موسوعة الإمام الخوئی جلد 15

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه : خوئی، سید‌ابوالقاسم، 1278 - 1371.

عنوان و نام پديدآور : المستند في شرح‌العروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسوی‌الخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.

مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامام‌الخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : موسوعه‌الامام‌الخوئی.

شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :

وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری

يادداشت : عربی.

يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروه‌الوثقی" به چاپ رسیده است.

يادداشت : فهرست‌نویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.

يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).

يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).

يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).

يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).

يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).

يادداشت : عنوان عطف: شرح عروه‌الوثقی.

یادداشت : کتابنامه.

مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.

عنوان عطف : شرح عروه‌الوثقی.

عنوان دیگر : العروه‌الوثقی. شرح.

عنوان دیگر : شرح‌العروه‌الوثقی.

موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروه‌الوثقی -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 14

شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظم‌بن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.

شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.

شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)

رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : م‌79-21167

اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی

المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه

الطبعة: 3

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1421 ه.ق

ISBN (ردمك): 964-6812-53-8

المكتبة الإسلامية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ

مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ

اشارة

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی

تقرير الإبحاث

الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره

«1317 - 1413 ه»

الصلاة

تأليف: آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره

طبعة منقحة

مؤسسة الخوئي الإسلامية

جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية

الجزء الخامس عشر

الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره

(مؤسسة الخوئي الإسلامية)

هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+

تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م

المطبعة: نينوي

الطبعة: الرابعة

عدد النسخ: 1000 دورة

8 - 53 - 6812 - 964 : ISBN

Email:info@alkhoei.net

www.alkhoei.com

www.alkhoei.net

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على نبيّنا محمد وآله الطاهرين الغرّ الميامين.

فصل في الركوع

فصل في الرّكوع يجب في كل ركعة من الفرائض والنوافل ركوع واحد إلّا في صلاة الآيات ففي كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي ، وهو ركن تبطل الصلاة بتركه عمداً كان أو سهواً ، وكذا بزيادته في الفريضة إلّا في صلاة الجماعة فلا تضر بقصد المتابعة (1).


(1) الركوع لغة (1)هو مطلق الانحناء وتطأطؤ الرأس ، يقال ركع الشيخ ، أي انحنى من الكبر ، سواء أكان حسِّياً كالمثال أو معنوياً كمن أكبّه الدّهر فصار فقيراً بعد أن كان غنيّاً ، فيقال ركع زيد ، أي انحطّت حالته ، وفي الشرع انحناء مخصوص كما ستعرف.

ولا إشكال بضرورة الدين في وجوبه مرّة واحدة في كل ركعة من الفرائض والنوافل ، بل باعتباره سمِّيت الركعة ركعة ، ما عدا صلاة الآيات فيجب في كل ركعة من ركعتيها خمس ركوعات كما سيأتي الكلام عليها في محلّها إن شاء اللّه تعالى (2).

ولا ينبغي الإشكال في أنّه ركن ، بل ممّا تتقوّم به حقيقة الصلاة وماهيّتها


1) لسان العرب 8 : 133 ، مجمع البحرين 4 : 339.

2) شرح العروة 16 / بعد المسألة [1752].

وواجباته أُمور : أحدها : الانحناء على الوجه المتعارف بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه وصولاً لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه ، ويكفي وصول مجموع أطراف الأصابع التي منها الإبهام على الوجه المذكور ، والأحوط الانحناء بمقدار إمكان وصول الراحة إليها ، فلا يكفي مسمّى الانحناء (1).


بحيث ينتفي بانتفائه الاسم كما يشهد به حديث التثليث ، «قال عليه‌السلام : الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود» (1)فهو دخيل في المسمّى وركن فيه. ومع الغض فلا شك في كونه ركناً في المأمور به ، بمعنى أنّ الإخلال به من حيث النقص عمداً أو سهواً موجب للبطلان كما يشهد به حديث لا تعاد ، ويأتي الكلام عليه في بحث الخلل إن شاء اللّه تعالى (2).

وأمّا الإخلال من حيث الزيادة ، فهو وإن لم يكن معتبراً في صدق الركن لعدم إناطته إلّا بالإخلال من حيث النقص فحسب كما عرفت سابقاً ، إلّا أنّه لا شك في قادحية الإخلال به من حيث الزيادة أيضاً عمداً أو سهواً كما سيجي‌ء في محلّه أيضاً (3)، إلّا في صلاة الجماعة فيغتفر فيها الزيادة بقصد المتابعة كما ستعرفه في مبحث الجماعة (4).

(1) قد عرفت أنّ الركوع لغة هو مطلق الانحناء ، وفي الشرع انحناء خاص فهو في إطلاق الشارع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي غايته مع اعتبار بعض القيود كما ستعرف. وعن صاحب الحدائق (5)دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية فيه


1) الوسائل 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1.

2) شرح العروة 18 : المسألة [2015].

3) شرح العروة 18 : المسألة [2012].

4) شرح العروة 17 : المسألة [1931].

5) الحدائق 8 : 236.

.................................................................................................


في قبال اللّغة ، مستشهداً له بموثقة سماعة قال : «سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن؟ قال : نعم ، قول اللّه عزّ وجلّ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) ... إلخ (1)وبصحيحة محمّد بن قيس (2)الواردة بهذا المضمون.

وليت شعري أيّ دلالة في الروايتين على ثبوت الحقيقة الشرعية ، فإنّ غاية مفادهما ورود الركوع في القرآن ، وهل هذا إلّا كورود البيع فيه بقوله تعالى ( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (3)فهل مجرّد ذلك يقتضي ثبوت الحقيقة الشرعية ، وهل يلتزم بمثله في البيع ونحوه من ألفاظ المعاملات الواردة في القرآن. فالإنصاف أنّ هذه الدعوى غريبة جدّاً ، بل الصحيح أنّ الركوع يطلق في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي ، غايته مع اعتبار بعض القيود كما هو الحال في البيع ونحوه.

وكيف كان ، فلا ينبغي الإشكال في عدم كفاية مطلق الانحناء في تحقّق الركوع الواجب في الصلاة ، بل إنّ هذا مسلّم مفروغ عنه عند جميع فرق المسلمين ، عدا ما ينسب إلى أبي حنيفة (4)من الاكتفاء بذلك وهو متفرِّد به.

إنّما الكلام في تحديد المقدار الواجب ، فالمشهور ما ذكره في المتن من الانحناء بمقدار تصل يداه إلى ركبتيه بحيث لو أراد وضع شي‌ء منهما عليهما لوضعه ، بل ادّعي الإجماع عليه في كثير من الكلمات وإن اختلف التعبير باليد تارة وبالكف اخرى ، وبالراحة ثالثة. وقد استدلّ له بوجوه.

أحدها : قاعدة الاحتياط ، فانّ فراغ الذمّة عن عهدة التكليف المعلوم


1) الوسائل 6 : 312 / أبواب الركوع ب 9 ح 7.

2) الوسائل 6 : 311 / أبواب الركوع ب 9 ح 6 لكن الموجود فيه وفي التهذيب [2 : 97 / 362] والوافي [8 : 692 / 6880] خال عن ذاك المضمون الّذي حكاه في الحدائق [8 : 235] عن الشيخ.

3) البقرة 2 : 275.

4) المجموع 3 : 410 ، حلية العلماء 2 : 117 ، بدائع الصنائع 1 : 162.

.................................................................................................


لا يتحقّق إلّا بالبلوغ إلى هذا الحد.

وفيه أوّلاً : أنّ المورد من دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين والمقرّر فيه هو البراءة دون الاشتغال.

وثانياً : مع الغض ، يدفعه إطلاقات الأدلّة ، لما عرفت من صدق الركوع على مطلق الانحناء ، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، فلو أغضينا النظر عن بقية الأدلّة كان مقتضى الإطلاق الاجتزاء بمسمّى الانحناء كما يقول به أبو حنيفة ولا تصل النوبة إلى الأصل كي يقتضي الاشتغال.

الثاني : الإجماع المنقول كما ادّعاه غير واحد على ما مرّ. وفيه : مضافاً إلى عدم حجّيته في نفسه وإلى وهن دعواه حيث ذكر المجلسي في البحار (1)أنّ المشهور هو الاجتزاء ببلوغ أطراف الأصابع ، أنّه معارض بنقل الإجماع على الخلاف كما ادّعاه بعض فيسقطان بالمعارضة.

الثالث : وهو العمدة ، الروايات :

منها : صحيحة حماد قال فيها : «ثمّ ركع وملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات ثمّ قال عليه‌السلام في ذيلها : يا حماد هكذا صلّ» (2)وظاهر الأمر الوجوب.

ومنها : صحيحة زرارة : «... وتمكن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى» (3).

ومنها : صحيحته الأُخرى : «... فإذا ركعت فصفّ في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر وتمكّن راحتيك من ركبتيك وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى ...» إلخ (4).


1) البحار 82 : 119.

2) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

3) الوسائل 6 : 295 / أبواب الركوع ب 1 ح 1.

4) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

.................................................................................................


ومنها : النبوي الّذي رواه الجمهور عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله قال «قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك» (1).

والجواب : أنّ دلالة هذه النصوص على المدّعى قاصرة مضافاً إلى ضعف سند النبوي إذ لا تعرّض فيها لبيان حدّ الانحناء بالدلالة المطابقية ، وإنّما مدلولها المطابقي وجوب وضع الكف أو الراحة على الركبتين المستلزم بطبيعة الحال للانحناء بهذا المقدار ، فالتحديد بذلك مستفاد منها بالدلالة الالتزامية ، وحيث إنّا نقطع بعدم وجوب وضع اليد على الركبتين حال الركوع لا لمجرّد الإجماع المدّعى على العدم ، بل للتصريح به في نفس صحيحة زرارة الأخيرة وأنّ ذلك أحب إليه عليه‌السلام قال «وأحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك» فالدلالة المطابقية ساقطة لا محالة ، وبتبعها تسقط الدلالة الالتزامية ، لمتابعتها لها في الوجود والحجّية كما تقرّر في محلّه (2)، وعليه فلا دلالة في شي‌ء من هذه النصوص على تحديد الانحناء بهذا المقدار ، هذا.

وربّما يستدل له كما في مصباح الفقيه (3)برواية عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر ، فقال : ليس عليه شي‌ء ، وقال : إن ذكره وقد أهوى إلى الركوع قبل أن يضع يديه على الركبتين فليرجع قائماً وليقنت ثمّ ليركع ، وإن وضع يديه على الركبتين فليمض في صلاته وليس عليه شي‌ء» (4).

دلّت على أنّ تدارك القنوت المنسي إنّما يمكن ما لم يدخل في الركوع ، وأنّ الضابط في الدخول فيه الانحناء بمقدار تصل يداه إلى الركبتين ، فان بلغ هذا


1) المعتبر 2 : 193 وفيه «على ركبتك».

2) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 71 74.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 326 السطر 34.

4) الوسائل 6 : 286 / أبواب القنوت ب 15 ح 2.

.................................................................................................


الحد فقد دخل في الركوع وفات محل التدارك حذراً عن زيادة الركن ، وإلّا فلم يدخل فيه وله التدارك ، قال (قدس سره) فتكون هذه الموثقة بمنزلة الشرح لموثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام (1).

والإنصاف : أنّ هذه أصرح رواية يمكن أن يستدل بها على هذا القول ولكنّها أيضاً غير صالحة للاستدلال.

أمّا أوّلاً : فلضعفها سنداً وإن عبّر المحقِّق الهمداني (قدس سره) بالموثقة لأنّ في السند علي بن خالد ولم يوثق بل هو مهمل.

وأمّا ثانياً : فلقصور الدلالة ، فإنّ ظاهرها متروك قطعاً ، لظهورها في أنّ الميزان في تحقّق الركوع المانع عن التدارك وضع اليدين على الركبتين حيث أُنيط فيها الرجوع إلى القنوت وعدمه بوضع اليدين وعدمه ، مع أنّ الوضع غير معتبر في حقيقة الركوع قطعاً ، فإنّه مهما بلغ هذا الحد لم يجز له الرجوع ، سواء وضع يديه على الركبتين أم لا بلا إشكال ، فظاهرها غير ممكن الأخذ ، ولا دليل على تأويلها بإرادة بلوغ هذا الحد من وضع اليدين ثمّ الاستدلال بها.

فتحصّل : أنّه لم ينهض دليل يمكن المساعدة عليه على هذا القول. فالأقوى وفاقاً لجمع من الأصحاب كفاية الانحناء حدّا تصل أطراف أصابعه الركبتين وإن لم تصل الراحة إليهما ، بل قد سمعت من المجلسي نسبته إلى المشهور.

ويدلُّ عليه صريحاً مضافاً إلى الإطلاقات النافية للأكثر الصحيحة الثانية لزرارة المتقدِّمة قال عليه‌السلام فيها : «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك وأحب إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة وتفرج بينهما ...» إلخ (2)فانّ التعبير بالإجزاء صريح في كفاية هذا


1) الوسائل 6 : 286 / أبواب القنوت ب 15 ح 3.

2) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

.................................................................................................


المقدار في حصول الانحناء الواجب في الركوع ، وأنّ الزائد عليه فضل وندب كما صرّح به بقوله عليه‌السلام «وأحب إلىّ ...» إلخ. وبذلك يحمل الأمر في صحيحته الاولى وكذا صحيحة حماد المتقدِّمتين على الاستحباب.

ويؤيِّده ما نقله المحقِّق في المعتبر والعلّامة في المنتهي عن معاوية بن عمار وابن مسلم والحلبي قالوا : «وبلغ بأطراف أصابعك عين الركبة ...» إلخ (1)لكنّها مرسلة بالنسبة إلينا ، وإن استظهر صاحب الحدائق (2)أنّ المحقِّق قد نقلها من الأُصول التي عنده ولم تصل إلينا إلّا منه ، فإنّه لو سلّم ذلك لا تخرج الرواية عن كونها مرسلة بالإضافة إلينا كما لا يخفى. فالعمدة هي صحيحة زرارة المتقدِّمة المؤيّدة بهذه الرواية.

ولا فرق في صحّة الاستدلال بها على المطلوب بين استظهار كونها مسوقة لبيان حدّ الانحناء المعتبر في الركوع بجعل الوصول طريقاً إلى معرفة ذلك الحد كما هو الظاهر منها وبين دعوى كونها مسوقة لبيان جعل البدل وأنّ إيصال الأصابع إلى الركبة بدل عن وضع اليد عليها من غير تعرّض لبيان الحد فيها أصلاً كما قيل.

أمّا على الأوّل فواضح جدّاً كما عرفت. وأمّا على الثاني فكذلك وإن لم يكن بذلك الوضوح ، إذ قد يقال بناءً عليه بعدم المنافاة بينها وبين الصحيحة الأُولى لزرارة المتضمِّنة لتحديد الانحناء بما يشتمل على وضع اليدين على الركبتين غايته أنّ المستفاد من هذه الصحيحة عدم لزوم وضع تمام اليد والاكتفاء بوضع أطراف الأصابع بدلاً عنه ، فيحمل وضع تمام اليد فيها على الاستحباب مع


1) الوسائل 6 : 335 / أبواب الركوع ب 28 ح 2 ، المعتبر 2 : 193 ، المنتهي 1 : 281 السطر 36.

2) الحدائق 8 : 237.

.................................................................................................


الالتزام بلزوم الانحناء بذاك المقدار عملاً بتلك الصحيحة ، لعدم المنافاة بينهما من هذه الجهة كما مرّ.

وفيه : ما عرفت من أنّ الانحناء بمقدار يتمكّن من وضع اليد على الركبة إنّما استفيد من تلك الصحيحة بالدلالة الالتزامية ، فإذا بنى على سقوط الدلالة المطابقية وعدم وجوب وضع اليد عليها ولو من أجل جعل البدل المستفاد من هذه الصحيحة سقطت الدلالة الالتزامية قهراً ، لما تقدّم من تبعيتها للمطابقية في الوجود والحجّية. إذن لا دليل على التحديد ببلوغ اليد إلى الركبة ، فلا فرق في صحّة الاستدلال بين الأمرين وإن كان على الأوّل أوضح وأظهر كما عرفت.

نعم ، بينهما فرق من ناحية أُخرى وهو أنّه بناءً على الأوّل واستظهار كونها في مقام التحديد كما هو الصحيح فهي بنفسها تدل على نفي الزائد وعدم وجوب الانحناء أكثر من ذلك. وأمّا على الثاني فحيث إنّ النظر فيها مقصور على جعل البدل حسب الفرض فلا تعرّض فيها بالنسبة إلى الزائد نفياً ولا إثباتاً ، وبما أنّ الصحيحة الأُولى أيضاً ساقطة الدلالة بالإضافة إليه كما عرفت آنفاً ، فيتمسّك حينئذ بأصالة البراءة لنفيه ، إذ المتيقّن إنّما هو الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين لوجوب هذا المقدار على كلّ حال ، وأمّا الزائد عليه فمشكوك يدفع بأصالة البراءة كما هو المقرّر في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

وقد يقال بعدم التفاوت بين التحديدين ، وعدم التنافي بين الصحيحتين ، إذ المذكور في هذه الصحيحة بلوغ الأصابع ، وهو جمع محلّى باللّام ، ومقتضى دلالته على الاستغراق لزوم رعايته حتّى في الخنصر والإبهام ، وهو ملازم لوصول الكف ، غايته أنّه لا يلزم وضع تمام الكف ، بل يكفي وضع بعضها عملاً بهذه الصحيحة ، فيتصرّف في الأُولى بهذا المقدار وتحمل على الفضل.

ولا الانحناء على غير الوجه المتعارف بأن ينحني على أحد جانبيه أو يخفض كفليه ويرفع ركبتيه ونحو ذلك (1)


وفيه أوّلاً : منع الصغرى ، فإنّ رأس الإبهام لا يساوي الراحة ، بل هو أطول منها بمقدار عقد غالباً ، فوصول رأس الإبهام لا يلازم وضع شي‌ء من الكف والراحة على الركبة.

وثانياً : مع التسليم فارادة العموم الأفرادي الشامل للإبهام متعذِّر في المقام إذ لازمه إرادته خاصّة من أطراف الأصابع ، لوضوح أنّه بالإضافة إلى ما عداها من بقية الأصابع وضع لتمامها لا وصول لطرفها ، للملازمة بين وصول طرف الإبهام ووضع الباقي ، وإرادة خصوصه من مثل هذا التعبير مستبشع جدّاً كما لا يخفى. بل المتعيِّن حينئذ التعبير بوصول طرف الإبهام أو الراحة لا أطراف الأصابع ، فلا مناص من أن يراد به العموم المجموعي الصادق على الثلاثة الوسطى ، فيكون التفاوت حينئذ في مقدار الانحناء فاحشا.

هذا ، مع أنّ العموم في المقام منفي من أصله ، لعدم التعبير بالأصابع في الصحيحة كي يكون جمعاً محلّى باللّام ومن صيغ العموم ، وإنّما الموجود فيها هكذا : «فان وصلت أطراف أصابعك» وهو من الجمع المضاف الّذي لا يدل على الشمول إلّا بالإطلاق لا بالعموم الوضعي وإن كان الحال لا يفرق بذلك فيما تقدّم إلّا من حيث كون الدلالة وضعية أو إطلاقية غير المؤثر في محل الكلام كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ الأقوى كفاية الانحناء بمقدار تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين فلا يجب الزائد وإن كان أحوط كما ذكره في المتن ، وقد علم وجهه ممّا مرّ.

(1) قد عرفت الكلام في حدّ الانحناء ، وأمّا كيفيته فلا بدّ وأن تكون عن

وغير المستوي الخلقة كطويل اليدين أو قصيرهما يرجع إلى المستوي (1) ،


قيام على النحو المتعارف ، فلا يكفي الانحناء على أحد الجانبين أو خفض الكفلين ورفع الركبتين ونحو ذلك من الانحناءات غير المتعارفة ، لما عرفت من أنّ البلوغ إلى الركبتين لا موضوعية له كي يكفي كيف ما اتّفق ، بل طريقي ، فهو منزّل على النهج المتعارف.

(1) ما ذكرناه لحدّ الآن كان تحديداً لمستوي الخلقة المتناسب الأعضاء ، وأمّا غير المستوي الّذي يحتاج في إيصال يديه أو أصابعه إلى الركبتين إلى الانحناء أكثر من المستوي لو كان قصير اليدين ، أو أقل لو كان طويلهما ، فالمشهور وهو الأقوى رجوعه في ذلك إلى المستوي ، فلا يجب عليه الانحناء أكثر من المتعارف كما لا يجزي الأقل.

وخالف فيه الأردبيلي (قدس سره) (1)فحكم بوجوب تطبيق الحد بالقياس إليه أيضاً فيجب إيصال يديه إلى ركبتيه وإن استوجب الانحناء أكثر من المتعارف عملاً بإطلاق النص الشامل لهذا الشخص.

وفيه : ما عرفت من أنّ وصول اليد طريق إلى معرفة الحد ولا خصوصية فيه ، فاعتباره طريقي لا موضوعي كي يراعى في كل أحد ، وإلّا فلو بني على الجمود على ظاهر النص كان مقتضاه عدم الانحناء في طويل اليد رأساً أو إلّا قليلاً ، وهو كما ترى لا يظن أن يلتزم به الفقيه ، والسرّ أنّ الخطاب الّذي تضمنه النص متوجه إلى المتعارفين الّذين منهم زرارة فالعبرة بهم ، فلا مناص من رجوع غيرهم إليهم.


1) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 256.

ولا بأس باختلاف أفراد المستوين خلقة فلكل حكم نفسه بالنسبة إلى يديه وركبتيه (1)(1).


(1) لا شك في اختلاف أفراد المستوين خلقه في قصر الأيدي وطولها مع فرض تناسب الأعضاء فتختلف الانحناءات المتعارفة بطبيعة الحال قلّة وكثرة ولو بقدر نصف إصبع ونحوه.

فهل العبرة حينئذ بالانحناء الأقل أو الأكثر أو المتوسط ، أم أنّ لكل مكلّف حكم نفسه بالنسبة إلى يده وركبته؟ وجوه اختار الماتن (قدس سره) الأخير ، والأقوى الأوّل.

وتوضيح المقام : أنّا إذا بنينا على أنّ وضع اليد المأخوذ في النص ملحوظ على وجه الموضوعية كما هو الحال في غسل الوجه والأيدي في باب الوضوء بلا إشكال ، اتّجه ما أفاده في المتن من أنّ لكل مكلّف حكم نفسه ، فكما يجب على كل مكلّف غسل تمام وجهه ويديه وإن كانت أعرض أو أطول من الآخر ، فكذا يجب في المقام وضع كل أحد يده على ركبته وإن استلزم الانحناء أكثر من غيره أو أقل ، فإنّه حكم منحل على حسب آحاد المكلّفين ، فيعمل كل على طبق حالته ووظيفته.

لكنّك عرفت ضعف المبنى ، وأنّ الوضع المزبور مأخوذ طريقاً إلى بيان مرتبة الانحناء ، فالواجب على الكل ليس إلّا مرتبة واحدة وحدّاً معيّناً يشترك فيه الجميع ولا يختلف باختلاف الأشخاص ، بل الواجب في حقّ الجميع شي‌ء واحد بحسب الواقع ، فهذا القول ساقط ، وعليه يتعيّن الاقتصار على الأقل لوجهين :


1) (*) لا يبعد أن يكون المدار على مقدار انحناء أقل المستوين خلقة.

الثاني : الذكر والأحوط اختيار التسبيح من أفراده مخيّراً بين الثلاث من الصغرى وهي «سبحان اللّه» ، وبين التسبيحة الكبرى وهي «سبحان ربِّي العظيم وبحمده» (1).


أحدهما : إطلاق الأمر بالركوع ، لما عرفت (1)من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية له ، بل يطلق على ما كان عليه من المعنى اللّغوي مع مراعاة بعض القيود ، فلا يكفي مسمّى الانحناء بل لا بدّ من الزيادة والمتيقِّن منها الانحناء بأقل مقدار ينحني فيه المتعارف عند وضع يده على ركبته ، وأمّا الزائد فمشكوك يدفع بأصالة الإطلاق.

الثاني : أصالة البراءة من اعتبار الانحناء الأكثر مع الغض عن الإطلاق كما هو المقرّر في باب الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين.

(1) لا إشكال في وجوب الذكر في الركوع بالإجماع والنصوص المعتبرة كما ستعرف ، فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته ، كما لا إشكال في الاجتزاء بالتسبيح في الجملة ، وإنّما الكلام يقع في جهات :

الاولى : لا ينبغي الإشكال في كفاية التسبيحة الكبرى وهي سبحان ربِّي العظيم وبحمده مرّة واحدة ، للنصوص الكثيرة والمعتبرة التي من أجلها يحمل الأمر بالثلاث في صحيحة حماد (2)على الفضل ، فمنها : صحيحة زرارة قال «قلت له : ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال : ثلاث تسبيحات في ترسّل ، وواحدة تامّة تجزي» (3).


1) في ص 2.

2) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

3) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 2.

.................................................................................................


وصحيحة عليّ بن يقطين «سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال : ثلاثة ، وتجزيك واحدة ، إذا أمكنت جبهتك من الأرض» (1). ونحوها صحيحته الأُخرى (2).

فانّ المراد بالواحدة في هذه النصوص إنّما هي التسبيحة الكبرى ، لما ستعرف من النصوص الصريحة في عدم الاجتزاء بها في الصغرى الموجبة لحمل هذه الأخبار على الكبرى خاصّة.

وتؤيِّده : رواية أبي بكر الحضرمي قال «قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : أيّ شي‌ء حدّ الركوع والسجود؟ قال تقول : سبحان ربِّي العظيم وبحمده ثلاثاً في الركوع ، وسبحان ربِّي الأعلى وبحمده ثلاثاً في السجود ، فمَن نقص واحدة نقص ثلث صلاته ، ومَن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته ، ومَن لم يسبِّح فلا صلاة له» (3).

ودلالتها وإن كانت واضحة ، فإنّ المراد من نقص الثلث والثلثين النقصان بحسب الفضل والثواب لا في أصل أداء الواجب بقرينة قوله عليه‌السلام في الذيل : «ومن لم يسبِّح فلا صلاة له» الدال على تحقّق الصلاة وحصول المأمور به بفعل الواحدة.

لكنّها ضعيفة السند بعثمان بن عبد الملك فإنّه لم يوثق ، ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد.

الجهة الثانية : قد عرفت أنّ صورة التسبيحة الكبرى هي سبحان ربِّي العظيم وبحمده ، وعن صاحب المدارك (4)جواز الاقتصار عليها بدون كلمة وبحمده ،


1) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 3 ، 4.

2) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 3 ، 4.

3) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 5.

4) المدارك 3 : 393.

.................................................................................................


لخلو جملة من النصوص عنها ، فيحمل الأمر بها في الباقي على الندب جمعاً وهي نصوص ثلاثة استدلّ بها على ذلك.

إحداها : رواية هشام بن سالم قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن التسبيح في الركوع والسجود ، فقال : تقول في الركوع : سبحان ربِّي العظيم ، وفي السجود سبحان ربِّي الأعلى» (1).

الثانية : صحيحة الحلبي أو حسنته باعتبار إبراهيم بن هاشم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سجدت فكبِّر وقل اللّهمّ لك سجدت إلى أن قال : ثمّ قل سبحان ربِّي الأعلى ثلاث مرّات» (2).

الثالثة : خبر عقبة بن عامر الجهني أنّه قال : «لمّا نزلت ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) قال لنا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله اجعلوها في ركوعكم ، فلمّا نزلت ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال لنا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : اجعلوها في سجودكم» (3).

والجواب : أمّا عن الاولى ، فبأنّها ضعيفة السند بالقاسم بن عروة. هذا مضافاً إلى احتمال أن يكون ذلك إشارة إلى ما هو المتعارف المتداول من التسبيح الخارجي المشتمل على كلمة «وبحمده» ، فيكون من باب استعمال اللفظ في اللّفظ فاقتصر هنا على ذكر العظيم والأعلى امتيازاً بين تسبيحي الركوع والسجود لا اجتزاءً بهما ، فالمستعمل فيه هو ذلك اللفظ الخارجي المعهود.

وهذا استعمال متعارف كما يشهد به ما رواه الشيخ وغيره بسنده عن حمزة ابن حمران ، والحسن بن زياد قالا : «دخلنا على أبي عبد اللّه عليه‌السلام وعنده


1) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 1.

2) الوسائل 6 : 339 / أبواب السجود ب 2 ح 1.

3) الوسائل 6 : 327 / أبواب الركوع ب 21 ح 1.

.................................................................................................


قوم فصلّى بهم العصر وقد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه «سبحان ربِّي العظيم» أربعاً أو ثلاثاً وثلاثين مرّة ، وقال أحدهما في حديثه وبحمده في الركوع والسجود» (1). فانّ الصادر عنه عليه‌السلام كان مشتملاً على كلمة وبحمده كما اعترف به أحد الراويين على ما صرّح به في الذيل ، ولا يحتمل تعدّد الواقعة كما هو ظاهر. ومع ذلك فقد عبّر الراوي الآخر عن تسبيحه عليه‌السلام بقوله : سبحان ربِّي العظيم ، وليس ذلك إلّا من باب استعمال اللفظ في اللفظ كما ذكرناه.

وأمّا عن الثانية ، فبأنّها مضطربة المتن أوّلاً لاختلاف النسخ ، فإنّ الطبعة الجديدة من الوسائل مشتملة على كلمة «وبحمده» ، وطبعة عين الدولة خالية عنها ، وأمّا التهذيب (2)فمشتمل عليها لكن بعنوان النسخة الكاشف عن اختلاف نسخ التهذيب. وأمّا الكافي (3)فمشتمل عليها وهو أضبط ، وكيف كان فلم يحصل الوثوق بما هو الصادر عن المعصوم عليه‌السلام ، فلا يمكن الاستدلال بها على شي‌ء منهما.

وثانياً : على تقدير تسليم خلوّها عنها فهي مقيّدة بالثلاث ، ولا شكّ في الاجتزاء بذلك ، بل يجزي قول سبحان اللّه ثلاثاً فضلاً عن سبحان ربِّي الأعلى فلا يدل ذلك على الاجتزاء به مرّة واحدة كما هو المدّعى.

وأمّا عن الثالثة ، فمضافاً إلى ضعف سندها بعدّة من المجاهيل ، يجري فيها ما عرفت في الجواب عن الاولى من احتمال كونها من باب استعمال اللّفظ في اللّفظ وأنّ المراد به ما هو الثابت في الخارج المشتمل على «وبحمده» ، فلا دلالة فيها


1) الوسائل 6 : 304 / أبواب الركوع ب 6 ح 2 ، التهذيب 2 : 300 / 1210.

2) التهذيب 2 : 79 / 295 [وقد أُشير إلى اختلاف النسخ في الطبعة الحجرية ، راجع التهذيب 1 : 188 السطر 19].

3) الكافي 3 : 321 / 1.

.................................................................................................


على نفي ذلك.

ويؤيِّده : ما رواه الصدوق مرسلاً من نقل هذا المضمون مع كلمة «وبحمده» قال «قال الصادق عليه‌السلام : سبِّح في ركوعك ثلاثاً تقول سبحان ربِّي العظيم وبحمده ثلاث مرّات ، وفي السجود سبحان ربِّي الأعلى وبحمده ثلاث مرّات لأنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا أنزل على نبيّه صلی اللّه عليه وآله ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) قال النبيّ صلی اللّه عليه وآله : اجعلوها في ركوعكم ، فلمّا أنزل اللّه ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال : اجعلوها في سجودكم ...» إلخ (1).

فتحصّل : عدم صحّة الاستدلال بشي‌ء من هذه الأخبار ، لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو ، فالأقوى لزوم ضم «وبحمده» في التسبيحة الكبرى كما اشتملت عليها الروايات الكثيرة المعتبرة وغيرها مثل صحيحة حماد (2)ونحوها فلاحظ.

الجهة الثالثة : لا ريب في كفاية التسبيحة الصغرى وهي سبحان اللّه ثلاث مرّات بدلاً عن الكبرى ، فيكون مخيّراً بين الأمرين ، وتدل عليه جملة من النصوص المعتبرة كصحيحة زرارة قال «قلت : ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال : ثلاث تسبيحات في ترسّل ، وواحدة تامّة تجزي» (3). وصحيحة معاوية بن عمار قال «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة ، قال : ثلاث تسبيحات مترسلاً تقول : سبحان اللّه ، سبحان اللّه ، سبحان اللّه» (4)وموثقة سماعة «... أمّا ما يجزيك من الركوع فثلاث


1) المستدرك 4 : 437 / أبواب الركوع ب 16 ح 2.

2) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

3) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 2.

4) الوسائل 6 : 303 / أبواب الركوع ب 5 ح 2.

.................................................................................................


تسبيحات تقول : سبحان اللّه ، سبحان اللّه ، سبحان اللّه ثلاثاً» (1)والأخيرتان تفسِّران المراد من التسبيح في الأُولى ونحوها غيرها.

وهل تجزي الصغرى مرّة واحدة؟ قد يقال بل قيل بذلك ، ويمكن أن يستدل له بوجهين :

أحدهما : إطلاق الأمر بالتسبيحة الواحدة في جملة من النصوص الشامل للكبرى والصغرى ، كصحيحة زرارة وصحيحتي ابن يقطين (2).

الثاني : دعوى كفاية مطلق الذكر الصادق على الواحدة من الصغرى.

ويردّ الأوّل أنّ الإطلاق يقيّد بما دلّ على عدم الاجتزاء في الصغرى بأقل من ثلاث كموثقة سماعة وصحيحة معاوية المتقدِّمتين آنفاً وغيرهما ، فلا مناص من حمل التسبيح في تلك النصوص على الكبرى ، بل إنّ في نفسها ما يشهد بذلك ، كصحيحة زرارة الآنفة الذكر ، فانّ المراد بالواحدة المجزية لا بدّ وأن يكون غير الثلاث التي حكم أوّلاً باجزائها ، إذ لو كانتا من سنخ واحد لزم اللغوية بل التناقض ، فان مقتضى جعل المجزي هو الثلاث عدم كفاية الأقل كما يعطيه لفظ الإجزاء الظاهر في بيان أقل الواجب ، ومعه كيف حكم عليه‌السلام بإجزاء الواحدة ، فلو كانت العبرة بها كان التحديد بالثلاث لغواً محضا.

فلا مناص من أن يراد بالواحدة تسبيحة أُخرى مغايرة للثلاث ، بأن يراد بها الكبرى ، وبالثلاث الصغرى كما فسّر الثلاث بها في صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة ، فإنّها تؤيِّد أنّ المراد بالواحدة التامّة في هذه الصحيحة هي الكبرى في مقابل الناقصة وهي الصغرى ، وأنّها المراد بالثلاث في ترسّل فيها.

وعلى الجملة : فصحيحة زرارة بنفسها تدل على إرادة الكبرى من الواحدة


1) الوسائل 6 : 303 / أبواب الركوع ب 5 ح 3.

2) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 2 ، 3 ، 4.

وإن كان الأقوى كفاية مطلق الذكر من التسبيح أو التحميد أو التهليل ، أو التكبير بل وغيرها (1).


التامّة فلا إطلاق لها كي تشمل الصغرى. وهكذا الحال في صحيحتي علي بن يقطين.

وأمّا الوجه الثاني ، فسيتّضح الجواب عنه قريباً إن شاء اللّه تعالى وتعرف أنّ الذكر المطلق على القول بكفايته لا بدّ وأن يكون بقدر التسبيحات الثلاث ، ولا يجزي الأقل منها.

فتحصّل : أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التخيير بين التسبيحة الكبرى مرّة واحدة أو الصغرى ثلاثاً ، ولا دليل على إجزاء الواحدة منها.

(1) قد عرفت أنّ التسبيح في الجملة ممّا لا إشكال في كفايته في مقام الامتثال ، كما تقدّم المراد منه كمّاً وكيفاً ، وهل يتعيّن الامتثال به بالخصوص كما نسب إلى المشهور بين القدماء أم يكفي مطلق الذكر وإن كان غيره كالتحميد أو التهليل أو التكبير ونحوها كما هو المشهور بين المتأخِّرين؟ الأقوى هو الثاني.

وقد استدلّ للأوّل بعدّة من الأخبار الآمرة بالتسبيح ، وظاهر الأمر التعيين. ولا يخفى أنّ جملة منها غير صالحة للاستدلال كصحيحة علي بن يقطين (1)فإنّ السؤال فيها عمّا يجزي من التسبيح ، لا عمّا يجزي من مطلق الذكر فلا يدل على نفي غيره كما هو ظاهر. نعم ، لا بأس بالاستدلال بمثل صحيحة زرارة قال «قلت له : ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال : ثلاث تسبيحات» (2)فإنّ السؤال عن مطلق القول الّذي يجزي في الركوع فالأمر بالتسبيح ظاهر في التعيين.


1) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 3 ، 2.

2) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 3 ، 2.

.................................................................................................


إلّا أنّه لا بدّ من رفع اليد عنها وحمل الأمر فيها على بيان أفضل الأفراد أو أحدها ، لمعارضتها بصحيحتين صريحتين في الاجتزاء بمطلق الذكر :

إحداهما : صحيحة هشام بن سالم : «سألته يجزي عنِّي أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود لا إله إلّا اللّه واللّه أكبر؟ فقال : نعم» (1).

والأُخرى : صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال «قلت له : يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود لا إله إلّا اللّه والحمد لله واللّه أكبر؟ فقال : نعم ، كل هذا ذكر اللّه» (2)، ورواها الكافي مصدّرة بقوله «ما من كلمة أخف على اللِّسان منها ولا أبلغ من سبحان اللّه» (3).

فإنّهما صريحتان في أنّ العبرة بمطلق الذكر ، وأمّا تلك النصوص فغايتها الظهور في تعيّن التسبيح ، ولا ريب في تقدّم الأظهر على الظاهر ، فمقتضى الجمع العرفي حملها على بيان أفضل الأفراد كما عرفت. بل يظهر من صدر رواية الكافي أنّ التسبيح لا خصوصية فيه ، غير أنّه أخف على اللِّسان وأبلغ ، فيكشف عن أنّ الأمر به في سائر الأخبار إنّما هو لهذه النكتة ، وإلّا فالاعتبار بمطلق الذكر كيف ما اتّفق. لكن الشأن في الاعتماد على هاتين الصحيحتين ، فإنّه قد يقال بعدم حجّيتهما من جهة إعراض المشهور عنهما المسقط لهما عن الحجّية.

والجواب عنه ظاهر بناءً على منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا وأنّ الإعراض غير قادح ، كما أنّ العمل غير جابر. ومع التسليم فالصغرى ممنوعة في المقام ، فانّ الشيخ قد أفتى بمضمونهما في بعض كتبه (4)، بل إن ابن إدريس (5)


1) الوسائل 6 : 307 / أبواب الركوع ب 7 ح 2.

2) الوسائل 6 : 307 / أبواب الركوع ب 7 ح 1.

3) الكافي 3 : 329 / 5.

4) المبسوط 1 : 111.

5) السرائر 1 : 224.

بشرط أن يكون بقدر الثلاث الصغريات فيجزي أن يقول «الحمد لله» ثلاثاً ، أو «اللّه أكبر» كذلك أو نحو ذلك (1).


ادّعى الإجماع على العمل بهما. ومعه كيف يمكن دعوى الإعراض.

ولا يبعد أن يكون مراد الأصحاب من تعيّن التسبيح في فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم تعيّنه من حيث التوظيف في أصل الشرع ، طعناً على أبي حنيفة والشافعي وغيرهما المنكرين لاستحباب هذا التسبيح ، وكيف كان فالأقوى الاجتزاء بمطلق الذكر وإن كان التسبيح أفضل كما عرفت ، تبعاً لما هو المشهور بين المتأخِّرين.

(1) قد عرفت أنّ الأقوى هو الاجتزاء بمطلق الذكر وإن كان من غير التسبيح ، فهل يجتزى فيه بمسمّاه تسبيحاً كان أم غيره ، فيكفي قول : سبحان اللّه ، أو الحمد لله ، أو اللّه أكبر مرّة واحدة ، أم لا بدّ وأن يكون بقدر الثلاث الصغريات؟

قد يقال بالأوّل استناداً إلى إطلاق الصحيحتين المتقدِّمتين آنفا.

وفيه أوّلاً : منع الإطلاق فيهما ، فإنّهما في مقام بين الاجتزاء بمطلق الذكر ونفي تعيّن التسبيح ، فلا نظر فيهما إلى سائر الجهات من العدد ونحوه حتّى ينعقد الإطلاق.

وثانياً : مع التسليم لا بدّ من تقييده بصحيحتين لمسمع وهو المكنّى بأبي سيار ، وما في الوسائل الطبعة الجديدة من قوله مسمع بن أبي سيار غلط فإن أبا سيار كنيته كما عرفت ، أمّا اسم أبيه فهو مالك ، قال الصدوق في مشيخة الفقيه (1): يُقال إنّ الصادق عليه‌السلام قال لمسمع أوّل ما رآه ما اسمك؟ فقال


1) الفقيه 4 (المشيخة) : 45.

الثالث : الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (1) ، بل الأحوط ذلك في الذكر المندوب أيضاً إذا جاء به بقصد الخصوصية


مسمع ، فقال ابن من؟ فقال : ابن مالك ، فقال : بل أنت مسمع بن عبد الملك ولعلّه عليه‌السلام أشار بذلك إلى أنّ مالك من أسماء اللّه تعالى فلا يجوز التسمِّي به ، فأضاف عليه‌السلام إليه كلمة عبد. وعليه لا يبعد أنّه عبد المالك فكتب عبد الملك ، فان لفظة مالك تكتب بالنحوين.

وكيف ما كان فمسمع هذا ثقة والروايتان صحيحتان قال في إحداهما عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : «يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسّلاً ، وليس له ولا كرامة أن يقول : سبِّح سبِّح سبِّح» (1)وهي ظاهرة الدلالة في عدم الاكتفاء بالأقل من هذا العدد.

وأصرح منها صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : لا يجزي الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ» (2)حيث تضمّنت بالصراحة نفي الاجتزاء بالأقل ، فلا يجزي من مطلق الذكر إلّا التسبيحات الثلاث الصغرى أو ما يعادل هذا المقدار من سائر الأذكار ، فلو اختار الحمد لله أو اللّه أكبر ونحوهما لا بدّ وأن يكرِّرها ثلاثاً حتّى يساوي هذا المقدار ، والتسبيحة الكبرى أيضاً تعادله بحسب المعنى وإن لم تساو الحروف ، فكأنّ سبحان ربِّي تسبيحة والعظيم تسبيحة اخرى ، وبحمده تسبيحة ثالثة. وكيف كان فبهاتين الصحيحتين يقيّد الإطلاق في الصحيحتين السابقتين للهشامين لو سلم الإطلاق كما عرفت.

(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر (3)والعلّامة


1) الوسائل 6 : 302 / أبواب الركوع ب 5 ح 1 ، 4.

2) الوسائل 6 : 302 / أبواب الركوع ب 5 ح 1 ، 4.

3) المعتبر 2 : 194.

.................................................................................................


في المنتهي (1)وغيرهما. فكأنه من المتسالم عليه ، وهو العمدة في المقام.

وهل يمكن الاستدلال بوجه آخر؟ قال في الحدائق (2): والأصحاب لم يذكروا هنا دليلاً على الحكم المذكور من الأخبار ، وظاهرهم انحصار الدليل في الإجماع ثمّ استدلّ هو (قدس سره) بصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : بينا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه ولا سجوده ، فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (3)، ورواها البرقي في المحاسن عن ابن فضّال ، عن عبد اللّه بن بكير عن زرارة (4). وعليه تكون موثقة ، كما أنّها بالطريق الأوّل صحيحة أو حسنة لمكان إبراهيم بن هاشم.

وقد روي هذا المضمون عن عبد اللّه بن ميمون عن علي عليه‌السلام (5)لكنّها كما ترى قاصرة الدلالة على المطلوب ، إذ غايتها لزوم المكث في الركوع برهة ولو متمايلاً من جانب إلى آخر وعدم الاستعجال في رفع الرأس الّذي به يكون ركوعه كنقر الغراب ، وهذا أعم من الاستقرار المدّعى كما لا يخفى.

وأمّا مرسلة الذكرى «... ثمّ اركع حتّى تطمئن راكعاً ...» إلخ (6)والنبوي المحكي عنه (7)فضعفهما ظاهر ، ولا مجال للاعتماد عليهما.


1) المنتهى 1 : 282 السطر 5.

2) الحدائق 8 : 242.

3) الوسائل 6 : 298 / أبواب الركوع ب 3 ح 1.

4) المحاسن 1 : 158 / 222.

5) الوسائل 4 : 36 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 9 ح 2.

6) الذكرى 3 : 363.

7) الذكرى 3 : 367.

.................................................................................................


نعم ، لا بأس بالاستدلال بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سأله أبو بصير وأنا جالس عنده إلى أن قال عليه‌السلام فاذا ركع فليتمكّن ، وإذا رفع رأسه فليعتدل ...» إلخ (1)، وقد عبّر عنها بالخبر مشعراً بضعفها ، لكن الظاهر صحّتها ، فانّ بكر بن محمّد ثقة وثّقه النجاشي (2)والراوي عنه أحمد بن إسحاق مردّد بين الرازي والأشعري وكلاهما ثقة ، وإن كان الأظهر أنّ المراد به الأشعري ، لأنّ الصدوق ذكره في المشيخة في طريقه إلى بكر مصرّحاً بالأشعري (3)، فبهذه القرينة يظهر أنّ الراوي عنه هو الأشعري ، وهو وإن كان من أصحاب الجواد عليه‌السلام إلّا أنّه لا مانع بحسب الطبقة من روايته عن بكر الّذي هو من أصحاب الصادق والكاظم بل والرِّضا عليهم‌السلام.

وكيف كان ، فهي صحيحة السند كما أنّها ظاهرة الدلالة ، إذ التعبير بقوله : «إذا ركع فليتمكّن» ظاهر في الإرشاد إلى شرطية التمكّن في تحقّق الركوع المأمور به نظير قوله : «إذا صلّيت فاستقبل» لا أنّه واجب نفسي مستقل أو جزء ضمني للصلاة ، فدلالتها على اعتبار الاطمئنان في تحقّق الركوع الواجب ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

وأمّا الدلالة على اعتباره في الذكر الواجب فقد تمنع بأنّ غايتها الاعتبار في مسمّى الركوع دون الأكثر ، لكنّه في غير محله ، بل الظاهر أنّها تدل عليه أيضاً بالدلالة الالتزامية ، إذ دليل وجوب الذكر قد دلّ على الإتيان به في الركوع المأمور به لا مطلقاً ، فاذا كان الركوع المأمور به متقوّماً بالاطمئنان كما دلّت عليه هذه الصحيحة بالمطابقة ، فلازمه كون الاطمئنان بمقدار يتحقّق الذكر


1) الوسائل 4 : 35 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14.

2) رجال النجاشي : 108 / 273.

3) الفقيه 4 (المشيخة) : 33.

فلو تركها عمداً بطلت صلاته (1)بخلاف السهو على الأصح وإن كان الأحوط الاستئناف إذا تركها فيه أصلاً ولو سهواً ، بل وكذلك إذا تركها في الذكر الواجب (1).


الواجب في ضمنه فلا يكفي مسمّاه.

وعلى الجملة ضم أحد الدليلين إلى الآخر يستوجب اعتبار الاستقرار في الركوع نفسه ، وفي الذكر الواجب فيه ، بل إنّ مقتضى هذا البيان اعتباره حتّى في الذكر المستحب إذا قصد به الخصوصية والورود ، فإنّه كالذكر الواجب في أنّ محله الركوع المأمور به فيعتبر الاستقرار في كليهما بملاك واحد. نعم ، لا يعتبر في المستحب المأتي به بقصد مطلق الذكر لا التوظيف ، إذ ليس له حينئذ محل معيّن كما هو ظاهر. فما ذكره في المتن من الاحتياط في الذكر المندوب إذا جاء به بقصد الخصوصية في محلّه.

(1) لا إشكال في البطلان لو أخلّ بالاطمئنان عمداً في الذكر الواجب فضلاً عن أصل الركوع كما هو ظاهر. وهل هو ركن تبطل الصلاة بتركه حتّى سهوا؟

نسب ذلك إلى بعض كالشيخ (2)، والإسكافي (3)، وكأنّه أخذاً بإطلاق معاقد الإجماعات ، لكنّه واضح المنع كما لا يخفى ، هذا.

والصحيح في المقام هو التفصيل بين الإخلال به في أصل الركوع وبين تركه في الذكر الواجب.

ففي الأوّل ، لا يبعد القول بالبطلان لما عرفت من أنّ ظاهر صحيحة الأزدي


1) (*) في البطلان بترك الطمأنينة في الذكر المندوب إشكال بل منع.

2) الخلاف 1 : 348 المسألة 98.

3) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 2 : 417 السطر 3.

الرابع : رفع الرأس منه حتّى ينتصب قائماً (1) ، فلو سجد قبل ذلك عامداً بطلت الصلاة.


اعتباره في الركوع والإرشاد إلى شرطيته فيه ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين العمد والسهو ، إذ ليس هو حكماً نفسياً حتّى ينصرف إلى حال الاختيار بل إرشاد إلى الاعتبار الشامل بإطلاقه لكلتا الصورتين ، ومعه لا مجال للتمسّك بأصالة البراءة ، إذ لا سبيل إلى الأصل بعد إطلاق الدليل.

كما لا مجال للتمسّك بحديث لا تعاد ، إذ بعد تقوّم الركوع المأمور به بالاطمئنان كما نطق به الصحيح فالإخلال به إخلال بالركوع لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، وهو داخل في عقد الاستثناء في حديث لا تعاد.

وأمّا في الثاني ، فالظاهر الصحّة لأنّه إخلال بشرط الذكر ، فغايته الإخلال بالذكر نفسه فلا يزيد على تركه رأساً ، ومعلوم أنّ الإخلال بالذكر الواجب سهواً لا يقتضي البطلان لدخوله في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد. فظهر أنّ الأوجه كون الاطمئنان ركناً في أصل الركوع فلو تركه رأساً ولو سهواً بطلت صلاته ، وأمّا في الذكر الواجب فليس بركن فلا يضر تركه السهوي.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أفاده في المتن من الاحتياط في الاستئناف لو تركه أصلاً صحيح ، بل هو الأظهر كما عرفت. وأمّا احتياطه (قدس سره) فيما لو تركه سهواً في الذكر الواجب فلا وجه له.

(1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل عليه دعوى الإجماع في كثير من الكلمات وتقتضيه نصوص كثيرة ، بل في الجواهر (1)أنّها مستفيضة ، إلّا أنّ غالبها ضعيفة السند.


1) الجواهر 10 : 87.

الخامس : الطمأنينة حال القيام بعد الرفع (1) فتركها عمداً مبطل للصلاة.


نعم ، يمكن الاستدلال عليه بصحيحة حماد قال فيها : «ثمّ استوى قائماً» (1)فانّ الاستواء في القيام هو الانتصاب.

وبصحيحة أبي بصير «... وإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتّى ترجع مفاصلك» (2)، ويؤيِّده خبره الآخر : «إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فإنّه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه» (3).

وعليه فلو سجد قبل رفع الرأس والانتصاب عامداً بطلت صلاته. نعم لا بأس بذلك سهواً لحديث لا تعاد كما هو ظاهر.

(1) إجماعاً كما حكاه جماعة ، واستدلّ له في المدارك (4)بالأمر بإقامة الصلب والاعتدال في خبري أبي بصير المتقدِّمين وغيرهما ، وهذا وإن كان ممكناً في حدّ نفسه إلّا أنّ الجزم به مشكل ، إذ الاعتدال والإقامة غير ملازم للاستقرار فانّ معناهما رفع الرأس إلى حدّ الانتصاب غير المنافي للتزلزل وعدم القرار كما لا يخفى.

فالأولى الاستدلال له بصحيحة حماد قال فيها : «فلمّا استمكن من القيام قال سمع اللّه لمن حمده» (5)، بضميمة ما في ذيلها من قوله عليه‌السلام : «يا حماد هكذا صل» ، فانّ الاستمكان ظاهره أخذ المكان المساوق للثبات


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9.

3) الوسائل 6 : 321 / أبواب الركوع ب 16 ح 2.

4) المدارك 3 : 389.

5) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

[1581] مسألة 1 : لا يجب وضع اليدين على الركبتين حال الركوع بل يكفي الانحناء بمقدار إمكان الوضع كما مرّ (1).


والاطمئنان كما لا يخفى.

وكيف كان ، فلا إشكال في الحكم فلو أخلّ به عمداً بطلت صلاته ، لا سهواً لحديث لا تعاد ، فليس بركن كما هو ظاهر.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة سابقاً (1)وعرفت أنّ الوضع مستحب لا واجب إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، كما عرفت أنّه الظاهر من النص أيضاً على ما مرّ.

نعم ، ذكر في الحدائق بعد أن اعترف بالإجماع وعدم الخلاف بين الأصحاب ما لفظه : ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر أخبار المسألة هو الوضع لا مجرّد الانحناء بحيث لو أراد لوضع ، وأنّ الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم والدائر على رؤوس أقلامهم ، فإنّ هذه الأخبار ونحوها ظاهرة في خلافه ، ولا مخصّص لهذه الأخبار إلّا ما يدعونه من الإجماع على عدم وجوب الوضع (2).

وجوابه يظهر ممّا أسلفناك ، فإنّ الأمر بالوضع في الأخبار محمول على الاستحباب لا محالة بقرينة قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة المتقدِّمة : «فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك وأحبّ إليَّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك ...» (3)فإنّه ظاهر بل صريح في عدم وجوب الانحناء حدّا يتمكّن معه من وضع اليدين على الركبتين فضلاً عن وجوب الوضع ، بل


1) في ص 5.

2) الحدائق 8 : 240.

3) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

[1582] مسألة 2 : إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المذكور ولو باعتماد على شي‌ء أتى بالقدر الممكن (1)ولا ينتقل إلى الجلوس وإن تمكّن من الركوع منه ، وإن لم يتمكن من الانحناء أصلاً وتمكّن منه جالساً أتى به جالساً والأحوط صلاة أُخرى بالإيماء (2)قائماً ، وإن لم يتمكّن منه جالساً أيضاً أومأ له وهو قائم برأسه إن أمكن ، وإلّا فبالعينين تغميضاً له وفتحاً للرّفع منه ، وإن لم يتمكّن من ذلك أيضاً نواه بقلبه وأتى بالذكر الواجب (3)(1).


قد صرّح عليه‌السلام باستحبابه بقوله «وأحبّ إلىَّ ...» إلخ فليس عليه إلّا إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين لا وضع الكف عليهما.

بل إنّ الإيصال الخارجي أيضاً غير واجب ، لما مرّ من أنّه ملحوظ على سبيل الطريقية لا الموضوعية لكونه واقعاً موقع التحديد ، فاللّازم إنّما هو الانحناء حدّا يتمكّن معه من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين سواء أوصلها إليهما خارجاً أم لا ، إذ العبرة بالمنكشف لا الكاشف ، لعدم خصوصية للوصول الخارجي بعد لحاظه طريقاً كما عرفت.

(1) للمسألة صور :

إحداها : ما إذا لم يتمكّن من الانحناء على الوجه المأمور به مع تمكّنه منه في الجملة ، والمشهور حينئذ وجوب الانحناء بالمقدار الممكن ، بل ادّعى غير واحد الإجماع عليه ، ويستدل له بوجهين :


1) () ويومئ معه أيضاً على الأحوط.

2) () الظاهر كفايتها بلا حاجة إلى الصلاة جالسا.

3) () على الأحوط.

.................................................................................................


أحدهما : التمسّك بإطلاقات الأمر بالركوع ، لما مرّ (1)من عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ، وأنّ الركوع في لسان الشرع على ما هو عليه من المعنى اللّغوي أعني مطلق الانحناء ، غايته ثبوت التقييد بالبلوغ إلى مرتبة خاصّة يتمكّن معها من إيصال أطراف الأصابع إلى الركبتين ، وحيث إنّه كغيره من سائر التكاليف مشروط بالقدرة فلا تقييد بالإضافة إلى العاجز فتشمله الإطلاقات.

وفيه أوّلاً : أنّ دليل التقييد لم يتضمّن حكماً تكليفياً نفسياً كي يختصّ بالقادرين ، وإنّما هو إرشاد إلى اعتبار المرتبة الخاصّة من الانحناء في الركوع المأمور به وكونها شرطاً فيه كأدلّة سائر الأجزاء والشرائط كما تقدّم ، ومقتضى الإطلاق في مثله عدم الفرق بين حالتي العجز والاختيار.

وثانياً : مع التسليم فلازمه التخيير بعد العجز عن تلك المرتبة الخاصّة بين جميع مراتب الانحناء ، لصدق الركوع لغة على مطلقها كما عرفت ، لا وجوب الإتيان بالمقدار الممكن كما هو المدّعى لعدم الدليل عليه.

ثانيهما : التمسّك بقاعدة الميسور المنجبر ضعفها بقيام الإجماع على العمل بها في المقام.

أقول : إن تمّ الإجماع في المسألة فهو المستند ، وإلّا فالقاعدة في نفسها غير صالحة للاستدلال ، لمنعها كبرى من أجل ضعف مدركها كما نقحناه في الأُصول (2). وكذا صغرى ، لتوقفها على كون الهوي من أجزاء الواجب ، وتركب المأمور به منه ومن غيره كي يجب البعض لدى تعذّر الكل لكونه ميسوراً منه. وأمّا بناءً على ما هو التحقيق من خروجه عنه وكونه معتبراً فيه شرطاً لا شطراً ، وأنّ الواجب أمر وحداني بسيط ، وهي الهيئة الخاصّة الحاصلة من الانحناء البالغ


1) في ص 3.

2) مصباح الأُصول 2 : 477.

.................................................................................................


حدّا مخصوصاً ، والركوع الواجب اسم لتلك المرتبة الخاصّة البسيطة ، والهوي إليها مقدّمة خارجية غير داخلة في حقيقة المأمور به ، فلا مجال حينئذ لتطبيق قاعدة الميسور ، لوضوح أنّ المقدّمة مباينة مع ذيها وأجنبية عنه ، لا أنّها من مراتبه كي تكون ميسوراً منه.

ودعوى أنّ الركوع عبارة عن الحركة من الانتصاب إلى حدّ الركوع ، فكل حركة بين الحدّين جزء المجموع ، أو أنّه من التأكّد في الكيف ، لم نتحقّقها ، بل الظاهر خلافها كما عرفت.

فما أفاده المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1)من أنّ المقام من أظهر مصاديق القاعدة ومجاريها لا يمكن المساعدة عليه ، فإنّه إنّما يتّجه بناءً على كون الهوي من أجزاء الواجب ، وقد عرفت أنّه من المقدّمات ، بل ومع الشك في ذلك أيضاً لا مجال لها ، لعدم إحراز صغراها ، فيكفينا مجرّد الشك فضلاً عن استظهار العدم كما عرفت.

وعليه ، فلا دليل على الاجتزاء بالمقدار الممكن من الانحناء ، بل الأقوى أنّ الوظيفة حينئذ هو الإيماء ، لإطلاق ما دلّ على بدليّته عن الركوع التام لدى العجز عنه كما تقدّم البحث عنه في أحكام القيام (2)، ولا تنتقل الوظيفة إلى الركوع الجلوسي التام وإن تمكّن منه ، كما نبّه عليه في المتن ، لاختصاصه بالعاجز عن الصلاة قائماً بحيث كانت وظيفته الصلاة عن جلوس ، وهو خارج عن محل البحث.

نعم ، لا بأس بضمّ الانحناء إلى الإيماء احتياطاً حذراً عن مخالفة المشهور قاصداً بأحدهما لا بعينه ما هي الوظيفة الواقعية في حقِّه فيقع الآخر لغواً


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 327 السطر 30.

2) شرح العروة 14 : 222.

.................................................................................................


غير مضر.

الصورة الثانية : ما إذا لم يتمكّن من الانحناء حال القيام أصلاً ، وهي على صور ، لأنّه قد يتمكّن من الركوع الجلوسي التام ، وأُخرى لا يتمكّن إلّا من الناقص منه ، وثالثة لا يتمكّن منه أصلا.

أمّا في الأخير فلا ريب أنّ الوظيفة هي الإيماء ، لأدلّة بدليّته عن الركوع كما مرّ التعرّض لها في بحث القيام (1).

وأمّا الفرض الأوّل ، أعني صورة التمكّن من الركوع الجلوسي التام ، فقد ذكر العلّامة الطباطبائي (قدس سره) في منظومته تعيّنه (2)واختاره في المتن وكأنّه لأقربيّته إلى الصلاة التامّة من الإيماء قائماً ، لكنّه كما ترى مجرّد استحسان ووجه اعتباري لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي ، بل الظاهر عدم جوازه فضلاً عن وجوبه ، فانّ الركوع الجلوسي وظيفة العاجز عن القيام ، وهذا قادر عليه على الفرض ، فلا يشرع في حقّه إلّا الإيماء أخذاً بدليل بدليّته لدى العجز عن الركوع الاختياري.

وعلى الجملة : المتحصل من الأدلّة كما فصّلنا الكلام حولها في بحث القيام (3)أنّ المتمكِّن من القيام وظيفته الصلاة قائماً ، والعاجز عنه يصلِّي عن جلوس والعاجز عنه أيضاً يصلِّي مضطجعاً إلى أحد الجانبين أو مستلقياً على تفصيل تقدّم. وفي كل من هذه المراحل إن تمكّن من الركوع والسجود على حسب وظيفته أتى بهما ، وإلّا أومأ إليهما.

ونتيجة ذلك : أنّه لو تمكّن من الصلاة عن قيام كما هو محل الكلام ، ولم


1) شرح العروة 14 : 222.

2) الدرّة النجفية : 125.

3) شرح العروة 14 : 211 وما بعدها.

.................................................................................................


يتمكّن من الركوع القيامي فليست وظيفته إلّا الإيماء إليه ، ولا ينتقل إلى الركوع الجلوسي ، فإنّه وظيفة العاجز عن القيام الّذي يصلِّي عن جلوس والمفروض في المقام أنّه يصلِّي عن قيام لقدرته عليه.

فظهر أنّ الأقوى في هذه الصورة أيضاً هو الإيماء. فما ذكره في المتن من أنّه أحوط فيأتي بصلاة اخرى بالإيماء قائماً في غير محلّه ، بل إنّ هذا هو المتعيِّن بلا حاجة إلى الصلاة جالساً كما نبّه عليه سيِّدنا الأُستاذ في التعليقة.

وأمّا ما في الجواهر (1)من الاشكال على ترجيح الركوع الجلوسي في المقام باستلزامه الإخلال بالركن وهو القيام المتّصل بالركوع ، بخلاف ما لو صلّى قائماً مومئاً ، فإنّه محافظ عليه.

فساقط ، لما عرفت سابقاً (2)من عدم وجوب هذا القيام في نفسه فضلاً عن ركنيته ، وإنّما اعتباره من أجل تقوّم الركوع به ، فإنّه ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الحاصلة من الانحناء الخاص كيف ما اتّفق ، بل بشرط كونه مسبوقاً بالقيام فالمسمّى بالركوع لغة وشرعاً خصوص الحصّة الخاصّة وهي الانحناء الحاصل عن القيام لا مطلقاً ، فهو دخيل في حقيقة الركوع لا أنّه واجب مستقل ، ومع سقوطه لمكان العجز كما هو المفروض يسقط القيام بتبعه لا محالة ، فلا يلزم الإخلال بالركن زائداً على الركوع الساقط على كلّ حال. وكيف ما كان فلا ينبغي الرّيب في تعين الإيماء قائماً وعدم الانتقال إلى الركوع جالساً للوجه الّذي عرفت.

وأمّا الفرض الثاني : أعني ما إذا لم يتمكّن إلّا من الركوع الجلوسي الناقص أي مع الانحناء إليه في الجملة ، فدار الأمر بينه وبين الإيماء قائماً ، وهو الّذي


1) لاحظ الجواهر 10 : 80.

2) شرح العروة 14 : 168.

[1583] مسألة 3 : إذا دار الأمر بين الركوع جالساً مع الانحناء في الجملة وقائماً مومئاً لا يبعد تقديم الثاني (1)، والأحوط تكرار الصلاة (1).

[1584] مسألة 4 : لو أتى بالركوع جالساً ورفع رأسه منه (2) ثمّ حصل له التمكّن (2)من القيام لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً ، بل لا يجب عليه القيام للسجود خصوصاً إذا كان بعد السمعلة ، وإن كان أحوط وكذا لا يجب إعادته بعد إتمامه بالانحناء غير التام ،


تعرّض (قدس سره) إليه في المسألة الآتية ، فقد ذكر في المتن أنّه لا يبعد تقديم الثاني ، والأحوط تكرار الصلاة.

وقد ظهر ممّا مرّ أنّه لا ينبغي الريب في تعيّن الإيماء حينئذ وإن قلنا بتقديم الركوع الجلوسي التام عليه في الصورة السابقة بدعوى أقربيّته منه إلى الركوع القيامي المتعذِّر ، إذ لا مجال لتوهّم الأقربية هنا أصلاً بعد أن لم يكن الانحناء في الجملة من الركوع الشرعي في شي‌ء كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ المتعيِّن في جميع صور المسألة هو الإيماء ، سواء تمكّن من الانحناء في الجملة قائماً أم لا ، وسواء تمكّن من الركوع الجلوسي التام أو الناقص أم لا عملاً بإطلاق أدلّة بدليّته عن الركوع القيامي لدى تعذّره كما ظهر وجهه ممّا مرّ وإن كان الاحتياط المذكور في المتن في فروض المسألة ممّا لا بأس به فإنّه حسن على كلّ حال.

(1) قد ظهر الحال ممّا قدّمناه آنفاً فلاحظ.

(2) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لفروض تجدّد القدرة أثناء الصلاة


1) (*) بل هو الأظهر ورعاية الاحتياط أولى.

2) (**) مرّ ضابط هذا الفرع في بحث القيام [في المسألة 1486].

وأمّا لو حصل له التمكّن في أثناء الركوع جالساً ، فان كان بعد تمام الذكر الواجب يجتزئ به ، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع ، وإن حصل قبل الشروع فيه أو قبل تمام الذكر يجب عليه أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر والقيام بعده والأحوط مع ذلك إعادة الصلاة ، وإن حصل في أثناء الركوع بالانحناء غير التام أو في أثناء الركوع الايمائي فالأحوط الانحناء (1)إلى حدّ الركوع وإعادة الصلاة.


فذكر أنّ التجدّد إن كان بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً لا يجب ، بل لا يجوز له إعادته قائماً لاستلزام زيادة الركن ، كما لا يجب عليه القيام للسجود لعدم وجوبه إلّا من باب المقدّمة وقد حصلت. ويلحق بذلك ما لو تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به عن التام.

وإن كان قبل رفع الرأس ، فإن كان بعد تمام الذكر الواجب لزمه الانتصاب تحصيلاً للقيام الواجب بعد الرفع ، لقدرته عليه ولم يحصل بدله كما حصل في الفرض السابق.

وإن كان قبله سواء أكان أثناء الذكر أم قبل الشروع فيه فمن حيث نفس الركوع يجتزي به كسابقه لحصوله حال العجز غير أنّ الذكر الواجب لم يتحقّق أو لم يكمل بعد ، وحيث لا اعتبار بهذا الركوع بقاءً لارتفاع العذر فلا مناص له من أن يقوم متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي ، فيأتي بالذكر حينئذ أو يتمّه كما يأتي بالقيام بعده ، واحتاط حينئذ بإعادة الصلاة.

وأمّا إذا كان التجدّد أثناء الانحناء أو الإيماء فالأحوط الانحناء إلى حدّ


1) (*) بل الأظهر ذلك بلا حاجة إلى الإعادة.

.................................................................................................


الركوع ثمّ إعادة الصلاة.

أقول : قدّمنا في بحث القيام (1)ما هو الضابط العام لأمثال المقام ممّا تجدّدت فيه القدرة أثناء الصلاة.

وحاصله : أنّ التجدّد تارة يفرض في ضيق الوقت بحيث لا يتمكّن من إعادة الصلاة ، وأُخرى في سعته ، وعلى التقديرين فان لم يلزم من تدارك الفائت محذور زيادة الركن وجب ذلك كما لو قرأ جالساً وقبل الدخول في الركوع تمكن من القيام فإنّه يجب عليه حينئذ إعادة القراءة قائماً ولا محذور فيها ، فان مثل هذه الزيادة غير قادحة.

وإن لزم المحذور المزبور فان لم يكن الفائت ركناً مضى في صلاته وصحّت لحديث لا تعاد ، كما لو قرأ جالساً لعجزه عنها قائماً وبعد الركوع الاختياري تمكن من القراءة قائما.

وإن كان ركناً كما لو ركع جالساً وتمكن بعد ذلك من الركوع القيامي ، فإن كان في ضيق الوقت صحّت صلاته أيضاً ومضى فيها ، فانّ ذلك غاية ما في وسعه من الامتثال والصلاة لا تسقط بحال.

وإن كان في سعته ففي الصحّة إشكال ، بل منع لعدم الدليل على الاجتزاء بهذا الفرد الناقص بعد تعلّق الأمر بالطبيعة الجامعة المحدودة بين الحدّين وتمكنه منها بالإتيان بفرد آخر.

فتحصّل : أنّ مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة في جميع فروض المسألة من غير فرق بين الضيق والسعة ما عدا صورة واحدة ، وهي ما إذا كان الفائت ركناً والوقت واسعاً ، فإنّ الأقوى حينئذ البطلان كما عرفت.

هذا هو الضابط الكلِّي لكبرى هذه المسألة ونظائرها.


1) شرح العروة 14 : 251 المسألة [1486].

.................................................................................................


وأمّا التطبيق على المقام فنقول : قد تكون الوظيفة هي الركوع الجلوسي وأُخرى الانحناء غير التام حال القيام بناءً على الاجتزاء به - ، وثالثة الإيماء وعلى التقادير فقد يكون التجدّد بعد الانتهاء عنها ، وأُخرى في الأثناء ، ففروض المسألة ستّة تعرّض لجميعها في المتن ما عدا صورة واحدة ، وهي التجدّد بعد الانتهاء من الإيماء.

فإن تجدّدت القدرة على الركوع التام القيامي بعد رفع الرأس عن الركوع جالساً فقد ذكر في المتن أنّه لا يجب بل لا يجوز له إعادته قائماً. وهذا هو الصحيح فيجتزى به ، لكن في ضيق الوقت خاصّة ، وأمّا في السعة فحيث إنّ الفائت ركن ولا يمكن تداركه فالصلاة باطلة والإعادة واجبة كما ظهر وجهه ممّا مرّ آنفاً. فما أفاده (قدس سره) لا يتم على إطلاقه.

وإن تجدّدت بعد الانتهاء عن الانحناء غير التام فقد ألحقه الماتن بسابقه.

والأولى أن يقال : إذا بنينا على أنّ الدليل المانع من زيادة الركوع من حديث لا تعاد أو غيره يشمل ما إذا كان الزائد مثل هذا الركوع ، فالإلحاق في محلّه مع مراعاة التفصيل بين السعة والضيق كما عرفت.

وأمّا إذا بنينا على انصرافه عن الركوع الانحنائي كما لا يبعد وسيجي‌ء الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى ، فاللّازم تدارك الركوع مطلقاً لعدم محذور فيه ، غايته أنّه تخيّل أنّ وظيفته الانحناء والانتقال إلى البدل واعتقد أمراً خيالياً ، ومثله لا يجزي عن الواقع بعد انكشاف الخلاف ، فيلغى بعد عدم ضير في زيادته ويجب الإتيان بالركوع قائما.

وأولى بذلك ما لو كان التجدّد بعد الانتهاء عن الإيماء وهو الّذي لم يتعرّض له في المتن بل لا ينبغي الإشكال في انصراف دليل الزيادة عن مثل ذلك. نعم ، لو كان الزائد من سنخ المزيد عليه فكرّر الانحناء أمكن دعوى

.................................................................................................


زيادة الركوع ، وأمّا مع الاختلاف في السنخ فكانت الوظيفة الركوع القيامي لقدرته عليه فأضاف عليه الإيماء أو الانحناء ، ففي مثله يشكل صدق تعدّد الركوع سيّما في الأوّل ، لعدم كون الإيماء من الركوع في شي‌ء لا شرعاً ولا لغة وإنّما هو بدل ووظيفة مقرّرة لدى العجز عنه ، بل لا ينبغي الريب في عدم الصدق كما عرفت ، فاللّازم إعادة الركوع قائماً ولا محذور فيها.

وإن تجدّدت أثناء الركوع جالساً ، فان كان بعد تمام الذكر الواجب فقد ذكر في المتن أنّه يجتزئ به ، لكن يجب عليه الانتصاب للقيام بعد الرفع.

أقول : أمّا الاجتزاء فوجيه في فرض الضيق فقط ، وإلّا ففي السعة يحكم بالبطلان كما مرّ. وأمّا الانتصاب فلا دليل عليه ، فانّ الانتصاب القيامي إنّما يجب بعد الركوع القيامي كي لا يهوي إلى السجود من الركوع ، ولا دليل على وجوبه بعد مطلق الركوع حتّى الجلوسي منه.

وإن شئت فقل : إنّ اللّازم بعد كل ركوع الانتصاب المناسب له وعدم الهوي منه إلى السجود ، فان ركع قائماً وجب الانتصاب القيامي ، وإن ركع جالساً فالانتصاب الجلوسي ، وبعد فرض الاجتزاء في المقام بالركوع الجلوسي إمّا مطلقاً على مسلكه ، أو في خصوص الضيق على المختار كما عرفت فلا يجب إلّا الانتصاب جالساً الحاصل في المقام ، فالانتصاب للقيام لا دليل على جوازه فضلاً عن وجوبه.

وإن كان قبل تمام الذكر ، أو قبل الشروع فيه فقد حكم في المتن بوجوب القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع القيامي ثمّ إتمام الذكر والقيام بعده.

وهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه ، لما مرّ غير مرّة من تقوّم الركوع بالانحناء عن قيام ، وليس هو عبارة عن مطلق إحداث تلك الهيئة الانحنائية كيف ما اتّفق ، فالقيام متقوّساً ليس من الركوع في شي‌ء بعد عدم سبقه بالقيام

[1585] مسألة 5 : زيادة الركوع الجلوسي والايمائي مبطلة ولو سهواً كنقيصته (1).


فلا فائدة في ذلك. ولو فرض صدق الركوع عليه فاللّازم الحكم بالبطلان لزيادة الركن كما لا يخفى.

وبالجملة : فليس له إلّا إتمام الذكر في نفس هذا الركوع ، ولا يشرع له القيام منحنياً والإتيان بالذكر فضلاً عن وجوبه ، ولا حاجة إلى إعادة الصلاة.

وإن تجدّدت أثناء الركوع بالانحناء غير التام ، أو أثناء الركوع الايمائي ، فقد احتاط في المتن بالانحناء إلى حدّ الركوع وإعادة الصلاة.

وقد ظهر ممّا مرّ : أنّ ذلك هو الأظهر ، بلا حاجة إلى إعادة الصلاة ، لعدم صدق الزيادة في الركوع سيّما في الانحناء غير التام ، فإنّه من مقدّمات الركوع الشرعي ومبادئه ، إذ هو زيادة في الانحناء وتشديد في الكيف ، فلا يعد وجوداً مستقلا آخر في قباله كي يعد من زيادة الركوع كما هو ظاهر جدّا.

(1) أمّا البطلان في فرض النقص فظاهر ، فانّ الركوع من مقوّمات الصلاة كما يشهد به ما دلّ على أنّ الصلاة ثلث طهور وثلث ركوع ، وثلث سجود (1)فمع خلوّها عنه وعن بدله وهو الإيماء لا يصدق عنوان الصلاة ، مضافاً إلى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، وهذا ظاهر جدّاً بلا فرق فيه بين العمد والسهو.

وأمّا في فرض الزيادة فكذلك بالإضافة إلى الركوع الجلوسي ، فإنّه ركوع حقيقة لغة وشرعاً ، فيشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع فإنّه بإطلاقه يعمّ الركوع القيامي والجلوسي.


1) الوسائل 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1.

[1586] مسألة 6 : إذا كان كالراكع خلقة أو لعارض (1) فان تمكن من الانتصاب ولو بالاعتماد على شي‌ء وجب عليه ذلك ، لتحصيل القيام الواجب حال القراءة وللركوع ، وإلّا فللركوع فقط فيقوم وينحني ، وإن لم يتمكّن من ذلك لكن تمكن من الانتصاب في الجملة فكذلك ، وإن لم يتمكّن أصلاً ، فإن تمكن من الانحناء أزيد من المقدار الحاصل بحيث لا يخرج عن حدّ الركوع وجب (1)، وإن لم يتمكّن من الزيادة أو كان على أقصى مراتب الركوع بحيث


وأمّا بالنسبة إلى الايمائي فالمشهور أنّه كذلك ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، استناداً إلى سراية أحكام المبدل إلى البدل.

لكنّه كما ترى ، فإنّ البدلية لا تستدعي إلّا تنزيل البدل منزلة المبدل في وجوب الإتيان به ، ولا نظر في دليلها إلى بقية الأحكام كي يقتضي سرايتها إليه. وعليه فان تمّ الإجماع على الإلحاق ولم يتم فهو ، وإلّا ففي الحكم بالبطلان إشكال بل منع ، لعدم كون الإيماء ركوعاً لا لغةً ولا شرعاً ، وإنّما هو بدل عن الركوع ووظيفة مقرّرة لدى العجز عنه ، فلا يشمله ما دلّ على البطلان بزيادة الركوع (2)فانّ ذاك الدليل خاص بالركوع ولا يعم بدله الّذي ليس هو من الركوع في شي‌ء.

(1) تفصيل المقام : أنّ من كان على هيئة الراكع خلقة أو لعارض ، إن تمكن من الانتصاب قليلاً ولو بالاعتماد على شي‌ء وجب ذلك على حسب طاقته رعاية للقيام الواجب حال تكبيرة الإحرام والقراءة والقيام المتّصل بالركوع ، فإن أمكنه الكل فهو ، وإلّا فبالمقدار الميسور ، لا أقل من القيام آناً ما الّذي يتقوّم به الركوع


1) (*) لا تبعد كفاية الإيماء حينئذٍ ، وإن كان الجمع بينه وبين ما في المتن أحوط.

2) نعم ، ولكنّه زيادة في الصلاة بعد الإتيان به بقصد الجزئية كما هو المفروض ، فتقدح مع العمد وإن لم يصدق عنوان الركوع.

لو انحنى أزيد خرج عن حدّه فالأحوط له الإيماء بالرأس (1)، وإن لم يتمكّن فبالعينين له تغميضاً وللرفع منه فتحاً ، وإلّا فينوي به قلباً ويأتي بالذكر (2).


فيأتي حينئذ بالركوع الاختياري.

وإن عجز عن ذلك أيضاً فلم يتمكّن من الانتصاب أصلاً ، فإن تمكن من القيام في الجملة ولو منحنياً الّذي هو حد متوسط بين الركوع وبين الانتصاب التام وجب ذلك وكان ركوعه اختيارياً أيضاً فإنّه متقوّم بمطلق القيام لا بخصوص القيام الانتصابي ، فانّ الانتصاب واجب آخر حال القيام قد سقط لدى العجز غير معتبر في حقيقة الركوع ، وإنّما يتقوّم بطبيعي القيام الحاصل في المقام ولو في ضمن فرد آخر وهو القيام الانحنائي فيجب مع التمكّن منه.

وإن لم يتمكّن من القيام أصلاً ، فتارة يفرض تمكنه من ازدياد الانحناء والانتقال إلى مرتبة اخرى اخفض ممّا هو عليه مع المحافظة على عدم الخروج عن أقصى مراتب الركوع ، وأُخرى لا يتمكّن من الزيادة أصلاً ، أو لو زاد خرج بذلك عن حدّ الركوع الشرعي ، فهنا فرضان.

أمّا الفرض الأوّل ففيه وجوه بل أقوال :

أحدها : ما اختاره في المتن ولعلّه المشهور من وجوب الانحناء أزيد ممّا هو عليه ، استناداً إلى لزوم الفرق بين قيامه وركوعه ، كما هو الحال في الإيماء للركوع وللسجود ، فكما يومئ للثاني أخفض منه للأوّل ، لمكان الفرق بينهما فكذا في المقام.


1) (*) بل الأظهر ذلك.

2) (**) على الأحوط كما مرّ.

.................................................................................................


وفيه : منع ظاهر ، فإنّه وجه استحساني ومجرد اعتبار لا يصلح لأن يكون مدركاً لحكم شرعي ، والتفرقة في الإيماء قد دلّ عليها النص المختص بمورده فلا وجه للتعدِّي منه إلى المقام ، فلم ينهض دليل شرعي على وجوب إحداث الفارق في محل الكلام ، هذا.

وقد استدلّ له المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1)بأنّ الركوع وإن كان متقوّماً بالانحناء عن القيام إلّا أنّ قيام كل شخص بحسبه ، ففي القادر قيامه الاعتدال وفي من كان على هيئة الراكع الاستقامة على ما هو عليه بحسب حاله ، فانّ هذا هو قيامه بحسب العرف ، فبطبيعة الحال يكون ركوعه هو الانحناء عن هذه الحالة بأن يزيد انحناؤه عمّا هو عليه ممّا يعد قياماً له ، فانّ ذلك هو ركوعه في نظر العرف كما يشهد به جريان عادتهم في الركوع أمام الجبابرة والملوك سيّما سيرة أهل الفرس بالنسبة إلى أُمرائهم ، فان ركوع القادر هو الانحناء عن الانتصاب ، ومن كان منحني الظهر ركوعه الازدياد في انحنائه ولو يسيراً كل منهم على حسب حاله.

وفيه أوّلاً : منع صدق الركوع عليه عرفاً ، وإنّما هو انتقال من مرتبة من الانحناء إلى أُخرى ، كيف وقد عرفت أنّه متقوّم لغة وعرفاً بالانحناء عن القيام ومن احدودب ظهره عاجز عن القيام وليس هو إلّا على هيئة الراكع ، فصدق الركوع في حقّه ممنوع جدّاً ، وأمّا تعظيم مثله أمام الجبابرة والملوك بزيادة الانحناء فإنّما هو تواضع وخضوع ، ولا يعد من الركوع في شي‌ء كما لا يخفى.

وثانياً : سلّمنا صدق الركوع عليه عرفاً إلّا أنّه لا دليل على وجوب الانحناء الزائد في المقام ، فانّ المستفاد من الأدلّة الواردة في تحديد الركوع الشرعي وجوب الانحناء عن القيام حدّا يتمكن معه من إيصال أطراف


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 328 السطر 9.

.................................................................................................


أصابعه الركبتين ويستحبّ الزيادة قليلاً بحيث تصل الراحة إليهما كما مرّ. وهذا التكليف ساقط عن هذا الشخص لعجزه عن إيجاد هذا الحد وإحداثه حسب الفرض ، فبأيّ دليل يجب عليه الانحناء الزائد على هذا المقدار ممّا هو عليه فإنّه يحتاج إلى دليل بالخصوص وهو مفقود.

ودعوى انصراف هذا التحديد إلى الأفراد الشائعة دون من كان على هيئة الراكع كما ترى ، فإنّه إرشاد إلى الحد المعتبر في الركوع المأمور به ، ومقتضى الإطلاق (1)عدم الفرق بين الموارد كما لا يخفى. فالأقوى حينئذ لزوم الانتقال إلى البدل المقرّر لدى العجز عن الركوع وهو الإيماء لعدم قصور في شمول إطلاق دليله للمقام.

القول الثاني : ما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره) (2)من أنّه ينوي الركوع ببقائه على هذه الحالة ، لعدم الدليل على وجوب الانحناء الزائد وليس ذلك من تحصيل الحاصل كي يكون الأمر به لغواً ، لإمكان هدم تلك الهيئة الركوعية بالجلوس ونحوه فيؤمر بالبقاء على تلك الهيئة قاصداً بها الركوع المأمور به في الصلاة.

أقول : أمّا عدم الدليل على الانحناء الزائد فهو حق كما عرفت آنفاً. وأمّا الاجتزاء بقصد الركوع بتلك الهيئة فيتوقف على أمرين :

أحدهما : أنّ الركوع عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة ، والهوي مقدّمة عقلية صرفة.


1) لقائل أن يقول : إنّ الخطاب في نصوص التحديد متوجِّه إلى الأشخاص العاديين المستوين في الخلقة كزرارة وأبي بصير ونحوهما ، ولعل هذا يجعله من اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية المانع عن انعقاد الإطلاق.

2) الجواهر 10 : 81.

.................................................................................................


ثانيهما : أنّ المأمور به هو الركوع الأعم من الحدوثي والبقائي ، وعليه فلا مانع من قصد الركوع بتلك الهيئة الخاصّة بقاءً ، هذا.

وللمناقشة في كلا الأمرين مجال واسع.

أمّا الأوّل : فلما عرفت من أنّ الركوع متقوّم بالانحناء عن القيام ، فهو معتبر في حقيقته شطراً أو شرطاً وإن كان الأظهر هو الثاني. وعلى أيّ حال فليست تلك الهيئة على إطلاقها وكيف ما اتّفقت ركوعاً كي يكون الهوي مقدّمة محضة. ومن هنا لو جلس عن القيام ثمّ قام متقوساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به ولا يتحقّق معه الركوع قطعا.

وأما الثاني : فلأنّ الظاهر من الأمر بشي‌ء هو إحداثه وإيجاده بعد ان لم يكن ، ولا يكفي فيه مجرّد البقاء ولو بقصد الأمر ، بل كيف يمكن توجيه الخطاب نحو الراكع بقوله اركع فإنّه يعد لغواً ومن تحصيل الحاصل في نظر العرف كما لا يخفى. فهذا القول يتلو سابقه في الضعف.

ومن جميع ما قدّمناه يظهر أنّ الأقوى هو القول الثالث ، أعني سقوط الركوع عنه ، لمكان العجز والانتقال إلى بدله وهو الإيماء ، لعدم قصور دليله عن الشمول للمقام فيومئ برأسه إن أمكن وإلّا فبالعينين تغميضاً له وفتحاً للرفع منه ، ومع العجز عنه أيضاً الّذي هو فرض نادر جدّاً فينوي بقلبه على الأحوط وإلّا فلا دليل عليه ، ومقتضى القاعدة حينئذ سقوط الصلاة لتقوّمها بالركوع وهو عاجز عنه وعن بدله ، لكن الفرض في غاية الشذوذ كما عرفت وقد مرّ تفصيل ذلك كلّه في بحث القيام.

نعم ، الأحوط في المقام أن يجمع بين الإيماء وبين زيادة الانحناء قاصداً بأحدهما ما هو الركوع المأمور به في حقّه وما هي وظيفته واقعاً ، فيقع الآخر لغواً غير مضر فإنّه جامع بين الأقوال ، وبذلك يخرج عن شبهة الخلاف ، فإنّ

[1587] مسألة 7 : يعتبر في الانحناء أن يكون بقصد الركوع ولو إجمالاً بالبقاء على نيّته في أوّل الصلاة بأن لا ينوي الخلاف ، فلو انحنى بقصد وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه ، أو قتل عقرب أو حيّة ، أو نحو ذلك ، لا يكفي في جعله ركوعاً ، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع ، ولا يلزم منه زيادة الركن (1).


صاحب الجواهر أيضاً لا يأبى عن ذلك وإنّما يرى جواز قصد الركوع بالبقاء على تلك الحالة ، لا عدم جوازه بالانحناء الزائد كما لا يخفى.

وأمّا في الفرض الثاني فلا ينبغي الشك في تعيّن الإيماء في حقّه ، لفرض عدم تمكنه من الانحناء الزائد كي يحتمل وجوبه ، أو لو انحنى خرج عن أقصى مراتب الركوع. وقد عرفت ضعف مقالة صاحب الجواهر (قدس سره) لتوقّفها على مقدّمتين كلتاهما ممنوعة. فلا مناص من الانتقال إلى البدل وهو الإيماء عملاً بإطلاق دليله الّذي لا يقصر عن الشمول للمقام.

(1) لا يخفى أنّ المحتملات في حقيقة الركوع المأمور به أُمور :

أحدها : أنّه عبارة عن الحركة عن حالة الانتصاب إلى أن تبلغ أطراف أصابعه الركبتين ، أو أن يضع كفّيه عليهما على الخلاف في ذلك كما مرّ (1)، فيكون في ابتداء الحركة شارعاً في الركوع ، لكونه مؤلفاً من عدّة أجزاء وهي الانحناءات المتتالية المحدودة بين الحدّين ، فكل مرتبة جزء من الركوع لتركبه من المجموع.

الثاني : أنّه مفهوم بسيط لا جزء له ، وهو نفس الهيئة الخاصّة المنتزعة عن الانحناء البالغ حدّا يتمكّن من إيصال الأصابع أو اليدين إلى الركبتين ، لكن لا


1) في ص 3 وما بعدها.

.................................................................................................


على إطلاقها ، بل حصّة خاصّة من تلك الهيئة وهي المسبوقة بالقيام ، فالواجب هي الهيئة الحاصلة عن انحناء قيامي ، فيكون الهوي عن القيام معتبراً فيه شرطاً لا شطراً وتقيّداً لا قيداً ، بخلاف الوجه السابق الّذي كان عليه معتبراً قيداً وتقيّداً كما عرفت.

الثالث : أنّه عبارة عن نفس تلك الهيئة الخاصّة على إطلاقها كيف ما اتّفقت وحيثما تحقّقت ، فيكون الهوي إليها مقدّمة عقلية صرفة لا دخل لها في المأمور به أصلاً بخلاف الوجه الثاني ، إذ عليه كان مقدّمة شرعية كما هو الحال في سائر الشرائط من الستر والطهور ونحوهما.

ويترتّب على الاحتمالين الأوّلين ما أفاده في المتن من لزوم كون الانحناء بقصد الركوع ، وأنّه لو انحنى لغاية أُخرى من وضع شي‌ء على الأرض أو رفعه أو قتل عقرب أو حيّة ، وبعد بلوغ حدّ الركوع بدا له أن يجعله ركوعاً لا يكتفي به ، بل لا بدّ من القيام ثمّ الانحناء للركوع ، ولا يلزم منه زيادة الركن.

أمّا مع الاحتمال الأوّل فظاهر ، وكذا على الثاني ، فإنّ الشرط ليس مطلق الهوي والانحناء ، بل خصوص ما كان بقصد الركوع كما لا يخفى ، فالهوي العاري عن هذا القصد ليس مصداقاً للشرط فينتفي المشروط بانتفائه.

وأمّا على الاحتمال الأخير فقد يقال كما عن العلّامة الطباطبائي في منظومته (1)، وتبعه صاحب الجواهر (2)بالاكتفاء في المقام ، إذ الواجب هو نفس تلك الهيئة وقد حصلت ، والهوي مقدّمة عقلية محضة لا دخل له في الركوع المأمور به بوجه عدا حيثية المقدّمية الصرفة ، كما أنّه كذلك بالإضافة إلى السجود بلا خلاف ولا إشكال ، لكونه متقوّماً بوضع الجبهة على الأرض


1) الدرّة النجفية : 123.

2) الجواهر 10 : 76.

.................................................................................................


فقط ، ولا دخل للهوي فيه إلّا من باب المقدّمة ، فكما أنّه لو هوى إلى الأرض لغاية أُخرى ثمّ بدا له في السجود يجتزي به من دون حاجة إلى القيام والهوي إليه مرّة أُخرى ، فكذا في المقام.

واعترض عليه شيخنا الأنصاري (1)وقد أجاد فيما أفاد فأورد (قدس سره).

أوّلاً : بإنكار المبنى ، وأنّ الركوع ليس مطلق تلك الهيئة كي يكون الهوي مقدّمة عقلية صرفة ، بل خصوص المسبوق بالقيام كما هو المستفاد من ظواهر النصوص ، بل من كلمات اللّغويين أيضاً ، فلا يطلق الراكع إلّا على المنحني عن قيام ، فهو مشروط بسبق الهوي ومتقوّم بالانحناء القيامي. ومن هنا لو جلس عن قيامه ثمّ قام متقوّساً إلى حدّ الركوع لا يجتزى به بلا إشكال ، لعدم كونه مصداقاً للركوع ، وإنّما هو على هيئة الراكع. ولا يقاس ذلك بالسجود ، لما عرفت من أنّه متقوّم بوضع الجبهة على الأرض فقط ، ولا دخل للهوي والانحناء في حقيقته بوجه ، فهو فيه مقدّمة عقلية محضة لا محالة ، بخلاف الركوع فإنّه متقوّم بالانحناء المسبوق بالقيام المستلزم لكون الهوي شرطاً شرعياً فيه كما عرفت.

وثانياً : سلّمنا ذلك ، لكن دعوى الاكتفاء مبنية على أن يكون الأمر بالركوع متعلِّقاً بالطبيعي الجامع بين الحدوث والبقاء ، فإنّه بعد ما بلغ إلى هذا الحد ولو لغاية أُخرى جاز له أن يقصد به الركوع بقاء.

لكنّه خلاف ظواهر الأدلّة قطعاً ، بل المنصرف منها خصوص الإحداث وإيجاد الركوع بعد أن لم يكن ، كما هو الحال في السجود أيضاً وغيره من سائر التكاليف ، فلو عثر في صلاته فاتّصلت جبهته بالأرض قهراً ليس له أن يقصد به السجود بقاءً بلا إشكال ، بل لا بدّ من رفع الجبهة ثمّ وضعها ثانياً بقصد


1) كتاب الصلاة : 157.

[1588] مسألة 8 : إذا نسي الركوع فهوى إلى السجود وتذكّر قبل وضع جبهته على الأرض رجع إلى القيام ثمّ ركع ، ولا يكفي أن يقوم منحنياً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب ، وكذا لو تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد رفع الرأس من السجدة الأُولى قبل الدخول في الثانية على الأقوى وإن كان الأحوط في هذه الصورة إعادة الصلاة أيضاً بعد إتمامها وإتيان سجدتي السهو لزيادة السجدة (1).


السجود كي يتحقّق الإحداث ، كما أنّ الواجب في المقام هو القيام ثمّ الانحناء ثانياً بقصد الركوع. فظهر أنّ ما ذكره في المتن هو الصحيح على جميع التقادير.

(1) لا إشكال في أنّ من نسي الركوع وتذكّره بعد السجدتين أو بعد الدخول في السجدة الثانية بطلت صلاته لعدم إمكان تصحيحها بوجه ، للزوم زيادة الركن من التدارك ، ونقيصته مع عدمه كما لا يخفى.

كما لا إشكال في الصحّة لو كان التذكّر قبل الدخول في السجود ووضع الجبهة على الأرض ، لإمكان التدارك من دون أيّ محذور ، فيرجع إلى القيام ثمّ يركع ، ولا يكفي القيام متقوّساً إلى حدّ الركوع من دون أن ينتصب ، لاعتبار كون الركوع عن قيام متّصل به كما عرفت في المسألة السابقة ولا اتِّصال في المقام.

إنّما الكلام فيما إذا كان التذكّر بعد السجدة الأُولى أو أثناءها ، فهل يلحق ذلك بالصورة الأُولى كما لعلّه المشهور فيحكم بالبطلان ، أم بالصورة الثانية كما اختاره جماعة منهم الماتن فيحكم بالصحّة؟

لا ينبغي الشك في أنّ مقتضى القاعدة هو الثاني ، إذ لا يلزم من تدارك الركوع أيّ محذور عدا زيادة سجدة واحدة سهواً ، ولا ضير فيها بعد أن لم

.................................................................................................


تكن ركناً ، وقد ورد أنّ الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة ، وإنّما تعاد من ركعة (1).

وإنّما المنشأ للخلاف ورود روايات في المقام ربما يتوهّم دلالتها على البطلان في خصوص المقام أعني نسيان الركوع وبذلك يخرج عن مقتضى القاعدة المزبورة ، لكن الظاهر عدم دلالتها عليه ، بل المستفاد منها أيضاً هي الصحّة فتكون الصحّة مطابقة للقاعدة وللنص فلا بدّ من التعرّض إليها.

فمنها : موثقة إسحاق بن عمار قال : «سألت أبا إبراهيم عليه‌السلام عن الرجل ينسى أن يركع ، قال يستقبل حتّى يضع كل شي‌ء من ذلك موضعه» (2)قالوا إنّ الموضوع نسيان الركوع مطلقاً فيشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة.

وفيه : أنّ الذيل مانع عن انعقاد الإطلاق لقوله عليه‌السلام : «حتّى يضع كلّ شي‌ء موضعه» ، فيظهر أنّ موضوع الحكم نسيان لا يتمكّن معه من وضع كل شي‌ء موضعه ، وهذا كما ترى مختص بما إذا كان التذكر بعد السجدتين ، إذ لو كان بعد السجدة الواحدة يتمكّن من وضع كل شي‌ء موضعه ، لما عرفت من أنّ زيادة السجدة الواحدة سهواً غير قادحة فيتمكّن من تدارك الركوع ووضعه في موضعه من دون أيّ محذور. ومع تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده بما ستعرف.

ومنها : صحيحة رفاعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل ينسى أن يركع حتّى يسجد ويقوم ، قال : يستقبل» (3).


1) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 ، 3.

2) الوسائل 6 : 313 / أبواب الركوع ب 10 ح 2.

3) الوسائل 6 : 312 / أبواب الركوع ب 10 ح 1.

.................................................................................................


وهذه أيضاً كما ترى لا إطلاق لها ، لقوله : «يسجد ويقوم» ، إذ من الواضح أنّ القيام إنّما هو بعد السجدتين فلا يشمل ما لو كان التذكّر بعد السجدة الواحدة لعدم القيام معها ، ومع تسليم الإطلاق فيقيّد أيضاً بما سيجي‌ء.

ومنها : خبر أبي بصير قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل نسي أن يركع قال : عليه الإعادة» (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف سنده بمحمّد بن سنان ، عدم ظهوره في الإطلاق وإلّا لزم الحكم بالبطلان ، ولو كان التذكّر قبل وضع الجبهة على الأرض لصدق نسيان الركوع حينئذ مع أنّها صحيحة بعد تدارك الركوع بلا خلاف ولا إشكال كما تقدّم ، فيظهر أنّ المراد به نسيان لا يتمكّن معه من التدارك ووضع كل شي‌ء موضعه المختص بما إذا كان التذكّر بعد السجدتين ، فيكون مفاده مساوقاً لموثقة إسحاق بن عمار المتقدِّمة.

وعلى تقدير تسليم الإطلاق فلا بدّ من تقييده كغيره من النصوص المتقدِّمة (2)بصحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة» (3)فإنّ الجملة الشرطية تضمّنت قيدين :

أحدهما : تيقن ترك الركعة أي الركوع كما يشهد به قوله : «وترك الركوع» ثانيهما : أن يكون التذكّر بعد السجدتين ، فمفهومها عدم وجوب الاستئناف عند


1) الوسائل 6 : 313 / أبواب الركوع ب 10 ح 4.

2) هذا وجيه في غير صحيحة رفاعة ، أمّا فيها فالنسبة بينها على تقدير تسليم الإطلاق كما هو المفروض وبين مفهوم صحيحة أبي بصير عموم من وجه كما لا يخفى ، ومعه لا موجب لتقديم هذه الصحيحة.

3) الوسائل 6 : 313 / أبواب الركوع ب 10 ح 3.

[1589] مسألة 9 : لو انحنى بقصد الركوع فنسي في الأثناء وهوى إلى السجود ، فان كان النسيان قبل الوصول إلى حدّ الركوع انتصب قائماً ثمّ ركع ، ولا يكفي الانتصاب إلى الحدّ الّذي عرض له النسيان ثمّ الركوع ، وإن كان بعد الوصول إلى حدّه فان لم يخرج عن حدّه وجب عليه البقاء مطمئنّاً والإتيان بالذكر ، وإن خرج عن حدّه فالأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها بأحد الوجهين من العود إلى القيام (1)ثمّ الهويّ للركوع أو القيام بقصد الرّفع منه ثمّ الهويّ للسجود ، وذلك لاحتمال كون الفرض من باب نسيان الركوع فيتعيّن الأوّل ، ويحتمل كونه من باب نسيان الذكر والطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه وعليه فيتعيّن الثاني ، فالأحوط أن يتمّها بأحد الوجهين ثمّ يعيدها (1).


فقد أحد القيدين فلا تجب الإعادة لو شكّ في ترك الركوع ، لكونه مجرى لقاعدة التجاوز ، كما لا تجب لو كان التذكّر قبل السجدتين الشامل لما إذا تذكّر بعد السجدة الواحدة. فبمفهوم هذه الصحيحة يقيّد الإطلاق في بقية النصوص لو كان. فما أفاده في المتن من الحكم بالصحّة في هذه الصورة بعد تدارك الركوع هو الصحيح ، وإن كان الأحوط الإعادة.

(1) قد عرفت أنّ الركوع ليس عبارة عن مجرّد الهيئة الخاصّة كيف ما اتّفقت بل خصوص المسبوق بالانحناء عن القيام بحيث يكون لدى الهوي عن القيام قاصداً للركوع في جميع مراتب الانحناءات إلى أن يبلغ حدّ الركوع ، ومن هنا أشرنا سابقاً إلى أنّ القيام المتّصل بالركوع ليس واجباً بنفسه فضلاً عن أن يكون ركناً بحياله ، بل هو تابع في الوجوب والركنية لنفس الركوع ، حيث إنّ


1) (*) هذا هو الظاهر وإعادة الصلاة بعد ذلك أحوط.

.................................................................................................


الإخلال به إخلال بالركوع لتقوّمه به ودخله في حقيقته. وعلى هذا الأساس يبتني حكم هذه المسألة كالمسألة السابقة.

ثمّ إنّ هذه المسألة تنحل إلى صور :

إحداها : أن ينحني بقصد الركوع وفي الأثناء قبل أن يصل إلى حدّ الركوع ينسى فيهوي إلى السجود ثمّ يتذكّر ، سواء أكان تذكّره قبل الوصول إلى حدّ الركوع أيضاً أو في أثنائه ، أو بعد التجاوز عن حدّه ، لاشتراك الجميع في ملاك الحكم وهو عدم حصول الركوع المأمور به منه ، لما عرفت من تقوّمه بالانحناء الحاصل بقصده في جميع مراحله ومراتبه ، والمفروض أنّ قطعة خاصّة من الهوي وهي المتحققة بعد النسيان لم تكن بقصده ، فقد تخلل الفصل بالهوي غير الصلاتي المانع من اتِّصال الركوع بالقيام بالمعنى الّذي عرفت. فلا مناص من رجوعه وانتصابه قائماً ثمّ الركوع.

ومنه تعرف أنّه لا يجديه الانتصاب إلى الحدّ الّذي عرض له النسيان ثمّ الركوع ، لعدم حصول الاتِّصال بالقيام معه بعد تخلّل الفصل بينهما بالهوي الأجنبي غير المقصود به الركوع. وهذا ظاهر لا سترة عليه.

الصورة الثانية : أن يعرض النسيان بعد البلوغ حدّ الركوع ، فيهوي بقصد السجود قليلاً ثمّ يتذكّر قبل الخروج عن الحد ، وحكم هذا أيضاً ظاهر ، فإنّه يبقى مطمئنّاً ثمّ يأتي بالذكر ولا شي‌ء عليه ، غايته أنّه انتقل من مرتبة من الركوع إلى مرتبة اخرى بلا قصد إليها ، وهذا لا ضير فيه بعد تحقّق مسمّى الركوع عن قصد إليه ، ولا يعد ذلك زيادة في الركوع ، إذ ليس هو ركوعاً آخر ووجوداً ثانياً له ، بل هو إبقاء واستمرار للوجود الأوّل. نعم ، هو هوي زائد لعدم كونه بقصد الركوع حسب الفرض ، ولا دليل على قادحية مثله بعد أن صدر سهواً ، إنّما الإشكال في :

.................................................................................................


الصورة الثالثة : وهي ما لو عرض النسيان بعد البلوغ حدّ الركوع ولم يتذكّر إلّا بعد الخروج عن حدّه ، وقد احتمل الماتن (قدس سره) فيها احتمالين :

أحدهما : أن يكون ذلك من باب نسيان الركوع ، فيلحق بما لو هوى عن القيام إلى السجود وقبل الدخول فيه تذكّر ترك الركوع الّذي تقدّم حكمه في المسألة السابقة من لزوم التدارك بالرجوع إلى القيام ثمّ الإتيان بالركوع ، وبعد الانتصاب منه يهوي إلى السجود ويتم صلاته.

ثانيهما : أن يكون ذلك من باب نسيان الذكر والطمأنينة في الركوع بعد تحقّقه ، وحيث قد مضى محلّهما فلا مجال لتداركهما ، نعم القيام الواجب بعد الركوع محلّه باق ، فليس عليه إلّا الانتصاب بقصد رفع الرأس من الركوع ثمّ الهوي إلى السجود ، وحيث إنّه (قدس سره) لم يجزم بشي‌ء من الاحتمالين فذكر أنّ الأحوط اختيار أحد الوجهين والعمل بإحدى الوظيفتين ثمّ إعادة الصلاة.

أقول : قد يفرض عروض النسيان بعد حصول الاستقرار على هيئة الركوع ولو آناً ما ، ولا شك في الصحّة حينئذ وعدم لزوم التدارك ، إذ قد تحقّق معه مسمّى الركوع الواجب ، غايته فوات الذكر والاطمئنان حاله غير الممكن تداركهما لفوات المحل ولا ضير فيه بعد أن لم يكن ركناً ، وقد تعرّض (قدس سره) لهذا الفرع في بحث الخلل (1)وحكم بالصحّة غير أنّه ذكر وجوب القيام بعدئذ تحصيلاً للقيام الواجب بعد الركوع ، ولنا معه كلام في ذلك ستعرفه.

إلّا أنّ هذا الفرض خارج عن منصرف كلامه في المقام كما لا يخفى.

وقد يفرض عدم حصول الاستقرار أصلاً واستمراره في الهوي من غير مكث كما هو محط نظره ومفروض كلامه. والظاهر حينئذ تعيّن الاحتمال الأوّل


1) في مطاوي المسألة الثامنة عشرة [شرح العروة 18 / المسألة 2019].

.................................................................................................


وأنّ المقام من نسيان الركوع ، لوضوح أنّ الهيئة الخاصّة التي هي حقيقة الركوع لا تكاد تتحقّق إلّا بالاستقرار عليها ولو هنيئة بحيث ينتهي به الانحناء وتأخذ الهيئة حدّها وإلّا فلا ركوع مع التوالي في الانحناء والاستمرار في الهوي ، لعدم حصول تلك الهيئة بحدّها مع التجاوز وعدم الاستقرار ، كيف ولو صدق عليه الركوع لكان الهاوي إلى السجود راكعاً أيضاً في ضمنه ، فيلزم اشتمال كل ركعة على ركوعين وهو كما ترى (1).

وبالجملة : لا ينبغي الرّيب في عدم تحقّق الركوع في المقام لفقد فصله المقوّم له ، فلا مناص من تداركه لنسيانه.

ثمّ إنّ ما ذكره الماتن بناءً على الاحتمال الثاني من وجوب القيام بقصد الرفع من الركوع تحصيلاً للقيام الواجب بعده مبني على أن يكون الواجب مطلق القيام الحاصل بعد الركوع كيف ما اتّفق ، وهو خلاف التحقيق ، بل الظاهر من النصوص أنّ الواجب هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع وكم فرق بينهما ، ومن هنا لو جلس عن ركوعه اختياراً ثمّ قام لا يكون مجدياً بلا كلام وليس ذلك إلّا لكون الواجب خصوص الحصّة الخاصّة وهي القيام الناشئ عن رفع رأسه من الركوع ، وحيث إنّ هذا القيام متعذِّر في المقام لعدم إمكانه إلّا بإعادة الركوع المستلزمة لزيادة الركن فيسقط ولا ضير فيه ، لعدم كونه ركناً وإنّما هو واجب مستقل بعد الركوع.

فالأقوى عدم الحاجة إلى القيام على هذا الاحتمال ، أو على تقدير حصول الاستقرار في الركوع ولو قليلاً كما في الفرض السابق ومرّت الإشارة إليه.

فتحصّل : أنّ الأقوى هو الاحتمال الأوّل وإن كان الاحتياط بالإعادة حسنا.


1) هذا وجيه لولا تقوّم الركوع بالقصد المنفي في الفرض.

[1590] مسألة 10 : ذكر بعض العلماء أنّه يكفي في ركوع المرأة الانحناء بمقدار يمكن معه إيصال يديها إلى فخذيها فوق ركبتيها (1) ، بل قيل باستحباب ذلك ، والأحوط كونها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء نعم الأولى لها عدم الزيادة في الانحناء لئلّا ترتفع عجيزتها.


(1) حكي ذلك عن المقنعة (1)والنهاية (2)، بل عن كثير من كتب المتقدِّمين وأكثر كتب المتأخِّرين كما في الجواهر (3)استناداً إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : المرأة إذا قامت في الصلاة جمعت بين قدميها وتضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها ، فاذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلّا تطأطأ كثيراً فترتفع عجيزتها» (4).

ولا يخفى أنّه بناءً على مسلك المشهور من تحديد الانحناء المعتبر في الركوع بإمكان وضع اليدين على الركبتين تتحقّق المنافاة بينه وبين هذه الصحيحة ، إذ مقتضى النصوص المستدل بها على هذا القول أنّ التحديد المزبور معتبر في ماهية الركوع حيثما تحقّق ، وقضيّة الإطلاق ولو بمعونة قاعدة الاشتراك عدم الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة ، فتنافيها هذه الصحيحة الدالّة على كفاية الأقل بالنسبة إليها. فلا مناص من ارتكاب التخصيص جمعاً ، وحمل تلك النصوص على الرِّجال ، ونتيجة ذلك الالتزام بافتراقها عن الرِّجال في مقدار الانحناء.

وأمّا بناءً على القول الآخر وهو المختار كما تقدّم (5)من كفاية الانحناء


1) المقنعة : 111.

2) النهاية : 73.

3) الجواهر 10 : 74.

4) الوسائل 6 : 323 / أبواب الركوع ب 18 ح 2.

5) في ص 6.

[1591] مسألة 11 : يكفي في ذكر الركوع التسبيحة الكبرى مرّة واحدة كما مرّ وأمّا الصغرى إذا اختارها فالأقوى وجوب تكرارها ثلاثاً ، بل الأحوط (1)والأفضل في الكبرى أيضاً التكرار ثلاثاً ، كما أنّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضاً الثلاث وإن كان كل واحد منه بقدر الثلاث من الصغرى (1).


حدّا يتمكّن من إيصال رؤوس الأصابع إلى الركبتين ، فلا منافاة حينئذ بينه وبين هذه الصحيحة في مقدار الانحناء ، إذ التمكن من الإيصال المزبور يستلزم بطبيعة الحال وضع اليدين فوق الركبتين وعلى الفخذين الّذي تضمّنته هذه الصحيحة فينطبق أحدهما على الآخر ، فاذن لا فرق بينهما في حدّ الانحناء الواجب.

نعم ، يفترقان في الحكم الاستحبابي ، إذ لا ريب في استحباب الانحناء الأكثر للرجال بحيث يتمكّن من وضع اليدين على الركبتين كما تقدّم. وأمّا النِّساء فالأولى والأفضل لهنّ الوقوف على هذا الحد وعدم الانحناء الأكثر لئلّا يطأطئن كثيراً فترتفع عجيزتهن كما تضمنته هذه الصحيحة ، فيلتزم بالتخصيص في هذا الحكم الاستحبابي مع المساواة في الحدّ الوجوبي. فما ذكره في المتن من أنّها كالرجل في المقدار الواجب من الانحناء غير أنّ الأولى لها عدم الزيادة فيه هو الصحيح.

(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة عند التعرّض للواجب الثاني من واجبات الركوع مستقصى وعرفت كفاية التسبيحة الكبرى مرّة واحدة ، ولزوم تكرار الصغرى ثلاثاً ، بل كفاية مطلق الذكر إذا كان بقدر الثلاث الصغريات.


1) (*) لم يظهر لنا وجه الاحتياط.

ويجوز الزيادة على الثلاث ولو بقصد الخصوصية والجزئية (1)


نعم ، أضاف في المقام احتياطين :

أحدهما : استحبابي قال (قدس سره) : بل الأحوط والأفضل في الكبرى أيضاً التكرار ثلاثاً. أمّا كونه أفضل فلا إشكال فيه ، للأمر به في جملة من النصوص المحمول على الاستحباب كما تقدّم (1). وأمّا الاحتياط فلم يظهر وجهه بعد التصريح في غير واحد من النصوص بكفاية المرّة ، وأنّ واحدة تامّة تجزي فلا مجال لاحتمال وجوب الثلاث كي يكون أحوط (2).

ثانيهما : وجوبي وهو قوله : كما أنّ الأحوط في مطلق الذكر غير التسبيحة أيضاً الثلاث وإن كان كل واحدة منه بقدر الثلاث من الصغرى. وهذا أيضاً لم يظهر وجهه ، للتصريح في صحيحة مسمع المتقدِّمة بكفاية ما يعادل التسبيحات الثلاث ، قال عليه‌السلام : «يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ مترسلاً» إلخ (3)فلو اختار ذكراً يوازي مجموع الثلاث من الصغرى كقوله لا إله إلّا اللّه واللّه أكبر مثلاً ، كفى من دون حاجة إلى تكراره ثلاثاً ، فالاحتياط المذكور في غير محله.

(1) أمّا قصد الجزئية فمشكل بل ممنوع ، لما مرّ غير مرّة من منافاتها مع الاستحباب ، ولذا أنكرنا وجود الجزء المستحبِّي ، وإنّما هو مستحب ظرفه الواجب أو المستحب.


1) في ص 12.

2) حكى في الحدائق 8 : 248 عن العلّامة في التذكرة [3 : 169] عن بعض علمائنا وجود القول بوجوب الثلاث ، فلعل احتياط المتن مبني على رعاية هذا القول.

3) الوسائل 6 : 302 / أبواب الركوع ب 5 ح 1.

والأولى أن يختم على وتر كالثلاث والخمس والسبع وهكذا (1) ، وقد سمع من الصادق (صلوات اللّه عليه) ستّون تسبيحة في ركوعه وسجوده.


وأمّا قصد الخصوصية أي الإتيان بالزائد بعنوان الوظيفة المقرّرة في هذه الحالة لا بعنوان مطلق الذكر الّذي هو حسن على كلّ حال فدلّ عليه النصوص الدالّة على استحباب إطالة الركوع والسجود وإكثار الذكر فيهما ، التي منها موثقة سماعة قال عليه‌السلام فيها : «ومن كان يقوى على أن يطوّل الركوع والسجود فليطوّل ما استطاع يكون ذلك في تسبيح اللّه وتحميده وتمجيده ، والدُّعاء والتضرّع ، فإنّ أقرب ما يكون العبد إلى ربّه وهو ساجد» (1).

(1) على المشهور ، وكأنّه لما في بعض نصوص الباب من أنّ «الفريضة من ذلك تسبيحة ، والسنة ثلاث والفضل في سبع» (2)حيث لم يتعرّض للاشفاع ، المؤيّد بما ورد من أنّ اللّه سبحانه وتر يحب الوتر (3).

لكن في صحيح أبان بن تغلب قال : «دخلت على أبي عبد اللّه عليه‌السلام وهو يصلِّي فعددت له في الركوع والسجود ستِّين تسبيحة» (4).

فربّما يتوهّم المنافاة بينها وبين استحباب الإيتار ، وقد تعرّض لذلك في الذكرى وقال : إنّ عدّ الستِّين لا ينافي الزيادة عليه (5). ولم يبيِّن وجه عدم


1) الوسائل 6 : 305 / أبواب الركوع ب 6 ح 4.

2) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 1 لكن السند مشتمل على القاسم بن عروة ولم يوثق.

3) الوسائل 1 : 436 / أبواب الوضوء ب 31 ح 2.

4) الوسائل 6 : 304 / أبواب الركوع ب 6 ح 1.

5) الذكرى 3 : 376.

[1592] مسألة 12 : إذا أتى بالذكر أزيد من مرّة لا يجب عليه تعيين الواجب منه ، بل الأحوط عدمه (1)خصوصاً إذا عيّنه في غير الأوّل لاحتمال كون الواجب هو الأوّل مطلقاً ، بل احتمال كون الواجب هو المجموع فيكون من باب التخيير بين المرّة والثلاث والخمس مثلاً (1).


المنافاة ، ولعلّه من أجل أنّ الراوي إنّما تعرّض لفعله وهو العدّ لا لفعل المعصوم عليه‌السلام ، إذ لم يقل إنّه سبّح ستِّين ، فلعلّ الصادر عنه عليه‌السلام كان بزيادة الواحدة ولو خفاءً ، إمّا قبل الستِّين المعدودة أو بعدها ولم يسمعها الراوي فلا تدل الصحيحة على عدم صدور الزائد كي تنافي استحباب الختم على الوتر.

وهكذا الحال في موثقة حمزة بن حمران والحسن بن زياد اللّذين عدّا تسبيحه عليه‌السلام فكان أربعاً أو ثلاثاً وثلاثين مرّة (2).

وكيف كان فلا تنافي في البين ، إلّا أنّ أصل الاستحباب بحيث إنّ السبع مثلاً أفضل من الثمان إلّا إذا زاد عليه واحدة مشكل ، لقصور ما عرفت عن إثباته كما لا يخفى. إلا أن يستند فيه إلى فتوى المشهور بناءً على كفايته في الحكم بالاستحباب.

(1) احتاط (قدس سره) حينئذ بعدم تعيين الواجب من بين الأفراد لا سيّما في غير الأوّل ، لاحتمال كون الواجب خصوص الأوّل أو المجموع من باب التخيير بين الأقل والأكثر ، وإنّما له التعيين لو كان الواجب واحداً لا بعينه مخيّراً في تطبيقه ولم يثبت.

هذا وقد ظهر لك بما قدّمناه في بحث التسبيحات الأربع في الركعتين


1) (*) لا بأس بقصد الوجوب في الذكر الأوّل وقد مرّ نظيره.

2) الوسائل 6 : 304 / أبواب الركوع ب 6 ح 2.

[1593] مسألة 13 : يجوز في حال الضرورة وضيق الوقت الاقتصار على الصغرى مرّة واحدة (1) فيجزئ «سبحان اللّه» مرّة.


الأخيرتين جواز قصد التعيين بالفرد الأوّل ، إذ المأمور به إنّما هو الطبيعي اللّابدية بشرط المساوق لصرف الوجود المنطبق بطبيعة الحال على أوّل الوجودات فانّ الانطباق قهري والإجزاء عقلي ، فيقع الزائد على صفة الاستحباب لا محالة.

وأمّا احتمال التخيير بين الأقل والأكثر فساقط ، لامتناعه عقلاً في الوجودات المستقلّة كما في المقام إلّا أن يكون الأقل ملحوظاً بشرط لا كما في القصر والتمام ، وهو مع اندراجه حينئذ في المتباينين كما لا يخفى غير محتمل في المقام.

(1) على المشهور ، ويمكن أن يستدل له بأحد وجهين :

الأوّل : مرسلة الصدوق في الهداية قال : «قال الصادق عليه‌السلام سبِّح في ركوعك ثلاثاً تقول سبحان ربِّي العظيم وبحمده إلى أن قال فان قلت سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه أجزأك ، وتسبيحة واحدة تجزي للمعتل والمريض والمستعجل» (1).

دلّت على كفاية الواحدة من الصغرى لدى المرض والاستعجال ، الظاهر في الاستعجال العرفي الّذي هو أعم من الاستعجال الشرعي ، نظير ما تقدّم في السورة من سقوطها لدى العجلة العرفية. وعليه فتدل على السقوط عند الضرورة وضيق الوقت بطريق أولى كما لا يخفى.

لكنّها كما ترى ضعيفة السند بالإرسال فلا تصلح للاستدلال حتّى بناءً على مسلك الانجبار لعدم العامل بها بالإضافة إلى الاستعجال.


1) المستدرك 4 : 437 / أبواب الركوع ب 16 ح 2 ، الهداية : 136.

.................................................................................................


الثاني : وهو العمدة ، صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «قلت له أدنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع والسجود؟ قال : تسبيحة واحدة» (1)، وهي من حيث السند صحيحة ، لما عرفت سابقاً من جواز العمل بما تفرد به محمّد بن عيسى العبيدي عن يونس بن عبد الرّحمن وإن لم يعمل به الصدوق ولا شيخه ، وقد مرّ الكلام عليه مستقصى (2).

وأمّا من حيث الدلالة فهي كالصريح في إرادة الصغرى من الواحدة بعد ضمّها بما رواه معاوية بن عمار نفسه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال «قلت : أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة؟ قال : ثلاث تسبيحات مترسّلاً تقول : سبحان اللّه سبحان اللّه سبحان اللّه» (3).

فانّا لو ضممنا إحدى الروايتين إلى الأُخرى وجعلناهما بمثابة رواية واحدة كانت الثانية قرينة قطعية على أنّ المراد من الواحدة في الأُولى خصوص الصغرى التي هي من سنخ الثلاث الصغريات المذكورات في الثانية. وينتج أنّ الأخف وما هو أقل الواجب ثلاث من الصغرى لغير المريض ، وواحدة منها للمريض كما هو واضح جدّاً بعد ملاحظة اتِّحاد الراوي والمروي عنه.

ومع الغض عن هذا الاستظهار وتسليم الإطلاق في الصحيحة الأُولى فقد يقال بمعارضته مع إطلاق ما دلّ على لزوم كون الواحدة لو اختار هي الكبرى الشامل للمريض وغيره ، كصحيحة زرارة «ما يجزي من القول في الركوع والسجود؟ فقال : ثلاث تسبيحات في ترسّل وواحدة تامّة تجزي» (4)


1) الوسائل 6 : 301 / أبواب الركوع ب 4 ح 8.

2) [وسيأتي في ص 193].

3) الوسائل 6 : 303 / أبواب الركوع ب 5 ح 2.

4) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 2.

.................................................................................................


وغيرها الدالّة على أنّ الواحدة المجزية هي التامّة ، أي الكبرى.

وليس تقييد الإطلاق الثاني بالأوّل أولى من العكس ، والنسبة عموم من وجه ، وبعد تساقط الإطلاقين فالمرجع إطلاق ما دلّ على عدم كفاية الواحدة من الصغرى.

لكن الظاهر تعيّن الأوّل ، إذ لا محذور فيه ، ولا مجال للعكس فان فيه محذوراً ، وهو لزوم إلغاء خصوصية المورد غير الخالي عن الاستهجان ، إذ لو قيّدنا صحيحة معاوية بهذه النصوص وحملنا الواحدة فيها على الكبرى لم يبق إذن فرق بين المريض وغيره ، وكان الأحرى حينئذ أن يقول في الجواب بأنّ المريض وغيره سواء ، لا أن يجيب بقوله عليه‌السلام «تسبيحة واحدة» الظاهر في تقريره على ما اعتقده من ثبوت الفرق بين المريض وغيره. فيلزم من التقييد المزبور إلغاء عنوان المرض وهو قبيح كما عرفت.

وهذا بخلاف تقييد هذه النصوص بالصحيحة ، فإن غايته حملها على غير المريض ولا ضير فيه ، فلا مناص من المحافظة على إطلاق الصحيحة ، ونتيجة ذلك أنّ المريض يمتاز عن غيره باجتزائه بالتسبيحة الواحدة مطلقاً وإن كانت هي الصغرى.

فظهر صحّة الاستدلال بالصحيحة سواء تمّ الاستظهار الّذي قدّمناه أم لا.

نعم ، قد يقال بأنّ موردها المريض ، ولا قائل باستثنائه بعنوانه فلا دليل على التعدِّي إلى مطلق الضرورة.

وفيه : ما لا يخفى ، لوضوح أنّ المريض المأخوذ في النص لا خصوصية فيه كي يكون ملحوظاً على وجه الصفتية والموضوعية ، فيسأل عن حكمه بما هو كذلك ، وإن كان قادراً على الثلاث الصغريات ، فان ذلك أظهر من أن يحتاج إلى السؤال سيّما من مثل معاوية بن عمار ، بل مناسبة الحكم والموضوع تقضي

[1594] مسألة 14 : لا يجوز الشروع في الذكر قبل الوصول إلى حدّ الركوع (1) ، وكذا بعد الوصول وقبل الاطمئنان والاستقرار ، ولا النهوض قبل تمامه والإتمام حال الحركة للنهوض ،


بأنّ ذكره من باب المثال ، وأنّ موضوع السؤال مطلق من يشق عليه الثلاث إمّا لمرض أو لغيره من سائر الضرورات كما هو الحال في قوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (1)إذ لا يحتمل سقوط الصوم عن مطلق المريض ولو كان علاجه الإمساك طول النهار ، أو فرض امتناعه عن استعمال المفطرات خلال اليوم بطبعه صام أم لم يصم فكما أنّ المراد من المريض هناك بمناسبة الحكم والموضوع من يشق عليه الصوم لا بما هو كذلك فكذا في المقام.

وعليه فالمستفاد من الصحيحة بعد إمعان النظر أنّ من لم يتمكّن من الثلاث إمّا لعجزه تكويناً وعدم قدرته عليه كما في ضيق الوقت حيث إنّ الإتيان بالثلاث مع فرض إيقاع الصلاة بتمامها في الوقت متعذِّر حسب الفرض ، أو لكونه مشقّة وعسراً عليه ، كما في موارد الضرورة أمّا لمرض أو غيره ، جاز له الاقتصار على الصغرى مرّة واحدة ، فما أفاده في المتن هو الصحيح.

(1) فانّ الذكر الواجب ظرفه ومحله بعد الوصول إلى حدّ الركوع وحصول الاطمئنان ، فالإتيان به كلّاً أو بعضاً قبل الوصول أو حال النهوض ، أو من غير استقرار يعد من الزيادة المبطلة إذا كان بقصد الجزئية فلا يجديه التدارك. نعم ، لا بأس به بقصد الذكر المطلق إذا تداركه بشرط بقاء محلّه ، لعدم صدق الزيادة حينئذ كما هو ظاهر ، هذا كلّه في صورة العمد.


1) البقرة 2 : 184.

فلو أتى به كذلك بطل وإن كان بحرف واحد منه ، ويجب إعادته إن كان سهواً ولم يخرج عن حدّ الركوع ، وبطلت الصلاة مع العمد وإن أتى به ثانياً مع الاستقرار ، إلّا إذا لم يكن ما أتى به حال عدم الاستقرار بقصد الجزئية بل بقصد الذكر المطلق.


وأمّا إذا كان ذلك عن سهو فلا إشكال في الصحّة ولزوم التدارك فيما إذا أتى به كلا أو بعضاً قبل الوصول إلى حدّ الركوع ثمّ تذكّر قبل الخروج عنه ، فان غايته وقوع الأوّل زائداً ، ولا بأس بالزيادة السهوية.

كما لا إشكال فيها من دون تدارك فيما إذا كان التذكّر بعد الخروج عن حدّ الركوع ، لعدم إمكان التدارك حينئذ ، فإن أقصى ما هناك وقوع الخلل سهواً في جزء غير ركني وهو الذكر وهو محكوم بالصحّة بمقتضى حديث لا تعاد.

إنّما الكلام فيما إذا أتى به حال الركوع غير مستقر ثمّ تذكّر قبل الخروج عن حدّه ، فهل يجب التدارك حينئذ بإعادة الذكر مستقراً أم لا ، بعد الفراغ عن صحّة الصلاة؟

قد يقال بالثاني ، نظراً إلى أنّ الاستقرار واجب مستقل حال الاشتغال بالذكر الواجب ، وقد فات محله لحصول الذكر وسقوط الأمر ، والشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه لامتناع إعادة المعدوم ، فلو أعاد فهو ذكر مستحب لا واجب فيمتنع التدارك.

نعم ، بناءً على اعتبار الاطمئنان في الذكر وكونه شرطاً فيه لا أنّه واجب مستقل لزمت الإعادة ، لعدم حصول الواجب وقتئذ ، لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، إلّا أنّ المبنى غير ثابت ، ومقتضى الأصل البراءة عن الإعادة. وقد أشار الماتن إلى ذلك في مبحث الخلل.

.................................................................................................


أقول : الظاهر وجوب الإعادة على التقديرين ، ولا أثر للمبنيين في المقام ، لما قدّمناه في بحث القراءة الفاقدة للقيام من أنّ فرض الارتباطية بين الأجزاء مساوق لفرض التقييد والاشتراط ، فكل جزء مشروط بمسبوقيته بالجزء أو الشرط المتقدِّم عليه ، وبملحوقيته بالمتأخِّر عنه ، وبمقارنته بما يعتبر في تلك الحال قضاءً للارتباطية الملحوظة بين الأجزاء. فمثلاً القراءة المأمور بها في الصلاة هي حصّة خاصّة منها ، وهي المسبوقة بالتكبير والملحوقة بالركوع والمقارنة للستر والاستقبال ونحوهما ، وهكذا الحال في سائر الأجزاء.

وعليه فالذكر الواجب في الركوع هو خصوص ما يقع مقارناً للاطمئنان ، فهو مقيّد به لا محالة ، والاستقرار معتبر فيه بطبيعة الحال ، سواء بنينا على ظهور دليله في الاعتبار فيه وكونه شرطاً أم بنينا على ظهوره في كونه جزءاً مستقلا للصلاة غير معتبر في الذكر ، فانّ الاعتبار والتقييد مستفاد ممّا دلّ على مراعاة الارتباطية بين أجزاء المركّب كما عرفت.

ونتيجة ذلك : أنّ ما صدر منه من الذكر العاري عن الاستقرار لم يكن مصداقاً للذكر الواجب ، فلا مناص من تداركه وإعادته مع بقاء المحل كما هو المفروض ، هذا.

بل يجب التدارك حتّى مع الغض عن هذا البيان ، وذلك لقيام الدليل على اعتبار الاستقرار في الذكر مطلقاً وهو قوله عليه‌السلام في صحيحة الأزدي : «إذا ركع فليتمكّن» التي مرّ التعرّض لها عند التكلّم في الواجب الثالث من واجبات الركوع (1)حيث أشرنا هناك إلى أنّ هذه الصحيحة كما تدل بالمطابقة على اعتبار الاستقرار في الجملة في الركوع المأمور به تدل بالالتزام على اعتباره في الذكر ، لوضوح أنّ محل الذكر وظرفه إنّما هو الركوع المأمور به ، فاذا كان


1) في ص 23.

[1595] مسألة 15 : لو لم يتمكّن من الطمأنينة لمرض أو غيره سقطت لكن يجب عليه إكمال الذكر الواجب قبل الخروج عن مسمّى الركوع ، وإذا لم يتمكّن من البقاء في حدّ الركوع إلى تمام الذكر يجوز له الشروع (1)قبل الوصول أو الإتمام حال النهوض (1).


هذا الركوع متقيِّداً بالاستقرار بمقتضى هذه الصحيحة فلا بدّ من استمرار الاستقرار وإبقائه بمقدار يقع الذكر الواجب فيه قضاءً للظرفية ، فتدل لا محالة بالدلالة الالتزامية على اعتباره في الذكر أيضاً ، وحيث إنّه إرشاد إلى الشرطية فمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي العمد والسهو ، وعليه فمع الإخلال به ولو سهواً لم يتحقّق الذكر الواجب فلا بدّ من إعادته وتداركه.

وعلى الجملة : فليس الدليل على اعتبار الاستقرار منحصراً في الإجماع كي يقال إنّ المتيقّن منه حال الاختيار فلا يعم النسيان ، بل الدليل اللفظي المتضمِّن للإطلاق الشامل لكلتا الحالتين موجود كما عرفت ، فلا مجال للرجوع إلى الأصل العملي الّذي مقتضاه البراءة عن الاعتبار في حال النسيان.

(1) قد عرفت أنّ الواجب في الركوع الذكر والاطمئنان حاله ، فان تمكن منهما فلا كلام ، وإن تعذّر الثاني سقط وجوبه للعجز ، ولا موجب لسقوط الأوّل بعد القدرة عليه ، فانّ الصلاة بمالها من الأجزاء لا تسقط بحال.

فلا بدّ من الإتيان به على حسب وظيفته وطاقته. وحينئذ فان تمكن من الإتيان به بتمامه في حال الركوع وقبل الخروج عن مسمّاه وإن كان مضطرباً وجب لما عرفت ، وإن لم يتمكّن لعجزه عن البقاء في حدّ الركوع إلى تمام الذكر


1) (*) كما يجوز له الاكتفاء بتسبيحة صغرى مرّة واحدة ، وإن لم يتمكّن من ذلك أيضاً لا يبعد سقوطه.

[1596] مسألة 16 : لو ترك الطمأنينة في الركوع أصلاً بأن لم يبق في حدّه بل رفع رأسه بمجرّد الوصول سهواً (1) فالأحوط (1)إعادة الصلاة لاحتمال توقّف صدق الركوع على الطمأنينة في الجملة ، لكن الأقوى الصحّة.


فقد ذكر في المتن أنّه يتخيّر بين الشروع قبل الوصول إلى حدّ الركوع وإتمامه فيه ، وبين الشروع فيه وإتمامه حال النهوض لعدم الترجيح بين الأمرين.

وهذا منه (قدس سره) مبني على تمامية قاعدة الميسور ، فانّ الواجب عليه أوّلاً الإتيان بتمام الذكر حال الركوع ، فمع العجز يأتي بما تيسّر منه حاله والباقي خارجه إمّا قبله أو بعده ، أو بالتلفيق بأن يأتي مقداراً قبله ومقداراً فيه ومقداراً بعده لما عرفت من عدم الترجيح.

إلّا أنّ المبنى غير صحيح ، فإنّ القاعدة غير تامّة عندنا كما مرّ غير مرّة.

وعليه فالأقوى سقوط وجوب الذكر التام حينئذ ، لمكان العجز وجواز الاقتصار على الناقص وهي الواحدة من الصغرى ، لما تقدّم في المسألة الثالثة عشرة من الاكتفاء بها لدى الضرورة ، لاندراج المقام في كبرى تلك المسألة كما لا يخفى. فلا يجب عليه الشروع قبله ولا الإتمام بعده ، بل يأتي بالواحدة حال الركوع ، ولو لم يتمكّن منها أيضاً سقط لمكان العجز.

(1) احتمل (قدس سره) حينئذ وجهين :

أحدهما : أن يكون ذلك من نسيان الذكر والطمأنينة بعد تحقّق أصل الركوع وبما أنّ المنسي جزء غير ركني ولا يمكن تداركه لاستلزام زيادة الركن يحكم بصحّة الصلاة لحديث لا تعاد.


1) (*) بل الأظهر ذلك.

.................................................................................................


ثانيهما : أن يكون ذلك من نسيان الركوع ، لاحتمال توقف صدقه على الاطمئنان في الجملة المقتضي لإعادة الصلاة ، وقد اختار (قدس سره) الأوّل وإن احتاط في الثاني.

أقول : لا ينبغي الشك في صدق الركوع العرفي بمجرد ذلك ، لعدم احتمال دخل الاستقرار في مفهومه ، ولا ينافي هذا ما قدّمناه في بعض المباحث السابقة (1)من اعتباره آناً ما في الصدق ، ورتبنا عليه عدم تحقّقه لو هوى إليه ثمّ ذهل فترك الاستقرار فيه حتّى هنيئة واستمرّ في هويّه إلى السجود ، للفرق الواضح بينه وبين المقام ، إذ لم تتحقّق الهيئة الركوعية هناك المتقوّمة حينئذ بالمكث آناً ما قبال استرساله في الهوي. وأمّا في المقام فقد تحقّقت تلك الهيئة وأخذت حدّها بمجرّد رفع الرأس ولو من غير مكث.

والحاصل : أنّ الهيئة الخاصّة المقوّمة لمفهوم الركوع يحقِّقها أحد أمرين : إمّا المكث آناً ما ، أو رفع الرأس وإن لم يمكث أصلاً ، فالركوع بما له من المفهوم العرفي متحقِّق في المقام بلا كلام ، وحينئذ فان بنينا على المسلك المشهور من انحصار الدليل على اعتبار الاستقرار بالإجماع ، فبما أنّه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال العمد والاختيار ، فلا دليل على اعتباره لدى السهو فيتمسّك بإطلاق دليل الركوع أو أصالة البراءة عن التقييد ، فيكون الركوع الصادر منه صحيحاً مجزياً ، غايته أنّه ترك الذكر سهواً ولا ضير فيه بعد أن لم يكن ركناً كما تقدّم.

وأمّا بناءً على المختار من الاستناد إلى الدليل اللّفظي وهو قوله عليه‌السلام في صحيحة الأزدي المتقدِّمة (2)«إذا ركع فليتمكّن» فمقتضاه البطلان في المقام


1) في ص 53.

2) في ص 23.

[1597] مسألة 17 : يجوز الجمع بين التسبيحة الكبرى والصغرى وكذا بينهما وبين غيرهما من الأذكار (1).

[1598] مسألة 18 : إذا شرع في التسبيح بقصد الصغرى يجوز له أن يعدل في الأثناء إلى الكبرى (2) مثلاً إذا قال : «سبحان» بقصد أن يقول :


إذ قد عرفت سابقاً أنّ المستفاد من الصحيحة دخل التمكّن في الجملة في ماهية الركوع الشرعي كدخل الانحناء إلى أن تبلغ أصابعه الركبتين وإن لم يعتبر شي‌ء منهما في صدق الركوع العرفي ، وحيث إنّه إرشاد إلى الاشتراط فمقتضى الإطلاق عدم الفرق بين السهو والعمد ، والاختيار والاضطرار.

وعليه فالإخلال به وكون ركوعه نقراً كنقر الغراب كما في المقام مانع عن تحقّق الركوع الشرعي ، فيكون الإخلال به ولو سهواً إخلالاً بالركوع لا محالة فيحكم بالبطلان بمقتضى عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، هذا ولا مجال للتدارك بإعادة الركوع للزوم زيادة الركن ، إذ ليس المراد بها زيادة الركوع المأمور به بما هو مأمور به ، لعدم تصوير الزيادة بهذا العنوان كما لا يخفى ، بل زيادة مسمّى الركوع ولو العرفي منه الحاصلة بالإعادة والتدارك ، فالأقوى هو الحكم بالبطلان لفقد الركوع وعدم سبيل للتدارك.

(1) لإطلاق الدليل ، إذ لم يقيّد الذكر الواجب بعدم اقترانه بالزائد كي يكون بالإضافة إليه ملحوظاً بشرط لا ، بل المأمور به هو الطبيعي لا بشرط ، فيقع الباقي على صفة الاستحباب ، لا لمجرد اندراجه في عموم الذكر المطلق ، بل لاستحبابه في الركوع بخصوصه لما تقدّم (1)من الأمر بذلك بالخصوص ، واستحباب إطالة الركوع.

(2) كما هو مقتضى القاعدة في كل ما كان المأمور به هو الطبيعي الجامع


1) في ص 57.

«سبحان اللّه» فعدل وذكر بعده «ربِّي العظيم» جاز ، وكذا العكس ، وكذا إذا قال : «سبحان اللّه» بقصد الصغرى ثمّ ضمّ إليه «والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر» ، وبالعكس.

[1599] مسألة 19 : يشترط في ذكر الركوع العربية والموالاة (1) وأداء الحروف من مخارجها الطبيعية ، وعدم المخالفة في الحركات الإعرابية والبنائية.

[1600] مسألة 20 : يجوز في لفظة «ربِّي العظيم» أن يقرأ بإشباع كسر


بين الأمرين أو الأُمور ، فإنّه لا دليل على تعيّن الجامع بمجرد الشروع فيما اختار ما لم يفرغ عنه.

ومن هنا ذكرنا (1)أنّ في مواطن التخيير لو شرع في الصلاة بنيّة القصر وبعد الركعتين بدا له العدول إلى التمام جاز له ذلك ، إذ المأمور به هو الطبيعي الجامع فقبل التجاوز عن الحدّ المشترك صالح للانطباق على كل من الفردين ، ولا دليل على التعيّن بمجرّد القصد إلى أحدهما. وعليه ففي المقام لو قال : سبحان بقصد أن يقول سبحان اللّه ثمّ عدل بعد النون من سبحان إلى ربِّي العظيم وكذا العكس جاز.

(1) لانصراف الدليل إلى أداء تلك الألفاظ على النهج العربي الصحيح ، فلا تكفي الترجمة إلى لغة أُخرى ولا الفصل الطويل بين الكلمات المخل بالموالاة أو أدائها عن غير مخارجها ، أو مخالفة الحركات الإعرابية والبنائية لعدّ ذلك من الغلط في الكلام العربي ، وقد مرّ كل ذلك في بحث القراءة.


1) شرح العروة 20 / المسألة [2358].

الباء من «ربِّي» وعدم إشباعه (1)(1).

[1601] مسألة 21 : إذا تحرّك في حال الذكر الواجب بسبب قهري بحيث خرج عن الاستقرار وجب إعادته (2)(2) بخلاف الذكر المندوب.


(1) يريد (قدس سره) بالإشباع وعدمه إظهار ياء المتكلِّم وإسقاطه ، فإنّه جائز الوجهين كما ورد بهما في الذكر الحكيم قال تعالى ( إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) (3)وقال تعالى ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) (4).

وليس المراد الإشباع الاصطلاحي كما لعلّه الظاهر من العبارة بأن يشبع كسر الباء على نحو يتولّد منه الياء المستلزم بعد ضمّه بياء المتكلِّم نوع مد في مقام التلفظ والأداء ، إذ ليس المقام من موارد الإشباع بهذا المعنى كما لا يخفى ، فلا دليل على جواز زيادة الحرف لو لم يكن ملحقاً بالغلط.

(2) لما قدّمناه (5)من دلالة صحيحة الأزدي بالالتزام على اعتبار الاستقرار في الذكر وتقيده به ، حيث عرفت أنّه إرشاد إلى الشرطية ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي العجز والاختيار ، فحيث إنّ الإخلال بالشرط إخلال بالمشروط لا بدّ من الإعادة والتدارك بعد فرض بقاء المحل ، بل مقتضى ذلك عدم الفرق بين الذكر الواجب والمندوب إذا كان بقصد الخصوصية لا الذكر المطلق كما نبّهنا عليه هناك.


1) (*) جواز الإشباع بالمعنى المعروف مشكل.

2) (**) على الأحوط.

3) الفرقان 25 : 30.

4) البقرة 2 : 258.

5) في ص 23.

[1602] مسألة 22 : لا بأس بالحركة اليسيرة التي لا تنافي صدق الاستقرار (1) وكذا بحركة أصابع اليد أو الرجل بعد كون البدن مستقرّا.

[1603] مسألة 23 : إذا وصل في الانحناء إلى أوّل حدّ الركوع فاستقرّ وأتى بالذكر أو لم يأت به ثمّ انحنى أزيد بحيث وصل إلى آخر الحد لا بأس به ، وكذا العكس ولا يعدّ من زيادة الركوع ، بخلاف ما إذا وصل إلى أقصى الحد ثمّ نزل أزيد ثمّ رجع فإنّه يوجب زيادته (1)فما دام في حدِّه يُعدّ ركوعاً واحداً وإن تبدّلت الدرجات منه (2).


نعم ، بناءً على المسلك المشهور من الاستناد في الاعتبار إلى الإجماع ، فحيث إنّه دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال الاختيار فلا دليل على الاعتبار لدى العجز والاضطرار ، فيرجع إلى أصالة البراءة على ما هو الشأن في الأقل والأكثر الارتباطيين. فالحركة الناشئة عن السبب القهري إنّما تقدح على المبنى المختار لا على مسلك المشهور.

(1) فانّ المدار في صدق التمكّن والاستقرار المأخوذين في النص ومعاقد الإجماعات هو العرف ، ولا شك أنّ الحركة اليسيرة غير قادحة في الصدق العرفي ، كما أنّ العبرة في نظرهم باستقرار معظم البدن ، فلا يقدح تحريك أصابع اليد أو الرجل ، بل نفس اليد ما لم يستلزم تحريك البدن.

(2) قد عرفت أنّ الركوع هو الانحناء إلى حد خاص ، وحيث إنّ ذاك الحد له مراتب ودرجات ، فلو استقرّ في أوّل الحد سواء أتى بالذكر أم لا ثمّ انحنى


1) (*) ليس هذا من زيادة الركور. نعم لو فعله عمداً بطلت الصلاة من ناحية عدم اتِّصال القيام بعد الركوع به ومن ناحية الإخلال بالذكر إذا كان قبل إتمامه.

.................................................................................................


إلى آخره فهو انتقال من مرتبة إلى أُخرى وتبدل في الدرجة ، وليس من زيادة الركوع في شي‌ء كما هو ظاهر ، بل المجموع ركوع واحد. هذا إذا لم يتجاوز الحدّ وأمّا إذا وصل إلى أقصاه ثمّ نزل أزيد بحيث جاوز الحد ثمّ رجع ، فقد حكم في المتن باستلزامه زيادة الركوع.

وهو كما ترى ، لتقوّم الركوع بالانحناء عن القيام لا مجرّد تلك الهيئة ، وهذا لم يتكرّر في المقام كي يوجب تعدّد الركوع ، بل غايته العود إلى الهيئة الركوعية وهذا بمجرّده لا ضير فيه كما لا يخفى.

نعم ، الأقوى هو البطلان في المقام ، لا لزيادة الركوع ، بل للإخلال بالقيام الواجب بعد الركوع عامداً ، لما تقدّم (1)من أنّ الواجب في هذا القيام أن يكون عن ركوع لا مطلق كونه بعد الركوع ، ولذا ذكرنا أنّه لو جلس عن ركوعه ثمّ استقام لم يكن مجزياً بلا كلام.

وعليه ، فما دام كونه في الحد وإن تبدّلت درجته يصدق على القيام الواقع بعده أنّه قيام عن الركوع ، وأمّا إذا جاوز الحد وتخلّل الفصل وإن رجع ومكث فلا يصدق عليه هذا العنوان ، بل يصح أن يقال إنّه قام عن انحناء غير ركوعي إذ بالخروج عن الحدّ انعدمت تلك الهيئة المسبوقة بالقيام التي كانت هي الركوع وبالعود حصلت هيئة أُخرى مشابهة لها لا نفسها ، ولذا قلنا آنفاً إنّه ليس من زيادة الركوع ، فالقيام الحاصل بعده لا يكون من القيام عن ركوع ، وبما أنّ الإخلال عمدي كما هو المفروض ولا يمكن تداركه ، لاستلزام زيادة الركن فلا مناص من الحكم بالبطلان لهذه العلّة ، وللإخلال بالذكر الواجب إن كان ذلك قبل استكماله.


1) في ص 53.

[1604] مسألة 24 : إذا شكّ في لفظ «العظيم» مثلاً أنّه بالضاد أو بالظاء (1) يجب عليه ترك الكبرى والإتيان بالصغرى ثلاثاً أو غيرها من الأذكار ، ولا يجوز له أن يقرأ بالوجهين ، وإذا شكّ في أنّ «العظيم» بالكسر أو بالفتح يتعيّن عليه أن يقف عليه ، ولا يبعد عليه جواز قراءته وصلاً بالوجهين (2) لإمكان أن يجعل العظيم مفعولاً لأعني مقدّراً.


(1) بناءً على اختلاف مخرجي الضاد والظاء وأنّهما حرفان كما هو المشهور فإذا شكّ في لفظ العظيم أنّه بأيّ الوجهين وجب ترك الكبرى والإتيان بالصغرى ثلاثاً ، إذ لو اقتصر على أحدهما لم يحرز الامتثال ، ولو جمع بينهما لزمت الزيادة العمدية في غير ما هو الصحيح منهما ، اللّهمّ إلّا أن يأتي بها رجاءً وبقصد الجزئية بما هو الصحيح واقعاً ، فيقع الآخر ذكراً مطلقاً بناءً على جوازه وإن لم يقع بالعربي الصحيح.

وأمّا إذا شكّ في إعراب العظيم وأنّه بالكسر أو بالفتح تعيّن الوقف حينئذ لعدم إحراز الامتثال بدونه.

(2) أي بكل واحد منهما ، فله الاقتصار على أحدهما كما لعلّه الظاهر من العبارة ولا يلزم الجمع بينهما ، وعلّله (قدس سره) بإمكان أن يجعل العظيم مفعولاً لأعني مقدّراً.

أقول : تقدير العامل وإن أوجب صحّة الكلام في لغة العرب ، لما ذكره علماء الأدب من جريان الوجوه الثلاثة في الصفة بتبعيّتها للموصوف ، والنصب بتقدير أعني ، والرفع خبراً لمبتدإ محذوف ، إلّا أنّك عرفت في بحث القراءة أنّ المأمور به في الصلاة ليس مطلق الإتيان باللّفظ العربي على النهج الصحيح ، بل بخصوص الكيفية النازلة على ما هي عليه ، وعليه ففي المقام يجب الإتيان بهذا الذكر على

[1605] مسألة 25 : يشترط في الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه والأفضل الزيادة على ذلك بحيث يساوي مسجده ولا يجب فيه على الأصح الانتصاب على الركبتين شبه القائم ثمّ الانحناء وإن كان هو الأحوط (1).


النحو الوارد المقرّر في الشرع المشتمل على كيفية خاصّة لا مطلقاً وإن كان صحيحاً ، وحيث إنّها مشكوكة حسب الفرض فلا مناص من الوقف أو الترك واختيار الثلاث من الصغرى فليتأمّل.

(1) المعروف والمشهور بينهم أنّه يعتبر في تحقّق الركوع الجلوسي أن ينحني بحيث يساوي وجهه ركبتيه ، بأن تكون نسبة هذا الانحناء إلى القاعد المنتصب كنسبة الراكع عن قيام إلى القائم المنتصب.

وعن بعضهم عدم كفاية هذا المقدار ، بل لا بدّ وأن يكون انحناؤه على نحو يساوي وجهه مسجده ، بحيث لو نهض على تلك الكيفية إلى حدِّ الركوع القيامي لا يحتاج في تحقّق الركوع الشرعي منه إلى مزيد الانحناء ، وتكون يداه واصلتين إلى الركبة أو ما فوقها ، والوجه في اعتبار ذلك إطلاق ما دلّ على تحديد الركوع الشرعي ، فإنّ الجالس وإن كانت تبلغ يداه إلى ذاك الحدّ حتّى قبل الانحناء إلّا أنّه حيث كان طريقاً إلى مقدار الانحناء فلا بدّ من رعايته قائماً وجالسا.

ولكن الأظهر كفاية الحد الأوّل ، لصدق الركوع عليه حقيقة فتشمله الإطلاقات وما دلّ على التحديد بذاك الحد فإنّما هو بالنسبة إلى الركوع القيامي ، فلا دليل على التحديد بالنسبة إلى الركوع الجلوسي ، فتكون الإطلاقات محكّمة.

كما لا دليل يعتد به على ما حكي عن جماعة من أنّه يجب فيه قبل الانحناء الانتصاب على الركبتين شبه القائم ، فإنّهم استدلّوا لذلك أوّلاً بأنّ انتصاب

[1606] مسألة 26 : مستحبّات الركوع أُمور (1) :

أحدها : التكبير له وهو قائم منتصب ، والأحوط عدم تركه ، كما أنّ الأحوط عدم قصد الخصوصية ، إذا كبّر في حال الهوي أو مع عدم الاستقرار.

الثاني : رفع اليدين حال التكبير على نحو ما مرّ في تكبيرة الإحرام.

الثالث : وضع الكفّين على الركبتين مفرجات الأصابع ممكّناً لهما من عينيهما واضعاً اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى.

الرابع : ردّ الركبتين إلى الخلف.

الخامس : تسوية الظهر بحيث لو صبّ عليه قطرة من الماء استقرّ في مكانه لم يزل.

السادس : مدّ العنق موازياً للظهر.


الفخذين كان معتبراً في الركوع القيامي فلا بدّ من مراعاته في الركوع الجلوسي أيضاً ، لعدم الدليل على اختصاصه بذلك ، بل إطلاق الدليل شامل لكلتا الحالتين.

وثانياً : أنّه أقرب إلى الركوع القيامي من إتيانه بدون انتصاب فيكون ميسوراً له.

وكلا الوجهين كما ترى ، فانّ الدليل الدال على اعتباره إنّما هو بالنسبة إلى حال الركوع القيامي ، وقاعدة الميسور ممنوعة كبرى وصغرى ، ولا قصور في شمول إطلاقات الركوع للفاقد للانتصاب ، بل إنّ الركوع مع الانتصاب لعلّه يعد من الغرائب وغير مأنوس عند المتشرِّعة ، وعليه فلا ينبغي الشك في كفاية الانحناء من دون انتصاب.

(1) ذكر (قدس سره) في هذه المسألة والمسألة التي بعدها جملة من مستحبّات الركوع ومكروهاته ولا موجب للتعرّض لها ، لوضوحها سوى ما ذكره (قدس سره)

السابع : أن يكون نظره بين قدميه.

الثامن : التجنيح بالمرفقين.

التاسع : وضع اليد اليمنى على الركبة قبل اليسرى.

العاشر : أن تضع المرأة يديها على فخذيها فوق الركبتين.

الحادي عشر : تكرار التسبيح ثلاثاً ، أو خمساً ، أو سبعاً ، بل أزيد.

الثاني عشر : أن يختم الذكر على وتر.

الثالث عشر : أن يقول قبل قوله «سبحان ربِّي العظيم وبحمده» : «اللّهمّ لك ركعت ، ولك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكّلت وأنت ربِّي خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلّت قدماي غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر».

الرابع عشر : أن يقول بعد الانتصاب «سمع اللّه لمن حمده» بل يستحب أن يضم إليه قوله : «الحمد لله ربّ العالمين أهل الجبروت والكبرياء والعظمة الحمد لله ربّ العالمين» إماماً كان أو مأموماً أو منفردا.

الخامس عشر : رفع اليدين للانتصاب منه ، وهذا غير رفع اليدين حال التكبير للسجود.

السادس عشر : أن يصلِّي على النبيّ وآله بعد الذكر أو قبله.

[1607] مسألة 27 : يكره في الركوع أُمور :

أحدها : أن يطأطئ رأسه بحيث لا يساوي ظهره ، أو يرفعه إلى فوق كذلك.

الثاني : أن يضم يديه إلى جنبيه.

الثالث : أن يضع إحدى الكفّين على الأُخرى ويدخلهما بين ركبتيه ، بل الأحوط اجتنابه.

الرابع : قراءة القرآن فيه.

الخامس : أن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقاً لجسده.


في أوّل المستحبّات وهو التكبير للركوع وهو قائم منتصب. ويظهر منه (قدس سره) أنّ المستحب هو التكبير في حال الانتصاب ، لا أنّ المستحب هو مطلق التكبيرة ولو حال الهوي ، ويكون إيقاعها حال الانتصاب مستحبّاً آخر ، وذلك حيث احتاط بعدم تركه وأنّ الأحوط عدم قصد الخصوصية إذا كبّر حال الهوي أو مع عدم الاستقرار.

وكيف ما كان فالأقوال في المسألة ثلاثة :

أحدها : وهو المشهور ، استحباب إتيان التكبيرة قائماً قبل الركوع ، حتّى ذكر بعضهم أنّه لو أتى بها في حال الهوي أثم بل بطلت صلاته وإن كان ذلك في حيِّز المنع كما لا يخفى.

ثانيها : استحباب إتيانها قبله ولو في حال الهوي ، وإن كان الأفضل إتيانها منتصبا.

ثالثها : وجوب إتيانها منتصباً قبل الركوع كما عن السيِّد المرتضى (1)والديلمي (2)والعماني (3).


1) الانتصار : 147 ، وحكاه عنه في المختلف 2 : 188 المسألة 106.

2) المراسم : 69.

3) حكاه عنه في المختلف 2 : 187 المسألة 105.

.................................................................................................


أمّا الوجوب ، فمستنده صحاح أربع : إحداها : صحيحة حماد ، وثلاث صحاح لزرارة.

ففي صحيحة حماد «رفع يديه حيال وجهه وقال : اللّه أكبر وهو قائم ثمّ ركع» وقد ورد في ذيلها «هكذا صلّ يا حماد» ، المتضمِّن للأمر الظاهر في الوجوب (1). وفي إحدى صحاح زرارة «إذا أردت أن تركع فقل وأنت منتصب اللّه أكبر ثمّ اركع» (2). وفي الأُخرى «فارفع يديك وكبِّر ثمّ اركع» (3)وفي الثالثة «إذا كنت إماماً أو وحدك ، فقل : سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه ثلاث مرّات تكمله تسع تسبيحات ثمّ تكبِّر وتركع» (4).

فإنّها كما ترى ظاهرة في وجوب التكبير قائماً ولو بعد تقييد إطلاق الصحيح الأخير لو كان له إطلاق بما تقدّمه من الصحاح.

وبإزاء هذه الروايات روايات أُخر صريحة في استحباب هذا التكبير وبها ترفع اليد عن ظاهر تلك الصحاح وتحمل على أصل الرجحان.

منها : رواية أبي بصير المعبّر عنها في مصباح الفقيه بالموثقة (5)، قال : «سألته عن أدنى ما يجزي في الصلاة من التكبير؟ قال : تكبيرة واحدة» (6)فإنّها صريحة في أنّ التكبير الواجب في الصلاة إنّما هي تكبيرة واحدة لا غير ، وليس هي إلّا تكبيرة الإحرام للمفروغية عن وجوبها.


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1 ، 2.

2) الوسائل 6 : 295 / أبواب الركوع ب 1 ح 1.

3) الوسائل 6 : 296 / أبواب الركوع ب 2 ح 1.

4) الوسائل 6 : 122 / أبواب القراءة في الصلاة ب 51 ح 1.

5) مصباح الفقيه (الصلاة) : 334 السطر 15.

6) الوسائل 6 : 10 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 1 ح 5.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة زرارة قال «قال أبو جعفر عليه‌السلام : إذا كنت كبّرت في أوّل صلاتك بعد الاستفتاح بإحدى وعشرين تكبيرة ثمّ نسيت التكبير كلّه أو لم تكبِّر أجزأك التكبير الأوّل عن تكبير الصلاة كلّها» (1)فانّ الاجتزاء بما يأتي به في مفتتح صلاته من التكبيرات المقرّرة في محلّها آية عدم كون تلك التكبيرات المقرّرة ومنها تكبيرة الركوع بواجبة ، وإلّا لما جاز تركها إلّا إذا كانت واجبة بالوجوب التخييري بينها وبين الإتيان في مفتتح الصلاة وهو خلاف المفروض ، ولم يدّعه أحد أيضا.

ومنها : رواية الفضل بن شاذان في حديث «... فلمّا أن كان في الاستفتاح الّذي هو الفرض رفع اليدين أحب اللّه أن يؤدّوا السنة على جهة ما يؤدّى الفرض» (2). فإنّها صريحة في أنّ الفرض إنّما هو تكبيرة الإحرام وما عداها سنّة مستحبّة ، فتكون هذه الروايات قرينة على عدم إرادة ظاهر تلك الصحاح من الوجوب ، بل الثابت أصل الرجحان. وبما أنّ الصحيحة الثالثة من صحاح زرارة مطلقة شاملة لحال الهوي ، وما عداها مقيّدة بحال الانتصاب ، ومن المعلوم عدم جريان قانون حمل المطلق على المقيّد في باب المستحبّات ، فلا محالة يكون أصل التكبيرة ولو في حال الهوي مستحبّاً ، وإتيانها حال الانتصاب أفضل الأفراد ، كما هو القول الثاني.

هذا ، ولكن للمناقشة في هذه الروايات سنداً أو دلالة ، أو هما معاً مجال واسع فلا تصلح لأن تكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر من تلك الصحاح لترفع اليد عنها.

أمّا رواية أبي بصير ، ففيها أوّلاً : أنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سنان ، إذن


1) الوسائل 6 : 19 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 6 ح 1.

2) الوسائل 6 : 29 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 9 ح 11.

.................................................................................................


فتعبير المحقِّق الهمداني (قدس سره) عنها بالموثقة في غير محله.

وثانياً : ما ذكره المحقِّق المزبور (قدس سره) من استبعاد أن يكون السؤال ناظراً إلى الاستفهام عن حال التكبيرات المستقلّة المشروعة في الصلاة في مواضع مختلفة من أنّها هل هي بأسرها واجبة ، أو أنّه يجوز ترك بعضها لعدم وقوع التعبير عن ذلك بمثل هذه العبارة. مضافاً إلى أنّه لا يجديه حينئذ الجواب بأنّها واحدة أو اثنتان أو ثلاث في تمييز واجبها عن غيره حتّى تترتّب عليه ثمرة عملية. فالظاهر أنّ المسئول عنه هو أدنى ما يجزي من التكبير في افتتاح الصلاة ، لا في مجموعها كي يعم مثل تكبير الركوع والسجود (1).

ويؤيِّد ذلك : صحيح زرارة حيث قيّد فيه بالتكبيرات الافتتاحية قال : «أدنى ما يجزي من التكبير في التوجّه تكبيرة واحدة وثلاث تكبيرات أحسن وسبع أفضل» (2).

وأمّا صحيحة زرارة ، فهي قويّة السند ظاهرة الدلالة ، إلّا أنّ هذا على رواية الصدوق (3)، ولكن الشيخ في التهذيب (4)ذكرها بعنوان «ولم تكبِّر» بالعطف بالواو لا بأو. وعليه فيكون الحكم بالإجزاء مختصّاً بفرض النسيان ولا يشمل فرض العمد كي يستفاد منه الاستحباب ، وبما أنّه لم يعلم الصواب منهما وأنّ الصادر منه عليه‌السلام أيّهما ، فلا محالة تكون الرواية مجملة غير صالحة للاستدلال بها.


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 334 السطر 15.

2) الوسائل 6 : 11 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 1 ح 8.

3) الفقيه 1 : 227 / 1002.

4) التهذيب 2 : 144 / 564.

.................................................................................................


وأمّا رواية الفضل ، فهي من حيث الدلالة وإن لم يكن بها بأس (1)، إلّا أنّها من حيث السند ضعيفة ، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل.

فظهر أنّه ليس هناك ما يوجب أن يرفع اليد به عن ظواهر تلك الصحاح بل هي باقية على حجّيتها ، ولذا مال صاحب الحدائق (2)إلى الوجوب لولا قيام الإجماع على عدمه وتوقف صاحب المدارك في الحكم (3).

ولكن مع ذلك كلّه فالأظهر عدم الوجوب ، بل هو مستحب حال الانتصاب كما عليه المشهور ، وذلك لأنّ الصحيحة الثالثة إن قلنا بأنّها مطلقة وشاملة لحال الهوي فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها وحملها على الصحاح الثلاث الأُخر المقيّدة بحال الانتصاب ، فان قانون حمل المطلق على المقيّد وإن لم يجر في المستحبّات ، بل يؤخذ ويعمل بكلا الدليلين ، إلّا أنّ كون الحكم في المقام مستحبّاً بعدُ أوّل الكلام ، فلا يمكن إجراء حكمه عليه.

وعليه ينتج وجوب التكبيرة حال الانتصاب ، وهذا ما تكذّبه السيرة العملية المتّصلة بزمن المعصومين عليهم‌السلام حيث إنّها جارية على إتيانها عند الهوي ولو لا بقصد الخصوصية. على أنّه لو كان واجباً لكان شائعاً وذائعاً كيف لا وهو ممّا يكون مورداً لابتلاء عامّة المكلّفين في اليوم عدّة مرّات ، مع أنّه لم يذهب إليه إلّا أفراد معدودون لم يتجاوزوا الأصابع ، فلا بدّ من رفع اليد عن ظواهرها أو حملها على الاستحباب.

وإن قلنا بأنّها ليست مطلقة كما لا يبعد ، فإنّه وإن لم يكن العاطف فيها «ثمّ»


1) بل لا تخلو عن البأس ، لتوقّفها على إرادة الاستحباب من السنّة الواقعة في مقابل الفريضة وهو أوّل الكلام.

2) الحدائق 8 : 257.

3) المدارك 3 : 394.

[1608] مسألة 28 : لا فرق بين الفريضة والنافلة في واجبات الركوع ومستحبّاته ومكروهاته وكون نقصانه موجباً للبطلان ، نعم الأقوى عدم بطلان النافلة بزيادته سهواً (1).


الظاهر في الترتيب ، إلّا أنّ الظاهر أنّ التكبير يقع قبل الهوي ، إمّا باعتبار أن يكون الهوي من أجزاء الركوع كما هو أحد الأقوال ، أو من جهة كونه مقدّمة عقلية له. والحاصل أنّ الواو لو كانت حالية كان مفادها وقوع التكبير حال الهوي ، ولكنّها ليست حالية ، فتكون ظاهرة في وقوعها قبل الهوي.

وكيف ما كان ، فعلى هذا القول لا حاجة إلى التعبّد ، بل تكون الصحاح الأربع بوزان واحد ، ولا بدّ من رفع اليد عن ظواهر جميعها من جهة القرينة العامّة المشار إليها والسيرة ، فتكون النتيجة هو استحبابها قبل الركوع حال الانتصاب ، فلو أتى بها حال الهوي لا يكون ذلك بقصد الخصوصية ، بل بعنوان مطلق الذكر.

(1) لا ريب في أنّه لا فرق بين الفريضة والنافلة بحسب الحقيقة والماهية وإنّما الفرق بينهما من جهة الحكم ، ولذا لو أمر المولى بالصلاة فريضة بعد بيان كيفيتها ثمّ أمر بها نافلة ، يعلم أنّ المطلوب منه استحباباً إنّما هو نفس تلك الأجزاء والشرائط ، فعليه لا فرق بينهما في جميع واجبات الركوع ومستحبّاته ومكروهاته إلّا إذا لم يكن لأدلّتها إطلاق ، ولأجله كان نقصان الركوع عمداً أو سهواً في النافلة موجباً للبطلان ، لإطلاق لا تعاد الحاكم بالإعادة فيما إذا كان الإخلال النقصي من ناحية الركوع. مضافاً إلى حديث التثليث (1)الدال على أنّ الركوع من مقوّمات الصلاة ، وبدونها تكون الصلاة منتفية.


1) الوسائل 6 : 310 / أبواب الركوع ب 9 ح 1.

.................................................................................................


وأمّا زيادته العمدية فهي أيضاً توجب البطلان ، لأنّ الركوع أُخذ في الصلاة بشرط لا ، والمفروض اتِّحاد الماهيتين ، فلا محالة تكون الزيادة فيها موجبة للبطلان.

وأمّا الزيادة السهوية فمقتضى القاعدة من اتِّحاد الماهيتين هو البطلان أيضاً إلّا أنّ الأقوى الصحّة ، نظراً إلى قصور المقتضي عن الشمول للنافلة ، فإنّ المقتضي للبطلان حينئذ هو قوله عليه‌السلام من استيقن أنّه زاد في المكتوبة ركعة فعليه الإعادة (1)حيث دلّ على البطلان فيما لو زاد ركعة سواء أُريد بها الركوع أو نفس الركعة زيادة سهوية كما يقتضيه التعبير بالاستيقان وهو كما ترى خاص بالمكتوبة فلا يعم النافلة.

وعلى الجملة : لا دليل على التعدِّي إلى النافلة بعد تقييد الحكم بالمكتوبة والوصف وإن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح ، لكن له مفهوم بالمعنى الآخر وهو الدلالة على عدم ثبوت الحكم للطبيعة المطلقة على سريانها كما أسلفناك مراراً ، فيكون مفهومه في المقام : إنّ مطلق الصلوات الأعم من الفريضة والنافلة ليس محكوماً بوجوب الإعادة لدى زيادة الركوع سهواً ، وهو المطلوب. وتمام الكلام في بحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

فصل في السجود

فصل في السجود وحقيقته وضع الجبهة على الأرض بقصد التعظيم وهو أقسام : السجود للصلاة ومنه قضاء السجدة المنسيّة ، وللسهو وللتلاوة وللشكر وللتذلّل والتعظيم أمّا سجود الصلاة فيجب في كل ركعة من الفريضة والنافلة سجدتان (1)


(1) السجود لغة (1)يطلق على معانٍ لعل أكثرها استعمالاً : نهاية التذلّل والخضوع التي أظهرها مصداقاً وضع الجبهة على الأرض ، وربما يطلق على وضع ما عدا الجبهة من سائر أعضاء الوجه ، لكنّه مختص بفرض العجز عن الجبهة فهو في طول الاستعمال الأوّل.

والمراد بالأرض أن يكون الاعتماد عليها ، سواء أكان مع الواسطة أو بدونها فلا يصدق السجود على الفاقد للاعتماد ، كأن يضع جبهته على يده المرتفعة عن الأرض ، بحيث يكون السجود على الفضاء.

وكيف ما كان ، فهو بمفهومه اللّغوي والعرفي متقوّم بوضع الجبهة على الأرض ولا مدخل لوضع سائر المساجد في الصدق المزبور.

والظاهر أنّه في لسان الشرع أيضاً يطلق على ما هو عليه من المعنى اللّغوي غايته مع مراعاة خصوصيات أُخر كما ستعرف ، فالسجود الوارد في الكتاب والسنّة كالواقع في حديث لا تعاد وغيره كلّها تنصرف إلى هذا المعنى ، وليس للشارع اصطلاح جديد في ذلك.


1) لسان العرب 3 : 204 ، مجمع البحرين 3 : 62.

وهما معاً من الأركان (1) فتبطل بالإخلال بهما معاً ، وكذا بزيادتهما معاً في


وأمّا ما ورد في جملة من الأخبار (1)من أنّ السجود على سبعة أعظم : الجبهة والكفّان والركبتان والإبهامان ، فليس ذلك بياناً لمفهوم السجود شرعاً كي يقتضي الحقيقة الشرعية ، ولا شارحاً للمراد من لفظ السجود الوارد في لسان الشارع ولو مجازاً ، فانّ كلا من الأمرين مخالف لظواهر هذه النصوص بل هي مسوقة لبيان واجبات السجود والأُمور المعتبرة فيه ، فمفادها إيجاب هذه الأُمور في تحقّق السجود الواجب ، وإن كان ذلك لا يخلو عن ضرب من المسامحة كما لا يخفى ، لا دخلها في المفهوم أو في المراد.

ومنه تعرف أنّ ما ورد من المنع عن السجود على القير مثلاً ، إنّما يراد به المنع عن وضع الجبهة عليه ، الّذي هو حقيقة السجود كما عرفت ، لا عن وضع سائر المساجد ، كما أنّ ما دلّ على وجوب السجود على الأرض أو نباتها يراد به اعتباره في خصوص مسجد الجبهة لا سائر المساجد كما عليه السيرة ، بل الإجماع من دون نكير.

ويترتّب عليه أيضاً : أنّ المدار في زيادة السجود ونقيصته الموجبتين للبطلان على وضع الجبهة وعدمه ولا عبرة بسائر المساجد ، فلو ترك وضع الجبهة في السجدتين بطلت صلاته وإن كان واضعاً لسائر المساجد ، كما أنّه من طرف الزيادة لو وضع جبهته مرّتين بطلت وإن لم يضع مساجده الأُخر ، فالركنية تدور مدار وضع الجبهة وعدمه كما نبّه عليه الماتن (قدس سره) في ذيل كلامه.

(1) لا ريب في وجوب السجود في الصلاة فريضة كانت أم نافلة ، لكل ركعة مرّتين بضرورة من الدين ، وقد اشتهر التعبير عنهما معاً بالركن ، وأنّ


1) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2 ، 8.

الفريضة عمداً كان أو سهواً أو جهلاً ، كما أنّها تبطل بالإخلال بإحداهما عمداً وكذا بزيادتها ، ولا تبطل على الأقوى بنقصان واحدة ولا بزيادتها سهواً.


زيادتهما أو نقيصتهما عمداً أو سهواً موجبة للبطلان ، بخلاف السجدة الواحدة حيث إنّ الإخلال بها سهواً نقصاً أو زيادة غير قادح فليست هي بركن.

فيقع الكلام أوّلاً في تحديد الركن وتطبيقه على المقام ثمّ في بيان مدرك الحكم المزبور.

فنقول : قد أشرنا في أوائل بحث أفعال الصلاة (1)إلى أنّ الركن بلفظه لم يرد في شي‌ء من النصوص ، وإنّما هو اصطلاح محدث دارج في ألسنة الفقهاء (قدس سرهم) من دون أن يكون له في الأخبار عين ولا أثر ، كما نصّ عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (2)ولا بأس بهذا الإطلاق حيث إنّ ركن الشي‌ء هو عموده وما يبتني عليه بحيث ينتفي بانتفائه عمداً كان أو سهواً ، وما يعد من الأركان في الصلاة كذلك ، غير أنّهم (قدس سرهم) فسّروه بما يوجب الإخلال به عمداً وسهواً زيادة ونقصاً البطلان.

ومن هنا أشكل الأمر في تطبيقه على المقام مع الالتزام بعدم قدح السجدة الواحدة سهواً زيادة ونقصاً ، حيث إنّ الركن إن كان هو مجموع السجدتين على صفة الانضمام ، فزيادته وإن أوجب البطلان إلّا أنّ نقيصته المتحققة بترك إحدى السجدتين نسياناً لانتفاء المركب بانتفاء أحد أجزائه لا توجبه ، لالتزامهم بالصحّة حينئذ كما عرفت. وإن كان مسمّى السجود وماهيّته ، فنقصه وإن أوجب البطلان ، إلّا أنّ زيادته لا توجبه ، لبنائهم على عدم قدح زيادة السجدة


1) شرح العروة 14 : 3.

2) كتاب الصلاة 1 : 487.

.................................................................................................


الواحدة سهواً كما مرّ مع صدق زيادة المسمّى حينئذ.

وقد وقعوا في الجواب عن هذا الاشكال المشهور في حيص وبيص ، وذكروا أجوبة مختلفة مذكورة في الكتب المطوّلة (1)لا يخلو شي‌ء منها بحيث يتّجه انطباق ضابط الركن من طرفي الزيادة والنقيصة على محل واحد عن تكلّف.

وهذا الاشكال كما ترى إنّما نشأ من التفسير المزبور الّذي لا شاهد عليه لا من العرف ولا اللّغة ولا غيرهما ، لعدم تقوّم مفهوم الركن إلّا بما يقدح الإخلال به من ناحية النقص فقط دون الزيادة. أترى أنّ أركان البنيان لو تعدّدت أو أعمدة الفسطاط لو تكثرت يوجب ذلك خللاً في البناء لو لم يستوجب مزيد الاستحكام.

وعلى الجملة : لو تمّ الاشكال فإنّما هو متوجِّه على القوم في تفسيرهم الركن بما ذكر ، وأمّا على المبنى الآخر في تفسيره المطابق لمفهوم اللفظ عرفاً ولغة من تحديده بما يوجب البطلان من ناحية النقص فقط كما قدّمناه ، فلا إشكال أصلاً ، إذ عليه يمكن الالتزام بأنّ الركن في المقام هو مسمّى السجود ، فلو أخلّ به رأساً عمداً أو سهواً بطلت الصلاة ، وأمّا من طرف الزيادة ، فحكمه صحّة وفساداً خارج عن شأن الركنية وأجنبي عنه بالكلِّيّة. نعم ، دلّ الدليل على البطلان بزيادة السجدتين ، والصحّة بزيادة السجدة الواحدة ، وكل ذلك لا مساس له بحديث الركنية بوجه.

وأمّا مستند الحكم في المسألة : أمّا من حيث النقيصة والزيادة العمديتين فظاهر ، كما هو الشأن في بقية الأجزاء. وأمّا الإخلال السهوي فمستند البطلان في ترك السجدتين عقد الاستثناء في حديث لا تعاد. مضافاً إلى حديث التثليث (2)


1) ذكر في الجواهر 10 : 134 وجهاً وجيهاً لتصوير الركنية بناءً على المسلك المشهور في تفسيرها لعلّه أحسن ما قيل في المقام وإن كان بعد لا يخلو عن النظر فراجع وتدبر.

2) الوسائل 6 : 389 / أبواب السجود ب 28 ح 2.

وواجباته أُمور : أحدها : وضع المساجد السبعة (1) على الأرض ، وهي الجبهة والكفّان والركبتان والإبهامان من الرجلين ، والركنية تدور مدار وضع الجبهة ، فتحصل الزيادة والنقيصة به دون سائر المساجد ، فلو وضع الجبهة دون سائرها تحصل الزيادة ، كما أنّه لو وضع سائرها ولم يضعها يصدق تركه.


الذي عدّ فيه السجود من مقوّمات الصلاة بحيث تنتفي الماهيّة بانتفائه. ومستنده في زيادتهما إطلاق مثل قوله عليه‌السلام : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1)فانّ هذا الإطلاق وإن قيّد بما ستعرف ، لكنّه لا مقيّد له في محل الكلام ، ومقتضاه عدم الفرق بين العمد والسهو.

وأمّا الصحّة بزيادة السجدة الواحدة ، فللروايات الدالّة عليها المقيّدة للإطلاق المزبور ، التي منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة ، قال : لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة» (2).

وأمّا الصحّة بنقيصتها ، فلروايات اخرى دلّت عليها أيضاً وقد تضمّنت وجوب التدارك إن كان التذكّر قبل الدخول في الركوع وإلّا فيقضيها بعد الصلاة (3).

وبالجملة : فالبطلان بترك السجدتين أو زيادتهما سهواً مطابق للقاعدة وموافق للإطلاقات. وأمّا الصحّة في الإخلال بالواحدة نقصاً أو زيادة فللروايات الخاصّة وسيأتي التعرّض لكل ذلك مستقصى في أحكام الخلل إن شاء اللّه تعالى.

(1) على المعروف المشهور بين الأصحاب ، بل ادّعي الإجماع عليه في كثير


1) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل ب 19 ح 2.

2) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2.

3) الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14.

.................................................................................................


من الكلمات ، وتدل عليه جملة وافرة من النصوص فيها الصحيح وغيره. نعم ورد في بعضها بدل الكف اليد والمراد واحد ، فان لليد إطلاقات منها الكف فلو لم تكن هي المنصرف منها عند الإطلاق فلا بدّ من صرفها وحملها عليها جمعاً ، فلا تنافي بينهما ، ففي صحيح زرارة قال «قال أبو جعفر عليه‌السلام قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : السجود على سبعة أعظم : الجبهة واليدين والركبتين والإبهامين من الرجلين». ونحوه صحيحة القداح وغيرهما (1). وفي صحيحة حماد (2)الكفّين والركبتين وأنامل إبهامي الرجلين ، والجبهة والأنف وهل المراد بالكف تمامها أو البعض؟ سيأتي الكلام عليه.

هذا ، ولم ينسب الخلاف إلّا إلى السيِّد المرتضى (3)، وابن إدريس (4)حيث ذكرا بدل اليدين المفصل عند الزندين ، ولم يعرف مستنده كما اعترف به غير واحد ، إذ لم يرد ذلك في شي‌ء من النصوص حتّى الضعيف منها ، ومن هنا قد يستبعد إرادة الظاهر من كلامهما ، ويحمل على ما لا يخالف المشهور ، وأنّهما يوجبان استيعاب الكف لدى السجود ، الملازم لوقوع الثقل على المفصل من الزندين ، فيكون عمدة الاعتماد عليه كما يشهد به الاختبار ، ويشير إليه قوله عليه‌السلام في الصحيح المتقدِّم : «السجود على سبعة أعظم» فإن ما يقع السجود عليه ويتوجّه الثقل إليه إنّما هو عظم المفصل ، بل ربّما استظهر هذا المعنى من صدر كلام الحلِّي في السرائر.

وكيف كان ، فإن أرادا ما هو الظاهر من كلامهما من اعتبار خصوص المفصل


1) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2 ، 8.

2) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

3) جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى 3) : 32.

4) السرائر 1 : 225.

.................................................................................................


فلا شاهد عليه ، بل الأخبار المتقدِّمة حجّة عليهما ، وإن أرادا ما عرفت ممّا لا يخالف المشهور وأنّ العدول إلى التعبير المزبور لنكتة سمعتها تبعاً للنصوص فنعم الوفاق.

كما قد وقع الخلاف بالنسبة إلى الإبهامين أيضاً ، فإنّ المشهور اعتبارهما بالخصوص كما صرّح به في بعض النصوص كصحيحة زرارة المتقدِّمة. نعم ، في بعضها كصحيحة عبد اللّه بن ميمون القداح ذكر الرجلين بدل الإبهامين ، والظاهر أنّها ليست في مقام البيان إلّا من ناحية تعداد مواضع السجود على سبيل الإجمال ، فلا إطلاق لها من سائر الخصوصيات كي يتمسّك به ، وعلى تقديره فهو مقيّد بصحيحة زرارة وغيرها ممّا اشتملت على الإبهامين.

وعن جملة من الأصحاب كالشيخين (1)، والسيِّد أبي المكارم (2)، وأبي الصلاح (3)أنّ العبرة بوضع أطراف أصابع الرجلين لا خصوص الإبهامين ، بل نسب ذلك إلى كثير من القدماء ، وهذا لم يظهر له مستند من طرقنا.

نعم ، روى الجمهور بسندهم عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله أنّه قال : «أُمرت بالسجود على سبعة أعظم : اليدين والركبتين وأطراف القدمين والجبهة» (4)ونحوه ما عن ابن أبي جمهور في عوالي اللآلي (5)المتضمِّن لذكر أطراف أصابع الرجلين ، ولا عبرة بشي‌ء من ذلك بعد عدم تمامية السند ، فالأقوى تبعاً للمشهور وعملاً بالنصوص اعتبار السجود على الإبهامين بخصوصهما.


1) المفيد في أحكام النِّساء (مصنفات الشيخ المفيد 9) : 27 ، الطوسي في المبسوط 1 : 112.

2) الغنية : 80.

3) الكافي في الفقه : 119.

4) سنن البيهقي 2 : 103 ، سنن ابن ماجة 1 : 286 / 883.

5) عوالي اللآلي 1 : 196 / 5 ، المستدرك 4 : 455 / أبواب السجود ب 4 ح 3.

الثاني : الذِّكر والأقوى كفاية مُطلقه ، وإن كان الأحوط اختيار التسبيح على نحو ما مرّ في الركوع ، إلّا أنّ في التسبيحة الكبرى يبدل (1)العظيم بالأعلى (1).

الثالث : الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب (2) بل المستحب أيضاً إذا أتى


وأمّا سائر الأحكام والخصوصيات المتعلِّقة بالمساجد السبعة فسنتكلّم فيها إن شاء اللّه تعالى عند تعرّض الماتن إليها في مطاوي المسائل الآتية.

هذا ، وقد أشرنا فيما سبق (2)إلى وجه ما نبّه إليه الماتن في المقام من أنّ الركنية تدور مدار وضع الجبهة بخصوصها ، ولا دخل لوضع سائر المساجد وعدمه من هذه الجهة فراجع.

(1) قدّمنا الكلام حول ذلك مستقصًى في مبحث الركوع (3)، فانّ ملاك البحث مشترك بينهما بكامله فيجري فيه ما مرّ حرفاً بحرف ، وقد عرفت أنّ الأقوى الاجتزاء بمطلق الذكر بشرط أن يعادل ثلاث تسبيحات من الصغرى ، وعليه فهو مخيّر في المقام بين ذلك وبين التسبيحة الكبرى بتبديل العظيم بالأعلى كما في النصوص (4).

(2) بل المستحب أيضاً إذا أتى به بقصد الخصوصية كما جزم به في المقام وإن توقف فيه في بحث الركوع ، مع عدم وضوح الفرق بين المقامين ، وكيف ما كان فالمشهور اعتبار الطمأنينة في السجود بمقدار الذكر بل لم يعرف فيه خلاف بل قد ادّعي عليه الإجماع في كثير من الكلمات ، إنّما الكلام في مستند ذلك.


1) (*) على الأحوط.

2) في ص 85.

3) في ص 12 وما بعدها.

4) الوسائل 6 : 299 / أبواب الركوع ب 4 ح 1 ، 5 ، 7.

به بقصد الخصوصية ، فلو شرع في الذكر قبل الوضع أو الاستقرار عمداً بطل وأبطل ، وإن كان سهواً وجب التدارك إن تذكر قبل رفع الرأس ، وكذا لو أتى به حال الرفع أو بعده ولو كان بحرف واحد منه فإنّه مبطل إن كان عمداً ، ولا يمكن التدارك إن كان سهواً ، إلّا إذا ترك الاستقرار وتذكر قبل رفع الرأس.


قال في المدارك بعد دعوى الإجماع عليه ما لفظه : وتدل عليه مضافاً إلى التأسّي روايتا حريز وزرارة المتقدِّمتان ، انتهى (1).

أقول : أمّا الإجماع فالمنقول منه ليس بحجّة ، والمحصل منه على وجه يكون تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام غير حاصل بعد احتمال استناد المجمعين إلى بعض الوجوه الآتية ، وإن كان الظاهر قيام التسالم والاتفاق عليه وأمّا التأسي فالإشكال عليه ظاهر كما مرّ مراراً ، لعدم إحراز صدور الفعل منه صلی اللّه عليه وآله على وجه الوجوب كي يشمله دليل التأسّي ، فإنّ الفعل مجمل لا لسان له. وأمّا الروايتان فلا وجود لهما في الأخبار ، ولعلّه سهو من قلمه الشريف كما نبّه عليه في الحدائق (2)، هذا.

وقد استدلّ له في الحدائق (3)بصحيح زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : بينا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلِّي فلم يتم ركوعه ولا سجوده فقال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (4)ونحوه


1) المدارك 3 : 409.

2) الحدائق 8 : 290.

3) الحدائق 8 : 290.

4) الوسائل 6 : 298 / أبواب الركوع ب 3 ح 1.

.................................................................................................


صحيحة القداح المشتملة على نظير القصّة مع وقوعها بمحضر من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (1)وقد ادّعى (قدس سره) وضوح دلالتهما على وجوب الطمأنينة مع عدم الدلالة عليه بوجه ، فان غايتهما وجوب المكث في الركوع والسجود ، وهذا ممّا لا بدّ منه أداءً لوظيفة الذكر الواجب حالهما ، إذ لو رفع رأسه بمجرّد الوضع من غير مكث الّذي به يكون ركوعه وسجوده نقرياً فقد أخلّ بوظيفة الذكر ، وهو خارج عن محل الكلام ، وأمّا أنّه حين المكث هل يكون مستقراً مطمئناً أو متزلزلاً مضطرباً يميناً وشمالاً الّذي هو محل البحث فالروايتان أجنبيتان عن التعرّض لذلك نفياً وإثباتاً كما لا يخفى.

وربما يستدل للحكم بصحيحة عليّ بن يقطين «سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح؟ فقال : ثلاثة ، وتجزيك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض» (2)، وصحيحة عليّ بن جعفر قال : «سألته عن الرجل يسجد على الحصى فلا يمكن جبهته من الأرض فقال : يحرِّك جبهته حتّى يتمكن فينحي الحصى عن جبهته ولا يرفع رأسه» (3).

وفيه : أنّ غايتهما الدلالة على اعتبار الاطمئنان والتمكين في الجبهة لدى السجود لا في بدن المصلِّي الّذي هو محل الكلام ، فهذه الوجوه كلّها ضعيفة.

والأولى الاستدلال له بصحيحة بكر بن محمّد الأزدي بمثل ما تقدّم في الركوع (4)، ولم أر من تعرّض لها في المقام وإن تعرّضوا لها هناك قال عليه‌السلام فيها : «وإذا سجد فلينفرج وليتمكن» (5).


1) الوسائل 4 : 36 / أبواب أعداد الفرائض ب 9 ح 2.

2) الوسائل 6 : 300 / أبواب الركوع ب 4 ح 3.

3) الوسائل 6 : 353 / أبواب السجود ب 8 ح 3.

4) في ص 23.

5) الوسائل 4 : 35 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14.

الرابع : رفع الرأس منه (1).


وتقريب الاستدلال : ما عرفت في بحث الركوع من كونها إرشاداً إلى شرطية التمكن والاستقرار في تحقّق الركوع والسجود الشرعيين ، وتدل بالدلالة الالتزامية على اشتراطه في الذكر الواجب أيضاً ، للزوم إيقاع الذكر المأمور به فيهما ، فلا بدّ من استمرار الاستقرار فيهما واستدامته بمقدار يقع الذكر في محلِّه بل مقتضى هذا البيان اعتباره في الذكر المستحب أيضاً إذا قصد به الخصوصية بعين هذا التقريب ، كما نبّهنا عليه هناك ، وقد أشرنا إلى أنّ تفكيك الماتن بين المقام وما سبق بالجزم هنا والتوقف هناك في غير محله ، بل الأقوى اعتباره في المقامين لما ذكر.

(1) أي من السجدة الأُولى بلا خلاف ولا إشكال ، وإنّما خصّوا التعرّض به مع وضوح وجوب رفعه من السجدة الثانية أيضاً ، لعدم وقوع الخلاف في الثاني ، إذ يجب التشهّد ونحوه فلا بدّ من الرفع مقدّمة ، وأمّا الأوّل فقد خالف فيه العامّة ، فأنكره أبو حنيفة وذكر أنّه لو حفر حفيرة حال السجود فنقل جبهته إليها ، أو كان دون مسجد الجبهة مكان أخفض فجر الجبهة إليه بقصد السجدة الثانية كفى (1)، فنبّهوا على وجوب رفع الرأس هنا طعناً عليه ورداً لمقالته.

ومنه تعرف أنّه ليس الوجه في وجوب هذا الرفع توقف صدق تعدّد السجدة عليه ، وأنّه بدونه يكون سجود واحد مستمر لإمكان صدق التعدّد بدونه أيضاً ، كما ذكر من النقل والتغيّر المساوق للتعدّد ، بل لروايات دلّت عليه كصحيحة حماد (2)وغيرها فلاحظ.


1) المجموع 3 : 440 ، المغني 1 : 598 ، الخلاف 1 : 360.

2) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

الخامس : الجلوس بعده مطمئناً ثمّ الانحناء للسجدة الثانية (1).

السادس : كون المساجد السبعة في محالها إلى تمام الذكر (2) فلو رفع بعضها بطل وأبطل إن كان عمداً ، ويجب تداركه إن كان سهواً ، نعم لا مانع من رفع ما عدا الجبهة في غير حال الذكر (3) ثمّ وضعه عمداً كان أو سهواً ، من غير فرق بين كونه لغرض كحك الجسد ونحوه أو بدونه.


(1) أمّا الجلوس فقد دلّت عليه صحيحة حماد (1)وغيرها. وأمّا الاطمئنان فقد استدلّ له بالإجماع وهو كما ترى.

والأولى أن يستدل له بذيل صحيحة الأزدي المتقدِّمة قال عليه‌السلام فيها : «وإذا سجد فلينفرج وليتمكن وإذا رفع رأسه فليلبث حتّى يسكن» (2)ودلالتها ظاهرة.

(2) بلا خلاف ولا إشكال ، للزوم إيقاع الذكر في السجود المأمور به كما تشهد به النصوص المتقوّم بالمحال السبعة فلا بدّ من إبقائها في مواضعها إلى نهاية الذكر تحقيقاً للظرفية.

وعليه فلو رفع بعضها حال الذكر ، فان كان عمداً بطل الذكر لعدم وقوعه في محله ، وأبطل الصلاة للزوم الزيادة العمدية ، إذ قد أتى بالذكر بقصد الجزئية كما هو الفرض ، ولم يكن جزءاً وهو معنى الزيادة ، وإن كان سهواً وجب التدارك ، لبقاء المحل ما لم يرفع جبهته كما هو ظاهر.

(3) لعدم الدليل على مانعية هذا الرفع ، والمرجع أصالة البراءة ، والظاهر أنّه


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 4 : 35 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14.

.................................................................................................


لا إشكال في الحكم كما لا خلاف. نعم ، حكى في الجواهر (1)عن بعض المشايخ التوقف فيه أو الجزم بالبطلان ، وليس له وجه ظاهر عدا تخيّل إلحاق سائر المساجد بالجبهة ، فكما لا يجوز رفعها ووضعها لاستلزام زيادة السجود فكذا سائر الأعضاء.

لكنّه كما ترى واضح البطلان ، لما عرفت من أنّ المدار في صدق السجود وتعدّده بوضع الجبهة ورفعها دون سائر المحال فإنّها واجبات حال السجود لا مقوّمات له ، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للسجود ، بل يطلق على ما هو عليه من المعنى اللغوي المتقوّم بذاك فحسب. ومن هنا كانت الركنية تدور مداره وجوداً وعدماً كما مرّ ، وقد عرفت (2)أنّ الأحكام المتعلِّقة بالسجود في لسان الأخبار من لزوم وقوعه على الأرض أو نباتها ، وعدم جواز السجود على القير ونحو ذلك كلّها ناظرة إلى موضع الجبهة دون سائر الأعضاء.

ومن هنا لم يعتبر أحد ذلك فيها بلا خلاف ولا إشكال كما مرّ التعرّض إليه ولأجله أشرنا فيما سبق (3)إلى أن قوله عليه‌السلام «السجود على سبعة أعظم» مبني على ضرب من التجوز والمسامحة ، والمراد إيجاب هذه الأُمور حال السجود ، لا أنّ حقيقته الشرعية ، أو المراد منه في لسان الشرع ذلك. وعليه فلا وجه لقياس سائر الأعضاء عليه في المقام ، وقد تعرّض العلّامة الطباطبائي (قدس سره) (4)لدفع هذا التوهّم مستقصى وأعطى المقال حقّه فلاحظ إن شئت.

ثمّ إنّه استدلّ غير واحد للحكم المزبور بخبر علي بن جعفر عن أخيه


1) الجواهر 10 : 164.

2) في ص 85.

3) في ص 85.

4) الدرّة النجفية : 126.

السابع : مساواة موضع الجبهة للموقف (1)


عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يكون راكعاً أو ساجداً فيحكه بعض جسده هل يصلح له أن يرفع يده من ركوعه أو سجوده فيحكه ممّا حكه؟ قال : لا بأس إذا شقّ عليه أن يحكه ، والصبر إلى أن يفرغ أفضل» (1)، والدلالة وإن كانت تامّة لكنها ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن فإنّه لم يوثق ، فالمتعيِّن الاستناد في الجواز وعدم المانعية إلى الأصل كما عرفت.

(1) على المشهور بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، فلا يجوز علوّه عن الموقف ولا انخفاضه أزيد من لبنة ويجوز بمقدارها ، وقد قدّرها الأصحاب بأربعة أصابع وهو كذلك ، حيث إنّ المراد بها في لسان الأخبار هي اللبنة التي كانت متعارفة معتادة في زمن الأئمّة عليهم‌السلام ، وقد لاحظنا ما بقي منها من آثار العباسيين في سامراء فكان كذلك تقريبا.

وكيف ما كان ، فقد خالف في ذلك صاحب المدارك (قدس سره) (2)فاعتبر المساواة ، ومنع عن العلو مطلقاً حتّى بمقدار اللبنة ، واستند في ذلك إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن موضع جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه؟ فقال : لا ، وليكن مستوياً» (3)، وفي بعض النسخ «ولكن» بدل وليكن.

وتقريب الاستدلال : أنّ من الواضح أنّ المساواة المأمور بها لم يرد بها المساواة الحقيقية الملحوظة بالآلات الهندسية ، فإنّه تكليف شاق لا يمكن


1) الوسائل 6 : 330 / أبواب الركوع ب 23 ح 1.

2) المدارك 3 : 407.

3) الوسائل 6 : 357 / أبواب السجود ب 10 ح 1.

.................................................................................................


توجيهه إلى عامّة المكلّفين ، فالمراد لا محالة هي المساواة العرفية المتحققة ولو مع الاختلاف اليسير فيما إذا كان تدريجياً انحدارياً ، دون ما كان دفعياً تسنيمياً ولو كان بقدر إصبع ، لصدق عدم المساواة حينئذ بعد أن كان الاختلاف في مثله محسوساً بيّناً ، وظاهر الأمر بالمساواة لزوم مراعاتها على جهة الوجوب.

هذا ، ولا يخفى أنّ لازم كلامه (قدس سره) الاستشكال بل المنع عمّا هو الدارج بين الشيعة من السجود على التربة الحسينية على مشرّفها آلاف الثناء والتحيّة ، لعدم تحقّق المساواة حينئذ بالمعنى الّذي ذكره وهو كما ترى.

وكيف كان ، فينبغي القطع بفساد هذه الدعوى ، لقيام السيرة العملية القطعية من المتشرِّعة خلفاً عن سلف على عدم رعاية هذا المقدار من التساوي ، ولا سيّما في الجماعات المنعقدة في الأماكن المختلفة من البيداء ونحوها التي قلّما يتّفق تساوى سطوحها حتّى من غير ناحية الانحدار ، فتراهم يصلّون ولو فيما كان مسجد الجبهة بخصوصها أرفع من الموقف بمقدار يسير من أجل وجود الحصى أو التل ونحوهما ، وأمّا الصحيحة فلا بدّ من حملها على الاستحباب كما ستعرف هذا.

ويستدل للمشهور بصحيحة أُخرى لعبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن السجود على الأرض المرتفع فقال : إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» (1).

دلّت على جواز السجود فيما إذا كان الارتفاع بمقدار اللّبنة ، وبالمفهوم على عدمه فيما زاد عليها ، وبذلك يحمل الأمر بالمساواة المطلقة في صحيحته الاولى على الاستحباب.

ونوقش فيها من حيث السند تارة ، والدلالة اخرى ، والمتن ثالثة.


1) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 1.

.................................................................................................


أمّا من حيث السند ، فبما ذكره في المدارك من أنّ في الطريق النهدي المردّد بين الموثق وغيره (1). وفيه : ما لا يخفى ، فانّ المنصرف من هذا اللّفظ عند الإطلاق رجلان : أحدهما : هيثم بن أبي مسروق وهو ممدوح في كتب الرِّجال ، بل بملاحظة وقوعه في أسانيد كامل الزيارات موثق ، والآخر : هو محمّد بن أحمد ابن خاقان أبو جعفر القلانسي المعروف بحمدان وهو موثق ، فالرجل مردّد بين الممدوح والموثق ، وباعتبار آخر بين موثقين ، فغايته كون الرواية مرددة بين الحسنة والموثقة فهي حجّة على التقديرين. وأمّا غير الرجلين ممّن لم يوثق فهو خارج عن منصرف اللّفظ عند الإطلاق كما عرفت.

نعم ، الظاهر أنّ المراد به في المقام هو الأوّل ، لعدم كون الثاني في طبقة ابن محبوب الراوي عنه. مضافاً إلى أنّ الأوّل له كتاب ، والطريق إليه هو محمّد بن علي بن محبوب.

وأمّا من حيث الدلالة ، فبأنّ البأس المستفاد من المفهوم أعم من المنع ، وهو كما ترى ، فإنّ البأس بقول مطلق مساوق للمنع كما لا يخفى ، فالمنصرف من هذه اللفظة عند الإطلاق نفياً وإثباتاً ليس إلّا الجواز وعدمه ، سيّما بعد ملاحظة وقوعه جواباً عن السؤال المذكور في هذه الصحيحة ، الظاهر في كونه سؤالاً عن الجواز وعدمه ، إذ لا يحتمل وجوب السجود على الأرض المرتفعة أو استحبابه كي يسأل عنه.

وأمّا من حيث المتن ، فقد قيل إنّ في بعض النسخ «يديك» باليائين المثناتين من تحت بدل «بدنك» بالباء الموحّدة والنون ، فلا دلالة فيها حينئذ على الموقف.

وفيه : أنّ النسخة المعروفة الموجودة في جميع كتب الأخبار والاستدلال إنّما


1) المدارك 3 : 407.

بمعنى عدم علوّه أو انخفاضه أزيد من مقدار لبنة موضوعة على أكبر سطوحها أو أربع أصابع مضمومات ولا بأس بالمقدار المذكور (1).


هي الثاني ، بل في الجواهر أنّه لم يعثر على الأوّل مضافاً إلى ما ذكره (قدس سره) ونعم ما ذكر من أنّ استدلال الأصحاب به والفتوى بمضمونه قديماً وحديثاً على اختلاف طبقاتهم ونسخهم ، مع أنّ فيهم من هو في غاية التثبت والإتقان والتدقيق ككاشف اللثام يشرف الفقيه على القطع بضبطهم له بالباء والنون وعدم وجود النسخة الأُخرى. وعلى تقديره فهي سهو من قلم النسّاخ بلا ارتياب (1).

هذا ، مع أنّ سوق السؤال المتضمِّن للسجود على الأرض لعلّه يشهد بإرادة موضع البدن دون اليدين خاصّة كما لا يخفى.

وممّا يؤكِّده أيضاً : التعبير بالرجلين في مرسل الكافي قال : وفي حديث آخر في السجود على الأرض المرتفعة قال : «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن رجليك قدر لبنة فلا بأس» (2)، إذ الظاهر أنّه يشير بذلك إلى هذه الصحيحة.

فتحصّل : أنّ هذه المناقشات كلّها ساقطة. فالصحيح إذن ما عليه المشهور من اعتبار المساواة وعدم جواز العلو أكثر من مقدار اللبنة.

(1) لم يقع التحديد باللبنة من ناحية الانخفاض في كلام من تقدّم على الشهيدين ، وأوّل من تعرّض له هو الشهيد (3)وتبعه من تأخّر عنه ، ومن هنا نسب جواز الخفض مطلقاً إلى أكثر القدماء حيث اقتصروا على التحديد المزبور


1) الجواهر 10 : 151.

2) الوسائل 6 : 359 / أبواب السجود ب 11 ح 3 ، الكافي 3 : 333 / 4.

3) الدروس 1 : 157.

.................................................................................................


من حيث الارتفاع فحسب ، بل عن الأردبيلي (قدس سره) التصريح بذلك (1)بل عن العلّامة في التذكرة دعوى الإجماع عليه ، حيث قال : ولو كان مساوياً أو أخفض جاز إجماعا (2).

وكيف كان ، فالأقوى ما ذكره الشهيد (قدس سره) من إلحاق الخفض بالرفع لموثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن المريض أيحلّ له أن يقوم على فراشه ويسجد على الأرض؟ قال فقال : إذا كان الفراش غليظاً قدر آجرّة أو أقل استقام له أن يقوم عليه ويسجد على الأرض وإن كان أكثر من ذلك فلا» (3). فانّ الآجرّة هي اللبنة ، ولا فرق إلّا من حيث الطبخ وعدمه ونفي الاستقامة عن الزائد عليها ظاهر في المنع ، والتشكيك في هذا الظهور بأنّ استقام أعم من الجواز ، لإطلاقه على المندوب أيضاً وما هو الأنسب والأفضل فعدمه لا يدل على المنع ، في غير محله ، فان مقابل الاستقامة هو الاعوجاج فنفيها بقول مطلق ظاهر في المنع كما لا يخفى.

ولا تعارضها رواية محمّد بن عبد اللّه عن الرِّضا عليه‌السلام في حديث «انّه سأله عمّن يصلِّي وحده فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه ، فقال : إذا كان وحده فلا بأس» (4)التي هي مستند القول الآخر ومن أجلها حملوا الموثق على الكراهة.

إذ فيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند ، فانّ محمّد بن عبد اللّه الواقع في سندها مشترك بين جماعة كلّهم مجاهيل لم تثبت وثاقتهم (5). ودعوى أنّ الراوي عنه


1) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 133 ، 263.

2) التذكرة 3 : 189.

3) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 2.

4) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 10 ح 4.

5) نعم ، قد وثّق كل من محمّد بن عبد اللّه بن زرارة ومحمّد بن عبد اللّه بن رباط كما في معجم الأُستاذ 17 : 253 / 11117، 252 / 11116. إلّا أنّه لا يحتمل إرادتهما في المقام ، أمّا الأوّل فلعدم مساعدة الطبقة بعد ملاحظة الراوي والمروي عنه ، وأمّا الثاني فهو وإن كان من رجال هذه الطبقة إلّا أنّه لا توجد له ولا رواية واحدة في شي‌ء من الكتب الأربعة.

.................................................................................................


هو صفوان وهو من أصحاب الإجماع الّذين لم يرووا إلّا عن الثقة ، قد تقدّم الجواب عنها غير مرّة بعدم تمامية المبنى ، والظاهر أنّ صفوان لم يرو عن محمّد ابن عبد اللّه إلّا في هذه الرواية.

وثانياً : أنّ غايتها الإطلاق فيقيّد بالموثق جمعا.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ التقييد بالوحدة في هذه الرواية سؤالاً وجواباً إنّما هو في مقابل الجماعة التي وقع السؤال عنها في صدر هذا الخبر حيث قال «سألته عن الإمام يصلِّي في موضع والّذين خلفه يصلّون في موضع أسفل منه ، أو يصلّي في موضع والذين خلفه في موضع أرفع منه ، فقال يكون مكانهم مستوياً» (1)، فسأله عليه‌السلام أوّلاً عن حكم الجماعة من حيث اختلاف مكان الإمام والمأموم خفضاً ورفعاً ، فأجاب عليه‌السلام باعتبار المساواة ، ثمّ سأله ثانياً عن حكم المنفرد وأنّ مَن يصلِّي وحده هل يجوز أن يكون مسجده أسفل من مقامه ، فأجاب عليه‌السلام بنفي البأس عن هذا الفرد الّذي وقع السؤال عنه في مقابل الصدر ، فالتقييد بالوحدة في كلامه عليه‌السلام إنّما هو بتبع وقوعه في كلام السائل ، لا لدخله في الحكم ، فلا يدلّ على المفهوم ، فليتأمّل.

نعم ، هناك صورة أُخرى لم يتعرّض لحكمها في الرواية سؤالاً ولا جواباً وهي حكم المأموم في حدّ نفسه من حيث اختلاف موقفه عن مسجده ، ولعل حكمه يظهر من المنفرد لعدم احتمال الفرق من هذه الجهة.


1) الوسائل 8 : 412 / أبواب صلاة الجماعة ب 63 ح 3.

ولا فرق في ذلك بين الانحدار والتسنيم (1) ، نعم الانحدار اليسير لا اعتبار به (1)فلا يضر معه الزيادة على المقدار المذكور. والأقوى عدم اعتبار ذلك في باقي المساجد (2) لا بعضها مع بعض ولا بالنسبة إلى الجبهة ، فلا يقدح ارتفاع مكانها أو انخفاضه ما لم يخرج به السجود عن مسمّاه.


(1) لإطلاق النص كالفتوى ، فإنّ الزيادة على اللبنة الممنوعة في صحيحة عبد اللّه بن سنان وموثقة عمار شاملة بإطلاقها لنحوي الانحدار والتسنيم.

نعم ، استثنى الماتن من ذلك ما إذا كان الانحدار يسيراً أي تدريجياً بأن يشرع من الموقف وينتهي إلى موضع الجبهة فلا يقدح مثله وإن زاد على اللبنة ، وخصّ المنع بما إذا كان كثيراً أي دفعياً واقعاً فيما حول الجبهة بحيث يكون العلو أو الخفض ظاهراً محسوساً ، وكأنّه لانصراف النص عن الأوّل ، ولكنّه كما ترى لا وجه له بعد تسليم الإطلاق في النص وشموله لنحوي التسنيم والانحدار كما صرّح (قدس سره) به ، فالأقوى عدم الفرق بين اليسير والكثير.

(2) فلا يعتبر التساوي بينها بعضها مع بعض ، فلو كان موضع اليدين بالنسبة إلى الركبتين ، أو إحدى اليدين أو الركبتين بالنسبة إلى الأُخرى أرفع أو أخفض بأزيد من لبنة ، جاز ما لم يخرج عن هيئة الساجد بلا خلاف فيه ، لعدم الدليل على مراعاة المساواة بينها ، ومقتضى الأصل البراءة.

وهل المساواة المعتبرة ملحوظة بين موضع الجبهة وموقف المصلِّي خاصّة على ما هو صريح المتن تبعاً للأصحاب على اختلاف تعابيرهم فلا يقدح الاختلاف بينه وبين سائر المحال ، أو أنّها ملحوظة بينه وبين كل واحد من بقية


1) الظاهر عدم الفرق بينه وبين غير اليسير إذا كان ظاهراً ، نعم لو لم يكن الانحدار ظاهراً فلا اعتبار بالتقدير المزبور وإن كان هو الأحوط الأولى.

.................................................................................................


المساجد الستّة ، فلو كانت يداه مثلاً أرفع من الجبهة بطلت ، وإن كانت هي مساوية مع الموقف؟

قد يقال بالثاني ، بل نسب ذلك إلى ظاهر العلامة في بعض كتبه (1)وغيره.

وهذا يبتني على أمرين :

أحدهما : أنّ المراد بالبدن في صحيحة ابن سنان المتقدِّمة (2)التي هي الأصل في هذا التحديد بدن المصلِّي حال سجوده كي يشمل جميع المساجد الستّة فتلحظ النسبة بينها وبين موضع الجبهة.

الثاني : أنّ تلك المساجد ملحوظة على سبيل العموم الاستغراقي حتّى تجب ملاحظة النسبة بين كل واحدة منها وبين الجبهة ، فيقدح حينئذ علو كل واحد من الأعضاء أو انخفاضه عنها بأزيد من لبنة. وأمّا لو كانت ملحوظة على نحو العموم المجموعي فالقادح إنّما هو علو المجموع غير الصادق عند علو بعض وتساوي الآخر كما لا يخفى.

وللمناقشة في كلا الأمرين مجال واسع.

أمّا الثاني ، فإنّ لحاظ العموم على سبيل الاستغراق كي يقتضي الانحلال يحتاج إلى مئونة زائدة وعناية خاصّة ثبوتاً وإثباتاً ، يدفعها إطلاق الدليل على أنّ لازمه إطلاق البدن على كلّ واحد من المحال بمقتضى الانحلال ، وهو كما ترى فإنّه اسم لمجموع الأعضاء لا لكل واحد منها.

وأمّا الأوّل ، فهو أيضاً خلاف الظاهر ، إذ البدن في حال السجود يعم الجبهة فلا يناسب التقابل بينه وبين موضع الجبهة ، لاعتبار المغايرة في المتقابلين.

وعليه فإمّا أن يراد به البدن حال الجلوس ، أو حال القيام ، وحيث إنّ


1) نهاية الإحكام 1 : 488.

2) في ص 98.

.................................................................................................


الاعتماد في الأوّل على ما دون الركبتين من الساقين والأليين الموضوعتين على الرجلين ، فما يعتمد عليه من مواضع السجود حينئذ إنّما هو الرجلان ، بل هما العمدة في الاعتماد ، فيتّحد بحسب النتيجة مع الثاني ، أعني حال القيام ، فتكون العبرة بالرجلين فحسب ، فهما المدار في المقايسة مع موضع الجبهة ، بل خصوص الإبهام منهما كما لا يخفى.

وليس المراد بذلك مراعاة موقف المصلِّي في حال القيام بما هو كذلك ، لعدم احتمال كون التساوي المزبور شرطاً في حال القيام وقيداً تعبّدياً معتبراً في مكان المصلِّي مطلقاً ، ولذا لو وقف في مكان وعند إرادة السجود صعد على دكّة قريبة منه وسجد عليها صحّت صلاته بلا إشكال ، مع أنّ مسجده حينئذ أرفع من المكان الّذي كان واقفاً فيه أزيد من اللبنة ، فإنّ الرواية منصرفة عن هذه الصورة قطعاً ، بل ناظرة إلى الفرد الشائع المتعارف الّذي يقتضيه طبع المصلِّي من السجود في مكان يقوم فيه لا في مكان آخر.

فالمتحصِّل من الصحيحة تحديد الانحناء لدى السجود ، وأنّه ينحني إلى مقدار يوازي جبهته موقفه بحيث لو قام عن سجوده ساوى مسجده موضع رجليه. وهذا هو المراد من الموقف حال القيام الّذي جعلنا المدار عليه واستظهرناه من الصحيحة.

وبعبارة اخرى : المكان الّذي يضع المصلِّي قدميه فيه حال القيام ووركيه حال الجلوس وإبهاميه حال السجود مكان واحد عرفاً وهو المعبّر عنه ب- (موضع البدن) فروعي التساوي بينه وبين موضع الجبهة ، وعليه فلا عبرة بسائر المواضع فلا يضر ارتفاعها عن موضع الجبهة وإن زاد على اللبنة ما لم يخرج عن هيئة الساجد ، كما لو وضع يديه على الحائط مثلاً ، فانّ ذلك خروج عن هيئة السجود.

وممّا يؤكِّد ما ذكرناه من جعل العبرة بالموقف وأنّه المراد من البدن في

الثامن : وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الأرض ، وما نبت منها غير المأكول والملبوس على ما مرّ في بحث المكان (1).


الصحيحة ما وقع في غير واحد من النصوص من التعبير بدل البدن بالرجلين ، أو المقام أو موضع القدم ، ففي صحيحة ابن سنان الأُخرى «أيكون أرفع من مقامه» (1)وفي صحيحة أبي بصير «إنِّي أُحب أن أضع وجهي في موضع قدمي» (2)وفي رواية محمّد بن عبد اللّه «فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه» (3)وأظهر من الكل مرسلة الكليني التي تقدّم (4)استظهار أنّها هي صحيحة ابن سنان المبحوث عنها قال عليه‌السلام فيها «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن رجليك قدر لبنة فلا بأس» (5).

هذا كلّه من حيث الارتفاع ، وأمّا من حيث الانخفاض فلا ينبغي الشك في كون المدار على الموقف ، للتصريح به في موثقة عمار التي هي المستند في هذا الحكم قال عليه‌السلام فيها : «إذا كان الفراش غليظاً قدر آجرّة أو أقل استقام له أن يقوم عليه ويسجد على الأرض» (6)حيث فرض فيه المساواة فيما عدا قدر الآجر ، بين ما يقوم عليه الّذي هو الموقف وبين المسجد ، فالمقتضي للاحتمال الآخر أعني الاعتبار بسائر المحال قاصر هنا في حد نفسه كما لا يخفى.

(1) قد مرّ الكلام حول ذلك في بحث المكان في فصل ما يسجد عليه (7)مستقصى فلا نعيد.


1) الوسائل 6 : 357 / أبواب السجود ب 10 ح 1 ، 2 ، 4.

2) الوسائل 6 : 357 / أبواب السجود ب 10 ح 1 ، 2 ، 4.

3) الوسائل 6 : 357 / أبواب السجود ب 10 ح 1 ، 2 ، 4.

4) في ص 100.

5) الوسائل 6 : 359 / أبواب السجود ب 11 ح 3 ، الكافي 3 : 333 / 4.

6) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 2.

7) شرح العروة 13 : 129 فما بعدها.

التاسع : طهارة محل وضع الجبهة (1).

العاشر : المحافظة على العربية والترتيب والموالاة في الذكر (2).

[1609] مسألة 1 : الجبهة ما بين قصاص شعر الرأس وطرف الأنف الأعلى والحاجبين طولاً وما بين الجبينين عرضاً (3)


(1) قد مرّ الكلام حول ذلك أيضاً في أوائل كتاب الطهارة عند التكلّم في أحكام النجاسات في فصل يشترط في صحّة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة النجاسة ، وعرفت أنّ عمدة المستند هي صحيحة ابن محبوب عن الرِّضا عليه‌السلام «عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثمّ يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب عليه‌السلام إنّ الماء والنار قد طهّراه» (1). وقد فصّلنا القول حول هذا الحديث وما يتعلّق بهذا الحكم بما لا مزيد عليه فراجع ولاحظ (2).

(2) كما سبق البحث عن كل ذلك في بحث القراءة فلاحظ.

(3) كما نصّ عليه غير واحد من الأصحاب تبعاً لتصريح أهل اللغة ، وتشهد به جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود ، فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار الدرهم ، أو مقدار طرف الأنملة» (3)، وصحيحته الأُخرى عن أحدهما عليهما‌السلام قال «قلت : الرجل يسجد وعليه قلنسوة أو عمامة ، فقال : إذا مسّ جبهته الأرض فيما بين حاجبه وقصاص شعره فقد


1) الوسائل 3 : 527 / أبواب النجاسات ب 81 ح 1.

2) شرح العروة 3 : 243.

3) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5.

ولا يجب فيها الاستيعاب (1) بل يكفي صدق السجود على مسمّاها.


أجزأ عنه» (1)وقد روى الأخيرة في الوسائل كما ذكرنا فأسندها أوّلاً إلى الشيخ ثمّ قال : ورواه الصدوق بإسناده عن زرارة مثله.

ورواها أيضاً في الباب 14 من أبواب ما يسجد عليه الحديث 2 بهذا اللفظ : «إذا مسّ شي‌ء من جبهته الأرض ...» (2)بزيادة كلمة «شي‌ء من» وأسندها أوّلاً إلى الصدوق ثمّ قال ورواه الشيخ مرسلاً بعكس المقام. ولا أثر لهذا الاختلاف فيما نحن بصدده وإن أوجب الفرق من حيث الدلالة على الاستيعاب وعدمه الّذي سيأتي الكلام عليه ، ونحوهما موثقة عمار (3)وغيرها.

وقد يقال : بخلو النصوص عن التعرّض للتحديد العرضي ، وأنّها مقصورة على بيان الحد من ناحية الطول فقط ، لكن الظاهر دلالتها على التحديد من كلتا الناحيتين طولاً باعتبار طول الإنسان وعرضاً ، فانّ المراد بالحاجب أو الحاجبين في صحيحتي زرارة المتقدِّمتين ليس خصوص ما يلي الأنف ، بل كل ما صدق عليه اسم الحاجب بمقتضى الإطلاق المحدود فيما بين اليمين واليسار المحفوفين بالجبينين المقارنين للصدغين ، فإذا أخذت هذا الحد بكامله ولاحظته إلى قصاص الشعر فكل ما يسعه فهو الجبهة التي تكفلت هذه النصوص ببيانها ، فالشبهة نشأت من تخيّل أنّ المراد بالحاجب مسمّاه ، أو خصوص طرف الأنف ، والغفلة عن صدقه على كل جزء منه يميناً وشمالاً بدواً وختماً كما عرفت.

(1) على المشهور ، بل بلا خلاف كما عن غير واحد. نعم ، نسب إلى ابن


1) الوسائل 6 : 355 / أبواب السجود ب 9 ح 1.

2) الوسائل 5 : 363.

3) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 4.

ويتحقّق المسمّى بمقدار الدرهم قطعاً ، والأحوط عدم الأنقص (1).


إدريس (1)وابن الجنيد (2)كلام يشعر بلزوم الاستيعاب ، حيث قالا فيما حكي عنهما إنّ من كان به علّة يجزيه الوضع بمقدار الدرهم ، وظاهره لزوم الاستيعاب مع عدم العلّة ، لكن النسبة لو صحّت فهو قول شاذ مخالف للإجماع كما عرفت ومحجوج عليه بالأخبار فإنّها صريحة في كفاية المسمّى ، ففي صحيحة زرارة المتقدِّمة : «فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك» ، وصحيحته الأُخرى : «إذا مسّ شي‌ء من جبهته الأرض ...» إلخ وفي موثقة عمار «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» وغيرها ممّا تقدّمت الإشارة إليها.

وليس في النصوص ما يشهد للاستيعاب عدا صحيحة علي بن جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن المرأة تطول قصتها فاذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض وبعض يغطيها الشعر هل يجوز ذلك؟ قال : لا ، حتّى تضع جبهتها على الأرض» (3).

لكن لا مناص من حملها على الفضل وكراهة البعض ، لما عرفت من الروايات الناصة بكفاية المسمّى (4).

(1) قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب وكفاية البعض ، إنّما الكلام في مصداق ذاك البعض وأنّه هل يعتبر فيه أن يكون بقدر الدرهم فلا يجزي الأقل


1) السرائر 1 : 225.

2) حكاه عنه في الذكرى 3 : 392.

3) الوسائل 5 : 363 / أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 5.

4) الصحيحة مشتملة على التعبير ب- «لا يجوز» الصريح في نفي الجواز ومثله لا يقبل الحمل على الكراهة كما لا يخفى. فالأُولى الخدش بإعراض الأصحاب عنها وإن لم يتم على مسلك سيِّدنا الأستاد أو ردّ علمها إلى أهله.

.................................................................................................


أو يكفي المسمّى وإن كان دون ذلك مع العلم بعدم كفاية السجود على مقدار الحمصة ، إذ لا يصدق معه السجود على الأرض ، بل هو حاجب ومانع عنه كما لا يخفى ، فلا يتحقّق في مثله المسمّى ، ومحل الكلام بعد فرض حصول المسمّى.

وكيف كان ، فالمشهور هو الثاني ، وظاهر الصدوق هو الأوّل ، حيث قال : ويجزي مقدار الدرهم ، وقد ذكر هذه العبارة في موضعين من الفقيه أحدهما : في باب ما يصح السجود عليه ، نقلاً عن والده (قدس سره) وأمضاه. الثاني : في باب صفات الصلاة وهو من كلام نفسه (قدس سره) (1)وظاهره أنّه حدّده بذلك ، فلا يجزي الأقل.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ ذلك من باب المثال ولا يريد به التحديد ، لأنّه (قدس سره) قال في صدر الكتاب إنِّي أعمل بكل رواية أرويها فيه وأنّه حجّة بيني وبين اللّه (2)، وقد نقل في المقام هذه الروايات الظاهرة في كفاية المسمّى فيظهر أنّه يعمل بهذه الأخبار ، فلا بدّ من حمل الدرهم على المثال.

نعم ، صرّح الشهيد في الذكرى بما لفظه : والأقرب أن لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر وكثير من الأصحاب به فيحمل المطلق من الأخبار وكلام الأصحاب على المقيّد (3). ونحوه ما عن الدروس (4)، وقد وقع الكلام في المراد من الخبر الّذي أشار إليه قال في الجواهر : وأشار بالخبر إلى صحيح زرارة السابق (5)أي المشتملة على لفظ الدرهم (6)السابقة في كلامه (قدس سره) ولكنّه


1) الفقيه 1 : 175 ، 205.

2) الفقيه 1 : 3.

3) الذكرى 3 : 389.

4) الدروس 1 : 180.

5) الجواهر 10 : 143.

6) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5.

ولا يعتبر كون المقدار المذكور مجتمعاً ، بل يكفي وإن كان متفرِّقاً مع الصدق (1) فيجوز السجود على السبحة غير المطبوخة (1)إذا كان مجموع ما وقعت عليه الجبهة بقدر الدرهم.


كما ترى ، فإنّه على خلاف المطلوب أدل ، لتضمنها عطف (2)طرف الأنملة على الدرهم الّذي هو أقل من الدرهم قطعاً ، وإلّا لما صحّ التقابل ، فهو أعلم بما قال. على أنّه (قدس سره) أسنده إلى الأصحاب ، مع أنّه أسند كثير إليهم وهو المعروف بينهم عدم اعتباره وكفاية المسمّى ، وهذا أيضاً لم يعرف وجهه.

وكيف ما كان ، فالصحيح ما عليه المشهور من كفاية المسمّى ، لإطلاق النصوص المتقدِّمة وعدم ما يصلح للتقييد. نعم ، ورد التحديد بالدرهم في الفقه الرضوي (3)ودعائم الإسلام ، بل إنّ عبارة الثاني أصرح لقوله «أقل ما يجزي أن يصيب الأرض من جبهتك قدر درهم» (4)لكن سندهما ضعيف جدّاً كما مرّ مراراً ، فلا يصلحان لمعارضة ما سبق.

(1) لإطلاق النصوص الدالّة على كفاية المسمّى كما مرّ ، الصادق حتّى مع التفرّق إذا لم يكن بمثابة يمنع عن الصدق ويعد من الحائل ، وعليه فيجوز السجود على السبحة مع تفرّقها بشرط الصدق المزبور ، سواء أكان مجموع ما تقع عليه الجبهة بالغاً حدّ الدرهم أم لا ، لما عرفت من عدم العبرة بهذا الحد ، لضعف مستنده وكفاية المسمّى حيثما تحقّق.


1) بل على المطبوخة أيضا.

2) صاحب الجواهر ملتفت إلى هذا ويجيب عنه بما ينبغي الملاحظة فراجع الجواهر 10 : 143.

3) فقه الرِّضا : 114.

4) المستدرك 4 : 458 / أبواب السجود ب 8 ح 1 ، الدعائم 1 : 164.

.................................................................................................


ومنه تعرف أنّ التقييد بذلك في المتن في غير محله. نعم ، بناءً على اعتبار الدرهم قد يستشكل في جواز السجود على مثل السبحة والحصى وإن بلغ المجموع مقدار الدرهم ، كما حكاه في الجواهر (1)عن شرح نجيب الدين وكأنّه لانصراف التحديد إلى صورة الاتِّصال ، فلا يكفي مع الانفصال والتفرّق ، كما قيل بمثل ذلك في مانعية الدم البالغ حدّ الدرهم في الصلاة من انصراف المنع إلى الدم المتّصل ، فالمتفرِّق في البدن أو اللباس لا يمنع وإن كان المجموع بقدر الدرهم ، لكن الانصراف بدوي في كلا المقامين كما لا يخفى.

هذا ويظهر من الجواهر جواز السجود على السبحة والحصى المتفرِّقة وإن لم يبلغ الدرهم ، حتّى بناءً على اعتبار هذا الحد استناداً إلى النص قال (قدس سره) ما لفظه : بل بعض نصوص الحصى وعدم وجوب التسوية لما يسجد عليه ربما تشهد للاجتزاء على تقدير اعتبار الدرهم أيضاً فتأمّل ، انتهى (2).

ولم يظهر مراده (قدس سره) من تلك النصوص ، إذ لم نظفر على رواية تدل على عدم وجوب التسوية ، بل إنّ النصوص الواردة في المقام حاكية عن أنّ الإمام عليه‌السلام كان يسوي بين الحصى ، وإن لم تدل هي لا على الوجوب ولا على عدم الوجوب لإجمال الفعل ، ففي موثقة يونس بن يعقوب المرويّة بطريقي الشيخ والصدوق قال : «رأيت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يسوي الحصى في موضع سجوده بين السجدتين» (3)، وفي رواية عبد الملك بن عمرو قال : «رأيت أبا عبد اللّه عليه‌السلام سوّى الحصى حين أراد السجود» (4).


1) الجواهر 10 : 145.

2) الجواهر 10 : 145.

3) الوسائل 6 : 373 / أبواب السجود ب 18 ح 2 ، التهذيب 2 : 301 / 1215 ، الفقيه 1 : 176 / 834.

4) الوسائل 6 : 373 / أبواب السجود ب 18 ح 4.

[1610] مسألة 2 : يشترط مباشرة الجبهة لما يصحّ السجود عليه (1) فلو كان هناك مانع أو حائل عليه أو عليها وجب رفعه حتّى مثل الوسخ الّذي على التربة إذا كان مستوعباً لها بحيث لم يبق مقدار الدرهم منها ولو متفرِّقاً خالياً عنه ، وكذا بالنسبة إلى شعر المرأة (2) الواقع على جبهتها ، فيجب رفعه بالمقدار الواجب ، بل الأحوط إزالة الطين اللّاصق بالجبهة في السجدة الأُولى (3) ، وكذا إذا لصقت التربة بالجبهة فانّ الأحوط رفعها ، بل الأقوى


(1) فإنّها المنصرف من الأمر بوضع الجبهة على الأرض ، فمع وجود الحائل في أحدهما المانع عن المباشرة لا يصدق الامتثال ، فالحكم مطابق للقاعدة مضافاً إلى استفادته من النصوص المانعة عن السجود على القلنسوة أو العمامة أو الشعر كصحيح عبد الرّحمن «عن الرجل يسجد وعليه العمامة لا يصيب وجهه الأرض قال : لا يجزيه ذلك حتّى تصل جبهته إلى الأرض» (1)، ونحوها صحيحة زرارة (2)وعلي بن جعفر وغيرهما (3). فلا إشكال في الحكم مضافاً إلى دعوى الإجماع عليه.

وعليه ، فيجب إزالة الحاجب حتّى مثل الوسخ الّذي على التربة إذا كانت له جرمية تستوعب سطحها ، ولم يعد من اللون في نظر العرف.

(2) لو أبدلها بالرجل كان أولى ، فإن ظهور شعرها ووقوعه على الجبهة بنفسه موجب للبطلان ، لوجوب الستر عليها إلّا أن يفرض كونها أمة ، بل يمكن فرضه في الحرة أيضاً كما لا يخفى ، وقد أُشير إليه في صحيحة علي بن جعفر المزبورة.

(3) تقدّم هذا الفرع في المسألة الرابعة والعشرين من فصل مسجد الجبهة من مكان المصلِّي (4)، وقد جزم (قدس سره) هناك بوجوب الإزالة وإن احتاط


1) الوسائل 5 : 362 / أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1 ، 2 ، 5.

2) الوسائل 5 : 362 / أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1 ، 2 ، 5.

3) الوسائل 5 : 362 / أبواب ما يسجد عليه ب 14 ح 1 ، 2 ، 5.

4) شرح العروة 13 : 173 المسألة [1372].

وجوب رفعها إذا توقف صدق السجود على الأرض أو نحوها عليه وأمّا إذا لصق بها تراب يسير لا ينافي الصدق فلا بأس به.


في المقام. وكيف كان ، فقد وقع الكلام في وجوب إزالة الطين ، أو رفع التربة اللّاصقة بالجبهة في السجدة الأُولى وعدمه. وربما يعلّل الوجوب بعدم صدق تعدّد الوضع المتوقف عليه صدق السجدتين لولا الرفع ، إذ بدونه فهو إبقاء للسجدة الاولى لا إحداث للأُخرى ، فلا يتحقّق معه التعدّد المأمور به ، بل المجموع سجود واحد مستمر.

وفيه : ما لا يخفى ، بداهة أنّ الوضع الّذي يتقوّم به مفهوم السجود لا يكفي في صدقه مجرد اللصوق والاتِّصال ، بل لا بدّ من الاعتماد والاستناد ، فلا وضع من غير اعتماد ، كما لا سجود. فحقيقة السجود عبارة عن إيجاد تلك الهيئة عن وضع واعتماد ، وعليه فبعد رفع الرأس عن السجدة الأُولى قد زالت تلك الهيئة وانعدم الوضع إذ لا اعتماد وقتئذ ، وإن كانت الجبهة بعدُ ملاصقة للتربة ، فلا يطلق عليه الساجد في هذا الحال بالضرورة ، وبعد تكرّر الهيئة فقد تحقّق وضع واعتماد جديد بعد أن لم يكن لتخلّل العدم بينهما ، فهو إحداث سجدة أُخرى لا إبقاء لما كان بالوجدان ، فتتحقّق معه السجدتان ويصدق التعدّد بلا ارتياب وإلّا فهل ترى جواز وضع الجبهة كذلك على الأرض مرّة أو مرّات عامداً لشكر ونحوه لا نظن أن يلتزم به الفقيه ، للزوم زيادة السجدة بلا إشكال. فهذا التقرير ساقط قطعا.

والأولى في تعليل الوجوب أن يقال : إنّ السجود بمفهومه اللغوي وإن كان حادثاً في المقام من دون الرفع أيضاً فإنّه لغة عبارة عن وضع الجبهة على الأرض سواء أكان ذلك مباشرة وبلا واسطة أم معها ، كما سبق في صدر

.................................................................................................


البحث (1)، إلّا أنّ الشارع قد اعتبر في هذا الوضع خصوصية المباشرة كما مرّ وإن لم يعتبر في بقية المحال بلا إشكال ، والأمر بالمباشرة كغيرها من سائر الواجبات ظاهر في الاحداث ، فلا يكفي الإبقاء بقصد الامتثال ، ولا أحداث في المقام ، فإنّ الجبهة كانت مباشرة مع التربة قبل الوضع على الأرض ، فهو إبقاء لما كان لا إحداث جديد.

والحاصل : أنّ السجود الشرعي يتقوّم بأمرين : الوضع ، وأن يكون عن مباشرة ، والإحداث وإن حصل في الأوّل لكنّه لم يتحقّق في الثاني فمن أجله لا بدّ من الرفع تحصيلاً للاحداث بالإضافة إليهما معا.

وبعبارة اخرى : لو كان السجود الشرعي متقوّماً بالوضع فحسب لما وجب الرفع ، لصدق تعدّده بدونه كما عرفت ، لكن المأخوذ في لسان النصوص عناوين أُخر يقتضي مراعاتها وجوب الرفع في المقام كعنوان السقوط إلى الأرض ، وإصابة الجبهة ومسها بها. ففي صحيح زرارة «فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك» (2)وفي موثق عمار «أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك» (3)ونحوها موثقة بريد (4)، وفي صحيحة زرارة الأُخرى «إذا مسّ جبهته الأرض» (5).

فان صدق هذه العناوين ولا سيما السقوط يتوقف على انفصال الجبهة عن الأرض الموقوف على الرفع ، إذ بدونه لا يصدق أنّ الجبهة سقطت أو أصابت أو مسّت الأرض ، بل المتّصف بهذه الأُمور هي الجبهة التي عليها التربة الحائلة بينها وبين الأرض دون الجبهة نفسها ، فانّ الحدوث ملحوظ في مفاهيم هذه العناوين كما عرفت ، فسقوط الجبهة على التربة لم يتحقّق وعلى الأرض وإن تحقّق لكنّه مع الحائل فيبطل السجود من هذه الجهة.


1) في ص 84.

2) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5 ، 4 ، 3 ، 1.

3) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5 ، 4 ، 3 ، 1.

4) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5 ، 4 ، 3 ، 1.

5) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5 ، 4 ، 3 ، 1.

.................................................................................................


هذا ، ويشهد لما ذكرناه من وجوب الرفع صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته أيمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها تراب؟ فقال : نعم ، قد كان أبو جعفر عليه‌السلام يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب» (1).

فانّ الظاهر أنّ السؤال إنّما هو عن الوجوب دون الجواز ، وذلك لأنّ المنقدح في ذهن السائل لو كان احتمال مانعية المسح في الصلاة بتخيّل أنّه فعل كثير فكان مقصوده السؤال عن الجواز وعدمه لكان حقّ العبارة أن يقول هكذا : «يمسح الرجل ...» إلخ بصيغة الجملة الخبرية كي يكون السؤال عن أنّ هذا المسح المفروض وقوعه هل هو قادح أم لا ، ومثله يجاب عنه ب- (لا بأس) كما وقع نظيره في الروايات كثيراً ، لكن الرواية ليست كذلك ، بل هي بصيغة الاستفهام فقال «أيمسح الرجل» ، إلخ الظاهر في السؤال عن الوظيفة الفعلية وأنّه هل يلزم عليه أن يمسح حينما يجد التراب لاصقاً بجبهته أم لا ، ومثله لا يجاب عنه ب- (لا بأس) كما في الأوّل بل ب- (نعم) أو (لا). فقوله عليه‌السلام : «نعم» ، ولا سيّما مع التعبير بصيغة الاستفهام يعطي قوّة الظهور في أنّ المسئول عنه هو الوجوب ، وقد أمضاه عليه‌السلام بقوله «نعم» فكأنه عليه‌السلام قال ابتداءً «يمسح الرجل ...» إلخ الّذي لا شك في ظهوره في الوجوب ، فدلالة الصحيحة على ما ذكرناه تامّة لا خدشة فيها.

ومن جميع ما ذكرناه يظهر أنّ وجوب رفع التربة اللّاصقة هو الأقوى وإن جعلناه أحوط في مبحث المكان (2)، وجعله الماتن كذلك في المقام. نعم ، إذا كان


1) الوسائل 6 : 373 / أبواب السجود ب 18 ح 1.

2) في المسألة الرابعة والعشرين من «فصل مسجد الجبهة من مكان المصلِّي» [شرح العروة 13 : 173].

وأمّا سائر المساجد فلا يشترط فيها المباشرة للأرض (1).

[1611] مسألة 3 : يشترط في الكفّين وضع باطنهما مع الاختيار (2)


التراب اللّاصق يسيراً جدّاً مثل الغبار ونحوه بحيث لا ينافي صدق السجود على الأرض ، لكونه بمنزلة العرض عرفاً لا يعد حائلاً لم تجب إزالته كما نبّه عليه في المتن.

(1) بلا خلاف ولا إشكال ، بل لعلّه يعد من الضروري ، وتقتضيه جملة وافرة من النصوص التي منها صحيحة زرارة «... وإن كان تحتهما ثوب فلا يضرّك وإن أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل» (1)وصحيحة حمران «كان أبي عليه‌السلام يصلِّي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها فاذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد» (2)وصحيحة الفضيل وبريد «لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض ...» إلخ (3)ونحوها غيرها.

على أنّ المقتضي لاعتبار المباشرة بالإضافة إليها قاصر في حدّ نفسه ، فإنّ الأمر بالسجود على الأرض ونباتها منصرف إلى وضع الجبهة بخصوصها الّذي هو المقوّم للسجود كما عرفت سابقاً ولا يشمل سائر المساجد.

(2) لانصراف الأمر بوضع اليدين على الأرض الوارد في النصوص إلى الباطن فإنّه المنسبق منه إلى الذهن ، ولا سيّما وأنّ المتعارف من لدن زمن النبيّ صلی اللّه عليه وآله إلى عصر صدور هذه الأخبار كان هو ذلك ، ولا ريب أنّ


1) الوسائل 6 : 385 / أبواب السجود ب 26 ح 2.

2) الوسائل 5 : 347 / أبواب ما يسجد عليه ب 2 ح 2.

3) الوسائل 5 : 344 / أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 5.

ومع الضرورة يجزي الظاهر (1)


النص منصرف إلى الشائع المتعارف ، فلا إطلاق فيه يعم الظاهر لدى التمكن من الباطن.

وتدل عليه أيضاً : صحيحة حماد (1)فإنّه وإن لم يصرّح فيها بالسجود على الباطن لكنّا نقطع بأنّه عليه‌السلام في مقام التعليم قد سجد على باطن كفّه على ما هو المتعارف ، حتّى وإن لم ينقله حماد ، إذ لو سجد عليه‌السلام على ظاهر الكف فحيث إنّه على خلاف المتعارف المعهود في مقام السجود فهو بطبيعة الحال لافت لنظر حماد فكان عليه أن ينقله كما نقل جميع الخصوصيات الصادرة عنه عليه‌السلام في صلاته ، بل إنّ هذا أحرى بالحكاية من كثير ممّا حكى كما لا يخفى ، فمن عدم التعرّض لذلك نكشف كشفاً قطعياً أنّه عليه‌السلام قد سجد على الباطن ، ثمّ قال عليه‌السلام في الذيل «يا حماد هكذا فصل» وظاهر الأمر الوجوب ، وأمّا الاستدلال بالتأسِّي فظاهر المنع كما مرّ غير مرّة إذ الفعل مجمل العنوان فلم يعلم صدوره منه صلی اللّه عليه وآله بعنوان الوجوب كي يشمله دليل التأسِّي.

(1) لعدم المقتضي لتقييد المطلقات بالإضافة إلى حال الضرورة ، فإنّ المقيّد منحصر في أحد أمرين كما مرّ ، إمّا الانصراف والتعارف الخارجي ، وإمّا صحيحة حماد ، وكلاهما مختصّان بفرض التمكّن ، أمّا الأوّل فظاهر ، وكذا الثاني ، لوضوح أنّ الإمام عليه‌السلام وكذا حماد المأمور بتلك الصلاة كانا متمكّنين من السجود على الباطن.

وعليه فاطلاقات الأمر بالسجود على الكف الشامل للظاهر والباطن مثل


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

.................................................................................................


قوله عليه‌السلام : إنّما السجود على سبعة أعظم ومنها الكفّان (1)غير قاصرة الشمول للمقام بعد سلامتها عن التقييد.

وأمّا الاستدلال لذلك بقاعدة الميسور ففيه ما لا يخفى ، إذ مضافاً إلى منع الكبرى ، لعدم تمامية القاعدة في نفسها كما مرّ مراراً لا صغرى لها في المقام ، فان ظاهر الكف مقابل للباطن ومباين له ، فكيف يعد ميسوراً منه ومن مراتبه ، وهل هذا إلّا كمن أمره المولى أن يذهب يميناً فعجز عنه ، فيحكم بوجوب ذهابه شمالاً لكونه ميسوراً منه.

وأمّا ما يدعى من أنّه مع الشك في تعين الظاهر لدى العجز عن الباطن فالأصل يقتضي التعيين بناءً على الرجوع إليه عند الشك في التعيين والتخيير فممّا لا محصل له.

إذ فيه أوّلاً : أنّ الدوران بين التعيين والتخيير لا صغرى له في المقام ، فان مورده ما إذا علم بالوجوب في الجملة وتردّد بين الأمرين ، وفي المقام لا علم بالوجوب أصلاً ، فإنّ السجود على الباطن قد سقط بالعجز حسب الفرض ، وأمّا على الظاهر فلم يعلم تعلّق التكليف به من أوّل الأمر ، فالأمر دائر بين وجوبه في هذا الحال معيّناً ، وبين سقوط التكليف به رأساً والاجتزاء بالمساجد الستّة ، ولا شك أنّ مقتضى الأصل البراءة للشك في حدوث تكليف جديد فأين التعيين والتخيير.

وثانياً : ما نقّحناه في الأُصول من أنّ الشك في التعيين والتخيير هو بعينه الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، ولا فرق بينهما إلّا في مجرّد العبارة وليست قاعدة أُخرى في قبالها ، فانّ الجامع بينهما وهو الأقل متيقّن ، وخصوصية التعيين وهي الأكثر مشكوكة والمرجع في مثله البراءة كما حرّر في محله (2).


1) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2.

2) مصباح الأُصول 2 : 453.

كما أنّه مع عدم إمكانه لكونه مقطوع الكف أو لغير ذلك ينتقل إلى الأقرب من الكف فالأقرب (1)من الذراع والعضد (1).

[1612] مسألة 4 : لا يجب استيعاب باطن الكفّين أو ظاهرهما بل يكفي المسمّى ولو بالأصابع (2)فقط أو بعضها ، نعم لا يجزئ وضع رؤوس الأصابع مع الاختيار (2)


(1) حكم (قدس سره) بالانتقال إلى الأقرب من الكف فالأقرب من الذراع والعضد ، وهذا مشكل بل ممنوع ، إذ لا دليل عليه عدا قاعدة الميسور التي تقدّم منعها صغرى وكبرى ، وعرفت أيضاً ما في دعوى أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير. إذن فالأشبه بالقواعد سقوط التكليف به ، والاجتزاء بالمساجد الستّة ، فانّ الواجب هو السجود على الكف باطناً أو ظاهراً كما مرّ الّذي هو المراد من اليد الواقعة معه في بقيّة الأخبار كما أشرنا إليه سابقاً وقد سقط بالتعذّر حسب الفرض ، ولا دليل على وجود بدل له والانتقال إليه. نعم لا ريب أنّ ما ذكره (قدس سره) هو الأحوط.

(2) قد عرفت عدم وجوب الاستيعاب في الجبهة ، فهل الحكم كذلك في الكفّين باطناً أو ظاهراً؟ المشهور ذلك ، بل عن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه ، فيكفي المسمّى وإن كان هو الأصابع ، لكن عن العلّامة في المنتهي (3)التردّد فيه حيث إنّ الاجتزاء بالبعض وكفاية المسمّى إنّما ثبت في الجبهة بالنص ، أعني صحيحة زرارة المتقدِّمة (4)وغيرها ، ولا دليل على الإلحاق والتعدِّي منه إلى المقام.


1) على الأحوط.

2) فيه اشكال ، والاحتياط لا يترك.

3) المنتهى 1 : 290 السطر 10.

4) في ص 109.

.................................................................................................


وأُجيب عنه كما في كلمات جماعة بأنّ الاجتزاء في المقام ليس من أجل الإلحاق والتعدِّي ، بل لكونه مقتضى إطلاق الأدلّة ، فالاستيعاب يحتاج إلى الدليل دون الاجتزاء وهو مفقود.

أقول : لا بدّ من التكلّم في موضعين : أحدهما : في وجود المقتضي للاستيعاب وعدمه. والثاني : في أنّه بعد وجوده فهل هناك ما يمنع عنه.

أمّا الأوّل : فظاهر المشهور عدمه ، لوجود الإطلاقات الدافعة لاحتمال الاستيعاب كما عرفت ، لكنّه لا يتم ، فان مقتضى الإطلاق في حدّ نفسه وإن كان ما ذكر ، ولذا يصدق ضرب اليتيم باليد أو وضع اليد على الحائط ونحوهما حتّى لو فعل ذلك مع جزء من الكف ولا ينسبق منه المجموع ، إلّا أنّ الظهورات ربّما تختلف باختلاف المتعلِّقات ، وحيث إنّ المتعلِّق في المقام هو السجود دون مثل الضرب ونحوه ، والمتعارف المعهود من السجود خارجاً إنّما هو وضع تمام الكف فينصرف الإطلاق إلى الاستيعاب لا محالة ، فلم يبق للأمر ظهور يعتمد عليه في الإطلاق. نعم ، المنصرف إليه إنّما هو الاستيعاب العرفي دون الحقيقي كما لا يخفى.

ويؤيِّده : بل يدل عليه صحيحة حماد (1)فإنّه وإن لم يذكر فيها أنّه عليه‌السلام سجد على تمام كفّه ، لكنّا نقطع بأنّه عليه‌السلام لم يسجد في مقام التعليم على خلاف ما هو المتعارف من مراعاة الاستيعاب العرفي وإلّا لنقله إلينا حماد ، فمن عدم النقل نقطع بأنّه عليه‌السلام سجد مستوعباً ثمّ قال عليه‌السلام في الذيل «يا حماد هكذا فصل». كما ذكرنا نظير هذا التقرير في السجود على باطن الكف على ما سبق (2). فالإنصاف أنّ المقتضي للاستيعاب تام


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

2) في ص 118.

.................................................................................................


وترديد العلّامة في محله.

وأمّا الثاني : أعني وجود المانع عن هذا المقتضي ، فيظهر من المحقِّق الهمداني (1)(قدس سره) أنّ المانع عنه هو التفريع المذكور في نصوص الجبهة التي منها وهي العمدة صحيحة زرارة «الجبهة كلّها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود فأيّما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك ...» إلخ (2)فانّ الحكم بالاجتزاء بسقوط أيّ جزء المساوق لعدم وجوب الاستيعاب متفرِّعاً ذلك على بيان حدّ الجبهة بقوله عليه‌السلام «فأيّما» يعطي سريان الحكم إلى جميع المساجد ومنها الكف وأنّه حكم عام قد طبّق على المقام ، فالتفريع بمنزلة العلّة وكأن هناك صغرى وكبرى مطويّة ، كأنه عليه‌السلام قال : هذا الحد كلّه مسجد ، وكل مسجد يكفي فيه البعض ، فيجتزى بكل ما سقط من الجبهة على الأرض.

ولكن الجواب عن هذا لعلّه ظاهر ، فانّ الروايات ليست بصدد بيان عدم وجوب الاستيعاب ، كيف وهذا من الواضحات الأوّلية التي يعرفها كل أحد حتّى الصبيان ، فانّ الجبهة مستديرة وفي مثلها يستحيل الاستيعاب ، إلّا إذا كانت الأرض تراباً بحيث تغمس فيها الجبهة ، وأمّا الصلب المسطح كما هو الأغلب فلا يعقل فيه ذلك وليس قابلاً للبحث عن وجوبه وعدمه.

بل الرواية في مقام التوسعة في حدّ الجبهة ، وأنّها صادقة على كل جزء ممّا بين الحاجبين إلى قصاص الشعر ، ولا تختص بما يلي طرف الأنف مثلاً ، ولأجله فرّع عليه جواز السجود على كل جزء منه ، فالتفريع ناظر إلى التوسعة في الصدق ، لا في مقام عدم وجوب الاستيعاب كي يستفاد منه ضابط كلِّي يشمل


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 342 السطر 8.

2) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5.

.................................................................................................


عامّة المساجد كما أفاد (قدس سره). ويشهد لذلك قوله عليه‌السلام في ذيلها «مقدار الدرهم» أو «مقدار طرف الأنملة» فهل يحتمل الاكتفاء بذلك في الكفّين أيضا.

ولا ينافي هذا ما قدّمناه (1)من الاستدلال بهذه الصحيحة ونحوها على عدم وجوب الاستيعاب ، فانّ المراد بذلك عدمه بالإضافة إلى الأجزاء الممكنة كما لا يخفى.

فالإنصاف : أنّ تردّد العلّامة في محله ، إذ المقتضي تام والمانع مفقود ، فمراعاة الاستيعاب العرفي لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه الأحوط.

وتؤيِّده : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث «قال : إذا سجدت فابسط كفّيك على الأرض» (2)فان دلالتها وإن تمّت لملازمة البسط للاستيعاب ، وظاهر الأمر الوجوب ، ولا يقدح ذكر الأرض فإنّه من باب المثال قطعاً ، لكون النظر مقصوراً على البسط ، وليست بصدد بيان ما يسجد عليه كي تدل على التقييد بالأرض الموجب للحمل على الاستحباب كما أُفيد لكنّها ضعيفة السند لضعف علي بن أبي حمزة ، مضافاً إلى ضعف طريق الشيخ (قدس سره) إليه.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما أفاده في المتن من كفاية وضع الأصابع فقط أو بعضها لا يمكن المساعدة عليه ، لعدم تحقّق الاستيعاب العرفي معه سيّما في البعض منها.

وهل يكفي وضع خصوص الراحة؟

مقتضى ما ذكرناه من الاستيعاب هو العدم ، لكن قد يستدلّ للجواز بما رواه العياشي عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام «أنّه سأله المعتصم عن السارق


1) في ص 109.

2) الوسائل 6 : 375 / أبواب السجود ب 19 ح 2.

كما لا يجزئ لو ضمّ أصابعه وسجد عليها مع الاختيار (1).


من أيّ موضع يجب أن تقطع يده؟ فقال : إنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع فيترك الكف. قال : وما الحجّة على ذلك؟ قال : قول رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : السجود على سبعة أعضاء : الوجه ، واليدين ، والركبتين والرجلين. فاذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. وقال اللّه ( أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً ) وما كان لله فلا يقطع ...» الخبر (1).

ودلالة الرواية وإن كانت تامّة ، لأنّ ظاهرها أنّ ما كان لله لا يقطع شي‌ء منه ولا يقع عليه القطع ، لا أنّه لا يقطع بتمامه ، فيظهر أنّ الكف الّذي يجب السجود عليه يراد به خصوص الراحة ، لكنّها ضعيفة السند من جهة الإرسال فلا يمكن الاعتماد عليها.

فظهر أنّ الأقوى عدم الاكتفاء بالراحة ، بل اللّازم مراعاة الاستيعاب العرفي للكف كما مرّ ، فلو وضع نصف تمام كفّه طولاً أو عرضاً لم يكن مجزيا.

(1) كما نفى عنه البعد في الجواهر ، دافعاً لاحتمال كون الأصابع حينئذ بمنزلة البساط والفراش بمنافاته للصدق العرفي (2)لكن هذا بناءً على كفاية المسمّى كما اختاره في المتن لا وجه له ، إذ يقع حينئذ مقدار من الراحة بالإضافة إلى الأصابع المتعارفة على الأرض لا محالة ، إلّا إذا فرض طول الأصابع بمثابة تستوعب الراحة لدى الضم الّذي هو فرد نادر وعلى خلاف المتعارف.


1) الوسائل 28 : 252 / أبواب حدّ السرقة ب 4 ح 5 ، تفسير العياشي 1 : 319 / 109.

2) الجواهر 10 : 146.

[1613] مسألة 5 : في الركبتين أيضاً يجزئ وضع المسمّى منهما ولا يجب الاستيعاب (1) ، ويعتبر ظاهرهما دون الباطن (2) والركبة مجمع عظمي الساق والفخذ فهي بمنزلة المرفق من اليد (3).


(1) لإطلاق الأدلّة ، بل الاستيعاب الحقيقي متعذِّر من جهة استدارتها كما مرّ في الجبهة.

(2) بل لا يمكن وضع الباطن خصوصاً مع السجود على الإبهام.

(3) كما هو ظاهر معناها عرفاً ولغة ، وعليه فمقتضى أصالة الإطلاق جواز السجود على أيّ جزء منها ، سواء أكان هو الجزء المتّصل بالساق أم المتّصل بالفخذ أم المحل المرتفع المتوسّط ما بينهما.

لكن يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) مراعاة الاحتياط بالسجود على الأخير ولو بالتمدد في الجملة ، وأنّه المراد من عين الركبة الواقع في صحيحة حماد قال (قدس سره) بعد تفسير الركبة بما عرفت ما لفظه : فينبغي حال السجود وضع عينيهما ولو بالتمدد في الجملة في السجود كما فعله الصادق عليه‌السلام في تعليم حماد كي يعلم حصول الامتثال (1).

أقول : يرد عليه أوّلاً : أنّه لم يثبت أنّ المراد بعين الركبة ما ذكره من العظم المستدير المرتفع المتخلِّل بين الطرفين الّذي يتوقف السجود عليه على مزيد التمدد ، بل ربما يظهر من بعض نصوص الركوع وغيرها أنّه الجزء المتّصل بالساق الّذي يقع جزء منه على الأرض لدى الجلوس مثنياً ، ويكون أسفل من العضو المرتفع في حال القيام ، ولا يحتاج إلى مزيد التمدد لدى السجود. ففي صحيح زرارة بعد بيان الاجتزاء في حدّ الركوع ببلوغ أطراف الأصابع إلى الركبتين


1) الجواهر 10 : 139.

[1614] مسألة 6 : الأحوط في الإبهامين (1)وضع الطرف من كل منهما دون الظاهر أو الباطن منهما (1)


قال عليه‌السلام «وأحبّ إليّ أن تمكن كفّيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة» (2).

فيظهر أنّ عين الركبة أسفل من ذاك العظم المستدير الّذي هو بمنزلة المرفق ولذا حثّ عليه‌السلام على مزيد الانحناء ، و

تمكين الكفّين من الركبتين بحيث تقع الأصابع على العضو الأسفل المتّصل بالساق الّذي عبّر عليه‌السلام عنه بعين الركبة.

وثانياً : لو سلّم أنّ المراد بعين الركبة ما ذكره وسلم وقوعه في صحيحة حماد ، مع أنّ النسخ مختلفة ، وبعضها عارية عن لفظة «عين» لا دلالة فيها على وجوب ذلك وإن صدر منه عليه‌السلام كذلك ، لتصريحه عليه‌السلام فيها على رواية الكافي (3)بأنّ الواجب من المساجد سبعة : وهي الجبهة والكفّان ، والركبتان ، والإبهامان ، فلو كان الواجب عينها وهو في مقام التحديد والتعليم وبصدد بيان تمام ما هو الواجب من مواضع السجود لقيّد الركبة بها ، فيعلم أنّ صدوره منه عليه‌السلام من باب إيجاد الطبيعة في ضمن أحد الأفراد أو أفضلها ، لا لوجوبه بالخصوص ، سيّما مع اشتمال الصحيحة على جملة من المستحبّات ، ومنه تعرف عدم كون المقام من موارد حمل المطلق على المقيّد.

(1) أشرنا فيما سبق إلى أنّ الواجب إنّما هو السجود على خصوص الإبهامين


1) جواز وضع الظاهر أو الباطن منهما لا يخلو من قوّة.

2) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

3) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 2 ، الكافي 3 : 311 / 8.

.................................................................................................


فان نصوص المقام وإن اختلفت وقد عبّر في بعضها بالرجلين كما في صحيحة القداح (1)لكن يجب تقييدها بالإبهامين المصرّح بهما في البعض الآخر كصحيحة زرارة (2)وحماد (3)وغيرهما ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.

وهل الواجب وضع خصوص الطرف من الإبهام أو يتخيّر بينه وبين الظاهر أو الباطن؟

ذهب جمع إلى الأوّل ، استناداً إلى صحيحة حماد المتضمِّنة أنّه عليه‌السلام سجد على أنامل إبهامي الرجلين. وفي الجواهر أنّه أحوط بل لعلّه متعيِّن (4).

أقول : أمّا الاحتياط فممّا لا شك فيه ، وأمّا التعيّن فلا ، لقصور الصحيحة عن إثباته. أمّا أوّلاً : فلأنه لم يثبت أنّ الأنملة هي خصوص رأس الإصبع وطرفه بل يظهر من بعض أهل اللغة أنّها العقد الأخير من الأصابع.

وأمّا ثانياً : فعلى تقدير التسليم لا يدل فعله عليه‌السلام على الوجوب لتصريحه عليه‌السلام فيها عند عدّ المساجد على رواية الكافي بالإبهامين (5)كما قدّمنا نظير هذا آنفاً في الركبتين ، فالأقوى جواز السجود على كل من الطرف أو الظاهر أو الباطن ، لصدق الإبهام على الجميع وإن كان الأوّل أحوط وأمّا ما عن الموجز (6)من اعتبار وضع ظاهر الأصابع فلم يظهر له مستند أصلا.


1) الوسائل 6 : 345 / أبواب السجود ب 4 ح 8.

2) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2.

3) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

4) الجواهر 10 : 141.

5) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 2 ، الكافي 3 : 311 / 8.

6) الموجز (الرسائل العشر) : 81.

ومن قطع إبهامه يضع ما بقي منه (1) وإن لم يبق منه شي‌ء أو كان قصيراً يضع سائر أصابعه (1). ولو قطع جميعها يسجد على ما بقي من قدميه ، والأولى والأحوط ملاحظة محل الإبهام.

[1615] مسألة 7 : الأحوط الاعتماد على الأعضاء السبعة (2) بمعنى إلقاء ثقل البدن عليها ، وإن كان الأقوى عدم وجوب أزيد من المقدار الّذي يتحقّق معه صدق السجود ، ولا يجب مساواتها في إلقاء الثقل ولا عدم مشاركة غيرها معها من سائر الأعضاء كالذراع وباقي أصابع الرجلين.


(1) لصدق الإبهام عليه فيشمله الإطلاق. وأمّا ما أفاده (قدس سره) من وجوب وضع سائر الأصابع لو لم يبق من الإبهام شي‌ء ، أو كان قصيراً في حدّ نفسه بحيث فرض عدم التمكن من السجود عليه وان كان الفرض نادراً إذ لا أقل من جعل سائر الأصابع في حفيرة والسجود على الإبهام الخارجة عنها وأنّه عند قطع الجميع يسجد على ما بقي من قدميه مع ملاحظة محل الإبهام فكل ذلك مبني على الاحتياط ، إذ ليس له مستند صحيح عدا ما يتوهّم من قاعدة الميسور التي هي ممنوعة كبرى كما مرّ مراراً ، وكذا صغرى ، لمباينة بقية الأصابع مع الإبهام ، وكذا سائر القدم ، فكيف تعد ميسوراً منه ومن مراتبه كما قدّمنا مثل ذلك في باطن الكف وظاهرها (2).

(2) بل هو الأقوى ، لما مرّ مراراً من تقوّم مفهوم السجود عرفاً ودلّت عليه بعض النصوص أيضاً بالوضع المتوقف صدقه على الاعتماد وإلقاء الثقل ، فلا يكفي مجرّد المماسة ، كما لو علّق بحبل ونحوه ، أو جعل سناداً تحت بطنه أو


1) هذا الحكم وما بعده مبني على الاحتياط.

2) في ص 119.

[1616] مسألة 8 : الأحوط كون السجود على الهيئة المعهودة (1) ، وإن كان الأقوى كفاية وضع المساجد السبعة بأيّ هيئة كان ما دام يصدق السجود كما إذا ألصق صدره وبطنه بالأرض ، بل ومدّ رجله أيضاً ، بل ولو انكبّ على وجهه لاصقاً بالأرض مع وضع المساجد بشرط الصدق المذكور ، لكن قد يقال بعدم الصدق (1)وأنّه من النوم على وجهه.


صدره مع لصوق المساجد السبعة بالأرض من دون اعتماد عليها ، فانّ ذلك ليس من السجود على الأعضاء السبعة في شي‌ء. نعم لا يلزم انحصار الثقل بها فلا يقدح مشاركة غيرها معها في الثقل كالذراع والسناد ونحوهما ، للإطلاق كما لا تعتبر مساواة الأعضاء في ذلك ، فلو كان ثقله على إحدى ركبتيه أو يديه أكثر لم يكن قادحاً ، لما عرفت من الإطلاق.

(1) فإنّ الظاهر أنّ حقيقة السجود تتقوّم بهيئة خاصّة وهي المتعارفة المعهودة المقابلة للركوع والقيام والقعود والاضطجاع ونحوها من سائر الهيئات ، فلا يكفي مجرد وضع المساجد كيف ما اتّفق من دون مراعاة هذه الهيئة ، كما لو انكبّ على وجهه فإنّه نوم لا سجود وإن حصل معه وضع الأعضاء السبعة على الأرض ، فليس كل وضع سجوداً ، بل السجود يعتبر فيه الوضع المزبور فالنسبة بينهما عموم مطلق.

فما حكاه في المتن عن بعض من عدم صدق السجود في هذه الصورة ، وأنّه من النوم على وجهه هو الصحيح الّذي لا ينبغي الرّيب فيه. نعم ، بعد تحقّق الهيئة السجودية لا يعتبر مساواة الأعضاء من حيث التقديم والتأخير ، بأن تكون على نسق واحد ، فلا ضير في تقديم إحدى الركبتين أو الرجلين على


1) الظاهر صحّة هذا القول.

[1617] مسألة 9 : لو وضع جبهته على موضع مرتفع (1) أزيد من المقدار المغتفر كأربع أصابع مضمومات فان كان الارتفاع بمقدار لا يصدق معه السجود عرفاً جاز رفعها ووضعها ثانياً ، كما يجوز جرّها (1)وإن كان بمقدار يصدق معه السجدة عرفاً فالأحوط الجرّ لصدق زيادة السجدة مع الرفع ، ولو لم يمكن الجرّ فالأحوط الإتمام والإعادة.


الأُخرى ، أو وضع إحدى اليدين دون الجبهة ، والأُخرى أعلى منها مع فرض مراعاة الاستقبال لإطلاق الأدلّة.

(1) قسّمه (قدس سره) على قسمين : فتارة يكون الارتفاع بمثابة لا يصدق معه السجود العرفي ، وأُخرى يصدق عرفاً ولكنّه لا يصدق شرعاً لزيادته عن اللبنة يسيراً ، كما لو كان الارتفاع بمقدار خمس أصابع مثلاً ، فانّ السجود العرفي صادق حينئذ ، وإنكاره كما عن صاحب الجواهر (قدس سره) (2)زاعماً أنّ المساواة شرط في مفهوم السجود العرفي لم نتحقّقه بل ممنوع كما لا يخفى.

أمّا القسم الأوّل ، فقد يكون الوضع كذلك عمداً ، وأُخرى سهوا.

أمّا في صورة العمد ، فلا ينبغي الإشكال في البطلان إذا كان ذلك بقصد الجزئية لصدق الزيادة العمدية ، فيشمله قوله عليه‌السلام : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3)إذ لا يعتبر في صدق الزيادة أن يكون الزائد من سنخ أجزاء


1) فيه إشكال ، والأظهر وجوب الرفع ووضع الجبهة على أرض غير مرتفعة والأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها.

2) الجواهر 10 : 153.

3) الوسائل 8 : 231 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

.................................................................................................


الصلاة ، بل كل ما أتى به بعنوان الجزئية ولم يكن جزءاً كان زائداً في الصلاة سواء أكان من أجزائها أم لا كما في المقام ، حيث إنّ الزائد ليس من السجود في شي‌ء حسب الفرض ، فالزيادة صادقة من الآن سواء سجد بعدئذ أم لا.

كما لا ينبغي الإشكال في الصحّة إذا لم يقصد به الجزئية ، بل أتى به بداع آخر من حك الجبهة ونحوه ، لعدم صدق الزيادة بعد تقوّمها بالقصد المزبور ، فغايته أنّه عمل عبث في الصلاة لا ضير فيه بعد أن لم يكن ماحياً لصورتها ، فلو رفع رأسه وأتى بالسجود الشرعي بعده صحّت صلاته.

إنّما الكلام في صورة السهو ، فهل يتعيّن عليه الرفع حينئذ والوضع ثانياً في المكان السائغ أم يجزيه الجر إليه فهو مخيّر بين الأمرين؟

اختار الثاني في المتن ، والأقوى هو الأوّل ، لما عرفت سابقاً (1)من أنّ المعتبر في السجود إحداث الوضع وسقوط الجبهة على الأرض ، فلا ينفعه الجر ، فإنّه إبقاء للوضع السابق وليس إحداثاً لوضع جديد ، فلا مناص من الرفع مقدّمة للاحداث ولا ضير فيه ، إذ لا يترتّب عليه زيادة السجدة ، إذ الأُولى لم تكن من السجود في شي‌ء حتّى عرفاً فلم يتكرّر كي يكون زائداً ، على أنّ زيادة السجدة الواحدة سهواً مغتفرة بلا إشكال.

وتؤيِّده رواية الحسين بن حماد قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع ، فقال : ارفع رأسك ثمّ ضعه» (2)لكنّها ضعيفة السند ، فانّ الحسين بن حماد لم يوثق وإن كان السند من غير ناحيته صحيحاً فإن أبا مالك الحضرمي هو الضحّاك الّذي وثّقه النجاشي ، بل قال إنّه ثقة ثقة (3)


1) في ص 114.

2) الوسائل 6 : 354 / أبواب السجود ب 8 ح 4.

3) رجال النجاشي : 205 / 546.

.................................................................................................


ومن هنا لا تصلح إلّا للتأييد (1)، هذا.

وربما يستدل على وجوب الجر بصحيحة معاوية بن عمار قال «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرّها على الأرض» (2). والنبكة هي التل محدّداً كان أم لا. فان مقتضى إطلاقها وجوب الجر وعدم جواز الرفع ، سواء أكان الموضع ممّا يتحقّق معه السجود العرفي أم لا.

ويندفع بأنّ الرواية وإن كانت صحيحة من حيث السند ، إذ أنّ محمّد بن إسماعيل الّذي يروي عن الفضل بن شاذان ويروي عنه الكليني كثيراً وإن لم يوثق في كتب الرِّجال ، لكن يكفي وقوعه في كامل الزيارات بعين هذا السند لكنّها قاصرة الدلالة بالإضافة إلى المقام ، إذ الظاهر انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي ، لأنّ سياقها يشهد بأنّ المانع هو خصوص العلو مع تحقّق الوضع المعتبر في السجود العرفي ، وإلّا فمع عدم تحقّقه كان المعنى هكذا : إذا لم تسجد فاسجد وهو كما ترى. فالإنصاف أنّ الصحيحة ناظرة إلى القسم الثاني وليست من المقام. فظهر أنّ المتعيِّن في هذا القسم تعيّن الرفع وليس له الجر.

وأمّا القسم الثاني ، فقد يكون أيضاً عن عمد وأُخرى عن سهو.

أمّا العمد ، فلا ينبغي الإشكال في البطلان ، سواء أقصد به الجزئية أم لا لصدق الزيادة العمدية. أمّا في الأوّل فظاهر ممّا مرّ ، وكذا الثاني لما استفيد ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلِّلاً بأنّها زيادة في المكتوبة


1) لا يبعد انصرافها إلى ما صدق معه السجود العرفي على حذو ما أفاده (دام ظلّه) في صحيحة معاوية الآتية فتكون خارجة عن محل الكلام ، مضافاً إلى معارضتها في موردها بروايته الأُخرى الآتية.

2) الوسائل 6 : 353 / أبواب السجود ب 8 ح 1.

.................................................................................................


• مع أنّ المأتي به حينئذ سجود التلاوة دون الصلاة من أنّ السجود ويلحقه الركوع بالأولوية يمتاز عن غيره بعدم اعتبار قصد الجزئية في اتِّصافه بعنوان الزيادة ، فتشمله أدلّة الزيادة القادحة من غير انتظار للرفع والوضع ثانياً ، فان هذا العنوان صادق من الآن ومنطبق على الوضع الأوّل المتحقق معه السجود العرفي على الفرض - من حين تحقّقه ولا يناط بتكرّره. وأمّا الجر تحقيقاً للسجود المأمور به فلا يكاد ينفع ، لاعتبار الأحداث في الوضع على ما دون اللبنة المتقوّم به السجود المزبور كما يفصح عنه قوله عليه‌السلام في صحيحة ابن سنان «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» (1)فاعتبرت المساواة في موضع الجبهة أي محل وضعها ، فلا بدّ أن يكون الوضع حادثاً في المكان المساوي ، ومن الواضح أنّ هذا العنوان لا يتيسّر بالجر فإنّه إبقاء للوضع السابق لا إحداث للوضع على ما دون اللبنة ابتداءً ، اللّازم رعايته بمقتضى الصحيحة ، وهي وإن دلّت على اعتبار الحدوث في موضع البدن أيضاً بمقتضى وحدة السياق فلا ينفع الجر فيه ، كما لم ينفع في موضع الجبهة ، لكن ثبت الاكتفاء فيه من الخارج بالقطع والإجماع وهو الفارق بين الموضعين. فلا مناص في المقام من الحكم بالبطلان الّذي هو مطابق للقاعدة.

فما في بعض الكلمات من الحكم بالصحّة مع الجر وأنّه المطابق للقاعدة مستشهداً عليه بصحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة : «إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرها على الأرض» ،

فيه : ما لا يخفى ، فإنّ القاعدة قد عرفت حالها. وأمّا الصحيحة فليست ممّا نحن فيه ، لانصرافها عن صورة العمد ، كما يكشف عنه قوله عليه‌السلام : «فلا ترفعها» ، فإنّ النهي عن الرفع إنّما يتّجه مع وجود المقتضي له ، كما لو أراد


1) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 1.

.................................................................................................


الوضع في مكان فنسي أو أخطأ فوضع في مكان آخر ثمّ تذكّر ، فإنّ المقتضي للرفع وتجديد الوضع حاصل في مثله جرياً على إرادته السابقة وتنفيذاً للقصد الأوّل الّذي عنه ذهل ، بخلاف صورة العمد إذ لم يقصد ما عداه ، فلا مقتضي للرفع كي ينهى عنه كما لا يخفى.

وعلى الجملة : فالصحيحة لا تشمل المقام ، والجر لا يوجب الاحداث ، والرفع لا أثر له بعد تحقّق الزيادة ، فلا محيص عن الحكم بالبطلان عملاً بالقواعد السليمة عن المخصص ، هذا كلّه في العمد.

وأمّا السهو ، فمقتضى القاعدة وجوب الرفع وعدم الاجتزاء بالجر ، أمّا الثاني ، فلما عرفت من حديث الاحداث. وأمّا الأوّل ، فلعدم محذور فيه غايته زيادة سجدة واحدة سهواً وهي مغتفرة بلا إشكال ، لكنّا نخرج عن مقتضاها استناداً إلى صحيحة معاوية بن عمار المتقدِّمة الناهية عن الرفع ، والآمرة بالجر فتكون مخصّصة للقاعدة لا محالة.

وتؤيِّده : رواية الحسين بن حماد الأُخرى قال : «قلت له عليه‌السلام أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على موضع مرتفع أُحول وجهي إلى مكان مستو ، فقال : نعم ، جر وجهك على الأرض من غير أن ترفعه» (1)لكنّها ضعيفة السند لعدم توثيق الحسين كما مرّ ، وإن كان الراوي عنه هنا عبد اللّه بن مسكان الّذي هو من أصحاب الإجماع ، لما تكرّر في مطاوي هذا الشرح من أنّ كون الراوي من أصحاب الإجماع لا يقتضي إلّا وثاقته في نفسه لا توثيق من يروي عنه ، ومن هنا لا تصلح الرواية إلّا للتأييد.

على أنّه يمكن النقاش في دلالتها باحتمال كونها ناظرة إلى ما إذا تحقّق معه السجود العرفي والشرعي ، فلم يكن الارتفاع في موضع الجبهة أزيد من اللبنة


1) الوسائل 6 : 353 / أبواب السجود ب 8 ح 2.

[1618] مسألة 10 : لو وضع جبهته على ما لا يصح السجود عليه (1) يجب عليه الجر (1)ولا يجوز رفعها ، لاستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجرّ ذلك ، ومن هنا يجوز له ذلك مع الوضع على ما يصح أيضاً لطلب


غير أنّه أراد الرفع طلباً للاستقرار الحقيقي وتحرِّياً للفرد الأفضل ، فيكون خارجاً عن محل الكلام.

هذا كلّه إذا تمكّن من الجر ، وأمّا مع عدم التمكّن فالظاهر البطلان ، فان وجوب الجر ساقط بعد فرض العجز فهو مرفوع بحديث نفي الاضطرار ، ولا سبيل إلى الرفع لإطلاق النهي عنه في صحيحة معاوية الشامل للمقام حيث دلّت على أنّ الوظيفة ليست هي الرفع ، وإطلاقها يشمل العجز عن الجر ، فلا مناص من الحكم بالبطلان.

والتصدِّي للتصحيح بدعوى أنّ الساقط خصوص جزئية الجر بمقتضى حديث نفي الاضطرار ، فلا موجب لعدم الاكتفاء بالباقي ، يدفعه أنّ الحديث لا يقتضي تعلّق الأمر بالباقي ، فإن رفع الجزئية إنّما هو برفع منشأ الانتزاع وهو الأمر المتعلِّق بالمركب ، وبعد سقوطه يحتاج تعلّق الأمر بما عداه من الأجزاء إلى دليل مفقود كما تعرّضنا لذلك في الأُصول (2)فلا محيص عن الاستئناف وإعادة الصلاة.

(1) أمّا إذا كان ذلك عن قصد وعمد فلا ينبغي الشك في البطلان سواء أقصد به الجزئية أم لا ، من جهة الزيادة العمدية الحاصلة بمجرد تحقّق السجود


1) بل يجب عليه الرفع والوضع ثانياً ، ولو كان الالتفات بعد رفع الرأس وجبت إعادة السجدة ، والأحوط في جميع ذلك إعادة الصلاة بعد إتمامها.

2) مصباح الأُصول 2 : 267.

الأفضل أو الأسهل ونحو ذلك ، وإذا لم يمكن إلّا الرفع ، فان كان الالتفات إليه قبل تمام الذكر فالأحوط الإتمام ثمّ الإعادة ، وإن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي كما لو التفت بعد رفع الرأس ، وإن كان الأحوط الإعادة أيضا.


على ما لا يصح من غير توقف على الرفع وتجديد الوضع كما عرفت في المسألة السابقة.

وأمّا إذا كان سهواً فالظاهر وجوب الرفع والوضع ثانياً على ما يصح ، إذ لا يترتّب عليه عدا زيادة سجدة واحدة سهواً وهي غير قادحة بلا إشكال. وقد عرفت أنّ الجر على خلاف القاعدة ، إذ لا يتحقّق معه الاحداث المعتبر في الوضع المتقوّم به السجود ، وإنّما قلنا به في المسألة السابقة من أجل النص غير الشامل للمقام كما هو ظاهر ، فوجوب الرفع هنا مطابق للقاعدة السليمة عن المخصّص.

ويؤيِّده : ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليه‌السلام «أنّه كتب إليه يسأله عن المصلِّي يكون في صلاة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع فاذا رفع رأسه وجد السجادة ، هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها؟ فكتب إليه في الجواب : ما لم يستو جالساً فلا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» (1).

ونوقش فيها تارة من حيث السند ، إذ أنّ الطبرسي يرويها عن الحميري مرسلا.

وأُخرى : من حيث المضمون واضطراب المتن ، لعدم استقامة الجواب في حدّ نفسه ، إذ بعد فرض عدم استوائه في جلوسه الملازم لرفع رأسه فأيّ معنى


1) الوسائل 6 : 354 / أبواب السجود ب 8 ح 6 ، الاحتجاج 2 : 570.

.................................................................................................


بعدئذ لقوله عليه‌السلام : «لا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة» وهل هذا إلّا من تحصيل الحاصل. على أنّ الجواب غير مطابق للسؤال ، فانّ المسئول عنه هو الاعتداد بتلك السجدة وعدمه ، فالجواب بعدم البأس في رفع الرأس لا ينطبق عليه ، إذ لم يظهر بعدُ حكم الاعتداد الواقع في السؤال.

ويمكن الجواب عن الأوّل : بأنّها وإن كانت مرسلة في هذا السند لكن الشيخ رواها في كتاب الغيبة بسند صحيح (1)كما نبّه عليه صاحب الوسائل (قدس سره) في المقام حيث قال : ورواه الشيخ في كتاب الغيبة بالإسناد الآتي وسنده (قدس سره) إلى الحميري بوساطة محمّد بن أحمد بن داود القمي الّذي هو من أجلّاء الأصحاب كما ذكره النجاشي (2)والشيخ (قدس سره) وإن لم يدركه لأنّه توفي قبل ولادة الشيخ ، لكنّه يروي عنه بواسطة مشايخه كالغضائري وابن عبدون وغيرهما كما صرّح به في الفهرست (3).

وعن الثاني : بأنّ في الكلام تقديماً وتأخيراً حيث إنّ قوله عليه‌السلام «ما لم يستو ...» إلخ متعلِّق بقوله عليه‌السلام : «فلا شي‌ء عليه» ، فكأنه قال هكذا : لا شي‌ء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة ما لم يستو جالساً. فرخص عليه‌السلام في رفع الرأس بمقدار يسير ومشروطاً بأن لا يستوي جالساً ، لا أنّه قبل الاستقرار رخص في رفع الرأس كي يكون من تحصيل الحاصل ، فليست الجملة شرطية ، بل القيد راجع إلى الذيل كما عرفت.

ومنه يظهر الجواب عن عدم المطابقة للسؤال ، إذ بعد حكمه عليه‌السلام برفع الرأس طلباً للخمرة يظهر أنّه لا يعتد بتلك السجدة وإلّا لم يكن له الرفع حتّى يسيراً كما لا يخفى.


1) الغيبة : 380 / 346.

2) رجال النجاشي : 384 / 1045.

3) الفهرست : 136 / 592.

.................................................................................................


فالإنصاف : أنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة المتن من غير تشويش ولا يرد عليها شي‌ء ممّا ذكر ، ولكنّها مع ذلك لا تصلح للمقام إلّا تأييداً ، ولا يمكن الاستدلال بها ، فان موردها صلاة الليل الظاهرة في نافلته ، وهي لمكان الاستحباب قد يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرائض ، لابتنائها على الإرفاق والتسهيل ، وربّما لا يعتبر فيها ما يعتبر في الفرائض كما يشهد به بعض المقامات ولعل المقام منها ، فلا يمكن التعدِّي عن موردها كما أشار إليه في الجواهر (1).

وكيف ما كان ، ففيما ذكرناه من التمسّك بالقاعدة التي مقتضاها وجوب الرفع مقدّمة لتحقيق السجود المأمور به غنى وكفاية ، ولا حاجة إلى هذه الرواية ، وقد عرفت أنّ غاية ما هناك زيادة سجدة واحدة وأنّها حاصلة بمجرد الوضع السابق ، ولم تكن مترتِّبة على الرفع والوضع ثانياً ، وحيث إنّها سهوية لم تكن قادحة. فما ذكره في المتن من المنع عن الرفع معلِّلاً باستلزامه زيادة السجدة ولا يلزم من الجر ذلك في غير محلّه.

كما أنّ قياسه المقام على ما لو سجد على ما يصح فأراد الجر طلباً للأفضل أو الأسهل الجائز بلا إشكال مع الفارق ، بداهة حصول السجود المأمور به في المقيس عليه من غير خلل فيه ، فالتصدِّي للجر طلباً للأفضل ممّا لا ضير فيه وقد دلّت عليه أيضاً رواية صحيحة ، وأمّا في المقام فغير حاصل ، لما عرفت من لزوم إحداث الوضع على ما يصح مباشرة ولم يتحقّق على الفرض ، والجر غير نافع في تحقيقه فإنّه إبقاء للوضع السابق وليس إحداثاً لوضع جديد ، وإلّا فلو بني على كفاية الجر في تحقيق السجود المأمور به كان اللّازم الاكتفاء به حتّى في صورة العمد والاختيار ، فله أن يضع جبهته على ما لا يصح عالماً عامداً ثمّ يجره إلى ما يصح السجود عليه ، ولا يظن أن يلتزم به الفقيه.

فيكشف هذا كشفاً قطعياً عن عدم تحقّق السجود المأمور به من أجل فقده


1) الجواهر 10 : 162.

.................................................................................................


شرط الاحداث ، وأنّه لا يكاد يمكن تحصيله إلّا بالرفع ، وأنّ ما وقع سجود عرفي بحت لا يمكن تتميمه بالجر ، وبما أنّه لم يكن من أجزاء الصلاة فيقع على صفة الزيادة لا محالة من لدن وقوعه سواء أتعقب بالرفع أم لا ، فالزيادة حاصلة على كل حال ، وحيث إنّه كان مستنداً إلى السهو فزيادته غير قادحة.

وملخص الكلام مع تنقيح المقام : أنّ من وقعت جبهته على ما لا يصح فقد يكون الالتفات قبل رفع الرأس ، وأُخرى بعده فهنا فرعان.

أمّا الفرع الأوّل ففيه قولان : وجوب الجر كما اختاره في المتن تبعاً للجواهر (1)بل نسب ذلك إلى المشهور ، ووجوب الرفع كما اختاره في الحدائق (2). ومبنى القولين بعد وضوح عدم نص في البين عدا التوقيع الّذي عرفت حاله ، فلا بدّ من الجري على ما تقتضيه القواعد أنّ اعتبار السجود على ما يصح هل من شرائط المكان وقيد معتبر في محل الجبهة سواء أحصل ذلك حدوثاً أم بقاءً ، أو انّه قيد ملحوظ في نفس السجود وأنّ اللّازم هو الوضع على ما يصح ابتداءً ووقوع الجبهة عليه حدوثاً ، ولا يكفي بقاءً واستدامة.

فعلى الأوّل : تعيّن الجر ، إذ السجود الحاصل وإن لم يكن بعدُ شرعياً ومن أجزاء الصلاة إلّا انّه لمكان صلوحه لذلك ولو بمعونة الجر لفرض كفاية البقاء لم يكن موصوفاً بالزيادة ، وانّما يتّصف بها بعد الرفع والوضع ثانياً ولأجل ذلك لا يجوز الرفع لاستلزامه زيادة السجدة عمداً ، إذ كان في وسعه الاقتصار على هذه السجدة وتتميمها ، فباختياره زاد سجدة أُخرى. فلا مناص من وجوب الجر حذراً عن هذا المحذور المترتِّب على الرفع كما علّله به في المتن.

وعلى الثاني : تعيّن الرفع ، إذ بعد فرض اعتبار الاحداث فهذا السجود غير قابل للإصلاح ، ولا يمكن عدّه من أجزاء الصلاة إذ لا ينفعه الجر كما مرّ ، ولازمه


1) الجواهر 10 : 159.

2) الحدائق 8 : 287.

.................................................................................................


اتِّصافه بالزيادة حينما وقع سواء أتعقبه الرفع والوضع أم لا ، فالزيادة حاصلة على كل حال ، وحيث إنّها سهوية لم تكن قادحة. فلا مناص من تعيّن الرفع والإتيان بالسجدة المأمور بها ، هذا.

ولأجل أنّ المتعيِّن هو المبنى الثاني لما استفيد من النصوص من اعتبار الحدوث لمكان التعبير بالسقوط والوضع ونحوهما الظاهر في ذلك فالأقوى هو الرفع وعدم كفاية الجر ، وإلّا لانتقض بصورة العمد الّذي لا يظن أن يلتزم به الفقيه كما مرّت الإشارة إليه.

هذا كلّه مع التمكّن من الجر ، وأمّا مع العجز عنه فبناءً على المختار من وجوب الرفع عند التمكن فمع العجز بطريق أولى كما لا يخفى.

وأمّا بناءً على المسلك الآخر فالمشهور وجوب الرفع حينئذ ، بل في المدارك (1)دعوى الإجماع عليه وهو الظاهر من عبارة المتن وإن احتاط بالإعادة بعد الإتمام ، إذ يبعد إرادته الإتمام من غير رفع وإلّا لم يكن وجه لقوله : وإذا لم يمكن إلّا الرفع ، بل كان الأحرى أن يقول : وإذا لم يمكن الجر ، فيظهر من هذا التعبير المشعر بالعناية بالرفع لزوم مراعاته ، وهو الّذي ادّعى في المدارك الإجماع عليه كما عرفت. وحينئذ ينافيه ما تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الثامنة والعشرين من فصل مسجد الجبهة (2)من الجزم بالبطلان. على انّه (قدس سره) صرّح في المقام بالاكتفاء لو كان التذكّر بعد استكمال الذكر مع انّه (قدس سره) جزم بالبطلان هناك وإن خصّه بالسعة.

وكيف ما كان ، فسواء أراده الماتن أم لا ، يتوجّه على القائلين بالرفع ما اعترضه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)من أنّه بعد البناء على استلزامه


1) راجع المدارك 3 : 409.

2) شرح العروة 13 : 182 المسألة [1376].

3) كتاب الصلاة : 170.

.................................................................................................


لزيادة السجدة كما اعترف به الماتن وغيره ، فمن الضروري عدم الفرق في ذلك بين صورتي التمكن من الجر وعدمه.

وعليه فكيف يمكن الالتزام في المقام بوجوب الرفع تحصيلاً لقيد معتبر في السجود وهو الوضع على ما يصح ، وهل يمكن المصير إلى إيجاد مانع مقدّمة لتحصيل شرط ، فلا مناص إمّا من إنكار المبنى فيلتزم بوجوب الرفع في كلتا الصورتين كما هو الصحيح أو البناء على البطلان في المقام فإنّه المتعيِّن لو سلّم الاستلزام المزبور ، فالتفكيك مع الاعتراف بالمبنى غير ظاهر الوجه.

هذا ، وقد يحتمل في المقام قول ثالث وهو البناء على صحّة الصلاة وإتمامها على هذه الحالة من دون رفع ، فانّ الجر ساقط لفرض العجز ، والرفع موجب للزيادة ، فيدور الأمر بين الصحّة والإتمام كذلك وبين البطلان ، لكن الأخير منفي بحديث لا تعاد ، إذ الخلل لم ينشأ من قبل السجود كي يندرج في عقد الاستثناء ، وإنّما هو في قيد معتبر فيه وهو الوضع على ما يصح ، فيشمله عموم المستثنى منه ، فذات السجود قد اتي به ، وإنّما الخلل في واجب آخر معتبر فيه فليس حاله إلّا كالإخلال بالذكر أو الاطمئنان ، أو وضع سائر المساجد الّذي هو مشمول لعموم الحديث بلا ارتياب ، فيتعيّن الحكم بالصحّة.

ولعل فتوى الماتن بها لو كان الالتفات بعد استكمال الذكر حيث قال : وإن كان بعد تمامه فالاكتفاء به قوي ، ناظر إلى هذا القول غير الجاري فيما لو كان التذكر قبل الاستكمال ، لعدم تكفّل الحديث لتشريع الذكر حال فقد القيد ولأجله فصّل (قدس سره) بين الصورتين وإلّا فلم يظهر وجه للتفكيك أصلاً كما لا يخفى.

ولكنّه لا يتم أمّا أوّلاً : فلأنّ السجود بمفهومه العرفي وإن كان هو مطلق وضع الجبهة على الأرض ، لكن الّذي اعتبره الشارع في الصلاة هو حصّة خاصّة منه وهو الوضع على ما يصح السجود عليه فهو الجزء بخصوصه دون غيره

.................................................................................................


فالإخلال بهذا القيد إخلال بذات الجزء ، فلو سجد على ما لا يصح فقد ترك الجزء نفسه ، إذ ما أتى به لم يكن جزءاً ، وما هو الجزء لم يأت به ، ومن الواضح أنّ السجود المستثنى في حديث لا تعاد وكذا الركوع لا يراد به إلّا السجود المعدود من أجزاء الصلاة ، أعني السجود الشرعي المأمور به دون ذاته بما له من المفهوم العرفي ، ومن هنا لو انحنى مقداراً تحقّق معه الركوع العرفي ولم يبلغ الحد الشرعي نسياناً ثمّ تذكّر لا ينبغي الشك في بطلان الصلاة ، ولا مجال لتصحيحها بالحديث ، مع أنّ المتروك حينئذ إنّما هو قيد الركوع وحدّه الشرعي لا ذاته ، وقياسه بالذكر ونحوه في غير محله ، إذ تلك الأُمور واجبات معتبرة حال السجود وليست قيداً مأخوذاً في ذات المأمور به.

وعلى الجملة : فالإخلال بالقيد في المقام إخلال بنفس السجود لا بواجب آخر ، فيندرج في عقد الاستثناء دون المستثنى منه.

وأمّا ثانياً : سلّمنا أنّ المراد بالسجود في الحديث هو ذاته ومعناه العرفي دون الشرعي ، إلّا أنّ الحديث لا يشمل الإخلال العمدي وإن كان عن عذر كما في المقام ، حيث إنّ الوظيفة هي الجر حسب الفرض غير أنّه عاجز عنه ، فهو يخل به ويتركه عن عمد والتفات وإن كان مضطرّاً إليه ، والحديث إنّما يجري فيما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الإخلال ومضي محل التدارك ، سواء أكان الالتفات أثناء الصلاة أم بعدها ، ولا يعم ما إذا كان ملتفتاً إلى الترك حين الإخلال بالجزء أو الشرط وإن كان معذوراً فيه ، لاختصاص الحديث بغير صورة العمد ، ومن هنا لو شرع في الصلاة فمنعه عن القراءة مثلاً مانع أو نسي صورتها فتركها ملتفتاً لا ينبغي الشك في عدم شمول الحديث له ووجوب إعادة الصلاة.

والمتحصِّل ممّا مرّ : سقوط هذا القول وأنّ الأقوى وجوب الرفع سواء أتمكن من الجر أم لا ، وسواء أكان الالتفات قبل استكمال الذكر أم بعده قبل رفع الرأس.

.................................................................................................


وأمّا الفرع الثاني : أعني ما إذا كان الالتفات بعد رفع الرأس ، فقد ظهر ممّا مرّ لزوم التدارك تحصيلاً للسجود المأمور به ولا ضير فيه بعد عدم قادحية الزيادة السهوية في السجدة الواحدة كما مرّ ، ولكن المشهور هو الاكتفاء بذلك وعلّله في الجواهر (1)بأنّ المتروك خصوصية معتبرة في السجود وهي كونه على ما يصح دون أصله ، فيشمله عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد المقتضي للصحّة. فالمقام نظير ما لو أخلّ بالذكر أو الاطمئنان أو وضع سائر المساجد سهواً المحكوم بالصحّة بلا إشكال عملاً بالحديث.

أقول : الظاهر لزوم التدارك كما عرفت ، لوقوع الخلل في نفس السجود المأمور به.

وتوضيح المقام : أنّه لا ريب أنّ أجزاء الصلاة قد لوحظت على صفة الانضمام والارتباط ، فكل جزء إنّما يعتبر في المركب مقيّداً بالمسبوقية أو الملحوقية ، أو المقارنة مع الجزء الآخر بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء ، فالقراءة مثلاً المعدودة من أجزاء الصلاة هي المسبوقة بالتكبيرة والملحوقة بالركوع ، والمقارنة للقيام دون المجرّدة عن شي‌ء منها ، فالإخلال بهذا القيد يستوجب الإخلال بذات الجزء لا محالة ، ومن هنا لو نسي القراءة وتذكّر بعد الدخول في الركوع كان محل التدارك باقياً بالنظر الدقيق ، لعدم الدخول بعدُ في الجزء المترتِّب فإنّه الركوع المتّصف بمسبوقيته بالقراءة ولم يتحقّق ، والمتحقِّق ركوع غير مسبوق ولم يكن جزءاً ، إلّا أنّ الإخلال بهذا القيد الناشئ من اللحاظ المزبور غير قادح في الصحّة بلا إشكال ، وإلّا لزم اللغوية في حديث لا تعاد ، لعدم الفرق حينئذ بين الخمسة المستثناة وغيرها ، إذ الإخلال بغير الخمس عندئذ يستوجب الإخلال بالخمس بطبيعة الحال ، فترك القراءة مثلاً ملازم لترك الركوع ، وترك التشهّد ملازم لترك السجود ، لعدم مسبوقية الركوع


1) الجواهر 10 : 162.

.................................................................................................


بالقراءة ، وعدم ملحوقية السجود بالتشهّد ، وهكذا.

فلازمه الحكم بالبطلان لدى الإخلال بأيّ جزء على الإطلاق ، حتّى الذكر حال الركوع ، لعدم مقارنته معه. مع أنّ الحديث خصّ البطلان من ناحية الخمس فقط ، كما أنّه يلغو حينئذ قوله عليه‌السلام : لا تعاد الصلاة من سجدة وإنّما تعاد من ركعة (1)لاستلزام الإخلال بالسجدة الإخلال بالركعة كما عرفت.

فبهذه القرينة القطعية يستكشف أنّ القيد الّذي يستوجب الإخلال به البطلان في الخمس ولا يستوجبه في غيرها هو القيد غير الناشئ من ناحية الانضمام والارتباط ، وأنّ الموجب للبطلان في الخمس هو الإخلال بها في أنفسها إمّا بتركها رأساً ، أو بترك القيد المعتبر في تحقّقها بما هي كذلك مع قطع النظر عن لحاظ الارتباط والانضمام ، وهذا ظاهر جدّا.

وعليه فبما أنّ وضع الجبهة على ما يصح من القيود الشرعية المعتبرة في ذات السجود المأمور به بما هو كذلك ، فالإخلال به إخلال بنفس السجود ، فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، إذ المراد من السجود في الحديث وكذا الركوع هو السجود الشرعي دون العرفي ، لما مرّ قريباً من النقض بمن اقتصر على الركوع العرفي ولم يبلغ الحدّ الشرعي في انحنائه نسياناً ، فانّ صلاته حينئذ محكومة بالبطلان بلا إشكال ، مع تحقّق الركوع العرفي منه.

نعم ، من ناحية الزيادة لا يعتبر أن يكون الزائد سجوداً أو ركوعاً شرعياً بل يكفي العرفي ، لاستفادة ذلك ممّا دلّ على النهي عن تلاوة العزيمة في الصلاة معلِّلاً بأنّه زيادة في المكتوبة (2)حيث طبّق عليه‌السلام عنوان الزيادة على سجود التلاوة ، مع أنّه سجود عرفي قطعاً ، لعدم اعتبار الوضع على ما يصح


1) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 (نقل بالمضمون).

2) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة ب 40 ح 1.

.................................................................................................


السجود عليه في هذا السجود ، بل يكفي كيف ما اتّفق.

وعلى الجملة : السجود المذكور في الحديث شرعي من حيث النقص ، وإن كان عرفياً من ناحية الزيادة. فالإخلال بكل قيد معتبر فيه شرعاً إخلال بنفس السجود ، ولا ريب أنّ الوضع على ما يصح من هذا القبيل ، فتركه تركه إذ ما أتى به من الوضع على ما لا يصح لم يكن جزءاً ، وما هو الجزء لم يأت به فلا يمكن الاكتفاء به ، لعدم اندراجه في عقد المستثنى منه ، بل لا بدّ من إعادة السجود وتداركه تحصيلاً للمأمور به ، غاية ما هناك لزوم زيادة سجدة واحدة وحيث إنّها سهويّة من حين تحقّقها لم تقدح كما مرّ غير مرّة.

يبقى الجواب عمّا ذكره (قدس سره) من موارد النقض ، أمّا عن الذكر فظاهر فإنّه جزء مستقل معتبر حال السجود ولم يكن قيداً مأخوذاً في تحقّق السجود الشرعي إلّا باعتبار فرض الارتباط الّذي عرفت عدم العبرة بالقيد الناشئ من هذه الجهة ، فهو جزء بحياله ولا يستوجب الإخلال به إخلالاً بالسجود الشرعي بوجه ، فإنّه متقوّم بوضع الجبهة على ما يصح ، سواء أكان معه ذكر أم لا ، فلا يقاس ذلك بخصوصية كون المسجد ممّا يصح ، فإنّها دخيلة في تحقّقه دونه.

ومنه يظهر الجواب عن سائر المحال فإنّها واجبات في هذا الحال وليست بمقوّمات السجود الشرعي بما هو سجود ، فليس الإخلال بها إخلالاً به كما لا يخفى.

وأمّا النقض بالطمأنينة ، فلا مجال له أيضاً بناءً على مسلك المشهور من انحصار مستندها بالإجماع ، إذ هو دليل لبي يقتصر على المتيقن منه وهو حال الذكر ، فمع النسيان لم يكن معتبراً من أصله كي يكون الإخلال به إخلالاً بالسجود.

نعم ، يتّجه النقض بها بناءً على مسلكنا من الاستناد فيها إلى الدليل اللفظي

.................................................................................................


وهو صحيح الأزدي (1)حسبما تقدّم (2)الشامل بإطلاقه لحالتي العمد والسهو إذ ظاهر قوله عليه‌السلام : «إذا سجد فلينفرج وليتمكن» اعتبار التمكن في تحقّق السجود الشرعي كاعتبار الوضع على ما يصح ، من غير فرق بين العمد والسهو ، لكونه إرشاداً إلى الشرطية المطلقة كما مرّ ،

لكن دقيق النظر يقضي بعدم ورود النقض على هذا المسلك أيضاً ، فإنّ المستفاد من قوله عليه‌السلام «إذا سجد فليتمكن» ، وكذا قوله عليه‌السلام «إذا ركع فليتمكن» أنّ السجود أمر مفروض الوجود خارجاً ، وحيث إنّه متقوّم بالوضع فلا يكفي مجرّد المماسة والوضع متقوّم بالاعتماد المنوط بالاستقرار ولو آناً ما ، إذ بدونه ضرب لا وضع كما لا يخفى ، إذن فالاستقرار في الجملة مأخوذ في مفهوم السجود عرفاً ، وبذلك يفترق عن الركوع ، وعليه فالأمر بالتمكين في الصحيحة لما كان بعد فرض تحقّق السجود ، فهو لا جرم ناظر إلى مرحلة البقاء وأنّه يعتبر فيه التمكين وعدم الاضطراب ، وأن لا يكون سجوده نقراً كنقر الغراب ، وهذا كما ترى واجب آخر موضوعه البقاء ولا مساس له بنفس السجود المتقوّم تحقّقه بالحدوث ، فلا يكون الإخلال به إخلالاً بذات السجود ، بل إنّ وزانه وزان الذكر ووضع سائر المحال في كونها واجبات مستقلّة مندرجة في عقد المستثنى منه لحديث لا تعاد.

والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن : عدم الاعتداد بما يقع من الجبهة على ما لا يصح سهواً ، ولزوم التدارك بإعادة السجود ، سواء أكان التذكّر قبل رفع الرأس أم بعده ، فيجب الرفع في الأوّل ، والتكرار في الثاني ، ولا يترتّب عليه أيّ محذور عدا الزيادة السهوية في السجدة الواحدة غير القادحة بلا إشكال.


1) الوسائل 4 : 35 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14.

2) في ص 93.

.................................................................................................


هذا كلّه فيما إذا اتّفق ذلك في سجدة واحدة.

ولو اتّفق في السجدتين معاً ، بأن التفت في السجدة الثانية ، أو بعد رفع الرأس عنها أنّ سجدتيه كانتا على ما لا يصح ، فالظاهر هو البطلان ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، إذ لو اقتصر عليهما فقد نقص السجود المأمور به فيشمله عقد الاستثناء في حديث لا تعاد ، ولو تداركهما لزم الزيادة في السجدتين القادحة ولو سهواً بلا ريب ، فيشمله الحديث أيضاً لإطلاقه من حيث الزيادة والنقص كما تقرّر في محله. نعم ، الزيادة حاصلة في السجود العرفي كما لا يخفى ، لكن أشرنا فيما سبق أنّ المراد بالسجود والركوع في الحديث هو الشرعي منهما من حيث النقص ، والعرفي من ناحية الزيادة فتذكّر. فلا مناص من الحكم بالبطلان.

نعم ، يمكن أن يقال في المقام بالاقتصار في مقام التدارك على إحدى السجدتين ، إذ المتروك حينئذ ليس إلّا سجدة واحدة ولا ضير فيها ، فيحكم بالصحّة استناداً إلى قوله عليه‌السلام : لا تعاد الصلاة من سجدة المراد بها السجدة الواحدة قطعاً وإنّما تعاد من ركعة (1)لكنّه ساقط جدّاً ، لما أشرنا إليه قريباً من أنّ هذا الحديث كحديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» لا يكاد يشمل الإخلال العمدي وإن كان عن عذر ، بل يختص مورده بما إذا كان الالتفات بعد تحقّق الإخلال خارجاً ، ولا يعم ما لو كان ملتفتاً حين الإخلال كما في المقام وإن كان معذوراً فيه ، فانّ ذلك قضيّة مادة الإعادة وتمام الكلام في محلّه.


1) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2.

[1619] مسألة 11 : من كان بجبهته دمل أو غيره ، فان لم يستوعبها وأمكن سجوده على الموضع السليم سجد عليه ، وإلّا حفر حفيرة ليقع السليم منها على الأرض ، وإن استوعبها أو لم يمكن بحفر الحفيرة أيضاً سجد على أحد الجبينين من غير ترتيب (1)وإن كان الأولى والأحوط تقديم الأيمن على الأيسر وإن تعذّر سجد على ذقنه ، فان تعذّر اقتصر على الانحناء الممكن (2)(1).


(1) التفصيل المذكور هو المعروف المشهور بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع في كثير من الكلمات ، ولم ينسب الخلاف إلّا إلى الصدوق حيث إنّه (قدس سره) خالف الترتيب المزبور من ناحيتين ، فحكم بتقديم الجانب الأيمن على الأيسر لزوماً ، وأنّه مع العجز عنه يسجد على ظهر كفّه قبل الانتقال إلى الذقن (3).

وقد تبع (قدس سره) في ذلك الفقه الرضوي (4)المتضمِّن لكلتا الناحيتين وليس له مستند غيره ، لكنّه ضعيف السند ولا يمكن الاعتماد عليه في شي‌ء من الأحكام كما مرّ غير مرّة. على أنّا لا نعقل معنى محصلاً للسجود على ظهر الكف.

فإن أراد به وضع الجبهة عليه فقد عاد المحذور ، إذ المفروض عدم التمكّن من وضع الجبهة على الأرض ولو على ترابها الناعم ، فما هو الفرق بينه وبين ظهر الكف ، فان تمكن منه تمكن من الأرض أيضاً وكان هو المتعيِّن من أوّل الأمر وإلّا كان عاجزاً عنهما ، فالسجود على ظهر الكف مستلزم لعود محذور العجز عن السجود على الأرض.


1) الأحوط الجمع بينه وبين السجود على الذقن ، ولو لم يمكن الجمع ولو بتكرار الصلاة لم يبعد تقديم الثاني.

2) بل وجب عليه الإيماء ، والأحوط الجمع بين الأمرين.

3) المقنع : 86.

4) فقه الرِّضا : 114 ، المستدرك 4 : 459 / أبواب السجود ب 10 ح 1.

.................................................................................................


وإن أراد به وضع ظهر الكف على الأرض بدلاً عن وضع الجبهة عليها على سياق ما ذكره قبله وبعده من السجود على الجبينين والسجود على الذقن فكما أنّ معنى ذلك وضع الجبين أو الذقن على الأرض بدلاً عن الجبهة ، فكذا هنا يضع ظهر الكف عليها بدلاً عنها.

فهذا أفحش كما لا يخفى. على أنّ باطن الكف من أحد المساجد فكيف يمكن الجمع بينه وبين السجود على الظهر. فهذا القول ساقط جزماً ، ولا بدّ من التكلّم في مستند فتوى المشهور.

أمّا وجوب الحفر ، فقد استدلّ له بخبر مصادف قال : «خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب ، فرأى أبو عبد اللّه عليه‌السلام أثره فقال : ما هذا؟ فقلت : لا أستطيع أن أسجد من أجل الدمل فإنّما أسجد منحرفاً ، فقال لي لا تفعل ذلك ولكن احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتّى تقع جبهتك على الأرض» (1).

لكنّه ضعيف السند للإرسال ، ولدوران مصادف بين المهمل والضعيف فلا يصلح للاستدلال ، إلّا أنّ الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود النص لما تقدّم (2)من عدم لزوم الاستيعاب في وضع الجبهة وكفاية المسمّى ولو قدر الدرهم أو طرف الأنملة ، كما صرّح بهما في صحيح زرارة (3)، فلا يجب الأكثر منه حتّى اختياراً ، فمع التمكن منه ولو بحفر الأرض وجب ، كما أنّ له حفر الخشبة أو السجود على تربة عالية بوضع الموضع السليم عليها ونحو ذلك ممّا يتحقّق معه وضع مسمّى الجبهة على ما يصح السجود عليه.

ومنه تعرف أنّ حفر الأرض من أحد أفراد الواجب مقدّمة لتحصيل المأمور به ولا تعين له بخصوصه.


1) الوسائل 6 : 359 / أبواب السجود ب 12 ح 1.

2) في ص 108.

3) الوسائل 6 : 356 / أبواب السجود ب 9 ح 5.

.................................................................................................


وأمّا السجود على أحد الجبينين ، فليس عليه دليل ظاهر ، فإنّه استدلّ له بوجوه كلّها مخدوشة :

الأوّل : الإجماعات المحكية في كلمات غير واحد من الأعلام. وفيه : أنّها لا تزيد على كونها إجماعات منقولة لا اعتداد بها. على أنّها لو كانت محصّلة لم تكن إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام لاحتمال استناد المجمعين كلّاً أو بعضاً إلى بعض الوجوه الآتية ، سيّما وأنّ المحقِّق قد استدلّ على الحكم صريحاً بما يرجع إلى قاعدة الميسور فلو كان المستند هو الإجماع التعبّدي لم يظهر وجه لهذا الاستدلال كما لا يخفى.

الثاني : قاعدة الميسور. وفيه : مضافاً إلى منع الكبرى كما حقّق في الأُصول (1)وإلى منع الصغرى ، لوضوح أنّ الجبين مباين مع الجبهة وليس من مراتبها كي يعد ميسوراً لها ، أنّه لا مجال للتمسّك بها بعد وجود النص المصرح بالوظيفة الفعلية وهو موثق إسحاق الآتي ، فلا تنفع القاعدة حتّى لو سلّمت كبرى وصغرىً كما لا يخفى.

الثالث : خبر مصادف المتقدِّم ، بتقريب أنّ الإمام عليه‌السلام قد قرّره على ما زعمه من السجود على الجبين غير أنّه عليه‌السلام بيّن له مرحلة أُخرى سابقة عليه وهو الحفر بحيث يظهر إمضاؤه عليه‌السلام لما اعتقده من جواز السجود على الجبين لولا التمكن من الحفر.

وأُورد عليه : بأنّ غايته الجواز دون الوجوب ، فمن الجائز أن يكون مخيّراً بينه وبين السجود على الذقن فلا يدل على تعيّنه كما هو المطلوب.

وفي كل من الاستدلال والإيراد نظر ، فانّ الخبر ضعيف السند كما مرّ وقاصر الدلالة ، فإنّ الإمام عليه‌السلام قد نهاه صريحاً عمّا صنعه بقوله عليه‌السلام


1) مصباح الأُصول 2 : 477.

.................................................................................................


«لا تفعل ذلك» فأيّ تقرير بعد هذا المنع الصريح كي يبحث عن أنّ متعلّقه الجواز أو الوجوب.

وعلى الجملة : لا إشعار في الرواية فضلاً عن الدلالة على تقرير زعمه لا جوازاً ولا وجوباً ، إذ لا تعرّض فيها لبيان الوظيفة عند العجز عن الحفر بوجه.

الرابع : موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث قال «قلت له : رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع أن يسجد ، قال : يسجد ما بين طرف شعره ، فان لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن ، قال : فان لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر ، فان لم يقدر فعلى ذقنه. قلت : على ذقنه؟ قال : نعم ، أما تقرأ كتاب اللّه عزّ وجلّ ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) » (1).

والكلام فيها يقع تارة : من حيث السند وأُخرى من ناحية الدلالة.

أمّا السند ، فالظاهر أنّه موثق ، فان صباح الواقع في هذا الخبر مردّد بين ثلاثة من المعروفين بهذا الاسم وهم صباح بن صبيح الحذّاء ، وصباح بن يحيى المزني ، وصباح بن موسى الساباطي أخو عمار ، وكلّهم موثقون ولا يحتمل إرادة غيرهم كما لا يخفى.

هذا ، وقد أورد صاحب الوسائل صدر هذا الحديث في موضع آخر (2)، وذكر هناك «عن أبي الصباح» بدلاً عن «الصباح» الّذي ذكره في المقام وهو أبو الصباح الكناني الثقة. فالرجل موثق على جميع التقادير ، فالرواية صحيحة السند وباعتبار إسحاق بن عمار الفطحي موثقة.

وأمّا من حيث الدلالة ، فهي كما ترى قاصرة ، إذ المذكور فيها الحاجب دون


1) الوسائل 6 : 360 / أبواب السجود ب 12 ح 3.

2) الوسائل 6 : 98 / أبواب القراءة في الصلاة ب 33 ح 6.

.................................................................................................


الجبين. نعم ، استدلّ بها في الحدائق (1)كما استدلّ بالفقه الرضوي السابق ذكره بعد حمل الحاجب على الجبين مجازاً بعلاقة المجاورة.

وهذا غريب جدّاً ، إذ ليس من صناعة الاستدلال ارتكاب التأويل في اللفظ وحمله على خلاف ظاهره من غير شاهد عليه ثمّ الاستدلال به ، فانّ ذلك ليس من البرهان الفقهي في شي‌ء كما لا يخفى.

وأمّا فقه الحديث ، فهو أنّ القرحة المفروضة في السؤال لم تكن مستوعبة للجبهة ، بل هي واقعة بين عيني الرجل كما صرّح به السائل بحيث لا يستطيع معها أن يسجد على النحو المتعارف من وضع وسط الجبهة على الأرض فأمره عليه‌السلام بالسجود حينئذ على ما بين طرف الشعر أي أعلى الجبهة ولعلّه أفضل ، فان لم يقدر فعلى الحاجب.

وهذا لا لخصوصية فيه ، بل من أجل أنّ السجود على الحاجب يلازم خارجاً وضع جزء من الطرف الأسفل من الجبهة على الأرض ولا ينفك عنه ، وهذا الحكم مطابق للقاعدة ، لما مرّ من عدم اعتبار الاستيعاب وكفاية المسمّى من الجبهة لدى الوضع ، فمع التمكّن بأيّ جزء منها كان هو المقدّم ، ولا ينتقل إلى البدل ، وما فوق الحاجب جزء من الجبهة ، لما عرفت فيما سبق أنّ حدّها الطولي من الحاجب إلى قصاص الشعر ، والعرضي ما يسعه الحاجبان فصاعداً من البدء إلى الختم المنتهيين بالجبينين ، وقد عرفت استفادة كلا الحدّين من النصوص.

وأمّا تقديم الحاجب الأيمن على الأيسر الّذي تضمنه الحديث فليس على جهة اللّزوم ، بل من أجل استحباب تقديم الميامن على المياسر على الإطلاق كما لا يخفى. ومع العجز عن وضع الجبهة مطلقاً ينتقل إلى السجود على الذقن.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ السجود على الجبين ممّا لا دليل عليه ، فلا مجال للمصير


1) الحدائق 8 : 321.

[1620] مسألة 12 : إذا عجز عن الانحناء للسجود انحنى بالقدر الممكن (1)


إليه سيّما مع استلزامه انحراف الوجه عن القبلة إلى المشرق أو المغرب بطبيعة الحال الّذي هو محذور بحياله ، ولا دليل على اغتفاره بعد عموم قوله تعالى ( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (1). بل المتعيِّن بعد العجز عن الجبهة الانتقال إلى الذقن كما تضمنه الموثق المزبور بالبيان المذكور المؤيّد بمرسلة الكافي عن علي بن محمّد قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه‌السلام عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السجود عليها ، قال : يضع ذقنه على الأرض ، إنّ اللّه تعالى يقول ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) » (2)وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين الجبين ولو بتكرار الصلاة.

ومع العجز عن ذلك أيضاً فلا محيص عن الانتقال إلى الإيماء ، لاندراجه حينئذ في عنوان العاجز عن السجود الّذي وظيفته ذلك كما مرّ التكلّم حوله في بحث القيام.

ومنه يظهر ضعف ما في بعض الكلمات من الانتقال حينئذ إلى السجود على الأنف أو على العارض ، أو الاقتصار على الانحناء الممكن كما صنعه في المتن استناداً إلى قاعدة الميسور ، لمنعها كبرى وكذا صغرى ، فانّ الأنف أو العارض مباين مع الجبهة ، وكذا الانحناء مقدّمة للسجود وهي مباينة مع ذيها ، فكيف تكون ميسوراً له ومن مراتبه.

فالأقوى تعيّن الإيماء وإن كان الأحوط الجمع بينه وبين الانحناء ، واللّه سبحانه أعلم.

(1) ينبغي فرض الكلام فيما إذا كان المقدار الممكن من الانحناء بمثابة يتحقّق


1) البقرة 2 : 144.

2) الوسائل 6 : 360 / أبواب السجود ب 12 ح 2 ، الكافي 3 : 334 / 6.

مع رفع المسجد (1)إلى جبهته ، ووضع سائر المساجد في محالها ، وإن لم يتمكن من الانحناء (2)أصلاً أومأ برأسه ، وإن لم يتمكن فبالعينين ، والأحوط له رفع المسجد مع ذلك إذا تمكّن من وضع الجبهة عليه ، وكذا الأحوط وضع ما يتمكن من سائر المساجد في محالها ، وإن لم يتمكّن من الجلوس أومأ برأسه وإلّا فبالعينين ، وإن لم يتمكن من جميع ذلك ينوي بقلبه جالساً أو قائماً إن لم يتمكن من الجلوس ، والأحوط الإشارة باليد ونحوها مع ذلك.


معه السجود العرفي ، وإلّا فلا إشكال في الانتقال إلى الإيماء كما أشار إليه الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الشريفة.

ثمّ إنّ الحكم المزبور هو المعروف المشهور بلا خلاف فيه ، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد ، فينحني بقدر طاقته ويرفع المسجد ويسجد عليه ولا تصل النوبة إلى الإيماء. واستدلّ له بخبر إبراهيم الكرخي قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء ، ولا يمكنه الركوع والسجود ، فقال : ليومئ برأسه إيماءً ، وإن كان له من يرفع الخمرة فليسجد ، فان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه نحو القبلة إيماءً» (3)، وهو وإن كان صريح الدلالة لكنّه ضعيف السند ، فإنّ الكرخي مهمل ، والطيالسي وإن كان مهملاً أيضاً لكنّه مذكور في أسانيد كامل الزيارات ، فالضعف من ناحية الكرخي فقط. وكيف ما كان فالرواية غير صالحة للاستدلال بها.

لكن الحكم كما ذكروه فإنّه مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى نص بالخصوص


1) على نحو يصدق عليه السجود ، وإلّا اقتصر على الإيماء.

2) مرّ حكم جميع ذلك في مبحث القيام [في المسألة 1475].

3) الوسائل 5 : 484 / أبواب القيام ب 1 ح 11 ، 6 : 375 / أبواب السجود ب 20 ح 1.

.................................................................................................


إذ هو مقتضى الإطلاقات المتضمِّنة للأمر بالسجود كحديث التثليث (1)وغيره فإنّها وإن قيّدت بمساواة الجبهة لموضع البدن كما مرّ البحث عنه مستقصى (2)لكن الدليل المقيّد لا إطلاق له ، بل هو مختص بصورة التمكن ، لاشتمال الصحيحة على الخطاب المتوجِّه إلى ابن سنان حيث قال عليه‌السلام فيها : «إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» (3)، ومعلوم أنّ ابن سنان كان قادراً على مراعاة التساوي ولم يكن عاجزاً حينما خاطبه الإمام عليه‌السلام. نعم ، لو كانت العبارة هكذا : يجب التساوي أو يعتبر المساواة ونحوها بحيث لم يشتمل على خطاب متوجِّه إلى شخص خاص انعقد الإطلاق.

وعلى الجملة : فلسان التقييد لا إطلاق له فيقتصر على المقدار المتيقّن وهو فرض التمكّن ، وفي مورد العجز يتمسّك بإطلاقات السجود السليمة عن التقييد. فالحكم مطابق للقاعدة. مضافاً إلى إمكان الاستدلال عليه ببعض النصوص.

منها : موثقة أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ فقال : لا ، إلّا أن يكون مضطرّاً ليس عنده غيرها ، وليس شي‌ء ممّا حرّم اللّه إلّا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه» (4)فانّ الظاهر من الإمساك هو الرفع ، وإلّا فالسجود على الأرض نفسه لا حاجة معه إلى إمساك المرأة ما يسجد عليه كما هو ظاهر. وهي بحسب السند موثقة كما ذكرنا ، فانّ المراد بالحسين الراوي عن سماعة هو الحسين بن عثمان بن زياد الرواسي بقرينة روايته عن سماعة كثيراً ، وهو موثق كما نقله الكشِّي عن حمدويه


1) الوسائل 6 : 389 / أبواب السجود ب 28 ح 2.

2) في ص 97.

3) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 1.

4) الوسائل 5 : 483 / أبواب القيام ب 1 ح 7.

.................................................................................................


أنّه قال : سمعت أشياخي يذكرون أنّ حماداً وجعفراً والحسين بن عثمان بن زياد الرواسي كلّهم فاضلون خيار ثقات (1)، فالسند صحيح ، وباعتبار سماعة موثق.

ومنها : صحيحة زرارة قال : «سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال : على خمرة ، أو على مروحة ، أو على سواك يرفعه إليه هو أفضل من الإيماء ...» إلخ (2)حيث تضمن الأمر برفع المسجد فلا تصل النوبة إلى الإيماء. نعم ، قد ينافيه قوله عليه‌السلام في الذيل «هو أفضل من الإيماء» ، حيث يظهر منه التخيير بين الأمرين ، غير أنّ الرفع أفضل ، لكن ظاهره غير مراد قطعاً ، فإنّه مع التمكن من السجود ولو بالرفع تعيّن ، وإلّا تعيّن الإيماء ، ولا يحتمل التخيير بينهما بالضرورة كما لا قائل به جزماً فلا بدّ من التصرّف بأحد وجهين :

الأوّل : أن يكون المراد أنّ طبيعة الصلاة المشتملة على السجود ولو مع الرفع أفضل من الطبيعة المشتملة على الإيماء ، كما يقال إنّ الفريضة أفضل من النافلة ، والصلاة أفضل من الصوم وهكذا ، إذ ليس معنى الأفضلية في هذه الإطلاقات التخيير بين الأمرين ، بل المراد أنّ هذه الطبيعة في ظرفها وشرائطها المناسبة لها أفضل ، أي أكثر ثواباً من الطبيعة الأُخرى في موطنها المقرّر لها فيكون حاصل المعنى أنّ الصلاة المشتملة على السجود الصادرة ممّن يتمكن منه أفضل من المشتملة على الإيماء الصادرة من العاجز عنه ، لا أنّ أحدهما أفضل من الأُخرى في موضع واحد.

الثاني : أن يكون المراد من المريض من يشق عليه السجود ولو مع الرفع فانّ وظيفته الأوّلية هي الإيماء ، غير أنّ الأفضل في حقّه تحمل المشقّة والسجود ولو مع رفع المسجد وإن تضمن العسر والحرج من باب أنّ أفضل الأعمال أحمزها


1) رجال الكشي : 372 / 694.

2) الوسائل 5 : 364 / أبواب ما يسجد عليه ب 15 ح 1.

[1621] مسألة 13 : إذا حرّك إبهامه في حال الذِّكر عمداً أعاد الصلاة (1)


كما يشهد بهذا الحمل صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود ، قال : يومئ برأسه إيماءً ، وأن يضع جبهته على الأرض أحب إليّ» (1).

وقد مرّ التعرّض لهذه الصحيحة في بحث القيام ، وقلنا إنّ مفادها بحسب الظاهر لا يستقيم ، إذ بعد فرض عدم الاستطاعة على القيام والسجود فأيّ معنى لقوله عليه‌السلام في الذيل «إنّ السجود أحب إليّ» فلا مناص من أن يكون المراد عدم الاستطاعة العرفية ، لتضمنه المشقّة والحرج دون التعذّر الحقيقي وأنّ الوظيفة حينئذ هي الإيماء وإن كان السجود وتحمل المشقة أفضل ، ولذا كان أحبّ إليه عليه‌السلام فعلى ضوء ذلك تفسر الأفضلية في المقام.

فتحصّل : أنّ وجوب رفع المسجد والسجود عليه مع التمكن ممّا لا ينبغي الإشكال فيه ، لكونه مطابقاً للقاعدة ، ولاستفادته من بعض النصوص كما عرفت فلا تصل النوبة إلى الإيماء.

وأمّا بقية الفروع المذكورة في هذه المسألة فقد تقدّم الكلام حولها بشقوقها مستقصى في بحث القيام فلا حاجة إلى الإعادة فراجع ولاحظ.

(1) لأنّ ظرف الذكر هو السجود الواجب ، وحيث إنّ المعتبر فيه الاستقرار فلا بدّ من مراعاته تحصيلاً للسجود المأمور به حتّى يقع الذكر فيه قضاءً للظرفية. وعليه فبناءً على أنّ تحريك الإبهام مخل بالاستقرار لاعتباره في تمام البدن ، فلو حرّك عامداً وأتى بالذكر وقتئذ كان الذكر المقصود به الجزئية زيادة عمدية لوقوعه في غير محله موجبة للبطلان. نعم ، لو كان ذلك سهواً فبما أنّ الزيادة


1) الوسائل 5 : 481 / أبواب القيام ب 1 ح 2.

احتياطاً ، وإن كان سهواً أعاد الذكر (1)إن لم يرفع رأسه ، وكذا لو حرّك سائر المساجد ، وأمّا لو حرّك أصابع يده مع وضع الكف بتمامها فالظاهر عدم البأس به لكفاية اطمئنان بقيّة الكف ، نعم لو سجد على خصوص الأصابع (2)كان تحريكها كتحريك إبهام الرجل.


السهوية لم تقدح ، فان كان التذكر قبل رفع الرأس أعاد الذكر لبقاء محلّه ، وإن كان بعده مضى في صلاته ولا شي‌ء عليه عملاً بحديث لا تعاد بعد امتناع التدارك لمضي المحل ، وهكذا الحال في تحريك سائر المساجد.

وأمّا وجه التوقف واحتياطه (قدس سره) فهو من أجل التشكيك في قدح التحريك والإخلال بالاستقرار المعتبر في الصلاة ، فإنّ المستند في اعتبار الاطمئنان إن كان هو الإجماع فغير معلوم شموله لمثل هذه الحركة اليسيرة لو لم ندّع القطع بعدم الشمول كما لا يشمله في غير حال السجود قطعاً ، ولذا لو حرّك أصابع اليدين أو الرجلين ، أو نفس اليدين حال القراءة لم يكن مضرّاً بصدق الاستقرار بلا إشكال. وكذا الحال لو كان المستند صحيحة الأزدي فانّ التمكين اللّازم مراعاته بمقتضى هذه الصحيحة هو التمكين العرفي المتقوّم باستقرار معظم الأجزاء لإتمام البدن ، فلا تنافيه مثل تلك الحركة اليسيرة. فالحكم بإعادة الصلاة في صورة العمد وإعادة الذكر في صورة السهو مبني على الاحتياط لا محالة.

هذا ، ولو حرّك الإصبع مع وضع تمام الكف فلا ينبغي الإشكال في عدم البأس ، لكفاية الاطمئنان في بقية الكف التي هي المناط في تحقّق السجود. نعم لو سجد على خصوص الأصابع بناءً على الاجتزاء بها كان تحريكها حينئذ


1) على الأحوط.

2) مرّ الإشكال في كفايته.

[1622] مسألة 14 : إذا ارتفعت الجبهة قهراً من الأرض قبل الإتيان بالذِّكر ، فإن أمكن حفظها عن الوقوع ثانياً حسبت سجدة فيجلس ويأتي بالأُخرى إن كانت الاولى ، ويكتفي بها إن كانت الثانية ، وإن عادت إلى الأرض قهراً ، فالمجموع سجدة واحدة فيأتي بالذكر (1)وإن كان بعد الإتيان به اكتفى به (1).


كتحريك إبهام الرجل الّذي مرّ حكمه كما أشار إليه في المتن ، إلّا أنّ المبنى غير تام ، لاعتبار الاستيعاب العرفي في السجود على اليدين كما عرفت فيما سبق (2).

(1) أمّا إذا كان الارتفاع القهري بعد الإتيان بالذكر فلا إشكال فيه ، لعدم وجوب الرفع في نفسه كي يحتاج إلى القصد ، بل هو مقدّمة للإتيان ببقية الأجزاء فيجزي كيف ما اتّفق.

وأمّا إذا كان قبله ، فان ارتفعت الجبهة قهراً بمجرد إصابتها الأرض من دون اعتماد ولا استقرار حتّى في الجملة كما قد يتّفق إذا هوى إلى السجود بسرعة فهذا لا يعدّ سجوداً لا شرعاً ولا عرفاً ، لتقوّمه بالوضع المتقوّم بالاعتماد ، وهو منتف في الفرض ، إذ هو من قبيل الضرب بالأرض لا الوضع عليها ، وأمّا إذا ارتفعت بعد تحقّق الوضع والاعتماد والاستقرار حدوثاً ، فتارة يتمكن من ضبط نفسه وحفظ الجبهة عن الوقوع ثانياً ، وأُخرى لا يتمكن بل تعود إلى الأرض قهراً أيضا.

أمّا في الأوّل : فتحسب عليه سجدة ، إذ لا خلل فيه من ناحية السجود بما


1) على الأحوط ، ولا يبعد أن لا يكون العود متمّماً للسجدة.

2) في ص 120.

.................................................................................................


هو كذلك. فانّ السجود المأمور به المعدود من أركان الصلاة متقوّم بمجرّد الوضع الحدوثي وقد تحقّق ، ولا يشترط فيه الاستقرار بقاءً. نعم ، هو واجب آخر معتبر حاله كالذكر وقد فات محل التدارك فيشمله حديث لا تعاد ، إذ لا قصور فيه بعد أن لم يكن ملتفتاً إلى الإخلال حينما أخلّ ، لوقوعه قهراً عليه ومن غير اختيار وعمد ، وعليه فان كان ذلك في السجدة الأُولى جلس وأتى بالأُخرى ، وإن كان في الثانية اكتفى بها ومضى في صلاته ولا شي‌ء عليه.

وأمّا في الثاني : فقد ذكر في المتن أنّ المجموع سجدة واحدة ، لكون الثانية من متمِّمات الاولى عرفاً ، فيأتي بالذكر حينئذ ، لكنّه مشكل جدّاً ، فإنّ الثاني وضع جديد مباين للأوّل وقد تخلّل بينهما العدم ، فكيف يكون بقاءً للأوّل ومن متمِّماته ، وحيث إنّ الثاني عار عن القصد فليس هو من السجود في شي‌ء حتّى عرفاً ، ومن هنا لو عثر فأصابت جبهته الأرض لا يقال إنّه سجد ، لتقوّم المفهوم بالقصد إلى السجود ، كما أنّه لو تكرّر منه الرفع والوضع القهريان مرّتين أو أكثر لم يضر ذلك بصحّة الصلاة بلا إشكال ، لعدم كونه من زيادة السجدتين القادحة ولو سهواً بعد عدم القصد إلى السجود المتقوّم به كما عرفت.

ومنه تعرف أنّه ليس له الإتيان بالذكر حينئذ ، لأنّ ظرفه السجود غير المنطبق على الوضع الثاني بعد فقد القصد وإنّما المتّصف به الأوّل وقد انعدم ، فلا مجال لتدارك الذكر لفوات محلّه.

وعلى الجملة : فليس السجود إلّا الوضع الأوّل ، والثاني لغو محض ، فيجري فيه الكلام المتقدِّم في الصورة السابقة من أنّه إن كان ذلك في السجدة الأُولى جلس وأتى بالثانية وإلّا اكتفى بها.

[1623] مسألة 15 : لا بأس بالسجود على غير الأرض ونحوها مثل الفراش في حال التقيّة (1) ، ولا يجب التفصي عنها بالذهاب إلى مكان آخر نعم لو كان في ذلك المكان مندوحة بأن يصلِّي على البارية أو نحوها ممّا يصح السجود عليه وجب اختيارها.

[1624] مسألة 16 : إذا نسي السجدتين أو إحداهما (2) وتذكر قبل الدخول في الركوع وجب العود إليها ، وإن كان بعد الركوع مضى إن كان


(1) قدّمنا الكلام حول المقام ونظائره من موارد التقيّة في مبحث الوضوء (1)وقلنا إنّ الوظيفة الأوّلية تنقلب بعد عروض التقيّة إلى ما يقتضيه مذهب العامّة للنصوص الدالّة على ذلك التي مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين وجود المندوحة وإمكان التفصي بالذهاب إلى مكان آخر ، أو التأخير إلى آونة اخرى وعدمه فلو كان في المسجد مثلاً من يتقى منه جاز السجود على الفراش ونحوه ممّا لا يصح السجود عليه ، وإن أمكن التأخير إلى مكان أو زمان آخر ، فلا يجب التفصي. نعم ، يعتبر عدم وجود المندوحة حال الاشتغال بالعمل ، فلو كان في نفس المسجد حينما يريد الصلاة مكانان أحدهما تراب أو حصير ونحوهما والآخر فراش ، لا يجوز له اختيار الثاني ، لانتفاء موضوع التقيّة حينئذ ، فإنّه متقوّم بالاضطرار وعدم التمكن من الإتيان بالوظيفة الأوّلية في هذا الحال المفقود في الفرض.

(2) يقع الكلام تارة فيما إذا كان السجود المنسي من غير الركعة الأخيرة وأُخرى فيما إذا كان منها بخصوصها ، فهنا مقامان :


1) شرح العروة 5 : 267.

المنسي واحدة وقضاها بعد السلام ، وتبطل الصلاة إن كان اثنتين ، وإن كان في الركعة الأخيرة يرجع ما لم يسلم ، وإن تذكر بعد السلام بطلت الصلاة إن كان المنسي اثنتين (1)، وإن كان واحدة قضاها.


أمّا المقام الأوّل : فقد يكون المنسي سجدة واحدة ، وأُخرى سجدتين.

أمّا في السجدة الواحدة ، فلا إشكال كما لا خلاف في أنّ التذكّر إن كان قبل الركوع وجب العود إليها ، وإلّا مضى في صلاته وقضاها بعد السلام. وهذا الحكم هو المطابق للقاعدة مع قطع النظر عن النصوص الخاصّة الواردة في المقام فانّ التذكر إذا كان قبل الركوع فحيث إنّ القيام والقراءة وقعا في غير محلهما للزوم تأخرهما عن السجود بمقتضى الترتيب الملحوظ بين الأجزاء ، فلا يعدّان من أجزاء الصلاة ، بل يتّصفان بالزيادة غير القادحة بعد كونها سهويّة ، فمحل السجود بعدُ باق ، وحيث لا يلزم من تداركه محذور وجب العود إليه كما وجب إعادة القيام والقراءة ، لعدم وقوعهما على وجههما كما عرفت.

وأمّا إذا كان بعد الركوع فحيث لم يمكن تدارك المنسي حينئذ لمضي محله بالدخول في الركن وقد ثبت أنّ الصلاة لا تعاد من سجدة واحدة ، فالمتعيِّن هو الحكم بالصحّة والمضي في الصلاة ، فالحكم بكلا شقّيه ممّا تقتضيه القاعدة من غير ناحية القضاء فإنّه قد ثبت بالنص.

ففي صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتّى قام فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد قال : فليسجد ما لم يركع فاذا ركع فذكر بعد ركوعه انّه لم يسجد فليمض على صلاته حتّى


1) بل تصح ويجب التدارك ما لم يحصل المنافي ، وبذلك يظهر حكم نسيان السجدة الواحدة.

.................................................................................................


يسلم ثمّ يسجدها فإنّها قضاء ...» إلخ (1)، ونحوها صحيحة أبي بصير (2)، فإنّها وإن كانت ضعيفة بطريق الشيخ (3)من أجل محمّد بن سنان لكنّها صحيحة بطريق الصدوق (4).

وقوله عليه‌السلام «فإنّها قضاء» يكشف عن أنّ السجود المأتي به فيما لو كان التذكّر قبل الركوع أداء ، أي واقع في محله ، فلا بدّ من إعادة القيام والقراءة بعد تدارك السجود تحقيقاً لوقوعهما في المحل كما بيّنا ذلك في تقرير مقتضى القاعدة. وعلى الجملة فالنصوص الواردة في المقام تطابق مقتضى القاعدة من غير ناحية القضاء ، هذا كلّه في السجدة الواحدة.

وأمّا في السجدتين ، فلم يرد نص بالخصوص فلا بدّ من الجري على ما تقتضيه القواعد.

فنقول : لا إشكال كما لا خلاف في البطلان فيما لو كان التذكر بعد الركوع لنقص الركن لو استرسل ، وزيادته لو تدارك ، للزوم إعادة الركوع حينئذ.

وبعبارة اخرى : الركوع حينما تحقّق كان متّصفاً بالزيادة ، لعدم مسبوقيته بالسجدتين وزيادته ولو سهواً مبطلة ، وإن شئت فقل : السجدتان ركن قد ترك في محله ، ولا يمكن تداركه ، وترك الركن مبطل ، فيمكن تعليل البطلان بترك الركن مرّة وبزيادته اخرى ، والمعنى واحد كما لا يخفى.

إنّما الكلام فيما إذا كان التذكر قبل الركوع ، فالمشهور وجوب العود كما في السجدة الواحدة لعين ما مرّ في تقرير القاعدة.


1) 1الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14 ح 1 ، 4.

2) 1الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14 ح 1 ، 4.

3) التهذيب 2 : 152 / 598.

4) الفقيه 1 : 228 / 1008 ، 4 (المشيخة) : 58.

.................................................................................................


ولكن المنسوب إلى جمع كالمفيد (1)وأبي الصلاح (2)وابن إدريس (3)الحكم بالبطلان ، استناداً إلى حديث لا تعاد ، فانّ الخارج عنه ما إذا كان المنسي سجدة واحدة لقوله عليه‌السلام : لا تعاد الصلاة من سجدة واحدة (4)، فتبقى السجدتان مشمولتين لإطلاق الحديث.

والجواب عنه : مضافاً إلى ثبوت الحكم في المقام على سبيل الأولوية ، إذ لو جاز العود لتدارك سجدة واحدة مع أنّها ليست بركن ، فجوازه في السجدتين وهما ركن بطريق أولى كما لا يخفى ، أنّ مفاد الحديث لو كان هو البطلان بمجرّد نسيان الخمس كما في الشك في الأوّلتين الموجب للبطلان في حدّ نفسه ، لتم ما ذكروه ، لكنّه ليس كذلك قطعاً ، بل مفادها أنّ الإخلال بالصلاة المقتضي للإعادة لا يوجبها إلّا من ناحية الخمس. فالموضوع ليس هو النسيان ، بل الإخلال الموجب للبطلان ، وواضح أنّ الحكم لا يتكفّل لبيان موضوعه وتحقّق صغراه ومصداقه ، بل لا بدّ من إثبات الموضوع وإحرازه من الخارج ، وقد عرفت أنّ القاعدة تقتضي عدم تحقّق الإخلال المستوجب للبطلان في المقام لإمكان تدارك السجدتين كالسجدة الواحدة بعد فرض بقاء المحل من أجل عدم الدخول في الركن ، فلا خلل كي يشمله الحديث.

وعلى الجملة : مفاد الحديث أنّ الخلل الّذي لا يمكن معه تصحيح الصلاة ويكون مورداً للإعادة حكمه كذا ، وهذا العنوان غير متحقِّق في المقام. فالصحيح ما عليه المشهور من وجوب العود لو كان التذكر قبل الدخول في الركوع من غير فرق بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أو سجدتين.


1) المقنعة : 138.

2) الكافي في الفقه : 119.

3) السرائر 1 : 241.

4) الوسائل 6 : 319 / أبواب الركوع ب 14 ح 2 (نقل بالمضمون).

.................................................................................................


وأمّا المقام الثاني : فإن كان التذكر قبل السلام رجع بلا إشكال ولا كلام سواء أكان المنسي سجدة واحدة أم سجدتين ولا شي‌ء عليه ، إذ لم يترتّب عليه محذور سوى زيادة التشهّد كلّاً أو بعضاً ، ولا ضير فيها بعد أن كانت سهواً. فالحكم حينئذ على طبق القاعدة.

إنّما الكلام فيما إذا كان بعد السلام ، فقد فصّل في المتن تبعاً لجمع بين ما إذا كان المنسي سجدة واحدة أم سجدتين ، فحكم بالقضاء في الأوّل ، والبطلان في الثاني ، وكلاهما محل نظر بل منع.

أمّا القضاء ، فلعدم الدليل عليه ، إذ النص الوارد فيه مختص بما إذا كان التذكر بعد الركوع المستلزم بطبيعة الحال لكون المنسي من سائر الركعات ، فلا يمكن التعدِّي إلى المقام ، لوجود الفرق الواضح بين الموردين ، فانّ السجود غير قابل للتدارك هناك ، فلا مناص من القضاء ، بخلاف المقام ، لبقاء المحل إذ لا ركن بعده ، فهو قابل للتدارك غايته أنّ التشهّد والسلام وقعا زائدين ولا بأس بالزيادة السهوية في مثلهما فيتدارك السجود ويعيد التشهّد والسلام ، وعليه سجدتا السهو للسلام الزائد ، ولا محذور في ذلك أبداً. فمقتضى القاعدة في المقام بعد عدم ورود نص فيه وجوب التدارك دون القضاء. نعم ، لو كان التذكّر بعد الإتيان بالمنافي من استدبار أو حدث ، أو فصل طويل ونحوها ممّا لم يبق معه مجال للتدارك اتّجه القضاء حينئذ لموثقة عمار (1).

وأمّا البطلان ، فهو مبني على ما مرّ آنفاً من الاستناد إلى حديث لا تعاد ، بدعوى أنّ الموضوع فيه مجرد النسيان الحاصل في المقام ، وقد عرفت جوابه بما لا مزيد عليه ، وأنّ الموضوع هو الخلل الموجب للبطلان غير المتحقق في المقام بعد إمكان التدارك ، إذ هو بعدُ في الصلاة ، لعدم وقوع السلام في محله فيمكنه


1) الوسائل 6 : 364 / أبواب السجود ب 14 ح 2.

.................................................................................................


التدارك ، فلا يشمله الحديث إلّا إذا كان التذكر بعد فعل المنافي ، فإنّه لا مناص حينئذ من الحكم بالبطلان كما هو ظاهر ، هذا.

وربّما يستدل للبطلان برواية معلّى بن خنيس قال : «سألت أبا الحسن الماضي عليه‌السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته ، قال : إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ، ثمّ سجد سجدتي السهو بعد انصرافه ، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة ، ونسيان السجدة في الأوّلتين والأخيرتين سواء» (1)فانّ المراد بالسجدة في موضوع هذه الرواية ليس الواحدة بلا ريب ، إذ لا تعاد الصلاة منها قطعاً نصّاً وفتوى ، وقد تضمّنت إعادتها لو كان التذكر بعد الركوع ، بل المراد طبيعي السجدة الواجبة في الصلاة ، أعني الثنتين ، وقد حكم عليه‌السلام أنّ نسيانها في الأوّلتين والأخيرتين سواء.

وفيه : أنّ الرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد من وجوه أمّا أوّلاً : فللإرسال.

وأمّا ثانياً : فلعدم توثيق معلى بن خنيس ، بل قد ضعّفه النجاشي صريحاً (2)وكذا ابن الغضائري (3)، ولا دلالة في شهادة الصادق عليه‌السلام بعد مقتله بأنّه من أهل الجنّة كما ورد في بعض الروايات المعتبرة (4)على وثاقته حين روايته ، لجواز أن يكون السبب في دخوله الجنّة قتله في سبيل الحق وموالاة أهل البيت ، وبذله تلك الأموال الخطيرة في حبّهم عليهم‌السلام ، فقد ورد أنّ داود بن علي لمّا عزم على قتله قال له معلى : أخرجني إلى الناس فإنّ لي دَيناً


1) الوسائل 6 : 366 / أبواب السجود ب 14 ح 5.

2) رجال النجاشي : 417 / 1114.

3) الخلاصة : 408 / 1652.

4) رجال الكشي : 376 / 707.

.................................................................................................


كثيراً ومالاً حتّى أشهد بذلك فأخرجه إلى السوق فلمّا اجتمع الناس ، قال : أيُّها الناس ، أنا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني اشهدوا أنّ ما تركت من مال عين أو دين أو أمة أو عبد ، أو دار ، أو قليل أو كثير فهو لجعفر بن محمّد عليه‌السلام ، فشد عليه صاحب شرطة داود فقتله ، فلمّا بلغ ذلك أبا عبد اللّه عليه‌السلام خرج يجر ذيله حتّى دخل على داود فقال له : قتلت مولاي وأخذت مالي ، قال : ما أنا قتلته ولكن صاحب شرطتي ، قال بإذن منك؟ قال : لا ، فأمر ابنه إسماعيل فقتله ثمّ دعا عليه‌السلام على داود فمات في تلك الليلة (1).

وعلى الجملة : فشهادته عليه‌السلام واغتياظه على داود والدُّعاء عليه وأمره بقتل القاتل كل ذلك من أجل قتله ظلماً في سبيل أهل البيت الّذين هم سبل النجاة ، ولا دلالة على كونه من أهل الجنّة قبل قتله كي تقتضي الوثاقة حين الرواية.

نعم ، ورد في بعض الأخبار أنّه عليه‌السلام اعترض على داود قائلاً : قتلت رجلاً من أهل الجنّة ، الكاشف عن أنّه كان من أهلها من قبل ورود القتل عليه ، لكن الرواية ضعيفة السند. مضافاً إلى أنّه أيضاً لا يقتضي التوثيق حال الرواية ، إذ لعل كونه من أهلها من أجل الولاء والإخلاص لهم عليهم‌السلام غير المنافي للفسق. والحاصل : أنّ النجاشي عدل ضبط قد صرّح بالضعف ولم يثبت ما يعارضه (2).

وثالثاً : أنّ السند عجيب في نفسه ، فانّ الرجل قتل في زمن الصادق (عليه


1) رجال الكشي : 377 / 708.

2) لكنّه (دام ظلّه) بالرغم من ذلك كلّه ناقش في تضعيف النجاشي وبنى في المعجم 19 : 268 / 12525 على وثاقة الرجل فليلاحظ.

[1625] مسألة 17 : لا تجوز الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه (1) كالقطن المندوف والمخدة من الريش والكومة من التراب الناعم أو كدائس الحنطة ونحوها.

[1626] مسألة 18 : إذا دار أمر العاجز عن الانحناء التام للسجدة (2) بين وضع اليدين على الأرض وبين رفع ما يصح السجود عليه ووضعه


السلام) كما سمعت ، فكيف يقول سمعت أبا الحسن الماضي عليه‌السلام الّذي هو الكاظم عليه‌السلام سيّما مع توصيفه بالماضي المشعر بوفاة الكاظم عليه‌السلام حين روايته ، فيقتضي أن يكون الرجل في زمن الرِّضا أو الجواد عليه‌السلام كما اصطلح هذا التوصيف في ألسنة الرواة بعدئذ في قبال أبي الحسن الثاني عليه‌السلام ، فكيف يمكن التوفيق بينه وبين قتله في زمن الصادق عليه‌السلام (1). وعلى الجملة : فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار ولا يمكن الاعتماد عليها ولا سيّما بعد مخالفتها لمقتضى القواعد كما عرفت.

(1) لاعتبار الاستقرار حال الذكر. نعم ، لو وضع جبهته وألقى الثقل عليها حتّى إذا استقر أتى بالذكر لم يكن به بأس لحصول الاستقرار بقاء.

(2) الظاهر أنّ في العبارة سهواً من قلمه الشريف ، إذ لا يحتمل وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة في المقام ، فانّ هذا الوضع إنّما يتّجه فيما إذا كان المصلِّي مستلقياً أو مضطجعاً بحيث لا يتمكن من وضع الجبهة على ما يصح كما تقدّم في بحث القيام ، مع أنّه لم يتم هناك أيضاً لعدم الدليل عليه كما مرّ. وأمّا في


1) ذكر (دام ظلّه) في المعجم 19 : 258 أنّ الرواية لو صحّت فالمراد بمعلى بن خنيس هذا شخص آخر غير معلى بن خنيس المعروف.

على الجبهة فالظاهر تقديم الثاني (1)، فيرفع يديه أو إحداهما عن الأرض ليضع ما يصح السجود عليه على جبهته ، ويحتمل التخيير.


المقام فهو متمكن من الانحناء ووضع الجبهة ولو برفع المسجد ، وإنّما عجزه عن الانحناء التام كما صرّح به (قدس سره) فالمراد وضع الجبهة على ما يصح لا وضعه على الجبهة كما عبّر (قدس سره) به.

وكيف ما كان ، فالصحيح أن يقال : إذا تمكّن من السجود العرفي ولو برفع المسجد تعيّن وإن استلزم رفع اليدين أو إحداهما عن الأرض ، ولا تصل النوبة حينئذ إلى الإيماء فإنّه وظيفة العاجز عن السجود والمفروض تمكنه منه ، ولا ضير في عدم وضع اليدين حينئذ على الأرض لسقوطه لدى العجز.

وأمّا إذا لم يتمكّن منه انتقل الأمر إلى الإيماء ولا يلزم وضع سائر المحال حينئذ ، إذ ظرف وضعها السجود المتقوّم بوضع الجبهة على الأرض ، كما يكشف عنه قوله عليه‌السلام : «السجود على سبعة أعظم» (2)لا حتّى مع الإيماء ، ولا دليل على انتقال حكم المبدل منه إلى البدل.


1) بل الظاهر أنّه إذا تمكّن من رفع المسجد ووضع الجبهة عليه بحيث يصدق عليه السجود تعيّن ذلك وإلّا وجب الإيماء كما مرّ.

2) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2.

فصل في مستحبّات السجود

وهي أُمور :

الأوّل : التكبير حال الانتصاب من الركوع قائماً أو قاعدا (1).

الثاني : رفع اليدين حال التكبير.

الثالث : السبق باليدين إلى الأرض عند الهوي إلى السجود.

الرابع : استيعاب الجبهة على ما يصح السجود عليه ، بل استيعاب جميع المساجد.


ولنقتصر في هذا الفصل على التعرّض لبعض المستحبّات ممّا وقع الخلاف في وجوبه لوضوح الباقي.

(1) لا يخفى أنّ الخلاف المتقدِّم (1)في بحث الركوع في وجوب هذا التكبير جار هنا بعينه مع مستنده وردّه ، لاشتراك الدليل واتِّحاد مناط البحث ، غير أنّ المقام يمتاز في جهة واحدة ، وهي أنّك قد عرفت هناك اختصاص الاستحباب بحال الانتصاب ، فلا يشرع التكبير بقصد التوظيف حال الهوي وإن جاز بقصد مطلق الذكر.


1) في ص 77.

.................................................................................................


فهل الأمر كذلك في المقام؟ الظاهر ثبوت الفرق ، وبيانه : أنّ مقتضى صحيحة حماد التي ورد فيها «... ثمّ كبر وهو قائم ورفع يديه حيال وجهه وسجد» إلخ (1)وكذا صحيحة زرارة : «إذا أردت أن تركع وتسجد فارفع يديك وكبِّر ثمّ اركع واسجد» (2)هو الاختصاص ، للتصريح بالانتصاب في الأُولى والعطف ب- «ثمّ» الظاهر في التراخي في الثانية.

لكن قد يعارضهما رواية معلى بن خنيس قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول كان علي بن الحسين عليه‌السلام إذا أهوى ساجداً انكبّ وهو يكبِّر» (3)لظهورها في المشروعية لدى الهوي. ومن هنا قد يجمع بينهما كما في الحدائق (4)بالحمل على التخيير.

وفيه : ما لا يخفى ، لمنافاته مع التعبير بلفظة «كان» المشعر بالدوام والاستمرار ومواظبته عليه‌السلام عليه فلا يناسب التخيير.

ومنه تعرف تعذّر الأخذ بظاهر الرواية ، لعدم احتمال أرجحية التكبير حال الهوي لتستوجب المواظبة عليه ، بل إمّا أنّه يتعيّن حال القيام كما عليه المشهور أو أنّه أفضل ، ولا يحتمل العكس فلا تنهض لمقاومة ما سبق ولا بدّ من رد علمها إلى أهله.

نعم ، لا ريب في ظهورها في استحباب التكبير لدى الهوي كما عرفت ويقتضيه أيضاً إطلاق بعض النصوص.

ففي صحيحة زرارة : «فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخرّ


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 6 : 296 / أبواب الركوع ب 2 ح 1.

3) الوسائل 6 : 383 / أبواب السجود ب 24 ح 2.

4) الحدائق 8 : 265.

الخامس : الإرغام بالأنف (1) على ما يصح السجود عليه.


ساجداً ...» (1)، وفي صحيحته الأُخرى «ثمّ ترفع يديك بالتكبير وتخرّ ساجداً» (2)فإن إطلاقهما يشمل التكبير حال الهوي ، بل هو أوضح شمولاً كما لا يخفى.

وحيث لا تجري صناعة الإطلاق والتقييد في باب المستحبّات ، فلا جرم يحمل التقييد بالانتصاب في الصحيحتين المتقدّمتين على بيان أفضل الفردين. فالأقوى ثبوت الاستحباب بقصد التوظيف في كلتا الحالتين في المقام ، على خلاف ما تقدّم في بحث الركوع.

(1) على المشهور المعروف ، بل عن جملة من الأصحاب دعوى الإجماع عليه ومال في الحدائق إلى الوجوب (3)، ونسب ذلك إلى الصدوق في الفقيه والهداية (4)حيث عبّر بمضمون النص الظاهر في الوجوب.

وكيف ما كان ، فمستند الوجوب موثقة عمار عن جعفر عن أبيه قال «قال علي عليه‌السلام : لا تجزي صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين» (5)، وفي بعض النسخ كمصباح الفقيه (6)نقلت هكذا «لا تجزي صلاة من لا يصيب أنفه ما يصيب جبينه» لكن المذكور في الوسائل وغيره ما عرفت والمعنى واحد


1) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

2) الوسائل 6 : 295 / أبواب الركوع ب 1 ح 1.

3) الحدائق 8 : 294.

4) الفقيه 1 : 205 ، الهداية : 137.

5) الوسائل 6 : 344 / أبواب السجود ب 4 ح 4.

6) مصباح الفقيه (الصلاة) : 349 السطر 34.

.................................................................................................


والدلالة ظاهرة ، فانّ نفي الاجزاء ظاهر في نفي الصحّة المساوق لوجوب الإرغام كما أنّ المراد بالجبين هنا الجبهة التي هي أحد إطلاقيه لغة كما في المنجد (1)وما في مجمع البحرين (2)من إيراد الموثقة بصورة «الجبينين» بدلاً عن «الجبين» غير واضح ، لعدم استقامة المعنى حينئذ كما لا يخفى ، ولعلّه من غلط النسّاخ.

وتؤيّدها مرسلة عبد اللّه بن المغيرة عمّن سمع أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : «لا صلاة لمن لم يصب أنفه ما يصيب جبينه» (3).

وربّما يجاب بلزوم حمل الموثق على الاستحباب تارة للإجماع القائم عليه المدّعى في كلمات غير واحد.

وفيه : أنّه إنّما يتم لو صحّ الإجماع وكان تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه‌السلام وليس كذلك ، كيف وقد نسب الخلاف إلى الصدوق سيّما بعد وجود المستند في المسألة كما ستعرف.

وأُخرى : لخبر محمّد بن مصادف (مضارب) قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : إنّما السجود على الجبهة وليس على الأنف سجود» (4).

وفيه : أنّ الدلالة وإن تمّت لحصر السجود من أعضاء الوجه في الجبهة ونفيه عن الأنف ، لكن السند ضعيف عند القوم ، فانّ محمّد بن مصادف لم يوثق ، بل قد ضعّفه ابن الغضائري صريحا (5).


1) المنجد : 78 مادة «جبن».

2) مجمع البحرين 6 : 224.

3) الوسائل 6 : 345 / أبواب السجود ب 4 ح 7.

4) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 1.

5) مجمع الرِّجال 6 : 55.

.................................................................................................


وثالثة : للروايات المتقدِّمة (1)المتضمِّنة أنّ السجود على سبعة أعظم وأنّها الفرض ، وأنّ الإرغام بالأنف سنّة.

وفيه : أنّ السنّة في لسان الأخبار غير ظاهرة في الاستحباب سيّما إذا قوبلت بالفرض ، فانّ المراد بها ما سنّة النبيّ صلی اللّه عليه وآله وجوباً أو استحباباً في قبال ما فرضه اللّه تعالى في كتابه ، وقد أُطلقت السنة على بعض الواجبات في لسان الروايات كقوله : القراءة سنّة ، التشهّد سنّة ، الركعتان الأخيرتان سنّة وغير ذلك.

ورابعة : للنصوص المتضمِّنة ان ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف أو إلى الحاجب مسجد وإن أي ذلك أصبت به الأرض أجزأك (2)فانّ مقتضاها عدم وجوب السجود على الأنف لخروجه عن الحد.

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ تلك النصوص في مقام تحديد المسجد من الجبهة ولا نظر فيها إلى سائر المساجد ، فكما لا تنفي وجوب السجود على اليدين والركبتين كذلك لا تنفي وجوبه على الأنف لو كان واجباً لعدم كونها ناظرة إلى ما عدا الجبهة من المساجد كما عرفت.

فالإنصاف : أنّ شيئاً من هذه الوجوه لا يصلح سنداً للاستحباب فيبقى الموثق المؤيّد بالمرسل الظاهر في الوجوب سليماً عن المعارض.

والصحيح في الجواب أن يقال : أوّلاً : أنّ المقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه ، فان ظاهر الموثق لزوم إصابة الأنف شخص ما يصيبه الجبين لا شي‌ء غيره من نوع أو جنس آخر وإن كان ممّا يصح السجود عليه ، لاستلزامه نوعاً من الاستخدام الّذي هو على خلاف الأصل ، ولازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع


1) في ص 89.

2) الوسائل 6 : 355 / أبواب السجود ب 9.

.................................................................................................


جبهته على الخشبة مثلاً والأنف على التربة ، إذ لا يصدق معه أنّ الأنف أصاب ما أصابه الجبين ، بل كل منهما أصاب شيئاً غير ما أصابه الآخر ، بل لازمه عدم الاجتزاء بما لو وضع جبهته على تربة ، وأنفه على تربة اخرى مفصولة عنها لعين ما ذكر ، فظاهر الموثق أن يكون هناك شي‌ء واحد وجسم فأرد مسجداً لكلا العضوين كتربة واحدة تسع الموضعين كي يصدق معه أنّ الأنف أصاب ما أصابه الجبين لانتفاء الصدق بدون ذلك إلّا بمعونة ارتكاب نوع من الاستخدام ، بأن يقال إنّ الأنف أصاب نوع ما أصابه الجبين أو جنسه وهو على خلاف الأصل ، وحيث إنّ هذا الظاهر مطروح قطعاً لعدم القول به من أحد. فلا مناص من طرح الرواية أو حملها على الاستحباب ، فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه.

وثانياً : مع التسليم لا بدّ من رفع اليد عنه للدليل الّذي تمسّكنا به في كثير من المقامات ، وهو أنّ المسألة كثيرة الدوران وعامّة البلوى لكل أحد في كل يوم ، فلو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر وبان وشاع وذاع وكان من الواضحات من غير خلاف معتد به ، كيف ولم ينسب القول به إلى أحد ما عدا الصدوق في ظاهر عبارته التي هي مضمون النصوص القابلة للحمل على الاستحباب بقرينة عدّه من الآداب. فالمتعيِّن هو الحكم بالاستحباب الّذي عليه المشهور ، بل هو المتسالم عليه لعدم وجود مخالف صريح ، وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

وثالثاً : أنّ محمّد بن مصادف وإن ضعّفه ابن الغضائري كما سمعت إلّا أنّه وثقه في موضع آخر من كتابه (1)ومن ثمّ توقف فيه العلّامة (2). وعلى أيّ حال لا يمكن التعويل لا على تضعيفه ولا على توثيقه ، لا لقدح فيه في نفسه فإنّه من الثقات ومن مشايخ النجاشي وقد اعتمد عليه كثيراً ، بل لأنّ الكتاب المنسوب


1) الخلاصة : 404 / 1630.

2) الخلاصة : 404 / 1630.

السادس : بسط اليدين مضمومتي الأصابع حتّى الإبهام حذاء الأُذنين متوجِّهاً بهما إلى القبلة.

السابع : شغل النظر إلى طرف الأنف حال السجود.

الثامن : الدُّعاء قبل الشروع في الذكر بأن يقول : اللّهمّ لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكّلت وأنتَ ربِّي سجد وجهي للّذي خلقه وشقّ سمعه وبصره ، والحمد لله ربّ العالمين تبارك اللّه أحسن الخالقين.


إليه لم تظهر صحّة نسبته إليه ، وقد صرّح الشيخ (قدس سره) (1)بأنّ له كتابين ومدحهما غير أنّه لم ينسخهما أحد من أصحابنا وعمد بعض ورثته إلى إتلاف هذين الكتابين وغيرهما من الكتب. وقد ذكر في التحرير الطاووسي (2)أيضاً أنّه لا طريق لنا إلى كتابه ، والعلّامة أيضاً لا طريق له إليه وإن أكثر النقل عنه.

وحيث إنّ الرجل محمّد بن مصادف أو مضارب موجود في أسانيد كامل الزيارات فيحكم بوثاقته لسلامته عن المعارض ، وعليه فالرواية موثقة ، كما أنّ الدلالة ظاهرة ، والخدش فيها بأنّ غايتها نفي السجود على الأنف ، وعدم جواز الاقتصار فيه بدلاً عن الجبهة ، فلا تدل على نفي الإرغام الّذي هو محل الكلام ساقط لدلالتها على حصر السجود في الجبهة وإن لزم تقييدها بما دلّ على وجوبه في سائر المساجد أيضاً. وعلى أيّ حال فهي كالصريح في أنّه لا يجب السجود من أعضاء الوجه إلّا على الجبهة ، فلو وجب على الأنف أيضاً لم يتّجه الحصر ولما صحّ النفي عن الأنف كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ المقتضي لوجوب الإرغام قاصر في حدّ نفسه ، لقصور موثقة


1) الفهرست : 1.

2) التحرير الطاووسي : 5.

التاسع : تكرار الذكر.

العاشر : الختم على الوتر.

الحادي عشر : اختيار التسبيح من الذكر والكبرى من التسبيح ، وتثليثها أو تخميسها أو تسبيعها.

الثاني عشر : أن يسجد على الأرض بل التراب دون مثل الحجر والخشب.

الثالث عشر : مساواة موضع الجبهة مع الموقف ، بل مساواة جميع المساجد.

الرابع عشر : الدُّعاء في السجود أو الأخير بما يريد من حاجات الدُّنيا والآخرة ، وخصوص طلب الرِّزق الحلال بأن يقول : يا خير المسئولين ويا خير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك فإنّك ذو الفضل العظيم.

الخامس عشر : التورك في الجلوس بين السجدتين وبعدهما ، وهو أن يجلس على فخذه الأيسر جاعلاً ظهر القدم اليمنى في بطن اليسرى.

السادس عشر : أن يقول في الجلوس بين السجدتين : استغفر اللّه ربِّي وأتوب إليه.

السابع عشر : التكبير بعد الرفع من السجدة الأُولى بعد الجلوس مطمئناً والتكبير للسجدة الثانية وهو قاعد.

الثامن عشر : التكبير بعد الرفع من الثانية كذلك.

التاسع عشر : رفع اليدين حال التكبيرات.

العشرون : وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس اليمنى على اليمنى


عمار عن إفادته. وعلى تقدير التسليم فتحمل على الاستحباب جمعاً بينها وبين هذه الموثقة الصريحة في عدم الوجوب. مضافاً إلى الدليل المتقدِّم.

واليسرى على اليسرى.

الحادي والعشرون : التجافي حال السجود بمعنى رفع البطن عن الأرض.

الثاني والعشرون : التجنح ، بمعنى تجافي الأعضاء حال السجود بأن يرفع مرفقيه عن الأرض مفرّجاً بين عضديه وجنبيه ومبعّداً يديه عن بدنه جاعلاً يديه كالجناحين.

الثالث والعشرون : أن يصلِّي على النبيّ وآله في السجدتين.

الرابع والعشرون : أن يقوم سابقاً برفع ركبتيه قبل يديه.

الخامس والعشرون : أن يقول بين السجدتين : اللّهمّ اغفر لي وارحمني وأجرني وادفع عنِّي فإنِّي لما أنزلت إليّ من خير فقير تبارك اللّه ربّ العالمين.

السادس والعشرون : أن يقول عند النهوض للقيام : بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد. أو يقول : اللّهمّ بحولك وقوتك أقوم وأقعد.

السابع والعشرون : أن لا يعجن بيديه عند إرادة النهوض ، أي لا يقبضهما بل يبسطهما على الأرض معتمداً عليهما للنهوض.

الثامن والعشرون : وضع الركبتين قبل اليدين للمرأة عكس الرجل عند الهوي للسجود ، وكذا يستحب عدم تجافيها حاله بل تفترش ذراعيها وتلصق بطنها بالأرض وتضم أعضاءها ، وكذا عدم رفع عجيزتها حال النهوض للقيام بل تنهض وتنتصب عدلا.

التاسع والعشرون : إطالة السجود ، والإكثار فيه من التسبيح والذكر.

الثلاثون : مباشرة الأرض بالكفّين.

الواحد والثلاثون : زيادة تمكين الجبهة وسائر المساجد في السجود.

[1627] مسألة 1 : يكره الإقعاء في الجلوس بين السجدتين بل بعدهما أيضاً ، وهو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه كما فسّره به الفقهاء بل بالمعنى الآخر المنسوب إلى اللغويين أيضاً ، وهو أن يجلس على أليتيه ، وينصب ساقيه ، ويتساند إلى ظهره كإقعاء الكلب.

[1628] مسألة 2 : يكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولّد حرفان ، وإلّا فلا يجوز بل مبطل للصلاة ، وكذا يكره عدم رفع اليدين من الأرض بين السجدتين.

[1629] مسألة 3 : يكره قراءة القرآن في السجود كما كان يكره في الركوع.

[1630] مسألة 4 : الأحوط عدم ترك جلسة الاستراحة (1)(1) وهي الجلوس بعد السجدة الثانية في الركعة الأُولى والثالثة ممّا لا تشهد فيه ، بل وجوبها لا يخلو عن قوّة.


(1) المعروف والمشهور استحباب جلسة الاستراحة ، وهي الجلوس بعد رفع الرأس عن السجدة الثانية في الركعة التي لا تشهد فيها ، وهي الاولى والثالثة من الصلاة الرباعية ، بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. وحكي عن السيِّد القول بالوجوب (2)، بل نسب ذلك إلى غير واحد من القدماء ، ومالَ إليه في كشف اللثام (3)، وقوّاه في الحدائق (4)، واحتاط فيه في المتن بل استقواه أخيرا.


1) لا بأس بتركه.

2) الانتصار : 150.

3) كشف اللثام 4 : 103.

4) الحدائق 8 : 302.

.................................................................................................


والّذي يمكن أن يستدل به على الوجوب جملة من النصوص.

الاولى : ما رواه الصدوق في كتاب الخصال عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام ، عن آبائه عليهم‌السلام قال قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «اجلسوا في الركعتين حتّى تسكن جوارحكم ثمّ قوموا فانّ ذلك من فعلنا» (1)فانّ الركعتين إشارة إلى الأُولى والثالثة ممّا لا تشهد فيه. وظاهر الأمر الوجوب.

هذا ، وسند الرواية التي هي من حديث الأربعمائة معتبر وإن وقع في الطريق القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ، فانّ الرجلين وإن لم يوثقا صريحاً في كتب الرِّجال ، أعني القاسم وجدّه الحسن دون غيرهما ممّن يسمّى بذلك لكن يكفي وقوعهما بعين هذا السند أي القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد في أسانيد كامل الزيارات ، ويؤكِّده أنّ الصدوق اختار في باب الزيارات رواية قال إنّها أصح الروايات التي وصلت إليّ (2)، مع أنّ في طريقها أيضاً القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد ، فهذا توثيق منه (قدس سره) لهما. ولعلّه من أجل هذا وصف صاحب الحدائق هذه الرواية في المقام بالاعتبار فقال : بسند معتبر (3)وإلّا فقد عرفت أنّ الرجلين غير موثقين في كتب الرِّجال ومن المعلوم عدم استناده إلى كتاب كامل الزيارات.

وعلى الجملة : فالرواية صحيحة السند لكنّها قاصرة الدلالة على الوجوب لمكان الاشتمال على التعليل بقوله عليه‌السلام «فانّ ذلك من فعلنا» فانّ هذا اللِّسان أقرب إلى الاستحباب كما لا يخفى على من له أُنس بالأخبار ، إذ مع


1) الوسائل 5 : 471 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 16 ، الخصال : 628.

2) الفقيه 2 : 360.

3) الحدائق 8 : 304.

.................................................................................................


الوجوب لا حاجة إلى هذا التعليل ، لكونه من أجزاء الصلاة حينئذ لا من فعلهم عليهم‌السلام.

الثانية : صحيحة أبي بصير : «وإذا سجدت فاقعد مثل ذلك ، وإذا كنت في الركعة الأُولى والثانية ولا يبعد أنّ النسخة مغلوطة والصحيح الثالثة فرفعت رأسك من السجود فاستتمّ جالساً حتّى ترجع مفاصلك فاذا نهضت فقل : بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد ، فانّ عليّاً عليه‌السلام هكذا كان يفعل» (1). وهذه كالسابقة في عدم الدلالة على الوجوب ، فانّ ظاهر الأمر وإن كان هو الوجوب لكن يصرفه عنه التعليل المذكور في الذيل ، فانّ الوجوب لا يناسب التعليل بالتأسِّي بفعل علي عليه‌السلام. فالدلالة قاصرة وإن صحّ السند كالسابقة ، فإنّ داود الخندقي الواقع في السند هو داود بن زربي الخندقي الموثق.

الثالثة : إطلاق صحيحة الأزدي قال عليه‌السلام فيها : «وإذا سجد فلينفرج وليتمكّن ، وإذا رفع رأسه فيلبث حتّى يسكن» (2)حيث أمر عليه‌السلام باللبث والسكون المساوق للجلوس مطمئناً. وظاهر الأمر الوجوب ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الرفع عن السجدة الأُولى أو الثانية. هذا ونسخة الوسائل طبع عين الدولة مشتملة على الغلط ، والصحيح ما هو الموجود في الطبعة الجديدة فلتلاحظ.

وكيف كان ، فهذه الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة ، فلا بأس بالاعتماد عليها.

الرابعة : ما رواه زيد النرسي في كتابه قال : «سمعت أبا الحسن عليه‌السلام يقول : إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل أن تقوم فاجلس جلسة


1) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 9.

2) الوسائل 4 : 35 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 8 ح 14.

.................................................................................................


ثمّ بادر بركبتيك إلى الأرض قبل يديك وابسط يديك بسطاً واتك عليهما ثمّ قم فانّ ذلك وقار المؤمن الخاشع لربّه ولا تطيش من سجودك مبادراً إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم» (1).

والظاهر أنّ الرواية صحيحة السند ، فان زيداً موجود في أسانيد كامل الزيارات وإن لم يوثق صريحاً في كتب الرِّجال ، وأمّا كتابه فلم يرو عنه محمّد ابن علي بن بابويه ، وقال لم يروه محمّد بن الحسن بن الوليد ، وكان يقول وضعه محمّد بن موسى السمان الهمداني (2)، ولكن ابن الغضائري وكذا من تأخّر عنه خطأ ابن الوليد في نسبة الوضع وقال هذا غلط فإنِّي رأيت كتابه مسموعاً من محمّد بن أبي عمير (3)، وقال الشيخ أيضاً إنّ كتابه رواه عنه ابن أبي عمير (4)وكذا النجاشي اعتمد على كتابه وقال : رواه جماعة منهم ابن أبي عمير (5). فالظاهر أنّ نسبة الوضع في غير محلها ، ولم يعلم أنّ ابن الوليد بأيّ استناد حكم بالوضع ، ولو سلّم فمن أين علم أنّ الواضع هو محمّد بن موسى مع أنّ الكتاب مروي عنه بطريق ابن أبي عمير كما سمعت ولم يكن في الطريق هذا الرجل ، فلعل الواضع شخص آخر.

وكيف ما كان ، فلا ينبغي التشكيك في صحّة السند ، لكن الدلالة قاصرة لمكان التعليل المذكور في الذيل من كونه من وقار الصلاة الكاشف عن الاستحباب.


1) المستدرك 4 : 456 / أبواب السجود ب 5 ح 2.

2) الفهرست : 71 / 290 ، الخلاصة : 347 / 1377.

3) الخلاصة : 347 / 1377.

4) الفهرست : 71 / 290.

5) رجال النجاشي : 174 / 460.

.................................................................................................


الخامسة : رواية الأصبغ بن نباتة (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن الحزور فإنّه لم يوثق ، أنّ الدلالة لمكان التعليل بالتوقير قاصرة لمناسبته الاستحباب كما مرّ.

السادسة : ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة عن أبي بصير قال «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إذا رفعت رأسك في (من) السجدة الثانية من الركعة الأُولى حين تريد أن تقوم فاستو جالساً ثمّ قم» (2)وهذه كما ترى ظاهرة الدلالة إنّما الكلام في السند وقد عبّر عنها في الجواهر بالموثقة (3)، وتبعه غير واحد ولكن صاحب الحدائق عبّر عنها بما رواه الشيخ عن أبي بصير (4)المشعر بالضعف وهو كذلك ، فإنّ سماعة وإن كان ثقة كأبي بصير لكن طريق الشيخ إليه غير معلوم مع الفصل الطويل بينهما ، فلم يعلم الواسطة ، لعدم ذكر الاسناد هنا وإن كان قد يذكره في الروايات الأُخرى عنه ، ولم يتعرّض لسماعة في الفهرست كي يذكر طريقه إليه فتصبح الرواية مرسلة لا محالة (5).

السابعة : صحيحة عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأُولى جلس حتّى يطمئن ثمّ يقوم» (6).


1) الوسائل 6 : 347 / أبواب السجود ب 5 ح 5.

2) الوسائل 6 : 346 / أبواب السجود ب 5 ح 3 ، التهذيب 2 : 82 / 303.

3) الجواهر 10 : 184.

4) الحدائق 8 : 303.

5) لكن يمكن التصحيح بوجه آخر ، وهو أنّ طريق الصدوق إليه صحيح ، وقد صحّ طريق الشيخ أيضاً إلى جميع كتب الصدوق ورواياته كما أشار إليه الأُستاذ في المعجم [17 : 350 / 11319].

6) الوسائل 6 : 346 / أبواب السجود ب 5 ح 1.

.................................................................................................


وفيه : أنّه حكاية فعل صادر عنه عليه‌السلام وهو أعم من الوجوب فلا يدل عليه.

فتحصّل : أنّ شيئاً من الروايات المتقدِّمة لا يمكن الاستدلال بها على الوجوب لضعفها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو عدا صحيحة الأزدي بإطلاقها.

وبإزاء هذه الأخبار موثقة زرارة قال : «رأيت أبا جعفر وأبا عبد اللّه عليهما‌السلام إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا» (1)فإنّها كما ترى صريحة في عدم الوجوب ، وبها يرفع اليد عن إطلاق صحيح الأزدي ويقيّد برفع الرأس عن السجدة الأُولى ، أو يحمل على الاستحباب كما يحمل عليه بقية الأخبار المتقدِّمة لو سلّم دلالتها على الوجوب.

والمناقشة في الموثقة بدلالتها على مواظبتهما عليهما‌السلام على الترك مع وضوح رجحان الجلوس على الأقل فيكشف عن أنّه كان لعذر وراء الواقع وهو التقيّة ، وإلّا فلا معنى للالتزام بترك المستحب سيّما وهو من توقير الصلاة كما مرّ ، فلا تدل على عدم الوجوب ،

ساقطة ، إذ لم يظهر وجه الدلالة على المواظبة وليست فيها كلمة «كان» المشعرة بالدوام والاستمرار ، ولفظة «إذا» وقتية محضة لا دلالة فيها على الدوام بوجه ، سواء أكانت متعلِّقة ب- «رأيت» أم ب- «نهضا» فالرواية صادقة مع الرؤية مرّة واحدة ، ولا قرينة في البين على حمل الفعل على التقيّة بعد أن كان الطبع الأوّلي مقتضياً للجري على الحكم الواقعي كما لا يخفى.

ومنه تعرف أنّ دعوى معارضتها بصحيحة عبد الحميد السابقة أيضاً ساقطة إذ بعد عدم دلالتهما على المواظبة فلا تنافي بين صدور الفعل منه مرّة وقد رآه عبد الحميد ، وصدور الترك اخرى وقد رآه زرارة.


1) الوسائل 6 : 346 / أبواب السجود ب 5 ح 2.

.................................................................................................


هذا ، وقد يستدل على الاستحباب بخبر رحيم قال : «قلت لأبي الحسن الرِّضا عليه‌السلام جعلت فداك أراك إذا صلّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الأُولى والثالثة فتستوي جالساً ثمّ تقوم ، فنصنع كما تصنع؟ فقال : لا تنظروا إلى ما أصنع أنا اصنعوا ما تؤمرون» (1)قال في الوسائل : أوّل الحديث يدل على الاستحباب ، وآخره على نفي الوجوب.

وفيه : أنّ الرواية وإن كانت معتبرة سنداً ، فانّ رحيم الّذي هو من أصحاب الرِّضا عليه‌السلام هو الملقب بعبدوس الخلنجي أبو أحمد وهو موجود في أسانيد كامل الزيارات ، وهو كاف في توثيقه وإن لم يوثق في كتب الرِّجال لكن الدلالة قاصرة ، فإنّها محمولة على التقيّة ، وإلّا فلما ذا منعه عليه‌السلام عن أن يصنع كما صنع ، مع أنّ جلسة الاستراحة لا إشكال في رجحانها واستحبابها لكونها من توقير الصلاة كما مرّ. فيعلم من ذلك أنّ سند المنع هو التقيّة إمّا من نفس الراوي كما احتمله في الحدائق (2)، أو من أجل الابتلاء بالعامّة والوقوع في خلاف التقيّة ، فلم تكن الرواية واردة في مقام بيان الحكم الواقعي قطعا.

وقد ظهر من جميع ما سردناه أنّ الأقوى عدم وجوب جلسة الاستراحة وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

بقي هنا شي‌ء : وهو أنّ صاحب المدارك (قدس سره) بعد أن استدلّ للوجوب برواية أبي بصير المتقدِّمة التي في سندها سماعة وهي الرواية السادسة من الروايات المتقدِّمة وعارضها بموثقة زرارة المتقدِّمة بقوله : والسندان متقاربان قال (قدس سره) بعد ذلك : ويدلُّ على الاستحباب صحيحة عبد الحميد بن عواض (3)


1) الوسائل 6 : 347 / أبواب السجود ب 5 ح 6.

2) الحدائق 8 : 304.

3) المدارك 3 : 413.

.................................................................................................


• وهي الرواية السابعة - واعترض عليه في الحدائق (1)متعجِّباً بأن الصحيحة حكاية فعل وهو أعم من الوجوب والاستحباب فأين الدلالة عليه.

وأجاب عنه المحقِّق الهمداني (قدس سره) (2)بكلام متين وحاصله : أنّ الاعتراض ناش عن الغفلة وعدم التفطن إلى مراد صاحب المدارك ، فإنّه بعد أن نفى في المدارك احتمال الوجوب بمقتضى موثقة زرارة احتاج في إثبات الاستحباب إلى دليل فاستدلّ له بالصحيحة. فالاستدلال بها إنّما هو بعد القطع بعدم احتمال الوجوب بمقتضى الموثقة المؤيّدة بالأصل ، فتعجبه في غير محله وهذا الاشكال غير وارد على صاحب المدارك.

نعم ، يرد عليه الاشكال من وجهين : أحدهما : أنّ ما ذكره من أنّ سند الروايتين متقاربان في غير محله ، بل هما متباعدان ، فإن رواية أبي بصير ضعيفة من جهة الإرسال كما عرفت (3)، ورواية زرارة موثقة ، فلا تعارض لعدم التكافؤ في السند.

الثاني : أنّه لا حاجة في إثبات الاستحباب إلى دليل آخر لا صحيحة عواض ولا غيرها ، بل يكفي فيه نفس الدليلين من غير حاجة إلى ثالث ، فإن أحدهما تضمن الأمر وهي رواية أبي بصير مع قطع النظر عمّا ذكرناه من الضعف والآخر وهي الموثقة تضمنت تركه عليه‌السلام ، وبضم إحداهما إلى الأُخرى يثبت الاستحباب لا محالة.


1) الحدائق 8 : 305.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 352 السطر 5.

3) وقد عرفت إمكان التصحيح من وجه آخر.

[1631] مسألة 5 : لو نسيها رجع إليها ما لم يدخل في الركوع (1).


(1) لبقاء المحل ما لم يدخل في الركن كما هو الحال في سائر الأجزاء المنسيّة لكن الظاهر عدم إمكان التدارك فليس له الرجوع ، إذ الواجب ليس مطلق الجلوس بعد السجود ، بل حصّة خاصّة وهي الجلوس عن السجود ، وإن شئت قل : رفع الرأس عن السجود والاستواء جالساً كما تضمنته النصوص ، ومن الواضح أنّ هذا غير قابل للتدارك إلّا بإعادة السجود ، فيلزم منها الزيادة العمدية في السجدة الواحدة غير الجائزة بلا إشكال.

وقد تقدّم (1)نظير ذلك في بحث الركوع وقلنا إنّه لو نسي القيام بعد الركوع فأهوى إلى السجود وتذكر قبل وضع الجبهة على الأرض مضى في صلاته لحديث لا تعاد ، وليس له التدارك لعدم إمكانه ، إذ الواجب إنّما هو القيام عن الركوع لا القيام بعد الركوع ، فتداركه يتوقف على إعادة الركوع المستلزمة لزيادة الركن ، فكذا الحال في المقام.


1) في ص 26 ، 53.

فصل في سائر أقسام السجود

[1632] مسألة 1 : يجب السجود للسهو كما سيأتي مفصلاً في أحكام الخلل.

[1633] مسألة 2 : يجب السجود على من قرأ إحدى آياته الأربع في السور الأربع وهي : الم تنزيل عند قوله ( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) وحم فصّلت عند قوله ( تَعْبُدُونَ ) والنجم ، والعلق وهي سورة اقرأ باسم عند ختمهما. وكذا يجب على المستمع لها بل السامع على الأظهر (1) (1).


(1) لا بدّ من التكلّم في جهات :

الاولى : في وجوب سجدة التلاوة وموردها.

الظاهر عدم الخلاف بين الإمامية في الوجوب ، بل ادّعى عليه الإجماع غير واحد ، كما أنّ موردها العزائم الأربع على ما ذكره في المتن ، وتشهد له جملة وافرة من النصوص.

منها : الروايات الواردة في الحائض الآمرة بالسجود إذا سمعت السجدة التي منها صحيحة الحذاء قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الطامث تسمع السجدة ، فقال : إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها» (2)وغيرها.


1) بل على الأحوط ، والظاهر عدم الوجوب بالسماع.

2) الوسائل 2 : 340 / أبواب الحيض ب 36 ح 1.

.................................................................................................


ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «إذا قرأت شيئاً من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبِّر قبل سجودك ، ولكن تكبِّر حين ترفع رأسك ، والعزائم أربعة : حم السجدة ، وتنزيل ، والنجم ، واقرأ باسم ربّك» (1).

ومنها : صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إنّ العزائم أربع : اقرأ باسم ربّك الّذي خلق ، والنجم ، وتنزيل السجدة ، وحم السجدة» (2).

ومنها : صحيحة عبد اللّه بن سنان «عن رجل سمع السجدة تقرأ ، قال : لا يسجد إلّا أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها ...» إلخ (3).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : «سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع ويسجد سجدتين ثمّ يذكر بعد ، قال : يسجد إذا كانت من العزائم ، والعزائم أربع : الم تنزيل ، وحم السجدة والنجم واقرأ باسم ربّك ...» إلخ (4).

ومنها : غيرها كما لا يخفى على المراجع. فالحكم مسلّم لا غبار عليه.

الجهة الثانية : هل الموجب للسجود والموضوع لهذا الحكم تلاوة الآية بتمامها فلا وجوب ما لم يفرغ عنها ، أو أنّ الموجب تلاوة نفس الكلمة المتضمِّنة للسجدة فلا عبرة بما قبلها ولا ما بعدها؟

المشهور هو الأوّل ، بل حكي عليه الإجماع والاتفاق. ويظهر من المحقِّق في


1) الوسائل 6 : 239 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 1.

2) الوسائل 6 : 241 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 7.

3) الوسائل 6 : 242 / أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1.

4) الوسائل 6 : 244 / أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2.

.................................................................................................


المعتبر (1)الثاني ناسباً له إلى الشيخ ، ومال إليه في الحدائق (2).

ويستدل لهذا القول بوجهين : الأوّل : أنّ سبب السجدة هو الأمر المتعلِّق بها في الآية ، فعند الانتهاء إلى هذه اللفظة يتحقّق الموجب فلا اعتداد بغيرها.

وهذا كما ترى ساقط جدّاً ، ضرورة أنّ الموجب إنّما هو التلاوة الخارجية أو السماع على ما نطقت به النصوص لا نفس الأمر وإلّا وجب السجود دائماً سواء قرأ أم لا ، كما هو الحال في سائر الأحكام التي تضمّنها القرآن من الصلاة والزكاة ونحوهما غير المنوط وجوبهما بالقراءة وهو واضح الفساد.

الثاني : ما ذكره في الحدائق من أنّ ذلك مقتضى ظواهر الأخبار لتعليق السجود في جملة منها على سماع السجدة أو قراءتها أو استماعها ، والمتبادر من السجدة إنّما هو لفظ السجدة ، إذ الحمل على تمام الآية يحتاج إلى التقدير الّذي هو خلاف الأصل ، غير أنّ اتفاق الأصحاب على خلافه يمنعنا من الالتزام به وإلّا فهو مقتضى الجمود على ظواهر النصوص.

وفيه : ما لا يخفى ، ضرورة أنّ حمل السجدة الواردة في النصوص على لفظ السجدة كي يكون من باب استعمال اللفظ في اللفظ ممّا لا يمكن المصير إليه ، لعدم ورود هذه اللفظة بمادتها وهيئتها في شي‌ء من آيات العزائم وإنّما الموجود فيها سائر المشتقات. وعليه فارتكاب التقدير ممّا لا محيص عنه ، فيدور الأمر بين أن يكون المراد آية السجدة أو سورتها لصحّة كلا الإطلاقين ، لكن الثاني مقطوع العدم ، لقيام الإجماع بل الضرورة على عدم مدخلية السورة في الوجوب وعدم الاعتداد بسائر الآيات. مضافاً إلى دلالة النصوص عليه التي منها موثقة


1) المعتبر 2 : 273.

2) الحدائق 8 : 334.

.................................................................................................


عمار قال عليه‌السلام فيها : «إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها» (1).

فيتعيّن الأوّل ، فيظهر أنّ الموجب للسجود إنّما هو نفس الآية ، فلا عبرة بأبعاضها حتّى اللفظة المتضمِّنة للسجدة. وعلى تقدير التنزل والشك في إيجاب هذه اللّفظة لها فتكفينا أصالة البراءة التي هي المرجع في الشبهة الحكمية الوجوبية باتِّفاق الأُصوليين والأخباريين.

الجهة الثالثة : إذا بنينا على أنّ سبب الوجوب هو تمام الآية كما عرفت ، فلا إشكال في أنّ موضع السجدة ومحلها هو ما بعد الفراغ عن الآية ، لعدم تحقّق الموجب قبلئذ. وأمّا على المبنى الآخر وأنّ السبب نفس الكلمة ، فهل يتعيّن السجود بمجرّد الانتهاء عنها أو يؤخِّر إلى ما بعد الفراغ عن الآية كما في الأوّل ولا تنافي بين الأمرين بأن يكون الموجب نفس الكلمة وموضع السجدة بعد الآية كما لا يخفى.

وقد اضطربت كلماتهم واختلفت في المقام فوقع الخلط بين هذه الجهة وبين الجهة السابقة ، والأولى هو التفكيك وتحرير البحث بما سمعت. المعروف هو التأخير حتّى على هذا المبنى ، لكن المحقِّق في المعتبر (2)ذكر أنّ موضعه في خصوص حم السجدة عند قوله تعالى ( وَاسْجُدُوا لِلّهِ ) ونسبه إلى الشيخ في الخلاف. وعن الشهيد في الذكرى (3)أنّ النسبة غير تامّة وأنّ كلام الشيخ ليس صريحاً فيه ولا ظاهراً.

والّذي يمكن أن يستدل له هو الفورية المعتبرة في سجدة التلاوة ، لكنّه لو تمّ لعم ولم يختص بهذه السجدة ، على أنّه لا يتم لعدم اقتضاء الأمر للفور ولا دليل


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 3.

2) المعتبر 2 : 273.

3) الذكرى 3 : 468.

.................................................................................................


عليه في المقام. نعم ، يستفاد ذلك ممّا دلّ على المنع عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلاً بأنّه زيادة في المكتوبة (1)، إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم تتحقّق الزيادة فتدل لا محالة على اعتبار الفور في هذه السجدة ، لكن المراد هي الفورية العرفية دون الحقيقية فلا يقدح فيها التأخير اليسير بمقدار الفراغ من الآية سيّما لو كان الباقي منها كلمة واحدة كما في سورة العلق ، أو أتمها حال الهوي إلى السجود. وقد دلّت موثقة سماعة صريحاً على ذلك قال عليه‌السلام فيها : «من قرأ اقرأ باسم ربّك فاذا ختمها فليسجد» (2)فالأقوى أنّ موضع السجدة هو الفراغ عن الآية من غير فرق بين المبنيين.

الجهة الرابعة : لا إشكال كما لا خلاف نصّاً وفتوى في شمول الحكم للقارئ والمستمع ، وتقتضيه جملة وافرة من النصوص التي تقدّمت الإشارة إليها.

وهل يعم السامع أيضاً من غير اختيار وإنصات أم أنّها مستحبّة بالإضافة إليه؟ حكي عن غير واحد من القدماء وجملة من المتأخِّرين الأوّل بل عن الحلِّي دعوى الإجماع عليه (3)، واختاره في المتن ، لكن المحكي عن جماعة آخرين الثاني ، بل قيل إنّه مذهب الأكثر ، أو أنّه المشهور ، بل عن الخلاف (4)والتذكرة (5)الإجماع عليه ، وهذا هو الأقوى ، فإنّ مقتضى غير واحد من الأخبار وإن كان هو الإطلاق الشامل لصورتي السماع والاستماع ، لكن يجب تقييدها بالثاني بمقتضى صحيحة عبد اللّه بن سنان المصرِّحة بالتفصيل وتخصيص الحكم بالمستمع ، قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل سمع السجدة تقرأ


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

2) الوسائل 6 : 102 / أبواب القراءة في الصلاة ب 37 ح 2.

3) السرائر 1 : 226.

4) الخلاف 1 : 431 المسألة 179.

5) التذكرة 3 : 213.

.................................................................................................


قال : لا يسجد إلّا أن يكون منصتاً لقراءته مستمعاً لها أو يصلِّي بصلاته فأمّا أن يكون يصلِّي في ناحية ، وأنت تصلِّي في ناحية أُخرى فلا تسجد لما سمعت» (1)هذا.

وقد نوقش في الصحيحة من وجوه :

أحدها : من حيث السند ، فانّ في الطريق محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرّحمن ، وقد استثناه الصدوق تبعاً لشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد عن رجال نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى حيث قال : ما تفرد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا أعتمد عليه (2)، وضعّفه الشيخ أيضاً صريحاً (3).

أقول : الظاهر صحّة الرواية فإنّ الاستثناء لم يصدر إلّا من الصدوق وشيخه ابن الوليد ، فما في بعض الكلمات من إسناده إلى القميين في غير محله ، وحيث إنّ الصدوق تابع في ذلك لشيخه كما صرّح (قدس سره) بالتبعية (4)وأنّه لا رأي له في ذلك مستقلا ، فليس المستثني في الحقيقة إلّا ابن الوليد فحسب ، لكنّ المتأخِّرين عنه أنكروا عليه هذا الاستثناء وخطؤه في ذلك ، قال النجاشي بعد توصيف العبيدي بجلالة القدر وأنّه ثقة عين ، وبعد حكاية الاستثناء المزبور ما لفظه : «ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون من مثل أبي جعفر محمّد بن عيسى» ، انتهى (5).


1) الوسائل 6 : 242 / أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 1.

2) الفهرست : 140 / 601 ، رجال النجاشي : 333 / 896.

3) الفهرست : 140 / 601 ، رجال الطوسي : 391 / 5758.

4) الفقيه 2 : 55 / 241.

5) رجال النجاشي : 333 / 896.

.................................................................................................


وحكى الكشي (1)عن القتيبي أنّه قال : كان الفضل بن شاذان (رحمه اللّه) يحب العبيدي ويثني عليه ، ويمدحه ويميل إليه ، ويقول : ليس في أقرانه مثله وقد اعتمد عليه النجاشي كثيراً ووثّقه صريحاً كما سمعت ، وحكى عن شيخه أبي العباس بن نوح إنكاره على ابن الوليد في الاستثناء قائلاً : فلا أدري ما رابه فيه أي ما الّذي أوقعه في الريب ، لا ما رأيه كما في نسخة جامع الرواة ج 2 ص 64 فإنّه غلط كما لا يخفى لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة (2).

وعلى الجملة : فلا يمكن التعويل على استثناء ابن الوليد المشعر بضعف الرجل في قبال توثيق النجاشي وغيره والثناء عليه بتلك المقالة الكاشفة عن كونه بمكانة من الوثاقة والجلالة حتّى كأنه من المتسالم عليه عند الأصحاب ولذا أنكروا عليه استثناءه متعجبين ناقمين كما مرّ. فلا يصلح ذاك الجرح لمعارضة مثل هذا التوثيق.

بل التحقيق : أنّ استثناء ابن الوليد لا يكشف عن جرح وقدح في نفس الرجل ، فإنّ النجاشي قد تعرّض لنقل هذا الاستثناء في موضعين من كتابه.

أحدهما : في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى ، فعدّ من جملة ما استثناه ابن الوليد من رواياته ما يرويه محمّد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع. وهذا كما ترى كالصريح في أنّ منشأ الاستثناء كون الرواية مقطوعة وليست هي بحجّة حينئذ بلا خلاف ولا إشكال وإن كان الراوي في أعلى درجات الوثاقة ، فلا إشعار في هذه العبارة فضلاً عن الدلالة على قدح في العبيدي نفسه.

الثاني : في ترجمة محمّد بن عيسى بن عبيد نفسه ، فحكى عن ابن الوليد أنّه قال : ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا أعتمد عليه


1) رجال الكشي : 537 / 1021.

2) رجال النجاشي : 348 / 939.

.................................................................................................


والظاهر من هذه العبارة أنّ سبب الاستثناء في نظر ابن الوليد وجود خلل في طريق العبيدي إلى كتب يونس لعلّة مجهولة لدينا ، لا وجود الخلل والضعف في نفس العبيدي وإلّا لم يكن وجه لتخصيص الاستثناء بما يرويه عن يونس ، بل كان اللّازم الاستثناء على سبيل الإطلاق للغوية التقييد حينئذ ، فالتقييد المزبور أقوى شاهد على أنّ الرجل لم يكن بنفسه ممقوتاً عند ابن الوليد. فلا مجال للإنكار عليه بالعبائر المتقدِّمة من أنّه مَن مثل العبيدي ، أو ليس في أقرانه مثله ، وكأنهم استفادوا من كلامه قدحاً في الرجل فأنكروا عليه.

وكيف ما كان ، فالإنصاف أنّ استثناء ابن الوليد لا يدل على قدح في الرجل حتّى يعارض به توثيق النجاشي ، والعلّة التي كانت في نظره في وجه الخلل في طريقه إلى كتب يونس مجهولة لدينا كما عرفت فلا يمكن التعويل عليها ، وقد عرفت أنّ الصدوق تابع له وأنّه لم يتبعه غيره من القميين.

والّذي يكشف عمّا ذكرناه كشفاً قطعياً : أنّ الصدوق الّذي هو تابع لشيخه في الاستثناء المزبور كما صرّح به لم يذكر في كتاب الفقيه رواية عن محمّد بن عيسى عن يونس مع روايته عن محمّد بن عيسى بنفسه غير ما يرويه عن يونس كثيراً ، فلو كان الاستثناء كاشفاً عن قدح في الرجل لما نقل رواية عنه أصلاً ، فالتفكيك أقوى شاهد على أنّ الخلل في طريقه إلى يونس لا فيه نفسه وحيث إنّ ادّعاء الخلل اجتهاد من شيخه من غير أن يكون عليه دليل ظاهر فهو أعرف بما قال ، ولا يلزمنا اتباعه.

وأمّا تضعيف الشيخ فهو أيضاً متّخذ من عبارة ابن الوليد ومستند إليه ، لقوله في ترجمته : يونسي ، أي من تلاميذ يونس ، فكأنّ الخلل إنّما هو في طريقه إليه كما عرفت من ابن الوليد ، وكذا تضعيف العلّامة في بعض كتبه وغيره مستند إليه ، وبعد وضوح المستند وعدم صلاحيته للاستناد لخطئهم فيه كما ذكرنا فهو غير قابل للاعتماد ، فالأقوى وثاقة الرجل لتوثيق النجاشي السليم عمّا يصلح

.................................................................................................


للمعارضة ، فمن أجل ذلك يحكم بصحّة الرواية ، فالمناقشة السندية ساقطة.

الوجه الثاني من وجوه المناقشة : أنّها قد تضمّنت جواز قراءة الإمام للعزيمة الممنوع عنها بلا إشكال ، فهي محمولة على التقيّة فتسقط عن الحجّية.

والجواب عنه أوّلاً : أنّ الإمام المذكور لم يفرض كونه إمام الحق ، فمن الجائز كونه من المخالفين وهم يجوّزون العزيمة في الصلاة ، ولا يرون وجوب السجود فان سجد الإمام تبعه تقيّة ، وإلّا يومئ برأسه كما ورد في بعض النصوص (1)من أنّ من سمع العزيمة وهو في الصلاة يومئ برأسه إيماءً ، ولا محذور في حمل الصحيحة على ذلك ، غايته ارتكاب التقييد بما إذا سجد الإمام ، وإلّا فالوظيفة هي الإيماء كما عرفت ، ولا ضير فيه.

وثانياً : مع التسليم ، فغايته سقوط هذه الفقرة عن الحجِّية غير القادحة في حجِّية الباقي الّذي هو مبنى الاستدلال فإنّها إلى قوله عليه‌السلام «مستمعاً لها» صريحة الدلالة وإن سلّم الإجمال فيما بعده.

الوجه الثالث : أنّها مطلقة بالإضافة إلى العزيمة وغيرها لعدم تقييدها بالأوّل وعليه فالنسبة بينها وبين النصوص المتقدِّمة الدالّة على الوجوب في العزيمة الشاملة بإطلاقها للسامع والمستمع عموم من وجه ، لاختصاص الصحيحة بالسامع وعمومها للعزيمة وغيرها على عكس تلك النصوص ، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي السامع للعزيمة ، فلا يجب السجود بمقتضى هذه الصحيحة ويجب بمقتضى تلك المطلقات ، وحيث إنّ الترجيح للثاني لمكان الشهرة المؤيّدة بإجماع السرائر تعيّن الوجوب.

والجواب أوّلاً : أنّ الظاهر من الصحيحة ولو بمناسبة الحكم والموضوع أنّ المراد بالسجدة فيها خصوص العزيمة لقوله عليه‌السلام : «لا يسجد» متعقّباً


1) الوسائل 6 : 243 / أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

.................................................................................................


بالاستثناء ، إذ لا يحتمل أن يراد بالنهي المنع ، لثبوت الاستحباب لدى سماع السجدة مطلقاً بلا ارتياب ، بل المراد به نفي الوجوب لوروده في مقام توهّم الأمر كما يكشف عنه استثناء صورة الاستماع المحكومة بالوجوب ، فيكون حاصل المعنى : أنّ من سمع السجدة لا يجب عليه السجود إلّا مع الإنصات والاستماع. وهذا كما ترى لا ينطبق إلّا مع إرادة العزيمة خاصّة لعدم احتمال الوجوب في غيرها.

وعليه ، فالنسبة بينها وبين المطلقات عموم وخصوص مطلق لا من وجه ، فيلتزم بالتخصيص بحمل تلك المطلقات على صورة الاستماع خاصّة.

وثانياً : على تقدير التسليم ، فحيث إنّ التعارض في مادة الاجتماع بالإطلاق فيسقطان ، ويرجع حينئذ إلى أصالة البراءة ، ولا مجال للرجوع إلى المرجحات. مع أنّ إجماع السرائر مضافاً إلى وهنه معارض بمثله كما تقدّمت الإشارة إليه (1).

الوجه الرابع : أنّ أقصى ما يستفاد منها نفي الوجوب في السامع المصلِّي فيحتاج ثبوت الحكم في غير المصلِّي إلى إثبات عدم القول بالفصل كي يتعدّى من أحدهما إلى الآخر.

والجواب : أنّ هذا إنّما يتّجه لو كان قوله عليه‌السلام : «فامّا أن يكون يصلّي ...» إلخ راجعاً إلى صدر الكلام حتّى يقيّد به إطلاقه كي يكون المعنى حينئذ أنّه لا يسجد السامع إذا كان القارئ يصلِّي في ناحية وأنت تصلِّي في ناحية أُخرى ، لكنّه ليس كذلك قطعاً ، بل هذه الجملة بمقتضى الظهور العرفي من متمِّمات الجملة المتّصلة بها ، أعني قوله عليه‌السلام «أو يصلِّي بصلاته» فأراد عليه‌السلام بيان أنّ المصلِّي يسجد إذا كان مأموماً يصلِّي بصلاة القارئ وأمّا إذا كان منفرداً فلا ، بل يومئ ، وقد أشرنا إلى وجه السجود إذا كان


1) في ص 192.

ويستحب في أحد عشر موضعاً (1) : في الأعراف عند قوله ( وَلَهُ يَسْجُدُونَ )


مأموماً وأنّه من أجل التقيّة ، لكون الإمام من المخالفين ، ولا مقتضي له حال الانفراد.

وعليه فيبقى إطلاق الصدر على حاله ، وأنّه لدى السماع لا يجب السجود مطلقاً إلّا في خصوص المأموم.

وعلى الجملة : فهذه الإشكالات كلّها ساقطة ، فإنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة من غير اشتمالها على ما يخالف القواعد ، فلا مناص من الأخذ بها ، ومن أجلها تقيد تلك المطلقات وتحمل على صورة الاستماع جمعاً بينها وبين هذه الصحيحة فلا وجوب مع السماع.

وأمّا الاستحباب فممّا لا ينبغي الإشكال فيه من غير حاجة إلى ورود دليل عليه بالخصوص ، إذ يقتضيه مضافاً إلى الاتفاق والتسالم نفس الأمر الوارد في تلك المطلقات بضميمة الترخيص في الترك الّذي تضمنته الصحيحة ، بناءً على ما هو الصحيح من أنّ الوجوب والاستحباب غير مستفادين من نفس اللّفظ ولم يكونا مدلولين للأمر ، وإنّما هما بحكم العقل المنتزع من الأمر بشي‌ء مع الاقتران بالترخيص في الترك ، أو عدم الاقتران ، فالأمر بالسجدة في تلك المطلقات مستعمل في جامع الطلب ، وحيث إنّه لم يقترن بالترخيص في الترك بالإضافة إلى المستمع كما هو ظاهر ، واقترن به بالإضافة إلى السامع بمقتضى هذه الصحيحة ، لدلالتها على نفي الوجوب بالنسبة إليه كما سبق ، فنتيجته الوجوب في الأوّل والاستحباب في الثاني.

(1) كأن هذا من المتسالم عليه بينهم حكماً ومورداً مرسلين له إرسال المسلّمات ، فلا يجب في الزائد على الأربع ويستحب في غيرها من المواضع الأحد عشر على التفصيل الّذي ذكره في المتن.

وفي الرعد عند قوله ( وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) ، وفي النحل عند قوله ( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) وفي بني إسرائيل عند قوله ( وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) وفي مريم عند قوله ( خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ) وفي سورة الحج في موضعين عند قوله ( يَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ ) وعند قوله ( افْعَلُوا الْخَيْرَ ) وفي الفرقان عند قوله ( وَزادَهُمْ نُفُوراً ) وفي النمل عند قوله ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) وفي ص عند قوله ( وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ) وفي الانشقاق عند قوله ( وَإِذا قُرِئَ ) بل الأولى السجود عند كل آية فيها أمر بالسجود.


ويؤيِّده : النبوي الّذي رواه جماعة من الأصحاب عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص (1)، ورواية دعائم الإسلام (2)، وخبر عبد اللّه بن سنان (3)وغيرها من الروايات الضعيفة التي تؤيِّد المطلوب المصرّحة بالاستحباب فيما عدا الأربع ، بل ذكر في المتن تبعاً لجماعة ثبوت الاستحباب عند كل آية فيها أمر بالسجود مثل قوله تعالى ( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي ) (4)وغير ذلك.

وتؤيِّده : رواية جابر عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إنّ أبي علي بن الحسين عليه‌السلام ما ذكر لله نعمة عليه إلّا سجد ، ولا قرأ آية من كتاب اللّه فيها سجدة إلّا سجد إلى أن قال فسمي السجّاد بذلك» (5)وإن كانت ضعيفة السند.


1) سنن ابن ماجة 1 : 355 / 1057 ، سنن أبي داود 2 : 58 / 1401.

2) الدعائم 1 : 214 ، المستدرك 4 : 320 / أبواب قراءة القرآن ب 37 ح 1.

3) الوسائل 6 : 241 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 9.

4) آل عمران 3 : 43.

5) الوسائل 6 : 244 / أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 1.

.................................................................................................


وعن صاحب المدارك (1)المناقشة في استحباب ما عدا المواضع الأربعة لعدم وقوفه على نص يعتد به.

واعترض عليه في الحدائق (2)بأنّ النص الصحيح موجود حتّى بناءً على اصطلاحه ، وهو ما رواه محمّد بن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً من نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن العلاء عن محمّد بن مسلم «... وكان علي بن الحسين عليه‌السلام يعجبه أن يسجد في كل سورة فيها سجدة» (3)، لأنّ البزنطي صاحب الكتاب رواه عن العلاء عن محمّد بن مسلم ، والثلاثة ثقات بالاتِّفاق. على أنّه (قدس سره) في غير موضع من كتابه يعمل بالخبر الضعيف في باب السنن ، فلا معنى لردّه هنا بضعف السند بعد وجود الخبر كرواية جابر المتقدِّمة. ثمّ اعتذر عنه بأنّ نظره في الفحص مقصور على الكتب الأربعة كما هي عادته ولم يراجع غيرها ، وهذه الأخبار خارجة عنها.

أقول : الظاهر صحّة ما أفاده صاحب المدارك (قدس سره) في المقام ، فإنّه لم ينكر وجود النص بقول مطلق كي يعتذر عنه بقصر النظر على الكتب الأربعة بل قيّده بنص يعتد به وهو مفقود كما أفاده (قدس سره) ، وما ذكره صاحب الحدائق من رواية محمّد بن مسلم فهي ليست من النص الصحيح ، فانّ رجال السند وإن كان كلّهم ثقات كما ذكره إلّا أنّ طريق ابن إدريس إلى كتاب البزنطي مجهول لدينا مع الفصل الطويل بينهما ، فإنّ البزنطي من أصحاب الجواد عليه‌السلام والحلِّي من رجال القرن السادس فبينهما وسائط ، وحيث أنّها مجهولة ، فالرواية محكومة بالإرسال لا محالة فتسقط عن الاستدلال ، فهي


1) المدارك 3 : 419.

2) الحدائق 8 : 331.

3) الوسائل 6 : 244 / أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 558.

[1634] مسألة 3 : يختص الوجوب والاستحباب بالقارئ والمستمع والسامع للآيات فلا يجب على من كتبها أو تصوّرها ، أو شاهدها مكتوبة أو أخطرها بالبال (1).

[1635] مسألة 4 : السبب مجموع الآية فلا يجب بقراءة بعضها ولو لفظ السجدة منها (2).


ضعيفة السند ، لا أنّ صاحب المدارك لم يظفر بها لبعده جدّاً كما لا يخفى.

نعم ، رواها الشيخ في التهذيب بسند صحيح لكنّها عارية عن الذيل الّذي هو موضع الاستدلال (1).

وأمّا حكمه (قدس سره) بالاستحباب في غير موضع من كتابه عند وجود الخبر الضعيف ، فإنّما هو بالعنوان الثانوي من باب قاعدة مَن بلغ والتسامح في أدلّة السنن ، ولم ينكر ذلك في المقام ، بل أنكر النص الصحيح الدال على الاستحباب بالعنوان الأوّلي وهو صحيح كما أفاده ، فالحكم في المقام مبني على قاعدة التسامح.

(1) موضوع الحكم وجوباً واستحباباً إنّما هو عنوان القارئ والمستمع والسامع ، على كلام في الأخير بالنسبة إلى الوجوب كما مرّ فلا يعم غيرها كالكاتب والمتصور والناظر إلى الكتابة ومن يخطرها بالبال ، لخروج كل ذلك عن موضوع الحكم في النصوص ، بل لعلّه يلزم التكليف بما لا يطاق في الأخير إذ نفس الالتفات إلى هذا الأمر يقتضي الخطور فيلزمه السجود دائماً. هذا ولو شكّ في الشمول ولا نكاد نشك فالمرجع أصالة البراءة.

(2) كما تقدّم (2)البحث عنه مستقصًى فلا نعيد.


1) الوسائل 6 : 104 / أبواب القراءة في الصلاة ب 39 ح 1 ، التهذيب 2 : 292 / 1176.

2) في ص 189.

[1636] مسألة 5 : وجوب السجدة فوري فلا يجوز التأخير (1)


(1) إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وتشهد له جملة من النصوص.

منها : الأخبار المانعة عن قراءة العزيمة في الفريضة ، معلّلاً بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (1)فإنّها تكشف عن فورية السجدة لا محالة ، إذ لو جاز التأخير إلى ما بعد الصلاة لم يكن أيّ وجه للمنع.

ومنها : الروايات الآمرة بالإيماء لو سمعها وهو في الفريضة (2)التي منها ولعلّها أصرحها صحيحة عليّ بن جعفر قال : «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخرُ السجدةَ ، فقال : يسجد إذا سمع شيئاً من العزائم الأربع ثمّ يقوم فيتم صلاته إلّا أن يكون في فريضة فيومئ برأسه إيماءً» (3)، حيث تضمّنت التفصيل بين صلاة النافلة فيسجد عند سماع الآية ثمّ يتمّ الصلاة ، لعدم قدح زيادة السجدة فيها ، وبين الفريضة فيومئ ، فلو جاز التأخير لم يكن وجه للانتقال إلى الإيماء الّذي هو بدل عن السجود لدى تعذّره.

فالأمر بالإيماء مقتصراً عليه من دون تعرّض لتدارك السجدة بعد الصلاة يكشف عن الفورية ، وكأنّ صاحب الحدائق لم يظفر بهذه النصوص وإلّا لما اقتصر في الاستدلال على الإجماع الّذي بمجرّده لا قيمة له عنده ، ولذا نراه كثيراً ما يحاول الاستدلال بالروايات وإن كانت ضعيفة بالمعنى المصطلح.

وكيف ما كان ، فبمقتضى هذه النصوص تقيّد المطلقات ويحمل الأمر فيها على الفور ، فالحكم مسلّم لا غبار عليه.


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40.

2) الوسائل 6 : 102 ، 103 / أبواب القراءة في الصلاة ب 37 ، 38.

3) الوسائل 6 : 243 / أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

.................................................................................................


إنّما الكلام فيما إذا سمع السجدة في الأوقات التي تكره فيها الصلاة ، وهي بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ، وكذا قبل الغروب ، فهل الفورية ثابتة هنا أيضاً أو أنّها تؤخّر إلى ما بعد خروج الوقت؟

مقتضى الإطلاقات هو الأوّل ، لكن قد يتخيّل الثاني استناداً إلى موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس وبعد صلاة الفجر ، فقال : لا يسجد» (1).

وفيه أوّلاً : أنّ إمارة التقيّة عليها ظاهرة لقوله : «في الساعة التي لا تستقيم الصلاة ...» إلخ ، فإن عدم الاستقامة المساوق لعدم الصحّة هو مذهب العامّة وقد تقدّم في بحث الأوقات (2)الأخبار الناهية عن الصلاة في هذا الوقت ، معلّلة بأنّ الشمس تطلع بقرني الشيطان ، فاذا صلّى الناس في هذا الوقت فرح إبليس وأخبر أتباعه أنّهم يسجدون لي ، فلأجله منع عن السجود فيه في هذه الموثقة للاشتراك في علّة المنع. وبيّنا هناك أنّ هذه الروايات كلّها محمولة على التقيّة وأنّ التعليل جار على مذهبهم ومطابق لعقيدتهم ، إذ هو مذكور في رواياتهم وإلّا فالشمس لا تزال في حالة الطلوع على صقع من الأصقاع من غير اختصاص بزمان أو مكان.

وثانياً : أنّ النسبة بين الموثقة وبين الإطلاقات الآمرة بالسجود عموم من وجه ، لإطلاق هذه من حيث العزيمة وغيرها واختصاصها بالوقت الخاص على عكس المطلقات ، فتتعارضان في مادّة الاجتماع وهي سماع العزيمة في الوقت المزبور فيجب السجود بمقتضاها ، ولا يجب بمقتضى الموثقة ، لكن الترجيح مع المطلقات ، لكون الدلالة فيها بالعموم ، وفي الموثقة بالإطلاق ولا


1) الوسائل 6 : 105 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 3.

2) شرح العروة 11 : 361.

.................................................................................................


شك في تقدّم الأوّل ، فإن من تلك المطلقات صحيحة محمّد بن مسلم المشتملة على صيغة العموم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مراراً في المقعد الواحد ، قال : عليه أن يسجد كلّما سمعها ، وعلى الّذي يعلّمه أيضاً أن يسجد» (1).

على أنّه يمكن أن يقال : إنّ الموثقة خاصّة بغير العزيمة ، فهي أجنبية عمّا نحن فيه والنسبة هي التباين لا العموم من وجه وذلك بقرينة قوله : «لا تستقيم الصلاة فيها ...» إلخ ، فإنّ المراد بهذه الصلاة إنّما هي النافلة ، إذ هي التي يتوهّم أنّها لا تستقيم وإلّا فلا شك في استقامة الفريضة ، لامتداد وقتها من الفجر إلى طلوع الشمس ، ولا يحتمل خفاء مثل هذا الحكم الواضح على مثل عمار فبمناسبة الحكم والموضوع يكون المراد من السجدة هي المستحبّة. وقد أشرنا آنفاً إلى أنّ الأخبار الناهية كلّها محمولة على التقيّة ، وعليه فهذه السجدة كالنافلة مستحبّة في هذا الوقت أيضا.

ويشهد لما ذكرناه من الاختصاص بغير العزيمة : ذيل الموثقة حيث ذكر فيها هكذا «وعن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم ...» إلخ ، فإنّ التقييد بالعزيمة في هذا السؤال يكشف عن أنّ المراد بالسجدة في السؤال الأوّل ما يقابلها ، فسأل أوّلاً عن حكم غير العزيمة ثمّ عن حكمها.

فظهر من جميع ما ذكرناه : أنّ الأقوى جواز فعلها في جميع الأوقات كلّها وإن كانت ممّا يكره فيه النوافل.

وتؤيِّده : رواية دعائم الإسلام (2)المصرّحة بالتعميم.


1) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

2) الدعائم 1 : 215 ، المستدرك 4 : 318 / أبواب قراءة القرآن ب 35 ح 2.

نعم ، لو نسيها أتى بها إذا تذكّر (1)


(1) هل الفورية المعتبرة في السجدة لدى السماع أو التلاوة تجعلها من قبيل الواجبات الموقّتة التي يسقط معها الوجوب عند خروج الوقت ويكون قضاءً بعدئذ لو ثبت كالظهرين ونحوهما ، فكما أنّ الأمر فيهما محدود بما بين الزوال والغروب وموقّت بذلك فيسقط لو تركهما حتّى خرج الوقت ، فكذا الأمر في المقام موقّت بالفورية العرفية فيسقط لو لم يسجد في هذا الوقت ، أو أنّه لا توقيت في المقام وإنّما الفورية واجب آخر من قبيل تعدّد المطلوب ، فلو أخلّ بها نسياناً أو عصياناً كان التكليف الأوّل باقياً ويقع أداءً مهما امتثله ، فهو نظير صلاة الزلزلة الحادث وجوبها بحدوث السبب والباقي مدى العمر من غير توقيت؟

اختار في الحدائق (1)الثاني ، وهذا إنّما يتّجه بناءً على مسلكه من الاستناد في الفورية إلى الإجماع ، فإنّه دليل لبي يقتصر على المقدار المتيقن وهو حال التذكّر ، فمع النسيان يبقى التكليف الأوّل على حاله من غير توقيت فيه ، فيجب الإتيان مهما تذكّر.

وأمّا بناءً على المختار من الاستناد إلى الأدلّة اللفظية ، وهي النصوص الدالّة على الفورية التي تقدّمت (2)، فحيث إنّها مطلقة تشمل حالتي التذكّر وعدمه فهي تقيِّد الأمر الوارد في المطلقات على الإطلاق وتجعله من قبيل الموقتات لكشفها عن أنّ الواجب حصّة معيّنة وهي المحدودة بالفورية العرفية ، فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط التكليف بعد انتهاء الحد وخروج الوقت ولو كان ذلك


1) الحدائق 8 : 340.

2) في ص 202.

.................................................................................................


من أجل النسيان ، إلّا أنّه مع ذلك نحكم بالوجوب لدى التذكّر لورود النص الخاص في المقام ، وهي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام قال : «سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتّى يركع ويسجد ، قال : يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم» (1). ويؤيِّدها ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن نوادر البزنطي عن محمّد بن مسلم أيضاً (2)لكنّها ضعيفة السند ، لجهالة طريق الحلِّي إلى كتاب البزنطي كما مرّت الإشارة إليه قريباً. فمن أجل تلك الصحيحة يحكم ببقاء الأمر الأوّل ووجوب السجود متى تذكر.

وربّما يستدل للحكم بالاستصحاب.

وفيه أوّلاً : أنّه لا مجال للأصل بعد وجود الدليل كما عرفت.

وثانياً : أنّ الشبهة حكمية ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها.

وثالثاً : أنّه لو تمّ فإنّما يسلّم في موارد العصيان دون النسيان ، لانقطاع التكليف وسقوط الأمر الأوّل قطعاً حتّى واقعاً ، فانّ التكاليف الواقعية مرفوعة عن الناسي ، ومن هنا ذكرنا في محلّه (3)أنّ إسناد الرفع في حديث الرفع واقعي بالإضافة إلى الناسي والمكره والمضطر وظاهري بالنسبة إلى الجاهل. ومعه لا مجال للاستصحاب ، لعدم الشك في البقاء بعد القطع بالارتفاع ، فلو ثبت فهو تكليف جديد لا أنّه بقاء للتكليف السابق.


1) الوسائل 6 : 104 / أبواب القراءة في الصلاة ب 39 ح 1.

2) الوسائل 6 : 244 / أبواب قراءة القرآن ب 44 ح 2 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 558.

3) مصباح الأُصول 2 : 265.

بل وكذلك لو تركها عصيانا (1).

[1637] مسألة 6 : لو قرأ بعض الآية وسمع بعضها الآخر فالأحوط الإتيان بالسجدة (2).


(1) أمّا الاستدلال له بالاستصحاب ، فلا يتم بناءً على مسلكنا كما مرّت الإشارة إليه. نعم ، يمكن استفادة الحكم من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة آنفاً وإن كان موردها النسيان ، فانّ الظاهر من قوله عليه‌السلام : «يسجد إذا ذكر» أنّ الوجوب مستند إلى نفس الأمر السابق ، وأنّه باق بحاله ما لم يمتثل ، لا أنّه تكليف جديد ، فإنّه خلاف الظاهر جدّاً كما لا يخفى ، فيشترك فيه الناسي والعاصي لوحدة المناط.

(2) مقتضى الجمود على ظواهر النصوص الحاصرة لسبب الوجوب في القراءة والسماع عدم شمول الحكم لصورة التلفيق ، إذ لا يصدق على الملفّق من الأمرين شي‌ء من العنوانين ، لكن لا يبعد استفادة الحكم منها بمقتضى الفهم العرفي ، بدعوى أنّ الموضوع هو الجامع بين الأمرين ولو في مجموع الآية ، فإنّ العرف يساعد على هذا الاستظهار ويرى أنّ المجمع غير خارج عن موضوع الأخبار.

وقد تقدّم نظير ذلك في بحث الأواني (1)وقلنا أنّ الآنية المصوغة من مجموع الذهب والفضّة إمّا مزجاً أو بدونه ، بأن يكون نصفه من أحدهما والنصف الآخر من الآخر وإن لم يصدق عليه فعلاً عنوان آنية الذهب ولا الفضّة ، لكن العرف لا يراها خارجة عن موضوع نصوص المنع.

وأوضح حالاً ما لو تركب معجون من عدّة مواد محرّمة الأكل بعناوينها


1) شرح العروة 4 : 291.

[1638] مسألة 7 : إذا قرأها غلطاً أو سمعها ممّن قرأها غلطاً فالأحوط الإتيان بالسجدة (1).

[1639] مسألة 8 : يتكرّر السجود مع تكرّر القراءة أو السماع أو الاختلاف بل وإن كان في زمان واحد بأن قرأها جماعة (1)أو قرأها شخص حين قراءته على الأحوط (2).


كالدم الطاهر والتراب والنخاع ونحوها ، فان هذا المركب وإن لم يصدق عليه فعلاً شي‌ء من عناوين تلك المواد لاستهلاك بعضها في البعض ، ولكنّه مع ذلك يجب الاجتناب عنه بلا ارتياب ، لما عرفت من أنّ الملفق منها مشمول لأدلّة تلك العناوين بمقتضى الفهم العرفي.

بل يمكن استفادة الحكم في المقام من نفس النصوص ، فإنّ القارئ سامع لقراءة نفسه إلّا ما شذ ، فيشمله دليل السماع ، إذ لا وجه لتخصيصه بالغير ، فاذا سمع الباقي من غيره يصدق في حقّه أنّه سمع تمام الآية ، إذ لا يعتبر أن يكون السماع من شخص واحد ، ولذا لو سمع بعض الآية من شخص والبعض الآخر من شخص آخر وجب السجود بلا إشكال. فالسجود في المقام لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

(1) لاحتمال اندراجه تحت إطلاق النصوص ، لكن الأقوى عدم الوجوب ، فان موضوع الحكم سماع أو قراءة آية السجدة ، وهي التي أنزلها اللّه تعالى على نبيّه صلی اللّه عليه وآله ، ولا شك أنّ النازل هي القراءة الصحيحة وعلى النهج العربي ، فالملحون مادّة أو هيئة خارج عن موضوع الحكم لانصراف الدليل إلى غيره.

(2) أمّا مع تخلّل السجود بين السببين المكررين فلا إشكال في الوجوب


1) الظاهر جواز الاكتفاء بسجدة واحدة حينئذ.

.................................................................................................


ثانياً كما هو ظاهر ، وأمّا مع عدم التخلل ، فهل يكتفي بالسجدة الواحدة لدى تعدّد الأسباب؟

يبتني ذلك على أنّ مقتضى الأصل هل هو التداخل أو عدمه ، وحيث إنّ التداخل على خلاف الأصل ، لاقتضاء كل سبب مسببه ، فالمتعيِّن تكرار السجود في المقام بتكرّر سببه. نعم ، ثبت التداخل في باب الأغسال بالنص لقوله عليه‌السلام : إذا كان لله عليك حقوق أجزأك عنها حق واحد (1). على أنّه يمكن استفادة الحكم في المقام من صحيحة محمّد بن مسلم : «عن الرجل يعلّم السورة من العزائم فتعاد عليه مراراً في المقعد الواحد ، قال : عليه أن يسجد كلّما سمعها» (2)حيث دلّت على وجوب السجود لكل مرّة.

وعليه فمع تكرّر السبب سواء أكان من سنخ واحد أو سنخين يجب السجود لكل مرّة. هذا إذا كان التكرار في زمانين ، ويلحق بذلك ما لو كان التكرّر في زمان واحد مع الاختلاف في السنخ ، كما لو قرأها وسمعها من شخص آخر في تلك الحال ، لصدق تعدّد السبب المقتضي لتعدّد المسبب. وأمّا مع الاتِّحاد في السنخ مع وحدة الزمان ، كما لو سمعها من جماعة يقرءونها في آن واحد فقد حكم في المتن بالإلحاق أيضاً ، لكنّه مشكل جدّاً ، بل ممنوع ، إذ العبرة بالسماع لا بالمسموع ، وفي المقام لم يكن إلّا سماع واحد وإن كان المسموع متعدِّداً ، نظير النظر المتعلِّق بجماعة كثيرين فانّ النظر والإبصار لم يتعدّد ، وإنّما التعدّد في المنظور إليه ، فلم تجب عليه إلّا سجدة واحدة لوحدة السبب.


1) الوسائل 2 : 261 / أبواب الجنابة ب 43 ح 1 (نقل بالمضمون).

2) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

[1640] مسألة 9 : لا فرق في وجوبها بين السماع من المكلّف أو غيره (1) كالصغير والمجنون إذا كان قصدهما قراءة القرآن.

[1641] مسألة 10 : لو سمعها في أثناء الصلاة أو قرأها (1)أومأ للسجود وسجد (2)بعد الصلاة وأعادها (2).


(1) لإطلاق النصوص كقوله في صحيحة الحذاء «عن الطامث تسمع السجدة ...» إلخ ، وفي صحيحة علي بن جعفر «فيقرأ آخرُ السجدةَ» ، وغيرهما ممّا تقدّمت (3)، الشاملة بإطلاقها لما إذا كان السماع من المكلّف أو غيره ممّن كان قاصداً لقراءة القرآن كالصبي المميِّز والمجنون ، لعدم الدليل على اعتبار البلوغ والتكليف في القارئ ، وما في بعض النصوص كصحيحة محمّد بن مسلم (4)من التقييد بالرجل فهو من باب المثال بلا إشكال.

(2) حكم (قدس سره) حينئذ بأُمور ثلاثة : الإيماء ، والسجود بعد الصلاة ، وإعادتها. أمّا الإيماء فلا ينبغي الإشكال فيه ، للنصوص الدالّة عليه التي منها صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة (5)وقد مرّ الكلام حول ذلك في بحث القراءة مستقصى (6).


1) أُريد بذلك القراءة سهواً ، وأمّا إذا كانت عمداً فتبطل الصلاة على الأحوط عندنا ، وجزماً عند الماتن (قدس سره) كما تقدّم.

2) على الأحوط وأمّا الإعادة فلا وجه لها.

3) في ص 188 ، 202.

4) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 45 ح 1.

5) الوسائل 6 : 243 / أبواب قراءة القرآن ب 43 ح 4.

6) شرح العروة 14 : 315.

[1642] مسألة 11 : إذا سمعها أو قرأها في حال السجود يجب رفع الرأس منه ثمّ الوضع (1) ولا يكفي البقاء بقصده بل ولا الجرّ إلى مكان آخر.


نعم ، هذا في صلاة الفريضة ، وأمّا إذا سمعها في النافلة سجد فوراً وأتمّ صلاته ، لعدم قادحية زيادة السجدة في النافلة ، وقد صرّح بذلك في صحيحة ابن جعفر المزبورة.

وأمّا السجود بعد الصلاة فلا دليل عليه بعد الانتقال إلى الإيماء الّذي هو بدله المستتبع لسقوط الأمر قضاءً للبدلية سيّما مع الاقتصار على الإيماء في صحيحة ابن جعفر من دون تعرّض للسجود بعدئذ. فيكشف وهو عليه‌السلام في مقام البيان عن عدم الوجوب. نعم ، لا شك أنّه أحوط لاحتمال بقاء الأمر وأنّ الإيماء بدل موقّت.

وأمّا إعادة الصلاة فلا وجه لها أصلاً ، إذ لا منشأ لها ولو احتمالاً ، لعدم عروض ما يقتضي البطلان بوجه فلم يتّضح وجه حكمه (قدس سره) بها. مع أنّه مناف لما تقدّم منه (قدس سره) في مبحث القراءة في المسألة الرابعة من التخيير بين الإيماء وبين السجدة وهو في الصلاة وإتمامها وإعادتها (1).

والظاهر أنّ في العبارة سهواً من قلمه الشريف أو من النسّاخ ، وأنّ الصحيح «أو سجد» بالعطف ب- «أو» لا بالواو ، مع تبديل «بعد الصلاة» ب- «في الصلاة» كي ينتج التخيير الموافق لما سبق منه (قدس سره) هناك.

(1) لأنّ الأمر بالسجود كغيره من سائر الواجبات ظاهر في الإيجاد والإحداث ، فلا يكفي البقاء بقصده ولا الجر إلى مكان آخر ، لعدم صدق الإحداث


1) شرح العروة 14 : 320.

[1643] مسألة 12 : الظاهر عدم وجوب نيّته حال الجلوس أو القيام ليكون الهوي إليه بنيّته ، بل يكفي نيّته قبل وضع الجبهة بل مقارناً له (1).

[1644] مسألة 13 : الظاهر أنّه يعتبر في وجوب السجدة كون القراءة بقصد القرآنية (2)


معه ، بل هو إبقاء لما كان كما مرّت الإشارة إليه سابقاً (1)، فلا بدّ من الرفع والوضع تحقيقاً للامتثال.

(1) بما أنّ السجود الواجب متقوّم بوضع الجبهة على الأرض ، والهوي إليه مقدّمة صرفة ، فلا تعتبر النيّة عند الهوي فضلاً عن حال الجلوس أو القيام فلو هوى لداع آخر ثمّ بدا له في السجود قبل بلوغ الحد فنوى وسجد أجزأ عنه ، فتكفي النيّة الحاصلة قبل السجود ولو آناً ما ، بل لا يعتبر هذا المقدار أيضاً فتكفي المقارنة كما هو الشأن في سائر العبادات ، لعدم الدليل على لزوم سبق النيّة على العمل ، فلو اتّفقت مقارنة النيّة لنفس العمل مقارنة حقيقية كفى لكن الشأن في تحقّقه وإحرازه خارجاً فإنّه عسر جدّاً ونادر التحقّق ، ولذا كان اللّازم من باب المقدّمة العلمية سبق النيّة ولو آناً ما ، وإن كانت المقارنة على تقدير تحقّقها كافية أيضا.

(2) لتوقف صدق قراءة القرآن على قصد الحكاية عن ذاك الكلام النازل على النبيّ الأعظم صلی اللّه عليه وآله كما مرّ توضيحه في بحث القراءة عند التكلّم عن لزوم تعيين البسملة (2)، فالعاري عن القصد كلام آدمي مشابه للقرآن


1) في ص 114 ، 131.

2) شرح العروة 14 : 337.

فلو تكلّم شخص بالآية لا بقصد القرآنية لا يجب السجود بسماعه ، وكذا لو سمعها ممّن قرأها حال النوم ، أو سمعها من صبي غير مميِّز ، بل وكذا لو سمعها من صندوق حبس الصوت ، وإن كان الأحوط السجود في الجميع.


وليس من القرآن في شي‌ء ، وحيث إنّ الموضوع في وجوب السجدة قراءة القرآن أو سماعها المتقوّمة بالقصد المزبور فلا وجوب مع فقد القصد ، ويترتّب عليه عدم الوجوب لو سمعها ممّن قرأها حال النوم ، أو من صبي غير مميِّز أو من حيوان كالطوطي ، أو من صندوق حبس الصوت.

أمّا صندوق حبس الصوت وآلة التسجيل ، فلوضوح أنّ الصوت الخارج منه ليس هو عين الصوت السابق وقد كان مضبوطاً محبوساً فيه ، وإنّما هو صوت جديد مماثل له ناشٍ من اصطكاك جسم بجسم على نهج معيّن وكيفية خاصّة وواضح أنّه فاقد للقصد لعدم صدوره من شاعر قاصد ، فلا يصدق عليه قراءة القرآن. وكذا الحال فيما يصدر عن الصبي والحيوان فإنّه مجرّد لقلقة اللِّسان من غير قصد إلى العنوان بوجه.

وأمّا النائم فهو أيضاً عار عن القصد ، للزوم سبقه بالالتفات المنفي حال النوم ، ولذا قد يعتذر عمّا صدر منه في تلك الحال بعدم القصد والالتفات. نعم لا يخلو هو عن نوع من القصد المناسب لعالم النوم إلّا أنّه أجنبي عن القصد الموضوع للأحكام بلا كلام ، وكذا الحال في المجنون إذا كان بمثابة لا تصدر عنه القراءة عن قصد والتفات.

وأمّا حكم الاذاعات ، فان كان المذيع شخصاً يقرأ القرآن فعلاً فلا ينبغي الشك في وجوب السجود عند سماع الآية كما في السماع من حاضر ، إذ لا فرق بين القريب والبعيد في ذلك ، فهو نظير السماع من شخص آخر بواسطة التليفون

[1645] مسألة 14 : يعتبر في السماع تمييز الحروف والكلمات فمع سماع الهمهمة لا يجب السجود (1) وإن كان أحوط.

[1646] مسألة 15 : لا يجب السجود لقراءة ترجمتها أو سماعها (2) وإن كان المقصود ترجمة الآية.

[1647] مسألة 16 : يعتبر في هذا السجود بعد تحقّق مسمّاه مضافاً إلى النيّة (3)


الّذي يجب السجود حينئذ بلا إشكال ، وإن كان البُعد بينهما مئات الفراسخ. فكما أنّ الصوت يصل فيه بواسطة الأسلاك ، فكذا يصل في الاذاعات بواسطة الأمواج ولا فرق بين الواسطتين من هذه الجهة قطعا.

وأمّا إذا لم يكن في دار الإذاعة شخص حاضر بالفعل وإنّما الموجود في محطّتها مسجّلة تلقي الصوت ، فحكمه حكم صندوق الصوت الّذي عرفت فيه عدم الوجوب. نعم ، الاحتياط بالسجود حسن في جميع ما ذكر كما أُشير إليه في المتن.

(1) لوضوح أنّ موضوع الحكم سماع الآية المتوقف على تمييز المراد وتشخيص الحروف والكلمات غير المنطبق على سماع الهمهمة ، لفقد التمييز والتشخيص فلا يصدق معه سماع الآية وإن كان السامع يعلم أنّها المقروءة فانّ العبرة بالسماع لا العلم ، ومن هنا لا يكفي سماع همهمة الأذان في تحقيق حدّ الترخّص. نعم ، ثبت الاكتفاء بالهمهمة في سماع قراءة الإمام وهو خارج بالنص فلا يتعدّى عن مورده.

(2) فانّ الموضوع قراءة نفسها وليست الترجمة منها.

(3) أمّا النيّة فلا إشكال في اعتبارها كما في سائر العبادات بعد وضوح كون هذه السجدة عبادية بمقتضى الارتكاز ، فلا بدّ من قصد التقرّب بها ، وكذا

إباحة المكان ، وعدم علوّ المسجد بما يزيد على أربعة أصابع (1)، والأحوط وضع سائر المساجد ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه.


القصد إلى عنوان السجود ، لكونه من العناوين القصدية كما هو ظاهر.

وأمّا سائر ما يعتبر في السجود فهو على نوعين : فتارة يظهر من لسان الدليل أنّ المناط في الاعتبار ليس لخصوصية في السجود بما هو سجود ، بل من أجل أنّه من أجزاء الصلاة ، فهو شرط لعامّة الأجزاء الصلاتية من غير اختصاص بالسجود ، وهذا كالستر والطهارة والاستقبال ونحوها. ولا ريب في عدم شمول مثل هذا الدليل لسجدة التلاوة التي هي واجبة بوجوب مستقل غير مرتبط بالصلاة ، فالمقتضي بالإضافة إليها قاصر في حدّ نفسه إلّا أن يقوم دليل آخر يقتضي الاعتبار فيها بالخصوص ، وسيأتي الكلام عليه.

واخرى : يظهر منه اعتباره في السجود بما هو سجود من غير إناطة بكونه من أجزاء الصلاة ، كما لا يبعد ذلك بالإضافة إلى اشتراط عدم علوّ المسجد أزيد من مقدار اللبنة ، ووضع المساجد السبعة ، ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ، لإطلاق أدلّة هذه الأُمور الثلاثة ، فإنّ المسئول عنه في الأوّل هو ذات السجود ، قال في صحيحة عبد اللّه بن سنان «سألته عن السجود على الأرض المرتفع ، فقال : إذا كان موضع جبهتك مرتفعاً عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس» (2).

والحكم في الثاني متعلِّق بطبيعة السجود لقوله عليه‌السلام «إنّما السجود على سبعة أعظم» (3)، وكذا الثالث ، ففي صحيحة هشام «أخبرني عمّا يجوز


1) على الأحوط.

2) الوسائل 6 : 358 / أبواب السجود ب 11 ح 1.

3) الوسائل 6 : 343 / أبواب السجود ب 4 ح 2.

.................................................................................................


السجود عليه وعمّا لا يجوز؟ قال : السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما أكل أو لبس إلى أن قال عليه‌السلام في مقام التعليل إنّ أبناء الدُّنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة اللّه (عزّ وجلّ) فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدُّنيا الّذين اغترّوا بغرورها» (1)فإن إطلاق هذه الأدلّة سيّما الأخير بلحاظ الاشتمال على التعليل يقتضي عدم الفرق بين السجود الصلاتي وغيره.

اللّهمّ إلّا أن يدعى الانصراف إلى الأوّل المانع عن انعقاد الإطلاق ، فإن تمّت هذه الدعوى لم يكن هناك دليل يشمل المقام ، وإلّا بأن كان الانصراف بدوياً ولم يكن بمثابة ينعقد معه الظهور العرفي في المنصرف إليه الّذي هو الضابط في الانصراف المانع عن الإطلاق كما لعلّه الأظهر ولا سيّما بالإضافة إلى الأخير لمكان التعليل المقتضى للتعميم كما عرفت كان الحكم شاملاً للمقام أيضاً فهذا إن لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

وكيف ما كان ، فالحكم سعة وضيقاً مشترك بين هذه الأُمور الثلاثة لوحدة المناط ، واشتراك الدليل إطلاقاً وانصرافاً ، فان كان إطلاق ففي الجميع ، أو انصراف ففي الجميع أيضاً.

ومنه تعرف أنّه لم يظهر وجه للتفكيك بين الأوّل والأخيرين بالجزم في الأوّل والتوقف فيهما كما صنعه في المتن.

هذا وربّما يستدل على عدم اعتبار وضع سائر المساجد بما رواه الصدوق في العلل بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته ، قال : يسجد حيث توجّهت به ، فانّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان يصلِّي على ناقته وهو مستقبل المدينة ، يقول اللّه


1) الوسائل 5 : 343 / أبواب ما يسجد عليه ب 1 ح 1.

.................................................................................................


عزّ وجلّ ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) » (1)فإنّ السجود على ظهر الدابة المستلزم للإخلال بسائر المحال بطبيعة الحال يكشف عن عدم الاعتبار.

أقول : الكلام في هذه الرواية يقع تارة من حيث السند ، وأُخرى من ناحية الدلالة.

أمّا الدلالة ، فالظاهر أنّها قاصرة ، إذ لا يبعد أن يكون المراد من السجدة هي المندوبة دون العزيمة بقرينة الاستشهاد في مقام التعليل بصلاة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله على ظهر الدابة ، فإنّ المراد بها صلاة النافلة قطعاً ، إذ لا تجوز الفريضة على الدابة مع التمكن من النزول إلى الأرض بلا إشكال ولا كلام ، وكذا استشهاده عليه‌السلام بالآية المباركة إنّما يناسب إرادة النافلة كما ورد مثل ذلك في روايات النافلة على ظهر الدابة (2). وعليه فمناسبة الحكم والموضوع تقتضي إرادة المندوب من السجدة أيضاً كما لا يخفى.

وأمّا من حيث السند ، فقد عبّر عنها في الحدائق (3)بالصحيحة ، وتبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه ، لكن الظاهر أنّها ضعيفة ، لمكان جعفر بن محمّد بن مسرور شيخ الصدوق فإنّه مهمل لم يرد فيه توثيق ، وإن كان بقيّة رجال السند كلّهم ثقات.

نعم ، تصدّى المرحوم الميرزا محمّد في الوسيط (4)لعدّ الرجل في الحسان باعتبار ترحّم الصدوق وترضّاه عليه وأقرّه الأردبيلي في جامع الرواة (5)على


1) الوسائل 6 : 248 / أبواب قراءة القرآن ب 49 ح 1 ، علل الشرائع : 358.

2) الوسائل 4 : 328 / أبواب القبلة ب 15.

3) الحدائق 8 : 327.

4) الوسيط : 45 السطر 9.

5) جامع الرواة 1 : 161.

.................................................................................................


ذلك ، لكنّه لا يتم ، فانّ الترحّم بنفسه لا يقتضي التوثيق ولا يكشف عن حسن الحال ، وقد رأينا الصدوق كثيراً ما يترحّم ويترضّى على مشايخه وفيهم الضعيف وغيره ، وأنّ ذلك منه لا يكشف إلّا عن كونه شيعياً إمامياً لا يزيد عليه بشي‌ء كيف وقد ترحّم الصادق عليه‌السلام على جميع زوّار الحسين عليه‌السلام وفيهم الفاسق والكذّاب وشارب الخمر ، أفهل ترى أنّ ترحّم الصدوق وترضّاه أعظم شأناً من ترحّم الصادق عليه‌السلام هذا.

وقد استقرب في الوسيط أيضاً أن يكون المراد بالرجل هو جعفر بن محمّد ابن قولويه بعينه الّذي هو فوق الوثاقة والجلالة ، مستظهراً ذلك من عبارة النجاشي حيث ذكر في ترجمة عليّ بن محمّد بن جعفر بن موسى بن مسرور ما لفظه : مات حدث السن لم يسمع منه ، له كتاب فضل العلم وآدابه أخبرنا محمّد والحسن بن هدبة قالا حدّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه قال حدّثنا أخي به ، أي بالكتاب (1).

فيظهر أنّ المترجم له هو أخو ابن قولويه ، فيكون جعفر بن محمّد بن موسى ابن قولويه هو بعينه جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن مسرور ، وذكر ذلك الوحيد البهبهاني أيضاً في تعليقته على الرجال الكبير (2)، ولعلّه من أجل ذلك عبّر في الحدائق عن الرواية بالصحيحة.

ولكن هذا لا يتم بل الظاهر عدمه ، فانّ الصدوق وإن أمكن روايته عن ابن قولويه لتقارب العصر وأقدميّة ابن قولويه في السن فيصلح لكونه شيخاً له كما يتّضح ذلك من قرينتين بعد معلومية تاريخ ولادة الصدوق وأنّه سنة 305 وإن لم يضبط تاريخ الآخر إحداهما : أنّ ابن قولويه قد روى عن محمّد بن


1) رجال النجاشي : 262 / 685 [والموجود فيه : حسن بن هديّة].

2) تعليقة الوحيد البهبهاني : 87.

.................................................................................................


جعفر الرزاز كثيراً المتوفى سنة 312 ، فبطبيعة الحال يقتضي أن يكون سنّه عندئذ 20 أو 15 سنة على الأقل فيكون أسبق من الصدوق المتولِّد سنة 305 كما عرفت.

الثانية : أنّه قد روى عن سعد بن عبد اللّه القمي الأشعري روايتين أو أربع كما ذكره النجاشي (1)، وعلى أيّ حال فقد روى عنه ولو رواية واحدة ، وقد توفي سعد في سنة 299 أو سنة 301 ، فلا بدّ وأن يكون سن ابن قولويه عندئذ 15 سنة على الأقل ، فيكون متولداً في سنة 285 فيكون أسبق من الصدوق. وكيف ما كان ، فالصدوق وإن أمكن روايته عن ابن قولويه بحسب الطبقة إلّا أنّه لم ينقل عنه ولا رواية واحدة ، وكلّما ينقل فهو يرويه عن جعفر بن محمّد بن مسرور.

ودعوى الاتِّحاد بينه وبين جعفر بن قولويه مستظهراً ذلك من عبارة النجاشي غير مسموعة ، فإنّ النجاشي لم يقل أنّ علي بن محمّد بن جعفر بن موسى بن مسرور روى كتابه أخوه جعفر بن قولويه ليدل على أنّ عليّاً وجعفراً أخوان كي يقتضي الاتِّحاد المزبور ، بل قال بعد ذكر أنّ عليّاً له كتاب فضل العلم وآدابه : إنّ جعفر بن قولويه قال حدّثنا أخي به ، أي بالكتاب ، وأمّا أنّ أخاه من هو ، هل هو علي أم غيره فلا دلالة في العبارة عليه أصلاً.

وبعبارة اخرى : فرق واضح بين أن يقول بعد ذكر علي بن مسرور وأنّ له كتاباً روى جعفر بن قولويه عن أخيه بكتابه ، وبين أن يقول روى جعفر بن قولويه عن أخيه بالكتاب ، فإنّ الأوّل يدل على اخوّة جعفر وعلي وأنّ أخاه هو علي صاحب الكتاب ، بخلاف الثاني إذ مفاده أنّ أخاه هو الراوي لذاك الكتاب من دون أيّ دلالة على أنّه هو صاحب الكتاب كي يثبت به اخوّته مع


1) رجال النجاشي : 123 / 318 ، 177 / 467.

ولا يعتبر فيه الطهارة من الحدث (1)


علي حتّى ينتج الاتِّحاد المزبور.

وممّا يكشف كشفاً قطعياً عن أنّ علي بن مسرور لم يكن أخاً لابن قولويه أنّ النجاشي قد ذكر في ترجمة علي أنّه مات حدث السن لم يسمع منه ، وإنّما له كتاب كما سمعت من عبارته ، مع أنّ جعفر بن قولويه روى في الكامل عن أخيه كثيراً ، فكيف يقال إنّه لم يسمع منه. وهذا كتاب كامل الزيارات مملوء من الروايات عن أخيه علي بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه. إذن جعفر بن محمّد بن مسرور رجل آخر غير جعفر بن موسى بن قولويه جزماً ، ومسرور جدّه بلا واسطة وليس لقباً لقولويه الّذي هو جدّ الثاني بوسائط فهما رجلان بلا إشكال ، وهذا ثقة وأيّ ثقة ، بل قال النجاشي في حقّه كل ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه (1)، وهذا غاية الثناء والتوثيق. وأما ابن مسرور الّذي هو شيخ الصدوق فلم تثبت وثاقته بوجه.

وعليه فالرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد أبداً. مضافاً إلى قصور الدلالة كما عرفت ، إذن لا دليل على عدم اعتبار وضع المساجد السبعة في هذه السجدة ، ومقتضى الاحتياط الوجوبي هو الوضع ، بل عرفت أنّه لا يخلو عن قوّة.

(1) بلا إشكال ولا خلاف فيما عدا حدث الحيض كما ستعرف ويدلُّ عليه مضافاً إلى الإجماع : الأصل والإطلاقات ، لعدم التقييد فيها بالطهارة من الحدث الأصغر ولا الأكبر. وربّما يستدل له أيضاً بجملة من النصوص.

منها : رواية أبي بصير التي هي أجمع رواية في الباب ، لكونها جامعة لتمام


1) رجال النجاشي : 123 / 318.

.................................................................................................


أقسام الحدث من الأصغر والأكبر وما يختص بالنِّساء وما لا يختص ، عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا قرئ بشي‌ء من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد وإن كنت على غير وضوء ، وإن كنت جنباً ، وإن كانت المرأة لا تصلِّي» (1).

لكنّها ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة البطائني فإنّه لم يوثق فلا يعتمد عليها.

ومنها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من نوادر أحمد بن أبي نصر البزنطي بإسناده عن الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : من قرأ السجدة وعنده رجل على غير وضوء ، قال : يسجد» (2). وعن علي بن رئاب عن الحلبي قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام يقرأ الرجل السجدة وهو على غير وضوء؟ قال : يسجد إذا كانت من العزائم» (3).

ولا يمكن الاعتماد عليهما أيضاً ، فإنّ السند وإن كان صحيحاً ، إذ رجاله كلّهم ثقات ، ولعلّه من أجله عبّر عنهما في الحدائق بالصحيحة (4)، إلّا أنّ طريق ابن إدريس إلى كتاب البزنطي مجهول لدينا مع الفصل الطويل بينهما فيكونان في حكم المرسل.

ومنها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن إمام قرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع؟ قال : يقدّم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو وقد تمّت صلاتهم» (5)وأوردها أيضاً


1) الوسائل 6 : 240 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 2.

2) الوسائل 6 : 241 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 5 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 557.

3) الوسائل 6 : 241 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 6 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 555.

4) الحدائق 8 : 328 [ولكن وصف رواية الحلبي بالصحّة فقط].

5) الوسائل 6 : 240 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 4.

.................................................................................................


في باب 40 من أبواب القراءة حديث 5 بتبديل «فيتشهّد ويسجد» إلى قوله «فيسجد ويسجدون» (1).

ولكنّها من أجل تضمّنها جواز قراءة الإمام للعزيمة وسجود المأمومين للتلاوة مع أنّها زيادة عمديّة وتماميّة صلاتهم ، وكل ذلك على خلاف المذهب فلا مناص من حملها على التقيّة ، لموافقتها للعامّة (2)فلا يمكن الاعتماد عليها وإن صحّ سندها.

ومنها : مرسلة الدعائم قال فيها : «ويسجد وإن كان على غير طهارة» (3).

وضعفها ظاهر. فظهر لحدّ الآن أنّ شيئاً من هذه الأخبار غير صالح للاستدلال لضعفها سنداً ودلالة.

واستدلّ أيضاً بصحيحة الحذاء قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الطامث تسمع السجدة ، فقال : إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها (4). وموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال في حديث : «والحائض تسجد إذا سمعت السجدة» (5)فاذا ثبت الحكم في حدث الحيض ثبت في بقية الأحداث قطعاً ، لعدم احتمال الفرق وعدم القول بالفصل. وهاتان الروايتان لا بأس بالاستدلال بهما ، لتماميتهما من حيث السند والدلالة.

إلّا أنّ بإزائهما صحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت


1) الوسائل 6 : 106 / أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 5.

2) بدائع الصنائع 1 : 180 ، مغني المحتاج 1 : 216 ، المغني 1 : 689.

3) الدعائم 1 : 215 ، المستدرك 4 : 318 / أبواب قراءة القرآن ب 35 ح 2.

4) الوسائل 2 : 340 / أبواب الحيض ب 36 ح 1 ، 3.

5) الوسائل 2 : 340 / أبواب الحيض ب 36 ح 1 ، 3.

.................................................................................................


السجدة؟ قال : تقرأ ولا تسجد» (1). هكذا رواها في التهذيب (2)، لكن عن الاستبصار «لا تقرأ ولا تسجد» (3)والظاهر أنّ نسخة التهذيب هي الصحيحة بقرينة الروايات الكثيرة المصرّحة بجواز قراءتها القرآن ما عدا العزائم (4). وكيف ما كان ، فهي صريحة في نفي السجدة عنها.

ونحوها موثقة غياث : «لا تقضي الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة» (5)ومن هنا ذهب المفيد والشيخ في النهاية (6)وابن الجنيد (7)إلى حرمة السجود على الحائض عملاً بظاهر النهي ، لكنّه ساقط جزماً لاستلزامه طرح الصحيحة والموثقة المتقدِّمتين الظاهرتين في الوجوب بلا موجب ، ولا أقل من الجمع بالحمل على الاستحباب كما صنعه الشيخ (8). فالأمر في المقام دائر بين الوجوب أو الاستحباب ، ولا يحتمل الحرمة قطعا.

وعلى الجملة : فهذه الصحيحة معارضة لصحيحة الحذاء فلا بدّ من التصدِّي لوجه الجمع بينهما ، وقد قيل في تقرير الجمع وجوه :

أحدها : ما سمعته من الشيخ من الحمل على الاستحباب ، بدعوى أنّ النهي الوارد في هذه الصحيحة لمكان وقوعه موقع توهّم الإيجاب فلا يدل إلّا على جواز الترك دون المنع ، ولأجله يحمل الأمر الوارد في صحيحة الحذاء الظاهر


1) الوسائل 2 : 341 / أبواب الحيض ب 36 ح 4.

2) التهذيب 2 : 292 / 1172.

3) الاستبصار 1 : 320 / 1193.

4) الوسائل 2 : 215 / أبواب الجنابة ب 19.

5) الوسائل 2 : 342 / أبواب الحيض ب 36 ح 5.

6) المقنعة : 52 ، النهاية : 25.

7) حكاه عنه في المختلف 2 : 185 المسألة 103.

8) التهذيب 2 : 292 ، 1 : 129.

.................................................................................................


في الوجوب على الاستحباب جمعاً كما هو الشأن في أمثال المقام ، واستحسنه من تأخّر عنه.

ولكنّه لا يتم وإن صدر عن الشيخ (قدس سره) لاقتران القراءة بالسجود في السؤال المانع عن انقداح شبهة الوجوب في ذهن السائل كي يكون النهي واقعاً موقع توهّم الإيجاب ويكون ظاهراً في الجواز حينئذ ، إذ لا مقتضي لتوهّم الوجوب بالإضافة إلى القراءة بوجه كما لا يخفى. فانضمام القراءة يستوجب أن يكون السؤال عن الجواز لا محالة دون الوجوب ، وكأنّ الداعي للسؤال تخيّل السائل المنع عن القراءة والسجود بمناط واحد وهو كونهما من أجزاء الصلاة الممنوعة عنها الحائض ، وإن كان الجواز لو ثبت ملازماً للوجوب بالإضافة إلى السجدة إذا كانت عزيمة.

وعليه فلا مقتضي لصرف النهي الوارد في الجواب عن ظاهره من المنع وحمله على عدم الوجوب ، إذ لا قرينة عليه بوجه فتستقر المعارضة بين الصحيحتين لا محالة ، ولا مجال للحمل على الاستحباب من غير فرق فيما ذكرناه بين أن تكون النسخة «تقرأ» أو «لا تقرأ» كما لا يخفى.

الثاني : ما ذكره صاحب الوسائل (1)ونفى عنه البُعد في الحدائق (2)من حمل النهي في صحيحة عبد الرّحمن على الاستفهام الإنكاري.

وهذا أضعف من سابقه ، إذ فيه أوّلاً : أنّ الحمل على الإنكار خلاف الظاهر جدّاً لا يصار إليه من غير قرينة. مع عدم وضوح الفرق بينه وبين غيره في المقام إلّا من ناحية اللّهجة وكيفية الأداء ، وفتح باب هذا الاحتمال يستلزم الخلل في استفادة الحكم من غير واحد من الأخبار.


1) الوسائل 2 : 341 / أبواب الحيض ب 36 ح 4.

2) الحدائق 8 : 336.

.................................................................................................


وثانياً : أنّه غير محتمل في خصوص المقام ، إذ لم يكن حكم القراءة مسلّماً عند السائل حتّى يستنكر الإمام عليه‌السلام التفكيك بينه وبين السجود وإنّما سأل عن حكمهما بنفس هذا السؤال وقد صدر الحكم فعلاً من دون أن يكون معلوماً قبلاً ، فأيّ معنى للاستفهام الإنكاري والحال هذه.

وثالثاً : أيّ ملازمة بين الأمرين حتّى يستنكر التفكيك ، إذ من الجائز مشروعية القراءة للحائض لعدم كونها من مقوّمات الصلاة بل هي من السنّة كما ورد أنّ القراءة سنّة (1)بخلاف السجود فإنّه مقوّم لها فيسقط بتبعها ، وحيث إنّ الصلاة ممنوعة عن الحائض فكذا السجود المقوّم لها. فأيّ مجال للإنكار بعد وضوح الفرق وعدم التلازم في السقوط والثبوت.

ومن هنا ذكر في منتقى الجمان (2)وجهاً آخر للجمع وهو :

الوجه الثالث : بدعوى أنّ صحيحة الحذاء موردها خصوص العزيمة بخلاف صحيحة عبد الرّحمن فإنّها مطلقة فتحمل على غير العزيمة جمعاً.

ولكن هذا أيضاً لا يتم وإن استحسنه بعض مدّعياً أنّه أوفق بالجمع العرفي.

إذ فيه أوّلاً : أنّ الظاهر من صحيحة عبد الرّحمن أنّ لحدث الحيض خصوصية تستوجب سقوط السجدة مطلقاً ، وأنّ الحائض تمتاز عن غيرها في ذلك ، وإلّا فالتفصيل بين العزائم وغيرها أمر عام يشترك فيه جميع المكلّفين من غير فرق بين الحائض وغيرها فيلزم اللغوية في هذا العنوان. مع أنّ ظاهرها أنّ الوصف العنواني هو الموضوع للحكم وحيثية الحيض هي الدخيلة في المنع.

وثانياً : أنّ نتيجة هذا الجمع هو التفصيل في الحائض بين العزيمة فيجب


1) الوسائل 6 : 91 / أبواب القراءة في الصلاة ب 29 ح 5.

2) منتقى الجمان 1 : 212.

.................................................................................................


وبين غيرها فيحرم على ما هو ظاهر النهي ، وهذا كما ترى ولم يقل به أحد فلا يمكن الالتزام به. وممّا ذكرنا يظهر الجواب عن :

الوجه الرابع : الّذي ذكره بعضهم من حمل هذه الصحيحة على السماع وصحيحة الحذاء على الاستماع ، بشهادة صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدِّمة (1)المصرّحة بهذا التفصيل.

إذ فيه : ما عرفت من لزوم اللغوية في صفة الحيض ، فانّ السقوط لدى السماع تشترك فيه الحائض وغيرها كالوجوب عند الاستماع. مضافاً إلى أنّ لازمه القول بأنّ الحائض يجب عليها السجود عند الاستماع ويحرم مع السماع وهذا ممّا لم يقل به أحد.

والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه لحدّ الآن : أنّ جميع هذه الوجوه المقرّرة لكيفية الجمع ساقطة ولا يمكن المساعدة على شي‌ء منها.

فالإنصاف : استقرار المعارضة بين الطائفتين وامتناع التوفيق على نحو يعدّ من الجمع العرفي ، لظهور الطائفة الاولى في الوجوب ، والثانية في المنع ، ولا يتيسّر في مثله الجمع من غير شاهد ، ولا شاهد كما عرفت.

إلّا أنّ الأقوى مع ذلك كلّه وجوب السجدة على الحائض كغيرها لدى استماع العزائم ، ولا تعتبر الطهارة في هذه السجدة عن أيّ حدث حتّى الحيض كما عليه المشهور ، وذلك أمّا بناءً على الالتزام في الخبرين المتعارضين بالتساقط والرجوع ابتداء إلى العام الفوق أو الأصل العملي من دون اعتناء بالمرجحات السندية المقرّرة في محلِّها لعدم تماميتها ، فالأمر ظاهر ، إذ المرجع حينئذ العمومات المتقدِّمة المتضمِّنة لوجوب السجدة عند سماع العزيمة الشاملة


1) في ص 192.

.................................................................................................


بإطلاقها للحائض وغيرها السليمة عمّا يصلح للتقييد ، إذ المقيّد وهي صحيحة عبد الرّحمن بنفسه مبتلى بالمعارض كما هو المفروض فوجوده كعدمه.

وأمّا بناءً على إعمال قواعد الترجيح كما هو الصحيح على ما بيّناه في مبحث التعادل والتراجيح (1)، فالترجيح مع صحيحة الحذاء لموافقتها مع السنّة القطعيّة إذ الأخبار الدالّة ولو بإطلاقها على وجوب السجود على الحائض كثيرة جدّاً بحيث يقطع بصدور بعضها عن المعصوم عليه‌السلام على سبيل التواتر الإجمالي وموافقة الكتاب والسنّة من المرجّحات. هذا أوّلا.

وثانياً : مع الغض عن ذلك فهي مخالفة للعامّة ، إذ المعروف عند أكثر الجمهور اشتراط الطهارة من الحدثين (2)كما ذكره في الحدائق (3)نقلاً عن المنتهي (4). فتحمل صحيحة عبد الرّحمن على التقيّة ، وقد ذكرنا في محله انحصار المرجّح السندي في أمرين موافقة الكتاب والسنّة أوّلاً ، ثمّ مخالفة العامّة. وقد عرفت وجود كلا المرجحين في صحيح الحذاء.

هذا كلّه في حدث الحيض ، وكذا الحال في الجنابة فلا تعتبر الطهارة عنها بلا إشكال ولا خلاف ، ويقتضيه الأصل والإطلاقات المؤيّدة بخبر أبي بصير المتقدِّم (5)المصرح بالوجوب وإن كان جنباً ، غير أنّه ضعيف السند باعتبار عليّ بن أبي حمزة فلا يصلح إلّا للتأييد.


1) مصباح الأُصول 3 : 404.

2) المجموع 4 : 63 ، المغني 1 : 685 ، المبسوط للسرخسي 2 : 4.

3) الحدائق 8 : 336.

4) المنتهى 1 : 305 السطر 12.

5) الوسائل 6 : 240 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 2.

ولا من الخبث (1) فتسجد الحائض وجوباً عند سببه ، وندباً عند سبب الندب وكذا الجنب ، وكذا لا يعتبر فيه الاستقبال (2)


(1) بلا خلاف ، ويدلُّ عليه بعد الإجماع : الأصل والإطلاقات. ويمكن استفادة الحكم من صحيحة الحذاء وغيرها من نصوص الحائض ، لعدم خلوّها عن الخبث غالباً بل لعلّه دائماً.

(2) بلا خلاف بل إجماعاً كما عن غير واحد ، ويقتضيه الأصل والإطلاقات. نعم ، قد يستشعر أو يستظهر الاعتبار من رواية الحلبي المتقدِّمة (1)المرويّة عن علل الصدوق باب 49 قراءة القرآن المسوّغة للسجدة على ظهر الدابة ، معلِّلاً بأنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان يصلِّي على ناقته مستشهداً بقوله تعالى ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (2)حيث يظهر منها لزوم مراعاة الاستقبال لو كان ساجداً على وجه الأرض.

لكن الرواية ضعيفة السند من أجل جعفر بن محمّد بن مسرور شيخ الصدوق فإنّه مجهول ، وقد مرّ البحث حوله مستقصى. كما أنّها قاصرة الدلالة على المطلوب ، للقطع بإرادة النافلة من صلاة النبيّ صلی اللّه عليه وآله على ناقته لعدم صحّة الفريضة عليها اختياراً بلا إشكال ولا كلام كما يشهد به الاستشهاد بالآية المباركة الواردة في نصوص التنفل على الدابة حال السير (3)، وإلّا فلا شك في لزوم مراعاة الاستقبال في الفريضة لدى الاختيار على ما يقتضيه قوله تعالى ( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (4)وعليه فيكشف بمناسبة الحكم والموضوع


1) في ص 216.

2) البقرة 2 : 115.

3) الوسائل 4 : 328 / أبواب القبلة ب 15 ح 18 ، 19 ، 23.

4) البقرة 2 : 144.

ولا طهارة موضع الجبهة ، ولا ستر العورة ، فضلاً عن صفات الساتر (1) من الطهارة ، وعدم كونه حريراً أو ذهباً أو جلد ميتة ، نعم يعتبر أن لا يكون لباسه مغصوباً إذا كان السجود يعدّ تصرّفاً فيه (1)(2).


عن إرادة السجدة المندوبة من السجود على ظهر الدابّة دون العزيمة ، أو يقال إنّ السجدة وإن كانت عزيمة إلا أنّ حالها كالنافلة فكما أنّ الأفضل رعاية الاستقبال فيها وإن لم يكن معتبراً ، فكذا السجدة كما هو قضيّة التعليل والاستشهاد بالآية فلا تدل على الوجوب ، بل غايته الرجحان.

(1) كل ذلك للأصل وإطلاق النصوص بعد قصور المقتضي ، لاختصاص أدلّة هذه الأُمور بالسجود الصلاتي وعدم الدليل على التعدِّي إلى المقام ، مضافاً إلى عدم الخلاف فيها.

(2) أمّا اعتبار إباحة المكان الّذي أشار (قدس سره) إليه في هذه المسألة فلا إشكال فيه بعد وضوح أنّ السجدة واجب عبادي ، فانّ الحرام لا يتقرّب به ولا يكون مصداقاً للواجب كما هو الحال في سجود الصلاة ، لوحدة المناط واشتراك الدليل.

وأمّا إباحة اللِّباس ، فقد حكم (قدس سره) باعتبارها فيما إذا عدّ السجود تصرّفاً فيه ، وهذا متين بحسب الكبرى ، لعين ما عرفت في المكان ، إلّا أنّ الظاهر أنّه لا مصداق له خارجاً ، إذ لا يعدّ السجود تصرّفاً في اللِّباس بوجه ، فإنّه متقوّم بوضع الجبهة على الأرض ولا مساس لهذا بالتصرّف في اللِّباس والهوي إليه وإن استلزمه إلّا أنّه مقدّمة خارجية أجنبية عن حقيقة السجود المتقوّم بما عرفت.


1) ولكنّه لا يعدّ.

[1648] مسألة 17 : ليس في هذا السجود تشهّد ولا تسليم (1) ولا تكبير افتتاح ، نعم يستحب التكبير للرفع منه ، بل الأحوط عدم تركه.


(1) ويدلُّ عليه فيهما بعد الإجماع الّذي ادّعاه غير واحد : الأصل والإطلاق وكذا الحال في تكبيرة الافتتاح ، بل لم تكن مشروعة ، للنهي في صحيحة عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا قرأت شيئاً من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبِّر قبل سجودك ، ولكن تكبِّر حين ترفع رأسك» (1). وموثقة سماعة : «إذا قرأت السجدة فاسجد ولا تكبِّر حتّى ترفع رأسك» (2)وظاهر النهي المنع ونفي التشريع.

إنّما الكلام في التكبير بعد رفع الرأس منه ، ولا شبهة في مشروعيته للأمر به في جملة من النصوص التي منها ما عرفت ، وهل هو مستحب أم واجب؟ المشهور هو الأوّل ، وذهب جماعة إلى الثاني.

ويستدل للوجوب بظاهر الأمر الوارد في طائفة من الأخبار التي منها : صحيحة ابن سنان ، وموثقة سماعة المتقدِّمتان آنفاً. ومنها : ما رواه المحقِّق في المعتبر نقلاً من جامع البزنطي عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام «في من يقرأ السجدة من القرآن من العزائم ، فلا يكبِّر حين يسجد ولكن يكبِّر حين يرفع رأسه» (3).

ومنها : مرسلة الصدوق : «... ثمّ يرفع رأسه ثمّ يكبِّر» (4)وظاهر الأمر الوجوب.

إلّا أنّ بإزاء هذه النصوص الأربعة ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً


1) الوسائل 6 : 239 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 6 : 239 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 1 ، 3.

3) الوسائل 6 : 242 / أبواب قراءة القرآن ب 42 ح 10 ، المعتبر 2 : 274.

4) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 2 ، الفقيه 1 : 200 / 922.

.................................................................................................


من كتاب محمّد بن علي بن محبوب بسنده عن مصدّق عن عمار قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال : ليس فيها تكبير إذا سجدت ولا إذا قمت» (1)حيث تضمّنت صريحاً نفي التكبير قبل السجود وبعده.

ومن هنا حمل المشهور الأمر الوارد في تلك النصوص على الاستحباب جمعاً بينها وبين هذه الرواية كما هو مقتضى الصناعة في نظائر المقام.

ولكنّه لا يتم ، لضعف الرواية من أجل علي بن خالد الواقع في السند فإنّه لم يوثق ، وأمّا التضعيف من أجل جهالة طريق ابن إدريس إلى أرباب المجامع والكتب كما سبق منّا مراراً ، فهو وإن كان وجيهاً ولا يجدي اعتماده على القرائن القطعية بناءً منه على عدم العمل بأخبار الآحاد ، إذ هو لا يستوجب القطع بالإضافة إلينا ، سيّما بعد ما نشاهده من اشتمال كتاب السرائر على خبط وتشويش فتراه ينقل عن رأو ثمّ عمّن هو متقدِّم عليه بكثير بحيث يمتنع روايته عنه - إلّا أنّه يستثني من ذلك خصوص ما يرويه عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب الّذي يروي عنه هذه الرواية فإنّ طريقه إليه صحيح ، لتصريحه في السرائر بأنّ ما يرويه عن هذا الكتاب قد وجده بخطّ الشيخ (قدس سره) (2)إذ من المعلوم قرب عهده بعصر الشيخ بما لا يزيد على مائة سنة ، وواضح أنّ خط الشيخ وهو شيخ الطائفة حقّا ومن رؤساء المذهب المعروفين المشهورين كان يعرفه كل من قارب عصره ولم يكن معرضاً للاختفاء والالتباس ، إذن فيطمئن عادة بأنّ الخط الّذي رآه كان خطّه بنفسه ، وحيث إنّ طريقه إلى ابن


1) الوسائل 6 : 246 / أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 3 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 605.

2) السرائر 3 (المستطرفات) : 601.

.................................................................................................


محبوب صحيح ، فيعتمد على ما يرويه عن خصوص هذا الكتاب. فالعمدة في وجه الضعف ما عرفت. إذن فتبقى تلك النصوص سليمة عمّا يوجب صرفها عن ظاهرها وهو الوجوب.

والتحقيق : قصور المقتضي للوجوب في حدّ نفسه ، لضعف تلك النصوص من جهة الدلالة أو السند على سبيل منع الخلو.

أمّا صحيحة عبد اللّه بن سنان فقاصرة الدلالة على الوجوب ، لمسبوقية الأمر بالتكبير بعد السجود بالنهي عنه قبله ، ومن الواضح أنّ الأمر المتعلِّق بشي‌ء الواقع عقيب النهي عن ذاك الشي‌ء لا يدل إلّا على الجواز والإباحة دون الوجوب.

وأوضح حالاً : موثقة سماعة ، لعدم تضمنها الأمر من أصله ، وإنّما اشتملت على تحديد النهي برفع الرأس قال عليه‌السلام : «ولا تكبِّر حتّى ترفع رأسك ...» ومقتضى مفهوم الغاية ارتفاع النهي عند حصول الغاية وهي رفع الرأس لا تعلّق الأمر كي يقتضي الوجوب ، فغايتها الإباحة وجواز التكبير عندئذ دون الوجوب.

وأمّا رواية محمّد بن مسلم فهي ضعيفة السند والدلالة. أمّا السند ، فلجهالة طريق المحقِّق (1)إلى جامع البزنطي بعد وجود الفصل الطويل فتلحق بالمراسيل.

وأمّا الدلالة ، فلعين ما مرّ في صحيحة ابن سنان لتقارب المتنين فلاحظ.

وأمّا مرسلة الصدوق ، فهي وإن كانت أقوى دلالة من الكل ، لسلامتها عن تلك المناقشات ، إلّا أنّ ضعفها من جهة الإرسال يمنع عن الاعتماد عليها.

فتحصّل ممّا سردناه : أنّ الأقوى عدم الوجوب وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.


1) ولكنّه (دام ظلّه) بني أخيراً على صحّة الطريق.

[1649] مسألة 18 : يكفي فيه مجرّد السجود ، فلا يجب فيه الذكر (1) وإن كان يستحب ، ويكفي في وظيفة الاستحباب كلّ ما كان ، ولكن الأولى أن يقول : سجدت لك يا ربّ تعبّداً ورقّاً لا مستكبراً عن عبادتك ولا مستنكفاً ولا مستعظماً بل أنا عبد ذليل خائف مستجير. أو يقول : لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا ، لا إله إلّا اللّه إيماناً وتصديقاً ، لا إله إلّا اللّه عبودية ورقاً ، سجدت لك يا ربّ تعبّداً ورقاً ، لا مستنكفاً ولا مستكبراً ، بل أنا عبد ضعيف ذليل خائف مستجير. أو يقول : إلهي آمنّا بما كفروا ، وعرفنا منك ما أنكروا وأجبناك إلى ما دعوا ، إلهي فالعفو العفو. أو يقول ما قاله النبيّ صلی اللّه عليه وآله في سجود سورة العلق وهو : أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك.


(1) لم يتعرّض القدماء للذكر والدُّعاء في هذه السجدة أصلاً ، ولذا ترى المحقِّق قد أهمله في الشرائع (1)، فيظهر منهم الاتِّفاق على عدم الوجوب. وأمّا المتأخِّرون فقد اكتفوا بمطلق الذكر مصرِّحين بالاستحباب مرسلين له إرسال المسلّمات ، فيظهر من جميع ذلك إجماع القدماء والمتأخِّرين على عدم الوجوب هذا حال الأقوال.

وأمّا بالنظر إلى الأخبار ، فقد ورد في صحيحة الحذاء الأمر بالدُّعاء على وجه خاص ، «قال : إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده سجدت لك تعبّداً ورقاً ، لا مستكبراً عن عبادتك ولا مستنكفاً ولا مستعظماً بل أنا عبد ذليل خائف مستجير» (2)وظاهر الأمر وجوب هذه الكيفية ، إلّا أنّ بإزائها روايات أُخر دلّت على خلاف ذلك.


1) الشرائع 1 : 106.

2) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 1.

.................................................................................................


منها : ما رواه ابن إدريس في السرائر عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب بسنده عن عمار قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال : ليس فيها تكبير إذا سجدت ولا إذا قمت ، ولكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود» (1)، ومقتضاها وجوب مطلق الذكر من غير توظيف كما في السجود.

ومنها : ما عن الصدوق في الفقيه قال : «روي أنّه يقول في سجدة العزائم لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا ، لا إله إلّا اللّه إيماناً وتصديقاً ، لا إله إلّا اللّه عبودية ورقّا سجدت لك يا ربّ تعبّداً ورقّا ، لا مستنكفاً ولا مستكبراً ، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير» (2).

ومنها : ما أرسله العلّامة في المنتهي ، وكذا الصدوق في الفقيه أيضاً «من قرأ شيئاً من العزائم الأربع فليسجد وليقل : إلهي آمنّا بما كفروا ، وعرفنا منك ما أنكروا ، وأجبناك إلى ما دعوا ، إلهي فالعفو العفو» (3).

ومنها : ما عن عوالي اللآلي أنّه قال : «روي في الحديث أنّه لمّا نزل قوله تعالى ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) سجد النبيّ صلی اللّه عليه وآله وقال في سجوده : أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (4).

وهذه النصوص كما ترى مختلفة المضمون ، وحيث إنّ وجوب العمل بجميعها مقطوع العدم ، والالتزام بالوجوب التخييري بعيد عن سياقها. مضافاً إلى أنّه


1) الوسائل 6 : 246 / أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 3 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 605.

2) الوسائل 6 : 245 / أبواب قراءة القرآن ب 46 ح 2 ، الفقيه 1 : 201 / 922.

3) المنتهى 1 : 305 السطر 12 ، الفقيه 1 : 201 / 922.

4) عوالي اللآلي 4 : 113 / 176 ، المستدرك 4 : 321 / أبواب قراءة القرآن ب 39 ح 2.

[1650] مسألة 19 : إذا سمع القراءة مكرّراً وشكّ بين الأقل والأكثر يجوز له الاكتفاء في التكرار بالأقل ، نعم لو علم العدد وشكّ في الإتيان بين الأقل والأكثر وجب الاحتياط بالبناء على الأقل أيضا (1).


لا قائل به ، فيلتزم بالاستحباب جمعاً ، لكشف الاختلاف عن عدم التوظيف هكذا ذكره المشهور.

ولكنّه مبني على تكافؤ هذه النصوص من حيث السند ، وليس كذلك فإنّ الثلاثة الأخيرة مراسيل لا يعوّل على شي‌ء منها ، وما قبلها ضعيف بعلي بن خالد كما تقدّم (1)، فلم يبق بإزاء صحيحة الحذاء ما يصلح للمقاومة وظاهرها الوجوب وتعيّن تلك الكيفية.

إلّا أنّ هذا الظاهر ممّا لا قائل به ، إذ لم يذهب أحد إلى وجوب هذه الكيفية والتصرّف فيه بإرادة مطلق الذكر ، فيكون الواجب هو الجامع ، وحمل الخصوصية على الاستحباب ممّا لا شاهد عليه ، فلا يصار إليه من غير قرينة مع أنّه لا قائل بوجوب الجامع أيضاً كما سبق ، فلا يمكن العمل بالصحيحة بوجه ، ومقتضى الأصل البراءة عن الوجوب. إذن فنفي الوجوب من أجل عدم الدليل عليه لا قيام الدليل على العدم.

والمتحصل : أنّ الأقوى بالنظر إلى الأدلّة أيضاً فضلاً عن التسالم الخارجي استحباب الذكر لا وجوبه ، فله الإتيان بأيّ ذكر شاء من الكيفيّات المذكورة في المتن التي عرفت مداركها وكذا غيرها ، وإن كان الأولى الاقتصار على ما تضمنته صحيحة الحذاء ، لقوّة سندها وضعف أسانيد النصوص الأُخر.

(1) الحكم ظاهر جدّاً بكلا شقّيه ، فانّ الشك في الأوّل في التكليف زائداً


1) في ص 231.

[1651] مسألة 20 : في صورة وجوب التكرار يكفي في صدق التعدّد رفع الجبهة (1) عن الأرض ثمّ الوضع للسجدة الأُخرى ، ولا يعتبر الجلوس ثمّ الوضع ، بل ولا يعتبر رفع سائر المساجد وإن كان أحوط (2).

[1652] مسألة 21 : يستحب السجود للشكر لتجدّد نعمة أو دفع نقمة أو تذكرهما ممّا كان سابقاً ، أو للتوفيق لأداء فريضة ، أو نافلة ، أو فعل خير ولو مثل الصلح بين اثنين ، فقد روي عن بعض الأئمّة عليهم‌السلام أنّه كان إذا صالح بين اثنين أتى بسجدة الشكر ، ويكفي في هذا السجود مجرّد وضع الجبهة مع النيّة ، نعم يعتبر فيه إباحة المكان ، ولا يشترط فيه الذكر وإن كان يستحب أن يقول : شكراً لله ، أو شكراً شكراً ، وعفواً عفواً مائة مرّة أو ثلاث مرّات ، ويكفي مرّة واحدة أيضاً. ويجوز الاقتصار على سجدة واحدة ، ويستحب مرّتان ، ويتحقّق التعدّد بالفصل بينهما بتعفير الخدّين أو الجبينين أو الجميع مقدّماً للأيمن منهما على الأيسر ثمّ وضع الجبهة ثانياً.


على المقدار المتيقن ، والمرجع فيه أصالة البراءة ، وفي الثاني في الامتثال بعد العلم بالتكليف ، والمرجع قاعدة الاشتغال.

(1) إذ السجود متقوّم بوضع الجبهة على الأرض والهوي مقدّمة صرفة فيكفي في تكرّر الوضع مجرّد الرفع بأقل ما يتحقّق معه انفصال الجبهة عن الأرض ثمّ الوضع ثانياً بحيث يتخلّل العدم بين الوضعين الّذي هو مناط التعدّد ولا حاجة إلى الجلوس بينهما ، لما عرفت من عدم دخل الهوي إليه في تحقّق الواجب.

(2) هذا إنّما يتم بناءً على عدم اعتبار وضع سائر المساجد في هذه السجدة

ويستحب فيه افتراش الذراعين ، وإلصاق الجؤجؤ والصدر والبطن بالأرض ويستحب أيضاً أن يمسح موضع سجوده بيده ثمّ إمرارها على وجهه ومقاديم بدنه ، ويستحب أن يقرأ في سجوده ما ورد في حسنة عبد اللّه بن جندب عن موسى بن جعفر عليه‌السلام «ما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال عليه‌السلام : قل وأنت ساجد : اللّهمّ إنِّي أُشهدك وأُشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنّك أنت اللّه ربِّي ، والإسلام ديني ، ومحمّد نبيِّي ، وعليّ والحسن والحسين إلى آخرهم أئمّتي عليهم‌السلام بهم أتولّى ومن أعدائهم أتبرّأ ، اللّهمّ إنِّي أَنشدك دم المظلوم ثلاثاً اللّهمّ إنِّي أَنشدك بإيوائك على نفسك لأعدائك لتهلكنّهم بأيدينا وأيدي المؤمنين ، اللّهمّ إنِّي أَنشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنّهم بعدوك وعدوهم ، أن تصلِّي على محمّد وعلى المستحفظين من آل محمّد ثلاثاً اللّهمّ إنِّي أسألك اليسر بعد العسر ثلاثاً ثمّ تضع خدك الأيمن على الأرض وتقول : يا كهفي حين تعييني المذاهب وتضيق عليّ الأرض بما رحبت ، يا بارئ خلقي رحمة بي وقد كنتَ عن خلقي غنيّاً ، صلّ على محمّد وعلى المستحفظين من آل محمّد ، ثمّ تضع خدّك الأيسر وتقول : يا مُذلّ كل جبّار ، ويا مُعزّ كل ذليل ، وقد وعزّتك


وأمّا بناءً على الاعتبار كما هو الأحوط لو لم يكن أقوى على ما سبق ، فيشكل الاقتصار على رفع الجبهة في صدق التعدّد ، لاعتبار الأحداث في تحقّق الواجب وعدم كفاية البقاء ، كما هو الشأن في سائر الواجبات رعاية لظاهر الأمر المتعلِّق بها ، فانّ ظاهره الحدوث والإيجاد كما مرّ مراراً ، فلا يتحقّق امتثال الأمر بوضع سائر المحال والسجود على الأعظم السبعة إلّا بالرفع والوضع ثانياً. ومنه تعرف اعتبار ذلك في سجود الصلاة أيضاً ، لوحدة المناط.

بلّغ مجهودي ثلاثاً ثمّ تقول : يا حنّان يا منّان يا كاشف الكرب العظام ، ثمّ تعود للسجود فتقول مائة مرّة : شكراً شكراً ، ثمّ تسأل حاجتك إن شاء اللّه» والأحوط وضع الجبهة في هذه السجدة أيضاً على ما يصح السجود عليه ووضع سائر المساجد على الأرض ، ولا بأس بالتكبير قبلها وبعدها لا بقصد الخصوصية والورود.

[1653] مسألة 22 : إذا وجد سبب سجود الشكر وكان له مانع من السجود على الأرض فليوم برأسه ويضع خده على كفّه ، فعن الصادق عليه‌السلام : «إذا ذكر أحدكم نعمة اللّه عزّ وجلّ فليضع خدّه على التراب شكراً لله ، وإن كان راكباً فلينزل فليضع خدّه على التراب ، وإن لم يكن يقدر على النزول للشهرة فليضع خدّه على قربوسه ، فان لم يقدر فليضع خدّه على كفّه ثمّ ليحمد اللّه على ما أنعم عليه» ويظهر من هذا الخبر تحقّق السجود بوضع الخد فقط من دون الجبهة.

[1654] مسألة 23 : يستحب السجود بقصد التذلّل أو التعظيم لله تعالى ، بل من حيث هو راجح وعبادة ، بل من أعظم العبادات وآكدها ، بل ما عبد اللّه بمثله ، وما من عمل أشد على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً لأنّه أُمر بالسجود فعصى ، وهذا أُمر به فأطاع ونجى ، وأقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد ، وأنّه سنّة الأوّابين ، ويستحب إطالته فقد سجد آدم ثلاثة أيّام بلياليها ، وسجد عليّ بن الحسين عليه‌السلام على حجارة خشنة حتّى أُحصي عليه ألف مرّة «لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا ، لا إله إلّا اللّه تعبّداً ورقّا ، لا إله إلّا اللّه إيماناً وتصديقاً» وكان الصادق عليه‌السلام يسجد السجدة حتّى يقال إنّه راقد ، وكان موسى بن جعفر عليه‌السلام يسجد كل

يوم بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال.

[1655] مسألة 24 : يحرم السجود لغير اللّه تعالى (1) فإنّه غاية الخضوع فيختص بمن هو غاية الكبرياء والعظمة ، وسجدة الملائكة لم تكن لآدم بل كان قبلة لهم ، كما أنّ سجدة يعقوب وولده لم تكن ليوسف بل لله تعالى شكراً حيث رأوا ما أعطاه اللّه من الملك ، فما يفعله سواد الشيعة من صورة السجدة عند قبر أمير المؤمنين وغيره من الأئمّة عليهم‌السلام مشكل ، إلّا أن يقصدوا به سجدة الشكر لتوفيق اللّه تعالى لهم لإدراك الزيارة. نعم لا يبعد جواز تقبيل العتبة الشريفة.


(1) بلا إشكال ولا خلاف ، لما أُشير إليه في المتن من أنّه غاية الخضوع فيختص بمن هو في غاية الكبرياء ، ويدل عليه من الكتاب قوله تعالى ( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ) (1)فانّ مناط المنع هو المخلوقية فيعم ما سواه تعالى وتخصيصهما بالذكر لعظم الخلقة ، ومن ثمّ احتجّ به إبراهيم عليه‌السلام على ربوبيتهما فقال مشيراً إلى القمر ( هذا رَبِّي ) (2)ثمّ للشمس ( هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ) (3).

ومن السنّة طائفة كثيرة من الأخبار ، وهي وإن كانت ضعيفة السند إلّا أنّها متضافرة بل متواترة إجمالاً فيعتمد عليها ، وقد ورد عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله بسند معتبر «أنّه لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد


1) فصّلت 41 : 37.

2) الأنعام 6 : 77.

3) الأنعام 6 : 78.

.................................................................................................


لزوجها» (1). فانّ التعبير بكلمة «لو» الامتناعية دال على امتناع السجود لغير اللّه تعالى.

وأمّا سجود الملائكة لآدم وكذا سجود يعقوب وولده ليوسف فقد أُجيب عنه في الروايات بوجهين وكلاهما صحيح.

أحدهما : أنّ السجود كان لله تعالى ، وإنّما جعل آدم ويوسف قبلة لهم تشريفاً وإجلالاً ، كما أنّ الكعبة قبلة لنا (2)، فلم يكن السجود لآدم ولا ليوسف بل شكراً له تعالى. كما أنّا لم نسجد لتلك الأحجار أو لذاك الفضاء.

الثاني : أنّ السجود وإن كان لآدم إلّا أنّه حيث كان بأمر من اللّه تعالى فهو في الحقيقة سجود له وعين العبودية والتوحيد ، ألا ترى أنّ الملك إذا أمر بتعظيم شخص والخضوع له فتعظيمه في الحقيقة عائد إلى الملك وخضوعه يرجع بالأخرة إلى الخضوع إليه ، لانبعاثه عن أمره وكونه إطاعة لحكمه ، وعليه فلا يجوز السجود لغير من أمر به تعالى ، لكونه شركاً في العبادة بعد أن لم يكن صادراً عن أمره. وقد ذكرنا في بحث التفسير (3)أنّ السجود للأصنام إنّما لا يجوز لعدم إذنه تعالى في ذلك ، وإلّا فلو أذن تعالى به لم يكن به بأس لكونه طاعة له وامتثالاً لأمره.

وقد ورد في بعض الروايات (4)أنّ النبيّ صلی اللّه عليه وآله أجاب عمّن


1) الوسائل 20 : 162 / أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ب 81 ح 1.

2) غير خفي أنّ السجود للشي‌ء غير السجود إلى الشي‌ء ، وظاهر الآيات الواردة في آدم ويوسف هو الأوّل كما أنّ الواردة في الكعبة هو الثاني ، فلا يكونان من سنخ واحد ليقاس أحدهما بالآخر.

3) البيان : 478.

4) الوسائل 6 : 386 / أبواب السجود ب 27 ح 3.

.................................................................................................


سأله عن السجود لغير اللّه تعالى قياساً على سجود الملائكة لآدم عليه‌السلام بأنّه كان ذلك عن إذنه تعالى ، وأوضحه صلی اللّه عليه وآله بإيراد مثال وهو أنّه إذا أذن أحد لغيره بالدخول في داره الخاصّة فهل يجوز للمأذون له الدخول في داره الأُخرى قياساً على الاولى ، وهذا المضمون قوي وإن كان سند الخبر ضعيفاً. وكيف ما كان فالحكم ظاهر لا غبار عليه.

فصل في التشهّد

فصل في التشهّد وهو واجب في الثنائية مرّة بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة من الركعة الثانية ، وفي الثلاثية والرباعية مرّتين ، الاولى كما ذكر والثانية بعد رفع الرأس من السجدة الثانية في الركعة الأخيرة (1).


(1) لا إشكال كما لا خلاف عندنا في وجوب التشهّد مرّة في الثنائية ومرّتين في الثلاثية والرباعية على النحو الّذي ذكره في المتن ، وقد ادّعى عليه الإجماع غير واحد من الأصحاب قديماً وحديثاً قال في الجواهر : بلا خلاف أجده ، بل الإجماع بقسميه عليه ، بل المحكي منهما متواتر أو في أعلى درجات الاستفاضة (1). وفي المستند : هو واجب عندنا ، بل الضرورة من مذهبنا (2). وعن الأمالي : أنّه من دين الإمامية (3)ولم ينسب الخلاف إلّا إلى العامّة ، فقد أنكر كثير منهم وجوب التشهّد الأوّل وبعضهم كأبي حنيفة وغيره وجوب الثاني ، وبعض آخر وجوبهما (4)، فالخلاف منهم ، وإلّا فالشيعة متّفقون على الوجوب في الموضعين وهو قول علمائنا أجمع ، هذا.


1) الجواهر 10 : 246.

2) المستند 5 : 323.

3) أمالي الصدوق : 741 / 1006.

4) بداية المجتهد 1 : 129 ، المغني 1 : 613 ، 614 ، المجموع 3 : 450 ، 462 ، المنتقى للباجي 1 : 168.

.................................................................................................


وقد ذكر بعضهم انحصار الدليل في الإجماع وإلّا فالنصوص غير وافية بإثبات الوجوب ، لورودها في مقام آخر من نسيان التشهّد أو الشك ونحوهما ، فليست هي في مقام تشريع الوجوب كي تدل عليه ، بل مسوقة لبيان حكم آخر.

لكن الإنصاف عدم الانحصار وإن كان الإجماع بنفسه صالحاً للاستدلال فان معظم الأخبار وإن كانت كما ذكر إلّا أنّه يمكن استفادة الحكم من بعضها.

فمنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا قمت في الركعتين من ظهر أو غيرها فلم تتشهّد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل أن تركع فاجلس وتشهّد وقم فأتم صلاتك ...» إلخ (1)فإنّ الأمر بالجلوس والتشهّد ظاهر في الوجوب.

ومنها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (2)دلّت بمفهوم الشرط على عدم مضي الصلاة وعدم تماميتها ما لم يفرغ عن الشهادتين ، وهذا كما ترى مساوق لجزئية التشهّد ووجوبه وإلّا لما أُنيطت صحّة الصلاة بالفراغ عنه.

وحكمه عليه‌السلام في الذيل باجزاء التسليم لدى الاستعجال ناظر إلى عدم لزوم الإتيان بالأذكار والأدعية المستحبّة الواردة بعد التشهّد.

ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً وإن كنت قد تشهّدت فلا تعد» (3)دلّت بالمفهوم على وجوب الإعادة إذا كان الالتفات


1) الوسائل 6 : 406 / أبواب التشهّد ب 9 ح 3.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 2.

3) الوسائل 6 : 424 / أبواب التسليم ب 3 ح 4.

.................................................................................................


الفاحش - أي إلى اليمين أو إلى اليسار - قبل التشهّد ، لوقوعه حينئذ أثناء الصلاة. وهذا يكشف عن جزئية التشهّد ووجوبه لا محالة ، إذ لو لم يكن من أجزاء الصلاة وواجباتها لم يكن أيّ وجه للإعادة كما هو ظاهر. وأمّا ما تضمنته الصحيحة من عدم الإعادة لو كان الالتفات بعد التشهّد وعند التسليم فلعلّه من أجل أنّ السلام مخرج فلا يضر الالتفات عندئذ وإن كان فاحشاً. وكيف ما كان فهي صريحة الدلالة فيما نحن بصدده.

فهذه النصوص غير قاصرة الدلالة عن إفادة الوجوب ، وليست واردة في مقام حكم آخر بمثابة تمنع عن استفادة الوجوب.

نعم ، هناك روايات أُخر قد يظهر منها عدم الوجوب ، وهذا وإن لم يظهر له قائل كما عرفت ، إلّا أنّ الكلام يقع في مفاد تلك النصوص وأنّها هل تحمل على التقيّة أو لا؟

فمنها : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهّد ، قال : ينصرف فيتوضّأ فإن شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلِّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (1).

فربّما يستظهر منها عدم الوجوب وخروج التشهّد عن الصلاة وإلّا بطلت لمكان الحدث ، فكيف حكم عليه‌السلام بالانصراف والإتيان بالتشهّد حيثما شاء بعد التوضي ، وقد أفتى الصدوق بمضمونها (2)، ومن أجله قد ينسب إليه الخلاف في المسألة ، لكنّه ساقط قطعاً ، فانّ الصدوق لم يفت بعدم الوجوب وإنّما أفتى بمضمون الصحيحة ، ومضمونها كما ترى لا يقتضي عدم الوجوب ، بل غايته


1) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 13 ح 1.

2) الفقيه 1 : 233 ذيل الحديث 1030.

.................................................................................................


عدم مبطلية الحدث في خصوص هذا المورد. وهذا حكم آخر إمّا أن يلتزم به كما صنعه الصدوق أو يحمل على التقيّة ، وسيجي‌ء الكلام حوله في بحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا نفس التشهّد ، فلا دلالة فيها على عدم وجوبه كي تعارض النصوص السابقة ، بل هي بالدلالة على الوجوب أولى من الدلالة على العدم ، ولذا لم يسوّغ عليه‌السلام في تركه ، بل أمره بالإتيان بعد تحصيل الطهارة وإن كان في بيته أو حيثما شاء ، وظاهر الأمر الوجوب ، فتخرج الصحيحة عن المعارضة إلى المعاضدة. فاستظهار الخلاف منها كنسبته إلى الصدوق كلاهما في غير محلّه.

وعلى الجملة : فالصحيحة لا تعارض إلّا النصوص الدالّة بإطلاقها على ناقضية الحدث وللعلاج بينهما مقام آخر لا نصوص المقام.

ومنها : موثقة عبيد بن زرارة قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير ، فقال : تمّت صلاته ، وإنّما التشهّد سنّة في الصلاة فيتوضّأ ويجلس مكانه أو مكاناً نظيفاً فيتشهّد» (1).

وهي كسابقتها توهّماً وجواباً غير أنّها تزيد عليها بقوله عليه‌السلام : «التشهّد سنّة» ، فقد يتوهّم من التعبير بالسنّة الاستحباب ، وهو كما ترى ، فانّ هذا الإطلاق اصطلاح محدث من الفقهاء دارج في ألسنتهم. وأمّا في لسان الأخبار فهو بمعنى ما سنّة النبيّ صلی اللّه عليه وآله في قبال ما فرضه اللّه تعالى فلا ينافي الوجوب ، وقد أُطلق لفظ السنّة على القراءة والتشهّد في ذيل حديث لا تعاد (2)وغيره ، مع أنّ القراءة واجبة بلا إشكال لقوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (3)وغيره من الأخبار.


1) الوسائل 6 : 411 / أبواب التشهّد ب 13 ح 2.

2) الوسائل 6 : 91 / أبواب القراءة في الصلاة ب 29 ح 5.

3) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5.

وهو واجب غير ركن ، فلو تركه عمداً بطلت الصلاة (1) وسهواً أتى به ما لم يركع ، وقضاه بعد الصلاة إن تذكّر بعد الدخول (1)في الركوع مع سجدتي السهو.

وواجباته سبعة : الأوّل : الشهادتان (2)


ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام : «في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهّد حتّى ينصرف ، فقال : إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهّد وإلّا طلب مكاناً نظيفاً فتشهّد فيه ، وقال إنّما التشهّد سنّة في الصلاة» (2).

وقد ظهر حالها ممّا مرّ إشكالاً وجواباً فلا حاجة إلى الإعادة. وقد تحصّل من جميع ما مرّ : وجوب التشهّد فتوى ونصّاً من غير معارض.

(1) فانّ البطلان لدى العمد هو مقتضى حديث الجزئية والوجوب الّذي عرفته ، وأمّا عدم كونه ركناً فلاندراجه في عقد المستثنى منه في حديث لا تعاد وأمّا التفصيل لدى السهو بين ما إذا كان التذكّر قبل الركوع فالرجوع أو بعده فالمضي ، فلأنه مضمون صحيحة الحلبي الأُولى التي مرّت الإشارة إليها (3).

(2) أي الشهادة بالتوحيد وبالرسالة بلا خلاف كما ادّعاه غير واحد ، بل إجماعاً كما حكاه الأصحاب قديماً وحديثاً ، ولم ينسب الخلاف إلّا إلى الجعفي في الفاخر (4)حيث خصّ الوجوب بالشهادة الاولى في التشهّد الأوّل وإن أوجبهما


1) على الأحوط.

2) الوسائل 6 : 401 / أبواب التشهّد ب 7 ح 2.

3) الوسائل 6 : 406 / أبواب التشهّد ب 9 ح 3.

4) حكاه عنه في الذكرى 3 : 420.

.................................................................................................


في الثاني ، وإلّا إلى الصدوق في المقنع (1)حيث حكي عنه الاجتزاء بقول : بسم اللّه وباللّه بدل الشهادتين.

ويدل على المشهور جملة من النصوص فيها الصحيح وهو المعتمد المؤيِّد بغيره.

فمنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : التشهّد في الصلوات؟ قال : مرّتين ، قال قلت : كيف مرّتين؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ...» إلخ (2).

ومنها : رواية عبد الملك بن عمرو الأحول عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : التشهّد في الركعتين الأولتين : الحمد لله أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وتقبّل شفاعته وارفع درجته» (3)، ولا يقدح اشتمالها على ما ثبت استحبابه من الخارج كما لا يخفى. نعم ، هي ضعيفة السند بالأحول فإنّه لم يوثق ، غير أنّ الكشي روى رواية في مدحه (4)، لكن السند ينتهي إلى الرجل نفسه فلا يعتمد عليه.

ومنها : رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : التشهّد في كتاب علي شفع» (5)فانّ المراد بالشفع هو الزوج أي المرّتان اللّتان وقع


1) لاحظ المقنع : 96.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

3) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 1.

4) رجال الكشي : 389 / 730.

5) الوسائل 6 : 398 / أبواب التشهّد ب 4 ح 5.

.................................................................................................


التصريح بهما في بقيّة الأخبار كصحيحة ابن مسلم المتقدِّمة وغيرها ، لا التعدّد باعتبار الموضع ، وإلّا فلا شفع بهذا المعنى في الثنائية المشمولة لإطلاقها. وهي أيضاً ضعيفة السند بعلي بن عبيد حيث لم يوثق.

ومنها : رواية سورة بن كليب قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن أدنى ما يجزئ من التشهّد ، قال : الشهادتان» (1)والمراد بالشهادتين هما الشهادتان المعهودتان المشار إليهما في بقية الأخبار ، أي الشهادة بالتوحيد وبالرسالة. وهي أيضاً ضعيفة عند القوم ب- «سورة» إذ لم يوثق ، ولكنّها معتبرة عندنا لوقوعه في أسناد تفسير القمي.

وأمّا مقالة الجعفي ، فإن أراد بها الاكتفاء بإحدى الشهادتين في التشهّد الأوّل من غير تعيين فلم يعرف له مستند أصلاً ، وإن أراد خصوص الشهادة بالتوحيد فيمكن الاستدلال عليه بصحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : ما يجزئ من القول في التشهّد في الركعتين الأوّلتين؟ قال : أن تقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، قلت : فما يجزئ من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال : الشهادتان» (2).

لكن لا يبعد أن تكون الصحيحة ناظرة إلى بيان عدم وجوب سائر الأذكار والأدعية المستحبّة الواردة في التشهّد التي تضمنتها موثقة أبي بصير (3). فقوله عليه‌السلام «أن تقول أشهد ...» إلخ ، إشارة إلى مجموع الشهادتين المعهودتين وأنّه يقتصر عليهما في قبال سائر الأذكار ، لا خصوص الشهادة الأُولى ، وهذا النوع من الإطلاق دارج في الاستعمالات فيذكر أوّل الكلام ويراد به تمامه وإلى


1) الوسائل 6 : 398 / أبواب التشهّد ب 4 ح 6.

2) الوسائل 6 : 396 / أبواب التشهّد ب 4 ح 1.

3) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

.................................................................................................


آخره فيكتفى بالإشارة إليه لمعهوديته الموجبة للاستغناء عن التعرّض إليه تفصيلاً.

ومنه تعرف أنّ جوابه عليه‌السلام عن السؤال الثاني بقوله عليه‌السلام : «الشهادتان» لم يرد في مقام الفرق بين الركعتين الأوّلتين والأخيرتين في عدد الشهادة كما هو مبنى الاستدلال ، بل المراد بيان الاتِّحاد في كيفية الشهادة وأنّ الواجب فيهما على حد سواء ردّاً لما توهّمه السائل من الفرق بينهما ، كما يكشف عن ذلك وقوع السؤال عن الاتِّحاد في صحيحة البزنطي قال : «قلت لأبي الحسن عليه‌السلام جعلت فداك التشهّد الّذي في الثانية يجزئ أن أقول في الرابعة؟ قال : نعم» (1).

وأمّا ما نسب إلى الصدوق في المقنع من الاجتزاء بقول : بسم اللّه وباللّه ، فلم يعرف له مستند أصلاً. نعم ، هناك روايتان يظهر منهما الاجتزاء بقول : بسم اللّه من دون اضافة «وباللّه».

إحداهما : موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إن نسي الرجل التشهّد في الصلاة فذكر أنّه قال بسم اللّه فقط فقد جازت صلاته ، وإن لم يذكر شيئاً من التشهّد أعاد الصلاة» (2). والحكم بالإعادة في ذيلها محمول على الاستحباب لحديث لا تعاد المقتضي لعدم الإعادة من نسيان التشهّد.

الثانية : رواية علي بن جعفر قال : «سألته عن رجل ترك التشهّد حتّى سلّم كيف يصنع؟ قال : إن ذكر قبل أن يسلِّم فليتشهّد ، وعليه سجدتا السهو ، وإن ذكر أنّه قال أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، أو بسم اللّه ، أجزأه في صلاته ، وإن لم يتكلّم


1) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 3.

2) الوسائل 6 : 403 / أبواب التشهّد ب 7 ح 7.

.................................................................................................


بقليل ولا كثير حتّى يسلم أعاد الصلاة» (1).

لكن موردهما خصوص حال النسيان فلا يشمل صورة العمد ، مضافاً إلى ضعف سند الثانية بعبد اللّه بن الحسن ، هذا والحكم بالإعادة في ذيل الأخيرة محمول على الاستحباب أيضاً كما سبق. وأمّا الحكم بسجدتي السهو فغير واضح إذ التذكّر إنّما كان في المحل لكونه قبل التسليم وقد أتى بالتشهّد ، فلم يعرف موجب للسجدتين أصلاً.

ثمّ إنّه قد يظهر من رواية الخثعمي الاجتزاء بالتحميد «قال : إذا جلس الرجل للتشهّد فحمد اللّه أجزأه» (2).

لكنّها مضافاً إلى ضعف السند قاصرة الدلالة على كفايته عن الشهادتين ، إذ المفروض فيها جلوس الرجل للتشهّد ولا يكون الجلوس متّصفاً بكونه جلسة التشهّد إلّا إذا اشتمل عليه واقترن به ، وواضح أنّ التحميد ليس من التشهّد في شي‌ء.

فالتشهّد مفروض الوجود لا محالة. إذن يكون المراد بالاجتزاء اجتزاء التحميد عن بقية الأذكار والأدعية الواردة في بقية الروايات ولا سيّما موثقة أبي بصير الطويلة المشتملة على جملة من الأذكار المستحبّة (3)لا عن أصل التشهّد ، كما يشهد لهذا الحمل رواية بكر بن حبيب قال : «قلت لأبي جعفر عليه‌السلام أيّ شي‌ء أقول في التشهّد والقنوت؟ قال : قل بأحسن ما علمت فإنّه لو كان موقتاً لهلك الناس» (4).


1) الوسائل 6 : 404 / أبواب التشهّد ب 7 ح 8.

2) الوسائل 6 : 399 / أبواب التشهّد ب 5 ح 2.

3) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

4) الوسائل 6 : 399 / أبواب التشهّد ب 5 ح 1.

الثاني : الصلاة على محمّد وآل محمّد فيقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد (1).


وروايته الأُخرى قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن التشهّد ، فقال : لو كان كما يقولون واجباً على الناس هلكوا ، إنّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون ، إذا حمدت اللّه أجزأ عنك» (1)وهما ولا سيما الأخيرة واضحتا الدلالة على ما ذكرنا من اجتزاء التحميد عن سائر الأذكار المندوبة وأنّه ليس هناك شي‌ء موقّت ، وإن كان السند ضعيفاً ، إذ لم تثبت وثاقة بكر بن حبيب ومن هنا كانت مؤيّدة لما ذكرناه.

(1) هذا الحكم ممّا تسالم عليه الأصحاب ، وقد ادّعى عليه الإجماع غير واحد ، نعم ربّما ينسب الخلاف إلى الصدوق بإنكار الوجوب مطلقاً (2)، وإلى والده بإنكاره في التشهّد الأوّل (3)، وقد وقع الكلام في صحّة هذه النسبة بل استضعفها في الجواهر (4)من أجل تصريح الصدوق في الأمالي (5)بأن من دين الإمامية الإقرار بأنّه يجزئ في التشهّد الشهادتان والصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله ، وإن أورد عليه بعدم دلالة العبارة على الوجوب. وكيف ما كان لا يهمّنا التعرّض لذلك بعد وضوح أنّ الخلاف على تقدير صدق النسبة شاذ لا يعبأ به.


1) الوسائل 6 : 399 / أبواب التشهّد ب 5 ح 3.

2) الفقيه 1 : 209 ، المقنع : 95.

3) حكاه عنه في الذكرى 3 : 412.

4) الجواهر 10 : 254.

5) لاحظ أمالي الصدوق : 741 / 1006.

.................................................................................................


كما نسب الخلاف إلى ابن الجنيد (1)أيضاً ، وأنّه يرى الاكتفاء بها في أحد التشهّدين ، وهو أيضاً شاذ كسابقه.

وعلى أيّ حال فلا ينبغي الإشكال في قيام التسالم وانعقاد الإجماع على الحكم ، بل تدل عليه جملة وافرة من النصوص المتضمِّنة عدم قبولية الصلاة بدونها المرويّة من فرق الخاصّة والعامّة.

منها : ما رواه الشيخ في الصحيح بسنده عن أبي بصير وزرارة جميعاً عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنّه «قال : مِن تمام الصوم إعطاء الزكاة ، كما أنّ الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله من تمام الصلاة ، ومن صام ولم يؤدها فلا صوم له إن تركها متعمِّداً ، ومن صلّى ولم يصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وترك ذلك متعمِّداً فلا صلاة له ، إنّ اللّه تعالى بدأ بها قبل الصلاة فقال ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) » (2)وروى الشيخ أيضاً مثله بسنده عن أبي بصير عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام (3).

هذا ، وقد روى صاحب الوسائل رواية أُخرى عن الصدوق بسنده عن أبي بصير وزرارة جميعاً قالا في حديث «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : إنّ الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله من تمام الصلاة إذا تركها متعمِّداً فلا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله ...» الحديث (4)وهي مضافاً إلى اشتمالها على التكرار الّذي لم يعرف وجهه غير موجودة في الفقيه بهذه الألفاظ


1) حكاه عنه في الذكرى 3 : 412.

2) الوسائل 6 : 407 / أبواب التشهّد ب 10 ح 2 [لم يرد الحديث في كتب الشيخ بهذا السند].

3) التهذيب 2 : 159 / 625 و 4 : 108 / 314.

4) الوسائل 6 : 407 / أبواب التشهّد ب 10 ح 1 ، الفقيه 2 : 119 / 515.

.................................................................................................


وإنّما الموجود هي الرواية السابقة التي نقلها عنه صاحب الوسائل في باب 1 من زكاة الفطرة حديث 5 (1). نعم ، قال في الحدائق : وظنّي أنِّي وقفت عليه في الكتاب المذكور حين قرأ بعض الاخوان عليّ الكتاب المذكور ولكن لا يحضرني موضعه الآن (2).

لكن الظاهر أنّ نسبة هذه الرواية إلى الصدوق مبنية على السهو وليست للصدوق رواية أُخرى تختص بالصلاة ، فذكر صاحب الوسائل هذه الرواية في المقام ونسبتها إليه سهو من قلمه الشريف سيّما مع ذكر الرواية الأُولى عقيبها مقتصراً في نسبتها إلى الشيخ مع وجودها في الفقيه أيضاً كما نقلها عنه في كتاب الزكاة على ما عرفت. وكيف ما كان فلا ينبغي الشك في أنّه ليست هناك إلّا رواية واحدة نقلها الشيخ بطريقين ، والصدوق بطريق واحد وهي الرواية السابقة.

إنّما الكلام في دلالتها على الوجوب ، وقد نوقش فيها من وجوه :

أحدها : الاشتمال على التشبيه المقتضي للمساواة في وجه الشبه ، وحيث إنّ الحكم في الصوم مبني على نفي الكمال بلا إشكال فكذا في الصلاة فلا تدل على نفي الصحّة فيها. بل قال بعضهم إنّ التفكيك بين المشبه والمشبّه به بالحمل على متمِّم الذات في أحدهما ومتمِّم الكمال في الآخر مستبشع جدّاً.

وهذا الاشكال مذكور في كلمات القوم ، وجوابه هو ما ذكره المحقِّق الهمداني (3)وصاحب الحدائق (4)(قدس سرهما) من عدم الضير في ذلك ، ولا بشاعة في التفكيك الثابت من قرينة خارجية ، غايته حمل الكلام على ضرب من التجوّز


1) الوسائل 9 : 318.

2) الحدائق 8 : 459.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 367 السطر 15.

4) الحدائق 8 : 459.

.................................................................................................


والمبالغة ، فان ظاهر الصحيحة أنّ الحكم في المشبّه به ، أعني الصلاة التي هي مبنى الاستدلال أمر مسلّم مفروغ عنه ، وأنّ اعتبار الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله في صحّتها شي‌ء ثابت لا ينكر وقد شبّه الصِّيام بها ، وظاهره أنّه مثلها في اعتبار الزكاة في صحّتها غير أنّه قد ثبت من الخارج اعتبارها في الكمال دون الصحّة ، فمن أجل ذلك يحمل الاعتبار في المشبّه الظاهر في الصحّة على التأكيد والمبالغة ، إذ لا يعتبر أن يكون المشبّه كالمشبّه به في تمام الجهات بل من الجائز أن يكون وجه الشبه في المشبّه به حقيقياً ، وفي المشبّه مجازياً.

وقد وقع نظيره في المنع عن التطوّع في وقت الفريضة قياساً على صوم النافلة لمن عليه الفريضة ، ففي صحيحة زرارة بعد منعه عليه‌السلام عن التنفل في وقت الفريضة قال عليه‌السلام : «أتريد أن تقايس ، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع ، إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة» (1)فانّ المنع في المقيس عليه وهو الصوم مسلّم لا شبهة فيه ، وليس كذلك في المقيس لجواز التنفّل في وقت الفريضة ، غير أنّ الأفضل البدأة بها إذا بلغ الفي‌ء الذراع لقوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : «فإذا بلغ فيؤك ذراعاً من الزوال بدأت بالفريضة وتركت النافلة» (2).

وعلى الجملة : ظاهر التشبيه هو الاتِّحاد والمساواة بين المشبّه والمشبّه به في أنّ الاعتبار في كليهما من حيث الدخل في الصحّة ، لكن ثبت من الخارج خلافه بالإضافة إلى المشبّه وأنّ إعطاء الزكاة من كمال الصوم لا من مقوّماته ، ولم يثبت هذا في المشبّه به وهو الصلاة فيحمل الاعتبار في الأوّل على ضرب من التجوز والمبالغة ، وأنّ نفي الصوم عمّن لم يزك نظير نفي الصلاة في قوله (عليه


1) الوسائل 4 : 264 / أبواب المواقيت ب 50 ح 3.

2) الوسائل 4 : 141 / أبواب المواقيت ب 8 ح 3.

.................................................................................................


السلام) : لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد (1). وأمّا في الثاني فيبقى النفي على ظاهره من الحمل على المعنى الحقيقي المساوق لنفي الذات الكاشف عن الدخل في الصحّة ، وأنّ الصلاة الفاقدة للصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله في حكم العدم ومحكومة بالبطلان ، لعدم الموجب للتصرّف في هذا الظهور بعد عدم ثبوت خلافه من الخارج ، وقد عرفت عدم اعتبار المساواة بين المشبّه والمشبّه به من تمام الجهات.

الثاني : أنّ غايتها الدلالة على وجوب الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله دون الآل لعدم التعرّض لذلك.

والجواب عنه ظاهر ، فانّ هذه الصحيحة وغيرها من بعض روايات الباب وإن لم تدل عليه إلّا أنّه قد ثبتت الملازمة الخارجية بينهما المستفادة من جملة وافرة من النصوص المرويّة من طرق العامّة والخاصّة وفي بعضها النهي عن الصلاة البتراء ، وهي بأجمعها مذكورة في باب 42 من الذكر من كتاب الوسائل (2)، وذكر أكثرها السيوطي (3)وغيره من العامّة ، حتّى أنّ ابن حجر وهو من أنصب النصاب روى في صواعقه عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أنّه «قال : لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء؟ قال : تقولون اللّهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» (4).

فالمستفاد من هذه النصوص تبعية الآل ودخول العترة في كيفية الصلاة


1) الوسائل 5 : 194 / أبواب أحكام المساجد ب 2 ح 1.

2) الوسائل 7 : 201 / أبواب الذكر ب 42.

3) الدرّ المنثور 6 : 646.

4) الصواعق المحرقة : 225.

.................................................................................................


عليه وأنّه كلّما ورد الأمر بالصلاة عليه لا تتأدّى الوظيفة إلّا مع ضمّ الآل ولا يجزئ تخصيصه بالصلاة وحده ، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.

وهذه الملازمة بمكان من الوضوح لدى الفريقين حتّى قال الشافعي ونعم ما قال :

كفاكم من عظيم القدر أنّكم

من لم يصلّ عليكم لا صلاة له (1)

غير أنّ بعض المعاندين من النصّاب (خذلهم اللّه تعالى) أصرّوا على تركه عناداً للحق وأهله ، وقد ذكر الصدوق (2)عن بعض مشايخه وهو الضبي (ضاعف اللّه في عذابه) أنِّي ما رأيت أنصب منه كان يقول : اللّهمّ صلّ على محمّد منفرداً (بقيد الانفراد).

وكيف ما كان ، فهذه النصوص إن دلّت على النهي عن التفكيك وحرمة الصلاة عليه من دون ضمّ الآل ، ويؤكِّده التعبير ب- «أبعده اللّه» في لسان بعضها فالأمر واضح ، وإلّا فلا أقل من دلالتها على عدم الأمر بالصلاة عليه وحده وأنّه مهما تعلّق الأمر بالصلاة عليه فلا ينفك عن ضمّ الآل ولا يتحقّق بدونه الامتثال. على أنّ الحكم من المتسالم عليه بين الأصحاب ولا قائل بالفصل من أحد.

الثالث : أنّه لا دلالة فيها على تعيين الموضع ولزوم الصلاة في كلا التشهّدين فلا تدل إلّا على الاجتزاء بها في أحدهما كما هو مذهب ابن الجنيد (3).

والجواب : أنّا لو كنّا نحن وهذه الصحيحة مع الإغماض عن القرائن


1) ديوان الإمام الشافعي : 115.

2) عيون أخبار الرِّضا 2 : 279 / 3.

3) حكاه عنه في الذكرى 3 : 412.

.................................................................................................


الخارجية لما دلّتنا على مذهب ابن الجنيد أيضاً فضلاً عن مسلك المشهور ، إذ لا إشعار فيها بنفسها على تعيين الموضع فضلاً عن الدلالة ، إذ غايتها الأمر بالصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله أثناء الصلاة وعدم خلوّها عنها ، فلتكن هي في ضمن الركوع أو السجود ونحوهما ، إلّا أنّه بعد ملاحظة القرينة الخارجية وهي السيرة القطعية والتعارف المعهود من المتشرِّعة خلفاً عن سلف القائم على أنّ محلّها التشهّدان معاً لا غيرهما المؤيّد بالمرسلتين الواردتين في كيفيّة صلاة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في المعراج (1)يتمّ المطلوب ويصحّ الاستدلال بها على المسلك المشهور.

وهذا نظير الأمر بالقراءة في الصلاة بقوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2)، أو كل صلاة لا فاتحة فيها فهي خداج (3)ونحو ذلك ، فإنّه وإن لم يعيِّن موضع القراءة في هذه النصوص إلّا أنّه مستفاد من التعارف الخارجي الموجب لانصراف الأمر إلى ما هو المعهود المتعارف المتداول بين المصلِّين.

والمتحصِّل من جميع ما سردناه : أنّ الصحيحة ظاهرة الدلالة على وجوب الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وآله في التشهّدين ، لسلامتها عن جميع تلك المناقشات.

ويتأكّد الوجوب ويتأيّد : برواية الأحول «قال : التشهّد في الركعتين الأوّلتين : الحمد لله ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وتقبّل شفاعته وارفع درجته» (4)


1) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10 ، 11 [ولكنّ الروايتين مسندتان].

2) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة ب 1 ح 5.

3) الوسائل 6 : 39 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 6.

4) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 1.

.................................................................................................


فإنّها وإن كانت ضعيفة السند من جهة الأحول ، ومن هنا ذكرناها بعنوان التأييد ، إلّا أنّها ظاهرة الدلالة على الوجوب.

والمناقشة فيها باشتمالها على المستحب ساقطة ، لما مرّ غير مرّة من عدم دلالة اللفظ على الوجوب أو الاستحباب وإنّما هما مستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه ، وحيث اقترن الحديث بالترخيص في بعض فقرأته الثابت من الخارج ولم يقترن في غيرها فيستقل العقل فيما عدا الثابت بالوجوب الّذي هو اعتبار نفسي متعلِّق بجعل المادّة على ذمّة العبد وعاتقه من دون أن يكون ذلك مدلولاً للفظ نفسه كي يقتضي الاختلاف من جهة استعماله في الوجوب والاستحباب.

وبهذا البيان تظهر صحّة الاستدلال على وجوب الصلاة بموثقة أبي بصير الطويلة (1)فإنّها وإن اشتملت على جملة من المستحبّات ، لكن الترخيص في تركها قد ثبت من الخارج ولم يثبت فيما عداها ، فيستقل العقل بالوجوب فالجواب عن المناقشة السابقة الجارية في المقام هو الجواب بعينه.

بقي الكلام في جملة من الروايات التي قد يستدلّ بها على عدم الوجوب ومن المظنون بل المطمأن به أنّ الصدوق ووالده اعتمدا عليها في الحكم بالاكتفاء بالشهادتين وعدم وجوب الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله.

فمنها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (2).

وفيه : أنّه لا تعارض بينها وبين النصوص المتقدِّمة ، بل إنّ صحيحة زرارة


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 2.

.................................................................................................


السابقة حاكمة عليها ، لدلالتها على أنّ الصلاة على النبيّ وآله من متمِّمات الصلاة وأنّه لا صلاة بدونها ، فغاية ما هناك إطلاق هذه الصحيحة من حيث الاشتمال على الصلاة وعدمه فيقيّد بتلك الصحيحة وغيرها الناطقة بوجوب الصلاة عليهم.

بل يمكن أن يستفاد من تلك الصحيحة وغيرها أنّ الشهادتين اسم لما يشتمل عليها ، وأنّها جزء من التشهّد ومعتبرة في كيفيّته ، وعليه فلا يتحقّق الفراغ من الشهادتين إلّا بالفراغ عنها فلا تعارض بوجه.

وأمّا قوله عليه‌السلام في الذيل «أجزأه» فالمراد الإجزاء عن بقيّة الأدعية والأذكار لا عن الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله بداهة أنّ الاستعجال مهما كان فهو لا ينافي الإتيان بها ، إذ هي لا تستوعب من الوقت إلّا ثواني قليلة.

هذا ، ومع الإغماض عن جميع ما ذكرناه فلا شك أنّ الصحيحة موردها الاستعجال ، فيمكن الالتزام بسقوط الصلاة في خصوص هذا المورد ، فغايته أن لا تكون هي في عرض التشهّد في ملاك الوجوب ، وأنّ مرتبته ضعيفة تسقط بمجرّد الاستعجال كما هو الحال في السورة على ما سبق في بحث القراءة من عدم المنافاة بين الوجوب وبين السقوط لدى العجلة.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام التشهّد في الصلوات؟ قال : مرّتين ، قال قلت : كيف مرّتين؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ثمّ تنصرف ...» إلخ (1)وجوابها يظهر ممّا مرّ في الصحيحة السابقة من أنّ غايتها الإطلاق ، فيقيّد بالنصوص المتقدِّمة الدالّة على اعتبار الصلاة على


1) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

.................................................................................................


النبيّ صلی اللّه عليه وآله في التشهّد ، بل قال بعضهم : إنّ في التعبير ب- «ثمّ» في قوله «ثمّ تنصرف» المشعر بالتراخي ، إيماءً بوجود فاصل بين التشهّد والتسليم وهو الإتيان بالصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله.

ومنها : صحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر عليه‌السلام ما يجزئ من القول في التشهّد في الركعتين الأوّلتين؟ قال : أن تقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، قلت : فما يجزئ من تشهّد الركعتين الأخيرتين؟ فقال : الشهادتان» (1).

والجواب عنها أوّلاً : أنّها مسوقة لبيان الوجوب من ناحية الشهادة وليست بصدد البيان من ناحية الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله التي هي واجب آخر ، فلا ينعقد لها الإطلاق كي يتمسّك به لنفي الوجوب.

وثانياً : مع التسليم فغايتها الإطلاق ، فيقيّد بما دلّ على الوجوب كما مرّ.

ومنها : صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر عليه‌السلام «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهّد ، قال : ينصرف فيتوضأ فإن شاء رجع إلى المسجد ، وإن شاء ففي بيته ، وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلِّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (2)والاستشهاد إنّما هو بالفقرة الأخيرة حيث دلّت على عدم قادحية الحدث الواقع بعد الشهادتين المنافي لوجوب الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله.

والجواب أوّلاً : أنّ دلالتها إنّما هي بالإطلاق وهو قابل للتقييد بوقوع الحدث بعدها.

وثانياً : أنّه لا مجال للعمل بها ، لدلالتها على عدم قدح الحدث الواقع أثناء


1) الوسائل 6 : 396 / أبواب التشهّد ب 4 ح 1.

2) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 13 ح 1.

.................................................................................................


الصلاة وقبل التسليم ، فتنافيها النصوص الدالّة على القدح وأنّ المخرج هو السلام منحصراً ، فلا مناص من حملها على التقيّة.

ومثلها في لزوم الحمل على التقيّة ما تضمّن الحكم بتمامية الصلاة ومضيها وإن كان الحدث قبل التشهّد ، كموثقة عبيد بن زرارة وغيرها (1)بل إنّ في بعضها الحكم بالصحّة وعدم قادحية الحدث الواقع أثناء الصلاة حيثما اتّفق وإن كان خلال الركعة الأُولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة وأنّه ينصرف ويتوضّأ ثمّ يبني على صلاته كما في رواية أبي سعيد القمّاط قال : «سمعت رجلاً يسأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل وجد غمزاً في بطنه أو أذى أو عصراً من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الأُولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة فقال : إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضّأ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه الّذي كان يصلِّي فيه فيبني على صلاته من الموضع الّذي خرج منه لحاجته ...» إلخ (2).

ونحوها صحيحة الفضيل بن يسار (3)وهي صحيحة السند لصحّة طريق الصدوق إلى الفضيل ، إذ ليس فيه من يغمز فيه إلّا علي بن الحسين السعدآبادي ولكنّه من مشايخ ابن قولويه فيشمله التوثيق العام الّذي ذكره في كامل الزيارات ، بل إنّ مشايخه هم القدر المتيقّن من التوثيق الّذي تضمّنته عبارته. على أنّ طريق الشيخ خال عنه.

وكيف ما كان ، فهذه النصوص بأجمعها محمولة على التقيّة ، لموافقتها أشهر مذاهب العامّة (4)ومعارضتها لجملة وافرة من النصوص دلّت على قاطعية الحدث أثناء الصلاة مطلقاً وانحصار المخرج في التسليم ، فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.


1) الوسائل 6 : 411 / أبواب التشهّد ب 13 ح 2.

2) الوسائل 7 : 237 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11 ، 9.

3) الوسائل 7 : 237 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11 ، 9.

4) المجموع 4 : 75 ، 76 ، حلية العلماء 2 : 151 ، بدائع الصنائع 1 : 220.

ويجزئ على الأقوى (1)أن يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد (1).


ومنها : صحيحة الحسن بن الجهم قال : «سألته يعني أبا الحسن عليه‌السلام عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة قال : إن كان قال أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه فلا يعد وإن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد» (2)وهي وإن كانت صحيحة من حيث السند ، إذ ليس فيه من يتأمّل لأجله إلّا عباد بن سليمان الموجود في أسانيد كامل الزيارات ، لكن الدلالة قاصرة كسوابقها ، إذ أقصى دلالتها على عدم الوجوب إنّما هي بالإطلاق القابل للتقييد بموجب النصوص المتقدِّمة الدالّة على الوجوب. مضافاً إلى لزوم حملها على التقيّة أيضاً كالروايات المتقدِّمة لعين ما عرفت. على أنّ في هذه الصحيحة كلاماً من جهة أُخرى ستعرفها (3).

فتحصّل : أنّ شيئاً من هذه النصوص غير قابل للاعتماد عليه في نفي الوجوب فالمتعيِّن هو الوجوب.

(1) بل قد اقتصر المحقِّق في الشرائع (4)على هذه الكيفية بحيث قد يلوح منه تعيّنها ، وإن كان اللّازم حمل كلامه (قدس سره) على إرادة الاجتزاء بها ، إذ لا يحتمل إرادة التعيين بعد عدم القائل به ، وورود الكيفية المعروفة في النصوص


1) بل الأحوط الاقتصار على الكيفيّة الاولى.

2) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6.

3) في الصفحة 264.

4) الشرائع 1 : 107.

.................................................................................................


المعتبرة المصرّحة في كلام غير واحد.

وكيف ما كان ، فصريح جماعة الاجتزاء بهذه الكيفية ، بل نسب ذلك إلى الأشهر أو المشهور من أجل اقتصارهم على الشهادتين من دون تعرّض لصورتهما ، فانّ مقتضى الإطلاق الاجتزاء بها أيضاً ، وإن كانت النسبة لا تخلو عن النظر ، لاحتمال أن يكون الإطلاق منزّلاً على ما هو المتعارف. وعلى أيّ حال فقد قال بهذا جماعة منهم المحقِّق في الشرائع صريحاً ، ومنهم الماتن وغيره والمتبع هو الدليل.

وقد استدلّ لذلك أوّلاً : بالمطلقات كصحيحة زرارة وصحيحة الفضلاء ومعتبرة سورة بن كليب (1)، حيث يظهر منها الاجتزاء في مقام الأداء بمطلق الشهادتين.

ولكنّها كما ترى لا تصلح للاستدلال ، لعدم كونها في مقام البيان من حيث الكيفية ، ولا سيّما الثانية لورودها في مقام بيان حكم آخر وهو الاستعجال فاللّام فيها للعهد إشارة إلى الشهادة المعهودة المتعارفة في الخارج ، فلا ينعقد إطلاق من هذه الجهة كي يتمسّك به بعد انصرافه إلى المتعارف.

مع أنّه لو كان فهو قابل للتقييد بمثل صحيحة محمّد بن مسلم الآتية (2). هذا مضافاً إلى أنّ المراد بالشهادتين في هذه النصوص إن كان هو واقع الشهادة وما هو كذلك بالحمل الشائع ، وهو الّذي عليه مدار الإسلام ، ومن هنا استفيد الإطلاق ، فلازمه الاجتزاء بمجرّد قول : لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه ، من دون ذكر كلمة أشهد ، لكفاية ذلك في مقام إظهار الإسلام ، مع أنّه غير مجز في المقام قطعاً وغير مراد من هذه النصوص جزماً ، للزوم التلفظ بهذه الكلمة اتفاقاً.


1) الوسائل 6 : 396 / أبواب التشهّد ب 4 ح 1 ، 2 ، 6.

2) في ص 266.

.................................................................................................


وإن أُريد بهما الشهادتان على كيفية خاصّة كما هو المتعيِّن ، فحيث لم تبيّن تلك الكيفية فلا محالة تنصرف النصوص إلى ما هو المعهود المتعارف الّذي هو غير هذه الصورة. فاللّام في قوله عليه‌السلام «الشهادتان» للعهد الخارجي لا للجنس كي يراد به الكلِّي ، فلا ينعقد لها الإطلاق بوجه.

وثانياً : بالروايات الخاصّة وهي روايتان : إحداهما : صحيحة الحسن بن الجهم المتقدِّمة المشتملة على الكيفية المزبورة (1).

وفيه : مضافاً إلى لزوم حملها على التقيّة من أجل تضمنها ما لا نقول به كما مرّ ، وإلى إمكان أن يكون المراد التلفظ بذاك المضمون أي الشهادة بالوحدانية وبالرِّسالة بعبارتهما المتعارفة لا نفس هذه العبارة ، أنّه يشكل الاعتماد عليها من أجل أنّ مقتضاها جواز الاقتصار على كلمة «أشهد» في الشهادة الاولى من غير تكرّر هذه اللفظة في الشهادة بالرِّسالة والاكتفاء بالعطف ، فانّ الموجود في التهذيب الطبع القديم والحديث في باب الصلاة وفي باب التيمم (2)، وكذا الاستبصار (3)كذلك ، أي بلا تكرار كلمة أشهد.

بل قال المحقِّق الهمداني (قدس سره) : إنّ عدّة من الكتب المعتبرة التي شاهدناها منها الحدائق والوافي والاستبصار الّذي هو الأصل في نقلها بلا تكرار الشهادة ، وفي الجواهر أيضاً رواها في باب القواطع كذلك ، بل في نسخة الوسائل الموجودة عندي أيضاً كذلك ، ولكن اثبت لفظ الشهادة في الثانية فيما بين الأسطر ، بحيث يستشعر منه كونه من الملحقات انتهى (4).


1) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6.

2) التهذيب 2 : 354 / 1467 ، 1 : 205 / 596.

3) الاستبصار 1 : 401 / 1531.

4) مصباح الفقيه (الصلاة) : 371 / السطر 36.

.................................................................................................


والموجود في الوسائل الطبعة الحديثة وإن كان مشتملاً على التكرار ، إلّا أنّه يشكل الاعتماد عليه بعد ما سمعت ، فيظن أنّه زيادة من قلم النسّاخ ، ولا أقل من عدم العلم بالنسخة الصحيحة ، وهذا يستوجب قدحاً آخر في الصحيحة إذ لو كانت النسخة الأصلية خالية عن التكرار فلازمها جواز الاقتصار على العطف ولم يقل به أحد من فقهائنا ، إذ لم ينقل القول بجواز حذف لفظ الشهادة من الثانية عن أحد من الأصحاب عدا ما ينسب إلى العلّامة في القواعد (1)، ولا ينبغي القول به ، فإنّ العاري عن التكرار شهادة واحدة متعلِّقة بأمرين لا شهادتان ، ولا شك في وجوب الشهادتين في التشهّد نصّاً وفتوى ، وقد نطقت جملة من النصوص بأنّ الواجب الشهادتان غير المنطبق على الشهادة الواحدة المتعلِّقة بأمرين قطعاً ، ولا يكاد يتحقّق إلّا بتكرار لفظ الشهادة والتلفظ بها مرّتين. إذن فالرواية ساقطة إذ لم يعمل بها أحد في موردها فلا بدّ من الحمل على التقيّة.

ثانيتهما : رواية إسحاق بن عمار الواردة في كيفية صلاة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في المعراج وفيها : «... ثمّ قال له ارفع رأسك ثبتك اللّه ، واشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه إلى أن قال ففعل ...» إلخ (2).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند كما لا يخفى ، أنّها قاصرة الدلالة ، إذ لم يذكر فيها أنّه صلی اللّه عليه وآله بأيّ صورة فعل وبأي كيفية أدّى الشهادتين ، بل غايتها أنّه صلی اللّه عليه وآله فعل ما أُمر به.

فتحصّل : أنّ شيئاً من هذه الروايات لا المطلقات ولا غيرها لا يمكن الاعتماد عليها في الاجتزاء بهذه الصورة ، فلم يبق في البين إلّا أصالة البراءة عن


1) القواعد 1 : 279.

2) الوسائل 5 : 468 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11.

.................................................................................................


الكيفية المشهورة ولا بأس بها في حدّ نفسها.

والمناقشة فيها بأنّ المقام من موارد الدوران بين التعيين والتخيير ، والمرجع فيها قاعدة الاشتغال ساقطة ، لما مرّ غير مرّة من أنّ الدوران المزبور هو بعينه الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلّا في مجرّد العبارة والمختار في تلك المسألة هي البراءة.

وعلى الجملة : فلا ينبغي الشك في أنّ مقتضى الأصل العملي في المقام لو انتهى الأمر إليه هي البراءة ، لكنّه لا ينتهي إليه ، لوجود النص الصحيح المعيّن للكيفية المشهورة ، وهي صحيحة محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام التشهّد في الصلوات؟ قال : مرّتين ، قال : قلت كيف مرّتين؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ...» إلخ (1)وظاهر الأمر الوجوب التعييني وبذلك يخرج عن مقتضى الأصل المزبور.

ومنه تعرف أنّه لو سلّم الإطلاق في تلك المطلقات لا بدّ من تقييدها بهذه الصحيحة المؤيّدة برواية الأحول (2)وقد عرفت (3)أنّ اشتمال هذه الرواية على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يقدح في دلالتها على الوجوب فيما عداه ، غير أنّها ضعيفة السند بالأحول نفسه فلا تصلح إلّا للتأييد.

وتؤيِّدها أيضاً : موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل كان يصلِّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ، قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اخرى وينصرف ويجعلهما تطوّعاً ، وليدخل مع الإمام في صلاته كما


1) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

2) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 1.

3) في ص 258.

.................................................................................................


هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلِّي ركعة أُخرى ويجلس قدر ما يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، ثمّ ليتم صلاته معه قدر ما استطاع فإنّ التقية واسعة» (1).

ولا يضرّها الإضمار بعد أن كان المضمر مثل سماعة الّذي لا يروي إلّا عن الإمام عليه‌السلام وإنّما ذكرناها بعنوان التأييد ، لإمكان الخدش في الدلالة من جهة كونها مسوقة لبيان حكم آخر وهو التفرقة بين الإمام العادل وغيره ، فمن الجائز أن لا تكون ناظرة إلى تعيّن هذه الكيفية ، ويكفي نكتة لذكرها كونها المتعارف المعهود ، فلا تدل على الوجوب ، لعدم كونها في مقام التعيين من حيث الكيفية. فالعمدة في الاستدلال إنّما هي الصحيحة المؤيّدة بالرواية والموثقة.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف : أنّ تعيّن الكيفية المشهورة في التشهّد لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط ، هذا كلّه في التشهّد.

وأمّا كيفية الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله فهل يتعيّن فيها أن تكون بصيغة اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صرّح به جمع ، بل نسب إلى الأكثر أو الأشهر كما عن الذكرى (2)، أو المشهور كما عن المفاتيح (3)، أم يجتزأ بكل صيغة تأدّت مثل : صلّى اللّه على محمّد وآله ، أو : صلّى اللّه على رسوله وآله ونحوهما ، كما هو ظاهر جمع آخرين منهم المفيد في المقنعة (4)، فإنّه (قدس سره) ذكر في تشهّد نافلة الزوال بصورة : صلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين ، ثمّ عطف عليها التشهّد الأوّل من صلاة الظهر ، ثمّ تعرّض للتشهّد الثاني من الظهر


1) الوسائل 8 : 405 / أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.

2) الذكرى 3 : 413.

3) مفاتيح الشرائع 1 : 151.

4) المقنعة : 108.

.................................................................................................


والعصر والعشاء والمغرب وكذا الغداة ، وذكر فيها تشهّداً طويلاً يقرب ما تضمنته موثقة أبي بصير الطويلة (1)وأتى فيها بصيغة : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، فإنّه لا يحتمل ذهابه (قدس سره) إلى التفصيل في الكيفية بين التشهّد الأوّل والثاني ، أو بين النافلة وغيرها ، فإنّها في الجميع على نسق واحد قطعاً. فيظهر من ذلك أنّه (قدس سره) بان على التخيير ويرى الاجتزاء بكلتا الصورتين.

وممّن صرّح بالتخيير أيضاً : العلّامة في النهاية (2)، فإنّه بعد أن حكم بوجوب اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، قال : ولو قال صلّى اللّه على محمّد وآله ، أو قال : صلّى اللّه عليه وآله ، أو صلّى اللّه على رسوله وآله ، فالأقرب الإجزاء. وكيف ما كان فالمسألة خلافية والمتبع هو الدليل ، ولا ينبغي الشك في الاجتزاء بالصورة المعروفة المتداولة : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، غير أنّه قد يستدل على وجوبها وتعيّنها بالخصوص بوجوه :

أحدها : رواية ابن مسعود عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله المرويّة من طرق العامّة أنّه «قال : إذا تشهّد أحدكم في صلاة فليقل : اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» (3)قالوا : إن ضعفها منجبر بعمل المشهور.

وفيه : مضافاً إلى منع الكبرى كما هو المعلوم من مسلكنا ، أنّ صغرى الانجبار ممنوعة من وجهين :

أحدهما : أنّه لم يعلم ذهاب المشهور إليه كي يتحقّق الانجبار بعملهم ، غايته أنّ هذا القول هو الأشهر لا أنّه المشهور ، نعم نسبه إليهم في المفاتيح كما سمعت لكنّه لم يثبت سيّما بعد تصريح الشهيد في الدروس (4)بأنّه الأشهر كما مرّ الّذي


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

2) نهاية الإحكام 1 : 500.

3) مستدرك الحاكم 1 : 269 ، سنن البيهقي 2 : 379.

4) [بل الذكرى كما تقدّم آنفا].

.................................................................................................


يظهر منه أنّ القائل بكلا القولين كثير وإن كان أحدهما أكثر.

ثانيهما : أنّه مع التسليم لم يثبت اعتماد المشهور على هذه الرواية الضعيفة. نعم ، ذكروها في كتب الاستدلال لكنّه لم يعلم استنادهم إليها في الفتوى ، ولعلّهم استندوا إلى بعض الوجوه الآتية.

الثاني : رواية عبد الملك بن عمرو الأحول المتضمِّنة لهذه الصيغة (1).

وفيه : أنّها وإن كانت تامّة من حيث الدلالة ، وقد عرفت أنّ اشتمالها على ما ثبت استحبابه من الخارج لا يضر بدلالتها على الوجوب فيما عداه ، لكنّها ضعيفة السند وإن عبّر عنها المحقِّق الهمداني (2)بالموثقة لعدم ثبوت وثاقة الأحول كما مرّ ، فلا يمكن الاعتماد عليها.

الثالث : رواية إسحاق بن عمار الحاكية لصلاة رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في المعراج المشتملة على الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله بهذه الصورة (3).

وفيه : أنّها ضعيفة السند جدّاً من جهة محمّد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق أوّلاً. وثانياً : من جهة محمّد بن علي الكوفي أبي سمينة (4)المشهور بالكذب على ما ذكره الفضل بن شاذان في جملة جماعة ، بل قال هذا أشهرهم (5)وكذا النجاشي (6).

الرابع : السيرة القائمة بين المسلمين خلفاً عن سلف.


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 1.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 367 السطر 27.

3) الوسائل 5 : 468 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 11.

4) لكن في المعجم 18 : 58 / 11427 أنّه غير أبي سمينة.

5) رجال الكشي : 546 / 1033.

6) رجال النجاشي : 332 / 894.

.................................................................................................


وفيه : أنّ السيرة وإن كانت ثابتة كما يظهر بمراجعة الأخبار أيضاً ، إلّا أنّ القائم منها على الفعل لا يكشف إلّا عن عدم الحرمة دون الوجوب ، فغايتها الجواز وأنّه أحد الأفراد أو أفضلها ، كما أنّ القائم منها على الترك لا يكشف إلّا عن عدم الوجوب دون التحريم.

وبعبارة اخرى : لا تزيد السيرة على عمل المعصوم عليه‌السلام ، وكلاهما لا يدلّان على الوجوب.

الخامس : وهو العمدة ، موثقة أبي بصير الطويلة المتضمِّنة للصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله بهذه الصيغة (1).

لكن الاستدلال بها إنّما يستقيم بناءً على مسلكنا من أنّ الوجوب والاستحباب غير مدلولين لصيغة الأمر وإنّما يستفادان من حكم العقل المنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك وعدمه ، حيث إنّ الترخيص فيه قد ثبت من الخارج بالإضافة إلى جملة من الأدعية والأذكار الواردة في هذه الموثقة ، ولم يثبت بالنسبة إلى هذه الكيفية ، فيستقل العقل حينئذ بكون الأمر في الأوّل للاستحباب ، وفي الثاني للوجوب ، ولا منافاة بين الأمرين ولا ضير في التفكيك بين الموردين.

وأمّا بناءً على المسلك المشهور من استفادتهما من اللفظ بحسب الوضع أو الاستعمال ، فلا مناص من الالتزام بأنّ الأمر هنا مستعمل في جامع الطلب فلا يدل على الوجوب.

فظهر من جميع ما سردناه : أنّ الوجوه المستدل بها لتعيّن هذه الكيفية كلّها مخدوشة إلّا الوجه الأخير وهي موثقة أبي بصير بناءً على مسلكنا ، وأمّا على مسلك القوم فليس لهم الاستدلال بها أيضا.


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

.................................................................................................


وأمّا القول الآخر ، أعني الاكتفاء بمطلق الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله فقد استدلّ له أيضاً بوجوه :

أحدها : أصالة البراءة عن تعيّن الكيفية الخاصّة. ونوقش فيها : بأنّ المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير والمرجع في مثله قاعدة الاشتغال. وفيه : ما أسلفناك مراراً من أنّ هذا الدوران هو بعينه الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ولا فرق بينهما إلّا في مجرد العبارة ، والمختار فيه هو أصالة البراءة.

إلّا أنّ الرجوع إلى الأصل فرع عدم الدليل ، وقد عرفت قيام الدليل على وجوب تلك الكيفية وهي موثقة أبي بصير بالتقريب المتقدِّم ، فلا تنتهي النوبة إلى الأصل.

الثاني : إطلاق الأمر بالصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله الوارد في الروايات.

وفيه أوّلاً : منع الإطلاق ، لعدم ورود تلك النصوص إلّا لبيان أصل الاعتبار لا كيفيته ، فان عمدتها كانت صحيحة زرارة (1)المتضمِّنة لتشبيه الصيام بالصلاة في اعتبار الزكاة فيه كاعتبار الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله فيها ، فكما لا تعرّض فيها لبيان كيفية الزكاة فكذا لا تعرّض لكيفية الصلاة ، فهي غير مسوقة إلّا لبيان الاعتبار في الموردين في الجملة ولا نظر فيها لبيان الكيفية في شي‌ء من الموردين.

وثانياً : لو سلّم الإطلاق فهو مقيّد بموثقة أبي بصير المشتملة على تلك الكيفية الخاصّة.

الثالث والرابع : صحيحة الحسن بن الجهم (2)، وموثقة سماعة (3)فقد ذكر


1) الوسائل 6 : 407 / أبواب التشهّد ب 10 ح 2.

2) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6.

3) الوسائل 8 : 405 / أبواب صلاة الجماعة ب 56 ح 2.

.................................................................................................


فيهما في بيان الكيفية هكذا : «صلّى اللّه عليه وآله».

وفيه : أنّ هذه الجملة غير موجودة في التهذيب ولا الاستبصار (1)، بل غير موجودة في الموثقة حتّى في الوسائل وإنّما ذكرت في بعض كتب الاستدلال فيطمأن بل يجزم عادة بأنّ هذه الزيادة من الكاتب على حسب العادة من الصلاة عليه عند كتابة اسمه صلی اللّه عليه وآله كالتلفظ به ، وليست جزءاً من الروايتين.

الخامس : ما رواه الصدوق في العلل وكذا الكليني بسند صحيح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في علّة تشريع الصلاة ، وفيها «... فقال يا محمّد صلّ عليك وعلى أهل بيتك ، فقلت : صلّى اللّه عليّ وعلى أهل بيتي وقد فعل ...» إلخ (2)فيظهر منها عدم اعتبار الكيفية المشهورة في أداء الوظيفة ، ولا تعارضها رواية إسحاق بن عمار الواردة في هذا المورد المشتملة على تلك الكيفية لضعف سندها كما مرّ (3).

وفيه : أنّها وإن كانت صحيحة السند لكنّها قاصرة الدلالة ، فإن من أمعن النظر فيها ولاحظها صدراً وذيلاً يكاد يقطع بأن ما فعله صلی اللّه عليه وآله في المعراج لم يكن بنفسه صلاة ، وإنّما أُمر بأجزائها شيئاً فشيئاً كالتمهيد للتشريع وبعد ذلك شرعت الصلاة على طبقها ، ألا ترى قوله صلی اللّه عليه وآله : «وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي ...» إلخ وقوله صلی اللّه عليه وآله : «فخررت لوجهي ...» إلخ وقوله صلی اللّه عليه وآله : «ثمّ قمت ...» إلخ وهكذا غيرها من


1) التهذيب 2 : 354 / 1467 ، الاستبصار 1 : 401 / 1531 ، التهذيب 3 : 51 / 177.

2) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10 ، علل الشرائع : 312 / 1 ، الكافي 3 : 482 / 1.

3) في ص 269.

.................................................................................................


الأُمور التي صدرت منه صلی اللّه عليه وآله من تلقاء نفسه ثمّ صارت علّة للتشريع من غير أن يتعلّق بها الأمر ابتداء.

والحاصل : أنّه يعتبر في الصلاة القصد إلى تمام الأجزاء من أوّل الأمر ، ولم يكن الصادر منه كذلك قطعاً ، وإنّما أتى بعدّة من الأفعال شيئاً فشيئاً وعلى سبيل التدريج ، وصار المجموع علّة لتشريع الصلاة بعد ذلك. فما صدر منه صلی اللّه عليه وآله وقتئذ لم يكن بعد من الصلاة المأمور بها حتّى يستدل به على الوجوب كما يكشف عنه خلوّها عن التشهّد.

هذا مع أنّ المذكور فيها هكذا : «صلّى اللّه عليّ وعلى أهل بيتي» والتعبير به مختص بالنبيّ صلی اللّه عليه وآله فلا يمكن التعدِّي بعد القطع بعدم صحّة هذا التعبير من غيره صلی اللّه عليه وآله.

وكيف ما كان ، فلا يمكن رفع اليد عن موثقة أبي بصير المتقدِّمة (1)بهذه الصحيحة فإنّها صريحة في اعتبار الكيفية المشهورة ، وإن كان اقترانها بغير واحد من المستحبّات قد يستوجب الظن بعدم وجوب هذه أيضاً وقد مرّ الجواب عنه.

ومن جميع ما ذكرنا تعرف : أنّ الأقوى اعتبار هذه الكيفية ولا أقل من أنّه أحوط ، ولأجل هذا ترى أنّ الماتن (قدس سره) مع اختياره في التشهّد الاقتصار على الأقل ممّا يجزئ ، لم يختر إلّا خصوص هذه الكيفية التي قامت عليها السيرة خلفاً بعد سلف وجيلاً بعد جيل.

تنبيه : قد عرفت أنّ اللّازم تكرار لفظ الشهادة في التشهّد حتّى يتحقّق عنوان الشهادتين المأمور به في النصوص ، كصحيحة محمّد بن مسلم (2)وغيرها


1) في ص 270.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

الثالث : الجلوس بمقدار الذكر المذكور (1).


إحداهما : بالوحدانية ، والأُخرى : بالرسالة ، وأنّه لا يجتزأ بالعطف ، إذ معه ليس هناك إلّا شهادة واحدة متعلِّقة بأمرين لا شهادتان ، إلّا أنّ مقتضى موثقة أبي بصير (1)الطويلة الاجتزاء به ، إذ لم يذكر فيها لفظ الشهادة في الشهادة بالرِّسالة في التشهّد الأوّل على ما في نسخة الوسائل والحدائق (2)ومصباح الفقيه (3)وعليه فلا مناص من الالتزام بالاجتزاء ، ولكن في خصوص ما لو أتى بهذا التشهّد الطويل الّذي تضمنته الموثقة ، فإنّه المتيقن في الخروج عمّا دلّ على اعتبار التكرار والتلفظ بالشهادتين ، فلو اقتصر على التشهّد المعروف وجب التكرار عملاً بإطلاق الأدلّة.

لكن الّذي يهوّن الخطب عدم ثبوت صحّة النسخة ، فإنّ المذكور في التهذيب (4)الموجود عندنا تكرار لفظ التشهّد ، ولا يبعد أن يكون هناك سقط في نسخة الوسائل وقد أخذ عنه الحدائق والمحقِّق الهمداني. وكيف ما كان ، فعلى تقدير صحّة النسخة تحمل الموثقة على ما عرفت جمعاً ، لكن التقدير غير ثابت فلا موجب للخروج عن المطلقات.

(1) بلا إشكال ولا خلاف ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد وتشهد له جملة من النصوص.

منها : الواردة في ناسي التشهّد وهي عدّة أخبار كصحيحة سليمان بن خالد :


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

2) الحدائق 8 : 450.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 374 السطر 9.

4) التهذيب 2 : 99 / 373.

.................................................................................................


«... إن ذكر قبل أن يركع فليجلس ...» إلخ (1)وصحيحتي الفضيل بن يسار والحلبي (2).

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم : «إذا استويت جالساً فقل ...» إلخ (3).

ومنها : موثقة أبي بصير الطويلة (4)، ومنها غيرها ممّا لا يخفى على المراجع وقد ذكرنا الصحاح منها.

وربّما يستدل له بما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب حريز عن زرارة قال «قال أبو جعفر عليه‌السلام : لا بأس بالإقعاء فيما بين السجدتين ، ولا ينبغي الإقعاء في موضع التشهّد ، إنّما التشهّد في الجلوس وليس المقعي بجالس» (5)وهي وإن كانت أظهر رواية في الباب ، لاشتمالها على كلمة الحصر ، لكنّها ضعيفة السند ، لضعف طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز وغيره من سائر الكتب والمجامع عدا كتاب ابن محبوب كما تقدّم (6)، لجهالة طريقه إليها ، فتلحق بالمرسل ، فهي مؤيّدة للمطلوب لا دليل عليه.

وأمّا الإقعاء الّذي تضمنته هذه الرواية ، فسيأتي الكلام عليه موضوعاً وحكماً عند تعرّض الماتن في المسائل الآتية إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّ هناك رواية قد يستفاد منها عدم اعتبار الجلوس ، وهي رواية عبد اللّه ابن حبيب بن جندب قال «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : إنِّي أُصلِّي المغرب


1) الوسائل 6 : 402 / أبواب التشهّد ب 7 ح 3.

2) الوسائل 6 : 405 / أبواب التشهّد ب 9 ح 1 ، 3.

3) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

4) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

5) الوسائل 6 : 391 / أبواب التشهّد ب 1 ح 1 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 586.

6) في ص 231.

الرابع : الطمأنينة فيه (1).


مع هؤلاء فأُعيدها فأخاف أن يتفقدوني ، فقال : إذا صلّيت الثالثة فمكِّن في الأرض أليتيك ثمّ انهض وتشهّد وأنت قائم ثمّ اركع واسجد فإنّهم يحسبون أنّها نافلة» (1).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند جدّاً ، إذ رجاله كلّهم مجاهيل ، أنّ الدلالة قاصرة ، فإنّه حكم خاص بالتقية ، فهو نظير ما مرّ من جواز الصلاة في الطين أو الوحل عند الاضطرار. ثمّ إنّ ما اشتملت عليه الرواية من الحكم بالإعادة لم يظهر وجهه بناءً على ما هو الصحيح من صحّة الصلاة مع العامّة ، فهي ساقطة لا يمكن الاعتماد عليها بوجه.

(1) لم أجد تعرّضاً لهذه المسألة بالخصوص في كلمات القوم ، لا المحقِّق في الشرائع ولا صاحب الجواهر ولا الحدائق ولا المحقِّق الهمداني (رضوان اللّه عليهم) ولعلّ الإهمال من أجل الاتكال على الوضوح لاعتبار الاطمئنان في تمام أجزاء الصلاة.

وكيف ما كان ، فلم نجد رواية تدل على اعتبار الاطمئنان في التشهّد لا خصوصاً ولا عموماً إلّا رواية واحدة وهي رواية سليمان بن صالح : «وليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة ...» إلخ (2).

ولكنّك عرفت فيما سبق عدم إطلاق لها يشمل جميع الحالات ، لعدم كونها مسوقة إلّا لبيان أصل اعتبار التمكن في الصلاة تمهيداً لاعتباره في الإقامة


1) الوسائل 6 : 392 / أبواب التشهّد ب 2 ح 1.

2) الوسائل 5 : 404 / أبواب الأذان والإقامة ب 13 ح 12.

الخامس : الترتيب بتقديم الشهادة الأُولى على الثانية ، وهما على الصلاة على محمّد وآل محمّد كما ذكر (1).


قياساً لها عليها ، ولا نظر فيها إلى محله ومورده كي يتمسّك بإطلاقه ، فهي نظير ما مرّ (1)في صحيح زرارة من تشبيه الصيام بالصلاة في اعتبار الزكاة فيه كاعتبار الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله فيها ، فانّ التشبيه غير وارد إلّا لبيان أصل الاعتبار ، ولا نظر فيه إلى سائر الجهات حتّى ينعقد الإطلاق.

وبالجملة : فالدليل اللّفظي على اعتبار الاطمئنان في المقام مفقود ، فان تمّ الإجماع المدّعى في كلمات غير واحد ، وإلّا فالحكم محل إشكال وسبيل الاحتياط معلوم.

(1) أمّا اعتبار الترتيب بين الشهادتين ، فيدل عليه مثل صحيح محمّد بن مسلم الناص على أنّ كيفية التشهّد هو أنّه إذا استوى جالساً قال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، إلخ (2). ومنه يعلم أنّه لو فرض هناك إطلاق في بعض الروايات كصحيح زرارة ، نظراً إلى ما جاء فيه من قوله عليه‌السلام «الشهادتان» (3)فلا بدّ من تقييده بهذه الصحيحة.

وأمّا اعتباره بين الشهادتين وبين الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله فيستفاد من مثل موثقة أبي بصير الطويلة حيث وقعت الصلاة عقيب ذكر التشهّد (4)


1) في ص 271.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

3) الوسائل 6 : 396 / أبواب التشهّد ب 4 ح 1.

4) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

السادس : الموالاة بين الفقرات والكلمات والحروف بحيث لا يخرج عن الصدق (1).

السابع : المحافظة على تأديتها على الوجه الصحيح العربي في الحركات والسكنات وأداء الحروف والكلمات (2).


وتؤيِّده : رواية عبد الملك بن عمرو الأحول وغيرها (1)بل ويمكن أن يستدل لذلك بإطلاق ما دلّ على أنّ من صلّى ولم يصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله فلا صلاة له (2)فإنّه منزّل على ما هو مغروس في الأذهان ومعروف عند المتشرِّعة من كون موضعها عقيب الشهادتين ، نظير ما ورد من أنّه «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (3)فإنّ إطلاقه أيضاً محمول على ما هو معهود في الخارج من موضعها الخاص المعيّن.

(1) والوجه فيه ظاهر ، فإنّه مع الإخلال بها بإيجاد الفصل بين فقرأتها أو كلماتها أو حروفها بالسكوت المخل لم يصدق حينئذ أنّه تشهد ، بل يقال أتى بكلمات أو حروف متقطعة.

(2) فانّ الواقع في الروايات المتعرِّضة لاعتبار التشهّد كصحيح محمّد بن مسلم (4)، وموثقة أبي بصير (5)وغيرهما ، إنّما هو على النهج المزبور دون غيره من الترجمة أو الملحون من جهة المادّة أو الهيئة ، فلا بدّ من الاقتصار عليه.


1) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 1.

2) الوسائل 6 : 407 / أبواب التشهّد ب 10 ح 2.

3) المستدرك 4 : 158 / أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5.

4) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

5) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

[1656] مسألة 1 : لا بدّ من ذكر الشهادتين والصلاة بألفاظها المتعارفة (1) فلا يجزئ غيرها وإن أفاد معناها ، مثل ما إذا قال بدل أشهد : أعلم ، أو أُقرّ أو اعترف ، وهكذا في غيره.

[1657] مسألة 2 : يجزئ الجلوس فيه بأيّ كيفية كان ولو إقعاءً ، وإن كان الأحوط تركه (2).


(1) بلا خلاف فيه ، ويقتضيه الجمود على ظواهر النصوص.

(2) المعروف والمشهور هو كراهة الإقعاء بقسميه مطلقاً بين السجدتين ، أو بعد الثانية ، سواء أكان جلسة الاستراحة أو حال التشهّد ، وإن كان صريح كثير منهم أنّ الكراهة في الأخير أشد وآكد ، والمحكي عن ظاهر الشيخ في المبسوط (1)والسيِّد المرتضى (2)هو جواز ذلك كذلك.

وعن الصدوق (3)المنع عنه حال التشهّد دون غيره ممّا يعتبر فيه الجلوس في الصلاة فإنّه نفى البأس عنه فيه.

وذهب صاحب الحدائق (4)إلى المنع عن خصوص الإقعاء المصطلح عند الفقهاء ، وهو أن يعتمد الشخص بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه بلا فرق بين حال التشهّد وغيره. وكراهة الإقعاء بالمعنى اللّغوي وهو أن يضع الرجل ألييه على الأرض وينصب ساقيه وفخذيه واضعاً يديه على الأرض أو


1) المبسوط 1 : 113.

2) حكاه عنه في المعتبر 2 : 218.

3) الفقيه 1 : 206.

4) الحدائق 8 : 312.

.................................................................................................


بدون الوضع كما في القاموس (1)، شبيه إقعاء الكلب جاعلاً موردها خصوص ما بين السجدتين ، وأمّا حال التشهّد فلا كراهة. وعن بعض العامّة (2)استحباب الإقعاء الفقهائي الّذي منع صاحب الحدائق عنه.

والأقرب هو ما عليه المشهور من الكراهة مطلقاً (3).

أمّا الإقعاء بين السجدتين فالحكم بالكراهة من جهة الجمع الدلالي بين ما دلّ على حرمة ذلك من موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : «لا تقع بين السجدتين إقعاءً» (4)وبين ما هو نص في جواز ذلك وهو صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : لا بأس بالإقعاء في الصلاة فيما بين السجدتين» (5)فانّ الجمع العرفي يقتضي رفع اليد عن ظهور الموثقة في الحرمة وحملها على الكراهة ، وحيث إنّ كلّاً من الدليلين مطلق من حيث كيفية الإقعاء ، فلا محالة تكون نتيجة الجمع هو كراهة الإقعاء بقسميه بحكم الإطلاق كما هو ظاهر المشهور.

ولكن صاحب الحدائق بعد أن حمل الروايات الناهية على المنع عن الإقعاء بالمعنى اللّغوي والروايات المجوّزة على ترخيص الإقعاء بالمعنى المصطلح عند الفقهاء مستشهداً على ذلك بقرائن ذكرها ، استقرب كون الروايات المجوّزة واردة مورد التقيّة من جهة موافقتها لمذهب جماعة من العامّة ، وحيث ورد في رواية زرارة وعمرو بن جميع الآتيتين أنّ المقعي ليس بجالس ، وفهم من ذلك النفي بمعناه الحقيقي ، لزمه القول ببطلان الصلاة فيما إذا أقعى بالمعنى المصطلح عند


1) القاموس المحيط 4 : 382.

2) المغني 1 : 599 ، المجموع 3 : 438.

3) [سيأتي في ص 285 عدم كراهة الإقعاء اللّغوي].

4) الوسائل 6 : 348 / أبواب السجود ب 6 ح 1 ، 3.

5) الوسائل 6 : 348 / أبواب السجود ب 6 ح 1 ، 3.

.................................................................................................


الفقهاء ، نظراً إلى الإخلال بالجلوس المعتبر فيما بين السجدتين وكذا عند التشهّد قطعاً.

وفيه : أنّ مجرّد الموافقة مع العامّة لا يقتضي الحمل على التقيّة ما لم يكن ثمة معارض. ومع ما ذكرناه من الجمع الدلالي لا معارضة في البين. على أنّه كيف يمكن القول بأنّ المقعي ليس بجالس حقيقة مع أنّه من كيفيّات الجلوس ، وليس مفهوماً آخر مقابلاً له كالقيام والانحناء والاستلقاء والاضطجاع ونحوها ، فلا بدّ من حمل ما ورد في الرواية على معنى آخر سنبيِّنه إن شاء اللّه تعالى.

وبالجملة : ما استنتجه صاحب الحدائق من القول بعدم جواز الإقعاء في الصلاة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء والظاهر أنّه متفرِّد بهذا القول لا يمكن المساعدة عليه ، ولا على ما ذكره من كيفية الجمع ، بل مقتضى الصناعة هو ما ذكرناه من كراهة الإقعاء بكلا قسميه ، فإن إطلاق موثقة أبي بصير كما يشمل الإقعاء اللغوي كذلك يشمل الإقعاء الفقهائي ولا موجب لتخصيصه بالقسم الأوّل ، فإنّ القسم الثاني أيضاً كان متعارفاً عند العامّة ، كما أنّ صحيح الحلبي المؤيّد برواية زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «لا بأس بالإقعاء فيما بين السجدتين» (1)وغيرها يعمّ كلا القسمين ولا وجه لتخصيصه بالإقعاء الفقهائي ونتيجة الجمع العرفي بينهما هو كراهة كلا القسمين من الإقعاء.

ويدلّنا أيضاً على كراهة الإقعاء الفقهائي بل واللغوي : ذيل صحيحة زرارة : «... وإيّاك والقعود على قدميك فتتأذّى بذلك ، ولا تكون قاعداً على الأرض فيكون إنّما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهّد والدُّعاء» (2)فإنّها متضمِّنة لواقع الإقعاء وإن لم يعبّر عنه فيها بلفظه ، واستفادة الكراهة من جهة التعليل


1) الوسائل 6 : 349 / أبواب السجود ب 6 ح 7.

2) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

.................................................................................................


الواقع فيها فإنّه مناسب للكراهة دون الحرمة كما لا يخفى. وكذا ما في صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر عليه‌السلام : «ولا تقع على قدميك» (1)سواء أكانت مادته هو الوقوع أو الإقعاء فإنّه على كلا التقديرين يستفاد منها مرجوحية ذلك.

وأمّا الإقعاء حال التشهّد ، فقد عرفت أنّ المحكي عن الصدوق هو المنع مطلقاً ، وكذا صاحب الحدائق ، ولكن في خصوص الإقعاء الفقهائي ، واستدلّوا على ذلك بما رواه ابن إدريس في الموثقة (2)عن زرارة قال قال أبو جعفر عليه‌السلام «لا بأس بالإقعاء فيما بين السجدتين ولا ينبغي الإقعاء في موضع التشهّد إنّما التشهّد في الجلوس وليس المقعي بجالس» (3). وبرواية عمرو بن جُمَيع قال «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : لا بأس بالإقعاء في الصلاة بين السجدتين وبين الركعة الأُولى والثانية وبين الركعة الثالثة والرابعة ، وإذا أجلسك الإمام في موضع يجب أن تقوم فيه تتجافى ولا يجوز الإقعاء في موضع التشهّدين إلّا من علّة ، لأنّ المقعي ليس بجالس إنّما جلس بعضه على بعض ، والإقعاء أن يضع الرجل ألييه على عقبيه في تشهّديه فأمّا الأكل مقعياً فلا بأس به ، لأنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قد أكل مقعياً» (4).

ولا يخفى أنّ الإقعاء بالمعنى اللغوي غير مشمول لشي‌ء من الروايتين ، وذلك من جهة التعليل فيهما بأنّ المقعي ليس بجالس ، مع أنّ الإقعاء بمعنى وضع الأليين على الأرض منتصب الساق والفخذ يكون من أظهر أفراد الجلوس فلا يكون هذا الفرد مشمولاً للروايتين. ويؤيِّده : تفسير الإقعاء في ذيل رواية


1) الوسائل 5 : 463 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 5.

2) [لكن رماها بالضعف في ص 275].

3) الوسائل 6 : 391 / أبواب التشهّد ب 1 ح 1 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 586.

4) الوسائل 6 : 349 / أبواب السجود ب 6 ح 6.

.................................................................................................


عمرو بن جميع بالمعنى المصطلح عند الفقهاء. فلا دليل على عدم جواز ذلك حال التشهّد ، اللّهمّ إلّا أن يكون الوجه هو الشهرة الفتوائية وهو أمر آخر وإلّا فلا دليل بحسب النصوص.

وأمّا الإقعاء بهذا المعنى فظاهر هاتين الروايتين هو الحرمة ، وليس بإزائهما ما يدل بالخصوص على الجواز ليكون مقتضى الجمع بينهما هو الكراهة كما كان هو الحال بالنسبة إلى ما بين السجدتين ، سوى إطلاقات الجلوس حال التشهّد ، فان تمّ هاتان الروايتان سنداً ودلالة فلا بدّ من تقييد تلك الإطلاقات المقتضية لجواز الإقعاء ولو بهذا المعنى بغير هذا الفرض فإنّه يكون غير جائز وإلّا كان مقتضى تلك الإطلاقات هو الجواز ، إلّا أن يكون المنع مبنياً على الاحتياط كما في المتن ، وإن كان ظاهره هو الاحتياط حتّى عن الإقعاء بالمعنى اللغوي. مع أنّه لا موجب لذلك ، لقصور شمول الروايتين له قطعاً كما عرفت.

ولكن يمكن المناقشة في كلتا الروايتين : أمّا رواية زرارة ، فلأنه رواها ابن إدريس عن كتاب حريز بن عبد اللّه ، وقد عرفت مراراً أنّ طريق ابن إدريس لهذه الكتب مجهول لدينا ، فهي بالنسبة إلينا في حكم المرسل وإن عبّر عنها في كلام غير واحد من الأعاظم بالصحيحة.

على أنّه يمكن المناقشة في دلالتها ، وذلك لأنّ لفظة «لا ينبغي» وإن كانت في لسان الأخبار ظاهرة في الحرمة كما يقتضيه معناه اللغوي (1)وهو لا يتيسّر ولا يمكن ، قال اللّه تعالى ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) (2)إلخ ، أي لا يتيسّر لها ذلك ، إلّا أنّه في خصوص المقام قامت القرينة على خلاف ذلك وهو التعليل بقوله : «وليس المقعي بجالس» فان ظاهر هذه الجملة غير مراد


1) لسان العرب 14 : 77 ، المنجد : 44.

2) يس 36 : 40.

.................................................................................................


قطعاً ، فإنّه كيف لا يكون المقعي بجالس مع أنّ الإقعاء نحو من أنحاء الجلوس وليس مفهوماً مبايناً له كالقيام ونحوه ، فلا بدّ وأن يكون المقصود أنّ المقعي ليس مستريحاً في جلوسه بمثابة يتمكن من أداء التشهّد ولا سيّما مع سننه وآدابه المفصّلة كما يفصح عن ذلك ذيل صحيحة زرارة المتقدِّمة : «... فلا تصبر للتشهّد والدُّعاء» (1)، وهذا التعليل إنّما يلائم ويناسب الحكم التنزيهي دون التحريمي كما لا يخفى.

وأمّا رواية عمرو بن جُمَيع ، فلأن هذا الرجل مضافاً إلى كونه بترياً ضعّفه كل من الشيخ (2)والنجاشي (3)صريحاً فلا تكون روايته حجّة.

وما قيل من أنّ الراوي عنه هو محمّد بن أبي عمير وهو ممّن قد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فهو عجيب جدّاً ، فان هذا الأصل الّذي يكون الأصل فيه كلام الشيخ في العدّة (4)من أن مثل ابن أبي عمير لا يرسل إلّا عن الثقة على فرض تماميته إنّما هو فيما إذا كان حال الراوي مجهولاً ومردّداً وأمّا مع التنصيص على الضعف كما فيما نحن فيه فلا سبيل للرجوع إلى ذلك الأصل ، بل يكون العثور على هذه التضعيفات كاشفاً وشاهداً على عدم تمامية ذلك الأصل.

على أنّه لم يعلم كون هذه الجملة من تتمّة الرواية ، بل سوق الكلام يشهد بأنّها من فتوى الصدوق أخذها من رواية زرارة فذكرها في ذيل هذه الرواية ثمّ فسّر الإقعاء بنظره ثمّ ذكر بعد ذلك جواز الإقعاء حال الأكل مستشهداً


1) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3.

2) رجال الطوسي : 251 / 3517.

3) رجال النجاشي : 288 / 769.

4) العدّة 1 : 58 السطر 7.

[1658] مسألة 3 : من لا يعلم الذكر يجب عليه التعلّم وقبله يتبع غيره فيلقّنه ، ولو عجز ولم يكن من يلقّنه أو كان الوقت ضيقاً أتى بما يقدر (1)ويترجم الباقي ، وإن لم يعلم شيئاً يأتي بترجمة الكل ، وإن لم يعلم يأتي بسائر الأذكار بقدره ، والأولى التحميد إن كان يحسنه ، وإلّا فالأحوط الجلوس قدره مع الإخطار بالبال إن أمكن (1).


بفعل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله.

وكيف ما كان ، لا ريب في أنّ الروايتين كلتاهما ضعيفة ، ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على عدم جواز الإقعاء حال التشهّد ، بل ولا على كراهته.

ولكن يمكن إثبات الكراهة بصحيحتي زرارة المتقدِّمتين في باب أفعال الصلاة حيث صرّح في إحداهما بأنّه «لا تكون قاعداً على الأرض فيكون إنّما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهّد والدُّعاء» (2)وفي الأُخرى بأنّه «لا تقع على قدميك» (3)فإنّ النهي فيهما ليس محمولاً على ظاهره ، وذلك بقرينة التعليل وكونه في مقام بيان تعداد السنن والآداب فلاحظ.

فالنتيجة : أنّ الإقعاء حال التشهّد بالمعنى المصطلح عند الفقهاء مكروه ، وبالمعنى اللغوي جائز من غير كراهة ، وأمّا الإقعاء بين السجدتين فهو مكروه بقسميه.

(1) لا ريب في وجوب التعلّم على من لم يعلم شيئاً من الصلاة ، سواء كان هو الذكر أو غيره ، لئلّا يقال له فيما إذا أدّى ذلك إلى ترك الصلاة الصحيحة -


1) مع صدق عنوان الشهادة عليه ، وإلّا فوجوبه كوجوب المراتب اللّاحقة مبنيّ على الاحتياط.

2) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3 ، 5.

3) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 3 ، 5.

.................................................................................................


فهلّا تعلّمت إذا قال ما علمت على ما ورد ذلك في النص (1)فوجوب التعلّم إنّما هو لأجل عدم إفضاء جهله إلى ذلك. نعم ، لو كان ثمة من يلقّنه حال الصلاة ولو كلمة كلمة لم يكن بأس في عدم تعلّمه حتّى متعمِّداً ، إذ وجوب التعلّم إنّما هو طريقي لا نفسي ، فلا مانع من تركه إذا كان متمكِّناً معه من أداء الواجب ولو بمثل التلقين. وأمّا إذا لم يجد من يلقّنه ولم يمكنه التعلّم ولو من جهة ضيق الوقت ففيه فروض :

الأوّل : أن يكون متمكِّناً من القراءة الملحونة ، وإنّما لا يتمكّن من القراءة الصحيحة. الظاهر أنّه لا إشكال ولا خلاف في وجوب ذلك عليه ، ويدلّنا عليه : مضافاً إلى التسالم ، إطلاقات التشهّد ، فإنّه خطاب عام متوجِّه إلى الجميع والمستفاد منه عرفاً وجوب ذلك عليهم كلٌّ بحسب تمكنه ومقدرته ، فيكون المطلوب ممّن لا يتمكن من أدائه على وجهه ما يحسنه ويتمكن منه ولو مع تبديل بعض الحروف ببعض ، وقد ورد من طرق العامّة أنّ سين بلال شين عند اللّه (2)، فهذا يكون فرداً ومصداقاً للتشهّد حقيقة.

وأيضاً تدل عليه : موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : قال النبيّ صلی اللّه عليه وآله إنّ الرجل الأعجمي من أُمّتي ليقرأ القرآن بعجميّته فترفعه الملائكة على عربيته» (3)، إذ من المعلوم أنّه لا خصوصية للقراءة وإنّما هو من باب المثال وإلّا فالتشهّد أيضاً كذلك ، ويؤيِّد التعدِّي بل يدل على أصل الحكم : معتبرة مسعدة بن صدقة قال : «سمعت جعفر بن محمّد عليه‌السلام


1) البحار 2 : 29 ، 180.

2) البداية والنهاية 4 : 102 ، وأورده في المستدرك 4 : 278 / أبواب قراءة القرآن ب 23 ح 3.

3) الوسائل 6 : 221 / أبواب قراءة القرآن ب 30 ح 4.

.................................................................................................


يقول : إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهّد وما أشبه ذلك ، فهذا بمنزلة العجم والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلِّم الفصيح» (1)فانّ هذه الرواية صريحة في أنّ جميع المكلّفين ليسوا على حد سواء ، بل المطلوب من كل واحد منهم هو ما يكون مقدوراً له ومتمكناً منه.

الثاني : أن لا يكون متمكناً من تمام التشهّد حتّى الملحون منه لكنّه متمكِّن من ترجمته ، وقد ذكر الماتن كغيره أنّه يأتي بما يقدر ويترجم الباقي ، وإن لم يعلم شيئاً أصلاً يأتي بترجمة الكل.

أمّا وجوب الترجمة كلّاً أو بعضاً فقد استدلّ له بوجهين :

الأوّل : إطلاقات التشهّد المقتضية لجواز إتيانه ولو بترجمته ، غايته دلالة الدليل على أنّه مع التمكن لا بدّ وأن يكون ذلك بالألفاظ الخاصّة ، وأمّا فرض العجز فهو باق تحت تلك الإطلاقات.

ويرده : بعد تسليم الإطلاقات والغض عن انصرافها إلى ما هو المتعارف الخارجي من جهة كون الألف واللّام فيها للعهد ، أنّها مقيّدة بمثل صحيحة محمّد ابن مسلم (2)الدالّة على كون الواجب الصيغة الخاصّة مطلقاً حتّى حال عدم التمكّن منه و [التمكّن من] الإتيان بالترجمة ، ومن المعلوم أنّ إطلاق دليل الخاص مقدّم على إطلاق دليل العام وحاكم عليه كما قرّر في محله ، فالاطلاقات قاصرة عن إثبات وجوب الترجمة.

الثاني : قاعدة الميسور ، بتقريب أنّ المأمور به في التشهّد ليس هو الألفاظ


1) الوسائل 6 : 136 / أبواب القراءة في الصلاة ب 59 ح 2.

2) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

.................................................................................................


بل معانيها ، كما هو الحال في إظهار الإسلام ، غايته أنّه في المقام قد دلّ الدليل على أن يكون إبراز ذاك المعنى بهذه الألفاظ الخاصّة ، فإذا فرض أنّه عجز عن أداء تلك الألفاظ فمقتضى ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه هو إبراز تلك المعاني بما يكون ترجمة لهذه الألفاظ الخاصّة.

وفيه : مضافاً إلى المنع من هذه القاعدة كبروياً على ما عرفته مكرراً ، المنع عن الصغرى أيضاً ، للمنع عن عدم كون المأمور به هو الألفاظ ، كيف وإنّ كثيراً من المكلّفين ولا سيّما الأعاجم منهم وعلى الأخص حديثوا العهد بالإسلام لا يدركون معاني تلك الألفاظ ولم يكلفوا تفهّم معانيها ، فالمطلوب ليس إلّا هذه الألفاظ ولو بداعي حكايتها عن تلك المعاني ، ومن الظاهر أنّ ترجمة تلك الألفاظ بلغة اخرى لا تعد ميسورة لها ليجب الإتيان بها بمقتضى تلك القاعدة بناءً على تماميتها ، فالترجمة لا دليل على الإتيان بها.

وأمّا الإتيان بما يقدر من التشهّد ، فان كان ذلك ممّا يصدق عليه عنوان التشهّد كما لو كان غير المتمكن من أدائه هو جملة «وحده لا شريك له» أو كلمة «عبده» فلا إشكال في وجوب الإتيان بالمتمكن منه ممّا يصدق عليه عنوان التشهّد ، فانّ العجز عن بعض أجزاء الصلاة لا يوجب سقوط البعض الآخر المتمكن منه ، لما استفدناه من قوله عليه‌السلام : «لا تدع الصلاة على حال» (1)من أنّ كل جزء من الصلاة مشروط بالقدرة على نفس ذاك الجزء فلا بدّ من الإتيان به إذا كان ممّا يصدق عليه عنوان التشهّد. وأمّا إذا لم يصدق عليه التشهّد كما إذا كان متمكناً من لفظة «أشهد» فقط مثلاً ، فلا دليل على الإتيان به لا بنفسه ولا بترجمته لا منفرداً ولا منضماً إلى ترجمة بقيّة ما يكون عاجزاً عنه ، بل مقتضى القاعدة هو سقوط التشهّد عندئذ رأساً.


1) الوسائل 2 : 373 / أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

.................................................................................................


الثالث : أن لا يكون متمكناً حتّى من الترجمة ، فقد ذكر غير واحد أنّه لا بدّ من أن يأتي بسائر الأذكار بقدره كما في المتن. وعن الشهيد (1)أنّه لا بدّ من الإتيان بخصوص التحميد ولذا جعله الماتن أولى من غيره.

أمّا التحميد ، فمدركه هو رواية حبيب الخثعمي المتقدِّمة : «إذا جلس الرجل للتشهّد فحمد اللّه أجزأه» (2)ورواية بكر بن حبيب قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن التشهّد ، فقال : لو كان كما يقولون واجباً على الناس هلكوا إنّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون ، إذا حمدت اللّه أجزأ عنك» (3)بناءً على ما ذكره الشهيد من أنّهما تدلّان على اعتبار التحميد بالفحوى.

والوجه في ذلك : أنّه حملهما على التقيّة كصاحب الحدائق (4)، فإذا كانت الوظيفة عند المانع الخارجي أعني التقيّة هو التحميد بدلاً عن التشهّد ، فمع المانع التكويني وهو عدم التمكن من التشهّد والعجز عنه لا بدّ وأن تكون الوظيفة هو ذلك بالأولويّة القطعية.

وفيه : مضافاً إلى ضعف الروايتين ، الاولى بسعد بن بكر ، والثانية بنفس بكر بن حبيب ، ما عرفته سابقاً (5)من أنّ الروايتين ناظرتان إلى الأوراد المفصّلة المعمولة عندهم ، وأنّه يجزئ التحميد عن تلك الأوراد والأدعية ، لا أنّ التشهّد غير واجب ، وأنّ التحميد بدل عنه ، كيف ورواية حبيب ظاهرة في وجوبه حيث قال : «إذا جلس للتشهّد» ، والعامّة أيضاً لا يرون عدم وجوبه ليحمل ذلك على التقيّة ، فالروايتان قاصرتان سنداً ودلالةً عن إثبات التحميد.


1) الذكرى 3 : 413.

2) الوسائل 6 : 399 / أبواب التشهّد ب 5 ح 2.

3) الوسائل 6 : 399 / أبواب التشهّد ب 5 ح 3.

4) الحدائق 8 : 445.

5) في ص 251.

.................................................................................................


وأمّا مطلق الذكر ، فلا وجه له إلّا أن يستفاد ذلك من صحيح عبد اللّه بن سنان قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام إنّ اللّه فرض من الصلاة الركوع والسجود ، ألا ترى لو أنّ رجلاً دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبِّر ويسبِّح ويصلِّي» (1)بناءً على أنّ ذكر القراءة من باب المثال والمراد أنّ مع عدم التمكّن من غير الركوع والسجود يجزئ عنه التكبير والتسبيح.

وفيه : أنّ الرواية في مقام بيان ركنية الركوع والسجود في الصلاة على ما ورد ذلك في غير هذه الرواية ، فلا يستفاد منها أكثر من بدلية التكبيرة عن القراءة ، وأمّا بدليتها عن كل ما ليس بركن فلا ، لعدم كون الرواية في مقام البيان من هذه الجهة.

فالنتيجة : أنّه مع عدم التمكن من الترجمة لا دليل على وجوب مطلق الذكر أو خصوص التحميد ، ففي هذا الفرض لا يجب عليه شي‌ء أصلاً.

لكن المحقِّق الهمداني (قدس سره) (2)استبعد ذلك باعتبار استلزامه أن يكون هذا أسوأ حالاً من الأخرس ، حيث إنّ الأخرس يجب عليه أن يجلس ويحرِّك لسانه بداعي الحكاية عن ذلك.

إلّا أنّ استبعاده (قدس سره) في غير محله ، لأنّ الأخرس إنّما يكون تشهّده هو هذا حقيقة كسائر أفعاله وأقواله الصادرة منه ، وأمّا غيره ممّن هو قادر على التكلّم لكنّه لم يتعلّم التشهّد فلا بدّ في وجوب غير التشهّد عليه بدلاً عنه من قيام دليل عليه وهو مفقود ولا يقتضي ذلك كونه أسوأ حالاً ، فان ذلك متمكِّن من التشهّد ولو بحسب حاله دون هذا.

الرابع : أن لا يكون متمكناً حتّى من مطلق الذكر أو التحميد ، ذكر الماتن


1) الوسائل 6 : 42 / أبواب القراءة في الصلاة ب 3 ح 1.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 373 السطر 18.

[1659] مسألة 4 : يستحب في التشهّد أُمور :

الأوّل : أن يجلس الرجل متورّكاً على نحو ما مرّ من الجلوس بين السجدتين.

الثاني : أن يقول قبل الشروع في الذكر : «الحمد لله» أو يقول : «بسم اللّه وباللّه والحمد لله وخير الأسماء لله ، أو الأسماء الحسنى كلّها لله».

الثالث : أن يجعل يديه على فخذيه منضمّة الأصابع.

الرابع : أن يكون نظره إلى حجره.

الخامس : أن يقول بعد قوله وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله : «أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، وأشهد أنّ ربِّي نعم الرب وأنّ محمّداً نعم الرسول» ثمّ يقول : «اللّهمّ صلّ ...» إلخ.

السادس : أن يقول بعد الصلاة : «وتقبّل شفاعته وارفع درجته» في التشهّد الأوّل بل في الثاني أيضاً ، وإن كان الأولى عدم قصد الخصوصية في الثاني.


(قدس سره) كغيره أنّ الأحوط الجلوس قدره مع الاخطار بالبال إذا أمكن وهذا مبني على أنّ الجلوس واجب في نفسه كالتشهّد والعجز عن خصوص الثاني لا يقتضي سقوط الأوّل المفروض تمكنه منه.

وفيه : أنّ المستفاد من الروايات كون الجلوس واجباً حال التشهّد لا أنّه واجب في نفسه ، فمع سقوط التشهّد من جهة العجز يكون الجلوس ساقطاً أيضاً.

فظهر ممّا سبق أنّ جميع ما ذكروه من الترجمة كلّاً أو بعضاً منضماً إلى ما لا يصدق عليه التشهّد أو الذكر أو التحميد ، أو الجلوس مع الاخطار بالبال ، كل ذلك مبني على الاحتياط ، وإلّا فلا دليل عليه ، واللّه سبحانه أعلم.

السابع : أن يقول في التشهّد الأوّل والثاني ما في موثقة أبي بصير وهي قوله عليه‌السلام «إذا جلست في الركعة الثانية فقل : بسم اللّه وباللّه والحمد لله وخير الأسماء لله ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهد أنّك نعم الرب ، وأنّ محمّداً نعم الرسول ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وتقبّل شفاعته في أُمّته وارفع درجته ، ثمّ تحمد اللّه مرّتين أو ثلاثاً ، ثمّ تقوم فاذا جلست في الرابعة قلت : بسم اللّه وباللّه والحمد لله وخير الأسماء لله أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهد أنّك نعم الرب وأنّ محمّداً نعم الرسول ، التحيّات لله والصلوات الطاهرات الطيِّبات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات الناعمات ، ما طاب وزكى وطهر وخلص وصفا فلله أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، أشهد أنّ ربِّي نعم الربّ وأنّ محمّداً نعم الرسول ، وأشهد أنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ اللّه يبعث من في القبور ، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، الحمد لله ربّ العالمين ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وبارك على محمّد وآل محمّد ، وسلم على محمّد وآل محمّد ، وترحّم على محمّد وآل محمّد كما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، واغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّاً للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤوف رحيم ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وامنن عليّ بالجنّة ، وعافني من النار ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

واغفر للمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلّا تباراً ، ثمّ قل : السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السلام على أنبياء اللّه ورسله ، السلام على جبريل وميكائيل والملائكة المقرّبين ، السلام على محمّد بن عبد اللّه خاتم النبيين لا نبيّ بعده ، والسلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، ثم تسلِّم.

الثامن : أن يسبِّح سبعاً بعد التشهّد الأوّل بأن يقول : سبحان اللّه سبحان اللّه سبعاً ثمّ يقوم.

التاسع : أن يقول : بحول اللّه وقوّته ... إلخ حين القيام عن التشهّد الأوّل.

العاشر : أن تضم المرأة فخذيها حال الجلوس للتشهّد.

[1660] مسألة 5 : يكره الإقعاء حال التشهّد على نحو ما مرّ في الجلوس بين السجدتين ، بل الأحوط تركه كما عرفت.

[فصل في التسليم]

وهو واجب على الأقوى وجزء من الصلاة فيجب فيه جميع ما يشترط فيها (1) من الاستقبال وستر العورة ، والطهارة وغيرها ، ومخرج منها ، ومحلل للمنافيات المحرّمة بتكبيرة الإحرام ، وليس ركناً فتركه عمداً مبطل لا سهواً فلو سها عنه وتذكّر بعد إتيان شي‌ء من المنافيات عمداً وسهواً أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه.


(1) كما اختاره جمع كثير من القدماء والمتأخِّرين فذهبوا إلى أنّه الجزء الوجوبي الأخير من أجزاء الصلاة ، وبه تحل المنافيات ويتحقّق الخروج عن الصلاة. بل عن بعض دعوى الإجماع عليه كما في الجواهر (1)، بل عن الأمالي (2)نسبته إلى دين الإمامية ، هذا.

وقد نسب إلى جماعة أُخرى من القدماء والمتأخِّرين القول بالاستحباب ، بل قيل إنّه الأشهر بل المشهور ، وقد تصدّى بعض لرفع الخلاف وأقام شواهد من كلماتهم تقضي باتفاق الكل على الوجوب ، وأنّ من كان ظاهره الاستحباب يريد به السلام الأخير لدى الجمع بينه وبين الصيغة الاولى أعني قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، لا مطلق السلام ، تعرّض لذلك شيخنا في


1) الجواهر 10 : 282.

2) أمالي الصدوق : 741 / 1006.

.................................................................................................


الجواهر تبعاً للسيِّد في منظومته (1)، وتبعه المحقِّق الهمداني (قدس سره) (2)منكرين للخلاف في المسألة.

وما ذكروه وإن كان وجيهاً بالنظر إلى كلمات بعض القائلين بالاستحباب لكنّه لا يتم في كلمات جميعهم بحيث يتحقّق الاتِّفاق من الكل على الوجوب كما لا يخفى على من لاحظها.

وكيف ما كان ، فالظاهر أنّ المسألة خلافية والمتبع هو الدليل فلا بدّ من النظر في مستند كل من القولين.

ويقع الكلام أوّلاً في ثبوت المقتضي للوجوب ، ثمّ في المانع عنه الموجب للذهاب إلى الاستحباب فهنا مقامان :

أمّا المقام الأوّل : فقد استدلّ للوجوب بوجوه وطوائف من الأخبار :

إحداها : نصوص التحليل المتضمِّنة أنّ افتتاح الصلاة أو تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ، وهي عدّة روايات ستقف عليها إن شاء اللّه تعالى.

وقد ناقش فيها الأردبيلي (3)وتبعه تلميذه صاحب المدارك (4)بأنّ أسانيدها بأجمعها ضعاف فلا تصلح للاستدلال بها والاستناد إليها.

وذكر صاحب الحدائق والجواهر (5)ومن تأخّر عنهما وتقدّم عليهما بأنّ هذه روايات مشهورة ومقبولة عند الكل بلغت حدّ الاستفاضة ، بل كادت أن تكون متواترة ولو إجمالاً بحيث يعلم بصدور بعضها عن المعصوم عليه‌السلام


1) الدرّة النجفية : 144.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 374 السطر 25.

3) مجمع الفائدة والبرهان 2 : 282.

4) المدارك 3 : 433.

5) الحدائق 8 : 479 ، الجواهر 10 : 286.

.................................................................................................


ومعه لا يقدح عدم صحّة أسانيدها.

ولكن الأقرب ما ذكره الأردبيلي وصاحب المدارك من عدم صلاحية هذه الروايات للاستدلال بها ، وذلك لأنّ هذه الروايات لم يذكر منها في الكتب الأربعة التي عليها المدار إلّا روايتان : إحداهما في الكافي والأُخرى فيه وفي الفقيه والتهذيب ، وأمّا الباقية منها وهي ست روايات فقد ذكر إحداها ابن شهرآشوب في مناقبه مرسلاً ، وذكر الخمس الأُخر الصدوق في علله أو عيونه أو خصاله أو معانيه (1)، دون فقيهة الّذي هو العمدة ، حيث ذكر أنّه لم ينقل فيه رواية إلّا وتكون حجّة بينه وبين ربّه (2)، فمن عدم ذكره لتلك الروايات فيه يستكشف عدم اعتنائه بشأنها ، فكيف تكون تلك الروايات مشهورة مقبولة مستفيضة. مع أنّ الموجود في الكتب الأربعة اثنتان منها كما عرفت ولا تتحقّق بهما الاستفاضة ، والست الباقية لم يذكرها إلّا ابن شهرآشوب في مناقبه ، والصدوق في غير فقيهة ، وهو لا يقتضي الشهرة والمقبولية.

أمّا رواية الكافي فهي ما رواه القداح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : افتتاح الصلاة الوضوء ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم» (3)وهي ضعيفة بسهل بن زياد ، وأمّا جعفر بن محمّد الأشعري الّذي يروي عن القداح فهو وإن لم يوثق صريحاً إلّا أنّه من رجال كامل الزيارات فلا إشكال من ناحيته.

وأمّا رواية الفقيه فقد رواها هكذا قال «قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : افتتاح الصلاة الوضوء ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم» (4)، وضعفها من


1) ستأتي مصادرها في الصفحات الآتية.

2) الفقيه 1 : 3.

3) الوسائل 6 : 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 1 ، الكافي 3 : 69 / 2.

4) الوسائل 6 : 417 / أبواب التسليم ب 1 ح 8 ، الفقيه 1 : 23 / 68.

.................................................................................................


جهة الإرسال ظاهر. نعم ، رواها في هدايته عن الصادق عليه‌السلام (1)وقد عرفت أنّ الكافي روى هذه الرواية بعينها عن القداح عن الصادق عليه‌السلام مسنداً ، فلا تكون هذه رواية أُخرى مغايرة لها ، بل هي بعينها ولكن الصدوق أرسلها ولم يسندها. نعم ، لو كان الصحيح هو ما ذكره في الفقيه من كون الرواية علوية كانت هي رواية أُخرى مرسلة ضعيفة ، وإن كان ظاهر تعبير الصدوق بأنّه قال أمير المؤمنين عليه‌السلام هو علمه بصدوره منه عليه‌السلام لكنّه غير مجد بالنسبة إلينا كما لا يخفى.

وأمّا رواية ابن شهرآشوب فهي ما رواه في مناقبه عن أبي حازم قال : «سئل علي بن الحسين عليه‌السلام ما افتتاح الصلاة؟ قال : التكبير قال : ما تحليلها؟ قال : التسليم» (2)وهي أيضاً ضعيفة من جهة الإرسال.

وأمّا الروايات الخمس الباقية ، فإحداها : ما رواه في العلل وعيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا عليه‌السلام «قال : إنّما جعل التسليم تحليل الصلاة ولم يجعل بدلها تكبيراً أو تسبيحاً أو ضرباً آخر ، لأنّه لما كان الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجه إلى الخالق ، كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام أوّلاً بالتسليم» (3)وجه الضعف ما عرفت مراراً من أنّ طريق الصدوق في العلل والعيون ضعيف كما ذكر ذلك صاحب الوسائل في آخر كتابه في ضمن فوائد فلاحظ (4)، ولكن


1) الهداية : 133.

2) المستدرك 5 : 21 / أبواب التسليم ب 1 ح 1 ، المناقب 4 : 143.

3) الوسائل 6 : 417 / أبواب التسليم ب 1 ح 10 ، علل الشرائع : 262 / 9 ، عيون أخبار الرِّضا 2 : 108.

4) الوسائل 30 : 121.

.................................................................................................


عبّر المحقِّق الهمداني عن هذه الرواية بقوله : بإسناده الحسن كالصحيح (1). وفي الجواهر : بإسناده الّذي قيل إنّه لا يقصر عن الصحيح (2)، وهو في غير محله.

ثانيتها : ما رواه في العلل عن المفضل بن عمر قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن العلّة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال : لأنّه تحليل الصلاة إلى أن قال - : قلت : فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال : لأنّه تحيّة الملكين ، وفي إقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة للعبد من النار ...» إلخ (3).

قال في الجواهر (4)عند نقل هذه الرواية : بسند يمكن أن يكون معتبراً ، مع أنّ في سندها علي بن العباس وقد ضعفوه وقالوا لم يعتن برواياته ، والقاسم بن الربيع الصحّاف وهو لم يوثق وإن كان من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي ومحمّد بن سنان وضعفه ظاهر ، والمفضل بن عمر الّذي ضعّفه النجاشي (5)وغيره صريحاً وإن كان الأظهر وثاقته (6)، وعلي بن أحمد الدقاق وهو شيخ الصدوق ولم يوثق ، ومع هؤلاء المجاهيل والضعفاء كيف يمكن أن يكون السند معتبراً كما ادّعاه (قدس سره).

ثالثتها : ما رواه في معاني الأخبار عن أحمد بن الحسن القطّان عن أحمد بن يحيى بن زكريا القطان ، عن بكر بن عبد اللّه بن حبيب عن تميم بن بهلول عن


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 374 السطر 35.

2) الجواهر 10 : 285.

3) الوسائل 6 : 417 / أبواب التسليم ب 1 ح 11 ، علل الشرائع : 359 / الباب 77.

4) الجواهر 10 : 285.

5) رجال النجاشي : 416 / 1112.

6) لاحظ المعجم 19 : 330 / 12615.

.................................................................................................


أبيه ، عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن معنى التسليم في الصلاة ، فقال : التسليم علامة الأمن وتحليل الصلاة ...» (1). قال في الحدائق (2)عند ذكره لهذه الرواية : وما رواه الصدوق بسند معتبر. وهذا منه (قدس سره) عجيب جدّاً ، بل لم يعهد منه مثل هذا الاشتباه إن لم يكن من النسّاخ بسقوط كلمة «غير» منهم ، وإلّا فكيف يكون مثل هذا السند معتبراً مع أنّ رواته بأجمعهم ضعاف أو مجاهيل ما عدا الراوي الأخير ، أعني الهاشمي.

رابعتها : ما رواه في عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا عليه‌السلام في كتابه إلى المأمون قال فيه : «تحليل الصلاة التسليم» (3)والطريق إليه ضعيف كما مرّ.

خامستها : ما رواه في الخصال مرسلاً عن الأعمش عن الصادق عليه‌السلام وفيها : «... لأن تحليل الصلاة هو التسليم» (4)وضعفها من جهة الإرسال ظاهر.

هذه هي الروايات التي يكون مضمونها أنّ الصلاة تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، وهي بأجمعها ضعاف غير معتبرة كما عرفت ، ولم تكن روايات مشهورة مقبولة ، وإلّا فلِم لم يذكرها الصدوق في الفقيه سوى رواية واحدة ، كما أنّها لم تبلغ حدّ الاستفاضة فضلاً عن التواتر ليقطع بصدور بعضها عن المعصوم عليه‌السلام فلا تصلح للاستدلال بها وفاقاً للأردبيلي وتلميذه.

ثمّ إنّه على تقدير تسليم اعتبار أسانيدها وفرضها روايات صحاح ، فهل


1) الوسائل 6 : 418 / أبواب التسليم ب 1 ح 13 ، معاني الأخبار : 175 / 1.

2) الحدائق 8 : 480.

3) الوسائل 6 : 418 / أبواب التسليم ب 1 ح 12 ، عيون أخبار الرِّضا 2 : 123.

4) الوسائل 7 : 286 / أبواب قواطع الصلاة ب 29 ح 2 ، الخصال : 604 / 9.

.................................................................................................


تدل على وجوب التسليم؟ فيه كلام ، فقد ناقشوا في استفادة الحصر منها ، وأنّ التحليل منحصر في خصوص التسليم من وجوه ، وجوّزوا أن يكون ثمة محلل آخر غير التسليم فيكون الواجب هو الجامع دون خصوص التسليم ، وقد أطالوا النقض والإبرام في ذلك.

ولكن الإنصاف أنّه لا ينبغي الشك في استفادة الحصر ، فانّ الظاهر أنّ الإمام عليه‌السلام في مقام بيان ماهية الصلاة وأنّه يحرم بالتكبير عدّة أُمور من المنافيات ، وتحليلها إنّما هو بالتسليم لا غير بمقتضى الظهور العرفي في كونه عليه‌السلام بصدد التحديد لا مجرّد بيان الطبيعة المهملة.

ثمّ على تقدير تسليم عدم دلالتها على الحصر ليس معنى ذلك هو جواز الإتيان بالمنافي قبل التسليم [أو عدله] ، بل لازم كون التسليم تحليلاً ولو في الجملة أنّه لا يجوز الإتيان بشي‌ء من المنافيات قبل التسليم [أو عدله] وإلّا لم يكن محللاً ، سواء أكان المراد من عدم جواز الإتيان بالمنافيات في الصلاة عدم الجواز التكليفي أو الوضعي كما هو الظاهر ، ولذا يعم ذلك الفريضة والنافلة ، وقلنا بجواز قطع الصلاة ولو اختياراً ، فليس له الاكتفاء بالتشهّد كما يزعمه القائل بالاستحباب وبأنّه يحصل الفراغ من الصلاة بمجرّد التشهّد ، بل لا بدّ له من التسليم [أو عدله] ، ومعه كيف يصح القول باستحبابه وأنّه ليس بواجب.

وما يقال من أنّ ذلك من أجل أنّ الرواية غير ظاهرة المراد ، لأنّ التحليل ليس نفس التسليم فلا بدّ من إضمار ، ولا دليل على ما يقتضي الوجوب ضعيف غايته ، فان حمل المصدر على الذات من باب المبالغة أو إرادة معنى اسم الفاعل منه أمر متعارف شائع ، فيكون المراد أنّ التسليم محلل للمنافيات ، كما أنّ التكبير محرّم لها. والحاصل : أنّه لا قصور في دلالة هذه الروايات على أنّ التسليم واجب وكونه ممّا لا بدّ منه ، نعم لا يستفاد منها أنّه جزء من الصلاة لإمكان أن يكون مأخوذاً على نحو الشرط المتأخِّر بأن يكون جواز الإتيان

.................................................................................................


بالمنافيات بعد التشهّد مشروطاً بتعقبه بالتسليم. اللّهمّ إلّا أن يستفاد اعتبار الجزئية من السياق وكونه على حد سائر الأجزاء المعتبرة فيها من التكبيرة وغيرها.

وأمّا احتمال أن لا يكون جزءاً ولا شرطاً بل هو أمر أجنبي اعتبر في هذا المحل ومع ذلك لا يجوز الإتيان بالمنافيات قبله ، كما ربّما يتراءى ذلك من بعض الكلمات فلا نعقل له وجهاً صحيحاً.

والمتحصِّل من جميع ما مرّ : أنّ المناقشة في هذه الطائفة من الروايات إنّما هي من جهة السند فقط ، دون الدلالة.

الطائفة الثانية : الروايات الكثيرة الآمرة بالتسليم ابتداءً أو عند الشك أو غيره ممّا وردت في أبواب متفرِّقة مناسبة ، قيل بلغت من الكثرة حدّا يصعب معه إحصاؤها.

منها : ما ورد في ذيل صحيحة حماد المعروفة من قوله : «فلمّا فرغ من التشهّد سلّم فقال : يا حماد ، هكذا صلّ» (1)، وقد عرفت مراراً أنّ الأوامر في باب المركبات تنقلب من ظهورها في المولوية إلى كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية على اختلاف المقامات ، وسياق الرواية فيما نحن فيه يشهد بأنّ دخل التسليم على نحو الجزئية لا الشرطية وكون الدخيل هو التقيد به كما لا يخفى.

ومنها : ما رواه الصدوق في العلل بأسانيد معتبرة تنتهي إلى عمر بن أُذينة وغيره عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث طويل في قضيّة المعراج جاء فيه : «... ثمّ التفتّ فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لي : يا


1) الوسائل 5 : 461 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 2.

.................................................................................................


محمّد سلّم ، فقلت : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته» إلخ (1)فإنّها ظاهرة الدلالة في جزئية التسليم كما أنّها صحيحة السند.

ومنها : موثقة أبي بصير الطويلة حيث جاء في آخرها : «... ثمّ قل : السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السلام على أنبياء اللّه ورسله ، السلام على جبرئيل وميكائيل والملائكة المقرّبين ، السلام على محمّد بن عبد اللّه خاتم النبيين لا نبي بعده ، والسلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ثمّ تسلّم» (2)فإنّها ظاهرة في وجوب التسليم ، ولا موجب لرفع اليد عنه وحمله على الاستحباب كما في غيره ممّا وقع متعلّقاً للأمر إلّا بقرينة ولا قرينة على ما ستعرف ، فهي تدل على الوجوب ، ومقتضى السياق الجزئية كما عرفت. ومنها غيرها من النصوص الكثيرة المتفرِّقة.

الطائفة الثالثة : الروايات المصرّحة بأنّ ختامها التسليم.

منها : موثقة علي بن أسباط عنهم عليهم‌السلام : «... له أي لرسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كل يوم خمس صلوات متواليات ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ، ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم» (3)وعلي بن أسباط وإن كان فطحياً إلّا أنّه موثق ، مع أنّه رجع إلى المذهب الحق ، فالسند معتبر كما أنّ الدلالة على أنّ التسليم من الصلاة واضحة.

ومنها : موثقة أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول في رجل صلّى الصبح فلمّا جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف ، قال : فليخرج


1) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10 ، علل الشرائع : 312 / 1.

2) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

3) الوسائل 6 : 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 2.

.................................................................................................


فليغسل أنفه ثمّ ليرجع فليتم صلاته ، فان آخر الصلاة التسليم» (1)فإنّها ظاهرة الدلالة على جزئية التسليم ، إذ لو كان أمراً خارجاً غير واجب لكان المناسب تعليل الرجوع لإتمام الصلاة بأنّ التشهّد آخر الصلاة ولم يأت به ، إذ المفروض كون الرعاف قبله ، فالتعليل بكون التسليم آخره يكشف عن دخله فيها. نعم مقتضى الرواية الرجوع وإتمام الصلاة حتّى مع الفصل الطويل الماحي للصورة ولا يمكن الالتزام به ، إلّا أنّ دلالتها على ذلك إنّما هو بالإطلاق فيقيّد بما دلّ على كون ذلك قاطعاً للصلاة وتحمل على ما إذا لم يستلزم الفعل الكثير.

ومنها : موثقة أُخرى لأبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا نسي الرجل أن يسلِّم فإذا ولّى وجهه عن القبلة وقال السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فقد فرغ من صلاته» (2)فإنّها أيضاً ظاهرة الدلالة على الجزئية وأنّه ما لم يسلِّم لم يفرغ عن صلاته ، حيث علّق الفراغ منها على قوله : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فاذا لم يكن السلام جزءاً فلِم لم يحصل له الفراغ منها بدون التسليم.

ثمّ لا يخفى أنّ المستفاد من الموثقة أنّ التسليم بقول مطلق منصرف إلى خصوص السلام الأخير ، لأنّه مع فرضه عليه‌السلام نسيان التسليم ذكر أنّه إذا كان قال : السلام علينا ... إلى آخره ، فلا بدّ وأن يكون المراد من السلام المنسي هو قولنا : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

بل يظهر من بعض الروايات أنّ العامّة يعدّون قول الرجل : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين من توابع التشهّد ، فقد روى الصدوق عن الصادق عليه‌السلام أنّه «قال : أفسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين بقوله :


1) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 4.

2) الوسائل 6 : 423 / أبواب التسليم ب 3 ح 1.

.................................................................................................


تبارك اسم ربّك وتعالى جدّك ، وهذا شي‌ء قالته الجن بجهالة فحكى اللّه عنها وبقوله : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، يعني في التشهّد الأوّل» (1)، بل ظاهر كثير من نصوصنا أيضاً هو ذلك ، وأيضاً ظاهر موثقته السابقة المفصّلة حيث قال عليه‌السلام فيها «ثمّ تسلّم» (2)أنّ المراد منه هو السلام الأخير فلاحظ.

ومنها : صحيحة زرارة الواردة في صلاة الخوف عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه «قال : إذا كانت صلاة المغرب في الخوف فرّقهم فرقتين فيصلِّي بفرقة ركعتين ثمّ جلس بهم ثمّ أشار إليهم بيده فقام كل إنسان منهم فيصلِّي ركعة ثمّ سلّموا فقاموا مقام أصحابهم ، وجاءت الطائفة الأُخرى فكبّروا ودخلوا في الصلاة وقام الإمام فصلّى بهم ركعة ثمّ سلّم ، ثمّ قام كل رجل منهم فصلّى ركعة فشفعها بالتي صلّى مع الإمام ثمّ قام فصلّى ركعة ليس فيها قراءة فتمت للإمام ثلاث ركعات وللأوّلين ركعتان جماعة ، وللآخرين وحداناً فصار للأوّلين التكبير وافتتاح الصلاة وللآخرين التسليم» (3)فإنّه لو لم يكن التسليم جزءاً لما كان لهذا التقابل بين التكبير والتسليم معنى كما لا يخفى.

الطائفة الرابعة : الروايات التي مضمونها اعتبار التسليم في الصلاة وهي عدّة روايات :

منها : صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فإن كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم


1) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 12 ح 2 ، الفقيه 1 : 261 / 1190.

2) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

3) الوسائل 8 : 436 / أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب 2 ح 2.

.................................................................................................


وانصرف أجزأه» (1). فإنّا إن قلنا بأنّ قولنا : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، من توابع التشهّد فصدر الرواية أيضاً يدل على اعتبار السلام في الصلاة ، حيث علّق فيه مضي الصلاة على الفراغ من الشهادتين بما له من التوابع التي منها السلام المزبور حسب الفرض. وإن أنكرنا ذلك ، فيكفي في استفادة الجزئية منها ذيلها ، حيث يدل على أنّ الاهتمام بأمر التسليم المنصرف عند الإطلاق إلى السلام الأخير على ما عرفت من استفادة ذلك من موثقتي أبي بصير بمثابة لا بدّ من الإتيان به حتّى في فرض الاستعجال ، فيكون ذلك كاشفاً عن اعتباره في الصلاة.

ومنها : صحيح عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «في الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد ، قال : يسلِّم من خلفه ويمضي في حاجته إن أحبّ» (2). فإنّه لو لم يكن التسليم جزءاً لاقتصر على التشهّد ومضى في حاجته من دون حاجة إلى التسليم.

ومنها : موثقة غالب بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يصلِّي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلِّم قال : تمّت صلاته وإن كان رعافاً غسله ثمّ رجع فسلّم» (3). فان لزوم الرجوع بعد غسل الدم لتدارك التسليم يكشف عن كونه جزءاً من الصلاة ، وإلّا فلما ذا وجب عليه ذلك ولو في فرض عدم استلزام الغسل الفصل الطويل الّذي لا بدّ من تقييد إطلاقه وحمله على ذلك كما لا يخفى.

وأما حكمه عليه‌السلام في فرض النوم بأنّه تمّت صلاته مع أنّه لم يسلِّم


1) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 2.

2) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 6.

3) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 6.

.................................................................................................


فلا بدّ من حمله على أنّه كان قد أتى بالتشهّد بتوابعه التي منها قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، وإنّما لم يأت بالسلام الأخير الّذي هو المنصرف إليه إطلاق التسليم على ما عرفت استفادة ذلك من موثقتي أبي بصير المتقدِّمتين (1).

ومنها : موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يصلِّي ثمّ يجلس فيحدث قبل أن يسلِّم ، قال : تمّت صلاته ، وإن كان مع إمام فوجد في بطنه أذى فسلّم في نفسه وقام فقد تمّت صلاته» (2).

أمّا الذيل ، فدلالته على الاعتبار واضحة حيث علّق فيه تمامية الصلاة على التسليم ، فلو لم يكن معتبراً فيها لم يكن وجه للإتيان به حتّى مع وجود الأذى.

وأمّا الصدر الظاهر في عدم وجوب السلام ، فلا بدّ من حمله على إرادة السلام الأخير كما يقتضيه إطلاق التسليم على ما عرفت. وأمّا قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فقد كان قد أتى به والحدث وقع بعد الفراغ منه ، فلا يدل على عدم وجوب السلام أصلاً.

الطائفة الخامسة : الروايات الواردة في حكم الشك في الركعات وهي كثيرة :

منها : صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا لم تدر أثنتين صلّيت أم أربعاً ولم يذهب وهمك إلى شي‌ء فتشهّد وسلم ثمّ صلّ ركعتين وأربع سجدات تقرأ فيهما بأُمّ الكتاب ثمّ تشهّد وتسلّم فان كنت إنّما صلّيت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع ، وإن كنت صلّيت أربعاً كانتا هاتان نافلة» (3)فانّ


1) في ص 302 ، 303.

2) الوسائل 6 : 424 / أبواب التسليم ب 3 ح 2.

3) الوسائل 8 : 219 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 1.

.................................................................................................


التسليم إن لم يكن واجباً لم تكن حاجة إلى الإتيان به قبل أن يصلِّي الركعتين لأنّ العلاج المذكور وهو الإتيان بالركعتين واحتسابهما متمِّماً إن لم يكن أتى بالأربع ونافلة على التقدير الآخر يحصل مع عدم التسليم أيضاً ، فمن الأمر به يستدل على كونه جزءاً من الصلاة.

ودعوى : أنّ الأمر به من جهة أن يتحقّق الخروج ، إذ لولاه لاستلزم ذلك اشتمالها على الزيادة المبطلة ، فلا يكون الأمر بالتسليم كاشفاً عن جزئيته لها ووجوبه فيها.

مدفوعة : بأنّ الزيادة إنّما تصدق فيما إذا أتى بالركعتين بعنوان الجزئية ، وأمّا إذا أتى بها بعنوان الاحتياط وبقصد الرجاء كما هو كذلك فلا يكون ذلك موجباً لاتِّصافها بوقوع الزيادة فيها ، نظير ما لو شكّ في أشواط الطواف فأتى بالمشكوك فيه بعنوان الرجاء دون الجزئية ، فإنّه لا إشكال في عدم كون ذلك موجباً للبطلان بمقتضى القاعدة وإن كان في الواقع زائداً لولا قيام النص الخاص على خلافه ، وعليه فيكون الأمر به كاشفاً عن الجزئية كما ذكرناه. ولا يقدح وقوعه في أثناء الصلاة على تقدير كون المأتي به متمّماً لأنّه زيادة سهوية ولا بأس بها.

ومنها : صحيحة ابن أبي يعفور التي يقرب مضمونها من الصحيحة السابقة (1).

ومنها : رواية عمار الساباطي (2)لكنّها ضعيفة السند ، وإلّا فهي ظاهرة الدلالة بعين البيان المتقدِّم في الصحيحة السابقة.


1) الوسائل 8 : 219 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2.

2) الوسائل 8 : 213 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

.................................................................................................


وربّما يستدل بطائفة سادسة وهي الروايات الواردة في من أتمّ في موضع القصر (1)حيث دلّت على أنّ من أتمّ كذلك فان كان جاهلاً فلا شي‌ء عليه وتمّت صلاته ، وإن كان عالماً عامداً فعليه الإعادة ، وإن كان ناسياً فكذلك عليه الإعادة لكن في الوقت دون خارجه ، مع أنّ مقتضى عدم كونه جزءاً منها هو عدم الإعادة حتّى فيما إذا أتمّ عالماً عامداً ، إذ بناءً عليه يكون الزائد واقعاً خارج الصلاة ، مثل ما إذا أتى بركعة زائدة بعد السلام غير الضائر قطعاً ، فليكن ذلك أيضاً كذلك ، فكيف حكم الشارع بوجوب الإعادة ، فلا بدّ وأن يكون حكمه بذلك دليلاً وكاشفاً عن كون السلام جزءاً من الصلاة ، إذ عليه تكون الركعتان من الزائد الواقع في أثناء الصلاة عمداً ، والزيادة العمدية موجبة للبطلان قطعاً.

والجواب عنها : أنّه قد يفرض أنّ مثل هذا الشخص يكون من أوّل الأمر قاصداً للإتيان بأربع ركعات تشريعاً أو نسياناً أو لجهة أُخرى ، فهذا لا يشك في بطلان صلاته ، لأنّ ما له أمر فهو غير مقصود ، وما هو المقصود لا أمر له وهذا واضح.

وقد يفرض أنّه كان قاصداً للأمر الفعلي ولكنّه من باب الخطأ والاشتباه أو النسيان تخيل وزعم أنّه أربع ركعات ، فهل تكون هذه الصلاة محكومة بالصحّة بمقتضى القاعدة ، نظراً إلى تحقّق قصد ما هو المأمور به ، غايته أن اشتبه في التطبيق ولا ضير فيه بعد ما تقدّم سابقاً من أنّ القصر والتمام ليستا بماهيتين مختلفتين ، بل هما ماهية واحدة وطبيعة فأرده ، فإن صلاة الظهر مثلاً قصراً وتماماً لا فرق بينهما بحسب الحقيقة ، بل شرعت بالنسبة إلى طائفة مقيّدة بعدم كونها زائدة على الركعتين ، وبالنظر إلى جماعة أُخرى مشروطة بأن يلتحق


1) الوسائل 8 : 505 / أبواب صلاة المسافر ب 17.

.................................................................................................


بالركعتين الأولتين ركعتان أُخريان ، وبالقياس إلى عدّة ثالثة لوحظت مخيّراً فيها بين الأمرين. وهذا المقدار لا يستوجب الاختلاف في الماهية ، فليس الآتي بالتمام آتياً بماهية أُخرى مباينة لما هو المطلوب منه أو تكون محكومة بالبطلان؟

الظاهر هو الثاني ، وذلك من جهة اشتمالها على الزيادة المبطلة ، فإن صدق الزيادة لا يتوقف على وقوعها في أثناء العمل ، بل يعم ما إذا كانت متّصلة بآخره ، وفي المقام حيث إنّ المطلوب هو الإتيان بركعتين مقيّداً بأن لا يلحقهما شي‌ء ، فلا محالة تكون إضافة الركعتين الأُخريين ولو في آخرهما موجباً لاتِّصاف الصلاة بوقوع الزيادة فيها. ألا ترى أنّه لو أمر المولى بأن يكبِّر خمساً ليس إلّا فكبّر ستّاً يكون التكبير الزائد موجباً لاتِّصاف التكبيرات بعدم كونها مصداقاً للمأمور به ، لا أنّ خمساً منها يكون مصداقاً للواجب ويكون الباقي زائداً خارجاً عنه.

ومن هنا لو أتى في الطواف بثمانية أشواط كان ذلك موجباً للبطلان رأساً ، لا أنّ السبع منها يعدّ فرداً من الواجب ويلغى الباقي.

نعم ، لو كانت الزيادة فيما نحن فيه بعد الإتيان بالسلام فلا يوجب ذلك اتِّصاف الصلاة بكونها مشتملة على الزيادة ، وذلك لأنّ السلام أوجب الخروج من الصلاة كالحدث ، فلا محالة تكون الركعة الزائدة واقعة خارج الصلاة ، فلا تقاس الزيادة قبل السلام بالزيادة بعده فإنّ الاولى من الزيادة في الصلاة دون الثانية.

وعليه فلا يمكن أن تكون تلكم الروايات شاهدة على جزئية التسليم ووجوبه ، لأنّه حتّى بناءً على عدم الوجوب يكون إلحاق الركعة موجباً لعنوان الزيادة المبطلة وتحقّقها في الصلاة ما لم يكن ذلك واقعاً بعد التسليم. فالعمدة في

.................................................................................................


إثبات وجوب التسليم بل جزئيته هو ما تقدمها من الطوائف من الروايات هذا كلّه في المقتضي.

وأمّا المقام الثاني : أعني المانع عنه على تقدير تسليم المقتضي الملازم للقول بالاستحباب ، فقد استدلّ له بوجوه :

أحدها : الأصل ، فإن مقتضاه البراءة عن اعتبار الجزئية وتشريع الوجوب.

وفيه : أنّ مقتضى الأصل في نفسه وإن كان هو ذلك لكنّه محجوج ومخرج عنه بما عرفت من الروايات الكثيرة المختلفة الدالّة على الوجوب والجزئية.

ثانيها : صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول الإمام التشهّد فيأخذ الرجل البول أو يتخوّف على شي‌ء يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال : يتشهّد هو وينصرف ويدع الإمام» (1). فإنّه لو كان التسليم جزءاً من الصلاة بل أو واجباً لأمره عليه‌السلام بذلك ولم يقتصر على التشهّد مع الانصراف ، فمن عدم أمره عليه‌السلام بذلك يستكشف عدم جزئيته ووجوبه.

والجواب : أنّ هذه الصحيحة على ما ذكره المحقِّق الهمداني (قدس سره) (2)وإن كانت في موضع من التهذيب كما رقمت من دون الأمر بالتسليم إلّا أنّه في موضع آخر (3)وكذا في الفقيه (4)ذكر فيها أنّه يسلِّم وينصرف.

قال المحقِّق الهمداني (قدس سره) : والفقيه أضبط من التهذيب. وحينئذ


1) الوسائل 8 : 413 / أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 2 ، التهذيب 2 : 349 / 1446.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 377 السطر 28.

3) التهذيب 3 : 283 / 842.

4) الفقيه 1 : 261 / 1191.

.................................................................................................


تكون الصحيحة من جملة أدلّة القائلين بالوجوب وتكون على عكس المطلوب أدل ، هذا أوّلاً.

وثانياً : سلّمنا أنّ الصحيح هو ما ذكر في هذا الموضع من التهذيب كما في الوسائل ، فغايته أن تكون حال هذه الصحيحة حال الصحيحة الآتية ويكون الجواب هو الجواب عنها.

ثالثها : صحيح محمّد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام التشهّد في الصلوات ، قال : مرّتين ، قلت : كيف مرّتين؟ قال : إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ثمّ تنصرف ...» (1)إلخ بعين التقريب المتقدِّم.

والجواب : أنّ تعلّق الأمر بالانصراف يقتضي أن لا يكون المراد منه ما هو الأمر العادي الّذي يقتضيه الطبع الأوّلي من التوجّه والرواح إلى مهمّاته وحوائجه ، وإلّا فهذا لا يحتاج إلى الأمر به ، بل يكون المراد منه ما هو وظيفته الشرعية وقد عيّن مصداق ذلك في جملة من الروايات وفيها الصحاح وغيرها.

منها : صحيح الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام كلّ ما ذكرت اللّه (عزّ وجلّ) به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة ، وإن قلت : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فقد انصرفت» (2)، المؤيّد برواية أبي كهمس عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الركعتين الأوّلتين إذا جلست فيهما للتشهّد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، انصراف هو؟ قال : لا ، ولكن إذا قلت : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فهو


1) الوسائل 6 : 397 / أبواب التشهّد ب 4 ح 4.

2) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

.................................................................................................


الانصراف» (1)فقد عيّن فيهما ما يتحقّق به الانصراف وهو السلام الخاص فتكون تانك الصحيحتان دالّتين على وجوب التسليم لا أنّه يستفاد منهما عدم الوجوب كما هو المدّعى.

ومنها : صحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام ، قال : «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد قال : يسلّم من خلفه ويمضي لحاجته إن أحبّ» (2)فان مضمون هذه الصحيحة هو بعينه مضمون صحيحة علي بن جعفر المتقدِّمة ، وقد صرّح عليه‌السلام هنا بأنّ للمأموم أن يسلِّم عند إطالة الإمام للتشهّد ، فيكون المراد من الانصراف هناك هو التسليم أيضاً وتكون هذه مفسّرة لتلك.

ومنها : ذيل صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (3)فان عطف جملة «انصرف» على «سلّم» لا بدّ وأن يكون تفسيرياً ، إذ لا معنى لكون الانصراف موجباً للإجزاء ، والمراد أنّه لدى الاستعجال يكفي التسليم ولا يلزمه الأوراد والأذكار المتعارفة المستحبّة ، فهذه الرواية أيضاً شاهدة على أنّ المراد من الانصراف ليس إلّا التسليم.

رابعها : صدر هذه الصحيحة حيث علّق عليه‌السلام فيه المضي من الصلاة على خصوص الفراغ من الشهادتين ، ولو كان السلام جزءاً وواجباً لكان اللّازم أن يكون هو المعلّق عليه لا التشهّد.

والجواب : أنّ عد هذه الصحيحة من أدلّة القول بالوجوب أولى من


1) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 2.

2) الوسائل 8 : 413 / أبواب صلاة الجماعة ب 64 ح 3.

3) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 5.

.................................................................................................


الاستدلال بها على خلافه ، وذلك أمّا بناءً على أن يكون المراد من الشهادتين هو الشهادتان مع توابعهما التي منها قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين كما عرفت استظهار ذلك من موثقتي أبي بصير المتقدِّمتين (1)فواضح ، إذ عليه يكون مضي الصلاة متوقّفاً على أداء الشهادتين والسلام المزبور معاً.

وأمّا بناءً على إنكار ذلك فيكفي في الاستدلال بها ذيلها ، حيث يدل على أنّ الاهتمام بشأن السلام بمكان لا يجوز تركه حتّى مع فرض الاستعجال فكيف يمكن أن تكون الصحيحة دليلاً على عدم وجوب السلام. نعم ، لا بدّ حينئذ من التصرّف في كلمة المضي في الصدر وحملها بقرينة الذيل على مضي أجزائها غير المخرج ، وهو السلام الّذي به تتم الصلاة دون المضي المطلق.

خامسها : موثقة يونس بن يعقوب قال : «قلت لأبي الحسن عليه‌السلام صلّيت بقوم صلاة فقعدت للتشهّد ثمّ قمت ونسيت أن أُسلِّم عليهم ، فقالوا : ما سلمت علينا ، فقال : ألم تسلِّم وأنت جالس ، قلت : بلى ، قال : فلا بأس عليك ولو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت : السلام عليكم» (2)بناءً على أن يكون «بلى» تصديقاً للنفي ، أي نعم ما سلّمت ، وقد حكم عليه‌السلام بنفي البأس عن ذلك فيكون دليلاً على عدم الوجوب.

وفيه : أنّ كلمة «بلى» تصديق للمنفي لا النفي بشهادة تصريح أهل اللغة وملاحظة موارد استعمالاتها كما في قوله تعالى ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) (3)أي أنت ربّنا.

ولو سلّمنا استعمال بلى حتّى في تصديق النفي فلا نسلِّمه في المقام ، وإلّا فما


1) في ص 302 ، 303.

2) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 5.

3) الأعراف 7 : 172.

.................................................................................................


معنى نفي البأس مع عدم التسليم ، وأيّ فائدة في هذا السؤال إذا لم يكن فرق في الحكم بين ما لو سلّم وما إذا لم يسلِّم وكان كل منهما محكوماً بعدم البأس ، فلا بدّ وأن يكون المراد تصديق الإتيان بالسلام وهو قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، وأمّا السلام الأخير فالمفروض أنّه قد نسيه فلا يمكن أن يكون التصديق راجعاً إليه. وإذا كانت الموثقة دالّة على نفي البأس في فرض الإتيان بالسلام ولو بغير الصيغة الأخيرة فكيف يمكن أن يستدل بها على عدم اعتبار السلام مع أنّه على عكس المطلوب أدل ، هذا.

ولا يبعد أن يكون قوله : «ولو نسيت» من تصرّف نسّاخ التهذيب ، وأن يكون في الأصل «ولو شئت» كما استظهره المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1)تبعاً لغيره ، مستشهداً بأنّ المذكور في قرب الاسناد (2)على ما قيل بلفظ «ولو شئت» بدل «ولو نسيت».

سادسها : الروايات المستفيضة الدالّة على عدم بطلان الصلاة بإتيان المنافي من الحدث والالتفات الفاحش وغيرهما قبل التسليم ، وذلك آية عدم الجزئية إذ لو كان التسليم جزءاً ولم يخرج المصلِّي قبله عن الصلاة لكان ذلك موجباً للبطلان كالاتيان بها قبل التشهّد.

منها : صحيح الحسن بن الجهم قال : «سألته يعني أبا الحسن عليه‌السلام عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة ، قال : إن كان قال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فلا يعد ، وإن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد» (3).


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 377 السطر 35.

2) قرب الاسناد : 309 / 1206.

3) الوسائل 7 : 234 / أبواب القواطع ب 1 ح 6.

.................................................................................................


أمّا الدلالة فظاهرة ، حيث دلّت صريحاً على أنّ الحدث إذا كان واقعاً بعد التشهّد فلا يكون موجباً للإعادة وبطلان الصلاة ، سواء أتى بالتسليم أم لا.

وأمّا السند ، فقد تقدّم سابقاً وقلنا إنّ تعبير غير واحد عنها بالرواية وإن كان مشعراً بالضعف إلّا أنّ الظاهر كونها صحيحة ، فإنّ الحسن بن الجهم منصرف إلى الحسن بن الجهم بن بكير الزراري المعروف الموثق ، وأمّا ابن الجهم الآخر غير الموثق فهو غير معروف بحيث ينصرف اللفظ عنه عند الإطلاق. وأمّا عباد بن سليمان الواقع في السند فهو وإن لم يوثق صريحاً إلّا أنّه من رجال كامل الزيارات ، ويكفينا ذلك في اعتباره.

ومنها : صحيحة زرارة التي مضمونها عين مضمون الصحيحة السابقة عن أبي جعفر عليه‌السلام «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهّد ، قال : ينصرف فيتوضّأ ، فإن شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلِّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (1)فان ذيلها دال على أنّ الحدث بعد الشهادة ليس بضائر ، ومقتضى ذلك أنّ التسليم ليس بجزء.

ومنها : حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : «إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً ، وإن كنت قد تشهّدت فلا تعد» (2)فانّ هذه الرواية دلّتنا على أنّ الالتفات الفاحش الّذي هو من جملة المنافيات لا يوجب الإعادة إذا كان بعد التشهّد ، فلا بدّ وأن لا يكون السلام واجباً وجزءاً.

والجواب عن هذه الصحاح الثلاث :


1) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 13 ح 1.

2) الوسائل 6 : 424 / أبواب التسليم ب 3 ح 4.

.................................................................................................


أمّا أوّلاً : فلأن هذه الروايات كما تدل على عدم بطلان الصلاة بالحدث إذا كان قبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيّته ، فكذلك تدل على عدم البطلان إذا كان ذلك قبل الصلاة على النبيّ المستلزم لعدم جزئيّتها أيضاً ، لأنّ التفصيل فيها واقع بين كون الحدث قبل التشهّد فيعيد ، وبعده فلا يعيد من دون ذكر للصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله. وما يتراءى في صحيح ابن الجهم من قول صلی اللّه عليه وآله فهو ليس جزءاً من الرواية بل زيادة ناشئة من رعاية أدب الكتابة بشهادة عدم ذكره في التهذيب (1)وإنّما هو موجود في الوسائل فلاحظ.

وعلى الجملة : فمقتضى الإطلاق عدم الإعادة حتّى فيما إذا كان الحدث قبل التصلية ، وهذا ممّا لا يلتزم به القائل بعدم جزئية التسليم ، فلا بدّ من طرح هذه الروايات.

إلّا أن يقال : إنّ التصلية بما أنّها من توابع التشهّد وملحقاته فالمراد من التشهّد التشهّد المنضم بها فلا يدل على عدم الإعادة إذا كان الحدث قبلها ، بل لا بدّ من فرض وقوعه بعدها ، ولكن هذا الجواب لو تمّ فهو جارٍ بالنسبة إلى السلام أيضاً ، لأنّ قول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين على ما يستفاد من ظاهر بعض النصوص كما تقدّم (2)يكون من توابع التشهّد ، وأنّ التسليم المطلق ينصرف إلى السلام الأخير ، فلا تدل على عدم الإعادة إذا كان الحدث قبل تلك الصيغة ، بل لا بدّ من فرض وقوعه بعدها ، فاذا كانت الصحاح محمولة على أنّ المراد بالتشهّد هو المعنى الجامع ، فلا يفرق في ذلك بين التصلية وبين السلام بتلك الصيغة ، ومعه لا تكون هذه الروايات دالّة على عدم الجزئية.

وأمّا ثانياً : فمع الإغماض عمّا ذكرناه نقول : إن أمكن الالتزام بمضمون هذه


1) التهذيب 2 : 354 / 1467.

2) في ص 302 ، 303.

.................................................................................................


الأخبار ودعوى أنّها مخصّصة لما دلّ على مبطلية الالتفات والحدث فهو ، وإلّا فهذه الأخبار الدالّة على عدم قدح الحدث ونحوه تكون معارضة لما دلّ على جزئية التسليم وأنّه آخر الصلاة ، وواضح أنّ الترجيح مع روايات الجزئية لمخالفتها للعامّة ، وموافقة هذه الأخبار لهم ومنهم أبو حنيفة (1)القائل بجواز الخروج عن الصلاة بالحدث وغيره فتطرح وتحمل على التقيّة.

بقي في المقام روايتان : إحداهما : موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يصلِّي ثمّ يجلس فيحدث قبل أن يسلِّم قال : تمّت صلاته ...» إلخ (2)حيث دلّت على صحّة الصلاة مع وقوع الحدث في الأثناء وقبل التسليم الكاشف عن عدم جزئيّته.

والجواب عنها : هو ما ذكرناه في سائر الأخبار ، ويزيد هذه أنّه لم يذكر فيها وقوع الحدث بعد التشهّد كما في تلك الأخبار ، بل المذكور وقوعه قبل التسليم. وقد ذكرنا فيما مرّ أنّ التسليم لدى الإطلاق منصرف إلى السلام الأخير.

وعليه فتحمل الموثقة على ما إذا كان الحدث واقعاً بعد قول السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين. فالجواب عن هذه الرواية أوضح ممّا مرّ.

وعين هذا الجواب يجري في الرواية الثانية ، وهي موثقة غالب بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يصلِّي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهّد ثمّ ينام قبل أن يسلِّم ، قال : تمّت صلاته» (3).

هذا ولم يبق من الروايات التي يمكن الاستدلال بها لنفي الوجوب والجزئية عدا روايتين والاستدلال بهما ضعيف غايته.


1) المجموع 3 : 481 ، المغني 1 : 623.

2) الوسائل 6 : 424 / أبواب التسليم ب 3 ح 2.

3) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 6.

.................................................................................................


الأُولى : صحيحة زرارة في حديث عن أحدهما عليهما‌السلام قال «قلت له : من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين ، قال : يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهّد ولا شي‌ء عليه» (1)وهذه الصحيحة وإن كان ظاهرها الإتيان بالركعتين متّصلتين ، إلّا أنّ في قوله «بفاتحة الكتاب» إشعاراً بالانفصال ، ولا أقل من أنّها مقيّدة بذلك ببقية الأخبار. وعلى أيّ حال فقد دلّت على عدم وجوب التسليم لعدم ذكر له فيها بعد التشهّد.

وفيه : أنّ هذه الرواية بعين هذا السند رواها الكليني بلفظ «ثمّ يسلِّم ولا شي‌ء عليه» بدل «يتشهّد» (2)ولا يبعد أنّهما رواية واحدة ، وعلى تقدير التعدّد تتقيّد إحداهما بالأُخرى كما لا يخفى.

الثانية : صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم عليه‌السلام فصلّ ركعتين واجعله أماماً ، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد ( قُل هو اللّه أحد ) ، وفي الثانية ( قُل يا أيُّها الكافرون ) ثمّ تشهد واحمد اللّه واثن عليه وصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله واسأله أن يتقبّل منك» (3)فانّ الاقتصار على التشهّد وعدم ذكر التسليم بعده يكشف عن عدم وجوبه.

وفيه : أنّه عليه‌السلام لم يكن في مقام بيان أجزاء الصلاة ، ولذا لم يذكر الركوع والسجود مع أنّهما أولى بالذكر ، وإنّما النظر فيها معطوف على بيان خصوصية هذه الصلاة وهي إيقاعها في مقام إبراهيم واشتمالها على سورة الجحد والتوحيد ، فعدم التعرّض للتسليم غير المختص بهذه الصلاة لا يدل على عدم الوجوب.


1) الوسائل 8 : 220 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 3.

2) الوسائل 8 : 220 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 4 ، الكافي 3 : 350 / 3.

3) الوسائل 13 : 423 / أبواب الطواف ب 71 ح 3.

.................................................................................................


على أنّ الظاهر أنّ قوله عليه‌السلام : «ثمّ تشهد ...» إلخ ناظر إلى ما بعد السلام ، وأنّه بعد الفراغ من الصلاة يأتي بهذه الأعمال من التشهّد والحمد والثناء وغيرها من المذكورات ، وذلك من جهة كلمة «ثمّ» الظاهرة في التفريع على صلاة ركعتين ، فليس التشهّد المزبور من التشهّد الصلاتي في شي‌ء.

فتلخص من جميع ما ذكرناه : أنّ القول بالاستحباب استناداً إلى هذه الروايات ضعيف جدّاً ، لعدم تمامية الاستدلال بشي‌ء منها ، فلا مناص من القول بالوجوب. وأمّا ما نسب إلى المشهور من الاستحباب فالمراد به التسليم الأخير.

بقي شي‌ء : وهو أنّ السيِّد الماتن (قدس سره) ذكر أنّ التسليم وإن كان جزءاً لكنّه ليس بركن ، فلو تركه عمداً بطلت صلاته تحقيقاً لما تقتضيه الجزئية. وأمّا لو تركه سهواً فان كان التذكّر بعد الإتيان بشي‌ء من المنافيات عمداً وسهواً كالحدث ، أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه ، لحديث لا تعاد المستفاد منه عدم جزئية غير الخمس حال النسيان ، وإنّما تختص جزئيّتها بحال الالتفات والذكر فيكون الحدث واقعاً قهراً خارج الصلاة لا أثناءها ، فالصلاة في هذا الفرض محكومة بالصحّة غايته الإتيان بسجدتي السهو ولو احتياطاً للنقصان بترك التسليم.

وإن كان التذكّر قبل ذلك أتى به لبقاء محل تداركه ، ومعه لا يجري حديث لا تعاد كما لا يخفى ، ولا شي‌ء عليه إلّا أنّه إذا كان قد تكلّم فتجب عليه حينئذ سجدتا السهو لعدم كونه منافياً ومبطلاً إلّا حال العمد دون السهو.

وأورد عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته الأنيقة (1)وتبعه غير واحد من تلامذته فحكموا بالبطلان فيما إذا كان التذكّر بعد الحدث أو


1) العروة الوثقى مع تعليقات عدّة من الفقهاء 2 : 593.

.................................................................................................


الاستدبار ، أو فوات الموالاة ممّا يكون منافياً ولو سهواً ، نظراً إلى أنّ المستفاد من روايات التحليل أنّ المخرج والمحلل منحصر في خصوص السلام لا غير وليس لاعتقاد المصلِّي خروجه عن الصلاة من جهة نسيان السلام أيّ أثر في التحليل والخروج عنها ، فما دام لم يسلِّم فهو بعد باقٍ في الصلاة ، ولا مجال للاستناد بحديث لا تعاد للحكم بالخروج وحصول التحليل ، وعليه فلو أحدث قبل السلام المنسي أو استدبر أو استمرّ النسيان إلى أن فاتت الموالاة كان كل ذلك واقعاً أثناء الصلاة لا محالة دون خارجها ، ولأجله يحكم ببطلان الصلاة.

وذكر (قدس سره) في آخر كلامه وتبعه بعض تلامذته : أنّه بماذا يجمع بين هذه الدعوى أي مخرجية الاعتقاد وما التزم به من وجوب سجود السهو عليه لو تكلّم عند نسيانه ، فهل التكلّم بعد الخروج عن الصلاة موجب لسجود السهو؟

أقول : الصحيح هو ما ذكره الماتن ، ولا يرد عليه شي‌ء ممّا ذكر. أمّا الأخير فواضح الدفع ، بل لم نكن نترقب صدوره من شيخنا الأُستاذ (قدس سره) ، فانّ السيِّد الماتن (قدس سره) إنّما التزم بسجدة السهو للتكلّم فيما إذا كان التذكر قبل الإتيان بالمنافي وقبل فوات الموالاة الّذي حكم (قدس سره) حينئذ بوجوب الإتيان بالسلام لبقاء المحل ، فيكون التكلّم عندئذ واقعاً أثناء الصلاة لا محالة فتجب سجدة السهو لأجله.

وأمّا حكمه (قدس سره) بالصحّة وعدم التدارك الراجع إلى مخرجية الاعتقاد على حد تعبير شيخنا الأُستاذ (قدس سره) فهو فيما إذا كان التذكر بعد الإتيان بالمنافي أو بعد فوات الموالاة بحيث لم يبق محل للتدارك ، وهذا فرض آخر غير الفرض الأوّل الّذي حكم فيه بسجود السهو للتكلّم ، ولم يلتزم بالسجود للتكلّم في هذه الصورة ، فأحد الحكمين في فرض ، والآخر في فرض آخر ولا تنافي بينهما بوجه كي يحتاج إلى الجمع بين الدعويين كما هو أوضح من أن يخفى.

.................................................................................................


وأمّا أصل المطلب وأنّ من نسي السلام حتّى أتى بالمنافي هل تصح صلاته أم تبطل؟ فالظاهر الصحّة كما ذكره الماتن (قدس سره) ودعوى أنّ المنافي حدث في الأثناء لانحصار المحلل في السلام مدفوعة :

أوّلاً : أنّه لم تثبت ولا رواية واحدة من أخبار التحليل ، لضعفها بأجمعها كما سبق (1)، وإنّما الثابت أنّ اختتام الصلاة بالتسليم وأنّه الجزء الأخير ، لا أنّ تحليلها به ، وحيث إنّ الجزئية منفية لدى النسيان بحديث لا تعاد ، فالتسليمة لا جزئية لها بالنسبة إلى الناسي ، ولا يكون اختتام الصلاة بها بالإضافة إليه. وعليه فالحدث واقع خارج الصلاة لا محالة دون أثنائها.

وثانياً : سلّمنا تمامية تلك الأخبار ، لكن ليس معنى محللية التسليم حصر الخروج عن الصلاة بالسلام بحيث لو أتى بالمنافي لا يخرج به إلّا إذا سبقه السلام ، فلو أراد التكلّم وجب عليه أن يسلِّم ويتكلّم ، فانّ هذا ليس بمراد قطعاً ، كيف ومن ارتكب المنافي بطلت صلاته المستلزم للخروج عنها ، أفهل يحتاج بعدئذ إلى المحلل ، بل معناه أنّ المصلِّي ما دام كونه مصلِّياً لا يحلِّله إلّا التسليم. وأمّا إذا فرضنا أنّه خرج عن الصلاة إمّا بالإبطال أو بغيره بحيث لا يطلق عليه عنوان المصلِّي وقتئذ فهو غير محتاج إلى المحلِّل بالضرورة.

وعليه فالحدث ونحوه من سائر المنافيات الصادرة سهواً واقعة خارج الصلاة بعد ملاحظة أنّ السلام المنسي لا جزئية له حال النسيان بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت ، فببركة الحديث يحكم بخروج الحدث ونحوه عن كونه حدثاً في الصلاة ، إذ لا مانع من شمول الحديث بالإضافة إلى السلام المنسي إلّا الحكم بالبطلان من ناحية وقوع الحدث في الصلاة ، لكن هذه المانعية غير معقولة لاستلزام الدور ، لوضوح أنّ البطلان المزبور موقوف على


1) في ص 295.

.................................................................................................


عدم شمول الحديث للسلام المنسي ، إذ مع الشمول لا جزئية للسلام فلا يكون الحدث في الأثناء فلا بطلان ، فلو كان عدم الشمول مستنداً إلى البطلان ومتوقفاً عليه كان هذا من الدور الظاهر ، فهذه المانعية ساقطة.

ولم يكن ثمة مانع آخر عن شمول الحديث بالإضافة إلى السلام المنسي عدا ما يتوهّم من توقف الشمول على إحراز صحّة الصلاة من بقية الجهات مع قطع النظر عن نفس الحديث ، وهذا غير ممكن في المقام من غير ناحية الشمول كما لا يخفى.

ويندفع بعدم الدليل على هذه الدعوى عدا لزوم اللغوية من شمول الحديث لو لم تكن الصحّة محرزة من سائر الجهات ، فلا بدّ من فرض صحّة الصلاة ظاهراً أو واقعاً من النواحي الأُخر حذراً من اللغوية المترتبة على جريان القاعدة مع فرض البطلان من ناحية أُخرى ، لكن اللغوية ترتفع في خصوص المقام بالحكم بصحّة الصلاة فعلاً ، ولو كان ذلك من ناحية نفس الحديث ، إذ يثبت به أنّ التسليم ليس جزءاً من الصلاة حال النسيان ، ونتيجته عدم وقوع الحدث أثناء الصلاة فتحرز بذلك الصحّة الفعلية ولو كان ذلك ناشئاً من نفس الحديث كما عرفت ، فلا تلزم اللغوية من شموله للمقام بوجه كما هو واضح جدّاً. فهذه الدعوى أيضاً ساقطة.

وأوضح منها فساداً : ما قد يدعى من أنّ الحدث مهما وقع فهو في الأثناء لأنّ الخروج عن الصلاة معلول للحدث ، فهو في مرتبة متأخِّرة عنه لتأخّر المعلول عن العلّة بحسب المرتبة ، ففي المرتبة السابقة على الخروج كان الحدث واقعاً أثناء الصلاة لا محالة ، لتقدّم العلّة فمن أجله يحكم بالبطلان.

إذ فيه : ما لا يخفى ، ضرورة أنّ المعلول وإن كان متأخِّراً عن العلّة رتبة لكنهما متقارنان زماناً ، فزمان الحدث هو بعينه زمان الخروج من غير سبق

.................................................................................................


ولحوق ، ولا شكّ أنّ أدلّة البطلان ناظرة إلى وقوع المنافي في الأثناء بحسب الزمان ، إذ لا أثر للتأخّر الرتبي المبني على التدقيق العقلي في الحكم الفقهي المحوّل إلى الفهم العرفي كما لا يخفى.

وثالثاً : لو سلّم كل ما ذكر فإنّما يتم لو قلنا بأنّ الحدث مانع قد اعتبر عدمه في نفس الصلاة بما لها من الأجزاء والأكوان المتخلِّلة بينها ، ولكن لا يبعد دعوى اختصاص الاعتبار بذوات الأجزاء كما يقتضيه قوله عليه‌السلام «لا صلاة إلّا بطهور» (1)، أي نفس هذه الأجزاء التي تتألّف منها الصلاة مشروطة بالطهارة ، أو أنّ الحدث مانع عنها فلو وقع الحدث أثناء الصلاة كما بين الركوع والسجود لم يكن ثمة مانع من التوضي والإتمام إلّا ما دلّ على قاطعية الحدث وإلّا فمجرّد اعتبار المانعية الراجع إلى الاشتراط المزبور لا ينافي ذلك كما هو الحال في اشتراط الطمأنينة في الأجزاء القابل للتدارك لدى الإخلال ، فعدم إمكان التدارك والإتمام في المقام ليس إلّا من أجل دليل اعتبار القاطعية للحدث.

وعليه ففي مفروض الكلام ، أعني ما لو أحدث بعد التشهّد وقبل السلام ، لم يكن هناك مانع من تدارك الطهارة من ناحية الشرطية أو مانعية الحدث ، وإنّما المانع ما دلّ على أنّ الحدث قاطع وأنّه بعد حصوله لا تنضم الأجزاء اللّاحقة بالسابقة ، فليكن الأمر كذلك ، إذ هذا لا ضير فيه في المقام بعد أن كانت التسليمة اللّاحقة جزءاً غير ركني منفياً بحديث لا تعاد ، فعلى تقدير تسليم جميع ما مرّ لا يتم ذلك في مثل الحدث قبل السلام فإنّه لو أضرّ فإنّما هو من حيث القطع ولا محذور فيه كما عرفت.

ورابعاً : لو سلّم هذا أيضاً فلا نسلِّمه في الفصل الطويل بمقدار لا يمكن معه


1) الوسائل 1 : 365 / أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

نعم ، عليه سجدتا السهو للنقصان (1)بتركه (1) وإن تذكر قبل ذلك أتى به (2) ولا شي‌ء عليه إلّا إذا تكلّم فيجب عليه سجدتا السهو (3) ، ويجب فيه الجلوس (4) وكونه مطمئنا (5).


الضم ، إذ لا دليل على إبطال الفصل المزبور إلّا من ناحية الوحدة العرفية واعتبار الهيئة الاتِّصالية بين أجزاء الصلاة ، فإذا شمل الحديث للسلام وأسقطه عن الجزئية في ظرف النسيان فلتكن الهيئة غير باقية بعد أن لم يكن السلام ركناً يقدح فقده.

فتحصّل : أنّ ما ذكره الماتن (قدس سره) هو الصحيح وإن كانت الإعادة أحوط ، واللّه سبحانه أعلم.

(1) بناءً على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة.

(2) لعدم الموجب لسقوطه بعد بقاء المحل وإمكان التدارك.

(3) لما سيجي‌ء في محله إن شاء اللّه تعالى من وجوبهما للكلام سهواً.

(4) يدل عليه بعد التسالم وعدم الخلاف فيه قوله عليه‌السلام في موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : «إذا جلست في الركعة الثانية إلى أن قال عليه‌السلام في آخرها ثمّ تسلِّم» (2)الظاهر في اشتراك التسليم مع التشهّد في وجوب الجلوس ، ونحوها غيرها ممّا تقدّم في التشهّد.

(5) للإجماع المدّعى في كلمات غير واحد ، مضافاً إلى إمكان استفادته من قوله عليه‌السلام في رواية سليمان بن صالح «... وليتمكن في الإقامة كما


1) (*) على الأحوط كما سيجي‌ء في محلّه.

2) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

وله صيغتان هما : «السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين» و «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته» والواجب إحداهما ، فإن قدّم الصيغة الأُولى كانت الثانية مستحبّة (1).


يتمكن في الصلاة ...» إلخ (1).

ولو نوقش في الإجماع بعدم وضوح انعقاده على اعتبار الطمأنينة في مجموع الصلاة بما لها من الأجزاء التي منها السلام ، وكذا في الرواية بعدم دلالتها إلّا على اعتبارها في الصلاة في الجملة لا مطلقاً لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، كان اعتبار الطمأنينة في السلام محل إشكال كما تقدّم (2)نظيره في التشهّد.

(1) اختلف الفقهاء (قدس اللّه أسرارهم) فيما هو المخرج من الصلاة من الصيغتين المزبورتين على أقوال :

فالمشهور من زمن المحقِّق ومن بعده هو التخيير وحصول الخروج والتحليل بكل واحدة منهما ، وقيل بتعين الصيغة الثانية في الوجوب واستحباب الاولى ولعلّه ظاهر أكثر القائلين بوجوب السلام ، وقيل بالعكس وأنّ الاولى واجبة والثانية مستحبّة ، وقيل بوجوبهما معاً ذهب إليه جمال الدين بن طاوس (3)واختار صاحب الحدائق (4)أنّ الاولى مخرجة والثانية محلِّلة وبه جمع بين نصوص الباب.


1) الوسائل 5 : 404 / أبواب الأذان والإقامة ب 13 ح 12.

2) في ص 276.

3) حكاه عنه في الذكرى 3 : 431.

4) الحدائق 8 : 487.

.................................................................................................


والأصح هو القول الأوّل ، ويتّضح ذلك بإبطال بقية الأقوال.

أمّا القول الثاني : فتدفعه النصوص الناطقة بحصول الخروج من الصلاة بالصيغة الأُولى التي منها صحيحة الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام كل ما ذكرت اللّه عزّ وجلّ به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة ، وإن قلت السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فقد انصرفت» ، ونحوها غيرها كخبر أبي كهمس وأبي بصير (1).

وأمّا القول الثالث : فيدفعه أوّلاً : قيام الإجماع على خلافه ، لتسالمهم على حصول الخروج بالأخيرة إمّا متعيِّناً أو مخيّراً بينها وبين الاولى حتّى أنّ الشهيد (2)ادّعى أنّ من قال بتعين الاولى فقد خرج عن الإجماع من دون شعور.

وثانياً : المطلقات الدالّة على أنّ افتتاحها التكبير واختتامها التسليم ، فإنّها شاملة للصيغة الأخيرة لو لم تكن منصرفة إليها كما قد يشهد لهذا الانصراف استعمال التسليم في خصوص الثانية في جملة من النصوص كموثقة يونس بن يعقوب قال : «قلت لأبي الحسن عليه‌السلام : صلّيت بقوم صلاة فقعدت للتشهّد ثمّ قمت ونسيت أن أُسلِّم عليهم ، فقالوا : ما سلمت علينا ، فقال : ألم تسلِّم وأنت جالس ، قلت : بلى ، قال : فلا بأس عليك ولو نسيت حين قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت السلام عليكم» (3)حيث إنّ السائل مع كونه آتياً بالسلام الأوّل عبّر بنسيان السلام الكاشف عن ظهوره في الأخيرة. إذن فهي القدر المتيقن من السلام المأمور به في الروايات.


1) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1 ، 2 ، 5.

2) الذكرى 3 : 432.

3) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 5.

.................................................................................................


بل قد يظهر من بعض النصوص الدالّة على كفاية الصيغة الاولى أنّ ذلك من أجل أنّها مصداق للسلام لا لخصوصية فيها فتشمل السلام الثاني أيضاً كموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا نسي الرجل أن يسلِّم فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فقد فرغ من صلاته» (1).

ونحوها ما ورد (2)من أنّ ابن مسعود أفسد على القوم صلاتهم حيث قدّم «السلام علينا» على التشهّد (3)حيث يظهر منها أنّ المخرج هو مطلق السلام وأنّه وقع في غير محله من غير خصوصية للصيغة الاولى.

وثالثاً : الروايات الخاصّة الدالّة على كفاية الصيغة الثانية التي منها موثقة أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «قلت له إنِّي أُصلِّي بقوم ، فقال تسلِّم واحدة ولا تلتفت ، قل : السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته السلام عليكم ...» الحديث (4). وحيث إنّ السلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله غير مخرج قطعاً فيتعيّن الخروج بالسلام الأخير.

والراوي الأخير ، أعني الحضرمي وإن لم يوثق صريحاً إلّا أنّه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي ، هذا.

وهناك صحاح ثلاث لعبد الحميد بن عواض وللفضلاء ولعبيد اللّه الحلبي (5)وهي ظاهرة الدلالة في إرادة السلام الأخير ، ولا أقل من شمول إطلاقها له حيث إنّه القدر المتيقن منه كما مرّ. إذن فلا ينبغي التأمّل في ضعف هذا القول


1) الوسائل 6 : 423 / أبواب التسليم ب 3 ح 1.

2) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 12 ح 2.

3) [مفاد الرواية أنّه شرع السلام في التشهد الأوّل ، أي في الركعة الثانية].

4) الوسائل 6 : 427 / أبواب التسليم ب 4 ح 3.

5) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 3 ، 5 ، 6.

.................................................................................................


أيضاً كسابقه.

وأمّا القول الرابع : وهو وجوبهما معاً فامّا أن يراد من وجوب الثانية وجوبها ضمناً وبعنوان الجزئية للصلاة ، أو يراد وجوبها مستقلا وكلاهما باطل.

أمّا الأوّل : فللمناقضة الظاهرة ، إذ بعد فرض وجوب الاولى المستلزم لاتِّصافه بالمخرجية والفراغ من الصلاة فما معنى بقاء جزء آخر المستلزم لعدم الخروج ، وهل يعقل الجزئية لما هو خارج عن المركب.

وأمّا الثاني : فمقطوع البطلان ، لتطابق النص والفتوى على أنّ التسليم إنّما يجب لكونه الجزء الأخير من الصلاة لا لوجوبه الاستقلالي ، وأنّه لا يجب شي‌ء بعد الخروج من الصلاة بضرورة الفقه.

وأمّا مقالة صاحب الحدائق من اتِّصاف الاولى بالمخرجية ، والثانية بالمحللية فغير قابلة للتصديق ، إذ ليت شعري بعد تحقّق الخروج من الصلاة بالصيغة الأُولى حسبما اعترف به ، المساوق لسلب الوصف العنواني عن المصلِّي وعدم اتِّصافه عندئذ بكونه مصلّياً ، فأيّ حاجة بعد هذا إلى المحلل ، فانّ الموضوع لجميع ما حرّم على المصلِّي بالتكبير من أدلّة المنافيات والقواطع إنّما هو ارتكاب شي‌ء منها أثناء الصلاة ، أمّا بعد الخروج كما هو المفروض فلا محرم ليحتاج إلى المحلل ، كما يدل عليه بوضوح قوله عليه‌السلام في صحيحة الحلبي : «يسلِّم من خلفه ويمضي في حاجته إن أحبّ» (1)حيث إنّه كالصريح في أنّه بعد حصول طبيعي التسليم الصادق على الصيغة الأُولى تحل المنافيات وله المضي حيثما شاء.

ومثلها موثقة عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن التسليم ما


1) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 6.

بمعنى كونها جزءاً مستحبّاً لا خارجاً (1)


هو؟ قال : هو إذن» (1)فإنّها واضحة الدلالة على حصول الاذن المساوق للتحليل بمطلق ما صدق عليه التسليم ، من غير فرق بين الاولى والثانية. إذن فتخصيص المحللية بالثانية والمخرجية بالأُولى ممّا لا محصل له.

والمتحصِّل من جميع ما تقدّم : أنّ ما عليه المشهور بين المتأخِّرين من القول بالتخيير هو الصحيح ، لأنّه مقتضى الجمع بين الأمر بإحدى الصيغتين في صحيحة الحلبي وبالأُخرى في موثقة الحضرمي بعد القطع بعدم إرادة الوجوب التعييني كما عرفت ومقتضاه جواز الاقتصار على إحدى الصيغتين ، كما أنّه لدى الجمع تتّصف الاولى طبعاً بالوجوب والثانية بالاستحباب بالمعنى الّذي ستعرفه ، وقد حمل بعضهم كلام القدماء القائلين باستحباب التسليم على هذا المعنى ، أي استحباب الثانية بعد الاولى.

(1) لا إشكال في استحباب الصيغة الثانية بعد أداء الوظيفة بالصيغة الأُولى لتعلّق الأمر بها في النص وجريان السيرة على الجمع.

وإنّما الكلام في أنّها جزء مستحب أو مستحب نفسي واقع خارج الصلاة كالتعقيب؟

اختار جمع منهم السيِّد الماتن الأوّل ، ويستدل له بموثقة أبي بصير الطويلة الواردة في كيفية التشهّد (2)حيث تضمّنت الأمر بالتسليم الأخير في عداد الأمر ببقية الأجزاء ، الظاهر في كونه مثلها في الجزئية.


1) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 7.

2) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

وإن قدّم الثانية اقتصر عليها (1).

وأمّا السلام عليك أيُّها النبيّ ، فليس من صيغ السلام بل هو من توابع التشهّد (2).


وربّما تعارض بروايته الأُخرى الظاهرة في الاستقلال حيث ورد فيها : «وتقول السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثمّ تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة السلام عليكم ...» إلخ (1). ولكنّها من أجل ضعف سندها بمحمّد بن سنان ساقطة وغير صالحة للمعارضة.

وأما الموثقة فلا سبيل للأخذ بظاهرها ، لما تقدّم غير مرّة من منافاة الجزئية مع الاستحباب ، وأنّ الجزء الاستحبابي في نفسه أمر غير معقول سيّما في مثل المقام ممّا وقع خارج العمل وبعد انقطاع الصلاة والفراغ عنها ، فان عدم معقولية الجزئية حينئذ أوضح كما لا يخفى. فلا مناص إذن من حملها على إرادة الاستحباب النفسي كالقنوت ، غاية الأمر أنّ ظرف القنوت أثناء العمل والتسليم بعد الانتهاء منه.

(1) لعدم الدليل على استحباب إيقاع الاولى بعدها كما اعترف به غير واحد ، وإن كان ظاهر عبارة المحقِّق (2)والشهيد في اللّمعة (3)ذلك ، نعم لا بأس به بناءً على قاعدة التسامح وشمولها لفتوى الفقيه.

(2) فلا يتحقّق الخروج به ، خلافاً لما نسب إلى الراوندي (4)من كونه مخرجاً


1) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 8.

2) الشرائع 1 : 108 ، المعتبر 2 : 234.

3) الروضة البهية 1 : 277.

4) حكاه عنه في الذكرى 3 : 421.

وليس واجباً بل هو مستحب ، وإن كان الأحوط عدم تركه لوجود القائل بوجوبه (1).


وإن كان مستحباً ، ولعلّه لإطلاق بعض الروايات المتضمِّنة لمخرجية السلام بدعوى شمولها للمقام وعدم انحصاره في الصيغتين الأخيرتين.

ولكن الإطلاق لو تمّ كما لا يبعد لم يكن بدّ من الخروج عنه بما دلّ صريحاً على عدم كونه مخرجاً ، ففي صحيح الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام كل ما ذكرت اللّه عزّ وجلّ به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة ، وإن قلت : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فقد انصرفت» (1)فإنّها كالصريح في أنّ السلام عليه صلی اللّه عليه وآله من مصاديق ذكره المعدود من أجزاء الصلاة ، ولا يتحقّق الانصراف إلّا بالصيغة الأُخرى.

وأصرح منها رواية أبي كهمس عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الركعتين الأوّلتين إذا جلست فيهما للتشهّد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته انصراف هو؟ قال : لا ولكن إذا قلت : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فهو الانصراف» (2).

فإنّها واضحة الدلالة في كون السلام عليه صلی اللّه عليه وآله من توابع التشهّد وعدم كونه مخرجاً. نعم ، هي ضعيفة السند بأبي كهمس حيث لم تثبت وثاقته فلا تصلح إلّا للتأييد. على أنّ المسألة مجمع عليها حيث لم يذهب أحد إلى حصول الانصراف بالسلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله غير الراوندي كما عرفت.

(1) بعد ما عرفت من عدم كون هذا السلام مخرجاً فهل هو واجب أو


1) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

2) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 2.

.................................................................................................


مستحب؟ المشهور والمعروف هو الثاني ، ونسب الوجوب إلى بعضهم كالجعفي في الفاخر (1)، ومال إليه في كنز العرفان (2)، ويستدل للوجوب بروايات.

منها : موثقة أبي بصير الطويلة الواردة في كيفية التشهّد (3)حيث ورد في ذيلها الأمر بالسلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وظاهر الأمر هو الوجوب.

ويندفع : بأن اشتمالها على كثير من المستحبّات يستوجب ضعف الظهور المزبور ، فانّا وإن ذكرنا في الأُصول (4)أنّ الاستحباب كالوجوب بحكم العقل ومنتزع من الاقتران بالترخيص في الترك فغير المقرون محكوم بالوجوب ومن ثمّ أنكرنا قرينية السياق فيما لو اشتملت الرواية على أوامر تثبت استحباب بعضها من الخارج ، حيث حكمنا بالوجوب في غير الثابت لمكان عدم الاقتران إلّا أنّ خصوص هذه الموثقة لما كانت مشتملة على كثير من التحيّات والمسنونات بحيث يستظهر عدم ورودها لبيان أجزاء الصلاة الأصلية بل لبيان الفرد الأكمل والمصداق الأفضل ، فهي في قوّة الاقتران بالترخيص في الترك ، فعليه لا ينعقد للأمر المزبور ظهور في الوجوب.

وعلى تقدير التنازل وتسليم الظهور ، فلا مناص من رفع اليد عنه بما هو كالصريح في عدم الوجوب كصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (5)وصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «في الرجل يكون خلف الإمام فيطيل الإمام التشهّد ، فقال :


1) حكاه عنه في الذكرى 3 : 420.

2) كنز العرفان : 142.

3) الوسائل 6 : 393 / أبواب التشهّد ب 3 ح 2.

4) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 131 و 132.

5) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 5.

.................................................................................................


يسلِّم من خلفه ويمضي في حاجته» (1)حيث يظهر منها بوضوح عدم وجوب شي‌ء بعد التشهّد ما عدا سلام الانصراف المنحصر في الصيغتين الأخيرتين كما تقدّم (2).

ومنها : موثقة أبي بكر الحضرمي قال «قلت له : إنِّي أُصلِّي بقوم فقال سلّم واحدة ولا تلتفت ، قل السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السلام عليكم» (3).

وفيه : مضافاً إلى قصور المقتضي بعدم كونه عليه‌السلام بصدد بيان السلام الواجب ، بل في مقام بيان كفاية المرّة وعدم الحاجة إلى التكرار بالسلام تارة إلى اليمين وأُخرى إلى الشمال ، ولعلّ التعرّض لصيغة السلام عليك أيُّها النبيّ مبني على المتعارف الخارجي توطئة للسلام المخرج من غير نظر إلى وجوبه أو استحبابه ، فالمقتضي للظهور في الوجوب قاصر في حدّ نفسه أنّه مع تسليم الظهور لم يكن بدّ من رفع اليد عنه والحمل على الاستحباب ، للنصوص الظاهرة في عدم الوجوب كما عرفت آنفا.

ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا كنت إماماً فإنّما التسليم أنّ تسلِّم على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وتقول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين ، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ...» إلخ (4).

وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها بمحمّد بن سنان ، أنّها محمولة على الاستحباب ، لأنّ السلام الواجب هو السلام المخرج بمقتضى صحيحتي الفضلاء


1) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 6.

2) في ص 325.

3) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 9.

4) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 8.

ويكفي في الصيغة الثانية «السلام عليكم» بحذف قوله «ورحمة اللّه وبركاته» وإن كان الأحوط ذكره (1). بل الأحوط الجمع بين الصيغتين بالترتيب المذكور


وعبيد اللّه الحلبي المتقدِّمتين (1)حيث يظهر منهما بوضوح أنّه لا يجب بعد التشهّد إلّا السلام المخرج ، وحيث إنّ السلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله لم يكن مخرجاً بمقتضى صحيحة الحلبي المتقدِّمة (2)فلا جرم يكون المراد ممّا اتّصف بالمخرجية في هذه الرواية خصوص السلام علينا ، ومقتضاه كون السلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله مستحبّاً.

والمتحصِّل : من جميع ما مرّ : قصور النصوص المتقدِّمة عن الدلالة على الوجوب. وأضعف من الكل الاستدلال بقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3)بدعوى ظهور الأمر في الوجوب ، وحيث لا يجب التسليم عليه صلی اللّه عليه وآله في سائر موارد الصلاة إجماعاً ، فتقيّد الآية بهذا المورد ، أعني ما بعد التشهّد الثاني.

إذ فيه : مضافاً إلى أنّ المراد بالتسليم في المقام هو الانقياد والإطاعة لا صيغة السلام المتعارفة كما لا يخفى ، فالآية أجنبية عن محل الكلام بالكلِّيّة أنّه مع التسليم ، فالآية الشريفة مطلقة وحمل المطلق على فرد خاص وهو حال الصلاة في مورد مخصوص منها مع بعده في نفسه يحتاج إلى الدليل ولا دليل. فتحصّل أنّ الأظهر استحباب السلام على النبيّ صلی اللّه عليه وآله كما عليه المشهور.

(1) بعد الفراغ عن الوجوب التخييري للصيغتين يقع الكلام في تعيين


1) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 5 ، 6.

2) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

3) الأحزاب 33 : 56.

.................................................................................................


صورتهما.

أمّا الصيغة الثانية ، فالمعروف والمشهور كفاية السلام عليكم ، وبإزائه قولان : أحدهما : ما عن جماعة منهم أبو الصلاح الحلبي (1)من إضافة «ورحمة اللّه» استناداً إلى صحيح علي بن جعفر قال : «رأيت إخوتي موسى وإسحاق ومحمّداً بني جعفر عليه‌السلام يسلِّمون في الصلاة عن اليمين والشمال السلام عليكم ورحمة اللّه ، السلام عليكم ورحمة اللّه» (2).

وفيه : أنّه حكاية فعل مجمل العنوان ، فانّ عمل المعصوم عليه‌السلام لا يدل على أكثر من الرجحان.

ثانيهما : ما عن ابن زهرة (3)وجماعة من ضم «وبركاته» أيضاً ، استناداً إلى ما في صحيح المعراج من قوله صلی اللّه عليه وآله : «فقال لي يا محمّد سلِّم فقلت : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ...» إلخ (4).

وفيه : أيضاً ما عرفت ، من أنّ فعل المعصوم عليه‌السلام أعمّ من الوجوب ، نعم أمره سبحانه نبيّه صلی اللّه عليه وآله ظاهر في الوجوب ، لكن المأمور به مطلق التسليم لا تلك الكيفية الخاصّة ، فلعلّه اختار صلی اللّه عليه وآله في مقام العمل الفرد الأفضل.

وبالجملة : فالقولان ضعيفان ، لضعف مستندهما ، مضافاً إلى ما عن العلّامة (5)من دعوى الإجماع على عدم وجوب ضمّ الجملتين المزبورتين ، فالأقوى إذن


1) الكافي في الفقه : 119.

2) الوسائل 6 : 419 / أبواب التسليم ب 2 ح 2.

3) لاحظ الغنية : 81 ، 85 وحكاه عنه في الحدائق 8 : 501.

4) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10.

5) المنتهى 1 : 296 السطر 34.

.................................................................................................


ما عليه المشهور.

ويمكن الاستدلال له أوّلاً : بالنصوص الخاصّة التي منها موثقة أبي بكر الحضرمي المتقدِّمة (1).

ودعوى أنّ ما تضمنته من قوله : السلام عليكم ، من باب استعمال اللفظ في اللفظ فيراد به التسليم المتداول بين الناس المشتمل على تلك الزيادة ، مدفوعة بأنّ هذا الاستعمال وإن كان واقعاً في لغة العرب إلّا أنّه لا ريب في كونه خلاف الظاهر جدّاً لا يصار إليه من غير قرينة ، وحيث لا قرينة فلا يمكن المصير إليه. فلا مناص من الأخذ بظاهرها من كفاية تلك العبارة من غير الزيادة.

ومنها : موثقة يونس بن يعقوب : «... ولو نسيت حتّى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت : السلام عليكم» (2)فإنّها صريحة في حصول تدارك المنسي بهذه الصيغة فحسب ، ومقتضى ذلك عدم وجوب الزائد عليها.

ومنها : غير ذلك كروايتي أبي بصير ، وابن أبي يعفور (3)وإن لم تكونا نقيتي السند ولا تصلحان إلّا للتأييد.

وثانياً : بإطلاق بعض الأخبار كقوله عليه‌السلام في صحيحة الفضلاء : «فان كان مستعجلاً في أمر يخاف أن يفوته فسلّم وانصرف أجزأه» (4). وفي صحيحة عبيد اللّه الحلبي : «يسلِّم من خلفه ويمضي في حاجته إن أحبّ» (5)فانّ مقتضاه جواز الاقتصار على هذا المقدار من دون ضم تلك الزيادة.

وثالثاً : بالأصل العملي وهو أصالة البراءة عن تلك الزيادة بعد كون المقام


1) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 9.

2) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 5.

3) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 8 ، 11.

4) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 5 ، 6.

5) الوسائل 6 : 416 / أبواب التسليم ب 1 ح 5 ، 6.

.................................................................................................


من موارد الدوران بين الأقل والأكثر.

ودعوى : أنّ الّذي يترتّب على هذا الأصل إنّما هو نفي الجزئية أو الشرطية ولا تثبت به المحللية فالمرجع حينئذ استصحاب بقاء التحريم حتّى يثبت المحلل ، مدفوعة : بأنّ الموضوع للمحلل إنّما هو السلام الواجب كما تقدّم ، إذن فالشك في حصول التحليل في المقام مستند إلى الشك في وجوب تلك الزيادة وبعد نفيه بالأصل المزبور لم يبق شك في حصول المحللية كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ القول المشهور هو الأظهر ، وإن كان الأحوط الضم حذراً عن الخلاف.

وهناك خلاف آخر في هذه الصيغة من تعريف السلام وتنكيره وستعرفه.

وأمّا الصيغة الأُولى ، فظاهر النصوص والفتوى اعتبار الصيغة بكاملها ولكن صاحب الجواهر ذكر في نجاة العباد (1)أنّ الأصح الاجتزاء ب- «السلام علينا» ويستدل له بصدق التسليم عليه فتشمله الإطلاقات.

ويندفع : بانصرافها إلى ما هو المعهود المتعارف من هذه الصيغة ، ولا ريب أنّ المتعارف هي تمام الصيغة بكاملها. ومع الغض عن ذلك فيقيّد الإطلاق بما دلّ على أنّ المخرج هي الصيغة الكاملة كصحيحة الحلبي (2)وغيرها.

ودعوى عدم الريب في بطلان الصلاة بقول «السلام علينا» في غير محله فيكشف المبطلية عن المخرجية بيِّنة الفساد ، ضرورة عدم الملازمة بين الأمرين فإنّ المبطل هو مطلق ما صدق عليه السلام ، لكونه من كلام الآدميين ، وأمّا السلام المخرج الّذي هو جزء من المأمور به فهو حصّة خاصّة منه وهي الصيغة


1) نجاة العباد : 134.

2) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

ويجب فيه المحافظة على أداء الحروف والكلمات على النهج الصحيح مع العربية ، والموالاة (1) ، والأقوى عدم كفاية قوله «سلام عليكم» بحذف الألف واللّام (2).


المخصوصة بكاملها فلو لم يستكملها لم يتحقّق الخروج بحيث لو أتى حينئذ بالمنافي بطلت الصلاة لوقوعه في أثنائها ، فلا سبيل إذن للكشف المزبور بوجه.

(1) للزوم أداء الصيغة بالكيفية الواردة في لسان الأدلّة بعد ظهورها في لزوم رعايتها ، فالإخلال بها على نحو يقدح في المصداقية لتلك الكيفية إخلال بالمأمور به ، بل إفساد للصلاة ، نظراً للتكلّم العمدي قبل حصول المحلل والخروج منها.

(2) خلافاً للمحقِّق في المعتبر (1)والعلّامة في التذكرة (2)حيث ذهبا إلى الكفاية.

واستدلّ له المحقِّق تارة بالإطلاقات ، بعد وضوح صدق اسم التسليم على العاري من أداة التعريف.

وفيه : مضافاً إلى انصرافها إلى السلام المتعارف وهو خصوص المعرّف كيف ولو بني على الأخذ بالإطلاق لساغ مطلق السلام كيف ما كان ولو بالتسليم على أحد الأئمّة عليهم‌السلام وهو كما ترى لم يلتزم به حتّى المحقِّق نفسه أنّه لو سلّم الإطلاق لم يكن بدّ من تقييده بما في النصوص كموثقة الحضرمي (3)حيث قد ورد فيها معرّفاً.


1) المعتبر 2 : 236.

2) التذكرة 3 : 247.

3) الوسائل 6 : 421 / أبواب التسليم ب 2 ح 9.

.................................................................................................


وأُخرى بوروده في الكتاب العزيز منكّراً كقوله تعالى ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (1).

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ الصيغ الواردة للسلام في الكتاب العزيز كثيرة كقوله تعالى ( وَسَلامٌ عَلَيْهِ ) (2)، ( وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) (3)، ( سَلامٌ عَلى إِلْ‌ياسِينَ ) (4)، ولا شكّ في عدم الاجتزاء بشي‌ء منها ، إذ المأمور به في الصلاة حصّة خاصّة ذات صيغة مخصوصة كما دلّت عليه النصوص المتقدِّمة لا بدّ من المحافظة عليها وعدم التعدِّي عنها ، فمجرّد الورود في القرآن الكريم لا يصلح حجّة في المقام.

واستدلّ له العلّامة أيضاً تارة : بما ورد من أنّ علياً عليه‌السلام كان يقول ذلك عن يمينه وشماله ، وأُخرى : بأنّ التنوين يقوم مقام اللّام فإنّه بدل منه.

وكلاهما كما ترى ، فإنّ الأوّل لم يثبت من طرقنا. على أنّ من الجائز أنّه عليه‌السلام كان يقول ذلك بعد أداء السلام الواجب والخروج من الصلاة فكان عليه‌السلام يسلِّم على من في يمينه وشماله من الجماعة بهذه الكيفية ولا ضير فيه.

وأمّا الثاني ، ففيه : أنّ البدلية وإن صحّت لكنّها بمجرّدها لا تستوجب قيام البدل مقام المبدل منه وإجزائه عنه ما لم ينهض دليل عليه ، ولا دليل على الإجزاء في المقام.


1) الزّمر 39 : 73.

2) مريم 19 : 15.

3) الصّافّات 37 : 181.

4) الصّافّات 37 : 130.

[1661] مسألة 1 : لو أحدث أو أتى ببعض المنافيات الأُخر قبل السلام بطلت الصلاة ، نعم لو كان ذلك بعد نسيانه بأن اعتقد خروجه من الصلاة لم تبطل (1) والفرق أنّ مع الأوّل يصدق الحدث في الأثناء ومع الثاني لا يصدق ، لأنّ المفروض (1)أنّه ترك نسياناً جزءاً غير ركني فيكون الحدث خارج الصلاة.


وتوهّم أنّ التسليم المنكّر يكون مبطلاً ومخرجاً عن الصلاة لو وقع في غير محلّه فيكون مجزئاً لو وقع في محله ، قد عرفت الجواب عنه وأنّه ليس مطلق الخروج مجزئاً عن السلام الواجب وإلّا لأجزأ التسليم على النفس أو الغير أو أحد المعصومين عليهم‌السلام وهو كما ترى ، فالبطلان والخروج في هذه الموارد مستند إلى كونها من كلام الآدميين لا من أجل إجزائها عن السلام المأمور به كما هو واضح ، فما عليه المشهور من عدم الكفاية هو المتعيِّن.

(1) قد تقدّم (2)البحث حول هذه المسألة في مطاوي ما سبق من هذا الفصل بنطاق واسع وبيان مشبع ، فلاحظ ولا نعيد.


1) (*) يريد بذلك أنّ شمول حديث لا تعاد بالإضافة إلى السلام المنسي يخرج الحدث عن كونه حدثاً في الصلاة ، ولا مانع من شموله إلّا الحكم بالبطلان من ناحية وقوع الحدث في الصلاة إلّا أنّه غير ممكن ، لتوقفه على عدم شمول الحديث للسلام المنسي ، فلو كان عدم الشمول مستنداً إليه لزم الدور ، وأمّا دعوى توقف شمول الحديث على إحراز صحّة الصلاة من بقيّة الجهات ولا يمكن ذلك من غير جهة الشمول في المقام فمدفوعة بعدم الدليل عليه إلّا من ناحية اللغوية ، ومن الضروري أنّها ترتفع بالحكم بصحّة الصلاة فعلاً ولو كان ذلك من ناحية نفس الحديث ، وما يقال من أنّ الخروج من الصلاة معلول للحدث وفي مرتبة متأخِّرة عنه فالحدث واقع في الصلاة واضح البطلان ، مع أنّه لا يتم في القواطع كما يظهر وجهه بالتأمّل.

2) في ص 319.

[1662] مسألة 2 : لا يشترط فيه نيّة الخروج عن الصلاة ، بل هو مخرج قهراً وإن قصد عدم الخروج (1) لكنّ الأحوط عدم قصد عدم الخروج بل لو قصد ذلك فالأحوط إعادة الصلاة.


(1) إذ المأمور به هو ذات السلام لا المعنون بالخروج ليجب قصده. نعم هو متّصف بالمخرجية في اعتبار الشرع ، فالخروج حكم قهري مترتِّب عليه لا أنّه جزء مقوّم له ومأخوذ في الموضوع ليلزم تعلّق القصد به. ومنه تعرف عدم قدح قصد عدم الخروج فضلاً عن اعتبار قصد الخروج.

وبالجملة : بما أنّ السلام جزء صلاتي فلا بدّ من تعلّق القصد بذاته المتّصفة بكونها من أجزاء الصلاة كما هو الشأن في سائر الأجزاء ، وأمّا الزائد عليه من قصد الخروج أو عدم قصد عدم الخروج فلا دليل على اعتبار شي‌ء من ذلك بعد إطلاق الأدلّة ، سيّما وأنّ قصد عدم الخروج موجود في أكثر العوام ، لزعمهم عدم الخروج إلّا بالصيغة الأخيرة ، فيأتون بالأُولى قاصدين بها طبعاً عدم الخروج ، ولا يحتمل بطلان صلاتهم بذلك. نعم ، لو كان ذلك من باب التشريع بأن نوى السلام المحكوم بعدم المخرجية فحيث إنّه لم يكن من السلام الصلاتي بطل ، لرجوعه إلى عدم قصد الأمر ، وقد عرفت أنّ قصد كونه من الصلاة ممّا لا بدّ منه.

هذا ، وربّما يستدل للمطلوب بمعتبرة ميسر عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم ، قول الرجل : تبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك وإنّما هو شي‌ء قالته الجن بجهالة فحكى اللّه عنهم ، وقول الرجل : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين» (1).


1) الوسائل 6 : 409 / أبواب التشهّد ب 12 ح 1.

[1663] مسألة 3 : يجب تعلّم السلام على نحو ما مرّ في التشهّد (1) وقبله يجب متابعة الملقّن إن كان (2) وإلّا اكتفى بالترجمة (1)(3) ، وإن عجز فبالقلب ينويه مع الإشارة باليد على الأحوط ، والأخرس يخطر ألفاظه بالبال ويشير إليها باليد أو غيرها.


فانّ من المعلوم أنّ الناس كانوا يأتون بهذا السلام في التشهّد الأوّل المقصود به طبعاً عدم الخروج ، ومع ذلك حكم عليه بالإفساد والخروج من الصلاة.

وفيه : ما عرفت من حصول البطلان المستلزم للخروج من الصلاة بمطلق السلام الواقع في غير محله ، سواء قصد به الخروج أم قصد عدمه ، لكونه من كلام الآدميين ، وأين هذا من محل الكلام ، أعني السلام المأمور به الواقع في محله الّذي هو جزء صلاتي مخرج غير مبطل ، وأنّه هل يعتبر فيه قصد الخروج أو يقدح قصد عدمه أم لا؟ والمعتبرة ناظرة إلى الفرض الأوّل ولا ربط لها بما نحن فيه ، فلا ملازمة بين البطلان في غير محله وإن لم يقصد به الخروج ، وبين كونه مخرجاً في محله مطلقاً كما هو واضح لا يخفى.

(1) لحكومة العقل بلزوم تحصيل ما يتوقف الواجب عليه ، ومنه تعلّم أجزاء الصلاة ، من غير فرق بين ما كان من سنخ الأذكار وبين غيرها.

(2) لحصول الغرض بذلك ، إذ لا فرق في تحقّق المأمور به بين المباشرة بنفسه أو بواسطة الملقّن.

(3) كفاية الترجمة مبنية على التمسّك بقاعدة الميسور ، بدعوى أنّ الواجب هو إيجاد معنى التسليم بهذه الصيغة الخاصّة فلا يجزئ غيرها مع التمكن وإن أدّى معناها ، وأمّا لو تعذّر فينتقل إلى ما تيسّر وهو إيجاده بلفظ آخر ولو كان


1) (*) وجوب الترجمة مبني على الاحتياط.

[1664] مسألة 4 : يستحب التورّك في الجلوس حاله على نحو ما مرّ ووضع اليدين على الفخذين ويكره الإقعاء (1).

[1665] مسألة 5 : الأحوط أن لا يقصد بالتسليم التحيّة حقيقة (1)بأن يقصد السلام على الإمام أو المأمومين أو الملكين ، نعم ، لا بأس بأخطار ذلك بالبال ، فالمنفرد يخطر بباله الملكين الكاتبين حين السلام الثاني ، والإمام يخطرهما مع المأمومين (2).


من سنخ الترجمة كما هو الحال في بابي النكاح والطلاق.

ولكن الدعوى غير واضحة ، بل الظاهر أنّ الواجب إنّما هو نفس هذه الصيغة وإن لم يلتفت إلى معناها أبداً ، ومن البديهي أنّ الألفاظ متباينة ولا يعدّ شي‌ء منها ميسوراً للآخر بوجه. هذا مضافاً إلى أنّ القاعدة غير تامّة في نفسها.

إذن فمقتضى الصناعة سقوط التكليف لدى العجز ، فلا ملزم للانتقال إلى الترجمة فضلاً عن الاخطار بالبال والإشارة باليد لدى العجز عنها وإن كان ذلك مطابقاً للاحتياط.

نعم ، يتّجه الاخطار والإشارة بالنسبة إلى الأخرس خاصّة كما مرّ تفصيله في نظائر المقام.

(1) ولعلّه من أجل تبعية التسليم للتشهّد فيجري فيه ما مرّ فيه.

(2) ينبغي التكلّم في جهات :

الاولى : هل يجب قصد التحيّة عند التسليم؟ يظهر من بعض الفقهاء وجوب قصدها ولو إجمالاً أي من دون تعيين أنّ المقصود بالتحيّة هل هو الإمام أو


1) لا يبعد الجواز إذا قصد به تحيّة المقصودين بها واقعاً.

.................................................................................................


المأموم أو الملائكة أو غيرهم ولكنّه عار عن الدليل ، إذ لا يستفاد من الأدلّة ما عدا أداء عنوان التسليم بالصيغة الخاصّة ، وأمّا القصد المزبور فلا دليل عليه.

نعم ، لا مناص من قصد عنوان التسليم ولو إجمالاً وارتكازاً كسائر العناوين من الركوع والسجود ونحوهما.

وأمّا قصد عنوان التحيّة زائداً على ذلك فلا دليل عليه بوجه.

الجهة الثانية : لو قصد به التحيّة فهل تبطل صلاته؟ ظاهر الجواهر هو البطلان ، للنهي عن الابتداء بالتحيّة في الصلاة ، ولأصالة عدم التداخل ، ولأنه من كلام الآدميين (1).

ويندفع : بعدم الضير في كون التسليم المقصود به التحيّة محللاً ومصداقاً للسلام الواجب وإن كان من كلام الآدميين بعد أن كان ذلك مطابقاً لظواهر جملة من الأخبار ، كقوله صلی اللّه عليه وآله في صحيح المعراج : «... ثمّ التفتّ فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيِّين والمرسلين ، فقال لي : يا محمّد سلِّم ، فقلت : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فقال : يا محمّد إنِّي أنا السلام والتحيّة والرحمة ...» إلخ (2).

وكصحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن صلاة الخوف إلى أن قال عليه‌السلام ويتشهّدون ويسلِّم بعضهم على بعض ...» إلخ (3). وموثقة يونس بن يعقوب الواردة في نسيان التسليم : «لو نسيت حتّى قالوا لك


1) الجواهر 10 : 343.

2) الوسائل 5 : 465 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 10.

3) الوسائل 8 : 436 / أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب 2 ح 4.

والمأموم يخطرهم مع الإمام (1) ، وفي «السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين»


ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت السلام عليكم» (1)المؤيّدة برواية المفضل بن عمر قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن العلّة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال لأنّه تحليل الصلاة إلى أن قال قلت : فلِمَ صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال : لأنّه تحيّة الملكين» (2).

فإنّه يستفاد من هذه النصوص بعد ضم بعضها ببعض بوضوح عدم قدح قصد التحيّة في صحّة التسليم ، وبها يقيّد النهي عن ابتداء التحيّة في الصلاة وعن كلام الآدميين ، كما أنّها رافعة لموضوع أصالة عدم التداخل كما لا يخفى.

الجهة الثالثة : مَن هو المقصود بالتحيّة عند قولنا : السلام عليكم؟ يظهر من رواية عبد اللّه بن الفضل الهاشمي (3)، وكذا من رواية المفضل بن عمر (4)أنّه الملكان الموكلان في سلام المنفرد ، كما يظهر من الثانية أنّه الملكان مع المأمومين في سلام الإمام وهما مع الإمام في سلام المأمومين.

وحيث إنّهما ضعيفتان سنداً ولا رواية غيرهما معتبرة ليعوّل عليها ، فاللّازم لمن ينوي التحيّة أن يقصد تحيّة المقصودين بها واقعاً من غير تعيين.

(1) كما عرفت.


1) الوسائل 6 : 425 / أبواب التسليم ب 3 ح 5.

2) الوسائل 6 : 417 / أبواب التسليم ب 1 ح 11.

3) الوسائل 6 : 418 / أبواب التسليم ب 1 ح 13.

4) الوسائل 6 : 422 / أبواب التسليم ب 2 ح 15.

يخطر بباله الأنبياء والأئمّة والحفظة عليهم‌السلام (1).

[1666] مسألة 6 : يستحب للمنفرد والإمام الإيماء بالتسليم الأخير إلى يمينه بمؤخر عينه ، أو بأنفه أو غيرهما على وجه لا ينافي الاستقبال ، وأما المأموم ، فان لم يكن على يساره أحد فكذلك ، وإن كان على يساره بعض المأمومين فيأتي بتسليمة أُخرى مومئاً إلى يساره ، ويحتمل استحباب تسليم آخر للمأموم بقصد الإمام فيكون ثلاث مرّات.

[1667] مسألة 7 : قد مرّ سابقاً في الأوقات أنّه إذا شرع في الصلاة قبل الوقت ودخل عليه وهو في الصلاة صحّت صلاته (1)(2) وإن كان قبل السلام أو في أثنائه ، فاذا أتى بالسلام الأوّل ودخل عليه الوقت في أثنائه تصح صلاته ، وأمّا إذا دخل بعده قبل السلام الثاني أو في أثنائه ففيه اشكال وإن كان يمكن القول بالصحّة ، لأنّه وإن كان يكفي الأوّل في الخروج عن الصلاة لكن على فرض الإتيان بالصيغتين يكون الثاني أيضاً جزءاً فيصدق دخول الوقت في الأثناء ، فالأحوط إعادة الصلاة مع ذلك.


(1) على ما يستفاد ذلك من نفس هذه الصيغة.

(2) لكنّك عرفت سابقاً (2)الاستشكال في الصحّة ، وأنّ الأحوط لزوماً إعادة الصلاة ، نظراً لضعف رواية إسماعيل بن رباح (3)التي هي مستند المسألة.


1) (*) في صحّتها إشكال ، والأحوط لزوماً إعادتها بل هي الأقوى إذا كان دخول الوقت بعد السلام المخرج.

2) شرح العروة 11 : 381.

3) الوسائل 4 : 206 / أبواب المواقيت ب 25 ح 1.

.................................................................................................


وعلى تقدير الصحّة فلا ينسحب الحكم إلى السلام الثاني ، لتحقّق الخروج بالسلام الأوّل طبعاً لاتِّصاف الثاني بالاستحباب. وحيث لا معنى للجزء الاستحبابي فلا جرم يكون الثاني عملاً مستقلا ومستحبّاً نفسياً واقعاً خارج الصلاة ، فإذا دخل الوقت قبله فقد دخل بعد الصلاة فلا يكون مشمولاً للنص المزبور ، ومقتضى القاعدة حينئذ البطلان لفقد شرط الوقت.

فصل في الترتيب

يجب الإتيان بأفعال الصلاة على حسب ما عرفت من الترتيب بأن يقدّم تكبيرة الإحرام على القراءة ، والقراءة على الركوع وهكذا (1).


(1) وجوب مراعاة الترتيب على النهج المألوف بين أجزاء الصلاة من الأذكار والأفعال ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد دلّت عليه طوائف من الأخبار.

منها : النصوص البيانية الواردة في كيفية الصلاة ، ولعل أحسنها صحيحة حماد (1)وقد تضمّنت الترتيب المزبور ودلّت على لزوم رعايته بمقتضى قوله عليه‌السلام في ذيلها : «يا حماد هكذا صلّ».

ومنها : النصوص الواردة في مورد قاعدة التجاوز ، أعني الشك في الجزء بعد الدخول في غيره كصحيحة زرارة الواردة في من شكّ في التكبيرة بعد ما قرأ ، أو في القراءة بعد ما ركع ، أو في الركوع بعد ما سجد (2)الكاشفة بوضوح عن أنّ لكل جزء محلا يخصّه وهو معنى الترتيب.

ومنها : النصوص الواردة في نسيان جزء حتّى دخل في غيره كمن تذكّر في القراءة نسيان التكبيرة ، أو في الركوع نسيان القراءة وهكذا (3)، إلى غير ذلك


1) الوسائل 5 : 459 / أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 1.

2) الوسائل 8 : 237 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

3) الوسائل 6 : 12 / أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ، 88 / أبواب القراءة في الصلاة ب 28 ، 364 / أبواب السجود ب 14.

فلو خالفه عمداً بطل ما أتى به مقدّماً (1) وأبطل من جهة لزوم الزيادة ، سواء كان ذلك في الأفعال أو الأقوال ، وفي الأركان أو غيرها ، وإن كان سهواً فان كان في الأركان بأن قدّم ركناً على ركن كما إذا قدّم السجدتين على الركوع فكذلك ، وإن قدّم ركناً على غير الركن كما إذا قدّم الركوع على القراءة ، أو قدّم غير الركن على الركن كما إذا قدّم التشهّد على السجدتين ، أو قدّم غير الأركان بعضها على بعض كما إذا قدّم السورة مثلاً على الحمد فلا تبطل الصلاة إذا كان ذلك سهواً ، وحينئذ فإن أمكن التدارك بالعود بأن لم يستلزم زيادة ركن وجب وإلّا فلا (2).


من النصوص الظاهرة في لزوم مراعاة الترتيب بين أفعال الصلاة.

(1) لوقوعه في غير محله ، وحينئذ فان لم يتداركه في محله لزمت النقيصة العمدية وإن تداركه لزمت الزيادة كذلك ، بل تلزم الزيادة العمدية وإن لم يتدارك كما لا يخفى ، فيستوجب البطلان بطبيعة الحال من غير فرق بين الأقوال والأفعال والأركان وغيرها ، لوحدة المناط.

(2) صور الإخلال بالترتيب سهواً أربع ، إذ تارة يقدِّم ركناً على مثله كما لو قدّم السجدتين على الركوع ، وأُخرى يقدِّم الركن على غيره كما لو قدّم الركوع على القراءة ، وثالثة عكس ذلك كتقديم التشهّد على السجدتين ، ورابعة يقدّم غير الركن على مثله كما لو قدّم السورة على الحمد.

أمّا الصورة الأُولى ، فهي محكومة بالبطلان ، سواء أتدارك المنسي في محله أم لا ، للزوم الزيادة في الأوّل والنقيصة في الثاني ، بل قد عرفت لزوم الزيادة مطلقاً ومن المعلوم أنّ زيادة الركن كنقيصته تستوجب البطلان ، سواء كانت عمدية أم سهوية.

نعم ، يجب عليه سجدتان لكل زيادة أو نقيصة (1)تلزم من ذلك (1).

[1668] مسألة 1 : إذا خالف الترتيب في الركعات سهواً ، كأن أتى بالركعة الثالثة في محل الثانية ، بأن تخيّل بعد الركعة الاولى أنّ ما قام إليه ثالثة فأتى بالتسبيحات الأربعة وركع وسجد وقام إلى الثالثة وتخيّل أنّها ثانية فأتى بالقراءة والقنوت لم تبطل صلاته (2) بل يكون ما قصده ثالثة ثانية


وأمّا في بقية الصور ، فلا بطلان ، إذ لا محذور في الصورة الثانية ما عدا ترك جزء غير ركني سهواً بعد تعذّر تداركه بالدخول في الركن ولا ضير فيه بمقتضى حديث لا تعاد. كما أنّ في الصورتين الأخيرتين يتدارك المنسي وإن استلزم الزيادة ، إذ لا ضير في الزيادة السهوية لجزء غير ركني.

(1) بناءً على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة ، وحيث إنّ المبنى غير واضح فمن ثمّ كان الحكم مبنياً على الاحتياط.

(2) فانّ التذكّر إن كان قبل الركوع في المورد الأوّل تدارك القراءة لبقاء محلها ولا ضير في زيادة التسبيحات فإنّها زيادة سهوية لجزء غير ركني وحيث إنّ الواجب هو الإتيان بذوات الركعات لا بوصفها العنواني من الأوّلية والثانوية ونحوهما ، لأنّها ملحوظة داعية إلى العمل لا قيداً في موضوع الامتثال ، فلا يضرّه قصد الخلاف.

وهكذا في المورد الثاني فيجتزئ بالقراءة ولا حاجة إلى التسبيحات بعد أن كان مخيّراً بينهما وقد أتى بأحد العدلين ولو من غير التفات.

وإن كان التذكر بعد الدخول في الركوع مضى في صلاته في كلا الموردين ولا


1) (*) على الأحوط كما سيجي‌ء.

وما قصده ثانية ثالثة قهراً ، وكذا لو سجد الاولى بقصد الثانية ، والثانية بقصد الأُولى (1).


شي‌ء عليه ، إذ غايته أنّه ترك القراءة في المورد الأوّل وزاد السورة والقنوت في المورد الثاني ، ولا بأس بذلك بعد أن كان سهواً ، وقد عرفت عدم اعتبار قصد خصوصية الركعة بعنوانها ، وإنّما الواجب هو ذاتها وقد أتى بها على وجه شرعي غايته أنّه اشتبه في التطبيق فتخيّل أنّها الثالثة فبانت ثانية فكان من تخلّف الداعي والخطأ في التطبيق ولا ضير فيه.

(1) لما عرفت من أنّ الواجب إنّما هو الإتيان بذات السجدتين من غير مدخل لوصف الأوّلية والثانوية.

فصل في الموالاة

قد عرفت سابقاً (1) وجوب الموالاة في كل من القراءة والتكبير والتسبيح والأذكار ، بالنسبة إلى الآيات والكلمات والحروف (2) وأنّه لو تركها عمداً على وجه يوجب محو الاسم بطلت الصلاة ، بخلاف ما إذا كان سهواً فإنّه لا تبطل الصلاة وإن بطلت تلك الآية أو الكلمة فيجب إعادتها ، نعم إذا أوجب فوات الموالاة فيها محو اسم الصلاة بطلت ، وكذا إذا كان ذلك في تكبيرة الإحرام فإنّ فوات الموالاة فيها سهواً بمنزلة نسيانها ، وكذا في السلام فإنّه بمنزلة عدم الإتيان به ، فاذا تذكّر ذلك ومع ذلك أتى بالمنافي بطلت صلاته ، بخلاف ما إذا أتى به قبل التذكر فإنّه كالإتيان به بعد نسيانه.


(1) في المسألة السادسة والثلاثين من مسائل فصل القراءة.

(2) لأنّ لهيئات هذه الأذكار من التكبير والتسبيح والقراءة ونحوها وحدةً عرفية يستوجب الفصل الفاحش بين أجزائها سلب عناوينها عنها وعدم تحقّقها خارجاً ، فلا يصدق التكبير على الحروف المتقطعة الفاقدة للموالاة ، ولا قراءة الآية ولا السورة على الكلمات المنفصلة ، أو مع تباعد الآيات. ومنه تعرف أنّ الموالاة المعتبرة بين حروف الكلمة الواحدة أضيق دائرة منها بين كلمات الآيات كما أنّها بينها أضيق دائرة منها بين نفس الآيات.

كما تعرف أيضاً أنّ مستند الحكم هو عدم صدق اسم العناوين المأمور بها على الفاقد للموالاة وعدم كونه مصداقاً لها عرفاً من غير حاجة إلى التماس دليل آخر.

.................................................................................................


ونتيجة ذلك : بطلان الصلاة إذا أخلّ بالموالاة المزبورة عامداً ، إذ بعد عدم صدق اسم الذكر ولا القرآن ولا الدُّعاء على الفاقد لها فلا جرم يكون مصداقاً للزيادة العمدية المستوجبة للبطلان.

بخلاف ما إذا كان ساهياً فإنّه لا يوجب إلّا بطلان نفس الكلمة أو الآية دون الصلاة نفسها ، لعدم قدح الزيادة السهوية ما لم يبلغ الإخلال المزبور حدّا يستوجب محو اسم الصلاة وحينئذ فان كان المحل باقياً تداركها ، وإلّا فلا شي‌ء عليه.

نعم ، يستثني من ذلك موردان :

أحدهما : تكبيرة الإحرام ، فإن مرجع الإخلال بالموالاة فيها سهواً إلى نسيانها رأساً المحكوم بلزوم الاستئناف وإعادة الصلاة.

ثانيهما : السلام ، فإنّ الإخلال بها فيه سهواً لما أوجب سقوط الكلمة وعدم صدق اسم التسليمة ، فيفصّل حينئذ بين ما إذا تذكّر قبل ارتكاب المنافي وما إذا تذكّر بعده.

ففي الصورة الأُولى ، وجب عليه التدارك ، وإذا لم يتدارك وأتى بالمنافي بطلت صلاته ، لوقوعه في أثنائها بعد أن كانت التسليمة المأتي بها في حكم العدم.

بخلاف الصورة الثانية ، فإنّ الصلاة حينئذ محكومة بالصحّة ، إذ هو في مفروض المسألة كناسي التسليمة وقد تقدّم (1)أنّ صدور المنافي من الناسي لا يقدح في الصحّة ، إذ لا خلل في الصلاة حينئذ إلّا من ناحية التسليمة المتعذِّر تداركها وهي مشمولة لحديث لا تعاد.


1) في ص 319.

وكما تجب الموالاة في المذكورات تجب في أفعال الصلاة ، بمعنى عدم الفصل بينها على وجه يوجب محو صورة الصلاة (1) سواء كان عمداً أو سهواً مع حصول المحو المذكور ، بخلاف ما إذا لم يحصل المحو المذكور فإنّه لا يوجب البطلان.

[1669] مسألة 1 : تطويل الركوع أو السجود أو إكثار الأذكار أو قراءة السور الطوال لا يعد من المحو (2) فلا إشكال فيها.


(1) لما هو المرتكز في أذهان المتشرّعة خلفاً عن سلف من أنّ مجموع الصلاة عمل وحداني ومركب ارتباطي ذات هيئة اتِّصالية مقوّمة لمفهومها بمثابة تفوت بفواتها ، ويستوجب الفصل الطويل الماحي للصورة انثلام الوحدة وانتفاء صدق الاسم عليها.

إذن فكما تعتبر الموالاة في نفس الأجزاء كما مرّ تعتبر بينها أيضاً بعضها مع بعض. وبتعبير آخر : كما أنّها تعتبر في الأقوال تعتبر في الأفعال أيضاً بمناط واحد ، غاية الأمر أنّ الاعتبار في الأوّل مستند إلى رعاية الصدق العرفي ، وفي الثاني إلى الصدق الشرعي وارتكاز المتشرِّعة حسبما عرفت.

نعم ، يفترقان في أنّ الإخلال بها في الأوّل لا يستدعي إلّا بطلان الجزء نفسه فيتدارك على تفصيل بين العمد والسهو قد تقدّم.

وأمّا في الثاني ، فيوجب بطلان الصلاة رأساً عمداً كان أو سهواً ، إذ بعد انثلام الهيئة الاتِّصالية الماحي للصورة والمزيل للماهية لم يكن ثمة أيّ سبيل إلى التصحيح كما هو واضح.

(2) لعدم كونه من الفصل بالأجنبي ، وإنّما هو إطالة للصلاة نفسها بعد أن

[1670] مسألة 2 : الأحوط مراعاة الموالاة العرفية بمعنى متابعة الأفعال بلا فصل وإن لم يمح معه صورة الصلاة ، وإن كان الأقوى عدم وجوبها (1) وكذا في القراءة والأذكار.

[1671] مسألة 3 : لو نذر الموالاة بالمعنى المذكور فالظاهر انعقاد نذره لرجحانها ولو من باب الاحتياط (1)فلو خالف عمداً عصى لكن الأظهر عدم بطلان صلاته (2).


كان ذلك كلّه معدوداً منها (2)بمقتضى ما ورد في صحيحة الحلبي عن الصادق عليه‌السلام من أنّه : «كل ما ذكرت اللّه (عزّ وجلّ) به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة» (3).

(1) إذ الدليل على اعتبار الموالاة بين الأجزاء هو ما تقدّم من الارتكاز في أذهان المتشرِّعة ، ولا ريب أنّ المرتكز لديهم أوسع دائرة من الموالاة العرفية أي التتابع المعبّر عنه بالفارسية ب- (پي در پي) فانّ القادح إنّما هو الفصل الطويل الماحي للصورة والمزيل للهيئة الاتِّصالية كما تقدّم فيعتبر عدمه ، وأمّا اعتبار الاتِّصال زائداً على ذلك لتتحقّق معه الموالاة العرفية أيضاً فلا دليل عليه ، ومع الشك فالمرجع أصالة البراءة ، وإن كان ذلك أحوط حذراً عن شبهة الخلاف.

(2) لا ينبغي التأمّل في انعقاد هذا النذر لرجحان متعلّقه بعد أن كان محتمل


1) (*) هذا فيما إذا تعلّق النذر بعنوان الاحتياط ، وإلّا فانعقاده فيما إذا تعلّق بالخصوصية محلّ نظر بل منع.

2) فما عن صاحب الجواهر (قدس سره) ج 12 ص 208 من المناقشة في ذلك بدعوى كون الإطالة المزبورة مغيّرة للهيئة المعهودة غير واضح.

3) الوسائل 6 : 327 / أبواب الركوع ب 20 ح 4.

.................................................................................................


الوجوب ومورداً للاحتياط حسبما سبق ، فتركه عمداً حنث للنذر وموجب للكفارة. نعم ، انعقاده من دون رعاية عنوان الاحتياط ممنوع كما لا يخفى.

وإنّما الكلام في صحّة الصلاة الفاقدة للموالاة المنذورة ، والأظهر هو الصحّة. وقد تقدّم نظير المقام في من نذر أن يصلِّي في مكان راجح كالمسجد فخالف وصلّى في غيره ، فإنّ الصلاة حينئذ محكومة بالصحّة وإن كان آثماً في مخالفة النذر.

والوجه في ذلك : أنّ الصلاة الفاقدة للموالاة والواجدة ضدّان لهما ثالث وتعلّق الأمر بالثانية من ناحية النذر لا يستوجب النهي عن الاولى ، لوضوح أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه ، إذن لا مانع من تصحيح الاولى بالخطاب الترتبي بعد البناء على إمكانه ووقوعه ، بل كفاية تصوّره في تصديقه حسبما فصّلنا البحث حوله في الأُصول (1)، هذا.

وقد يقال : إنّ التصدِّي للصلاة الفاقدة تصرف في موضوع النذر وإعدام له وبما أنّ النذر يستدعي حفظ الموضوع وإبقاءه فلا جرم كان الاعدام المزبور المنطبق على فعل الصلاة محرّماً فتبطل ، نظير ما لو نذر أن يتصدّق بشاة معيّنة على زيد فتصدّق بها على عمرو.

ويندفع أوّلاً : بأنّ إعدام الموضوع لو تمّ فإنّما يتم فيما إذا كان المنذور أمراً شخصياً كالشاة في المثال المزبور ، أمّا في المقام فالواجب طبيعي الصلاة ولها حصّتان : الواجدة للموالاة والفاقدة ، ومن البيِّن أنّ الإتيان بالثانية لم يكن إعداماً للأُولى ، غايته أنّهما متقارنان خارجاً ، لا أنّ وجود هذه علّة لترك الأُخرى ، فهو نظير الاشتغال بالصلاة مع وجوب الإزالة عليه.


1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 3 : 102 وما بعدها.

.................................................................................................


وثانياً : أنّ الأعدام لم يتحقق حتّى في المقيس عليه فنلتزم بصحّة التصدّق لعمرو في المثال المزبور أيضاً ، فإنّ الشاة وإن كانت شخصية إلّا أنّ التصدّق كلِّي وله حصّتان : الإعطاء لزيد والإعطاء لغيره ، والأمر بالأوّل لمكان النذر لا يستوجب النهي عن الثاني ، لما عرفت من أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه. إذن فمع عصيان الأوّل لا مانع من تصحيح الثاني بالخطاب الترتبي بعد أن لم تكن إحدى الحصّتين علّة لترك الأُخرى ، بل مجرّد الاقتران في الوجود كما هو الشأن في كل ضدّين لهما ثالث حسبما عرفت.

فصل في القنوت

وهو مستحب (1) في جميع الفرائض اليومية ونوافلها


(1) على المشهور بل إجماعاً كما عن غير واحد. وعن الصدوق القول بالوجوب مطلقاً (1)، وعن ابن أبي عقيل كما في الذكرى (2)اختصاصه بالجهرية وإن نسب إليه الوجوب مطلقاً أيضاً كالصدوق (3).

وعن البهائي في الحبل المتين (4)الميل إليه حيث إنّه قال بعد ما نسب الوجوب إلى من عرفت : أنّ ما قال به ذانك الشيخان الجليلان غير بعيد عن جادة الصواب ، بل في الحدائق (5)بعد حكاية الميل إلى الوجوب عن الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني ذكر أنّه صنّف رسالة في ذلك وإن لم يعثر عليها.

وعن التذكرة (6)حمل الوجوب المنسوب إلى بعض الأصحاب على إرادة التأكّد وشدّة الاستحباب.

وكيف ما كان ، فمنشأ الخلاف اختلاف ظواهر الأخبار ، والمتبع هو الدليل ويستدل للوجوب بوجوه :


1) الفقيه 1 : 207.

2) الذكرى 3 : 281.

3) حكاه عنه في المعتبر 2 : 243.

4) الحبل المتين : 237.

5) الحدائق 8 : 353.

6) التذكرة 3 : 260.

.................................................................................................


أحدها : قوله تعالى ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) (1)بناءً على أن يكون المراد من القيام لله هو الصلاة ، ومن القنوت القنوت المصطلح.

وكلاهما كما ترى ، بل الظاهر أنّ المراد من القيام له سبحانه الاستعداد لإطاعته والتصدِّي لامتثال أوامره ، كما أنّ المراد من القنوت السكون والخضوع والخشوع كما فسّرت الآية الشريفة بذلك في بعض النصوص (2). وأمّا القنوت المصطلح أعني رفع اليدين في موضع خاص من الصلاة فهو اصطلاح متأخِّر لا ينبغي حمل الآية عليه.

وممّا يؤكِّده أنّه لو أُريد ذلك لزم القول بوجوب القنوت في جميع حالات الصلاة ، لعدم التقييد في الآية المباركة بحالة خاصّة فإن ( قانِتِينَ ) حال للقيام أي ( قُومُوا لِلّهِ ) حال كونكم ( قانِتِينَ ) ، وهو كما ترى.

إذن فلا مناص من أن يراد بها ما يكون القيام قانتاً ظاهراً فيه وهو ما عرفت من المثول بين يدي الرب لإطاعته مع سكون وخضوع كقيام العبد بين يدي مولاه ، ولا ارتباط لها بالقنوت المبحوث عنه في المقام بوجه.

نعم ، في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : قال ( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) وهي صلاة الظهر ، وهي أوّل صلاة صلّاها رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) قال : وأُنزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في سفره فقنت فيها وتركها على حالها في السفر وفي الحضر ...» الحديث (3).


1) البقرة 2 : 238.

2) تفسير نور الثقلين 1 : 237.

3) الوسائل 4 : 10 / أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ب 2 ح 1.

.................................................................................................


فربّما يقال : إنّ الصحيحة تضمنت تفسير القنوت المذكور في الآية ، وأنّ المراد به هو القنوت المصطلح حيث إنّه صلی اللّه عليه وآله قنت في صلاته بعد نزولها.

وفيه : أنّ ورودها في مقام التفسير غير واضح ، إذ لم يؤمر في الآية الشريفة بالقنوت في الصلاة ليكون عمله صلی اللّه عليه وآله تفسيراً لها ، ولعلّه من باب التطبيق ، حيث إنّ القنوت في الصلاة من أحد مصاديق كلي الدُّعاء والخشوع له سبحانه ، فيكون فعله صلی اللّه عليه وآله الصادر منه امتثالاً للآية الشريفة حكمة لتشريع القنوت المصطلح فأصبح سنّة متبعة.

ثانيها : صحيحة زرارة «أنّه سأل أبا جعفر عليه‌السلام عن الفرض في الصلاة فقال : الوقت والطهور والقبلة والتوجّه والركوع والسجود والدُّعاء قلت : ما سوى ذلك؟ قال : سنّة في فريضة» (1)وقد رواها الشيخ والكليني (2)بسند صحيح وأسندها في الحدائق (3)إلى الصدوق في الفقيه ، ولعلّه سهو من قلمه الشريف حيث لم نعثر عليها فيه كما نبّه عليه المعلِّق.

نعم ، رواها في الخصال (4)بإسناده عن الأعمش عن الصادق عليه‌السلام مع اختلاف يسير وسند غير صحيح ، وقد أشار إلى صدرها في الوسائل باب 1 من أبواب القنوت حديث 6.

وكيف ما كان ، فقد دلّت الصحيحة على وجوب الدُّعاء في الصلاة ، وحيث إنّ من المقطوع به عدم وجوبه في غير حال القنوت فلا جرم يراد به ذلك.


1) الوسائل 6 : 264 / أبواب القنوت ب 1 ح 13.

2) التهذيب 2 : 241 / 955 ، الكافي 3 : 272 / 5.

3) الحدائق 8 : 358.

4) الخصال : 604 ، الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 6.

.................................................................................................


وقد أجاب عنه المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1)تبعاً لصاحب الحدائق بما هو في غاية الجودة : وهو أنّه إن أُريد من الدُّعاء معناه المصطلح المقابل للذكر من التكبير والتسبيح ونحوهما ، أعني طلب حاجة دنيوية أو أُخروية ، فلا ريب في عدم وجوبه في القنوت ، لجواز الاقتصار على مجرد التسبيح كما نطقت به جملة من النصوص.

وإن أُريد به معناه العام الشامل لمطلق الذكر ، فهو صادق على ذكرى الركوع والسجود وعلى القراءة والتشهّد ، فلا دليل على أن يكون المراد خصوص ما يقع في حال القنوت. مع أنّ الدعاء بالمعنى الأوّل منطبق على الصلاة على محمّد وآله ، الواقعة بعد التشهّد ، فإنّها أيضاً نوع من طلب الحاجة ولا إشكال في وجوبها.

ثالثها : النصوص الآمرة بالقنوت في جميع الصلوات :

كصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن القنوت ، فقال : في كل صلاة فريضة ونافلة» (2).

وصحيحة (3)محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه «قال : القنوت في كل ركعتين في التطوّع والفريضة» (4).

وما رواه الصدوق في العيون عن الفضل بن شاذان عن الرِّضا عليه‌السلام في كتابه إلى المأمون «قال : والقنوت سنّة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة» (5).


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 388 السطر 5.

2) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 8.

3) [ولكن طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم ضعيف].

4) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 2.

5) الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 4 ، عيون أخبار الرِّضا عليه‌السلام 2 : 123.

.................................................................................................


وما رواه في الخصال عن الأعمش عن جعفر بن محمّد في حديث شرائع الدين «قال : والقنوت في جميع الصلوات سنّة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة» (1).

ويندفع : بأنّ الصحيحتين ناظرتان إلى المشروعية التي كثر السؤال عنها في لسان الأخبار لا إلى الوجوب كما يفصح عنه عطف النافلة على الفريضة في إحداهما ، وعطف التطوّع عليها في الأُخرى ، فإن من الضروري أنّ القنوت على القول بوجوبه فهو خاص بالفرائض ولا يعم النوافل.

وأمّا روايتا العيون والخصال فدلالتهما وإن كانت تامّة لكن السند ضعيف كما لا يخفى ، فلا يمكن التعويل عليهما.

رابعها : النصوص الآمرة بالقنوت في خصوص الصلوات الجهرية ، وهي روايتان هما المستند لابن أبي عقيل القائل بالتفصيل بين الجهرية وغيرها.

إحداهما : موثقة سماعة قال : «سألته عن القنوت في أيّ صلاة هو؟ فقال : كل شي‌ء يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت» (2).

ثانيتهما : معتبرة وهب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة والوتر والغداة ، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له» (3).

والظاهر أنّ المراد من وهب هذا هو وهب بن عبد ربّه كما صرّح به في الكافي ج 3 ص 339 عند نقله لذيل هذه الرواية وهو موثق.

كما أنّ المراد من العشاء هو المغرب ، ومن العتمة العشاء ، فإنّه قد يعبّر عن صلاة المغرب بالعشاء ، ومن ثمّ يعبّر عن العشاء بالعشاء الآخرة.

ويندفع أوّلاً : بعدم كونهما ناظرتين إلى الوجوب ، بل إلى أصل المشروعية


1) الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 6 ، الخصال : 604.

2) الوسائل 6 : 264 / أبواب القنوت ب 2 ح 1 ، 2.

3) الوسائل 6 : 264 / أبواب القنوت ب 2 ح 1 ، 2.

.................................................................................................


التي كثر السؤال عنها في الأخبار لاختلاف الأنظار ، بل ذهاب عامّة المخالفين إلى الإنكار ، فإن أبا حنيفة قال : لا يقنت في شي‌ء من الصلوات إلّا الوتر. وقال مالك والشافعي : لا يقنت في شي‌ء من الصلوات المفروضة إلّا الصبح خاصّة (1).

ويرشدك إلى ذلك قوله عليه‌السلام في ذيل المعتبرة : «فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له» إذ ليت شعري لو كان النظر معطوفاً إلى الوجوب فما هو الوجه في تخصيص الترك بالرغبة ، ضرورة أنّ مطلق ترك الجزء موجب للبطلان سواء أكان رغبة عنه أم لا. فالتقييد المزبور خير دليل على أنّ القنوت في نفسه مستحب وسنّة ، والّذي يقدح إنّما هو الإعراض عن هذه السنّة والرغبة عنها لا مجرد الترك.

وثانياً : بمعارضتها لروايتين : إحداهما : صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرِّضا عليه‌السلام قال : «سألته عن القنوت هل يقنت في الصلوات كلّها أم فيما يجهر فيه بالقراءة؟ قال : ليس القنوت إلّا في الغداة والجمعة والوتر والمغرب» (2).

ثانيتهما : موثقة يونس بن يعقوب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت في أيّ الصلوات أقنت؟ فقال : لا تقنت إلّا في الفجر» (3). حيث لم تذكر العشاء في الاولى مع أنّها أيضاً جهرية ولم يذكر من الجهرية في الثانية إلّا خصوص الفجر.

وثالثاً : بلزوم حملها على التقيّة بشهادة جملة من النصوص.

منها : موثقة أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت فقال : فيما يجهر فيه بالقراءة ، قال : فقلت له : إنِّي سألت أباك عن ذلك ، فقال : في


1) المبسوط للسرخسي 1 : 165 ، المغني 1 : 823 ، المجموع 3 : 494 ، 504.

2) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 6 ، 7.

3) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 6 ، 7.

.................................................................................................


الخمس كلّها ، فقال : رحم اللّه أبي إنّ أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ثمّ أتوني شكّاكاً فأفتيتهم بالتقيّة» (1).

فإنّها صريحة في أنّ الحكم الواقعي هو ثبوت القنوت في جميع الفرائض وأنّ التخصيص بالجهرية مبني على التقيّة.

ومنها : موثقة محمّد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن القنوت في الصلوات الخمس ، فقال : اقنت فيهنّ جميعاً. قال : وسألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام بعد ذلك عن القنوت ، فقال لي : أمّا ما جهرت به فلا تشك (شك)» (2).

ومنها : موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : القنوت في كل الصلوات (3)قال محمّد بن مسلم فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه عليه‌السلام فقال : أمّا ما لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة» (4)فانّ التعبير بنفي الشك لا يناسب إلّا التقيّة كما لا يخفى.

خامسها : وهو العمدة موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إن نسي الرجل القنوت في شي‌ء من الصلاة حتّى يركع فقد جازت صلاته وليس عليه شي‌ء ، وليس له أن يدعه متعمداً» (5).

فإنّ النهي عن الترك عامداً ظاهر في الوجوب ، فهي واضحة الدلالة على وجوب القنوت في جميع الصلوات كما أنّها تامّة السند.

إلّا أنّه لم يكن بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور ، وكذا ظهور سائر الأخبار المتقدِّمة لو سلّم ظهورها في الوجوب لقرائن عديدة تشهد بذلك وتستوجب


1) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 10.

2) الوسائل 6 : 262 / أبواب القنوت ب 1 ح 7.

3) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 4 ، 5.

4) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 4 ، 5.

5) الوسائل 6 : 286 / أبواب القنوت ب 15 ح 3.

.................................................................................................


الحمل على الاستحباب.

الأُولى : صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرِّضا عليه‌السلام «قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام في القنوت : إن شئت فاقنت وإن شئت فلا تقنت ، قال أبو الحسن عليه‌السلام : وإذا كانت التقيّة فلا تقنت وأنا أتقلد هذا» (1).

ورواها الشيخ بسند آخر عن البزنطي عنه عليه‌السلام إلّا أنّه قال : «القنوت في الفجر» (2).

والظاهر تعدّد الرواية وتكرّر الواقعة لاختلاف المتن والسند وإن اتّحد الجواب فسأله تارة عن القنوت في مطلق الصلوات ، وأُخرى في خصوص صلاة الفجر ولعلّه لذهاب جماعة من العامّة (3)إلى مشروعيّته فيها فأجاب عليه‌السلام في الموردين بعدم الوجوب والتعليق على المشيئة ما لم يكن مورداً للتقيّة ولو لحضور من لا يقول بالمشروعية في الفجر من العامّة.

وكيف ما كان ، فسواء اتّحدت الرواية أم تعدّدت فهي صريحة في عدم الوجوب إمّا مطلقاً أو في خصوص صلاة الفجر المستلزم لعدم الوجوب في غيرها بطريق أولى ، بداهة أنّ القنوت فيها أهم ، ومن ثمّ ورد الأمر فيها بالخصوص في غير واحد من النصوص ، فاذا لم يكن فيها للوجوب ففي غيرها بالأولوية.

ومن الواضح الجلي عدم السبيل إلى حملها على التقية ، لصراحتها في التخيير ونفي الوجوب في غير مورد التقية ، فبهذه القرينة القاطعة يرفع اليد عمّا كان ظاهراً في الوجوب ويحمل على الاستحباب.


1) الوسائل 6 : 269 / أبواب القنوت ب 4 ح 1.

2) التهذيب 2 : 161 / 634.

3) حلية العلماء 2 : 134 ، المبسوط للسرخسي 1 : 165 ، الفقه على المذاهب الأربعة 1 : 269.

.................................................................................................


الثانية : رواية عبد الملك بن عمرو قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال : لا قبله ولا بعده» (1).

ونحوها روايته الأُخرى قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام قنوت الجمعة في الركعة الأُولى قبل الركوع ، وفي الثانية بعد الركوع؟ فقال لي : لا قبل ولا بعد» (2). فقد استدلّ بهما غير واحد على عدم الوجوب بتقريب أنّ السؤال لم يكن عن المشروعية ، كيف وهي واضحة جليّة في الجمعة وفي غيرها ، بل عن الوجوب وقد تضمنتا صريحاً نفيه على سبيل الإطلاق.

ويندفع : مضافاً إلى ضعف السند فان عبد الملك لم يوثق بقصور الدلالة إذ السؤال لم يكن لا عن الوجوب ولا عن المشروعية ، بل عن محل القنوت وأنّه قبل الركوع أو بعده ، فالاجابة عنه بالنفي المطلق بعد وضوح ثبوت المشروعية ولو في الجملة نصّاً وفتوى ، محمولة على التقيّة لا محالة ، فلا يمكن الاستدلال بهما.

الثالثة : معتبرة وهب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له» (3).

ولا يقدح اشتمال السند على محمّد بن عيسى بن عبيد فإنّه ثقة على الأقوى ونحوها معتبرته الأُخرى المتقدِّمة (4)فان في تقييد الترك الممنوع عنه بالرغبة دلالة واضحة على أنّ ترك القنوت في نفسه لا ضير فيه ، وإنّما الضير في إسناد هذا الترك إلى الإعراض والرغبة عنه كما عليه المخالفون البانون على عدم


1) الوسائل 6 : 269 / أبواب القنوت ب 4 ح 2.

2) الوسائل 6 : 272 / أبواب القنوت ب 5 ح 9.

3) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 11.

4) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 2.

.................................................................................................


المشروعية ، وهذا كما ترى من شؤون الاستحباب ، ضرورة أنّ الجزء الوجوبي لا سبيل لتركه سواء أكان مقروناً بالرغبة أم لا كما تقدّم.

الرابعة : كثرة الأسئلة عن القنوت الصادرة من أكابر الرواة وأعاظم أصحاب الأئمّة كزرارة ومحمّد بن مسلم وصفوان وأضرابهم من الأعيان والأجلّاء ، فان نفس هذه الأسئلة المتكاثرة خير دليل بل أقوى شاهد على عدم الوجوب ، بداهة أنّه لو كان واجباً لكان أمراً جليّا وواضحاً بعد شدّة الابتلاء به وأقله في كل يوم خمس مرّات ، فكيف يحتمل خفاء مثله عن مثلهم. وهل هذا إلّا كالسؤال عن وجوب الركوع أو السجود.

ويرشدك إلى ذلك : ما في صحيحة صفوان الجمال قال : «صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه‌السلام أيّاماً فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر» (1)فانّ القنوت لو كان واجباً لم يكن أيّ وجه للتعرّض إليه وتخصيصه بالذكر من بين سائر الأجزاء ، فإنّه نظير أن يقول صلّيت خلف أبي عبد اللّه عليه‌السلام أيّاماً فكان يركع في كل صلاة الّذي فيه من البشاعة ما لا يخفى.

إذن فيكشف التعبير المزبور كشفاً باتاً عن استحباب القنوت في نفسه ، وأنّه عليه‌السلام كان مهتماً بهذا الأمر المندوب ومواظباً عليه.

الخامسة : اختلاف أجوبتهم عليهم‌السلام عن تلك الأسئلة ، فتارة : نفوا القنوت قبل الركوع وبعده ، وأُخرى : أمروا به في خصوص الفجر ، وثالثة : بضميمة الجمعة والعشاء والعتمة والوتر ، ورابعة : في خصوص الصلوات الجهرية ، وخامسة : في كل فريضة أو نافلة ، فإن خير محمل لهذا الاختلاف هو كشفه عن ابتناء الحكم على الاستحباب مع نوع من التقيّة واختلاف في مراتب الفضيلة.


1) الوسائل 6 : 261 / أبواب القنوت ب 1 ح 3.

.................................................................................................


توضيح المقام : أنّه لا ريب في استقرار بناء المخالفين على ترك هذه السنّة عملاً والتجنّب عنها خارجاً ، وإن أذعن بعضهم بها إجمالاً واعترف بشرعيتها في صلاة الفجر كما يظهر ذلك من صحيحة البزنطي المتقدِّمة (1). إذن فالنصوص المانعة على اختلاف ألسنتها محمولة على التقيّة ، لا بمعنى الاتقاء من الرواة والسائلين ، كيف وجلّهم لولا كلّهم من أصحابهم وخواصّهم ، بل حملة أسرارهم نظراء زرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما ، بل حفاظاً عليهم وحماية للحمى وصيانة لهم ، مخافة الوقوع في مخالفة التقيّة ولو أحياناً ومن حيث لا يشعرون. ومن ثمّ كانوا عليهم‌السلام يقتصرون على بيان ما هو الأهم والأفضل ، فنهى في صحيحة يونس بن يعقوب المتقدِّمة (2)عن القنوت إلّا في الفجر ، لكونه في صلاة الفجر أهم ، وخصّت هي وصلاة المغرب بالذكر في صحيحة الأشعري المتقدِّمة (3)لكونه فيهما أفضل من سائر الصلوات الخمس ، وورد الأمر به في الصلوات الجهرية خاصّة لكونه فيها أفضل من غيرها.

وهذا كما ترى أقوى شاهد على أنّ القنوت في حدّ نفسه لم يكن واجباً وإلّا لأمروا به بقول مطلق إلّا في مواضع التقيّة كغيره من الواجبات المنافية لها كالمسح على الخفين والوضوء منكوساً ونحوهما. وهذا بخلاف ما لو كان مستحبّاً فإنّه قد يحسن ترك هذا المستحب حذراً عن الوقوع ولو أحياناً في ورطة التقيّة.

وعليه فالجمع بين شتات الأخبار يستدعي الحمل على اختلاف مراتب الاستحباب الموجب للاهتمام بمراعاة التقيّة تارة وعدمه اخرى حسبما عرفت.

فاتّضح من جميع ما تقدّم : أنّ الأقوى ما عليه المشهور من استحباب القنوت في عامّة الصلوات ، وإن كان الاستحباب في بعضها آكد منه في البعض الآخر.


1) في ص 365.

2) في ص 363.

3) في ص 363.

بل جميع النوافل (1) حتّى صلاة الشفع على الأقوى (2) ، ويتأكّد في الجهرية من الفرائض (3) ، خصوصاً في الصبح والوتر ، والجمعة (4) بل الأحوط عدم تركه في الجهرية بل في مطلق الفرائض ،


(1) إجماعاً كما عن غير واحد ، وتشهد له صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن القنوت ، فقال : في كل صلاة فريضة ونافلة» (1)، وموثقة محمّد بن مسلم (2)عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : القنوت في كل ركعتين في التطوّع أو الفريضة» (3)وغيرهما.

(2) مرّ التعرّض لذلك مستوفى في المسألة الاولى من فصل أعداد الفرائض ونوافلها (4).

(3) للأمر بها بالخصوص في بعض النصوص المحمولة على تأكّد الاستحباب كما تقدّم (5).

(4) لتخصيصها بالذكر في صحيحة سعد الأشعري المتقدِّمة (6)، لكن ينبغي إضافة المغرب لورودها فيها أيضاً ، ولم يعرف وجه لإهمال الماتن لها.


1) الوسائل 6 : 263 / أبواب القنوت ب 1 ح 8.

2) وأما روايته الأُخرى «القنوت في كل صلاة في الفريضة والتطوّع» في باب 1 من أبواب القنوت حديث 12 ، فهي ضعيفة السند بطريقيها كما لا يخفى. فتوصيفها بالصحيحة كما عن بعضهم في غير محله. على أنّ الموجود في الفقيه [1 : 207 / 934] مغاير لهذا المتن وإن كان ظاهر عبارة الوسائل هو الاتِّحاد.

3) الوسائل 6 : 265 / أبواب القنوت ب 2 ح 3.

4) شرح العروة 11 : 68.

5) في ص 362.

6) في ص 363.

والقول بوجوبه في الفرائض أو في خصوص الجهرية منها ضعيف (1). وهو في كل صلاة مرّة قبل الركوع من الركعة الثانية (2)


(1) كما تقدّم (1).

(2) بعد القراءة على المشهور بل إجماعاً كما عن غير واحد ، للنصوص المستفيضة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع» (2).

وموثقة سماعة قال : «سألته عن القنوت في أيّ صلاة هو؟ فقال : كل شي‌ء يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت ، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة» (3).

وصحيحة يعقوب بن يقطين قال : «سألت عبداً صالحاً عليه‌السلام عن القنوت في الوتر والفجر وما يجهر فيه قبل الركوع أو بعده؟ قال : قبل الركوع حين تفرغ من قراءتك» (4).

وهذا ممّا لا شبهة فيه ، كما لا شبهة في جواز إتيانه بعد الركوع لو نسيه قبله كما سيجي‌ء.

وإنّما الكلام في جواز تأخيره اختياراً بحيث يكون مخيّراً بين الإتيان به قبل الركوع أو بعده.

ظاهر المحقِّق في المعتبر (5)ذلك ، وإن كان التقديم أفضل ، واستحسنه الشهيد


1) في ص 362.

2) الوسائل 6 : 266 / أبواب القنوت ب 3 ح 1.

3) الوسائل 6 : 267 / أبواب القنوت ب 3 ح 3.

4) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 5.

5) المعتبر 2 : 245.

.................................................................................................


الثاني في الروضة (1)، ومال إليه المحقِّق الهمداني (2)استناداً إلى ما رواه الشيخ بإسناده عن إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : القنوت قبل الركوع وإن شئت فبعده» (3)فإنّها معتبرة السند على الأظهر وإن اشتمل على القاسم بن محمّد الجوهري فإنّه من رجال كامل الزيارات ، ومقتضى الجمع بينها وبين ما تقدّم هو ما عرفت من التخيير مع أفضلية التقديم.

وما احتمله غير واحد من المتأخِّرين من وقوع التحريف من النسّاخ وأنّ «شئت» مصحف «نسيت» يبعّده أنّ النسخة التي عوّل عليها الشيخ كانت كذلك ، ومن ثمّ تصدّى لتوجيه الرواية تارة بحملها على حال القضاء وأُخرى على التقية. واحتمال كون تلك النسخة أيضاً مغلوطة ممّا لا ينبغي الالتفات إليه بعد كونه على خلاف الأصل ، ونقله عن المصادر بالإجازة أو بالقراءة.

وعلى الجملة : فلا ينبغي التأمّل في سند الرواية ولا في دلالتها ، غير أنّها معارضة بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : ما أعرف قنوتاً إلّا قبل الركوع» (4).

فإنّها كالصريح في اختصاص المشروعية بما قبل الركوع ، ولا ينافيها المشروعية بعد الركوع في صلاة الجمعة ، إذ الظاهر أنّ النظر فيها مقصور على الصلوات المتعارفة غير الموقتة بوقت خاص ، فلا تشمل مثل صلاة الجمعة كما لا يخفى.

وما عن المحقِّق الهمداني (قدس سره) (5)في حل المعارضة من حمل قوله «ما


1) الروضة البهية 1 : 284.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 389 السطر 14.

3) الوسائل 6 : 267 / أبواب القنوت ب 3 ح 4 ، التهذيب 2 : 92 / 343.

4) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 6.

5) مصباح الفقيه (الصلاة) : 389 السطر 24.

وقبل الركوع في صلاة الوتر (1)


أعرف» على «ما أعمل» وأنّه جار مجرى التعبير في مقام الإخبار عمّا استقرّت عليه سيرته في مقام العمل ، فإنّه كثيراً ما يقال في العرف لا أعرف إلّا هذا مريداً به لا أعمل إلّا هذا ، فلا يكون كناية عن عدم المشروعية ، بل عن سيرته الشخصية.

ففيه : ما لا يخفى ، فانّ التفسير المزبور وإن لم يكن بعيداً بالنسبة إلى الاستعمالات الدارجة في العرف الحاضر ، وأمّا في كلمات الفصحاء ولا سيّما الأحاديث الصادرة من أهل بيت الوحي عليهم‌السلام فلم يعهد عنهم مثل هذا التعبير بوجه. فالحمل المزبور بالإضافة إلى الجمل الفصيحة في غاية البعد كما لا يخفى.

وعليه فلا مناص من الإذعان باستقرار المعارضة والتصدِّي للعلاج ، وحيث إنّ الصحيحة موافقة للسنّة القطعية ، لما عرفت من أنّ النصوص الناطقة باختصاص المحل بما قبل الركوع بالغة حدّ الاستفاضة بحيث أصبحت معلومة الصدور ، فلا جرم كان الترجيح معها ولم تنهض المعتبرة لمقاومتها.

فتحصّل : أنّ الأظهر اختصاص المحل الاختياري بما قبل الركوع ، وأمّا بعده فليس هو من القنوت الموظّف وإن لم يكن به بأس من باب رجحان مطلق الدُّعاء المندوب في جميع الأحوال.

(1) ففي صحيحة معاوية بن عمار «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت في الوتر ، قال : قبل الركوع ...» إلخ (1).

فحال مفردة الوتر أو الركعة الثالثة باعتبار ملاحظتها مع ركعتي الشفع


1) الوسائل 6 : 288 / أبواب القنوت ب 18 ح 5.

إلّا في صلاة العيدين (1) ففيها في الركعة الأُولى خمس مرّات وفي الثانية أربع مرّات وإلّا في صلاة الآيات ففيها مرّتان : مرّة قبل الركوع الخامس ، ومرّة قبل الركوع العاشر ، بل لا يبعد استحباب خمس قنوتات فيها في كل زوج من الركوعات ، وإلّا في الجمعة (2) ففيها قنوتان : في الركعة الأُولى قبل الركوع وفي الثانية بعده ،


صلاة واحدة حال بقية الصلوات في أنّ محل القنوت قبل الركوع. وهذا ممّا لا شبهة فيه غير أنّ جمعاً من الأصحاب كالمحقِّق في المعتبر (1)والعلّامة في التذكرة (2)والشهيدين في الدروس والروضة (3)صرّحوا بأنّ لها قنوتاً آخر بعد الركوع استناداً إلى ما روي عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام أنّه «كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال : هذا مقام من حسناته نعمة منك ...» إلخ (4).

لكن الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال وبسهل بن زياد ، قاصرة الدلالة على استحباب القنوت المصطلح ، بل غايته إرادة مطلق الدُّعاء الّذي هو مسنون في كثير من مواضع الصلاة كالسجدة الأخيرة وما بين السجدتين وغيرهما مع وضوح عدم إطلاق اسم القنوت عليها.

(1) سيأتي الكلام فيها وفي صلاة الآيات في محلهما إن شاء اللّه تعالى.

(2) حيث إنّ الماتن لم يتعرّض لصلاة الجمعة مستقلا فيجدر بنا التعرّض لحكمها في المقام من حيث القنوت تبعاً للمتن فنقول :


1) المعتبر 2 : 241.

2) التذكرة 3 : 259.

3) الدروس 1 : 170 ، الروضة البهية 1 : 284.

4) الكافي 3 : 325 / 16 ، التهذيب 2 : 132 / 508.

.................................................................................................


لا ينبغي التأمّل في مشروعية القنوت في صلاة الجمعة في الجملة كما في سائر الصلوات للإطلاقات ، مضافاً إلى النصوص الخاصّة كما ستعرف. وما ورد من نفيه في رواية عبد الملك بن عمرو وصحيحة داود بن الحصين (1)محمول على التقية أو نفي الوجوب كما تقدّم (2).

وإنّما الكلام في محله وعدده ، واستيعاب البحث يستدعي التكلّم تارة في صلاة الجمعة منفرداً ، أي صلاة الظهر الرباعية من يوم الجمعة ، وأُخرى جماعة التي هي ذات ركعتين مع الخطبتين ، وهنا أيضاً يبحث تارة عن حكم الإمام ، وأُخرى عن وظيفة المأمومين ، فالكلام يقع في جهات ثلاث :

أمّا الجهة الأُولى : فالمشهور أنّ حالها حال سائر الصلوات في أنّ فيها قنوتاً واحداً قبل الركوع من الركعة الثانية ، إلّا أنّ حريزاً روى عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث «قال : وعلى الإمام فيها أي في الجمعة قنوتان إلى أن قال - : ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الأُولى قبل الركوع» (3).

قال الصدوق في الفقيه بعد نقل الحديث ما لفظه : وتفرّد بهذه الرواية حريز عن زرارة ، انتهى (4).

فالرواية باعتبار ذيلها شاذّة لم يروها غير حريز ، بل لم يعلم عمله بها وإن رواها في كتابه.

وكيف ما كان ، فمضافاً إلى شذوذها وعدم وضوح العامل بها ، معارضة في


1) الوسائل 6 : 272 / أبواب القنوت ب 5 ح 9 ، 10.

2) في ص 366.

3) الوسائل 6 : 271 / أبواب القنوت ب 5 ح 4.

4) الفقيه 1 : 266.

.................................................................................................


موردها بنصوص دلّت على أنّ محل القنوت إنّما هو الركعة الثانية لا الأُولى كصحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول في قنوت الجمعة : إذا كان إماماً قنت في الركعة الأُولى ، وإن كان يصلِّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (1).

وصحيحة عمران الحلبي قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل يصلِّي الجمعة أربع ركعات أيجهر فيها بالقراءة؟ قال : نعم ، والقنوت في الثانية» (2).

أضف إلى ذلك : العمومات الناطقة بذلك كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع» (3).

إذن فصحيحة حريز مطروحة بعد عدم نهوضها لمقاومة ما عرفت. والصحيح ما عليه النص والفتوى من أنّ محل القنوت في صلاة الظهر من يوم الجمعة للمنفرد إنّما هو الركعة الثانية قبل الركوع كما في سائر الصلوات.

وأمّا الجهة الثانية : أعني حكم الإمام في صلاة الجمعة ، ففيه أقوال أربعة :

الأوّل : ما هو المشهور بين الأصحاب من أنّ فيها قنوتين : أحدهما : في الركعة الأُولى قبل الركوع. وثانيهما : في الثانية بعده.

الثاني : ما نسب إلى أبي الصلاح (4)وابن أبي عقيل (5)من أنّهما قبل الركوع في كل من الركعتين.

الثالث : ما اختاره المفيد (6)من أنّ القنوت واحد ومحله قبل الركوع من


1) الوسائل 6 : 270 / أبواب القنوت ب 5 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 6 : 270 / أبواب القنوت ب 5 ح 1 ، 3.

3) الوسائل 6 : 266 / أبواب القنوت ب 3 ح 1.

4) لاحظ الكافي في الفقه : 123 ، 151.

5) حكاه عنه في المختلف 2 : 238.

6) المقنعة : 164.

.................................................................................................


الركعة الأُولى.

الرابع : ما نسب إلى الصدوق (1)وابن إدريس (2)من أنّه واحد ومحله الركعة الثانية قبل الركوع كما في سائر الصلوات.

أمّا القول الأوّل : الّذي هو المشهور المنصور ، فتشهد له جملة من النصوص كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث «قال : على الإمام فيها أي في الجمعة قنوتان : قنوت في الركعة الأُولى قبل الركوع ، وفي الركعة الثانية بعد الركوع ...» إلخ (3).

وموثقة سماعة قال : «سألته عن القنوت في الجمعة ، فقال : أمّا الإمام فعليه القنوت في الركعة الأُولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل أن يركع ، وفي الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود ...» إلخ (4).

وموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : سأله بعض أصحابنا وأنا عنده عن القنوت في الجمعة ، فقال له : في الركعة الثانية ، فقال له : قد حدثنا به بعض أصحابنا أنّك قلت له : في الركعة الأُولى ، فقال : في الأخيرة وكان عنده ناس كثير ، فلمّا رأى غفلة منهم قال : يا أبا محمّد في الأُولى والأخيرة فقال له أبو بصير بعد ذلك قبل الركوع أو بعده؟ فقال له أبو عبد اللّه عليه‌السلام : كل قنوت قبل الركوع إلّا في الجمعة فإنّ الركعة الأُولى القنوت فيها قبل الركوع ، والأخيرة بعد الركوع» (5).


1) الفقيه 1 : 267.

2) السرائر 1 : 299.

3) الوسائل 6 : 271 / أبواب القنوت ب 5 ح 4.

4) الوسائل 6 : 272 / أبواب القنوت ب 5 ح 8.

5) الوسائل 6 : 273 / أبواب القنوت ب 5 ح 12.

.................................................................................................


وأمّا القول الثاني : فلعل مستنده بعد مفروغية التعدّد في الجمعة وكونه من المسلّمات إطلاق قوله عليه‌السلام في صحيحة معاوية : «ما أعرف قنوتاً إلّا قبل الركوع» (1).

وفيه : بعد تسليم الإطلاق وقد تقدّم (2)منعه أنّه قابل للتقييد بالنصوص المزبورة بمقتضى صناعة الإطلاق والتقييد.

وأمّا القول الثالث : فيستدل له بجملة من النصوص :

منها : صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول في قنوت الجمعة : إذا كان إماماً قنت في الركعة الأُولى ، وإن كان يصلِّي أربعاً ففي الركعة الثانية قبل الركوع» (3).

وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام : «إنّ القنوت يوم الجمعة في الركعة الأُولى» (4).

وصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث «قال : وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر فيها بالقراءة ويقنت في الركعة الأُولى منهما قبل الركوع» (5).

وصحيحة أبي بصير «قال : القنوت في الركعة الأُولى قبل الركوع» (6)المؤيّدة بمرسلته عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : القنوت قنوت يوم الجمعة في


1) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 6.

2) في ص 371.

3) الوسائل 6 : 270 / أبواب القنوت ب 5 ح 1.

4) الوسائل 6 : 271 / أبواب القنوت ب 5 ح 6.

5) الوسائل 6 : 272 / أبواب القنوت ب 5 ح 11.

6) الوسائل 6 : 271 / أبواب القنوت ب 5 ح 7 [بل هي موثقة بزرعة].

.................................................................................................


الركعة الأُولى بعد القراءة» (1)فإنّها ظاهرة في كفاية قنوت واحد في الركعة الأُولى كما أنّها منصرفة إلى الإمام ، بل بعضها صريحة فيه.

ويندفع : بعدم دلالة شي‌ء من هذه الأخبار على نفي القنوت الثاني ، لعدم كونها في مقام الحصر ، بل غايته الظهور الإطلاقي في كفاية الواحدة. ومقتضى قانون الإطلاق والتقييد لزوم رفع اليد عنه وتقييده بالنصوص المتقدِّمة المصرّحة بوجود قنوت آخر في الركعة الثانية بعد الركوع بعد كونها سليمة عن المعارض. فهذا القول كسابقه ضعيف.

ومنه تعرف ضعف القول الرابع أيضاً ، الّذي ذهب إليه الصدوق وابن إدريس ، إذ ليت شعري ما هو الموجب للتخصيص بالركعة الثانية مع صراحة النصوص المتقدِّمة في التعدّد ، بل إنّ ذلك موجب لطرح النصوص المشار إليها آنفاً المصرّحة بالثبوت في الركعة الاولى من غير مسوّغ.

وعلى الجملة : ففتوى الصدوق كفتوى المفيد في التخصيص بإحدى الركعتين غير ظاهرة الوجه بعد ورود النصوص الصحيحة المتظافرة الصريحة في الجميع.

وأمّا ابن إدريس فقد اعتذر عنه بعدم العمل بأخبار الآحاد ، وهو كما ترى ضرورة أنّ نصوص الباب مضافاً إلى اعتبارها في أنفسها قد جاوزت من الكثرة حدّ الاستفاضة ، فلو لم يعمل بمثل هذه النصوص في الأحكام الشرعية فعلى الفقه السلام ، فان كثيراً من الأحكام ومنها مشروعية القنوت في الركعة الثانية من الجمعة التي اعترف بها إنّما ثبتت بمثل هذه الأخبار ، فرفضها يستوجب خللاً في الاستنباط بل سداً لباب الاجتهاد بمصراعيه كما لا يخفى.

فتحصّل : أنّ الأظهر هو القول الأوّل الّذي عليه المشهور.


1) الوسائل 6 : 270 / أبواب القنوت ب 5 ح 2.

.................................................................................................


وأمّا الجهة الثالثة : فربّما يقال بأنّ مورد تشريع القنوت في الركعة الأُولى في جملة من النصوص المتقدِّمة كموثقة سماعة (1)وصحيحتي معاوية وزرارة (2)إنّما هو الإمام ، والإطلاق في غيرها منزّل عليه لانصرافه إليه ولو بمعونة ما عرفت فلا دليل على شمول الحكم للمأمومين ، بل عليهم القنوت في الركعة الثانية فقط كما في سائر الصلوات.

ويندفع أوّلاً : بأنّ لزوم متابعة المأموم للإمام في كافة الأفعال ومنها القنوت حتّى فيما إذا لم يكن وظيفة له كما لو ائتم في الركعة الثانية من سائر الصلوات فضلاً عن المقام أمر مغروس في الأفهام ومرتكز في أذهان عامّة المتشرِّعة كما يشير إليه قوله عليه‌السلام : «إنّما جعل الإمام إماماً ليؤتم به» (3)، فدليل التشريع في الإمام يغني عن التنبيه عليه في المأموم ، اعتماداً على تلك الملازمة المغروسة والمتابعة المرتكزة.

وثانياً : أنّ المراد بالإمام في تلك النصوص ما يقابل المنفرد المذكور في ذيلها ، لا ما يقابل المأموم ، فلا يراد به وصفه العنواني وبما هو إمام ، بل بما هو مقيم لصلاة الجمعة إيعازاً إلى أنّ هذه الماهية من الصلاة المتقوّمة بالجماعة تفارق صلاة المنفرد في اختصاصها بقنوت آخر في الركعة الاولى من غير فرق في ذلك بين الإمام والمأموم.

وثالثاً : مع التنازل عن كل ذلك فيكفينا في شمول الحكم للمأموم إطلاق


1) الوسائل 6 : 272 / أبواب القنوت ب 5 ح 8.

2) الوسائل 6 : 270 / أبواب القنوت ب 5 ح 1 ، 4.

3) أورده الشهيد مرسلاً عن النبيّ صلی اللّه عليه وآله في الذكرى 4 : 444 وراجع صحيح البخاري 1 : 184 ، صحيح مسلم 1 : 308 / 411 ، سنن أبي داود 1 : 164 / 601.

ولا يشترط فيه رفع اليدين (1)


قوله عليه‌السلام في ذيل صحيحة أبي بصير المتقدِّمة : «كل قنوت قبل الركوع إلّا في الجمعة فإنّ الركعة الأُولى القنوت فيها قبل الركوع والأخيرة بعد الركوع» (1)فإنّها شاملة لمطلق صلاة الجمعة من غير تقييد بالإمام.

إذن فلا شبهة في شمول الحكم للمأموم أيضاً.

بقي شي‌ء : وهو أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد بالإمام الثابت له القنوت في الركعة الأُولى بمقتضى النصوص المتقدِّمة إنّما هو الإمام في صلاة الجمعة لا في صلاة الظهر يوم الجمعة ، فلا فرق بينه وبين سائر الأيّام في عدم ثبوت أكثر من قنوت واحد في الركعة الثانية ، وذلك لظهور تلك النصوص في ذلك ، بل إنّ صحيحة معاوية المتقدِّمة (2)كالصريح في الاختصاص لقوله عليه‌السلام في الذيل : «وإن كان يصلِّي أربعاً ففي الركعة الثانية» الكاشف بمقتضى المقابلة عن أنّ المراد بالصدر صلاة الجمعة ذات الخطبتين وهذا واضح لا غبار عليه.

والمتحصِّل من جميع ما تقدّم : ثبوت قنوتين في صلاة الجمعة من غير فرق بين الإمام والمأموم ، وعدم ثبوت أكثر من قنوت واحد في صلاة الظهر من يوم الجمعة ، من غير فرق أيضاً بين الإمام والمأموم والمنفرد.

(1) فهو بالقياس إليه من قبيل المستحب في المستحب على ما يقتضيه ظاهر كلمات الأصحاب ، خلافاً لما يظهر من جماعة آخرين كالفاضل المقداد (3)وكاشف


1) الوسائل 6 : 273 / أبواب القنوت ب 5 ح 12.

2) في ص 377.

3) كنز العرفان 1 : 59.

.................................................................................................


اللثام (1)، وصاحب الجواهر (2)من الذهاب أو الميل إلى دخله في ماهية القنوت وتقوم مفهومه به وأنّه بدونه من الدُّعاء المطلق دون القنوت الموظف.

وهذا هو الصحيح ، ويدلّنا عليه بعد قيام ارتكاز المتشرِّعة على أنّ المراد به في الصلاة عمل خاص ذو كيفية مخصوصة فهو اسم لمعنى مصطلح مغاير لمعناه اللغوي من مطلق الدُّعاء أو الخضوع والخشوع أُمور :

أحدها : ما ورد في غير واحد من النصوص من تخصيص محله بالركعة الثانية قبل الركوع ما عدا صلاة الجمعة والعيدين والآيات ففيها كيفيات اخرى كما تقدّم ، فلو كان مساوقاً لمطلق الدُّعاء ولم يتقوّم برفع اليدين لم يعرف أيّ وجه لهذا التخصيص ، ولا معنى لقوله عليه‌السلام : «ما أعرف قنوتاً إلّا قبل الركوع» (3)ضرورة استحباب الدُّعاء في غير موضع من الصلاة ، بل مشروعيته في جميع حالاتها ، فما هو الموجب لذلك الحصر والتخصيص الّذي تنادي به تلك النصوص.

ثانيها : النواهي المتعلِّقة به في غير واحد من النصوص المحمولة على التقيّة بل التصريح في بعضها بتركه لدى التقيّة كما تقدّم (4)، فان من البديهي أنّ عنوان التقيّة لا يكاد يتحقّق من دون تقوم القنوت برفع اليدين ، فانّ الدُّعاء المطلق أثناء الصلاة ممّا لا ينكره العامّة سيما بعد عدم التوظيف وجواز الاكتفاء بالتسبيح أو التسمية أو بعض الآيات كما سيجي‌ء بل العامّة بأنفسهم يقرءون بعض الآيات بعد الفراغ من الحمد ، فكيف تتصوّر التقيّة مع هذه


1) كشف اللثام 4 : 152.

2) الجواهر 10 : 368.

3) الوسائل 6 : 268 / أبواب القنوت ب 3 ح 6.

4) في ص 363 ، 365.

.................................................................................................


الحالة. هذا في الصلوات الجهرية ، وأمّا في الإخفاتية فالأمر أوضح كما لا يخفى.

ثالثها : ما اتّفق عليه النص والفتوى من نفي القنوت عن صلاة الميت مع وضوح تقوّم هذه الصلاة بالدُّعاء بل ليست حقيقتها إلّا ذلك ، وهذا خير دليل على مغايرة القنوت مع الدُّعاء المطلق ، إذ لا يكاد يستقيم النفي المزبور من دون ذلك.

رابعها : دلالة بعض النصوص الخاصّة عليه.

فمنها : موثقة عمار الساباطي قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : أخاف أن أقنت وخلفي مخالفون ، فقال : رفعك يديك يجزي ، يعني رفعهما كأنّك تركع» (1). ودلالتها من وجهين :

أحدهما : قوله عليه‌السلام : «يجزئ» فان فيه دلالة واضحة على اعتبار رفع اليدين في أداء وظيفة القنوت ، غير أنّه لمّا لم يتمكن منه لمكان التقيّة يجتزئ عنه برفعهما موهماً إرادة التكبير للركوع قاصداً أداء مسمّى القنوت.

ثانيهما : قول السائل «وخلفي مخالفون» فإنّه كالصريح في اعتبار رفع اليدين في مفهوم القنوت وأنّه به قوامه ومن ثمّ يخاف من المخالفين ، وإلّا فقد عرفت أنّ الدُّعاء المطلق لم يكن مورداً للتقيّة.

ومنها : موثقة علي بن محمّد بن سليمان قال : «كتبت إلى الفقيه عليه‌السلام أسأله عن القنوت ، فكتب إذا كانت ضرورة شديدة فلا ترفع اليدين وقل ثلاث مرّات : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» (2). دلّت بمفهومها على لزوم الرفع لدى عدم الضرورة الشديدة الكاشف عن دخله في مفهوم القنوت ، وإلّا لم يكن وجه


1) الوسائل 6 : 282 / أبواب القنوت ب 12 ح 2.

2) الوسائل 6 : 282 / أبواب القنوت ب 12 ح 3.

ولا ذكر مخصوص بل يجوز ما يجري على لسانه (1) من الذكر والدُّعاء والمناجاة وطلب الحاجات. وأقلّه : سبحان اللّه خمس مرّات ، أو ثلاث مرّات ، أو بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثلاث مرّات ، أو الحمد لله ثلاث مرّات بل يجزئ سبحان اللّه أو سائر ما ذكر مرّة واحدة ، كما يجزئ الاقتصار على الصلاة على النبيّ وآله صلی اللّه عليه وآله ومثل قوله : اللّهمّ اغفر لي ، ونحو ذلك (2)


لإناطة تركه بالضرورة.

والمتحصِّل : أنّ المستفاد من مجموع الروايات تقوّم القنوت برفع اليدين وأنّه بدونه لم يكن آتياً بالوظيفة الخاصّة أعني القنوت المأمور به. نعم ، لا بأس به بقصد مطلق الدُّعاء دون التوظيف.

(1) لصحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت وما يقال فيه؟ قال : ما قضى اللّه على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئاً موقتاً» (1)ونحوها غيرها ممّا هو صريح في عدم التوقيت.

(2) كل ذلك لإطلاق نفي التوقيت (2)المستفاد من مثل الصحيح المتقدِّم


1) الوسائل 6 : 277 / أبواب القنوت ب 9 ح 1.

2) لا يخفى أنّ القنوت لغة وإن كان لمعان عديدة ، إلّا أنّ المتيقن إرادته منه في قنوت الصلاة إنّما هو الدُّعاء كما يفصح عنه ما في صحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق عليه‌السلام «أنّه قال : القنوت في الوتر الاستغفار وفي الفريضة الدُّعاء» (باب 8 من أبواب القنوت الحديث 1) ومقتضى ما دلّ على نفي التوقيت فيه عدم التوقيت بدعاء خاص فيعم المأثور وغيره ، لا أنّه يكتفي بغير ما هو من سنخ الدُّعاء كالتسبيح ونحوه ، إلّا أن ينهض على تجويزه دليل بالخصوص ولم ينهض لضعف تلكم النصوص.

والأولى أن يكون جامعاً للثناء على اللّه تعالى والصلاة على محمّد وآله وطلب المغفرة له وللمؤمنين والمؤمنات (1).

[1672] مسألة 1 : يجوز قراءة القرآن في القنوت (2) خصوصاً الآيات المشتملة على الدُّعاء (3) كقوله تعالى ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ) ونحو ذلك.

[1673] مسألة 2 : يجوز قراءة الأشعار المشتملة على الدُّعاء (4) والمناجاة مثل قوله :


مؤيّداً ببعض النصوص الخاصّة.

(1) كما جاء ذلك في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «عن القنوت في الوتر هل فيه شي‌ء موقت يتبع ويقال؟ فقال : لا ، أثن على اللّه عزّ وجلّ ، وصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله واستغفر لذنبك العظيم ثمّ قال : كل ذنب عظيم» (1).

(2) إذ بعد فرض عدم التوقيت كما عرفت فالقرآن خير ما يجري على اللِّسان وتشهد به رواية ابن سليمان المتقدِّمة (2).

(3) فإنّها قرآن ودعاء وقد تضمنتها جملة من القنوتات المرويّة عنهم عليهم‌السلام (3).

(4) فإنّها مصداق للدعاء فيشملها الإطلاق المتقدِّم.


1) الوسائل 6 : 277 / أبواب القنوت ب 9 ح 2.

2) في ص 382.

3) المستدرك 4 : 401 / أبواب القنوت ب 6 ، ح 3 ، ب 16 ح 1.

إلهي عبدك العاصي أتاكا *** مقرّاً بالذنوب وقد دعاكا

[1674] مسألة 3 : يجوز الدُّعاء فيه بالفارسية ونحوها من اللّغات غير العربية (1) ، وإن كان لا يتحقّق وظيفة القنوت إلّا بالعربي ، وكذا في سائر أحوال الصلاة وأذكارها ، نعم الأذكار المخصوصة لا يجوز إتيانها بغير العربي.


(1) كما صرّح به الصدوق في الفقيه (1)ونسب إلى كثير من القدماء بل إلى المشهور بين الأصحاب ، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى سعد بن عبد اللّه ، بل يظهر من المحقِّق الثاني (2)انحصار المخالف فيه.

وقد استدلّ له في الفقيه بقول أبي جعفر الثاني عليه‌السلام : «لا بأس أن يتكلّم الرجل في صلاة الفريضة بكل شي‌ء يناجي به ربّه (عزّ وجلّ)» قال (قدس سره) ولو لم يرد هذا الخبر لكنت أُجيزه بالخبر الّذي روي عن الصادق عليه‌السلام أنّه «قال : كل شي‌ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» والنهي عن الدُّعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود ، والحمد لله (3).

ويشير بالمرسل الأوّل إلى صحيحة علي بن مهزيار (4)، وقد تبعه المحقِّق الهمداني (قدس سره) (5)في الاستدلال المزبور.

أقول : يقع الكلام تارة في جواز الإتيان بالدُّعاء أو الذكر بغير العربية في القنوت أو في غيره من سائر حالات الصلاة أو أنّها تبطل بذلك ، وأُخرى في


1) الفقيه 1 : 208 ذيل ح 935.

2) جامع المقاصد 2 : 322.

3) الفقيه 1 : 208 / 936 ، 937.

4) الوسائل 6 : 289 / أبواب القنوت ب 19 ح 1.

5) مصباح الفقيه (الصلاة) : 392 السطر 31.

.................................................................................................


أنّه على تقدير الجواز فهل تتأدّى وظيفة القنوت بذلك أو لا؟ فهنا مقامان :

أمّا المقام الأوّل : فالظاهر هو الجواز لجملة من النصوص المجوّزة للتكلم في الصلاة بكل شي‌ء يناجى به الرب التي منها صحيحة علي بن مهزيار المشار إليها آنفاً قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكل شي‌ء يناجي به ربّه (عزّ وجلّ) ، قال : نعم» ، وصحيحة الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام كل ما ذكرت اللّه (عزّ وجلّ) به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة ...» إلخ (1)وغيرهما.

فإن إطلاقها سيّما بعد عدم تقييد الرجل بالعربي في صحيحة ابن مهزيار يقتضي تجويز المناجاة بجميع اللّغات فلا قصور في شمول إطلاقها من حيث اللّغة أيضاً ، ولو لأجل ترك الاستفصال ، ولا موجب لقصر النظر فيها على المضمون كما قيل. ودعوى الانصراف إلى خصوص اللغة العربية غير واضحة ، فإنّه بدوي لا يعبأ به ، هذا أوّلاً.

وثانياً : مع الغض عمّا ذكر فتكفينا أصالة البراءة عن المانعية بعد عدم ورود النهي عن الدُّعاء بالفارسية كما سمعته عن الفقيه.

وأمّا المقام الثاني : فما يمكن أن يستدل به من النصوص على أداء وظيفة القنوت بغير العربي روايتان :

إحداهما : صحيحة عبد الرّحمن بن أبي عبد اللّه عن الصادق عليه‌السلام أنّه «قال : القنوت في الوتر الاستغفار وفي الفريضة الدُّعاء» (2)بدعوى أنّ إطلاقها بعد عدم تقييد الدُّعاء بالعربية يشمل جميع اللّغات.


1) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

2) الوسائل 6 : 276 / أبواب القنوت ب 8 ح 1.

.................................................................................................


ويندفع : بعدم كونه عليه‌السلام في مقام البيان من هذه الناحية ، وإنّما هو بصدد التفرقة بين قنوتي الوتر والفريضة وأنّه في الأوّل الاستغفار ، وفي الثاني الدُّعاء من غير نظر إلى خصوصية اللغة لكي ينعقد الإطلاق من هذه الجهة. وبعبارة اخرى : الصحيحة مسوقة لبيان التفرقة بين الموردين من حيث المعنى والمضمون من غير نظر إلى الألفاظ وخصوصيّاتها بوجه ، فلا إطلاق لها بتاتاً.

ثانيتهما : صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن القنوت وما يقال فيه؟ قال : ما قضى اللّه على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئاً موقتاً» (1)بدعوى أنّ ما قضى اللّه على اللِّسان من غير توقيت فيه يشمل غير العربي أيضاً.

ويندفع : بما عرفت من أنّها ناظرة إلى عدم التوقيت من ناحية المضمون من غير نظر إلى اللّغة ، سيّما وأنّ السائل عربي لا يجري على لسانه إلّا باللّغة العربية ، نعم لو كان السائل غير عربي ، أو كان الجواب هكذا : «ما قضى اللّه على لسان الرجل» لأمكن التعميم ، وإذ ليس فليس. فالتمسّك إذن بإطلاق الأخبار لتصحيح القنوت بالفارسية كما عن الصدوق وغيره في غاية الإشكال.

نعم ، يمكن الاستدلال له بأصالة البراءة فإنّها وإن لم تكن جارية في باب المستحبّات ، لا العقلية منها لعدم احتمال العقاب ، ولا الشرعية ، إذ المرفوع بمقتضى افتراض كون الرفع ظاهرياً بالنسبة إلى ما لا يعلمون إنّما هو إيجاب الاحتياط ، ولا ريب في حسنه واستحبابه في هذا الباب فلم يكن مرفوعاً قطعاً إلّا أنّنا أشرنا في الأُصول (2)إلى أنّ هذا البيان إنّما يتّجه بالنسبة إلى المستحبّات الاستقلالية ، فمع الشك في استحباب شي‌ء لا مجال لنفيه بأصالة البراءة.


1) الوسائل 6 : 277 / أبواب القنوت ب 9 ح 1.

2) مصباح الأُصول 2 : 270.

[1675] مسألة 4 : الأولى أن يقرأ الأدعية الواردة عن الأئمّة (صلوات اللّه عليهم) (1) والأفضل كلمات الفرج (2) وهي : لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم ، لا إله إلّا اللّه العليّ العظيم ، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع وربّ الأرضين السبع وما فيهنّ وما بينهنّ وربّ العرش العظيم ، والحمد لله ربّ العالمين». ويجوز أن يزيد بعد قوله وما بينهنّ «وما فوقهنّ وما تحتهنّ»


وأمّا التكاليف الضمنية بأن شكّ في تقيّد المستحب بقيد كالعربية في المقام فالاحتياط فيه وإن كان حسناً أيضاً كما عرفت فلا يجري الأصل لرفعه ، إلّا أنّ تقيد هذا المستحب بذاك القيد بحيث لا يمكن الإتيان بفاقد القيد بداعي الأمر الراجع إلى الوجوب الشرطي كلفة زائدة ، وبما أنّها مشكوك فيها فيمكن رفعها بأصالة البراءة.

فتحصّل : أنّ مقتضى الأصل جواز أداء وظيفة القنوت بالفارسية وإن كانت النصوص قاصرة عن إثبات ذلك.

(1) تأسّياً بهم عليهم‌السلام.

(2) على المشهور ، لكنّ النصوص حتّى الضعيفة منها خالية عن التعرّض لكلمات الفرج بعنوانها في باب القنوت كما اعترف به غير واحد ، وإن ورد ذلك في باب تلقين المحتضر (1).

نعم ، ورد الأمر بذوات هذه الكلمات في روايتين ضعيفتين : إحداهما مرسلة أبي بصير (2)والأُخرى الفقه الرضوي (3)وكيف ما كان ، فلا ريب في رجحان هذه الكلمات إمّا للأمر بها بالخصوص ، أو لأنّها من أبرز مصاديق الذكر والثناء.


1) الوسائل 2 : 459 / أبواب الاحتضار ب 38.

2) الوسائل 6 : 275 / أبواب القنوت ب 7 ح 4.

3) المستدرك 4 : 403 / أبواب القنوت ب 6 ح 4 ، فقه الرِّضا : 107.

كما يجوز أن يزيد بعد قوله : «العرش العظيم» ، ( وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) (1) والأحسن أن يقول بعد كلمات الفرج : «اللّهمّ اغفر لنا وارحمنا وعافنا ، واعف عنّا ، إنّك على كلّ شي‌ء قدير».


(1) هذه الزيادة لم ترد في شي‌ء من نصوص الباب حتّى الروايتين الضعيفتين المتقدِّمتين. نعم ، وردت في مرسلة الفقيه الواردة في باب الاحتضار (1)كما نقلها عنه في الحدائق (2)وفي جامع الأحاديث (3). وإن خلت عنها فيما حكاه عنه في الوسائل باب 38 من الاحتضار حديث 2 (4)، ولعلّه سهو من قلمه الشريف.

ووردت أيضاً في الفقه الرضوي (5)في الباب نفسه ، لكن ضعفهما يمنع عن التعويل عليهما في موردهما فضلاً عن التعدِّي إلى المقام.

على أنّ الكافي روى مرسلة الصدوق بطريق صحيح عن الحلبي خالياً عن تلك الزيادة (6)، كما أنّه روى أيضاً صحيحة لزرارة من دون تلك الزيادة (7).

إذن فالنصوص قاصرة عن إثبات هذه الزيادة ، بل يظهر المنع عنها من رواية المروزي عن أبي الحسن الثالث عليه‌السلام «لا تقل في صلاة الجمعة في القنوت وسلام على المرسلين» (8)، وإن لم تكن نقيّة السند.


1) الفقيه 1 : 77 / 346.

2) الحدائق 8 : 367.

3) جامع أحاديث الشيعة 3 : 199.

4) الوسائل 2 : 459.

5) فقه الرِّضا : 165 ، المستدرك 2 : 128 / أبواب الاحتضار ب 28 ح 2.

6) الوسائل 2 : 459 / أبواب الاحتضار ب 38 ح 2 ، 1 ، الكافي 3 : 124 / 9 ، 122 / 3.

7) الوسائل 2 : 459 / أبواب الاحتضار ب 38 ح 2 ، 1 ، الكافي 3 : 124 / 9 ، 122 / 3.

8) الوسائل 6 : 276 / أبواب القنوت ب 7 ح 6.

[1676] مسألة 5 : الأولى ختم القنوت بالصلاة على محمّد وآله ، بل الابتداء بها أيضاً ، أو الابتداء في طلب المغفرة أو قضاء الحوائج بها ، فقد روي أنّ اللّه سبحانه وتعالى يستجيب الدُّعاء للنبي صلی اللّه عليه وآله بالصلاة وبعيد من رحمته أن يستجيب الأوّل والآخر ولا يستجيب الوسط ، فينبغي أن يكون طلب المغفرة والحاجات بين الدُّعاءين بالصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله.

[1677] مسألة 6 : من القنوت الجامع الموجب لقضاء الحوائج على ما ذكره بعض العلماء أن يقول : «سبحان من دانت له السّماوات والأرض بالعبودية ، سبحان من تفرّد بالوحدانية ، اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجِّل فرجهم ، اللّهمّ اغفر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، واقض حوائجي وحوائجهم بحقّ حبيبك محمّد وآله الطاهرين صلّى اللّه عليه وآله أجمعين».


فنبقى نحن ومقتضى القواعد ، فقد يقال إنّ مقتضاها الجواز ، لأصالة عدم المانعية بعد عدم احتمال كونها من التسليم المحلِّل ، لأنّ ما ورد من أنّ «تحليلها التسليم» (1)ناظر إلى إثبات المحللية للتسليم في الجملة ، ولا إطلاق له من حيث الكيفيّة ليشمل المقام.

ولكن الظاهر عدم الجواز ما لم يقصد بها القرآن ، لكونها من كلام الآدمي الممنوع ارتكابه أثناء الصلاة ، فإن ما استثني ممّا ورد من أنّ «من تكلّم في صلاته متعمِّداً فعليه الإعادة» (2)عناوين ثلاثة : القرآن ، والدُّعاء ، والذِّكر ، وشي‌ء


1) الوسائل 6 : 415 / أبواب التسليم ب 1 ح 1 ، 8.

2) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2.

[1678] مسألة 7 : يجوز في القنوت الدُّعاء الملحون (1) مادّة أو إعراباً إذا لم يكن لحنه فاحشاً ولا مغيّراً للمعنى (2) لكن الأحوط الترك.


منها غير منطبق على تلك الزيادة فتكون طبعاً من كلام الآدمي الموجب للبطلان والخروج من الصلاة ، سواء أشمله قوله «تحليلها السلام» أم لا.

ومن البيِّن أنّ مجرّد ورود لفظ «السلام» في الذكر الحكيم لا يسوّغه ، إذ لا يدرجه في عنوانه ما لم يقصد به القرآنية ، وإلّا لساغ أن نقول بدل السلام على المرسلين ، وسلام على المؤمنين أو على الحسين أو شهداء بدر وحنين أو السلام عليه ، أو السلام عليّ ، وكل ذلك كما ترى لا يظن أن يلتزم به الفقيه ولو لا قيام الدليل على الجواز بل استحباب التسليم على النبيّ صلی اللّه عليه وآله لقلنا بعدم جوازه أيضاً لما عرفت.

فتحصّل : أنّ تجويز تلك الزيادة ما لم يقصد بها القرآنية محل إشكال بل منع.

(1) لما تقدّم (1)من جواز الدُّعاء بالفارسية ، بل عرفت أنّ مقتضى الأصل أداء وظيفة القنوت أيضاً بذلك ، فانّ ملاك البحث المتقدِّم يجري في المقام بمناط واحد فلاحظ.

(2) فلو كان مغيّراً بحيث استوجب سلب اسم الدُّعاء عنه عرفاً لا يجوز لعدم كون المدار في صدق اسم الدُّعاء على مجرّد قصد المتكلِّم كما توهّم ، بل مشروطاً باقترانه بالمبرز على النهج المتعارف.

ألا ترى أنّ من تصدّى للتحيّة فأتى بألفاظ من لغة بزعم أنّها مصداق للتحيّة فبان أنّها سب ولعن لا يصدق عرفاً أنّه حيّي فلاناً وإن كان من قصده ذلك ، ولا فرق بين الدُّعاء والتحيّة من هذه الجهة كما لا يخفى.


1) في ص 385.

[1679] مسألة 8 : يجوز في القنوت الدُّعاء على العدو (1) بغير ظلم (2) وتسميته ، كما يجوز الدُّعاء لشخص خاص مع ذكر اسمه (3).

[1680] مسألة 9 : لا يجوز الدُّعاء لطلب الحرام (4).


(1) لإطلاقات الدُّعاء بعد عدم التوقيت فيها كما تقدّم (1)، مضافاً إلى دلالة بعض النصوص عليه كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : تدعو في الوتر على العدو وإن شئت سمّيتهم وتستغفر» (2).

(2) ففي صحيح هشام بن سالم قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول : إنّ العبد ليكون مظلوماً فلا (فما) يزال يدعو حتّى يكون ظالماً» (3).

(3) لما عرفت من الإطلاق.

(4) كشرب الخمر أو قتل المؤمن ، والكلام تارة في حرمته تكليفاً ، وأُخرى وضعاً ، أي بطلان الصلاة بذلك.

أمّا الأوّل : فيستدل على الحرمة بدعوى الإجماع بل التسالم عليها بحيث تعدّ من المسلّمات ، ويعضدها أنّ طلب ما يبغضه المولى تجاسر عليه ، وهتك لحرمته ، وخروج عن مقتضى العبودية ، فهو نوع من التجري ويحرم بناءً على حرمته. ونظيره في الموالي العرفية طلب العبد من سيِّده طلاق زوجته الكريمة عنده أو التمكين من قتل ولده ونحوهما ممّا يقطع بعدم رضاه به ، فان مثل هذا العبد لا شك أنّه يعدّ هاتكاً لحرمة المولى ومتجاسراً عليه بل مطروداً لديه.


1) في ص 384.

2) الوسائل 6 : 283 / أبواب القنوت ب 13 ح 1.

3) الوسائل 7 : 131 / أبواب الدُّعاء ب 53 ح 1.

[1681] مسألة 10 : يستحب إطالة القنوت خصوصاً في صلاة الوتر ، فعن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله «أطولكم قنوتاً في دار الدُّنيا أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف» ، وفي بعض الروايات قال صلی اللّه عليه وآله : «أطولكم قنوتاً في الوتر في دار الدُّنيا» إلخ ، ويظهر من بعض الأخبار أنّ إطالة الدُّعاء في الصلاة أفضل من إطالة القراءة.

[1682] مسألة 11 : يستحب التكبير قبل القنوت ، ورفع اليدين حال التكبير ، ووضعهما ثمّ رفعهما حيال الوجه وبسطهما جاعلاً باطنهما نحو السماء وظاهرهما نحو الأرض ، وأن يكونا منضمّتين مضمومتي الأصابع إلّا الإبهامين ، وأن يكون نظره إلى كفّيه ، ويكره أن يجاوز بهما الرأس ، وكذا يكره أن يمرّ بهما على وجهه وصدره عند الوضع.


وأمّا الثاني : فسيأتي البحث عنه في مبطلية الكلام إن شاء اللّه تعالى (1).

وملخصه : أنّ المبطل هو خصوص كلام الآدميين أو أنّه مطلق الكلام إلّا ما خرج وهو القرآن والذكر والدُّعاء.

فعلى الأوّل : لا بطلان في مفروض المسألة ، فإن ما تلفظ به كلام مع اللّه فهو بالأخرة دعاء وإن كان محرّماً ، وليس من كلام الآدمي في شي‌ء.

وعلى الثاني : يبطل ، لانصراف المستثنى إلى الدُّعاء المأمور به ، فغيره باق تحت إطلاق المستثنى منه ، سواء أصدق عليه كلام الآدمي أم لا.

والفرق بين المسلكين أنّه على الأوّل لا بدّ في البطلان من صدق كلام الآدمي دون الثاني ، وتمام الكلام في محله إن شاء اللّه تعالى.


1) في ص 446.

[1683] مسألة 12 : يستحبّ الجهر بالقنوت سواء كانت الصلاة جهرية أو إخفاتية ، وسواء كان إماماً أو منفرداً بل أو مأموماً إذا لم يسمع الإمام صوته.

[1684] مسألة 13 : إذا نذر القنوت في كل صلاة أو صلاة خاصّة وجب (1) ، لكن لا تبطل الصلاة بتركه سهواً بل ولا بتركه عمداً أيضاً على الأقوى (2).


(1) لانعقاد نذره بمقتضى إطلاق دليل الوفاء به بعد رجحان متعلّقه واستحبابه. ومنه تعرف ثبوت الكفارة أيضاً على تقدير الحنث وهذا واضح.

(2) أمّا مع الترك سهواً فلا ينبغي الشك في الصحّة لوضوح عدم اقتضاء النذر المزبور تقييداً في المأمور به وتخصيصه بحصّة خاصّة ولا تضييقاً لملاك أمره ، بل غايته وجوب شي‌ء فيه من قبيل الواجب في الواجب ، والمفروض سقوط الوجوب لأجل النسيان فأي موجب للبطلان بعد الإتيان بالمأمور به على وجهه من غير أي خلل فيه ولا في عباديّته ، ومنه تعرف عدم ثبوت الكفّارة أيضاً.

وأمّا مع الترك عمداً فلا شبهة في تعلّق الكفارة. وأما الصحّة فيجري فيها الكلام المتقدِّم في نذر الموالاة وملخصه : أنّ النذر المزبور بعد أن لم يكن موجباً للنهي عن الفاقد للقيد المنذور إذ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه فلا مانع حينئذ من تصحيحه بالخطاب الترتبي ، فيؤمر أوّلاً بالصلاة مع القنوت وعلى تقدير العصيان فبالصلاة الخالية عنه.

[1685] مسألة 14 : لو نسي القنوت فان تذكّر قبل الوصول إلى حدّ الركوع قام وأتى به ، وإن تذكر بعد الدخول في الركوع قضاه بعد الرفع منه وكذا لو تذكّر بعد الهويّ للسجود قبل وضع الجبهة ، وإن كان الأحوط ترك العود إليه ، وإن تذكّر بعد الدخول في السجود أو بعد الصلاة قضاه بعد الصلاة وإن طالت المدّة ، والأولى الإتيان به إذا كان بعد الصلاة جالساً مستقبلاً وإن تركه عمداً في محلّه أو بعد الركوع فلا قضاء.

[1686] مسألة 15 : الأقوى اشتراط القيام في القنوت مع التمكن منه إلّا إذا كانت الصلاة من جلوس أو كانت نافلة حيث يجوز الجلوس في أثنائها كما يجوز في ابتدائها اختياراً.

[1687] مسألة 16 : صلاة المرأة كالرجل في الواجبات والمستحبّات إلّا في أُمور قد مرّ كثير منها في تضاعيف ما قدّمنا من المسائل وجملتها : أنّه يستحب لها الزينة حال الصلاة بالحلي والخضاب ، والإخفات في الأقوال ، والجمع بين قدميها حال القيام ، وضمّ ثدييها إلى صدرها بيديها حاله أيضاً ووضع يديها على فخذيها حال الركوع ، وأن لا تردّ ركبتيها حاله إلى وراء وأن تبدأ بالقعود للسجود ، وأن تجلس معتدلة ثمّ تسجد ، وأن تجمع وتضم أعضاءها حال السجود ، وأن تلتصق بالأرض بلا تجاف وتفترش ذراعيها ، وأن تنسل انسلالاً إذا أرادت القيام ، أي تنهض بتأنّ وتدريج عدلاً لئلّا تبدو عجيزتها ، وأن تجلس على أليتيها إذا جلست رافعة ركبتيها ضامّة لهما.

[1688] مسألة 17 : صلاة الصبيّ كالرجل ، والصبيّة كالمرأة.

[1689] مسألة 18 : قد مرّ في المسائل المتقدِّمة متفرّقة حكم النظر واليدين حال الصلاة ، ولا بأس بإعادته جملة : فشغل النظر حال القيام أن يكون على موضع السجود ، وحال الركوع بين القدمين ، وحال السجود إلى طرف الأنف ، وحال الجلوس إلى حجره ، وأما اليدان فيرسلهما حال القيام ويضعهما على الفخذين ، وحال الركوع على الركبتين مفرّجة الأصابع ، وحال السجود على الأرض مبسوطتين مستقبلاً بأصابعهما منضمّة حذاء الأُذنين وحال الجلوس على الفخذين ، وحال القنوت تلقاء وجهه.

فصل في التعقيب

وهو الاشتغال عقيب الصلاة بالدُّعاء أو الذكر أو التلاوة أو غيرها من الأفعال الحسنة : مثل التفكّر في عظمة اللّه ، ونحوه ، ومثل البكاء لخشية اللّه أو للرغبة إليه ، وغير ذلك. وهو من السنن الأكيدة ، ومنافعه في الدين والدُّنيا كثيرة ، وفي رواية : «من عقّب في صلاته فهو في صلاته» وفي خبر : «التعقيب أبلغ في طلب الرِّزق من الضرب في البلاد» والظاهر استحبابه بعد النوافل أيضاً ، وإن كان بعد الفرائض آكد. ويعتبر أن يكون متّصلاً بالفراغ منها غير مشتغل بفعل آخر ينافي صدقه الّذي يختلف بحسب المقامات من السفر والحضر ، والاضطرار والاختيار. ففي السفر يمكن صدقه حال الركوب أو المشي أيضاً كحال الاضطرار ، والمدار على بقاء الصدق والهيئة في نظر المتشرِّعة ، والقدر المتيقن في الحضر الجلوس مشتغلاً بما ذكر من الدُّعاء ونحوه ، والظاهر عدم صدقه على الجلوس بلا دعاء أو الدُّعاء بلا جلوس إلّا في مثل ما مرّ ، والأولى فيه الاستقبال والطهارة والكون في المصلّى ولا يعتبر فيه كون الأذكار والدُّعاء بالعربية ، وإن كان هو الأفضل ، كما أنّ الأفضل الأذكار والأدعية المأثورة المذكورة في كتب العلماء ، ونذكر جملة منها تيمّناً :

أحدها : أن يكبِّر ثلاثاً بعد التسليم رافعاً يديه على هيئة غيره من التكبيرات.

الثاني : تسبيح الزهراء (صلوات اللّه عليها) وهو أفضلها على ما ذكره جملة من العلماء ففي الخبر : «ما عبد اللّه بشي‌ء من التحميد أفضل من تسبيح

فاطمة ، ولو كان شي‌ء أفضل منه لنحله رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فاطمة» وفي رواية : «تسبيح فاطمة الزهراء الذكر الكثير الّذي قال اللّه تعالى ( اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً ) » وفي اخرى عن الصادق عليه‌السلام : «تسبيح فاطمة كل يوم في دبر كل صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم» والظاهر استحبابه في غير التعقيب أيضاً ، بل في نفسه ، نعم هو مؤكّد فيه ، وعند إرادة النوم لدفع الرؤيا السيِّئة ، كما أنّ الظاهر عدم اختصاصه بالفرائض بل هو مستحب عقيب كل صلاة ، وكيفيّته : «اللّه أكبر» أربع وثلاثون مرّة ، ثمّ «الحمد لله» ثلاث وثلاثون ، ثمّ «سبحان اللّه» كذلك ، فمجموعها مائة ويجوز تقديم التسبيح على التحميد وإن كان الأولى الأوّل.

[1690] مسألة 19 : يستحب أن يكون السبحة بطين قبر الحسين (صلوات اللّه عليه) وفي الخبر أنّها تسبِّح إذا كانت بيد الرجل من غير أن يسبِّح ويكتب له ذلك التسبيح وإن كان غافلاً.

[1691] مسألة 20 : إذا شكّ في عدد التكبيرات أو التسبيحات أو التحميدات بنى على الأقل إن لم يتجاوز المحل ، وإلّا بنى على الإتيان به ، وإن زاد على الأعداد بنى عليها ورفع اليد عن الزائد.

الثالث : لا إله إلّا اللّه وحده وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وأعزّ جنده ، وغلب الأحزاب وحده ، فله الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شي‌ء قدير.

الرابع : «اللّهمّ اهدني من عندك ، وأفض عليّ من فضلك وانشر عليّ من رحمتك ، وأنزل عليّ من بركاتك».

الخامس : «سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر» مائة مرّة ، أو أربعين ، أو ثلاثين.

السادس : «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وأجرني من النار وارزقني الجنّة وزوّجني من الحور العين».

السابع : أعوذ بوجهك الكريم وعزّتك التي لا ترام وقدرتك التي لا يمتنع منها شي‌ء من شرّ الدُّنيا والآخرة ومن شرّ الأوجاع كلّها ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

الثامن : قراءة الحمد ، وآية الكرسي ، وآية ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ ) ... إلخ [آل عمران 3 : 17] ، وآية الملك [آل عمران 3 : 26].

التاسع : «اللّهمّ إنِّي أسألك من كل خير أحاط به علمك ، وأعوذ بك من كلّ شر أحاط به علمك ، اللّهمّ إنِّي أسألك عافيتك في أُموري كلّها ، وأعوذ بك من خزي الدُّنيا وعذاب الآخرة».

العاشر : «أُعيذ نفسي وما رزقني ربِّي باللّه الواحد الأحد الصمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأُعيذ نفسي وما رزقني ربِّي بربّ الفلق من شرّ ما خلق إلى آخر السورة - ، وأُعيذ نفسي وما رزقني ربِّي بربّ الناس ملك الناس إلى آخر السورة».

الحادي عشر : أن يقرأ قل هو اللّه أحد اثني عشر مرّة ثمّ يبسط يديه ويرفعهما إلى السماء ويقول : «اللّهمّ إنِّي أسألك باسمك المكنون المخزون الطهر الطاهر المبارك ، وأسألك باسمك العظيم وسلطانك القديم أن تصلِّي على محمّد وآل محمّد ، يا واهب العطايا يا مطلق الأُسارى يا فكّاك الرِّقاب من النّار

أسألك أن تصلِّي على محمّد وآل محمّد ، وأن تعتق رقبتي من النار وتخرجني من الدُّنيا آمناً وتدخلني الجنّة سالماً وأن تجعل دعائي أوّله فلاحاً وأوسطه نجاحاً وآخره صلاحاً إنّك أنت علّام الغيوب».

الثاني عشر : الشهادتان والإقرار بالأئمّة.

الثالث عشر : قبل أن يثني رجليه يقول ثلاث مرّات : «استغفر اللّه الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيوم ذو الجلال والإكرام وأتوب إليه».

الرابع عشر : دعاء الحفظ من النسيان ، وهو : سبحان من لا يعتدي على أهل مملكته ، سبحان من لا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب ، سبحان الرؤوف الرحيم ، اللّهمّ اجعل لي في قلبي نوراً وبصراً وفهماً وعلماً إنّك على كلّ شي‌ء قدير.

[1692] مسألة 21 : يستحب في صلاة الصبح أن يجلس بعدها في مصلّاه إلى طلوع الشمس مشتغلاً بذكر اللّه.

[1693] مسألة 22 : الدُّعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفلاً وكذا الدُّعاء بعد الفريضة أفضل من الدُّعاء بعد النافلة.

[1694] مسألة 23 : يستحب سجود الشكر بعد كل صلاة فريضة كانت أو نافلة وقد مرّ كيفيّته سابقاً.

فصل في الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله

يستحبّ الصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله حيث ما ذكر ، أو ذكر عنده (1) ، ولو كان في الصلاة وفي أثناء القراءة ،


(1) على المشهور بل عن غير واحد كالمحقِّق في المعتبر والعلّامة في المنتهي (1)دعوى الإجماع عليه ، خلافاً للمحكي عن جماعة من القول بالوجوب.

فقد نسبه شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح (2)بعد اختياره إلى ابن بابويه والفاضل المقداد في كنز العرفان كما اختاره صريحاً في الحدائق (3)مصرّاً عليه ونسبه إلى المحدِّث الكاشاني في الوافي والمحقِّق المدقِّق المازندراني في شرحه على أُصول الكافي ، والمحدِّث الشيخ عبد اللّه بن صالح البحراني وهو الظاهر من عنوان صاحب الوسائل (4).

وكيف ما كان ، فالمتبع هو الدليل بعد أن كان منشأ الخلاف اختلاف الأنظار في مفاد الأخبار ، فلا بدّ من استعراض النصوص لانكشاف الحال وهي على طوائف.


1) المعتبر 2 : 226 ، المنتهى 1 : 293 السطر 22.

2) مفتاح الفلاح : 113.

3) الحدائق 8 : 463.

4) الوسائل 7 : 201 / أبواب الذكر ب 42.

.................................................................................................


الطائفة الأُولى : ما دلّ على وجوب الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله مطلقاً كرواية الفضل بن شاذان عن الرِّضا عليه‌السلام «قال : والصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله واجبة في كل موطن» (1).

ورواية الأعمش في كتاب الخصال عن جعفر بن محمّد «قال : والصلاة على النبيّ صلی اللّه عليه وآله واجبة في كل المواطن» (2)، وقبل ذلك كلّه الكتاب العزيز قال تعالى ( إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3).

والجواب : أمّا عن الآية الشريفة ، فلأنّ أقصى مفادها وجوب الصلاة عليه ولو في العمر مرّة واحدة ، ولا دلالة لها على الوجوب كلّما ذكر كما هو المدّعى.

وأمّا الروايات ، فمضافاً إلى ضعف أسنادها كما لا يخفى ، ظاهرة في وجوب الصلاة عليه في كل موطن وإن لم يذكره ذاكر ، وهذا ممّا لم يقل أحد بوجوبه.

الطائفة الثانية : الروايات الآمرة بإكثار الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله كرواية عبد اللّه بن الحسن بن علي عن أبيه عن جدّه «قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : من قال صلّى اللّه على محمّد وآله قال اللّه (جلّ جلاله) صلّى اللّه عليك فليكثر من ذلك» (4).

ورواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا ذكر النبيّ صلی اللّه عليه وآله فأكثروا الصلاة عليه ، فإنّه من صلّى على النبيّ صلی اللّه عليه وآله صلاة واحدة صلّى اللّه عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ، ولم يبق


1) الوسائل 7 : 203 / أبواب الذكر ب 42 ح 8.

2) الوسائل 7 : 205 / أبواب الذكر ب 42 ح 12 ، الخصال : 607.

3) الأحزاب 33 : 56.

4) الوسائل 7 : 203 / أبواب الذكر ب 42 ح 6.

.................................................................................................


شي‌ء ممّا خلقه اللّه إلّا صلّى على العبد لصلاة اللّه وملائكته ، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد برئ اللّه منه ورسوله وأهل بيته» (1).

ويردّها : مضافاً إلى ضعف السند ، أنّ مفادها وجوب الإكثار ولا قائل به. على أنّ متن الثانية مشعر بالاستحباب كما لا يخفى.

ومن العجيب أنّ صاحب الحدائق (2)مع تفطنه لذلك استدلّ بها على الوجوب وحمل الإكثار على الاستحباب.

ويندفع بعدم تضمنها حكمين : الأمر بالصلاة وبإكثارها ، ليحمل أحدهما على الوجوب والآخر على الاستحباب ، بل تضمنت حكماً واحداً وهو الإكثار فامّا أن يراد به الوجوب أو الاستحباب ، وحيث لا سبيل إلى الأوّل فلا جرم يراد به الثاني.

الطائفة الثالثة : ما دلّ على رفع الصوت بالصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سمعته يقول : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليّ فإنّها تذهب بالنفاق» (3).

وفيه : مضافاً إلى أنّه لا قائل بوجوب رفع الصوت ، أنّ التعليل خير شاهد على الاستحباب.

الطائفة الرابعة : وهي العمدة ، النصوص الآمرة بالصلاة عليه عند ذكره صلی اللّه عليه وآله.


1) الوسائل 7 : 193 / أبواب الذكر ب 34 ح 4.

2) الحدائق 8 : 463.

3) الوسائل 7 : 192 / أبواب الذكر ب 34 ح 2.

.................................................................................................


فمنها : مرسلة عبيد اللّه بن عبد اللّه عن رجل عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في حديث ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فلم يغفر اللّه له وأبعده اللّه» (1).

وهي وإن كانت تامّة الدلالة بل قد يظهر منها أنّ ترك الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله من المحرّمات العظيمة ، إلّا أنّها كالروايتين الآتيتين ضعيفة السند بالإرسال.

ومنها : مرسلة المفيد في المقنعة عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في حديث «إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : قال لي جبرئيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك فأبعده اللّه ، قلت آمين ...» إلخ (2).

ومنها : مرسلة ابن فهد في عدّة الداعي «قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : أجفى الناس رجل ذكرت بين يديه فلم يصل عليّ» (3).

وهذه مضافاً إلى ضعف السند قاصرة الدلالة أيضاً ، إذ التعبير بالجفاء يلائم الاستحباب كما لا يخفى.

ومنها : ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله من ذكرت عنده فنسي أن يصلِّي عليّ خطأ اللّه به طريق الجنّة» (4).

وهذه الرواية وإن كانت معتبرة لكن الأخذ بظاهرها متعذِّر ، لاستقلال


1) الوسائل 7 : 202 / أبواب الذكر ب 42 ح 3.

2) الوسائل 7 : 206 / أبواب الذكر ب 42 ح 13 ، المقنعة : 308.

3) الوسائل 7 : 207 / أبواب الذكر ب 42 ح 18 ، عدّة الداعي : 34.

4) الوسائل 7 : 201 / أبواب الذكر ب 42 ح 1 ، الكافي 2 : 495 / 20.

.................................................................................................


العقل بقبح مجازاة الناسي بابعاده عن الجنّة. مضافاً إلى حديث رفع النسيان الدال على سقوط التكاليف الإلزامية عنه بأسرها ، وحملها على خلاف ظاهرها بإرادة الترك المطلق من النسيان تصرف في الدلالة من غير قرينة تقتضيه فلا بدّ إذن من ردّ علمها إلى أهله.

ونحوها رواية أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصية النبيّ صلی اللّه عليه وآله لعلي عليه‌السلام «قال : يا علي من نسي الصلاة عليّ فقد أخطأ طريق الجنّة» (1).

ومنها : ما رواه الصدوق في معاني الأخبار بإسناده عن عبد اللّه بن علي بن الحسن عن أبيه عن جدّه «قال : قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله البخيل حقّا من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (2).

وفيه : مضافاً إلى ضعف السند ، أنّ التعليل بالبخل مشعر بالاستحباب فهذه النصوص كلّها ساقطة.

والعمدة من هذه الطائفة إنّما هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام في حديث «قال : وصلّ على النبيّ صلی اللّه عليه وآله كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره» (3).

فإنّها ظاهرة الدلالة على الوجوب ، وما ذكره صاحب الذخيرة (4)من عدم دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب ما لم تنضم إليها قرينة تدل عليه فضعفه غني عن البيان ، هذا.


1) الوسائل 7 : 202 / أبواب الذكر ب 42 ح 4.

2) الوسائل 7 : 204 / أبواب الذكر ب 42 ح 9 ، معاني الأخبار 246 / 9.

3) الوسائل 5 : 451 / أبواب الأذان والإقامة ب 42 ح 1.

4) ذخيرة المعاد : 289 السطر 12.

.................................................................................................


والظاهر انحصار الرواية الصحيحة في المقام بهذه الصحيحة التي رواها كل من الكليني والصدوق (1)بطريق معتبر ، فما يظهر من صاحب الحدائق (2)من عدم الانحصار تارة ، ومن رواية المشايخ الثلاثة لها اخرى ، غير واضح لعدم رواية الشيخ لهذه الصحيحة كما نبّه عليه المعلِّق.

وكيف ما كان ، فهي بالرغم من قوّة السند وظهور الدلالة لم يكن بدّ من رفع اليد عنها وحملها على الاستحباب لقرائن تستوجب ذلك وعمدتها ما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من أنّ المسألة كثيرة الدوران ومحل لابتلاء عامّة الناس ، ولعلّه في كل يوم عدّة مرّات ، فلو كان الوجوب ثابتاً مع هذه الحالة لأصبح واضحاً جليّا بل يعرفه حتّى النِّساء والصبيان فكيف خفي على جل الفقهاء بحيث لم يذهب إلى الوجوب إلّا نفر يسير ممّن عرفت ، بل لم ينسب إلى القدماء ما عدا الصدوق كما سمعت.

على أنّ السيرة العملية بين المسلمين قد استقرت على عدم الالتزام بالصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله عند ذكره في القرآن والأدعية والزيارات والروايات والأذان والإقامة وما شاكلها. ولم ترد ولا رواية واحدة تدل على أنّ بلالاً كان يصلِّي عليه صلی اللّه عليه وآله عند ذكره أو أنّ المسلمين كانوا يصلّون عليه لدى سماع أذانه أو عند ذكره في حياته.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف أنّ ما ذكره في الحدائق من أنّ الوجوب في المقام من الواضحات التي لا تعتريها غشاوة الأوهام وأنّ المنكر مكابر صرف ، ممّا لا أساس له.


1) الكافي 3 : 303 / 7 ، الفقيه 1 : 184 / 875.

2) الحدائق 8 : 462 ، 463.

بل الأحوط عدم تركها لفتوى جماعة من العلماء بوجوبها (1) ولا فرق بين أن يكون ذكره باسمه العَلَمي كمحمّد وأحمد أو بالكنية واللّقب (2) كأبي القاسم والمصطفى والرسول والنبيّ ، أو بالضمير ، وفي الخبر الصحيح : «وصلّ على النبيّ كلّما ذكرته ، أو ذكره ذاكر عندك في الأذان أو غيره» ، وفي رواية


(1) كما عرفت.

(2) كما صرّح به شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح (1)، والمحدِّث الكاشاني في خلاصة الأذكار (2)، نظراً إلى إطلاق النص بعد صدق الذكر على الجميع حتّى الضمير ، هذا.

وقد فصّل صاحب الحدائق (3)في الألقاب والكنى بعد الجزم بالوجوب في الاسم العلمي بين ما كان من الألفاظ المعروفة المشهورة التي جرت في الإطلاقات والمحاورات مثل : الرسول ، النبيّ ، أبو القاسم ، وبين غيرها مثل : خير الخلق ، خير البريّة ، المختار ، فألحق الأوّل بالاسم العلمي كما ألحق الضمائر بالثاني.

ولكنّه غير واضح ، فإنّ العبرة بمقتضى إطلاق النص بصدق الذكر من غير فرق بين أنحائه ومصاديقه ، ولا ينبغي الريب في صدق الذكر على الجميع عرفاً بمناط واحد حسبما عرفت.

فالظاهر أنّ الحكم وجوباً أو استحباباً يشمل الكل ولا وجه للتفصيل المزبور.


1) مفتاح الفلاح : 117.

2) خلاصة الأذكار : 84.

3) الحدائق 8 : 464.

«من ذكرت عنده ونسي أن يصلِّي عليّ خطأ اللّه به طريق الجنّة» (1).

[1695] مسألة 1 : إذا ذكر اسمه صلی اللّه عليه وآله مكرّراً يستحب تكرارها ، وعلى القول بالوجوب يجب (2). نعم ، ذكر بعض القائلين بالوجوب يكفي مرّة إلّا إذا ذكر بعدها فيجب إعادتها ، وبعضهم على أنّه يجب في كل مجلس مرّة.

[1696] مسألة 2 : إذا كان في أثناء التشهّد فسمع اسمه لا يكتفي بالصلاة التي تجب للتشهّد (3).


(1) كما مرّت الإشارة إليهما.

(2) ينبغي أن يكون موضوع هذه المسألة ما إذا ذكر اسمه صلی اللّه عليه وآله ثانياً قبل الصلاة عليه ، أمّا بعدها فلا شبهة في التكرار لحصول موجب جديد ، ولا وجه للاكتفاء بما سبق ، فمحل الكلام ما إذا لم تتخلّل الصلاة بين الذكرين فهل يجب التكرار حينئذ أو يستحب على الخلاف المتقدِّم ، استناداً إلى أصالة عدم التداخل؟

الظاهر العدم ، لانسباق العموم الأزماني من قوله عليه‌السلام : «كلّما ذكرته» في الصحيحة المتقدِّمة التي هي عمدة المستند في المسألة ، لا الأفرادي ، أي في كل زمان عرفي ذكر اسمه يصلى عليه ، لا أنّه يصلى لكل فرد من أفراد الذكر. إذن فموضوع الصلاة إنّما هو طبيعي الذكر لا أفراده ، ومقتضاه الاجتزاء بصلاة واحدة ، فلاحظ.

(3) بل يكتفي ، فانّ التداخل في المسبّبات وإن كان على خلاف الأصل ، فلا يجوز الاكتفاء بغسل واحد عن الجنابة وعن مسّ الميت ما لم يقم عليه دليل بالخصوص ، إلّا أنّا ذكرنا في محلّه أنّ النسبة بينها إذا كانت عموماً من وجه

نعم ، ذكره في ضمن قوله (1) : «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد» لا يوجب تكرارها ، وإلّا لزم التسلسل (2).

[1697] مسألة 3 : الأحوط عدم الفصل الطويل بين ذكره والصلاة عليه (3) بناءً على الوجوب ، وكذا بناءً على الاستحباب في إدراك فضلها وامتثال الأمر الندبي ، فلو ذكره أو سمعه في أثناء القراءة في الصلاة لا يؤخر إلى آخرها إلّا إذا كان في أواخرها.

[1698] مسألة 4 : لا يعتبر كيفية خاصّة في الصلاة (4)


إمّا في الموضوع كالأمر بإكرام العالم تارة وبإكرام الهاشمي أُخرى ، أو في المتعلِّق كالأمر بصلاة الغفيلة وبنافلة المغرب ومنه المقام جاز الاكتفاء بمجمع العنوانين ، أخذاً بإطلاق كل من الدليلين وتمام الكلام في محلّه (1).

(1) أي قول المصلِّي نفسه ، فلا تشمل العبارة الصلاة الصادرة من غيره.

(2) ومن ثمّ كان إطلاق الدليل منصرفاً عنه ، وأمّا ما يصدر من غيره فلا ينبغي التأمّل في كونه مشمولاً للإطلاق.

(3) بل الأظهر ذلك ، لانسباق الفورية العرفية من كلمة «ما» الزمانية الواردة في قوله عليه‌السلام في الصحيح المتقدِّم (2)«كلّما ذكرته ...» إلخ ضرورة عدم صدق الصلاة في زمان ذكره أو عند ذكره مع الفصل الطويل ، فلو ذكر اسمه نهاراً وصلّى عليه ليلاً لا يقال إنّه صلّى عليه عند ذكره ، وهذا واضح.

(4) للإطلاق.


1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 124.

2) في ص 405.

بل يكفي في الصلاة عليه كل ما يدل عليها مثل (صلّى اللّه عليه) و «اللّهمّ صلّ عليه» والأولى (1) ضمّ الآل إليه.

[1699] مسألة 5 : إذا كتب اسمه صلی اللّه عليه وآله يستحب أن يكتب الصلاة عليه (2).

[1700] مسألة 6 : إذا تذكّره بقلبه فالأولى أن يصلِّي عليه لاحتمال شمول قوله عليه‌السلام : «كلّما ذكرته ...» إلخ ، لكن الظاهر إرادة الذكر اللِّساني دون القلبي.

[1701] مسألة 7 : يستحب عند ذكر سائر الأنبياء والأئمّة أيضاً ذلك. نعم ، إذا أراد أن يصلِّي على الأنبياء أوّلاً يصلِّي على النبيّ وآله صلی اللّه عليه وآله ثمّ عليهم ، إلّا في ذكر إبراهيم عليه‌السلام ففي الخبر عن معاوية بن عمار قال : «ذكرت عند أبي عبد اللّه الصادق عليه‌السلام بعض الأنبياء فصلّيت عليه فقال عليه‌السلام : إذا ذكر أحد من الأنبياء فابدأ بالصلاة على محمّد وآله ثمّ عليه».


(1) بل هو المتعيِّن كما تقدّم (1)مستوفى في مبحث التشهّد.

(2) لا تعرّض لخصوص ذلك في النصوص ، ولكن يمكن استفادته منها وإلحاق الذكر الكتبي باللّفظي. إمّا بالتوسعة في الذكر الوارد في الصحيح بشموله للذكر القلبي الحاصل طبعاً حين الكتابة ، أو بتنقيح المناط القطعي وتعميمه حيث إنّه الاحترام والتوقير والتبجيل والتجليل المشترك بين الموردين.


1) في ص 255.

فصل في مبطلات الصلاة

فصل في مبطلات الصلاة وهي أُمور ، أحدها : فقد بعض الشرائط في أثناء الصلاة كالستر وإباحة المكان واللِّباس ونحو ذلك ممّا مرّ في المسائل المتقدِّمة (1).

الثاني : الحدث الأكبر أو الأصغر ، فإنّه مبطل أينما وقع فيها ولو قبل الآخر بحرف ، من غير فرق بين أن يكون عمداً (2)


(1) لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه وقد مرّ البحث عنها مشبعاً في محالها.

(2) إجماعاً كما صرّح به غير واحد ، بل في المدارك (1)إجماع العلماء عليه كافّة ، بل عن شرح المفاتيح (2)احتمال عدّه من ضروريات الدين أو المذهب ولم ينسب الخلاف إلّا إلى الصدوق (3)في خصوص ما لو صدر الحدث بعد السجدة الثانية من الركعة الأخيرة وستعرف الحال فيه.

وكيف ما كان ، فيستدل للبطلان بعد الإجماع المزبور بأُمور :

أحدها : أنّ اشتراط الصلاة بالطهارة ممّا لا غبار عليه كما تقدّم في محلّه والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه.

وفيه : أنّ الشرطية وإن كانت مسلّمة لكن المتيقن منها الاشتراط في طابع خاص وهو ذوات الأجزاء دون الأكوان المتخلِّلة ، سيّما بعد ما عرفت فيما سبق من عدم كونها من الصلاة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة.


1) المدارك 3 : 455.

2) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3 : 2 السطر 9.

3) الفقيه 1 : 233 ذيل الحديث 1030.

.................................................................................................


ودعوى : أنّ المستفاد ممّا دلّ على أنّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ، أنّ مجموع الصلاة عمل وحداني ذو هيئة اتِّصالية فالحدث الواقع أثناءها قاطع للهيئة ومبطل لهذا العمل الواحد المتّصل ، فلا مناص من الإعادة ، يدفعها : مضافاً إلى ضعف أسناد تلك الأخبار كما تقدّم في محلّه (1)، أنّه لا يستفاد منها أكثر من كون الصلاة عملاً واحداً مركّباً من سلسلة أجزاء معيّنة ، وأمّا تأليفها حتّى من الأكوان المتخلِّلة بحيث يكون وقوع الحدث فيها مخلّاً بها فهو أوّل الكلام ، والنصوص المزبورة لا تدل عليه بوجه.

ثانيها : أنّ المحدث أثناء الصلاة إن تصدّى لتحصيل الطهارة بطلت صلاته من أجل الفعل الكثير الماحي للصورة ، وإلّا خلت بقية الأجزاء عن الطهارة المعتبرة فيها ، فلا مناص من البطلان.

ويندفع : بعدم الاطراد ، لجواز حضور الماء لديه والاقتصار على أقل الواجب في أقرب وقت ممكن من دون صدور أيّ فعل ماح للصورة ، ولو كانت وظيفته التيمم فالأمر أوضح ، فالدليل إذن أخص من المدّعى.

ثالثها : وهو العمدة ، الروايات الكثيرة الدالّة على بطلان الصلاة بالحدث الواردة في الأبواب المختلفة والموارد المتفرِّقة كالمبطون والمسلوس وغيرهما ممّا لا يخفى على من لاحظها ، غير أنّ بإزائها روايتين دلّتا على عدم البطلان.

إحداهما : صحيحة الفضيل بن يسار قال : «قلت لأبي جعفر عليه‌السلام أكون في الصلاة فأجد غمزاً في بطني أو أذى أو ضرباناً ، فقال : انصرف ثمّ توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمِّداً ، وإن تكلّمت ناسياً فلا شي‌ء عليك ، فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسياً ، قلت :


1) في ص 296.

.................................................................................................


وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال : نعم ، وإن قلب وجهه عن القبلة» (1).

ثانيتهما : رواية أبي سعيد القماط قال : «سمعت رجلاً يسأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل وجد غمزاً في بطنه أو أذى أو عصراً من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الأُولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة ، فقال : إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضّأ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه الّذي كان يصلِّي فيه فيبني على صلاته من الموضع الّذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بالكلام. قال قلت : وإن التفت يميناً أو شمالاً أو ولّى عن القبلة؟ قال : نعم ، كل ذلك واسع إنّما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاثة من المكتوبة ، فإنّما عليه أن يبني على صلاته ثمّ ذكر سهو النبيّ صلی اللّه عليه وآله» (2).

لكن الثانية ضعيفة السند ، فانّ موسى بن عمر بن يزيد لم يوثق عند القوم ، على أنّ الظاهر أنّ المراد بابن سنان هو محمّد بقرينة الراوي والمروي عنه فلا يعبأ بها.

وأمّا الاولى : فمضافاً إلى لزوم حملها على التقيّة لمخالفتها للإجماع بل الضرورة حسبما سمعت معارضة في موردها بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال : «وسألته عن رجل وجد ريحاً في بطنه فوضع يده على أنفه وخرج من المسجد حتّى أخرج الرِّيح من بطنه ثمّ عاد إلى المسجد فصلّى فلم يتوضّأ هل يجزئه ذلك؟ قال : لا يجزئه حتّى يتوضّأ ولا يعتد بشي‌ء ممّا صلّى» (3)والمرجع بعد التساقط إطلاقات مبطلية الحدث في الأثناء كما عرفت.


1) الوسائل 7 : 235 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 9.

2) الوسائل 7 : 237 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 11.

3) الوسائل 7 : 235 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 8.

أو سهواً (1) أو اضطراراً (2)


أضف إلى ذلك : أنّ الروايتين في أنفسهما غير صالحتين للاستدلال ، لتضمنهما عدم البطلان حتّى مع استدبار القبلة. وهذا لا قائل به ، بل مخالف لضرورة الفقه. على أنّ الثانية دلّت على جواز سهو النبيّ صلی اللّه عليه وآله وهو أيضاً كما ترى.

فتحصّل : أنّ البطلان في صورة العمد ممّا لا ينبغي التردّد فيه.

(1) لإطلاق الأخبار ومعاقد الإجماع ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه صريحاً. نعم ، نسب إلى بعضهم كما حكاه في الشرائع (1)عدم البطلان لو أحدث سهواً ، ولكن الظاهر على ما أشار إليه المحقِّق الهمداني (قدس سره) (2)أنّ مرادهم بالحدث السهوي في المقام ما يقابل العمد ، أي الخارج اضطراراً وبلا اختيار ، فيختص بمن سبقه الحدث ، لا السهو عن كونه في الصلاة مع اختيارية الحدث الّذي هو محل الكلام ، وذلك مضافاً إلى ظهور عبائرهم في ذلك ، أنّه لم ترد الصحّة مع السهو حتّى في رواية ضعيفة ليتوهّم منها ذلك فلاحظ.

(2) على المشهور والمعروف بين الأصحاب ، بل ادّعي عليه الإجماع ، غير أنّ جماعة ذهبوا إلى عدم البطلان استناداً إلى صحيحة الفضيل ، ورواية القماط المتقدِّمتين (3)بدعوى أنّ قول السائل «فأجد غمزاً في بطني أو أذى أو ضرباناً» كناية عن خروج الرِّيح من غير الاختيار من باب ذكر السبب وإرادة المسبب.

وفيه : أنّ هذه الدعوى غير بيّنة ولا مبيّنة ، وعهدتها على مدّعيها ، ولا


1) الشرائع 1 : 110.

2) مصباح الفقيه (الصلاة) : 399 السطر 5.

3) في ص 412 ، 413.

.................................................................................................


قرينة على رفع اليد عن ظاهرهما من كون السؤال عمّن يجد في بطنه غمزاً أو أذى ، وأنّه هل يجوز له في هذه الحالة تحصيل الراحة بإخراج الرِّيح اختياراً ، أو أنّه يجب عليه الصبر والمقاومة إلى أن يفرغ من الصلاة؟ فالسؤال عن حكم ما قبل الخروج لا ما بعده.

والّذي يكشف عمّا ذكرناه : ورود مثل هذا التعبير في صحيحة عليّ بن جعفر المتقدِّمة وصحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه أيصلِّي على تلك الحال أو لا يصلِّي؟ فقال : إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالاً عن الصلاة فليصلّ وليصبر» (1).

فان لسان الكل يفرغ عن شي‌ء واحد وهو السؤال عن حكم الإخراج الاختياري لدى عروض شي‌ء من هذه العوارض.

وكيف ما كان ، فيدل على المشهور مضافاً إلى إطلاقات الأدلّة موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع كيف يصنع؟ قال : إن كان خرج نظيفاً من العذرة فليس عليه شي‌ء ولم ينقض وضوءه ، وإن خرج متلطخاً بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة» (2)فانّ من الواضح أنّ الخروج المفروض فيها غير اختياري ومع ذلك حكم عليه‌السلام بالإعادة لدى التلطخ بالعذرة.

فتحصّل : أنّ الأظهر ما عليه المشهور من بطلان الصلاة بالحدث من غير فرق بين العمد والسهو والاضطرار.

بقي الكلام في أمرين :


1) الوسائل 7 : 251 / أبواب قواطع الصلاة ب 8 ح 1.

2) الوسائل 1 : 259 / أبواب نواقض الوضوء ب 5 ح 5.

.................................................................................................


أحدهما : أنّه نسب إلى المفيد في المقنعة (1)التفصيل في قاطعية الحدث بين المتيمم الّذي يسبقه الحدث أثناء الصلاة ويجد الماء وبين غيره سواء أكان متيمماً ولم يجد الماء أم متوضئاً فأوجب البناء في الأوّل والاستئناف في الثاني. وقد اختاره الشيخ في النهاية والمبسوط (2)كابن أبي عقيل (3)وقوّاه في المعتبر (4).

والمستند في البناء المزبور صحيحة زرارة المرويّة بطرق عديدة كلّها معتبرة «أنّه سأل أبا جعفر عليه‌السلام عن رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلّى ركعة ثمّ أحدث فأصاب ماءً ، قال : يخرج ويتوضّأ ثمّ يبني على ما مضى من صلاته التي صلّى بالتيمم» (5).

وقد حملها الشيخ (6)على حصول الحدث نسياناً بعد أن خصّ الحكم بموردها وهو التيمم ، وأنّه بذلك يرتكب التقييد في إطلاقات قاطعية الحدث ويفرّق بين المتيمم والمتوضي.

وذكر المحقِّق في المعتبر (7)في توجيه هذا الفرق بأنّ التيمم مبيح لا رافع ، إذن فالحدث أثناء الصلاة لا أثر له ، إذ لا حدث بعد الحدث ، بل غايته ارتفاع الاستباحة بقاءً بوجدان الماء في مفروض المسألة ، فإذا جدّد الوضوء وبنى فقد تمّت صلاته ، مقدار منها بالتيمم السابق ومقدار بالوضوء اللّاحق.

وهذا بخلاف المتوضي فإنّه بعد ارتفاع الحدث بالوضوء وحصول الطهارة


1) المقنعة : 61.

2) النهاية : 48 ، المبسوط 1 : 117.

3) حكاه عنه في المختلف 1 : 281.

4) المعتبر 1 : 407.

5) الوسائل 7 : 236 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 10.

6) التهذيب 1 : 205 / ذيل ح 595.

7) المعتبر 1 : 407.

.................................................................................................


فالحدث العارض في الأثناء رافع لها وقاطع للصلاة ، فلا مناص من الاستئناف.

ويندفع : بابتناء الفرق على القول بالاستباحة وهو خلاف التحقيق ، بل الصواب أنّ التيمم أيضاً رافع كالوضوء فانّ التراب طهور كالماء على ما يقتضيه قوله عليه‌السلام : التراب أحد الطهورين (1)، وغيره من النصوص التي منها نفس هذه الصحيحة حيث ذكر في صدرها : «... لمكان أنّه دخلها وهو على طهر بتيمم ...» إلخ (2).

على أنّ مقتضى هذه المقالة أنّ المتيمم المزبور لو أحدث أثناء الصلاة بما يوجب الغسل ، أو بما يوجب الوضوء ولكنّه لم يجد الماء ، أنّه يغتسل في الأوّل ويتيمم في الثاني ويبني على صلاته ، وهو كما ترى لا يظن أن يلتزم به فقيه حتّى نفس هذا القائل.

فالصواب حينئذ أن يقال : إنّ مورد الصحيحة وإن كان هو التيمم إلّا أنّه يمنعنا عن تخصيص الحكم به أمران :

أحدهما : أنّ الطهارة الحاصلة في مورده وهو بدل عن الوضوء لو لم تكن أضعف من الحاصلة في مورد الوضوء فلا ريب أنّها لم تكن أقوى منها ، ضرورة أنّ البدل لا يكون أعظم شأناً وأقوى تأثيراً من المبدل منه. وعليه فكيف يمكن الحكم بانتقاض الصلاة بالحدث الصادر من المتوضي دون المتيمم ، فان هذا بعيد في نفسه بل غريب.

ثانيهما : أنّ التعبير بالطهر في صدر الحديث كما عرفت كاشف عن أنّ العبرة بمطلق الطهارة من دون خصوصية للتيمم. إذن فالمستفاد من الصحيحة تعميم الحكم لمطلق الطهور حتّى الوضوء ، وهذا شي‌ء لا يمكن تصديقه ، لكونه على


1) الوسائل 3 : 385 / أبواب التيمم ب 23 (نقل بالمضمون).

2) الوسائل 3 : 382 / أبواب التيمم ب 21 ح 4.

.................................................................................................


خلاف النصوص السابقة الناطقة بناقضية الحدث للطهارة وقاطعيته للصلاة.

فلا بدّ إذن من حمل الصحيحة على التقيّة أو ردّ علمها إلى أهله ، إذ لا سبيل للعمل بها بوجه.

الأمر الثاني : تقدّم (1)أنّ الصدوق نسب إليه القول بعدم ناقضية الحدث إذا كان بعد السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ، ولعلّ الظاهر منه شمول الحكم لصورة العمد أيضاً واختاره المجلسي (2). ويستدل له بجملة من النصوص :

كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه في السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهّد ، قال : ينصرف فيتوضّأ فإن شاء رجع إلى المسجد ، وإن شاء ففي بيته وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهّد ثمّ يسلِّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته» (3).

وموثقة عبيد بن زرارة قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير فقال : تمّت صلاته ، وإنّما التشهّد سنّة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكاناً نظيفاً فيتشهّد» (4).

وموثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل صلّى الفريضة فلمّا فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة أحدث فقال : أما صلاته فقد مضت وبقي التشهّد وإنّما التشهّد سنّة في الصلاة ، فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهّد» (5).


1) في ص 411.

2) البحار 81 : 282.

3) الوسائل 6 : 410 / أبواب التشهّد ب 13 ح 1.

4) الوسائل 6 : 411 / أبواب التشهّد ب 13 ح 2.

5) الوسائل 6 : 412 / أبواب التشهّد ب 13 ح 4.

.................................................................................................


ويندفع : بعدم كون النظر في هذه النصوص إلى عدم قاطعية الحدث الواقع أثناء الصلاة في خصوص هذا المورد أي بعد السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة كي تكون تخصيصاً في دليل القاطعية ، بل الظاهر منها وقوع الحدث حينئذ خارج الصلاة ، لكون التشهّد سنّة كما زعمه جماعة من العامّة كأبي حنيفة وغيره من النافين لجزئية التشهّد ، بل أنكر بعضهم حتّى جزئية التشهّد الأوّل (1).

وعليه فتكون هذه النصوص معارضة بالنصوص الكثيرة الناطقة بالجزئية حسبما تقدّم في محلّه (2)، فلا جرم تكون محمولة على التقيّة.

ويرشدك إلى ذلك كثرة سؤال الرواة عن حكم هذه المسألة مع عدم الابتلاء بها إلّا نادراً ، لشذوذ صدور الحدث بعد السجدة الأخيرة من الركعة الأخيرة فيعلم من ذلك أنّ ثمة خصوصية دعتهم إلى الإكثار من هذا السؤال ، وليست إلّا ما عرفت من ذهاب العامّة إلى الجواز ، وإلّا فلما ذا لم يسأل عن حكم الحدث في الركعة الأُولى أو الثانية أو الثالثة ، أو بعد الركوع ، أو ما بين السجدتين مع وحدة المناط في الكل.

ومع الإغماض وتسليم كون النصوص ناظرة إلى التخصيص في دليل القاطعية فهي بأسرها معارضة بمعتبرة الحسن بن الجهم قال : «سألته يعني أبا الحسن عليه‌السلام عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة قال : إن كان قال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فلا يعد ، وإن كان لم يتشهّد قبل أن يحدث فليعد» (3).


1) بداية المجتهد 1 : 129 ، المنتقى للباجي 1 : 168 ، المغني 1 : 613 ، 614.

2) في ص 243.

3) الوسائل 7 : 234 / أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6.

عدا ما مرّ في حكم المسلوس والمبطون والمستحاضة. نعم ، لو نسي السلام ثمّ أحدث فالأقوى عدم البطلان (1) وإن كان الأحوط الإعادة أيضاً.


فإنّ السند لا غمز فيه إلّا من ناحية عباد بن سليمان وهو من رجال كامل الزيارات.

وما عن المحقِّق الهمداني (قدس سره) (1)من الجمع بينهما بحمل الأمر بالإعادة على الاستحباب كما ترى ، لما تقدّم غير مرّة من أنّ الأمر المزبور إرشاد إلى الفساد واستحبابه ممّا لا محصل له ، فلا مناص من الإذعان باستقرار المعارضة والمرجع بعد التساقط إطلاق دليل القاطعية.

هذا كلّه في الحدث الواقع بعد السجدتين قبل الشهادتين.

وأمّا الواقع بعد الشهادة قبل التسليم فمقتضى النصوص المتقدِّمة حتّى المعتبرة وكذا صحيحة أُخرى لزرارة (2)وإن كان هو الصحّة أيضاً ، إلّا أنّ ذلك من أجل وقوع الحدث خارج الصلاة كما يكشف عنه ما اشتملت عليه من التعبير بالتمامية وأنّه مضت صلاته ، ولكنّها معارضة بالنصوص الكثيرة الدالّة على جزئية التسليم وقد تقدّمت في محلّها (3)فلا بدّ إذن من حمل هذه النصوص على التقيّة أو التصرّف فيها بإرادة وقوع الحدث بعد التشهّد وما يلحق به من التسليم.

(1) كما تقدّم (4)البحث عنه مستوفى وبنطاق واسع في مباحث التسليم ، فراجع ولا نعيد.


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 401 السطر 6.

2) الوسائل 6 : 424 / أبواب التسليم ب 3 ح 2.

3) في ص 304.

4) في ص 321.

الثالث : التكفير (1)(1)


(1) غير خفي أنّ عملية التكفير لم تكن معهودة في عصر النبيّ الأعظم صلی اللّه عليه وآله وإن نطقت به جملة من النصوص المرويّة من غير طرقنا فإنّها بأجمعها مفتعلة وعارية عن الصحّة ، ضرورة أنّه لو كان لشاع وبان وكان يعرفه حتّى الصبيان ، وأصبح من الواضحات المتواترة كسائر أفعال الصلاة وكيف يخفى مثل هذا الأمر الظاهر البارز الّذي استمرّ صلی اللّه عليه وآله عليه طيلة تلك الفترة الطويلة والسنين العديدة ، وما هو معنى السؤال عن حكمه من الأئمّة عليهم‌السلام ، وأيّ موقع للجواب عنه كما في صحيحة ابن جعفر الآتية (2)بأنّه عمل وليس في الصلاة عمل ، مع قرب العهد ، وأيّ وجه للخلاف بين العامّة في كيفية وضع اليدين وأنّه فوق السرّة أو تحتها.

إذن فلا ينبغي التردّد في كونه من البدع المستحدثة بعد عصره صلی اللّه عليه وآله إمّا في زمن الخليفة الأوّل كما قيل به ، أو الثاني ولعلّه الأظهر ، كما جاء في الأثر من أنّه لمّا جي‌ء بأُسارى الفرس إلى عمر وشاهدهم على تلك الهيئة فاستفسر عن العلّة أُجيب بأنّهم هكذا يصنعون أمام ملوكهم تعظيماً وإجلالاً ، فاستحسنه وأمر بصنعه في الصلاة ، لأنّه تعالى أولى بالتعظيم.

وكيف ما كان ، فيقع الكلام تارة في حكم التكفير تكليفاً ووضعاً ، وأُخرى في موضوعه فهنا مقامان.

أمّا المقام الأوّل : فالتكفير الواقع في الصلاة ويسمّى التكتف أيضاً يتصوّر


1) (*) على الأحوط ، ولا يختص الحكم بالنحو الّذي يصنعه غيرنا ، هذا إذا لم يكن بقصد الجزئية وإلّا فهو مبطل جزماً.

2) في ص 425.

.................................................................................................


على أنحاء :

أحدها : أن يقصد به الجزئية للصلاة ، ولا شبهة في حرمته وفي مبطليته. أمّا الأوّل فللتشريع. وأمّا الثاني فلكونه من الزيادة العمدية القادحة ، وهذا واضح من غير حاجة إلى ورود دليل بالخصوص.

ثانيها : أن يؤتى به لا بقصد الجزئية للصلاة ، بل بعنوان العبودية والخضوع والخشوع المأمور بها حال الصلاة كما هو الدارج عند العامّة ، ولا ريب في حرمته أيضاً لمكان التشريع. وأمّا البطلان فمقتضى القاعدة عدمه بعد وضوح أنّ الحرمة المزبورة لا تستوجبه ما لم يرجع التشريع إلى التقييد في مقام الامتثال فإنّه عمل خارج عن الصلاة كالنظر إلى الأجنبية أثناءها.

نعم ، قد يستدل له بقوله عليه‌السلام في صحيحة محمّد بن مسلم الآتية (1)«ذلك التكفير لا تفعل» بدعوى ظهور النهي في باب المركبات الارتباطية في الإرشاد إلى المانعية.

وفيه : أنّ الأمر وإن كان كذلك ولكنّه خاص بما إذا لم يكن الفعل المنهي عنه محرّماً في نفسه كالصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، دون مثل المقام ممّا هو في نفسه حرام لمكان التشريع ، فانّ الإرشاد إلى الفساد حينئذ غير واضح كما لا يخفى.

على أنّه مع التسليم فهي معارضة بقوله عليه‌السلام في صحيحة علي بن جعفر : «فان فعل فلا يعود» (2)الصريح في عدم الفساد.

ثالثها : أن يؤتى به لا بقصد الجزئية ، ولا بعنوان الخضوع والعبودية ، فهل هو أيضاً محرّم ومبطل؟ اختار الماتن (قدس سره) عدمهما ، ولكن ظاهر المشهور القائلين بهما ، بل الإجماع المدّعى عليهما تعميم الحكم لهذه الصورة أيضاً ، فالتكفير


1) في ص 424.

2) الآتية في ص 425.

.................................................................................................


بنفسه محرّم ذاتاً ومن موانع الصلاة كالتكلّم والقهقهة ونحوهما ، وليست المانعية تشريعية.

ويشهد لهذا التعميم استثناؤهم صورة التقيّة ، فإن من البيِّن جدّاً عدم انسحابها في موارد الحرمة التشريعية فإنّها متقوّمة بالقصد ولا معنى للتقيّة فيه ضرورة أنّ المتكتِّف لأجل التقيّة لا يقصد التشريع بتكتّفه بل دفع ضرر المخالفين عن نفسه ، فلو لم يكن العمل في حد ذاته محرّماً ومبطلاً كان الاستثناء حينئذٍ منقطعاً كما نبّه عليه المحقق الهمداني (قدس سره) (1)و

انّما يتّجه الاستثناء المتّصل فيما إذا كان العمل في نفسه كذلك كبقية المنافيات من القهقهة ونحوها.

وقد فهم المحقِّق أيضاً هذا المعنى حيث اختار الكراهة تبعاً لأبي الصلاح (2)مستدلّاً عليها باستلزام التكتف ترك المستحب وهو وضع اليدين على الفخذين ، فان في هذا الاستدلال دلالة واضحة على أنّه يرى أنّ المكروه إنّما هو ذات العمل مطلقاً فإنّه الموجب للترك المزبور المستتبع للكراهة العرضية لا خصوص ما قصد به العبودية ، بل إنّ هذا حرام لمكان التشريع كما عرفت فكيف يقول بالكراهة.

وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّ المشهور هو الحرمة والبطلان ، بل عن السيِّد المرتضى (3)دعوى الإجماع على ذلك.

ويستدل لهم بوجوه : أحدها : دعوى الإجماع.

وفيه : مع أنّها موهونة لذهاب جماعة إلى الخلاف كالمحقِّق في المعتبر وأبي الصلاح وغيرهما ، أنّه على تقدير تسليمه لم يكن إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم بعد احتمال استناد المجمعين إلى الوجوه الآتية ، بل إنّ هذا هو


1) مصباح الفقيه (الصلاة) : 401 السطر 35.

2) المعتبر 2 : 257 ، الكافي في الفقه : 125.

3) الانتصار : 141.

.................................................................................................


الظاهر منهم لتعويل أكثرهم عليها.

ثانيها : قاعدة الاحتياط. ويدفعها : مضافاً إلى أنّ مقتضى الإطلاق في دليل القراءة عدم التقييد بالتجرّد عن التكتف ، أنّ المرجع إنّما هي أصالة البراءة بناءً على ما هو الصواب من لزوم الرجوع إليها في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين دون الاشتغال.

ثالثها : أنّ ذلك هو مقتضى توقيفية العبادات.

ويندفع : بأنّ مقتضى التوقيفية عدم جواز الإتيان بشي‌ء بقصد العبودية ما لم يسوّغه دليل شرعي ، وإلّا كان تشريعاً محرّماً وهو حق لا نضايق عنه. وأمّا من دون هذا القصد كما هو مورد الفرض فلا يتوقف جوازه على نهوض دليل عليه بالخصوص ، إذ لا ارتباط له بتوقيفية العبادة فإنّها سالبة بانتفاء الموضوع.

رابعها : أنّه من الفعل الكثير المبطل للصلاة.

ولكنّه كما ترى ، بل في غاية الضعف ، ضرورة أنّ المبطل منه ما كان ماحياً للصورة ، ولا محو جزماً ، إذ أيّ فرق بين وضع إحدى اليدين على الأُخرى وبين وضعهما على الفخذين ، أو الظهر أو الرأس ونحوها ممّا لا يحتمل فيه البطلان بل الأوّل منها مستحب ولا يكون الماحي للصورة مستحباً بالضرورة.

خامسها : وهي العمدة الروايات وإليك عرضها :

إحداها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام قال : «قلت له الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى فقال : ذلك التكفير لا تفعل» (1).

الثانية : صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «... ولا تكفّر فإنّما


1) الوسائل 7 : 265 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 1.

.................................................................................................


يصنع ذلك المجوس» (1)ونحوها مرسلة حريز (2).

الثالثة : صحيحة علي بن جعفر قال : «قال أخي قال علي بن الحسين عليه‌السلام : وضع الرجل إحدى يديه على الأُخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل» (3).

الرابعة : صحيحته الأُخرى «سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع إحدى يديه على الأُخرى بكفّه أو ذراعه؟ قال : لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له» (4).

الخامسة : ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن علي عليه‌السلام في حديث الأربعمائة «قال : لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه (عزّ وجلّ) يتشبّه بأهل الكفر ، يعني المجوس» (5).

ولكن شيئاً منها لا يصلح للاستدلال.

أمّا الأُوليان : وما بمضمونهما ، فلأنّ المنهي عنه فيها إنّما هو عنوان التكفير المشروب في مفهومه الخضوع والخشوع والعبودية على نحو ما يصنعه العامّة ولا ريب في حرمته لكونه من التشريع المحرّم كما تقدّم. وأمّا ذات العمل منعزلاً عن هذا العنوان الّذي هو محل الكلام فلا دلالة فيها على حرمته بوجه.

وأمّا الثالثة : فالممنوع فيها وإن كان هو نفس العمل وذات التكتّف لا بعنوان التكفير إلّا أنّ الأخذ بظاهرها متعذِّر ، لعدم احتمال البطلان بكل عمل واقع أثناء الصلاة على سبيل الضابطة الكلِّيّة وإن لم يكن ماحياً للصورة حسبما يقتضيه الجمود على ظاهر الصحيحة كحك الرأس ، أو وضع اليد على الظهر وما شاكلهما ممّا هو مثل التكتف في عدم كونه ماحياً ، فانّ ذلك مقطوع البطلان. فلا مناص


1) الوسائل 7 : 266 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5.

2) الوسائل 7 : 266 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5.

3) الوسائل 7 : 266 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5.

4) الوسائل 7 : 266 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 2 ، 3 ، 4 ، 5.

5) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 7 ، الخصال : 622.

.................................................................................................


من حملها إمّا على أنّ المراد من العمل العمل الصلاتي ، أي المأتي به بعنوان كونه من أفعال الصلاة وأجزائها تشريعاً وبدعة ، فيكون حاصل المعنى أنّ التكتف بدعة ولا بدعة في الصلاة ، أو على أنّ المراد أنّ التكتّف عمل خارجي شاغل للقلب مانع عن الإقبال والتوجّه ، ولا ينبغي الإتيان في الصلاة بعمل غير أفعالها ، فيكون النهي حينئذ محمولاً على الكراهة كما أُشير إليه في بعض النصوص. وعلى أيّ حال فلا تصلح للاستدلال بها لمحل الكلام.

وأمّا الرابعة : فهي على خلاف المطلوب أدل ، للاقتصار على النهي عن العود من غير أمر بالإعادة ، الكاشف عن صحّة العبادة وعدم فسادها بالتكتف.

وأمّا الخامسة : فالسند وإن كان نقيّاً بالرغم من اشتماله على القاسم بن يحيى والحسن بن راشد ولم يوثقا صريحاً ، لوجودهما في أسناد كامل الزيارات ، إلّا أنّ الدلالة قاصرة ، لأنّ مقتضى المماثلة المعتبرة في التشبيه أنّ المنهي عنه إنّما هو التكتف الّذي يصنعه المجوس وهو المأتي به بقصد التأدّب والخضوع ، فلا تدل على حرمته بما هو وفي حد نفسه الّذي هو محل الكلام.

والمتحصِّل من جميع ما تقدّم : أنّ التكتف في حد ذاته لا دليل على حرمته ولا مبطليته. نعم ، هو مكروه كما ذهب إليه المحقِّق لكن كراهة عرضية مجازية باعتبار استلزامه ترك المستحب وهو وضع اليدين على الفخذين.

وأمّا التكتف بقصد العبودية والخضوع فهو وإن كان محرّماً تشريعاً إلّا أنّه لا يستوجب البطلان. فما في الرياض (1)من عدم بطلان الصلاة بالتكتف مطلقاً هو الصواب وإن كان الاحتياط حذراً عن مخالفة المشهور ، بل الإجماع المنقول ممّا لا ينبغي تركه.


1) لاحظ رياض المسائل 3 : 513.

بمعنى وضع إحدى اليدين على الأُخرى على النحو الّذي يصنعه غيرنا (1) إن كان عمداً لغير ضرورة ، فلا بأس به سهواً (2) ،


(1) وأمّا المقام الثاني ، أعني تفسير موضوع التكفير ، فهل هو وضع إحدى اليدين على الأُخرى ، أو خصوص اليمنى على اليسرى بوضع الكف على الكف أو على الذراع أو العضد بلا حائل أو معه فوق السرة أو تحتها؟ فيه خلاف.

ولا يخفى أنّه على المختار من كراهته العرضية وحرمته التشريعية لا يفرق حينئذ بين أنحاء الوضع ، لاشتراك الكل في ترك المستحب ، أعني الوضع على الفخذين كاشتراكها في التعبّد بما لا أمر به ، اللّذين كانا هما المناط في الكراهة والحرمة المزبورتين حسبما تقدّم.

وأمّا على القول بحرمته الذاتية فالمتبع في تعيين الحد هو الدليل ، ومقتضى صحيحة ابن مسلم وإن كان هو خصوص وضع اليمنى على اليسرى كما اختاره العلّامة (1)، كما أنّ مقتضى صحيحة ابن جعفر هو التخصيص بوضع الكف أو الذراع ، إلّا أنّ مقتضى صحيحته الأُخرى تعميمه لمطلق وضع اليد ، وحيث لا تنافي بينهما فلا موجب لارتكاب التقييد ، ونتيجته تعميم الحكم لمطلق ما صدق عليه وضع إحدى اليدين على الأُخرى كيف ما اتّفق.

نعم ، يظهر من رواية الخصال المتقدِّمة تخصيصه بما عدّ تشبّهاً بعمل المجوس فلا يكفي الوضع من دونه كما لو ألصق أصابع إحدى يديه بالأُخرى.

(2) قال في الجواهر (2): لا أجد فيه خلافاً ، بل ظاهر إرساله إرسال المسلّمات من جماعة من الأصحاب كونه من القطعيات ، ثمّ نقل في آخر عبارته كلاماً


1) التذكرة 3 : 295 ، المنتهى 1 : 311 السطر 29.

2) الجواهر 11 : 23.

وإن كان الأحوط الإعادة معه أيضاً (1) ، وكذا لا بأس به مع الضرورة (2)


عن الرياض يظهر منه أنّ المسألة غير قطعية. وكيف ما كان ، فقد استشكل هو (قدس سره) في المسألة لو لم يكن إجماع بعدم الوقوف على ما يوجب خروج صورة السهو بعد الإطلاق في دليل المانعية ، خصوصاً على القول بأنّ العبادات أسامٍ للصحيح الموجب لإجمالها وعدم صحّة التمسّك بإطلاقاتها.

ودعوى : اختصاص دليل المنع بصورة العمد لمكان الاشتمال على النهي المتعذِّر توجيهه إلى الساهي ،

يدفعها : ما هو المقرّر في محلِّه (1)من ظهور النواهي كالأوامر في باب المركبات في الغيرية والإرشاد إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية الشاملة للعامد والساهي بمناط واحد.

أقول : ما أفاده (قدس سره) وجيه لو كان القائل بالاختصاص يرى قصوراً في المقتضي للتعميم ، وليس كذلك بل هو من أجل وجود المانع وهو حديث لا تعاد الحاكم على الأدلّة الأوّلية والموجب لتخصيصها في غير الخمسة المستثناة بصورة العمد بناءً على ما هو الصواب من شموله للموانع والشرائط كالأجزاء.

وعلى الجملة : فالقول بالاختصاص ليس لأجل الإجماع ليستشكل بأنّ المسألة غير قطعية ، ولا لقصور المقتضي ليناقش بما ذكر ، بل لحديث لا تعاد حسبما عرفت ، فما في المتن هو المتعيِّن.

(1) ولعلّه حذراً عن الشبهة المزبورة.

(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، لعموم أدلّة التقيّة.


1) محاضرات في أُصول الفقه 4 : 156 ، 145.

بل لو تركه حالها أشكلت الصحّة وإن كانت أقوى (1) ، والأحوط عدم وضع إحدى اليدين على الأُخرى بأيّ وجه كان (2) ، في أيّ حالة من حالات الصلاة وإن لم يكن متعارفاً بينهم ، لكن بشرط أن يكون بعنوان الخضوع


(1) فانّ احتمال البطلان في المقام يبتني إمّا على دعوى أنّ العمل المخالف للتقيّة منهي عنه ، أو على أنّه غير مأمور به على الأقل ، فتفسد العبادة لفقد الأمر ، وشي‌ء منهما لا يتم.

أمّا الدعوى الثانية : فلوضوح عدم اقتضاء أوامر التقيّة تقييداً في موضوع الأوامر الأوّلية ، فالصلاة مع التكفير وإن وجبت بالعنوان الثانوي إلّا أنّ مصلحة الصلاة بعنوانها الأوّلي باقية على حالها من غير تصرف في موضوعها. إذن فالإتيان بها بلا تكفير موافق لأمرها ، فتصح بطبيعة الحال سيّما وأنّ المنسوب إلى العامّة أنّهم لا يرون جزئية التكفير ولا شرطيّته ، وإنّما هو مستحب ظرفه الصلاة (1)، فإنّ الأمر حينئذ أوضح.

وأمّا الدعوى الاولى : فتندفع أوّلاً : بأنّ الثابت بحسب الأدلّة إنّما هو وجوب التقيّة لا حرمة مخالفتها. إذن فالعمل المخالف لم يتعلّق به نهي إلّا بناءً على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه وهو في حيّز المنع.

وثانياً : مع التسليم فليس الحرام إلّا ما هو مصداق لمخالفة التقيّة ومبرز للتشيّع وهو ترك التكفير حال الصلاة لا نفس الصلاة الفاقدة للتكفير ، فلم يتعلّق النهي بذات العبادة بل بما هو خارج عنها. ومعه لا مقتضي لفسادها.

(2) كما علم ممّا سبق.


1) المجموع 3 : 311 ، المغني 1 : 549 ، بدائع الصنائع 1 : 201.

والتأدّب ، وأمّا إذا كان لغرض آخر كالحك ونحوه فلا بأس به مُطلقاً (1) حتّى على الوضع المتعارف.

الرابع : تعمّد الالتفات بتمام البدن إلى الخلف أو إلى اليمين أو اليسار بل وإلى ما بينهما على وجه يخرج عن الاستقبال وإن لم يصل إلى حدّهما ، وإن لم يكن الالتفات حال القراءة أو الذكر ، بل الأقوى ذلك في الالتفات بالوجه إلى الخلف مع فرض إمكانه ولو بميل البدن على وجه لا يخرج عن الاستقبال وأمّا الالتفات بالوجه يميناً ويساراً مع بقاء البدن مستقبلاً (2) ،


(1) قد عرفت الحال فيه فلاحظ.

(2) قاطعية الالتفات في الجملة ممّا لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه ، وإنّما الكلام في حدّه وأنّه هل يعتبر فيه أن يكون بتمام البدن ، أو يكفي الالتفات بالوجه ، وهل يلزم أن يكون إلى الخلف أو يكفي اليمين أو الشمال بل ما بينهما؟

فقد اختلفت كلمات الأصحاب في المقام ، فمنهم من عبّر بالالتفات بكلّه ، وآخر إلى الوراء كالمحقِّق في الشرائع (1)، وثالث بحيث يرى من خلفه إلى غير ذلك ، وحيث إنّ المتبع هو الدليل فلا بدّ إذن من استعراض النصوص الواردة في المقام :

فمنها : صحيحة زرارة «أنّه سمع أبا جعفر عليه‌السلام يقول : الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه» (2).

وهذه الصحيحة هي مدرك من خصّ الالتفات بتمام البدن ، لكنّه مبني على


1) الشرائع 1 : 110.

2) الوسائل 7 : 244 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 3.

.................................................................................................


عود الضمير في «بكلّه» إلى المصلِّي أو البدن ونحو ذلك ، ولم يسبق ذكر منه ليرجع إليه. على أنّ المتعارف في من صرف تمام بدنه عن القبلة التعبير عنه بالانحراف دون الالتفات الّذي هو ظاهر في صرف بعض البدن وهو الوجه كما لا يخفى.

إذن فمرجع الضمير هو الالتفات نفسه السابق ذكره ، ويكون حاصل المعنى أنّ القاطع للصلاة هو الالتفات بصرف الوجه إذا كان بكلّ الالتفات المعبّر عنه في كلمات القوم بالالتفات الفاحش كما يفصح عنه ما ورد في صحيحتين من تخصيص المبطل بذلك ، أي بالالتفات الفاحش.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث قال «قال : إذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً وإن كنت قد تشهّدت فلا تعد» (1).

وفي حديث الأربعمائة المروي في الخصال قال : «الالتفات الفاحش يقطع الصلاة ...» إلخ (2).

إذن فيكون مفاد هذه النصوص تخصيص المبطل بالالتفات الفاحش وقد عرفت تفسير الالتفات بصرف الوجه فقط دون البدن.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : سألته عن الرجل يلتفت في صلاته ، قال : لا ، ولا ينقض أصابعه» (3).

وهي وإن دلّت على المنع عن مطلق الالتفات ولكنّه يقيِّد بالفاحش جمعاً بينه وبين ما سبق.


1) الوسائل 7 : 244 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 2.

2) الوسائل 7 : 245 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 7 ، الخصال : 622.

3) الوسائل 7 : 244 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 1.

.................................................................................................


ومنها : ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد الملك قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الالتفات في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال : لا ، وما أُحبّ أن يفعل» (1).

وهي وإن دلّت على الجواز عن كراهة لكنّها محمولة على الالتفات غير الفاحش بقرينة ما سبق.

والمتحصِّل من هذه النصوص بطلان الصلاة بصرف الوجه يمنة أو يسرة شريطة كونه فاحشاً ، وعدم البأس بغير الفاحش منه وإن كان مكروهاً.

بقي الكلام في روايتين استدلّ بهما من خصّ البطلان بالالتفات إلى الخلف كالمحقِّق في الشرائع.

إحداهما : ما رواه في السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرِّضا عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال : إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى ولا يعتد به ، وإن كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود» (2).

ولكنّها مضافاً إلى ضعف السند ، لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع كما مرّ غير مرّة ، قاصرة الدلالة لما عرفته في تفسير الالتفات من أنّه لغة وعرفاً عبارة عن صرف الوجه مع بقاء البدن مستقبلاً ، وحيث إنّ هذا الصرف متعذِّر إلى الخلف في الإنسان وإن أمكن في بعض الحيوانات ، اللّهمّ إلّا بصرف البدن أيضاً فيكون انحرافاً لا التفاتاً ، فلا جرم يراد به الالتفات الفاحش بحيث يرى من خلفه فيتّحد مفادها مع النصوص المتقدِّمة ، هذا.

والظاهر أنّ مراد المحقِّق أيضاً من الالتفات إلى الوراء هو ذلك ، أي صرف الوجه على نحو يرى ما خلفه المساوق للالتفات الفاحش لا الاستدبار بمقاديم


1) الوسائل 7 : 245 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 5 ، التهذيب 2 : 200 / 784.

2) الوسائل 7 : 246 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 8 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 572.

.................................................................................................


البدن فإنّه كما عرفت انحراف لا التفات ، وهو عربي عارف باللغة فكيف يخفى عليه مثل ذلك.

ثانيتهما : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن أنّ ثوبه قد انخرق أو أصابه شي‌ء هل يصلح له أن ينظر فيه أو يمسّه؟ قال : إن كان في مقدّم ثوبه أو جانبيه فلا بأس ، وإن كان في مؤخّره فلا يلتفت فإنّه لا يصلح» (1)بدعوى أنّ النظر إلى الخرق الكائن في مؤخّر الثوب لا يكون إلّا بالالتفات إلى الخلف.

وتندفع : بمنع الملازمة ، لجواز تحويل المؤخّر إلى الإمام والنظر فيه ، بل لعلّ العادة جارية على ذلك ، فانّ الغالب لدى إرادة النظر إدارة المؤخّر إلى القدام لا صرف الوجه إلى الوراء على وجه يخرج عن حالة الاستقبال.

نعم ، بما أنّ هذه العملية أثناء الصلاة تستلزم نوعاً من انشغال القلب وانصراف الذهن عن التوجّه المرغوب فيه ، فلا جرم يكون النهي محمولاً على الكراهة. ويرشدك إلى ذلك عطف المس على النظر فانّ من الضروري عدم استلزام المس للالتفات أصلاً. وهذا خير دليل على أنّ النهي عنهما من باب واحد وهو ما عرفت من انشغال الذهن عن العبادة المحمول على الكراهة.

والمتحصِّل من جميع ما قدّمناه : أنّ الالتفات بالوجه إلى الخلف غير ممكن ، وإلى اليمين أو اليسار مع كونه فاحشاً بحيث يرى من خلفه مبطل ، لمنافاته مع تولِّي الوجه نحو المسجد الحرام المأمور به في قوله تعالى ( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ* ) (2)مضافاً إلى النصوص المتقدِّمة ، ولا بأس بغير الفاحش منه وإن كان مكروهاً ، لصحيحة عبد الملك ، إلّا إذا أوجب الخروج عن الاستقبال


1) الوسائل 7 : 245 / أبواب قواطع الصلاة ب 3 ح 4.

2) البقرة 2 : 144.

فالأقوى كراهته مع عدم كونه فاحشاً (1)(1) وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً خصوصاً إذا كان طويلاً وسيّما إذا كان مقارناً لبعض أفعال الصلاة خصوصاً الأركان سيّما تكبيرة الإحرام ، وأمّا إذا كان فاحشاً ففيه إشكال فلا يترك الاحتياط حينئذ (2) ، وكذا تبطل مع الالتفات سهواً فيما كان عمده مبطلاً (3)


بوجهه فإنّه أيضاً مبطل لما عرفت.

وأمّا الالتفات بتمام البدن المعبّر عنه بالانحراف عن القبلة فلا شبهة في اقتضائه البطلان ولا أقل من أجل فقد شرط الاستقبال المعتبر في تمام حالات الصلاة كما لا يخفى.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على البطلان لدى الالتفات الفاحش ، عدم الفرق بين تحقّقه حال الاشتغال بالأفعال وبين كونه في الأكوان المتخلِّلة ، كما لا فرق في الأوّل بين الأركان وغيرها ولا بين تكبيرة الإحرام وغيرها ، ولا بين الالتفات في زمان طويل أو قصير ، كل ذلك لإطلاق الدليل بعد عدم نهوض ما يصلح للتقييد.

(1) ما لم يستوجب الخروج عن الاستقبال بوجهه وإلّا فهو موجب للبطلان كما عرفت.

(2) وقد عرفت أنّ الأظهر هو الإبطال.

(3) لإطلاق النصوص المتقدِّمة الشامل لصورتي العمد والسهو ، بعد وضوح عدم السبيل للتصحيح بحديث لا تعاد ، ضرورة أنّ الالتفات السهوي إخلال بالقبلة التي هي من الخمسة المستثناة ، فهو إذن عاضد للإطلاق لا أنّه حاكم عليه.


1) (*) بل الأقوى إبطاله الصلاة إذا خرج عن الاستقبال بوجهه.

.................................................................................................


نعم ، خصّ البطلان جماعة من الأصحاب بالالتفات العمدي فلا يقدح السهوي منه. وهو وجيه فيما إذا كان الالتفات إلى ما بين اليمين واليسار ، حيث قد ورد أنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ، المحمول على صورة السهو والغفلة كما تقدّم في مبحث القبلة ، فإنّ ذلك يقتضي الصحّة في المقام بالفحوى كما لا يخفى.

وأمّا إذا كان إلى نقطتي اليمين أو الشمال فضلاً عن الخلف لو أمكن فالحكم بالصحّة حينئذ في غاية الإشكال ، فإن عمدة ما يستدل به لذلك هو التمسّك بحديث رفع النسيان ، بل ألحق بعضهم به الإكراه والاضطرار تمسّكاً بحديث رفعهما ، بدعوى أنّ مقتضى رفع قاطعية الالتفات لدى النسيان أو الإكراه فرضه كالعدم وكأنّه لم يكن ، وهو مساوق لصحّة العمل لفرض خلوّه عمّا يمنع عنها.

ويندفع : بما هو المحقّق في محلّه من عدم جريان الحديث في باب الأجزاء والشرائط والموانع لتثبت به صحّة المأتي به ، نظراً إلى أنّ المأمور به إنّما هو الكلِّي والطبيعي الجامع بين الأفراد الطولية والعرضية المحدودة فيما بين الحدّين وما تعلّق به النسيان أو الإكراه أو الاضطرار إنّما هو فرد من ذلك الجامع. فما تعلّق به النسيان مثلاً غير ما تعلّق به الأمر ، ولا بدّ من تعلّق الرفع بعين ما تعلّق به الوضع ، ولأجله لا يتكفّل الحديث لتصحيح الباقي ، فلا يكون الإتيان بالناقص مجزئاً ، اللّهمّ إلّا مع استيعاب العذر لتمام الوقت وهو أمر آخر وتمام الكلام في محلّه (1).

فالصواب عدم الفرق في البطلان بين صورتي العمد والسهو ، عملاً بإطلاقات الأدلّة السليمة عمّا يصلح للتقييد.

ثمّ إنّه قد يظهر من بعض النصوص المعتبرة عدم قدح الالتفات السهوي فيما


1) مصباح الأُصول 2 : 265 ، الأمر الثالث.

.................................................................................................


إذا كان في الركعتين الأخيرتين أو ثالثة المغرب أو ثانية الغداة ، وهي بين ما هو مطلق وغير صريح في الاستدبار كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته وقد سبقه بركعة فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه فاتته ركعة ، فقال : يعيدها ركعة واحدة» (1)لجواز كون الخروج من طرف القبلة.

وبين ما هو صريح فيه كموثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه قال : «قال في رجل صلّى الفجر ركعة ثمّ ذهب وجاء بعد ما أصبح وذكر أنّه صلّى ركعة قال : يضيف إليها ركعة» (2).

وأصرح منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : «سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر وهو بمكّة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنّه صلّى ركعتين ، قال : يصلِّي ركعتين» (3).

وموثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام في حديث «والرجل يذكر بعد ما قام وتكلّم ومضى في حوائجه أنّه إنّما صلّى ركعتين في الظهر والعصر والعتمة والمغرب ، قال : يبني على صلاته فيتمّها ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة» (4).

ولكن هذه الأخبار مضافاً إلى عدم وضوح عامل بها غير الصدوق في المقنع (5)فهي مهجورة ومعرض عنها عند الأصحاب ، معارضة في موردها بطائفة أُخرى دلّت على البطلان منها : صحيحة جميل قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل صلّى ركعتين ثمّ قام ، قال : يستقبل ، قلت : فما يروي


1) الوسائل 8 : 202 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 12.

2) الوسائل 8 : 204 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 18.

3) الوسائل 8 : 204 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 19 ، 20.

4) الوسائل 8 : 204 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 19 ، 20.

5) المقنع : 105 ، الهامش رقم 3.

إلّا إذا لم يصل إلى حدّ اليمين واليسار بل كان فيما بينهما فإنّه غير مبطل إذا كان سهواً وإن كان بكلّ البدن (1).

الخامس : تعمّد الكلام بحرفين ولو مهملين (1)غير مفهمين للمعنى ، أو بحرف واحد بشرط كونه مفهماً للمعنى نحو (قِ) فعل أمر من (وقى) (2)


الناس فذكر حديث ذي الشمالين ، فقال : إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لم يبرح من مكانه ولو برح استقبل» (2).

ولا ريب أنّ الترجيح مع الثانية ، لمخالفة الاولى مع الكتاب والسنّة الدالّين على اعتبار الاستقبال ومانعية التكلّم وعدم الاستقرار وغيرهما من المنافيات. فلا بدّ إذن من ردّ علمها إلى أهله ، سيّما مع اشتمال بعضها على سهو النبيّ صلی اللّه عليه وآله وإتيانه بسجدتي السهو المنافي لأُصول المذهب.

(1) كما مرّت الإشارة إليه.

(2) لا إشكال كما لا خلاف في بطلان الصلاة بالتكلّم العمدي بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

وتدل عليه جملة من الروايات التي منها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «في الرجل يصيبه الرعاف ، قال : إن لم يقدر على ماء حتّى ينصرف لوجهه أو يتكلّم فقد قطع صلاته» (3).

وصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إن تكلّم


1) (*) بل بحرف واحد أيضاً على الأظهر ، ومنه يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

2) الوسائل 8 : 200 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 7.

3) الوسائل 7 : 282 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 6.

.................................................................................................


فليعد صلاته» (1).

وصحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمِّداً ، وإن تكلّمت ناسياً فلا شي‌ء عليك» (2). ونحوها غيرها.

كما لا إشكال ولا خلاف أيضاً في عدم البطلان بالتكلّم السهوي ، ويدلّنا عليه مضافاً إلى ما في بعض تلك النصوص من التقييد بالعمد ، التصريح في صحيحة الفضيل المتقدِّمة بعدم البأس به.

وإنّما الإشكال في جهتين :

الاولى : هل المراد من الكلام في المقام خصوص ما تركّب من حرفين فصاعداً كما عليه المشهور ، أو أنّ المراد جنس ما يتكلّم به الصادق على الحرف الواحد أيضاً كما ذهب إليه بعضهم.

الثانية : هل يختص الكلام بالموضوع أو أنّه يشمل المهمل غير المفهم للمعنى؟ يظهر من الشهيد في الروضة (3)الترديد في ذلك ، بل ظاهر مجمع البحرين (4)اعتبار الوضع ، خلافاً لظاهر الأصحاب وجماعة من النحويين من التعميم ، بل قد حكي عن شمس العلوم (5)ونجم الأئمّة (6)التنصيص عليه ، واختار المحقِّق الهمداني (7)ما في المتن من التفصيل بين ما اشتمل على حرفين فيبطل مطلقاً


1) الوسائل 7 : 282 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 7.

2) الوسائل 7 : 282 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 5.

3) الروضة البهيّة 1 : 232.

4) مجمع البحرين 6 : 157.

5) حكاه عنه في كشف اللثام 4 : 162.

6) شرح الرضي على الكافية 1 : 20.

7) مصباح الفقيه (الصلاة) : 406 السطر 9.

.................................................................................................


وعلى حرف واحد فيشترط كونه مفهماً للمعنى ، هذا.

وغير خفي أنّ البحث عن هاتين الجهتين في المقام قليل الجدوى ولا طائل تحته ، ضرورة أنّ الكلام بعنوانه لم يكن موضوعاً للحكم في نصوص الباب كي يبحث عن حدوده وقيوده ، وتحليل ماهيته ، كما أنّه لم يكن مبدأ للمشتقّات ليكون معناه سارياً فيها ، فإنّه اسم مصدر ومشتق كغيره ، وإنّما الوارد في لسان الأخبار هو «تكلّم» ، «متكلِّم» ، «تكلّمت» ونحوها ، ومصدرها التكلّم ، ولا ريب في صدقه على الحرف الواحد الصادر من أيّ لافظ ولو غير شاعر من غير قصد التفهيم كالنائم والمغمى عليه والصبي ، فيقال من غير أيّة عناية أنّه تكلّم بكذا ، فلم يؤخذ في مفهومه العرفي لا التركيب ولا الوضع.

على أنّه تدل على البطلان في المهمل معتبرة طلحة بن زيد : «من أنّ في صلاته فقد تكلّم» (1).

فانّ الرجل وإن كان عاميا إلّا أنّ الشيخ (قدس سره) (2)ذكر أنّ كتابه معتبر ، ولا معنى لاعتبار الكتاب إلّا كون صاحبه ممّن يعتمد عليه. فالسند إذن معتبر ، كما أنّ الدلالة أيضاً تامّة ، ضرورة أنّ الأنين الصادر من المريض غير مقصود به التفهيم ، فهو من التكلّم بالمهمل طبعاً.

وملخص الكلام : أنّ المأخوذ في نصوص المقام هو عنوان «التكلّم» وهو صادق حتّى لدى صدور حرف واحد كما يفصح عنه ما اشتهر في المحاورات من قولهم : لا أتكلّم معك حتّى بحرف واحد ، الكاشف عن أنّ الحرف الواحد أيضاً مصداق للتكلّم ، ومن ثمّ أُشير إلى الفرد الخفي منه ، فلا يعتبر في صدقه التعدّد فضلاً عن الوضع.


1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 4.

2) الفهرست : 86 / 362.

بشرط أن يكون عالماً بمعناه (1) وقاصداً له ، بل أو غير قاصد أيضاً مع التفاته إلى معناه على الأحوط (2).


نعم ، بناءً على المشهور من أنّ الموضوع للحكم هو عنوان «الكلام» فبما أنّ مفهومه مجمل ، لتردّده بين المؤلف من حرفين فصاعداً كما عليه المشهور وبين الأعم منه ومن غيره ، فيصدق على الحرف الواحد أيضاً كما عن جماعة آخرين فلا مناص من الاقتصار في مثله على المقدار المتيقن الّذي يقطع معه بالبطلان وهو ما تألّف من حرفين فصاعداً ، والرجوع في الزائد عليه إلى الأصل ، ولو بني على ترجيح الأوّل فالأمر أوضح.

هذا فيما إذا لم يكن الحرف الواحد مفهماً ومفيداً للمعنى ، أمّا معه كما في الأمر من (وعى) أو من (وقى) فلا ينبغي الشك في البطلان ، لصدق الكلام عليه جزماً ، بل هو في الحقيقة لم يكن من الحرف الواحد بعد أن كان المقدّر في مثل المقام كالمذكور ، فإنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ من اعتبر التعدّد يريد به الأعم منهما كما لا يخفى ، هذا من حيث العدد.

وأمّا من ناحية الوضع فالأمر كذلك لو انتهى الأمر إلى الشك ، فيقتصر على المقدار المتيقن وهو الموضوع المستعمل ، إلّا أنّه لا ينبغي التردّد في شموله للمهمل كما يكشف عنه بوضوح تقسيم الكلام إلى المهمل والمستعمل.

فتحصّل : أنّ التفصيل المذكور في المتن وجيه على المبنى المشهور ، وأمّا على المختار من أنّ الموضوع للبطلان هو التكلّم لا الكلام ، فالمتعيِّن شمول الحكم حتّى للحرف الواحد المهمل.

(1) فانّ تفهيم المعنى متقوّم بالعلم به والالتفات إليه.

(2) لجواز كفاية الالتفات في صدق التفهيم وإن لم يكن مقصوداً.

[1702] مسألة 1 : لو تكلّم بحرفين حصل ثانيهما من إشباع حركة الأوّل بطلت (1). بخلاف ما لو لم يصل الإشباع إلى حد حصول حرف آخر (2).

[1703] مسألة 2 : إذا تكلّم بحرفين من غير تركيب ، كأن يقول : (ب ب) مثلاً ، ففي كونه مبطلاً أو لا وجهان ، والأحوط الأوّل (3).


(1) إذ بعد البناء على عدم الفرق في المركّب من حرفين بين المهمل والمستعمل ، لم يكن حينئذ فرق في موجب الحصول بين كونه هو الإشباع أم غيره ، لاتِّحاد المناط.

(2) بل الأظهر البطلان حتّى في هذه الصورة ، لما عرفت من كفاية التكلّم ولو بحرف واحد.

(3) لا وجه لهذا الاحتياط بعد البناء على اعتبار الحرفين في المبطلية ضرورة عدم صدق التكلّم بما تركّب من حرفين في مفروض المسألة بعد عدم تحقّق التركيب بينهما ، غايته أنّه كرّر الحرف الواحد وهو بمجرّده لا يستوجب التركيب ولا صدق الكلام عليه. فلا ضير فيه وإن تحقّق عدّة مرّات ما لم يستوجب البطلان من ناحية أُخرى ككونه ماحياً للصورة.

نعم ، لو فرض الوصل بينهما على نحو تضمّن التركيب وعدّا عرفاً كلاماً واحداً بطل ، إذ لا يعتبر في هذا الصدق كون الحرفين من جنسين بل يكفي ولو كانا من جنس واحد.

هذا على مبناه (قدس سره) ، وأمّا على المختار من كفاية الحرف الواحد فالمتعيِّن هو البطلان مطلقاً.

[1704] مسألة 3 : إذا تكلّم بحرف واحد غير مفهم للمعنى لكن وصله بإحدى كلمات القراءة أو الأذكار ، أبطل من حيث إفساد تلك الكلمة (1) إذا خرجت تلك الكلمة عن حقيقتها.

[1705] مسألة 4 : لا تبطل بمدّ حرف المدّ واللين وإن زاد فيه بمقدار حرف آخر ، فإنّه محسوب حرفاً واحدا (2).

[1706] مسألة 5 : الظاهر عدم البطلان بحروف المعاني (3) مثل (ل) حيث إنّه لمعنى التعليل أو التمليك أو نحوهما ، وكذا مثل (و) حيث يفيد معنى العطف ، أو القسم ، ومثل (ب) فإنّه حرف جر وله معان ، وإن كان الأحوط البطلان مع قصد هذه المعاني ، وفرق واضح بينها وبين حروف المباني.


(1) لكونها من الزيادة القادحة والكلام العمدي ، وأمّا على المختار من كفاية الحرف الواحد في الإبطال فالأمر أوضح.

(2) لوضوح عدم كون المد بنفسه حرفاً ولا حركة.

(3) فانّ هذه الحروف وإن افترقت عن حروف المباني في كونها موضوعة لمعنى ما ، إلّا أنّ ذلك المعنى لما كان من المعاني الحرفية التي هي غير مستقلّة ولا تفيد إلّا لدى الانضمام مع الغير فلا جرم كانت عند الانفراد من مصاديق المهمل وبذلك تفترق عن مثل الأمر من (وعى) أو (وقى) لكونها مفيدة للمعنى باستقلالها بل عرفت أنّها لدى التحليل مركّبة من حروف ثلاثة ، لكون موضوع المركب أعم من المذكور والمقدّر كما تقدّم. هذا كلّه بناءً على اختصاص المبطل بما تركّب من حرفين. وأمّا على المختار من كفاية الحرف الواحد فالأمر واضح.

[1707] مسألة 6 : لا تبطل بصوت التنحنح ، ولا بصوت النفخ والأنين والتأوّه ، ونحوها (1) نعم ، تبطل بحكاية أسماء هذه الأصوات مثل أح ، ويف وأوه.

[1708] مسألة 7 : إذا قال : آه من ذنوبي ، أو آه من نار جهنّم ، لا تبطل الصلاة قطعاً ، إذا كان في ضمن دعاء أو مناجاة (2)


(1) فانّ المبطل هو الصوت المختص صدوره بالإنسان المعبّر عنه بالتكلّم أو الكلام غير الصادق على شي‌ء من المذكورات في المتن ونحوها ممّا يتّفق صدوره من بعض الحيوانات أيضاً ، فإنّها ليست من التكلّم في شي‌ء إلّا إذا تشكّل منها حرف أو حرفان على المسلكين المتقدِّمين ، فيتّجه البطلان حينئذ لهذه الجهة.

نعم ، ظاهر معتبرة طلحة بن زيد المتقدِّمة : «مَن أنّ في صلاته فقد تكلّم» (1)هو البطلان بالأنين ، بناءً على أن يكون المراد أنّه في حكم التكلّم في اعتبار الشرع وإن لم يكن منه حقيقة ، فيكون تصرّفاً في عقد الحمل على سبيل التجوّز في الإسناد.

ولكنّه ليس بأولى من التصرّف في عقد الوضع ، بأن يقيّد الأنين بما اشتمل على التكلّم كما لعلّه الغالب ولو مهملاً ، فغايته أن تكون المعتبرة مجملة لو لم يكن المتعيِّن هو الثاني ، إذ مضافاً إلى أنّ التقييد أهون من التجوز المزبور كما لا يخفى ، لم يلتزم أحد من الفقهاء فيما نعلم بمبطلية الأنين المجرّد.

(2) لكونه معدوداً حينئذ من أجزائهما ، وشي‌ء منهما لا يوجب البطلان كما سيجي‌ء.


1) الوسائل 7 : 281 / أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 4.

وأمّا إذا قال : آه ، من غير ذكر المتعلِّق ، فان قدّره فكذلك (1) وإلّا فالأحوط اجتنابه ، وإن كان الأقوى عدم البطلان إذا كان في مقام الخوف من اللّه (2).

[1709] مسألة 8 : لا فرق في البطلان بالتكلّم بين أن يكون هناك مخاطب أم لا ، وكذا لا فرق بين أن يكون مضطرّاً في التكلّم أو مختاراً (3).


(1) إذ المقدر المنوي في حكم المذكور فكأنه قال : آه من نار جهنم ، الّذي عرفت عدم البأس به ، بل الأمر كذلك وإن لم ينو شيئاً تفصيلاً ، بل قصد الشكاية إليه تعالى إجمالاً ، لكونه معدوداً من المناجاة معه تعالى التي لا ضير فيها كما عرفت.

(2) فكان متعلّقه أمراً أُخروياً ، بل لا يبعد الجواز حتّى إذا كان أمراً دنيوياً كالخوف من عدوّ أو مرض أو دين ونحوها ، إذ الملاك في الجواز عنوان المناجاة التي حقيقتها التكلّم مع اللّه سبحانه الصادق على الكل بمناط واحد.

(3) لإطلاق الدليل فيه وفيما قبله. نعم ، ربّما يتمسّك للتصحيح في مورد الاضطرار أو الإكراه بحديث الرفع الجاري فيهما ، بدعوى أنّ مفاده عدم قاطعية التكلّم الناشئ عنهما وكأنّه لم يكن.

ويندفع أوّلاً : بما هو المقرّر في محلّه (1)من اختصاص الحديث بالأحكام المجعولة مستقلا من التكليفية أو الوضعية ، فالبيع الصادر عن إكراه كأنه لم يكن ، وكذا شرب الخمر الصادر عن اضطرار ، ولا يجري في باب المركبات الارتباطية من الجزئية أو الشرطية أو المانعية ، لعدم كونها مجعولة إلّا بتبع منشأ انتزاعها ، فلا يتعلّق الرفع بها مستقلا لينتج الأمر بالباقي وتصحيحه.


1) مصباح الأُصول 2 : 265 ، الأمر الثالث.

نعم ، التكلّم سهواً ليس مبطلاً (1) ولو بتخيّل الفراغ من الصلاة.

[1710] مسألة 9 : لا بأس بالذكر والدُّعاء في جميع أحوال الصلاة بغير المحرّم (2)


وثانياً : أنّ مورد الاضطرار أو الإكراه في محلّ الكلام إنّما هو فرد من الأفراد لا نفس الطبيعة المأمور بها ، فالمكره عليه غير مأمور به ، كما أنّ المأمور به غير مكره عليه ، ومن البيِّن أنّ الرفع لا يتعلّق إلّا بما تعلّق به الوضع.

نعم ، لو كان الإكراه أو الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت شمله الحديث ومقتضاه سقوط الأمر بالصلاة حينئذ رأساً لولا انكشاف تعلّق الأمر بالباقي ممّا دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال. وتمام الكلام في محلّه.

(1) لا لحديث الرفع لما مرّ آنفاً ، بل لاختصاص المبطل بالكلام العمدي فالمقتضي قاصر. مضافاً إلى النصوص الخاصّة الناطقة بالصحّة لدى السهو كما مرّت الإشارة إليها (1)ويأتي تفصيلها في مباحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.

(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، ويدلّنا عليه مضافاً إلى انصراف نصوص المنع إلى ما كان من سنخ كلام الآدميين غير الصادق على مثل القرآن والذكر والدُّعاء ممّا كان التخاطب فيه مع اللّه تعالى ، بل قد قيّد التكلّم به في بعض النصوص المتقدِّمة ، كيف وأقوال الصلاة مؤلفة من هذه الأُمور فكيف يشملها دليل المنع ولا يكون منصرفاً عنها جملة من النصوص الدالّة على الجواز ، وأنّه كل ما ناجيت به ربّك فهو من الصلاة ، التي منها صحيحة علي بن مهزيار قال : «سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الرجل يتكلّم في صلاة الفريضة بكل شي‌ء يناجي به ربّه ، قال : نعم» (2). وصحيحة الحلبي قال «قال أبو عبد اللّه


1) في ص 438.

2) الوسائل 7 : 263 / أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 1.

وكذا بقراءة القرآن (1) غير ما يوجب السجود (2) ، وأمّا الدُّعاء بالمحرّم كالدُّعاء على مؤمن ظلماً فلا يجوز بل هو مبطل للصلاة (1)(3)


عليه‌السلام : كل ما ذكرت اللّه (عزّ وجلّ) به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة» (2).

(1) لم نعثر على نص فيه ما عدا صحيحة معاوية بن وهب (3)المتضمِّنة لقراءة أمير المؤمنين عليه‌السلام في صلاة الصبح قوله تعالى ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (4)في جواب ابن الكوّاء حينما قرأ ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (5).

وكيف ما كان ، فيكفينا الانصراف المتقدِّم آنفاً. وأمّا ما في بعض النصوص (6)من النهي عن القراءة في الركوع أو في السجود فهو محمول على الكراهة.

(2) كما تقدّم (7)في مبحث القراءة عند التكلّم عن قراءة العزائم في الفريضة.

(3) يظهر حال المقام ممّا قدّمناه في القنوت (8)، وملخصه : أنّا تارة نبني على


1) في إبطاله إشكال بل منع.

2) الوسائل 7 : 263 / أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2.

3) الوسائل 8 : 367 / أبواب صلاة الجماعة ب 34 ح 2.

4) الرُّوم 30 : 60.

5) الزُّمر 39 : 65.

6) الوسائل 6 : 308 / أبواب الركوع ب 8.

7) شرح العروة 14 : 305.

8) في ص 393.

وإن كان جاهلاً بحرمته (1) ، نعم لا يبطل مع الجهل بالموضوع كما إذا اعتقده كافراً فدعا عليه فبان أنّه مسلم.

[1711] مسألة 10 : لا بأس بالذكر والدُّعاء بغير العربي أيضاً ، وإن كان الأحوط العربية (2).


أنّ الكلام المأخوذ موضوعاً للبطلان يراد به مطلق الكلام وقد خرج منه الذكر والدُّعاء والقرآن تخصيصاً.

واخرى : نبني على أنّ الموضوع خصوص كلام الآدمي كما ورد التصريح به في بعض النصوص.

فعلى الأوّل : يتّجه البطلان في المقام ، ضرورة أنّ المتيقن خروجه ولو انصرافاً إنّما هو المباح من تلك الأُمور ، فيبقى المحرّم تحت عموم المبطلية.

وعلى الثاني : يتّجه عدمه ، لقصور المقتضي في حدّ نفسه عن الشمول لها فغايته ارتكاب الإثم لا البطلان ، وحيث عرفت أنّ الأصح هو الثاني ، فلا جرم كان عدم البطلان هو الأوجه ، بل الأمر كذلك حتّى مع التردّد في المبنى ، للشك في المانعية زائداً على المقدار المعلوم ومقتضى الأصل عدمها.

(1) فانّ الجهل بالحرمة لا يغيِّر الواقع ولا يخرجه عن كونه دعاءً بالمحرّم ، فيشمله دليل المبطلية على القول بها ، إلّا إذا كان معذوراً كما في الجاهل القاصر نحو المجتهد الخاطئ ، فإنّه ملحق بالجاهل بالموضوع المشار إليه في المتن في عدم البطلان لاتِّحاد المناط.

(2) قد مرّ الكلام حول هذه المسألة مستوفى في مبحث القنوت (1)، فراجع ولا نعيد.


1) في ص 385.

[1712] مسألة 11 : يعتبر في القرآن قصد القرآنية (1) ، فلو قرأ ما هو مشترك بين القرآن وغيره لا بقصد القرآنية ولم يكن دعاءً أيضاً أبطل ، بل الآية المختصّة بالقرآن أيضاً إذا قصد بها غير القرآن أبطلت ، وكذا لو لم يعلم أنّها قرآن (2).

[1713] مسألة 12 : إذا أتى بالذكر بقصد تنبيه الغير والدلالة على أمر من الأُمور فإن قصد به الذكر وقصد التنبيه برفع الصوت مثلاً فلا إشكال في الصحّة ، وإن قصد به التنبيه من دون قصد الذكر أصلاً ، بأن استعمله في التنبيه والدلالة فلا إشكال في كونه مبطلاً ، وكذا إن قصد الأمرين معاً على أن يكون له مدلولان واستعمله فيهما ، وأمّا إذا قصد الذكر وكان داعيه على الإتيان بالذكر تنبيه الغير فالأقوى الصحّة (3).


(1) لتقوّم مفهومه بإيجاد المماثل قاصداً به الحكاية عمّا انزل على النبيّ الأعظم صلی اللّه عليه وآله كغيره من قراءة أشعار العرب وخطبهم على ما تقدّم تفصيله في مبحث القراءة. إذن فالتلاوة من غير القصد المزبور فضلاً عن قصد الخلاف لا تكون مصداقاً لقراءة القرآن ، من غير فرق بين الآيات المشتركة والمختصّة لوحدة المناط. فتكون طبعاً من التكلّم المبطل ، ما لم ينطبق عليه عنوان آخر من ذكر أو دعاء.

(2) للشك في اندراجه في التكلّم السائغ ، فيشمله عموم المنع.

(3) لا شبهة في جواز تنبيه الغير أثناء الصلاة بغير اللفظ من إشارة أو تنحنح ونحوهما ، لعدم اقتضائه ارتكاب شي‌ء من المنافيات وهذا واضح ، وأمّا باللفظ من ذكر ونحوه فله صور أُشير إليها في المتن.

.................................................................................................


إحداها : أن يأتي بالذكر ويقصد التنبيه بشي‌ء من خصوصياته كرفع صوته به ، وهذا ممّا لا إشكال في جوازه ، ضرورة أنّ قصد القربة غير معتبر إلّا في نفس الطبيعة ، وأمّا الخصوصيات فهي خارجة عن حريم المأمور به فلا ضير في إتيانها لغاية أُخرى مباحة ، فالحكم بالصحّة في هذه الصورة مطابق للقاعدة. مع أنّها القدر المتيقن من النصوص الدالّة عليها التي منها صحيحة الحلبي «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة ، فقال : يومئ برأسه ويشير بيده ويسبِّح» إلخ (1).

ثانيتها : أن يقصد به التنبيه فقط من غير تعلّق القصد بالذكر نفسه بوجه وهذا لا إشكال في كونه مبطلاً ، لكونه من التكلّم العمدي من غير انطباق العنوان السائغ عليه بتاتاً.

ثالثتها : أن يقصد الأمرين معاً في عرض واحد على نحو استعمال اللفظ المشترك في معنييه ، بناءً على إمكانه كما هو الصحيح.

والظاهر هو البطلان أيضاً ، فإنّه وإن لم يكن فيه بأس بأحد الاعتبارين ، إلّا أنّ فيه بأساً بالاعتبار الآخر بعد أن كان كل منهما ملحوظاً بحياله واستقلاله وكان الاستعمال المزبور بمثابة تكرار اللفظ.

وبعبارة اخرى : الاستعمال بأحد القصدين وإن لم يكن مقتضياً للبطلان ، إلّا أنّه بالقصد الآخر يكون مقتضياً له ، ومن البيِّن أنّ ما فيه الاقتضاء لا يزاحمه ما لا اقتضاء فيه.

رابعتها : أن يقصدهما معاً ولكن طولاً وعلى سبيل الداعي على الداعي فيقصد به الذكر ويكون الداعي عليه هو التنبيه ، وهذا أيضاً لا ضير فيه بعد


1) الوسائل 7 : 254 / أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 2.

[1714] مسألة 13 : لا بأس بالدُّعاء مع مخاطبة الغير (1)(1) بأن يقول : غفر اللّه لك ، فهو مثل قوله : اللّهمّ اغفر لي أو لفلان.

[1715] مسألة 14 : لا بأس بتكرار الذكر أو القراءة عمداً (2) أو من باب الاحتياط ، نعم إذا كان التكرار من باب الوسوسة فلا يجوز (2)


وضوح عدم كون الداعي المزبور قادحاً في صدق عنوان الذكر فيندرج تحت عنوان الاستثناء ويكون ملحقاً بالصورة الأُولى.

(1) فيه إشكال بل منع ، نظراً إلى أنّ الدُّعاء بعنوانه لم يؤخذ موضوعاً للاستثناء ليتمسّك بإطلاقه ، وإنّما ساغ لكونه مصداقاً للمناجاة مع الرب تعالى الوارد في النصوص ، ومن البيِّن عدم صدق المناجاة معه سبحانه على ما اشتمل على التخاطب مع الغير.

وبعبارة أُخرى : المستثنى في لسان الأخبار أحد أمرين : إمّا الذكر أو المناجاة مع اللّه تعالى ، وشي‌ء منهما غير منطبق على المقام ، فيشمله إذن عموم مبطلية الكلام. ومنه تعرف ضعف ما في المتن من القياس.

ومع التنازل وتسليم استثناء الدُّعاء بعنوانه ، فمفروض البحث مجمع للعنوانين ، أعني الدُّعاء والتكلّم مع الغير ، والعنوان الأوّل وإن لم يقتض البطلان ، لكن العنوان الثاني يقتضيه ، وقد تقدّم آنفاً أنّ ما لا اقتضاء فيه لا يزاحم ما فيه الاقتضاء.

(2) لاستثنائهما من عموم مبطلية الكلام ، ومقتضى الإطلاق في دليل الاستثناء عدم الفرق بين المرّة والتكرار.


1) (*) فيه إشكال بل منع وبه يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

2) (**) في عدم جوازه فضلاً عن بطلان الصلاة به نظر بل منع.

بل لا يبعد بطلان الصلاة به (1).

[1716] مسألة 15 : لا يجوز ابتداء السلام للمصلِّي ، وكذا سائر التحيّات مثل : صبّحك اللّه بالخير ، أو : مسّاك اللّه بالخير ، أو : في أمان اللّه ، أو : ادخلوها بسلام ، إذا قصد مجرّد التحيّة (2) ،


(1) أمّا من حيث الجواز وعدمه فينبغي التفصيل بين ما إذا بلغ التكرار حدّا يعدّ عرفاً من المهملات ، كما لو كرّر (أش) في التشهّد مرّات عديدة ، وبين ما كان دون هذا الحد ، فيحكم بعدم الجواز بل البطلان في الأوّل كما ظهر ممّا مرّ دون الثاني لعدم نهوض دليل على حرمة الوسوسة.

أجل ، في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «ذكرت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة ، وقلت هو رجل عاقل ، فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام : وأيّ عقل له وهو يطيع الشيطان ، فقلت له : وكيف يطيع الشيطان؟ فقال : سله هذا الّذي يأتيه من أيّ شي‌ء هو ، فإنّه يقول لك من عمل الشيطان» (1).

ولكنّها تدل على ضعف العقل لا ضعف الدين ليستفاد التحريم.

وأمّا من حيث البطلان على تقدير الحرمة فيجري فيه ما تقدّم (2)في الدُّعاء المحرّم ، وقد عرفت أنّ الأظهر هو العدم.

نعم ، الأحوط الأولى لمن ابتلي بذلك تكرار الصلاة مرّة مع تكرار الذكر أو القراءة ، وأُخرى بدونه.

(2) هذا ممّا لا شبهة فيه ، ضرورة أنّ ما قصد به التحيّة يعدّ من كلام الآدميين فتبطل به الصلاة. وإنّما الإشكال في موردين :


1) الوسائل 1 : 63 / أبواب مقدّمة العبادات ب 10 ح 1.

2) في ص 446.

وأمّا إذا قصد الدُّعاء بالسلامة أو الإصباح أو الإمساء بالخير ونحو ذلك فلا بأس به ، وكذا إذا قصد القرآنية (1)من نحو قوله ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أو ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ ) ، وإن كان الغرض منه السلام أو بيان المطلب بأن يكون من باب الداعي على الدُّعاء أو قراءة القرآن.


أحدهما : ما إذا قصد بالسلام أو بغيره من التحيّات الدُّعاء ، فقد يقال بجوازه وعدم إبطاله.

ويندفع أوّلاً : بما تقدّم من أنّ الدُّعاء بعنوانه لم يؤخذ في نصوص الاستثناء وإنّما الوارد فيها الذكر أو المناجاة مع الرب ، فلا تأثير لقصد الدُّعاء.

وثانياً : مع التسليم ، تصبح التحيّة المزبورة مجمعاً للعنوانين ، وقد سبق أنّ عدم البطلان بعنوان الدُّعاء لا يستلزم عدمه بعنوان التكلّم والتخاطب مع الغير ، فان عدم الاقتضاء لا يزاحم ما فيه الاقتضاء.

ثانيهما : ما إذا قصد به القرآن ولكن الداعي عليه تفهيم مطلب كالتسليم في مثل قوله «سَلامٌ عَلَيْكُمْ» أو الإذن في الدخول في نحو قوله تعالى ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ ) (2).

وهذا على نحوين : إذ تارة يقصد بتلك العبارة الحكاية عمّا انزل على النبيّ الأعظم صلی اللّه عليه وآله ولكنّه بالكناية والدلالة الالتزامية يريد التفهيم المزبور. وهذا وإن لم يستوجب البطلان لمكان استثناء قراءة القرآن ، إلّا أنّه


1) () قصد القرآنية لا يخرجه عن كونه خطاباً مع الغير وتكلّماً مع المخلوقين فتشمله أدلّة المنر. وبه يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

2) الحجر 15 : 46.

.................................................................................................


لا تتحقّق به التحيّة المتقوّم بها مفهوم التسليم ، لأنّه لم يقصد به التخاطب مع الغير ، بل قراءة القرآن محضاً كما هو المفروض.

وأُخرى : يجمع بين قراءة القرآن وإنشاء التحيّة مثلاً ، بأن ينشئ التحيّة بنفس اللفظ المستعمل في ألفاظ القرآن.

ودعوى : أنّ قراءة القرآن متقوّمة بقصد الحكاية المقتضية لاستعمال اللفظ في معنى خاص وهو الّذي نزل به الروح الأمين على النبيّ الأكرم صلی اللّه عليه وآله فلا يمكن استعماله في معنى آخر كإنشاء التحيّة ،

مدفوعة : بما تقدّم في مبحث القراءة من عدم التنافي بين الأمرين ، وجواز تطبيق اللفظ المستعمل في القرآن على معنى آخر كما في الشعر والخطابة ونحوهما ، هذا.

ولكن الظاهر مع ذلك بطلان الصلاة بذلك ، لعدم خروجه عن كونه تكلّماً وتخاطباً مع الغير ومصداقاً لكلام الآدميين ، نظراً إلى أنّ المستثنى لم يكن هو مطلق قراءة القرآن حتّى إذا قصد به غير المعنى الّذي قصده منه اللّه (عزّ وجلّ) حيث إنّه تعالى أراد في مثل قوله ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ ) دخول الجنّة ، فإذا أُريد به دخول الدار أو الغرفة مثلاً ، كان من كلام الآدميين الموجب للبطلان.

وإن شئت قلت هذا من مجمع العنوانين ، وعدم البأس من ناحية القراءة لا ينافي البأس من ناحية التخاطب مع الغير ، لما عرفت من أنّ ما لا يقتضي البطلان لا يزاحم ما يقتضيه. فحال هذه الصورة حال التحيّة بقصد الدُّعاء المحكومة بالبطلان على ما تقدّم.

[1717] مسألة 16 : يجوز ردّ سلام التحيّة في أثناء الصلاة ، بل يجب وإن لم يكن السلام أو الجواب بالصيغة القرآنية (1).


(1) لا إشكال كما لا خلاف في وجوب ردّ السلام في غير حالة الصلاة ، وقد نطقت به جملة من النصوص التي منها صحيحة عبد اللّه بن سنان «قال : رد جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام» (1). وفي موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : السلام تطوّع والرد فريضة» (2).

وناهيك قبل ذلك كلّه قوله تعالى ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) (3)حيث فسّرت التحيّة بالسلام (4)، بل هي معناه لغة (5).

إنّما الكلام في الرد أثناء الصلاة فقد منعه العامّة (6)وإن اختلفوا بين من اكتفى بالإشارة ، ومن أخّره إلى ما بعد الصلاة.

وأمّا الخاصّة فقد اتّفقوا على الجواز ، وغير خفي أنّ مرادهم به الجواز بالمعنى الأعم في مقابل المنع ، لا خصوص الإباحة المصطلحة ، ضرورة أنّه متى جاز وجب كتاباً وسنّة وإجماعاً حسبما عرفت. فالوجوب بعد فرض الجواز معلوم من القواعد. ومن ثمّ قال في المسالك : إنّ كل من قال بالجواز قال بالوجوب (7)


1) الوسائل 12 : 57 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 12 : 57 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1 ، 3.

3) النِّساء 4 : 86.

4) التبيان 3 : 278 ، مجمع البيان 3 : 130.

5) المصباح المنير : 160 ، لسان العرب 12 : 289 ، القاموس المحيط 4 : 322.

6) المغني 1 : 747 ، فتح العزيز 4 : 117.

7) المسالك 1 : 231.

.................................................................................................


ونحوه عن مجمع البرهان (1)، فلا ينبغي التردّد في أنّ مرادهم الوجوب لا الجواز بمعناه الخاص.

وممّا يكشف عنه حكم جماعة منهم ببطلان الصلاة مع عدم الرد ، بناءً منهم على أنّ الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه ولا أقل من عدم تعلّق الأمر به.

وكيف ما كان ، فتدل على وجوب الرد أثناء الصلاة نصوص مستفيضة وهي على طوائف.

الأُولى : ما دلّ على وجوب الرد من غير تعرّض لكيفيّة التسليم ولا لصيغة ردّه ، كموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن السلام على المصلِّي ، فقال : إذا سلّم عليك رجل من المسلمين وأنت في الصلاة فردّ عليه فيما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك» (2).

الثانية : ما دلّ على وجوب الرد بصيغة السلام عليك ، من غير تعرّض لكيفيّة التسليم ، كما رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن مسلم «أنّه سأل أبا جعفر عليه‌السلام عن الرجل يسلّم على القوم في الصلاة ، فقال : إذا سلّم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلّم عليه تقول : السلام عليك وأشر بإصبعك» (3).

فانّ هذا الاسناد وإن كان ضعيفاً ، لضعف طريق الصدوق إلى محمّد بن مسلم إلا أنّها بعينها رويت بطريق آخر معتبر وهو ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر عن كتاب محمّد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمّد البزنطي بسند صحيح عن ابن مسلم (4)، وقد أشرنا في محلّه إلى أنّ الكتاب المزبور الّذي


1) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 114.

2) الوسائل 7 : 268 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 4.

3) الوسائل 7 : 268 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 5 ، الفقيه 1 : 240 / 1063.

4) الوسائل 7 : 269 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ذيل ح 5 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 604.

.................................................................................................


روى عنه ابن إدريس كان بخط الشيخ الطوسي (1)، وطريق الشيخ إلى هذا الكتاب صحيح ، وبذلك تصبح الرواية معتبرة.

الثالثة : ما دلّ على وجوب الرد بصيغة سلام عليكم ، من غير تعرّض لكيفيّة التسليم أيضاً ، وهي موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «سألته عن الرجل يسلّم عليه وهو في الصلاة ، قال : يرد سلام عليكم ، ولا يقول : وعليكم السلام ، فانّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان قائماً يصلِّي فمرّ به عمّار بن ياسر فسلّم عليه عمّار فردّ عليه النبيّ صلی اللّه عليه وآله وسلم هكذا» (2).

ولكن الصدوق روى قصّة تسليم عمّار على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وجوابه له بصيغة مطلقة سلاماً وجواباً حيث قال «وقال أبو جعفر عليه‌السلام : سلّم عمّار على رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله وهو في الصلاة فردّ عليه ، ثمّ قال أبو جعفر عليه‌السلام إنّ السلام اسم من أسماء اللّه عزّ وجلّ» (3). غير أنّها مرسلة فلا يمكن التعويل عليها.

نعم ، رواها الشهيد في الأربعين (4)بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام إذن فتكون ملحقة بالطائفة الأُولى ، هذا.

ويظهر ممّا رواه الشهيد في الذكرى عن البزنطي عن الباقر عليه‌السلام أنّ سلام عمّار كان بصيغة السلام عليك (5).


1) ذكره في السرائر 3 (المستطرفات) : 601.

2) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

3) الوسائل 7 : 269 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 6 ، الفقيه 1 : 241 / 1066.

4) الوسائل 7 : 269 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ذيل ح 6 ، الأربعون حديثاً : 50 / 22.

5) الوسائل 7 : 271 / أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 3 ، الذكرى 4 : 24.

.................................................................................................


ولو تمّ سند الرواية يظهر منها بعد ضمّها إلى موثقة سماعة المتقدِّمة أنّ تخصيص الجواب بتلك الصيغة منوط بكون السلام بهذه الصيغة. ولكن السند ضعيف ، لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب البزنطي ، فالمتّبع إذن هي الموثقة بمجرّدها الدالّة على كون الجواب بتلك الصيغة مطلقاً.

الرابعة : ما دلّ على لزوم المماثلة بين السلام وردّه ، كصحيحة محمّد بن مسلم قال : «دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام وهو في الصلاة فقلت : السلام عليك ، فقال : السلام عليك ، فقلت : كيف أصبحت؟ فسكت ، فلمّا انصرف قلت : أيردّ السلام وهو في الصلاة؟ قال : نعم ، مثل ما قيل له» (1).

وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلّم عليك الرجل وأنت تصلِّي ، قال : تردّ عليه خفياً كما قال» (2).

وعلى الجملة : فالمستفاد من هذه الروايات بطوائفها واختلاف ألسنتها وجوب ردّ السلام أثناء الصلاة ، غير أنّ بإزائها ما يظهر منه عدم الجواز ، وهو ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن مصدق بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما‌السلام «قال : لا تسلّموا على اليهود ولا النصارى إلى أن قال - : ولا على المصلِّي ، وذلك لأنّ المصلِّي لا يستطيع أن يردّ السلام ، لأنّ التسليم من المسلّم تطوّع والرد فريضة» (3).

حيث إنّ عدم الاستطاعة بعد تعذّر إرادة التكوينية منها كما هو واضح محمول على التشريعية المساوقة للحرمة.

ولكنّ السند ضعيف بمحمّد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق فإنّه لم يوثق ومجرّد الشيخوخة غير كافية في الوثاقة سيّما بعد ما نشاهده من روايته عن


1) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1 ، 3.

2) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1 ، 3.

3) الوسائل 7 : 270 / أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 1 ، الخصال : 484 / 57.

ولو عصى ولم يردّ الجواب واشتغل بالصلاة قبل فوات وقت الردّ لم تبطل على الأقوى (1).


الضعاف في غير مورد. كما أنّ اعتماده عليه حسبما يظهر من إكثاره الرواية عنه لا يجدي بعد تطرّق احتمال بنائه على أصالة العدالة التي لا نعترف بها.

ومع تسليم صحّة السند فحيث إنّها لا تنهض لمقاومة ما سبق من تلك النصوص الكثيرة فلا مناص من التصرّف فيها إمّا بحملها على التقيّة ، أو على إرادة المشقّة من عدم الاستطاعة ، حيث إنّ التصدِّي للردّ ثمّ العود إلى صلاته يشغله عن الإقبال والتوجّه فلا يسهل عليه الرد ، فيكون مفادها حينئذ كراهة التسليم على المصلِّي لا عدم جواز الرد لو سلّم عليه.

(1) خلافاً لجماعة من الحكم بالبطلان بناءً منهم على اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن ضدّه الخاص ، بل عن البهائي (قدس سره) (1)الحكم به حتّى لو لم نقل بالاقتضاء ، نظراً إلى اقتضائه عدم الأمر بالضد ، ضرورة امتناع تعلّق الأمر بالضدّين ، ويكفي في فساد العبادة مجرّد عدم الأمر بها.

نعم ، تصدّى في الكفاية (2)للتصحيح من ناحية الملاك ، وناقشنا فيه لعدم السبيل لإحرازه من غير ناحية الأمر ، والمفروض عدم ثبوته.

ولكنّا ذكرنا في الأُصول إمكان التصحيح في نظائر المقام بالخطاب الترتّبي وأنّ مجرّد إمكانه مساوق لوقوعه ، كما أنّ تصوّره مساوق لتصديقه ، وتمام الكلام في محلّه (3).


1) زبدة الأُصول : 82 ، وحكاه عنه في كفاية الأُصول : 133.

2) كفاية الأُصول : 134.

3) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 102 ، 94.

[1718] مسألة 17 : يجب أن يكون الردّ في أثناء الصلاة بمثل ما سلّم فلو قال : سلام عليكم ، يجب أن يقول في الجواب : سلام عليكم مثلاً ، بل الأحوط (1)المماثلة في التعريف والتنكير والإفراد والجمع فلا يقول : سلام عليكم في جواب السلام عليكم ، أو في جواب سلام عليك مثلاً وبالعكس ، وإن كان لا يخلو من منع (1).


(1) لا إشكال كما لا خلاف في اعتبار المماثلة بين السلام وردّه من حيث الذات ، فلا بدّ وأن يكون الجواب حال الصلاة على سياق السلام الابتدائي في كون السلام مقدّماً على الخبر ، فلا يجوز بصيغة عليكم السلام مثلاً ، وقد دلّت عليه الروايات حسبما مرّت الإشارة إليها.

وإنّما الكلام في اعتبار المماثلة في الخصوصيات من التعريف والتنكير وإفراد الضمير وجمعه ، فانّ فيه خلافاً ولأجله احتاط الماتن (قدس سره) ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات الواردة في المقام.

فانّ مقتضى إطلاق صحيحتي ابن مسلم وابن حازم المتقدِّمتين في الطائفة الرابعة من المسألة السابقة هو اعتبارها في تمام الجهات لقوله عليه‌السلام في إحداهما : «مثل ما قيل له» وفي الأُخرى : «كما قال».

كما أنّ مقتضى إطلاق موثقة سماعة المتقدِّمة في الطائفة الثالثة عدم اعتبارها إلّا من حيث الذات.

بل إنّ ذلك هو مقتضى صريحها بعد ضمّها برواية الشهيد في الذكرى لو تمّ سندها ، لدلالتهما على تخالف سلام عمّار مع جوابه من هذه الجهة بناءً على


1) لا يترك هذا الاحتياط.

.................................................................................................


اتِّحاد الواقعة كما لعلّه الظاهر فيقيّد بهما الإطلاق الأوّل ويحمل على إرادة المماثلة من حيث الذات فقط. ولكن السند غير تام كما تقدّم (1).

إذن فتقع المعارضة بين الإطلاقين ، ويدور الأمر حينئذ بين تقييد الأوّل بالثاني لينتج اعتبار المماثلة في الذات فقط ، وبين عكسه لينتج اعتبارها في تمام الخصوصيات ، وحيث لا ترجيح في البين فلا جرم يسقط الإطلاق من الطرفين وكان المرجع حينئذ أصالة البراءة عن اعتبارها في الزائد على المقدار المتيقن أعني من حيث الذات فقط.

هذا كلّه في ملاحظة الصحيحتين مع الموثقة وينسحب ذلك بعينه عند ملاحظتهما مع معتبرة محمّد بن مسلم المتقدِّمة في الطائفة الثانية ، لاتِّحاد مناط البحث كما لا يخفى.

أجل ، لا يبعد القول بأنّ الإطلاق في المعتبرة أقوى منه في الموثقة ، نظراً إلى استفادته في الثانية من ترك الاستفصال ، وأمّا في المعتبرة فهو مستفاد من نفس اللفظ لقوله عليه‌السلام : «إذا سلّم عليك مسلم» إلخ.

وكيف ما كان ، فقد عرفت أنّه بعد سقوط الإطلاقين بالمعارضة فالمرجع أصالة البراءة ، هذا.

وهناك معارضة اخرى بين الموثقة والمعتبرة نفسيهما ، حيث إنّ ظاهر الاولى تعيّن الرد بصيغة سلام عليكم ، وظاهر الثانية تعيّنه بصيغة السلام عليك ومقتضى الجمع العرفي رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيين بنصّ الأُخرى في جواز الآخر ، ونتيجته جواز اختيار أيّ منهما شاء.

والمتحصِّل من جميع ما مرّ : عدم اعتبار المماثلة إلّا من حيث الذات ، وإن كان الأحوط رعايتها في جميع الخصوصيّات كما ظهر وجهه ممّا تقدّم.


1) في ص 457.

نعم ، لو قصد القرآنية في الجواب فلا بأس بعدم المماثلة (1).

[1719] مسألة 18 : لو قال المسلّم : عليكم السلام ، فالأحوط (1)في الجواب أن يقول : سلام عليكم بقصد القرآنية ، أو بقصد الدُّعاء (2).


(1) لوضوح انصراف أدلّة الاعتبار إلى الجواب الصادر بعنوان ردّ التحيّة.

(2) قال في الحدائق : إنّ صيغة عليكم السلام بتقديم الظرف ليست من صيغ الابتداء بالسلام ، وإنّما هي من صيغ الرد انتهى (2). ومقتضاه عدم وجوب ردّه بل لو ردّ المصلِّي بطلت صلاته لكونه من كلام الآدميين.

وفيه : ما لا يخفى ، إذ لا وجه له بعد إطلاق الكتاب والسنّة ، فانّ التحيّة في قوله تعالى ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) ... (3)إلخ ، والسلام في موثقتي السكوني وعمّار ابن موسى المتقدِّمتين (4)في المسألة السادسة عشرة مطلق يشمل مثل هذه الصيغة أيضاً ، ومجرّد قيام التعارف الخارجي على عدمها لا يستوجب انصراف الإطلاق عنها كما لا يخفى.

على أنّ خروجها عن المتعارف ممنوع ، فقد ورد الأمر بها في موثقة عمّار الساباطي «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن النِّساء كيف يسلّمن إذا دخلن على القوم؟ قال : المرأة تقول : عليكم السلام والرجل يقول : السلام عليكم» (5)فانّ من الواضح عدم اختلاف مفهوم السلام في المرأة عنه في الرجل وإن


1) (*) في كونه أحوط نظر ظاهر ، والظاهر جواز ردّه بأيّ صيغة كانت.

2) الحدائق 9 : 74.

3) النِّساء 4 : 86.

4) في ص 454 ، 455.

5) الوسائل 12 : 66 / أبواب أحكام العشرة ب 39 ح 3.

.................................................................................................


اختلفت الكيفية بموجب هذه الرواية.

نعم ، إنّ تلك الصيغة قليلة بالإضافة إلى بقيّة الصيغ الأربع ، وهي سلام عليكم والسلام عليكم ، وسلام عليك ، والسلام عليك ، لكن القلّة لا تستوجب الخروج عن المتعارف.

وأمّا النبوي : «لا تقل عليك السلام فانّ عليك السلام تحيّة الموتى ، إذا سلّمت فقل : سلام عليك ، فيقول الراد عليك السلام» (1)فهو لضعف سنده لا يعوّل عليه.

إذن فلا ينبغي التأمّل في تحقّق التحيّة بتلك الصيغة أيضاً ووجوب ردّها وحينئذ فان كان الرد في غير حال الصلاة فيردّها كيف ما شاء.

وأمّا إذا كان في الصلاة ففيه إشكال وقد احتاط الماتن باختيار سلام عليكم بقصد القرآنية أو الدُّعاء ، ولكنّه كما ترى ، فانّ الجواب بهذه الصيغة إن كان جائزاً فقد صحّ من غير حاجة إلى القصد المزبور ، وإلّا لم ينفعه هذا القصد لكونه حينئذ مجمعاً للعنوانين ، وقد تقدّم أنّه متى صدق عنوان التكلّم مع الغير حكم بالبطلان ، سواء قارنه عنوان القرآن أم لا ، فكون الأحوط ما ذكره محل نظر بل منع.

والّذي ينبغي أن يقال : إنّ مقتضى إطلاق صحيحتي ابن مسلم (2)ومنصور ابن حازم (3)الناطقتين باعتبار المماثلة لزوم كون الجواب بصيغة عليكم السلام ولكنّه معارض بموثقة سماعة المانعة عن ذلك حيث قال عليه‌السلام «ولا يقول وعليكم السلام» (4)كما أنّ معتبرة ابن مسلم دلّت على لزوم كون الجواب


1) كنز العمال 9 : 126 / 25318 ، سنن أبي داود 4 : 353 / 5209.

2) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1 ، 3.

3) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1 ، 3.

4) الوسائل 7 : 267 / أبواب القواطع ب 16 ح 2.

[1720] مسألة 19 : لو سلّم بالملحون وجب الجواب صحيحاً (1)(1)


بصيغة السلام عليك (2).

وبعد سقوط الجميع بالمعارضة فالمرجع إطلاقات الجواب من السنّة والكتاب التي مقتضاها جواز تقديم الظرف وتأخيره.

ومع الغض عن الإطلاق فيرجع إلى أصالة البراءة عن المانعية ، وعليه فله الردّ بأيّ صيغة شاء.

(1) تارة يفرض بلوغ اللحن حدّا لا يصدق معه عنوان التحيّة وإن تخيلها المسلّم ، وأُخرى يفرض الصدق.

فعلى الأوّل : لا يجب الجواب في الصلاة وغيرها لعدم المقتضي ، بل لا يجوز في الصلاة لكونه من كلام الآدمي من غير مسوّغ.

وعلى الثاني : وجب مطلقاً أخذاً بإطلاقات ردّ التحيّة بعد وضوح منع انصرافها عن الملحون بنحو يمنع عن التمسّك بالإطلاق ، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

وإنّما الإشكال في أنّه هل يلزم الرد بالصحيح أو أنّه يجزئ الملحون مماثلاً للسلام؟ مقتضى إطلاق الآية هو الثاني ، لصدق ردّ التحيّة المأمور به ، ولكن الماتن تبعاً للجواهر (3)اعتبر الأوّل ، وهو غير واضح بعد الإطلاق المزبور من غير مقيّد.


1) (*) على الأحوط.

2) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 5.

3) الجواهر 11 : 107.

والأحوط قصد الدُّعاء أو القرآن (1).

[1721] مسألة 20 : لو كان المسلّم صبيّاً مميّزاً أو نحوه أو امرأة أجنبية أو رجلاً أجنبياً على امرأة تصلِّي ، فلا يبعد بل الأقوى جواز الردّ بعنوان ردّ التحيّة ، لكن الأحوط قصد القرآن أو الدُّعاء (2).


ودعوى أنّ الجواب الملحون كلام آدمي تبطل الصلاة به مدفوعة بعدم المجال لهذه الدعوى بعد فرض كونه مشمولاً للإطلاق ، ولا دليل على أنّ كل كلام ملحون مبطل ، ومن ثمّ ساغ الدُّعاء الملحون والقنوت بالملحون كما تقدّم (1)فليكن السلام الملحون من هذا القبيل. نعم ، تعتبر الصحّة في الأذكار المعدودة من أجزاء الصلاة ، دون ما هو خارج عنها كالموارد المزبورة. إذن فاعتبار الصحّة في الجواب مبني على الاحتياط.

(1) لاحتمال عدم الوجوب ، وقد ظهر ضعفه ممّا مرّ.

(2) لا إشكال كما لا خلاف في وجوب الرد فيما إذا كان المسلّم والمسلّم عليه رجلين أو امرأتين أو مختلفين مع كونهما محرمين ، لعدم الدليل على اختصاص الحكم بالمماثل كما هو ظاهر.

وأما لو كان المسلّم صبياً مميِّزاً ، فالظاهر وجوب ردّه أيضاً حتّى في حال الصلاة ، لإطلاقات الأدلّة بعد صدق التحيّة عليه كصدقه على سلام البالغين ، وعدم نهوض أيّ دليل على التقييد بالبلوغ ، عدا ما قد يتخيّل من عدم شرعية عبادات الصبي وأنّها تمرينية فلا موجب للرد.

وهو كما ترى ، إذ مضافاً إلى أنّ الأصح أنّها شرعية كما سبق في محلّه (2)، أنّ


1) في ص 391.

2) مصباح الفقاهة 3 : 241.

.................................................................................................


ذاك البحث غير مرتبط بالمقام ، ضرورة عدم كون السلام من الأُمور العبادية وإنّما هو تحيّة عرفية ولا مساس لها بالشرعية أو التمرينية ، وحيث إنّ الموضوع لوجوب الرد هو عنوان التحيّة التي لا ينبغي الشك في صدقها على سلام المميِّز كغيره حسبما عرفت ، فلا مناص من الالتزام بالوجوب.

نعم ، لا يجب الردّ في سلام غير المميز ، لعدم صدق عنوان التحيّة عليه بعد أن كان آتياً بمجرّد اللفظ من دون كونه قاصداً للمعنى بمقتضى افتراض عدم التمييز.

وأمّا السلام على الأجنبية ، فبناءً على جواز سماع صوتها لا ينبغي الشك في وجوب الرد عليها للإطلاقات. وأمّا بناءً على عدم الجواز فالظاهر وجوب الرد أيضاً وإن حرم عليها الإسماع ، فتردّ التحيّة إخفاتاً ، والوجه فيه : أنّ الرد شي‌ء وإسماع الصوت شي‌ء آخر ، وحرمة الثاني لا تستلزم سقوط الأوّل. فالمقام نظير من كان عاجزاً عن الإسماع تكويناً لمرض ونحوه ، فكما أنّ العجز التكويني لا يستوجب السقوط فكذلك العجز التشريعي بمناط واحد.

وأمّا عكس ذلك ، أعني سلامها على الرجل الأجنبي ، فقد يقال بعدم وجوب الرد نظراً إلى حرمة التسليم الصادر منها باعتبار حرمة إسماع صوتها للأجنبي ، وحيث إنّ التسليم المحرّم لا يستأهل الجواب فأدلّة الرد منصرفة عنه.

وفيه : بعد تسليم حرمة الإسماع المزبور ، أنّ الحرام لم يكن هو السلام بالذات بل شي‌ء من الخصوصيات المحفوفة به وهو الإسماع ، فنفس التحيّة لا حرمة فيها ، ومن البيِّن أنّ الرد إنّما يكون لها لا للخصوصية المقترنة بها المفروض حرمتها.

على أنّه لا مانع من أن يكون الحرام بالإضافة إلى شخص موضوعاً للوجوب بالإضافة إلى شخص آخر ، فانّ الممنوع إنّما هو اجتماع الحكمين المتضادّين في مورد واحد. إذن فلا محذور في أن يكون التسليم محرّماً على

[1722] مسألة 21 : لو سلّم على جماعة منهم المصلِّي فردّ الجواب غيره لم يجز له الردّ ، نعم لو ردّه صبي مميِّز ففي كفايته إشكال ، والأحوط ردّ المصلِّي بقصد القرآن أو الدُّعاء (1).


المرأة ، ومع ذلك إذا عصت وسلمت وجب على الرجل ردّه.

ومنه تعرف حكم ما لو كان السلام محرّماً لجهة أُخرى كالرِّياء ، فانّ مقتضى الإطلاقات وجوب ردّه أيضاً فلاحظ.

(1) لا إشكال كما لا خلاف في أنّ الرد الصادر من واحد من الجماعة يجزئ عن الآخرين وإن كان فيهم المصلِّي ، كما أنّ السلام الصادر من أحدهم يجزئ ويسقط به الاستحباب عن الباقين وقد دلّت على الحكم من الطرفين جملة من الأخبار التي منها :

صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلّم الرجل من الجماعة أجزأ عنهم» (1)، ولا يبعد شمول إطلاقها للسلام الابتدائي ولردّه معاً ، فيراد الإجزاء عن كل من الاستحباب والوجوب.

ومنها : موثقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم ، وإذا ردّ واحد أجزأ عنهم» (2)، وهي صريحة في الإجزاء في كلتا الصورتين.

وتؤيِّدهما : مرسلة ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا مرّت الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلِّم واحد منهم ، وإذا سلّم على القوم وهم جماعة أجزأهم أن يردّ واحد منهم» (3).


1) الوسائل 12 : 75 / أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 1 ، 2 ، 3.

2) الوسائل 12 : 75 / أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 1 ، 2 ، 3.

3) الوسائل 12 : 75 / أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 1 ، 2 ، 3.

.................................................................................................


وإنّما الإشكال في موردين :

أحدهما : ما إذا كان المجيب صبيّاً مميّزاً فهل يكون ذلك مجزئاً عن الباقين؟ استشكل فيه الماتن وذكر أنّ الأحوط أن يردّه المصلِّي بقصد القرآن أو الدُّعاء.

أقول : أمّا الاحتياط المزبور فقد مرّ ضعفه غير مرّة ، حيث عرفت أنّ ضميمة قصد القرآن أو الدُّعاء لا تنفع ، إذ غايته أن يصبح الرد مجمعاً للعنوانين التكلّم مع الغير والقرآن ، والثاني وإن لم يستوجب البطلان لكنّ الأوّل يوجبه ولا يزاحم ما لا اقتضاء فيه ما فيه الاقتضاء.

وأمّا الاستشكال فالظاهر أنّه في محلّه ، إذ الرد الصادر من الصبي غير واجب عليه ، وسقوط الواجب بغير الواجب خلاف الأصل لا يصار إليه من غير دليل ، ولا دليل عليه في البين عدا ما يتوهّم من إطلاق الرد في النصوص المزبورة بدعوى شموله للصادر من البالغ وغيره.

ولكنّه كما ترى ، فانّ توصيف الواحد بكونه منهم أو من القوم ، أو من الجماعة ظاهر في كونه مشاركاً معهم في توجيه الخطاب ، ومن ثمّ كان مجزئاً عنه وعنهم ، وحيث إنّ الصبي لم يخاطب بالرد إذ لم يتعلّق به التكليف فلا جرم كان النص منصرفاً عنه.

ويعضده التعبير بالإجزاء الّذي لا يكون إلّا عن التكليف ، فكأن إجزاءه عن نفس الراد أمر مفروغ عنه ، فأُريد بيان كونه مجزئاً عن القوم أيضاً ، وهذا يستدعي مشاركة الكل في التكليف فلا يشمل الصبي.

والمتحصِّل : أنّ سلام المميّز وإن وجب ردّه ، إلّا أنّ ردّه للسلام لا يسقط التكليف عن الباقين.

ثانيهما : ما لو سلّم على جماعة منهم المصلِّي فهل يجوز له الرد بعد ما تصدّى

[1723] مسألة 22 : إذا قال : سلام بدون عليكم ، وجب الجواب (1) في الصلاة (2) إمّا بمثله ويقدر : عليكم وإمّا بقوله : سلام عليكم ، والأحوط الجواب كذلك بقصد القرآن أو الدُّعاء.


له غيره؟ الظاهر عدم الجواز ، لانصراف الأدلّة إلى الرد الواجب ، وأنّ حيثيّة الاشتغال بالصلاة لا تمنع عن التصدِّي للامتثال ولا تعم مثل المقام ممّا سقط الوجوب بفعل الغير ، فلو فعل أبطل ، لعموم دليل القدح من غير مخصص.

(1) لصدق التحيّة عليه عرفاً ، فتشمله إطلاقات وجوب الرد ، والتشكيك في الصدق فضلاً عن إنكاره كما ترى.

(2) أما في غير حال الصلاة فله الرد كيف ما شاء كما هو واضح ، وأما في حال الصلاة فهل يعتبر حذف الظرف ويكتفى بتقديره رعاية للمماثلة المأمور بها فيها ، أو أنّه يجوز ذكره فيقول : سلام عليكم؟

يبتني ذلك على أنّ المماثلة المعتبرة هل هي ملحوظة من جميع الجهات وتلزم رعايتها في تمام الخصوصيات حتّى من ناحية الذكر والتقدير ، فلا يجوز الذكر حينئذ بل تبطل الصلاة به ، لكونه من كلام الآدمي من غير مسوّغ حتّى لو قصد به القرآن أو الدُّعاء ، لعدم نفع هذا القصد مع فرض التخاطب مع الغير كما مرّ غير مرّة ، أو أنّها ملحوظة من ناحية تقديم الظرف وتأخيره فحسب فيجوز ، لحصول المماثلة بعد أن كان المقدّر في السلام في قوّة المذكور في الجواب وتأخير الظرف في كليهما.

وهذا هو الصحيح كما يكشف عنه قوله عليه‌السلام في موثقة سماعة «عن الرجل يسلّم عليه وهو في الصلاة ، قال : يردّ سلام عليكم ، ولا يقول : وعليكم

[1724] مسألة 23 : إذا سلّم مرّات عديدة يكفي في الجواب مرّة (1)


السلام» (1)حيث إنّ النظر فيها معطوف على رعاية التقديم والتأخير فقط. على أنّ إطلاقها يشمل ما إذا كان السلام بصيغة سلام فقط كإطلاق التسليم في صحيحة محمّد بن مسلم (2).

(1) أمّا إذا كان التعدّد بقصد التأكّد فلا ريب في كفاية المرّة ، لعدم المقتضي للزيادة بعد أن لم يكن المقصود من المجموع إلّا تحيّة واحدة.

وأمّا إذا كان بقصد التجدّد والإتيان بتحيّة اخرى مستقلّة ، فالظاهر هو الكفاية أيضاً ، نظراً إلى أنّ المستفاد من الأدلّة وجوب الرد لطبيعي التحيّة الصادق على الواحد والأكثر ، إذ ليس فيها مطلق شمولي يدل على الوجوب لكل فرد من التسليم الصادر قبل الجواب على سبيل الانحلال. فالمقتضي للوجوب لكل فرد قاصر في حدّ نفسه ، هذا أوّلاً.

وثانياً : مع تسليم المقتضي فالمانع موجود وهو روايتان دلّتا على كفاية الواحدة.

إحداهما : ما رواه الصدوق مرسلاً عن أمير المؤمنين عليه‌السلام «أنّه قال لرجل من بني سعد إلا أُحدِّثك عنِّي وعن فاطمة إلى أن قال فغدا علينا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ونحن في لحافنا فقال : السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا ، ثمّ قال : السلام عليكم فسكتنا ، ثمّ قال : السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف وقد كان يفعل ذلك فيسلِّم ثلاثاً فان اذن له وإلّا انصرف ، فقلنا : وعليك السلام يا رسول اللّه ادخل فدخل ثمّ ذكر حديث


1) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

2) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 5.

نعم ، لو أجاب ثمّ سلّم يجب جواب الثاني أيضاً (1).


تسبيح فاطمة عند النوم» (1).

ولكنّها مضافاً إلى ضعف السند موهونة باستبعاد ترك الرد منهما عليهما‌السلام جدّا.

والعمدة إنّما هي الرواية الثانية وهي : صحيحة أبان بن عثمان عن الصادق عليه‌السلام في حديث الدراهم الاثني عشر «إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال للجارية : مري بين يدي ودليني على أهلك ، وجاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله حتّى وقف على باب دارهم وقال : السلام عليكم يا أهل الدار فلم يجيبوه ، فأعاد عليهم السلام فلم يجيبوه ، فأعاد السلام فقالوا : وعليك السلام يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، فقال : ما لكم تركتم إجابتي في أوّل السلام والثاني؟ قال : يا رسول اللّه ، سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه ...» إلخ (2).

وهي ظاهرة الدلالة على كفاية المرة للتحيّات العديدة فليتأمّل.

ومن جميع ما ذكرنا يظهر أنّه لا مجال للرجوع في المقام إلى أصالة عدم التداخل.

(1) للإطلاقات بعد حدوث موجب جديد للرد وسقوط الموجب الأوّل بالامتثال ، فانّ مقتضاها عدم الفرق بين كون التحيّة الحادثة مسبوقة بتحيّة اخرى مردودة أم لا.


1) الوسائل 12 : 67 / أبواب أحكام العشرة ب 40 ح 1 ، الفقيه 1 : 211 / 947.

2) الوسائل 12 : 68 / أبواب أحكام العشرة ب 40 ح 2.

وهكذا ، إلّا إذا خرج عن المتعارف فلا يجب الجواب حينئذ (1).

[1725] مسألة 24 : إذا كان المصلِّي بين جماعة فسلّم واحد عليهم وشكّ المصلِّي في أنّ المسلّم قصده أيضاً أم لا ، لا يجوز له الجواب (2) ، نعم لا بأس به بقصد القرآن أو الدُّعاء (3).

[1726] مسألة 25 : يجب جواب السلام فوراً (4) فلو أخّر عصياناً أو نسياناً بحيث خرج (1)عن صدق الجواب لم يجب ، وإن كان في الصلاة لم يجز (5)


(1) لعدم صدق التحيّة ، بل هي أشبه بالسخرية ، ومقتضى الأصل البراءة.

(2) لأصالة عدم قصده وعدم تعلّق السلام به ، فيكون الرد حينئذ من كلام الآدمي غير المقرون بمسوّغ شرعي.

(3) قد مرّ غير مرّة ما في هذا القصد وأنّه لا ينفع فلاحظ.

(4) على المشهور ، والوجه فيه أنّ ذلك هو من مقتضيات مفهوم الرد عرفاً لتقوّم ردّ التحيّة بالارتباط بها بحيث يعد جواباً لها ، فلا يصدق مع الفصل المعتد به ، نظير الارتباط المعتبر بين الإيجاب والقبول ، فكما أنّه مع الفصل المخل لا يكون قبولاً للإيجاب ، فكذا في المقام لا يعد ردّاً للسلام ، وإنّما هو تحيّة أُخرى بحيالها ، فالمحافظة على الارتباط تستدعي المبادرة إلى الجواب ومراعاة الفورية بطبيعة الحال وهذا واضح.

(5) لعدم كونه مصداقاً للرد السائغ حسبما عرفت.


1) (*) لعلّه أراد به الخروج عن صدق الردّ الّذي هو متعلّق الوجوب.

وإن شكّ في الخروج عن الصدق وجب (1). وإن كان (1)في الصلاة (2) لكن الأحوط حينئذ قصد القرآن أو الدُّعاء.


(1) استناداً إلى استصحاب بقاء الوقت وعدم الخروج عن صدق الرد.

ولكنّه لا يتمّ سواء أكانت الشبهة مفهومية بأن تردّد الوقت الّذي ينتفي الصدق معه بين الأقل والأكثر ، أم كانت موضوعية بأن علمت الكمِّيّة وأنّها دقيقة واحدة مثلاً وشكّ في انقضائها وعدمه.

أمّا الأوّل : فلما هو المقرّر في محلّه (2)من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية ، لعدم الشك في بقاء شي‌ء أو ارتفاعه ، بل في سعة المفهوم وضيقه وهو خارج عن نطاق الأصل ومفاده ولا يكاد يرتبط به.

وأمّا الثاني : فلأجل أنّ أصالة بقاء الوقت لا يترتّب عليها صدق عنوان الرد الّذي هو الموضوع للحكم إلّا بنحو الأصل المثبت لكونه من لوازمه العقلية فلا يقاس ذلك باستصحاب بقاء النهار لإثبات وجوب الصلاة أو الصِّيام ، لأنّهما مترتِّبان عليه شرعاً ، وأما أصالة بقاء صدق الرد فهو من الاستصحاب التعليقي كما لا يخفى.

إذن فوجوب الرد في المقام مبني على الاحتياط ، ومقتضى الصناعة عدمه.

(2) قد عرفت الإشكال في الوجوب ، وعليه فمقتضى الاحتياط الرد والإتمام ثمّ إعادة الصلاة ، أمّا الأوّل فلاحتمال وجوبه ، وأمّا الثاني فلاحتمال حرمة القطع. وأمّا الثالث فلاحتمال بطلان الصلاة بكلام الآدمي ، وقد تقدّم غير مرّة أنّ قصد القرآن أو الدُّعاء لا ينفع في حصول الاحتياط.


1) (*) فيه إشكال والأحوط الردّ ثمّ إعادة الصلاة بعد إتمامها.

2) مصباح الأُصول 3 : 132.

[1727] مسألة 26 : يجب إسماع الرد سواء كان في الصلاة أو لا (1).


(1) أمّا في غير حال الصلاة فالمعروف هو الوجوب ، بل عن الذخيرة عدم وجدان الخلاف فيه ، ويستدل له تارة برواية عبد اللّه بن الفضل الهاشمي : «... التسليم علامة الأمن إلى أن قال كان الناس فيما مضى إذا سلّم عليهم وارد أمنوا شرّه ، وكانوا إذا ردّوا عليه أمن شرهم ...» إلخ (1)فإنّ الأمن من الشر منوط بالإسماع.

وأُخرى : برواية ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه ، ولا يقول سلّمت فلم يردّوا عليّ ، ولعلّه يكون قد سلّم ولم يسمعهم ، فاذا ردّ أحدكم فليجهر بردّه ، ولا يقول المسلّم سلّمت فلم يردّوا عليّ» (2).

والدلالة واضحة أيضاً كالأُولى ، لكن سنديهما ضعيف. أمّا الأُولى فبعدّة من المجاهيل ، وأمّا الثانية فبسهل بن زياد فلا يمكن التعويل على شي‌ء منهما ، على أنّ لسان التعليل مشعر بابتناء الحكم على الاستحباب وكونه من الآداب.

ولكنّا في غنى عنهما لصحّة مضمونهما ، فانّ السلام الّذي هو تحيّة عرفية متقوّم بإظهار الأمن والتسليم المنوط طبعاً بالإسماع. كما أنّ رد هذه التحيّة متقوّم في مفهومه بالإيصال والإبلاغ ولا يكون إلّا بالإسماع ولو تقديراً ، فلا يصدق عنوان الرد عليه الوارد في موثقة عمّار من دون الإسماع المزبور.

وأمّا في حال الصلاة فقد نسب إلى المحقِّق (3)عدم وجوب الإسماع ، استناداً


1) الوسائل 6 : 418 / أبواب التسليم ب 1 ح 13.

2) الوسائل 12 : 65 / أبواب أحكام العشرة ب 38 ح 1.

3) المعتبر 2 : 264.

.................................................................................................


إلى بعض النصوص الظاهرة في وجوب الإخفات بعد حملها عليه.

منها : صحيحة منصور بن حازم المتقدِّمة : «إذا سلّم عليك الرجل وأنت تصلِّي ، قال : ترد عليه خفياً» (1). فان ظاهرها وإن كان هو وجوب إخفاء الرد ، لكنّه ترفع عنه اليد بالإجماع القائم على جواز الإسماع ، أو يقال إنّها لمكان ورودها موقع توهّم الحظر وحرمة الرد في الصلاة لا تدل على أكثر من الترخيص في الإخفات.

ومنها : موثقة عمّار بن موسى المتقدِّمة : «إذا سلّم عليك رجل من المسلمين وأنت في الصلاة فردّ عليه فيما بينك وبين نفسك ولا ترفع صوتك» (2).

وظاهرها وإن كان وجوب الإخفاء أيضاً ، لكنّه ترفع اليد عنه للوجهين المزبورين ، كيف وصحيح محمّد بن مسلم المتقدِّم (3)كالصريح في جواز الإسماع كما لا يخفى.

ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم : «إذا سلّم عليك مسلم وأنت في الصلاة فسلّم عليه تقول : السلام عليك وأشر بإصبعك» (4)بدعوى ظهور قوله : «وأشر ...» إلخ ، في أنّ المفهم للرد إنّما هو الإشارة لا الإسماع.

والجواب : أمّا عن الأخيرة فبمنع الظهور ، لعدم كون المقصود بالإشارة الافهام المزبور لتكون بدلاً عن الإسماع ، وإنّما هي بدل عن الإقبال والالتفات المقرون بهما ردّ التحيّة غالباً ، فلا ينافي ذلك ما تقتضيه الإطلاقات من جواز الإسماع أو وجوبه.


1) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 3.

2) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 4 ، 1.

3) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 4 ، 1.

4) الوسائل 7 : 268 / أبواب القواطع ب 16 ح 5.

إلّا إذا سلّم ومشى سريعاً (1)أو كان المسلّم أصم فيكفي الجواب على المتعارف بحيث لو لم يبعد أو لم يكن أصم كان يسمع (1).


وأمّا عن الأوّلتين ، فبما ذكره في الجواهر (2)من الحمل على ما يقابل الجهر العالي والمبالغة في رفع الصوت المتداول في ردود التحيّة لأجل بعد المسلّم ونحوه ، للمنع عن ذلك في الصلاة ، فلا ينافي جواز الإسماع مقتصراً على أدناه بل قد عرفت وجوبه لتقوّم مفهوم الرد به. وربّما يرشد إلى هذا الحمل قوله في الموثقة «ولا ترفع صوتك».

والمتحصّل : أنّه لا فرق في وجوب الإسماع بين حال الصلاة وغيرها لوحدة المناط.

(1) أمّا في المورد الأوّل من الاستثناء : فالظاهر عدم وجوب الجواب من أصله ، لقصور المقتضي ، حيث عرفت أنّ مفهوم ردّ التحيّة متقوّم بالإيصال والإبلاغ المنوطين بالإسماع ، فمع تعذّره لم يجب الرد الفعلي ، والرد التقديري الفرضي بحيث لو لم يسرع لكان يسمع لا دليل عليه. نعم ، لو كان الإسماع بالإضافة إلى الرد من قبيل الواجب في واجب لأمكن القول بعدم سقوط الثاني بتعذّر الأوّل ، ولكنّه كما ترى.

وأمّا في المورد الثاني : فلا يبعد وجوب الرد في الصمم العارض ، إذ لا قصور في شمول الإطلاقات له ، ومجرّد تعذّر الإسماع لا يستوجب سقوط الرد بعد التمكّن من إيصاله إليه بإشارة ونحوها ، فإنّه لا شأن للاسماع ما عدا الإبلاغ والإيصال ، وحيث تعذّر فليكن من سبيل آخر ، وقد عرفت أنّ الإسماع التقديري لا دليل عليه.


1) (*) لا يبعد عدم وجوب الجواب في هذه الصورة.

2) الجواهر 11 : 109.

[1728] مسألة 27 : لو كانت التحيّة بغير لفظ السلام كقوله : صبّحك اللّه بالخير ، أو مسّاك اللّه بالخير ، لم يجب الردّ وإن كان هو الأحوط (1).


نعم ، يشكل الوجوب في الصمم الذاتي ، لاقترانه بالخرس الموجب لعدم صدور التسليم منه إلّا على نحو الإشارة وتحريك اللِّسان ، ولا دليل على وجوب الرد لمثل هذا التسليم فضلاً عن إسماعه. ولم ينهض دليل على قيام إشارته مقام قوله بنطاق عام وإنّما ثبت ذلك في موارد خاصّة كالتشهّد والقراءة ونحوهما من غير قرينة تستوجب التعدِّي عنها.

وعلى تقدير وجوب الرد بدعوى صدق التحيّة على إشارته فلا يجب إلّا بإشارة مثلها دون الجواب اللفظي والإسماع التقديري كما لا يخفى.

(1) يقع الكلام تارة في الرد في غير حال الصلاة ، وأُخرى في حالها.

أمّا في الموضع الأوّل : فقد نسب إلى العلّامة (1)وجوب الرد تمسّكاً بإطلاق ردّ التحيّة ، ولكن المشهور عدمه لعدم الدليل عليه.

وأمّا التحيّة في الآية الشريفة فهي إمّا ظاهرة في خصوص السلام ، كما نصّ عليه جملة من اللغويين (2)، أو أنّ المراد بها ذلك كما عن أكثر المفسِّرين (3).

ومع الغض وتسليم ظهورها في مطلق أنواعها ، فلا ينبغي الشك في عدم وجوب رد غير السلام منها ، كيف ولو كان واجباً مع كثرة الابتلاء بأنواع التحيّات في كل يوم عدّة مرّات لأغلب الناس لاشتهر وبان وشاع وذاع وأصبح


1) التذكرة 3 : 283 ، المختلف 2 : 220.

2) المصباح المنير : 160 ، لسان العرب 12 : 289 ، القاموس المحيط 4 : 322.

3) التبيان 3 : 278 ، مجمع البيان 3 : 130.

ولو كان في الصلاة فالأحوط الرد (1)بقصد الدُّعاء (1).


من الواضحات ، فكيف لم يقل بوجوبه أحد ما عدا العلّامة ، بل السيرة القطعية قائمة على خلافه ، فلا مناص من حمل الأمر في الآية الشريفة على هذا التقدير على الاستحباب في غير السلام الثابت وجوب ردّه بضرورة الفقه.

وأمّا في الموضع الثاني : فبناءً على عدم وجوب الرد في غير حال الصلاة فالأمر واضح. وأمّا بناءً على الوجوب فكذلك على ما دلّت عليه صحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة (2)حيث تضمّنت سكوته عليه‌السلام حينما قال له ابن مسلم : «كيف أصبحت» إذ لا ريب في كونه نوعاً من التحيّة العرفية فسكوته عليه‌السلام خير دليل على عدم الوجوب.

على أنّا لو بنينا على وجوب الرد فصحّة الصلاة معه لا تخلو عن الاشكال لعدم الدليل على اغتفار ما عدا ردّ السلام من كلام الآدميين ، ومن البيِّن أنّ وجوب التكلّم لا ينافي البطلان كما لو اضطرّ إليه لإنقاذ الغريق مثلاً.

إذن فمقتضى عموم قدح التكلّم في الصلاة هو البطلان وإن بنينا على وجوب الرد.

(1) إن أُريد به قصد الدُّعاء والرد معاً بحيث يكون الجواب مجمعاً للعنوانين فقد تقدّم غير مرّة أنّ هذا الاحتياط غير نافع بل مخالف للاحتياط ، وإن أُريد به قصد الدُّعاء المحض من غير أن يتضمّن المخاطبة مع الغير فلا بأس به ، وقد عرفت عدم وجوب الرد مطلقاً.


1) (*) بل الأحوط تركه والأولى أن يدعو له بغير المخاطبة.

2) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1.

[1729] مسألة 28 : لو شكّ المصلِّي في أنّ المسلّم سلّم بأيّ صيغة فالأحوط أن يردّ (1)بقوله : سلام عليكم بقصد القرآن أو الدُّعاء (1).

[1730] مسألة 29 : يكره السلام على المصلِّي (2).


(1) لا شبهة في كفاية هذا الجواب بناءً على ما هو الصواب من عدم اعتبار المماثلة إلّا من حيث تقديم المبتدأ ، لوقوعه حينئذ جواباً عن كل من الصيغ الأربع المحتمل وقوعها ، بل قد عرفت كفايته حتّى لو تضمّنت الصيغة الواقعة تقديم الظرف وتأخير المبتدأ ، فهذا الرد مجز على جميع التقادير.

وأمّا بناءً على اعتبارها من تمام الجهات حتّى التعريف والتنكير والإفراد والجمع فلا يخلو حينئذ عن الاشكال بعد ما تكرّر غير مرّة من عدم وقع للاحتياط المذكور في المتن ، هذا.

وسبيل الاحتياط هو التنزّل إلى الامتثال الاحتمالي بعد تعذّر التفصيلي فيجيب بإحدى الصيغ برجاء المماثلة ، ثمّ يعيد الصلاة لاحتمال عدمها المترتِّب عليه البطلان حسب الفرض.

بل له قطع الصلاة بعد الجواب المزبور واستئنافها ، نظراً إلى قصور دليل حرمة القطع لو تمّ عن الشمول لمثل المقام فإنّه الإجماع والقدر المتيقن منه غير ما نحن فيه.

(2) على المشهور ويستدل له بروايتين :

إحداهما : رواية الخصال المتقدِّمة المتضمّنة للنهي عن السلام على المصلِّي معلّلاً بأنّه لا يستطيع الرد (2). ولكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن علي ماجيلويه


1) (*) والظاهر جواز الرد بكل من الصيغ الأربع المتعارفة.

2) الوسائل 7 : 270 / أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 1 ، الخصال : 484 / 57.

.................................................................................................


شيخ الصدوق كما تقدّم (1).

ثانيتهما : موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمّد عليه‌السلام «قال : كنت أسمع أبي يقول : إذا دخلت المسجد الحرام والقوم يصلّون فلا تُسلِّم عليهم ...» إلخ (2).

فانّ الرجل موثق على الأظهر ، لظهور التوثيق المذكور في عبارة النجاشي (3)عند ترجمته في رجوعه إليه لا إلى أخيه الحسن كما لا يخفى. إذن فالرواية معتبرة والتعبير عنها بالخبر المشعر بالضعف في غير محلّه.

غير أنّ بإزائها ما رواه الشهيد في الذكرى قال : روى البزنطي عن الباقر عليه‌السلام «قال : إذا دخلت المسجد والناس يصلّون فسلِّم عليهم ...» إلخ (4).

ولكنّها ضعيفة السند ، لجهالة طريق الشهيد إلى كتاب البزنطي. مضافاً إلى أنّه من أصحاب الرِّضا عليه‌السلام ولا يمكن روايته عن الباقر عليه‌السلام بلا واسطة ، فالسند مخدوش من وجهين فتوصيفه بالقوّة كما في بعض العبائر غير واضح.

وعليه فتبقى الموثقة بلا معارض ، ومقتضى الجمود على ظاهر النهي الوارد فيها هو الحرمة ، لكنّه محمول على الكراهة ، لكون الجواز من المسلّمات كما تفصح عنه جملة من النصوص.

ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال : «دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام وهو في الصلاة فقلت : السلام عليك ، فقال : السلام عليك ...» إلخ (5)، وفي موثقة


1) في ص 457.

2) الوسائل 7 : 270 / أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 2.

3) رجال النجاشي : 52 / 116.

4) الوسائل 7 : 271 / أبواب قواطع الصلاة ب 17 ح 3 ، الذكرى 4 : 24.

5) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 1.

[1731] مسألة 30 : ردّ السلام واجب كفائي (1) فلو كان المسلّم عليهم جماعة يكفي رد أحدهم ، ولكن الظاهر عدم سقوط الاستحباب بالنسبة إلى الباقين (2) بل الأحوط رد كل من قصد به (3)


سماعة : «إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله كان قائماً يصلِّي فمرّ به عمّار بن ياسر فسلّم عليه عمّار فردّ عليه النبيّ صلی اللّه عليه وآله هكذا» (1).

فان تقرير الباقر عليه‌السلام لفعل ابن مسلم كتقرير النبيّ صلی اللّه عليه وآله لفعل عمّار خير دليل على الجواز ، فلذلك يحمل النهي المزبور على الكراهة.

(1) بلا خلاف فيه كما عن غير واحد ، بل عن التذكرة (2)دعوى الإجماع عليه ، وتدل عليه صريحاً موثقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم ، وإذا ردّ واحد أجزأ عنهم» (3)المؤيّدة بمرسلة ابن بكير (4).

(2) لما دلّ على استحباب إفشاء السلام كما سنشير إليه.

(3) هذا الاحتياط غير ظاهر الوجه بعد صراحة الموثقة في السقوط عن الباقين. نعم ، هو وجيه عند من يستضعف النص لاعتباره عدالة الراوي ، فإنّ غياثاً بتري وليس باثني عشري ، ولكن الماتن يرى ما هو الصواب من حجّية خبر الثقة وإن لم يكن عدلاً. فالاحتياط المزبور كأنه في غير محلّه.


1) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 2.

2) لاحظ التذكرة 3 : 281 ، وحكاه عنه في الحدائق 9 : 75.

3) الوسائل 12 : 75 / أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 2 ، 3.

4) الوسائل 12 : 75 / أبواب أحكام العشرة ب 46 ح 2 ، 3.

ولا يسقط برد مَن لم يكن داخلاً في تلك الجماعة (1) ، أو لم يكن مقصوداً ، والظاهر عدم كفاية ردّ الصبي (1)المميّز أيضاً (2) والمشهور على أنّ الابتداء بالسلام أيضاً من المستحبّات الكفائية ، فلو كان الداخلون جماعة يكفي سلام أحدهم (3) ولا يبعد بقاء الاستحباب بالنسبة إلى الباقين أيضاً (4) وإن لم يكن مؤكّداً.


(1) لعدم اندراجه تحت الموثقة فيبقى وجوب الرد على حاله بعد عرائه عن المسقط. ومنه يظهر الحال فيما بعده.

(2) تقدّم (2)منه (قدس سره) في المسألة الحادية والعشرين الاستشكال في الكفاية ، وقد عرفت أنّه في محلّه ، نظراً إلى أنّ سقوط الواجب بغير الواجب يحتاج إلى دليل مفقود في المقام.

وعليه فلا بدّ من الاحتياط بالتصدِّي للرد ، رعاية لقاعدة الاشتغال بعد الشك في حصول المسقط ثمّ إعادة الصلاة ، لعدم إحراز كونه من أفراد الخاص المستثنى من عموم قدح التكلّم.

(3) لموثقة غياث المتقدِّمة.

(4) ربّما يورد على ما أفاده (قدس سره) في المقام ، وعلى نظيره ممّا تقدّم في ردّ السلام عند قوله : ولكن الظاهر إلخ ، بأنّ ما دلّ على وجوب الرد أو استحباب السلام قد خصّص بما في الموثقة من إجزاء الواحد عن الآخرين الكاشف عن سقوط الأمر عن الباقين ، فما الدليل حينئذ على الاستحباب.


1) (*) مرّ منه (قدس سره) الإشكال في الكفاية ، وعليه فلا بدّ من رعاية الاحتياط بالردّ ثمّ إعادة الصلاة.

2) في ص 466.

[1732] مسألة 31 : يجوز سلام الأجنبي على الأجنبية وبالعكس على الأقوى (1) إذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة ، حيث إنّ صوت المرأة من حيث هو ليس عورة.


ويمكن دفعه : بأنّه يكفي في إثبات الاستحباب النصوص المتكاثرة الناطقة باستحباب إفشاء السلام ونشره (1)، لصدق السلام على الرد أيضاً ولا يختص بالسلام الابتدائي. إذن فالاستحباب لكل واحد من الباقين وإن كان ساقطاً بالنظر إلى الدليل الأوّلي ، ولكنّه يثبت بمقتضى الدليل الثانوي.

(1) لإطلاق الأدلّة بعد عدم كون صوت المرأة من حيث هو عورة كما تقدّم في مبحث القراءة (2)ليستوجب التقييد بالمماثل. وهكذا الحال في إطلاقات الرد ، مضافاً إلى بعض النصوص الخاصّة كصحيحة ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال : «كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يسلِّم على النِّساء ويرددن عليه السلام وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام يسلِّم على النِّساء ، وكان يكره أن يسلِّم على الشابة منهنّ ويقول : أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا أطلب من الأجر» (3).

فإنّها صريحة في الجواز لولا خوف الفتنة ، بل في الاستحباب بمقتضى قوله عليه‌السلام : «ممّا أطلب من الأجر».


1) الوسائل 12 : 58 / أبواب أحكام العشرة ب 34.

2) شرح العروة 14 : 398.

3) الوسائل 12 : 76 / أبواب أحكام العشرة ب 48 ح 1.

[1733] مسألة 32 : مقتضى بعض الأخبار عدم جواز الابتداء بالسلام على الكافر إلّا لضرورة (1)


(1) كما ذهب إليه جماعة مستدلين له بجملة من النصوص.

منها : موثقة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لا تبدؤوا أهل الكتاب بالتسليم ، وإذا سلّموا عليكم فقولوا : وعليكم» (1).

ومنها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من رواية أبي القاسم بن قولويه عن الأصبغ قال : «سمعت علياً عليه‌السلام يقول : ستّة لا ينبغي أن تسلِّم عليهم اليهود والنصارى ...» إلخ (2).

ومنها : ما في قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليه‌السلام «أنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : لا تبدؤوا أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بالسلام ، وإن سلّموا عليكم فقولوا عليكم ...» إلخ (3).

لكن الأخيرة ضعيفة السند بأبي البختري الّذي قيل إنّه أكذب البريّة ، وكذا ما قبلها لجهالة طريق ابن إدريس إلى ابن قولويه كجهالة الواسطة بينه وبين أصبغ بن نباتة الّذي هو من أصحاب الأمير عليه‌السلام وبينهما فصل طويل والعمدة إنّما هي الموثقة.


1) الوسائل 12 : 77 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 1.

2) الوسائل 12 : 79 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 8 ، السرائر 3 (المستطرفات) : 638.

3) الوسائل 12 : 80 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 9 ، قرب الاسناد : 133 / 465.

لكن يمكن الحمل على إرادة الكراهة (1) وإن سلّم الذمي على مسلم فالأحوط الرد بقوله : عليك ، أو بقوله : سلام دون عليك (2).


(1) جمعاً بين ما تقدّم وبين ما هو صريح في الجواز كصحيحة عبد الرّحمن ابن الحجاج قال : «قلت لأبي الحسن عليه‌السلام أرأيت إن احتجت إلى طبيب وهو نصراني أُسلِّم عليه وأدعو له ، قال : نعم ، إنّه لا ينفعه دعاؤك» (1).

ودعوى أنّ موردها الحاجة فيكون جواز السلام مختصّاً بهذه الصورة مدفوعة بأنّ مورد الحاجة طبّه وهو لا يلازم الضرورة إلى التسليم عليه ، لجواز التحيّة بسائر التحيّات العرفية من الترحيب ونحوه ، فيكون مقتضى الجمع هو حمل ما تقدّم على الكراهة.

(2) ينبغي التكلّم في جهات :

الاولى : لو سلّم الذمِّي فهل يجب ردّه؟ قد يقال بالعدم ، واختاره في الجواهر (2)لعدم الدليل عليه ، فانّ النصوص المتعرّضة لردّه ناظرة إلى كيفيّة الرد ، وأنّ من تصدّى للجواب فليقل هكذا ، لا إلى أصل الوجوب ، وإن شئت قلت : إنّها واردة مورد توهّم الحظر ، فلا تدل على أزيد من الرخصة.

ولكنّ الظاهر هو الوجوب ، فانّ النصوص الخاصّة وإن كان الأمر فيها كما ذكر إلّا أنّ الإطلاقات كقوله عليه‌السلام في موثقة السكوني : «السلام تطوّع والرد فريضة» (3)، وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان «رد جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام» (4)غير قاصرة الشمول للكافر ، بل يمكن الاستدلال بإطلاق


1) الوسائل 12 : 83 / أبواب أحكام العشرة ب 53 ح 1.

2) الجواهر 11 : 116.

3) الوسائل 12 : 58 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 3 ، 1.

4) الوسائل 12 : 58 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 3 ، 1.

.................................................................................................


الآية الشريفة بناءً على أن يكون المراد من التحيّة خصوص السلام لا مطلق التحيّة ، فإنّها حينئذ محمولة على الاستحباب كما تقدّم (1).

الجهة الثانية : هل يجب ردّه في حال الصلاة أيضاً؟ الظاهر عدم الوجوب لاختصاص بعض نصوص الباب بالمسلم كقوله عليه‌السلام في صحيحة ابن مسلم : «إذا سلّم عليك مسلم ...» إلخ (2). وفي موثقة عمّار : «إذا سلّم عليك رجل من المسلمين» (3).

نعم ، الموضوع في سائر النصوص كصحيحة محمّد بن مسلم الأُخرى (4)وموثقة سماعة (5)، وصحيحة منصور (6)مطلق يشمل المسلم وغيره ، إلّا أنّه لم يكن بدّ من تقييده بالأوّل بقرينة الأمر بالرد بالمثل غير الثابت في حقّ الكافر قطعاً كما ستعرف.

نعم ، الاحتياط بالرد ثمّ الإعادة حسن وفي محلّه.

الجهة الثالثة : في كيفية الرد وقد اختلفت فيه النصوص ، ففي معتبرة زرارة الاقتصار على كلمة «سلام» عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : تقول في الرد على اليهودي والنصراني سلام» (7)فانّ السند وإن اشتمل على عبد اللّه بن محمّد الّذي هو ابن عيسى أخو أحمد بن محمّد بن عيسى ولم يوثق في كتب الرِّجال لكنّه موجود في أسناد كامل الزيارات.

وفي صحيحة زرارة الاقتصار على كلمة «عليك» عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : دخل يهودي إلى أن قال - : فاذا سلّم عليكم كافر فقولوا


1) في ص 476.

2) الوسائل 7 : 268 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 5.

3) الوسائل 7 : 268 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 5.

4) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3.

5) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3.

6) الوسائل 7 : 267 / أبواب قواطع الصلاة ب 16 ح 3.

7) الوسائل 12 : 77 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 2.

[1734] مسألة 33 : المستفاد من بعض الأخبار أنّه يستحب أن يسلِّم الراكب على الماشي ، وأصحاب الخيل على أصحاب البغال وهم على أصحاب الحمير ، والقائم على الجالس ، والجماعة القليلة على الكثيرة والصغير على الكبير (1). ومن المعلوم أنّ هذا مستحب في مستحب (2) وإلّا فلو وقع العكس لم يخرج عن الاستحباب أيضاً.


عليك» (1)، ونحوها موثقة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا سلّم عليك اليهودي والنصراني والمشرك فقل عليك» (2).

ومقتضى الجمع التخيير بين الكلمتين وعدم جواز الجمع بينهما.

(1) الأخبار المشار إليها وإن كانت جملة منها ضعيفة السند ، إلّا أنّ فيها ما يمكن الاعتماد عليه وهو ما رواه الكليني بإسناده عن عنبسة بن مصعب عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : القليل يبدؤون الكثير بالسلام ، والراكب يبدأ الماشي وأصحاب البغال يبدؤون أصحاب الحمير ، وأصحاب الخيل يبدؤون أصحاب البغال» (3).

فإنّ عنبسة وصالح بن السندي الواقعين في السند وإن لم يوثقا صريحاً ، لكنّهما موجودان في أسناد كامل الزيارات فتصبح الرواية معتبرة.

(2) إذ لا مقتضي لتقييد المطلقات في باب المستحبّات ، بل يحمل الأمر بالخصوصية على أفضلية ذي المزيّة والاختلاف في مراتب الفضيلة.


1) الوسائل 12 : 78 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 4 ، 3.

2) الوسائل 12 : 78 / أبواب أحكام العشرة ب 49 ح 4 ، 3.

3) الوسائل 12 : 74 / أبواب أحكام العشرة ب 45 ح 3 ، الكافي 2 : 646 / 2.

[1735] مسألة 34 : إذا سلّم سخرية أو مزاحاً فالظاهر عدم وجوب ردّه (1).

[1736] مسألة 35 : إذا سلّم على أحد شخصين ولم يعلم أنّه أيّهما أراد ، لا يجب الرد على واحد منهما (2) ، وإن كان الأحوط في غير حال الصلاة الرد من كل منهما (3).

[1737] مسألة 36 : إذا تقارن سلام شخصين كل على الآخر وجب على كل منهما الجواب (4)


(1) لانصراف التحيّة الواجب ردّها عن مفروض المسألة.

(2) لأصالة البراءة بعد عدم تنجيز العلم الإجمالي في مثل المقام ممّا تعدّد فيه المكلف ، ولم يتوجّه الخطاب نحو شخص واحد كما في واجدي المني في الثوب المشترك ، بل لكل منهما التمسّك بأصالة عدم قصد المسلّم إيّاه ، أو عدم توجّه التكليف بالرد إليه بعد وضوح عدم معارضته باستصحاب عدم قصد الغير ، أو عدم توجّه التكليف إليه ، إذ لا يثبت به قصد نفسه أو توجّه التكليف إليه إلّا على القول بالأصل المثبت.

(3) وكذا في صلاة لا يحرم قطعها كالنافلة دون الفريضة ، بناءً على حرمة القطع ، لكون المتبع عموم حرمة المنع من الكلام بعد عدم إحراز كون المقام من أفراد المخصص. نعم ، بناءً على جواز القطع فحيث إنّ الأحوط أيضاً تركه كالرد فلا جرم يتزاحم الاحتياطان الاستحبابيان ، أعني الرد وترك القطع ويتقدّم ما هو الأهم. ومن البيِّن أنّه إذا اختار الرد أعاد الصلاة ، لكونه بعد أصالة عدم السلام عليه من الكلام القادح كما عرفت.

(4) لعموم وجوب الرد بعد عدم كفاية ما صدر في إسقاطه ، لعدم قصد الرد

ولا يكفي سلامه الأوّل (1)لأنّه لم يقصد الرد بل الابتداء بالسلام.


به كما أُفيد في المتن.

ولكنّه منظور فيه ، لتطرّق الخدش في عموم يصلح للاستناد إليه فيما نحن فيه. أمّا الآية الشريفة ، فعمومها وإن كان انحلالياً شاملاً للمقام إلّا أنّه مبني على أن يكون المراد من التحيّة خصوص السلام ، ليكون الأمر بالرد على سبيل الوجوب ، وهو قابل للمنع لجواز أن يراد بها مطلق التحيّة المستلزم لحمل الأمر حينئذ على الاستحباب كما تقدّم نفي البُعد عنه (2).

وأمّا الروايات فطائفة منها (3)وردت لبيان كيفية الرد من غير تعرّض لأصل الوجوب ليتمسّك بإطلاقه.

وطائفة اخرى : وردت في باب الصلاة ، الأجنبي عمّا نحن فيه ، لعدم إمكان فرض التقارن بين سلام المصليين بعد منع البدأة بالسلام في الصلاة كما هو واضح.

وطائفة ثالثة : وهي العمدة دلّت على وجوب الرد كصحيحة عبد اللّه بن سنان (4)وموثقة السكوني (5).

ولكن دعوى انصرافها عن صورة التقارن غير بعيدة ، نظراً إلى أنّ المنساق منها أنّ السلام تحيّة وإحسان ، ولأجله لا بدّ من تداركه ومثل هذا اللِّسان منصرف إلى صورة التعاقب كما لا يخفى.


1) (*) على الأحوط.

2) راجع ص 476 ، 485.

3) الوسائل 12 : 70 / أبواب أحكام العشرة ب 43.

4) الوسائل 12 : 57 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1 ، 3.

5) الوسائل 12 : 57 / أبواب أحكام العشرة ب 33 ح 1 ، 3.

[1738] مسألة 37 : يجب جواب سلام قارئ التعزية والواعظ ونحوهما من أهل المنبر (1) ، ويكفي رد أحد المستمعين (2).

[1739] مسألة 38 : يستحب الرد بالأحسن (3) في غير حال الصلاة بأن يقول في جواب «سلام عليكم» : «سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته» ، بل يحتمل ذلك فيها أيضاً (4) وإن كان الأحوط الرد بالمثل (1).


إذن فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط كما أُشير إليه في تعليقة الأُستاذ (دام ظلّه).

(1) لعموم وجوب الرد بعد وضوح كونه قاصداً للتحيّة كغيره من المسلِّمين.

(2) لكون وجوب الرد كفائياً كما تقدّم (2).

(3) لقوله سبحانه ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ) (3).

(4) لما تقدّم (4)من أنّ المراد من المماثلة المأمور بها في النصوص التماثل من حيث تأخير الظرف في مقابل تقديمه لا في تمام الجهات ، إذن فلا مانع من تلك الزيادة عملاً بإطلاق الرد بالأحسن.

ويندفع : بأنّ هذا وجيه لولا ما ورد في الأخبار كما مرّ من تعيين الرد في أجوبة خاصّة من قول : السلام عليك أو : سلام عليكم ممّا لا يجوز التخطِّي عنه


1) (*) بل الأحوط الاكتفاء في الرد بمجرّد صيغة السلام ولو أضاف المسلّم إلى سلامه كلمة «ورحمة اللّه» ونحوها.

2) في ص 480.

3) النِّساء 4 : 86.

4) في ص 459.

[1740] مسألة 39 : يستحب للعاطس ولمن سمع عطسة الغير (1)


لاندراجه في كلام الآدمي ، وبذلك يرتكب التقييد في إطلاق دليل الرد بالأحسن ويقيّد بغير حال الصلاة.

وبعبارة اخرى : مقتضى عموم قدح التكلّم في الصلاة عدم جواز الرد إلّا بالمقدار المرخّص فيه وهو ما عرفت ، فتبقى تلك الزيادة مشمولة للعموم.

ومنه تعرف عدم جواز الإتيان بتلك الزيادة حتّى لو اشتمل التسليم عليها فلو أضاف المسلّم كلمة «ورحمة اللّه» لا يضيفها المجيب ، إذ لا تقتضيها المماثلة بعد ما عرفت المراد منها فتندرج في عموم المنع.

(1) لجملة من الأخبار التي منها معتبرة الحسن بن راشد عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : من عطس ثمّ وضع يده على قصبة أنفه ثمّ قال : الحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً كما هو أهله وصلّى اللّه على محمّد النبيّ وآله وسلم خرج من منخره الأيسر طائر أصغر من الجراد وأكبر من الذباب حتّى يصير تحت العرش يستغفر اللّه إلى يوم القيامة» (1). وفي مرسلة ابن أبي عمير «... إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد لله ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمّد وأهل بيته ...» إلخ (2).

وفي رواية أبي أُسامة : «من سمع عطسة فحمد اللّه (عزّ وجلّ) وصلّى على محمّد وأهل بيته لم يشتك عينه ولا ضرسه ، ثمّ قال : إن سمعتها فقلها وإن كان بينك وبينه البحر» (3).


1) الوسائل 12 : 95 / أبواب أحكام العشرة ب 63 ح 4 ، 1 ، 2.

2) الوسائل 12 : 95 / أبواب أحكام العشرة ب 63 ح 4 ، 1 ، 2.

3) الوسائل 12 : 95 / أبواب أحكام العشرة ب 63 ح 4 ، 1 ، 2.

وإن كان في الصلاة (1) أن يقول : الحمد لله ، أو يقول : الحمد لله وصلّى اللّه على محمّد وآله ، بعد أن يضع إصبعه على أنفه (2) وكذا يستحب تسميت العاطس (3) بأن يقول له : يرحمك اللّه ، أو يرحمكم اللّه ، وإن كان في الصلاة (4)


(1) يدل عليه مضافاً إلى الإطلاقات المتقدِّمة بعد وضوح جواز ذكر اللّه والصلاة على النبيّ في الصلاة بل استحبابه وكونه من الصلاة كما في صحيح الحلبي (1)جملة من النصوص الخاصّة ، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا عطس الرجل في صلاته فليحمد اللّه (عزّ وجلّ) (2). ورواية أبي بصير قال : «قلت له أسمع العطسة فأحمد اللّه وأُصلِّي على النبيّ صلی اللّه عليه وآله وأنا في الصلاة ، قال : نعم ، وإن كان بينك وبين صاحبك اليم» (3).

(2) ظاهره استحباب الوضع المزبور لكل من العاطس والسامع ، مع أنّ معتبرة ابن راشد المتقدِّمة التي هي المستند لهذا الحكم مختصّة بالأوّل ، ولم نعثر على نص يدل عليه في السامع.

(3) كما نطقت به جملة من النصوص ، بل في بعضها أنّ ذلك من حقّ المسلم على أخيه كما في معتبرة جراح المدائني (4).

(4) على المشهور بل لم ينقل الخلاف فيه ، ويستدل له كما في الجواهر (5)-


1) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

2) الوسائل 7 : 271 / أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 2.

3) الوسائل 7 : 272 / أبواب قواطع الصلاة ب 18 ح 4.

4) الوسائل 12 : 86 / أبواب أحكام العشرة ب 57 ح 1.

5) الجواهر 11 : 96.

وإن كان الأحوط الترك حينئذ (1)، ويستحب للعاطس كذلك أن يرد التسميت بقوله : يغفر اللّه لكم.


بأنّ التسميت دعاء للعاطس ، وحيث أنّه سائغ في الصلاة فلا قصور في شمول الإطلاقات له.

ولكنّه غير واضح ، لما تقدّم (2)من أنّ المستثنى هو عنوان المناجاة مع الرب لا الدُّعاء بما هو دعاء ، ولا ريب في عدم صدقه على التسميت فإنّه تخاطب مع المخلوق لا تناجٍ مع الخالق ، فيشمله حينئذ عموم قدح التكلّم المستوجب لبطلان الصلاة.

وعليه فان بنينا على عدم حرمة القطع مطلقاً ، أو كانت الصلاة نافلة فلا محذور في شمول الإطلاقات فيسمت ويعيد الصلاة ولا شي‌ء عليه.

وأمّا إذا بنينا على الحرمة كما هو المشهور ، فان قلنا بأنّ مركز التحريم ومصبّه هو نفس القطع لا سببه من التكلّم والقهقهة ونحوهما من موجبات القطع ، وأنّ هذه الأسباب لا حرمة لها في حد ذاتها ، اندرج المقام حينئذ في باب التزاحم إذ لا تعارض ولا تضاد في مقام الجعل بين استحباب التسميت وبين حرمة القطع بعد أن كان موضوع كل منهما مغايراً مع الآخر ، غاية الأمر أنّ المصلِّي لا يستطيع الجمع بين ترك المحرّم وامتثال المستحب ، ومن البيِّن جدّاً أنّه كلّما دار الأمر بينهما قدّم الأوّل ، ضرورة أنّ ما فيه الإلزام لا يزاحمه ما لا إلزام فيه.

وأمّا إذا قلنا بأنّ متعلّق التحريم إنّما هو ذات الأسباب دون القطع المسبّب


1) (*) بل الأظهر ذلك.

2) في ص 450.

السادس : تعمد القهقهة (1)


عنها كما قد يقتضيه ما ورد من أنّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ، حيث يستظهر منه أنّ التكبيرة توجب حرمة المنافيات بأنفسها من التكلّم والقهقهة ونحوهما ، فيندرج المقام حينئذ في باب التعارض ، حيث إنّ التسميت مستحب بمقتضى الإطلاقات ، وحرام أيضاً ، لكونه مصداقاً للتكلّم.

وبعبارة أُخرى : إطلاق دليل استحباب التسميت يشمل حال الصلاة ، كما أنّ إطلاق ما دلّ على حرمة التكلّم في الأثناء يشمل التسميت ، فلا جرم تقع المعارضة بين الإطلاقين بالعموم من وجه.

إلّا أنّه لا ينبغي التردّد في لزوم تقديم الثاني وتحكيمه ، فان مورد الاستحباب إنّما هو ذات التسميت بعنوانه الأوّلي ، ولا ينافي ذلك تحريمه بالعنواني الثانوي وهو كونه موجباً لقطع الفريضة ، نظير ما ورد من استحباب أكل الرمان يوم الجمعة ، فإنّه لا ينافي تحريمه بالعنوان الثانوي من الغصب أو منع الوالد ونحوهما. ومنه تعرف عدم جواز ردّ التسميت للمصلِّي.

وعلى الجملة : فالتسليم والترحيب والتسميت وردّه كل ذلك أُمور مستحبّة في حد أنفسها ، ولكنّها تحرم لدى عروض عنوان ثانوي ، ولا يرى العرف تنافياً بينهما بوجه.

(1) هذا الحكم في الجملة ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ، وقد نطقت به جملة من الأخبار التي منها صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة» (1).


1) الوسائل 7 : 250 / أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 1.

ولو اضطراراً (1) ، وهي : الضحك المشتمل على الصوت والمد والترجيع ، بل مطلق الصوت على الأحوط (1)، ولا بأس بالتبسّم ، ولا بالقهقهة سهواً.


وموثقة سماعة قال : «سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة؟ قال : أمّا التبسّم فلا يقطع الصلاة ، وأمّا القهقهة فهي تقطع الصلاة» (2).

كما لا إشكال أيضاً في اختصاص البطلان بصورة العمد فلا بطلان مع السهو لا لقصور في إطلاق النصوص كما يظهر من المحقِّق الهمداني (3)(قدس سره) ، بل لحديث لا تعاد ، وإنّما الإشكال في موردين :

(1) أحدهما : ما لو اضطرّ إلى القهقهة ، فالمشهور هو البطلان أيضاً ، خلافاً لما نسب إلى الأردبيلي (قدس سره) (4)من إلحاقه بالسهو ، لحديث رفع الاضطرار الموجب لارتفاع المبطلية في هذه الصورة.

والصواب ما عليه المشهور ، بل لا ينبغي التأمّل فيه ، لعدم صلاحيّة الحديث لإثبات الصحّة وإلّا لحكم بها في من اضطرّ أو أُكره على التكلّم في أثناء الصلاة وهو كما ترى.

والسر ما تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من اختصاص مورد الحديث بما إذا تعلّق الاضطرار أو الإكراه بنفس المأمور به لا بفرد من أفراده ومن البيِّن أنّ المأمور به في أمثال المقام إنّما هو الطبيعي الجامع المحدود ما بين الحدّين ، والّذي تعلّق به الاضطرار أو الإكراه إنّما هو فرد من أفراده ، فما هو


1) (*) ولكن عدم البطلان بما يشتمل على مجرّد الصوت أظهر.

2) الوسائل 7 : 250 / أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 2.

3) مصباح الفقيه (الصلاة) : 410 السطر 3.

4) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 68.

نعم ، الضحك المشتمل على الصوت تقديراً كما لو امتلأ جوفه ضحكاً (1) واحمرّ وجهه لكن منع نفسه من إظهار الصوت ، حكمه حكم القهقهة (1).


المأمور به لم يتعلّقا به ، وما تعلّقا به لم يكن مأموراً به بعد تمكنه من الإتيان بفرد آخر غير مقرون بهذا المانع ، فلأجله لا يشمل الحديث أمثال هذه الموارد.

على أنّ القهقهة الحاصلة حالة الصلاة تنشأ عن الاضطرار غالباً ، حيث يرى المصلِّي ما يوجب تعجّبه فيضحك من غير اختيار ، فالتخصيص بالاختياري حمل للمطلق على الفرد النادر الّذي فيه من البشاعة ما لا يخفى. نعم ، مقدّماته لعلّها اختيارية غالباً ، فله أن لا يصلِّي في المجلس الّذي تُذكر فيه القصص المضحكة أو أن لا ينصت إليها ، وأمّا بعد حصول المقدّمات فالقهقهة قهرية وخارجة عن الاختيار.

(1) ثانيهما : في المتوسط ما بين القهقهة والتبسّم كمن امتلأ جوفه ضحكاً مع احمرار وجهه وامتناعه من إظهار الصوت ، فإنّ الأوّل مبطل قطعاً ، كما أنّ الثاني غير مبطل جزماً ، إمّا لأنّه ليس من الضحك أو أنّه ضحك غير مبطل بصريح النصوص المتقدِّمة.

وأمّا الحدّ المتوسط فقد حكم بمبطليّته جماعة منهم صاحب الجواهر (2)واختاره في المتن ، وهو مبني على أمرين :

الأوّل : دخوله في مفهوم الضحك عرفاً.

الثاني : أنّ الضحك مطلقاً ما عدا التبسّم مبطل للصلاة كما قد يستظهر ذلك من موثقة سماعة المتقدِّمة المفصّلة بين التبسّم والقهقهة جواباً عن سؤال مبطلية


1) (*) على إشكال ، وعدم البطلان أظهر.

2) الجواهر 11 : 55.

.................................................................................................


الضحك ، حيث يعرف من ذلك مبطلية ما عدا التبسّم من مصاديق الضحك وحيث إنّ الحد المتوسط المزبور لا يصدق عليه التبسّم بالضرورة فلا جرم يكون محكوماً بالبطلان.

وغير خفي أنّ كلا من الأمرين قابل للمناقشة.

أمّا الأوّل : فلمنع صدق الضحك عليه أيضاً ، غايته وجود مقتضيه فيه لا أنّه ضاحك بالفعل ، وهذا كدافع الأخبثين فانّ المدافعة تكشف عن تمامية الاقتضاء لخروج الخبث مع عدم صدق المحدث عليه ما لم يخرج بالضرورة. فكما لا يصدق المحدث قبل خروج الناقض فكذلك لا يصدق الضاحك قبل خروج الصوت. فامتلاء الجوف من الضحك كامتلائه من الأخبثين لا أثر له.

وأمّا الثاني : فلا نسلِّم المبطلية لكل ضحك لو سلّم صدق الضحك في المقام لعدم الدليل عليه ، فانّ الّذي تعرّضت له الموثقة هو مبطلية القهقهة وعدم مبطلية التبسّم من غير تعرّض للحد المتوسط بينهما الّذي هو خارج عن كل منهما موضوعاً ولعلّه لندرته ، وحينئذ فكما يحتمل إلحاقه حكماً بالأوّل يحتمل إلحاقه بالثاني من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.

ونظير المقام ما ورد في غسل ما أُصيب بالبول في صحيحة محمّد بن مسلم من قوله عليه‌السلام : «اغسله في المركن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرّة واحدة» (1)حيث لم تتعرّض لحكم الغسل في الكر بعد وضوح خروجه عن موضوع القليل والجاري ، فإنّه كما يحتمل إلحاقه حكماً بالأوّل يحتمل إلحاقه بالثاني.

بل إنّ مقتضى الجمود على ظاهر النص الّذي علّق فيه البطلان على عنوان القهقهة اختصاصه بها وعدم ثبوته في غيرها ، بعد وضوح عدم اندراج هذا القسم من الضحك فيها.


1) الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1.

السابع : تعمّد البكاء (1)(1) المشتمل على الصوت ،


ومنه تعرف حكم الضحك المشتمل على مجرّد الصوت من غير مد وترجيع فإنّه كما يمكن دخوله في حكم القهقهة وإن خرج عنها موضوعاً لعدم التقهقه فيه ، كذلك يمكن دخوله في حكم التبسّم وإن خرج عن موضوعه ، لاختصاصه بما لا صوت فيه ، ولكنّ المبطل لمّا كان عنوان القهقهة فمقتضى الجمود على النص الاقتصار عليه.

وممّا يدل على الاختصاص المزبور : صحيحة ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول : «إنّ التبسّم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء إنّما يقطع الضحك الّذي فيه القهقهة» (2).

إذن فالضحك المشتمل على الصوت من دون القهقهة أو على الصوت التقديري لا دليل على مبطليّته وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

ثمّ إنّ هذه الرواية لا ينبغي التأمّل في صحّتها ، إذ الرهط الّذين يروي عنهم ابن أبي عمير لا يروون إلّا عن الإمام ، ولأجله كان مرجع الضمير في قوله «سمعوه» هو المعصوم عليه‌السلام ، ولا شبهة في اشتمال الرهط على من يعتمد عليه.

(1) على المشهور بل عن المدارك (3)دعوى الإجماع عليه.

ويستدل له تارة : برواية أبي حنيفة قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال : إن بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو


1) (*) على الأحوط.

2) الوسائل 7 : 250 / أبواب قواطع الصلاة ب 7 ح 3.

3) المدارك 3 : 466.

.................................................................................................


أفضل الأعمال في الصلاة ، وإن كان ذكر ميتاً له فصلاته فاسدة» (1).

وأُخرى : بمرسلة الصدوق قال : «وروى أنّ البكاء على الميت يقطع الصلاة والبكاء لذكر الجنّة والنّار من أفضل الأعمال في الصلاة» (2). ولا يبعد أن تشير المرسلة إلى الرواية الأُولى لاتِّحاد مضمونهما.

وعلى أيّ حال فلا عبرة بها حتّى لو كانت رواية مستقلّة لمكان الإرسال والمستند إنّما هي الرواية الأُولى ، غير أنّها ضعيفة السند ، لمكان أبي حنيفة المعلوم حاله. على أنّ الراوي عنه وهو النعمان بن عبد السلام لم تثبت وثاقته.

ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى. أمّا الثانية فواضحة ، وأمّا الاولى فلأن هذه الشهرة على ما يظهر من الحدائق (3)إنّما حصلت بعد زمن الشيخ للتبعية له في فتاواه ومن ثمّ سموا بالمقلدة ، والشهرة الجابرة هي الحاصلة بين القدماء لا المتأخِّرين. وعلى الجملة : فلا نص يعوّل عليه لإثبات البطلان.

وأمّا الاستدلال له بكونه من الفعل الكثير فهو كما ترى ، لعدم الملازمة بينهما ، ومع حصوله فالبطلان لأجله لا لأجل البكاء بعنوانه كما هو المدّعى. فلم ينهض دليل على البطلان ، ومن ثمّ استشكل فيه المحقِّق الأردبيلي (4)، وتبعه صاحب المدارك (5). إذن فالحكم مبني على الاحتياط.


1) الوسائل 7 : 247 / أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 4.

2) الوسائل 7 : 247 / أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 2 ، الفقيه 1 : 208 / 941.

3) الحدائق 9 : 50.

4) مجمع الفائدة والبرهان 3 : 73.

5) المدارك 3 : 466.

بل وغير المشتمل عليه على الأحوط (1)


(1) قد عرفت انحصار المستند في رواية أبي حنيفة الضعيفة ، وعليه فان لم نقل بالانجبار كما هو المختار فلا دليل على البطلان حتّى في المشتمل على الصوت فضلاً عن غير المشتمل.

وإن قلنا به كما عليه المشهور فالوارد في الخبر كلمة «البكاء» ممدودة والمعروف عند أهل اللّغة (1)أنّها اسم للصوت مع الدمع ، في قبال المقصورة التي هي اسم للدمع بلا صوت. وعليه فيختص البطلان بما اشتمل على الصوت.

ودعوى عدم ثبوت كون المذكور في الخبر هو الممدود ، كدعوى عدم ثبوت ما هو المنقول عن اللّغة وجواز كون الكلمة اسماً لمطلق الدمع وإن خلت عن الصوت مدفوعة : أمّا الأُولى ، فباطباق النسخ الصحيحة على ضبط الكلمة ممدودة. على أنّ مجرّد الاحتمال كاف في لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن والرجوع فيما عداه وهو الخالي عن الصوت إلى أصالة البراءة.

ومنه تعرف ما في الدعوى الثانية ، إذ غايتها أن يكون من إجمال المفهوم ودورانه بين الأقل والأكثر الّذي مقتضاه أيضاً لزوم الاقتصار على المقدار المتيقن.

وأمّا ما يظهر من الحدائق (2)من أنّ البحث عن اللّغة أو عن كيفية ضبط الكلمة قليل الجدوى ، إذ المذكور في الخبر كلمة «بكى» بصيغة الماضي وهي مشتقّة من الجامع بين الممدود والمقصور على ما هو الصواب من أنّ الأفعال مشتقّة ممّا تشتق منه المصادر لا من نفس المصادر ، فهي صادقة عليهما وشاملة لواجد الصوت وفاقده.


1) الصحاح 6 : 2284 ، مجمع البحرين 1 : 59.

2) الحدائق 9 : 51.

لأُمور الدُّنيا (1) وأمّا البكاء للخوف من اللّه ولأُمور الآخرة فلا بأس به ، بل هو من أفضل الأعمال (2) والظاهر أنّ البكاء اضطراراً أيضاً مبطل (3) ، نعم لا بأس به إذا كان سهواً (4)


فيندفع : بأنّ المذكور في كلام الإمام عليه‌السلام وإن كان كذلك ، إلّا أنّ السؤال لمّا كان عن حكم المصدر فلا جرم كان الإطلاق منزّلاً على ما في كلام السائل ، رعاية لتطابق الجواب مع السؤال. ومعه لا مجال للتمسّك بالإطلاق بعد الاقتران بما يصلح للقرينية.

فالمتحصِّل : أنّه لا سبيل إلى إثبات المبطلية لغير المشتمل على الصوت بهذا الخبر ، ومقتضى الأصل البراءة عنها.

(1) فان مورد النص وإن كان هو البكاء لذكر الميّت ، لكن الظاهر بقرينة المقابلة مع ذكر الجنّة والنّار أنّ المراد به كل ما يتعلّق بأُمور الدُّنيا من زوال نعمة أو الوقوع في نقمة ، وتخصيصه بالذكر إنّما هو من باب المثال.

(2) لجملة من الأخبار التي منها ما رواه الصدوق بإسناده عن منصور بن يونس بُزُرج «أنّه سأل الصادق عليه‌السلام عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتّى يبكي ، فقال : قرّة عين واللّه ، وقال : إذا كان ذلك فاذكرني عنده» (1).

(3) لإطلاق النص بعد عدم صلوح حديث رفع الاضطرار لإثبات الصحّة كما تقدّم (2)في نظائر المقام من القهقهة ونحوها. نعم ، لا شبهة في ارتفاع الحرمة التكليفية على القول بحرمة قطع الفريضة.

(4) لا لحديث الرفع لما عرفت آنفاً ، بل لحديث لا تعاد.


1) الوسائل 7 : 247 / أبواب قواطع الصلاة ب 5 ح 1 ، الفقيه 1 : 208 / 940.

2) في ص 494.

بل الأقوى عدم البأس به إذا كان لطلب أمر دنيوي من اللّه فيبكي تذلّلاً له تعالى ليقضي حاجته (1).

الثامن : كل فعل ماح لصورة الصلاة قليلاً كان أو كثيراً كالوثبة والرقص والتصفيق ونحو ذلك ممّا هو منافٍ (1)للصلاة ، ولا فرق بين العمد والسهو ، وكذا السكوت الطويل الماحي وأمّا الفعل القليل غير الماحي بل الكثير غير الماحي فلا بأس به ، مثل الإشارة باليد لبيان مطلب ، وقتل الحيّة والعقرب وحمل الطفل وضمّه وإرضاعه عند بكائه ، وعدّ الركعات بالحصى وعدّ الاستغفار في الوتر بالسبحة ونحوها ممّا هو مذكور في النصوص ، وأمّا الفعل الكثير ، أو السكوت الطويل المفوّت للموالاة بمعنى المتابعة العرفية إذا لم يكن ماحياً للصورة فسهوه لا يضر ، والأحوط الاجتناب عنه عمداً (2).


(1) لخروجه عن منصرف النص والفتوى ، نظراً إلى ظهورهما في كون الباعث على البكاء فوات أمر دنيوي وعدم حصوله ، لا البكاء لأجل تحصيل الفائت تذلّلاً واستعطافاً ممّن أزمة الأُمور طراً بيده ، كيف ومثل هذا البكاء تصدق عليه المناجاة مع الرب فلا يكون مبطلاً.

ومنه يظهر حكم البكاء لما أصاب الدين من ضعف الإسلام والمسلمين ، أو لمصاب المعصومين عليهم‌السلام أو لفقد أحد من العلماء العاملين ، فان مرجع الكل إلى البكاء لأمر أُخروي لا دنيوي ليستوجب البطلان كما هو ظاهر.

(2) لا ريب في عدم قدح الفصل بين أجزاء الصلاة بالفعل الكثير الّذي يكون من سنخها من ذكر أو دعاء أو قرآن ، كقراءة السور الطوال أو دعاء كميل وما


1) (*) في تحقّق المنافاة في جميع مراتب المذكورات إشكال.

.................................................................................................


شاكلهما ، لكونه معدوداً من نفس الصلاة على ما نطق به النص.

وأمّا ما لا يكون مسانخاً لها فالمشهور أنّه مبطل للصلاة ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، وخصّه بعضهم بما إذا كان ماحياً للصورة بحيث خرج به عن كونه مصلّياً ، بل ذكر بعضهم أنّ العبرة بالماحي سواء أكان كثيراً أم قليلاً وقد اختاره في المتن ، هذا.

وقد اعترف غير واحد بعدم ورود نص يدل على مبطلية الفعل الكثير بعنوانه ، كما أنّ العلّامة (1)صرّح بعدم ورود تحديد شرعي لضابط الكثرة ، وأنّ العبرة في ذلك بالعرف والعادة كسائر الموارد التي لم يرد فيها حد شرعي المحكوم بالرجوع إلى النظر العرفي.

وأمّا الماحي فقد ذكر له في المتن أمثلة ثلاثة وعدّ منها التصفيق ، مع ورود النص الصحيح بعدم مانعيته وجوازه لدى الحاجة ، ففي صحيح الحلبي «أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة ، فقال : يومئ برأسه ويشير بيده ويسبِّح ، والمرأة إذا أرادت الحاجة وهي تصلِّي فتصفق بيديها» (2).

وكيف ما كان ، فإن أُريد بالكثرة الكثرة العددية فلا ينبغي الشك في أنّها بمجرّدها لا تستوجب البطلان ، فان من أخذ سبحة بيده وأدارها بخرزاتها المائة أو حرّك جفنيه أو ضرب بإصبعه على فخذه مائة مرّة لا يحتمل أن يفتي فقيه ببطلان صلاته بذلك.

وإن أُريد بها الكثرة الزمنية التي حدّدها بعض الشافعية (3)، بأن تكون بمقدار الإتيان بركعة كاملة ، فهذا وإن استوجب البطلان لكنّه مستند إلى فقد الموالاة


1) التذكرة 3 : 288 ، نهاية الاحكام 1 : 521.

2) الوسائل 7 : 254 / أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 2.

3) المجموع 4 : 93 ، فتح العزيز 4 : 126 ، مغني المحتاج 1 : 199.

.................................................................................................


المعتبرة بين الأجزاء ، ومن ثمّ لو سكت هذه المدّة ولم يأت بقليل ولا كثير بحيث انفصلت الأجزاء اللّاحقة عن السابقة على نحو لا تصلح للانضمام حكم بالبطلان بلا كلام. فلا موضوعية للكثرة الزمانية بعنوانها ، بل المبطل حينئذ هو الفصل الموجب للإخلال بالموالاة وزوال الهيئة الاتِّصالية ، سواء أكان الفاصل فعلاً كثيراً أم سكوتاً طويلاً.

وإن أُريد بها العمل الأجنبي المستوعب لمقدار من الوقت وإن كان مقروناً بالأجزاء لا متخلِّلاً بينها ، كما لو اشتغل أثناء القراءة بالكتابة أو الخياطة أو تقشير الفاكهة ونحوها فالبطلان بذلك أوّل الكلام ، فإنّه موقوف على نهوض ما يدل على اعتبار عدمها في الصلاة ، كما نهض في مثل الأكل والشرب حيث يمنع عنهما حتّى المأموم حال اشتغال الإمام بالقراءة غير المخل بالموالاة بوجه وإلّا فليس للعرف سبيل لتشخيص القادحية في الأُمور الشرعية التعبّدية التي زمام قيودها الوجودية والعدمية بيد مخترعها. فما عن العلّامة من إيكال ذلك إلى النظر العرفي ليس كما ينبغي.

ودعوى أنّ مثله لا يُقال إنّه يصلِّي بل يكتب مثلاً مدفوعة بصدق كلا العنوانين ، فيقال إنّه يصلِّي ويكتب ، والكلام في قادحية صدق الثاني التي هي أوّل الدعوى.

وما في الحدائق (1)من احتياج الجواز إلى الدليل مبني على القول بأصالة الاحتياط في العبادات ، وهو خلاف ما عليه المحقّقون من الرجوع إلى أصالة البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين دون الاشتغال.

هذا ، مع أنّ عدّة من الأخبار دلّت على جواز جملة من الأفعال أثناء الصلاة ممّا لا شبهة في عدّ بعضها عرفاً من الفعل الكثير كرمي الكلب بحجر ، أو رمي


1) الحدائق 9 : 43.

التاسع : الأكل والشرب الماحيان للصورة (1)


أحد بحصاة ليأتي نحوه كما فعله الصادق عليه‌السلام أو قتل الحيّة أو العقرب أو إرضاع الأُم ولدها وحمله معها ، أو الذهاب عند الرعاف أو رؤية النجاسة في الثوب أو البدن للتطهير ثمّ العود لإتمام الصلاة ، أو تصفيق المرأة للتنبيه على الحاجة ، ونحو ذلك ممّا أورده صاحب الوسائل في الباب التاسع والعاشر من أبواب القواطع (1).

والحاصل : أنّ الكبرى الكلِّيّة المذكورة في كلمات القوم من قادحية الفعل الكثير بما هو وبوصفه العنواني لا يمكن المساعدة عليها إلّا فيما قام عليه دليل بالخصوص من إجماع ونحوه كما في الأكل والشرب ، أو أوجب الإخلال بالموالاة المعتبرة بين الأجزاء ، المستلزم طبعاً لمحو صورة الصلاة فتبطل حينئذ لهذه العلّة.

ومنه تعرف أنّ ما في المتن من عدّ الوثبة والرقص والتصفيق منافياً للصلاة الظاهر في كونها كذلك بجميع مراتبها محل إشكال بل منع.

ثمّ إنّ من جميع ما ذكرناه يتّضح لك أنّ البطلان في الفعل الكثير إن كان مستنداً إلى الإخلال بالموالاة بحيث أوجب سلب اسم الصلاة فلا يفرق حينئذ بين العمد والسهو ، إذ لا صلاة حسب الفرض كي يمكن تصحيحها بحديث لا تعاد فإنّه سالبة بانتفاء الموضوع.

وإن كان مستنداً إلى دليل آخر من نص أو إجماع فتختص طبعاً بصورة العمد لكونها مع السهو مشمولة للحديث المزبور.

(1) ذهب الشيخ (2)وجم غفير ممّن تأخّر عنه إلى مانعية الأكل والشرب في


1) الوسائل 7 : 254 258.

2) الخلاف 1 : 413 ، المبسوط 1 : 118.

.................................................................................................


الصلاة ، بل نسبه في الحدائق (1)إلى المشهور ، ومقتضى عدّهم ذلك عنواناً مستقلا في مقابل الفعل الكثير أو الماحي ، أنّ المانعية ثابتة لنفس هذين العنوانين سواء أعدّا من الفعل الكثير أم لا ، فتبطل بالأكل ولو لقمة ، وبالشرب ولو جرعة.

نعم ، جعلهما العلّامة (2)من الفعل الكثير حتّى في مثل اللقمة ، نظراً إلى أنّ تناول المأكول ومضغه وابتلاعه أفعال كثيرة ، وهكذا المشروب.

ولكنّه كما ترى ، فانّ مقتضاها عدّ نحو لبس الخاتم أو مسح الأنف بالمنديل من الفعل الكثير أيضاً ، لانحلالهما إلى أفعال كثيرة من إدخال اليد في الجيب وإخراج الخاتم أو المنديل ولبسه أو المسح به ، ولا يظن أن يلتزم فقيه بعدم جوازه. فالظاهر أنّهم يرون البطلان لنفس العنوان لا للاندراج تحت الضابط المزبور حسبما ذكرناه.

ومن ثمّ أشكل عليهم غير واحد من الفقهاء منهم المحقِّق في المعتبر (3)بعدم الدليل عليه وطالبوهم بمستند هذه الفتوى ، هذا.

والّذي ينبغي أن يقال : أمّا بالنسبة إلى ابتلاع بقايا الطعام الموجودة في الفم فضلاً عن المتخلِّلة ما بين الأسنان ، أو السكّر الّذي يذوب شيئاً فشيئاً وينزل فلا ينبغي الإشكال في عدم بطلان الصلاة بها وإن بطل الصوم بل قد ادّعي الإجماع على ذلك ، فمحل الاشكال ما كان مصداقاً للأكل والشرب عرفاً لا صوماً. وحينئذ فان استوعب من الوقت مقداراً يخل بالموالاة العرفية بحيث لا تنسجم الأجزاء اللّاحقة بالسابقة فلا ريب في البطلان ، لكن لا لتحقّق الأكل والشرب ، بل لفوات الموالاة ومحو صورة الصلاة.


1) الحدائق 9 : 54.

2) التذكرة 3 : 292 ، المنتهى 1 : 312 السطر 9.

3) المعتبر 2 : 259.

فتبطل الصلاة بهما عمداً كانا أو سهواً (1)


ويحتمل أنّ الشيخ ومن تبعه من القائلين بالمانعية يريدون بها ذلك ، وإنّما خصّوهما بالذكر مقدّمة لاستثناء الوتر كما سيجي‌ء ، غير أنّه يبعّده اختصاص الاستثناء بالشرب فلما ذا ألحقوا به الأكل.

وكيف ما كان ، فلا شبهة في البطلان لدى بلوغ هذا الحد.

وأمّا إذا كان دونه فلم يتّضح حينئذ وجه للبطلان ، عدا ما ادّعاه في الجواهر (1)من قيام سيرة المتشرِّعة عليه بمثابة يعرفه حتّى الصبيان.

وفيه : أنّ السيرة وإن كانت متحقِّقة إلّا أنّ اتصالها بعصر المعصوم عليه‌السلام الّذي هو مناط حجّيتها غير معلوم ، فإنّ الأطفال إنّما تلقوها من آبائهم وهم من علمائهم إلى أن يتّصل بعصر الشيخ الطوسي (قدس سره) ولم تكن المسألة معنونة قبله كي يعرف الاتِّصال ، وعليه فان ثبت الإجماع التعبّدي على المبطلية فهو الحجّة ، وإلّا فإثباتها بحسب الصناعة في غاية الإشكال.

ومن هنا يمكن أن يقال : إنّ ما سيأتي من الرواية الدالّة على جواز الشرب أثناء الوتر مطابق للقاعدة ولم يكن استثناءً في المسألة ، نظراً إلى أنّ هذا المقدار من الفصل لم يكن مخلّاً بالموالاة العرفية ، إذ لم يكن هو أكثر ممّا فعله النبيّ صلی اللّه عليه وآله على ما رواه الصدوق من أنّه رأى نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين أرطاب فحكّها ثمّ رجع القهقرى فبنى على صلاته (2)فاذا لم يكن الإجماع ثابتاً كان الحكم المزبور مطابقاً للقاعدة.

(1) هذا وجيه لو كان البطلان لأجل محو الصورة ، وأمّا لو كان لأجل الإجماع


1) الجواهر 11 : 78.

2) الوسائل 7 : 292 / أبواب قواطع الصلاة ب 36 ح 1 ، الفقيه 1 : 180 / 849.

والأحوط الاجتناب عمّا كان منهما مفوّتاً للموالاة العرفية عمداً (1) ، نعم لا بأس بابتلاع بقايا الطعام الباقية في الفم أو بين الأسنان ، وكذا بابتلاع قليل من السكّر الّذي يذوب وينزل شيئاً فشيئاً (2) ويستثنى أيضاً ما ورد في النص (3) بالخصوص من جواز شرب الماء لمن كان مشغولاً بالدُّعاء في صلاة الوتر وكان عازماً على الصوم في ذلك اليوم ، ويخشى مفاجاة الفجر وهو عطشان والماء أمامه ومحتاج إلى خطوتين أو ثلاثة ، فإنّه يجوز له التخطِّي


مع حفظها فلا مانع من التصحيح لدى السهو بحديث لا تعاد كما تقدّم في المبطل السابق.

(1) كما تقدّم البحث عنه في فصل الموالاة (1).

(2) كما تقدّم آنفاً.

(3) وهو ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي ، عن محمّد بن هيثم ، عن سعيد الأعرج قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام إنِّي أبيت وأُريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن أقطع الدُّعاء وأشرب وأكره أن أُصبح وأنا عطشان وأمامي قلّة بيني وبينها خطوتان أو ثلاثة ، قال : تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدُّعاء» (2).

وما رواه الفقيه بإسناده عن سعيد الأعرج أنّه قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام : جعلت فداك إنِّي أكون في الوتر وأكون قد نويت الصوم فأكون في الدُّعاء وأخاف الفجر فأكره أن أقطع على نفسي الدُّعاء وأشرب الماء وتكون


1) في ص 355.

2) الوسائل 7 : 279 / أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 1 ، التهذيب 2 : 329 / 1354.

والشرب حتّى يروي ، وإن طال زمانه (1) إذا لم يفعل غير ذلك من منافيات الصلاة (2) ، حتّى إذا أراد العود إلى مكانه رجع القهقرى لئلّا يستدبر القبلة


القلّة أمامي ، قال فقال لي : فاخط إليها الخطوة والخطوتين والثلاث واشرب وارجع إلى مكانك ولا تقطع على نفسك الدُّعاء» (1).

أمّا من حيث السند فكلتاهما معتبرة ، إذ ليس في سند الاولى من يغمز فيه ما عدا النهدي حيث لم يرد فيه توثيق ، ولكنّه ممدوح مضافاً إلى كونه من رجال كامل الزيارات.

وأمّا طريق الصدوق (2)في الثانية فهو وإن تضمّن عبد الكريم بن عمرو الّذي قال الشيخ في حقّه إنّه واقفي خبيث (3)، لكنّ الظاهر أنّ مراده خبث العقيدة لمكان الوقف من غير طعن في حديثه ، فلا ينافي ما قاله النجاشي في حقّه من أنّه ثقة ثقة (4).

وأمّا من حيث الدلالة فهما صريحتان في الجواز إلّا أنّ الكلام في مقدار الاستثناء وستعرفه.

(1) لإطلاق النص.

(2) إذ لا نظر في النص إلّا إلى الجواز من حيث الشرب دون سائر المنافيات.


1) الوسائل 7 : 279 / أبواب قواطع الصلاة ب 23 ح 2 ، الفقيه 1 : 313 / 1424.

2) الفقيه 4 (المشيخة) : 71.

3) رجال الطوسي : 339 / 5051.

4) رجال النجاشي : 245 / 645.

والأحوط الاقتصار على الوتر المندوب وكذا على خصوص شرب الماء (1) فلا يلحق به الأكل وغيره ، نعم الأقوى عدم الاقتصار على الوتر ولا على حال الدُّعاء فيلحق به مطلق النافلة وغير حال الدُّعاء (2) وإن كان الأحوط الاقتصار.


(1) جموداً في الحكم المخالف للقاعدة على مورد النص وهو خصوص الوتر بل خصوص حال التشاغل بالدعاء المراد به على الظاهر القنوت المأتي به في مفردتها.

ولكنّ الشيخ (1)تعدّى إلى مطلق النافلة ، نظراً إلى اختصاص دليل المنع وهو الإجماع بالفريضة ، كما أنّ المحقِّق (2)أيضاً تعدّى إلى غير الدُّعاء من أحوال الوتر ، للقطع بل الإجماع على إلغاء خصوصية المورد ، واعترض على ما ذهب إليه الشيخ من التعدِّي بأنّه لم يعلم أيّ إجماع أشار إليه بعد إطلاق معقده والنص لا يدل إلّا على الجواز في خصوص الوتر بقيود معيّنة لا ينبغي التعدِّي عنها ، وهو في محلّه.

إلّا أن يقال : إنّ البطلان إنّما هو من أجل الإخلال بالموالاة ، وهذا المقدار من الفصل لا يوجبه ، فالنص مطابق للقاعدة. إذن فكما أنّ خصوصية الدُّعاء ملغاة فكذلك خصوصية الوترية ، لوحدة المناط فيشمل الحكم جميع النوافل. وأمّا الإجماع فحيث إنّ المتيقن منه هو الفريضة فيختص المنع بها ويبقى غيرها تحت أصالة عدم المنع.

(2) كما عرفت.


1) المبسوط 1 : 118 ، الخلاف 1 : 413.

2) المعتبر 2 : 259 ، الشرائع 1 : 110.

العاشر : تعمد قول آمين (1)(1)


(1) على المشهور بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

ونسب إلى أبي الصلاح (2)وابن الجنيد (3)القول بالجواز وإن لم نتحقّق النسبة كما نسب المحقِّق (4)القول بالكراهة إلى قائل مجهول.

وعن المحقِّق في المعتبر (5)اختصاص المنع بالمنفرد. وكيف ما كان ، فالمتبع هو الدليل.

ويقع الكلام تارة : فيما تقتضيه القاعدة ، وأُخرى : بالنظر إلى الروايات الخاصّة فهنا جهتان :

أمّا الجهة الأُولى : فالتأمين المبحوث عنه في المقام يتصوّر على أنحاء :

فتارة : يقصد به الجزئية كما قد تفعله جهلة العامّة وعوامّهم فان علماءهم يقصدون به الاستحباب ولا ريب حينئذ في البطلان ، لكونه من الزيادة العمدية القادحة ، سواء أتى به جهراً أم سراً ، بعد الفاتحة أم في موضع آخر ، إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً ، لاتِّحاد المناط في الكل.

وأُخرى : يقصد به الدُّعاء ، أي طلب الإجابة بهذه الكلمة التي هي من أسماء الأفعال بمعنى استجب إمّا لما دعا هو بنفسه كما لو قصد عند قوله ( اهْدِنَا


1) (*) يختص البطلان بما إذا قصد به الجزئيّة أو لم يقصد به الدُّعاء.

2) حكاه عنه في الجواهر 10 : 2.

3) حكاه عنه في الدروس 1 : 174.

4) الشرائع 1 : 100.

5) المعتبر 2 : 186.

.................................................................................................


الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) القرآنية والدُّعاء معاً ، بناءً على جوازه كما تقدّم في محلّه (1)، أو لما دعا به غيره كما لو سمع وقتئذ من يدعو فأمّن ، ولا ريب أيضاً في عدم البطلان في تمام الصور ، لعدم الضير في الدُّعاء والمناجاة مع اللّه تعالى أثناء الصلاة ، لما جاء في النص من أنّه «كلّ ما ذكرت اللّه عزّ وجلّ به والنبيّ صلی اللّه عليه وآله فهو من الصلاة» (2).

وثالثة : لا يقصد به شيئاً منهما ، كما لو أمّن تبعاً للقوم جهلاً منه بالمعنى لكونه من غير العرب مثلاً ، واللّازم حينئذ هو الحكم بالبطلان ، لكونه من كلام الآدميين بعد عدم صدق الدُّعاء عليه ، لفقد القصد حسب الفرض.

وأمّا الجهة الثانية : فيستدل للمانعية بطائفة من الأخبار :

منها : صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها ، فقل أنت : الحمد لله ربّ العالمين ، ولا تقل آمين» (3).

بناءً على ظهور النهي في باب المركبات في الإرشاد إلى الفساد ، وحيث إنّ ظاهرها بقرينة النهي عن التأمين كون الإمام من العامّة ، فهي ناظرة إلى ما يفعلونه من الإتيان بقصد الجزئية أو الاستحباب ولا تدل على المانعية فيما إذا قصد به الدُّعاء. فهي إذن مطابقة لما قدّمناه من القاعدة التي مقتضاها كما عرفت عدم الفرق بين الإمام والمأموم والمنفرد ، ولا بين مواضع الصلاة وحالاتها وإن كان مورد الصحيحة خصوص المأموم.


1) شرح العروة 14 : 498.

2) الوسائل 6 : 426 / أبواب التسليم ب 4 ح 1.

3) الوسائل 6 : 67 / أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 1.

.................................................................................................


نعم ، لو سلّم دلالتها على المانعية المطلقة لزم الاقتصار على موردها وهو المأموم بعد القراءة ، وأمّا الإمام والمنفرد أو المأموم في موضع آخر فلا مانع لهم من الإتيان به بقصد الدُّعاء ، لقصور الصحيحة عن شمولها لهم.

ومنها : رواية محمّد الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام أقول : إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين ، قال : لا» (1)بالتقريب المتقدِّم ، وموردها الإمام والمنفرد لقوله : «إذا فرغت ...» إلخ ، وكأنّ القائل بالتعميم استند إليها بضميمة الصحيحة المتقدِّمة. ولكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سنان فلا يمكن التعويل عليها.

ومنها : ما في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام «قال : ولا تقولنّ إذا فرغت من قراءتك آمين ، فإن شئت قلت : الحمد لله ربّ العالمين» (2).

وموردها خصوص الإمام أو المنفرد ، وقد عبّر عنها بالمصححة في بعض الكلمات ، وليس كذلك ، فان هذه الفقرة لم تكن في رواية زرارة المعتبرة ، وإنّما ذكرت فيما رواه الصدوق (3)بإسناده عنه ، وهو ضعيف لاشتماله على محمّد بن علي ماجيلويه ، فالطريق المعتبر خال عن هذه الزيادة ، وما اشتمل عليها ضعيف السند ، وقد أشار صاحب الوسائل إلى الطريقين في الباب الأوّل من أفعال الصلاة الحديث الخامس والسادس (4).

ومنها : صحيحة معاوية بن وهب قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه‌السلام أقول : آمين إذا قال الإمام ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضّالِّينَ ) ، قال : هم


1) الوسائل 6 : 67 / أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 3.

2) الوسائل 6 : 68 / أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 4.

3) علل الشرائع : 358.

4) الوسائل 5 : 463.

.................................................................................................


اليهود والنصارى ولم يجب في هذا» (1).

وهي كصحيحة جميل خاصّة بالمأموم وبعد الفاتحة. ويظهر من الجواهر (2)أنّ الجملة الأخيرة من زيادة صاحب الوسائل.

وكيف ما كان ، فيستشعر من السكوت والاعراض عن الجواب والتعرّض للتفسير الظاهر في ابتنائه على التقيّة عدم الجواز ، إذ لو كان جائزاً لصرّح به ، ولم يكن وجه لما ذكر كما أشار إليه في الوسائل.

بل احتمل في الجواهر (3)أن يكون قوله : «هم اليهود والنصارى» هو الجواب إيعازاً إلى أنّ هذا من عملهم عند تلاوة إمامهم في صلاتهم ، وتشنيعاً على العامّة المقتفين لأثرهم وإن لم يفهمه السائل وتخيّل أنّ هذا تفسير للآية لا جواب عن سؤاله ، فتكون الدلالة على المنع أظهر.

وربّما تعارض هذه النصوص بصحيحة أُخرى لجميل ظاهرة في الجواز ويجمع بينها بالحمل على الكراهة ، قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب : آمين ، قال : ما أحسنها واخفض الصوت بها» (4).

بناءً على أنّ كلمة «ما» للتعجّب ، وأنّ قوله : «واخفض» إلخ ، أمر من الإمام عليه‌السلام بخفض الصوت لدى التأمين ، ولعلّها هي المستند لمن خصّ الجواز بالاسرار.

وأمّا بناءً على كون الكلمة نافية وأنّ قوله : «واخفض ...» إلخ ، من كلام


1) الوسائل 6 : 67 / أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 2.

2) الجواهر 10 : 4.

3) الجواهر 10 : 4.

4) الوسائل 6 : 68 / أبواب القراءة في الصلاة ب 17 ح 5.

بعد تمام الفاتحة (1) لغير ضرورة ،


السائل أراد به أنّ الإمام عليه‌السلام أخفض صوته عند الجواب تقيّة. فهي إذن مطابقة للنصوص المتقدِّمة ، وتخرج عن المعارضة إلى المعاضدة.

ولكن الاحتمال الأخير ضعيف ، لأنّ خفض الصوت ثلاثي مجرّد ولم يعهد استعماله من باب الافعال ، فلا يقال أخفض صوته ، بل الصحيح خفض ، وحيث إنّ الموجود في الصحيحة رباعي فيتعيّن كونه من كلام الإمام عليه‌السلام وأمراً منه بالخفض كما عرفت. فلا مناص من الإذعان بالمعارضة.

إلّا أنّ الجمع المزبور في غاية الضعف ، ضرورة أنّ أقل مراتب الاستحسان الّذي دلّت عليه هذه الصحيحة هو الاستحباب وهو مضاد مع الكراهة ، فكيف يمكن حمل تلك النصوص عليها. بل المتعيِّن في مقام الجمع هو الحمل على التقيّة لموافقتها للعامّة.

والمتحصِّل من جميع ما تقدّم : أنّ عمدة الدليل على المنع إنّما هي الصحيحة الأُولى لجميل ، فان قلنا بانصرافها إلى ما هو المتعارف بين العامّة من الإتيان بقصد الجزئية فالحكم إذن مطابق للقاعدة ، ومقتضاها عدم الفرق بين المأموم وغيره ، ولا ما بعد الفاتحة أو موضع آخر.

وإن قلنا بدلالتها على المنع المطلق حتّى بقصد الدُّعاء ، فحيث إنّه مخالف للقاعدة ، فلا بدّ من الاقتصار على موردها. وعلى التقديرين (1)فيختص البطلان فيما إذا قصد به الجزئية أو لم يقصد به الدُّعاء كما أشار إليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الأنيقة واتّضح وجهه ممّا مرّ فلاحظ.

(1) لاختصاص النصوص بذلك.


1) [الصحيح أن يُقال : وعلى التقدير الأوّل وهو الظاهر ...].

من غير فرق بين الإجهار به والإسرار ، للإمام والمأموم والمنفرد (1) ، ولا بأس به في غير المقام المزبور بقصد الدُّعاء (2) ، كما لا بأس به مع السهو (3) وفي حال الضرورة (4) بل قد يجب معها ، ولو تركها أثم لكن تصح صلاته على الأقوى (5).

الحادي عشر : الشك في ركعات الثنائية والثلاثية والأُوليين من الرباعية على ما سيأتي (6).

الثاني عشر : زيادة جزء أو نقصانه عمداً إن لم يكن ركناً ، ومطلقاً إن كان ركنا (1).


(1) لاستفادة التعميم من مجموع النصوص ، مضافاً إلى إطلاق معاقد الإجماعات.

(2) لأنّ ذلك هو مقتضى القاعدة مع عدم ورود نص على خلافها.

(3) لحديث لا تعاد الشامل بإطلاقه للموانع.

(4) لعموم أدلّة التقيّة التي مقتضاها صحّة العمل الموافق لها في مثل المقام.

(5) من غير فرق بين اعتقاد العامّة جزئية التأمين ، كما لعلّه الشائع عند جهّالهم ، أو عدمها كما يراه علماؤهم ، إذ لا يستفاد من أدلّة التقيّة أكثر من الوجوب النفسي لا جزئية ما يتقى فيه ليستوجب فقده البطلان. وإن شئت قلت : غاية ما يترتّب في المقام على أدلّة التقيّة إنّما هو رفع المانعية لا قلبها إلى الجزئية.

(6) سيأتي الكلام فيه وفيما بعده مستوفى في مباحث الخلل إن شاء اللّه تعالى.


1) (*) على تفصيل سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

[1741] مسألة 40 : لو شكّ بعد السلام في أنّه هل أحدث في أثناء الصلاة أم لا ، بنى على العدم والصحّة (1).

[1742] مسألة 41 : لو علم بأنّه نامَ اختياراً وشكّ في أنّه هل أتمّ الصلاة ثمّ نام أو نام في أثنائها بنى على أنّه أتمّ ثمّ نام (2) (1)وأمّا إذا علم بأنّه غلبه النوم قهراً وشك في أنّه كان في أثناء الصلاة أو بعدها وجب


(1) إمّا لاستصحاب الطهارة فيحكم بالصحّة بضمّ الوجدان إلى الأصل ، أو لقاعدة الفراغ الحاكمة عليه حتّى في الموافقة له.

(2) لقاعدة الفراغ ، ولكنّا ذكرنا في محلّه (2)أنّ مقتضى التعليل بالأذكرية والأقربية إلى الحق الوارد في بعض نصوص الباب اختصاص القاعدة بموارد احتمال الغفلة وعدم شمولها لاحتمال الابطال العمدي (3)والإخلال الاختياري.

وعليه فينبغي التفصيل في المقام ونظائره من سائر المبطلات كالتكلّم والأكل ونحوهما ، بين ما إذا كان النوم الاختياري المفروض في المسألة مقروناً باحتمال الابطال العمدي لغرض من الأغراض ، وبين ما إذا لم يكن كما لو احتمل أنّه غفل عن كونه في الصلاة ومن ثمّ نام اختياراً من دون احتمال التعمّد في ذلك فتجري القاعدة في الصورة الثانية دون الاولى ، وحيث لا مؤمّن للصحّة فيها


1) (*) هذا فيما إذا لم يحتمل إبطاله الصلاة متعمِّداً ، وإلّا فالحكم بالصحّة محلّ إشكال بل منع.

2) مصباح الأُصول 3 : 306 ، 309.

3) هكذا كان (دام ظلّه) بانياً عليه سابقاً في مباحثه الفقهية والأُصولية ، ولكنّه عدل عنه أخيراً وبنى على الشمول لهما معاً كما صرّح به في الطبعة الأخيرة من تعليقته الأنيقة على المسألة السادسة والخمسين من فروع العلم الإجمالي ، وأوضحناه ثمة بنطاق واسع وبيان مشبع عند التعرّض لشرح هذه المسألة في شرح العروة 19 / المسألة 2189.

عليه الإعادة ، وكذا إذا رأى نفسه نائماً في السجدة وشكّ في أنّها السجدة الأخيرة من الصلاة أو سجدة الشكر بعد إتمام الصلاة ولا يجري قاعدة الفراغ في المقام (1).

[1743] مسألة 42 : إذا كان في أثناء الصلاة في المسجد فرأى نجاسة فيه ، فان كانت الإزالة موقوفة على قطع الصلاة أتمّها ثمّ أزال النجاسة (2) (1)


فلا بدّ من الإعادة بقاعدة الاشتغال.

والتمسّك بأصالة عدم حدوث النوم في الصلاة كالتمسّك بقاعدة الصحّة التي يقتضيها ظاهر حال المسلم ، كما ترى.

(1) لما عرفت آنفاً من اختصاص الجريان بما إذا كان الخلل المحتمل مستنداً إلى الغفلة فقط. وأمّا مع العلم بعدمها واحتمال الاستناد إلى موجب آخر كالنوم القهري في المقام فلا مجال لجريانها. ومن ثمّ منعنا عن جريانها في موارد انحفاظ صورة العمل واستناد الصحّة إلى مجرّد المصادفة الواقعية ، كما لو شكّ بعد التوضِّي بمائع معيّن في إطلاقه وإضافته ، أو بعد الصلاة إلى جهة معيّنة في كونها القبلة وحيث لا تجري فالمتبع قاعدة الاشتغال حسبما عرفت.

(2) بل الأقوى التخيير بينهما ، لما تقدّم في كتاب الطهارة (2)عند التعرّض لأحكام المساجد في المسألة الخامسة من فصل : وجوب إزالة النجاسة عن البدن ، من أنّ دليل كل من حرمة قطع الفريضة وفوريّة الإزالة هو الإجماع وحيث إنّه دليل لبّي لا إطلاق له يشمل صورة المزاحمة مع الآخر ، فالمرجع في


1) (*) بل يتخيّر بينه وبين القطع للإزالة كما تقدّم.

2) شرح العروة 3 : 266.

وإن أمكنت بدونه بأن لم يستلزم الاستدبار ولم يكن فعلاً كثيراً موجباً لمحو الصورة وجبت الإزالة ثمّ البناء على صلاته (1).

[1744] مسألة 43 : ربّما يُقال بجواز البكاء على سيِّد الشُّهداء (أرواحنا فداه) في حال الصلاة وهو مشكل (1)(2).


موردها أصالة البراءة عن كل منهما ونتيجتها التخيير بين الأمرين. هذا ، ولو بنينا على عدم حرمة القطع من أصله فالأمر واضح.

(1) كما ورد نظيره في غسل الثوب المتنجِّس حال الصلاة.

(2) مورد الاشكال ما لو كان البكاء لمجرّد عظم المصيبة في نفسها مع الغض عمّا يترتّب عليها ، لاحتمال كونه حينئذ مشمولاً لقوله : «وإن ذكر ميتاً له ...» إلخ ، الوارد في نصوص مبطلية البكاء كما تقدّم (2).

وأمّا البكاء لما يترتّب على مصيبته واستشهاده عليه‌السلام من حصول ثلمة لا تنجبر في الدين وضعف ، بل تضعضع في أركان الإسلام والمسلمين فضلاً عن المثوبات الأُخرويّة المترتّبة في الأخبار على البكاء عليه عليه‌السلام بحيث يرجع الكل إلى العبادة وقصد القربة والبكاء لأمر أُخروي لا دنيوي ، فلا ينبغي الإشكال في جوازه ، وإن كان الاحتياط بالتأخير إلى خارج الصلاة ممّا لا ينبغي تركه.


1) (*) أظهره الجواز فيما إذا قصد به التقرّب إلى اللّه ، والأحوط تأخيره إلى خارج الصلاة.

2) في ص 497.

[1745] مسألة 44 : إذا أتى بفعل كثير أو بسكوت طويل وشكّ في بقاء صورة الصلاة ومحوها معه ، فلا يبعد البناء على البقاء (1)لكنّ الأحوط الإعادة بعد الإتمام (1).


(1) تقدّم (2)الكلام حول كبرى هذه المسألة وعرفت أنّ المستند في مانعية الفعل الكثير الماحي تارة يكون هو الإجماع ، وأُخرى فوات الموالاة.

فعلى الأوّل : لا مانع في فرض الشك من التمسّك بأصالة عدم وجود المانع فتحرز صحّة الصلاة بضمّ الوجدان إلى الأصل.

وعلى الثاني : أي البناء على أنّ للصلاة بمقتضى ارتكاز المتشرِّعة المعتضد بما يتحصّل من تضاعيف النصوص هيئة اتِّصالية مبنية على موالاة ملحوظة بين أجزائها يتقوّم العمل بها ويستوجب فقدها عدم التحاق لاحقها بسابقها حسبما صرّح به الشهيد (3)في الأذان من أنّ انفصال بعض أجزائه عن بعض يوجب سلب العنوان نظير الإيجاب والقبول المركب منهما العقد وغير ذلك من سائر الموارد ، فاذا شكّ في أنّ الفعل الكثير أو السكوت الطويل أوجب الإخلال بالموالاة المزبورة إمّا بشبهة حكمية أو موضوعية فالحكم بالصحّة حينئذ استناداً إلى الاستصحاب حسبما يظهر من الماتن (قدس سره) في غاية الإشكال سواء أُريد به استصحاب بقاء الهيئة الاتِّصالية أو بقاء الصورة والموالاة العرفية أو عدم وجود الماحي ، إذ لا يترتّب على شي‌ء من ذلك التحاق الأجزاء اللّاحقة واتِّصالها بالسابقة وتحقّق ماهية الصلاة إلّا على سبيل الأصل المثبت.


1) (*) فيه اشكال فلا يترك الاحتياط بالإعادة إذا أتمّها ، والأظهر جواز القطع حينئذٍ.

2) في ص 501.

3) الذكرى 3 : 210.

.................................................................................................


والحاصل : أنّه على هذا المبنى لم يعتبر عدم الفعل الكثير أو عدم الماحي بنحو الاستقلال حتّى يحرز ذلك بالأصل كما في الشك في الطهارة ونحوها من القيود الوجودية أو العدمية. وإنّما اعتبر ذلك من أجل اعتبار الاتِّصال بين الأجزاء ، وقد عرفت أنّ الأصل المزبور لا يثبته.

نعم ، لو قلنا بجريان الاستصحاب التعليقي حتّى في الموضوعات الخارجية أمكن الحكم بالصحّة بأن يقال : إنّا لو أتينا بالأجزاء اللّاحقة قبل عروض هذه الحالة لالتحقت وانضمّت والآن كما كان ، ولكنّه فرض في فرض إذ لا نقول بحجّيّته ، وعلى القول بها تختص بالأحكام دون الموضوعات.

وأمّا التمسّك في المقام بأصالة البراءة فلا يخلو عن غرابة ، لعدم احتمال اعتبار التوالي في نفسه ، وإنّما هو من أجل دخله في انضمام الأجزاء وتأليف الصلاة منها فلدى الشك يكون المتبع أصالة الاشتغال بعد عدم وجود مؤمّن لتفريغ الذمّة عمّا اشتغلت به.

ومن جميع ما ذكرناه تعرف : أنّه لا مانع من قطع الصلاة حينئذ ورفع اليد عنها ، لاختصاص دليل حرمة القطع على تقدير تماميّته بما إذا تمكن المصلِّي من إتمام الصلاة والاقتصار عليها في مقام الامتثال ، وهو غير متحقِّق في المقام.

فصل في المكروهات في الصلاة

وهي أُمور :

الأوّل : الالتفات بالوجه قليلاً ، بل وبالعين وبالقلب. الثاني : العبث باللّحية أو بغيرها كاليد ونحوها. الثالث : القرآن بين السورتين على الأقوى ، وإن كان الأحوط الترك. الرابع : عقص الرجل شعره وهو جمعه وجعله في وسط الرأس وشدّه أوليّة وإدخال أطرافه في أُصوله أو ضفره وليّه على الرأس أو ضفره وجعله كالكبة في مقدّم الرأس على الجبهة ، والأحوط ترك الكل بل يجب ترك الأخير في ضفر الشعر حال السجدة. الخامس : نفخ موضع السجود. السادس : البصاق. السابع : فرقعة الأصابع أي نقضها. الثامن : التمطي. التاسع : التثاؤب. العاشر : الأنين. الحادي عشر : التأوّه. الثاني عشر : مدافعة البول والغائط ، بل والرِّيح. الثالث عشر : مدافعة النوم ففي الصحيح «لا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ولا متناعساً ولا متثاقلاً». الرابع عشر : الامتخاط. الخامس عشر : الصفد في القيام أي الأقران بين القدمين معاً كأنّهما في قيد. السادس عشر : وضع اليد على الخاصرة. السابع عشر : تشبيك الأصابع. الثامن عشر : تغميض البصر. التاسع عشر : لبس الخف أو الجورب الضيّق الّذي يضغطه. العشرون : حديث النفس. الحادي والعشرون : قصّ الظفر والأخذ من الشعر والعض عليه. الثاني والعشرون : النظر إلى نقش الخاتم والمصحف والكتاب ، وقراءته. الثالث والعشرون : التورّك بمعنى وضع اليد

عن الورك معتمداً عليه حال القيام. الرابع والعشرون : الإنصات في أثناء القراءة أو الذكر ليسمع ما يقوله القائل. الخامس والعشرون : كل ما ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة.

[1746] مسألة 1 : لا بدّ للمصلِّي من اجتناب موانع قبول الصلاة كالعجب والدلال ومنع الزكاة والنشوز والإباق والحسد والكبر والغيبة وأكل الحرام وشرب المسكر ، بل جميع المعاصي لقوله تعالى ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) .

[1747] مسألة 2 : قد نطقت الأخبار بجواز جملة من الأفعال في الصلاة ، وأنّها لا تبطل بها ، لكن من المعلوم أنّ الأولى الاقتصار على صورة الحاجة والضرورة ولو العرفية. وهي : عدّ الصلاة بالخاتم والحصى بأخذها بيده ، وتسوية الحصى في موضع السجود ، ومسح التراب عن الجبهة ، ونفخ موضع السجود إذا لم يظهر منه حرفان ، وضرب الحائط أو الفخذ باليد لإعلام الغير أو إيقاظ النائم ، وصفق اليدين لإعلام الغير ، والإيماء لذلك ورمي الكلب وغيره بالحجر ، ومناولة العصي للغير ، وحمل الصبي وإرضاعه وحكّ الجسد ، والتقدّم بخطوة أو خطوتين ، وقتل الحيّة والعقرب والبرغوث والبقّة والقملة ودفنها في الحصى ، وحك خرء الطير من الثوب ، وقطع الثواليل ، ومسح الدماميل ، ومسّ الفرج ، ونزع السن المتحرِّك ، ورفع القلنسوة ووضعها ، ورفع اليدين من الركوع أو السجود لحكّ الجسد ، وإدارة السبحة ، ورفع الطرف إلى السماء ، وحكّ النخامة من المسجد ، وغسل الثوب أو البدن من القي‌ء والرعاف.

فصل [في حكم قطع الصلاة]

لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً (1)(1) والأحوط عدم قطع النافلة أيضاً وإن كان الأقوى جوازه ، ويجوز قطع الفريضة لحفظ مال ، ولدفع ضرر مالي أو بدني كالقطع لأخذ العبد من الإباق ، أو الغريم من الفرار ، أو الدابة من الشراد ونحو ذلك ، وقد يجب كما إذا توقف حفظ نفسه أو حفظ نفس محترمة ، أو حفظ مال يجب حفظه شرعاً عليه. وقد يستحب كما إذا توقف حفظ مال مستحب الحفظ عليه ، وكقطعها عند نسيان الأذان والإقامة إذا تذكر قبل الركوع ، وقد يجوز كدفع الضرر المالي الّذي لا يضرّه تلفه ولا يبعد كراهته لدفع ضرر مالي يسير (2)،


(1) على المشهور ولا سيّما بين المتأخِّرين ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه ، بل عدّه في شرح المفاتيح (3)من بديهيّات الدين.

ولكن دعوى الإجماع التعبّدي في مثل هذه المسألة المعلوم مداركها ويطمأن استناد المجمعين إليها ، ولا أقل من احتماله ، كما ترى. على أنّ صغرى الإجماع


1) (*) على الأحوط.

2) (**) في الحكم بالكراهة إشكال.

3) حكاه عنه في مفتاح الكرامة 3 : 45 السطر 16.

.................................................................................................


والاتِّفاق ممنوعة ، لذهاب بعضهم إلى جواز القطع كما حكاه في الحدائق (1)عن بعض معاصريه ، وعليه فلا بدّ من النظر في الوجوه التي استدلّ بها القائل بالتحريم.

فمنها : ما نسب إلى العلّامة (2)من أنّ إتمام الفريضة واجب فقطعها حرام لتوقفه على عدمه.

وفيه : أنّه إن أُريد من الإتمام لزوم الإتيان ببقية الأجزاء فهو حق لكنّه غير متوقف على إتمام هذا الفرد ، لجواز الإتيان بالطبيعي المأمور به في ضمن فرد آخر ، فهو مخيّر بين الإتمام والاستئناف كما هو الشأن في كل أمر متعلِّق بالطبيعي من غير فرق بين التعبّدي والتوصلي من التخيير في التطبيق على أيّ فرد شاء ما لم ينهض على خلافه دليل بالخصوص.

وإن أُريد به إتمام هذا الفرد بخصوصه بحيث تكون الصلاة كالحج في لزوم الإتمام بمجرّد الشروع فهو عين الدعوى وأوّل الكلام.

ومنها : قوله تعالى ( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (3)خرج ما خرج بالدليل ويبقى الباقي ومنه الصلاة تحت الإطلاق.

وفيه : أنّ الإبطال الّذي هو من باب الإفعال ظاهر في إيجاد المبطل وإحداثه بعد اتِّصاف العمل بالصحّة المنوط بإتمامه والفراغ عنه نظير قوله تعالى ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (4)فالمراد النهي عن ارتكاب ما يستوجب


1) الحدائق 9 : 101.

2) حكاه عنه في الحدائق 9 : 101.

3) محمّد صلی اللّه عليه وآله 47 : 33.

4) البقرة 2 : 264.

.................................................................................................


الإبطال بعد الإتمام الّذي من أظهر مصاديقه الكفر والارتداد ، ولا نظر فيها إلى الإبطال في الأثناء ، كيف ولازمه ارتكاب تخصيص الأكثر المستهجن ، لجواز ذلك في عامّة الواجبات والمستحبّات التعبّدية والتوصّلية إلّا ما شذّ كالحجّ والصّوم والصّلاة على المشهور.

ومنها : ما في جملة من النصوص من أنّ «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (1).

وفيه : بعد الغض عمّا في أسناد هذه الطائفة من الخدش على ما تقدّم سابقاً (2)، وإنّما المعتبر ما تضمن التعبير ب- «الافتتاح والاختتام» ومن ثمّ يعبّر عن هذه التكبيرة في لسان الروايات بتكبيرة الافتتاح ، وأمّا التعبير بتكبيرة الإحرام فهو اصطلاح خاص بالفقهاء.

أنّ مبنى الاستدلال على إرادة التحريم والتحليل التكليفيين وهو ممنوع ، بل المراد الوضعي منهما بشهادة شمولها للنافلة ، ولا حرمة فيها بالضرورة.

ومنها : ما في بعض نصوص كثير الشك من قوله عليه‌السلام : «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه» (3)حيث يظهر منها النهي عن النقض الظاهر في الحرمة.

وفيه : أنّ المنهي عنه لم يكن مجرّد النقض ، بل تعويد الخبيث منه بإكثاره الكاشف عن إطاعته والركون إلى ميوله وتسويلاته ، ومن ثمّ يسري الحكم إلى النافلة والوضوء وغيرهما ممّا لا ريب في جواز قطعه. بل يمكن أن يقال : إنّها على خلاف المطلوب أدل ، لكشفها عن جواز النقض في حد نفسه وإلّا لكان النهي عنه أولى من النهي عن التعويد المزبور.


1) الوسائل 6 : 415 / أبواب التسليم ب 1 ، ح 1 ، 8.

2) في ص 296.

3) الوسائل 8 : 228 / أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 2.

.................................................................................................


وعلى الجملة : إن لم تكن الصحيحة دالّة على الجواز فلا ريب في عدم دلالتها على عدم الجواز.

ومنها : النصوص الآمرة بالمضي في الصلاة وعدم قطعها لدى عروض بعض الأُمور من رعاف ونحوه ، كصحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال عليه‌السلام : لو أنّ رجلاً رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال (فمال) برأسه فغسله فليبن على صلاته ولا يقطعها» (1).

وفيه : أنّها ظاهرة في الحكم الوضعي لا التكليفي ، حيث إنّها ناظرة إلى الإرشاد إلى صحّة الصلاة وعدم لزوم استئنافها لا في وجوب البناء تعبّداً.

وبعبارة أُخرى : أنّها واردة موقع توهّم الحظر ، لما قد يتوهّم البطلان من غسل دم الرعاف ، فأمر بالإتمام دفعاً لهذا الإيهام ، فلا يدل إلّا على الجواز.

ومنها : النصوص الناهية عن ارتكاب المنافيات أثناء الصلاة.

وفيه : ما لا يخفى ، بل لعل هذا أردأ الوجوه ، لما هو الموضح في محلّه من كون النواهي في باب المركبات كالأوامر إرشاداً إلى المانعية أو الجزئية أو الشرطية ، من غير أن يتضمّن تكليفاً نفسياً بوجه.

ومنها : النصوص التي علّق فيها جواز القطع بموارد الضرورة التي عمدتها صحيحة حريز المرويّة في الفقيه عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «قال : إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاماً لك قد أبق أو غريماً لك عليه مال ، أو حيّة تتخوّفها على نفسك فاقطع الصلاة ، واتبع غلامك أو غريمك ، واقتل الحيّة» (2)


1) الوسائل 7 : 241 / أبواب قواطع الصلاة ب 2 ح 11.

2) الوسائل 7 : 276 / أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1 ، الفقيه 1 : 242 / 1073.

.................................................................................................


ورواها الكليني والشيخ أيضاً مرسلاً (1)، فإنّه من البديهي عدم كون الأمر بالقطع للوجوب ، بل لمجرّد الترخيص ، ومقتضى تعليقه على الضرورة بمقتضى القضيّة الشرطية عدم الجواز بدونها.

وفيه : أنّ القضيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع فلا مفهوم لها ، إذ الشرط هو الكون في الفريضة ، وعدم القطع لدى انتفائه من باب السالبة بانتفاء الموضوع كما أنّ الجزاء هو القطع لاتباع الغلام أو الغريم أو قتل الحيّة لا مطلق القطع فاذا كان في الصلاة ولم يكن شي‌ء من ذلك فانتفاء الجزاء حينئذ أيضاً كذلك أي سالبة بانتفاء الموضوع فلم ينعقد مفهوم لهذه القضيّة بوجه (2).

ومنه تعرف الجواب عن موثقة سماعة قال : «سألته عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعاً يتخوّف ضيعته أو هلاكه ، قال : يقطع صلاته ويحرز متاعه ثمّ يستقبل الصلاة ، قلت فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابة أو تغلب دابته فيخاف أن تذهب أو يصيب فيها عنت ، فقال : لا بأس بأن يقطع صلاته ويتحرّز ويعود إلى صلاته» (3).

على أنّه يمكن أن يراد بالقطع هنا مجرّد رفع اليد موقتاً بقرينة قوله عليه‌السلام في الذيل «ويعود إلى صلاته» فتكون حينئذ أجنبية عمّا نحن فيه ، ولكن يأباه التعبير بالاستقبال في صدر الموثقة.

والمتحصِّل من جميع ما مرّ : ضعف هذه الوجوه بالأسر ، ما عدا الإجماع


1) الكافي 3 : 367 / 5 ، التهذيب 2 : 331 / 1361.

2) أضف إلى ذلك : أنّ الرواية حيث لا يحتمل تعدّدها بأن يرويها حريز تارة عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام بلا واسطة كما في الفقيه ، وأُخرى معها كما في الكافي والتهذيب ، فلا جرم يتطرّق فيها احتمال الإرسال فتسقط عن صلاحية الاستدلال.

3) الوسائل 7 : 277 / أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 2. وفي المصدر : فتفلت بدل فتغلب.

وعلى هذا فينقسم إلى الأقسام الخمسة (1).

[1748] مسألة 1 : الأحوط عدم قطع النافلة المنذورة (2) (1)إذا لم تكن


• لو تمّ - فيقتصر حينئذ على المقدار المتيقن وهو غير مورد الضرورة بالضرورة فإنّه لا شبهة في جواز القطع حينئذ من غير حاجة إلى التماس دليل خاص لكفاية الأدلّة العامّة مثل حديث الرفع ، فالحرمة على تقدير ثبوتها مرفوعة بالحديث.

على أنّ جل المجمعين قد صرّحوا بالجواز إمّا بعنوان الضرورة كما عن بعض أو العذر كما عن آخر ، أو لحاجة دنيويّة أو أُخروية كما عن ثالث ، والكل يشير إلى قصور الإجماع على اختلاف تعابيرهم فلا يحرم القطع حينئذ قطعاً ، بل قد يجب ، ومن ثمّ يقسم إلى الأحكام الخمسة حسب اختلاف الموارد كما أُشير إليها في المتن.

(1) هذا وجيه لو كان المستند لحرمة القطع هو الإجماع ، إذ المتيقن منه هو القطع لمجرّد هوى النفس فيبقى غيره مشمولاً للأقسام المزبورة ، ما عدا الكراهة لدفع ضرر مالي كما مثّل به في المتن فانّ في الحكم بالكراهة المصطلحة إشكالاً كما لا يخفى.

وأمّا لو كان المستند مفهوم صحيحة حريز (2)فمقتضاها عدم الجواز إلّا في موارد الضرورة من الأمثلة المذكورة فيها ، فلا يجوز القطع في غيرها فضلاً عن أن يكون مستحبّاً.

(2) أمّا النافلة في نفسها ، فلا إشكال في جواز قطعها ، لقصور المقتضي


1) (*) وإن كان الأظهر جواز قطعها.

2) الوسائل 7 : 276 / أبواب قواطع الصلاة ب 21 ح 1.

منذورة بالخصوص بأن نذر إتيان نافلة فشرع في صلاة بعنوان الوفاء لذلك النذر ، وأما إذا نذر نافلة مخصوصة فلا يجوز قطعها قطعاً.

[1749] مسألة 2 : إذا كان في أثناء الصلاة فرأى نجاسة في المسجد أو حدثت نجاسة فالظاهر عدم جواز قطع الصلاة لإزالتها ، لأنّ دليل فورية الإزالة قاصر الشمول عن مثل المقام (1) (1)،


فانّ الدليل على الحرمة إن كان صحيحة حريز فهي خاصّة بالفريضة وإن كان الإجماع فكذلك ، لتصريح كثير من الفقهاء بجواز قطع النافلة.

وأمّا النافلة المنذورة ، فتارة يكون المنذور حصّة خاصّة منها كصلاة ركعتين بعد الفراغ من صلاة الظهر مباشرة ، وأُخرى طبيعي النافلة.

أمّا في الأوّل : فلا شبهة في حرمة القطع ، لا من أجل حرمة قطع الصلاة بل من أجل وجوب الوفاء بالنذر ، لامتناع التدارك لو قطع ، فيحرم في خصوص المقام لمكان الحنث حتّى لو بنينا على جواز قطع الفريضة. وهذا لعلّه واضح غايته وهو خارج عن محلّ الكلام ، إذ الكلام في حرمة قطع النافلة بما أنّها صلاة لا بما أنّه مخالفة للنذر.

وأمّا في الثاني : فقد احتاط الماتن بعدم القطع أيضاً. ولكنّه غير واضح لانصراف الفريضة في صحيحة حريز إلى ما كانت كذلك ذاتاً فلا تشمل الواجب بالعرض ، كما أنّ المتيقن من الإجماع ذلك. فالأظهر جواز القطع وإن كان الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

(1) إذ الدليل المزبور هو الإجماع والقدر المتيقن منه غير صورة المزاحمة مع


1) (*) نعم ، إلّا أنّ دليل حرمة القطع كذلك ، فالأقوى هو التخيير كما تقدّم.

هذا في سعة الوقت ، وأما في الضيق فلا إشكال (1).

نعم ، لو كان الوقت موسعاً وكان بحيث لولا المبادرة إلى الإزالة فاتت القدرة عليها فالظاهر وجوب القطع (2).


حرمة قطع الصلاة فلا يشمل المقام.

لكنّك خبير بأن دليل حرمة القطع أيضاً هو الإجماع والقدر المتيقن منه غير صورة المزاحمة مع فورية الإزالة ، ونتيجة ذلك هو التخيير بين الأمرين كما مرّت الإشارة إليه في المسألة الثانية والأربعين من الفصل السابق (1)إلّا إذا لزم من عدم المبادرة إلى الإزالة فوت القدرة عليها ، فإنّه يجب القطع حينئذ لحكم العقل بلزوم حفظ القدرة كي لا يفوته المأمور به على ما هو الشأن في كافة الواجبات الموسعة حيث يستقل العقل بلزوم البدار إليها أوّل وقتها لدى العلم بفواتها مع التأخير.

(1) فإنّه إن تمكّن من الإزالة بعد الصلاة فلا إشكال في وجوب الإتمام لأهمّية الوقت بلا كلام ، وإن لم يتمكن ، فان تمكن من الإزالة حال الاشتغال بالصلاة من غير إخلال بشي‌ء من الأجزاء أو الشرائط تعيّن ذلك لفقد المزاحمة حينئذ ، بل وكذا لو أخلّ ، لأهمّية الإزالة من بعضها كما لا يخفى.

وإن لم يتمكن بحيث وقعت المزاحمة بين الإزالة وبين أصل الصلاة قدّم الثاني بلا إشكال فإنّها لا تسقط بحال ، إلّا إذا أدرك ركعة من الوقت فإنّ الإزالة تتقدّم حينئذ لعدم المزاحمة بعد التوسعة المستفادة من حديث من أدرك.

(2) كما عرفت.


1) في ص 517.

[1750] مسألة 3 : إذا توقّف أداء الدّين المطالَب به على قطعها فالظاهر وجوبه في سعة الوقت (1) لا في الضيق (2) ويحتمل في الضيق وجوب الاقدام على الأداء متشاغلاً بالصلاة (3).

[1751] مسألة 4 : في موارد وجوب القطع إذا تركه واشتغل بها فالظاهر الصحّة (4) وإن كان آثماً في ترك الواجب ، لكن الأحوط الإعادة خصوصاً في صورة توقف دفع الضرر الواجب عليه (5).


(1) لإطلاق دليل وجوب الأداء الشامل لحال الصلاة ، بخلاف دليل حرمة القطع فإنّه الإجماع ولا إطلاق له فيقتصر على المتيقن منه وهو غير المقام.

(2) لوضوح أنّ الصلاة لا تسقط بحال.

(3) وإن استلزم فوات بعض الأجزاء أو الشرائط ، لأنّ أداء الدين أهم من ذلك الجزء أو الشرط المزاحم معه.

هذا فيما إذا ضاق الوقت حتّى عن إدراك الركعة ، وإلّا تعيّن القطع ، إذ لا مزاحمة بعد تمكنه من امتثال كلا التكليفين ببركة حديث من أدرك.

(4) إذ بعد أن لم يكن الأمر بالقطع مقتضياً للنهي عن ضدّه الخاص وهو الإتمام لم يكن مانع من تعلّق الأمر به ولو بنحو الخطاب الترتبي ، كما في نظائر المقام ، غايته ارتكاب الإثم في ترك الواجب الأهم.

(5) ربّما يورد عليه بانحصار القطع الواجب في هذه الصورة فما هو معنى الخصوصية؟

وهو عجيب ، لبداهة منع الانحصار ، فان من موارده القطع لأداء الدين الّذي تقدّم البحث عنه في المسألة السابقة. نعم ، يتوجّه على ما في المتن السؤال

.................................................................................................


عن الخصوصية المنظورة لهذه الصورة ، فانّا إذا صحّحنا الخطاب الترتبي كما هو الأظهر صحّت الصلاة في جميع الصور وإلّا لم تصح في شي‌ء منها ، فما هو الوجه في تخصيص هذه الصورة بالذكر.

وربّما يوجه بتوقف دفع الضرر على عنوان القطع ، فاذا وجب امتنع الأمر بالتمام ولو بنحو الترتّب ، لأنّهما من الضدّين اللّذين لا ثالث لهما ، ولا موقع للترتّب في مثل ذلك كما لا يخفى.

ويندفع أوّلاً : بمنع وجوب القطع بعنوانه ، بل الّذي يكون موجباً لدفع الضرر إنّما هو سببه من التكلّم أو المشي أو الاستدبار ونحوها من المنافيات فهو الواجب مقدّمة لدفع الضرر من إنقاذ غريق أو إطفاء حريق وما شاكلهما لا القطع بما هو قطع ، ومن ثمّ لو قطع ولم يأت بها لم ينفع ، كما أنّه لو أتى بها كفى وإن لم يكن متشاغلاً بالصلاة ليحتاج إلى القطع.

فاذا كان الواجب تلك المنافيات كان المقام من الضدّين اللّذين لهما ثالث فيؤمر بالإتمام على تقدير عصيان الأمر بما يحصل به القطع لدفع الضرر ، ضرورة أنّ هذا العاصي قد يتم وقد لا يتم كما هو واضح.

وثانياً : أنّ هذا لو تمّ لعمّ وشمل جميع موارد القطع الواجب من غير اختصاص بدفع الضرر ، لوحدة المناط كما لا يخفى.

وملخّص الكلام : أنّ الواجب إن كان هو القطع بعنوانه لم يمكن تصحيح الصلاة حتّى بعنوان الترتّب ، وإن كان ما به يحصل القطع أمكن التصحيح بالخطاب الترتبي ، لكون الضدّين ممّا لهما ثالث في الثاني دون الأوّل ، من غير فرق في كلتا الصورتين بين مورد ومورد ، لاتِّحاد المناط في الكل ، فما في المتن من تخصيص تلك الصورة بالذكر غير واضح.

[1752] مسألة 5 : يُستحب أن يقول حين إرادة القطع في موضع الرخصة أو الوجوب : «السلام عليك أيُّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته» (1).


(1) هذا غير واضح ، لعدم ورود رواية تدل على الاستحباب ولو ضعيفة ولو أُريد التمسّك بعموم «تحليلها التسليم» بدعوى شمولها حتّى لأثناء الصلاة ففيه أوّلاً : أنّ تلك النصوص ضعيفة السند بأجمعها كما مرّ (1).

وثانياً : أنّها ناظرة إلى التحليل الوضعي ، وأنّ الصلاة لا تبطل بارتكاب المنافي بعد التسليم وتبطل قبله ، لا التكليفي ليتوهّم عدم حلِّيّة المنافيات إلّا بالتسليم.

وثالثاً : لو سلّم فهي خاصّة بالتحليل في الصلاة التامّة دون الناقصة.

ورابعاً : أنّ المراد فيها هو أحد التسليمين الأخيرين على ما تقدّم في محلّه (2)لا التسليم على النبيّ الّذي هو من توابع التشهّد. فما أُفيد في المتن لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

هذا ما أردنا إيراده في هذا الجزء ويليه الجزء الخامس مبتدءاً ب- (فصل في صلاة الآيات) والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلّى اللّه على سيِّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وكان الفراغ في اليوم التاسع من شهر رجب سنة 1389 هجرية في جوار القبّة العلوية على مشرفها آلاف التحيّة.


1) في ص 296.

2) في ص 325.

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات

فصل في الركوع... 1 - 84

معنى الركوع لغة وشرعا... 2

واجبات الركوع... 2

1 - الانحناء على الوجه المتعارف... 2

دعوى صاحب الحدائق ثبوت الحقيقة الشرعية في الركوع... 2

الكلام في تحديد مقدار الانحناء اللازم في الركوع... 2

رجوع غير مستوي الخلقة إلى مستوي الخلقة... 10

2 - الذكر... 12

كفاية التسبيحة الكبرى مرة واحدة في الركوع... 12

دعوى المدارك الاجتزاء بالتسبيحة الكبرى بدون كلمة «وبحمده»... 13

كفاية التسبيحة الصغرى ثلاث مرات... 16

هل تجزي التسبيحة الصغرى مرة؟... 17

الكلام في كفاية مطلق الذكر غير التسبيح... 18

هل يلزم أن يكون بقدر الثلاث الصغريات؟... 20

3 - الطمأنينة حال الذكر الواجب... 21

دليل وجوب الطمأنينة في الركوع... 21

هل يجب الطمأنينة في الذكر المستحب؟... 24

ترك الاطمئنان عمدا أو سهوا... 24

4 - رفع الرأس من الركوع... 25

5 - الطمأنينة حال القيام بعد رفع الرأس... 26

عدم وجوب وضع اليدين على الركبتين... 27

صور العجز عن الانحناء على الوجه المذكور... 28

دوران الأمر بين الركوع جالسا مع الانحناء وبين الايماء قائما... 33

صور تجدد القدرة على الركوع التام... 33

زيادة الركوع الجلوسي أو الإيمائي... 38

من كان على هيئة الراكع خلقة أو لعارض... 39

اعتبار كون الانحناء بقصد الركوع... 44

حقيقة الركوع... 44

إذا هوى إلى السجود قبل الركوع نسيانا... 47

لو انحنى بقصد الركوع فنسي وهوى إلى السجود... 50

مقدار الانحناء اللازم على المرأة في ركوعها... 54

مقدار الذكر الواجب والمستحب في الركوع... 55

عدم وجوب تعيين الواجب من الذكر إذا أتى به أزيد من مرة... 58

جواز الاقتصار على التسبيحة الصغرى عند الاضطرار... 59

الشروع في الذكر قبل الركوع أو قبل الاطمئنان والاستقرار... 62

العاجز عن الطمأنينة حال الركوع... 65

ترك الطمأنينة في الركوع سهوا... 66

الجمع بين التسبيحة الصغرى والكبرى... 68

العدول من التسبيحة الصغرى إلى الكبرى وبالعكس... 68

اشتراط العربية والموالاة و ... في ذكر الركوع... 69

جواز اشباع كسر الباء من «ربي» وعدم اشباعه... 69

التحرك قهرا حال الذكر في الركوع... 70

جواز الحركة اليسيرة وحركة أصابع اليد والرجل... 71

الانتقال من مرتبة من مراتب الانحناء إلى أخرى... 71

الشك في لفظ «العظيم» أنه بالضاد أو بالظاء... 73

كيفية الركوع الجلوسي... 74

مستحبات الركوع... 75

مكروهات الركوع... 76

الكلام في حكم التكبير للركوع وهو قائم منتصب... 77

اتحاد النافلة مع الفريضة في أحكام الركوع... 82

زيادة الركوع سهوا في النافلة... 83

فصل في السجود... 84 - 170

معنى السجود لغة واصطلاحا... 84

البحث حول ركنية السجود... 85

واجبات السجود... 88

1 - وضع المساجد على الأرض... 88

نسبة الخلاف إلى المرتضى وابن إدريس في وضع اليدين... 89

قول بعض باعتبار وضع أطراف أصابع الرجلين لا خصوص الابهامين... 90

2 - الذكر... 91

3 - الطمأنينة فيه بمقدار الذكر الواجب... 91

4 - رفع الرأس منه... 94

5 - الجلوس بعده مطمئنا... 95

6 - إبقاء المساجد السبعة في مواضعها إلى تمام الذكر... 95

جواز رفع المساجد - غير الجبهة - ووضعها في غير حال الذكر... 95

7 - مساواة موضع الجبهة للموقف... 97

مخالفة صاحب المدارك للمشهور في جواز علو موضع الجبهة بمقدار لبنة... 97

هل يلحق الخفض بالرفع في مقدار لبنة؟... 100

عدم الفرق في ذلك بين الانحدار والتسنيم... 103

عدم اعتبار المساواة في موضع سائر المساجد... 103

8 - وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه... 106

9 - طهارة محل وضع الجبهة... 107

10 - المحافظة على العربية والترتيب والموالاة في الذكر... 107

تحديد الجبهة... 107

كفاية المسمى بمقدار الدرهم... 109

اعتبار مباشرة الجبهة لما يصح السجود عليه... 113

الكلام في وجوب إزالة الطين أو رفع التربة اللاصقة بالجبهة في السجدة الأولى... 113

عدم اشتراط مباشرة سائر المساجد للأرض... 117

اشتراط وضع باطن الكفين إلا مع الاضطرار... 117

حكم مقطوع الكف... 120

هل يجب الاستيعاب في وضع الكفين؟... 120

كفاية وضع مسمى الركبتين... 125

اعتبار وضع ظاهر الركبتين لا باطنهما... 125

تفسير الركبة... 125

جواز وضع الظاهر أو الباطن من الابهامين... 126

حكم مقطوع الابهام... 128

لزوم الاعتماد على الأعضاء السبعة في السجود... 128

وجوب كون السجود على الهيئة المعهودة... 129

وضع الجبهة على موضع مرتفع وبيان صور المسألة... 130

وضع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه وبيان صور المسألة... 135

كيفية سجود من بجبهته دمل أو قرحة... 148

حكم العاجز عن الانحناء للسجود... 153

لو حرك إبهامه حال الذكر عمدا... 157

لو ارتفعت جبهته عن الأرض قهرا... 159

السجود على غير الأرض تقية... 161

نسيان السجدة في غير الركعة الأخيرة... 161

نسيان السجدة في الركعة الأخيرة... 165

حول توثيق معلى بن خنيس... 166

الصلاة على ما لا تستقر المساجد عليه... 168

وجوب رفع المسجد وإن استلزم رفع اليدين... 168

فصل في مستحبات السجود ومكروهاته... 170 - 187

التكبير حال الانتصاب من الركوع قائما أو قاعدا... 170

استحباب الارغام بالأنف حال السجود... 172

كراهة الاقعاء في الجلوس بين السجدتين... 179

كراهة نفخ موضع السجود... 179

كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود... 179

معروفية استحباب جلسة الاستراحة... 179

ما يمكن أن يستدل به على الوجوب... 180

نيسان جلسة الاستراحة... 187

فصل في سائر أقسام السجود... 188 - 242

وجوب سجدة التلاوة لقراءة إحدى العزائم... 188

هل تجب السجدة لتلاوة نفس كلمة السجدة دون تمام الآية؟... 189

اختصاص الحكم بالمستمع دون السامع... 192

الكلام في وثاقة محمد بن عيسى بن عبيد... 193

موارد استحباب سجدة التلاوة... 198

عدم وجوب السجدة على الكاتب والمتصور والناظر إلى الكتابة... 201

فورية وجوب السجدة... 202

جواز السجود لدى التذكر لمن نسيانها... 205

وجوب السجود لمن عصى الفورية... 207

لو قرأ بعض الآية واستمع البعض الآخر... 207

لو قرأ آية السجدة غلطا أو سمعها ممن قرأها غلطا... 208

تكرر السجود بتكرر القراءة أو الاستماع... 208

عموم الحكم للاستماع إلى الصبي أو المجنون مع قصدهما القرآنية... 210

حكم من قرأ آية السجدة أو سمعها وهو في الصلاة... 210

إذا سمع آية السجدة وهو في السجود... 211

لزوم سبق نية السجود عليه من باب المقدمية... 212

اعتبار قصد القرآنية في قراءة آية السجدة... 212

الاستماع إلى آلة التسجيل أو الحيوان أو المجنون أو الصبي غير القاصدين... 213

الاستماع إلى الإذاعة أو التليفون... 213

اعتبار تمييز المراد وتشخيص الحروف والكلمات في وجوب السجدة... 214

قراءة ترجمة الآية أو استماعها... 214

اعتبار النية وعدم علو المسجد بما يزيد على أربعة أصابع... 214

اعتبار وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ووضع المساجد السبعة... 215

ما استدل على عدم اعتبار وضع سائر المساجد... 216

الكلام في وثاقة جعفر بن محمد بن مسرور... 217

هل تعتبر الطهارة من الحدث في سجود التلاوة؟... 220

وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة في سجدة الحائض... 223

المختار في المقام... 226

عدم اعتبار الطهارة عن الجنابة في سجود التلاوة... 227

عدم اعتبار الطهارة من الخبث في سجود التلاوة... 228

عدم اعتبار الاستقبال في سجود التلاوة... 228

عدم اعتبار طهارة موضع الجبهة ولا ستر العورة ولا صفات الساتر... 229

اعتبار تكبيرة الافتتاح ولا التشهد ولا التسليم... 230

الكلام في وجوب التكبير بعد رفع الرأس من سجود التلاوة... 230

صحة طريق ابن إدريس إلى كتاب محمد بن علي بن محبوب... 231

عدم وجوب الذكر في سجود التلاوة... 233

إذا سمع القراءة مكررا وشك بين الأقل والأكثر... 235

عدم اعتبار الجلوس بين كل سجدة وأخرى عند تعدد السجدة... 236

استحباب سجدة الشكر وما يستحب فيها... 236

استحباب السجود بقصد التذلل أو التعظيم لله... 238

حرمة السجود لغير اللّه تعالى... 239

توجيه سجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب ليوسف... 240

فصل في التشهد... 242 - 294

استعراض الروايات الدالة على وجوب التشهد... 243

نقد الروايات التي يظهر منها وعدم وجوب التشهد... 244

نسيان التشهد... 246

واجبات التشهد... 246

1 - الشهادتان... 246

استعراض الروايات الدالة على قول المشهور... 247

نقد مقالة الجعفي في المقام... 248

نقد مقالة الصدوق في المقام... 249

2 - الصلاة على محمد وآل محمد صلی اللّه عليه وآله... 251

الأقوال في المسألة... 251

استعراض الروايات الدالة على وجوب الصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله... 252

مناقشات حول دلالة الروايات على الوجوب... 253

ذكر الروايات التي قد يستدل بها على عدم الوجوب... 253

الكلام في الاجتزاء بالتشهد بغير الكيفية المعروفة... 262

الأقوال في كيفية الصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله... 267

لزوم تكرار الشهادة وعدم الاجتزاء بالعطف... 273

3 - الجلوس بمقدار الذكر... 274

استعراض الروايات في المقام... 274

4 - الطمأنينة فيه... 276

5 - الترتيب بين الشهادتين... 276

اعتبار الترتيب بين الشهادتين وبين الصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله... 277

6 - الموالاة بين الفقرات والكلمات والحروف... 278

7 - تأديتها على الوجه الصحيح... 278

حكم الإقعاء حال التشهد وبين السجدتين... 279

وجوب تعلم التشهد لمن لا يعلمه... 285

صور من لم يتمكن من التعلم... 286

مستحبات التشهد... 291

فصل في التسليم... 294 - 348

الخلاف في وجوب التسليم أو استحبابه... 294

الأخبار التي استدل بها على وجوب التسليم... 295

الأخبار التي استدل بها على عدم وجوب التسليم... 310

نسيان التسليم وتذكره بعد إتيان المنافي... 319

وجوب الجلوس والاطمئنان عند التسليم... 324

الخلاف في صيغة التسليم... 324

استحباب الصيغة الثانية والكلام في أنه مستحب نفسي أم لا؟... 329

عدم كون «السلام عليك أيها النبي» من صيغ التسليم... 330

كفاية «السلام عليكم» في الصيغة الثانية... 334

عدم كفاية «سلام عليكم»... 338

الاتيان ببعض المنافيات قبل التسليم... 340

لا يعتبر في السلام نية الخروج عن الصلاة... 341

وجوب تعلم السلام... 342

استحباب التورك في الجلوس حال السلام وكراهة الاقعاء... 343

قصد التحية بالتسليم... 343

استحباب الايماء بالتسليم الأخير... 346

لو دخل الوقت قبل الاتيان بالسلام... 346

فصل في الترتيب... 348 - 352

الأخبار الدالة على وجوب الترتيب بين أفعال الصلاة... 348

صور الاخلال بالترتيب وحكمها... 349

مخالفة الترتيب في الركعات... 350

فصل في الموالاة... 352 - 358

دليل اعتبار الموالاة بين الحروف والكمالات والآيات... 352

حكم الاخلال بالموالاة عمدا أو سهوا... 353

حكم الاخلال بالتكبيرة أو التسليم سهوا... 353

دليل اعتبار الموالاة بين أفعال الصلاة... 354

تطويل السجود أو الركوع أو قراءة السور الطوال... 354

عدم اعتبار الموالاة العرفية بين الأفعال... 355

لو نذر الموالاة العرفية في الصلاة... 355

فصل في القنوت... 358 - 397

الأقوال في استحباب القنوت أو وجوبه... 358

أدلة وجوب القنوت في الصلاة ومناقشتها... 359

أدلة استحباب القنوت... 364

استحباب القنوت في جميع النوافل حتى الشفع... 369

الكلام في جواز تأخير القنوت إلى ما بعد الركوع... 370

القنوت في صلاة الوتر قبل الركوع... 372

موضع القنوت في صلاة العيدين... 373

محل القنوت وعدده في صلاة الجمعة... 373

هل يشترط في القنوت رفع اليدين؟... 380

ذكر القنوت... 383

قراءة القرآن في القنوت... 384

قراءة الأشعار في القنوت... 384

القنوت بالفارسية... 385

أفضلية قراءة كلمات الفرج في القنوت... 388

بدء القنوت وختمه بالصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله... 389

القنوت الجامع... 389

القنوت بالملحون... 391

جواز الدعاء في القنوت لمؤمن أو على ظالم... 392

الدعاء لطلب الحرام... 392

استحباب إطالة القنوت خصوصا في الوتر... 393

المستحبات حال القنوت... 394

استحباب الجهر بالقنوت... 394

وجوب القنوت بالنذر... 394

نسيان القنوت... 395

اشتراط القيام في القنوت... 395

مساواة المرأة للرجل في الصلاة إلا في أمور... 395

فصل في التعقيبات... 397 - 401

فصل في الصلاة على النبي صلی اللّه عليه وآله... 401 - 411

الخلاف في وجوب الصلاة على النبي أو استحبابه... 401

استعراض طوائف من الروايات في المسألة... 402

نقد تفصيل الحدائق في المقام... 407

تكرار الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله عند تكرار اسمه... 408

فروع في المقام... 408

استحباب الصلاة عليه صلی اللّه عليه وآله عند ذكر سائر الأنبياء أو الأئمة... 410

فصل في مبطلات الصلاة... 411 - 421

1 - فقد بعض الشرائط أثناء الصلاة... 411

2 - الحدث أثناء الصلاة... 411

أدلة بطلان الصلاة بالحدث عمدا أثنائهما... 411

أدلة بطلان الصلاة بالحدث سهوا... 414

أدلة بطلان الصلاة بالحدث اضطرارا... 414

نقد التفصيل بين المتيمم الذي يحدث وغيره... 416

نسبة عدم قاطعية الحدث بعد السجدتين في الأخيرة إلى الصدوق... 418

حكم الحدث بعد الشهادة قبل التسليم... 420

3 - التكفير في الصلاة... 421

كون التكفير مما ابتدع بعد عصر النبي صلی اللّه عليه وآله... 421

حرمة التكفير بقصد الجزئية وبطلان الصلاة به... 422

حرمة التكفير بعنوان العبودية والخضوع... 422

الكلام في حرمة التكفير ذاتا وبطلان الصلاة به... 422

معنى التكفير... 427

حكم التكفير سهوا أو اضطرارا... 427

إذا ترك التكتف المضطر إليه لتقية ونحوها... 429

4 - الالتفات أثناء الصلاة... 430

الخلاف في المراد بالالتفات القاطع للصلاة... 430

استعراض الروايات في المسألة... 430

بطلان الصلاة بالالتفات في الأكوان المتخللة... 434

حكم الالتفات السهوي... 434

الالتفات في الأخيرتين أو ثالثة المغرب أو ثانية الغداة... 435

5 - التكلم في الصلاة... 437

الروايات الدالة على بطلان الصلاة بتعمد الكلام... 437

هل المراد بالتكلم خصوص ما تركب من حرفين فصاعدا؟... 438

هل يختص الكلام بالموضوع أو يشمل المهمل؟... 438

اشتراط العلم بمعنى اللفظ والتفاته إليه... 440

لو تكلم بحرفين وكان ثانيهما من اشباع حركة الأول... 441

التكلم بحرفين من غير تركيب... 441

عدم كون المد بنفسه حرفا... 442

التلفظ بحرف واحد من حروف المعاني... 442

التنحنح والأنين والتأوه ونحوها... 443

إذا قال : آه من ذنوبي أو من نار جهنم... 443

عدم الفرق في بطلان الصلاة بالتكلم بين وجود مخاطب وعدمه... 444

الاضطرار أو الاكراه على التكلم... 444

حكم التكلم السهوي... 445

جواز الدعاء في جميع أحوال الصلاة... 445

جواز قراءة القرآن في جميع أحوال الصلاة... 446

الدعاء بالمحرم... 446

الدعاء بغير العربي... 447

الاتيان بالذكر بقصد تنبيه الغير... 448

حكم الدعاء مع مخاطبة الغير... 450

تكرار الذكر لوسوسة أو غيرها... 450

ابتداء المصلي بالسلام... 451

قصد الدعاء بالسلام... 452

قصد القرآن بالسلام... 452

رد السلام أثناء الصلاة... 454

طوائف الروايات في المقام... 455

ما دل على عدم جواز رد السلام في الصلاة... 457

إذا عصى رد السلام واشتغل بالصلاة... 458

اعتبار المماثلة بين السلام ورده في الصلاة... 459

لو قال المسلم : عليكم السلام... 461

لو سلم بالملحون... 463

لو سلم صبي أو امرأة على المصلي... 464

لو سلم الرجل على امرأة وهي تصلي... 464

لو سلم على جماعة منهم المصلي فرد الجواب غيره... 466

هل يسقط وجوب الرد برد الصبي المميز؟... 467

هل يجوز رد المصلي بعد رد غيره؟... 467

إذا قال : سلام ، بدون عليكم... 468

كفاية الجواب مرة عن التسليمات المتعددة... 469

شك المصلي في دخوله في المسلم عليهم... 471

فورية وجوب رد السلام... 471

وجوب إسماع رد السلام... 473

استثناء من سلم ومشى سريعا ، أو كان أصم... 475

لو كانت التحية بغير لفظ السلام... 476

شك المصلي في صيغة السلام... 478

السلام على المصلي... 478

وجوب رد السلام كفائي وإن بقي الاستحباب برد البعض... 480

عدم سقوط الرد برد من لم يكن داخلا في من سلم عليهم... 481

الابتداء بالسلام مستحب كفائي... 481

سلام الأجنبي على الأجنبية وبالعكس... 482

السلام على الكافر... 483

رد سلام الذمي... 484

استحباب سلام الماشي على الراكب و ... 486

رد سلام الممازح والمتمسخر... 487

السلام على أحد شخصين... 487

تقارن سلام شخصين... 487

رد سلام الواعظ من أهل المنبر... 489

استحباب الرد بالأحسن... 489

استحباب تسميت العاطس حتى في الصلاة... 490

استحباب رد العاطس التسميت... 492

6 - القهقهة في الصلاة... 493

بطلان الصلاة بتعمد القهقهة فيها... 493

الخلاف في بطلان الصلاة بالاضطرار إلى القهقهة... 494

الضحك المشتمل على الصوت تقديرا... 495

7 - البكاء في الصلاة... 497

دليل بطلان الصلاة بالبكاء المشتمل على الصوت... 497

الكلام في بطلان الصلاة بالبكاء غير المشتمل على الصوت... 499

البكاء للخوف من اللّه... 500

البكاء اضطرارا... 500

الكباء سهوا... 500

8 - الفعل الماحي لصورة الصلاة... 501

عدم مبطلية الفعل الكثير إذا كان مسانخا للصلاة كالسور الطوال... 501

9 - الأكل والشرب... 504

حكم الأكل والشرب متعمدا... 504

حكم الأكل والشرب سهوا... 506

شرب الماء في صلاة الوتر... 507

10 - قول آمين... 510

أنحاء التأمين المتصور في المقام... 510

طوائف الأخبار في المقام... 511

11 - حدوث الشك المبطل... 515

12 - زيادة أو نقيصة الجزء... 515

لو شك بعد السلام في أنه أحدث في أثناء الصلاة أو لا؟... 516

لو شك في أنه نام في أثناء الصلاة أو بعدها... 516

لو رأى نجاسة في المسجد أثناء الصلاة... 517

البكاء على الحسين عليه‌السلام في الصلاة... 518

لو شك بعد الفعل الكثير في بقاء صورة الصلاة... 519

فصل في مكروهات الصلاة... 521 - 523

أدلة حرمة قطع الفريضة ومناقشتها... 523 - 533

ينقسم حكم قطع الفريضة بانقسام الأحكام الخمسة... 528

قطع النافلة المنذورة... 528

قطع الصلاة لإزالة نجاسة المسجد... 529

قطع الصلاة لأداء الدين... 531

صحة صلاة من لم يقطع صلاته مع وجوبه عليه... 531

استحباب التسليم عند قطع الصلاة... 533

فهرس الموضوعات... 536

الصورة

555-15