا الصفّ الأوّل فلا بدّ فيه من عدم الفصل بين أهله ، فمعه لا يصحّ اقتداء من بَعُد عن الإمام أو عن المأموم من طرف الإمام بالبعد المانع (1).
[1915] مسألة 18 : لو تجدّد البعد في أثناء الصلاة بطلت الجماعة (2) وصار منفرداً ، وإن لم يلتفت وبقي على نيّة الاقتداء فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد من زيادة ركوع مثلاً للمتابعة أو نحو ذلك بطلت صلاته ، وإلّا صحّت.
(1) بعد ما عرفت من اعتبار عدم البعد بين المأموم والإمام أو من هو واسطة الاتّصال بأكثر ممّا يتخطّى ، فهذا البعد إنّما يقدح فيما إذا تحقّق من جميع النواحي ، وإلّا فالفصل من ناحية مع الوصل من ناحية أُخرى غير قادح اتّفاقاً ، ولا يشمله النصّ قطعاً ، فيكفي القرب والاتّصال ولو من إحدى الجهات.
وعليه فيفرّق بين الصفّ الأوّل وبين الصفوف اللاحقة كما ذكره في المتن. ففي الصفّ الأوّل حيث لا يكون الاتّصال إلى الإمام إلّا من جانب واحد فيعتبر عدم الفصل بينهم بأكثر ممّا يتخطّى.
وأمّا في سائر الصفوف فكما يمكن الاتّصال من الأمام يمكن من أحد الجانبين من اليمين أو اليسار ، ولأجله لم يقدح التفرّق بين أهله بأكثر من ذلك لو تحقّق الاتّصال من طرف الأمام ، كما لا يقدح البعد من هذا الطرف لو تحقّق القرب من أحد الجانبين. وإنّما يقدح فيما إذا انفصل عن الإمام من جميع الأطراف أعني القدّام واليمين واليسار لما عرفت من كفاية الاتّصال من إحدى الجهات.
(2) لإطلاق دليل المانعية ، المقتضي لعدم الفرق بين الحدوث والبقاء
[1916] مسألة 19 : إذا انتهت صلاة الصف المتقدّم من جهة كونهم مقصّرين أو عدلوا إلى الانفراد فالأقوى بطلان اقتداء المتأخر للبعد ، إلّا إذا عاد المتقدم إلى الجماعة بلا فصل (1) ، كما أنّ الأمر كذلك من جهة الحيلولة أيضاً على ما مرّ.
[1917] مسألة 20 : الفصل لعدم دخول الصفّ المتقدّم في الصلاة لا يضر (2) بعد كونهم متهيئين للجماعة ، فيجوز لأهل الصفّ المتأخّر الإحرام قبل إحرام المتقدّم ، وإن كان الأحوط خلافه ، كما أنّ الأمر كذلك من حيث الحيلولة على ما سبق.
[1918] مسألة 21 : إذا علم بطلان صلاة الصفّ المتقدّم تبطل جماعة المتأخّر من جهة الفصل أو الحيلولة وإن كانوا غير ملتفتين للبطلان (3).
وحيث إنّ المانعية واقعية بظاهر الدليل لم يفرّق في ذلك بين صورتي الالتفات وعدمه.
وعليه فلو بقي على نيّة الاقتداء جهلاً منه بتجدّد البعد فان أتى بما ينافي صلاة المنفرد ولو سهواً كزيادة الركوع لأجل المتابعة بطلت صلاته أيضاً ، وإلّا بأن لم يأت بالمنافي أصلاً أو أتى بما لا ينافي إلّا عمداً كترك القراءة صحّت صلاته حينئذ ، لحديث لا تعاد كما مرّت الإشارة إليه في المسألة الحادية عشرة فلاحظ.
(1) قدّمنا البحث حول هذه المسألة في ذيل المسألة الخامسة عشرة فلاحظ.
(2) فيكفي مجرّد التهيؤ ، ولا يقدح عدم دخول الصفّ المتقدّم أو من هو واسطة الاتّصال في الصفّ الأوّل أو الثاني إذا كان أطول ، لا من حيث الفصل ولا من حيث الحيلولة كما سبق وجهه في المسألة السادسة فلاحظ.
(3) لا إشكال في البطلان مع العلم بالفساد ، إذ الصلاة الفاسدة في حكم
نعم مع الجهل بحالهم تحمل على الصحّة ولا يضرّ ، كما لا يضرّ فصلهم إذا كانت صلاتهم صحيحة بحسب تقليدهم وإن كانت باطلة بحسب تقليد الصفّ المتأخّر.
العدم ، فيكون الصفّ المتقدّم أو واسطة الاتّصال بمنزلة من لا يصلّي ، فهو فاصل ، كما أنّه حائل ، فيوجب بطلان جماعة المتأخّر من كلتا الناحيتين. وما تقدّم (1)من عدم قدح حيلولة الصفّ المتقدّم ولا الفصل بهم مختصّ بما إذا كانوا مصلّين ، لا من يأتي بصورة الصلاة التي ليست هي من حقيقتها في شيء كما هو ظاهر.
كما لا إشكال في الصحّة مع الجهل بالفساد ، حملاً لفعلهم على الصحيح وللسيرة القائمة على عدم التحقيق ، فترتّب عليه آثار الصحّة التي منها عدم كونه فاصلاً ولا حائلاً.
إنّما الكلام فيما إذا اختلفا في الصحّة والفساد اجتهاداً أو تقليداً ، فكانت صلاتهم صحيحة بنظرهم فاسدة بنظر الصفّ المتأخّر ، سيما فيما يعود إلى الأركان كما لو توضّأ المتقدّم جبيرة والمتأخّر يرى اجتهاداً أو تقليداً أنّه من موارد التيمم ، أو بالعكس ، فهل العبرة حينئذ بنظرهم أو بنظر الصفّ المتأخّر؟
الأقوى هو الأوّل كما اختاره في المتن ، فلا يضرّ فصلهم ولا حيلولتهم.
أمّا أوّلاً : فلقصور المقتضي في دليل المنع وانصرافه عن مثل المقام ، فلا بعدَ مع صحّة الصلاة بنظر المصلّي وكون المجموع جماعة واحدة متّصلة بعضها ببعض ، فليس ذلك من الفصل بغير المصلّي. كما أنّه لا يعدّ من الحائل بعد كونها صلاة صحيحة ولو بنظره كما لا يخفى. فاطلاقات الجماعة غير قاصرة الشمول للمقام ، ومع التنزل فتكفينا أصالة البراءة عن التقيّد بالعدم ، التي مرّ تقريرها غير مرّة في نظائر المقام (2).
[1919] مسألة 22 : لا يضرّ الفصل بالصبيّ المميّز ما لم يعلم بطلان صلاته (1).
وأمّا ثانياً : فللسيرة القطعية القائمة على الجواز بمجرّد احتمال الصحّة الواقعية ، المتّصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام ، بل قد كانت الجماعات تنعقد خلف مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام مع القطع ببطلان صلاة الكثير منهم لفقدهم شرط الولاية الدخيل في الصحّة قطعاً ، بل هي من أعظم الشرائط. مضافاً إلى عدم رعايتهم للأجزاء والشرائط والموانع المقرّرة عند الخاصّة ، لتلقّيهم الأحكام عن أسلافهم من خلفاء الجور ومتابعتهم لهم ، ومع ذلك كان تابعوه عليهالسلام من الخاصّة يصلّون بصلاتهم ، ولم يعهد عن أحدهم تقيّده باشغال الصفوف المتقدّمة كما لا يخفى. فيعلم من ذلك أنّ مجرّد صحّة الصلاة بنظر الصفّ المتقدّم كافٍ في صحّة قدوة المتأخّرين وإن كانت باطلة بنظرهم.
نعم ، لو كانت باطلة حتّى في نظر المتقدّم كما لو صلّى تاركاً لجزء أو شرط يوجب البطلان مطلقاً وكان غافلاً أو ناسياً بحيث لو التفت لاعترف بالبطلان لم تصحّ قدوة المتأخّر ، لعدم كونه حينئذ مصلّياً حتّى في اعتقاده ، بل هي صورة الصلاة. فيفرّق بين ما إذا اعتقد الصحّة وما إذا لم يعتقد ، ولا يقاس أحدهما بالآخر.
(1) هذا بناء على شرعية عباداته كما هو الصحيح ، فلا يضرّ فصله لا من حيث البعد ولا الحائل. وأمّا بناء على التمرينية فيشكل ، لأنّها حينئذ صورة صلاة وليست من حقيقتها في شيء ، ففصله يخلّ من كلتا الناحيتين (1).
وربما يستدلّ لعدم القدح حتّى بناء على التمرينية بخبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه «أنّ علياً عليهالسلام قال : الصبيّ عن يمين الرجل في الصلاة
1) الإخلال من ناحية البعد غير واضح ، لعدم إشغال الصبيّ الواحد مقدار ما لا يتخطّى كما لا يخفى.
[1920] مسألة 23 : إذا شكّ في حدوث البعد في الأثناء بنى على عدمه (1) وإن شكّ في تحقّقه من الأوّل وجب إحراز عدمه (1)إلّا أن يكون مسبوقاً بالقرب ، كما إذا كان قريباً من الإمام الذي يريد أن يأتمّ به فشكّ في أنّه تقدّم عن مكانه أم لا.
إذا ضبط الصفّ جماعة ...» إلخ (2). لكن السند ضعيف جدّاً وإن تمّت الدلالة فإنّ أبا البختري في غاية الضعف ، بل قيل : إنّه أكذب البرية. فالمتّجه هو التفصيل بين الشرعية والتمرينية كما ذكرنا.
(1) أمّا إذا كانت الحالة السابقة هي البعد أو عدم البعد فلا إشكال في الاستصحاب في كلّ منهما فيعمل بمقتضاه. وأمّا إذا لم تعلم الحالة السابقة ، وشكّ في تحقّقه من الأوّل فقد ذكر في المتن أنّه يجب إحراز عدمه.
أقول : لزوم الإحراز وعدمه في المقام يبتني على أنّ اعتبار عدم البعد هل هو ملحوظ على نحو الشرطية ، أم على سبيل المانعية؟ فعلى الأوّل كما ربما يستظهر من صدر الصحيحة «ينبغي أن تكون الصفوف تامّة متواصلة ...» إلخ (3)حيث تضمّن اعتبار التواصل ، يتّجه حينئذ ما ذكره (قدس سره) من لزوم إحراز الاتّصال ، فانّ الشرط ممّا يجب إحرازه في مقام الامتثال عملاً بقاعدة الاشتغال.
لكن الاستظهار في غير محلّه ، لما عرفت فيما سبق (4)من أنّ الحكم المذكور في الصدر استحبابي ، وهو حكم آخر مغاير للحكم الإلزامي المستفاد من الذيل الذي هو مدرك المسألة.
والعمدة قوله عليهالسلام بعد ذلك : «إن صلّى قوم وبينهم وبين الإمام
[1921] مسألة 24 : إذا تقدّم المأموم على الإمام في أثناء الصلاة سهواً أو جهلاً أو اضطراراً صار منفرداً (1) ، ولا يجوز له تجديد الاقتداء ، نعم لو عاد بلا فصلٍ لا يبعد بقاء قدوته (1).
ما لا يتخطّى فليس ذلك الإمام لهم بإمام» (2)، وهو ظاهر في اعتبار المانعية للبعد كما لا يخفى.
وعليه فمع الشكّ يرجع إلى أصالة البراءة عن المانعية وإن لم يجر الاستصحاب ، بناءً على ما مرّ غير مرّة من أنّ المرجع في أمثال المقام هي البراءة وإن كانت الشبهة موضوعية ، لكون المانعية انحلالية ، فتقيّد الجماعة بعدم وقوعها مع هذه المسافة التي يشكّ في بلوغها ما لا يتخطّى زائداً على المقدار المتيقّن بلوغه ذاك الحدّ مشكوك من أوّل الأمر ، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. وعليه فما في المتن من اعتبار الإحراز مبنيّ على الاحتياط.
(1) لأنّ شرطية التأخّر أو التساوي واقعية بظاهر النصّ ، فتثبت في جميع الحالات من السهو أو الجهل أو الاضطرار ونحوها ، فتبطل الجماعة بالإخلال بها لا محالة. ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين فقد الشرط من الأوّل أم الأثناء ، فلو تقدّم في الأثناء سهواً أو لعذر آخر بطل الاقتداء.
وهل يتدارك الشرط حينئذ بالعود بلا فصل؟ لم يستبعده في المتن قياساً على ما سبق منه في الحائل وفي البعد.
لكنّه كما ترى بعيد جدّاً ، والقياس مع الفارق كما أشرنا إليه في البعد (3)، فإنّا إنّما التزمنا بمثله في الحائل من أجل أنّ العود بلا فصل يعدّ من الحائل غير المستقر الذي ينصرف عنه النصّ ، فالمقتضي للمنع قاصر الشمول لمثله في حدّ نفسه.
[1922] مسألة 25 : يجوز على الأقوى الجماعة بالاستدارة (1)حول الكعبة (1) والأحوط عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة ، وأحوط منه عدم أقربيته مع ذلك إلى الكعبة ، وأحوط من ذلك تقدّم الإمام بحسب الدائرة وأقربيّته من ذلك إلى الكعبة.
وأمّا في المقام وكذا في البعد كما سبق فلا قصور في إطلاق دليل اشتراط التأخّر أو التساوي عن الشمول لجميع آنات الصلاة ، وليس هنا مثل ذاك الانصراف بالضرورة. فالتقدّم ولو آناً ما إخلال بالشرط موجب لبطلان الجماعة ، لفقد المشروط بفقد شرطه ، فينفرد لا محالة. ولا دليل على العود بعد الانفراد وإن كان بلا فصل ، إذ لا فرق بين قصر الزمان وطوله في هذا الحكم بمقتضى الإطلاق. فليس الملاك في التقدّم ولا البعد متّحداً معه في الحائل كما هو ظاهر.
(1) كما ذهب إليه جماعة ، بل حكي عليه الإجماع. وذهب جمع آخرون إلى المنع ، ولعلّه المشهور ، وهو الأقوى ، فإنّ النصوص خالية عن التعرّض لذلك بالخصوص نفياً وإثباتاً ، فنبقى نحن ومقتضى الإطلاقات الدالّة على لزوم تأخّر المأموم عن الإمام ولا أقلّ من التساوي ، التي لا قصور في شمولها للمقام.
ومن الواضح أنّ الجماعة استدارة تستوجب تقدّم المأموم على الإمام ، بل وقوفه قباله وقدّامه عند استكمال الدائرة ، فلم يقف خلفه ولا بحذائه الذي هو الشرط في الصحّة ، ولأجله يحكم بالبطلان ، لسلامة المطلقات عمّا يصلح للتقييد عدا توهّم قيام السيرة العملية الممضاة عندهم عليهمالسلام بعدم الردع ، التي هي مستند القول بالجواز.
وفيه : أنّ مثل هذه السيرة لا أثر لها ، ولا تكاد تغني شيئاً ، فإنّ المباشر لها هم أبناء العامّة فقط ، إذ لم نجد ولم نسمع تصدّي الخاصّة لذلك في دور من
1) (*) في القوّة إشكال ، بل منع.
.................................................................................................
الأدوار لا قديماً ولا حديثاً حتّى في عهد المعصومين عليهمالسلام ، ولم ينقل عنهم ولا عن شيعتهم إقامة الجماعة حول الكعبة مستديرة فضلاً عن استقرار سيرتهم عليها. فهي مختصة بأهل الخلاف فحسب.
والردع عن هذه السيرة وإن لم يثبت عنهم عليهمالسلام إلّا أنّ عدم الردع بمجرّده لا ينفع ما لم يكشف عن الرضا ، فإنّ العبرة بالإمضاء المستكشف من عدم الردع لا به نفسه بالضرورة. ومن الجائز أن يكون عدمه مبنياً على التقيّة كما هو المعلوم من حالهم في تلك الأعصار اتّجاه حكام الجور ، فلا يكشف عن الرضا.
نعم ، ثبت الردع عن بعض فعالهم ممّا قامت عليه سيرتهم كما في التكتّف ونحوه ، لكنّه خاصّ بما هو محلّ للابتلاء كالمثال ، إذ لو لم يردع لتوهّم الإمضاء فصلّى الشيعي في داره مثلاً متكتّفاً ، وهذا بخلاف المقام ، لما عرفت من أنّ إقامة الجماعة حول الكعبة تختصّ بهم ، وليست مورداً لابتلاء الخاصّة.
وأمّا اقتداؤهم بهم أحياناً في المسجد الحرام فهو أيضاً مبني على التقيّة وليس من حقيقة الجماعة في شيء ، ولذا قلنا في محلّه أنّ المقتدي بهم يقرأ في نفسه ، فهو منفرد حقيقة وإن كان على صورة الجماعة (1).
وعلى الجملة : فلم تثبت في المقام سيرة يعتمد عليها بحيث تصلح لرفع اليد عمّا تقتضيه المطلقات من لزوم تقدّم الإمام على المأموم أو تساويه ، ولأجله كان الأقوى هو البطلان كما عرفت.
ثمّ إنّه على تقدير القول بالجواز فهل يعتبر عدم تقدّم المأموم على الإمام بحسب الدائرة أم بلحاظ البنية الشريفة؟
وتوضيحه : أنّ الكعبة الشريفة بما أنّها مربّعة مستطيلة ، فإذا فرضنا نقطة في وسطها حاصلة من تقاطع خطّين موهومين من كلّ زاوية إلى ما يقابلها وجعلنا هذه النقطة مركزاً لدائرة موهمة حول الكعبة المشرّفة ، فخطوط هذه
1) شرح العروة 1 : 271.
.................................................................................................
الدائرة بالإضافة إلى الكعبة ليست متساوية ، بل ما يحاذي منها الزوايا أقرب ممّا يحاذي الأضلاع بطبيعة الحال ، لفرض كون الكعبة على شكل المربّع. فالخط المقابل للضلع أبعد من الكعبة بالنسبة إلى الخط المقابل للزاوية بالضرورة.
وحينئذ فاذا فرضنا وقوف الإمام على رأس الخط المقابل لوسط الضلع أو في داخل الدائرة قريباً من الخط ، ووقوف المأموم حذاء الزاوية خارجاً عن الخطّ بمقدار نصف متر مثلاً ، فهو متأخّر عن الإمام بالقياس إلى خطوط الدائرة الوهميّة متقدّم عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة ، لكونه أقرب من الإمام بالقياس إليها حسبما عرفت. ولو انعكس الموقف انعكس الحكم كما هو ظاهر.
وعليه فهل المدار في مراعاة التقدّم والتأخّر ملاحظتهما بالنسبة إلى الدائرة أم بالقياس إلى نفس الكعبة. فعلى الأوّل تصحّ جماعة المأموم في الفرض المزبور ، لكونه متأخّراً عن الإمام بلحاظ الدائرة. وعلى الثاني تبطل ، لكونه متقدّماً عليه بالنسبة إلى الكعبة الشريفة.
ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الأحوط مراعاة كلا الأمرين ، فيقف المأموم موقفاً لا يتقدّم على الإمام بحسب الدائرة ، ولا يكون أقرب منه إلى الكعبة.
وما أفاده (قدس سره) هو الصحيح ، لما عرفت من أنّ الجواز على القول به لم يكن مستفاداً من دليل لفظي ليتمسّك بإطلاقه ، وإنّما استفيد من السيرة العملية التي هي دليل لبّي ، فلا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن منها في الخروج عن مقتضى الإطلاقات المانعة عن التقدّم على الإمام ، والمتيقّن منها ما إذا لم يتقدّم بلحاظ كلا الأمرين وإن كان متقدّماً حسب الخطوط العرضية فيقيّد الإطلاق بهذا المقدار ، ويتمسّك به فيما عداه لسلامته حينئذ عن التقييد كما لا يخفى.
ثمّ إنّ ما ذكره في المتن من الاحتياط الأخير أعني تقدّم الإمام بحسب الأمرين لا مجرّد عدم تقدّم المأموم مبنيّ على الاحتياط في عدم مساواتهما في الموقف وتقدّم الإمام عليه كما لعلّه ظاهر. واللّه سبحانه أعلم.
[1923] مسألة 1 : الأحوط ترك المأموم القراءة في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية إذا كان فيهما مع الإمام ، وإن كان الأقوى الجواز مع الكراهة (1)(1).
(1) اختلف الأصحاب في جواز القراءة خلف الإمام في الركعتين الأُوليين من الإخفاتية بعد الاتّفاق منهم على سقوط وجوبها وضمان الإمام ، فذهب جماعة كثيرون إلى الحرمة ، واختار جمع آخرون الجواز على كراهة.
وليعلم أنّ محلّ الكلام الإتيان بالقراءة بقصد الجزئيّة على حدّ إتيانها في بقيّة الصلوات ، وأمّا الإتيان لا بعنوان القراءة الصلاتية بل بقصد القرآن والذكر لمكان اشتمالها على التحميد والدعاء والذكر والثناء فلا ينبغي الإشكال في جوازه ، لانصراف نحو قوله عليهالسلام : «يكله إلى الإمام» الوارد في النصوص (2)عن مثل ذلك ، بل هو ناظر إلى القراءة الصلاتية كما هو ظاهر.
وكيف ما كان ، فمنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام ، فمقتضى جملة منها المنع ، وهي على طوائف :
منها : ما تضمّن المنع عن القراءة خلف الإمام مطلقاً كصحيحة زرارة ومحمّد
.................................................................................................
ابن مسلم ، قالا «قال أبو جعفر عليهالسلام : كان أمير المؤمنين عليهالسلام يقول : من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة» (1).
دلّت على بطلان الصلاة وأنّ وجودها كالعدم ، فلو اكتفى بها ولم يتداركها بعث على غير الفطرة ، لكونه في حكم تارك الصلاة فيما لو اقتصر عليها. كما يكشف عمّا ذكرناه من التقييد بالاقتصار قوله عليهالسلام : «فمات» ، إذ لا يحتمل أن تكون القراءة خلفه بمجرّدها من المحرّمات الذاتية. فالحرمة تشريعية محضة ، وهي مساوقة للبطلان.
وكيف ما كان ، فقد دلّت بالإطلاق على المنع عن القراءة خلف الإمام خرجنا عن ذلك في الأوّلتين من الجهرية إذا لم يسمع قراءة الإمام ولا همهمته بمقتضى النصوص الدالّة على الجواز (2)فتبقى الإخفاتية تحت إطلاق المنع.
ونحوها صحيحة يونس بن يعقوب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال : من رضيت به فلا تقرأ خلفه» (3).
ومنها : ما تضمّن المنع إلّا في الجهرية بنحو القرينة المتّصلة دون المنفصلة كما في السابقة كصحيحة الحلبي : «إذا صلّيت خلف إمام تأتمّ به فلا تقرأ خلفه ، سمعت قراءته أم لم تسمع ، إلّا أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ» (4). وهذه أظهر من الطائفة السابقة في المنع ، لمكان اتّصال القرينة الموجب لاختصاص الظهور بالإخفاتية كالحجّية.
ومنها : ما تضمّن المنع في خصوص محلّ الكلام صريحاً أعني الأوّلتين من الإخفاتية كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : «عن الصلاة خلف الإمام أقرأ
.................................................................................................
خلفه؟ فقال : أمّا الصلاة التي لا تجهر فيها بالقراءة فإنّ ذلك جعل إليه ، فلا تقرأ خلفه» (1). دلّت على اختصاص الجعل بالإمام ، فلم تكن القراءة مجعولة على المأموم ، فالإتيان بها بعنوان الجزئية كما هو محلّ الكلام تشريع محرّم.
وربما يستدلّ أيضاً بما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن سنان يعني عبد اللّه الحسن بإسناده عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأوّلتين» (2).
وقد عبّر عنها في الحدائق (3)وغيره بالصحيحة. لكن السند بهذا النحو المذكور في الوسائل الطبعة الجديدة غير خال عن الخدش ، فانّ عبد اللّه الحسن لا وجود له في كتب الرجال ، بل الموجود إمّا عبد اللّه بن سنان بن طريف الثقة ، أو محمد بن الحسن بن سنان الضعيف ، الذي هو محمد بن سنان المعروف ، ينسب إلى جدّه ، حيث توفي أبوه الحسن وهو طفل ، وكفله جدّه سنان فنسب إليه. فابن سنان بعنوان عبد اللّه الحسن لا واقع له. على أنّ إسناده إلى أبي عبد اللّه عليهالسلام غير معلوم فيلحق بالمرسل ، هذا.
ولكن السند المزبور خطأ ، والنسخة مغلوطة. والصواب كما في الطبعة القديمة من الوسائل هكذا : يعني عبد اللّه ، بدون زيادة كلمة (الحسن) ولا كلمة (بإسناده) ، فتصبح الرواية صحيحة السند ، لكونها عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام. وقد أوردها في التهذيب وكذا في موضع آخر من الوسائل (4)هكذا : عن صفوان عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام.
وقد دلّت هذه الروايات بطوائفها الثلاث على المنع عموماً أو خصوصاً كما
.................................................................................................
عرفت ، ومع ذلك فقد ذهب جمع منهم الماتن إلى الجواز مع الكراهة ، نظراً إلى معارضتها بروايات اخرى دلّت على الجواز ، الموجبة لحمل النهي في الروايات المتقدّمة على الكراهة جمعاً ، وهي روايات ثلاث :
الأُولى : صحيحة سليمان بن خالد التي قيل بظهورها في نفسها في الكراهة قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أيقرأ الرجل في الأُولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنّه يقرأ؟ فقال : لا ينبغي له أن يقرأ ، يكله إلى الإمام» (1).
فانّ موردها الإخفاتية ، بقرينة ذكر الاولى والعصر وكذا قوله : «وهو لا يعلم» ، إذ ليس المراد عدم العلم بأصل قراءة الإمام ، كيف وهو لا يجامع الوثوق بدينه المعتبر في صحّة الائتمام ، مع منافاته لقوله عليهالسلام : «يكله إلى الإمام» ، لظهوره في المفروغية عن قراءته ولذا أوكله إليه ، وإلّا فلا معنى للإيكال مع الشكّ في الامتثال كما هو ظاهر. فالقراءة مفروضة لا محالة ولو من أجل الحمل على الصحّة.
بل المراد عدم العلم الفعلي من طريق السماع لأجل كون الصلاة إخفاتية فإنّ البعيد عن الإمام حينئذ بمقدار مترين مثلاً لا يسمع قراءته غالباً ، فقوله : «لا يعلم» بمعنى لا يسمع.
وكيف ما كان ، فقد حكم عليهالسلام بأنّه لا ينبغي له أن يقرأ ، وهذا التعبير ظاهر في الجواز مع الكراهة.
أقول : مبنى الاستدلال على ظهور كلمة «لا ينبغي» في الكراهة ، وهو في حيّز المنع ، فانّ لفظ «ينبغي» وإن كان ظاهراً في الرجحان والاستحباب لكن كلمة «لا ينبغي» غير ظاهرة في الكراهة ، فإنّها وإن كانت كذلك في الاصطلاح الحادث بين المتأخّرين لكنّها في لسان الأخبار ظاهرة فيما هي عليه من المعنى
1) الوسائل 8 : 357 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 8.
.................................................................................................
اللغوي ، أي لا يتيسّر ولا يجوز ، المساوق للمنع وعدم الإمكان ، ومنه قوله تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) (1)أي يمتنع ولا يتيسّر لها ذلك.
وعليه فالصحيحة ظاهرة في التحريم ، وملحقة بالروايات السابقة الدالّة على المنع ، لا أنّها معارضة لها.
ومع التنزّل فلا أقلّ من عدم ظهورها في الكراهة ، بل في الجامع بينها وبين الحرمة ، وحيث لا قرينة في المقام على التعيين فيحكم عليها بالإجمال ، فتسقط عن الاستدلال.
الثانية : رواية البصري عن جعفر بن محمد عليهالسلام : «أنّه سأل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : إذا كنت خلف الإمام تولّاه وتثق به فإنّه يجزيك قراءته ، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه ...» إلخ (2).
وفيه : أنّها ضعيفة السند جدّاً ، لاشتماله على جمع من الضعفاء والمجاهيل وإن تمّت دلالتها. فهي ساقطة ، ولا تصل النوبة إلى الجمع الدلالي كي يحمل النهي في تلك الأخبار الصحيحة على الكراهة.
ودعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى كما مرّ مراراً. مضافاً إلى عدم تحقّق الشهرة في المقام بنحو يكون القول الآخر شاذاً ، فإنّ القائلين بالحرمة أيضاً كثيرون ، والمسألة ذات قولين ، وليست شهرة في البين كي يدّعى الانجبار بها.
الثالثة : وهي العمدة صحيحة [الحسن بن] علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه في حديث قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الركعتين اللّتين يصمت فيهما الإمام أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به؟ فقال : إن قرأت
.................................................................................................
فلا بأس ، وإن سكتّ فلا بأس» (1). وفي بعض النسخ : «إن قرأ فلا بأس ، وإن سكت فلا بأس».
وتقريب الاستدلال يتوقّف على مقدّمات :
الاولى : أنّ المراد بالصمت ليس هو السكوت ، إذ ليس في الصلوات ركعة يسكت فيها الإمام. وحمله على السكوت عن القراءة كما عن الوافي (2)بعيد جدّاً كما لا يخفى ، بل المراد هو الإخفات ، فإنّه أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة. فقوله : «يصمت» بمثابة قوله : يخفت ، لما بينهما من المشاكلة والمشابهة.
الثانية : أنّ المراد من الركعتين هما الأُوليان من الإخفاتية دون الأخيرتين فإنّ الجهر والإخفات إنّما يطلقان بلحاظ القراءة التي موطنها الركعتان الأُوليان غالباً.
الثالثة : أنّ الصحيحة ناظرة إلى السؤال عن وظيفة المأموم ، وأنّه هل يقرأ الحمد خلف إمام يقتدى به في الركعتين الأوّلتين من الإخفاتية ، فأجاب عليهالسلام بالتخيير ، وأنّه إن قرأ فلا بأس وإن سكت فلا بأس ، أو إن قرأت فلا بأس وإن سكت فلا بأس. فينتج بعد ضمّ المقدّمات جواز القراءة في الأوّلتين من الإخفاتية.
أقول : أمّا المقدّمة الأُولى فحقّ لا مساغ لإنكارها كما عرفت.
وأمّا الثانية فغير واضحة ، بل لعلّ الصحيحة ظاهرة في الأخيرتين ، إذ لو أُريد الأُوليان والمفروض أنّ الصلاة إخفاتية لم يكن وجه لتخصيص الخفت بهما ، لكون ركعاتها حينئذ إخفاتية بأجمعها ، فلا يحسن التعبير بالركعتين اللتين يصمت فيهما.
بل كان الأولى أن يعبّر هكذا : عن الركعتين من الصلاة التي يصمت فيها. وإنّما يحسن تخصيص الخفت بالركعتين وإسناده إليهما فيما لو أُريد بهما
ويستحبّ مع الترك أن يشتغل بالتسبيح والتحميد والصلاة على محمد وآله (1).
الأخيرتان المحكومتان بالإخفات في كافة الصلوات.
وبالجملة : فالركعتان ظاهرتان في الأخيرتين ، ولا أقلّ من احتمال ذلك الموجب لإجمال الصحيحة ، فتسقط عن الاستدلال.
وأمّا الثالثة فغير واضحة أيضاً ، بل من الجائز كما ربما يساعده السياق أن يكون السؤال عن وظيفة الإمام ، وأنّه هل يقرأ فيهما بالحمد والحال إنّه إمام يقتدى به. فكأنّ السائل تخيّل أنّ التصدّي للإمامة يستدعي القراءة حتّى في الأخيرتين ، فأجاب عليهالسلام بأنّه إن قرأ فلا بأس ، وإن سكت فلا بأس.
والمراد هو السكوت الإضافي ، لامتناع الحقيقي ، فكما أنّ الصمت المذكور في الصدر يحمل على الخفت مجازاً بعد تعذّر الحقيقي كما مرّ فكذا السكوت هنا يحمل على الإضافي ، لما ذكر.
وما استظهرناه إن صحّ وتمّ فهو ، وإلّا فلا أقلّ من احتماله وعدم الظهور في الخلاف ، فغايته الإجمال فلا تصلح للاستدلال.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ القول بالحرمة لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط ، عملاً بالروايات الصحيحة المانعة السليمة عمّا يعارضها حسبما عرفت.
(1) لصحيحة بكر بن محمد الأزدي : «إنّي أكره للمرء أن يصلّي خلف الإمام صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنّه حمار ، قال قلت : جعلت فداك فيصنع ماذا؟ قال : يسبّح» (1). وقد رويت بطرق ثلاثة (2)كلّها صحيحة ، وفي بعضها :
وأمّا في الأُوليين من الجهرية (1) فإن سمع صوت الإمام ولو همهمة وجب عليه ترك القراءة ،
للرجل المؤمن (1)بدل قوله : للمرء.
ولا يخفى أنّ قوله : «فيصنع ماذا» يكشف عمّا ذكرناه آنفاً وقوّيناه من حرمة القراءة ومغروسيتها في ذهن السائل ، ولذا سأل عن أنّه ماذا يصنع ، وإلّا فلو كانت القراءة جائزة كانت الوظيفة الاستحبابية معلومة من غير حاجة إلى السؤال ، كما أنّ اقتصار الإمام على التسبيح في الجواب شاهد آخر عليه.
وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : «سألته عن رجل يصلّي خلف إمام يقتدي به في الظهر والعصر يقرأ؟ قال : لا ، ولكن يسبّح ويحمد ربّه ويصلّي على نبيه صلی اللّه عليه وآله» (2).
وصحيحة سالم أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «قال : إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين ، وعلى الذين خلفك أن يقولوا : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر» (3). فإنّ أبا خديجة ثقة على الأصحّ ، وتضعيف الشيخ (4)له مبنيّ على أمر غير صحيح كما نبهنا عليه في محلّه (5). وباقي رجال السند كلّهم موثّقون. فالرواية محكومة بالصحّة كما عبّرنا نعم هي مطلقة تشمل الجهريّة كالإخفاتيّة ، ولا مانع من الأخذ بالعموم كما ستعرف.
(1) يقع الكلام تارة فيما إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة ، وأُخرى فيما إذا
.................................................................................................
لم يسمع ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال كما لا خلاف من أحد في مرجوحيّة القراءة حينئذ ، ولعلّ المشهور أو الأشهر جوازها مع الكراهة. وذهب جمع من الأصحاب من القدماء والمتأخّرين إلى الحرمة.
والكلام يقع أوّلاً في المقتضي للمنع ، وأُخرى في المانع عنه المعارض له.
أمّا المقتضي : فقد وردت روايات كثيرة معتبرة تضمّنت النهي عن القراءة إمّا عموماً كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدّمة ، قالا «قال أبو جعفر عليهالسلام : كان أمير المؤمنين عليهالسلام يقول : من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة» (1).
أو في خصوص الجهرية كصحيحة زرارة : «إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأوّلتين ، وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين ، فإنّ اللّه عزّ وجل يقول للمؤمنين ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) يعني في الفريضة خلف الإمام ( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) فالأخيرتان تبع للأوّلتين» (2).
وصحيحة قتيبة : «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ» (3).
وصحيحة علي بن جعفر : «عن الرجل يكون خلف الإمام يجهر بالقراءة وهو يقتدي به ، هل له أن يقرأ من خلفه؟ قال : لا ، ولكن لينصت للقرآن» (4). ونحوها غيرها وهي كثيرة كما لا يخفى على من لاحظها.
وأمّا المانع : فقد استدلّ بأُمور تمنع من الأخذ بظواهر النصوص المتقدّمة وتصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة.
.................................................................................................
منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام المتقدّمة آنفاً ، فقد قيل : إنّها تتضمّن قرينتين تشهدان بذلك :
إحداهما : اقتران النهي عن القراءة في الأُوليين بالنهي عنها في الأخيرتين حيث قال عليهالسلام فيها : «ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين» ، ومن الواضح أنّ النهي في الأخيرتين تنزيهي ، فكذا في الأُوليين ، لاتحاد السياق.
وفيه أوّلاً : ما ذكرناه في الأُصول (1)من أنّ الوجوب والحرمة وكذا الاستحباب والكراهة ليسا من مداليل الألفاظ ، وإنّما يستفادان من حكومة العقل بمناط وجوب الطاعة ، فإنّ صيغة الأمر لا تدلّ إلّا على إبراز اعتبار الشيء وجعله في ذمّة المكلف ، كما أنّ النهي لا يدلّ إلّا على اعتبار محروميته عنه. فان لم يقترن بالترخيص في الترك أو في الفعل انتزع منه الوجوب أو الحرمة بحكم العقل عملاً بوظيفة العبودية وخروجاً عن عهدة الطاعة ، وإن اقترن بالترخيص في أحدهما انتزع منه الاستحباب أو الكراهة ، من دون أن تكون الصيغة بنفسها مستعملة في شيء من ذلك.
وحيث قد ثبت الترخيص من الخارج بالإضافة إلى الأخيرتين ، ولم يثبت في الأوّلتين التزمنا بالكراهة في الأوّل وبالحرمة في الثاني ، من دون أن يستلزم ذلك تفكيكاً في ظاهر اللفظ كي يتنافى مع اتحاد السياق.
وثانياً : سلّمنا استفادتهما من اللفظ ودلالة الصيغة بنفسها عليهما لكن الصحيحة تضمّنت حكمين لموضوعين في جملتين مستقلّتين ، غاية الأمر أنّهما اجتمعا في كلام واحد ، فأيّ مانع من إرادة الحرمة في إحداهما والكراهة في الأُخرى بعد تغاير الجملتين موضوعاً وحكماً. ومجرّد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتّحاد في الحكم. وحديث السياق لو سلّم فمورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله : اغتسل للجمعة والجنابة ، كما لا يخفى.
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 130 132 ، [وقد ذكر ذلك في صيغة الأمر فقط].
.................................................................................................
وثالثاً : لا نسلّم كون النهي عن القراءة تنزيهياً في الأخيرتين ، بل الظاهر أنّه تحريمي ، لعدم الدليل على جواز القراءة في الأخيرتين بالإضافة إلى المأموم في الصلوات الجهرية التي هي مورد الصحيحة. ومن هنا ذكرنا في بحث القراءة (1)وسيجيء قريباً إن شاء اللّه تعالى (2)أنّ الأحوط وجوباً اختياره التسبيح ، إذ لم يثبت التخيير بينه وبين القراءة في الأخيرتين إلّا في المنفرد أو المأموم في الصلوات الإخفاتية.
وعليه فلا مانع من الأخذ بظاهر النهي الوارد في الصحيحة في كلتا الفقرتين والحكم بالحرمة في الأوّلتين والأخيرتين معاً.
ثانيتهما : تعليل النهي عن القراءة بالإنصات ، وحيث إنّه مستحبّ إجماعاً إلّا من ابن حمزة (3)كان النهي للكراهة لا محالة ، لامتناع أن يكون الحكم الاستحبابي علّة لحكم إلزامي.
وربما يؤيّد الاستحباب باستفادته من نفس الآية الكريمة ، قال تعالى ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (4)فانّ تعريض النفس للرحمة غير واجب ، وإن وجب تعريضها للغفران ودفع العذاب.
أقول : ظاهر الأمر بالإنصات في الآية المباركة المفسّرة بالفريضة خلف الإمام في الصحيحة المتقدّمة هو الوجوب. والإجماع المدعى ليس إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام البتة ، فلا يصلح لرفع اليد به عن ظاهر الأمر.
ولا ينافي ذلك استحباب التسبيح في النفس المأمور به في بعض النصوص إمّا لعدم المنافاة بين الإنصات والإصغاء وبين التسبيح الخفيّ ، بناءً على ما يظهر
.................................................................................................
من بعض اللغويين من أنّ الإنصات ليس هو السكوت المطلق ، بل بمعنى عدم الجهر ، ولذا لو اشتغل بعض المستمعين بالذكر الخفيّ والخطيب على المنبر لا يصادم ذلك مع الإنصات والاستماع كما لا يخفى ، أو على تقدير التنافي فغايته الالتزام بالتخصيص واستثناء التسبيح.
وأمّا الاستشهاد للاستحباب بقوله تعالى ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) بدعوى عدم وجوب تعريض النفس للرحمة وإن وجب تعريضها لدفع العذاب. ففيه : أنّه لا واسطة بين الأمرين إمّا العذاب أو الرحمة ، وأنّ تعريض النفس للرحمة مساوق لتعريضها لدفع العذاب ، وأحدهما عين الآخر.
كما يكشف عن عدم الواسطة وأنّه إمّا عذاب أو جنّة جملة وافرة من الآيات الكريمة ، قال تعالى ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ ) ... إلخ (1)، دلّت على اختصاص الرحمة بالمؤمنين المطيعين لله ورسوله. فغير المؤمن وهم الكفار أو المنافقون معذّبون.
وقال تعالى ( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ) (2)، دلّت على أنّ المشمول للرحمة هو الذي يصرف عنه العذاب. فهو إمّا معذّب أو مشمول للرحمة مصروف عنه العذاب ، ولا ثالث.
وقال تعالى ( وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) ... إلخ (3)، دلّت على أنّ المرحوم هو المصون عن السيئات. فهو إما مسيء ففي الجحيم ، أو مرحوم ففي النعيم.
وقال تعالى ( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ. إِلّا مَنْ
.................................................................................................
رَحِمَ اللّهُ ... ) إلخ (1)، دلّت على عدم النصر يوم الفصل إلّا لمن رحمه اللّه. فغير المرحوم غير منصور في ذلك اليوم ، فهو معذّب لا محالة.
وهذه الجملة أعني ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الواردة في آية الإنصات قد وردت في غير واحد من الآيات ، ولا يحتمل فيها الاستحباب.
قال تعالى ( وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (2)، فإنّ الرحمة مترتّبة على إطاعة اللّه ورسوله باختيار الإسلام والفرار عن النار التي أُعدّت للكافرين ، ووجوبه واضح.
وقال تعالى ( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (3)، ترتّبت الرحمة على التقوى ومتابعة القرآن ، الواجب على كلّ أحد.
وقد ذكرنا في تفسير سورة الفاتحة حول قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ... إلخ (4)أنّه تعالى قسّم المكلّفين إلى ثلاثة أقسام ، ولا رابع. فمنهم من يمشي في صراط مستقيم وهم الذين أنعم اللّه عليهم ، وغيرهم إمّا معاند وهو المغضوب عليه ، أو غير معاند وهو الضال (5).
وعلى الجملة : فليست في قوله تعالى ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) دلالة على الاستحباب ليرفع اليد به عن ظهور الأمر بالإنصات في الوجوب. وقد عرفت أنّ الإجماع المدّعى على استحبابه ليس تعبّدياً ليعتمد عليه.
ودعوى السيرة المستمرّة على الترك كما قيل غير ثابتة.
فالأقوى وجوب الإنصات خلف الإمام ، عملاً بظاهر الأمر في الآية
.................................................................................................
المباركة ، السليم عمّا يوجب صرفه إلى الاستحباب.
وممّا يؤكّد الوجوب قوله عليهالسلام في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : «وأمّا الصلاة التي يجهر فيها فإنّما أُمر بالجهر لينصت من خلفه ، فان سمعت فأنصت ...» إلخ (1)، فانّ تعليل وجوب الجهر على الإمام بإنصات من خلفه يكشف عن وجوب الإنصات لا محالة ، وإلّا فكيف يكون الحكم الاستحبابي علّة لحكم إلزامي.
وعليه فليس في تعليل النهي عن القراءة بالإنصات في صحيحة زرارة المتقدّمة قرينة على الكراهة ، لتوقّفها على استحباب الإنصات ، وقد عرفت أنّ الأقوى وجوبه. فتركها عزيمة لا رخصة.
وقد يجاب عن هذه القرينة بأنّ تطبيق الآية في الصحيحة المتقدّمة يمكن أن يكون بلحاظ الأمر بالإنصات ، لا بلحاظ النهي عن القراءة ، فالتعليل راجع إلى الأوّل دون الثاني كي يدلّ على الكراهة.
وفيه : أنّ هذا بعيد جدّاً ، فانّ توسّط قوله عليهالسلام : «ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين» بين قوله : «فانّ اللّه عزّ وجلّ يقول ...» إلخ ، وبين قوله : «وأنصت لقراءته» مانع عن رجوع التعليل إلى الأمر بالإنصات كما لا يخفى.
بل الظاهر أنّ التعليل راجع إلى الجملة المتّصلة به ، أعني قوله عليهالسلام : «ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين» بقرينة فاء التفريع في قوله عليهالسلام : في آخر الصحيحة : «فالأخيرتان تبع للأوّلتين» ، ويكون حاصل المعنى : أنّ القراءة ممنوعة في الأخيرتين ، لأنّ الإنصات واجب في الأوّلتين بمقتضى الآية المباركة ، الملازم لترك القراءة فيهما ، فكذا تترك في الأخيرتين لأنّهما تابعتان للأولتين في هذا الحكم.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ هذه الصحيحة لا تصلح للقرينية ليصرف النهي الوارد فيها وفي غيرها عن القراءة إلى الكراهة.
1) الوسائل 8 : 356 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 5.
.................................................................................................
ومنها : أي من القرائن موثّقة سماعة : «عن الرجل يؤمّ الناس فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول ، فقال : إذا سمع صوته فهو يجزيه ، وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه» (1)، فانّ التعبير بالإجزاء يكشف عن جواز القراءة ، غير أنّ السماع يجزي عنها.
وفيه : أنّ الإجزاء لا يدلّ إلّا على جواز السماع بالمعنى الأعمّ والاكتفاء به عن القراءة ، وأمّا أنّها مكروهة أو محرّمة وأنّ تركها بنحو الرخصة أو العزيمة فلا دلالة فيه على ذلك بوجه.
بل يمكن أن يقال بدلالة الموثّقة على أنّ الترك بنحو العزيمة وأنّ القراءة ليست بجائزة ، بقرينة المقابلة بين هذه الفقرة وبين قوله عليهالسلام : «وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه» ، فإنّ القراءة لدى عدم السماع جائزة لا واجبة نصاً وفتوى كما ستعرف ، ومقتضى المقابلة عدم الجواز لدى السماع ، إذ لو جاز معه أيضاً لما صحّ التقابل ، مع أنّ التفصيل قاطع للشركة.
وبعبارة اخرى : لا شكّ أنّ القراءة في الصورة الثانية ليست بواجبة للنصوص الدالّة على جواز الترك ، فتركها حينئذ رخصة قطعاً ، فان كان الترك في الصورة الأُولى أيضاً رخصة لم يبق فرق بين الصورتين فلا يصح التقابل فلا مناص من كونه عزيمة.
وعليه فالموثّقة تعاضد النصوص المانعة ، لا أنّها تعارضها كي تصلح قرينة لصرف النهي الوارد فيها إلى الكراهة.
فالإنصاف : أنّه ليست هناك قرينة يعتمد عليها في رفع اليد عن ظاهر النهي الوارد في تلك النصوص كي يحمل على الكراهة. فالأقوى حرمة القراءة وأنّ سقوطها بنحو العزيمة ، كما يؤكّده قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة ومحمّد ابن مسلم المتقدّمة (2): «من قرأ خلف إمام يأتمّ به فمات بعث على غير الفطرة».
بل الأحوط والأولى الإنصات ، وإن كان الأقوى جواز الاشتغال بالذكر ونحوه (1).
فانّ مثل هذا التعبير ممّا يأبى عن الحمل على الكراهة كما لا يخفى ، وإن خصّصت بالإخفاتيّة وبصورة عدم السماع في الجهريّة كما عرفت وستعرف.
ثمّ إنّه لا فرق في الحكم المزبور بين سماع الصوت أو الهمهمة ، للتصريح بالمنع عن القراءة لدى سماعها أيضاً في موثّقة (1)عبيد بن زرارة عنه عليهالسلام : «إنّه إن سمع الهمهمة فلا يقرأ» (2)، ولا يقدح في السند وجود الحكم بن مسكين في طريق الصدوق إلى عبيد (3)فإنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات (4)وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال. وكذا في صحيحة قتيبة «... وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ» (5).
(1) ولا ينافي ذلك وجوب الإنصات ، إمّا لتفسيره بعدم الإجهار دون السكوت المطلق كما تقدم عن بعض اللغويين فلا تدافع بينه وبين الذكر الخفيّ غير المانع عن الإصغاء ، أو للالتزام بالتخصيص لو فسّر بالسكوت المطلق ، للنص الصحيح الدال على الجواز ، وهي صحيحة أبي المغراء حميد بن المثنّى قال : «كنت عند أبي عبد اللّه عليهالسلام فسأله حفص الكلبي فقال : أكون خلف الإمام وهو يجهر بالقراءة فادعوا وأتعوّذ؟ قال : نعم ، فادع» (6).
1) [الظاهر كونها صحيحة بناءً على رأيه السابق في مشايخ ابن قولويه لعدم التصريح بكون أحد رجال السند غير إمامي كما سيصرح بكونها صحيحة في ص 220].
2) الوسائل 8 : 355 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 2.
3) الفقيه 4 (المشيخة) : 31.
4) ولكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة ، فلا يشمله التوثيق. والعمدة صحيحة قتيبة.
5) الوسائل 8 : 357 / أبواب صلاة الجماعة ب 31 ح 7.
6) الوسائل 8 : 361 / أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2.
وأمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة جاز له القراءة بل الاستحباب قويّ ، لكن الأحوط القراءة بقصد القربة المطلقة لا بنيّة الجزئيّة ، وإن كان الأقوى الجواز بقصد الجزئيّة أيضاً (1).
وقد نوقش في سندها تارة وفي الدلالة اخرى :
أمّا السند : فلأنّ في طريق الصدوق إلى أبي المغراء عثمان بن عيسى (1)، وقد توقّف فيه العلامة في رجاله (2)، وضعّفه في كتبه الاستدلالية لكونه واقفياً.
وفيه : أنّ تضعيف العلامة مبنيّ على مسلكه من عدم الاعتماد على غير الإمامي وإن كان ثقة ، وحيث بنينا على الاكتفاء بوثاقة الراوي وإن لم يكن إمامياً فالرواية معتبرة ، لكون الرجل موثّقاً في كتب الرجال ، بل عدّه الكشي من أصحاب الإجماع على قول (3).
وأمّا الدلالة : فبإمكان حملها على صورة عدم السماع. وفيه من البعد ما لا يخفى ، نعم لو كانت العبارة هكذا : أكون خلف الإمام في الصلاة الجهرية. لم يكن الحمل المزبور بعيداً ، لجواز أن لا يسمع صوت الإمام لبعده عنه. لكن العبارة هكذا : «وهو يجهر بالقراءة» ، وهذا التعبير كما ترى يدل على سماعه للقراءة وتشخيص أنّه يجهر بها حسّا لا حدساً كما لا يخفى.
وأوضح دلالة صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال : «إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت وسبّح في نفسك» (4)، فإنّ الإنصات للقراءة لا يتحقّق إلّا مع الجهر بها وسماعها. فلا يحتمل الحمل على عدم السماع ، وقد دلّت كسابقتها على استحباب التسبيح.
(1) المقام الثاني : فيما إذا لم يسمع حتّى الهمهمة ، ولا ينبغي الاستشكال في
.................................................................................................
جواز القراءة حينئذ ، بل عن الرياض أنّه أطبق الكلّ على الجواز بالمعنى الأعمّ (1). وفي الجواهر : بلا خلاف أجده بين الأصحاب ، بل ولا حكي عن أحد منهم عدا الحلّي ، مع أنّه لا صراحة في عبارته في السرائر (2)بذلك ، بل ولا ظهور ، ولا يبعد أنّه وهم من الحاكي (3). انتهى.
وكيف ما كان ، فيظهر منهم أنّ الأقوال في المسألة أربعة :
أحدها : الوجوب كما هو ظاهر الشيخ في المبسوط (4)والنهاية (5)، والمحقّق في النافع (6)، والمرتضى (7)وأبي الصلاح (8)وغيرهم.
الثاني : الاستحباب كما اختاره في المتن تبعاً لغير واحد من الأصحاب ، بل نسب إلى المشهور تارة وإلى الأشهر أُخرى.
الثالث : الإباحة كما نسب إلى ظاهر القاضي (9)والراوندي (10)وابن نما (11)وغيرهم.
الرابع : التحريم ، ولم ينسب إلّا إلى الحلّي ، وإن ناقش في الجواهر في صدق النسبة وأنّه اشتباه من الحاكي كما عرفت ، إلّا أنّه قول منسوب إليه ، سواء أصحّت النسبة أم لا. هذه هي حال الأقوال.
أمّا الأخير فساقط جزماً ، إذ ليس له وجه ظاهر عدا الاغترار بعموم بعض
.................................................................................................
الأخبار الناهية عن القراءة خلف الإمام ، اللازم تخصيصه بالنصوص الكثيرة الواردة في المقام كما ستعرف المتضمّنة للأمر بالقراءة الذي لا أقلّ من دلالته على الترخيص.
وأمّا القول بالوجوب : فمستنده الأخذ بظاهر الأمر الوارد في غير واحد من النصوص ، ففي صحيح الحلبي : «... إلّا أن تكون صلاة تجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ» (1)، وفي صحيح ابن الحجاج «... وإن لم تسمع فاقرأ» (2)، وفي صحيح قتيبة : «.. إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ...» إلخ (3)، وفي موثّق سماعة : «وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه» (4)، ونحوها غيرها.
وفيه أوّلاً : أنّ الأمر في هذه النصوص لا يدلّ على الوجوب ، بل ولا الاستحباب ، لوروده موقع توهّم الحظر ، بناء على ما عرفت من المنع عن القراءة لدى السماع. فغايته الدلالة على الجواز ومجرّد الترخيص.
وثانياً : أنّه محمول على الاستحباب بقرينة الترخيص في الترك الثابت في صحيح علي بن يقطين ، قال : «سألت أبا الحسن الأوّل عليهالسلام عن الرجل يصلّي خلف إمام يقتدى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلا يسمع القراءة ، قال : لا بأس إن صمت وإن قرأ» (5). فهذا القول يتلو سابقه في الضعف. فيدور الأمر بين القولين الآخرين ، أعني الاستحباب أو الإباحة.
والتحقيق : أنّ القول بالإباحة ساقط ، ولا يمكن المصير إليه في المقام ، سواء أقلنا بظهور الأمر الوارد في تلك النصوص في الوجوب ورفع اليد عنه بقرينة صحيح ابن يقطين الذي نتيجته الاستحباب ، أم قلنا بأنّها من أجل وقوعها موقع توهّم الحظر غير ظاهرة إلّا في الإباحة ومجرّد الترخيص ، لعدم تصوّر
.................................................................................................
الإباحة في أجزاء العبادة لا في جزء الطبيعة ولا في جزء الفرد ، وأنّها متى جازت كانت مستحبة بأمر عباديّ استقلاليّ ظرفه الواجب.
وتوضيح المقام : أنّا قد ذكرنا في الأُصول في بحث الصحيح والأعم (1)أنّ التركيب بين أجزاء الصلاة ليس تركيباً حقيقياً ، لأنّها مؤلّفة من ماهيات مختلفة ومقولات متباينة ، فبعضها من مقولة الكيف المسموع كالتكبير والقراءة ، وبعضها من مقولة الوضع كالركوع والسجود وهكذا ، ولا جامع ماهوي بين المقولات المتأصّلة بالضرورة.
وإنّما التركيب بينها اعتباري محض ، فلاحظ الشارع الطبيعة المؤلّفة من المقولات المتشتّتة واعتبرها شيئاً واحداً في عالم اللحاظ والاعتبار. فكلّ ما اعتبره في الطبيعة كان جزءاً منها مقوّماً لها وإلّا كان خارجاً عنها ، ولأجل ذلك امتنع اتّصاف الجزء بالاستحباب فضلاً عن الإباحة ، إذ مقتضى الجزئية الدخل في الطبيعة وتقوّمها بها ، ومقتضى الاستحباب جواز الترك المساوق لعدم الدخل ، فكيف يجتمعان. هذا حال الطبيعة نفسها.
وكذا الفرد ، إذ لا يتّصف شيء بكونه فرداً للطبيعة إلّا إذا أُضيف إليها ولا تكاد تتحقّق الإضافة إلّا إذا كان مصداقاً للطبيعة بانطباقها بشراشر أجزائها عليه ومطابقتها معه في كلّ ما يشتمل عليه ، فينطبق التكبير على التكبير الخارجي ، ومثله الركوع والسجود ، وهكذا إلى نهاية الأجزاء المعتبرة في الطبيعة ، فلا يزيد الفرد عليها بشيء. فكلّ ما هو جزء للفرد جزء للطبيعة وما ليس جزءاً لها لم يكن جزءاً للفرد أيضاً وإن اقترن معه خارجاً ، فجزء الفرد من الطبيعة لا يكون إلّا جزءاً لنفس الطبيعة لا محالة.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ القراءة في المقام بعد أن لم تكن واجبة حسب الفرض فهي ليست بجزء لا للطبيعة ولا للفرد ، فلا معنى للقول بأنّها جزء مباح من الصلاة لا توجب أفضلية الفرد المشتمل عليها من الفرد الخالي عنها ، أو جزء
1) محاضرات في أُصول الفقه 1 : 161 ، 147.
.................................................................................................
مستحب يوجب أفضلية الفرد المشتمل من الفرد الخالي.
ولا يقاس ذلك بسائر الملابسات التي يتّصف بها الفرد المحكومة بالإباحة تارة وبالاستحباب أو الكراهة أُخرى ، نظير الماهية التشكيكية المنطبقة على المرتبة القويّة مرّة والضعيفة اخرى كالصلاة في الدار أو في المسجد أو الحمام ضرورة أنّ خصوصية المكان أو الزمان من ملابسات وجود الفرد وملازماته ومقارناته التي لا ينفكّ عنها خارجاً. فهي ملازمة للوجود ، لا جزء من الموجود ، فيمكن أن توجب المزيّة تارة والنقيصة أُخرى ، أو لا هذا ولا ذاك فيحكم عليه بالإباحة.
وأين هذا من القراءة أو القنوت أو الذكر الزائد على الأذكار المعتبرة في الركوع أو السجود ونحوها ممّا لا يتقوّم به الفرد في تحقّقه ، بل قد يكون وقد لا يكون.
وعلى الجملة : فجزئية هذه الأُمور للفرد أو الطبيعة مع فرض استحبابها فضلاً عن الإباحة أمر غير معقول.
فما يقال من أنّه بناءً على مشروعية القراءة ولو على القول بالإباحة لا مانع من الإتيان بها بقصد الجزئية والوجوب ، فإنّها وإن لم تكن جزءاً من الماهية الواجبة لكنّها جزء من الفرد الذي تنطبق الماهية الواجبة عليه بتمام أجزائه التي منها القراءة ، فتتّصف بالوجوب بعين اتّصاف سائر أجزاء الصلاة. في غاية الضعف.
وليت شعري كيف تنطبق الطبيعة غير الملحوظ فيها القراءة حسب الفرض على الفرد المشتمل عليها بوصف الاشتمال ، وهل هناك معنى للانطباق الذي هو مناط اتّصاف الفرد بكونه فرداً للطبيعة كما عرفت عدا تطبيق الطبيعة الواجبة بما لَها من الأجزاء على الموجود الخارجي بما لَه من الأجزاء. فمع الاعتراف بعدم الدخل في الطبيعة والماهية المأمور بها كيف يمكن دعوى انطباقها على الفرد المشتمل على ما لا يكون جزءاً من الطبيعة حتّى يمكن الإتيان بالقراءة بقصد الوجوب والجزئية.
وأمّا في الأخيرتين من الإخفاتية أو الجهريّة فهو كالمنفرد (1)في وجوب القراءة أو التسبيحات مخيّراً بينهما ، سواء قرأ الإمام فيهما أو أتى بالتسبيحات سمع قراءته أو لم يسمع (1).
وملخّص الكلام : أنّا لا نعقل التوفيق بين الجزئية وبين الإباحة أو الاستحباب ، سواء أُريد بها الجزئية للطبيعة أم للفرد.
نعم ، بعد أن رخّص الشارع في إتيان شيء في الصلاة بعنوان أنّها صلاة وكان مسانخاً لأجزائها كما في المقام ، فبما أنّ الصلاة عبادة كان الشيء المرخّص فيها أيضاً عباديا بحسب الفهم العرفي ، فيكون محبوباً ومأموراً به لا محالة لتقوّم العبادة بالأمر. فالجواز والترخيص مساوق للاستحباب في خصوص المقام.
وحيث قد عرفت المنافاة بين الجزئية وبين الاستحباب فلا مناص من الالتزام بكونه مأموراً به بأمر استحبابي استقلالي ، غاية الأمر أنّ موطنه وظرفه الصلاة كما في القنوت ، وكذا القراءة في المقام والأذكار المستحبّة في الركوع والسجود.
وبذلك تمتاز هذه الأُمور عن مثل التصدّق في الصلاة ، فإنّه وإن كان مستحبّاً أيضاً لكنّه لا يختصّ بالصلاة ، ولا يرتبط بها. فهو والتصدّق خارج الصلاة على حدّ سواء ، بخلاف تلك الأُمور فإنّها بما هي كذلك وظائف مقررة حال الصلاة ، ومربوطة بها ارتباط المظروف بظرفه. وهذا هو المراد من الجزء المستحب ، ولا نعقل له معنى صحيحاً وراء ذلك.
فاتّضح من جميع ما قدّمناه أنّ الأقوى استحباب القراءة في المقام كما اختاره في المتن ، وجواز الإتيان بها بقصد الجزئية بالمعنى الذي ذكرناه.
(1) قدّمنا في بحث القراءة (2)أنّ مقتضى الجمع بين النصوص هو الحكم
[1924] مسألة 2 : لا فرق في عدم السماع بين أن يكون من جهة البعد ، أو من جهة كون المأموم أصم ، أو من جهة كثرة الأصوات ، أو نحو ذلك (1).
بالتخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الأخيرتين بالإضافة إلى المنفرد والإمام ، وكذا المأموم في الصلوات الإخفاتية ، وأمّا المأموم في الصلوات الجهرية فلم ترد رواية تدلّ على جواز القراءة بالنسبة إليه ، بل قد ورد في بعض النصوص النهي عنها وهي صحيحة زرارة المتقدّمة (1): «إن كنت خلف إمام فلا تقرأنّ شيئاً في الأولتين ، وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين إلى أن قال عليهالسلام : فالأخيرتان تبعاً للأولتين» ، وموردها الجهرية كما لا يخفى.
وقد ورد في صحيحة معاوية بن عمّار الأمر بالتسبيح ، الظاهر في الوجوب التعييني : «عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين ، فقال : الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبّح» (2).
نعم ، هي مطلقة من حيث الجهر والإخفات فتقيّد بما دلّ على جواز القراءة في الإخفاتية وهي صحيحة ابن سنان (3)، فتبقى الجهرية تحتها.
ومن أجل ذلك كان الأحوط لزوماً تعيّن التسبيح على المأموم في الصلوات الجهرية كما نبّه عليه الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته الشريفة. ولمزيد التوضيح يرجع إلى ما قدّمناه في مبحث القراءة (4).
(1) فإنّ الموضوع المذكور في النصّ لسقوط القراءة رخصة أو عزيمة على الخلاف المتقدّم إنّما هو عنوان عدم السماع ، الظاهر في السماع الفعلي ، ومقتضى
[1925] مسألة 3 : إذا سمع بعض قراءة الإمام فالأحوط الترك مطلقاً (1).
الإطلاق عدم الفرق بين أسبابه ومناشئه من قصور في المأموم لكونه أصمّ ، أو في الإمام لكونه ضعيف الصوت ، أو لمانع خارجي كالضوضاء وكثرة الأصوات ، أو من جهة البعد وكون المأموم في الصفوف المتأخّرة ، كلّ ذلك لإطلاق النصّ كما هو ظاهر.
(1) هل المسموع بعضاً ملحق بالمسموع تماماً فتسقط القراءة رخصة أو عزيمة بدعوى إطلاق السماع المعلّق عليه السقوط في النصّ (1)، فإنّه شامل للكلّ وللبعض. أو يلحق بغير المسموع تماماً بدعوى انصراف النصّ إلى ما إذا سمع القراءة بتمامها ، فسماع البعض في حكم العدم. أو يلحق كلّ منهما بكلّ منهما قضاء لفعلية الحكم بفعلية موضوعه ، فيسقط في مورد السماع ولا يسقط في مورد عدمه؟ وجوه ، ذكرها في الجواهر واختار الأخير منها (2). لكن الأقوى هو الوجه الأوّل.
أمّا أولاً : فلإطلاق النصّ كما عرفت ، فانّ سماع القراءة صادق على سماع أبعاضها ، ولا يتوقّف الصدق على سماع الجميع. ودعوى الانصراف غير مسموعة كما لا يخفى.
وأمّا ثانياً : فلأنّه على تقدير الخدش في الإطلاق تكفينا في المقام صحيحتا عبيد بن زرارة وقتيبة الواردتان في الهمهمة (3)، فقد تضمّنتا سقوط القراءة لدى سماع الهمهمة. ومن الضروريّ أنّ الهمهمة غير مسموعة في تمام القراءة من البدء إلى الختم ، وإنّما تسمع في أبعاضها بطبيعة الحال.
فالصحيحتان بعد ملاحظة هذا العلم الخارجي في قوّة أن يقال : إن سمع
[1926] مسألة 4 : إذا قرأ بتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام ثمّ تبيّن أنّه صوته لا تبطل صلاته (1) ، وكذا إذا قرأ سهواً في الجهرية.
[1927] مسألة 5 : إذا شكّ في السماع وعدمه (2) أو أنّ المسموع صوت الإمام أو غيره فالأحوط الترك ، وإن كان الأقوى الجواز.
الهمهمة في بعض القراءة فلا يقرأ. فيكشف عن أنّ الموضوع في سماع القراءة أيضاً هو سماع البعض دون الكلّ كما لا يخفى.
فالأقوى حينئذ هو السقوط ، ولم يجزم الماتن بذلك ، فذكر أنّ الأحوط الترك ، ولا شكّ أنه مقتضى الاحتياط ، سيما على القول بكون السقوط بنحو العزيمة كما اختاره وقوّيناه. لكن ذلك فيما إذا قرأ بقصد الجزئية وأتى بها بعنوان القراءة الصلاتية ، وأمّا القراءة بقصد القرآن أو الدعاء أو الذكر لاشتمال الفاتحة عليهما فلا ينبغي الاستشكال في جوازها كما نبّهنا عليه في أوّل الفصل (1).
(1) فإنّ القراءة حينئذ وإن كانت عمدية لكن العمد إليها مبنيّ على الاشتباه وتخيّل أنّ المسموع غير صوت الإمام ، فلم تكن الحرمة منجّزة في حقّه ، فهي في حكم الزيادة السهوية غير القادحة بمقتضى حديث لا تعاد (2).
ونحوه ما إذا قرأ سهواً في الجهريّة مع السماع الذي ذكره (قدس سره) أخيراً لعين ما ذكر. والفرق بينهما أنّ القراءة هنا بنفسها سهويّة وهناك بمقدّمتها كما عرفت ، وعلى التقديرين فزيادتهما غير قادحة ، لاندراجها تحت الحديث كما مرّ.
(2) كما لو كان مبتلى بخشخشة في اذنه فسمع صوتاً شكّ في أنّه من الداخل أم من الخارج ، فبالنتيجة يشكّ في أصل السماع ، أو علم به فسمع صوتاً من الخارج وشكّ في أنّه صوت الإمام أو غيره.
[1928] مسألة 6 : لا يجب على المأموم الطمأنينة حال قراءة الإمام (1) وإن كان الأحوط ذلك ،
وقد ذكر في المتن أنّ الأقوى جواز القراءة ، وهو الصحيح ، لا لأصالة عدم التعلّق بصوت الإمام فيما إذا علم بالسماع وشكّ في المسموع ليبتني ذلك على جريان الأصل في العدم الأزلي ، فانّ التعلّق بصوت الإمام ليس موضوعاً للأثر.
وإنّما الموضوع في النصّ هو سماع صوت الإمام ، ولا شكّ أنّ هذا عنوان حادث مسبوق بالعدم النعتي ، فيقال : إنّه قبل هذا الآن لم يكن سامعاً لصوت الإمام ، والآن كما كان.
ولا يعارض بأصالة عدم سماعه لصوت غير الإمام ، إذ لا أثر لهذا الاستصحاب إلّا إذا ثبت به أنّ المسموع هو صوت الإمام من أجل العلم الإجمالي بأحدهما ، ومن المعلوم أنّا لا نقول بالأصل المثبت.
(1) فانّ مدرك اعتبار الطمأنينة إن كان هو الإجماع فمن الواضح أنّه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقّن منه ، وهو اعتباره في قراءة نفسه ، لا حال قراءة الإمام.
وإن كان هو الدليل اللفظي كما استفدناه ممّا ورد في الإقامة من قوله عليهالسلام : «وليتمكّن في الإقامة كما يتمكّن في الصلاة» (1)وما ورد في المشي حال الصلاة من قوله عليهالسلام : يكفّ عن القراءة حال المشي (2)، على ما تقدّم في محلّه (3)، فمن الواضح أنّ هذه الأدلّة إنّما تدلّ على اعتبارها في القارئ ولدي تصدّيه للقراءة ، لا مع سقوطها عنه وضمان الإمام لها كما في المقام.
ومعلوم أنّه لا دليل على تنزيل قراءة الإمام منزلة قراءة نفسه من هذه
وكذا لا تجب المبادرة إلى القيام حال قراءته (1) ، فيجوز أن يطيل (1)سجوده ويقوم بعد أن يقرأ الإمام في الركعة الثانية بعض الحمد.
[1929] مسألة 7 : لا يجوز أن يتقدّم المأموم على الإمام في الأفعال (2)
الجهة كما هو ظاهر ، وحيث لا دليل فالمرجع أصالة البراءة.
(1) فإنّ القيام إمّا واجب حال القراءة أو شرط في صحّتها ، وعلى التقديرين فإنّما يجب لدى التصدّي للقراءة مباشرة ، فلا موضوع للوجوب مع السقوط وضمان الإمام. وعليه فلا مانع من إطالة السجود والقيام بعد قراءة الإمام بعض الحمد كما ذكره في المتن.
لكن ينبغي تقييده بقرينة ما سيجيء منه (قدس سره) من لزوم المتابعة في الأفعال بما إذا لم يكن التأخير بمثابة يخلّ بصدق المتابعة في القيام عرفاً كما لو أطال السجود ولحق بالإمام حينما أشرف على الركوع ، وإلّا بطلت جماعته أو كان آثماً على الخلاف الآتي من أنّ المتابعة واجب نفسي أو شرطي.
وبعبارة أُخرى : هنا جهتان من البحث :
إحداهما : وجوب القيام حال قراءة الإمام ، وهذا لا دليل عليه كما عرفت لاختصاصه بالقيام حال قراءة المصلّي نفسه ، لا حال سقوطها وضمان الغير له. فله التأخير في السجود والالتحاق بالإمام وإن شرع في الفاتحة وقرأ آية منها مثلاً.
ثانيتهما : وجوب متابعة الإمام في أفعاله ، فالتأخير في الالتحاق بمقدار يخلّ بمتابعة الإمام في القيام ممنوع لأجل ذلك ، لا لعدم القيام حال قراءة الإمام.
(2) بلا خلاف ولا إشكال ، وقد ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب. وإنّما الكلام في مستنده بعد وضوح عدم كون الإجماع تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام.
1) بمقدار لا يضرّ بالمتابعة العرفية.
بل يجب متابعته ، بمعنى مقارنته أو تأخّره عنه (1) تأخّراً غير فاحش.
وربما يستدلّ له بالنبوي : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به ، فاذا كبّر فكبّروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا» (1)بعد انجبار ضعفه بعمل المشهور. لكن الانجبار ممنوع كبرى كما مرّ مراراً ، وكذا صغرى ، إذ لم يعلم استنادهم إليه كما لا يخفى.
فالأولى الاستدلال له بأنّ ذلك هو مقتضى مفهوم الائتمام ، ولازم جعل الإمامة للإمام ، من غير حاجة إلى ورود نصّ في المقام ، فإنّ المأمومية والاقتداء تتقوّم عرفاً بالتبعيّة لمن يأتمّ به في كلّ ما يفعل. فالتقدّم عليه في الأفعال منافٍ لصدق هذا العنوان بالضرورة. فالنبوي المزبور وإن كان ضعيف السند لكن مضمونه مطابق للقاعدة.
ويشهد له بعض النصوص الواردة في الموارد المتفرّقة مثل ما ورد في من ركع أو سجد قبل الإمام سهواً (2)، أو رفع رأسه عنهما كذلك (3)من أنّه يرجع إلى ما كان. فلولا عدم جواز التقدّم عليه في الأفعال لم يكن وجه للعود.
وما ورد من الأمر بالتجافي في التشهّد في المأموم المسبوق (4)، ومن الأمر بالانتظار والاشتغال بالتسبيح فيما لو فرغ المأموم عن القراءة عند ما يقرأ قبل أن يفرغ الإمام عنها (5). فلو كان التقدّم جائزاً لم يكن وجه للتجافي فيقوم عن تشهّد الإمام ، ولا للانتظار فيركع قبل ركوعه. فالأمر بهما يكشف عن عدم الجواز لا محالة.
(1) المشهور جواز مقارنة المأموم مع الإمام في الأفعال ، فتتحقّق المتابعة
.................................................................................................
بمجرّد عدم التقدّم عليه ، ولا يلزم التأخّر عنه ، بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه.
وذهب جمع منهم صاحب المدارك (1)وصاحب الذخيرة (2)إلى لزوم التأخّر وعدم كفاية المقارنة (3). ويستدلّ لهم بوجهين :
أحدهما : أنّ لزوم التأخّر هو ظاهر النبوي المتقدّم ، فانّ قوله صلی اللّه عليه وآله : «إذا كبّر فكبّروا ...» إلخ ظاهر بمقتضى التفريع وتعليق الجزاء على الشرط في أنّ وجوب التكبير على المأموم متفرّع على تكبير الإمام وتحقّقه خارجاً ، وهكذا الحال في الركوع والسجود إلى نهاية الأفعال. فهي متأخّرة عنه زماناً لا محالة ، رعاية للترتيب الزماني المستفاد من التعليق المزبور بمقتضى الفهم العرفي.
وحمله على التأخّر الرتبي والترتّب بالعلّية المجامع مع التقارن الزماني بأن تكون إرادة المأموم معلولاً لإرادة الإمام وإن اقترن الفعلان زماناً خلاف الظاهر جدّاً ، بعيد عن سياق الرواية عرفاً كما لا يخفى.
ثانيهما : أنّ ذلك هو مقتضى قاعدة الاشتغال ، فإنّ الجماعة محكومة بأحكام خاصّة من ضمان الإمام للقراءة ، ورجوعه إلى المأموم وكذا العكس لدى الشكّ ، واغتفار الزيادة لأجل التبعية. ولا يمكن ترتيبها إلّا مع الجزم بالصحّة ولا جزم إلّا في فرض التأخّر ، لاحتمال دخله فيها وعدم كفاية المقارنة في صحّة الجماعة. فمجرّد الاحتمال كافٍ في الاعتبار ، قضاء لقاعدة الاشتغال.
أقول : في كلا الوجهين ما لا يخفى.
أمّا الأوّل : فلما عرفت من ضعف سند النبويّ ، فلا يمكن التعويل عليه في
.................................................................................................
شيء من الأحكام. والانجبار على تقدير تسليمه كبرى لا صغرى له في المقام قطعاً ، كيف وقد ذهب المشهور إلى جواز المقارنة ، بل ادّعي الإجماع عليه كما مرّ.
وأمّا الثاني : فلأنّه إن أُريد من احتمال دخل التأخّر في الصحّة دخله في مفهوم الائتمام وصدق عنوان الجماعة عرفاً فهو مقطوع العدم ، لتحقّق المتابعة بمجرّد المقارنة لدى العرف ، فإنّهم لا يرون في صدقها أكثر من جعل التابع فعله قرين فعل المتبوع والتحرّك طبق إرادته. وهذا العرف ببابك ، فانّ الاجتماع للصلاة كالاجتماع لغاية أُخرى كالاستماع والترنّم لقصيدة مثلاً ، فاذا كان هناك من يلقي قصيدة ويتبعه الباقون في قراءتها لا يعتبر في صدق المتابعة تأخّر الباقين في القراءة ، بل يتحقّق وإن اجتمعا في زمان واحد.
وإن أُريد منه احتمال دخله في الصحّة شرعاً فيدفعه أوّلاً : إطلاقات أدلّة الجماعة بعد صدق المفهوم عرفاً لدى المقارنة كما عرفت.
وثانياً : أصالة البراءة كما مرّ مراراً من أنّها المرجع لدى الشكّ في أمثال المقام ، فإنّ الجماعة ليست مسقطة للوجوب ، وإنّما هي عدل للواجب التخييري ، فيشكّ في أنّ الملحوظ في هذا العدل هل هو خصوص المتضمّن للتأخّر أم الأعم منه ومن التقارن. وحيث إنّ الخصوصية مشكوكة فتدفع بأصالة البراءة التي نتيجتها جواز المقارنة. فلا مجال للرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، هذا.
وربما يستدلّ للجواز بما رواه في الحدائق (1)عن الحميري في كتاب قرب الإسناد بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يصلّي ، إله أن يكبّر قبل الإمام؟ قال : لا يكبّر إلّا مع الإمام ، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (2)، فانّ ظاهرها جواز المقارنة. وقد استدلّ بها المجلسي في
.................................................................................................
البحار (1)على جوازها في التكبير ، وبضميمة عدم الفصل بينه وبين سائر الأفعال يتمّ المطلوب.
وفيه أوّلاً : أنّ مورد هذه الرواية على ما استظهره في الوسائل هو صلاة الجنازة ، ومن ثمّ أوردها في ذاك الباب ولم يوردها في روايات المقام. كما أنّ الحميري أيضاً أوردها في باب صلاة الجنازة (2)، قال في الوسائل (3): ويظهر منه أنّه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر (4)أيضاً (5)
وعليه فالتبويب الذي يشاهد في الجزء الثاني من قرب الإسناد عند إيراده لمسائل علي بن جعفر كأنّه اجتهاد من الحميري نفسه ، ولا عبرة به ، كاجتهادات الكليني وأضرابه في إيراد الأحاديث في بعض الأبواب حسب أنظارهم المقدّسة وما يفهمونه من الروايات.
.وكأنّ معلّق الحدائق (دام علاه) اقتصر في فحصة على روايات المقام حيث قال : ولم نجده في قرب الإسناد ولا في الوسائل ولا في المستدرك.
وكيف ما كان ، فلا مساس لهذه الرواية بروايات المقام إمّا جزماً أو احتمالاً فلا جزم بصحّة الاستدلال بها.
وثانياً : أنّها ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن ، هذا.
وقد ناقش صاحب الحدائق (قدس سره) في دلالتها بما ملخّصه : أنّ العبارة لو كانت هكذا : لا يكبّر إلا مع تكبير الإمام. لدلّت على المقارنة ، لكون المعيّة حينئذ ملحوظة بين التكبيرتين ، لكن المذكور في الرواية هكذا : «لا يكبّر إلّا مع الإمام» والمفهوم من هذه العبارة لزوم التأخّر ، إذ المعيّة ملحوظة بين تكبير
1) البحار 85 : 74 / 30.
2) قرب الإسناد : 218 / 854.
3) [سقط قول صاحب الوسائل هذا من الطبعة الجديدة].
4) مسائل علي بن جعفر : 211 / 455.
5) لا يخفى أنّ كتاب علي بن جعفر على ما يظهر من النجاشي [في رجاله : 251 / 662] يروى مبوّباً تارة وغير مبوّب اخرى ، والذي وصل إلى عبد اللّه بن جعفر الحميري إنّما هو غير المبوّب. لاحظ معجم الأُستاذ 12 : 314 / 7979.
.................................................................................................
المأموم ونفس الإمام ، أي اتّصافه بالإمامة.
ومن الواضح أنّ هذا الاتّصاف لا يتحقّق إلّا بعد دخول الإمام في الصلاة وصدور التكبير منه ، وبعدئذ يصير إماماً ، فتكبير المأموم مقارن لهذا الاتّصاف المساوق لتأخيره عن تكبير الإمام لا محالة ، في قبال ما لو سبقَ الإمامَ بالتكبير ، الذي أشار إليه بقوله عليهالسلام : «فان كبّر قبله أعاد». فالرواية ناظرة إلى صورتي التقدّم والتأخّر اللذين هما الشائع ، دون التقارن الذي هو فرد نادر.
لكنّ الإنصاف أنّ المناقشة في غير محلّها ، فانّ قوله عليهالسلام : «لا يكبّر إلّا مع الإمام» كقولنا : لا تأكل إلّا مع زيد ، ولا تمش إلّا مع عمرو. الظاهر في المقارنة بين نفس الفعلين ، وإلّا فاتّصاف الإمام بالإمامة لا يتحقّق بمجرّد التكبير ، بل يتوقّف على تكبير المأموم أيضاً وائتمامه به ، رعاية للمضايفة المعتبرة بين الإمامة والمأمومية ، المتكافئة في القوة والفعلية ، فلو لوحظ التقارن مع الاتّصاف المزبور يرجع المعنى إلى أنّ المأموم لا يكبّر إلّا عند تكبير نفسه ولا محصّل له كما لا يخفى.
ثمّ إنّه مع الغضّ عن جميع ما مرّ ، وتسليم جواز المقارنة في التكبير بمقتضى هذه الرواية مع أنّ المشهور خلافه ، فأيّ ملازمة بينه وبين سائر الأفعال؟ وعدم القول بالفصل غير ثابت ، فيمكن التفكيك ، لا سيما مع ثبوت الفرق ، فانّ التكبير افتتاح الصلاة ، فهو شرط في تحقّقها وفي انعقاد الجماعة ، فلا ضير في المقارنة ، بخلاف بقيّة الأجزاء الواقعة بعد الانعقاد ، التي هي المدار في مراعاة المتابعة ، فيمكن دعوى لزوم التأخّر فيها. على أنّ التكبير من الأقوال فلا يقاس عليه الأفعال.
وعلى الجملة : فهذه الرواية غير صالحة للاستدلال ، بل الأولى أن يستدلّ للجواز بما عرفت من التمسّك بالإطلاق والأصل.
ولا يجوز التأخير الفاحش (1).
[1930] مسألة 8 : وجوب المتابعة تعبّدي (1)وليس شرطاً في الصحّة (2) ، فلو تقدّم أو تأخّر فاحشاً عمداً أثم ولكن صلاته صحيحة ، وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة ، خصوصاً إذا كان التخلّف في ركنين ، بل في ركن ، نعم لو تقدّم أو تأخّر على وجه تذهب به هيئة الجماعة بطلت جماعته.
(1) لعين ما عرفت في المنع عن التقدّم من المنافاة لمفهوم الائتمام والمتابعة فلاحظ.
(2) كما نسب إلى المشهور فلا يترتّب على الإخلال بها من التقدّم أو التأخّر الفاحش إلّا الإثم.
وقيل بكونها شرطاً في صحّة الصلاة ، فلو أخلّ بالمتابعة بطلت صلاته. نسب ذلك (2)إلى الشيخ (3)والصدوق (4)بل ابن إدريس (5)أيضاً.
وقيل بكونها شرطاً في صحّة الجماعة فقط دون الصلاة ، فمع الإخلال تبطل الجماعة وتنقلب فرادى ، من غير إثم.
وهناك قول رابع اختاره المحقّق الهمداني (قدس سره) بعد إنكاره نسبة الوجوب التعبّدي إلى المشهور ، وهو الالتزام بصحّة الصلاة والجماعة ، غير أنّ الائتمام يبطل في خصوص هذا الجزء الذي أخلّ فيه بالمتابعة ، ولأجل ذلك كان بقاؤه على قصد الائتمام في هذا الجزء مع بطلان القدوة فيه تشريعاً محرّماً. فالعقاب إنّما هو على التشريع ، لا على ترك المتابعة كما نسب إلى المشهور كي يكون وجوبها تعبّدياً.
.................................................................................................
وذكر (قدس سره) أنّ المشهور لم يصرحوا بالوجوب التعبّدي ، وإنّما ذكروا صحّة الجماعة مع الإثم ، فتخيّل أنّ الإثم إنّما هو على ترك المتابعة ، ومن ثمّ نسب إليهم القول بالوجوب التعبّدي ، مع أنّه لا تلازم بين الأمرين ، إذ من الجائز أن يكون الإثم المذكور في كلامهم من أجل التشريع ، لا من أجل ترك المتابعة. فهذه النسبة غير ثابتة (1).
وكيف ما كان ، فهذه هي حال الأقوال في المسألة.
أمّا القول بالوجوب الشرطي لنفس الصلاة ، وأنّها تبطل لدى الإخلال بالمتابعة فلا مدرك له أصلاً ، إلّا أن يقال : إنّ ترك المتابعة يستوجب بطلان الجماعة وانقلابها فرادى ، ولا تشرع نيّة الانفراد أثناء الصلاة فتبطل ، ويكون محرّماً أيضاً ، لحرمة إبطال الصلاة ، فلا يمكن تصحيحها لا جماعة ولا فرادى أمّا الأوّل فلفرض الانقلاب ، وأمّا الثاني فلعدم جواز نيّة الانفراد في الأثناء. وعليه فيتّجه الحكم بالبطلان.
لكن المبنى فاسد ، لما عرفت سابقاً (2)من جواز قصد الانفراد في الأثناء وعلى تقدير الشكّ فتكفينا أصالة البراءة. فلا مقتضي لبطلان الصلاة بوجه.
وأمّا الوجوب التعبّدي المنسوب إلى المشهور سواء صحّت النسبة أم لا فلم نعرف له وجهاً أيضاً ، فانّا إذا بنينا على أنّ ترك المتابعة والتقدّم على الإمام في بعض الأفعال لا يضر بالائتمام ، أو يضرّ ولكن غايته الانقلاب إلى الفرادى ولا مانع من نيّة الانفراد في الأثناء وأنّ المكلف مخيّر بين الجماعة والفرادى بقاء كما كان مخيّراً بينهما حدوثاً ، فما هو المقتضي بعدئذ للوجوب التعبّدي؟
وأمّا ما قيل في وجه ذلك من أنّ الإمامة من الاعتبارات المجعولة للإمام من قبل المأموم بلحاظ الأفعال الصلاتية ، كسائر الأُمور الاعتبارية مثل القضاوة والوكالة والولاية ونحوها ، ومقتضى إمامته المجعولة متابعته في الأفعال والجري
.................................................................................................
الخارجي على طبق هذا الجعل ، وهي المعبّر عنها بالائتمام ، وقد أمضى الشارع ما أنشأه المأموم في نيّته من الجعل المزبور ، وحكم بصحّته ونفوذه ، ولا معنى للإمضاء والصحّة إلّا وجوب المضيّ على طبق الإنشاء ، فتجب المتابعة لا محالة إذ معنى الإمضاء هو وجوبها ولزوم ترتيب الآثار.
فممّا لا محصّل له ، فانّ دليل الإمضاء لا يقتضي إلّا جواز المضيّ ، لا وجوبه كيف والجماعة مستحبّة لا واجبة ، فصحّة الجعل المزبور ونفوذه في نظر الشارع لا تستدعي أكثر من جواز المشي على طبقه دون الوجوب ، ولهذا كان الانفراد في الأثناء جائزاً حسب الفرض.
فاذا بنينا على جواز نيّة الانفراد وأنّه مخيّر بين البقاء على الجماعة أو العدول إلى الفرادى أثناء الصلاة كما كان مخيّراً بينهما من الأوّل ، أو قلنا بأنّ التخلّف وترك المتابعة في بعض الأفعال لا يضرّ بالجماعة ، فأيّ موجب بعد هذا للالتزام بالوجوب التعبّدي الشرعي. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.
إذن يدور الأمر بين القولين الآخرين : أعني الوجوب الشرطي للجماعة وما ذكره المحقّق الهمداني (قدس سره) من نفي الوجوب رأساً لا تعبّداً ولا شرطاً للجماعة ولا للصلاة مع الالتزام بالإثم من ناحية التشريع.
لكن مقالة المحقّق الهمداني (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليها بوجه ، فانّا إذا بنينا على أنّ المستفاد من أدلّة الجماعة كفاية الائتمام في معظم الأجزاء كما يدعيه هو (قدس سره) وأنّه لا دليل على لزوم المتابعة في كلّ فعل بحيث تكون شرطاً فيما قبله وما بعده ، وليس الائتمام في كلّ جزء دخيلاً في صحّة الأجزاء السابقة واللاحقة ، ولا يضر التخلّف في البعض في صدق القدوة وصحّة الجماعة ما دام كونه مؤتمّاً في المعظم ، لشمول إطلاقات الجماعة مثل ذلك ، فما هو الموجب بعد هذا للإثم ، إذ قد أتى بوظيفته الشرعية من الائتمام في معظم الأجزاء ، وإن لم يأتمّ في خصوص هذا الجزء. فلو شملت أدلّة الجماعة مثل ذلك كيف يتحقّق التشريع حتى يترتّب عليه الإثم؟
.................................................................................................
وأمّا إذا بنينا على عدم الكفاية ، وقلنا كما هو الصحيح أنّ المستفاد من الأدلّة إنّما هو مشروعية الجماعة في الصلاة التي هي اسم لتمام الأجزاء بالأسر فيلزمه المتابعة في مجموع الأجزاء ، لأنّها مأخوذة في مفهوم الائتمام ، وليس على اعتبارها دليل آخر كما سبق. فالأمر المتعلّق بالجماعة معناه لزوم المتابعة في المجموع لا خصوص المعظم ، فلو خالف في جزء لم يتابع في المجموع ، فليس مصداقاً للمأمور به ، ولا تشمله أدلّة الجماعة.
فبناءً على ذلك تبطل الجماعة بالتخلّف في البعض ، وتنقلب صلاته فرادى بطبيعة الحال. ونتيجة ذلك هو الوجوب الشرطي لصحّة الجماعة الذي أنكره (قدس سره).
وعلى الجملة : فالأمر دائر بين أحد هذين المسلكين ، فامّا أن يلتزم بشمول الإطلاقات للمتابعة في المعظم فتصحّ الجماعة وإن خالف في البعض ، لكن لا تشريع حينئذ ولا إثم حتّى لو كان باقياً على عزمه من نيّة الائتمام ، إذ لم يكن متعدّيا عمّا هي وظيفته من المتابعة في المعظم حسب الفرض كي يكون عاصياً.
وإمّا أن نلتزم بعدم الشمول كما هو الصحيح فتبطل الجماعة بترك المتابعة في البعض ومن هنا ذكرنا سابقاً (1)أنّه لو قصد من الأوّل الائتمام في البعض بطلت جماعته ، لقصور الدليل عن الشمول لذلك فيدور الأمر بين صحّة الجماعة من غير إثم وبين بطلانها. فالجمع بين دعوى الصحّة وبين الإثم لأجل التشريع كما صنعه (قدس سره) باطل.
وقد اتّضح من جميع ما سردناه أنّ الأقوى هو القول بالوجوب الشرطي لصحّة الجماعة كما ظهر وجهه ممّا مرّ ، فإنّ المتابعة مأخوذة في مفهوم الائتمام فلو خالف وتقدّم في جزء فمعناه أنّه لم يتابع في هذا الفعل ، فلم يتابع في مجموع الصلاة ، ومقتضاه بطلان الجماعة لفقدان شرطها ، فطبعاً تنقلب الصلاة فرادى.
1) في ص 86.
[1931] مسألة 9 : إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهواً أو لزعم رفع الإمام رأسه وجب عليه العود والمتابعة (1) ، ولا يضرّ زيادة الركن حينئذ ، لأنّها مغتفرة في الجماعة في نحو ذلك ، وإن لم يعد أثم (1)وصحّت صلاته.
وقد عرفت أنّ نيّة الانفراد في الأثناء غير ضائرة ، كما عرفت أنّ ترك المتابعة غير قادح في صحّة الصلاة نفسها. وعلى تقدير الشكّ فيدفع بأصالة البراءة كما سبق. فهذا القول هو المتعيّن.
(1) هذا متفرّع على ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة السابقة من كون المتابعة واجباً نفسياً تعبدياً لا يترتّب عليه إلّا الإثم ، ولأجله حكم في المقام بأنّ ترك العود لا يقتضي إلّا المخالفة الموجبة للإثم ، ولم تبطل صلاته ولا جماعته.
وأمّا بناءً على ما ذكرناه من كونها واجباً شرطياً لصحّة الجماعة كما عرفت فعند عدم العود تبطل جماعته وتنقلب فرادى من غير إثم. والمقصود أنّ الحكم في هذه المسألة من هذه الجهة أعني الإثم والصحّة لدى ترك المتابعة ، أو عدم الإثم وبطلان الجماعة متفرّع على المسألة السابقة.
وكيف ما كان ، فلا إشكال كما لا خلاف بينهم في ثبوت العود والمتابعة في المقام في الجملة ، للنصوص الخاصّة الآمرة بذلك كما ستعرف ، ولأجلها يلتزم باغتفار زيادة الركن هنا ، لكونها مخصّصة لعموم ما دلّ على مبطلية الزيادة.
إنّما الكلام في أنّ ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب ، وأنّه هل يختصّ بالسهو وما يلحق به من الزعم واعتقاد رفع الإمام رأسه أم يعمّ العمد أيضاً ، فيعود وإن رفع رأسه قبل الإمام عامداً؟
المشهور وجوب العود مع الاختصاص بغير العمد ، فلا يعود العامد بل
1) (*) الأظهر فيه عدم الإثم ، وإنّما تختلّ به جماعته.
.................................................................................................
يستمر ، وهو الذي اختاره في المتن. وعن جماعة استحبابه وأنّه أفضل ، ونسب إلى المفيد في المقنعة وجوب العود حتّى في فرض العمد (1).
ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار الواردة في المقام ، فقد ورد الأمر بالعود في جملة من النصوص :
منها : ما رواه الصدوق بإسناده عن فضيل بن يسار «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل صلّى مع إمام يأتمّ به ، ثمّ رفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود ، قال : فليسجد». ورواها الشيخ أيضاً بإسناده عن ربعي بن عبد اللّه وفضيل بن يسار (2). لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان ، فما في بعض الكلمات من التعبير عنها بصحيحة ربعي والفضيل في غير محلّه.
والعمدة إنّما هو الطريق الأوّل ، إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا علي بن الحسين السعدآبادي الواقع في طريق الصدوق إلى الفضيل (3)حيث لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال ، لكنّه لا ضير فيه بعد أن كان من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه ، فانّ التوثيق الذي ذكره في أوّل كتاب كامل الزيارات لمن وقع في أسانيده على تقدير التشكيك في عمومه لجميع الرواة الواقع في الكتاب فلا ريب في أنّ المتيقّن منه مشايخه ومن يروي عنه بلا واسطة.
والرجل المزبور كما أنّه من مشايخ الصدوق من مشايخ ابن قولويه أيضاً كما عرفت ، ولا ريب أنّ توثيقه لا يقلّ عن توثيق الرجاليين. فالرواية بهذا الطريق موصوفة بالصحّة ، وقد تضمّنت الأمر بالسجود لمتابعة الإمام ، ومقتضى
1) [لم نعثر عليه في المصدر ، بل قال في مفتاح الكرامة 3 : 461 السطر 26 : وليس فيما عندنا من نسخ المقنعة لذلك عين ولا أثر ، ولعلّهم توهموا ذلك مما أصّله الشيخ في التهذيب 3 : 47 ذيل ح 162 ، فظنّوا أنّه كذلك من كلام المفيد ، وليس ذلك قطعاً ...].
2) الوسائل 8 : 390 / أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 1 ، الفقيه 1 : 258 / 1173 التهذيب 3 : 48 / 165.
3) الفقيه 4 (المشيخة) : 32.
.................................................................................................
الإطلاق عدم الفرق بين السهو والعمد كما لا يخفى.
ومنها : صحيحة علي بن يقطين قال : «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به بالبناء على المعلوم أو المجهول ثمّ يرفع رأسه قبل الإمام ، قال : يعيد بركوعه معه» (1)وهي مثل السابقة في الإطلاق المزبور وفي الاشتمال على الأمر الظاهر في الوجوب ، ونحوهما غيرهما.
لكن بإزائها موثّقة غياث بن إبراهيم قال : «سئل أبو عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام ويرفع رأسه معه؟ قال : لا» (2)فانّ ظاهرها النهي ، وهي أيضاً مطلقة من حيث العمد والسهو كالطائفة السابقة ، فتقع المعارضة بينهما.
وربما يناقش في سندها بأنّ غياثاً فاسد المذهب ، لكونه بترياً ، فالرواية ضعيفة غير منجبرة بعمل المشهور ، فلا تنهض لمعارضة النصوص السابقة.
وفيه : أنّ الرجل وثّقه النجاشي (3)صريحاً ، وفساد المذهب غير مانع عن العمل وحجّية الخبر عندنا بعد أن كان الراوي ثقة كما تقرّر في محلّه. فالمعارضة مستقرّة ولا بدّ من العلاج.
فعن جماعة حمل الأمر في الطائفة الأُولى على الاستحباب ، ومن هنا التزموا بأن العود أفضل ، فجعلوا هذه الموثّقة قرينة على صرف الأمر عن ظاهره إلى الندب.
وعن الشيخ الجمع بينهما بحمل الموثّقة على صورة العمد ، وتلك النصوص على غير العمد من السهو أو اعتقاد الرفع (4). واعترضه غير واحد (5)بأنّه جمع
.................................................................................................
تبرّعي لا شاهد عليه ، فلا يمكن المصير إليه ، وأنّ مقتضى الجمع العرفي هو الأوّل.
لكن الصحيح هو الجمع الذي ذكره الشيخ ، وليس الأوّل من الجمع العرفي في شيء ، فانّ الحمل على الاستحباب إنّما يتّجه فيما إذا كان الدليل الآخر المقابل للوجوب صالحاً للقرينية ، بحيث لو جمعا في كلام واحد وأُلقيا على العرف لم يرَ العرف تنافياً بين الصدر والذيل ، ولم يبق متحيّراً ، بل يجعل أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر وكاشفاً عن المراد منه ، كما في مثل قوله : افعل ، وقوله : لا بأس بتركه ، إذ يرى العرف أنّ الترخيص في الترك قرينة على إرادة الاستحباب من الأمر.
وليس المقام من هذا القبيل بالضرورة ، فإنّ أحد الدليلين متضمّن للأمر والآخر للنهي ، وبينهما كمال المنافاة ، فلو جمعا في كلام واحد وقيل : «يعيد بركوعه» كما في صحيحة ابن يقطين و «لا يعود» كما في الموثّقة بقي أهل العرف متحيّرين ، ورأوا تناقضاً في الكلام.
فالجمع الدلالي بهذا النحو متعذّر ، والمعارضة مستقرّة ، إذ قد تعلّق النهي بعين ما تعلّق به الأمر ، والمتعيّن إنّما هو الجمع الثاني الذي ذكره الشيخ ، وليس هو من الجمع التبرّعي في شيء.
وتوضيحه : أنّ النسبة بين الدليلين وإن كان هو التباين ، حيث إنّ كلا منهما مطلق من حيث العمد والسهو ، وقد تعلّق النهي بعين ما تعلّق به الأمر كما عرفت ، لكن فرض السهو وما يلحق به من اعتقاد الرفع خارج عن إطلاق موثّقة غياث جزماً ، للقطع الخارجي بجواز العود حينئذ ، وقد تسالم عليه الفقهاء ، ومن هنا اختلفوا في وجوبه أو استحبابه ، الكاشف عن المفروغية عن الجواز والمشروعية من غير نكير.
ويؤيّد القطع المزبور موثّقة ابن فضال قال : «كتبت إلى أبي الحسن الرضا
.................................................................................................
عليهالسلام : في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الإمام وهو يظنّ أنّ الإمام قد ركع ، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ، ثمّ أعاد الركوع مع الإمام ، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب عليهالسلام : تتمّ صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع» (1)إذ قد تضمّنت صريحاً جواز العود في مورد الظنّ والاعتقاد بالخصوص.
وموردها وإن كان ركوع المأموم قبل ركوع الإمام ، على عكس ما هو المذكور في تلك النصوص من رفع رأسه عن الركوع قبل الإمام ، إلّا أنّ الظاهر بل لا ينبغي الشكّ في عدم الفرق في حكم المسألة بين الصورتين كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فالقطع الخارجي المؤيّد بهذه الموثّقة يوجب التخصيص في عموم موثّقة غياث ، فيختص موردها بصورة العمد لا محالة (2)
وعليه فالتبويب الذي يشاهد في الجزء الثاني من قرب الإسناد عند إيراده لمسائل علي بن جعفر كأنّه اجتهاد من الحميري نفسه ، ولا عبرة به ، كاجتهادات الكليني وأضرابه في إيراد الأحاديث في بعض الأبواب حسب أنظارهم المقدّسة وما يفهمونه من الروايات.
.وعليه فتنقلب النسبة بين الموثّقة وبين الروايات المتقدّمة الآمرة بالعود من التباين إلى العموم والخصوص المطلق ، فتخصّص موثّقة غياث تلك النصوص وتوجب حملها على ما عدا صورة العمد. وقد ذكرنا في محلّه أنّ انقلاب النسبة أمر لا مناص من الالتزام به ، فانّ المدار في ملاحظة النسبة ليس على مجرّد الظهورات ، بل بما يكون حجّة منها ، والعام بعد ورود التخصيص عليه
1) الوسائل 8 : 391 / أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.
2) هذا مع أنّه من تنزيل المطلق على الفرد النادر كما لا يخفى ، مبنيّ على أن يكون السؤال عن الجواز ، ليكون الجواب ظاهراً في النهي دون الوجوب ، وهو قابل للمنع ، كيف والجواز في صورة السهو وما يلحقه من اعتقاد الرفع مقطوع به كما أفاده (دام ظله) فلا موقع للسؤال ، ومعه لا موضوع للقطع المزبور.
لكن الأحوط إعادتها بعد الإتمام (1) ، بل لا يترك الاحتياط إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب ولم يتابع مع الفرصة لها ، ولو ترك المتابعة حينئذ سهواً أو لزعم عدم الفرصة لا يجب الإعادة وإن كان الرفع قبل الذكر ، هذا.
لا يكون حجّة إلا في الخاصّ ، فلا تلاحظ النسبة إلّا معه ، دون العموم وإن كان ظاهراً فيه (1).
ونتيجة ذلك اختصاص الموثّقة بصورة العمد ، وتلك النصوص بغير العمد من السهو أو الاعتقاد كما ذكره الشيخ (قدس سره) ، وبذلك يرتفع التنافي بين الطائفتين ويختصّ الوجوب بغير العمد كما عليه المشهور ، فلو لم يعد كان آثماً أو بطلت جماعته وانقلبت فرادى على الخلاف المتقدّم (2)من أنّ المتابعة واجب تعبّدي أو شرطي لصحّة الجماعة.
(1) الوجه في هذا الاحتياط إمّا دعوى احتمال كون المتابعة شرطاً في صحّة الصلاة نفسها ، فتبطل لدى عدم العود وترك المتابعة ، وقد عرفت ضعفها ، وأنّه لا دليل على هذا الاشتراط أصلاً. ومع الشكّ فهو مدفوع بأصالة البراءة.
أو دعوى أنّ عدم العود موجب للانفراد ، ولا تجوز نيّة الانفراد أثناء الصلاة. وقد عرفت ضعفها أيضاً ، وأنّ المكلّف مخيّر بين الجماعة والفرادى حدوثاً وبقاء. فكما له الخيار من الأوّل فكذا في الأثناء ، وليست الجماعة واجبة في شيء من الحالتين.
أو دعوى أنّ المستفاد من الأمر بالعود في خصوص المقام جزئية الركوع أو السجود المعادين ، فالركوع المعاد لأجل التبعية واجب بالوجوب الضمني لكون الأمر إرشاداً إلى الجزئية ، فكأنّ هذه الركعة تمتاز عن بقيّة الركعات في كونها ذات ركوعين أو ذات ثلاث سجدات ، وعليه فلو لم يعد فقد ترك جزءاً
.................................................................................................
من الركعة ، ولم يأت بها على وجهها ، فتجب إعادة الصلاة.
وفيه : أنّ الأمر بالعود غير ظاهر فيما ذكر ، بل ظاهره الوجوب الشرطي كما سبق ، وأنّ الشرط في صحّة الجماعة هو العود رعاية للمتابعة ، فلو لم يعد فقد أخلّ بشرط الجماعة لا أنّه ترك جزءاً ، فغايته انقلاب الصلاة فرادى. فلا موجب للإعادة.
وبالجملة : فالوجه في الاحتياط المزبور أحد هذه الوجوه الثلاثة. وفي الكلّ ما لا يخفى.
نعم ، يتأكّد الاحتياط بالإعادة فيما إذا رفع رأسه قبل الذكر الواجب ولم يتابع مع الفرصة لها ، ولذا ذكر في المتن قوله : بل لا يترك الاحتياط إذا رفع ... إلخ. والوجه فيه ظاهر ، إذ قد أخلّ بالذكر الواجب مع إمكان التدارك بالعود إلى الركوع تبعاً وإتيانه فيه ، فلو لم يعد فقد ترك جزءاً من أجزاء الصلاة عامداً ، فتلزمه الإعادة.
ولكنّه يندفع بعدم إمكان التدارك ، إذ ليس الذكر واجباً في كلّ ركوع أو سجود ليمكن التدارك ، بل في خصوص ما يكون جزءاً من الصلاة ، وهو صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات. فالركوع الصلاتي المعدود من أجزائها إنّما هو الركوع الأوّل ، ولا يجب الذكر إلّا فيه ، وقد ترك حسب الفرض ، ولا يمكن التدارك ، لامتناع إعادة المعدوم. والركوع الثاني واجب شرطي لصحّة الجماعة ، وليس من الركوع الصلاتي في شيء ، فلا يجب فيه الذكر ، بل ليس له أن يأتي به فيه بعنوان الوظيفة المقرّرة وتداركاً لما فات كما لا يخفى.
ومنه يظهر أنّه لو ترك المتابعة حينئذ سهواً أو لزعم عدم الفرصة لا تجب الإعادة ، وإن كان الرفع قبل الذكر كما أشار إليه في المتن ، إذ هو في حكم نسيان الذكر ، المحكوم بالصحّة لحديث لا تعاد (1).
1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.
ولو رفع رأسه عامداً لم يجز له المتابعة (1) وإن تابع عمداً بطلت صلاته للزيادة العمدية ، ولو تابع سهواً فكذلك إذا كان ركوعاً أو في كلّ من السجدتين ، وأمّا في السجدة الواحدة فلا.
(1) أمّا بناءً على ما اخترناه من كون المتابعة واجباً شرطياً معتبراً في مجموع الصلاة فظاهر ، للإخلال بالشرط عند رفع الرأس عامداً ، فتبطل الجماعة وتنقلب الصلاة فرادى. ولا دليل على مشروعية العود في الأثناء بعد الانفراد ، فلا تجوز له المتابعة.
وأمّا على المسلك الآخر أعني القول بالوجوب التعبّدي فالوجه في عدم الجواز أمران :
أحدهما : أنّ العود يستلزم الركوع أو السجود عمداً ، فيشمله عموم دليل قادحية الزيادة. ولم يثبت الاغتفار هنا ، لما عرفت من اختصاص النصوص الآمرة بالعود بالرفع السهوي وما يلحق به من الاعتقاد ، دون الرفع متعمداً كما هو محلّ الكلام.
ثانيهما : أنّ موثّقة غياث قد تضمّنت النهي ، المحمول على صورة العمد كما مرّ (1)، فلأجلها يمنع عن العود.
وبالجملة : فالعود ممنوع على كلا المسلكين ، فلو عاد وتابع حينئذ فإن كان عمداً بطلت صلاته ، للزوم الزيادة العمدية كما أشار إليه في المتن. وإن كان سهواً فان كان في ركن كالركوع أو السجدتين بطلت أيضاً ، لعموم ما دلّ على قدح زيادة الركن مثل قوله عليهالسلام : لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة وإنّما تعاد من ركعة (2)المفسّرة بالركوع ، وغيره ممّا دلّ على القدح ، وإن كان في سجدة واحدة فلا تبطل ، لما دلّ على العفو عن زيادتها السهوية كالحديث المتقدّم ، وكذا حديث لا تعاد بعد كون المراد من السجود في عقد الاستثناء
[1932] مسألة 10 : لو رفع رأسه من الركوع قبل الإمام سهواً ثمّ عاد إليه للمتابعة فرفع الإمام رأسه قبل وصوله إلى حدّ الركوع فالظاهر بطلان الصلاة ، لزيادة الركن من غير أن يكون للمتابعة ، واغتفار مثله غير معلوم (1) وأمّا في السجدة الواحدة إذا عاد إليها ورفع الإمام رأسه قبله فلا بطلان لعدم كونه زيادة ركن ولا عمديّة. لكن الأحوط الإعادة بعد الإتمام (2).
السجدتين بقرينة الحديث المتقدّم ، فيدرج المقام في عقد المستثنى منه. ولأجله يحكم بالصحّة.
(1) والوجه فيه ظاهر ، فانّ مورد النصوص الحاكمة بالاغتفار (1)ما إذا تابع الإمام في الركوع بحيث رفع رأسه معه ، وأمّا إذا لم يدركه فيه فركع بتخيّل المتابعة ولم تتحقّق خارجاً فمثله غير مشمول للنصّ ، فيقع الركوع على صفة الزيادة ، لا سيما وقد أتى به بعنوان الجزئية ، فإنّ الركوع للمتابعة جزء من الصلاة جماعة كما سنوضّحه في المسألة الآتية ، فيشمله عموم ما دلّ على قدح زيادة الركن الموجب لبطلان الصلاة ، هذا كلّه في الركوع.
وأمّا إذا كان ذلك في السجدة الواحدة فلا بطلان بعد أن لم تكن ركناً ، كما أنّ الزيادة لم تكن عمدية ، فيشملها قوله عليهالسلام : لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة.
(2) كأنّ الوجه فيه دعوى قصور ما دلّ على عدم قدح الزيادة السهوية في السجدة الواحدة عن الشمول للمقام ، لاختصاصه بما إذا لم يكن ملتفتاً إلى الزيادة حينما يأتي بالسجدة ، كما لو سجد باعتقاد أنّها الثانية فانكشف أنّها الثالثة. وأمّا في المقام فهو ملتفت إلى الزيادة ، غايته أنّه يعتقد اغتفارها لتخيّل اتّصافها بالمتابعة. فلا دليل على عدم القدح في مثله.
لكنّه يندفع بإطلاق دليل عدم القدح مثل حديث لا تعاد ونحوه من
1) تقدّم ذكر بعضها في ص 234 235.
[1933] مسألة 11 : لو رفع رأسه من السجود فرأى الإمام في السجدة فتخيّل أنّها الاولى فعاد إليها بقصد المتابعة فبان كونها الثانية حسبت ثانية (1) وإن تخيّل أنّها الثانية فسجد اخرى بقصد الثانية فبان أنّها الاولى حسبت متابعة ، والأحوط إعادة الصلاة في الصورتين بعد الإتمام.
هذه الجهة ، إذ لم يتقيّد بعدم الالتفات إلى الزيادة حين العمل.
نعم ، الممنوع ما إذا كانت الزيادة عمديّة ، وأمّا إذا كانت سهوية أو كان معذوراً في الإتيان لتخيّل الأمر وإن كان ملتفتاً إلى الزيادة فحديث لا تعاد القاضي بعدم الإعادة من ناحية الخلل الناشئ من قبل السجدة غير قاصر الشمول للمقام كما لا يخفى. فهذا الاحتياط استحبابي كما في المتن ، ولا تجب رعايته.
(1) لكونه من قبيل الاشتباه في التطبيق ، غير القادح في الامتثال ، وكذا الحال في عكسه ، أعني ما لو تخيّل أنّها الثانية فسجد اخرى بقصد الثانية فبان أنّها الاولى ، فإنّها تحسب متابعة ، لما ذكر ، ويأتي بالثانية مع الإمام. لكنّه (قدس سره) احتاط بإعادة الصلاة في كلتا الصورتين بعد الإتمام.
والوجه في ذلك : أنّ السجود بقصد المتابعة وكذا الركوع زيادة مغتفرة في الصلاة وليس من أجزائها ، فهو بحسب الطبيعة يغاير السجود الصلاتي ويباينه ، ولا ينطبق أحدهما على الآخر ، فانّ هذا جزء وتلك زيادة وإن كانت مغتفرة ، فاحتساب أحدهما عن الآخر يحتاج إلى الدليل ، ومقتضى القاعدة عدم الاحتساب.
ولكنّه يندفع بالمنع عن عدم جزئيّة المأتي به للمتابعة. فإنّك قد عرفت سابقاً (1)أنّ المأمور به إنّما هو الجامع بين الصلاة جماعة وفرادى ، وكلّ منهما عدل للواجب التخييري ، ولكلّ منهما مزايا وخصوصيات وأحكام خاصّة.
1) في ص 148.
.................................................................................................
فكما أنّ من أحكام الجماعة سقوط القراءة ، ورجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لدى الشكّ في الركعات ، ونحو ذلك ، فكذا من مختصّاتها اشتمال الركعة على ركوعين أو ثلاث جسدات بالإضافة إلى المأموم في خصوص ما لو رفع رأسه قبل الإمام سهواً.
فأحد الركوعين جزء من طبيعي الصلاة الجامع بين العدلين ، وكذا السجدتان ، والركوع الآخر أو السجدة الأُخرى جزء لخصوص أحد العدلين وهي الجماعة في حالة خاصّة. فهو وإن كان زيادة بالإضافة إلى الطبيعي الجامع لكنّه جزء من الجماعة ، فهي تمتاز وتختصّ بهذا الحكم ، وهو أنّ في ركعتها ركوعين كلّ منهما جزء منها ، أحدهما باعتبار الجزئية لأصل الطبيعة والآخر باعتبار الجزئية لنفس هذا العدل ، وكلّ منهما يؤتى بعنوان الجزئية بالاعتبارين.
وعليه فيكون الاحتساب المزبور لدى الاشتباه والخطأ في التطبيق على طبق القاعدة ، إذ لا يعتبر في صحّة العبادة أكثر من الإتيان بذات المأمور به مع قصد القربة ، ولا يضرّ التخلّف في سائر الأوصاف التي هي من قبيل الدواعي. فلو أتى بالسجدة باعتقاد أنّها الثانية فبان أنّها الاولى ، أو بالعكس ، أو بالركعة بتخيّل أنّها الثالثة فانكشف أنّها الرابعة وبالعكس صح كلّ ذلك بلا ريب ، إذ لا مدخل للاعتقاد المزبور نفياً أو إثباتاً في صحّة العبادة بعد الإتيان بها على وجهها.
والمقام من هذا القبيل ، إذ بعد ما عرفت من جزئية السجود المقصود به المتابعة كالأصلي ، والإتيان بكلّ منهما بعنوان الجزئية. فتخيّل اتّصاف المأتي به بصفة المتابعة مع كونه بحسب الواقع سجوداً أصلياً أو بالعكس غير قادح في اجتزائه عن المأمور به واحتسابه عنه ، لكونه من قبيل التخلّف في الداعي والاشتباه في التطبيق ، غير القادح في الصحّة بلا إشكال. فالاحتياط المذكور في المتن استحبابي كما ذكره ، ولا تجب مراعاته.
[1934] مسألة 12 : إذا ركع أو سجد قبل الإمام عمداً لا يجوز له المتابعة لاستلزامه الزيادة العمدية ، وأمّا إذا كانت سهواً وجبت المتابعة (1)بالعود إلى القيام أو الجلوس ثمّ الركوع أو السجود معه ، والأحوط الإتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين ، بأن يأتي بالذكر ثمّ يتابع وبعد المتابعة أيضاً يأتي به ، ولا بأس بتركه. ولو ترك المتابعة ع مداً أو سهواً لا تبطل صلاته وإن أثم (2)في صورة العمد.
نعم لو كان ركوعه قبل الإمام في حال قراءته فالأحوط البطلان مع ترك المتابعة ، كما أنّه الأقوى إذا كان ركوعه قبل الإمام عمداً في حال قراءته ، لكن البطلان حينئذ إنّما هو من جهة ترك القراءة وترك بدلها وهو قراءة الإمام ، كما أنّه لو رفع رأسه عامداً قبل الإمام وقبل الذكر الواجب بطلت صلاته من جهة ترك الذكر (1).
(1) بعد ما فرغ (قدس سره) عن حكم رفع الرأس عن الركوع أو السجود قبل الإمام تعرّض لبيان حكم عكس المسألة ، وهو ما لو ركع أو سجد قبل الإمام. ويقع الكلام تارة فيما لو فعل ذلك عامداً واخرى ساهياً.
أمّا في فرض العمد : فلا إشكال في عدم جواز العود والمتابعة ، لاستلزامه الزيادة العمدية المبطلة من غير دليل على اغتفارها كما هو واضح.
وهل تبطل صلاته بذلك؟ قد يفرض أنّه أهوى إلى الركوع بعد الفراغ عن القراءة في الأولتين كما في حال القنوت ، أو عن التسبيحة في الأخيرتين واخرى يفرض الهوي حال التشاغل بهما أو قبل الشروع فيهما.
أمّا في الفرض الأوّل : فيبتني البطلان على الخلاف المتقدّم (3)في حكم
.................................................................................................
وجوب المتابعة من أنّها واجب تعبّدي أو شرطيّ للصلاة أو للجماعة ، فعلى الأوّل صحّت صلاته وجماعته وليس عليه إلّا الإثم ، وعلى الثاني بطلت صلاته ، وعلى الثالث كما هو الحقّ على ما مرّ بطلت الجماعة وانقلبت فرادى ، ولا إثم عليه.
وأمّا في الفرض الثاني : فلا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة نفسها ، لا لأجل الإخلال بالمتابعة ، بل من أجل ترك القراءة أو التسبيحة عامداً ، فلم يأت لا بها ولا ببدلها وهو قراءة الإمام ، فتبطل الصلاة من هذه الجهة لا محالة.
وبعين هذا البيان يظهر البطلان فيما لو أخلّ بالذكر الواجب في الركوع أو السجود في مسألة الرفع المتقدّمة ، فلو رفع رأسه عن الركوع أو السجود قبل الإمام عامداً قبل أن يأتي بالذكر بطلت صلاته من أجل الإخلال بالذكر الواجب عامداً كما هو واضح ، وقد أشار إليه الماتن في آخر هذه المسألة.
وأمّا في فرض السهو : فلا إشكال في مشروعيّة العود وجواز المتابعة وإن استلزمت الزيادة العمديّة ، فإنّها مغتفرة في المقام ، لموثّق ابن فضال قال : «كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليهالسلام : في الرجل كان خلف إمام يأتمّ به فيركع قبل أن يركع الإمام ، وهو يظنّ أنّ الإمام قد ركع ، فلمّا رآه لم يركع رفع رأسه ثمّ أعاد الركوع مع الإمام ، أيفسد ذلك عليه صلاته أم تجوز تلك الركعة؟ فكتب عليهالسلام : تتمّ صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع» (1).
ومورده وإن كان هو الركوع لكن يلحق به السجود بالأولوية القطعية ، إذ لو جازت المتابعة المستلزمة للزيادة في الركوع وهو ركن ففي السجود بطريق أولى ، مضافاً إلى ظهور التسالم عليه.
كما أنّ مورده وإن كان هو الظنّ أعني الاعتقاد أو الاطمئنان كما لا يخفى لكن لا ينبغي الشكّ في التحاق السهو به ، إذ لا يحتمل أن تكون للظنّ خصوصية منقدحة في ذهن السائل ، وإنّما ذكره بياناً للعذر في مقابل العمد.
1) الوسائل 8 : 391 / أبواب صلاة الجماعة ب 48 ح 4.
.................................................................................................
وبعبارة اخرى : لو كان التقييد بالظنّ مذكوراً في كلام الإمام عليهالسلام أمكن اختصاص الحكم به ، إذ من الجائز أن تكون للظنّ خصوصية لا نعرفها فلا يمكن التعدّي حينئذ إلى السهو ، لكنّه مذكور في كلام السائل ، ومن المقطوع به بمقتضى الفهم العرفي عدم تعلّق العناية به بالخصوص ، وإنّما غرضه من السؤال الاستعلام عمّا إذا ركع المأموم قبل الإمام ركوعاً لا يكون عامداً فيه بطبيعة الحال ، بل يكون عادة من جهة العذر. فذكر الظنّ مثالاً للعذر من دون خصوصية فيه ، ومثاله الآخر السهو ، فكأنّ السؤال عن مطلق المعذورية في مقابل العمد ، فيرد الجواب على هذا المطلق.
وبالجملة : فلا ينبغي الإشكال في شمول الحكم للظنّ والسهو ، كشموله للركوع والسجود ، وأنّ الموثّق يدلّ على التعميم من كلتا الجهتين بالتقريب المتقدّم.
ثمّ إنّ الموثّق لا يدلّ إلّا على أصل الجواز ومشروعية العود والمتابعة كما ذكرنا ، لدلالته على إمضاء ما فعله المأموم المذكور في السؤال ، وأنّ صلاته لا تفسد بذلك ، وأمّا أنّه واجب أم لا فلا تعرّض فيه من هذه الناحية ، فيبتني الوجوب على البحث المتقدّم في المتابعة من أنّها واجب تعبّدي أو شرطي للصلاة أو للجماعة ، وكلّ على مبناه.
وحيث إنّ المختار هو الأخير كما مرّ فلا تجب ، بل غايته بطلان الجماعة لو لم يتابع ، فتصح صلاته فرادى ولا إثم عليه ، خلافاً للمتن حيث التزم بالإثم بناءً على مسلكه من الوجوب التعبّدي.
هذا من ناحية المتابعة ، وأمّا من ناحية القراءة فإن كان الركوع السهوي بعد استكمال الإمام للقراءة أو فراغ المأموم عن التسبيحة في الأخيرتين فلا إشكال في الصحّة كما هو واضح ، وأمّا إذا كان في الأثناء أو قبل الشروع فقد احتاط في المتن بالإعادة لو ترك المتابعة ، والوجه في الاحتياط أنّه قد ترك القراءة ولم يأت لا بها ولا ببدلها أعني قراءة الإمام مع إمكانه التدارك بالعود
.................................................................................................
فعدم المتابعة يوجب الإخلال بالقراءة عامداً ، فتبطل صلاته بذلك.
ويندفع : بعدم إمكان التدارك ، فإنّ القراءة وإن كانت واجبة لكنّها لا تجب مطلقاً ، بل في ظرفها ومحلّها المقرّر لها شرعاً ، وهو قبل الركوع. ومن هنا ذكرنا سابقاً (1)أنّه لو نسي القراءة في الأولتين لا تتعيّن عليه في الأخيرتين تمسّكاً بقوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، بل التخيير بينها وبين التسبيح الثابت في الأخيرتين باقٍ على حاله.
فانّ الحديث لا يدلّ على وجوب الفاتحة في أيّ مورد كان ، بل في موطنها الخاص ، فهو كقولنا : لا صلاة إلّا بالتشهّد ، لا يدلّ إلّا على الوجوب في المحلّ المعهود الذي عيّنه الشارع وقرّره.
وبما أنّ الركوع قد تحقّق في المقام ولو سهواً فقد فات محلّ القراءة ، ولا يمكن التدارك بعدئذ حتّى بالعود والإتيان بالركوع الثاني متابعة ، فانّ هذا الركوع وإن كان جزءاً من الصلاة كالركوع الأصلي كما سبق (3)لكن المحلّ الشرعي المقرّر للقراءة الصلاتية إنّما هو ما قبل الركوع على نحو صرف الوجود المنطبق على أوّل الوجودات.
وبعبارة اخرى : الركوع متابعة وإن كان جزءاً لكنّه جزء من صلاة الجماعة التي هي عدل للواجب التخييري في حالة خاصّة ، والركوع الأصلي جزء من طبيعي الصلاة الجامع بينها وبين الفرادى على ما بيناه سابقاً ، والمحلّ الشرعي للقراءة هو ما قبل الركوع الذي هو جزء من طبيعي الصلاة المنطبق على الوجود الأوّل ، وقد فات هذا المحلّ بالإتيان بذات الركوع المحكوم بالصحّة في نفسه حسب الفرض ، فلا يمكن التدارك ، لامتناع إعادة المعدوم ، فلو عاد وأتى بالقراءة فليست هي من القراءة الصلاتية لتكون تداركاً لما فات.
[1935] مسألة 13 : لا يجب تأخّر المأموم أو مقارنته مع الإمام في الأقوال فلا تجب فيها المتابعة سواء الواجب منها والمندوب ، والمسموع منها من الإمام وغير المسموع ، وإن كان الأحوط التأخّر خصوصاً مع السماع وخصوصاً في التسليم ، وعلى أيّ حال لو تعمّد فسلّم قبل الإمام لم تبطل صلاته ، ولو كان سهواً لا يجب إعادته بعد تسليم الإمام ، هذا كلّه في غير تكبيرة الإحرام ، وأمّا فيها فلا يجوز التقدّم على الإمام ، بل الأحوط تأخّره عنه بمعنى أن لا يشرع فيها إلّا بعد فراغ الإمام منها ، وإن كان في وجوبه تأمّل (1).
وعليه فبما أنّ القراءة المتروكة قد تركت سهواً كما هو المفروض فهي مشمولة لحديث لا تعاد ، فلا تبطل الصلاة من أجلها. فالاحتياط المذكور في المتن بالإعادة ضعيف.
ومن هذا البيان يظهر ضعف الاحتياط الآخر الذي ذكره الماتن من الإتيان بالذكر في كلّ من الركوعين أو السجودين الأصلي والمتابعتي ، فانّ موطن الذكر الواجب ومحلّه الشرعي إنّما هو صرف وجود الركوع أو السجود المنطبق على أوّل الوجودات ، فلا يجب الذكر إلّا في الأصلي منهما المعدود من أجزاء طبيعي الصلاة ، وقد فات ذاك المحلّ برفع الرأس عنهما ، ولا دليل على وجوبه في التبعي منهما ، بل لو أتى بالذكر فيهما لم يكن تداركاً لما فات كما لا يخفى.
(1) يقع الكلام تارة في تكبيرة الإحرام ، وأُخرى في التسليمة ، وثالثة في غيرهما من سائر الأقوال والأذكار.
أمّا في تكبيرة الإحرام : فلا إشكال كما لا خلاف في عدم جواز التقدّم فيها على الإمام ، لمنافاته مع مفهوم القدوة والائتمام ، فانّ الاقتداء يتقوّم بوجود من يقتدى به ويمتنع تحقّقه بدونه ، ومع السبق لا إمام بعدُ كي يؤتمّ به ، إذ لا يعقل الائتمام من غير إمام ، وهذا ظاهر.
وتؤيّده جملة من الأخبار :
.................................................................................................
منها : النبوي المتقدّم : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به ، فاذا كبّر فكبّروا ...» (1)إلخ ، دلّ بمقتضى التفريع على تأخّر التكبير عن تكبير الإمام ، فلا يجوز التقدّم عليه. لكنّه ضعيف السند ، وإن كان مضمونه موافقاً للارتكاز. فلا يصلح إلّا للتأييد.
ومنها : رواية علي بن جعفر المرويّة في قرب الإسناد : «عن الرجل يصلّي له أن يكبر قبل الإمام؟ قال : لا يكبّر إلّا مع الإمام ، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (2).
وقد تقدّمت هذه الرواية سابقاً (3)وقلنا : إن صاحب الوسائل ذكرها في أبواب صلاة الجنازة ، وذكر أنّ الحميري أيضاً أوردها في باب صلاة الجنازة وأنّه يظهر (4)منه أنّه كان كذلك في كتاب علي بن جعفر أيضاً. وعليه فالرواية مربوطة بذاك الباب وأجنبية عن المقام.
مضافاً إلى قصور دلالتها في نفسها على المقام ، إذ لم يصرّح فيها بتكبيرة الإحرام ، فمن الجائز إرادة التكبيرات المستحبّة أو التكبيرات الخمس في صلاة الجنازة ، بل لا يمكن تطبيقه على تكبيرة الإحرام ، لأنّه لو كبّر قبل الإمام فان لم يعدها وائتم بقاءً مع الإمام بعد ما كبّر كان ذلك من الاقتداء في الأثناء ، وهو غير مشروع كما سبق. وإن أعادها بطلت صلاته بذلك كما لا يخفى ، فكيف أمر عليهالسلام بالإعادة بقوله : «فان كبّر قبله أعاد التكبير»؟
والحاصل : أنّ حملها على التكبيرات في صلاة الأموات لا محذور فيه ، لعدم المانع عن الإعادة التي أُمر بها لو كبّر قبل الإمام ، بخلاف ما نحن فيه ، للزوم المحذور كما عرفت. فهذا يؤيّد ما ذكرناه من كونها أجنبية عن المقام ، هذا. مع
.................................................................................................
أنّ الرواية ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن كما أشرنا إليه سابقاً.
ومنها : ما استند إليه في الجواهر (1)من خبر أبي سعيد الخدري المروي عن المجالس مسنداً إليه عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله «قال : إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم وأقيموها ، وسوّوا الفرج ، وإذا قال إمامكم : اللّه أكبر فقولوا : اللّه أكبر» (2).
قال صاحب الوسائل عند ذكر الخبر : بإسناد تقدم في إسباغ الوضوء عن أبي سعيد الخدري. والسند مذكور في أبواب الوضوء (3)وهو ضعيف جدّاً لاشتماله على جمع من الضعفاء والمجاهيل ، فلا يصلح الخبر إلّا للتأييد ، وإن كانت الدلالة تامّة.
فالعمدة في المنع عن التقدّم ما ذكرناه من المنافاة لمفهوم الائتمام كما عرفت.
وهل يجب التأخّر بمعنى أن لا يشرع فيها إلّا بعد فراغ الإمام منها ، أو يجوز الشروع في الأثناء وقبل أن يفرغ؟ ذكر في المتن أنّ الأحوط الأوّل وإن كان في وجوبه تأمّل.
ويستدلّ للوجوب تارة : بالنبويّ المتقدّم ، فانّ قوله عليهالسلام : «فاذا كبّر فكبّروا» ظاهر في أنّ الشرط صدور التكبير عن الإمام وتحقّقه خارجاً المتوقّف على فراغه وانتهائه عنه ، وبعدئذ يشرع المأموم في التكبير.
وأُخرى : بخبر أبي سعيد الخدريّ المتقدّم آنفاً ، المتّحد مضمونه مع النبوي.
وفيه : أنّ ضعف سنديهما مانع عن الاستدلال ، فلا يمكن التعويل عليهما وإن كانت الدلالة تامّة.
وثالثة : بما ذكره في الجواهر من عدم صدق الاقتداء بالمصلّي ما لم يفرغ الإمام عن التكبير ، فإنّه بمجرّد الشروع فيه وإن صدق عليه أنّه شرع في
.................................................................................................
الصلاة باعتبار أنّ جزء الجزء جزء ، لكن لا يصدق عليه عرفاً عنوان المصلّي قبل استكماله التكبير ، ومعه لا يتحقّق الاقتداء بالمصلّي ، الذي تدور مداره صحّة الجماعة على ما يستفاد من الأدلّة. وعلى تقدير تسليم الصدق فلا أقلّ من عدم انصراف الإطلاق إليه (1).
وفيه : مع تسليم ما ذكر أنّا لم نجد في شيء من الأدلّة ما يدلّ على اعتبار الاقتداء بالمصلّي كي يمنع في المقام عن الصدق أو يدّعى الانصراف ، وإنّما الوارد فيها الاقتداء بالشخص حال الصلاة على ما يستفاد من مثل قوله : صلّ خلف من تثق بدينه (2)فلا يعتبر في الصحّة إلّا حصول الاقتداء به في الصلاة ، لا صدق اسم المصلّي عليه وتلبّسه بهذا العنوان ، ولا شكّ في صدق الاقتداء به فيها وإن شرع في التكبير قبل فراغ الإمام ، إذ يصحّ حينئذ أن يقال : إنّه صلّى خلف من يثق بدينه.
وعليه فالأقوى جواز ذلك ، فلا يجب تأخّر الشروع عن الفراغ.
وهل تجوز المقارنة الحقيقية ، أو يجب التأخّر في الشروع ولو بمقدار همزة اللّه أكبر؟ الظاهر هو الأوّل ، لتحقّق المتابعة بمجرّد المقارنة وارتباط صلاته بصلاة الإمام. وقد عرفت عدم اعتبار اتّصافه بعنوان المصلّي قبل الاقتداء ، بل يكفي صدق الاقتداء خلف من يوثق بدينه وأمانته حال الصلاة ، وهو حاصل في المقام ، من غير فرق بين الابتداء والأثناء.
لكنّ هذا البحث قليل الجدوى ، إذ لا يمكن إحراز المقارنة الحقيقية غالباً لو لم يكن دائماً ، بل إمّا أن يتقدّم أو يتأخّر ، فيبطل على الأوّل كما مرّ ، ولا مقارنة على الثاني.
وعلى الجملة : لا مناص من التأخّر شيئاً ما من باب المقدمة العلميّة حذراً
.................................................................................................
عن التقدّم ، ومعه تنتفي المقارنة الحقيقية. فهذا البحث قليل الجدوى كما ذكرنا وإن كان على تقدير الاتّفاق محكوماً بالصحّة.
ثم على تقدير المقارنة الحقيقية أو الشروع بعد شروع الإمام شيئاً ما فهل يجوز الفراغ قبل فراغه أم لا بدّ من التأخّر ، فلا يجوز التقدّم ختاماً كما لا يجوز شروعاً؟
قد يقال بالأول ، نظراً إلى أنّ المدار في صدق المتابعة على الشروع ، فيكفي في التأخّر التأخّر في الشروع أو عدم التقدّم فيه على الخلاف ، فلا يلزم التأخّر في الفراغ.
لكنّ الأقوى هو الثاني ، فإنّ التكبير وإن كان مؤلّفاً من عدة حروف ، إلّا أنّ المجموع يعدّ في نظر الشارع جزءاً واحداً مستقلا به يتحقّق الافتتاح في الصلاة فلو تقدّم المأموم في الفراغ كان افتتاحه قبل افتتاح الإمام لا محالة ، وهو بمثابة الشروع قبل شروع الإمام في ملاك المنع ، أعني الاقتداء من غير من يقتدي به.
وبالجملة : ما لم يفرغ الإمام عن التكبيرة ولم يستتمّها كأنّه لم يدخل بعدُ في الصلاة ولم يفتتحها ، إذ محقّق الافتتاح هو مجموع الأجزاء كما عرفت ، فتقدّم المأموم في الفراغ في حكم الدخول في الصلاة قبل الإمام ، غير الجائز بلا إشكال كما مرّ.
ثمّ إنّك قد عرفت فيما مرّ (1)عدم جواز التأخّر الفاحش في الأفعال ، فهل الحال كذلك في تكبيرة الإحرام أيضاً؟ احتمل بعضهم بل استظهر عدم الجواز بدعوى أنّه المستفاد من النبويّ المتقدّم «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به ، فاذا كبّر فكبّروا ...» إلخ ، باعتبار أنّ الإمامة للإمام تتحقّق من أوّل الأمر وحينما يكبّر ، فما دلّ على وجوب المتابعة في الأفعال وعدم التخلّف الفاحش يجري في التكبير أيضاً ، فكما أنّ الركوع والسجود يجب أن يكون متّصلاً بركوع الإمام
1) في ص 223.
.................................................................................................
وسجوده فكذا التكبير ، اللّهمّ إلّا أن يقوم إجماع على خلافه وأنّ التكبير يفترق عن غيره ، فان تحقّق إجماع وإلّا فمقتضى القاعدة وجوب المتابعة ، وعدم التأخّر الفاحش في التكبير كغيره.
وفيه أوّلاً : أنّ النبويّ ضعيف السند كما مرّ ، وغير منجبر بعمل المشهور أو فتوى جمع معتنى به أو جماعة ولو قليلين ، إذ لم ينقل عن أحد اعتبار المتابعة في التكبير وعدم التأخّر الفاحش. فلا يمكن الاستدلال بالنبوي حتّى بناءً على القول بالانجبار.
وثانياً : أنّ قوله عليهالسلام : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتمّ به» ليس معناه أنّ وصف الإمامة مجعول للإمام من أوّل الأمر ، كيف وهذا الوصف منتزع من ائتمام المأموم خارجاً ، فانّ هذين العنوانين أعني الإمامة والمأمومية من المتضايفين اللذين هما متكافئان قوة وفعلية ، كالأُبوّة والبنوّة والأُخوّة ، فلا يعقل التفكيك ، ولا يمكن وجود أحدهما من دون الآخر ، فلا يتصوّر اتّصاف أحد بالإمامة قبل الاقتداء والائتمام الخارجي من المأموم. فهما غير قابلين للانفكاك.
بل المراد أنّه بعد ما اتّصف الإمام بالإمامة ، المنتزع من اقتداء المأموم به ففائدته متابعته إيّاه وائتمامه به في الأفعال ، وحينئذ فاذا كبّر المأموم بعد الإمام الموجب لاتّصاف الإمام بالإمامة لزمه المتابعة في الأفعال تعبدياً أو شرطياً على الخلاف المتقدّم ، وأمّا إذا لم يكبّر المأموم ولم يدخل بعدُ في الصلاة فلا موضوع للجماعة ، إذ لا إمام ولا مأموم بعدُ حتّى يقال بوجوب المتابعة في التكبير تعبّدياً أو شرطياً.
ضرورة أنّ التكبير أوّل أفعال الصلاة ، وما لم يتحقّق لا موضوع لوجوب المتابعة. فلا معنى للقول بأنّه هل يجوز التخلّف الفاحش في التكبير أم لا ، بل هو جائز دائماً وإلى الأخير ، لكونه مخيّراً بين اختيار الجماعة والفرادى ، فله الاقتداء عند أيّ جزءٍ شاء ، فلا يقاس التكبير الذي هو أوّل أفعال الصلاة
.................................................................................................
بغيره من سائر الأفعال ، لاختلاف المناط بينهما كما هو أظهر من أن يخفى.
وأمّا في التسليم : فقد وردت عدّة أخبار معتبرة دلّت على جواز التسليم قبل الإمام ، ومورد بعض هذه الأخبارِ المعذورُ من أجل البول ونحوه ، والبعض الآخر الناسي ، والثالث منها مطلق لم يتقيّد بشيء منهما (1). ومن المعلوم أنّ المقام ليس من موارد حمل المطلق على المقيّد ، لعدم التنافي ، فيؤخذ بالجميع ويحكم بجواز التسليم والانصراف قبل الإمام مطلقاً. فلا إشكال في المسألة نصاً وفتوى.
إنّما الكلام في أنّه هل ينفرد بتسليمة أو أنّ الجماعة باقية؟ الظاهر هو الانفراد ، وذلك لما عرفت سابقاً من أنّ المتابعة مأخوذة في مفهوم الائتمام ، فكما أنّه لو كبّر قبل الإمام لا يكون مأموماً فكذا لو خرج قبله ، فانّ المأمومية متقوّمة بالمتابعة معه دخولاً وخروجاً ، كما هو الحال في غير الصلاة ، فلو تابع زيداً في دخول المجلس دون خروجه فقد انفصل عنه في الخروج ، ولم يكن تابعاً إلّا في الدخول فحسب.
وعليه ففي المقام تزول الجماعة بقاءً ويحصل الانفراد قهراً. وحينئذ فان قلنا بجواز الانفراد في الأثناء اختياراً كما هو الصحيح كما يجوز مع العذر بلا إشكال فالحكم الوارد في هذه الأخبار مطابق للقاعدة ، وإلّا فغايته الالتزام بالتخصيص.
فتارة : يكون الذكر الصادر من المأموم غير ما يصدر عن الإمام ، فيتخالفان في السنخ كما لو اقتدى في الأخيرتين فقرأ المأموم فاتحة الكتاب والإمام يسبّح فهنا لا موضوع للمتابعة أصلاً ، فإنّها إنّما تتحقّق فيما إذا كان الصادر منهما شيئاً واحداً ، فإذا قرأ زيد قصيدة وعمرو كتاباً من الكتب لا معنى لمتابعته إيّاه فيما يقول ، كما هو ظاهر.
1) الوسائل 8 : 413 / أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2 ، 5 ، 4 ، وقد تقدّمت في ص 87.
.................................................................................................
واخرى : يتّحدان في السنخ لكن المأموم لا يسمع صوت الإمام ، وهنا أيضاً لا موضوع للتبعية ، لأنّها لا تتحقّق إلّا مع الإحراز والسماع كما هو واضح.
وثالثة : يتّحدان في السنخ وهو يسمع ، سواء أكان ذلك في ذكر مستحبّ كالقنوت أو واجب كالتشهّد ، وحينئذ فبما أنّ الصلاة مركّبة من مجموع الأفعال والأقوال فالدليل الدالّ على لزوم المتابعة في الأفعال يقتضي بعينه المتابعة في الأقوال أيضاً بمناط واحد ، ولا موجب لدعوى الانصراف إلى الأوّل كما قيل.
فلو كنّا نحن ومقتضى القاعدة الأوّلية ولم يكن ثمّة دليل آخر كان اللازم هو الحكم بوجوب المتابعة في مثل هذه الأقوال أيضاً ، لكنّ الدليل الخارجي قام على عدم الوجوب ، وهي السيرة القطعية العملية المتّصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام ، فإنّ المتابعة لو كانت واجبة في مثل صلاة الجماعة التي هي محلّ الابتلاء في كلّ يوم عدّة مرّات وتنعقد في أغلب بلاد المسلمين ، لظهر وشاع وذاع وعرفه أغلب المكلّفين ، ولزمهم الالتفات إلى قراءة الإمام كي لا يتقدّموا عليه ، كيف ولم يعهد ذاك منهم ، ولم يذهب أحد إلى الوجوب ما عدا الشهيد (1)وبعض من تبعه. فلو كان واجباً لكان من الواضحات ، فكيف خفي على هؤلاء الأعلام.
ويؤيّد عدم الوجوب ما ورد في بعض الأخبار من أنّ المأموم إذا فرغ من القراءة قبل الإمام يمجّد اللّه ويسبّح ويثني عليه ، وفي بعضها أنّه يبقي آية فاذا فرغ الإمام قرأ الآية وركع (2).
وقد ذكر صاحب الوسائل هذه الأخبار في خصوص الإمام الذي لا يقتدى به. وفيه : أنّ مورد بعضها وإن كان هو الصلاة خلف من لا يقتدى به إلّا أنّ بعضها الآخر مطلق كما لا يخفى على من لاحظها.
[1936] مسألة 14 : لو أحرم قبل الإمام سهواً أو بزعم أنّه كبّر كان منفرداً فإن أراد الجماعة عدل إلى النافلة وأتمّها أو قطعها (1)(1).
وكيف ما كان ، فيستفاد من هذه الأخبار المفروغية عن عدم وجوب المتابعة في الأقوال ، وإلّا فكيف جاز التقدّم على الإمام. فلا ينبغي الإشكال في المسألة.
(1) تقدّم الكلام حول ما إذا ركع أو سجد قبل الإمام سهواً ، وقد مرّ حكمه (2)، وأمّا لو كبّر قبله سهواً أو باعتقاد أنه كبّر فلا إشكال في عدم انعقاد الجماعة حينئذ ، إذ لا إمام قبل التكبير ، فلا موضوع للائتمام ، فلا محالة تنقلب الصلاة فرادى.
إذ لا موجب لاحتمال البطلان ، لما عرفت سابقاً (3)من أنّ المأمور به إنّما هو الطبيعي الجامع ، وخصوصية الجماعة أو الفرادى من العوارض اللاحقة لكلّ من الصنفين ، الموجبة لاختلافهما بحسب الأحكام مع اتّحادهما بحسب الطبيعة والذات ، فقد قصد المكلّف الجامع المأمور به مع نيّة القربة ، فلا قصور في ناحية الامتثال ، غايته أنّه تخيّل اتّصافه بعنوان الجماعة فبان أنّه فرادى ، فلا إشكال في الصحّة.
وحينئذ فإن أراد أن يتمّها فرادى فلا كلام ، وأمّا إذا أراد أن يأتي بها جماعة فقد ذكر في المتن أنّه عدل بها إلى النافلة ، ثمّ أتمّها أو قطعها.
أمّا العدول إلى النافلة والإتمام فلا إشكال في جوازه مع بقاء محلّ العدول كما سيأتي التعرّض له في المسألة السابعة والعشرين إن شاء اللّه تعالى.
وأمّا العدول مع القطع فان لم يكن بانياً عليه من الأوّل ، بل بدا له في القطع
.................................................................................................
بعد ما عدل فلا إشكال فيه أيضاً ، فإنّ الممنوع إنّما هو قطع الفريضة على كلام فيه ، وأمّا النافلة فلا إشكال في جواز قطعها اختياراً ، لعدم الدليل على حرمته أصلاً كما لا يخفى.
وأمّا لو كان بانياً على القطع من الأوّل فمشروعيّة مثل هذا العدول مشكل في حدّ نفسه ، لعدم تحقّق مفهوم العدول مع هذا البناء ، إذ هو ليس من العدول إلى النافلة في شيء كما لا يخفى.
وقد يقال : بجواز القطع من غير عدول ، استناداً إلى رواية قرب الإسناد المتقدّمة : «عن الرجل يصلّي له أن يكبّر قبل الإمام؟ قال : لا يكبّر إلّا مع الإمام ، فإن كبّر قبله أعاد التكبير» (1)، فإنّ الإعادة مساوقة للقطع.
وفيه : ما عرفت من أنّ الرواية أوردها صاحب الوسائل في باب صلاة الجنازة قائلاً : إنّ الحميري أوردها كذلك ، وأنّه يظهر (2)أنّها كانت كذلك في كتاب علي بن جعفر. فهي مربوطة بذاك الباب وأجنبية عن المقام.
وعلى تقدير شمولها للمقام أو اختصاصها به لظهور الصلاة في كونها صلاة حقيقية ذات ركوع وسجود ، فقد ذكرنا أنّها ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن فلا تصلح للاستدلال ، هذا أولاً.
وثانياً : على تقدير الإغماض فالدلالة قاصرة ، لأنّ المذكور فيها : «عن الرجل يصلّي» وظاهر كلمة «يصلّي» أنّه متشاغل ومتلبّس بالصلاة فعلاً. وحمله على من يريد الصلاة ليراد من التكبير تكبيرة الإحرام خلاف الظاهر جدّاً ، لا يصار إليه من غير قرينة. فلا بدّ وأن يكون المراد التكبيرات المستحبّة كتكبير الركوع أو السجود ونحوهما ، فتكون أجنبية عن المقام أيضاً ، هذا.
ومع ذلك فالظاهر جواز القطع من غير عدول ، لما ذكرنا في محلّه من أنّه ليس هناك دليل لفظي على حرمة قطع الفريضة ليتمسّك بإطلاقه ، وإنّما الدليل
[1937] مسألة 15 : يجوز للمأموم أن يأتي بذكر الركوع والسجود أزيد من الإمام (1) وكذا إذا ترك بعض الأذكار المستحبّة يجوز له الإتيان بها مثل تكبيرة الركوع والسجود ، وبحول اللّه وقوته ، ونحو ذلك.
[1938] مسألة 16 : إذا ترك الإمام جلسة الاستراحة لعدم كونها واجبة عنده لا يجوز للمأموم الذي يقلّد من يوجبها أو يقول بالاحتياط الوجوبي أن يتركها. وكذا إذا اقتصر في التسبيحات على مرّة مع كون المأموم مقلّداً لمن يوجب الثلاث ، وهكذا (2).
عليه هو الإجماع لو تمّ (1)، وهو إمّا غير ثابت أصلاً ، أو على تقدير الثبوت فالمتيقّن منه غير المقام.
إذ من الجائز مصير الإعلام إلى جواز القطع هنا لإدراك الأفضل وهو الجماعة ، كما وقع نظيره في من كبّر وتذكّر نسيان الأذان والإقامة ، فإنّه يجوز له القطع ما لم يركع ، لتداركهما وتحصيل الأفضل ، فليكن المقام من هذا القبيل ومعه لا وثوق بقيام الإجماع ليمنع عن القطع.
(1) لما عرفت (2)من عدم لزوم المتابعة في الأقوال ، وأنّ ذلك غير دخيل في الائتمام. فكما تجوز له المخالفة في الكيفية كأن يأتي بالتسبيحة الصغرى والإمام بالكبرى كذلك يجوز له المخالفة في الكمية ، لإطلاق دليل المشروعية في كلّ منهما ، لكنّه مشروط بعدم الإخلال بالمتابعة في الأفعال كما لا يخفى.
ومنه يظهر ما لو ترك الإمام بعض الأذكار المستحبّة كالحوقلة والسمعلة وتكبيرة الركوع ونحوها ، فيجوز للمأموم الإتيان بها ، لعين ما ذكر من عدم المتابعة في الأقوال ، وإطلاق دليل الاستحباب الشامل للمأموم.
(2) إذا ترك الإمام ما لا يراه واجباً اجتهاداً أو تقليداً كجلسة الاستراحة
.................................................................................................
أو التسبيحات الأربع ثلاثاً في الأخيرتين فلا إشكال في وجوب الإتيان به على المأموم الذي يرى وجوبه اجتهاداً أو تقليداً أو احتياطاً وجوبياً ، لعدم الدليل على المتابعة في مثل المقام ممّا يراه المأموم واجباً دون الإمام ، فلا يسقط عنه بمجرّد ترك الإمام ، بل إطلاق دليل الوجوب القائم عند المأموم شرعياً كان أم عقلياً هو المحكّم. وهذا ظاهر لا غبار عليه.
إنّما الكلام في أنّه هل يجوز للمأموم الاقتداء من الأوّل بمثل هذا الإمام؟ قد يقال بعدم الجواز ، نظراً إلى أنّ المدار في جواز الاقتداء على الصحّة الواقعية وهذه الصلاة باطلة واقعاً بنظر المأموم فكيف يقتدي بها.
ولكن الظاهر هو الجواز في أمثال المقام. وتوضيحه : أنّه تارة يفرض أنّ الخلل الذي يراه المأموم متعلّق بالأركان ، الموجب للبطلان الواقعي بنظره ، وإن كان الإمام معذوراً فيه لجهله ، كما لو توضّأ الإمام جبيرة والمأموم يرى أنّه من موارد التيمم ، فانّ هذه الصلاة باطلة واقعاً في نظر المأموم ، للإخلال بالطهارة التي هي من الأركان ، ففي مثل ذلك لا يجوز الاقتداء بمثل هذا الإمام.
وأُخرى : يفرض تعلّق الخلل بما ليس من الأركان المقوّمة للصلاة كجلسة الاستراحة في المقام ، فإنّ الصلاة الفاقدة لها وإن كانت باطلة بالنسبة إلى المأموم الذي يرى الوجوب فليس له تركها عامداً ، لكنّها صحيحة واقعاً من الإمام الذي لا يرى الوجوب حتّى بنظر المأموم ، لقاعدة لا تعاد ، الجارية في حقّ الإمام الحاكمة على أدلّة الأحكام بعد أن لم يكن المفقود من الأركان ، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور وعدم اختصاصه بالناسي. فهذه الصلاة الصادرة من الإمام محكومة بالصحّة الواقعية حتّى في نظر المأموم ، لأجل الحديث المزبور ، فلا مانع من الاقتداء به.
ونظير ذلك ما لو نسي الإمام السورة أو التشهّد أو السجدة الواحدة ، أو رأى المأموم نجاسة في لباس الإمام وهو لا يدري ، ففي جميع هذه الفروض
[1939] مسألة 17 : إذا ركع المأموم ثمّ رأى الإمام يقنت في ركعة لا قنوت فيها (1) يجب عليه العود إلى القيام ، لكن يترك القنوت ، وكذا لو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه وجب عليه الجلوس معه ، لكن لا يتشهد معه ، وكذا في نظائر ذلك.
يصحّ الاقتداء ، لصحّة الصلاة الصادرة عن الإمام بقاعدة لا تعاد ، وإن بطلت لو صدرت عن المأموم عند علمه بذلك الخلل.
ومن هذا القبيل ما لو اقتصر الإمام على التسبيحات الأربع مرّة واحدة لكفايتها في نظره والمأموم يرى اعتبار الثلاث ، فإنّه يجوز الاقتداء به ، لحديث لا تعاد الجاري في حقّه ، والموجب لصحّة صلاته حتّى واقعاً في نظر المأموم أيضاً ، لكن بشرط أن لا يستوجب الإخلال بالمتابعة في الأفعال. وهكذا الحال في سائر المقامات ممّا يكون من هذا القبيل.
(1) لا ريب حينئذ في وجوب العود إلى القيام كما ذكره لتدارك الركوع والإتيان به مع الإمام متابعة وجوباً شرطياً أو تعبدياً على الخلاف المتقدّم فيتابعه في القيام المتّصل بالركوع الذي هو مقوّم له ، ثمّ يركع معه لأجل المتابعة ، لكن ليس له أن يتابعه في القنوت ، فإنّ التبعية إنّما تجب من أجل دخلها في مفهوم الائتمام. ومن الواضح أنّ الائتمام إنّما يعتبر فيما هو أجزاء الصلاة ، وأمّا المأتي به اشتباهاً وبعنوان الزيادة الذي هو خارج عن الصلاة فلا موضوع للائتمام بالإضافة إليه.
وكذا الحال فيما لو رآه جالساً يتشهّد في غير محلّه كما في الركعة الأُولى أو الثالثة من الصلوات الرباعية ، فإنّه وإن وجب الجلوس للتبعية فلا يجوز له التقدّم عليه في القيام ولكن ليس له أن يتشهّد بعد اتّصافه بعنوان الزيادة. وهكذا الحال في السجدة الثالثة المأتي بها سهواً.
وعلى الجملة : لا تجب عليه التبعية إلّا في الأجزاء الأصليّة ، فلا يتقدّم فيها
[1940] مسألة 18 : لا يتحمّل الإمام عن المأموم شيئاً من أفعال الصلاة غير القراءة في الأولتين إذا ائتمّ به فيهما ، وأمّا في الأخيرتين فلا يتحمّل عنه ، بل يجب عليه بنفسه أن يقرأ الحمد (1)أو يأتي بالتسبيحات وإن قرأ الإمام فيهما وسمع قراءته ، وإذا لم يدرك الأولتين مع الإمام وجب عليه القراءة فيهما لأنّهما أوّلتا صلاته (1).
على الإمام ، وأمّا الأجزاء الزائدة المأتي بها سهواً الخارجة عن الصلاة فليس له المتابعة فيها ، بل لو تابع وأتى بها بقصد المشروعية كان من التشريع المحرّم الموجب للبطلان ، لأجل الزيادة العمديّة كما لا يخفى.
(1) قد مرّ كثير ممّا ذكره (قدس سره) في هذه المسألة في المسألة الاولى من مسائل هذا الفصل ، وقد عرفت أنّ الإمام ضامن للقراءة في الركعتين الأولتين فهي ساقطة عن المأموم بنحو العزيمة في الصلوات الجهرية فيما إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة ، بل عرفت أنّ الأقوى ذلك في الصلوات الإخفاتية أيضاً. وأمّا إذا لم يسمع حتّى الهمهمة في الجهرية فالسقوط بنحو الرخصة ، فتجوز له القراءة ، بل تستحب.
وأمّا في الأخيرتين فهو مخيّر بين القراءة والتسبيح في غير الصلوات الجهرية ، وأمّا فيها فقد مرّ أنّ الأحوط تعيّن التسبيح. هذا كلّه في المأموم من ابتداء الصلاة.
وأمّا المأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فما هي وظيفته في الركعتين الأولتين اللتين هما الأخيرتان للإمام ، أو في الركعة الثانية التي هي ثالثة الإمام فيما إذا كان مسبوقاً بركعة واحدة؟
المعروف والمشهور وجوب القراءة عليه ، وعدم ضمان الإمام لها فيما عدا
1) (*) مرّ أنّ الأحوط التسبيح له في الصلاة الجهرية.
.................................................................................................
الأولتين وإن اختار القراءة. وعن العلامة (1)والشهيد (2)وابن إدريس (3)سقوط القراءة عنه حينئذ. والأقوى ما عليه المشهور.
ويدلّنا عليه أوّلاً : إطلاقات الأمر بالقراءة مثل قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (4)بعد وضوح أنّ محلّها ما هو المقرّر المعهود من الركعتين الأولتين ، وحيث إنّ الركعتين هما الأولتان بالنسبة إلى المأموم حسب الفرض فتجب عليه القراءة فيهما.
وليس بإزائها عدا روايات الضمان ، وعمدتها روايتان :
إحداهما : ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن كثير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة» إلخ (5).
والأُخرى : موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «أنّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : لا ، إنّ الإمام ضامن للقراءة ، وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه ، إنّما يضمن القراءة» (6). والمعتمد منهما إنّما هي الموثّقة لضعف الأُخرى من جهة ضعف طريق الصدوق إلى الحسين بن كثير (7)مع أنّ الرجل بنفسه لم يوثّق.
ولكن هذه الروايات غير مجدية في المقام في قبال الإطلاقات ، لأنّ الظاهر منها بعد إمعان النظر اختصاص الضمان بمورد تجب فيه القراءة على الإمام ، ففي
1) التذكرة 4 : 323.
2) الألفية والنفلية : 141.
3) السرائر 1 : 286.
4) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 ، راجع ص 18 ، الهامش (1).
5) الوسائل 8 : 353 / أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 1 ، الفقيه 1 : 247 / 1104 [وفيه : الحسن بن كثير].
6) الوسائل 8 : 354 / أبواب صلاة الجماعة ب 30 ح 3.
7) [لعدم ذكر طريقه إليه في المشيخة].
.................................................................................................
كلّ ركعة كان الإمام مكلّفاً فيها بالقراءة فهو يتحمّل عن المأموم ويكون ضامناً لقراءته في تلك الركعة ، دون ما لم يكن مكلّفاً بها وإن اختارها خارجاً كما في الأخيرتين. فلا ضمان فيهما بعد أن لم يكن مكلّفاً بها ، سواء أكانتا الأخيرتين للمأموم أيضاً أم الأولتين بالإضافة إليه كما هو محلّ الكلام ، هذا أوّلاً.
وثانياً : مع الغض عمّا ذكر فتكفينا الروايات الخاصّة الواردة في المقام المصرّحة بعدم الضمان. فلو سلّمنا الإطلاق في روايات الضمان وبنينا على شمولها للمقام فهي مقيّدة لا محالة بهذه الروايات الخاصّة ، وهي كثيرة :
منها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : «إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان ، قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة ، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب» إلخ (1).
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام إلى أن قال : وسألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال : اقرأ فيهما ، فإنّهما لك الأولتان ، ولا تجعل أوّل صلاتك آخرها» (2)وغيرهما.
قوله : «ولا تجعل» إلخ ، أي لا تجعل الركعتين الأولتين مثل الأخيرتين في ترك القراءة فيشابه أوّل الصلاة آخرها.
وكيف ما كان ، فما ذكره العلامة ومن تبعه من سقوط القراءة حينئذ عن المأموم لا وجه له ، لمنافاته مع هذه النصوص المصرّحة بعدم السقوط.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر أنّ الإمام لا يتحمّل شيئاً من أفعال الصلاة ما عدا القراءة في الأوّلتين إذا ائتمّ به فيهما ، دون ما لم يأتمّ كما في المسبوق ، ودون
وإن لم يمهله الإمام لإتمامها اقتصر على الحمد وترك السورة (1) وركع معه وأمّا إذا أعجله عن الحمد أيضاً فالأحوط إتمامها واللحوق به في السجود أو قصد الانفراد (1)ويجوز له قطع الحمد والركوع معه ، لكن في هذه لا يترك الاحتياط بإعادة الصلاة.
الأخيرتين ، ودون غيرها من سائر أفعال الصلاة كما صرّح بالأخير في موثّقة سماعة المتقدّمة وغيرها فلاحظ.
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، كما صرّح بذلك في صحيحة زرارة المتقدّمة.
إنّما الكلام فيما إذا أعجله عن الحمد أيضاً ، بحيث دار الأمر بين ترك القراءة وبين ترك المتابعة. وقد ذكر في المتن حينئذ احتمالات :
أحدها : إتمام القراءة والالتحاق به في السجود ، تقديماً لإطلاق دليل القراءة ورفعاً لليد عن إطلاق دليل المتابعة بعد عدم إمكان الجمع بينهما.
ثانيهما : الإتيان بالمقدار الممكن من الحمد ثمّ قطعه والركوع معه ، تقديماً لإطلاق دليل المتابعة على دليل القراءة عكس ما سبق.
وهذان الاحتمالان كما ترى لا شاهد على أيّ منهما ، فانّ كلا من الدليلين مطلق يجب الأخذ به ، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر من غير قرينة تقتضيه ، إلّا أن يقوم دليل من الخارج كما ثبت بالنسبة إلى صلاة الجمعة في من منعه الزحام من الركوع ، وأنّه يصبر حتّى يسجد الإمام ثمّ يركع وحده ويلتحق به في السجود (2)، فيرفع اليد عن إطلاق دليل وجوب المتابعة في خصوص المقام ، لأجل النصّ الخاص.
وقد يقال : إنّ المقام مندرج في باب التزاحم ، لوقوع المزاحمة بين جزئية القراءة وبين شرطية المتابعة ، فلا بدّ من الرجوع إلى مرجّحات هذا الباب.
.................................................................................................
وفيه : ما ذكرناه في الأُصول من اختصاص التزاحم بالتكليفين النفسيين الواجبين الاستقلاليين ، وأمّا التكاليف الضمنية في المركّبات الارتباطية فهي أجنبية عن هذا الباب ، وليست من التزاحم المصطلح في شيء ، بل هي مندرجة في باب التعارض ، ونتيجته سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب منهما لدى تعذّر الجمع (1).
وعليه ففي المقام حيث لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل الحمد ، كما لا يمكن رفع اليد عن إطلاق دليل المتابعة ، فلا جرم يسقط الأمر المتعلّق بالصلاة جماعة لتعذّر امتثالها ، كما لو مات الإمام أو حدث له حدث ، فتنقلب الصلاة حينئذ فرادى بطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى نيّة العدول إلى الانفراد ، فانّ امتناع الإتمام جماعة موجب للانقلاب المزبور قهراً.
ومنه تعرف أنّ الأحوط ، بل الأظهر هو الاحتمال الثالث الذي ذكره في المتن من قصد الانفراد ، بل عرفت عدم الحاجة إلى القصد وحصول الانفراد القهري.
لكن هذا كلّه فيما إذا عرض ذلك أثناء الصلاة ، بحيث لم يتمكّن من إتمام الجماعة بقاءً.
وأمّا إذا علم بذلك من ابتداء الصلاة وأنّ الإمام يعجله عن الحمد ولا يمهله فصحّة الاقتداء حينئذ مشكلة ، فإنّها مبنيّة على جواز الائتمام لمن يعلم بعدم التمكّن من إتمام الصلاة جماعة ، فان قلنا بالجواز صحّ في المقام ، وإلّا فلا.
بقي في المقام رواية واحدة ربما يستدلّ بها على سقوط القراءة ، وهي صحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام وهو أوّل صلاة الرجل ، فلا يمهله حتّى يقرأ ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال : نعم» (2)والمراد بآخر الصلاة في ذيل الصحيحة هي الركعة الأخيرة.
.................................................................................................
وهذه الصحيحة هي من جملة الروايات المتضمّنة أنّ من ترك القراءة في الأولتين لعذر يتداركها ويقضيها في الأخيرتين وجوباً أو استحباباً ، كي لا تخلو صلاته عن القراءة ، إذ لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب ، وقد تقدّمت الإشارة إليها في مبحث القراءة (1).
وكيف ما كان ، فسياق الصحيحة سؤالاً وجواباً وإن كان في مقام قضاء ما ترك من القراءة ، والنظر فيها مقصور عليه فحسب ، إلّا أنّه يظهر منها المفروغية عن جواز الترك وسقوط القراءة لدى عدم إمهال الإمام ، لمغروسيّته في ذهن السائل وتقريره عليهالسلام على ذلك ، وهو المطلوب.
وفيه : أنّ الصحيحة أجنبية عن محلّ الكلام ، فانّ المراد بآخر صلاة الإمام ليس هو الجزء الأخير من الصلاة أعني السلام قطعاً ، إذ ليس هو آخر جزء يدرك من صلاة الإمام بوصف أنّه إمام ، وإن كان هو آخر صلاته بوصف أنّه مصلّ كما هو واضح. فيدور الأمر بين إدراكه في الركعة الأخيرة من صلاته في حال القيام ، وبين إدراكه فيها في حال الركوع ، ولا يخلو المراد من أحد هذين الاحتمالين.
والاستدلال مبنيّ على استظهار الأوّل ، كي يكون المأموم مكلّفاً بالقراءة فلا يمهله الإمام ، كي تدلّ الصحيحة على سقوطها رعاية للتبعية وقضائها أي الإتيان بها لاحقاً وجوباً أو استحباباً فتكون ممّا نحن فيه. لكنّه غير واضح بل الظاهر إنّما هو الاحتمال الثاني ، فإنّ آخر ما يدرك (2)
وأمّا ما جعله (دام ظله) كاشفاً عمّا استظهره فلعلّه على خلاف المطلوب أدلّ ، فليتأمّل. هذا وسيجيء في المسألة العشرين مزيد بحث حول الصحيحة فلاحظ.
من صلاة الإمام إنّما هو1) شرح العروة 14 : 454 وما بعدها.
2) هذا وجيه لو كان الوارد في النصّ هو هذا العنوان ، أعني آخر ما يدرك من صلاة الإمام. وليس كذلك ، بل الوارد هكذا : آخر صلاة الإمام. ومقتضى المقابلة بينه وبين : أوّل صلاة الرجل المذكور بعد ذلك أنّ هناك حالة واحدة تعدّ آخراً بالإضافة إلى الإمام وأوّلاً بالإضافة إلى المأموم ، وحيث إنّ المراد من الثاني هو الركعة لا الركوع كما لا يخفى فكذلك الأوّل.
[1941] مسألة 19 : إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية تحمّل عنه القراءة فيها ووجب عليه القراءة في ثالثة الإمام الثانية له (1)
الركوع من الركعة الأخيرة كما نطقت به الروايات الكثيرة. ومن الواضح سقوط القراءة حينئذ ، وعدم تكليف المأموم بها. فلا ارتباط لمورد الصحيحة بالمقام.
والذي يكشف عمّا استظهرناه قوله : «فلا يمهله حتّى يقرأ» فإنّ حمل كلمة «يقرأ» على الفراغ من القراءة خلاف الظاهر جدّاً ، بل الظاهر منه هو الشروع فيها ، وهذا إنّما يتحقّق عند إدراك الإمام راكعاً ، فلا يمهله حينئذ حتّى من الشروع في القراءة والإتيان بالمقدار الممكن منها ، الذي تخيّل السائل وجوبه حينئذ.
وأمّا مع إدراكه قائماً فهو متمكّن من الشروع فيها والإتيان بالمقدار الممكن ولو آية أو آيتين ، فلا معنى لعدم الإمهال الذي فرضه السائل كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فالصحيحة أجنبية عمّا نحن فيه ، ولا مجال للاستدلال بها في المقام.
وقد عرفت أنّ الأظهر بطلان الجماعة وانقلاب الصلاة فرادى قهراً وبطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى نيّة العدول ، لامتناع الإتمام جماعة بعد إطلاق كلّ من دليلي الفاتحة والمتابعة ، وعدم الدليل على رفع اليد عن شيء منهما. فيأتي بالفاتحة ويتمّ الصلاة منفرداً ، والاحتمالان الآخران ساقطان لا يمكن المساعدة عليهما.
(1) أمّا التحمّل في تلك الركعة فلأدلّة الضمان في الركعتين الأولتين المتقدّمة (1).
1) في ص 262 ، 197 وما بعدها.
ويتابعه في القنوت في الأُولى منه (2)
وأمّا وجوب القراءة في ثالثة الإمام الثانية له فلعموم دليل القراءة مثل قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)بعد اختصاص أدلّة الضمان بالركعة التي يكون الإمام مكلّفاً فيها بالقراءة وهي الأولتان ، دون الأخيرتين اللتين لم يكلّف بها فيهما وإن اختارها خارجاً كما مرّ (2). فالعموم المزبور سليم هنا عمّا يصلح للتخصيص.
مضافاً إلى التصريح بوجوب القراءة في المقام في معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال عليهالسلام : «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته ، وهي ثنتان لك ...» إلخ (3).
(2) أمّا مشروعيّته فممّا لا إشكال فيه ، للتصريح به في موثّق عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام «في الرجل يدخل الركعة الأخيرة من الغداة مع الإمام فقنت الإمام ، أيقنت معه؟ قال : نعم ، ويجزيه من القنوت لنفسه» (4).
وهل يجب ذلك أم يستحبّ؟ الظاهر عدم الوجوب ، فانّ الدليل عليه إن كان لزوم المتابعة المعتبرة في مفهوم الائتمام فمن الواضح أنّ الائتمام لا يستدعي إلّا التبعية فيما هي وظيفة المأموم وجوباً أو استحباباً ، فلا يأتي بوظيفته إلّا تبعاً للإمام ، والقنوت في المقام ليس من وظائف المأموم بحسب أصل الصلاة لكونه في الركعة الأُولى منها ، وإنّما هو من وظائف الإمام خاصّة.
ومنه يظهر أنّه بناءً على وجوب المتابعة نفساً لا يجب عليه القنوت أيضاً
وفي التشهّد ، والأحوط التجافي فيه ، كما أنّ الأحوط التسبيح عوض التشهد (1)وإن كان الأقوى جواز التشهّد ، بل استحبابه أيضاً (1).
لعين ما ذكر من أنّ مورد المتابعة ما هي من وظائف المأموم. فدليل وجوب المتابعة نفساً أو شرطاً لا يقتضي وجوب القنوت في المقام.
وإن كان هو الموثّق المتقدّم فمن المعلوم أنّ مفاده ليس إلّا الجواز والمشروعية دون الوجوب ، لأنّ السؤال حيث كان وارداً مورد توهّم الحظر إذ لا قنوت في الركعة الاولى فلا يكون إلّا عن الجواز ، والجواب لا يدلّ إلّا عليه. فلا ظهور في الموثّق في الوجوب ، بل غايته الاستحباب كما صرّح به جمع من الأصحاب.
(1) يقع الكلام في جهات :
الاولى : لا ريب في وجوب الجلوس حينئذ ، فلا يجوز له القيام ، لعدم جواز التقدّم على الإمام في الأفعال. فمحافظة على
المتابعة الواجبة شرطاً أو نفساً المقتضية لعدم القيام قبل الإمام يتعيّن عليه الجلوس بلا كلام ، وهذا ظاهر.
الثانية : في كيفيّة الجلوس ، وقد نسب إلى جمع منهم ابن إدريس (2)وجوب التجافي ، للأمر به في صحيح ابن الحجاج «... يتجافى ولا يتمكّن من القعود ...» إلخ (3)وفي صحيح الحلبي «من أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى واقعي إقعاءً ، ولم يجلس متمكّناً» (4).
لكن بإزائهما بعض الأخبار التي يظهر منها عدم الوجوب ، وهي موثّقة الحسين بن المختار وداود بن الحصين ، قال (5): «سئل عن رجل فاتته صلاة
.................................................................................................
ركعة من المغرب مع الإمام فأدرك الثنتين فهي الاولى له والثانية للقوم يتشهّد فيها؟ قال : نعم ، قلت : والثانية أيضاً؟ قال : نعم ، قلت : كلّهن؟ قال : نعم ، وإنّما هي بركة» (1)حيث تضمّنت الأمر بالتشهّد في جميع الركعات الثلاث من صلاة المغرب بسياق واحد ونهج فأرد.
ومن الواضح أنّ كيفية التشهّد في الأخيرتين اللتين هما ثانية المأموم وثالثته إنّما هي على نحو الجلوس من غير تجاف ، فكذا في الركعة الأُولى التي هي ثانية الإمام ، بمقتضى اتّحاد السياق. فيظهر منها عدم اعتبار التجافي فيها أيضاً ، وأنّ الكلّ بنسق واحد ، فتأمّل.
ويؤيّد الموثّقة خبر إسحاق بن يزيد قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : جعلت فداك يسبقني الإمام بالركعة فتكون لي واحدة وله ثنتان أفأتشهّد كلّما قعدت؟ قال : نعم ، فإنّما التشهّد بركة» (2).
وخبر علي بن جعفر : «سألته عن الرجل يدرك الركعة من المغرب كيف يصنع حين يقوم يقضي أيقعد في الثانية والثالثة؟ قال : يقعد فيهنّ جميعاً» (3)وإن كان الأوّل منهما ضعيفاً بسهل بن زياد ، والثاني بعبد اللّه بن الحسن. ومن هنا ذكرناهما بعنوان التأييد ، فإنّهما ظاهران كالموثّقة في القعود على النحو المتعارف الذي يقعد الإمام وغيره من سائر المأمومين من غير إقعاء وتجاف.
ومن أجل ذلك يحمل الأمر بالتجافي في الصحيحين المتقدّمين على الاستحباب كما هو ظاهر كثير من الأصحاب جمعاً بين النصوص.
وأمّا احتياط الماتن في ذلك فوجهه ذهاب جمع من الأصحاب إلى الوجوب كما أشرنا إليه. والأقوى عدم الوجوب كما ظهر وجهه ، والاحتياط المزبور استحبابي.
.................................................................................................
الجهة الثالثة : ما هي وظيفته من الذكر عند الجلوس ، سواء أقلنا بالتجافي فيه أم لا؟ ذكر في المتن : أنّ الأحوط هو التسبيح عوض التشهّد ، وإن كان الأقوى جواز التشهّد ، بل استحبابه أيضاً.
أقول : لم يرد التسبيح في شيء من النصوص حتّى في رواية ضعيفة (1)وإن كان هو المعروف والمشهور بين الأصحاب ، وإنّما الوارد فيها الأمر بالتشهّد كما في موثّقة الحسين بن المختار المؤيّدة برواية إسحاق بن يزيد المتقدّمتين ، ومن أجل ذلك كان الأحوط في تعيين الوظيفة المقرّرة في هذه الحال هو التشهّد بدلاً عن التسبيح ، لخلو النصّ عنه كما عرفت ، بل قد ذكر فيهما أنّ التشهّد بركة.
وهل يجب عليه ذلك أم يجوز له الترك فلا يتشهّد ولا يسبّح بل يأتي بذكر آخر أو يسكت ولا يأتي بشيء أصلاً؟
الظاهر عدم الوجوب ، لأنّ الدليل عليه إن كان وجوب المتابعة المعتبرة في الائتمام شرطاً أو نفساً فقد عرفت أنّ مفهوم الائتمام لا يستدعي إلّا التبعية في الوظائف المشتركة ، ففي الوظيفة المقرّرة على المأموم وجوباً أو استحباباً يتابع فيها الإمام ، والتشهّد مع قطع النظر عن النصّ ليس من وظائف المأموم في هذه الركعة ، وإنّما هي وظيفة الإمام خاصّة. فلا موضوع للمتابعة.
والجلوس الذي ذكرنا وجوبه عليه حينئذ ليس من أجل وجوب المتابعة فيه في نفسه ، لما عرفت من عدم كونه من وظائف المأموم ، بل من أجل وجوب المتابعة في القيام الذي هو من الوظائف المشتركة بينهما ، فمحافظة على
1) وأمّا موثّقة عمّار التي ورد فيها : «... فإذا قعد الإمام للتشهّد فلا يتشهّد ولكن يسبّح» إلخ الوسائل 7 : 350 / أبواب صلاة الجمعة وآدابها باب 29 ح 2، فمضافاً إلى عدم ورودها في المأموم المسبوق بركعة المأمور بالتجافي الذي هو محلّ الكلام بل في المسبوق بركعتين ، لا تخلو عن شوب من الإجمال ، إذ المسبوق المزبور وظيفته التشهّد فكيف ينهى عنه. وحمل التشهّد على ما يشمل التسليم كما صنعه صاحب الوسائل كما ترى.
وإذا أمهله الإمام في الثانية له للفاتحة والسورة والقنوت أتى بها (1) ، وإن لم يمهله ترك القنوت (2) ، وإن لم يمهله للسورة تركها (3) ، وإن لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً فالحال كالمسألة المتقدّمة (4) من أنّه يتمّها ويلحق الإمام في السجدة ، أو ينوي الانفراد (1)، أو يقطعها ويركع مع الإمام ويتمّ الصلاة ويعيدها.
عدم التقدّم في القيام ورعاية للمتابعة المعتبرة فيه يتعيّن عليه الجلوس كما أشرنا إليه.
وإن كان الدليل عليه النصّ الوارد في المقام أعني موثّقة ابن المختار المتقدمة المؤيّدة بغيرها فظاهر أنّها لا تدلّ على الوجوب ، بل غايته المشروعية والجواز ، المساوق في المقام للاستحباب ، إذ السؤال بعد أن كان وارداً مورد توهّم الحظر إذ لا تشهّد في الاولى لا يكون ظاهراً إلّا في السؤال عن الجواز والمشروعية كما لا يخفى.
(1) بلا إشكال ، لعموم أدلّة هذه الأُمور.
(2) إذ هو مستحبّ فلا يزاحم به المتابعة الواجبة.
(3) للتصريح بذلك في صحيحة زرارة المتقدّمة (2).
(4) أعني المأموم المسبوق بركعتين ، لوحدة المناط بين المسألتين ، فتتطرّق هنا أيضاً الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها الماتن هناك : من إتمام الفاتحة والالتحاق بالإمام في السجود ، أو قطعها والركوع معه ، أو الانفراد. وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأخير ، إذ لا دليل على رفع اليد عن إطلاق دليل الفاتحة ، كما لا دليل على رفع اليد عن إطلاق المتابعة ، فيجب التحفّظ على كلا الإطلاقين وحيث إنّ لازم ذلك امتناع إتمام الصلاة جماعة فلا محالة تنقلب الصلاة
[1942] [مسألة 20 : المراد بعدم إمهال الإمام المجوّز لترك السورة ركوعه قبل شروع المأموم فيها (1) أو قبل إتمامها وإن أمكنه إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع ، فيجوز تركها بمجرّد دخوله في الركوع ولا يجب الصبر إلى أواخره وإن كان الأحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق (1)في الركوع ، فمع الاطمئنان بعدم رفع رأسه قبل إتمامها لا يتركها ولا يقطعها.
فرادى قهراً وبطبيعة الحال ، من غير حاجة إلى نيّة العدول إليها كما أشرنا إليه هناك (2).
(1) قد يستدلّ لذلك بصحيحة معاوية بن وهب المتقدّمة : «عن الرجل يدرك آخر صلاة الإمام وهو أوّل صلاة الرجل فلا يمهله حتّى يقرأ ، فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال : نعم» (3)، فانّ الظاهر من عدم إمهاله حتّى يقرأ ركوعه قبل أن يقرأ كما لا يخفى.
وفيه : ما عرفت (4)من أنّ الصحيحة أجنبيّة عمّا نحن فيه ، فانّ الاستدلال بها مبني على أن يكون المراد من إدراك آخر صلاة الإمام إدراكه في الركعة الأخيرة قائماً كي يكون المأموم حينئذ مكلّفاً بالقراءة فلا يمهله الإمام عنها بركوعه. ولكنّ الظاهر منها إدراكه في ركوع الركعة الأخيرة الذي هو الجزء الأخير وآخر ما يدرك من صلاة الإمام كما نطقت به الروايات الكثيرة ، وليس إدراكه قائماً هو آخر ما يدرك من صلاته.
وعليه فالصحيحة غير مرتبطة بمحلّ الكلام ، إذ لم يكن المأموم مكلّفاً حينئذ بالقراءة حتّى لا يمهله الإمام عنها بركوعه ، بل يكبّر ويركع معه.
.................................................................................................
وقد يقال : إنّ قوله «فلا يمهله حتّى يقرأ» قرينة واضحة على أنّ المراد إدراكه قائماً لا راكعاً ، كيف والقراءة ساقطة عنه لدى إدراكه في الركوع فلا موضوع للقراءة حتّى يمهله الإمام أو لا يمهله. فلا مناص من إرادة دركه في حال القيام وتكليفه بالقراءة ، كي يصحّ التعبير بعدم إمهاله حتّى يقرأ.
وفيه : أنّ المتيقّن ممّا قامت عليه الأدلّة أنّ من أدرك الإمام راكعاً لا تجب عليه القراءة (1)وأنّها ساقطة عنه ، بمعنى أنّه يجوز له تركها ، وأمّا أنّها غير مشروعة منه حينئذ فكلّا ، إذ لا يكاد يستفاد ذلك من شيء من الأدلّة كي ينافي إطلاقات مشروعية القراءة ، فيجوز له أن يقرأ ، سيما مع الإسراع أو إطالة الإمام في ركوعه ، بحيث يدركه قبل رفع رأسه عنه.
وعليه فلا شهادة في قوله : «فلا يمهله حتّى يقرأ» على إرادة الإدراك قائماً لمجامعته مع الإدراك راكعاً أيضاً حسبما بيّناه ، وإن كانت القراءة حينئذ جائزة لا واجبة ، نعم الغالب في الخارج ترك القراءة حينئذ ، لعدم وجوبها وعدم إمهال الإمام لها ، لكنّه ربما يتّفق مع تخيّل الإمهال. والسؤال في الصحيحة محمول على غير الغالب ، بقرينة ما عرفت من لزوم حملها على إدراك الإمام راكعاً ، حيث إنّه الجزء الأخير ممّا يدرك من آخر صلاته.
لا يقال : كيف تجوز القراءة منه حينئذ مع منافاتها للمتابعة الواجبة عليه؟
فإنّه يقال : إنّما تجب عليه المتابعة بعد اتّصافه بعنوان الائتمام المتوقّف على إدراك ركوع الإمام ، فقبل أن يركع لم يكن مؤتمّاً بعدُ كي تجب عليه المتابعة وإنّما تتحقّق منه الجماعة ويتّصف بالمأمومية الموضوع لوجوب المتابعة في الآن المستقبل ، أعني بعد ما لحق الإمام في ركوعه وأدركه فيه كما نطقت به الروايات الواردة في من كبّر والإمام راكع.
فان قلت : إذا لم يكن مأموماً حينما يقرأ وقبل أن يركع فهو منفرد لا محالة
1) وقد تقدّم بعضها في ص 100.
.................................................................................................
فائتمامه فيما بعدُ يكون من الائتمام في الأثناء غير المشروع كما سبق (1).
قلت : كلّا ، بل هو قاصد للجماعة من أوّل الأمر ، وإنّما تتحقّق منه الجماعة والائتمام خارجاً بعد أن أدرك الإمام راكعاً ، فهو قبل ذلك مراعى من حيث الجماعة والفرادى كما لا يخفى.
وإن شئت فقل : هو مؤتمّ حينئذ لكن بنحو الشرط المتأخّر ، الذي قام الدليل عليه في المقام ، وهو نفس هذه الصحيحة.
على أنّ عدم مشروعية الائتمام في الأثناء لم يكن مدلولاً لدليل لفظي ، وإنّما هو من أجل عدم قيام الدليل على المشروعية ، وفي المقام قام الدليل عليها وهو ما دلّ على أنّ من أدرك الإمام حال الركوع وكبّر بقصد الائتمام صحّت جماعته وإن لم يكن مؤتمّاً أو فقل كان منفرداً قبل أن يركع.
وكيف ما كان ، فالاستدلال بهذه الصحيحة للحكم المذكور في المتن في غير محلّه.
نعم ، يدلّ عليه صحيح زرارة قال عليهالسلام : «إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة ، فان لم يدرك السورة تامّة أجزأته أُمّ الكتاب ...» إلخ (2).
فانّ قوله عليهالسلام : «قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف الإمام ...» إلخ كالصريح في أنّ الائتمام كان حال القيام ، كي يصدق القراءة خلف الإمام. فإنّ هذا العنوان لا يصدق إلّا فيما إذا كان الإمام أيضاً متشاغلاً بالقراءة أو التسبيح كالمأموم ، إذ مع كونه راكعاً لا يصدق القراءة خلفه كما هو ظاهر.
وحينئذ فقوله : «فان لم يدرك السورة تامّة ...» إلخ معناه أنّه لم يدرك السورة خلف الإمام تامّة ، وهذا إنّما يتحقّق بمجرّد ركوع الإمام الموجب لسلب عنوان
[1943] مسألة 21 : إذا اعتقد المأموم إمهال الإمام له في قراءته فقرأها ولم يدرك ركوعه (1) لا تبطل صلاته ، بل الظاهر عدم البطلان إذا تعمّد ذلك (1)بل إذا تعمّد الإتيان بالقنوت مع علمه بعدم درك ركوع الإمام فالظاهر عدم البطلان.
القراءة خلفه ، وقد حكم عليهالسلام حينئذ بجواز ترك السورة ، وأنّه تجزيه أُمّ الكتاب.
فيظهر من ذلك كلّه أنّ المراد من عدم إمهال الإمام المسوّغ لترك السورة هو مجرّد دخوله في الركوع قبل شروع المأموم فيها ، أو قبل إتمامها كما ذكره في المتن وإن تمكّن من إتمامها قبل رفع رأسه من الركوع ، وليس المراد من عدم الإمهال المزبور رفع رأسه من الركوع قبل أن يشرع أو قبل أن يفرغ. فيجوز له الترك بمجرّد الدخول في الركوع ، ولا يجب عليه الصبر إلى أواخره.
ومع ذلك فقد ذكر في المتن أنّ الأحوط قراءتها ما لم يخف فوت اللحوق في الركوع ، وكأنّ الوجه فيه مراعاة دليل وجوب السورة بقدر الإمكان ، واحتمال أن يكون المراد من عدم الإمهال هو المعنى الآخر وإن لم يساعده النصّ.
ولكنّه كما ترى لا يتمّ على إطلاقه ، وإنّما يتّجه فيما إذا كان التخلّف بمقدار لا يضرّ بصدق المتابعة العرفية كما لو كان أواخر السورة ، أو كان مسرعاً في القراءة ، وإلّا فمع الإضرار بالصدق كان هذا الاحتياط على خلاف الاحتياط لمخالفته مع المتابعة الواجبة عليه نفساً أو شرطاً ، بل على الثاني تنقلب صلاته فرادى كما لا يخفى.
(1) حكم (قدّس سرّه) حينئذ بعدم بطلان الصلاة ، بل وكذا في فرض التعمّد ، بل حتّى ولو تعمّد في إتيان القنوت مع علمه بعدم درك ركوع الإمام.
1) (*) لكنّه تنقلب صلاته فرادى ، وكذا الحال في تعمّد القنوت ، بل لا يبعد ذلك في الصورة الأُولى أيضاً.
[1944] [مسألة 22 : يجب الإخفات في القراءة خلف الإمام وإن كانت الصلاة جهرية ، سواء كان في القراءة الاستحبابية كما في الأوّلتين مع عدم سماع صوت الإمام ، أو الوجوبية كما إذا كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين (1).
أقول : أمّا في فرض الاعتقاد فلا ينبغي الإشكال في صحّة الجماعة فضلاً عن الصلاة وإن استلزم الإخلال بالمتابعة خارجاً ، فإنّها إنّما تجب لاقتضاء مفهوم الائتمام ذلك كما مرّ ، ومن الواضح أنّ الائتمام أنّما يستدعي المتابعة فيما يعتقد المأموم أنّه متابعة ، لا واقعها وإن لم يعلم بها.
والمفروض في المقام اعتقاده إمهال الإمام ، وأنّ التخلّف لا يضرّ بالمتابعة لتخيّله إدراكه في الركوع. فانكشاف الخلاف لا يضرّ بالمتابعة الواجبة عليه بعد أن لم يكن قادحاً في صدق الائتمام العرفي (1).
ومن هنا لو سها وتخلّف عنه في بعض الأفعال نسياناً صحّت جماعته ، ولم يكن قادحاً في العمل بالمتابعة اللازمة عليه بلا إشكال.
وأمّا في فرض العمد : فالظاهر بطلان الجماعة وانقلابها فرادى ، للإخلال عامداً بالمتابعة المشروط صحّة الجماعة بها. ومنه يظهر الحال في تعمّد القنوت نعم بناءً على وجوب المتابعة نفساً لا شرطاً كما عليه الماتن صحّت جماعته وإن كان آثماً ، وعليه يبتني ما هو المذكور في المتن من عدم البطلان في المقام.
(1) لا كلام في وجوب الإخفات في الصلاة الإخفاتية كالمسبوق بركعة أو بركعتين في الظهرين ، كما لا كلام في وجوبه في الجهرية في القراءة الوجوبية كالمأموم المسبوق بركعة أو ركعتين فيها ، للتصريح به في صحيحة زرارة المتقدّمة ، قال عليهالسلام فيها : «قرأ في كلّ ركعة ممّا أدرك خلف إمام في نفسه بأُمّ الكتاب وسورة» (2)فانّ قوله : «في نفسه» صريح في الإخفات.
.................................................................................................
إنّما الكلام في القراءة الاستحبابية كما في الأولتين من الجهريّة مع عدم سماع صوت الإمام حتّى الهمهمة ، حيث يستحبّ فيهما القراءة للمأموم كما مرّ (1)فهل يتعيّن عليه الإخفات حينئذ أو الجهر أو يتخيّر بين الأمرين؟ وجوه ، بل أقوال.
اختار في المستند الأخير (2)بدعوى قصور أدلّة الجهر عن الشمول للمقام لانصرافها إلى القراءة الواجبة كما في الإمام والمنفرد. وحيث لا دليل على الإخفات أيضاً فلا محالة يتخيّر بينهما.
وقد يقال بتعيّن الجهر ، نظراً إلى خلوّ نصوص الباب عمّا يدلّ على وجوب الإخفات في المقام ، وعليه فبما أنّ الأمر الاستحبابي المتعلّق بالقراءة ظاهر في اتّحاد المأمور به مع قراءة المنفرد في جميع الخصوصيات حتّى من حيث الجهر والإخفات ، فنفس تلك الماهية على ما هي عليه مورد للاستحباب ، وبما أنّ الجهر معتبر في تلك القراءة لكون الصلاة جهرية فكذا في المقام.
ولكن الظاهر تعيّن الإخفات كما اختاره في المتن ، وتدلّنا عليه مضافاً إلى ما ورد في المأموم المسبوق من أنّه يخفت كما مرّ ، وما ورد في إسماع الإمام وإنصات المأموم له ، وعدم رفع صوته في أذكاره وأقواله ، حيث يستأنس منها أنّ الإخفات للمأموم من أحكام الجماعة وخصوصياتها على الإطلاق ، من غير اختصاص لمورد دون مورد صحيحة قتيبة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك ...» إلخ (3).
فانّ قوله : «لنفسك» بمثابة قوله : في نفسك ، أي في ضميرك ، وهو كناية عن الإخفات ، وإلّا فكلّ أحد يقرأ لنفسه لا لغيره.
ولو جهر جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته (1).
فهذه الصحيحة ظاهرة في وجوب الإخفات في محلّ الكلام ، وكأنّ دعوى خلوّ النصّ عمّا يدلّ على الإخفات في المقام نشأت عن الغفلة من ملاحظة هذه الصحيحة. وكيف ما كان ، فهذه الصحيحة هي عمدة المستند.
وتشهد له أيضاً السيرة القطعية العملية من المتشرّعة المتّصلة إلى زمن المعصومين عليهمالسلام فإنّها قائمة على مراعاة الإخفات ، ويلتزمون به في مقام العمل (1).
(1) أمّا في فرض النسيان فلا إشكال فيه ، ولا أقلّ من أجل حديث لا تعاد (2). وأمّا في فرض الجهل فربما يستشكل فيه كما عن غير واحد ، ولعلّه من أجل التشكيك في شمول الحديث لصورة الجهل ، فانّ المتيقّن منه إنّما هو النسيان ، بل قد أصرّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره) على الاختصاص به (3). لكنّا ذكرنا غير مرّة في مطاوي هذا الشرح أنّ الحديث غير قاصر الشمول لصورة الجهل ، ولا وجه لتخصيصه بالناسي ، بل يعمّ مطلق المعذور ، هذا.
ومع الغضّ عن ذلك ففي خصوص المقام يحكم بالصحّة ، لعدم كون الإخفات والجهر من الشرائط الواقعية كي يحكم بالبطلان لدى الإخلال بهما وإنّما هما من الشرائط الذكرية ، ولا يجب مراعاتهما إلّا في حال العلم والالتفات للتصريح في صحيح زرارة بعدم البأس فيما لو أخلّ بهما جاهلاً ، عن أبي جعفر عليهالسلام : «في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه ، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه ، فقال : أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة ، فإن
نعم لا يبعد استحباب الجهر بالبسلمة (1)كما في سائر موارد وجوب الإخفات (1).
فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شيء عليه ، وقد تمّت صلاته» (2).
ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الجهل بالحكم أو بالموضوع كما لا يخفى فالمقتضي للإخلال في صورة الجهر قاصر في حدّ نفسه. فالأقوى ما ذكره في المتن من عدم البطلان ، لأجل هذه الصحيحة ، مضافاً إلى حديث لا تعاد كما عرفت.
(1) قدّمنا في مبحث القراءة وفاء النصوص باستحباب الجهر بالبسملة في القراءة الإخفاتية بالذات كالظهرين بالنسبة إلى الإمام أو المنفرد (3)، وأمّا ما وجب فيه الإخفات لعارض الائتمام كما في المقام ، سواء أكانت القراءة استحبابية أم وجوبية على ما مرّ فلم يرد فيه نصّ يدلّ على استحباب الجهر بالبسملة في قراءتها ، اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بإطلاق الرواية المشتملة على أنّ علائم المؤمن خمس ، وعدّ منهنّ الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم (4). لكنّها ضعيفة السند ، غير صالحة للاستدلال كما أشرنا إليه هناك.
وعليه فاستحباب الجهر غير ثابت في المقام ، بل يشكل مشروعيّته أيضاً بعد أن ورد الأمر باخفات القراءة في صحيحتي زرارة وقتيبة المتقدّمتين (5)الظاهر في تمام القراءة بأجزائها التي منها البسملة. فالإخفات فيها لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
[1945] مسألة 23 : المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهّد في الثانية منه الثالثة للإمام فيتخلّف عن الإمام ويتشهد ثم يلحقه في القيام ، أو في الركوع (1)إذا لم يمهله للتسبيحات ، فيأتي بها ويكتفي بالمرة ويلحقه في الركوع أو السجود ، وكذا يجب عليه التخلف عنه في كل فعل وجب عليه دون الإمام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله ثم يلحقه إلّا ما عرفت من القراءة في الأُوليين (1).
(1) ذكر (قدس سره) أنّ المأموم المسبوق بركعة يتخلّف في الركعة الثانية له الثالثة للإمام ، ويتشهّد ثمّ يلتحق به في القيام ، وإذا لم يمهله بأن ركع قبل أن يقوم المأموم إلى التسبيحات لحق به في الركوع أو السجود ، بعد الاقتصار على أقلّ الواجب من التسبيح وهي المرّة.
وكذا يتخلّف عنه في كلّ فعل وجب عليه دون الإمام من ركوع أو سجود ونحوهما ، كما لو رفع الإمام رأسه عن الركوع قبل أن يفرغ المأموم عن القنوت ، أو قام الإمام عن السجود إلى الركعة اللاحقة قبل أن يأتي المأموم بالسجدة الثانية أو بالتشهد ، ونحو ذلك من كلّ فعل لم يجب على الإمام لإتيانه به دون المأموم ، فيتخلّف ويفعله ثمّ يلتحق به ، إلّا ما عرفت من القراءة في الأُوليين للمأموم ، التي مرّ حكمها (2)من ترك القراءة أو ترك المتابعة أو العدول إلى الانفراد حسبما تقدّم من الاحتمالات الثلاثة في المسألة.
أقول : أمّا وجوب التشهّد عليه في الثانية له الثالثة للإمام فممّا لا إشكال فيه ، وقد نطقت به جملة من الروايات التي منها صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج المتقدّمة ، قال عليهالسلام فيها : «فاذا كانت الثالثة للإمام وهي له
.................................................................................................
الثانية فليلبث قليلاً إذا قام الإمام بقدر ما يتشهّد ، ثمّ يلحق بالإمام» (1)ونحوها غيرها.
وأمّا ما ذكره (قدس سره) من أنّ في فرض عدم الإمهال بأن ركع الإمام قبل أن يقوم المأموم يلتحق به في الركوع أو السجود ففي غاية الإشكال كيف وقد تخلّف عن الإمام ، وأخلّ بشرط المتابعة عامداً وإن كان معذوراً فيه من أجل التشهّد الواجب عليه ، ومعه كيف يمكن الحكم ببقاء القدوة وصحّة الجماعة بحيث يرتّب عليها أحكامها من رجوع كلّ منهما إلى الآخر لدى الشكّ ، واغتفار الركوع أو السجود الزائد لأجل المتابعة ، وغير ذلك من الآثار.
والذي يكشف عمّا ذكرناه قوله عليهالسلام في موثّقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه «... وإن سبقك بركعة جلست في الثانية لك والثالثة له حتّى تعتدل الصفوف قياماً» (2)حيث جعلت الغاية اعتدال الصفوف قياماً ، فلا يجوز الالتحاق في الركوع ، الخارج عن هذه الغاية. نعم ، المراد بالاعتدال أعمّ من الحدوث والبقاء ، فما دام الاعتدال والقيام باقياً ولم يركع بعدُ يجوز له الالتحاق.
وتؤيّد الموثّقة صحيحة ابن الحجّاج المتقدّمة ، حيث ذكر فيها : «فليلبث قليلاً ... بقدر ما يتشهّد» الظاهر في عدم جواز اللبث الكثير والالتحاق في الركوع. وعليه فمقتضى الاحتياط حينئذ لو لم يكن أقوى هو العدول إلى نيّة الانفراد. ومنه يظهر حال التخلّف عنه في سائر ما يجب على المأموم ، وأمّا التخلّف في القراءة في الأُوليين له فقد عرفت أنّ الأظهر بطلان الجماعة حينئذ وانقلابها فرادى قهراً وبطبيعة الحال ، وعرفت أيضاً ضعف الاحتمالين الآخرين ، فلاحظ.
[1946] مسألة 24 : إذا أدرك المأموم الإمام في الأخيرتين فدخل في الصلاة معه قبل ركوعه وجب عليه قراءة الفاتحة والسورة إذا أمهله لهما ، وإلّا كفته الفاتحة على ما مرّ ، ولو علم أنّه لو دخل معه لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضاً فالأحوط عدم الإحرام إلّا بعد ركوعه ، فيحرم حينئذ ويركع معه ، وليس عليه الفاتحة حينئذ (1).
(1) قد عرفت فيما مرّ (1)أنّ من أدرك الإمام في الأخيرتين فدخل معه في الصلاة قبل ركوعه وجبت عليه قراءة الفاتحة والسورة حينئذ إذا أمهله لهما وإلّا كفته الفاتحة ، ولا يكون الإمام ضامناً لها كما دلّت عليه الروايات التي منها صحيحتا زرارة وابن الحجاج المتقدّمتان (2). وعليه فان أمهله الإمام للفاتحة فلا كلام ، ولو لم يمهله فقد مرّ حكمه.
وأمّا لو علم من الأوّل بأنّه لو دخل معه لم يمهله لإتمامها فحيث إنّ المسألة حينئذ مورد للإشكال ، للدوران بين ترك الفاتحة وترك المتابعة ، ولم يثبت تقديم أحدهما على الآخر ، كان مقتضى الاحتياط عدم الإحرام إلّا بعد ركوع الإمام حذراً عن الوقوع في هذا الترديد.
بل بناءً على ما قدّمناه (3)من بطلان الجماعة حينئذ وانقلابها فرادى يشكل فيه الاقتداء وتمشّي قصد الجماعة منه ، إذ كيف يمكن أن ينوي الائتمام مع علمه بانقلاب الصلاة بعدئذ فرادى وعدم تمكّنه من إتمامها جماعة.
فالأحوط لو لم يكن أقوى أن لا يحرم إلّا بعد ركوع الإمام ، لسقوط القراءة عنه حينئذ بلا كلام كما دلّت عليه الروايات المتقدّمة سابقاً (4)المتضمّنة أنّ من
[1947] مسألة 25 : إذا حضر المأموم الجماعة ولم يدر أنّ الإمام في الأُوليين أو الأخيرتين (1) قرأ الحمد والسورة بقصد القربة ، فإن تبيّن كونه في الأخيرتين وقعت في محلّها ، وإن تبيّن كونه في الأُوليين لا يضره ذلك.
كبّر وأدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة وصحّت جماعته.
(1) حكم (قدس سره) حينئذ بقراءة الحمد والسورة بقصد القربة المطلقة لأنّها إمّا واجبة وقعت في محلّها لو كان الإمام في الأخيرتين ، أو مستحبّة لو كان في الأُوليين فلا يضرّه ذلك.
ولا شكّ أنّ ما أفاده هو مقتضى الاحتياط كما عرفت. هذا لو أراد الاحتياط ، وأمّا لو أراد اختيار أحد الشقّين من القراءة أو تركها فهل تجب عليه أم يجوز الترك؟ وما هي وظيفته بالنظر إلى الأصل العملي؟
لا ريب أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب ، لما عرفت سابقاً (1)من أنّ القراءة غير ساقطة عن المأموم رأساً بحيث يلزم التخصيص في عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، بل هي واجبة عليه كغيره ، غاية الأمر أنّه في مرحلة الامتثال يجتزي بقراءة الإمام ، وهو ضامن له ، وقراءته مسقطة لقراءته بعد ما كانت واجبة عليه أوّلاً. وذكرنا سابقاً أنّ هذا ممّا يساعده الاعتبار ، فلو أنّ جماعة وفدوا على ملك أو رئيس يتكلّم واحد منهم عن القوم ، ويكون كلامه كلامهم ، ويعبّر عن لسان الجميع ، فكذا في المقام.
ومن هنا ذكرنا فيما مرّ (3)أنّ الجماعة عدل للواجب التخييري ، فتجب عليه القراءة إمّا بنفسه لو اختار الانفراد ، أو ببدله لو اختار الجماعة.
وعليه فالشك في المقام راجع إلى مرحلة السقوط والفراغ ومقام الامتثال
.................................................................................................
الذي هو مورد لقاعدة الاشتغال ، لا إلى مرحلة الجعل وثبوت التكليف ليرجع في نفيه إلى أصالة البراءة. فهو يعلم أنّه في هذه الركعة مكلّف بالقراءة ، ويشكّ في سقوطها عنه بفعل الإمام لو كانت من الأُوليين. فمقتضى القاعدة المزبورة وجوب الإتيان بها.
إلّا أنّه مع ذلك يجوز له تركها استناداً إلى الاستصحاب ، ولا شيء عليه حتّى لو انكشف الخلاف وتبيّن كون الإمام في الأخيرتين ، لأنّه بعد تعويله على الحجّة الشرعية كان معذوراً في الترك ، ومثله مشمول لحديث لا تعاد ، بناءً على ما عرفت (1)من عدم اختصاصه بالناسي وشموله لمطلق المعذور.
وتقريب الاستصحاب : أنّ الموضوع لسقوط القراءة عن المأموم اقتداؤه خلف إمام يكون هو في إحدى الأولتين على ما يظهر من الروايات ، وهذا الموضوع محقّق في المقام بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّ الاقتداء خلف الإمام محرز بالوجدان ، وكون الإمام في الأولتين محرز بالأصل ، حيث إنّه كان في زمان في الركعتين الأولتين يقيناً ، ونشكّ في انقلابه عمّا هو عليه بالدخول في الأخيرتين ، ومقتضى الاستصحاب بقاؤه على ما كان. ونتيجة ذلك سقوط القراءة عن المأموم.
وأوضح رواية تدلّ على أنّ الموضوع للحكم هو ما ذكرناه صحيحة عبد اللّه ابن سنان المتقدّمة سابقاً (2)وقلنا إنّ كلمة (الحسن بإسناده) الموجودة في الوسائل الطبعة الجديدة مستدركة ، والصحيح : عن ابن سنان يعني عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتّى يفرغ وكان الرجل مأموناً على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأولتين ...» إلخ (3).
[1948] مسألة 26 : إذا تخيّل أنّ الإمام في الأُوليين فترك القراءة ثمّ تبيّن أنّه في الأخيرتين (1) فإن كان التبيّن قبل الركوع قرأ ولو الحمد فقط ولحقه ، وإن كان بعده صحّت صلاته ، وإذا تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين فقرأ ثم تبيّن كونه في الأُوليين فلا بأس ، ولو تبيّن في أثنائها لا يجب إتمامها.
فإنّ قوله : «في الأولتين» بمنزلة الحال للضمير المجرور في «خلفه» العائد إلى الإمام ، أي لا تقرأ خلف الإمام حال كون الإمام في الأولتين. فتدلّ بوضوح على أنّ الموضوع للسقوط كون المأموم خلف إمام هو في الأولتين كما ذكرناه وهذا الموضوع قابل للإحراز ببركة الاستصحاب ، ومعه لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى قاعدة الاشتغال التي ذكرناها أوّلاً ، فيجوز له ترك القراءة استناداً إلى الأصل المزبور ، وإن كان مقتضى الاحتياط هو ما عرفت.
وإن شئت فقل : الموضوع للسقوط في الصحيحة كون المأموم خلف الإمام في أولتيه ، فيستصحب بقاء الأولتين ، ولا حاجة إلى إثبات أنّ ما بيده هي إحدى الأولتين ليكون من المثبت ، لأنّ هذا ليس موضوعاً للحكم ، بل الموضوع مجرّد اقتران الجزأين في الزمان واجتماعهما في الوجود ، كما في استصحاب النهار المرتّب عليه وجوب الإمساك فيه والإتيان بالظهرين على ما بيّناه في محلّه عند التعرّض للموضوعات المركّبة (1).
(1) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بعد دخول المأموم في الركوع وما إذا كان قبله.
أمّا في الأوّل : فلا إشكال في صحّة الصلاة ، لكونه معذوراً في ترك القراءة بعد الاعتقاد المزبور ، ولا تبطل الصلاة بتركها سهواً وما يلحق به من العذر لحديث لا تعاد ، نعم عليه سجدتا السهو ، بناءً على وجوبهما لكلّ زيادة ونقيصة.
1) مصباح الأُصول 3 : 124.
[1949] مسألة 27 : إذا كان مشتغلاً بالنافلة فأُقيمت الجماعة وخاف من إتمامها عدم إدراك الجماعة ولو كان بفوت الركعة الأُولى منها جاز له قطعها بل استحبّ ذلك ولو قبل إحرام الإمام للصلاة (1).
وأمّا في الثاني : فالقراءة غير ساقطة عنه بعد بقاء المحلّ وإمكان التدارك وحينئذ فان أمهله الإمام لها ولو خصوص الفاتحة قرأها ولحق به في الركوع وإن لم يمهله حتّى لها جرى فيه حينئذ ما مرّ سابقاً (1)من الاحتمالات الثلاثة أعني ترك الفاتحة والالتحاق في الركوع ، أو ترك المتابعة والالتحاق في السجود ، أو العدول إلى الانفراد. وقد عرفت أنّ الأظهر هو الأخير ، من غير حاجة إلى نيّة العدول ، بل تنقلب إلى الفرادى قهراً وبطبيعة الحال بعد امتناع الإتمام جماعة.
وأمّا عكس المسألة : أعني ما لو تخيّل أنّه في إحدى الأخيرتين فقرأ ثمّ تبيّن كونه في الأُوليين فالصلاة أيضاً محكومة بالصحّة ، لعدم قدح زيادة القراءة بعد أن كان معذوراً فيها ومشمولاً لحديث لا تعاد. هذا إذا كان التبيّن بعد الفراغ عن القراءة.
وأمّا لو التفت في الأثناء فلا يجوز إتمامها بعنوان الوجوب ، لكونها ساقطة عنه في الأُوليين ، فالإتيان بهذا العنوان تشريع محرّم ، نعم لا بأس بالإتمام بعنوان الاستحباب ، الثابت في هذه الحال. والكلام في سجود السهو لأجل الزيادة ما عرفته آنفاً.
(1) المستند فيما ذكره (قدس سره) من جواز قطع النافلة لمن كان مشتغلاً بها فأُقيمت الجماعة ، بل استحبابه لدرك فضيلتها كما عليه المشهور صحيحة عمر بن يزيد التي رواها الصدوق بطريق صحيح (2): «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه
.................................................................................................
السلام) عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت فريضة ، ما حدّ هذا الوقت؟ قال : إذا أخذ المقيم في الإقامة ، فقال له : إنّ الناس يختلفون في الإقامة ، فقال : المقيم الذي تصلّي معه» (1).
ونوقش فيها كما في الجواهر (2)وغيره بظهورها في الشروع في التطوّع وقتئذ ، ولا تعمّ من كان مشتغلاً به ثمّ أُقيمت الجماعة كي تدلّ على القطع ، فهي خاصّة بالابتداء ، ولا تشمل الاستدامة في التطوّع الذي هو محلّ الكلام.
وفيه : أنّه لا موجب لدعوى الاختصاص ، ولا نعرف وجهاً للاستظهار فإنّ النافلة كما أنّها تطوّع بمجموعها تطوّع بأبعاضها أيضاً ، فكلّ جزء وركعة منها مصداق للتطوّع كالكلّ. فمن كان مشتغلاً بها فأُقيمت الجماعة كان الإتيان بالباقي معنوناً بعنوان التطوّع لا محالة ، فتشمله الصحيحة.
نعم ، بناءً على حرمة قطع النافلة كان لما أُفيد وجه وجيه ، لعدم كونها حينئذ مصداقاً للتطوّع بقاءً ، كيف وهو مجبور على الإتمام ، ولا يجوز له القطع بحكم الشرع ، فلا يأتي به عن طوع ورغبة واختيار الذي هو معنى التطوّع.
وما قيل في ردّه من أنّ الظاهر من التطوّع ما كان كذلك في أصله وذاته لا بالنظر إلى حرمة القطع ، وهو متحقّق في المقام.
مدفوع بمخالفته لظاهر اللفظ جدّاً ، ضرورة أنّ الظاهر من لفظ التطوّع ما كان تطوّعاً فعلاً ، ومتّصفاً بهذا الوصف العنواني بالفعل ، بحيث له أن يفعل وأن لا يفعل ، لا ما كان كذلك شأناً وفي طبعه وذاته ، فانّ الحمل على الاستعداد والشأنية مخالف لظواهر الألفاظ كما في سائر المقامات ، بل المنسبق منها مقام الفعلية.
وعليه فحيث إنّه مجبور في المقام على الإتمام بحكم الشرع حسب الفرض ولو من أجل حرمة القطع فقد خرج عن عنوان التطوّع بقاءً وإن كان كذلك
.................................................................................................
حدوثاً ، فلا تشمله الصحيحة.
لكن المبنى المزبور باطل في نفسه ، لما تقدّم في محلّه (1)من أنّ الدليل على حرمة قطع الصلاة ليس إلّا الإجماع ، وهو لو تمّ ولا يتمّ مختصّ بالفريضة ولم يقم إجماع في النافلة. فجواز القطع فيها المطابق للأصل هو المتعيّن. وعليه فالصحيحة غير قاصرة الشمول لكلّ من الابتداء والاستدامة كما ذكرناه.
وتشهد للتعميم صحيحة حماد بن عيسى قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول قال أبي : خرج رسول اللّه عليهالسلام لصلاة الصبح وبلال يقيم ، وإذا عبد اللّه بن القشب يصلّي ركعتي الفجر ، فقال له النبي صلی اللّه عليه وآله : يا ابن القشب أتصلي الصبح أربعاً؟ قال ذلك له مرّتين أو ثلاثة» (2)حيث وبّخه صلی اللّه عليه وآله مرّتين أو ثلاثاً على التنفّل وبلال يقيم للجماعة ، ولم يفرض أنّ ابن القشب شرع في النافلة بعد أن أقام بلال ، لأنّه صلی اللّه عليه وآله دخل المسجد فرآه يصلّي وبلال يقيم ، من دون وضوح السابق من اللاحق ، ولا استفصاله عن ذلك. فترك استفصاله في مقام التوبيخ يكشف عن إطلاق الحكم كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فلا ينبغي التشكيك في شمول الصحيحة للاستدامة في التطوّع كالابتداء فيه ، فتدلّ على ما نحن فيه. ويستفاد منها أفضلية القطع واستحبابه طلباً لدرك فضيلة الجماعة.
وإنّما الكلام في وقت القطع ، فهل هو مقيّد بما إذا خاف فوات الجماعة رأساً بحيث لم يدرك حتّى الركعة الأخيرة منها ، أو بخوف فوت الركوع من الركعة الأُولى ، أو القراءة منها ، أو تكبيرة الإحرام كما اختاره في المتن؟
الظاهر عدم التقييد بشيء ممّا ذكر ، لإطلاق النصّ عن كلّ ذلك ، وعدم دليل آخر عليها. ومقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة أنّ الظرف المقرّر للقطع هو
ولو كان مشتغلاً بالفريضة منفرداً وخاف من إتمامها فوت الجماعة استحبّ له العدول بها إلى النافلة وإتمامها ركعتين (1) إذا لم يتجاوز محلّ العدول بأن دخل في ركوع الثالثة ، بل الأحوط عدم العدول إذا قام إلى الثالثة وإن لم يدخل في ركوعها.
مجرّد أخذ المقيم في الإقامة ، سواء أحصل خوف الفوت من شيء من المذكورات أم لا. وكأنّ هذا من احترام الجماعة وآدابها ، وهذا هو الأقوى كما يكشف عنه إطلاق صحيحة حمّاد المتقدّمة أيضاً.
(1) على المشهور ، بل إجماعاً كما عن غير واحد. وتدلّ عليه :
صحيحة سليمان بن خالد قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة ، فبينما هو قائم يصلّي إذ أذّن المؤذّن وأقام الصلاة قال : فليصلّ ركعتين ثمّ ليستأنف الصلاة مع الإمام ، ولتكن الركعتان تطوّعاً» (1).
وموثّقة سماعة قال : «سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً ، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ...» إلخ (2).
ونوقش في دلالتهما على الاستحباب كما في الجواهر (3)بأنّ الأمر الوارد فيهما من أجل وقوعه موقع توهّم الحظر لا يدلّ إلّا على الجواز والمشروعية ، دون الاستحباب.
وبعبارة اخرى : ظاهر الأمر في طبعه هو الوجوب ، لكنّه غير محتمل في المقام ، فإنّ الجماعة سنّة ، وليست مفروضة في الصلوات كلّها كما في
.................................................................................................
النصّ (1)فكيف يحتمل وجوب العدول إلى التطوع مقدمة لدرك الجماعة المستحبّة. فيدور الأمر بين الحمل على الاستحباب ، وبين إرادة الجواز والإباحة ، وحيث إنّه وارد مورد توهّم الحظر لممنوعية العدول من الفريضة إلى النافلة في غير الموارد المستثناة يتعيّن الحمل على الثاني.
وفيه : أنّ المقام ليس من موارد توهّم الحظر المانع من الأخذ بظاهر الأمر إذ لم يرد دليل لفظي يدلّ على المنع عن العدول المزبور ، وإنّما نقول به من أجل عدم قيام الدليل على الجواز ، لا من أجل قيام الدليل على عدم الجواز كي يكون مورداً لتوهّم الحظر.
فانّ العدول على خلاف الأصل ، والعبادة توقيفية تحتاج مشروعيتها إلى الدليل ، وحيث لا دليل يحكم بعدم المشروعية ، حذراً عن التشريع المحرّم لا لقيام الدليل على العدم. وحيث ورد الدليل في المقام بلسان الأمر فلا مانع من الأخذ بظاهره وهو الاستحباب ، بعد امتناع الحمل على الوجوب كما عرفت.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الروايتين لا قصور في دلالتهما على الاستحباب.
هذا ما يرجع إلى أصل المطلب ، وأمّا خصوصياته فقد ذكر في المتن اختصاص الحكم بما إذا لم يتجاوز محلّ العدول بالدخول في ركوع الثالثة ، بل ذكر أنّ الأحوط عدم العدول فيما إذا قام للثالثة وإن لم يدخل في ركوعها ، وكأنّه لقصور النصّين عن شمول الفرضين ، سيما الموثّقة.
إذ المفروض فيها أنّه صلّى ركعة واحدة ، فلا يشمل ما إذا دخل في الثالثة فضلاً عمّا إذا دخل في ركوعها ، بل لا تشمل حتّى من كان في الثانية كما لا يخفى لأمره عليهالسلام بالإتيان بالأُخرى ، الكاشف عن عدم الدخول بعدُ فيها. وكذا الحال في الصحيحة ، لظهور الأمر بصلاة ركعتين في عدم بلوغهما ، فضلاً عن الزيادة عليهما ، هذا.
1) المتقدّم في ص 9.
.................................................................................................
ويظهر من المتن الفرق بين ما لو دخل في ركوع الثالثة وما إذا لم يدخل ومن هنا جزم بعدم العدول في الأوّل واحتاط في الثاني.
والأقوى ثبوت الفرق وجواز العدول في الثاني دون الأوّل.
وتوضيحه : أنّ الركوع الصادر ممّن دخل في ركوع الثالثة واقع في محلّه وغير متّصف بالزيادة حال حدوثه ، وإنّما يتّصف بها بعد ذلك من أجل العدول إلى النافلة ، فأدلّة الزيادة القادحة غير شاملة للمقام ، لاختصاصها بما إذا أوجد الزائد ابتداءً ، لا ما إذا أعطى وصف الزيادة لما كان ، كما هو الحال في غير المقام.
ولذا ذكرنا في بحث القراءة (1)أنّه عند التلفّظ بكلمة (مالك) مثلاً ، لو قال (ما) فبدا له في إتمامها ، ثمّ استأنفها وأتى بالكلمة تامّة لم تبطل صلاته بلا إشكال ، فإنّ لفظة (ما) وإن اتّصفت بالزيادة من أجل فوت الموالاة وعدم التحاق الجزء الأخير من الكلمة أعني (لك) بها ، إلّا أنّها حين حدوثها وقعت في محلّها ولم تكن زائدة ، وإنّما طرأ لها وصف الزيادة فيما بعدُ ، وأدلّة الزيادة العمديّة المبطلة منصرفة عن مثل ذلك ، وخاصّة بما إذا أحدث الزائد ابتداءً.
وبالجملة : فالركوع المزبور وإن لم يكن مشمولاً لأدلّة الزيادة القادحة إلّا أنّه موجب لبطلان النافلة المعدول إليها ، لكونه زيادة في الركن ولو بقاءً ، ولم يثبت العفو عنها إلّا في الزيادة السهويّة.
وأمّا العمديّة في الأركان سواءً أكانت باحداث الزائد ابتداءً أو بإعطاء وصف الزيادة لما كان فهي توجب البطلان في النافلة كالفريضة ، لاندراجها في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، بناءً على ما هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق الخلل نقصاً أو زيادة ، فإنّ بعض المذكورات فيه وإن لم تتصوّر فيه الزيادة كالوقت والقبلة والطهور ، لكن البعض الآخر كالركوع والسجود
1) شرح العروة 14 : 429.
.................................................................................................
تتصوّر فيه ، وهو كاف في الشمول ، ومن البيّن أنّه لا معنى للعدول إلى نافلة باطلة.
هذا فيما إذا كان العدول بعد الدخول في ركوع الثالثة ، وأمّا قبل الدخول فيه فلا موجب للبطلان ، فإنّ أدلّة الزيادة القادحة قد عرفت قصورها عن الشمول للمقام. وحديث لا تعاد لا يقتضيه أيضاً بعد أن لم يكن الزائد من الأركان. فلم تشتمل النافلة المعدول إليها على خلل يستوجب بطلانها ، فلا مانع من العدول إليها. وبذلك يفرق بين الصورتين في العدول ، هذا في مقام الثبوت.
وأمّا في مقام الإثبات فربما يشكل بعدم وفاء النصّ لإثبات جواز العدول في الفرض المزبور بعد كونه على خلاف الأصل. أمّا الموثّقة فقصورها عن ذلك ظاهر كما مرّ ، وأمّا الصحيحة فلتضمّنها الأمر بصلاة ركعتين ، الظاهر في عدم بلوغ المصلّي الذي أُقيمت لديه الجماعة هذا الحدّ ، فضلاً عن الزيادة عليهما والدخول في الثالثة. فهذا الفرض خارج عن مورد الصحيحة المتكفّلة بجواز العدول.
وفيه : أنّ الظاهر بل المقطوع به اتّفاق الأصحاب على جواز العدول فيما إذا صلّى ركعتين من الفريضة وبعد انتهائه عن التشهّد أُقيمت الجماعة ، فإنّه لم يستشكل أحد فيما نعلم في جواز العدول حينئذ إلى النافلة ، مع خروج الفرض لو تمّ ما أُفيد عن مقتضى الجمود على النصّ.
ولا ينبغي الاستشكال فيه ، إذ ليس المراد من أمره عليهالسلام بصلاة ركعتين تطوّعاً إحداث الركعتين برفع اليد عن الفريضة وإيجاد نافلة جديدة فانّ هذا غير مقصود بالضرورة كما هو واضح ، بل المراد إتمام الصلاة ركعتين والفراغ عنها كذلك بعد العدول إلى النافلة.
ولا ريب أنّ هذا كما يشمل ما لو كان في الركعة الأُولى وقد أُقيمت الجماعة يشمل ما لو كان في الثانية ، بل في الثالثة ما لم يدخل في ركوعها المانع عن العدول. ففي جميع ذلك يصحّ منه إتمام الصلاة على ركعتين ، فيندرج الكلّ تحت إطلاق النصّ بمناط واحد.
ولو خاف من إتمامها ركعتين فوت الجماعة ولو الركعة الأُولى منها جاز له القطع بعد العدول (1)إلى النافلة على الأقوى ، وإن كان الأحوط عدم قطعها بل إتمامها ركعتين وإن استلزم ذلك عدم إدراك الجماعة في ركعة أو ركعتين (1).
وعلى الجملة : فبعد القيام إلى الثالثة بما أنّه متمكّن من إتمام الصلاة ركعتين تطوّعاً فلا قصور في الصحيحة عن الشمول لمثله. فالدليل في مقام الإثبات وافٍ لجواز العدول حينئذ ، وقد عرفت صحّته ثبوتاً. فلا إشكال.
(1) يقع الكلام تارة في استحباب القطع بعد ما عدل ، وأُخرى في جوازه ومشروعيته.
أمّا الاستحباب : فغير ثابت ، لاختصاص الروايتين أعني الصحيحة والموثّقة بما إذا أتمّ النافلة المعدول إليها كما لا يخفى ، فلا تعمّان صورة قطعها. ومن الواضح أنّ صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة (2)التي تضمّنت استحباب قطع النافلة لإدراك الجماعة قاصرة الشمول للمقام ، لانصرافها إلى ما إذا كان متشاغلاً بالنافلة ابتداءً ، فلا تعمّ النافلة المعدول إليها المتّصفة بالنفل بقاءً.
وأمّا الجواز : فلا ينبغي الاستشكال فيه ، بعد البناء على جواز قطع النافلة وكون المعدول إليها مصداقاً لها فعلاً ، وإن لم تكن كذلك حدوثاً ، لأنّ هذا من أحكام النافلة مهما تحقّقت ، لما أشرنا سابقاً من أنّ عمدة المستند لحرمة قطع الصلاة هو الإجماع ، وهو لو تمّ مختصّ بالفريضة ولا يعمّ النافلة.
والمنع عن الجواز المزبور استناداً إلى استصحاب حرمة القطع الثابتة قبل العدول في غير محلّه ، إذ فيه مضافاً إلى أنّه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية ولا نقول به ، أنّ الموضوع متعدّد في المقام ، فإنّ الحرمة الثابتة قبل العدول كان موضوعها الفريضة ، وبعد العدول انقلبت نافلة.
.................................................................................................
ومن الواضح أنّ الفرضيّة والنفليّة من العناوين المقوّمة للموضوع ، الموجب لتعدّده حتّى بنظر العرف ، كالظهريّة والعصريّة ، والأداء والقضاء ، وغسل الحيض والجنابة ، ونحو ذلك ممّا يتقوّم بالعناوين القصديّة ، الموجبة لتغايرها في الحقيقة والماهية وإن اتّحدت صورة ، وليست من الحالات المتبادلة الطارئة على الموضوع الواحد حتّى يجري فيه الاستصحاب كما لا يخفى.
وعلى الجملة : فلا مجال للترديد في جواز القطع بعد العدول ، لكنّه خاصّ بما إذا بدا له في القطع بعد ما عدل ، دون ما إذا كان بانياً عليه من الأوّل ، وإلّا فمشروعيّة العدول حينئذ مشكلة في حدّ نفسه ، لعدم الدليل عليها بعد أن لم يكن المعدول إليه فريضة ولا نافلة. ومن الواضح قصور الصحيحة والموثّقة عن الشمول لمثل ذلك ، لانصرافهما إلى ما إذا عدل إلى تمام الركعتين ، لا إلى البعض منهما كما هو لازم البناء على القطع من الأوّل.
نعم ، لا مانع من قطع الفريضة لإدراك الجماعة من قبل أن يعدل بها إلى النافلة ، لعدم الدليل على حرمة القطع حينئذ ، فإنّ مستندها هو الإجماع كما مرّ ولا إجماع في مثل المقام ، كيف وقد نسب إلى جمع من الأعلام كالشيخ (1)والقاضي (2)والشهيد في كتبه الثلاثة الدروس (3)والذكرى (4)والبيان (5)وجماعة من المتأخّرين جواز القطع فيما نحن فيه. ومن الواضح أنّ النصّ المتضمّن للعدول إلى النافلة غير ناظر إلى المنع عن القطع كما لا يخفى.
ومنه تعرف أنّ الاستصحاب المتقدّم آنفاً مع الغضّ عمّا أوردناه عليه ساقط في حدّ نفسه ، لعدم اليقين بالحالة السابقة حتّى نستصحب الحرمة لو لم يكن يقين بالعدم كما عرفت.
بل لو علم عدم إدراكها أصلاً إذا عدل إلى النافلة وأتمّها فالأولى والأحوط عدم العدول (1)(1) وإتمام الفريضة ثم إعادتها جماعة إن أراد وأمكن.
[1950] مسألة 28 : الظاهر عدم الفرق في جواز العدول من الفريضة إلى النافلة لإدراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائية أو غيرها ولكن قيل بالاختصاص بغير الثنائية (2).
(1) بل ينبغي الجزم بعدم العدول حينئذ ، ولا نعرف وجهاً للأولوية والاحتياط الاستحبابي الصادر منه (قدس سره) ، ضرورة ظهور النصّ في أنّ العدول إنّما شرع مقدّمة لإدراك الجماعة وتحصيلاً لهذه الغاية ، فمع العلم بعدم إدراكها أصلاً لو عدل إلى النافلة وأتمّها لا يشمله النصّ قطعاً ، فلا دليل على جواز العدول حينئذ ، ومقتضى الأصل عدمه. نعم ، لا حاجة إلى إتمام الفريضة بل له القطع من غير عدول كما أشرنا إليه آنفاً.
(2) المعروف عدم الفرق في جواز العدول إلى النافلة لإدراك الجماعة بين كون الفريضة التي اشتغل بها ثنائيّة أو غيرها.
وعن المستند الاختصاص بغير الثنائية ، لخروجها عن مورد الأخبار (2). ومقتضى الأصل عدم جواز العدول ما لم يقم عليه دليل.
ولكن الظاهر هو التعميم.
أمّا أوّلاً : فللقطع الخارجي بعدم الفرق بين الثنائية وغيرها في هذا الحكم فانّ المناط في تشريع العدول في المقام إدراك الجماعة ، المشترك بين الصورتين.
وأمّا ثانياً : فلأنّ دعوى خروج الثنائية عن مورد الأخبار إنّما تتّجه بالإضافة إلى موثّقة سماعة ، لقوله عليهالسلام في ذيلها : «وإن لم يكن إمام عدل فليبْنِ على صلاته كما هو ، ويصلّي ركعة أُخرى ، ويجلس قدر ما يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ، ثمّ
[1951] مسألة 29 : لو قام المأموم مع الإمام إلى الركعة الثانية أو الثالثة مثلاً فذكر أنّه ترك من الركعة السابقة سجدة أو سجدتين أو تشهّداً أو نحو ذلك وجب عليه العود للتدارك ، وحينئذ فان لم يخرج عن صدق الاقتداء وهيئة الجماعة عرفاً فيبقى على نيّة الاقتداء (1)(1) وإلّا فينوي الانفراد.
ليتمّ صلاته معه على ما استطاع ، فإنّ التقية واسعة» (2).
فانّ قوله عليهالسلام : «ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع ...» إلخ ظاهر في الإتيان ببقيّة أجزاء الصلاة مع الإمام من قيام وركوع وسجود ونحوها المستلزم لفرض كون الصلاة ثلاثية أو رباعية ، إذ لو كانت ثنائية لقال عليهالسلام : ثم يسلّم وينصرف. لا أنّه يتمّ صلاته معه على ما استطاع. فمورد الموثّقة خاصّ بغير الثنائية كما ذكره (قدس سره).
وأمّا صحيحة سليمان بن خالد فهي مطلقة ، وليس فيها ما يوهم الاختصاص فضلاً عن الدلالة. والتقييد بالركعتين في قوله عليهالسلام : «فليصلّ ركعتين» إنّما هو من أجل أنّ النافلة المعدول إليها لا تكون إلّا ذات ركعتين ، فهو في مقام التنبيه على هذه النكتة ، وأنّ النافلة لم تشرع إلّا ركعتين وليس ناظراً إلى أنّ الصلاة المشغول بها كانت أكثر من ركعتين فيعدل بها إلى الركعتين تطوّعاً ، لعدم كونه عليهالسلام في مقام التعرّض إلى هذه الخصوصية بوجه.
فالإطلاق المستفاد من ترك الاستفصال عن كون تلك الصلاة ثنائية أم غيرها هو المحكّم. فعلى تقدير عدم تمامية القطع الخارجي الذي ذكرناه أوّلاً لا مانع من التمسّك بهذا الإطلاق. فالأقوى عدم الفرق بينهما كما هو المشهور.
(1) بل قد عرفت فيما مرّ (3)أنّ مقتضى الاحتياط نيّة الانفراد فيما إذا كان
[1952] مسألة 30 : يجوز للمأموم الإتيان بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام ثمّ الإتيان بتكبيرة الإحرام بعد إحرامه وإن كان الإمام تاركاً لها (1).
[1953] مسألة 31 : يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلّدين أو المختلفين بالآخر (2) مع اختلافهما في المسائل الظنّية المتعلّقة بالصلاة إذا لم يستعملا محلّ الخلاف واتّحدا في العمل ، مثلاً إذا كان رأي أحدهما اجتهاداً أو تقليداً وجوب السورة ورأي الآخر عدم وجوبها يجوز اقتداء الأوّل بالثاني إذا قرأها وإن لم يوجبها ،
التخلّف موجباً لفوات المتابعة.
(1) ذكرنا في بحث تكبيرة الإحرام (1)عند التعرّض للتكبيرات الافتتاحية أنّ المستفاد من النصوص أنّ تكبيرة الإحرام وما به يتحقّق الافتتاح هي الواحدة منها لا مجموعها ، لقوله عليهالسلام : يجهر بواحدة (2). وقلنا : إنّ الأولى والأحوط اختيار الأخير منها ، وعليه فما تقدّمها من التكبيرات الست أُمور مستحبّة خارجة عن الصلاة. فللمأموم الإتيان بها ، سواء أتى بها الإمام أم لا ، لإطلاق دليل الاستحباب ، ووضوح عدم لزوم المتابعة فيما هو خارج عن الصلاة.
ولأجله لا يلزم تأخّره فيها عن الإمام لو أتى الإمام بها أيضاً ، وإنّما اللازم تأخّره عن الإمام في تكبيرة الإحرام التي بها يفتتح الصلاة ويتحقّق الدخول فيها ، وأمّا قبل ذلك فلا جماعة بعدُ ولا متابعة ، فلا مانع من تقدّمه فيها عليه سواء أتى بها الإمام أم لا ، كما هو ظاهر.
(2) لا ريب في صحّة الاقتداء فيما إذا رأى الإمام وجوب شيء لم يكن
وكذا إذا كان أحدهما يرى وجوب تكبير الركوع أو جلسة الاستراحة أو ثلاث مرّات في التسبيحات في الركعتين الأخيرتين يجوز له الاقتداء بالآخر الذي لا يرى وجوبها لكن يأتي بها بعنوان الندب ، بل وكذا يجوز مع المخالفة في العمل أيضاً (1)فيما عدا ما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين التي يتحمّلها الإمام عن المأموم ، فيعمل كلّ على وفق رأيه.
نعم لا يجوز اقتداء من يعلم وجوب شيء بمن لا يعتقد وجوبه مع فرض كونه تاركاً له ، لأنّ المأموم حينئذ عالم ببطلان صلاة الإمام ، فلا يجوز له الاقتداء به ، بخلاف المسائل الظنّية ، حيث إنّ معتقد كلّ منهما حكم شرعي ظاهري في حقّه ، فليس لواحد منهما الحكم ببطلان صلاة الآخر ، بل كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً.
واجباً عند المأموم ممّا يتعلّق بالصلاة ، اجتهاداً أو تقليداً أو بالاختلاف ، لصحّة صلاة الإمام قطعاً وإن اشتملت على ما هو مستحبّ في نظر المأموم كجلسة الاستراحة ، وهذا ظاهر.
وأمّا عكس ذلك أي الاقتداء بإمام لا يرى وجوب شيء وهو واجب عند المأموم فلا ريب في الصحّة أيضاً فيما إذا أتى الإمام بذلك الشيء ، لاشتمال الصلاة حينئذ على كلّ ما يعتبره المأموم فيها. ومجرّد الاختلاف في النظر غير المؤثر في العمل غير قادح في صحّة الائتمام بلا كلام.
إنّما الكلام فيما إذا لم يأت الإمام بذلك الشيء ، وهذا قد يفرض فيما يتعلّق بالقراءة في الركعتين الأُوليين اللتين يتحمّلها الإمام ، كما لو ترك السورة بانياً على عدم وجوبها مع كونها واجبة في نظر المأموم.
1) (*) الظاهر عدم جواز الاقتداء فيما يرى المأموم بطلان صلاة الإمام بعلم أو علمي ، نعم إذا كان الإخلال بما لا تبطل الصلاة به في ظرف الجهل صحّ الاقتداء ، بلا فرق بين العلم والعلمي أيضاً.
.................................................................................................
وقد يفرض فيما يتعلّق بغيرها ، كما لو ترك الإمام جلسة الاستراحة ، أو تكبيرة الركوع ، أو التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً ، لبنائه على عدم وجوبها مع كونها واجبة عند المأموم ، فاختلفا نظراً وعملاً ، فهل يجوز الاقتداء به؟ فهنا مقامان.
والكلام فعلاً في المقام الثاني ، أعني ما يتعلّق بغير القراءة. وقد فصّل في المتن حينئذ بين ما إذا كان الاختلاف راجعاً إلى الظنون الاجتهادية ، بأن قامت الأدلّة الشرعية والحجّة الفعلية عند كلّ منهما بنفسه أو بمقلّده على خلاف ما أدّى إليه نظر الآخر ، وبين ما إذا كان المأموم عالماً بوجوب ما لا يراه الإمام واجباً علماً وجدانياً ، بحيث كان قاطعاً ببطلان صلاة الإمام.
فيجوز الاقتداء في الأوّل ، إذ الدليل العلمي والظنّي الاجتهادي كما هو قائم عند المأموم قائم عند الإمام أيضاً ، وكلّ منهما مستند إلى حجّة شرعية والحكم الشرعي الظاهري ثابت في حقّ كلّ منهما بمناط واحد ، والحكم الواقعي الذي ربما يصيبه المجتهد وربما لا يصيب غير معلوم لدى كلّ واحد منهما. فليس لأحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر بعد أن كان كلاهما في عرض واحد في كونه حكماً شرعياً ظاهرياً من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. فلا مانع من الاقتداء به.
وهذا بخلاف الصورة الثانية ، إذ بعد انكشاف الواقع لدى المأموم بعلم وجداني فهو يرى على سبيل القطع بطلان صلاة الإمام ، وجازم بفسادها في مرحلة الواقع ، ومعه كيف يسوغ له الاقتداء بهذه الصلاة الفاسدة.
أقول : قد ذكرنا في الأُصول في مبحث الإجزاء (1)، وأشرنا في مسائل التقليد أنّ نظر المجتهد سواء تحصّل من الظنّ الاجتهادي أو من غيره لا يكون حجّة إلّا في حقّه وحقّ مقلّديه ، ولا يكون نافذاً بالإضافة إلى من سواه ممّن يخالفه في الرأي. فلو غسل المتنجّسَ بالبول في الكرّ مرّة مَن يرى الاكتفاء بها اجتهاداً
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 285.
.................................................................................................
أو تقليداً لا يجزي في حقّ غيره ممّن يرى اعتبار التعدّد ، ولا يجوز له ترتيب آثار الطهارة. وهكذا لو اختلفا في سائر ما يعتبر في التطهير أو غيره.
وقد ذكرنا في محلّه (1)أيضاً أنّ معنى الحجّية بناءً على الطريقية هو إلغاء احتمال الخلاف ، وفرض من قامت عنده الأمارة عالماً في اعتبار الشارع ، وكأنّه يرى الواقع رؤية علمية ، غايته أنّ العلم تعبّدي لا وجداني ، ولا ضير فيه بعد أن ألحقه الشارع به بدليل الاعتبار ، الراجع إلى تتميم الكشف وكونه بمثابة العلم الوجداني في جميع الآثار.
إذن لا فرق بين العلم والعلمي من هذه الجهة أصلاً ، ومعه كيف يسوغ الاقتداء بمن يعلم المأموم بطلان صلاته ولو بعلم تعبّدي هو في حكم العلم الوجداني في نظر الشارع ، نعم هو معذور فيها من أجل قيام الحجّة عنده على الصحّة ، إلّا أنّ معذوريّته لا تجدي بالقياس إلى المأموم الذي لم تتمّ عنده تلك الحجّة ، إذ قد عرفت آنفاً أنّ نظر المجتهد لا يكون نافذاً في حقّ غير مقلّديه.
فالصحّة عند الإمام لا تجدي بالإضافة إلى المأموم الذي يخالفه في الرأي فإنّ صلاة الإمام في المقام نظير التطهير في الكرّ الذي مثّلنا به آنفاً ، فكما لا يجوز ترتيب آثار الطهارة لمن يخالفه في الرأي فكذا لا يجوز الائتمام في المقام.
وحاصل الكلام : أنّا لا نجد فرقاً بين العلم والعلمي من هذه الجهة أبداً فإمّا أن يبنى على البطلان في كليهما من جهة العلم ولو تعبّداً بفساد صلاة الإمام ، المانع عن الائتمام ، أو على الصحّة في كليهما أيضاً ، بدعوى أنّ الموضوع لجواز الائتمام هي الصحّة في نظر الإمام ، وإن كانت الدعوى غير ثابتة.
والتحقيق : هو التفصيل بوجه آخر ، وهو أنّ ما يختلف فيه المأموم مع الإمام على نوعين :
فتارة : يرجع الاختلاف إلى ما يتعلّق بالأركان ، بحيث يرى المأموم بطلان صلاة الإمام واقعاً وإن كان معذوراً فيه ، على نحو لو علم به الإمام وانكشف له
1) مصباح الأُصول 2 : 104 - 107.
.................................................................................................
الحال أثناء الصلاة أو بعدها وجبت عليه الإعادة ، بل القضاء خارج الوقت لإخلاله بشرط أو جزء ركني.
مثال الشرط : ما لو اختلفا في مصداق الطهور ، كما لو كانت في بعض محالّ الوضوء من أعضاء الإمام نجاسة عينيّة لا يمكن إزالتها ، فيتيمّم الإمام لبنائه على أنّ المورد من موارد التيمّم ، والمأموم يرى أنّه من موارد الوضوء جبيرة.
ومثال الجزء : ما لو اختلفا في مصداق الركوع ، كما لو كان الإمام مبتلى بوجع في ظهره يمنعه عن الركوع قائماً ، فأومأ إليه بانياً على أنّ الوظيفة حينئذ هي الإيماء ، والمأموم يرى أنّ الوظيفة هي الركوع جالساً.
ففي أمثال المقام لا يصحّ الائتمام ، إذ المأموم يرى بعلم أو علمي فساد صلاة الإمام حتّى واقعاً ، وأنّها مجرّد صورة الصلاة ، وليست من حقيقتها في شيء للإخلال بركن مقوّم للحقيقة ، بحيث لو التفت إليه الإمام وتبدّل رأيه وجبت عليه أيضاً الإعادة أو القضاء ، ومعه كيف يسوغ الاقتداء به.
وأُخرى : يرجع الاختلاف إلى ما عدا الأركان ، بحيث لا يوجب البطلان إلّا في ظرف العلم والعمد ، دون الجهل أو السهو ، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب جلسة الاستراحة ، أو عدم وجوب التسبيحات الأربع في الأخيرتين ثلاثاً وكفاية الواحدة ، أو عدم وجوب الذكر الخاصّ في الركوع والسجود والاكتفاء بمطلق الذكر ، هذا في الأجزاء.
وكذا في الشرائط ، كما لو كان بانياً على عدم اعتبار الطمأنينة في التشهّد فتركها ، والمأموم يرى بعلم أو علمي وجوب هذه الأُمور.
ففي أمثال هذه الموارد يصحّ الاقتداء ، لصحّة صلاة الإمام حينئذ لدى كلّ من الإمام والمأموم حتّى واقعاً ، بحيث لو انكشف الحال وتبدّل رأي الإمام لم تجب عليه الإعادة ، لحديث «لا تعاد ...» (1)الحاكم على الأدلّة الأوّليّة والموجب لاختصاص الجزئية والشرطية فيما عدا الأركان أعني الخمسة
1) الوسائل 1 : 371 / أبواب الوضوء ب 3 ح 8.
.................................................................................................
المستثناة بحال الذكر والعلم ، وسقوطها في ظرف السهو أو الجهل القصوري أي مطلق العذر ، بناءً على التحقيق من شموله للجاهل كالناسي.
فالصلاة الصادرة عن الإمام وإن كانت باطلة بحسب الجعل الأوّلي في نظر المأموم لفقدانها الجزء أو الشرط ، لكنّها محكومة بالصحّة الواقعية بحسب الجعل الثانوي المستفاد من حديث «لا تعاد ...» ، إذ كما أنّ الأمر بالإعادة يكشف عن البطلان الواقعي في نحو قوله عليهالسلام : «من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه الإعادة» (1)فكذا نفي الإعادة الذي تضمّنه الحديث يكشف عن الصحّة الواقعية بمقتضى المقابلة كما لا يخفى.
وبالجملة : دلّ الحديث على أنّ الجزئية أو الشرطية غير الركنيةِ ذكريةٌ لا واقعية. فهذه الصلاة وإن كانت باطلة لو صدرت عن المأموم العالم بالحال لكنّها صحيحة حتّى واقعاً من الإمام المعذور والجاهل بذلك ، لاختلاف الموضوع.
فالمقام بعينه نظير ما سيذكره الماتن (قدس سره) في بعض المسائل الآتية من صحّة الاقتداء فيما لو رأى المأموم نجاسة غير معفوّ عنها في لباس الإمام وهو لا يدري ، فكما أنّ اشتمال اللباس على النجس غير مانع عن الاقتداء لجهله به ، الموجب لصحّة صلاته واقعاً في هذه الحال ، بحيث لا إعادة عليه لدى انكشاف الخلاف وإن لم تجز الصلاة فيه من المأموم العالم به ، فكذا في المقام حرفاً بحرف ، غايته أنّ الشبهة هنا حكمية وهناك موضوعية. وهذا لا يستوجب فرقاً جوهرياً في مناط البحث بالضرورة.
بل يكاد المقام يكون نظيراً لائتمام المرأة بالرجل ، حيث إنّ الواجب عليها ستر تمام بدنها في الصلاة دون الإمام. فكما أنّ اقتصار الإمام على ستر
1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 [ولا يخفى كونها مرسلة ، ولعلّ المقصود الاستدلال بما هو في مضمونها وهو ح 1 وغيره من أحاديث الباب].
وأمّا فيما يتعلّق بالقراءة في مورد تحمّل الإمام عن المأموم وضمانه له فمشكل (1)لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان بحسب معتقد المضمون عنه ، مثلاً إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة والمفروض أنّه تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به ، وكذا إذا كان قراءة الإمام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم أو نحو ذلك (1).
العورتين غير مانع من اقتدائها به ، لصحّة صلاته حينئذ حتّى واقعاً وإن لم يصحّ مثل ذلك عنها ، لأجل تعدّد الموضوع الموجب لتغاير الحكم الواقعي ، فكذا في المقام بمناط واحد.
فهذا التفصيل هو الحري بالقبول. وملخّصه : أنّ الاختلاف إن كان عائداً إلى الأركان التي هي أجزاء أو شرائط واقعية ومعتبرة في الصحّة في حالتي العلم والجهل لم يصحّ الاقتداء ، سواء أكان نظر المأموم أو مقلّده متحصّلاً من علم أو علمي. وإن كان راجعاً إلى ما عداها ممّا هي أجزاء أو شرائط ذكرية ومعتبرة في حالة العلم والالتفات خاصّة دون الجهل صحّ الاقتداء حينئذ ، من غير فرق بين العلم والعلمي أيضاً كما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا كلّه في المقام الثاني.
(1) وأمّا المقام الأوّل أعني ما يتعلّق بالقراءة ، كما لو اعتقد الإمام عدم وجوب سورة فتركها والمأموم يرى الوجوب ، أو كانت قراءته باطلة عنده من أجل تركه إدغاماً أو مدّاً لازماً ونحو ذلك ممّا يرى المأموم وجوبه دون الإمام فهل يصحّ به الائتمام؟
لا بدّ من فرض الكلام في القراءة التي يتحمّلها الإمام كما أشار إليه في المتن.
1) (*) بل الظاهر عدم جوازه إذا كان الاقتداء به حال القراءة ، وأمّا إذا كان حال الركوع فلا إشكال فيه.
نعم يمكن أن يقال (1)بالصحّة إذا تداركها المأموم بنفسه كأن قرأ السورة في الفرض الأوّل ، أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً ، بل يحتمل أن يقال إنّ القراءة في عهدة الإمام ويكفي خروجه عنها باعتقاده ، لكنّه مشكل ، فلا يترك الاحتياط بترك الاقتداء.
أمّا ما لا يتحمّل كما في الأخيرتين مع عدم استعماله مورد الخلاف في الأولتين بأن راعى الإدغام أو المدّ مثلاً الذي يعتبره المأموم في الأولتين وأهملهما في الأخيرتين ، فهو خارج عن محلّ الكلام ، ومندرج في المقام الثاني الذي مرّ البحث عنه ، ويجري فيه التفصيل المتقدّم عن الماتن من الفرق بين العلم والعلمي ، وعلى ضوء ما ذكرناه يحكم بصحّة الاقتداء حينئذ مطلقاً كما لا يخفى.
فمحلّ الكلام هنا ما يتحمّله الإمام ويضمن عن المأموم كما في الأولتين.
وقد استشكل في المتن في صحّة الائتمام حينئذ ، من أجل أنّ القراءة واجبة على المأموم وغير ساقطة عنه رأساً ، غايته أنّه يجتزي بقراءة الإمام ، وهو ضامن عنه بمقتضى النصوص المتكفّلة للضمان ، فيجب عليه الإتيان بها إمّا بنفسه أو ببدله الصحيح وهو قراءة الإمام ، والمفروض أنّ الضامن حينئذ لم يخرج عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه ، فلم يؤت لا بها ولا ببدلها الصحيح.
ثمّ احتمل الصحة فيما إذا تصدّى المأموم لتدارك النقص بنفسه ، كأن قرأ السورة أو قرأ موضع غلط الإمام صحيحاً ، إذ لا قصور في القراءة إلّا من هذه الناحية المفروض تداركها ، فقد تحقّقت القراءة الصحيحة بمجموع فعله وفعل الإمام.
واحتمل أخيراً الصحّة من غير تدارك ، بدعوى أنّ القراءة إنّما هي في عهدة الإمام ، وساقطة عن المأموم ، ويكفي خروجه عنها حسب اعتقاده.
1) (*) هذا وما ذكر بعده من الاحتمال ضعيفان جدّاً.
.................................................................................................
أقول : أمّا أوّل الاحتمالين فهو وإن كان ممكناً ثبوتاً ، ولا مانع عنه في حدّ نفسه ، إلّا أنّه لا دليل عليه في مرحلة الإثبات ، فإنّ مشروعيّة القراءة التلفيقية التي هي على خلاف الأصل تحتاج إلى دليل مفقود. وظاهر قوله عليهالسلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (1)لزوم الإتيان بتمام القراءة إمّا بنفسه أو بمن يقوم مقامه ، وهو الإمام بمقتضى أدلّة الضمان ، وأمّا المركّب منهما فهو مخالف لظاهر الأمر ، ومناف لمقتضى الأصل كما عرفت.
وأمّا ثاني الاحتمالين الذي ذكره أخيراً فهو أيضاً ساقط ، إذ المستفاد من أدلّة الضمان على اختلاف ألسنتها من أنّه يكِلها إلى الإمام ، أو يجزيك قراءته ، أو أنّه ضامن ، ونحو ذلك ، أنّ الساقط إنّما هو قيد المباشرة لا أصل القراءة ، فهي باقية على وجوبها ما لم يؤدّها بنفسها أو ببدلها الصحيح ، والمفروض انتفاء كلا الأمرين. فهذان الاحتمالان ساقطان لضعفهما جدّاً.
فيبقى الإشكال الذي ذكره أوّلاً ، وهو في محلّه ، لما عرفت في تقريره من أنّ المأموم لا يشذّ عن غيره في مشموليّته للخطاب المتعلّق بالقراءة بمقتضى عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» إذ لا تخصيص في هذا العام.
غاية الأمر ثبت اجتزاؤه في مرحلة الامتثال بقراءة الإمام على ما تقتضيه أدلّة الضمان ، وأنّه يكِلها إليه ، وقراءته قراءته ، ويكون الواجب إمّا التصدّي للقراءة أو إيكالها إلى الإمام باختيار الجماعة ، فالساقط ليس إلّا خصوص التصدّي لها بنفسه أعني قيد المباشرة دون أصل الوجوب ، فيكتفي ببدلها عوضاً عن نفسها.
ولا ريب أنّ هذا الإيكال والتضمين خاصّ بما إذا خرج الإمام عن عهدة الضمان حسب اعتقاد المضمون عنه ، كي يتحقّق البدل الصحيح الذي كلّف به المأموم عوضاً عن القراءة التي أُمر بها ، إذ لو كانت فاسدة عنده فوجودها
1) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 ، راجع ص 18 ، الهامش (1).
[1954] مسألة 32 : إذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام من جهة من الجهات ككونه على غير وضوء أو تاركاً لركن أو نحو ذلك ، لا يجوز له الاقتداء به وإن كان الإمام معتقداً صحّتها من جهة الجهل أو السهو أو نحو ذلك (1).
كالعدم ، وكأنّه صلّى خلف من لا يقرأ ، فلم تتحقّق القراءة لا بنفسها ولا ببدلها ومعه كيف يسوغ له الائتمام مع أنّه يرى أنّ هذا ركوع لا عن قراءة ، وصلاة لا عن فاتحة.
نعم ، يختص الإشكال بما إذا كانت القراءة واجبة على المأموم ، دون ما لم تجب كما لو اقتدى والإمام في الركوع من الركعة الثانية ، أو من الاولى ولم يستعمل مورد الخلاف في الثانية ، فإنّ القراءة حينئذ ساقطة عن المأموم بنفسها وببدلها ، بمقتضى الروايات المتضمّنة لإدراك الجماعة بإدراك الإمام راكعاً (1)التي لا قصور في شمولها للمقام بعد أن كانت صلاة الإمام محكومة بالصحّة حتّى واقعاً ، بحيث لو انكشف له الخلاف وتبدّل رأيه وهو في الركوع وطابق نظر المأموم لو كان نظره هو الصحيح بحسب الواقع لم يجب عليه التدارك لا أثناء الصلاة لفوات المحلّ بالدخول في الركوع ، ولا بعدها لحديث لا تعاد. فلا مانع من الاقتداء به.
نظير ما لو أدرك الإمام راكعاً مع العلم بنسيانه للقراءة ، فإنّه لا إشكال في جواز الائتمام حينئذ والدخول معه في الركوع ، لصحّة صلاته حتّى واقعاً المنكشفة من عدم لزوم التدارك ولا الإعادة لو تذكّر.
فالأظهر هو التفصيل بين ما إذا كانت القراءة واجبة على المأموم كما لو كان الاقتداء حال قراءة الإمام ، وبين ما إذا لم تجب كما لو ائتمّ به حال ركوعه فيصح الاقتداء في الثاني دون الأوّل كما ظهر وجهه مما مرّ.
(1) ممّا قدّمناه في المسألة السابقة يعلم حكم هذه المسألة ، لعدم الفرق إلّا
1) المتقدّمة في ص 100.
[1955] مسألة 33 : إذا رأى المأموم في ثوب الإمام أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها لا يعلم بها الإمام لا يجب عليه إعلامه ، وحينئذ فإن علم أنّه كان سابقاً عالماً بها ثمّ نسيها لا يجوز له الاقتداء به ، لأنّ صلاته حينئذ باطلة واقعاً ، ولذا يجب عليه الإعادة أو القضاء إذا تذكّر بعد ذلك. وإن علم كونه جاهلاً بها يجوز الاقتداء ، لأنّها حينئذ صحيحة ، ولذا لا يجب عليه الإعادة أو القضاء إذا علم بعد الفراغ. بل لا يبعد جوازه إذا لم يعلم المأموم أنّ الإمام جاهل أو ناسٍ ، وإن كان الأحوط الترك في هذه الصورة ، هذا ولو رأى شيئاً هو نجس في اعتقاد المأموم بالظنّ الاجتهادي وليس بنجس عند الإمام ، أو شكّ في أنّه نجس عند الإمام أم لا ، بأن كان من المسائل الخلافية ، فالظاهر جواز الاقتداء مطلقاً ، سواء كان الإمام جاهلاً أو ناسياً أو عالماً (1).
من حيث كون الشبهة هنا موضوعية وهناك حكمية ، فإذا علم المأموم بطلان صلاة الإمام واقعاً ، لإخلاله بما يوجب الفساد عمداً وسهواً ككونه على غير طهر ، أو تاركاً لركن وهو لا يدري ، لم يصحّ منه الاقتداء بمثل هذه الصلاة التي هي مجرّد صورة الصلاة ، وليست من حقيقتها في شيء ، ولذا وجب عليه التدارك لو انكشف له الحال في الوقت أو في خارجه.
ومجرّد اعتقاده الصحّة من أجل جهل أو سهو موجبين للخطإ في الموضوع لا يترتّب عليه إلّا العذر ما لم ينكشف الخلاف ، دون الإجزاء كما هو ظاهر وحيث إنّ الخلاف منكشف للمأموم فلا يسوغ له الائتمام بصلاة يعلم بطلانها حتّى واقعاً.
(1) إذا كان الإمام جاهلاً بوجود النجاسة غير المعفوّ عنها في ثوبه أو بدنه فبما أنّ صلاته حينئذ محكومة بالصحّة الواقعية ، لأنّ مانعية النجاسة ذكرية لا واقعية ، ولذا لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء لو علم بها بعد الفراغ ، بمقتضى حديث «لا تعاد ...» ، فلا مانع من الاقتداء به.
.................................................................................................
كما لا يجب إعلامه المستلزم لانقلاب الموضوع الواقعي من غير ضرورة تقتضيه ، فإنّ المانعية ساقطة في موضع الجهل واقعاً ، وثابتة في ظرف العلم. فهما حكمان لموضوعين ، كالمسافر والحاضر ، فلا موجب لإخراجه عن موضوع وإدراجه في موضوع آخر ، المترتّب على الإعلام.
وإذا كان الإمام ناسياً لها فحيث إنّ الصلاة حينئذ باطلة واقعاً ، ولذا تجب عليه الإعادة والقضاء لو تذكّر بعد ذلك كما دلّت عليه النصوص الخاصّة على ما سبق في أحكام النجاسات (1)فلا يصح الائتمام من المأموم العالم بذلك ، بل يلزم عليه إمّا ترك الاقتداء أو إعلامه لو أراد الاقتداء. هذا كلّه مع علم المأموم بجهل الإمام أو نسيانه.
وأمّا إذا لم يعلم أنّ الإمام جاهل أو ناسٍ فالأقوى جواز الائتمام حينئذ كما ذكره في المتن ، لاستصحاب عدم سبق علم الإمام بالنجاسة ، فيترتّب عليه صحّة صلاته التي هي الموضوع لجواز الاقتداء به. هذا كلّه في الشبهة الموضوعية.
ولو اختلفا في نجاسة شيء اجتهاداً أو تقليداً كما لو كان الإمام ممّن يرى طهارة الكتابي ، أو العصير العنبي ، أو عرق الجنب من الحرام ، أو عرق الجلّال ونحو ذلك ، وقد لاقى بدنه أو ثوبه شيئاً من هذه الأُمور ، والمأموم يرى نجاستها ، فالظاهر جواز الاقتداء به وإن كان الإمام أيضاً عالماً بالملاقاة ، فضلاً عمّا إذا كان جاهلاً أو ناسياً.
فإنّ النجاسة الواقعية لو كانت هذه الأُمور نجسة في الواقع كما يراه المأموم غير منجّزة ما لم يعلم بها ، والمفروض جهل الإمام بها لعذر في اجتهاده أو اجتهاد من يقلّده وإن كان عالماً بذات النجس ، فإنّ العبرة في العلم والجهل المحكومين بالتنجيز والتعذير تعلّقهما بالنجس بوصف كونه نجساً ، لا بذات ما
1) شرح العروة 3 : 342 - 343.
.................................................................................................
هو نجس ، ولذا لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء لو انكشف له الخلاف وتبدّل رأيه.
فحيث إنّ النجاسة حينئذ غير منجّزة ، ولا مانعية في هذه الحالة ، ولأجله كانت الصلاة محكومة بالصحّة الواقعية ، فلا مانع من جواز الاقتداء به ، وإذا كانت الحال كذلك في فرض العلم بالملاقاة فمع النسيان بطريق أولى كما لا يخفى. وأمّا مع الجهل فلا إشكال أصلاً ، إذ مع العلم بالنجاسة لا يضر الجهل بالموضوع ، فما ظنّك بالجهل بها كما هو المفروض.
هذا كلّه مع العلم بالاختلاف ، وكذا الحال مع الجهل برأيه والشكّ في أنّه نجس عند الإمام فصلّى فيه جاهلاً أو ناسياً وأمّا عالماً فلا يكاد يفرض لمنافاته العدالة كما لا يخفى أم لا ، لأصالة عدم علمه بالنجاسة ، مضافاً إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاته. ففي جميع هذه الفروض يحكم بصحّة الاقتداء كما ذكره الماتن (قدس سره).
ثمّ لا يخفى أنّ البحث عن هذه المسألة يختلف عمّا تقدّمها سابقاً من اختلاف المأموم والإمام في المسائل الاجتهادية المتعلّقة بالصلاة ، التي فصّل الماتن فيها بين العلم والعلمي ، وفصّلنا نحن بوجه آخر على ما مرّ (1)فانّ موضوع البحث هناك ما لو اختلفا فيما يعتبر في الصحّة واقعاً ، من غير فرق بين حالتي العلم والجهل بحسب الجعل الأوّلي وإن كان مختصّاً بالأوّل بمقتضى الجعل الثانوي المستفاد من حديث «لا تعاد ...» كما ذكرناه.
وأمّا النجاسة المبحوث عنها في المقام فلا مانعية لها إلّا في حالة العلم خاصّة ، دون الجهل ، لقصور المقتضي للمنع في حدّ نفسه إلّا بالإضافة إلى النجاسة المنجّزة كما عرفت ، ولأجله يحكم بصحة الائتمام هنا حتّى ولو بنينا هناك على العدم. فلا تقاس هذه المسألة بسابقتها ، ولا ارتباط بينهما ، هذا.
وربما يفصّل في جهل الإمام بالنجاسة بين ما إذا كان قاصراً أو مقصّراً في
1) في ص 301.
[1956] مسألة 34 : إذا تبيّن بعد الصلاة كون الإمام فاسقاً (1) أو كافراً ، أو غير متطهّر ، أو تاركاً لركن مع عدم ترك المأموم له ، أو ناسياً لنجاسة غير معفو عنها في بدنه أو ثوبه انكشف بطلان الجماعة ، لكن صلاة المأموم صحيحة إذا لم يزد ركناً أو نحوه ممّا يخلّ بصلاة المنفرد للمتابعة.
اجتهاده ، فيصحّ الائتمام في الأوّل دون الثاني.
وهذا التفصيل متين في حدّ نفسه ، إذ النجاسة الواقعية منجّزة في حقّه لدى التقصير ، ومعه تفسد صلاته ، فلا يصحّ الائتمام به. لكنّه غير منطبق على المقام إذ فرض تقصير الإمام مناف لعدالته كما لا يخفى ، ومحلّ الكلام ما إذا كان الإمام جامعاً لشرائط الإمامة. فلا بدّ من فرض كونه جاهلاً بالحكم عن قصور.
(1) أمّا إذا كان التبيّن قبل الدخول في الصلاة معه فلا إشكال في عدم جواز الائتمام كما مرّ (1)، وأمّا لو كان بعد الفراغ عنها فلا إشكال في بطلان الجماعة لاختلالها باختلال شرطها ممّا يعود إلى الإمام لظهور فسقه أو نحوه ، أو إلى الصلاة نفسها كوقوعها من غير طهارة ، أو فاقدة لركن ، أو مع النجاسة غير المعفوّ عنها ، ونحو ذلك.
كما لا ريب في وجوب الإعادة على الإمام حينئذ لو تبيّن له بطلان صلاته.
إنّما الكلام في المأموم ، فالمشهور صحّة صلاته وعدم وجوب الإعادة عليه. وعن الإسكافي (2)وعلم الهدى (3)وجوب الإعادة ، وعن الصدوق على ما حكاه الشيخ عنه التفصيل بين الجهريّة فلا يعيد ، والإخفاتيّة
1) في المسائل الثلاث السابقة.
2) حكاه عنه في المختلف 2 : 497 المسألة 357 [وقول ابن الجنيد مختص بالكفر والفسق فقط. نعم حكى عنه في ص 513 المسألة 373 الإعادة لو تبيّن حدث الإمام ما دام الوقت باقياً].
3) [ذكر في الناصريات : 242 وجوب الإعادة لو تبيّن حدث الإمام. وحكى الحلّي في السرائر 1 : 282 عنه الوجوب أيضاً لو تبيّن كفر الإمام أو فسقه].
.................................................................................................
فيعيد (1). ومستند المشهور روايات كثيرة ، جملة منها معتبرة ، تضمّنت نفي الإعادة صريحاً (2).
ولكن بإزائها روايات اخرى ربما يستدلّ بها لوجوب الإعادة ، ولعلّها هي مستند الإسكافي.
منها : ما عن دعائم الإسلام عن علي عليهالسلام «قال : صلّى عمر بالناس صلاة الفجر ، فلمّا قضى الصلاة أقبل عليهم فقال : أيّها الناس إنّ عمر صلّى بكم الغداة وهو جنب ، فقال له الناس : فماذا ترى؟ فقال : علَيّ الإعادة ولا إعادة عليكم ، فقال له علي عليهالسلام : بل عليك الإعادة وعليهم ، إنّ القوم بإمامهم يركعون ويسجدون ، فاذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأمومين» (3).
وفيه : أنّها ضعيفة السند بالإرسال (4)مضافاً إلى ما قيل من جواز أن يكون الأمر بالإعادة لخصوصية المورد ، وهو كون الإمام من كان ، لا لاطّراد الحكم في كلّ مورد.
ومنها : ما عن البحار عن نوادر الراوندي بسنده عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جدّه موسى بن جعفر عن آبائه عليهمالسلام : «من صلّى بالناس وهو جنب أعاد وأعاد الناس» (5).
وهي أيضاً ضعيفة ، فإنّ موسى بن إسماعيل الذي يروي الأشعثيّات وإن كان موثوقاً ، لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات (6)إلّا أنّ طريق الراوندي إلى
1) المقنع : 118 [لكن خصّه بما إذا تبيّن كفر الإمام المذكور في المقنع لفظ (يهودي) وفي الفقيه 1 : 263 ذيل ح 1200 حكى التفصيل المذكور عن جماعة من مشايخه].
2) الوسائل 8 : 371 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ، 37 ، 38.
3) المستدرك 6 : 485 / أبواب صلاة الجماعة ب 32 ح 2 ، دعائم الإسلام 1 : 152.
4) مضافاً إلى جهالة مؤلّف الدعائم كما أُشير إليه في المعجم 20 : 184 / 13102.
5) البحار 85 : 67 / 19.
6) عدل (دام ظلّه) عنه أخيراً ، لعدم كونه من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.
.................................................................................................
الرجل غير معلوم لدينا ، فتكون في حكم المرسل.
على أنّ هذه الرواية كسابقتها مع الغضّ عن سندهما قابلتان للحمل على الاستحباب ، جمعاً بينهما وبين الروايات المتقدّمة (1)، فانّ غايتهما الظهور في وجوب الإعادة ، وتلك صريحة في نفي الإعادة كما عرفت ، فيرفع اليد عن الظهور بالنصّ ، ويحمل على الندب ، فتأمّل.
ومنها : رواية العرزمي عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «صلّى علي عليهالسلام بالناس على غير طهر ، وكانت الظهر ، ثمّ دخل فخرج مناديه أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام صلّى على غير طهر فأعيدوا ، وليبلّغ الشاهد الغائب» (2).
وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها ، لعدم ثبوت وثاقة والد العرزمي ، أنّ مضمونها غير قابل للتصديق ، لمنافاته العصمة ، وعدم انطباقه على أُصول المذهب. ولا يكاد ينقضي تعجّبي من الشيخ والكليني لدى الظفر بهذه الرواية وأمثالها ممّا يخالف أُصول المذهب أنّهما كيف ينقلانها في كتب الحديث (3)المستوجب لطعن المخالفين على أُصولنا.
على أنّ مضمون هذه الرواية مقطوع البطلان ، كيف ولو كانت لهذه القصة أيّ شائبة من الحقيقة لنقلها أعداؤه ومناوئوه في كتبهم ، واشتهرت بينهم لتضمّنها أكبر طعن وتشنيع عليه عليهالسلام مع حرصهم على تنقيصه بكلّ ما تيسّر لهم ولو كذباً وافتراءً ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (4)مع أنّها ليست مشهورة عندهم
.................................................................................................
ولا منقولة في كتبهم إلّا نادراً. وكيف كان ، فهذه الرواية من الضعف والسقوط بمكان.
ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أيضمن الإمام صلاة الفريضة ، فإنّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن؟ فقال : لا يضمن ، أيّ شيء يضمن؟ إلّا أن يصلّي بهم جنباً أو على غير طهر» (1)دلّت على أنّ الإمام الذي صلّى فاسداً ضامن لصلاة المأمومين ، لبطلان صلاتهم ، أي فتجب عليهم الإعادة بعد إعلانه لهم ، هذا.
وصاحب الوسائل (قدس سره) استدلّ بها على عكس ذلك ، وأنّ الحكم بضمان الإمام حينئذ يدلّ على وجوب الإعادة عليه وعدم وجوب الإعادة على المأمومين ، وكأنّه (قدس سره) حمل الضمان هنا على معنى الضمان في باب الأموال على مسلك الخاصّة ، من تفسيره سقوط ذمّة المضمون عنه ، وانتقال ما في ذمّته إلى ذمّة الضامن ، في قبال مسلك الجمهور حيث فسّروه بضمّ ذمّة إلى ذمّة ، إذ عليه لا تكون الإعادة إلّا في ذمّة الإمام دون المأمومين ، لانتقال ما في ذمّتهم إلى ذمّته بعد كونه ضامناً عنهم.
ولكنّه كما ترى ، فانّ حمل الضمان في باب العبادات على معناه في باب المعاملات بعيد جدّاً.
والإنصاف : أنّ الرواية لا دلالة فيها لا على وجوب الإعادة على المأمومين ولا على عدم الوجوب ، فانّ مفادها أنّ صلاة المأمومين إنّما هي في عهدتهم ، وهم المكلّفون بإتيانها على وجهها من الأجزاء والشرائط ، وليست في عهدة الإمام كما يزعمه هؤلاء من إيكال الصلاة إلى الإمام وعدم إتيانهم بشيء عدا مجرّد المتابعة في الأفعال ، وكأنّ المصلّي حقيقة ليس إلّا الإمام فحسب.
فلا يتحمّل الصلاة عنهم ، ولا يتعهّد لهم بشيء عدا أن يصلّي بهم صلاة
1) الوسائل 8 : 373 / أبواب صلاة الجماعة ب 36 ح 6.
.................................................................................................
صحيحة ، حيث إنّه لازم التصدّي لمنصب الإمامة ، فلا يتعهّد ولا يضمن إلّا الإمامة بالإتيان بصلاة صحيحة جامعة للأجزاء والشرائط ، فلو خالف وصلّى بهم صلاة فاسدة كأن كان جنباً أو على غير طهر كان آثماً ومعاقباً ، لخروجه عن مقتضى تعهّده وإخلاله بوظيفته إن كان عامداً ، وإلّا فلا شيء عليه.
فذكر الجنب وعلى غير طهر من باب المثال لفساد الصلاة. وضمان الإمام حينئذ معناه الإثم الناشئ عن تخلّفه عن تعهّده ، ولا تعرّض في الصحيحة لحكم الإعادة على المأمومين نفياً ولا إثباتاً.
وكيف ما كان ، فهذه الروايات كلّها ساقطة وغير صالحة للاستدلال بها لوجوب الإعادة ، قبال هاتيك الروايات الكثيرة المعتبرة المتضمّنة لنفي الإعادة صريحاً ، التي هي مستند المشهور كما عرفت.
ثمّ إنّ تلك الروايات قد تضمّنت نفي الإعادة في مواضع أربعة :
الأوّل : ما إذا كان الإمام جنباً أو على غير طهر ، كصحيحة الحلبي : «من صلّى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء فعليه الإعادة ، وليس عليهم أن يعيدوا ...» إلخ ، ونحوها صحاح محمّد بن مسلم وزرارة وابن أبي يعفور وغيرها (1)وقد عرفت أنّ بإزاء هذه روايات اخرى تضمّنت وجوب الإعادة في نفس المورد ، كلّها ساقطة كما مرّ آنفاً.
الثاني : ما لو تبيّن كفر الإمام ، دلّت عليه مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمّهم رجل فلمّا صاروا إلى الكوفة علموا أنّه يهودي ، قال : لا يعيدون» (2).
وما رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن أبي عمير في نوادره ، وبإسناده عن زياد بن مروان القندي في كتابه : «أنّ الصادق عليهالسلام قال في رجل صلّى
.................................................................................................
بقوم من حين خرجوا من خراسان حتّى قدموا مكّة فإذا هو يهودي أو نصراني ، قال : ليس عليهم إعادة» (1).
لكن المرسلة ضعيفة عندنا وإن كانت صحيحة لدى المشهور بناءً منهم على معاملة المسانيد مع مراسيل ابن أبي عمير ، لما ذكره الشيخ من أنّه لا يروي إلّا عن الثقة (2). فانّا قد ظفرنا على روايته عن الضعاف في غير مورد ممّن ضعّفه النجاشي وغيره. فهذه الدعوى غير مسموعة كما أشرنا إليه مراراً.
على أنّ الشيخ بنفسه لم يعمل بمرسلة ابن أبي عمير في موضعين من التهذيبين ، مصرحاً بضعف الرواية من جهة الإرسال (3).
وأمّا الرواية الأُخرى فإن كان المراد بمحمد بن أبي عمير هو ابن أبي عمير المعروف المتقدّم ذكره آنفاً فالرواية مرسلة ، لأنّه من أصحاب الرضا عليهالسلام فلا يمكن روايته عن الصادق عليهالسلام بلا واسطة ، فيعود الكلام السابق من ضعفها للإرسال. وإن كان المراد به شخصاً آخر غير المعروف فهو لم يوثّق.
وأمّا القندي الذي يروي عنه الصدوق بسند آخر فهو واقفي ، بل من أحد أركان الوقف ، ولم يوثّق في كتب الرجال (4).
وعليه فلم يثبت نصّ صحيح يمكن التعويل عليه في نفي الإعادة في هذا الموضع ، أعني ما لو تبيّن كون الإمام كافراً ، لضعف الروايتين ، ولا مستند غيرهما.
الثالث : ما إذا لم يكن الإمام ناوياً للصلاة ، دلّت عليه صحيحة زرارة قال «قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو
.................................................................................................
لا ينويها صلاة ، وأحدث إمامهم ، فأخذ بيد ذلك الرجل فقدّمه فصلّى بهم أتجزيهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة؟ فقال : لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، بل ينبغي له أن ينويها صلاة وإن كان قد صلّى ، فانّ له صلاة أُخرى أي وهي الصلاة المعادة التي تستحبّ حينئذ وإلّا فلا يدخل معهم ، وقد تجزي عن القوم صلاتهم وإن لم ينوها» (1)وهي صحيحة السند صريحة الدلالة كما هو ظاهر.
الرابع : ما لو تبيّن كون الإمام على غير جهة القبلة لظلمة أو عمى ونحو ذلك ، دلت عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «أنّه قال في رجل يصلّي بالقوم ، ثمّ إنّه يعلم أنّه قد صلّى بهم إلى غير القبلة ، قال : ليس عليهم إعادة شيء» (2)، فانّ ظاهرها اختصاص الإمام بالانحراف عن القبلة كما لا يخفى. كما أنّ مرجع الضمير في «عليهم» هو القوم كما يكشف عنه الضمير المجرور السابق بمقتضى اتّحاد السياق.
وعلى الجملة : فالنصّ المتضمّن لنفي الإعادة عن المأمومين يختصّ مورده بمواضع ثلاثة ، لضعفه في الموضع الآخر ، أعني ما لو تبيّن كفر الإمام كما عرفت.
وهل يتعدّى عن الموارد المنصوصة إلى الموارد الأُخر ممّا تبيّن الخلل في صحّة الجماعة ، إمّا لعدم أهليّة الإمام للإمامة كظهور كفره أو فسقه ، بناءً على أنّ الشرط هو نفس العدالة الواقعية كما هو الصحيح على ما نطقت به النصوص لا مجرّد الوثوق وإن كان ربما يوهمه ظاهر قوله عليهالسلام : «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه وأمانته» (3)لوضوح أنّ الوثوق ملحوظ طريقاً لا موضوعاً كما لا يخفى.
.................................................................................................
وكظهور كونه امرأة أو صبيّاً مميّزاً ، بناءً على اشتراط البلوغ في الإمام كما مرّ (1).
أو لبطلان صلاة الإمام في نفسها ، لكونه تاركاً لركن دون المأموم ، كما لو سجد في سجدتيه على ما لا يصحّ السجود عليه ، أو ناسياً لنجاسة غير معفوّ عنها في ثوبه أو بدنه ، ونحو ذلك ممّا ينكشف معه بطلان الجماعة.
فهل يتعدّى عن مورد النصّ إلى هذه الموارد ، بدعوى استفادة الكلّية من مجموع الموارد المنصوصة وإن لم يستفد من آحادها ، وأنّه يعلم منها أنّ المناط في نفي الإعادة صدور الصلاة صحيحة عن المأموم ولو في اعتقاده؟
الظاهر عدم التعدّي ، لعدم وضوح مناط الحكم بعد احتمال أن يكون لتلك الموارد خصوصية لا نعرفها. فاستفادة الكلّية بإلغاء الخصوصية بحيث يكون نفي الإعادة في هذه الموارد مستفاداً من النصّ الوارد في تلك الموارد عهدتها على مدّعيها.
وعلى تقدير التسليم فإنّما يتعدّى إلى ما كانت صورة الجماعة محفوظة ولو ظاهراً كالأمثلة المتقدّمة ، وأمّا فيما لم تكن الصورة محفوظة حتّى ظاهراً ، بل كانت خيالاً صرفاً ووهماً محضاً ، كما لو رأى شبحاً يتحرّك بحركات الصلاة فتخيّل أنّه إنسان يصلّي فائتمّ به ثمّ تبيّن أنّه شاة أو حيوان آخر ، فلا مجال للتعدّي إلى مثل ذلك جزماً.
وعليه فلا بدّ من العمل في هذه الموارد بما تقتضيه القاعدة بعد قصور النصّ عن الشمول لها ، وعدم الدليل على التعدّي. والظاهر أنّ مقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة في جميع هذه الموارد حتّى في مثال الشاة ممّا لم تكن الصورة محفوظة ولو ظاهراً ، إذ لا خلل في صلاة المأموم من غير ناحية القراءة ، وهي مشمولة لحديث لا تعاد ، الذي لا قصور في شموله للمقام.
فإنّه وإن كان متعمّداً في الترك لكنّه معذور فيه ، لتخيّل الائتمام ، بناءً على ما
1) في ص 51.
.................................................................................................
هو الصحيح من شمول الحديث لمطلق المعذور ، كما مرّ نظير ذلك (1)في اختلاف المصلّيين ودعوى كلّ منهما أنّه المأموم ، حيث حكمنا هناك بالصحّة لعين ما ذكر. فالجماعة وإن كانت باطلة في هذه الموارد لفقد شرطها إلّا أنّ أصل الصلاة محكومة بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد ، فتنقلب فرادى.
وقد ذكرنا غير مرّة (2)أنّ الجماعة والفرادى ليستا حقيقتين ونوعين متباينين ، بل صلاة الظهر مثلاً طبيعة واحدة ذات فردين مختلفين في الأحكام والخصوصيات ، فهما صنفان من حقيقة واحدة ، لكلّ منهما حكم يخصّه والمصلّي قاصد لتلك الحقيقة في مرحلة الامتثال دائماً بتطبيقها على هذا الفرد مرّة وذاك اخرى ، غايته أنّه ربما يخطئ في التطبيق فيتخيّل وقوع الطبيعة في ضمن هذا الفرد فيقصد امتثالها به ، مع أنّها واقعة في ضمن الفرد الآخر.
ولا ريب أنّ هذا الخيال والاعتقاد المنكشف خلافه غير قادح في الصحّة كما لو تخيّل أنّ هذه الأرض مسجد وقد فرغت الجماعة المنعقدة فيه فصلّى من غير أذان وإقامة قبل تفرّق الصفوف كما هو من أحكام الجماعة المنعقدة في المسجد ، ثمّ تبيّن أنّه لم يكن مسجداً ، فانّ الاعتقاد المزبور غير قادح وإن رتّب الأثر ، وكذا في المقام.
فخصوصية كون الصلاة جماعة أو فرادى كخصوصية كونها واقعة في المسجد أو في الدار ، كلّ ذلك من خصوصيات الفرد ، لا يضرّ تخلّفها في مرحلة الامتثال بعد الإتيان بطبيعي الصلاة جامعة لما يعتبر فيها.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ الصلاة محكومة بالصحّة في جميع الموارد المذكورة من المنصوص وغيرها ، فلا تجب الإعادة على المأمومين للنصوص المتقدّمة ، ولحديث لا تعاد في غير الموارد المنصوصة وإن كانت الجماعة باطلة لاختلال شرطها كما عرفت.
.................................................................................................
ثمّ إنّه لا إشكال في اختصاص الصحّة في غير مورد النصّ بما إذا لم يزد ركناً للمتابعة ، إذ لا دليل على الاغتفار بعد فرض بطلان الجماعة ، فيكون مشمولاً لأدلّة الزيادة القادحة.
وأمّا في الموارد المنصوصة فربما يقال بصحّة الجماعة من هذه الجهة أي من ناحية الزيادة للمتابعة ، أو رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لدى الشكّ وإن كانت الجماعة باطلة في حدّ نفسها ، لاختلال شرطها كما عرفت. فلا تجب الإعادة على المأموم حتّى ولو زاد ركناً للمتابعة ، أو رجع إلى الامام لدى الشكّ وإن كان مبطلاً كما بين الواحد والثنتين ، استناداً إلى إطلاق النصوص النافية للإعادة في مواردها ، فإنّها تشمل حتّى لو ارتكب الأمرين المزبورين بمقتضى الإطلاق فيها ، ولا سيما في الروايتين المتقدّمتين (1)الواردتين فيما لو تبيّن كفر الإمام ، مع الغض عمّا ناقشنا في سندهما.
فإنّ المسافة بين خراسان والكوفة تناهز ثلاثمائة فرسخ تقريباً ، التي تستوعب حوالي شهرين في ذاك الزمان ، ومن المستبعد جدّاً عدم عروض الشكّ للمأموم ، ولا زيادته للركن للمتابعة طيلة هذه المدّة المديدة. فحكمه عليهالسلام بنفي الإعادة من دون استفصال عن ذلك يكشف عن الصحّة مطلقاً كما لا يخفى.
ويندفع بعدم التعرّض في تلك النصوص إلّا للصحّة من حيث انكشاف الخلل في صلاة الإمام ككونه على غير طهارة ونحو ذلك ، وليست في مقام البيان إلّا من هذه الناحية. ولا نظر فيها إلى سائر النواحي والعوارض الطارئة على صلاة المأموم من زيادة ركن لأجل المتابعة أو الرجوع إلى الإمام في الشكوك الباطلة ، ولذا لا يمكن التمسّك بإطلاق هذه النصوص لو كانت صلاة المأموم واقعة مع النجاسة في ثوبه أو بدنه نسياناً بلا إشكال ، وليس ذلك إلّا لما ذكرناه من عدم كونها ناظرة إلى البطلان من سائر الجهات. فلا إطلاق لها
1) في ص 315.
.................................................................................................
أصلاً كي يعارض بإطلاق أدلّة الزيادة القادحة أو الشكوك الباطلة بالعموم من وجه ، ويرجع في مادة الاجتماع بعد التساقط إلى أصالة البراءة ، فلا تصل النوبة إلى هذه المعارضة بعد عدم انعقاد الإطلاق من أصله كما عرفت. فإطلاق تلك الأدلّة القاضي بالبطلان في المقام هو المحكّم بعد سلامته عن المعارض ، فليتأمّل.
وأمّا الروايتان المتقدّمتان (1)الواردتان في الكفر فالأُولى منهما وهي مرسلة ابن أبي عمير ضعيفة السند كما مرّ ، وكذا الثانية في أحد طريقيها ، وهو ما يرويه الصدوق بإسناده عن محمّد بن أبي عمير في نوادره ، فانّ المراد به هو ابن أبي عمير المعروف الثقة الذي له نوادر ، دون الآخر غير المعروف الذي احتملناه سابقاً ، إذ لا نوادر له. لكنّه يروي عن الصادق عليهالسلام مع الواسطة ، لكونه من أصحاب الرضا عليهالسلام وغالب رواياته عن أصحاب الصادق عليهالسلام ، ولا يمكن روايته عنه عليهالسلام بنفسه. فالرواية مرسلة لا محالة.
وأمّا الطريق الآخر ، أعني ما يرويه الصدوق بإسناده عن زياد بن مروان القندي عن الصادق عليهالسلام فهو صحيح وإن ناقشنا فيه سابقاً ، لصحّة طريق الصدوق إلى القندي (2)كما صرح به العلامة (3)، إذ ليس فيه من يغمز فيه إلّا محمّد بن عيسى العبيدي الذي مرّ الكلام حوله سابقاً.
وملخّصه : أنّ محمد بن الحسن بن الوليد شيخ الصدوق استثنى من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما رواه عن جماعة ، منها ما تفرّد به محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس ، وقال : لا أعمل بروايته. وتبعه على ذلك الصدوق. وقال الشيخ في الفهرست : ضعيف ، استثناه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة ، وقال : لا أروي ما يختصّ بروايته (4).
.................................................................................................
لكن تضعيف الشيخ متّخذ من الصدوق على ما تشهد به عبارته ، كما أنّ الصدوق تبع شيخه ابن الوليد ، بل ليس له رأي مستقلّ إلّا ما يذكره شيخه كما نصّ عليه في كتابه (1)من تبعيّته إيّاه في عدم التصحيح ، فبالأخرة ينتهي الأمر إلى ابن الوليد.
ولكن لا يعبأ بكلامه بعد أن أنكر الأصحاب منه هذا القول كما صرّح به النجاشي حيث قال : ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى. وقد وثّقه النجاشي صريحاً وأثنى عليه (2).
ونقل عن أبي العباس بن نوح قوله : وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه ، وتبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه اللّه) على ذلك إلّا في محمّد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رابه فيه ، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة (3)، بل قال القتيبي : كان الفضل بن شاذان يحبّ العبيدي ويثني عليه ، ويمدحه ويميل إليه ، ويقول : ليس في أقرانه مثله (4).
ومع هذه التوثيقات وإنكار الأصحاب عليه لا يمكن التعويل على مقالته (5)وعليه فطريق الصدوق إلى القندي صحيح. وأمّا زياد بن مروان القندي نفسه فهو وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال ، لكنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات (6).
وعلى هذا فالرواية موصوفة بالصحّة ، ويكون هذا استدراكاً عمّا ذكرناه
1) الفقيه 2 : 55 ذيل ح 241.
2) رجال النجاشي : 333 / 896.
3) رجال النجاشي : 348 / 939.
4) رجال النجاشي : 333 / 896.
5) بل إنّ مقالته لا تدلّ على قدح في الرجل نفسه بوجه كما أشار إليه سيدنا (دام ظلّه) في معجمة 18 : 119 / 11536.
6) ولكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة ، وقد بنى (دام ظلّه) أخيراً على اختصاص التوثيق بهم ، نعم ذكر في المعجم وجهاً آخر للتوثيق ، وهو شهادة الشيخ المفيد بوثاقته. لاحظ معجم الرجال 8 : 326 / 4811، وفيه تأمّل.
وإذا تبيّن ذلك في الأثناء نوى الانفراد ووجب عليه القراءة مع بقاء محلّها (1) وكذا لو تبيّن كونه امرأة ونحوها ممّن لا يجوز إمامته للرجال خاصّة.
سابقاً (1)من عدم ورود النصّ الصحيح في ظهور كفر الإمام. إلّا أنّه لا إطلاق لها في نفي الإعادة بالنسبة إلى سائر الجهات والعوارض اللاحقة المقتضية للبطلان من زيادة الركن لأجل المتابعة ، أو عروض الشكوك المبطلة ، بل النظر مقصور على عدم القدح من ناحية ظهور كفر الإمام ، كما ذكرناه في بقيّة النصوص.
ودعوى استبعاد عدم اتّفاق مثل ذلك طيلة هذه المدّة المديدة واضحة الفساد كما يظهر لمن كان معتاداً بصلاة الجماعة ، فإنّ هذه الاتّفاقات من الفروض النادرة جدّاً ، وقد كنّا نصلّي خلف المرحوم الشيخ علي القمّي (قدس سره) سنين متمادية ، ولم يتّفق لنا شكّ ولا زيادة ركن للمتابعة. هذا كلّه فيما إذا كان التبيّن بعد الفراغ عن الصلاة ، وأمّا لو كان أثناءها فسيأتي حكمه في التعليق الآتي.
(1) وإلّا فلا شيء عليه وصحّت صلاته ، لحديث لا تعاد ، الجاري بالإضافة إلى القراءة المتروكة عن عذر وإن كان متعمّداً كما عرفت في الصورة السابقة بناءً على ما هو الصحيح من جريان الحديث في الأثناء كما بعد الفراغ ، إذ لا موجب لتخصيصه بالثاني بعد أن كان مفاده عامّاً ودالّاً على نفي الإعادة عن كلّ خلل يستوجبها ما عدا الخمس. ولا ريب أنّ الخلل كما يستوجب الإعادة لو انكشف بعد الفراغ كذلك يستوجبها لو كان الانكشاف في الأثناء ، هذا.
مضافاً إلى ورود النصّ الصحيح المتضمّن لصحّة الصلاة فيما لو انكشف في الأثناء أنّ الإمام على غير وضوء ، وهي صحيحة جميل بن درّاج عن الصادق عليهالسلام : «في رجل أمّ قوماً على غير وضوء فانصرف وقدّم رجلاً ، ولم
1) في ص 316.
.................................................................................................
يدر المقدّم ما صلّى الإمام قبله ، قال : يذكّره مَن خلفه» (1)وصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال : «سألته عن رجل صلّى بقوم ركعتين ثمّ أخبرهم أنّه ليس على وضوء ، قال : يتمّ القوم صلاتهم ، فإنّه ليس على الإمام ضمان» (2).
نعم ، روى الشهيد في الذكرى أنّ في رواية حمّاد عن الحلبي : «يستقبلون صلاتهم» (3)لو أخبرهم الإمام في الأثناء أنّه لم يكن على طهارة. لكن الرواية ضعيفة السند ، لعدم وضوح طريق الذكرى إلى حمّاد. مضافاً إلى عدم العثور عليها في شيء من كتب الأخبار ولا سيما ما جمع الكتب الأربعة وغيرها من الوسائل والبحار كما اعترف به صاحب الحدائق (قدس سره) (4)فلا تصلح لمعارضة الصحيحتين ، هذا.
وربما يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب.
وفيه : ما أشرنا إليه مراراً من أنّ الجمع المزبور إنّما يتّجه فيما إذا كان أحد الدليلين متضمّناً للأمر النفسي الظاهر في الوجوب ، فيحمل على الاستحباب بقرينة الدليل الآخر المتضمّن للترخيص في الترك ، مثل قوله : افعل ، ولا بأس بتركه.
فانّ الجمع العرفي حينئذ يقتضي ذلك ، لا سيما بناءً على مسلكنا من أنّ الوجوب ليس مدلولاً للفظ ، وإنّما يحكم به العقل مع عدم الاقتران بالترخيص في الترك ، حيث لا موضوع له حينئذ بعد فرض الاقتران المزبور.
ويمكن أن يكون من هذا القبيل ما لو تضمّن الدليلان الإعادة ونفيها فيجمع بينهما باستحباب الإعادة ، على إشكالٍ فيه كما ناقشنا سابقاً (5)ولكنّه ليس بذاك البعد.
أو مطلقاً كالمجنون وغير البالغ إن قلنا بعدم صحّة إمامته ، لكن الأحوط إعادة الصلاة في هذا الفرض (1) بل في الفرض الأوّل ، وهو كونه فاسقاً أو كافراً إلخ.
وأمّا لو تضمّن أحدهما ما فيه إرشاد إلى الفساد والبطلان صريحاً كما في المقام ، حيث تضمّنت رواية الحلبي التعبير ب- «يستقبلون صلاتهم» الكاشف عن الفساد واستئناف العمل ، وكأنّه لم يفعل ، المعبّر عنه بالفارسية ب- (از سر گرفتن) فهو غير قابل للحمل على الاستحباب ، إذ لا معنى لاستحباب الفساد ، ويعدّ الدليلان حينئذ من المتعارضين في نظر العرف. وليس الحمل على الاستحباب في مثل ذلك من الجمع العرفي في شيء.
والفرق بين هذا التعبير وبين التعبير السابق أنّ الأمر بالإعادة وإن كان ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد إلّا أنّه غير صريح فيه ، إذ ليس مؤدّاه المطابقي إلّا الإتيان بفرد ثانٍ من الطبيعة ، من غير تعرّض لحال الفرد الأوّل لولا الظهور المزبور ، ومن الجائز أن يكون مستحبّاً نفسياً كما في الصلاة المعادة ، وأمّا الاستقبال فهو كالاستئناف ناظر إلى الفرد الأوّل ، ودالّ على فساده صريحاً.
وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ الرواية ضعيفة في نفسها ، فلا تقاوم الصحيحتين الصريحتين في الصحّة إمّا مع استخلاف من يتمّ الصلاة بالقوم كما في أُولاهما ، أو من دون استخلاف كما في الثانية.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ صلاة المأموم محكومة بالصحّة بعد انقلابها فرادى ، فلا تجب عليه الإعادة ، سواء أكان الانكشاف بعد الفراغ أم أثناء الصلاة ، لحديث لا تعاد ، مضافاً إلى ورود النصّ في بعض الموارد كما عرفت.
(1) وجهه أنّه بعد أن لم يكن مورداً للنصّ وانتهى الأمر إلى الجري على مقتضى القواعد فمن الجائز عدم جريان قاعدة لا تعاد في المقام ، لاحتمال اختصاصها بالناسي كما ادّعاه بعضهم ، فخروجاً عن شبهة الخلاف كان
[1957] مسألة 35 : إذا نسي الإمام شيئاً من واجبات الصلاة ولم يعلم به المأموم صحّت صلاته حتّى لو كان المنسي ركناً إذا لم يشاركه في نسيان ما تبطل به الصلاة ، وأمّا إذا علم به المأموم نبّهه عليه ليتدارك إن بقي محلّه ، وإن لم يمكن أو لم يتنبّه أو ترك تنبيهه حيث إنّه غير واجب عليه وجب عليه نيّة الانفراد إن كان المنسي ركناً ، أو قراءة في مورد تحمّل الإمام مع بقاء محلّها بأن كان قبل الركوع ، وإن لم يكن ركناً ولا قراءة أو كانت قراءة وكان التفات المأموم بعد فوت محلّ تداركها كما بعد الدخول في الركوع ، فالأقوى جواز بقائه على الائتمام ، وإن كان الأحوط الانفراد أو الإعادة بعد الإتمام (1).
الأحوط الإعادة التي هي مقتضى قاعدة الاشتغال.
ونحوه الكلام في الفرض الأوّل ، لكنّه بالنسبة إلى بعض أمثلته ممّا كان عارياً عن النصّ كظهور فسقه أو كونه تاركاً لركن ونحو ذلك ، لعين ما ذكر ولا يتمّ في تمام الأمثلة المشار إليها بقوله : إلخ. إذ من جملتها ما لو تبيّن عدم كون الإمام متطهّراً ، حيث وردت فيه النصوص الكثيرة الصحيحة الصريحة في نفي الإعادة كما عرفت. ومجرّد خلاف الإسكافي وعلم الهدى القائلين بوجوب الإعادة مطلقاً وكذا الصدوق في خصوص الإخفاتية لا يصلح وجهاً للاحتياط بعد وضوح ضعف مستندهما ، فليتأمّل.
(1) ما نسيه الإمام تارة يكون ركناً وأُخرى غير ركن ، وعلى الثاني فتارة يكون قراءة وأُخرى غيرها ، وفي القراءة قد يكون محلّ تداركها باقياً وقد يكون فائتاً كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الإمام بعد دخوله في الركوع. هذه هي صور المسألة.
أمّا لو كان المنسي ركناً فلا إشكال في بطلان صلاة الإمام مع فوات المحلّ المستلزم لبطلان الجماعة ، كبطلان صلاة المأموم إذا شاركه في النسيان ، وإذا لم يشاركه فيه صحّت وانقلبت فرادى.
.................................................................................................
وأمّا لو كان المنسي واجباً غير ركني ما عدا القراءة كالتشهّد أو جلسة الاستراحة أو ذكر الركوع والسجود ونحوها ، نبّهه المأموم إذا علم به ، ليتدارك مع بقاء المحلّ كما هو الحال في الصورة السابقة. وأمّا لو فات المحلّ ، أو لم يمكن التنبيه لبعده عنه ، أو لم يتنبّه الإمام لكونه أصمّ مثلاً ، أو ترك التنبيه اختياراً صحّت صلاته جماعة ، وبقي على نيّة الائتمام ، فيأتي بنفسه ما نسيه الإمام ويلتحق به ، إذ لا موجب للبطلان بعد أن كانت صلاة الإمام صحيحة واقعاً.
وهل يجب عليه التنبيه؟ الظاهر لا ، كما صرّح به في المتن ، إذ لا مقتضي لإيقاع الإمام في كلفة زائدة بعد أن كانت صلاته صحيحة حتّى واقعاً ، لكون المنسي جزءاً غير ركني ، وهو مشمول لحديث لا تعاد ، الحاكم على الأدلّة الأوّلية والموجب لتخصيصها بحال الالتفات وسقوطها لدى النسيان الذي هو القدر المتيقّن من القاعدة. فلا موجب لإعلامه ليستلزم انقلاب الموضوع وصيرورته معرضاً لتكليف جديد.
وكذا الحال لو كان المنسي ركناً وإن كان المحلّ باقياً ، إذ غايته بطلان الجماعة التي هي ليست بواجبة ، فيتمّ المأموم صلاته فرادى ويدع الإمام وشأنه ، فان التفت وتدارك فهو ، وإلّا فصلاة الإمام ليست في عهدة المأموم ليجب عليه التنبيه ، هذا.
وربما يستظهر الوجوب من رواية جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : «ليكن الذين يلون الإمام منكم أُولوا الأحلام منكم والنهى ، فإن نسي الإمام أو تعايا قوّموه» (1)وصحيح محمد بن مسلم : «عن الرجل يؤمّ القوم فيغلط قال : يفتح عليه مَن خلفه» (2)وموثّق سماعة : «عن الإمام إذا أخطأ في القرآن فلا يدري ما يقول ، قال : يفتح عليه بعض مَن خلفه» (3).
أقول : أمّا الرواية فهي ضعيفة السند بمفضّل بن صالح المكنى بأبي جميلة
.................................................................................................
الراوي عن جابر ، فإنّه ضعيف كذّاب يضع الحديث كما في الخلاصة (1). وقال ابن الغضائري (2)وكذا النجاشي (3): إنّ جابر الجعفي ثقة في نفسه ، ولكن روى عنه جماعة غمز فيهم وضعّفوا وعدّ منهم المفضل بن صالح ، هذا أوّلاً.
وثانياً : أنّها محمولة على الاستحباب ، إذ لا يحتمل الوجوب بعد أن لم تكن الجماعة واجبة وكان العدول إلى الانفراد سائغاً للمأموم حتّى اختياراً كما مرّ (4). فالأمر بالتقويم محمول على الاستحباب قطعاً. فهي ضعيفة سنداً ودلالة.
وأمّا الصحيح والموثّق فهما أجنبيان عن محلّ الكلام ، إذ موردهما غلط الإمام وخطؤه في القراءة ، فهو يجهل أو يغلط ولا يدري ما يقول ، دون النسيان المبحوث عنه في المقام. مضافاً إلى المناقشة الأخيرة التي ذكرناها في رواية جابر ، فإنّها جارية هنا أيضاً كما لا يخفى. فالأقوى ما ذكره الماتن (قدس سره) من عدم وجوب التنبيه ، بل هو المتسالم عليه بينهم.
وأمّا إذا كان المنسي هي القراءة فلا ينبغي الإشكال في الصحّة مع فوات المحلّ كما لو كان التفات المأموم إلى نسيان الإمام لها بعد الدخول معه في الركوع ، لقاعدة لا تعاد القاضية بصحّة صلاة الإمام الناسي لها بلا إشكال لكونه القدر المتيقّن منها ، وكذا المأموم بناءً على ما هو الصحيح من شمولها لمطلق المعذور ، فهو نظير ما لو نسي كلّ من الإمام والمأموم لها وتذكّرا بعد الدخول في الركوع ، حيث لا شكّ في صحّة الجماعة حينئذ بمقتضى القاعدة المزبورة.
وأمّا مع بقاء المحلّ كما لو كان التفاته قبل الدخول معه في الركوع فلا ريب في عدم سقوط القراءة عنه ، لوضوح اختصاص أدلّة الضمان بما لو أتى بها
[1958] مسألة 36 : إذا تبيّن للإمام بطلان صلاته من جهة كونه محدثاً أو تاركاً لشرط أو جزء ركن أو غير ذلك (1) فإن كان بعد الفراغ لا يجب عليه إعلام المأمومين ، وإن كان في الأثناء فالظاهر وجوبه (1).
الإمام والمفروض نسيانه لها. وحينئذ فإن أمكنه التدارك والالتحاق به في الركوع مع مراعاة المتابعة العرفية لم يبعد بقاؤه على نية الائتمام ، بل هو الظاهر نظير ما لو وجب عليه التشهّد دون الإمام ، حيث مرّ (2)أنّه يأتي به ويلتحق به في القيام.
وأمّا لو لم يتمكّن لعدم إمهاله في الركوع فحيث إنّ القراءة غير ساقطة عنه لما عرفت (3)من عدم شمول أدلّة الضمان لمثل المقام ، ودليل المتابعة لا يقتضي سقوط الجزء بعد الإطلاق في كلّ من الدليلين من غير ترجيح في البين وعدم تمكّنه من الجمع بينهما حسب الفرض ، فلا محالة تبطل الجماعة وتنقلب الصلاة فرادى قهراً وبطبيعة الحال من غير حاجة إلى نيّة الانفراد ، لعدم تمكّنه من إتمامها جماعة ، كما مرّ نظيره (4)فيما لو أدرك الإمام في الركعة الثالثة أو الرابعة حال القيام ولم يمهله للقراءة ، حيث ذكرنا الانقلاب القهري هناك أيضاً ، لعين ما ذكر ، فانّ مناط البحث مشترك بين المسألتين كما لا يخفى.
والظاهر أنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) في المقام من نيّة الانفراد وبطلان الائتمام منزّل على ما هو الغالب من عدم إمهال الإمام في الركوع ، وليس ناظراً إلى صورة الإمهال التي هي فرض نادر وحكمنا فيها بصحّة الجماعة.
(1) أمّا إذا كان التبيّن بعد الفراغ من الصلاة فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الإعلام ، إذ مضافاً إلى التصريح به في بعض النصوص المتقدّمة في
.................................................................................................
المسألة الرابعة والثلاثين (1)لا مقتضي له بعد ما عرفت في تلك المسألة من صحّة صلاة المأموم حتى واقعاً ، لعدم إخلاله إلّا بالقراءة التي هي مشمولة لحديث لا تعاد.
ولو فرض بطلانها واقعاً من أجل زيادة الركن من جهة المتابعة أو الرجوع إليه في الشكوك الباطلة لم يكن ذلك مستنداً إلى الإمام كي يجب عليه الإعلام وإنّما استند إلى اعتقاد المأموم صحّة صلاة الإمام ، والمفروض مشاركة الإمام معه في هذا الاعتقاد آن ذاك ، فلم يكن تسبيب إلى البطلان من ناحيته.
ومجرّد انكشاف الخلاف بعدئذ للإمام لا يستدعي الإعلام وإيقاعه في كلفة الإعادة بعد أن كان معذوراً في تركها للاعتقاد المزبور ، فهو نظير ما لو صلّى زيد اعتماداً على استصحاب الطهارة وعمرو يعلم بكونه محدثاً ، فإنّه لا يجب عليه الإعلام بلا كلام ، فكذا في المقام ، لاتّحاد المناط كما لا يخفى.
وأمّا إذا كان التبيّن في الأثناء فبالنسبة إلى ما مضى من الأجزاء الكلام هو الكلام المتقدّم بعينه ، فإنّه ملحق بما بعد الفراغ بنفس التقريب المزبور.
وأمّا بالإضافة إلى بقيّة الأجزاء فهل يجوز له إتمام الصلاة صورة لا حقيقة فإنّه تشريع محرّم أم يجب عليه الإعلام والانصراف؟ الظاهر هو التفصيل.
فإنّه إن لم يترتّب على إمامته الصورية خلل في صلاة المأموم ولم يستوجب بطلانها جاز له ذلك ، ولم يجب الإعلام ، لعين ما مرّ.
وأمّا إذا ترتّب واستوجب البطلان كما لو علم الإمام أنّ المأموم يزيد بعدئذ ركناً للمتابعة ، أو يرجع إليه في الشكّ وإن كان هذا الفرض نادر التحقّق ، بل لا يكاد يتحقّق وجب الإعلام حينئذ ، لكونه السبب في بطلان صلاته والموقع إيّاه في مخالفة الواقع ، فكان هو الباعث لتغرير المأموم في معاملة الصحّة مع صلاته ، فعليه إثمه ، هذا.
وربما يستدلّ لوجوب الإعلام مطلقاً الذي ذكره الماتن (قدس سره) -
1) [وهو صحيحتا الحلبي وزرارة ، وقد تقدّم مصدرهما في ص 315].
.................................................................................................
تارة بالإجماع. وفيه : ما لا يخفى ، لعدم كونه إجماعاً تعبّدياً يعتمد عليه. على أنّ تحصيله صعب جدّاً ، لعدم تعرّض الأصحاب لهذه المسألة ، ولم تكن معنونة في كلماتهم إلّا نادراً.
وأُخرى : بمرسلة الصدوق قال «قال أمير المؤمنين عليهالسلام : ما كان من إمام تقدّم في الصلاة وهو جنب ناسياً ، أو أحدث حدثاً ، أو رعف رعافاً ، أو أذى في بطنه ، فليجعل ثوبه على أنفه ثمّ لينصرف ، وليأخذ بيد رجل فليصلّ مكانه ، ثمّ ليتوضّأ وليتمّ ما سبقه من الصلاة ، وإن كان جنباً فليغتسل فليصلّ الصلاة كلّها» (1).
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة بالإرسال ، فلا يعتمد عليها.
وثانياً : أنّ متنها غير قابل للتصديق ، لتضمّنه التفصيل بين الجنب والمحدث بالأصغر ، واختصاص الاستئناف بالأوّل بعد ما اغتسل ، وأمّا الثاني فيتوضّأ ويتمّ ما سبق. مع أنّ الحدث الأصغر أيضاً قاطع كالجنابة ، ولا مناص من الاستئناف في كلتا الصورتين.
على أنّ الرعاف ليس من موجبات الوضوء ، فكيف عدّه في سياق الحدث وأمر بالتوضّي بعده.
مع أنّ الاستخلاف غير واجب قطعاً لا على الإمام ولا على المأمومين لعدم كون الجماعة واجبة في نفسها ، ولهم أن يتمّوا فرادى. فالأمر بالاستخلاف كالانصراف محمول على الاستحباب.
وثالثاً : مع الغضّ عن جميع ما ذكر فهي مسوقة لبيان حكم آخر ، وهو التعرّض لكيفية صلاة الإمام لو أرادها صحيحة من الانصراف مقدّمة للتوضّي والإتمام ، أو الاغتسال والاستئناف ، وأنّه يستخلف حينئذ من يتمّ صلاة القوم دركاً لفضيلة الجماعة. وأمّا أنّ الإتمام الصوري هل هو جائز أم لا والإعلام هل هو واجب أم لا ، فلا نظر في المرسلة إلى شيء من ذلك نفياً
1) الوسائل 8 : 426 / أبواب صلاة الجماعة ب 72 ح 2 ، الفقيه 1 : 261 / 1192.
[1959] مسألة 37 : لا يجوز الاقتداء بإمام يرى نفسه مجتهداً وليس بمجتهد (1) مع كونه عاملاً برأيه ، وكذا لا يجوز الاقتداء بمقلّد لمن ليس أهلاً للتقليد إذا كانا مقصّرين في ذلك ، بل مطلقاً على الأحوط ، إلّا إذا علم أنّ صلاته موافقة للواقع من حيث إنّه يأتي بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء والشرائط ويترك كلّ ما هو محتمل المانعية ، لكنّه فرض بعيد ، لكثرة ما يتعلّق بالصلاة من المقدّمات والشرائط والكيفيات وإن كان آتياً بجميع أفعالها وأجزائها. ويشكل حمل فعله على الصحّة مع ما علم منه من بطلان اجتهاده أو تقليده.
ولا إثباتاً. فهي ضعيفة سنداً ومتناً ودلالة.
فالأقوى عدم وجوب الإعلام لا بعد الفراغ ولا في الأثناء ، فيما عدا الصورة التي ذكرناها التي هي فرض نادر التحقّق كما أشرنا إليه ، نعم هو أحوط في الأثناء ، رعاية للإجماع المدّعى عليه.
(1) أمّا إذا كان مقصّراً في اعتقاد الاجتهاد ، أو في تقليده لمن ليس أهلاً للتقليد ، فلا إشكال في عدم جواز الاقتداء به وإن طابق عمله للواقع وأتى بكلّ ما يراه المأموم معتبراً ، لفقده شرط العدالة المعتبر في الإمامة كما هو واضح.
وأمّا إذا كان قاصراً في أحد الأمرين فللمسألة صور :
الاولى : أن يعلم بمطابقة عمله للواقع ، لإتيانه بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء أو الشرائط ، وتركه لكلّ ما هو محتمل المانعية ، أو يعلم بموافقة رأيه أو رأي من يقلّده لرأي المأموم أو من يقلّده. ولا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام به حينئذ ، فإنّ صلاته صحيحة عند المأموم حسب الفرض ، وهو عادل بعد أن كان قاصراً معذوراً في زعم الاجتهاد أو التقليد الباطل ، وهذا ظاهر.
الثانية : أن يعلم بمخالفة رأيه أو رأي مقلّده لرأي المأموم أو من يقلده. وهذا على نحوين : إذ تارة يتعلّق الاختلاف بالأركان ، وأُخرى بما عداها.
.................................................................................................
أمّا في غير الأركان كما لو كان رأي الإمام جواز الاقتصار على الواحدة في التسبيحات الأربع ، أو عدم وجوب جلسة الاستراحة ، والمأموم يرى الوجوب أو التثليث ، فالظاهر جواز الائتمام أيضاً ، لصحّة صلاة الإمام حينئذ حتّى واقعاً ، بمقتضى حديث لا تعاد ، الشامل لمطلق المعذور وإن لم يتعلّق به حكم ظاهري من أجل فساد زعمه الموجب لكون ما اعتقده من الصحّة أمراً خيالياً لا شرعياً ظاهرياً ولا واقعياً ، إذ لا يدور شمول الحديث مدار تعلّق الأمر الظاهري ، بل هو عامّ لكافّة المعذورين ومنهم المقام.
فلا فرق بين ما نحن فيه وبين ائتمام أحد المجتهدين المختلفين في الفتوى بالآخر ، الذي عرفت صحّته سابقاً (1)إذا كان الاختلاف فيما عدا الأركان ، في أنّ كلا منهما مشمول لحديث لا تعاد ، وإن اختصّ أحدهما بالحكم الظاهري لصحّته في دعوى الاجتهاد دون الآخر.
وأمّا إذا تعلق الاختلاف بالأركان كما لو اختلفا في موارد التيمّم والجبيرة أو الركوع والإيماء إليه ، أو في خصوصيات الغسل ونحو ذلك ممّا هو داخل في عقد الاستثناء من حديث لا تعاد ، فحيث إنّ المأموم يرى بطلان صلاة الإمام حينئذ بحسب الواقع وإن كان هو معذوراً فيه لقصوره لا يسوغ له الائتمام به ، كما كان هو الحال في المجتهدين أو المقلّدين لمجتهدين مختلفين في الفتوى على ما ذكرناه سابقاً.
وعلى الجملة : لا فرق بين المجتهد أو المقلّد بالميزان الصحيح وبين من يزعم الاجتهاد أو من يقلّد من لا أهليّة له في جريان التفصيل الذي ذكرناه سابقاً بين الأركان وغيرها ، من صحّة الائتمام في الثاني لحديث لا تعاد دون الأوّل وأنّ الحديث إن جرى ففي كليهما ، وإلّا فلا يجري في شيء منهما. ومجرّد اختصاص أحدهما بالحكم الظاهري دون الآخر لا يصلح فارقاً فيما نحن فيه بعد شمول الحديث لمطلق المعذور كما عرفت.
1) في ص 301 - 302.
.................................................................................................
الثالثة : أن لا يعلم المأموم بموافقة رأي الإمام أو من يقلّده مع رأيه أو رأي من يقلّده ، واحتمل الاختلاف بين الرأيين. والظاهر عدم جواز الائتمام حينئذ بعد احتمال البطلان في صلاة الإمام ، وعدم طريق إلى إحراز صحّتها.
وربما يقال بالجواز ، استناداً إلى أصالة الصحّة الجارية في صلاة الإمام.
وفيه : ما لا يخفى ، لما ذكرناه في الأُصول (1)من عدم جريان الأصل المزبور في موارد احتمال الصحّة من أجل المصادفات الاتّفاقية ، من غير فرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية.
فانّ المستند في هذا الأصل إنّما هي السيرة العملية أو بناء العقلاء ، وكلاهما دليل لبّي لا بدّ من الاقتصار فيه على المقدار المتيقّن ، وهو ما إذا كان الشكّ في الصحّة ناشئاً من احتمال الإخلال في امتثال الوظيفة المعلومة لديه لغفلة ونحوها.
وأمّا مع العلم بجهله بها واحتمال الصحّة لمجرّد المصادفة الواقعية فالسيرة وبناء العقلاء غير شاملين لمثل ذلك قطعاً ، ولا أقلّ من الشكّ ، وهو كافٍ في المنع بعد أن لم يكن المستند دليلاً لفظياً كي يتمسّك بإطلاقه ، من غير فرق بين الشبهة الحكمية كما لو رأينا أحداً يصلّي على الميّت مع علمنا بعدم معرفته لكيفية الصلاة لكن احتملنا إتيانه للتكبيرات الخمس صحيحة من باب الاتّفاق ، أو الموضوعية كما لو رأينا زيداً يصلّي إلى جهة غافلاً عن القبلة ومن غير تحقيق عنها ، واحتملنا المطابقة معها صدفة واتّفاقاً ، فإنّه لا ريب في عدم جريان أصالة الصحّة في أمثال هذه الموارد.
والمقام من هذا القبيل ، إذ بعد علمنا بخطإ الإمام في اعتقاد الاجتهاد أو التقليد فهو لدينا جاهل بالحكم ، وغير عالم بالوظيفة ، فاحتمال الصحّة في صلاته حينئذ لا منشأ له عدا احتمال المصادفة للواقع من باب الاتّفاق ، ومثله
1) مصباح الأُصول 3 : 325.
[1960] مسألة 38 : إذا دخل الإمام في الصلاة معتقداً دخول الوقت والمأموم معتقد عدمه أو شاكّ فيه لا يجوز له الائتمام في الصلاة ، نعم إذا علم بالدخول في أثناء صلاة الإمام جاز له الائتمام (1)به ، نعم لو دخل الإمام نسياناً من غير مراعاة للوقت أو عمل بظنّ غير معتبر لا يجوز الائتمام به وإن علم المأموم بالدخول في الأثناء ، لبطلان صلاة الإمام حينئذ واقعاً. ولا ينفعه دخول الوقت في الأثناء في هذه الصورة ، لأنّه مختصّ بما إذا كان عالماً أو ظانّاً بالظنّ المعتبر (1).
غير مشمول لأصالة الصحّة.
والمتلخّص ممّا ذكرناه : أنّ الائتمام غير جائز في صورتين ، وهما ما إذا احتمل المأموم اختلافه مع الإمام في الرأي ، وما إذا علم بالاختلاف المتعلّق بالأركان. وجائز في صورتين أُخريين ، أعني ما إذا كان الاختلاف فيما عدا الأركان ، أو علم بموافقته معه في الرأي ، أو مع الواقع لإتيانه بكلّ ما هو محتمل الوجوب من الأجزاء والشرائط وتركه كلّ ما هو محتمل المانعية ، وإن كان هذا الفرض بعيداً ونادر التحقّق كما ذكره في المتن ، لكثرة ما يتعلّق بالصلاة من المقدّمات والشرائط والكيفيات ، ولا سيما ما يتعلّق بالطهارات من الوضوء أو الغسل أو التيمّم ، لكثرة الاختلاف في خصوصياتها كما لا يخفى ، فتدبّر جيّداً.
(1) ذكرنا في بحث المواقيت (2)أنّ المشهور فصّلوا في من صلّى وقد دخل الوقت أثناء الصلاة بين ما إذا كان معتقداً دخول الوقت أو معتمداً في ذلك على حجّة شرعية ، وبين ما إذا كان غافلاً أو مستنداً إلى ظنّ غير معتبر ، فتصحّ صلاته في الأوّل دون الثاني ، مستندين في ذلك إلى ما رواه ابن أبي عمير عن إسماعيل بن رياح (أو رباح) عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «إذا صلّيت
.................................................................................................
وأنت ترى أنّك في وقت ولم يدخل الوقت ، فدخل الوقت وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك» (1).
فإنَّ الرؤية بمعنى الثبوت الذي قد يكون وجدانياً كما في مورد الاعتقاد ، أو تعبّدياً كما في موارد الاعتماد على الحجّة الشرعية ، وأمّا الغافل الناسي عن مراعاة الوقت فلا يرى شيئاً ، لفقد الالتفات. كما أنّ المعتمد على ظنّ غير معتبر لم يكن الوقت ثابتاً عنده لا وجداناً ولا تعبّداً ، فتجب عليه الإعادة لا محالة.
وعلى ضوء هذا التفصيل ذكر الماتن (قدس سره) في المقام جواز الائتمام في الصورة الأُولى بعد ما دخل الوقت ، فإنّ صلاة الإمام وإن لم تكن صحيحة حدوثاً ، لكنّها صحيحة بقاءً حتّى واقعاً. فلا مانع من الائتمام به.
بخلاف الصورة الثانية ، لبطلان صلاة الإمام حينئذ بحسب الواقع فيما لو كان المأموم معتقداً عدم دخول الوقت ، وكذا لو كان شاكّاً ، لاستصحاب العدم فهو أي المأموم يرى عدم تعلّق الأمر بالصلاة وقتئذ إمّا جزماً أو استصحاباً ، فلا يسوغ له الائتمام.
لكنّا ذكرنا هناك أنّه لا يمكن المساعدة مع المشهور في هذا التفصيل ، لضعف الرواية المتقدّمة ، فإنّ إسماعيل بن رياح لم يوثّق. ومجرّد رواية ابن أبي عمير عنه لا يكشف عن توثيقه كما مرّ غير مرّة ، والانجبار بعمل المشهور لا نقول به كما هو المعلوم من مسلكنا ، ومقتضى القاعدة لزوم إيقاع الصلاة بتمامها في الوقت.
وعليه فالبطلان ووجوب الإعادة حتّى في الصورة الاولى أعني ما لو كان معتقداً أو معتمداً على حجّة شرعية لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط. ومنه يظهر حكم الائتمام في المقام ، وأنّ الأحوط لو لم يكن أقوى تركه مطلقاً. واللّه سبحانه أعلم.
1) الوسائل 4 : 206 / أبواب مواقيت الصلاة ب 25 ح 1.
يشترط فيه أُمور : البلوغ (1)
(1) فلا يجوز الاقتداء بالصبيّ غير المميّز بلا إشكال ، وكذا المميّز على المشهور ، بل بلا خلاف كما عن المنتهي (1)، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه. ولم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ وبعض ، حيث حكم بجواز إمامة المراهق مدعياً عليه الإجماع (2). لكن الإجماع غير ثابت ، بل ثابت العدم كما صرّح به غير واحد ممّن تأخّر عنه ، لعدم وجود القائل به صريحاً ممّن عدا الشيخ ، فضلاً عن تحقّق الإجماع ، ولم يرد ذلك في شيء من الأخبار.
نعم ، هناك روايات دلّت على جواز الائتمام بالغلام من غير تقييد بالمراهق بل في بعضها جوازه إذا بلغ عشراً ، منها :
موثّقة غياث بن إبراهيم : «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم وأن يؤذّن» (3). وقد عبّر عنها بالخبر المشعر بالضعف في كلمات غير واحد. لكنّه في غير محلّه ، فانّ غياثاً وإن كان بترياً لكنّ النجاشي وثّقه صريحاً (4).
.................................................................................................
وقد عبّر العلّامة عن السند بالحسنة (1)، ولعلّه من أجل إبراهيم بن هاشم. وكيف ما كان ، فالرواية معتبرة.
وموثّقة سماعة : «يجوز صدقة الغلام وعتقه ، ويؤمّ الناس إذا كان له عشر سنين» (2).
وموثّقة طلحة بن زيد : «لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤمّ» (3).
وقد حملها صاحب الوسائل وغيره على إمامة الغلام لمثله ، من جهة اعتبار العدالة في الإمام ، المنوطة بالبلوغ. ولكنّه كما ترى ، لإباء لفظ القوم والناس الوارد في الأُوليين عن الحمل على غير البالغ كما لا يخفى. فمقتضاها جواز إمامة الغلام حتّى للبالغين.
ولكن بإزاء هذه الأخبار ما رواه الشيخ بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن جعفر عليهالسلام عن أبيه : «أنّ علياً عليهالسلام كان يقول : لا بأس أن يؤذّن الغلام قبل أن يحتلم ، ولا يؤمّ حتّى يحتلم ، فإن أمّ جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه» (4).
والمشهور ذكروا أنّ ضعف الرواية منجبر بالعمل ، فلا تعارض بالروايات المتقدّمة الساقطة عن الحجّية بإعراض الأصحاب عنها وإن صحّت أسانيدها بعضاً أو كلّاً ، ولأجله حكموا باعتبار البلوغ في إمام الجماعة.
لكنّا لا نقول بالانجبار ، كما لا نلتزم بالإعراض على ما هو المعلوم من مسلكنا في البابين ، ومن ثمّ يشكل الحكم بالاعتبار بعد ورود النصّ الصحيح الصريح في العدم ، السليم عن المعارض على المختار ، هذا.
.................................................................................................
ولكن الذي يهوّن الخطب أنّ الرواية معتبرة وإن حكم المشهور عليها بالضعف ، إذ ليس في السند من يغمز فيه عدا غياث بن كلوب ، وهو وإن لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال ولكن يظهر من مطاوي كلمات الشيخ في العدّة توثيقه.
حيث ذكر (قدس سره) أنّه لا يعتبر في الراوي أن يكون إمامياً ، بل يكفي كونه ثقة متحرّزاً عن الكذب وإن كان عامّياً. ثمّ استشهد لهذه الدعوى بأنّ الطائفة عملت بروايات الفطحية والواقفية وبعض العامّة ، ثمّ ذكر جماعة وعدّ منهم غياث بن كلوب (1).
فيظهر منه أنّ الرجل عاميّ موثّق ، لا بمعنى توثيق رواياته من أجل عمل الطائفة بها ، بل بمعنى توثيقه بنفسه وكونه متحرّزاً عن الكذب كما ادّعاه أوّلاً مستشهداً بعملهم بروايات هؤلاء الموثّقين المتحرّزين عن الكذب ، وإن لم يكونوا من الإمامية.
نعم ، هو (قدس سره) نفسه لم يعمل بهذه الدعوى ، ولذا يقدّم خبر الإمامي لدى المعارضة ، ولم يعامل معهما معاملة المتعارضين ، ولعلّه من أجل بنائه (قدس سره) على الترجيح بصفات الراوي. وكيف ما كان ، فيستفاد من كلامه (قدس سره) توثيق الرجل صريحاً.
وعليه فالرواية تعدّ من الموثّق ، فتقع المعارضة حينئذ بينها وبين الروايات المتقدّمة ، فامّا أن تقدّم هذه عليها ، لكونها صريحة الدلالة في فساد صلاة القوم ، وتحمل تلك الروايات على إمامة الغلام لمثله وإن كان بعيداً في نفسه كما تقدّم ، أو أنّهما يتعارضان فيتساقطان (2)فيبقى جواز إمامته عارياً عن الدليل
.................................................................................................
فيرجع إلى أصالة عدم المشروعية بعد عدم وجود إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الناحية كي يرجع إليه كما لا يخفى.
هذا كلّه بناءً على شرعية عباداته. وأمّا بناءً على التمرينية فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز ، فانّ عبادته حينئذ صورة الصلاة ، وليست من حقيقتها في شيء. فكيف يسوغ الائتمام بها.
فتحصّل : أنّ الأقوى اعتبار البلوغ في إمام الجماعة كما عليه المشهور ، هذا.
وقد يتوهّم أنّ مقتضى الجمع بين النصوص حمل المانعة على ما إذا لم يبلغ الصبيّ عشر سنين ، والمجوّزة على ما إذا بلغها أو كان مراهقاً ، ويجعل الشاهد على هذا الجمع موثّقة سماعة المفصّلة بين العشر وما دونه. ومع وجود هذا الجمع الدلالي لا تصل النوبة إلى المعارضة.
وهذا الكلام أعني الجمع بين الطائفتين لوجود شاهد في البين في حدّ نفسه لا بأس به ، لكنّه غير منطبق على المقام ، لاستلزامه حمل المطلق وهي الرواية المانعة على الفرد النادر ، فانّ الاقتداء بالصبيّ الذي لم يبلغ العشر فرض نادر جدّاً ، بل لعلّه لم يتّفق خارجاً ، فكيف يمكن حمل المطلق عليه.
نعم ، حمل الروايات المجوّزة على العشر فما زاد سيما المراهق خال عن هذا المحذور ، وأمّا حمل المانعة على ما دون العشر كسبع وثمان مثلاً فهو بعيد جدّاً كما عرفت.
وبالجملة : هذا التوهّم من وضوح الفساد بمكان ، إذ يرد عليه مضافاً إلى ما ذكر أنّ الرواية المانعة غير قابلة للحمل على ما دون العشر في نفسها لقوله عليهالسلام فيها : «ولا يؤمّ حتّى يحتلم» ، إذ قد جعل فيها الاحتلام غاية للمنع ، فهي كالصريح في عدم جواز إمامته قبل بلوغه وإن زاد على العشر ، فضلاً عمّا إذا نقص عنها ، فكيف يمكن حملها على ما دونها ، فانّ لسانها آبٍ عن هذا الحمل قطعاً كما هو واضح جدّاً.
والعقل (1)
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل إجماعاً حكاه غير واحد ، كما تدلّ عليه صحيحة أبي بصير يعني ليث المرادي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال ، وعدّ منهم المجنون وولد الزنا (1).
وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال «قال أمير المؤمنين عليهالسلام : لا يصلّينّ أحدكم خلف المجنون وولد الزنا» (2). فالحكم في الجملة مسلّم لا إشكال فيه.
إنّما الكلام في المجنون الأدواري ، الذي ظاهر المشهور جواز إمامته حال إفاقته ، لعدم صدق عنوان المجنون عليه حينئذ ، وفعلية الحكم تتبع فعلية الموضوع ، فهو خارج عن مورد النصّ في هذه الحالة ، فتشمله إطلاقات أدلّة الجماعة ، ولا وجه لدعوى انصرافها عن مثله كما لا يخفى.
وما ذكره المشهور هو الأقوى ، لكن في خصوص ما إذا لم يصدق عليه عنوان المجنون ولو مسامحة حال إفاقته ، لبعد دور الجنون عن دور الإفاقة أو قلّة اتّفاقه ، كما لو كان يجنّ في الصيف ويفيق في الشتاء أو بالعكس الذي يتّفق نادراً ، فإنّه لا مانع من إمامته حينئذ حال الإفاقة ، لعدم صدق العنوان عليه بوجه حسب الفرض ، ومجرّد جنونه في زمان أو آناً ما لا يمنع عن الاقتداء به إلى الأبد. فهو حينئذ عاقل عادل ، فلا قصور في شمول مثل قوله عليهالسلام : صلّ خلف من تثق بدينه (3)لمثله.
وأمّا إذا صدق عليه العنوان ولو بضرب من المسامحة العرفية ، وأُطلق عليه لفظ المجنون حال الإفاقة ولو بالعناية ، لكثرة أدوار جنونه ، فالظاهر عدم جواز
والإيمان (1)
إمامته ، لاندراجه تحت النصوص المتقدّمة حسب الصدق العرفي ، بل الظاهر أنّ تلك النصوص ليست ناظرة إلّا إلى هذا الفرد.
ضرورة أنّ الإطباقي أو الأدواري حال جنونه غير مكلّف بشيء ، بل هو ملحق بالحيوانات ، إذ ليس المائز بينها وبين الإنسان عدا العقل المفروض سلبه عنه ، فالصلاة خلفه بمثابة الصلاة خلف البهائم في أنّ عدم جواز الاقتداء به من الواضحات التي يعرفها كلّ أحد ، بل لم يعهد الإقدام عليه من أحد ، ولعلّه لم يتّفق خارجاً ولا مرّة واحدة ، من غير حاجة إلى التنبيه عليه من الصادق أو من أمير المؤمنين عليهماالسلام في الصحيحتين المتقدّمتين.
فلا ينبغي الشكّ في أنّ الصحيحتين ناظرتان إلى حال الإفاقة ، لكن في مورد يطلق عليه المجنون ولو بالعناية والمسامحة ، دون ما لا يطلق ، حسب التفصيل الذي عرفت.
(1) أي الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر عليهمالسلام بلا خلاف ولا إشكال وقد دلّت عليه جملة من النصوص : كصحيح زرارة : «عن الصلاة خلف المخالفين ، فقال : ما هم عندي إلّا بمنزلة الجدر» (1).
وصحيح البرقي قال : «كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليهالسلام : أتجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدّك؟ فأجاب : لا تصلّ وراءه» (2).
وصحيح إسماعيل الجعفي قال «قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجل يحبّ أمير المؤمنين ، ولا يتبرّأ من عدوّه ويقول : هو أحبّ إليّ ممّن خالفه ، فقال : هذا مخلط ، وهو عدوّ ، فلا تصلّ خلفه ولا كرامة إلّا أن تتّقيه» (3).
والعدالة (1)
وصحيح ابن مهزيار قال : «كتبت إلى محمد بن علي الرضا عليهالسلام : أُصلّي خلف من يقول بالجسم ومن يقول بقول يونس؟ فكتب عليهالسلام : لا تصلّوا خلفهم ، ولا تعطوهم من الزكاة ، وابرءوا منهم برئ اللّه منهم» (1)ونحوها غيرها.
(1) أي الاستقامة في جادّة الشرع وعدم الانحراف يميناً وشمالاً. واعتبارها لدى الخاصّة ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، بل من الواضحات الغنيّة عن الاستدلال ، بل عدّها المحقّق الهمداني من ضروريات الفقه (2). فلا حاجة إلى إقامة البرهان عليه بعد إرساله الأصحاب إرسال المسلّمات ، ومع ذلك قد استدلّ له بجملة من الأخبار.
منها : ما رواه الكليني بإسناده عن أبي علي بن راشد قال «قلت لأبي جعفر عليهالسلام : إنّ مواليك قد اختلفوا ، فأُصلّي خلفهم جميعاً؟ فقال : لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (3)، ورواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد مثله إلّا أنّه زاد : أمانته (4).
أقول : أمّا رواية الشيخ فلا بأس بدلالتها ، فانّ الوثوق بأمانة الرجل بقول مطلق مرجعه إلى كونه مأموناً في كلّ ما يقول ويفعل ، المساوق لعدم التخطّي عن جادّة الشرع ، وهو معنى العدالة كما عرفت. لكن الرواية المشتملة على هذه الزيادة غير ثابتة ، بعد معارضتها برواية الكليني العارية عنها ، سيما وأنّ الكافي أضبط ، المقدّم على التهذيب لدى التعارض.
.................................................................................................
وأمّا رواية الكليني فدلالتها على اعتبار العدالة قاصرة ، فانّ الوثوق بالدين في حدّ نفسه وإن كان ظاهراً فيها ، إذ الدّين مركّب من الأُصول والفروع فالوثوق به معناه الاطمئنان بعقيدته وبالتزامه وتديّنه بما دان بعدم التعدّي عن الحدود الشرعية ، الذي هو معنى العدالة.
لكنّه في خصوص المقام لا ظهور له إلّا في الوثوق بعقيدته وأُصول دينه دون الفروع ، لقول الراوي في صدر الحديث : «إنّ مواليك قد اختلفوا ...» إلخ فإنّه ناظر إلى اختلافهم بحسب العقائد والمسالك ، حيث كان دارجاً وشائعاً يومئذ بين مواليه ، فكان منهم الواقفي والفطحي والزيدي والقدري وبعضهم من المجسمة وغير ذلك من سائر فرق العامّة ، فسأل عن جواز الصلاة خلفهم جميعاً ، فأجاب عليهالسلام إنّه «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» أي صحّة عقيدته ، فلا نظر فيها إلى الفروع بوجه كي تدلّ على اعتبار العدالة كما لا يخفى.
وبعين هذا البيان يظهر الجواب عن رواية يزيد بن حمّاد عن أبي الحسن عليهالسلام قال «قلت له : أُصلّي خلف من لا أعرف؟ فقال : لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (1)، فانّ من لا يعرفه مجهولةٌ عقيدتُه لا محالة ، هذا.
مع أنّ الروايتين كلتاهما ضعيفتان ، أمّا الأخيرة فبآدم بن محمد وعلي بن محمد ، وأمّا الاولى فبسهل بن زياد. مع أنّ في طريق الكليني شيخه علي بن محمد ، وفي طريق الشيخ إلى سهل بنُ أبي جيد (2).
ومنها : رواية البصري عن جعفر بن محمد عليهالسلام : «أنّه سأل عن القراءة خلف الإمام ، فقال : إذا كنت خلف الإمام تولّاه وتثق به فإنّه يجزيك قراءته ...» إلخ (3).
وفيه : بعد تسليم الدلالة وعدم الخدش فيها بإرادة كون الإمام من أهل
.................................................................................................
الولاية ، والوثوق بكونه كذلك لا من المخالفين ، فلا تدلّ على اعتبار العدالة. أنّ السند ضعيف ، لاشتماله على جمع من المجاهيل ، فلا يعتمد عليها.
ومنها : رواية سعد بن إسماعيل عن أبيه قال «قلت للرضا عليهالسلام : رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أُصلّي خلفه؟ قال : لا» (1).
وفيه : أنّ الدلالة وإن كانت تامّة ، لظهورها في أنّ الذنب مانع عن الإمامة وإن كان الرجل عارفاً بهذا الأمر أي شيعياً صحيح الاعتقاد لكن السند ضعيف ، فانّ سعداً وأباه إسماعيل كلاهما من المهملين.
فهذه الروايات غير صالحة للاستدلال ، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو ، نعم هناك روايات اخرى لا بأس بالاستدلال بها.
منها : موثّقة سماعة : «عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً ، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو. وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ...» إلخ (2).
فانّ المراد بالإمام العدل ليس هو المعصوم عليهالسلام جزماً ، وإلّا لقال الراوي : فخرجتَ ، بدل قوله : «فخرج الإمام» ، إذ ليس في عصره معصوم آخر غير المخاطب ، ولأجاب الإمام عليهالسلام بقوله : إن كنت أنا. بدل قوله : «إن كان إماماً عدلاً». فالمراد به الإمام العادل في مقابل الفاسق لا محالة ، فدلّت على اعتبار العدالة في إمام الجماعة.
ومنها : صحيحة عمر بن يزيد : «عن إمام لا بأس به في جميع أُموره عارف غير أنّه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال : لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً» (3).
وأن لا يكون ابن زنا (1)
دلّت على أنّ مجرّد الغلظة في الكلام لا يمنع عن الائتمام ما لم يبلغ الحرام وهو صيرورته عاقّاً قاطعاً ، لوضوح أنّ الكلام الغليظ مع الأبوين غير ملازم لاقتراف الذنب في حدّ نفسه ، بل هو أعمّ من ذلك ، فقد يكون سائغاً أو مستحبّاً ، بل واجباً ولو من أجل الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، وربما يكون حراماً كما في مورد العقوق ، فخصّ عليهالسلام المنع عن الائتمام بالصورة الأخيرة ، لتضمّنها الفسق (1)المنافي للعدالة المعتبرة في إمام الجماعة.
ومنها : موثّقة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام قال : «الأغلف لا يؤمّ القوم وإن كان أقرأهم ، لأنّه ضيّع من السنّة أعظمها ...» إلخ (2).
أمّا الرواة فكلّهم ثقاة وإن كان أكثرهم من الزيدية ، فالسند موثّق. كما أنّ الدلالة ظاهرة ، من جهة تعليل المنع عن إمامة الأغلف بتضييع السنّة ، وهي الختان ، الموجب لارتكاب الفسق والعصيان لدى التمكّن منه ، فيستفاد من التعليل المزبور بوضوحٍ المنعُ عن إمامة كلّ من شارك الأغلف في الإعراض عن السنّة وترك واجباً من الواجبات الإلهية ، المنافي للعدالة.
(1) بلا خلاف ولا إشكال ، كما دلّت عليه صريحاً صحيحتا أبي بصير وزرارة المتقدّمتان (3)اللتان عدّ فيهما ولد الزنا ممّن لا يؤمّ الناس ولا يصلّى خلفه ، المؤيّدتان بغيرهما من النصوص.
وربما يستدلّ بما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر
1) لمّا كان العقوق من أعظم الكبائر فمن الجائز ثبوت خصوصية فيه تمنع عن الاقتداء فيحتاج التعدّي إلى مطلق المحرّمات إلى القطع بعدم الفرق ، وعهدته على مدّعيه. ومنه يظهر النظر في الموثّقة الآتية المتضمّنة لتضييع أعظم السنّة.
2) الوسائل 8 : 320 / أبواب صلاة الجماعة ب 13 ح 1.
3) الوسائل 8 : 321 / أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 1 ، 2 ، وقد تقدمتا في ص 341.
.................................................................................................
عليهالسلام أنّه قال : خمسة لا يؤمّون الناس ولا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة. وعدّ منهم ولد الزنا (1).
وقد عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد منهم المحقّق الهمداني (2)بل وصاحب الحدائق في مثل هذا السند (3)اغتراراً بظاهره من كون الراوي هو الصدوق ، الذي هو من أجلّاء الأصحاب ، والذي يروي عنه محمد بن مسلم الذي هو من أعاظم الرواة ، غفلة عمّا في طريق الصدوق إليه من الضعف لاشتماله على علي بن أحمد وأحمد بن عبد اللّه ، ولم يوثّقا.
فالرواية ضعيفة ، وتوصيفها بالصحّة ناشئ عن عدم إمعان النظر في الطريق المزبور كما أشرنا إليه سابقاً (4)والعصمة لأهلها. نعم دلالتها ظاهرة ، فهي لا تصلح إلّا للتأييد.
وهل تصحّ الإمامة ممّن يشكّ في طهارة مولده؟
أمّا مع وجود الفراش فلا إشكال ، لقوله صلی اللّه عليه وآله : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (5)فيحكم بتولّده من صاحب الفراش ، ويرتّب عليه آثار طهارة المولد التي منها جواز الاقتداء به ، لالتحاقه به شرعاً وإن كان مشكوكاً وجداناً.
وأمّا مع عدم وجوده فقد يقال بترتيب آثار الطهارة ، استناداً إلى السيرة العملية من المتشرّعة القائمة على ذلك.
وفيه ما لا يخفى ، لعدم ثبوت السيرة ، إذ الفرض المزبور أعني الشكّ مع فقد الفراش نادر التحقّق ، ومعه كيف يمكن إحراز السيرة العملية كي يكون الحكم ثابتاً من باب التعبّد.
.................................................................................................
والأقوى التحاقه بطاهر المولد ، استناداً إلى أصالة عدم تولّده من الزنا ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة ، فإنّ الخارج عمّن يصلح الاقتداء به عنوان وجودي ، وهو المتولّد من الزنا كما نطقت به النصوص ، فالباقي تحت العام بعد التخصيص عنوان عدمي ، وهو من لم يكن متولّداً من الزنا.
فهذا القيد العدمي هو المعتبر في إمام الجماعة ، ولم يعتبر فيه طهارة المولد التي هي عنوان وجودي ، وإن وقع التعبير بها في كلمات غير واحد من الفقهاء ، فإنّه غير منطبق على لسان الأخبار كما عرفت.
وعليه فيمكن إحراز عدم تولّده من الزنا باستصحاب العدم الأزلي ولا يلزم إحراز طهارة المولد كي يكون الأصل المزبور مثبتاً بالنسبة إليه ، لعدم كونه موضوعاً للحكم في لسان الدليل. فيرتّب عليه آثار من لم يتولّد من الزنا من التوارث وجواز الاقتداء به ونحو ذلك.
وعلى الجملة : ليست الطهارة شرطاً للإمامة ، بل المانع كونه ولد الزنا. فالقيد المعتبر عدمي لا وجودي ، ولأجله عبّر في المتن بقوله : وأن لا يكون ابن زنا. ولم يعبّر بطهارة المولد كما عبّر بها كثير من الفقهاء. فيمكن إحراز عدم المانع بالاستصحاب كما عرفت.
ثمّ إنّه لو انكشف الخلاف بعد الصلاة ، وتبيّن كون الإمام ولد الزنا ، فلا ينبغي الإشكال في بطلان الجماعة ، إذ اعتبار المانعية كما في بقية الموانع والشرائط واقعي على ما يقتضيه ظاهر الدليل ، لا علمي.
ولكن أصل الصلاة محكومة بالصحّة ، وموصوفة بالفرادى ، وإن تخيّل المأموم انعقادها جماعة. وقد ذكرنا غير مرّة (1)أنّ الجماعة والفرادى من خصوصيات الأفراد ، وليستا حقيقتين متباينتين ، فهما طبيعة واحدة لها شكلان ، قد تخيّل المصلّي وقوعها بهذا الشكل فانكشف وقوعها
1) منها ما تقدّم في ص 60.
والذكورة إذا كان المأمومون أو بعضهم رجالاً (1)
بالشكل الآخر.
فلا خلل فيها من ناحية القصد إلى الطبيعة المأمور بها مع نيّة التقرّب غايته الإخلال بالقراءة ، ولا ضير فيه بعد أن كان معذوراً في تركها لزعم الائتمام ، ومثله مشمول لحديث لا تعاد ، كما هو الحال في تخلّف غيره ممّا يعتبر في الإمام من العدالة ونحوها كما مرّ سابقاً (1).
نعم ، لو زاد ركناً لأجل المتابعة ، أو رجع إليه في الشكوك الباطلة ، بطلت صلاته ، لأنّ هذه من أحكام الجماعة ، المفروض عدم انعقادها ، فتبطل الصلاة من أجلها كما مرّ الكلام حول ذلك مستقصى.
(1) لا إشكال في عدم جواز إمامة المرأة في الصلاة المطلوبِ فيها الاجتماع المشتملة على الخطبة كالجمعة والعيدين ، للقطع بعدم رضا الشارع بتصدّيها لمثل إلقاء الخطبة ونحوه.
كما لا إشكال في عدم الجواز فيما لو كان المأمومون كلّاً أو بعضاً رجالاً ويكفي في ذلك أصالة عدم المشروعيّة ، إذ لم يرد نصّ معتبر في المقام. وقد ذكرنا غير مرّة أنّه لا إطلاق في أدلّة الجماعة يتمسّك به لدى الشكّ في المشروعيّة ، فترتيب أحكام الجماعة مع الشكّ في انعقادها يحتاج إلى الدليل ومقتضى الأصل العدم.
مضافاً إلى الاستئناس لذلك بأنّ المطلوب من الإمام إسماع القراءة للمأمومين في الصلوات الجهريّة ، ولا يرضى الشارع بإسماع المرأة صوتها للأجنبي ، إمّا تحريماً أو تنزيهاً ، على الخلاف في ذلك.
إنّما الكلام في إمامتها لمثلها من النساء ، ولا إشكال في الجواز في مثل صلاة الميت التي هي ليست من حقيقة الصلاة في شيء ، وإنّما هي تسبيح وتهليل وذكر وتكبير ، فلا تشملها الأحكام المترتّبة على الصلاة الحقيقية ذات الركوع
1) في ص 311 وما بعدها.
.................................................................................................
والسجود. مضافاً إلى ورود النصّ الصحيح الدالّ على الجواز صريحاً (1).
فمحلّ الكلام ما عداها من سائر الصلوات ، فريضة كانت أم نافلة تشرع فيها الجماعة كصلاة الاستسقاء ونحوها. فالمشهور جواز ذلك على كراهة في الفريضة. وعن السيد (2)والجعفي (3)وابن الجنيد (4)المنع في الفريضة والجواز في النافلة ، ومال إليه غير واحد من المتأخّرين ، وربما ينسب هذا القول إلى الصدوق والكليني ، حيث اقتصرا على ذكر الروايات المشتملة على التفصيل المزبور ، بعد ملاحظة ما نبّها عليه في ديباجة الفقيه والكافي من عدم نقلهما إلّا الرواية التي يعتمدان عليها ، وتكون حجّة بينهما وبين اللّه.
وكيف ما كان ، فيظهر منهم الاتّفاق على جواز إمامتها لمثلها في النافلة المشروع فيها الجماعة ، ومحلّ الخلاف إنّما هي الفريضة ، فالمشهور على الجواز وغيرهم على المنع.
منها : موثّقة سماعة «عن المرأة تؤمّ النساء ، فقال : لا بأس به» (5)المؤيّدة بمرسلة ابن بكير : «في المرأة تؤمّ النساء ، قال : نعم ، تقوم وسطاً بينهنّ ولا تتقدّمهنّ» (6)، وبخبر الصيقل : «... ففي صلاة مكتوبة أيؤمّ بعضهنّ بعضاً؟ قال : نعم» (7)، فانّ طريق الصدوق إلى الصيقل وإن كان صحيحاً (8)لكن الرجل نفسه لم يوثّق.
ومنها : صحيحة علي بن جعفر : «عن المرأة تؤمّ النساء ما حدّ رفع صوتها
1) الوسائل 8 : 334 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3.
2) حكاه عنه في السرائر 1 : 281.
3) حكاه عنه في الذكرى 4 : 376 377.
4) حكاه عنه في المختلف 2 : 486.
5) الوسائل 8 : 336 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11 ، 10.
6) الوسائل 8 : 336 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 11 ، 10.
7) الوسائل 8 : 334 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 2.
8) الفقيه 4 (المشيخة) : 24.
.................................................................................................
بالقراءة والتكبير؟ فقال : قدر ما تسمع» (1)المؤيّدة بروايته الأُخرى المشاركة لها في المضمون وإن كانت ضعيفة بعبد اللّه بن الحسن (2)، وصحيحة علي بن يقطين التي هي بعين المضمون المتقدّم (3).
فانّ هذه الروايات وإن كانت مسوقة لبيان رفع الصوت ومقدار الجهر ولا نظر فيها إلى جواز الإمامة ابتداءً ، لكن يظهر منها المفروغية من الجواز كما لا يخفى. ومقتضى الإطلاق (4)في هذه النصوص عدم الفرق بين الفريضة والنافلة.
ولكن بإزائها ما دلّ على عدم الجواز مطلقاً ، وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال «قلت له : المرأة تؤمّ النساء؟ قال : لا ، إلّا على الميّت إذا لم يكن أحد أولى منها ، تقوم وسطهنّ معهنّ في الصفّ ، تكبّر ويكبّرن» (5).
وهناك طائفة ثالثة تضمّنت التفصيل بين المكتوبة والنافلة ، بالمنع في الأوّل والجواز في الثاني ، وهي :
صحيحة هشام بن سالم : «عن المرأة هل تؤمّ النساء؟ قال : تؤمهنّ في النافلة ، فأمّا المكتوبة فلا ، ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطهنّ» (6).
وصحيحة الحلبي (7): «تؤمّ المرأة النساء في الصلاة ، وتقوم وسطاً بينهنّ
1) الوسائل 8 : 335 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 7.
2) الوسائل 6 : 95 / أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 3.
3) الوسائل 6 : 94 / أبواب القراءة في الصلاة ب 31 ح 1.
4) يشكل انعقاد الإطلاق في الروايات الأخيرة بعد الاعتراف بعدم كونها مسوقة إلّا لبيان مقدار رفع الصوت ، فإنّ غاية ما يترتّب عليه هو المفروغية عن الجواز في الجملة لا بالجملة ، لعدم كونها بصدد البيان من هذه الجهة على الفرض.
5) الوسائل 8 : 334 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 3.
6) الوسائل 8 : 333 / أبواب صلاة الجماعة ب 20 ح 1.
7) توصيف الرواية بالصحيحة مع أنّ في السند محمد بن عبد الحميد ، ولا توثيق له من غير ناحية وقوعه في أسناد كامل الزيارات (المعجم 17 : 220 / 11055) مبني على ما كان يرتئيه (دام ظلّه) سابقاً من عموم التوثيق ، وأمّا بناءً على ما عدل إليه أخيراً من الاختصاص بالمشايخ بلا واسطة ووضوح عدم كونه منهم ، فهي غير متّصفة بالصحّة.
.................................................................................................
ويقمن عن يمينها وشمالها ، تؤمّهنّ في النافلة ، ولا تؤمّهنّ في المكتوبة» (1).
وصحيحة ابن سنان أو ابن مسكان ولو كان الأوّل فهو عبد اللّه (2)
والصحيح في السند هكذا : ابن سنان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد كما أثبته في الاستبصار 1 : 426 / 1646 ، ومن المعلوم أنّ ابن سنان الذي يروي عن ابن مسكان هو محمد ، لروايته عنه كثيراً ، ولا رواية لعبد اللّه عنه في الكتب الأربعة. إذن فالرواية ضعيفة بمحمد بن سنان.
وأمّا ما في الكافي 3 : 376 / 2 ، والتهذيب 3 : 269 / 768 من حذف (ابن مسكان) فهو سقط من القلم أو النساخ ، لما عرفت من أنّ محمد بن سنان لا يروي عن سليمان بلا واسطة ، وإنّما يروي عنه بواسطة ابن مسكان غالباً كما يعلم بمراجعة الطبقات.
عن سليمان بن خالد قال : «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن المرأة تؤمّ النساء فقال : إذا كنّ جميعاً أمّتهنّ في النافلة ، فأمّا المكتوبة فلا ، ولا تتقدّمهنّ ولكن تقوم وسطاً بينهنّ» (3).فهذه طوائف ثلاث من الأخبار ، دلّت الاولى على الجواز مطلقاً ، والثانية على المنع مطلقاً ، والثالثة على التفصيل بين المكتوبة فلا تجوز والنافلة فتجوز.
والجمع بين هذه الأخبار يمكن من وجوه :
الأوّل : جعل الطائفة الثالثة مقيّدة للإطلاق في كلّ من الأُوليين ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد ، فيحمل الجواز في الطائفة الأُولى على النافلة ، والمنع في الثانية على المكتوبة ، وتكون الطائفة الثالثة المفصّلة بينهما شاهدة لهذا الجمع. وغير خفيّ أنّ هذا الجمع هو المتعيّن كما في سائر المقامات لو لم يمنع عنه مانع خارجي في خصوص المقام.
.................................................................................................
الثاني : حمل النهي عن المكتوبة في الأخيرة على الكراهة ، وكذا في الثانية بقرينة الترخيص الذي تضمّنته الطائفة الأُولى ، تحكيماً للنصّ على الظاهر لصراحة الاولى في الجواز ، فيرفع اليد عن ظهور النهي في المنع ويحمل على الكراهة. ولا تصل النوبة إلى هذا الجمع إلّا بعد تعذّر الجمع الأوّل ، وإلّا فهو المتعيّن كما لا يخفى.
الثالث : ما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) (1)وأصرّ عليه من أنّ المكتوبة والنافلة الواردتين في الطائفة الأخيرة وصفان للجماعة ، لا للصلاة نفسها. فالممنوع إمامتها لمثلها في الجماعة الواجبة كما في صلاة الجمعة والعيدين ، دون ما كانت الجماعة مستحبّة وإن كانت ذات الصلاة فريضة كما في الصلوات اليومية.
فمفاد هذه الروايات المفصّلة بين النافلة والمكتوبة جواز إمامتها في الصلاة التي تستحبّ فيها الجماعة كالصلاة اليوميّة ، وعدم جوازها في الصلاة التي تجب فيها الجماعة كالجمعة ، ولا نظر فيها إلى التفصيل في ذات الصلاة بين الفريضة والنافلة. وبهذا جمع بين الطائفتين الأُوليين ، فحمل المجوّزة على الجماعة المستحبّة ، والمانعة على الجماعة الواجبة.
أقول : أمّا الجمع الأخير فهو أبعد الوجوه ، بل في غاية السقوط ، فانّ حمل المكتوبة والنافلة على الجماعة الواجبة والمستحبّة خلاف الظاهر جدّاً ، ولم يعهد إطلاق اللفظين في لسان الأخبار على كثرتها إلّا وصفاً لذات الصلاة ، وأمّا توصيف الجماعة بهما فلم يوجد ولا في مورد واحد.
وكيف يمكن حمل قوله عليهالسلام في هذه الصحاح «تؤمّهنّ في النافلة ...» إلخ على ما ذكره ، فانّ ظاهر الظرفية بل صريحها ملاحظة الإمامة في صلاة متّصفة بالنفل تارة وبالفرض اخرى ، لا في جماعة كذلك ، إذ لا معنى لقولنا تؤمّهنّ في الجماعة ، كما لا يخفى.
1) الحدائق 11 : 189.
.................................................................................................
فالمراد بالنافلة هي صلاة النافلة ، وبالمكتوبة هي صلاة الفريضة بلا ارتياب. والوجوه التي سردها لتعيين ما استظهره غير خالية من المناقشة ، كما لا يخفى على من لاحظها.
وأمّا الجمع الأوّل : فهو في حدّ نفسه نعم الجمع ، بل هو المتعيّن كما عرفت لولا المحذور اللازم منه في خصوص المقام ، وهو حمل المطلق على الفرد النادر فانّ المراد بالنافلة التي تجوز إمامتها فيها بعد وضوح أنّه لا جماعة في النافلة عدا ما استثني أمّا صلاة الاستسقاء أو الصلاة المعادة.
أمّا الأُولى : فلم يعهد تصدّي النساء لها ، ولعلّها لم تتّفق في الخارج ولا مرّة واحدة ، وعلى تقدير الوقوع فهو في غاية الندرة والشذوذ ، فكيف يمكن حمل المطلق عليها.
وأمّا الثانية : فهي ليست من النافلة في شيء ، بل هي فريضة يستحبّ إعادتها جماعة ، فالاستحباب والنفل وصف للإعادة ، لا للمعادة ولذات الصلاة ، ولذا لا تجري عليها أحكام النافلة. فلو زاد فيها ركناً سهواً بطلت ، ولو عرضها الشكّ في الركعات لحقه أحكام الشكّ في الفريضة من البناء على الأربع ونحوه. فهي عين الفريضة في ماهيّتها ، غير أنّه يستحبّ إعادتها جماعة ، فكيف يمكن إرادتها من النافلة المذكورة في هذه الأخبار.
ومع الغضّ عن ذلك فلا شكّ أنّ الفريضة المعادة جماعة نادرة جدّاً من الرجال فضلاً عن النساء.
وعلى الجملة : حمل المطلقات الواردة في الطائفة الأُولى مثل موثّقة سماعة وما يحذو حذوها ، المتضمّنة لجواز إمامة المرأة لمثلها مطلقاً على النافلة التي لا مصداق لها غير صلاة الاستسقاء أو بضميمة المعادة ، اللتين قلّما تتّفقان خارجاً ، حمل للمطلق على الفرد النادر. فلا يمكن المصير إليه.
ومنه تعرف أنّ المتعيّن في المقام إنّما هو الجمع الثاني ، ونتيجة ذلك الالتزام بجواز إمامتها في الفريضة كالنافلة على كراهة بمعنى أقلية الثواب كما عليه المشهور.
وأن لا يكون قاعداً للقائمين ، ولا مضطجعاً للقاعدين ، ولا من لا يحسن القراءة بعدم إخراج الحرف من مخرجه أو إبداله بآخر أو حذفه أو نحو ذلك حتّى اللحن في الإعراب ، وإن كان لعدم استطاعته غير ذلك (1).
[1961] مسألة 1 : لا بأس بإمامة القاعد للقاعدين ، والمضطجع لمثله (1)والجالس للمضطجع.
[1962] مسألة 2 : لا بأس بإمامة المتيمّم للمتوضئ ، وذي الجبيرة لغيره ومستصحب النجاسة من جهة العذر لغيره ، بل الظاهر جواز إمامة المسلوس والمبطون لغيرهما فضلاً عن مثلهما ، وكذا إمامة المستحاضة للطاهرة.
[1963] مسألة 3 : لا بأس بالاقتداء بمن لا يحسن القراءة في غير المحلّ الذي يتحمّلها الإمام عن المأموم كالركعتين الأخيرتين على الأقوى ، وكذا لا بأس بالائتمام بمن لا يحسن ما عدا القراءة من الأذكار الواجبة والمستحبّة التي لا يتحمّلها الإمام عن المأموم إذا كان ذلك لعدم استطاعته غير ذلك.
(1) تعرّض (قدس سره) لإمامة الناقص للكامل في ضمن فروع يجمعها أنّ الاختلاف بينهما قد يكون في الشرائط كما لو كان الإمام متيمّماً والمأموم متوضّئاً أو مغتسلاً ، أو كانت صلاة الإمام في الثوب النجس لعذر من انحصار أو اضطرار ، والمأموم يصلّي في الثوب الطاهر.
وقد يكون في الأفعال ، وهذا قد يكون في الهيئات كإمامة القاعد للقائم أو المضطجع للقاعد ، وقد يكون في الأذكار ، وهذا أيضاً تارة يفرض في القراءة ، وأُخرى فيما عداها من سائر الأذكار كالتشهّد أو ذكر الركوع والسجود ونحوهما.
وهذا الضابط ينطبق على جميع الفروع التي ذكرها الماتن (قدس سره). ونتعرّض لكلّ واحد منها بخصوصه.
1) (*) ائتمام المضطجع بمثله أو بالقاعد محلّ إشكال ، بل منع.
.................................................................................................
أمّا إذا كان الاختلاف في الشرائط فلا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام لصحّة صلاة الإمام حتّى واقعاً ، التي هي المناط في صحّة الاقتداء به والمفروض حصول المتابعة في جميع أفعال الصلاة ، وعدم الاختلاف بينها في هيئتها ، فلا قصور في شمول إطلاقات الجماعة لمثله. فجواز الائتمام حينئذ مطابق للقاعدة.
مضافاً إلى صحيحة جميل الصريحة في جواز إمامة المتيمّم لغيره ، قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : إمام قوم أصابته جنابة في السفر ، وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل ، أيتوضّأ بعضهم ويصلّي بهم؟ قال : لا ، ولكن يتيمّم الجنب ويصلّي بهم ، فانّ اللّه جعل التراب طهوراً» (1)، فانّ المستفاد من التعليل المذكور في ذيلها الاكتفاء في صحّة الاقتداء بصحّة صلاة الإمام واقعاً ، فيتعدّى إلى كلّ مورد كان كذلك ، بمقتضى عموم العلّة كما لا يخفى.
ولا معارض للصحيحة وما بمضمونها من الروايات الدالّة على جواز إمامة المتيمّم لغيره عدا موثّقة السكوني الآتية ، التي يجمع بينهما بالحمل على الكراهة كما ستعرف. والظاهر أنّ المسألة متسالم عليها بينهم من غير خلاف يعرف.
وأمّا إذا كان في الأفعال وراجعاً إلى الهيئات فقد ادّعي الإجماع على عدم جواز إمامة الناقص للكامل.
لكنّ الإجماع منقول لا يعتمد عليه ، وعلى تقدير كونه محصّلاً وتحقّق الاتّفاق من الكلّ فمن الجائز أن لا يكون تعبّدياً ، لاحتمال استناد المجمعين إلى الوجوه الآتية من الروايات أو غيرها. فلا يمكن التعويل عليه ، هذا.
وقد استدلّ لعدم الجواز بجملة من الأخبار :
منها : موثّقة السكوني «لا يؤمّ المقيّد المطلقين ، ولا صاحب الفالج الأصحّاء ولا صاحب التيمّم المتوضّئين ...» إلخ (2)، بدعوى ظهورها في أنّ علّة المنع هي
.................................................................................................
نقصان صلاة الإمام ، فيستفاد منها كبرى كلّية ، وهي عدم جواز إمامة الناقص للكامل. والموارد المذكورة فيها من باب المثال لهذه الكلّية ، نعم المنع عن إمامة المتيمّم للمتوضئ محمول على الكراهة ، جمعاً بينها وبين صحيحة جميل المتقدّمة الصريحة في الجواز.
ونوقش فيها تارة بضعف السند كما عن المحقّق الهمداني (قدس سره) (1)وغيره.
وفيه : أنّ السكوني عامّي موثّق ، والنوفلي الراوي عنه وإن لم يوثّق صريحاً لكنّه من رجال كامل الزيارات (2). فالرواية موثّقة عندنا كما وصفناها بها.
وأُخرى : بقصور الدلالة ، وهو في محلّه ، فإنّ العلّة المذكورة مستنبطة ، وإلّا فالرواية في نفسها غير مشتملة على التعليل كي يستفاد منه الكلّية. فلا دليل على التعدّي ، ومن الجائز اختصاص الحكم بالموارد المذكورة فيها ، فمقتضى الجمود على النصّ الاقتصار على مورده كما لا يخفى.
ومنها : رواية الشعبي (3)الموافق مضمونها مع الرواية المتقدّمة.
وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها أنّها قاصرة الدلالة ، لعين ما مرّ.
ومنها : مرسلة الصدوق قال «قال أبو جعفر عليهالسلام : إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله صلّى بأصحابه جالساً فلمّا فرغ قال : لا يؤمّنّ أحدكم بعدي جالساً» (4)، فإنّ إطلاقها وإن اقتضى المنع عن إمامة الجالس لمثله لكن ثبت جوازه بالنصّ ، فيتقيد به الإطلاق ويحمل على إمامة الجالس للقائم.
ولكنّها مع جهة الإرسال غير صالحة للاستدلال. مضافاً إلى أنّ أقصاها المنع عن إمامة الجالس للقائم ، وأمّا عدم جواز إمامة الناقص للكامل بقول
.................................................................................................
مطلق مثل إمامة المضطجع للقائم أو القاعد فلا تكاد تدلّ عليه ، بل لم يرد ذلك في شيء من النصوص.
وقد يقال : إنّ هذه النصوص وإن كانت ضعيفة السند لكنّها منجبرة بعمل الأصحاب.
وفيه : أنّ الانجبار ممنوع كبرى كما مرّ غير مرّة ، وكذا صغرى ، لعدم وضوح استناد الأصحاب إلى هذه الروايات ، ومن الجائز استنادهم إلى شيء آخر ممّا سنذكره.
ولعلّه من أجل ما ذكرناه أعني ضعف هذه الروايات وعدم تحقّق الإجماع التعبّدي أفتى صاحب الوسائل (قدس سره) بالكراهة ، حيث قال : باب كراهة إمامة الجالس القيّام وجواز العكس (1)وإن كان منفرداً في هذا القول ، إذ لم ينسب ذلك إلى أحد من الأصحاب ، ومن هنا طعن عليه صاحب الحدائق بقوله : ومن غفلات صاحب الوسائل أنّه تفرّد بالقول بالكراهة (2).
وكيف ما كان ، فالأقوى عدم جواز ائتمام الكامل بالناقص مطلقاً ، لأصالة عدم المشروعية بعد أن لم يكن إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة ، فإنّ الصلاة جماعة تتضمّن أحكاماً خاصّة من سقوط القراءة ، واغتفار زيادة الركن لأجل المتابعة ، ورجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لدى الشكّ. ولا بدّ في ترتيب هذه الأحكام من الجزم بالمشروعية ، فمع الشكّ كان المرجع الأدلّة الأوّلية النافية لها ، التي مرجعها إلى أصالة عدم المشروعية.
والوجه في ذلك : ما ذكرناه سابقاً (3)من أنّ الائتمام يتقوّم بالمتابعة ، ولا ريب أنّ مفهوم التبعية يستدعي مشاركة التابع مع المتبوع في كلّ فعل يصدر عنه من قيام وقعود وركوع وسجود ، بأن يكون الفعلان من سنخ واحد وبهيئة واحدة. ومجرّد الاشتراك في إطلاق عنوان الركوع مثلاً عليه مع الاختلاف
.................................................................................................
في السنخ والتغاير في الهيئة غير كافٍ في صدق المتابعة عرفاً كما لا يخفى.
وعليه فلو صلّى الإمام جالساً ، فإن تابعه المأموم في ذلك وصلّى بتلك الكيفية فقد أخلّ بوظيفته من الصلاة قائماً حسب الفرض ، وإلّا فقد أخلّ بالمتابعة في قيامه وركوعه. فمثلاً عند ما يركع الإمام أو يرفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأُولى ويبقى جالساً لعجزه عن القيام فان تبعه المأموم فقد صنع خلاف وظيفته ، وإلّا فقد تخلّف عنه في الأفعال.
ومن المعلوم أنّ التخلّف عنه فيها قادح في صدق المتابعة إلّا فيما دلّ الدليل على جوازه كما في المأموم المسبوق بركعة ، حيث إنّه يتخلّف في الركعة الثانية له الثالثة للإمام بمقدار التشهّد ، ثمّ يلتحق به في القيام ، ولم يرد مثل هذا الدليل في المقام كما هو ظاهر.
فان قلت : مقتضى هذا البيان عدم جواز ائتمام الناقص بالكامل أيضاً عكس الصورة المتقدّمة ، فلا يجوز ائتمام القاعد بالقائم ، بعين التقريب المتقدّم من لزوم الإخلال بالمتابعة لو صلّى قاعداً ، وعدم الإتيان بالوظيفة على التقدير الآخر مع أنّه جائز بلا إشكال.
قلت : الفارق بعد الإجماع هو النصّ الدالّ على الجواز في هذه الصورة المقتضي للتخصيص في دليل المتابعة ، وهو قوله عليهالسلام في صحيح علي ابن جعفر : «... فان لم يقدروا على القيام صلّوا جلوساً ، ويقوم الإمام أمامهم» (1)فليتأمّل ، المؤيّد بخبر أبي البختري : «المريض القاعد عن يمين المصلّي جماعة» (2)، وهو مفقود في المقام.
ومعه يرجع إلى أصالة عدم المشروعية بعد الإخلال بمفهوم المتابعة كما عرفت ، وإلّا فلولا النصّ كان مقتضى القاعدة عدم الجواز في كلتا الصورتين لاتّحاد المناط.
.................................................................................................
على أنّه يمكن الفرق بينهما ثبوتاً أيضاً ، بصدق المتابعة في هذه الصورة دون ما نحن فيه ، فانّ مفهوم المتابعة لا يستدعي عرفاً إلّا التبعية بالمقدار الممكن وعلى حسب قدرة التابع وطاقته ، فلا يلزمه الإتيان إلّا بالمقدار الميسور ممّا يفعله المتبوع.
وعليه فحيث إنّ المأموم عاجز عن الصلاة قائماً فيكفي في صدق المتابعة عرفاً الإتيان بما يحسنه من الأفعال على حسب طاقته ، وهذا بخلاف العكس أعني ائتمام القائم بالقاعد فإنّه متمكّن من متابعة الإمام في القعود والصلاة جالساً ، فان فعل كذلك فقد ارتكب ما هو خلاف وظيفته ، وإلّا فقد أخلّ بالمتابعة كما عرفت.
وممّا ذكرنا يظهر الحال في ائتمام القاعد بالمضطجع أو القائم به ، وأنّه لا يجوز لعين ما مرّ حرفاً بحرف ، فلا نعيد.
وكذا الحال في عكسه أعني ائتمام المضطجع بمن يصلّي جالساً أو قائماً للإخلال بالمتابعة بعد الاختلاف في الهيئة الصلاتية. وما ذكرناه آنفاً من الفرق الثبوتي غير مجدٍ هنا بعد عدم مساعدة الدليل في مقام الإثبات ، إذ لم يرد هنا نصّ بالخصوص كما ثبت هناك أعني في ائتمام الجالس بالقائم وقد عرفت أنّ مقتضى الأصل عدم مشروعية الجماعة لدى الشكّ فيها.
ومنه تعرف عدم جواز ائتمام المضطجع بمثله ، فإنّهما وإن كانا متوافقين في الهيئة الصلاتية لكن الدليل قاصر عن إثبات المشروعية في مثل ذلك ، إذ لم يرد فيه نصّ خاصّ ، ولا إطلاقَ في أدلّة الجماعة بالإضافة إلى حالات المصلّي من الصلاة قائماً أو جالساً أو مضطجعاً ، بل هي منصرفة إلى ما هو المتعارف من الصلاة الاختيارية لكلّ من الإمام والمأموم ، مثل ما ورد فيها من أنّ المأموم الواحد يقف على يمين الإمام إن كان رجلاً ، وخلفه إن كان امرأة ، ونحو ذلك من موارد تلك الإطلاقات ، فإنّها منصرفة إلى المتعارف كما ذكرنا ، وأمّا الصلاة الاضطرارية العذريّة لأحدهما أو كليهما فهي خارجة عن منصرف تلك النصوص.
.................................................................................................
ومنه يظهر ما في دعوى صاحب الجواهر من عدم الإشكال في جواز ائتمام كلّ مساوٍ بمساويه في النقص والكمال (1)، فإنّه في حيّز المنع في ائتمام المضطجع بمثله ، لما عرفت من عدم النصّ الخاصّ ، وقصور الإطلاقات عن الشمول لمثله ومقتضى الأصل عدم المشروعية.
نعم ، لا مانع من ائتمام الجالس بمثله ، لقيام النصّ على الجواز ، وهو ما ورد في كيفية صلاة العراة كصحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «عن قوم صلّوا جماعة وهم عراة ، قال عليهالسلام : يتقدّمهم الإمام بركبتيه ، ويصلّي بهم جلوساً وهو جالس» (2)، ونحوه غيره.
والمتلخّص من جميع ما ذكرناه : عدم جواز الائتمام لدى الاختلاف في الهيئة الصلاتية من حيث النقص والكمال ، فلا يجوز ائتمام الكامل بالناقص ولا عكسه ، ما عدا صورة واحدة وهي ائتمام القاعد بالقائم. وكذا مع الاتّحاد في النقص إلّا في ائتمام الجالس بمثله ، لقيام الدليل على الجواز في الموردين المزبورين ، فيبقى ما عداهما من بقيّة الصور العارية عن النصّ تحت أصالة عدم المشروعية ، بعد عدم الإطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة حسبما عرفت.
هذا كلّه فيما إذا كان الاختلاف في أفعال الصلاة وهيئتها.
وأمّا إذا اختلفا في الأذكار : فقد عرفت أنّ ذلك قد يكون في القراءة التي يتحمّلها الإمام ، وقد يكون فيما عداها من سائر الأذكار كالتشهّد وذكر الركوع والسجود ونحوها.
أمّا في غير القراءة كما لو كانت آفة في لسان الإمام لا يتمكّن معها من أداء الشين في التشهّد على وجهه ، ويبدله بالسين كما اتّفق لبلال ، فلا ينبغي الإشكال في جواز الائتمام ، لصحّة صلاة الإمام حينئذ حتّى واقعاً.
.................................................................................................
ومن الواضح عدم التحمّل في الأذكار ، وأنّ المأموم هو الذي يأتي بوظيفته منها ، سواء أتى الإمام بها أم كان معذوراً فيها. فلا ائتمام بالإضافة إليها فلا مانع من صحّة الاقتداء بوجه ، إذ حال الاختلاف من هذه الجهة حال الاختلاف في الشرائط كالوضوء والتيمّم ممّا لا يوجب الاختلاف في الهيئة الصلاتية ، وقد عرفت فيما مرّ (1)عدم الإشكال في جواز الائتمام حينئذ.
وأمّا في القراءة فهل يصحّ الاقتداء بمن لا يحسنها إمّا لعدم أداء الحرف من مخرجه ، أو لحذفه ، أو لإبداله بحرف آخر كمن يبدل الضاد بالزاء في مثل ( وَلَا الضّالِّينَ ) أو الراء بالياء في مثل ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ونحو ذلك؟
الظاهر عدم الصحّة كما عليه المشهور ، بل ادّعي عليه الإجماع ، إذ لا يخلو إمّا أن يجتزئ المأموم بقراءة الإمام ، أو يأتي بنفسه بالمقدار الذي لا يحسنه.
لا سبيل إلى الأوّل بعد فرض الخلل في قراءة الإمام وإن كان معذوراً فيه لمكان العجز ، إذ المعذورية لا تستدعي إلّا الاجتزاء بها عن نفسه لا عن المأموم ، ومن المعلوم اختصاص أدلّة الضمان بالقراءة الصحيحة ، فهي منصرفة عن المقام.
وعلى الجملة : دليل التحمّل لا يقتضي سقوط القراءة عن المأموم رأساً ، بل مفاده كما مرّ (2)الاجتزاء في مرحلة الامتثال بقراءة الإمام وإيكالها إليه ، وكأنّ قراءتَه قراءتُه ، فلا بدّ إمّا من الإتيان بها بنفسه بأن يصلّي فرادى ، أو ببدله بأن يكِلها إلى الإمام ، والمفروض بطلان قراءة الإمام لو صدرت عن المأموم لقدرته على الإتيان بها صحيحة ، وإن صحّت عن الإمام العاجز ، فوجودها بالإضافة إلى المأموم كالعدم. فلم تتحقّق لا بنفسها ولا ببدلها ، فلا يمكن الاجتزاء بقراءة الإمام.
وأمّا الثاني أعني الإتيان بنفسه - : فهو أيضاً غير صحيح ، إذ المستفاد من
.................................................................................................
أدلّة الجماعة الملازمة بين صحّتها وبين تحمّل الإمام وإيكال القراءة بتمامها إليه ولم يعهد من الشرع جماعة تجب فيها القراءة كلّاً أو بعضاً على المأموم في الأولتين للإمام ، بحيث لا يتحمّل عنه فيهما. ومع الشكّ كان المرجع أصالة عدم المشروعية.
وهل اللحن في الإعراب وإن كان لعدم استطاعته على الصحيح يلحق بما ذكر؟ اختار في المبسوط العدم ، فجوّز إمامة الملحن للمتقن ، سواء غيّر المعنى أم لا (1). وعن السرائر الجواز فيما إذا لم يغيّر المعنى (2).
والأقوى عدم الجواز مطلقاً ، فيلحق اللحن بما سبق ، فإنّ القراءة الملحونة وإن لم تغيّر المعنى ليست من القرآن في شيء ، إذ الذي نزل من السماء على قلب خاتم الأنبياء صلی اللّه عليه وآله إنّما هي القراءة الصحيحة الخالية عن اللحن ، وهي المأمور بها في الصلاة ، فالإخلال بها وإن كان عن عذر يمنع عن صحّة الاقتداء ، إذ غاية ما يترتّب على العجز معذوريته ، لا صحة تحمّله كما عرفت. فالمسألتان من واد واحد.
والمتلخّص من جميع ما سردناه لحدّ الآن : أنّ الاختلاف بين الناقص والكامل إن كان في الشرائط كإمامة المتيمّم للمتوضّئ ، أو ذي الجبيرة لغيره أو مستصحب النجاسة في ثوبه أو بدنه من جهة العذر لغيره ، أو المسلوس والمبطون لغيرهما ، أو المستحاضة حتّى الكبيرة مع العمل بوظيفتها للطاهرة ففي جميع ذلك يصحّ الائتمام ، لصحّة صلاة الإمام واقعاً ، وعدم الإخلال بالمتابعة في الأفعال بعد الاتّحاد في الهيئة الصلاتية.
وقد عرفت أنّ النصوص دلّت على جواز إمامة المتيمّم للمتوضّئ ، ولا سيما التعليل الوارد في ذيل صحيحة جميل ، المستفاد منه كبرى كلّية ، وهي الاكتفاء في صحّة الاقتداء بصحّة صلاة الإمام واقعاً ، فيتعدّى إلى الاختلاف في سائر
.................................................................................................
الشرائط ، لما مرّ. نعم يعارضها موثّقة السكوني المانعة من إمامة المتيمّم لغيره المحمولة على الكراهة جمعاً.
وإن كان في الأفعال فلا يجوز الائتمام إلّا في القاعد بالقائم أو بمثله ، لأصالة عدم المشروعية بعد فقد النصّ في غيرهما ، وعدم إطلاق في أدلّة الجماعة من هذه الجهة ، مضافاً إلى الإخلال بالمتابعة لدى الاختلاف في الهيئة كما مرّ.
وإن كان في الأذكار التي لا يتحمّلها الإمام كالتشهّد والتسبيحات في الركعتين الأخيرتين وذكر الركوع ونحوها ، فلا ينبغي الكلام في صحّة الائتمام إذ لا متابعة ولا تحمّل في مثلها ، كما لا خلل في التبعية للهيئة الصلاتية. فحكمها حكم الاختلاف في الشرائط ، غير القادح في صحّة الاقتداء كما عرفت.
ومنه تعرف جواز الائتمام في الركعة الثالثة حتّى بمن لا يحسن القراءة ، إذ لا تحمّل حينئذ كما مرّ سابقاً ، والمفروض صحّة صلاة الإمام واقعاً ، والقراءة في عهدة المأموم نفسه. فلا مانع من الاقتداء.
وإن كان في القراءة التي يتحمّلها الإمام لم يجز الائتمام ، سواء أكان لعدم إخراج الحرف عن مخرجه ، أو لإبداله بآخر ، أو للحن في الإعراب مغيّرٍ للمعنى أو غير مغيّر ، فإنّ المأموم مكلّف بالقراءة ، غير أنّه لا يباشرها بنفسه ويكِلها إلى الإمام ، ويجتزي بقراءته عن القراءة الصحيحة المكلّف هو بها بمقتضى أدلّة الضمان ، والمفروض أنّ قراءة الإمام ليست قراءة صحيحة ، وغاية ما يترتّب على معذوريته اجتزاؤه بها عن قراءة نفسه ، لا عن قراءة المأموم. فوجودها بالإضافة إليه كالعدم ، فليس له الاجتزاء بها.
كما ليس له الإتيان بالآية التي لا يحسنها الإمام ، للملازمة بين صحّة الجماعة وبين التحمّل التام ، إذ لم يعهد من الشرع جماعة لا تحمّل فيها ، فلا يمكن الحكم بصحّة الائتمام ووجوب القراءة على المأموم.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر الحال في المسألة الأُولى والثانية والثالثة التي ذكرها الماتن (قدس سره) فلا حاجة إلى التعرّض إليها بخصوصها فلاحظ.
[1964] [مسألة 4 : لا تجوز إمامة من لا يحسن القراءة لمثله إذا اختلفا في المحلّ الذي لم يحسناه ، وأمّا إذا اتّحدا في المحلّ فلا يبعد الجواز ، وإن كان الأحوط العدم ، بل لا يترك الاحتياط مع وجود الإمام المحسن (1)، وكذا لا يبعد جواز إمامة غير المحسن لمثله (2)مع اختلاف المحلّ أيضاً إذا نوى الانفراد عند محلّ الاختلاف ، فيقرأ لنفسه بقيّة القراءة ، لكن الأحوط العدم ، بل لا يترك مع وجود المحسن في هذه الصورة أيضاً (1).
(1) لم يستبعد (قدس سره) جواز الائتمام مع الاتّحاد في المحلّ الذي لم يحسناه ، كما لو كان كلّ منهما يبدل الراء بالياء في ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ولعلّه من أجل أنّ قراءة المأموم لا تزيد على قراءة الإمام حينئذ بشيء ، فلا مانع من الائتمام ، بل لم يستبعد الجواز مع الخلاف في المحلّ أيضاً بشرط الانفراد عند محلّ الاختلاف ، فيقرأ لنفسه بقيّة القراءة.
أقول : أمّا مع الاتّحاد فان كان هناك قطع خارجي ولم يتحصّل لنا على جواز الائتمام فلا كلام ، وإلّا فإثباته بحسب الصناعة مشكل جدّاً ، إذ لو كنّا نحن ومقتضى الأدلّة الأوّلية لحكمنا بسقوط الصلاة رأساً لدى العجز عن القراءة كلّاً أو بعضاً ، إذ العجز عن الجزء عجز عن الكلّ ، فينتفي الأمر المتعلّق بالمركّب بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء.
لكنّا علمنا من الخارج أنّ الأمر ليس كذلك في باب الصلاة ، وأنّ المعذور في بعض الأجزاء يلزمه الإتيان بما يتمكّن ويحسن ، لا بدليل أنّ الصلاة لا تسقط بحال فحسب ، بل من جهة ما ورد في من لا يحسن القراءة لكونه جديد العهد بالإسلام من أنّه يأتي بما تيسّر له منها ، وأنّه يجتزئ بقراءته وإن كانت مغلوطة
.................................................................................................
ملحونة عن القراءة الصحيحة ، كصحيحة ابن سنان وغيرها ممّا تقدّمت في محلّها (1).
فقد ثبت في حقّ العاجز بمقتضى الدليل الثانوي وإن كان على خلاف القاعدة الأوّلية قيام الناقص مقام الكامل وبدليّته عنه. ومن المعلوم أنّ هذا مشترك بين الإمام والمأموم بعد فرض عجزهما معاً. فكلّ واحد منهما مكلّف بالمقدار الذي يحسن ، وأنّه يجتزئ بهذه القراءة الناقصة عن الصحيحة الكاملة الثابتة في حقّه ، وأمّا الاجتزاء بها عن الصحيح الثابت في حقّ الغير فيحتاج إلى دليل مفقود.
وبالجملة : غاية ما ثبت بدليل البدليّة إجزاء الناقص من كلّ شخص عن كامل نفسه ، وأمّا إجزاؤه عن كامل غيره فلا دليل عليه ، ومقتضى الأصل عدم الإجزاء ، فلا يمكن القول بأنّ الناقص من الإمام يقوم مقام الكامل المطلوب من المأموم كي يصحّ الائتمام ، نعم يقوم مقام الكامل عن نفس الإمام كما عرفت. فجواز الائتمام حتّى مع الاتّحاد في المحلّ مشكل ، فضلاً عن الاختلاف.
وأمّا القطع الخارجي بجواز اقتداء كلّ مساوٍ بمساويه فلم نتحقّقه وإن ادّعاه صاحب الجواهر (قدس سره) (2)وعهدته على مدّعيه بعد عدم مساعدة الأدلّة عليه ، فانّ المأموم وإن كان لا يزيد على الإمام بشيء لكن لم تثبت بدليّة قراءة الإمام عن قراءته.
وأمّا مع الاختلاف : فقد ظهر حكمه ممّا مرّ. وما أفاده (قدس سره) من جواز الائتمام حينئذ إذا نوى الانفراد عند محلّ الاختلاف فهو مبني على أمرين :
أحدهما : دعوى شمول أدلّة الجماعة لمثل المقام ونحوه ممّا لا يتمكّن المكلّف من إتمام صلاته جماعة ، لنقص في الإمام ونحوه.
وهذا لم يثبت إلّا في بعض الموارد كالاختلاف من حيث القصر والتمام ، أو
.................................................................................................
عروض عارض للإمام من موت أو حدث ونحو ذلك ممّا مرّ في محلّه (1)، وأمّا ما عدا ذلك ومنه المقام فلم يتمّ دليل على جواز الائتمام ومشروعية الجماعة كما لا يخفى.
ثانيهما : جواز الدخول في الجماعة مع البناء من الأوّل على الانفراد في الأثناء. وهذا أيضاً غير ثابت ، بل غير جائز ، إذ كيف يتعلّق القصد إلى الجماعة مع هذا البناء من الابتداء كما مرّ (2). وسيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى (3). فما أفاده (قدس سره) من الجواز بشرط الانفراد لا يمكن المساعدة عليه.
وعلى كلّ تقدير أي سواء أقلنا بالجواز أم لا ، مع الاتّحاد أو مع الاختلاف فلا فرق في ذلك بين وجود الإمام المحسن وعدمه ، وإن ذكر في المتن أنّ الاحتياط لا يترك مع وجوده ، إذ وجوده وعدمه سيّان من هذه الجهة بعد فرض عدم وجوب الجماعة حتّى مع عجز المأموم عن القراءة كما اعترف (قدس سره) به في أوائل فصل الجماعة (4).
وقلنا هناك : إنّ الجماعة مستحبّة مطلقاً وإن كان المأموم عاجزاً والإمام المحسن موجوداً ، لأنّ للصلاة الصحيحة بدلين عرضيين ، الجماعة والقراءة الناقصة ، فلا يتعيّن أحدهما مع التمكّن من الآخر.
فإذا لم يكن الحضور للجماعة واجباً في حدّ نفسه فلا فرق إذن في الحكم المزبور بين وجود الإمام المحسن وعدمه ، فان قلنا بصحّة الائتمام صحّ مطلقاً وإلّا فسد مطلقاً.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ من لا يحسن القراءة لا تجوز إمامته ، سواء أكان المأموم محسناً أو مثله ، اتّحدا في المحلّ أم اختلفا ، كان هناك إمام آخر محسن أم لم يكن.
[1965] مسألة 5 : يجوز الاقتداء بمن لا يتمكّن من كمال الإفصاح بالحروف أو كمال التأدية إذا كان متمكّناً من القدر الواجب فيها ، وإن كان المأموم أفصح منه (1).
[1966] مسألة 6 : لا يجب على غير المحسن الائتمام بمن هو محسن (2) وإن كان هو الأحوط ، نعم يجب ذلك على القادر على التعلّم إذا ضاق الوقت عنه كما مرّ سابقاً.
[1967] مسألة 7 : لا يجوز إمامة الأخرس لغيره وإن كان ممّن لا يحسن ، نعم يجوز إمامته لمثله (1)(3) وإن كان الأحوط الترك خصوصاً مع وجود غيره ، بل لا يترك الاحتياط في هذه الصورة.
نعم ، لا يعتبر في الإمام أن تكون قراءته فصيحة بعد أن كانت صحيحة ومشتملة على المقدار الواجب من تأدية الحروف وإن كانت فاقدة لمحسّنات القراءة من كمال الإفصاح بالحروف ، أو كمال التأدية وكونها بالمرتبة العالية. فيجوز الائتمام به وإن كان المأموم أفصح منه ، إذ المدار في الجواز على صحّة قراءة الإمام لا على فصاحتها كما تعرّض الماتن (قدس سره) لذلك في المسألة الآتية.
(1) قد ظهر الحال فيها ممّا ذكرناه آنفاً ، فلا نعيد.
(2) كما أشرنا إليه آنفاً وتقدّم الكلام حول ذلك مستقصى في أوائل فصل الجماعة ، فلاحظ إن شئت (2).
(3) بل قد ظهر ممّا مرّ (3)عدم جواز إمامته حتّى لمثله ، لعدم إجزاء الناقص من كلّ شخص إلّا عن كامل نفسه ، لا عن كامل غيره. فلا دليل على اجتزاء
[1968] مسألة 8 : يجوز إمامة المرأة لمثلها (1) ، ولا يجوز للرجل ولا للخنثى.
[1969] مسألة 9 : يجوز إمامة الخنثى للأُنثى دون الرجل ، بل ودون الخنثى (2).
المأموم بناقص قراءة الإمام ، ومعلوم أنّ أدلّة الضمان منصرفة إلى القراءة الكاملة الاختيارية ، فلا تشمل المقام.
بل لو بنينا على جواز الإمامة فيما مرّ ، بدعوى إجزاء القراءة الناقصة عن الكاملة ولو بالإضافة إلى الغير ، لا نقول به في الأخرس ، إذ هو لا يتمكّن من القراءة أصلاً ، لا كاملها ولا ناقصها ، وإنّما يشير إليها.
ومن المعلوم أنّ هذه الإشارة إنّما تجزي عن قراءة نفسه وتكون بدلاً عنها ولا دليل بوجه على إجزاء الإشارة عن قراءة غيره. فما ذكره في المتن من التفرقة بين إمامته لمثله أو لغيره بالالتزام بالجواز في الأوّل لا وجه له لاشتراكهما في مناط المنع حسبما عرفت. ودعوى جواز إمامة كلّ مساوٍ لمساويه قد تقدّم ضعفها. فلاحظ.
(1) مرّ البحث حول ذلك في أوائل الفصل (1)عند التكلّم عن اشتراط ذكورة الإمام وعرفت أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار جواز إمامة المرأة لمثلها على كراهة ، كما عرفت هناك عدم جواز إمامتها للرجل ، ومنه تعرف عدم جواز إمامتها للخنثى ، لاحتمال كونها رجلاً.
(2) لا ريب في عدم جواز إمامة الخنثى للرجل ، لاحتمال كونها أُنثى ولا تصحّ إمامتها للرجل. كما لا ريب في عدم جواز إمامتها لمثلها ، لاحتمال كون الإمام أُنثى والمأموم رجلاً.
إنّما الكلام في إمامة الخنثى للأُنثى ، وهذا أيضاً لا إشكال فيه من ناحية الإمام ، لأنّه إمّا رجل أو أُنثى ، وعلى التقديرين تجوز إمامته للأُنثى.
لكن الإشكال ينشأ من ناحية الموقف ، بناءً على ما ذكرناه سابقاً (2)من
[1970] مسألة 10 : يجوز إمامة غير البالغ لغير البالغ (1)(1).
وجوب وقوف المأموم الواحد بحيال الإمام إن كان رجلاً ، وخلفه إن كان امرأة ، هذا إذا كان الإمام رجلاً. وأمّا إذا كان امرأة فلا تتقدّم على المأموم ، بل تقف وسطهنّ كما في النصّ (2).
وعليه فيتّجه الإشكال هنا في موقف الأُنثى ، فإنّ الإمام إن كان رجلاً وجب عليها أن تقف خلفه ، وإن كان امرأة وجب الوقوف بجانبها ، لعدم جواز تقدّم الإمام عليها حينئذ كما عرفت. فمن أجل العلم الإجمالي بوجوب أحد الموقفين يشكل اقتداؤها بالخنثى ، إذ الاحتمال في كلّ من الطرفين منجّز كما لا يخفى.
(1) تقدّم في أوّل الفصل (3)أنّ مقتضى بعض النصوص وإن كان جواز إمامة غير البالغ لكنّها معارضة بما دلّ صريحاً على المنع ، وأنّه لا يؤمّ حتّى يحتلم والجمع بحمل الأوّل على إمامته لمثله ، والثاني على إمامته للبالغين تبرّعي لا شاهد عليه ، بل تأباه ألسنة النصوص كما مرّ. فبعد التعارض والتساقط يرجع إلى أصالة عدم المشروعية حتّى لمثله.
وأمّا ما ورد من قوله عليهالسلام : مروهم بالصلاة والصيام (4)فواضح أنّه ناظر إلى أصل الصلاة ، ولم يلحظ خصوصيتها من كونها جماعة كي يثبت بذلك مشروعيتها لمثله ، بحيث يترتّب أحكامها من سقوط القراءة ، واغتفار زيادة الركن ، والرجوع لدى الشكّ.
فالأقوى عدم المشروعية ، نعم لا بأس بتشكيل صورة الجماعة بعنوان
[1971] [مسألة 11 : الأحوط عدم إمامة الأجذم والأبرص والمحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة ، والأعرابي إلّا لأمثالهم ، بل مطلقاً ، وإن كان الأقوى الجواز في الجميع (1)مطلقا (1).
التمرين كما نبّه عليه الأُستاذ (دام ظله) في التعليقة ، فتكون أصل الصلاة شرعية وجماعتها تمرينية.
(1) حكم (قدس سره) بجواز إمامة الطوائف الأربع أعني الأجذم والأبرص ، والمحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة ، والأعرابي وإن كان الأحوط عدم إمامتهم إلّا لأمثالهم ، بل مطلقاً.
فنقول : أمّا الأجذم والأبرص فقد وردت عدّة روايات تضمّنت المنع عن إمامتهما ولو لأمثالهما بمقتضى الإطلاق.
منها : ما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام : «أنّه قال : خمسة لا يؤمّون الناس ولا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة : الأبرص والمجذوم ...» إلخ (2).
لكنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم (3)وإن عبّر عنها بالصحيحة في كلمات غير واحد كالمحقّق الهمداني (4)وغيره (5)، اغتراراً بظاهر من وقع في السند من الصدوق الذي هو من أجلّاء الأصحاب ، وابن مسلم الذي هو من أعاظم الرواة ، بل من أصحاب الإجماع ، غفلة من إمعان النظر في الطريق الواقع بينهما وضعفه ، وقد وقع هذا الاشتباه منهم في نظير هذا السند كثيراً ، والعصمة لأهلها.
.................................................................................................
ومنها : صحيحة أبي بصير : «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم والأبرص ...» إلخ (1). وهي قويّة السند ، ظاهرة الدلالة ، كصحيحة زرارة : «لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص ...» إلخ (2).
وبإزائها روايتان : إحداهما : رواية عبد اللّه بن يزيد : «عن المجذوم والأبرص يؤمّان المسلمين؟ قال : نعم ، قلت : هل يبتلي اللّه بهما المؤمن؟ قال : نعم ، وهل كتب اللّه البلاء إلّا على المؤمن» (3). لكنّها ضعيفة السند من أجل عبد اللّه بن يزيد ، فإنّه مهمل في كتب الرجال.
ثانيتهما : ما رواه البرقي في المحاسن بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : «سألته عن المجذوم والأبرص منّا أيؤمّان المسلمين؟ قال : نعم ...» إلخ (4).
قال المحقّق الهمداني (قدس سره) عند التعرّض للروايتين : وضعف سندهما منجبر بعمل المشهور (5).
أقول : لا نرى أيّ ضعف في الرواية الثانية كي يدّعى انجبارها بالعمل ، فإنّ البرقي معاصر ليعقوب بن يزيد ، فهو يرويها عن نفسه بلا واسطة ، إلّا أن يكون نظره (قدس سره) إلى الحسين بن أبي العلاء الخفاف. لكن النجاشي قال عند التعرّض له ولأخويه ما لفظه : روى الجميع عن أبي عبد اللّه عليهالسلام وكان الحسين أوجههم (6). فالرجل ممدوح ، فغاية ما هناك أن تكون الرواية حسنة لا موثّقة ، بل هي في أعلى درجات الحسن كما لا يخفى. على أنّه من رجال تفسير القمّي ، ومن عداه من رجال السند كلّهم أعيان أجلّاء. إذن فالرواية معتبرة في نفسها من غير حاجة إلى دعوى الانجبار.
1) الوسائل 8 : 325 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5 ، 6.
2) الوسائل 8 : 325 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 5 ، 6.
3) الوسائل 8 : 323 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 1.
4) الوسائل 8 : 324 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 4 ، المحاسن 2 : 49 / 1147.
5) مصباح الفقيه (الصلاة) : 687 السطر 16.
6) رجال النجاشي : 52 / 117.
.................................................................................................
وكيف ما كان ، فمقتضى الجمع بينها وبين الروايات المتقدّمة المانعة هو الحمل على الكراهة (1)والمرجوحية. فالأقوى جواز إمامتهما لمثلهما وغيرهما على كراهة.
وأمّا المحدود بالحدّ الشرعي بعد التوبة فقد ورد المنع عن إمامته في جملة من النصوص ، عمدتها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث قال «قال أمير المؤمنين عليهالسلام : لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤم المهاجرين» (2). وما عداها من الروايات كرواية ابن مسلم (3)ورواية الأصبغ (4)ضعيفة لا تصلح إلّا للتأييد.
ومقتضى الإطلاق في هذه الروايات عدم الفرق في المنع بين إمامته لمثله أو لغيره ، إذ ليس فيها إشعار فضلاً عن الدلالة على الاختصاص بالثاني. فما أفاده في المتن من التفرقة بينهما وأنّ الأحوط عدم إمامته إلّا لمثله غير ظاهر الوجه.
وكيف ما كان ، فرواية زرارة صحيحة السند ، ظاهرة الدلالة ، كدلالة غيرها من بقيّة النصوص المؤيّدة لها ، فانّ ظاهر النهي التحريم الوضعي المساوق لبطلان الجماعة.
ومع ذلك فقد ذهب غير واحد منهم الماتن وصاحب الجواهر (5)إلى الجواز وحملوا النهي على الكراهة ، باعتبار معارضتها للروايات الدالّة على جواز الصلاة خلف كلّ من يوثق بدينه (6)فحملوا النهي على الكراهة جمعاً.
ولكنّه لا يتمّ ، أمّا أوّلاً : فلأنّ النسبة بين الصحيحة وتلك الروايات وإن
1) لعلّ لسان صحيحة أبي بصير يأبى عن الحمل على الكراهة.
2) الوسائل 8 : 325 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 6.
3) الوسائل 8 : 324 / أبواب صلاة الجماعة ب 15 ح 3.
4) الوسائل 8 : 322 / أبواب صلاة الجماعة ب 14 ح 6.
5) الجواهر 13 : 383.
6) الوسائل 8 : 309 / أبواب صلاة الجماعة ب 10 ح 2 ، 319 / ب 12 ح 1 وغيرهما.
.................................................................................................
كانت هي العموم من وجه ، فانّ المحدود يعمّ من تاب فصار عادلاً يوثق بدينه ومن لم يتب ، كما أنّ تلك الروايات تعمّ المحدود التائب وغير المحدود فيتعارضان في المحدود بعد ما تاب.
لكن لا بدّ من تقديم الصحيحة عليها لمرجّح فيها ، وهو ما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح مراراً ، من أنّ في موارد التعارض بالعموم من وجه إذا لزم من تقديم أحد الدليلين إلغاء العنوان المذكور في الآخر بالكلّية تعيّن الآخر في الترجيح ، وذكرنا لهذا الضابط موارد :
منها : الروايات الدالّة على اعتصام الجاري إذا كانت له مادّة (1)المعارضة بمفهوم قوله عليهالسلام : إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء (2)بالعموم من وجه ، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق بين القليل والكثير ، كما أنّ مقتضى إطلاق الثاني عدم الفرق بين الجاري وغيره ، فيتعارضان في مادّة الاجتماع ، وهي القليل الجاري الذي له مادّة ، فإنّ مقتضى الأوّل الاعتصام ومقتضى الثاني الانفعال.
لكن لا محذور في تقديم الأوّل ، إذ غايته تقييد المفهوم واختصاصه بالقليل غير الجاري ، وهذا بخلاف العكس ، إذ لو قدّم الثاني وحكم بانفعال القليل وإن كان جارياً لزم إلغاء عنوان الجاري المذكور في تلك الروايات بالكلّية ، إذ لم يبق تحتها إلّا الكثير المعتصم في حدّ نفسه وبعنوان الكثرة ، فلم تبق لصفة الجريان خصوصية أبداً ، ويكون ذكرها لغواً محضاً. فحذراً عن هذا المحذور يتعيّن الأوّل في الترجيح.
ومنها : ما ورد من أنّ كلّ طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه (3)المعارض مع قوله : «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (4)بالعموم من
.................................................................................................
وجه ، إذ مقتضى الإطلاق في الأوّل عدم الفرق في الطائر بين مأكول اللّحم وغيره ، كما أنّ مقتضى الإطلاق في الثاني عدم الفرق فيما لا يؤكل بين الطائر وغيره ، فيتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه.
لكن لا محذور في تقديم الأوّل ، إذ غايته ارتكاب التقييد في الثاني ، وحمله على غير الطائر من أفراد ما لا يؤكل ، وهذا بخلاف العكس ، إذ لو قدّمنا الثاني وحكمنا بنجاسة بول ما لا يؤكل من الطائر وغيره لزم إلغاء وصف الطيران وهدم هذا العنوان المأخوذ في لسان الدليل الأوّل ، إذ عليه لم يبق فرق في طهارة بول مأكول اللحم بين الطائر وغيره.
والمقام من هذا القبيل ، فانّ من الواضح أنّ ظاهر الصحيحة أنّ المحدود بعنوان كونه محدوداً موضوع للمنع ، لا من جهة كونه فاسقاً. وعليه فلو قدّمناها على ما ورد من قوله عليهالسلام : «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه» (1)لا محذور فيه عدا ارتكاب التخصيص ، والالتزام بجواز الصلاة خلف كلّ عادل إلّا المحدود.
وهذا بخلاف العكس ، إذ لازم تقديم الثاني إلغاء عنوان المحدود عن موضوعيته للمنع بالكلّية ، إذ لا فرق بينه وبين غير المحدود في عدم جواز الصلاة خلفه إذا لم يوثق بدينه ، فلا مناص من تقديم الصحيحة كي لا يلزم المحذور المزبور. ونتيجة ذلك حمل المحدود المذكور في الصحيحة على ما بعد التوبة ، تحفّظاً على استقلال عنوان المحدودية في المانعية فيحكم بأنّ مجرّد المحدودية مانع عن الإمامة إلى الأبد وإن تاب وصار عادلاً.
ولا يقاس ذلك بمثل قوله : لا تصلّ خلف شارب الخمر (2)، بداهة أنّ الظاهر من شارب الخمر هو الممارس لشربها فعلاً ، ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع أنّ علّة النهي هو فسقه ، ولا ظهور له في من شرب ولو مرة واحدة ثمّ تاب ، أو
.................................................................................................
شرب عن عذر. وهذا بخلاف المحدود ، فإنّه ظاهر في من اجري عليه الحدّ في زمان ما وإن تاب بعده.
وأمّا ثانياً : فمع الغضّ عمّا ذكرناه غاية ما هناك تعارض الدليلين بالعموم من وجه وتساقطهما ، فيرجع حينئذ إلى أصالة عدم المشروعية. ولا مجال للجمع بالحمل على الكراهة في مثل ذلك كما لا يخفى. فيلتزم بأنّ المحدود في زمان ممنوع عن الإمامة دائماً ، لمثله ولغيره ، وإن تاب وأصبح عادلاً.
ولا بُعد في ذلك ، فإنّ المحدودية منقصة شرعية تسقطه عن الأنظار ويوصف صاحبها بالعيب والعار ، ولا كرامة له في أعين الناس ، ولا يرضى الشارع بتصدّي من هذا شأنه لمنصب الإمامة وزعامة الجماعة.
فهو من هذه الجهة نظير ابن الزنا ، الممنوع عن إشغال هذا المنصب وإن كان في غاية الورع والتقى ، لاشتراكهما في النقص ، غايته أنّ النقص فيه طبيعي ذاتي وفي المقام لسبب اختياري ، وهذا لا يكون فارقاً في مناط المنع.
وأمّا الأعرابي : فالمنسوب إلى جماعة من القدماء المنع عن إمامته مطلقاً ، بل عن بعض نفي الخلاف فيه إلّا من الحلّي (1). والمشهور بين المتأخّرين الكراهة ، وفصّل بعضهم بين إمامته لمثله فيجوز ولغيره فلا يجوز ، وهذا هو الأظهر كما ستعرف.
والأخبار الواردة في المقام عمدتها صحيحتا أبي بصير وزرارة ، قال عليهالسلام في الأُولى : «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال : المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي» (2). وفي الثانية : «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا ، والأعرابي لا يؤمّ المهاجرين» (3).
وما عداهما من النصوص فهي ضعيفة سنداً وبعضها دلالة :
.................................................................................................
منها : رواية عبد اللّه بن طلحة النهدي عن الصادق عليهالسلام : «لا يؤمّ الناس المحدود ، وولد الزنا ، والأغلف ، والأعرابي ، والمجنون ، والأبرص والعبد» (1)والسند ضعيف إلى النهدي ، وهو بنفسه مجهول.
ومنها : رواية الأصبغ : «ستّة لا ينبغي أن يؤمّوا الناس : ولد الزنا والمرتدّ ، والأعرابي بعد الهجرة ...» (2).
وهي ضعيفة سنداً بأبي جميلة المفضّل بن صالح ، وكذا دلالة ، لا من جهة لفظة «لا ينبغي» فإنّها غير قاصرة الدلالة على الحرمة ، لما ذكرناه غير مرّة من أنّها لغة بمعنى لا يتيسّر ولا يمكن ، المساوق للمنع ، ومنه قوله تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ) ... إلخ (3). وتفسيرها ب- (لا يليق ولا يناسب) الراجع إلى الكراهة اصطلاح حادث. والكلمة في لسان الأخبار على ما هي عليه من المعنى اللغوي.
بل من جهة أنّ الظاهر من قوله : «الأعرابي بعد الهجرة» هو التعرّب بعد الهجرة ، أي الإعراض عن أرض المسلمين بعد الهجرة إليهم ، والانتقال إلى بلد الكفار ، الذي هو فسق ومعدود من الكبائر في جملة من الأخبار ، لا الأعرابي بمعنى سكنة البوادي المبحوث عنه في المقام ، لمنافاته مع كلمة بعد الهجرة المذكورة في الرواية. فهي أجنبية عن محلّ الكلام كما لا يخفى.
ومنها : ما رواه في قرب الإسناد بإسناده عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام قال : «كره أن يؤمّ الأعرابي ، لجفائه عن الوضوء والصلاة» (4).
وهي ضعيفة سنداً بأبي البختري ، الذي قيل في حقّه : أنّه أكذب البريّة. ودلالة من جهة التعبير ب- «كره» ولا سيما التعليل بالجفاء ، الظاهر في أنّ
.................................................................................................
الأعرابي من حيث هو لا خصوصية فيه ، وإنّما لا يؤتمّ به لنقص في وضوئه وصلاته وجفائه عنهما. فتكون أيضاً أجنبية عن محلّ الكلام من عدم جواز الائتمام بالأعرابي بما هو أعرابي مع استجماعه لسائر الشرائط.
فهذه الروايات غير صالحة الاستدلال ، والعمدة هي الصحيحتان المتقدّمتان ، وقد ذكر صاحب الوسائل أُولاهما أعني صحيحة أبي بصير في موضعين : أحدهما ما مرّ ، والآخر في باب 14 من صلاة الجماعة ح 1 معبراً عن أبي بصير في الثاني بقوله : يعني ليث المرادي. وكيف ما كان ، فسواء كان ليثاً أم غيره فهو موثّق ، والرواية صحيحة ، وقد تضمّنت عدم جواز إمامة الأعرابي حتّى لمثله ، بمقتضى الإطلاق.
لكنّ الثانية أعني صحيحة زرارة مقيّدة بالمهاجرين ، فهل يحمل المطلق على المقيّد فيختصّ النهي بإمامته للمهاجرين ، أو يعمل بكليهما معاً ، أو يحمل النهي فيهما على الكراهة؟ وجوه ، بل أقوال كما مرّ.
أمّا الأخير فلا وجه له ظاهر. ودعوى أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي الحمل على الكراهة ، بشهادة التعليل بالجفاء عن الوضوء والصلاة في رواية قرب الإسناد المتقدّمة ، الظاهر في أنّ كراهة إمامته لأمر خارجي لا لكونه أعرابياً ، غير مسموعة. والرواية ضعيفة كما سمعت ، فلا تصلح للاستشهاد.
فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين ، وقد يقال بالثاني ، نظراً إلى عدم التنافي بينهما كي يجمع بحمل المطلق على المقيّد ، فانّ مورد التنافي المقتضي للحمل ما إذا كان الحكم في الدليل المطلق مجعولاً على نحو صرف الوجود ، مثل قوله : أعتق رقبة ، مع قوله : أعتق رقبة مؤمنة. فإنّ المطلوب شيء واحد ، وهو صرف وجود العتق ، فيدور الأمر بين كونه مقيّداً بحصّة خاصّة وأنّ المراد من مجموع الدليلين شيء واحد وهي الرقبة المؤمنة. وأن يكون مطلقاً والأمر في المقيّد محمولاً على الاستحباب لبيان أفضل الأفراد. والمقرّر في محلّه (1)أنّ
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 375.
.................................................................................................
المتعيّن هو الأوّل ، عملاً بظاهر الأمر في دليل التقييد ، بعد أن لم تكن ثمّة قرينة تقتضي صرفه إلى الاستحباب.
وأمّا إذا كان الحكم انحلالياً ومجعولاً على نحو مطلق الوجود ، الساري إلى جميع الأفراد على سبيل تعدّد المطلوب ، فليست هناك أيّة منافاة بين الدليلين كي تحتاج إلى الجمع ، لجواز الأخذ بكلّ منهما ، نظير قوله : بول الهرة نجس (1)بالإضافة إلى قوله عليهالسلام : «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2)وقوله : النبيذ حرام (3)، مع قوله : «كلّ مسكر حرام» (4)، وقوله : ماء البحر طاهر» (5)مع قوله : خلق اللّه الماء طهوراً (6)إلى غير ذلك من الأحكام المجعولة على الطبيعة السارية ، التي لا تنافي بينها وبين ما دلّ على ثبوت الحكم لبعض أفرادها كي يحمل مطلقها على مقيّدها. فلا يحمل ما لا يؤكل على خصوص الهرة ، ولا المسكر على النبيذ ، ولا الماء على ماء البحر ، بل يعمل بكلا الدليلين بعد عدم التنافي في البين.
والمقام من هذا القبيل ، فإنّ صحيحة أبي بصير دلّت على المنع من إمامة الأعرابي بنحو مطلق الوجود ، الشامل لمثله وللمهاجر ، فلا تنافيها صحيحة زرارة الخاصّة بالمهاجر ، بل يعمل بكل منهما. ومعلوم أنّ التقييد بالمهاجر لا يدلّ على نفي الحكم عن غيره ليقع التنافي بينه وبين الإطلاق ، لعدم مفهوم للوصف. فلا تنافي بين الدليلين ، لا من ناحية صناعة الإطلاق والتقييد ، ولا من ناحية مفهوم القيد ، كي يستوجب الحمل المزبور. فلا مناص من الأخذ بكلا الدليلين.
1) الوسائل 3 : 404 / أبواب النجاسات ب 8 ح 1 ، 7 ، (نقل بالمضمون).
2) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
3) الوسائل 25 : 334 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 30.
4) الوسائل 25 : 325 / أبواب الأشربة المحرمة ب 15 ح 1 ، 3 ، 5 وغيرها.
5) الوسائل 1 : 136 / أبواب الماء المطلق ب 2 ح 4 ، (نقل بالمضمون).
6) الوسائل 1 : 135 / أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9 ، 4.
.................................................................................................
أقول : قد ذكرنا في بحث الأُصول أنّ الوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء فلا معارضة بين قوله : أكرم رجلاً عادلاً ، وبين قوله : أكرم رجلاً هاشمياً ، كما تتحقّق المعارضة بينهما لو كان بنحو القضية الشرطية ، إلّا أنّ التقييد بالوصف يدلّ لا محالة على أنّ الموضوع للحكم ليس هو الطبيعة على إطلاقها وسريانها ، وإلّا كان التقييد به من اللغو الظاهر (1).
فلو ورد في دليل : أكرم رجلاً ، لكان معارضاً مع قوله : أكرم رجلاً عادلاً بطبيعة الحال ، لدلالة الأوّل على أنّ الموضوع ذات الرجل أينما سرى وحيثما تحقّق. وقد عرفت أنّ الثاني ينفي ذلك.
وعلى الجملة : لا نضايق من أنّ الوصف لا يقتضي الانحصار ، لجواز قيام خصوصية أُخرى مقامه كالهاشمية في المثال ، لكن لا مناص من الالتزام بدلالته على عدم كون الطبيعة المطلقة موضوعاً للحكم ، حذراً من لغوية القيد كما عرفت.
ودعوى جواز أن تكون النكتة في ذكره العناية بشأنه والاهتمام بأمره ، أو لبيان أفضل الأفراد لمزيّة فيه ، كلّ ذلك مخالف لظاهر الكلام ، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي ما لم تقم عليه قرينة خاصّة ، ولعلّه إلى ما ذكرنا ينظر قول أهل الأدب من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً ، مع اعترافهم بعدم المفهوم للوصف بالمعنى المصطلح.
وعليه فصحيحتا أبي بصير وزرارة متنافيتان لا محالة ، إذ التقييد بالمهاجر الواقع في كلام الإمام عليهالسلام في صحيح زرارة كاشف عن عدم كون موضوع الحكم مطلق الأعرابي ، وإلّا لم يكن وجه للتقييد به كما عرفت.
وقد دلّت صحيحة أبي بصير على أنّ الموضوع مطلق الأعرابي ، وأنّه لا يؤتمّ به ولا بغيره من المذكورات فيها على كلّ حال ، فلا مناص من حمل المطلق
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.
[1972] مسألة 12 : العدالة ملكة الاجتناب عن الكبائر (1)وعن الإصرار على الصغائر ، وعن منافيات المروة الدالّة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين ، ويكفي حسن الظاهر الكاشف ظنا (2)عن تلك الملكة (1).
على المقيّد والالتزام باختصاص المنع بالمهاجر ، لا من جهة دلالة القيد على المفهوم الاصطلاحي ، بل من جهة دلالته على نفي الحكم عن الطبيعي المطلق كما بيّناه. فالقول بالاختصاص هو الأظهر.
ويدلّ عليه الحثّ الأكيد الوارد في كثير من الروايات على إقامة الجماعات بل الجمعة لعامّة المسلمين ، الذين منهم الأعرابي وسكنة البوادي ، فهم أيضاً مأمورون بإقامتها فيما بينهم بمقتضى الإطلاقات ، بل السيرة أيضاً قائمة على تشكيل الجماعات بينهم وائتمام بعضهم ببعض.
ولعلّ حكمة المنع عن إمامته للمهاجر أنّ معرفة الحضري بدقائق الأحكام أكثر ، واطّلاعه على المسائل أوفر ، لقصور الأعرابي غالباً عن العثور على المزايا والخصوصيات المتعلّقة بالصلاة ومقدّماتها ، فلا يناسب أن يأتمّ به إلّا مثله.
فتحصّل : أنّ القول بالكراهة ضعيف وإن نسب إلى كثير من المتأخّرين ، بل المشهور بينهم ، كضعف القول بالتعميم. فالأقوى عدم جواز إمامة الأعرابي إلّا لمثله.
(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة وما بعدها المتكفّلتين لتحقيق معنى العدالة وما يكشف عنها ، وبيان المعاصي الكبيرة وما يتعلّق بها ، وسائر المزايا
1) (*) بل هي استقامة عملية في جادة الشرع بإتيان الواجبات وترك المحرّمات ، كبيرة كانت أو صغيرة. وأمّا ارتكاب ما ينافي المروءة فلا يضرّ بالعدالة ما لم ينطبق عليه عنوان من العناوين المحرّمة.
2) (**) الظاهر أنّه طريق إلى العدالة ، ولا يعتبر فيه الظن الشخصي ، نعم هو في نفسه لا بدّ من إحرازه بالوجدان أو بطريق شرعي.
[1973] مسألة 13 : المعصية الكبيرة هي كلّ معصية ورد النصّ بكونها كبيرة كجملة من المعاصي المذكورة في محلّها ، أو ورد التوعيد بالنار عليه في الكتاب أو السنة صريحاً أو ضمناً ، أو ورد في الكتاب أو السنة كونه أعظم من إحدى الكبائر المنصوصة أو الموعود عليها بالنار ، أو كان عظيماً في أنفس أهل الشرع.
[1974] مسألة 14 : إذا شهد عدلان بعدالة شخص كفى في ثبوتها (1)إذا لم يكن معارضاً بشهادة عدلين آخرين ، بل وشهادة عدل واحد بعدمها (1).
والخصوصيات المتعلّقة بالمسألتين في مباحث الاجتهاد والتقليد (2)مستقصى بما لا مزيد عليه. فلا حاجة إلى الإعادة.
(1) لا شكّ في ثبوت العدالة بشهادة العدلين التي هي بيّنة شرعية ، كما لا شكّ في عدم الثبوت لدى معارضتها بشهادة عدلين آخرين وتساقطهما وهل تعارض بشهادة العدل الواحد؟ يبتني ذلك على حجّية خبر العادل في الموضوعات كالأحكام.
فعلى القول بالحجّية تعارض ، ولا يلاحظ معه العدد ، كما هو الحال في باب الأحكام. فكما أنّ الرواية الواحدة الدالّة على وجوب شيء مثلاً تعارض الروايات النافية له وإن كانت متعدّدة ، ما لم تبلغ حدّ التواتر أو الشهرة بحيث تعدّ من الواضحات وما بإزائها من الشاذّ النادر ، فكذا في باب الموضوعات. فلا عبرة بالعدد في استقرار المعارضة بعد فرض حجّية المتعارضين في نفسهما (3).
وأمّا على القول بعدم الحجّية فلا تعارض ، إذ لا معارضة بين الحجّة
.................................................................................................
واللاحجّة كما هو ظاهر ، هذا.
وقد ذكرنا في محلّه (1)أنّ الأقوى حجّية خبر العدل الواحد في الموضوعات كالأحكام ، فإنّ عمدة المستند في الحجّية هي السيرة العملية المؤكّدة بالآيات والروايات ، وهي كما قامت على العمل بخبر العادل في الأحكام قامت على العمل به في الموضوعات بلا فرق بينهما ، وهي ممضاة لدى الشرع بعدم الردع إلّا في موارد خاصّة اعتبر فيها العدد كما في الترافع ، بل ربما اعتبر الأربع كما في الشهادة على الزنا.
ودعوى الردع عنها بمثل قوله عليهالسلام في رواية مسعدة بن صدقة : «والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (2)الظاهر في المنع عن العمل في الموضوعات بغير البيّنة ، مدفوعة بأنّ الرواية وإن كانت معتبرة ، لوجود مسعدة في أسانيد كامل الزيارات (3)وإن لم يوثّق صريحاً ، لكن الدلالة قاصرة.
فانّ المراد بالبيّنة هي مطلق الحجّة الشرعية ، في قبال الاستبانة التي هي بمعنى الوضوح بالعلم الوجداني ، لا خصوص شهادة العدلين ، فإنّه اصطلاح محدث تداول في ألسنة الفقهاء ، وأمّا لغة فهي بمعنى الحجّة والبرهان ، وكذا في لسان الآيات والروايات بأجمعها ، حتّى في مثل قوله صلی اللّه عليه وآله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والايمان» (4).
فانّ مراده صلی اللّه عليه وآله بذلك عدم استفادته في مقام القضاء وفصل الخصومة من علم النبوّة ، بل يحكم على طبق الموازين الشرعية الظاهرية من مطالبة المدّعى بالدليل والحجّة والمنكر باليمين ، ولا تنحصر الحجّة في شهادة العدلين ، بل قد تفصل الخصومة بغيرها كالإقرار بلا إشكال. نعم ثبت من
[1975] مسألة 15 : إذا أخبر جماعة غير معلومين بالعدالة بعدالته وحصل الاطمئنان (1) كفى ، بل يكفي الاطمئنان إذا حصل من شهادة عدل واحد ، وكذا إذا حصل من اقتداء عدلين به ، أو من اقتداء جماعة مجهولين به ، والحاصل : أنّه يكفي الوثوق والاطمئنان للشخص من أيّ وجه حصل بشرط (1)كونه من أهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل ، لا من الجهّال ولا ممّن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شيء كغالب الناس.
الخارج حجّية الشهادة ، فيعلم من ذلك أنّها مصداق للبينة ، لا أنّها منحصرة في شهادة العدلين كما لا يخفى.
وعلى الجملة : المستفاد من رواية مسعدة أنّ الأشياء كلّها على الإباحة حتّى يثبت خلافها بعلم وجداني أو حجّة شرعية ، وهي تارة تكون البينة المصطلحة ، وأُخرى خبر الثقة ، وثالثة غيرهما من استصحاب ونحوه. فلا دلالة فيها بوجه على الردع عن السيرة القائمة على العمل بخبر العدل الواحد في الموضوعات كالأحكام.
وعليه فشهادة العدلين بعدالة شخص كما تعارض بشهادة عدلين آخرين تعارض بشهادة العدل الواحد بمناط واحد ، فلا تثبت العدالة كما أفاده في المتن.
(1) لا ريب في كفاية الوثوق والاطمئنان الذي هو حجّة عقلائية ، لكن الماتن قيّده بأمرين :
أحدهما : أن يكون من حصل له الوثوق الشخصي من أهل الفهم والخبرة والبصيرة والمعرفة بالمسائل.
ثانيهما : أن لا يكون ممّن يحصل له الاطمئنان والوثوق بأدنى شيء.
أقول : أمّا القيد الثاني ففي محلّه ، فانّ المستند في حجّية الوثوق الشخصي إنّما
1) (*) بل مطلقاً.
[1976] مسألة 16 : الأحوط أن لا يتصدّى للإمامة من يعرف نفسه بعدم العدالة ، وإن كان الأقوى جوازه (1)(1).
هي السيرة العقلائية ، وهي خاصّة بما إذا تحصّل الوثوق من السبب العادي المتعارف الذي يراه العرف موجباً لذلك ، دون ما لم يكن كذلك ، كما لو حصل له الوثوق بعدالة زيد أو فضله من قلّة أكله أو كبر عمامته ونحو ذلك ممّا لا يراه العقلاء منشأ للوثوق.
بل ربما يلام ويستهزأ من ادّعاه مستنداً إلى هذه الأُمور ، بل قيل إنّ القطع لا يكون حجّة إذا استند إلى سبب غير عادي فضلاً عن الوثوق ، وإن كان هذا ممنوعاً جدّاً ، لحجيّة القطع الطريقي مطلقاً كما تبيّن في الأُصول (2).
وأمّا القيد الأوّل فلم نعرف له وجهاً أبداً ، إذ لا فرق في السيرة القائمة على حجّية الوثوق الناشئ من السبب العادي بين أن يكون صاحبه من أهل الفهم والخبرة ، أم من الجهلة السفلة ، فلو رأى الجاهل جماعة من ذوي الفضل وإن لم يعلم عدالتهم يأتمّون بشخص فحصل له الوثوق بعدالته ، وفرضنا أنّ هذا سبب عادي لدى نوع أهل العرف ، فلا قصور في شمول السيرة للوثوق الحاصل لمثل هذا الشخص وإن لم يكن من أهل الخبرة والفضل.
ودعوى انصراف الوثوق في قوله : «لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه وأمانته» إلى الوثوق العقلائي ، المختص بأهل الفهم والبصيرة. يدفعها ضعف الرواية أوّلاً كما مرّ سابقاً (3)ومنع الانصراف ثانياً. والوثوق الشخصي وإن كان كافياً لكن المستند في حجّيته إنّما هي السيرة كما عرفت آنفاً ، لا هذه الرواية الضعيفة كي يدّعى فيها الانصراف.
(1) ذهب بعضهم إلى عدم جواز التصدّي للإمامة لمن يرى من نفسه أنّه
.................................................................................................
لا أهلية له ، ومن أجله احتاط الماتن وإن قوّى الجواز.
ويستدلّ له تارة : بما رواه ابن إدريس عن كتاب السياري قال «قلت لأبي جعفر الثاني عليهالسلام : قوم من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة ، فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعة ، فقال : إن كان الذي يؤمّ بهم ليس بينه وبين اللّه طلبة فليفعل» (1). دلّ بمقتضى المفهوم على عدم جواز الإمامة لمن يرى أنّ بينه وبين اللّه طلبة وإثماً.
وفيه : أنّ دلالة الرواية وإن لم يكن بها بأس في حدّ نفسها مع قطع النظر عن القرائن الخارجية المقتضية لفساد هذا الاعتقاد ، وقد كان المرحوم السيد القمّي (قدس سره) يقول : إنّ من يرى من نفسه أنّه غير مأثوم ، وليس بينه وبين اللّه طلبة وإثم ، فهو غبيّ قاصر ، ولا يكاد يدّعيه العاقل.
إلّا أنّ السند ضعيف جدّاً ، أوّلاً : لجهالة طريق ابن إدريس إلى الكتاب. وثانياً : أنّ السياري بنفسه ضعيف لا يعتمد عليه ولا على كتابه.
وأُخرى : بأنّ الجماعة تتضمّن أحكاماً ، من رجوع المأموم إلى الإمام لدى عروض الشكّ وإن كان مبطلاً ، واغتفار زيادة الركن ، ولا جماعة مع علم الإمام بعدم الأهلية ، لأنّها من الشرائط الواقعية كما مرّ. فصلاة المأموم باطلة عند اتّفاق هذه الأُمور. وحيث إنّ البطلان مستند إلى الإمام ، لكونه السبب في إيجاده بتقمّصه الإمامة عالماً بعدم اللياقة وفساد الجماعة ، فيحرم لحرمة التسبيب إلى الحرام كارتكابه.
ويندفع : بأنّ الكبرى أعني حرمة التسبيب إلى الحرام كمباشرته فيما إذا كان الفعل محرّماً على الكلّ وإن كانت مسلّمة ، فلا يجوز تقديم الطعام النجس إلى الغير ليأكله بلا إشكال ، لكنّ الصغرى ممنوعة ، فإنّ التصدّي للإمامة ليس إلّا مقدّمة إعدادية لبطلان الصلاة ، إذ ليس هو سبباً للائتمام فضلاً عن البطلان.
غاية ما هناك أنّ الإمام يجعل نفسه معرضاً لأن يؤتمّ به ، وهذا لا يستوجب
1) الوسائل 8 : 316 / أبواب صلاة الجماعة ب 11 ح 12 ، السرائر 3 : 570.
.................................................................................................
استناد فعل المأموم إليه عرفاً من اقتدائه أو بطلان صلاته ، وإنّما هو مسبَّب عن اعتقاده عدالة الإمام. فليست المعرضية إلّا من قبيل المعدّات ، نظير بيع العنب ممّن يحتمل أنّه يصنعه خمراً ، أو الطعام لأحد وهو يحتمل أنّه يأكله في نهار شهر رمضان ، ونحو ذلك من المقدّمات الإعدادية.
نعم ، لا نضايق من صدق التسبيب لدى علم الإمام باتّفاق هذه الأُمور الموجبة للبطلان ، لكنّه فرض نادر ، ولعلّه لا يكاد يتّفق خارجاً بتاتاً.
وعلى الجملة : لا تسبيب إلى الحرام في مثل المقام ، فلا مانع من التصدّي للإمامة. ومقتضى الأصل جوازه بعد عدم الدليل على الحرمة ، هذا.
وربما يستدلّ للجواز بالروايات المتقدّمة في محلّها ، المتضمّنة لعدم وجوب إعلام المأمومين بفساد الصلاة (1)، بل في بعضها جواز التصدّي للإمامة حتّى مع عدم كونه ناوياً للصلاة (2)، فاذا جاز ذلك مع فساد الصلاة جاز مع فساد الإمامة وصحّة الصلاة كما في المقام بطريق أولى.
وفيه : ما لا يخفى ، فانّ تلك الروايات ناظرة إلى عدم بطلان صلاة المأمومين من ناحية فساد صلاة الإمام ، وأنّ هذه الجهة لا تستوجب فساد صلاتهم فلا مانع من التصدّي من هذه الحيثية.
ولا نظر فيها إلى الفساد من جهة أُخرى ، كما لو رتّب المأموم آثار الجماعة من زيادة ركن للمتابعة ، أو رجوعه إلى الإمام في الشكوك الباطلة ، فإنّه لا تعرّض فيها لجواز التصدّي حتّى لدى عروض هذه الطوارئ أحياناً ، الذي هو محلّ الكلام في المقام. ولا ينبغي الإشكال في جواز التصدّي وعدم البطلان في المقام فيما إذا لم تتّفق تلك الأُمور. فالعمدة في الجواز هو الأصل كما عرفت.
نعم ، ليس للإمام ترتيب أحكام الجماعة كرجوعه إلى المأموم لدى الشكّ إذ بعد علمه بعدم الأهلية فهو يرى بطلان الجماعة ، فكيف يسوغ له ترتيب
[1977] مسألة 17 : الإمام الراتب في المسجد أولى بالإمامة من غيره وإن كان غيره أفضل منه ، لكن الأولى له تقديم الأفضل ، وكذا صاحب المنزل أولى من غيره المأذون في الصلاة ، وإلّا فلا يجوز بدون إذنه ، والأولى أيضاً تقديم الأفضل ، وكذا الهاشمي أولى من غيره المساوي له في الصفات (1).
آثارها ، فإنّه منفرد واقعاً وإن كان إمام الجماعة ظاهراً. فما دلّ على أنّه لا شكّ للإمام إذا حفظ عليه مَن خلفه غير شامل للمقام بلا كلام.
والمتحصّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الأقوى جواز تصدّي من لا أهلية له للإمامة ، ولا شيء عليه وإن رتّب المأمومون آثار الجماعة ، غير أنّه بنفسه لا يرتّب تلك الآثار.
(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة وما بعدها إلى نهاية الفصل لعدّة فروع تتضمّن أولوية شخص بالإضافة إلى غيره في التصدّي للإمامة ، كأولويّة الإمام الراتب في المسجد ، أو الأفضل ، أو الهاشمي ، أو صاحب المنزل عن غيره المأذون ، وإلّا فلا يجوز بدون الإذن.
وكذا إذا تشاحّ الأئمة لغرض أُخروي ، بل الدنيوي أيضاً بناءً على ما عرفت سابقاً (1)من أنّ الأمر بالجماعة توصّلي لا تعبدي ، أو تشاحّ المأمومون فمال بعضهم إلى جانب غير الجانب الآخر ولو لأجل الافتخار والمباهاة بأنّ الإمام من أهل بلده مثلاً ، فذكر (قدس سره) مرجّحات في مقام التقديم من الأفقهية (2)والأورعية (3)والأجودية قراءة (4)والأسنيّة (5)ونحوها.
1) في ص 96 97.
2) المستدرك 6 : 472 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 3 ، دعائم الإسلام 1 : 147.
3) المستدرك 6 : 472 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 5 ، عيون أخبار الرضا 2 : 42 / 140.
4) المستدرك 6 : 475 / أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 2 ، دعائم الإسلام 1 : 152.
5) المستدرك 6 : 475 / أبواب صلاة الجماعة ب 25 ح 2 ، دعائم الإسلام 1 : 152.
[1978] مسألة 18 : إذا تشاحّ الأئمّة رغبة في ثواب الإمامة لا لغرض دنيوي رجّح مَن قدّمه المأمومون جميعهم (1)تقديماً ناشئاً عن ترجيح شرعي لا لأغراض دنيوية ، وإن اختلفوا فأراد كلّ منهم تقديم شخص فالأولى ترجيح الفقيه الجامع للشرائط ، خصوصاً إذا انضمّ إليه شدّة التقوى والورع ، فان لم يكن أو تعدّد فالأولى تقديم الأجود قراءة ثمّ الأفقه في أحكام الصلاة ، ومع التساوي فيها فالأفقه في سائر الأحكام غير ما للصلاة ، ثمّ الأسنّ في الإسلام ثمّ من كان أرجح في سائر الجهات الشرعية. والظاهر أن الحال كذلك إذا كان هناك أئمّة متعدّدون ، فالأولى للمأموم اختيار الأرجح بالترتيب المذكور ، لكن إذا تعدّد المرجّح في بعض كان أولى ممّن له ترجيح من جهة واحدة. والمرجّحات الشرعية مضافاً إلى ما ذكر كثيرة لا بدّ من ملاحظتها في تحصيل الأولى ، وربما يوجب ذلك خلاف الترتيب المذكور ، مع أنّه يحتمل اختصاص الترتيب المذكور بصورة التشاحّ بين الأئمّة أو بين المأمومين لا مطلقاً ، فالأولى للمأموم مع تعدّد الجماعة ملاحظة جميع الجهات في تلك الجماعة من حيث الإمام ، ومن حيث أهل الجماعة من حيث تقواهم وفضلهم وكثرتهم وغير ذلك ثمّ اختيار الأرجح فالأرجح.
لكنّ شيئاً من هذه الترجيحات لم يثبت ، لضعف مستندها بأجمعها من الفقه الرضوي أو رواية الدعائم أو مجرّد الشهرة أو النبويّ كما في تقديم الهاشمي ، إذ لا مستند له سوى النبويّ : «وقدّموا قريشاً ولا تقدّموها» (2)غير المختصّ بباب الصلاة (3).
[1979] مسألة 19 : الترجيحات المذكورة إنّما هي من باب الأفضلية والاستحباب لا على وجه اللزوم والإيجاب حتّى في أولويّة الإمام الراتب (1)(1) الذي هو صاحب المسجد ، فلا يحرم مزاحمة الغير له وإن كان مفضولاً من سائر الجهات أيضاً إذا كان المسجد وقفاً لا ملكاً له ولا لمن لم يأذن لغيره في الإمامة.
[1980] مسألة 20 : يكره إمامة الأجذم والأبرص والأغلف المعذور في ترك الختان ، والمحدود بحدّ شرعي بعد توبته (2)، ومن يكره المأمومون إمامته والمتيمّم للمتطهّر ، والحائك ، والحجّام ، والدبّاغ إلّا لأمثالهم ، بل الأولى عدم إمامة كلّ ناقص للكامل وكلّ كامل للأكمل.
نعم ، لا بأس بالعمل بها في الكلّ من باب التسامح ، فانّ الحكم استحبابي لا وجوبي. فلا حاجة للتعرّض إلى هذه الفروع.
(1) فيه إشكال ، إذ قد يكون ذلك مظنّة للهتك ، أو مزاحمة لحقّ السبق ، أو مثاراً للفتنة ، ومن ثمّ كان الأحوط وجوباً التجنّب عنه كما أشار إليه سيّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.
أمّا المستحبات فأُمور :
أحدها : أن يقف المأموم عن يمين الإمام (1)إن كان رجلاً واحداً ، وخلفه إن كانوا أكثر. ولو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الإمام على الجانب الأيمن (2)بحيث يكون سجودها محاذياً لركبة الإمام أو قدمه ، ولو كنّ أزيد وقفن خلفه ، ولو كان رجلاً واحداً وامرأة واحدة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الإمام والامرأة خلفه ، ولو كان رجالاً ونساءً اصطفّوا خلفه واصطفّت النساء خلفهم ، بل الأحوط مراعاة المذكورات (3)هذا إذا كان الإمام رجلاً وأمّا في جماعة النساء فالأولى وقوفهنّ صفاً واحداً أو أزيد من غير أن تبرز إمامهنّ من بينهنّ (1).
(1) تعرّض (قدس سره) لبيان موقف المأموم من حيث كونه خلف الإمام أو عن يمينه فيما إذا كان واحداً أو أكثر ، رجلاً أو امرأة أو مختلفين ، وكذا إذا
.................................................................................................
كان الإمام رجلاً أو امرأة ، وذكر (قدس سره) أنّ الحكم في الجميع استحبابي. وهذا لا مستند له عدا الشهرة الفتوائية ، وإلّا فمقتضى الصناعة الالتزام بالوجوب في الكلّ ، وينبغي التعرّض لكلّ واحد من هذه الفروع بخصوصه.
منها : أنّ المأموم إن كان رجلاً وكان واحداً وقف عن يمين الإمام ، وإن كانوا أكثر وقفوا خلفه. فقد ذهب المشهور إلى استحباب هذا الحكم ، بل ادّعي عليه الإجماع. ونسب الخلاف إلى ابن الجنيد وأنّه اختار الوجوب (1)، وأصرّ عليه صاحب الحدائق فحكم بوجوب الوقوف عن يمينه إن كان واحداً وخلفه إن كانوا أكثر (2)، وهذا هو الأقوى ، لظهور الروايات في الوجوب من غير قرينة تقتضي صرفها إلى الاستحباب.
ونحن وإن ناقشنا المشهور في انجبار ضعف السند بالعمل لكن الظاهر عدم الإشكال في عدم انجبار الدلالة بعملهم.
وبعبارة اخرى : النزاع بيننا وبين المشهور في الانجبار وعدمه إنّما هو من حيث السند ، وأمّا من ناحية الدلالة فالظاهر إطباق الكلّ على أنّ مخالفة المشهور مع الظهور لا يستوجب سقوط الظاهر عن الحجّية. فلا موجب لرفع اليد عن ظاهر الأمر في الوجوب ، الوارد في هذه الروايات ، وإن حمله الأصحاب على الاستحباب من غير وجه ظاهر. والروايات كثيرة وفيها الصحيحة :
منها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام «قال : الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه ، يقوم عن يمينه ، فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه» (3).
وروايته الأُخرى التي رواها الصدوق عنه عن أبي جعفر عليهالسلام : «أنّه سئل عن الرجل يؤمّ الرجلين؟ قال : يتقدّمهما ولا يقوم بينهما. وعن
.................................................................................................
الرجلين يصلّيان جماعة ، قال : نعم ، يجعله عن يمينه» (1)، وقد عبّر عنها بالصحيحة في كلام غير واحد. وليست كذلك ، لضعف طريق الصدوق إلى ابن مسلم كما مرّ مراراً (2).
وموثّقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليهالسلام : «أنّه كان يقول : المرأة خلف الرجل صفّ ، ولا يكون الرجل خلف الرجل صفّاً ، إنّما يكون الرجل إلى جنب الرجل عن يمينه» (3)إلى غير ذلك من الأخبار. وقد عرفت أنّ رفع اليد عن ظاهر هذه الأخبار في الوجوب يحتاج إلى الدليل ، فإنّ العبادة توقيفية ، ولم تثبت المشروعية بغير هذه الكيفية بعد الأمر بها في هذه النصوص.
نعم ، قد يقال : إنّ الدليل عليه ما ورد من تحويل الإمام المأموم الواقف عن يساره إلى يمينه ، فيما إذا لم يعلم ثمّ علم به وهو في الصلاة ، حيث إنّ ظاهره صحّة الائتمام مع وقوف المأموم عن يسار الإمام غير أنّه يحوّله إلى اليمين فيكشف ذلك عن استحباب الوقوف إلى اليمين لا وجوبه ، وإلّا كانت الصلاة باطلة ، وهو صحيح الحسين بن سعيد الأهوازي : «أنّه أمر من يسأله عن رجل صلّى إلى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم ، ثمّ علم وهو في الصلاة كيف يصنع؟ قال : يحوّله عن يمينه» ، وبمضمونه خبر المدائني (4). وقد عنون صاحب الوسائل هذا الباب بقوله : باب استحباب تحويل الإمام المأموم عن يساره إلى يمينه ولو في الصلاة.
أقول : يرد عليه أوّلاً : أنّ غاية ما تدلّ عليه الصحيحة جواز وقوف المأموم الواحد عن يسار الإمام كاليمين ، وأنّه مخيّر بين الأمرين وإن كان الثاني أفضل
.................................................................................................
ولأجله يحوّله الإمام إليه ، ولا دلالة فيها بوجه على جواز وقوفه خلف الإمام كي تتنافى مع النصوص المتقدّمة الصريحة في اختصاص الخلف بالمأموم المتعدّد ، كي يجمع بينهما بالحمل على الاستحباب.
وثانياً : أنّ الدلالة في نفسها ضعيفة ، والرواية أجنبية عن باب الجماعة بالكلّية ، إذ لم يفرض فيها أنّ الرجل الآخر الذي يصلّي إلى جانبه مصلّ أيضاً وهذا الذي يأتمّ به واقف عن يساره ليتمّ الاستدلال ، فمن الجائز أن يكون ذاك الشخص واقفاً أو جالساً أو نائماً ، كيف وإلّا كان الأحرى أن يجيب الإمام عليهالسلام بقوله : يحوّله إلى يمينه (1)بدل قوله : «عن يمينه» ، إذ المفروض وقوف المأموم عن يسار الإمام ، فما معنى تحويله عن يمينه (2)
نعم ، يكثر استعماله بهذا المعنى فيما إذا كان مدخولاً لحرف الجر نحو : جلس من عن يسار الخليفة. وأمّا التخصيص به كما يظهر من المنجد : 531 فيدفعه ما سمعته من ابن هشام ، بل قد صرّح في أقرب الموارد [2 : 834] تبعاً للمغني بعدم الاختصاص ، فلاحظ.
.والذي يتحصّل لنا من مفاد الرواية : أنّها ناظرة إلى بيان حكم آخر ، وهو الاجتناب عن وقوف المصلّي في يسار شخص وإن لم يكن مصلّياً ، ولعلّ ذلك مكروه ، وإلّا فلا حرمة فيه قطعاً ، وبما أنّ مثل هذا الموقف يستدعي أن يكون ذاك الشخص عن يمين المصلّي بطبيعة الحال فمن هنا أجاب الإمام عليهالسلام بقوله : «يحوله عن يمينه» حذراً عن كراهية هذا الموقف.
فقوله : «وهو لا يعلم» أي المصلّي لا يعلم بوقوفه عن يسار شخص آخر وهو الذي يحوّل ذاك الشخص بعد علمه به ، لا أنّ ذاك الشخص إمام وهو لا يعلم بوقوف المأموم عن يساره والإمام يحوّل المأموم ، إذ لم يفرض شيء من
1) قد ذكر كذلك في رواية الفقيه [1 : 258 / 1174] كما نقله عنه في الوسائل.
2) يمكن أن يكون (عن) هنا اسماً بمعنى (جانب) لا حرف جر ، وذلك بعد إشراب القيام المستفاد من سياق الكلام ، ولا سيما بقرينة قوله قبل ذلك : «فقام عن يساره» في معنى التحويل ، ويكون المعنى : يحوّله فيقوم عن يمينه ، أي جانب يمينه. ففي المغني لابن هشام [1 : 199] : قالوا : فاذا قيل : قعدت عن يمينه ، فالمعنى في جانب يمينه.
.................................................................................................
ذلك في الرواية ، وسياقها شاهد على ما استظهرناه (1). فمن المقطوع به أنّ الرواية لا ارتباط لها بباب الجماعة أصلاً وإن عنون الباب صاحب الوسائل بما عرفت.
وعليه فلا موجب لرفع اليد عن تلك الروايات الظاهرة في الوجوب. وكيف ما كان ، فالجمود على ظاهر هذه النصوص لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.
ومنها : أي من الفروع ما أشار إليه الماتن (قدس سره) بقوله : ولو كان المأموم امرأة واحدة وقفت خلف الإمام على الجانب الأيمن ، بحيث يكون سجودها محاذياً لركبة الإمام أو قدمه.
أمّا الوقوف على الأيمن محاذياً سجودها للركبة فتدلّ عليه صحيحة هشام ابن سالم : «الرجل إذا أمّ المرأة كانت خلفه عن يمينه ، سجودها مع ركبتيه» (2).
وأمّا محاذياً للقدم الذي يختلف عن ذلك بمقدار شبر تقريباً فتدلّ عليه موثّقة فضيل بن يسار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أُصلّي المكتوبة بأُمّ علي؟ قال : نعم ، تكون عن يمينك ، يكون سجودها بحذاء قدميك» (3)ومقتضى الجمع العرفي حمل الأمر فيهما على الوجوب التخييري ، هذا.
ويجوز لها الوقوف خلفه بحيث تكون وراءه كما تدلّ عليه موثّقة غياث : «المرأة صفّ والمرأتان صفّ والثلاث صفّ» (4)، دلّت على أنّ المرأة الواحدة بنفسها تشكّل صفّاً ، ومقتضى ذلك وقوفها وراء الإمام.
1) ولكن يبعّده خلوّ المجامع الفقهية عن عدّ ذلك من مكروهات مكان المصلّي ولو احتمالاً مضافاً إلى أنّ تحويل غير المأموم عن مكانه تصرّف في سلطانه من غير مسوّغ ظاهر ، فما صنعه صاحب الوسائل تبعاً للمشايخ الثلاثة من ذكر الرواية في أبواب الجماعة [الكافي 3 : 387 / 10 ، الفقيه 1 : 258 / 1174 ، التهذيب 3 : 26 / 90] لعلّه هو الأصحّ.
2) الوسائل 5 : 125 / أبواب مكان المصلي ب 5 ح 9.
3) الوسائل 8 : 332 / أبواب صلاة الجماعة ب 19 ح 2.
4) الوسائل 8 : 342 / أبواب صلاة الجماعة ب 23 ح 4.
.................................................................................................
وأظهر منها موثّقة الحسين بن علوان : «المرأة خلف الرجل صف» (1)ويؤيّدها رواية أبي العباس البقباق : «عن الرجل يؤمّ المرأة في بيته؟ فقال : نعم تقوم وراءه» (2)وإن كانت ضعيفة السند من أجل محمّد بن سنان.
ومقتضى الجمع بين هذه النصوص وما مرّ هو التخيير بين الأُمور الثلاثة : الوراء ، اليمين محاذياً للركبة ، واليمين محاذياً للقدم.
ومنها : ما أشار إليه بقوله : ولو كنّ أزيد وقفن خلفه. ويدلّ عليه مضافاً إلى موثّقة غياث المتقدّمة آنفاً ما دلّ على الحكم في الرجال ممّا مرّ ، فإنّه يقتضي وجوب وقوفهنّ خلفه بطريق أولى ، إذ لا يحتمل وجوب وقوفهم خلفه وجواز وقوفهنّ عن يمينه كما لا يخفى. بل الحكم كذلك في المرأة الواحدة أيضاً لولا الروايتان المتقدّمتان الدالّتان على جواز وقوفها عن يمينه محاذية لركبتيه أو قدمه.
ويظهر ذلك أيضاً من روايات إمامة المرأة لمثلها ، المتضمّنة لقوله عليهالسلام : تقوم وسطهنّ ولا تتقدّمهنّ (3)، حيث يظهر من ذلك المفروغية في ذهن السائل من أنّه متى كانت الجماعة مشروعة يتقدّم الإمام لا محالة ، ويكون المأمومون خلفه ، ولذا استثنى عليهالسلام ما إذا كان الإمام امرأة وأنّها حينئذ لا تتقدّم.
ومنها : ما أشار إليه بقوله : ولو كان رجلاً واحداً وامرأة واحدة أو أكثر ... إلخ ، فالرجل الواحد يقف عن يمين الإمام والمرأة خلفهما. ويدلّ عليه إطلاق صحيحة ابن مسلم المتقدّمة : «الرجلان يؤمّ أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ...» إلخ (4)، فإنّها تشمل ما إذا كانت معهما امرأة أيضاً بمقتضى الإطلاق.
.................................................................................................
وتؤيّده رواية القاسم بن الوليد : «عن الرجل يصلّي مع الرجل الواحد معهما النساء ، قال : يقوم الرجل إلى جنب الرجل ويتخلفن النساء خلفهما» (1)والرواية صحيحة إلى عبد اللّه بن المغيرة ، غير أنّ ابن الوليد لم يوثّق.
ومنها : ما لو كان المأمومون ملفّقين من الرجال والنساء ، وقد أشار (قدس سره) إليه بقوله : ولو كان رجالاً ونساءً اصطفّوا خلفه واصطفّت النساء خلفهم.
أمّا وجوب اصطفاف الرجال خلفه فقد ظهر ممّا مرّ من دلالة صحيحة ابن مسلم المتقدّمة آنفاً وغيرها ، وأمّا اصطفاف النساء خلفهم وعدم جواز وقوفهنّ بحذاء الرجال أو قدّامهم ، فبناءً على عدم جواز وقوفهنّ بحيال الرجال ما لم يفصل بينهما مقدار عشر أذرع فالحكم ظاهر ، وأمّا بناءً على جواز ذلك وعدم لزوم الفصل أكثر من شبر واحد فيدلّ عليه صحيح الحلبي : «عن الرجل يؤمّ النساء؟ قال : نعم ، وإن كان معهنّ غلمان فأقيموهم بين أيديهنّ وإن كانوا عبيداً» (2).
ويستفاد ذلك من صحيحة حمّاد أيضاً قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول قال أبي : قال علي عليهالسلام : كنّ النساء يصلّين مع النبيّ صلی اللّه عليه وآله وكنّ يؤمرن أن لا يرفعن رؤوسهنّ قبل الرجال لضيق الأُزر» (3)، فإنّ أمره صلی اللّه عليه وآله بعدم رفع رؤوسهنّ قبل الرجال مخافة انكشاف العورة يقتضي وقوفهنّ خلف الرجال ، إذ لو كنّ بحيالهم لم يلزم منه هذا المحذور.
وعلى الجملة : فمقتضى الجمود على النصوص المتقدّمة بأجمعها أنّ الحكم المذكور فيها لو لم يكن أظهر فلا ريب أنّه أحوط لزوماً ، إذ ليس بإزائها عدا شهرة القول بالاستحباب بين الأصحاب ، ومثلها لا يصلح لرفع اليد عن ظاهر
الثاني : أن يقف الإمام في وسط الصف.
الثالث : أن يكون في الصفّ الأوّل أهل الفضل ممّن له مزيّة في العلم والكمال والعقل والورع والتقوى ، وأن يكون يمينه لأفضلهم في الصفّ الأوّل فإنّه أفضل الصفوف.
الرابع : الوقوف في القرب من الإمام.
الخامس : الوقوف في ميامن الصفوف ، فإنّها أفضل من مياسرها. هذا في غير صلاة الجنازة ، وأمّا فيها فأفضل الصفوف آخرها.
السادس : إقامة الصفوف واعتدالها وسدّ الفرج الواقعة فيها ، والمحاذاة بين المناكب.
السابع : تقارب الصفوف بعضها من بعض ، بأن لا يكون ما بينها أزيد من مقدار مسقط جسد الإنسان إذا سجد.
الثامن : أن يصلّي الإمام بصلاة أضعف مَن خلفه ، بأن لا يطيل في أفعال الصلاة من القنوت والركوع والسجود إلّا إذا علم حبّ التطويل من جميع المأمومين.
النصّ. هذا كلّه فيما إذا كان الإمام رجلاً.
وأمّا إمامة النساء لمثلهنّ فقد مرّ (1)جواز ذلك على كراهة في غير صلاة الجنازة ، أمّا فيها فلا كراهة أيضاً ، وقد عرفت أنّ أكثر الروايات الواردة في ذلك مقيّدة بوقوف الإمام وسطهنّ ، وأنّها لا تتقدّمهنّ ، وهذا ممّا تمتاز به جماعة النساء على الرجال ، ومقتضى التحفّظ على ظاهر الأمر أنّه واجب وشرط في الصحّة ، ولا فرق في ذلك بين الواحدة والأكثر ، هذا.
ولا حاجة إلى التعرّض لبقيّة ما ذكره الماتن من المستحبّات والمكروهات وينبغي صرف عنان الكلام إلى المسائل التي ذكرها في المقام.
1) في ص 349 وما بعدها.
التاسع : أن يشتغل المأموم المسبوق بتمجيد اللّه تعالى بالتسبيح والتهليل والتحميد والثناء إذا أكمل القراءة قبل ركوع الإمام ، ويبقى آية من قراءته ليركع بها.
العاشر : أن لا يقوم الإمام من مقامه بعد التسليم ، بل يبقى على هيئة المصلّي حتّى يتمّ من خلفه صلاته من المسبوقين أو الحاضرين لو كان الإمام مسافراً بل هو الأحوط ، ويستحبّ له أن يستنيب من يتمّ بهم الصلاة عند مفارقته لهم ، ويكره استنابة المسبوق بركعة أو أزيد ، بل الأولى عدم استنابة من لم يشهد الإقامة.
الحادي عشر : أن يسمع الإمام مَن خلفه القراءة الجهرية والأذكار ما لم يبلغ العلوّ المفرط.
الثاني عشر : أن يطيل ركوعه إذا أحسّ بدخول شخص ضعف ما كان يركع انتظاراً للداخلين ثمّ يرفع رأسه وإن أحسّ بداخل.
الثالث عشر : أن يقول المأموم عند فراغ الإمام من الفاتحة : الحمد لله ربّ العالمين.
الرابع عشر : قيام المأمومين عند قول المؤذّن : «قد قامت الصلاة».
وأمّا المكروهات فأُمور أيضاً :
أحدها : وقوف المأموم وحده في صفّ وحده مع وجود موضع في الصفوف ومع امتلائها فليقف آخر الصفوف أو حذاء الإمام.
الثاني : التنفّل بعد قول المؤذن : قد قامت الصلاة ، بل عند الشروع في الإقامة.
الثالث : أن يخصّ الإمام نفسه بالدعاء إذا اخترع الدعاء من عند نفسه وأمّا إذا قرأ بعض الأدعية المأثورة فلا.
الرابع : التكلّم بعد قول المؤذّن : قد قامت الصلاة ، بل يكره في غير الجماعة
أيضاً - كما مرّ - إلّا أنّ الكراهة فيها أشدّ ، إلّا أن يكون المأمومون اجتمعوا من أماكن شتّى وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض : تقدّم يا فلان.
الخامس : إسماع المأموم الإمام ما يقوله بعضاً أو كلّاً.
السادس : ائتمام الحاضر بالمسافر والعكس مع اختلاف صلاتهما قصراً وتماماً ، وأمّا مع عدم الاختلاف كالائتمام في الصبح والمغرب فلا كراهة ، وكذا في غيرهما أيضاً مع عدم الاختلاف كما لو ائتمّ القاضي بالمؤدّي أو العكس وكما في مواطن التخيير إذا اختار المسافر التمام ، ولا يلحق نقصان الفرضين بغير القصر والتمام بهما في الكراهة كما إذا ائتمّ الصبح بالظهر أو المغرب أو هي بالعشاء أو العكس.
[1981] مسألة 1 : يجوز لكلّ من الإمام والمأموم عند انتهاء صلاته قبل الآخر بأن كان مقصّراً والآخر متمّا ، أو كان المأموم مسبوقاً ، أن لا يسلّم وينتظر الآخر حتّى يتمّ صلاته ويصل إلى التسليم فيسلّم معه ، خصوصاً للمأموم إذا اشتغل بالذكر والحمد ونحوهما إلى أن يصل الإمام ، والأحوط الاقتصار (1)على صورة لا تفوت الموالاة ، وأمّا مع فواتها ففيه إشكال ، من غير فرق بين كون المنتظر هو الإمام أو المأموم (1).
(1) أفاد (قدس سره) أنّ كلّاً من الإمام والمأموم لو انتهت صلاته قبل الآخر كما لو كانا مختلفين في العدد كالقصر والتمام والمغرب والعشاء ، أو كان المأموم مسبوقاً ، جاز له انتظار الآخر حتّى يتمّ صلاته ويصل إلى التسليم فيسلّم معه ، لأنّ ذلك بمثابة تطويل الجماعة فيحصل على مزيد من الأجر والثواب ، ويشتغل حينئذ بالذكر من الحمد والتسبيح ونحوهما إلى أن يصل إليه الآخر. لكنّه (قدس سره) قيّد الحكم بصورة عدم فوات الموالاة ، أمّا مع
1) (*) بل هو الأظهر إذا كان الانتظار مجرّداً عن الذكر ونحوه ، وأمّا معه فلا تفوت الموالاة ، لأنّ كلّ ما ذكر اللّه به فهو من الصلاة.
[1982] مسألة 2 : إذا شكّ المأموم بعد السجدة الثانية من الإمام أنّه سجد معه السجدتين أو واحدة (1) يجب عليه الإتيان بأُخرى إذا لم يتجاوز المحل.
الفوات ففيه إشكال.
أقول : لا ينبغي الإشكال في عدم الجواز لدى فوت الموالاة ، لاستلزامه بطلان الصلاة ، فلا يسوّغه الانتظار المستحب. لكن الشأن في صغرى هذه الكبرى ، إذ بعد فرض الاشتغال بالذكر كما صرّح (قدس سره) به في المتن لا يوجد مصداق لها أبداً ، بعد ملاحظة ما ورد من أنّ كلّ ما ذكر اللّه به فهو من الصلاة (1). فلا يتصوّر فوات الموالاة مع الاشتغال المزبور وإن طالت المدّة.
نعم ، يتّجه التفصيل المزبور في الانتظار المجرّد عن الذكر ، فيفرق حينئذ بين فوات الموالاة كما في المأموم المسبوق بثلاث ركعات ، مثل ما لو أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر ، وبين عدم الفوات كالمسبوق بركعة أو المؤتمّ في عشائه بالمغرب أو العكس ، سيما مع استعجال الآخر وإسراعه ، فلا يجوز الانتظار في الأوّل ويجوز في الثاني.
وعلى الجملة : من انتهى عن صلاته إماماً كان أو مأموماً إن كان متشاغلاً بالذكر جاز له الانتظار مطلقاً ، ولا تفوت معه الموالاة أبداً ، وإن كان مجرّداً عنه اختص الجواز بصورة عدم فوت الموالاة.
(1) قد يفرض علم المأموم بمتابعة الإمام في السجود فيرجع الشكّ إلى الشكّ في أنّ الإمام هل سجد الواحدة أم الثنتين. ولا إشكال في عدم الاعتناء حينئذ ، لما دلّ على رجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر لدى الشكّ مع حفظ الآخر (2)كما هو المفروض ، وسيأتي التعرّض له في مباحث الخلل إن شاء اللّه تعالى (3).
.................................................................................................
وقد يفرض عدم علمه بالمتابعة ، كما لو شكّ حال السجود في أنّه تابع الإمام في سجدتيه فهذه ثانية لهما ، أو تخلّف عنه سهواً فهذه الاولى له والثانية للإمام والمتّبع حينئذ قاعدة الشكّ ، فيعتني به إن كان في المحلّ ، ولا يعتني إذا جاوزه كما لو كان الشكّ المزبور بعد الدخول في التشهّد.
ولا مجال للرجوع إلى الإمام في مثل المقام ما لم يحرز التبعية ولم يتعلّق الشكّ بالفعل المشترك ، لاختصاص الرجوع بما إذا حفظ عليه الآخر ، المنوط بالمتابعة ، لا لأجل التقييد بحفظ المأموم في رجوع الإمام إليه وبعدم سهو الإمام في رجوع المأموم إليه ، المذكورين في مرفوعة إبراهيم بن هاشم في نوادره (1)لضعفها من أجل الرفع ، لعدم كون إبراهيم من أصحاب الصادق عليهالسلام فبينهما واسطة لا محالة ، فلا تصلح للاستدلال.
بل لأنّ عمدة المستند هي صحيحة حفص البختري : «ليس على الإمام سهو ، ولا على من خلف الإمام سهو ...» إلخ (2)، وهي وإن كانت مطلقة حسب النظر البدوي لكنّها منصرفة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع وبحسب الفهم العرفي إلى ما إذا كان الآخر حافظاً وضابطاً ، وأنّ حفظ أحدهما بعد فرض المتابعة والمشاركة في العمل يقوم مقام حفظ الآخر ، لما فيه من الكاشفية النوعية.
إذ لا يحتمل أن يكون للجماعة بما هي خصوصية وراء ذلك تستدعي استثناءها عن أدلّة الشكوك ، بحيث لو لم يكن ثمّة حفظ من الآخر واشتركا في الشكّ لم تشملهما أدلّة الشكوك ، وكانا مخيّرين في البناء على الطرفين ، فانّ هذا غير محتمل في الصحيحة بحسب الفهم العرفي بوجه ، بل هي منصرفة إلى ما ذكرناه.
[1983] مسألة 3 : إذا اقتدى المغرب بعشاء الإمام وشكّ في حال القيام أنّه في الرابعة أو الثالثة (1) ينتظر حتى يأتي الإمام بالركوع والسجدتين حتّى يتبيّن له الحال ، فان كان في الثالثة أتى بالبقية وصحّت الصلاة ، وإن كان في الرابعة يجلس ويتشهّد ويسلّم ثم يسجد سجدتي السهو (1)لكلّ واحد من الزيادات من قوله : بحول اللّه ، والقيام ، وللتسبيحات إن أتى بها أو ببعضها.
وعليه فمستند الرجوع إلى الإمام قاصر الشمول لمثل المقام ، فالمتّبع أدلّة الشكوك السليمة عن الدليل الحاكم ، ومقتضاها ما عرفت من الاعتناء بالشكّ إذا كان في المحلّ ولم يتجاوز عنه.
(1) لا مجال لمتابعة الإمام حينئذ ، لوضوح اختصاص أدلّتها بما إذا شارك الإمام في الأمر المتعلّق بالفعل الذي يتابعه فيه ، ولا أمر في المقام بعد احتمال أنّها الرابعة الموجبة للبطلان لدى المتابعة ، فهو معذور في ترك المتابعة.
ومع ذلك لا تبطل صلاته ، لعدم كون الشكّ في الثنائية والثلاثية بمجرّده موجباً للبطلان كالحدث ، وإنّما يستوجبه بقاءً لا حدوثاً ، فينتظر كما ذكره في المتن حتّى يأتي الإمام بالركوع والسجدتين كي يتبيّن له الحال ، فان كان في الثالثة أتى بالبقيّة وصحّت صلاته ، ولكنّها حينئذ تكون فرادى كما لا يخفى. وإن كان في الرابعة جلس وتشهّد وسلم مع الإمام وعليه سجدتا السهو للقيام الزائد.
وأمّا وجوبها لكلّ واحد من الزيادات من قول : بحول اللّه ، والتسبيحات إن أتى بها أو بعضها كما ذكره في المتن فهو مبني على الخلاف في وجوبها لكلّ زيادة ونقيصة أو الاقتصار على مورد النصّ ، وحيث إنّ الأظهر هو الثاني فوجوبها لتلك الزيادات مبنيّ على الاحتياط.
1) (*) وجوبه لكلّ زيادة مبنيّ على الاحتياط.
[1984] مسألة 4 : إذا رأى من عادل كبيرة لا يجوز الصلاة خلفه إلّا أن يتوب مع فرض بقاء الملكة فيه (1) ، فيخرج عن العدالة بالمعصية ويعود إليها بمجرّد التوبة.
[1985] مسألة 5 : إذا رأى الامام يصلي ولم يعلم أنّها من اليومية أو من النوافل لا يصح الاقتداء به ، وكذا إذا احتمل أنّها من الفرائض التي لا يصح اقتداء اليومية بها ، وإن علم أنّها من اليومية لكن لم يدر أنّها أية صلاة من الخمس ، أو أنّها أداء أو قضاء ، أو أنّها قصر أو تمام لا بأس بالاقتداء ، ولا يجب إحراز ذلك قبل الدخول كما لا يجب إحراز أنّه في أيّ ركعة كما مرّ.
(1) لا ريب في عدم جواز الصلاة خلفه بعد ارتكاب الكبيرة ما لم يتب ، إلّا أنّ ما أفاده (قدس سره) من اشتراط بقاء الملكة مع التوبة مبنيّ على تفسير العدالة بالملكة النفسانية.
وهذا لم يثبت كما تعرّضنا له في محلّه (1)عند التكلّم حول تحقيق معنى العدالة ، حيث قلنا إنّها عبارة عن الاستقامة العملية في جادّة الشرع ، وعدم الانحراف عن الطريقة المستقيمة يمنة وشمالاً. وأمّا اعتبار الملكة فإن أُريد بها هذا المعنى فلا كلام ، وإن أُريد بها معنى آخر على حدّ سائر الملكات فلم يقم عليه أيّ دليل.
وعليه فالعادل بارتكابه الذنب قد خرج عن الجادّة المستقيمة ، وسلك غير الشريعة القويمة ، فهو غير متّصف بهذه الصفة وقتئذ ، وبمجرّد التوبة يعود بمقتضى قوله عليهالسلام : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (2)إلى ما كان ويرجع إلى جادّة الشرع ، ويتّصف بالاستقامة العملية ، فيكون عادلاً ويصح الاقتداء به ، ومعه لا حاجة إلى اعتبار الملكة زائداً على ذلك.
[1986] مسألة 6 : القدر المتيقن من اغتفار زيادة الركوع للمتابعة سهواً زيادته مرّة واحدة في كلّ ركعة (1) ، وأمّا إذا زاد في ركعة واحدة أزيد من مرّة كأن رفع رأسه قبل الإمام سهواً ثمّ عاد للمتابعة ثمّ رفع أيضاً سهواً ثمّ عاد فيشكل الاغتفار ، فلا يترك الاحتياط حينئذ بإعادة الصلاة بعد الإتمام ، وكذا في زيادة السجدة القدر المتيقّن اغتفار زيادة سجدتين في ركعة ، وأمّا إذا زاد أربع فمشكل.
(1) فلو زاد ركوعين في ركعة واحدة كما لو رفع رأسه قبل الإمام سهواً ثمّ عاد للمتابعة ، ثمّ رفع أيضاً سهواً ثمّ عاد بحيث صار المجموع ثلاثاً ، وكذا الحال في عكسه أي الركوع قبل الإمام سهواً. أو لو زاد سجودين في كلّ ركعة بسجوده قبل الإمام أو رفع رأسه قبله ، بحيث صار مجموع السجدات الزائدة أربعاً. ففي جميع ذلك يشكل الاغتفار ، لعدم إطلاق في أدلّته ، فإنّها ناظرة إلى الزيادة على الركوع أو السجود الأصليين دون الزيادة على التبعي منهما ، إذ الاغتفار عن الزيادة لأجل المتابعة إنّما ثبت بنفس هذه الأدلّة لا بدليل آخر فلا يشمل الإطلاق للزائد على هذا الزائد كما لا يخفى ، حتّى ولو كان ذاك الزائد سجدة واحدة.
ومع ذلك فالظاهر هو الاغتفار ، لكن مع الاختلاف في كيفية الزيادة ، بأن كان أحدهما قبل ركوع الإمام والآخر بعده ، وكذا الحال في السجود ، لقيام الدليل الخاصّ على الاغتفار في كلّ منهما ، سواء تحقّق الآخر أم لا ، بمقتضى الإطلاق.
فلو ركع قبل الإمام سهواً فعاد ثمّ ركع معه فهذه زيادة واحدة ثبت العفو عنها بمقتضى الدليل ، فلو رفع رأسه حينئذ سهواً قبل الإمام ثمّ عاد فهذه زيادة أُخرى ثبت العفو عنها بدليل آخر ، لما عرفت في محلّه (1)عند التكلّم حول
1) في ص 245 ، 233.
[1987] مسألة 7 : إذا كان الإمام يصلّي أداءً أو قضاءً يقينياً والمأموم منحصراً بمن يصلّي احتياطياً (1)
المسألة من قيام الدليل الخاصّ على كلّ من طرفي المسألة أعني الركوع قبل الإمام سهواً ، ورفع الرأس قبله كذلك مستقلا وعلى حدة.
فلا مانع من شمول الدليلين لكلّ من الطرفين لدى اجتماعهما وتقارنهما خارجاً ، فيثبت العفو عنهما معاً كلّ بدليله ، لا أخذاً بإطلاق دليل واحد ليرد الإشكال المزبور من عدم النظر إلّا إلى الزائد على الركوع الأصلي دون التبعي.
وهكذا الحال في السجود ، فانّ الدليل اللفظي فيه وإن كان خاصاً بأحد الطرفين (1)لكن الطرف الآخر ملحق به للإجماع والقطع (2)بعدم الفرق كما سبق في محلّه (3). فلو سجد قبل الإمام سهواً ثمّ عاد فسجد معه ثمّ رفع رأسه سهواً فعاد ، وكذا الحال في السجدة الثانية بحيث صار مجموع السجدات الزائدة في ركعة واحدة أربعاً ، لم يكن به بأس ، لعين ما مرّ.
والحاصل : أنّ الزيادة إن كانت مع الاختلاف في السبب فهي مغتفرة وإن كان الزائد أكثر من الواحد ، وأمّا مع الاتّحاد في السبب كما لو ركع قبل الإمام سهواً فعاد ثمّ ركع فعاد ، أو رفع رأسه عن الركوع سهواً مكرّراً ، وكذا الحال في السجود ، فالحكم بالاغتفار حينئذ مشكل جدّاً ، لما عرفت من عدم الإطلاق في الدليل.
(1) استشكل (قدس سره) حينئذ في إجراء حكم الجماعة من اغتفار زيادة الركن ، ورجوع كلّ من الإمام والمأموم إلى الآخر ، لعدم إحراز كون المأتي به
يشكل إجراء حكم الجماعة من اغتفار زيادة الركن (1)، ورجوع الشاكّ منهما إلى الآخر ونحوه ، لعدم إحراز كونها صلاة ، نعم لو كان الإمام أو المأموم أو كلاهما يصلّي باستصحاب الطهارة لا بأس بجريان حكم الجماعة ، لأنّه وإن كان لم يحرز كونها صلاة واقعية ، لاحتمال كون الاستصحاب مخالفاً للواقع ، إلّا أنّه حكم شرعي ظاهري ، بخلاف الاحتياط فإنّه إرشادي (2)وليس حكماً ظاهرياً. وكذا لو شكّ أحدهما في الإتيان بركن بعد تجاوز المحلّ فإنّه حينئذ وإن لم يحرز بحسب الواقع كونها صلاة لكن مفاد قاعدة التجاوز أيضاً حكم شرعي ، فهي في ظاهر الشرع صلاة.
صلاة بعد أن كانت بعنوان الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي ، لاحتمال عدم مصادفته للواقع ، المستلزم لعدم تعلّق الأمر بها حينئذ ، فتكون صورة الصلاة لا حقيقتها ، ومعه لم يحرز انعقاد الجماعة ، فلا يمكن ترتيب آثارها.
ثم تصدّى (قدس سره) لبيان الفرق بين المقام وبين ما إذا كان المأموم أو الإمام أو كلاهما يصلّي باستصحاب الطهارة ، أو معتمداً على قاعدة التجاوز لدى الشكّ في ركن بعد خروج المحلّ ، بأنّ الصلاة الواقعية وإن كانت مشكوكة التحقّق في هذه الموارد أيضاً ، إلّا أنّها محكومة بالصحّة في ظاهر الشرع ، لتعلّق الأمر الشرعي الظاهري المولوي بها ، بخلاف المقام ، فإنّ الأمر المتعلّق بالاحتياط عقلي إرشادي ، وليس حكماً ظاهرياً مولوياً كي تتّصف الصلاة بالصحّة في ظاهر الشرع.
أقول : أمّا ما ذكره (قدس سره) في صدر كلامه من الإشكال في اغتفار زيادة الركن ورجوع الشاكّ منهما إلى الآخر ، فالظاهر أنّه سهو من قلمه
.................................................................................................
الشريف ، لوضوح اختصاص مناط الإشكال في مفروض المسألة برجوع الإمام إلى المأموم ، حيث لم يحرز كون صلاته صلاة كي يرجع إليه ، فلا يمكن ترتيب آثار الجماعة من طرف الإمام.
وأمّا من ناحية المأموم فلا إشكال أصلاً ، فله الرجوع إلى الإمام ، ويحكم باغتفار زيادة الركن في المقام ، لأنّ الصادر منه إن كانت صلاة فقد تشكّلت الجماعة وانعقدت ، فلا مانع من ترتيب آثارها من الرجوع والاغتفار ، وإلّا بأن كانت الذمّة فارغة والأمر ساقطاً فلا شيء عليه ، فيكون ترتيب تلك الآثار كنفس الصلاة لغواً ، ولا محذور في ارتكاب هذا اللغو المحتمل ، الساري في جميع موارد الاحتياط كما هو ظاهر.
فالمتعيّن هو التفصيل بين الإمام والمأموم ، فيجوز للثاني ترتيب أحكام الجماعة دون الأوّل ، لما عرفت من عدم إحراز صدور الصلاة من المأموم كي يرجع إليه.
ومنه تعرف أنّ الإشكال غير مختصّ بما إذا كان المأموم منحصراً بمن يصلّي الاحتياط كما يظهر من عبارة المتن ، بل يعمّ ولو لم يكن منحصراً به وكان فيهم من يصلّي وجوباً ، فلا يجوز الرجوع إليه وإن جاز الرجوع إلى غيره ، لعدم إحراز انعقاد الجماعة بين الإمام وبين من يصلّي احتياطاً ، كما في فرض الانحصار. فمناط الإشكال مشترك بين الصورتين.
وأمّا ما أفاده (قدس سره) في ذيل كلامه في مقام الفرق بين المقام وغيره من أنّ الأمر هنا إرشادي وهناك شرعي ظاهري ، ففيه : أنّ الإرشادية والمولوية لا تكونان ضابطاً للفرق ، ولا تكاد تنحسم به مادّة الإشكال لجريانه حتّى بناءً على أنّ أوامر الاحتياط مولوية والحكم في مورده شرعي ظاهري ، كما ليس بالبعيد على ما بيّناه في الأُصول (1). فلا يجوز الرجوع إلى
1) أشار (دام ظلّه) إليه في مصباح الأُصول 2 : 317 ، لكن قد يظهر خلافه من ص 301 فلاحظ ، ولاحظ الدراسات 3 : 280 ، 299 300 أيضاً.
.................................................................................................
المأموم الذي يصلّي احتياطاً ، سواء أقلنا بأنّ الأمر في مورده عقلي كما في الشبهات قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الإجمالي ، أو قلنا بأنّه شرعي مولوي وحكم ظاهري.
بل الضابط في الفرق أنّ في موارد الاحتياط حتّى بناءً على ثبوت الحكم الظاهري الشرعي لم يتعلّق أمر بذات العمل ، وإنّما تعلّق الأمر المولوي بنفس عنوان الاحتياط ، وأمّا العمل الذي يحتاط فيه فلم يتعلّق به أمر شرعي من ناحية الاحتياط بوجه ، بل هو على ما كان عليه واقعاً. فالصلاة الصادرة من المأموم احتياطاً لم يحرز تعلّق الأمر بها لا واقعاً ولا ظاهراً.
وهذا بخلاف موارد الاستصحاب أو قاعدة التجاوز ، فإنّ الصلاة حينئذ بنفسها متعلّقة للأمر الشرعي الظاهري ، فهي محكومة بالصحّة الشرعية ظاهراً ، فيرتّب عليها أحكام الجماعة. فالمناط الوحيد في الفرق تعلّق الأمر الشرعي بذات الصلاة وعدمه ، ولا أثر للإرشادية والمولوية في ذلك أبداً.
ومنه تعرف أنّ في موارد الاحتياط الوجوبي كما لو شكّ أثناء الوقت في الإتيان بالصلاة ، إن قلنا بجريان الاستصحاب في الأمر المتعلّق بالصلاة كما هو الصحيح فقد أحرز بذلك تعلّق الأمر الظاهري بها ، فيرتّب عليها أحكام الجماعة.
وأمّا لو أنكرنا ذلك كما عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1)بدعوى أنّ وجوب الفعل عقلاً من آثار نفس الشكّ لا الواقع ، ولا يشمل التعبّد الاستصحابي مثل ذلك فهذه الدعوى وإن كانت ممنوعة كما بيّناه في الأُصول (2)لكن بناءً على تسليمها لم يحرز تعلّق الأمر الشرعي بالصلاة حينئذ ، ومعه لا يمكن ترتيب آثار الجماعة.
[1988] مسألة 8 : إذا فرغ الإمام من الصلاة والمأموم في التشهّد أو في السلام الأوّل لا يلزم عليه نيّة الانفراد ، بل هو باق على نيّة الاقتداء عرفاً (1).
[1989] مسألة 9 : يجوز للمأموم المسبوق بركعة أن يقوم بعد السجدة الثانية من رابعة الإمام التي هي ثالثته وينفرد (2) ، ولكن يستحب له أن يتابعه في التشهد متجافياً إلى أن يسلّم ثمّ يقوم إلى الرابعة.
(1) بل وحقيقة ، فلا يلزم عليه نيّة الانفراد ، ولا يصير منفرداً قهراً وإن ذكره بعضهم. وخروج الإمام عن الصلاة لا يستدعي شيئاً من ذلك ، لعدم منافاته لبقاء القدوة ، لما عرفت سابقاً من أنّ الائتمام ليست له حقيقة شرعية بل هو على معناه العرفي من المتابعة في الأفعال ، وهي كما تتحقّق لدى المقارنة تتحقّق مع التأخير اليسير غير الفاحش.
فالمصلّي يتابع في سلامه للإمام وإن تخلّف عنه يسيراً ، فهو مؤتمّ به حقيقة عرفاً وشرعاً ، إذ مفهوم الائتمام لا يستدعي إلّا التبعية ، وهي متحقّقة في المقام لصدق أنّه تابع للإمام في السلام كما هو ظاهر.
(2) لما مرّ سابقاً (1)من جواز الانفراد في الأثناء حتّى اختياراً ، وإن لم يجز ذلك لو كان بانياً عليه من الأوّل. نعم يستحبّ له المتابعة في الجلوس وفي التشهّد وأن يكون متجافياً ، لقيام الدليل على كلّ من الأحكام الثلاثة.
أمّا الأوّل : فتدلّ عليه صحيحة زرارة قال عليهالسلام في المسبوق بركعتين : «فإذا سلّم الإمام قام فصلّى ركعتين» وفي من أدرك ركعة : «فإذا سلّم الإمام قام فقرأ» (2). دلّت على متابعة الإمام في الجلوس وعدم القيام ما لم يسلّم ، المحمولة على الاستحباب ، لوضوح أنّها ناظرة إلى بيان حكم الجماعة وأنّ المصلّي ما دام كونه مؤتمّاً يفعل كذلك. وأمّا إذا انفرد فهو موضوع آخر ولا تعرّض للصحيحة بالإضافة إليه كما لا يخفى.
[1990] مسألة 10 : لا يجب على المأموم الإصغاء إلى قراءة الإمام (1) في الركعتين الأُوليين من الجهرية إذا سمع صوته ، لكنّه أحوط.
[1991] مسألة 11 : إذا عرف الإمام بالعدالة ثمّ شكّ في حدوث فسقه جاز له الاقتداء به عملاً بالاستصحاب (2) ، وكذا لو رأى منه شيئاً وشكّ في أنّه موجب للفسق أم لا.
وأمّا المتابعة في التشهّد فقد دلّت عليه روايات ، عمدتها صحيحة الحسين ابن المختار وداود بن الحصين : «عن رجل فاتته صلاة ركعة من المغرب مع الإمام فأدرك الثنتين ، فهي الاولى له والثانية للقوم ، يتشهّد فيها؟ قال : نعم قلت : والثانية أيضاً؟ قال : نعم ، قلت : كلّهنّ ، قال : نعم ، وإنّما هي بركة» (1).
وأمّا التجافي : فيدلّ عليه في التشهّد الأوّل صحيحة ابن الحجاج : «عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الإمام وهي له الاولى ، كيف يصنع إذا جلس الإمام؟ قال : يتجافى ولا يتمكّن من القعود ...» إلخ (2). وفي مطلق التشهّد صحيحة الحلبي : «من أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه يتجافى واقعي إقعاء ، ولم يجلس متمكّناً» (3)، هذا. وقد تقدّم في المسألة التاسعة عشرة (4)من أحكام الجماعة أنّ هذه النصوص محمولة على الاستحباب.
(1) كما تقدّم سابقاً وقلنا : إنّ مقتضى الآية والرواية وإن كان هو الوجوب ولكن بإزائهما السيرة العملية القائمة على العدم ، الموجبة لحمل الأمر على الاستحباب (5)، وإن نسب الوجوب إلى بعضهم ، ولأجله كان مقتضى الاحتياط مراعاة الإصغاء ، وإن كان الأقوى عدم الوجوب.
(2) من غير فرق بين الشبهة الموضوعية كما هو الغالب ، بأن شكّ في أصل
.................................................................................................
صدور الفسق منه مثل ما لو رأيناه يشرب مائعاً وشككنا في أنّه نجس وهو عالم بالنجاسة فيشربها عاصياً ، أم أنّه جاهل. وبين الشبهة الحكمية بأن صدر منه فعل ولم يعلم حرمته في الشريعة المقدّسة كما لو رأيناه يشرب النبيذ عالماً بكونه نبيذاً ، ولم ندر أنّه يرى حلّيته اجتهاداً أو تقليداً فلا يضرّ بعدالته ، أم أنّه يرى حرمته فيشربه على جهة المعصية.
ففي جميع ذلك بما أنّ الحرام الواقعي بنفسه لا يوجب العصيان ولا يترتّب عليه الإثم ما لم يتنجّز على المكلّف بعلم أو علمي ، ولم يعلم صدور الفعل منه على جهة المعصية ، فلا مانع من استصحاب العدالة.
وليس ذلك من جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية أو الشبهة المفهومية ، لوضوح أنّ مجرى الاستصحاب هي العدالة ، التي هي موضوع خارجي ، والشبهة في الحكم أو المفهوم أو الموضوع من مناشئ الشكّ في العدالة وأسبابه ، وليست هي مجرى للأصل ، فلا ينافي ذلك ما هو الصحيح من عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية ولا المفهومية ، التي لا يقول بجريان الاستصحاب فيها غيرنا أيضاً.
نعم ، يمكن فرض الشبهة المفهومية في نفس العدالة بناءً على التشكيك في حقيقتها ، وأنّها عبارة عن الاجتناب عن الكبائر ، أو هي مع الصغائر (1)كما عليه المشهور ، فرأينا صدور الصغيرة منه كالنظر إلى الأجنبيّة وبذلك شككنا في بقاء عدالته ، فإنّه لا مجال لاستصحابها حينئذ ، لما هو المحقّق في محلّه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية (2).
وأمّا بناءً على ما هو التحقيق من إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة ، وأنّ المعاصي كلّها من الكبائر على ما مرّ الكلام عليه عند البحث عن حقيقة
[1992] مسألة 12 : يجوز للمأموم مع ضيق الصفّ أن يتقدّم إلى الصفّ السابق أو يتأخّر إلى اللاحق (1) إذا رأى خللاً فيهما ، لكن على وجه لا ينحرف عن القبلة ، فيمشي القهقرى.
العدالة (1)فالشبهة المفهومية في نفس العدالة لا تصوير لها في المقام ، بل الشكّ فيها بنفسها دائماً من قبيل الشبهة الموضوعية كما عرفت.
(1) كما هو مقتضى القاعدة ، لعدم الدليل على مانعية المشي قليلاً إلى الأمام أو الخلف أثناء الصلاة ما لم يضرّ بالهيئة الصلاتية ، ومع الشكّ فمقتضى الأصل البراءة ، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الأقل والأكثر الارتباطي ، هذا.
مضافاً إلى ورود النصّ بذلك في خصوص المقام ، وهي صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليهالسلام قال : «سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصفّ هل يصلح له أن يتقدّم إلى الثاني أو الثالث أو يتأخّر وراءه في جانب الصفّ الآخر؟ قال : إذا رأى خللاً فلا بأس» (2)، وموثّق سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال «قال : لا يضرّك أن تتأخّر وراءك ، إذا وجدت ضيقاً في الصفّ فتأخّر إلى الصفّ الذي خلفك ، وإذا كنت في صفّ وأردت أن تتقدّم قدّامك فلا بأس أن تمشي إليه» (3)، ونحوهما غيرهما.
فيجوز المشي للأصل والنصّ ، لكن بشرط عدم الانحراف عن القبلة فيمشي القهقرى كما ذكره في المتن ، لعموم دليل اعتبار الاستقبال في جميع حالات الصلاة ، ووضوح عدم النظر في هذه النصوص إلى الإخلال من هذه الجهة كي تصلح لمعارضته.
[1993] مسألة 13 : يستحبّ انتظار الجماعة إماماً أو مأموماً ، وهو أفضل من الصلاة في أوّل الوقت (1)منفرداً (1)
(1) للروايات الكثيرة المتضمّنة للحثّ الأكيد على إقامة الجماعة ، وأنّها تعادل بأربع وعشرين درجة ، التي تقدّمت الإشارة إليها سابقاً (2)، مضافاً إلى رواية جميل بن صالح : «أنّه سأل الصادق عليهالسلام أيّهما أفضل ، أيصلّي الرجل لنفسه في أوّل الوقت أو يؤخّر قليلاً ويصلّي بأهل مسجده إذا كان إمامهم؟ قال : يؤخّر ويصلّي بأهل مسجده إذا كان هو الإمام» (3).
لكن الرواية ضعيفة ، لجهالة طريق الصدوق إلى جميل (4). على أنّ الدلالة خاصّة من جهتين : إحداهما الاختصاص بالإمام فلا تعمّ المأموم ، والأُخرى الاختصاص بالتأخّر عن أوّل الوقت قليلاً ، فلا تشمل التأخّر الكثير كساعة مثلاً. فهي أخصّ من المدّعى ، فنبقى نحن وسائر الروايات والتكلّم على ما تقتضيه الصناعة ، فنقول :
لا ريب في أنّ المقام من باب التزاحم دون التعارض ، لوقوع المزاحمة بين إدراك فضيلة الوقت وبين إدراك فضيلة الجماعة لدى عدم التمكّن من الجمع بين الفضيلتين.
وعليه فان أُريد من الانتظار الذي حكم (قدس سره) بأفضليته ما إذا استوجب ذلك خروج وقت الفضيلة بالكلّية ، وإيقاع الصلاة جماعة في وقت
1) (*) إذا كان الانتظار يوجب فوات وقت الفضيلة فالأفضل تقديم الصلاة منفرداً على الصلاة جماعة على الأظهر.
2) في متن العروة من أوّل الكتاب.
3) الوسائل 8 : 429 / أبواب صلاة الجماعة ب 74 ح 1.
4) يمكن تصحيحه على ضوء ما أفاده (دام ظلّه) في نظائر المقام ، بأنّ في طريق الشيخ إلى جميل بن صالح [في الفهرست : 44 / 144] ابن الوليد ، وللصدوق طريق صحيح إلى جميع مرويّاته على ما يظهر من الشيخ في الفهرست [156 / 694].
وكذا يستحب اختيار الجماعة مع التخفيف على الصلاة فرادى مع الإطالة (1).
الإجزاء ، بحيث دار الأمر بين إدراك فضيلة الوقت بالإتيان بالصلاة فرادى في الوقت الأوّل ، وبين إدراك فضيلة الجماعة بإيقاعها في الوقت الثاني ، فهو في حيّز المنع.
فانّ اهتمام الشارع وحثّه الأكيد على إدراك فضيلة الوقت ليس بأقلّ من حثّه على فضيلة الجماعة ، بل لا ينبغي التأمّل في أنّ الأوّل أهمّ في نظر الشرع كيف وقد عبّر عن التأخير عن هذا الوقت بالتضييع (1). وقد ورد في لسان الأخبار (2)من ضروب التأكيد والعناية البليغة بشأنه ما لا يقاومه الحثّ المتعلّق بصلاة الجماعة كما لا يخفى. فتقديم الفرادى على الجماعة في هذه الصورة التي هي ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) هو الأظهر.
وان أُريد من ذلك ما إذا كانت كلتا الصلاتين في وقت الفضيلة ، أو كلتاهما في وقت الإجزاء ، غير أنّ الجماعة متأخّرة ، أو أنّه لو تصدّى لإدراك الفضيلة فرادى يقع مقدار من الصلاة في الوقت الثاني ، فالمتعيّن حينئذ ما ذكره (قدس سره) من استحباب الانتظار ، لوضوح عدم المزاحمة وقتئذ بين الأمرين.
فتقديم الجماعة في هذه الصورة هو المطابق للقاعدة ، لسلامة ما دلّت عليه الأخبار من الحثّ وأنّها تعادل أربعاً وعشرين درجة عن المزاحم ، بل الظاهر أنّ سيرة المسلمين قائمة على ذلك ، لعدم انعقاد الجماعات في أوّل الوقت الحقيقي غالباً ، فتتأخّر عن أوّل وقت الفضيلة مقداراً يمكن إيقاع الصلاة فيه فرادى ومع ذلك قامت سيرتهم على التأخير والانتظار وعدم البدار إلى إيقاعها فرادى وإن كانت أقرب إلى أوّل الوقت.
(1) كما دلّت عليه رواية جميل : «وسأله رجل فقال : إنّ لي مسجداً على
[1994] مسألة 14 : يستحبّ الجماعة في السفينة الواحدة وفي السفن المتعدّدة (1) للرجال والنساء ، ولكن تكره الجماعة في بطون الأودية.
[1995] مسألة 15 : يستحبّ اختيار الإمامة على الاقتداء ، فللإمام إذا أحسن بقيامه وقراءته وركوعه وسجوده مثل أجر من صلّى مقتدياً به ، ولا ينقص من أجرهم شيء.
[1996] مسألة 16 : لا بأس بالاقتداء بالعبد إذا كان عارفاً بالصلاة وأحكامها.
[1997] مسألة 17 : الأحوط ترك القراءة في الأُوليين من الإخفاتية (1)وإن كان الأقوى الجواز مع الكراهة كما مرّ.
[1998] مسألة 18 : يكره تمكين الصبيان من الصفّ الأوّل على ما ذكره المشهور وإن كانوا مميّزين.
باب داري ، فأيّهما أفضل أُصلّي في منزلي فأطيل الصلاة ، أو أُصلّي بهم وأُخفّف؟ فكتب : صلّ بهم وأحسن الصلاة ولا تثقل» (2).
لكنّها ضعيفة السند كما مرّ (3). فالعمدة هي الروايات العامّة المتضمّنة للاهتمام بشأن الجماعة (4)، وقد ورد في بعضها استحباب التخفيف رعاية لأضعف المأمومين ، وفي بعضها أنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان يفعل كذلك (5). فالحكم المذكور مطابق للقاعدة.
(1) كما دلّت عليه في السفينة الواحدة النصوص الكثيرة وفيها المعتبرة ، وفي
[1999] مسألة 19 : إذا صلّى منفرداً أو جماعة واحتمل فيها خللاً في الواقع وإن كانت صحيحة في ظاهر الشرع يجوز بل يستحبّ أن يعيدها منفرداً أو جماعة ، وأمّا إذا لم يحتمل فيها خللاً فان صلّى منفرداً ثمّ وجد من يصلّي تلك الصلاة جماعة يستحبّ له أن يعيدها جماعة إماماً كان أو مأموماً ، بل لا يبعد جواز إعادتها جماعة إذا وجد من يصلّي غير تلك الصلاة كما إذا صلّى الظهر فوجد من يصلّي العصر جماعة ، لكن القدر المتيقّن الصورة الأُولى. وأمّا إذا صلى جماعة إماماً أو مأموماً فيشكل استحباب إعادتها (1)(1).
بعضها «أما ترضى بصلاة نوح» (2)كما لا يخفى على من لاحظها.
وأمّا في السفينتين فلم يرد نصّ بالخصوص ، ومع ذلك فالجواز فيهما أيضاً هو المطابق للقاعدة ، بلا فرق بين حالتي الوقوف والحركة ، مع استجماع الشرائط التي منها عدم البعد بين الإمام والمأموم ، أو الصفّ السابق والصفّ اللاحق كما لو كانت السفينتان مشدودتين أو تمشي إحداهما محاذية للأُخرى.
(1) لا إشكال في جواز الإعادة فيما إذا احتمل المصلّي خللاً في صلاته بحسب الواقع وإن كانت صحيحة في ظاهر الشرع ، بل هي مستحبّة من باب الاحتياط ، الذي هو مندوب وحسن على كلّ حال ، من غير فرق بين ما إذا كانت الاولى فرادى أو جماعة ، إماماً أو مأموماً.
وكذا الثانية في غير ما إذا كان إماماً ، وإلّا فيشكل الاقتداء به ، لعدم إحراز كونه مصلّياً بعد احتمال سقوط الأمر بالصلاة الأُولى ، إلّا إذا كان المأموم مشاركاً مع الإمام في الجهة المقتضية للاحتياط ، كما لو توضّأ من ماء معيّن وبعد الفراغ من الصلاة شكّا في طهارته ونجاسته ، فإنّه لا مانع حينئذ من ائتمام
.................................................................................................
أحدهما بالآخر ، لأنّ الصلاة الاولى إن كانت صحيحة فالثانية لغو من كليهما وإلّا فكلتا الصلاتين مأمور بها.
ولا يحتمل التفكيك بين صلاتي الإمام والمأموم في الصحّة والفساد بعد انبعاث الاحتياط من جهة مشتركة كما هو واضح. وقد مرّ الكلام حول ذلك في أوائل فصل الجماعة فلاحظ (1).
وأمّا إذا لم يحتمل خللاً في صلاته أصلاً فلا تشرع إعادتها منفرداً ، سواءً كانت الأُولى جماعة أم فرادى ، لعدم المقتضي لها بعد سقوط الأمر وعدم احتمال الخلل.
وأمّا إعادتها جماعة مأموماً أو إماماً فلا إشكال في جوازها ، بل استحبابها فيما إذا صلّى الاولى منفرداً ، لقيام الدليل المعتبر على كلّ منهما.
أمّا في المأموم فدلّت عليه صحيحة هشام بن سالم : «في الرجل يصلّي الصلاة وحده ثمّ يجد جماعة ، قال : يصلّي معهم ، ويجعلها الفريضة إن شاء» (2). والمراد بالفريضةِ القضاءُ ، لا تلك الصلاة الأدائية ، والقرينة على ذلك أمران :
أحدهما : موثّقة إسحاق بن عمّار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : تقام الصلاة وقد صلّيت ، فقال : صلّ واجعلها لما فات» (3).
ثانيهما : القرينة العقلية ، لحكومة العقل بامتناع تبديل الامتثال بالامتثال وأنّ الفريضة لا تناط بالمشيئة ولا يمكن تعليقها عليها كما تعرّضنا لذلك في مبحث الإجزاء (4)، لسقوط الأمر بمجرّد الامتثال ، إذ الانطباق قهري وجداني والإجزاء عقلي ، فلا يبقى معه أمر كي يبدل بامتثال آخر ، ومن الضروري تقوّم الامتثال بوجود الأمر.
فمن المستحيل اختيار المكلّف في التبديل كي يعلّق على مشيئته في قوله
.................................................................................................
عليهالسلام : «ويجعلها الفريضة إن شاء». فليس المراد أنّه يجعلها تلك الفريضة الأدائية قاصداً بها أمرها الساقط ، بل المراد أنّه مخيّر بين أن ينوي بها الفريضة القضائية ، أو الصلاة المعادة بقصد الأمر الاستحبابي المتعلّق بها بهذا العنوان ، لا الأمر الوجوبي الأوّل ، وإلّا كان من التشريع المحرّم.
وأمّا في الإمام فدلّت عليه صحيحة إسماعيل بن بزيع قال : «كتبت إلى أبي الحسن عليهالسلام : إنّي أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صلّيت قبل أن أتاهم ، وربما صلّى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل ، فأكره أن أتقدّم وقد صلّيت لحال من يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت ذلك ، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه وأعمل إن شاء اللّه ، فكتب عليهالسلام : صلّ بهم» (1). والدلالة ظاهرة. وقوله : «من يقتدي بصلاتي» أي من الشيعة. هذا كلّه إذا كان قد صلّى منفرداً.
وأمّا إذا صلّى جماعة فالظاهر جواز إعادتها إماماً وإن استشكل فيه الماتن لإطلاق صحيحة ابن بزيع المتقدّمة ، ولو من أجل ترك الاستفصال ، إذ من الجائز أنّ السائل كان قد صلّى في داره بأهله قبل أن يأتي المسجد ، كما كان هذا متعارفاً ، ولم يستفصله الإمام عليهالسلام عند حكمه بالجواز عن أنّ صلاته كانت فرادى أم جماعة ، فيكشف ذلك عن إطلاق الحكم كما لا يخفى.
ومنه تعرف حكم ما لو كان مأموماً فأعادها إماماً ، إذ لو جازت الإعادة فيما إذا صلّاها إماماً ففي المأموم بطريق أولى. مضافاً إلى الإطلاق وترك الاستفصال في صحيحة ابن بزيع كما عرفت ، إذ من الجائز أنّ ابن بزيع صلّى في داره مأموماً ، وكان مقتدياً بأحد من الأصحاب الحاضرين في بيته كصفوان ونحوه ، فانّ هذا أيضاً فرد متعارف وإن لم يكن بتلك الكثرة. فترك استفصاله عليهالسلام عن أنّ صلاته السابقة كانت فرادى أم جماعة إماماً أو مأموماً كاشف عن إطلاق الحكم.
1) الوسائل 8 : 401 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 5.
وكذا يشكل إذا صلّى اثنان منفرداً ثمّ أرادا الجماعة (1) فاقتدى أحدهما بالآخر من غير أن يكون هناك من لم يصلّ.
وأمّا إذا صلّى جماعة وأراد أن يعيدها مأموماً فهذا لا دليل عليه ، فانّ مورد النصوص ما إذا صلّى فرادى وأعادها جماعة ، غايته أنّا استفدنا من صحيحة ابن بزيع ما لو صلّاها جماعة أيضاً بمقتضى الإطلاق ، لكنّ موردها ما إذا أعادها إماماً كما عرفت ، وأمّا مأموماً فلم يقم على مشروعيّته أيّ دليل والعبادة توقيفية يقتصر فيها على مورد النصّ.
وقد يتوهّم استفادته من موثّقة عمّار : «عن الرجل يصلّي الفريضة ثمّ يجد قوماً يصلّون جماعة ، أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال : نعم ، وهو أفضل قلت : فان لم يفعل ، قال : ليس به بأس» (1)بدعوى أنّ إطلاقها يشمل ما إذا صلّى الأُولى جماعة.
لكنّه كما ترى بعيد جدّاً عن سياقها ، بقرينة قوله : «وهو أفضل» الكاشف عن المقابلة بين المعادة جماعة وبين الاولى ، وأنّ هذه من أجل كونها جماعة أفضل ، فلا بدّ وأن تكون الاولى فرادى بمقتضى التقابل المستفاد من التفضيل.
على أنّ ظاهر قوله : «ثمّ يجد ...» إلخ وجدان الجماعة بعد فقدانها كما لا يخفى فلا ينبغي الريب في ظهور الموثّق في كون الاولى فرادى ، وعدم إطلاقه لما إذا كانت جماعة.
وكيف ما كان ، فمحلّ الإشكال ما إذا صلّى الأُولى جماعة إماماً أو مأموماً وأعادها مأموماً ، وقد عرفت أنّ هذا لا دليل عليه ، وأمّا إعادتها إماماً فلا بأس بها كما عرفت.
(1) لخروج ذلك عن مورد النصوص ، فإنّها ناظرة إلى ما إذا كانت هناك جماعة أُخرى صحيحة في نفسها مع قطع النظر عن إعادة هذا المصلّي ، بأن كان
1) الوسائل 8 : 403 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 9.
[2000] مسألة 20 : إذا ظهر بعد إعادة الصلاة جماعة أنّ الصلاة الأُولى كانت باطلة يجتزئ بالمعادة (1).
[2001] مسألة 21 : في المعادة إذا أراد نيّة الوجه ينوي الندب لا الوجوب على الأقوى (2).
ثمّة شخص آخر لم يصلّ كما هو المفروض في جميع تلك الأخبار ، فلا تشمل ما إذا كانت الجماعة منحصرة بإمام ومأموم كلّ منهما قد صلّى منفرداً وأرادا إعادتها جماعة من دون وجود شخص آخر لم يصلّ. فمشروعيّة هذه الجماعة غير ثابتة ، لعدم الدليل عليها. وبما أنّ العبادة توقيفية فمقتضى الأصل عدم المشروعية.
(1) والوجه فيه ظاهر ، فانّ موثّق عمّار المتقدّم صريح في أنّ المعادة ليست صلاة أُخرى مستقلة ، بل هي إعادة لنفس الصلاة الأُولى. فهي ذاتاً تلك الفريضة بعينها غايته أنّه يستحب إعادتها جماعة ، فإذا تبيّن الخلل في الأُولى تحقّق الامتثال في ضمن الفرد الثاني لا محالة وإن تخيّل المصلّي استحبابه واعتقد أنّه مصداق للمعادة ، فإنّه من باب الخطأ في التطبيق.
وقد ذكرنا غير مرّة أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة عدا الإتيان بذات العمل وأن يكون ذلك بداعي القربة ، وكلاهما متحقّق في المقام. فالحكم بالاجتزاء مطابق للقاعدة.
وتؤيّده رواية أبي بصير قال «قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : أُصلّي ثمّ أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صلّيت ، فقال : صلّ معهم ، يختار اللّه أحبّهما إليه» (1)، إذ من المعلوم أنّ اللّه تعالى يختار الصحيح منهما دون الفاسد. لكن الرواية ضعيفة بسهل بن زياد ، فلا تصلح إلّا للتأييد.
(2) لما عرفت من سقوط الأمر الوجوبي بالصلاة الاولى ، فلا تكون المعادة
1) الوسائل 8 : 403 / أبواب صلاة الجماعة ب 54 ح 10.
.................................................................................................
بما أنّها كذلك فرداً للواجب ، ومعه كيف يقصد الوجوب بها.
نعم ، الطبيعة هي تلك الطبيعة بعينها ، غير أنّ الأمر المتعلّق بها حينئذ استحبابي ، وهذا الأمر هو الباعث على إعادتها ، دون الوجوبي الساقط الذي كان باعثاً على الصلاة الاولى. فلو أراد نيّة الوجه ليس له إلّا أن ينوي الندب فيقصد نفس تلك الطبيعة المتعلّقة للأمر الاستحبابي كما ذكره في المتن.
هذا تمام الكلام في صلاة الجماعة ، وبه ينتهي الجزء الخامس بقسميه ، ويتلوه الجزء السادس المحتوي على مباحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.
والحمد لله ربّ العالمين. حرّره بيمناه الداثرة مرتضى بن علي محمّد البروجردي أصلاً ، والنجفي مسكناً ومدفناً إن شاء اللّه تعالى.
وكان الفراغ في يوم 28 من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1390 ه.
فهرس الموضوعات
فصل في الجماعة... 7 - 136
استحباب الجماعة في جميع الفرائض... 7
مشروعية الجماعة في قضاء اليومية... 7
عدم مشروعية الجماعة في ركعتي الطواف... 11
تأكد استحباب الجماعة في الصبح والعشاءين... 11
بعض الروايات الدالة على فضيلة الجماعة... 13
وجوب الجماعة إذا ضاق الوقت عن تعلم القراءة... 16
وجوب الجماعة بالنذر ونحوه وصحة الصلاة مع المخالفة... 21
ثبوت الكفارة لو نذر الجماعة فحنث... 23
وجوب الجماعة إذا توقف ترك الوسواس عليها... 24
وجوب الجماعة مع ضيق الوقت عن إدراك ركعة إلا بها... 25
هل تجب الجماعة إذا أمر أحد الوالدين بها؟... 26
عدم مشروعية الجماعة في النوافل الأصلية... 26
عدم مشروعية الجماعة في النافلة الواجبة بنذر ونحوه... 31
عدم مشروعية الجماعة في صلاة الغدير... 33
الجماعة في صلاة الاستسقاء... 36
الجماعة في النافلة بالعرض كصلاة العيدين والمعادة... 36
الاقتداء في اليومية بمن يصلي أخرى... 38
الاقتداء مع الاختلاف أداء وقضاء... 40
الاقتداء مع الاختلاف قصرا وتماما... 42
الائتمام بمن يعيد صلاته احتياطا... 43
ائتمام من يعيد صلاته احتياطا بمثله... 44
الائتمام في اليومية بصلاة الطواف وبالعكس... 45
الائتمام في اليومية بصلاة الاحتياط وبالعكس... 45
الجماعة في صلاة الاحتياط... 46
الاقتداء بمن يصلي الآيات أو العيدين وبالعكس... 47
الاقتداء في العيدين بمن يصلي الاستسقاء وبالعكس... 48
أقل عدد تنعقد به الجماعة... 49
عدم اشتراط نية الإمامة في غير الجمعة والعيدين... 53
اعتبار نية الائتمام للمأموم... 53
اعتبار وحدة الإمام... 55
تعيين الإمام ولو إجمالا... 56
الاقتداء بأحد شخصين مع تعييه مستقبلا بأن ينوي الاقتداء بمن يركع منهما أولا 57
الشك في نية الائتمام وعدمها... 58
الائتمام بشخص على أنه زيد فينكشف كونه عمرا... 59
نية كل من شخصين إمامة الآخر أو الائتمام بالآخر... 66
شك كل من شخصين في نية الإمامة أو المأمومية... 70
العدول في الأثناء إلى إمام آخر إذا مات الأول... 74
العدول إلى إمام آخر إذا جن الأول أو أغمي عليه... 75
العدول إلى إمام آخر إذا أحدث الأول... 76
هل تجب استنابة إمام آخر لو أحدث الأول مثلا؟... 77
هل استنابة إمام آخر من وظائف الإمام الأول أو المأمومين؟... 78
تعين كون الإمام النائب أحد المأمومين... 78
إذا جازت استنابة الأجنبي فهل يتعين عليه الابتداء بالصلاة من أولها... 80
الموارد المنصوصة للعدول من إمام إلى آخر... 82
الموارد المنفرد أثناء الصلاة... 84
الانفراد اختيارا أثناء الجماعة... 85
الانفراد بعد قراءة الإمام وقبل الركوع... 91
الانفراد بعد القراءة وإتمام الصلاة ثم ائتمامه به في ركوع تلك الركعة... 94
تردد المأموم في الانفراد ثم العزم على عدمه... 95
عدم اعتبار قصد القربة في الجماعة... 96
الاقتداء في اليومية بما لا يصح الاقتداء فيها... 98
إدراك الركعة في الجماعة بادراك الإمام راكعا... 99
التأخر في الائتمام إلى أن يركع الإمام... 103
إدراك الإمام بعد فراغه من ذكر الركوع... 104
تخلف المأموم عن الإمام في ركوع غير الركعة الأولى... 106
تخلف المأموم عن الإمام في ركوع الأولى... 108
الائتمام حال ركوع الإمام بتخيل إدراكه فينكشف الخلاف... 111
الائتمام حال ركوع الإمام مع الشك في إدراكه... 112
الالتحاق حال ركوع الإمام ورفع رأسه قبل ركوع المأموم... 116
شك المأموم بعد الركوع في إدراكه الإمام حال الركوع... 119
إدراك الإمام في تشهده الأخير... 121
إدراك الإمام في سجود الركعة الأخيرة... 124
الائتمام بعيدا عن صف الجماعة إذا خاف فوتها إن التحق بالصف... 130
فصل : في شروط الجماعة... 137 - 196
الأول : أن لا يكون بين الإمام والمأموم أو بين المأمومين حائل... 137
مانعية الحائل ولو آنا ما... 144
مانعية الحائل في جميع حالات الصلاة... 144
مانعية الحائل غير المانع من الرؤية... 145
مقتضى الأصل عند الشك في مانعية الحائل غير الساتر... 147
اختصاص مانعية الحائل بما إذا كان المأموم رجلا... 149
الثاني : أن لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المأموم... 151
تحديد مقدار العلو الجائز... 153
الثالث : أن لا يتباعد المأموم عن الإمام كثيرا... 157
المدار في البعد ملاحظته بين مسجد اللاحق وموقف السابق... 160
الرابع : أن لا يتقدم المأموم على الإمام في الموقف... 162
مساواة المأموم مع الإمام في الموقف... 164
التفصيل بين المأموم الواحد والمتعدد... 167
موارد الاستثناء من الحكم المتقدم... 168
هل تجب المساواة الحقيقية بناء على جوازها في المأموم الواحد؟... 171
كفاية التأخر أو المساواة في الموقف وإن زاد على الإمام حال الركوع مثلاً... 172
اختصاص مانعية الحائل بما إذا كان مانعا في جميع أحوال الصلاة... 173
عدم قادحية حيلولة المأمومين بعضهم لبعض وإن لم يدخلوا الصلاة إذا كانوا متهيئين لها 175
كفاية مشاهدة من هو واسطة الاتصال بينه وبين الإمام... 176
بطلان جماعة من علي يمين أو يسار الإمام إذا كان في محراب داخل في جدار... 176
ائتمام الواقف في أحد جانبي الواقف بحيال الباب ممن لا يرى الإمام... 177
صلاة الواقف بين الأسطوانات مع اتصاله بمن لم تحل الأسطوانة بينهم... 179
ائتمام الجاهل بوجود حائل بينه وبين المتقدم عليه... 180
عدم قدح الحائل غير المستقر... 181
الشك في حدوث الحائل قبل الصلاة أو في الأثناء... 182
حكم الحائل المانع حال الركوع دون القيام وفرض زواله حال الركوع... 184
حكم جماعة الصف المتأخر إذا تمت صلاة المتقدم... 185
حيلولة الثوب الرقيق عن الاقتداء... 187
كفاية الاتصال بالمتقدم أو أحد الجانبين... 188
تجدد البعد بين المأموم وغيره أثناء الصلاة... 188
بطلان جماعة الصف المتأخر بالعلم ببطلان صلاة المتقدم... 189
حكم جماعة الصف المتأخر مع اعتقادهم فساد صلاة المتقدم... 190
حيلولة الصبي المميز إذا لم يعلم بطلان صلاته... 191
الشك في حدوث البعد في الأثناء أو من الأول... 192
تقدم المأموم على الإمام في الأثناء سهوا أو جهلا أو اضطرارا... 193
الجماعة بشكل دائري حول الكعبة... 194
فصل : في أحكام الجماعة... 197 - 337
قراءة المأموم في الأوليين من الإخفاتية... 197
استحباب التسبيح والتحميد والصلاة على النبي وآله للمأموم في الأُوليين... 203
قراءة المأموم في الأُوليين من الجهرية مع سماع صوت الإمام... 204
الإنصات إلى قراءة الإمام... 207
قراءة المأموم في أُوليي الجهرية مع عدم سامع صوت الإمام... 213
وظيفة المأموم في الأخيرتين... 218
عموم سقوط القراءة في أُليي الجهرية مع عدم سماع صوت الإمام لمطلق عدم السماع ولو من جهة كونه أصم 219
سماع بعض قراءة الإمام في أُليي الجهرية... 220
القراءة في الأُليين بتخيل أن المسموع غير صوت الإمام فتبين أنه صوته... 221
الشك في سماع صوت الإمام وعدمه... 221
عدم اعتبار الطمأنينة حال قراءة الإمام... 222
تأخر المأموم عن الإمام في القيام... 223
اعتبار متابعة الإمام في الأفعال... 223
هل وجوب المتابعة شرطي أو تعبدي؟... 229
رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام سهوا... 233
رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام عمدا... 240
رفع المأموم رأسه من الركوع سهوا فعاد للمتابعة فرفع الإمام رأسه قبل وصوله حد الركوع 241
عود المأموم للسجود متابعة بتخيل أن الإمام في الأولى فينكشف أنه في الثانية... 242
ركوع المأموم أو سجوده قبل الإمام عمدا... 244
ركوع المأموم قبل الإمام وبعد القراءة... 244
ركوع المأموم قبل الإمام وقبل إكمال القراءة... 246
اعتبار عدم تقدم المأموم على الإمام في تكبيرة الإحرام... 248
تقدم المأموم في غير تكبيرة الإحرام من الأقوال... 254
الإحرام قبل الإمام سهوا أو بزعم أنه كبر... 256
زيادة المأموم في ذكر الركوع والسجود... 258
ترك الإمام ما يراه المأموم واجبا... 258
حكم المأموم لو ركع فأتى الإمام سهوا بما لا يجب عليه كالقنوت في الثالثة... 260
عدم تحمل الإمام غير القراءة في الأُليين فقط... 261
عدم إمهال الإمام المأموم المسبوق بركعتين لإتمام القراءة... 264
تحمل الإمام القراءة إذا التحق المأموم في الثانية... 267
متابعة المأموم المسبوق بركعة الإمام في القنوت... 268
متابعة المأموم المسبوق بركعة الإمام في التشهد... 269
كيفية جلوس المأموم المسبوق بركعة في تشهد الإمام... 269
وظيفة المأموم المسبوق من الذكر عند الجلوس في تشهد الإمام... 271
عدم إمهال الإمام المأموم المسبوق بركعة لإتمام القراءة... 272
المراد من عدم إمهال الإمام المجوز لترك السورة... 273
اعتقاد المأموم إمهال الإمام له في قراءة السورة فقرأها فلم يدرك الركوع... 276
إخفات المأموم في قراءته ولو كانت الصلاة جهرية... 277
جهر المأموم في قراءة جهلا أو نسيانا... 279
حكم البسملة في قراءة المأموم من حيث الجهر والإخفات... 280
تخلف المأموم المسبوق للإتيان بما يجب عليه ثم متابعة الإمام... 281
الائتمام في الأخيرين قبل الركوع وحكم القراءة... 283
الائتمام مع الجهل بالركعة التي بيد الإمام... 284
ترك المأموم للقراءة بتخيل كون الإمام في الأُليين... 286
قراءة المأموم بتخيل أن الإمام في الأخيرتين... 287
قطع النافلة لو خاف عدم إدراك الجماعة لو أُقيمت أثناءها... 287
العدول من الفريضة إلى النافلة لو أُقيمت الجماعة أثناءها وخاف فوتها... 290
قطع النافلة المعدول إليها من الفريضة لو خاف فوت الجماعة... 294
قطع الفريضة لإدراك الجماعة لو خاف فوتها... 295
عموم جواز العدول إلى النافلة لدرك الجماعة للثنائية وغيرها... 296
تذكر المأموم نسيان سجدة أو تشهد من الركعة السابقة... 297
إتيان المأموم بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل تحريم الإمام... 298
اختلاف الإمام والمأموم في المسائل الصلاتية... 298
علم المأموم بطلان صلاة الإمام لجهة ما... 307
الاقتداء بمن يجهل نجاسة ثوبه أو بدنه... 308
الاقتداء بمن نسي نجاسة ثوبه أو بدنه... 309
تردد المأموم في كون الإمام ناسيا أو جاهلا بنجاسة ثوبه... 309
اختلاف الإمام والمأموم في نجاسة شيء اجتهادا أو تقليدا... 309
انكشاف فسق الإمام أو كونه امرأة أو فقدان صلاته لركن ونحوه بعد الفراغ... 311
اختصاص صحة صلاة المأموم في الفرض المتقدم بما إذا لم يزد ركنا متابعة... 320
انكشاف فسق الإمام أو كونه امرأة أو فقدان صلاته لركن ونحوه أثناءها... 323
نسيان الإمام بعض واجبات الصلاة... 326
وظيفة الإمام لو تبين بطلان صلاته... 329
الاقتداء بمن يتخيل أنه مجتهد أو كان مقلدا لمن ليس أهلا للتقليد اعتقاد الإمام دخول الوقت دون المأموم 335
فصل : في شرائط إمام الجماعة... 337 - 390
اعتبار البلوغ... 337
اعتبار العقل... 341
اعتبار الإيمان... 342
اعتبار العدالة... 343
اعتبار عدم كونه ابن زنا... 346
اعتبار الذكورة إذا كان ولو بعض المأمومين رجلا... 349
إمامة المرأة للنساء... 349
إمامة الناقص للكامل... 355
إمامة الناقص من حيث الشرائط للكامل... 356
إمامة الناقص من حيث الأفعال والهيئات للكامل... 356
إمامة الناقص من حيث الأذكار للكامل... 361
إمامة الناقص من حيث القراءة للكامل... 362
إمامة من لا يحسن القراءة لمثله... 365
هل يجب على غير المحسن للقراءة الائتمام بالمحسن؟... 368
إمامة الأخرس لغيره... 368
إمامة الخنثى لغيرها... 369
إمامة غير البالغ لمثله... 370
إمامة الأجذم والأبرص... 371
إمامة المحدود شرعا بعد التوبة... 373
إمامة الأعرابي... 376
تعريف العدالة... 381
طرق ثبوت العدالة... 382
حجية الاطمئنان في ثبوت العدالة... 384
تصدي الفاسق للإمامة... 385
أولوية بعض الأشخاص بالإمامة من غيرهم... 388
فصل : في مستحبات الجماعة ومكروهاتها... 391 - 422
وقوف المأموم الواحد إذا كان رجلا عن يمين الإمام... 392
وقوف المأموم إذا كان امرأة خلف الإمام... 397
وقوف النساء خلف الإمام... 398
وقوف الرجل الواحد والمرأة واحدة أو أكثر... 398
وقوف المأمومين المختلفين ذكورة وأنوثة... 399
انتظار كل من الإمام والمأموم الآخر عند انتهاء صلاته... 400
شك المأموم بعد السجدة الثانية للإمام أنه سجد واحدة أو ثنتين... 401
شك المقتدي في المغرب بعشاء الإمام بين الثالثة والرابعة حال القيام... 403
عدم جواز الاقتداء بالعادل إذا صدرت منه معصية إلا أن يتوب... 404
الاقتداء بمن لا يعلم نوع صلاته... 404
اغتفار زيادة ركن واحد للمتابعة لا أكثر... 405
إجراء أحكام الجماعة مع انحصار المأموم بمن يصلي احتياطا أو كان كلاهما يصلي باستصحاب الطهارة 406
حكم المأموم لو فرغ الإمام من صلاته قبله... 410
انفراد المأموم المسبوق بركعة بعد السجدة الثانية من أخيرة الإمام... 410
الاقتداء بمن شك في حدوث فسقه... 411
تقدم المأموم وتأخره إلى صف آخر... 413
أفضلية انتظار الجماعة من الصلاة أول الوقت منفردا... 414
استحباب اختيار الجماعة مع التخفيف على الفرادى مع الإطالة... 415
الجماعة في السفينة أو السفن المتعددة... 416
استحباب اختيار الإمامة على الائتمام... 416
كراهة تمكين الصبيان من الصف الأول... 416
إعادة الصلاة فرادى أو جماعة مع احتمال الخلل في الأُولى... 417
إعادة الصلاة جماعة إذا لم يحتمل الخلل في الأُولى... 418
إذا صلى اثنان منفردا فهل تشرع الإعادة باقتداء أحدهما بالآخر؟... 420
انكشاف بطلان الصلاة الأُولى بعد إعادتها جماعة... 421
نية الوجه في المعادة جماعة... 421
فهرس الموضوعات... 423
الصورة