ghaemiyeh.com
سرشناسه : خوئی، سیدابوالقاسم، 1278 - 1371.
عنوان و نام پديدآور : المستند في شرحالعروةالوثقی/ [محمدکاظم یزدی]؛ تقریرا الابحاث ابوالقاسم الموسویالخوئی؛ تالیف مرتضی البروجردی.
مشخصات نشر : قم: موسسه احیاء آثارالامامالخوئی (قدس)، 14ق.= 20م.= 13.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : موسوعهالامامالخوئی.
شابک : ج.11، چاپ دوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 11، چاپ سوم: 964-6812-43-0 ؛ ج. 12، چاپ سوم: 964-6812-44-9 ؛ ج. 13، چاپ سوم: 964-6812-46-X ؛ ج. 14: 964-6812-50-3 ؛ ج. 15: 964-6812-53-8 ؛ ج. 16، چاپ سوم 964-6337-00-4 : ؛ ج. 17، چاپ سوم: 964-6337-04-7 ؛ ج. 18، چاپ سوم: 964-6337-03-9 ؛ ج. 19، چاپ سوم 964-6337-02-0 :
وضعیت فهرست نویسی : برون سپاری
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر قبلا تحت عنوان "مستندالعروهالوثقی" به چاپ رسیده است.
يادداشت : فهرستنویسی بر اساس جلد یازدهم: 1421ق. = 2000م. = 1379.
يادداشت : ج.11( چاپ دوم: 1426ق.= 2005م.= 1384).
يادداشت : ج. 11 -18 (چاپ سوم : 1428ق. =2007م. = 1386).
يادداشت : ج.14 (چاپ سوم:1421ق.= 1379).
يادداشت : ج.30 (چاپ؟: 1422 ق. = 1380).
يادداشت : ج.30 (چاپ سوم: 1428ق. = 2007م. = 1386).
يادداشت : عنوان عطف: شرح عروهالوثقی.
یادداشت : کتابنامه.
مندرجات : ج.11 الصلاه.-ج.30. الاجاره.
عنوان عطف : شرح عروهالوثقی.
عنوان دیگر : العروهالوثقی. شرح.
عنوان دیگر : شرحالعروهالوثقی.
موضوع : یزدی، سیدمحمدکاظم بن عبدالعظیم، 1247؟ - 1338؟ ق . عروهالوثقی -- نقد و تفسیر
موضوع : فقه جعفری -- قرن 14
شناسه افزوده : یزدی، سیدمحمدکاظمبن عبدالعظیم، -1253 1338؟ق.
شناسه افزوده : بروجردی، مرتضی، 1377-1308.
شناسه افزوده : موسسه احیاء آثار الامام الخوئی (ره)
رده بندی کنگره : BP183/5/ی4ع4021377 1300 ی الف
رده بندی دیویی : 297/342
شماره کتابشناسی ملی : م79-21167
اطلاعات رکورد کتابشناسی : ركورد كامل
المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فهرست قبلی
المؤلف: الشيخ مرتضى البروجردي
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدّس سرّه
الطبعة: 3
الموضوع : الفقه
تاريخ النشر : 1421 ه.ق
ISBN (ردمك): 964-8612-44-9
المكتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَی سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ
وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَی أَعْدَائِهِم أَجْمَعِينَ
مِنَ الآنِ إِلَی قِيَامِ يَومِ الدِّينْ
الْمُسْتَنَدُ فِي شَرْحِ العُرْوَةِ الوُثْقَی
تقرير الإبحاث
الأستاذ الأعظم سماحة آية اللّه العظمی السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي قدس سره
«1317 - 1413 ه»
الصلاة
تأليف آية اللّه الشهيد الشيخ مرتضی البروجردي قدس سره
طبعة منقحة
مؤسسة الخوئي الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة ومسجّلة لمؤسسة الخوئي الإسلامية
الجزء الثاني عشر
الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي قدس سره
(مؤسسة الخوئي الإسلامية)
هاتف: 2932264 251 98+ - 1530367 912 98+
تاريخ الطبع: 1430 ه ، 2009 م
المطبعة: نينوي
الطبعة: الرابعة
عدد النسخ: 1000 دورة
9 - 44 - 6812 - 964 : ISBN
Email:info@alkhoei.net
www.alkhoei.com
www.alkhoei.net
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على نبيّنا محمد وآله الطاهرين الغرّ الميامين.
يجب الاستقبال في مواضع : أحدها الصلوات اليومية (1)
(1) لا إشكال في اعتبار الاستقبال في الصلوات اليومية ، ويشهد له مضافاً إلى الإجماع من المسلمين ، بل لعله من ضروريات الدين قوله تعالى ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... ) إلخ (1)بضميمة النصوص الكثيرة الواردة في تفسير الآية المباركة ، المتضمنة لكيفية تحويل القبلة وهو صلی اللّه عليه وآله في صلاة الظهر أو في صلاة العصر (2)التي لا تبعد فيها دعوى التواتر فلاحظ.
ويدلّ عليه أيضاً صحيح زرارة : « لا صلاة إلا إلى القبلة » (3)فإنّها ظاهرة في نفي حقيقة الصلاة عن الفاقدة للاستقبال على حدّ قوله عليهالسلام : لا صلاة إلا مع الطهور أو بفاتحة الكتاب (4)، بل مقتضى إطلاق هذا الظهور اعتبار الاستقبال في حالتي العجز والاختيار كما في المثالين ، فيحكم بسقوط الصلاة لدى العجز عن الشرط لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، لكن يرفع اليد عن هذا الظهور بمقتضى الأخبار الأُخر الدالة على سقوط هذا الشرط لدى العجز وأنّه « يجزئ المتحير أبداً أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة » (5)كما مرّ.
أداءً وقضاءً (1) وتوابعها من صلاة الاحتياط للشكوك (2).
ويدلّ عليه أيضاً استثناء القبلة في صحيحة لا تعاد (1)، فإنّ الأمر بالإعادة عند الإخلال بالقبلة نسياناً يدلّ على اعتبارها في الصلاة ودخلها فيها كما هو ظاهر.
(1) كما يدلّ عليه بعد الإجماع وإطلاق ما تقدم ما دلّ على أنّ صلاة القضاء هي بعينها الصلاة الأدائية (2)ولا فرق بينهما إلا من حيث الوقوع في الوقت وخارجه ، فكلّ ما يعتبر في الثانية بعينه معتبر في الأُولى بملاك واحد.
(2) وهذا أيضاً لا إشكال فيه ، سواء قلنا بأنّ ركعة الاحتياط جزء من الصلاة حقيقة قد تأخّر ظرفها تعبداً والتسليم مغتفر ، أم قلنا بأنّها ركعة مستقلة يتدارك معها النقص المحتمل.
أمّا على الأوّل فاعتبار الاستقبال فيها ظاهر. وكذا على الثاني ، فإنّ التدارك والجبر لا يكاد يتحقق إلا مع التحفظ على كلّ ما يعتبر في الركعة المنجبرة من الأجزاء والشرائط التي منها الاستقبال.
وبالجملة : مفهوم الاحتياط الذي تتقوم به حقيقة هذه الركعة يستدعي رعاية الشرط المزبور ، وإلا فليس ذلك من الاحتياط في شيء كما لا يخفى.
ولا ينافيه ما في بعض الأخبار من التعبير عنها بالنفل على تقدير عدم النقص ، بناءً على عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حتى في حال الاستقرار. بداهة أنّ الحكم عليها بالنافلة فرع وقوعها على صفة الصحة على كل تقدير ومع عدم الاستقبال لا تتصف بالصحة على تقدير النقص واقعاً كما عرفت آنفاً. فلا بدّ من الفراغ عن صحتها المنوطة برعاية الشرط المزبور ثم الحكم عليها بكونها نافلة عند انكشاف عدم النقص.
وقضاء الأجزاء المنسية (1) بل وسجدتي السهو (1)(2)
(1) والوجه في اعتبار الاستقبال فيها ظاهر جدّاً ، فإنّ السجدة المقضية مثلاً بعينها هي السجدة الصلاتية ، فهي جزء من الصلاة حقيقة وإن تأخر ظرفها لدى النسيان فيدلّ على اعتبار الشرط المزبور فيها كل ما دلّ على اعتباره في أصل الصلاة ، إذ المركّب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر ، فكلّ ما يعتبر في صحة الصلاة معتبر في أجزائها لا محالة.
(2) هذا لا دليل عليه ، لعدم كونهما من أجزاء الصلاة كي يدل على اعتباره فيهما ما دل على اعتباره في الصلاة كما في الأجزاء المنسية على ما مرّ ولذا لا يكون الإخلال بهما ولو عمداً موجباً لبطلان الصلاة وإن كان آثماً ، بل هما عمل مستقل شرعتا لإرغام أنف الشيطان الذي هو الموسوس في الصدر والموقع للإنسان في السهو ، فيتدارك ذلك بأبغض الأشياء إليه وهو السجود كي لا يعود ، ومن هنا سميتا بالمرغمتين كما صرّح بذلك في الأخبار (2)، ولا دليل على اعتبار الاستقبال في هذا العمل المستقل.
نعم ، ورد في بعض الأخبار المتضمنة لسهو النبي صلی اللّه عليه وآله أنّه قال عليهالسلام : « فاستقبل القبلة وكبّر وهو جالس ثم سجد سجدتين » (3)لكنّها مضافاً إلى ضعف سندها وإلى اشتمالها على ما لا يعوّل به معظم الشيعة من تجويز السهو على النبي صلی اللّه عليه وآله قاصرة الدلالة على المطلوب فإنّها حكاية فعل لا لسان له كي يدل على الوجوب ، بل غايته الرجحان ، ولا إشكال في رجحان الاستقبال في هاتين السجدتين ، وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
وكذا فيما لو صارت مستحبة بالعارض كالمعادة جماعة أو احتياطا (1).
وكذا في سائر الصلوات الواجبة كالآيات ، بل وكذا في صلاة الأموات (2) ويشترط في صلاة النافلة في حالة الاستقرار (1)(3).
(1) أمّا المعادة احتياطاً وجوباً أو استحباباً فلعدم تأدّي الاحتياط إلا بالإتيان بالفعل واجداً لجميع ما يعتبر فيه كي يرتفع معه احتمال عدم الإتيان بالواقع ، ولا يتحقق ذلك إلا مع رعاية الاستقبال كما هو ظاهر جدّاً.
وأمّا المعادة جماعة فلأن معنى الإعادة هو الإتيان بالوجود الثاني للطبيعة ولا يكون ذلك إلا مع اشتراكه مع الوجود الأوّل في جميع الخصوصيات ، وإلا لم يكن إعادة له كما هو واضح ، ومن هنا ذكر في بعض روايات الباب أنّ اللّه يختار أحبّهما إليه (2).
(2) لإطلاق الأدلة المتقدمة في الصلوات اليومية ، وإن كان شمولها لمثل صلاة الأموات مبنياً على ضرب من التوسع كما لا يخفى ، لعدم كونها من حقيقة الصلاة في شيء ، وإنما هي تكبير وتحميد ودعاء وتهليل ، إلا أنّه تكفينا الأدلّة الخاصة الدالّة على اعتبار الاستقبال فيها بالخصوص كما تقدمت في صلاة الجنائز (3).
(3) يقع الكلام تارة في اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار ، وأُخرى في اعتباره فيها حال السير من المشي أو الركوب في السفر أو الحضر ، فالكلام يقع في مقامين:
أمّا المقام الأوّل : فقد نسب إلى المشهور اعتبار الاستقبال عند الاستقرار لكن المحكي عن الشهيد في الذكرى أنّ جماعة كثيرين من القدماء والمتأخرين
ذهبوا إلى عدم الاشتراط (1)فيظهر من ذلك أنّ المسألة ذات قولين من دون شهرة في البين ، وإن كان لا يبعد أن يكون المشهور هو الأول لكثرة القائل به وقد ذهب إلى الثاني الشهيد في الذكرى (2)وهو ظاهر إطلاق المحقق في الشرائع (3)وصريح المحقق الهمداني (4)وغيرهم.
وكيف كان ، فالمتّبع هو الدليل. ويقع الكلام حينئذ تارة في وجود المقتضي للاشتراط المزبور ، واخرى في وجود المانع بعد الفراغ عن المقتضي ، فهنا جهتان :
أمّا الجهة الأُولى : فقد استدلّ لاشتراط الاستقبال في المقام بوجوه :
الأوّل : أنّ العبادات توقيفيّة ، فما لم يثبت ترخيص من قبل الشارع في الإتيان بها بكيفية خاصة لم يكن مساغ للحكم بمشروعيته ، والمقدار الثابت من مشروعية النوافل الإتيان بها مراعياً للاستقبال دون غيره ، فبمقتضى أصالة التوقيفية يحكم بعدم المشروعية.
ويندفع : بما حقق في الأُصول من جواز الرجوع إلى أصالة البراءة عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية في الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين (5)فاعتبار الاستقبال في النوافل مشكوك يدفع بالبراءة ، وبها تثبت المشروعية ، ومعه لا مجال لدعوى التوقيفية كما لا يخفى.
الثاني : قاعدة إلحاق النوافل بالفرائض ومشاركتهما في جميع الخصوصيات ما لم يثبت الخلاف.
وهذا الوجه جيد ، وتوضيحه : أنّ الفرض والنفل ليسا من الخصوصيات
التي تتغير معها حقيقة المأمور به وماهيّة ما تعلّق به الطلب ، بل الطبيعة الصلاتية مثلاً قد يطرؤها الوجوب وأُخرى يحكم عليها بالندب مع اتحاد الماهية في كلتيهما على حدّ سواء ، فبعدما بيّن الشارع الأقدس حقيقة الصلاة الواجبة بما لها من الأجزاء والشرائط ، ثم قال : صلّ ركعتين تطوعاً أو تنفّل ثمان ركعات جوف الليل. لا ينسبق من ذلك إلى الذهن إلا إرادة نفس تلك الصلاة المعهودة التي بيّنها لدى تشريع الفريضة.
ومن هنا لا يكاد يشك أحد في شرطية الطهارة في النافلة ولزوم السجدتين ، وكذا الركوع قبلهما لا في الأثناء ولا بعدهما ، وكذا مانعية النجاسة ولبس ما لا يؤكل وغير ذلك من سائر الأجزاء والشرائط والموانع ، مع أنّه لم يرد تنصيص على شيء من ذلك في باب النوافل بالخصوص. وليس ذلك إلا من جهة الاعتماد في هذه الأمور على ما هو المقرّر في الشريعة المقدسة لبيان ماهية الصلاة التي لا يفرق الحال فيها بحسب الفهم العرفي بين اتصافها بالوجوب أو الاستحباب ما لم يصرّح الشارع بالفرق بينهما في بعض الأحيان بل لو لم يرد تجويز التنفل مستدبراً حال السير لم يكن مجال لتوهمه حال الاستقرار لما ذكر.
وكذا الحال في غير الصلاة من الصوم ونحوه من سائر العبادات ، فاذا ورد بعد بيان حقيقة الصوم الواجب وما يكون مفطراً له استحباب الصوم أول رجب مثلاً لم يفهم منه إلا إرادة ذلك الصوم بعينه ، فلا حاجة إلى بيان انّ الارتماس مثلاً مفطر لهذا الصوم بالخصوص ، بل يعتمد على البيان الأول.
وعلى الجملة : فالقاعدة الأولية المرتكزة في أذهان المتشرعة تقتضي مشاركة النفل مع الفرض في جميع الخصوصيات ما لم يرد تنصيص على الخلاف ، ومقتضاها اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار كما في الفريضة.
الثالث : حديث لا تعاد (1)، فانّ استثناء القبلة يكشف عن دخلها في حقيقة
1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 1.
الصلاة كبقية المذكورات ، ولذا أمر بالإعادة عند الإخلال بها ولو نسياناً ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الفريضة والنافلة.
وفيه : انّ الحديث لم يرد في مقام التشريع كي ينعقد له الإطلاق ، بل سيق لبيان الإطلاق والتقييد في أجزاء الصلاة وشرائطها بالإضافة إلى حالتي الاختيار والاضطرار ، وأنّها مختلفة من هذه الجهة ، فما عدا الخمسة بأجمعه مختص بحال التمكّن ، وأمّا الخمسة المستثناة المعتبرة بأدلتها في مواردها على ما هي عليها من عموم أو خصوص فقد لوحظ اعتبارها على سبيل الإطلاق ، فالحديث وارد لبيان حكم آخر ، فلا يستفاد منه أنّ مطلق الصلاة تعاد لكلّ من هذه الخمسة كما لا يخفى.
الرابع : وهو العمدة صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : « قال : لا صلاة إلا إلى القبلة ، قال قلت : أين حدّ القبلة؟ قال : ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه ، قال قلت : فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت ، قال : يعيد » (1). فانّ قوله عليهالسلام في الصدر : « لا صلاة إلا إلى القبلة » الظاهر في نفي الحقيقة عن الفاقد لها شامل بمقتضى الإطلاق للفريضة والنافلة ، غايته أنّه خرج عنه حال العجز مطلقاً ، وحال السير في خصوص النوافل بالأدلّة الخاصة فيبقى الباقي تحت الإطلاق.
وقد نوقش فيها من وجهين :
أحدهما : أنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق الصدر بعد اختصاص الذيل وهو قوله عليهالسلام : « يعيد » بالفريضة ، لوضوح عدم وجوب إعادة النافلة الفاقدة لشرط أو جزء ، فيكون ذلك قرينة على تخصيص الصدر بها. ويؤيده اشتمال الذيل على الوقت مع انّ التوقيت شأن الفريضة دون النافلة.
ويندفع : بابتناء الإشكال على ظهور قوله عليهالسلام : « يعيد » في الوجوب المولوي كي يختص بالفريضة ، وليس كذلك بل هو إرشاد إلى فساد
1) الوسائل 4 : 312 / أبواب القبلة ب 9 ح 2.
الصلاة وبطلان العبادة من جهة فقد الشرط أو الاقتران بالمانع المشترك بين الفريضة والنافلة من دون أن يتضمّن حكماً مولوياً أصلاً ، وكم له نظير في لسان الأخبار.
وأمّا التأييد فساقط جدّاً ، فانّ النوافل الموقتة ليست بعزيزة كالرواتب اليومية وغيرها ، فلا يختصّ التوقيت بالفرائض بالضرورة.
هذا ومع الغض عما ذكر وتسليم اختصاص الذيل بالفريضة فهو سؤال وجواب مستقل لا ربط له بالصدر ، بحيث لو فرض عدم تذييله به لم يكن خلل في استفادة المراد منه وظهوره في الإطلاق ، ولما تعرض الإمام عليهالسلام لهذا الجواب كي يكون شاهداً على المراد. فالسؤال الثاني الذي يتضمنه الذيل ليس من متممات الصدر كي يكون قرينة للتصرف فيه ، بل هو مستقل برأسه غير منوط بما قبله ، منفصل عما تقدمه ، فلا مقتضي لتخصيص الصدر به أصلاً كما لا يخفى ، فتدبّر جيداً.
ثانيهما : ما ذكره المحقق الهمداني قدسسره (1)من عدم ظهور للصحيحة في الإطلاق بحيث يشمل الفريضة والنافلة.
وحاصل ما أفاده قدسسره في المقام : أنّ تعلّق الحكم بأفراد الطبيعة على سبيل الاستغراق بنحو يتضمّن العموم الأفرادي والأحوالي قد يكون مع تعدد الدالّ والمدلول ، واخرى مع وحدة الدالّ وإن تعدد المدلول.
فالأوّل كما في ألفاظ العموم مثل قوله : أكرم كل عالم. فإنّ أداة العموم لا تدلّ إلا على شمول الحكم وسريانه لكلّ فرد فرد ، وأمّا وجوب الإكرام لكلّ فرد في كلّ حال المعبّر عنه بالعموم الأحوالي فهو خارج عن الدلالة الوضعية ولا تكاد تتكفّله أداة العام ، إذ مفادها ليس إلا الوجوب في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية ، وإنّما يستفاد ذلك من دالّ آخر ، وهي مقدمات الحكمة لو كانت المفيدة للإطلاق ، وعليه فلو ورد في دليل آخر عدم وجوب إكرام
1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 110 السطر 2.
زيد أو إكرام كلّ عالم في يوم الجمعة مثلاً لم يكن ذلك مصادماً للعموم ، لعدم التنافي بين الموجبة والسالبة الجزئيتين ، وإنما يكون مصادماً مع الإطلاق فيتقيد به ، فلا مقتضي لارتكاب التخصيص في العام وإخراج الفرد عن تحته.
وأمّا الثاني فكما في النكرة الواقعة في سياق النفي كقوله عليهالسلام : « لا صلاة إلا إلى القبلة » فإنّ العموم الأفرادي والأحوالي كلاهما مستفاد من دالّ واحد ، وهو تسليط النفي على الطبيعة على سبيل الإطلاق ، فقد لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها وعنوانا مشيراً إليها ثم تعلّق النفي بكلّ فرد فرد ، ولا محالة يكون الحكم منفياً عن كلّ فرد في كلّ حال ، وإلا لم يكن ذلك نفياً للطبيعة. فالعموم الأحوالي نشأ من تسليط النفي على طبيعة كلّ فرد على الإطلاق ، وليس له دالّ آخر وراء ما دلّ على العموم الأفرادي.
ومن الواضح أنّ الخصوصيات الملابسة للأفراد من كون الصلاة مثلاً مستقراً أو ماشياً أو راكباً ، جالساً أو قائماً ، اختياراً أو اضطراراً ونحو ذلك إنّما هي من أحوال أفراد العام لا من أفراد نفس العام ، إذ ليس الفرد باعتبار الحالين فردين من العام كما لا يخفى.
وعليه فاذا ثبت من الخارج عدم اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير مثلاً فهو مصادم لدلالة الكلام ، ومنافٍ لظهوره الوحداني في العموم الأفرادي والأحوالي ، فلا بدّ من ارتكاب أحد التقييدين ، إمّا الالتزام بأنّ المراد ب- « لا صلاة » الصلاة الواجبة فتخرج النافلة عنها رأساً فيخصص عمومها الأفرادي ، أو الالتزام بتقييدها بحال الاستقرار فيتحفظ على العموم الأفرادي ويلتزم بالتقييد في الإطلاق الأحوالي ، وليس التقييد الثاني أولى من التقييد الأول إن لم نقل بأنّ الأوّل هو المتعيّن بمقتضى القرائن الداخلية والخارجية.
وكيف كان ، فلا أقل من إجمال الصحيحة وعدم ظهورها في الإطلاق الأفرادي بحيث يشمل الفريضة والنافلة.
ثم قال : ولقائل أن يقول : إنّ ما ذكر إنّما يتم لو كانت الصلاة الواقعة في
حيّز النفي في قوله عليهالسلام : « لا صلاة إلا إلى القبلة » ملحوظة بنحو النكرة ، أي لوحظت الطبيعة فانية في أفرادها فيجري حينئذ ما ذكر من الدوران بين أحد التقييدين من دون ترجيح في البين ، وأمّا إذا كانت ملحوظة بنحو اسم الجنس وأنّ طبيعة الصلاة من حيث هي لا تتحقق بلا استقبال فيكون الكلام مسوقاً لنفي الجنس المستلزم للعموم السرياني لا لنفي الفرد كي يكون له عموم أفرادي وأحوالي حتى يدور الأمر بين التصرف في أحدهما.
وعليه فالصحيحة تدل بظاهرها على انتفاء ماهية الصلاة مطلقاً عند انتفاء الاستقبال ، فلا يرفع اليد عن إطلاقها إلا بمقدار دلالة الدليل وهو النافلة في حال المشي ، ويبقى الباقي تحت الإطلاق.
وأجاب عن ذلك بأنّ الحمل على الجنس خلاف المتبادر من مثل هذا التركيب ، بل المنسبق إلى الذهن عرفاً في مثل قولنا : لا رجل في الدار ، أنّ الواقع في حيّز النفي إنّما هي النكرة دون الطبيعة بما هي ، والمعنى أنّه لا شيء من أفراد الرجل في الدار ، لا أنّ طبيعة الرجل غير موجودة فيها كي يكون عمومه عموماً سريانياً. هذا محصّل كلامه قدسسره.
أقول : يرد عليه أولاً : أنّه قدسسره قد اشتبه عليه الأمر مع جلالته وعظمته وتحقيقه وتدقيقه بين الجواهر والأعراض وخلط أحدهما بالآخر فانّ الجوهر لا يتعدد باختلاف الطوارئ والحالات ، فزيد [ فرد ] واحد لطبيعي الإنسان في جميع حالاته وعوارضه من الزمان والمكان ، والحركة والسكون والقيام والقعود وغير ذلك مما يلحقه ويتصف به ، فهو في الكلّ لا يخرج عن كونه فرداً واحداً من الطبيعة.
وهذا بخلاف العرض ، فانّ طروء الحالات عليه يوجب تعدد الأفراد لا محالة ، فالجلوس في الدار فرد مغاير مع الجلوس في المسجد ، وهما مغايران مع الجلوس في الحمام. والتكلّم القصير مغاير مع الطويل ، ومع الإخفات يغاير
الإجهار. والصلاة عند السير فرد مغاير معها عند الاستقرار ، ومع الاختيار يغاير الاضطرار وهكذا.
والسرّ أنّ الجوهر له ثبات وقرار فلا يتعدد بتعدد حالاته وعوارضه بخلاف العرض فإنّه لمكان تصرمه وعدم ثباته وقراره فكلّ حالة تطرأ عليه توجب إحداث فرد جديد للطبيعة مغاير للفرد السابق.
ومن الواضح أنّ المقام من قبيل الثاني ، فإنّ الصلاة في قوله : « لا صلاة إلا إلى القبلة » عرض من الأعراض ، فجميع الخصوصيات الملابسة لها من كونها مع الاختيار أو الاضطرار ، مع الاستقرار أو المشي أو الركوب إلى غير ذلك توجب تعدد الأفراد كالفرض والنفل.
وعليه فليست حالتا الاستقرار والسير الطارئتان على النافلة حالتين لفرد واحد كي يدور الأمر بين تقييد العموم الأفرادي والأحوالي كما أُفيد ، بل كلّ ذلك أفراد لطبيعة الصلاة ، والعموم في مثلها أفرادي ليس إلا ، فلا بدّ في التقييد من الاقتصار على مقدار دلالة الدليل وهو النافلة حال السير ، فيبقى الباقي تحت الإطلاق من دون فرق في ذلك بين أن يكون الدال على العموم وقوع النكرة في سياق النفي كما في الصحيحة أو أداة العموم كأن يقال يجب الاستقبال في كلّ صلاة ، كما لا يخفى. ولعمري إنّ هذا أوضح من أن يخفى على مثله قدسسره.
وثانياً : على تقدير التسليم فغير خفي أنّ المتبادر من مثل هذه التراكيب هو الحمل على الجنس دون النكرة ، على خلاف ما أفاده قدسسره فانّ المنسبق إلى الذهن من الألفاظ في الجواهر والأعراض كالإنسان والبياض إنّما هو الجنس ، أعني الطبيعة والماهية بما هي ، وأمّا لحاظها فانية في الأفراد كي تكون نكرة فهي تحتاج إلى مئونة زائدة وعناية خاصة لا يصار إليها بدون القرينة كما لا يخفى.
فالإنصاف : أنّ دلالة الصحيحة على الإطلاق غير قاصرة فتشمل الفريضة
والنافلة ، وهي سليمة عن شوائب الإشكال ، وبمقتضاها يحكم باعتبار الاستقبال مطلقاً ما لم يمنع عنه مانع.
الخامس : من الوجوه التي استدل بها لاعتبار الاستقبال في المقام قوله تعالى ( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (1)حيث دل بمقتضى الإطلاق على وجوب الاستقبال في عامة الصلوات وحيث ما كان المكلّف ، خرج عنه النافلة حال السير بالأدلّة الخاصة فيبقى الباقي تحت الإطلاق. نعم ، مورد الآية هي الفريضة ، لكن المورد لا يخصص الحكم بعد انعقاد الإطلاق.
لكن الاستدلال بها بمكان من الضعف ، لوضوح عدم ورود الآية المباركة في مقام بيان اعتبار الاستقبال كي يتمسك بإطلاقها ، وإلا كان مقتضاها لزوم الاستقبال في كافّة الأحوال وعامّة الأفعال من الصلوات وغيرها عملاً بإطلاق قوله تعالى ( حَيْثُ ما كُنْتُمْ ) (2)مع أنّه ضروري البطلان ، بل إنّما وردت لتعيين المستقبل ( بالفتح ) كما يشهد به التدبّر في الآيات السابقة واللاحقة ، سيما صدر نفس هذه الآية ، قال تعالى ( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ... ) إلخ (3).
فالآية إنّما سيقت لبيان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، وتعيين ما يجب استقباله فيما يجب فيه الاستقبال على إجماله من عموم أو خصوص وأمّا أنّ الاستقبال في أيّ مورد يعتبر فليست الآية في مقام بيانه كي يتمسك بإطلاقه ، نعم المتيقن إرادة الفريضة لكونها مورد نزول الآية ، وأما الاعتبار في غيرها فلا يكاد يستفاد منها بعد كونها واردة لبيان حكم آخر كما عرفت.
والمتحصّل من جميع ما تقدم : أنّ المقتضي لاعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار تام ، لصحة بعض الوجوه المتقدمة وعمدتها الوجه الرابع ، فيقع الكلام حينئذ في وجود المانع وعدمه وهي :
الجهة الثانية : وقد استدلّ المحقق الهمداني قدسسره (1)على عدم اعتبار الاستقبال حال الاستقرار بعدة من الأخبار ، التي هي بمنزلة المانع عن الأخذ بما تقدم من المقتضي.
أحدها : صحيحة زرارة التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي جعفر عليهالسلام أنّه قال له : « استقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، فان اللّه ( عز وجل ) يقول لنبيه في الفريضة ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ... ) » إلخ (2)فانّ التقييد بالفريضة يكشف عن اختصاص الاعتبار بها فلا يشترط الاستقبال في النافلة مطلقاً ، لاختصاص الآية حسب تصريح الامام عليهالسلام بالفريضة.
ويتوجه عليه أوّلاً : أنّ الصحيحة مورداً واستشهاداً ناظرة إلى بيان حكم آخر أجنبي عن محل الكلام. توضيحه : أنّ هنا بحثين :
أحدهما : في اعتبار الاستقبال في الصلاة مطلقاً ، أو اختصاصه بالفريضة فقط ، ونعني بذلك لزوم إيقاع الأجزاء الصلاتية من التكبيرة إلى التسليم حال الاستقبال ، فيبحث عن أنّ ذلك هل يختص بالفريضة أم يعم النافلة؟
ثانيهما : في قاطعية الالتفات إلى الخلف أو اليمين أو الشمال أثناء الصلاة ولو في غير حال الاشتغال بالذكر ، وأنّها هل تبطل الصلاة [ به ] مطلقاً أو في خصوص الفريضة ، وهذا بحث آخر لا يتكفله مجرد اعتبار الاستقبال في الصلاة بنفسها ، بل يحتاج إلى دليل بالخصوص كما لا يخفى.
وبالجملة : فهذان بحثان مستقلان. ومن هنا ذكرهما الفقهاء في مقامين فذكروا الاستقبال في باب الشرائط ، والالتفات في باب القواطع. ومحلّ الكلام هنا إنّما هو الأوّل ، وأمّا الصحيحة فهي ناظرة إلى المقام الثاني كما يرشد اليه قوله عليهالسلام : « ولا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد ... » إلخ ، والاستشهاد بالآية إنّما هو لهذه الغاية ، ولا نضايق من اختصاص ذلك بالفريضة عملاً بهذه الصحيحة ، فنلتزم بعدم قاطعية الالتفات أثناء النافلة ما لم يخلّ برعاية الاستقبال في نفس الأجزاء. وأمّا أصل اعتبار الاستقبال في الصلاة الذي هو محلّ الكلام في المقام كما عرفت فالصحيحة غير متعرضة لذلك رأساً ، ولا نظر فيها إلى إطلاقه أو تقييده ، فالاستدلال بها ناشٍ من الخلط بين المقامين كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ الاستدلال بها يتوقف على الالتزام بمفهوم الوصف كي يدل التقييد بالفريضة على انتفاء الحكم عن النافلة ، وهو ممنوع. نعم ، ذكرنا في محلّه في الأُصول ثبوت المفهوم للوصف لكن في الجملة (1)دون المفهوم الاصطلاحي الدال على الانتفاء عند الانتفاء كما في الجملة الشرطية.
وملخص ما قلناه : أن غاية ما يستفاد من التقييد بالوصف عدم ثبوت الحكم للطبيعة المهملة أينما سرت ، وإلا كان التقييد به من اللغو الظاهر ، فاذا ورد : أكرم الرجل العادل. دلّ التقييد على عدم كون الرجل بإطلاقه موضوعاً للحكم بحيث لو ورد في دليل آخر وجوب إكرام الرجل مطلقاً كان معارضاً لهذا الدليل ، لكنه لا يدل على انتفاء الحكم عن حصة أُخرى من الطبيعة كالهاشمي مثلاً وإن لم يكن عادلاً ، فلا معارضة بينه وبين قوله : أكرم الهاشمي وإن كان فاسقاً. كما كانت المعارضة لو صدرت الجملة السابقة على صورة القضية الشرطية ، كأن يقول : أكرم الرجل إن كان عادلاً ، بدل قوله : أكرم الرجل العادل.
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 133.
وبعبارة أُخرى : الوصف مشعر بالعلية ، دون العلية المنحصرة التي هي مناط الدلالة على المفهوم الاصطلاحي كما في أداة الشرط.
وعليه فغاية ما يستفاد من التقييد بالفريضة في الصحيحة عدم اعتبار الاستقبال في الصلاة على إطلاقها ، وأن هذه الطبيعة أينما سرت ليست موضوعاً للحكم ، ويكفي في صدق ذلك عدم اعتباره في النافلة حال السير كما دلت عليه الأدلة الخاصة على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى (1)وأن عدم ثبوت الحكم في حصة أُخرى من الطبيعة وهي النافلة حال الاستقرار الذي هو محل الكلام فليس ذلك مستفاداً من مفهوم الوصف كما عرفت.
ومن الغريب أن المحقق الهمداني قدسسره مع عدم التزامه بمفهوم الوصف رأساً كيف استدلّ بهذه الصحيحة في المقام.
ثانيها : ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب الجامع للبزنطي صاحب الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال : إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى ولا يعتد به ، وإن كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود » (2)ورواه الحميري في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام (3).
وهذه الرواية المروية بطريقين وإن كانت ضعيفة بالطريق الثاني ، لمكان عبد اللّه بن الحسن ، لكنها موثقة بالطريق الأول ، ولا يقدح (4)فيه جهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب الجامع ، لما هو المعلوم من مسلكه من إنكاره حجية الخبر الواحد وانه لا يعتمد الا على الخبر المتواتر أو ما في حكمه مما يورث
القطع بالصدور فيظهر أنّ الكتاب واصل اليه بالتواتر أو ما في حكمه. فالرواية صحيحة السند لكنها قاصرة الدلالة ، لعين ما مرّ في الصحيحة السابقة من المناقشة الاولى ، أعني ورودها في الالتفات في الأثناء إلى الخلف أو اليمين أو اليسار ، لا في اعتبار أصل الاستقبال الذي هو محل الكلام.
ثالثها : ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء؟ قال : النافلة كلّها سواء ، تومئ إيماءً أينما توجهت دابّتك إلى أن قال قلت : فأتوجه نحوها في كلّ تكبيرة؟ قال : أمّا النافلة فلا ، إنّما تكبّر على غير القبلة اللّه أكبر ، ثم قال : كلّ ذلك قبلة للمتنفّل ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) » (1)فإن موردها وإن كان الصلاة في خصوص السفر ، إلا أنّه يستفاد من قوله عليهالسلام في الذيل : « كل ذلك قبلة للمتنفل » مستشهداً بالآية المباركة الذي هو بمنزلة التعليل لما تقدمه إرادة تطبيق كبرى كلية على المقام من دون خصوصية للمورد ، وأن قبلة المتنفل على الإطلاق إنما هي حيث ما توجه ، والتنفّل في السفر من مصاديق تلك الكبرى ، وإلا فالحكم يعم المسافر والحاضر حال السير والاستقرار.
والإنصاف : أنّ الرواية قوية الدلالة ، فيصح الاستدلال بها لولا أنّها ضعيفة السند ، فانّ الروايات التي تضمنها تفسير العياشي بأجمعها مرسلة ، نشأ ذلك من حذف المستنسخ أسانيد الحديث روماً للاختصار ، زعماً منه أنّه خدمة ، غافلاً عما يترتب عليه من إسقاط تلك الروايات برمتها عن درجة الاعتبار ، سامحه اللّه وغفر له.
وقد تحصّل من جميع ما تقدم : أنّ الأقوى اعتبار الاستقبال في النافلة حال الاستقرار ، لتمامية المقتضي وعمدته صحيحة زرارة : « لا صلاة إلا إلى القبلة » (2)وعدم وجود المانع كما عرفت.
لا في حال المشي والركوب (1).
(1) المقام الثاني : في اعتبار الاستقبال في النافلة حال السير وعدمه. والكلام يقع تارة في التنفل حال المشي ، وأُخرى حال الركوب ، وعلى التقديرين فقد يكون في السفر ، وأُخرى في الحضر ، فهنا مسائل أربع :
المسألة الاولى : في التنفل في السفر حال الركوب ، ولا خلاف في سقوط اعتبار الاستقبال حينئذ ، بل تسالم عليه الأصحاب ، وعن غير واحد دعوى الإجماع عليه.
وتدلّ عليه جملة وافرة من النصوص ، بل متواترة ، وفيها الصحاح وغيرها ولنقتصر على ذكر الصحاح.
فمنها : صحيحة محمد بن مسلم قال « قال لي أبو جعفر عليهالسلام : صلّ صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل » (1).
ومنها : صحيحة الحلبي : « أنه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام عن صلاة النافلة على البعير والدابة ، فقال : نعم ، حيث كان متوجهاً ، وكذلك فعل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله » (2).
وروى الكليني عن محمد بن سنان مثله مع زيادة قوله « قلت : على البعير والدابة؟ قال : نعم حيث ما كنت متوجهاً ، قلت : أستقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال : لا ، ولكن تكبّر حيث ما كنت متوجهاً ، وكذلك فعل رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله» (3). لكن الطريق الثاني ضعيف بمحمد بن سنان ، فالعبرة إنما هو بالطريق الأول الذي رواه الشيخ عن الحلبي ، ومحمد بن سنان وإن كان مذكوراً في هذا الطريق أيضاً لكن الراوي جماعة هو أحدهم ، والعبرة بغيره فلاحظ.
ومنها : موثقة سماعة قال : « سألته عن الصلاة في السفر إلى أن قال : وليتطوّع بالليل ما شاء إن كان نازلاً ، وإن كان راكباً فليصلّ على دابته وهو راكب ، ولتكن صلاته إيماءً ، وليكن رأسه حيث يريد السجود أخفض من ركوعه » (1).
ومنها : صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلي على راحلته ، قال : يومئ إيماءً ، يجعل السجود أخفض من الركوع » الحديث (2).
ومنها : صحيحة حماد بن عيسى قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : خرج رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إلى تبوك فكان يصلّي على راحلته صلاة الليل حيث توجهت به ويومئ إيماءً » (3)إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي كما ترى تدلّ على عدم اعتبار الاستقبال إما صريحاً ، أو أنّ ذلك مفهوم منها فانّ تجويز الصلاة على المحمل أو الدابة أو الراحلة مع جريان العادة بانحرافها عن القبلة بل استدبارها يقضي بعدم الاعتبار كما لا يخفى.
ثم إن مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار عدم اعتبار الاستقبال في أيّ جزء من أجزاء الصلاة حتى التكبيرة. لكن قد يظهر من بعضها اعتباره في خصوص هذا الجزء ، وهي صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل ، قال : إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ، ثم كبر وصلّ حيث ذهب بك بعيرك ، قلت : جعلت فداك في أول الليل؟ فقال : إذا خفت الفوت في آخره » (4).
وهي وإن كانت معارضة في موردها بما رواه الكليني عن محمد بن سنان
المتضمن لعدم اعتبار الاستقبال حتى في التكبير ، المتقدم نقله آنفاً ، لكن هذه ضعيفة السند بمحمد بن سنان كما عرفت فلا تصلح لمعارضة الصحيحة. وقد عرفت أنّ الرواية بعينها نقلها الشيخ عن الحلبي خالية عن هذه الزيادة.
وعليه مقتضى القاعدة لزوم الأخذ بهذه الصحيحة السليمة عن المعارض وتقييد المطلقات بها ، عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.
لكنّا مع ذلك لا نلتزم بذلك ، ونحمل الصحيحة على الأفضلية.
أما أوّلاً : فلخلوّ هاتيك الأخبار على كثرتها وهي في مقام البيان عن التعرض لهذا القيد ، سيما وفي بعضها حكاية فعل النبي صلی اللّه عليه وآله فلو كان الاستقبال معتبراً حال التكبير لزم التنبيه عليه كما لا يخفى ، وليجعل هذا تأييداً للمطلوب. والعمدة هو الوجه الثاني.
وثانياً : أنّ قانون حمل المطلق على المقيد مختص بالواجبات ولا يشمل المستحبات كما تقرر في الأُصول (1). ولعله لهذا كانت المسألة متسالماً عليها ، ولم يقل أحد باعتبار الاستقبال حال التكبير.
المسألة الثانية : في التنفّل في السفر حال المشي ، وهنا أيضاً لا خلاف في عدم اعتبار الاستقبال ، وقد ادعي عليه الإجماع ، وتشهد له طائفة من الأخبار.
عمدتها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي ، ولا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي ، يتوجه إلى القبلة ثم يمشي ويقرأ ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثم مشى » (2).
ونحوها صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سالت أبا عبد اللّه ( عليهالسلام )
عن الصلاة في السفر وأنا أمشي ، قال : أوم إيماءً واجعل السجود أخفض من الركوع » (1).
وصحيحته الأُخرى ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلّي على راحلته إلى أن قال قلت : يصلّي وهو يمشي؟ قال : نعم ، يومئ إيماءً ، وليجعل السجود أخفض من الركوع » (2)فانّ تجويز الصلاة في السفر حال المشي مع استلزامه الانحراف عن القبلة عادة يقضي بعدم اعتبار الاستقبال في هذا الحال ، ومن الواضح أنّ إطلاق الصحيحة الأخيرة شامل لحال السفر ، بل هو المتيقّن منه كما لا يخفى.
نعم ، مقتضى صحيحة ابن عمار لزوم الإتيان بالركوع والسجود مراعياً للقبلة ، لكنّها محمولة على الأفضلية ، بقرينة الصحيحتين الأخيرتين الصريحتين في عدم وجوب الركوع والسجود وكفاية الإيماء إليهما بعد حمل الأمر به فيهما لمكان وقوعه موقع توهم الحظر على الجواز. فيستفاد من مجموع ذلك جواز ترك الركوع والسجود والاقتصار على الإيماء حال المشي ، وإن كان الأفضل أن يقف فيركع ويسجد مع مراعاة الاستقبال حينئذ لكونه في حال الاستقرار.
بقي شيء : وهو أنّك قد عرفت في المسألة السابقة سقوط الاستقبال في السفر حال الركوب بالأدلّة الخاصة ، وهل مقتضاها سقوط الاستقبال رأساً فيجوز التنفل إلى أي جهة شاء ، ولو إلى يمين الدابة أو يسارها أو خلفها كما لو ركبها مقلوباً أو على أحد جانبيها ، أو يجب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة فتكون القبلة في حقّه حينئذ رأس الدابة ، ولا يجوز الاتجاه نحو سائر الأطراف؟
المعروف بين المتأخرين هو الأول ، لعدم الدليل على الثاني ، والأدلة الخاصة لا تقتضيه ، بل مفادها إلغاء اعتبار الاستقبال في هذا الحال على الإطلاق ، ومع الشك فالأصل البراءة.
لكن الظاهر هو الثاني ، لظهور قوله عليهالسلام في تلك الأخبار : « حيث ذهب بعيرك » (1)و« حيث كان متوجهاً » (2)ونحو ذلك في وجوب استقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة (3)وعدم جواز الانحراف عنها ، فكأن ما تتوجه إليه الدابة هي القبلة الثانوية في حقه ، ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور ، مضافاً إلى التصريح به في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : « في الرجل يصلّي النوافل في السفينة ، قال : يصلي نحو رأسها » (4)، وعليه فلا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة كما لا يخفى.
المسألة الثالثة والرابعة : في التنفّل في الحضر راكباً أو ماشياً. والمشهور هو سقوط الاستقبال حينئذ ، خلافاً للمحكي عن ابن ابي عقيل فذهب إلى اعتباره في الحضر مطلقاً ، أي في حالتي السير وعدمه (5)وتبعه جماعة.
والأقوى ما عليه المشهور لجملة من النصوص :
منها : صحيحة حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول عليهالسلام : « في الرجل يصلّي النافلة وهو على دابته في الأمصار ، فقال : لا بأس » (6)فانّ الظاهر منها أنّ النظر في السؤال إنّما هو من حيث الاستقبال لا أصل الصلاة على الدابة ، فكأنّه سأل عن أنّ الصلاة على الدابة إلى غير القبلة التي هي مشروعة في السفر هل هي كذلك في المصر والحضر فأجاب عليهالسلام باشتراكهما في الحكم ، سيما بعد ملاحظة تعذر الاستقبال في الحضر حال السير غالباً ، لاشتمال البلد على الأزقّة والطرق الضيقة فتنحرف الدابة عن القبلة لا محالة.
ومنها : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « أنه سأل أبا عبد اللّه ( عليهالسلام )
عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار وهو على دابته حيث ما توجهت به ، قال : لا بأس » (1).
وصحيحته الأُخرى عن أبي الحسن عليهالسلام قال : « سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريباً من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلاً بالكوفة ، فقال : إن كنت مستعجلاً لا تقدر على النزول وتخوفت فوت ذلك إن تركته وأنت راكب فنعم ، وإلا فانّ صلاتك على الأرض أحب إليّ » (2). وهي كسابقتها صريحة في الجواز ، وإن دلت الأخيرة على أنّ النزول أفضل ، هذا.
مضافاً إلى الإطلاق في جملة من الأخبار التي تقدمت في المسألة الاولى (3)من حيث السفر والحضر ، فان الركوب على الدابة أو البعير في الحضر لمكان المرض أو الوجاهة أو جهات أُخر أمر شائع متعارف فيشمله الإطلاق ، وإن كان ذلك في السفر أكثر ، هذا كلّه في التنفّل راكباً حال الحضر.
وأمّا ماشياً فلم يرد فيه نص في الحضر بالخصوص ، لكن يكفي فيه الإطلاق في صحيح يعقوب بن شعيب ، الوارد في من يصلّي على الراحلة ، قال « قلت : يصلّي وهو يمشي؟ قال : نعم ، يومئ إيماءً وليجعل السجود أخفض من الركوع » (4)فإنه يشمل حالتي السفر والحضر كما لا يخفى.
وبالجملة : فبمقتضى هذه النصوص يحكم بثبوت الحكم في السفر والحضر مع الركوب والمشي.
فما عن ابن أبي عقيل من اعتبار الاستقبال حال الحضر مطلقاً لا نعرف له وجهاً عدا التقييد بالسفر في بعض النصوص المتقدمة ، وما ورد في عدة من الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) من أنّها
ولا يجب فيها الاستقرار والاستقبال وإن صارت واجبة بالعرض بنذر ونحوه (1).
نزلت في النافلة في السفر خاصة (1).
وكلاهما ليسا بشيء أمّا الأول فلعدم دلالة الوصف على المفهوم ، سيما في القيد الجاري مجرى الغالب كما في المقام ، فإنّ الحاجة إلى التنفل راكباً أو ماشياً لا يتفق غالباً إلا في السفر كما لا يخفى.
وأما الثاني فلأنّ تلك الروايات تعرّضت لبيان مورد نزول الآية لا لتخصيص الحكم به ، فلا مانع من التمسك بإطلاقه ، لعدم كون المورد مخصصاً. على أنها ليست بروايات كثيرة ، وإنّما هي ثلاث أو أربع ذكرها العياشي في تفسيره (2)والطبرسي في مجمع البيان (3)والشيخ في النهاية (4)وكلها مراسيل ، فلا يمكن الاعتماد عليها في قبال الصحاح المتقدمة.
(1) قد عرفت اعتبار الاستقبال في الفرائض ، فهل يختص ذلك بما كانت فريضة في الأصل وبحسب الجعل الأوّلى أو يعم ما لو صارت فريضة ولو لعارض وبعنوان ثانوي بنذر ونحوه ، فلو نذر الإتيان بصلاة الليل مثلاً صحيحة من دون التقييد بالاستقرار أو بحال السفر راكباً أو ماشياً وإلا فيتبع قصد الناذر وهو خارج عن محل الكلام كما لا يخفى فهل يجوز الإتيان بها في السفر ماشياً أو راكباً بلا رعاية الاستقبال ، نظراً إلى كونها نافلة في الأصل وإن عرضها الوجوب ، فيشملها إطلاق ما دلّ على سقوط الاستقبال في النافلة في هذا الحال ، أو يجب أن يصليها مع الاستقرار والاستقبال باعتبار وجوبها بالفعل فتندرج في عنوان الفرائض المعتبر فيها ذلك؟ فيه خلاف بين الأعلام.
والأقوى هو الأوّل ، لانصراف ما دلّ على اعتبار الاستقبال في الفريضة إلى الفرائض الأصلية ، أي ما فرضه اللّه تعالى على العباد بحسب التشريع الأوّلي لا ما فرضه المكلّف على نفسه بنذر ونحوه ، فانّ ذلك خارج عن منصرف تلك الأدلّة وما ينسبق منها إلى الذهن كما لا يخفى.
وعليه فلا تصل النوبة إلى المعارضة بين تلك الأدلّة وبين ما دلّ على سقوط الاستقبال في النوافل التي تكون النسبة بينهما العموم من وجه ، لشمول الاولى للفرائض الذاتية والعرضية والثانية للنافلة المنذورة وغيرها حتى يرجع في مادة الاجتماع وهي النافلة المنذورة بعد تساقط الدليلين بالمعارضة إلى العام الفوق وهو قوله عليهالسلام : « لا صلاة إلا إلى القبلة » (1)فيحكم فيها بوجوب الاستقبال لما عرفت من عدم الإطلاق في أدلة الفرائض ، فيرجع إلى إطلاق أدلة النوافل السليمة عن المعارض.
ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الروايات المتقدمة من إتيان النبي صلی اللّه عليه وآله بصلاة الليل وهو على راحلته مع أنها واجبة عليه بالخصوص.
نعم ، مع الغض عما ذكرناه من الانصراف وتسليم الإطلاق في أدلّة الفرائض كالنوافل واستقرار المعارضة بينهما تعين الرجوع حينئذ إلى عموم قوله عليهالسلام : « لا صلاة إلا إلى القبلة » لعدم المخرج عنه في المقام عدا ما يتوهم من خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلّي كذا وكذا هل يجزئه أن يصلّي ذلك على دابته وهو مسافر؟ قال : نعم » (2).
لكن الخبر ضعيف السند ، لاشتماله على محمد بن أحمد العلوي ولم يوثق ، فلا يمكن الاعتماد عليه في الخروج عن العام المزبور.
وقد حاول جمع من الأفاضل وعمدتهم الوحيد البهبهاني في حاشية
المدارك (1)لتوثيق الرجل بذكر وجوه كلها مزيّفة :
الأوّل : رواية جملة من الأجلاء عنه ، فلولا وثاقته بنظرهم لم يكن مجال لروايتهم عنه.
وهذا واضح الفساد ، فإنّ رواية الأجلاء عن أحد لا تدلّ على توثيقه بوجه كما تقدم في مطاوي هذا الشرح غير مرة. وهذا الكليني وهو من أعاظم الأجلاء يروي في الكافي عن الضعفاء كثيراً ، ونحوه غيره. والسرّ أنّ شأن الراوي ليس إلا نقل الحديث عن كل من سمعه ثقة كان أم غيره ، ولا فرق في ذلك بين الأجلاء وغيرهم ، إذ هم في مقام الرواية ليسوا إلا كأحد الرواة ينقلون كلّ ما وصل إليهم من الأخبار.
الثاني : أنّ العلامة قد صحح الحديث المشتمل سنده على هذا الرجل في المختلف والمنتهى.
وفيه أولاً : أنّه لا عبرة بتوثيقات العلامة ، لابتنائها على الاجتهاد والحدس دون الحس.
وثانياً : أنّ تصحيح السند من مثله لا يدلّ على توثيق رجاله ، لما هو المعلوم من مسلكه قدسسره من الاعتماد على رواية كلّ شيعي إمامي لم يرد فيه قدح ، عملاً بأصالة العدالة في كلّ أحد ما لم يثبت فسقه ، ولا يرى ثبوت وثاقة الراوي شرطاً في الصحة.
وبالجملة : مجرد كون الرواية حجة عند أحد لصحة السند في نظره لا يدلّ على التوثيق ما لم يعلم مسلكه في التصحيح ، وإلا لزم العمل بكل ما يرويه الصدوق في الفقيه ، لما التزم به في صدر الكتاب من عدم روايته فيه إلا ما يكون حجة بينه وبين ربه مع ما نراه فيه من روايته عن غير واحد من الضعاف.
الثالث : أنّ القميين تبعاً لشيخهم محمد بن الحسن بن الوليد لم يستثنوا من
1) هامش المدارك : 133.
روايات محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب نوادر الحكمة ما يرويه عن هذا الرجل ، فيكشف ذلك عن وثاقته لديهم ، وإلا لاستثنوه كما استثنوا روايته عن غيره من الضعاف.
وفيه : ما عرفت آنفاً ، فان عدم الاستثناء لا يدل على التوثيق ، بل غايته التصحيح ، ومن الجائز أن يكون مسلكهم فيه كمسلك العلامة مبنياً على أصالة العدالة.
وبالجملة : فهذه الوجوه التي ذكرها البهبهاني لتوثيق الرجل لا يرجع بشيء منها إلى محصّل.
وقد يذكر لتصحيح الرواية وجهان آخران :
الأوّل : أنّ الرجل موثّق ، لوصف الصدوق إياه في الباب الثاني والعشرين من كتاب إكمال الدين (1)عند التعرض له وذكر نسبه إلى علي بن أبي طالب عليهالسلام بقوله : حدثنا الشريف الديّن الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة بن عبد اللّه ، وذكر نسبه إلى الإمام عليهالسلام. وفي بعض النسخ : حدثنا شريف الدين الصدوق ... إلخ ، بجعل شريف الدين لقباً له لا وصفاً. وعلى التقديرين فقد وصفه بالصدوق ، الذي لا ينطبق إلا على الثقة كما لا يخفى.
وغير خفي أنّ هذا الاستدلال من غرائب الكلام ، فانّ الوصف المزبور وإن وقع الكلام بين الأعلام في دلالته على التوثيق وعدمها مع أنه لا ينبغي الالتفات إليه فإنّه من أقوى أنحاء الدلالات عليه ، بل هو يتضمن التعديل فضلاً عن التوثيق بناءً على النسخة الأُولى كما لا يخفى لعدم انطباق هذه الصفات على غير العدل.
إلا أنّه أجنبي عن الرجل المزبور أعني محمد بن أحمد العلوي لعدم احتمال أن يكون هذا هو المراد من قول الصدوق : حدثنا الشريف الديّن الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة ... إلخ ، لعدم إمكان رواية الصدوق عنه بعد
1) كمال الدين : 239 / ب 22 ح 239.
ملاحظة ما بينهما من اختلاف الطبقة ، فانّ الكليني يروي عن أحمد بن محمد بن يحيى ، وهو يروي عن محمد بن علي بن محبوب ، وهو يروي عن محمد بن أحمد العلوي ، فطبقة الرجل متقدمة على الكليني بثلاث مراتب ، فإنّه شيخ شيخ شيخ الكليني ، فكيف يمكن أن يروي عنه الصدوق بلا واسطة كما هو ظاهر قوله حدثنا ، مع أنّ طبقته متأخرة عن الكليني أيضاً ، فإنّه توفي سنة 329 والصدوق ورد بغداد سنة 359 وهو بعد شابّ حدث السن وتوفي سنة 381 فمن هذا نجزم بأنّ المراد بالمسمى بهذا الاسم محمد بن أحمد شخص آخر غير العلوي.
والذي يدلّ صريحاً على ما ذكرناه من التعدد إنّ العلوي المزبور جده إسماعيل كما نص عليه النجاشي (1)فهو محمد بن أحمد بن إسماعيل ، مع أن من وصفه الصدوق بما ذكر هو محمد بن أحمد بن زيادة كما عرفت. فهما رجلان يقيناً.
الوجه الثاني : ما ذكره في الجواهر (2)من أنّ الرواية لو سلّم ضعفها بهذا الطريق المشتمل على العلوي فهي مروية بطريق آخر وهو ما رواه الشيخ عن كتاب علي بن جعفر وطريقه اليه صحيح.
ولا يخفى أنّ هذا لو ثبت لصحت الرواية وتم الاستدلال بها ، لكنه لم يثبت وهذا سهو من قلمه الشريف ، ولعله التبس عليه الأمر لدى الكتابة فرأى رواية أُخرى عن كتاب علي بن جعفر فتخيّل أنّها هذه الرواية ، وإلا فالرواية لم تنقل إلا بالطريق الأوّل المشتمل على العلوي وأما الطريق الثاني فلم يوجد قط في شيء من الكتب بعد التتبع التام ، فإنّ أرباب المجامع كالوسائل والوافي والحدائق (3)وغيرها لم ينقلوا هذه الرواية عن الشيخ بهذا الطريق ، بل اقتصروا على الطريق الأول ، والشيخ بنفسه لم ينقله عن علي بن جعفر في كتابيه التهذيب
[1246] مسألة 1 : كيفية الاستقبال في الصلاة قائماً أن يكون وجهه ومقاديم بدنه إلى القبلة حتى أصابع رجليه (1) على الأحوط (1)، والمدار على الصدق العرفي ، وفي الصلاة جالساً أن يكون رأس ركبتيه إليها (2)مع وجهه وصدره وبطنه ، وإن جلس على قدميه لا بد أن يكون وضعهما على وجه يعد مقابلاً لها (3)، وإن صلى مضطجعاً يجب أن يكون كهيئة المدفون ، وإن صلى مستلقياً فكهيئة المحتضر.
الثاني : في حال الاحتضار وقد مر كيفيته. الثالث : حال الصلاة على الميت يجب أن يجعل على وجه (4)يكون رأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق. الرابع : وضعه حال الدفن على كيفية مرت. الخامس : الذبح والنحر بأن يكون المذبح والمنحر ومقاديم بدن الحيوان إلى القبلة والأحوط (5)كون الذابح ايضاً مستقبلاً وإن كان الأقوى عدم وجوبه.
[1247] مسألة 2 : يحرم الاستقبال حال التخلي بالبول أو الغائط ، والأحوط تركه حال الاستبراء والاستنجاء كما مر.
والاستبصار ، وكتاب علي بن جعفر أيضاً خال عن هذه الرواية فلاحظ.
(1) امّا اعتبار الاستقبال حال القيام بالوجه ومقاديم البدن أي الصدر والبطن وما يتبعهما فلا إشكال فيه ، لتقوّم الاستقبال بذلك كما هو واضح. وأمّا اعتباره في أصابع الرجلين فلا دليل عليه بعد كونه على خلاف طبيعة الإنسان حال الوقوف ، فانّ الغالب انحراف الأصابع حينئذ إلى اليمين واليسار إلا بتعمّد
1) () والأظهر عدم وجوب الاستقبال بها.
2) () لا يعتبر ذلك على الأظهر.
3) () لا تعتبر كيفية خاصة في وضع القدمين.
4) () بل على وجه يكون رأس الميت الى يمين المصلي ورجله إلى يساره كما تقدم ، وما في المتن يختص بالأماكن التي تكون القبلة فيها في طرف الجنوب.
5) (*) لا يترك الاحتياط بكون الذابح أيضاً مستقبلاً.
[1248] مسألة 3 : يستحب الاستقبال في مواضع : حال الدعاء ، وحال قراءة القرآن ، وحال الذكر ، وحال التعقيب ، وحال المرافعة عند الحاكم ، وحال سجدة الشكر ، وسجدة التلاوة ، بل حال الجلوس مطلقاً.
[1249] مسألة 4 : يكره الاستقبال حال الجماع ، وحال لبس السراويل ، بل كل حالة تنافي التعظيم.
ومشقة أو قسر قاسر كما في العسكر حال النظام ، بل لو أراد المكلف رعاية الاحتياط وبذل جهده في تحصيل ذلك في ابتداء الصلاة فهو يغفل عنه في الأثناء غالباً ، وليس ذلك إلا لكونه على خلاف طبع البشر حال القيام كما عرفت ، فلو كان واجباً والحال هذه لزم التنبيه عليه في الأخبار لكونه مما يغفل عنه عامة الناس ، مع أنّه لم ترد بذلك ولا رواية واحدة فيكشف ذلك عن عدم الوجوب قطعاً وإلا لبيّن ، ولا مجال للإيكال إلى العرف بعد قصورهم عن إدراكه كما هو ظاهر.
وأوضح منه إشكالاً اعتبار الاستقبال بالركبتين حال الجلوس أو في الصلاة جالساً ، فان الانحراف فيهما إلى اليمين واليسار أظهر ، سواء جلس على قدميه أو متوركاً أو متربعاً ، بل الأمر في الأخيرين أفحش ، لكونهما حينئذ إلى المغرب والمشرق تقريباً كما لا يخفى.
وبالجملة : فالتحديد المذكور في المتن على النحو المزبور لا يساعده العرف ولا شاهد عليه في النصّ.
ثم إنّه قد تعرّض في المتن لعدّة موارد مما يجب فيه الاستقبال كالميت في حالات الاحتضار والصلاة عليه والدفن ، أو يحرم كحال التخلّي مستقبلاً أو مستدبراً ، أو يستحب كحال الدعاء والقراءة ونحوهما ، أو يكره كحال الجماع ونحوه ، فهو محكوم بالأحكام الأربعة.
أمّا الأخيران فتدلّ عليهما جملة من النصوص (1)كما لا يخفى على المراجع.
وأمّا الأوّلان فقد تقدّم الكلام فيهما مفصّلاً في محالّهما (2)فلا حاجة إلى الإعادة.
نعم ، ذكر في المقام من جملة ما يجب فيه الاستقبال حال الذبح والنحر ، ولم يسبق الكلام فيه فنقول :
أمّا اعتباره في نفس الذبيحة بأن يكون المذبح والمنحر ومقاديم بدن الحيوان إلى القبلة فلا إشكال فيه. ويدلّ عليه بعد الإجماع بقسميه كما في الجواهر (3)نصوص مستفيضة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن الذبيحة فقال : استقبل بذبيحتك القبلة ... » الحديث (4)وهذه الرواية صحيحة لا حسنة ، نعم لمحمد بن مسلم رواية أُخرى تشتمل على هذا المضمون (5)، وهي أما صحيحة أو حسنة ، لمكان إبراهيم بن هاشم فلاحظ.
وأمّا اعتباره في الذابح فقد جعله في المتن أحوط ، لكن الأقوى وجوبه (6)فيه أيضاً ، لا للصحيح المتقدم لابتنائه على كون الباء في قوله عليهالسلام « استقبل بذبيحتك القبلة » للمصاحبة ، أي استقبل مع ذبيحتك القبلة ، مع أن الظاهر كونه للتعدية ، نظير قوله تعالى ( ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ ) (7)أي أذهب نورهم. فالمعنى اجعل ذبيحتك نحو القبلة ، لا ما ذكر ، ولا أقل من الإجمال فيسقط عن الاستدلال.
1) الوسائل 14 : 341 / أبواب كيفية زيارة النبي صلی اللّه عليه وآله ب 6 ح 1 ، 2 وغيرهما ، الوسائل 20 : 137 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 69 [ ولم نعثر على ما يدل على استحبابه حال القراءة ].
2) شرح العروة 8 : 268 ، 9 : 256 ، 295 ، 4 : 333.
3) الجواهر 36 : 110.
4) الوسائل 24 : 27 / أبواب الذبائح ب 14 ح 1 ، 2.
5) الوسائل 24 : 27 / أبواب الذبائح ب 14 ح 1 ، 2.
6) وقد أفتى ( دام ظله ) في المنهاج 2 : 338 المسألة 1651 بعدم الوجوب.
7) البقرة 2 : 17.
بل لصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل يذبح على غير قبلة ، قال : لا بأس إذا لم يتعمّد ... » إلخ (1)الدالة بمفهومها على ثبوت البأس مع تعمد الذبح إلى غير القبلة ، وحيث إن الذبح بنفسه فعل من الأفعال كالأكل والجلوس والقيام ونحوها ولا معنى لاعتبار الاستقبال في الفعل نفسه ، لعدم كونه جسماً شاغلاً لحيّز كي يراعى فيه الاتجاه نحو القبلة ، فلا بدّ وأن يكون الاستقبال معتبراً فيما يقوم به الفعل كالآكل والجالس والقائم ونحوها ، بل هذا هو الحال في الصلاة أيضاً ، فإنّ الاستقبال غير معتبر فيها بما هي لما ذكر ، بل في المصلي الذي تقوم به الصلاة.
وعليه فمرجع اعتبار الاستقبال في الذبح إلى اعتباره في من يقوم به هذا العمل ، وبما أنّ هذا الفعل له خصوصيّة بها يمتاز عن الأمثلة المتقدمة وهي قيامه بالطرفين الذابح والذبيحة دون مثل الصلاة والجلوس ونحوهما فيستفاد من إطلاق ما دلّ على اعتبار الاستقبال فيه كهذه الصحيحة اعتباره في كلا الطرفين.
فالمتحصّل من مفهوم الصحيحة بعد ملاحظة ما ذكرناه اعتبار الاستقبال في الذابح والذبيحة معاً ، فتدبر جيداً.
1) الوسائل 24 : 28 / أبواب الذبائح ب 14 ح 5 ، مسائل علي بن جعفر 142 / 164.
[1250] مسألة 1 : لو أخلّ بالاستقبال عالماً عامداً بطلت صلاته مطلقاً ، وإن أخلّ بها جاهلاً (1)أو ناسياً أو غافلاً أو مخطئاً في اعتقاده أو في ضيق الوقت فان كان منحرفاً عنها إلى ما بين اليمين واليسار صحت صلاته (1).
(1) الإخلال بالاستقبال في الصلاة قد يكون عن علم وعمد ، واخرى عن جهل بالحكم أو بالموضوع عن تقصير أو قصور ، وثالثة عن نسيان أو غفلة ورابعة عن خطأ في الاعتقاد أو في الاجتهاد ، ولعل عبارة المتن تشملهما وخامسة عن ضيق الوقت عن التحري كما لو كانت وظيفته الصلاة إلى الجهات الأربع ولم يسع الوقت لغير الواحد منها. فهنا صور لا بدّ من التكلّم في كلّ منها.
أما مع العلم والعمد فلا إشكال في البطلان ، لانتفاء المشروط بانتفاء الشرط ، فإنّه القدر المتيقن من دليل الاشتراط من الكتاب والسنة كما تقدم التي منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : « أنّه قال له : استقبل القبلة بوجهك ، ولا تقلب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، فانّ اللّه ( عز وجل ) يقول لنبيّه صلی اللّه عليه وآله في الفريضة ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) » (2)فإنها وإن وردت في
قاطعية الالتفات في الأثناء كما تقدم سابقاً (1)إلا أنّها تدلّ على اعتبار الاستقبال فيما كان الالتفات قاطعاً كالفريضة بلا إشكال ، ونحوها غيرها مما لا يخفى.
وأما غير فرض العلم والعمد من بقية الصور فقد أطلق في المتن القول بالصحة في جميعها إذا كان الانحراف إلى ما بين اليمين واليسار تبعاً للمشهور.
والظاهر أنّ المستند في ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : لا صلاة إلا إلى القبلة ، قال قلت : أين حدّ القبلة؟ قال : ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه » (2). دلّت على أنّ القبلة المعتبرة في الصلاة إنّما هي ما بين المشرق والمغرب على الإطلاق ، خرج عنها صورة العلم والعمد ، لاعتبار استقبال الكعبة حينئذ بالإجماع والنص فيبقى الباقي تحت الإطلاق.
لكن الصحيحة غير صالحة للاستدلال ، لمعارضتها بصحيحة زرارة الأُخرى المتقدمة آنفاً (3)الدالة على لزوم استقبال المسجد الحرام ، الشاملة بإطلاقها لصورتي العلم والجهل وغيرهما ، بل يبعد اختصاصها بصورة العلم والعمد في حدّ نفسه ، إذ مع فرض العلم لا حاجة إلى الأمر باستقبال القبلة بالوجه وعدم تقليب الوجه عنها والحكم بالفساد المستلزم للإعادة ، لوضوح أنّ العالم لا يتعمد ذلك ، وأنّه لو تعمد فالإعادة واجبة عليه ، فلا حاجة إلى التنبيه ، وإنّما يصح ذلك لو كان الإمام عليهالسلام بصدد اعتبار الاستقبال على الإطلاق والإرشاد إلى اشتراط الصلاة به ، فينبّه عليهالسلام حينئذ إلى البطلان في فرض الإخلال وإن كان عن جهل ونحوه.
وكيف كان ، فالصحيحتان ساقطتان بالمعارضة لو لم نقل بأنّ الترجيح مع الثانية الدالّة على اعتبار استقبال المسجد الحرام لموافقتها مع الكتاب كما لا يخفى ، فتدلّ على خلاف المطلوب. وعلى أي حال فالصحيحة الاولى لا تصلح
للاستدلال ، فلا بدّ في إثبات الحكم في كلّ مورد من التماس الدليل بالخصوص فنقول :
أما في فرض الجهل بالحكم فلا دليل على الصحة وإن كان الانحراف إلى ما بين اليمين واليسار ، بل مقتضى صحيحة زرارة الموافقة للكتاب هو البطلان عند عدم استقبال المسجد الحرام ، وقد عرفت أنّ صحيحته الاولى قد سقطت بالمعارضة ، بل الكتاب أيضاً بنفسه يقتضي البطلان كما لا يخفى. وحديث لا تعاد (1)وإن كان شاملاً للجهل لكن القبلة مما استثني فيه.
وأما صحيحة معاوية بن عمار : « أنه سأل الصادق عليهالسلام عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالاً ، فقال له : قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة » (2)وموثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهالسلام : « أنّه كان يقول : من صلّى على غير القبلة وهو يرى أنّه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان ما بين المشرق والمغرب » (3)فلا يصح التمسك بهما في المقام أعني صورة الجهل بالحكم لظهورهما ولا سيما الموثقة في أنّ المصلّي كان عالماً بأصل اعتبار الاستقبال في الصلاة ، غايته أنّه أخطأ فتخيل أنّها في جهة خاصة ثم تبيّن الانحراف عنها بعد الصلاة ، فلا تشملان صورة الجهل بالحكم كما لعله ظاهر.
وعليه فالأقوى هو البطلان ووجوب الإعادة ، عملاً بإطلاقات أدلّة الاستقبال السليمة عن المقيد ، من غير فرق بين الجاهل القاصر والمقصر ، نعم هو معذور مع القصور ، لكن المعذورية لا تنافي الفساد كما هو واضح.
ويلحق به ناسي الحكم ، فإنّه هو الجاهل بعينه ، ولا فرق بينهما إلا من حيث
سبق العلم فيه دون الجاهل ، وهو غير فارق في المقام.
وأما فرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد فلا ينبغي الإشكال في الحكم بالصحة إذا كان الانحراف ما بين اليمين واليسار ، للمعتبرتين المتقدمتين ، أعني صحيحة معاوية وموثقة الحسين بن علوان ، بل هذا هو المتيقن عندنا من الحكم المزبور ، وإن كان فيه خلاف كما ستعرف.
ويلحق به فرض ضيق الوقت لاندراجه تحت إطلاق المعتبرتين ، إذ غاية ما يستفاد منهما اعتبار أن يكون الدخول في صلاة مشروعة صحيحة ، الصادق على الفرض.
ودعوى أنّ هذا الفرض وإن كان مشمولاً لإطلاق الصحيحة لكن الموثقة غير شاملة له ، لاختصاصها بمن صلى على غير القبلة وهو يرى أنّه على القبلة ، ومن الواضح أنّ من يصلي إلى جانب عند ضيق الوقت عن التحري لا يرى أنّه على القبلة ، غايته أنّه يأتي بوظيفته الفعلية من دون أن يعتقد الاستقبال فالموثقة لمكان الاشتمال على هذا القيد الدالّ بمفهومه على البطلان مطلقاً لو لم ير أنّه على القبلة يختص موردها بفرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد ، بل مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد حمل الصحيحة على الموثقة وتقييد إطلاقها بمفهوم الموثقة المقتضي للبطلان في فاقد القيد كما عرفت ، جمعاً بينهما ، فلا يصح التمسك بها أيضاً بعد الحمل المزبور.
مدفوعة بأنّ المفهوم المدّعى في الموثق إن أُريد به مفهوم الشرط ففيه : أنّ القيد المزبور لم يؤخذ شرطاً في ترتب الحكم ، بل أُخذ قيداً في الموضوع ، وإنّما الشرط كون الانحراف ما بين المشرق والمغرب ، فمفهوم الجملة الشرطية حينئذ أنّ من صلى على غير القبلة وهو يرى أنّه على القبلة تجب عليه الإعادة إذا لم يكن الانحراف ما بين الشرق والغرب ، لا أنّه تجب الإعادة إذا لم يكن يرى أنه على القبلة ، لعدم ترتب الجزاء على هذا القيد كما هو واضح.
وإن أُريد به مفهوم الوصف فهو وجيه لو قلنا بثبوت المفهوم للوصف ، لكنّه
خلاف التحقيق ، وغاية ما التزمنا به في الأُصول (1)دلالة القيد على عدم كون الطبيعة المهملة أينما سرت موضوعاً للحكم ، وهو كذلك في المقام ، فانّ العالم العامد ، وكذا الجاهل بالحكم كما عرفت غير مشمول لهذا الحكم. وأمّا الدلالة على انتفاء الحكم عن الفاقد للقيد كي يدلّ على المفهوم الاصطلاحي كما في الجملة الشرطية فكلاّ ، فلا منافاة بينه وبين ما دلّ ولو بإطلاقه كصحيحة معاوية بن عمار على ثبوت الحكم في فاقد القيد حتى يجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد ، ولعلّ التقييد في المقيد جارٍ مجرى الغالب ، إذ الغالب في من يدخل في الصلاة أنّه يرى نفسه على القبلة كما لا يخفى.
وكيف كان ، فلا قصور في شمول المعتبرتين للمقام ، أعني فرض ضيق الوقت ، هذا.
مع أنّ البحث عن دخول الفرض في المعتبرتين قليل الجدوى ، فانّ هذا الفرض في الحقيقة خارج عن محل الكلام أعني وجوب الإعادة في الوقت وعدمه إذ المفروض ضيق الوقت عن رعاية الاستقبال بحيث لم يتمكّن من الإعادة لو انكشف الخلاف ، وإلا لم يكن من الضيق ، فلا بدّ في مثله أن يكون الانكشاف خارج الوقت ، فالبحث لو كان إنّما هو في وجوب القضاء وعدمه دون الإعادة. وستعرف إن شاء اللّه تعالى (2)أنّ مقتضى الأدلّة عدم وجوب القضاء حينئذ. فلا موضوع لهذا البحث في المقام.
وأما الغافل أي من يصلّي إلى جهة غافلا عن أنها ليست بقبلة فهو أيضاً مشمول لإطلاق صحيحة معاوية ، إذ لا مانع من الشمول عدا توهم تقييد الإطلاق بمفهوم موثق الحسين بن علوان ، المستتبع لعدم الانطباق حينئذ على الغافل ، لعدم كونه ممن يرى أنّه يصلي إلى القبلة المأخوذ في موضوع الموثق ، وقد عرفت الجواب عنه آنفاً من عدم ثبوت المفهوم للوصف ، ومفهوم
الشرط لا يقتضي ذلك.
وأما الجاهل بالقبلة المتردد الذي يصلّي إلى جهة ولو رجاءً بانياً على السؤال بعد ذلك فالظاهر وجوب الإعادة إذا تبين الانحراف وإن كان يسيراً لعدم اندراجه تحت إطلاق الصحيح ، فانّ وظيفته التحري بمقتضى النصوص المتقدمة سابقاً (1). فالصلاة المأتي بها من دون التحري ليست وظيفة له وغير محكومة بالصحة شرعاً. ولا ريب في انصراف الصحيح إلى من قام في الصلاة باعتقاد الصحة وأنها الوظيفة بانياً على كونها فرداً للمأمور به ، فلا تشمل الفرض.
وعليه فمقتضى إطلاق اعتبار استقبال المسجد الحرام (2)السليم عن القيد في المقام وجوب الإعادة إلا إذا انكشف كونها إلى القبلة من دون انحراف فيجتزئ بها ، لاشتمالها على الشرط ، وعدم المقتضي للإعادة بعد صدورها على وجه قربي كما هو المفروض.
ويؤكّد ما ذكرناه من الإعادة صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الأعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة ، قال : يعيد ولا يعيدون ، فإنّهم قد تحرّوا » (3)فانّ الحكم بإعادة الأعمى دونهم معللاً بعدم التحري من دون التفصيل بين كون الانحراف ما بين اليمين واليسار أو أكثر شاهد على ما ذكرنا.
فتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الحكم بالصحة بمقتضى الصحيح والموثق يختص بفرض الخطأ في الاعتقاد أو الاجتهاد ، وبضيق الوقت على كلام في كونه داخلاً في محل الكلام كما مرّ وبالغافل ، ولا يعم الجاهل بالحكم ولا الناسي ولا المتردد.
ثمّ إنّ هاتين المعتبرتين صحيح معاوية وموثق الحسين وغيرهما لم يصرح فيهما بكون انكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه ، فمقتضى الإطلاق
عدم وجوب الإعادة سواء كان الانكشاف في الوقت أم في خارجه ، فتدل بالإطلاق على نفي الإعادة والقضاء ، لكن موضوعها مختص بما إذا كان الانحراف ما بين اليمين واليسار.
وبإزاء هذه طائفة أُخرى سيأتي التعرّض لها (1)دلّت على أنّ من صلّى لغير القبلة أعادها في الوقت لا في خارجه ، التي منها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد ، وإن فاتك الوقت فلا تعد » (2)والحكم بالإعادة في هذه وإن كان مختصاً بما إذا كان الانكشاف في الوقت لكن موضوعها أعني الانحراف عن القبلة أعم من أن يكون إلى اليمين واليسار أو بنحو الاستدبار.
وكما يمكن الجمع بحمل الانحراف في هذه الطائفة على استدبار القبلة بقرينة الطائفة السابقة الحاكمة بعدم قدح الانحراف إذا كان ما بين اليمين واليسار كما عليه المشهور ، يمكن الجمع بحمل عدم الإعادة في الطائفة الأُولى بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت ، بقرينة هذه الطائفة القاضية بوجوب الإعادة إذا كان في الوقت.
وبالجملة : فكل من الطائفتين يتضمن الإطلاق من جهة والتقييد من جهة أُخرى ، فالنسبة بينهما عموم من وجه ، وكل من التقييدين صالح لأن يتقيّد به الإطلاق من الطرفين من دون ترجيح في البين ، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهو الانحراف إلى ما بين اليمين واليسار مع كون الانكشاف في الوقت ، فلا تجب الإعادة بمقتضى الطائفة الأُولى ، وتجب بمقتضى الثانية ، وبعد التساقط يرجع إلى عموم اعتبار الاستقبال ، مضافاً إلى قاعدة الاشتغال.
هكذا أفاده صاحب الحدائق قدسسره في المقام (3)، وقد أصرّ عليه ومن
أجله استشكل في إطلاق نفي الإعادة مع الانحراف اليسير كما عليه المشهور ، بل خصّه بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت ، وأمّا في الوقت فتجب الإعادة سواء كان الانحراف إلى ما بين اليمين واليسار أم أكثر كما حكى القول بذلك عن ظاهر القدماء.
وربما يجاب عنه بلزوم تقديم الجمع الأول المتضمن للتصرف في الموضوع على الجمع الثاني الذي هو تصرف في متعلّق الحكم ، وذلك لأن المستفاد من الطائفة الأُولى كصحيح معاوية أن للانحراف ما بين الشرق والغرب خصوصية بها يمتاز عن غيره ، ولذا خصّه بالذكر.
وعليه فلو قدّمناها على الطائفة الثانية كصحيح عبد الرحمن القاضية بوجوب الإعادة في الوقت مع الانحراف على الإطلاق وقيّدناه بالانحراف الكثير البالغ حد الشرق والغرب فما زاد ، لم يلزم منه محذور عدا تقييد الإطلاق الذي هو هيّن وغير عزيز في الأخبار ، وهذا بخلاف ما لو قدّمنا الطائفة الثانية وقيّدنا بها إطلاق الأُولى ، فإنّ فيه محذرواً زائداً على أصل التقييد ، إذ المتحصّل بعد حمل الاولى على الثانية أنّ العبرة في نفي الإعادة إنما هو بخروج الوقت كما هو مفاد صحيح عبد الرحمن ، سواء كان الانحراف يسيراً أم كثيراً ، فلا يكون للانحراف إلى ما بين اليمين واليسار المأخوذ في موضوع الطائفة الأُولى خصوصية في نفي الإعادة ، فلازم ذلك إلغاء هذه الخصوصية ، مع أنّك عرفت أنّ المستفاد من صحيحة معاوية وغيرها أنّ لهذا القيد خصوصية بها تمتاز عن غيره ، فلا مناص من تقديم الجمع الأول تحفظاً على هذه الخصوصية كي لا يلزم إلغاؤها.
أقول : لا ريب أنّه كلّما دار الأمر في مقام الجمع بين الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه بين ارتكاب تقييد مستلزم لطرح العنوان وإلغاء الخصوصية المأخوذة في لسان الدليل ، وبين ارتكاب تقييد غير مستلزم لذلك تعيّن الثاني تحفظاً على العنوان ، وحذراً من اللغويّة المترتبة على الأوّل ، وكم لهذه الكبرى مصاديق ونظائر ، تقدم غير واحد منها في مطاوي هذا الشرح.
منها ما تقدم في بحث النجاسات (1)عند الجمع بين قوله عليهالسلام كل طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله وخرئه (2)وبين قوله عليهالسلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (3)حيث ذكرنا أن النسبة بين الدليلين عموم من وجه ، فيتعارضان في مادة الاجتماع وهو الطائر الذي لا يؤكل لحمه كالباز والصقر ، فلا يجب الاجتناب عن بوله بمقتضى الدليل الأول ، ويجب بمقتضى الثاني ، لكن اللازم الأخذ بإطلاق الأول وتقييد الثاني بما لا يؤكل لحمه من غير الطيور ، إذ لا يترتب عليه أي محذور بخلاف العكس ، أعني التحفظ على إطلاق الثاني وتقييد الأول بالطائر المأكول اللحم ، إذ لازمه إلغاء خصوصية الطيران ، لبداهة عدم الفرق في طهارة بول مأكول اللحم بين الطائر وغيره.
وبالجملة : فهذه الكبرى مسلّمة لا غبار عليها ، لكنها غير منطبقة على المقام ، إلا بناءً على القول بعدم وجوب الإعادة إذا كان الانكشاف خارج الوقت وكان الانحراف كثيرا بالغاً حدّ المشرق والمغرب فما زاد.
وتوضيحه : أنّ النسبة بين صحيحتي معاوية وعبد الرحمن عموم من وجه ، ومادة الافتراق من الاولى الانحراف اليسير المنكشف خارج الوقت ، ومن الثانية الانحراف الكثير المنكشف في الوقت ، ولا معارضة بينهما في هذين الموردين ، لتطابقهما على عدم وجوب الإعادة في الأول ، ووجوبها في الثاني كما هو ظاهر. وإنّما المعارضة في مادة الاجتماع ، ولها موردان :
أحدهما : الانحراف اليسير المنكشف في الوقت ، حيث لا يجب فيه الإعادة بمقتضى إطلاق صحيح معاوية ، ويجب بمقتضى إطلاق صحيح عبد الرحمن.
ثانيهما : الانحراف الكثير البالغ حدّ المشرق والمغرب فما زاد المنكشف خارج الوقت ، فإنّه تجب فيه الإعادة بمقتضى ما يفهم من إطلاق صحيح معاوية ، حيث أُنيط الحكم فيه بالصحة بما إذا كان الانحراف ما بين المشرق
والمغرب ، ولا تجب بمقتضى إطلاق صحيح عبد الرحمن لكونه في خارج الوقت.
ثم إنّ هذه المسألة أعني الانحراف الكثير المنكشف خارج الوقت ذات قولين : فالمشهور عدم وجوب الإعادة ، واختاره المحقق في الشرائع (1)وغيره. وذهب جمع منهم الشيخان (2)وغير واحد من الأعلام إلى وجوب الإعادة.
فعلى المشهور تنطبق الكبرى المزبورة على المقام ، إذ لو قدّمنا صحيح عبد الرحمن وقيّدنا عدم الإعادة في صحيح معاوية بما إذا كان الانكشاف خارج الوقت يلزم منه طرح العنوان وإلغاء خصوصية ما بين المشرق والمغرب المأخوذة في صحيح معاوية ، إذ المفروض عدم وجوب الإعادة في خارج الوقت وإن كان الانحراف كثيراً فضلاً عن اليسير ، فلا يبقى لهذا العنوان دخل في نفي الإعادة فتلزم اللغوية كما أُفيد.
وأما بناءً على القول الآخر أعني وجوب الإعادة حينئذ الذي ذهب إليه جمع كثير كما عرفت فلا تلزم اللغوية للتحفظ حينئذ على عنوان ما بين المشرق والمغرب ، إذ المفروض اختصاص عدم الإعادة به دون الانحراف الكثير ، فيتعارض الإطلاقان من دون ترجيح في البين ، لعدم الموجب لتقييد أحدهما دون الآخر ، وبعد التساقط يرجع في كلا موردي مادة الاجتماع إلى عمومات الفوق القاضية باعتبار الاستقبال كما لا يخفى.
والصحيح في الجواب عن صاحب الحدائق أن يقال :
أمّا أوّلاً : فبأن الطائفة الأُولى كصحيح معاوية لا إطلاق لها بحيث يشمل الانحراف المنكشف في الوقت وخارجه حتى تقع المعارضة بينها وبين الطائفة الثانية بالعموم من وجه ، بل هي ظاهرة في خصوص الأول ، فإنّ المتراءى من قوله في الصحيح : « عن الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى ... » إلخ (3)أن الانكشاف إنّما هو بعد الفراغ عن الصلاة ، الظاهر في بقاء
الوقت بعدُ ، لانصرافه إلى التبيّن الحادث عقيب الفراغ بلا فصل معتد به ، فلا يشمل ما إذا كان الفراغ من الصلاة مساوقاً لخروج الوقت الذي هو فرض نادر كما لا يخفى.
وأظهر منه موثقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته ، قال : إن كان متوجّهاً فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم ، وإن كان متوجهاً إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة » (1).
فانّ الانكشاف أثناء الصلاة كالصريح في كونه قبل خروج الوقت ، فحملها على ما لو اتفق خروج الوقت في الأثناء كي يكون الانكشاف بعده الذي هو فرض نادر جدّاً في غاية البعد. ومن الضروري عدم الفرق في الحكم المزبور بين أبعاض الصلاة وجملتها ، لاشتراط الاستقبال في تمام الأجزاء.
وبالجملة : فهذه النصوص ظاهرة في كون الانكشاف قبل خروج الوقت فلا تعارض بينها وبين الطائفة الثانية المفصّلة بين الوقت وخارجه إلا بالإطلاق والتقييد ، حيث إنّ هذه دلّت على وجوب الإعادة في الوقت مطلقاً فتحمل على الانحراف الكثير البالغ حدّ المشرق والمغرب فما زاد بقرينة الطائفة الأُولى النافية للإعادة مع كون الانحراف فيما بين المشرق والمغرب ، وأمّا بالإضافة إلى القضاء فلا تعارض أصلاً ، لتباين الموضوعين كما عرفت.
والحاصل : أنّ النسبة بين الدليلين عموم وخصوص مطلق ، لا من وجه حتى يتعارضان.
وأما ثانياً : وهو العمدة فبحكومة الطائفة الأُولى على الثانية فلم يرد النفي والإثبات على موضوع واحد بل موضوعين ، فلا تعارض في البين.
وذلك لأنّ المستفاد من قوله عليهالسلام في صحيح معاوية : « قد مضت
1) الوسائل 4 : 315 / أبواب القبلة ب 10 ح 4.
صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة » (1)أنّ الوجه في المضي وعدم الإعادة مع الانحراف اليسير ليس هو التعبد المحض والاجتزاء بغير الواجب عن الواجب في مقام الامتثال ، بل لأجل أنّه قد أتى بالواجب على ما هو عليه لمكان الاتساع في أمر القبلة ، وأنّها عبارة عما بين المشرق والمغرب ، فلا مقتضي للإعادة لأنّه صلى إلى القبلة نفسها بعد الاتساع في موضوعها فيكون ذلك شارحاً للمراد من القبلة في الطائفة الثانية الواقعة في كلام الإمام عليهالسلام نفسه في بعض تلك الأخبار كصحيح عبد الرحمن وغيره (2)وأنّ المراد بقوله عليهالسلام في الصحيح : « إذا صليت وأنت على غير القبلة .. » إلخ هو على غير القبلة المتسعة الشاملة لما بين المشرق والمغرب ، المفسّرة بذلك في تلك الأخبار ، بأن صلى إلى نفس نقطتي الشرق والغرب أو مستدبراً ، فالموضوعان في الطائفتين متباينان ، إذ الأُولى دلّت على نفي الإعادة لأنّه صلّى إلى القبلة والثانية تضمنت وجوب الإعادة لمن صلّى إلى غير القبلة ، فأي تعارض بينهما بعد تعدد الموضوع.
وبالجملة : فالمتحصّل من الطائفتين أنّ من صلى إلى ما بين المشرق والمغرب مخطئاً أو غافلاً على تفصيل مر (3)فلا مقتضي للإعادة لا في الوقت ولا في خارجه ، لأنّه صلّى إلى القبلة المتسعة نفسها. وأمّا لو صلّى مستدبراً أو إلى نفس النقطتين فتجب عليه الإعادة في الوقت دون خارجه. فالأقوى ما عليه المشهور.
بقي شيء : وهو أن مقتضى النصوص المتقدمة بأجمعها نفي القضاء كما عرفت لكن قد يحكى عن بعض وجوبه استناداً إلى خبر معمر بن يحيى قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة وقد
دخل وقت صلاة أُخرى ، قال : يعيدها قبل أن يصلي هذه التي قد دخل وقتها » (1).
وفيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف ، فانّ الرجال المذكورين في السند وإن كانوا ثقات إلا أنّ طريق الشيخ إلى الطاطري ضعيف (2)لاشتماله على علي بن محمد ابن الزبير القرشي ولم يوثق.
وثانياً : أنّ الوقت المذكور في الخبر إن كان المراد منه وقت الفضيلة في المترتبتين كالظهرين والعشاءين كما هو الظاهر لكون المتداول في الأزمنة السابقة توزيع الصلوات على الأوقات الخمسة ، فكان يعبّر عن حلول وقت فضيلة الصلاة بدخول وقتها ويعضده عدم التصريح في الخبر بخروج وقت الاولى ، وكذا قوله : « قبل أن يصلّي هذه التي .. » إلخ المشعر بترتبها على السابقة. فالرواية حينئذ أجنبية عن القضاء رأساً ، بل هي متعرضة لحكم الإعادة عند الانحراف المنكشف في الوقت كما هو ظاهر ، فتكون موافقة للنصوص المتقدمة.
وإن كان المراد به وقت صلاة أُخرى غير مترتبة على الاولى كالمغرب بالإضافة إلى الظهرين وإن كان ذلك بعيداً عن ظاهر الخبر كما عرفت فلا مناص من حمل الإعادة على الاستحباب (3)
وعليه فقوله « يعيد » كقوله صلّ ، يتضمن الأمر المولوي القابل للحمل على الاستحباب كما أفاده ( دام ظله ) بعد الدرس.
جمعاً بينها وبين النصوص المتقدمة وفيها الصحاح المصرحة بنفي القضاء ، لعدم مقاومة هذه مع تلك النصوص1) الوسائل 4 : 313 / أبواب القبلة ب 9 ح 5.
2) التهذيب 10 ( المشيخة ) : 76.
3) ولا ينافي ذلك ما تكرّر منه « دام ظله » من استقرار المعارضة بين قوله « يعيد » و« لا يعيد » الوارد في دليلين وامتناع الجمع بالحمل على الاستحباب ، من جهة أن الأمر بالإعادة إرشاد إلى فساد العمل وبقاء الأمر الأول ، ولا معنى لاستحباب الفساد ، وذلك لأنّ ما ذكر إنما هو فيما إذا كان الأمر بالإعادة في الوقت دون خارجه كما في المقام ، للقطع حينئذ بسقوط الأمر المتوجه في الوقت على أي حال كما لا يخفى ، ومعه لا مجال لدعوى الإرشاد إلى بقاء الأمر المستتبع لفساد العمل.
ولو كان في الأثناء مضى ما تقدم واستقام في الباقي (1) من غير فرق بين بقاء الوقت وعدمه ، لكن الأحوط الإعادة في غير المخطئ في اجتهاده مطلقاً.
المستفيضة. فالقول بوجوب القضاء ساقط جدّاً.
(1) على المشهور ، بل لا خلاف كما نص عليه جماعة ، فلا فرق في الحكم المزبور بين أبعاض الصلاة وجملتها.
ويشهد له صريحاً موثق عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته ، قال : إن كان متوجهاً فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم وإن كان متوجهاً إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة » (1)ودلالته على انسحاب الحكم المزبور إلى الأثناء ظاهرة.
نعم ، قد يتوهم منافاته لخبر القاسم بن الوليد قال : « سألته عن رجل تبيّن له وهو في الصلاة أنّه على غير القبلة ، قال : يستقبلها إذا ثبت ذلك ، وإن كان فرغ منها فلا يعيدها » (2)حيث دلّ بإطلاقه على البطلان واستقبال الصلاة عند الانحراف.
وفيه : مضافاً إلى ضعف سنده بقاسم بن الوليد ، فإنّه مهمل في كتب الرجال ، أنّ المنافاة مبنيّة على إرجاع الضمير في « يستقبلها » إلى الصلاة ، أي يستفتح الصلاة إلى القبلة ويستأنفها فيدل حينئذ على البطلان ، لكنّه خلاف الظاهر ، بل مقتضى عود الضمير إلى الأقرب إرجاعه إلى القبلة ، أي يتوجه حينئذ إلى القبلة ويتم الصلاة ، فيوافق الموثق حينئذ ، غايته تقييد الإطلاق بما إذا كان الانحراف ما بين المشرق والمغرب بقرينة التصريح به في الموثق. فالخبر لولا ضعف سنده معاضد للموثق لا معارض له كما لا يخفى.
ثم إنّه لو التفت في الأثناء إلى استدباره أو انحرافه إلى نقطتي المشرق والمغرب لا إشكال حينئذ في البطلان ولزوم استئناف الصلاة بمقتضى الموثق المتقدم مع سعة الوقت لذلك ، وأما لو لم يسع للإعادة كما لو التفت إلى استدباره وهو في التشهد الأخير من صلاة العصر مثلاً ، وكان الوقت ضيقاً بحيث لو أراد الاستئناف لم يدرك الوقت حتى بمقدار ركعة فهل الصلاة حينئذ محكومة بالصحة فيتمها مستقبلاً ، أو أنها باطلة فيقضيها خارج الوقت؟ وجهان بل قولان ، اختار أولهما المحقق الهمداني قدسسره (1)وجماعة ، بل ذكر قدسسره أنّه لو لم يتمكن من الاستقامة ورعاية الاستقبال في بقية الصلاة لمانع خارجي فاضطر إلى إيقاع الصلاة بتمامها مستدبراً صحت ، وسقط اشتراط الاستقبال ، فضلاً عن مثل المقام الذي يتمكن فيه من رعايته في بقية الأجزاء فيستعدل ويتم مستقبلاً.
وأفاد قدسسره في وجهه أنّ الأمر حينئذ دائر بين رعاية الوقت أو الاستقبال ، ولا ريب أنّ الأول أولى ، لما ثبت أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، فيتعين عليه إتمام الصلاة تحفّظاً على الوقت ، ولا يسوغ له القطع والقضاء خارجه لإدراك القبلة ، لتقدم الأول على الثاني لدى المزاحمة.
وبالجملة : اشتراط الاستقبال مختص بحال التمكن ، فما صدر منه قبل استبانة الخطأ قد وقع صحيحاً ، لكونه معذوراً حال الفعل من رعاية الاستقبال عذراً مستوعباً لتمام الوقت ، لأجل عدم تمكنه من إعادته أداءً على الفرض ، وأمّا بعد الاستبانة فتجب الاستقامة مع التمكن وتصحّ الصلاة ، لعدم الإخلال بالشرط حينئذ في شيء من الأجزاء.
وأمّا موثّق عمّار المتضمّن لإطلاق الأمر بالقطع فهو منصرف أو مصروف عن مثل الفرض ، جمعاً بين الأدلّة.
1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 114 السطر 29.
لكن الظاهر هو الوجه الثاني فيحكم بالبطلان ووجوب القضاء ، ولا يتم شيء مما أُفيد ، فانّ موثق عمار المتضمن للأمر بالقطع الراجع إلى فساد الأجزاء السابقة وعدم صلاحيتها لانضمام اللاحقة بها غير قاصر الشمول للفرض ، ولا نعرف وجهاً للانصراف أو الصرف ، فإنّه قد تضمّن حكمين (1): وجوب القطع ولزوم التوجه إلى القبلة وافتتاح الصلاة. والحكم الثاني وإن سلّم انصرافه عن مثل المقام ، لكن لا مقتضي لرفع اليد عن إطلاق الأول كما لا يخفى. وبمقتضاه يحكم بالفساد كما عرفت.
واشتراط الاستقبال وإن كان مختصاً بحال التمكن كما ذكر لكنّه متمكن منه عند الشروع في الصلاة على الفرض ، غايته أنّه غفل أو أخطأ فاستدبر بزعم القبلة ، ولا دليل على تحقق العذر المسقط للتكليف بمثل ذلك ما لم يستوعب الوقت ، أي تستمر هذه الحالة إلى آخر الوقت بحيث يكون الانكشاف خارجه ، فانّ هذا هو الذي يسقط معه الاشتراط بمقتضى الأخبار (2)وهو منفي في مفروض البحث لكون الانكشاف قبل خروج الوقت.
وعليه فما صدر عنه قبل استبانة الخطأ غير محكوم بالصحة واقعا ، ولا يجزئ عن الواجب بعد ما عرفت من بقاء الأمر بالاستقبال وعدم عروض المسقط له.
1) لعل المنساق من الموثقة انّ الحكمين مترابطان فلا يحكم بالقطع إلا في مورد محكوم فيه بالافتتاح ، وبما أنّ الظاهر من افتتاح الصلاة بقاء الوقت وافتتاحها أداءً المتعذر في المقام حسب الفرض فلا جرم كانت الموثقة منصرفة عنه.
2) الوارد في تلك الأخبار التي منها صحيحة عبد الرحمن الآتية في التعليق الآتي هكذا « وأنت في وقت فأعد وإن فاتك الوقت فلا تعد » وظاهر المقابلة أنّ المراد بفوات الوقت ما يقابل بقاءه الذي حكم فيه بالإعادة ، وبما أنّ المراد بالبقاء وجود وقت قابل للإعادة وصالح للأمر بها فيه فلا جرم يراد بالفوات فوات وقت الإعادة لا لزوم كون الانكشاف خارج الوقت ، وعليه فلا قصور في شمولها للمقام.
وإن كان منحرفاً إلى اليمين واليسار أو إلى الاستدبار فان كان مجتهداً مخطئاً أعاد في الوقت دون خارجه ، وإن كان الأحوط الإعادة مطلقاً ، لا سيما في صورة الاستدبار ، بل لا ينبغي أن يترك في هذه الصورة (1)، وكذا إن كان في الأثناء ، وإن كان جاهلاً أو ناسياً أو غافلاً فالظاهر وجوب الإعادة في الوقت وخارجه (2)(1).
وحديث عدم سقوط الصلاة بحال لا يجدي في تصحيحه ، فإنه أجنبي عن المقام ، إذ ليس شأنه إلا إثبات الأمر بالصلاة الفاقدة للشرط لدى المزاحمة بينه وبين الوقت ، فهو لا يتكفّل إلا لإحداث الأمر بالفاقد وإيجاده في هذا الظرف ، لا لتصحيح العمل السابق الصادر حينما وقع سليماً عن المزاحمة وكان فقده للشرط لأجل الغفلة أو الخطأ ونحوهما كما لا يخفى ، هذا.
ومع الغض عما ذكر وتسليم انصراف الموثق عن المقام فالمرجع حينئذ عموم قوله عليهالسلام : « لا صلاة إلا إلى القبلة » (3)المقتضي لفساد الصلاة في الفرض ولزوم إعادتها مستقبلاً ، إذ الخارج عن العموم في الانحراف الكثير الذي هو محل البحث ما إذا كان الانكشاف خارج الوقت بمقتضى النصوص (4)النافية للقضاء فيما إذا استبان في غير الوقت ، ولا ريب في عدم شمول ذلك لمثل الفرض ، لكون الانكشاف في الوقت على الفرض ، فالمرجع هو العموم المزبور المقتضي للبطلان.
(1) أمّا وجوب الإعادة في الوقت في الانحراف الكثير سواء كان إلى اليمين واليسار أو الاستدبار فلا إشكال فيه ، لجملة وافرة من النصوص التي تقدم
بعضها (1)، وأمّا عدم وجوب القضاء فهو المشهور المنصور ، لتلك النصوص المفصّلة بين الوقت وخارجه في الإعادة وعدمها ، وسنذكر بعضها ، ولا يخفى الباقي على المراجع.
إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل يختص بالمجتهد المخطئ كما ذكره في المتن أو يعمه والغافل ، وكذا الجاهل بالموضوع أو ناسية؟ وأمّا الجاهل بالحكم أو ناسية أو المتردد فقد سبق (2)خروجه عن منصرف النصوص.
الظاهر هو الثاني ، إذ لا مقتضي للتخصيص بعد إطلاق الأخبار التي منها صحيحة عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنّك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد وإن فاتك الوقت فلا تعد » (3)فإنّها بإطلاقها تعم المجتهد وغيره.
ونحوها صحيح زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك قبل أن تصبح أنّك صليت على غير القبلة فأعد صلاتك » (4)فان عدم الإعادة بعد الإصباح وخروج وقت العشاءين المستفاد من المفهوم مطلق يعم المجتهد وغيره.
ولا نعرف وجهاً للتخصيص الذي ذكره في المتن عدا التقييد بالاجتهاد أو التحري في روايتين :
إحداهما : صحيحة سليمان بن خالد قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيّم فيصلي لغير القبلة ، ثم يضحي فيعلم أنّه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال : إن كان في وقت فليعد صلاته ، وإن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده » (5).
وفيه : أنّ ذكر الاجتهاد ليس لخصوصية فيه ، بل لأجل أنّ المفروض في السؤال أنّ الرجل في قفر من الأرض واليوم غيّم ، وبطبيعة الحال يتحرى المتصدي للصلاة ويفحص عن القبلة في مثل هذا الظرف ، فتخصيص الاجتهاد بالذكر لكونه جارياً مجرى الغالب ، فلا يدلّ على المفهوم حتى يتقيد به الإطلاق المزبور لو قلنا بثبوت المفهوم الاصطلاحي للقيد.
الثانية : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الأعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة ، قال : يعيد ولا يعيدون ، فإنّهم قد تحروا » (1)فانّ تعليل إعادته دونهم بتحرّيهم دونه يدلّ على دوران الصحة مدار التحري والاجتهاد ، فبدونه تجب الإعادة ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الوقت وخارجه.
وفيه : أنّ ظاهر الصحيح أنّ الانكشاف للأعمى إنّما كان في الوقت وبعد الفراغ من الصلاة ، من جهة أخبار المأمومين إيّاه الذين قد تحروا فلا يشمل خارج الوقت.
ويعضده التصريح بالتفصيل بين الوقت وخارجه في صحيحة أبي بصير الواردة في الأعمى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الأعمى إذا صلّى لغير القبلة فإن كان في وقت فليعد ، وإن كان قد مضى الوقت فلا يعيد » (2).
وبالجملة : فالصحيحة أجنبية عن القضاء الذي هو محلّ الكلام ، بل هي خاصة بالإعادة في الوقت فتحمل على الانحراف الكثير ، للنصوص المتقدمة النافية للإعادة في الوقت مع الانحراف اليسير وإن لم يتحرّ كأن كان غافلاً ونحوه كما مرّ (3)، إذ لا يحتمل اختصاص الأعمى بحكم دون غيره.
وكيف كان ، فالإطلاق المتقدم محكّم بعد سلامته عما يصلح للتقييد ، ولأجله يحكم بشمول الحكم للمجتهد وغيره كما عرفت.
[1251] مسألة 2 : إذا ذبح أو نحر إلى غير القبلة عالماً عامداً حرم المذبوح والمنحور ، وإن كان ناسياً أو جاهلاً أو لم يعرف جهة القبلة لا يكون حراماً (1).
(1) قد عرفت فيما سبق اعتبار الاستقبال في الذبيحة (1)بل عرفت أن الأقوى اعتباره في الذابح أيضاً (2)، للنص الصحيح الدال عليه كما مرّ.
وكيف كان ، فهل يختص هذا الحكم بصورة العلم والعمد ، فلا يعتبر الاستقبال مع الخطأ في الاجتهاد أو الاعتقاد أو الجهل أو النسيان ، أو يعم جميع الصور؟
المشهور بل المتسالم عليه بين الأصحاب هو الأول. إنما الكلام في مستنده فنقول :
لا ينبغي الإشكال في حلّية الذبيحة إذا ذبحها إلى غير القبلة ناسياً أو مخطئاً للتصريح في النصوص بعدم البأس إذا لم يتعمّد ، التي منها صحيحة علي بن جعفر قال : « سألته عن الرجل يذبح على غير القبلة ، قال : لا بأس إذا لم يتعمد » (3)ونحوها غيرها كما لا ينبغي الإشكال في الحلية إذا ذبح ولم يتمكن من معرفة جهة القبلة فكان جاهلاً بالموضوع ، لعدم صدق التعمد حينئذ كسابقه.
إنما الإشكال فيما إذا ذبح لغير القبلة جاهلاً بالحكم ، فانّ في إلحاقه بالجاهل بالموضوع تأملاً ، لقصور النصوص المتقدمة عن شموله ، فانّ الجاهل بالحكم عامد في الموضوع ، أي يصدر عنه الذبح إلى غير القبلة عن قصد واختيار ، فهو يعلم أنّه يذبح إلى جهة المشرق مثلاً أو دبر القبلة مثلاً ، وإن كان منشؤه الجهل بالحكم ، فلا يكون مندرجاً في تلك النصوص النافية للبأس إذا لم يتعمد ، هذا.
وقد استدل في الجواهر (4)للإلحاق بوجهين :
أحدهما : رواية دعائم الإسلام : « في من ذبح لغير القبلة : إن كان خطأً أو نسي أو جهل فلا شيء عليه ، وتؤكل ذبيحته ، وإن تعمّد ذلك فقد أساء ، ولا نحبّ أن تؤكل ذبيحته تلك إذا تعمّد » (1).
والمذكور في الجواهر « يجب » بدل « نحب » وهو غلط ، والصحيح هو الثاني كما أثبته المحدث النوري في المستدرك.
وكيف كان ، فقد ذكر قدسسره أنّ الجهل المذكور في الخبر مطلق يشمل الحكم والموضوع.
وفيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف السند بالإرسال ، ولم يعلم استناد فتوى المشهور إليه كي ينجبر به الضعف لو سلّم كبرى الانجبار ، لاحتمال استنادهم إلى الوجه الآتي.
وثانياً : مع الغض عما ذكر لا مناص من اختصاص الجهل بالموضوع ، بقرينة المقابلة بينه وبين التعمد المذكور في ذيل الخبر ، إذ الجاهل بالحكم أيضاً عامد كما عرفت آنفاً ، فلا إطلاق للجهل بالنسبة إلى الحكم وإلا لما صحّ التقابل كما لا يخفى.
ثانيهما : صحيحة محمد بن مسلم : « عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجهها إلى القبلة ، فقال عليهالسلام : كُلْ منها ، فقلت له : فإنّه لم يوجهها ، فقال عليهالسلام : فلا تأكل منها » (2).
فذكر قدسسره أنّها تحتمل وجهين :
الأول : أنّ الجامع بين السؤالين هو الذبح جاهلاً بالقبلة ، وافتراقهما أنّ السؤال الأوّل عما لو صادف القبلة اتفاقاً فحكم عليهالسلام بجواز الأكل حينئذ ، والسؤال الثاني عما لو لم يصادف فأجاب عليهالسلام بالمنع. فقوله :
« فإنّه لم يوجهها » أي لم يتحقق الاستقبال ، قبال الفرض الأوّل الذي تحقق فيه صدفة. وعليه فالصحيحة تدلّ على خلاف المطلوب ، لدلالتها حينئذ على المنع عن الأكل لو ذبح لغير القبلة جهلاً.
الثاني : أنّ الجامع بينهما هو الذبح لغير القبلة ، والمقابلة بينهما باعتبار أنّ السؤال الأول عما لو صدر الذبح عن جهل فحكم عليهالسلام بالجواز والثاني عما لو صدر عن علم وعمد فحكم بالمنع ، فقوله : « فإنّه لم يوجهها » أي تعمّد الذبح لغير القبلة عالماً. وعلى هذا تدل الصحيحة على المطلوب ، لدلالتها على حلية ما ذبح لغير القبلة جاهلاً.
ثم رجّح قدسسره الاحتمال الثاني ، لموافقته لفتوى المشهور.
وليت شعري بعد فرض تساوي الاحتمالين وتكافئهما فهل يقدّم أحدهما لمجرد المطابقة مع فتوى المشهور. نعم ، لو علم استنادهم إليها وأنّهم استظهروا منها الاحتمال الثاني بما أنّهم من أهل العرف صح الترجيح ، لكشفه حينئذ عن ظهور الصحيحة في ذلك ، لكن الاستناد غير ثابت.
والصحيح أن يقال : إنّ الصحيحة في حدّ نفسها ظاهرة في الاحتمال الثاني لضعف الأوّل غايته ، إذ من المستبعد جدّاً أنّ محمد بن مسلم على جلالته يجهل حلّية ما ذبح إلى القبلة وإن كان عن جهل ، بحيث يحتاج إلى السؤال عمّا لو ذبح الجاهل وصادف القبلة ، أفهل ترى أنّه يحتمل اعتبار العلم في الحكم بالحلّية مع أنّه غير معتبر حتى في العبادات المفتقرة إلى نية التقرب فضلاً عن مثل الذبح الذي هو عمل توصّلي ، فإن من صلّى متستراً متطهراً في غير الحرير يحكم بصحة صلاته وإن كان جاهلاً باعتبار هذه الأُمور ونحوها في الصلاة بلا إشكال.
وبالجملة : فالنصوص المتقدمة وإن كانت قاصرة الشمول للجاهل بالحكم لكن هذه الصحيحة تدل بظاهرها على انسحاب الحكم بالنسبة إليه أيضاً ، فهي المستند في التعميم.
وكذا لو تعذّر استقباله كأن يكون عاصياً أو واقعاً في بئرٍ أو نحو ذلك مما لا يمكن استقباله ، فإنّه يذبحه وإن كان إلى غير القبلة (1).
(1) بلا خلاف فيه ، لجملة من النصوص التي منها صحيح الحلبي قال « قال أبو عبد اللّه عليهالسلام : في ثور تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم وسمّوا فأتوا علياً عليهالسلام فقال : هذه ذكاة وحيّة ( أي سريعة ) ولحمه حلال » (1).
ورواية زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « سألته عن بعير تردّى في بئر فذبح من قبل ذنبه ، فقال : لا بأس إذا ذكر اسم اللّه عليه » (2)وغيرهما.
فانّ هذه الروايات وإن سيقت لبيان عدم اعتبار وقوع الذبح والنحر في المذبح والمنحر وأنّه يجوز القتل كيف ما اتفق فيما إذا استعصى الحيوان وعرضه الجنون أو وقع في بئر بحيث امتنع ذبحه ونحره من الموضع المعيّن ، لكن يستفاد منها بالالتزام عدم اعتبار الاستقبال أيضاً ، لعدم التمكّن عادة من رعايته في هاتين الحالتين ، فالحكم بالجواز مطلقاً يكشف عن عدم اعتباره أيضاً كما هو ظاهر.
بل يمكن أن يقال : إنّ النصوص السابقة التي أُنيط فيها التحريم بتعمد ترك الاستقبال بنفسها قاصرة الشمول للمقام ، لعدم صدق العمد مع استعصاء الحيوان أو وقوعه في البئر ، إذ التعمد نحو الفعل عبارة عن صدوره عن قصد واختيار ، فلا بدّ وأن يكون كلا الطرفين الفعل والترك مقدوراً للمكلّف كي يصدر أحدهما عن اختياره ، والمفروض عدم التمكّن من استقبال الحيوان عند جنونه أو وقوعه في البئر ، فهو مضطر في ترك الاستقبال ، فلا يصدر ذلك عن الاختيار الذي هو الموضوع للحرمة في الأخبار.
وبالجملة : فالمقتضي للحرمة قاصر في حدّ نفسه ، مضافاً إلى وجود المانع وهي هذه النصوص كما عرفت.
[1252] مسألة 3 : لو ترك استقبال الميت وجب نبشه ما لم يتلاش ولم يوجب هتك حرمته ، سواء كان عن عمد أو جهل أو نسيان كما مرّ سابقاً (1).
(1) تقدّم في محلّه وجوب الاستقبال بالميت في قبره (1)ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين دفنه وعدمه ، وعليه فمع الدفن جهلاً أو نسياناً أو عصياناً يجب النبش مقدمة للاستقبال الواجب ولا يعارضه دليل حرمة النبش ، فإنّه لبّي وهو الإجماع المستند إلى الهتك والمتيقّن منه غير المقام ، فإطلاق الدليل الأول محكّم ، على أنّه لا هتك في مثل هذا النبش كما لا يخفى.
نعم ، يستثني من ذلك موردان :
أحدهما : ما لو تلاشى الميت فإنّه لا مقتضي حينئذ للنبش ليستقبل به ، لعدم صدق عنوان الميت الذي هو موضوع للحكم ، وإنّما هي عظام مجتمعة ، على أنّه مع التلاشي يتعذر استقباله.
الثاني : ما لو استلزم النبش هتك حرمته الذي هو حرام بلا إشكال ، فإنّ حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً ، وقد دلّت النصوص الكثيرة على حرمة إيذاء المؤمن وهتكه (2)فتقع المزاحمة حينئذ بين وجوب الاستقبال به وحرمة هتكه ، ولا شك أنّ الثاني أهم ، لا أقلّ من كونه محتمل الأهمية فيقدّم ، واللّه سبحانه أعلم.
اعلم أن الستر قسمان : ستر يلزم في نفسه ، وستر مخصوص بحالة الصلاة.
فالأوّل : يجب ستر العورتين (1) القبل والدبر على كلّ مكلّف من الرجل والمرأة عن كلّ أحد من ذكر أو أنثى ولو كان مماثلاً ، محرماً أو غير محرم ويحرم على كلّ منهما أيضاً النظر إلى عورة الآخر ، ولا يستثني من الحكمين إلا الزوج والزوجة ، والسيد والأمة إذا لم تكن مزوجة ولا محلّلة (1)، بل يجب الستر عن الطفل المميز خصوصاً المراهق ، كما أنّه يحرم النظر إلى عورة الطفل المراهق ، بل الأحوط ترك النظر إلى عورة المميّز ، ويجب ستر المرأة تمام بدنها عمن عدا الزوج والمحارم (2) إلا الوجه والكفين مع عدم التلذذ والريبة ، وأمّا معهما فيجب الستر ويحرم النظر حتى بالنسبة إلى المحارم وبالنسبة إلى الوجه والكفين.
(1) تقدّم الكلام حول وجوب ستر العورتين على كل مكلف من كلّ ناظر وكذا حرمة النظر إليهما في أحكام الخلوة فلاحظ (2).
(2) ينبغي التكلّم في جهات :
الاولى : لا إشكال في وجوب ستر المرأة تمام بدنها مع قطع النظر عن الوجه والكفين عمن عدا الزوج والمحارم إجماعاً ، بل وضرورة. ويدلّ عليه من الكتاب قوله تعالى : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ ... ) (1)، وقوله تعالى (2)( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) (3).
أمّا الأُولى فدلالتها ظاهرة ، وقد ورد في صحيح الفضيل تفسيرها بأنّ ما دون الخمار وما دون السوار من الزينة (4)، وكذا الثانية ، فان نفي الجناح عن القواعد خاصة يقتضي ثبوته لغيرهن ، بل المراد بالثياب خصوص الخمار والجلباب كما ورد في تفسيرها في صحيح الحلبي وغيره (5)، فلا يجوز وضع غيرهما للقواعد أيضاً.
ومن السنّة جملة وافرة من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة كما لا تخفى على المراجع ، التي منها صحيح البزنطي عن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟ فقال : لا ، إلا أن تكون من القواعد ، قلت له : أُخت امرأته والغريبة سواء؟ قال : نعم ... » إلخ (6).
الجهة الثانية : يستثني عمّن يجب تستر المرأة عنه الزوج والمحارم ، بلا خلاف ولا إشكال كما صرح به في الآية الأُولى. نعم ، لم يذكر في الآية الأعمام والأخوال والأصهار مع أنّهم من المحارم بلا إشكال. لكن يدلّ عليه مضافاً إلى السيرة القطعية أنّه يمكن استفادة حكم الأوّلين من نفس الآية المباركة لاستثناء ابني الأخ والأُخت فيها المقتضي لاستثناء العم والخال أيضاً ، لوحدة النسبة من الطرفين ، فإنّ المرأة إذا لم يجب تستّرها عن ابن أخيها وابن أُختها
1) النور 24 : 31.
2) لعلّ التعبير ب- ( لا يَرْجُونَ ) بدل لا يرغبن إشارة إلى أنّ القواعد لا زلن راغبات في النكاح ولا يكرهنه قط. نعم ، ربما يئسن من أن يرغب فيهن أحد ، فهنّ لا يرجون النكاح حينئذٍ لا أنّه لا يرغبن فيه.
3) النور 24 : 60.
4) الوسائل 20 : 200 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 109 ح 1.
5) الوسائل 20 : 202 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 110 ح 2 وغيره.
6) الوسائل 20 : 199 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 107 ح 1.
وهي عمة له أو خالة لم يجب تستّرها عن عمها وخالها أيضاً ، لوحدة النسبة بعينها ، وإنّما التبدل في طرفيها فكأنّه استغني عن ذكر الأخيرين في الآية المباركة اعتماداً على الأوّلين.
وأمّا الصهر فيمكن استفادة الحكم بالنسبة إليه أعني عدم وجوب تستر المرأة عن زوج ابنتها مضافاً إلى ما عرفت من السيرة القطعية المتصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام من الأخبار الكثيرة المتضمنة أنّ المرأة الميتة يغسّلها محارمها (1)فإنّها تدلّ على جواز نظر المحارم إلى المرأة المستلزم لعدم وجوب تسترها منهم ، ولا شك أنّ الصهر من المحارم كما يشهد به قوله تعالى ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) (2)بل يمكن الاستدلال بهذا الوجه بالنسبة إلى الأعمام والأخوال كما هو ظاهر.
الجهة الثالثة : لا إشكال في عدم جواز النظر إلى كلّ امرأة حتى المحارم ما عدا الزوجة والمملوكة أي إلى جزء من بدنها حتى الوجه والكفين إذا كان عن شهوة وريبة ، بل بلا خلاف في ذلك على ما ذكره شيخنا الأنصاري في كتاب النكاح (3)، بل لعلّه من ضروريات الفقه. وتشهد له جملة من النصوص.
منها : موثقة علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سمعته يقول : النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ... » إلخ (4)رواها الكليني بسنده إلى عقبة والسند صحيح ، ورواها الصدوق أيضاً بإسناده عن هشام بن سالم عن عقبة (5)وطريقه إلى هشام صحيح (6). إنّما الكلام في عقبة بنفسه ، فإنّه
لم يوثق لكنه مذكور في سند كامل الزيارات فالرواية موثقة (1).
كما أنّ الدلالة أيضاً ظاهرة ، فانّ المراد بالنظرة الموصوفة بالسهم هي الصادرة عن شهوة والتذاذ وريبة وافتتان التي ربما تؤدي إلى الوقوع فيما هو أعظم ، فهي سهم مسموم لكونها معرضاً للفتنة ، فانّ خوف الفتنة المأخوذ في كلمات الأصحاب ملازم للريبة والشهوة ، فإنّها التي توقع الإنسان في خطر الافتتان دون غيرها ، وإن كانت الشهوة أعم ، فقد ينظر إلى المرأة الشخيصة أو العفيفة بشهوة مع الأمن عن الوقوع في الزنا ، لعدم القدرة عليه.
وبالجملة : الافتتان ملازم للالتذاذ [ والريبة ] المذكورين في كلماتهم. فالنظرة عن الشهوة المستفاد حرمتها من الصحيحة تقتضي تحريم ما يخاف منه الفتنة أيضاً كما هو ظاهر.
ويؤيده الروايات الكثيرة وإن لم تصح أسانيدها الدالة على أنّ زنا العين النظر ، التي منها المرسل : « ما من أحد إلا وهو يصيب حظّا من الزنا ، فزنا العينين النظر ، وزنا الفم القبلة ، وزنا اليدين اللمس ... » إلخ (2)فانّ التعبير عنه بالزنا لمكان شهوته ، فكأن النظر مرتبة نازلة من الزنا.
ومنها : صحيحة علي بن سويد قال « قلت لأبي الحسن عليهالسلام : إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها ، فقال : يا علي لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق ، وإيّاك والزنا فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين » (3)دلّت على حرمة النظر إذا لم تكن نيته الصدق بأن كان عن شهوة وريبة.
وقد احتمل الشيخ (4)ونعم الاحتمال أنّ المراد بالابتلاء توقف شغله وكسبه على النظر إلى النساء كمن يبيع حاجيات النسوان مثل البزاز ونحوه
وقوله : « يعجبني » أي بحسب الطبع البشري ، فإنّ الإنسان يسرّه بالطبع النظر إلى كل شيء جميل ، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم جماداً كالوردة أو المجسمة البديعة أو التصوير الجميل ، فأجابه عليهالسلام بعدم البأس إذا لم يكن بقصد الريبة والشهوة المنبعثة عن الغريزة الجنسية.
وكيف كان ، فالصحيحة دالّة على حرمة النظر مع عدم كون النية صادقة كما عرفت ، هذا مع أنّ الحرمة في هذا الفرض من مسلّمات الفقه وضرورياته كما مرّ ، فلا إشكال في ذلك.
الجهة الرابعة : في حرمة النظر إلى بدن الأجنبية ما عدا الوجه والكفين وإن لم يكن بقصد الريبة إلا في الموارد الخاصة المنصوصة من العلاج وغيره.
ويدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع ، بل الضرورة كما ذكره شيخنا الأنصاري (1)أُمور :
الأول : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) (2)فانّ المراد بالزينة مواضعها كما مرّ (3)، ولا شك أنّ الإبداء في نفسه ولو من غير ناظر لا حرمة فيه ، بل هي خاصة بوجود الناظر ، وإذا حرم تحريم الإبداء حينئذ حرم النظر أيضاً لا محالة للملازمة بينهما. نعم ، تحريم النظر لا يدل على تحريم الإبداء ، فيمكن أن يكون النظر حراماً ولم يكن التستّر واجباً على المنظور إليه ، فإنّ نظر المرأة إلى بدن الرجل حرام ولم يجب تستره منها ، كما أنّ نظر الرجل إلى الأمرد عن شهوة حرام ولم يجب تستره منه ، إذ كل منهما يعمل على وظيفته ، لكن وجوب التستر وحرمة الإبداء يلازم حرمة النظر ، وإلا فلو جاز لم يكن مقتضٍ لوجوب الستر.
الثاني : قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ... ) إلخ (4)فإنّ
الآية المباركة في حدّ نفسها ولا سيما بملاحظة شأن نزولها من قصة الشاب الأنصاري المروية في حديث سعد الإسكاف عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهن فنظر إليها وهي مقبلة ، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان فجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه ، فلما مضت المرأة نظر فاذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره ، فقال : واللّه لآتينّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ولأُخبرنّه ، فأتاه ، فلما رآه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : ما هذا؟ فأخبره ، فهبط جبرئيل بهذه الآية ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ... ) إلخ » (1)ظاهرة في المطلوب كما لا يخفى.
الثالث : قوله تعالى ( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً .. ) إلخ (2)فانّ التخصيص بالقواعد يدلّ على ثبوت البأس لغير القواعد ، فيجب عليهن التستر ، وقد تقدم أنّ وجوب التستر يلازم حرمة النظر وإن لم يكن الأمر بالعكس.
وتدلّ عليه أيضاً الروايات الكثيرة الواردة في تفسير الآية المباركة (3).
الرابع : صحيح البزنطي المانع من النظر إلى شعر أُخت الزوجة ، وقد تضمّن أنّها والغريبة سواء (4)فانّ مقتضى الإطلاق فيها كالآيات المتقدمة عدم الفرق بين قصد التلذذ وعدمه.
الخامس : موثقة عباد بن صهيب قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج ، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون ... » إلخ (5)كذا ذكره في الوسائل.
والصحيح : لأنّهن إذا نهين لا ينتهين كما في الوافي (1).
وكيف كان ، فمقتضى التعليل حرمة النظر إلى رؤوس غير من ذكر في الخبر ممن تنتهي إذا نهيت ، فكأنه يستفاد منها أنّ حرمة النظر لأجل أنّ المؤمنة لها حق على المؤمن وهو أن لا ينظر إليها فيهتك حرمتها ، فأما إذا ألقت المرأة جلبابها وألغت احترامها وأسقطت حقها بحيث كلّما نهيت لا تنتهي فلا حرمة لها ، نظير إلغاء الإنسان احترام ماله ، فتدلّ على عدم جواز النظر إلى العفيفات اللاتي ينتهين إذا نهين.
الجهة الخامسة : في النظر إلى الوجه والكفين بدون قصد الريبة. أمّا معه فلا إشكال في الحرمة كما مرّ في الجهة الثالثة. والمشهور ذهبوا إلى الحرمة ، وأصرّ عليه في الجواهر (2)، وذهب شيخنا الأنصاري قدسسره (3)وجماعة إلى الجواز ، وفصّل بعضهم بين النظرة الأُولى فتجوز دون الثانية جمعاً بين الأدلّة ، وأمّا الماتن فقد احتاط فيه وجوبيّاً في المقام وفي كتاب النكاح (4).
وكيف كان ، فينبغي التعرض أوّلاً لما استدلّ به للمشهور ، فان تم وإلا فيحكم بالجواز أو يحتاط. وقد استدلّ لهم بوجوه من الأدلّة الأربعة :
الأول : قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ .. ) إلخ (5)فانّ وجوب الغض مطلق يشمل الوجه والكفين ، فلا يجوز النظر إلى أي جزء من بدن الأجنبية كما لا يجوز لها النظر إلى الأجنبي.
وفيه أولاً : أنّ الآية غير ظاهرة في تحريم النظر ، لعدم ظهور الغض في الغمض ، بل لا يبعد أن يكون المراد التجاوز عن المرأة وعدم القرب منها والإعراض عنها المعبّر عنه بالفارسية ب- ( چشم پوشي ) وهذا استعمال دارج في
العربية وغيرها ، فيكون كناية عن الكف عن الزنا ، المساوق لقوله تعالى ( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) (1).
وبعبارة اخرى : بعد امتناع حمل الغض على معناه المطابقي وهو إطباق الجفنين وغمض العينين ، لعدم وجوب ذلك بالضرورة ، يدور ذلك الأمر بين كونه كناية عن أحد معنيين : إما المنع عن إيقاع النظر على المرأة ، بأن يصرف نظره عنها فينظر إلى الفوق أو التحت من السماء أو الأرض أو أحد الجانبين ، تحفظاً عن وقوع النظر عليها. وإما إرادة الإعراض عنها وعدم الدنو منها ، بأن لا يعقّبها ولا يتصدّى لمقدمات الوقوع في الحرام وهو الزنا ، فيكفّ بصره عنها بتاتاً كما عرفت ، وليس المعنى الأول الذي هو مبنى الاستدلال أولى من الثاني لو لم يكن الأمر بالعكس.
وثانياً : مع الغض عما ذكر وتسليم ظهور الآية المباركة في المنع عن النظر فلا ريب في عدم إمكان الأخذ بإطلاقه ، لجواز النظر إلى كثير من الموجودات من السماء والأرض والشجر والحجر والمدر وسائر الأجسام. وتخصيصها بها بحيث لا يبقى تحت الإطلاق إلا الأجنبية يوجب تخصيص الأكثر القبيح الذي هو من مستهجن الكلام جدّاً ، سيما في المقام الذي لا يبقى تحت العام إلا فرد واحد ، فانّ مثل هذا الكلام لا يكاد يصدر عن الفرد العادي فما ظنك بالقرآن المعجز ، فلا بد وأن يكون المراد بالآية المباركة غض البصر عما حرّمه اللّه ، فيتوقّف ذلك على إثبات الحرمة من الخارج ، والقدر الثابت ما عدا الوجه والكفين من الأجنبية فلا يمكن الاستدلال بالآية لتحريم النظر إليها منها.
وبالجملة : الأمر بالغض في الآية إرشاد إلى ترك النظر إلى ما ثبتت حرمته بدليله ، فهي مجملة بالإضافة إلى الوجه والكفين ، فلا يمكن الاستدلال بها للمقام كما هو ظاهر.
1) النور 24 : 30.
الثاني : قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ .. ) إلخ (1)دلّت على حرمة الإبداء الملازم لعدم جواز النظر كما مرّ (2)وإطلاقه يشمل الوجه والكفين.
وفيه : أنّه قد استثني في نفس الآية الزينة الظاهرة ، قال تعالى ( إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) ولا ينبغي الإشكال في عدم كون المراد من الزينة نفسها من الثياب ونحوها ، لعدم المانع من إظهارها في حد نفسها بالضرورة ، مضافاً إلى بعد هذا المعنى عن سياق الآية في حدّ نفسه ، بل المراد مواضعها أعني البدن نفسه كما فسرت بذلك في جملة من النصوص ، ومن الواضح أنّ الوجه والكفين من أظهر المصاديق لمواضع الزينة الظاهرة المستثناة في الآية.
مضافاً إلى التصريح به في جملة من النصوص المتضمنة أنّ الزينة الظاهرة ما دون الخمار وما دون السوارين (3)، وهي صحيحة الفضيل ، ونحوها موثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن قول اللّه ( عز وجل ) ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) قال : الخاتم والمسكة وهي القُلْب » (4)أي السوار فانّ النظر إلى الخاتم لا ينفك عن النظر إلى الكف.
وسند الرواية صحيح ما عدا سعد بن مسلم (5)فإنّه لم يذكر عنه شيء في الرجال إلا أنّه قائد أبي بصير ، لكنّه مذكور في سند كامل الزيارات ، بل إنّ هذا السند بعينه مذكور هناك أي محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن أحمد ابن إسحاق عن سعد بن مسلم عن أبي بصير والمراد بالحسين بن محمد الحسين بن محمد بن عامر أو عمران الأشعري القمي ، وهو ثقة. وبالجملة
فالرواية موثقة.
ونحوها موثقة مسعدة بن زياد ، قال : « سمعت جعفراً وسئل عما تظهر المرأة من زينتها ، قال : الوجه والكفين » (1).
وبالجملة : فالاستثناء عن ذلك يقتضي جواز النظر إلى الوجه والكفين لدخولهما في المستثنى دون المستثنى منه ، فالآية على خلاف المطلوب أدلّ كما لا يخفى.
الثالث : قوله تعالى ( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) إلخ (2)دلت على المنع عن وضع الثياب بالنسبة إلى غير القواعد فيجب التستر عليهن وذلك يدل بالملازمة على حرمة النظر كما مرّ (3)وإطلاقه يشمل الوجه والكفين.
وفيه : أن المراد بالثياب الخمار والجلباب كما فسرت بذلك في غير واحد من الأخبار (4)فيجوز النظر إلى شعورهن ورؤوسهن ، وأما غير القواعد فلا يجوز النظر الى مثل ذلك منهنّ. وأما الوجه والكفان فلا تعرّض لهما في الآية نفياً وإثباتاً.
وبالجملة : غاية ما يستفاد من الآية عدم جواز النظر إلى شعر غير القاعدة ورأسها الذي هو موضع للخمار والجلباب ، وأمّا الوجه والكفان فالآية ساكتة عن حكم النظر إليهما.
فتحصّل : أنّ الآيات التي استدلّ بها للقول بالحرمة كلّها قاصرة الدلالة.
الرابع : الإجماع الذي ادّعاه الفاضل المقداد ، حيث ذكر إطباق الفقهاء على أنّ المرأة بتمامها عورة فلا يجوز النظر إليها (5).
وفيه : مضافاً إلى أنّه إجماع منقول ، أنّ دعواه موهونة في المقام إذا أراد به ما
يعم الوجه والكفّين ، لذهاب جماعة من المحققين كالشيخ الطوسي (1)على ما نسب إليه والشيخ الأنصاري (2)وغيرهما إلى الجواز ، ومعه كيف يمكن دعوى الإطباق والاتفاق. وإن أراد به دونهما فهو مسلّم ، لكنه لا ينفع للمقام وأجنبي عن محل الكلام. فهذه الدعوى على تقدير غير صحيحة وعلى التقدير الآخر غير مفيدة.
الخامس : قيام السيرة العملية من المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين عليهمالسلام على التستر عن الأجنبي الكاشف عن وجوبه الملازم لحرمة النظر كما مرّ.
وفيه أوّلاً : أنّ السيرة ممنوعة من أصلها ، سيما في مثل القرى والقصبات والبلدان أيضاً ، بل لعلّ السيرة في هذه الموارد قائمة على العكس كما لا يخفى نعم لا نضايق من تحققها بالإضافة إلى النساء المجلّلات في البلدان الكبار ، وأمّا على سبيل العموم فكلا ، فهي مختصة بطائفة من النساء في بعض البلاد.
على أنّه يمكن منع السيرة هنا أيضاً ، فإنّ المجللات إنّما يتسترن عن الأجانب المحض ، دون الأقارب وإن لم يكونوا محارم كزوج الأُخت أو أخي الزوج أو ابن العم ونحوهم ممن يسكنون في دار واحدة معها ، فإنهنّ لا يتسترن غالباً عن مثل هؤلاء الأقارب مع أنّهم أجانب شرعيين وإن لم يكونوا كذلك عرفاً. ومن المعلوم عدم الفرق في وجوب الستر عن الأجنبي بين العرفي والشرعي كما يفصح عنه الصحيح المتقدم (3)الوارد في شعر أُخت المرأة المتضمّن أنّها والغريبة سواء. فيظهر أنّ السيرة في موردها إنّما هي لجهة أُخرى لا للمنع الشرعي ، وإلا كان مقتضاها عدم الفرق بين الموارد كما عرفت.
وثانياً : لو سلّم فلم يحرز الاتصال ، لاحتمال أن يكون المستند في ذلك فتوى المشهور بحيث لم تكن السيرة قبل صدور الفتوى منهم ، فلم تتصل إلى زمن
المعصومين عليهمالسلام كي يحتج بها لأجل عدم ردعهم عليهمالسلام عنها.
وثالثاً : على فرض الاتصال فسيرة المتدينين أعم من وجوب التستر ، فإنّ السيرة القائمة على فعل غايته الدلالة على عدم حرمته ، كما أنّ القائمة على الترك غايته الدلالة على عدم وجوبه ، لا الدلالة على الوجوب في الأول والتحريم في الثاني كما لا يخفى. ففي المقام غاية ما تدلّ عليه السيرة القائمة على التستر جوازه دون وجوبه كما ادّعي.
السادس : حكم العقل بذلك ، وتقريره : أنّ من الظاهر أنّ محاسن المرأة عمدتها في وجهها ، وبما أنّ النظر إليها يؤدي إلى الزنا غالباً ويوصل إلى مبغوض الشارع كثيراً ، لكونه معرضاً للافتتان فالعقل يحكم بعدم جواز النظر إلى الوجه على الإطلاق حسماً لمادة الفساد.
وفيه : أنّ هذا الوجه إنّما يحسن تقريره حكمة للتشريع ، التي لا يجب فيها الاطّراد بعد الفراغ عن ثبوت الحكم أعني حرمة النظر إلى الوجه على الإطلاق من الخارج ، فيحكم بعدم جواز النظر حتى بدون الريبة ، لعدم لزوم الاطّراد في الحكمة ، نظير حكم الشارع بالاعتداد لحكمة عدم اختلاط المياه غير المطّردة في جميع الموارد.
وأمّا استكشاف الحكم الشرعي من نفس هذا الوجه على الإطلاق فكلاّ ، لما مرّ غير مرة من عدم الطريق إلى كشف ملاكات الأحكام من غير ناحية الأمر أو النهي ، فلا سبيل للعقل لإدراك الملاك التام المستتبع لحرمة النظر ، وما ذكر وجه اعتباري لا يصلح أن يكون علة للحكم ، وإلا كان لازمه المنع عن النظر إلى بعض المحارم ، فانّ النظر إلى بعضهم وإن كان مأموناً عن الافتتان كالأُم والبنت والأُخت بحيث لا يكاد يتفق النظر إليهنّ عن شهوة لكن البعض الآخر ليس كذلك ، كالأُخت من الرضاعة وأُم الزوجة ونحوهما ممن يتطرّق احتمال اللالتذاذ في النظر إليهن وكذا بالنسبة إلى الأمرد ، فاللازم المنع عن النظر في جميع ذلك حسماً لمادة الفساد ، لكون النظر في هذه الموارد أيضاً
معرضاً للافتتان غالباً كما ذكر ، وهو كما ترى.
وبالجملة : فلا يمكن الاستناد إلى هذا الوجه العقلي في الحكم بعدم جواز النظر إلى الأجنبية حتى مع الأمن عن الفتنة وعدم كونه بقصد الشهوة والريبة الذي هو محلّ الكلام كما لا يخفى.
السابع : الروايات المتضمنة لجواز النظر إلى المرأة لمن يريد تزويجها ، وأحسنها سنداً ودلالة للمقام صحيحة هشام وحمّاد وحفص كلّهم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها » (1)، حيث دلّت بالمفهوم على عدم جواز النظر إلى الوجه والمعاصم وهي الكفّان أو السواران المستلزم للنظر إلى الكفين إذا لم يكن من قصده التزويج.
وفيه أولاً : أنها أجنبية عما نحن فيه ، لأنّ النظر المحكوم فيها بالجواز هو النظر عن شهوة والتذاذ على ما يقتضيه طبع النظر بقصد الزواج ، فانّ الناظر حينئذ يفكّر في أمور ، لأنّه يشتريها بأغلى الثمن كما عبّر بذلك في بعض النصوص (2)، فيتأمل في محاسنها وجمالها نظر شهوة وتهييج كي تحصل له الرغبة في التزويج ، فمفهومها المنع عن مثل هذا النظر لو لم يكن لهذه الغاية. وأين ذلك من النظر الساذج العاري عن الشهوة والريبة الذي هو محلّ الكلام.
ويؤكّد ما ذكرناه ويؤيّده : رواية الحسن بن السريّ ، قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها وينظر إلى خلفها وإلى وجهها ، قال : نعم ، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ينظر إلى خلفها وإلى وجهها » (3)فانّ التعبير بالتأمّل غير المنفك عن التلذذ كالصريح فيما ذكرناه.
نعم ، لا يخلو سند الرواية عن الضعف ولذا ذكرناها بعنوان التأييد لمكان الحسن بن السري ، فإنّه لم تثبت وثاقته ، نعم وثقه العلامة في
الخلاصة (1)وابن داود (2)لكن من المعلوم أنّ المستند في توثيقهما هو النجاشي ، إلا أنّ توثيق النجاشي إيّاه غير معلوم ، فإنّه وإن ذكر الفاضل التفريشي عن بعض معاصريه أنّه وجد توثيقه في بعض نسخ النجاشي ، لكن التفريشي اعترف بنفسه بخلو نسخ أربع من النجاشي التي هي عنده عن هذا التوثيق (3). والمجلسي أيضاً بنى على أنّ الصواب خلوّ نسخة النجاشي عن التوثيق (4).
وبالجملة : فالأمر يدور بين زيادة التوثيق في نسخة النجاشي أو نقيصته ، ولا أصل ينقّح ذلك ، فلا اطمئنان بتوثيق النجاشي إيّاه ، فالرواية حسنة لولا الحسن.
وكيف كان ، فالصحيحة بنفسها ظاهرة في المطلوب كما عرفت.
وثانياً : لو سلّم دلالتها على المنع عن النظر ولو من غير شهوة فلا بدّ من حملها على الكراهة ، جمعاً بينها وبين آية الإبداء (5)الصريحة في جواز النظر إلى الزينة الظاهرة بضميمة الأخبار المفسرة لها بالوجه والكفين كما تقدّم (6).
وما يقال : من أنّ غاية ما يستفاد من الآية عدم وجوب التستر بالنسبة إلى الوجه والكفّين ، وهو لا يستلزم جواز النظر إليهما كي يحمل لأجله النهي المستفاد من مفهوم الصحيحة على الكراهة ، فإنّ عدم وجوب الستر أعم من جواز النظر ، كما في الرجل ، فإنّه لا يجب عليه التستر مع أنّه يحرم على المرأة النظر إلى بدنه ، وكما في الأمرد فإنّه يحرم النظر إليه بشهوة مع عدم وجوب التستر عليه.
مدفوع : بأنّ هذا إنما يتمّ لو تضمنت الآية عدم وجوب الستر ، وليس
كذلك ، بل إنها دلت على جواز الإبداء الذي هو بمعنى الإظهار والإراءة ، فانّ الظاهر أنّ مثل هذا التعبير يدل على جواز النظر كما لا يخفى ، وليس هو على حدّ التعبير بعدم وجوب الستر ، ولعل الفرق واضح.
الثامن : الأخبار الدالة على أنّ النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، وأنّ زنا العينين النظر (1)فإنّها بإطلاقها تعمّ الوجه والكفين.
وفيه : أنّ هذه الروايات وإن كان بعضها صحيح السند لكنّها قاصرة الدلالة على ما نحن فيه ، فانّ التعبير بالسهم لا يناسب إلا النظر مع خوف الافتتان الذي هو من الشيطان ، كما أنّ تنزيله منزلة الزنا يقتضي وجود جامع بينهما وهو اللذة والشهوة كي يصدق أنّ النظر زنا العين ، فكأن الشارع وسّع في مفهوم الزنا ، فالحقيقي منه ما كان بتوسط الآلة المخصوصة ، والتنزيلي ما كان بواسطة اللمس أو الفم أو العين على اختلاف مراتبها التي يجمعها الالتذاذ والارتياب ، وهو خارج عن محلّ الكلام ، هذا.
مع أنّه لم يتعرض لذكر متعلّق النظر في هذه الأخبار. والأخذ بالإطلاق أينما سرى كما ترى ، للزومه تخصيص الأكثر المستهجن كما مرّ (2)وحمله على خصوص الأجنبية بتمام بدنها لا شاهد عليه ، ولعل المراد خصوص العورتين من الرجل أو المرأة. وبالجملة : فالمتعلّق مجمل ولا قرينة على التعيين ، فلا يصح الاستدلال بها فتأمل.
التاسع : مكاتبة الصفار إلى أبي محمد عليهالسلام في الشهادة على المرأة هل يجوز أن يشهد عليها من وراء الستر وهو يسمع كلامها إذا شهد عدلان بأنّها فلانة بنت فلان ، أو لا تجوز له الشهادة حتى تبرز من بيتها بعينها ، فوقّع عليهالسلام : تتنقّب وتظهر للشهود (3)فانّ ظاهر الأمر بالتنقب هو الوجوب.
وفيه : أنّ النقاب لا يستر تمام الوجه بل بعضه أعني من الذقن إلى ما فوق الأنف فالعينان والحاجبان والجبهة مكشوفة ، ولا يحتمل الفرق في وجوب الستر وعدمه بين بعض الوجه وتمامه فيظهر من ذلك أنّ الأمر بالتنقب ليس لمكان الوجوب الشرعي ، بل هو حكم تأدبي أخلاقي دفعاً للحزازة العرفية حيث إنّ ظهور المرأة وحضورها مكشوفة الوجه في مجلس الرجال لا يخلو عن الاستهجان ، لمنافاته مع العفاف المرغوب فيه ، ولا سيما في المرأة الجليلة الشخيصة ، فانّ ذلك مهانة لها ويمسّ بكرامتها.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه لحدّ الآن : أنّ الوجوه التي استدلّ بها للمشهور لا يتم شيء منها ، فهي ساقطة بأسرها ، للمناقشات التي قدمناها وأكثرها مقتبسة من كلام شيخنا الأنصاري في كتاب النكاح (1)على الاستدلال بكل من الأدلّة الأربعة أو فقل الوجوه التسعة كما عرفت بما لا مزيد عليه.
ثم إنّ شيخنا الأنصاري قدسسره (2)بعد أن ناقش في أدلّة المشهور بمثل ما مرّ تصدى قدسسره للاستدلال على الجواز بوجوه :
منها : الأخبار الواردة في تفسير الزينة الظاهرة بالوجه والكفّين ، وفيها الصحاح وقد تقدمت (3).
ومنها : ما ورد من نظر جابر إلى وجه الزهراء ( سلام اللّه عليها ) وهو أصفر من شدة الجوع ، فدعا رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فصار أحمر (4).
وفيه : أنّ هذه الروايات بأجمعها ضعيفة السند كما لا يخفى ، بل لا يمكن الاستدلال بها حتى لو صحت أسانيدها ، إذ لا يمكننا التصديق بخروج الزهراء
( عليهاالسلام ) سافرة الوجه عند جابر ونحوه من الأجانب ، فإنّ مثل هذا لا يكاد يصدر عن امرأة عادية عفيفة فضلاً عن سيدة النساء بضعة سيد الأنبياء مصدر كلّ عفّة وحياء ، وقد ورد أنّ ابنتها زينب وهي الصديقة الصغرى عليهاالسلام لم تكن تخرج إلى قبر رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إلا ليلاً عند ما لم يكن أحد يرى شخصها بل ولا شبحها ، فاذا كانت هذه حالة ابنتها وهي الصديقة الصغرى فما ظنك بها نفسها وهي الصديقة الكبرى.
وبالجملة : لا يسعنا التصديق بخروجها مكشّفة الوجه عند جابر بتاتاً ، ولا نحتمل صدق الحديث بوجه مهما صح السند وقوي المستند ، كيف وقد عرفت ضعف الروايات بأجمعها. فهذا الاستدلال كغيره مما ذكره قدسسره من الروايات الضعاف ساقط ولا يعبأ بشيء منها.
والعمدة فيما استدل به صحيح علي بن سويد المتقدّم سابقاً قال « قلت لأبي الحسن عليهالسلام : إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها ، فقال : يا علي لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق ، وإيّاك والزنا ... » إلخ (1)فإنّه كالصريح في جواز النظر إذا كان صادقاً في نيّته ، أي لم يقصد به الشهوة والريبة بحيث يؤدي إلى الزنا. فعلى تقدير تمامية الأدلة السابقة على الحرمة يجمع بينها وبين هذا الصحيح بالحمل على الكراهة ، هذا.
وقد تعرّض في الجواهر (2)لهذه الصحيحة وحمل الابتلاء فيها على الصدفة والاتفاق من دون تعمد وقصد ، وأنّ نية الصدق المذكورة في الجواب إشارة إلى نفي البأس إذا كان صادقاً فيما يدّعيه من الابتلاء بهذا المعنى.
وأنت خبير ببعد هذا الاحتمال عن سياق الرواية جدّاً ، لمنافاته لقوله : « فيعجبني النظر إليها » الظاهر في تحقق الإعجاب حال النظر غير المنفك حينئذ عن القصد فلا يلائم النظر الاتفاقي عن غير عمد. وحملها على إرادة الإعجاب
بعد صرف النظر والحادث بعد التأمّل في النظر السابق كما ترى ، فإنّه خلاف المتراءى من إسناد الإعجاب إلى النظر الظاهر في تحققه في هذه الحال كما عرفت.
ونحوه في الضعف حمل الابتلاء على الاضطرار الرافع للتكليف ، وأنّ الوجه في السؤال ما يدخله من الإعجاب بعد النظر. فإنّ إطلاق الابتلاء على الاضطرار لم يعهد في المحاورات ، فهو استعمال غير مأنوس ، لكونه على خلاف المتفاهم العرفي من هذه الكلمة كما لا يخفى.
فيدور الأمر بين أحد معنيين آخرين :
أحدهما : حمل الابتلاء على الابتلاء النفساني من جهة غلبة النفس الأمّارة وقاهريّة القوة الشهوية فيجد نفسه مبتلى بالبخوع للميولات النفسانية.
وهذا أيضاً يتلو ما تقدّمه في الضعف ، فانّ الابتلاء بهذا المعنى من عمل الفساق والمنهمكين في الشهوات الذين يتتبعون آثار النساء ويقعدون لهن كلّ مرصد ، نجلّ ساحة ابن سويد وهو من ثقات أصحاب الرضا عليهالسلام عن مثل ذلك. على أنّ الإمام عليهالسلام كيف يقرّه على الفسق ، وأيّ معنى والحال هذه لعرفان اللّه من نيّته الصدق.
فيبقى الاحتمال الثاني الذي ذكره الشيخ قدسسره وهو أنّ ابتلاءه بالنظر إلى النساء من جهة اقتضاء شغله ذلك ، ككونه بزّازاً أو صائغاً ونحوهما ممن يتّجر في حاجيات النسوان فيبتلى بمواجهتهنّ في مقام البيع والشراء ، فسأل عما قد يتطرقه عند النظر من الإعجاب بهن والتمتع بجمالهن ، على ما هو مقتضى الطبع البشري من التذاذه من النظر إلى كل شيء جميل ، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو جماداً كمجسمة جميلة أو تصوير حسن ونحو ذلك ، فأجاب عليهالسلام بعدم البأس إذا عرف اللّه من نيّته الصدق ، أي كان نظره نظراً ساذجاً والإعجاب الذي يدخله ناشئاً عن الفطرة البشرية المقتضية للالتذاذ بكلّ شيء بديع دون الإعجاب والالتذاذ المنبعثين عن القوة الشهوية والمنبعثين عن الغريزة الجنسية التي هي من سنخ نظر الزوج إلى زوجته ، إذ من الواضح عدم
الملازمة بين هذين النوعين من النظر ، فقد يلتذ الإنسان من النظر إلى وجه ولده الجميل من دون أن يخطر بباله انبعاث هذه اللذة عن الشهوة والغريزة الجنسية ، وكذا غير ولده من الأمثلة المتقدمة ، فهذا التفكيك متحقق حتى في النظر إلى المرأة الجميلة الأجنبية كما هو ظاهر. ففصّل الإمام عليهالسلام في الجواب بين هذين النوعين ، وخصّ الجواز بالنوع الأوّل الذي عبّر عليهالسلام عنه بقوله : « إذا عرف اللّه من نيتك الصدق ».
ويؤيّده قوله عليهالسلام بعد ذلك : « وإيّاك والزنا » فانّ التحذير عن الوقوع في الزنا قرينة قطعية على أنّ المراد من النظر المنفي عنه البأس ما كان من النوع الأوّل المأمون عن الزنا ، دون الثاني الذي هو معرض للافتتان ويؤدي إلى الزنا غالباً.
وقد تحصّل من جميع ما تلوناه عليك لحدّ الآن أن مقتضى الصناعة بالنظر إلى أدلّة الباب نفسها بعد ضمّ بعضها إلى بعض والتدبّر فيما يقتضيه الجمع بين الأدلّة هو اختيار القول بالجواز ، كما ذهب اليه شيخنا الأنصاري قدسسره مصرّاً عليه.
لكن مع ذلك كلّه في النفس منه شيء ، والجزم به مشكل جدّاً ، ولا مناص من الاحتياط الوجوبي في المقام كما فعله الماتن قدسسره ونعم ما صنع وذلك لما ثبت من تتبع الآثار واستقصاء الموارد المتفرقة من الأخبار اهتمام الشارع الأقدس بشأن الأعراض اهتماماً بليغاً ، بحيث يعلم من مذاقه التضييق فيما دون النظر فضلاً عنه ، والتشديد في ناموس المسلمين بالنهي عما يخالفه تحريماً أو تنزيهاً ، كما يفصح عنه نهيه عن خروجهنّ للجمعة والجماعات (1)على ما هي عليه من الفضل والمثوبات ، وكذا النهي عن حضورهن لتشييع الجنائز (2)والمنع عن اختلاطهن مع الرجال في الأسواق ، الوارد في نهي علي ( عليه
السلام ) أهل الكوفة عن ذلك (1)، والنهي عن المحادثة معهن وسماع صوتهن (2)( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) ، وعن تقبيل البنات بعد بلوغهنّ ست سنين (3)وعن التسليم على المرأة الشابة حيث ورد أنّ علياً عليهالسلام كان لا يسلم عليهنّ (4)وعن الجلوس في مكان قامت عنه المرأة والحرارة بعد باقية لكونه مهيجاً للشهوة (5)إلى غير ذلك من الموارد المتفرقة التي لا تخفى على المتتبع ومعه كيف يمكن الحكم بالجواز سيما وأنّ الوجه مجمع الحسن ومركز الجمال ومثار الفتنة والنظر اليه من مزال الأقدام ومواقع الهلكة غالباً.
على أنّه لو كان الجواز ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لكان من الواضحات المشهورات مع أنّه لم ينقل (6)القول به صريحاً من المتقدمين إلا الشيخ الطوسي قدسسره (7)وبعض من تبعه من المتأخرين حتى قيل إنّ المنع مما اختص به المسلمون قبال غيرهم. فلا يسعنا في المقام إلا الاحتياط الوجوبي كما عرفت ، واللّه سبحانه أعلم.
ومن جميع ما مرّ يعلم الحال في عكس المسألة أعني نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي وإن كانت الأدلّة في الفرض السابق أكثر ، إذ ليس في المقام دليل لفظي عدا آية الغض ، وقد عرفت الإشكال في الاستدلال بها (8)وعدة من الروايات الضعاف لكن مقتضى الاحتياط الوجوبي عدم النظر منهن إليه
1) الوسائل 20 : 235 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 132.
2) الوسائل 20 : 197 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 106.
3) الوسائل 20 : 229 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 127.
4) الوسائل 20 : 234 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 131 ح 3.
5) الوسائل 20 : 248 / أبواب مقدمات النكاح وآدابه ب 145.
6) لا يلائم هذا مع ما في رياض المسائل [ 2 : 74 السطر 13 ، 7 ] والحدائق [ 23 : 53 ] من إسناد الجواز إلى المشهور فلاحظ وتدبّر.
7) تقدم في ص 71 نسبة الجواز إليه.
8) في ص 81 الجهة الخامسة.
والأحوط سترها عن المحارم من السرة إلى الركبة مطلقاً (1) ، كما أنّ الأحوط (1)ستر الوجه والكفين عن غير المحارم مطلقاً.
أيضاً لبعض ما عرفت ، فتدبر جيداً.
ثم إنّ ممن أصرّ على الجواز صاحب الحدائق قدسسره فذكر ما يستدلّ به عليه نحو ما مرّ ، ثم ذكر ما يعارضه مما يدلّ على المنع أعني روايات أنّ النظر سهم وأن زنا العينين النظر وقال : إنّ هذا مطلق يشمل الوجه والكفين فيحمل على غيرهما جمعاً. ثم ذكر أنّ العلامة استدل على المنع بوجوه وهي التي تقدّم (2)بعضها عن صاحب الجواهر ثم قال : إنّه لا يمكن الأخذ بها لما فيها من المناقشات ، سيما في قبال ما دل على الجواز التي هي أكثر والاستدلال بها أحسن. وذكر أخيراً أنّ العلامة كأنّه قدسسره لم يلتفت إلى هذه الأدلّة أو لم تكن بمرأى منه ، وإلا فلا ريب في ظهورها في الجواز (3)انتهى.
والإنصاف : أنّ ما افاده قدسسره متين جدّاً بالنظر إلى نفس أدلّة الباب والجمع بينهما بما هي ، وأمّا بالنظر إلى العلم الخارجي الحاصل من تتبع الآثار المستكشف منه مذاق الشارع في هذا المضمار من التضييق والتشديد في شأن الإعراض كما عرفت مستقصى فلا يمكن المساعدة على ما ذكره ، بل المتجه الاحتياط في المقام كما مرّ.
(1) لتحديد العورة بذلك في ذيل موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهالسلام قال : « إذا زوّج الرجل أمته فلا ينظرنّ إلى عورتها ، والعورة ما بين السرّة والركبة » (4)فتكون الموثقة مفسرة للمراد من العورة في الروايات الكثيرة المانعة من النظر إلى عورة المحارم.
وبالجملة : هذه الموثقة قد دلّت على أنّ العورة في مطلق المرأة عبارة عما بين السرة والركبة ، وبعد ضمّها إلى ما دلّ على المنع عن النظر إلى عورة المحرم ينتج عدم جواز النظر إلى ما بين السرة والركبة من المرأة المحرم.
وهذه الرواية موثقة كما عرفت ، ورميها بالضعف كما عن الهمداني (1)وغيره من جهة أنّ الحسين بن علوان عامي لم يوثّق في غير محله كما مرّ غير مرة ، لتوثيق النجاشي إياه على ما هو ظاهر عبارته حيث قال : « الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي ، وأخوه الحسن يكنّى أبا محمد ثقة .. » إلخ (2). فإنّ الظاهر أنّ التوثيق عائد إلى الحسين ، المصدّر به الكلام الذي له كتاب ، دون الحسن الذي لا كتاب له كما صرّح به في ذيل العبارة ولذا لم يعنونه مستقلا ، لعدم تعرضه لغير من له كتاب. وقد صرّح ابن عقدة بأنّ الحسن كان أوثق من أخيه ، وأحمدَ عند أصحابنا (3). فإنّ التعبير بأفعل التفضيل يدلّ على اشتراكهما في الوثاقة والحمد ، غير أنّ الحسن أوثق وأحمد.
وبالجملة : فلو كنّا نحن وهذه الموثقة كان اللازم الجزم بعدم جواز نظر الرجل إلى ما بين السرّة والركبة من محارمه ، لقوتها سنداً ، وكذا دلالة ، بالتقريب المتقدم ، إلا أنّ القول به حيث لم ينقل عن أحد من الأصحاب ، بل لعلّ التسالم منهم على خلافه ، لم يسعنا الإفتاء به صريحاً ، بل اللازم هو الاحتياط الوجوبي في المقام كما صنعه في المتن.
وأما عكس ذلك - أعني نظر المرأة إلى ما بين السرة والركبة من الرجل المحرم لها أو نظر الرجل إلى مثله فيما بين ذلك فالظاهر هو الجواز ، لعدم الدليل على المنع ، والتحديد في الموثّق قاصر الشمول للمقام ، فانّ قوله عليهالسلام : « والعورة ما بين السرّة .. » إلخ لا إطلاق له بحيث يشمل الرجل أيضاً كي يكون تفسيراً لطبيعة العورة على الإطلاق ، بل المراد بقرينة ما قبله خصوص عورة
النساء السابق ذكرها متصلاً بهذه الجملة ، لما هو المقرر في محلّه من أن المعرّف المكرر لا يراد بالثاني [ منه ] إلا الأوّل (1).
نعم ، ربما يستفاد المنع من روايتين :
إحداهما : ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن علي عليهالسلام في حديث الأربعمائة « قال : إذا تعرّى أحدكم الرجل نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا ، ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه ويجلس بين قوم » (2).
وهذه الرواية وإن كانت معتبرة السند ، إذ ليس في الطريق من يتنظر فيه عدا القاسم بن يحيى والحسن بن راشد لكنهما موجودان في طريق كامل الزيارات. وتضعيف ابن الغضائري للحسن لا يعبأ به ، لعدم الاعتماد على توثيقاته وتضعيفاته.
لكنّها قاصرة الدلالة ، لاشتمال هذا الحديث بطوله على غير واحد من الآداب من السنن والمكروهات ، بل إنّ أكثره كذلك ، فمن القريب جدّاً أن يكون الحكم في هذه الفقرة أيضاً مبنيّاً على الآداب والأخلاق دون الإلزام الشرعي ، كما يؤيده تخصيص المنع بحال الجلوس بين القوم ، فإنّه لو كان محرّماً شرعاً لما كان التحريم مختصاً بهذه الحال كما لا يخفى.
فالمناسب جدّاً إرادة التنزيه ومراعاة الأدب تحفظاً على كرامة الرجل ووقاره ولئلا تعرضه الخفة والمهانة من كشف الفخذ عند القوم.
الثانية : رواية بشير النبّال ، قال : « سألت أبا جعفر عليهالسلام عن الحمام فقال : تريد الحمام؟ قلت : نعم ، فأمر بإسخان الماء ثم دخل فاتزر بإزار فغطى ركبتيه وسرته إلى أن قال ثم قال : هكذا فافعل » (3)فانّ ظاهر الأمر هو الوجوب.
[1253] مسألة 1 : الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول (1)بالشعر (1) سواء كان من الرجل أو المرأة ، وحرمة النظر إليه.
لكن الرواية ضعيفة بعدة من المجاهيل والضعفاء ، وهم سهل بن زياد وإسماعيل بن يسار ، وعثمان بن عفان السدوسي ، وبشير النبال ، فلا تصلح للاستدلال بوجه ، هذا.
مضافاً إلى قيام السيرة القطعية على الكشف عن الفخذ ، بل ما عدا القبل والدبر في الحمامات ، وفي الملاحين والفلاحين حال العمل ، فلا يتسترون عن ذلك وهم بمرأى ومنظر من المتدينين ، ولم يعهد الردع عنهم.
ويؤيّده الروايات الكثيرة المفسّرة للعورة في الرجال بالقبل والدبر ، التي تقدّمت في بحث التخلي (2)فإنّها وإن كانت ضعيفة السند بأجمعها لكنّها كثيرة جدّاً تبلغ حدّ الاستفاضة لولا التواتر ، فالظاهر عدم وجوب الستر وإن كان أحوط.
فما صنعه في المتن من تخصيص الاحتياط الوجوبي بالصورة السابقة دون عكسها هو الأوجه كما ظهر وجهه مما مرّ. والإيراد عليه بعدم المقتضي للتفكيك في غير محلّه.
(1) إثبات هذا بالدليل مشكل جدّاً ، لأنّ ما دلّ على المنع عن النظر إلى شعر الأجنبية كصحيح البزنطي المتقدّم (3)الوارد في شعر أُخت الزوجة ظاهر في الشعر الأصلي ، لظهور الإضافة في الإضافة الفعلية ، أي ما هو شعر الأجنبية بالفعل لا ما كان كذلك سابقاً ، فلا يصدق هذا العنوان على الشعر الموصول إلا بالعناية وعلاقة المجاز باعتبار ما كان ، الذي هو على خلاف ظهور الكلام ، فليس حال مثل هذا الشعر إلا حال الخيط المشدود بالشعر -
وأما القرامل من غير الشعر (1) وكذا الحليّ ففي وجوب سترهما وحرمة النظر إليهما مع مستورية البشرة إشكال ، وإن كان أحوط.
الأصلي الذي هو شيء أجنبي عن المرأة بالكلّية ، فدليل المنع قاصر الشمول للمقام. فالظاهر جواز النظر إليه بما أنّه شعر ، نعم لا يبعد حرمته بعنوان آخر آخر ، أعني عنوان الحليّ ، وسيجيء البحث عنه إن شاء اللّه تعالى.
وقد يفصّل في المقام بين ما كان الشعر الموصول مأخوذاً من غير الأجنبية كالمحارم أو الرجال أو الحيوان فيجوز النظر اليه ، لعدم المقتضي للمنع ، وبين ما كان مأخوذاً منها فلا يجوز ، استصحاباً للمنع الثابت حال الاتصال بالأجنبية.
وفيه : مضافاً إلى ما هو الحق من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية أنّ الموضوع متعدد جزماً ، لأنّ الحرام هو الشعر المضاف إلى الأجنبية بإضافة فعلية من دون تجوّز كما عرفت ، وهذا الموضوع قد ارتفع يقيناً بمجرّد الانفصال عن الأجنبية ، ولذا لا إشكال في جواز النظر اليه بعد الفصل وقبل الوصل بامرأة أُخرى كما لو كان مطروحاً على الأرض ، فالشك بعد الاتصال في ثبوت حكم جديد ، والأصل البراءة دون الاستصحاب لانتقاضه باليقين بالخلاف ، فهذا التفصيل ساقط. فالصحيح أنّ هذا الشعر حكمه حكم الحليّ والقرامل الذي ستعرف حكمها.
(1) بل حتى الشعر كما عرفت آنفاً ، فحكمه مع القرامل من غيره والحليّ على حد سواء. وقد استشكل قدسسره في جواز النظر إليها ، بل احتاط فيه. وكأنّ الوجه في احتمال وجوب الستر دعوى شمول آية الإبداء (1)لها ، فإنّها من الزينة المحرّم إبداؤها بمقتضى الآية.
وفيه : أنه مبني على أن يكون المراد بالزينة نفس ما يتزيّن به ، أعني الجسم الخارجي الذي هو آلة التزيين كالقلادة ونحوها. لكنّه باطل جزماً ، لعدم احتمال المنع عن إبداء مثل ذلك ، كيف وهذه الآلات يتداول بيعها في الأسواق ، وتنتقل
1) النور 24 : 31.
[1254] مسألة 2 : الظاهر حرمة النظر إلى ما يحرم النظر إليه في المرآة والماء الصافي (1) مع عدم التلذذ ، وأما معه فلا إشكال في حرمته.
من يد رجل إلى رجل ، والمرأة بنفسها تباشر البيع أو الشراء من الرجال من دون نكير ، فاراءة نفس آلة التزيين ليس بحرام قطعاً ، بل المراد من الزينة الممنوع إبداؤها في الآية إراءة المرأة الحالة الحاصلة لها من تزينها بهذه الآلات ، فإنّ الزينة اسم مصدر من التزين ، ولكلّ من المصدر واسمه صيغة مخصوصة في المقام كما قد يتفق في بعض الموارد وإن كان الغالب اشتراكهما في الصيغة ، والفرق انّما هو بالاعتبار ، فالمصدر هو المعنى الحدثي الملحوظ انتسابه إلى الفاعل ، والاسم ما كان مجرّداً عن الانتساب ، لكن المقام يختص كما عرفت باختصاص كل منهما بصيغة مخصوصة. فالمصدر هو التزين والاسم الزينة.
وبالجملة : بعد ما زيّنت المرأة نفسها بما يتزين به تطرؤها حالة مخصوصة تتحلّى معها ، ويعبّر عن تلك الحالة الحاصلة لها بعد التزيين بالزينة ، وإبداء هذه الحالة لا ينفك عن إبداء مواضع الزينة أيضاً ، وإلا فاراءة نفس ما تتزيّن به من دون المحلّ ليس ذلك من إبداء الزينة بهذا المعنى الذي هو المراد في المقام دون الأول أعني نفس الآلة بالضرورة كما عرفت لأن التحلّي الحاصل لها منوط بقيام هذه الآلات بمواضعها ، فابداؤها يستلزم إبداء المواضع ، فلو لم يرد في تفسير الزينة إرادة المواضع كانت الآية بنفسها ظاهرة في أرادتها بالتقريب المتقدم.
وعليه فلا وجه لاحتمال وجوب ستر الشعر الموصول أو القرامل أو الحليّ بأنفسها ، ولا مانع من إبدائها بما هي ما لم يقترن بإبداء المواضع (1)فيكون التحريم حينئذ من أجلها لا من أجل هذه الأمور فتدبر جيداً.
(1) خلافاً لبعضهم حيث ذهب إلى الجواز ، بدعوى انصراف الأدلّة عن
1) هذا مخالف لتعليقته الجديدة فليلاحظ.
مثل هذا النظر غير الواقع على شخص الأجنبية ، بل على صورتها المنطبعة في المرآة أو غيرها من الأجسام الشفافة ، فلا دليل على حرمة مثل هذا النظر بعد أن كانت الرؤية فيها على سبيل الانطباع دون الانكسار.
لكن الدعوى غير مسموعة ، فإنّها على تقدير تماميتها مما تجهلها عامة الناس ولا يلتفت إليها أكثرهم ، إذ لا يفرّق لدى العرف بين هذا النظر وبين النظر إلى شخص الأجنبية. وحديث الانطباع والانكسار من الأبحاث الدقيقة البعيدة عن أذهان العرف ، فإنهم لا يرتابون في أنّ الناظر إلى عورة الإنسان في المرآة الحاكية لها حكاية تامة ناظر إليها حقيقة ، ولا يرون فرقاً بينه وبين من ينظر إليها مباشرة ومن دون واسطة ، سواء كانت الرؤية بنحو الانطباع أم غيره هذا.
مع أنّه لا يبعد أن يقال : إنّ الصواب انكسار النور من المرآة ووقوع النظر على شخص الأجنبية دون انطباع صورتها فيها ، كما يكشف عنه ما إذا فرضنا مرآة قبال الإنسان على نحو لا تسع أكثر من صورة واحدة ووقف شخص عن يمين الناظر وآخر عن يساره ، فانّ كلا من الشخصين حينئذ يرى صورة الآخر ولا يرى صورة نفسه ، فلو كانت الرؤية على سبيل الانطباع فكيف انطبعت فيها صورتان بل ثلاثة مع أنّها لم تسع لأكثر من صورة واحدة على الفرض. ولا شك في عدم انطباع صورة فوق اخرى ، وإلا لما تمت الحكاية عن شيء منهما مع أنّها تامة عن كل منهما بالوجدان. فيعلم من ذلك بطلان هذا المسلك وأنّ النور ينكسر عن المرآة فيصيب نفس الجسم الخارجي كالأجنبية فلا فرق بين النظر إليه مباشرة أو في المرآة إلاّ من حيث استقامة النور في الأول وانكساره في الثاني. وهناك شواهد ومؤيدات اخرى لا يسعها المقام.
وقد يقال : إنّ الأمر وإن كان كذلك إلا أنّه يستفاد من بعض الأخبار جواز النظر في المرآة ، وهو ما رواه الكليني بسنده عن موسى بن محمد الملقب بالمبرقع أخي أبي الحسن الثالث عليهالسلام : « أنّ يحيى بن أكثم سأله في
[1255] مسألة 3 : لا يشترط في الستر الواجب في نفسه ساتر مخصوص ولا كيفية خاصة ، بل المناط مجرّد الستر ولو كان باليد وطلي الطين ونحوهما.
أما الثاني أي الستر حال الصلاة فله كيفية خاصة ويشترط فيه ساتر خاص ، ويجب مطلقاً ، سواء كان هناك ناظر محترم أو غيره أم لا ، ويتفاوت بالنسبة إلى الرجل والمرأة (1).
المسائل التي سأله عنها : أخبرني عن الخنثى وقول علي عليهالسلام : تورث الخنثى من المبال ، من ينظر إليه إذا بال؟ وشهادة الجار إلى نفسه لا تقبل ، مع أنّه عسى أن يكون امرأة وقد نظر اليه الرجال أو يكون رجلاً وقد نظر اليه النساء ، وهذا مما لا يحلّ ، فأجاب أبو الحسن الثالث عليهالسلام : أمّا قول علي عليهالسلام في الخنثى أنّه يورث من المبال فهو كما قال ، وينظر قوم عدول يأخذ كلّ واحد منهم مرآة ويقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرآة فيرون شبحاً فيحكمون عليه » (1).
لكن الرواية ضعيفة السند ، فانّ المبرقع لم يوثق ، بل إنّ المفيد في الإرشاد (2)وكذا الكليني (3)نقلا رواية تدلّ على ضعف الرجل. وكيف كان ، فيكفي في الضعف عدم ثبوت الوثاقة.
(1) أمّا الكيفية الخاصة فسيجيء البحث عنها عند تعرض المصنف لها (4).
وأمّا أصل وجوب الستر حال الصلاة واشتراطها به وإن لم يكن هناك ناظر محترم فقد يستدلّ له بالإجماع ، وهو كما ترى ، للجزم عادة بكون المستند بعض الوجوه الآتية ، فلا يحتمل أن يكون تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام. فالأولى أن يستدلّ له بوجوه :
الأول : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه دم ، يصلّي فيه أو يصلي عرياناً؟ قال : إن وجد ماءً غسله ، وإن لم يجد ماءً صلّى فيه ، ولم يصلّ عرياناً » (1).
فإنّها معتبرة من حيث السند ، إذ رواها الشيخ والصدوق عن علي بن جعفر ، وطريق الثاني إليه صحيح (2). وأمّا الأوّل فله إليه طريقان : أحدهما : ما ذكره في المشيخة (3)وهو ضعيف ، لمكان أحمد بن محمد بن يحيى العطار غير الموثق على الأقوى. والثاني ما ذكره في الفهرست (4)المنتهى إلى الصدوق ، وهو صحيح. ففي الحقيقة الرواية عن الصدوق.
وأمّا الدلالة فظاهرة ، حيث حكم عليهالسلام في الشرطية الأُولى بوجوب الغسل مع التمكن منه ، المقتضي لوجوب الستر في الصلاة ، وإلا لم يكن وجه لوجوب الغسل ، بل صلّى عارياً.
وبعبارة اخرى : فصّل عليهالسلام بين صورتي وجدان الماء وعدمه ، وحكم بوجوب الغسل في الأُولى والصلاة في النجس في الثانية ، وعلى التقديرين منع عن الصلاة عارياً ، فلولا اعتبار الستر حال الصلاة لم يكن وجه للمنع ، بل لا مقتضي لتجويز الصلاة في النجس كما لا يخفى. ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين وجود الناظر المحترم وعدمه.
وقد تقدم الكلام حول هذه الصحيحة في مبحث الخلوة (5)وقلنا : إنّ ذيلها أعني الشرطية الثانية وإن كانت معارضة بموثقة سماعة المانعة عن الصلاة في
الثوب النجس وأنّه يصلي عارياً (1)لكنّ اللازم تقديم الصحيحة عليها ببيان قد تقدم في محلّه ، وعلى أيّ حال سواء قدمناها عليها أم لا فغايته سقوط هذه الفقرة من الصحيحة عن الحجية لأجل المعارضة ، دون الفقرة الأُولى التي هي محل الاستشهاد في المقام ، لسلامتها عن المعارض فيؤخذ بها.
ويعضده ما يظهر من غير واحد من الروايات من ارتكاز اعتبار الستر في الصلاة في أذهان الرواة بحيث إنّ ذلك من المسلمات لديهم ، وقد أقرّهم الإمام عليهالسلام على ذلك ، التي منها صحيح زرارة ، قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه ، فقال : يصلّي إيماءً » (2)ونحوها غيرها.
ويؤيده خبر أبي البختري عن جعفر بن محمد عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام أنه قال : « من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت ، يبتغي ثياباً » (3)فإنّها وإن كانت ضعيفة السند بأبي البختري وهب بن وهب الذي قيل في حقه : أنّه أكذب البرية ، فلا يستدل بها ، لكنها صالحة للتأييد.
الثاني : صحيح محمد بن مسلم : « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : الرجل يصلّي في قميص واحد ، فقال : إذا كان كثيفاً فلا بأس به .. » إلخ (4)فانّ تعليق الجواز على ما إذا كان القميص كثيفاً أي غليظاً ساتراً يدلّ بمقتضى القضية الشرطية على عدم الجواز فيما إذا كان رقيقاً حاكياً عما تحته ، بل الظاهر أنّ منشأ السؤال ما ورد في غير واحد من الأخبار من الأمر بالصلاة في ثوبين ولا أقل من ثوب وحبل كما في صحيحة محمد بن مسلم الآتية المحمول على الفضل.
أما الرجل فيجب عليه ستر العورتين (1) أي القبل من القضيب والبيضتين وحلقة الدبر لا غير ، وإن كان الأحوط ستر العجان أي ما بين حلقة الدبر إلى أصل القضيب ، وأحوط من ذلك ستر ما بين السرة والركبة.
وكأنّ السائل تخيل الوجوب قياساً على ثوبي الإحرام فأجاب عليهالسلام بعدم البأس في قميص واحد مع رعاية الشرط المتقدم.
ونحوها صحيحته الأُخرى : « إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفُرَج فلا بأس .. » إلخ (1)والصفيق : الغليظ ، قبال الصقيل أي الخفيف ، وطويل الفُرَج : أي متسعها بحيث تظهر العورة من وراء الفُرَج.
الثالث : الأخبار الكثيرة المستفيضة المتضمنة أنّ المكلف إذا لم يجد ساتراً صلّى عارياً مومئاً إما قاعداً أو قائماً ، أو إن كان ناظر محترم فجالساً وإلا قائماً على اختلاف ألسنتها (2)فإنّها متفقة على المنع عن الركوع والسجود وأنّه يومي إليهما. وهذا المقدار وإن لم يكف في اعتبار الستر في الصلاة بما هي ، لكنه يدل على اعتباره في خصوص الركوع والسجود ، ولذا منع عنهما مع العجز عن رعاية الستر فيهما ، فلا مناص للمكلّف من تحصيل الساتر قبل الدخول في الصلاة من باب المقدمة كي لا تبدو عورته في حالتي الركوع والسجود فيفوّتهما على نفسه اختياراً ، فانّ الانتقال إلى الإيماء الذي هو بدل اضطراري إنّما هو مع العجز عن الوظيفة الاختيارية كما هو ظاهر.
ولعلّ فيما ذكرناه من الأخبار غنى وكفاية. فلا ينحصر المستند بالإجماع كما قيل الذي عرفت ما فيه.
(1) فإنّهما القدر المتيقّن من العورة الواجب سترها على الرجال حال الصلاة وغيرها ، وما عدا ذلك لا دليل عليه حتى العجان ، لخروجه عن مفهوم العورة
عرفاً ، ومع الشك فأصالة البراءة محكمة ، على أنّ العجان يتستر بتستر القبل والدبر عادة ، ففرض تسترهما بدونه لعله لا يتفق أو نادر التحقّق. وكيف كان فستره بما هو لا دليل عليه كما عرفت.
مضافاً إلى تقييد العورة بالقبل والدبر في غير واحد من النصوص التي تقدّمت في بحث التخلي (1)فإنّها وإن كانت ضعيفة لكنها كثيرة مستفيضة.
وعن القاضي تحديدها بما بين السرة والركبة (2)وعن أبي الصلاح وجوب ستر ما بين السرة إلى نصف الساق (3).
أمّا الأخير فلا شاهد عليه أصلاً ، إذ لم ترد به ولا رواية ضعيفة. ولعلّه يريد ما ذكره القاضي ، والزيادة من باب المقدمة العلمية ، لكنّها تحصل بما دون ذلك من ثلث الساق أو ربعه ، بل أقل بمقدار يحرز معه ستر الركبة كما لا يخفى.
وأمّا تحديد القاضي ، فإن أراد تفسير العورة بذلك مطلقاً ولو في غير حال الصلاة فيردّه خروج ذلك عن مفهوم العورة عرفاً كما عرفت ، والروايات الواردة في تفسيرها وأنّها القبل والدبر دافعة لذلك كما مرّ. فلا دليل على هذا التحديد.
نعم ، ورد ذلك في موثقة الحسين بن علوان الواردة في نظر الرجل إلى عورة أمته المزوّجة من قوله : « والعورة ما بين السرة والركبة » التي تقدمت الإشارة إليها سابقاً (4)لكن ذلك ليس تحديداً لمطلق العورة ، بل لخصوص عورة النساء السابق ذكرها في كلام الإمام عليهالسلام ، لأنّ المعرّف المكرّر لا يراد بالثاني إلا الأوّل كما مرّ (5)فلا ينبغي الإشكال في جواز النظر إلى ما عدا القبل والدبر.
ويؤيّده : صحيح علي بن جعفر عليهالسلام في كتابه عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « وسألته عن الرجل يكون ببطن فخذه أو أليته الجرح هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه وتداويه؟ قال : إذا لم يكن عورة فلا بأس » (1). وقوله عليهالسلام : « إذا لم يكن عورة » أي إذا لم يقع نظره على العورة ، أو إذا لم يكن الجرح في العورة ، وأمّا الفخذ نفسه فقد جوّز عليهالسلام النظر إليه.
وقد نقل في الجواهر (2)ومصباح الفقيه (3)هذه الصحيحة عن قرب الإسناد وهو اشتباه ، فإنّها غير مذكورة فيه ، بل هي في كتاب علي بن جعفر كما نقلها عنه في الوسائل فلاحظ.
وإن أراد تفسير الستر الصلاتي بذلك مع الاعتراف بعدم كونه من العورة في غير حال الصلاة فلا شاهد عليه أيضاً.
نعم ، ربما يستأنس لذلك بصحيح رفاعة ، قال : « حدّثني من سمع أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلّي في ثوب واحد متزراً به ، قال : لا بأس به إذا رفعه إلى الثندوتين » (4).
وخبر سفيان بن السمط عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الرجل إذا اتزر بثوب واحد إلى ثندوته صلّى فيه » (5). والثندوة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة.
لكنّهما لا يصلحان للاستدلال لضعف السند. أمّا الأوّل فلأنّه وإن كان صحيحاً إلى رفاعة لكنّه يرويها مرسلة. وأمّا الثاني فمن جهة أحمد بن عبديل وسفيان ابن السمط ، فإنّهما مجهولان لم يتعرّض لهما في كتب الرجال ، هذا.
مضافاً إلى ما في غير واحد من الروايات من جواز الصلاة في السراويل
والواجب ستر لون البشرة (1) ، والأحوط (1)ستر الشبح الذي يرى من خلف الثوب من غير تميز للونه ، وأما الحجم أي الشكل فلا يجب ستره.
وحدها ، التي منها صحيح محمد بن مسلم (2)مع أنّ السروال يشدّ من السرّة أو ما دونها ، ولعل الغالب هو الثاني ، فلو كان الواجب الستر من السّرة لم يتجه تجويز الصلاة في السروال وحده على الإطلاق وإن شدّ مما دون السرّة على ما تقتضيه هذه النصوص الذي هو الغالب فيها كما عرفت.
(1) بلا إشكال ، فإنّه المتيقن من الأخبار. ويلحق به الشبح ، وهو ما ترى معه العين من دون تشخيص للون ، كما لو كانت العورة مستورة بثوب رقيق جدّاً يحكي ما تحته كالنايلون فإنّها غير مستورة حينئذ لتعلق النظر إليها بشخصها ، إذ لا يعتبر في صدق النظر إلى الشيء تشخيص لونه قطعاً ، فانّ من نظر إلى جسم من خلف زجاجة غليظة أو خفيفة ملوّنة أو بتوسط نظّارة ملوّنة يصدق عرفاً أنّه نظر إليه حقيقة ، لتعلّق النظر إليه بذاته وإن لم يميّز لونه الواقعي الذي هو عليه ، لعدم دخل ذلك في صدق النظر كما عرفت ، فيجب ستر الشبح كالعين.
وأمّا الحجم أعني شكل العورة وهيئتها كما لو سترها بساتر غليظ لا تبدو معه البشرة ولا اللّون لكن الهيئة الخاصة والحجم المخصوص مشهود ، على نحو يقبل حدوده للوصف من جهة انعكاس الأشعة النورية الفاصلة بين الناظر والعورة ، وأوضح حالاً ما لو سترها بخصوصها بخرقة أو طين أو كاغذ ونحوها ، فهل يجب ستر مثل ذلك أيضاً أو لا؟
الظاهر الثاني ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، لعدم كون العورة مكشوفة حينئذ ، إذ لم يتعلّق بها النظر ، ولذا لا علم بكونها عورة من ناحية حسّ
وأما المرأة فيجب عليها ستر جميع بدنها (1) حتى الرأس والشعر.
البصر ، لجواز كونها شيئاً آخر بهذا المنظر ، وإنّما يعلم بأنّها عورة من جهة القرائن الخارجية ، فهي بنفسها غير مبصرة ولا مرئية ، وإنّما يرى شيئاً شبيهاً بالعورة ، فلا يجب في مثله الستر.
ويؤيده : خبر عبيد اللّه الرافقي في حديث « أنّه دخل حماماً بالمدينة فأخبره صاحب الحمام أنّ أبا جعفر عليهالسلام كان يدخله فيبدأ فيطلي عانته وما يليها ثم يلفّ إزاره على أطراف إحليله ويدعوني فاطلي سائر بدنه ، فقلت له يوماً من الأيام : إنّ الذي تكره أن أراه قد رأيته ، قال : كلا ، إنّ النورة ستره » (1)فإنّه وإن كان ضعيفاً سنداً لجهالة الرافقي ، وكذا متناً ، إذ من البعيد جدّاً أنّ الإمام عليهالسلام يفعل كذلك ، لكنّه لا يخلو عن التأييد.
(1) والمراد بها الحرة. وأمّا الأمة فسيجيء الكلام فيها (2).
ولا إشكال كما لا خلاف في وجوب ستر بدنها في الجملة ، لجملة وافرة من النصوص (3)وفيها الصحاح وغيرها كما لا تخفى على المراجع.
وما عن ابن الجنيد من مساواتها مع الرجل في العورة الواجب سترها في الصلاة (4)ساقط جدّاً على تقدير صدق النسبة إذ لم ترد به ولا رواية ضعيفة ، ولا حكي القول به عن أحد ، فهو شاذ مطروح.
إنّما الكلام في مواضع :
منها : الرأس فإنّ المشهور وإن ذهبوا إلى وجوب ستره ، بل لا خلاف فيه من أحد عدا ابن الجنيد كما عرفت للتصريح به في تلك النصوص المشار إليها آنفاً.
إلا أنّ مقتضى موثقة ابن بكير عدم الوجوب ، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة أن تصلّي مكشوفة الرأس » (1).
ونحوها روايته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام « قال : لا بأس أن تصلّي المرأة المسلمة وليس على رأسها قناع » (2).
والعمدة هي الأُولى. وأمّا الثانية فضعيفة السند بأبي علي بن محمد بن عبد اللّه ابن أبي أيوب ، فإنّه مجهول.
ومن الغريب ما عن المحقق في المعتبر على ما حكاه في الحدائق عنه (3)من رمي الاولى بالضعف من جهة عبد اللّه بن بكير ، فانّ الرجل وإن كان فطحياً لكن الأصحاب لم يعاملوا مع الفطحية معاملة سائر المذاهب الفاسدة ، بل كثيراً ما يعبّرون عن بعضهم ومنهم الرجل نفسه بالعدل الثقة ، والسرّ أنّهم لا يفترقون عن الإمامية الاثني عشرية سوى الانحراف بامامة عبد اللّه الأفطح خلال ستة أشهر ثم عدلوا إلى الحق ، حتى أنّ العلامة الذي لم يعمل إلا بروايات الشيعة الاثني عشرية كان يعمل بروايات الفطحية (4). على أنّ ابن بكير من أصحاب الإجماع كما ذكره الكشي (5)وغيره ، فالنقاش في سند الرواية من جهته من غرائب الكلام.
وكان الأولى للمحقق أن يناقش فيه من جهة محمد بن عبد اللّه الأنصاري ، فإنّه بهذا العنوان لم يوثق ، وإنّما وثّقوا محمد بن عبد اللّه بن غالب الأنصاري. لكن الظاهر أنّ المراد بهما واحد ، لاتحاد الطبقة ومن يروي عنه ومن يروي هو عنه فلاحظ. وكيف كان ، فلا ينبغي التشكيك فيها من حيث السند.
وأمّا الدلالة فهي ظاهرة ، بل صريحة في جواز صلاة الحرة مكشوفة
الرأس. ومن هنا وقع الأصحاب في كيفيّة الجمع بينها وبين النصوص المتقدمة الدالّة على وجوب ستر الرأس في حيص وبيص.
فحملها الشيخ قدسسره (1)تارة على الصبية. وهو كما ترى ، للتصريح فيها بالمرأة غير الصادقة على الصغيرة بالضرورة.
وأُخرى على حال الضرورة. وهذا أيضاً أبعد من سابقه ، إذ مضافاً إلى عدم اختصاصه حينئذ بالرأس ، لجواز الكشف عن كلّ جزء من البدن ، بل عن جميعه لدى الاضطرار بلا إشكال يردّه : أنّه حمل تبرعي منافٍ لظهور الكلام جدّاً ، إذ ليس المنسبق منه إلى الذهن إلا إرادة حال الاختيار. وهل ترى جواز الحمل على الاضطرار فيما لو ورد مثلاً أنّ شرب الخمر حلال ، أو أنّه يطرح بلا تأمل ولا إشكال؟
وحملها صاحب الحدائق قدسسره على إرادة عدم وجوب التستر بالقناع خاصة ، فلا ينافي وجوب الستر بساتر آخر (2). وهذا أيضاً يتلو ما تقدّمه في الضعف ، للتصريح فيها بأنّها تصلّي مكشوفة الرأس ، ولا ريب أنّ التستر بأي ساتر ولو غير القناع ينافي الكشف بالضرورة.
فالإنصاف : أنّه لا جواب لنا عن هذه الموثّقة ، ولا مناص عن الاعتراف باستقرار المعارضة بينها وبين النصوص المتقدمة بعد تعذر الجمع في خصوص المقام بالحمل على الاستحباب ، لما في بعض تلك النصوص ما يأبى لسانه عن الحمل عليه ، وهي صحيحة زرارة ، قال : « سالت أبا جعفر عليهالسلام عن أدنى ما تصلي فيه المرأة ، قال : درع وملحفة فتنشرها على رأسها وتجلّل بها » (3)فإنّ السؤال عن أقل الواجب وأدنى ما يجزئ عنه ، وقد اعتبر عليهالسلام في الجواب ستر الرأس ، فكيف يحمل على الاستحباب.
فالمعارضة مستقرة والمعالجة متعذرة ، فلا مناص من طرح الموثقة ، لعدم
صلاحيّتها للمقاومة مع تلك النصوص المستفيضة بل المتواترة إجمالاً ، لعدم المجازفة في دعوى القطع بصدور بعضها إجمالاً ، فتكون تلك النصوص من المشهورات ومن قبيل بيّن الرشد وهذه من الشاذ النادر المأمور بطرحه والأخذ بالمشهور.
ومنها : الشعر ، فقد اختلفت كلمات الأصحاب في استثنائه ، حيث لم يرد بذلك نص بالخصوص فأثبته جمع ومنعه آخرون ، وتوقف فيه ثالث. لكن الظاهر وجوب ستره ، لا لتبعية الشعر للرأس الواجب ستره كي يستشكل بعدم جريانه في الشعر الطويل لاختصاص التبعية بالقصير ، بل لاستفادة ذلك من نفس الأخبار الدالّة على وجوب ستر الرأس ، التي منها صحيحة زرارة المتقدمة آنفاً وغيرها (1)فإنّ بشرة الرأس بنفسها متسترة بالشعر إلا ما شذ ممن لا ينبت على رأسه الشعر الملحق بالعدم فلا حاجة إلى الأمر بسترها وليس المقام نظير الأمر بالغسل اللازم فيه إيصال الماء إلى البشرة كما هو ظاهر.
وعليه فالأمر بستر الرأس لا يستفاد منه إلا ستر ما ينبت عليه من الشعر الذي يكون مكشوفاً بطبعه لولا الساتر. فهذه الأدلّة تدلّنا بالمطابقة على وجوب ستر الشعر من دون حاجة إلى التماس دليل آخر.
وأوضح رواية من روايات الباب تدلّ على ما ذكرناه وتؤكّده هي صحيحة زرارة المتقدمة آنفاً ، لمكان التصريح بالتجلّل الذي هو بمعنى التغطية الكاملة والاستيعاب التام ، يقال : جلّل المطر الأرض إذا عمّها وطبّقها فلم يدع شيئا إلا غطّى عليه. فالأمر بنشر الملحفة على الرأس والتجلّل بها معناه استيعاب التغطية للرأس بحيث لم تدع شعرة وإن طالت إلا وسترتها كي يكون التستر مستوعباً لجميعها ، تحقيقاً لمعنى التجلّل. وبالجملة : فالدليل الصحيح هو ما ذكرناه.
1) الوسائل 4 : 405 / أبواب لباس المصلي ب 28.
وأمّا ما قد يستدلّ به لذلك من صحيح الفضيل عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : صلّت فاطمة عليهاالسلام في درع وخمارها على رأسها ، ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها وأُذنيها » (1)ففي غير محلّه ، لتوقف الاستدلال على تمامية السند والدلالة.
أمّا السند فمعتبر ، فإنّه وإن اشتمل على محمد بن موسى بن المتوكل ، وعلي ابن الحسين السعدآبادي وهما لم يوثقا في كتب القدماء من الرجاليين ، لكن الأوّل منهما وثّقه العلامة صريحاً (2)وتوثيقه على الظاهر مأخوذ من توثيق شيخه السيد ابن طاوس في فلاح السائل ، فإنّه قدسسره بعد ذكره في سلسلة سند قال : رجال السند ثقات بالاتفاق (3). فيظهر أنّ وثاقة الرجل مورد للاتفاق ، ولا أقل من أن يكون قد وثّقه جماعة كثيرة بحيث كان مشهوراً بذلك ، وهذا المقدار كاف في الوثاقة ، إذ لا يسعنا عدم الأخذ بكلام السيد قدسسره مع ما هو عليه من العظمة والجلالة.
وأمّا السعدآبادي الذي هو من مشايخ الكليني فقد صرّح ابن قولويه والرجل من مشايخه أيضاً في كامل الزيارات بأنّه لا ينقل في كتابه إلا عن الثقات ، فإنّه لو سلّم التشكيك ولا نسلّم (4)في إرادة التعميم لكلّ من هو مذكور في سند الكتاب فلا نكاد نشك في إرادة خصوص مشايخه الذين ينقل عنهم بلا واسطة ، ومنهم الرجل نفسه كما عرفت ، فانّ ذلك هو المتيقّن من التوثيق.
وأمّا فضيل الراوي للحديث فهو مردّد بين فضيل بن يسار وفضيل بن عثمان الأعور ، وأيّا منهما كان فهو موثّق ، وإن لم تكن لنا قرينة على التعيين
إلا الوجه (1)
لكون كلّ منهما من أصحاب الصادقين عليهماالسلام ولا ترجيح لاحتمال أحدهما على الآخر. وكيف كان ، فالسند تام.
إنّما الكلام في الدلالة ، وهي قاصرة ، لانحلال الرواية إلى دلالتين : عقد سلبي وهو عدم سترها ( سلام اللّه عليها ) وجهها عند الصلاة ، وعقد إيجابي وهو سترها الشعر والأُذنين.
أمّا الأوّل فهو لا محالة يدلّ على عدم الوجوب ، لأنّها ( روحي فداها ) معصومة وفعلها حجة. فعدم سترها الوجه يدلّ على عدم وجوبه قطعاً ، لعدم احتمال ترك الواجب من المعصوم عليهالسلام كما هو ظاهر.
وأمّا الثاني الذي هو مبنى الاستدلال فلا دلالة فيه على الوجوب ، بل غايته الرجحان ، فإنّه فعل لا لسان له ، فيحتمل الندب كالفرض ، والجامع المقطوع به هو الفضل ، فلا يدلّ على أحدهما بالخصوص. ولعلّ الباقر عليهالسلام الحاكي لفعلها كان في مقام بيان العقد السلبي.
ومنها : العنق ، ولا ينبغي الإشكال في وجوب ستره وإن استشكل فيه بعضهم ، فانّ الخمار والقناع المأخوذين في الأخبار يقتضي تستره كما هو ظاهر جدّاً.
(1) ومنها : الوجه ، والمشهور عدم وجوب ستره ، وهو الصحيح. وما يحكى عن بعضهم من عدم استثنائه ليس بشيء فإن السيرة قائمة على عدم وجوب الستر ، مضافاً إلى دلالة صحيحة الفضيل المتقدمة آنفاً عليه ، وكذا موثقة سماعة قال : « سألته عن المرأة تصلّي متنقبة ، قال : إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به ، وإن أسفرت فهو أفضل » (1). بل يستفاد من هذه أنّ السفور أفضل ، ولعلّه لذلك كانت تكشف فاطمة عليهاالسلام عن وجهها كما في صحيح فضيل المتقدم ، هذا.
1) الوسائل 4 : 421 / أبواب لباس المصلي ب 33 ح 1.
المقدار الذي يغسل في الوضوء (1). وإلا اليدين إلى الزندين والقدمين إلى الساقين (2)
ويدلّ عليه أيضاً الأخبار المتضمنة أنّها تصلّي في درع ومقنعة وخمار (1)فإنّ شيئاً من ذلك بحسب طبعه لا يقتضي ستر الوجه كما هو واضح.
(1) وأمّا تحديد الوجه ، فلا ريب في عدم وجوب سترها الوجه الوضوئي أعني ما دارت عليه الوسطى والإبهام فإنّه المتيقّن من دليل الجواز ، بل إنّ الوجه في المقام أوسع من ذلك. أمّا من ناحية العرض فلما تضمنه صحيح فضيل من أنّها عليهاالسلام إنّما سترت رأسها إلى حدّ الاذن ، فما بين الاذن إلى جانب الخدّ الذي تدور عليه الإبهام كان مكشوفاً. وكذا من ناحية الطول فانّ ما تحت الذقن ليس من الوجه الوضوئي ، ومع ذلك لم تستره الزهراء عليهاالسلام مع أنّ الخمار والمقنعة أيضاً لا يقتضي ستره.
(2) على المشهور ، بل إجماعاً كما أفاده غير واحد. ولكن صاحب الحدائق استشكل فيه ، نظراً إلى أنّ الدليل على الاستثناء إنّما هو خصوص الاكتفاء بالدرع والخمار والمقنعة ونحوها ، بدعوى أنّها لا تستر اليدين والقدمين ، مع أنّ من الجائز أن تكون دروعهن في تلك الأزمنة واسعة الأكمام طويلة الذيل كما هو المشاهد الآن في نساء أهل الحجاز ، بل أكثر بلدان العرب ، فإنّهم يجعلون الأقمصة واسعة الأكمام مع طول زائد بحيث يجرّ على الأرض (2). ففي مثله يحصل ستر الكفين والقدمين.
وفيه أولاً : أنّ هذه المناقشة إنّما تتّجه لو كان لدينا دليل يدل على لزوم ستر جميع البدن وحاولنا تخصيصه بهذه النصوص ، فيورد عليه بعدم إحراز كون الدروع في تلك القرون بمثابة ينافي الإطلاق ليستوجب الخروج عنه ، وليس
الأمر كذلك ، فانّ الدليل على لزوم الستر لم يكن إلا نفس هذه النصوص ، وحينئذ فيمكن قلب الدعوى فيقال إنّ مقتضى الإطلاق في هذه الأخبار الاكتفاء بكلّ ما صدق عليه الدرع والخمار سواء أستر اليدين والقدمين أم لا.
ومع الغض فتكفينا أصالة البراءة عن وجوب ستر الزائد على المقدار المتيقن مما يسترانه ، وهو ما عدا اليدين والقدمين.
وثانياً : أنّ ما ادّعاه قدسسره من توسعة الأكمام وطول الذيول إنّما ينفع لو كانت كذلك من جميع الأطراف كي يتحقق به ستر باطن اليدين والقدمين وظاهرهما ، وهذا من البعد بمكان ، إذ مقتضاه أن لا تتمكن المرأة من العمل في بيتها ولا الخروج منه ، لتعسر المشي عليها كما لا يخفى.
بل الظاهر أنّها كانت واسعة الأكمام من طرف واحد وهو الذي يلي باطن الكف ، كما أنّ طول الذيل كان من الخلف فقط كما هو المشاهد في نساء أهل الحجاز وغيرهن ، ومن الواضح أنّ مثل ذلك لا يكون ساتراً لظاهر اليدين ولا القدمين ، بل يكونان مكشوفين.
وثالثاً : سلّمنا التوسعة والطول من جميع الجوانب إلا أنّا لا نسلّم أن جميعها كانت كذلك ، بل إنّ بعضها كانت كما ذكرناه ، ولا سيما التي كانت تستعمل في البيوت لا عند الخروج ، ولا ريب أنّ إطلاق كفاية الدرع الوارد في النص يشمل الجميع. إذن فما عليه المشهور هو الصحيح ، هذا.
وربما يفصّل بين اليدين والقدمين ويدّعى اختصاص الاستثناء بالأول ويقتضيه ظاهر عبارة المحقق في الشرائع حيث قال قدسسره : عدا الوجه والكفين وظاهر القدمين ، على تردّد في القدمين (1).
ويستدلّ له بأنّ مقتضى نصوص الاكتفاء بالدرع والخمار وإن كان هو عموم الاستثناء كما سبق إلا أنّ صحيحة علي بن جعفر تدلّ بالمفهوم على لزوم ستر القدمين : « عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال : تلتف فيها
1) الشرائع 1 : 83.
ظاهرهما وباطنهما (1).
وتغطي رأسها وتصلي ، فان خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس » (1)فانّ مفهومها وجوب ستر الرجل مع القدرة.
ويندفع : بعدم كونه بصدد التحديد وبيان ما يجب ستره ممّا لا يجب ، وإلا لما عبّر بالرجل الشامل للساق الواجب ستره بلا إشكال. على أنّ إناطة الوجوب بالقدرة لم يكن مختصاً به ، بل يعم جميع أجزاء البدن ، حتى أنّها تصلّي عارية إذا لم تجد ساتراً رأساً.
بل الظاهر أنّ السائل لما فرض أنّها لم تكن عندها إلا ملحفة واحدة وبطبيعة الحال لا تكفي لستر تمام البدن بحيث دار الأمر بين أن تصلي مكشوفة الرأس أو مكشوفة الرجل حكم عليهالسلام حينئذ بتقديم الثاني ، فلا ربط لها إذن بمحل الكلام لتدلّ على التفصيل المزبور.
(1) لشمول الدليل لهما. ويقتضيه إطلاق كلمات الأصحاب ، بل وتنصيص بعضهم بالتعميم.
نعم ، خصه جماعة بظهر القدمين ، ويستدل له بقصور الدليل أعني نصوص الاكتفاء بالدرع والخمار عن الشمول لباطن القدم ، نظراً إلى أنّه مستور دائماً وفي جميع حالات الصلاة ، إمّا بالأرض كما في حالتي القيام والركوع ، أو بالثوب كما في حالتي الجلوس والسجود ، ومن الواضح أنّ مورد الاستثناء عن وجوب الستر ما من شأنه التستر ويكون صالحاً له كظاهر الكف وباطنه وظاهر القدم لا ما هو غني عنه ومستور بنفسه ، فانّ الدليل منصرف عن مثله كما لا يخفى.
ويندفع أوّلاً : بأنّ التستر بالأرض لا يغني عن الستر الصلاتي ، فإنّه يعتبر فيه ساتر خاص وهو ما يصدق عليه اللباس ، ومن ثمّ لا تكفي الصلاة في حفيرة عارياً وإن كان مستوراً عن الناظر المحترم ، وحيث لا يجب ستره
1) الوسائل 4 : 405 / أبواب لباس المصلي ب 28 ح 2.
ويجب ستر شيء من أطراف هذه المستثنيات من باب المقدمة (1).
بالثوب قطعاً فلا يجب ستره رأساً.
وأجاب المحقق الهمداني قدسسره (1)عن ذلك بأنّ الأرض إنّما لا تكون ساتراً صلاتياً فيما إذا كانت مستقلة في الساترية ، كما في مثال الحفيرة ، وأمّا مع الانضمام بالثوب فلا مانع من الاكتفاء بهما. ألا ترى أنّ من صلّى في قميص من دون سروال صحت صلاته بلا إشكال مع أنّ عورته من طرف التحت لم تكن مستورة إلا بالأرض ، وكذا فيما لو باشر بعض جسد المرأة للأرض حال جلوسها عليها للتشهد ، فكما أنّ ذلك لا يمنع عن صدق مستورية المجموع بالثوب فكذا في المقام.
وفيه : أن هذا إنّما يتجه فيما إذا كان الثوب طويلاً من جميع الجوانب بحيث يستر ظاهر القدم ليكون مجموعة مستوراً بالثوب وبالأرض كما في مورد التنظير ، لكن المفروض أنّ ظاهر القدم غير لازم الستر ، لعدم كون الدروع المتعارفة التي دل النص على كفايتها طويلة الذيل. إذن فيكون الباطن مستوراً بالأرض فقط ، وقد عرفت أنّ مثل هذا الستر غير كافٍ في الصلاة.
وثانياً : أنّ المستورية بالأرض مع التسليم إنّما تنفع ما دام القدم ثابتاً عليها وأمّا لو رفعته لحاجة فلا ستر وقتئذ. ولا شبهة أنّ الإطلاق في نصوص الاكتفاء بالدرع والملحفة ونحوهما يشمل هذه الصورة أيضاً.
وثالثاً : أنّ باطن القدمين قد لا يكون مستوراً حالتي الجلوس والسجود ولا سيما لدى الجلوس متوركاً ، فلم يكن مستوراً في جميع حالات الصلاة.
فتحصّل : أنّ ما ذهب إليه المشهور من التعميم للباطن والظاهر هو الصحيح.
(1) كما هو الشأن في نظائر المقام من التحديدات الشرعية للأحكام الإلزامية ، حيث إنّ الاشتغال اليقيني يستدعي براءة يقينية.
1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 152 السطر 7.
[1256] مسألة 4 : لا يجب على المرأة حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان واللسان ، ولا ما على الوجه من الزينة كالكحل والحمرة والسواد والحلي ولا الشعر الموصول بشعرها والقرامل ، وغير ذلك (1). وإن قلنا بوجوب سترها عن الناظر (2).
[1257] مسألة 5 : إذا كان هناك ناظر ينظر بريبة إلى وجهها أو كفّيها أو قدميها يجب عليها سترها (3) لكن لا من حيث الصلاة (4) فإن أثمت ولم تسترها لم تبطل الصلاة (5) وكذا بالنسبة إلى حليّها وما على وجهها من الزينة ، وكذا بالنسبة إلى الشعر الموصول والقرامل في صورة حرمة النظر إليها.
[1258] مسألة 6 : يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة (6) ، وكذا تحت ذقنها حتى المقدار الذي يرى منه عند اختمارها (7) على الأحوط (1).
(1) لخلوّ النصوص عن التعرّض لشيء من ذلك ، ومقتضى الأصل عدمه.
(2) لعدم الملازمة بين الحكم النفسي والحكم الشرطي كما هو ظاهر.
(3) لإطلاق ما دلّ على وجوب الستر عن الناظر المحترم ، الشامل لحال الصلاة.
(4) فإنّ الوجوب المزبور نفسي لا شرطي ، وقد عرفت آنفاً عدم الملازمة بينهما.
(5) لعدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده. ومنه يظهر الحال فيما بعده.
(6) فانّ التستر بالمقنعة والخمار والملحفة التي دلّت النصوص على الاكتفاء بها يستلزم ستر الرقبة بطبيعة الحال.
(7) هذا لا دليل عليه ، فانّ الذي يظهر من الأخبار وجوب ستر جميع ما
1) (*) الظاهر وجوب ستر جميع ما تحت الذقن لاستتاره بالخمار عادة ، وأما الزائد على ما يستره الخمار في العادة فلا يجب ستره.
[1259] مسألة 7 : الأمة كالحرة في جميع ما ذكر من المستثنى والمستثنى منه (1) ولكن لا يجب عليها ستر رأسها ولا شعرها (2) ولا عنقها (3) ،
تحت الذقن مما يستتر عند الاختمار عادة ، وأمّا الزائد عليه مما لم تجر العادة على ستره فلا دليل على وجوبه ، ومقتضى الأصل عدمه ، وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
(1) لإطلاق الأدلّة الشامل للحرة والأمة في كل من الطرفين.
(2) ويدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع نقلاً وتحصيلاً منّا ومن غيرنا من علماء الإسلام كما في الجواهر (1)جملة من الأخبار كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث قال « قلت : الأمة تغطي رأسها إذا صلّت؟ فقال : ليس على الأمة قناع » (2).
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليهالسلام في حديث « قال : ليس على الإماء أن يتقنّعن في الصلاة » (3)ونحوهما غيرهما.
(3) فانّ وجوب ستر العنق إنّما استفيد مما دل على وجوب تقنّع المرأة أو اختمارها في الصلاة كما تقدم (4)والمفروض سقوط ذلك عن الأمة بمقتضى النصوص المتقدمة آنفاً.
وتؤيدها رواية قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهماالسلام قال : « سألته عن الأمة هل يصلح لها أن تصلّي في قميص واحد؟ قال : لا بأس » (5)وإن كانت ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن ، فإنّ الصلاة في قميص واحد يلازم كشف العنق بطبيعة الحال.
من غير فرق بين أقسامها من القنّة والمدبّرة والمكاتبة والمستولدة (1)(1).
(1) لإطلاق النص والفتوى ، مضافاً إلى التصريح بالتعميم في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام « قال : ليس على الأمة قناع في الصلاة ، ولا على المدبّرة قناع في الصلاة ، ولا على المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها قناع في الصلاة ، وهي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها إلى أن قال : وسألته عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار؟ فقال عليهالسلام : لو كان عليها لكان عليها إذا هي حاضت ، وليس عليها التقنع في الصلاة » (2)هذا.
ولا إشكال كما لا خلاف في شيء من هذه الأقسام ما عدا المستولدة ، فإنّ مقتضى ذيل صحيحة ابن مسلم المزبورة عدم وجوب التغطية عليها.
إلا أنّه قد يقال بمعارضتها مع مفهوم صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قلت له : الأمة تغطي رأسها؟ قال : لا ، ولا على أُم الولد أن تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد » (3)بالعموم من وجه ، نظراً إلى انّ الاولى مطلقة من جهة بقاء الولد وعدمه ، ومن جهة كونه من مولاها أو من غيره ، وخاصة بحال الصلاة ، على العكس من مفهوم الثانية حيث إنّها مطلقة من حيث الصلاة وخاصة من كلتا الجهتين ، فتتعارضان في مادة الاجتماع وهي ما إذا كانت ذات ولد موجود من المولى وهي في حالة الصلاة ، فالأُولى تدلّ بمنطوقها على عدم لزوم التغطية ، والثانية بمفهومها على لزومها ، والمرجع بعد التساقط عموم ما دلّ على أنّ الأمة تصلّي من دون خمار أو قناع ، فتكون النتيجة إلحاق أُم الولد بسائر أنواع الإماء بمقتضى الصناعة ، مضافاً إلى الإجماع على عدم الفرق بين الأقسام كما عرفت.
وفيه أوّلاً : أنّ ذيل الصحيحة الاولى الذي هو مركز الاستدلال لم يذكر لا في الكافي (1)ولا في العلل (2)وإنما ذكره الصدوق في الفقيه (3)وحيث إنّ طريقه إلى محمد بن مسلم ضعيف (4)فهي غير صالحة للاستدلال ، فتبقى الصحيحة الثانية الدالة على لزوم التغطية سليمة عن المعارض.
وثانياً : أنّ النسبة بينهما عموم مطلق لا من وجه إذ الصحيحة الثانية أيضاً خاصة بالصلاة كالأُولى ، فإنّه وإن لم يصرّح بها فيها لكنّه يعلم ذلك من التعبير بتغطية الرأس التي هي من خواص الصلاة ، ضرورة عدم وجوبها في غيرها على الحرة فضلاً عن الأمة ، إذ اللازم على المرأة التستر من الأجنبي كيف ما اتفق ، ولو بالدخول في غرفة أو في مكان مظلم. إذن فمقتضى الصناعة ارتكاب التخصيص بالالتزام بالتغطية في خصوص أُم الولد.
وثالثاً : أنّ الصحيحة الأُولى لم ترد في أُم الولد وإن استظهره المحقق الهمداني قدسسره (5)مستشهداً له بأنّ الباعث على السؤال هو تشبّثها بالحرية الموجب لتوهم إلحاقها بالحرة في لزوم التغطية ، إذ فيه أنّه على هذا لا ينسجم الجواب ولا يرتبط بالسؤال ، إذ ليت شعري أي علاقة وارتباط بين الحيضية وبين الولادة المستتبعة للتشبث بالحرية فضلاً عن أن يكون الحكم في الحيض أقوى كما ربما تشعر به الملازمة في قوله عليهالسلام : « لو كان عليها لكان عليها ... » إلخ.
بل الظاهر أنّ المفروض في السؤال مجرد ولادة الأمة ولو من غير مولاها فكأنّ السائل تخيّل أنّها بذلك تصبح بالغة تجري عليها أحكام الحرة
وأمّا المبعّضة فكالحرة (1)
التي منها لزوم التغطية ، فأجاب عليهالسلام بأن الولادة لو أوجبت ذلك لكان التحيض الذي هو من أمارات البلوغ أولى بذلك ، بل الوالدة وغيرها من سائر الإماء اتجاه التغطية شرع سواء.
وبالجملة : فلم ترد الصحيحة الاولى في أُم الولد لينعقد لها الإطلاق وتلاحظ النسبة بينها وبين الثانية ويتعارضان بالعموم من وجه ويتصدّى للعلاج كما أُفيد.
ورابعاً : على تقدير تسليم التعارض فاللازم تقديم المفهوم ، ولا تصل النوبة إلى التساقط فضلاً عن تقديم المنطوق كما قيل وذلك فإنّه لا محذور فيه عدا ارتكاب التقييد في منطوق الاولى ، والالتزام بوجوب التغطية على الأمة في صلاتها إذا كانت ذات ولد. وهذا بخلاف ما لو قدّمنا الأُولى ، فإنّ لازمه تقييد مورد الثانية بغير حال الصلاة ، ومقتضاه أنّه إذا لم يكن الولد باقياً لم يجب عليها تغطية الرأس ، مع أنّه لم يقل أحد بالتفصيل في تغطية الأمة في غير تلك الحالة بين بقاء الولد وعدمه.
والمتحصّل : أنّ مقتضى الصناعة لولا ما ادعي من الإجماع على عدم التفرقة بين أقسام الأمة في عدم وجوب التغطية هو ارتكاب التخصيص والالتزام بوجوب تغطية أُم الولد رأسها مع بقاء ولدها ، عملاً بمفهوم الصحيحة الثانية السليم عمّا يصلح للمعارضة حسبما عرفت ، ومن ثمّ كان مقتضى الاحتياط الوجوبي رعاية الستر حال حياة الولد.
(1) على المشهور ، بل اتفاقاً ، نظراً إلى أنّ موضوع الحكم في لسان الأدلة عنوان الأمة ، المنصرفة عن المبعّضة ، بل المختصة بغيرها في النص والفتوى ، فتبقى هي تحت إطلاق المرأة ، المحكومة بلزوم لبس الخمار أو القناع كما تقدم (1).
مضافاً إلى مفهوم صحيحة ابن مسلم المتقدمة حيث ورد فيها : « ولا على
1) في ص 96 ذكر مصدره.
مطلقا (1) ولو اعتقت في أثناء الصلاة وعلمت به ولم يتخلل بين عتقها وستر رأسها زمان صحت صلاتها (2)
المكاتبة إذا اشترط عليها مولاها ... » إلخ (1)فانّ مفهومها أنّ المكاتبة المطلقة عليها القناع وإن أصبحت حرة بمقدار ما أدّت من مال الكتابة وصارت مبعّضة.
نعم ، قد قيّد الحكم فيما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب بالحرة قال عليهالسلام : « ... ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار » (2)ولا يقدح اشتمال الطريق على الحكم بن مسكين ، فإنّه ثقة عندنا لوجوده في أسناد كامل الزيارات (3).
فقد يقال بأنّها تستوجب تقييد المطلقات وحملها على الحرة فلا دليل إذن في المبعّضة ، ومعه يرجع إلى الأصل.
ويندفع بابتنائه على ثبوت المفهوم للوصف (4)وهو في حيّز المنع ، إلا بالمعنى الذي ذكرناه في الأُصول من الدلالة على عدم تعلّق الحكم بالطبيعة على إطلاقها وسريانها ، ومن ثم لا يجب القناع على الأمة. وأمّا التخصيص بالحرة كي ينتفي عن المبعّضة فهو مبني على المفهوم الاصطلاحي ، ولا نقول به. إذن فلا مانع من شمول المطلقات لها.
(1) أي من غير فرق في المبعّضة بين كون التحرير بمقدار النصف أو أقل أو أكثر كما هو واضح.
(2) كما لو اتفق أنّها سترت رأسها آناً ما قبل العتق. ولا شبهة حينئذ في
1) الوسائل 4 : 411 / أبواب لباس المصلي ب 29 ح 7 ، تقدمت في ص 108.
2) الوسائل 4 : 405 / أبواب لباس المصلي ب 28 ح 4 ، الفقيه 1 : 244 / 1082.
3) ولكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة ، فالرواية إذن محكومة بالضعف.
4) الوصف في المقام غير معتمد على الموصوف ، ومثله ملحق باللقب كما أفاده ( دام ظله ) في الأُصول [ محاضرات في أُصول الفقه 5 : 127 ].
بل وإن تخلل زمان (1)إذا بادرت إلى ستر رأسها للباقي من صلاتها بلا فعل مناف (1).
الصحة ، إذ الأجزاء السابقة لم يعتبر فيها الستر ، واللاحقة مشتملة عليه ، فلا خلل في شيء منها ، وهذا واضح.
(1) على المشهور ، بل بلا خلاف ظاهر كما في الجواهر (2). ويستدلّ له بوجوه :
أحدها : قصور الأدلّة عن إثبات اعتبار الستر فيما عدا الأفعال من الأكوان المتخلّلة ، ولو ثبت فهو ساقط ، لمكان العجز بعد فرض عدم تقصيرها في البدار ، فالكشف قبل الستر خارج عن الاختيار ومثله ساقط لا محالة.
ويندفع : بأنّ مقتضى الإطلاق في أدلة اعتبار الاختمار لزوم رعايته من ابتداء الصلاة إلى اختتامها ، والتخصيص بالأفعال عارٍ عن الدليل ومنافٍ للإطلاق المزبور كما لا يخفى.
وحديث العجز لا يوجب سقوط الشرط بعد إمكان الاستئناف وكون الواجب هو الطبيعة المحدودة ما بين المبدأ والمنتهى ، لا خصوص هذا الفرد الذي هو مورد للعجز فما هو المأمور به لا عجز فيه ، وما فيه العجز لم يكن مأموراً به.
ثانيها : حديث لا تعاد ، فانّ من الواضح انّ صدق الإعادة لا يتوقف على الفراغ ، بل يشمل رفع اليد في الأثناء والاستئناف كما يشهد به نحو ما ورد من أنّ من تكلّم في صلاته فعليه الإعادة (3). وعليه فلو رفعت المعتقة في مفروض المسألة يدها عن صلاتها وأعادتها بعد رعاية الستر فقد أعادت بسبب غير الخمس المستثناة ، والحديث ينفي ذلك.
وأمّا إذا تركت سترها حينئذ بطلت (1).
ويندفع : بأنّ الحديث إمّا أنّه خاص بالناسي أو يشمل الجاهل القاصر - على القولين في المسألة وعلى التقديرين فلا يكاد يشمل الملتفت إلى الخلل في ظرفه وإن كان عاجزاً عن رفعه كما في المقام ، ومعه لا مناص من الإعادة.
ثالثها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به ، هل عليه إعادة ، أو ما حاله؟ قال : لا إعادة عليه ، وقد تمّت صلاته » (1)فإنّ إطلاقها يشمل صورة الالتفات في الأثناء والتستر بعده المستلزم طبعاً للتكشف من زمان العلم إلى زمان وقوع الستر فاذا لم يكن هذا المقدار قادحاً في كشف العورة فأحرى بعدم القدح في المقام فيتعدّى اليه بالفحوى ، أو لا أقل من اتحاد المناط.
وفيه : أنّ إطلاق الصحيحة وإن لم يكن قاصر الشمول لصورة الالتفات في الأثناء ، ولا يختص بما بعد الفراغ كما لو علم بعد القيام بالكشف حال السجود إلا أنّه لم يفرض فيها الكشف حين الالتفات الذي هو محلّ الكلام ليتعدّى إلى المقام.
ودعوى الإطلاق حتى من هذه الناحية عهدتها على مدعيها ، بل هي في حيّز المنع كما لا يخفى.
وبالجملة : لا نضايق من شمول الصحيحة لمن التفت حال الجلوس مثلاً إلى وجود ثقب في ثوبه أوجب كشف عورته حال السجود ، إلا أنّ استدامة الكشف إلى حال الالتفات والعلم ليكون نظير المقام يحتاج إلى مزيد عناية لم تفرض في الرواية ، ولأجله لا تصلح للاستدلال بها لما نحن فيه.
والمتحصّل : أنّ الأظهر في هذه الصورة بطلان الصلاة.
(1) للإخلال بالستر المعتبر في بقية الأجزاء لمكان انقلاب الموضوع واندراجها بقاءً في عنوان الحرة المحكومة بلبس الخمرة عالمة عامدة ، وهو
1) الوسائل 4 : 404 / أبواب لباس المصلي ب 27 ح 1.
وكذا إذا لم تتمكن من الستر إلا بفعل المنافي (1) ولكن الأحوط الإتمام ثم الإعادة.
نعم لو لم تعلم بالعتق حتى فرغت صحت صلاتها على الأقوى (2) ، بل وكذا لو علمت لكن لم يكن عندها ساتر (3) أو كان الوقت ضيقاً (4).
موجب للفساد ، ومنه تعرف ضعف الاستناد إلى استصحاب الحكم الثابت قبل العتق. وأضعف منه ما عن المدارك من اختصاص الستر الواجب بما إذا توجّه التكليف به قبل الشروع في الصلاة (1)فانّ فيه ما لا يخفى.
(1) بحيث دار الأمر بين الإخلال بالستر الواجب وبين ارتكاب المنافي وبما أنّ كلا منهما موجب للفساد فلا مناص من الاستئناف.
ودعوى سقوط اعتبار الستر حينئذ لمكان العجز ، نظراً إلى توقّفه على فعل المنافي الممنوع شرعاً ، وهو كالممتنع عقلاً ، مدفوعة بما عرفت من أنّ العجز عن إتمام الفرد لا يستوجب العجز عما هو الواجب ، أعني الطبيعة الجامعة المحدودة ما بين المبدأ والمنتهى. فالممنوع مغاير للمأمور به ، ومعه لا موجب لسقوطه بوجه.
(2) لحديث لا تعاد ، الحاكم على إطلاق دليل اعتبار الستر ، بناءً على ما هو الصحيح من عدم اختصاصه بالناسي وشموله للجاهل القاصر ، مضافاً إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة فلاحظ.
(3) أي في تمام الوقت بحيث ساغ لها الشروع في الصلاة ابتداءً ، لسقوط الستر حينئذ بالعجز ، بل ربما تصلّي عارية فيما لو كانت فاقدة للستر رأساً فضلاً عن كونها كاشفة. وأمّا لو كان الفقد مختصاً ببعض الوقت بحيث اختص العجز بالفرد دون الطبيعة الواجبة فلا مناص من الإعادة حسبما عرفت آنفاً.
(4) لوضوح أهمية الوقت الموجبة لسقوط اعتبار الستر لدى المزاحمة.
1) المدارك 3 : 200.
وأما لو علمت عتقها لكن كانت جاهلة بالحكم وهو وجوب الستر فالأحوط إعادتها (1)(1).
[1260] مسألة 8 : الصبية غير البالغة حكمها حكم الأمة في عدم وجوب ستر رأسها ورقبتها (2).
(1) بل هو الأقوى فيما إذا كان الجهل عن تقصير كما هو الغالب ، لإطلاقات الستر بعد سلامتها عن دليل حاكم.
وأمّا إذا كان الجهل عن قصور فالأظهر هو الصحة ، لحديث لا تعاد الحاكم عليها ، بناءً على ما هو الصواب من شموله للجاهل القاصر وعدم اختصاصه بالناسي.
وبالجملة : لا ينبغي التأمل في عدم شمول الحديث للجاهل المقصّر ، إذ لازمه تخصيص أدلّة الأجزاء والشرائط بالعالم العامد ، ولا سبيل للمصير إليه ، فإنّه من حمل المطلق على الفرد النادر ، فلا جرم كان خاصّاً بالقاصر ، ونتيجته هو ما عرفت من التفصيل المزبور.
(2) بلا خلاف بل إجماعاً محققاً كما قيل ، بل عن الفاضلين (2)والشهيد (3)دعوى الإجماع عليه من علماء الإسلام وهو العمدة في المقام ، وأمّا النصوص فلا تخلو عن الخدش.
فمنها : رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهالسلام قال : « إذا حاضت الجارية فلا تصلّي إلا بخمار » (4)دلّت بمقتضى المفهوم بعد وضوح أنّ الحيض كناية عن البلوغ على عدم لزوم الاختمار لغير البالغة ، لكن السند ضعيف بأبي البختري ، بل قيل إنّه أكذب البرية.
بناءً على المختار من صحة صلاتها وشرعيتها (1). وإذا بلغت في أثناء الصلاة فحالها حال الأمة المعتقة (1)في الأثناء (2) في وجوب المبادرة إلى الستر والبطلان
ومنها : رواية أبي بصير : « .. على الجارية إذا حاضت الصيام والخمار ... » إلخ (2)بالتقريب المتقدم ، ولكنها أيضاً ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة البطائني.
ومنها : مرسلة الصدوق قال « وقال النبي صلی اللّه عليه وآله : ثمانية لا يقبل اللّه لهم صلاة : منهم المرأة المدركة تصلّي بغير خمار » (3)ورواها البرقي أيضاً مرسلاً (4)وضعفها ظاهر.
ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب : « ... ولا يصلح للمرأة إذا حاضت إلا الخمار » (5)وهي ضعيفة أيضاً عند القوم بالحكم بن مسكين الواقع في الطريق ، وإن كان ثقة عندنا لوجوده في أسناد كامل الزيارات (6).
فالعمدة في مستند المسألة ما عرفت من الإجماع والتسالم.
(1) وهو الأظهر على ما مرّ مراراً في مطاوي هذا الشرح ، وأمّا على التمرينية فلا أمر شرعاً ولا عبادة حتى يتكلّم حول اعتبار شيء فيها وعدمه ، وإنّما هي صورة العبادة ، فهي سالبة بانتفاء الموضوع ، ولأجله خصّ الماتن عدم الوجوب بذاك المبنى. ولم يكن بصدد التحديد ليورد عليه بأنّ إلحاق الصبية بالأمة لا يتوقف على الشرعية كما لا يخفى.
(2) وقد عرفت منّا ما هو الحال فيها ، فيجري هنا أيضاً لاتحاد الأدلّة في
1) (*) مرّ حكمها آنفاً.
2) الوسائل 4 : 409 / أبواب لباس المصلي ب 29 ح 3.
3) الوسائل 4 : 406 / أبواب لباس المصلي ب 28 ح 6 ، الفقيه 1 : 36 / 131.
4) المحاسن 1 : 76 / 36 [ وفيه : الجارية بدل المرأة ].
5) الوسائل 4 : 405 / أبواب لباس المصلي ب 28 ح 4 ، الفقيه 1 : 244 / 1082 [ في المصدر : للحرّة بدل « للمرأة » ].
6) ولكنّها أيضاً ضعيفة ، لعدم كون الرجل من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.
مع عدمها إذا كانت عالمة بالبلوغ.
[1261] مسألة 9 : لا فرق في وجوب الستر وشرطيته بين أنواع الصلوات الواجبة والمستحبة (1) ويجب أيضاً في توابع الصلاة من قضاء الأجزاء المنسية (2) بل سجدتي السهو على الأحوط (1)(3).
نعم ، لا يجب في صلاة الجنازة (4) وإن كان هو الأحوط فيها أيضاً ، وكذا لا يجب في سجدة التلاوة وسجدة الشكر.
البابين ، فالبالغة في الأثناء لا تعتني بما سبق من الأجزاء على التمرينية ، لكونها صورة عبادة لا حقيقتها كما عرفت آنفاً. وعلى الشرعية تصحّ صلاتها لو اتفق سترها حال البلوغ ، لصحّة الأجزاء السابقة واللاحقة كلّ على حسب الوظيفة الفعلية ، وقس على ذلك بقية الصور فلاحظ.
(1) لإطلاق الأدلّة ، مضافاً إلى عدم الخلاف ، بل حكاية الإجماع عليه.
(2) فإنّها هي نفس الأجزاء الأصلية قد تغيّر ظرفها وتبدّل محلّها ، فلا جرم يعتبر فيها جميع ما يعتبر فيها. والتعبير بالقضاء يراد به معناه اللغوي أعني مطلق الإتيان مع التغيير المزبور دون الاصطلاحي ليدّعى إمكان الفرق وأنّه لا يعتبر في القضاء ما يعتبر في الأداء ، وإن كان ظاهر دليله الاتحاد أيضاً في جميع الخصوصيات ما عدا الوقت.
(3) وإن كان الأظهر عدم الوجوب ، فإنّهما عمل مستقل شرّع لإرغام الشيطان الموقع للإنسان في السهو والنسيان ، فمن الجائز أن لا يعتبر فيه ما يعتبر في أجزاء الصلاة ، وحيث لا دليل على اعتبار الستر فيهما فيرجع إلى أصالة العدم.
(4) لأنها دعاء وتهليل وتكبير ، وليست من حقيقة الصلاة في شيء ، فلا يشملها ما دلّ على اعتبار شيء في الصلاة ، وحيث لم ينهض دليل على اعتبار
1) (*) الأظهر عدم وجوب الستر فيهما.
[1262] مسألة 10 : يشترط (1)ستر العورة في الطواف أيضاً (1).
الستر فيها فيرجع إلى أصالة البراءة.
ومنه يظهر الحال في سجدة التلاوة ، كما ويرجع في سجدة الشكر إلى إطلاق الأدلّة.
(1) كما عن جماعة من القدماء والمتأخرين. ويستدل له بجملة من النصوص كلّها ضعيفة السند ، فإنّ ستة منها منقولة عن تفسير العياشي (2)وطريقه إلى المعصوم عليهالسلام مجهول بعد أن حذف المستنسخ أسناد الكتاب روماً للاختصار ، مضمونها أنّه : ولا يطوفنّ بالبيت عريان.
والسابعة : ما رواه الصدوق في العلل بإسناد يشتمل على عدة من المجاهيل عن ابن عباس في حديث : « أنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله بعث علياً عليهالسلام ينادي : لا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .. » (3).
والثامنة : ما رواه القمي في تفسيره عن أبيه عن محمد بن الفضيل ( الفضل ) عن الرضا عليهالسلام قال « قال أمير المؤمنين : إنّ رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله أمرني عن اللّه أن لا يطوف بالبيت عريان .. » إلخ (4).
وهي أيضاً ضعيفة السند ، من أجل تردد الراوي الأخير بين محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة وبين محمد بن الفضيل الأزدي ، ولم يوثق. إذن فلا يمكن الاعتماد على شيء من هذه الأخبار. ولعلّه يشير العلامة في المختلف بقوله : والرواية بالاشتراط غير مسندة من طرقنا (5)يريد به أنّها لم تثبت من
1) (*) على الأحوط لزوماً.
2) الوسائل 13 : 400 / أبواب الطواف ب 53 ح 3 8 ، تفسير العياشي 2 : 74.
3) الوسائل 13 : 400 / أبواب الطواف ب 53 ح 1 ، علل الشرائع : 190 / ب 150 ح 2.
4) الوسائل 13 : 400 / أبواب الطواف ب 53 ح 2 ، تفسير القمي 1 : 282.
5) لاحظ المختلف 4 : 215 [ فانّ قوله المذكور ذكره تعليقاً على الاستدلال بالنبوي الآتي « الطواف بالبيت صلاة » ].
طريق معتبر.
ومن الغريب ما عن كشف اللثام من أنّ الخبر يقرب من التواتر (1). فإنّه لم يبلغ حدّ الاستفاضة فضلاً عن التواتر ، لما عرفت من أنّ ستة منها رواها شخص واحد وهو العياشي. ولنفرض أنّه رواها بأجمعها عن طريق صحيح فانّ غايتها أنّها معتبرة لا متواترة ، إذ يشترط في التواتر تعدّد الرواة في كلّ طبقة كما لا يخفى.
على أنّها في أنفسها لا تخلو عن غرابة ، حيث لم تذكر ولا واحدة منها في الجوامع الفقهية ، فلم يذكرها المشايخ الثلاثة في شيء من الكتب الأربعة ، هذا بحسب السند.
وقد ناقش صاحب الجواهر (2)في دلالتها أيضاً بأنّ الطواف عارياً لا يلازم كشف العورة ، فإنّ بينهما عموماً من وجه ، فقد يطوف عارياً ساتراً لخصوص عورته ، وقد يطوف لابساً مع كشفها ، فالمنع الوارد في النص لا يكشف عن لزوم الستر.
ثم أجاب بما هو الصواب من أنّ المراد من العراء في هذه النصوص ستر (3)العورة للإجماع على صحة الطواف عارياً مع سترها. فلا قصور فيها من ناحية الدلالة ، هذا.
وربما يستدلّ لاعتبار الستر بما ورد من أن « الطواف بالبيت صلاة » (4)فيعتبر فيه ما يعتبر فيها ومنه الستر.
وفيه : أنّ هذا الحديث نبوي ، ولم يرد من طرقنا ، فلا يمكن الاعتماد عليه.
نعم ، يمكن الاستدلال لذلك بمصحح يونس بن يعقوب قال « قلت
[1263] مسألة 11 : إذا بدت العورة كلا أو بعضاً لريح أو غفلة لم تبطل الصلاة (1)
لأبي عبد اللّه عليهالسلام : رأيت في ثوبي شيئاً من دم وأنا أطوف ، قال : فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله ، ثم عد فابن على طوافك » (1).
فإنّ الأمر بالعود مع فرض إطلاق الرواية بمقتضى ترك الاستفصال من حيث وجوب الطواف أو استحبابه ، وكونه قبل تجاوز النصف أو بعده ووضوح عدم وجوب إتمامه حينئذ إرشاد إلى اشتراط الطواف بساتر طاهر كاشتراط الصلاة به ، وقد ورد نظير هذا المضمون فيها أيضاً. ولا يحتمل أن يكون الأمر مولوياً ، لعدم احتمال حرمة الصلاة أو الطواف مع الثوب النجس وإنّما هو إرشاد إلى الشرطية المزبورة ، ومرجعها إلى اشتراط أمرين فيهما : أحدهما الثوب فلا تجوزان عارياً. والثاني طهارته. فيظهر من ذلك أنّ الستر معتبر في الطواف وإلا لما أمره بالغسل تعييناً ، بل خيّره بينه وبين الإتمام عارياً لإطلاق الرواية من جهة الناظر المحترم ، ومن جهة الليل الأظلم.
وبالجملة : فلا يبعد دلالتها على عدم جواز الطواف عرياناً بعد ان كان السند تاماً ، إذ لا غمز فيه ما عدا اشتمال طريق الصدوق إلى يونس بن يعقوب على الحكم بن مسكين (2)ولكنّه ثقة على الأظهر لوجوده في أسناد كامل الزيارات (3). إذن فرعاية الستر أحوط لزوماً ، فتدبر جيداً.
(1) يريد به بقرينة المقابلة ما لو علم بالبدوّ بعد الفراغ ، ولا إشكال حينئذ في الصحة ، لحديث لا تعاد ، ولصحيحة علي بن جعفر المتقدمة (4)، فانّ المتيقّن منها هو هذه الصورة.
لكن إن علم به في أثناء الصلاة وجبت المبادرة إلى سترها (1)وصحت أيضاً ، وإن كان الأحوط الإعادة بعد الإتمام خصوصاً إذا احتاج سترها إلى زمان معتد به (1).
[1264] مسألة 12 : إذا نسي ستر العورة ابتداءً أو بعد التكشّف في الأثناء فالأقوى صحة الصلاة (2) وان كان الأحوط الإعادة ، وكذا لو تركه من أول الصلاة أو في الأثناء غفلة. والجاهل بالحكم كالعامد على الأحوط.
(1) أمّا إذا كانت العورة المعلوم كشفها مستورة حال العلم فلا ينبغي الإشكال في الصحة أيضاً ، لما عرفت من حديث لا تعاد والصحيحة المزبورة التي لا قصور في شمول إطلاقها لهذه الصورة كما سبق (2).
وأمّا إذا كانت مكشوفة في هذه الحالة فالظاهر البطلان ، سواء احتاج الستر إلى زمان طويل أم قصير ، مع فعل المنافي أم بدونه ، إذ الحديث لا يشمل صورة العلم والعمد ، كما أنّ الصحيح منصرف عنها أو قاصر الشمول لها على ما تقدّم ومعه لا مناص من البطلان ، للإخلال بالستر المعتبر حتّى في الأكوان المتخلّلة بمقتضى إطلاق الأدلّة. ومن ثم يحكم بلزوم المبادرة لو التزمنا بالصحة ، نعم يحكم بها عند ضيق الوقت لأهميته الموجبة لسقوط اعتبار الستر حينئذ ، وقد تقدّم في الأمة المعتقة في الأثناء ما ينفع المقام فلاحظ (3).
(2) يظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في المسألة السابقة ، ففي صورة النسيان أو الغفلة إذا كان حال الالتفات ساتراً للعورة صحت صلاته ، لحديث لا تعاد ولصحيح ابن جعفر ، لكونها المتيقّن منهما كما لا يخفى ، دون ما إذا كان كاشفاً لها ولو آناً ما ، إذ الحديث لا يشمل الإخلال العمدي ، كما أنّ الصحيح
[1265] مسألة 13 : يجب الستر من جميع الجوانب بحيث لو كان هناك ناظر لم يرها إلا من جهة التحت فلا يجب (1). نعم إذا كان واقفاً على طرف سطح أو على شباك بحيث ترى عورته لو كان هناك ناظر فالأقوى والأحوط وجوب الستر من تحت أيضاً (2).
بخلاف ما إذا كان واقفاً على طرف بئر ، والفرق من حيث عدم تعارف وجود الناظر في البئر فيصدق الستر عرفاً وأما الواقف على طرف السطح لا يصدق عليه الستر إذا كان بحيث يرى ، فلو لم يستر من جهة التحت بطلت صلاته وإن لم يكن هناك ناظر ، فالمدار على الصدق العرفي ومقتضاه ما ذكرنا.
منصرف عن ذلك على ما تقدم.
وأمّا في صورة الجهل بالحكم فان كان عن قصور فكذلك ، بناءً على ما هو الصواب من شمول الحديث له ، وأمّا إن كان عن تقصير وهو الغالب فحيث إنّه غير مشمول للحديث كما أنّه خارج عن مورد الصحيح فهو في حكم العامد ، ولا مناص له من الإعادة.
(1) كما يقتضيه الاقتصار في لسان الأخبار على لبس القميص والدرع ونحوهما مما لا يكاد يستر من جانب التحت ، وعدم الإشارة في شيء منها إلى لبس السروال ونحوه ، فإنّه خير دليل على عدم لزوم الستر مما عدا الجوانب الأربعة ، مضافاً إلى أنّ الحكم مورد للاتفاق والإجماع لولا الضرورة.
(2) فإنّ قصر النظر على ما احتوته الأدلّة اللفظية وإن كان مقتضاه الاكتفاء بالجوانب الأربعة على سبيل الإطلاق إلا أنّ إمعان النظر في العلة الباعثة على إيجاب الستر من التجنب عن انتهاك الحرمة وعدم كون المصلي على حالة سيئة ذميمة لعلّه يشرف الفقيه ولو بمناسبة الحكم والموضوع على القطع بعدم الفرق بينها وبين التحت فيما إذا كان معرضاً للنظر ، كما لو وقف على سطح مخرم أو شباك أو على طرف السطح ، للاشتراك وقتئذ في مناط الحكم ، فلا بدّ من رعاية الستر حينئذ حتى من جانب التحت.
[1266] مسألة 14 : هل يجب الستر عن نفسه بمعنى أن يكون بحيث لا يرى نفسه أيضاً أم المدار على الغير؟ قولان الأحوط الأول ، وإن كان الثاني لا يخلو عن قوة (1)
ولا ينافيه الاكتفاء في النصوص على القميص ، لكونها ناظرة إلى ما هو الغالب المتعارف من وقوف المصلّي على أرض غير مثقوبة وسليمة عن المعرضية للنظر من جانب التحت. أمّا غير السليمة فحالها حال سائر الجوانب في لزوم مراعاة الستر وإن لم يكن ناظر بالفعل ، للوجه الذي عرفته وإن لم يكن النصّ شاملاً لها.
نعم ، إذا كانت الأرض مع ثقبها سليمة عن المعرضية كالصلاة على شفير البئر حيث إنّ خصوصية البئر مانعة في حدّ طبعها عن وجود الناظر لم يجب الستر حينئذ (1).
وبالجملة : فالعبرة بالمعرضية ، والمدار على الصدق العرفي ، ومقتضاه ما عرفت. وهو المحكي عن غير واحد منهم العلامة في التذكرة (2)والنهاية (3). فما عن الشهيد في الذكرى من الترديد في الصحة في الواقف على طرف السطح والجزم بها في القائم على مخرم (4)غير واضح ، لما عرفت من أنّ العبرة بالمعرضية المشتركة بين الموردين والمنفيّة عن مثل البئر فلاحظ.
(1) لانصراف النص والفتوى إلى التستر بلحاظ الغير ، وقصورهما عن
1) والإشكال عليه كما في المستمسك [ 5 : 272 ] بأنّ لازمه جواز الصلاة عارياً في الحفيرة التي يساوي فراغها بدن المصلي ، مدفوع بمنع الملازمة ، لمانعية العراء في نفسه بعد دلالة النصوص على لزوم لبس الساتر سواء أكان بالفعل ناظر أم لا ، ولا عراء في محل الكلام ، غايته عدم الحاجة إلى الستر في بعض الصور دون بعض لفارق ظاهر حسبما عرفت.
2) التذكرة 2 : 462.
3) نهاية الاحكام 1 : 372.
4) الذكرى 3 : 20.
فلو صلى في ثوب واسع الجيب بحيث يرى عورة نفسه عند الركوع لم تبطل (1) على ما ذكرنا (1)والأحوط البطلان ، هذا إذا لم يكن بحيث قد يراها غيره أيضاً وإلا فلا إشكال في البطلان.
[1267] مسألة 15 : هل اللازم أن تكون ساتريته في جميع الأحوال حاصلاً من أول الصلاة إلى آخرها أو يكفي الستر بالنسبة إلى كل حالة عند تحققها؟ مثلاً إذا كان ثوبه مما يستر حال القيام لا حال الركوع فهل تبطل الصلاة فيه وإن كان في حال الركوع يجعله على وجه يكون ساتراً أو يتستر عنده بساتر آخر ، أو لا تبطل؟ وجهان ، أقواهما الثاني (2) وأحوطهما الأول ، وعلى ما ذكرنا فلو كان ثوبه مخرقاً بحيث تنكشف عورته في بعض الأحوال لم يضر إذا سدّ ذلك الخرق في تلك الحالة بجمعة أو بنحو آخر ،
الشمول لنفسه ، فلا مانع من الصلاة في كيس ساتر لجميع بدنه عن الناظر المحترم وإن رأى بنفسه عورته فيه ، إذ لا دليل على اعتبار التستر بلحاظ نفسه كما عرفت ، فالكبرى مما لا ينبغي الإشكال فيها ، وإنّما الكلام في الصغرى أعني المثال الذي فرّعه عليها وستعرف الحال فيها.
(1) هذا التفريع غير واضح ، إذ العبرة في المعرضية الممنوعة بإمكان النظر لا بفعليته ، وفي مفروض المثال تكون العورة في معرض نظر الغير أيضاً فيما لو أنزل رأسه ليتكلّم مع المصلّي ، فإنّه يراها حينئذ من طرف الجيب الواسع كما يراها المصلي نفسه ، لاتحاد النسبة ومساواتهما في مناط المعرضية كما لعله ظاهر.
فالصحيح : أنّ هذا المثال مندرج في الفرض الأخير أعني ما إذا كان بحيث يراها الغير أيضاً الذي جزم فيه بالبطلان.
(2) إذ لا يستفاد من الأدلّة أكثر من رعاية الستر في حالات الصلاة
1) (*) الظاهر البطلان في المثال ، ولعل الوجه فيه ظاهر.
ولو بيده على إشكال في الستر بها (1)(1).
[1268] مسألة 16 : الستر الواجب في نفسه من حيث حرمة النظر يحصل بكل ما يمنع عن النظر (2) ولو كان بيده أو يد زوجته أو أمته ، كما أنّه يكفي ستر الدبر بالأليتين (3) وأما الستر الصلاتي فلا يكفي فيه ذلك ولو حال الاضطرار ، بل لا يجزئ الستر بالطلي بالطين أيضاً حال الاختيار ، نعم يجزئ حال الاضطرار على الأقوى ، وإن كان الأحوط خلافه ، وأمّا الستر بالورق والحشيش فالأقوى جوازه حتى حال الاختيار (4)
الفعلية. وعدم التستر على تقدير غير واقع غير قادح بعد فرض حصول الستر في جميع تلك الحالات.
وعلى الجملة : الذي اقتضته الأدلّة لزوم عدم وقوع شيء من أجزاء الصلاة في حالة كونه مكشوف العورة ، وهو حاصل في مفروض المسألة ، ولا تكاد تدلّ على شيء أكثر من ذلك.
(1) أظهره عدم الكفاية ، إذ المستفاد من الأدلّة اعتبار كون الساتر الصلاتي من اللباس ، ولا يكفي غيره. فالستر باليد ولو في بعض الأحوال غير مسقط للتكليف.
(2) بلا خلاف فيه ولا إشكال. ويقتضيه إطلاق الأدلّة ، من غير خصوصية لساتر خاص بعد وضوح أنّ الغاية من التستر المنع عن وقوع النظر ، فيحصل بكلّ ما منع وكيف ما تحقق ، وهذا واضح.
(3) لاختصاص العورة به وعدم كونهما منها فيصلحان للستر ، وقد عرفت آنفاً الاكتفاء بكلّ ساتر ، مع أنّه مورد للنصّ وإن كان ضعيفاً (2).
(4) يقع الكلام تارة فيما يقتضيه الأصل العملي عند الشك في اعتبار
خصوصية في الساتر الصلاتي ، وأُخرى فيما يقتضيه الدليل الاجتهادي ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأوّل : فلا ينبغي التأمل في أنّ مقتضى الأصل هو البراءة عن اعتبار الخصوصيات المشكوكة في الساتر زائداً على اعتبار أصل الستر المعلوم رعايته في الصلاة ، بناءً على ما هو الصواب من الرجوع إليها عند الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين.
ولكنّه ربما يفصّل في المقام بين ما إذا كان الشك في اعتبار هيئة خاصة في الساتر بعد الفراغ عن كفاية الستر بمادته كاحتمال اعتبار النسج في الصوف أو القطن أو الوبر وما شاكلها مما له قابلية النسج واللبس فالمرجع حينئذ أصالة البراءة ،
للشك في الشرطية ، فتدفع الخصوصية الزائدة المشكوكة بها. وبين ما إذا كان الشك في كفاية أصل المادة في تحقق الستر المأمور به ، كالشك في الاجتزاء بالتستر بالطين أو النورة أو الحناء ونحوها من المواد التي يحتمل اعتبار خصوصية في المأمور به وهي القابلية للبس غير منطبقة عليها ، فانّ المقام حينئذ من مصاديق الدوران بين التعيين والتخيير ، للشك في أنّ الساتر المزبور هل هو مقيّد بذلك تعييناً ، أو أنّ المكلّف مخيّر بينه وبين الفاقد لتلك القابلية. والمرجع في مثل ذلك قاعدة الاشتغال.
ويندفع : بأنّ المرجع في الصورة الثانية أيضاً هو البراءة كالأُولى ، إذ الخصوصية التي يحتمل معها التعيين مشكوكة تدفع بالأصل ، على ما هو الشأن في كل مسألة فرعية دار الأمر فيها بينه وبين التخيير ، فانّ المتيقّن من التكليف إنّما هو الطبيعي الجامع المردد بينهما ، والخصوصية المشكوكة مدفوعة بأصالة البراءة. ونتيجة ذلك هو البناء على التخيير ، كما هو الحال في الأقل والأكثر الارتباطيين ، بل إنّ أحدهما عين الآخر ، ولا فرق إلا في مجرد التعبير كما أشرنا إليه في مطاوي هذا الشرح غير مرة.
وأمّا المقام الثاني : فالكلام فيه تارة في حال الاختيار ، وأُخرى عند
الاضطرار ، فهنا موضعان :
أمّا الموضع الأوّل : فقد دلّت جملة من النصوص على اعتبار كون الساتر لباساً من ثوب أو قميص ونحوهما.
منها : صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه دم ، يصلّي فيه أو يصلّي عرياناً؟ قال : إن وجد ماءً غسله ، وإن لم يجد ماء صلى فيه ، ولم يصلّ عرياناً » (1)دلّت على حكمين :
أحدهما : لزوم الصلاة في الثوب الطاهر لدى التمكن منه.
ثانيهما : إن لم يجده صلى في الثوب النجس ولا يصلي عرياناً.
والحكم الثاني وإن كان معارضاً بنصوص أُخر دلت على أنّه يصلي حينئذ عارياً ، بل هو المشهور ، لكن الحكم الأوّل الذي هو محلّ الاستشهاد لا معارض له كما لا خلاف فيه ولا إشكال. ومن الواضح أنّ ستر العورة بغير المنسوج من الصوف أو القطن أو الحشيش لا يصدق عليه لبس الثوب ، بل هو بعد عارٍ وإن كانت عورته مستورة ، فانّ العاري في مقابل اللابس ، وحيث لم يكن لابساً بالوجدان فهو طبعاً مصداق للعاري ، وقد منع في الصحيحة عن الصلاة كذلك مع التمكّن من الثوب الطاهر.
ومنها : النصوص التي دلّت على أنّ أدنى ما يصلي فيه الرجل قميص أو المرأة درع وملحفة أو خمار ومقنعة وما شاكل ذلك (2)، فانّ المستفاد من مجموعها لزوم لبس ما يصدق عليه اللباس في الصلاة.
نعم ، لا خصوصية لهذه العناوين ، فلو صلّت المرأة في ثوب واحد طويل ساتر لجميع بدنها عدا ما استثني ، أو الرجل في مئزر ونحوه ممّا يستر به سوءته صحت صلاتهما. إلا أنّ الساتر مهما كان يلزم أن يكون من سنخ اللباس
ضرورة أنّ إلغاء هذه الخصوصية وعدم رعاية الملبوسية لكي يكتفى بالحشيش أو الصوف والقطن غير المنسوجين مخالف لظواهر هذه النصوص جدّاً ، فلا يمكن رفع اليد عنها بوجه.
ومما يؤكّد ذلك صحيحة أُخرى لعلي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عرياناً وحضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال : إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتم صلاته بالركوع والسجود ، وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته أومأ وهو قائم » (1).
حيث يظهر منها بوضوح أنّ المرتكز في ذهن السائل أنّه لو كان متاعه عنده والمتيقّن منه لباسه الذي بفقده أصبح عرياناً لزمته الصلاة لابساً ، بحيث كأنّه أمر مفروغ عنه ، ولذا سأل عن حكم صورة الاضطرار والعجز عن اللباس ، وقد أقرّه الإمام عليهالسلام على ذلك ، ومن ثم لم يتعرض في الجواب إلا لحكم هذه الصورة. فيكون ذاك الارتكاز بضميمة التقرير كاشفاً عن اعتبار اللباس في حال الاختيار.
ويؤيّده ما رواه الحميري بسنده عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهماالسلام أنه قال : « من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتى يخاف ذهاب الوقت ، يبتغي ثياباً ، فان لم يجد صلّى عرياناً جالساً » (2)فإنّ الستر بالحشيش ونحوه مما لا يلبس لو كان كافياً وكان في عرض الستر باللباس لما كان وجه للأمر بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت وأنّه بعد اليأس من الثوب يصليها عارياً ، بل له ذلك من أوّل الوقت مع ستر عورته بالحشيش ونحوه. لكن السند ضعيف (3)بأبي البختري فلا تصلح إلا للتأييد.
لكن الأحوط الاقتصار على حال الاضطرار (1)(1) وكذا يجزئ مثل القطن والصوف غير المنسوجين وإن كان الأولى المنسوج منهما أو من غيرهما مما يكون من الألبسة المتعارفة.
والمتحصّل : أنّ المستفاد من الأدلّة أنّه في حال الاختيار لا يكفي التستر إلا بالثوب ونحوه مما كان من سنخ الملبوس ، ولا يجزئ غير اللباس من صوف أو قطن غير منسوجين فضلاً عن مثل الحشيش.
وأمّا الموضع الثاني : فالظاهر جواز التستر بتلك الأُمور من القطن والصوف والحشيش ونحوها في حالة الاضطرار وعدم التمكن من اللباس ، وذلك لصحيحة علي بن جعفر الثانية المتقدّمة (2)، حيث رخص عليهالسلام الستر بالحشيش لمن كان عاجزاً عن اللباس ، فيظهر أنّه في طوله لا عرضه ، وأنّه مع التمكن منه يتستر به ولا يصلي عارياً.
كما يظهر من قوله عليهالسلام : « وإن لم يصب شيئاً يستر به ... » إلخ أنّ الحشيش لا خصوصية له ، بل العبرة بمطلق الساتر للعورة من قطن أو صوف أو طين ونحو ذلك ، وأنّه مع التمكن منه يتعين ولا تنتقل الوظيفة إلى الصلاة عارياً إلا لدى العجز عن ذلك أيضاً. فهناك مراحل ثلاث طوليّة : التستر باللباس أولاً ، ثم بمطلق الساتر ، ثم الصلاة عارياً.
(1) بل قد عرفت أنّ الأظهر ذلك في الحشيش وشبهه من الصوف ونحوه ، وأمّا الطين فتحقق الستر به مشكل ، ولكنّه على تقدير التحقق يكفي أيضاً ، لإطلاق الصحيحة المزبورة.
الأوّل : الطهارة في جميع لباسه عدا ما لا تتم فيه الصلاة منفرداً ، بل وكذا في محمولة ، على ما عرفت تفصيله في باب الطهارة (1).
الثاني : الإباحة (1)(2) وهي أيضاً شرط في جميع لباسه (3).
(1) قد عرفت ما يصحّ الاستدلال به فلاحظ (2).
(2) أي إباحة التصرف في اللباس مقابل حرمته ، سواء أكان منشأ الحرمة هو الغصب أم غيره ، كما لو اشترى الثوب بمعاملة فاسدة ، أو وصل إليه بقمار ونحوه ، أو كان متعلقاً لحق الغير كما ستعرف (3).
(3) ويستدلّ له بوجوه :
أحدها : الإجماع ، الذي ادّعاه غير واحد.
وفيه : أنّه لا عبرة به ، ولا سيما بعد استناد أكثر المجمعين إلى الوجوه الآتية. فلم يكن إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم عليهالسلام.
ثانيها : قاعدة الاشتغال ، بعد أن لم يكن دليل على الصحة بدونها.
وفيه : أن المرجع في أمثال المقام من موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر
الارتباطي هو البراءة كما حقّق في محلّه (1).
ثالثها : رواية تحف العقول عن أمير المؤمنين عليهالسلام في وصيته لكميل قال : « يا كميل انظر فيما تصلي وعلى ما تصلي ، إن لم يكن من وجهه وحلّه فلا قبول » (2).
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند ، أنّ عدم القبول أعم من الفساد.
رابعها : مرسلة الصدوق التي أسندها في الكافي عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لو أنّ الناس أخذوا ما أمرهم اللّه فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم ، ولو أخذوا ما نهاهم اللّه عنه فأنفقوه فيما أمرهم اللّه به ما قبله منهم » (3).
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند في الطريقين ، وإلى ما سمعت من الأعمية ، أنّ الإنفاق الوارد فيها ظاهر في غير ما نحن فيه كما لا يخفى.
خامسها : أنّ الحركات الصلاتية من القيام والقعود والركوع والسجود مصداق للتصرف في المغصوب ومتحدة معه فتحرم ، وبما أنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب ومحقّقاً للعبادة ، لامتناع التقرب بالمبغوض فتفسد أيضاً بطبيعة الحال.
وفيه أوّلاً : أنّ مصداق العبادة هو نفس الهيئات الخاصة ، وأمّا الحركات فهي من سنخ المبادئ والمقدمات. فالهيئة الركوعية المتحصّلة من الانحناء الكذائي هي حقيقة الركوع بالذات ، فهي المأمور به دون الانحناء نفسه ، وهكذا السجود ونحوه فلا اتحاد بين المتعلّقين بعد كونهما من مقولتين مختلفتين إحداهما الوضع والأُخرى مقولة الفعل.
وثانياً : مع التسليم والبناء على أنّ الحركات بأنفسها هي الأجزاء دون
الهيئات فلا ينبغي الشك في تغايرها مع الحركات الغصبية ، لقيام هذه بالبدن وتلك بالمغصوب. ومن الضروري أنّ تباينها يستوجب تباين الحركات القائمة بهما ، غاية الأمر أنّ إحدى الحركتين علّة لحصول الأُخرى ، نظير حركة اليد بالإضافة إلى حركة المفتاح. إذن فلم تكن إحداهما عين الأُخرى ليكون المقام من صغريات مسألة الاجتماع.
سادسها : أنّ اللباس المغصوب محكوم بوجوب الإبانة والنزع وردّه إلى مالكه ، ومن البيّن انّ الأمر بالنزع أمر بالإبطال ، فكيف يجتمع مع الأمر بضدّه وهو الصلاة المشروطة باللبس ، فإنّه لا يصححه حتى الترتب ، إذ لا معنى للأمر بالإبطال وبعدمه على نحو الترتب كما لا يخفى ، وهذا الوجه يختص بالساتر.
وفيه أوّلاً : أنّ الأمر بالنزع أمر بإيجاد ذات المبطل لا بنفس الإبطال وبينهما فرق واضح ، فلا مانع من الأمر بالصلاة مترتباً على عدم الإتيان بالمبطل.
وثانياً : مع التسليم فالمأمور به هو الإبطال الخاص لا مطلق الإبطال كي لا يمكن الأمر بضده على سبيل الترتب ، فيقال له : أبطل صلاتك بنزع ثوبك وإلا فأتمها.
سابعها : أنّ النهي عن الغصب وإن لم يكن بنفسه موجباً لفساد العبادة نظراً إلى أنّ الشرط بعد أن لم يكن بنفسه عبادة ، وإنّما العبادي تقيّد الصلاة به ، حيث إنّه جزء منها لا ذات القيد لخروجه عنها ، فلا جرم كان الأمر به توصلياً مقدمة لحصول التقيّد المزبور ، فلا مانع من اتصافه بالحرمة ، من غير فرق في ذلك بين الشرائط المتقدمة والمقارنة. إلا أنّه في خصوص الشرط المقارن يفهم العرف من ضم دليل النهي إلى [ دليل ] الشرط اختصاصه بغير الفرد المنهي عنه ، فاذا ورد الأمر بالصلاة المشروطة باللباس وورد النهي عن التصرف في لباس خاص كان المتفاهم العرفي بعد ضم أحد الدليلين إلى الآخر تقيّد إطلاق الأمر بغير مورد النهي. ونتيجة ذلك اختصاص المأمور به باللباس المباح ، فالمقرون بغيره لم يكن مصداقاً للمأمور به.
من غير فرق بين الساتر وغيره وكذا في محمولة (1).
وفيه : أنّ هذا إنّما يتجه فيما إذا كان الشرط هو اللباس في نفسه ، وليس كذلك ، بل الشرط حسبما يستفاد من النصوص هو التستر الحاصل من اللباس كي لا يكون عارياً ، فيكون اللبس مقدّمة لتحصيل ما هو الشرط ، فلم يكن النهي متعلقاً ببعض ما اعتبر شرطاً كي يكون ضمه إلى دليل الأمر موجباً لتقييد الإطلاق حسبما أُفيد.
على أنّ هذا الوجه لو تمّ لاختص بالساتر ، ولا يشمل مطلق الملبوس.
والمتحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ الوجوه المستدل بها للإباحة كلّها مخدوشة وغير ناهضة للركون إليها ، ومقتضى الصناعة عدم اعتبارها في اللباس ، من غير فرق بين الساتر وغيره ، والملبوس والمحمول والمتحرك بحركة المصلّي وغير المتحرّك ، وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه ، لمكان الإجماعات المتكررة دعواها في كلمات الأصحاب ولا سيما في الساتر ، حيث إن جمّا غفيراً منهم خصوا الاعتبار به ، وقد عرفت اختصاص بعض الوجوه المتقدمة (1)به ، بل يظهر منهم التسالم عليه ، حيث لم يعلم مخالف صريح من قدماء الأصحاب عدا ما نسبه الكليني إلى الفضل بن شاذان (2). وهذا هو الذي يمنعنا عن الجزم بالصحة في الساتر. ومن ثم كان الاحتياط فيه أشدّ وآكد.
فالنتيجة : هو التفصيل بين الساتر فالأحوط وجوباً (3)إباحته ، وبين غيره من الملبوس والمحمول فالأقوى عدم الاعتبار وإن كان رعاية الاحتياط أولى.
(1) لاشتراك مناط البحث في الجميع ، وقد عرفت أنّ الأظهر عدم الاعتبار فيما عدا الساتر بالفعل فلاحظ.
فلو صلّى في المغصوب ولو كان خيطاً منه (1) عالماً بالحرمة عامداً بطلت وإن كان جاهلاً بكونه مفسداً (2) ، بل الأحوط البطلان مع الجهل بالحرمة أيضاً وإن كان الحكم بالصحة لا يخلو عن قوة (1)(3). وأمّا مع النسيان أو الجهل بالغصبية فصحيحة (4).
(1) لإطلاق دليل حرمة التصرف في الغصب.
(2) بعد البناء على اعتبار الإباحة إمّا مطلقاً أو في خصوص اللباس أو في خصوص الساتر على سبيل الفتوى أو الاحتياط الوجوبي تأتي التفريعات المذكورة في المتن ، التي منها الحكم بالبطلان في صورة العلم والعمد وإن كان جاهلاً بالمفسدية ، إذ المناط في البطلان هو المبغوضية الناشئة من العلم بموضوع الغصب وبحرمته الثابتة على تقديري العلم بالمفسدية والجهل بها ، ضرورة عدم ارتفاعها بالجهل المزبور ، ولأجله لا يكون البطلان منوطاً بالعلم بالفساد.
(3) ولكن الأظهر هو الجري على ما تقتضيه القاعدة من التفصيل بين القاصر والمقصّر ، فيلحق الثاني بالعالم ، لاشتراكه معه في صدور الفعل عنه على صفة المبغوضية المقتضية لاستحقاق العقوبة والمسقطة له عن صلاحية المقربية والمانعة عن صيرورته مصداقاً للواجب. ومن البيّن أنّ حديث لا تعاد على القول بشموله للجاهل كما هو الصواب خاص بالقاصر ، ولا يكاد يشمل المقصّر حسبما هو موضّح في محلّه (2).
وهذا بخلاف الأوّل ، إذ بعد كونه معذوراً في جهله لا يجري فيه شيء مما ذكر ، وقد عرفت أنّه مشمول للحديث.
(4) أمّا الجاهل بموضوع الغصب سواء تسبب عن الجهل بحكم آخر كما لو اعتقد أنّ الكتاب من الحبوة ، أو أنّ العقد الكذائي مملّك فاشترى به ثوباً وصلّى فيه ، أو عن شبهة موضوعية ، فلا ينبغي الشك في الصحة ، لعدم صدور الفعل
منه على صفة المبغوضية بوجه لتمنع عن انطباق الواجب عليه ، وهذا ظاهر.
وأمّا الناسي فقد تقدّم في كتاب الطهارة عند التكلم حول اعتبار الإباحة في ماء الوضوء (1)والغسل (2)أنّ المتجه هو التفصيل بين الغاصب وغيره ، فيبطل في الأوّل نظراً إلى أنّه في حال النسيان وإن لم يكن مكلفاً بشيء ، لامتناع توجيه الخطاب إليه ، إلا أنّه لما كان منتهياً إلى سوء اختياره وكان التكليف متنجزاً في حقه قبل نسيانه كان ذلك مصححاً لاستحقاق العقوبة ، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وإن نافاه خطاباً ، فحيث إنّه كان مسبّباً عن تقصيره وسوء تصرّفه فلا جرم لم يكن معذوراً في عمله ، بل كان صادراً منه على صفة المبغوضية ، ومثله لا يكون مقرباً ، فلا يقع مصداقاً للواجب.
وهذا بخلاف غير الغاصب ، فانّ مقتضى حديث الرفع الذي هو رفع واقعي في غير « ما لا يعلمون » تخصيص حرمة الغصب بغير الناسي فلا حرمة فيه ، كما لا مبغوضية حتى واقعاً لتكون مانعاً عن صلاحية التقرب وصيرورته مصداقاً للواجب ، فلا مانع من صحته.
ومنه تعرف أنّه لا مجال للتمسّك بالحديث في القسم الأوّل أعني الناسي الغاصب إذ هو بمناط المنّة على نوع الأُمة ، ولا امتنان على النوع في الرفع عن الغاصب كما هو ظاهر.
وبالجملة : فالتفصيل المزبور متّجه في ذاك المورد ونحوه مما يكون يتحد فيه الغصب مع العبادة وينطبق أحدهما على الآخر ، ولا يكاد ينسحب إلى المقام بعد ما عرفت من عدم الاتحاد ، وتغاير متعلّق النهي مع ما تعلّق به الأمر.
نعم ، ينسحب على مبنى من يرى اعتبار الإباحة في اللباس استناداً إلى اتحاد الحركات الصلاتية مع الحركات الغصبية كما هو أحد الوجوه في المسألة (3)
والظاهر عدم الفرق بين كون المصلي الناسي هو الغاصب أو غيره (1) لكن الأحوط الإعادة بالنسبة إلى الغاصب ، خصوصاً إذا كان بحيث لا يبالي على فرض تذكره أيضاً.
حسبما تقدم. وقد عرفت ما فيه.
وعليه فالناسي للغصب إن لم يكن هو الغاصب فلم يصدر منه أيّ محرم حتى واقعاً بمقتضى حديث الرفع ، فلا خلل في صلاته بوجه ، وإن كان هو الغاصب فالفعل وإن صدر منه مبغوضاً ومستحقاً للعقاب إلا أنّ غاية ما في الباب الإخلال بالشرط أعني الستر فكأنّه صلّى عارياً ناسياً ، إذ لا يزيد عليه بشيء ، ومثله محكوم بالصحة بمقتضى حديث لا تعاد. فالأقوى وفاقاً للمتن هو الحكم بالصحة في كلتا الصورتين (1)
وبعبارة اخرى : الحديث ناظر إلى نسيان يكون المصلّي معذوراً فيه فلا يشمل المقام ، ومعه لا مناص من البطلان.
أقول : هكذا أفاده ( دام ظله ) في وجه العدول ، ولقائل أن يقول : إما أنّ المبغوضية مانعة أو أنّ المقربية شرط زائداً على الستر ، ومهما كان الأمر فهذه اعتبارات ملحوظة في الصلاة يكون الإخلال بها كغيرها مما عدا الخمسة مشمولاً لإطلاق الحديث المتكفّل للتصحيح من كل خلل ما عداها ، وأمّا تقييد النسيان بما كان عن عذر فيدفعه إطلاق الحديث أيضاً. وقياسه بالجاهل المقصر مع الفارق ، إذ الحديث غير قاصر الشمول له في حدّ نفسه ، وإنّما خرج عنه لقرينة خارجية مفقودة في المقام ، وهي لزوم حمل الإعادة في جواب أسئلة الرواة على الفرد النادر وهو العالم العامد حسبما أفاده ( دام ظله ) غير مرّة.
بمناطين حسبما عرفت.(1) كما عرفت الحال في ذلك.
1) هكذا أفاده ( دام ظله ) في بحثه الشريف ، ولكنّه عدل عنه في الطبعة الأخيرة من تعليقته الأنيقة وحكم بالبطلان في الصورة الثانية [ لاحظ التعليقة فإنها موافقة لما ذكره هنا ] نظراً إلى أنّ الإخلال لو كان من ناحية الشرط فقط لتمّ ما أُفيد ، إلا أنّ هناك جهة أُخرى للفساد وهي الصدور على صفة المبغوضية الموجبة للالتحاق بالعالم العامد كالتحاق الجاهل المقصّر به. ومن البيّن أنّ الحديث لا يتكفّل لرفع هذه النقيصة ، إذ لا يوجب قلب المبغوض إلى المحبوب ، ولا جعل الحرام الواقعي مصداقاً للواجب كما لا يخفى.
[1269] مسألة 1 : لا فرق في الغصب بين أن يكون من جهة كون عينه للغير أو كون منفعته له ، بل وكذا لو تعلق به حق الغير بأن يكون مرهوناً (1).
[1270] مسألة 2 : إذا صبغ ثوب بصبغ مغصوب فالظاهر أنّه لا يجري عليه حكم المغصوب (2) لأنّ الصبغ يعدّ تالفاً ، فلا يكون اللون لمالكه ، لكن لا يخلو عن إشكال أيضاً ، نعم لو كان الصبغ أيضاً مباحاً لكن أجبر شخصاً على عمله ولم يعط أُجرته لا إشكال فيه ، بل وكذا لو أجبر على خياطة ثوب أو استأجر ولم يعط أُجرته إذا كان الخيط له أيضاً ، وأمّا إذا كان للغير فمشكل ، ، وإن كان يمكن أن يقال إنّه يعد تالفاً (1)فيستحق مالكه قيمته ، خصوصاً إذا لم يمكن ردّه بفتقه ، لكن الأحوط ترك الصلاة فيه قبل إرضاء مالك الخيط ، خصوصاً إذا أمكن ردّه بالفتق صحيحاً ، بل لا يترك في هذه الصورة.
(1) إذ لا خصوصية للغصب في مناط البحث ، وإنّما العبرة بوقوع الصلاة في لباس يحرم التصرّف فيه وإن كانت عينه مملوكة له ، كما لو كانت مستأجرة فكانت منفعته للغير ، أو مرهونة فكانت متعلّقاً لحق الغير ولم يأذنا له ، أو منذورة فكانت متعلقاً لحقه سبحانه كما لو نذر أن لا يتصرف في لباسه الخاص لغرض شرعي راجح ، أو نذر التصدق به في سبيله بنحو نذر الفعل لو تحقق الأمر الكذائي وقد حصل ، أو كان اللباس مما يحرم التصرّف فيه في نفسه كلبس الرجل ما يختص بالمرأة أو بالعكس ، فانّ ملاك البحث مشترك بين الجميع والكلّ داخل فيه بمناط واحد.
(2) بعد أن حكم في المسألة السابقة بشمول الحكم للتصرف في متعلق حق الغير ، تعرض في هذه المسألة لبيان صغريات هذه الكبرى. وتفصيل الكلام : أنّ فروض المسألة ثلاثة :
أحدها : ما إذا لم يكن الغير مستحقاً لشيء من عين اللباس وإنّما يستحق
1) (*) فيه منع إلا أن الحكم بالبطلان معه مبني على الاحتياط المتقدم.
شيئاً في ذمة صاحبه لأجل عمل أوقعه فيه بأمره ، كما لو أجبر على صبغ ثوبه بصبغ مملوك له أو مأذون من قبل مالكه ، أو على خياطة ثوبه بخيط نفسه ، أو استأجره على ذلك من غير دفع الأُجرة إليه ، ولا شبهة في جواز الصلاة في مثل هذا اللباس ، لسلامته عن أي حق متعلّق به بعد وضوح عدم السراية مما اشتغلت به الذمة من اجرة المثل أو المسمّى إليه ، وهذا ظاهر.
ثانيها : ما إذا كان مستحقاً لشيء فيه كما لو أجبر أو استأجر أحداً لخياطة ثوبه ولم يعط أُجرته مع كون الخيط للعامل. وقد فصّل الماتن قدسسره بين البناء على عدّ الخيط تالفاً ، ولا سيما مع عدم إمكان فتقه وامتناع ردّه بحيث ينتقل الضمان إلى البدل فتجوز الصلاة فيه ، وبين البناء على بقاء عينه ولا سيما مع إمكان فتقه فيجب ردّه ولا تجوز الصلاة.
ولكن الظاهر عدم الجواز على كلا التقديرين.
أمّا الثاني : فواضح ، لما تقدّم من عدم جواز الصلاة في اللباس المغصوب ولو بخيط واحد.
وأمّا الأوّل : فلأجل أنّ الخيط وإن عدّ تالفاً إلا أنّ التالف هو ماليته لا ملكيته ، فانّ عين الخيط المملوك للغير موجود في الثوب بالوجدان ، ومن ثمّ تزيد به ماليّته ، ولا يجوز التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
بل الأمر كذلك حتى لو زالت الملكية بزوال المالية ، بداهة ثبوت حق الاختصاص والأولوية كثبوته في الكوز المكسور وميتة الحيوان المملوك ، ومن ثم لا تجوز مزاحمة المالك في ذلك. وقد تقدّم شمول مناط البحث للتصرف في متعلّق حق الغير.
فما ذكره في المتن من إمكان القول بالصحة فيما إذا عدّ تالفاً غير واضح حتى لو عمّمنا التلف لسقوط المالية والملكية معاً.
كما أنّ ما صنعه قدسسره من عطف الاستئجار من دون دفع الأُجرة
على الإجبار وجعلهما من باب واحد غير واضح أيضاً ، لما هو المقرر في محلّه (1)من أنّ صحة عقد الإجارة لا يتوقف على دفع الأُجرة خارجاً ، بل المالك يملك العمل بمجرد العقد ، غاية الأمر أنّ للأجير حق الفسخ لو لم يتسلم الأجر ، فما لم يفسخ كان اللباس بتمامه لمالكه فتجوز الصلاة فيه بطبيعة الحال.
وبالجملة : الاستئجار قبل تصدّي الأجير للفسخ يختلف عن الإجبار فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر.
ثالثها : ما إذا صبغ الثوب بصبغ مغصوب ، وقد حكم في المتن بجواز الصلاة فيه ، نظراً إلى أنّ الصبغ يعد تالفاً عرفاً ويضمن الغاصب بدله ، فلا يكون اللون لمالكه ليشتمل الثوب على جزء مغصوب يمنع عن الصلاة فيه ، ثم عقّبه بقوله : لكن لا يخلو عن إشكال.
أقول : وهو في محلّه ، بل لا ينبغي التأمل في عدم مساعدة الارتكاز العقلائي على التلف في أمثال هذه الموارد.
نعم ، قد تكون العين باقية بصورة أُخرى بحسب النظر العقلي فقط ، ولا يكاد يساعده الفهم العرفي بوجه ، كما في تسخين الماء المباح بالحطب أو النفط المغصوبين أو بقوة كهربائية مختلسة ، فانّ الحرارة وإن كانت مسبّبة عن أجزاء منتشرة في الماء منقلبة عن تلك المواد بحسب التدقيق العقلي إلا أنّه بالنظر العرفي تعدّ تلك المواد تالفة فانية وأنّ الحرارة الموجودة في الماء لم تكن إلا عرضاً مبايناً مع الجوهر المغصوب.
وأمّا في أمثال المقام فقد استقر الارتكاز العقلائي على بقاء عين المال حتى بالنظر العرفي فضلاً عن الدقّي ، غاية الأمر أنّ الأجزاء قد تفرّقت وتشتّت بعد ما كانت مجتمعة.
وبعبارة اخرى : تغيّر الصبغ من شكل إلى آخر ، وتحوّل من كيفية إلى أُخرى لا أنّه انعدم وانصرم بالمرّة.
1) العروة الوثقى 2 : 383 فصل : في أحكام العوضين بعد المسألة [3282] ، المسألة [3297].
ويشهد لهذا الارتكاز ملاحظة نظائر المقام وأشباهه ، فلو غصب مقداراً من الشاي فصبّ عليه الماء المغلي المباح حتى اكتسب اللون وبقي الثافل ، أو مقداراً من التمر فألقى عليه الماء وبقي مدة حتى اكتسب حلاوة وصار نقيعاً ، أفهل يمكن القول بجواز شرب الشاي أو النقيع بدعوى أنّ المغصوب تالف والموجود لون أو حلاوة لا يستند إلى المالك فيحل للغاصب ولا يضمن إلا قيمة المغصوب.
وأوضح من ذلك ما لو غصب الدهن وألقاه على الأرز بحيث لا يمكن ردّه أفهل ترى جواز أكله بزعم أنّ الدسومة عرض تالف مع وضوح بقاء عين المغصوب غايته بشكل آخر.
وأوضح من الكلّ ما لو غصب كميّة من السكر وأذابها في الماء أفهل يسمح في شربه استناداً إلى الدعوى المزبورة ، كل ذلك لا يكون إتلافاً ، ولا يكون الاستعمال سائغاً في شيء من هذه الموارد ، والسرّ ما عرفت من بقاء عين المغصوب وإن تغير شكله وتبدّلت هيئته. فدعوى التلف والسقوط ساقطة البتة.
وعليه فلا ينبغي التأمل في عدم جواز الصلاة في الثوب المصبوغ في محل الكلام ، كما لا يجوز في الثوب المخيط بالخيط المغصوب حسبما عرفت ، هذا.
ولكنه ( دام ظله ) جدّد النظر أخيراً حول ما أفاده في المقام وبنى على افتراق الأمثلة المذكورة عن الصبغ الذي هو محلّ الكلام ، نظراً إلى اشتمالها على عين المغصوب ولو بصورة اخرى ومن شكل إلى آخر ، وأمّا الصبغ فإنّما يكون من هذا القبيل لو كان المصبوغ حاملاً لعين الصبغ كما في صبغ اللوح أو الحديد وأمّا الثوب فلا يحمل أي جزء منه ، وإنّما يبقى فيه اللون الخالص الذي هو صفة محضة. ومن المقرر في محلّه (1)أنّ الأوصاف لا تقابل بشيء من المال وإن أوجبت الازدياد في قيمة العين ، فلا يقاس الصبغ المبحوث عنه بتلك الأمثلة ، بل يعدّ تالفاً بنظر العرف بعد افتراض زوال العين ، فلا مانع من الصلاة فيه. وبذلك
1) مصباح الفقاهة 7 : 269.
[1271] مسألة 3 : إذا غسل الثوب الوسخ أو النجس بماء مغصوب فلا إشكال في جواز الصلاة فيه بعد الجفاف (1) ، غاية الأمر أنّ ذمّته تشتغل بعوض الماء ، وأما مع رطوبته فالظاهر أنّه كذلك أيضاً ، وإن كان الأولى تركها حتى يجف.
[1272] مسألة 4 : إذا أذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة فيه مع بقاء الغصبية صحّت (2).
يفترق الثوب المصبوغ عن المخيط بالخيط المغصوب ، لبقاء العين في الثاني دون الأول ، فلا يكونان من باب واحد كما أُشير إلى هذا التفصيل في تعليقته الشريفة.
(1) إذ لا مقتضي للمنع بعد عدم وجود عين المغصوب فيه ، كما لا إشكال في عدم الجواز مع وجود عين الماء بحيث يمكن ردّه إلى مالكه ولو بعد العصر لصدق الصلاة في المغصوب.
وأمّا مع وجود مجرد الرطوبة فالظاهر عدم الجواز أيضاً. فإنّ مال الغير وإن عدّ تالفاً كما في الصورة الأُولى إلا أنّ له حق الاختصاص بالإضافة إلى الرطوبة الموجودة. وقد عرفت (1)عموم مناط المنع للتصرف في متعلق حق الغير ، نعم لو دفع البدل سقط حقّه وساغ التصرف فيه ، للمعاوضة القهرية الواقعة بين العين التالفة وبين البدل المبذول ، الموجبة لزوال الحق بطبيعة الحال.
(2) قد يتعلّق الإذن بشخص خاص ، وقد يصدر على سبيل الإطلاق.
أمّا الأوّل : فلا إشكال في الصحة فيما إذا كان المأذون غير الغاصب ، لانتفاء المانع بالمرّة ، وهذا واضح.
وأمّا إذا كان هو الغاصب فيقع الكلام تارة من ناحية الموضوع وأُخرى من ناحية الحكم.
1) في ص 137.
أمّا الموضوع فربما يناقش في إمكان الجمع بين الغصب والإذن ، لما يتراءى بينهما من التضاد.
ويندفع : بانتزاع الغصب من الاستيلاء على مال الغير من دون إذنه ورضاه ، سواء تصرّف فيه خارجاً أم لا ، فلو تصرّف فقد ارتكب محرّماً آخر. وعليه فربما لا يرضى المالك بالغصب ولا يزال يطالب بالردّ إلا أنّ حنانه على الغاصب يمنعه عن الرضا ببطلان صلاته ويدعوه إلى الإذن في هذا التصرف الخاص ، في حين كونه ساخطاً على أصل الاستيلاء ، ولا تنافي بين الأمرين بوجه.
وأمّا الحكم فقد يتوهم المنع ، نظراً إلى أنّه بعد ما كان مأموراً بالردّ في كلّ آن بمقتضى افتراض الغصب فهذا الأمر يستدعي النهي عن ضده وهو الصلاة ، ولا يرفعه إذن المالك ، لعدم مقاومته مع نهي الشارع ، وبذلك يفترق الغاصب عن غيره. وإليه يشير الماتن بقوله : خصوصاً ... إلخ.
وفيه : مضافاً إلى منع المبنى ، لعدم اقتضاء [ الأمر ] النهي عن الضد الخاص أنّ النهي بعد تسليمه غيري ، ومثله لا يقتضي الفساد حتى في العبادات كما هو موضح في محلّه (1).
وعليه فالأصح ما ذكره في المتن من عدم الفرق بين الغاصب وغيره من هذه الجهة.
وأما الثاني : أعني ما لو أطلق الإذن ، فإن أُحرز الظهور في العموم بحيث يتناول الغاصب أو أُحرز عدمه فلا إشكال ، ويختلف ذلك باختلاف المقامات والمناسبات كما لا يخفى. وإن لم يحرز فان تمّ الانصراف إلى غير الغاصب فهو وإلا كان المرجع أصالة عدم الرضا ، المقطوع به حال الغصب ، وبذلك يحرز عدم تناول الإذن للغاصب.
1) محاضرات في أُصول الفقه 3 : 87.
خصوصاً بالنسبة إلى غير الغاصب (1) وإن أطلق الإذن ففي جوازه بالنسبة إلى الغاصب إشكال ، لانصراف الإذن إلى غيره (2) نعم مع الظهور في العموم لا إشكال.
[1273] مسألة 5 : المحمول المغصوب إذا تحرك بحركات الصلاة يوجب البطلان (1)وإن كان شيئاً يسيراً (3).
[1274] مسألة 6 : إذا اضطر إلى لبس المغصوب لحفظ نفسه أو لحفظ المغصوب (2)من التلف صحت صلاته فيه (4).
(1) قد عرفت وجه الخصوصية.
(2) بل حتى مع عدم الانصراف حسبما عرفت.
(3) قد عرفت عدم البطلان في غير الساتر من الملبوس فضلاً عن المحمول تحرّك أم لم يتحرّك فراجع (3)ولا نعيد.
(4) بلا إشكال فيما إذا كان المضطر غير الغاصب ، لسقوط الحرمة وجواز اللبس حال الاضطرار حتى واقعاً ، بل قد يكون واجباً أحياناً كما لا يخفى.
وأمّا لو كان هو الغاصب فلا ينبغي الإشكال أيضاً فيما لو نشأ الاضطرار عن جهة أُخرى غير الغصب ، كما لو تسبّب عن مرض أو برد لا يتحمل ونحو ذلك مما لا يستند إلى الغصب ، إذ ما من شيء حرّمه اللّه الا وقد أحلّه عند الضرورة ، فلم يصدر منه إلا فعل سائغ حتى في صقع الواقع.
وأمّا لو استند إلى الغصب كما لو توقف حفظ المغصوب على لبسه فهذا اللبس وإن كان جائزاً عقلاً من باب أخفّ القبيحين وأقل المحذورين نظير
[1275] مسألة 7 : إذا جهل أو نسي الغصبية وعلم أو تذكر في أثناء الصلاة فإن أمكن نزعه (1)فوراً وكان له ساتر غيره صحت الصلاة (1) وإلا ففي سعة الوقت ولو بإدراك ركعة يقطع الصلاة (2) وإلا فيشتغل (3) بها في حال النزع.
الخروج عن الدار الغصبية إلا أنّه لما كان مستنداً إلى سوء الاختيار ، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فلا جرم يصدر منه على صفة المبغوضية المانعة عن الصلوح للمقربية. ومن ثمّ يشكل الصلاة فيما إذا كان ساتراً بالفعل على ما تقدّم (2).
(1) لعدم قدح الغصبية السابقة لمكان النسيان ، ولا اللاحقة لمكان النزع إلا بناءً على اعتبار الإباحة حتى في الآنات المتخلّلة ، فإنّه قد يشكل لعدم رعايتها في آن النزع ، نظير ما تقدّم (3)في الأمة المعتقة أثناء الصلاة. وعلى أيّ حال فاعتبار النزع في الصحة في غير الساتر بالفعل مبني على الاحتياط الاستحبابي كما تقدّم (3).
(2) لعدم التمكن من إتمامها صحيحة حسب الفرض. إما لاستلزام النزع والتبديل الفعل الكثير ، أو لعدم وجود ساتر مباح.
(3) بحيث وقعت المزاحمة بين رعاية الوقت ورعاية الشرط فإنّه يقدم الأول ، لأنّ الصلاة لا تسقط بحال ، فيستمر في صلاته في حال النزع وإن وقع جزء منها في المغصوب.
نعم ، لو كان المغصوب هو الساتر وكان مأموناً من الناظر نزعه وأتمّ صلاته عارياً ، فانّ ضيق الوقت لا يسوّغ الصلاة في المغصوب مع التمكن منها عارياً كما لا يخفى.
[1276] مسألة 8 : إذا استقرض ثوباً وكان من نيته عدم أداء عوضه أو كان من نيته الأداء من الحرام فعن بعض العلماء أنّه يكون من المغصوب ، بل عن بعضهم أنّه لو لم ينو الأداء أصلاً لا من الحلال ولا من الحرام أيضاً كذلك (1).
(1) يقع الكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة واخرى بالنظر إلى النصوص الخاصة الواردة في المقام.
أمّا الأوّل : فلا ينبغي التأمّل في أنّ مقتضاها عدم جريان حكم الغصب لصحة العقود المذكورة في المتن من القرض والإجارة والبيع ونحوها ، لأنّ العبرة في صحّة العقود المعاوضة باعتبار المبادلة وإنشاء العقد القائم بالطرفين من دون إناطة بالوفاء الخارجي فضلاً عن نية الأداء من الحلال أو الحرام. فمناط الصحة مجرد الاعتبار النفساني المبرز الصادر منهما ، ولم تكن النية المزبورة من مقوّمات العقد ، غاية الأمر أنّه لو تخلف عن الأداء ولم يتعقب العقد بالوفاء كان للطرف الآخر خيار الفسخ ، وهو أمر آخر ، فما لم يفسخ كان العقد صحيحاً والمعاملة نافذة ، ومعه لا مجال لاحتمال الغصبية.
ومنه تعرف فساد دعوى المنافاة يبن القصد إلى المعاوضة وبين نية عدم الأداء أو الأداء من الحرام ، فإنّها إنّما تتجه لو كان المنشأ هو المعاوضة الخارجية ، وليس كذلك ، وإنّما هي في وعاء الاعتبار ، فيعتبر كلّ من البائع والمشتري ملكية الآخر للثمن أو المثمن ، والآثار تترتب على هذا الاعتبار ولا مانع من أن يكون في عين الحال بانياً على الامتناع وعدم الأداء خارجاً.
ويشهد لذلك عدم ذكر الفقهاء نية الأداء من شرائط العقد ، وهذا مما يكشف بوضوح عن عدم الدخل في صحة العقد بوجه.
وأمّا الثاني : فقد وردت في المقام روايتان :
إحداهما : مرسلة ابن فضال عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « من استدان
ديناً فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق » (1).
وفيه أوّلاً : أنّ السند ضعيف بالإرسال ، وبصالح بن أبي حماد فإنّه لم يوثق بل ربما يستشعر ضعفه من النجاشي حيث قال : إنّ حديثه يعرف وينكر (2)بل قد ضعّفه ابن الغضائري صريحاً (3). نعم روى الكشي عن علي بن محمد أنّه قال فيه : إنّه خيّر أو مؤمن (4)ولكن الراوي لم يوثق. والعمدة أنّ الرجل لم يثبت توثيقه ، وهو كافٍ في الضعف.
وثانياً : أنّ موردها القرض ، ويمكن القول بأنّ فيه خصوصية وهي أنّه تمليك بالضمان لا مبادلة مال بمال ، ولعلّ ذلك يتنافى مع قصد عدم الأداء ، فكيف يمكن التعدّي إلى البيع ونحوه من المبادلات مع وضوح لزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على مورد قيام النص.
ثانيتهما : ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « أيّما رجل أتى رجلاً فاستقرض مالاً وفي نيّته أن لا يؤديه فذلك اللصّ العادي » (5).
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند ، لضعف طريق الصدوق إلى أبي خديجة سالم ابن مكرم الجمال ، ولا أقل من أجل اشتماله على محمد بن علي الكوفي (6)ولم يوثق ، أنّ الدلالة قاصرة ، فإنّها وإن كانت واضحة في موردها إلا أنّها أخص من المدعى من وجهين :
أحدهما : الاختصاص بالقرض ، فلا تشمل غيره كما عرفت.
ولا يبعد ما ذكراه (1)(1) ، ولا يختص بالقرض ، ولا بالثوب ، بل لو اشترى أو استأجر أو نحو ذلك وكان من نيته عدم أداء العوض أيضاً كذلك.
[1277] مسألة 9 : إذا اشترى ثوباً بعين مال تعلق به الخمس أو الزكاة مع عدم أدائهما من مال آخر ، حكمه حكم المغصوب (2).
ثانيهما : أنّ موردها نية عدم الأداء ، فلا تشمل عدم نية الأداء الذي هو المورد الثاني مما ذكره في المتن.
فتحصّل : أنّ ما ذكره بعض العلماء لا يمكن المساعدة عليه في شيء من الموردين لا بمقتضى القاعدة ، ولا بموجب النصوص الخاصة ، بل الأقوى صحة المعاملة بعد تحقق القصد إليها حقيقة ، ومعه لا موضوع للغصب.
(1) بل هو بعيد كما عرفت.
(2) سيأتي في محلّه (2)إن شاء اللّه تعالى أنّ مستحق الزكاة شريك مع المالك في ماليّة العين الزكوية ، وحينئذ فان اشترى بما فيه الزكاة شيئاً فالمعاملة بالإضافة إلى حصّة الزكاة فضولية تتوقّف صحتها على الإجازة.
نعم ، بما أنّ الزكاة يجوز دفعها من مال آخر ، ولا يلزم أن يكون من نفس العين ، فبعد الدفع يملك تلك الحصة ، ويكون المقام من صغريات من باع شيئاً ثم ملكه المحكوم بالصحة ، من غير حاجة إلى الإجازة. وعليه فقبل الدفع يجري عليه حكم المغصوب ، فلو كان ثوباً لا تجوز الصلاة فيه.
ومنه تعرف أنّ ما في المتن من التقييد بعدم الأداء يراد به بعد الشراء ، إذ لا مجال للتقييد قبله ، لوضوح خروج العين بعد الأداء عن موضوع الشراء ، بما فيه الحق ، فيخرج عن مفروض المسألة.
وكيف ما كان ، فالحكم في الزكاة مطابق لمقتضى القاعدة ، مضافاً إلى النصّ
الثالث : أن لا يكون من أجزاء الميتة (1) ،
الخاص المتضمن لجواز التصرف بعد الدفع من مال آخر كما سيأتي في محلّه. هذا في الزكاة.
وأمّا في الخمس فان بنينا على ما هو المشهور من إلحاقه بالزكاة فيجري فيه ما عرفت ، وإن أنكرنا ذلك فمقتضى نصوص التحليل بناءً على المختار من شمولها للمقام كما سيأتي (1)صحة المعاملة وانتقال الحق ممّا فيه الخمس إلى بدله ، ومقتضاها كون الثوب بنفسه مشتركاً بين المالك وبين السادة فلا يجوز التصرف فيه بغير إذن الشريك.
وبالجملة : لا تجوز الصلاة في الثوب إما لأنّ المعاملة فضولية ، أو لأنّه بنفسه متعلق لحقّ الخمس ، ولا يجوز التصرّف فيه قبل أدائه.
(1) لا إشكال كما لا خلاف في عدم جواز الصلاة في أي جزء من أجزاء الميتة ، سواء أكان هو الجلد أم غيره مما تحله الحياة ، من غير فرق بين كون الحيوان محلل اللحم أم محرّمه ، وقد ادعي عليه الإجماع في غير واحد من الكلمات حتى ممّن قال بطهارة الجلد بالدبغ ، فانّ الميتة بعنوانها تبطل الصلاة فيها لا لمكان نجاستها فحسب كي يقتصر على موردها.
وتشهد به جملة من النصوص دلّت طائفة منها على النهي عن الصلاة في الميتة كصحيحة محمد بن مسلم ، قال : « سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال : لا ، ولو دبغ سبعين مرة » (2).
وطائفة اخرى على الأمر بالصلاة في المذكى كقوله عليهالسلام في موثقة ابن بكير : « ... فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكاه الذبح ... » إلخ (3)هذا.
ومورد صحيحة ابن مسلم وغيرها وإن كان هو خصوص الجلد فيحتاج التعميم لغيره إلى دليل آخر من إجماع أو تنقيح مناط ونحوهما ، إلا أنّه يكفي في التعميم صحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الميتة ، قال : لا تصلّ في شيء منه ولا في شسع » (1).
ولا يضره الإرسال بعد أن كان المرسَل عنه غير واحد ، لما تقدّم عند التكلم حول رواية يونس في مبحث الحيض أنّ هذا التعبير ونحوه كجماعة أو عدّة من أصحابنا يدلّ على أنّ المروي عنه جماعة كثيرون بحيث لا يحتمل عادة عدم وثاقة واحد منهم.
وكيف ما كان ، فالحكم في الجملة مما لا غبار عليه ، وإنّما الإشكال في كيفية الاعتبار وأنّ المجعول الشرعي هل هو اعتبار المانعية للميتة كما هو ظاهر الطائفة الأُولى ، فيتصرّف في الطائفة الثانية ويحمل الأمر بالصلاة في المذكى على العرضي من جهة الملازمة بعد وضوح عدم الواسطة بينه وبين الميتة. أو أنّ المجعول هو اعتبار الشرطية للتذكية كما هو ظاهر الأمر في الطائفة الثانية فيتصرّف في الأُولى ويحمل النهي على العرضي ، لما عرفت من الملازمة. أو أنّ المجعول كلا الاعتبارين كما قيل فالتذكية شرط كما أنّ الميتة مانع ، فيؤخذ بظاهر كلّ من الطائفتين؟ وجوه متصورة في مقام الثبوت.
أما الاحتمال الأخير فساقط جزماً ، بداهة أنّ أحد الاعتبارين يغني عن الآخر بعد انتفاء الواسطة بينهما ، واستلزام وجود أحدهما لعدم الآخر وبالعكس ، سواء كان التقابل بين الميتة والمذكى من تقابل التضاد أو العدم والملكة. فاعتبارهما معاً لغو محض ، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين.
وتظهر الثمرة في صورة الشك في الشبهة الموضوعية وأنّ هذا الجلد مثلاً هل هو من أجزاء الميتة أو المذكى. فعلى الأول يبنى على العدم ، لأصالة عدم المانع
1) الوسائل 4 : 343 / أبواب لباس المصلي ب 1 ح 2.
أو أصالة البراءة عن تقيد الصلاة بعدم وقوعها مع هذا الشيء ، حيث إنّ المانعية انحلالية. وعلى الثاني لا بد من الإحراز ، لقاعدة الاشتغال عند الشك في تحقق الشرط المعتبر في المأمور به. وحينئذ فان استظهرنا من الأدلّة أحد الأمرين فهو وإلا فلا أصل يحرز به شيء منهما.
أمّا بناءً على كون التقابل بين الميتة والمذكى من تقابل التضاد كما لا يبعد ، حيث إن الميتة كما عن المصباح المنير عبارة عن زهاق الروح المستند إلى سبب غير شرعي (1)، في مقابل المذكى الذي هو عبارة عن الزهاق المستند إلى سبب شرعي ، فهما عنوانان وجوديان وضدّان لا ثالث لهما ، فالأمر واضح ، إذ لا سبيل حينئذ لإجراء الأصل لا في نفس الحكم ، لمعارضة أصالة عدم المانعية بأصالة عدم الشرطية بعد العلم الإجمالي بمجعولية أحد الاعتبارين. ولا في الموضوع لأنّ استصحاب عدم الموت إنّما يجدي لو كان المجعول هو المانعية ، وهو أوّل الكلام ، لاحتمال أن يكون المجعول شرطية التذكية ، ومن الواضح عدم ثبوتها باستصحاب عدم الموت إلا بنحو الأصل المثبت. كما أنّ استصحاب عدم التذكية إنّما يجدي لو كان المجعول شرطية التذكية ، وهو أيضاً غير معلوم حسب الفرض ، ولا يثبت به الموت لو كان هو الموضوع للأثر للشك في المانعية كما ذكر.
وأمّا بناءً على أن يكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة فقد يقال إنّ اعتبار المانعية حينئذ يرجع إلى الشرطية ، نظراً إلى أنّ الموت على هذا معناه عدم التذكية ، فالنهي عنه يؤول إلى الأمر بالتذكية ، إذ نتيجة النفي في النفي هو الإثبات. فلا فرق بين الاعتبارين لرجوعهما إلى معنى واحد ، وإنّما الاختلاف في مجرد التعبير ، وعليه فعند الشك يكون مقتضى الأصل عدم التذكية.
ولكنّه يندفع بأنّ العدم المقابل للملكة لم يكن عدماً مطلقاً ، بل هو مضاف وله حظ من الوجود فيعتبر فيه الاتصاف بالعدم كما تعرضنا له في مبحث
1) المصباح المنير : 584.
النجاسات (1)فليس العمى مجرد عدم البصر عمّن من شأنه ذلك ، بل الاتصاف بعدم البصر ، كما أنّ الكفر هو الاتصاف بعدم الإسلام وهكذا.
وعليه فالميتة عبارة عن الاتصاف بعدم التذكية لا مجرد عدمها كي تحرز بالاستصحاب ، ولا ريب أنّ استصحاب عدم التذكية لا يثبت الاتصاف بالعدم كي يحرز معه عنوان الميتة.
نعم ، لو كانت الميتة مركباً من زهاق الروح مع عدم ورود التذكية على المحل كما ذكره شيخنا الأنصاري قدسسره في رسائله (2)أمكن إحرازه بضمّ الوجدان إلى الأصل ، فإنّ الزهاق محرز بالوجدان ، والتذكية مشكوكة تدفع بالأصل فيلتئم الموضوع بضم أحدهما إلى الآخر ، ولكنه غير ثابت كما عرفت.
والتحقيق : أنّ مفهوم الميتة لم يكن شيئاً مما ذكر ، بل هو عبارة عن خصوص ما مات حتف أنفه ، المعبر عنه بالفارسية ب- ( مردار ) الذي تشمئز منه جميع الطباع وتستنفره ، كما تساعده اللغة (3)والاستعمالات القرآنية. وأوضح شاهد له قوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ .. ) إلخ (4)مع أنّ جميع المذكورات ما عدا الدم ولحم الخنزير من أقسام الميتة ، أي من أفراد غير المذكى ، فبقرينة المقابلة يظهر أنّ المراد خصوص الموت حتف الأنف.
وهو وإن تعلّق النهي عن أكله في الآية الشريفة كما تعلّق النهي عن الصلاة فيه في الروايات العديدة كما سمعت إلا أنّ ذلك لا يمنع عن تعلّق الحكمين المزبورين بما هو أوسع من ذلك ، وهو العنوان العام أعني غير المذكى -
ويكون التنصيص على هذا الفرد لمكان الاهتمام أو لكونه من أحد الأقسام والمصاديق البارزة ، ويكون الجمع بينهما في الآية من عطف العام على الخاص.
وحيث تعلّق النهي عن أكل غير المذكى بمقتضى قوله تعالى ( إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ .. ) إلخ (1)وعن الصلاة فيه في موثقة ابن بكير كما عرفت (2)فيعلم من ذلك أنّ الموضوع في الحقيقة هو ذلك العنوان العام من دون خصوصية للميتة لما عرفت من أنّه لا مانع من تعلّق الحكم بعنوان وتعلّقه بعنوان آخر أوسع منه ، فيعلم أن العبرة بالثاني ، وإنّما ذكر الأوّل من باب التطبيق وكونه من أحد المصاديق ، بل قد يقال إنّ الميتة في لسان الأخبار مساوقة لعدم المذكى توسعاً في الإطلاق كما هو كذلك في العرف الحاضر.
وعلى الجملة : مقتضى الجمع بين الآيات الكريمة والروايات الشريفة أنّ الميتة بعنوانها لا اعتداد بها ، وإنّما هي من مصاديق غير المذكى ، وأنّ هذا العنوان هو المناط في ترتّب الحكمين المزبورين ، فلو شك في تعلّق التذكية بجلد ونحوه على الوجه الشرعي كان المرجع أصالة عدم التذكية ، ولا تعارضها أصالة عدم كونه من الميتة ، لما عرفت من عدم كونها بعنوانها موضوعاً للأثر. إذن فلا يجوز أكله كما لا تجوز الصلاة فيه.
نعم ، هي موضوع لخصوص الحكم بالنجاسة ، لعدم ترتّبها في شيء من الأدلّة على عنوان غير المذكى ما عدا رواية الصيقل (3)الضعيفة السند ، وبذلك تمتاز عن الحكمين المزبورين ، لاختلاف موضوعها عن موضوعهما ، فانّ موضوع النجاسة في لسان الأدلّة هو عنوان الميتة ، ويلحق بها بعض ما ثبت بالنصوص الخاصة كأليات الغنم المقطوعة منها حال الحياة وما أخذته الحبالة من الصيد ، فاذا شككنا في جلد أنّه من الميتة حكم بطهارته لأصالة عدمها
سواء كان حيوانه محلّل اللّحم أو محرمة (1)
بعد وضوح عدم ثبوتها بأصالة عدم التذكية ، لعدم حجية الأُصول المثبتة ، وإن حكمنا بعدم جواز الصلاة فيه استناداً إلى الأصل المزبور حسبما عرفت ، إلا إذا قامت أمارة على التذكية من يد المسلم أو سوق المسلمين ونحوهما ، فإنّه يعتمد عليها بأدلّة اعتبارها. وبذلك يرتكب التقييد فيما ورد في ذيل موثقة ابن بكير من تعليق جواز الصلاة على العلم بالتذكية ، كما يرتكب التقييد أيضاً فيما دلّ على إناطة المنع بالعلم بأنّه ميتة كموثّق سماعة : « لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة » (1)الظاهر في جواز الصلاة في المشكوك التذكية ، فيحمل على ما إذا كان مقروناً بأمارة عليها من يد مسلم ونحوها.
وملخص الكلام في المقام : أنّ المستفاد من الأدلّة بعد ضمّ بعضها ببعض أنّ الموضوع لحرمة الأكل ولعدم جواز الصلاة هو عنوان غير المذكى ، فالتذكية شرط في جواز الأكل وفي جواز الصلاة ، لا بدّ من إحرازها في الحكم بهما ، شأن كلّ شرط مع مشروطه ، لا أنّ الميتة مانع.
كما أنّ الموضوع للنجاسة هو عنوان الميتة إمّا حقيقة وهي ما مات حتف أنفه ، أو تنزيلاً كالأجزاء المبانة حال الحياة مثل الأليات المقطوعة من الأغنام ونحوها ، وهي عنوان وجودي يحكم بعدمه لدى الشك فيه ، ولا يثبت بأصالة عدم التذكية.
ونتيجة ذلك أنّه عند عدم قيام أمارة على التذكية كالجلود المستوردة من بلاد الكفر مع احتمال تذكيتها لا تجوز الصلاة فيها ، لأصالة عدم التذكية ، ولكنها محكومة بالطهارة لأصالة عدم كونها من الميتة بعد عدم إحرازها بالأصل المزبور ، لعدم حجية الأُصول المثبتة.
(1) هذا التعميم وإن كان صحيحاً إلا أنّ التصريح به مستدرك لا يناسب
1) الوسائل 3 : 493 / أبواب النجاسات ب 50 ح 12.
بل لا فرق بين أن يكون مما ميتته نجسة أو لا (1) كميتة السمك ونحوه مما ليس له نفس سائلة على الأحوط.
المقام ، فانّ محلّ الكلام مانعية الميتة التي هي جهة عرضية ترتفع بالتذكية في المحل القابل ، أما البطلان فيما لا يؤكل فهو مستند إلى مانع ذاتي لا تؤثر التذكية في ارتفاعه ولا تجوز الصلاة فيه ذكي أم لا ، حياً كان أو ميتاً ، كما صرح بهذا التعميم في موثقة ابن بكير حيث قال عليهالسلام : « ... فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد ، ذكاه الذبح أو لم يذكه » (1). فمورد اشتراط التذكية أو مانعية الميتة خصوص محلل الأكل كما أُشير إليه أيضاً في الموثقة.
(1) كما اختاره شيخنا البهائي في حبل المتين ونقله عن والده (2)استناداً إلى إطلاق النصوص الشامل لما كانت له نفس سائلة فكانت ميتته نجسة ، وما لا نفس له سائلة كالسمك ، خلافاً لجماعة منهم صاحب الجواهر (3)والمحقق الهمداني (4)فأنكروا الإطلاق.
أمّا للانصراف إلى الأول كما في الجواهر خصوصاً مع التصريح في بعضها بدبغ الجلود ولو سبعين مرة (5)الذي هو طعن على ما ترتئيه العامة من حصول الطهارة بالدبغ ، فانّ من الواضح أنّ ميتة غير ذي النفس طاهرة لا تحتاج إلى الدبغ ، ومن ثم تكون خارجة عن منصرف النصوص.
وإمّا لما ذكره المحقق الهمداني قدسسره من أنّ مناسبة الحكم والموضوع تستوجب الاختصاص ، نظراً إلى ما هو المرتكز في الأذهان من نجاسة الميتة واشتراط الصلاة بالطهارة وأنّ مانعيتها إنّما هي من أجل النجاسة. فلا جرم
تختص بذي النفس السائلة ، هذا.
ولكن الأظهر ما اختاره في المتن من التعميم ، فانّ مورد بعض النصوص وإن كان هو خصوص ذي النفس كموثقة ابن بكير (1)لمكان التعبير بالذبح ضرورة عدم الحاجة إليه في تذكية ما لا نفس له ، وكصحيحة محمد بن مسلم (2)لمكان التعبير بالدبغ كما ذكر ، إلا أنّ صحيحة ابن أبي عمير (3)غير قاصرة الشمول لها ، حيث إنّ لها عموماً وإطلاقاً ، فمن حيث أجزاء الميتة عامة ، لمكان النكرة الواقعة في سياق النفي في قوله : « لا تصلّ في شيء منه » ومن حيث ذي النفس وعدمه مطلقة ، فإنّ لفظ الميتة يشمل بإطلاقه كلا القسمين.
ومن البيّن أنّ مقتضى الجمود على ظاهرها أنّ الميتة بذاتها وبوصفها العنواني أُخذت موضوعاً للحكم ومناطاً للأثر ، لا أنّها ملحوظة طريقاً ومعرّفاً إلى ما هو النجس لتختص بذي النفس ، خصوصاً في قوله : « حتى في شسع » ولا سيما بناءً على عدم المانعية لما لا تتم الصلاة فيه حتى إذا كان من الأعيان النجسة إذ النجاسة غير مانعة على هذا في مثل الشسع ، فلا جرم تختص المانعية بحيثية كونه من الميتة بما هي ميتة.
ومنه تعرف أنّه لا مجال لدعوى الانصراف ولا قرينية المناسبة بين الحكم وموضوعه ، لابتنائها على لحاظ الميتة على سبيل الطريقية والمعرّفية ، ولا شاهد عليها ، بل ظاهرها أنّها ملحوظة بحيالها وبعنوانها الذاتي ، وشيء مما ذكر لا يصلح لرفع اليد عن هذا الظهور كما لا يخفى.
نعم ، لا ينبغي الشك في انصرافها إلى حيوان له لحم قابل للأكل بعد ورود التذكية عليه ، فلا تشمل مثل البقّ والبرغوث ونحوهما ، فإنّها خارجة عن محط النظر في هذه الأخبار ، لعدم كونها قابلة للأكل على التقديرين ، فالمقتضي
وكذا لا فرق بين أن يكون مدبوغاً أو لا (1) والمأخوذ من يد المسلم وما عليه أثر استعماله بحكم المذكى ، بل وكذا المطروح في أرضهم وسوقهم وكان عليه أثر الاستعمال ، وإن كان الأحوط اجتنابه (2).
للمانعية قاصر في نفسه بالإضافة إليها من غير حاجة إلى دعوى خروجها بالإجماع أو السيرة كما هو ظاهر.
(1) لما عرفت من ظهور النصوص في كون المانع هو عنوان الميتة بما هي ميتة ، لا بما هي نجسة لترتفع بالدبغ على القول به. وأمّا على القول بعدمه فالأمر أظهر ، مضافاً إلى التصريح بالتعميم في الصحيح المتقدم وأنّه لا ينفع ولو دبغ سبعين مرة.
(2) إذا شك في تحقّق التذكية فالأثر المرغوب إمّا هو الطهارة أو جواز الصلاة.
أمّا الأوّل : فقد عرفت أنّ الموضوع للنجاسة هو الميتة لا عدم المذكى ، لعدم وروده إلا في رواية واحدة ضعيفة (1)وبما أنّ أصالة عدم التذكية لا تثبت الميتة فمقتضى الأصل عدمها فيحكم بالطهارة.
وأمّا الثاني : فقد سبق (2)أنّ الموضوع لجواز الصلاة هو عنوان المذكّى ، فهو مشروط به ، ولا بدّ من إحرازه شأن كلّ شرط مع مشروطه ، فمع الشك كان المتبع أصالة عدم التذكية فيحكم بالبطلان.
خلافاً لصاحب الحدائق حيث حكم بالصحة استناداً إلى أصالة الحلّ (3).
ويندفع : بأنّها أصل حكمي ، وأصالة عدم التذكية أصل موضوعي حاكم عليه ، كحكومة استصحاب النجاسة على أصالة الطهارة.
ولكنّها مشروطة بعدم جريان يد المسلم عليه ، وإلا فهي كأمارة على
التذكية حاكمة على الأصل المذكور ، وقد دلّت عليه جملة من النصوص :
كصحيح الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الخفاف التي تباع في السوق ، فقال : اشتر وصلّ فيها حتى تعلم أنّه ميت بعينه » (1).
وصحيح البزنطي قال : « سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة أيصلّي فيها؟ فقال : نعم ، ليس عليكم المسألة إنّ أبا جعفر عليهالسلام كان يقول : إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم إنّ الدين أوسع من ذلك » (2).
ونحوه صحيحه الآخر (3)ونحوها غيرها. فإنّه لا شبهة في عدم إرادة العموم من السوق في هذه النصوص بحيث يتناول سوق الكفار ، بل المراد خصوص سوق المسلمين ، كما لا ينبغي الشك في عدم خصوصية للسوق ، إذ لا موضوعية لهذا العنوان قطعاً ، فلو كان له (4)وكان في المحلّة أو في الشارع أو اشتراه من بيته عمّه الحكم بالضرورة ، بل لا خصوصية للشراء ، فلو انتقل إليه بهبة ونحوها كفى ، بل حتى بناقل قهري كالإرث. فالعبرة بمقتضى الفهم العرفي بالأخذ من المسلم وجريان يده عليه وكونه تحت استيلائه ، فإنّها أمارة التذكية وسوق المسلمين أمارة على أنّ اليد المأخوذ منها يد مسلم ، فهو أمارة على الأمارة من دون خصوصية فيه ، هذا.
ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين ما كان عليه أثر استعماله وما لم يكن ، بل قد يظهر من موثقة السكوني عدم البأس حتى إذا كان مظنّة استعمال الكافر عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين فقال أمير المؤمنين عليهالسلام : يقوّم ما فيها ثم يؤكل ، لأنّه يفسد وليس له
بقاء ، فاذا جاء طالبها غرموا له الثمن ، قيل له : يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي ، فقال : هم في سعة حتى يعلموا » (1).
قال المحقق الهمداني قدسسره : إنّ وجود السكين في السفرة لعله يشهد بأنّها لغير المسلم ، حيث إنّ المتعارف بينهم قطع الخبز واللحم بالسكين بخلاف المسلمين (2).
وكيف ما كان ، فيظهر من هذه النصوص أنّ يد المسلم أمارة التذكية ، بل قد يظهر من مصحح إسحاق بن عمار كفاية الصنع في أراضي الإسلام وإن لم يؤخذ من يد المسلم ، عن العبد الصالح عليهالسلام أنه قال : « لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام ، قلت : فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس » (3). وقد عرفت آنفاً دلالة الموثقة على حلّية المطروح في أرض الإسلام حتى مع الظن بجريان يد الكافر عليه.
والمتحصل : من مجموع هذه النصوص : أنّ المخرج عن أصالة عدم التذكية أحد أمرين : إمّا الأخذ من يد المسلم ، أو الصنع في أرض الإسلام وإن أُخذ من غيره ، فانّ ذلك أمارة التذكية ، ولا يلزم السؤال والفحص ، بل قد نهي عنه في صحيحة البزنطي المتقدمة ، فيكون الصنع المزبور أمارة على جريان يد المسلم التي هي أمارة التذكية ، كما أنّ السوق أيضاً أمارة على الأمارة حسبما عرفت.
وعليه فالمأخوذ من يد المسلم لا يعتبر فيه الجزم بكونه مصنوعاً في بلاد الإسلام ، كما أنّ المصنوع في بلادهم لا يعتبر فيه الأخذ منه ، فلو أخذه من الكافر كفى ، لأنّه مسبوق بيد المسلم بحكم الغلبة فأحد الأمرين كافٍ في الحكم بالتذكية ، ولا يعتبر شيء آخر وراء ذلك.
نعم ، هناك روايتان يظهر من إحداهما اعتبار استعمال المسلم في مشروط
كما أن الأحوط اجتناب ما في يد المسلم المستحلّ للميتة بالدبغ (1).
الطهارة ، ومن الأُخرى اعتبار ضمانه وتعهّده بالتذكية.
أمّا الأُولى : فهي رواية إسماعيل بن عيسى قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال : عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك ، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه » (1).
وأمّا الثانية : فهي رواية محمد بن الحسين ( الحسن ) الأشعري قال : « كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليهالسلام : ما تقول في الفرو يشترى من السوق؟ فقال : إذا كان مضموناً فلا بأس » (2).
لكن ضعف سند الاولى بسعد وأبيه ، والثانية بسهل والأشعري يمنع عن الاعتماد عليهما. ومع الغض عن السند فيمكن الحمل على الاستحباب جمعاً بينهما وبين ما تقدّم ، الصريح في الكفاية وعدم الحاجة إلى السؤال.
على أنّ الاولى غير واضحة في سوق المسلمين ، بل لعلّ قوله : « إذا رأيتم المشركين يبيعون .. » إلخ قرينة على كون سوق الجبل مشتركاً بينهم ، فتخرج عن محلّ الكلام.
وكيف ما كان ، فما في المتن من تقييد المطروح في الأرض أو السوق بأن يكون عليه أثر الاستعمال لا وجه له.
(1) منشأ الاحتياط ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصلاة في الفراء؟ فقال : كان علي بن الحسين عليهالسلام رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغها بالقرظ ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه ، فاذا حضرت الصلاة ألقاه
ويستثنى من الميتة صوفها وشعرها ووبرها وغير ذلك مما مرّ في مبحث النجاسات (1).
وألقى القميص الذي يليه ، فكان يسأل عن ذلك ، فقال : إنّ أهل العراق يستحلّون لباس جلود الميتة ويزعمون أنّ دباغه ذكاته » (1).
فإنّها ظاهرة في لزوم الاجتناب عما يؤخذ ممن يستحلّه بالدبغ ، ومن ثم ألقى عليهالسلام الفرو. وأمّا إلقاء القميص الذي يليه فهو إما لأجل إصابته للفرو مع الرطوبة من عرق ونحوه فيتنجّس بالملاقاة ، أو لأجل تعلّق شيء من أجزاء الفرو به من صوف ونحوه ، وإن كان الأظهر بل المتعيّن هو الأول ، إذ الصوف مما لا تحلّه الحياة فلا مانع من حمله في الصلاة ، هذا.
ولكن السند ضعيف جدّاً ، لاشتماله على عدة من المجاهيل ، فلا تصلح الرواية للتعويل. على أنّها قاصرة الدلالة ، لعدم صراحتها في لزوم ما صدر منه عليهالسلام فإنّه عمل لا لسان له ، ولعلّه كان على سبيل الاستحباب من باب التورّع والاحتياط الذي هو حسن على كلّ حال ، وإن كان طاهراً في ظاهر الشرع لمكان اليد التي هي أمارة التذكية وعدم كون الجلد من الميتة ، بل لا مناص من الحمل عليه وإن سلّمت الدلالة ولم تكن قاصرة ، لصراحة الصحاح السابقة في جواز الشراء من سوق المسلمين. ومن الواضح البيّن أنّ أكثرهم يومئذ من المخالفين الذين يستحلّون الميتة بالدباغة ، فكيف يمكن حملها على إرادة غير المستحل ، فلم يكن بدّ من الحمل على الاستحباب ، فالاحتياط المذكور في المتن استحبابي لا وجوبي.
(1) تقدم الكلام حول هذا الاستثناء في مبحث النجاسات (2)بنطاق واسع وذكرنا دلالة جملة من الروايات على طهارة ما لا تحلّه الحياة وعلى جواز
الصلاة فيه وإن كان من أجزاء الميتة ، التي منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ، إنّ الصوف ليس فيه روح » (1)حيث يفهم من التعليل عموم الحكم لكلّ ما لا روح فيه.
ولو لا تلكم الروايات الناصّة على الجواز لحكمنا بعدمه وإن بنينا على طهارته ، أخذاً بإطلاق دليل المنع بعد وضوح عدم الملازمة بين الطهارة وبين جواز الصلاة. ومن ثم حكمنا بطهارة ما لم يعلم أنّه من الميتة. وكذا ميتة ما لا نفس له مع عدم جواز الصلاة في شيء منهما.
فلا مانع من أن يكون المقام من هذا القبيل لولا ما عرفت من النصوص الصريحة في الجواز ، التي بها ترفع اليد أيضاً عن ظاهر موثقة ابن بكير من اعتبار التذكية حتى فيما لا تحلّه الحياة ، حيث قال عليهالسلام : « فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي وقد ذكاه الذبح » (2)فإنّها ظاهرة بمقتضى رجوع القيد إلى الجميع في اشتراط التذكية حتى فيما لا تحلّه الحياة.
لكن صراحة النصوص المزبورة في العدم تستوجب رفع اليد عن هذا الظهور ، والالتزام برجوع القيد إلى الفقرة الأخيرة ، أعني قوله عليهالسلام : « وكلّ شيء منه » ويكون حاصل المعنى أنّ الصلاة في كل شيء مما يؤكل يتوقف على إحراز التذكية ، ولا ينافي ذلك عدم التوقف في البعض كالصوف ونحوه ، لأنّ مفهوم القضية الشرطية في قوله عليهالسلام : « وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي » عدم جواز الصلاة في كلّ شيء منه إذا لم تعلم بالتذكية ، فالقضية السالبة في الجملة المفهومية مصوغة على سبيل سلب العموم لا عموم السلب ، ويكفي في سلبه جواز الصلاة في بعض الأجزاء وإن لم تحرز تذكيته ، وإنّما لا يكفي إذا لوحظت القضية بنحو عموم السلب ليلزم الاطّراد في
[1278] مسألة 10 : اللحم أو الشحم أو الجلد المأخوذ من يد الكافر أو المطروح في بلاد الكفار ، أو المأخوذ من يد مجهول الحال في غير سوق المسلمين (1)
جميع الأفراد ، ويتنافى حينئذ مع صحيحة الحلبي ، وليس كذلك.
فالمقام نظير قوله عليهالسلام : « إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء » (1)حيث إن مفهومه أنّه إذا لم يبلغ ينجسه شيء لا أنّه ينجسه كلّ شيء ، بداهة أنّ نقيض السالبة الكلّية موجبة جزئية ، كما أنّ نقيض الموجبة الكلّية سالبة جزئية فانّ السلب الكلّي ينافيه الإيجاب الجزئي ، كما أنّ الإيجاب الكلّي ينافيه السلب الجزئي.
وعليه فلا مانع من الصلاة فيما لا تحله الحياة وإن كان من أجزاء الميتة.
(1) تقدم أنّ القاطع لأصالة عدم التذكية أحد أمرين :
الأوّل : الصنع في دار الإسلام ، سواء أُخذ من يد مسلم أو كافر أو مجهول ، لمصحّح إسحاق بن عمار الدالّ على أنّ الاعتبار بغلبة وجود المسلمين في البلاد التي يصنع فيها ، ليكون ذلك أمارة على جريان يد المسلم ولو بحسب تلك الغلبة.
الثاني : الأخذ من يد المسلم ، وقد دلّت عليه صحيحة الحلبي وصحيحة البزنطي (2)وغيرهما الناطقة باعتبار سوق المسلمين ، وقد عرفت أنّ السوق في نفسه لا موضوعية له ، وإنّما العبرة بغلبة وجود المسلمين فيه ، ومن ثم لو أُخذ فيه من يد مجهول الحال كفى ، ولا يلزمه السؤال ، بل قد نهي عنه في تلك الأخبار.
ومنه تعرف أنّ ما أُفيد في المتن لا يستقيم على إطلاقه ، فالمأخوذ من يد
أو المطروح في أرض المسلمين إذا لم يكن عليه أثر الاستعمال (1) محكوم بعدم التذكية ، ولا تجوز الصلاة فيه.
الكافر أو المطروح في بلاد الكفر إذا كان مصنوعاً في بلاد الإسلام محكوم بالتذكية ، لكشفه عن جريان يد المسلم قبل الوصول إلى يد الكافر ، كما أنّ المأخوذ من مجهول الحال في غير سوق المسلمين إنّما يحكم عليه بعدم التذكية إذا لم يكن مصنوعاً في بلاد الإسلام. فإطلاق القول بعدم التذكية في هذه الموارد في غير محلّه.
(1) تقدّم الكلام حول مستند هذا التقييد وأنه رواية إسماعيل بن عيسى الواردة في الشراء من أسواق الجبل (1)وعرفت النقاش فيها سنداً لضعفه ، ودلالة لعدم وضوح كونها من أسواق المسلمين ، بل لعلّ فيها ما يشهد بخلاف ذلك. وعلى أي حال فلا يمكن الاعتماد عليها. فالتقييد المزبور لا أساس له ، بل يكفي كونه في يد المسلم أو مطروحاً في بلاد المسلمين وإن كان عارياً عن أثر الاستعمال ، لإطلاقات نصوص السوق بعد أن عرفت أنّ السوق لا خصوصية له ، وإنّما هو أمارة على إسلام من يؤخذ منه ، بل عرفت أنّ الأخذ أيضاً لا خصوصية له ، بل مجرد الاستيلاء على ما جرت عليه يد محكومة بالإسلام لغلبة المسلمين في البلد كافٍ وإن كان المأخوذ منه مجهول الحال ، فلو جاءت هرّة وفي فمها لحم حكم بتذكيته وإن لم يعلم إسلام اليد التي اختلسته الهرّة منها فضلاً عن استعمالها ، بعد أن كان الغالب في الأرض هم المسلمين.
نعم ، المأخوذ من يد الكافر في سوق المسلمين أو من مجهول الحال في سوق الكفار محكوم بعدم التذكية ، لما عرفت من انصراف نصوص السوق إلى خصوص سوق المسلمين ، وأنّه إنّما يكون أمارة مع الشك لا مع القطع بكفر اليد كما هو واضح جدّاً.
1) في ص 159.
بل وكذا المأخوذ من يد المسلم إذا علم أنّه أخذه من يد الكافر (1) مع عدم مبالاته بكونه من ميتة أو مذكى.
(1) قد يقال بمشمولية هذه الصورة لإطلاقات نصوص السوق ، نظراً إلى كثرة الكفرة الذين يتعاملون مع المسلمين ، ولا سيما إذا ألحقنا بهم الخوارج والنواصب والغلاة ، لتداول ذبحهم للحيوانات وأكلهم لها وبيع جلودها ، فلا موجب لتقييد يد المسلم بعدم السبق بيد الكافر ، بل المتبع إطلاقات الأدلة.
ويظهر من المتن التفصيل بين المسلم المبالي بأحكام الدين والملتزم بها فتكون يده حينئذ أمارة على التذكية ، وبين غير المبالي فلا أمارية لها.
أقول : أمّا ما ذكره في غير المبالي فجيّد ، إذ المستفاد من النصوص الناهية عن السؤال عن المأخوذ من سوق المسلمين اختصاص الحكم بصورة الجهل بالحال واحتمال اتصاف الحيوان بالتذكية ، بحيث لو سألنا صاحب اليد لما ظهر لنا غالباً خلاف ما احتملناه ، ومن ثم نهينا عن تكلّف المسألة والتضييق على النفس بكثرة الأسئلة كما صنعه الخوارج ، فلا تشمل ما كان معلوم الحال لكونه محكوماً بعدم التذكية من أول الأمر وقبل انتقاله إلى المسلم من أجل كونه تحت يد الكافر.
وبالجملة : لا تنفع يد المسلم المسبوقة قبل ساعة مثلاً بيد الكافر المحكومة آن ذاك بعدم التذكية ، فإنّ ذلك بمنزلة ما لو أخذه من الكافر ابتداء ومباشرة من دون توسيط يد المسلم ، فلا ينبغي الشك في خروج هذه الصورة عن منصرف الإطلاقات. ومنه يعلم فساد ما أُفيد آنفاً من التمسك بها.
وأمّا ما ذكره في المبالي بالدين والثقة الملتزم بأحكامه فإن كان تعريضه للبيع بمثابة إخباره عن التذكية صحّ ، لحجيّة خبر الثقة في الموضوعات ، وأمّا لو لم يكن كذلك ولو لاحتمال أنّه نسي شراءه من الكافر أو لم يكن ملتفتاً إلى كفره ونحن نعلم به فلا وجه حينئذ للحكم بالتذكية ، لما عرفت من أنّ نصوص
أماريّة يد المسلم قاصرة الشمول للمسبوقة بيد الكافر. فالتفصيل بين المبالي وغيره لا يستقيم على إطلاقه.
تنبيه : لو كان نصف الحيوان بيد المسلم ونصفه الآخر في يد الكافر فمقتضى اليد الأُولى تذكية ما في تحتها ، كما أنّ مقتضى الثانية عدم التذكية ، ولكنّا نعلم وجداناً باتحاد حكم النصفين والملازمة بينهما واقعاً ، لعدم تحمّل الحيوان الواحد لحكمين متضادين ، فأمّا أنّه مذكى كلّه ، أو غير مذكى كلّه أيضاً ، فلا يحتمل التفكيك في الحكم الواقعي.
وهل يمكن ذلك في الحكم الظاهري أو انّه لا بدّ من الحكم عليهما معاً بالتذكية أو بعدمها؟
لا شبهة أنّ يد المسلم أمارة التذكية ، وبناء على المشهور من حجية مثبتات الأمارات تدلّ بالالتزام على تذكية النصف الآخر أيضاً.
وأمّا يد الكافر فان قلنا بأنّها أمارة على عدم التذكية كما مال إليه في الجواهر (1)فتدلّ طبعاً بالالتزام على عدم تذكية النصف الآخر ، فيتعارض المدلول المطابقي لكلّ منهما مع المدلول الالتزامي للآخر ، والمرجع بعد التساقط أصالة عدم التذكية في النصفين معاً.
وإن أنكرنا ذلك وبنينا على أنّ يد الكافر لا تكون أمارة على التذكية لا أنّها تكون أمارة على العدم ، فلا جرم تكون يد المسلم سليمة عن المعارض ، فيعمل بمقتضاها من كونها أمارة على تذكية النصفين معاً ، أحدهما بالمطابقة والآخر بالالتزام.
هذا على المشهور من حجية الأمارات في لوازمها والعمل بمثبتاتها مطلقاً حتى أنّهم جعلوا ذلك هو الفارق بينها وبين الأُصول العملية.
ولكنّا ذكرنا في محلّه (2)أنّ هذا بالرغم من اشتهاره وانتشاره لا أساس له
[1279] مسألة 11 : استصحاب جزء من أجزاء الميتة في الصلاة موجب لبطلانها وإن لم يكن ملبوساً (1).
وربّ شهرة لا أصل لها ، فإنّ حجيّة اللوازم تفتقر إلى الدليل ، ومجرد الأمارية لا تستوجبها. ومن ثم كان الظن بالقبلة لدى فقد العلامات حجة وأمارة عليها ، دون أن يثبت بذلك لازمها من دخول الوقت لو زالت الشمس عن الحاجب الأيمن لدى الوقوف إلى الجهة المظنون كونها قبلة.
أجل إنّ طائفة من الأمارات وهي التي تكون من سنخ الحكايات كخبر الواحد والإقرار ، وخبر الثقة في الموضوعات وما شاكلها تكون حجة في مثبتاتها ، لأنّ بناء العقلاء الذي هو العمدة في الحجية كما قام عليها في المدلول المطابقي قام عليها في المدلول الالتزامي أيضاً بمناط واحد حتى إذا كان المخبر بنفسه جاهلاً بالملازمة ، فلو أخبر أنّ زيداً شرب ما في الكأس ولا يدري ما فيه ونحن نعلم أنّه سمّ قاتل فقد أخبر عن مماته ، كما أنّه لو أقرّ بأنّه أوصل السلك الكهربائي بعمرو فقد أقرّ بقتله.
وحيث إنّ أمارية يد المسلم لم تكن من هذا القبيل فلا تكون مثبتاتها حجة. إذن فيبقى ما في يد الكافر تحت أصالة عدم التذكية ، ونتيجة ذلك هو التفصيل بين النصفين فيحكم بتذكية ما في يد المسلم دون غيره. ولا مانع من التفكيك بين المتلازمين في الأحكام الظاهرية ، فإنّه غير عزيز في الفقه كما لا يخفى.
(1) تقدّم في مبحث النجاسات (1)أنّ الممنوع في الروايات إنّما هو الصلاة في الميتة ، وهي لمكان الظرفية تفيد الاختصاص بالملبوس ، حيث يكون كظرف للمصلي ولو بالعناية فلا يشمل المحمول ، كما هو الحال في النهي عن الصلاة في الذهب والحرير ، حيث إنّ الممنوع لبسهما لا حملهما ، ولكن هناك رواية واحدة يظهر منها شمول المنع للمحمول أيضاً ، وهي صحيحة عبد اللّه بن جعفر قال :
1) شرح العروة 3 : 436.
[1280] مسألة 12 : إذا صلى في الميتة جهلاً لم يجب الإعادة ، نعم مع الالتفات والشك لا تجوز ولا تجزئ (1) ، وأمّا إذا صلى فيها نسياناً فان كانت ميتة ذي النفس أعاد في الوقت وخارجه (1)(2).
« كتبت إليه ، يعني أبا محمد عليهالسلام : يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب : لا بأس به إذا كان ذكيا » (2)لظهورها في أنّ المسئول عنه هو الفأرة أعني الوعاء دون المسك نفسه. وقد دلّت بمقتضى المفهوم على عدم جواز حملها في الصلاة إذا لم تكن ذكيا. ومن ثم فصّلنا ثمة في الأعيان النجسة بين الميتة وغيرها ، وعممنا المنع في الأول للملبوس والمحمول فراجع (3).
(1) فصّل قدسسره في الجاهل بين المركب والبسيط.
ففي الأول ، أعني من لم يلتفت إلى جهله إمّا لكونه غافلاً أو لاعتقاده الخلاف ثم انكشف له الخلاف بعد الصلاة صحّت ، ولا إعادة عليه في الوقت فضلاً عن خارجه لحديث لا تعاد ، سواء كانت الميتة نجسة أم طاهرة ، فإنّ المانعية من كلتا الناحيتين مرفوعة بالحديث ، مضافاً إلى النصوص الخاصة الناطقة بالعفو عن النجاسة لدى الجهل بها.
وفي الثاني بما أنّ الشرط وهو التذكية غير محرز ، بل محرز العدم بمقتضى أصالة العدم ، فلا يجوز للملتفت الدخول في المشروط قبل إحراز شرطه ، بعد وضوح عدم كون مثله مشمولاً للحديث.
(2) لنجاسة الميتة حينئذ ، وقد نطقت الروايات ببطلان الصلاة مع نسيان النجاسة ، وهي بمثابة التخصيص في حديث لا تعاد ، فلا جرم تجب الإعادة أو القضاء.
وإن كان من ميتة ما لا نفس له فلا تجب الإعادة (1).
[1281] مسألة 13 : المشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من غيره لا مانع من الصلاة فيه (2).
الرابع : أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه (3) ، وإن كان مذكى أو حياً ، جلداً كان أو غيره ، فلا تجوز الصلاة في جلد غير المأكول ، ولا شعره وصوفه ، وريشه ، ووبره ، ولا في شيء من فضلاته ،
وكان على الماتن تقييد الحكم بما إذا كانت الميتة مما تتم فيه الصلاة. أمّا ما لا تتم فلا تجب الإعادة حتى في الوقت ، لحديث لا تعاد ، بعد قصور ما دلّ على البطلان في ناسي النجاسة عن الشمول للمقام ، لاختصاصه بما إذا كانت النجاسة المنسية في الثوب ونحوه مما تتم فيه الصلاة.
(1) إذ لا مانعية حينئذ إلا من ناحية الميتة دون النجاسة ، وهي مشمولة لحديث لا تعاد.
(2) لا لأصالة البراءة عن اشتراط تذكيته أو عن مانعيته ، بل للأصل الموضوعي الحاكم عليها ، وهو أصالة عدم كونه من جلد الحيوان ، أمّا بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية فواضح ، وأمّا بناء على عدمه فلجريانه على سبيل العدم النعتي ، فانّ الجلد يتكون قبل ولوج الروح ، وبعدئذ يتصف بكونه جلد الحيوان ، فنشير إلى هذا الجسم بالذات ونقول إنّه كان موجوداً في زمان ولم يكن متصفاً بكونه من جلد الحيوان والآن كما كان فيترتب عليه جواز الصلاة فيه.
(3) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، بل قد تسالم عليه الأصحاب ظاهراً قديماً وحديثاً ، مضافاً إلى نقل الإجماع المستفيض في كلمات غير واحد منهم وقد دلّت عليه روايات كثيرة عمدتها موثقة ابن بكير قال : « سأل زرارة أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من
الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد ، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّه أكله إلى أن قال : وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد ذكّاه الذبح أم لم يذكه » (1)الدالّة بصدرها وذيلها على المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، سواء أذكي بالذبح أم لا.
نعم ، ناقش في الحكم السيد صاحب المدارك فذكر أنّ الروايات لا تخلو عن ضعف في السند أو قصور في الدلالة ، والمسألة محل إشكال (2). انتهى.
وهذه المناقشة منه قدسسره مبنية على مسلكه في حجيّة الأخبار من الاقتصار على ما كان الراوي إمامياً عدلاً موثقاً ، المعبر عنه بالصحيح الأعلائي. فانّ مثل هذا السند وإن كان موجوداً في أخبار الباب إلا أنّ الدلالة حينئذ قاصرة ، للتعبير ب- « ما أُحبّ » كما في صحيح محمد بن مسلم (3)غير الظاهر في التحريم ، وما كانت الدلالة فيه قوية كأغلب الأخبار لا تشتمل على مثل هذا السند ، فانّ عمدتها رواية ابن بكير كما عرفت ، وهو كإبراهيم بن هاشم الواقع في السند غير موصوفين بما ذكر كما لا يخفى.
لكن المبنى فاسد كما قرر في محلّه (4)، بل المناط في حجيّة الخبر كون الراوي موثوقاً به ، سواء كان عدلاً إمامياً أم لا ، ولا شك أنّ ابن بكير من الثقات ، وقد تقدّم غير مرة أنّ إبراهيم بن هاشم أيضاً كذلك على الأقوى ، مع أنّ هذه الرواية تشتمل على عظيمين من أصحاب الإجماع ، وهما الرجل مع ابن أبي
سواء كان ملبوساً أو مخلوطاً به أو محمولاً (1) حتى شعرة واقعة على لباسه ، بل حتى عرقه وريقه وإن كان طاهراً ما دام رطباً ، بل ويابساً إذا كان له عين.
عمير ، فلا ينبغي التشكيك في السند. كما أنّها صريحة الدلالة (1)
ولكنّه مضافاً إلى ضعف سند الرواية فلا تنهض للمقاومة أنّ دلالتها بالإطلاق ، ودلالة الموثقة بالعموم الوضعي ، وهو مقدّم عليه.
مضافاً إلى التسالم والإجماعات المستفيض نقلها كما عرفت. فالحكم في الجملة ينبغي أن يعدّ من المسلمات التي لا غبار عليها.(1) إنّما الكلام في أنّ هذا الحكم هل يختص بالملبوس أم يعمّ المحمول أيضاً. ظاهر الروايات في حدّ نفسها هو الأول ، لمكان التعبير بكلمة « في » التي هي للظرفية في مثل قوله : « إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء ... » إلخ المتوقف صدقها على اشتمال الوبر مثلاً على المصلي كي يصدق بهذه العناية وقوع الصلاة فيه ، وإلا فلا مصحّح للصدق من دون مراعاة ذلك ، فيختصّ بالملبوس ، كما مرّ نظير ذلك في الميتة (2)، لكن المراد بها في خصوص المقام مطلق المصاحبة والملابسة دون الظرفية بخصوصها ، بقرينة ذكر البول والروث في الموثق ، لعدم اشتمالهما على المصلي حتى تصدق الظرفية فيهما ، ولو فرض صحة الإطلاق فيما لو وقعا على اللباس باعتبار اشتمال اللباس المتنجس بهما على المصلّي فلا يكاد يصح الإطلاق حتى بهذه العناية فيما لو وقعا على البدن مباشرة ، مع أنّ الصلاة حينئذ محكومة بالفساد بلا إشكال.
فيظهر من ذلك أنّ الممنوع مطلق المصاحبة كما عرفت فيعمّ المحمول
1) نعم هي معارضة برواية قاسم الخياط : « ما أكل الورق والشجر فلا بأس بأن يصلى فيه ، وما أكل الميتة فلا تصلّ فيه » [ الوسائل 4 : 354 / أبواب لباس المصلي ب 6 ح 2 ] ، بالعموم من وجه كما أشار إليه المحقق النائيني قدسسره في رسالته الصلاة في المشكوك : 45 فتتعارضان في مثل المسوخ التي تأكل الورق ولا يؤكل لحمها.
2) في ص 167.
أيضاً ، بل حتى السقطات من الشعر أو الوبر الواقعة على اللباس أو البدن.
ويؤيده رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال : « كتبت إليه : يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة ، فكتب : لا تجوز الصلاة فيه » (1).
لكن الرواية لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال ، لعدم ثبوت وثاقة إبراهيم ، غير أنّه حج أربعين سنة وكان وكيلاً للناحية المقدسة ، وشيء منهما لا يقتضيان الوثاقة. أمّا الأوّل فظاهر ، وكذا الثاني ، إذ مجرد الوكالة في الأموال لا تستدعي إلا الأمانة وعدم الخيانة فيها ، وهي لا تستلزم الوثاقة في مقام الحكاية ، التي هي مناط حجية الرواية ، فإنّ بين الأمرين عموماً من وجه.
نعم ، روى الكشي بسنده عن الدينوري قال : كنت أنا وأحمد بن أبي عبد اللّه بالعسكر فورد علينا رسول من الرجل فقال : الغائب العليل ثقة ، وأيوب بن نوح وإبراهيم بن محمد الهمداني وأحمد بن حمزة وأحمد بن إسحاق ثقات جميعاً (2).
وهذه الرواية لو ثبتت فنعم التوثيق ، لكنها في نفسها ضعيفة السند ، كرواية الشيخ الطوسي لها في الغيبة (3)، والعلامة في الخلاصة (4)، فلا يعبأ بها لضعف الطريق في الجميع ، هذا.
مضافاً إلى أنّ في السند عمر بن علي بن عمر بن يزيد ، وهو أيضاً غير ثابت الوثاقة.
وقد يقال : إنّ في عدم استثناء القميين روايته من كتاب نوادر الحكمة مع رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه نوع شهادة على الوثاقة. وهذه الدعوى قد
تكرّر ذكرها في كلمات الوحيد البهبهاني وقد أخذها منه جمع ممّن تأخّر عنه فذكر أنّ ابن الوليد شيخ القميين مع اعترافه بجلالة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري لا يعمل بجميع رواياته لنقله عن الضعاف كثيراً ، فاستثنى عدة ممّن يروي عنهم يبلغ عددهم خمساً وعشرين راوياً فلم يعتمد على رواياته عنهم وقد وافقه القميون على ذلك إلا في استثناء محمد بن عيسى العبيدي الذي وقع الكلام فيه من بعضهم.
وكيف كان ، فقد ذكر البهبهاني أنّ في اقتصار ابن الوليد في الاستثناء على جماعة مخصوصين نوع شهادة على توثيق غيرهم ممّن يروي محمد بن أحمد بن يحيى عنهم ، وحيث إنّ من جملتهم هذا الرجل أعني عمر بن علي بن عمر فيشمله التوثيق (1).
لكن هذه الدعوى كما ترى ظاهرة الضعف ، ضرورة أنّ ابن الوليد إنّما ذكر أنّه لا يعمل من روايات الأشعري ما يرويه عن هؤلاء الجماعة لثبوت ضعفهم لديه ، وأمّا غيرهم ممن يروي عنهم فغير ثابت الضعف ، ولذا لم يستثنهم ، لا أنّهم موثقون. وكم فرق بين الأمرين ، فليس في عدم التعرض لاستثناء غيرهم إشعار بالشهادة على وثاقتهم ، فضلاً عن الدلالة كما لا يخفى ، فتدبر.
وكيف ما كان ، فهذه الرواية لمكان الضعف غير صالحة للاستدلال ، وإنّما ذكرناها تأييداً.
والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الأقوى ما عليه المشهور من المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل مطلقاً ، من دون فرق بين الملبوس والمحمول والشعرات الساقطة على اللباس ، عملاً بإطلاق الموثق كما عرفت.
ومنه يظهر ضعف التفصيل بين الملبوس وغيره كما عن جماعة ، فخصوا المنع بالأوّل جموداً على ما هو المنسبق من كلمة « في » الواردة في الموثق ، الظاهرة في
1) حاشية المدارك : 137.
الظرفية المستدعية لكون المدخول مما يشتمل على المصلّي ولو بعضه ، فيختص باللباس ، لعدم الاشتمال في غيره. كضعف التفصيل الآخر بين المحمول وغيره بإلحاق الشعرات الواقعة على اللباس بالملبوس ، بدعوى الاقتصار على الظرفية المستفادة من الموثق مع الالتزام بالتوسعة فيها بقرينة ذكر الروث والبول ، فانّ صدق الظرفية بلحاظهما مستقلا وإن كان ممتنعاً لكنّها صادقة على اللباس المتلوث بهما ، فيصدق حينئذ أنّه صلّى في البول أو الروث بنحو من التوسعة في مفهوم الظرفية.
وفيه : أنّا لا نرى فرقاً في شمول إطلاق الموثق بين البول أو الروث الواقعين على اللباس أو على البدن ، ولا نحتمل الفرق بين الصورتين لا ثبوتاً ولا إثباتاً كما لا يخفى. فلا ينبغي التأمّل في أنّهما كالمحمول مندرج تحت الإطلاق ، ولازمه حمل الموثق على إرادة مطلق الملابسة والمصاحبة دون الظرفية ، لا الخاصة ولا الموسعة كما عرفت.
وقد يقال بامتناع الحمل على مطلق المصاحبة ، وإلا لزم المنع عن الصلاة في محل أجزاء ما لا يؤكل لحمه مثل المخازن والسفن الحاملة لها أو في المكان المفروش بها ، لصدق المصاحبة حينئذ قطعاً ، مع أنّه كما ترى لا يمكن الالتزام به.
وجوابه ظاهر ، إذ المراد من المصاحبة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع ملاحظة المعيّة والاقتران بين الصلاة بما هي صلاة مع أجزاء ما لا يؤكل ، وأمّا سائر الملابسات والمقارنات الملحوظة بالإضافة إلى المصلي من المكان والفضاء ونحوهما فهي أجنبية عن هذه المصاحبة المستفادة من الموثّق. فالمراد مصاحبة خاصة كما لا يخفى.
نعم ، قد يعارض إطلاق الموثق بصحيحة محمد بن عبد الجبار قال : « كتبت إلى أبي محمد عليهالسلام أسأله : هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه ، أو تكّة حرير محض ، أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب : لا تحلّ الصلاة
في الحرير المحض ، وإن كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه إن شاء اللّه » (1).
لكن الأخذ بظاهر الصحيح مشكل جدّاً ، لعدم خلوّه عن الاضطراب والتشويش ، لأنّه إن أُريد من الذكي المقيّد به الوبر هو الطاهر في مقابل النجس فلا ريب في عدم اعتبار الطهارة فيما لا تتم به الصلاة كالقلنسوة المفروضة في السؤال ونحوها ، للنصوص الكثيرة الدالة على العفو عنها حينئذ كما تقدّمت في محلّها (2).
وإن أُريد به ما يقابل الميتة فمن الواضح جواز الصلاة في أجزائها التي لا تحلها الحياة كالوبر ونحوه كما نطق به النص على ما مرّ (3). فعلى التقديرين يصبح التقييد لغواً لا محصّل له. فهذان الاحتمالان ساقطان.
نعم ، هناك احتمالان آخران لا مناص من حمل الصحيح على أحدهما.
الأول : الحمل على التقية لاستقرار المذهب الحنبلي والشافعي اللذين كانا هما المتعارف من مذاهب العامة في زمن صدور هذه الصحيحة على جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مع التذكية كما نص عليه في الجواهر (4).
ويؤيده تذييل الصحيح بقوله عليهالسلام : « إن شاء اللّه » فانّ فيه نوع إشعار بالتقية كما لا يخفى.
ويؤيده أيضاً قوله في رواية إبراهيم الهمداني المتقدمة (5): « من غير تقية ولا ضرورة » المشعر باقتضاء التقية ذلك.
الثاني : أن يراد بالذكي ما ذكي بالحديد وكان محلّل الأكل كما فسّر بذلك في
ولا فرق في الحيوان بين كونه ذا نفس أو لا كالسمك الحرام أكله (1).
رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة (1). وهذا الاحتمال وإن كان بعيداً في حدّ نفسه ومخالفاً لظهور الصحيح ، لكن لا مانع من الالتزام به في مقام الجمع ، بل هو المتعيّن لو لم يحمل الصحيح على التقية بعد ما عرفت من تزييف الاحتمالين الأولين.
ولا يرد عليه بتوقّفه على كون الأرانب قسمين محلّل الأكل ومحرّمه ، وليس كذلك كما قيل لابتناء الإيراد على كون المقيد ب- « الذكي » في الصحيح خصوص وبر الأرانب ، ولا ملزم له ، بل المقيّد مطلق الوبر ، سواء كان من الأرانب أم غيرها كما لا يخفى.
وكيف كان ، فقد عرفت أنّ الأقرب هو الاحتمال السابق أعني الحمل على التقية فلا تعارض بينه وبين الموثق.
فتحصّل : أنّ مقتضى إطلاق الموثق السليم عن المعارض لزوم الاجتناب في الصلاة عن كلّ جزء من أجزاء غير المأكول لبساً أو حملاً حتى الشعرة الواقعة على اللباس أو البدن ، بل حتى العرق أو الريق وإن كان طاهراً ، بل وإن كان يابساً إذا بقي له عين حينئذ. وأمّا اليابس الذي لا عين له فلا بأس به لانتفاء الموضوع كما هو واضح.
(1) كما هو المشهور ، لإطلاق النصوص. وربما يناقش فيه بأنّ العمدة منها هو الموثق كما مرّ ، وصدره وإن كان مطلقاً يشمل ذات النفس وغيرها ، لكن ذيله مختص بذي النفس ، لقوله عليهالسلام : « ذكّاه الذبح أو لم يذكه » إذ من المعلوم اختصاص الذبح به دون ما لا نفس له ، فيحمل الصدر عليه بقرينة الذيل.
ويندفع : بأنّ الصدر رواية مستقلة حكاها الصادق عليهالسلام عن النبي
1) [ بل الآتية في ص 223 ].
[1282] مسألة 14 : لا بأس بالشمع والعسل والحرير الممتزج ودم البق والقمل والبرغوث (1) ونحوها من فضلات أمثال هذه الحيوانات مما لا لحم لها.
( صلی اللّه عليه وآله ) بإخراج كتاب زعم أنّه إملاء رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله والذيل من إنشاء الصادق عليهالسلام بنفسه. فالموثّق ينحل إلى روايتين مستقلتين : إحداهما عن النبي صلی اللّه عليه وآله والأُخرى عن الصادق عليهالسلام لا ربط بينهما سوى مجرد الجمع بينهما في مجلس واحد فليس ذلك من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية بعد عدم صدورهما من متكلم واحد ، بل الاولى منهما قد صدرت عن النبي صلی اللّه عليه وآله في زمانه ، وقد انعقد لها الظهور الكلامي من دون احتفافه بما يصادم ظهوره في الإطلاق. فتذييلها بالرواية الثانية في مقام الجمع بينهما لدى الحكاية لا يخلّ بهذا الظهور ، وليس بينهما تنافٍ كي تحمل إحداهما على الأُخرى عملاً بصناعة الإطلاق والتقييد.
وعليه فالرواية الثانية الصادرة عن الصادق أعني الذيل وإن كانت قاصرة عن إفادة الإطلاق لما ذكر ، لكن الأُولى الصادرة عن النبي الأكرم صلی اللّه عليه وآله أعني الصدر غير قاصرة عن إفادته ، فيتمسك بها.
(1) الوجه في ذلك كلّه ونحوها من فضلات الحيوانات التي لا لحم لها أُمور :
أحدها : الإجماع والتسالم عليه.
الثاني : قيام السيرة القطعية على عدم الاجتناب عن هذه الأُمور ، بل عن نفس تلك الحيوانات في الصلاة كما هو ظاهر.
الثالث : قصور المقتضي للمنع ، فانّ العمدة من روايات الباب هو الموثق (1)ولا إطلاق له بالإضافة إلى ما لا لحم له من الحيوانات ، فإنّه ينحلّ إلى روايتين كما عرفت آنفاً ، وشيء منهما لا إطلاق له. أمّا الذيل فظاهر ، للتقييد فيه
1) أي موثق ابن بكير المتقدم في ص 168.
وكذا الصدف (1) لعدم معلومية كونه جزءاً من الحيوان ، وعلى تقديره لم يعلم كونه ذا لحم ، وأمّا اللؤلؤ فلا إشكال فيه أصلاً ، لعدم كونه جزءاً من الحيوان.
باللحم ، وأمّا الصدر فهو وإن لم يتقيّد به ، بل الموضوع فيه ما حرّم أكله الشامل لما لا لحم له أيضاً ، لكنّه منصرف قطعاً إلى الحيوان الذي له لحم قابل للأكل فما لا لحم له الذي يكون أكله ببلعه كالبق ونحوه منصرف عن النصّ جزماً كما هو ظاهر جدّاً.
ويؤيده رواية الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال : لا ، وإن كثر » (1)لكنّها ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات لمكان ابن سنان الذي هو محمد بن سنان بقرينة الراوي والمروي عنه كما لا يخفى.
نعم ، هناك رواية أُخرى لا بأس بالاستدلال بها وهي موثقة عبد اللّه بن أبي يعفور قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : ما تقول في دم البراغيث؟ قال : ليس به بأس ، قلت : إنه يكثر ويتفاحش ، قال : وإن كثر » (2)فانّ المراد السؤال عن حكم ذلك في الصلاة وإن لم يصرح بها ولذا سأل ثانياً أنّه يكثر ويتفاحش ، لتخيّله اختصاص العفو بمقدار الدرهم مثلاً كما في سائر الدماء وإلا فلو أراد السؤال عن حكمه في نفسه كان السؤال الثاني لغواً ، لوضوح عدم الفرق في نجاسة الشيء بين قليله وكثيره.
وعلى الجملة : فالمقتضي للمنع في نفسه قاصر أوّلاً ، وعلى تقدير ثبوته فالمانع موجود كما عرفت.
(1) إذ لم يثبت أولاً أنّ ما يتكوّن فيه حيوان كي يكون الصدف جزءاً منه
[1283] مسألة 15 : لا بأس بفضلات الإنسان ، ولو لغيره كعرقه ، ووسخه وشعره ، وريقه ، ولبنه (1) فعلى هذا لا مانع في الشعر الموصول بالشعر ، سواء كان من الرجل أو المرأة ، نعم لو اتخذ لباساً من شعر الإنسان فيه إشكال (1)سواء كان ساتراً أو غيره ، بل المنع قوي خصوصاً الساتر.
أم أنّه ليس بحيوان رأساً ، بل هو جسم نامٍ على هذه الكيفية الخاصة.
وعلى تقديره فهل إنّ الصدف جزء منه أو إنّه ظرف ووعاء لتكوّن الحيوان فيه.
وعلى تقديره أيضاً فهل هو ذو لحم أو أنّه جلد أو قشر محض ، كبعض الحيوانات التي لا لحم لها. والتشكيك في كلّ من هذه النواحي كافٍ في عدم ثبوت المنع والرجوع إلى البراءة كما هو ظاهر.
وصحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليهالسلام : « سألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات أيؤكل؟ قال عليهالسلام : ذلك لحم الضفادع لا يحلّ أكله » (2)غير ظاهر في ثبوت اللحم لهذا الحيوان ، لجواز أن يكون المراد أنّ هذا لحم الضفدع وقد دخل في الصدف غذاء لهذا الحيوان لا أنّه لحمه وهو غذاء الضفدع ، فلا يخلو الصحيح عن الإجمال.
وأمّا اللؤلؤ فالأمر فيه أظهر ، إذ لم يثبت كونه جزءاً من الحيوان أصلاً ولعلّه من قطرات المطر تبدلت عند وقوعها على الصدف لؤلؤاً ، كما أُشير إلى ذلك في بعض الإشعار الفارسية فلاحظ. وقد قامت السيرة القطعية على جواز لبسه في الصلاة.
(1) لقيام السيرة على عدم الاجتناب عن هذه الأُمور في الصلاة ، من غير فرق بين كونها من نفس المصلّي أو من غيره ، بل إنّ بعضها كالظفر والسن
وإرضاع المرأة طفلها في الصلاة منصوص بالخصوص ، وهل يحكم بالجواز في غير مورد السيرة والنصّ كما لو اتخذ لباساً من شعر الإنسان أو لا؟ استشكل فيه في المتن ، من غير فرق بين كونه ساتراً أم غيره ، بل ذكر قدسسره أنّ المنع قوي خصوصاً في الساتر.
ومبنى الإشكال هو أنّ الموثّق الذي هو العمدة في المقام هل يعمّ أجزاء كلّ ما لا يؤكل لحمه حتى الإنسان ، أو يختص بالحيوان غير الإنسان؟ فعلى الأوّل يقتصر في التخصيص على المقدار المتيقن الذي قام عليه الدليل من السيرة أو النص ، ويرجع فيما عدا ذلك إلى العام المقتضي للمنع ، وحيث إنّ اللباس المتخذ من شعر الإنسان لم يرد فيه نص بالخصوص ولم يكن مورداً للسيرة كي يثبت التخصيص بالنسبة إليه زائداً على المقدار المعلوم فهو مشمول للعموم ، ومقتضاه بطلان الصلاة فيه.
وعلى الثاني فحيث إنّ المقتضي للمنع قاصر في حد نفسه لعدم ثبوت العموم بالنسبة إليه فالمرجع حينئذ عند الشك أصالة البراءة.
وكأن الماتن قدسسره اختار الأوّل ، ولأجله بنى على عدم الجواز. لكنّ الأظهر هو الثاني ، لقصور المقتضي وعدم ثبوت الإطلاق في الموثق ، لانصراف عنوان ما لا يؤكل عن الإنسان جزماً ، إذ المنسبق منه إلى الذهن عرفاً ما يكون لحمه متعارف الأكل غايته قد يكون محلّلاً وأُخرى محرّماً ، وليس الإنسان من هذا القبيل بالضرورة.
وإن شئت فقل : عنوان ما لا يؤكل يتضمن النهي عن الأكل ، فيستدعي أن يكون هناك آكل ومأكول ، والمخاطب بالنهي إنّما هو الإنسان ، فهو الآكل وهو الطرف للإضافة ، فيكون الطرف الآخر أعني المأكول غيره من بقية الحيوانات.
وبالجملة : لا ينبغي التشكيك في انصراف هذا العنوان عن الإنسان فالمقتضي للمنع قاصر في حدّ نفسه. فالأقوى جواز الصلاة في الثوب المنسوج
[1284] مسألة 16 : لا فرق في المنع بين أن يكون ملبوساً أو جزءاً منه ، أو واقعاً عليه أو كان في جيبه ، بل ولو في حُقة هي في جيبه (1).
[1285] مسألة 17 : يستثني مما لا يؤكل الخز الخالص (2)
من شعر الإنسان ، لأصالة البراءة عن المانعية وإن كان الأحوط تركه.
(1) تقدّم الكلام حول هذه المسألة قريباً ، ومعه لا حاجة إلى الإعادة فلاحظ (1).
(2) يقع الكلام تارة في الوبر المتخذ من ذلك الحيوان ، وأُخرى في الجلد فهنا مقامان :
أمّا المقام الأول : فلا إشكال كما لا خلاف في استثناء الوبر ، بل هو مورد للإجماع والاتفاق كما نصّ عليه في غير واحدة من الكلمات. والنصوص الواردة في المقام كثيرة ، إلا أنّ جملة منها غير صالحة للاستدلال وإن استدلّ بها وهي الحاكية لفعل المعصوم عليهالسلام من لبسه الخز أو الصلاة فيه ونحو ذلك ، وهي كثيرة كصحيح الجعفري أنّه قال : « رأيت الرضا عليهالسلام يصلّي في جبّة خزّ » (2)، وعلي بن مهزيار (3)وزرارة (4)والبزنطي (5)وغيرها.
والوجه في ذلك : أنّ الخز يطلق لغة على معاني أربعة : الحرير الخالص والمشوب بغيره من صوف ونحوه ، والثوب المتخذ من وبر الحيوان المسمّى بالخز ، ونفس ذلك الحيوان.
أمّا المعنى الأوّل والأخير فغير مرادين من هذه الأخبار جزماً كما هو ظاهر فيدور الأمر بين الاحتمالين المتوسطين. ومبنى الاستدلال هو الثاني منهما ، وإلا فعلى الأول أعني إرادة الحرير المشوب بغيره تكون الروايات أجنبية عن
المقام كلّية ، ولا قرينة على التعيين. كما لا يحتمل فيها الإطلاق ، فإنّها قضية شخصية خارجية ، ولا لسان للفعل كي يستظهر منه الحال.
وبالجملة : الروايات المزبورة في حدّ نفسها قابلة لإرادة كلّ من المعنيين لاستعمال الخز في الحرير المشوب حتى في لسان الأخبار كما في صحيح أبي داود ابن يوسف بن إبراهيم قال : « دخلت على أبي عبد اللّه عليهالسلام وعليَّ عباء خز وبطانته خز وطيلسان خز مرتفع ، فقلت : إن عليَّ ثوباً أكره لبسه ، فقال : وما هو؟ قلت : طيلساني هذا ، قال : وما بال الطيلسان؟ قلت : هو خز ، قال : وما بال الخز؟ قلت : سداه إبريسم ... » إلخ (1)فقد أُطلق الخز على ما سداه الإبريسم ، فلعلّ المراد به في هذه الروايات هو ذلك أيضاً ، وحيث لا قرينة على التعيين فتصبح مجملة فتسقط عن الاستدلال.
وهناك روايات اخرى لا بأس بدلالتها ، لكنها ضعيفة السند ، كمرفوعة أيوب بن نوح (2)وغيرها ، أغمضنا عن ذكرها.
والعمدة في المقام روايات ثلاث معتبرة سنداً ودلالة.
إحداها : موثقة معمر بن خلاد قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن الصلاة في الخز ، فقال : صلّ فيه » (3)فانّ الخز هنا لا يحتمل أن يراد به الحرير المحض كما هو ظاهر ، كما لا يحتمل إرادة نفس الحيوان ، إذ لا معنى للصلاة فيه ، فلا يقال : سألت عن الصلاة في الشاة مثلاً. فيدور الأمر بين أن يراد به الثوب المتخذ من وبر الخز أو الحرير المشوب بغيره من صوف ونحوه ومقتضى الإطلاق وترك الاستفصال جواز الصلاة في كلّ منهما ، وإلا فلو جاز في أحدهما دون الآخر لزم التنبيه واستفصال المراد من اللفظ المشترك ، ولما ساغ إلقاء الحكم على سبيل الإطلاق من دون قرينة على التعيين ، فحيث لم
يستفصل عليهالسلام يعلم جواز الصلاة في الوبر كالحرير المشوب ، وهو المطلوب.
الثانية : صحيحة الحلبي قال : « سألت عن لبس الخز ، فقال : لا بأس به ، إنّ علي بن الحسين عليهالسلام كان يلبس الكساء الخز في الشتاء ، فاذا جاء الصيف باعه وتصدّق بثمنه ، وكان يقول : إني لأستحيي من ربّي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت اللّه فيه » (1). والتقريب كما تقدّم ، ويستفاد شمول الحكم للصلاة من قوله عليهالسلام في الذيل : « قد عبدت اللّه فيه » لظهور العبادة فيها كما لا يخفى.
وتزيد هذه الصحيحة على ما مرّ أنّ الظاهر منها إرادة الوبر من الخز دون الحرير المشوب ، للتصريح فيها بأنّ علي بن الحسين عليهالسلام كان يلبسه في الشتاء ، وهو عليهالسلام كان رجلاً صرداً كما نص عليه في بعض الأخبار (2)ولا ريب أنّ الخز أدفأ من الحرير المشوب بالصوف ، لأن الحرير بارد. فيظهر من ذلك أنّه عليهالسلام كان يلبس وبر الخز ، فيكون ذلك قرينة على أن المراد من الخز المذكور في السؤال هو ذلك.
الثالثة : صحيحة سعد بن سعد عن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن جلود الخز؟ فقال : هُوَذا نحن نلبس ، فقلت : ذاك الوبر جعلت فداك ، قال : إذا حلّ وبره حلّ جلده » (3). والمراد بأحمد بن محمد المذكور في السند وإن أمكن أن يكون هو أحمد بن محمد بن عيسى ، لكن المراد به هو أحمد بن محمد بن خالد أعني ابن البرقي كما نصّ عليه في الكافي ، وإن كان الأنسب أن يذكر السند حينئذ هكذا : عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن سعد.
وكيف كان ، فلا ريب أنّ الرواية صحيحة السند كما أنّها قوية الدلالة أيضاً ،
لظهور قوله عليهالسلام : « هوذا نحن نلبس » في استمرار اللبس حتى في حال الصلاة بمقتضى الإطلاق ، سيما لو كان « هوذا » كلمة واحدة بمعنى الاتصال والاستمرار كما قيل ، المعبر عنه بالفارسية ب- ( همين ) كما في الجواهر (1). فإن الأمر حينئذ أظهر ، وعلى أي حال فهي صريحة في حلية الوبر بالتقريب الذي سنذكره في الجلد.
وأما المقام الثاني : أعني الصلاة في جلد الخز ففيه خلاف ، ولعلّ المشهور هو الجواز. ويستدل له بعدة من الروايات :
الأُولى : موثقة معمر بن خلاد المتقدمة ، بدعوى أنّ الخز المذكور فيها بعد امتناع حمله على نفس الحيوان يراد به أجزاؤه ، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الوبر والجلد ، وإلا وجب التنبيه والتعيين.
ويندفع : بأنّه بعد امتناع حمله على نفس الحيوان يتعيّن حمله على الوبر المتخذ منه ، الذي هو أحد إطلاقاته ومما يستعمل فيه هذا اللفظ لغة وعرفاً ، أو على الحرير المشوب كما مرّ. وأمّا الجلد فليس هو من إطلاقاته. فإرادته تفتقر إلى التقدير الذي هو خلاف الأصل لا يصار إليه من غير شاهد.
الثانية : رواية يحيى بن أبي عمران أنه قال : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليهالسلام في السنجاب والفنك والخز وقلت : جعلت فداك أُحبّ أن لا تجيبني بالتقية في ذلك ، فكتب بخطه إليّ : صلّ فيها » (2).
وهذه الرواية قوية الدلالة ، لأنّ اقتران الخز بغيره من الحيوانات أعني السنجاب والفنك يكشف عن أنّ المراد به هو الحيوان أيضاً ، لوحدة السياق فقوله عليهالسلام : « صلّ فيها » أي صلّ في أجزاء هذه الحيوانات من الجلد والوبر وغيرهما ، فيقدر المضاف لا محالة.
ولا يخفى أنّ قول السائل : « أُحبّ أنْ لا تجيبني بالتقية » توقّع في غير محلّه
لأنّ المورد إن كان من موارد التقية فلا يرفع الإمام عليهالسلام يده عنها ولا يخالف وظيفته عليهالسلام بهذا التوقع ، وإلا فهو عليهالسلام يخبر عن الواقع لا محالة من دون أن يتّقي فيه بعد انتفاء مقتضيه ، وعلى التقديرين فهو توقّع مستدرك فتأمّل.
وكيف كان ، فالرواية لا بأس بدلالتها ، لكنّها ضعيفة السند ، لأنّ الصدوق يرويها عن شيخه محمد بن علي ماجيلويه (1)ولم يوثق. وقد مرّ غير مرّة أنّ مجرد كون الرجل من مشايخ الإجازة لا يقتضي الوثاقة ، كيف ومن مشايخ الصدوق الذي يروي عنه مَن لم يُرَ في خلق اللّه أنصب منه ، على حدّ تعبير الصدوق نفسه قدسسره (2)حتى ذكر أنّه ( لعنه اللّه ) كان يصلّي على النبي صلی اللّه عليه وآله منفرداً ، فكان يقول : اللّهم صلّ على محمد منفرداً. هذا مضافاً إلى أنّ يحيى بن أبي عمران بنفسه أيضاً لم يوثق.
الثالثة : رواية ابن أبي يعفور (3)فإنّها كالصريحة في كون المراد هو جلد الخز ، فإنّه الذي يحتاج إلى التذكية التي جعل الإمام عليهالسلام ذكاته بموته في ذيل الخبر كسائر الحيتان دون الوبر كما هو ظاهر ، فهي صريحة الدلالة. لكنّها ضعيفة السند بعدة من المجاهيل كالعلوي والديلمي وقريب.
الرابعة : صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : « سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام رجلٌ وأنا عنده عن جلود الخز ، فقال : ليس بها بأس ، فقال الرجل : جعلت فداك إنها علاجي أي شغلي أُعالج به أمر المعاش ، وفي بعض النسخ : في بلادي وإنّما هي كلاب تخرج من الماء ، فقال أبو عبد اللّه عليهالسلام : إذا خرجت من الماء تعيش خارج الماء؟ فقال الرجل : لا ، قال : ليس به بأس » (4).
ويدفعها : قصور الدلالة ، إذ لا تعرّض لها لحال الصلاة ، وإنّما السؤال عن جواز اللبس وعدمه ، فزعم السائل أنّها من الميتة فلا يجوز لبسها والانتفاع بها فأجاب عليهالسلام بعدم كونها منها ، فهي أجنبية عمّا نحن فيه كما هو ظاهر.
الخامسة : صحيحة سعد بن سعد المتقدّمة (1)في الوبر ، وهي العمدة في الاستدلال. وبيانه : أنّ المحتملات في الصحيحة أمور :
الأول : أن يكون السؤال من جهة احتمال النجاسة الذاتية للخز ، حيث انّها كلاب تخرج من الماء كما عبّر بذلك في الصحيحة المتقدمة آنفاً وعليه فالنظر فيها إلى الطهارة والنجاسة لا إلى كون الجلد من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فتكون أجنبية عمّا نحن فيه.
وفيه : أن هذا الاحتمال بعيد في حد نفسه لا يمكن حمل الصحيح عليه ، إذ كيف يحتمل في حق السائل أعني سعد بن سعد وهو من أجلاء أصحاب الرضا عليهالسلام بل قد أدرك الكاظم عليهالسلام أن يخفى عليه مثل هذا الحكم أعني اختصاص النجاسة الذاتية بالكلب البري دون البحري ، سيما وهو يرى أنّ الإمام عليهالسلام قد لبس الوبر كما اعترف به في الصحيح ، فهل يحتمل في حقّه مع ما هو عليه من الجلالة أن يفرّق في أجزاء النجس الذاتي بين الوبر والجلد مع عدم خفائه على من له أدنى مساس بالفقه.
على أنّه كان الأنسب حينئذ أن يبدل الإمام عليهالسلام في الجواب الحلّيّة بالطهارة فيجيب هكذا : إذا طهر وبره طهر جلده ، لا إذا حلّ وبره حلّ جلده كما لا يخفى. فهذا الاحتمال ساقط جزماً.
الثاني : أن يكون السؤال عن النجاسة العرضية من جهة احتمال كونه من الميتة ، حيث إنّه يرعى في البرّ ودابة تمشي على أربع ، فليس هو على حدّ الحيتان التي تكون ذكاتها بخروجها عن الماء حيّة والموت خارجه ، بل تحتاج
1) في ص 182.
إلى التذكية بالذبح ، وبدونه تكون من الميتة ، كما أُشير إلى ذلك كلّه في بعض النصوص المتقدمة ، فتكون حينئذ أجنبية عمّا نحن فيه أيضاً.
وفيه : أنّ هذا الاحتمال وإن كان قابلاً في حدّ نفسه ولا يأباه مقام سعد كما كان يأبى الاحتمال السابق ، إلا أنّ ذيل الصحيح لا يساعد على ذلك ، إذ عليه تصبح القضية الشرطية كاذبة ، أعني قوله عليهالسلام : « إذا حلّ وبره حلّ جلده » إذ لا ملازمة بين الأمرين جزماً ، بل الثابت خلاف ذلك ، إذ الميتة إنّما لا ينتفع بها أو يحكم بنجاستها في الأجزاء التي تحلّها الحياة كالجلد ، دون مثل الوبر ونحوه مما لا تحله الحياة. فحلّية الوبر لا تستلزم حلّية الجلد بالضرورة. على أنّه كان الأنسب حينئذ التعبير بالطهارة دون الحلّية كما عرفت في الاحتمال السابق.
فيبقى في المقام الاحتمال الثالث وهو المتعين ، بأن يكون السؤال من جهة كون جلد الخز من أجزاء ما لا يؤكل لحمه التي لا تجوز الصلاة فيها ولا تحلّ فأجاب عليهالسلام بأنّه هَوْذا أو هُوَذا على الاحتمالين نحن نلبس. الصريح في الاستمرار أو الدالّ بالإطلاق على لبسه حتى في حال الصلاة. فذكر ثانياً أنّ الذي تلبسونه إنّما هو الوبر وسؤالي عن الجلد ، فأجاب عليهالسلام بأنّه إذا حلّ الوبر حلّ الجلد. ولا ريب في صدق هذه الملازمة ، إذ البطلان في أجزاء ما لا يؤكل لا يختص بجزء دون جزء ، فإذا حلّ الصلاة في جزء حلّ في غيره ، كما أنّه لو حرم في جزء حرم فيما عداه أيضاً ، لاشتراك الجميع فيما هو المناط جوازاً ومنعاً. فكأنّه عليهالسلام قال : إذا حرم في الجلد كما تتخيّل حرم في الوبر أيضاً لوحدة المناط ، لكنه حلّ في الوبر لانتفاء المانع حيث إن الخزّ مستثنى عما لا يؤكل فحلّ في الجلد أيضاً.
فتحصّل : أنّ الصحيح ما عليه المشهور من إلحاق الجلد بالوبر ، لأجل هذه الصحيحة. وأمّا غيرها مما استدل به في المقام من بقية الروايات فهي ضعيفة سنداً أو دلالة كما عرفت.
نعم ، قد تعارض الصحيحة بما رواه في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليهالسلام : « أنه كتب إليه : روي لنا عن صاحب العسكر عليهالسلام أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغشّ بوبر الأرانب ، فوقّع : يجوز. وروى عنه أيضاً : أنّه لا يجوز. فبأيّ الخبرين نعمل؟ فأجاب عليهالسلام : إنما حرم في هذه الأوبار والجلود ، فأمّا الأوبار وحدها فكلّ حلال » (1).
وبما عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم وهو إبراهيم بن هاشم « ولا يصلّى في الخز ، والعلّة في أن لا يصلّى في الخز أنّه من كلاب الماء ، وهي مسوخ إلا أن يصفّى وينقّى » (2).
لكنّهما كما ترى لا تصلحان لمعارضة ما سبق ، للإرسال في الأُولى ، حيث إنّ الطبرسي في الاحتجاج ينقلها عن الحميري مرسلاً ، وجهالة محمد بن علي بن إبراهيم في الثانية ، على أنّه لم يثبت أنّ ما في علله رواية أم دراية ، ولعلّها اجتهاد أو استنباط من نفسه.
وعليه فلا ينبغي التأمّل في جواز الصلاة في جلد الخز كوبره كما عليه المشهور.
ثم إنّ الخز وإن عزّ وجوده في عصرنا وكان متداولاً في العصور السابقة يشتغل ببيعه جماعة كثيرون يسمّون بالخزازين إلا أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد به في الروايات هو المسمّى بالخز في عصرنا الحاضر ، كما هو الشأن في سائر الألفاظ الواردة فيها المستعملة في معانيها ، فإنّها تنزّل على ما يفهم منها في العرف الحاضر بمقتضى أصالة عدم النقل.
وما عن المحدّث المجلسي في البحار من الاستشكال نظراً إلى ما يتراءى من
الأخبار من أنّه حيوان لا يعيش خارج الماء ، فلا ينطبق على ما هو المسمّى بالخزّ الآن الذي هو دابة يعيش في البر ولا يموت بالخروج من الماء (1)غير قابل للتصديق ، لما عرفت من أنّ المتبع في أمثال المقام أصالة عدم النقل ، التي هي أصل عقلائي يعوّل عليه في تشخيص مفاد الكلمات المحرّرة في السجلات منذ قرون متمادية ، ولا يعتنى باحتمال إرادة معنى آخر ما لم يثبت خلافه ، استناداً إلى الأصل المزبور ، فإنّه لو لم يجر في المقام لم يجر في بقية الموارد بمناط واحد فيختل باب استنباط الأحكام وقد بنى فقهاؤنا العظام على كشف مقاصد الأئمة عليهمالسلام مما يفهمونه من الألفاظ في عصرهم ، ولا يبالون باحتمال النقل المدفوع بالأصل.
وأمّا ما أشار إليه من الأخبار التي منها رواية ابن الحجاج (2)فلعل المراد أنّه لا يعيش خارج الماء دائماً ، فلا مانع من خروجه أحياناً ، كما في كثير من الحيوانات البحرية كالضفدع ونحوه ، بل يظهر من رواية حمران بن أعين أنه « سبع يرعى في البرّ ويأوي في الماء » (3).
وعليه فلا ينبغي الاستشكال في انطباق المذكور في الأخبار على ما هو المعروف في زماننا مما يسمّى باسم الخز ، هذا بحسب المفهوم.
وأمّا تشخيص الموضوع وتعيين المصداق فهل يكفي إخبار البائع بذلك؟ يظهر من المحقق الهمداني ذلك ، نظراً إلى قيام السيرة على سماع إخبار ذي اليد من أرباب الصنائع والبضائع عن حقيقة ما في يده وتصديقه فيما يدّعيه ، فمن أراد شيئاً من الأدوية يرجع إلى العطار ، أو من الأقمشة يرجع إلى التجار ويركن إلى قوله وإن لم يعرفه بنفسه ، فكذلك إخبار البائع عن كون ما في يده خزاً (4).
غير المغشوش بوبر الأرانب والثعالب (1)
ولكنه غير واضح ، إذ لا دليل على حجية إخبار ذي اليد بما هو كذلك عما في يده ، ومورد السيرة في الأمثلة المزبورة حصول الوثوق من قوله فيما إذا كان من أهل الخبرة والمعرفة ، وإلا فمجرد إخبار البائع عن كونه خزاً من دون حصول الوثوق من كلامه لا دليل على اعتباره ، ولعلّ المحقق المزبور لا يريده.
وكيف ما كان ، فلا شبهة في أنّ المرجع في تشخيص الموضوع في المقام ونحوه من الموضوعات الملتبسة هو أهل الخبرة.
(1) فالصلاة في المغشوش بأحد الوبرين باطلة على المشهور ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، ولم ينسب الخلاف إلا إلى الصدوق في الفقيه ، حيث إنّه بعد أن أورد رواية الجواز قال ما لفظه : وهذه الرخصة الآخذ بها مأجور ورادّها مأثوم (1). ومستند المشهور إطلاقات المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل ، الشاملة للمغشوش وغيره بعد ظهور استثناء الخز في الاختصاص بالخالص منه المؤيدة بمرفوعتي أيوب بن نوح وأحمد بن محمد والظاهر أنّهما رواية واحدة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « الصلاة في الخز الخالص لا بأس به ، فامّا الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصلّ فيه » (2)فانّ الانجبار بعمل الأصحاب لا نقول به ، فلا تصلحان إلا للتأييد.
وبإزاء ذلك روايتان صريحتان في الجواز.
إحداهما : ما رواه الشيخ في الاستبصار بإسناده عن داود الصرمي عن بشير ابن بشار قال : « سألته عن الصلاة في الخز يغشّ بوبر الأرانب ، فكتب : يجوز ذلك » (3).
والأُخرى : ما رواه في التهذيب بسند آخر عن داود الصرمي أنّه سأل رجل أبا الحسن الثالث عليهالسلام : وذكر مثله (1). ورواه الصدوق أيضاً بإسناده عن داود الصرمي (2)، ورواه في التهذيب أيضاً بسند آخر عن الصرمي مضمراً حيث قال : « سألته عن الصلاة ... » إلخ (3).
وربما يجاب بإعراض الأصحاب ، ولكن الظاهر أنّها موهونة في نفسها ، فانّ بشير بن بشار لم يوجد في كتب الرجال. وعلى أي حال فسواء أكان ضبط الكلمة كذلك كما في الوسائل أم بصورة بشير بن يسار كما في الاستبصار ، أم بصورة بشر بن يسار كما في الوافي (4)لا توثيق له. فالرواية الأُولى ضعيفة على جميع التقادير.
وأما الثانية فالصرمي لا توثيق صريح له في كتب الرجال ، واعتماد الصدوق لا يكشف عنه ، ولعلّه مبني على أصالة العدالة التي لا نقول بها ، نعم هو من رجال كامل الزيارات ، فيكون ثقة عندنا بتوثيق ابن قولويه (5).
إذن فالسند الأول وإن كان ضعيفاً لكن الثاني خالٍ عن هذا الضعف لظهوره في أنّه كان حاضراً في مجلس السؤال ، فيروي جواب الإمام عليهالسلام مباشرة وإن كان السائل مجهولاً ، أو أنّه رأى خط الإمام عليهالسلام لو كان السؤال على سبيل المكاتبة.
ولكن الذي يمنعنا عن الركون إليه أنّ مقتضى السند الأول وهو صحيح إلى داود أنّه لم يكن حاضراً في مجلس السؤال. ومقتضى الثاني حضوره إمّا مع كون السائل غيره كما هو قضية إحدى روايتي التهذيب ، أو كونه نفسه كما
وكذا السنجاب (1)
هو مقتضى المضمرة ، وحيث لا يحتمل تعدد الواقعة فلا يدرى أنّه نقل عن الإمام بلا واسطة أو بواسطة مجهول ، فلا جرم تسقط عن درجة الاعتبار.
ومن ثمّ قال في التهذيب ما لفظه : وهذا ظاهر التناقض ، لأنّه لو كان السائل هو نفسه لوجب أن تكون الرواية الأخيرة كذباً ، ولو كان السائل غيره لوجب أن تكون الاولى كذباً ، وإذا تقابل الروايتان ولم يكن هناك ما يعضد إحداهما وجب اطراحهما (1).
وعلى الجملة : محتملات الرواية عن داود حسب اختلاف نقل المشايخ ثلاثة : كونه هو السائل ، كون السائل غيره وهو حاضر ، كونه غيره وهو غائب. وحيث إنّ الواقعة واحدة بالضرورة فلا سبيل للتعويل عليها.
أضف إلى ذلك أنّ المضمرة لا حجية لها في نفسها ، لجهالة المروي عنه ، فانّ داود الصرمي غايته أنّه موثق بتوثيق ابن قولويه ، ولم يبلغ من الجلالة حداً لا يحتمل روايته عن غير المعصوم ، مثل زرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما ، فلا يعتمد عليها بوجه.
هذا مع أنّ موردها وبر الأرانب خاصة ، فعطف الثعالب عليها عارٍ عن الدليل.
والمتحصّل : اختصاص الاستثناء بالخز الخالص كما عليه المشهور.
(1) فتجوز الصلاة في جلده ووبره وإن كان مما لا يؤكل. وقد اختلفت كلمات الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) في ذلك ، فذهب الشيخ في المبسوط (2)وصلاة النهاية (3)وأكثر المتأخرين إلى الجواز ، ونسبه في المنتهي إلى الأكثر (4)
بل قال في المبسوط : إنّه لا خلاف فيه. وذهب الشيخ نفسه في الخلاف (1)وكتاب الأطعمة والأشربة من النهاية (2)إلى المنع ، واختاره جمع من القدماء ، ونسبه الشهيد الثاني إلى الأكثر (3)بل عن ابن زهرة دعوى الإجماع عليه (4). فالمسألة خلافية وذات قولين ، وليس أحدهما أشهر من الآخر.
وكيف ما كان ، فالمتبع هو الدليل بعد وضوح أنّ منشأ الخلاف اختلاف الأخبار ، وقد دلّت غير واحدة من الروايات على الجواز ، وهي على طائفتين :
إحداهما : غير نقية السند ، وهي لأجل ضعفها لا يلتفت إليها حتى بناءً على الانجبار بعمل المشهور ، لمنع الصغرى ، إذ لا شهرة في البين كما عرفت ، مضافاً إلى منع الكبرى.
مع أنّ بعضها غير قابل للتصديق في نفسه ، ففي رواية علي بن أبي حمزة : « .. لا بأس بالسنجاب فإنّه دابة لا تأكل اللحم ، وليس هو مما نهى عنه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذ نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب » (5). حيث دلّت على اختصاص المنع بما له ناب ومخلب أي السباع مع وضوح عدم الاختصاص بلا إشكال ، ضرورة أنّ الاعتبار بما لا يؤكل لحمه ، سواء أكان من السباع أم لا ، فلو صح السند لزم الحمل على التقية.
ثانيتهما : نصوص معتبرة.
فمنها : صحيحة أبي علي بن راشد قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : ما تقول في الفراء أيّ شيء يصلّى فيه؟ قال : أيّ الفراء؟ قلت : الفنك والسنجاب
والسمور ، قال : فصلّ في الفنك والسنجاب. فامّا السمور فلا تصلّ فيه » (1).
ولعلّ السؤال في قوله عليهالسلام : « أيّ الفراء » من أجل أنّ لهذه الكلمة إطلاقين : أحدهما : اللباس المعروف الذي هو شيء كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات. والثاني : حمار الوحش ، ومنه المثل المعروف : كلّ الصيد في جوف الفراء. فأجاب بأنّ المراد هو الأول المتخذ من السنجاب ونحوه.
ومنها : صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنّه سأله عن أشياء منها الفراء والسنجاب ، فقال : لا بأس بالصلاة فيه » (2).
ومنها : صحيحته الأُخرى عنه عليهالسلام قال : « سألته عن الفراء والسمور والسنجاب والثعالب وأشباهه ، قال : لا بأس بالصلاة فيه » (3).
وهذه النصوص بالرغم من صحة أسنادها وصراحة مفادها قد نوقش فيها من وجهين :
أحدهما : أنّ السنجاب قد قورن في هذه النصوص بأُمور لا تجوز الصلاة فيها قطعاً كالفنك والسمور والثعالب ونحوها ، نعم خلت الصحيحة الأُولى للحلبي عنها ، إذ لم يذكر فيها مع السنجاب إلا الفراء التي هي حمار الوحش ويؤكل لحمه ، ولكن الظاهر أنّها متحدة مع الثانية ، لاتحاد السند والمتن ، غير أنّ الشيخ أجمل مرة وفصّل أُخرى. إذن فلا مناص من حملها على التقية.
ثانيهما : أنّ السنجاب بنفسه مذكور في موثقة ابن بكير الصريحة في عدم الجواز. ومن الواضح امتناع تخصيص المورد بهذه النصوص وإخراجه عن العام الوارد عليه الذي هو نص فيه. فلا جرم تقع المعارضة بينهما ، فلا تصلح للاستناد إليها.
ويندفع الأول : بأنّ سقوط الرواية عن الحجية في بعض مدلولها لمانع مختص به لا يلازم سقوطها في البعض الآخر ، فانّ التفكيك في مفاد الدليل غير عزيز في الفقه ، والسرّ أنّ الرواية المشتملة على حكمين تنحلّ في الحقيقة إلى روايتين ، فكأنّ الراوي روى مرة جواز الصلاة في الفنك وأُخرى جوازها في السنجاب ، فاذا كان للأُولى معارض أوجب سقوطها عن الحجية لا مقتضي لرفع اليد عن الثانية السليمة عنه ، نظير ما لو أخبرت البينة في الشبهات الموضوعية عن طهارة الثوب والإناء ، وقد علمنا بنجاسة الثوب ، فانّ سقوطها فيه لا يستوجب السقوط عن الحجية في الإناء.
وعليه فتحمل الاولى في المقام على التقية لوجود المعارض ، والثانية على بيان الحكم الواقعي لسلامتها عنه.
فالعمدة في الإشكال هو الوجه الثاني. وقد أجاب عنه جمع منهم صاحب الجواهر (1)بعدم الضير في تخصيص الموثقة بهذه الصحاح وإن استلزم تخصيص المورد ، إذ لا محذور فيه في القرينة المتصلة بالضرورة كما لو سئل عن إكرام زيد العالم فأُجيب أكرم كلّ عالم إلا زيداً ، أو لو أُجيب في الموثقة هكذا : وكلّ شيء منه إلا السنجاب. فاذا ساغ ذلك في المتصلة ولم يكن محذور فيه ساغ في المنفصلة أيضاً بمناط واحد ، إذ المعيار في التنافي بين الدليلين عدم إمكان الجمع بينهما في لسان واحد ، فإذا أمكن لدى الاتصال وصحّ التخصيص الدافع للمنافاة أمكن لدى الانفصال أيضاً.
والأصل في هذا الجواب هو صاحب الجواهر على ما ذكره المحقق الهمداني (2)قدسسرهما.
ولكنك خبير بأنّ هذه العلّة واضحة الدفع ، للفرق البيّن بين القرينتين ، فانّ
المتصلة تمنع عن أصل الظهور وتصادم انعقاده ، فلا ظهور للعام في ابتداء الكلام إلا فيما عدا الخاص. وبذلك ينعدم موضوع المعارضة لتقوّمها بظهورين متصادمين ، وليس في البين إلا ظهور واحد.
أمّا في المنفصلة فقد انعقد الظهور للعام واستقر الكلام ، فاذا لم يكن المخصص المنفصل صالحاً للتخصيص لاستلزامه إخراج المورد كما هو المدعى فلا جرم تتحقق المعارضة بينهما. فلو قيل إنّ زيداً باع جميع كتبه إلا الفقهية ، لم يكن ثمة تعارض بين المستثنى والمستثنى منه. أما لو قيل إن زيداً باع جميع كتبه ولم يبق عنده ولا كتاباً واحداً ، ثم بعد مدّة قيل إنّه لم يبع كتبه الفقهية ، رأى العرف تهافتاً وتناقضاً بين الكلامين. والسرّ ما عرفت من عدم انعقاد الظهور إلا بعد التخصيص في الأوّل ، وانعقاده قبله في الثاني.
وعليه فالصحاح المجوّزة للصلاة في السنجاب تعارض الموثقة المانعة التي هي كالنص في موردها حسب الفرض. فهذا الجواب غير تام.
والصحيح في المقام أن يقال : إنّ تخصيص المورد إنّما يكون ممنوعاً فيما إذا كان بخصوصه منظوراً من العام ومعقوداً عليه الكلام ، فكان المجيب ناظراً إلى مورد السؤال ، كما لو سئل عن إكرام زيد العالم ، فقال : أكرم كلّ عالم ، أو عن إكرام شارب الخمر ، فقال : لا تكرم كلّ فاسق. فانّ إخراج هذا المورد بعد ذلك بمخصص منفصل موجب للتناقض كما أُفيد.
وأمّا إذا لم يكن المجيب ناظراً إلى مورد السؤال وإنّما تعرّض لحكم كلّي ولا سيما إذا كان السؤال عن أُمور عديدة كما في المقام ، حيث إنّ زرارة سأل في موثقة ابن بكير أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من دون أن يكون السائل ناظراً إلى خصوص السنجاب ولا المجيب ، وإنّما ذكره في السؤال من باب المثال ، وقد أعطى الإمام عليهالسلام ضابطة كلّية بنطاق عام ، فانّ مثل هذا العموم لا يكون نصّاً في المورد المزبور ، بل غايته أنّه ظاهر في الشمول له ظهوراً قابلاً للتخصيص بدليل
وأمّا السمور (1)
منفصل ، كما هو الحال في سائر العمومات والإطلاقات ، من دون أي تهافت أو تناقض.
إذن فلا مانع من تخصيص الموثقة بالصحاح المتقدمة وإخراج السنجاب من تحتها والحكم بجواز الصلاة فيه. فما لعلّه المشهور واختاره في المتن من صحة الصلاة فيه هو الصحيح.
(1) وهو على وزن تنّور ، حيوان يشبه السنَّوْر ، أكبر منه ، له جلد ناعم يتخذ للفراء ، وقد اختلف الأصحاب في إلحاقه بالخز والسنجاب في الاستثناء عمّا لا يؤكل لحمه ، فاختار الماتن تبعاً للمشهور عدم الإلحاق فلا تجوز الصلاة فيه ، بل عن المفاتيح دعوى الإجماع عليه (1). وعن الصدوق في المقنع (2)وغيره الجواز.
ويظهر ذلك من المحقق في المعتبر ، حيث إنه بعد أن استدل له بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن الفراء والسمّور والسنجاب والثعالب وأشباهه ، قال : لا بأس بالصلاة فيه » (3)وبصحيحة علي ابن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن لباس الفراء والسمّور والفنك والثعالب وجميع الجلود ، قال : لا بأس بذلك » (4). قال ما لفظه : وطريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق ، ولو عمل بهما عامل جاز (5).
لكنّك خبير بأنّ صحيحة ابن يقطين كغيرها مما ورد بهذا السياق كصحيحة
ابن الصلت (1)ناظرة إلى مجرد اللبس ، وغير متعرضة للصلاة ، فلا يصح الاستدلال بها لهذا الصدد.
نعم ، صحيحة الحلبي صريحة فيه ، ولا يقدح اشتمالها على الثعالب ، لما تقدّم (2)من أنّ رفع اليد عن بعض فقرأت الحديث لوجود المعارض لا يمنع عن الأخذ بالبعض الآخر السليم عنه ، فلا مانع من الاستدلال بها.
وتؤيّده رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن لبس السمّور والسنجاب والفنك ، فقال : لا يلبس ولا يصلّى فيه إلا أن يكون ذكيا » (3)حيث دلّت على جواز الصلاة مع التذكية ، وإن كانت ضعيفة السند من أجل اشتماله على عبد اللّه بن الحسن.
فلو كنّا نحن وهذه الصحيحة لحكمنا بجواز الصلاة فيه ، ولكنّها معارضة بصحيحتين تضمنتا النهي عن الصلاة فيه ، الذي هو في أمثال المقام إرشاد إلى الفساد.
إحداهما : صحيحة أبي علي بن راشد ، قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : ما تقول في الفراء أي شيء يصلّى فيه؟ قال : أيّ الفراء؟ قلت : الفنك والسنجاب والسمّور ، قال : فصلّ في الفنك والسنجاب ، فأمّا السمّور فلا تصلّ فيه » (4).
ثانيتهما : صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن الرضا عليهالسلام قال : « سألته عن جلود السمّور ، فقال : أيّ شيء هو ذاك الأدبس؟ فقلت : هو الأسود ، فقال : يصيد؟ قلت : نعم ، يأخذ الدجاج والحمام ، فقال : لا » (5).
والقاقم (1)
ولا ينبغي التأمل في أنّ الترجيح مع الثانية ، لوجهين :
أحدهما : أنّها مخالفة للعامة ، حيث إنّهم يرون جواز الصلاة في كافة الجلود مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل (1)فتقدم ، لأنّ الرشد في خلافهم ، فتحمل الاولى على التقية.
ثانيهما : أنّها موافقة للسنة القطعيّة من موثقة ابن بكير وغيرها ، والأولى مخالفة لها فتطرح.
ومع الغض عن ذلك وتسليم عدم الترجيح واستقرار المعارضة فيرجع بعد التساقط إلى العمومات المانعة من الصلاة فيما لا يؤكل ، من موثقة ابن بكير وغيرها ، للزوم الرجوع إليها بعد ابتلاء المخصص بالمعارض. فالنتيجة واحدة ، سواء ثبت الترجيح أم لا ، فما في المتن من عدم جواز الصلاة في السمّور هو الصحيح.
(1) بضم القاف الثانية ، يقال إنّه أكبر من الفأرة ويأكلها ، ولم يوجد على وزنه في لغة العرب ، ولعلّه أعجمي مستعرب. وظاهر تعبير الماتن بقوله : على الأقوى مع ذكر القاقم في سياق غيره من المذكورات في المتن ، وجود الخلاف فيه أيضاً ، مع أنّه لم ينسب القول بالجواز إلى أحد ، وبما أنّه من الحشرات التي تعيش تحت الأرض كالفأرة وهي بأجمعها محرمة الأكل فلا شبهة في عدم جواز الصلاة في أجزائه كغيره مما لا يؤكل لحمه.
نعم ، روى المحدّث النوري في المستدرك رواية علي بن جعفر المتضمنة للجواز مشتملة على القاقم (2).
لكن صاحب الوسائل رواها خالية عنه (3)فلم تثبت تلك الزيادة ، وعلى
والفنك (1)
تقدير الثبوت فالرواية ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن. إذن فلا ينبغي التأمل في عدم الجواز.
(1) قال في مجمع البحرين : الفنك كعسل ، دويبة برية غير مأكول اللحم يؤخذ منه الفرو ، ويقال إنّ فروها أطيب من جميع أنواع الفراء ، وهو نوع من جراء الثعلب الرومي. قال : وحكي عن بعض العارفين أنّه يطلق على فرخ ابن آوى في بلاد الترك (1).
والمشهور عدم جواز الصلاة فيه ، بل عن المفاتيح (2)دعوى الإجماع عليه استناداً إلى إطلاق موثق ابن بكير.
ونسب الجواز في الحدائق إلى الصدوق في كتابيه وهما المقنع والأمالي المسمّى بالمجالس ، فإنّهما كتاب واحد ، ونسب إلى العلامة في المنتهي أنّه استوجهه (3).
وتدلّ عليه جملة من النصوص عمدتها صحيحة ابن راشد قال : « فصلّ في الفنك والسنجاب .. » إلخ (4)المؤيدة بروايات بشير بن بشار ، ويحيى بن أبي عمران ، ووليد بن أبان (5)وليس لها معارض ما عدا إطلاق موثق ابن بكير الصالح للتقييد بها من غير محذور كما سبق الكلام فيه مستقصى (6)وبذلك يفارق السمور ونحوه مما له معارض.
1) مجمع البحرين 5 : 285.
2) مفاتيح الشرائع 1 : 109.
3) لم أعثر على مصدر هذه النسبة في غير المستمسك [ 5 : 325 ] من الكتب المطوّلة. والموجود في الحدائق [ 7 : 70 71 ] بعد النسبة إلى الصدوق في كتابيه نسبته إلى الشيخ في الخلاف وسلار نقلاً عن المختلف.
4) الوسائل 4 : 349 / أبواب لباس المصلي ب 3 ح 5.
5) الوسائل 4 : 348 / أبواب لباس المصلي ب 3 ح 4 ، 6 ، 7.
6) في ص 193 فما بعدها.
والحواصل (1) فلا تجوز الصلاة في أجزائها على الأقوى.
إذن فمقتضى الصناعة الحكم بالجواز عملاً بهذه النصوص لولا إعراض الأصحاب عنها ، لكن المختار عدم سقوط الصحيح به عن درجة الاعتبار. فالأقوى جواز الصلاة فيه وإن كان الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
(1) قيل إنّها من سباع الطيور ، لها حواصل عظيمة وقد دلّت جملة من النصوص على استثنائها مما لا يؤكل ، عمدتها ما عبّر عنه بصحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج قال : « سألته عن اللحاف ( الخفاف ) من الثعالب أو الجرز ( الخوارزمية ) منه أيصلّى فيها أم لا؟ قال : إن كان ذكيا فلا بأس به » (1)فإنّ الخوارزمية هي قسم من الحواصل.
ولكن هذه النسخة المطابقة للإستبصار (2)معارضة بنسخة اخرى أوردها في التهذيب بلفظة « الجرز منه » (3)قيل : الجرز نوع لباس للنساء ، والضمير في « منه » راجع إلى الثعالب. وعليه فتكون الرواية أجنبية عمّا نحن فيه.
إذن فلم يثبت متن الرواية بنحو يصلح للاستدلال به لما نحن بصدده ، ولا سيما بعد اختلاف النسخ من ناسخ واحد. هذا أولاً.
وثانياً : مع التسليم فهي أخصّ من المدعى ، لاختصاصها بنوع خاص من الحواصل تسمّى بالخوارزمية ، لا على سبيل الإطلاق ، ولم يثبت عدم القول بالفصل ، غايته أنّهم لم يصرحوا بذلك كما لا يخفى.
وثالثاً : أنّ سندها مخدوش وإن عبر عنها بالصحيحة في الجواهر (4)وغيره فانّ في السند علي بن السندي ، ولم يوثق ، نعم وثّقه نصر بن الصباح على ما
حكاه الكشي (1)لكنه بنفسه لم يوثّق ، فلا عبرة بتوثيقه.
إذن فالرواية مخدوشة سنداً ومتناً ودلالة فلا يعوّل عليها.
ثم إنّ هناك روايات اخرى يستدل بها على الجواز :
منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن بشير بن بشار قال : « سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أُصلّي فيه بغير تقيّة؟ قال فقال : صلّ في السنجاب والحواصل الخوارزمية ، ولا تصلّ في الثعالب ولا السمور » (2). ولكنّها بهذا السند مضمرة لم يعلم من المروي عنه ، فلا تصلح للاستدلال.
نعم ، رواها ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب مسائل الرجال برواية الحميري وابن عياش عن داود الصرمي عن بشر بن بشار عن علي بن محمد الهادي عليهالسلام (3)فلا إضمار حينئذ.
ولكنّها مضافاً إلى أنّها أخصّ من المدعى كما عرفت مخدوشة متناً وسنداً.
أمّا المتن فلتضمنه جواز الصلاة حتى في التي تصاد ببلاد الشرك وتؤخذ من المشركين ، مع أنّها محكومة عندئذ بأنّها ميتة ، فلا بدّ من حملها على التقية.
وأمّا السند فلما سبق من أنّ الصرمي وإن كان ثقة عندنا لوقوعه في أسناد كامل الزيارات (4)ولكن ابن بشار لا توثيق له.
ومنها : التوقيع المروي عن الخرائج : « وإن لم يكن لك ما تصلّي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلّي فيه » (5).
1) رجال الكشي : 598 / 1119.
2) الوسائل 4 : 348 / أبواب لباس المصلي ب 3 ح 4 ، التهذيب 2 : 210 / 823.
3) السرائر 3 : 582.
4) وقد سبق أنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة.
5) المستدرك : 3 : 197 / أبواب لباس المصلي ب 3 ح 1 ، الخرائج والجرائح 2 : 702 / 18. [ وفيه : فان لم يكن لك بدّ فصلّ فيه ، والحواصل جائز لك أن تصلي فيه ].
[1286] مسألة 18 : الأقوى جواز الصلاة في المشكوك كونه من المأكول (1) أو من غيره ، فعلى هذا لا بأس بالصلاة في الماهوت ، واما إذا شك في كون
ولكنّها : مضافاً إلى الإرسال مختصة بحال الضرورة ، فهي أخصّ من المدعى.
ومنها : صحيحة علي بن يقطين قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود ، قال : لا بأس بذلك » (1)بدعوى شمول جميع الجلود للحواصل.
وفيه : أنّ السؤال إنّما هو عن اللبس دون الصلاة ، فهي أجنبية عمّا نحن فيه.
ومنها : صحيحة الريان بن الصلت قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن لبس الفراء والسمور والسنجاب والحواصل وما أشبهها ، والمناطق والكيمخت والمحشو بالقز والخفاف من أصناف الجلود ، فقال : لا بأس بهذا كلّه إلا بالثعالب » (2).
وفيه : أنّها أيضاً واردة في اللبس ، نعم يمكن القول بأنّ استثناء الثعالب يكشف عن إرادة الصلاة ، وإلا لم يبق مورد للاستثناء ، لوضوح عدم الفرق في جواز اللبس بين الثعالب وغيرها. إلا أن يقال : إنّ الوجه في الاستثناء بعد اشتراك جميع الجلود المتخذة من غير المأكول في كراهة اللبس أنّ المأخوذة من الثعالب أشد كراهة وأكثر مرجوحية.
إذن فلا سبيل للاستدلال بها على جواز الصلاة في الحواصل. ومعه كان المرجع عموم ما دلّ على المنع عن الصلاة في غير المأكول من موثقة ابن بكير وغيرها.
(1) اختلفت الأنظار في جواز الصلاة فيما يشك في جزئيته لما لا يؤكل لحمه
شيء من أجزاء الحيوان أو من غير الحيوان فلا إشكال فيه.
على أقوال :
أحدها : عدم الجواز مطلقاً. وهذا هو المشهور بين الفقهاء ، بل عن المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب (1).
الثاني : الجواز مطلقاً. اختاره المحقق الأردبيلي (2)وقال [ به ] السيد صاحب المدارك (3)وجمع آخرون ، بل إنّ هذا في الجملة هو المعروف بين المتأخرين كما ستعرف.
الثالث : التفصيل بين الشرطية والمانعية ، وأنّه بناء على أن يكون الشرط في صحة الصلاة كون اللباس من النبات أو من حيوان مأكول اللحم فمع الشك يحكم بالفساد ، لعدم إحراز الشرط. وأمّا بناءً على القول باعتبار المانعية وأنّ إيقاع الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مانع عن الصحة يندفع المانع لدى الشك بأصالة العدم ، ويحكم بجواز الصلاة فيه. اختاره صاحب الجواهر (4)هذا.
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ قدسسره (5)أنّ هذا القول ليس تفصيلاً في المسألة ، إذ بناءً على الشرطية لا إشكال في عدم الجواز ، للزوم إحراز الشرط. ومحلّ الكلام جوازاً ومنعاً إنّما هو بناءً على القول بالمانعية.
لكنّك ستعرف إن شاء اللّه تعالى أنّ مقتضى بعض أدلّة القائلين بالجواز عدم الفرق بين الشرطية والمانعية (6)فالتفصيل بين المبنيين قول ثالث في المسألة.
الرابع : التفصيل بين ما يكون مع المصلي من افتتاح صلاته وما يقع عليه أو
يلبسه بعد الشروع فيها ، بالجواز في الثاني وعدمه في الأول.
وهذان التفصيلان هما الأساس في المقام. وأمّا التفاصيل الأُخر من بقية الأقوال المذكورة في المسألة فكلّها من شؤون التفصيل الأوّل أعني الفرق بين الشرطية والمانعية ومما يترتب ويتفرع عليه.
فمنها : التفصيل بين اللباس وغيره من المحمول ونحوه ، فيحكم بالبطلان في الأوّل دون الثاني. اختاره صاحب الجواهر قدسسره في نجاة العباد (1)وأقرّ عليه شيخنا الأنصاري قدسسره في التعليقة. فكأنّهما قدسسرهما يريان أنّ من شرائط اللباس كونه من أجزاء ما يؤكل إذا كان متخذاً من الحيوان وأمّا غير اللباس فلم يشترط فيه شيء ، بل هناك اعتبار المانعية إذا كان من أجزاء ما لا يؤكل ، ففي الأول يحكم بالبطلان لدى الشك لعدم إحراز الشرط وفي الثاني يحكم بالصحة دفعاً للمانع المحتمل بالأصل.
ومنها : التفصيل بين الساتر وغيره ، فيحكم بالبطلان في الأول دون الثاني سواء أكان ملبوساً أم محمولاً أو غيرهما. وهو أيضاً مبني على ما عرفت من اختصاص اعتبار الشرطية في الساتر بخصوصه فلا بدّ من إحرازه في الحكم بالصحة ، وفي غيره لم يعتبر إلا المانعية المدفوعة بالأصل.
ومنها : ما ذكره السيد قدسسره في المتن من التفصيل بين ما يعلم كونه من أجزاء الحيوان ويشك في كون الحيوان مما يؤكل أو لا يؤكل ، وبين ما لم يعلم كونه من الحيوان أو من غيره ، فجعل الجواز في الثاني مما لا إشكال فيه وأمّا في الأول فذكر أنّه الأقوى. فهو قدسسره وإن حكم بالجواز في كلتا الصورتين لكنه جعله في إحداهما أظهر. وهو أيضاً مبني على ما عرفت من التفصيل المتقدم ، إذ لا يحتمل الشرطية مع الشك في كونه من أجزاء الحيوان فإنّ القائل بها يخصصها بما علم كونه منه كما لا يخفى ، فليس هناك إلا احتمال المانعية المدفوعة بالأصل ، نعم في صورة العلم [ بكونه من أجزاء
1) نجاة العباد : 89 - 90.
الحيوان ] والشك في كون الحيوان مما يؤكل أو من غيره يحتمل كل من القولين ، وحيث إنّه قدسسره بنى على المانعية اختار الجواز فجعله أقوى.
هذه هي حال الأقوال في المسألة ، وسيتّضح المختار منها.
وينبغي قبل الشروع في صميم البحث التكلّم في جهات :
الاولى : أنّ الجواز المبحوث عنه في المقام يحتمل أن يراد به الوضعي منه الذي هو بمعنى المضي والنفوذ والصحة المستلزم لترتب الأثر عليه وجواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ، كما يحتمل أن يراد به الجواز التكليفي بمعنى الإباحة لا ما يقابل الحرمة الذاتية ، لعدم احتمال أن تكون الصلاة في اللباس المشكوك من المحرمات الإلهية ، بل ما يقابل الحرمة التشريعية أي الإتيان بالعمل في مقام الامتثال مضيفاً له إلى المولى ومسنداً له إلى الشارع فانّ جواز العمل تكليفاً بهذا المعنى يلازم الصحة والاجتزاء به في مقام الامتثال ، وإلا كان تشريعاً محرماً ، والشارع لا يرخّص في التشريع المحرّم ، لعدم الفرق في حرمته بين عدم ثبوت الحكم واقعاً أو عدم إحرازه كما لا يخفى. فما لم تحرز صحة الصلاة في المشكوك بأصل أو أمارة فهي محكومة بالحرمة تشريعاً ، فإذا أباحه الشارع ورخّصه في مقام الامتثال كشف ذلك لا محالة عن صحته ونفوذه. فالجواز التكليفي بهذا المعنى يلازم الجواز الوضعي ، بل مرجعهما شيء واحد.
الجهة الثانية : هل المراد بالجواز المبحوث عنه في المقام هو الجواز الواقعي أو الظاهري البحت ، أو الظاهري المنقلب إلى الواقعي في بعض الفروض؟ وجوه ، بل أقوال. وستعرف أنّ الأقوى هو الأخير.
ظاهر المحقق القمي قدسسره في أجوبة مسائله هو الأوّل ، حيث ذكر قدسسره أنّ المتبادر أو المنصرف ممّا دلّ على المنع من الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل صورة العلم بكون الشيء جزءاً من حيوان غير مأكول اللحم ، ففرض الشك خارج عن مصبّ الحكم رأساً ، ثم قال قدسسره : وعلى تقدير التنزّل
والتسليم فلا أقل من عدم ظهور الدليل في التعميم (1).
فعلى ما أفاده قدسسره من أخذ العلم جزءاً للموضوع تكون الصحة في ظرف الشك واقعية (2)، لانتفاء المانع حقيقة وارتفاعه وجداناً ، من دون حاجة إلى قيام أمارة أو أصل. لكن المبنى غير قابل للتصديق.
أمّا أوّلاً : فلأنّ الألفاظ أسامٍ للمعاني الواقعية دون المعلومة ، فالنهي عما لا يؤكل متوجه إلى واقع هذا العنوان علم به أم جهل ، كغيره من موضوعات الأحكام من الخمر ونحوه ، ولا قرينة على الاختصاص بصورة العلم. وما ادّعاه من التبادر أو الانصراف عهدته على مدّعيه.
وثانياً : مع الغضّ فإنّما يسلّم الانصراف في مثل الأخبار المتضمنة للخطاب والنهي التكليفي ، فيدعى ظهورها لمكان الاشتمال على البعث أو الزجر في صورة العلم ، لكن الأخبار الدالّة على المنع عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لا تنحصر بذلك ، بل قد عرفت أنّ العمدة منها هي الموثّقة ، وهي عارية عن النهي والخطاب ، بل هي دالة على الحكم الوضعي أعني الفساد ابتداءً ، قال عليهالسلام فيه : « فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكلّ شيء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة ... إلخ » ولا مقتضي لدعوى الانصراف في مثل ذلك أصلاً ، فهو بإطلاقه شامل لصورتي العلم والجهل. فما أفاده قدسسره لا يمكن المساعدة عليه بوجه.
وذهب المحقّق النائيني قدسسره إلى أنّ الصحّة ظاهرية لا واقعية (3). وتظهر الثمرة فيما لو صلّى في المشكوك ثم انكشف الخلاف وبان أنّه من أجزاء ما لا يؤكل ، فعلى ما أفاده قدسسره تجب الإعادة ، بخلاف ما لو كانت الصحّة واقعية.
وهذا منه قدسسره مبني على ما اختاره من اختصاص حديث لا تعاد
بصورة النسيان وعدم شموله لفرض الجهل (1)، فإنّه بعد ما كان المنع عما لا يؤكل واقعياً غير مختص بصورة العلم كما مرّ آنفاً فبعد انكشاف الخلاف وتنجّز الواقع لا بدّ من الإعادة ، التي هي مقتضى القاعدة الأوّلية في كل ما لو تبيّن خلل في العبادة من نقص جزء أو شرط أو الاقتران بمانع ، ما لم يدل دليل على الإجزاء المقتضي لانقلاب القاعدة الأوّلية إلى الثانوية ، من قاعدة لا تعاد ونحوها من القواعد المقرّرة في أمثال المقام ، هذا.
وقد أفاد قدسسره في وجه الاختصاص أنّ ذلك مقتضى مادة الإعادة فإنّ الأمر بها أو نفيها إنّما يتّجه مع عدم بقاء الأمر الأول ، وإلا فمع ثبوته يكلّف بإتيان العمل بنفس ذلك الأمر من دون حاجة إلى الأمر بالإعادة. فالمعتبر في مقسم هذا الحكم نفيا وإثباتاً سقوط الأمر الأول ، المختصّ ذلك بالناسي ، حيث إنّ الجزء المنسي عنه مرفوع عنه حتى واقعاً ، وأمّا الجاهل فحيث إنّ الحكم الواقعي ثابت في حقه وغير ساقط عنه فهو لا يزال مخاطباً بنفس الأمر الأول فيقال له أدِّ العمل وائتِ به ، ولا يقال له أعد أو لا تعد كما لا يخفى.
لكنّك خبير بصحة إطلاق الإعادة في كلتا الصورتين وإن اختص الجاهل بإمكان خطابه بنحو آخر أيضاً كما ذكر فمهما يشتركان في صحة الإطلاق نفياً وإثباتاً بمجرد الشروع في العمل ، نعم قبل الشروع لا معنى للحكم بالإعادة أو بعدمها ، لانتفاء الموضوع ، فإنّها عبارة عن الوجود الثاني للطبيعة وبعد لم يوجد أيّ فرد منها ، من دون فرق في ذلك بين الجاهل والناسي. وأمّا بعد الشروع والتلبس بالعمل فيصح الإطلاق ، سواء فرغ من العمل أم كان بعد في الأثناء ، وإن كان في الأول أظهر. ويكشف عن الثاني ما ورد في غير واحد من الأخبار من الإعادة في من أخلّ بصلاته في الأثناء من قهقهة أو تكلم أو حدث ونحو ذلك (2).
وبالجملة : فلا فرق في حسن الإطلاق في كلّ ذلك بين الناسي والجاهل فيما إذا كان الجهل عذراً وعن قصور ، فلو صلّى في اللباس المشكوك جهلاً يعذر فيه وبعد الفراغ بان الخلاف فهو مشمول لحديث لا تعاد.
نعم ، الجاهل المتردد الذي لا يعذر فيه كمن صلّى قبل الفحص ونحو ذلك غير مشمول للحديث ، لانصرافه إلى ما إذا كان المقتضي للإعادة ما يلحق العمل من انكشاف الخلاف المتأخر عنه بحيث لولاه كان محكوماً بالصحة. وأمّا في الفرض فالعمل محكوم بالبطلان بحكم العقل من أول الأمر ، لمكان قاعدة الاشتغال فلا يعمّه الحديث.
وأوضح حالاً منه العالم المتعمّد ، فانّ البطلان حينئذ ثابت من أوّل الأمر ، لا أنّه يتجدّد لاحقاً لأجل انكشاف الخلاف ، على أنّ شموله لمثله منافٍ لأدلّة الأجزاء والشرائط والموانع كما هو ظاهر. فما عن بعض من شموله للعامد بمراحل عن الواقع.
وأمّا الجاهل المقصّر غير المتردد فالحديث في حدّ نفسه غير قاصر الشمول له ، لكن يمنع عن ذلك ما ورد في غير واحد من الأخبار من الأمر بالإعادة في من أخلّ بجزء أو شرط أو مانع ، فانّ لازم شمول الحديث للجاهل المقصّر حمل هذه الأخبار على العالم العامد أو الجاهل المتردد اللذين قلّما يتفق لهما مصداق في الخارج ، ضرورة أنّ الغالب من موارد هذه الأخبار إنّما هو الجاهل المقصّر ، فيلزم من الشمول المزبور حمل هذه الأخبار على كثرتها على الفرد النادر وهو قبيح مستهجن. ففراراً عن هذا المحذور يمنع عن شمول الحديث للجاهل المقصّر.
فتحصّل : أنّ مورد حديث لا تعاد إنّما هو الناسي والجاهل المعذور ، دون المقصّر ودون المتردد والعامد.
وعليه فمن صلّى في اللباس المشكوك جاهلاً وهو معذور فيه ثم بان الخلاف بعد الفراغ حكم بصحة صلاته صحة واقعية ، لحديث لا تعاد.
وكذا لو انكشف الخلاف في الأثناء لكن بعد أن نزع اللباس قبل الانكشاف
كما لو صلّى فيه ركعة ثمّ اتفق نزعها في الركعة الثانية ثم حدث الانكشاف في الركعة الثالثة مثلاً ، فإنّ القاعدة جارية حينئذ ، إذ حين اللبس كان جاهلاً معذوراً على الفرض فتشمله القاعدة بلحاظ ذلك الجزء ، وعند الانكشاف لم يكن لابساً له. فجواز الصلاة مع المشكوك كان ظاهرياً ، وبعده تبدل إلى الواقعي ببركة الحديث.
نعم ، إذا كان لابساً له حال الانكشاف لم تنفع القاعدة حينئذ ، فإنّها وإن جرت بالإضافة إلى الأجزاء السابقة لكنها لا تنفع بالنسبة إلى اللاحقة التي منها آن الانكشاف ، المعتبر فيه الخلو عما لا يؤكل كبقية الآنات الصلاتية ، لعدم تكفّل الحديث إلا لتصحيح العمل السابق وترميم الخلل الواقع فيه ، دون ما لم يأت به بعدُ من الأجزاء اللاحقة كما هو ظاهر جدّاً ، ففي مثله يكون الجواز ظاهرياً بحتاً فيحكم بالبطلان عند انكشاف الخلاف.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ كون الجواز ظاهرياً أم واقعياً يدور مدار جريان حديث لا تعاد وعدمه ، وقد عرفت جريانه في بعض الصور ، فيتبدّل فيه الجواز الظاهري إلى الواقعي ، وهو ما إذا كان الانكشاف بعد الفراغ عن الصلاة أو في الأثناء لكن بعد النزع ، فيحكم بالصحة. وأمّا إذا كان الانكشاف قبله فلا تبدّل ولا انقلاب ، بل الجواز ظاهري بحت يرتفع بقاءً لدى الانكشاف فيحكم بالبطلان ووجوب الإعادة.
الجهة الثالثة : قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أنّه لا بدّ على كلا القولين من الشرطية أو المانعية من إحراز الصحة عند الشروع في الصلاة ، وأنّ اللباس ليس من غير المأكول ، إمّا بأمارة أو بأصل ، لحكم العقل بلزوم إحراز الشرط أو انتفاء المانع في مقام الامتثال ، فالصحة الظاهرية لا بدّ من إحرازها على كل حال ، وإلا فالعمل بدونه محكوم بالبطلان بقاعدة الاشتغال.
وما يقال من اختصاص ذلك بالقول بالشرطية للزوم إحراز الشرط بلا إشكال ، دون المانعية فإنّ مجرد الشك في وجود المانع كافٍ في الحكم بعدمه بقاعدة المقتضي والمانع ، بعيد عن الصواب.
أمّا أولاً : فلأنّ هذه القاعدة غير تامة في حد نفسها كما ذكرناه في الأُصول (1).
وثانياً : على تقدير التسليم فمورد القاعدة إنّما هو المانع الذي يكون عدمه من أجزاء العلة في مقابل الشرط والمقتضي ، فاذا أُحرزت أجزاء العلة التامة من غير ناحية المانع وشك في وجوده يحكم حينئذ بثبوت المعلول وترتب المقتضى بالفتح ولا يعتنى باحتمال وجود المانع. وأمّا في المقام فليس إطلاق المانع على اللباس المتخذ من غير المأكول من هذا القبيل قطعاً ، بل هو بمعنى ما أُخذ عدمه في المركب ، فيعبّر عن القيود العدمية بالمانع ، كما يعبّر عن الوجودية بالشرط ، فكلّ منهما قيد مأخوذ في الواجب ، غايته أنّ أحدهما وجودي والآخر عدمي ، ومن الواضح لزوم إحراز الواجب بماله من القيود الوجوديّة والعدمية في مقام الامتثال.
نعم ، الغالب أنّ القيد العدمي أعني عدم المانع محرز بأصل موضوعي أو حكمي ، إذ المانع أمر حادث مسبوق بالعدم ، بخلاف القيود الوجودية أعني الشرائط فإنّ وجودها على خلاف الأصل فتحتاج إلى الدليل غالباً ، لكن ذلك لا يستوجب فرقاً فيما هو الملاك في المقام من لزوم إحرازهما في مقام الامتثال.
الجهة الرابعة : لا يخفى أنّ عنوان البحث في هذه المسألة وإن كان هو جواز الصلاة في خصوص ما يشك في جزئيته لما لا يؤكل ، إلا أنّ ملاك البحث عام له ولكلّ مشتبه من بقية الموانع من الحرير والذهب والمغصوب ونحوها ، لعدم الموجب للتخصيص بعد التوسعة في ملاك النزاع في المقام.
نعم ، قد يستظهر من الأدلّة عنوان الشرطية في المقام والمانعية في بقية الموارد ، لكنّ ذلك مجرد استظهار في مقام الإثبات قابل للنقض والإبرام ، فلا يكاد يؤثر في تضييق نطاق البحث كما لعله ظاهر جدّاً. فالكلّ داخل في محلّ
1) مصباح الأُصول 3 : 240 فما بعد.
الكلام من دون فرق في ذلك بين ما إذا كانت المانعية شرعية مستفادة من دليل لفظي ، أو عقلية ثبتت بالدليل اللبّي كما في الغصبية ، حيث إنّ اعتبار الإباحة في اللباس لم يكن مدلولاً لدليل لفظي ، وإنّما استفيد من حكم العقل بامتناع كون الحرام مصداقاً للواجب ، الموجب لتقييد ما دلّ على اعتبار الساتر في الصلاة بكونه مباحاً ، بخلاف مانعية مثل الحرير المستفادة من الأدلّة اللفظية.
وقد خالف في ذلك بعض الأعاظم تبعاً لصاحب الكفاية قدسسره (1)فذكر أنّ المخصص إذا كان لبيّاً مستفاداً من دليل العقل يقتصر فيه على المقدار المتيقن ، فكان الخارج عن عموم العام إنّما هي الأفراد المعلومة ، فلا يوجب ذلك انثلام ظهور العام وحجيته في الباقي وإن كان الفرد مشكوكاً.
لكنه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، ضرورة أنّ العبرة في التخصيص إنّما هو بالمنكشف دون الكاشف ، فاذا ثبت خروج عنوان عن تحت العام خروجاً واقعياً بحيث لا يكاد يشمله العموم في نفس الأمر وفي مقام الثبوت ، اقتضى ذلك لا محالة تقيّد موضوع العام بحسب الإرادة الجدية بما عدا عنوان الخاص ، سواء أكان الدالّ عليه في مقام الإثبات اللفظ أم العقل فعنوان العام مقيّد بحسب الواقع بغير ذلك على التقديرين ، ومعه كيف يمكن التمسك به عند الشك وفي الشبهة المصداقية.
وبالجملة : فالمانعية العقلية كاللفظية لا تختص بصورة الإحراز ، بل هي أمر واقعي تعمّ صورة الشك في وجود الموضوع أيضاً.
نعم ، يتمّ ذلك فيما إذا كانت المانعية العقلية ناشئة من التزاحم بين التكليفين مع تقديم جانب النهي ، فانّ المانعية حينئذ تختص بصورة العلم والإحراز لتقوّم صدق المزاحمة بذلك ، ضرورة أنّ التكليف إنّما يتصف بكونه مزاحماً ومعجّزاً مولوياً في ظرف التنجّز وبلوغه إلى المكلف ، وإلا فمجرد وجوده الواقعي ما لم يبلغ حدّ التنجز لا يكون مزاحماً مع التكليف الآخر.
1) الكفاية : 222.
وأمّا إذا كانت ناشئة من التعارض كما في أمثال المقام فيقيد التكليف بحسب الواقع بعدم اقترانه بالمانع. فهذا المانع بوجوده الواقعي متصف بالمانعية سواء علم به أم جهل كما هو ظاهر.
الجهة الخامسة : في تحقيق أنّ اعتبار عدم وقوع الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل هل هو على سبيل الشرطية ، أو أنّه بنحو المانعية. فإنّ العمدة من روايات الباب إنّما هي موثقة ابن بكير المتقدمة سابقاً (1)، وهي بمقتضى صدرها ظاهرة في المانعية ، كما أنّها بمقتضى الذيل ظاهرة في الشرطية.
فهل يؤخذ بالظهور الأول ويتصرّف في الثاني ، فيحمل الاشتراط على التبعي وانّ وقوع الصلاة فيما أحلّه اللّه ليس لخصوصية فيه ، بل لأجل التخلّص عن المانع ، وهو الوقوع فيما لا يؤكل؟
أو يعكس فيتحفظ على الظهور الثاني ، ويحمل النهي والفساد في الصدر على العرضي ، فيكون المجعول الشرطية ، وأمّا المانعية المستفادة من الصدر فهي عرضية تبعيّة؟
وربما يحتمل في المقام احتمال ثالث ، وهو الجمع بين كلا الاعتبارين أعني الشرطية والمانعية فكما أنّ الوقوع في أجزاء ما لا يؤكل مانع كذلك يشترط في الصحة أن يكون اللباس متخذاً من النبات أو من حيوان محلّل الأكل.
لكن هذا الاحتمال ساقط جزماً ، بل هو مستحيل وإن أصرّ عليه بعض الأعاظم قدسسره لامتناع الجمع بين شرطية أحد الضدين ومانعية الضد الآخر ، من دون فرق في ذلك بين التكوينيات والتشريعيات.
أمّا في الأُمور التكوينية : فتوضيحه يتوقف على تحقيق معنى المانعية فيها وكيفية دخل أجزاء العلّة في وجود المعلول فنقول :
لا ريب أنّ العلّة تتألف من أُمور ثلاثة : المقتضي ، والشرط ، وعدم وجود المانع ، فهي بأجمعها دخيلة في وجود المعلول ، كما أنّ بانتفاء واحد منها ينتفي
1) في ص 168.
وجوده ، إلا أنّ كيفية دخل هذه الثلاثة مختلفة.
أمّا المقتضي فدخالته باعتبار أنّه هو الذي منه يترشح الأثر ، ومنه يتولّد المعلول ، كالنار بالإضافة إلى الإحراق.
وأمّا الشرط كالمحاذاة في هذا المثال فليس شأنه الترشح والتوليد ضرورة أنّ الإحراق إنّما ينشأ ويترشح من ذات النار ، وأمّا المماسة والمحاذاة فهي أجنبية عن الرشح بالكلّية. فدخالتها في التأثير وعدّ الشرط من أجزاء العلّة إنّما هو باعتبار كونه دخيلاً في فعلية الأثر الناشئ عن المقتضي ، لنقص في الفاعل أو في المحلّ ، فيكون متمماً لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل. وعلى أي تقدير فالشرط بنفسه بمعزل عن الفاعلية والتأثير ، وأجنبي عن الإفاضة والترشيح ، بل إنّ هذه من صفات المقتضي فقط كما عرفت. فليس كيفية الدخل فيهما على حدّ سواء ومن سنخ واحد.
وأمّا المانع الذي يعدّ عدمه من أجزاء العلّة فكيفية الدخل فيه تباين المقتضي والشرط ، فلا هو منشأ للرشح ولا أنّه متمّم للنقص ، كيف وهو أمر عدمي ، ولا يعقل ترشح الوجود من العدم ، أو دخله في تحقق الأثر بالضرورة ، فليست دخالته إلا باعتبار مزاحمة المانع بوجوده عن تأثير المقتضي وصدّه عن ترتب المقتضى بالفتح عليه. فلأجل التدافع والتمانع الحاصل بين وجودين المقتضي والمانع ، حيث إنّ أحدهما يقتضي شيئاً والآخر يضاده ويزاحمه ويقتضي خلافه اعتبر عدمه في فعلية الأثر وترتّب المعلول. ولو لا هذه المزاحمة لما كاد يعقل أن يكون عدم شيء من أجزاء علّة شيء آخر.
وبالجملة : لا بدّ في صدق المانعية على شيء من اتصاف وجوده بكونه مزاحماً فعلياً مع المقتضي المفروض وجوده وكافّاً له عن التأثير ، بحيث لولاه لترتب الأثر عليه بالفعل ، حتى يكون عدمه من أجزاء العلّة بالمعنى الذي عرفت ، أي يكون المزاحم منتفياً حتى يؤثر المقتضي أثره.
ومما ذكرناه تعرف أنّ بين أجزاء العلة المقتضي ، الشرط وعدم المانع نوعاً من الترتب والطولية ، بمعنى أنّه عند اجتماعها المستلزم لوجود المعلول
فالوجود مستند إلى تحقق مجموع هذه الأجزاء ، وأمّا عند انتفائها فعدم المعلول حينئذ يستند إلى الأسبق فالأسبق ، فلا يستند إلى اللاحق إلا بعد فرض وجود السابق.
فمثلاً النار مقتضٍ للإحراق ، والمحاذاة شرط ، ورطوبة المحلّ مانع ، فعند اجتماع الأوّلين مع انتفاء المانع يتحقق الإحراق. وأمّا عند فقد شيء منها المؤدي إلى عدم وجود المعلول فإنّما يستند العدم إلى وجود المانع مع تحقق المقتضي والشرط ، وإلا فمع عدم وجود النار من أصله أو وجودها من دون المحاذاة لا معنى للاستناد إلى رطوبة المحلّ ، لما عرفت من أنّ المانع هو ما يكون مزاحماً مع المقتضي في التأثير ، والمفروض عدم وجود المقتضي من أصله أو عدم كونه تام الفاعلية ، ومعه كيف تعقل المزاحمة حتى يكون العدم مستنداً إلى وجود المزاحم ، فإنّه من السالبة بانتفاء الموضوع.
كما أنّه إنّما يستند إلى فقد الشرط مع فرض وجود المقتضي ، فيستند عدم الإحراق إلى عدم المحاذاة مع وجود أصل النار ، وإلا فمع عدمه لا معنى للاستناد إلى فقدان الشرط ، إذ الشرطية المتقوّمة بالتتميم كما عرفت متفرّعة على فرض الوجود الناقص كي يتمّم ويجبر به النقص. وبالجملة : فمع فرض عدم المقتضي يستند عدم المعلول إليه لا إلى فقد الشرط ، ولا إلى وجود المانع.
ولعمري إنّ هذا ظاهر جدّاً ، بل لعلّه يعدّ من الضروري وإن أصرّ على خلافه بعض الأعاظم فجوّز الاستناد إلى كلّ من عدم المقتضي ووجود المانع عند فرض انتفاء أجزاء العلّة بأجمعها. وقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه.
ومن هنا يظهر استحالة مانعية أحد الضدّين بعد فرض شرطية الضد الآخر ، ضرورة أنّ المقتضي مع شرطه إن كانا موجودين فيستحيل معه وجود المانع حتى يزاحم المقتضي في التأثير ، لاستلزامه اجتماع الضدّين بعد فرض المضادة بينه وبين الشرط ، فلا يعقل وجوده حينئذ كي يتصف بالمانعية حتى يكون عدمه من أجزاء العلّة ودخيلاً في فعليّة الأثر بالمعنى المتقدم.
وإن لم يكن المقتضي التام وبوصف كونه مؤثراً لولا المزاحم موجوداً إمّا لعدم وجود المقتضي من أصله أو لعدم تأثيره من جهة فقد الشرط فالمقتضي ( بالفتح ) بنفسه غير قابل للتحقق ، لنقص في الفاعل أو لعدم وجوده من أصله ، كان المانع موجوداً أم لا. فعدم المعلول حينئذ يستند إلى عدم المقتضي أو عدم الشرط لا إلى وجود المانع ، إذ ليس هناك مقتض مؤثّر كي يزاحمه المانع في التأثير. فلا يعقل المانعية لأحد الضدّين بعد فرض شرطية الضدّ الآخر على أيّ تقدير. هذا كلّه في التكوينيات.
وأمّا في التشريعيات فليس إطلاق الشرط والمانع فيها على حدّ إطلاقه في الأُمور التكوينية ، إذ ليس هناك تأثير لا تأثر ولا علّة ولا معلول ، وإنّما هناك جعل حكم على الموضوع المقدّر وجوده مع أخذ قيود فيه وجودية وعدمية ، فيعبّر عن القيد الوجودي بالشرط ، وعن العدمي بالمانع ، وهذا مجرد اصطلاح محض كما لا يخفى.
وعليه فبعد اعتبار الشرطية لأحد الضدّين أعني اعتبار التقيّد بوجوده كان اعتبار المانعية أي التقيّد بعدم الضدّ الآخر من اللغو الظاهر ، لإغناء الجعل الأول عن الثاني بعد عدم انفكاك وجود الضدّ عن عدم الضدّ الآخر هذا إذا كان الضدّان مما لهما ثالث. وأمّا إذا لم يكن فاللغوية لا تنحصر في اعتبار المانعية ، بل أيّاً منهما اعتبره أوّلاً كان الثاني لغواً ، سواء كانت الشرطية أو المانعية ، إذ المفروض عدم خلو المحلّ عن أحدهما. فاعتبار كلّ منهما يغني عن الآخر ، واللغو إنّما هو الجمع بين الاعتبارين من دون ترجيح في البين.
والمتحصّل من جميع ما قدمناه : استحالة الجمع بين شرطية أحد الضدّين ومانعية الضد الآخر ، من دون فرق فيه بين التكوينيات والتشريعيات. فما اختاره بعض الأعاظم من الجمع بينهما في المقام فالتزم باشتراط كون اللباس من محلل الأكل إذا كان متخذاً من الحيوان ، وبمانعية المتخذ من محرم الأكل ساقط جزماً.
بل يدور الأمر بين الشرطية المطلقة ، والمانعية كذلك ، والتفصيل بين الساتر
وغيره فالاعتبار في الأوّل بنحو الشرطية ، وفي الثاني على سبيل المانعية كما قيل.
وقبل الخوض في تحقيق الحال وبيان المختار ينبغي التنبيه على أمر قد تعرضنا له في الأُصول في بحث مقدمة الواجب (1)وهو أنّ الفرق بين الجزء والشرط هو أنّ الجزء مما يتألف منه المركب ، فينبسط الأمر المتعلق به وينبث عليه لدى التحليل لا محالة ، فانّ ذات الجزء إذا لوحظ في حدّ نفسه ولا بشرط فهو جزء ، وإذا لوحظ بشرط الانضمام مع بقية الأجزاء فهو عين المركّب فالمركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر. وعليه فهو داخل فيه قيداً وتقيّداً ، ولذا قلنا بأنّ وجوبه نفسي لانبساط الأمر المتعلق بالمركب عليه.
وأمّا الشرط فهو وإن كان خارجاً عن حريم المأمور به ، إلا أنّ التقيد به مأخوذ فيه ، ولذا قيل إنّه جزء عقلاً وشرط خارجاً ، أي انّ التقيّد به داخل في المأمور به وواقع في حيّز الطلب ، والقيد خارج. فالشرطية أو المانعية إنّما تنتزعان من تقيّد الواجب بقيد وجودي أو عدمي.
ومنه تعرف أنّ ذات القيد لا بدّ وأن يكون فعلاً اختيارياً للمكلّف ، كي يصح الأمر بتقيد الواجب به أو بعدمه ، لما عرفت من أن التقيد في باب الشرائط والموانع داخل في المركب فلا بدّ وأن يكون أمراً اختيارياً ، ولا يكاد يكون كذلك إلا إذا كان ذات القيد متعلقاً لاختيار المكلّف ، إذ لا يعقل تقييد الواجب بأمر غير اختياري ، وإنّما يجوز ذلك في تقييد الوجوب نفسه دون الواجب ، وإلا لكان القيد مفروض الوجود ، ومثله خارج عن حيّز الطلب الذي قد عرفت تعلّقه بالتقيد به.
ولأجله ذكرنا في محلّه أن عدّ القبلة من شرائط الصلاة وكذا الطهارة الحدثية والخبثية مبني على ضرب من المسامحة ، وإنّما الشرط هو الاستقبال وإيقاع الصلاة في هذه الأحوال ، الذي هو فعل اختياري للمكلّف ، دون نفس
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 296 - 298.
هذه الأُمور الخارجة عن تحت قدرته واختياره.
ومما ذكرنا يعلم أنّ الشرط أو المانع في محلّ الكلام لا بدّ وأن يكون اعتبار أمر وجودي أو عدمي صالح لتعلق الاختيار به كي يمكن أخذه قيداً في الواجب ، كإيقاع الصلاة في اللباس المأخوذ من حيوان مأكول اللحم أو [ غير ] محرم الأكل ، أو عدم إيقاعها فيه. وأمّا نفس المأكوليّة وعدمها أعني حكم الشارع بحليّة الأكل أو بحرمته فلا يعقل أن يكون شرطاً أو مانعاً ، فإنّه فعل اختياري للشارع ، ومثله خارج عن تحت قدرة المكلف واختياره فكيف يتقيد الواجب به أو بعدمه ، وهذا ظاهر.
فما أفاده بعض الأعاظم قدسسره من تعميم الشرط والمانع لما كان خارجاً عن الاختيار ، وأنّهما منتزعان من إضافة الواجب إلى شيء خارجي وإن كان غير اختياري ، في حيّز المنع وغير قابل للتصديق كما عرفت.
ومما ذكرنا يعلم أيضاً أنّ المدار في استفادة الشرطية أو المانعية على أنّ القيد المأخوذ في الصلاة هل هو عنوان وجودي أو عدمي ، من دون فرق في ذلك بين كون متعلّق هذا العنوان وجودياً أم عدميا ، فاذا كان المستفاد من الأدلّة هو إيقاع الصلاة في محلّل الأكل أو إيقاعها في غير محرم الأكل كان الاعتبار من باب الشرطية ، وإذا كان مفادها عدم الإيقاع في محرم الأكل أو عدم إيقاعها في غير محلّل الأكل كان ذلك من باب المانعية. فاختلاف الاعتبارين يدور مدار تقيّد الصلاة بأمر وجودي أو عدمي.
فإذا كان وجودياً كان شرطاً وإن كان متعلقه عدميا كالإيقاع في غير محرم الأكل. وإن كان عدميا كان مانعاً وإن كان متعلقه وجودياً كعدم الإيقاع في محرم الأكل ، لما عرفت من أنّ الحلّية والحرمة ليستا من الشرط والمانع في شيء ، لخروجهما عن تحت الاختيار ، وإنّما المقدور الإيقاع وعدمه ، فالاعتبار بهما لا بمتعلقهما.
فما أفاده بعض الأساطين قدسسره من أنّ ما لا يؤكل لحمه إن كان كناية عن حرمة الأكل كان الفساد مستنداً إلى وجود المانع ، وإن كان كناية عن
عدم حلّيته دلّ على اشتراط الصحة بالحلّية فيكون الفساد مستنداً إلى فقد الشرط ، غير وجيه ، لابتنائه على ما اختاره قدسسره من تعميم شرط الواجب لما كان خارجاً عن الاختيار ، وقد عرفت ما فيه.
إذا عرفت هذا فنقول : المستفاد من الروايات الواردة في المقام عموماً وخصوصاً إنّما هي المانعية ، لتضمنها النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل أو في خصوص الأرانب والثعالب ونحوهما من العناوين الخاصة ، فيستفاد منها اعتبار عدم إيقاعها في هذه الأُمور ، الذي هو منشأ انتزاع المانعية كما عرفت. وليس هناك ما يمكن استفادة الشرطية منه في الروايات عدا أُمور :
منها : قوله عليهالسلام في ذيل موثقة ابن بكير : « لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّه أكله » (1)فانّ مقتضى إناطة الصحة والقبول بإيقاع الصلاة فيما أحل اللّه أكله الذي هو عنوان وجودي هي الشرطية لمكان الأمر بإيجاد هذا العنوان الملازم لها.
وأورد عليه المحقق النائيني قدسسره (2)بأنّ ظهور الصدر وهو قوله : إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله ... إلى قوله : فاسدة في المانعية يمنع عن دلالة الذيل على الشرطية ، لعدم إمكان الجمع بين مانعية أحد الضدّين وشرطية الضدّ الآخر كما مرّ ، فيكون ذلك من سوء تعبير ابن بكير ، حيث عبّر أولاً بما يظهر منه المانعية وثانياً بما يظهر منه الشرطية ، فلا ظهور في الموثق إلا في المانعية دون الشرطية.
وإن أبيت إلا عن الظهور في كلّ منهما فحيث إنّ الظهورين حينئذ متصادمان ، لامتناع الجمع بينهما ثبوتاً كما عرفت فتسقط الموثقة عن الحجية حينئذ من هذه الجهة ، لتعارض الصدر والذيل ، فتطرح ويرجع إلى الروايات الأُخر الظاهرة في المانعية بلا معارض ، هذا.
ولكنّه يمكن أن يقال بعدم التعارض بين الفقرتين وعدم تصادم الظهورين لتعدد الموردين ، فانّ الذيل ناظر إلى خصوص الساتر ، والصدر إلى ما عدا الساتر من الملبوس أو المحمول.
وتوضيحه : أنّ مقتضى إناطة الصحة والقبولية في الذيل بإيقاع الصلاة في غير محرم الأكل أنّ مجرد ذلك كافٍ في الحكم بالصحة ، مع أنّه على إطلاقه غير قابل للتصديق إلا إذا كان النظر مقصوراً على خصوص الساتر ، وإلا فمجرد لبس شيء ما من قلنسوة أو عمامة أو ثوب لا يتستر به وإن كان متخذاً من محلّل الأكل غير كافٍ في صحة الصلاة قطعاً. فلا مناص من أن يكون محطّ النظر ومورد التقييد في هذه الفقرة من الموثقة هو اللباس الساتر في مقابل الصلاة عارياً.
وعليه فيستفاد منها بمقتضى تعليق الصحة على العنوان الوجودي شرطية الستر المخصوص في الصلاة ، بمعنى لزوم إيقاع الصلاة في ساتر متخذ من غير ما لا يؤكل لحمه ، وحيث إنّ المفروض في مورد السؤال كونه حيوانياً فلا بدّ من تقييده بكونه من مأكول اللحم أو بعدم كونه من غير المأكول ، إذ لا فرق في الشرطية المنتزعة من العنوان الوجودي بين كون متعلقه وجودياً أو عدميا كما مرّ (1). وعلى أي حال فلا مانع من استفادة الشرطية من الذيل في خصوص الساتر.
وأمّا الصدر فهو متمحّض في المانعية ، إذ لا يعتبر في صحة الصلاة وقوعها في شيء غير الساتر حتى يكون مشروطاً بشيء. فالبطلان المستند إلى الوقوع في غير المأكول الذي تضمّنه صدر الموثق من الملبوس أو المحمول لا يكون إلا من جهة وجود المانع لا فقدان الشرط ، كما يشهد له عطف البول والروث على ما قبله من الوبر والشعر والجلد ، إذ لا يحتمل اشتراط الصحة بالوقوع في بول المأكول وروثه ، وإن احتمل بالإضافة إلى شعره وجلده ووبره فيما إذا كان
1) في ص 217.
اللباس متخذاً من الحيوان. فهي ظاهرة في أنّ هذه الأُمور بأنفسها مانعة عن الصحة كما لا يخفى.
وبالجملة : يمتاز الساتر عن غيره في اشتراط صحة الصلاة به دون غيره. وعليه فاذا كان القيد راجعاً إلى الأول كان ظاهراً في الشرطية ، وأمّا إذا كان عائداً إلى الثاني فلا سبيل فيه غير المانعية ، إذ كونه شرطاً له يتوقف على أن يكون المشروط به دخيلاً في صحة الصلاة ، والمفروض عدمه.
ودعوى إمكان تصوير الشرطية في المقام لكن لا مطلقاً ، بل على تقدير وجود المشروط خارجاً ، بأن يقال : إذا لبست شيئاً غير الساتر في الصلاة أو حملته فيشترط أن يكون من المأكول أو من غير ما لا يؤكل ، فاسدة جزماً لأوْله إلى تحصيل الحاصل أو طلب المحال ، ضرورة أنّ ما حمله أو لبسه في الصلاة لا يخلو إما أن يكون واجداً لذاك القيد أعني كونه من غير محرّم الأكل أم لا ، فعلى الأوّل يكون الأمر به المنتزع منه الشرطية تحصيلاً للحاصل وعلى الثاني يكون من طلب المحال ، لعدم إمكان تحصيله في تلك الصلاة لامتناع قلب الشيء عما وقع عليه.
وبالجملة : قبل الدخول في الصلاة لم يكن موضوع للشرطية ، لعدم تحقق ذاك التقدير المعلق عليه الشرطية على الفرض. وبعده يستحيل الأمر به حتى ينتزع منه الشرطية ، لدورانه بين محذورين كما عرفت.
وعلى هذا فيمكن التوفيق بين الصدر والذيل مع التحفظ على ظهور الأوّل في المانعية ، والثاني في الشرطية من دون تهافت ، باختصاص الذيل بالساتر وحمل الصدر على ما عداه من الملبوس أو المحمول ، فيرتفع التنافي باختلاف المورد.
إلا أنّ دقيق النظر يقضي بخلاف ذلك وعدم ظهور الذيل إلا في المانعية كالصدر.
وبيانه : أنّ الذيل إن كان هكذا : لا تقبل الصلاة حتى يصلّيها في غيره .. إلخ.
لكان لاستفادة الشرطية مجال واسع ، من جهة تعليق الصحة في طبيعي الصلاة على قيد وجودي ، لكن المذكور في الموثق هكذا : « لا تقبل تلك الصلاة ... » إلخ مع أداة الإشارة. فلا بدّ من تعيين المشار إليه بعد امتناع أن يكون المراد به خصوص الصلاة الشخصية الخارجية الواقعة فيما لا يؤكل ، لعدم قبولها للصحة حتى لو أعادها فيما يؤكل ، فانّ الصحيح حينئذ هي الصلاة المعادة الثانية دون الأُولى. فهي بوصف وقوعها الخارجي غير صالحة للقبول أبداً ، ولا يمكن تصحيحها بوجه ، إذ الشيء لا ينقلب عما هو عليه ، سواء أتى بصلاة أُخرى صحيحة أم لا ، مع أنّ صريح الموثّق تعليق الصحة في تلك الصلاة بإتيانها فيما يؤكل. وعليه فيتردد المشار إليه بين أُمور :
أحدها : أن تكون الأداة إشارة إلى طبيعي الصلاة على إطلاقها.
الثاني : أن تكون إشارة إلى نوع من طبيعة الصلاة الذي وقع فرد منه فاسداً ، فتلاحظ الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل أنّها صلاة صبح أو ظهر أو عصر أو آيات ونحو ذلك من أنواع الصلاة التي فرض وقوع فرد منها خارجاً على صفة الفساد أي فيما لا يؤكل فتكون الأداة إشارة إلى ذلك النوع أو الصنف.
الثالث : أن تكون إشارة إلى شخص الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل ، لكن لا بما أنّها شخص خارجي ، لاستحالته بهذا المعنى كما عرفت ، بل بما أنّها واقعة في الحيواني بإلغاء الخصوصية الشخصية وتجريدها عن كونها واقعة فيما لا يؤكل بخصوصه.
لا ريب في استفادة الشرطية على المعنيين الأوّلين بالتقريب المتقدم ، فانّ وجود الإشارة وعدمها حينئذ على حدّ سواء كما لا يخفى.
وأمّا على الاحتمال الثالث فلا ظهور لها في الشرطية أبداً ، ضرورة أن الصلاة في الحيواني تنقسم إلى قسمين : مأكول اللحم وغير المأكول ، ولا ثالث لهما وبعد الحكم في الصدر بمانعية غير المأكول وبطلان الصلاة من جهة الاقتران بالمانع فلا محالة تكون الصحة والقبولية منوطة بالوقوع في المأكول ، لكن لا بما هو كذلك ، بل فراراً عن المانع ، ففرض الفساد في القسم الأول استناداً إلى
وجود المانع يستلزم تعليق الصحة على الوقوع في القسم الثاني بعد حصر التقسيم فيهما. فهذه الفقرة مؤكّدة لما هو المستفاد من الفقرة الأُولى وبيان لما هو المفهوم منها ، من دون أن تتضمن تأسيس حكم جديد كما هو ظاهر.
وغير خفي أنّ الاحتمال الثالث هو الأقرب إلى الإشارة ، إذ تجريد المشار إليه المذكور في الكلام عن كلّ خصوصية وحمله على الطبيعة المطلقة أو خصوص نوع منها بلا مقتض ، والضرورات تقدّر بقدرها ، والمقدار اللازم تجريده عن الخصوصية الشخصية الخارجية الواقعة فيما لا يؤكل ، لامتناع الإشارة إليه كما عرفت ، فتلغى هذه الخصوصية فقط ، ويتحفظ على ما عداها التي منها خصوصية وقوعها في الحيواني المفروض في السؤال ، بل إنّ حصر الصحة فيما إذا وقعت في المحلل الذي تضمنه الذيل يقتضي ذلك ، وإلا فيمكن فرض الصحة فيما إذا وقعت في اللباس المتخذ من النبات فلا يكون الحصر حاصراً كما لا يخفى.
وعليه فلا دلالة في الذيل على الشرطية أصلاً حتى يعارض به الصدر فيورث الإجمال من جهة تصادم الظهورين ، بل هي صدراً وذيلاً ظاهرة في المانعية كما عرفت.
ويؤكّد ما ذكرناه ويشهد له قوله عليهالسلام في آخر الموثق : « وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد ... » إلخ (1)فإنّ إسناد الفساد إلى الوقوع فيما نهى اللّه عنه وحرّم أكله الذي هو بمعنى الزجر عن الفعل واعتبار عدم صدوره من المكلف كالصريح في المانعية كما لا يخفى. فيكون ذلك قرينة على أنّ الجواز المعلّق على كون الحيوان محلّل الأكل في قوله عليهالسلام قبل ذلك : « فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز » (2)إنّما هو من جهة فقد المانع لا شرطية الوقوع في محلل الأكل.
ومنها : أي من الأمور التي استفيد منها الشرطية رواية علي بن أبي حمزة قال : « سألت أبا عبد اللّه وأبا الحسن عليهماالسلام عن لباس الفراء والصلاة فيها ، فقال : لا تصلّ فيها إلا ما كان منه ذكيا ، قلت : أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال : بلى إذا كان مما يؤكل لحمه ... » إلخ (1).
فانّ قوله عليهالسلام : « إذا كان مما يؤكل » ليس قيداً لحصول التذكية ضرورة ورودها على غير المأكول أيضاً فتفيد الطهارة وإن لم تؤثر في جواز الصلاة ، بل هو قيد للصلاة المذكورة في الصدر ، فكأنّه يعتبر فيها أمران : أحدهما وقوعها في المذكى إذا كان الملبوس أو المحمول حيوانياً. الثاني : وقوعها في مأكول اللحم.
وإن شئت فقل : يعتبر في الصلاة تذكية خاصة ، وهي الواردة على محلّل الأكل ، فيكون ذلك شرطاً في الصحة ، ومع عدمه يستند الفساد إلى فقد الشرط لا وجود المانع.
وفيه : مضافاً إلى ضعف سندها بالعلوي والديلمي ، بل وكذا علي بن أبي حمزة على الأصح ، أنّها قاصرة الدلالة على الشرطية ، إذ بعد فرض وقوع الصلاة في الحيواني كما هو مورد السؤال وانقسامه إلى محلل الأكل ومحرّمه ، واستظهار مانعية المحرم من الموثق المتقدم كما عرفت فلا محالة تكون الصحة منوطة بالوقوع في محلّل الأكل ، لكن لا لاعتباره بما هو ، بل تخلّصاً عن المانع. فالموثق المتقدم قرينة على المراد من هذه الرواية ، وبعد الجمع بينهما وضمّ إحداهما إلى الأُخرى لا يبقى ظهور لهذه في الشرطية كما لا يخفى.
ويشهد لذلك قوله عليهالسلام في ذيل هذه الرواية قال : « لا بأس بالسنجاب فإنّه دابة لا تأكل اللحم ، وليس هو مما نهى عنه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله إذ نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب » فانّ قوله عليهالسلام : « وليس هو مما نهى عنه صلی اللّه عليه وآله » كالصريح في أنّ الاعتبار إنّما هو
1) الوسائل 4 : 348 / أبواب لباس المصلي ب 3 ح 3.
بالنهي الذي هو منشأ انتزاع المانعية. فيكون ذلك قرينة أُخرى على المراد من الصدر.
ومنها : ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن الصادق عليهالسلام في حديث قال : « وكلّ ما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه ، وكلّ شيء يحلّ لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه وصوفه وشعره ووبره » (1).
ولا يخفى ما فيه من ضعف السند أولاً ، لاشتمال تحف العقول بأجمعه على المراسيل وإن كان مؤلفه جليل القدر كما تعرضنا له في بحث المكاسب (2).
وقصور الدلالة ثانياً ، إذ مضافاً إلى إناطة اللبس فيها بحلية اللحم دون الصلاة التي هي محل البحث ، أنّه على تقدير التسليم فغاية ما يدل عليه جواز الصلاة وعدم البأس بها عند وقوعها في محلل الأكل ، وهذا بنفسه مما لا كلام فيه ، قلنا بالشرطية أم المانعية ، إنّما الكلام في العقد السلبي أعني ما إذا لم تقع في محلل الأكل فوقعت في محرمه فهل البطلان حينئذ مستند إلى فقدان الشرط أم وجود المانع ، ومن الواضح أنّ الرواية أجنبية عن التعرض لهذه الجهة بالكلّية.
فتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ روايات الباب بأجمعها لا يستفاد منها إلا المانعية ، وأما الشرطية فلا تكاد تستفاد من شيء منها.
الجهة السادسة : بناءً على ما هو المعروف من التفصيل بين الشرطية والمانعية في الرجوع لدى الشك في كون اللباس مأخوذاً من محلّل الأكل أو محرّمة إلى الاشتغال في الأوّل والبراءة في الثاني كما سيجيء البحث حوله مفصّلاً إن شاء اللّه تعالى. فاذا اتضح كلّ من الأمرين فبنينا على الشرطية أو على المانعية كما هو المختار فلا كلام. وأما إذا لم يتضح شيء منهما وقلنا بقصور الأدلّة عن
إثبات واحد منهما ، إمّا لتصادم الظهورين في صدر الموثّق وذيله كما ذكره الأُستاذ قدسسره (1)أو لجهة أُخرى ، فشككنا في أنّ المجعول الشرعي هل هو اعتبار الشرطية أو المانعية. وبالنتيجة تردّد أمر فساد الصلاة الواقعة في غير المأكول بين كونه من جهة وجود المانع أو فقدان الشرط فماذا يقتضيه الأصل العملي حينئذ؟ وهل الأصل الجاري في المقام هو البراءة كي توافق نتيجته المانعية ، أم الاشتغال كي تفيد فائدة الاشتراط.
ذهب المحقق النائيني قدسسره (2)إلى الأول ، بدعوى أنّ اعتبار الشرطية يتضمن كلفة زائدة ، وهي لزوم إحراز الشرط عند الامتثال وعدم جواز الرجوع إلى البراءة ، بخلاف المانعية العارية عن هذه الكلفة ، فحيث إنّ أحد الجعلين يتضمن ضيقاً لا يقتضيه الآخر وهو مشكوك فيدفع بأصالة البراءة. فبحسب النتيجة يعامل مع المشكوك معاملة المانعية كما لو كانت محرزة.
لكن المناقشة فيما أفاده قدسسره واضحة جدّاً ، ضرورة أنّ نفس المانعية والشرطية المجعولين لو لوحظ كل واحد منهما بحياله فهو بنفسه يتضمّن الكلفة والضيق لا محالة ، إذ اعتبار كلّ منهما قيد مأخوذ في المأمور به وجوداً أو عدماً ، والتقييد خلاف الإطلاق المتضمن للتوسعة والتسهيل ، فلا يختص التضيق في مقام الجعل والتشريع بأحدهما دون الآخر ، بل هما من هذه الجهة على حدّ سواء ، وعليه فلو لوحظ الشك في كلّ واحد منهما مستقلا مع قطع النظر عن الآخر فهو مورد للأصل.
وأمّا بعد العلم الإجمالي بصدور واحد منهما كما هو المفروض في المقام فالأصل في كلّ منهما معارض بالآخر ، إذ هما اعتباران متقابلان وضدان متباينان ، وليس في البين قدر متيقن يقطع به في مقام الجعل والتشريع كي يشك في الزائد على المقدار المعلوم حتى يدفع بالأصل ، كما هو الحال في الأقل والأكثر
الارتباطيين ، نعم يختص أحدهما بخصوصية يمتاز بها عن الآخر ، وهي حكم العقل بلزوم الإحراز في مقام الامتثال وعدم جواز الرجوع إلى البراءة بناءً على الشرطية دون المانعية ، إلا أنّ هذه الخصوصية أجنبية عن مقام التشريع وغير ملحوظة في مقام الجعل أبداً ، بل هي كما عرفت من الآثار المترتبة عليه بحكم العقل ومن شؤون هذا النوع من الاعتبار والجعل ، وحيثياته العقلية ، ولا مساس له بالشارع بوجه ، فهذه الكلفة عقلية محضة ، ومن الواضح عدم كون الأحكام العقلية مورداً للأُصول العملية لا الشرعية ولا العقلية كما لا يخفى.
وبالجملة : إن أُريد نفي أصل اعتبار الشرطية بالأصل فهو معارض بجريانه في اعتبار المانعية بعد فرض العلم الإجمالي بصدور أحدهما ، وإن أُريد نفي الأثر المترتب عليه من لزوم الإحراز لدى الشك فهو حكم عقلي لا يكاد يرتفع بالأصل.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ مقتضى الأصل حينئذ هو الاشتغال ، إذ الرجوع إلى البراءة الشرعية أو العقلية موقوف على إحراز كون المورد من الشك في التكليف ، كما إذا ثبتت المانعية. وأمّا مع احتمال الشرطية كما هو المفروض فيحتمل أن يكون الشك عائداً إلى مقام الامتثال لا في أصل التكليف. ومن الواضح أنّ مجرّد احتمال أن يكون الشك من الشك في الامتثال بعينه شك في تحقق الامتثال الذي هو موضوع لقاعدة الاشتغال.
وبالجملة : ما لم تحرز المانعية لا مجال للرجوع إلى البراءة ، إذ مجرد احتمال أن يكون المجعول على سبيل الشرطية الملازم في المقام لعدم إحراز حصول المأمور به في الخارج ولو ببركة الأصل كافٍ في استقلال العقل بالرجوع إلى الاشتغال.
الجهة السابعة : بعد ما عرفت من استفادة المانعية من هذه الأخبار المتضمنة لفساد الصلاة الواقعة في أجزاء ما حرم اللّه أكله ، يقع الكلام حينئذ في تحديد مدلول هذه الروايات ، وما يتطرق فيها من الاحتمالات مع بيان ما هو الصحيح
منها ، حيث إنّ المانعية تدور مدارها سعة وضيقاً فنقول :
هل المراد بما حرّم اللّه أكله المأخوذ في هذه الأخبار ذوات الحيوانات المحرم أكلها كالأسد والأرنب والثعلب ونحوها فيكون ذلك عنواناً مشيراً ومعرّفاً لهذا النوع من الحيوانات ، من دون أن يكون لنفس هذا العنوان دخالة وموضوعية في ثبوت الحكم ، فكأنّ لذات الحيوان كالأسد مثلاً حكمين عرضيين : أحدهما : حرمة أكله ، الثاني : عدم جواز الصلاة فيه ، من دون ترتّب بينهما ، بل هما حكمان ثبتا لموضوع واحد.
أو أنّ هذا العنوان ما حرّم اللّه أكله مأخوذ على سبيل الموضوعية من دون أن يكون عبرة إلى الأفراد الخارجية؟ فهناك حكمان طوليان ، أحدهما موضوع للآخر ، فذات الحيوان كالأسد موضوع لحرمة الأكل ، وما حرم أكله موضوع لعدم جواز الصلاة فيه.
وعلى الثاني فهل المراد بالحرمة المترتّب عليها المانعية هي الحرمة الفعلية المنحلّة إلى الأحكام العديدة حسب اختلاف الأشخاص والحالات والطوارئ الدخيلة في فعلية الأحكام ، فلا يكون المانع إلا أجزاء الحيوان المحرّم أكله بالفعل ولو لجهة من الجهات كالضرر والغصب ونحوهما. وأما ما حلّ أكله فعلاً ولو لأجل الاضطرار ونحوه فلا بأس به.
أو المراد بها الحرمة الطبيعية المجعولة في أصل الشرع مع قطع النظر عن الطوارئ الشخصية والملابسات الخاصة المانعة عن فعلية الأحكام؟
وعلى الثاني فهل المراد بالحرمة الطبيعية الحرمة الثابتة للحيوان بعنوانه الذاتي ، أو يعم الثابتة لها بعنوان عارض كموطوء الإنسان أو الجدي الشارب لبن الخنزيرة ، فيكون موضوع المانعية كلّ حيوان محكوم بحرمة الأكل في أصل الشرع ، سواء كان التحريم لعنوانه الأصلي ولاقتضاء ذاته ذلك ، أو لأجل عروض عنوان اقتضى تحريماً طبعياً في عالم التشريع على سبيل الإطلاق؟
وعلى الثاني فهل المراد بالعنوان العارض خصوص ما لا يكون قابلاً للزوال
كالمثالين المتقدمين ، أو يعمّ ما كان قابلاً له كالجلل الزائل بالاستبراء؟ وجوه أو أقوال ، ملخصها : أنّ المانع هل هو ذات الحيوان ، أو بعنوان محرّم الأكل بحرمة فعلية ، أو طبعية ذاتية ، أو حتى العارضة لكن بشرط عدم قبولها للزوال ، أو حتى إذا قبلت الزوال كالجلال؟ والأقوى هو الأخير ، كما يتضح وجهه من تزييف ما عداه من بقية الوجوه.
أمّا كون المانع هو الوقوع في أجزاء ذات الحيوان فهو وإن مال إليه شيخنا الأُستاذ قدسسره في بحثه وغيره (1)، إلا أنّه خلاف ظواهر الأدلّة المتضمنة لعنوان ما لا يؤكل ، أو ما حرّم اللّه أكله ، فإنّ حمل العنوان المأخوذ في لسان الدليل على المعرفية مخالف لسياق الكلام ، لا يكاد يصار إليه من دون قرينة بل ظاهر الأخذ يعطي كون العنوان ملحوظاً على سبيل الموضوعية ما لم تقم قرينة على الخلاف المفقودة في المقام كما لا يخفى.
نعم ، لو كان المستند في الحكم رواية علي بن أبي حمزة (2)المتضمنة للنهي عن الصلاة في كلّ ذي ناب ومخلب كان موضوع الحكم هي العناوين الذاتية أعني السباع.
إلا أنّ الرواية مضافاً إلى ضعف سندها من جهات كما تقدّم لا يمكن الأخذ بمضمونها ، للقطع بتعميم الحكم للسباع وغيرها مما لا يؤكل لحمه كما تضمنه موثّق ابن بكير وغيره. على أنّ علي بن أبي حمزة بنفسه روى رواية أُخرى بعين هذا السند تضمّن المنع عن كلّ ما لا يؤكل من السباع وغيرها (3). فهذا الاحتمال ضعيف جدّاً.
وأمّا احتمال أن يكون الموضوع هو ما حرم أكله بالفعل فهو أضعف من سابقه من وجوه :
أمّا أوّلاً : فلأنّ مقتضاه اختلاف الحكم باختلاف الأشخاص ، فالثوب المنسوج من صوف المعز مثلاً لا يجوز الصلاة فيه بالإضافة إلى من حرم أكله عليه فعلاً لجهة من الجهات من الضرر أو الغصب ونحوهما ، وتجوز الصلاة فيه بعينه بالإضافة إلى غيره ممن لم يحرم عليه الأكل. بل يختلف الحكم في شخص واحد بالإضافة إلى حالاته ، فلا تجوز في الثوب المزبور في حال حرمة أكل لحمه لأجل الضرر مثلاً ، وتجوز في نفس الثوب بعد ارتفاع الضرر. بل يختلف في شخص واحد بتعدد الزمان ، فلا يجوز اللبس في نهار شهر رمضان لحرمة أكل لحم الحيوان المتخذ منه اللباس فعلاً على الصائم ، ويجوز فيه بعينه في الليل لارتفاع التحريم حينئذ. وأيضاً مقتضى ذلك جواز الصلاة في أجزاء السباع لمن اضطر إلى أكلها ، وعدم الجواز في نفس ذاك الجزء لغيره ، بل له أيضاً بعد زوال الاضطرار.
وهذا كلّه كما ترى مضافاً إلى بعده في نفسه لا يحتمل أن يلتزم به الفقيه بل كاد أن يكون مخالفاً للضرورة كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ الحرمة الفعلية مخالفة لظواهر النصوص المتضمنة كموثق ابن بكير وغيره لتنويع الحيوان إلى محرّم الأكل ومحلله ، فانّ ظاهر إسناد الحلّية أو الحرمة إلى الحيوان أنّ الحكم بهما من جهة اقتضاء ذات الحيوان ذلك وأنّه بنفسه يكون لحمه محلّل الأكل أو محرمة ، لا من جهة العوارض الشخصية من ضرر أو اضطرار أو صوم ونحوها مما تختلف به الحلّية والحرمة الفعليتين ، فانّ ذلك خلاف ظاهر إضافة الحكم إلى الحيوان نفسه كما لا يخفى.
وثالثاً : أنّا نقطع بعدم دوران الحكم جوازاً ومنعاً مدار حلّية اللحم وحرمته فعلاً ، ضرورة أنّ اللباس قد يكون متخذاً من حيوان مذبوح قبل سنين عديدة ، أو مجلوباً من البلدان النائية بعد ذبح الحيوان في أقصى البلاد الخارجة عن محل الابتلاء عادة ، فلا يكون الحيوان حينئذ محلل الأكل ولا محرّمه لانتفاء الموضوع من أصله أو لعدم الابتلاء به ، فليس هناك خطاب فعلي أصلاً
لا بحرمة الأكل ولا بحليته ، مع أنّ اللباس محكوم بعدم جواز الصلاة فيه إذا كان مأخوذاً من نوع خاص من الحيوانات ، وبالجواز إذا كان مأخوذاً من النوع الآخر.
فيظهر من ذلك أنّ المراد بالحرمة هي الحرمة الطبيعية ، أي ما كان طبع الحيوان في نوعه محكوماً بحرمة أكل اللحم في أصل التشريع ، سواء تمت شرائط الفعلية أم لا ، في قبال ما كان حلالاً كذلك سواء اتّصف بالحرمة الفعلية لجهة من الجهات أم لا.
وأمّا احتمال اختصاص هذه الحرمة الطبيعية بما إذا ثبتت للحيوان في حدّ ذاته وبعنوانه الأوّلي مع قطع النظر عن العوارض فلا تعمّ ما ثبتت له في أصل الشرع لكن بعنوان عارض كموطوء الإنسان ، أو الجدي الشارب لبن الخنزيرة المحرم أكله هو ونسله.
فيدفعه إطلاق الأدلة بعد صدق عنوان محرّم الأكل عليه أيضاً صدقاً حقيقياً من دون أيّة عناية ومسامحة ، فيصدق على الموطوء وشارب اللبن أنّه مما حرم اللّه أكله في الشريعة المقدسة على حدّ صدقه على الأسد والأرنب ونحوهما من المحرّمات الذاتية ، فإنّ كون جهة الحرمة ذاتية أم عرضية أي كونها لأجل الوصف العنواني القائم بالذات أم لأمر خارج عن مقام الذات عارض عليه بعد كونها على التقديرين مجعولة في أصل الشريعة المقدسة لطبيعة الحيوان على الإطلاق ، وعلى سبيل القضية الحقيقية غير فارق في صدق عنوان محرم الأكل المأخوذ في لسان الأدلّة موضوعاً للحكم صدقاً حقيقياً وحمله عليه حملاً شائعاً كما لا يخفى. فتخصيص الحكم بالأوّل مخالف لإطلاق الأدلّة.
وهل يتعدّى عن العنوان الذاتي إلى مطلق العناوين العرضية ، أو إلى خصوص ما لا يكون منها قابلاً للزوال كالمثالين المتقدّمين دون ما كان قابلاً له كالجلل الزائل بالاستبراء؟
ذهب شيخنا الأُستاذ قدسسره (1)إلى الثاني ، ولا نعرف له وجهاً ، فانّ قبول العنوان للزوال وعدمه أجنبي عن الصدق المزبور الذي هو المناط في شمول الإطلاق ، فإنّه إمّا أن يقتصر على العنوان الذاتي بدعوى قصور الأدلّة عن الشمول للعرضي فينبغي أن لا يتعدى حتى إلى العارضي غير القابل للزوال ، مع أنّه قدسسره سلّم التعدي إليه ، واعترف بشمول الأدلّة له.
وإمّا أن يتعدّى إلى العارضي لعدم قصور الإطلاق كما هو الصحيح فلا فرق إذن بين ما لم يقبل الزوال وما قبله كالجلال. فالتخصيص بالأول بلا موجب بعد عدم دخل قابلية الزوال وعدمه في الصدق المزبور.
ومن الغريب قياسه قدسسره الجلل بالاضطرار ، فكما أنّ الاضطرار إلى أكل لحوم السباع مثلاً لا يجوّز الصلاة في أجزائها لقبوله للزوال فكذلك الجلاّل لعين الملاك.
وأنت خبير بما بينهما من الفرق الواضح ، ضرورة أنّ الاضطرار إلى أكل لحم الأسد مثلاً الموجب لحلّية الأكل بالإضافة إلى خصوص المضطر إليه لا يوجب تغييراً في أصل التشريع ، ولا يقتضي تبدّلاً في الحكم الواقعي بالنسبة إلى عامة المكلفين بحيث يصدق على اللحم المزبور أنّه مما أحلّ اللّه أكله في الشريعة المقدسة كما أحلّ لحم الغنم ونحوه.
وهذا بخلاف الجلال ، فانّ ذات لحم الحيوان المتصف بالجلل حرم على كلّ أحد كلحم الأسد ، ويصدق عليه حقيقة أنّه مما حرم اللّه أكله في الشريعة المقدّسة على عامّة المكلفين كما حرّم لحم السباع ونحوها مما لا يؤكل لحمه. فهما وإن اشتركا في قبول الزوال إلا أنّ الجلال يمتاز بخصوصية بها تندرج تحت الإطلاق دون الاضطرار ، فقياس أحدهما بالآخر قياس مع الفارق الواضح كما هو ظاهر.
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 96.
وببالي أنّه قدسسره حكم بنجاسة بول الجلال أخذاً بإطلاق قوله عليهالسلام : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)الشامل للعنوان الأصلي والعرضي. فتسليم التعميم هناك دون المقام مع أنّ الموضوع فيهما شيء واحد وهو عنوان ما لا يؤكل ، الذي رتّب عليه نجاسة البول وعدم جواز الصلاة فيه غير ظاهر الوجه.
الجهة الثامنة : ذكر بعضهم أنّه يختلف جريان الأُصول باختلاف كيفية اعتبار المانعية من حيث تعلّقها بالصلاة أو اللباس أو المصلي.
فإن كانت معتبرة في الصلاة نفسها ، بأن اعتبر فيها أن لا تقع في غير المأكول من دون إضافة إلى المصلّي أو اللباس ، فينبغي حينئذ التفصيل بين ما لو كان المشكوك فيه مصاحباً مع المصلّي عند مفتتح الصلاة ، وما لو طرأ عليه في الأثناء. فيحكم بالصحة في الثاني ، للشك في عروض المانع بعد أن كانت الصلاة خالية عنه ، فتستصحب الصحة ويدفع المانع المشكوك حدوثه بالأصل. وبالبطلان في الأول ، لعدم الحالة السابقة ، إذ الصلاة من أوّل حدوثها يشك في صحتها وفسادها ، لاحتمال اقترانها بالمانع من أول الأمر ، فيحكم بالبطلان لقاعدة الاشتغال.
وإن كانت معتبرة في اللباس فهي محكومة بالفساد في كلتا الصورتين ، إذ لا أصل يتضح به حال اللباس من حيث اتخاذه من محلّل الأكل أو محرّمة ، بل هو من حين وجوده يشك في اتصافه بكونه جزءاً لما يؤكل أو ما لا يؤكل ، فسواء طرأ لبسه أثناء الصلاة أم لبسه قبل الشروع فيها يحتمل اقتران الصلاة بالمانع من دون أن يكون له أصل دافع.
وإن كانت معتبرة في المصلي يحكم بصحة الصلاة حينئذ على التقديرين ، إذ المصلي قبل أن يلبس المشكوك لم يكن لابساً لما لا يؤكل يقيناً فيستصحب عدمه إلى ما بعد اللبس ، وبه يحرز انتفاء المانع المستلزم لصحة الصلاة.
1) الوسائل 3 : 405 / أبواب النجاسات ب 8 ح 2.
ونحن الآن لسنا بصدد التعرّض لهذه التفريعات ، إذ سيجيء البحث حولها عند التكلم فيما تقتضيه الأُصول العملية إن شاء اللّه تعالى (1). وإنّما المهم في المقام تحقيق الصغرى وأنّ المستفاد من الأدلّة أيّ من المحتملات الثلاثة المتقدمة فنقول :
لا ريب أنّ الشرطية أو المانعية إنّما تنتزعان من اعتبار تقيّد الواجب بشيء وجوداً أو عدماً ، فاعتبار القيدية لا بدّ وأن تلاحظ بالإضافة إلى ذات المأمور به ، ولا يكاد يكون شيء شرطاً في شيء أو مانعاً عنه إلا بعد أخذه في الواجب نفسه ، وإلا فاعتباره في شيء آخر خارج عن حريم المأمور به لا يستوجب الانتزاع المزبور بالضرورة. وعليه فالتقييد الاعتباري لا مناص من أن يكون ملحوظاً بالإضافة إلى نفس الصلاة ، بمعنى أنّ طرف الاعتبار ومتعلقه إنّما هو الصلاة نفسها على جميع التقادير.
والبحث المعقول في المقام إنّما هو في أنّ مركز هذا الاعتبار ومورده هل هو الصلاة نفسها أو اللباس أو المصلي ، وأنّ هذا التقييد المعتبر في الصلاة هل هو بلحاظ نفسها أو أحد الأمرين الآخرين. فهل الصلاة يعتبر فيها أن لا تقع في محرم الأكل أو تقع في غير ما لا يؤكل ، أو أنّ المعتبر فيها أن لا يكون اللباس متخذاً من غير المأكول ، أو أنّ المعتبر فيها أن لا يكون المصلي لابساً أو مصاحباً لجزء مما لا يؤكل. فالنزاع في مركز هذا الاعتبار.
والتحقيق : أنّ احتمال كون القيد ملحوظاً في ناحية اللباس ساقط جزماً ، لما عرفت في مطاوي ما تقدم عند بيان الفرق بين الجزء والشرط (2)أنّه لا معنى لأخذ شيء قيداً في الواجب وجوداً أو عدماً إلا فيما إذا كان القيد أيضاً متعلّقاً للأمر بتبع الأمر المتعلق بالمركّب ، لكون التقييد به مأخوذاً في الواجب وإن كان ذات القيد خارجاً عنه ، في قبال الجزء الذي هو داخل قيداً وتقيداً. ومن هنا
ذكرنا أنّ شرط الواجب أو المانع عنه لا بدّ وأن يكون فعلاً اختيارياً للمكلّف كي يمكن أخذ التقييد به في الواجب.
ومن الواضح أنّ اتصاف اللباس أو المحمول بكونه مأخوذاً من المأكول أو من غيره أمر واقعي خارج عن اختيار المكلّف ، إذ ليس هو فعلاً من أفعاله بل صفة خارجية قائمة بالغير تابعة لأسبابها ، فلا يعقل تعلق التكليف به وجوداً أو عدماً حتى يكون قيداً في المأمور به.
وما يتراءى في كلمات الفقهاء من إطلاق الشرط عليه فيقال إنّ من شرائط اللباس أن لا يكون من غير المأكول فهو مسامحة في التعبير ، حيث أُسند ما هو شرط في الصلاة أو المصلي إلى اللباس لما بينهما من نوع من الملازمة كما لا يخفى.
وعليه فالأمر دائر بين أن يكون التقييد معتبراً في ناحية الصلاة أو المصلي دون اللباس. فالمحتملات ثنائية لا ثلاثية.
وحينئذ نقول : ظاهر قوله عليهالسلام في موثق سماعة : « ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه » (1)اعتبار القيدية في ناحية المصلّي ، حيث تعلّق النهي المنتزع منه المانعية به ، وليس بإزائه ما ينافي هذا الظهور سوى قوله عليهالسلام في موثق ابن بكير : « فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسدة ، لا تقبل تلك الصلاة ... » إلخ (2)فإنّها ظاهرة في الجملة في اعتبار القيد في ناحية الصلاة نفسها ، من جهة إسناد الفساد إليها.
لكن دقيق النظر يقضي بعدم المنافاة ، وأنّ هذه أيضاً ظاهرة في رجوع القيد إلى المصلّي كما في موثقة سماعة ، نظراً إلى أن لبس ما لا يؤكل فعل من أفعال المكلف كنفس الصلاة ، ولا معنى لأن يكون أحد الفعلين ظرفاً للفعل الآخر سواء أُريد به ظرف الزمان أو المكان ، فلا معنى لكون لبس الوبر ظرفاً للصلاة
إلا بعناية توسيط المصلّي نفسه ، حيث إنّ اللباس الذي هو شرط في الصلاة ولو في الجملة لمّا كان محيطاً بالمصلّي بوصفه العنواني فكأنّ الصلاة أيضاً بنفسها وقعت فيه ، وإلا فمع الغضّ عن هذا التوسيط لا مصحح لإطلاق الظرفية ، إذ لا علاقة ولا ارتباط بينهما بوجه. فالإسناد أولاً وبالذات إلى المصلّي وبعنايته يسند إلى الصلاة تجوزاً وتوسعاً في الإطلاق. ونتيجة ذلك أنّ مركز التقييد هو المصلّي نفسه ، كما هو مفاد موثقة سماعة ومآل موثقة ابن بكير حسبما عرفت.
هذا تمام الكلام في الأُمور التي ينبغي تقديمها أمام المقصود. وحيث أحطت بها خبراً فهذا أوان الخوض فيه والبحث عن أصل المسألة فنقول والعون منه مأمول :
يقع الكلام تارة بالنظر إلى الأدلّة الاجتهادية ، وأُخرى فيما تقتضيه الأُصول العملية بعد فقد تلك الأدلّة ، فهنا مقامان :
أمّا المقام الأول : فقد استدلّ لجواز الصلاة في اللباس المشكوك بوجوه :
أحدها : ما عن المحقق القمي من انصراف النصوص المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل إلى صورة العلم ، فالمشكوك غير مشمول للدليل من أصله. ومقتضى ذلك صحة الصلاة الواقعة فيه حتى واقعاً ، إذ الإحراز جزء من موضوع الفساد ، وهو منفي على الفرض ، فلا مجال للقول بأنّ المانع موجود غير أنّ المصلي جاهل به.
ومن ثم بنى قدسسره في أجوبة مسائله على أنّ صحة الصلاة في المشكوك صحة واقعية (1).
وفيه : أنّ هذه الدعوى مع أنّه لا قائل بها دون إثباتها خرط القتاد ضرورة أنّ الألفاظ موضوعة لمعانيها الواقعية دون المعلومة المحرزة. فالانصراف المدعى في المقام مما لا أساس له بتاتاً.
1) جامع الشتات 2 : 776 السطر 26.
ثانيها : أنّ مقتضى العمومات أو الإطلاقات جواز الصلاة في كلّ ساتر خرجنا عنها فيما لا يؤكل بالدليل المخصص ، لكون حجيته أقوى من حجية العام ، وحيث إنّ هذه الحجية خاصة بالأفراد المعلومة ، لتقوّم تنجّزها بالوصول صغرى وكبرى ، فيرجع في المشكوكة أعني الشبهات المصداقية للمخصص إلى العمومات ، إذ لم تقترن فيها بحجة أقوى لترفع اليد عنها.
ويندفع : بما سبق في مطاوي المقدمات من أنّ المخصص المنفصل وإن لم يصادم ظهور العام لكنه يصادم حجيته ، ويكشف عن تضيق دائرة الإرادة الجدية وعدم شمولها لمورد التخصيص. وعليه فالفرد المشكوك حيث لم يعلم اندراجه في المراد الجدي من العام لم يكن مجال للتمسك به.
وبعبارة اخرى : الدليل المخصص وإن لم يكن حجة إلا بعد الوصول كبرى وصغرى كما أُفيد إلا أنّ من الواضح تقييد العام بعد ورود التخصيص عليه بغير مورد الخاص ، لامتناع الجمع بين التوسعة والتضيق والإطلاق والتقييد فهو خارج عن تحت الإرادة الجدية منه. وعليه فالفرد المشكوك وإن لم يعلم دخوله في المخصص لكنّه لم يعلم دخوله في العام أيضاً بما هو حجة ، وإن كان داخلاً فيه بحسب المراد الاستعمالي ، فكما يشك في شمول المخصص له يشك في شمول العام أيضاً ، فلا يصح التمسك به.
على أنّه ليس لدينا عموم أو إطلاق يدلّ على جواز الصلاة في كلّ ساتر ليرجع إليه في الفرد المشكوك كما لا يخفى.
ثالثها : ما يظهر من كلمات المحقق القمي (1)وتمسك به بعضهم من أنّ المانعية في المقام منتزعة من النهي الوارد في موثقة سماعة « ... ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه » (2)ومن المعلوم أنّ فعلية النواهي كالأوامر متقوّمة بالوصول كبرى وصغرى ، لتصلح للزجر والبعث ، وحيث لا وصول في المشكوك فلا فعلية. فلا
يقاس ذلك بمثل لا صلاة إلا إلى القبلة ، أو بطهور ، أو بفاتحة الكتاب ، ونحوه مما لا يكون بلسان النهي. وإنّما هو إرشاد بحت ، فانّ العبرة ثمة بالواقع لا بالواصل ، وبذلك يفترق أحدهما عن الآخر.
وفيه أولاً : أنّ دليل المانعية في المقام غير منحصر فيما ذكر ، بل العمدة موثقة ابن بكير ، والمانعية فيها غير مستفادة من النهي ، بل من التصريح بالفساد حيث قال عليهالسلام : « إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله ... فاسد » وهكذا في ذيلها. فعلى تقدير تسليم الكبرى فالصغرى ممنوعة في المقام.
وثانياً : مع الغض عن هذه الموثقة وتسليم انحصار الدليل بما تضمّن النهي فما ذكره من اعتبار الوصول إنّما يتجه في النواهي أو الأوامر المولوية النفسية الحاوية للتكاليف الاستقلالية ، والصالحة للبعث أو الزجر ، دون مثل المقام مما هو إرشاد إلى المانعية أو أحد أخويها ، الذي هو بمثابة الإخبار عن أمر واقعي وهو الدخل في المأمور به وجوداً أو عدماً ، علم به المكلّف أو لا ، ضرورة أنّ مثله لا يتضمن بعثاً أو زجراً ليتوهم إناطتها به.
وما قرع سمعك من انتزاع المانعية أو الشرطية من التكليف فلا يراد به هذا النهي المتعلّق بذات المانع ، بل المراد الانتزاع من تقيّد التكليف المتعلق بالمركب بالقيد العدمي أو الوجودي كما لا يخفى.
وثالثاً : لا نسلّم اعتبار الوصول في الفعلية حتى في التكاليف النفسية إلا إذا لوحظ العلم جزءاً من الموضوع ، وإلا ففعليتها بفعلية موضوعاتها ، علم بها المكلف أم لا ، فمتى كان الموضوع فعلياً أصبح الحكم فعلياً أيضاً بتبعه ، بل لا يمكن تخلّفه عنه ، فإنّه كتخلّف المعلول عن علته.
نعم ، تنجّزه منوط بالوصول ، وبدونه يكون معذوراً ، فلا تنجّز مع الجهل لا أنّه لا فعلية. ومن ثم يكون الاحتياط وقتئذ حسناً ، لما فيه من المحافظة على الواقع ، إمّا لزوماً كما في موارد العلم الإجمالي ، أو استحباباً كما في الشبهات البدوية ، فإنّه لولا الفعلية لم يكن ثمة واقع لتحسن المحافظة عليه. فالخلط بين الفعلية والتنجّز أوجب الوقوع في الاشتباه.
وبالجملة : فاعتبار الوصول في فعلية الحكم غير سديد وإن أصرّ عليه صاحب الكفاية في مبحث اجتماع الأمر والنهي (1)ولأجله صحح الصلاة في المغصوب لدى الجهل ، نظراً إلى عدم فعلية الحرمة حينئذ. وأجبنا عنه بضرورة فعلية الحكم إذا كان موضوعه موجوداً بتمام قيوده ، غاية الأمر أنّه لا يتنجّز مع الجهل. وتمام الكلام في محلّه (2).
رابعها : التمسك بالروايات التي تضمنت جواز الصلاة في الخزّ الخالص غير المغشوش بوبر الأرانب (3)بدعوى أنّ اختصاصها بمحرز الخلوص بحيث يعلم عدم نسج شيء من خيوطه بوبر غيره حمل للمطلق على الفرد النادر ، فيلغو تشريع هذا الجعل. فحذراً عن اللغوية يراد بها ما يطلق عليه اسم الخزّ مما كان لبسه متعارفاً في تلك الأزمنة ، بحيث يشمل محتمل الغشية ، فاذا شمل ما احتمل فيه الغش والخلط شمل ما احتمل أن يكون اللباس بأجمعه مما لا يؤكل ، لعدم القول بالفصل بين موارد الشبهة.
وفيه أولاً : أنّ معرفة الخالص من جلد الخز كغيره من الجلود سهلة يسيرة وغير عزيزة عند أهل الخبرة ، بل هو معروف لديهم يميزونه عن غيره كما يميزون جلد الشاة عن المعز.
وأمّا الخلوص في الوبر فيمكن إحرازه بالعلم الوجداني كما لو نسج اللباس بيده ، أو التعبدي كما لو أخبره البائع الذي يثق به ، أو شخص آخر من أهل الخبرة ، أو غيرهما من حجة معتبرة. فإحراز الموضوع بعلم أو علمي كبقية الموضوعات لم يكن من الفرد النادر بحيث يمتنع حمل المطلقات عليه ، فمع استقرار الشك بحيث لم يكن ثمّة حتى أصل محرز لا مانع من أن لا تتناوله هذه المطلقات ، لما عرفت من عدم قلّة الموارد التي يمكن فيها إحراز الخلوص ولو
بحجة غير العلم.
وثانياً : مع التسليم فغايته الالتزام بتخصيص آخر في عمومات عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل ، فكما أنّ الخز الخالص خارج عنها فكذا ما يحتمل فيه الخلط والغش ، نظراً إلى أنّ الاقتصار على الأوّل يستوجب الحمل على الفرد النادر كما أُفيد. وحينئذ فما هو الموجب للتعدّي إلى كلّ مشكوك مما لا يؤكل فإنّا إنّما تعدينا إلى التخصيص الثاني لعلة مختصة به مفقودة في غيره ، وهي التي سمعتها من محذور اللغوية الناشئة من الندرة ، فلا يقاس غيره به. ولا أساس لدعوى عدم القول بالفصل في مثله كما لا يخفى.
وثالثاً : أنّا لو سلّمنا شمول نصوص الخزّ للخالص والمحتمل الخلط ، إلا أنّها مقيّدة بما دل على عدم جواز الصلاة في المغشوش. إذن فالتمسك بها في الفرد المشكوك يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية (1)الذي هو في حيّز المنع.
فتحصّل : أنّ هذه الوجوه كلها ساقطة ، ولا سبيل للتمسك بالأدلّة الاجتهادية لتجويز الصلاة فيما يشك في كونه مما لا يؤكل لحمه.
وأمّا المقام الثاني : أعني البحث حول الأُصول العملية بعد اليأس عن الأدلّة الاجتهادية فالكلام فيه يقع تارة فيما تقتضيه الأُصول الموضوعية أي التي يتنقح بها حال الموضوع الحاكمة على الأُصول الحكمية من البراءة أو الاشتغال ، وأُخرى فيما تقتضيه الأُصول الحكمية ، فهنا مبحثان.
1) هكذا أفاده ( دام ظله ) في بحثه الشريف وفي رسالته التي كتبها في اللباس المشكوك [ في ص 35 ] وتعرّض له المحقّق النائيني قدسسره أيضاً [ في رسالة الصلاة في المشكوك : 176 ] غير أنّ في النفس منه شيئاً ، إذ بعد تسليم ما يدعيه المستدل من امتناع تخصيص الإطلاق بمجرد الخلوص ، ولزوم شموله بنفسه للمشكوك حذراً من لغوية التشريع لو أُريد منه الفرد النادر ، فلازمه تخصيص ما دلّ على المنع عن الصلاة في المغشوش بمحرز الغشية ، ضرورة امتناع المحافظة على الإطلاقين ، للزوم التدافع. إذن فالفرد المشكوك مصداق واقعي للعام ، ومثله لا يكون من التمسك به في الشبهة المصداقية.
أمّا المبحث الأول : فيستدل على جواز الصلاة في اللباس أو المحمول المشكوك بوجوه :
الأول : التمسك بأصالة الحلّ بتقريب : أنّ الحيوان الذي أُخذ منه هذا الجزء كالصوف يشك في حلّية لحمه وحرمته فيشمله عموم قوله عليهالسلام : « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال » (1)فبمقتضى أصالة الإباحة تحرز حلّية اللحم في ظاهر الشرع التي هي الموضوع لجواز الصلاة فيما أُخذ منه فيترتب عليه الأثر.
وقد نوقش فيه من وجوه :
أحدها : أنّ الحكم بالحلّية الفعلية المستندة إلى أصالة الإباحة يستدعي وجود الموضوع ودخوله في محلّ الابتلاء كي يصح التعبد الشرعي بحلّيته فعلاً ولا يكون لغواً ، مع أنّ الحيوان المتخذ منه الجزء المشكوك ربما يكون تالفاً قبل سنين ، أو خارجاً عن محلّ الابتلاء فلم يكن هناك أثر شرعي فعلي يصحّ التعبّد بلحاظه كي يجري الأصل.
ويندفع : بأنّ الدخول في محلّ الابتلاء وكونه ذا أثر فعلي لو كان معتبراً في مجرى الأصل نفسه لتمّ ما أُفيد ، إلا أنّه لا دليل على هذا التضييق ، بل المعتبر بمقتضى كون الأصل ناظراً إلى التطبيق في مقام العمل وجود أثر شرعي عملي داخل في محل الابتلاء ، وهذا المقدار من الأثر كاف في صحة التعبد الشرعي بلحاظه ، سواء كان بنفسه مجرى للأصل أو مترتباً على ما يجري فيه الأصل كما في المقام.
ونظيره ما لو لاقى شيء مستصحب النجاسة ، وقبل العلم بالملاقاة انعدم الملاقي بالفتح أو خرج عن محل الابتلاء ، فإنّه لا ريب في الحكم بنجاسة الملاقي بالكسر استناداً إلى استصحاب نجاسة الملاقي بالفتح مع أنّه معدوم أو خارج عن محل الابتلاء على الفرض ، فمع أنّ المجرى بنفسه لم يكن
1) الوسائل 17 : 87 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.
مورداً للأثر يحكم بجريانه بلحاظ ما يستتبعه من الأثر العملي ، وهو الحكم بنجاسة الملاقي بالكسر وبذلك يخرج التعبّد الشرعي عن اللغوية.
ومقامنا من هذا القبيل ، فانّ الحكم بحلّية لحم الحيوان التالف أو الخارج عن محل الابتلاء وإن لم يكن بنفسه قابلاً للتعبد فلا يكون المجرى مورداً للأثر ، إلا أنّه بلحاظ تضمنه أثراً فعلياً عملياً داخلاً في محلّ الابتلاء وهو جواز الصلاة في الجزء المتخذ منه يصحّ التعبد ، فيشمله عموم دليل الأصل.
ثانيها : ما ذكره المحقق النائيني قدسسره (1)من أنّه على تقدير تسليمه لا يجري فيما لو كان هناك حيوانان متميّزان في الخارج قد علمنا بحرمة لحم أحدهما بعينه وحلّية الآخر وشككنا في أنّ الصوف مثلاً مأخوذ من هذا أو ذاك ، فإنّه لا معنى حينئذ لجريان أصالة الحلّ في الحيوان ، إذ لم يكن شيء من الحيوانين مشكوك اللحم على الفرض كي يجري فيه الأصل ، وإنّما الشك متمحض في أخذ الصوف من هذا أو من ذاك ، والأصل المزبور لا يجدي لدفع هذا النوع من الشك ، لعدم تعلّقه بالحيوان.
نعم ، العنوان الانتزاعي وهو ما أُخذ منه هذا الصوف يشك في حلّيته وحرمته ، إلا أنّه بنفسه لم يكن موضوعاً للأثر ، بل لا وجود له في الخارج ، وإنّما الموجود هذا أو ذاك معيناً ، والمفروض عدم الشك في شيء منهما. فما هو المشكوك لا وجود له ، وما هو الموجود لم يكن مورداً للشك ليجري فيه الأصل.
ويندفع : بأنّ الميزان في جريان الأصل كون المجرى مشكوكاً فعلاً بأيّ عنوان كان مع تعلّق أثر شرعي به داخل في محلّ الابتلاء ، سواء كان معلوم الحكم بعنوانه الأوّلي أم لا ، إذ المدار في شمول أدلّة الأُصول صدق الشك الفعلي كيف ما كان. ومن الواضح أنّ عنوان ما أُخذ منه هذا الصوف الداخل في محلّ الابتلاء له معنون موجود في الخارج يشار إليه بهذا العنوان المشير ، ولا يضر
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 316.
بصدق الشك الفعلي معلومية حكم كلّ واحد من الحيوانين سابقاً بعنوان آخر.
فالمقام نظير ما لو كان هناك لحمان في الخارج أحدهما مقطوع الحرمة والآخر مقطوع الحلّية فوقعت قطعة من أحدهما في يد شخص وشك في أخذها من هذا أو ذاك ، فإنّه لا إشكال في جريان أصالة الحلّ في تلك القطعة مع أنّها كانت سابقاً معلومة الحكم من حيث الحلّية والحرمة على الفرض.
وكما لو فقد أحد اللحمين في المثال وبقي الآخر وشك في أنّ الباقي هل هو ما علم حلّيته أو حرمته ، فإنّ أصالة الحلّ تجري حينئذ في اللحم الموجود بلا إشكال ، مع أنّه في السابق كان معلوم الحكم.
والسرّ هو ما عرفت من أنّ العبرة بصدق الشك الفعلي كيف ما اتفق ، وبأيّ عنوان تحقق ، وهو حاصل في هذه الفروض.
ثالثها : ما ذكره هو قدسسره (1)أيضاً من أنّ الموضوع لعدم جواز الصلاة لو كان عنوان ما حرّم اللّه أكله بما هو كذلك اتجه التمسك بأصالة الحلّ وليس كذلك ، بل الموضوع ذوات الحيوانات من الأسد والأرنب والثعلب ونحوها ، فالمانع هو وقوع الصلاة في شيء من أجزاء هذه الحيوانات ، والعنوان المزبور معرّف ومشير إلى هذه الذوات. ومن الواضح أنّ أصالة الحلّ لا يثبت بها كون الحيوان المتخذ منه هذا الجزء من النوع المحلّل ، أو عدم كونه من الأنواع المحرّمة ، لعدم تكفّل الأُصول ولا سيما غير المحرز منها كما في المقام لإثبات اللوازم غير الشرعية.
فما هو موضوع الحكم لا يثبت بأصالة الحلّ ، وما يثبت بها لم يكن موضوعاً للحكم.
وما أفاده قدسسره متين جدّاً بناءً على مسلكه من كون الموضوع ذوات الحيوانات ، وحمل العنوان المأخوذ في لسان الروايات على المعرفيّة
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 325.
والمشيرية. وأمّا بناءً على ما هو الصواب كما عرفته سابقاً (1)من كون الموضوع نفس العنوان ، نظراً إلى أنّ الحمل على المعرفية خلاف ظواهر الأدلّة لا يصار إليه من دون القرينة ، فلا تمكن المساعدة على ما ذكره قدسسره.
رابعها : ما ذكره هو قدسسره (2)أيضاً من أنا لو سلّمنا كون العبرة بالحلية والحرمة لا بذوات الحيوانات إلا أنّه لا ينبغي الشك في أنّ المراد بهما ما كان كذلك ذاتاً وبحسب الطبع الأوّلي في أصل التشريع ، دون الحلّية والحرمة الفعليين ، لعدم دوران جواز الصلاة وعدمه مدارهما. ألا ترى أنّ الصوف المتخذ من ميتة الشاة تجوز فيه الصلاة وإن حرم لحمها لمكان الموت أو لاعتبارات أُخر ، حتى في المذكّى من غصب أو ضرر أو صوم وما شاكل ذلك من العناوين الثانوية الموجبة للحرمة الفعلية ، كما أنّه ربما لا تجوز الصلاة وإن حلّ الأكل فعلاً كالوبر المتخذ من أرنب حلّ أكل لحمه لاضطرار ونحوه.
وبالجملة : موضوع الحكم هو الشأني الطبعي منهما لا الفعلي. ومن البديهي أنّ أصالة الحلّ متكفّلة لإثبات الحلّية الفعلية ، ولا نظر فيها إلى الحلّية الطبيعية بوجه. ولا ملازمة بين الأمرين ، لجواز التفكيك من الطرفين ، إذ لا تنافي بين الحلّية الذاتية والحرمة الفعلية ، وكذا عكسها حسبما عرفت. فما هو موضوع الحكم لا يثبته الأصل ، وما يثبته لم يكن موضوعاً للحكم.
نعم ، ربما يكون التعبد الشرعي متعلقاً بالحلّيّة الشأنية كما لو شك في تبدّلها بحرمة مثلها بعروض الجلل أو صيرورتها موطوءة الإنسان بشبهة حكمية أو موضوعية ، أو في زواله بالاستبراء فنستصحب الحالة السابقة من الحلّية أو الحرمة الطبيعيتين ، إلا أنّ ذلك خارج عن نطاق البحث ، إذ الكلام في أصالة الحلّ التي ليس مفادها إلا الحلّية الفعلية حسبما عرفت.
وما أفاده قدسسره في غاية الجودة والمتانة ، وهو الوجه الصحيح الذي
نعتمد عليه في المنع عن جريان أصالة الحلّ ، فانّ ما يترتب على هذا الأصل هو الحلية الفعلية ، والموضوع في المقام هو الحلية الذاتية ، فلا تصلح أصالة الحلّ لإثبات موضوع الجواز ، وهكذا في جانب الحرمة.
وعليه فلو عثرنا على حيوان شك في تذكيته من دون أي أمارة عليها فمقتضى أصالة عدم التذكية وإن كان هو عدم جواز أكل لحمه إلا أنّه لا يترتب عليها عدم جواز الصلاة في أجزائه ، إذ لا تثبت بالأصل المزبور الحرمة الطبعية الشأنية الّتي هي الموضوع لعدم الجواز ، إلاّ إذا كانت تلك الحرمة أو الحلية مجرى للأصل كما لو شك في الاستبراء من الجلل أو في أصل عروضه حسبما عرفت.
الوجه الثاني : التمسك بأصالة الطهارة بتقريب : أنّه لو تردد اللباس بين اتخاذه من حيوان طاهر مأكول اللحم كالغنم ، أو نجس غير مأكول كالكلب كان مقتضى أصالة الطهارة جواز الصلاة فيه ، فاذا جاز ثمّة جاز في بقية الشبهات بعدم القول بالفصل.
ويندفع : بأنّ أصالة الطهارة لا يترتب عليها إلا آثار الطهارة وأحكامها ومن البيّن أنّ جواز الصلاة لم يكن أثراً للطهارة بمجردها ، بل شريطة عدم كون اللباس مما لا يؤكل ، بشهادة عدم الجواز في وبر الأرانب مثلاً مع أنّه طاهر ، نعم طهارة اللباس في مفروض المثال ملازم لكونه مأخوذاً من المأكول ، إلا أنّ ذلك من اللوازم العقلية التي لا تكاد تثبت حتى بالأُصول المحرزة فضلاً عن غيرها كأصالة الطهارة.
على أنّا لو سلّمنا حجية الأُصول المثبتة فغايته جواز الصلاة في خصوص المثال ، لإحراز كونه من المأكول بالتعبد الشرعي ، فما هو الموجب للتعدي إلى ما لا تعبد فيه بعد ثبوت الفارق الظاهر المانع عن التمسك بعدم القول بالفصل كما لا يخفى.
الوجه الثالث : استصحاب الإباحة الثابتة قبل البلوغ ، بدعوى جواز أكل لحم كافة الحيوانات محلّلها ومحرّمها قبل وضع قلم التكليف ، وبعد البلوغ
يشك في انقلاب الجواز إلى المنع بالنسبة إلى الحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس ، ومقتضى الأصل بقاؤه على ما كان ، فاذا ساغ أكله ببركة الاستصحاب جاز الصلاة أيضاً لإحراز موضوعه بالتعبد الشرعي.
ويندفع أولاً : بأنّ المقسم في الأحكام الخمسة على ما يشهد به حديث رفع القلم عن الصبي (1)هو من وضع عليه قلم التكليف ، وهو البالغ ، فالصبي خارج عن دائرة الحكم ، ونفي الحرمة عنه إنّما هو من باب السالبة بانتفاء الموضوع. إذن فاستصحاب الحلّ إلى ما بعد البلوغ إسراء للحكم من موضوع إلى موضوع آخر ، ولم يكن من الاستصحاب المصطلح في شيء.
وثانياً : أنّ الإباحة الثابتة حال الصغر إباحة فعلية ، وقد عرفت (2)أنّ الموضوع لجواز الصلاة هي الحلية الطبعية الشأنية ، فاستصحاب تلك الإباحة لا ينفع لإثبات موضوع الحكم ، إذ لا تنافي بين الحلّية الفعلية الناشئة من العوارض المانعة عن التنجّز من جنون أو صغر أو اضطرار ونحوها ، وبين الحرمة الشأنية.
الوجه الرابع : استصحاب عدم جعل الحرمة للحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس ، إذ لا ريب في أنّها حادث مسبوق بالعدم الثابت قبل الشرع فيستصحب ذاك العدم ، سواء أكانت الشبهة حكمية كالمتولّد من حيوانين محرّم الأكل ومحلّله ولم يشبه أحدهما كما هو واضح ، أم موضوعية كما لو تردّد الحيوان المتخذ منه اللباس بين الأرنب والشاة ، فإنّ الحرمة قد ثبتت للأرنب مثلاً على سبيل القضية الحقيقية المنحلّة بعدد الأفراد الخارجية ، فلكلّ فرد حكم يخصّه ، إذن فالشك في التطبيق شك في تعلّق فرد من الحرمة بالنسبة إلى المشكوك زائداً على الأفراد المتيقّنة ، ومقتضى الأصل عدمه ، هذا.
وقد أورد عليه المحقق النائيني قدسسره بوجوه :
أحدها : أنّ عدم الحرمة الثابت قبل الشريعة يغاير في سنخه مع العدم الثابت بعدها ، فإنّ الأوّل عدم محمولي من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، حيث لا شرع ليحكم بها أو بعدمها ، ويكون التقابل بينه وبين جعل الحرمة من تقابل السلب والإيجاب.
وأمّا الثاني فهو عدم نعتي ، أي متّصف بالانتساب إلى الشارع الأقدس ويكون التقابل بينه وبين جعلها من تقابل العدم والملكة (1).
وإن شئت فقل : العدم الثابت سابقاً هو عدم الحكم بالحرمة ، والذي نروم إثباته لاحقاً هو الحكم بعدم الحرمة. ومن البيّن أنّ إثبات الثاني بالاستصحاب الجاري في الأوّل من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، فانّ هذا نظير إثبات العمى باستصحاب عدم البصر الثابت قبل الخلقة ، حيث إنّ الثابت سابقاً عدم محمولي ، أي عدم الاتصاف بالرؤية ، فلا يثبت به العدم النعتي ، أي الاتصاف بعدم الرؤية الذي هو معنى العمى إلا على القول بحجيّة الأُصول المثبتة.
وفيه : أن الشريعة عبارة عن مجموعة أحكام منسوبة لصاحبها ومجعولة لمشرّعها. فان قلنا بأنّ الشارع هو اللّه سبحانه فلا شبهة في انتساب العدم إليه فهو نعتي حتى قبل بعث الرسول وأمره بنشر الأحكام ، فكان اللحم المزبور جائز الأكل آن ذاك ومتصفاً بأنّه لا حرمة له فيستصحب إلى ما بعد البعث.
وإن قلنا بأنّه النبي صلی اللّه عليه وآله فكذلك ، بداهة أنّ الأحكام لم تجعل دفعة واحدة ، بل كان التشريع على سبيل التدريج ، وكانت تبلّغ شيئاً فشيئاً حسب المصالح الوقتية. إذن فلم تكن حرمة اللحم مجعولة في بدء الشريعة فكان العدم وقتئذ نعتياً بالضرورة فيستصحب.
ثانيها : أنّا نقطع بجعل حكم لذلك الحيوان في الشريعة المقدسة أما الحرمة أو الإباحة. إذن فاستصحاب عدم الحرمة معارض باستصحاب عدم الإباحة (2).
وفيه أولاً : ما عرفت آنفاً من أنّ الأحكام تدريجية الحصول ، فكانت الإباحة ثابتة في بادئ الأمر وقبل بيان التحريم كما يفصح عنه قوله تعالى ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً .. ) إلخ (1)فكان كل شيء محكوماً بالترخيص حتى يرد فيه النهي. إذن فالإباحة النعتية سابقة على التحريم فتستصحب من غير معارض له في ظرفه.
وثانياً : أنّه لا تعارض بين الأصلين المزبورين ، لعدم كون الإباحة موضوعاً لجواز الصلاة ، وإنّما الحرمة أُخذت موضوعاً لعدم الجواز وبتبعه يسند الجواز إلى الإباحة تجوزاً في الإسناد وتوسعاً في الإطلاق ، من غير أن يكون أصيلاً في الجعل كما يتضح ذلك بملاحظة الأدلّة ، وعليه يحمل قوله عليهالسلام في ذيل موثقة ابن بكير : « .. لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره مما أحلّ اللّه أكله » حيث إنّه عليهالسلام بعد أن حكم قبل ذلك بفساد الصلاة فيما حرم أكله فتفريعاً على ما سبق تقتضي طبيعة الحال إيقاع الصلاة في المحلّل حذراً عمّا يوجب الفساد وتجنباً عنه ، من غير أن تكون موضوعية للمحلل بما هو كذلك ، فلا شأن له عدا كونه وسيلة للاجتناب المزبور.
وعليه فاستصحاب عدم الإباحة لا أثر له ، وإنّما الأثر الوحيد مترتب على استصحاب عدم الحرمة فيجري من دون معارض.
ثالثها : أنّ للحكم مرحلتين : مرحلة الجعل ومرحلة المجعول ، فإذا شك في الأوّل وكان موضوعاً للأثر جرى فيه الاستصحاب وجوداً أو عدماً ، كما أنّ الثاني لو كان له أثر وكانت له حالة سابقة كان مجرى للاستصحاب أيضاً. وأمّا الأثر المترتب على مرحلة المجعول ومقام الفعلية كاتصاف الحيوان الخارجي في المقام بعدم الحرمة على تقدير الذبح الشرعي فلا يجري فيه الاستصحاب لا بلحاظ هذه المرحلة لعدم الحالة السابقة ، ولا بلحاظ مرحلة الجعل لأنّ
1) الأنعام 6 : 145.
استصحاب عدم الجعل لإثبات العدم في مرحلة المجعول من الأصل المثبت الذي لا نقول به (1).
ويندفع : بأنّ تغاير مقام الجعل عن المجعول واختلاف سنخ الحكم بلحاظ المرحلتين وإن تكرر في كلمات شيخنا الأُستاذ قدسسره في موارد عديدة من أبحاثه الشريفة ، وفرّع عليه عدم إثبات أحدهما بالاستصحاب الجاري في الآخر مصرّاً عليه ، إلا أنّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فانّ الحكم الشرعي إنّما يجعل بجعل واحد مرة واحدة ، غاية الأمر أنّه مجعول للموضوع المقدر وجوده على سبيل القضية الحقيقية ، فاذا لم يوجد موضوعه خارجاً بقي مقصوراً على مقام الإنشاء ، ويعبّر عنه حينئذ بمرحلة الجعل ، وإذا وجد عبّر بمرحلة المجعول ، وأصبح الحكم فعلياً بنفس الجعل الأول لا بجعل آخر. فالفعلية تابعة للجعل ، والقضية قبل تحقق الموضوع فرضية تقديرية ، وبعده فعلية تحقيقية ، لا أنّ هناك سنخين من الحكم يمتاز أحدهما عن الآخر في هويّته وحقيقته ليكون إثبات أحدهما بالأصل الجاري في الآخر من الأصل المثبت.
ومن ثم يجري استصحاب عدم النسخ لدى الشك في زوال الجعل به ويحكم ببقائه وفعليته لدى تحقق موضوعه ، من غير أن تتطرق شبهة المثبتية مع أنّها لو تمت لعمّت ، لعدم الفرق في مناطها بين استصحاب الوجود أو العدم كما لا يخفى. فكما أنّ استصحاب الجعل يثبت الحكم الفعلي فكذا استصحاب عدمه ينفيه بمناط واحد.
وعليه فاذا شك في أنّ الحيوان الذي اتخذ منه هذا اللباس هل جعلت له الحرمة أم لا استصحب العدم ، وترتب عليه جواز الصلاة فيه فعلاً.
والمتحصّل من جميع ما تقدّم : أنّ التمسك بهذا الاستصحاب صحيح ولا إشكال فيه ، والنقود الواردة عليه كلّها مدفوعة بما عرفت.
أجل ، يبتني ذلك على ما هو الأصح كما سبق من أنّ المانع هو عنوان ما
1) ذكره في موارد منها ما في أجود التقريرات 2 : 296 ، 409.
حرّم اللّه أكله ، لا ذوات الحيوانات من الأسد والأرنب ونحوهما وكون العنوان المزبور مشيراً إليها ، وإلا فالأصل المزبور لا يترتب عليه عدم كون الحيوان من تلك الذوات إلا على القول بالأُصول المثبتة.
نعم ، يمكن القول بأنّ هذا الأصل وإن لم ينفع إلا أنّ التشريع لما كان على سبيل التدريج ، من غير فرق بين الأحكام الاستقلالية النفسية وبين التبعية الضمنية كالشرطية والمانعية ، إذن فكان زمان في أول الشريعة ولم تجعل المانعية لذات هذا الحيوان المشكوك ، والآن كما كان ، فيستصحب عدم تقيد الصلاة بعدم وقوعها في اللباس المتخذ منه فينتج صحتها.
ثم إنّه بناءً على تمامية هذا الاستصحاب كما هو الصواب فلا يفرق الحال فيه بين القول بمانعية الصلاة فيما لا يؤكل أو شرطية الوقوع في المأكول ، إذ كما يثبت بالاستصحاب عدم التحريم يثبت به الحلّ أيضاً فيحرز الشرط ببركة الأصل. فالتفصيل بينهما كما تقدم سابقاً لا وجه له.
ثم لا يخفى أنّ هذا الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الحيوان المتخذ منه اللباس مردداً بين المأكول وغيره.
وأمّا إذا تردد بين غير المأكول وبين غير الحيوان كالقطن فلا مجال حينئذ للأصل المزبور ، فانّ عدم الحرمة في غير الحيوان سالبة بانتفاء الموضوع ، بل المرجع أصل آخر حاكم عليه وهو أصالة عدم اتخاذه من الحيوان ، لا عدم حرمته كما لا يخفى.
الوجه الخامس من الأُصول الموضوعية : التمسك باستصحاب عدم اتصاف المشكوك فيه بكونه جزءاً مما لا يؤكل ، الثابت قبل وجوده ، بتقريب : أنّ الموضوع للحكم أعني المانعية مؤلف من جزأين : كون الشيء لباساً أو محمولاً ونحوهما من أجزاء الحيوان ، واتصافه بكونه جزءاً مما لا يؤكل ، وقد كنّا سابقاً قبل خلق الحيوان على يقين بعدم وجود شيء من الجزأين ، وبعد
وجود الحيوان وخلقه قد علمنا بانقلاب عدم الجزء الأول إلى الوجود ، وأمّا الجزء الثاني أعني الاتصاف المزبور فلا علم لنا بالانقلاب ، فيحكم ببقاء العدم على ما كان عليه أزلاً.
وقد اشتهر التعبير عن هذا الاستصحاب في كلماتهم باستصحاب العدم الأزلي ، باعتبار أنّ المستصحب هو العدم الثابت قبل وجود الموضوع غير المحدود بزمان معين ، فكأنّه كان ثابتاً من الأزل.
وكيف كان ، فقد وقع الخلاف في حجية هذا الاستصحاب ، فأثبته صاحب الكفاية مطلقاً (1)وأنكره شيخنا الأُستاذ قدسسره كذلك (2)واختار بعض الأعاظم التفصيل في المقام كما ستعرف.
وحيث إنّ هذه المسألة مهمّة جليلة يترتب عليها فوائد كثيرة في الأبواب المتفرقة من الفقه ينبغي لنا التعرض لها ، والبحث عنها كبروياً تعميماً للفائدة وإن كان خارجاً عن نطاق المقام ، فنقول وبه نستعين : لا بدّ قبل الخوض في صميم البحث من تقديم جهات :
الجهة الاولى : أنّ الموضوع للحكم قد يكون بسيطاً ، وأُخرى مركّباً من جزأين فصاعداً. ونعني بالموضوع ما يعمّ المتعلّق ، وبالجزء مطلق القيد المأخوذ في موضوع الحكم أو متعلّقه ، لا خصوص الجزء الاصطلاحي المقابل للشرط.
أمّا لو كان بسيطاً فلا إشكال في جريان استصحاب الحالة السابقة من الوجود أو العدم ، فيترتب عليه الأثر نفياً أو إثباتاً ، وهذا ظاهر.
وأمّا لو كان مركّباً فلا ريب في ترتّب الأثر مع العلم بوجود الجزأين مثلاً فعلاً ، أو سابقاً مع الشك فعلاً فيحرز الموضوع بالاستصحاب. كما لا ريب في عدم الترتّب مع العلم بعدمهما سابقاً وإن شك فعلاً فيستصحب العدم. وأمّا إذا كان أحد الجزأين مقطوع الوجود سابقاً والآخر مقطوع العدم فانقلب العدم إلى
الوجود قطعاً وشك في بقاء الموجود ، كما لو كنّا على يقين من الطهارة سابقاً مع القطع بعدم الصلاة وعند ما تحققت الصلاة شككنا في بقاء الطهارة ، حيث إنّ الأثر أعني الوجوب متعلّق بمجموع الأمرين.
فالمشهور حينئذ جريان الاستصحاب في الجزء المشكوك فتستصحب الطهارة ، وبذلك يلتئم جزءا الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل فيحرز الامتثال ويقطع بالفراغ.
إلا أنّه ربما يناقش في ذلك بمعارضة هذا الاستصحاب باستصحاب عدم تحقق المجموع المركّب من الأمرين ، أعني الصلاة المقيدة بالطهارة التي هي الموضوع للأثر ، للشك في تحقق عنوان الاجتماع في الخارج وجداناً ، والأصل عدمه.
وقد أجاب عنه شيخنا الأُستاذ قدسسره بأنّ الشك الثاني مسبّب عن الأوّل ، إذ لا منشأ له سوى الشك في بقاء الطهارة على الفرض ، ولا ريب في حكومة الأصل السببي على المسببي فلا تعارض (1).
وفيه : أنّ السببية وإن كانت مسلّمة لكنّها تكوينية عقليّة ، وليست بشرعية بالضرورة ، فإنّ وجود المركّب عند وجود تمام الأجزاء كانتفائه عند انتفاء أحدها أمر تكويني لا مساس له بالشرع ، والأصل السببي إنّما يكون حاكماً فيما إذا كان التسبّب أيضاً شرعياً ، كما في الشك في طهارة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة ، فإنّ من آثار طهارة الماء شرعاً طهارة ما غسل به فالتفرع والتسبب شرعي لا محالة ، فمع الحكم بطهارة الماء بقاعدة الطهارة أو استصحابها لا يبقى مجال للشك في طهارة الثوب المغسول به. وليس المقام من هذا القبيل.
فالأولى في التفصّي أن يقال : إنّ الأثر إنّما يترتب على ذوات الأجزاء عند اجتماعها ، أي وجود كلّ جزء في زمان يوجد فيه الجزء الآخر ، وأمّا المركب
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 410.
بما هو مركّب أعني صفة الاجتماع فليس هو نفسه موضوعاً للأثر ، بل هو عين الأجزاء بالأسر ، فلا يكون شيئاً آخر وراءها كي يكون دخيلاً في ثبوت الحكم ، وإلا فلو فرض أنّ هذا العنوان البسيط المنتزع من تحقق الأجزاء مجتمعة هو الموضوع للحكم بحيث تكون هي من محصلات هذا العنوان خرج الموضوع حينئذ عن التركّب إلى البساطة ، وهو خلف فرض التركيب الذي هو محل الكلام.
وبعبارة اخرى : إمّا أن يفرض أنّ موضوع الحكم في المركبات ذوات الأجزاء ، أو عنوان الاجتماع ، أو الذوات بوصف الاجتماع.
أما الأخير فهو يرجع في الحقيقة إلى الثاني ، فإنّ الموضوع حينئذ هو عنوان الاجتماع والمقارنة.
وأمّا الذوات فهي متعلّق لهذا العنوان وطرف للإضافة ، لأنّه من الأوصاف التعلقية ذات الإضافة ، نظير السبق واللحوق ، فأخذها في الموضوع بعد أخذ نفس العنوان من اللغو الظاهر.
وأمّا الثاني فهو خلف ، لرجوعه إلى أنّ الموضوع إنّما هو العنوان البسيط المنتزع ، أعني التركّب والاجتماع ، وأنّ ذوات الأجزاء من محصّلات هذا العنوان ومحققاته ، وهو خلاف فرض كونه مركّباً. فيتعين الأول ، فإذا أُحرز بعض الأجزاء بالوجدان لا مانع من إجراء الأصل في البعض الآخر ، فليتم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل. ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم وجود المجموع المركّب ، لما عرفت من عدم كون عنوان الاجتماع بنفسه موضوعاً للأثر.
ومنه يظهر أنّ الاستصحاب الثاني في حدّ نفسه غير جارٍ ، لعدم ترتّب الأثر عليه ، لا أنّه محكوم بالأصل الأول من جهة حكومة الأصل السببي على المسببي حتى مع الغض عمّا ناقشناه في هذه الحكومة من اختصاصها بما إذا كان التسبب أيضاً شرعياً وفي المقام عقلي كما عرفت آنفاً.
هذا كلّه فيما إذا لم يكن هناك ربط تكويني بين جزأي المركّب وإن كانا
مرتبطين تشريعاً لا محالة من جهة أخذهما معاً في موضوع الحكم كما لو كانا جوهرين أو عرضين في محلّ واحد أو محلّين ، أو جوهر وعرض قائم في غير هذا الموضوع.
مثال الأول : حجب الاخوة للُام عن الثلث ، فانّ موضوع الحكم أعني الحجب مركّب من وجود جوهرين وهما الأخوان فصاعداً ، فاذا علمنا بوجود أحدهما وجداناً وشككنا في بقاء الآخر عند موت المورث وعدمه يستصحب بقاؤه ، وبضم الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع فيترتب الحكم.
ومثال الثاني : الطهارة والصلاة اللتان هما عرضان قائمان بالمصلّي ، فاذا أُحرزت الصلاة وجداناً وشك في بقاء الطهارة يحكم بترتب الأثر بضم الوجدان إلى الأصل كما مرّ.
ومثال الثالث : الإرث المترتب على وجود المورّث مع إسلام الوارث الذي هو عرض قائم بغير ذاك الجوهر ، فإذا أُحرز الأول بالوجدان وشك في بقاء الثاني يستصحب ، وبضم الوجدان إلى الأصل يلتئم الموضوع فيرتب الأثر.
والجامع بين هذه الأقسام عدم وجود الربط التكويني بين جزأي المركّب كما عرفت.
وهناك قسم رابع يتضمن الربط تكويناً كما لو كان الموضوع مركّباً من العرض ومحلّه ، مثل ما إذا كان الأثر مترتباً على زيد وعدالته أو الماء وكرّيته ونحوهما ، فهل يجري فيه الكلام المتقدّم من إجراء الأصل في أحد الجزأين وضمّه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان ، فتستصحب العدالة أو الكرّية الموجودتان سابقاً ، وبعد الضم إلى زيد أو الماء المحرزين بالوجدان يحكم بالتئام جزأي الموضوع فيرتب الحكم أم لا؟ الظاهر الثاني ، للفرق بين هذا القسم والأقسام المتقدمة ، من جهة أنّ تركّب الموضوع من العرض ومحلّه يستدعي أخذ عنوان الاتصاف ولحاظ العرض ناعتاً ، فزيد المتصف بالعدالة موضوع للحكم ، وكذلك الماء المتصف بالكرّية ، وعليه فان كان الاتصاف بنفسه مسبوقاً
بالحالة السابقة بأن كان العرض بوجوده النعتي متيقناً سابقاً جرى فيه الاستصحاب ، وإلا فاستصحاب وجوده المحمولي وضمه إلى المحلّ المحرز بالوجدان لا يجدي في ترتب الأثر ، إذ لا يثبت به عنوان الاتصاف والوجود النعتي الذي لا مناص من أخذه في الموضوع إلا على القول بالأصل المثبت.
ونظير ذلك ما إذا كان الأثر مترتباً على زيد وعماه ، فانّ العمى ليس عبارة عن مجرد عدم البصر ، بل الاتصاف به ، ولذا كان التقابل بينه وبين البصر من تقابل العدم والملكة حيث إنّ هذا العدم له حظ من الوجود ، وليس كتقابل السلب والإيجاب وحينئذ فان كان الاتصاف المزبور بنفسه متيقناً سابقاً جرى فيه الاستصحاب ، وإلا فمجرّد عدم الاتصاف بالبصر (1)الثابت في الأزل وقبل أن يوجد زيد لا يجدي في إثبات عنوان الاتّصاف إلا على القول بالأصل المثبت ، وهذا في نفسه لا شبهة فيه.
إنّما الكلام في إقامة البرهان على هذه الدعوى ، وهي أنّ الموضوع إذا كان مركّباً من العرض ومحلّه لزم أخذ عنوان الاتصاف في الموضوع ولحاظ العرض ناعتاً.
ذكر شيخنا الأُستاذ قدسسره (2)في وجه ذلك أنّ انقسام الشيء في حدّ نفسه إلى الإطلاق أو التقييد بلحاظ الحالات والأوصاف الطارئة عليه مقدّم على لحاظ التقسيم المزبور بالإضافة إلى مقارناته وعوارضه ، لتقدّم رتبة الجوهر على العرض بالطبع ، لمكان افتقار العرض إلى المحلّ واستغناء الجوهر عنه ، ولأجله لا يبقي التقسيم الأوّل ولحاظ الذات مطلقاً أو مقيداً مجالاً للتقسيم الثاني ولا عكس.
مثلاً إذا كان الموضوع مركّباً من زيد وعدالته فالذات وهو زيد إذا لوحظ في حدّ نفسه وقيس بالإضافة إلى صفته وهي العدالة يمكن أخذه في
الموضوع مقيّداً بهذا الوصف كما يمكن أخذه مطلقاً عنه ، بمعنى رفضه وعدم دخله في ترتّب الأثر ، فهو في ذاته قابل لهذين القسمين ، كما أنّ عرضه وهي العدالة يمكن لحاظها مقيداً بأن تكون في خصوص هذا الموضوع وهو زيد أو مطلقاً سواء كانت في هذا المحلّ أم في غيره. فالتقسيم المزبور جارٍ في حدّ نفسه في كل من العرض ومحلّه ، إلا أنّه بعد لحاظ الإطلاق أو التقييد في الجوهر لا يبقى بعدئذ مورد للحاظهما في العرض ، بل ينعدم موضوع التقسيم حينئذ ، فإذا لوحظ زيد مقيداً بالعدالة ومتّصفاً بها لا يبقى بعد ذلك مجال للسؤال عن أنّ الجزء الآخر للمركّب وهي العدالة هل لوحظت مقيدة بكونها في زيد أو مطلقاً ، فانّ تقييد الذات أوّلاً بذلك يغني عن تقييد العرض ولا يبقي مجالاً له ، كما أنّ لحاظ الإطلاق فيه أيضاً سابق على لحاظه في العرض ومغنٍ عنه.
وهذا بخلاف ما إذا لوحظ التقييد في ناحية العرض فلوحظت العدالة مقيدة بكونها في زيد مثلاً الذي هو وجود محمولي خاص فحيث إنّ الذات في رتبة سابقة على العرض يبقى مجال للسؤال عن أنّ زيداً المأخوذ في الموضوع هل لوحظ مقيداً باتصافه بالعدالة أو مطلقاً ، ومن الواضح أنّه لا ثالث بينهما لاستحالة الإهمال في الواقعيات.
فان لوحظ مقيداً كان التقييد الثاني الملحوظ في ناحية العرض وهو تقييده بكونه في ضمن زيد لغواً محضاً ، لكونه مستدركاً بعد لحاظ التقييد في ناحية الذات ، فهو مغنٍ عن هذا التقييد كما عرفت.
وإن لوحظ مطلقاً عن اتصافه بالعدالة وعدمها لزم التناقض والتدافع بين هذا الإطلاق وبين التقييد المفروض لحاظه في ناحية العرض كما هو ظاهر. فحيث لا موقع للحاظ التقسيم في المقارن وهو العرض لا مناص من لحاظ الإطلاق أو التقييد في ناحية الذات نفسها ، وحيث لم تؤخذ مطلقة على الفرض فهي مقيدة بالعدالة لا محالة ، ولا معنى لتقيدها بها إلا لحاظ الاتصاف بهذا العرض الخاص. فالاتصاف المزبور مأخوذ في الموضوع قطعاً ، ومرجعه إلى
لحاظ العرض نعتاً ، وقد عرفت أنّ استصحاب العرض بوجوده المحمولي لا يثبت الاتصاف والوجود النعتي ، هذا ملخص كلامه قدسسره.
ويرد عليه أوّلاً : أنّ تقدّم مرتبة الجوهر على العرض وإن كان مسلماً إلا أنّ ذلك لا يستدعي انحصار لحاظ التقييد في ناحية الذات ، وعدم إمكان رعايته في ناحية العرض نفسه.
والسرّ أنّ وجود العرض في نفسه عين وجود في محلّه ، ولذا كان العرض والمعروض موجودين بوجود واحد ، ولا فرق بينهما إلا بالاعتبار. فالبياض مثلاً إذا لوحظ بحياله وبما هو شيء في نفسه مع إلغاء جهة الانتساب والاتصاف كان وجوده محمولياً ، وإذا لوحظ بما أنّه عرض قائم بالغير ومنتسب إلى المحل ووصف له كان وجوده نعتياً والمحلّ متصفاً به ، ويعبّر عنه حينئذ بالأبيض. فهما شيء واحد ذاتاً وأحدهما عين الآخر ، وإنّما الاختلاف بحسب اللحاظ والاعتبار.
وعليه فكما أنّ لحاظ الاتصاف والتقييد في ناحية الذات يغني عن لحاظ التقييد في ناحية العرض واعتبار كونه في خصوص هذا الموضوع ، ولا يبقي مجالاً له ولا للإطلاق فكذلك العكس ، فيغني اعتباره في العرض عن لحاظ التقييد في الجوهر ، ولا يبقي مجالاً لا له ولا للإطلاق. فأحد التقييدين يغني عن الآخر لا محالة ، وأيّا منهما لاحظه المولى ابتداءً لا يبقى معه مجال للسؤال عن التقسيم من حيث الإطلاق والتقييد في الآخر. فالمولى يمكنه التوصّل إلى غرضه وهو التقييد بأيّ من النحوين شاء. ومجرد سبق أحدهما في المرتبة لا يمنع عن ذلك كما هو ظاهر.
وثانياً : لو تمّ ما ذكره قدسسره لجرى هذا الكلام في مطلق المركّبات ، سواء كان المركّب مركباً من الجوهرين أم العرضين أم الجوهر والعرض في محلّ أو محلّين ، ولزم اعتبار الاتصاف على الإطلاق ، ضرورة أنّ مقارنة الجوهر مع جوهر آخر أو مع عرض في محلّ آخر ، وكذا مقارنة العرض مع عرض آخر
في هذا المحلّ أو محلّ آخر تكون من صفات هذا الجوهر أو هذا العرض وأعراضه الطارئة عليه ، فهو يتصف بهذه المقارنة لا محالة ، فلا بدّ في كل من جزأي المركب إذا قيس بالإضافة إلى اتصافه بالمقارنة مع الجزء الآخر وعدمها من لحاظه إمّا مطلقاً أو مقيداً في مرتبة سابقة على وجود المقارن ، ومعه يرتفع موضوع الإطلاق والتقييد بالإضافة إلى ذات المقارن ، كما هو الحال بعينه في العرض ومحلّه حرفاً بحرف ، مع أنّه قدسسره لم يلتزم بذلك فيما عدا الأخير ، ولا ينبغي الالتزام به.
فالصحيح في الاستدلال على اعتبار الاتصاف في هذا القسم اعني تركب الموضوع من العرض ومحلّه أن يقال : إنّ وجود الأعراض في أنفسها عين وجودها لموضوعاتها كما مرّ ، فهي في وجودها الخارجي لا تنفك عن وجود نسبة بينها وبين الموضوع ، لأن حقيقة وجود العرض سنخ حقيقة متقوم بالموضوع ومرتبط به ، في قبال وجود الجوهر الذي هو غني في ذاته عن القيام بالغير ، وغير متقوّم بشيء آخر.
وعليه فاذا كان الموضوع مركّباً من العرض ومحلّه كقوله : أكرم زيداً العادل. فلا يخلو إمّا أن يؤخذ العرض بما هو شيء في نفسه وموجود بحياله أينما تحقق ، مع إلغاء جهة النسبة والنعتية لمحلّه ، ومن غير تقيده بموضوع خاص. وإمّا أن يؤخذ مع لحاظ الانتساب والاتصاف ، وبما أنّه نعت لموضوع خاص وعرض قائم بمحلّ مخصوص.
لا سبيل إلى الأول ، إذ لازمه ترتيب الأثر على مطلق وجوده الساري ولو في غير هذا الموضوع ، فيجب إكرام مطلق العادل ولو لم يكن زيداً. وهذا خارج عن محل الكلام ، إذ هو خلف فرض التركّب من العرض ومحلّه كما هو ظاهر.
فلا مناص إلا من أخذه على النحو الثاني كي لا يترتب الحكم إلا على خصوص وجوده في ذلك الموضوع الخاص ، ولا معنى لذلك إلا أخذه ناعتاً وعلى سبيل مفاد كان الناقصة ، أي لحاظ اتصاف المحلّ به ، لما عرفت من أنّ
وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه ، فاعتبار وجود العدالة في خصوص زيد مثلاً هو بعينه ثبوت العدالة لزيد ، وهو عبارة أُخرى عن اتصاف زيد بالعدالة ، فإنّه معنى النعتية كما لا يخفى.
وعليه فاذا كان الوجود النعتي أعني الاتصاف المزبور بنفسه مسبوقاً بالحالة السابقة فكنّا سابقاً على يقين باتصاف زيد بالعدالة جرى فيه الاستصحاب ، والتأم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل ، وإلا فاستصحاب مجرد العدالة بمفاد كان التامة وبوجودها المحمولي لا يجدي في إثبات الاتصاف والوجود الناعتي ، كي يحرز معه الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل إلا على القول بالأصل المثبت.
ومن هنا كان استصحاب العدم المحمولي في باب الأعدام والملكات غير مجدٍ في إثبات العدم النعتي ، أعني الاتصاف بالعدم الذي هو معنى عدم الملكة حيث إنّ العدم المضاف إلى الملكة له حظ من الوجود وهو الاتصاف بالعدم في قبال تقابل السلب والإيجاب فيما إذا كان الأثر مترتباً على ذاك العدم. فلو كان زيد الأعمى مثلاً موضوعاً للحكم ، وشك في زوال عماه ، فان كان بوصف كونه أعمى مسبوقاً بالحالة السابقة جرى استصحاب العدم النعتي ورتّب الأثر بضم الوجدان إلى الأصل ، وإلا فاستصحاب عدم اتصافه بالبصر الثابت أزلاً بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لا يجدي في إثبات الاتصاف بعدم البصر الذي هو معنى العمى.
وكذا لو كان هناك أثر مترتب على عنوان الكافر وشك في إسلام زيد وكفره ، فاستصحاب عدم الإسلام أزلاً أو قبل البلوغ لا يثبت الاتصاف بعدم الإسلام الذي هو معنى الكفر ، إذ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، فانّ الكفر هو الاتصاف بعدم الإسلام (1)عمّن من شأنه ذلك لا مجرد عدم الإسلام. وكذا الحال في استصحاب عدم العلم أو عدم الغنى ، فإنّه لا يثبت بهما عنوان الجهل
1) [ وفي الأصل : هو عدم الاتصاف بالإسلام. والصحيح ما أثبتناه ].
أو الفقر الذي هو عبارة عن الاتصاف بعدم العلم أو بعدم الغنى لا مجرد العدم ، وغير ذلك من سائر موارد الأعدام والملكات.
الجهة الثانية : لا ريب أنّ المفاهيم المأخوذة في لسان الدليل موضوعاً للحكم أو متعلقاً له لا يراد بها المفهوم من حيث إنّه مفهوم ، بل بما أنّه معرّف للوجودات الخاصة ومشير إلى الأفراد الخارجية ، من دون فرق في ذلك بين الجمل الإنشائية كقول : يجب الحج على المستطيع ، أو أكرم العالم ، أو الخبرية كقولنا : كلّ زوج ينقسم إلى متساويين ، ونحو ذلك. فانّ المفهوم بما هو كذلك غير قابل للحكم عليه [ إلاّ ] بماله تعلّق بالوجود الخارجي كما هو ظاهر.
وعليه فامّا أن يؤخذ المفهوم في مقام الثبوت على نحو يسري إلى جميع الأفراد وبنحو الطبيعة السارية ، مع إلغاء كلّ خصوصية يمكن انقسام الطبيعة بلحاظها إلى قسمين ككون العالم فاسقاً أو عادلاً ، والمستطيع حراً أو عبداً ونحو ذلك من المشخّصات الفردية ، فيجعل الحكم حينئذ على سبيل الإطلاق. أو يؤخذ المفهوم معرّفاً إلى حصة خاصة وصنف مخصوص ، فتلاحظ الطبيعة على نحو تسري إلى بعض الأفراد دون بعض ، فلا بدّ من التقييد حينئذ وجعل الحكم على نحو لا ينطبق إلا على خصوص ذلك البعض.
وبالجملة : فالحكم المجعول في مقام الثبوت لا يخلو عن أحد هذين القسمين ، فامّا أن يكون الموضوع فيه مطلقاً أو مقيداً بصنف خاص وعنوان مخصوص ، ولا ثالث لهما ، لوضوح استحالة الإهمال في الواقعيات ، ضرورة أنّ المولى الحكيم والحاكم الملتفت إلى الجهات التي لا تخفى عليه إمّا أن يرى دخل خصوصية في موضوع حكمه أو يرى عدم الدخل ، ويستحيل في حقه الشك والجهل. فعلى الأول لا بدّ من التقييد ، وعلى الثاني لا مناص من الإطلاق.
نعم ، في مقام الإثبات قد لا يرى مصلحة في البيان ، أو يرى مفسدة فيه فيظهر الحكم مهملاً من دون تعرّض لأحد النحوين ، وهذا لا مانع منه كما لا يخفى. فبينهما واسطة هو الإهمال في مقام الإثبات دون الثبوت. ومن هنا ذكرنا
في محلّه أن التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة في مقام الإثبات ، والتضاد في مقام الثبوت وتمام الكلام في محلّه (1).
الجهة الثالثة : لا يخفى أنّ التخصيص بالمتصل كالاستثناء ونحوه يصادم ظهور العام ، فلا ينعقد الظهور من أول الأمر إلا في غير الخاص وأنّ المراد الاستعمالي هو ذلك. وهذا بخلاف التخصيص بالمنفصل ، فإنّه لا يصادم الظهور إذ هو قد انعقد ووقع ، والشيء لا ينقلب عمّا وقع عليه ، بعد أن لم يكن الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينية ، إلا أنّه مصادم لحجيته ، بمعنى أنّه كاشف عن تضييق دائرة المراد الجدي واختصاصه بغير مورد التخصيص. فقوله : لا يجب إكرام العالم الفاسق ، الوارد بعد قوله : أكرم العلماء. يكشف عن تقيّد موضوع الوجوب في العموم بحسب الواقع والإرادة الجدّية بغير الفاسق ، وأنّه معنون بهذا العنوان لا محالة ، لما عرفت في المقدمة الثانية من أنّ موضوع الحكم في مقام الثبوت لا مناص عن كونه مطلقاً أو مقيداً بقيد وجودي أو عدمي ولا يعقل فيه الإهمال ، وبعد ورود التخصيص يقطع بعدم مطابقة المراد الاستعمالي مع المراد الجدي وأنّ العموم غير مراد واقعاً. فلا مناص من تقيّد موضوع الحكم وتعنونه بالعالم الذي لا يكون فاسقاً.
ومن الغريب غفلة بعض الأساطين قدسسره عن ذلك وزعمه أنّ حال التخصيص بالمنفصل حال موت بعض الأفراد ، فكما أنّ موت الفرد خروج تكويني له عن تحت العام فيختص الحكم لا محالة بما عداه ، من دون تعنون العام بذلك ولا تقيّده بغيره ، فكذلك التخصيص خروج تشريعي للخاص عن تحت العموم من دون أن يتعنون العام ويتقيد بما عداه ، بل الحكم لا يشمل غير مورد التخصيص قهراً.
وأنت خبير بما في كلامه قدسسره من الخلط الواضح بين مقام الجعل ومقام الانطباق والفعلية ، فانّ الحكم في مقام الجعل يتعلق بالموضوع المقدّر
1) محاضرات في أُصول الفقه 2 : 172 مبحث التعبّدي والتوصلي.
وجوده على سبيل القضية الحقيقية ، ولا يفرق الحال في ذلك بين كثرة الأفراد خارجاً وقلّتها ، بل حتى وإن لم يتحقق له فرد في الخارج أبداً ، لعدم تعرض الجعل لحال الوجود الخارجي بوجه ، ولذا قيل إنّ القضية الحقيقية مرجعها إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ترتب الحكم ، فمرجع قولنا : المستطيع يحج إلى قولنا : إذا وجد في الخارج مستطيع وجب عليه الحج. من دون نظر في ذلك إلى الوجود فعلاً وعدمه ، وإنّما يؤثر الوجود والعدم أو كثرة الأفراد وقلّتها في مقام الفعلية والانطباق ، فيتحقق الحكم الفعلي بتبع وجود موضوعه الخارجي ويتعدد بتعدده ، فمهما وجد فرد يتعلّق به بمقتضى الانحلالية الملحوظة في مقام الجعل حكم ويكون مراعى بوجود ذلك الفرد حدوثاً وبقاءً ، فيوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.
وعليه فموت فرد من مصاديق العام في مثل قولنا : أكرم كلّ عالم ، لا يوجب إلا تقليل أفراده في مقام التطبيق وفعلية الحكم ، فكانوا مثلاً قبل ذلك مائة فصار عددهم بعد ذلك تسعة وتسعين ، من دون أن يؤثر تضيقاً في دائرة الجعل وتصرّفاً في نفس الحكم المجعول ، بل هو قبل الموت وبعده على حدّ سواء.
وهذا بخلاف التخصيص ، فإنّه من أجل كونه قرينة على المراد الجدي ناظر إلى مقام الجعل ، وكاشف عن تضيق دائرة الحكم المجعول ، وأنّ موضوعه لم يؤخذ على نحو الإطلاق والسريان ، وإن كان كذلك بحسب الإرادة الاستعمالية لكنّه بحسب الإرادة الجدية مقيّد بعنوان خاص وهو عدم كون العالم فاسقاً فيما إذا ورد التخصيص على العالم المزبور بمثل قوله : لا تكرم العالم الفاسق. فهو كاشف عن تعنون العالم وتقيده بعنوان عدمي ، لما عرفت (1)من عدم الواسطة بين الإطلاق والتقييد في مقام الثبوت ، واستحالة الإهمال في الواقعيات ، فاذا لم يكن الحكم مجعولاً على سبيل الإطلاق والسريان لمنافاته مع التخصيص بالضرورة فلا محالة يكون مقيداً بنقيض عنوان الخاص ، من دون فرق في
1) في ص 259.
ذلك بين كثرة الأفراد بحسب الوجود الخارجي وفي مقام الفعلية والانطباق وقلّتها.
ولعمري إنّ هذا واضح جدّاً لا يكاد يخفى. فالخلط بين المقامين وقياس التخصيص بالموت كما صدر منه قدسسره غريب جدّاً.
وأغرب منه استشهاده قدسسره لذلك بذهاب جمع من الأعلام إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، بدعوى أنّ التخصيص لو كان موجباً للتضيّق كما هو الحال في التقييد بلا كلام لم يكن مجال للتمسك المزبور ، ولم تصدر هذه الدعوى من أحد ، كما لم يشك أحد في عدم جواز التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية ، ومن ثمّ لم يعنونوا هذا البحث في ذلك الباب.
إذ فيه : أنّ عدم تعرّض أُولئك الجماعة للتمسك بالإطلاق في الشبهات المصداقية لا يكشف عن عدم تمسكهم به فيها ليكون مغايراً مع العام ، ضرورة أنّ كثيراً من المباحث المذكورة في باب العام والخاص لا يتكلّمون عليها في باب المطلق والمقيد لاستغنائهم عنها فيقتنعون بما باحثوا في ذلك الباب ، لوحدة المناط واتحاد الملاك ، وإليك بعضها :
فمنها : البحث عن حجية العام في الباقي بعد التخصيص بالمنفصل ، حيث أنكرها جماعة ، نظراً إلى أنّ العام يكون حينئذ مجازاً في الباقي ، وحيث إنّ مراتب المجازات مختلفة ولا قرينة على التعيين فلا جرم يسقط عن الحجية. وأُجيب عنه بما هو مذكور في محلّه (1)مع أنّهم قد اتفقوا ظاهراً على أنّ المطلق بعد ورود التقييد عليه يصبح مجازاً ، بل إنّ هذا قد استقر عليه رأيهم إلى زمان سلطان العلماء ، فكان أحرى بالتعرض ، فكيف أهملوه في هذا الباب.
ومنها : بحث جواز التمسك بالعام في الزائد على المقدار المتيقن من المخصص المنفصل الدائر بين الأقل والأكثر ، فانّ مناطه يجري في باب المطلق أيضاً وقد أهملوه.
1) محاضرات في أُصول الفقه 5 : 164.
ومنها : أنّ المرجع بعد التخصيص في زمان والشك في بقاء حكم المخصص هل هو عموم العام أو استصحاب حكم المخصص؟ فإنّهم لم يتعرضوا لذلك في الباب المزبور مع جريانه فيه ، إلى غير ذلك من المباحث الكثيرة ومنها المقام التي استغنوا عن تكرارها اتّكالاً على ما باحثوا حوله في باب العام والخاص لما يرونه من اتحاد المناط.
الجهة الرابعة : لا يخفى أنّ الموضوع المركّب من العرض ومحلّه لا بدّ فيه من أخذ العرض على سبيل الناعتية ، لأنّ وجوده في نفسه عين وجوده في غيره فلا يوجد إلا في موضوع ولا يتقوّم خارجاً إلا به ، هذا بالنسبة إلى وجود العرض.
وأمّا بالنسبة إلى عدمه أعني ما لو تركب الموضوع من ذات وعدم العرض له فقد يؤخذ العدم ناعتاً وقد يؤخذ محمولياً ، ويختلف ذلك باختلاف الموارد.
فربما يلاحظ العدم نعتاً للموضوع كما لو تركّب من زيد وعماه ، حيث إنّ العمى ليس هو مطلق عدم البصر ، ولذا لا يطلق على الحجر ، بل الاتصاف به المنوط بقابلية المحل ، ومن ثم كان التقابل بين الأعمى والبصير (1)من تقابل العدم والملكة. وحينئذ فلدى الشك فيه إن كانت له حالة سابقة كما لو احتملنا أنّه عالج عماه استصحب العمى ، وإلا فلا تثبت بمجرد استصحاب عدم البصر إلا على القول بالأُصول المثبتة.
وربما يلاحظ محمولياً من دون دخل لعنوان الاتصاف ، وحينئذ فلا مانع من إحرازه بالاستصحاب ، إذ قد كان زمان ولم يكن ثمّة ذات ولا عرض ، وقد علمنا بالانتقاض بالنسبة إلى الذات فاحرزنا وجودها بالوجدان ، أمّا العرض فلا علم بالانتقاض بالإضافة إليه فيستصحب ذلك العدم الأزلي فيلتئم
1) [ لعل المناسب : « بين العمى والبصر » كما لا يخفى ].
الموضوع. فلو كان موضوع الحكم زيد وعدم إبصاره لا عماه أمكن إحرازه بضم الوجدان إلى الأصل.
توضيح المقام : أنّ النعتية من لوازم وجود العرض ، ولا حاجة إلى عناية أكثر من ملاحظة ذاته بما هو عرض.
وأمّا عدم العرض فليس كذلك ، بداهة أنّ العدم لا يتقوّم بالموضوع كما يتقوّم به الوجود ، فلا يتصف به ، بل لا يقبل الاتصاف به إلا بعناية ، وهي الاتصاف بشيء ملازم لذلك العدم ، فلا يتصف زيد بعدم البصر ، بل بملازمة وهو العمى. ولا بعدم العلم ، بل بلازمه وهو الجهل وهكذا ، ضرورة أنّ النسبة إنّما تكون بين وجودين كالجوهر والعرض ، ولا تكاد تكون بين وجود وعدم إذ العدم لا يحتاج إلى الربط ، فمن ثمّ كان محمولياً بحسب طبعه إلا أن يدلّ دليله على لحاظه على سبيل الناعتية بنحو من العناية حسبما سمعت.
وما اشتهر وتداول على الألسن من أنّ النسبة سلبية تارة وإيجابية اخرى فليس المراد من السلبية ربط السلب ، بل سلب الربط ، فانّ الموضوع والمحمول لمّا كانت بينهما نسبة كلامية فقد يحكي المتكلم ثبوت شيء لشيء ، وقد يحكي عدم الثبوت. وليس المراد من الحكاية الثانية ربط ذلك العدم ، ضرورة أنّ العدم عدم في نفسه ، ولا يحتاج إلى موضوع يقوم به. فالمراد من النسبة السلبية أنّ الهيئة الكلامية تدل على نفي شيء عن شيء.
وممّا يرشدك إلى ذلك أنّ القضية الحملية سلبية كانت أم إيجابية لا تختص بالأعراض ، بل تجري في غيرها أيضاً ، كما في حمل الوجود على الماهية أو سلبه عنها في قولك : الإنسان موجود أو غير موجود. مع أنّه لا ربط بين الوجود والماهية ، إذ الماهية في نفسها لا وجود لها ، بل تتحقق بالوجود ، فلا يكون عارضاً عليها خارجاً بمعنى وجود شيء لشيء.
وهكذا الحال في الذاتي في باب الكلّيات كقولنا : زيد إنسان ، أو الإنسان حيوان ناطق. فإنّ النسبة الكلامية وإن كانت موجودة إلا أنّ النسبة الربطية
بمعنى أن يكون أحد الوجودين متقوّماً بالوجود الآخر غير متحقّقة ، إذ لا معنى للربط بهذا المعنى بين الشخص والنوع ، أو هو مع الجنس أو الفصل وهكذا كما لا يخفى.
وأوضح حالاً القضايا الذاتية في باب البرهان كقولنا : اجتماع النقيضين محال. إذ لا معنى للربط المزبور بين الاستحالة وبين اجتماع النقيضين وإن كانت النسبة الكلامية موجودة.
إذن فالوجود الرابط منحصر في العرض ومعروضه ، لما عرفت من [ أنّ ] وجوده في نفسه عين وجوده في محله. وأمّا عدم العرض فلا يتحقق ربط فيه ومن ثمّ لا يؤخذ وصفاً إلا بنحو من العناية ، فتكون القضية السالبة من المعدولة المحمول كما في قولنا : زيد أعمى (1).
وممّا ذكرنا يظهر الخلل في جملة من كلمات المحقق النائيني قدسسره التي منها ما ذكره من أنّه إذا تردد العدم بين أن يكون ناعتاً وأن يكون محمولياً فليس لدينا أصل يعيّن أحدهما (2).
إذ فيه ما عرفت من أنّ العدم بحسب طبعه الأولي إنّما يؤخذ محمولاً وتحتاج النعتية إلى عناية زائدة ، فمن دون ثبوتها يحمل على المحمولية بطبيعة الحال ، فلا يستقر الشك لنحتاج إلى تأسيس الأصل.
وقد تلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ الموضوع المركّب من وجود العرض ومحلّه لا بدّ فيه من أخذ العرض ناعتاً ، وعليه فلا يجري استصحاب وجوده إلا إذا كانت الذات مع اتصافها بالعرض موجودة سابقاً فتستصحب ، فيقال : إنّ زيداً كان عالماً قبل الآن ، والآن كما كان. وأمّا استصحاب عدمه فيجري بلا إشكال ، فنستصحب عدم كرّية الماء لدى الشك فيها ، ضرورة أنّ كلّ عدم له تحقق سابقاً وإن أُخذ وجوده ناعتاً.
وأمّا الموضوع المركّب من عدم العرض فقد يؤخذ العدم محمولياً فيجري استصحابه بعد إحراز الذات ، ويلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل ، وقد يؤخذ نعتياً كالعمى فلا يجري ، لأنّ عدم البصر وإن كانت له حالة سابقة إلا أنّ استصحابه لا يثبت الاتصاف ليحرز العمى إلا إذا كان بعنوانه محرزاً سابقاً فيستصحب. إذن فيفصّل بين ما لو أُخذ العدم نعتاً وبين ما لو أُخذ محمولاً هذا.
ولبعض الأعاظم تفصيل آخر في المقام ، وحاصله بتوضيح منّا : أنّ المركب من العرض ومحلّه على قسمين :
فتارة يكون التركيب في الجمل التقييدية الناقصة كقولنا : الإنسان العالم موجود. حيث قيّدت الماهية بقيد خاص ، وحكم بالوجود على حصة خاصة من الإنسان وهو العالم ، وكما يمكن حمل الوجود على تلك الحصة يمكن حمل العدم ، لقبولها في حدّ ذاتها لكلّ منهما ، فاذا شككنا في وجود تلك الحصة الخاصة كان مقتضى الاستصحاب عدمها ، من غير فرق بين لحاظ العرض محمولياً أو ناعتاً ، إذ لا شبهة في أنّ تلك الحصة كيف ما لوحظت فهي مسبوقة بالعدم ، ويشك في انقلابها إلى الوجود والأصل عدمه.
وأُخرى يكون في الجمل التصديقية التامة ، فيفرض الموضوع موجوداً ثم يقيّد بالعرض فيقال مثلاً : الإنسان الموجود عالم. حيث يكون ظرف وجود العرض هو ظرف وجود المعروض ، وبما أنّ العدم بديل للوجود فلا بدّ وأن يكون ظرف عدم العرض ومرتبته هو نفس مرتبة وجوده ، ففي قولنا : زيد الموجود أبيض. لمّا كان وجود البياض في مرتبة وجود زيد ، فلا جرم كان عدم البياض في تلك المرتبة أيضاً ، لاختصاص التقابل بين الوجود والعدم باتحاد المرتبة. وعليه فلا يجري استصحاب عدم البياض الثابت قبل وجود زيد ، ضرورة أنّ ذلك العدم عدم مستقل لا عدم بديل لهذا الوجود.
أضف إلى ذلك أنّ الذي يتصف بالوجود أو العدم إنّما هي الماهية المعرّاة عن
الوجود ، وأمّا المقيّدة به فهي عينه. فكما لا يصح أن يقال إنّ الوجود معدوم فكذلك الماهية المقيدة به ، فإنّها أيضاً غير قابلة للاتصاف بالعدم ، من غير فرق بين أخذ العرض ناعتياً أو محمولياً.
هذا محصّل كلامه قدسسره مع نوع من التوضيح ، لعدم خلوّ عبارته عن شوب من الإجمال.
أقول : أمّا ما أفاده في الجمل التقييدية الناقصة من جريان استصحاب العدم لدى الشك في وجود العرض كالإنسان الأبيض لنفي الآثار المترتبة عليه فهو تام ، ولكنّه خارج عن محلّ الكلام ، بداهة أنّ انتفاء آثار الوجود باستصحاب العدم من أوضح الواضحات ، سواء أُخذ العرض نعتاً أم محمولاً. وإنّما الكلام في أنّ الأثر لو كان مترتباً على العدم فهل يثبت بذلك الاستصحاب أم لا. فلو استصحبنا عدم القرشية فهل يثبت الأثر المترتب على هذا العدم وهو أنّها تحيض إلى خمسين أو لا. وما ذكره لا يصلح لإثباته ، بل المتّجه حينئذ هو ما عرفت من التفصيل بين أخذ [ عدم ] العرض محمولياً فيجري الاستصحاب وبين أخذه نعتاً فلا ، لأن استصحاب العدم لا يصلح لإثبات اتصاف الموضوع به.
وأمّا ما ذكره قدسسره في الجمل التصديقية التامة من أنّ نقيض الوجود في مرتبة هو العدم في تلك المرتبة فغير قابل للتصديق ، وإلا لارتفع النقيضان في غير تلك المرتبة ، فالقيام يوم الجمعة لو كان نقيضه عدم القيام المقيّد بيوم الجمعة لزمه ارتفاع النقيضين يوم الخميس ، وهو كما ترى.
بل الصواب أنّ نقيض الوجود الخاص هو عدم الخاص لا العدم الخاص. ومن ثمّ ذكروا أنّ نقيض الخاص أعم من نقيض العام ، فنقيض قيام زيد يوم الجمعة عدم ذلك القيام ولو لعدم يوم الجمعة لا خصوص العدم يوم الجمعة حتى يلزم ارتفاع النقيضين قبل تحقق يوم الجمعة.
وبالجملة : لا يتصف العدم بتلك الخصوصية ، فإنّ وجود النسبة وإن تقوّم
بالطرفين لكن عدمها يتحقق ولو لعدمهما. إذن فلا يكون نقيض الوجود هو العدم في تلك المرتبة ، بل مطلقاً حتى السابق عليها. ولعمري إنّ هذا من الوضوح بمكان ، ولا حاجة معه إلى إقامة البرهان.
وأمّا ما ذكره من أنّ الماهية المقيّدة بالوجود غير قابلة للاتصاف بالعدم ، وإنّما المتصف به هو الماهية المعرّاة من كل من الوجود والعدم ، ففيه من الخلط ما لا يخفى.
فإنّه قدسسره إن أراد من الاتصاف اللحوق والعروض صحّ ما ذكره ، إذ من المعلوم أنّ الوجود لا يعرضه الوجود ، والشيء لا يلحق نفسه ، كما لا يلحقه العدم ، لأنّه نقيضه ، والنقيض لا يلحق نقيضه ، فالماهية المقيّدة بالوجود لا يعرضها الوجود ولا العدم ، بل الماهية بنفسها تتصف بالوجود ، بمعنى عروضه عليها وكون الخارج ظرفاً لوجودها.
وإن أراد من الاتصاف ما ينتج الحمل وإن تجرّد عن العروض فلا يتم ما ذكره ، بداهة أنّ حمل الوجود على الوجود أوّلي ، وعلى الماهية تبعي ، فهو متصف بالموجودية اتصافاً ذاتياً ، كما في صفاته تعالى ، بمعنى تحقق نفسه في الأعيان وكون الخارج ظرفاً له. إذن فعدمه بعدم نفس الذات ، لا بعروض العدم له مع المحافظة على ذاته ليلزم اجتماع النقيضين.
وبالجملة : كما يتصف وجود زيد بالموجودية يتصف بالمعدومية أيضاً ، وإلا لكان كلّ وجود قديماً ، بل واجباً لذاته ، وهو كما ترى.
ومنه يظهر حال الماهيّة المقيّدة بالوجود ، فإنّها أيضاً تتصف بكلّ من الوجود والعدم بالمعنى الذي عرفت. ولعلّ الخلط بين نحوي الاتصاف أوجب الوقوع في الاشتباه.
فتحصّل : أنّ ما أفاده قدسسره لا يرجع إلى محصّل ، بل الصحيح ما عرفت من التفصيل بين أخذ [ عدم ] العرض محمولاً أو ناعتاً ، فيجري الاستصحاب على الأول دون الثاني.
إذا عرفت هذه المقدمات يتضح لك جلياً جريان الاستصحاب في الأعدام
الأزلية ، فإنّ موضوع الحكم أو متعلّقه إذا كان مركّباً من جزأين متباينين بأن لم يكونا من العرض ومحلّه وقد أُحرز أحدهما وشك في الآخر بعد أن كان محرزاً سابقاً جرى استصحابه ، والتأم الجزءان بضم الأصل إلى الوجدان ، وهذا واضح.
وأمّا لو تركّب من العرض ومحلّه فان كان الأثر مترتباً على الوجود جرى استصحاب العدم لنفيه ، وأما إذا كان مترتباً على العدم فان كان ناعتاً لا يجري استصحاب العدم لإثبات النعتية والاتصاف ، لعدم حجية الأُصول المثبتة ، إلا إذا كان الاتصاف بنفسه ذا حالة سابقة فيستصحب.
وإن كان محمولياً كما لو دلّ دليل على إخراج الفاسق عن موضوع وجوب إكرام كلّ عالم ، أو إخراج القرشية عن عموم كلّ امرأة تحيض إلى خمسين حيث إن الباقي بعد التقييد هو العالم غير المتصف بالفسق ، أو المرأة غير القرشية ، لا المتصف بعدم الفسق أو المتصفة بعدم كونها قرشية ، ضرورة أنّ نتيجة التقييد المزبور ليس إلا اعتبار نفس العدم في الموضوع ، لا الاتصاف ورعاية النسبة بينه وبين الذات ، فإنّه يحتاج إلى عناية خاصة ومئونة زائدة لا يصار إليها من غير قرينة. فحينئذ لا مانع من جريان الأصل ، فإنّه بعد العلم بتحقق ذات المرأة والشك في تحقق الاتصاف بالقرشية كان مقتضى استصحاب العدم الأزلي عدم الاتصاف وعدم انتسابها إلى قريش ، وبعد ضمّه إلى وجود الذات المحرز بالوجدان يثبت الموضوع المركّب ويحكم عليها بعدم التحيّض.
وهكذا الحال في المقام ، فانّ الموضوع لجواز الصلاة بعد البناء على مانعية غير المأكول كما هو المستفاد من الأدلّة حسبما سبق (1)هو ما لم يؤخذ من غير المأكول ، لا المتصف بعدم كونه (2)مأخوذاً من غير المأكول ، فيتمسك في إحراز هذا العدم المحمولي باستصحاب العدم الأزلي ويحكم بجواز الصلاة فيه.
نعم ، هذا مبني على القول بالمانعية الذي عرفت أنّه الصواب ، وأمّا بناءً على القول بالشرطية كما نسب إلى العلامة (1)وغيره فكلاّ ، إذ عليه يكون الاتصاف معتبراً بطبيعة الحال. ومن المعلوم أنّ الأصل المزبور لا يتكفّل بإثباته إلا على القول بحجية الأُصول المثبتة ، ولا نقول بها.
الوجه السادس : التمسك باستصحاب عدم كون المصلّي لابساً لغير المأكول الثابت قبل لبسه للمشكوك فيه.
وتفصيل الكلام في المقام : أنّا قد أشرنا في بعض الأُمور المتقدمة (2)إلى الخلاف في مركز اعتبار المانعية لما لا يؤكل لحمه ، وأنّه اللباس ، أو الصلاة نفسها ، أو المصلي نفسه.
فعلى التقادير يمكن التمسك بالأصل الموضوعي ، بإجرائه في نفس الحيوان فيما إذا علم بعدم كونه محرّم الأكل في زمان ، أو في اللباس نفسه بناء على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، فيحرز به الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل ، ويحكم بجواز الصلاة لانتفاء المانع.
وأمّا لو شك في حال الحيوان من أوّل الأمر ، وأنكرنا جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما عليه المحقق النائيني قدسسره (3)فان قلنا حينئذ بأنّ مركز الاعتبار هو نفس اللباس فحيث لا أصل يحرز به حال الموضوع فتنتهي النوبة حينئذ إلى التمسك بالأصل الحكمي من الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال وسيجيء البحث حوله إن شاء اللّه تعالى (4).
وإن قلنا بأنّ مركزه الصلاة نفسها كما قد يتراءى من موثقة ابن بكير على ما مرّ فلا يمكن إحراز صحتها وعدم اقترانها بالمانع بالأصل الموضوعي
فيما إذا كانت من أوّل حدوثها مقرونة بما يشك في جزئيته لما لا يؤكل لحمه ، إذ الأصل غير جارٍ في اللباس على الفرض ، والصلاة بنفسها غير مسبوقة بالحالة السابقة ، لأنّها من أوّل وجودها إمّا واقعة فيما لا يؤكل أو في غيره ، فليس لنا متيقّن كي يتعبّد ببقائه في ظرف الشك كما هو ظاهر.
نعم ، فيما إذا طرأ لبس المشكوك أثناء الصلاة أمكن التمسك بالاستصحاب حينئذ فيقال : إنّ هذه الصلاة حينما وجدت لم تكن متّصفة بالوقوع في غير المأكول والآن كما كان. وهذا مبني على أنّ الصلاة وإن كانت مركّبة من أجزاء متباينة ، بل مقولات متضادّة لكنّها في نظر الشارع عمل وحداني تدريجي الحصول ، افتتاحه التكبير واختتامه التسليم ، وأنّ المستفاد من أدلة المانعية اعتبار عدمها في نفس العمل من المبدإ إلى المنتهي بما له من الآنات المتخلّلة بين الأجزاء كما هو التحقيق لا اعتبارها في كلّ جزء بخصوصه فحسب ، وإلا لزم عدم البطلان فيما إذا اقترنت تلك الآنات بالمانع ، بل ونفس الجزء أيضاً ، إذ غايته تدارك الجزء بإعادته نفسه لا استئناف الصلاة وإعادتها فيما إذا لم يكن التدارك موجباً للبطلان من جهة أُخرى ، وهو كما ترى.
وبالجملة : إذا منعنا الوحدة الاعتبارية التشريعية أو قلنا باعتبار عدم المانع في كلّ جزء بخصوصه من دون أن يتقيد ذات العمل بذلك لم يكن حينئذ مجال للاستصحاب المزبور ، لتعدد الموضوع وعدم العلم بالحالة السابقة ، فإنّ الأجزاء السابقة لم تكن مقترنة بالمانع جزماً على الفرض ، والجزء اللاحق المقارن لما يشك في جزئيته لما لا يؤكل يشك من أوّل وجوده في اقترانه بالمانع وعدمه ، فليست له حالة سابقة كي تستصحب.
وأمّا مع الاعتراف بالوحدة وبأنّ الاعتبار متعلق بنفس العمل لا بأجزائه كما هو الصحيح على ما عرفت صح التمسك حينئذ بالاستصحاب ، فيقال : إنّ هذا العمل الوحداني عند تحققه ولو بتحقق أوّل جزء منه كان متصفاً بعدم وقوعه في غير المأكول والآن كما كان ، كما هو الحال في إجراء الاستصحاب في
سائر الأُمور التدريجية التي يشك في بقائها أو في بقاء صفتها كالحركة نفسها أو سرعتها أو بطئها.
ومن هنا يتجه التفصيل في صحة الصلاة بين عروض المشكوك جزئيته لما لا يؤكل أثناء الصلاة وبين ما إذا كان مقارناً معها عند افتتاحها كما هو أحد الأقوال في المسألة فيحكم بالصحة في الأول تمسكاً باستصحاب عدم المانع ، وبالبطلان في الثاني ، لعدم جريان هذا الاستصحاب إلا بنحو التعليق. وسيجيء البحث عنه (1).
وأمّا إذا قلنا بأنّ مركز الاعتبار هو المصلّي نفسه دون الصلاة ودون اللباس كما استظهرناه سابقاً من موثقة سماعة فراجع (2)جرى الاستصحاب الموضوعي حينئذ ، وحكم بالصحة بضم الوجدان إلى الأصل ، حتى فيما إذا كانت الصلاة من أوّل وجودها مقرونة بما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، فيقال : إنّ المصلّي قبل لبسه لهذا المشكوك لم يكن لابساً أو مصاحباً لأجزاء ما لا يؤكل والآن كما كان ، فيحرز عدم المانع باستصحاب العدم النعتي ، لوجود الحالة السابقة كما هو ظاهر.
نعم ، لا يحرز بهذا الاستصحاب حال نفس المشكوك وأنّه من أجزاء ما لا يؤكل أو من غيره إلا على القول بالأصل المثبت ، لكنّا في غنى عن إحراز ذلك إذ لا حاجة إليه بعد أن لم يكن اللباس بنفسه مركزاً لاعتبار المانعية ، وإنما هو المصلّي نفسه كما هو المفروض. وهذا نظير ما لو خرج من المتطهر مائع مردد بين البول والمذي ، فانّ استصحاب الطهارة وعدم انتقاضها بالحدث جارٍ وإن لم يحرز بذلك حال المائع وأنّه طاهر أو نجس ، لترتّب الأثر على كونه متطهراً ، وقد ثبت بالاستصحاب.
ومرجع ذلك في المقام وفي المثال إلى عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين
الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود.
وقد تحصّل من جميع ما ذكرناه : جواز الصلاة فيما يشكّ في جزئيته لما لا يؤكل.
أوّلاً : لإجراء الأصل في نفس اللباس ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.
وثانياً : لإجرائه في المصلّي نفسه بنحو العدم النعتي بالتقريب المتقدّم.
الوجه السابع : التمسك بناءً على أن يكون مركز اعتبار المانعية هي الصلاة نفسها بالاستصحاب التعليقي فيقال : إنّ الصلاة لو كانت متحققة قبل لبس المصلّي للمشكوك فيه أو مصاحبته له لم تكن واقعة فيما لا يؤكل فالآن كما كانت ، فيحكم بصحتها حتى فيما إذا كانت من أول حدوثها مقترنة بما يشك في جزئيته لما لا يؤكل ، بضمّ الوجدان إلى الأصل.
واعترض عليه شيخنا الأُستاذ قدسسره (1)، أولاً : بمنع جريان الاستصحاب التعليقي من أصله.
وثانياً : على تقدير التسليم فإنّما يجري مع بقاء الموضوع في ظرف الشك وانحفاظه في القضيتين المتيقّنة والمشكوكة وفي المقام ليس كذلك ، فانّ موضوع الصحة هي الصلاة ، وهي لم تكن موجودة سابقاً على الفرض ، وفي ظرف الشك وإن وجدت لكنّها من أول حدوثها يشكّ في صحتها وفسادها من جهة اقترانها بما يشكّ في جزئيته لما لا يؤكل ، من دون أن تكون لها حالة سابقة متيقّنة ، فلم يكن الموضوع موجوداً في زمان وقد ثبت له حكم تعليقي كي يستصحب ذلك الحكم لنفس الموضوع في ظرف الشك.
ولأجل ذلك لا يجري استصحاب الحرمة التعليقية أو هي مع النجاسة الثابتة للعنب في حال الزبيبيّة حتى مع تسليم أصل هذا الاستصحاب ، فإنّ الحرمة المتعلقة بالعنب إنّما تثبت في حال الغليان ، ولا ريب أنّ الصالح له إنّما هو
1) كتاب الصلاة 1 : 254.
ماؤه لا نفسه من قشر ونحوه ، فيرجع بالأخرة إلى أنّ موضوع الحكم والركن الركين فيه إنّما هو العصير العنبي ، ولا شكّ في انعدام هذا الموضوع في حال الزبيبية ، فان الزبيب عنب جاف قد انعدم عصيره قطعاً ، وأمّا الماء الخارجي الملقى عليه عند الغليان فهو موضوع آخر مباين مع العصير العنبي ، يشكّ في حلّيته وحرمته من أوّل الأمر.
أقول : ما أفاده قدسسره من عدم جريان الاستصحاب التعليقي في حدّ نفسه وإنكاره من أصله فهو في محلّه كما تعرضنا له في الأُصول (1).
والوجه في ذلك على سبيل الإجمال : أنّ الحكم المجعول لا واقع له إلا في مرحلتين لا ثالث لهما : إحداهما مرحلة الجعل والتشريع ، والأُخرى مقام الفعلية والتطبيق.
ففي مرحلة الجعل يجعل الحكم على الموضوع المقدّر وجوده ، ولا نظر في ذلك إلى وجود الموضوع خارجاً وعدمه كما هو مقتضى جعل الأحكام على سبيل القضايا الحقيقية ، ومن هنا ذكرنا غير مرة أنّها راجعة إلى قضايا شرطية مقدّمها وجود الموضوع ، وتاليها ترتب الحكم. فمرجع قولنا : المستطيع يحج ، إلى قولنا : إذا وجد في الخارج مكلّف وكان مستطيعاً وجب عليه الحج.
وبالجملة : فبعد الجعل يتحقق الحكم في عالم التشريع حقيقة ، وجد له موضوع في الخارج أم لا. ولا رافع له إلا النسخ ، ولو شكّ في رفعه لاحتماله جرى استصحاب عدم النسخ بلا كلام.
وفي مرحلة الفعلية يخرج الحكم عن مقام الفرض والتقدير إلى مقام التحقق والتطبيق ، وذلك عند ما يتحقق الموضوع خارجاً بما له من القيود المأخوذة فيه فاذا وجد المستطيع خارجاً بما له من بقية الشرائط المعتبرة وجب الحج وصدق حقيقة أنّه ثبت حكم في الخارج بعد أن لم يكن. وارتفاع هذا الحكم إنّما هو بانعدام الموضوع إمّا بنفسه أو بفقد قيد من القيود المعتبرة فيه ، من دون
1) مصباح الأُصول 3 : 134.
فرق في ذلك بين الأحكام التكليفية والوضعية ، فتزول الاستطاعة مثلاً بعد حدوثها أو تزول الزوجية بطلاق أو فسخ ونحوهما.
وبالجملة : لا نتعقل للحكم الشرعي واقعاً إلا في هاتين المرحلتين ، وله في كل مرحلة رافع خاص كما عرفت.
وعليه فلا معنى للاستصحاب التعليقي أصلاً ، لأنّ الحرمة المعلّقة على الغليان مثلاً الثابتة للعنب التي يراد استصحابها في حال الزبيبية إن أُريد بها الحرمة الثابتة في مرحلة الجعل فلا يحتمل ارتفاعها ، بل هي باقية جزماً ، لاختصاص رافعها حينئذ بالنسخ المنفي احتماله على الفرض ، نعم لو احتمل جرى استصحاب عدمه ، لكنه أجنبي عن المقام كما هو ظاهر.
وإن أُريد بها الحرمة الفعلية فلا يحتمل حدوثها ، لكونها منوطة بتحقق الموضوع بما له من القيود كما عرفت ، فلا يكون العصير العنبي حراماً بالفعل إلا مع الغليان كما مرّ ، والمفروض عدم تحققه سابقاً. فالحرمة الشأنية غير مرتفعة قطعاً ، والحرمة الفعلية غير متحققة قطعاً ، فماذا هو المستصحب بعد أن عرفت حصر الحكم الشرعي في هاتين المرحلتين.
نعم ، الملازمة بين عروض الغليان للعصير العنبي وحرمته متيقّنة سابقاً ومشكوكة لاحقاً ، بمعنى أنّا نعلم أنّ العصير في حال العنبية لو لحقه الغليان حرم ، ونشك في بقاء هذه الملازمة في حال الزبيبية ، إلا أنّ هذه الملازمة ليست بشرعية ، بل هي حكم عقلي ، بمعنى أنّ العقل يستقلّ بأنّ موضوع الحكم إذا كان مركّباً من جزأين كالعصير العنبي وغليانه بالإضافة إلى الحرمة ، أو هي مع النجاسة وقد تحقق أحدهما وهو العصير العنبي ، فإذا فرض تحقق الآخر وهو الغليان وانضمامه إلى الأوّل فهو يستلزم ترتّب الحكم لا محالة ، لتمامية جزأي الموضوع الذي هو بمنزلة العلّة لتعلق الحكم به ، ولا معنى لجريان الاستصحاب في هذا الحكم العقلي كما لا يخفى.
كما أنّ ما أفاده قدسسره من عدم جريان الاستصحاب التعليقي بعد
تسليمه في نفسه في خصوص مثال العنب والزبيب فهو حقّ أيضاً لا محيص عنه ، لما عرفت من تعدد الموضوع في القضيتين وتباينه ، فانّ المتيقن السابق موضوعه العصير العنبي ، والمشكوك لاحقاً هو الماء الخارجي الملقى على الزبيب ، وهما متباينان عرفاً كما مرّ.
وأمّا ما أفاده قدسسره من قياس المقام بهذا المثال وأنّ الموضوع هنا أيضاً متعدد فلا يمكن المساعدة عليه ، ضرورة أنّ الموضوع في المقام هو طبيعي الصلاة ، واليقين والشك إنّما يلحظان بالإضافة إلى نفس الطبيعة ، وهي الموضوع للمستصحب ، فالمتيقّن السابق هو أنّ طبيعي الصلاة لو كانت متحقّقة في الخارج لكانت صحيحة أي غير واقعة فيما لا يؤكل ويشك بقاءً في ثبوت هذا الحكم التقديري لنفس تلك الطبيعة. فلو بنينا على صحة الاستصحاب التعليقي لم يكن مانع من جريانه من هذه الجهة.
نعم ، لو كان الموضوع هي الصلاة الخارجية دون الطبيعة لتمّ ما أُفيد ، لعدم تحققها سابقاً ، وعند وجودها في ظرف الشك يشكّ في حكمها من أول الأمر ، فلم يكن الموضوع باقياً ومحفوظاً في القضيتين. لكنّه بمراحل عن الواقع كما عرفت.
فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّ الاستصحاب التعليقي على تقدير تسليمه فإنّما يجري فيما إذا كان التعليق راجعاً إلى الحكم الشرعي نفسه ، بأن كان الموضوع متحقّقاً بالفعل وقد ثبت له حكم تعليقي أو تنجيزي ، فيعمم الاستصحاب لكلا النوعين من الحكم.
وأمّا إذا كان التعليق راجعاً إلى نفس الموضوع أو المتعلّق فلا مجال لجريان الاستصحاب حينئذ أصلاً ، ضرورة أنّ الآثار إنّما تترتب على الموضوع المفروض وجوده بالفعل ، وعند تحققه الخارجي ، وأمّا الوجود التقديري المعلّق على شيء لم يتحقق فلا أثر له ، فلا يكون قابلاً للتعبد.
كما أنّ الملازمة المتيقنة سابقاً وهي أن الموضوع لو كان موجوداً لترتّب عليه الأثر غير قابلة لورود التعبّد بها ، لعدم كونها بنفسها حكماً شرعياً ، ولا
موضوعاً ذا أثر شرعي كما هو ظاهر. فاذا فرضنا مثلاً أنّ الطهارة مترتبة على تحقق الغسل بالماء خارجاً ، وقد كان الماء موجوداً في الحوض سابقاً وشككنا في بقائه لاحقاً ، وقد ألقينا الثوب النجس فيه فعلاً ، فهل يمكن الحكم بتحقق الغسل وحصول الطهارة بدعوى أنّ الثوب لو كان واقعاً في الحوض قبل ساعة مثلاً لتحقق الغسل فتستصحب الملازمة أو الوجود التقديري؟ كلاّ ، فإنّ الأثر يترتب على الغسل الخارجي ، وهو مشكوك الحدوث من أول الأمر ، للشك في بقاء الماء. واستصحاب الملازمة أو بقاء الماء لا يثبت عنوان الغسل الذي هو الموضوع للأثر كما هو واضح.
وبالجملة : موضوع الحكم هو فعلية الغسل ، لا الغسل التقديري ، ولا الملازمة بينه وبين الوقوع في الحوض. وإثبات الفعلية بإجراء الأصل في شيء منهما مبني على القول بالأصل المثبت.
والمقام من هذا القبيل ، فانّ متعلّق التكليف أو فقل الموضوع للصحة هي الصلاة غير الواقعة خارجاً وبالفعل في غير المأكول ، لا الصلاة التي على تقدير وجودها لم تكن كذلك. فاستصحاب الصحة التقديرية المنتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به خارجاً ، أو استصحاب منشأ الانتزاع وهو عدم اتصاف الصلاة بكونها في غير المأكول على تقدير وجودها الخارجي لا يثبت موضوع الصحة أعني أنّ الصلاة الخارجية كذلك إلا على القول بالأصل المثبت.
المبحث الثاني في الأُصول الحكمية : قد عرفت إمكان إثبات الصحة وجواز الصلاة في اللباس المشكوك بالأصل الموضوعي من التمسك باستصحاب العدم الأزلي وغيره ، ومعه لا تنتهي النوبة إلى الرجوع إلى الأصل الحكمي. فالرجوع إليه إنّما هو بعد تسليم عدم تمامية شيء من الأُصول الموضوعية.
كما لا ريب أنّ مقتضى القاعدة ما لم تثبت الصحة وجواز الاقتصار في مقام
الامتثال بالصلاة في المشكوك فيه هو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، ولزوم إيقاع الصلاة فيما يقطع بعدم كونه من غير المأكول ، إذ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية بالضرورة ، فيجب إحراز الامتثال وتفريغ الذمة بالإتيان بالمأمور به جامعاً للشرائط وفاقداً للموانع ، فكما يجب إحراز الشرط يجب عقلاً إحراز عدم المانع ولو ببركة الأصل ، إذ لا فرق في لزوم إحراز المأمور به بقيوده بين القيود الوجودية والعدمية كما مرّ التنبيه عليه في بعض المباحث السابقة (1)هذا.
وقد استدلّ في المقام على الجواز استناداً إلى الأصل الحكمي من وجهين :
أحدهما : التمسك بأصالة الحلّ في نفس الصلاة كما عن صاحب الحدائق قدسسره (2)بدعوى أنّ للصلاة باعتبار الوقوع في المأكول وفي غيره فردين : حلال وحرام ، ويشكّ في هذه الصلاة الشخصية الواقعة في اللباس المشكوك فيه أنّها من الفرد المحلّل أو المحرم ، فيشمله عموم قوله عليهالسلام : « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه » (3)وغيرها من سائر الأخبار الدالّة على أصالتي الحلّ والإباحة.
وفيه : أنّه إن أُريد بالحرمة المحتملة الحرمة الذاتية فهي مقطوعة العدم ، إذ لا ريب أن مجرّد الصلاة فيما يقطع بكونه من غير المأكول فضلاً عمّا يشك ليس بنفسه من المحرمات الإلهية كما لو كان بقصد التعليم ونحوه.
وإن أُريد بها الحرمة التشريعية فلا ريب في عدم التشريع لو صلّى في المشكوك بقصد الرجاء لاحتمال الجواز ، أو لاحتمال عدم كونه من غير المأكول فيصلّي بانياً على تحقيق الحال بعد الفراغ والإعادة لو انكشف الخلاف ، فلا يحتمل الحرمة في مثل ذلك. نعم ، لا يجوز الاقتصار عليه في مقام الامتثال للزوم الخروج عن عهدة الاشتغال اليقيني بالبراءة اليقينية كما هو ظاهر.
وأمّا لو صلّى فيه مضيفاً له إلى المولى وبنية جزمية لا رجاءً فهو حرام قطعاً ، لكونه من إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين ، الذي هو تشريع محرم بالأدلّة الأربعة ، فلا يحتمل جوازه كي يكون مشكوك الحلّية فيرجع إلى أصالة الحل.
وبالجملة : ذات الصلاة من دون إضافة إلى المولى محلّل قطعاً ، وكذا مع إضافة رجائية ، وأمّا مع الإضافة الجزمية فهي محرّمة قطعاً. فعلى كل تقدير لا شكّ حتى يتمسك بأصل الحل.
نعم ، لو كان المراد بالحلّية في أخبار أصالة الحلّ ما يشمل الحلّية الوضعية المساوقة للصحة وجواز الاقتصار في مقام الامتثال لصحّ الاستدلال حينئذ كما لا يخفى. لكنّه بمراحل عن الواقع ، بل الحلّية تكليفيّة محضة. إذ المراد بها في روايات الباب الترخيص العملي ونفي البأس عن الفعل مع الشكّ في الحرمة ، لا الحكم بالنفوذ والمضيّ في مقام الامتثال ، وإلا لصحّ الاستدلال بها في جميع أبواب العبادات والمعاملات حتى بالمعنى الأعم عند الشك في تحقق شرط أو وجود مانع ما لم يقم دليل على خلافه من عموم ونحوه ، وهو كما ترى ، بل لازمه تأسيس فقه جديد كما لا يخفى.
الوجه الثاني : وهو العمدة في المقام التمسك بأصالة البراءة ، وتقريره يتوقف على تقديم أُمور :
الأوّل : لا ريب أنّ الشكّ إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل وفي أصل ثبوت التكليف فهو مورد لأصالة البراءة الشرعية والعقلية ، وأمّا إذا رجع إلى مرحلة الامتثال والخروج عن عهدة التكليف الثابت بعد العلم بفعليّته ووجوده فهو مورد لقاعدة الاشتغال ، لاستقلال العقل بلزوم إحراز الفراغ عن التكليف المعلوم ، وأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
الثاني : أنّ من الواضح أنّه لا يكفي في تنجيز التكليف مجرّد العلم بجعل الكبرى الكلّية في الشريعة المقدسة ما لم ينضم معه إحراز الصغرى ، فانّ العلم
بالكبرى بمجرده غير صالح للبعث والتحريك بالضرورة ، فالعقاب على مخالفته قبل وصول الصغرى عقاب بلا بيان.
وعليه ففي موارد التكاليف الانحلالية كحرمة شرب الخمر ونحوه لا يكون التكليف منجّزاً ذا بعث أو زجر إلا بعد وصول الكبرى والصغرى معاً ، فلو وصلت إحداهما دون الأُخرى كأن علم بحرمة شرب الخمر ولم يعلم أنّ المائع الخارجي خمر ، أو علم بخمريته ولم يعلم بحرمته لم يتحقق التنجيز حينئذ ، لتقوّمه بكلا الأمرين كما عرفت ، ومعه يكون المورد مجرى لأصالة البراءة الشرعية والعقلية.
وبعبارة اخرى : التكليف المجعول في الكبرى الكلّية ينحلّ حسب تعدد وجود موضوعه في الخارج إلى تكاليف عديدة ، فعند الشك في الانطباق يشكّ في تعلّق التكليف بهذا الفرد المشكوك فيدفع بأصل البراءة عقلاً وشرعاً. والتفكيك بينهما بإجراء البراءة الشرعية دون العقلية بزعم تمامية البيان من قبل المولى كما عن بعض قد ظهر فساده مما مرّ ، بل إمّا أن يجريا معاً أو لا يجري شيء منهما. وتمام الكلام في محلّه (1).
الثالث : أنّ في جريان البراءة وعدمه في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين وإن كان بحث عريض وكلام طويل الذيل إلا أنّ الأقوى هو الجريان ، لا لأجل انحلال العلم الإجمالي إلى متيقّن ومشكوك كما في الأقل والأكثر الاستقلاليين ، لاستحالة الانحلال الحقيقي في المقام ، بل لأجل الانحلال الحكمي.
وتوضيحه على سبيل الإجمال : أنّ انحلال العلم الإجمالي إنّما يتحقق فيما إذا رجع المعلوم بالإجمال لدى التأمل إلى معلوم تفصيلي ومشكوك بدوي ، كما هو الحال في موارد الدوران بين الأقل والأكثر الاستقلاليين ، حيث إنّ الأقل معلوم تفصيلاً والزائد عليه يشكّ في وجوبه من أول الأمر ، فيرجع فيه إلى البراءة
1) مصباح الأُصول 2 : 323 التنبيه الرابع.
السليمة عن المعارض.
وهذا غير متصوّر في الارتباطيين ، إذ التكليف حينئذ دائر بين تعلّقه بالأقل بشرط الانضمام إلى الجزء أو الشرط المشكوك فيه كما هو مقتضى الارتباطية وبين تعلّقه به لا بشرط الانضمام ، فالأقل مأخوذ إمّا بشرط شيء أو لا بشرط ، فنعلم إجمالاً بالجامع بين هذين الأمرين ، وفي مثله لا يكاد يكون الأقل معلوماً بالتفصيل كي يتحقق معه الانحلال الحقيقي.
لأنه إن أُريد بالأقل المعلوم كذلك الأقل بشرط الانضمام فهو واضح الفساد.
وإن أُريد به الأقل لا بشرط الانضمام فهو بنفسه طرف للعلم الإجمالي لدوران المعلوم بالإجمال بين أخذ الأقل لا بشرط أو بشرط شيء كما عرفت فكيف يكون متعلّقاً للعلم التفصيلي.
وإن أُريد به ذات الأقل لا بشرطٍ عن كلتا الخصوصيتين والجامع بينهما المعبّر عنه باللابشرط المقسمي فهو نفس المعلوم بالإجمال ، إذ لا نعني به سوى تعلّق العلم بالجامع بين الخصوصيتين والشكّ في أنفسهما ، فليس ذلك شيئاً وراء نفس العلم الإجمالي. فمرجع الانحلال حينئذ إلى انحلال العلم الإجمالي بنفسه ، وهو غير معقول. فالانحلال الحقيقي غير متصوّر في المقام.
نعم ، نتيجة الانحلال وهي الرجوع إلى البراءة عن الأكثر من دون معارض المعبّر عنه بالانحلال الحكمي ثابتة في المقام ، ومعه يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.
وذلك لأن المانع عن جريان الأُصول في الأطراف ليس هو نفس العلم بدعوى أنّ إجراء الأصل مغيّا في الأدلة بعدم حصول العلم بالخلاف ، والمراد به الأعم من الإجمالي والتفصيلي. إذ فيه : أنّ الغاية ظاهرة في العلم التفصيلي خاصة ، كما يفصح عنه قوله عليهالسلام : « حتى تعلم الحرام منه بعينه فتدعه » (1).
1) الوسائل 17 : 87 / أبواب ما يكتسب به ب 4 ح 1.
بل المانع إنّما هي المعارضة ، ولا تعارض في المقام ، لعدم جريان الأصل في ناحية الأقل ، إذ الذي يكون طرفاً للعلم الإجمالي هو الأقل لا بشرط كما عرفت وهو يتضمّن التوسعة والإطلاق من حيث الانضمام مع الأكثر وعدمه ورفع مثله مخالف للامتنان ، فلا يكون مشمولاً لحديث الرفع المبني على الامتنان. كما لا يكون مشمولاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، لتماميّة البيان بالنسبة إليه كما هو واضح.
وأمّا وجوب الأكثر فحيث إنّه يتضمن الضيق وفيه كلفة زائدة ، ولم يتم البيان بالنسبة إليه فهو مجرى لأصل البراءة الشرعية والعقلية من دون معارض.
الرابع : قد عرفت أنّ الشك إن كان راجعاً إلى مقام الجعل وفي أصل ثبوت التكليف فهو مورد لأصل البراءة ، كما أنّه إن رجع إلى مقام الامتثال فهو مورد لقاعدة الاشتغال.
وأمّا إذا رجع إلى مقام الانطباق فشكّ في صدق عنوان المأمور به على الموجود الخارجي فهل هو مجرى للبراءة أو الاشتغال؟ لم أرَ من تعرض للمسألة مستقصى.
وتوضيح الحال أن يقال : إنّ صور المسألة ست ، فانّ الفعل الاختياري الذي تعلّق به التكليف إمّا أن يكون له متعلق كذات الخمر بالإضافة إلى شربه المحرّم ، وكذات العقد بالنسبة إلى الوفاء به ، ويعبّر عنه بالموضوع أو بمتعلّق المتعلّق. وإمّا أن لا يكون له تعلّق بشيء آخر كالتكلم أو الذكر أو الدعاء أو القراءة ونحوها مما لا تضاف إلى شيء آخر ، وقد تعلق بها أحكام إلزامية. وعلى الثاني : فامّا أن يكون التكليف وجوبياً أو تحريماً. وعلى الأول : فامّا أن يكون الموضوع أمراً جزئياً شخصياً أو يكون كلّياً. والطبيعة الكلّية إما أن تؤخذ بنحو صرف الوجود وعلى سبيل البدل ، أو بنحو الطبيعة السارية. والسريان إمّا أن يكون بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي. فهذه أقسام ستة.
أمّا القسم الأوّل : أعني ما إذا لم يكن للمتعلّق متعلّق ، وكان التكليف إيجابياً كوجوب الذكر أو الدعاء أو التكلّم بالعربية مثلاً ، وشكّ في انطباق ذلك على الوجود الخارجي كأن شكّ أنّ ما تفوّه به مصداق للذكر أو الدعاء أو الكلام العربي أو لا ، فلا ريب أنّ المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال ، لفعليّة التكليف وتنجّزه والقدرة على امتثاله ، ولا بد في الخروج عن عهدة التكليف الواصل من الاعتماد على اليقين ، فانّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية ، فلا يجوز في نظر العقل الاقتصار على الفرد المشكوك. هذا فيما إذا كان المطلوب بنحو صرف الوجود كما هو الغالب في مثل هذا القسم ، بل لا يكاد يوجد في الأحكام الشرعية على غير هذا النحو.
وأمّا إذا فرضنا أنّ المطلوب هي الطبيعة السارية بنحو العموم الاستغراقي أو المجموعي وإن كان ذلك مجرد فرض لا مصداق له خارجاً إلا بمثل نذر وشبهه ، كأن ينذر أن يقرأ في يوم الجمعة مثلاً كل ما كان مصداقاً للدعاء وشكّ في انطباق الطبيعة على الموجود الخارجي زائداً على المقدار المعلوم من أفرادها فحينئذ اندرج المقام في باب الدوران بين الأقل والأكثر الاستقلاليين على الأوّل أعني ما كان من قبيل العموم الاستغراقي والارتباطيين على الثاني. والأوّل مجرى لأصالة البراءة بلا إشكال ، وكذلك الثاني على المختار ، بل المشهور حسبما هو موضح في الأُصول (1)، للشك في تعلّق التكليف زائداً على الأفراد المعلومة ، أو في جزئيّة شيء زائداً على الأجزاء المتيقّنة ، ومقتضى الأصل البراءة عنها.
ومنه تعرف أنّ ما أفاده المحقق النائيني قدسسره (2)من الرجوع إلى أصالة الاشتغال لدى الشك في الانطباق على سبيل الإطلاق لا يمكن المساعدة عليه ، بل الصواب اختصاصه بما كان على نحو صرف الوجود ، ولا يشمل ما
لوحظ على سبيل الطبيعة السارية وإن كان الفرض في نفسه نادراً كما عرفت.
وأمّا القسم الثاني : وهو نفس الفرض مع كون التكليف تحريمياً كالنهي عن الكذب ، أو عن الذكر حال الجنابة أو الحيض ، فالمرجع لدى الشك في الانطباق هو أصالة البراءة ، على العكس من القسم الأول ، لوضوح افتراق النهي عن الأمر في انبعاثه عن مفسدة متحقّقة في الطبيعة ولا بدّ في الاجتناب عنها من الارتداع عن تمام الأفراد على سبيل الشمول والاستيعاب ، إمّا بنحو العموم الاستغراقي كما هو الغالب أو المجموعي ، فلا يتحقق الامتثال بالاجتناب عنها بنحو صرف الوجود على خلاف الأمر ، حيث إنّه لما كان ناشئاً عن مصلحة قائمة بالطبيعة فلا جرم يتحقق امتثالها بأوّل فرد تنطبق الطبيعة عليه.
وعليه فلا مناص من انحلاله إلى نواهي عديدة ، إمّا استقلالية لو كان السريان على سبيل العموم الاستغراقي ، أو ضمنية لو كان بنحو العموم المجموعي فيما لو كان هناك مفسدة واحدة قائمة بالمجموع فيرجع في الفرد أو الجزء المشكوك إلى أصالة البراءة في الأول بلا إشكال ، وفي الثاني على المختار حسبما تقدم.
وقد يتوهّم أنّ مقتضى ذلك جواز الإخبار عمّا يشك في كونه مصداقاً للكذب ، نظراً إلى الشكّ في تعلق النهي به زائداً على الأفراد المتيقنة فيرجع إلى أصالة البراءة.
ولكنه كما ترى ، أمّا أوّلاً : فللعلم الإجمالي بحرمة الإخبار به أو بنقيضه ، لأن أحدهما مصداق للكذب يقيناً ، فلا بدّ من التجنب والتثبت رعاية لتنجّز العلم الإجمالي.
وأمّا ثانياً : فللأدلّة الخاصة الناهية عن القول بغير علم من الكتاب والسنّة كقوله تعالى ( آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) (1)وقوله عليهالسلام :
1) يونس 10 : 59.
« رجل قضى بالحق وهو لا يعلم » (1)وقوله تعالى ( وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ .. ) إلخ (2)والأخير مطلق يشمل الأحكام الشرعية وغيرها.
وبالجملة : فلا يقاس الإخبار بغيرها من المحرمات المشكوكة ، لوجود الدليل الحاكم على أصالة البراءة ، ولولاه لكانت هي المرجع ، لعدم قصور في شمولها للمقام كغيره من سائر الموارد.
هذا كلّه مع الشك في الانطباق ، وأمّا مع العلم به والشك في الامتثال فلا شبهة في أنّ المرجع حينئذ قاعدة الاشتغال ، فلو علمنا أنّ فرداً مصداق للذكر الواجب أو الكذب المحرم تعيّن إحراز امتثاله بفعل الأول وترك الثاني.
ومثله ما لو شككنا في خروج المني بالملاعبة ليصدق عليه الاستمناء المحرّم ، فان انطباق العنوان لدى الخروج لمّا كان محرزاً لزم الاجتناب عن الاقتحام ، للشك معه في تحقق الامتثال اللازم إحرازه بحكم العقل ، فلا تجوز الملاعبة المزبورة ، نعم في هذا المثال للمتعلّق متعلّق فيخرج عن محل الكلام.
والمثال المنطبق على المقام ما لو حرم عليه النوم ، واحتمل أنّ الاضطجاع يستوجب غلبة النوم فإنّه يحرم عليه.
وبالجملة : ففي أمثال هذه الموارد لا بدّ من إحراز ترك المنهي عنه بمقتضى قاعدة الاشتغال ، إلا أن يكون هناك أصل موضوعي حاكم يحرز معه الامتثال كأصالة عدم تحقق النوم بالضجعة ، أو عدم خروج المني باللعبة بناءً على ما هو الأصح من جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية كالحالية بعد وضوح عدم الفرق في إحراز الامتثال بين ما كان بعلم وجداني أو تعبّدي متحصّل من أمارة أو أصل عملي كما في المقام.
ثم إنّ الشبهة الوجوبية وإن شاركت التحريمية في الرجوع إلى أصالة البراءة
فيما لو كان العموم مجموعياً حسبما عرفت إلا أنّهما يفترقان في مورد إعمال هذا الأصل.
ففي الوجوبية لو أمر المولى بإكرام جماعة من العلماء مثلاً بطلب واحد متعلق بالمجموع منبعث عن مصلحة واحدة قائمة بهذه الهيئة ، وشككنا في شمولها لزيد العالم وعدمه فاللازم حينئذ إكرام من عداه ، لأنّه المتيقّن من الجعل المردد بين كونه بالإضافة إلى زيد لا بشرط أو بشرط شيء ، ويرجع في جزئيته لهذا المجموع واشتراط الواجب بانضمامه إليهم إلى أصالة البراءة ، كما هو الشأن في سائر موارد الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، فيكون مورد الأصل هو ذاك الفرد المشكوك.
وأمّا في الشبهة التحريمية مثل ما لو ورد النهي عن مجالسة الأشرار بنهي واحد متعلق بهم أجمع ، وشككنا في كون زيد منهم فالأمر حينئذ بالعكس ، فلا تحرم مجالسة من عداه ، كما لا تحرم مجالسته وحده ، للشك في تعلّق النهي بشيء منهما منعزلاً عن الآخر ، وإنّما المتيقن من مورد النهي مجالستهم بأجمعهم فإنّه المعلوم حرمته ، فيرجع في غير هذه الصورة إلى أصالة البراءة ، إلا إذا فرضنا رجوع التكليف التحريمي إلى الوجوبي ، بأن لم تكن ثمة مفسدة كامنة في مجموع الأفعال ، بل مصلحة قائمة بمجموع التروك ، فإنّه يجري حينئذ ما عرفته في الشبهة الوجوبية من لزوم الامتثال في الأفراد المتيقنة من التروك ، والرجوع فيما عداها إلى أصالة البراءة ، فلا تجوز في المثال مجالسة من علم كونه من الأشرار وتجوز في الفرد المشكوك ، هذا في الشبهة الموضوعية.
وكذلك الحال في الشبهة الحكمية كما لو بنينا على حرمة تصوير ذوات الأرواح وشككنا في اختصاصه بالبدن الكامل ، أو شموله للناقص ، بعد وضوح أنّ الحرمة لو ثبتت للكلّ فهي حرمة واحدة ، لا أنّ لكل عضو حرمة مستقلّة مغايرة للعضو الآخر ، فانّ المرجع حينئذ أصالة البراءة عن حرمة تصوير البعض ، إذ لا علم لنا بها إلا لدى تصوير تمام الأجزاء بالأسر.
وأما القسم الثالث : وهو ما إذا كان للمتعلّق متعلّق يعبّر عنه بالموضوع وكان جزئياً شخصياً كالقبلة في وجوب الصلاة إليها ، أو حرمة استقبالها أو استدبارها لدى التخلّي ، وكعرفات في حرمة الإفاضة عنها قبل الغروب من يوم عرفة ، فمع الشك في الانطباق إن كان الحكم إيجابياً وعلى سبيل صرف الوجود كالصلاة إلى القبلة لا بدّ فيه من الإحراز بقاعدة الاشتغال ، وإن كان انحلالياً جمعاً أو جميعاً وجوباً أو تحريماً فالمرجع أصالة البراءة ، إلا أن يكون ثمّة أصل موضوعي حاكم كأصالة بقاء النهار في مثال الإفاضة ، أو علم إجمالي غير دائر بين الأقل والأكثر كما في مثال التخلّي عند اشتباه القبلة ، حيث يعلم إجمالاً بوجودها في أحد الأطراف ، فإنّ اللازم حينئذ هو الاحتياط أيضاً كما اتضح مما تقدم.
وأمّا القسم الرابع : وهو ما لو كان للمتعلّق متعلّق كلّي ملحوظ على سبيل صرف الوجود فلا مصداق لهذه الكبرى في التكليف التحريمي ، لوضوح أنّ المفسدة لما كانت قائمة بالطبيعة فلا جرم تسري إلى جميع أفرادها أو مجموعها ولا يعقل قيامها بفرد ما كما لا يخفى.
وإنّما يتّجه ذلك في التكليف الوجوبي كما في أمر المولى بإكرام العالم في قوله : أكرم عالماً ، حيث يكون وجود طبيعي الموضوع في الجملة موجباً لحدوث مصلحة في الفعل المتعلّق به ، وهو الإكرام في المثال ، من غير فرق بين تعدد وجود الموضوع خارجاً ووحدته ، إلا من حيث التوسعة على المكلف في مقام الامتثال وضيقه.
وعليه فيتوقف وجوب الامتثال على وجود العالم خارجاً قلّ عدده أم كثر فلو شكّ بعد العلم بوجوده في تحقق الإكرام كان المرجع قاعدة الاشتغال.
أمّا لو شك في أصل الوجود لأجل الشك في انطباقه على فرد فحيث إنّه مشروط بوجوده اشتراط الحكم بوجود موضوعه ، والشك في الشرط شك في المشروط ، فلا جرم يشك في تعلّق التكليف فيرجع إلى أصالة البراءة ، ولا يجب الفحص عنه كما هو ظاهر.
وهذا بحسب الكبرى مسلّم لا غبار عليه ، وإنّما الإشكال في انطباقها على الشك في وجود الماء للوضوء ، حيث إنّ الماء بنحو صرف الوجود موضوع لوجوب التوضي به ، فلا وجوب بدونه ، وحينئذ فمع العلم بوجوده لا يجوز التوضي بمائع يشك في مائيته ، لقاعدة الاشتغال كما هو واضح.
وأمّا مع الشك في أصل الوجود فقد ذهب المحقق النائيني قدسسره (1)إلى أصالة البراءة عن وجوب الوضوء ، للشك في وجود موضوعه ، تعويلاً على الكبرى المزبورة وتطبيقاً لها على المثال ، ومن ثمّ جعل النصّ الوارد في المقام المتضمن لوجوب الفحص غلوة سهم أو سهمين (2)حكماً تعبدياً مخالفاً لمقتضى القاعدة.
ولكنّه كما ترى ، إذ لا يثبت بالأصل المزبور كون المكلّف فاقدا للماء لينتقل إلى التيمم ، بداهة أنّ وجدان الماء كما أنّه شرط لوجوب الوضوء فكذلك فقدانه شرط لوجوب التيمم ، فكيف تجري البراءة عن أحدهما لإثبات الآخر ، بل هو يعلم إجمالاً بأحد التكليفين ولزوم تحصيل إحدى الطهارتين. ومقتضى العلم الإجمالي الفحص حتى يحصل اليأس ويحرز العجز ، أو يرتفع وجوبه بدليل نفي الضرر أو الحرج لينتقل إلى التيمم.
ومنه تعرف أنّ النصّ المزبور موافق للقاعدة من حيث أصل الفحص ، وإن كان مخالفاً لها من حيث التحديد بالغلوة والغلوتين ، وأنّه لولاه لزم الفحص إلى أن يحصل العجز حسبما عرفت.
وأمّا القسم الخامس : وهو الذي يكون الموضوع فيه ملحوظاً على سبيل السريان والاستغراق ، بأن يكون لكلّ فرد من أفراد الطبيعة حكم مستقل وجوبي أو تحريمي مغاير للفرد الآخر ، كما في قولنا : أكرم كلّ عالم ، أو لا تشرب الخمر ، حيث لوحظ كلّ فرد من العالم أو من الخمر موضوعاً مستقلا لحكم
منعزل عن الآخر وإن أُنشئ الكلّ بلسان واحد ، فحينئذ لو شككنا في فرديّة فرد للطبيعة وانطباقها عليه فلا شبهة أنّ المرجع أصالة البراءة ، وذلك لما تكرّر غير مرة من إناطة فعليّة التكليف وتنجّزه بوصوله كبرى وصغرى ، فلا يكفي مجرد وصول الكبرى ما لم يحرز انطباقها على الصغرى. فالشك في الانطباق مساوق للشك في تعلّق التكليف.
وبعبارة اخرى : لا بدّ من انطباق عنوان متعلّق التكليف وتحققه في مرتبة سابقة على الحكم به. إذن فالشك في عالميّة زيد مثلاً شك في مصداقية إكرامه (1)لطبيعي إكرام العالم ، ومعه يشك طبعاً في تعلّق الوجوب فيرجع إلى أصالة البراءة ، هذا.
ولكنّ المحقق النائيني قدسسره (2)علّل جريان البراءة بوجه آخر ، وهو ما أشار إليه في غير مورد من اشتراط فعليّة التكليف بوجود موضوعه خارجاً على ما هو الشأن في كافة القضايا الحقيقية ، فإنّ مرجع قولنا مثلاً لا تشرب الخمر ، إلى قضية شرطية مقدّمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحرمة له ، فكأنّه قيل : إذا وجد شيء في الخارج وصدق عليه الخمر فلا تشربه.
وعليه فالشك في وجود الموضوع شك في وجود شرط فعليّة التكليف ، وبما أنّ الشك في الشرط شك في المشروط فهو مساوق للشك في أصل التكليف فيرجع إلى البراءة.
وما أفاده قدسسره وإن كان وجيهاً في الجملة ، ولكنّه لا يستقيم على إطلاقه ، وتوضيحه : أنّ متعلّق المتعلّق الذي نعبّر عنه بالموضوع تارة يكون خارجاً عن اختيار المكلف كالزوال بالنسبة إلى صلاة النهار ، والهلال بالإضافة إلى صيام رمضان ، وهكذا ، وفي مثله لا مناص من أخذ الموضوع مفروض الوجود ، لامتناع تعلق التكليف بإيجاده أو إعدامه بعد خروجه عن حيّز
الاختيار ، وإنّما المعقول توجيه الطلب نحو العمل على تقدير وجوده ، فلا جرم يكون شرطاً في تعلّق الحكم ، فاذا شك في وجوده فقد شك في أصل التكليف المشروط به ، فتجري البراءة عنه ، وهذا واضح.
وأُخرى يكون تحت اختياره كالعقد المأخوذ موضوعاً لوجوب الوفاء به والخمر المجعول موضوعاً لحرمة شربه ، وهذا على قسمين :
إذ تارة يكون ذلك الفعل الاختياري دخيلاً في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة أو ذا مفسدة بحيث لولاه لم يكن مقتض للصلاح ولا للفساد ، ونظيره في التكوينيات العطش بالنسبة إلى شرب الماء ، أو المرض بالنسبة إلى شرب الدواء أو استعمال الحامض ، فإنّه لولا العطش لم يكن أي مقتضٍ لشرب الماء كما أنّه لولا المرض لم تكن مصلحة في شرب الدواء ولا مفسدة في تناول الحامض. وفي التشريعيات العقود على الإطلاق بالنسبة إلى وجوب الوفاء والتزويج بالنسبة إلى وجوب الإنفاق ، والسفر بالنسبة إلى القصر ، والاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج ، وهكذا.
وتارة اخرى يكون دخيلاً في تحقق المصلحة والمفسدة لا في الاتصاف بهما نظير اشتراط شرب الدواء بوقوعه بعد الأكل ، حيث يكون ذلك شرطاً في تأثير المصلحة وتحققها بعد ثبوت أصل الاتصاف.
أمّا القسم الأوّل : فهو ملحق بالقسم السابق في لزوم كونه مفروض الوجود لدى تعلّق الحكم ، من غير أن يتوجّه طلب إليه بوجه ، فلا يلزم إيقاع العقد ولا التزويج ولا السفر ولا تحصيل الاستطاعة ، وإنّما المصلحة في ترتيب الآثار على تقدير تحقق هذه الأُمور ، من غير أيّ مقتضٍ للبعث نحوها. إذن فمع الشك في تحققها يرجع إلى أصالة البراءة عن ترتيب آثارها ، كما كان كذلك في القسم السابق.
وأمّا القسم الثاني : فلم يؤخذ الموضوع هنا مفروض الوجود ، إذ لا مقتضي له بعد عدم الدخل في الاتصاف بالصلاح أو الفساد ، وبذلك يفترق هذا القسم
عن القسمين المتقدمين.
وحينئذ فان كان التكليف وجوبياً كالصلاة المقيّدة بالساتر فكما أنّ المولى يأمر بإيجاد الفعل ينبغي له أن يأمر بإيجاد موضوعه أيضاً بمناط واحد ، وهو الدخل في تحصيل المصلحة ، فكما أنّ وجودها في الصلاة يدعوه للأمر بها فكذلك تأثير الساتر في تحقيقها يدعوه للأمر به أيضاً بتوجيه الأمر إلى القيد والمقيّد ، فيجب على المكلّف تحصيله ولو بالنسج بعد كونه قادراً على إيجاد الواجب بذاته وقيده كما هو المفروض.
وإن كان تحريمياً والمفروض دخل الموضوع في فعليّة المفسدة وتحققها لا في اتصاف الفعل بها فلا محالة يكون النهي فعلياً حتى قبل وجود الموضوع ويكون امتثاله إمّا بعدم إيجاده في الخارج أو بعدم استعماله على تقدير الإيجاد فانّ مفسدة شرب الخمر مثلاً لا تتوقف على وجوده خارجاً ، بل هو متّصف بها قبل الوجود أيضاً ، ومنهيّ عنه باعتبار القدرة على شربه بالقدرة على مقدمته وهي صنعه.
ومن ثمّ لو علم المكلّف من حاله أنّه لو صنعه لغاية من الغايات لشربه حرم عليه صنعه ، لا لأجل الدليل الخاص ، بل لنفس دليل حرمة الشرب ، لما عرفت من فعليّة النهي. فلا تكون فعلية الحكم في هذا القسم منوطاً بفعلية الموضوع.
وبالجملة : اشتمال شرب الخمر على المفسدة الفعلية المستتبعة للنهي الفعلي يستوجب الانزجار عنه من غير إناطة بوجود الموضوع ، وهو يحصل بأحد النحوين ، إمّا بعدم صنعة أو بعدم شربه بعد صنعه كما عرفت ، فلا مانع من فعليّة الحكم قبل وجود الموضوع في هذا القسم ، وبذلك يفصل بينه وبين القسمين السابقين. إذن فلا يستقيم ما أفاده المحقق النائيني قدسسره على إطلاقه.
فتحصّل : أنّ الكبرى التي أفادها قدسسره من أنّ الشك في وجود الموضوع يرجع إلى الشك في تحقق شرط التكليف ، ومن ثمّ يرجع إلى البراءة لا
أساس لها بنطاقها العام ، بل ينبغي التفصيل على النهج الذي سبق من اختصاصها بموضوع دخيل في اتصاف الفعل بالمصلحة أو المفسدة ، ولا تعمّ ما يكون من مبادئ تحقق ما هو متصف بأحدهما حسبما عرفت ، وأنّ الوجه الصحيح للرجوع إلى البراءة هو ما ذكرناه فلاحظ.
وأمّا القسم السادس : وهو ما إذا كان العموم المفروض في جانب الموضوع مجموعياً ، فقد ظهر مما سبق أنّه لدى الشك في الانطباق يندرج المقام في كبرى الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، للشك في جزئية الفرد المشكوك للمأمور به أو للمنهي عنه ، وحينئذ فان كان التكليف إيجابياً يقتصر على الأفراد المتيقّن دخلها في المجموع ، ويرجع في الفرد المشكوك إلى أصالة البراءة.
وإن كان تحريمياً فلا جزم بالحرمة إلا لدى اجتماع تمام ما يحتمل دخله في الهيئة الاجتماعية ، فيرجع فيما عدا الفرد المشكوك فضلاً عنه بنفسه منعزلاً عن غيره إلى أصالة البراءة ، للشك في ثبوت النهي في كلّ من الصورتين ، إلا إذا رجع النهي المزبور إلى الأمر بالتروك ، بحيث كان التكليف منبعثاً عن مصلحة في اجتماع التروك ، لا عن مفسدة في انضمام الأفعال ، فإنّه يجري حينئذ ما عرفته في التكليف الإيجابي من الاقتصار على المقدار المتيقّن من التروك ويرجع فيما عداه إلى أصالة البراءة.
ثم إنّ الأقسام الستة المزبورة للشبهات الموضوعية كما أنّها تجري في الأحكام النفسية تجري في الأحكام الضمنية أيضاً بمناط واحد ، فاذا شك في جزء أو شرط مأخوذ على سبيل صرف الوجود لا بدّ من إحرازه بقاعدة الاشتغال ، وإذا كان ملحوظاً على سبيل العموم الاستغراقي أو المجموعي في الحكم الوجوبي أو التحريمي كان من الأقل والأكثر الاستقلالي أو الارتباطي ومعه لا بدّ من إحراز انطباق المتعلّق في الحكم بفعلية (1)التكليف ، ومع الشك فيه يرجع إلى أصالة البراءة حسب التفصيل الذي عرفت ، فلاحظ ولا نعيد.
1) [ لعل المناسب : بتنجز ].
إذا عرفت هذه الأُمور فنقول : لا شبهة أنّ الموضوع في مسألتنا هذه لم يكن شخصياً ، وإنّما هو كلّي ، وهو عدم كون اللباس من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، كما لا شبهة في عدم كونه ملحوظاً على سبيل صرف الوجود ، لعدم تصوّره في الأحكام التحريمية كما عرفت ، فيدور الأمر بين كونه ملحوظاً على سبيل الانحلال والاستغراق أو على سبيل العموم المجموعي لتمام الأفراد ، وحيث لا يحتمل الثاني في المقام ، إذ مضافاً إلى امتناع إحصائها تبطل الصلاة في بعضها بالضرورة ، فلا جرم يتعيّن الأوّل ، فلكلّ فرد من أفراد ما لا يؤكل نهي يخصه. إذن فكلّ ما أُحرز فيه الصدق وأنّه مما لا يؤكل فهو منهيّ عنه ، وكلّ ما شك في الصدق فقد شك في تعلّق النهي به فيرجع إلى أصالة البراءة حسبما سبق.
هذا إذا أُخذ بظاهر النهي وقلنا بأنّ المستفاد منه الزجر عن لبس ما لا يؤكل ، وأمّا لو أنكرنا ذلك ، نظراً إلى أنّه لا مقتضي للزجر الحقيقي والنهي المولوي ، إذ لا يحتمل أن تكون الصلاة فيما لا يؤكل ذات مفسدة في نفسها تستتبع التحريم النفسي إلا بعنوان التشريع وهو أمر آخر خارج عن نطاق البحث ، وما نحن بصدده فلا جرم يكون النهي في أمثال هذه المقامات من المركّبات الاعتبارية إرشاداً إلى الفساد والمانعية ، كما أنّ الأمر إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية.
ونتيجة ذلك تقيّد الصلاة بعدم الوقوع في شيء من أفراد ما لا يؤكل فكانت مقيّدة بهذه الأعدام الخاصة ، كما أنّها مقيّدة بوجودات كذلك ، والكلّ متعلّق للتكليف الغيري الضمني ، إذن فكلّ فرد أُحرز أنّه مما لا يؤكل فقد علمنا بتقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه ، وكلّ ما شك فيه فقد شك في تقييد زائد مدفوع بأصالة البراءة على ما هو الشأن من الرجوع إليها في الأقل والأكثر الارتباطيين.
ولكن هذا كلّه مبني على ما هو الصواب من اعتبار نفس هذه الإعدام في الصلاة ، أعني القول بالمانعية.
وأمّا بناء على القول بأنّ المعتبر هو عنوان وجودي ملازم لعدم لبس ما لا يؤكل أو منتزع منه ، وأنّ النهي إرشاد إلى اعتبار ذلك العنوان كما يقتضيه القول بالشرطية ، فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال ، للشك في حصول ذاك العنوان المنوط به الامتثال ، والأصل عدمه. وإن شئت فقل : يندرج المقام حينئذ في كبرى الشك في المحصّل التي هي مورد لقاعدة الاشتغال بلا إشكال.
ولكنّك عرفت ضعف المبنى عند التكلم حول موثقة ابن بكير (1)وأنّه لا يستفاد منها ولا من غيرها من نصوص الباب ما عدا المانعية دون الشرطية ، فلاحظ ولا نعيد ، هذا.
ومما يؤكد القول بالمانعية تسالم الأصحاب على أنّ من اضطر إلى لبس ما لا يؤكل أو الحرير أو النجس وما شاكلها مما ورد النهي عنه في الصلاة لا يجوز له الاقتحام إلا بمقدار الاضطرار ، فلا يسوغ له لبس الأكثر من القدر المضطر إليه ، وهذا خير دليل على أنّ مورد الاعتبار الشرعي هو نفس هذه الأعدام ، فيرتفع الاعتبار بمقدار الاضطرار بعد فرض الانحلال ، فانّ الضرورات تقدّر بقدرها.
وهذا بخلاف ما إذا كان مورد الاعتبار هو العنوان الوجودي الملازم لهذه الأعدام ، إذ هو عنوان بسيط ملازم لجميع تلك الأعدام لا لبعضها ، فاذا سقط عن الشرطية بالاضطرار امتنع تحصيله ، ومعه لا مقتضي للاقتصار على مورد الاضطرار ، إذ لا يتفاوت الحال بينه وبين ما لو زاد عليه في مناط الحكم. فكيف ينسجم ذلك مع فتوى المشهور بلزوم الاقتصار حسبما عرفت.
إلا أن يقال : إنّ العنوان الوجودي ملازم للإعدام الممكنة وللأفراد التي يجب تركها وهي المقدورة منها ، فان كانت بأجمعها مقدورة كان ملازماً لها أجمع وإن تعذّر بعضها لاضطرار ونحوه كان ملازماً للبعض الآخر المقدور ، فيجب تركه تحصيلاً للعنوان الملازم له.
1) في ص 218.
أو يقال : إنّ العنوان المزبور له مراتب بعضها عالية ويحصل بترك الجميع وبعضها دانية يحصل بترك البعض ، فيتنزّل عند تعذّر العالية إلى المرتبة النازلة كما في الطهارة المائية والترابية.
ولكنّك خبير بأنّ هذا كلّه فرض في فرض ومجرد دعاوي فارغة غير بينة ولا مبينة ، فإنّ أصل اعتبار العنوان الوجودي لا دليل عليه ، وعلى تقديره لا دليل على كونه بأحد النحوين ، بل الصحيح الذي يساعده الدليل هو اعتبار الإعدام في أنفسها وعلى سبيل المانعية ، فيرجع فيما يشك في تقيّد الصلاة بعدمه إلى أصالة البراءة حسبما عرفته مستوفى ، من غير فرق بين الساتر والمحمول وبين ما كان مع المصلّي في مفتتح صلاته وغيره ، وبين ما علم اتخاذه من الحيوان وبين ما احتمل أخذه من غيره كالقطن أو الاسفنج ، لاتحاد المناط في الجميع.
وأمّا ما ذكره العلامة (1)من اعتبار الوقوع فيما أحلّ اللّه أكله لا عدم الوقوع في غير المأكول ، استناداً إلى استفادة الشرطية من قوله عليهالسلام في ذيل موثقة ابن بكير : « لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّى في غيره مما أحلّ اللّه أكله .. » إلخ (2)ومعه لا مجال للبراءة في إثبات ما علم تعلّق التكليف به ، بل لا بدّ من إحراز الامتثال بقاعدة الاشتغال.
فقد سبق التعرّض لجوابه (3)وعرفت أنّ المشار إليه في قوله : « تلك الصلاة ... » إلخ ليس هو شخصها ، لامتناع تصحيحها بعد وقوعها في غير المأكول ، بل كلّي الصلاة التي تقع في أجزاء الحيوان ، وحيث إنّ له قسمين غير مأكول ومأكولاً وقد حكم في الصدر بالبطلان في القسم الأول الذي استفيد منه المانعية ، فلا جرم تكون الصحة منوطة بالوقوع في القسم الثاني ، فالذيل بيان لمفهوم الصدر ، ولا يتكفّل حكماً آخر ليدلّ على الشرطية.
بل قد عرفت فيما سبق (1)إمكان التصحيح حتى على القول بالشرطية استناداً إلى الأصل الموضوعي الحاكم على أصالة الاشتغال ، وهو استصحاب عدم تعلّق الحرمة بالحيوان المتخذ منه هذا اللباس بعد ما عرفت من تدريجية التشريع.
ولكنّه يختص بما إذا علم الاتخاذ من الحيوان ، لا ما تردد بين الأخذ من غير المأكول أو من غير الحيوان كالقطن ، إذ لا أثر للأصل المزبور حينئذ كما لا يخفى.
وقد تحصّل من جميع ما قدمناه : أنّه بناءً على القول بالشرطية فالمرجع قاعدة الاشتغال إلا مع وجود الأصل الموضوعي الحاكم.
وأمّا بناءً على القول بالمانعية كما هو الصحيح وعليه المشهور فالأقوى جواز الصلاة في اللباس المشكوك ، أولاً لأجل التمسك باستصحاب العدم الأزلي.
ومع الغض عنه فالتمسك باستصحاب العدم النعتي ، إمّا مطلقاً بناءً على أنّ مركز الاعتبار هو المصلي كما هو المختار ، أو في خصوص ما إذا لبسه في الأثناء لو كان المركز هو الصلاة.
ومع الغض عنه أيضاً فالتمسك بأصالة البراءة ، من غير فرق بين جميع الصور كما تقدّم تفصيله بنطاق واسع.
هذا تمام الكلام في مسألة جواز الصلاة في اللباس المشكوك ، والحمد لله ربّ العالمين.
1) في الوجه الرابع ص 245.
[1287] مسألة 19 : إذا صلّى في غير المأكول جاهلاً أو ناسياً فالأقوى صحة صلاته (1).
(1) إذا بنينا على جواز الصلاة في اللباس المشكوك فيه فلا ريب أنّ هذا الجواز حكم ظاهري مقرّر في ظرف الجهل بالموضوع ، فلو صلّى فيه استناداً إلى دليل الجواز فانكشف الخلاف بعدئذ ، أو صلّى غافلاً أو ناسياً أو معتقداً بعدم كونه من غير المأكول ثم انكشف الخلاف ، فالمشهور المعروف حينئذ التفصيل بين صورتي الجهل والنسيان فيحكم بالصحة في فرض الجهل مطلقاً بسيطاً كان أم مركّباً ، وبالبطلان في فرض النسيان. واختار السيد الماتن قدسسره الصحة في كلتا الصورتين.
وقد وجّه التفصيل شيخنا الأُستاذ قدسسره (1)بعد اختياره بما حاصله بتوضيح منّا : أنّ الحكم بالصحة في صورة الجهل مستند إلى النصّ الخاص وهي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال عليهالسلام : إن كان لم يعلم فلا يعيد » (2). فيظهر منها أنّ المانعية ذكرية لا واقعية.
وأمّا البطلان عند النسيان فلقوله عليهالسلام في موثق ابن بكير : « لا يقبل اللّه تلك الصلاة حتى يصليها في غيره مما أحلّ اللّه أكله » (3)فانّ هذه الفقرة ظاهرة في التأسيس ، وناظرة إلى الجعل الثانوي بالإضافة إلى مرحلة الامتثال وليست تأكيداً للفقرة السابقة أعني قوله عليهالسلام : « فالصلاة في وبره
وشعره إلى قوله : وكلّ شيء منه فاسدة » المتكفّلة لبيان المانعية بحسب الجعل الأوّلى ، فإنّ الحمل على التأكيد على خلاف الأصل. فالمتحصّل من مجموع الموثقة حكمان تأسيسيان :
أحدهما : جعل المانعية لما لا يؤكل بحسب أصل الشرع وبالعنوان الأوّلي وقد دلّت على ذلك الفقرة السابقة.
الثاني : أنّه لو صلّى فيما لا يؤكل لجهة من الجهات من غفلة أو جهل أو نسيان فإنّه لا يجتزئ بتلك الصلاة حتى يصلّيها في غيره مما أحلّ اللّه أكله. وهذا هو المستفاد من الفقرة اللاحقة أعني قوله عليهالسلام : « لا يقبل اللّه تلك الصلاة ... » إلخ التي هي في قوة الأمر بالإعادة.
وعليه فتقع المعارضة بين الموثقة في هذه الفقرة وبين حديث لا تعاد بالعموم من وجه ، لأعميّة الأُولى بالنسبة إلى صورتي الجهل والنسيان واختصاصها بما إذا كان الخلل من حيث الوقوع فيما لا يؤكل ، كما أنّ الحديث عام بالإضافة إلى هذا الخلل وغيره وخاص بالنسيان لعدم شموله للجاهل بناءً على مختاره قدسسره من الاختصاص بالناسي ومورد المعارضة هي الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل نسياناً ، فتجب الإعادة بمقتضى الموثّق ، ولا تجب بمقتضى الحديث.
إلا أنّ صورة الجهل خارجة عن الموثّق بمقتضى صحيحة عبد الرحمن المتقدّمة النافية للإعادة فيما لو صلّى وهو لا يعلم ، فيختصّ الموثّق بالناسي فتنقلب النسبة حينئذ بينه وبين الحديث إلى العموم والخصوص المطلق ، إذ الموثّق يكون حينئذ أخصّ من الحديث كما لا يخفى ، فيخصّص الحديث به ونتيجة ذلك الحكم بالبطلان ووجوب الإعادة في صورة النسيان. فاتّجه التفصيل حينئذ في المقام بين الجهل والنسيان ، فيحكم بالصحة في الأوّل لصحيحة عبد الرحمن ، وبالبطلان في الثاني للموثق كما عليه المشهور.
أقول : الذي ينبغي أن يقال في المقام : أمّا بالنظر إلى الصحيحة فهي غير شاملة لجميع فروض الجهل ، فانّ موردها عذرة الإنسان أو السنّور أو الكلب
فيحكم بالعفو عنها من حيث النجاسة ومن حيث كونها جزءاً لما لا يؤكل وبالأولوية القطعية يتعدّى إلى غيرها من سائر أجزاء ما لا يؤكل الطاهرة كشعر السنّور مثلاً. وأمّا التعدّي إلى غيرها من سائر الأجزاء النجسة كالمني والبول والدم فهو قياس محض بعد فقد الأولوية كما لا يخفى.
على أنّ موردها المحمول ، فالتعدّي إلى الملبوس قياس قطعاً ، مضافاً إلى أنّ موردها الثلاثة فكيف يتعدّى إلى غيرها من سائر الحيوانات. ومن الواضح أنّ اللازم في الحكم المخالف للقاعدة هو الاقتصار على المقدار المتيقن ، دون التعدي إلى غيره مما لم يساعده الدليل. فالصحيحة غير عامة لجميع مصاديق الجهل.
ومنه يظهر عدم انقلاب النسبة بين الموثّق وحديث لا تعاد حتى بعد تخصيصه بالصحيحة ، لعدم خروج فروض الجهل عن الموثّق بأجمعها كما عرفت.
وأمّا بالنظر إلى الموثّق فان بنينا على ظهور الفقرة الثانية في التأكيد كما هو الصحيح ولا أقل من عدم الظهور في التأسيس ، حيث إنّه عليهالسلام بعد ما حكم بمانعيّة ما لا يؤكل بمقتضى الفقرة السابقة فلازمه عقلاً وعرفاً لزوم الإعادة لو صلّى فيه ، وعدم قبوليّة تلك الصلاة إلا بأن يصلّيها ثانياً فيما أحلّه اللّه ، فلو القي هذا الكلام على العرف لم يفهم منه حكماً جديداً ، بل رأى أنّ ذلك من توابع الحكم الأوّل ومستتبعاته ومن شؤونه ولوازمه ، والتأكيد وإن كان على خلاف الأصل لكنّه في الكلام الذي يكون قابلاً للحمل على التأسيس بحسب الفهم العرفي ، بحيث دار الأمر بينهما ، دون ما لا يقبل كما في المقام فلا ظهور للفقرة الثانية في إنشاء حكم ثانوي مجعول للمصلّي فيما لا يؤكل ناسياً أو جاهلاً ، بل هي ظاهرة في أصل جعل المانعية تأكيداً للفقرة الأُولى كما عرفت.
فعليه لا ريب في حكومة حديث لا تعاد على الموثّق ، كغيره من سائر الأدلّة المتكفّلة للأحكام الأوّلية التي هي محكومة بالنسبة إلى الحديث ، وحينئذ فتتبع الحكومة مقدار دلالة الحديث سعة وضيقاً.
فان قلنا بشموله للجاهل كالناسي كما هو الصحيح لزم الحكم بصحة الصلاة في كلتا الصورتين كما عليه الماتن قدسسره وكانت الصحيحة أعني صحيحة عبد الرحمن المتقدمة مؤكّدة للصحة في الجاهل بالإضافة إلى بعض فروضه كما عرفت ، وإلا فمستند الحكم على سبيل الإطلاق إنّما هو الحديث.
وإن قلنا باختصاصه بالناسي اختصت الصحّة به دون الجاهل إلا في بعض فروضه المندرجة تحت الصحيحة المتقدمة كما مرّ. فيفصّل حينئذ بين صورتي الجهل والنسيان ، ويحكم بالصحة في الثاني دون الأوّل على عكس التفصيل المنسوب إلى المشهور.
وإن بنينا على ظهور الفقرة الثانية في التأسيس كما عليه شيخنا الأُستاذ قدسسره وأنّها متعرّضة لبيان حكم جديد ، وهو لزوم الإعادة لو صلّى فيما لا يؤكل وقعت المعارضة حينئذ بين الموثّق وحديث لا تعاد بالعموم من وجه ، حتى بعد تخصيص الموثّق بالصحيحة المتقدّمة ، لا لمجرد اختصاص الصحيحة ببعض فروض الجهل كما أشرنا إليه ، بل لو أغضينا النظر عن ذلك وسلمنا شمولها لتلك الفروض وغيرها كانت النسبة أيضاً كذلك.
والوجه فيه : أنّ الصحيحة خاصة بالشبهات الموضوعية ، ولا تعمّ الشبهة الحكمية كما هو ظاهر ، فالجاهل بالحكم باق تحت الموثّق حتى بعد تخصيصه بالصحيحة ، وهو غير مشمول لحديث لا تعاد ، فانّا وإن عممنا الحديث للجاهل لكنّه يختص بما إذا كان الجهل عذراً كالجهل بالموضوع أو بالحكم إذا كان عن قصور ، دون الجاهل بالحكم عن تقصير الذي هو الغالب الشائع من مصاديق الجهل ، وإلا لزم حمل أدلّة الأحكام الأوّلية كقوله عليهالسلام : من تكلّم أو من أحدث في صلاته فعليه الإعادة ، ونحو ذلك على العالم المتعمّد أو الجاهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور التي هي أقلّ قليل بالإضافة إلى الجاهل بالحكم عن تقصير ، بل هي من الأفراد النادرة كما لا يخفى ، فيلزم حمل
تلك المطلقات على الفرد النادر ، وهو بعيد جدّاً ، سيما فيما كان مسبوقاً بأسئلة الرواة ، وهي كثيرة.
وبالجملة : فالجاهل بالحكم المقصّر مشمول للموثّق دون الحديث.
وعليه فما أفاده الأُستاذ قدسسره من انقلاب النسبة بينهما بعد تخصيص الموثّق بالصحيح من العموم من وجه إلى العموم المطلق غير وجيه سواء قلنا بشمول الحديث للجاهل أم خصّصناه بالناسي.
أمّا على الأوّل فلعدم شمول الحديث للجاهل المقصّر كما عرفت ، وشمول الموثّق له ، لعدم خروجه عنه حتى بعد تخصيصه بالصحيح كما مرّ.
كما أنّ الحديث عام لمطلق الخلل ، والموثّق مخصوص بما لا يؤكل ، فمادة الافتراق من الطرفين ظاهرة ، ويتعارضان في مادة الاجتماع ، أعني الصلاة الواقعة فيما لا يؤكل نسياناً ، فتجب الإعادة بمقتضى الموثّق ، ولا تجب بمقتضى الحديث.
وعلى الثاني فالأمر أظهر ، إذ عليه تكون مادة الافتراق من جانب الموثّق أكثر ، لعدم شمول الحديث لشيء من مصاديق الجهل على الفرض. وعلى أي تقدير فتقع المعارضة في مورد الاجتماع الذي عرفته ، فلا مجال للتخصيص أي تخصيص الحديث بالموثّق المبني على انقلاب النسبة كما زعمه كي ينتج البطلان في صورة النسيان.
نعم ، هذه النتيجة ثابتة ، لكن لا لهذا الوجه الذي أفاده قدسسره بل لأنه بعد تعارض الدليلين وتساقطهما في مادة الاجتماع يرجع إلى عموم ما دلّ على اعتبار المانعية لما لا يؤكل بحسب الجعل الأوّلي ، كنفس الموثقة بلحاظ الفقرة السابقة وغيرها كموثقة سماعة ونحوها من سائر العمومات التي مفادها البطلان لو صلّى فيما لا يؤكل ، من دون حاكم عليها ، إذ الحاكم ليس إلا الحديث والمفروض ابتلاؤه بالمعارض في صورة النسيان كما عرفت.
وأمّا في صورة الجهل فيحكم بالصحة إمّا للحديث بناءً على شموله للجاهل لعدم ابتلائه بالمعارض حينئذ كما لا يخفى ، وإمّا لصحيحة عبد الرحمن بناء على
[1288] مسألة 20 : الظاهر عدم الفرق بين ما يحرم أكله بالأصالة ، أو بالعرض (1) كالموطوء والجلال وإن كان لا يخلو عن إشكال.
عدم الشمول له. فيتّجه التفصيل المنسوب إلى المشهور حينئذ.
لكنّك عرفت أنّ الأقوى هي الصحة مطلقاً وفاقاً للمتن ، وقد ظهر وجهه من مطاوي ما مرّ فلاحظ.
(1) قد مرّ الكلام حول هذه المسألة (1)عند ما تعرضنا تفصيلاً لمسألة اللباس المشكوك فيه ، واستقصينا البحث هناك ، ولا بأس بإعادة ما مرّ والإشارة إليه على سبيل الإجمال بمناسبة تعرّض الماتن قدسسره له في المقام فنقول :
عنوان ما حرّم اللّه أكله المأخوذ موضوعاً لعدم جواز الصلاة فيه في لسان الأخبار هل هو معرّف وعنوان يشير إلى ذوات الحيوانات كالأسد والأرنب والثعلب ونحوها كما عليه شيخنا الأُستاذ قدسسره (2)فكأنّ الموضوع نفس تلك الذوات أُشير إليها بهذا العنوان ، ويلزمه عدم شمول الحكم لما حرّم أكله لعارض كالموطوء وشارب لبن الخنزيرة ونحوها ، لخروجه حينئذ عن تلك الذوات ، أو أنّ هذا العنوان بنفسه موضوع للحكم؟
الظاهر هو الثاني ، إذ المعرّفية والمشيرية خلاف المنسبق من ظاهر أخذ الشيء بنفسه موضوعاً للحكم ، لا يصار إليها إلا بقرينة مفقودة في المقام.
وعلى المختار فهل المراد بالمحرّم ما حرّم أكله بالفعل ، أو ما كان كذلك في أصل الشرع وإن لم تتم فيه شرائط الفعلية؟
لا ينبغي الإشكال في الثاني ، وإلا لانتقض بموارد طرداً وعكساً ، كما لو حلّ أكل لحم الأسد مثلاً لاضطرار ونحوه ، أو مات الحيوان قبل سنين ، فلا موضوع للّحم كي يحرم أكله بالفعل ، أو كان خارجاً عن محلّ الابتلاء ، فإنّ الحرمة
الفعلية مفقودة في جميع ذلك ، ومع ذلك لا تجوز الصلاة في الوبر المتخذ منه أو غيره من سائر أجزائه بلا إشكال. وأيضاً ربما يحرم أكل لحم المعز لضرر أو غصب أو صوم أو عدم ورود التذكية عليه لكونه حياً بالفعل أو ميتة ، فيحرم الأكل فعلاً ومع ذلك تجوز الصلاة في صوفه بلا إشكال. فيظهر أنّ العبرة بالحلّية والحرمة الثابتتين في أصل الشرع ، وبنحو الشأنية دون الفعلية منهما التي تختلف باختلاف الحالات والأشخاص ، ولا تكون عامّة لجميع الناس.
ثم إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة عدم الفرق في هذه الحرمة الثابتة في أصل الشرع بالإضافة إلى عامّة الناس بين ما كانت ذاتية كالأسد ونحوه ، وبين ما طرأت لجهة عارضية كالموطوء وشارب لبن الخنزيرة ، والحرمة في كلتا الصورتين ثابتة في أصل الشرع وعامّة لجميع المكلّفين من دون اختصاص بشخص خاص أو حالة مخصوصة ، فيصدق على الثاني كالأوّل أنّه مما حرّم اللّه أكله في الشريعة المقدسة صدقاً حقيقياً ومن دون عناية كما لا يخفى. فلا موجب لاختصاص الحكم بالأوّل ، ولا يقاس ذلك بالحرمة الثابتة لبعض الأشخاص أو في بعض الأحوال لجهة عارضية كالأمثلة المتقدّمة آنفاً ، للفرق الواضح بين المقامين في الصدق المزبور كما لا يخفى.
وهل المراد بالحرمة ما كانت دائمة أبدية وإن كانت عرضية ، بحيث لم توقّت بوقت ولم تقبل للزوال كما في الموطوء وشارب لبن الخنزيرة ، حيث إنّ الحرمة فيهما ثابتة أبداً كالمحرّم الذاتي ، بل في الشارب تسري إلى النسل أيضاً ، أو تعمّ الحرمة الموقتة القابلة للزوال كما في الجلال حيث تزول الحرمة بزوال الجلل باستبراء ونحوه؟ اختار شيخنا الأُستاذ قدسسره الأوّل (1)ولم نعرف له وجهاً صحيحاً ، بل الأقوى الثاني ، لاندراج الكلّ تحت إطلاق الأدلّة بملاك واحد كما لا يخفى.
1) رسالة الصلاة في المشكوك : 96.
الخامس : ان لا يكون من الذهب للرجال ، ولا يجوز لبسه لهم في غير الصلاة أيضاً (1).
ومن الغريب حكمه قدسسره بنجاسة بول الجلال مع حكمه قدسسره في المقام بجواز الصلاة في أجزائه ، مع اتحاد الموضوع في المقامين وهو عنوان ما لا يؤكل لقوله عليهالسلام هناك : « اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه » (1)الذي هو المستند للنجاسة ، فإن اختص العنوان بما لا يقبل للزوال فلما ذا يحكم بنجاسة بول الجلال ، وإن شمل ما يقبل له فلما ذا يحكم بجواز الصلاة فيه. فلم نعرف وجهاً للتفكيك ، لعدم وضوح الفرق بين المقامين.
(1) يقع الكلام في مقامين :
أحدهما : في حرمة لبس الذهب للرجال تكليفاً حال الصلاة وغيرها.
الثاني : في الحرمة الوضعية وبطلان الصلاة الواقعة فيه.
أمّا المقام الأوّل : فلا إشكال كما لا خلاف في الحرمة ، بل عليه الإجماع لولا الضرورة.
ويدلّ عليه جملة من النصوص ، وأكثرها وإن كانت ضعيفة السند إلا أنّ فيها الموثّق والصحيح.
فالأوّل : موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : « لا يلبس الرجل الذهب ، ولا يصلّي فيه ، لأنّه من لباس أهل الجنة » (2). التي رواها الشيخ والصدوق بطريقين معتبرين (3).
والثاني : صحيحة علي بن جعفر التي رواها صاحب الوسائل عن كتابه وطريقه إلى الكتاب صحيح عن أخيه موسى عليهالسلام أنّه قال : « هل
يصلح له أن يتختّم بالذهب؟ قال : لا » (1)فإنّ النهي ظاهر في التحريم.
نعم ، لعلي بن جعفر رواية أُخرى بهذا المضمون (2)، لكن في الطريق عبد اللّه ابن الحسن ولم تثبت وثاقته.
وبالجملة : فالعمدة في المقام هاتان الروايتان المؤيدتان بغيرهما من سائر الأخبار ، وإن ضعفت أسانيدها ، وفيهما غنى وكفاية.
وبإزاء هذه الأخبار روايتان ربما يستظهر منهما الجواز :
إحداهما : رواية ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله تختّم في يساره بخاتم من ذهب ، ثمّ خرج على الناس فطفق ينظرون إليه ، فوضع يده اليمنى على خنصره اليسرى حتى رجع إلى البيت فرمى به فما لبسه » (3).
حيث يظهر منها عدم حرمة اللبس ، ولذا تختم صلی اللّه عليه وآله به. وإنّما رمى به لما شاهده صلی اللّه عليه وآله من نظر الناس إليه نظراً ينبئ عن عدم مناسبة ذلك لمقام النبوّة ، فطرحه صلی اللّه عليه وآله كراهة جلب الأنظار. فغاية ما هناك كراهة اللبس دون التحريم.
وفيه أوّلاً : أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد والأشعري.
وثانياً : بقصور الدلالة ، إذ غاية ما تدلّ عليه عدم ثبوت التحريم في ذلك الزمان الذي لبسه صلی اللّه عليه وآله فمن الجائز ثبوت التحريم بعده ، إمّا في زمانه صلی اللّه عليه وآله أو زمن الأئمة عليهمالسلام كما يفصح عنه تلك الأخبار ، إذ لا ريب أنّ الأحكام تدريجية التشريع ، بل تدريجية التبليغ ، فربّ حكم لم يشرّع في صدر الإسلام فشرّع بعد حين ، أو لم يبلّغ في عصره صلی اللّه عليه وآله لمصلحة في الإخفاء أو مفسدة في الإظهار ، ثم بلّغ في زمن الأئمة
( عليهمالسلام ) بإيداع النبي صلی اللّه عليه وآله لهم ، فلا تنافي بين هذه الرواية وتلك الأخبار المصرّحة بالتحريم كما لا يخفى.
الثانية : صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال علي عليهالسلام : نهاني رسول اللّه ( ص ) ولا أقول لكم نهاكم عن التختّم بالذهب » (1)فانّ قوله عليهالسلام : « ولا أقول نهاكم » يكشف عن اختصاص النهي به عليهالسلام دون غيره من سائر الناس ، فليكن ذاك من مختصات أمير المؤمنين عليهالسلام.
والجواب يظهر ممّا مرّ آنفاً ، فانّ علياً عليهالسلام وهو الصادق المصدّق يحكي ما جرى بينه وبين النبي ( ص ) من توجيه النهي إليه عليهالسلام وعدم تعميمه لغيره لا تصريحه ( ص ) بالجواز لمن عداه ، فلا ينافي ثبوت النهي للجميع في العصر المتأخّر لعدم مصلحة في الإظهار آن ذاك. فلا تنافي بين هذه الصحيحة وتلك الأخبار المتضمّنة للتحريم على الإطلاق.
وبالجملة : فتلك الأخبار وعمدتها الموثق والصحيح كما عرفت قويّة السند والدلالة سليمة عن المعارض.
نعم ، قد يناقش في دلالة الموثّق من وجهين :
أحدهما : عدم مناسبة التعليل المذكور فيه مع الحرمة ، أعني قوله عليهالسلام : « لأنّه من لباس أهل الجنة » فإنّ كونه من لباسهم وهم المتّقون الأبرار يكشف عن كونه من زيّ المتقين ولباس المؤمنين ، فالأنسب للمؤمن لبسه تشبيهاً له بأهل الجنة ، سيما في حال الصلاة التي هي معراج المؤمن ، فينبغي أن يتّصف وهو في حال العروج والمناجاة مع الربّ بلباس المقرّبين وأهل الجنة والنعيم ، فكيف يلتئم التعليل مع التحريم.
ويندفع : بأنّ الشبهة إنما نشأت من تخيّل أنّ المراد من اللبس في التعليل -
1) الوسائل 4 : 414 / أبواب لباس المصلي ب 30 ح 7.
اللبس التكويني ، أي ما يختاره أهل الجنة ويلبسونه باختيارهم وإرادتهم وليس كذلك ، بل المراد اللبس التشريعي الذي خصّه اللّه بأهل الجنة ، وحرّمه على الرجال في الدنيا.
وحاصل المعنى : المنع عن لبس الرجال للذهب في حال الصلاة وغيرها لأنّ اللّه تعالى حرّمه عليهم في هذه الحياة الدنيا ، وخصّه تشريعاً بأهل الجنة في الآخرة فلا يجوز مخالفة المولى سبحانه في هذا التشريع.
ثانيهما : اشتمال صدر الموثّق على ما يمنع ظهوره في التحريم ، حيث ذكر قبل هذه الفقرة هكذا : « في الرجل يصلّي وعليه خاتم حديد ، قال : لا ، ولا يتختّم به الرجل ، فإنّه من لباس أهل النار » (1)فانّ التختّم بالحديد غير محرّم قطعاً بل غايته الكراهة ، فيكشف بمقتضى وحدة السياق أنّ الحكم في جميع فقرأت الموثّق مبني على الكراهة.
وفيه : أنّ النهي ظاهر في التحريم ، كالأمر في الوجوب ما لم يقترن بالترخيص في الفعل أو الترك كما تقرّر في الأُصول (2)وقد ثبت الترخيص في الفعل بالنسبة إلى الحديد بالنصوص العديدة فيحمل على الكراهة ، ولم يثبت ذلك بالنسبة إلى الذهب كما عرفت فلا بدّ من الأخذ بظاهر النهي. وقرينية السياق لم نتعقّلها بعد ما هو المشاهد من اشتمال غير واحد من الأخبار على الجمع بين المحرّمات والمكروهات بلسان واحد ، كالجمع بين الواجبات والمستحبات ، والمتّبع هو الدليل في كلّ مورد بالخصوص.
وأمّا المقام الثاني : فالمشهور بطلان الصلاة الواقعة في الذهب للرجال ، بل لم ينسب الخلاف إلا إلى المحقق قدسسره في المعتبر (3)حيث تردّد فيه لأجل
ضعف رواية موسى بن أكيل (1). بل ربما يظهر منه في الشرائع الصحة ، حيث لم يذكره في شرائط لباس المصلّي. وكيف كان ، فالمتبع هو الدليل.
والأقوى ما عليه المشهور ، للأخبار وعمدتها موثّقة عمار المتقدمة المانعة من إيقاع الصلاة فيه ، ولا ريب أنّ النهي عن العبادة يدلّ على الفساد ، فليس المستند منحصراً في رواية موسى بن أكيل كي يتوقف عن الحكم لأجل ضعف السند ، هذا.
وقد استدلّ العلامة قدسسره (2)للبطلان بوجهين آخرين :
أحدهما : أنّ استعمال الذهب حرام ، وإيقاع الصلاة فيه بنفسه مصداق للاستعمال فيحرم ويفسد ، لدلالة النهي عن العبادة على الفساد.
وفيه أوّلاً : أنّه لا دليل على حرمة مطلق الاستعمال ، ولذا يجوز اقتناؤه وأخذه ، وكذا صرف النقود الذهبية بلا إشكال ، وإنّما الثابت بمقتضى النصوص المتقدّمة حرمة لبسه فقط دون سائر الاستعمالات.
وثانياً : أنّ الصلاة بنفسها ليست مصداقاً للاستعمال ولا اللبس ، لعدم كون ذلك من أجزائها ولا شرائطها ، فهو أجنبي عن حقيقة الصلاة بالكلّية ، بل غايته أنّ الاستعمال من مقارنات الصلاة وملابساتها ، نظير النظر إلى الأجنبية حال الصلاة ، فلا تسري حرمته إليها قطعاً كما هو ظاهر جدّاً.
فالإنصاف : أنّ هذا الاستدلال منه قدسسره غريب جدّاً ، لعدم الاتحاد بينهما بوجه.
ثانيهما : أنّ الصلاة مشروطة بالستر ، وحيث إنّ لبس الذهب حرام فلا يتحقق به الستر الواجب في الصلاة ، لعدم كون الحرام مصداقاً للشرط فوجوده كعدمه ، فالصلاة فيه بمثابة الصلاة عارياً فتفسد لفقد الشرط.
وفيه أوّلاً : أنّ هذا لو تم فهو مختص بالساتر أعني اللباس الذهبي الذي
ولا فرق بين أن يكون خالصاً أو ممزوجاً (1)
تحقّق به الستر فعلاً ولا يعمّ مطلق اللباس ، فهو أخص من المدعى.
وثانياً : أنّه غير تام في نفسه ، لعدم الدليل على اعتبار الإباحة في ذات الشرط ، وإنّما يعتبر ذلك في الجزء ، حيث ينبسط الأمر المتعلّق بالمركّب عليه فلا يتعلّق بالحرام ، وأمّا الشرط فهو خارج عن المأمور به ، وإنّما الداخل التقيّد به ، وإباحته لا تستدعي اعتبار الإباحة في ذات القيد كما لا يخفى ، ولذا يحصل التقيّد بالطهارة عن الخبث وإن حصل التطهير بالغسل بالماء المغصوب.
نعم ، لو ثبت من الخارج عبادية الشرط كما في الطهارات الثلاث لم يتحقق بالفرد المحرّم ، لمنافاة الحرمة مع العبادية ، وإلا فمجرد الشرطية لا تستدعي الإباحة. ومن الظاهر أنّ الستر المعتبر في الصلاة ليس شرطاً عباديا ولذا لم نمنع عن صحة الصلاة في الساتر المغصوب.
(1) مع صدق اسم الذهب عليه ولو بإضافة الغش ، فيقال إنّه ذهب مغشوش ، كما لو كان الخليط من النحاس أو غيره قليلاً جدّاً بحيث لا يوجب سلب العنوان ، وهذا لا إشكال فيه ، لإطلاق الأدلّة الشاملة للخالص وغيره. إنّما الكلام في صور ثلاث :
إحداها : ما إذا كان الثوب مثلاً سداه من الذهب واللحمة من غيره ، أو بالعكس.
الثانية : ما لو امتزج الذهب مع غيره بكميّة متساوية كما لو اذيب مقدار من الذهب وما يعادله من النحاس ، وامتزج أحدهما مع الآخر بحيث لم يصدق على الممتزج شيء من العنوانين.
الثالثة : ما لو كان الثوب مثلاً مطرّزاً بالذهب.
أمّا القسم الثاني : فلا ينبغي الإشكال في الجواز ، لعدم صدق لبس الذهب الذي هو الموضوع للحكم ، وأولى منه ما لو كان الذهب أقل من المزيج فكان مستهلكاً بحيث صدق عليه العنوان الآخر.
إنّما الإشكال في القسمين الآخرين وقد ذهب جمع إلى حرمة اللبس فيهما. وذكر كاشف الغطاء (1)في وجهه أنّه لم يعهد صنع الثوب ، بل ولا غيره مما لا تتم الصلاة فيه كالقلنسوة ونحوها من الذهب الخالص ، بل المتعارف خلطه بغيره إمّا بجعل سداه من الذهب واللحمة من غيره أو بالعكس ، أو يكون بنحو التطريز ، ولا ريب أنّ النهي في الأخبار منصرف إلى الفرد المتعارف دون ما لا يعهد ، فلو اتفق صنعه من الذهب الخالص فهو غير مشمول للنهي.
والجواب عنه ظاهر كما ذكره المحقق الهمداني قدسسره (2)إذ لم يتوجّه النهي في شيء من الأخبار إلى لبس ثوب من الذهب كي يدعى انصرافه إلى المتعارف ، بل متعلّق النهي مجرّد لبس الذهب ، وكم له مصداق من الذهب الخالص كلبس القرط والسوار والخاتم والخلخال ونحوها مما تتزيّن النساء بلبسه مع فرض خلوص الذهب ، وكأنّ المقصود من تلك الأخبار منع الرجال عن لبس هذه الأشياء التي هي من مختصات النساء.
فالإنصاف : أنّه لا دليل على حرمة اللبس في هذين القسمين ، لعدم صدق لبس الذهب الذي هو الموضوع للحكم كما عرفت في شيء منهما ، بل ما هو ذهب غير ملبوس ، وما هو الملبوس لا يصدق عليه أنّه لبس للذهب ، بل هو لبس شيء استعمل فيه الذهب في سداه أو لحمته ، أو طلي بالذهب كما في التطريز ، لا أنّه بنفسه لبس للذهب.
وما يقال من أنّ من لبس ذلك يصدق عليه أنّه لابس للذهب ، وإن لم يصدق الذهب على نفس اللباس لأنّه جزؤه لا كلّه ، فلا ضير في عدم الصدق في الملبوس ، مدفوع بأنّ هذه الاشتقاقات تتبع المبدأ في الصدق ، ولا يختلف الحال فيها باختلاف الهيئات ، فإذا لم يصدق على اللباس أنّه ذهب ولم
يكن الملبوس بنفسه مصداقاً له فكيف يصدق عنوان لبس الذهب ، وأنّ المكلّف لابس للذهب.
وبالجملة : فلا وجه لحرمة اللبس في هذين القسمين بعد قصور الأدلّة عن الشمول ، إلا إذا صدق عنوان التزيين فيمكن القول بالتحريم حينئذ من تلك الجهة ، وسيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى (1).
وهل تبطل الصلاة في القسمين فتثبت الحرمة الوضعية وإن لم تثبت النفسية؟
قد يقال بذلك نظراً إلى شمول موثقة عمار الناهية عن الصلاة في الذهب لمثل ذلك ، إذ يصدق على من صلّى في ثوب مطرّز بالذهب أو كانت لحمته أو سداه منه أنّه صلّى في الذهب وإن لم يصدق لبسه ، ولأجله حكمنا ببطلان الصلاة مع استصحاب شيء من أجزاء ما لا يؤكل وإن لم يكن لابساً له ، للصدق المزبور.
ويندفع : بظهور كلمة « في » في الظرفية. فالممنوع إيقاع الصلاة في الذهب على وجه يكون الذهب ظرفاً لها ، وحيث إنّ هذا على ظاهره لا محصّل له كما لا يخفى فيكون إسناد الظرفية إلى الذهب إسناداً مجازياً باعتبار كونه ظرفاً للمصلّي ، فالمظروف حقيقة هو المصلّي ، ولا يكون الذهب ظرفاً له إلا مع اشتماله عليه ، ولو على بعضه ، إذ لا تتحقّق الظرفية بدونه. ومن الواضح توقّف صدق الاشتمال على اللبس ، فمجرد المصاحبة من دون صدق اللبس المستلزم لنوع من الاشتمال لا يحقق الظرفية بلا إشكال ، فلا يصدق الصلاة في الذهب إلا إذا كان لابساً له.
وأمّا فيما لا يؤكل فإنّما ترفع اليد عن ظهور كلمة « في » الواردة في قوله عليهالسلام في موثقة ابن بكير : « فالصلاة في وبره وشعره وروثه وبوله وألبانه وكلّ شيء منه فاسدة ... » إلخ (2)في الظرفية ، وتحمل على مطلق المصاحبة لمكان
القرينة ، وهي ذكر البول والروث والألبان ، لعدم اتخاذ اللباس منها كي تكون ظرفاً للمصلّي ، فلأجله تحمل على الظرفية الموسّعة الشاملة لمطلق المصاحبة فينتج بطلان الصلاة في المحمول والملبوس.
ومثل هذه القرينة مفقودة في المقام ، فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور « في » في الظرفية. فقياس المقام بذاك الباب مع الفارق.
والمتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ المستفاد من الأخبار وعمدتها موثقة عمار وصحيحة علي بن جعفر (1)حرمة لبس الذهب ، فما صدق عليه هذا العنوان حرم لبسه والصلاة فيه ، من غير فرق بين الخالص والمغشوش بمقتضى الإطلاق ، وما لم يصدق كما في المطرّز وما سداه من الذهب دون اللحمة أو العكس ، وما كان ممزوجاً بغير الذهب بكمية متساوية جاز لبسه والصلاة فيه لخروجه عن منصرف الأخبار. فالحكم دائر مدار صدق اللبس وعدمه.
وهل التزيّن بالذهب بعنوانه محرّم على الرجال وإن لم يصدق عليه اللبس كما صرّح به الماتن قدسسره في المسألة (23) الآتية أو لا؟ وعلى الأوّل فهل توجب الحرمة بطلان الصلاة أو لا؟
أمّا الحرمة النفسية فالمعروف ذلك ، بل في الجواهر دعوى الإجماع عليها بقسميه (2)فان تمّ الإجماع ولم يتمّ ، لاحتمال استناد المجمعين إلى ما ستعرف وإلا فتتميم ذلك بالدليل مشكل جدّاً ، فانّ ما يستدلّ به عدة أخبار لا تخلو عن شوائب الإشكال.
منها : رواية روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله لأمير المؤمنين عليهالسلام : لا تتختّم بالذهب فإنّه زينتك في الآخرة » (3).
ومنها : رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام : « أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله قال لعلي عليهالسلام : إني أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي ، وأكره لك ما أكره لنفسي ، لا تتختّم بخاتم ذهب فإنّه زينتك في الآخرة » (1).
ومنها : رواية حنّان بن سدير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سمعته يقول : قال النبي صلی اللّه عليه وآله لعلي عليهالسلام : إياك أن تتختّم بالذهب فإنّه حليتك في الجنة ... » إلخ (2).
دلّت هذه الأخبار على أنّ علّة المنع من التختّم بالذهب كونه من الزينة المختصة بالآخرة ، فيظهر منها أنّ مطلق التزيّن بالذهب حرام في الدنيا على الرجال ، صدق عليه اللبس أم لا.
ولا يخفى أنّ الخبرين الأخيرين وإن لم يتم سندهما إلا أنّ الخبر الأوّل موثّق ، فانّ روح بن عبد الرحيم وثّقه النجاشي ، وكذا غالب بن عثمان (3)الذي هو المنقري ، وإن قيل بكونه واقفياً ، فانّ الوقف لا ينافي الوثاقة. وأحمد بن محمد ثقة ، سواء أُريد به ابن خالد أم ابن عيسى كما لا يخفى. واعتبار باقي رجال السند غني عن التوضيح. فلا وجه لتعبير بعض عنه بالخبر المشعر بالضعف كما لا وجه لدعوى انجبار ضعفها بعمل الأصحاب كي يتطرّق إليها الإشكال بمنع الانجبار كما تكرر منّا غير مرة ، وذلك لصحة سند الخبر الأوّل ، وفيه غنى وكفاية فلا حاجة إلى الجابر.
إنما الإشكال من حيث الدلالة ، فإنّه يتوجّه عليها :
أوّلاً : احتمال أن يكون الحكم من مختصّات أمير المؤمنين عليهالسلام كما لا يأباه سياقها من توجيه الخطاب إليه عليهالسلام خاصة ، سيما قوله صلی اللّه عليه وآله في خبر أبي الجارود : « انّي أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي وأكره لك
ما أكره لنفسي » الكاشف عن مزيد عناية واهتمام بشأنه عليهالسلام فخصّه بحكم دون غيره.
ويؤيّده : قول علي عليهالسلام في رواية عبيد اللّه بن علي الحلبي المتقدمة سابقاً (1): « نهاني رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ولا أقول نهاكم عن التختّم بالذهب ... » إلخ ، غايته أنّه ثبت من الخارج شمول هذا الحكم اعني التختّم بل مطلق لبس الذهب لغيره أيضاً ، فيرفع اليد عن ظهوره في الاختصاص بمقتضى الروايات الأُخر بتقريب تقدّم سابقاً (2)، وأمّا في المقام فلم يثبت التعدّي ، فلا بد من التحفظ على الظهور ، ولا أقلّ من الاقتصار على المتيقّن وهو علي عليهالسلام إذ لا إطلاق فيها يعمّ غيره كما هو ظاهر.
وثانياً : أنّ الاستدلال بهذه الأخبار مبني على أن تكون الزينة فيها بمعناها الحدثي والعنوان المصدري أعني التزيّن ولا شاهد عليه ، بل هو بعيد عن سياقها ، فانّ مرجع الضمير في قوله عليهالسلام : « فإنّه زينتك في الآخرة » نفس الخاتم الذهبي لا التختّم به كما لا يخفى. فلو أُريد بالزينة المعنى المصدري والمفهوم الحدثي فكيف يمكن حمله على الذات.
فالظاهر أنّ المراد بالزينة فيها ما يتزيّن به ، أعني نفس الذوات والأعيان الخارجية المعدّة للتزيّن بها كالخاتم والسوار والقرط والخلخال ونحوها ، فإنّها بأنفسها هي الزينة ، نظير ما تقدّم سابقاً في تفسير قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) إلخ (3)وكلّ ذلك من الملبوس ، إذ ليس غيره معدّاً للتزيين بحسب المتعارف الخارجي.
وحاصل المعنى حينئذ : أنّ الخاتم الذهبي الذي هو مورد هذه الأخبار شيء
بل الأقوى اجتناب الملحّم والمذهّب بالتمويه والطلي إذا صدق عليه لبس الذهب (1)(1).
يتزيّن به في الآخرة ، وحلية مختصة بها ، فلا يشرع لبسه والتمتع به في الدنيا فلا دلالة فيها على المنع عن مطلق التزيّن بالذهب كما لا يخفى فتدبر جيداً.
فالحرمة النفسية غير ثابتة. وعلى تقدير التسليم فلا دليل على الحرمة الوضعيّة وبطلان الصلاة بذلك ، إذ النهي في الأخبار منوط بعنوان اللبس المفقود في الفرض. وليس التزيّن بنفسه متحداً مع الصلاة لا جزءاً ولا شرطاً كي يسري النهي إليها فتفسد العبادة ، بل هو من المقارنات والملابسات واللوازم الاتفاقية فيه نظير النظر إلى الأجنبية أثناء الصلاة التي لا توجب تعلّق النهي بالعبادة نفسها كما هو ظاهر جدّاً.
والمتحصّل من جميع ما مرّ : أنّ الثابت بحسب الأدلة حرمة لبس الذهب وبطلان الصلاة فيه ، وأمّا التزيّن فهو بنفسه غير محرم ، وعلى تقديره لا دليل على بطلان الصلاة معه.
(1) أمّا الملحّم أي ما كانت لحمته من الذهب ، واللحمة هي الخيوط العرضية عند النسج التي يلتحم بها السدي وهي الخيوط الطوليّة ويعبّر عنهما بالفارسية ب- ( تار وپود ) فبناءً على اختصاص الحرمة باللباس يجوز لبسه والصلاة فيه ، لعدم صدق لبس الذهب كما مرّ ، وبناءً على التعميم لمطلق التزين يحرم لبسه دون الصلاة فيه كما عرفت آنفاً.
وأمّا المموّه أي ما صبغ بماء الذهب بحيث يخيّل أنّه الذهب ، فيوجب التمويه والتلبيس فلا إشكال في الجواز والصحة حتى بناءً على حرمة التزين ، إذ الحرام إنّما هو التزين بالذهب لا بمائه من دون أن يشتمل على العين كما هو
1) (*) نعم ، إلا أنّ في صدقه في كثير من أقسام المموّه والمطلي والممزوج وفي بعض أقسام الملحم إشكالاً بل منعاً.
ولا فرق بين ما تتم فيه الصلاة وما لا تتم كالخاتم والزر (1)ونحوهما (1).
الفرض ، فإنّه لون محض ، نظير الثوب المصبوغ بالدم الذي تجوز الصلاة فيه بعد التطهير وزوال العين. نعم ، تبقى هناك لا محالة أجزاء دقيقة وذرات صغيرة بحسب الدقة العقلية ، لاستحالة انتقال العرض من دون محلّه ، لكن العبرة بالنظر العرفي دون التدقيق الفلسفي.
وأمّا المطلي : فإن أُريد به المموّه فقد عرفت حكمه ، وإن أُريد به ما طلي بالذهب مع بقاء العين كورقة خفيفة بحيث يكون هناك جسم على جسم ، فبناءً على اختصاص التحريم باللباس لا ريب في الجواز والصحة ، إذ ليس هذا لبساً للذهب ، فهو كالملحّم والمطرّز في أنّ الذهب غير ملبوس والملبوس غير الذهب ، بل شيء عليه الذهب ، وبناءً على التعميم للزينة يحرم لبسه والتزيّن به دون الصلاة معه كما علم مما مرّ.
ثم إنّه قيّد في المتن المنع عن هذه الأُمور بما إذا صدق عليه لبس الذهب. والأولى بناءً على مسلكه من تعميم الحرمة لمطلق التزين كما سيصرّح به في ذيل مسألة 23 الآتية أن يضيف عليه قوله : أو صدق عليه التزين بالذهب. إذ لا وجه للتخصيص بالأوّل بعد عدم دوران الحكم مدار اللبس كما يرتئيه قدسسره.
(1) أمّا ما كان من الملبوس كالخاتم فلا ينبغي الإشكال في حرمة لبسه لإطلاق النصوص التي عمدتها موثقة عمار وصحيحة علي بن جعفر كما مرّ ، بل في الأخير قد صرّح بذلك فلاحظ (2)، بل إنّ النهي عن لبس الذهب منصرف في حدّ نفسه إلى مثل الخاتم ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه ، إذ لم يعهد صنع ثوب أو سروال منسوج بأجمعه من الذهب ، وإن كان على تقدير الصنع مشمولاً
نعم ، لا بأس بالمحمول منه مسكوكاً أو غيره (1)
للأخبار كما عرفت لكنه غير متعارف خارجاً.
كما لا ينبغي الإشكال في بطلان الصلاة فيه ، لا لخبر موسى بن أكيل النمري المتقدّم (1)كي يناقش فيه بضعف السند كما عن المحقّق في المعتبر (2)ولأجله تردّد فيه ، بل لإطلاق موثّقة عمار ، المؤيّد بهذا الخبر وبرواية الخصال قال عليهالسلام : « ويجوز أن تتختّم بالذهب وتصلّي فيه ، وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد » (3).
وأمّا ما كان من غيره كالأزرار التي تعدّ جزءاً من اللباس دون أن تكون ملبوسة بأنفسها فحالها حال الملحّم والمطرّز ، بل الأمر فيها أهون منهما كما لا يخفى ، وقد عرفت عدم صدق لبس الذهب حينئذ. فإن بنينا على حرمة مطلق التزين حرم لبس الثوب المشتمل على تلك الأزرار ، وإلا كما هو الأقوى فلا. وأمّا الصلاة معها فهي صحيحة على كل حال.
(1) أمّا جواز حمله تكليفاً فلا إشكال فيه ، كما لا خلاف ، لعدم صدق عنوان اللبس ولا التزين ، مضافاً إلى استقرار السيرة على ذلك سيما في المسكوك ، فانّ المعاملات كانت معه غالباً ، ولم تكن الأوراق النقدية متداولة إلا في الأزمنة المتأخرة ، فكانت تحمل سيما في الأسفار ، وقد ورد الأمر بشدّ الحاج نفقته على بطنه ، وهذا ظاهر.
وأمّا الصلاة معه فربما يحتمل بل يقال بعدم الجواز ، استناداً إلى قوله عليهالسلام في موثّقة عمار المتقدّمة (4): « لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه »
فانّ مرجع الضمير نفس الذهب ، لا الذهب الملبوس ، فقد جعل الذهب موضوعاً لحكمين : أحدهما حرمة لبسه ، والآخر عدم جواز الصلاة فيه.
وعليه فالمراد من كلمة « في » مطلق المصاحبة لا خصوص الظرفية كي تختص بالملبوس ، فحال المقام حال ما تقدّم فيما لا يؤكل من إرادة مطلق المصاحبة.
ويندفع أوّلاً : بأنّ مرجع الضمير وإن كان هو الذهب نفسه لا لبسه كما ذكر لكنّا نستفيد الاختصاص به من كلمة « في » الظاهرة في الظرفية ، فيختص الحكم بما كان له نوع اشتمال على المصلّي ولو على بعضه ، تحقيقاً للظرفية المستندة إلى الصلاة باعتبار المصلّي ، وإلا فالذهب لا يكون ظرفاً للصلاة نفسها كما لا يخفى.
وبالجملة : الحمل على مطلق المصاحبة خلاف ظاهر الظرفية لا يصار إليه بدون القرينة المفقودة في المقام. نعم ، هي موجودة بالنسبة إلى ما لا يؤكل وهي ذكر البول والروث والألبان في موثق ابن بكير (1)، إذ لا معنى للاشتمال والظرفية بالنسبة إليها ، فتحمل على الظرفية الموسّعة أو مطلق المصاحبة كما تقدّم سابقاً (2).
وثانياً : مع الغض عمّا ذكر فالسيرة مانعة عن التعدّي إلى المحمول ضرورة أنّ المعاملات كانت في الزمن السابق وقد أدركناه بالجنسين غالباً سيما المسكوك ، وإنّما تداولت الأوراق النقدية في الأزمنة المتأخّرة كما مرّ ، ولا ريب أنّ السيرة كانت قائمة على حملها حال الصلاة ، إذ لم يعهد النزع ولم ينقل عن أحد ، فلو كانت الصلاة معها باطلة لاشتهر وبان وكان من الشائعات الواضحات.
كما لا بأس بشد الأسنان (1)به (1). بل الأقوى أنّه لا بأس بالصلاة فيما جاز فعله فيه من السلاح كالسيف والخنجر ونحوهما (2)، وإن أُطلق عليهما اسم اللبس لكن الأحوط اجتنابه (2).
(1) أمّا إذا لم يكن ظاهراً بأن كان الشدّ في أحد طرفي الفم أو من ناحية الباطن فلا إشكال في الجواز حتّى إذا لُبس السن بالذهب ، فضلاً عن الشدّ ، إذ لا يصدق عليه أنّه لبس الذهب ، كما لا يصدق التزين به.
وأمّا إذا كان ظاهراً كما في الثنايا فعلى المختار من عدم حرمة التزين لا إشكال في الجواز ، وعلى القول الآخر يحرم نفساً لا وضعاً كما مرّ غير مرة.
وربما يستدلّ للجواز بصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث : « أنّ أسنانه عليهالسلام استرخت فشدّها بالذهب » (3).
وفيه أوّلاً : أنّه حكاية فعل لا لسان له ، ولعلّ الأسنان كانت مخفيّة ، فلا تدلّ على الجواز في الأسنان الظاهرة المتضمّنة للتزين.
وثانياً : أنّ شدّه عليهالسلام كان لمكان الاسترخاء كما نصّ عليه ، فيظهر أنّ ذلك كان من جهة الاحتياج والاضطرار الذي يبيح كلّ محظور فلا يدلّ على الجواز حال الاختيار الذي هو محلّ الكلام.
فالأولى في الاستدلال ما عرفت من منع المقتضي وعدم الدليل على التحريم على التفصيل الذي سبق.
(2) أمّا أصل التحلية فلا ريب في جوازها كما في سائر موارد التحلي ، فلا
وأمّا النساء فلا إشكال في جواز لبسهنّ وصلاتهنّ فيه (1).
ينبغي التكلّم فيه.
وأمّا لبس السلاح المحلّى بالذهب فلا بأس به بناءً على اختصاص التحريم بلبس الذهب ، لعدم صدقه على المقام ، إذ هو لبس شيء محلّى بالذهب ، لا أنّه لبس للذهب نفسه ، فهو نظير لبس المطرّز ونحوه مما مرّ.
بل إنّ الأخبار الواردة في جواز تحلية السيوف بنفسها دالة على ذلك بالملازمة العرفيّة ، إذ لا يراد تحليتها ووضعها في الرفّ مثلاً دون أن ينتفع بها بل يحلّى للانتفاع المتوقّف غالباً على اللبس.
نعم ، بناءً على تعميم التحريم لمطلق التزين حرم اللبس حينئذ ، لأنّه تزين. وأما الصلاة فجائزة على كل تقدير كما مرّ مراراً.
هذا كلّه فيما إذا كان السيف محلّى ، وأمّا إذا كان بتمامه ذهباً فلا ينبغي الإشكال في حرمة لبسه وبطلان الصلاة فيه ، ويعلم وجهه مما مرّ فتذكر.
(1) أمّا جواز اللبس فلا ريب فيه ولا خلاف ، لقصور المقتضي ، فإنّ الأخبار المانعة خاصة بالرجال ، مضافاً إلى الأخبار الدالّة على الجواز صريحاً كصحيح أبي الصباح قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الذهب يحلّى به الصبيان؟ قال : كان علي عليهالسلام يحلّي ولده ونساءه بالذهب والفضة » (1).
وصحيح داود بن سرحان قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الذهب يحلّى به الصبيان ، فقال : إنّه كان أبي ليحلّي ولده ونساءه الذهب والفضة ، فلا بأس به » ونحوهما غيرهما (2).
وأمّا جواز الصلاة فكذلك ، لاختصاص المنع بالرجل ، فيرجع في غيره إلى الأصل بناءً على ما هو الصحيح من جريانه في دوران الأمر بين الأقل والأكثر
وأمّا الصبي المميّز فلا يحرم عليه لبسه ولكن الأحوط له عدم الصلاة فيه (1).
الارتباطيين ، ويؤيّده التصريح بالجواز في رواية الخصال المتقدمة (1)، هذا.
وقد نسب إلى الصدوق المنع بدعوى أنّ مقتضى إطلاق النهي عدم الفرق بين الرجال والنساء ، وقد ثبت لهنّ الجواز في خصوص اللبس فيقيّد به ، وأمّا جواز الصلاة فلم يثبت التقييد ، لعدم الدليل عليه فيتمسك بالإطلاق.
والظاهر التباس الأمر على الناسب ، فانّ الصدوق قدسسره إنّما ذكر هذه الدعوى في مسألة الحرير بعين هذا التقرير (2)وهو وإن لم يكن سليماً عن الإشكال كما سنتعرّض له في تلك المسألة إن شاء اللّه تعالى (3)إلا أنّ له وجهاً وجيهاً في بادئ النظر.
وأمّا في المقام فلم يذكر هذه الدعوى ، وليس لها وجه أصلاً ، ضرورة اختصاص الأخبار الناهية بأجمعها بالرجال ، ولم يرد في المقام نهي مطلق يعمهم والنساء كما ورد في مسألة الحرير ، هذا مع أنّ الصدوق قدسسره بنفسه روى رواية الخصال المصرّحة بجواز اللبس والصلاة لهنّ. فالنسبة في غير محلّها جزماً ، وعلى الصحة فالدعوى فاسدة جدّاً كما عرفت.
(1) أمّا جواز اللبس فالظاهر عدم الخلاف والإشكال فيه ، ويقتضيه مضافاً إلى حديث رفع القلم عن الصبي (4)وقصور المقتضي للمنع كما مرّ صحيحتا أبي الصباح وداود بن سرحان المتقدّمتان (5)الصريحتان في الجواز. وعليه فلا مانع للأولياء من تحلية صبيانهم الذهب.
نعم ، قد يتوهّم معارضة الصحيحتين بما رواه ابن إدريس في آخر سرائره نقلاً من رواية جعفر بن محمد بن قولويه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل يحلّي أهله بالذهب ، قال : نعم النساء والجواري ، فأمّا الغلمان فلا » (1).
وفيه أوّلاً : أنّ الرواية ضعيفة بالإرسال ، لامتناع رواية ابن قولويه عن أبي بصير بلا واسطة كما لا يخفى.
وثانياً : أنّ الغلام يصدق على المميّز في أوان بلوغه ، بل حتى بعد التجاوز عنه بسنين قليلة ما لم يصل إلى حدّ الرجولية. والحاصل أنّه يعمّ الصبي والبالغ ولا يختص بالأوّل ، وموضوع الحكم في الصحيحتين هو الصبي ، فلا تعارض بينهما وبين هذا الخبر ، لإمكان الجمع بعد صناعة الإطلاق والتقييد فيحمل الغلمان في الخبر على غير الصبيان.
وأمّا صلاته في الذهب فالظاهر أيضاً هو الجواز ، سواء قلنا بأنّ عبادات الصبي شرعيّة أم تمرينيّة ، وإن كان الصحيح هو الأوّل ، لقوله عليهالسلام : مروا صبيانكم بالصلاة والصيام (2)، حيث إنّ الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء كما تقرّر في محلّه (3). فالصلاة الصادرة عن الصبي مأمور بها من قبل الشارع ، لا أنّها مجرّد تمرين محض.
وكيف كان ، فلا دليل على اعتبار المانعية لمثل هذه الصلاة ، إذ ما دلّ على المنع وعمدته موثّقة عمّار المتقدّمة (4): « لا يلبس الرجل الذهب ، ولا يصلّي فيه » موضوعه الرجل غير الصادق على الصبي.
[1289] مسألة 21 : لا بأس بالمشكوك كونه ذهباً في الصلاة وغيرها (1).
[1290] مسألة 22 : إذا صلّى في الذهب جاهلاً أو ناسياً فالظاهر صحتها (2).
ودعوى أنّ المراد به مطلق الذكر في مقابل الأُنثى ، لا خصوص الرجل المقابل للمرأة والصبي ، لا شاهد عليها ، بل ظاهر أخذ عنوان الرجل دخل الخصوصية في ترتّب الحكم. ومع التنزّل فلا أقل من الاحتمال المورث للإجمال فتسقط أدلّة المانعية عن الاستدلال ، فيرجع إلى البراءة (1)عن المانعية بالإضافة إليه ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الأصل في الأقل والأكثر الارتباطيين. ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه.
فإن قلت : الموضوع في عبادة الصبي هو عبادة البالغ ، فكأنّه قيل : يصلّي الصبي صلاة البالغ ، فيعتبر فيه ما يعتبر فيه.
قلت : نعم ، لكنّه فيما إذا ثبتت جزئية شيء لعبادة البالغ أو شرطيته أو مانعيته بدليل عام يشمله وغيره كما في غالب الأحكام ، وأمّا إذا ثبت حكم لخصوص عنوان الرجل كما في المقام فلا وجه للتعدّي عنه إلى غيره.
(1) للأصل الموضوعي ، أعني أصالة عدم كونه ذهباً ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما مرّ توضيحه مفصّلاً (2)فيجوز لبسه والصلاة فيه. مضافاً إلى الأصل الحكمي ، أعني أصالة البراءة عن الحرمة وعن المانعية. وقد تقدّم في بحث الأواني تقرير الأصل بوجه ثالث فراجع (3)ولاحظ.
(2) لحديث لا تعاد الشامل لمطلق الخلل الناشئ من احتمال فوات قيد وجودي أو عدمي ، فيعمّ الموانع كالأجزاء والشرائط. ومجرّد كون الخمسة المستثناة من قبيل الأخير لا يستوجب التقييد ، ولا يصلح قرينة للاختصاص
[1291] مسألة 23 : لا بأس بكون قاب الساعة من الذهب ، إذ لا يصدق عليه الآنية ، ولا بأس باستصحابها أيضاً في الصلاة إذا كان في جيبه ، حيث إنّه يعدّ من المحمول ، نعم إذا كان زنجير الساعة من الذهب وعلّقه على رقبته أو وضعه في جيبه لكن علّق رأس الزنجير يحرم ، لأنّه تزيين بالذهب (1)، ولا تصحّ الصلاة فيه أيضاً (1).
بما عدا الموانع كما لا يخفى. فيتمسك بالإطلاق في جميع أنحاء الخلل المحتمل من غير فرق بين صورتي الجهل والنسيان ، بناءً على شمول الحديث لهما كما هو الصحيح. وأمّا بناءً على الاختصاص بالناسي كما عليه شيخنا الأُستاذ قدسسره (2)فلا بدّ من الإعادة في صورة الجهل ، لقاعدة الاشتغال.
نعم ، بناء على المختار يختص الجهل بما كان عذراً كالجهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور ، دون التقصير ودون ما كان متردّداً في الصحة عند الشروع فدخل في الصلاة بانياً على الإعادة لو لم تطابق الواقع أو غير مبالٍ أصلاً. وقد تقدّم توضيح ذلك كلّه مفصلاً في بحث اللباس المشكوك ، فراجع (3)ولاحظ.
(1) ذكر قدسسره أنّ قاب الساعة لا مانع من كونه من الذهب ، إذ لا يصدق عليه اللبس ولا الآنية بناءً على حرمة استعمال الأواني منهما حتى في غير الأكل والشرب ، فلا مقتضي لحرمته النفسية بعد عدم صدق شيء من العنوانين. كما لا مانع من استصحابه في الصلاة إذا كان في جيبه ، إذ غايته أنّه يعدّ حينئذ من المحمول ، وقد مرّ عدم الإشكال فيه (4).
نعم ، إذا علّق الزنجير المصنوع من الذهب على رقبته ، أو وضعه في جيبه
لكن علّق رأس الزنجير حرم ، لأنّه حينئذ تزيين بالذهب ، وبطلت الصلاة معه أيضاً.
أقول : أمّا ما أفاده قدسسره أوّلاً فمتين جدّاً ، لما عرفت. وأمّا بالنسبة إلى الزنجير فالظاهر حرمته ، لا لمجرّد صدق التزيين كي يدور الحكم مدار القول بحرمته ، وقد أنكرناها كما مرّ (1)بل لصدق اللبس حقيقة ، سواء علّقه على رقبته أم شدّه على صدره مع تعليق الساعة على رأسه من الطرف الآخر ، إذ لبس كلّ شيء بحسبه ، فيختلف لبس الزنجير عن لبس الخاتم والسوار ونحوهما ، والكلّ يتبع الصدق العرفي. ولو قلنا بحرمة التزيين أيضاً كان حراماً من الجهتين.
نعم ، لو وضع الزنجير في جيبه وقد أخرج مقداراً من رأسه لم يتحقّق اللبس وإن صدق التزيين ، فتدور الحرمة مدار القول بها فيه.
وأما النقض على ما ذكرناه بما لو كان بدل الزنجير خيطاً من الحرير وعلّقه على رقبته فاللازم حرمته أيضاً ، لصدق اللبس على الفرض ، ولبس الحرير حرام على الرجال كالذهب.
فمندفع بمنع الصدق ، وبطلان القياس ، لكونه مع الفارق. والسرّ ما أشرنا إليه من أنّ لبس كلّ شيء بحسبه ، فيصدق اللبس مع الزنجير دون الحرير. ولذا لو شدّ خيطاً منه حول إصبعه أو ساعده على شكل الخاتم أو السوار لم يصدق أنّه لبس الحرير ، ولو بدّله بالذهب ونحوه صدق لبس الذهب مثلاً ، فليس صدق اللبس مطّرداً في كلّ مورد ، بل لخصوصية المورد دخل في الصدق والوجه فيه : أنّ الحرير لم يوضع لهذا النحو من اللبس ولم يكن معدّاً لمثل ذلك بخلاف الذهب ونحوه فانّ لبسه هو هكذا ، فلا يقاس أحدهما بالآخر كي يتوجّه النقض.
1) في ص 312.
[1292] مسألة 24 : لا فرق في حرمة لبس الذهب بين أن يكون ظاهراً مرئياً أو لم يكن ظاهراً (1).
[1293] مسألة 25 : لا بأس بافتراش الذهب (2) ويشكل التدثّر به.
السادس : أن لا يكون حريراً محضاً للرجال (3).
ثم إنّ ما أفاده قدسسره من بطلان الصلاة إنّما يتمّ بناءً على ما ذكرناه من صدق عنوان اللبس ، وإلا فلا وجه للبطلان وإن قلنا بحرمة التزين كما أسمعناك مراراً.
(1) لصدق اللبس على التقديرين فيشمله الإطلاق ، نعم لو كانت الحرمة لأجل التزين اختصت بالظاهر ، إذ لا تزين مع التخفّي.
(2) كما لو صنع كرسياً مثلاً من الذهب وجلس عليه ، لعدم صدق اللبس ولا التزين.
وأمّا التدثّر فهو يطلق على معنيين : أحدهما : الالتحاف والالتفاف كما تصنعه المرأة عند الصلاة ، ومنه قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) (1)ولا ينبغي الإشكال في الحرمة حينئذ ، لصدق اللبس فضلاً عن التزين.
ثانيهما : التغطّي بحيث يجعله فوقه كاللحاف عند النوم ، في قبال الفرش الذي يجعله تحته ، والظاهر الجواز حينئذ ، إذ حكمه حكم الافتراش في عدم صدق اللبس ولا التزين كما عرفت ، وعليه فلو صلّى مضطجعاً تحت هذا اللحاف صحّت صلاته.
(3) يقع الكلام في الحرمة النفسية تارة والوضعية اخرى ، ونقدّم الثاني تبعاً للمتن فنقول :
يعتبر في صحة الصلاة عدم وقوعها في الحرير المحض للرجال ، فتبطل
1) المدثر 74 : 1.
صلاتهم به إجماعاً كما ادّعاه غير واحد ، وتشهد له طائفة من النصوص ، جملة منها صحيحة السند وهي أربعة :
الأُولى : صحيحة محمد بن عبد الجبار قال : « كتبت إلى أبي محمد عليهالسلام أسأله هل يصلّى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب عليهالسلام : لا تحلّ الصلاة في حرير محض » (1).
3 الثانية : صحيحته الأُخرى قال : « كتبت إلى أبي محمد عليهالسلام أسأله هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه ، أو تكّة حرير محض أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب : لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض ، وإن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه إن شاء اللّه تعالى » (2).
الثالثة : صحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص في حديث قال : « سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال : لا » (3)والتعبير عنه بالخبر المشعر بالضعف كما عن الهمداني قدسسره (4)لا وجه له ، ولعلّه اغترّ من ظاهر عبارة الحدائق (5)مع أنّه قدسسره أيضاً وصفه بالصحة كما يظهر بالتأمّل فلاحظ.
الرابعة : صحيحة أبي الحارث قال : « سألت الرضا عليهالسلام هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم؟ قال : لا » (6).
فالعمدة هي هذه الصحاح الأربع ، وباقي الأخبار مؤيّدة للمطلوب. ودلالتها على البطلان ظاهرة ، بل صريحة كما لا يخفى.
نعم ، قد تعارض بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الصلاة في الثوب الديباج ، فقال : ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس » (1). وقد حملها الشيخ قدسسره تارة على حال الحرب ولا يخفى بعده ، وأُخرى على ما إذا كان الديباج سداه قطناً أو كتاناً (2)، وحملها صاحب الوسائل على التقية.
أقول : يقع الكلام في المعارض تارة من حيث السند ، وأُخرى من حيث الدلالة.
أمّا السند : فلا ينبغي التشكيك في صحته ، فانّ سعداً المذكور فيه وإن كان يحتمل بدواً تردده بين سعد بن عبد اللّه الأشعري الذي طريق الشيخ إليه صحيح في المشيخة (3)والفهرست (4)، وبين غيره ممن لم يصح كسعد بن أبي خلف ، أو سعد بن سعد الأحوص (5)ونحوهما. لكن المتعيّن هو الأوّل.
أوّلاً : أنّه قدسسره لم يذكر في المشيخة غيره ، وفي التهذيب لم يرو إلا عنه ، بمعنى أنّه كثيراً ما يصرح باسمه واسم أبيه ، وإذا أُطلق أحياناً فهو مسبوق أو ملحوق به ، فيطمأنّ عادة أنّه المراد به وقد حذف اسم أبيه اختصاراً اعتماداً على القرينة السابقة أو اللاحقة.
وثانياً : مع الغضّ عمّا ذكر لا يحتمل عادة أن يراد به غيره ، لاختلاف الطبقة ، فإنّ الرّاوي بعده هو أحمد بن محمد ، والمراد به إمّا أحمد بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، وهذا أعني سعد بن عبد اللّه روى عنهما كثيراً ، فايّاً من كان تجوز روايته عنه لاتحاد الطبقة ، بخلاف ما لو أُريد به
سعد بن أبي خلف ، فإنّه من أصحاب الصادق أو الكاظم عليهماالسلام فكيف يمكن روايته عن أحمد بن محمد بن عيسى أو ابن خالد المتأخرين عنه بكثير.
وكذا سعد بن سعد الأحوص ، فانّ البرقي أعني محمد بن خالد والد أحمد يروي عنه فكيف يروي هو عن ابنه أحمد.
وبالجملة : فاختلاف الطبقات يمنع عن إرادة غير سعد بن عبد اللّه ، فلا ينبغي التأمّل في صحة السند.
وأمّا من حيث الدلالة فقد اختلفت كلمات اللغويين في تفسير الديباج ، فعن أقرب الموارد أنّه الثوب الذي سداه ولحمته حرير (1)فيتحد مع الحرير المحض وتستقر المعارضة حينئذ. لكن هذا لم يثبت ، بل يبعّده وقوع التقابل بينهما في بعض الأخبار ، وقد ظفرنا من ذلك على مواضع ثلاثة :
أحدها : الصحيحة الأُولى لمحمد بن عبد الجبار المتقدمة (2)، قال فيها : « هل يصلّى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج ».
الثاني : مرسلة ابن بكير : « لا يلبس الرجل الحرير والديباج إلا في الحرب » (3).
الثالث : موثّقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن لباس الحرير والديباج ... » إلخ (4)ولعلّ المتتبّع يجد أكثر من ذلك ، ولا ريب أنّ هذه تكشف عن التعدّد وتغاير المعنى ، وإلاّ فلا وجه للمقابلة مع الاتحاد.
وعليه فلعلّ الأقوى تفسيره بما عن لسان العرب من أنّه الحرير المنقوش (5)الشامل بإطلاقه للخالص وغيره من دون دخل المحوضة في مفهومه.
ويؤيّد هذا التفسير جواب الإمام عليهالسلام في هذه الصحيحة أعني
سواء كان ساتراً للعورة أو كان الساتر غيره (1)
صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدّمة بقوله عليهالسلام : « ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس » فعلّق الجواز بما إذا لم يكن النقش تمثالاً.
وعلى هذا فترتفع المعارضة ، إذ النسبة حينئذ بينها وبين الصحاح المتقدّمة المانعة نسبة الإطلاق والتقييد ، فتحمل هذه على غير الخالص.
وإن أبيت إلا عن الاتحاد كما عن الأقرب فلا مناص عن الحمل على التقية ، لذهاب العامّة إلى جواز الصلاة في الحرير المحض (1).
وأمّا الحمل على الكراهة فهو وإن أمكن بالنسبة إلى الخبرين الأخيرين من الصحاح الأربع المتقدّمة ، لكنّه لا يتمشّى في الأُوليين منها ، للتصريح فيهما بعدم الحلّية الممتنع حمله عليها ، إذ المراد بها في المقام الحلّية الوضعية كما لا يخفى بمعنى سدّ الطريق قبال فتحه ، المساوق للبطلان ، دون التكليفية كي تقبل الحمل على الكراهة.
(1) كما نصّ عليه جمع من الأصحاب ، لإطلاق الأدلّة الشامل لما كان ساتراً بالفعل وغيره.
نعم ، لو استندنا في البطلان إلى الحرمة النفسية ، بدعوى أنّ الساتر إذا كان حراماً فوجوده كعدمه ، إذ يعتبر في الشرط أعني الستر أن يكون مصداقاً للمباح ، فلو تستّر بالحرير المحرّم فكأنه لم يتستّر ، فتبطل الصلاة لفقدها شرطية الستر. كان اللازم حينئذ اختصاص البطلان بالساتر كما تقدّم (2)نظير هذه الدعوى في الذهب.
لكنّها مضافاً إلى فسادها في نفسها كما أشرنا إليه هناك لا نستند إليها في
وسواء كان مما تتم فيه الصلاة أو لا على الأقوى (1)كالتكّة والقلنسوة ونحوهما (1).
الحكم بالبطلان ، بل المستند في المقام الروايات المتقدمة المصرّحة بالبطلان الشاملة بإطلاقها للساتر وغيره كما عرفت.
(1) اختلفت كلمات الأصحاب في جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه منفرداً من الحرير أي ما لا يكون ساتراً حتى بالقوّة وعدمه ، فالأشهر بل المشهور هو الجواز. وعن الشيخ المفيد (2)والصدوق (3)وابن الجنيد (4)والعلامة في المختلف (5)وجمع من متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك (6)والمجلسي (7)والكاشاني (8)والفاضل الخراساني في الذخيرة (9)وغيرهم اختيار المنع ، وتبعهم السيد قدسسره في المتن ، وقوّاه صاحب الحدائق قدسسره (10)وبالغ الصدوق في المنع فقال : لا تجوز الصلاة في تكّة رأسها من إبريسم (11)، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار كما ستعرف.
وأمّا ما استند إليه في الحدائق ولو بنحو التأييد للقول بالمنع من عموم الأخبار المانعة من الصلاة في الحرير المحض ، فغير سديد ، إذ الموضوع في تلك
1) (*) في القوة إشكال ، نعم هو أحوط.
2) المقنعة : 150.
3) المقنع : 80 ، الفقيه 1 : 171 / ذيل ح 807 ، 810.
4) حكاه عنه في المختلف 2 : 98.
5) المختلف 2 : 99.
6) المدارك 3 : 179.
7) البحار 80 : 241.
8) مفاتيح الشرائع 1 : 110.
9) ذخيرة المعاد : 227 السطر 42.
10) الحدائق 7 : 97.
11) الفقيه 1 : 172 / ذيل ح 810.
العمومات الثوب من الحرير أو الإبريسم ، غير الصادق على مثل التكّة والقلنسوة ونحوهما ممّا لا تتمّ الصلاة فيه ، لا مطلق اللبس كي يشملها فلاحظ.
وكيف كان ، فالعمدة في المقام اختلاف الأخبار كما عرفت ، فانّ مقتضى الإطلاق في صحيحتي محمد بن عبد الجبار المتقدمتين (1)المنع ، بل إنّ لهما قوة ظهور في ذلك زائداً على الإطلاق ، من جهة أنّ موردهما هو القلنسوة التي لا تتم فيها الصلاة ، فهما باعتبار المورد كالنصّ في ذلك ، لاستهجان التخصيص به.
ودعوى أنّ الحرير مختص لغة بالثوب فلا يشمل ما لا تتم ، يدفعها مضافاً إلى منعها ، إذ لا شاهد عليها ، أنّ التكّة والقلنسوة قد اضيفتا إلى الحرير المحض في الصحيحتين الكاشف عن صدقه عليهما كصدقه على الثوب فلاحظ.
وبإزاء هاتين الصحيحتين خبر الحلبي عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « كلّ ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه ، مثل التكّة الإبريسم ، والقلنسوة والخف والزنّار يكون في السراويل ويصلّى فيه » (2).
ويقع الكلام في هذا الخبر تارة من حيث السند ، فان بنينا على الضعف تعيّن العمل بالصحيحتين السليمتين عن المعارض. وأُخرى بناءً على الصحة ، فهل يمكن التوفيق والجمع العرفي بينهما على وجه ترتفع المعارضة أو لا؟ وثالثة بناءً على استقرار المعارضة فأيّهما المرجّح. فهذه جهات البحث.
أمّا الجهة الأُولى : فليس في السند من يتأمّل فيه عدا أحمد بن هلال العبرتائي ، فقد ذكر العلامة في الخلاصة أنّ روايته غير مقبولة (3).
لكنّا ذكرنا غير مرّة عدم الاعتماد على تضعيف العلامة وتوثيقه ، وكذا غيره من المتأخرين ، لابتنائه على الحدس والاجتهاد ، وإنّما يعتمد على من يقطع أو يحتمل استناده في الجرح والتعديل على الحسّ كي يشمله دليل حجية الخبر.
على أنّ من المعلوم من مسلك العلامة اقتصاره في الحجيّة على خبر الإمامي الاثني عشري ، فلا يعتمد على غيره وإن كان ثقة ، والرجل منحرف عن الحق كما ستعرف ، ولأجله منع عن قبول روايته. فلا يكشف المنع عن عدم الوثاقة.
ولم نعثر على غير العلامة ممّن ضعّف الرجل في حديثه ، برميه بالكذب أو الوضع ونحوه ممّا يوجب عدم صدقه في الحديث أو الخدش في قبول روايته.
بل إنّ النجاشي قد صرّح بالقبول فقال : إنّه صالح الرواية ، يعرف منها وينكر (1). فيظهر منه أنّ الرجل في نفسه صالح الرواية غير أنّ بعض أحاديثه منكرة إمّا لخلل في المضمون أو لروايته عمّن لا يعتمد عليه ، وقد ذكرنا في محلّه (2)أنّ هذا هو المراد من مثل هذه العبارة الكثيرة الدوران في كلمات الرجاليين ، وإلا فظاهرها يقتضي التناقض بين الصدر والذيل كما لا يخفى.
هذا مع أنّ ابن الغضائري لم يتوقّف في حديثه عن نوادر ابن أبي عمير ومشيخة الحسن بن محبوب (3)فلولا أنّ الرجل في نفسه صالح الحديث ومقبول الرواية لم يكن فرق بين روايته عنهما وعن غيرهما في عدم قبول شيء منها.
وقد صرّح الشيخ قدسسره في العدّة بقبول رواياته في حال استقامته (4). ومن هنا ذكر في إكمال الدين قوله : حدّثنا يعقوب بن يزيد عن أحمد بن هلال في حال استقامته عن ابن أبي عمير (5). فيظهر أنّه ثقة في نفسه ، وإنّما منع عن الأخذ برواياته انحرافه عن الحق ، وهذا إنّما يقدح عند من يقتصر في الحجيّة على خبر الإمامي الاثني عشري ، وأمّا على المختار من التعميم لمطلق الثقة وإن لم يكن كذلك كما في الفطحيّة والواقفيّة ونحوهما من سائر الفرق المخالفة للفرقة
الناجية ، فلا يكون الانحراف المزبور قادحاً في الحجيّة ومانعاً عن قبول الرواية.
نعم ، ذكر الصدوق (1)تبعاً لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد أنّه يستثني من روايات محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري (2)في كتاب نوادر الحكمة ما يرويه عن جماعة وعدّ منهم أحمد بن هلال ، وتبعه القميّون في ذلك ، غير أنّ بعضهم ناقش في استثناء محمد بن عيسى العبيدي كما تقدّم سابقاً.
لكن سبق غير مرّة أنّ الاستثناء المزبور لا يدل على التضعيف ، بل غايته عدم ثبوت وثاقة هؤلاء عندهم لا الطعن فيهم في قبال الباقين الثابتة وثاقتهم.
ومنه يظهر أنّ ما ذكره الشيخ في التهذيب من عدم العمل بما يختص الرجل أعني أحمد بن هلال بروايته (3)غير دالّ على التضعيف ، ولعلّ عدم العمل لدى الاختصاص لاشتمال حديثه على المنكرات ، أو غايته عدم ثبوت وثاقته عنده.
وعلى الجملة : لا ينبغي الريب في انحراف الرجل عن الحقّ وفساد عقيدته بعد أن كان مستقيماً في أوّل أمره ، بل كان من أعيان هذه الطائفة ووجوهها وثقاتها ، وقد وردت فيه ذموم شديدة ومطاعن أكيدة عن العسكري عليهالسلام كما ذكره النجاشي (4)وعن الناحية المقدّسة كما عن الكشي (5)تتضمن اللّعن عليه والتبرّي منه ، بل خروجه عن الدين ، حتى قطع اللّه عمره بدعوة الحجّة ( عجل اللّه فرجه ).
وقد حكى الصدوق في إكمال الدين عن شيخه ابن الوليد عن سعد بن عبد اللّه أنّه قال : ما سمعنا ولا رأينا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب إلا أحمد ابن هلال (1).
بل يظهر كما عن شيخنا الأنصاري (2)من نسبته إلى النصب تارة وإلى الغلو اخرى عدم اعتناقه مذهباً أصلاً ، لما بين المسلكين من بعد المشرقين وكونهما على طرفي النقيض.
ولعلّ السرّ واللّه العالم في عدوله عن الحقّ وانحرافه عن المذهب هو البغي والحسد ، حيث إنّه كما عرفت كان من أعيان هذه الطائفة ووجوهها ، وعلى جانب عظيم في أعين الناس ، وقد لقيه أصحابنا بالعراق وكتبوا عنه ، وأنكروا ما ورد في مذمّته حتى حملوا القاسم بن العلاء على أن يراجع في أمره مرة بعد اخرى ، ولذلك كان يتوقّع اللعين صدور التوقيع باسمه وتفويض السفارة اليه وجعله نائباً خاصاً ، فلمّا رأى خلاف ذلك دعاه بغيه وحسده إلى الخروج عن الدين والانحراف عن الحق ، أعاذنا اللّه من سوء الخاتمة ، ووقانا من تسويلات النفس الغاشمة.
وكيف كان ، فكلّ ذلك مما لا ريب فيه ولا إشكال ، لكنّ شيئاً من ذلك لا يقتضي نفي الوثاقة عن الرجل في نفسه ، وعدم صدقه في حديثه الذي هو المناط في حجّية الخبر كي يعارض به توثيق النجاشي المتقدّم.
بل إنّ الرجل قد وقع في سلسلة سند كامل الزيارات ، وقد مرّ غير مرّة توثيق جعفر بن محمد بن قولويه لكلّ من يقع في سند كتابه ، ولزوم الأخذ به ما لم يثبت تضعيفه من الخارج. فهذا توثيق آخر يعضد توثيق النجاشي ، وليس في البين ما يعارض التوثيقين كي يرفع اليد عنهما.
وعليه فالأظهر قبول روايات أحمد بن هلال ، لثبوت توثيقه السليم عن
المعارض ، ولأجله نعتبر رواية الحلبي في المقام موثّقة.
ويؤيّده : أنّ المشهور قد عملوا بها كما عرفت ، لانحصار مدركهم فيها ، فمع تسليم الضعف فهو مجبور بعمل المشهور بناءً على ما هو المعروف من ثبوت الانجبار ، وإن كان على خلاف التحقيق.
ومن الغريب أنّ صاحب الحدائق قدسسره مع اعتراضه كثيراً على الأصحاب في تقسيمهم الأخبار إلى الصحيح والحسن والضعيف ، وبنائه على حجّية الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة ، وعدم الطعن في أسانيدها كيف حكم على هذه الرواية بالضعف (1)، مع أنّها موثّقة ، بل مجبورة بعمل المشهور كما عرفت.
الجهة الثانية : بعد الفراغ عن حجيّة رواية الحلبي ، والبناء على كونها موثّقة كما عرفت فهل يمكن الجمع الدلالي بينها وبين الصحيحتين المتقدّمتين لمحمد ابن عبد الجبار (2)أو أنّهما متعارضتان؟ الظاهر هو الأول ، لأنّ الموثّقة صريحة في الجواز ونصّ فيه بحيث لا تقبل التصرّف والتأويل ، بخلاف الصحيحتين ، فانّ دلالتهما على المنع وإن كانت في غاية القوّة ، لكون ما لا يتم بنفسه مورداً لهما ، ويقبح تخصيص المورد كما عرفت (3)لكنّهما مهما بلغتا من القوّة فهما بالأخرة ظاهرتان قابلتان للتأويل ، ولا تكادان تخرجان عن حدّ الظهور إلى الصراحة كما في الموثّقة ، فهما من قبيل النص والظاهر ، فليحمل الإطلاق في الصحيحتين على غير ما لا تتم الصلاة فيه.
والقبح المزبور ليس حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص ، بل هو قبح كلامي نشأ من المنافاة لحكمه التكلّم ، فيرتفع القبح والاستهجان فيما إذا كانت هناك نكتة اقتضت العدول عن مورد السؤال ، وإلقاء الحكم بنحو الكبرى الكلّية وإن
لم تنطبق على المورد ، فيتدارك القبح بتلك المصلحة.
وقد تقدّم نظير ذلك في السنجاب وقلنا إنّه وإن كان مورداً لموثقة ابن بكير المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه لكنّه يحكم بالجواز للنصّ الخاص الوارد فيه غير القابل للتأويل ، ويحمل إطلاق الموثّقة على غير هذا المورد فلاحظ (1).
الجهة الثالثة : لو أغمضنا عمّا ذكر وبنينا على استقرار المعارضة لتعذّر الجمع العرفي ، فهل يمكن ترجيح أحدهما على الآخر؟
ذكر صاحب الحدائق قدسسره أنّ الترجيح مع الصحيحتين ، لموافقة خبر الحلبي مع العامّة ، فإنّ المنقول عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين جواز الصلاة في الحرير المحض فيحمل على التقيّة (2).
وهذا كما ترى غريب جدّاً ، ضرورة أنّهم يجوّزون الصلاة في الحرير مطلقاً سواء كان مما تتم فيه الصلاة أم لا ، والمستفاد من موثّقة الحلبي ظهوراً ، بل صراحة المفروغية عن مانعية الحرير في الصلاة ، وأنّها أمر مفروض مسلّم وإنّما حكم بالجواز لكون الحرير مما لا تتم فيه الصلاة مثل التكّة والقلنسوة ونحوهما ، بحيث لولا هذه الجهة لكان عدم الجواز لمانعية الحرير في حدّ ذاته مما لا ريب فيه ، وهذا كما ترى مخالف لمذهب العامّة ، فكيف يحمل مثله على التقيّة.
وعن المحقّق الهمداني قدسسره عكس ذلك ، فحمل الصحيحتين على التقيّة ، ورجّح الموثّقة عليهما وقال بعد ما استظهر أنّهما رواية واحدة قد وقع الاختلاف في النقل من حيث التعبير باللفظ والمضمون ، فنقلها محمد بن عبد الجبار إجمالاً تارة وتفصيلاً اخرى : إنّهما من الأخبار التي تلوح منها آثار التقيّة ، حيث إنّهما من المكاتبة دون المشافهة ، ويحتاط في الأُولى ما لا يحتاط في الثانية ، فإنّها تبقى وهذه تفنى ، مع اشتمالها على نفي البأس عن الصلاة في وبر ما لا يؤكل كالأرانب مشروطاً بالتذكية المحمول على التقيّة البتّة.
وفي التعليق على المشيئة إيماء إليها كما لا يخفى ، فبعد هذه الشواهد والأمارات سيما بعد تطرّق التقيّة في بعض الفقرات لا يبقى وثوق بصدورها لبيان الحكم الواقعي ، فلا مجال لدعوى إبائها عن التقيّة.
بل إنّ في العدول عن التصريح بالمنع عن الصلاة فيه إلى التعبير بنفي الحلّية في قوله عليهالسلام : « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض » المشعر بالحرمة النفسية فقط كما يرونها دون الوضعية كما نقول بها إيماء إلى ما ذكرناه من ابتنائها على التقية. وعليه فتحمل هذه الفقرة على إرادة حرمة نفس الحرير حال الصلاة لا بطلان الصلاة الواقعة فيه (1).
وأنت خبير بما فيه ، بل لم نكن نترقّب صدوره عن مثله قدسسره. أمّا ما أفاده من دعوى الاتحاد فغير بعيدة ، ولا نضايقه فيها.
وأمّا ما أفاده من حمل قوله عليهالسلام : « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض » على إرادة حرمة اللبس فمن غرائب الكلام ، بل لعلّ طرح الرواية أهون من هذا الحمل ، ضرورة ظهور قوله : « لا تحلّ » بل صراحته في نفي الحلّية الوضعيّة المساوقة للبطلان ، سيما بعد إسناده إلى الصلاة نفسها ، فكيف يحمل على الحرمة النفسية ويسند إلى اللبس غير المختص بحال الصلاة.
فالإنصاف : أنّه لا يمكن ترجيح شيء من الروايتين على الأُخرى بالحمل على التقية ، لمخالفتهما معاً مع العامّة. ومن الظاهر عدم موافقة مضمون إحداهما مع الكتاب أو مخالفته كي يرجّح من هذه الجهة. وقد ذكرنا في بحث التعادل والتراجيح حصر الترجيح بهذين (2)فهما متكافئان بعد تسليم المعارضة.
وحينئذ فان بنينا على التخيير بعد فقد الترجيح كما هو المشهور جاز الأخذ بأحدهما مخيّراً والفتوى بمضمونه ، وإلا كما هو الأقوى ، لضعف أخبار
بل يحرم لبسه في غير حال الصلاة أيضاً إلاّ مع الضرورة لبرد ، أو مرض ، وفي حال الحرب ، وحينئذ تجوز الصلاة فيه أيضاً (1)(1).
التخيير بأجمعها كما تعرّضنا له في محلّه (2)فيتساقطان على ما هو الأصل في المتعارضين ، وحينئذ فحيث ليس لنا عموم فوق يرجع إليه ، إذ الأخبار المانعة عن الصلاة في الحرير وعمدتها الصحيحة الثالثة والرابعة المتقدّمتان (3)كلّها مقيّدة بالثوب غير الصادق على التكّة والقلنسوة ونحوهما مما لا تتم فيه الصلاة ، وإن صدق عنوان اللبس ، لكنّه غير مأخوذ في شيء منها ، فينتهي الأمر حينئذ إلى الرجوع إلى الأصل العملي ، ومقتضاه أصالة البراءة عن تقيّد الصلاة بعدم وقوعها في مثل هذا الحرير ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين.
فتحصّل : أنّ النتيجة هي الجواز على كلّ تقدير ، سواء قلنا بالجمع الدلالي والتوفيق العرفي بين موثّقة الحلبي والصحيحتين كما هو الحق على ما عرفت ، أم بنينا على استقرار المعارضة بينهما لتساقطهما حينئذ ، ومقتضى الأصل هو الجواز. فالأقوى جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه وحده من الحرير واختصاص المانعية بما تتم.
(1) بعد الفراغ عن الحرمة الوضعية تعرّض قدسسره للحرمة النفسية واستقصاء البحث يستدعي التكلّم في جهات :
الجهة الاولى : لا إشكال كما لا خلاف في حرمة لبس الحرير على الرجال حال الصلاة وغيرها ، بل عليه الإجماع في كثير من الكلمات ، وتدلّ عليه جملة
من الروايات ، وفيها المعتبرة كموثقة سماعة قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن لباس الحرير والديباج ، فقال : أمّا في الحرب فلا بأس به ، وإن كان فيه تماثيل » (1)دلّت بالمفهوم على ثبوت البأس في غير حال الحرب ، ولعلّ الجواز حالها لأجل إظهار شوكة الإسلام كي لا يزعم الكفّار أنّ الحرب معهم لكسب الثروة والتخلّص من الفقر ، أو لما قيل من أنّ الحرير يوجب قوّة القلب أو لوجه آخر لا نعرفه.
وكيف ما كان ، فهي صريحة في عدم الجواز في غير هذه الحال ، كما أنّها صريحة في الجواز حال الحرب وإن كان فيه تماثيل.
نعم ، يعارضها في هذا الإطلاق ما رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد بسنده عن الصادق عن أبيه : « أنّ علياً عليهالسلام كان لا يرى بلبس ( بلباس ) الحرير والديباج في الحرب إذا لم يكن فيه التماثيل بأساً » (2).
لكن الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بعبد اللّه بن جعفر (3)يمكن حملها على الكراهة جمعاً ، للتصريح في الموثّق بالجواز حتى مع التماثيل.
الجهة الثانية : هل تعمّ الحرمة مطلق اللباس أو تختصّ بما تتم فيه الصلاة فما لا تتم كالقلنسوة لا يكون لبسه حراماً؟ لم أرَ من تعرّض لهذه الجهة ، وإنّما تعرّضوا لذلك في المانعية والحرمة الوضعيّة كما تقدّم.
والظاهر ابتناء الحكم هنا على ما تقدّم في تلك المسألة ، فإن بنينا هناك على المانعية من جهة المناقشة في خبر الحلبي كان إطلاق الأخبار الناهية عن اللبس الشاملة لما تتم وما لا تتم محكّماً فنحكم بالإطلاق في الحرمة النفسيّة والوضعيّة ، لعدم المقيّد لشيء منهما.
وإن بنينا هناك على الجواز وضعاً ، أخذاً بموثقة الحلبي كما عرفت فالظاهر جواز اللبس نفساً أيضاً ، إذ نفي البأس عن الصلاة فيما لا تتم كما تضمّنه الموثّق يدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على الترخيص في اللبس في حدّ نفسه إذ حمله على مجرد الجواز الوضعي مع المنع النفسي خلاف المتفاهم العرفي من موثّق الحلبي كما لا يخفى ، فكما يقيّد به إطلاق دليل المانعية يقيّد إطلاق دليل الحرمة بملاك واحد.
الجهة الثالثة : أنّه يستثني من حرمة اللبس مضافاً إلى حال الحرب كما مرّ حال الضرورة من برد أو مرض أو خوف ونحوها.
واستدلّ له في الوسائل تارة بحديث الرفع بالنسبة إلى الاضطرار ، وهو وجيه. وأُخرى بقولهم عليهمالسلام : « ليس شيء ممّا حرّم اللّه إلا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه » المذكور في باب اليمين ، وهو ايضاً متين. وثالثة بقولهم عليهمالسلام : « كلّ ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » (1)، وقد تبعه في هذا الاستدلال غيره.
لكنّه في غير محلّه ، لخروجه عن محلّ الكلام ، إذ المراد بالاضطرار المبحوث عنه في المقام ما لم يبلغ حدّا يسلب معه الاختيار ويخرج الفعل عن القدرة ، وإلا فلا حاجة إلى الاستدلال حتّى بمثل حديث الرفع ، لاستقلال العقل حينئذ بقبح خطاب العاجز ، وامتناع التكليف بما لا يطاق.
فمحلّ الكلام ما إذا كان لبس الحرير مع كونه مقدوراً ومتعلّقاً للاختيار فعلاً وتركاً مضطراً إليه لضرورة دعته إليه ، من برد أو مرض ونحوهما في قبال الإكراه. ولا ريب أنّ الرواية ناظرة إلى الفرض السابق ، أعني الخروج عن القدرة والاختيار ، وأنّ الشيء مغلوب لإرادة اللّه تعالى ، وقدرة العبد مقهورة لقدرته ، كما في صاحب السلس الخارج منه البول بلا إرادة منه ، الذي هو مورد
1) الوسائل 4 : 373 / أبواب لباس المصلي ب 12 ح 6 ، 7 ، 8.
الرواية. فالرواية أجنبية عن محلّ البحث ، والعمدة في الاستدلال هما الوجهان الأوّلان.
الجهة الرابعة : قد عرفت الاستثناء في حالتي الحرب والضرورة ، فهل هذا استثناء عن خصوص الحرمة النفسية فتبطل الصلاة في الحرير حالتهما أو عنها وعن الوضعية فتصح؟
أمّا في حال الضرورة فربما يستدلّ للجواز بما يستفاد من الأخبار من أنّ الصلاة لا تسقط بحال.
وهذا ينبغي أن يعدّ من الغرائب ، إذ ليس الكلام في العذر المستوعب لتمام الوقت ، وإلا فمع الاستيعاب لا ريب في الصحة قطعاً ، وأنّ المانعية ساقطة حينئذ بالضرورة كما هو الحال في سائر الموانع ، بل الأجزاء والشرائط المتعذّرة في مجموع الوقت ، الذي لا يشك في وجوب الاقتصار على الباقي وعدم سقوط الصلاة رأساً.
وإنّما الذي وقع فيه الكلام في المقام بين الأعلام نفياً وإثباتاً هو العذر غير المستوعب وغير المؤدّي لسقوط الصلاة ، للتمكّن من الإتيان بها في غير الحرير في الجزء الآخر من الوقت. فالاستدلال المزبور في غير محلّه جزماً.
وكيف كان ، فقد ذهب جمع منهم المحقق الهمداني قدسسره إلى الجواز مستدلاً عليه بقصور المقتضي ، لانصراف دليل المانعية إلى ما كان اللبس حراماً في نفسه. فحال الترخيص وجواز اللبس غير مشمول لدليل المنع (1).
والجواب : أنّ كلا من المانعية والحرمة قد ثبتت بدليل يختصّ بها ، ولم يثبتا بدليل واحد كي يدّعى الانصراف المزبور ، ولا ريب في عدم الملازمة بين المانعية والحرمة كما في لبس ما لا يؤكل والنجس والميتة ، حيث إنّها تمنع عن صحة الصلاة مع جواز لبسها تكليفاً بلا إشكال ، إلا في الميتة على القول بحرمة الانتفاع بها مطلقاً ، الذي هو خلاف التحقيق.
1) مصباح الفقيه ( الصلاة ) : 137 السطر 31 ، 22.
فالإنصاف : أنّه لا مقيّد للإطلاق بالنسبة إلى دليل المانعية ، وغاية ما ثبت بدليل الاضطرار جواز اللبس في هذه الحال تكليفاً ، فيقيّد به الإطلاق في دليل الحرمة. وأمّا الإطلاق في دليل المنع فهو سليم عن التقييد ، فيتمسك به ومقتضاه بطلان الصلاة الواقعة في الحرير عند الضرورة وإن جاز اللبس حينئذ.
وأمّا في حال الحرب فقد يستدلّ لصحة الصلاة حينئذ بالانصراف الذي عرفت تقريره مع جوابه.
واستدلّ لها في الجواهر (1)بما حاصله : أنّ الجواز حال الحرب قد ثبت بالنصّ الخاص ، دون الأدلّة العامّة كما في الضرورة من حديث الرفع ونحوه كما عرفت. ومقتضى إطلاق النصّ شمول الجواز لحالتي الصلاة وغيرها ، فيعمّ الجواز التكليفي والوضعي.
والنسبة بينه وبين دليل المانعية كقوله في صحيح ابن عبد الجبار المتقدّم (2): « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض » وإن كانت هي العموم من وجه ، لافتراق الأوّل في المحارب غير المصلّي ، وافتراق الثاني في المصلّي غير المحارب ، ويتعارضان في مادّة الاجتماع وهي الصلاة في الحرير حال الحرب ، لكن الترجيح مع الأوّل ، لفهم الأصحاب ومناسبة التخفيف الذي هو الحكمة في الرخصة.
وفيه : أنّ نصّ الجواز حال الحرب خاص بالحكم التكليفي ، ولا نظر فيه إلى الجواز الوضعي بوجه ، فهو وإن كان بإطلاقه شاملاً لحالتي الصلاة وغيرها لكن النظر فيه مقصور على الحلّية التكليفية قبال الحرمة النفسية ، وأنّ لبس الحرير لا يكون حراماً على المحارب في الحالتين. وأمّا الجواز الوضعي وأنّه لا يكون مانعاً عن صحة الصلاة فلا نظر في النصّ إليه بوجه حتى يعارض به
وإن كان الأحوط أن يجعل ساتره من غير الحرير (1).
إطلاق دليل المانعية. فالمتبع هو هذا الإطلاق السليم عن المعارض ، ولأجله يحكم بالبطلان.
نعم ، لو وصلت النوبة إلى المعارضة ، بأن كان النصّ في المقام شاملاً لكلا الجوازين اتجه الحكم بالصحة حينئذ ، من دون حاجة إلى ترجيح دليل الجواز على المنع بما أفاده قدسسره من الوجهين ، بل مجرّد عدم الترجيح في دليل المنع كافٍ في الحكم بالجواز ، لتساقط الدليلين حينئذ بعد التعارض ، فيرجع إلى أصالة البراءة عن تقيد الصلاة في هذه الحالة أعني حال الحرب بعدم وقوعها في الحرير ، إذ لا دليل على المانعية حينئذ بعد سقوطه بالمعارضة كما هو ظاهر.
(1) لم نعرف وجهاً لتخصيص الاحتياط بالساتر ، إذ لو بنينا على جواز الصلاة في الحرير حال الحرب ، لاستفادة الجواز التكليفي والوضعي من النصّ الوارد في المحارب كان مقتضاه عدم الفرق بين الساتر وغيره ، لإطلاق النص.
وإن بنينا على عدم الجواز ، لاختصاص النصّ المزبور بالحكم التكليفي فكان المرجع إطلاق دليل المنع كما هو الصحيح على ما عرفت كان مقتضاه أيضاً عدم الفرق بين الساتر وغيره.
نعم ، لو ذكر الاحتياط على سبيل الإطلاق كان له وجه وجيه كما لا يخفى ، وأمّا تخصيصه بالساتر فوجهه غير ظاهر.
ولا يبعد أن يكون نظره قدسسره إلى ما في الجواهر (1)من أنّ غاية ما ثبت بدليل الجواز رفع الحكم التكليفي والوضعي ، فيرتكب التقييد في إطلاق دليلي الحرمة والمانعية ، ولا يقتضي ذلك ارتكاب التقييد فيما دلّ على اشتراط الساتر بعدم كونه من الحرير ، فيتمسّك بإطلاقه الشامل للمقام.
1) الجواهر 8 : 117.
ولا بأس به للنساء ، بل تجوز صلاتهنّ فيه أيضاً على الأقوى (1).
والحاصل : أنّ الحرير كما أنّه مانع عن صحة الصلاة كذلك عدمه شرط في الساتر المشروط به الصلاة ، إذ يعتبر فيه أن لا يكون منه. وأقصى ما يقتضيه دليل الترخيص رفع المانعية والحرمة الوضعية لتقييده دليلها ، وأمّا التقييد في دليل الشرط كي يحصل معه الستر فكلا ، فاذا كان الساتر حريراً كان وجوده كعدمه ، لعدم حصول شرطه ، ومعه تبطل الصلاة لا لوجود المانع ، بل لفقد الشرط وهو الساتر الخاص. وعليه فاللازم ضمّ ساتر آخر معه فوق الحرير أو تحته.
والجواب عنه أوّلاً : ما أسلفناك في بحث اللباس المشكوك من استحالة جعل المانعية لأحد الضدين ، والشرطية للضد الآخر. فلا يعقل أن يكون الحرير مانعاً عن الصلاة ، وعدمه شرطاً في الساتر المشروط به الصلاة ، وقد مرّ توضيحه هناك مفصلاً فراجع (1)ولاحظ.
وثانياً : على تقدير الإمكان فلا دليل عليه في المقام ، إذ الثابت بحسب الأدلّة إنّما هو مانعية الحرير كما يقتضيه قوله عليهالسلام في صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة : « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض » وأمّا شرطية عدمه في الساتر فلم يدلّ عليه دليل عدا التوقيع المروي في الاحتجاج عنه ( عجل اللّه تعالى فرجه ) : « لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان » (2)لكنّه لضعفه لا يمكن الاستدلال به كما تعرّضنا له في بحث الساتر (3).
(1) أمّا جواز اللبس لهنّ فلا خلاف فيه ولا إشكال ، لإجماع الأصحاب عليه وتسالمهم ، بل هو مورد لاتفاق المسلمين عامّة من الخاصة والعامّة من
غير نكير ، وقد قامت سيرة المتشرعة على ذلك خلفاً عن سلف ، المتّصلة بزمن المعصومين المستكشف رضاهم وإمضاؤهم لها. وهذا هو العمدة ، وإلا فالأخبار الخاصة الواردة في المقام كلّها ضعيفة السند لا تصلح إلا للتأييد فلاحظ.
وأمّا جواز الصلاة فيه فهو المعروف المشهور بين الأصحاب ، بل نسب إلى فتوى الأصحاب تارة وإلى عمل الناس في الأعصار والأمصار اخرى.
خلافاً للصدوق في الفقيه فذهب إلى المنع (1)ومال إليه البهائي في الحبل المتين (2)وغيره ، وتوقّف فيه جماعة ، وممّن تبع الصدوق صريحاً صاحب الحدائق (3)وإن لم يوافقه في دليله.
وكيف كان ، فقد استدل في الفقيه على المنع بما نصّه على ما حكاه عنه في الحدائق - : قد وردت الأخبار بالنهي عن لبس الديباج والحرير والإبريسم المحض والصلاة فيه للرجال ، ووردت الرخصة في لبس ذلك للنساء. ولم ترد بجواز صلاتهنّ فيه ، فالنهي عن الصلاة في الإبريسم المحض على العموم للرجال والنساء حتى يخصّهن خبر بالإطلاق لهنّ في الصلاة فيه كما خصّهن بلبسه. انتهى.
وحاصله : أنّ إطلاق الأخبار المانعة كقوله عليهالسلام : « لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض » الوارد في صحيحتي محمد بن عبد الجبّار المتقدمتين (4)اللتين لم يبعد اتحادهما كما مرّ (5)شامل للرجل والمرأة ، غاية الأمر قد ثبت من الخارج جواز اللبس لهنّ ، وأمّا المانعية فلم يثبت نفيها عنهنّ ليتمسّك بالإطلاق.
واعترض عليه في الحدائق بمنع الإطلاق في الأخبار ، فإنّ أكثرها إنّما اشتملت على السؤال عن الرجل ، فموردها الرجال خاصة. وليس في البين ما يتوهّم منه الإطلاق عدا الصحيحتين ، لكن يوهنه ابتناؤهما على سبب خاص وهي القلنسوة التي هي من الألبسة المختصة بالرجال ، فالإطلاق نزّل عليهم بتلك القرينة.
أقول : أمّا منعه قدسسره عن الإطلاق فيما عدا الصحيحتين ففي محلّه للتصريح بالرجل كما أفاده المانع عن التعدّي إلى المرأة. ولا مجال لقاعدة الاشتراك في المقام ، إذ مدركها الإجماع ومورده عدم احتمال دخل الخصوصية المأخوذة موضوعاً للحكم وهي الرجولية فيما نحن فيه ، ولا ريب أنّ الاحتمال موجود في المقام ، إذ بعد ملاحظة الفرق بينهما في الحكم التكليفي يتطرّق احتمال الفرق في الحكم الوضعي أيضاً من غير رافع. فعدم احتمال الخصوصية مفقود ، والإجماع منتفٍ بالضرورة.
وأمّا ما أفاده قدسسره في وجه منع الإطلاق في الصحيحتين فيتوجّه عليه :
أوّلاً : أنّ العبرة في الإطلاق والتقييد بكلام الإمام عليهالسلام دون السائل. وجوابه عليهالسلام مطلق ، فلا يتقيّد بالرجال من أجل القلنسوة المذكورة في السؤال ، فإنّ المورد لا يكون مخصصاً.
وثانياً : أنّ الصحيحة الثانية لمحمد بن عبد الجبار مشتملة على التكّة ، وهي من الألبسة المشتركة بين الرجل والمرأة. فذكر القلنسوة المختصّة بهم لا يوجب التقييد بعد اشتمال السؤال على ما هو مشترك بينهما أيضاً كما هو ظاهر.
نعم ، يمكن أن يقال في منع الإطلاق : إنّ المستفاد من ذكر القلنسوة والتكّة في السؤال أنّ نظر السائل مقصور على استعلام حكم ما لا تتم فيه الصلاة من الحرير ، وأنّه هل يفرق في المانعية بينه وبين ما تتم فيه الصلاة كما في النجس ، أو لا ، بعد الفراغ عن أصل المانعية على ما هي عليه من التخصيص بالرجال أو
التعميم لهم وللنساء ، وإلا فلو كان السؤال عن أصل مانعية الحرير لم يكن وجه لتخصيص المثالين بالذكر ، بل سئل عن مطلق الصلاة في الحرير.
وعليه فلا إطلاق في الجواب ، بل هو منزّل على ما سيق السؤال لأجله من عدم الفرق في المانعية بين ما يتم وغيره ، وأنّ مانعية الحرير في موطنها لا يفرّق فيها بين الصورتين ، ولا نظر فيه إلى التخصيص والتعميم بالنسبة إلى الرجل والمرأة.
وبعبارة اخرى : يعتبر في انعقاد الإطلاق أن يكون المتكلّم في مقام البيان من الجهة التي يراد إثبات الإطلاق من تلك الجهة ، فما لم يحرز ذلك لا يثبت الإطلاق ، وفي المقام ليس الإمام عليهالسلام إلا بصدد بيان حكم ما لا تتم فيه الصلاة من الحرير الذي هو محطّ نظر السائل ، وأنّه لا فرق في المانعية بينه وبين ما تتم ، وليس في مقام البيان من حيث الاختصاص بالرجل أو التعميم له وللمرأة كي ينعقد الإطلاق من هذه الجهة ، بل إنّ مجرّد الشك كافٍ في ذلك ، لما عرفت من لزوم إحراز البيان في إثبات الإطلاق. فهذا هو الوجه في منع الإطلاق لا ما أفاده في الحدائق.
وعليه فيتوجّه على الصدوق قدسسره قلب الدعوى ، وأنّ مقتضى الإطلاقات جواز التستّر في الصلاة بكلّ ساتر ، وقد ثبت مانعية الحرير لخصوص الرجال ، وأمّا النساء فهنّ على الترخيص بمقتضى إطلاقات الفوق حتى يخصّهنّ النهي كما خصّ الرجال.
ثمّ إنّه قد استدلّ في الحدائق لما ذهب اليه من المنع تبعاً للصدوق بعد تضعيف مستنده كما عرفت بوجوه أُخر.
منها : خبر جابر الجعفي قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول : ليس على النساء أذان إلى أن قال : ويجوز للمرأة لبس الديباج والحرير في غير صلاة وإحرام ... » إلخ (1).
1) الوسائل 4 : 380 / أبواب لباس المصلي ب 16 ح 6.
وفيه : أنّ الدلالة وإن كانت صريحة لكن السند قاصر ، لضعف كلّ من وقع فيه أي لم تثبت وثاقته عدا محمد بن زكريا البصري ، حيث مدحه النجاشي (1). وأمّا أحمد بن الحسن القطان الذي يروي عنه الصدوق هذه الرواية فهو وإن كان من مشايخ الإجازة ، لكن مجرّد ذلك لا يقتضي الوثاقة كما مر غير مرة ، بل إنّ بعض مشايخ الصدوق كان ناصبياً بحيث كان يصلّي على النبي صلی اللّه عليه وآله منفرداً (2).
ومنها : خبر زرارة قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خزّ أو كتان أو قطن ، وإنّما يكره الحرير المحض للرجال والنساء » (3)فانّ لبس الحرير للنساء في غير حال الصلاة مما لا ريب في جوازه ، فلا بدّ من حمل النهي على إرادة اللبس حال الصلاة ، فيدل على المانعية للرجال والنساء.
وفيه أوّلاً : أنّ الخبر ضعيف السند بموسى بن بكر ، فالتعبير عنه بالصحيح كما في الجواهر (4)في غير محلّه.
وثانياً : أنّ ظاهره المنع عن اللبس تكليفاً ، فحمله على المانعية وإرادة الحرمة الوضعية المختصة بحال الصلاة من المؤوّل الذي ليس بحجّة عندنا ، فلا وجه للعدول عن ظاهره وارتكاب التأويل ثم الاستدلال به ، فإنّه ليس بأولى من الأخذ بظاهره وحمل النهي على مطلق المرجوحية وإرادة الحرمة بالنسبة إلى الرجال والكراهة للنساء ، بقرينة ما ثبت من الخارج من جواز اللبس لهنّ ، كما قد يشعر به التعبير بالكراهة في ذيل الخبر ، فإنّها وإن لم تكن في لسان الأخبار بمعنى الكراهة المصطلحة لكنّها تدلّ على المرجوحية المطلقة المجامعة لها
وللحرمة ، فتصح قرينة لصرف النهي في صدر الخبر عن الظهور في التحريم خاصة.
ومنها : ما دلّ من النصّ والفتوى على أنّ كلّ ما تجوز الصلاة فيه يجوز الإحرام فيه ، بضميمة ما دلّ من الأخبار على عدم جواز إحرام المرأة في الحرير. قال قدسسره : إنّ الأخبار في ذلك وإن كانت متعارضة لكن الترجيح مع الأخبار المانعة كما يأتي في كتاب الحج إن شاء اللّه تعالى.
واعترض عليه بتوقّفه على حجّية القضية في عكس النقيض ، أعني كلّ ما لا يجوز الإحرام فيه لا تجوز الصلاة فيه. وهو غير ظاهر كما حرر في الأُصول.
وفيه : ما لا يخفى ، فإنّه لو ثبتت الملازمة بين جواز الصلاة في الشيء وجواز الإحرام فيه على سبيل الكلّية كما هو المفروض وأنّ الثاني لازم والأوّل ملزوم ، فحيث إنّ اللازم لا بدّ وأن يكون مساوياً أو أعم ، إذ لو كان أخص لم تكن الملازمة كلّية ، وهو خلف ، فنفيه يستلزم نفي الملزوم بالضرورة. فقولنا : كلّ شيء كان إنساناً كان حيواناً أو كان ضاحكاً يدلّ على أنّ كلّ ما لا يكون ضاحكاً أو لا يكون حيواناً لا يكون إنساناً قطعاً. فالقضية الكلّية حجّة في عكس النقيض جزماً ، ولازمه في المقام عدم جواز الصلاة فيما لا يجوز فيه الإحرام.
نعم ، يتوجّه عليه أوّلاً : توقّفه على المنع من جواز إحرامها في الحرير ، وهو محلّ تأمل أو منع. وسيجيء البحث حوله في كتاب الحج إن شاء اللّه تعالى (1). فهو أوّل الكلام.
وثانياً : بابتنائه على كون الملازمة الكلّية المزبورة شخصية لا نوعية ، أي تكون منحلّة إلى أشخاص المكلّفين ، بمعنى أنّ كلّ فرد من آحاد المكلّفين جازت صلاته في شيء جاز إحرامه فيه ، كي تدلّ بعكس النقيض على عدم
1) لاحظ شرح العروة 28 / 271.
جواز الصلاة فيما لا يجوز الإحرام فيه ، كما في قوله : كلّما قصّرت أفطرت. وهو في حيّز المنع.
أوّلاً : للنقض بما إذا اضطر المكلّف ولو لبرد ونحوه إلى الصلاة في النجس من فروة ونحوها ، فإنّه لا يجوز له الإحرام فيه مع وجود ثوبيه ، إذ لا ضرورة في عدم الإحرام فيهما ، وإن كان مضطراً في لبس الفروة المتنجّسة.
وثانياً : أنّ هذا المعنى خلاف الظاهر مما دلّ على الملازمة المزبورة وهو صحيح حريز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « كلّ ثوب يصلى فيه فلا بأس أن تحرم فيه » (1)فانّ الظاهر منه والمتراءى من هذا الكلام أنّ كلّ ثوب يصلّى فيه في حدّ ذاته وبحسب نوع المكلّفين جاز الإحرام فيه للجميع ، فيدلّ بعكس النقيض على أنّ كلّ ثوب لا يجوز الإحرام فيه فهو لا تجوز الصلاة فيه في حدّ ذاته وبالإضافة إلى عامّة المكلّفين ، ولو بلحاظ نوعهم الأغلب ، أعني الرجال الذين هم العمدة منهم ، فلا ينافي صدق هذه الملازمة النوعية جواز الصلاة فيه كالحرير لخصوص النساء كما لا يخفى.
نعم ، لو كان لفظ الرواية ( تصلّي فيه ) بدل ( يصلّى فيه ) أمكن استفادة الملازمة الشخصية ، لكونه خطاباً إلى كلّ مكلّف بالخصوص ، نظير قوله : كلّما قصّرت أفطرت. لكنّه ليس كذلك ، فانّ الموجود في الكافي (2)والتهذيب (3)والفقيه (4)والوافي (5)ضبطه بصيغة المبني للمجهول.
نعم ، في الوسائل ضبطه بصيغة الخطاب ( تصلّي فيه ) ولعلّه سهو من قلم النسّاخ ، مع أنّ ذلك أيضاً لا يقدح فيما ذكرناه ، لأنّ الخطاب مع حريز الذي هو
من الرجال ، فلا يدلّ إلا على الملازمة الشخصية فيهم ، لا في كلّ مكلّف حتى يعمّ النساء ، فيكون ذلك مساوقاً مع الملازمة النوعية التي عرفتها.
فظهر من جميع ما مرّ بطلان ما استند اليه في الحدائق لشمول المانعية للنساء ، وقد عرفت أيضاً الجواب عن إطلاق أدلّة المانعية الذي استند اليه الصدوق قدسسره.
وقد يجاب عن الإطلاق بمعارضته بإطلاق ما دل على جواز لبسهنّ للحرير الشامل للصلاة بالعموم من وجه ، والترجيح مع الثاني بفهم الأصحاب ، إذ لم يخالف في الجواز حال الصلاة عدا الصدوق وبعض من تبعه ، مع أنّه لو سلّم التكافؤ والتساقط فالمرجع أصالة البراءة عن المانعية ، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
ويندفع : بما عرفت سابقاً (1)من أنّ دليل الجواز لا يستفاد منه أكثر من الجواز التكليفي دون الوضعي ، فشموله لحال الصلاة لا ينافي المانعية ، فلا تعارض بين الدليلين أصلاً. فحاله حال ما دلّ على جواز لبس النجس والميتة وما لا يؤكل الذي لا ينافي ما دلّ على مانعية هذه الأُمور في الصلاة.
والمتحصّل : من جميع ما قدّمناه : أن المقتضي للمانعية بالإضافة إلى النساء قاصر في حدّ نفسه ، لعدم ثبوت الإطلاق.
ثم إنّه لو سلّم الإطلاق وتمامية المقتضي فهل هناك ما يمنع عن الأخذ به ويوجب رفع اليد عنه؟
قد يستند في ذلك إلى مرسل ابن بكير عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « النساء يلبسن الحرير والديباج إلا في الإحرام » (2)فانّ الاقتصار في الاستثناء على الإحرام يكشف عن جواز اللبس حال الصلاة وعدم مانعيته لها ، وإلا كان أحرى بالذكر ، للابتلاء بها في كلّ يوم خمس مرات على الأقل ، فهي أولى
بالتعرّض من الإحرام غير الواجب في العمر إلا مرة على المستطيع ، ومن الواضح أنّ استثناء مثل الإحرام المعتبر فيه ثوب مخصوص قرينة ظاهرة على إرادة الأعم من التكليف والوضع في المستثنى منه.
والإنصاف : أنّ دلالة الرواية ظاهرة ، بل صريحة ، لكن الشأن في سندها [ فإنّه ] ضعيف من جهة الإرسال.
وقد يتصدى لتصحيحه تارة بالانجبار بالعمل وأُخرى بأنّ المرسل وهو ابن بكير من أصحاب الإجماع ، وثالثة بأنّ في السند أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي لا يروي إلا عن الثقة.
والكلّ كما ترى ، أمّا الأوّل فظاهر من مسلكنا ، وأمّا الثاني فلما أشرنا إليه غير مرّة في مطاوي هذا الشرح من أنّ الإجماع الذي ادّعاه الكشي على تصحيح ما يصحّ عن جماعة (1)لا يراد به تلقّي روايات هؤلاء بالقبول ، على نحو لا ينظر في من وقع بعدهم في السند ، بحيث مهما بلغ السند إليهم وصحّ عنهم يعامل معه إرسال المسلّم ، وكأنهم رووه عن المعصوم عليهالسلام بلا واسطة ، فإنّ هذا لا يكاد يستفاد من عبارة الكشي بوجه.
بل الظاهر منها دعوى الاتفاق على قبول رواية هؤلاء من حيث إنّهم رواة وتصديقهم فيما يخبرون ، كما عبّر بعين هذا اللفظ أعني التصديق فلا يغمز في السند من أجلهم ، لما هم عليه من الجلالة والفقاهة والوثاقة ، إذ الغمز والطعن إمّا من جهة الاشتباه وعدم التفطّن للمراد وهو منافٍ لفقاهتهم ، أو لأجل الكذب وهو منافٍ لوثاقتهم.
وبالجملة : فلا يظهر من العبارة المزبورة أكثر من دعوى الإجماع على توثيق الجماعة ، لا حجية كلّ سند وقع أحدهم فيه ولو رواه مرسلاً أو عمّن لم تثبت وثاقته لدينا كما لا يخفى على من لاحظها.
1) رجال الكشي : 375 / 705.
وأمّا الثالث : فهو من غرائب الكلام ، ضرورة أنّ غاية ما ثبت هو أنّ أحمد ابن محمد بن عيسى لا يروي بنفسه إلاّ عن الثقة وإن كنّا عثرنا على روايته عن الضعيف أيضاً أحياناً ومن هنا أخرج أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن قم ، لروايته عن الضعفاء كثيراً وإن ندم على ما صنع فأرجعه بل ومشى في جنازته حافياً. وكيف كان ، فغاية ما هناك أنّه بنفسه لا يروي بلا واسطة إلا عن الثقة كما في المقام لا أنّه يقتصر على الرواية المعتبرة الخالية عن كلّ خلل حتى الإرسال أو الضعف في غير من يروي عنه ممّن يقع في سلسلة السند ، فانّ هذا لا شاهد عليه ، بل ولا قائل به كما لا يخفى.
وقد يستند في ذلك أيضاً إلى موثّق سماعة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض وهي محرمة ، فأمّا في الحر والبرد فلا بأس » (1).
وهذه الموثقة يستدلّ بها تارة لعدم المانعية ، من جهة تخصيص المنع بحال الإحرام بالتقريب المتقدّم في المرسلة. وأُخرى للمانعية ، من جهة تخصيص نفي البأس بحال الحر والبرد ، الدالّ بالمفهوم على ثبوته في غير الحالتين وإن كانت في الصلاة ، ولعلّ الأول أقرب.
لكن الأولى أن يقال : إنّ الموثقة أجنبية عن المانعية والحرمة الوضعية التي هي محلّ البحث ، بل هي ناظرة إلى الحرمة التكليفية ، لظهور قوله عليهالسلام : « وهي محرمة » في المنع عن اللبس وهي متّصفة بكونها في حالة الإحرام. ومن الواضح أنّ ارتكاب تروك الإحرام لا يقتضي البطلان فيما عدا الجماع ، بل غايته العصيان ، فلا يفسد الإحرام المفروض تحقّقه بذلك وإن أثم ، مع أنّه لا إثم أيضاً لدى الضرورة من حر أو برد كما أُشير إليه في ذيل الموثّق ، فلا وجه للاستشهاد بهذه الموثقة لشيء من المانعية وعدمها.
1) الوسائل 4 : 380 / أبواب لباس المصلي ب 16 ح 4.
وممّا ذكرنا يظهر الفرق بينها وبين المرسلة المتقدّمة ، حيث سلّمنا دلالتها على المانعية ، وذلك لمكان الاختلاف في التعبير ، حيث عبّر فيها بقوله : « وهي محرمة » وفي المرسلة بقوله : « إلا في الإحرام » فإنّ المنع عن اللبس في الإحرام كالمنع عنه في الصلاة ظاهر في المانعية ، وأنّه يشترط في ثوبي الإحرام كلباس المصلّي أن لا يكون من الحرير ، فمعه لا يتحقق الإحرام كما لا تتحقّق الصلاة. وهذا بخلاف النهي عن اللبس في حالة الإحرام وبعد الاتّصاف بها ، فإنّه غير ظاهر إلاّ في الحرمة التكليفية المحضة كما لا يخفى.
فتحصّل : أنّه لا يمكن الاستناد في رفع اليد عن الإطلاق إلى شيء من المرسلة والموثّقة.
والصحيح الاستناد في ذلك بعد تسليم الإطلاق ، وإلا فهو ممنوع من أصله كما عرفت إلى السيرة الثابتة من المتشرّعة القائمة على عدم تحرّز النساء عن الحرير حتى في الصلاة ، بل عليه تسالم الأصحاب خلفاً عن سلف ، ولم يعهد الخلاف بينهم فيما قبل زمان الصدوق ، وهو أوّل من ذهب إلى المنع ، وتبعه فيه نفر يسير من المتأخّرين. فلو كانت المانعية ثابتة لظهرت وبانت ، ولم يقع الخلاف فيها في مثل هذه المسألة المهمّة الكثيرة الدوران ، التي تبتلي بها المرأة في صلاتها في كلّ يوم خمس مرات على الأقل ، بل لم يتعرض لها في شيء من الأخبار ، ولم يسأل عن حكمها الرواة ، وإنّما خصّوا أسئلتهم بالرجال ، الكاشف عن وضوح حكم النساء لديهم وليس الواضح هو المنع قطعاً ، وإلا كنّ من الرجال أضيق حالاً ، مع ثبوت الجواز لهنّ في غير حال الصلاة دونهم بالضرورة. فلا بدّ وأن يكون هو الجواز.
على أنّ التنبيه على مثل هذا الحكم في الأخبار أولى من التعرّض لحكم ما لا يؤكل ، الذي ورد في غير واحد من الأخبار المنع عن الصلاة فيه ، فانّ الابتلاء بلبسه سيما الصلاة فيه قليل جدّاً بالإضافة إلى الحرير المتعارف لبسه غالباً كما لا يخفى.
بل وكذا الخنثى المشكل (1)(1).
فظهر من جميع ما مرّ أنّ الأقوى جواز لبس الحرير للنساء تكليفاً ووضعاً أي في الصلاة وغيرها ، لقصور المقتضي أوّلاً ، ووجود المانع ثانياً كما عرفتهما مفصّلاً.
(1) يقع الكلام في الخنثى تارة مع قطع النظر عن العلم الإجمالي ، وأُخرى مع ملاحظته.
أمّا على الأوّل : فقد يقال بجواز لبسها في الصلاة وغيرها ، تمسكاً بأصالة البراءة عن الحرمة التكليفية والوضعية ، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إليها في الأقل والأكثر الارتباطيين ، للشك في الرجولية التي هي الموضوع فيهما.
وقد يقال كما عن صاحب المستند بالتفصيل بين الصلاة وغيرها ، فيجوز في الثاني لأصالة البراءة كما مرّ ، ولا يجوز في الأوّل (2).
إمّا لأنّ المرجع في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين هو الاشتغال وإن كان على خلاف التحقيق.
أو لأجل التمسك بعموم ما دلّ على مانعية الحرير في الصلاة كقوله في صحيحة محمد بن عبد الجبّار المتقدّمة (3): « لا تحلّ الصلاة في حرير محض » فانّ الخارج منه بعد تسليم الإطلاق عنوان المرأة الذي هو أمر وجودي ، فيكون الباقي تحت العام بعد التخصيص كلّ مكلّف لا يكون امرأة ، ويمكن إحرازه في الخنثى بضم الوجدان إلى الأصل ، فإنّه مكلّف بالوجدان ويشك في اتصافه بهذا العنوان والأصل عدمه ، بناءً على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، فإنّه قبل أن يخلق لم يكن موصوفاً بعنوان
الأُنوثية والآن كما كان نظير استصحاب عدم الاتصاف بالقرشية فيثبت بذلك أنّها ليست بامرأة وإن لم يثبت كونها رجلاً ، فانّ موضوع الحكم هو الأوّل دون الثاني كما عرفت.
والصحيح في المقام بعد تسليم الإطلاق في صحيح ابن عبد الجبار هو التفصيل ، لما عرفت.
ومنه تعرف أنّه لا يتوقّف على التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية كما أفاده المحقق الهمداني قدسسره (1)إذ بعد البناء على جريان الاستصحاب في العدم الأزلي يتنقّح حال الموضوع ، ولا تكون شبهة في المصداق كما هو ظاهر. هذا كلّه مع قطع النظر عن العلم الإجمالي.
وأمّا مع ملاحظته فحيث إنّ الخنثى ليست طبيعة ثالثة ، بل هي إمّا رجل أو امرأة ، فهي تعلم إجمالاً بوجوب الإتيان بإحدى الوظيفتين المقررتين للرجال أو النساء ، ومعه لا مجال للرجوع إلى الأصل ، لسقوطه في أطراف العلم الإجمالي بالمعارضة.
واعترض عليه المحقّق الهمداني قدسسره (2)بعدم صلاحية مثل هذا العلم للتنجيز ، لاشتراطه بدخول الأطراف في محلّ الابتلاء ، وليس كذلك ، فلا أثر لعلم الخنثى إجمالاً بوجوب الاجتناب عن الحرير في الصلاة أو بوجوب الاجتناب عن لبس العمامة التي هي من زي الرجال ، لعدم ابتلائها حين الصلاة بلبسها غالباً ، نعم لو اتفق الابتلاء بلبسها في مورد بالفعل نجّز العلم ووجب الاجتناب عنهما ، فلا ينجّز العلم إلا أحياناً لا دائماً. وعليه فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في بعض الأطراف ، لسلامته عن المعارض.
ويرد عليه أوّلاً : أنّه لا يشترط في تنجّز العلم الإجمالي دخول تمام الأطراف في محلّ الابتلاء بالفعل ، بل الابتلاء فيما بعد أيضاً كافٍ في التنجيز. ومن هنا لا
وكذا لا بأس بالممتزج بغيره من قطن أو غيره (*) ممّا يخرجه عن صدق الخلوص والمحوضة.
يفرّق في تنجيزه بين الدفعيات والتدريجيات ، فالخنثى وإن لم تبتل بلبس العمامة حين القيام إلى الصلاة ، لكنّها تعلم في هذه الحال إجمالاً إمّا بحرمة لبس الحرير فعلاً أو بحرمة لبس العمامة ولو فيما بعد ، نعم لو علمت بعدم الابتلاء بها إلى الأبد تمّ ما ذكر.
وثانياً : مع التسليم فغايته خروج هذا المثال أعني لبس العمامة عن محلّ الابتلاء. ومن الواضح عدم انحصار الأحكام المختصّة بالنساء بذلك ، فلنا أن نقول : إنّ الخنثى تعلم إجمالاً حين القيام إلى الصلاة إمّا بوجوب الاجتناب عن الحرير لو كانت رجلاً أو بوجوب ستر جميع بدنها في صلاتها ما عدا الوجه والكفين لو كانت امرأة ، ولا ريب في ابتلائها بالفعل بكلا الحكمين ، فينجّز العلم الإجمالي ، ومعه لا مجال للرجوع إلى الأصل.
وعليه فالأقوى بلحاظ العلم الإجمالي - [ أن ] تجتنب الخنثى عن الحرير مطلقاً في الصلاة وغيرها ، لعلمها بإحدى الوظيفتين ، فلا بدّ من الجمع بينهما.
(1) فلا يجب الاجتناب عن الممتزج لا في الصلاة ولا في غيرها ، ويشهد له مضافاً إلى قصور المقتضي ، للتقييد في أخبار المنع بالمحوضة كما في صحيحة محمد بن عبد الجبار (1)وغيرها جملة من النصوص وفيها المعتبرة كصحيح البزنطي قال : « سأل الحسين بن قياما أبا الحسن عليهالسلام عن الثوب الملحم بالقز والقطن ، والقز أكثر من النصف أيصلّى فيه؟ قال : لا بأس ، قد كان لأبي الحسن عليهالسلام منه جبّات » (2).
وموثّقة إسماعيل بن الفضل ( الهاشمي ) عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في
الثوب يكون فيه الحرير ، فقال : إن كان فيه خلط فلا بأس » (1)والتعبير عن الأخير بالخبر في بعض الكلمات المشعر بالضعف في غير محلّه كما لا يخفى.
ثم إنّه لا ينبغي الريب في عدم اعتبار خصوصية في المزيج ، بل مطلق الخلط بشيء يخرج الحرير عن صدق الخلوص والمحوضة كافٍ في الجواز كما يقتضيه الإطلاق في موثّقة إسماعيل المتقدّمة. فلا فرق إذن بين كونه قطناً أو كتّاناً ، أو خزّاً أو صوفاً ، أو وبراً ممّا يؤكل لحمه ، أو غير ذلك ممّا تجوز فيه الصلاة ، بل ينبغي القطع بذلك وعدم الخلاف فيه. وما يتراءى في كلمات بعض الأصحاب من الاقتصار على بعض ما ذكر فهو من باب المثال ، لا إرادة الحصر والاختصاص كما لا يخفى.
وعليه يحمل بقرينة الموثّقة المتقدّمة ما في بعض الأخبار مما يوهم ذلك. فقد اقتصر على الأوّلين في خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا بأس بلباس القزّ إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتّان » (2)مضافاً إلى ضعف سنده بقاسم بن عروة. وكذا في التوقيع المروي في الاحتجاج عنه ( عجل اللّه تعالى فرجه ) : « لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان » (3)مع أنّ روايات الاحتجاج لا يعتمد عليها من جهة الإرسال.
وعلى الثلاثة الأُوَل في خبر زرارة قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخزّ لحمته أو سداه خزّ أو كتّان أو قطن ، وإنّما يكره الحرير المحض للرجال والنساء » (4)وهذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بموسى بن بكر تكاد تكون صريحة فيما ذكرناه من إرادة التمثيل ، وأنّ المقصود مما ذكر من الثلاثة ما يقابل الحرير المحض المذكور في ذيلها.
نعم ، لا بدّ من حمل الكراهة على مطلق المرجوحية الجامع بين الحرمة
وكذا لا بأس بالكفّ به (1).
والكراهة المصطلحة ، جمعاً بين هذه الرواية وما دلّ على جواز لبس الحرير المحض للنساء ، فتحمل على إرادة الكراهة لهنّ والحرمة للرجال.
وعلى الجملة : فلا ينهض بشيء من هذه الروايات لرفع اليد عن الإطلاق في موثقة إسماعيل المقتضي لكفاية الخلط كيف ما اتفق.
كما أن مقتضى هذا الإطلاق عدم اعتبار كمية خاصة في مقدار الخليط ، بل كلّ ما يخرج معه الحرير عن الخلوص ولا يطلق عليه المحض ، بل يصدق عليه عنوان الخلط والمزج ، وإن كان المزيج واحداً في عشرين كفى في الجواز ما لم يستهلك فيه ، لما عرفت من إطلاق الدليل.
(1) تكليفاً ووضعاً كما عليه المشهور ، بل نسب إلى فتوى الأصحاب ، وإن زاد على أربع أصابع ما لم يخرج عن عنوان الكفّ ، خلافاً للقاضي (1)والسيد في بعض رسائله (2)فذهبا إلى المنع ، ومال إليه الأردبيلي (3)وكاشف اللثام (4). وعن المدارك (5)والكفاية (6)والمفاتيح (7)التردّد فيه. ومال صاحب الحدائق قدسسره إلى التفصيل بالمنع في الصلاة والجواز في غيرها ، وأخيراً توقّف فيه واحتاط (8).
والذي ينبغي أن يقال في المقام : إنّ الروايات الناهية عن لبس الحرير أو عن
ثوب الحرير لا يكاد يشمل شيء منها للمكفوف ، إذ المتبادر منها ما كان الثوب بنفسه منسوجاً من الحرير ، فلا يعم ما كانت عليه قطعة منه ، فإنّه ثوب عليه الحرير ، لا أنّه ثوب من الحرير.
وبعبارة اخرى : لو لاحظنا نفس الكفّ لا يصدق عليه اللبس ، ولو لاحظنا مجموع اللباس لا يصدق عليه الحرير ، بل هو لابس لما عليه الحرير. فعنوان لبس الحرير الذي هو الموضوع للحكم غير صادق على التقديرين.
نعم ، ما تضمّن النهي عن الصلاة في الحرير كما في صحيحة ابن عبد الجبار المتقدمة (1): « لا تحلّ الصلاة في حرير محض » وإن أمكن دعوى شموله للمقام لكن من القريب جدّاً دعوى ظهوره ولو بقرينة ذكر التكّة والقلنسوة في خصوص الملبوس ، وأنّ السؤال عن اختصاص الحكم بما تتمّ فيه الصلاة وتعميمه له ولما لا يتمّ ممّا يكون نظير القلنسوة والتكّة في كونه من الملبوس فلا نظر إلى ما لا يكون من هذا القبيل كالكفّ ونحوه ، كما مرّ التعرّض لذلك سابقاً (2)وعليه فيمكن القول بالجواز ، لقصور المقتضي.
ومع الغضّ وتسليم الإطلاق في الصحيحة لمثل الكفّ فيخرج عنه بموثّقة الحلبي المتقدمة سابقاً (3)التي في طريقها أحمد بن هلال المتضمّنة لجواز الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه منفرداً ، إذ الكفّ من الحرير كذلك ، فيقيّد بها الإطلاق.
ويؤيّد المطلوب روايتان ليوسف بن إبراهيم (4)ودلالتهما ظاهرة ، للتصريح باختصاص المنع بالحرير المبهم أو المصمت المساوق للمحض ، فلا منع فيما كان
مشتملاً عليه وعلى غيره كما في المكفوف. ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين حال الصلاة وغيرها ، لكن السند ضعيف من جهة يوسف والعيص بن قاسم (1)ولذا ذكرناهما بعنوان التأييد.
وما يقال في تصحيحه من أنّ الراوي عنه صفوان بن يحيى الذي هو من أصحاب الإجماع قد تقدّم الكلام فيه وفي منعه قريباً (2)فلاحظ.
كما أنّ [ ما ] يقال أيضاً من أنّ صفوان وابن أبي عمير والحسن بن محبوب قد نصّ عليهم بأنّهم لا يروون إلا عن الثقة غير ثابت. وعبارة الشيخ في العدّة (3)غير ظاهرة في هذا المعنى فلاحظها.
بقي الكلام في روايتين : إحداهما : رواية جراح المدائني عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنّه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج .. » إلخ (4).
وقد استدلّ بها العلامة على الجواز حملاً للكراهة على المصطلحة (5)وصاحب الحدائق على المنع حملاً لها في لسان الأخبار على المبغوضية والحرمة (6)كما عبّر عن الحرمة بها كثيراً ، منها في باب الربا أنّ علياً عليهالسلام كان يكره بيع المثل بالمثل مع الزيادة (7). ولعلّ الثاني أظهر لكن الرواية غير صالحة للاستدلال لشيء منهما.
أوّلاً : لضعف سندها من جهة قاسم بن سليمان وجراح المدائني ، فإنّ الأوّل
1) [ لكن العيص وثقه النجاشي في رجاله صريحاً ، راجع معجم رجال الحديث 14 : 233 / 9265 ].
2) في ص 353.
3) العُدة 1 : 58 السطر 7 [ والمذكور فيها : ولأجل ذلك .... بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات .... ].
4) الوسائل 4 : 370 / أبواب لباس المصلي ب 11 ح 9.
5) التذكرة 2 : 474.
6) الحدائق 7 : 98.
7) الوسائل 18 : 149 / أبواب الربا ب 14 ح 2 ، 151 / ب 15 ح 1 3.
وإن زاد على أربع أصابع ، وإن كان الأحوط ترك ما زاد عليها (1).
ضعيف والثاني مهمل ، إذ لم يذكر بهذا العنوان في كتب الرجال ، ولم يعلم أنّه اسمه أو لقبه.
وثانياً : لقصور دلالتها ، فانّ الديباج وإن فسره بعض اللغويين بالحرير المحض (1)لكن عن لسان العرب أنّه الثوب المنقوش ، سواء كان من الحرير أم غيره كما مرّ سابقاً (2). وهو لفظ معرّب من ديبا ، ويؤيّده قوله في موثّقة سماعة المتقدمة سابقاً (3): « وإن كان فيه تماثيل » وتشهد له المقابلة بينه وبين الحرير في كثير من الأخبار. وعليه فلا يدلّ الخبر إلا على كراهة الثوب المنقوش ، ولا ربط له بالحرير ، فهو أجنبي عن محلّ الكلام.
وثانيتهما : موثّقة عمار عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث قال : « وعن الثوب يكون علمه ديباجاً ، قال : لا يصلّى فيه » (4)وهي تشترك مع الرواية المتقدّمة في المناقشة الأخيرة ، فلا يعتمد عليها.
فتحصّل : أنّ الأقوى جواز لبس المكفوف من الحرير ، وكذا الصلاة فيه ، نعم لو كان الكفّ كثيراً جدّاً بحيث كان مما تتم فيه الصلاة وكما لو كان النصف الأعلى أو النصف الأسفل من الثوب حريراً لم يجز ، لصدق لبس الحرير كما هو ظاهر فتدبّر جيداً.
(1) نسب إلى المشهور اعتبار عدم زيادة الكف على أربع أصابع ، وإن كانت كلمات أكثرهم خالية عن هذا التقييد. وكيف كان ، فربما يقال : إنّه لا مستند
لذلك سوى ما روي بطريق العامّة عن عمر : « أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع » (1)وضعفه منجبر بعمل الأصحاب.
وفيه : مضافاً إلى منع كبرى الانجبار كما تكرّر غير مرّة ، إذ المستفاد من أدلّة الحجّية اعتبار وثاقة الراوي ، لا الوثوق بالرواية إلا إذا كان شخصياً كما يتفق أحياناً ، فتكون العبرة به ، وهو خارج عن محلّ الكلام. وبالجملة : كما أنّ المتّبع في حجية الدلالة تحقّق الظهور الذي هو الموضوع للحجية ببناء العقلاء فلا يكون العمل جابراً لضعفها ، كذلك المتّبع في حجية السند وثاقة الراوي ، فلا يكون العمل جابراً له ، وتمام الكلام في محلّه (2).
أنّ الصغرى في المقام ممنوعة ، إذ لا يحتمل استناد الأصحاب إلى مثل هذه الرواية التي في سندها من لا يخفى ، بل من الجائز أن يكون مستندهم أحد أمرين :
الأوّل : بناؤهم على الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين كما كان هذا هو الشائع بين المتقدّمين. فكأنّ مقدار أربع أصابع متيقّن الجواز فيرجع في الزائد إلى قاعدة الاشتغال لا إلى هذه الرواية المانعة عن الزائد على هذا الحدّ فتدبّر.
الثاني : أنّ الزائد على أربع أصابع ممّا تتم فيه الصلاة غالباً ، سيما إذا كان فاحشاً ، وقد عرفت المنع عما تتم فيه الصلاة من الحرير ، ولذا قيّدنا جواز الصلاة في الكفّ بما إذا لم يكن كذلك كما مرّ (3).
وبالجملة : فلأجل أحد هذين الوجهين وقع التحديد بأربع أصابع فما دون
ولا بأس بالمحمول منه أيضاً وإن كان ممّا تتم فيه الصلاة (1).
في فتوى الأصحاب ، دون تلك الرواية. وممّا ذكرنا يظهر وجه الاحتياط الذي أفاده في المتن.
(1) أمّا في غير حال الصلاة فلا ريب في الجواز ، بل هو مقطوع به ، سواء كان مما تتم فيه الصلاة أم لا ، لقصور المقتضي وعدم الدليل على المنع ، فحاله كحال الذهب ، وحمله ليس إلا كالنظر إليه المقطوع جوازه.
وأمّا الحمل حال الصلاة فإن كان مما لا تتم فلا ريب في جوازه ، إذ لا إشكال في لبسه فضلاً عن حمله كما عرفت (1). وإن كان مما تتم فيه الصلاة فالجواز وعدمه مبنيان على تفسير كلمة « في » في قوله عليهالسلام في صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدّمة (2): « لا تحلّ الصلاة في حرير محض » وأنّ المراد بها خصوص الظرفية أو مطلق المصاحبة ، فيحكم بالبطلان على الثاني دون الأوّل ، وقد تقدّم الكلام حول ذلك مفصّلاً (3)وقلنا : إنّ المراد بها في موثّقة ابن بكير الواردة فيما لا يؤكل لحمه مطلق المصاحبة ، بقرينة ذكر الروث والبول والألبان ، لعدم اتخاذ اللباس منها. وأمّا في المقام فحيث لا تكون هذه القرينة فلا مناص من حمل الكلمة على ظاهرها وهي الظرفية ، لكن بنحو من التجوّز والعناية ، إذ لا معنى لظرفية شيء لفعل من الأفعال إلا باعتبار كونه ظرفاً لفاعل الفعل ، فقولنا : صلّى زيد في الحرير كقولنا : أكل فيه أو جلس أو مشى فيه ، معناه كون الحرير ظرفاً لفاعل هذه الأُمور ، فهو ظرف للمصلّي مثلاً ، ولا يكون ظرفاً له إلا مع تضمّنه نوعاً من الاشتمال ولو على بعضه ، ولا يكاد يتحقّق ذلك إلا عند اللبس ، وإلا فمجرّد الحمل لا يتضمّن الاشتمال فلا تتحقق
[1294] مسألة 26 : لا بأس بغير الملبوس من الحرير كالافتراش والركوب عليه والتدثّر به ونحو ذلك في حال الصلاة وغيرها ، ولا بزرّ الثياب وأعلامها والسفائف والقياطين الموضوعة عليها وإن تعدّدت وكثرت (1).
معه الظرفية.
وعليه فلا يصدق مع الحمل عنوان الصلاة في الحرير كي تبطل ، نعم لو أغضينا عن ذلك وحملنا الكلمة على مطلق المصاحبة اتجه البطلان حينئذ لصدق المصاحبة مع الحمل ، لكنه خلاف التحقيق كما عرفت.
(1) أمّا الافتراش والجلوس عليه فلا إشكال فيه ، لقصور المقتضي ، فإنّ الممنوع هو اللبس غير الصادق عليه بالضرورة. وكذا الصلاة عليه ، إذ الممنوع الصلاة في الحرير ، دون الصلاة عليه كما هو ظاهر.
ويؤكّده صحيح علي بن جعفر عليهالسلام قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الفراش الحرير ومثله من الديباج ، والمصلّى الحرير هل يصلح للرجل النوم عليه والتكأة والصلاة؟ قال : يفترشه ويقوم عليه ، ولا يسجد عليه » (1)ونحوه خبر مسمع عن أبي عبد اللّه عليهالسلام أنّه قال : « لا بأس أن يأخذ من ديباج الكعبة فيجعله غلاف مصحف ، أو يجعله مصلّى يصلّي عليه » (2).
وما تضمّنه الصحيح من النهي عن السجود عليه فهو من جهة اعتبار كون المسجد من الأرض أو نباتها ، وليس الحرير منهما كما هو ظاهر. وممّا ذكرنا يظهر جواز الركوب عليه.
وأمّا التدثّر فإن أُريد به الالتحاف والتغطّي حال الاضطجاع والنوم كما لعلّه مراد الماتن فلا إشكال في الجواز ، لعدم صدق اللبس حينئذ قطعاً ، كما تجوز الصلاة تحته في هذه الحالة مع التستّر بغيره. وإن أُريد به الالتفاف به
[1295] مسألة 27 : لا يجوز جعل البطانة من الحرير للقميص وغيره وإن كان إلى نصفه ، وكذا لا يجوز لبس الثوب الذي أحد نصفيه حرير ، وكذا إذا كان طرف العمامة منه ، إذا كان زائداً على مقدار الكف (1)بل على أربعة أصابع على الأحوط (1).
[1296] مسألة 28 : لا بأس بما يرقع به الثوب من الحرير إذا لم يزد على مقدار الكف ، وكذا الثوب المنسوج طرائق بعضها حرير وبعضها غير حرير إذا لم يزد عرض الطرائق من الحرير على مقدار الكف ، وكذا لا بأس بالثوب الملفق من قطع بعضها حرير وبعضها غيره بالشرط المذكور.
في سائر الأحوال كما تصنعه الهنود والجنود فلا ريب في حرمته وبطلان الصلاة فيه ، لصدق اللبس.
(1) ذكر قدسسره في هذه المسألة وما بعدها عدّة من الفروع يظهر حالها مما مرّ.
وملخّص ما قلناه : أنّ المستفاد من الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض أنّه يعتبر في حرمة الحرير تكليفاً ووضعاً صدق اللبس بمعنى اشتماله وإحاطته على المكلّف ، تحقيقاً للظرفية وكونه ممّا تتم فيه الصلاة.
وعليه فلا يجوز جعل بطانة الملابس من الحرير وإن كانت إلى النصف ، إذ لا فرق بينها وبين الظهارة في صدق اللبس وإن كانت مستورة. ودعوى اختصاص المنع بالحرير المستقل في اللبس فلا يشمل الملبوس تبعاً ، لا شاهد عليها ، بل يدفعها إطلاق الدليل.
وكذا لا يجوز لبس الثوب الذي أحد نصفيه حرير من الأعلى أو الأسفل.
وعن بعض تخصيص المنع بالثاني ، لحصول التستّر به ، ولا وجه له بعد
1) (*) العبرة في عدم الجواز إنما هي بصدق اللبس لا بالمقدار ، وبذلك يظهر الحال في المسألتين بعدها.
[1297] مسألة 29 : لا بأس بثوب جعل الإبريسم بين ظهارته وبطانته عوض القطن ونحوه ، وأمّا إذا جعل وصلة من الحرير بينهما فلا يجوز لبسه ولا الصلاة فيه (1).
صدق اللبس الممنوع على التقديرين ، بل لا يجوز وإن كان ثلث اللباس حريراً من الأعلى أو الوسط أو الأسفل ، بعد أن كان بمقدار تتم فيه الصلاة في حدّ نفسه ، لما ذكر.
ومنه يظهر وجه المنع فيما إذا كان طرف العمامة من الحرير إذا كان زائداً على مقدار ما يكفّ به الثوب ، بل الأربع أصابع على الاحتياط الذي مرّ وجهه.
وبالجملة : المتبع إطلاق الدليل الشامل لجميع هذه الموارد ، بعد انطباق الضابط المزبور من كونه لبساً لما تتم فيه الصلاة.
كما أنّه لا بأس بما يرقّع به الثوب من الحرير إذا لم تكن الرقعة ممّا تتم فيها الصلاة وحدها ، وكذا الثوب المنسوج طرائق بعضها حرير وبعضها من غيره على الشرط المزبور. ومنه يظهر حكم الثوب الملفّق من قطع بعضها حرير.
(1) أمّا إذا كان المجعول بينهما وصلة من الحرير شبه الوزرة ونحوها ممّا تتم فيه الصلاة فلا إشكال في عدم الجواز ، لصدق اللبس ، بعد عدم الفرق فيه بين الظاهر والخفي.
وأمّا إذا كان الحشو بالإبريسم نفسه أعني مادّة الحرير قبل النسج التي هي بمثابة القطن والصوف فلم يتعرّض له القدماء ما عدا الشهيد في الذكرى حيث لم يستبعد الجواز (1). والكلام يقع تارة في الروايات التي يستدلّ بها على الجواز ، وأُخرى بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة.
أمّا الروايات فهي ثلاث :
1) الذكرى 3 : 44.
الأُولى : صحيحة الريّان بن الصلت أنّه سأل الرضا عليهالسلام عن أشياء منها المحشو بالقزّ ، فقال عليهالسلام : « لا بأس بهذا كلّه إلا بالثعالب » (1).
وفيه : أنّ مفادها ليس إلا جواز اللبس في نفسه ، لا عدم المانعية في الصلاة فيتوقّف الاستدلال بها على دعوى أنّ الممنوع في الصلاة هو ما كان ممنوعاً في نفسه ، لكن هذه الملازمة في حيّز المنع كما سبق (2)ومن ثم ذكرنا أنّ من اضطر إلى لبس الحرير لبرد أو في الحرب وإن ساغ له ذلك لكنّه يجب عليه نزعه في الصلاة إذا تمكّن منه في بعض الوقت.
الثانية : صحيحة الحسين بن سعيد قال : « قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم إلى الرضا عليهالسلام يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز ، فكتب إليه قرأته : لا بأس بالصلاة فيه » (3).
وما عن المحقق في المعتبر من الطعن في السند باستناد الراوي وهو الحسين ابن سعيد إلى ما وجده في كتاب لم يسمعه من محدّث كما حكاه عنه في الحدائق (4)مدفوع بما ذكره غير واحد من المتأخّرين من عدم الفرق في تحمّل الرواية بين السماع من الراوي وبين الوجدان في كتاب يجزم بأنّه له ، سيما بعد شهادة ابن سعيد بأنّه قرأ الكتاب ولاحظ الجواب ، الظاهر في كونه بخط الإمام عليهالسلام ومعرفته له.
وما عن بعض المؤلّفات من إسناد الطعن المزبور من المحقّق المذكور إلى الرواية الآتية مبني على الغفلة ، فإنّ الصدوق رواها بسنده الصحيح عن إبراهيم بن مهزيار أنّه كاتب الإمام عليهالسلام (5)، ولم يتعرّض المحقّق لذاك
الطعن في هذه الرواية ، بل في رواية ابن سعيد فحسب كما عرفت.
الثالثة : صحيحة إبراهيم بن مهزيار : « أنه كتب إلى أبي محمد عليهالسلام : الرجل يجعل في جبّته بدل القطن قزّاً هل يصلّي فيه؟ فكتب : نعم ، لا بأس به » (1).
وهي كالروايتين السابقتين معتبرة السند على الأظهر ، فإنّ إبراهيم بن مهزيار وإن لم يرد فيه توثيق صريح ، وحاولوا التصحيح بوجوه لعلّ أحسنها أنّه كان وكيلاً للإمام عليهالسلام وأجبنا عنه في محلّه (2)بأنّ الوكالة أعمّ من الوثاقة وصدق اللّهجة ، فربّ وكيل غير موثوق في الحديث وإن كان مأموناً في خصوص ما وكّل فيه ، وقد كان جملة من وكلائهم عليهمالسلام مذمومين. إلا أنّ الأولى التعويل في وثاقته بوقوعه في أسناد كامل الزيارات (3).
وعلى الجملة : فقد دلّت الروايتان الأخيرتان على جواز الصلاة في الثوب المحشوّ بالقز.
إنّما الكلام في تفسير المراد من القز ، فقد حمله الصدوق في الفقيه على قزّ الماعز (4)، ولكنّه خلاف الظاهر وعارٍ عن الشاهد ، بل الظاهر أنّ الكلمة معرّب ما يسمّى بالفارسية ب- ( كج ) وهو الخارج من دود القز قبل أن يصفّى ، فهو اسم لنفس المادة قبل التصفية ويسمى بعدها بالإبريسم تارة وبالحرير اخرى باعتبار حالتي النسج وعدمه. ونصوص المنع إنّما وردت بالعنوان الثاني والترخيص في هذه النصوص إنّما ورد بعنوان القز ، فالتعدّي منها لا وجه له إلا دعوى أنّ القزّ والإبريسم سواء ، استناداً إلى ما رواه في الكافي بسنده عن
عباس بن موسى عن أبيه قال : « سألته عن الإبريسم والقز ، قال : هما سواء » (1).
ولكن الرواية ضعيفة السند ، فانّ عباس بن موسى الذي هو الورّاق وإن كان ثقة إلا أنّ أباه مجهول ، على أنّها مضمرة ، فانّ المسئول غير معلوم ، ولم يكن السائل ممن لا يروي عن غير المعصوم كما هو واضح.
نعم ، ذكر في الوسائل بعد قوله : عن أبيه ، كلمة عليهالسلام الكاشفة عن أنّ المراد به هو العباس بن موسى بن جعفر عليهالسلام. ولكنه مضافاً إلى خلو المصدر عن هذه الكلمة كما عرفت ، لا توثيق له ، بل قد ورد ذمّه في بعض الأخبار ، وأنّه عارض أخاه الرضا عليهالسلام.
أجل ذكر المفيد في الإرشاد أنّ أولاد موسى بن جعفر عليهالسلام لكل واحد منهم منقبة مشهورة (2). ولكن هذا التعبير أعم من التوثيق ، ومن الجائز أن يراد من المنقبة نوع كمال من شجاعة أو سخاؤه وما شاكلها.
نعم ، قد ورد في بعض نسخ رجال الشيخ توثيقه صريحاً (3)ولكنّه يشكل الاعتماد عليه ، إذ لم ينقل النجاشي ولا العلامة ولا ابن داود توثيقه عنه مع وجود نسخة الرجال عندهم ، ولا سيما الأخير الذي رأى نسخة رجال الشيخ بخطه الشريف حسبما أشار إليه في موارد من كتابه.
فالرواية ضعيفة السند على التقديرين ، إذن فالتسوية المزبورة غير ثابتة ، بل الظاهر عرفاً إطلاق القز على غير المصفّى ، والإبريسم على المصفّى كما عرفت. فتبقى نصوص المنع في موردها على حالها ، هذا.
والذي ينبغي أن يقال : إن الموضوع في النصوص الناهية وإن كان هو الحرير ، إلا أنّ المراد منه بحسب الفهم العرفي ومناسبة الحكم والموضوع هو
ذات هذه المادة ، الأعم من المصفّى ومن غيره ممّا يسمّى بالقز. وقد نقل عن بعض أهل اللغة أنّ الفرق بين القز والحرير كالفرق بين الحنطة والدقيق ، ولعلّ تخصيص المنع بالحرير من أجل أنّه الغالب في اللباس ، فيفهم أنّ العبرة بنفس المادة على اختلاف هيئاتها من غير دخل للتصفية.
كما أنّ التعبير بالقز في نصوص جواز الحشو من أجل أنّه الغالب في الحشو كما في الصوف والقطن ، فإنّ الذي ينسج ثوباً هو المصفّى ، والذي يجعل حشواً غير المصفّى. فاذا ثبت جواز الحشو بالقز ، ثبت الجواز بالإبريسم أيضاً. ونتيجة ذلك ارتكاب التخصيص في نصوص المنع والالتزام بعدم الجواز إلا حشواً ، فيجوز الحشو مطلقاً ، كما لا يجوز اللبس مطلقاً حتى قبل النسج كما في الملبّد. هذا كلّه بالنظر إلى الروايات.
وأمّا بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة مع الغض عن نصوص المقام فالظاهر أنّ مقتضاها هو الجواز أيضاً ، لا من أجل أنّ النهي عن لبس الحرير يختص بالمنسوج كما احتمله بعضهم لمنافاته لإطلاق اللبس الشامل لغير المنسوج أيضاً كالملبّد ، ولا من أجل اختصاص النهي باللباس غير الصادق قبل النسج فإنّ صحيحة محمد بن عبد الجبّار المتقدّمة (1)الناهية عن الصلاة في الحرير مطلقة من حيث اللباس وغيره ، فإنّ المنهي عنه إنّما هو ظرفية الحرير للمصلّي وإحاطته به ، سواء أصدق عليه اللباس أم لا.
بل من أجل اختصاص المنع بحرير تتم الصلاة فيه ، وعدم شموله لما لا تتم كما سبق (2). ومن الظاهر أنّ الحرير غير المنسوج مما لا تتم الصلاة فيه ، للزوم كون الساتر الصلاتي ثوباً منسوجاً يخرج به عن كونه عارياً ، ولا يكفي مطلق الستر كيف ما اتفق ولو بظلمة أو الالتفاف بقطن أو صوف ونحوهما مما يمنع عن الرؤية ، فإنّ ذلك وإن كان كافياً في الستر التكليفي عن الناظر المحترم إلا
[1298] مسألة 30 : لا بأس بعصابة الجروح والقروح وخرق الجبيرة وحفيظة المسلوس والمبطون إذا كانت من الحرير (1).
[1299] مسألة 31 : يجوز لبس الحرير ممّن كان قَمِلاً على خلاف العادة لدفعه (2).
أنّ المعتبر في الصلاة أن لا يكون عارياً ، وبما أنّ العاري في مقابل اللابس فيعتبر أن يكون لابساً للساتر المنسوج ، إذ بدونه لا يخرج عن العراء كما لا يخفى.
وعليه فالحرير غير المنسوج بما أنّه مما لا تتم الصلاة فيه فلا مانع من الحشو به والصلاة فيه.
(1) لوضوح أنّ هذه الأُمور مما لا تتم الصلاة فيه وحدها ، وقد تقدّم (1)اختصاص المنع بما تتم.
(2) ويستدلّ للجواز تارة بمرسلة الصدوق قال : « لم يطلق النبي صلی اللّه عليه وآله لبس الحرير لأحد من الرجال إلا لعبد الرحمن بن عوف ، وذلك أنّه كان رجلاً قملاً » (2).
واخرى بما ورد من طرق العامّة أنّ النبي صلی اللّه عليه وآله رخّص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لما شكوا اليه القمل (3).
وفيه : مضافاً إلى التدافع بينهما في الحصر في ابن عوف وعدمه ، أنّ ضعفهما يمنع عن الاعتماد عليهما. ودعوى الانجبار بعمل المشهور ممنوعة صغرى وكبرى.
لكن الحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى النص ، لسقوط التحريم بدليل نفي الحرج ، بعد وضوح أنّ تحمّل الأذيّة من ناحية القمل زيادة على
والظاهر جواز الصلاة فيه (1)حينئذ (1).
[1300] مسألة 32 : إذا صلى في الحرير جهلاً أو نسياناً فالأقوى عدم وجوب الإعادة وإن كان أحوط (2).
[1301] مسألة 33 : يشترط في الخليط أن يكون ممّا تصحّ فيه الصلاة كالقطن والصوف ممّا يؤكل لحمه ، فلو كان من صوف أو وبر ما لا يؤكل لحمه لم يكف في صحة الصلاة ، وإن كان كافياً في رفع الحرمة (3) ويشترط أن يكون بمقدار
المتعارف حرجي يسقط معه التكليف وإن لم يبلغ حدّ الاضطرار ، فيجوز لبس الحرير حينئذ ما لم تكن له مندوحة من لبس الفنطاز أو النايلون المتداول في العصر الحاضر.
(1) هذا مشكل ، بل ممنوع جدّاً ، لما تقدّم سابقاً (2)من أنّ كلا من الحرمة التكليفية والوضعية قد ثبت بدليل مستقل ، فالتخصيص في أحدهما بدليل خاص كحالة الحرب أو عام كالحرج لا يستوجب التخصيص في الآخر. فلا مناص إذن من النزع حالة الصلاة ، إلا إذا فرض ولو نادراً حصول الاضطرار أو الحرج حتى في هذه الحالة.
(2) لحديث لا تعاد الشامل للجاهل والناسي ، وإن خصّه المحقق النائيني قدسسره بالثاني (3). نعم يختص الحكم بمن كان جهله عذراً له كالجاهل بالموضوع أو بالحكم عن قصور ، فلا يشمل غير المعذور كالجاهل بالحكم عن تقصير ، فإنّه ملحق بالعامد. وتمام الكلام في محلّه (4).
(3) إذ المانعية كالحرمة تتبعان المحوضة ، فترتفعان بارتفاعها ، لكن الاولى
يخرجه عن صدق المحوضة ، فاذا كان يسيراً مستهلكاً بحيث يصدق عليه الحرير المحض لم يجز لبسه ، ولا الصلاة فيه ، ولا يبعد كفاية العشر في الإخراج عن الصدق.
[1302] مسألة 34 : الثوب الممتزج إذا ذهب جميع ما فيه من غير الإبريسم من القطن أو الصوف لكثرة الاستعمال وبقي الإبريسم محضاً لا يجوز لبسه بعد ذلك (1).
[1303] مسألة 35 : إذا شك في ثوب أنّ خليطه من صوف ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل فالأقوى جواز الصلاة فيه (2) وإن كان الأحوط الاجتناب عنه.
[1304] مسألة 36 : إذا شك في ثوب أنّه حرير محض أو مخلوط جاز لبسه والصلاة فيه على الأقوى (3).
تثبت بعنوان الخليط نفسه وإن ارتفعت بعنوان الحرير الخالص. وبقيّة ما في المسألة ظاهر ، لوضوح أنّ المدار في الخلط والاستهلاك بالصدق العرفي.
(1) لعود الخلوص الذي هو الموضوع للتحريم ، فيعود حكمه.
(2) إذ لا يحتمل المنع من ناحية الحرير بعد العلم بالخلط والخروج عن الخلوص الذي هو الموضوع للحكم ، فيبقى احتمال كون الخلط من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فيندرج في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك ، وقد تقدّم بنطاق واسع أنّ الأقوى هو الجواز.
(3) لما عرفت من أنّ الموضوع للمنع في الحكم التكليفي والوضعي هو الحرير الخالص ، وحينئذ فان بنينا على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية كما هو الصواب ثبت به عدم كون الخليط حريراً ، وبذلك يحرز عدم الخلوص فينتفي الموضوع.
وإن أنكرنا ذلك كان المرجع أصالة البراءة عن حرمة لبسه وعن مانعية مثل هذا اللباس وتقيّد الصلاة بعدم الوقوع فيه ، بناءً على أنّها المرجع في الأقل
[1305] مسألة 37 : الثوب من الإبريسم المفتول بالذهب لا يجوز لبسه ولا الصلاة فيه (1).
[1306] مسألة 38 : إذا انحصر ثوبه في الحرير فان كان مضطراً إلى لبسه لبرد أو غيره فلا بأس بالصلاة فيه (1)(2) وإلاّ لزم نزعه ، وإن لم يكن له ساتر غيره فيصلّي حينئذ عارياً ، وكذا إذا انحصر في الميتة أو المغصوب أو الذهب ، وكذا إذا انحصر في غير المأكول ، وأمّا إذا انحصر في النجس فالأقوى جواز الصلاة فيه وإن لم يكن مضطراً إلى لبسه ، والأحوط تكرار الصلاة ، بل وكذا في صورة الانحصار في غير المأكول ، فيصلّي فيه ثم يصلّي عارياً.
والأكثر الارتباطيين ، وقد تقدّم البحث حول ذلك مستوفى في مبحث اللباس المشكوك (2).
وتوهّم التمسك بأصالة عدم وجود غير الحرير في هذا اللباس الذي يقطع بكون بعضه حريراً كما ترى ، ضرورة أنّه لا يثبت به الخلوص الذي هو الموضوع للحكم إلا على القول بالأصل المثبت ، ولا نقول به.
(1) فإنّه وإن لم يكن منع من ناحية لبس الحرير بعد فرض خلطه وانتفاء الخلوص ، إلا أنّه مصداق للبس الذهب المحرّم في نفسه والمانع عن صحة الصلاة ، سواء كان محضاً أم كان فتيلاً ، وسواء أكان المفتول حريراً أم غيره من قطن أو صوف ونحوهما.
ومنه تعرف أنّ ربط هذه المسألة بالمقام غير واضح ، لما عرفت من عدم الفرق في المزيج بين الحرير وغيره. ولعلّ الأنسب ذكرها في فروع لبس الذهب كما لا يخفى.
(2) لا ريب في سقوط الحرمة التكليفية والوضعية فيما إذا كان الاضطرار
مستوعباً لتمام الوقت ، لدليل نفي الاضطرار ، ولما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال.
وأمّا مع عدم الاستيعاب فالتكليفية وإن كانت ساقطة حال العذر ، لما ذكر لكن الوضعية لا وجه لسقوطها بعد عدم الاضطرار إليها ، إذ الواجب إيقاع الصلاة في ساتر غير حرير في مجموع الوقت المحدود بين المبدأ والمنتهى ، وهو قادر عليه على الفرض ، والقطعة من الوقت التي يضطر إلى لبسه فيها لا تجب الصلاة فيها بخصوصها. فما هو الواجب غير مضطر إلى تركه ، والمضطر اليه ليس بمصداق للواجب.
نعم ، لو قلنا بتبعية المانعية للحرمة من جهة انصراف دليلها إلى اللبس المحرم كما قيل اتجه السقوط حينئذ ، لكن التبعية ممنوعة كما سبق (1).
وبالجملة : كلّ من الحرمة والمانعية قد ثبتت بدليل مستقل ولا تبعية ولا تلازم بينهما لا رفعاً ولا وضعاً. ودليل رفع الاضطرار لا يترتّب عليه إلا رفع الإثم ، وهو لا يستلزم رفع المانعية. فإطلاق دليلها محكّم.
ثم إنّه قد تعرّض في المتن لعدة فروع تتضمن دوران الأمر بين الصلاة عارياً أو في ثوب مقرون بأحد الموانع ، من كونه حريراً ، أو مغصوباً ، أو ممّا لا يؤكل أو ميتة ، أو نجساً ، واختار في جميعها تقديم الصلاة عارياً ما عدا الأخير فرجّح الصلاة في النجس ، وقد مرّ الكلام حوله في بحث النجاسات (2)وذكرنا أنّ ما أفاده قدسسره هو الصحيح ، وإن كان على خلاف المشهور.
وكيف كان ، فالكلام فعلاً متمحّض فيما عدا الأخير من صور الدوران فنقول : صور الدوران ثلاث :
الاولى : ما إذا دار الأمر بين رعاية الستر وبين الاجتناب عن الحرام النفسي
من غير استتباعه لحرمة وضعية ، وهذا كما إذا انحصر الثوب في المغصوب ، بناءً على أنّ حرمة الشرط لا تسري إلى المشروط ولا توجب فساد العبادة ، فإنّ مصداق الشرط وهو الساتر وإن كان حراماً حينئذ لكونه غصباً لكنّه لا يستوجب فساد المشروط. فبناءً على هذا المسلك الذي تعرّضنا له في الأُصول في بحث النهي عن العبادة (1)ليس في البين إلا الحرمة التكليفية الصرفة غير المقرونة بالوضع.
ويلحق بهذا القسم ما إذا كان التكليف مقروناً بالوضع لكن الحرمة الوضعية أعني المانعية كانت تابعة للتكليفية ودائرة مدارها ، من دون أن يكون لها دليل مستقل عداها. وهذا كما لو قلنا بالسراية في الفرض المزبور.
الصورة الثانية : ما لو دار الأمر بين التحفّظ على الستر أو [ عدم ] ارتكاب المانع ، من دون أن تكون هناك حرمة تكليفية أصلاً عكس الصورة الأُولى ، كما لو انحصر الثوب فيما لا يؤكل ، فانّ لبسه جائز في نفسه حتى حال الصلاة مع قطع النظر عن الحرمة التشريعية حينئذ. فلا حرمة فيه إلاّ وضعاً.
ويلحق به ما لو كان الثوب من الميتة ، بناءً على جواز الانتفاع بها فيما عدا البيع كما هو الصحيح.
الصورة الثالثة : ما لو دار الأمر بينه وبين [ عدم ] ارتكاب ما هو محرّم نفساً ووضعاً ، مع ثبوت كلّ منهما بدليل مستقل من دون استتباع بينهما ، كما لو انحصر الثوب في الحرير ، فإنّه حرام نفساً ، ومانع عن الصلاة من دون أن تكون المانعية تابعة للحرمة كما تقدّم (2).
أمّا الصورة الاولى : فلا ريب في اندراجها في كبرى التزاحم ، إذ لا تنافي بين شرطية الستر وحرمة الغصب في مقام الجعل كي يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر ، وإنّما التنافي ناشئ من عجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال
الذي هو المناط في التزاحم ، وعليه فلا بدّ من ملاحظة مرجّحات هذا الباب ومقتضاها تقديم حرمة الغصب والإتيان بالصلاة عارياً ، فانّ حرمته فعلية مطلقة غير مشروطة بشيء ، بخلاف الستر فإنّه مشروط بالتمكّن من الساتر والقدرة عليه ، كما يكشف عنه ما دلّ على لزوم الصلاة عارياً لدى العجز عن الساتر ، فإنّه كاشف عن اختصاص اشتراط الساتر بالقادر ، ولا ريب في تقدّم المطلق على المشروط ، لانعدام موضوع الثاني بالأوّل ، إذ هو مشروط بالقدرة كما عرفت. وإطلاق النهي عن الغصب سالب لها ومعجّز عنها بعد ملاحظة أن الممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً ، فلا فرق بين عدم وجود الساتر رأساً أو وجوده والمنع عن التصرف فيه شرعاً.
وبعبارة اخرى : القدرة المعتبرة في حرمة الغصب عقلية ، وفي وجوب الستر شرعية ، ولا ريب في تقدّم الاولى على الثانية كما حرّر في مرجّحات باب التزاحم (1).
فالمقام بعينه نظير ما إذا انحصر الماء بالمغصوب ، فكما ينتقل هناك إلى التيمّم ، لأنّ الوضوء مشروط شرعاً بالتمكّن من الماء على ما يستفاد من نفس الآية المباركة (2)بقرينة ذكر المريض ، ببيان تقدّم في محلّه (3)والنهي عن التصرّف في الماء المغصوب سالب للتمكّن ورافع للقدرة على استعماله شرعاً فلا يكون واجداً للماء ، فكذا ينتقل في المقام إلى الصلاة عارياً بعين الملاك ، من دون فرق بينهما أصلاً.
وممّا ذكرنا يظهر فساد ما عن مفتاح الكرامة من ترجيح الصلاة في الساتر المغصوب ، بدعوى أنّ الترديد ليس بين ارتكاب الغصب وترك الستر فحسب بل تركه وترك الركوع والسجود ، إذ العاري وظيفته الإيماء إليهما ، ولا ريب أنّ
الركوع والسجود أهم ، فإنّهما ثلثا الصلاة كما يكشف عنه قوله عليهالسلام : « الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود » (1)فيتقدّم. فاللازم الصلاة مع رعاية الستر والركوع والسجود وإن استلزم التصرّف في الغصب لأهمّيتها منه قطعاً ، ولا أقل احتمالاً (2).
وجه الفساد : أنّ الأهمّية وإن كانت من مرجّحات باب التزاحم ، لكن موردها ما إذا كان المتزاحمان مما اعتبرت القدرة في كلّ منهما عقلاً ، وأمّا إذا اعتبرت في أحدهما عقلاً وفي الآخر شرعاً فلا ريب في تقدّم القدرة العقلية على الشرعية ، وإن كانت الثانية في أعلى مراتب الأهمّية ، لما عرفت من فناء الموضوع وسلب القدرة الشرعية مع وجود العقلية ، والمقام من هذا القبيل ، فإنّ القدرة المعتبرة في الركوع والسجود شرعيّة كنفس الستر ، حيث إنّ وجوبهما مشروط بالتمكّن من الساتر كما يكشف عنه ما دلّ على أنّ من لم يتمكن من الساتر وظيفته الإيماء إليهما ، وأنّ من لم يتمكّن من رعاية الستر وظيفته الصلاة عارياً ، فمن دليل جعل البدل لدى العجز يستكشف تقيّد المبدل عنه بالقدرة شرعاً.
وبالجملة : لا مجال للترجيح بالأهمّية في مثل المقام ، بل اللازم تقديم القدرة العقليّة على الشرعية ، ومقتضاه تعيّن الصلاة عارياً كما عرفت.
وأمّا الصورة الثانية : أعني الدوران بين فوات الشرط بأن يصلّي عارياً مومئاً ، وبين الاقتران بالمانع فقط من دون حرمة نفسيّة كانحصار الثوب فيما لا يؤكل أو في الميتة على القول بجواز الانتفاع بها. فالمشهور إدراج ذلك في باب التزاحم ، وتبعهم شيخنا الأُستاذ قدسسره (3)فراعوا مرجّحات هذا الباب من إعمال الأهمّية وغيرها.
لكنّا ذكرنا غير مرّة خروج هذه الموارد ونحوها من صور تعذّر المركّبات عن باب التزاحم واندراجها في باب التعارض ، لعدم تعقّل المزاحمة بين أجزاء المركّب وشرائطه وموانعه ، إذ التزاحم لا يكون إلا بين تكليفين نفسيين مستقلّين يشتمل كلّ منهما على ملاك في نفسه ، وأمّا في باب المركّبات فليس في موردها إلا تكليف وحداني متعلّق بالمركّب ، وأمّا الأوامر الغيريّة فكلّها إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية بمقتضى الارتباطية الملحوظة بينها ، فليس هناك إلاّ ملاك واحد قائم بالمجموع.
وعليه فمقتضى القاعدة الأوّلية عند تعذّر جزء أو شرط أو مانع سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب رأساً من جهة العجز ، فانّ المقيّد متعذّر بتعذّر قيده ، إلاّ أنّه في خصوص باب الصلاة علمنا من الخارج بدليل الإجماع والضرورة أنّ الصلاة لا تسقط بحال ، فبعد سقوط الأمر الأوّل نستكشف من هذا الدليل تعلّق أمر جديد بالباقي من الأجزاء والشرائط والموانع الممكن إتيانها ، لكن متعلّق هذا الأمر مردّد بين ما تركّب من هذا القيد أو من ذاك.
ففي المقام يتردد الواجب بين أن يكون هي الصلاة عارياً مومئاً ، أو ساتراً مع الركوع والسجود وإن وقعت فيما لا يؤكل ، فالشك إنّما هو في المجعول الشرعي والوظيفة المقرّرة في هذا الظرف ، وأنّ الشارع هل ألغى شرطية الستر حينئذ أو ألغى المانعية لما لا يؤكل ، فالترديد في مقام الجعل وما اعتبره الشارع من رعاية الشرطية أو المانعية لا في مرحلة الامتثال من جهة العجز. وواضح أنّ مثله داخل في باب التعارض ، فتقع المعارضة حينئذ بين إطلاق دليل الشرطية وإطلاق دليل المانعية ، فلا بدّ من إعمال قواعد باب التعارض ورعاية مرجّحاته ، دون الرجوع إلى مرجّحات باب التزاحم من ملاحظة الأهمّية ونحوها.
وقد ذكرنا في محلّه أنّ الإطلاقين المتعارضين إن كانا على نحو يقدّم أحدهما على الآخر عرفاً ، بحيث صلح أن يكون بياناً ، كما لو ثبت أحدهما بدليل لفظي
والآخر بدليل لبّي قدّم ما حقّه التقديم (1)، ومن هنا ذكرنا أنّه لو دار الأمر بين ترك القيام أو ترك الطمأنينة تعيّن الصلاة قائماً ، لأنّ الأوّل ثبت بدليل لفظي وهو قوله عليهالسلام : « إذا قوي فليقم » (2)والثاني بدليل الإجماع ، والمتيقّن منه غير صورة الدوران.
وإذا تكافأ الإطلاقان من غير ترجيح في البين سقطا بالمعارضة لا محالة. وحينئذ فان علمنا إجمالاً بلزوم رعاية إحدى الخصوصيتين المفروض تعذّر الجمع بينهما كالستر وعدم الوقوع فيما لا يؤكل مثلاً لزم التكرار ، عملاً بقاعدة الاشتغال ، فيصلّي عارياً مومئاً تارة ، وفيما لا يؤكل اخرى. وأمّا إذا لم يعلم بذلك كما هو الغالب ، فانّ فرض العلم الإجمالي نادر جدّاً كما لا يخفى فتنتهي النوبة إلى الأصل العملي ، ومقتضاه الرجوع إلى البراءة عن كلّ من الخصوصيتين ، فانّ تعيّن اعتبار خصوص الستر كاعتبار خصوص المانعية في هذه الحالة مشكوك يدفع بأصالة البراءة ، ونتيجته التخيير بين الأمرين ، فلا يجب الجمع بينهما لفرض التعذّر ، ولا يجوز تركهما لعدم الاضطرار ، والضرورات تقدّر بقدرها ، فيتخيّر في الأخذ بأحدهما وترك الآخر ، هذا حكم كبرى المسألة.
وأمّا التطبيق على المقام ، أعني الدوران بين الصلاة عارياً مومئاً وبين إيقاعها فيما لا يؤكل ، فلا ريب في تعيّن الأوّل ، لتقدّم دليل المانعية على دليل شرطية الستر ودليل جزئية الركوع والسجود.
أمّا الأوّل : فلأنّ دليل المانعية ناظر إلى دليل الساتر ومقيّد لإطلاقه ومحدّد لموضوعه ، فهو شارح للمراد منه ، وأنّه يعتبر فيه أن لا يكون مما لا يؤكل فغير المأكول وجوده كعدمه في عدم تحقّق الستر الصلاتي به.
ومنه يظهر وجه تقدّمه على الثاني ، إذ الركوع والسجود وظيفة من يتمكّن
[1307] مسألة 39 : إذا اضطر إلى لبس أحد الممنوعات من النجس وغير المأكول ، والحرير ، والذهب ، والميتة ، والمغصوب ، قدم النجس على الجميع ، ثمّ غير المأكول ، ثم الذهب والحرير ويتخيّر بينهما ، ثم الميتة (1)فيتأخّر المغصوب عن الجميع (1).
من الساتر ، وإلا فالعاري وظيفته الإيماء إليهما. وعليه فدليل المانعية رافع لموضوع وجوب الركوع والسجود ، إذ يتحقّق به عدم التمكّن من الستر المعتبر في الصلاة ، فلا موضوع لهما.
وإن شئنا عبّرنا بحكومة دليل مانعية الصلاة فيما لا يؤكل على دليل وجوب الركوع والسجود ، لارتفاع موضوعهما به ، بل وعلى دليل وجوب الستر ، لنظره وكونه شارحاً للمراد منه كما مرّ.
فتحصّل : أنّ المتعيّن في هذه الصورة تقديم دليل المانعية ، فيصلّي عارياً مومئاً.
ومما ذكرنا يظهر الحال في الصورة الثالثة ، أعني ما لو دار الأمر بين الصلاة عارياً وبين إيقاعها في مانع مع حرمته نفساً أيضاً من دون استتباع بينهما ، كما لو انحصر ثوبه في الحرير ، فانّ هذه الصورة هي مجمع للصورتين المتقدّمتين ، ولا تزيد عليهما بشيء ، فإنّها من حيث الحرمة النفسية ملحقة بالصورة الأُولى ومن حيث الوضعية ملحقة بالثانية ، فهي ملحقة بباب التزاحم من جهة وبباب التعارض من جهة أُخرى ، وحيث حكمنا في الصورتين بتعيّن الصلاة عارياً مومئاً وإن كان ذلك بملاكين كما عرفت مفصّلاً ، ففي المقام أيضاً كذلك ، بل بطريق أولى كما لا يخفى.
(1) تقدّم الكلام فيما إذا انحصر اللباس في ثوب يحرم لبسه في الصلاة
1) (*) الظاهر تقديم الميتة وغير المأكول على الذهب والحرير ويتخير بينهما إذا كانت الميتة ميتة مأكول اللحم ، وإلا قدم غير المأكول.
تكليفاً ، أو وضعاً ، أو هما معاً من دون اضطرار إلى أصل اللبس ، بأن تمكّن من الصلاة عارياً.
وأمّا إذا لم يتمكّن فاضطرّ إلى لبس أحد الممنوعات في الصلاة فقد ذكر في المتن أنّه يقدّم النجس أولاً ، ثم غير المأكول ، ثم الحرير والذهب مخيّراً بينهما ، ثم الميتة ثم المغصوب.
أقول : أمّا تقدّم النجس على الجميع فظاهر بناءً على ما عرفت من جواز الصلاة فيه حتى مع عدم الاضطرار إلى اللبس والتمكّن من الصلاة عارياً ، فمع الاضطرار بطريق أولى. وأمّا على المبنى الآخر فحكمه حكم الميتة وغير المأكول الذي ستعرفه.
وأمّا بقية المذكورات فصور الدوران بينها ثلاثة.
الاولى : أن يدور الأمر بين ارتكاب أحد مانعين من دون حرمة نفسيّة في شيء منهما ، كما لو دار الأمر بين الصلاة في غير المأكول أو في الميتة بناءً على جواز الانتفاع بها في غير البيع كما هو الصحيح.
الثانية : أن يدور الأمر بين ارتكاب مانع وبين حرام نفسي من دون تضمّنه للمانعية ، أو لو كانت فهي تابعة للحرمة النفسية كما لو دار الأمر بين غير المأكول أو الميتة وبين المغصوب.
الثالثة : أن يدور بين محرّم نفساً ووضعاً وبين الحرام النفسي مع حرمته وضعاً أيضاً مستقلا ، كما في الدوران بين الذهب والحرير ، أو تبعاً كما لو دار بين أحدهما وبين المغصوب ، أو مع عدم الحرمة الوضعية أصلاً كما في المثال لو قلنا بعدم السراية.
أمّا الصورة الأُولى : فقد عرفت اندراجها في باب التعارض ، وأنّه بعد سقوط الأمر المتعلّق بالمركّب لمكان التعذّر واستكشاف أمر جديد متعلّق بالباقي بدليل عدم سقوط الصلاة بحال يتردّد المجعول في هذه الحالة بين أن
يكون هو اعتبار المانعية لخصوص الميتة أو لخصوص غير المأكول ، وحيث لا علم إجمالي غالباً بإحدى الخصوصيتين كي يستلزم التكرار فالمرجع أصالة البراءة عن كلّ منهما ، فيتخيّر في الصلاة في أيّ منهما شاء.
وبالجملة : فالمقام كغيره من سائر المركّبات التي يتعذّر الجمع بين جميع خصوصياتها ، خارج عن باب المزاحمة رأساً كما مرّ توضيحه في المسألة السابقة. فلا وجه لملاحظة الأهمّية ، بل هي من صغريات باب التعارض فلا بدّ من إعمال قواعد هذا الباب ، ومقتضاها التخيير في المقام كما عرفت.
ومنه يظهر أنّه لا وجه لتأخير الميتة عن غير المأكول فضلاً عن الذهب والحرير كما صنعه في المتن بل هي وغير المأكول في عرض واحد.
ومن الغريب أنّه قدسسره مع اعترافه بجواز الانتفاع بالميتة ، وعدم حرمتها إلا وضعاً لا تكليفاً كغير المأكول كيف أخّرها عنه مع تساويهما من جميع الجهات ، وحديث الأهمّية قد عرفت أنّه لا موضوع لها في أمثال المقام.
وأمّا الصورة الثانية : أعني الدوران بين غير المأكول أو الميتة وبين المغصوب ، فلا ريب في اندراجها في باب التزاحم ، لعدم التنافي في مقام الجعل بين النهي عن الغصب وبين اعتبار المانعية لأحدهما في الصلاة ، غايته أنّ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما في مقام الامتثال ، لفرض الاضطرار إلى أحد اللبسين ، فلا بدّ من رعاية مرجّحات هذا الباب.
وحيث أنّ القدرة المعتبرة في الغصب عقلية ، وفي المانعية المعتبرة لأحدهما في الصلاة شرعية كما أُشير إليه سابقاً (1)، بل إن كافة القيود المعتبرة في الصلاة من الوجودية والعدمية الراجعة إلى الأجزاء والشرائط والموانع كلّها مما اعتبرت فيها القدرة شرعاً ، كما يقتضيه دليل جعل البدل لها بأسرها بمراتبه النازلة ، الكاشف عن تقيّد المبدل عنه شرعاً بفرض التمكّن ، وقد تقرّر في
1) في ص 379.
محلّه (1)أنّ ما اعتبرت فيه القدرة عقلاً مقدّم على ما اعتبرت فيه شرعاً في المتزاحمين ، لارتفاع موضوع الثاني بالأوّل ، وكونه بمثابة الدليل الحاكم كما أشرنا إليه قريباً كان اللازم في المقام تعيّن الصلاة في الميتة أو في غير المأكول وعدم جوازها في المغصوب.
وأمّا الصورة الثالثة : فيظهر الحال فيها ممّا مرّ ، فإنّها مجمع للصورتين المتقدّمتين ، فاذا دار الأمر بين الذهب والحرير فمن حيث المانعية ملحقة بالصورة الأُولى ، فهي مندرجة في باب التعارض وحكمه التخيير ، دفعاً لاحتمال المانعية لخصوص كلّ منهما بأصل البراءة كما عرفت. ومن حيث الحرمة النفسية ملحقة بباب التزاحم ، وحيث لا ترجيح فالحكم أيضاً هو التخيير. كما أنّ نسبة الحرمة النفسية من كلّ منهما إلى الوضعية في الأُخرى على حدٍ سواء ، فلا ترجيح بوجه من الوجوه.
وإذا دار بين أحدهما وبين المغصوب فمن حيث المانعية في الغصب على القول بها ، وإن كانت تابعة تقع المعارضة بينها وبين المانعية في أحدهما ، فمن هذه الجهة الحكم هو التخيير ، وأمّا من حيث الحرمة النفسية فهما من باب المتزاحمين ، والقدرة المعتبرة فيهما عقلية كما لا يخفى ، فتصل النوبة إلى الترجيح بالأهمّية ، وحيث إن حرمة الغصب أهم من حرمة لبس الذهب أو الحرير ، إذ ليس في موردهما إلاّ حقّ اللّه تعالى فقط ، وأمّا الغصب فارتكابه يتضمّن تضييع حقّ الناس زائداً على حقّه تعالى ، فالمتعيّن تركه والصلاة في أحدهما.
وبعبارة اخرى : حرمة الغصب نفساً تتزاحم مع كلّ من التحريمين الثابتين للذهب والحرير النفسي والوضعي ، وتقدّم عليهما بملاكين ، فإنّها تتقدّم على حرمتهما النفسية بملاك الأهمية ، وعلى حرمتهما الوضعية بملاك تقدّم القدرة العقلية على الشرعية كما ظهر وجهه ممّا بيّناه.
1) مصباح الأُصول 3 : 358.
[1308] مسألة 40 : لا بأس بلبس الصبي الحرير (1) فلا يحرم على الولي إلباسه إيّاه ، وتصحّ صلاته فيه (1)بناء على المختار من كون عباداته شرعية.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه : أنّ النجس مقدّم على الجميع ، من جهة النصّ المسوّغ للصلاة فيه عند الانحصار حتى مع عدم الاضطرار كما تعرّضنا له في محلّه (2)وبعده غير المأكول والميتة مخيّراً بينهما ، ثم الذهب والحرير مخيّراً بينهما أيضاً ، ثم المغصوب.
(1) لقصور المقتضي للمنع ، فإنّ الأخبار الناهية عن اللبس خاصّة بالرجال ، مضافاً إلى حديث رفع القلم عن الصبي (3). وعليه فلا يحرم إلباسه إياه على الولي كما هو ظاهر.
وأمّا صلاته فيه بناءً على شرعيّة عباداته فقد حكم في المتن بالصحة. لكنّه مشكل جدّاً بعد إطلاق قوله عليهالسلام : « لا تحلّ الصلاة في حرير محض » (4)الشامل للبالغ وغيره. ومن الظاهر أنّ الحلّية في الرواية يراد بها الوضعية ، دون التكليفية كي تختصّ بالأوّل.
وواضح أيضاً أن لا تلازم بين المانعية والحرمة في الحرير وكذا الذهب بعد ثبوت كلّ منهما بدليل مستقل ، وعدم تبعية أحدهما للآخر كما في الغصب فارتفاع الإثم بدليل خاص كما في المقام لا يقتضي ارتفاع المانعية بعد إطلاق دليلها كما عرفت.
ودعوى انصراف المانعية إلى خصوص اللبس المحرّم في نفسه المفقود في
[1309] مسألة 41 : يجب تحصيل الساتر للصلاة ولو بإجارة أو شراء (1). ولو كان بأزيد من عوض المثل ما لم يجحف بماله ولم يضر بحاله ، ويجب قبول الهبة أو العارية ما لم يكن فيه حرج ، بل يجب الاستعارة والاستيهاب كذلك.
[1310] مسألة 42 : يحرم لبس لباس الشهرة (1)بأن يلبس خلاف زيّه من حيث جنس اللباس ، أو من حيث لونه ، أو من حيث وضعه وتفصيله وخياطته كأن يلبس العالم لباس الجندي ، أو بالعكس مثلاً (2).
المقام كما في النساء وكما في الحرب أو الضرورة غير مسموعة كما مرّ سابقاً (2)فلاحظ.
(1) لوجوب تحصيل مقدّمات الواجب المطلق عقلاً ولو استلزم صرف المال ما لم يبلغ حدّ الإجحاف والإضرار بالحال ، كما لو أُريد بأضعاف قيمته ، فيرتفع حينئذ بدليل نفي الحرج والضرر. فلو اهدي الساتر وجب القبول ما لم يتضمّن المنّة ، بل وجبت الاستعارة والاستيهاب ما لم تكن فيه ذلّة ، وإلا فمع المهانة أو الامتنان اللذين يشقّ تحملهما عادة يرتفع الوجوب بدليل نفي الحرج كما هو ظاهر.
(2) فسّر قدسسره لباس الشهرة بلبس الإنسان ما هو خلاف زيّه من حيث الجنس أو اللون أو سائر الخصوصيات ، ومثّل له بلبس العالم لباس الجندي أو العكس. وكأنّه استند في تحريمه إلى النهي الوارد في جملة من النصوص المذكورة في الوسائل. كمصحّح أبي أيّوب الخزّاز عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إنّ اللّه تعالى يبغض شهرة اللباس » (3).
ومرسل ابن مسكان عنه عليهالسلام قال : « كفى بالمرء خزياً أن يلبس
ثوباً يشهره ، أو يركب دابّة تشهره » (1).
ومرسل عثمان بن عيسى عنه عليهالسلام قال : « الشهرة خيرها وشرّها في النار » (2).
وخبر أبي سعيد عن الحسين عليهالسلام قال : « من لبس ثوباً يشهره كساه اللّه يوم القيامة ثوباً من النار » (3).
وخبر ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال أمير المؤمنين عليهالسلام : نهاني رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن لبس ثياب الشهرة ... » إلخ. وهذا الأخير مذكور في باب 17 من أحكام الملابس الحديث 5 الوسائل (4).
لكن هذه الأخبار مضافاً إلى ضعف أسانيد ما عدا الأوّل منها إمّا من جهة الإرسال ، أو وجود سهل بن زياد في الطريق كما في الأخير ، أو محمد بن سنان كما فيما قبله. تتطرّق المناقشة في دلالتها على النهي عن لباس الشهرة بالمعنى الذي فسّره الماتن ، فانّ الظاهر من هذه الأخبار كون الممنوع لبس ما يوجب اشتهار لابسه بين الناس ، بحيث يعرف به ويكون مميّزا له عمّا عداه ، كأن يلبس الإنسان عمامة حمراء أو ذات حنكين أو الفروة مقلوبة ونحو ذلك ممّا يكون معرّفاً للشخص ويشار إليه بالبنان ، فيوجب اشتهاره بين الناس لامتيازه عنهم.
ومن الواضح أنّ مجرّد لبس ما هو خلاف الزي لا يقتضي ذلك ، فلو لبس العالم لباس الجندي أو بالعكس ودخل في بلدة غريبة لا يشتهر بذلك ، لمساواته في اللبس مع أهل ذاك اللباس ، بخلاف لبس مثل العمامة الحمراء الموجب للاشتهار حيثما كان ، لاختصاصه به وعدم اشتراك غيره معه.
وبالجملة : الخروج عن الزي شيء والاشتهار باللباس شيء آخر ، والنسبة
بينهما عموم من وجه ، والأخبار إنّما تشير إلى المعنى الثاني دون الأوّل والموضوع فيها مطلق ما يوجب الاشتهار من اللباس أو الدابة وغيرهما كما يقتضيه الإطلاق في بعض تلك الأخبار ، ولا يختص بالثياب ، ولذا عنون الباب في الكافي بباب كراهة الاشتهار بين الناس.
ويؤيّد ما ذكرناه في تفسير هذه الأخبار صحيح حماد بن عثمان قال : « كنت حاضراً لأبي (1)عبد اللّه عليهالسلام إذ قال له رجل : أصلحك اللّه ذكرت أنّ علي بن أبي طالب عليهالسلام كان يلبس الخشن ، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ، ونرى عليك اللباس الجيّد ، قال فقال له : إنّ علي بن أبي طالب عليهالسلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر ، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به ، فخير لباس كلّ زمان لباس أهله .. » (2).
حيث يظهر منه أنّ المذموم ليس مجرّد الخروج عن الزي ، بأن يلبس العالم لباس الجندي أو بالعكس ولو في داره مدّة قليلة دون أن يطّلع عليه أحد ، بحيث يكون حكمه حكم لبس الرجل الذهب أو الحرير ، بل العبرة أن يشهر به بين الناس ويكون من أوصافه ونعوته التي يعرف بها كالأمثلة المتقدّمة ، فيقال مثلاً : الرجل الذي عمامته حمراء وهكذا.
ثم إنّ لباس الشهرة بالمعنى الأوّل الذي فسّره في المتن لا دليل على حرمته بل ولا قائل به فيما نعلم ، وأمّا المعنى الثاني الذي تضمّنته هذه الأخبار فلا يمكن الالتزام بحرمته أيضاً ، فإنّ الصحيحة الأخيرة المتقدّمة آنفاً لا يظهر منها أكثر من الكراهة كما لا يخفى ، وما عداها من الروايات السابقة كلّها ضعيفة السند ما عدا الاولى منها كما عرفت. والرواية الاولى وإن كانت صحيحة وبحسب الدلالة ظاهرة ، لظهور كلمة يبغض في الحرمة ، إلا أنّه لأجل عدم ذهاب الأصحاب إلى التحريم ، بل لم يعهد القول به صريحاً من أحد ، لا يمكن الالتزام
وكذا يحرم على الأحوط لبس الرجال ما يختصّ بالنساء (1) أو بالعكس (1).
به ، فإنّ الحرمة لو كانت ثابتة لكانت ظاهرة ، بل لم يقع الخلاف فيها في مثل هذه المسألة.
وعليه فالأقوى هي الكراهة ، استناداً إلى هذه الرواية أو غيرها من الأخبار على وجه.
(1) على الأشهر كما قيل ويستدلّ له بعدة من الأخبار المذكورة في الوسائل في باب 13 من أحكام الملابس.
منها : ما رواه الطبرسي في مكارم الأخلاق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه عليهالسلام وأبي الحسن عليهالسلام : في الرجل يجرّ ثيابه ، قال : « إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء » (2).
لكن الرواية ضعيفة السند ، إذ الطبرسي لا يروي عن سماعة بلا واسطة كما هو ظاهر ، فقد سقط ما بينهما فتكون مرسلة.
نعم ، رواها في الكافي بعين هذا المتن بسند صحيح (3)لكن الدلالة قاصرة فانّ الكراهة في لسان الأخبار وإن لم تكن بالمعنى المصطلح لكنّها غير ظاهرة في التحريم أيضاً ، فغايتها الدلالة على مطلق المرجوحية الصالح لكلّ منهما ، فلا تدلّ على الحرمة من دون القرينة المفقودة في المقام كما لا يخفى.
ومنها : ما رواه عنه أيضاً عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهمالسلام قال : « كان رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يزجر الرجل أن يتشبّه بالنساء ، وينهى
1) (*) على الأحوط فيما إذا تزيى أحدهما بزي الآخر ، وأما إذا كان اللبس لغاية أُخرى فلا حرمة ، ولا سيما إذا كانت المدة قصيرة.
2) الوسائل 5 : 25 / أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 1 ، مكارم الأخلاق 1 : 256 / 767.
3) الكافي 6 : 458 / 12 [ ولعله يريد كون السند معتبراً لا صحيحاً بالاصطلاح ، لأن في السند عثمان بن عيسى ، وهو واقفي ، لم يثبت رجوعه عن الوقف كما ذكره في معجم رجال الحديث 12 : 132 ].
المرأة أن تتشبّه بالرجال في لباسها » (1)وهي أيضاً ضعيفة بما عرفت.
ومنها : ما رواه عنه أيضاً عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « خير شبابكم من تشبّه بكهولكم ، وشرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم » (2). وهي مضافاً إلى ضعف السند بما مرّ أجنبية عن المقام رأساً كما لا يخفى.
وربما يستدلّ للحرمة بما رواه في الكافي عن عمرو بن شمر ، عن جابر عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله في حديث : لعن اللّه المحلّل والمحلّل له ، ومن تولّى غير مواليه ، ومن ادعى نسباً لا يعرف والمتشبّهين من الرجال بالنساء ، والمتشبّهات من النساء بالرجال ... » إلخ (3).
ونوقش فيه بعدم إرادة الإطلاق من التشبّه ، بل في خصوص التذكّر والتأنّث ، كأن يكون الشخص مخنّثاً كما يشهد له ما رواه في العلل بسنده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهالسلام : « أنّه رأى رجلاً به تأنيث في مسجد رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله فقال له : اخرج عن مسجد رسول اللّه يا من لعنه رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله ثم قال علي عليهالسلام : سمعت رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله يقول : لعن اللّه المتشبّهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال » (4).
وفيه : أنّه لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق بمثل هذه الرواية الضعيفة بحسب السند من جهة حسين بن علوان وغيره الواقع في الطريق ، البعيدة بحسب المضمون ، فانّ من به تأنيث يجب إجراء الحدّ عليه وهو القتل ، لا مجرّد الإخراج عن مسجد الرسول صلی اللّه عليه وآله فإطلاق رواية جابر الشامل لمثل اللبس محكّم.
1) الوسائل 5 : 25 / أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 2 ، مكارم الأخلاق 1 : 256 / 768.
2) الوسائل 5 : 25 / أبواب أحكام الملابس ب 13 ح 3 ، مكارم الأخلاق 1 : 257 / 769.
3) الوسائل 17 : 284 / أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 1 ، الكافي 8 : 69 / 27.
4) الوسائل 17 : 284 / أبواب ما يكتسب به ب 87 ح 2 ، علل الشرائع : 602 / 63.
والأحوط ترك الصلاة فيهما وإن كان الأقوى عدم البطلان (1)(1).
نعم ، الظاهر منها أن يكون ذلك بقصد التشبّه ، فلو لبس أحدهما ما يختصّ بالآخر من دون القصد المزبور ، بل لغرض آخر عقلائي ، سيما إذا كانت المدة يسيرة كما لو لبس الرجل حذاء زوجته في البيت لغرض التطهير أو بالعكس أو لبس أحدهما ثوب الآخر لدفع البرد ونحوه من سائر الدواعي فالرواية منصرفة عن مثل ذلك كما لا يخفى.
على أنّ الرواية في نفسها ضعيفة السند أيضاً بعمرو بن شمر ، فلا يمكن الاستدلال بها للتحريم حتى مع قصد التشبه. فالأقوى أنّ الحكم مبني على الكراهة استناداً إلى موثّقة سماعة المتقدّمة.
(1) بناءً على حرمة اللبس في الفرعين المتقدّمين أعني لباس الشهرة والتشبّه فهل تثبت المانعية له أيضاً فتبطل الصلاة فيه؟
ذهب كاشف الغطاء قدسسره إلى ذلك ، بدعوى الملازمة بين الحرمة النفسية والمانعية (2). وهي كما ترى ، لعدم الملازمة بين الأمرين ، إذ مجرّد النهي عن أمر خارج عن حقيقة الصلاة كما في المقام لا يقتضي الفساد كما هو ظاهر.
والصحيح في المقام أن يقال : إنّه إذا كان معه ساتر بالفعل غير ذاك اللباس المحرّم ، بحيث تحقّق ستر عورته فعلاً بستر مباح فلا ينبغي الارتياب في الصحة ، لتحقّق الشرط وهو الستر بحده. ومجرّد لبس ما هو محرّم الذي هو كالنظر إلى الأجنبية في الخروج عن حقيقة الصلاة لا يوجب البطلان ، لعدم الاتحاد بينه وبين شيء من أجزاء العبادة كما هو واضح.
وأمّا إذا كان الساتر الفعلي هو اللباس المحرّم ، بحيث كان هو بنفسه مصداقاً
[1311] مسألة 43 : إذا لم يجد المصلّي ساتراً حتى ورق الأشجار والحشيش فان وجد الطين (1)أو الوحل ، أو الماء الكدر ، أو حفرة يلج فيها ويتسترّ بها أو نحو ذلك ممّا يحصل به ستر العورة صلّى صلاة المختار (2)قائماً مع الركوع والسجود ، وإن لم يجد ما يستر به العورة أصلاً ، فإن أمن من الناظر بأن لم يكن هناك ناظر أصلاً ، أو كان وكان أعمى ، أو في ظلمة ، أو علم بعدم نظره أصلاً ، أو كان ممّن لا يحرم نظره اليه كزوجته أو أمته ، فالأحوط تكرار الصلاة (3)بأن يصلّي صلاة المختار تارة ومومئاً للركوع والسجود أُخرى قائماً ، وإن لم يأمن من الناظر المحترم صلّى جالساً (1).
للشرط وهو الستر ، فبناءً على ما اخترناه سابقاً من سراية حرمة الشرط إلى المشروط اتّجه البطلان ، إذ عليه يتعلّق النهي بنفس العبادة فيوجب فسادها.
وأمّا بناءً على ما اخترناه أخيراً من عدم السراية ، إذ لا مقتضي لها ، فإنّ قضية الاشتراط ليست إلا كون المأمور به الحصّة الخاصّة من الطبيعي وهي الصلاة المقارنة للستر مثلاً فكون مصداق الستر حراماً لا يستوجب عدم تحقّق تلك الحصّة الخاصّة ، فالأقوى حينئذ الصحّة وإن كان آثماً ، إلا فيما إذا كان الشرط عباديا كالطهارات الثلاث ، فانّ فسادها يقتضي فساد العبادة ، فلا يتحقّق الشرط فتبطل الصلاة للإخلال بالشرط. ولا يقاس المقام بالساتر المغصوب ، لوضوح الفرق فتدبّر جيداً.
(1) قد ذكرنا في بحث الستر والساتر أنّ الستر الصلاتي يفرق عن الستر الواجب في نفسه عن الناظر المحترم ، فإنّ الثاني يتحقّق بكلّ ما يحصل معه ستر
البشرة ، ويمنع عن بدوّ العورة وإن كان بالارتماس في الماء ، أو الدخول في الحفيرة ، أو يطلي بالطين ونحوه مما تتحفّظ معه سوأته عن وقوع النظر إليها. وهذا بخلاف الأوّل ، فإنّه يعتبر فيه ساتر خاص لدى الاختيار ، وهو ما يصدق عليه عنوان الثوب ، فلا يجزئ غيره اختياراً حتى القطن قبل صنعه ثوباً فضلاً عن ورق الأشجار والحشيش ونحوهما ، وقد استفيد ذلك من الأدلّة كما تقدّم في محلّه (1).
نعم ، مع العجز عن الثوب ينتقل إلى بدله وهو ورق الأشجار والحشيش فإنها المرتبة النازلة من الساتر كما تدلّ عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليهالسلام قال : « سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فيبقى عرياناً وحضرت الصلاة كيف يصلّي؟ قال : إن أصاب حشيشاً يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع والسجود ، وإن لم يصب شيئاً يستر عورته أومأ وهو قائم » (2).
وأمّا الدخول في الحفرة ، أو الماء الكدر ، أو الطلي بالطين ونحوه ممّا ذكر في المتن فلا عبرة بشيء منها ، لعدم الدليل على حصول الستر الصلاتي بها ، فمع العجز عن الثوب وعن الحشيش وظيفته الصلاة عارياً التي ستعرف كيفيتها وإن تمكّن من هذه الأُمور ، فإنّها كالعدم.
وممّا ذكرنا تعرف أنّ ورق الأشجار والحشيش في طول الثوب وبدل عنه فلا تجوز الصلاة فيها اختياراً مع التمكّن من الثوب ، فما يظهر من المتن من كونهما في عرض واحد في غير محلّه.
وكيف كان ، فيقع الكلام في كيفيّة صلاة العاري. وقد اختلفت فيها كلماتهم بعد الاتّفاق على عدم سقوط الصلاة عنه.
فالمشهور أنّه مع الأمن من الناظر المحترم يصلّي قائماً مومئاً للركوع
والسجود ، ومع عدم الأمن يصلّي جالساً مومئاً. وقد اختاره في المتن مع احتياطه في الشق الأوّل من التفصيل بتكرار الصلاة مع الركوع والسجود تارة وبالإيماء إليهما اخرى.
وبإزاء هذا التفصيل أقوال :
منها : التخيير بين الأمرين من غير فرق بين الأمن من المطّلع وعدمه اختاره المحقق قدسسره في المعتبر (1).
ومنها : وجوب القيام مطلقاً ، اختاره ابن إدريس (2).
ومنها : وجوب الجلوس مطلقاً ، نسب إلى السيد المرتضى قدسسره (3)وغيره ، فمجموع الأقوال أربعة :
والأقوى ما عليه المشهور ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار كما ستعرف.
وتوضيح الحال يستدعي التكلّم في مقامين :
أحدهما : في وظيفة العاري من حيث القيام والجلوس.
ثانيهما : في وظيفته من حيث الركوع والسجود أو الإيماء إليهما ، هذا لو صلّى قائماً ، وأمّا مع الجلوس فهما ساقطان عنه بلا إشكال كما ستعرف.
أمّا المقام الأوّل : فالروايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث :
إحداها : ما دلّت على وجوب القيام مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر المتقدّمة ، ونحوها موثّقة سماعة قال : « سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب وليس عليه إلا ثوب واحد فأجنب فيه وليس يجد الماء ، قال : يتيمّم ويصلّي عرياناً قائماً ، يومئ إيماء » (4)على رواية التهذيب (5).
لكن الكافي رواها بعين السند والمتن ، غير أنّ المذكور فيه قاعداً (1)بدل قائماً. فهي مضطربة المتن ، للعلم الإجمالي بصدور إحدى النسختين والاشتباه في الأُخرى. وأضبطيّة الكافي لدى الدوران لا تجري في المقام ، لأن الشيخ رواها في الاستبصار عن الكافي بلفظ قاعداً (2)فهو ملتفت إلى اختلاف النسخ وفي مثله لا تجري الأضبطيّة كما لا يخفى. فلا عبرة بالموثّقة. وهناك أخبار أُخر ضعيفة ، والعمدة هي صحيحة علي بن جعفر كما عرفت.
ثانيها : ما دلّت على تعيّن الجلوس مطلقاً كصحيحة زرارة قال « قلت لأبي جعفر عليهالسلام : رجل خرج من سفينة عرياناً أو سلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه ، قال : يصلّي إيماءً وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها ، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان إيماءً ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفهما ، تكون صلاتهما إيماءً برؤوسهما ... » إلخ (3)ونحوها غيرها. لكنّها ضعيفة السند ، والعمدة هي هذه الصحيحة.
وكأنّ المحقّق قدسسره لأجل تعارض الطائفتين وعدم ترجيح في البين حكم بالتخيير ، كما أنّ من حكم بوجوب القيام مطلقاً قدّم الطائفة الأُولى ومن أوجب الجلوس مطلقاً قدّم الثانية.
ثالثها : ما تضمّن التفصيل بين وجود الناظر المحترم فجالساً وإلا فقائماً كمرسلة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصلاة ، قال : يصلّي عرياناً قائماً إن لم يره أحد ، فإن رآه أحد صلّى جالساً » (4)ومرسلة الصدوق التي هي بعين هذا المتن (5)، وصحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي جعفر عليهالسلام : « في رجل عريان ليس عليه ثوب ، قال :
إذا كان حيث لا يراه أحد فليصلّ قائماً » (1). وبذلك يجمع بين الطائفتين المتقدّمتين بحمل الاولى على صورة الأمن من المطّلع ، والثانية على عدم الأمن وتكون هذه الأخبار شاهدة للجمع ، لأنّ النسبة بينها وبين كلّ منهما نسبة الخاص إلى العام ، فتتجّه فتوى المشهور المنصور.
لكن العمدة من هذه الأخبار إنّما هي الصحيحة الأخيرة ، فإنّ مرسلة ابن مسكان لا عبرة بها وإن كان المرسل من أصحاب الإجماع ، لما تكرّر غير مرّة من أنّ الإجماع المدّعى على تصحيح ما يصحّ عن جماعة في عبارة الكشي (2)لا يراد منه أكثر من دعوى الاتفاق على توثيقهم ، لا على قبول رواياتهم على الإطلاق ، بحيث لا ينظر إلى من بعدهم من الرواة كي تقبل وإن رووها مرسلاً أو عن ضعيف أو مجهول ، نعم لو قلنا بالمعنى الثاني أو بنينا على انجبار ضعف الخبر بالعمل كانت المرسلة معتبرة ، وشيء منهما لا نقول به.
وأمّا مرسلة الصدوق فمضافاً إلى ضعفها في نفسها من جهة الإرسال يطمأنّ عادة بأنّها هي المرسلة الاولى بعينها ، لاتحادهما متناً كما عرفت.
فالعمدة هي صحيحة ابن مسكان ، لكنّه نوقش فيها بأنّها في حكم المرسل لأنّه من أصحاب الكاظم عليهالسلام فلا يمكن روايته عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام بل قد حكى الكشي عن أبي النضر محمد بن مسعود العيّاشي عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس أن عبد اللّه بن مسكان لم يرو عن الصادق عليهالسلام إلا حديث « من أدرك المشعر فقد أدرك الحج » (3). وقال النجاشي قيل : إنّه روى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام ، وليس بثبت (4). فإذا لم تكن روايته عن الصادق عليهالسلام ثابتة ، أو لم يرو إلا رواية واحدة
فعدم روايته عن الباقر عليهالسلام بطريق أولى.
أقول : أمّا حكاية الكشي فغير قابلة للاعتماد ، لأنّ محمد بن نصير الذي هو النميري غالٍ ملعون ، ادّعى النبوة ، ووردت فيه ذموم عن العسكري عليهالسلام (1). نعم يمكن أن يراد به محمد بن نصير الكشي الذي هو شيخ الكشي لكنّه بعيد ، لكثرة رواية العيّاشي عن الأوّل. وكيف كان ، فلا أقل من احتماله فتسقط عن الاستدلال.
وأمّا ما ذكره النجاشي فهو غريب جدّاً ، فانّ روايات ابن مسكان عن الصادق عليهالسلام كثيرة لا تحصى ، وكتاب الكافي مشحون به ، وقد استقصى الأردبيلي في جامع الرواة (2)شطراً وافراً من رواياته عنه عليهالسلام مستغرباً في ذيل كلامه دعوى من قال إنه لم يرو عنه عليهالسلام إلا حديثاً واحداً.
ورواياته عنه عليهالسلام أكثر ممّا ذكره بكثير كما لا يخفى على المتتبع وعليه فروايته عن الباقر عليهالسلام ممكنة ولا استبعاد فيها بعد مساعدة الطبقة ، فإنّه مات في زمن الكاظم عليهالسلام قبل الحادثة ، فيكون موته فيما بين سنة 148 التي توفي فيها الصادق عليهالسلام وسنة 183 التي توفي فيها الكاظم ، وقد توفي الباقر عليهالسلام سنة 114 ، فمن الجائز أن يكون مدركاً له عليهالسلام في زمن صالح لروايته عنه ، لعدم إباء الطبقة عن ذلك كما لا يخفى. وقد روى هذه الرواية ثقة عن ثقة عنه ، وهو موثّق ، بل من أصحاب الإجماع كما عرفت ، يروي عن الباقر عليهالسلام على نحوٍ ظاهره الرواية عنه عليهالسلام بلا واسطة ، فلما ذا تطرح الرواية بمجرّد الاستبعاد واحتمال الإرسال مع ما عرفت من عدم البعد فيه.
على أنّا قد عثرنا على رواية أُخرى له عن الباقر عليهالسلام في باب النكاح بلفظ السماع ، قال : « سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول ... » إلخ (1)الظاهر بل الصريح في روايته عنه عليهالسلام بلا واسطة.
وعثرنا أيضاً على رواية ثالثة عنه عليهالسلام في باب الزكاة المذكورة في الصفحة السابعة من جلد الزكاة من كتاب من لا يحضره الفقيه الطبعة الجديدة (2)ولعلّنا نظفر في فحصنا الأخير لتأليف الرجال على أكثر من ذلك.
وبالجملة : فلا محيص عن الالتزام بحجيّة هذه الرواية ، وأنّها مسندة فيؤخذ بها ، وبذلك يجمع بين الطائفتين المتقدّمتين ويثبت التفصيل الذي ذكره المشهور.
تنبيه : قد روى هذه الرواية أعني رواية ابن مسكان عن الباقر عليهالسلام في الوسائل في المقام كما عرفت ، وفي الكافي عن المحاسن (3)، وفي نفس المحاسن (4)وفي البحار (5)وفي بقية الكتب الحديثية والاستدلالية حسبما لاحظناها ، ولكن رواها صاحب الوسائل في باب 46 من أبواب النجاسات الحديث 2 بعين السند والمتن عن الصادق عليهالسلام (6)والظاهر أنّه سهو إمّا من قلمه الشريف ، أو من النسّاخ ، لما عرفت. والصحيح ما أثبته في المقام.
الأوّل : الظاهر من كلمات الفقهاء ( قدس اللّه أسرارهم ) حيث عبّروا في مقام
1) الوسائل 21 : 5 / أبواب المتعة ب 1 ح 2 ، الكافي 5 : 448 / 2 ، التهذيب 7 : 250 / 1080 [ لكن في الوسائل والكافي : عن ابن مسكان عن عبد اللّه بن سليمان قال : سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول ... ].
2) الفقيه 2 : 7 / 20.
3) [ لم نعثر عليه في المصدر المذكور ].
4) المحاسن 2 : 122 / 1338.
5) البحار 80 : 212 / 3.
6) الوسائل 3 : 486 / أبواب النجاسات ب 46 ح 2 [ ولكن المذكور في الطبعة الجديدة من الوسائل : عن أبي جعفر عليهالسلام ].
التفصيل بالأمن من الناظر وعدمه إناطة الحكم بنفس الأمن ، فمعه يجب القيام وإن اتّفقت الرؤية خارجاً أثناء الصلاة ، ومع عدمه يجب الجلوس وإن لم يتّفق. وهذا كما ترى لا ينطبق على ما هو المتراءى من ظاهر الأخبار من دوران الحكم مدار نفس الرؤية الخارجية ، التي لازمها بطلان الصلاة قائماً معها حتى لو كان آمناً ، وصحّتها مع عدمها وإن لم يأمن كما لو صلّى في الشارع العام واتّفق عدم الرؤية.
ويمكن أن يقال : إنّ العمدة من الأخبار هي صحيحة عبد اللّه بن مسكان كما عرفت ، والمذكور فيها قوله : « إذا كان حيث لا يراه أحد » والظاهر من كلمة « حيث » معرضية المكان للرؤية وشأنيته لها ، وكونه بحيث يصلح لأن يراه أحد ، دون نفس الرؤية بوجودها الواقعي ، فتنطبق حينئذ على الأمن المذكور في عبارة الأصحاب ، بل عبارتهم تفسير للمعنى ونقل لمضمون الصحيحة ، بل وغيرها كما لا يخفى.
الثاني : مقتضى إطلاق الأخبار عدم خصوصية للناظر ، فيعتبر الأمن عن رؤية كلّ أحد ، لكن القرينة القطعيّة الارتكازيّة تشهد بأنّ المراد الناظر المحترم الذي يجب التستّر عنه كما عبّر به في كلمات الأصحاب ، فلا عبرة بنظر الصبي الذي هو كالحيوان ، إذ لا حرمة له ، ولا الزوجة أو الأمة ، لعدم وجوب التستّر [ عنهما ].
المقام الثاني : في وجوب الركوع والسجود أو الإيماء إليهما.
أمّا في حالة الجلوس فالظاهر عدم الخلاف بين الأصحاب في وجوب الإيماء لغير المأموم ، كما تقتضيه النصوص التي منها صحيحة زرارة المتقدّمة (1).
وأمّا في حالة القيام فالمشهور المعروف هو وجوب الإيماء أيضاً ، لكن عن
1) في ص 397.
ابن زهرة وجوب الركوع والسجود حينئذ ، مدّعياً عليه الإجماع (1). وإجماعاته كما ترى لا يعبأ بها ، سيما في مثل المقام الذي ذهب المشهور إلى خلافه. فدعواه موهونة جدّاً ، هذا.
وقد وافقه فيما ذهب إليه صاحب الجواهر قدسسره (2)مصرّاً عليه ، مستدلاً له بعد الإجماع الذي عرفت حاله بوجوه منها : الأصل.
وفيه : أنّه إن أراد به الاستصحاب فمضافاً إلى عدم الحالة السابقة ، للشك فيما هو الحادث من التكليف بعد حلول الوقت ، وأنّه الصلاة إيماءً أو مع الركوع والسجود ، ولا عبرة بالعلم بوجوبهما في وقت فريضة سابقة مع التمكّن من الساتر ، للعلم بالانتقاض فتأمّل ، أنّ الاستصحاب غير جارٍ في الشبهات الحكمية.
وإن أراد به المطلقات الدالة على وجوب الركوع والسجود فهي مقيّدة بصحيح علي بن جعفر (3)الدال على سقوطهما وبدلية الإيماء عنهما في هذه الحال ، وإن ناقش قدسسره في الصحيح بما ستعرفه مع جوابه.
ومنها : أنّ الستر الصلاتي ساقط في المقام قطعاً ، لفرض العجز ، وإنّما اللازم رعاية الستر غير الصلاتي الواجب في حدّ نفسه ، ولأجله يفصّل بين الأمن عن الناظر المحترم فقائماً وبين عدمه فجالساً. وعليه فاذا كان الستر الصلاتي ساقطاً فما الموجب إذن للإيماء ، فإنّه إنما يجب تحفظاً على هذا الستر الساقط على الفرض ، فهذا يوجب وهناً في صحيح علي بن جعفر ويسقطه عن درجة الاعتبار ، ويكون المتبع إطلاقات أدلّة الركوع والسجود.
وهذا كما ترى غريب منه جدّاً ، ولو لا مخافة التجاسر على مقامه العظيم قدسسره لقلنا إنّه منه اجتهاد في مقابل النصّ ، فإنّا إنّما نقول بوجوب الإيماء
لأجل النص الصحيح الواجب الاتّباع ، أعني صحيح علي بن جعفر.
نعم ، لولاه كان مقتضى القاعدة أعني المطلقات هو ما ذكره قدسسره لكن لا بدّ من الخروج عنها بموجب النص المقيّد لها ، لا أنّه يوهن النص بهذا النوع من الاجتهاد الصريح في خلافه. وستعرف الجواب عن موهناته الأُخر التي أوردها على النص.
ومنها : أنّ ما يستدلّ به للإيماء أمّا موثّقة سماعة أو صحيحة علي بن جعفر (1)، لضعف غيرهما سنداً. وكلاهما ليسا بشيء فإنّ الموثّق مضطرب المتن ، والصحيح موهون من وجهين :
أحدهما : تضمّنه الإطلاق من حيث الأمن وعدمه ، مع تعيّن الجلوس في الفرض الثاني نصاً وفتوى.
الثاني : أنّ مقتضى إطلاقه الإتيان بالتشهّد والتسليم قائماً ، ولم يقل به أحد ولأجل هذين الموهنين لم يرتض قدسسره ببقاء الصحيحة على ظاهرها بل تصرّف بحمل الإيماء على الانحناء المجامع لأقل مراتب الركوع.
أقول : أمّا ما أفاده قدسسره في الموثّق من الاضطراب فهو حقّ صواب كما مرّ ، لكن الدليل غير منحصر فيه ، وفي الصحيح غنى وكفاية.
وأمّا ما أفاده قدسسره من أوّل الموهنين فغايته تقييد إطلاق الصحيح بما دلّ على لزوم الجلوس مع عدم الأمن ، كصحيح عبد اللّه بن مسكان المتضمّن للتفصيل بين الأمن وعدمه كما مرّ ، والتقييد غير عزيز في الأخبار المتفرّقة في أبواب الفقه ، ولا يوجب الوهن البتة ، بل ما من خبر مطلق عدا النادر إلا وقد ورد عليه التقييد.
وأمّا الموهن الثاني فيدفعه مضافاً إلى إمكان تقييد الإطلاق بما دلّ على لزوم الإتيان بالتسليم والتشهد حال الجلوس من الإجماع ونحوه ، ومثله لا يوجب
1) المتقدمتان في ص 396 ، 395.
الوهن بوجه كما عرفت ، أنّه لا إطلاق في الصحيح من هذه الجهة أصلاً ، لعدم كونه في مقام البيان من هذه الناحية ، وإنّما هو مسوق لبيان سقوط الركوع والسجود في فرض عدم الساتر ، في قبال ما ذكره في الصدر من لزوم الإتيان بهما عند إصابة الحشيش. والتعرّض للقيام لأجل التنبيه على عدم سقوطه ولزوم مراعاته في الموارد التي يعتبر فيها القيام كحال القراءة والقيام المتّصل بالركوع ، لا لزوم الإتيان به على الإطلاق حتى عند التشهد والتسليم كي يوهن به الصحيح كما لعلّه ظاهر.
وأمّا ما أفاده قدسسره من حمل الإيماء على الانحناء المجامع للركوع والسجود فهو أفحش من سابقه ، وكيف يحمل الإيماء الصريح في الإشارة على ما يجامعهما ، مع وقوع المقابلة بينه وبين الركوع والسجود في صدر الصحيح وذيله الظاهر في المغايرة والمباينة كما لا يخفى.
على أنّه لو سلّمنا الحمل على أقل المراتب فإنّما يتم في الركوع ، لاختلاف مراتب الانحناء فيه ، وأمّا السجود فكلا ، لتقوّمه بوضع الجبهة على الأرض فليست له إلا مرتبة واحدة.
ومنها : ما ذكره قدسسره تأييداً لدعواه من مرسلة أيّوب بن نوح عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها ويسجد فيها ويركع » (1)فانّ الدخول في الحفيرة لأجل الأمن من المطّلع ، ومعه يتعيّن الركوع كما تضمّنه الخبر ، ومقتضاه أنّه إذا تحقّق الأمن خارج الحفيرة أيضاً تعيّن الركوع ، لعدم احتمال خصوصية للحفيرة.
وفيه : مضافاً إلى ضعف الخبر بالإرسال أنّه على تقدير صحة السند فغايته تقييد الإطلاق به ، ويقتصر على مورده ، ولعلّ في الحفيرة خصوصية لا نعرفها فلا وجه للتعدّي كي يوهن به الصحيح ويرفع اليد عنه.
1) الوسائل 4 : 448 / أبواب لباس المصلي ب 50 ح 2.
ومنها : تأييد الدعوى أيضاً بما سيأتي في صلاة العراة جماعة (1)من إيماء الإمام وركوع المأمومين وسجودهم كما تضمّنه النص (2)فيظهر أنّ الإيماء لا يكون إلا مع عدم الأمن كما في الإمام ، وأمّا المأمومون فحيث إنّهم مأمومون وجب عليهم الركوع والسجود. فالمناط هو الأمن وعدمه ، ولا خصوصية للجماعة في ذلك ، فيشترك معها الفرادى بعد اتحاد الملاك.
وفيه : أنّه على تقدير تسليم الحكم هناك ونسلّم كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى فهو مقصور على مورده للنصّ فيتقيد به الإطلاق ، ولا مجال للتعدّي عن الجماعة إلى غيرها.
فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ هذه الشبهات كلّها واهية لا يعبأ بها. والأقوى وفاقاً للمشهور وجوب الإيماء ، وإن احتاط فيه في المتن من أجل هذه الشبهات.
ثم إنّ الأقوى تبعاً للمشهور وعملاً بظاهر النص وجوب الإيماء للركوع والسجود في حال القيام مع فرض الأمن ، لكن عن بعض وهو السيد عميد الدين أنّه يجلس ويومئ للسجود ، وإن كان إيماؤه للركوع في حال القيام (3)ولم نعرف وجهاً لهذا التفصيل عدا قاعدة الميسور ، فكأنّ الإيماء جالساً أقرب إلى هيئة الساجد ، أو أنّ الهوي إلى السجود يتضمّن نوعاً من الجلوس ، فمع تعذّر المجموع يقتصر على الميسور.
وفيه أوّلاً : أنّ القاعدة غير تامة في نفسها ، فالكبرى ممنوعة كما تكرّر غير مرّة.
وثانياً : مع التسليم فالصغرى ممنوعة ولا مصداق لها في المقام ، إذ الجلوس ليس من مراتب السجود كي يكون ميسوراً له ، لتقوّمه بوضع الجبهة على
الأرض ، فيكون الجلوس مبايناً له عرفاً ، وليس الجلوس الذي يتضمّنه السجود واجباً في نفسه كي يقتصر عليه لدى العجز عن المجموع ، بل هو مقدّمة له يسقط بسقوطه لا محالة كما لا يخفى.
وثالثاً : مع الغضّ عما ذكر فالقاعدة إنّما يتمسّك بها مع عدم سقوط الواجب حال التعذّر كي يكون الميسور من مراتب امتثاله ، وفي المقام قد سقط الواجب وهو السجود رأساً ، وجعل بدله واجب آخر وهو الإيماء. فلا وجه لمراعاة الميسور في مثل ذلك أصلاً.
وهذا نظير ما لو تعذّر الوضوء لفقد الماء الكافي له ، فإنّه ينتقل إلى التيمم وإن كان لديه من الماء ما يكفي لغسل وجهه وإحدى يديه مثلاً ، فلا يعتبر الإتيان بهذا الوضوء الناقص بدعوى كونه ميسوراً عن الكامل ، لسقوط الوضوء في هذه الحال من أصله ، وجعل بدل آخر مكانه وهو التيمم كما هو ظاهر. وبالجملة : فهذا التفصيل ساقط.
نعم لو ذكر هذا القائل ولم يذكر أنّه يجب الجلوس للركوع والسجود معاً لأمكن توجيهه باستفادته من صحيحة زرارة المتقدّمة الآمرة بالجلوس والإيماء للركوع والسجود في قوله عليهالسلام : « ثم يجلسان فيومئان إيماءً ولا يسجدان ولا يركعان ... » إلخ (1).
لكنّه لم يقل به أحد ، ولا وجه له أيضاً ، لمنع الاستفادة ، فانّ الاستظهار المزبور مبني على أن يكون قوله عليهالسلام : « ثم يجلسان ... » إلخ بياناً لكيفيّة الإيماء بعد فرض الشروع في الصلاة قائماً. وليس كذلك ، بل ظاهره أنّه بيان لأصل كيفية الشروع في الصلاة ، فإنّه بعد فرض الخروج عن السفينة وهم عراة أو أنّهم قد سلبت ثيابهم حكم عليهالسلام إجمالاً بلزوم الصلاة إيماءً وبما أنّهم بطبيعة الحال لا يقومون إلى الصلاة بمجرّد
1) الوسائل 4 : 449 / أبواب لباس المصلي ب 50 ح 6.
وينحني للركوع والسجود (1)بمقدار لا تبدو عورته ، وإن لم يمكن فيومئ برأسه (1).
الخروج عن السفينة أو سلب الثياب ، بل يمشون أو ينتظرون حلول الوقت أو حصول الفرصة تعرّض عليهالسلام حينئذ لحكم الستر الواجب في نفسه وتحفّظ كل عورته عن صاحبه ، فذكر عليهالسلام أنّه إن كان امرأة جعلت يدها على فرجها ، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته ، ثم بعد حلول الوقت وإرادة الاشتغال بالصلاة ذكر عليهالسلام « أنّهما يجلسان فيومئان ... » إلخ.
فالجلوس هو مبدأ الشروع في الصلاة ، لأنّ المفروض عدم أمنهم عن الناظر المحترم. وقد مرّ أنّ الوظيفة بمقتضى صحيحة عبد اللّه بن مسكان (2)هي الصلاة جالساً مع عدم الأمن ، فبيّن عليهالسلام أنّهم يصلّون جالسين ويومئون في صلاتهم ، لا أنّهم يصلّون قائمين ثم يجلسون ويومئون كما هو مبنى الاستظهار المتقدّم.
(1) أفاد قدسسره أنّه في فرض عدم الأمن والصلاة جالساً فوظيفته من حيث الركوع والسجود هي الانحناء إليهما بمقدار لا تبدو عورته ، وإلا فالإيماء بالرأس ، وإلا فبالعين.
وفيه أوّلاً : أنّ تخصيص هذه المراتب بالصلاة جالساً لا نعرف له وجهاً ، بل لو تمّت لجرى فيما لو صلّى قائماً مع الأمن لاتحاد الملاك. فالتفصيل غير ظاهر الوجه.
وثانياً : أنّ الثابت بمقتضى الأدلّة إنّما هو بدلية الإيماء كما تضمنته النصوص
وإلاّ فبعينيه (1)
وأما الانحناء العاري عنه فلا دليل على الاجتزاء به عن الركوع والسجود عدا قاعدة الميسور التي عرفت آنفاً تقريرها مع ما أوردنا عليها من الوجوه الثلاثة فلاحظ (1).
وعليه فلو اقتصر على الانحناء فالأظهر بطلان الصلاة ، لعدم الإتيان بالوظيفة المزبورة من الشارع ، نعم لو جمع بينه وبين الإيماء كان أحوط كما لا يخفى.
(1) الإيماء بالعين لدى العجز عن الإيماء بالرأس غير مذكور في نصوص المقام. ويمكن أن يستدلّ له بأنّ الأمر حينئذ دائر بينه وبين عدم الإيماء أصلاً وبين سقوط الصلاة رأساً ولا رابع.
أمّا الأخير فيدفعه القطع بعدم سقوط الصلاة بحال ، الثابت بالإجماع والنص ، وهذا حال من الأحوال.
وأمّا الثاني فيردّه أنّ الصلاة متقوّمة بالركوع والسجود بما لهما من المراتب كما يفصح عنه قوله عليهالسلام : « الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود » (2)فالصلاة الفاقدة لهما ولبدلهما ليست من حقيقة الصلاة في شيء ، فلا بدّ من الإتيان بهما أو ببدلهما ، وحيث إن بدليّة الإيماء بالعين ثابتة في الجملة كما في المريض الذي ورد فيه النصّ بذلك ، فلا بدّ من تعيّن الاحتمال الأوّل ، لما عرفت من حصر المحتملات فيما ذكر.
ومنه تعرف الفرق بين الإيماء بالعين وبين غيره كالإيماء باليد مثلاً ، لعدم ثبوت البدلية لغير الأوّل ولو في الجملة. فلا مناص من تعيّنه ، فيكون غمض العين بدلاً عن الركوع والسجود ، وفتحها بدلاً عن رفع الرأس عنهما.
ويجعل الانحناء أو الإيماء (1)للسجود أزيد من الركوع (1) ويرفع ما يسجد عليه ويضع (2)جبهته عليه (2). وفي صورة القيام يجعل يده على قبله على الأحوط (3).
(1) نسبه في الذكرى إلى الأصحاب (3)وربما يعلّل تارة بخبر أبي البختري وهب بن وهب : « يجعل سجوده أخفض من ركوعه » (4)وضعفه ظاهر ، بل قيل : إنّه أكذب البرية.
وأُخرى بتحصيل الافتراق. وفيه : أنّ المائز هو القصد ، وكفى به في حصول الفرق ، وإلاّ فلو أُريد الفرق الظاهري فهو لا ينحصر بذلك ، بل يمكن العكس بأن يكون الإيماء للركوع أخفض منه للسجود ، كما يمكن رفع اليدين على هيئة الساجد في الإيماء للسجود مع تساوي الإيماءين في الخفض وعدمه ، فالظاهر عدم الدليل على لزوم رعاية الأخفضية بعد ما عرفت من حصول المميّز بالنية والقصد.
(2) لا دليل عليه في المقام. ووروده في المريض لا يقتضي التعدّي بعد خلوّ نصوص المقام عنه ، فالأظهر عدم وجوبه عملاً بإطلاق الأدلّة.
(3) كأنّه لاحتمال دلالة صحيح زرارة (5)عليه ، لتضمّنه الأمر بوضع الرجل يده على سوأته والمرأة على فرجها ، الكائن ذلك حال القيام بقرينة قوله عليهالسلام بعد ذلك : « ثم يجلسان فيومئان ... » إلخ ، فيكون ذلك من الستر المعتبر حال الصلاة.
[1312] مسألة 44 : إذا وجد ساتراً لإحدى عورتيه ففي وجوب تقديم القبل أو الدبر أو التخيير بينهما وجوه (1) أوجهها الوسط (1).
لكن عرفت ضعفه فيما مرّ ، وأنّ ذلك ناظر إلى الستر غير الصلاتي المعتبر في نفسه عن الناظر المحترم ، وأنّ مبدأ الشروع في الصلاة هو قوله عليهالسلام : « ثم يجلسان فيومئان ... » إلخ ، فليس ذلك من الستر المعتبر في الصلاة. فإطلاق ما دلّ على وجوب القيام حال الأمن كصحيح علي بن جعفر الدافع لاحتمال وجوب ستر القبل بوضع اليد عليه حينئذ هو المحكّم كما لا يخفى.
(1) من عدم الترجيح بعد كون كلّ منهما عورة. ومن أنّ الدبر مستور بالأليتين فيترجّح القبل ، ولا سيما مع بروزه وكونه إلى القبلة ، وفي المرأة للأفظعية. ومن ترجيح الدبر نظراً إلى عدم استتمام الركوع والسجود وهما ركنان في الصلاة إلا بستره ، ومع التمكّن منهما لا ينتقل إلى البدل وهو الإيماء.
وهذا هو الأظهر ، وقد أُشير إليه في صحيحة زرارة المتقدمة (2)الناطقة بأنّ العلّة في سقوطهما هو بدوّ ما خلفه.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة ، لاتحاد المناط ، فلا يصغي إلى ما قيل فيها بالتخيير لاشتراكهما في المستورية بالفخذين والأليتين وإن قلنا بتقديم القبل في الرجل ، إذ فيه ما عرفت من تساويهما في البدوّ المزبور.
ثم إنّه ينبغي التنبيه على أمر وهو أنّك قد عرفت فيما تقدّم حكم الرجل العاري ، وأنّ وظيفته لدى الأمن عن الناظر المحترم الصلاة قائماً مومئاً للركوع والسجود.
وأمّا المرأة العارية فلم يرد فيها نصّ متعرّض لهذه الصورة ، فإنّ صحيحة
زرارة (1)موردها عدم الأمن ، ومن ثم أمر فيها بوضع اليد على الفرج قبل الصلاة والإتيان بها إيماءً عن جلوس في الرجل والمرأة. وما ورد في صورة الأمن مورده الرجل دون المرأة ، فهل هي ملحقة بالرجل أو أنّها تصلّي عن جلوس مطلقاً ، سواء أمنت من الناظر أم لا؟
ظاهر إطلاق كلمات الأصحاب من غير تعرّض للتفصيل الاتفاق منهم على الأوّل ، وأنّها تصلّي مومية قائمة مع الأمن ، وجالسة مع عدم الأمن كالرجل.
وربما يستدلّ له بقاعدة الاشتراك. وفيه : أنّ موردها الاتحاد في الصنف ، ولا اتحاد في المقام. والتعدّي إلى المرأة وإن ثبت في غير واحد من الأحكام إلا أنّه بمعونة القطع بعدم الفرق ، ولا قطع في محلّ الكلام بعد أن افترقا في أنّ بدنها بتمامه عورة دون الرجل. فمن الجائز اختصاصها لهذه العلّة بالصلاة جالسة أمنت من الناظر أم لا. فليس الوجه في التعدّي القاعدة المزبورة.
بل الظاهر أنّ الوجه فيه إطلاقات أدلّة اعتبار القيام الشاملة للرجل والمرأة ، عاريين كانا أم لابسين ، خرجنا عنها بالنصّ الخاص في العاري لدى عدم الأمن من الناظر ، فانّ المتعيّن حينئذ الصلاة عن جلوس كما تقدّم (2)فيبقى غيره تحت الإطلاق ، غاية الأمر أنّ النصوص قد دلّت في الرجل على لزوم القيام زيادة على ما تقتضيه الإطلاقات ، وفي المرأة لم يرد نصّ خاصّ ، إلاّ أن تلك الإطلاقات كافية ووافية.
وبعبارة واضحة : لمّا كان الجلوس على خلاف القاعدة فهو الذي يحتاج إلى دليل مخرج عنها ، دون القيام المطابق لها ، وحيث لم يرد دليل إلاّ مع عدم الأمن فلا جرم تبقى صورة الأمن تحت القاعدة ، من غير فرق بين الرجل والمرأة.
وحيث قد عرفت إلحاقها بالرجل في القيام فهي ملحقة به في الإيماء أيضاً إلى الركوع والسجود بالأولوية القطعية ، فإنّها أولى من الرجل بالمحافظة عن
[1313] مسألة 45 : يجوز للعراة الصلاة متفرقين (1). ويجوز بل يستحب لهم الجماعة (2) وإن استلزمت للصلاة جلوساً وأمكنهم الصلاة مع الانفراد قياماً ، فيجلسون ويجلس الإمام وسط الصف ويتقدمهم بركبتيه ويومئون للركوع والسجود (1)إلاّ إذا كانوا في ظلمة آمنين من نظر بعضهم إلى بعض فيصلّون قائمين صلاة المختار (2)تارة ومع الإيماء أُخرى على الأحوط.
بدوّ العورة.
على أنّ قوله عليهالسلام في صحيحة زرارة : « .. ثم يجلسان فيومئان إيماءً ولا يسجدان ولا يركعان فيبدو ما خلفها » ظاهر في أنّ العلّة في سقوطهما والانتقال إلى الإيماء حتى في حال القيام هو المحافظة على عدم بدوّ الخلف وهذه العلّة موجودة في المرأة العارية أيضاً ، سواء صلّت عن قيام أو عن جلوس كما هو ظاهر.
(1) بلا خلاف فيه ولا إشكال ، لإطلاقات مشروعية الصلاة فرادى ، بل قد يظهر من ذيل رواية أبي البختري المتقدمة « ... فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ، ثم صلّوا كذلك فرادى » (3)وجوبها عليهم ، بحيث تكون بمثابة التخصيص في دليل مشروعية الجماعة.
ولكنّها مضافاً إلى ضعف سندها كما تقدّم (4)محمولة على لزوم التباعد لو أرادوا الصلاة فرادى ، ليأمنوا من الناظر.
(2) إذ تدلّ عليه مضافاً إلى إطلاقات المشروعية نصوص خاصة كصحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « سألته عن قوم صلّوا جماعة
1) (*) الأظهر أن المأمومين يركعون ويسجدون ، وإن كان الأولى ترك الجماعة في هذا الحال.
2) (**) الأولى ترك الجماعة في هذا الحال ، وإن أتى بها فالأقوى وجوب القيام مع الإيماء للإمام والمأموم ، والأحوط للمأمومين إعادة الصلاة من جلوس جماعة مع الركوع والسجود.
3) الوسائل 4 : 451 / أبواب لباس المصلي ب 52 ح 1.
4) في ص 409.
وهم عراة ، قال : يتقدّمهم الإمام بركبتيه ، ويصلّي بهم جلوساً وهو جالس » (1).
وموثّقة إسحاق بن عمار قال « قلت لأبي عبد اللّه عليهالسلام : قوم قطع عليهم الطريق وأُخذت ثيابهم فبقوا عراة ، وحضرت الصلاة كيف يصنعون؟ فقال : يتقدّمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه ، فيومئ إيماءً بالركوع والسجود ، وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم » (2)فالحكم في الجملة مما لا شبهة فيه.
وإنّما الكلام في جهتين :
الاولى : لا ريب في سقوط القيام عن العراة ، فيصلّون جماعة عن جلوس كما نطقت به الصحيحة والموثّقة. وهل يختصّ السقوط بحالة عدم الأمن من الناظر المحترم ، أو يعمّ حالة الأمن؟
مقتضى الإطلاق فيهما هو الثاني ، لكنّه معارض بإطلاق صحيحة ابن مسكان المتقدّمة عن أبي جعفر عليهالسلام : « في رجل عريان ليس معه ثوب ، قال : إذا كان حيث لا يراه أحد فليصلّ قائماً » (3)بالعموم من وجه حيث إنّ الاولى خاصّ من حيث الجماعة عامّ من حيث الأمن ، على العكس من الثانية ، فتتعارضان في مادّة الاجتماع وهي الجماعة مع الأمن (4)، فيسقط القيام بمقتضى إطلاق الأُولى ، ويجب بمقتضى الثانية. والمرجع بعد التساقط إطلاقات أدلّة اعتبار القيام في الصلاة ، وعليه فيختصّ السقوط بحالة عدم الأمن.
هذا بناءً على انعقاد الإطلاق في الروايتين أعني الصحيحة والموثّقة وأمّا بناءً على إنكاره ، نظراً إلى أنّ موردهما تعدّد العراة واجتماعهم ،
والغالب فيه عدم الأمن ، فالأمر أوضح كما لا يخفى.
الثانية : في وظيفتهم من حيث الركوع والسجود أو الإيماء إليهما.
أمّا الإمام فلا كلام في أنّ وظيفته الإيماء ، لبدوّ عورته بعد لزوم تقدّمه ، على أنّ الموثّقة صريحة في ذلك.
وأمّا المأمومون فقد ذهب الشيخ في النهاية (1)وجماعة إلى أنّهم يركعون ويسجدون ، خلافاً لجماعة أُخرى حيث ذهبوا إلى وجوب الإيماء عليهم أيضاً مستدلّين له تارة بالإجماع كما عن السرائر (2)وأُخرى بإطلاقات الإيماء في العاري ، وثالثة بما عن الذكرى من استبعاد أن يكون للمأمومين خصوصية عن غيرهم من العراة (3).
والكلّ كما ترى. فإنّ الإجماع مضافاً إلى أنّه منقول لا يعبأ به ، موهون بذهاب ثلّة من الأكابر إلى خلافه ، بل قيل إنّه المشهور. وأمّا الإطلاقات فهي مقيّدة بموثّقة إسحاق بن عمار. ومنه تعرف ضعف الاستبعاد ، فإنّه يشبه الاجتهاد في مقابل النصّ.
فالأقوى إذن ما اختاره الشيخ من التفصيل بين الإمام والمأمومين ، فيومئ هو ويركعون ويسجدون ، عملاً بموثقة إسحاق الصريحة في ذلك ، والسليمة عمّا يصلح للمعارضة ، نعم يختصّ الحكم بما إذا لم يكن خلف المأمومين ناظر محترم ، وإلا ففيه إشكال ، من إطلاق الموثّقة ، ومن وجوب ستر العورة.
لكن الأظهر هو الثاني ، إذ الركوع والسجود كغيرهما من أجزاء الصلاة مشروطة بالقدرة الشرعية ، ووجوب الستر مشروط بالقدرة العقلية. ولا ريب في تقديم الثاني لدى المزاحمة حسبما هو موضح في محلّه (4)فإنّ كشف العورة
[1314] مسألة 46 : الأحوط بل الأقوى (1)تأخير الصلاة عن أوّل الوقت إذا لم يكن عنده ساتر واحتمل وجوده في آخر الوقت (1).
حرام مطلقاً من غير إناطة بشيء ، ومع هذا النهي الفعلي يكون المصلّي عاجزاً شرعاً عن الركوع والسجود ، فلا جرم ينتقل إلى الإيماء. وبذلك يتقيّد إطلاق الموثقة.
ومنه يظهر أنّ صفوف الجماعة لو كانت متعدّدة فالصفوف المتقدّمة كلّهم يومئون ما عدا الصف الأخير ، لكن الشأن في مشروعية مثل هذه الجماعة ، إذ كيف يسوغ لهم الإيماء مع التمكّن من الركوع والسجود بوقوفهم أجمع في صف واحد وإن استطال ، بل الأظهر عدم صحّة جماعة العراة في أكثر من صف واحد ، هذا.
ولمّا كانت المسألة خلافية من حيث ركوع المأمومين أو الإيماء إليه فالأولى للعراة ترك الجماعة في هذه الحالة كما أُشير إليه في التعليقة الشريفة.
(1) هل يجوز البدار للمعذور في بعض الوقت عن جزء أو شرط وهو لا يدري ، بعد الفراغ عن عدم الجواز في صورة العلم بزوال العذر.
والكلام يقع تارة في جوازه واقعاً ، وأُخرى ظاهراً.
أمّا الأوّل : فالظاهر عدم الجواز ، لا لرواية [ أبي ] البختري الواردة في المقام « من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتّى يخاف ذهاب الوقت ... » إلخ (2)لضعف السند ، بل لبرهان عام يشمل كافة الموارد ، وهو أنّ المستفاد من أدلّة الأبدال الاضطرارية أنّ الموضوع فيها هو المعذور في مجموع الوقت ، بحيث لم يتمكّن من الإتيان بالمأمور به على وجهه في أي جزء ممّا بين الحدّين ، لا مجرّد العجز الفعلي ، وإلاّ لثبت البدل حتى مع القطع بزوال العذر ، وهو كما ترى.
[1315] مسألة 47 : إذا كان عنده ثوبان يعلم أنّ أحدهما حرير أو ذهب أو مغصوب والآخر ممّا تصحّ فيه الصلاة لا تجوز الصلاة في واحد منهما ، بل يصلّي عارياً (1).
وعليه فلو تجدّدت القدرة ولو في آخر الوقت كشف ذلك لا محالة عن انتفاء الموضوع من أوّل الأمر ، وأنّه لم يكن مأموراً بالبدل في صقع الواقع وإن توهّمه وتخيّله.
نعم ، ظاهر مرسلة ابن مسكان جواز البدار في المقام ، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « في الرجل يخرج عرياناً فتدركه الصلاة ، قال : يصلّي عرياناً قائماً إن لم يره أحد ، فإن رآه أحد صلّى جالساً » (1). ولكنّها مضافاً إلى ضعف السند محمولة على من علم من حاله استمرار الاضطرار إلى انتهاء الوقت كما لا يخفى.
وأمّا الثاني : فالظاهر جواز البدار ظاهراً ، استناداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى نهاية الوقت ، بناءً على ما هو الأصحّ من جريانه في الأُمور الاستقبالية كالحالية ، فإنّه بذلك يحرز موضوع الانتقال إلى البدل.
أجل لمّا كان هذا الجواز حكماً ظاهرياً يستند إلى الاستصحاب فلا جرم كان اعتباره مغيا بعدم انكشاف الخلاف ، فلا يجري مع كشفه ، إذ به يعلم عدم تحقّق الموضوع من الأوّل ، ومعه لا مناص من الإعادة.
وبالجملة : فالصحّة تدور مدار استمرار العذر ، فان استمر صحّ العمل وإن احتمل وقتئذ زواله ، وإن لم يستمر لم يصح ، وإن علم بالاستمرار آن ذاك بعلم وجداني أو تعبّدي من استصحاب ونحوه فلاحظ.
(1) تنحلّ المسألة إلى صور ثلاث :
إحداها : ما لو كان له ثوبان يعلم إجمالاً بأنّ أحدهما لا يجوز لبسه ولا الصلاة فيه ، لكونه ذهباً أو حريراً أو مغصوباً ، وحكمه ما ذكره في المتن من
1) الوسائل 4 : 449 / أبواب لباس المصلي ب 50 ح 3.
تركهما والصلاة عارياً ، لتنجيز العلم الإجمالي المانع من الاقتحام في شيء من الطرفين بحكم العقل بعد معارضة الأصل المؤمّن في كلّ منهما بالآخر ، فإنّه بذلك يصبح عاجزاً عن استعمال الثوب السائغ الموجود في البين ، فلا مناص من الصلاة عارياً.
نعم ، ربما يناقش بمعارضته بعلم إجمالي آخر ، وهو وجوب لبس أحدهما في الصلاة رعاية للستر الواجب فيها ، فيكون إذن من سنخ الدوران بين المحذورين المحكوم عقلاً بالتخيير ، نظراً إلى أنّ للعلم الإجمالي مقتضيين : أحدهما حرمة المخالفة القطعية ، والآخر وجوب الموافقة كذلك.
والأوّل وإن تيسّر في المقام بأن يلبس أحد الثوبين دون الآخر ، إذ لا قطع حينئذ بالمخالفة لشيء من العلمين الإجماليين ، لكن الثاني متعذّر ، لامتناع الجمع بين لبس الثوبين وتركهما ، فلا جرم تسقط الموافقة القطعية ، ويكتفى بالموافقة الاحتمالية ، بأن يلبس أحدهما ويترك الآخر ، مخيّراً بينهما بعد عدم مرجّح للتقديم حتى احتمال الأهمّية ، ضرورة أنّه إنّما ينفع فيما إذا وقعت المزاحمة بين نفس التكليفين فيتقدّم حينئذ محتمل الأهمّية ، للقطع بسقوط الإطلاق في غير المحتمل إمّا للتساوي أو لكون غيره أهم ، فيبقى الإطلاق في المحتمل على حاله.
وأمّا في المقام فمورد المزاحمة إحراز الامتثالين لا نفس التكليفين ، ومعه لا موقع للتقديم بالمرجّح المزبور إلاّ إذا أُحرز اهتمام الشارع بامتثال ما هو أهم ولو احتمالاً كما في الدماء والفروج والأموال الخطيرة ، لأنّ مرجع ذلك إلى إيجاب الاحتياط. ومن البيّن أنّ ما يجب فيه الاحتياط يتقدّم على ما لا يجب.
فلو نذر أن يقتل كافراً مهدور الدم في وقت معيّن فرأى شخصاً مردّداً بينه وبين مؤمن محقون الدم ، أو نذر أن يجامع زوجته في ليلة معيّنة ، أو وجب الوطء لمضيّ أربعة أشهر وتردّدت المرأة بين الزوجة والأجنبية ، فإنّه لا يجوز القتل ولا الوطء لمكان اهتمام الشارع بحفظ النفوس والفروج الموجب لتقديم إحراز أحد الامتثالين على الآخر كما هو واضح.
وتندفع المناقشة بأنّ الكبرى المزبورة وإن كانت وجيهة ولكنّها غير منطبقة
وإن علم أنّ أحدهما من غير المأكول والآخر من المأكول (1) ،
على المقام ، لاختصاصها بما إذا كانت القدرة المأخوذة في كلّ من المعلومين بالإجمال عقلية ، فإنّه يلتزم حينئذ بالتخيير كما أُفيد. وأمّا في محلّ الكلام فهي وإن كانت في جانب الحرمة عقلية ولكنّها في جانب الستر الواجب شرعية كما هو الشأن في كافة أجزاء الصلاة وشرائطها ، ولا ريب في تقدّم المشروط بالقدرة العقلية على الشرعية لدى المزاحمة.
إذن فتتقدّم الحرمة على الوجوب ، بل تكون حاكمة عليه ، إذ بعد ثبوتها بالعلم الإجمالي لم يتمكّن المصلي من اللبس شرعاً ، فيكون طبعاً غير واجد للساتر. ومن البيّن أنّ الموضوع للصلاة عارياً هو من لم يجد ساتراً ، أي لم يتمكّن من استعماله وإن كان موجوداً عنده ، نظير عدم وجدان الماء المأخوذ في موضوع التيمم الذي هو أعم من الفقد التكويني والتشريعي.
وعليه فتتعيّن الصلاة عارياً في هذه الصورة كما أفاد في المتن.
(1) الصورة الثانية : ما إذا كان أحد الثوبين مما لا تصحّ الصلاة فيه وإن ساغ لبسه في نفسه لكونه من غير المأكول.
وقد فصّل الماتن حينئذ بين سعة الوقت فيصلّي صلاتين في كلّ من الثوبين تحصيلاً لإحراز وقوع الصلاة في ساتر سائغ ، وبين ضيقه بحيث لم يسع الوقت إلاّ لصلاة واحدة ، فإنّه يصلّي حينئذ عارياً ، لتنجّز المانعية المعلومة بالإجمال بعد تعارض الأصلين من الطرفين الرادع عن الاقتحام في شيء منهما.
ولكنّه غير واضح ، بل الأظهر التخيير في صورة الضيق ، نظراً إلى معارضة العلم الإجمالي بمانعية أحد الثوبين بالعلم الإجمالي بشرطية أحدهما ، فيكون من الدوران بين الشرطية والمانعية الذي مقتضاه التخيير حسبما عرفته من الكبرى المتقدّمة آنفاً ، من إمكان الاجتناب عن المخالفة القطعية لكلّ من المعلومين بالإجمال بلبس أحدهما دون الآخر ، وامتناع الموافقة القطعية لهما
أو أن أحدهما نجس والآخر طاهر صلّى صلاتين ، وإذا ضاق الوقت ولم يكن إلا مقدار صلاة واحدة (1) يصلّي عارياً في الصورة الاولى (1)ويتخيّر بينهما في الثانية (2).
[1316] مسألة 48 : المصلّي مستلقياً أو مضطجعاً لا بأس بكون فراشه أو لحافه نجساً أو حريراً أو من غير المأكول (2)إن كان له ساتر غيرهما ، وإن كان يتستّر بهما أو باللحاف فقط فالأحوط كونهما ممّا تصحّ فيه الصلاة (3).
وأنّه لا مناص من الاكتفاء بالاحتمالية ، وحيث لا ترجيح هنا في البين إذ لم تكن الحرمة نفسية ليتقدّم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالشرعية كما كان كذلك في الصورة السابقة فلا جرم يتخيّر بينهما.
(1) الصورة الثالثة : ما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين وطهارة الآخر وحكمه تكرار الصلاة مع السعة ، والتخيير مع الضيق كما في الصورة السابقة وقد علم وجهه ممّا مرّ ، بل إنّ التخيير هنا أولى ممّا سبق ، لجواز الصلاة في النجس عند الاضطرار ، وعدم جوازها في غير المأكول حتى للمضطر فيصلّي عارياً ، فاذا ثبت التخيير فيه كما عرفت ثبت في النجس بطريق أولى.
ومنه يظهر أنّ تفكيك الماتن بينهما بالصلاة عارياً في الأوّل والتخيير في الثاني في غير محلّه ، بل الأقوى هو التخيير في كلتا الصورتين حسبما عرفت.
(2) بل عرفت أنّ الأظهر ثبوت التخيير في الصورتين معاً.
(3) ينبغي التفصيل بين النجس والحرير ، وبين غير المأكول. ففي الأوّلين بما أنّ الممنوع هو اللبس غير الصادق على فراش المصلّي مستلقياً أو مضطجعاً ولا لحافه فلا ضير فيه ، ضرورة أنّه لا يصدق عليه أنّه لابس للحرير ولا للنجس
نعم لو فرضنا التفافه باللحاف على وجه يصدق عليه عرفاً لبسه اتجه المنع فالعبرة في الجواز والمنع بصدق اللبس وعدمه.
وأمّا في الأخير فموضوع المنع أوسع ، فإنّه على ما يستفاد من موثقة ابن بكير (1)هو مطلق المصاحبة من غير اختصاص باللباس ، ومن ثم يشمل المحمول أيضاً. فلا قصور إذن في شموله للحاف الذي يتغطّى به المضطجع أو المستلقي ، بل وفراشه أيضاً على تأمّل فيه ، هذا.
ولا فرق في ذلك كلّه بين الساتر وغيره ، أمّا في الأخير فواضح ، لما عرفت من أنّ الموضوع هو مطلق المصاحبة الشامل لهما بمناط واحد.
وأمّا في الأوّلين فإن صدق على التغطّي بهما عنوان اللبس كان مانعاً عن الصلاة ، سواء أكان ساتراً أم لا ، لعموم المنع فيهما للساتر وغيره كما هو ظاهر. وإن لم يصدق كما هو الغالب فلا مانع من التغطّي به وإن كان هو الساتر ، لما عرفت في محلّه (2)من الفرق بين الستر الصلاتي وبين الستر الواجب في نفسه فإن الثاني وإن تحقّق بكلّ مانع عن النظر ولو بالدخول في الماء أو في مكان مظلم ، لكن الأوّل يختص بما يصدق معه عنوان اللبس في مقابل العاري.
وعليه فان كان للمصلّي المزبور ساتر غير اللحاف فقد تستّر بما هو المأمور به ، ولا يقدح تغطّيه حينئذ باللحاف النجس أو المتخذ من الحرير ، لاختصاص المانعية باللباس المفروض عدم صدقه عليه. وإن لم يكن له ساتر غيره فكذلك ، إذ المفروض عدم كونه مصداقاً للستر الصلاتي ، فهو فاقد للّباس ووظيفته الصلاة عارياً ، ولا دليل على قادحيّة النجاسة أو الحرير في غير اللباس كما عرفت.
والمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ الالتحاف بما لا يؤكل مبطل ، وبالنجس أو الحرير سائغ ما لم يصدق عنوان اللبس ، وإلاّ بطلت الصلاة ، من غير فرق في جميع
[1317] مسألة 49 : إذا لبس ثوباً طويلاً جدّاً وكان طرفه الواقع على الأرض غير المتحرّك بحركات الصلاة نجساً أو حريراً أو مغصوباً أو ممّا لا يؤكل فالظاهر عدم صحّة الصلاة (1)ما دام يصدق أنّه لابس ثوباً كذائياً ، نعم لو كان بحيث لا يصدق لبسه ، بل يقال لبس هذا الطرف منه كما إذا كان طوله عشرين ذراعاً ولبس بمقدار ذراعين منه أو ثلاثة وكان الطرف الآخر ممّا لا تجوز الصلاة فيه فلا بأس به (1).
ذلك بين الساتر وغيره. ومنه يظهر النظر فيما أُفيد في المتن فلاحظ.
(1) أمّا ما ذكره قدسسره أخيراً من عدم البأس في الطول المفرط كعشرين ذراعاً فهو متين جدّاً ، بل لا ينبغي الإشكال فيه ، إذ لا يعدّ مثله ثوباً واحداً عرفاً ، فإنّه نظير ما لو خيط لحاف نجس مثلاً بثوبه ، الذي لا شك في عدم قدحه ، بل وخروجه عن محلّ الكلام.
وأمّا ما ذكره قدسسره من عدم الصحة فيما عدا هذه الصورة فغير تام على إطلاقه ، وإنّما يتّجه في الثوب المتنجس فقط ، لدلالة الأدلّة على عدم جواز الصلاة في الثوب النجس ، ولا في ثوب يكون بعضه نجساً ، فقد دلّت على أن نجاسة جزء من الثوب كافية في بطلان الصلاة فيه ، وهي صادقة على الثوب في مفروض المسألة بالضرورة ، ولم يرد مثل ذلك في لسان الأدلّة في سائر الأمثلة.
أمّا في الغصب فواضح إذ لم ينهض دليل خاص على مانعيته في الصلاة ، وإنّما استفيدت على القول بها ممّا دلّ على النهي عن التصرف في مال الغير ، فلا
1) (*) هذا إنما يتم في الثوب المتنجّس لأن نجاسة جزء منه كافية في بطلان الصلاة فيه ، وأما الجزء المغصوب الذي لا يتحرك بحركات الصلاة فلا ينبغي الشك في صحة الصلاة في الثوب المشتمل عليه ، بل الأمر كذلك في الحرير وغير المأكول ، لأن الممنوع إنما هي الصلاة في الحرير المحض أو في أجزاء غير المأكول ، ومن الظاهر أنها لا تصدق في مفروض الكلام وإنما الصادق هي الصلاة في ثوب بعض أجزائه حرير محض أو من غير المأكول ، وهو لا يوجب البطلان.
[1318] مسألة 50 : الأقوى جواز الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا يغطّي الساق كالجورب ونحوه (1).
جرم يختص بما إذا اتحدت الحركات الصلاتية مع التصرّف فيه حتى يقال بامتناع التقرّب بالمبغوض ، وهو منفي في المقام ، إذ المفروض أنّ المغصوب إنّما هو الطرف الواقع على الأرض غير المتحرّك بحركات المصلّي ، فلا يعد تصرفاً فيه بوجه ليحرم ويفسد.
نعم ، هو معاقب على استيلائه على مال الغير ، لكن المانعية منوطة بالتصرّف المنفي في محلّ الكلام ، وإن صدق أنّه لابس له ، أو أنّه صلّى فيه ، لعدم دوران الحكم مداره كما عرفت.
وأمّا الحرير والذهب وإن لم يذكر الأخير في المتن فموضوع الحرمة النفسية الثابتة لهما هو عنوان اللبس ، ولا لبس في المقام ، فإنّه متقوّم باشتمال الملبوس على لابسه. ومن البيّن أنّه لا اشتمال في محلّ البحث ، بل المشتمل على الشخص ثوب من قطن مثلاً غير أنّ بعض أجزائه حرير أو ذهب ، من غير اشتمال أي جزء منه على لابسه.
وكذلك الحال في الحرمة الغيرية ، أعني المانعية الثابتة لهما ولغير المأكول ، فإنّ الموضوع فيها هو الصلاة في الحرير أو في الذهب أو في غير المأكول ، وأداة الظرف تدل على نوع من الاشتمال كاللباس ، وقد عرفت أنّه لا اشتمال في محلّ الكلام ، فلا يكاد يصدق أنّه صلّى في الحرير أو في الذهب أو في غير المأكول لعدم الاتصاف (1)بالمصلّي ولا حمله فضلاً عن أن يكون ظرفاً له.
نعم ، يصدق أنّه صلّى في ثوب بعض أجزائه حرير أو ذهب أو غير المأكول ، وهو لا يستوجب البطلان فيها كما كان يوجبه في النجس بمقتضى لسان دليله حسبما عرفت. فلم تكن أدلّة هذه الموارد على سياق واحد كما يظهر من المتن.
(1) كما عن غير واحد من المتأخرين وبعض القدماء كابن حمزة في
1) [ لعل المناسب : لعدم الارتباط ].
الوسيلة (1)والشيخ في المبسوط (2). كما أنّ القول بعدم الجواز منسوب إلى جماعة كثيرين منهم ، ولا يبعد أن يكون الأشهر بين المتأخّرين هو الجواز ، والأشهر بين القدماء عدمه. وقد اختلف القائلون بالجواز ، فبعضهم قال به عن كراهة وبعضهم بدونها ، وثالث خصّها بالنعل السنديّة والشمشك.
وكيف ما كان ، فقد استدلّ لعدم الجواز بوجوه :
أحدها : عدم فعل النبي صلی اللّه عليه وآله والصحابة والتابعين ، فكانت سيرتهم جارية على العدم.
وفيه : مع أنّه لم يثبت ، إذ لا شاهد عليه ، وقلّما تحرز السيرة على العدم ولعلّهم كانوا يلبسونها بعض الأحيان ، أنّ عدم اللبس لا يكشف عن المانعية وإلاّ لوجب الالتزام بها في كلّ ما لم يلبسوه كالساعة والمنظرة ونحوهما ، وهو كما ترى. نعم يكشف عدمه عن عدم الوجوب وإلاّ للبسوه.
ثانيها : ما حكي عنه صلی اللّه عليه وآله من قوله : « صلّوا كما رأيتموني أصلي » (3)ولم يصلّ فيما يستر ظهر القدم ولا يغطي الساق.
وفيه : مع أنّه لم تثبت هذه الحكاية من طرقنا ، كما لم يثبت أنّه صلی اللّه عليه وآله لم يصلّ فيه أنّه على تقدير الثبوت لا دلالة فيه على المانعية ، فإنّ الحديث إنّما يدلّ عليها ، وكذا على الجزئية أو الشرطية فيما إذا أُحرز أنّه أتى بشيء أو تركه من جهة الصلاة ورعاية لما يعتبر فيها ، ولا سبيل إلى إحراز ذلك في المقام بوجه ، ولعلّه كان يتركه بحسب طبعه وعدم ميله ورغبته في لبسه.
ثالثها : خبر سيف بن عميرة عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « لا يصلّى على جنازة بحذاء ، ولا بأس بالخف » (4)فإنّ الأمر في صلاة الجنازة أوسع من
صلاة الفريضة ، فإذا لم يجز الحذاء في الأُولى لم يجز في الثانية بطريق أولى.
وفيه : مضافاً إلى ضعف السند حتى على مسلك الانجبار ، إذ لم يعلم استناد المشهور إليها بعد تعدّد ملاك المسألة ممّا عرفت وتعرف ، أنّ كيفية الحذاء المسئول عنه بنحو ينطبق على المقام من ستر ظهر القدم دون الساق غير ثابتة. وعلى تقدير الثبوت لم يعلم أنّ المنع كان لهذه العلّة ، ولعلّه لجهة أُخرى لم نعرفها.
على أنّه لم يعمل بهذا الرواية حتى في موردها ، لما ورد في بعض النصوص من جواز الصلاة على الجنازة مع الحذاء ، بل في بعضها استحبابها (1)، فكيف يعمل بها في غير موردها.
رابعها : ما رواه ابن حمزة في الوسيلة مرسلاً قال : « وروى أن الصلاة محظورة في النعل السندي والشمشك » (2)على ما نسب إليه.
وفيه : مضافاً إلى ضعفها بالإرسال لو صحت النسبة ، إذ لا أثر لها في الأخبار ، وعدم الانجبار بفتوى المشهور حسبما عرفت ، كيف وأكثرهم أفتوا بالمنع مطلقاً لا في خصوص النعل والشمشك ، أنّه لم تعلم الكيفية في هذين الموردين ، ولعلّها كانت بحيث تمنع عن وصول الإبهامين إلى الأرض لدى السجود ، فتخرج عن محلّ الكلام.
فتحصّل : أن الأقوى هو الجواز.
وأمّا الكراهة ففي الموردين المزبورين وإن أمكن القول بها ، استناداً إلى الرواية المذكورة ، بناءً على قاعدة التسامح وعمومها للمكروهات ، أمّا في غيرهما فلم ترد حتى رواية ضعيفة ليصحّ التعويل عليها بناءً على تلك القاعدة إلاّ بناءً على شمولها لفتوى الفقيه ، وهو في حيّز المنع.
والعمدة أنّ القاعدة ممنوعة من أصلها ، إذ مضافاً إلى اختصاصها ببلوغ الثواب دون العقاب فلا تشمل المكروهات ، أنّها إنّما تدلّ على الاستحباب الشرعي فيما إذا كان ترتّب الثواب بحكم الشرع ، كما لو ورد في رواية ضعيفة أنّ من أكل الرّمان يوم الجمعة يثاب عليه.
وأمّا إذا كان ذلك بحكومة من العقل من أجل الانقياد كما هو مفاد أخبار الباب الناطقة بأنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله برجاء ذلك ، فمثل هذا اللسان لا يكشف عن الاستحباب الشرعي بوجه ، وتمام الكلام في محلّه (1).
فتحصّل : أنّه لا دليل على الكراهة فضلاً عن الحرمة ، ومقتضى القاعدة هو القول بالجواز حسبما عرفت.
1) مصباح الأُصول 2 : 319.
وهي أمور (1) : أحدها : الثوب الأسود حتى للنساء عدا الخف والعمامة والكساء ومنه العباء ، والمشبع منه أشد كراهة ، وكذا المصبوغ بالزعفران أو العصفر ، بل الأولى اجتناب مطلق المصبوغ. الثاني : الساتر الواحد الرقيق. كما أنّه يكره للنساء الصلاة في ثوب واحد وإن لم يكن رقيقاً. الثالث : الصلاة في السروال وحده وإن لم يكن رقيقاً. الرابع : الاتزار فوق القميص. الخامس : التوشّح ، وتتأكّد كراهته للإمام ، وهو إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاؤه على المنكب الأيسر بل أو الأيمن. السادس : في العمامة المجرّدة عن السدل وعن التحنّك أي التلحّي ويكفي في حصوله ميل المسدول إلى جهة الذقن ولا يعتبر إدارته تحت الذقن وغرزه في الطرف الآخر ، وإن كان هذا أيضاً أحد الكيفيات له. السابع : اشتمال الصمّاء بأن يجعل الرداء على كتفه وإدارة طرفه تحت إبطه وإلقائه على الكتف. الثامن : التحزّم للرجل. التاسع : النقاب للمرأة إذا لم يمنع من القراءة وإلاّ أبطل.
(1) لا يهمّنا البحث عمّا تضمّنه هذا الفصل وما بعده من المكروهات والمستحبات ، فانّ كثيراً منها إمّا لم ترد فيه رواية ، أو أنّها ضعيفة السند يبتني الحكم فيها على قاعدة التسامح التي لا نقول بها ، نعم جملة منها مورد للنصّ المعتبر ، وبما أنّه واضح الدلالة ولا إلزام فيه فالبحث عنه قليل الجدوى.
أجل لمّا ذهب جمع من الأعلام إلى حرمة بعض هذه المكروهات فلا مناص من التعرّض إليها ليستبين الحال فيها.
العاشر : اللثام للرجل إذا لم يمنع من القراءة (1).
(1) أمّا مع المنع فلا إشكال في الحرمة ، فإنّه إخلال بالقراءة الواجبة كما هو واضح.
وأمّا مع عدمه فقد نسب إلى المفيد القول بالحرمة (1)استناداً إلى ما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال « قلت له : أيصلّي الرجل وهو متلثّم؟ فقال : أمّا على الأرض فلا ، وأمّا على الدابّة فلا بأس » (2).
ولكنّه معارض بنصوص اخرى صريحة في الجواز كصحيحة عبد اللّه بن سنان : « أنّه سأل أبا عبد اللّه عليهالسلام : هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه؟ فقال : لا بأس بذلك » (3).
وصحيحة الحلبي قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه؟ فقال : لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة » (4)أي إذا لم يمنع عن القراءة.
وموثقة سماعة : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يصلّي ويقرأ القرآن وهو متلثّم ، فقال : لا بأس » (5).
وموثّقته الأُخرى قال : « سألته عن الرجل يصلّي فيتلو القرآن وهو متلثّم فقال : لا بأس به ، وإن كشف عن فيه فهو أفضل. قال : وسألته عن المرأة تصلّي متنقّبة ، قال : إن كشفت عن موضع السجود فلا بأس به ، وإن أسفرت فهو أفضل » (6).
1) المقنعة : 152.
2) الوسائل 4 : 422 / أبواب لباس المصلي ب 35 ح 1 ، الكافي 3 : 408 / 1 ، الفقيه 1 : 166 / 778 ، التهذيب 2 : 229 / 900.
3) الوسائل 4 : 423 / أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2 ، 3 ، 5.
4) الوسائل 4 : 423 / أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2 ، 3 ، 5.
5) الوسائل 4 : 423 / أبواب لباس المصلي ب 35 ح 2 ، 3 ، 5.
6) الوسائل 4 : 424 / أبواب لباس المصلّي ب 35 ح 6.
الحادي عشر : الخاتم الذي عليه صورة (1). الثاني عشر : استصحاب الحديد البارز (2).
ومقتضى الجمع العرفي بينها هو الحمل على الكراهة ، بعد وضوح عدم إمكان حمل نصوص الجواز الكثيرة على راكب الدابّة الذي هو فرد نادر ، بل إنّ مقتضى الرواية الأخيرة أفضلية ترك التلثّم وكراهته ، من غير فرق بين الرجل والمرأة. وكيف ما كان ، فالقول بالحرمة ضعيف غايته.
(1) سيأتي البحث عنه في الأمر الثامن عشر ، أعني الثوب ذا التماثيل.
(2) على المشهور ، خلافاً لما عن الشيخ في النهاية (1)وابن البراج (2)والكليني (3)والصدوق (4)وجماعة آخرين من القول بالحرمة استناداً إلى روايات :
منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن أكيل النميري عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الحديد ، إنّه حلية أهل النار إلى أن قال : وجعل اللّه الحديد في الدنيا زينة الجنّ والشياطين ، فحرّم على الرجل المسلم أن يلبسه في الصلاة ، إلاّ أن يكون قبال عدوّ فلا بأس به. قال قلت : فالرجل يكون في السفر معه السكّين في خفّه لا يستغني عنها ( عنه ) أو في سراويله مشدوداً ومفتاح يخشى إن وضعه ضاع ، أو يكون في وسطه المنطقة من حديد ، قال : لا بأس بالسكّين والمنطقة للمسافر في وقت ضرورة ، وكذلك المفتاح إذا خاف الضيعة والنسيان ، ولا بأس بالسيف وكلّ آلة السلاح في الحرب ، وفي غير ذلك لا تجوز الصلاة في شيء من الحديد ، فإنّه نجس ممسوخ » (5).
وفيه : أنّها ضعيفة السند بالإرسال فلا يعوّل عليها. على أنّها مطلقة فتشمل البارز والمستور ، ولا سيما بمقتضى عموم التعليل بكونه حلية أهل النار ، بل هي كالصريحة في الشمول للثاني بموجب التمثيل بالسكين والمفتاح المستورين غالباً بالوضع في الجيب ، ومع ذلك قد منع عنهما في غير مورد الضرورة.
فالتخصيص بالبارز كما في كلمات القوم منافٍ للإطلاق المزبور ، وليس له وجه ظاهر عدا مرسلة الكليني قال : « وروى إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس » (1). وما في التهذيب من قوله : وقد قدّمنا رواية عمار الساباطي أنّ الحديد متى كان في غلاف فإنّه لا بأس بالصلاة فيه (2).
لكن الأُولى ضعيفة السند بالإرسال ، والثاني سهو من قلمه الشريف ظاهراً ، حيث لم يتقدّم منه ذلك.
وبالجملة : فالرواية لضعفها لا تصلح لإثبات الحرمة ، نعم لا بأس في الاستناد إليها للقول بالكراهة بناءً على قاعدة التسامح ، لكن مقتضاها الكراهة مطلقاً ، من غير اختصاص بالبارز حسبما عرفت.
ومنها : ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهمالسلام في حديث المناهي قال : « نهى رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله عن التختّم بخاتم صفر أو حديد » (3)وما رواه أيضاً مرسلاً عن رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله قال : « لا يصلّي الرجل وفي يده خاتم حديد » (4).
لكن الأُولى ضعيفة السند ، لجهالة شعيب ، وإهمال ابن زيد. على أنّ فيها الصفر ، ولا قائل بكراهة لبسه. وكذا الثانية بالإرسال.
ومنها : معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال « قال رسول اللّه صلی اللّه عليه وآله : لا يصلّي الرجل وفي يده خاتم حديد » (1).
وموثّقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « في الرجل يصلّي وعليه خاتم حديد ، قال : لا ، ولا يتختّم به الرجل ، فإنّه من لباس أهل النار » الحديث (2).
وهاتان المعتبرتان لا بأس بالاستدلال بهما على عدم جواز لبس الحديد في الصلاة ، بل الثانية تدلّ على عدم جواز اللبس في نفسه أيضاً.
لكن العمل بإطلاقهما غير ممكن ، لأنّ مقتضاه عدم الفرق بين البارز وغيره بل التعليل كالصريح في التعميم. مع أنّه لا قائل بالكراهة في غير البارز فضلاً عن الحرمة ، فينبغي إذن حملهما على الكراهة. على أنّهما معارضتان بما دلّ على جواز الصلاة في السيف كصحيحة عبد اللّه بن سنان : « ... وإن كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلّد السيف ويصلّي قائماً » (3).
والجمع بينهما بحمل هذه على المستور وتلك على البارز ، فيه أنّه تبرّعي ، لا شاهد له بعد ما عرفت من ضعف الشاهد من مرسلة الكليني وغيرها.
على أنّ التعليل في الموثّقة كالصريح في عدم الفرق كما سبق. مع أنّ السيف بارز غالباً. وعلى تقدير جعله في الغلاف فموضع اليد منه وهو أيضاً من الحديد بارز ظاهر.
والمتحصّل ممّا تقدّم : أنّ ملاحظة النصوص تقضي بأنّ لبس الحديد في نفسه فضلاً عن حال الصلاة مرجوح ، من غير فرق بين البارز وغيره ، وترتفع الكراهة في السيف فيما إذا تقلّده بدلاً عن الثوب ، حيث إنّ لبسه زائداً على الإزار مستحب ، فاذا لم يكن له ثوب وجعل السيف بدله ارتفعت به الكراهة
الثالث عشر : لبس النساء الخلخال الذي له صوت. الرابع عشر : القباء المشدود بالزرور الكثيرة أو بالحزام (1).
كما دلّت عليه الصحيحة المتقدّمة.
(1) كما أشار إليه المحقّق في الشرائع حيث قال : « وتكره الصلاة في قباء مشدود إلاّ حال الحرب » (1)وقد نسب ذلك إلى المشهور ، بل نسب حرمته إلى الشيخ المفيد (2)وابن حمزة في الوسيلة (3). وعن الخلاف دعوى الإجماع على كراهة أن يصلّي مشدود الوسط (4).
وكيف ما كان ، فلا دليل على كراهة الصلاة في قباء مشدود ، فضلاً عن الحرمة. والإجماع المزبور لا يصلح سنداً له ، إذ مورده مطلق شدّ الوسط من غير تقييد بالقباء ، مع أنّه منقول لا يعبأ به ، إلاّ إذا قلنا بشمول قاعدة التسامح للإجماع وبشمولها للمكروهات أيضاً ، وحينئذ فتثبت الكراهة في مطلق الشد ولكنّه فرض في فرض.
وأمّا الشد بالحزام فقد استدلّ له في الذكرى (5)بالنبوي « لا يصلّي أحدكم وهو محزّم » فيدّعى كراهته من باب التسامح. ولكنّه معارض بمثله من خبرين عاميين مرويين في محكي النهاية الأثيرية (6)مصرّحين بالنهي عن الصلاة بغير حزام.
والقاعدة على تقدير ثبوتها وشمولها للمكروهات غير جارية في خصوص المقام ، لعدم بلوغ الثواب بعد المعارضة المزبورة. إلاّ أن يدعى أنّ مقتضاها
الخامس عشر : الصلاة محلول الأزرار (1).
استحباب كلّ من التحزيم وعدمه ، لثبوت كلّ منهما بخبر ضعيف ، ولكنّه كما ترى ، لاستبعاد شمولها للمتناقضين أشدّ البعد ، بل الظاهر من بلوغ الثواب على عمل اختصاصه بالفعل فقط ، وعدم شموله للترك. والعمدة أنّ القاعدة غير ثابتة من أصلها.
والمتحصّل : أنّه لا دليل على كراهة شدّ الوسط ، ولا شدّ القباء بالزرور أو بالحزام فضلاً عن حرمته.
(1) على المشهور ، ويستدلّ له بمعتبرة غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عليهالسلام قال : « لا يصلّي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار » (1).
ولكن الظاهر أنّ العلّة في النهي بقرينة فرض عدم الإزار بدوّ العورة وعليه فالحكم إلزامي أخذاً بظاهر النهي ، ولا موجب للحمل على الكراهة بعد كونها منصرفة إلى هذه الصورة.
وعلى تقدير الإطلاق وعدم الانصراف فهي معارضة بروايات عديدة دلّت على جواز الصلاة محلول الأزرار كمعتبرة زياد بن سوقة عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « لا بأس أن يصلّي أحدكم في الثوب الواحد وأزراره محلّلة ، إنّ دين محمد حنيف » (2).
ومقتضى الجمع هو الحمل على الكراهة. وتؤيّدها روايتان ضعيفتان تحملان عليها بقاعدة التسامح :
إحداهما رواية إبراهيم الأحمري قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل يصلّي وأزراره محلّلة ، قال : لا ينبغي ذلك » (3).
والأُخرى رواية زياد بن منذر عن أبي جعفر عليهالسلام في حديث : « إنّ
السادس عشر : لباس الشهرة إذا لم يصل إلى حدّ الحرمة أو قلنا بعدم حرمته. السابع عشر : ثوب من لا يتوقى من النجاسة ، خصوصاً شارب الخمر ، وكذا المتّهم بالغصب.
الثامن عشر : ثوب ذو تماثيل (1). التاسع عشر : الثوب الممتزج بالإبريسم. العشرون : ألبسه الكفّار وأعداء الدين. الحادي والعشرون : الثوب الوسخ. الثاني والعشرون : السنجاب. الثالث والعشرون : ما يستر ظهر القدم من غير أن يغطّي الساق. الرابع والعشرون : الثوب الذي يوجب التكبّر. الخامس والعشرون : لبس الشائب ما يلبسه الشبان. السادس والعشرون : الجلد المأخوذ ممّن يستحل الميتة بالدباغ. السابع والعشرون : الصلاة في النعل من جلد الحمار. الثامن والعشرون : الثوب الضيق اللاصق بالجلد. التاسع والعشرون : الصلاة مع الخضاب قبل أن يغسل. الثلاثون : استصحاب الدرهم الذي عليه صورة. الواحد والثلاثون : إدخال اليد تحت الثوب إذا لاصقت البدن. الثاني والثلاثون : الصلاة مع نجاسة ما لا تتم فيه الصلاة كالخاتم والتكّة والقلنسوة ونحوها. الثالث والثلاثون : الصلاة في ثوب لاصق وبر الأرانب أو جلده مع احتمال لصوق الوبر به.
حلّ الأزرار في الصلاة من عمل قوم لوط » (1).
(1) أو خاتم عليه صورة كما تقدّم في عبارة المتن (2)على المشهور من كراهة ذلك ، ونسب ذلك إلى الشيخ في النهاية (3)والمبسوط (4)عدم جواز الصلاة فيهما. كما نسب ذلك إلى ابن البراج أيضاً (5)ولكن في خصوص الخاتم ،
ولم يذكر الثوب مع أنّه لا بدّ من ذكره ، إذ النصوص بين ما ذكرا فيها معاً وبين ما اقتصر فيه على خصوص الثوب ، وهي كثيرة جدّاً. ومعه كيف يمكن التخصيص بالخاتم فتدبّر.
وكيف ما كان ، فالنصوص الواردة في المقام على طوائف ثلاث :
أولاها : ما تضمّن النهي عن الصلاة في ثوب فيه تمثال ، وهي كثيرة نقتصر على المعتبرة منها وهي أربعة :
الأُولى : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : « سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الصلاة في الثوب الديباج ، فقال : ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس » (1)فإنّها تدلّ بالمفهوم على ثبوت البأس مع وجود التماثيل.
الثانية : صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيّرت الصورة منه » (2). فانّ مقتضى مفهوم الشرط ثبوت البأس مع عدم التغيير.
الثالثة : صحيحة علي بن جعفر عن أبيه قال : « سألته عن الرجل يصلح أن يصلّي إلى أن قال : وسألته عن الثوب يكون فيه التماثيل أو في علمه أيصلّى فيه؟ قال : لا يصلّى فيه » (3).
الرابعة : موثّقة سماعة بن مهران قال : « سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن لباس الحرير والديباج ، فقال : أمّا في الحرب فلا بأس به ، وإن كان فيه تماثيل » (4)فانّ مفهومها ثبوت البأس في لبس الحرير ، وكذا في لبس ما فيه التماثيل في غير حالة الحرب ، فترتفع المانعية في هذه الحالة من كلتا الناحيتين.
ثانيتها : ما تضمّن النهي عنها في الثوب والخاتم كموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام في حديث : « عن الثوب يكون في علمه مثال
طير أو غيره ( ذلك ) أيصلّى فيه؟ قال : لا. وعن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك ، قال : لا تجوز الصلاة فيه » (1).
فلو كنّا نحن وهذه الأخبار لم يكن بدّ من القول بعدم جواز الصلاة في الثوب أو الخاتم المشتملين على الصورة ، لقوّتها سنداً ودلالة ، ولا سيما الأخيرة المشتملة على التعبير ب- « لا يجوز » الذي هو كالصريح في الحرمة. إلاّ أنّ هناك طائفة ثالثة عبّر فيها بلفظ الكراهة ، وهي روايتان :
إحداهما : صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : « أنّه كره أن يصلّي وعليه ثوب فيه تماثيل » (2).
والأُخرى : صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام : « أنّه سأله عن الصلاة في الثوب المعلَّم ، فكره ما فيه من التماثيل » (3).
فقد يقال بظهورها في الكراهة المصطلحة ، وأنّها تكون قرينة على حمل النصوص المتقدّمة عليها. لكن الظاهر أنّ الكراهة في لسان الأخبار تستعمل على ما هي عليه من المعنى اللغوي ، أعني ما يقابل المحبوبية ، فيراد بها تارة خصوص المبغوضية المساوقة للحرمة ، وأُخرى مطلق المرجوحية الأعم منها ومن الكراهة المصطلحة.
وما عن المحقّق الهمداني من استظهار الثاني بقرينة فهم الفقهاء واستظهارهم ذلك من هذه النصوص (4).
يدفعه أوّلاً : أنّه لا حجّية لفهمهم وآرائهم لغير مقلّديهم لينجبر به قصور الدلالة ، فإنّ الجبر لو تمّ فإنّما هو جبر ضعف السند بالعمل ، لا ضعف الدلالة بالفهم.
وثانياً : أنّه لم يعلم استناد فتواهم بالكراهة إلى هاتين الصحيحتين ليتم الجبر ، ولعلّهم استندوا إلى أمر آخر.
إذن فالقول بالحرمة لا يخلو عن قوّة ، إذ ليس لدينا ما يمنع عن الأخذ بظواهر هذه الأخبار عدا ما قد يقال من الاستناد إلى ما رواه في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليهالسلام قال : « وسألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير يصلّى فيه؟ قال : لا بأس » (1)فإنّ موردها وإن كان هو الخاتم إلا أنّه يتعدّى إلى الثوب بعدم القول بالفصل.
ويندفع مضافاً إلى ضعف سندها بعبد اللّه بن الحسن ، أنّها بنفسها قد نطقت بالفصل ، حيث تضمّنت جملة من الأسئلة ، وفي بعض ما تقدّم سئل عن الثوب الذي فيه التماثيل ، فأجاب بأنّه لا يصلّى فيه. وقد أشار إليه في الوسائل في نفس الباب الحديث 17 (2). والعمدة ما عرفت من ضعف السند ، فلا يعوّل عليها في شيء من الحكمين.
والمتحصّل : أنّ الأوفق بالصناعة ما اختاره الشيخ في المبسوط والنهاية من الحكم بالعدم في الثوب والخاتم ، إذ ليس لدينا ما يتوهّم معارضته لتلك النصوص القويّة سنداً ودلالة ما عدا الشهرة الفتوائية بالكراهة ، غير الناهضة لمقاومتها كما لا يخفى. ولم تكن المسألة ممّا يكثر الابتلاء بها ليصحّ التمسك بما تمسكنا به في كثير من المقامات مما أسميناه بالدليل الخامس فلاحظ.
بقي شيء وهو التعرّض لتفسير التمثال الوارد في هذه الأخبار ، والظاهر أنّه اسم للصورة الحيوانية خاصة ، كما حكي عن بعض أهل اللغة. وعليه فالمنهي عنه تمثال مخلوق ذي روح.
بل يكفينا مجرّد الشك ، وإن احتملنا الوضع للأعم بحيث يشمل النبات والجماد كالشجر والجبل ، للزوم الاقتصار فيما يشك في سعة المفهوم وضيقه على
وهي أيضاً أُمور : أحدها : العمامة مع التحنّك. الثاني : الرداء خصوصاً للإمام ، بل يكره له تركه. الثالث : تعدّد الثياب ، بل يكره في الثوب الواحد للمرأة كما مر. الرابع : لبس السراويل. الخامس : أن يكون اللباس من القطن أو الكتّان. السادس : أن يكون أبيض. السابع : لبس الخاتم من العقيق. الثامن : لبس النعل العربية. التاسع : ستر القدمين للمرأة. العاشر : ستر الرأس في الأمة والصبيّة ، وأما غيرهما من الإناث فيجب كما مرّ. الحادي عشر : لبس أنظف ثيابه. الثاني عشر : استعمال الطيب ، ففي الخبر ما مضمونه : الصلاة مع الطيب تعادل سبعين صلاة. الثالث عشر : ستر ما بين السرّة والركبة. الرابع عشر : لبس المرأة قلادتها.
المقدار المتيقّن ، والرجوع فيما عداه إلى أصالة البراءة.
بل لو تنازلنا وبنينا على الوضع للأعم لم يكن بدّ من قصر الحكم حرمة أو كراهة على خصوص ذي الروح ، وذلك لروايتين.
إحداهما : صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام في حديث : « أنّه أراه خاتم أبي الحسن عليهالسلام وفيه وردة وهلال في أعلاه » (1)فانّ
1) الوسائل 4 : 443 / أبواب لباس المصلي ب 46 ح 1.
من الواضح أنّ الإمام عليهالسلام لا يرتكب المكروه فضلاً عن الحرام.
الثانية : صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة : « لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيّرت الصورة منه » (1).
فانّ المراد من تغيير الصورة ليس هو إزالتها بتمامها ، كيف ولا موضوع للتمثال بعد الزوال ، فلا معنى لقوله عليهالسلام : « لا بأس أن تكون التماثيل .. » إلخ فإنّه سالبة بانتفاء الموضوع ، بل المراد تغيير صورته الحيوانية بأن يمحو وجهها أو رأسها ، بحيث لا يصدق عليه أنّه صورة إنسان أو حيوان ، بل مقدار منه مع المحافظة على صدق التمثال عليه.
وقد تلخّص من جميع ما تقدّم أنّ المستفاد من الأدلّة عدم جواز الصلاة في ثوب أو خاتم فيه تمثال حيواني كامل ، وأمّا غير الحيواني أو مع التغيير فلا ضير فيه.
والحمد لله ربّ العالمين أوّلاً وآخراً ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
هذا ما أردنا إيراده في هذا الجزء ، ويتلوه الجزء الثاني مبتدءاً ب- « فصل في مكان المصلّي » إن شاء اللّه تعالى.
1) الوسائل 4 : 440 / أبواب لباس المصلي ب 45 ح 13.
فهرس الموضوعات
الصلاة
فصل فيما يستقبل له... 7
شرطية الاستقبال في الصلوات اليومية... 7
شرطية الاستقبال في صلاة الاحتياط... 8
اعتباره في قضاء الأجزاء المنسية وسجود السهو... 9
اعتباره في الصلوات الواجبة الأخرى... 10
اعتباره في النوافل حال الاستقرار... 10
أدلة المحقق الهمداني على عدم الاشتراط... 19
هل يشترط الاستقبال في النافلة سفرا حال الركوب؟... 23
هل يشترط الاستقبال في النافلة سفرا حال المشي... 25
اعتباره في النافلة حضرا حالتي الركوب والمشي... 27
شرطية الاستقرار والاستقبال في الصلاة الواجبة بنذر ونحوه... 29
محاولة الوحيد البهبهاني توثيق محمد بن أحمد العلوي... 31
كيفية الاستقبال في الصلاة... 34
شرطية استقبال الذابح والذبيحة... 36
فصل : في أحكام الخلل في القبلة... 38
الصلاة مع الإخلال بالاستقبال عن علم وعمد... 38
الصلاة مع الإخلال بالاستقبال عن جهل بالحكم... 40
الإخلال بالاستقبال إلى ما بين اليمين واليسار لنسيان أو خطأ في الاجتهاد... 41
الصلاة مع الإخلال بالاستقبال لغفلة... 42
بطلان الصلاة مع الجهل بالقبلة إذا كان مترددا... 43
تبين الإخلال إلى ما بين اليمين واليسار خارج الوقت... 44
انكشاف اشتباه القبلة أثناء الصلاة... 51
حكم الصلاة إذا تبين الانحراف إلى اليمين أو اليسار أو الاستدبار... 54
الذبح أو النحر غير القبلة... 57
وجوب نبش القبر لو ترك استقبال الميت... 61
فصل : في الستر والساتر... 62
وجوب ستر المرأة بدنها عن غير المحارم... 62
حرمة النظر بشهوة إلى النساء حتى المحارم... 64
النظر إلى بدن الأجنبية مما عدا الوجه والكفين... 66
النظر إلى وجه وكفي الأجنبية... 68
نظر المرأة إلى الأجنبي... 81
نظر الرجل إلى ما بين السرة والركبة من المحارم... 82
نظر الرجل أو المرأة إلى ما بين السرة والركبة من الرجل... 83
هل يجب ستر الشعر المستعار؟ وهل يحرم النظر إليه؟... 85
أحكام الحلي والقرامل من غير الشعر من حيث النظر والستر... 86
النظر إلى غير المحرم بواسطة المرآة ونحوها... 87
شرطية الستر في الصلاة... 89
ما يجب على المرأة ستره حال الصلاة... 96
جواز إظهار الأمة رأسها وعنقها في الصلاة... 96
جريان الحكم المتقدم في جميع أقسام الأمة... 108
مساواة الأمة المبعضة للحرة في الحكم... 110
حكم الصلاة لو أعتقت الأمة أثناء الصلاة مع علمها به... 111
حكمها لو علمت بالعتق بعد الصلاة... 114
مساواة الصبية للأمة في جواز كشف الرأس والرقبة وبقية الأحكام... 115
شرطية الستر في الصلوات غير اليومية وتوابع الصلاة... 117
شرطية ستر العورة في الطواف... 118
انكشاف العورة أثناء الصلاة... 120
نسيان ستر العورة ابتداء أو بعد العلم بانكشافها... 121
اشتراط الستر من جميع الجوانب إلا التحت... 122
هل يجب على المصلي التستر عن نفسه؟... 123
ما يعتبر في الساتر الصلاتي... 125
فصل : في شرائط لباس المصلي... 130
الأول : الطهارة... 130
الثاني : الإباحة... 130
الصلاة مع الجهل بحرمة الغصب عن تقصير أو الجهل بالغصبية... 134
نسيان الغصب لا يرفع المبغوضية والفساد لو كان هو الغاصب... 135
جريان الأحكام المتقدمة في المنفعة المملوكة بل كان ما تعلق به حق الغير... 137
الصلاة في ثوب أجبر الغير على خياطته أو لم يدفع أجرته... 137
الصلاة في ثوب خيط بما يملكه الخياط مع إجباره أو عدم دفع الأجرة... 138
الصلاة في ثوب صبغ بمغصوب... 139
الصلاة في مغصوب بإذن المالك مع بقاء الغصبية... 141
الاضطرار إلى ليس المغصوب... 143
العلم أو التذكر بالغصب أثناء الصلاة... 144
الصلاة في ثوب اقترضه مع نية عدم أداء عوضه أو الأداء من الحرام... 145
شراء الثوب بما تعلق به الخمس أو الزكاة... 147
الثالث : أن لا يكون من أجزاء الميتة... 148
تعميم الحكم لما كانت ميتته طاهرة... 154
الصلاة فيما يشك كونه مأخوذا من المذكى... 156
هل تصح الصلاة فيم أخذ من مسلم يستحل الميتة بالدبغ؟... 159
استثناء الصوف ونحوه مما لا تحله الحياة إذا أخذ من الميتة... 160
حكم الجلد ونحوه المأخوذ من كافر أو مجهول الحال أو المطروح في بلد الكفار... 162
حكم الجلد ونحوه المطروح في أرض المسلمين إذا لم يكن عليه أثر الاستعمال... 163
حكم الجلد ونحوه المأخوذ من المسلم مع العلم بسبق يد الكافر... 164
استصحاب جزء من الميتة في الصلاة... 166
الصلاة في الميتة جهلا أو نسيانا... 167
جواز الصلاة فيما يشك كونه جزءا من الحيوان... 168
الرابع : أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه... 168
تعميم المنع للملبوس والمحمول... 170
شمول الحكم لغير ذي النفس السائلة مما يحرم أكله... 175
استثناء دام البق والقمل ونحوه من فضلات أمثالهما مما لا لحم له... 176
استثناء الصدف واللؤلؤ من المنع... 177
استثناء فضلات الإنسان من عرقه وشعره ونحوهما... 178
الصلاة في الخز الخالص... 180
الصلاة في الخز المغشوش بوبر الأرانب والثعالب... 189
الصلاة في جلد السنجاب... 191
الصلاة في جلد السمور... 196
الصلاة في أجزاء القماقم... 198
الصلاة في فراء الفنك... 199
الصلاة في أجزاء الحواصل... 200
الصلاة في اللباس المشكوك كونه مما يؤكل... 202
الأقوال في المسألة... 203
جهات البحث... 205
الأولى : ما المراد من الجواز المبحوث عنه في المسألة؟... 205
الثانية : هل المقصود من الجواز الواقعي أو الظاهري؟... 205
الثالثة : إحراز الصحة عند الشروع بالصلاة بأمارة أو أصل... 209
الرابعة : عمومية البحث لكل مشتبه من الموانع كالحرير ونحوه... 210
الشرطية أو المانعية... 211
ما يستفاد منه شرطية ما يؤكل ومناقشته... 218
السادسة : مقتضى الأصل عند الشك في أن المجعول هو المانعية أو الشرطية... 224
السابعة : تحديد مدلول الروايات الدالة على المانعية سعة وضيقا... 226
الثامنة : البحث عن متعلق المانعية وأنه الصلاة أو اللباس أو المصلي... 232
ما تقتضيه الأدلة في مسألة اللباس المشكوك... 235
المقام الأول : الأدلة الاجتهادية المستدل بها على الجواز... 235
الأول : انصراف النصوص المانعة عن الصلاة فيما لا يؤكل إلى صورة العلم... 235
الثاني : التمسك بما دل على جواز الصلاة بكل ساتر... 236
الثالث : عدم فعلية الني الدال على المنع في حالة الشك... 236
الرابع : النصوص الدالة على جواز الصلاة في الخز الخالص... 238
المقام الثاني : الأصول العملية... 239
الأصول الموضوعية التي قيل بجريانها في محل البحث... 240
الأول : أصالة الحل... 240
الثاني : أصالة الطهارة... 244
الثالث : استصحاب الإباحة الثابتة قبل البلوغ... 244
الرابع : استصحاب عدم جعل الحرمة لما أخذ منه اللباس... 245
الخامس : استصحاب عدم اتصاف المشكوك بكونه مما لا يؤكل بنحو العدم الأزلي 249
جهات قبل البحث عن استصحاب العدم الأزلي... 250
استصحاب أحد جزأي الموضوع أو المتعلق لو كان مركبا... 250
البحث عن المفهوم المأخوذ موضوعا أو متعلقا للحكم... 259
التخصيص بالمنفصل لا يصادم ظهور العموم في عمومه... 260
نحو أخذ عدم العرض لو كان الموضوع مركبا منه وغيره... 263
تفصيل آخر في الموضوع المركب من العرض ومحله... 266
جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية... 269
السادس : استصحاب عدم كون المصلي لابسا لغير المأكول... 270
السابع : استصحاب عدم وقوع الصلاة فيما لا يؤكل بنحو الاستصحاب التعليقي 273
الأصول الحكمية التي قبل بجريانها في محل البحث... 277
الأول : أصالة الحل في نفس الصلاة... 278
الثاني : أصالة البراءة... 279
تعيين الأصل الجاري عند الشك في صدق عنوان المأمور به على الوجود الخارجي وأقسام المسألة 282
الأول : ما إذا لم يكن للمتعلق متعلق وكان التكليف إيجابيا... 283
الثاني : ما إذا لم يكن للمتعلق متعلق وكان التكليف تحريميا... 284
الثالث : ما إذا كان الموضوع جزئيا... 287
الرابع : ما إذا كان الموضوع كليا ملحوظا بنحو صرف الوجود... 287
الخامس : ما إذا كان الموضوع كليا بنحو السريان والاستغراق... 288
السادس : ما إذا كان الموضوع كليا ملحوظا بنحو العموم المجموعي... 292
المختار في نحو أخذ الموضوع في مورد البحث... 293
الصلاة في غير المأكول جهلا أو نسيانا... 297
التسوية في الحكم بين ما يحرم أكله بالأصالة وبالعارض... 302
الخامس : أن لا يكون من الذهب للرجال... 304
حرمة لبس الذهب على الرجال... 304
مانعية لبس الذهب وبطلان الصلاة به للرجال... 307
لا فرق في الحكم بين كون الذهب خالصا أو ممزوجا... 309
حكم الثوب المطرز بالذهب أو المنسوخ من الذهب وغيره... 310
تزين الرجل بالذهب بلبس وغيره... 312
لبس الرجل الثوب الملحم أو المموه أو المطلي بالذهب... 315
حكم ما لا تتم به الصلاة من الذهب... 316
جواز حمل الذهب في الصلاة وعدم بطلانها... 317
شد الأسنان بالذهب... 319
حمل السلاح المحلى بالذهب وحكم الصلاة فيه... 319
لبس النساء للذهب والصلاة فيه... 320
لبس الصبي المميز للذهب وحكم الصلاة فيه... 321
الصلاة فيما يشك كونه ذهبا... 323
الصلاة في الذهب جهلا أو نسيانا... 323
حكم قاب الساعة وزنجيرها المتخذ من الذهب... 324
لا فرق في حرمة لبس الذهب بين كونه ظاهرا أو مستورا... 326
السادس : أن لا يكون حريرا محضا للرجال... 326
مانعية لبس الحرير في الصلاة وبطلانها به... 326
تعميم الحكم للساتر وغيره... 330
حكم ما لا تتم الصلاة فيه إذا اتخذ من الحرير... 331
الكلام في وثاقة أحمد بن هلال العبرتائي... 332
حرمة لبس الحرير على الرجال ولو في غير الصلاة إلا حال الحرب... 339
حكم ما لا تتم فيه الصلاة المتخذ من الحرير تكليفا... 340
جواز لبس الحرير حال الضرورة تكليفا... 341
الصلاة في الحرير حالتي الضرورة والحرب... 342
لبس النساء للحرير والصلاة فيه... 345
هل يجوز للخنثى لبس الحرير والصلاة فيه؟... 356
لبس الحرير الممتزج بغيره والصلاة فيه... 358
كف الثوب بالحرير المحض... 360
حمل الحرير في الصلاة... 365
افتراش الحرير والتدثر به ونحوهما... 366
حكم البطانة المتخذة من الحرير... 367
حكم الثوب إذا كان نصفه حريرا... 367
حشو الثوب بالحرير... 368
لبس الحرير لمن به داء القمل... 373
الصلاة في الحرير جهلا أو نسيانا... 374
اشتراط كون الخليط مما تصح فيه الصلاة... 374
الصلاة فيما يشك كونه حريرا محضا... 375
انحصار الثوب بالحرير ونحوه مما لا تصح الصلاة فيه... 376
دوران الأمر بين الستر واجتناب الحرام الوضعي... 380
دوران الأمر بين الستر واجتناب الحرام النفسي والوضعي مع ثبوت كل من الحرمتين بدليل مستقل 383
الاضطرار إلى لبس النجس أو غيره مما لا تصح الصلاة فيه... 383
الاضطرار إلى ارتكاب أحد مانعين كالميتة وما لا يؤكل لحمه... 384
الاضطرار إلى ارتكاب مانع أو حرام غير مانع أو ما كانت مانعيته تابعة للحرمة 385
الاضطرار إلى ارتكاب أحد محرمين حرمة نفسية ووضعية... 386
لبس وإلباس الصبي الحرير وحكم صلاته فيه... 387
وجوب تحصيل الساتر الصلاتي ولو بإجارة ونحوها... 388
حكم لباس الشهرة... 388
لبس الرجال ما يختص بالنساء وعكسه... 391
حكم ما لو فقد المصلي الثوب الساتر... 394
كيفية صلاة العاري... 395
وظيفته من حيث القيام والجلوس... 396
وظيفته من حيث الركوع والسجود أو الايماء... 401
هل يجب الانحناء الناقص لو استلزم الانحناء التام بدو عودته؟... 407
هل للإيماء مراتب؟... 408
هل يشترط كون الانحناء والإيماء للسجود أخفض منهما للركوع؟... 409
وجدان المكلف ما يكفي ستر إحدى عورتيه... 410
مشروعية صلاة العراة جماعة... 412
كيفية صلاتهم من حيث القيام والجلوس... 413
كيفية صلاتهم من حيث الركوع والسجود أو الإيماء... 414
تأخير الصلاة إن احتمل وجدان الساتر آخر الوقت... 415
العلم إجمالا بحرمة لبس أحد الثوبين مما لا تجوز الصلاة فيه وضعا... 418
العلم إجمالا بنجاسة أحد الثوبين... 419
تستر المصلي استلقاء أو اضطجاعا بالنجس والحرير ونحوهما... 419
هل تصح الصلاة في ثوب طويل جدا من النجس أو الحرير أو نحوهما؟... 421
الصلاة فيما يستر ظهر القدم دون الساق... 422
فصل : فيما يكره من اللباس حال الصلاة... 426
حكم اللثام للرجل إذا لم يمنع من القراءة... 426
لبس الحديد البارز حال الصلاة... 428
حكم الصلاة في قباء مشدود بالحزام... 431
حكم الصلاة حال كونه محلول الأزرار... 432
الصلاة في ثوب أو خاتم فيه صورة... 433
فصل : فيما يستحب من اللباس... 437
فهرس الموضوعات... 439
الصورة